عَقائد الإمامية
بقلم
العلامة الكبير الشيخ
محمد رضا المظفر
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى
قريبة إنشاء الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم
تصدير
١- عقيدتنا في النظر والمعرفة
٢- عقيدتنا في التقليد بالفروع
٣- عقيدتنا في االاجتهاد
٤- عقيدتنا في المجتهد
حمداً لله وشكراً، وصلاة وسلاماً على محمد خير البشر وآله الهداة.
أمليت هذه (المعتقدات)، وما كان القصد منها إلاّ تسجيل خلاصة ما توصَّلت إليه من فهم المعتقدات الاسلامية على طريقة آل البيتعليهمالسلام .
وقد سجلت هذه الخلاصات مجرّدة عن الدليل والبرهان، ومجردة عن النصوص الواردة عن الاَئمة فيها على الاَكثر؛ لينتفع بها المبتدئ والمتعلّم والعالم، وأسميتها «عقائد الشيعة»(١) وغرضي من الشيعة الامامية الاثني عشرية خاصة.
وكان إملاؤها سنة ١٣٦٣ ه- بدافع إلقائها محاضرات دورية في كلية منتدى النشر الدينية(٢) ؛ للاستفادة منها تمهيداً للاَبحاث الكلامية العالية.
____________________
(١) وهو الاسم الذي اتّخذه المؤلّفقدسسره عنوانا لكتابه في طبعته الاولى.
(٢) وهي مؤسسة الشيخ المظفرقدسسره التي سمّيت فيما بعد ب- «كلية الفقه» في النجف الاَشرف، ولم تزل قائمة بعد إلحاقها بالجامعة المستنصرية عام ١٩٧٠م وبجامعة الكوفة عام ١٩٨٧ مع عدّة محاولات لتغيير منهجها التعليمي وسيرها الدراسي ، ثم الغيت الآن.
وفي حينه قد توفقت لإلقاء الكثير منها، وما كنت يومئذ قد أعددتها مؤلَّفاً يُنشر ويُقرأ، فأُهملت في أوراق مبعثرة شأن كثير من المحاضرات والدروس التي أمليتها في تلك الظروف، لا سيّما فيما يتعلّق بالعقائد وعلم الكلام.
غير أنّه في هذا العام - وبعد مضي ثمان سنوات عليها - رغَّب إليَّ الفاضل النبيل محمد كاظم الكتبي(١) - رعاه الله تعالى - في تجديد النظر فيها، وجمعها مؤلَّفة في رسالة مختصرة موصولة الحلقات؛ لغرض نشرها وتعميم الفائدة منها ، ولتدرأ كثيراً من الطعون التي أُلصقت بالاِمامية، ولا سيّما أنّ بعض كتّاب العصر في مصر وغيرها لا زالوا مستمرين يحملون بأقلامهم الحملات القاسية على الشيعة ومعتقداتها، جهلاً أو تجاهلاً بطريقة آل البيت في مسالكهم الدينية، وبهذا قد جمعوا إلى ظلم الحق وإشاعة الجهل بين قرّاء كتبهم والدعوة إلى تفريق كلمة المسلمين، وإثارة الضغائن في نفوسهم والاَحقاد في قلوبهم، بل تأليب بعضهم على بعض... ولا يجهل خبير مقدار الحاجة - اليوم خاصّة - إلى التقريب بين جماعات المسلمين المختلفة ودفن أحقادهم، إِن لم نستطع أن نوحِّد صفوفهم وجمعهم تحت راية واحدة.
أقول ذلك وإِني لشاعر - مع الاَسف - أنّا لا نستطيع أن نصنع شيئاً بهذه المحاولات مع من جرَّبنا من هؤلاء الكتّاب، كالدكتور أحمد أمين وأضرابه من دعاة التفرقة، فما زادهم توضيح معتقدات الامامية إلاّ عناداً، وتنبيههم على خطئهم إلاّ لجاجاً.
وما يهمُّنا من هؤلاء وغير هؤلاء أن يستمرّوا على عنادهم مصرِّين، لولا
____________________
(١) وهو صاحب المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف الاَشرف، وقد قام بنشر الكتاب لاَول مرّة على نفقته.
خشية أن ينخدع بهم المغفَّلون، فتنطلي عليهم تلك التخرُّصات، وتورِّطهم تلك التهجّماتُ في إثارة الاَحقاد والحزازات.
ومهما كان الاَمر، فإني في تقديمي هذه الرسالة للنشر أملي أن يكون فيها ما ينفع الطالب للحق، فأكون قد ساهمت في خدمة اسلامية نافعة، بل خدمة انسانية عامة، فوضعتها في مقدمة وفصول، ومنه تعالى وحده أستمد التوفيق.
محمَّد رضا المظفر
النجف الاَشرف - العراق
٢٧ جمادى الآخرة ١٣٧٠ ه-
١ - عقيدتنا في النظر والمعرفة
نعتقد: أن الله تعالى لمّا منحنا قوة التفكير، ووهب لنا العقل، أمرنا أن نتفكَّر في خلقه، وننظر بالتأمل في آثار صنعه، ونتدبر في حكمته واتقان تدبيره في آياته في الآفاق وفي أنفسنا، قال تعالى:( سَنُرِيهمْ ءايتنَا في الآفاقِ وَفي أنفُسِهِم حتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنّهُ الحَقُّ ) (١) .
وقد ذم المقلَّدين لآبائهم بقوله تعالى:( قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألفَينا عَليهِ آباءَنا أَوَ لَو كانَ آباؤُهُم لا يَعْقِلونَ شَيئاً ) (٢) .
كما ذم من يتبع ظنونه ورجمه بالغيب فقال:( إنْ يَتَّبِعُونَ إلاّ الظنَّ ) (٣) .
وفي الحقيقة انّ الذي نعتقده: إنّ عقولنا هي التي فرضت علينا النظر في الخلق ومعرفة خالق الكون(٤) كما فرضت علينا النظر في دعوى من يدّعي
____________________
(١) فصلت ٤١: ٥٣.
(٢) البقرة ٢: ١٧٠.
(٣) الانعام ٦: ١١٦.
(٤) قد أفاض علماء الاسلام في مسألة النظر التي ترتكز عليها نظرية المعرفة، حيث أجمع أئمة المسلمين على وجوب معرفة الله تعالى؛ لاَنّها كمال الدين وأول الواجبات، ويكفينا هنا ما أفاده العلاّمة الحليقدسسره في شرح الباب الحادي عشر بقوله: (أجمع العلماء كافة على وجوب معرفة الله تعالى، وصفاته الثبوتية والسلبية، وما يصح عليه وما يمتنع عنه، والنبوّة، والامامة، والمعاد بالدليل لا بالتقليد)، وممّا دلّ على أهمية هذا الموضوع كثرة المصنّفات في هذا العلم الشريف عند كافة المسلمين، وبالامكان حصر الاَدلّة على وجوب النظر والمعرفة في وجوه: -
الوجه الاَول:الدليل العقلي : ومؤدّاه دفع الخوف الحاصل الذي يستوجبه العقل لتحقيق
=
النبوة وفي معجزته، ولا يصح عندها تقليد الغير في ذلك مهما كان ذلك الغير منزلة وخطراً.
وما جاء في القرآن الكريم من الحث على التفكير واتّباع العلم والمعرفة فانما جاء مقرِّراً لهذه الحرية الفطرية في العقول التي تطابقت عليها آراء العقلاء، وجاء منبِّهاً للنفوس على ما جُبلت عليها من الاستعداد للمعرفة والتفكير، ومفتِّحاً للاَذهان، وموجِّهاً لها على ما تقتضيه طبيعة العقول(١) .
____________________
=
الطمأنينة «وعملية البحث والاستدلال - حيث تكون ممكنة - إن هي إلاّ إنارة استكشافية للواقع الذي نريد السعي بالعمل على تجنّب مخاطره ونيل منافعه، وذلك لاَن الاستدلال على المعتقد دافع للخوف، ودفع الخوف واجب عقلي».
الوجه الثاني: الدليل الأخلاقي: وهو دليل أن شكر المنعم واجب، ولا يتم إلا بالمعرفة، والوجوب هنا من حيث استحقاق الذم عند العقلاء بتركه، ولان الشكر لا بد أن يتناسب مع حال المشكور، والعقلاء من مختلف المذاهب والاتجاهات يقرون القانون الأخلاقي، فالبحث والمعرفة واجبان للقيام بهذا الواجب الأخلاقي.
الوجه الثالث: الدليل النقلي: وهو إنما يأتي بعد الأدلة المتقدمة؛ لنستقرئ منه الدليل الشرعي الذي يفرضه الدين، كما تحكيه مصادر التشريع الاسلامي في الآيات القرآنية الكريمة، والسنة المطهرة وهو كثيرة.
وبالاضافة إلى ما تقدم من اتجاه علماء المسلمين فان معظم الفلاسفة من غير المسلمين، وسواء بذلك أكانت أسس البناء المعرفي عندهم مبنية على البديهيات العقلية أم المعارف التجريبية، فنقطة الالتقاء عندهم: (تحصيل المعرفة بالدليل الصحيح).
انظر: البهادلي الشيخ أحمد: محاضرات في العقيدة الاسلامية: ٤٧ - ٥٢.
(١) ومن ذلك قوله تعالى:( قُل سِيُروا في الاَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ بَدأ الخَلْقَ ) العنكبوت ٢٩: ٢٠.
وقوله تعالى:( قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمواتِ والاَرْضِ ) يونس ١٠: ١٠١.
وقوله تعالى:( أفَلاَ يَنْظُروُنَ إلى الاِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وإلى الَّسماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وإلى الاَرضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فذَكِّر إنَّمَا أنْتَ مُذكِّرٌ ) ... الغاشية ٨٨: ١٧ إلى ٢١.
=
فلا يصح - والحال هذه - أن يهمل الانسان نفسه في الاُمور الاعتقادية، أو يتّكل على تقليد المربين، أو أي أشخاص آخرين، بل يجب عليه - بحسب الفطرة العقلية المؤيدة بالنصوص القرآنية - أن يفحص ويتأمَّل، وينظر ويتدبَّر في اُصول اعتقاداته(١) المسماة بأصول الدين التي أهمّها: التوحيد، والنبوة، والاِمامة، والمعاد.
ومن قلد آباءه أو نحوهم في اعتقاد هذه الاَُصول فقد ارتكب شططاً، وزاغ عن الصراط المستقيم، ولا يكون معذوراً أبداً.
وبالاختصار عندنا هنا ادّعاءان:
الاَول: وجوب النظر والمعرفة في اُصول العقائد، ولا يجوز تقليد الغير فيها.
الثاني: إنّ هذا وجوب عقلي قبل أن يكون وجوباً شرعياً، أي لا يستقى علمه من النصوص الدينية، وإن كان يصح أن يكون مؤيّداً بها بعد دلالة العقل.
وليس معنى الوجوب العقلي إلاّ إدراك العقل لضرورة المعرفة، ولزوم التفكير والاجتهاد في اُصول الاعتقادات.
____________________
=
وقوله تعالى:( أو لم يتفكروا في أنفسهم ) الروم ٣٠: ٨.
قوله تعالى:( فاعلم أنه لا ءاله إلا الله ) محمد ٤٧: ١٩.
وقوله تعالى:( أم اتخذوا من دونه ءالهة قل هاتوا برهنكم ) الانبياء ٢١: ٢٤.
(١) ليس كلّ ما ذكر في هذه الرسالة هو من أُصول الاعتقادات؛ فإنّ كثيراً من الاعتقادات المذكورة، كالقضاء والقدر، والرجعة، وغيرهما لا يجب فيها الاعتقاد ولا النظر، ويجوز الرجوع فيها إلى الغير المعلوم صحة قوله، كالاَنبياء والاَئمّة، وكثير من الاعتقادات من هذا القبيل كان اعتقادنا فيها مستنداً إلى ما هو المأثور عن أئمتناعليهمالسلام : من صحيح الاَثر القطعي. (منهقدسسره ).
٢ - عقيدتنا في التقليد بالفروع
أمّا فروع الدين - وهي أحكام الشريعة المتعلِّقة بالاَعمال - فلا يجب فيها النظر والاجتهاد، بل يجب فيها - إذا لم تكن من الضروريّات في الدين الثابتة بالقطع، كوجوب الصلاة والصوم والزكاة - احد أمور ثلاثة:
إمّا أن يجتهد وينظر في أدلة الاَحكام، إذا كان أهلاً لذلك(١) .
وإمّا أن يحتاط في أعماله إذا كان يسعه الاحتياط(٢) .
وإمّا أن يقلِّد المجتهد الجامع للشرائط(٣) ، بأن يكون من يقلِّده:
____________________
(١) الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد، وهو بذل الوسع للقيام بعمل ما، وهو في اصطلاح فقهائنا: (استنباط الحكم الشرعي من مداركه المقرّرة)، وقد ورد أنّ الاَنسب في التعبير عنه: (ملكة تحصيل الحجج على الاَحكام الشرعية، أو الوظائف العملية شرعية أو عقلية)، والمجتهد مطلق ومتجزئ ، فالمجتهد المطلق هو: (الذي يتمكّن من الاستنباط في جميع أنواع الفروع الفقهية)، والمجتهد المتجزئ هو: (القادر على استنباط الحكم الشرعي في بعضها دون بعض).
لمراجعة ما يتعلّق بتحديد هذا المصطلح بمفهومه العام أو الخاص، ومعرفة أوجه الاختلاف والترجيح يراجع: الحجّة محمد تقي الحكيم: الاُصول العامّة للفقه المقارن من ٥٦١ إلى ٥٦٥، المسائل المنتخبة المطابقة لفتاوى آية الله العظمى السيد السيستاني ص ٩ و ١٠.
(٢) الاحتياط: وهو العمل الذي يتيقّن معه ببراءة الذمة من الواقع المجهول، وهذا هو الاحتياط المطلق، ويقابله الاحتياط النسبي كالاحتياط بين فتاوى مجتهدين يُعلم إجمالاً بأعلميّة أحدهم. المصدر السابق ص ١٠ و١٤.
(٣) التقليد: تطابق العمل مع فتوى المجتهد الذي يكون قوله حجّة في حقه فعلاً مع إحراز مطابقته لها. والمقلِّد قسمان:
١- من ليست له أية معرفة بمدارك الاحكام الشرعية.
٢- من له حظ من العلم بها ومع ذلك لا يقدر على استنباط. المصدر السابق ص٩.
عاقلاً، عادلاً «صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه»(١) .
فمن لم يكن مجتهداً ولا محتاطاً ثم لم يقلِّد المجتهد الجامع للشرائط فجميع عباداته باطلة لا تُقبل منه، وإن صلّى وصام وتعبَّد طول عمره، إلاّ إذا وافق عمله رأي من يقلِّده بعد ذلك، وقد أتّفق له أنّ عمله جاء بقصد القربة إلى الله تعالى(٢) .
____________________
(١) تفسير العسكري: ٣٠٠، الاحتجاج: ٢/٥١١ ح٣٣٧.
(٢) أورد العلماء الاَعلام في مقدمة رسائلهم العملية، المتضمنة لفتاواهم في باب التقليد ما يغني تفصيل هذه المسألة (حيث يجب على كل مكلف لم يبلغ رتبة الاجتهاد أن يكون في جميع عباداته، ومعاملاته، وسائر أفعاله وتروكه، مقلداً أو محتاطاً، إلاّ أن يحصل له العلم بأنّه لا يلزم من فعله، أو تركه مخالفة لحكم الزامي ولو مثل حرمة التشريع، أو يكون الحكم من ضروريات الدين أو المذهب، كما في بعض الواجبات والمحرمات وكثير من المستحبات والمباحات، ويحصل له العلم الوجداني أو الاطمئنان الحاصل من المناشيء العقلائية، كالشياع، وإخبار الخبير المطلّع عليها بكونه منها).
انظر: منهاج الصالحين الجزء الأول من فتاوى آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله ص٩.
٣ - عقيدتنا في الاجتهاد
نعتقد: أنّ الاجتهاد في الاَحكام الفرعية واجب بالوجوب الكفائي على جميع المسلمين في عصور غيبة الامام(١) ، بمعنى أنّه يجب على كلّ
____________________
(١) إنّ الاِمام محمدً المهدي ابن الامام الحسن العسكريعليهماالسلام - وهو خاتمة الاَئمة الاثني عشر - كانت له غيبتان:
الاَول-ى: تسم-ى بال-غيبة الصغرى: ابتدأت في السنة التي توفّي فيها والده الامام العسكريعليهالسلام عام ٢٦٠ ه-، وانتهت عام ٣٢٩ ه- وكان له فيها سفراء أربعة هم:
أولاً: عثمان بن سعيد العمري الاسدي، وقد كان وكيلاً للامام الهادي، ثم للاِمام العسكري، ثم للامام محمد المهديعليهمالسلام .
ث-انياً: م-حمد ب-ن عث-مان بن سعيد العمري الاسدي، حيث قام بأمر السفارة بعد وفاة أبيه مدّة تقارب الاَربعين عاماً حتى وفاته عام ٣٠٥ ه-.
ثالثاً: الحسين بن روح، حيث قام بأعباء السفارة المقدّسة منذ وفاة محمد بن عثمان العمري حتى وفاته عام ٣٢٦ ه-.
رابعاً: علي بن محمد السمري، وهو آخر السفراء الاَربعة، وقد قام بسفارته لمدّة ثلاث سنوات انتهت بوفاته في ١٥ شعبان ٣٢٩ ه-.
والمعروف أنّ هؤلاء السفراء الاَربعة دفنوا بأجمعهم - بعد وفاتهم - في مدينة بغداد، ومشاهدهم معلومة مشهورة إلى يومنا الحاضر.
والثانية: الغيبة الكبرى: ابتدأت بتاريخ ١٥ شعبان ٣٢٩ ه- بوفاة السفير الرابع، الذي قال عندما سئل عمن يخلفه بهذا الاَمر: (لله أمر هو بالغه) وفيه بيان لما أعلمه به الامام المنتظر عجل الله تعالى فرجه ببداية الغيبة الكبرى المستمرة إلى يومنا هذا، حيث اصبحت نيابة الاِمام في عصر غيبته موكولة إلى المجتهد الجامع للشرائط المبسوطة في كتب الفقه.
وفي ضوء ما سبق من تعريف الاجتهاد نجد أنّ عملية الاستنباط التي تعني (تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديداً استدلالياً) وتأتي ضرورة الاجتهاد لبداهة أنّ الانسان - بحكم تبعيته للشريعة المقدّسة، ووجوب امتثال أحكامها - ملزم بتحديد موقفه العملي منها، ولمّا لم تكن أحكام الشريعة - غالباً - من البداهة والوضوح بدرجة تغني عن إقامة
=
مسلم في كلّ عصر. ولكن إذا نهض به من به الغنى والكفاية سقط عن باقي المسلمين، ويكتفون بمن تصدّى لتحصيله وحصل على رتبة الاجتهاد وهو جامع للشرائط، فيقلِّدونه، ويرجعون إليه في فروع دينهم.
ففي كلّ عصر يجب أن ينظر المسلمون إلى أنفسهم، فإنْ وجدوا من بينهم من تبرَّع بنفسه، وحصل على رتبة الاجتهاد - التي لا ينالها إلاّ ذو حظ عظيم - وكان جامعاً للشرائط التي تؤهّله للتقليد، اكتفوا به وقلّدوه، ورجعوا إليه في معرفة أحكام دينهم.
وإن لم يجدوا من له هذه المنزلة وجب عليهم أن يحصِّل كل واحد رتبة الاجتهاد، أو يهيؤا من بينهم من يتفرَّغ لنيل هذه المرتبة، حيث يتعذَّر عليهم جميعاً السعي لهذا الاَمر أو يتعسَّر.
ولا يجوز لهم أن يقلِّدوا من مات من المجتهدين(١) .
____________________
=
الدليل، فليس من المعقول أن يحرم الناس جميعاً تحديد الموقف العملي تحديداً استدلالياً، ويحجر عليهم النظر في الاَدلّة التي تحدّد موقفهم تجاه الشريعة، فعملية الاستنباط إذن ليست جائزة فحسب، بل من الضروري أن تمارس، وهذه الضرورة تنبع من دافع تبعية الانسان للشريعة، والنزاع في ذلك على مستوى النزاع في البديهيات، وقد مرّت - كلمة الاجتهاد بمصطلحات عديدة في تاريخها بحيث ألقت ظلال تلك المصطلحات عليها، وأصبحت مثاراً للاختلاف نتيجة الغموض والتشويش، ولم تستقر في مدلولها اليوم حتى تجاوزت مراحل من التطورات في مفهوم اصطلاحها.
انظر: المعالم الجديدة للاصول: السيد الشهيد الصدرقدسسره : ٢٣ وما بعدها. وللمزيد من الاطلاع على ما يخص الغيبة راجع تاريخ الغيبة الصغرى للسيد محمد الصدر: ٣٩٥ الفصل الثالث (السفراء الأربعة حياتهم ونشاطهم).
(١) تقليد المجتهد الميت قسمان:
١ - ابتدائي.
٢ - بقائي.
والابتدائي: هو أن يقلد المكلف مجتهداً ميتاً من دون أن يسبق منه تقليده حال حياته.
=
والاجتهاد هو: النظر في الاَدلّة الشرعية لتحصيل معرفة الاَحكام الفرعية التي جاء بها سيِّد المرسَلينصلىاللهعليهوآله ، وهي لا تتبدَّل، ولا تتغيَّر بتغيّر الزمان والاَحوال «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة»(١) .
والاَدلّة الشرعية هي: الكتاب الكريم، والسنَّة، والاجماع، والعقل، على التفصيل المذكور في كتب اُصول الفقه.
وتحصيل رتبة الاجتهاد تحتاج إلى كثير من المعارف والعلوم التي لا تتهيّأ إلاّ لمن جد واجتهد، وفرَّغ نفسه، وبذل وسعه لتحصيلها(٢) .
____________________
=
وهذا لا يجوز، ولو كان الميت أعلم من المجتهدين الأحياء.
والبقائي: هو أن يقلد مجتهداً معيناً شطراً من حياته ويبقى على تقليد ذلك المجتهد بعد موته. وهذا يجوز إذا كان المجتهد الميت أعلم من الأحياء أو إذا لم يعلم - ولو إجمالاً - بمخالفة فتوى المجتهد الميت لفتوى الحي في المسائل التي هو في معرض الابتلاء بها.
ولزيادة الاطلاع، راجع: العروة الوثقى: ١/ ١٧ - ١٨، المسائل المنتخبة للسيد السيستاني: ١٣ مسألة (١٢، ١٣، ١٤).
(١) الكافي: ١/٥٨ ح١٩، المحاسن: ١/٤٢٠ ح٩٦٣.
(٢) فيما يحتاج إليه المجتهد من العلوم، تسعة؛ ثلاثة من العلوم الاَدبية: وهي: الاَول: علم اللغة، والثاني: علم الصرف، والثالث: علم النحو.
وثلاثة من المعقولات: وهي: الاول: علم الاصول، والثاني: علم الكلام، والثالث: علم المنطق.
وثلاثة من المنقولات: وهي: الاول: علم الاصول، والثاني: علم الكلام، والثالث: علم المنطق.
وثلاثة من المنقولات: وهي: الاَول: العلم بتفسير آيات الاَحكام في القرآن الكريم، والثاني: العلم بالاَحاديث المتعلّقة بالاَحكام، والثالث: العلم بأحوال الرواة في الجرح والتعديل للمزيد من التفاصيل راجع: الوافية في اُصول الفقه للفاضل التوني: ٢٥٠ - ٢٩٠.
القرآن والعقيدة للسيد مسلم حمود الحلي: ٢٤٨ - ٢٥٢.
٤ - عقيدتنا في المجتهد
وعقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط: إنّه نائب للامامعليهالسلام في حال غيبته(١) ، وهو الحاكم والرئيس المطلق، وله ما للإمام في الفضل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الامام، والراد على الامام راد على الله تعالى، وهو على حدّ الشرك بالله، كما جاء في الحديث عن صادق آل البيتعليهمالسلام (٢) .
فليس المجتهد الجامع للشرائط مرجعاً في الفتيا فقط، بل له الولاية العامة(٣) ، فيُرجع إليه في الحكم والفصل والقضاء، وذلك من مختصّاته؛
____________________
(١) راجع الهامش (٦) من الصفحة ٢٤١ (عقيدتنا في الاجتهاد).
(٢) الاحتجاج: ٢/٢٦٠ ح٢٣٢، الكافي: ١/٥٤ ح١٠.
(٣) (ولاية الفقيه) تعبير عن السلطة الشرعية والسيادة القانونية للمجتهد الجامع للشرائط، الذي يعتبر امتداداً لرسالة الامامة، ولم تكن من مستحدثات العصور الحديثة، بل إنّ تأصيل هذه النظرية يمتد بجذوره إلى عصر صدر الاسلام وعصور الاَئمّة المعصومينعليهمالسلام ، وهي في امتدادها للامامة تماثلها من حيث الوظائف العامة وتفترق عنها بما يتّصل بالنص الخاص على كل فقيهٍ فقيه، وبالعصمة الموقوفة على النبيصلىاللهعليهوآله والاَئمّة الاثني عشر من بعدهعليهمالسلام ، حيث أنّ العصمة والنص من المختصات للمعصومينعليهمالسلام .
ولا بد من معرفة الحكمة من هذه الولاية العامة في عصر الغيبة، فهي تعني قيام الحجة على الناس، والقيادة الزمنية لرعاية مصالح العباد وإدارة شؤونهم في ضوء ما تقتضيه أحكام الشريعة الاسلامية، ومن غاياتها السامية حفظ الاَحكام الشرعية؛ ذلكم أنّ مهمة التشريع في الاسلام منقطعة إليه تعالى فهي مهمة الخالق القدير، وأمّا المسائل الشرعية في مختلف جوانب الحياة - وخاصة في الحوادث الواقعة - فلا تعدو كونها مصاديق لاَحكام سبق الانتهاء من صدورها وابلاغها من قبل النبي الاَكرمصلىاللهعليهوآله في حياته.. وروي عن
=
لايجوز لاَحد أن يتولاّها دونه، إلاّ بإذنه، كما لا تجوز إقامة الحدود والتعزيرات إلاّ بأمره وحكمه(١) .
ويرجع إليه أيضاً في الاَموال التي هي من حقوق الامام ومختصّاته(٢) .
____________________
=
الاِمام المهدي عجل الله تعالى فرجه: «وأمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم».
لاحظ: الامامة حتى ولاية الفقه: ٥١.
(١) يدل عليه رواية عمر بن حنظلة؛ حيث قال: «سألت أبا عبداللهعليهالسلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذه سحتاً وإن كان حقّاً ثابتاً له؛ لاَنّه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى:( يُريدُونَ أنْ يَتَحَاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أن يكْفُروا به ) قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً؛ فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانّما استخف بحكم الله، وعلينا ردّ والرّاد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله».
راجع الوسائل: ٢٧/١٣٦ ح٣٣٤١٦، الكافي: ١/٥٤ ح١٠، الاحتجاج: ٢/٢٦٠ ح٢٣٢، تهذيب الاحكام: ٦/٢١٨ ح٥١٤ و٣٠١ ح ٨٤٥، والآية: النساء ٤: ٦٠.
(٢) ويقصد بالاَموال: الزكاة والخمس:
الزكاة: وهي من ضروريات الدين. وقد ورد في جملة من الاَخبار أنّ مانع الزكاة كافر، وأنّ من لا زكاة له لا صلاة له. ووجوبها في تسعة أشياء هي:
١ - الاَنعام الثلاثة: أ - الابل. ب - البقر. ج- - الغنم.
٢- النقدين: أ - الذهب. ب - الفضة.
٣- الغلات االاربع: أ - الحنطة. ب - الشعير. ج- - التمر د - الزبيب.
وهي تؤخذ في كل عام من هذه التسعة بنسب، وبشروط مذكورة في محالّها، ولا تجب في غير هذه التسعة، إلاّ أنّها تستحب في مال التجارة والخيل وما تنبت الاَرض من الحبوب وغيرها. وتُصرف هذه الاَموال على ثمانية أصناف هي: ١ - الفقير ٢ - المسكين ٣- العاملين عليها ٤- المؤلفة قلوبهم ٥- الرقاب ٦- الغارمين ٧- سبيل الله - وهو جميع سبل الخير، وقيل خصوص ما فيه مصلحة عامة - ٨ - ابن السبيل - وهو المسافر الذي نفدت
=
وهذه المنزلة أو الرئاسة العامّة أعطاها الاِمامعليهالسلام للمجتهد الجامع للشرائط؛ ليكون نائباً عنه في حال الغيبة، ولذلك يسمّى «نائب الاِمام».
____________________
=
نفقة، أو تلفت راحلته بحيث لا يقدر على الذهاب إلى وطنه - وإن كان غنياً، ولا شيء من أحكام الزكاة عند الامامية إلا وهو موافق لمذهب من المذاهب الأربعة المعروفة. ولزيادة الاطلاع، راجع: العروة الوثقى: ٢/ ٨٧ - ١٣٤، المسائل المنتخبة للسيد السيستاني: ٢١٣ - ٢٣٣، اصل الشيعة واصولها - الطبعة المحققة لمؤسسة الامام عليعليهالسلام - : ٢٤٣.
الخمس: وهو عند الامامية حق فرضه الله تعالى لآل محمدصلىاللهعليهوآله عوض الصدقة التي حرمها عليهم من الزكاة. والأصل فيه قوله تعالى:( واعلموا أن ما غنمتم من شيءٍ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ) الأنفال ٨: ٤١. وهو يجب في سبعة اشياء:
١- الغنائم المأخوذة من الكفار من أهل الحرب بمقاتلتهم بإذن الإمام.
٢- المعادن، من الذهب والفضة والرصاص وما شابهها.
٣- الكنز.
٤- الغوص أي إخراج الجواهر من البحر.
٥- المال الحلال المخلوط باحرام على وجه لا يتميز مع الجهل بصاحبه وبمقداره.
٦- الأرض التي اشتراها الذمي من المسلم.
٧- ما يفضل عن مؤونة السنة ومؤونة العيال من ارباح التجارات والمكاسب.
ويقسم على ستة أقسام: ١- لله ٢- للنبي ٣- للامام. وهذه الاسهم الثلاثة مختصة بالامام المهدي المنتظر عجل الله فرجه. ٤- الأيتام .٥- المساكين. ٦- أبناء السبيل.
وللمزيد من التوضيح راجع العروة الوثقى: ٢/ ١٧٠ - ١٩٩، المسائل المنتخبة للسيد السيستاني ٢٣٩ - ٢٥١، أصل الشيعة واصولها: ٢٤٥ وكافة كتب الفقه والرسائل العملية.
الفصل الاَول
الاِلهيات
عقيدتنا في الله تعالى
عقيدتنا في التوحيد
عقيدتنا في صفاته تعالى
عقيدتنا بالعدل
عقيدتنا في التكليف
عقيدتنا في القضاء والقدر
عقيدتنا في البداء
عقيدتنا في أحكام الدين
٥ - عقيدتنا في الله تعالى
نعتقد: أنّ الله تعالى واحد احد ليس كمثله شيء، قديم لم يزل ولا يزال، هو الاَوّل والآخر، عليم، حكيم، عادل، حي، قادر، غني، سميع، بصير. ولا يوصف بما تُوصف به المخلوقات؛ فليس هو بجسم ولا صورة، وليس جوهراً ولا عرضاً، وليس له ثقل أو خفة، ولا حركة أو سكون، ولا مكان ولا زمان، ولا يشار إليه(١) ؟. كما لا ندَّ له، ولا شبه، ولا ضدّ، ولا صاحبة له ولا ولد، ولا شريك، ولم يكن له كفواً أحد، لا تدركه الاَبصار وهو يدرك الاَبصار.
ومن قال بالتشبيه في خلقه، بأن صوَّر له وجهاً ويداً وعيناً، أو أنّه ينزل إلى السماء الدنيا، أو أنّه يظهر إلى أهل الجنة كالقمر، أو نحو ذلك(٢) ، فانّه
____________________
(١) روي عن الامام عليعليهالسلام قوله في جواب ذعلب: «لم أكن بالذي اعبد رباً لم أره» ثم أردف قائلاً في وصف الله تعالى: «ويلك لم تره العيون بمشاهدة الاَبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان. ويلك يا ذعلب، إنّ ربي لا يوصف بالبعد ولا بالحركة ولا بالسكون ولا بالقيام قيام انتصاب ولا بجيئة ولا بذهاب، لطيف اللّطافة لا يوصف باللّطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقة، مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بمجسّة، قائل لا باللّفظ، هو في الاَشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كل شيء فلا يقال شيء فوقه، وأمام كل شيء فلا يقال له أمام، داخل في الاَشياء لا كشيء في شيء داخل، وخارج منها لا كشيء من شيء خارج».
التوحيد للصدوق: ٣٠٤ - باب حديث ذعلب - ، أمالي الصدوق: ٢٨٠ المجلس الخامس والخمسون، بحار الاَنوار: ٤/٢٧.
(٢) كقول الكرامية (إنّه تعالى في جهة فوق)!!
=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
____________________
=
راجع: الفرق بين الفرق: ١٣١، الملل والنحل: ١/ ٩٩، وكذلك الأشاعرة في الإبانة في اصول الديانة: ٣٦ - ٥٥، وكذلك الوهابية رسالة العقيدة الحموية لإبن تيمية: ١/ ٤٢٩، الهدية السنية : ٩٧، والرسالة الخامسة منها لعبد اللطيف حفيد محمد بن عبدالوهاب.
وكذلك القول بأنه تعالى يتحد مع أبدان العارفين! كما حكم الصوفية قال العارف البلجرامي في كتابه «سبحة المرجان»:
انما الخلق المظهر الباري |
هو في كل جزئه ساري |
وقال الآخر منهم:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا |
نحن روحان حللنا بدنا |
ويراجع ديوان الشيخ ابن الفارض، كما في قصيدته التائية الكبرى المسماة بنظم السلوك ومطلعها:
سقتني حميا الحب راحة مقلتي |
وكأسي محيا من عن الحسن جلت |
وقصيدته اليائية، مطلعها:
سائق الأضعان يطوي البيد طي |
منعما عرج على كثبان طي |
ورسائل الشيخ عطار وغيرها كثير.
ذكر العلامة الحلي معقبا على هذه الخرافات بقوله: (فانظرو إلى هؤلاء المشايخ الذين يتبركون بمشاهدهم كيف اعتقادهم في ربهم، وتجويزهم تارة الحلول واخرى الاتحاد، وعبادتهم الرقص والتصفيق والغناء) إلى أن قال: (ولقد شاهدت جماعة من الصوفية في حضرة مولانا الحسينعليهالسلام وقد صلوا المغرب سوى شخص واحد منهم كان جالسا لم يصل، ثم صلوا بعد ساعة العشاء سوى ذلك الشخص، فسألت بعضهم عن ترك صلاة ذلك الشخص، فقال: وما حاجة هذا إلى الصلاة وقد وصل؟ أيجوز ان يجعل بينه وبين الله حاجباً؟ فقلت: لا فقال: الصلاة حاجب بين العبد والرب) نهج الحق: ٥٨.
يراجع: مناقب العارفين للافالكي، وأسرار التوحيد: ١٨٦، والأنوار في كشف الاسرار للشيخ روزبهان البقلي، والمجلد الثاني من احياء العلوم للغزالي.
بمنزلة الكافر به، جاهل بحقيقة الخالق المنزَّه عن النقص، بل كل ما ميّزناه بأوهامنا في أدق معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلنا مردود إلينا - على حد تعبير الامام الباقرعليهالسلام (١) - وما أجلّه من تعبير حكيم! وما أبعده من مرمى علمي دقيق!
وكذلك يلحق بالكافر من قال: إنّه يتراءى لخلقه يوم القيامة(٢) ، وإن
____________________
(١) انظر بحار الاَنوار: ٦٩/٢٩٣ ح٢٣، المحجة البيضاء: ١/٢١٩.
(٢) حيث حكم الاَشاعرة بأنّ الله تعالى يتراءى لخلقه. راجع: الابانة في أصول الديانة لاَبي الحسن الاَشعري: ٥ و٦، الملل والنحل: ١/٨٥ إلى ٩٤، وحاشية الكستلي المطبوع في هامش شرح العقائد للتفتازاني: ٧٠، اللوامع الالهية: ٨٢ و٩٨.
ويضيف البغدادي: (وأجمع أهل السنة على أنّ الله تعالى يكون مرئياً للمؤمنين في الآخرة، وقالوا بجواز رؤيته في كل حال ولكل حي من طريق العقل، ووجوب رؤيته للمؤمنين خاصة في الآخرة من طريق الخبر). الفرق بين الفرق: ٣٣٥ - ٣٣٦.
وباستثناء المجسّمة الذين زعموا أنّ أهل المحشر كافة سيرونه - تعالى عن ذلك - يوم القيامة نصب أعينهم باتصال اشعّتها بجسمه، ينظرون إليه لا يمارون كما لا يمارون في الشمس والقمر ليس دونهما سحاب.. فإنّ محل النزاع منحصر في أنّ رؤية الباري تعالى هل هي ممكنة مع تنزيهه؟ أم هي مع التنزيه ممتنعة مستحيلة؟ فالاَشاعرة ذهبوا إلى الاَول وذهبنا نحن - تبعاً لائمتناعليهمالسلام - إلى الثاني.
راجع - للتفصيل: كتاب كلمة حول الرؤية للاِمام السيد عبد الحسين شرف الدين؛ فقد أوفى الغرض بمناقشة هذه المسألة واستعراضها باسلوب رصين.
هذا كله بالاضافة إلى ما ورد من الاَحاديث - المزعومة - التي ذكرت بأن الله خلق آدم على صورته، وأنّ له جوارح مشخصة، كالاَصابع والساق والقدم، وأنّ في ساقه علامة يعرف بها، وأنّه يضع قدمه في جهنّم يوم القيامة لتكف عن النهم فتقول: قط! قط!، وأنّ الرسولصلىاللهعليهوآله يراه - سبحانه - فيقع ساجداً، وأنّ الله يهبط يوم القيامة إلى العباد ليقضي بينهم، وأنّ المسلمين يرون ربّهم يوم القيامة كما يرون القمر لا يضامون في رؤيته. وغيرها الكثير؛ لاحظ: صحيح البخاري: ٨/٦٢، ٩/١٥٦، وصحيح مسلم: ٤/٢١٨٣ وغيرها، سنن ابن ماجه: ١/٦٤، مسند أحمد: ٢/٢٦٤ وغيرها، الموطأ: ١/٢١٤ ح٣٠، أصل الشيعة وأصولها - مقدمة المحقّق - هامش ص ٢٤.
نفى عنه التشبيه بالجسم لقلقة في اللسان؛ فان أمثال هؤلاء المدّعين جمدوا على ظواهر الاَلفاظ في القرآن الكريم أو الحديث، وأنكروا عقولهم وتركوها وراء ظهورهم. فلم يستطيعوا أن يتصرَّفوا بالظواهر حسبما يقتضيه النظر والدليل وقواعد الاستعارة والمجاز.
٦ - عقيدتنا في التوحيد
ونعتقد: بأنّه يجب توحيد الله تعالى من جميع الجهات، فكما يجب توحيده في الذات ونعتقد بأنّه واحد في ذاته ووجوب وجوده، كذلك يجب - ثانياً - توحيده في الصفات، وذلك بالاعتقاد بأنّ صفاته عين ذاته - كما سيأتي بيان ذلك - وبالاعتقاد بأنه لا شبه له في صفاته الذاتية؛ فهو في العلم والقدرة لا نظير له، وفي الخلق والرزق لا شريك له، وفي كلّ كمال لا ندَّ له.
وكذلك يجب - ثالثاً - توحيده في العبادة؛ فلا تجوز عبادة غيره بوجه من الوجوه، وكذا إشراكه في العبادة في أيّ نوع من أنواع العبادة؛ واجبة أو غير واجبة، في الصلاة وغيرها من العبادات.
ومن أشرك في العبادة غيره فهو مشرك، كمن يرائي في عبادته ويتقرَّب إلى غير الله تعالى، وحكمه حكم من يعبد الاَصنام والاَوثان، لا فرق بينهما(١) .
____________________
(١) يذكر الشيخ المظفرقدسسره في محاضراته الفلسفية قوله: (في بحثنا الالهي نخطو خطوات ونجتاز مراحل:
١ - المرحلة الاولى: في إثبات أصل واجب الوجود.
٢ - المرحلة الثانية: بعد ثبوت أصل واجب الوجود لا بدّ أن يكون هو صرف الوجود.
٣ - المرحلة الثالثة: بعد ثبوت المرحلتين ننتقل إلى وحدانيته؛ لاَنّه إذا ثبت أنّه صرف الوجود فلا بد أن يكون واحداً؛ لاَنّ صرف الشيء لا بدّ أن يكون واحداً، وإلاّ لم يكن صرف الشيء، وإذا كان عارياً من كل حد فلا يعقل أن يتعدّد؛ لاَنّ الاَشياء إنّما تتمايز بالحدود.
فالتوحيد لا ينحصر في الاعتقاد بوحدة واجب الوجود وأنه صرف الوجود، بل هو تعالى واحد في خلقه وفيضه، فكل الاَشياء من فيضه وتجليات لنوره).
ثم يذكر الشيخقدسسره برهانا للقدماء على التوحيد، وملخصه: ( العالم واحد فلا
=
أمّا زيارة القبور وإقامة المآتم، فليست هي من نوع التقرُّب إلى غير الله تعالى في العبادة - كما توهّمه بعض من يريد الطعن في طريقة الامامية، غفلة عن حقيقة الحال فيها(١) - بل هي من نوع التقرُّب إلى الله تعالى
____________________
=
بد أن يكون الخالق واحدا؛ فهناك تلازم بين وحدة الخالق ووحدة المخلوق - وهو العالم - بحيث لو فرض وجود عالمين لفرض وجود إلهين اثنين، وهو مقولة: الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد.
ثم يشير عند شرحه لخطبة التوحيد المشهورة للامام عليعليهالسلام عند قولهعليهالسلام : «وكمال توحيده الاخلاص له»: والفكرة العامية للاخلاص هو الاخلاص بالعبادة، ولكن هذا المعنى لا يترتب على ما قبله، ولا ينسجم مع ما بعده؛ فالاخلاص يعني تنزيه من كل النقائص، ومن كل شيء يقدح في كونه واجب الوجود، فهو أعم من الاخلاص في العمل والعبادة، فالتوحيد لا يكون توحيداً حقيقياً إلا إذا وحدته من جميع الجهات في ذاته وصفاته وأفعاله وعبادته أيضاً، فالاخلاص له يعني التوحيد من جميع الجهات، وتنزيهه عن الشريك من جميع النواحي إلى آخره).
يراجع: الفلسفة الاسلامية؛ محاضرات الشيخ المظفرقدسسره على طلاب كلية الفقه في النجف الاشرف، الدرس العاشر: ٩١، والدرس الحادي عشر: ٩٣، والدرس الرابع عشر: ١٠٣.
(١) وفي هذه العبارة التي ذكرها المصنفقدسسره إشارة إلى الشبهة التي أثارها بعض خصوم الشيعة حول زيارة القبور وأشاعوا انّها محرّمة. واعتمدوا في ذلك على الحديث النبوي الذي نقله النسائي في سننه، ولفظه «لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج»: ٤/٩٥. ونقله أيضاً بنفس اللفظ: كنز العمال: ١٦/٣٨٨ ح٤٥٠٣٩. وذكره أيضاً ابن ماجه في سننه، ولكن بلفظ مختلف هو: «لعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله زوّارت القبور»: ١/٥٠٢ باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء القبور، ح١٥٧٤ و ١٥٧٥ ، ١٥٧٦. ولا يخفى ما في متن الحديثين من تفاوت واضطراب؛ فلفظ زائرات يختلف عن زوّارت - بصيغه المبالغة - وكذلك عدم ورود الزيادة التي ذكرها النسائي اضافة إلى ذلك، ذكر هذا الحديث كل من محمد ناصر الدين الاَلباني في: سلسلة الاَحاديث الضعيفة: ١/٢٥٨ ح٢٢٥، وكذلك ابن عدي في: الكامل في الضعفاء: ٥/١٦٩٨ بدون ذكر الزيادة الموجودة في سنن النسائي.
=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
____________________
=
هذا من ناحية المتن، أما بالنسبة إلى السند، ففي سند هذا الحديث: عبدالوارث بن سعيد وأبو صالح - على رواية النسائي وراوية ابن ماجه الاولى - وعبدالله بن عثمان وعبدالرحمن بن بهمان - على رواية ابن ماجه الثانية - وهؤلاء يمكن الاطلاع على احوالهم مما يلي: -
١- عبدالوارث بن سعيد: قال عنه ابن حبان: كان قدرياً. وقال ابن أبي خيثمة: وكان يرمى بالقدر. وقال الساجي: كان قدرياً ذم لبدعته، وقال ابن معين: كان يرى القدر ويظهره. ذكر ذلك في تهذيب التهذيب: ٦/ ٣٩١ - ٣٩٢.
٢ - أبو صالح: وهو مردد بين ميزان البصري وبين باذام مولى ام هاني. والمرجح عند أهل الرجال والحديث أنه باذام. وباذام هذا قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: ١/ ٣٦٤ - ٣٦٥ أنه قال فيه أحمد: كان ابن مهدي قد ترك حديثه، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: ولم أعلم أحداً من المتقدمين رضيه. وقال زكريا بن أبي زائدة، كان الشعبي يمر بأبي صالح فيأخذ باذنه فيهزها ويقول: ويلك تفسر القرآن وأنت لا تحفظ القرآن، وقال ابن المديني عن القطان عن الثوري: قال الكلبي قال لي أبو صالح: كلما حدثتك كذب. ونقل ابن الجوزي عن الازدي أنه قال: كذاب.
هذا ما ذكره تهذيب التهذيب. أما في سلسلة الأحاديث الضعيفة فبعد أن ذكر الحديث ورجح أن أبو صالح هذا هو باذام قال: (وأبو صالح هذا مولى ام هانئ بنت أبي طالب، واسمه باذان ويقال: باذام. وهو ضعيف عند جمهور النقاد ولم يوثقه أحد إلا العجلي وحده. بل كذبه اسماعيل بن أبي خالد والأزدي، ووصمه بعضهم بالتدليس وقال الحافظ في «التقريب»: ضعيف مدلس. وهو ضعيف عند ابن الملقن وعبد الحق الأشبيلي). سلسلة الأحاديث الضعيفة: ١/ ٢٥٨.
٣- عبدالله بن عثمان: قال النسائي: ثقة، وقال مرة: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: كان يخطئ وقال عبدالله بن الدورقي عن ابن معين: أحاديثه ليست بالقوية. وقال: ابن خثيم ليس بالقوي علي بن المديني قال: ابن خثيم منكر الحديث. ذكره تهذيب التهذيب: تهذيب التهذيب: ٦/ ١٣٥.
٤- عبدالرحمن بن بهمان: وهذا قال فيه ابن المديني: لا نعرفه. كما نقله عنه في تهذيب التهذيب: ٦/ ١٣٥.
هذا هو حال سند هذا الحديث وحال متنه، ويضاف إلى ذلك أنه معارض بأخبار أخر
=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
____________________
=
كثيرة أحسن منه متناً وأقوى سنداً؛ فقد جاء من الأحاديث التي تحث على زيارة قبر النبي العديد العديد منها ما في كنز العمال: ١٥/ ٦٥١ ح ٤٢٥٨٢ - ٤٢٥٨٤، وكذا في جزئه الخامس / ١٣٥ ح ١٢٣٦٨ - ١٢٣٧٣، وكذلك ما جاء في السنن الكبرى للبيهقي: ٥/ ٢٤٥ باب زيارة قبر النبي، وأما في زياره القبور بصورة عامة فلا حظ: كنز العمال: ١٥/ ٦٤٦ الفصل الثالث في زيارة القبور وفي الاحاديث من ٤٢٥٥١ إلى ٤٢٥٥٨، والسنن الكبرى للبيهقي: ٥/ ٢٤٩ باب زيارة القبور التي في بقيع الغرقد، وباب زيارة قبور الشهداء. وكذا في سنن ابن ماجه: ١/ ٥٠٠ باب ما جاء في زيارة القبور. وغير هذه المصادر الكثير الكثير مما يقصر هذا الموضع عن عدها. ولو سلمنا صحة الحديث السابق - جدلا - ومقاومته ومعارضته لكل هذه الأحاديث الصحيحة القوية، فان هذا الأحاديث يمكن أن نعتبرها ناسخة له إذا لا حظنا قولهصلىاللهعليهوآله : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تذكركم بالاخرة» ذكره كنز العمال: ١٥/ ٦٤٦ ح ٤٢٥٥٥ وغيره كثير. هذا كله بالاضافة إلى إجماع المسلمين على جواز زيارة القبور، بل رجحانها واستحبابها، وقيام السيرة على ذلك منذ عهد النبي، فقد ذكر البيهقي في سننه الكبرى وغيره بأنه كلما كانت ليلة عائشة من رسول اللهصلىاللهعليهوآله يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وآتاكم ما توعدون» ذكره في الجزء: ٥/ ٢٤٩، وذكر النسائي في سننه، كتاب الجنائز، باب زيارة قبور المشركين، وأبو داود في سننه في زيارة القبور ح٣٢٣٤، وبن ماجه في سننه في باب ما جاء في زيارة قبور المشركين: أن النبيصلىاللهعليهوآله زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله. بالاضافة إلى الاحاديث المتكاثرة التي تذكر بأن النبيصلىاللهعليهوآله كان يعلم عائشة الدعاء عند زيارة القبور. ولو تجاوزنا هذا كله ورجعنا إلى الحديث الذي اعتمدوه ولا حظناه - بغض النظر عن كل ما قدمناه - فلن نجد فيه الدلالة التي ذكروها بل قد استفاد الكثير من المحدثين والفقهاء كراهة زيارة القبور بالنسبة للنساء فقط لا غير، وإليك نص العبارة التي ذكرها البيهقي في سننه الكبرى: ٤/ ٧٨، فقد قال: (إن فاطمة بنت النبيصلىاللهعليهوآله كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده ثم قال: وقد روينا في الحديث الثابت عن أنس بن مالك أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله مر بامرأة عند قبر وهي تبكي فقال: «اتقي الله واصبري» وليس في الخبر أنه نهاها عن الخروج إلى المقبرة، وفي ذلك تقوية لما روينا
=
بالاعمال الصالحة، كالتقرُّب إليه بعيادة المريض، وتشييع الجنائز، وزيارة الاخوان في الدين، ومواساة الفقير.
فإنّ عيادة المريض - مثلاً - في نفسها عمل صالح يتقرَّب به العبد إلى الله تعالى، وليس هو تقرُّباً إلى المريض يوجب أن يجعل عمله عبادة لغير الله تعالى أو الشرك في عبادته، وكذلك باقي أمثال هذه الاَعمال الصالحة التي منها: زيارة القبور، وإقامة المآتم، وتشييع الجنائز، وزيارة الاِخوان.
أما كون زيارة القبور وإقامة المآتم من الاَعمال الصالحة الشرعية، فذلك يثبت في علم الفقه، وليس هنا موضع إثباته(١) .
____________________
=
عن عائشة إلا أن اصح ما روي ذلك صريحا حديث أم عطية وما يوافقه من الأخبار، فلو تنزهن عن اتباع الجنائز والخروج إلى المقابر وزيارة القبور كان أبرأ لدينهن). انتهى كلامه. وحديث أم عطية هو: قالت نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا: السنن الكبرى: ٤/ ٧٧ قال: وأخرجه مسلم في الصحيح من وجهين عن هشام. سنن ابن ماجه ١/ ٥٠٢ ح ١٥٧٧.
ولزيادة الاطلاع والتوضيح راجع: كشف الارتياب في اتباع محمد بن عبد الوهاب، للسيد محسن الأمين العاملي.
(١) وعلى سبيل المثال نذكر ما ورد في السنة والسيرة للنبي وآلهصلىاللهعليهوآله حول رجحان أمثال هذه الاَعمال الصالحة؛ منها ما رواه البخاري في صحيحه في باب فضائل أصحاب النبي: ٤/٢٠٤ عنهصلىاللهعليهوآله : «على مثل جعفر فلتبك البواكي» وكذلك ندب النبي إلى البكاء على حمزة فقال: «على مثل حمزة فلتبك البواكي» راجع: طبقات ابن سعد: ٢/٤٤، ومغازي الواقدي: ١/٣١٧، ومسند أحمد: ٢/٤٠. وذكر النسائي في سننه، كتاب الجنائز باب زيارة قبور المشركين، وابو داود في سننه في زيارة القبور ح ٣٢٣٤ وابن ماجه في سننه في باب ما جاء في زيارة قبور المشركين: أنّ النبيصلىاللهعليهوآله زار قبر اُمه فبكى وأبكى من حوله.
وكذلك صح بكاء الزهراءعليهاالسلام على أبيها وبكاء زينب بنت أمير المؤمنينعليهالسلام على أخويها الحسن والحسينعليهماالسلام ، وقال الامام الصادقعليهالسلام : «قال الحسينعليهالسلام : أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا بكى» كامل الزيارات: ١٠٨.
وقالعليهالسلام : «نفس المهموم لظلمنا تسبيح، وهمه لنا عبادة، وكتمان سرنا جهاد
=
والغرض؛ إنّ إقامة هذه الاَعمال ليست من نوع الشرك في العبادة - كما يتوهمه البعض - وليس المقصود منها عبادة الاَئمّة، وإنّما المقصود منها إحياء أمرهم، وتجديد ذكرهم، وتعظيم شعائر الله فيهم( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإنَّها مِنْ تَقْوى القُلُوب ) (١) .
فكلّ هذه أعمال صالحة ثبت من الشرع إستحبابها، فإذا جاء الانسان متقرِّباً بها إلى الله تعالى، طالباً مرضاته، استحقّ الثواب منه، ونال جزاءه.
____________________
=
في سبيل الله». بحار الأنوار: ٤٤/ ٢٧٨ ح٤.
وقال الامام الرضاعليهالسلام : «من تذكر مصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب» أمالي الصدوق: المجلس السابع عشر.
(١) الحج ٢٢: ٣٢.
٧ - عقيدتنا في صفاته تعالى
ونعتقد: أنّ من صفاته تعالى الثبوتية الحقيقية الكمالية التي تسمى بصفات الجمال والكمال - كالعلم، والقدرة، والغنى، والاِرادة، والحياة - هي كلّها عين ذاته، ليست هي صفات زائدة عليها، وليس وجودها إلاّ وجود الذات؛ فقدرته من حيث الوجود حياته، وحياته قدرته، بل هو قادر من حيث هو حي، وحي من حيث هو قادر، لا إثنينيه في صفاته ووجودها، وهكذا الحال في سائر صفاته الكماليّة.
نعم، هي مختلفة في معانيها ومفاهيمها، لا في حقائقها ووجوداتها؛ لاَنّه لو كانت مختلفة في الوجود - وهي بحسب الفرض قديمة وواجبة كالذات - للزم تعدّد واجب الوجود، ولانثلمت الوحدة الحقيقية، وهذا ما ينافي عقيدة التوحيد(١) .
وأمّا الصفات الثبوتية الاضافية - كالخالقية، والرازقية، والتقدّم، والعلّية - فهي ترجع في حقيقتها إلى صفة واحدة حقيقية، وهي القيّومية
____________________
(١) يشير الشيخ المظفرقدسسره إلى هذا المعنى بقوله: -
(أمّا القول بالاعتبار الذي معناه أنّ الصفات لا واقع خارجي لها، فنحن نعتبر هذا الكلام غير صحيح؛ لاَنّ الله تعالى وصف نفسه بأنّه عليم حكيم قادر هو محض القدرة والعلم والحياة، لا أنّه ذات لها القدرة والعلم والحياة، ولكن هذه الصفات متغايرة بالمفهوم الذي يفهم منه لدى الذهن؛ لاَنّها ألفاظ غير مترادفة، فتغايرها اعتباري مفهومي فقط، فلا تغاير في الصفات وجوداً، ولا من حيث الحيثيّة، ولا تعددها اعتباري كما ذكروا، بل هناك تعدد مفهومي يحكي عن حقيقة هو كلّ الحقائق. قال أمير المؤمنينعليهالسلام : «فمن وصفه فقد عدّه..» أليس هو قد وصفه بصفات كثيرة؟! ولكنه يعني أنّ من وصفه بصفات زائدة على الذات، بحيث يوجب تعدد الذات وتعدّد القدماء، ويخرج عن كونه واجب الوجود).
الفلسفة الاسلامية محاضرات الشيخ المظفرقدسسره : ١٠٢.
لمخلوقاته، وهي صفة واحدة تنتزع منها عدّة صفات باعتبار اختلاف الآثار والملاحظات.
وأمّا الصفات السلبية التي تسمّى بصفات الجلال، فهي ترجع جميعها إلى سلب واحد هو سلب الامكان عنه؛ فإنّ سلب الاِمكان لازمه - بل معناه - سلب الجسمية والصورة والحركة والسكون، والثقل والخفّة، وما إلى ذلك، بل سلب كل نقص.
ثمّ إنّ مرجع سلب الاِمكان - في الحقيقة - إلى وجوب الوجود، ووجوب الوجود من الصفات الثبوتية الكمالية، فترجع الصفات الجلالية (السلبية) آخر الاَمر إلى الصفات الكمالية (الثبوتية) ، والله تعالى واحد من جميع الجهات، لا تكثّر في ذاته المقدّسة، ولا تركيب في حقيقة الواحد الصمد.
ولا ينقضي العجب من قول من يذهب إلى رجوع الصفات الثبوتية إلى الصفات السلبية؛ لمّا عزّ عليه أن يفهم كيف أنّ صفاته عين ذاته، فتخيّل أنّ الصفات الثبوتية ترجع إلى السلب؛ ليطمئنّ إلى القول بوحدة الذات وعدم تكثّرها، فوقع بما هو أسوأ؛ إذ جعل الذات التي هي عين الوجود، ومحض الوجود، والفاقدة لكلّ نقص وجهة إمكان، جعلها عين العدم ومحض السلب(١) ، أعاذنا الله من شطحات الاَوهام، وزلاّت الاَقلام.
____________________
(١) في كلام المصنّفقدسسره إشارة إلى ما ذهب إليه الشيخ الصدوققدسسره في قوله: (كلّما وصفنا الله تعالى من صفات ذاته فإنّما نريد بكل صفة منها نفي ضدّها عنه عز وجل. ونقول: لم يزل الله عز وجل سميعاً بصيراً عليماً حكيماً قادراً عزيزاً حياً قيوماً واحداً قديماً. وهذه صفات ذاته.
ولا نقول: إنّه عز وجل لم يزل خلاّقاً فاعلاً شائياً مريداً راضياً ساخطاً رازقاً وهاباً متكلماً؛ لاَنّ هذه صفات أفعاله، وهي محدثة لا يجوز أن يقال: لم يزل الله موصوفاً بها) الاعتقادات: ٨.
=
كما لا ينقضي العجب من قول من يذهب إلى أنّ صفاته الثبوتية زائدة على ذاته؛ فقال بتعدّد القدماء، ووجود الشركاء لواجب الوجود، أو قال بتركيبه - تعالى عن ذلك -(١) .
____________________
=
الاعتقادات: ٨.
ولا يخفى أن هذا يعني أنه يمكن انطباق عدة سلوب على موضوع واحد؛ فمعنى الحياة هو عدم الموت، ومعنى العلم عدم الجهل، ومعنى القدرة عدم العجز.. وهكذا، وهذه اسلوب يمكن انطباقها على ذات واحدة، فيتبين أن الله - تعالى عن ذلك - هو مجموعة اسلوب، ويعقب الشيخ المظفر على ذلك بقوله: (نحن نحترم الشيخ الصدوق - كمحدث وناقل - فاذا تحدث عن مثل هذه الامور فلا نقبل آراءه. فنحن نريد أن نقول: أنه لا تعدد حقيقي، ولا من حيث الحيثية، ولا تعدد اعتباري؛ لأن التعدد من ناحية الاعتبار ومن ناحية الحيثية لا قيمة له، فالفكرة التي نؤمن بها يعرب عنها الفارابي بقوله : (هو عالم من حيث قادر ، وقادر من حيث هو حي ، وحي من حيث هو عالم ..) إن هذه الصفات ليس فيها تعدد حقيقي ولا تعدد حيثية ؛ لان جهة العلم ليست غير جهة الحياة ، فالتعدد الذي نتصوره هو بالمفهوم الذي يحكي عن حقيقة ، وتعددها عين وحدتها نحن نقول : انه عالم من حيث هو قادر ، وهو حيثيات واقعية ولكن لا بمعنى ان لها وجودات مستقلة ، بل بمعنى ان نفس الوجود هو بنفسه العلم وهو بنفسه القدرة لا ان القدرة موجودة بذلك الوجود لتكون حيثية مقابلة لتلك الحيثية ، فهذه الصفات وان كانت حقيقة وواقعية ففي عين تعددها هي واحدة ، وتعدد هذه المفاهيم يكشف عن معنى حقيقي ولكن ليس هناك تعدد حتى بالمعنى ، وهذا العمق في هذا القول هو الذي غاب عن أفكار أصحاب الاقوال السابقة ) لاحظ : الفلسفة الاسلامية للمظفر : ١٠١ - ١٠٢. راجع : تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد ٤١، وكذلك : مطارح النظر في شرح الباب الحادي عشر للشيخ صفي الدين الطريحي : الفصل الثالث : ١٣١- ١٦٢.
(١) نجد أنّ الشيخ المؤلف قد اوضح هذه المسألة من حيث أنّ الاَقوال فيها كما يلي: -
١ - الصفات زائدة على الذات، ولكنها لازمة لها أي واجبة الوجود أيضاً، هذا قول الاَشاعرة.
٢ - قول الكرامية بأنّ الصفات زائدة على الذات ولكنها غير لازمة لها؛ لاَنّها لو كانت
=
قال مولانا أمير المؤمنين وسيِّد الموحّدينعليهالسلام : «وكمالُ الاِخلاصِ لهُ نفيُ الصِفاتِ عنهُ؛ لشهادةِ كلِّ صفةٍ أَنَّها غيرُ المَوصوفِ، وشهادةِ كلِّ موصوفٍ أنَّه غيرُ الصفةِ، فمَنْ وَصَفَ الله سبحانه فَقدْ قرنَهُ، ومَنْ قرنَهُ فَقدْ ثنّاهُ، ومَنْ ثنّاهُ فَقدْ جزّأَهُ، ومن جزّأَهُ فَقدْ جَهِلَهُ...»(١) .
____________________
=
لازمة لكانت واجبة الوجود وحينئذٍ يلزم تعدد واجب الوجود.
٣- وقول بأن وجود الصفات نفس وجود الذات أي متحدة بالوجود مع تعدد الحيثية، كتعدد حيثيات صفات الانسان ، فالنفس في وحدتها كل القوى أي وجودا.
٤- وقول بأن هذا التعدد اعتباري ، أي ليس هناك تعدد في الوجود ولا في الحيثيات ، وإنما يعتبرها الذهن ، ومنشأ الاعتبار هو نفس الذات.
فهذه الأقوال جميعا لا نرتضيها ؛ لأنها كلها غير صحيحة ، وإنما نشأ الخلط في دقة النظر في فهم عينية الصفات للذات.
الأشاعرة لم يفهموا معنى عينية الصفات للذات وظنوا أن معنى ذلك أنه تعالى لا صفات له ، والكرامية قالوا : إن الصفات لو كانت ملازمة للزم تعدد واجب الوجود ، والقائلون بتعدد الحيثيات قالوا بأن هذا لا يثلم عقيدة التوحيد ، والقائلون بالاعتبار قالوا : إن القول بتعدد الحيثيات غير معقول.
الفلسفة الاسلامية للشيخ المظفر : ١٠٠.
(١) نهج البلاغة: الخطبة ١ (من كلام لهعليهالسلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء والاَرض)، الاحتجاج: ٢/٤٧٣ ح١١٣.
٨ - عقيدتنا في العدل
ونعتقد: أنّ من صفاته تعالى الثبوتية الكمالية أنّه عادل غير ظالم، فلا يجور في قضائه، ولا يحيف في حكمه؛ يثيب المطيعين، وله أن يجازي العاصين، ولا يكلِّف عباده ما لا يطيقون، ولا يعاقبهم زيادة على ما يستحقّون(١) .
ونعتقد: أنّه سبحانه لا يترك الحسن عند عدم المزاحمة، ولا يفعل القبيح؛ لاَنّه تعالى قادر على فعل الحسن وترك القبيح، مع فرض علمه بحسن الحسن، وقبح القبيح، وغناه عن ترك الحسن وعن فعل القبيح، فلا الحسن يتضرّر بفعله حتى يحتاج إلى تركه، ولا القبيح يفتقر إليه حتى يفعله. وهو مع كل ذلك حكيم؛ لا بدّ أن يكون فعله مطابقاً للحكمة، وعلى حسب النظام الاَكمل(٢) .
____________________
(١) العدل هو الجزاء على العمل بقدر المستحق عليه، والظلم هو منع الحقوق، والله تعالى عدل كريم جواد متفضل رحيم قد ضمن الجزاء على الاعمال والعوض على المبتدئ من الآلام، ووعد التفضل بعد ذلك بزيادة من عنده، فقال تعالى( لِلّذينَ أحسَنُوا الحُسْنَى وزيادة ) يونس ١٠: ٢٦. فخبّر أنّ للمحسنين الثواب المستحق وزيادة من عنده، وقال:( مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِهَا ) يعني له عشر أمثال ما يستحق عليها،( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فِلا يُجزَى إلاّ مِثْلَها وَهُم لا يُظلَمون ) الانعام ٦: ١٦٠. يريد أنّه لا يجازيه بأكثر مما يستحقه، ثم ضمن بعد ذلك العفو ووعد بالغفران. فقال سبحانه( وإنّ ربّك لَذو مَغفِرةٍ للنَّاسِ على ظلمهم ) الرعد ١٣: ٦. وقال سبحانه:( إنّ الله لا يَغْفِر أن يُشركَ بِهِ ويَغفر مَا دُونَ ذَلِكَ لَمَنْ يَشاءُ ) النساء ٤: ٤٨... وقد أمر الله تعالى بالعدل ونهى عن الجور فقال تعالى:( إنَّ الله يأمُر بِالعَدلَ والاِحْسن ) النحل ١٦: ٩٠.
تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد: ١٠٣.
(٢) وتعتبر الشيعة الامامية العدل من أصول الدين وليس هو في الحقيقة اصلاً مستقلاً، بل هو
=
فلو كان يفعل الظلم والقبح - تعالى عن ذلك - فانّ الأمر في ذلك لا يخلو عن أربع صور:
١ - أن يكون جاهلاً بالأمر، فلا يدري أنّه قبيح.
٢ - أن يكون عالماً به، ولكنّه مجبور على فعله، وعاجز عن تركه.
٣ - أن يكون عالماً به، وغير مجبور عليه، ولكنه محتاج إلى فعله.
٤ - أن يكون عالماً به، وغير مجبور عليه، ولا يحتاج إليه، فينحصر في أن يكون فعله له تشهّياً وعبثاً ولهواً.
وكل هذه الصور محال على الله تعالى، وتستلزم النقص فيه وهو محض الكمال، فيجب أن نحكم أنه منزَّه عن الظلم وفعل ما هو قبيح.
____________________
=
مندرج في نعوت الحق ووجوب وجوده المستلزم لجامعيّته لصفات الجمال والكمال فهو شأن من شؤون التوحيد، ولكن الاَشاعرة لما خالفوا العدلية - وهم المعتزلة والامامية - فانكروا الحسن والقبح العقليين وقالوا: ليس الحسن إلاّ ما حسّنه الشرع وليس القبح إلاّ ما قبحه الشرع، وأنه تعالى لو خلد المطيع في جهنم والعاصي في الجنة لم يكن قبيحاً؛ لاَنّه يتصرف في ملكه( لا يُسئَلُ عَمَّا يَفْعَل وَهُم يُسْئَلُونَ ) الانبياء ٢١: ٢٣. أمّا العدلية فقالوا: انّ الحاكم في تلك النظريات هو العقل مستقلاً، ولا سبيل لحكم الشرع فيها إلاّ تأكيداً وارشاداً، والعقل يستقل بحسن بعض الاَفعال وقبح البعض الآخر ويحكم بأنّ القبيح محال على الله تعالى؛ لاَنّه حكيم وفعل القبيح مناف للحكمة وتعذيب المطيع ظلم والظلم قبيح وهو لا يقع منه تعالى.
وبهذا أثبتوا لله صفة العدل وأفردوها بالذكر دون سائر الصفات إشارة الى خلاف الاشاعرة.
والعدلية بقاعدة الحسن والقبح العقليين اثبتوا جملة من القواعد الكلامية : كقاعدة اللطف ، ووجوب شكر المنعم ، ووجوب النظر في المعجزة ، وعليها بنوا أيضا مسألة الجبر والاختبار التي هي من معضلات المسائل.
للتفصيل راجع : أصل الشيعة واصولها للشيخ كاشف الغطاء : ٢٣٠.
مطارح النظر للشيخ الطريحي : الفصل الرابع ١٦٤.
غير أن بعض المسلمين جوَّز عليه تعالى فعل القبيح(١) - تقدَّست أسماؤه - فجوَّز أن يعاقب المطيعين، ويدخل الجنّة العاصين، بل الكافرين، وجوَّز أن يكلِّف العباد فوق طاقتهم وما لا يقدرون عليه، ومع ذلك يعاقبهم على تركه، وجوَّز أن يصدر منه الظلم والجور والكذب والخداع، وأن يفعل الفعل بلا حكمة وغرض ولا مصلحة وفائدة، بحجّة أنّه( لا يُسئَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسئَلونَ ) (٢) .
فربُّ أمثال هؤلاء الذين صوَّروه على عقيدتهم الفاسدة: ظالم، جائر، سفيه، لاعب، كاذب، مخادع، يفعل القبيح ويترك الحسن الجميل، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، وهذا هو الكفر بعينه، وقد قال الله تعالى في محكم كتابه:( وَمَا اللهُ يُريدُ ظُلْماً للعِبَادِ ) (٣) .
وقال:( وَاللهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ ) (٤) .
وقال:( وَمَا خَلَقْنَا الْسَّمواتِ والاَرضَ وَمَا بَيْنَهُما لاعِبِينَ ) (٥) .
وقال:( وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ والاِنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) (٦) .
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة، سبحانك ما خلقت هذا باطلاً.
____________________
(١) والى ذلك ذهبت الاَشاعرة بقولهم إنّ الله تعالى قد فعل القبائح بأسرها من أنواع الظلم والشرك والجور والعدوان ورضي بها وأحبّها - جل عن ذلك سبحانه وتعالى -. ولتفصيل هذه الاَفكار الباطلة يراجع: نهج الحق للعلامة الحلّي: ٨٥، شرح العقائد وحاشيتة للكستلي: ١٠٩ و١١٣، الملل والنحل: ١/٨٥، ٨٨، ٩١، الفصل لابن حزم: ٣/٦٦ و٦٩، شرح التجريد للقوشجي: ٣٧٣.
(٢) الانبياء ٢١: ٢٣.
(٣) غافر ٤٠: ٣١.
(٤) البقرة ٢: ٢٠٥.
(٥) الدخان ٤٤: ٣٨.
(٦) الذاريات ٥١: ٥٦.
٩ - عقيدتنا في التكليف
نعتقد: أنّه تعالى لا يكلِّف عباده إِلاّ بعد إقامة الحجّة عليهم(١) ، ولا
____________________
(١) لا بد من معرفة أنّ حقيقة التكليف تعني: إرادة المريد من غيره ما فيه كلفة ومشقة. فيكون عندئذ المرجع هو الارادة، بقرينة ما ذكر في التعريف من الكلفة والمشقة. وأردف السيد الشريف المرتضى علم الهدى بعد ذلك بقوله - مصحّحاً القول: إنّ التكليف لا يحسن إلاّ بعد اكمال العقل ونصب الادلّة -: (وأنه تعالى اكمل العقول وحصل سائر الشروط فلا بد من أن يكلِّف، وهذا يدل على أن التكليف غير التعريف ). وقد بحث علماؤنا مباحث التكليف بصورة مستفيضة ذاكرين وجوه المراد بالتكليف وتعلقها بالمكلِّف والمكلَّف وصفات المكلف، والغرض من هذا التكليف، والوجه المجرى به إليه، وما الافعال التي يتناولها، وما المكلِّف الذي كلف هذه الاَفعال، وبأي شيء مختص من الصفات حتى يحسن أو يجب تكليفه. والمعلوم أنّ هذا الموضوع هو من بحوث الارادة الذي استحق من المتكلمين عناية وعنواناً مفرداً على أثر الاختلاف العظيم بين العلماء وزعماء المذاهب في المشيئة الالهية المذكورة في آيات الذكر الحكيم وتعلقها بأمور غير مرضية لديه سبحانه، ثمّ في تأويلها بوجوه لا تخلو عن التكلّف في الاَكثر وأهمّها الآية ١٤٨ من سورة الاَنعام( سَيقوُل الّذين أشركُوا لو شاءَ الله ما أشركْنَا ولا آباؤُنَا ولا حَرّمنا مِنْ شَيء كَذلِكَ كذّبَ الّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأسَنَا قُلْ هَل عِنْدَكُم مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبعونَ إلاّ الظَنَّ وإنْ أَنْتُمْ إلاّ تخرُصُون ) والآية ٢٠ من سورة الزخرف:( وَقالُوا لَو شَاءَ الرّحمنُ ما عبدنهُمْ مَا لَهُم بِذلِكَ مِنْ عِلمٍ إنْ هم إلاّ يَخرُصوُنَ ) وآيات كثيرة توهم تعلق إرادة الخالق بما يستقبحهُ المخلوق تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ومن هذا يبدو أنّ شيخنا المظفرقدسسره أفرد عنواناً مستقلاً للتكليف سطر فيه ما يمكن أن يختصر نظرية الامامية في هذا الباب، ذلك أنّ مدرسة أهل البيتعليهمالسلام لها موقف واضح معروف يؤكّد على تنزيه الرب الكريم سبحانه وتقديسه عن كل ما هو قبيح أو شبه قبيح وشدة استنكارها بتعلّق مشيئة الله أو إرادته بشرك أو ظلم أو فاحشة قط، فضلاً عن فعله أو خلق فعله أو الاَمر به؛ إذ كل ذلك سيقع خلافاً لحكمته وعدله وفضله.
=
يكلِّفهم إلاّ ما يسعهم ما يقدرون عليه وما يطيقونه وما يعلمون؛ لاَنّه من الظلم تكليف العاجز والجاهل غير المقصِّر في التعليم.
أمّا الجاهل المقصِّر في معرفة الاَحكام والتكاليف فهو مسؤول عند الله تعالى، ومعاقَب على تقصيره؛ إذ يجب على كلّ إنسان أن يتعلَّم ما يحتاج إليه من الاَحكام الشرعية(١) .
____________________
=
ومحصلة القول ما ذكره الشيخ المفيد بقوله: إنّ الله تعالى لا يريد إلاّ ما حسن من الاَفعال، ولا يشاء إلاّ الجميل من الاعمال، ولا يريد القبائح، ولا يشاء الفواحش - تعالى الله عمّا يقول المبطلون علواً كبيرا- :
قال الله تعالى :( وما الله يريد ظلماً للعباد ) غافر ٤٠ : ٣١.
وقال تعالى :( يريد الله بكم اليسرة ولا يريد بكم العسر ) البقرة ٢ : ١٨٥.
وقال تعالى :( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ) النساء ٤ : ٢٦.
وقال تعالى :( والله يرريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماُ ) النساء ٤: ٢٧.
وقال تعالى :( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسن ضعيفا ) النساء ٤: ٢٨. فخبر سبحانه أنه لا يريد بعباده العسر بل يريد بهم اليسر ، وأنه يريد لهم البيان ولا يريد لهم الضلال ، ويريد التخفيف عنهم ولا يريد التثقيل عليهم ، فلو كان سبحانه مريدا لمعاصيهم لنافى ذلك إرادة البيان لهم والتخفيف عنهم واليسر لهم وكتاب الله تعالى شاهد بضد ما ذهب اليه الضالون المفترون على الله الكذب تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كلبيرا.
لاحظ : الذخيرة للسيد المرتضى : ١٠٥، تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد : المجلد ٥ من مصنفات الشيخ المفيد : ٤٨-٥١.
(١) ويدلّ عليه ما ورد في كتاب الله تعالى من قوله:( فَسْئَلُوا أَهلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون ) النحل ١٦: ٤٣ وقوله تعالى:( فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهوا في الدِّين ولُينذرِوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعوا إليْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرون) التوبة ٩: ١٢٢.
ويدلّ عليه أيضاً قول الامام الصادقعليهالسلام عندما سئل عن قوله تعالى:( قلْ فَلِلّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ ) الانعام ٦: ١٤٩. فقالعليهالسلام : «إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة عبدي أكنت عالماً؟ فان قال نعم قال له: أفلا عملت بما علمت؟! وإن قال: كنت
=
ونعتقد: أنّه تعالى لا بدَّ أن يكلِّف عباده، ويسنَّ لهم الشرائع، وما فيه صلاحهم وخيرهم؛ ليدلّهم على طرق الخير والسعادة الدائمة، ويرشدهم إلى ما فيه الصلاح، ويزجرهم عمّا فيه الفساد والضرر عليهم وسوء عاقبتهم، وإن علم أنّهم لا يطيعونه؛ لاَنّ ذلك لطف ورحمة بعباده، وهم يجهلون أكثر مصالحهم وطرقها في الدنيا والآخرة، ويجهلون الكثير ممّا يعود عليهم بالضرر والخسران، والله تعالى هو الرحمن الرحيم بنفس ذاته، وهو من كماله المطلق الذي هو عين ذاته، ويستحيل أن ينفك عنه.
ولا يرفع هذا اللطف وهذه الرحمة أن يكون العباد متمرّدين على طاعته، غير مناقدين إلى أوامره ونواهيه.
____________________
=
جاهلاً، قال له: أفلا تعلّمت حتى تعمل؟! فيخصم، فتلك الحجة البالغة». الاَمالي للشيخ الطوسي: ٩ ح١٠/١٠. ونقله عنه: البحار: ٢/٢٩ ح١٠.
والحديث الوارد عن الامام الصادقعليهالسلام : (عليكم بالتفقه في دين الله ، ولا تكونوا أعرابا ؛ فانه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله اليه يوم القيامة ولم يزك له عملا .)الكافي :١/٢٤ ح٧.
كما ورد في الرسائل العملية للعلماء الأعلام : يجب على المكلف تعلم مسائل الشك والسهو التي في معرض ابتلائه لئلا يقع - لولا التعلم - في مخالفة تكليف إلزامي متوجه اليه عند طروهما لاحظ منهاج الصالحين للسيد السيستاني : العبادات / مسألة ١٩ص١٣.
١٠ - عقيدتنا في القضاء والقدر
ذهب قوم - وهم المجبرة(١) - الى انه تعالى هو القاعل لافعال المخلوقين ، فيكون قد اجبر الناس على فعل المعاصي ، وهو مع ذلك يعذبهم عليها ، واجبرهم على فعل الطاعات ومع ذلك يثيبهم عليها ؛ لانهم يقلون : ان افعالهم في الحقيقة افعاله ، وانما تنسب اليه الطبيعة بين الاشياء ، وانه تعالى هو السبب الحقيقي لا سبب سواه.
وقد انكروا السببية الطبيعية بين الاشياء ؛ اذ ظنوا ان ذلك هو مقتضى كونه تعالى هو الخالق الذي لا شريك له.
ومن يقول بهذه المقالة فقد نسب الظلم اليه ، تعالى عن ذلك.
وذهب قوم آخرون - وهم المفوضة(٢) - الى انه تعالى فوض الافعال
____________________
(١)ومنهم الاشاعرة الذين ذهبوا الى انكار السببية ، وانحصار السبب في الله تعالى ،وقالوا : ان النار - مثلا - لا تحرق شيئا بل عادة الله جرت على احراق الثوب المماس بها مثلا من دون مدخلية للنار في الاحراق وبذلك فقد ذهبوا الى ان افعال العباد مخلوقة له تعالى من دون دخل للعباد فيها ، أي أن العبد لا أثر له في ايجاد الفعل راجع : بداية المعارف الالهية : ١/١٥٩ وما بعدها.
ولا يخفى على من تتبع كتب الامامية انهم يبطلون الجبر خلافا للاشاعرة ، كما يبطلون التفويض خلافا للمعتزلة ، فقد روي عن الامام ابي الحسن علي بن محمد الهاديعليهالسلام انه سئل عن افعال العباد فقيل له : هل هي مخلوقة لله تعالى ؟ فقالعليهالسلام : (لو كان خالقا لها لما تبرأ منها وقد قال سبحانه( إن الله بريء من المشركين ورسوله ) [ التوبة ٩: ٣] ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم وانما تبرأ من شركهم وقبائحهم).
لاحظ : تصحيح الاعتقاد من مصنفات الشيخ المفيد : ٥/٤٣ ، بحار الانوار: ٥/٢٠.
(٢) وهم الذين نفوا حقيقة الجبر ، وأكثرهم المعتزلة ممن قالوا أن الفعل مفوض الينا ، ولا مدخلية
=
إلى المخلوقين، ورفع قدرته وقضاءه وتقديره عنها، باعتبار أنّ نسبة الأفعال إليه تعالى تستلزم نسبة النقص إليه، وأنّ للموجودات أسبابها الخاصة، وإن انتهت كلُّها إلى مسبِّب الأسباب والسبب الأول، وهو الله تعالى.
ومن يقول بهذه المقالة فقد أخرج الله تعالى من سلطانه(١) ، وأشرك
____________________
=
فيه لا رادته وإذنه تعالى، والذي أوجب هذا الزعم الفاسد هو الاحتراز عن نسبة المعاصي والفكر والقبائح إليه تعالى. والتفويض هو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال والاباحة لهم مع ما شاؤوا من الاعمال وهذا قول الزنادقة وأصحاب الاباحات.
راجع: تصحيح الاعتقاد من مصنفات الشيخ المفيد: ٥/ ٤٧، بداية المعارف الإلهية: ١/ ١٦٦.
(١) ومن المستحسن أن نذكر في هذا الصدد ما رواه الاَصبغ بن نباته في حديث طويل: «إنّ شيخاً قام إلى أمير المؤمنينعليهالسلام في منصرفه عن صفين فقال: أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء الله وقدره؟ فقال: والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، ما وطأنا موطئاً، ولا هبطنا وادياً إلاّ بقضاء الله وقدره، فقال الشيخ: عند الله تعالى احتسب عنائي؛ ما أرى لي من الأجر شيئاً. فقال لهعليهالسلام : مه! أيّها الشيخ! لقد عظّم الله أجركم في مسيركم وانتم سائرون. وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين. فقال الشيخ: فكيف والقضاء والقدر ساقانا؟ فقالعليهالسلام : ويحك لعلك ظننت قضاءاً لازماً وقدراً حتماً؟ لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والامر والنهي، ولم تأت لائمة من الله لمذنب ولا محمدة لمحسن ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء، ولا المسيء أولى بالذم من المحسن. تلك مقالة عبدة الأوثان، وجنود الشيطان، وشهود الزور وأهل العمى عن الصواب. وهم قدرية هذه الامة ومجوسها؛ إنّ الله تعالى أمر تخييراً ونهى تحذيراً، وكلّف يسيراً. لم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الرسل عبثاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً( ذَلِكَ ظَنُّ الّذينَ كَفروُا فَوَيلٌ للّذينَ كفَرُوا مِنَ النَّارِ ) [سورة ص ٣٨: ٢٧]. فقال الشيخ: وما القضاء والقدر اللذان ما سرنا إلاّ بهما؟ فقالعليهالسلام : هو الأمر من الله تعالى والحكم، وتلى قوله تعالى:( وَقَضَى ربُّكَ الاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إيّاهُ ) [الاسراء ١٧: ٢٣] فنهض الشيخ مسروراً وهو يقول:
أنت الامام الذي نرجوا بطاعته |
يوم النشور من الرحمن رضوانا |
=
غيره معه في الخلق.
واعتقادنا في ذلك تبع لما جاء عن أئمتنا الأطهارعليهمالسلام من الأَمر بين الأمرين، والطريق الوسط بين القولين، الذي كان يعجز عن فهمه أمثال أولئك المجادلين من أهل الكلام، ففرَّط منهم قوم وأفرط آخرون، ولم يكتشفه العلم والفلسفة إلاّ بعد عدة قرون(١) .
وليس من الغريب ممَّن لم يطّلع على حكمة الأَئمّةعليهمالسلام وأقوالهم أن يحسب أنّ هذا القول - وهو الأمر بين الاَمرين - من مكتشفات بعض فلاسفة الغرب المتأخرين، وقد سبقه إليه أئمتنا قبل عشرة قرون.
فقد قال إمامنا الصادقعليهالسلام لبيان الطريق الوسط كلمته المشهورة: «لا جبر ولا تفويض،ولكن أمر بين أمرين»(٢) .
____________________
=
أوضحت من ديننا ما كان ملتبساً |
جزاك ربّك عنّا منه إحساناً |
شرح نهج البلاغة: ١٨/٢٢٧.
وأسند ابن عساكر هذا الحديث عن ابن عباس في تاريخ دمشق: ٣/٢٣١، وذكره الشيخ الصدوق في التوحيد: ٣٨٠، تجريد الاعتقاد بتحقيق محمد جواد الحسيني الجلالي: ٢٠٠، عقائد الاسلام من القرآن الكريم: ٤٥٥.
(١) قال الشيخ المفيد في تصحيح الاعتقاد: ٤٧(والواسطة بين هذين القولين - أي الجبر والتفويض - أنّ الله تعالى أقدر الخلق على أفعالهم، ومكّنهم من أعمالهم، وحدّ لهم الحدود في ذلك، ورسم لهم الرسوم، ونهاهم عن القبائح بالزجر والتخويف والوعد والوعيد، فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبراً لهم عليها، ولم يفوّض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها، ووضع الحدود لهم فيها، وأمرهم بحسنها، ونهاهم عن قبيحها، فهذا هو الفصل بين الجبر والتفويض) مصنّفات الشيخ المفيد المجلد الخامس.
(٢) الكافي: ١/١٦٠ ح١٣، الاحتجاج: ٢/٤٩٠، التوحيد: ٣٦٢، الاعتقادات للشيخ
=
ما أجلَّ هذا المغزى، وما أدقّ معناه، وخلاصته: إنّ أفعالنا من جهة هي أفعالنا حقيقة ونحن اسبابها الطبيعية، وهي تحت قدرتنا واختيارنا، ومن جهة أخرى هي مقدورة لله تعالى، وداخلة في سلطانه؛ لاَنّه هو مفيض الوجود ومعطيه، فلم يجبرنا على افعالنا حتى يكون قد ظلمنا في عقابنا على المعاصي؛ لاَنّ لنا القدرة والاختيار فيما نفعل، ولم يفوِّض إلينا خلق أفعالنا حتى يكون قد أخرجها عن سلطانه، بل له الخلق والحكم والأمر، وهو قادر على كل شيء ومحيط بالعباد(١) .
وعلى كل حال، فعقيدتنا : أنّ القضاء والقدر سر من أسرار الله تعالى، فمن استطاع أن يفهمه على الوجه اللائق بلا إفراط ولا تفريط فذاك، وإلاّ فلا يجب عليه أن يتكلّف فهمه والتدقيق فيه؛ لئلاّ يضل وتفسد عليه عقيدته؛ لاَنّه من دقائق الأمور، بل من أدق مباحث الفلسفة التي لا يدركها إلاّ الأوحدي من الناس، ولذا زلّت به أقدام كثير من المتكلّمين(٢) .
____________________
=
الصدوق: ١٠، تصحيح الاعتقاد من مصنفات الشيخ المفيد: ٥/٤٦.
(١) سأل أبو حنيفة الامام أبا الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام عن أفعال العباد، ممن هي؟ فقال لهعليهالسلام : «إنّ أفعال العباد لا تخلو من ثلاثة منازل؛ إمّا أن تكون من الله تعالى خاصّة، أو من الله ومن العبد على وجه الاشتراك فيها، أو من العبد خاصّة. فلو كانت من الله تعالى خاصة لكان أولى بالحمد على حسنها والذم على قبحها ولم يتعلق بغيره حمد ولا لوم فيها. ولو كانت من الله ومن العبد لكان الحمد لهما معاً فيها والذم عليهما جميعاً فيها، وإذا بطل هذان الوجهان ثبت انها من الخلق، فان عاقبهم الله تعالى على جنايتهم بها فله ذلك، وإن عفا عنهم فهو أهل التقوى وأهل المغفرة».
تصحيح الاعتقاد من مصنفات الشيخ المفيد: ٥/٤٤.
(٢) لخّص الشيخ المظفر في محاضراته الفلسفية هذه الفكرة الدقيقة بقوله: (كلّ من المجبّرة والمفوّضة نظروا إلى جهة وغفلوا عن الجهة الاخرى، ولكن الانسان يجب أن يكون ذا عينين
=
فالتكليف به تكليف بما هو فوق مستوى مقدور الرجل العادي، ويكفي أن يعتقد به الانسان على الاجمال اتّباعاً لقول الأئمة الأطهارعليهمالسلام من أنّه أمر بين الأمرين؛ ليس فيه جبر ولا تفويض.
وليس هو من الاصول الاعتقادية حتى يجب تحصيل الاعتقاد به على كل حال على نحو التفصيل والتدقيق.
____________________
=
لا ذا عين واحدة، فمن نظر بعين واحدة كان أعور، ينظر إلى إفاضة الوجود من جهة واحده فيتصور أنّ الناس مجبورون، وينظر من الجهة الاخرى وهو أنّ الناس يعملون اعمالهم باختيارهم فيتخيل أنّهم مفوضون، ولكن لو انقطع فيض الله تعالى عني لحظة واحدة لانعدمت وانعدمت أفعالي وأنا أسبح في سلطانه وعظمته.
معنى الجبر: أنّ فاعل ما منه الوجود هو فاعل ما به الوجود، وهو الله تعالى، ومعنى التفويض: أنّ العبد هو فاعل ما به الوجود وما منه الوجود، ولكن القوم لم يلتفتوا إلى هذه النكتة، وهي أنّ العبد فاعل ما به الوجود، والله تعالى فاعل ما منه الوجود، فمن ناحية فاعل ما به الوجود لا جبر، ومن ناحية فاعل ما منه الوجود لا تفويض، فيصحّ في العقل ما جاء في الاثر عن أهل البيتعليهمالسلام : «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين»).
الفلسفة الاسلامية: ٨٤.
١١ - عقيدتنا في البداء
البداء في الانسان: أن يبدو له رأي في الشيء لم يكن له ذلك الرأي سابقاً، بأن يتبدَّل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه؛ إذ يحدث عنده ما يغيِّر رأيه وعلمه به، فيبدو له تركه بعد أن كان يريد فعله، وذلك عن جهل بالمصالح، وندامة على ما سبق منه.
والبداء بهذا المعنى يستحيل على الله تعالى. لاَنّه من الجهل والنقص، وذلك محال عليه تعالى، ولا تقول به الامامية.
قال الصادقعليهالسلام : «مَن زعم أنّ الله تعالى بدا له في شيء بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم»(١) .
وقال أيضاً: «من زعم أن الله بدا له في شيء ولم يعلمه أمس فأبرأ منه»(٢) .
غير أنّه وردت عن أئمتنا الأطهارعليهمالسلام روايات توهم القول بصحة البداء بالمعنى المتقدِّم، كما ورد عن الصادقعليهالسلام : «ما بدا لله في شيء كما بدا له في اسماعيل ابني»(٣) ولذلك نَسبَ بعض المؤلّفين
____________________
(١) إكمال الدين: ٦٩.
(٢) المصدر السابق: ٧٠.
(٣) التوحيد: ٣٣٦ ح١٠، إكمال الدين: ٦٩، تصحيح الاعتقاد من مصنّفات الشيخ المفيد: ٥/٦٦. وقد أوضح الشيخ المفيد معنى الحديث بقوله: (أراد بهعليهالسلام ما ظهر من الله تعالى فيه من دفاع القتل عنه، وقد كان مخوفاً عليه من ذلك مظنوناً به، فلطف له في دفعه عنه.
وقد جاء الخبر بذلك عن الصادقعليهالسلام ، فروي عنه أنّه قال: «كان القتل قد كتب على اسماعيل مرّتين فسألت الله في دفعه عنه فدفعه»، وقد يكون الشيء مكتوباً بشرط فيتغيّر
=
في الفرق الاسلامية إلى الطائفة الامامية القول بالبداء طعناً في المذهب وطريق آل البيت، وجعلوا ذلك من جملة التشنيعات على الشيعة.
والصحيح في ذلك أن نقول كما قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد:( يَمْحوُا اللهُ ما يَشَآءُ وَيُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ ) (١) .
ومعنى ذلك: أنّه تعالى قد يُظهر شيئاً على لسان نبيِّه أو وليِّه، أو في ظاهر الحال لمصلحة تقتضي ذلك الاِظهار، ثم يمحوه فيكون غير ما قد ظهر أولاً، مع سبق علمه تعالى بذلك، كما في قصة اسماعيل لما رأى ابوه إبراهيم أنّه يذبحه(٢) .
فيكون معنى قول الامامعليهالسلام : أنّه ما ظهر لله سبحانه أمر في شيء كما ظهر له في اسماعيل ولده؛ إذ اخترمه قبله ليعلم الناس أنّه ليس بإمام، وقد كان ظاهر الحال أنّه الاِمام بعده؛ لاَنّه أكبر ولده(٣) .
____________________
الحال فيه).
(١) الرعد ١٣: ٣٩.
(٢) قال تعالى:( فَلمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعيَ قالَ يبنَيَّ إنّي أرَى في المَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرُ مَاذا تَرىَ قال يا أَبَتِ افْعَل مَا تُؤمَرُ سَتَجدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرينَ * فَلَمّا أَسْلَما وَتَلّهُ لِلجبيِن* وَنادَيْناهُ أَنْ يا إبراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤيا إِنّا كذلِكَ نَجْزِي المُحسِنينَ * إنّ هَذا لَهُوَ البل-وءُ المُبيِنُ * وَفَدَيْنهُ بِذِبْحٍ عَظيمٍ ) الصافات ٣٧: ١٠٢ - ١٠٧.
(٣) ونجد أنّ مجموعة من الشيعة - وعلى الرغم ممّا فعله الامام الصادقعليهالسلام ، وما قاله في وفاة وتجهيز وتكفين ولده اسماعيل - قالوا بإمامة اسماعيل بعد أبيه الامام الصادقعليهالسلام ، وهؤلاء هم الذين يدعون ب- «الاسماعيلية»، وهم يفترقون عن الشيعة الامامية بقولهم: إنّ الامامة بعد الامام الصادقعليهالسلام انتقلت الى ولده الاكبر اسماععيل ويزعمون ان الامام الصادقعليهالسلام نص عليه في حياته. وقد اختلفوا في اسماعيل، فمنهم من قال بموته في حياة أبيه - وهو الثابت والمتواتر تأريخياً كما يشير إليه المصنّف هنا - وهؤلاء قالوا بأنّ الامامة تبقى في ذريته، وأولهم محمد بن اسماعيل وقسم منهم يقول بأنّه
=
وقريب من البداء في هذا المعنى نسخ أحكام الشرائع السابقة بشريعة نبيِّناصلىاللهعليهوآله ، بل نسخ بعض الأحكام التي جاء بها نبيناصلىاللهعليهوآله (١) .
____________________
=
- أي اسماعيل - لم يمت وإنّما أظهر أبوهعليهالسلام موته تقيّةً من العباسيين، وأشهد على موته وتجهيزه عامل المنصور بالمدينة محمد بن سليمان، وهؤلاء بين من وقف على محمد بن إسماعيل ولم يتجاوزه إلى غيره - وهم المسمّون بالواقفة - ، وبين من تعدّى عن محمد بن إسماعيل وجعل الامامة في سبعة سبعة؛ بين ظاهر ومستور كأيّام الاسبوع وعدد السموات والاَرضين والاَفلاك، وانّ أول سبعة ظاهرين يبدأون من الامام عليعليهالسلام وينتهون باسماعيل، وأوّل سبعة مستورين يبدأون بمحمد بن اسماعيل، ثمّ ولده جعفر المصدّق، ثمّ ولده محمد الحبيب، ثم عبدالله المهدي الذي ظهر في شمال افريقيه ومن ولده تكونت الدولة الفاطمية.
راجع، فرق الشيعة: ٦٧، الفصول المختارة من العيون والمحاسن: ٣٠٨، الشيعة بين الاَشاعرة والمعتزلة: ٧٨، تاريخ المذاهب الاسلامية: ٥٤، الملل والنحل للشهرستاني: ١/١٤٩، الفرق بين الفرق: ٦٢.
(١) يذكر الامام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء في هذا الصدد قوله: (البداء في عالم التكوين كالنسخ في عالم التشريع، فكما أنّ لنسخ الحكم وتبديله بحكم آخر مصالح وأسراراً بعضها غامض وبعضها ظاهر فكذلك في الاخفاء والابداء في عالم التكوين، على أنّ قسماً من البداء يكون من اطّلاع النفوس المتّصلة بالملأ الأعلى على الشيء وعدم اطّلاعها على شرطه أو مانعه. مثلاً اطّلع عيسىعليهالسلام أنّ العروس يموت ليلة زفافه، ولكن لم يطّلع على أنّ ذلك مشروط بعدم صدقة أهله، فاتفق أنّ أمه تصدّقت عنه، وكان عيسىعليهالسلام أخبر بموته ليلة عرسه فلم يمت وسئل عن ذلك فقال: «لعلّكم تصدّقتم عنه والصدقة قد تدفع البلاء المبرم» وهكذا نظائرها... ولولا البداء لم يكن وجه للصدقة، ولا للدعاء، ولا للشفاعة، ولا لبكاء الأنبياء والأولياء وشدّة خوفهم وحذرهم من الله مع أنّهم لم يخالفوه طرفة عين، إنّما خوفهم من ذلك العلم المصون المخزون الذي لم يطّلع عليه أحد).
أصل الشيعة وأصولها: ٣١٤.
١٢ - عقيدتنا في أحكام الدين
نعتقد: أنّه تعالى جعل أحكامه - من الواجبات والمحرَّمات وغيرهما - طبقاً لمصالح العباد في نفس أفعالهم، فما فيه المصلحة الملزمة جعله واجباً، وما فيه المفسدة البالغة نهى عنه، وما فيه مصلحة راجحة ندبنا إليه...
وهكذا في باقي الأحكام، وهذا من عدله ولطفه بعباده.
ولا بدّ أن يكون له في كل واقعة حكم(١) ، ولا يخلو شيء من الأشياء من حكم واقعي لله فيه، وإن انسدَّ علينا طريق علمه.
ونقول أيضاً: إنّه من القبيح أن يأمر بما فيه المفسدة، أو ينهى عمّا فيه المصلحة.
غير أنّ بعض الفِرق من المسلمين يقولون: إنّ القبيح ما نهى الله تعالى عنه، والحسن ما أمر به، فليس في نفس الاَفعال مصالح أو مفاسد ذاتية، ولا حسن أو قبح ذاتيان(٢) ، وهذا قول مخالف للضرورة العقلية.
كما أنّهم جوَّزوا أن يفعل الله تعالى القبيح فيأمر بما فيه المفسدة، وينهى عما فيه المصلحة. وقد تقدَّم أنّ هذا القول فيه مجازفة عظيمة ، وذلك
____________________
(١) قال تعالى:( مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ ) الانعام ٦: ٣٨. وورد في الحديث: «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب الله» الكافي: ١/٧٨ ح٦. وورد أيضاً. «ما من حادثة إلاّ ولله فيها حكم» البحار: ٩٣/٩١.
(٢) قالت الاَشاعرة: إنّ الحسن والقبح شرعيان، ولا يقضي العقل بحسن شيء منها ولا بقبحه، بل القاضي بذلك هو الشرع، فما حسّنه فهو حسن وما قبّحه فهو قبيح.
لاحظ: نهج الحق: ٨٣، الملل والنحل: ١/٨٩، شرح التجريد للقوشجي: ٣٧٥.
لاستلزامه نسبة الجهل أو العجز إليه سبحانه، تعالى علواً كبيراً.
والخلاصة: أنّ الصحيح في الاعتقاد أن نقول: إنّه تعالى لا مصلحة له ولا منفعة في تكليفنا بالواجبات ونهينا عن فعل ما حرَّمه، بل المصلحة والمنفعة ترجع لنا في جميع التكاليف، ولا معنى لنفي المصالح والمفاسد في الأفعال المأمور بها والمنهي عنها؛ فإنّه تعالى لا يأمر عبثاً ولا ينهى جزافاً، وهو الغني عن عباده.
الفصل الثاني
النبوّة
عقيدتنا في النبوّة
النبوّة لطف
عقيدتنا في معجزة الأنبياء
عقيدتنا في عصمة الأنبياء
عقيدتنا في صفات النبي
عقيدتنا في الأنبياء وكتبهم
عقيدتنا في الاِسلام
عقيدتنا في مشرّع الاِسلام
عقيدتنا في القرآن الكريم
طريقة إثبات الاِسلام والشرائع السابقة
١٣ - عقيدتنا في النبوّة
نعتقد: أنّ النبوّة وظيفة إلهية، وسفارة ربّانية، يجعلها الله تعالى لمن ينتجبه ويختاره من عباده الصالحين وأوليائه الكاملين في إنسانيّتهم، فيرسلهم إلى سائر الناس لغاية إرشادهم إلى ما فيه منافعهم ومصالحهم في الدنيا والآخرة، ولغرض تنزيههم وتزكيتهم من درن مساوئ الأخلاق ومفاسد العادات، وتعليمهم الحكمة والمعرفة، وبيان طرق السعادة والخير؛ لتبلغ الانسانية كمالها اللائق بها، فترتفع إلى درجاتها الرفيعة في الدارين دار الدنيا ودار الآخرة.
ونعتقد: أنّ قاعدة اللطف - على ما سيأتي معناها - توجب أن يبعث الخالق - اللطيف بعباده - رسله لهداية البشر، وأداء الرسالة الاصلاحية، وليكونوا سفراء الله وخلفاءه.
كما نعتقد: أنّه تعالى لم يجعل للناس حق تعيين النبي أو ترشيحه أو انتخابه، وليس لهم الخيرة في ذلك، بل أمر كلّ ذلك بيده تعالى؛ لاَنّه( أَعلمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسَالَتهُ ) (١) .
وليس لهم أن يتحكَّموا فيمن يرسله هادياً ومبشِّراً ونذيراً، ولا أن يتحكَّموا فيما جاء به من أحكام وسنن وشريعة(٢) .
____________________
(١) الاَنعام ٦: ١٢٤.
(٢) وقد قال الامام عليعليهالسلام في خطبة له يصف فيها ابتداء خلق السماء والارض وخلق آدمعليهالسلام ، ويذكر الانبياء وبعثتهم فيقول:
«واصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم لمّا بدّل أكثرُخلقه عهد الله إليهم فجهلوا حقّه، واتخذوا الانداد معه، واجتالتهم الشياطين
____________________
=
عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث إليهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسيّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة؛ من سقف فوقهم مرفوع، ومهاد تحتهم موضوع، ومعايش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتابع عليهم، ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبي مرسل، أو كتاب منزل، أو حجّة لازمة أو محجّة قائمة، رسل لا تقصر بهم قلّة عددهم ولا كثرة المكذبين لهم، من سابق سُمّي له مَن بعده، أو غابر عرّفه من قبله. على ذلك نسلت القرون، ومضت الدهور، وسلفت الآباء، وخلفت الأبناء، إلى أن بعث الله سبحانه محمّداً رسول اللهصلىاللهعليهوآله لاِنجاز عدتِه، وإتمام نبوّته، مأخوذاً على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته، كريماً ميلاده، وأهل الأرض يومئذٍ مللّ متفرّقة، وأهواء منتشرة، وطرائق متشتتة؛ بين مشبّه لله بخلقه، أو ملحد في اسمه، أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكان من الجهالة...». راجع: نهج البلاغة: الخطبة: ١، وغيرها من الخطب أيضاً ففيها إشارات وذكر حول بعثة الأنبياءعليهمالسلام .
١٤ - النبوّة لطف
إنّ الانسان مخلوق غريب الأطوار، معقَّد التركيب في تكوينه وفي طبيعته وفي نفسيّته وفي عقله، بل في شخصية كلّ فرد من أفراده، وقد اجتمعت فيه نوازع الفساد من جهة، وبواعث الخير والصلاح من جهة أخرى(١) .
فمن جهة قد جُبل على العواطف والغرائز من حب النفس، والهوى، والاثرة، وإطاعة الشهوات، وفطر على حب التغلُّب، والاستطالة، والاستيلاء على ما سواه، والتكالب على الحياة الدنيا وزخارفها ومتاعها كما قال تعالى:( إنَّ الاِنسنَ لَفِي خُسْرٍ ) (٢) و( إنَّ الاِنسنَ لَيَطْغَى * أَنْ رآهُ استَغنَى ) (٣) و( إنَّ النَّفْس لاَمَّارَةٌ بالسُّوءِ ) (٤) إلى غير ذلك من الآيات المصرِّحة والمشيرة إلى ما جُبلت عليه النفس الاِنسانية من العواطف والشهوات.
ومن الجهة الثانية، خلق الله تعالى فيه عقلاً هادياً يرشده إلى الصلاح ومواطن الخير، وضميراً وازعاً يردعه عن المنكرات والظلم ويؤنبه على فعل ما هو قبيح ومذموم.
ولا يزال الخصام الداخلي في النفس الانسانية مستعراً بين العاطفة والعقل، فمن يتغلَّب عقله على عاطفته كان من الأعلين مقاماً، والراشدين
____________________
(١) فقد قال تعالى:( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّيها* فَألْهَمهَا فُجُورَهَا وتَقْوَيها ) الشمس ٩١: ٧ - ٨.
(٢) العصر ١٠٣: ٢.
(٣) العلق ٩٦: ٦، ٧.
(٤) يوسف ١٢: ٥٣.
في انسانيتهم، والكاملين في روحانيتهم، ومن تقهره عاطفته كان من الأخسرين منزلة، والمتردّين إنسانية، والمنحدرين إلى رتبة البهائم.
واشد هذين المتخاصمين مراساً على النفس هي العاطفة وجنودها، فلذلك تجد أكثر الناس منغمسين في الضلالة، ومبتعدين عن الهداية، بإطاعة الشهوات، وتلبية نداء العواطف( وَمَا أَكثَرُ النَّاسِ ولو حَرَصتَ بِمُؤمِنيِنَ ) (١) .
على أنّ الانسان لقصوره، وعدم اطّلاعه على جميع الحقائق، وأسرار الأشياء المحيطة به، والمنبثقة من نفسه، لا يستطيع أن يعرف بنفسه كل ما يضرّه وينفعه، ولا كل ما يسعده ويشقيه؛ لا فيما يتعلَّق بخاصّة نفسه، ولا فيما يتعلّق بالنوع الانساني ومجتمعه ومحيطه، بل لا يزال جاهلاً بنفسه، ويزيد جهلاً، أو ادراكاً لجهله بنفسه، كلّما تقدّم العلم عنده بالأشياء الطبيعية، والكائنات المادية.
وعلى هذا، فالانسان في أشدّ الحاجة ليبلغ درجات السعادة إلى من ينصب له الطريق اللاحب، والنهج الواضح إلى الرشاد واتّباع الهدى؛ لتقوى بذلك جنود العقل، حتى يتمكن من التغلب على خصمه اللَّدود اللجوج عندما يهيىء الانسان نفسه لدخول المعركة الفاصلة بين العقل والعاطفة.
وأكثر ما تشتد حاجته إلى من يأخذ بيده إلى الخير والصلاح عندما تخادعه العاطفة وتراوغه - وكثيراً ما تفعل - فتزيِّن له أعماله، وتحسّن لنفسه انحرافاتها؛ إذ تريه ما هو حسن قبيحاً، أو ما هو قبيح حسناً، وتلبس على العقل طريقه إلى الصلاح والسعادة والنعيم، في وقت ليس له تلك المعرفة التي تميّز له كلّ ما هو حسن ونافع، وكل ما هو قبيح وضار. وكل واحد منّا
____________________
(١) يوسف ١٢: ١٠٣.
صريع لهذه المعركة من حيث يدري ولا يدري، إلاّ من عصمه الله.
ولأجل هذا يعسر على الانسان المتمدِّن المثقَّف - فضلاً عن الوحشي الجاهل - أن يصل بنفسه إلى جميع طرق الخير والصلاح، ومعرفة جميع ما ينفعه ويضرّه في دنياه وآخرته، فيما يتعلَّق بخاصة نفسه أو بمجتمعه ومحيطه، مهما تعاضد مع غيره من أبناء نوعه ممّن هو على شاكلته وتكاشف معهم، ومهما أقام بالاشتراك معهم المؤتمرات والمجالس والاستشارات.
فوجب أن يبعث الله تعالى في الناس رحمة لهم ولطفاً بهم( رَسُولاً مِنهُم يَتلوُا عَلَيهِم ءايتِه وَيُزكِّيهِم ويُعلّمُهُمُ الكِتبَ والحكمَةَ ) (١) وينذرهم عمّا فيه فسادهم، ويبشّرهم بما فيه صلاحهم وسعادتهم.
وإنّما كان اللطف من الله تعالى واجباً، فلأنّ اللطف بالعباد من كماله المطلق، وهو اللطيف بعباده الجواد الكريم، فإذا كان المحل قابلاً ومستعدّاً لفيض الجود واللطف، فإنّه تعالى لا بد أن يفيض لطفه؛ إذ لا بخل في ساحة رحمته، ولا نقص في جوده وكرمه.
وليس معنى الوجوب هنا أنّ أحداً يأمره بذلك فيجب عليه أن يطيع تعالى عن ذلك، بل معنى الوجوب في ذلك هو كمعنى الوجوب في قولك: إنّه واجب الوجود (أي اللزوم واستحالة الانفكاك).
____________________
(١) الجمعة ٦٢: ٢.
١٥ - عقيدتنا في معجزة الأنبياء
نعتقد: أنّه تعالى إذ ينصّب لخلقه هادياً ورسولاً لا بدّ أن يعرِّفهم بشخصه، ويرشدهم إليه بالخصوص على وجه التعيين، وذلك منحصر بأن ينصب على رسالته دليلاً وحجّة يقيمها لهم(١) ؛ إتماماً للطف، واستكمالاً للرحمة.
وذلك الدليل لا بدّ أن يكون من نوع لا يصدر إلا من خالق الكائنات، ومدبر الموجودات - أي فوق مستوى مقدور البشر - فيجريه على يدي ذلك الرسول الهادي؛ ليكون معرِّفاً به، ومرشداً إليه، وذلك الدليل هو المسمى بالمعجز أو المعجزة؛ لاَنّه يكون على وجه يعجز البشر عن مجاراته والاِتيان بمثله.
وكما أنّه لا بد للنبي من معجزة يظهر بها للناس لاِقامة الحجة عليهم، فلا بد أن تكون تلك المعجزة ظاهرة الاِعجاز بين الناس على وجه يعجز عنها العلماء وأهل الفن في وقته، فضلاً عن غيرهم من سائر الناس، مع اقتران تلك المعجزة بدعوى النبوّة منه؛ لتكون دليلاً على مدَّعاه، وحجة بين يديه، فإذا عجز عنها أمثال أولئك عُلم أنّها فوق مقدور البشر، وخارقة للعادة، فيُعلم أنّ صاحبها فوق مستوى البشر، بما له من ذلك الاتصال الروحي بمدبِّر الكائنات.
وإذا تمَّ ذلك لشخص، من ظهورالمعجز الخارق للعادة، وادّعى - مع
____________________
(١) قال تعالى:( رُسلاً مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرِينَ لِئلا يَكُونَ للِنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةً بَعْدَ الرُّسُلِ وكَانَ اللهُ عَزِيزَاً حَكِيماً ) النساء ٤: ١٦٥.
ذلك - النبوة والرسالة، يكون حينئذٍ موضعاً لتصديق الناس بدعواه، والايمان برسالته، والخضوع لقوله وأمره، فيؤمن به من يؤمن، ويكفر به من يكفر.
ولأجل هذا وجدنا أنّ معجزة كل نبي تناسب ما يشتهر في عصره من العلوم والفنون، فكانت معجزة موسىعليهالسلام هي العصا التي تلقف السحر وما يأفكون؛ إذ كان السحر في عصره فنّاً شائعاً، فلما جاءَت العصا بطل ما كانوا يعملون، وعلموا أنّها فوق مقدروهم، وأعلى من فنّهم، وأنّها ممّا يعجز عن مثله البشر، ويتضاءل عندها الفن والعلم(١) .
وكذلك كانت معجزة عيسىعليهالسلام ، وهي إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى؛ إذ جاءَت في وقت كان فن الطب هو السائد بين الناس، وفيه علماء وأطباء لهم المكانة العليا، فعجز علمهم عن مجاراة ما جاء به عيسىعليهالسلام (٢) .
ومعجزة نبينا الخالدة هي القرآن الكريم، المعجز ببلاغته وفصاحته، في وقت كان فن البلاغة معروفاً. وكان البلغاء هم المقدَّمين عند الناس بحسن بيانهم وسموِّ فصاحتهم، فجاء القرآن كالصاعقة؛ أذلّهم وأدهشهم، وأفهمهم أنّهم لا قِبَل لهم به، فخنعوا له مهطعين عندما عجزوا عن مجاراته،
____________________
(١) قال تعالى:( وَأَوحَيْنا إلى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأفِكُونَ * فَوقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلوُنَ * فَغُلِبوُا هُنَالِكَ وانْقَلَبوُا صَاغِريِنَ * وأُلقِيَ السَحَرَةُ سجدين ) الاعراف ٧: ١١٧ - ١٢٠.
(٢) قال تعالى:( وَرَسُولاً إلى بَنيِ إِسرءِيلَ أَنِّي قد جئتُكُم بِآيةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أنِّي أخَلُقُ لَكُمْ مِنَ الْطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنفخُ فِيهِ فَيَكُونُ طيراً بإذنِ الله وأُبْريءُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيي الموتَى بإذْن الله وأُنَبِّئُكُمْ بما تأكلُونَ وما تَدَّخِرون في بيوتِكُمْ إنّ في ذلِكَ لآيةً لَكُمْ إنّ كُنتُمْ مُؤمِنينَ ) آل عمران ٣: ٤٩.
وقصروا عن اللحاق بغبارة»(١) .
ويدلّ على عجزهم أنّه تحدّاهم بإتيان عشر سور مثله فلم يقدروا(٢) ، ثمّ تحدّاهم أن يأتوا بسورة من مثله(٣) فنكصوا، ولمّا علمنا عجزهم عن مجاراته - مع تحدّيه لهم، وعلمنا لجوءهم إلى المقاومة بالسنان دون اللسان - علمنا أنّ القرآن من نوع المعجز، وقد جاء به محمد بن عبدالله مقروناً بدعوى الرسالة. فعلمنا أنّه رسول الله، جاء بالحق وصدق به،صلىاللهعليهوآله .
____________________
(١) قال تعالى:( قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الاِنْسُ والجِنُّ عَلَى أَنْ يَأتُوا بِمِثْلِ هذا القُرءانَ لاَ يَأتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) الاسراء ١٧: ٨٨.
(٢)( أَمْ يَقُولُونَ افتريهُ قُلْ فَأتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صدِقِيْنَ ) هود ١١: ١٣.
(٣) قال تعالى أيضاً:( وَإنْ كُنْتُم في رَيْبٍ مِمَّا نزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وادعوا شهُدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُم صَدِقِينَ ) البقرة ٢: ٢٣.
وقال تعالى أيضاً :( أَمْ يَقُولُونَ افْتريهُ قُلْ فَأتُوا بِسُوَرَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ استَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَدقِينَ ) يونس ١٠: ٣٨.
١٦ - عقيدتنا في عصمة الأنبياء
ونعتقد: أنّ الأنبياء معصومون قاطبة، وكذلك الأئمة عليهم جميعاً التحيات الزاكيات، وخالَفَنا في ذلك بعض المسلمين، فلم يوجبوا العصمة في الأنبياء(١ )ِ ، فضلاً عن الأئمة.
والعصمة: هي التنزُّه عن الذنوب والمعاصي صغائرها وكبائرها، وعن الخطأ والنسيان(٢) ، وإن لم يمتنع عقلاً على النبي أن يصدر منه ذلك، بل
____________________
(١) انظر: شرح المقاصد: ٥/٥٠، الغنية في اصول الدين: ١٦١.
وذكر السيد المرتضى في تنزيه الانبياء ما نصه: (وجوّز أصحاب الحديث والحشوية على الأنبياء الكبائر قبل النبوّة، ومنهم من جوّزها في حال النبوّة سوى الكذب فيما يتعلّق بأداء الشريعة، ومنهم من جوّزها كذلك - في حال النبوّة - بشرط الاستسرار دون الاِعلان، ومنهم من جوّزها على الأحوال كلها. ومنعت المعتزلة من وقوع الكبائر والصغائر المستخفة من الانبياءعليهمالسلام قبل النبوّة وفي حالها، وجوّزت في الحالين وقوع ما لا يستخف من الصغائر، ثم اختلفوا؛ فمنهم من جوّز على النبيصلىاللهعليهوآله الاِقدام على المعصية الصغيرة على سبيل العمد، ومنهم من منع ذلك وقال إنّهم لا يقدمون على الذنوب التي يعلمونها ذنوباً بل على سبيل التأويل، وحكي عن النظام وجعفر بن مبشر وجماعة ممّن تبعهما أنّ ذنوبهم لا تكون إلاّ على سبيل السهو والغفلة، وأنّهم مؤاخذون بذلك وإن كان موضوعاً عن أممهم بقوّة معرفتهم وعلوّ مرتبتهم). تنزيه الأنبياء: المقدمة.
(٢) معنى العصمة في أصل اللغة هي: ما اعتصم به الانسان من الشيء؛ كأنّه امتنع به عن الوقوع فيما يكره، وليس هو جنساً من أجناس الفعل، ومنه قولهم: إعتصم فلان بالجبل، إذا امتنع به، ومنه سميت العصم، وهي وعول الجبال؛ لامتناعها بها.
وقال في لسان العرب: (إنّ العصمة هي الحفظ، يقال: عصمته فانعصم،، واعتصمت بالله، إذا امتنعت بلطفه من المعصية).
والعصمة من الله تعالى هي: التوفيق الذي يسلم به الانسان ممّا يكره إذا أتى بالطاعة، وذلك مثل إعطائنا رجلاً غريقاً حبلاً ليتشبّث به فيسلم، وقد بيّن الله تعالى هذا المعنى في
=
يجب أن يكون منزَّهاً حتى عمّا ينافي المروءة، كالتبذل بين الناس من أكل في الطريق أو ضحك عال، وكل عمل يستهجن فعله عند العرف العام.
والدليل على وجوب العصمة؛ أنّه لو جاز أن يفعل النبي المعصية، أو يخطأ وينسى، وصدر منه شيء من هذا القبيل، فإمّا أن يجب اتّباعه في فعله الصادر منه عصياناً أو خطأً أو لا يجب، فإن وجب اتّباعه فقد جوّزنا فعل المعاصي برخصة من الله تعالى، بل أوجبنا ذلك(١) ، وهذا باطل بضرورة الدين والعقل.
وان لم يجب اتّباعه فذلك ينافي النبوَّة التي لا بدّ أن تقترن بوجوب الطاعة أبداً.
على أن كل شيء يقع منه من فعل أو قول فنحن نحتمل فيه المعصية أو الخطأ، فلا يجب اتّباعه في شيءٍ من الأشياء، فتذهب فائدة البعثة، بل يصبح النبي كسائر الناس، ليس لكلامهم ولا لعملهم تلك القيمة العالية التي يعتمد عليها دائماً، كما لا تبقى طاعة حتمية للأوامره، ولا ثقة مطلقة بأقواله وأفعاله(٢) .
____________________
=
كتابه بقوله:( وَاعْتَصِموُا بِحَبْلِ اللهِ جَميعاً ) آل عمران ٣: ١٠٣. حبل الله هو دينه.
وورد عن الامام زين العابدينعليهالسلام أنه لما سئل عن معنى المعصوم قال: «هو المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة، والامام يهدي إلى القرآن، والقرآن يهدي إلى الامام، وذلك قول الله عز وجل:( إن هذا القرءآن يهدي للتي هي أقوم ) الاسراء ١٧: ٩».
بحار الأنوار: ٢٥/ ١٩٤، راجع أوائل المقالات من مصنفات الشيخ المفيد: ٤/ ٣٤. لسان العرب: ١٢/ ٤٠٣ - مادة (عصم).
(١) ومن البديهي أن إطاعة الرسول واجبة بأمر الله؛ حيث قال تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنا مِنْ رَسُوْلٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ ) النساء ٤: ٦٤.
(٢) حيث في مثل ذلك ما ينافي الآيات الواردة في القرآن الكريم التي تحثّ على إطاعة
=
وهذا الدليل على العصمة يجري عيناً في الامام؛ لان المفروض فيه أنه منصوب من الله تعالى لهداية البشر خليفة للنبي، على ما سيأتي في فصل الاِمامة.
____________________
=
الرسولصلىاللهعليهوآله وهي كثيرة؛ منها: قوله تعالى:( وَمَنْ يُطِع اللهَ ورَسولَهُ يُدْخِلْهُ جنتٍ تَجْري مِن تَحْتِها الأنْهَرُ ) النساء ٤: ١٣. وقوله تعالى:( وَمَنْ يُطِع الله وَالرَّسوُل فَأوُلِئكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم ) النساء ٤: ٦٩، وقوله تعالى:( مَنْ يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ) النساء ٤: ٨٠، وقوله تعالى:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسوَةٌ حسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا الله وَاليَوْمَ الآخِر وَذَكَرَ اللهَ كَثيراً ) الاحزاب ٣٣: ٢١، وقوله تعالى:( ومَنْ يُطِع اللهَ وَرَسُولَه فَقَدْ فَازَ فَوزاً عَظِيماً ) الاحزاب ٣٣: ٧١ وغيرها الكثير من الآيات.
١٧ - عقيدتنا في صفات النبي
ونعتقد: أنّ النبي - كما يجب أن يكون معصوماً - يجب أن يكون متّصفاً بأكمل الصفات الخلقية والعقلية وأفضلها، من نحو: الشجاعة، والسياسة، والتدبير، والصبر، والفطنة، والذكاء؛ حتّى لا يدانيه بشر سواه فيها؛ لاَنّه لولا ذلك لما صحّ أن تكون له الرئاسة العامة على جميع الخلق، ولا قوَّة إدارة العالم كله.
كما يجب ان يكون طاهر المولد أميناً صادقاً منزَّهاً عن الرذائل قبل بعثته أيضاً؛ لكي تطمئنّ إليه القلوب، وتركن إليه النفوس، بل لكي يستحق هذا المقام الاِلهي العظيم.
١٨ - عقيدتنا في الأنبياء وكتبهم
نؤمن على الاجمال بأنّ جميع الأنبياء والمرسلين على حق، كما نؤمن بعصمتهم وطهارتهم، وأمّا إنكار نبوتّهم، أو سبّهم، أو الاستهزاء بهم فهو من الكفر والزندقة؛ لاَنّ ذلك يستلزم إنكار نبينا الذي أخبر عنهم وصدّقهم(١) .
أمّا المعروفة أسماؤهم وشرائعهم، كآدم ونوح وإبراهيم وداود وسليمان وموسى وعيسى وسائر من ذكرهم القرآن الكريم بأعيانهم، فيجب الايمان بهم على الخصوص(٢) ، ومن أنكر واحداً منهم فقد أنكر الجميع، وأنكر نبوّة
____________________
(١) فقد قال تعالى:( قُولُوا ءامَنَّا باِللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وإسْمعِيلَ وإسْحقَ وَيَعْقُوبَ وَالاَسْبَاطِ وما أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبيّوُنَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِموُنَ ) البقرة ٢: ١٣٦.
وقال تعالى:( لكِنْ الْرَّاسِخوُنَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ والْمُؤمِنُونَ يُؤمِنوُنَ بما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمينَ الصَّلوةَ والْمؤُتُونَ الزَكوةَ وَالْمُؤمِنُونَ باللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤتِيهِمْ أجراً عَظِيماً ) النساء ٤: ١٦٢.
(٢) وقد ورد في الروايات والاحاديث أن عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، أو ثلاثمائة وخمسة عشر على اختلاف الروايات، وهؤلاء الأنبياء لم يرد اسم أكثرهم في القرآن، فقد قال تعالى:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمنْهمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) غافر ٤٠: ٧٨، أمّا الذين ورد اسمهم في القرآن فهم ستة وعشرون:
١ - آدم: وقد ورد اسمه ١٨ مرّة، وقال فيه تعالى:( إنّ الله اصطفى آدَمَ ونوحَاً وءالَ إبراهيمَ وءال عمرانَ على العلمين ) آل عمران ٣: ٣٣. وورد سبع مرّات بنداء «بني آدم».
٢ - نوح: وورد اسمه ٤٣ مرّة، وقال تعالى فيه:( ولقَدْ أَرْسَلْنا نوحاً إلى قومِهِ فَلَبِثَ فيهم أَلْفَ سنةٍ إِلاّ خَمسينَ عَاماً ) العنكبوت ٢٩: ١٤.
=
____________________
٣- إدريس: وقد ورد اسمه مرتان، وقال تعالى فيه( واذكر في الكتب إدريس إنه كان صديقاً نبياً ) مريم ١٩: ٥٦.
٤- هود: ورد ذكره عشر مرات، وقال تعالى فيه:( وإلى عاد أخاهم هوداً قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) الاعراف ٧: ٦٥ وهود ١١: ٥٠.
٥- صالح: وورد ذكره في تسع مواضع، وقال تعالى فيه:( ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صلحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون ) النمل ٢٧: ٤٥.
٦- إبراهيم: وورد ذكره في ٦٩ مورداً، وقال تعالى فيه:( ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتب.. ) الحديد ٥٧: ٢٦.
٧- لوط: وورد ذكره في ٢٧ مورداً، وقال تعالى فيه:( وإن لوطاً لمن المرسلين ) الصافات ٣٧: ١٣٣.
٨ - اسماعيل: وورد ذكره في أحد عشر موضعاً، وقال تعالى فيه:( وأوحينا إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب.... ) النساء ٤: ١٦٣. وهو ابن ابراهيمعليهالسلام .
٩ - اليسع: وورد ذكره مرتان، وقال تعالى فيه:( وإسمعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاً فضلنا على العلمين ) الانعام ٦: ٨٦.
١٠- ذو الكفل: وورد ذكره مرتان، وقال تعالى واذكر( واذكر اسمعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار ) سورة ص ٣٨: ٤٨.
١١ - إلياس: وورد ذكره مرتان، وقال تعالى فيه:( وإن إلياس لمن المرسلين ) الصافات ٣٧: ١٢٣.
١٢ - يونس: وورد ذكره أربع مرات، وقال تعالى فيه:( وإن يونس لمن المرسلين ) . الصافات ٣٧: ١٣٩.
١٣ - إسحق: وورد ذكره ١٧مرة، وقال تعالى فيه:( وبشرنه باسحق نبيا من الصلحين ) الصافات ٣٧: ١١٢.
١٤ - يعقوب: وورد ذكره ١٦ مرة، وقال تعالى فيه:( وأوحينا إلى إبراهيم واسمعيل واسحق يعقوب والاسباط وعيسى... ) النساء ٤: ١٦٣.
١٥ - يوسف: وورد ذكره ٢٧ مرة وقال تعالى فيه:( ومن ذريته داود وسليمن وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين ) الانعام ٦: ٨٤.
=
____________________
=
١٦ - شعيب : وورد ذكره أحدى عشرة مرة، وقال تعالى فيه:( وإلى مدين أخاهم شعيبا ) الأعراف ٧: ٨٥، وهود ١١: ٨٤، العنكبوت ٢٩: ٣٦.
١٧ - موسى: وورد ذكره مائة وستاً وثلاثين مرة، وقال تعالى فيه:( ولقد أرسلنا موسى بأيتنا أن أخرج قومك من الظلمت إلى النور ذكرهم بأيم الله إن في ذلك لأيت لكل صبار شكور ) ابراهيم ١٤: ٥.
١٨- هارون: وورد ذكره عشرون مرة، وقال تعالى فيه:( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا ) مريم ١٩: ٥٣.
١٩ - داود: وورد ذكره ١٦ مرة، وقال تعالى فيه:( وأيوب ويوس وهرون وسليمان وءاتينا داود زبورا ) النساء ٤: ١٦٣.
٢٠ - سليمان: وورد ذكره ١٧ مرة،وقال تعالى فيه:( ولقد ءاتينا داود وسليمان علماً ) . النمل ٢٧: ١٥.
٢١ - أيوب: وورد ذكره أربع مرات، وقال تعالى فيه:( وأوحينا إلى إبراهيم واسمعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ) النساء ٤: ١٦٣.
٢٢ - زكريا: وورد ذكره سبع مرات، وقال تعالى فيه:( وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصلحين ) الانعام ٦: ٨٥.
٢٣- يحيى: وورد اسمه خمس مرات، وهو الذي قال تعالى في:( ييحيى خذ الكتب بقوة وءاتينه الحكم صبياً ) مريم ١٩: ١٢.
٢٤ - إسماعيل صادق الوعد: وهو غير اسماعيل بن إبراهيم، وهو الذي قال تعالى فيه:( واذكر في الكتب إسمعيل إنه كان صادق الوعد رسولا نبياً ) مريم ١٩: ٥٤.
٢٥ - عيسى: وورد ذكره ٢٦ مرة، وقال تعالى فيه:( إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقها إلى مريم ) النساء ٤: ١٧١.
٢٦ - محمدصلىاللهعليهوآله : وقد ورد ذكره أربع مرات بلفظ محمد، ومرة واحدة بلفظ أحمد( ومامحمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) آل عمران ٣: ١٤٤.
ومن الأنبياء من ورد وصفهم دون ذكر اسمهم، كما قال تعالى:( ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقتل في سبيل الله ) البقرة ٢: ٢٤٦.
=
نبينا بالخصوص.
وكذلك يجب الايمان بكتبهم وما نزل عليهم.
وأمّا التوراة والانجيل الموجودان الآن بين أيدي الناس، فقد ثبت أنّهما محرَّفان عمّا أُنزلا بسبب ما حدث فيهما من التغيير والتبديل، والزيادات والاضافات بعد زماني موسى وعيسىعليهماالسلام بتلاعب ذوي الأهواء والأطماع، بل الموجود منهما أكثره - أو كلّه - موضوع بعد زمانهما من الأتباع والأشياع.
____________________
=
وقد كان هؤلاء الرسل موزّعين على كافة الأمم على مر العصور، فقد قال تعالى:( وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمةٍ رَسُولاً ) النحل ١٦: ٣٦.
وقد فضّل الله بعض الاَنبياء والرسل على البعض الآخر، فقد قال تعالى:( تِلْكَ الْرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ من كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجتٍ ) البقرة ٢: ٢٥٣.
وقال تعالى:( وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً ) الاسراء ١٧: ٥٥.
وأفضل هؤلاء الاَنبياء والمرسلين هو الخمسة أولو العزم، الذين قال تعالى في حقّهم:( وَإذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبيِّينَ مِيثَ-قَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وإبراهيمَ وَمُوسَى وَعِيسى ابْنِ مَريَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثقاً غَلْيظاً ) الاَحزاب ٣٣: ٧. وقال تعالى:( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الْرُّسُلِ ) الأحقاف ٤٦: ٣٥. ومعلوم أنّ عزم الأنبياء متفاوت وغير متساوٍ عند الجميع، ويدلّ على ذلك قوله تعالى:( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى ءَادَمَ مَنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) طه ٢٠: ١١٥.
وأفضل هؤلاء الأنبياء والمرسلين هو خاتمهم النبي الأمين محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين... ولمزيد من الاطّلاع راجع: بحار الأنوار: ١١/٧٧، الخصال، الاَمالي للشيخ المفيد، كنز العمال: ٣٢٢٧٦ و٣٢٢٧٧ و٣٢٢٨٢ وغيرها، الميزان في تفسير القرآن: الجزء ٢، ميزان الحكمة: الجزء ٧. وغيرها.
١٩ - عقيدتنا في الاِسلام
نعتقد: أنّ الدين عند الله الاسلام(١) ، وهو الشريعة الاِلهية الحقّة التي هي خاتمة الشرائع وأكملها، وأوفقها في سعادة البشر، وأجمعها لمصالحهم في دنياهم وآخرتهم، وصالحة للبقاء مدى الدهور والعصور، لا تتغيّر ولا تتبدّل، وجامعة لجميع ما يحتاجه البشر من النظم الفردية والاجتماعية والسياسية.
ولمّا كانت خاتمة الشرائع، ولا نترقَّب شريعة أُخرى تُصلح هذا البشر المنغمس بالظلم والفساد، فلا بدَّ أن يأتي يوم يقوى فيه الدين الاِسلامي، فيشمل المعمورة بعدله وقوانينه(٢) .
ولو طُبِّقت الشريعة الاسلامية بقوانينها في الاَرض تطبيقاً كاملاً صحيحاً، لعمّ السلام بين البشر، وتمَّت السعادة لهم، وبلغوا أقصى ما يحلم به الانسان من الرفاه والعزّة، والسعة والدعة، والخلق الفاضل، ولأنقشع الظلم من الدنيا، وسادت المحبّة والاِخاء بين الناس أجمعين، ولأنمحى الفقر والفاقة من صفحة الوجود.
وإذا كنّا نشاهد اليوم الحالة المخجلة والمزرية عند الذين يسمُّون أنفسهم بالمسلمين، فلاَنّ الدين الاسلامي في الحقيقة لم يطبَّق بنصه
____________________
(١) إشارة الى قوله تعالى:( إنَّ الدّيِنَ عِنْدَ اللهِ الاِسلمُ ) آل عمران ٣: ١٩.
وقال تعالى:( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسلمِ دِيناً فلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخسِرينَ ) آل عمران ٣: ٨٥.
(٢) قال تعالى:( وَلَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنْ الاَرضَ يَرِثهُا عِبَادِيَ الصَّلِحُونَ ) الاَنبياء ٢١: ١٠٥.
وروحه، ابتداء من القرن الاَول من عهودهم، واستمرت الحال بنا - نحن الذين سمَّينا أنفسنا بالمسلمين - من سيّىء إلى أسوأ إلى يومنا هذا، فلم يكن التمسُّك بالدين الاسلامي هو الذي جر على المسلمين هذا التأخّر المشين، بل بالعكس إنَّ تمرُّدهم على تعاليمه، واستهانتهم بقوانينه، وانتشار الظلم والعدوان فيهم؛ من ملوكهم إلى صعاليكهم ومن خاصتهم إلى عامتهم، هو الذي شلَّ حركة تقدّمهم، وأضعف قوَّتهم، وحطَّم معنوياتهم، وجلب عليهم الويل والثبور، فأهلكهم الله تعالى بذنوبهم:( ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغيِّراً نِعمَةً أَنعَمَهَا عَلى قَومٍ حَتَّى يُغيِّروا ما بأَنفُسِهِمْ ) (١) ، تلك سنّة الله في خلقه( إِنَّهُ لا يُفلحُ المُجرِمُونَ ) (٢) ( وَمَا كانَ رَبُّكَ لِيُهلِكَ القُرَى بِظلمٍ وَأَهلُهَا مُصلِحوُن ) (٣) ( وَكذَلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذا أَخَذَ القُرَى وَهي ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخذَهُ أَليِمٌ شَدِيدٌ ) (٤) .
وكيف يُنتظر من الدين أن ينتشل الاُمّة من وهدتها وهو عندها حبر على ورق؛ لا يُعمل بأقل القليل من تعاليمه.
إنّ الايمان والأمانة، والصدق والاخلاص، وحسن المعاملة والايثار، وأن يُحب المسلم لاَخيه ما يحِب لنفسه، وأشباهها، من أوّل اُسس دين الاسلام، والمسلمون قد ودَّعوها من قديم أيّامهم إلى حيث نحن الآن، وكلّما تقدمّ بهم الزمن وجدناهم أشتاتاً وأحزاباً وفرقاً، يتكالبون على الدنيا، ويتطاحنون على الخيال، ويكُفِّر بعضهم بعضاً، بالآراء غير المفهومة، أو
____________________
(١) الانفال ٨: ٥٣.
(٢) يونس ١٠: ١٧.
(٣) هود ١١: ١١٧.
(٤) هود ١١: ١٠٢.
الاُمور التي لا تعنيهم، فانشغلوا عن جوهر الدين، وعن ماصالحهم ومصالح مجتمعهم بأمثال النزاع في خلق القرآن، والقول بالوعيد والرجعة وأنّ الجنة والنار مخلوقتان أو سيُخلقان، ونحو هذه النزاعات التي أخذت منهم بالخناق، وكفَّر بها بعضهم بعضاً، وهي إن دلَّت على شيء فإنّما تدلّ على انحرافهم عن سنن الجادّة المعبّدة لهم، إلى حيث الهلاك والفناء.
وزاد الانحراف فيهم بتطاول الزمان، حتى شملهم الجهل والضلال، وانشغلوا بالتوافه والقشور، وبالاتعاب والخرافات والاَوهام، وبالحروب والمجادلات والمباهاة، فوقعوا بالاَخير في هاوية لا قعر لها، يوم تمكَّن الغرب المتيقظ - العدو اللَّدود للاِسلام - من أن يستعمر هذه البقاع المنتسبة إلى الاِسلام، وهي في غفلتها وغفوتها، فيرمي بها في هذه الهوّة السحيقة، ولا يعلم إلاّ الله تعالى مداها ومنتهاها( وَمَا كانَ رَبُّكَ لِيُهلِكَ القُرى بِظُلمٍ وَأهْلُهَا مُصلِحُونَ ) (١) .
ولا سبيل للمسلمين اليوم وبعد اليوم إلاّ أن يرجعوا إلى أنفسهم فيحاسبوها على تفريطهم، وينهضوا إلى تهذيب أنفسهم والاَجيال الآتية بتعاليم دينهم القويمة، ليمحو الظلم والجور من بينهم، وبذلك يتمكّنون من أن ينجو بأنفسهم من هذه الطامة العظمى، ولا بدَّ بعد ذلك أن يملأوا الاَرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، كما وعدهم الله تعالى ورسوله(٢) ،
____________________
(١) هود ١١: ١١٧.
(٢) فقد ذكر عزّ وجلّ في كتابه الحكيم:( وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الْزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الْذِّكْرِ أَنَّ الاَرضْ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّلحُونَ * إِنَّ في هَذَا لَبَلغاً لِقَوْمٍ عبديِنَ ) الاَنبياء ٢١: ١٠٥ - ١٠٦.
وتواتر عن النبيصلىاللهعليهوآله والاَئمّةعليهمالسلام من أنّ المهدي من ولد فاطمة، يظهر في آخر الزمان ليملأ الاَرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. وسيأتي تفصيل الكلام في هذا الموضوع عند بحث «عقيدتنا في المهدي».
وكما هو المترقَّب من دينهم الذي هو خاتمة الاَديان، ولا رجاء في صلاح الدنيا وإصلاحها بدونه.
ولا بدَّ من إمام ينفي عن الاسلام ما علق فيه من أوهام، وأُلصق فيه من بدع وضلالات، وينقذ البشر وينجّيهم ممّا بلغوا إليه من فساد شامل، وظلم دائم، وعدوان مستمر، واستهانة بالقيم الاَخلاقية والاَرواح البشرية، عجَّل الله فرجه وسهَّل مخرجه.
٢٠ - عقيدتنا في مشرِّع الاِسلام
نعتقد: أنّ صاحب الرسالة الاسلامية هو محمد بن عبدالله، وهو خاتم النبيين، وسيِّد المرسَلين، وأفضلهم على الاطلاق، كما أنّه سيِّد البشر جميعاً؛ لا يوازيه فاضل في فضل، ولا يدانيه أحد في مكرمة، ولا يقاربه عاقل في عقل، ولا يشبهه شخص في خلق، وأنّه لعلى خلق عظيم(١) . ذلك من أول نشأة البشر إلى يوم القيامة(٢) .
____________________
(١) وقد قال تعالى فيه:( وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) القلم ٦٨: ٤.
(٢) وقد وصفه الاِمام أمير المؤمنينعليهالسلام في إحدى خطبه، حيث قال: «اختاره من شجرة الاَنبياء، ومشكاة الضياء، وذؤابة العلياء، وسرّة البطحاء، ومصابيح الظلمة، وينابيع الحكمة».
ومن هذه الخطبة قولهعليهالسلام - في وصفه أيضاً - :
«طبيب دوّار بطبّه، قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه؛ يضع من ذلك حيث الحاجة إليه؛ من قلوب عميٍ ، وآذان صمٍّ، وألسنةٍ بكمٍ، متتبّع بدوائه مواضع الغفلة، ومواطن الحيرة، لم يستضيئوا بأضواء الحكمة، ولم يقدحوا بزناد العلوم الثاقبة. فهم في ذلك كالاَنعام السائمة، والصخور القاسية» نهج البلاغة: الخطبة ١٠٨.
٢١ - عقيدتنا في القرآن الكريم
نعتقد: أنّ القرآن هو الوحي الاِلهي المنزَّل من الله تعالى على لسان نبيه الاَكرم فيه تبيان كل شيء، وهو معجزته الخالدة التي أعجزت البشر عن مجاراتها في البلاغة والفصاحة، وفيما احتوى من حقائق ومعارف عالية، لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف(١) .
وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزَّل على النبي، ومن ادّعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط أو مشتبه، وكلّهم على غير هدى؛ فانه كلام الله الذي( لا يَأتيِه البطلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) (٢) .
ومن دلائل إعجازه: أنّه كلّما تقدَّم الزمن، وتقدَّمت العلوم والفنون، فهو باق على طراوته وحلاوته، وعلى سموِّ مقاصده وأفكاره، ولا يظهر فيه خطأ في نظرية علمية ثابتة، ولا يتحمل نقض حقيقة فلسفية يقينية، على العكس من كتب العلماء وأعاظم الفلاسفة، مهما بلغوا في منزلتهم العلمية ومراتبهم الفكرية؛ فانّه يبدو بعض منها - على الاَقل - تافهاً أو نابياً أو مغلوطاً كلّما تقدَّمت الاَبحاث العلمية، وتقدمت العلوم بالنظريات المستحدثة، حتى من مثل أعاظم فلاسفة اليونان كسقراط وأفلاطون وأرسطو الذين اعترف لهم جميع مَن جاء بعدهم بالاَبّوة العلمية، والتفوّق الفكري.
ونعتقد أيضاً: بوجوب احترام القرآن الكريم، وتعظيمه بالقول والعمل، فلا يجوز تنجيس كلماته حتى الكلمة الواحدة المعتبرة جزءً منه
____________________
(١) فقد قال تعالى:( إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الْذّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحفِظونَ ) الحجر ١٥: ٩.
(٢) فصلت ٤١: ٤٢.
على وجه يقصد أنّها جزء منه.
كما لا يجوز لمن كان على غير طاهرة أن يمسّ كلماته أو حروفه( لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرُونَ ) (١) سواء كان محدثاً بالحدث الاَكبر كالجنابة والحيض والنفاس وشبهها، أو محدِثاً بالحدث الاَصغر حتى النوم، إلاّ إذا اغتسل أو توضأ على التفاصيل التي تذكر في الكتب الفقهية.
كما أنّه لا يجوز إحراقه، ولا يجوز توهينه بأيّ ضرب من ضروب التوهين الذي يُعد في عرف الناس توهيناً، مثل رميه، أو تقذيره، أو سحقه بالرجل، أو وضعه في مكان مُستحقَر، فلو تعمَّد شخص توهينه وتحقيره - بفعل واحد من هذه الاَمور وشبهها - فهو معدود من المنكرين للاِسلام وقدسيته، المحكوم عليهم بالمروق عن الدين والكفر بربِّ العالمين.
____________________
(١) الواقعة ٥٦: ٧٩.
٢٢ - طريقة إثبات الإسلام والشرائع السابقة
لو خاصمنا أحد في صحّة الدين الاسلامي، نستطيع أن نخصمه بإثبات المعجزة الخالدة له، وهي القرآن الكريم على ما تقدّم من وجه إعجازه. وكذلك هو طريقنا لإقناع نفوسنا عند ابتداء الشك والتساؤل اللَّذين لا بدَّ أن يمرا على الانسان الحر في تفكيره عند تكوين عقيدته أو تثبيتها.
أمّا الشرائع السابقة، كاليهودية والنصرانية، فنحن قبل التصديق بالقرآن الكريم، أو عند تجريد أنفسنا عن العقيدة الاسلامية، لا حجّة لنا لاِقناع نفوسنا بصحتها، ولا لإقناع المشكّك المتسائل؛ إذ لا معجزة باقية لها كالكتاب العزيز، وما ينقله أتباعها من الخوارق والمعاجز للاَنبياء السابقين فهم متّهمون في نقلهم لها أو حكمهم عليها، وليس في الكتب الموجودة بين أيدينا المنسوبة إلى الاَنبياء كالتوراة والانجيل ما يصلح أن يكون معجزة خالدة تصح أن تكون حجّة قاطعة، ودليلاً مقنعاً في نفسها قبل تصديق الاسلام لها.
وإنّما صحَّ لنا - نحن المسلمين - أن نقرَّ ونصدّق بنبوة أهل الشرائع السابقة، فلاَنّا بعد تصديقنا بالدين الاسلامي كان علينا أن نصدّق بكل ما جاء به وصدّقه، ومن جملة ما جاء به وصدّقه نبوّة جملة من الاَنبياء السابقين على نحو ما مرّ ذكره(١) .
وعلى هذا فالمسلم في غنى عن البحث والفحص عن صحّة الشريعة النصرانية وما قبلها من الشرائع السابقة بعد اعتناقه الاسلام لاَنّ التصديق به
____________________
(١) راجع مبحث «عقيدتنا في الاَنبياء وكتبهم».
تصديق بها، والايمان به إيمان بالرسل السابقين والاَنبياء المتقدّمين، فلا يجب على المسلم أن يبحث عنها ويفحص عن صدق معجزات أنبيائها؛ لاَنّ المفروض أنّه مسلم قد آمن بها بإيمانه بالاسلام، وكفى.
نعم، لو بحث الشخص عن صحّة الدين الاسلامي فلم تثبت له صحّته، وجب عليه عقلاً - بمقتضىوجوب المعرفة والنظر - أن يبحث عن صحّة دين النصرانية؛ لاَنّه هو آخر الاَديان السابقة على الاسلام، فإن فحص ولم يحصل له اليقين به أيضاً وجب عليه أن ينتقل فيفحص عن آخر الاَديان السابقة عليه، وهو دين اليهودية حسب الفرض... وهكذا ينتقل في الفحص حتى يتم له اليقين بصحّة دين من الاَديان، أو يرفضها جميعاً.
وعلى العكس فيمن نشأ على اليهودية أو النصرانية؛ فإنّ اليهودي لا يغنيه اعتقاده بدينه عن البحث عن صحّة النصرانية والدين الاسلامي، بل يجب عليه النظر والمعرفة - بمقتضى حكم العقل - وكذلك النصراني، ليس له أن يكتفي بإيمانه بالمسيحعليهالسلام ، بل يجب أن يبحث ويفحص عن الاسلام وصحّته، ولا يعذر في القناعة بدينه من دون بحث وفحص؛ لاَنّ اليهودية وكذا النصرانية لا تنفي وجود شريعة لاحقة لها ناسخة لاَحكامها، ولم يقل موسى ولا المسيحعليهماالسلام أنه لا نبي بعدي(١) .
فكيف يجوز لهؤلاء النصارى واليهود أن يطمئنّوا إلى عقيدتهم، ويركنوا إلى دينهم قبل أن يفحصوا عن صحّة الشريعة اللاحقة لشريعتهم كالشريعة
____________________
(١) بل على العكس من ذلك؛ حيث كان عيسىعليهالسلام يبشّر بالنبي الذي يأتي من بعده، وقال تعالى في ذلك:( وَإِذْ قَالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ي-بَني إسرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إليْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَورية وَمُبَشرَاً بِرَسولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جَاءَهُمْ بِالبْيِّنتِ قالوا هذا سحْرٌ مُبينٌ ) الصف ٦١: ٦.
النصرانية بالنسبة إلى اليهود، والشريعة الاسلامية بالنسبة إلى اليهود والنصارى، بل يجب - بحسب فطرة العقول - أن يفحصوا عن صحة هذه الدعوى اللاحقة، فإن ثبتت لهم صحتها انتقلوا في دينهم إليها، وإلاّ صحّ لهم - في شريعة العقل - حينئذٍ البقاء على دينهم القديم والركون إليه.
أمّا المسلم - كما قلنا - فإنّه إذا اعتقد بالاسلام لا يجب عليه الفحص؛ لا عن الاَديان السابقة على دينه، ولا عن اللاحقة التي تُدَّعى؛ أمّا السابقة فلاَنّ المفروض أنّه مصدِّق بها، فلماذا يطلب الدليل عليها؟ وإنّما فقط قد حكم له بأنّها منسوخة بشريعته الاسلامية، فلا يجب عليه العمل بأحكامها ولا بكتبها.
وأمّا اللاحقة، فلاَنّ نبي الاسلام محمداًصلىاللهعليهوآله قال: «لا نبيّ بعدي»(١ )ِ وهو الصادق الاَمين كما هو المفروض( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إلاَّ وَحيٌ يُوحى ) (٢) فلماذا يطلب الدليل على صحّة دعوى النبوة المتأخرة إن ادعاها مدع؟
نعم، على المسلم - بعد تباعد الزمان عن صاحب الرسالة، واختلاف المذاهب والآراء، وتشعُّب الفرق والنحل - أن يسلك الطريق الذي يثق فيه أنّه يوصله إلى معرفة الاَحكام المنزَّلة على محمد صاحب الرسالة؛ لاَنّ المسلم مكلَّف بالعمل بجميع الاَحكام المنزَّلة في الشريعة كما اُنزلت.
ولكن كيف يعرف أنّها الاَحكام المنزَّلة كما اُنزلت، والمسلمون مختلفون، والطوائف متفرِّقة، فلا الصلاة واحدة، ولا العبادات متّفقة، ولا
____________________
(١) انظر: صحيح مسلم: ٣/١٤٧١ ح١٨٤٢، مسند أحمد: ٣/٣٢، المعجم الكبير: ٨/١٦١ ح٧٦١٧، سنن البيهقي: ٨/١٤٤، الاَمالي للشيخ المفيد: ٣٣.
(٢) النجم ٥٣: ٣ - ٤.
الاَعمال في جميع المعاملات على وتيرة واحدة!... فماذا يصنع؟ بأيّة طريقة من الصلاة - إذن - يصلّي؟ وبأيّة شاكلة من الآراء يعمل في عباداته ومعاملاته كالنكاح، والطلاق، والميراث، والبيع، والشراء، وإقامة الحدود والديات، وما إلى ذلك؟
ولا يجوز له أن يقلِّد الآباء، ويستكين إلى ما عليه أهله وأصحابه، بل لا بدَّ ان يتيقّن بينه وبين نفسه، وبينه وبين الله تعالى؛ فإنه لا مجاملة هنا ولا مداهنة، ولا تحيّز ولا تعصُّب.
نعم، لا بدَّ أن يتيقّن بأنّه قد اخذ بأمثل الطرق التي يعتقد فيها بفراغ ذمته بينه وبين الله من التكاليف المفروضة عليه منه تعالى، ويعتقد أنّه لا عقاب عليه ولا عتاب منه تعالى بأتّباعها وأخذ الاَحكام منها. ولا يجوز أن تأخذه في الله لومة لائم( أَيَحسَبُ الاِنسنُ أَن يُترَكَ سُدىً ) (١) ( بل الاِنسنُ على نَفسِهِ بَصِيرَةٌ ) (٢) ( إنَّ هَذِهِ تَذكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبيلاً ) (٣) .
وأوّل ما يقع التساؤل فيما بينه وبين نفسه أنّه هل يأخذ بطريقة آل البيت أو يأخذ بطريقة غيرهم؟ وإذا اخذ بطريقة آل البيت، فهل الطريقة الصحيحة طريقة الامامية الاثني عشرية أو طريقة من سواهم من الفِرق الاُخرى؟ ثمّ إذا أخذ بطريقة أهل السنَّة فمن يقلِّد؛ من المذاهب الاَربعة أو من غيرهم من المذاهب المندرسة؟ هكذا يقع التساؤل لمن اُعطي الحريّة في التفكير والاختيار؛ حتى يلتجىء من الحق إلى ركن وثيق.
ولاجل هذا وجب علينا - بعد هذا - أن نبحث عن الاِمامة، وأن نبحث عمّا يتبعها في عقيدة الامامية الاثني عشرية.
____________________
(١) القيامة ٧٥: ٣٦.
(٢) القيامة ٧٥: ١٤.
(٣) المزمل ٧٣: ١٩.
الفصل الثالث
الامامة
عقيدتنا في الامامة
عقيدتنا في عصمة الاِمام
عقيدتنا في صفات الاِمام وعلمه
عقيدتنا في طاعة الاَئمّة
عقيدتنا في حبّ آل البيت
عقيدتنا في الاَئمّة
عقيدتنا في أنّ الاِمامة بالنص
عقيدتنا في عدد الاَئمّة
عقيدتنا في المهدي
عقيدتنا في الرجعة
عقيدتنا في التقيّة
٢٣ - عقيدتنا في الاِمامة
نعتقد: أنّ الامامة أصل من اُصول الدين(١) لا يتم الاِيمان إلاّ بالاعتقاد بها، ولا يجوز فيها تقليد الآباء والاَهل والمربّين مهما عظموا
____________________
(١) الاِمامة: هي الاَصل الرابع من أصول الدين عند الشيعة الاِمامية، وتأتي من بعد النبوّة من حيث الاَهمية، ويمكن اعتبارها القاعدة العقائدية التي بها يتميّز الامامية عن غيرهم من المذاهب الاسلامية، وتعتبر الاِمامة الاَساس الفكري الذي يبتني عليه مذهب أتباع أهل البيتعليهمالسلام .
والامامة في اللغة هي: عبارة عن تقدّم شخص ليتبعه الناس ويقتدون به، فيكون المقتدى هوالامام والمقتدون هم المأمومون. فالاِمام: المؤتم به إنساناً، كأن يقتدي بقوله أو فعله، وجمعه: أئمة.
ووردت كلمة إمام في القرآن في اثني عشر مورداً؛ منها بلفظ المفرد في سبعة موارد هي في: (سورة البقرة ٢: ١٢٤، هود ١١: ١٧، الحجر ١٥: ٧٩، الاسراء ١٧: ٧١، الفرقان ٢٥: ٧٤، يس ٣٦: ١٢، الاَحقاف ٤٦: ١٢).
وبلفظ الجمع في خمسة مواضع هي: (التوبة ٩: ١٢، الاَنبياء ٢١: ٧٣، القصص ٢٨: ٥ و٤١، السجدة ٣٢: ٢٤).
أما المعنى الاصطلاحي لكلمة الامامة فهي: منصب إلهي يختاره الله بسابق علمه بعباده كما يختار النبي، ويأمر النبي بأن يدلّ الاَمّة عليه ويأمرهم باتّباعه، وليس للعباد أن يختاروا الامام بأنفسهم:( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الخِيَرَةَ ) القصص ٢٨: ٦٨. ويختلف الامام عن النبي بأنّ النبي ويوحى إليه والامام يتلقّى الاَحكام من النبي بتسديد إلهي. فالنبي مبلّغ عن الله، والامام مبلّغ عن النبي. هذا ما يعتقده الامامية.
أما عند المذاهب الاخرى فالامامة هي: رئاسة عامّة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبيصلىاللهعليهوآله وأحكامه في الفروع.
ولمزيد من الاطلاع راجع: كتب اللغة، أصل الشيعة واصولها: ٢١٠ و٢٢١، العقائد الجعفرية: ٢٧، الملل والنحل للشهرستاني: ١/٣٣، شرح المقاصد: ٥/٢٣٢. وغيرها.
وكبروا، بل يجب النظر فيها كما يجب النظر في التوحيد والنبوّة.
وعلى الاَقل أنّ الاعتقاد بفراغ ذمّة المكلَّف من التكاليف الشرعية المفروضة عليه يتوقّف على الاعتقاد بها ايجاباً أو سلباً، فإذا لم تكن أصلاً من الاُصول لا يجوز فيها التقليد؛ لكونها أصلاً، فإنّه يجب الاعتقاد بها من هذه الجهة، أي من جهة أنّ فراغ ذمة المكلَّف من التكاليف المفروضة عليه قطعاً من الله تعالى واجب عقلاً، وليست كلّها معلومة من طريقة قطعية، فلا بدَّ من الرجوع فيها إلى من نقطع بفراغ الذمة باتّباعه، أمّا الامام على طريقة الامامية، أو غيره على طريقة غيرهم.
كما نعتقد: أنّها كالنبوَّة لطف من الله تعالى؛ فلا بدَّ أن يكون في كل عصر إمام هادٍ يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر(١) وارشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامّة على الناس، لتدبير شؤونهم ومصالحهم، وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم.
وعلى هذا، فالامامة استمرار للنبوّة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الاَنبياء هو نفسه يوجب أيضاً نصب الاِمام بعد الرسول.
فلذلك نقول: إنّ الامامة لا تكون إلاّ بالنص من الله تعالى على لسان النبي أو لسان الاِمام الذي قبله، وليست هي بالاختيار، والانتخاب من
____________________
(١) فقد قال تعالى:( إنَّا أَرْسَلْنكَ بِاْلحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلاّ خَلا فيها نَذِيرٌ ) فاطر ٣٥ : ٢٤.
ووردت أحاديث كثيرة تدلّ على أنّ الاَرض لا تخلو من حجّة. راجع الاصول من الكافي: ١/ ١٣٦ باب أنّ الاَرض لا تخلو من حجّة و١٣٧ باب أنّه لو لم يبق في الاَرض إلاّ رجلان لكان أحدهما الحجة. وغيرها.
الناس(١) ، فليس لهم إذا شاؤوا ينصبوا أحدا نصّبوه ، واذا شاء وا أن يعيّنوا إمام لهم عيّنوه ، ومتى شاؤوا أن يتركوا تعيينه تركوه، ليصح لهم البقاء بلا إمام، بل «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة»(٢) على ما ثبت
____________________
(١) فقد اشتهر بين علماء الاسلام أنهم بين قولين لا ثالث لهما حول تنصيب الامام؛ فهم بين قائل بأنّ الامامة بالرأي والاختيار، وبين قائل بأنّها من العزيز الجبار. وبطلان الاَول متفق عليه عند الشيعة الامامية، حيث أنّ الامام يجب أن يكون بتعيين الله عزّ وجلّ، ويدلّ عليه النبي بأن يوصي بطاعته من بعده - كما فعلصلىاللهعليهوآله في غدير خم - ومن ثمّ يوصي الامام بالامام الذي يليه وهكذا. أو يكون بظهور المعجزة على يده؛ لاَنّ شرط الامامة العصمة وهي من الامور الخفيّة الباطنيّة التي لا يعلمها إلاّ الله تعالى.
أما المذاهب الاخرى - غير الامامية - فقالوا: إنّ الامامة لا يشترط فيها استخلاف النبي وعهده، بل قد تكون بالمبايعة، وهي أن يبايع أهل الحل والعقد شخصاً يجعلونه إماماً - وهذا يبتني على عدم اشتراط العصمة في الامام - ولا يشترط أن يتفق الجميع على بيعته، بل قد تكفي مبايعة شخص واحد فقط. وإذا لم تتم البيعة فهنالك طريق آخر لتنصيب الامام هو: القهر والاستيلاء؛ فإذا مات الامام وتصدّى للامامة من يستجمع شرائطها من غير بيعة ولا استخلاف وقهر الناس بشوكته انعقدت الخلافة له، حتى وإن كان فاسقاً جاهلاً جائراً ظالماً، وقالوا أنّه لا يجوز عزل الامام حتى وإن كان فاسقاً، لكن لو جاء من هو أقوى منه فعزله وقهره انعزل وصار القاهر إماماً.
فهل يرضى العاقل لنفسه الانقياد إلى مذهب ويوجب إمامة الفاسق والجائر والجاهل لا لسبب، إلاّ لاَنّه الاَقوى والاَقدر على قهر غيره ولو بالفسق والجريمة؟!
ولا يجوز عزله إلاّ بمن هو أقوى منه فيقهره فيكون إماماً عليه بعد أن كان مأموماً له؟! وهل هذا هو الامام الذي من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية؟! وأين هذا المذهب من قوله تعالى:( أفَمنْ يَهْدِي إِلى الحْقِّ أَحقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهْدي إلاَّ أَنْ يُهدَى فَمالَكُم كَيْفَ تَحْكُموُنَ ) يونس ١٠: ٣٥.
ولمزيد من الاطلاع راجع: نهج الحق وكشف الصدق: ١٦٨، شرح المقاصد للتفتازاني: ٥: ٢٣٣، التمهيد للباقلاني: ١٨٦، أصل الشيعة واصولها: ٢٢١، عقائد الجعفرية: ٢٩.
(٢) انظر: الكافي: ١/٣٧٧ ح٣، المحاسن: ١/١٧٦ ح٢٧٣، عيون أخبار الرضا (عليه
ذلك عن الرسول الاَعظم بالحديث المستفيض.
وعليه لا يجوز أن يخلو عصر من العصور من إمام مفروض الطاعة، منصوب من الله تعالى؛ سواء أبى البشر أم لم يأبوا، وسواء ناصروه أم لم يناصروه، أطاعوه أم لم يطيعوه، وسواء كان حاضراً أم غائباً عن أعين الناس؛ إذ كما يصح أن يغيب النبي - كغيبته في الغار(١) والشعب(٢) - صحَّ أن يغيب الامام، ولا فرق في حكم العقل بين طول الغيبة وقصرها.
قال الله تعالى:( وَلِكُلِ قومٍ هَادٍ ) .(٣)
وقال:( وإِن مِن أُمّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيها نَذِيرٌ ) (٤)
____________________
=
السلام):٢/٥٨ ح٢١٤، إكمال الدين: ٤١٣ ح١٥، الغيبة للنعماني: ١٣٠ ح٦، رجال الكشي: ٢/٧٢٤ ح٧٩٩، مسند الطيالسي: ٢٥٩/١٩١٣، حلية الاَولياء: ٣/٢٢٤، المعجم الكبير للطبراني: ١٠/٣٥٠ ح١٠٦٨٧، مستدرك الحاكم: ١/٧٧، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٩/١٥٥، ينابيع المودة: ٣/١٥٥، مجمع الزوائد: ٥/٢٢٤، مسند أحمد: ٤/٩٦.
(١) وهي غيبته التي قال فيها عزّ وجلّ:( إلاّ تَنْصرُوُهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إذْ أَخْرَجَهُ الَّذينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنيَنِ إذ هُما في الغَارِ إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِه لاَ تَحْزَنْ إنَّ الله مَعَنَا فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأيَّدَهُ بجُنِودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَروُا السُّفْلَى وكَلِمَةُ الله هيَ العُلْيا وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) التوبة ٩: ٤٠.
(٢) الشِعب: هو ما انفرج بين جبلين. والمقصود به هنا هو شعب أبي طالب (رض) الذي دخله بنو هاشم ومعهم بنو عبد المطّلب بن عبد مناف - باستثناء أبي لهب - واستمرّوا فيه إلى السنة العاشرة حيث استمرت هذه المحنة سنتين أو ثلاثاً، ووضعت قريش عليهم الرقباء حتّى لا يأتيهم أحد بالطعام. وكانوا ينفقون من أموال خديجة وأبي طالب حتى نفدت. ولم يكونوا يخرجون من الشِعب إلاّ في موسم العمرة في رجب وموسم الحج. وكان خلال هذه الفترة يخرج عليعليهالسلام فيأتيهم بالطعام سرّاً من مكّة.
راجع: الصحيح في سيرة النبي: ٢/١٠٨، لسان العرب: ١/٤٩٩.
(٣) الرعد ١٣: ٧.
(٤) فاطر ٣٥: ٢٤.
٢٤ - عقيدتنا في عصمة الإمام
ونعتقد: أنّ الاِمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، من سنِّ الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً.
كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان؛ لاَنّ الاَئمّة حفظة الشرع، والقوَّامون عليه، حالهم في ذلك حال النبي، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الاَنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الاَئمة، بلا فرق(١) .
ليس على الله بمُستنكَرِ |
أنْ يَجمعَ العالَمَ في واحدِ(٢) |
____________________
(١) ولو لم يكونوا معصومين لما كانوا يستحقّون أن يكونوا خلفاء النبيصلىاللهعليهوآله ، ولاَنّ عدم عصمتهم يلزم منه التسلسل؛ حيث أنّ سبب الحاجة إلى الامام بعد النبي هو عدم عصمة الناس، فيحتاجون إلى من يرشدهم ويدلّهم على الطريق السوي، فإذا لم يكن هذا المرشد معصوماً لاحتاج إلى غيره، وهذا يؤدّي إلى وجوب وجود ما لانهاية من الاَئمة.
راجع: أوائل المقالات - للشيخ المفيد - القول ٣٧، تجريد الاعتقاد: ٢٢٢.
(٢) البيت لاَبي نواس في ديوانه، راجع: دلائل الاعجاز: ١٩٦ (٢١٨) و: ٤٢٤ (٤٩٩)، و: ٤٢٨ (٥٠٢).
٢٥ - عقيدتنا في صفات الاِمام وعلمه
ونعتقد: أنّ الاِمام كالنبي يجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال، من شجاعة، وكرم، وعفّة، وصدق، وعدل، ومن تدبير، وعقل وحكمة وخلق.
والدليل في النبي هو نفسه الدليل في الامام...
أمّا علمه؛ فهو يتلقّى المعارف والاَحكام الاِلهية وجميع المعلومات من طريق النبي أو الاِمام من قبله.
وإذا استجدّ شيء لا بدَّ أن يعلمه من طريق الاِلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه، فإنْ توجّه إلى شيء وشاء أن يعلمه على وجهه الحقيقي، لا يخطىَ فيه ولا يشتبه، ولا يحتاج في كلّ ذلك إلى البراهين العقلية، ولا إلى تلقينات المعلِّمين(١) ، وإن كان علمه قابلاً للزيادة والاشتداد، ولذا قالصلىاللهعليهوآله في دعائه: «رَبِّ زدني علماً»(٢) .
أقول: لقد ثبت في الاَبحاث النفسيّة أنّ كل انسان له ساعة أو ساعات في حياته قد يعلم فيها ببعض الاَشياء من طريق الحدس الذي هو فرع من الاِلهام؛ بسبب ما أودع الله تعالى فيه من قوّة على ذلك، وهذه القوّة تختلف
____________________
(١) لاَنه - بطبيعة الحال - لو احتاج إلى معلّم يلقّنه ويعلّمه لكان ذلك الشخص أعلم منه في تلك المسألة التي علّمه إياها - على أقل التقديرات - فيكون هو إمامه وعليه أن يتّبعه ويلتزم بقوله، وفي نفس الوقت يكون هذا المعلم يحتاج إلى من يعلمه وهكذا، فيلزم التسلسل. ولذلك يفترض في الامام أن يكون أعلم الموجودين في زمانه ولا يحتاج إلى تعليم من أحد منهم.
(٢) تضمين قوله تعالى:( وَقُلْ ربِّ زِدْنِي عِلْماً ) : طه ٢٠: ١١٤.
شدّة وضعفاً، وزيادة ونقيصة في البشر باختلاف أفرادهم، فيطفر ذهن الانسان في تلك الساعة إلى المعرفة من دون أن يحتاج إلى التفكير وترتيب المقدّمات والبراهين أو تلقين المعلّمين، ويجد كل إنسان من نفسه ذلك في فرص كثيرة في حياته.
وإذا كان الاَمر كذلك، فيجوز أن يبلغ الانسان من قوّته الالهامية أعلى الدرجات وأكملها، وهذا أمر قرَّره الفلاسفة المتقدّمون والمتأخرون.
فلذلك نقول - وهو ممكن في حدِّ ذاته - : إنّ قوّة الالهام عند الامام - التي تسمّى بالقوة القدسية - تبلغ الكمال في أعلى درجاته، فيكون في صفاء نفسه القدسية على استعداد لتلقّي المعلومات في كلّ وقت وفي كل حالة، فمتى توجَّه إلى شيء من الاَشياء وأراد معرفته استطاع علمه بتلك القوّة القدسية الالهامية بلا توقّف ولا ترتيب مقدمات ولا تلقين معلِّم، وتنجلي في نفسه المعلومات كما تنجلي المرئيات في المرآة الصافية، لاغطش فيها ولا إبهام.
ويبدو واضحاً هذا الاَمر في تاريخ الاَئمّةعليهمالسلام كالنبي محمدصلىاللهعليهوآله ؛ فإنّهم لم يتربَّوا على أحد، ولم يتعلَّموا على يد معلِّم، من مبدأ طفولتهم إلى سن الرشد، حتى القراءة والكتابة، ولم يثبت عن أحدهم انه دخل الكتاتيب، أو تلمذ على يد استاذ في شيء من الاشياء، مع ما لهم من منزلة علمية لا تجارى(١) وما سُئلوا عن شيء إلا أجابوا عليه في
____________________
(١) وقد قال أمير المؤمنينعليهالسلام : «رسول اللهصلىاللهعليهوآله علّمني ألف باب، وكلّ باب منها يفتح ألف باب، فذلك ألف ألف باب، حتّى علمت ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وعلمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب» الكافي: ١/٢٣٩، ينابيع المودة ١/٧٥.
وقالعليهالسلام : «والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه
=
وقته، ولم تمر على ألسنتهم كلمة (لا أدري)(١) ، ولا تأجيل الجواب إلى المراجعة أو التأمّل أو نحو ذلك(٢) .
في حين أنّك لا تجد شخصاً مترجماً له من فقهاء الاِسلام ورواته وعلمائه إلاّ ذكرت في ترجمته تربيته وتلمذته على غيره، وأخذه الرواية أو العلم على المعروفين، وتوقّفه في بعض المسائل، أو شكِّه في كثير من المعلومات، كعادة البشر في كلِّ عصر ومصر.
____________________
=
لفعلت، ولكن أخاف أن تكفروا فيّ برسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ألا وإنّي مفضيه إلى الخاصة ممّن يؤمن ذلك منه. والذي بعثه بالحق واصطفاه على الخلق ما أنطق إلاّ صادقاً، وقد عهد إليّ بذلك كله وبمهلك من يهلك ومنجى من ينجو ومآل هذا الاَمر، وما أبقى شيئاً يمر على رأسي إلاّ أفرغه في اذني وأفضى به إليّ» نهج البلاغة: الخطبة ١٧٥.
وغيرها من الروايات والاَحاديث الدالة على أنّ علمهمعليهمالسلام من الله عن طريق النبيصلىاللهعليهوآله .
(١) وقد ورد في الحديث عن هشام بن الحكم، عن الامام الصادقعليهالسلام أنّه قال: «إنّ الله لا يجعل حجّته في أرضه يُسأل عن شيء فيقول لا أدري» الكافي: ١/١٧٧ ذيل الحديث١، التنبيه: ٣٢.
(٢) بل اشتهر عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه كان يقول: «أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني، فلاَنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الاَرض» نهج البلاغة: الخطبة: ١٨٤.
٢٦ - عقيدتنا في طاعة الاَئمّة
ونعتقد: أنّ الاَئمة هم أولو الاَمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم(١) ، وأنّهم الشهداء على الناس(٢) ، وأنّهم أبواب الله، والسبل إليه، والاَدلاّء عليه(٣) ، وأنّهم عيبة علمه، وتراجمة وحيه، وأركان توحيده، وخُزّان معرفته(٤) ، ولذا كانوا أماناً لاَهل الاَرض كما أنّ النجوم أمان لاَهل السماء - على حد تعبيرهصلىاللهعليهوآله (٥) -.
____________________
(١) إشارة إلى قوله تعالى:( يأَيُّها الّذِينَ آمَنوُا أَطِيعوُا اللهَ وأطيعوُا الرَّسُولَ وأُوْلِي الاَمْرِ منْكُمْ فَإنْ تَنَزَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَّسُولِ إِن كُنْتُم تُؤمِنُونَ باللهِ وَاليومِ الاَخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأوِيلاً ) النساء ٤: ٥٩.
(٢) فقد ورد عن الامام الباقرعليهالسلام وعن الامام أبي عبدالله الصادقعليهالسلام أنّهم قالوا: «نحن الاَمة الوسط، ونحن شهداء الله على خلقه» الكافي: ١/١٤٦ ح٢ و٤، حيث ورد قوله تعالى:( وَكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) البقرة ٢: ١٤٣.
(٣) حيث أنّهم هم الاَئمة بالحق، وقد تواتر عن النبي قوله: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية». انظر: عقيدتنا في الامامة.
وورد عن أمير المؤمنينعليهالسلام قوله: «إنّ الله تبارك وتعالى لو شاء لعرّف العباد نفسهُ، ولكن جعلنا أبوابه، وصراطه، وسبيله، والوجه الذي يؤتى منه، فمن عدل عن ولايتنا أو فضّل علينا غيرنا فانّهم عن الصراط لناكبون» الكافي: ١/١٨٤.
(٤) ورد عن الاِمام الباقرعليهالسلام : «نحن خزّان علم الله، ونحن تراجمة وحي الله، ونحن الحجة البالغة على من دون السماء ومن فوق الاَرض» الكافي: ١/١٩٢.
وورد - أيضاً - عن الامام الصادقعليهالسلام قوله: «نحن ولاة أمر الله، وخزنة علم الله وعيبة وحي الله» الكافي: ١/١٩٢.
(٥) انظر: صحيفة الامام الرضاعليهالسلام : ٤٧ ح٦٧، عيون أخبار
=
وكذلك - على حدِّ قوله أيضاً - «إنّ مثلهم في هذه الاُمّة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى»(١)
وأنّهم - حسبما جاء في الكتاب المجيد -( بَلْ عِبادٌ مُكرَمُون * لا يَسبِقُونَهُ بالقَولِ وَهُم بأَمرِه يَعمَلُونَ ) (٢) .
وأنّهم الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً(٣) .
____________________
=
الرضاعليهالسلام : ٢/٢٧ ح١٤، علل الشرائع: ١٢٣ ح١، إكمال الدين: ١/٢٠٥ ح١٩، فضائل أحمد: ١٨٩/٢٦٧، المعجم الكبير للطبراني: ٧/٢٥ ح٦٢٦٠، المطالب العالية: ٤/٧٤ ح٤٠٠٢، إحياء الميت بفضائل أهل البيتعليهمالسلام للسيوطي: ٤٢ ح٢١، ذخائر العقبى: ١٧، فرائد السمطين: ٢/٢٤١ ح٥١٥، كنز العمال: ١٢/١٠١ ح٣٤١٨٨، مستدرك الحاكم: ٣/١٤٩، مجمع الزوائد: ٩/١٧٤، الصواعق المحرقة: ٢٣٤.
(١) انظر: إكمال الدين: ٢٣٩ ذيل الحديث ٥٩، الاَمالي للطوسي: ٦٠ ح٨٨/٥٧ و٤٥٩ ح١٠٢٦/٣٢، عيون الاَخبار لابن قتيبة: ١/٣١٠، مستدرك الحاكم: ٢/٣٤٣ و٣/١٥٠، حلية الاَولياء: ٤/٣٠٦، تاريخ بغداد: ١٢/٩١ ح٦٥٠٧، مقتل الحسين للخوارزمي: ١/١٠٤، المعجم الكبير للطبراني: ١٢/٣٤ ح١٢٣٨٨، المعجم الصغير للطبراني: ٢/٢٢، المناقب لابن المغازلي: ١٣٢ - ١٣٤ ح١٧٣ - ١٧٧، ارجح المطالب: ٤/٧٥ ح٤٠٠٣، ٤٠٠٤، ذخائر العقبى: ٢٠، الخصائص الكبرى: ٢/٢٦٦، إحياء الميت بفضائل أهل البيتعليهمالسلام للسيوطي: ٤٥ ح٢٤ - ٢٧، فرائد السمطين: ٢/٢٤٢ ح٥١٦، كنز العمال: ١٢/٩٥ ح٣٤١٥١، مجمع الزوائد: ٩/١٦٨، الصواعق المحرقة: ٢٣٤.
(٢) الاَنبياء ٢١: ٢٦ - ٢٧.
(٣) أجمع المفسرون، وروي عن أئمة أهل البيت وكثير من الصحابة أنّ قوله تعالى:( إِنَّمَا يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطْهِيراً ) الاَحزاب ٣٣: ٣٣. نزل في رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام . وإلى هذا أشار المصنّفقدسسره .
وللاطّلاع: راجع: نهج الحق: ١٧٣، شواهد التنزيل للحسكاني: ٢/١٠ - ١٩٢، الدر
=
بل نعتقد: أنّ أمرهم أمر الله تعالى، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ووليّهم وليّه، وعدوَّهم عدوّه(١) .
ولا يجوز الرد عليهم والراد عليهم كالراد على الرسول، والراد على الرسول كالراد على الله تعالى(٢) .
فيجب التسليم لهم والانقياد لاَمرهم والاَخذ بقولهم.
ولهذا نعتقد: أنّ الاَحكام الشرعية الاِلهية لا تستقى إلاّ من نمير مائهم، ولا يصحّ أخذها إلاّ منهم، ولا تفرغ ذمّة المكلَّف بالرجوع إلى غيرهم، ولا يطمئنّ بينه وبين الله إلى أنّه قد أدّى ما عليه من التكاليف المفروضة إلاّ من طريقهم(٣) إنّهم كسفينة نوح؛ من ركبها نجا، ومن تخلَّف
____________________
=
المنثور: ٥/١٩٨، مشكل الآثار: ١/٣٣٢، مجمع الزوائد: ٩/١٢١. مسند أحمد بن حنبل: ١/٣٣٠ و٤/١٠٧ و٦/٢٩٢، الصواعق المحرقة: ٨٥، تفسير الطبري: ٢٢/٥، أُسد الغابة: ٤/٢٩، خصائص النسائي: ٤، الغدير: ١/٤٩ و: ٣/١٩٥ و: ٥/٤١٦، احقاق الحق: ٢/٥٠١ - ٥٥٣ و: ٣/٥٣١ - ٥٥١ و: ٥/٥٤ و٥٨ - ٦٠ و: ٩/١ - ٦٩ و: ١٨/٣٥٩ - ٣٨٣، دلائل الصدق: ٢/١٠٣، صحيح مسلم: ٤/١٨٨٣، سنن الترمذي: ٥/٣٥١، تفسير ابن كثير: ٣/٤٩٣.
(١) حيث قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حق عليعليهالسلام في حديث الغدير: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وادر الحق معه كيفما دار». وسيأتي الكلام عنه في مبحث عقيدتنا في أنّ الامامة بالنص.
(٢) بما أنّ الامام منصّب من قبل الرسولصلىاللهعليهوآله ، وبما أنّ الرسول قال نصاً: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» فهذا يقتضي أنّ طاعة الامام هي طاعة الرسول، والراد عليه كالراد على الرسول، وقد قال تعالى:( مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ) النساء: ٤: ٨٠.
(٣) فقد ورد عن أبي حمزة الثمالي، عن السجادعليهالسلام : «قال لنا علي بن الحسينعليهالسلام : أي البقاع أفضل؟ فقلنا: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، فقال لنا: افضل البقاع ما بين الركن والمقام، ولو أنّ رجلاً عمّر ما عمّر نوح في قومه - ألف سنة إلاّ خمسين عاماً - يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك المكان ثم لقى الله بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئاً». من لا يحضره
=
عنها غرق في هذا البحر المائج الزاخر بأمواج الشبه والضلالات، والادّعاءات والمنازعات.
ولا يهمّنا من بحث الامامة في هذه العصور إثبات أنّهم هم الخلفاء الشرعيون وأهل السلطة الإلهية؛ فإنّ ذلك أمر مضى في ذمّة التأريخ، وليس في إثباته ما يعيد دورة الزمن من جديد، أو يعيد الحقوق المسلوبة إلى أهلها، وإنّما الذي يهمّنا منه ما ذكرنا من لزوم الرجوع إليهم في الاَخذ بأحكام الله الشرعية، وتحصيل ما جاء به الرسول الاَكرم على الوجه الصحيح الذي جاء به.
وإنّ في أخذ الاَحكام من الرواة والمجتهدين الذين لا يستقون من نمير مائهم، ولا يستضيئون بنورهم، ابتعاداً عن محجّةالصواب في الدين، ولا يطمئن المكلَّف من فراغ ذمته من التكاليف المفروضة عليه من الله تعالى؛ لاَنّه مع فرض وجود الاختلاف في الآراء بين الطوائف والنحل فيما يتعلَّق بالاَحكام الشرعية اختلافاً لا يرجى معه التوفيق، لا يبقى للمكلَّف مجال أن يتخيَّر ويرجع إلى أي مذهب شاء ورأي اختار، بل لا بدَّ له أن يفحص
____________________
=
الفقيه: ٢/١٥٩ ح١٧، عقاب الاعمال: ٢٤٣ ح٢، الاَمالي للطوسي: ١٣٢ ح٢٠٩/٢٢، وسائل الشيعة: ١/١٢٢ ح ٣٠٨، وكذا كافة أحاديث الباب ٢٩ من أبواب مقدمة العبادات في الوسائل: ١.
وأورد الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ج٢ ح١٤١ الحديث التالي: عن أبي أمامة الباهلي: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ الله خلق الاَنبياء من أشجار شتى وخلقت وعلي من شجرة واحدة، فأنا أصلها، وعلي فرعها، والحسن والحسين ثمارها، وأشياعنا أوراقها فمن تعلّق بغصن من أغصانها نجا، ومن زاغ هوى، ولو أنّ عبداً عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام، ثمّ ألف عام، حتى يصير كالشن البالي، ثمّ لم يدرك محبتنا أكبّه الله على منخريه في النار، ثمّ قرأصلىاللهعليهوآله :( قُلْ لاَ أَسئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الْمَوَدَّةَ في القُربَى ) [الشورى ٤٢: ٢٣]».
ويبحث، حتى تحصل له الحجة القاطعة بينه وبين الله تعالى على تعيين مذهب خاص يتيقّن أنّه يتوصِّل به إلى أحكام الله، وتفرغ به ذمّته من التكاليف المفروضة؛ فإنّه كما يقطع بوجود أحكام مفروضة عليه يجب أن يقطع بفراغ ذمّته منها؛ فان الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.
والدليل القطعي دالّ على وجوب الرجوع إلى آل البيت، وأنّهم المرجع الاَصلي بعد النبي لاَحكام الله المنزلة، وعلى الاَقل قوله عليه أفضل التحيات: «إنّي قد تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً؛ الثقلين، وأحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الاَرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»(١)
وهذا الحديث اتّفقت الرواية عليه من طرق أهل السنَّة والشيعة.
فدقّق النظر في هذا الحديث الجليل تجد ما يقنعك ويدهشك في مبناه ومعناه، فما أبعد المرمى في قوله: «إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي
____________________
(١) انظر: سنن الترمذي: ٥/٦٦٣ ح٣٧٨٨، مسند أحمد: ٣/١٤ و١٧ و: ٢٦، ٥/١٨٢ و١٨٩، سنن الدارمي: ٤٣١، المصنف لابن أبى شيبة: ١١/٤٥٢ ح١١٧٢٥، السنّة لابن أبي عاصم: ٢/٣٣٦ ح٧٥٤ و: ٦٢٨ - ٦٣٠ ح١٥٤٨ و١٥٤٩ و١٥٥٣ - ١٥٥٥، طبقات ابن سعد: ٢/١٩٤، مشكل الآثار: ٤/٣٦٨، مستدرك الحاكم: ٣/١٠٩ و١٤٨، حلية الاَولياء: ١/٣٥٥، المعجم الكبير للطبراني: ٥/١٥٣ - ١٥٤ ح ٤٩٢١ - ٤٩٢٣ و: ١٦٩ - ١٧٠ ح٤٩٨٠ - ٤٩٨٢ والمعجم الصغير: ١/١٣١، المناقب لابن المغازلي: ٢٣٤ - ٢٣٥ ح٢٨١ - ٢٨٣، مصابيح السنة: ٤/١٩٠ ح٤٨١٦، جامع الاصول: ١/٢٧٨، اُسد الغابة: ٢/١٢، ذخائر العقبى: ١٦، إحياء الميت بفضائل أهل البيتعليهمالسلام للسيوطي: ٣٠ - ٣٢ ح٦ - ٨ مجمع الزوائد: ١/١٧٠ و٩/١٦٢، كنز العمال: ١/١٧٢ - ١٧٣ ح٨٧٠ - ٨٧٣ و٨٧٥ - ٨٧٦ و١٨٥ - ١٨٦ ح٩٤٣ - ٩٤٥ و٩٤٧، ٩٤٩ و: ١٨٧ ح ٩٥٢ - ٩٥٣، صحيح مسلم: ٤/١٨٧٣ ح٣٦ و٣٧، تفسير الرازي: ٨/١٦٣، تفسير ابن كثير: ٤/١٢٢.
أبداً» والذي تركه فينا هما الثقلان معاً؛ إذ جعلهما كأمر واحد، ولم يكتف بالتمسُّك بواحد منهما فقط، فبهما معاً لن نضل بعده أبداً.
وما أوضح المعنى في قوله: «لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»، فلا يجد الهداية أبداً من فرَّق بينهما ولم يتمسّك بهما معاً، فلذلك كانوا «سفينة النجاة»، و«أماناً لاَهل الاَرض»، ومن تخلَّف عنهم غرق في لجج الضلال، ولم يأمن من الهلاك.
وتفسير ذلك بحبّهم فقط من دون الاَخذ بأقوالهم واتّباع طريقهم هروب من الحق، لا يلجىء إليه إلاّ التعصُّب والغفلة عن المنهج الصحيح في تفسير الكلام العربي المبين.
٢٧ - عقيدتنا في حبّ آل البيت
قال الله تعالى:( قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلْيِه أَجْراً إلاَّ الْمَوَدَّةَ في الْقُربى ) (١) .
نعتقد: أنّه زيادة على وجوب التمسُّك بآل البيت، يجب على كل مسلم أن يدين بحبّهم ومودّتهم؛ لاَنّه تعالى في هذه الآية المذكورة حصر المسؤول عليه الناس في المودة في القربى.
وقد تواتر عن النبيصلىاللهعليهوآله : أنّ حبهم علامة الايمان، وأنّ بغضهم علامة النفاق(٢) وأن من أحبّهم أحب الله ورسوله، ومن أبغضهم أبغض الله ورسوله(٣) .
____________________
(١) الشورى ٤٢: ٢٣. وقد ورد عن ابن عباس قال: لما نزل:( قُل لاَ أَسْئَلُكُمْ عَلْيِه أَجْراً إلاّ الْمَوَدَّةَ في الْقُربى ) قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: «علي وفاطمة والحسن والحسين».
لزيادة الاطلاع راجع: الدر المنثور: ٦/٧، تفسير الطبري: ٢٥/١٤، مستدرك الحاكم: ٢/٤٤٤، مسند أحمد: ١٩٩، ينابيع المودّة: ١٥، الصواعق المحرقة: ١١ و١٠٢، ذخائر العقبى: ٢٥ ومصادر اُخرى.
(٢) انظر: فضائل أحمد: ١٧٦ ح٢٤٨، ذخائر العقبى: ١٨، كنوز الحقائق للمناوي: ١٣٤، احياء الميت بفضائل أهل البيتعليهمالسلام : ٣٥ ح١٣، مسند أحمد: ١/٨٤، ٩٥، ١٢٨، صحيح مسلم: ١/٨٦ ح١٣١، التاج الجامع للاصول: ٣/٣٣٥، سنن الترمذي: ٢/٣٠١، سنن النسائي: ٨/١١٧، الصواعق المحرقة: ٢٦٣، المحاسن: ١/١٧٦ ح٢٧٤، أمالي الصدوق: ٣٨٤.
(٣) انظر: أمالي الصدوق: ٣٨٤/١٦، كنز العمال: ١٢/٩٨ ح٣٤١٦٨ و١٢: ١٠٣ ح٣٤١٩٤ و١٢/١١٦ ح ٣٤٢٨٦، متقل الحسين للخوارزمي: ١/١٠٩
=
بل حبّهم فرض من ضروريات الدين الاِسلامي التي لا تقبل الجدل والشك، وقد اتّفق عليه جميع المسلمين على اختلاف نِحلهم وآرائهم، عدا فئة قليلة اُعتبروا من أعداء آل محمد، فنُبزوا باسم (النواصب) أي مَن نصبوا العداوة لآل بيت محمد، وبهذا يُعدُّون من المنكرين لضرورة إسلامية ثابتة بالقطع، والمنكر للضرورة الاسلامية - كوجوب الصلاة والزكاة - يُعدّ في حكم المنكر لاَصل الرسالة، بل هو على التحقيق منكر للرسالة، وإن أقرَّ في ظاهر الحال بالشهادتين.
ولاَجل هذا كان بغض آل محمد من علامات النفاق، وحبّهم من علامات الايمان، ولاَجله أيضاً كان بغضهم بغضاً لله ولرسوله.
ولا شكّ أنّه تعالى لم يفرض حبّهم ومودّتهم إلاّ لاَنّهم أهل للحب والولاء، من ناحية قربهم إليه سبحانه، ومنزلتهم عنده، وطهارتهم من الشرك والمعاصي، ومن كل ما يبعد عن دار كرامته وساحة رضاه.
ولا يمكن أن نتصوَّر أنّه تعالى يفرض حب من يرتكب المعاصي، أو لا يطيعه حقّ طاعته؛ فإنّه ليس له قرابة مع أحد أو صداقة، وليس عنده الناس بالنسبة إليه إلاّ عبيداً مخلوقين على حد سواء، وإنّما أكرمهم عند الله أتقاهم(١) فمن أوجب حبه على الناس كلهم لا بدَّ أن يكون أتقاهم وأفضلهم جميعاً، وإلاّ كان غيره أولى بذلك الحب، أو كان الله يفضِّل بعضاً على بعض في وجوب الحب والولاية عبثاً أو لهواً بلا جهة استحقاق وكرامة؟!
____________________
=
ذخائر العقبى: ١٨، الصواعق المحرقة: ٢٦٣.
(١) وقد قال عزّ وجلّ في محكم كتابه الكريم:( يأَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَكُمْ من ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْن-كُمْ شُعُوبَاً وَقَبائِلَ لِتَعارَفوُا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْق-كُمْ إنَّ اللهَ عَليمٌ خَبِيرُ ) الحجرات ٤٩: ١٣.
٢٨ - عقيدتنا في الاَئمّة
لا نعتقد في أئمتنا [عليهم أفضل الصلاة والسلام] ما يعتقده الغلاة(١)
____________________
(١) الغلاة: هم الذين يعتقدون في الاَئمةعليهمالسلام غير الحق، ويقولون بأنّهم آلهة وأنّهم ليسوا بمخلوقين وغيرها من الاعتقادات الفاسدة. وهؤلاء الغلاة فرق متعدّدة:
منهم الخطّابية: أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الاَجدع الاَسدي الذي ادّعى بأنّه نبي مرسل، وأنّه من الملائكة، وغير ذلك من الخرافات.
ومنهم الغرابية: الذين قالوا بأنّ الله جل وعلا أرسل جبرئيل إلى علي بالرسالة فاخطأ جبرئيل وأعطاها إلى محمدصلىاللهعليهوآله بسبب الشبه الذي بينهما.
ومنهم العليائية: أتباع العلياء بن دراع الدوسي أو الاَسدي، وهم يعتقدون بربوبية علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وقالوا إنّ محمداًصلىاللهعليهوآله عبد لعلي - العياذ بالله -.
ومنهم المخمسية: وهم يقولون بأنّ الرب هو علي بن أبي طالبعليهالسلام وأنّ سلمان الفارسي، وأبا ذر الغفاري، والمقداد بن الاسود، وعمار بن ياسر، وعمر بن أمية الضمري هم النبيون والموكّلون بمصالح العالم من قبل الرب الذي هو علي بن أبي طالبعليهالسلام .
ومنهم البزيعية: أتباع بزيع بن موسى الحائك، ويقولون بأنّه نبي مرسل وأنّ الامام الصادقعليهالسلام هو الذي أرسله بذلك، وقد سمع به الامام الصادق ولعنه بصراحة.
ومنهم السبائية: أتباع عبدالله بن سبأ - الذي اختلف المؤرخون في حقيقة وجوده وهل هو شخصية حقيقية واقعية أم مختلقة اختلقها أعداء الشيعة - وهؤلاء يعتقدون بإلوهية عليعليهالسلام .
ومنهم المغيرية: أتباع المغيرة بن سعيد العجلي الذي ادّعى النبوّة، واستحلّ كثيراً من المحارم، ودسّ من خرافاته الكثير في كتب الشيعة، حتى ورد لعنه عن الامام الصادقعليهالسلام .
ومنهم المنصورية: أتباع أبي منصور العجلي، الذي تبرّأ منه الامام الباقرعليهالسلام ، وادّعى لنفسه الامامة. وقال إنّ علياًعليهالسلام هو الكسف الساقط من السماء، وأنّ الرسل لا تنقطع ابداً.
=
والحلوليون(١) ( كَبُرتْ كَلِمةً تَخرُجُ مِنْ أفواهِهِمْ ) (٢)
بل عقيدتنا الخاصّة: أنَّهم بشر مثلنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وإنما هم عباد مكرمون، اختصّهم الله تعالى بكرامته، وحباهم بولايته؛ إذ كانوا في أعلى درجات الكمال اللائقة في البشر من العلم، والتقوى، والشجاعة، والكرم، والعفّة، وجميع الاَخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، لا يدانيهم أحد من البشر فيما اختصوا به.
وبهذا استحقّوا أن يكونوا أئمة وهداة، ومرجعاً بعد النبي في كلّ ما يعود للناس من أحكام وحكم، وما يرجع للدين من بيان وتشريع، وما يختص بالقرآن من تفسير وتأويل.
قال إمامنا الصادقعليهالسلام : «ما جاءكم عنّا ممّا يجوز أن يكون في المخلوقين ولم تعلموه ولم تفهموه فلا تجحدوه وردّوه إلينا، وما جاءكم عنّا ممّا لا يجوز أن يكون في المخلوقين فاجحدوه ولا تردّوه إلينا»(٣) .
____________________
=
وغيرهم من الفرق الضالّة المنحرفة الذين تبرّأ منهم الاَئمةعليهمالسلام في أحاديث كثيرة وحذّروا منهم شيعتهم. فقد ورد - على سبيل المثال لا الحصر - عن الامام الصادقعليهالسلام حيث سأله سدير وقال له: إنّ قوماً يزعمون أنّكم آلهة، يتلون بذلك علينا قرآناً( وَهُوَ الَّذي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الاَرْضِ إِلهٌ ) فقال: «يا سدير سمعي وبصري وبشري ولحمي ودمي وشعري من هؤلاء براء، وبرىء الله منهم ، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي، والله لا يجمعني الله وإياهم يوم القيامة إلاّ وهو ساخط عليهم» الكافي: ١/٢٦٩.
راجع: الملل والنحل: ١/١٥٤، الفرق بين الفرق: ٢٣٨، فرق الشيعة: ٤٢، مروج الذهب: ٣/٢٢٠، مقباس الهداية: ٢/٣٦١، أصل الشيعة وأصولها: ١٧٢، وورد العديد من الاحاديث التي تحذّر من الغلاة، ومنها ما في بحار الاَنوار: ٢٥/٢٦٥، وغيرها.
(١) الحلوليون: وهم الذين يقولون بحلول روح الاله في جسم الامام، وهؤلاء مرجعهم إلى الغلاة، والحديث عنهم كالحديث عن الغلاة.
(٢) الكهف ١٨: ٥.
(٣) انظر: مختصر بصائر الدرجات: ٩٢.
٢٩ - عقيدتنا في أنّ الاِمامة بالنص
نعتقد: أنّ الاِمامة كالنبوّة؛ لا تكون إلاّ بالنص من الله تعالى على لسان رسوله، أو لسان الامام المنصوب بالنص إذا أراد أن ينص على الامام من بعده.
وحكمها في ذلك حكم النبوّة بلا فرق، فليس للناس أن يتحكَّموا فيمن يعيّنه الله هادياً ومرشداً لعامّة البشر، كما ليس لهم حق تعيينه، أو ترشيحه، أو انتخابه؛ لاَنّ الشخص الذي له من نفسه القدسية استعداد لتحمّل أعباء الامامة العامّة وهداية البشر قاطبة يجب ألا يُعرف إلاّ بتعريف الله ولا يُعيَّن إلاّ بتعيينه(١) .
ونعتقد: أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم نصّ على خليفته والامام في البرية من بعده، فعيَّن ابن عمه علي بن أبي طالب أميراً للمؤمنين، وأميناً للوحي، وإماماً للخلق في عدّة مواطن، ونصّبه، وأخذ البيعة له بإمرة المؤمنين يوم الغدير فقال: «ألا مَن كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللّهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه كيفما دار»(٢) .
____________________
(١) وقد مرّ أنّ الامام كالنبي إلاّ أنّ النبي يوحى إليه والامام لا يوحى إليه.
(٢) انظر: المصنّف لابن أبي شيبة: ١٢/٦٧ ح١٢١٤٠ و٦٨ ح١٢١٤١، سنن ابن ماجه: ١/٤٣ ح١١٦، سنن الترمذي: ٥/٦٣٣ ح٣٧١٣، السنة لابن أبي عاصم: ٥٩١ ح١٣٦١، مسند أحمد: ١/١١٨ - ١١٩ و٤/٢٨١ و٣٦٨ و٣٧٠ و٣٧٢، خصائص النسائي: ١٠٢/٨٨، أنساب الاَشراف للبلاذري: ٢/١٥٦ ح١٦٩، كشف الاَستار للبزار ٣/١٩٠ - ١٩١، المعجم الكبير للطبراني: ٣/٢١ ح٣٠٥٢
=
ومن أوّل مواطن النص على إمامته قوله حينما دعا أقرباءه الاَدنين وعشيرته الاَقربين فقال: «هذا أخي، ووصيي، وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطعيوا»(١) وهو يومئذٍ صبي لم يبلغ الحلم.
وكرِّر قوله له في عدّة مرّات: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبي بعدي»(٢) .
____________________
=
و٤/١٧٣ ح٤٠٥٣، والمعجم الصغير: ١/٦٥، مستدرك الحاكم: ٣/١٠٩، أخبار اصفهان: ١/١٠٧ و٢/٢٢٨، تأريخ بغداد: ٧/٣٧٧ و١٤/ ٢٣٦، المناقب لابن المغازلي: ١٦ - ٢٧ ح٢٣ و٢٦ و٢٧ و٢٩ و٣٣ و٣٧ و٣٨، شواهد التنزيل للحسكاني: ١/١٥٧ ح٢١١، تاريخ دمشق لابن عساكر - ترجمة الامام عليعليهالسلام : ٢: ٣٨ - ٨٤، تذكرة الخواص: ٣٦، اسد الغابة: ١/٣٦٧ و٤/٢٨، ذخائر العقبى: ٦٧، الاِصابة: ١/٣٠٤، وللمزيد من الاطلاع على المصادر، راجع كتاب الغدير للشيخ الاميني، وكتاب احقاق الحق، وكتاب عبقات الاَنوار، وكتاب دلائل الصدق، وغيرها كثير.
(١) انظر: أمالي الصدوق: ٥٢٣، إعلام الورى: ١٦٧، إحقاق الحق: ٤/٢٩٧، مسند أحمد: ١/١١١ و١٥٩، خصائص النسائي: ٨٣/٦٦، تاريخ الطبري: ٢/٣١٩، تفسير الطبري: ١٩/٧٤. وراجع أيضاً: شواهد التنزيل: ١/٤٢٠، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٣/٢٦٧، ينابيع المودة: ١/١٠٤، الكامل: ٢/٦٢، مجمع الزوائد: ٨/٣٠٢، وغيرها ممّا لا يتيسّر حصره.
(٢) انظر: المصنّف لابن أبي شيبة: ١٢/٦٠ ح١٢١٢٥ و٦١ ح١٢١٢٦، التاريخ الكبير للبخاري: ١/١١٥ ح٣٣٣ و٧/٣٠١ ح١٢٨٤، صحيح مسلم: ٤/١٨٧٠ ح٢٤٠٤، سنن الترمذي: ٥/٦٤٠ ح٣٧٣٠، السنة لابن أبي عاصم: ذكره باسانيد مختلفة من حديث رقم ١٣٣٣ - ١٣٤٨، مسند أحمد: ١/١٧٩ و٣/٣٢ و٦/٤٣٨، خصائص النسائي ٦٨ - ٧٩ ح ٤٥ و٤٨ و٥٠ و٥١و ٦٢و ٦٣ و٦٤، حلية الاَولياء: ٤/٣٤٥ و٧/١٩٥ و١٩٦، تاريخ اصفهان: ٢/٢٨١ و٣٢٨، المعجم الكبير للطبراني: ١/١٤٦ ح٣٢٨ و١٤٨ ح٣٣٣ و٣٣٤ و٢/٢٤٧ ح٢٠٣٥ و٤/١٧ ح٣٥١٥ و١١/٧٤ ح١١٠٨٧ و٢٤/١٤٦ ح٣٨٤ - ٣٨٩، والمعجم الصغير: ٢/٥٣ - ٥٤، تأريخ بغداد: ١/٣٢٥ و٣/٤٠٦ و٨/٥٣ و٩/٣٦٥ و١٠/٤٣ و١٢/٣٢٣، الاستيعاب: ٣/٣٤، المناقب
=
إلى غير ذلك من روايات وآيات كريمة دلَّت على ثبوت الولاية العامّة له، كآية:( إنَّما وَليُّكُم اللهُ ورَسوُلُهُ والَّذينَ آمنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلَوةَ ويؤُتُونَ الْزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (١) ، وقد نزلت فيه عندما تصدَّق بالخاتم وهو راكع(٢) .
ولا يساعد وضع هذه الرسالة على استقصاء كلّ ما ورد في إمامته من الآيات والروايات، ولا بيان وجه دلالتها(٣) .
ثمّ إنّهعليهالسلام نص على إمامة الحسن والحسين(٤) ، والحسين نص على إمامة ولده علي زين العابدين، وهكذا إماماً بعد إمام، ينصّ المتقدِّم منهم على المتأخِّر إلى آخرهم وهو أخيرهم على ما سيأتي.
____________________
=
لابن المغازلي: ٢٧ - ٣٦ ح٤٠ - ٥٦، تاريخ دمشق - ترجمة الامام عليعليهالسلام : ١/٣٠٦ - ٣٩٠، مجمع الزوائد: ٩/١٠٩، وغيرها كثير.
(١) المائدة ٥: ٥٥.
(٢) انظر: تفسير فرات الكوفي: ٤٠: ٤١، أمالي الصدوق: ١٠٧/٤، تفسير التبيان للطوسي: ٣/٥٥٩، الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٨٩، تفسير الطبري: ٦/١٨٦، أسباب النزول للواحدي: ١١٣، المناقب لابن المغازلي: ٣١٢ ح٣٥٦ و٣١٣ ح٣٥٧، المناقب للخوارزمي: ٢٦٤، تذكرة الخواص: ٢٤، تفسير الرازي: ١٢/٢٦، كفاية الطالب: ٢٥٠، ذخائر العقبى: ٨٨، الفصول المهمة: ١٢٤، جامع الاصول: ٨/٦٦٤.
(٣) راجع كتاب السقيفة للمؤلف [النص على علي بن أبي طالبعليهالسلام : ٥٩ - ٧٣] فيه بعض الشروح لهذه الشواهد القرآنية وغيرها.
(٤) بالاضافة إلى ما ورد عن الرسولصلىاللهعليهوآله فيهما، حيث تواتر عنه أنّه قال: «ابناي هذان إمامان، قاما أو قعدا».
انظر: النكت: ٤٨، علل الشرائع: ١/٢١١، الارشاد: ٢٢٠، كفاية الاَثر: ١١٧، التحف لمجد الدين: ٢٢، ينابيع النصيحة: ٢٣٧ حيث قال فيه: (لا شبهة في كون هذا الخبر ممّا تلقّته الاُمّة بالقبول وبلغ حدّ التواتر، فصح الاحتجاج به)، وقال فيه ابن شهر آشوب في مناقبه: ٢٢: (أجمع عليه أهل القبلة).
٣٠ - عقيدتنا في عدد الاَئمّة
ونعتقد: أنّ الاَئمّة الذين لهم صفة الامامة الحقّة، هم مرجعنا في الاَحكام الشرعية، المنصوص عليهم بالامامة اثنا عشر إماماً، نصّ عليهم النبيصلىاللهعليهوآله جميعاً بأسمائهم(١) ثمّ نصّ المتقدّم منهم على من بعده، على النحو الآتي:
____________________
(١) انظر إكمال الدين: ٢٥٠ - ٢٥٦ ح١ - ٤، عيون اخبار الرضاعليهالسلام : ١/٤١ - ٥١ ح٢ - ١٦، امالي الطوسي: ١/٢٩١ ح٥٦٦/ ١٣، فرائد السمطين: ٢/١٣٢ ح٤٣١ و١٣٦ ح٤٣٥ و٣١٣ ح٥٦٤.
وقد ورد في روايات كثيرة عن النبيصلىاللهعليهوآله نقلها المحدثون من أبناء العامة قال فيها النبي بأنّ الخلفاء من بعده اثنا عشر خليفة، وأنّهم كلهم من قريش. فمنها ما نقله جابر بن سمرة حيث قال: «كنت مع أبي عند النبيصلىاللهعليهوآله فسمعته يقول: بعدي اثنا عشر خليفة، ثم أخفى صوته، فقلت لاَبي: ما الذي أخفى صوته؟ قال: قال: كلّهم من بني هاشم». وغير هذه الرواية الكثير الكثير.
انظر: مسند أحمد: ٥/٨٩ و٩٠ و٩٢، مستدرك الحاكم: ٤/٥٠١، مجمع الزوائد: ٥/١٩٠، كنز العمال: ٦/٢٠١ و٢٠٦، صحيح البخاري: ٩/١٠١، صحيح مسلم: ٢/١٩٢، تاريخ الخلفاء: ١٠، سنن الترمذي: ٢/٣٥، ينابيع المودة: ٤٤٤. وغيرها كثير.
ت |
الكنية |
الاسم |
اللقب |
سنة الولادة |
سنة الوفاة |
١ |
أبوالحسن |
علي بن أبي طالب |
المرتضى |
٢٣ق. ه |
٤٠ ه |
٢ |
أبو محمد |
الحسن بن علي |
الزكي |
٢ ه |
٥٠ ه |
٣ |
أبو عبدالله |
الحسين بن علي |
سيد الشهداء |
٣ ه |
٦١ ه |
٤ |
أبو محمد |
علي بن الحسين |
زين العابدين |
٣٨ ه |
٩٥ ه |
٥ |
أبو جعفر |
محمد بن علي |
الباقر |
٥٧ ه |
١١٤ ه |
٦ |
أبو عبدالله |
جعفر بن محمد |
الصادق |
٨٣ ه |
١٤٨ ه |
٧ |
أبو ابراهيم |
موسى بن جعفر |
الكاظم |
١٢٨ ه |
١٨٣ ه |
٨ |
أبو الحسن |
علي بن موسى |
الرضا |
١٤٨ ه |
٢٠٣ ه |
٩ |
أبو جعفر |
محمد بن علي |
الجواد |
١٩٥ ه |
٢٢٠ ه |
١٠ |
أبو الحسن |
علي بن محمد |
الهادي |
٢١٢ ه |
٢٥٤ه |
١١ |
أبو محمد |
الحسن بن علي |
العسكري |
٢٣٢ ه |
٢٦٠ ه |
١٢ |
أبو القاسم |
محمد بن الحسن |
المهدي |
٢٥٦ ه |
.... |
وهو الحجة في عصرنا، الغائب المنتظر، عجل الله فرجه، وسهل مخرجه؛ ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً.
٣١ - عقيدتنا في المهديّ
إنّ البشارة بظهور المهديّ من ولد فاطمة في آخر الزمان - ليملأ الاَرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً - ثابتة عن النبيصلىاللهعليهوآله بالتواتر، وسجَّلها المسلمون جميعاً فيما رووه من الحديث عنه على اختلاف مشاربهم(١) . وليست هي بالفكرة المستحدَثة عند الشيعة دفع إليها انتشار الظلم والجور، فحلموا بظهور من يطهِّر الاَرض من رجس الظلم، كما يريد أن يصوّرها بعض المغالطين غير المنصفين(٢) .
ولولا ثبوت فكرة المهدي عن النبي على وجه عرفها جميع المسلمين، وتشبَّعت في نفوسهم واعتقدوها لما كان يتمكّن مدّعو المهدية في القرون الاَولى - كالكيسانية(٣) والعباسيين، وجملة من العلويين وغيرهم - من خدعة الناس، واستغلال هذه العقيدة فيهم طلباً للملك والسلطان، فجعلوا
____________________
(١) انظر الغيبة للطوسي: ١٨٧/١٤٨، العمدة لابن البطريق: ٤٣٣ ح٩٠٩ و٤٣٦ ح٩٢٠. إثبات الهداة: ٣/٥٠٤ ح٣٠٣ - ٣٠٤، سنن أبي داود: ٤/١٠٧ ح٤٢٨٤، سنن ابن ماجه: ٢/١٣٦٨ ح٤٠٨٦، وكافة أحاديث الباب ٣٤ من كتاب الفتن، مستدرك الحاكم: ٤/٥٥٧، المعجم الكبير للطبراني: ٢٣/٢٦٧ ح٥٦٦، كفاية الطالب: ٤٨٦، كنز العمال: ١٤/٢٦٤ ح٣٨٦٦٢، سنن الترمذي: ٤/٥٠٥، البيان في اخبار صاحب الزمان: ٤٧٩، الحاوي للفتاوي: ٢/٥٨، البرهان في علامات المهديعليهالسلام : ٩٤.
(٢) ولعل من هؤلاء المغالطين الدكتور رونلدسون الذي يقول: (إنّ من المحتمل جدّاً أنّ الفشل الظاهر الذي أصاب المملكة الاسلامية في توطيد أركان العدل والتساوي على زمن دولة الاَمويين - ٤١ إلى ١٣٢ ه- - كان من الاسباب لظهور فكرة المهدي آخر الزمان). راجع: عقيدة الشيعة: ٢٣١.
(٣) الكيسانية: فرقة أجتمعت على القول بإمامة محمد بن الحنفية. وقال بعضهم: إنّ محمد بن
=
ادعا هم المهدية الكاذبة طريقاً للتأثير على العامة، وبسط نفوذهم عليهم.
ونحن مع ايماننا بصحة الدين الاسلامي، وأنه خاتمة الأديان الإلهية، ولا نترقب ديناُ آخر لإصلاح البشر، ومع ما نشاهد من انتشار الظلم،
____________________
=
الحنفية هو الامام بعد أبيه علي بن أبي طالبعليهالسلام ؛ لاَنّ الامام علياًعليهالسلام دفع إليه الراية يوم الجمل وقال له:
اطعنهم طعن أبيك تحمدِ |
لا خير في الحرب إذا لم تزبد |
وقال آخرون منهم: إنّ الامام بعد عليعليهالسلام كان الحسن ثم الحسينعليهماالسلام ثم صار هو الامام بعد ذهاب الحسينعليهالسلام من المدينة إلى مكة قبل واقعة كربلاء.
وزعم قوم منهم بأنّ محمد بن الحنفية حي لم يمت وهو المهدي المنتظر وهذا هو ما أشار إليه المصنّف هنا.
وذهب آخرون إلى الاقرار بموته وأنّ الامام بعده علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام .
ومنهم من قال برجوع الامامة بعده إلى أبي هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية، واختلف هؤلاء بالامامة بعده، فمنهم من نقلها إلى محمد بن علي بن عبدالله، ومنهم من زعم أنّ الامامة بعده صارت إلى بيان بن سمعان، وزعموا أنّ روح الله كانت في أبي هاشم ثمّ انتقلت إلى بيان هذا.
وقيل: إنّما سمّوا بالكيسانية لاَنّ المختار بن أبي عبيد الثقفي كان رئيسهم، وكان يلقب ب- «كيسان»؛ لاَنّ صاحب شرطته (أبو عمرة) كان اسمه كيسان وكان أفرط في الفعل والقول والقتل من المختار.
هذا على أنّ اعتقاد الامامية - وهو الرأي الراجح عندهم - أنّ المختار كان ذو عقيدة صحيحة، وكان يدعو إلى امامة الامام السجّاد علي بن الحسينعليهالسلام ، وقد ورد مدحه على لسان الامام السجادعليهالسلام ، وكذا ابنه الامام الباقرعليهالسلام ، وكذا ولده الامام الصادقعليهالسلام . كما وتواتر الثناء عليه والذب عنه عند علماء الشيعة ولم يغمزه إلاّ شذاذ منهم. وما نُبز به المختار من القذائف فهو مفتعل عليه وضعه أعداؤه تشويهاً لسمعته؛ لاَنّه هو الذي قام بأخذ الثأر للاِمام الحسينعليهالسلام وقتل الذين قاموا بقتله هو وأهل بيته في واقعة كربلاء المفجعة، وقد قام علماء الامامية وغيرهم بتأليف كتب مخصوصة في حياة المختار وسيرته وأعماله. راجع: الملل والنحل: ١/١٣١، الفرق بين الفرق: ٣٨، فرق الشيعة: ٢٣.
واستشراء الفساد في العالم على وجه لا تجد للعدل والصلاح موضع قدم في الممالك المعمورة، ومع ما نرى من انكفاء المسلمين أنفسهم عن دينهم، وتعطيل أحكامه وقوانينه في جميع الممالك الاسلامية، وعدم التزامهم بواحد من الاَلف من أحكام الاسلام، نحن مع كل ذلك لا بدَّ أن ننتظر الفرج بعودة الدين الاسلامي إلى قوّته وتمكينه من إصلاح هذا العالم المنغمس بغطرسة الظلم والفساد.
ثمّ لا يمكن أن يعود الدين الاسلامي إلى قوَّته وسيطرته على البشر عامة(١) ، وهو على ما هو عليه اليوم وقبل اليوم من اختلاف معتنقيه في قوانينه وأحكامه وفي افكارهم عنه، وهم على ما هم عليه اليوم وقبل اليوم من البدع والتحريفات في قوانينه والضلالات في ادّعاءاتهم.
نعم، لا يمكن أن يعود الدين إلى قوّته إلاّ إذا ظهر على رأسه مصلح عظيم، يجمع الكلمة، ويرد عن الدين تحريف المبطلين، ويُبطل ما أُلصق به من البدع والضلالات بعناية ربّانية وبلطف إلهي؛ ليجعل منه شخصاً هادياً مهدياً، له هذه المنزلة العظمى، والرئاسةالعامّة، والقدرة الخارقة؛ ليملأ الاَرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً.
والخلاصة؛ أنّ طبيعة الوضع الفاسد في البشر البالغة الغاية في الفساد والظلم - مع الايمان بصحّة هذا الدين، وأنّه الخاتمة للاَديان - يقتضي انتظار هذا المصلح المهدي لانقاذ العالم ممّا هو فيه.
ولاَجل ذلك آمنت بهذا الانتظار جميع الفرق المسلمة، بل الاَمم من غير المسلمين، غير أنّ الفرق بين الاِمامية وغيرها هو أنّ الامامية تعتقد أنّ
____________________
(١) لكي يتحقق قوله تعالى - وقوله الحق - :( هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِره عَلَى الْدِّين كُلِّهِ ) التوبة ٩: ٣٣ والفتح ٤٨: ٢٨ والصف ٦١: ٩.
هذا المصلح المهدي هو شخص معيَّن معروف ولد سنة ٢٥٦ هجرية ولا يزال حياً؛ هو ابن الحسن العسكري واسمه (محمد)، وذلك بما ثبت عن النبي وآل البيت من الوعد به(١) ، وما تواتر عندنا من ولادته واحتجاجه.
ولا يجوز أن تنقطع الاِمامة وتحول في عصر من العصور(٢) وإن كان الامام مخفياً؛ ليظهر في اليوم الموعود به من الله تعالى، الذي هو من الاَسرار الاِلهية التي لا يعلم بها إلا هو تعالى.
ولا يخلو من أن تكون حياته وبقاؤه هذه المدّة الطويلة معجزة جعلها الله تعالى له، وليست هي بأعظم من معجزة أن يكون إماماً للخلق وهو ابن خمس سنين يوم رحل والده إلى الرفيق الاَعلى(٣) ، ولا هي باعظم من معجزة
____________________
(١) حيث تواترت الروايات والاَخبار عن النبيصلىاللهعليهوآله وعن الاَئمةعليهمالسلام بظهور المهدي من ولد فاطمة، وانه سيملأ الاَرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً كما مر سابقاً.
وقد ذكر السيد الشهيد محمد باقر الصدر ما نصه: (إنّ فكرة المهدي بوصفه القائد المنتظر لتغيير العالم إلى الاَفضل قد جاءت في أحاديث الرسول الاَعظم عموماً، وفي روايات أئمة أهل البيت خصوصاً، وأكّدت في نصوص كثيرة بدرجة لا يمكن أن يرقى إليها الشك، ولقد اُحصي أربعمائة حديث عن النبيصلىاللهعليهوآله من طرق إخواننا أهل السنة، كما اُحصي مجموع الاَخبار الواردة في الامام المهدي من طرق الشيعة والسنة فكان أكثر من ستة آلاف رواية. هذا رقم احصائي كبير لا يتوفّر نظيره في كثير من قضايا الاسلام البديهية التي لا شك فيها لمسلم عادة). بحث حول المهدي: ٦٣.
(٢) لما مرّ سابقاً من أنّ الاَرض لا تخلو عن حجة.
(٣) فقد ورد في الروايات الكثيرة أنّ الامام العسكريعليهالسلام توفّي في عام ٢٦٠، وكان عمر الامام المهدي عندها خمس سنين وقام بأعباء الامامة.
ويدلّ على ذلك ما ورد من رواية أبي الاَديان، الذي كان يخدم الامام العسكريعليهالسلام فأرسله الامام عند مرضهعليهالسلام لينقل بعض الكتب إلى المدائن، وقال له: إنّك ستغيب خمسة عشر يوماً وتدخل في اليوم الخامس عشر إلى سر من رأى فتسمع
=
عيسى إذ كلَّم الناس في المهد صبياً، وبعث في الناس نبياً(١) .
وطول الحياة أكثر من العمر الطبيعي - أو الذي يتخيّل أنّه العمر الطبيعي - لا يمنع منها فن الطب ولا يحيلها، غير أنّ الطب بعد لم يتوصّل إلى ما يمكّنه من تعمير حياة الانسان، وإذا عجز عنه الطب فانّ الله تعالى قادر على كلّ شيء، وقد وقع فعلاً تعمير نوح(٢) ، وبقاء عيسى(٣) عليهما
____________________
=
الواعية. فسأله أبو الاَديان حينها عن الامام بعده فقالعليهالسلام له إنّه الذي يطالبك بجواباتي ويصلي عليَّ ويخبرك بما في الهميان الذي معك. ثمّ تحقّق كل الذي قاله الامامعليهالسلام ، ورجع أبو الاَديان فكان الذي طالبه بالجوابات هو الامام المهدي، وهو الذي صلّى على أبيهعليهالسلام - بعد أن أبعد عمّه - ثم أخبر أبا الاديان بما في الهميان الذي معه، كما اخبر جماعة آخرين بما عندهم من أُمور لم يطّلع عليها أحد غيرهم. وكان عمره إذ ذاك خمس سنين.
راجع: إكمال الدين وإتمام النعمة: ٢/ ٤٧٦، بحار الأنوار: ٥٠/ ٣٣٢ ح ٤. وراجع أيضاً: تاريخ الغيبة الصغرى: ٢٨٢ وما بعدها.
(١) اشارة إلى قوله تعالى في عيسى بن مريمعليهالسلام وهو يحكي قصته، حيث قال بنو اسرائيل لمريم حين أتت به تحمله:( يَأُخْتَ هرونَ مَا كَانَ أَبوُكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغيِّاً* فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ في المْهدِ صَبِيّاً* قَالَ إِنَّي عَبْدُاللهِ ءاتانِي الكِتبَ وَجَعَلَنِي نَبيّاَ ) مريم ١٩: ٢٨ - ٣٠.
(٢) حيث قال تعالى في نوحعليهالسلام :( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلاّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الْطُّوفَانُ وَهُمْ ظَلِموُنَ ) العنكبوت ٢٩: ١٤. ومن الثابت أنّ هذه الفترة - الف سنة إلاّ خمسين عاماً - هي فقط فترة بقائه في قومه يعظهم، أما عمره فقد قيل: إنّه على أقل التقديرات ألف وستمائة سنة، وقيل أكثر.. إلى ثلاث آلاف سنة.
راجع: تفسير الكشاف: ٣/٢٠٠، تفسير ابن كثير: ٣/٤١٨، زاد المسير لابن الجوزي: ٦/٢٦١.
(٣) إشارة إلى قوله تعالى:( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْن مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبوُهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الّذِينَ اخْتَلَفوُا فِيهِ لَفِي شَكٍ مِنْهُ مَا لَهُمْ بهِ مِنْ عِلْم إِلاّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَمَا قَتلُوهُ يَقِيناً* بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِليْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاَ حَكِيماً ) النساء ٤: ١٥٧ - ١٥٨. وهذا من الامور المسلّمة القطعية عند كافّة المسلمين؛ حيث أنّه لو تسرّب الشك إلى هذا الامر
=
السلام كما أخبر عنهما القرآن الكريم... ولو شك الشاك فيما أخبر به القرآن فعلى الاسلام السلام.
ومن العجب أن يتساءل المسلم عن إِمكان ذلك وهو يدّعي الايمان بالكتاب العزيز!!
وممّا يجدر أن نذكره في هذا الصدد، ونذكِّر أنفسنا به أنّه ليس معنى انتظار هذا المصلح المنقذ المهدي أن يقف المسلمون مكتوفي الاَيدي فيما يعود إلى الحق من دينهم، وما يجب عليهم من نصرته، والجهاد في سبيله، والاَخذ بأحكامه، والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
بل المسلم أبداً مكلَّف بالعمل بما أُنزل من الاَحكام الشرعية، وواجب عليه السعي لمعرفتها على وجهها الصحيح بالطرق الموصلة إليها حقيقة، وواجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ما تمكَّن من ذلك وبلغت إليه قدرته «كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيته»(١) .
فلا يجوز له التأخّر عن واجباته بمجرد الانتظار للمصلح المهدي، والمبشّر الهادي؛ فإنّ هذا لا يسقط تكليفاً، ولا يؤجِّل عملاً، ولا يجعل الناسَ هملاً كالسوائم.
____________________
=
القرآني القطعي هذا يعني الشك بالقرآن بأجمعه( أَفَتُؤمِنُونَ بِبَعْضِ الكتَبِ وَتَكْفُرون ببعَضٍ ) البقرة ٢: ٨٥. وإلى هذا أشار المصنّف بقوله: (ولو شك الشاك فيما أخبر به القرآن فعلى الاسلام السلام). وعلى هذا الاساس فإنّ المسلم بعد أن آمن بكل هذا وسلّم به فلا موجب للعجب من إمكان بقاء الاِمام كل هذه المدة الزمنية وهذا العمر الطويل - الذي لا يخلو من كونه معجزة بأمر الله تعالى - الذي منحه الله تعالى للامام ليدخره إلى اليوم الموعود.
(١) انظر: جامع الاَحاديث للقمي: ٢١، جامع الاَخبار: ٣٢٧ ح٩١٩، صحيح البخاري: ٢/٦ و٣/١٩٦، مسند احمد: ٢/٥، سنن البيهقي: ٦/٢٨٧، عوالي اللآلي: ١/١٢٩ ح٣ و٣٦٤ ح٥١.
٣٢ - عقيدتنا في الرجعة
إنّ الذي تذهب إليه الامامية - أخذاً بما جاء عن آل البيتعليهمالسلام - أنّ الله تعالى يعيد قوماً من الاَموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعزّ فريقاً ويذلّ فريقاً آخر، ويديل المحقّين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمّد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام(١) .
ولا يرجع إلاّ من علت درجته في الايمان، أو مَن بلغ الغاية من الفساد، ثمّ يصيرون بعد ذلك إلى الموت، ومن بعده إلى النشور وما يستحقّونه من الثواب أو العقاب، كما حكى الله تعالى في قرآنه الكريم تمنّي هؤلاء المرتَجَعينَ - الذين لم يصلحوا بالارتجاع فنالوا مقت الله - أن يخرجوا ثالثاً لعلّهم يصلحون:( قَالوا رَبَّنا أَمتَّنا اثَنَتينِ وَأحيَيتَنَا اثنَتَيِن فَاعتَرَفنَا بِذُنُوبِنَا فَهَل إلى خُرُوجٍ مِن سَبيلٍ ) (٢) .
نعم، قد جاء القرآن الكريم بوقوع الرجعة إلى الدنيا، وتظافرت بها الاَخبار عن بيت العصمة، والاِمامية بأجمعها عليه إلاّ قليلون منهم تأوَّلوا ما ورد في الرجعة بأنّ معناها رجوع الدولة والأمر والنهي إلى آل البيت بظهور الامام المنتظر، من دون رجوع أعيان الاَشخاص وإحياء الموتى(٣) .
____________________
(١) اُنظر: بحار الاَنوار: ٥٣/٣٩ - ١٤٣ باب الرجعة.
(٢) الغافر٤٠: ١١.
(٣) وللمزيد من الاطّلاع والتوضيح راجع كتاب حق اليقين في معرفة اصول الدين/ الجزء الثاني. فقد ذكر فيه الآيات والروايات الدالّة على الرجعة، والآراء فيها، وهل تتم الرجعة لجميع الناس أم لمن محض الايمان محضاً ومن محض الكفر محضاً. وغيره من المصادر والكتب.
والقول بالرجعة يعد عند أهل السنَّة من المستنكرات التي يستقبح الاعتقاد بها، وكان المؤلِّفون منهم في رجال الحديث يعدّون الاعتقاد بالرجعة من الطعون في الراوي والشناعات عليه التي تستوجب رفض روايته وطرحها، ويبدو أنّهم يعدّونها بمنزلة الكفر والشرك بل أشنع، فكان هذا الاعتقاد من أكبر ما تُنبز به الشيعة الامامية، ويشنَّع به عليهم.
ولا شكّ في أنّ هذا من نوع التهويلات التي تتّخذها الطوائف الاسلامية - فيما غبر - ذريعة لطعن بعضها في بعض، والدعاية ضده. ولا نرى في الواقع ما يبرّر هذا التهويل؛ لاَنّ الاعتقاد بالرجعة لا يخدش في عقيدة التوحيد، ولا في عقيدة النبوّة، بل يؤكد صحّةالعقيدتين؛ إذ الرجعة دليل القدرة البالغة لله تعالى كالبعث والنشر، وهي من الاَُمور الخارقة للعادة التي تصلح أن تكون معجزة لنبينا محمد وآل بيته صلى الله عليه وعليهم، وهي عيناً معجزة إحياء الموتى التي كانت للمسيحعليهالسلام ، بل أبلغ هنا؛ لاَنها بعد أن يصبح الاَموات رميماً( قَالَ مَنْ يُحيي العِظمَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُل يُحييهَا الَّذِي أَنشأَهَا أَوَّلَ مَرةٍ وَهُو بِكُلِّ خَلقٍ عَليِمٌ ) (١) .
وأمّا من طعن في الرجعة باعتبار أنّها من التناسخ الباطل، فلاَنّه لم يفرّق بين معنى التناسخ وبين المعاد الجسماني، والرجعة من نوع المعاد الجسماني؛ فإنّ معنى التناسخ هو انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر منفصل عن الاَول، وليس كذلك معنى المعاد الجسماني؛ فإنّ معناه رجوع نفس البدن الاَول بمشخّصاته النفسية، فكذلك الرجعة.
وإذا كانت الرجعة تناسخاً فإنّ إحياء الموتى على يد عيسى عليه
____________________
(١) يس ٣٦: ٧٨ - ٧٩.
السلام كان تناسخاً، وإذا كانت الرجعة تناسخاً كان البعث والمعاد الجسماني تناسخاً.
إِذن، لم يبق إلاّ أن يُناقش في الرجعة من جهتين:
الاَولى: أنّه مستحيلة الوقوع.
الثانية: كذب الاَحاديث الواردة فيها.
وعلى تقدير صحة المناقشتين، فانّه لا يعتبر الاعتقاد بها بهذه الدرجة من الشناعة التي هوَّلها خصوم الشيعة.
وكم من معتقدات لباقي طوائف المسلمين هي من الاَمور المستحيلة، أو التي لم يثبت فيها نص صحيح، ولكنّها لم توجب تكفيراً وخروجاً عن الاسلام، ولذلك أمثلة كثيرة، منها: الاعتقاد بجواز سهو النبي أو عصيانه(١) ، ومنها الاعتقاد بقدم القرآن(٢) ، ومنها: القول بالوعيد(٣) ، ومنها: الاعتقاد بأنّ النبي لم ينص على خليفة من بعده.
على أنّ هاتين المناقشتين لا أساس لهما من الصحّة؛ أمّا أنّ الرجعة مستحيلة فقد قلنا إنّها من نوع البعث والمعاد الجسماني، غير أنّها بعث موقوت في الدنيا، والدليل على إمكان البعث دليل على إمكانها، ولا سبب لاستغرابها إِلا أنّها أمر غير معهود لنا فيما ألفناه في حياتنا الدنيا، ولا نعرف
____________________
(١) راجع صحيح البخاري: ٢/٦٨، صحيح مسلم: ١/٣٩٩ ح٨٥ و٨٦ و٨٧ و٨٩، سنن الترمذي: ٢/٢٣٥ ح٣٩١ - ٣٩٥، سنن أبي داود: ١/٢٦٤ ح١٠٠٨ - ١٠٢٣.
(٢) راجع: شرح المقاصد: ٤/١٤٣ - ١٤٦، وفيه إشارة إلى قول الحنابلة والحشوية بقدم القرآن، بل قول بعضهم بأنّ الجلدة والغلاف أزليّان، وكذا الاشارة إلى مناظرة أبي حنيفة وأبي يوسف التي دامت ستة أشهر وأنتهت بالاتفاق بينهم على القول بأنّ من قال بخلق القرآن فهو كافر.
(٣) راجع: شرح المقاصد: ٥/١٢٥، مذاهب الاسلاميين: ٦٢.
من أسبابها أو موانعها ما يقرِّبها إلى اعترافنا أو يبعدها، وخيال الانسان لا يسهل عليه أن يتقبَّل تصديق ما لم يألفه، وذلك كمن يستغرب البعث فيقول( مَن يُحييِ العظمَ وَهِيَّ رَمِيمٌ ) فيقال له:( يُحييهَا الّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرةٍ وَهُوَ بِكلِّ خَلقٍ عَلِيمٌ ) (١) .
نعم، في مثل ذلك ممّا لا دليل عقلي لنا على نفيه أو إثباته، أو نتخيّل عدم وجود الدليل، يلزمنا الرضوخ إلى النصوص الدينية التي هي من مصدر الوحي الاِلهي، وقد ورد في القرآن الكريم ما يثبت وقوع الرجعة إلى الدنيا لبعض الاَموات، كمعجزة عيسىعليهالسلام في إحياء الموتى( وَأُبرئ الاَكمَهَ وَالاَبَرصَ وأُحيى المَوتَى بإذنِ اللهِ ) (٢) .
وكقوله تعالى( أَنَّى يُحيِي هَذِهِ اللهُ بَعدَ مَوتِها فأَمَاتَهُ اللهُ مائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعثَهُ ) (٣) .
والآية المتقدِّمة( قالُوا رَبَّنا أمتَّنا اثنتَينِ... ) (٤) ؛ فإنّه لا يستقيم معنى هذه الآية بغير الرجوع إلى الدنيا بعد الموت، وإِن تكلَّف بعض المفسِّرين في تأويلها بما لا يروي الغليل، ولا يحقّق معنى الآية(٥) .
وأمّا المناقشة الثانية - وهي دعوى أنّ الحديث فيها موضوع - فإنّه لا وجه لها؛ لاَنّ الرجعة من الامور الضرورية فيما جاء عن آل البيت من الاَخبار المتواترة.
____________________
(١) يس ٣٦: ٧٨ - ٧٩.
(٢) آل عمران ٣: ٤٩.
(٣) البقرة ٢: ٢٥٩.
(٤) غافر ٤٠: ١١.
(٥) راجع: مجمع البيان: ٤/٥١٦. فقد نقل قسماً من هذه التفسيرات التي أوردها بعض المفسرين لهذه الآية.
وبعد هذا، أفلا تعجب من كتاب شهير يدَّعي المعرفة مثل أحمد أمين في كتابه «فجر الاسلام» إذ يقول: «فاليهودية ظهرت في التشيّع بالقول بالرجعة»!(١) فأنا أقول له على مدّعاه: فاليهودية أيضاً ظهرت في القرآن بالرجعة، كما تقدّم ذكر القرآن لها في الآيات المتقدّمة.
ونزيده فنقول: والحقيقة أنّه لا بدَّ أن تظهر اليهودية والنصرانية في كثير من المعتقدات والاَحكام الاسلامية؛ لاَنّ النبي الاَكرم جاء مصدِّقاً لما بين يديه من الشرائع السماوية(٢) ، وإن نسخ بعض أحكامها، فظهور اليهودية أو النصرانية في بعض المعتقدات الاسلامية ليس عيباً في الاسلام، على تقدير أنّ الرجعة من الآراء اليهودية كما يدّعيه هذا الكاتب.
وعلى كلّ حال، فالرجعة ليست من الاَصول التي يجب الاعتقاد بها والنظر فيها، وإنّما اعتقادنا بها كان تبعاً للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيتعليهمالسلام الذين ندين بعصمتهم من الكذب، وهي من الاَمور الغيبية التي أخبروا عنها، ولا يمتنع وقوعها.
____________________
(١) فجر الاِسلام: ص ٣٣. على أنّ أحمد أمين لم يقتصر في كتابه هذا على مقولته هذه، بل زاد فيها الكثير من الكلام الذي لا أساس له ولا مستند. ولمزيد من الاطّلاع راجع كتاب أصل الشيعة واصولها: ص ١٤٠ وفيه ذكر هذه المقالات وبعض من الرد المختصر عليها.
(٢) إشارة إلى قوله تعالى مخاطباً نبيه الكريم محمداًصلىاللهعليهوآله :( نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التّوْريةَ والاَنْجِيلَ ) آل عمران ٣: ٣. وغيرها من الآيات الكريمة الكثيرة الدالة على أنّ النبي الاَكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم والقرآن جاءا مصدقان لمن سبق من الاَنبياء وشرائعهم الحقّة، سوى ما ورد من الاحكام الناسخة التي كان يتدين بها أتباعهم قبل نزول الشريعة السمحة السهلة.
٣٣ - عقيدتنا في التقيّة
روي عن صادق آل البيتعليهالسلام في الاَثر الصحيح:
«التقيّة ديني ودين آبائي»(١) ، و«من لا تقيّة له لا دين له»(٢) .
وكذلك هي، لقد كانت شعاراً لآل البيتعليهمالسلام ؛ دفعاً للضرر عنهم وعن أتباعهم، وحقناً لدمائهم، واستصلاحاً لحال المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، ولمّاً لشعثهم(٣) .
وما زالت سمة تُعرف بها الاِمامية دون غيرها من الطوائف والاُمم، وكلّ انسان إذا أحسَّ بالخطر على نفسه أو ماله بسبب نشر معتقده أوالتظاهر به لا بدَّ أن يتكتَّم ويتّقي في مواضع الخطر، وهذا أمر تقضيه فطرة العقول.
____________________
(١) الكافي: ٢/١٧٤ ح١٢، مختصر بصائر الدرجات: ١٠١، المحاسن: ١/٣٩٧ ح٨٩٠.
(٢) الكافي: ٢/١٧٢ ح٢، الفقه المنسوب للامام الرضاعليهالسلام : ٣٣٨.
(٣) التقية: هي كتمان الحق، وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين والدنيا. وهي من الامور التي يشنّع بعض الناس ويزدري على الشيعة بقولهم بها؛ جهلاً منهم بمعناها وبموقعها وحقيقة مغزاها، ولو تثبتوا في الاَمر وتريّثوا وصبروا وتبصّروا لعرفوا أنّ التقية لا تختص بالشيعة ولم ينفردوا بها، بل هي من ضروري العقل، وعليه جبلّة الطباع وغرائز البشر رائدها العلم، وقائدها العقل ولا تنفك عنهما قيد شعرة؛ إذ أنّ كل انسان مجبول على الدفاع عن نفسه والمحافظة على حياته.
راجع: تصحيح الاعتقاد من مصنفات الشيخ المفيد: ٥/١٣٧، أصل الشيعة وأصولها: ٣١٥، ولمزيد من الاطلاع راجع: واقع التقية عند المذاهب والفرق الاسلامية من غير الشيعة الامامية - للسيد ثامر العميدي، وفيه إيضاح على أنّ التقية والقول بها لا يختص فقط بالشيعة الامامية.
ومن المعلوم أنّ الامامية وأئمّتهم لاقوا من ضروب المحن، وصنوف الضيق على حرياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أيّة طائفة أو أُمَّة أُخرى(١) فاضطرّوا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقيّة بمكاتمة المخالفين لهم، وترك مظاهرتهم، وستر اعتقاداتهم وأعمالهم المختصة بهم عنهم؛ لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدين والدنيا. ولهذا السببُ امتازوا بالتقية وعُرفوا بها دون سواهم.
وللتقيّة أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر مذكورة في ابوابها في كتب العلماء الفقهية.
وليست هي بواجبة على كلّ حال، بل قد يجوز أو يجب خلافها في بعض الاَحوال، كما إذا كان في إظهار الحق والتظاهر به نصرة للدين وخدمة للاسلام، وجهاد في سبيله؛ فإنّه عند ذلك يستهان بالاَموال، ولا تعزّ النفوس.
وقد تحرم التقيّة في الاَعمال التي تستوجب قتل النفوس المحترمة(٢) ، أو رواجاً للباطل، أو فساداً في الدين، أو ضرراً بالغاً على المسلمين بإضلالهم، أو إفشاء الظلم والجور فيهم.
وعلى كلّ حال، ليس معنى التقيّة عند الامامية أنّها تجعل منهم جمعية
____________________
(١) ولزيادة التوضيح والتعرف على ما أصاب الشيعة على مرّ العصور راجع كتاب: الشيعة والحاكمون. للشيخ محمد جواد مغنية، ففيه من الايضاح ما يمكن أن يصوّر الوضع المأساوي الذي عاشته الشيعة في فترات تأريخهم العصيبة.
(٢) حيث ورد عن الامام الباقرعليهالسلام الحديث التالي:
عن محمد بن مسلم، عنهعليهالسلام : «إنّما جعل التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقية».
وسائل الشيعة: ١١/٤٨٣ ح١.
سرّية لغاية الهدم والتخريب، كما يريد أن يصورها بعض أعدائهم غير المتورّعين في إدراك الاُمور على وجهها، ولا يكلِّفون أنفسهم فهم الرأي الصحيح عندنا(١) .
كما أنّه ليس معناها أنها تجعل الدين وأحكامه سرّاً من الاَسرار لا يجوز أن يذاع لمن لا يدين به، كيف وكتب الامامية ومؤلَّفاتهم فيما يخص الفقه والاَحكام ومباحث الكلام والمعتقدات قد ملاَت الخافقين، وتجاوزت الحد الذي ينتظر من أيّة أُمَّة تدين بدينها؟!
بلى، إنّ عقيدتنا في التقيّة قد استغلّها من أراد التشنيع على الامامية، فجعلوها من جملة المطاعن فيهم، وكأنّهم كان لا يشفى غليلهم إلاّ أن تقدَّم رقابهم إلى السيوف لاستئصالهم عن آخرهم في تلك العصور التي يكفي فيها أن يقال هذا رجل شيعي ليلاقي حتفه على يد أعداء آل البيت من الاَمويين والعباسيين، بله العثمانيين.
وإذا كان طعن من اراد أن يطعن يستند إلى زعم عدم مشروعيتها من ناحية دينية، فإنّا نقول له:
أولاً: إنّنا متبعون لاَئمتناعليهمالسلام ونحن نهتدي بهداهم، وهم أمرونا بها، وفرضوها علينا وقت الحاجة، وهي عندهم من الدين، وقد
____________________
(١) راجع الكوثري في تعليقه على كتاب الاسفراييني «التبصير في الدين»، فانه يذكر بأن الذين اتّخذوا التشيع ستاراً لتحقيق أغراضهم في تشويه معالم الاسلام: (اتّخذوا التلفّع بالتشيّع وسيلة لحشد حشود وتأليف جمعيات سرية وجعلوا التشيّع ستاراً لما يريدون أن يبثّوه بين الامة من الرذيلة!!).
الاسفراييني: التبصير في الدين: ١٨٥ - تعليق الكوثري.
وراجع أيضاً: نشأة الاَشعرية وتطورّها: ٨٧ - ٨٨.
سمعت قول الصادقعليهالسلام : «من لا تقيّة له لا دين له»(١) .
وثانياً: قد ورد تشريعها في نفس القرآن الكريم، ذلك قوله تعالى:( إلاَّ مَنْ أُكرِهَ وَقَلبُهُ مُطْمَئِنٌ بالاِيمن ) (٢) وقد نزلت هذه الآية في عمّار بن ياسر الذي التجأ إلى التظاهر بالكفر خوفاً من أعداء الاسلام(٣) .
وقوله تعالى:( إلاَّ أَنْ تَتَّقوُا مِنْهُم تُقةً ) (٤) .
وقوله تعالى:( وَقَالَ رَجُلٌ مؤُمِنٌ مِن ءَالِ فِرعَونَ يَكتُمُ إيمنَهُ ) (٥) .
____________________
(١) تقدم في صفحة ١١٧، فراجع.
(٢) النحل ١٦: ١٠٦.
(٣) راجع: التبيان في تفسير القرآن: ٦/٤٢٨، مجمع البيان في تفسير القرآن: ٣/٣٨٧، جامع البيان: ١٤/١٢٢، التفسير الكبير: ١٩/١٢٠، الكامل في التاريخ: ٢/٦٠.
(٤) آل عمران ٣: ٢٨.
(٥) غافر٤٠: ٢٨.
الفصل الرابع
ما أدّب به آل البيت شيعتهم
تمهيد
عقيدتنا في الدعاء
أدعية الصحيفة السجّاديّة
عقيدتنا في زيارة القبور
عقيدتنا في معنى التشيّع عند آل البيتعليهمالسلام
عقيدتنا في الجور والظلم
عقيدتنا في التعاون مع الظالمين
عقيدتنا في الوظيفة في الدولة الظالمة
عقيدتنا الدعوة إلى الوحدة الاسلامية
عقيدتنا حق المسلم على المسلم
إنّ الاَئمّة من آل البيتعليهمالسلام علموا من ذي قبل أنّ دولتهم لن تعود إليهم في حياتهم، وأنّهم وشيعتهم سيبقون تحت سلطان غيرهم ممّن يرى ضرورة مكافحتهم بجميع وسائل العنف والشدّة.
فكان من الطبيعي - من جهة - أن يتّخذوا التكّتم «التقيّة» ديناً وديدناً لهم ولاَتباعهم، ما دامت التقيّة تحقن من دمائهم، ولا تسيء إلى الآخرين ولا إلى الدين، ليستطيعوا البقاء في هذا الخضم العجّاج بالفتن، والثائر على آل البيت بالاِحن.
وكان من اللازم بمقتضى امامتهم - من جهة اُخرى - أن ينصرفوا إلى تلقين أتباعهم أحكام الشريعة الاسلامية، وإلى توجيههم توجيهاً دينيّاً صالحاً، وإلى أن يسلكوا بهم مسلكاً اجتماعياً مفيداً؛ ليكونوا مثال المسلم الصحيح العادل.
وطريقة آل البيت في التعليم لا تحيط بها هذه الرسالة، وكتب الحديث الضخمة متكفلة بما نشروه من تلك المعارف الدينية، غير أنّه لا بأس أن نشير هنا إلى بعض ما يشبه أن يدخل في باب العقائد فيما يتعلَّق بتأديبهم لشيعتهم بالآداب التي تسلك بهم المسلك الاجتماعي المفيد، وتقرِّبهم زلفى إلى الله تعالى، وتطهِّر صدورهم من درن الآثام والرذائل، وتجعل منهم عدولاً صادقين.
وقد تقدّم الكلام في التقيّة التي هي من تلك الآداب المفيدة اجتماعياً لهم، ونحن ذاكرون هنا بعض ما يعنُّ لنا من هذه الآداب.
٣٤ - عقيدتنا في الدعاء
قال النبيصلىاللهعليهوآله : «الدعاء سلاح المؤمن، وعمود الدين، ونور السموات والاَرض»(١) وكذلك هو، أصبح من خصائص الشيعة التي امتازوا بها، وقد ألّفوا في فضله وآدابه، وفي الاَدعية المأثورة عن آل البيت ما يبلغ عشرات الكتب؛ من مطوّلة ومختصرة، وقد اُودع في هذه الكتب ما كان يهدف إليه النبي وآل بيته صلى الله عليهم وسلّم من الحث على الدعاء، والترغيب فيه، حتى جاء عنهم: «أفضل العبادة الدعاء»(٢) و«أحب الاَعمال إلى الله عزّ وجّل في الاَرض الدعاء»(٣) .
بل ورد عنهم: «إن الدعاء يردّ القضاء والبلاء»(٤) وأنّه «شفاء من كل داء»(٥) .
وقد ورد أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان رجلاً دعّاءً(٦) أي كثير الدعاء، وكذلك ينبغي أن يكون وهو سيِّد الموحِّدين، وإمام الالهيين.
وقد جاءت أدعيته كخطبه آية من آيات البلاغة العربية، كدعاء كميل ابن زياد المشهور(٧) ، وقد تضمَّنت من المعارف الالهية، والتوجيهات الدينية
____________________
(١) الكافي: ٢/٣٣٩ ح١.
(٢) الكافي: ٢/٣٣٨ضمن الحديث ١.
(٣) الكافي: ٢/٣٣٩ ح٨.
(٤) انظر: الكافي: ٢/٣٤١ ح١- ٨.
(٥) الكافي: ٢/٣٤١ ح١.
(٦) الكافي: ٢/٣٣٩ ذيل الحديث ٨.
(٧) أي الدعاء الذي علمه أمير المؤمنينعليهالسلام لكميل بن زياد النخعيرحمهالله . وهو
=
ما يصلح أن تكون منهجاً رفيعاً للمسلم الصحيح.
وفي الحقيقة، إنّ الاَدعية الواردة عن النبي وآل بيته عليهم الصلاة والسلام خير منهج للمسلم إذا تدبَّرها؛ تبعث في نفسه قوّة الايمان والعقيدة، وروح التضحية في سبيل الحق، وتعرِّفه سرَّ العبادة، ولذّة مناجاة الله تعالى والانقطاع إليه، وتلقِّنه ما يجب على الانسان أن يعلمه لدينه، وما يقرِّبه إلى الله تعالى زلفى، ويبعده عن المفاسد والاَهواء والبدع الباطلة.
وبالاختصار؛ إنّ هذه الاَدعية قد أُودعت فيها خلاصة المعارف الدينية من الناحية الخلقية والتهذيبية للنفوس، ومن ناحية العقيدة الاسلامية، بل هي من أهم مصادر الآراء الفلسفية، والمباحث العلمية في الالهيات والاخلاقيات.
ولو استطاع الناس - وما كلهم بمستطيعين - أن يهتدوا بهذا الهدى الذي تثيره هذه الاَدعية في مضامينها العالية، لما كنت تجد من هذه المفاسد - المثقلة بها الارض - أثراً، ولحلَّقت هذه النفوس المكبَّلة بالشرور في سماء الحق حرّة طليقة، ولكن أنّى للبشر أن يصغي إلى كلمة المصلحين والدعاة إلى الحق، وقد كشف عنهم قوله تعالى:( إنَّ النَّفسَ لاَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) (١) ( وَمَا أكَثرُ النَّاسِ وَلَو حَرَصتَ بمُؤمِنينَ ) (٢) .
____________________
=
الدعاء المسمى بدعاء الخضرعليهالسلام ، وسمي بدعاء كميل لاَنّ كميل بن زياد - الذي هو من خواص الامام أمير المؤمنين وخواص الامام الحسنعليهالسلام - هو الذي رواه عن الاِمام عليعليهالسلام ، وقال أنّه كان يدعو به ساجداً في ليلة النصف من شعبان. ويستحب قراءة هذا الدعاء في كل ليلة جمعة، أو في الشهر مرة، أو في السنة مرة، أو في العمر مرة.
راجع: مصباح المجتهد: ٨٤٤، المصباح للكفعمي: ٢/ ٢٨٢.
(١) يوسف ١٢: ٥٣.
(٢) يوسف ١٢: ١٠٣.
نعم، إنّ ركيزة السوء في الانسان اغتراره بنفسه، وتجاهله لمساوئه، ومغالطته لنفسه في أنّه يحسن صنعاً فيما اتّخذ من عمل، فيظلم ويتعدّى، ويكذب ويراوغ، ويطاوع شهواته ما شاء له هواه، ومع ذلك يخادع نفسه أنّه لم يفعل إلاّ ما ينبغي أن يفعل، أو يغضّ بصره متعمداً عن قبيح ما يصنع، ويستصغر خطيئته في عينه.
وهذه الاَدعية المأثورة التي تُستمدّ من منبع الوحي تجاهد أن تحمل الانسان على الاختلاء بنفسه، والتجرّد إلى الله تعالى، لتلقّنه الاعتراف بالخطأ، وأنّه المذنب الذي يجب عليه الانقطاع إلى الله تعالى لطلب التوبة والمغفرة، ولتلمّسه مواقع الغرور والاجترام في نفسه، ومثل أن يقول الداعي من دعاء كميل بن زياد:
« إلهي ومَولاي! أجْريتَ عليَّ حُكماً اتَّبعتُ فيهِ هوى نفسِي، وَلمْ أحتَرسْ فيهِ منْ تَزْيينِ عدوِّي، فغرَّني بِما أهوى، وَأسعدهُ على ذلكَ القضاءُ، فتجاوزتُ بما جرى عليَّ منْ ذلك بعضَ حدودِكَ، وخالفتُ بعضَ أوامرِكَ »(١) .
ولا شك أنّ مثل هذا الاعتراف في الخلوة أسهل على الانسان من الاعتراف علانية مع الناس، وإن كان من أشق أحوال النفس أيضاً، وإن كان بينه وبين نفسه في خلواته، ولو تم ذلك للانسان فله شأن كبير في تخفيف غلواء نفسه الشريرة، وترويضها على طلب الخير.
ومن يريد تهذيب نفسه لا بدَّ أن يصنع لها هذه الخلوة، والتفكير فيها بحرية لمحاسبتها، وخير طريق لهذه الخلوة والمحاسبة أن يواظب على قراءة هذه الاَدعية المأثورة التي تصل بمضامينها إلى أغوار النفس؛ مثل أن يقرأ في
____________________
(١) مصباح المتهجد: ٨٤٤ - دعاء كميل بن زياد.
دعاء أبي حمزة الثمالي(١) رضوان الله تعالى عليه:
« أيْ ربِّ! جلّلني بسترِكَ، واعفُ عنْ توبيخِي بكرم وجهِكَ! ».
فتأمّل كلمة «جلّلني..»؛ فإنّ فيها ما يثير في النفس رغبتها في كتم ما تنطوي عليه من المساوئ ؛ ليتنبّه الانسان إلى هذه الدخيلة فيها، ويستدرجه إلى أن يعترف بذلك حين يقرأ بعد ذلك:
« فلو اطّلعَ اليومَ على ذنبِي غيرُكَ ما فعلتُه، ولو خفتُ تعجيلَ العقوبةِ لاجْتنبتُه ».
وهذا الاعتراف بدخيلة النفس، وانتباهه إلى الحرص على كتمان ما عنده من المساوئ يستثيران الرغبة في طلب العفو والمغفرة من الله تعالى؛ لئلاّ يُفتضح عند الناس لو أراد الله أن يعاقبه في الدنيا أو الآخرة على أفعاله، فيلتذ الانسان ساعتئذٍ بمناجاة السر، وينقطع إلى الله تعالى، ويحمده أنّه حلم عنه وعفا عنه بعد المقدرة فلم يفضحه؛ إذ يقول في الدعاء بعدما تقدّم:
« فَلكَ الحمدُ على حلمِكَ بعدَ علمِكَ، وعلى عفوِكَ بعدَ قُدرتِكَ »
ثمّ يوحي الدعاء إلى النفس سبيل الاعتذار عمّا فرط منها على أساس ذلك الحلم والعفو منه تعالى؛ لئلاّ تنقطع الصلة بين العبد وربّه، ولتلقين العبد أنّ عصيانه ليس لنكران الله واستهانة بأوامره؛ إذ يقول:
« ويحملُني ويجرِّئني على معصيَتكَ حلمُكَ عنّي، ويدعوني إلى قلّةِ الحياءِ سترُكَ عليَّ، ويسرِّعني إلى التوثُّبِ على محارمِكَ معرفَتِي بسَعِة
____________________
(١) وهو الدعاء الذي رواه ابو حمزة الثمالي عن الامام زين العابدين علي بن الحسينعليهالسلام ، حيث قال: إنّه كان يصلي عامّة الليل في شهر رمضان فإذا كان السحر دعا بهذا الدعاء.
مصباح المتهجد: ٥٨٢، المصباح للكفعمي: ٢/٣٤٥.
رحمتِكَ وعظيمِ عفوِكَ ».
وعلى أمثال هذا النمط تنهج الاَدعية في مناجاة السرّ؛ لتهذيب النفس، وترويضها على الطاعات، وترك المعاصي.
ولا تسمح الرسالة هذه بتكثير النماذج من هذا النوع، وما أكثرها.
ويعجبني أن أورد بعض النماذج من الاَدعية الواردة باسلوب الاحتجاج مع الله تعالى لطلب العفو والمغفرة، مثل ما تقرأ في دعاء كميل بن زياد:
« وليتَ شِعري يا سيّدِي ومولايَ، أتسلِّطُ النارَ على وجوهٍ خرَّتْ لعظمتِكَ ساجدةً، وعلى ألسُنٍ نطقتْ بتوحيدِكَ صادَقةً، وبشكرِكَ مادِحةً، وعلى قلوبٍ اعترفَتْ بالهيّتِك محقِّقةً، وعلى ضمائِرَ حوتْ مِنَ العلمِ بكَ حتّى صارتْ خاشعَةً، وعلى جوارحَ سعَتْ إلى أوطانِ تعبُّدِكَ طائعةً، وأشارتْ باستغفارِكَ مذعنةً؟! ما هكذا الظنُّ بكَ، ولا اُخبرنَا بفضلِكَ ».
كرّر قراءة هذه الفقرات، وتأمِّل في لطف هذا الاحتجاج وبلاغته وسحر بيانه؛ فهو في الوقت الذي يوحي للنفس الاعتراف بتقصيرها وعبودّيتها، يلقِّنها عدم اليأس من رحمة الله تعالى وكرمه، ثم يكلِّم النفس بابن عم الكلام، ومن طرف خفي؛ لتلقينها واجباتها العليا؛ إذ يفرض فيها أنّها قد قامت بهذه الواجبات كاملة، ثمّ يعلِّمها أنّ الانسان بعمل هذه الواجبات يستحق التفضل من ألله بالمغفرة، وهذا ما يشوِّق المرء إلى أن يرجع إلى نفسه فيعمل ما يجب أن يعمله إن كان لم يؤدّ تلك الواجبات.
ثمّ تقرأ اسلوباً آخر من الاحتجاج من نفس الدعاء:
« فهبنِي يا إلهي وسيِّدي وربِّي صبرْتُ على عذابِكَ فكيفَ أصبرُ على فراقِكَ! وهبْني يا إلهي صبرْتُ على حرِّ نارِكَ فكيفَ أصبرُ عن النظرِ إلى كرامَتِكَ! ».
وهذا تلقين للنفس بضرورة الالتذاذ بقرب الله تعالى، ومشاهدة كرامته
وقدرته؛ حبّاً له، وشوقاً إلى ما عنده، وبأنّ هذا الالتذاذ ينبغي أن يبلغ من الدرجة على وجه يكون تأثير تركه على النفس أعظم من العذاب وحرّ النار، فلو فرض أنّ الانسان تمكَّن من أن يصبر على حر النار فإنّه لا يتمكَّن من الصبر على هذا الترك، كما تُفهمنا هذه الفقرات أنّ هذا الحب والالتذاذ بالقرب من المحبوب المعبود خير شفيع للمذنب عند الله لاَن يعفو ويصفح عنه.
ولا يخفى لطف هذا النوع من التعجُّب والتملُّق إلى الكريم الحليم قابل التوب وغافر الذنب.
ولا بأس في أن نختم بحثنا هذا بإيراد دعاء مختصر جامع لمكارم الاَخلاق، ولما ينبغي لكلّ عضو من الانسان وكلّ صنف منه أن يكون عليه من الصفات المحمودة:
« اللّهُمَّ ارزُقنا توفيقَ الطاعةِ، وبعدَ المعصيةِ، وصدقَ النيِّةِ، وعرفانَ الحرمةِ.
وأكرِمْنا بالهدَى والاستقامِة، وسدِّد ألسنتَنا بالصواب والحكمة، واملاَ قلوبنا بالعلم والمعرفة، وطهِّر بطوننا من الحرام والشبهةِ، واكفُفْ أيديَنا عنْ الظلم والسرقِة، واغضضْ أبصارَنا عنْ الفجورِ والخيانةِ، واسدُدْ أسماعَنا عنْ اللغوِ والغيبةِ.
وتفضِّلْ على علمائِنا بالزهدِ والنصيحةِ، وعلى المتعلِّمينَ بالجُهدِ والرغبةِ، وعلى المستمعينَ بالاتِّباع والموعظةِ.
وعلى مرضَى المسلمينَ بالشفاءِ والراحةِ، وعلى موتاهُمْ بالرأفةِ والرحمةِ.
وعلى مشايخِنا بالوقارِ والسكينةِ، وعلى الشباب بالاِنابةِ والتوبةِ، وعلى النساءِ بالحياءِ والعفَّةِ، وعلى الاَغْنياءِ بالتواضُعِ والسعَةِ، وعلى
الفقراءِ بالصبرِ والقناعةِ.
وعلى الغزاةِ بالنصرِ والغلبةِ، وعلى الاُسَراءِ بالخلاصِ والراحَةِ، وعلى الاُمَراءِ بالعدلِ والشفقَةِ، وعلى الرعيّةِ بالاِنصافِ وحسنِ السيرةِ.
وباركْ للحجَّاجِ والزوَّارِ في الزادِ والنفقةِ، واقضِ ما أوجبْتَ عليهِمْ منَ الحجِّ والعمرةِ.
بفضلِكَ ورحمتِكَ يا أرحَمَ الراحمينَ »(١) .
وإنّي لموص اخواني القرّاء ألاّ تفوتهم الاستفادة من تلاوة هذه الاَدعية، بشرط التدبُّر في معانيها ومراميها، وإحضار القلب والاِقبال والتوجه إلى الله بخشوع وخضوع، وقراءتها كأنّها من إنشائه للتعبير بها عن نفسه، مع اتّباع الآداب التي ذكرت لها من طريقة آل البيت؛ فإنّ قراءتها بلا توجّه من القلب صرف لقلقة في اللسان، لا تزيد الانسان معرفة، ولا تقرِّبه زلفى، ولا تكشف له مكروباً، ولا يُستجاب معه له دعاء.
«إن الله عزّ وجلّ لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه، فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثمّ استيقن بالاجابة»(٢) .
____________________
(١) البلد الاَمين: ٣٤٩.
(٢) الكافي: ٢/٣٤٣ ح١.
٣٥ - أدعية الصحيفة السجّادية
بعد واقعة الطف المحزنة(١) وتملُّك بني أُميّة ناصية أمر الاَمَّة الاسلامية - فأوغلوا في الاستبداد، وولغوا في الدماء، واستهتروا في تعاليم الدين - بقي الامام زين العابدين، وسيِّد الساجدينعليهالسلام جليس داره محزوناً ثاكلاً، وجليس بيته لا يقربه أحد، ولا يستطيع أن يفضي إلى الناس بما يجب عليهم، وما ينبغي لهم(٢) .
____________________
(١) وهي الواقعة التي استشهد فيها الامام أبو عبدالله الحسين بن عليعليهماالسلام في العاشر من محرم الحرام من عام ٦١ ه-، مع صفوة من أهل بيته وأصحابه في طف كربلاء بالعراق، ولم يبق منهم سوى الامام السجاد علي بن الحسينعليهماالسلام ، وكانت هذه الحادثة من أفجع ما وقع في صدر التأريخ الاسلامي وأمضّها تأثيراً في تأريخ الاَمة، وقد تجسدت فيها أروع الامثلة للدفاع عن العقيدة والتضحية من أجل المبدأ، وتناول المؤرخون أخبارها بشكل مستفيض، وأما ما قيل فيها من غرر الشعر وروائعه فقد ملاَت الكتب والدواوين الشعرية الخاصة بها.
(٢) لقد تجسدت في حياة أئمة أهل البيتعليهمالسلام صفحات مشرّفة من تأريخ الامة الاسلامية؛ نظراً للدور القيادي الذي اضطلعوا به، ولم تكن محصّلة الاَعمال الجليلة لكل إمام منهم - صلوات الله عليهم - إلاّ في ضوء سيرة مثلى وحلقات ذهبية تكمل إحدها الاَخرى؛ فهم من نور واحد.
وقد حاول البعض الكتابة في حياة الامام السجاد علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام وحصرها في جانب نشاطه العبادي، والحياة الروحية، وتحجيم دوره الاجتماعي والجهادي، بعد إيمانهم بأنّ رسالة الاَئمة الاَطهارعليهمالسلام قد انكفأت عن الواقع بمصرع سيد الشهداء الحسين بن عليعليهالسلام .
وقد استدلّوا على ذلك بما اُثر عن الامام السجاد من صحيفته المشهورة في الدعاء (زبور آل محمّد) ورسالته في الحقوق. في الوقت الذي نجد أنّهعليهالسلام بالاِضافة إلى دوره
=
فاضطرّ أن يتّخذ من أسلوب الدعاء - الذي قلنا إنّه أحد الطرق التعليمية لتهذيب النفوس - ذريعة لنشر تعاليم القرآن، وآداب الاسلام، وطريقة آل البيت، ولتلقين الناس روحية الدين والزهد، وما يجب من تهذيب النفوس والاَخلاق.
وهذه طريقة مبتكرة له في التلقين، ولا تحوم حولها شبهة المطاردين له، ولا تقوم بها عليه الحجّة لهم، فلذلك أكثر من هذه الاَدعية البليغة، وقد جمعت بعضها« الصحيفة السجادية » التي سميت ب- « زبور آل محمّد »، وجاءت في اسلوبها ومراميها في أعلى أساليب الاَدب العربي، وفي أسمى مرامي الدين الحنيف، وأدق اسرار التوحيد والنبوّة، وأصح طريقة لتعليم الاَخلاق المحمدية، والآداب الاسلامية.
وكانت في مختلف الموضوعات التربوية الدينية، فهي تعليم للدين والاَخلاق في أُسلوب الدعاء، أو دعاء في اسلوب تعليم للدين والاَخلاق، وهي بحقّ - بعد القرآن، ونهج البلاغة - من أعلى أساليب البيان العربي، وأرقى المناهل الفلسفية في الاِلهيات والاَخلاقيات:
فمنها ما يعلّمك كيف تمجِّد الله وتقدّسه، وتحمده وتشكره، وتتوب
____________________
=
التعليمي في تربية الطليعة المؤمنة الواعية، وبناء الجماعة الصالحة فقد دلّت الدراسات الدقيقة أنّه (قام بدور سياسي فعّال، وكان له تنظيم وتخطيط دقيق يمكن اعتباره من أذكى الخطط السياسية المتاحة لمثل تلك الظروف.. ممّا يدل على انّ الجهاد السياسي الذي قام به الامام السجادعليهالسلام من أجل تنفيذ خططه يعدّ من أدق أشكال العمل السياسي وانجحها).
وقد افاض العلامة المحقق الحجة السيد محمد رضا الحسيني الجلالي في دراسته الموسومة «جهاد الامام السجادعليهالسلام » - والذي صدر أخيراً - ما يفتح الطريق على الدارسين مجدداً لبحث موقف الامام زين العابدينعليهالسلام في ضوء ما يصحح الرؤية السابقة.
إليه(١) .
ومنها ما يعلِّمك كيف تناجيه، وتخلو به بسرّك، وتنقطع إليه(٢) .
ومنها ما يبسط لك معنى الصلاة على نبيّه ورسله وصفوته من خلقه، وكيفيتها(٣) .
ومنها ما يفهمك ما ينبغي أن تبرّ به والديك(٤) .
ومنها ما يشرح لك حقوق الوالد على ولده، أو حقوق الولد على والده، أو حقوق الجيران، أو حقوق الاَرحام، أو حقوق المسلمين عامّة، أو حقوق الفقراء على الاَغنياء وبالعكس(٥) .
ومنها [ما] ينبّهك على ما يجب ازاء الديون للناس عليك، وما ينبغي أن تعمله في الشؤون الاقتصادية والمالية، وما ينبغي أن تعامل به أقرانك وأصدقاءك وكافّة الناس، ومن تستعملهم في مصالحك(٦) .
ومنها ما يجمع لك بين جميع مكارم الاَخلاق، ويصلح أن يكون منهاجاً كاملاً لعلم الاَخلاق(٧) .
ومنها ما يعلّمك كيف تصبر على المكاره والحوادث، وكيف تلاقي
____________________
(١) الصحيفة السجادية: الدعاء (٢): من دعائهعليهالسلام في التحميد لله عزّ وجّل والثناء عليه.
(٢) لاحظ دعاءهعليهالسلام في التضرع والاستكانة (٥١). وغيره من الاَدعية الكثير، ففيها مناجاة واضحة وتضرع وتذلل لله تعالى.
(٣) لاحظ الدعاء (٢): الصلاة على محمّد وآله، والدعاء (٣): الصلاة على حملة العرش، والدعاء (٤): الصلاة على مصدّقي الرسل.
(٤) لاحظ الدعاء (٢٤): دعاؤه لاَبويه.
(٥) لاحظ الاَدعية (٢٤، ٢٥، ٢٦): دعاؤه لاَبويه، ودعاؤه لولده، ودعاؤه لجيرانه.
(٦) لاحظ: الدعاء (٣٠): دعاؤه في المعونة على قضاء الدين.
(٧) لاحظ: الدعاء (٢٠): دعاؤه في مكارم الاَخلاق.
حالات المرض والصحّة(١) .
ومنها ما يشرح لك واجبات الجيوش الاسلامية، وواجبات الناس معهم(٢) ... إلى غير ذلك ممّا تقتضيه الاَخلاق المحمَّدية، والشريعة الاِلهية، وكلّ ذلك باسلوب الدعاء وحده.
والظاهرة التي تطغو على أدعية الامام عدّة أُمور:
الاَول:
التعريف بالله تعالى وعظمته وقدرته، وبيان توحيده وتنزيهه بأدق التعبيرات العلمية، وذلك يتكرّر في كلّ دعاء بمختلف الاَساليب، مثل ما تقرأ في الدعاء الاَوّل: «الحمدُ للهِ الاَوَّلِ بلا أوَّلٍ كانَ قبلَهُ، والآخِرُ بلا آخِرٍ يكونُ بعدهُ، الّذي قَصُرتْ عنْ رؤيِتِه أبصارُ الناظِرينَ، وعَجَزَتْ عنْ نعْتِهِ أوهامُ الواصِفينَ. ابتدَعَ بقدرتِهِ الخلقَ ابتداعاً، واخترعَهُمْ على مشيئتِهِ اختِراعاً»(٣)
فتقرأ دقيق معنى الاول والآخر، وتنزُّه الله تعالى عن أن يحيط به بصر أو وهم، ودقيق معنى الخلق والتكوّين.
ثمّ تقرأ اسلوباً آخر في بيان قدرته تعالى وتدبيره في الدعاء ٦:
« الحمدُ للهِ الَّذي خَلقَ الليلَ والنهارَ بقوَّتِهِ، وميَّز بينهَما بقدرتِهِ، وجعَلَ لكلٍّ منهُما حدّاً محدوداً، يُولجُ كلَّ واحدٍ منهما فِي صاحِبه، ويولجُ صاحبَهُ فيهِ، بتقديرٍ منهُ للعبادِ فيما يَغذوهُمْ بِهِ، ويُنشئُهمْ عليهِ، فخلقَ لهمْ الليلَ ليسكُنوا فيهِ من حركاتِ التعبِ ونهضاتِ النصبِ، وجعلَهُ لباساً ليلبسُوا مِنْ
____________________
(١) لاحظ: الدعاء (١٥): دعاؤه عند المرض.
(٢) لاحظ: الدعاء (٢٧): دعاؤه لاَهل الثغور.
(٣) الدعاء (١): التحميد لله عزّ وجّل.
راحَتِهِ ومقامِهِ، فيكونُ ذلكَ لهُمْ جمَاماً وقوَّةً؛ ولِينالُوا بهٍ لذَةً وشهوةً »(١) . إلى آخر ما يذكر من فوائد خلق النهار والليل، وما ينبغي أن يشكره الانسان من هذه النعم.
وتقرأ اسلوباً آخر في بيان أنّ جميع الاَمور بيده تعالى في الدعاء ٧:
« يَا مَنْ تُحَلُّ بهِ عُقدُ المكارِهِ، وَيا منْ يُفثأُ بهِ حدُّ الشدائِدِ، وَيا مَنْ يُلتمَسُ منْهُ المخَرجُ إلى روح الفرَجِ، ذلَّتْ لقدرتِكَ الصعابُ، وتسبَّبَتْ بلطفِكَ الاَسبابُ، وجرَى بقُدرَتِكَ القضاءُ، ومضَتْ على إرادَتِكَ الاَشياءُ، فهي بمشيئَتِكَ دونَ قولِكَ مؤتمرةٌ، وبإرادتِكَ دونَ نهيكَ منزجرةٌ »(٢) .
الثاني:
بيان فضل الله تعالى على العبد، وعجز العبد عن أداء حقّه مهما بالغ في الطاعة والعبادة، والانقطاع إليه تعالى، كما تقرأ في الدعاء ٣٧:
« اللّهمَّ إنّ أحداً لا يبلُغُ مِنْ شكرِكَ غايةً إلاّ حصَل عليهِ من إحسانِكَ ما يُلزِمُهُ شُكراً، ولا يبلُغُ مبلَغاً من طاعَتِكَ وإنْ اجتهَدَ إلاّ كانَ مقصِّراً دونَ استحقاقِكَ بفضِلكَ، فأشْكَرُ عبادِكَ عاجزٌ عن شكرِكَ، وأعبدُهُمْ مقصِّرٌ عنْ طاعَتِكَ »(٣) .
وبسبب عظم نِعم الله تعالى على العبد التي لا تتناهى يعجز عن شكره، فكيف إذا كان يعصيه مجترئاً، فمهما صنع بعدئذ لا يستطيع أن يكفِّر عن معصية واحدة، وهذا ما تصوّره الفقرات الآتية من الدعاء ١٦:
« يَا إلهي لَوْ بكيْتُ إليكَ حتّى تسقُطَ أشفارُ عينَيّ، وانتحبْتُ حتّى
____________________
(١) الدعاء (٦): دعاؤه عند الصباح والمساء.
(٢) الدعاء (٧): دعاؤه إذا عرضت مهمّةأو نزلت به ملمّة، وعند الكرب.
(٣) الدعاء (٣٧): من دعائه إذا اعترف بالتقصير عن تأدية الشكر.
ينقطعَ صوتِي، وقمْتُ لكَ حتّى تتنشّرَ قدَمايَ، وركعتُ لكَ حتّى ينخلعَ صُلبي، وسجدتُ لكَ حتّى تتفقّأَ حدقتايَ، وأكلتُ ترابَ الاَرضِ طولَ عمرِي، وشربتُ ماءَ الرمادِ آخرَ دهرِي، وذكرتُكَ في خلالِ ذلكَ حتّى يكلَّ لساني، ثمّ لمْ أرفعْ طرفِي إلى آفاقِ السماءِ استحياءً منكَ، ما استوجبتُ بذلكَ محوَ سيِّئةٍ واحدةٍ منْ سيّئاتي »(١)
الثالث:
التعريف بالثواب والعقاب، والجنة والنار، وأنّ ثواب الله تعالى كلّه تفضُّل، وأنّ العبد يستحق العقاب منه بأدنى معصية يجترئ بها، والحجّة عليه فيها لله تعالى.
وجميع الاَدعية السّجادية تلهج بهذه النغمة المؤثّرة؛ للايحاء إلى النفس الخوف من عقابه تعالى، والرجاء في ثوابه، وكلها شواهد على ذلك بأساليبها البليغة المختلفة التي تبعث في قلب المتدبّر الرعب والفزع من الاِقدام على المعصية، مثل ما تقرأ في الدعاء ٤٦:
« حجّتكَ قائمةٌ لا تُدْحضُ، وسلطانكَ ثابتٌ لا يزولُ، فالويلُ الدائمُ لمنْ جنحَ عنكَ، والخيبةُ الخاذلةُ لمنْ خابَ منكَ، والشقاءُ الاَشقى لمنْ اغترَّ بكَ. ما أكثرَ تصرّفَهُ في عذابِكَ، وما أطولَ تردُّدَه في عقابِكَ، وما أبعدَ غايتَه من الفرج، وما أقنطَهُ من سهولَةِ المخرج؛ عدلاً من قضائِكَ لا تجوز فيهِ، وإنصافاً منْ حكمكَ لا تحيفُ عليهِ، فقد ظاهرتَ الحججَ، وأبليت الاَعذارَ.. »(٢) .
____________________
(١) الدعاء (١٦): من دعائهعليهالسلام إذا استقال من ذنوبه، أو تضرع في طلب العفو عن عيوبه.
(٢) الدعاء (٤٦): من دعائه في يوم الفطر إذا انصرف من صلاته، وفي يوم الجمعة.
ومثل ما تقرأ في الدعاء ٣١:
« اللّهمَّ فارحمْ وحدتِي بينَ يديكَ، ووجيبَ قلبي منْ خشيِتكَ، واضطرابَ أركاني من هيبتكَ؛ فقدْ أقامتْني - يا ربِّ - ذنوبي مقامَ الخِزي بفنائِكَ، فإنْ سكتُّ لمْ ينطقْ عنّي أحدٌ، وإن شفعتُ فلستُ بأهلِ الشفاعةِ »(١) .
ومثل ما تقرأ في الدعاء ٣٩:
« فإنَّكَ إِنْ تكافني بالحقِّ تهلكني، وإلاّ تغَمَّدْني برحمتكَ توبقْني... وأستحمِلك منْ ذنوبي ما قدْ بهظَني حملُهُ، واستعينُ بكَ على ما قدْ فدحني ثقلُه، فصلِّ على محمِّدٍ وآلهِ، وهبْ لِنفسِي على ظلمِها نفسي، ووَكِّلْ رحمتكَ باحتمالِ إصري... »(٢) .
الرابع:
سوق الداعي بهذه الاَدعية الى الترفّع عن مساوئ الاَفعال وخسائس الصفات؛ لتنقية ضميره، وتطهير قلبه، مثل ما تقرأ في الدعاء ٢٠:
« اللّهمَّ وفِّرْ بلطفك نيّتي، وَصَحِّحْ بما عندكَ يقيني، واستصلِحْ بقدرتكَ ما فسدَ منّي...
«اللّهمَّ صلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّد ومتِّعني بهدىً صالحٍ لا استبدلُ به، وطريقةِ حقٍّ لا أزيغُ عنها، ونيّةِ رشدٍ لا أشكُّ فيها.
اللّهمَّ لا تدعْ خصلةً تُعابُ منّي إلاّ أصلحتَها، ولا عائبةً أؤنَّبُ بها إِلاّ حسَّنتَها، ولا أكرومةً فيَّ ناقصةً إلاّ أتممتَها »(٣) .
____________________
(١) الدعاء (٣١): من دعائه في ذكر التوبة وطلبها.
(٢) الدعاء (٣٩): من دعائه في طلب العفو والرحمة.
(٣) الدعاء (٢٠): من دعائه في مكارم الاَخلاق ومرضي الاَفعال.
الخامس:
الايحاء إلى الداعي بلزوم الترفُّع عن الناس وعدم التذلّل لهم، وألاّ يضع حاجته عند أحد غير الله، وأنّ الطمع بما في أيدي الناس من أخسِّ ما يتّصف به الاِنسان، مثل ما تقرأ في الدعاء ٢٠:
« ولا تفتنِّي بالاستعانةِ بغيركَ إذا اضطررتُ، ولا بالخشوع لسؤالِ غيركَ إذا افتقرتُ، ولا بالتضرُّع إلى منْ دونكَ إذا رهبتُ، فأستحقَّ بذلكَ خذلانَكَ ومنعَكَ واعراضَكَ »(١)
ومثل ما تقرأ في الدعاء ٢٨:
« اللّهمَّ إنّي أخلصتُ بانقطاعي إليكَ(٢) وصرفتُ وجهي عمَّنْ يحتاجُ إلى رفدكَ، وقلبتُ مسألتي عمّنْ لمْ يستغن عن فضلكَ، ورأيتُ أنّ طلبَ المحتاجِ إلى المحتاجِ سفةٌ من رأيهِ، وضلَّةٌ من عقلِهِ »(٣)
ومثل ما تقرأ في الدعاء ١٣:
« فَمنْ حاوَلَ سدّ خلّتِهِ من عندِكَ، ورامَ صرفَ الفقرَ عَنْ نفسِهِ بكَ، فقدْ طلبَ حاجَتَه في مظانِّها، وأتى طلبتَهُ من وجِهها. ومنْ توجَّهَ بحاجتِهِ إلى أحدٍ منْ خلقِكَ، أو جعلَهُ سببَ نُجحِها دونَك، فقدْ تعرَّضَ للحرمانِ، واستحقَّ منكَ(٤) فوتَ الاحسانِ »(٥) .
السادس:
تعليم الناس وجوب مراعاة حقوق الآخرين، ومعاونتهم، والشفقة
____________________
(١) الدعاء (٢٠): من دعائه في مكارم الاَخلاق ومرضي الاَفعال.
(٢) في المصدر: إضافة: «وأقبلت بكلّي عليك».
(٣) الدعاء (٣٩): من دعائهعليهالسلام في طلب العفو والرحمة.
(٤) في المصدر: «من عندك».
(٥) الدعاء (١٣): من دعائهعليهالسلام في طلب الحوائج إلى الله.
والرأفة من بعضهم لبعض، والايثار فيما بينهم، تحقيقاً لمعنى الاَخوّة الاسلامية، مثل ما تقرأ في الدعاء ٣٨:
« اللّهمَّ إنّي أعتذرُ إليكَ منْ مظلومٍ ظُلِمَ بحضرتي فَلمْ أنصرْهُ، ومِنْ معروفٍ أُسديَ إليَّ فلمْ أشكْرهُ، ومِنْ مسيءٍ اعتذرَ إليَّ فلمْ أعذرْهُ، ومِنْ ذِي فاقةٍ سألني فلمْ أؤثرْهُ، ومِنْ حقِّ ذي حقٍّ لزمني لمؤمنٍ فلمْ أوفِّرْهُ، ومِنْ عيب مؤمنٍ ظهرَ لي فلمْ أستْرهُ.. »(١) إِنّ هذا الاعتذار من أبدع ما ينبِّه النفس إلى ما ينبغي عمله من هذه الاَخلاق الاِلهية العالية.
وفي الدعاء ٣٩ ما يزيد على ذلك؛ فيعلِّمك كيف يلزمك أن تعفو عمَّن أساء إليك، ويحذِّرك من الانتقام منه، ويسمو بنفسك إلى مقام القدّيسين:
« اللّهمَّ وأيُّما عبدٍ نالَ منِّي ما حظرتَ عليهِ، وانتهكَ منِّي ما حجرتَ عليهِ، فمضَى بظلامتِي ميّتاً، أو حصلتْ لي قِبَلَهُ حَيّاً، فاغفرْ لَهُ ما ألمَّ بهِ منِّي، واعفُ لهُ عمّا أدبرَ بهِ عنِّي، ولا تقفهُ على ما ارتكبَ فيَّ، ولا تكشفهُ عمّا اكتسبَ بي، واجعلْ ما سمحتُ بهِ منَ العفوِ عنهمْ، وتبرَّعتُ من الصدقةِ عليهمْ أزكى صدقاتِ المتصدِّقينَ، وأعلى صِلاتِ المتقرِّبينَ، وعوِّضني منْ عفْوي عنهُمْ عفوَكَ، ومنْ دعائِي لهمْ رحمتَكَ؛ حتّى يسعَدَ كلُّ واحدٍ منّا بفضلِكَ »(٢) .
وما أبدع هذه الفقرة الاَخيرة، وما أجمل وقعها في النفوس الخيِّرة؛ لتنبيهها على لزوم سلامة النيّة مع جميع الناس، وطلب السعادة لكلّ أحد
____________________
(١) الدعاء (٣٨): من دعائهعليهالسلام في الاعتذار من تبعات العباد، ومن التقصير في حقوقهم، وفي فكاك رقبته من النار.
(٢) الدعاء (٣٩): من دعائهعليهالسلام في طلب العفو والرحمة.
حتّى من يظلمه ويعتدي عليه. ومثل هذا كثير في الاَدعية السجادية، وما أكثر ما فيها من هذا النوع من التعاليم السماوية المهذِّبة لنفوس البشر لو كانوا يهتدون.
٣٦ - عقيدتنا في زيارة القبور
وممّا امتازت به الامامية العناية بزيارة القبور - قبور النبي والاَئمّة عليهم الصلاة والسلام - وتشييدها، وإقامة العمارات الضخمة عليها، ولاَجلها يضحُّون بكلّ غال ورخيص، عن إيمان وطيب نفس.
ومردّ كلّ ذلك إلى وصايا الاَئمّة، وحثِّهم شيعتهم على الزيارة، وترغيبهم فيما لها من الثواب الجزيل عند الله تعالى(١) ؛ باعتبار أنّها من أفضل الطاعات والقربات بعد العبادات الواجبة، وباعتبار أنّ هاتيك القبور من خير المواقع لاستجابة الدعاء والانقطاع إلى الله تعالى.
وجعلوها أيضاً من تمام الوفاء بعهود الائمّة؛ إذ «أنّ لكل إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد، وحسن الاَداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم، وتصديقاً بما رغبوا فيه، كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة»(٢) .
وفي زيارة القبور من الفوائد الدينية والاجتماعية ما تستحقّ العناية من أئمتنا؛ فإنّها في الوقت الذي تزيد من رابطة الولاء والمحبة بين الاَئمة وأوليائهم، وتجدّد في النفوس ذكر مآثرهم وأخلاقهم وجهادهم في سبيل
____________________
(١) وللمزيد من الاطّلاع راجع كتاب كامل الزيارات، فقد ورد فيه من الاَحاديث التي تصف ثواب زيارة الرسولصلىاللهعليهوآله والاَئمّةعليهمالسلام الشيء الكثير.
(٢) من قول الامام الرضاعليهالسلام . راجع: كامل الزيارات لابن قولويه: ١٢٢ باب ٤٤ ثواب من زار الحسينعليهالسلام .
واُنظر - كذلك - : الكافي: ٤/٥٦٧ ح٢، من لا يحضره الفقيه: ٢/٥٧٧ ح٣١٦٠، تهذيب الاحكام: ٦/٧٨ ح٣ و:٩٣ ح٢.
الحق، تجمع في مواسمها أشتات المسلمين المتفرِّقين على صعيد واحد؛ ليتعارفوا ويتآلفوا، ثمّ تطبع في قلوبهم روح الانقياد إلى الله تعالى، والانقطاع إليه، وطاعة أوامره، وتلقِّنهم في مضامين عبارات الزيارات البليغة الواردة عن آل البيت حقيقة التوحيد والاعتراف بقدسيّة الاسلام والرسالة المحمّدية، وما يجب على المسلم من الخلق العالي الرصين، والخضوع إلى مدِّبر الكائنات، وشكر آلائه ونعمه، فهي من هذه الجهة تقوم بنفس وظيفة الاَدعية المأثورة التي تقدَّم الكلام عليها.
بل بعضها يشتمل على أبلغ الاَدعية وأسماها، كزيارة (أمين الله) وهي الزيارة المرويّة عن الامام زين العابدينعليهالسلام حينما زار قبر جدّه أمير المؤمنينعليهالسلام (١) .
كما تفهم هذه الزيارات المأثورة مواقف الائمّةعليهمالسلام وتضحياتهم في سبيل نصرة الحق، واعلاء كلمة الدين، وتجرُّدهم لطاعة الله تعالى، وقد وردت بأسلوب عربي جزل، وفصاحة عالية، وعبارات سهلة يفهمها الخاصّة والعامّة، وهي محتوية على أسمى معاني التوحيد ودقائقه، والدعاء والابتهال اليه تعالى.
فهي بحق من أرقى الاَدب الديني بعد القرآن الكريم ونهج البلاغة والاَدعية المأثورة عنهم؛ إذ أودعت فيها خلاصة معارف الاَئمّةعليهمالسلام فيما يتعلَّق بهذه الشؤون الدينية والتهذيبية.
ثمّ إنّ في آداب الزيارة أيضاً من التعليم والارشاد ما يؤكِّد من تحقيق تلك المعاني الدينية السامية، من نحو رفع معنوية المسلم، وتنمية روح العطف على الفقير، وحمله على حسن العشرة والسلوك، والتحبّب إلى
____________________
(١) راجع: كامل الزيارات: ٣٩ باب ١١ - زيارة قبر أمير المؤمنينعليهالسلام .
مخالطة الناس؛ فإنّ من آدابها ما ينبغي أن يصنع قبل البدء بالدخول في المرقد المطهَّر وزيارته.
ومنها ما ينبغي أن يصنع في اثناء الزيارة وفيما بعد الزيارة، ونحن هنا نعرض بعض هذه الآداب؛ للتنبيه على مقاصدها التي قلناها:
من آدابها:
١ - أن يغتسل الزائر قبل الشروع بالزيارة ويتطهَّر(١) وفائدة ذلك فيما نفهمه واضحة، وهي ان ينظِّف الانسان بدنه من الاَوساخ؛ ليقيه من كثير من الاَمراض والاَدواء، ولئلاّ يتأفّف من روائِحه الناس(٢) وأن يطهِّر نفسه من الرذائل.
وقد ورد في المأثور أن يدعو الزائر بعد الانتهاء من الغسل؛ لغرض تنبيهه على تلكم الاَهداف العالية فيقول: « اللّهُمَّ اجعلْ(٣) لِي نوراً وطهوراً، وحِرْزاً كافياً(٤) منْ كلِّ داءٍ وسقَمٍ، ومنْ كلِّ آفةٍ وعاهةٍ، وطهِّرْ بهِ قلبي وجوارِحِي، وعظامِي(٥) ولحمِي ودمِي، وشعرِي وبشري ومخِّي وعظمِي(٦) ، ومَا أقلَّتْ الاَرضُ منِّي، واجْعلْ(٧) لِي شاهِداً يومَ حاجَتي(٨) ، وفقْرِي
____________________
(١) راجع: كامل الزيارات: ١٨٤ الباب ٧٥: من اغتسل في الفرات وزار الحسينعليهالسلام ، ١٩٨ الباب ٧٩ زيارات الحسين بن عليعليهالسلام .
(٢) قال أمير المؤمنينعليهالسلام : «تنظّفوا بالماء من الريح المنتنة وتعهدوا أنفسكم؛ فان الله يبغض من عباده القاذورة الذي يتأفّف من جلس إليه» تحف العقول: ٢٤.
(٣) في المصدر: «اجعله».
(٤) في المصدر: «وكافياً».
(٥) لم ترد (وعظامي) في المصدر.
(٦) في المصدر: «وعظامي وعصبي».
(٧) في المصدر: «فاجعله».
(٨) في المصدر: «يوم القيامة ويوم حاجتي».
وفاقَتِي »(١) .
٢ - أن يلبس أحسن وأنظف ما عنده من الثياب(٢) ؛ فإنّ في الاَناقة في الملبس في المواسم العامّة ما يحبّب الناس بعضهم إلى بعض، ويقرِّب بينهم، ويزيد في عزّة النفوس والشعور بأهميّة الموسم الذي يشترك فيه.
وممّا ينبغي أن نلفت النظر إليه في هذا التعليم أنّه لم يفرض فيه أن يلبس الزائر أحسن الثياب على العموم، بل يلبس أحسن ما يتمكَّن عليه؛ إذ ليس كل أحد يستطيع ذلك، وفيه تضييق على الضعفاء لا تستدعيه الشفقة، فقد جمع هذا الاَدب بين ما ينبغي من الاَناقة، وبين رعاية الفقير وضعيف الحال.
٣ - أن يتطيَّب ما وسعه الطيب، وفائدته كفائدة أدب لبس أحسن الثياب.
٤ - أن يتصدَّق على الفقراء بما يعنَّ له أن يتصَّدق به، ومن المعلوم فائدة التصدُّق في مثل هذه المواسم، فإنّ فيه معاونة المعوزين، وتنمية روح العطف عليهم.
٥ - أن يمشي على سكينة ووقار غاضّاً من بصره(٣) ، وواضح ما في هذا من توقير للحرم والزيارة، وتعظيم للمزور، وتوجّه إلى الله تعالى، وانقطاع إليه، مع ما في ذلك من اجتناب مزاحمة الناس ومضايقتهم في المرور، وعدم إساءة بعضهم إلى بعض.
٦ - أن يكبِّر بقول: «الله أكبر» ويكرّر ذلك ما شاء(٤) ، وقد تُحدَّد في
____________________
(١) كامل الزيارات: ١٨٦ الباب ٧٥ من اغتسل في الفرات وزار الحسينعليهالسلام .
(٢) لاحظ: كامل الزيارات: ١٣٠ باب ٤٨ ح١، و١٩٨ الباب ٧٩.
(٣) لاحظ: كامل الزيارات: ١٣٠ باب ٤٨ ح١.
(٤) لاحظ: كامل الزيارات: ١٩٩ الباب ٧٩ زيارات الحسين بن عليعليهالسلام .
بعض الزيارات إلى أن تبلغ المائة(١) وفي ذلك فائدة اشعار النفس بعظمة الله، وأنّه لا شيء أكبر منه، وأنّ الزيارة ليست إلاّ لعبادة الله وتعظيمه وتقديسه في إحياء شعائر الله وتأييد دينه.
٧ - وبعد الفراغ من الزيارة للنبي أو الامام يصلّي ركعتين على الاَقل، تطوّعاً وعبادة لله تعالى؛ ليشكره على توفيقه إياه، ويهدي ثواب الصلاة إلى المزور.
وفي الدعاء المأثور الذي يدعو به الزائر بعد هذه الصلاة ما يفهم الزائر أنّ صلاته وعمله إنّما هو لله وحده، وإنه لا يعبد سواه، وليست الزيارة إلاّ نوع التقرّب إليه تعالى زلفى؛ إذ يقول:
« اللّهمَّ لكَ صلَّيْتُ، ولكَ ركعْتُ، ولَكَ سجدْتُ وحدَكَ لا شريكَ لكَ؛ لاَنّه لا تكون الصلاةُ والركُوعُ والسجودُ إلاّ لَكَ؛ لاَنَّكَ أنْتَ اللهُ لا إلهَ إلاّ أنْتَ. اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وآلِ محمّدٍ، وتقبَّلْ منِّي زيارَتِي، وأعَطِني سؤلِي، بمحمَّدٍ وآلهِ الطاهرينَ »(٢)
وفي هذا النوع من الاَدب ما يوضّح لمن يريد أن يفهم الحقيقة عن مقاصد الاَئمة وشيعتهم تبعاً لهم في زيارة القبور، وما يلقم المتجاهلين حجراً حينما يزعمون أنّها عندهم من نوع عبادة القبور، والتقرّب إليها، والشرك بالله.
وأغلب الظن أنّ غرض أمثال هؤلاء هو التزهيد فيما يجلب لجماعة الامامية من الفوائد الاجتماعية الدينية في مواسم الزيارات؛ إذ أصبحت شوكة في أعين أعداء آل بيت محمَّد، وإلاّ فما نظنهم يجهلون حقيقة مقاصد
____________________
(١) لاحظ: كامل الزيارات: ٢٢٢ الباب ٧٩ زيارات الحسين بن عليعليهالسلام .
(٢) المصباح للكفعمي: ٢/١٥٨.
آل البيت فيها. حاشا أولئك الذين أخلصوا لله نيّاتهم، وتجرّدوا له في عباداتهم، وبذلوا مهجهم في نصرة دينه أن يدعو الناس إلى الشرك في عبادة الله.
٨ - ومن آداب الزيارة: أن يلزم للزائر حسن الصحبة لمن يصحبه، وقلّة الكلام إلاّ بخير، وكثرة ذكر الله(١) والخشوع، وكثرة الصلاة، والصلاة على محمَّد وآل محمَّد، وأن يغضّ من بصره، وأن يعدو إلى أهل الحاجة من إخوانه إذا رأى منقطعاً، والمواساة لهم، والورع عمّا نُهي عنه، وعن الخصومة، وكثرة الاَيمان، والجدال الذي فيه الاَيمان(٢)
ثمّ أنّه ليست حقيقة الزيارة إلاّ السلام على النبي أو الامام باعتبار أنّهم( أحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (٣) ؛ فهم يسمعون الكلام، ويردّون الجواب، ويكفي أن يقول فيها مثلاً: (السلام عليك يا رسول الله).
غير أنّ الاَولى أن يقرأ فيها المأثور الوارد من الزيارات عن آل البيت؛ لما فيها - كما ذكرنا - من المقاصد العالية، والفوائد الدينية، مع بلاغتها وفصاحتها، ومع ما فيها من الاَدعية العالية التي يتّجه بها الانسان إلى الله تعالى وحده.
____________________
(١) ليس المراد من كثرة ذكر الله تكرار التسبيح والتكبير ونحوهما فقط، بل المراد ما ذكره الصادقعليهالسلام في بعض الحديث في تفسير ذكر الله كثيراً أنّه قال: «أما أني لا أقول سبحان الله والحمد لله ولا اله إلاّ الله والله أكبر، وإن كان هذا من ذاك، ولكن ذكر الله في كل موطن إذا هجمت على طاعة أو معصية».
(٢) راجع كامل الزيارات: ١٣١ ح١.
(٣) إشارة إلى قوله تعالى( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذيِنَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحياءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) آل عمران ٣: ١٦٩.
٣٧ - عقيدتنا في معنى التشيُّع عند آل البيت
إنّ الاَئمّة من آل البيتعليهمالسلام لم تكن لهم همّة - بعد أن انصرفوا عن أن يرجع أمر الاَمَّة إليهم - إلاّ تهذيب المسلمين، وتربيتهم تربية صالحة كما يريدها الله تعالى منهم، فكانوا مع كلِّ من يواليهم ويأتمنونه على سرّهم يبذلون قصارى جهدهم في تعليمه الاَحكام الشرعية، وتلقينه المعارف المحمدية، ويعرّفونه ماله وما عليه.
ولا يعتبرون الرجل تابعاً وشيعة لهم إلاّ إذا كان مطيعاً لاَمر الله، مجانباً لهواه، آخذاً بتعاليمهم وإرشاداتهم.
ولا يعتبرون حبّهم وحده كافياً للنجاة، كما قد يمنّي نفسه بعض من يسكن إلى الدعة والشهوات، ويلتمس عذراً في التمرّد على طاعة الله سبحانه، إنّهم لا يعتبرون حبهم وولاءهم منجاة إلاّ إذا اقترن بالاَعمال الصالحة، وتحلّى الموالي لهم بالصدق والاَمانة، والورع والتقوى.
«يا خيثمة، أبلغ موالينا(١) أنّه لا نغني عنهم من الله شيئاً إلاّ بعمل، وأنّهم لن ينالوا ولايتنا إلاّ بالورع، وإنّ أشدّ الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلاً ثم خالفه إلى غيره»(٢) .
بل هم يريدون من أتباعهم أن يكونوا دعاة الحق، وأدلاّه على الخير والرشاد، ويرون أنّ الدعوة بالعمل أبلغ من الدعوة باللسان: «كونوا دعاة
____________________
(١) في المصدر: «أبلغ من ترى من موالينا».
(٢) الكافي: ٢/١٤٠ ذيل الحديث ٢.
للناس بالخير بغير ألسنتكم؛ ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع»(١) .
ونحن نذكر لك الآن بعض المحاورات التي جرت لهم مع بعض اتباعهم؛ لتعرف مدى تشديدهم وحرصهم على تهذيب أخلاق الناس:
١ - محاورة أبي جعفر الباقرعليهالسلام مع جابر الجعفي:
«يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيُّع أن يقول بحبنا أهل البيت؟! فوالله ما شيعتنا إلاّ من اتّقى الله وأطاعه.
وما كانوا يعرفون إلا بالتواضع، والتخشُّع، والاَمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبر بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والاَيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الاَلسن عن الناس إلاّ من خير، وكانوا أُمناء عشائرهم في الاَشياء.
فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله عزّ وجلّ أتقاهم وأعملهم بطاعته(٢) .
يا جابر، والله ما نتقرَّب إلى الله تبارك وتعالى إلاّ بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لاَحد من حجّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو، وما تنال ولايتنا إلاّ بالعمل والورع»(٣) .
٢ - محاورة أبي جعفرعليهالسلام أيضاً مع سعيد بن الحسن:
أبو جعفرعليهالسلام : «أيجيء أحدكم إلى أخيه فيدخل يده في كيسه فيأخذ حاجته فلا يدفعه؟».
____________________
(١) الكافي: ٢/٦٤ ح١٢.
(٢) وبهذا المعنى قال أمير المؤمنين في خطبته القاصعة: «إنّ حكمه في أهل السماء وأهل الاَرض لواحد، وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين» نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢.
(٣) الكافي: ٢/٦٠ ح٣.
سعيد: ما أعرف ذلك فينا.
أبو جعفرعليهالسلام : «فلا شيء إذن».
سعيد: فالهلاك إذن!
أبو جعفرعليهالسلام : «إنّ القوم لم يعطوا أحلامهم بعد»(١) .
٣ - محاورة أبي عبدالله الصادقعليهالسلام مع أبي الصباح الكناني: الكناني لأبي عبدالله: ما نلقى من الناس فيك؟!
أبو عبدالله: «وما الذي تلقى من الناس؟»
الكناني: لا يزال يكون بيننا وبين الرجل الكلام، فيقول: جعفري خبيث.
أبو عبدالله: «يعيّركم الناس بي؟!»
الكناني: نعم!
أبو عبدالله: «ما أقل والله من يتّبع جعفراً منكم! إنّما أصحابي من اشتدّ ورعه، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه. هؤلاء أصحابي!»(٢) .
٤ - ولأبي عبداللهعليهالسلام كلمات في هذا الباب نقتطف منها ما يلي:
أ - «ليس منّا - ولا كرامة - من كان في مصر فيه مائة ألف أو يزيدون، وكان في ذلك المصر أحد أورع منه»(٣) .
ب - «إنّا لا نعدّ الرجل مؤمناً حتّى يكون لجميع أمرنا متّبعاً ومريداً، ألا وإن من اتباع أمرنا وأرادته الورع، فتزيَّنوا به يرحمكم الله»(٤) .
____________________
(١) الكافي: ٢/١٣٩ ح١٣.
(٢) الكافي: ٢/٦٢ ح٦.
(٣) الكافي: ٢/٦٣ ح١٠.
(٤) الكافي: ٢/٦٣ ح١٣.
ج- - «ليس من شيعتنا من لا تتحدَّث المخدَّرات بورعه في خدورهن، وليس من أوليائنا من هو في قرية فيها عشرة آلاف رجل فيهم خلق لله أورع منه»(١) .
د - «إنّما شيعة جعفر مَن عفّ بطنه وفرجه، واشتد جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، وخاف عقابه. فاذا رأيت فأولئك شيعة جعفر»(٢) .
____________________
(١) الكافي: ٢/٦٤ ح١٥.
(٢) الكافي: ٢/١٨٣ ح٩.
٣٨ - عقيدتنا في الجور والظلم
من أكبر ما كان يعظِّمه الاَئمةعليهمالسلام على الانسان من الذنوب العدوان على الغير والظلم للناس، وذلك اتّباعاً لما جاء في القرآن الكريم من تهويل الظلم واستنكاره، مثل قوله تعالى:( وَلا تَحسَبَنَّ اللهَ غفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّلِمونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُم لِيَوْمٍ تَشخَصُ فيه الاْبصرُ ) (١) .
وقد جاء في كلام أمير المؤمنينعليهالسلام ما يبلغ الغاية في بشاعة الظلم والتنفير منه، كقوله - وهو الصادق المصدَّق - من كلامه في نهج البلاغة برقم ٢١٩.
«واللهِ لَو أُعطِيتُ الاَقالِيمَ السَّبعةَ بما تَحتَ أَفلاكِها على أنْ أَعصِي اللهَ في نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جِلْبَ شَعِيرةٍ ما فَعَلْتُ»(٢) .
وهذا غاية ما يمكن أن يتصوَّره الانسان في التعفُّف عن الظلم، والحذر من الجور، واستنكار عمله.
إنّه لا يظلم نملة في قشرة شعيرة وإن أُعطي الاَقاليم السبعة، فكيف حال من يلغ في دماء المسلمين، وينهب أموال الناس، ويستهين في أعراضهم وكراماتهم؟! كيف يكون قياسه إلى فعل أمير المؤمنين؟! وكيف تكون منزلته من فقهه صلوات الله عليه؟
إنّ هذا هو الاَدب الاِليهي الرفيع الذي يتطلَّبه الدين من البشر.
نعم، إنّ الظلم من أعظم ما حرَّم الله تعالى، فلذا أخذ من أحاديث
____________________
(١) إبراهيم ١٤: ٤٢.
(٢) نهج البلاغة: (من كلام لهعليهالسلام يتبرأ من الظلم).
آل البيت وأدعيتهم المقام الاَوّل في ذمّه وتنفير أتباعهم عنه.
وهذه سياستهمعليهمالسلام ، وعليها سلوكهم حتّى مع من يعتدي عليهم، ويجترئ على مقامهم.
وقصّة الامام الحسنعليهالسلام معروفة في حلمه عن الشامي الذي اجترأ عليه وشتمه، فلاطفه الامام وعطف عليه، حتّى أشعره بسوء فعلته(١) .
وقد قرأت آنفاً في دعاء سيد الساجدين من الاَدب الرفيع في العفو عن المعتدين، وطلب المغفرة لهم، وهو غاية ما يبلغه السموَّ النفسي، والانسانية الكاملة، وإن كان الاعتداء على الظالم بمثل ما اعتدى جائزاً في الشريعة(٢) وكذا الدعاء عليه جائز مباح، ولكن الجواز شيء، والعفو - الذي هو من مكارم الاَخلاق - شيء آخر، بل عند الاَئمّة أنّ المبالغة في الدعاء على الظالم قد تعدّ ظلماً، قال الصادقعليهالسلام : «إنّ العبد ليكون مظلوماً فما يزال يدعو حتى يكون ظالماً»(٣) أي حتّى يكون ظالماً في دعائه على الظالم
____________________
(١) راجع مناقب ابن شهر آشوب: ٤/ ١٩ فقد ذكر هذه القصة عن المبرّد وابن عائشة، قال: إنّ شامياً رآه راكباً فجعل يلعنه والحسن لا يرد، فلمّا فرغ أقبل الحسن عليه فسلم عليه وضحك وقال: «أيها الشيخ أظنك غريباً، ولعلك شبهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك؛ لاَن لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً». فلما سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: اشهد أنّك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالاته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إلي، والآن أنت أحب خلق الله إلي. وحوّل رحله إليه وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقداً لمحبتهم.
(٢) فقد قال تعالى:( فَمنِ اعْتدَى عَليْكَمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله وَاعْلَموُا أنَّ اللهَ مَعَ الْمُتّقِينَ ) البقرة ٢: ١٩٤.
(٣) الكافي: ٢/ ٢٥٠ ح١٧، عقاب الاَعمال: ٢٧٤.
بسبب كثرة تكراره.
يا سبحان الله! أيكون الدعاء على الظالم إذا تجاوز الحد ظلماً؟ إذن ما حال من يبتدئ بالظلم والجور، ويعتدي على الناس، أو ينهش أعراضهم، أو ينهب أموالهم، أو يشي عليهم عند الظالمين، أو يخدعهم فيورّطهم في المهلكات، أو ينبزهم ويؤذيهم، أو يتجسّس عليهم؟ ما حال أمثال هؤلاء في فقه آل البيتعليهمالسلام .
إنّ أمثال هؤلاء أبعد الناس عن الله تعالى، وأشدّهم إثماً وعقاباً، وأقبحهم أعمالاً وأخلاقاً.
٣٩ - عقيدتنا في التعاون مع الظالمين
ومن عظم خطر الظلم وسوء مغبّته أن نهى الله تعالى عن معاونة الظالمين والركون إليهم( وَلاَ تَركُنوا إلى الَّذِينَ ظَلَموُا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ومَا لَكُمْ مِن دُونِ اللهِ مِنْ أَولياءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ ) (١) .
هذا هو أدب القرآن الكريم، وهو أدب آل البيتعليهمالسلام ، وقد ورد عنهم ما يبلغ الغاية من التنفير عن الركون إلى الظالمين، والاتّصال بهم، ومشاركتهم في أي عمل كان، ومعاونتهم، ولو بشق تمرة(٢) .
ولا شك أنّ أعظم ما مُني به الاسلام والمسلمون هو التساهل مع أهل الجور، والتغاضي عن مساوئهم، والتعامل معهم، فضلاً عن ممالأتهم ومناصرتهم واعانتهم على ظلمهم.
وما جرَّ الويلات على الجامعة الاسلامية إلاّ ذلك الانحراف عن جدد الصواب والحق، حتى ضعف الدين بمرور الاَيام، فتلاشت قوّته، ووصل إلى ما عليه اليوم، فعاد غريباً، وأصبح المسلمون أو ما يسمّون أنفسهم بالمسلمين، وما لهم من دون الله أولياء ثم لا ينصرون(٣) حتى على أضعف أعدائهم، وأرذل المجترئين عليهم، كاليهود الاَذلاّء، فضلاً عن الصليبيين الاَقوياء.
لقد جاهد الاَئمةعليهمالسلام في إبعاد من يتّصل بهم عن التعاون
____________________
(١) هود ١١: ١١٣.
(٢) انظر: وسائل الشيعة: ١٨٣/١٧ - باب تحريم معونة الظالمين -.
(٣) إشارة إلى الآية ١١٣ من سورة هود. المذكورة أعلاه.
مع الظالمين، وشدّدوا على أوليائهم في مسايرة اهل الظلم والجور وممالأتهم. ولا يحصى ما ورد عنهم في هذا الباب، ومن ذلك ما كتبه الامام زين العابدينعليهالسلام إلى محمد بن مسلم الزهري بعد أن حذره عن إعانة الظلمة على ظلمهم:
«أو ليس بدعائهم إيّاك حين دعوك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسلَّماً إلى ضلالتهم، داعياً إلى غيّهم، سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم، ولا أقوى أعوانهم إلاّ دون ما بلغت من إصلاح فسادهم، واختلاف الخاصة والعامة إليهم، فما أقلّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، وما أيسر ما عمَّروا لك في جنب ما خرَّبوا عليك. فانظر لنفسك؛ فإنّه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول...»(١) .
ما أعظم كلمة «وحاسبها حساب رجل مسؤول»؛ فإنّ الانسان حينما يغلبه هواه يستهين في أغوار مكنون سرّه بكرامة نفسه، بمعنى إنّه لا يجده مسؤولاً عن أعماله، ويستحقر ما يأتي به من أفعال، ويتخيَّل أنّه ليس بذلك الذي يُحسب له الحساب على ما يرتكبه ويقترفه إنّ هذا من أسرار النفس الانسانية الاَمّارة، فأراد الامام أن ينبِّه الزهري على هذا السر النفساني في دخيلته الكامنة؛ لئلاّ يغلب عليه الوهم فيفرط في مسؤوليته عن نفسه.
وأبلغ من ذلك في تصوير حرمة معاونة الظالمين حديث صفوان الجمَّال مع الامام موسى الكاظمعليهالسلام ، وقد كان من شيعته، ورواة حديثه الموثّقين قال - حسب رواية الكشي في رجاله بترجمة صفوان -:
____________________
(١) تحف العقول: ٢٧٥.
دخلت عليه فقال لي: «يا صفوان كلّ شيء منك حسن جميل، خلا شيئاً واحداً».
قلت: جعلت فداك! أيّ شيء؟
قال: «إكراؤك جمالك من هذا الرجل - يعني هارون -».
قلت: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً، ولا للصيد، ولا للهو، ولكن أكريته لهذا الطريق - يعني طريق مكة - ولا أتولاّه بنفسي، ولكن أبعث معه غلماني.
قال: «يا صفوان أيقع كراؤك عليهم؟»
قلت: نعم جعلت فداك.
قال: «أتحب بقاءهم حتى يخرج كراك؟»
قلت: نعم.
قال: «فمن أحبّ بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم فهو كان ورد النار».
قال صفوان: فذهبت وبعت جمالي عن آخرها(١) .
فإذا كان نفس حب حياة الظالمين وبقائهم بهذه المنزلة، فكيف بمن يستعينون به على الظلم، أو يؤيدهم في الجور، وكيف حال من يدخل في زمرتهم، أو يعمل بأعمالهم، أو يواكب قافلتهم، أو يأتمر بأمرهم؟!
____________________
(١) رجال الكشي: ٤٤٠ ح٨٢٨.
(٢)
٤٠ - عقيدتنا في الوظيفة في الدولة الظالمة
إذا كان معاونة الظالمين ولو بشق تمرة، بل حب بقائهم، من أشد ما حذَّر عنه الاَئمةعليهمالسلام ، فما حال الاشتراك معهم في الحكم، والدخول في وظائفهم وولاياتهم؟ بل ما حال من يكون من جملة المؤسسين لدولتهم، أو من كان من أركان سلطانهم، والمنغمسين في تشييد حكمهم «وذلك أن ولاية الجائر دروس الحق كلّه، وإحياء الباطل كلّه، وإظهار الظلم والجور والفساد»(١) كما جاء في حديث «تحف العقول» عن الصادقعليهالسلام .
غير أنّه ورد عنهمعليهمالسلام جواز ولاية الجائر إذا كان فيها صيانة العدل، وإقامة حدود الله، والاحسان إلى المؤمنين، والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر «إن لله في أبواب الظلمة مَنْ نوَّر الله به البرهان، ومكَّن له في البلاد، فيدفع بهم عن أوليائه، ويصلح بهم اُمور المسلمين... اُولئك هم المؤمنون حقّاً، أولئك منار الله في أرضه، أولئك نور الله في رعيته...» كما جاء في الحديث عن الامام موسى بن جعفرعليهالسلام (٢) .
وفي هذا الباب أحاديث كثيرة توضّح النهج الذي ينبغي أن يجري عليه الولاة والموظفون، مثل ما في رسالة الصادقعليهالسلام إلى عبدالله
____________________
(١) تحف العقول: ٣٣٢.
(٢) بحار الاَنوار: ٧٥/٣٨١ ح٤٦. عن منية المريد. وفيه الحديث عن الامام الرضاعليهالسلام .
النجاشي أمير الاَهواز (راجع الوسائل كتاب البيع الباب ٧٨)(١) .
____________________
(١) انظر وسائل الشيعة: ١٧/١٩٦ ح٢٢٣٣٨ وباقي أحاديث الباب ٤٦ من أبواب ما يكتسب به. كشف الريبة: ٨٦.
٤١ - عقيدتنا في الدعوة إلى الوحدة الاِسلامية
عرف آل البيتعليهمالسلام بحرصهم على بقاء مظاهر الاسلام، والدعوة إلى عزّته، ووحدة كلمة أهله، وحفظ التآخي بينهم، ورفع السخيمة من القلوب، والاَحقاد من النفوس.
ولا يُنسى موقف أمير المؤمنينعليهالسلام مع الخلفاء الذين سبقوه، مع توجّده عليهم، واعتقاده بغصبهم لحقه، فجاراهم وسالمهم، بل حبس رأيه في انّه المنصوص عليه بالخلافة؛ حتّى أنه لم يجهر في حشد عام بالنصِّ إلا بعد أن آل الاَمر إليه، فاستشهد بمن بقي من الصحابة عن نص الغدير في يوم الرحبة المعروف(١) .
وكان لا يتأخّر عن الاشارة عليهم فيما يعود على المسلمين أو للاِسلام بالنفع والمصلحة، وكم كان يقول عن ذلك العهد: «فَخَشِيتُ إنْ لَمْ أَنصُر الاِسلامَ وَأَهلَهُ أَنْ أَرى فِيهِ ثَلْماً أو هدْماً»(٢) .
كما لم يصدر منه ما يؤثِّر على شوكة ملكهم، أو يضعف من سلطانهم، أو يقلِّل من هيبتهم، فانكمش على نفسه وجلس حلس البيت،
____________________
(١) انظر: مسند أحمد: ١/٨٤، فضائل أحمد: ٧٧/١١٥، السنة لابن أبي عاصم: ٥٩٣ ح١٣٧٢ و١٣٧٣ و١٣٧٤، مشكل الآثار: ٢/٣٠٧، خصائص النسائي ١٠٠ - ١٠١ ح٨٥ - ٨٧، المعجم الصغير للطبراني: ١/٦٥، المعجم الاوسط: ٢/٦٨، حلية الاولياء: ٥/٢٦، المناقب لابن المغازلي: ٢٠ ح٢٧، كنز العمال: ١٣/١٥٧ ح٣٦٤٨٥ و٣٦٤٨٦ و: ١٧٠ ح٣٦٥١٤ و٣٦٥١٥. اُسد الغابة: ٣/٣٢١، ٤/٢٨.
(٢) نهج البلاغة: الكتاب ٦٢ (من كتاب لهعليهالسلام إلى أهل البصرة).
بالرغم ممّا كان يشهده منهم.
كل ذلك رعاية لمصلحة الاسلام العامة، ورعاية أن لا يرى في الاسلام ثلماً أو هدماً، حتى عرف ذلك منه، وكان الخليفة عمر بن الخطاب يقول ويكرّر القول: (لا كنت لمعضلة ليس لها أبو الحسن)(١) أو (لولا علي لهلك عمر)(٢) .
ولا يُنسى موقف الحسن بن عليعليهالسلام من الصلح مع معاوية(٣) بعد أن رأى أنّ الاصرار على الحرب سيديل من ثقل الله الاَكبر،
____________________
(١) انظر: طبقات ابن سعد: ٢/٣٣٩، فضائل أحمد: ١٥٥ ح٢٢٢، انساب الاشراف للبلاذري: ٢/٩٩ ح٢٩، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١/١٨، المناقب للخوارزمي: ٩٦ - ٩٧ ذيل ح٩٧ و٩٨، اُسد الغابة: ٤/٢٢، كفاية الطالب: ٢١٧، الاصابة: ٢/٥٠٩، ذخائر العقبى: ٨٢، تهذيب التهذيب: ٧/٢٩٦، تذكرة الخواص: ١٣٤ و١٣٧، الرياض النضرة: ٣/١٦١، فرائد السمطين: ١/٣٤٤ ح٢٦٧.
(٢) المناقب للخوارزمي: ٨٠ ح٦٥، تذكرة الخواص: ١٣٧، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١/١٨ و١٤١ و١٢/١٧٩ و٢٢٣، كفاية الطالب: ٢١٩، ذخائر العقبى: ٨٢، الرياض النضرة: ٣/١٦١.
(٣) يمكن النظر إلى الصلح الذي وقع بين الامام الحسنعليهالسلام ومعاوية من نواحٍ عدّة، منها:
أولاً: كسر الطوق المعنوي الذي حاول معاوية أن يوهم به عامة المسلمين من إلحاحه المستمر لطلب الصلح واغترار الناس به، وقد أبان الامام الحسنعليهالسلام ابتداءاً اعتذاره عن ذلك بأنّ معاوية لا يفي بشرط، ولا هو بمأمون على الدين ولا على الامّة.
ثانياً: لو حاول الامام الحسنعليهالسلام الاصرار على موقفه من قتال معاوية لكانت في ذلك مغامرة مواجهة قوّة لا قبل بها، ولا نكشف الامر عن التضحية بنفسه وكافة الهاشميين وأوليائهم، ولعذله العاذلون وقالوا فيه.
ثالثا: اتّضح الاَمر - بعد ذلك - بفضيحة معاوية الذي لم يلتزم ببنود الصلح قيد أنملة، ثم انكشف بعد ذلك الغطاء في دور أبيّ الضيم الامام الحسينعليهالسلام وما قدّمه من تضحيات تقف متممة لدور الامام الحسنعليهالسلام في مواجهة الظالمين، ورد موجة
=
ومن دولة العدل، بل اسم الاسلام إلى آخر الدهر، فتمحى الشريعة الاِلهية، ويُقضى على البقية الباقية من آل البيت، ففضَّل المحافظة على ظواهر
____________________
الانحراف في الامة.
رابعاً: امتثل الامام الحسنعليهالسلام ما ورد في سيرة النبي المصطفىصلىاللهعليهوآله اُسوة به، حيث استرشد بالرسالة، وامتحن بهذه الخطة، وقد اخذها في إقدامه واحجامه من صلح الحديبية.
خامساً: كان الصلح نموذجاً فريدا صاغ به أئمة أهل البيتعليهمالسلام سياستهم الحكيمة، حيث غرس الامام الحسنعليهالسلام في طريق معاوية كميناً من نفسه يثور عليه من حيث لا يشعر فيرديه، وتسنّى له به أن يلغم قصر الاَموية ببارود الاَموية نفسها.
وقد نقل التاريخ بصراحة زيف معاوية بوعوده حينما انضم جيش العراق إلى لوائه في النخيلة، فقال، وقد قام خطيباً فيهم: (يا أهل العراق! إني - والله - لم اُقاتلكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتزكّوا، ولا لتحجّوا، وإنما قاتلتكم لاَتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون!، ألا وإنّ كل شيء أعطيته للحسن بن علي جعلته تحت قدمي هاتين!) - كما نقله ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق - فلما تمت البيعة لمعاوية خطب فذكر علياً فنال منه، ونال من الحسن.. إلى آخر ما وقع من الوقائع الجسيمة...
ويذكر الامام السيد عبد الحسين شرف الدينقدسسره : إنّ الامامين الحسن والحسينعليهماالسلام كانا وجهين لرسالة واحدة، كل وجه منهما في موضعه منها، وفي زمانه من مراحلها يكافئ الآخر في النهوض بأعبائها ويوازيه بالتضحية في سبيلها... وكان (يوم ساباط) أعرف بمعاني التضحية من (يوم الطف) لدى اُولي الاَلباب ممّن تعمّق... وكانت شهادة الطف حسنية أوّلاً وحسينية ثانياً؛ لاَنّ الحسن أنضج نتائجها، ومهّد أسبابها.
وقد وقف الناس بعد حادثتي ساباط والطف يمعنون في الاحداث، فيرون في الامويين عصبة جاهلية منكرة...
للتفصيل: راجع صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين، المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة، شرح نهج البلاغة: ج٤، الامام الحسينعليهالسلام للاستاذ عبدالله العلايلي، مختصر تاريخ دمشق: ٢٥/٤٣، تاريخ الطبري: ٥/١٦٢، الكامل في التاريخ لابن الاثير: ٣/٤٠٤، تاريخ الاسلام للذهبي: ٤/٥، تاريخ الخلفاء (الامامة والسياسة) لابن قتيبة: ١/١٦٤
الاسلام واسم الدين، وإن سالم معاوية - العدو الاَلد للدين وأهله، والخصم الحقود له ولشيعته - مع ما يتوقّع من الظلم والذل له ولاَتباعه، وكانت سيوف بني هاشم وسيوف شيعته مشحوذة تأبى أن تغمد دون أن تأخذ بحقّها من الدفاع والكفاح، ولكن مصلحة الاسلام العليا كانت عنده فوق جميع هذه الاعتبارات.
وأمّا الحسين الشهيدعليهالسلام فلئن نهض فلاَنّه رأى من بني أُمية إن دامت الحال لهم ولم يقف في وجههم من يكشف سوء نيّاتهم، سيمحون ذكر الاسلام، ويطيحون بمجده، فأراد أن يثبت للتاريخ جورهم وعدوانهم، ويفضح ما كانوا يبيّتونه لشريعة الرسول، وكان ما أراد. ولولا نهضته المباركة لذهب الاسلام في خبر كان يتلهّى بذكره التأريخ كأنّه دين باطل.
وحرص الشيعة على تجديد ذكراه بشتّى أساليبهم إنّما هو لاتمام رسالة نهضته في مكافحة الظلم والجور، ولاحياء أمره امتثالاً لاَوامر الاَئمة من بعده.
وينجلي لنا حرص آل البيتعليهمالسلام على بقاء عز الاسلام - وإن كان ذو السلطة من ألد أعدائهم - في موقف الاَمام زين العابدينعليهالسلام من ملوك بني أُمية، وهو الموتور لهم، والمنتهكة في عهدهم حرمته وحرمه، والمحزون على ما صنعوا مع أبيه وأهل بيته في واقعة كربلاء، فإنّه - مع كل ذلك - كان يدعو في سرِّه لجيوش المسلمين بالنصر، وللاسلام بالعز، وللمسلمين بالدعة والسلامة، وقد تقدَّم أنّه كان سلاحه الوحيد في نشر المعرفة هو الدعاء، فعلَّم شيعته كيف يدعون للجيوش الاِسلامية والمسلمين، كدعائه المعروف ب- (دعاء أهل الثغور)(١) الذي يقول فيه:
____________________
(١) الصحيفة السجادية: الدعاء (٢٧): من دعائهعليهالسلام لاَهل الثغور.
«اللّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وآل محمَّدٍ، وكثِّرْ عددَهُمْ(١) واشحَذْ أسلحَتَهمْ، واحرُسْ حوزَتَهُمْ، وامنَعْ حومَتَهُمْ، وألِّفْ جمعَهُمْ، ودبِّرْ أمرَهُمْ، وواتِرْ بينَ ميرِهِمْ، وتوحَّدْ بكفايَةِ مؤَنِهُمْ، واعضُدهُمْ بالنصرِ، وأعِنهُمْ بالصبْرِ، والطُفْ لهُمْ في المكْرِ ».
إلى أن يقول - بعد أن يدعو على الكافرين - :
«اللّهمَّ وقوِّ بذلِكَ مِحَالَ أهلِ الاِسلام، وحصِّنْ بهِ ديارَهُمْ، وثمِّرْ بهِ أموالَهُمْ، وفرِّغْهُمْ عن محاربتِهِمْ لعبادَتِكَ، وعنْ منابذَتِهمْ للخلَوةِ بكَ؛ حتّى لا يُعبَدَ في بقاعِ الاَرْضِ غيرُكَ، ولا تُعَفَّرَ لاَحدٍ منهُمْ جبهةٌ دونَكَ »(٢)
وهكذا يمضي في دعائه البليغ - وهو من أطول أدعيته - في توجيه الجيوش المسلمة إلى ما ينبغي لها من مكارم الاَخلاق، وأخذ العدّة للاَعداء، وهو يجمع إلى التعاليم الحربية للجهاد الاسلامي بيان الغاية منه وفائدته، كما ينبِّه المسلمين إلى نوع الحذر من أعدائهم، وما يجب أن يتخذوه في معاملتهم ومكافحتهم، وما يجب عليهم من الانقطاع إلى الله تعالى، والانتهاء عن محارمه، والاخلاص لوجهه الكريم في جهادهم.
وكذلك باقي الاَئمةعليهمالسلام في مواقفهم مع ملوك عصرهم، وإن لاقوا منهم أنواع الضغط والتنكيل بكل قساوة وشدّة؛ فانّهم لما علموا أنّ دولة الحق لا تعود إليهم انصرفوا إلى تعليم الناس معالم دينهم، وتوجيه أتباعهم التوجيه الديني العالي.
وكلّ الثورات التي حدثت في عصرهم من العلويين وغيرهم لم تكن
____________________
(١) كذا، وفي المصدر: (عِدَّتهم).
(٢) ما أجمل هذا الدعاء، وأجدر بالمسلمين في هذه العصور أن يتلوا هذا الدعاء؛ ليعتبروا به، وليبتهلوا إلى الله تعالى في جمع كلمتهم وتوحيد صفوفهم وتنوير عقولهم. (منهرحمهالله ).
عن إشارتهم ورغبتهم، بل كانت كلّها مخالفة صريحة لاَوامرهم وتشديداتهم؛ فانّهم كانوا أحرص على كيان الدولة الاسلامية من كل أحد، حتى من خلفاء بني العباس أنفسهم.
وكفى أن نقرأ وصية الامام موسى بن جعفرعليهالسلام لشيعته:
«لا تذلُوا رقابكم بترك طاعة سلطانكم، فإن كان عادلاً فاسألوا الله بقاءه، وإن كان جائراً فاسألوا الله اصلاحه؛ فإنّ صلاحكم في صلاح سلطانكم، وإنّ السلطان العادل بمنزلة الوالد الرحيم، فأحبّوا له ما تحبون لاَنفسكم، واكرهوا له ما تكرهون لاَنفسكم»(١) .
وهذا غاية ما يوصف في محافظة الرعية على سلامة السلطان أن يحبوا له ما يحبون لاَنفسهم، ويكرهوا له ما يكرهون لها.
وبعد هذا، فما أعظم تجنِّي بعض كتّاب العصر؛ إذ يصف الشيعة بأنّهم جميعة سرّية هدّامة، أو طائفة ثوروية ناقمة(٢) !
صحيح أنّ من خلق الرجل المسلم المتّبع لتعاليم آل البيتعليهمالسلام يبغض الظلم والظالمين، والانكماش عن أهل الجور والفسوق، والنظرة إلى أعوانهم وأنصارهم نظرة الاشمئزاز والاستنكار، والاستيحاش والاستحقار، وما زال هذا الخلق متغلغلاً في نفوسهم يتوارثونه جيلاً بعد جيل، ولكن مع ذلك ليس من شيمتهم الغدر والختل، ولا من طريقتهم الثورة والانتفاض على السلطة الدينية السائدة باسم الاسلام؛ لا سراً ولا علناً، ولا يبيحون لاَنفسهم الاغتيال أو الوقيعة بمسلم مهما كان مذهبه
____________________
(١) أمالي الصدوق: ٢٧٧ ح٢١، وسائل الشيعة: ١٦/٢٢٠ ح٢١٤٠٦.
(٢) وقدمرت الاشارة - عند موضوع (عقيدتنا في التقية) - إلى قول الكوثري في تعليقه على كتاب التبصير في الدين للاسفرائيني، في وصفه للشيعة بأنّها جمعيات سرّية.
وطريقته؛ أخذاً بتعاليم أئمّتهمعليهمالسلام .
بل المسلم الذي يشهد الشهادتين مصون المال، محقون الدم، محرَّم العرض؛ «لا يحل مال امرئ مسلم إِلا بطيب نفسه»(١) .
بل المسلم أخو المسلم، عليه من حقوق الاَخوة لاَخيه ما يكشف عنه البحث الآتي.
____________________
(١) الفقيه: ٤/٦٦ ح١٩٥، عوالي اللآلي: ٣/٤٧٣ ح٣، تحف العقول: ٣٤، وسائل الشيعة: ٥/١٢٠ ح٦٠٨٩، سنن الدارقطني: ٣/٢٦ ح٩١ و٩٢، كنز العمال: ١/٩٢ ح٣٩٧.
٤٢ - عقيدتنا في حقِّ المسلم على المسلم
إنّ من أعظم وأجمل ما دعا إليه الدين الاسلامي هو التآخي بين المسلمين على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم ومنازلهم، كما أنّ من أوطأ وأخس ما صنعه المسلمون اليوم وقبل اليوم هو تسامحهم بالاَخذ بمقتضيات هذه الاَخوّة الاسلامية.
لاَنّ من أيسر مقتضياتها - كما سيجيء في كلمة الامام الصادقعليهالسلام -: «أن يحب لاَخيه المسلم ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه».
أنعم النظر، وفكِّر في هذه الخصلة اليسيرة في نظر آل البيتعليهمالسلام ، فستجد أنّها من أشق ما يفرض طلبه من المسلمين اليوم، وهم على مثل هذه الاَخلاق الموجودة عندهم البعيدة عن روحية الاسلام، فكِّر في هذه الخصلة لو قدِّر للمسلمين أن ينصفوا أنفسهم، ويعرفوا دينهم حقاً، ويأخذوا بها فقط أن يحب أحدهم لاَخيه ما يحب لنفسه، لما شاهدت من أحد ظلماً ولا اعتداء، ولا سرقة ولا كذباً، ولا غيبة ولا نميمة، ولا تهمة بسوء، ولا قدحاً بباطل، ولا إهانة ولا تجبُّراً.
بلى، إنّ المسلمين لو وقفوا لاِدراك أيسر خصال الاخوّة فيما بينهم، وعملوا بها، لارتفع الظلم والعدوان من الاَرض، ولرأيت البشر اخواناً على سرر متقابلين قد كملت لهم أعلى درجات السعادة الاجتماعية، ولتحقَّق حلم الفلاسفة الاَقدمين في المدينة الفاضلة، فما احتاجوا - حينما يتبادلون الحب والمودّة - إلى الحكومات والمحاكم، ولا إلى الشرطة والسجون، ولا إلى قانون للعقوبات، وأحكام للحدود والقصاص، ولما خضعوا لمستعمر،
ولا خنعوا لجبّار، ولا استبدّ بهم الطغاة، ولتبدَّلت الاَرض غير الاَرض، وأصبحت جنة النعيم ودار السعادة.
أزيدك أنّ قانون المحبة لو ساد بين البشر - كما يريده الدين بتعاليم الاخوّة - لانمحت من قاموس لغاتنا كلمة العدل؛ بمعنى إنّا لم نعد نحتاج إلى العدل وقوانينه حتى نحتاج إلى استعمال كلمته، بل كفانا قانون الحب لنشر الخير والسلام، والسعادة والهناء؛ لاَنّ الانسان لا يحتاج إلى استعمال العدل ولا يطلبه القانون منه إلاّ إذا فقد الحب فيمن يجب أن يعدل معه، أمّا فيمن يبادله الحب - كالولد والاَخ - إنّما يحسن إليه، ويتنازل له عن جملة من رغباته فبدافع من الحب والرغبة عن طيب خاطر، لا بدافع العدل والمصلحة.
وسرُّ ذلك أنّ الانسان لا يحب إلاّ نفسه وما يلائم نفسه، ويستحيل أن يحب شيئاً أو شخصاً خارجاً عن ذاته إلاّ إذا ارتبط به وانطبعت في نفسه منه صورة ملائمة مرغوبة لديه.
كما يستحيل أن يضحّي بمحض اختياره له، في رغباته ومحبوباته لاَجل شخص آخر لا يحبه ولا يرغب فيه، إلاّ إذا تكوَّنت عنده عقيدة أقوى من رغباته، مثل عقيدة حسن العدل والاحسان، وحينئذ إذ يضحي باحدى رغباته إنّما يضحي لاَجل رغبة أُخرى أقوى كعقيدته بالعدل - إذا حصلت - التي تكون جزء من رغباته، بل جزء من نفسه.
وهذه العقيدة المثالية لاَجل أن تتكوَّن في نفس الانسان تتطلَّب منه أن يسمو بروحه على الاعتبارات المادية؛ ليدرك المثل الاَعلى في العدل والاحسان إلى الغير، وذلك بعد أن يعجز أن يكوِّن في نفسه شعور الاَخوّة الصادق والعطف بينه وبين أبناء نوعه.
فأوّل درجات المسلم التي يجب أن يتّصف بها أن يحصل عنده
الشعور بالاُخوة مع الآخرين، فإذا عجز عنها - وهو عاجز على الاَكثر؛ لغلبة رغباته الكثيرة وأنانيته - فعليه أن يكوِّن في نفسه عقيدة في العدل والاحسان اتباعاً للارشادات الاسلامية، فإذا عجز عن ذلك فلا يستحق ان يكون مسلماً إلاّ بالاسم، وخرج عن ولاية الله، ولم يكن لله فيه نصيب على حد التعبير الآتي للامام.
والانسان - على الاَكثر - تطغى عليه شهواته العارمة، فيكون من أشق ما يعانيه أن يهيّىء نفسه لقبول عقيدة العدل، فضلاً عن أن يحصل عليها عقيدة كاملة تفوق بقوّتها على شهواته.
فلذلك كان القيام بحقوق الاَخوّة من أشق تعاليم الدين إذا لم يكن عند الانسان ذلك الشعور الصادق بالاَخوّة، ومن أجل هذا أشفق الاِمام أبو عبدالله الصادقعليهالسلام أن يوضِّح لسائله - وهو أحد أصحابه (المعلّى بن خُنيس) - عن حقوق الاخوان أكثر ممّا ينبغي أن يوضّح له خشية أن يتعلَّم ما لا يستطيع أن يعمل به.
قال المعلّى: قلت له: ما حق المسلم على المسلم؟
قال أبو عبدالله: «له سبعة حقوق واجبات، ما منهنّ حق إلاّ وهو عليه واجب؛ إِن ضيَّع منها شيئاً خرج من ولاية الله وطاعته، ولم يكن لله فيه نصيب».
قلت له: جعلت فداك! وما هي؟
قال: «يا معلّى، إنّي عليك شفيق؛ أخاف أن تضيّع ولا تحفظ، وتعلم ولا تعمل».
قلت: لا قوة إلاّ بالله.
وحينئذ ذكر الاِمام الحقوق السبعة بعد أن قال عن الاَوّل منها: «أيسر حقّ منها أن تحب له كما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك».
يا سبحان الله! هذا هو الحق اليسير، فكيف نجد - نحن المسلمين اليوم - يسر هذا الحق علينا؟ شاهت وجوه تدّعي الاسلام ولا تعمل بأيسر ما يفرضه من حقوق.
والاَعجب أن يلصق بالاسلام هذا التأخّر الذي أصاب المسلمين، وما الذنب إِلاّ ذنب من يُسمُّون أنفسهم بالمسلمين، ولا يعملون بأيسر ما يجب أن يعملوه من دينهم.
ولاَجل التأريخ فقط، ولنعرف أنفسنا وتقصيرها، أذكر هذه الحقوق السبعة التي أوضحها الامامعليهالسلام :
١ - أن تحب لاَخيك المسلم ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك.
٢ - أن تجتنب سخطه، وتتّبع مرضاته، وتطيع أمره.
٣ - أن تعينه بنفسك، ومالك، ولسانك، ويدك، ورجلك.
٤ - أن تكون عينه، ودليله، ومرآته.
٥ - أن لا تشبع ويجوع، ولا تروى ويظمأ، ولا تلبس ويعرى.
٦ - أن يكون لك خادم وليس لاَخيك خادم، فواجب أن تبعث خادمك، فتغسل ثيابه، وتصنع طعامه، وتمهِّد فراشه.
٧ - أن تبرَّ قسمه، وتجيب دعوته، وتعود مريضه، وتشهد جنازته. وإذا علمت له حاجة تبادره إلى قضائها، ولا تلجئه الى أن يسألكها، ولكن تبادره مبادرة.
ثمّ ختم كلامهعليهالسلام بقوله:
«فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته، وولايته بولايتك»(١) .
____________________
(١) الكافي: ٢/١٣٥ ح٢، وسائل الشيعة: ١٢/٢٠٥ ح٦٠٩٧. الخصال: ٢/٣٥٠ ح٢٦، مصادقة الاخوان: ١٤٣/٤، الاَمالي للطوسي:٩٨ ح١٤٩/٣.
وبمضمون هذا الحديث روايات مستفيضة عن أئمتنا، جمع قسماً كبيراً منها كتاب «الوسائل» في أبواب متفرّقة.
وقد يتوهّم المتوهِّم أنّ المقصود بالاُخوّة في أحاديث أهل البيتعليهمالسلام خصوص الاخوّة بين المسلمين الذين من أتباعهم «شيعتهم خاصّة»، ولكن الرجوع إلى رواياتهم كلها يطرد هذا الوهم - وإن كانوا من جهة اُخرى يشدّدون النكير على من يخالف طريقتهم ولا يأخذ بهداهم - ويكفي أن تقرأ حديث معاوية بن وهب قال:
قلت له - أي الصادقعليهالسلام -: كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ممّن ليسوا على أمرنا؟
فقال: «تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم، فتصنعون ما يصنعون، فوالله إنّهم ليعودون مرضاهم، ويشهدون جنائزهم، ويقيمون الشهادة لهم وعليهم، ويؤدّون الاَمانة إليهم»(١) .
أمّا الاَخوّة التي يريدها الاَئمةعليهمالسلام من أتباعهم فهي أرفع من هذه الاخوّة الاسلامية، وقد سمعت بعض الاَحاديث في فصل تعريف الشيعة، ويكفي أن تقرأ هذه المحاورة بين أبان بن تغلب وبين الصادقعليهالسلام من حديث أبان نفسه.
قال أبان: كنت أطوف مع أبي عبدالله، فعرض لي رجل من أصحابنا كان سألني الذهاب معه في حاجته، فأشار إليَّ، فرآنا أبو عبدالله.
قال: «يا ابان، إِيّاك يريد هذا؟».
قلت: نعم.
قال: «هو على مثل ما أنت عليه؟».
____________________
(١) الكافي: ٢/٤٦٤ ح٤، وسائل الشيعة: ١٢/٦ ح١٥٤٩٧.
قلت: نعم.
قال: «فاذهب إليه واقطع الطواف»
قلت: وإن كان طواف الفريضة؟!
قال: «نعم».
قال أبان: فذهبت، ثمّ دخلت عليه بعد، فسألته عن حق المؤمن، فقال: «دعه لا ترده».
فلم أزل أردَّ عليه حتى قال: «يا أبان، تقاسمه شطر مالك».
ثم نظر اليَّ - فرأى ما داخلني - فقال: «يا أبان، أما تعلم أنّ الله قد ذكر المؤثرين على أنفسهم؟».
قلت: بلى.
قال: «إذا أنت قاسمته فلم تؤثره؛ إِنّما تؤثره إذا أنت أعطيته من النصف الآخر»(١) .
أقول: إنّ واقعنا المخجل لا يطمعنا أن نسمِّي أنفسنا بالمؤمنين حقاً؛ فنحن بوادٍ وتعاليم أئمتناعليهمالسلام في وادٍ آخر، وما داخل نفس أبان يداخل نفس كل قارئ لهذا الحديث، فيصرف بوجهه متناسياً له كأنّ المخاطب غيره، ولا يحاسب نفسه حساب رجل مسؤول.
____________________
(١) مصادقة الاخوان: ٣٨ ح٢، وسائل الشيعة: ١٢/٢٠٩ ح١٦١٠٦.
الفصل الخامس
عقيدتنا في البعث والمعاد
عقيدتنا في المعاد الجسماني
٤٣ - عقيدتنا في البعث والمعاد
نعتقد: أنّ الله تعالى يبعث الناس بعد الموت في خلق جديد في اليوم الموعود به عباده، فيثيب المطيعين، ويعذِّب العاصين.
وهذا أمر على جملته وما عليه من البساطة في العقيدة اتّفقت عليه الشرائع السماوية والفلاسفة، ولا محيص للمسلم من الاعتراف به عقيدة قرآنية جاء بها نبينا الاَكرمصلىاللهعليهوآله وسلم؛ فإنّ من يعتقد بالله اعتقاداً قاطعاً، ويعتقد كذلك بمحمَّد رسولاً منه أرسله بالهدى ودين الحق، لا بدَّ أن يؤمن بما أخبر به القرآن الكريم من البعث، والثواب والعقاب، والجنة والنعيم، والنار والجحيم، وقد صرَّح القرآن بذلك، ولمَّح إليه بما يقرب من ألف آية كريمة.
وإذا تطرَّق الشك في ذلك إلى شخص فليس إلاّ لشك يخالجه في صاحب الرسالة، أو وجود خالق الكائنات أو قدرته، بل ليس إلاّ لشك يعتريه في اصل الاَديان كلّها، وفي صحّة الشرائع جميعها.
٤٤ - عقيدتنا في المعاد الجسماني
وبعد هذا، فالمعاد الجسماني - بالخصوص - ضرورة من ضروريات الدين الاسلامي، دلَّ صريح القرآن الكريم عليها( أَيَحْسَبُ الاِنس-نُ ألَّن نَّجمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى ق-دِرينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانُه ) (١) .
( وَإن تَعجَبْ فَعَجَبٌ قَولُهُم أَإذا كُنّا تُراباً أَءِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) (٢) .
( أَفَعَيِينَا بِالخَلقِ الاَوَّلِ بَلْ هُمْ في لَبسٍ من خَلقٍ جَدِيدٍ ) (٣) .
وما المعاد الجسماني - على إجماله - إلاّ اعادة الانسان في يوم البعث والنشور ببدنه بعد الخراب، وإرجاعه إلى هيئته الاولى بعد أن يصبح رميماً.
ولا يجب الاعتقاد في تفصيلات المعاد الجسماني أكثر من هذه العقيدة على بساطتها التي نادى بها القرآن، وأكثر ممّا يتبعها من الحساب والصراط، والميزان والجنة النار، والثواب والعقاب بمقدار ما جاءت به التفصيلات القرآنية.
(ولا تجب المعرفة على التحقيق التي لا يصلها إلاّ صاحب النظر الدقيق، كالعلم بأنّ الاَبدان هل تعود بذواتها أو إنّما يعود ما يماثلها بهيئات؟ وأنّ الاَرواح هل تعدم كالاَجساد أو تبقى مستمرّة حتى تتّصل بالاَبدان عند المعاد؟ وأنّ المعاد هل يختص بالانسان أو يجري على كافّة ضروب الحيوان؟ وأنّ عودها بحكم الله دفعي أو تدريجي؟
____________________
(١) القيامة ٧٥: ٣ - ٤.
(٢) الرعد ١٣: ٥.
(٣) ق ٥٠: ١٥.
وإذا لزم الاعتقاد بالجنة والنار لا تلزم معرفة وجودهما الآن، ولا العلم بأنّهما في السماء أو الاَرض، أو يختلفان.
وكذا إذا وجبت معرفة الميزان لا تجب معرفة أنّها ميزان معنوية، أو لها كفّتان.
ولا تلزم معرفة أنّ الصراط جسم دقيق، أو هو الاستقامة المعنوية.
والغرض أنّه لا يشترط في تحقيق الاسلام معرفة أنّها من الاجسام...)(١) .
نعم، إنّ تلك العقيدة في البعث والمعاد على بساطتها هي التي جاء بها الدين الاسلامي، فاذا أراد الانسان أن يتجاوزها إلى تفصيلها بأكثر ممّا جاء في القرآن ليقنع نفسه دفعاً للشبه - التي يثيرها الباحثون والمشككون بالتماس البرهان العقلي أو التجربة الحسية - فانّه إنّما يجني على نفسه، ويقع في مشكلات ومنازعات لا نهاية لها.
وليس في الدين ما يدعو إلى مثل هذه التفصيلات التي حشدت بها كتب المتكلِّمين والمتفلسفين، ولا ضرورة دينية ولا اجتماعية ولا سياسية تدعو إلى أمثال هاتيك المشاحنات والمقالات المشحونة بها الكتب عبثاً، والتي استنفدت كثيراً من جهود المجادلين وأوقاتهم وتفكيرهم بلا فائدة.
والشبه والشكوك التي تُثار حول تلك التفصيلات يكفي في ردّها قناعتنا بقصور الانسان عن إدراك هذه الاُمور الغائبة عنّا، والخارجة عن أفقنا ومحيط وجودنا، والمرتفعة فوق مستوانا الاَرضي، مع علمنا بأنّ الله تعالى العالم القادر أخبرنا عن تحقيق المعاد ووقوع البعث.
وعلوم الانسان وتجريباته وأبحاثه يستحيل أن تتناول شيئاً لا يعرفه ولا
____________________
(١) مقتبس من كتاب كشف الغطاء: ٥ للشيخ الكبير كاشف الغطاء.
يقع تحت تجربته واختباره إلاّ بعد موته وانتقاله من هذا العالم عالم الحس والتجربة والبحث، فكيف ينتظر منه أن يحكم باستقلال تفكيره وتجربته بنفي هذا الشيء أو إثباته؟ فضلاً عن أن يتناول تفاصيله وخصوصياته، إلاّ إذا اعتمد على التكهّن والتخمين، أو على الاستبعاد والاستغراب، كما هو من طبيعة خيال الانسان أن يستغرب كل ما لم يألفه ولم يتناوله علمه وحسّه، كالقائل المندفع بجهله لاستغراب البعث والمعاد( مَن يُحيي العِظَ-مَ وَهَيَ رَميمٌ ) (١) .
ولا سند لهذا الاستغراب إلاّ إنّه لم يرَ ميتاً رميماً قد اُعيدت له الحياة من جديد، ولكنّه ينسى هذا المستغرب كيف خُلقت ذاته لاَول مرة، ولقد كان عدماً، وأجزاء بدنه رميماً تألّفت من الاَرض وما حملت، ومن الفضاء وما حوى، من هنا وهنا، حتى صار بشراً سوياً ذا عقل وبيان( أَوَ لَمْ يَرَ الاِنس-نُ أَنَّا خلقنه مِن نُطفَةٍ فَإذَا هُو خَصِيمٌ مُبينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسي خَلقَهُ ) (٢) .
يقال لمثل هذا القائل الذي نسي خلق نفسه:( يُحييِها الَّذِي أَنشَأَهَا أَوّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِ خَلقٍ عَليمٌ ) (٣) .
يقال له: إنّك بعد أن تعترف بخالق الكائنات وقدرته، وتعترف بالرسول وما أخبر به، مع قصور علمك حتى عن إدراك سرَّ خلق ذاتك وسر تكوينك، وكيف كان نموّك وانتقالك من نطفة لا شعور لها ولا إرادة ولا عقل إلى مراحل متصاعدة مؤتلفاً من ذرات متباعدة؛ لتبلغ بشراً سوياً عاقلاً مدبّراً
____________________
(١) يس ٣٦: ٧٨.
(٢) يس ٣٦: ٧٧ - ٧٨.
(٣) يس ٣٦: ٧٩.
ذا شعور وأحساس(١)
يقال له: بعد هذا كيف تستغرب أن تعود لك الحياة من جديد بعد أن تصبح رميماً، وأنت بذلك تحاول أن تتطاول إلى معرفة ما لا قِبل لتجاربك وعلومك بكشفه؟
يقال له: لا سبيل حينئذ إلاّ أن تذعن صاغراً للاعتراف بهذه الحقيقة التي أخبر عنها مدبّر الكائنات العالم القدير، وخالقك من العدم والرميم.
وكلّ محاولة لكشف ما لا يمكن كشفه، ولا يتناوله علمك فهي محاولة باطلة، وضرب في التيه، وفتح للعيون في الظلام الحالك.
إنّ الانسان مع ما بلغ من معرفة في هذه السنين الاَخيرة، فاكتشف الكهرباء والرادار واستخدم الذرّة، إلى أمثال هذه الاكتشافات التي لو حُدِّث عنها في السنين الخوالي لعدَّها من أوّل المستحيلات، ومن مواضع التندّر والسخرية. إنّه مع كل ذلك لم يستطع كشف حقيقة الكهرباء ولا سر الذرّة، بل حتى حقيقة احدى خواصهما وأحد أوصافهما، فكيف يطمع أن يعرف سر الخلقة والتكوين، ثم يترقّى فيريد أن يعرف سرَّ المعاد والبعث.
نعم، ينبغي للانسان بعد الايمان بالاسلام أن يتجنَّب عن متابعة الهوى، وأن يشتغل فيما يصلح أمر آخرته ودنياه، وفيما يرفع قدره عند الله، وأن يتفكَّر فيما يستعين به على نفسه، وفيما يستقبله بعد الموت من شدائد القبر والحساب بعد الحضور بين يدي الملك العلاّم، وأن يتّقي( يوماً لا
____________________
(١) فقد قال تعالى:( وَلَقَدْ خَلَقْنا الاِنسَ-نَ مِنْ سُلَلَةٍ مِنْ طِينِ * ثُمَّ جَعَلْنهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكين * ثُمَّ خَلَقْنا الْنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا الْمُضْغَةَ عِظَماً فَكَسَوْنَا العِظَمَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأنهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَباركَ اللهُ أَحْسَنُ الْخلِقِينَ ) المؤمنون ٢٣: ١٢ - ١٤.
تَجزي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئاً وَلا يُقبَلُ مِنها شَفعةٌ وَلا يُؤخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هُمْ يُنصَرون ) (١) ؟
الفهرس
تصدير ٦
١ - عقيدتنا في النظر والمعرفة ٩
٢ - عقيدتنا في التقليد بالفروع ١٢
٣ - عقيدتنا في الاجتهاد ١٤
٤ - عقيدتنا في المجتهد ١٧
الفصل الاَول الاِلهيات ٢٠
٥ - عقيدتنا في الله تعالى ٢١
٦ - عقيدتنا في التوحيد ٢٥
٧ - عقيدتنا في صفاته تعالى ٣١
٨ - عقيدتنا في العدل ٣٥
٩ - عقيدتنا في التكليف ٣٨
١٠ - عقيدتنا في القضاء والقدر ٤١
١١ - عقيدتنا في البداء ٤٦
١٢ - عقيدتنا في أحكام الدين ٤٩
الفصل الثاني النبوّة ٥١
١٣ - عقيدتنا في النبوّة ٥٢
١٤ - النبوّة لطف ٥٤
١٥ - عقيدتنا في معجزة الأنبياء ٥٧
١٦ - عقيدتنا في عصمة الأنبياء ٦٠
١٧ - عقيدتنا في صفات النبي ٦٣
١٨ - عقيدتنا في الأنبياء وكتبهم ٦٤
١٩ - عقيدتنا في الاِسلام ٦٨
٢٠ - عقيدتنا في مشرِّع الاِسلام ٧٢
٢١ - عقيدتنا في القرآن الكريم ٧٣
٢٢ - طريقة إثبات الإسلام والشرائع السابقة ٧٥
الفصل الثالث الامامة ٧٩
٢٣ - عقيدتنا في الاِمامة ٨٠
٢٤ - عقيدتنا في عصمة الإمام ٨٤
٢٥ - عقيدتنا في صفات الاِمام وعلمه ٨٥
٢٦ - عقيدتنا في طاعة الاَئمّة ٨٨
٢٧ - عقيدتنا في حبّ آل البيت ٩٤
٢٨ - عقيدتنا في الاَئمّة ٩٦
٢٩ - عقيدتنا في أنّ الاِمامة بالنص ٩٨
٣٠ - عقيدتنا في عدد الاَئمّة ١٠١
٣١ - عقيدتنا في المهديّ ١٠٣
٣٢ - عقيدتنا في الرجعة ١٠٩
٣٣ - عقيدتنا في التقيّة ١١٤
الفصل الرابع ما أدّب به آل البيت شيعتهم ١١٨
تمهيد: ١١٩
٣٤ - عقيدتنا في الدعاء ١٢٠
٣٥ - أدعية الصحيفة السجّادية ١٢٧
٣٦ - عقيدتنا في زيارة القبور ١٣٦
٣٧ - عقيدتنا في معنى التشيُّع عند آل البيت ١٤٢
٣٨ - عقيدتنا في الجور والظلم ١٤٦
٣٩ - عقيدتنا في التعاون مع الظالمين ١٤٩
٤٠ - عقيدتنا في الوظيفة في الدولة الظالمة ١٥٢
٤١ - عقيدتنا في الدعوة إلى الوحدة الاِسلامية ١٥٤
٤٢ - عقيدتنا في حقِّ المسلم على المسلم ١٦١
الفصل الخامس ١٦٧
٤٣ - عقيدتنا في البعث والمعاد ١٦٨
٤٤ - عقيدتنا في المعاد الجسماني ١٦٩
الفهرس ١٧٤