شيعة هم اهل السنّة
التجميع الإمامة
الکاتب الدكتور محمد التيجاني السماوي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

شيعة هم اهل السنّة

الدكتور محمد التيجاني السماوي


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة




بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، الرحمان الرحيم، قاهر الجبارين والمتكبرين ناصر المظلومين والمستضعفين، المتفضل على عباده أجمعين من المؤمنين والكافرين والمشركين والملحدين، المنعم علي خلقه كلهم بالهداية والرعاية والتكريم، فقال جل علا:( وَ لَقَدْ کَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَ فَضَّلْنَاهُمْ عَلَى کَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) (الإسراء: ٧٠ ).

والحمد لله الذي اسجد لنا ملائكته المقربين ومن أبى أصبح من الملاعين، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله الذي عبد لنا الطريق ومهد لنا السبيل لنصل بعنايته وتحت ظل عبادته إلى مراتب الكمال العلية، وأنار لنا الظلام وأوضح لنا الحقيقة بالحجج القوية والبراهين الجلية، وأرسل لنا رسلا منا تتلو علينا آياته وتخرجنا من الظلمات إلى النور وتنقذنا من الضلالة العمية وجعل لنا العقل إماما قائما نهتدي به كلما شكت حواسنا في أمر مبهم أو قضية.

والصلاة والسلام، والبركات والتحيات على المبعوث رحمة للإنسانية، سيدنا ومولانا وقائدنا محمد بن عبد الله خاتم الرسل وسيد البشرية، صاحب الفضيلة والوسيلة والدرجة الرفيعة، صاحب المقام المحمود واليوم الموعود والشفاعة المقبولة والخلق العظيم وعلى آل بيته الطاهرين الذين أعلى الله مقامهم


وجعلهم أمان الأمة من الهلكة ومنقذي الملة من الضلالة ونجاة المؤمنين من الغرق، المتمسك بحبل ولائهم مؤمن طيب الولادة، والناكب عن صراطهم منافق رديء الولادة محبهم ينتظر الرحمة ومبغضهم ليس له إلا النقمة، لا يصل العبد إلى ربه إلا من طريقهم ولا يدخل إلا من بابهم.

ثم الراضون على شيعتهم ومحبيهم من الصحابة الأولين الذين بايعوهم على نصرة الدين، وثبتوا معهم على العهد وكانوا من الشاكرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

رب أشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل كل من يقرأ كتابي يميل إلى الحق بإذنك، ويترك التعصب بمنك وإحسانك، فإنك أنت الوحيد القادر على ذلك ولا يقدر عليه سواك.

فبعزتك وجلالك وبقدرتك وكمالك، وبمحبك لعبادك افتح بصائر المؤمنين الموحدين الذين آمنوا برسالة حبيبك محمد على الحق الذي لا شك فيه، حتى يهتدوا إليه بفضلك ويعرفوا قيمة الأئمة من آل بيت نبيك، ويتوحدوا لإعلاء كلمة الدين بالحكمة البالغة والموعظة الحسنة والأخوة الصادقة، فلقد عم الفساد في البر والبحر.

ولولا الصبر الذي خلقته وألهمتنا إياه، لدب اليأس إلى قلوبنا ولأصبحنا من الخاسرين ؛ لأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. فاجعلنا اللهم من الصابرين ولا تجعلنا من اليائسين.

اللهم، كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه


الساعة وفي كل ساعة، وليا وحافظا وقائدا وناصرا، ودليلا وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا، واجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه في طاعتك وسبيلك، إنك أنت السميع العليم.

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، للهم صل على محمد وآله الطيبين الطاهرين.



المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ومولانا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد.

لقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مداد العلماء أفضل عند الله من دماء الشهداء ).

كان لزاما على كل عالم أو كاتب أن يكتب للناس ما يراه صالحا لهدايتهم وإصلاح ذات بينهم وجمع كلمتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور ؛ لأن الإنسان إذا ما استشهد في سبيل الله وهي دعوة الحق من أجل إقامة العدل، فقد لا يتأثر به إلا الذي حضره، ولكن العالم الذي يعلم الناس ويكتب قد يتأثر بعلمه كثير من القراء من أبناء جيله ويبقى كتابه مناراً للأجيال اللاحقة جيلا بعد جيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فكل شيء تنقصه النفقة إلا العلم فإنه يزكو بالإنفاق.

وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لئن يهدي الله بك رجلا واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس، أو خير لك من الدنيا وما فيها ). فكم من كاتب توفي منذ قرون عديدة وأصبحت عظامه رميما ولكن أفكاره وعلومه بقيت من خلال كتابه الذي قد يطبع مئات المرات عبر الأجيال فستلهم الناس منه الهداية والتوفيق.

وإذا كان الشهيد حيا عند ربه يرزق فكذلك العالم الذي كان سببا في هداية الناس فهو حي عند ربه وعند العباد يذكرونه بأحسن ذكر ويدعون له ويستغفرون.


أما أنا فلست من العلماء ولا أدعي ذلك لنفسي وأعوذ بالله من الأنانية، بل أنا من خدام العلماء والباحثين في فضلاتهم واللاحسين من بقاياهم والمتبعين خطاهم كما يتبع الخادم سيده. ولما ألهمني الله لكتابه « ثم أهتديت » ولقيت تشجيعاً من عديد من القراء والباحثين، ثم أردفته بالكتاب الثاني « لأكون مع الصادقين » والذي لقي هو الآخر قبولاً حسناً، مما شجعني على مواصلة البحث والتنقيب فكتبت الجزء الثالث « فاسألوا أهل الذكر » دفاعاً عن الإسلام وعن نبي الإسلام لإزالة الشبهات التي ألصقت بحضرته المقدسة وكشف المؤامرة التي دبرت ضده وضد أهل بيته الأطهار.

وتلقيت رسائل كثيرة من كل أنحاء العالم العربي والإسلامي تحمل في طياتها عبارات الود والولاء والمحبة والإخاء، كما دعيت لحضور العديد من المؤتمرات الفكرية في أنحاء العالم والتي تقيمها المؤسسات الإسلامية، فحضرتها في الولايات المتحدة الأمريكية وفي الجمهورية الإسلامية وفي بريطانيا وفي الهند والباكستان وفي كينيا وغرب إفريقيا والسويد. وكلما التقيت مجموعة من الشباب المثقف ومن رجال الفكر وجدت لديهم إعجابا وتعطشا لمزيد من المعرفة، فيسألون هل من مزيد وهل هناك كتاب جديد ؟

فحمدت الله وشكرته على هذا التوفيق وطلبت منه مزيداً من العناية والهداية، واستعنت به على هذا الكتاب الذي أضعه بين يدي المسلمين الباحثين، والذي يدور في فلك الكتب الثلاثة السابقة عسى أن ينتفع به بعض المثقفين والباحثين عن الحق ليعلموا أن الفرقة المستهدفة والتي تسمى ب- « الشيعة الإمامية » هي الفرقة الناجية، وأنهم - أي الشيعة - هم أهل السنة الحقيقية، وأقصد بالسنة الحقيقية السنة المحمدية التي صدع بها نبي الإسلام بوحي من رب العالمين. فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وسأبين للقراء الكرام بأن


الاصطلاح الذي اتفق عليه مناوئو الشيعة وخصومهم وتسموا ب « أهل السنة والجماعة » ما هي في الحقيقة إلا سنة مزعومة سموها هم وآباؤهم، ما أنزل الله بها من سلطان والنبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منها بريء. فكم كذب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكم منعت أحاديثه وأقواله وأفعاله أن تصل إلى المسلمين بحجة الخوف من اختلاطها بكلام الله وهي حجة واهية كبيت العنكبوت، وكم من أحاديث صحيحة أصبحت في سلة المهملات ولا يقام لها وزن ولا يعبأ بها، وكم من أوهام وخزعبلات أصبحت من بعده أحكاماً تنسب إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وكم من شخصيات وضيعة يشهد التاريخ بخستها وحقارتها، أصبحت بعده سادة وقادة تقود الأمة ويلتمس لأخطائها الأعذار والتأويلات. وكم من شخصيات رفيعة يشهد التاريخ بسموها وشرف منبتها، أصبحت بعده مهملة لا يعبأ بها ولا يتلفت إليها، بل تكفر وتلعن من أجل مواقفها النبيلة، وكم من أسماء براقة جذابة تخفي وراءها الكفر والضلال، وكم من قبور تزار وأصحابها من أهل النار.

وقد عبر رب العزة والجلالة عن كل ذلك بأحسن تعبير فقال:( وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُکَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ‌ * وَ إِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَ يُهْلِکَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَ إِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهَادُ ) ( البقرة: ٢٠٧ - ٢٠٦ ).

ولعلي لست مبالغاً إذا عملت بالحكة القائلة: « لو عكست لأصبت » وعلى الباحث المحقق أن لا يأخذ الأشياء على ما هي عليه بأنها من المسلمات، بل عليه أن يعكسها ويشكك فيها في أغلب الأحيان ليصل إلى الحقيقة المطموسة التي لعبت فيها السياسة كل أدوارها، وعليه أن لا يغتر بالمظاهر ولا بكثرة العدد فقد قال تعالى في كتابه العزيز:( وَ إِنْ تُطِعْ أَکْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوکَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ‌ ) ( الأنعام: ١١٦ ).


فقد يلبس الباطل لباس الحق للتمويه والتضليل وقد ينجح في أغلب الأحيان لبساطة عقول الناس أو لحسن ظنهم به وقد ينتصر الباطل أحيانا لوجود أنصار مؤيدين له فما على الحق إلا الصبر وانتظار وعد الله بأن يزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً.

وأكبر مثل على ذلك ما حكاه القرآن الكريم في قصة يعقوب وأولاده، إذ( وَ جَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْکُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَ تَرَکْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَکَلَهُ الذِّئْبُ وَ مَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَ لَوْ کُنَّا صَادِقِينَ ) ( يوسف: ١٦ - ١٧ ).

وكان من المفروض لو كانوا أهل الصدق أن يقولوا: « وما أنت بمؤمن لنا لأنا كاذبون ». فما كان من سيدنا يعقوب وهو نبي الله يوحي إليه إلا أن استسلم إلى باطلهم واستعان بالله على الصبر الجميل رغم علمه بأنهم كاذبون، قال:( بَلْ سَوَّلَتْ لَکُمْ أَنْفُسُکُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ‌ ) ( يوسف: ١٨ ). وماذا عساه أن يفعل أكثر من ذلك، وهو يواجه أحد عشر رجلاً اتفقوا كلهم على كلمة واحدة ومثلوا مسرحية القميص والدم وكلهم يبكون على أخيهم المفقود. فهل يكشف يعقوب كذبهم ويدحض باطلهم ويسارع إلى الجب ليخرج ابنه الصغير الحبيب لقلبه، ثم يعاقبهم على فعلتهم الشنيعة ؟

كلا، إن ذلك فعل الجاهلين الذين لا يهتدون بحكمة الله أما يعقوب فهو نبي يتصرف تصرف الحكماء العلماء وقد قال الله في شأنه:( وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَ لٰکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) ( يوسف: ٦٨ ) فما كان من علمه وحكمته إلا أن تولى عنهم وقال:( يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَ ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ کَظِيمٌ ) ( يوسف: ٨٤ ). ولو تصرف يعقوب مع أبنائه كما قدمنا بأن أخرج ابنه من الجب وعنفهم على كذبهم وعاقيهم على جريمتهم لاشتد بغضهم لأخيهم ولوصل بهم الأمر إلى


اغتيال أبيهم وربما عبروا عن ذلك بقولهم لأبيهم:( تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْکُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَکُونَ حَرَضاً أَوْ تَکُونَ مِنَ الْهَالِکِينَ‌ ) ( يوسف: ٨٥ ).

ومن كل هذا نستنتج بأن السكوت في بعض الأوقات مستحب إذا كان في معارضة الباطل مفسدة أو هلاك أو كان في السكوت عن الحق مصلحة عامة ولو آجلة. ولابد أن يفهم من الحديث النبوي الشريف القائل: « الساكت عن الحق شيطان أخرس » هذا المدلول الذي يتفق مع العقل ومع كتاب الله المجيد. ولو تتبعنا حياة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لوجدناه يسكت في كثير من الأوقات لمصلحة الإسلام والمسلمين حسبما يروى في الصحاح من السيرة النبوية كصلح الحديبية وغيرها. ورحم الله أمير المؤمنين عليا الذي سكت بعد وفاة ابن عمه بأبي هو وأمي، وقال في ذلك قولته المشهورة: ( وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدج فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأيت أن الصبر على هاتين أحجى فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا … ).

ولو لم يسكت أبو الحسن عن حقه في الخلافة، وقدم في ذلك مصلحة الإسلام والمسلمين، لما كان للإسلام بعد محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يعيش أبدا على ما رسمه الله ورسوله. وهذه هي الحقيقية التي يجهلها أكثر الناس الذين يحتجون علينا دائماً بصحة خلافة أبي بكر وعمر ؛ لأن علياً سكت عنهما، ويضيفون كما يحلو لهم: « لو كان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عين عليا للخلافة بعده لما جاز له أن يسكت عنها ؛ لأنها من حقه والساكت عن الحق شيطان أخرس. هذا ما يقولونه ويرددونه. وهذا لعمري هو الفهم الخاطئ الذي لا يعرف من الحق إلا الذي يتماشى مع ميوله وهواه، ولا يدرك الحكمة التي تتمخض عن ذلك السكوت والمصالح


الآجلة التي لا تقدر بقيمة إذا ما قيست بالمصلحة العاجلة نتيجة الثورة على الباطل الذي له أنصار ومؤيدون كثيرون. وإذا كان سكوت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الحديبية على الحق وقبوله بشروط قريش وباطل المشركين، حتى ثارت ثورة عمر بن الخطاب فقال للرسول: أو لست نبي الله حقا ؟ ! أولسنا على الحق وهم على الباطل ؟ فلماذا نعطي الدنية في ديننا ؟.

أقول: إذا كان سكوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سلبيا بنظر عمر بن الخطاب وأغلب الصحابة الذين حضروه، فإن الواقع يثبت بلا شك أنه إيجابي لمصلحة الإسلام والمسلمين وإن لم تكن تلك المصلحة عاجلة فقد ظهرت نتائجه الإيجابية بعد عام واحد عند ما فتح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مكة المكرمة بدون حرب ولا مقاومة ودخل الناس في دين الله أفواجاً عند ذلك استدعى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمر بن الخطاب وأطلعه على نتائج سكوته على الحق والحكمة من وراء ذلك. ونحن إذ نقدم هذه الاستدلالات للتعبير عن الواقع الذي لا مفر منه ألا وهو انتصار الباطل على الحق إذا وجد له أنصار ومؤيدون، فبالرغم من أن عليا مع الحق والحق معه يدور حيث دار إلا أنه لم يجد له أنصاراً ومؤيدون لمقاومة معاوية وباطله، ولأن هذا الأخير وجد أنصاراً كثيرين لمقاومة الحق ودحضه، فالناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم فهم لا يحبون الحق ويميلون مع الباطل فالحق مر وصعب والباطل سهل ميسور. وصدق الله العظيم إذ يقول:( بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَکْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ کَارِهُونَ ) ( المؤمنون: ٧٠ ). وانتصر باطل يزيد على حق الحسين لنفس الأسباب كما انتصر باطل الحكام الأمويين والعباسيين على حق الأئمة من أهل البيت الذين استشهدوا كلهم ساكتين لمصلحة الإسلام والمسلمين. كما غاب الإمام الثاني عشر واختفى خوفا من الباطل وسكت حتى يجد لنصره الحق أعوانا ومؤيدين، عند ذلك يأذن الله له بالخروج لتكون ثورة الحق


ضد الباطل عالمية، فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلما وجوراً وبتعبير آخر يملأها حقا بعد ما ملئت بالباطل. وبما أن أكثر الناس للحق كارهون فهم أنصار الباطل ويبقى في الناس عدد قليل محب للحق فلا ينتصرون على أهل الباطل إلا بإعانة الله لهم عن طريق المعجزات، وذلك ما سجله كتاب الله الكريم في كل المعارك والحروب التي جمعت أهل الحق ضد أهل الباطل( کَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً کَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ( البقرة: ٢٤٩ ).

فالذين يصبرون على الحق رغم قلة أعوانه ينصرهم الله سبحانه بالمعجزات فيبعث الملائكة المسومين يقاتلون معهم، ولولا تدخل الله مباشرة لما انتصر الحق على الباطل أبداً. وها نحن نعيش اليوم هذه الحقيقة المؤلمة، والمؤمنون الصادقون أنصار الحق مغلوبون على أمرهم ومقهورون مشردون ومنكوبون، بينما أنصار الباطل الذين يكفرون بالله يحكمون ويلعبون بمصير الشعوب وبأرواحهم ولا يمكن للمؤمنين المستضعفين أن ينتصروا في معركتهم ضد الكافرين المستكبرين إلا بإعانة الله تعالى، ولذلك وردت الروايات بأن المعجزات ستظهر بظهور المهديعليه‌السلام . وليست هذه دعوة للركود والانتظار، كيف يضح ذلك وقد قدمت آنفاً بأنه لا يظهر إلا بوجود الأنصار والأعوان، ويكفي المؤمنين الصادقين أن يحملوا فكر الإسلام الصحيح المتمثل في ولاية أهل البيت - أعني بذلك التمسك بالثقلين كتاب الله وعثرة النبي - ليكونوا من أنصار وأعوان المهدي المنتظر ( عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة وأزكى السلام ).

أقول قولي هذا واستغفر الله إن كنت مخطئا على رأي الأكثرية من الناس، ومصيباً على رأي الأقلية منهم، فلا أبالي بلوم الأكثرية ولا أباهي بمدح الأقلية ما دمت أبتغي رضا الله ورسوله ورضا الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام . أما رضا الناس فهو غاية لا تدرك ؛ لأن الناس لا يرضون إلا عما يعجبهم ولا


يميلون إلا مع أهوائهم، وأهواؤهم شتى( وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ … ) ( المؤمنون: ٧١ ).

وإذا كان أغلب الناس معرضين عن الحق حتى وصل بهم الأمر إلى قتل رسل الله معاندة للحق الذي لا يتماشى مع أهوائهم قال تعالى:( أَ فَکُلَّمَا جَاءَکُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُکُمُ اسْتَکْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً کَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ‌ ) ( البقرة: ٨٧ ).

فلا غضاضة علي إن أهنت أو لعنت على لسان البعض منهم الذين لم يتحملوا الحق الذي صدعت به في كتبي السابقة وقد أعيتهم الحيلة في الرد علي بالحجة والدليل العلمي فلجأوا للسب والشتم كما هي عادة الجاهلين. فلا ولن اخضع للمساومات ولا للترهيب والترغيب وسأكون المدافع بلساني وقلمي عن رسول الله وأهل بيت ( صلوات الله عليهم أجمعين )، عسى أن أحظى لديهم بالقبول فأكون من الفائزين، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

محمد التيجاني السماوي التونسي


التعريف بالشيعة

إذا أردنا الكلام عن الشيعة بدون تعصب ولا تكلف، قلنا: هي الطائفة الإسلامية التي توالي وتقلد الأئمة الاثني عشر من أهل بيت المصطفى عليا وبينه، وترجع إليهم في كل المسائل الفقهية من العبادات والمعاملات، ولا يفضلون عليهم أحد سوى جدهم صاحب الرسالة محمدا ( رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ).

هذا هو التعريف الحقيقي للشيعة بكل اختصار، ودعك من أقوال المرجفين والمتعصبين من أن الشيعة هم أعداء الإسلام، أو أنهم يعتقدون بنبوة علي وأنه صاحب الرسالة أو أنهم ينتمون إلى عبد الله بن سبأ اليهودي. وقد قرأت كتبا ومقالات عديدة يحاول أصحابها بكل جهودهم تكفير الشيعة وإخراجهم من الملة الإسلامية. ولكن أقوالهم كلها محض افتراء وكذب صريح لم يأتوا عليه بحجة ولا بدليل سوى أنهم يعيدون ما قاله أسلافهم من أعداء أهل البيت، والنواصب الذين تسلطوا على الأمة وحكموها بالقوة والقهر، وتتبعوا عثرة النبي ومن تشيع لهم فقتلوهم وشردوهم ونبزوهم بكل الألقاب. ومن هذه الألقاب التي تتردد كثيرا في كتب أعداء الشيعة لقب الرافضة، أو الروافض. فيخيل للقارئ لأول وهلة أن هؤلاء رفضوا قواعد الإسلام ولم يعملوا بها، أو أنهم رفضوا رسالة النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يقبلوا بها.

____________________

(١) ونقصد بالشيعة هنا، ( الإمامية الاثني عشرية ) والمسماة أيضاً بالجعفرية نسبة للإمام جعفر الصادق، ولا يتعلق بحثنا بالفرق الأخرى كالإسماعيلية والزيدية ولا يهمنا من أمر هؤلاء ما دمنا نعتقد بأنهم كسائر الفرق الأخرى التي لم تتمسك بحديث الثقلين، ولا ينفع اعتقادهم بإمامة علي بعد رسول الله مباشرة.


ولكن الواقع على غير هذا، إنما لقبوا بالروافض لأن الحكام الأولين من بني أمية وبني العباس ومن يتزلف إليهم من علماء السوء أرادوا تشويههم بهاذ اللقب ؛ لأن الشيعة والوا عليا ورفضوا خلافة أبي بكر وعمر وعثمان أولا، كما رفضوا خلافة كل الحكام من بني أمية وبني العباس ولم يقبلوا بها ثانيا. ولعل هؤلاء كانوا يموهون على الأمة بإعانة بعض الوضاعين من الصحابة بأن خلافتهم شرعية ؛ لأنها بأمر الله سبحانه، فكانوا يروجون بأن قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْکُمْ ) ( النساء: ٥٩ ) تخصهم ونازلة في حقهم، فهم أولو الأمر الواجبة طاعتهم على كل المسلمين، وقد استأجروا من يروي لهم كذبا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قول: « ليس أحد خرج من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية» فليس من حق أي مسلم أن يخرج عن طاعة السلطان.

وبهذا نفهم بأن الشيعة إنما استهدفوا من قبل الحكام لأنهم رفضوا بيعتهم ولم يقبلوا بها واعتبروها اغتصابا لحق أهل البيت، فكان الحكام وعلى مر العصور يوهمون العامة بأن الشيعة رافضون للإسلام بل يريدون هدمه والقضاء عليه، كما عبر عن ذلك بعض الكتاب والمؤرخين ممن يدعي العلم من السابقين واللاحقين. وإذا رجعنا إلى لعبة تلبيس الحق بالباطل فسندرك بأن هناك فرقا بين من يريد هدم الإسلام وبين من يريد هدم الحكومة الجائرة الفاسقة التي تعمل ضد الإسلام.

فالشيعة لم يخرجوا على الإسلام، إنما خرجوا على الحكام الجائرين وهدفهم إرجاع الحق إلى أهله لإقامة قواعد الإسلام بالحاكم العادل. وعلى كل حال فالذي عرفناه خلال البحوث السابقة من كتاب « ثم اهتديت » و « مع الصادقين » و « أهل الذكر » أن الشيعة هم الفرقة الناجية ؛ لأنهم تمسكوا بالثقلين كتاب الله وعترة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وإذا أنصفنا المنصفين، فإن البعض من علماء « أهل السنة » يعترف بهذه الحقيقة، فقد قال ابن منظور في كتابه « لسان العرب » في تعريف الشيعة.


« والشيعة هم قوم يهوون هوى عثرة النبي ويوالونهم » كما يقول الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور بعد استعراض هذا المقطع من الكتاب المذكور: « وإذا كان الشيعة هم الذين يهوون هوى عثرة النبي ويوالونهم فمن من المسلمين يرفض أن يكون شيعيا ؟ ! ».

هذا وقد ولى عصر التعصب والعداوة الوراثية، وأقبل عهد النور والحرية الفكرية، فعلى الشباب المثقف أن يفتح عينيه، وعليه أن يقرأ كتب الشيعة ويتصل بهم ويتكلم مع علمائهم كي يعرف الحق من بابه، فكم خدعنا بالكلام المعسول وبالأراجيف التي لا تثبت أمام الحجة والدليل. والعالم اليوم في متناول الجميع، والشيعة موجودون في كل بقاع الدنيا من هذه الأرض، وليس من الحق أن يسأل الباحث عن الشيعة أعداء الشيعة وخصومهم الذين يخالفونهم في العقيدة، وماذا ينتظر السائل من هؤلاء أن يقولوا في خصومهم منذ بداية التاريخ ؟

فليست الشيعة فرقة سرية لا تطلع على عقائدها إلا من ينتمي إليها، بل كتبها وعقائدها منشورة في العالم، ومدارسها وحوزاتها العلمية مفتوحة لكل طلاب العلم، وعلماؤهم يقيمون الندوات والمحاضرات والمناظرات والمؤتمرات، ويندون إلى كلمة سواء وإلى توحيد الأمة الإسلامية.

وأنا على يقين بأن المنصفين من الأمة الإسلامية إذا ما بحثوا في الموضوع بجد سوف يستبصرون إلى الحق الذي ليس بعده إلا الضلال ؛ لأن مانعهم من الوصول هو فقط وسائل الدعاية المغرضة والإشاعة الكاذبة من أعداء الشيعة أو تصرف خاطئ من بعض عوام الشيعة(١) .

ويكفي في أغلب الأحيان أن تزاح شبهة واحدة أو تنمحي خرافة باطلة حتى ترى من كان عدوا للشيعة يصبح منهم.

____________________

(١) ستعرف في آخر الكتاب بأن أعمال بعض العوام من الشيعة ينفر الشباب المثقف من أهل السنة ولا يشجعهم على مواصلة البحث للوصول إلى الحقيقة.


ويحضرني في هذا الصدد قصة الشامي الذي ضللته وسائل الإعلام في ذلك العهد، عندما دخل المدينة المنورة لزيارة قبر الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجد رجلاً يركب فرسه عليه هيبة ووقار، وحوله كوكبة من أصحابه يحوطونه من كل جانب وهم طوع إشارته.

استعرب الشامي وتعجب أن يكون في الدنيا رجل له من الهالة والتعظيم أكثر من معاوية في الشام فسأل عن الرجل، فقيل له: إنه الحسن بن علي بن أبي طالب، قال: هذا هو ابن أبي تراب الخارجي ؟ ثم أولغ سبا وشتما في الحسن وأبيه وأهل بيته. وشهر أصحاب الحسن سيوفهم كل يريد قتله، ومنعهم الإمام الحسن ونزل عن جواده فرحب به ولاطفه قائلا له:( يبدو أنك غريب عن هذه الديار يا أخا العرب ؟ ) قال الشامي: نعم، أنا من الشام، من شيعة أمير المؤمنين وسيد المسلمين معاوية بن أبي سفيان، فرحب به الإمام من جديد وقال له: ( أنت من ضيوفي ) وامتنع الشامي ولكن الحسن لم يتركه حتى قبل النزول عنده وبقي الإمام يخدمه بنفسه طيلة أيام الضيافة ويلاطفه، فلما كان اليوم الرابع بدا على الشامي الندم والتوبة مما صدر منه تجاه الحسن بن علي وكيف يسبه ويشتمه فيقابله بالإحسان والعفو وحسن الضيافة، فطلب من الحسن ورجاه أن يسامحه على ما صدر منه وكان بينهما الحوار التالي بمحضر من أصحاب الحسن:

الحسن: ( أقرأت القرآن يا أخا العرب ؟ )

الشامي: أنا أحفظ القرآن كله.

الحسن: ( هل تعرف من هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم ؟ )

الشامي: إنهم معاوية وآل أبي سفيان.

استغرب الحاضرون وتعجبوا وابتسم له الحسن قائلا: ( أنا الحسن بن علي وأبي


هو ابن عم رسول الله وأخوه، وأمي فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وجدي رسول الله سيد الأنبياء والمرسلين وعمي حمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار، ونحن أهل البيت الذي طهرنا الله سبحانه وافترض مودتنا على كل المسلمين ونحن الذين صلى الله وملائكته علينا وأمر المسلمين بالصلاة علينا، وأنا وأخي الحسين سيدا شباب أهل الجنة.

وعدد له الإمام الحسن بعض فضائل أهل البيت وعرفه حقيقة الأمر فاستبصر الشامي وبكى وأخذ يقبل أنامل الحسن ويلثم وجهه معتذرا عما صدر منه في حقه قائلا:

والله الذي لا إله إلا هو إني دخلت المدينة وليس لي على وجه الأرض أبغض منكم، وها أنا أخرج منها وليس على وجه الأرض أحب إلي منكم، وإني أتقرب إلى الله سبحانه بحيكم ومودتكم وموالاتكم والبراءة من أعدائكم.

التفت الإمام الحسن إلى أصحابه قائلا:

لقد أردتم قتله وهو بريء لأنه لو عرف الحق ما كان ليعانده وإن أكثر المسلمين في الشام مثله لو عرفوا الحق لاتبعوه.

ثم قرأ قول الله تعالى:( وَ لاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَکَ وَ بَيْنَهُ عَدَاوَةٌ کَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ‌ ) ( فصلت: ٣٤ ).

نعم هذا هو الواقع الذي يجهله أكثر الناس مع الأسف فكم من إنسان يعادي الحق ويعانده ردحا من عمره، حتى يكتشف في يوم من الأيام أنه على خطأ فيسارع بالتوبة والاستغفار وهذا هو واجب كل إنسان فقد قيل: « الرجوع للحق فضيلة ».

وإنما المصيبة في الذين يرون الحق عيانا ويلمسونه بأيديهم ثم يقفون ضده ويحاربونه من أجل أغراض خسيسة ودنيا دنيئة وأحقاد دفينة.

وهذا النمط من الناس، قال في حقهم رب العزة والجلالة:( وَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‌ ) ( يس: ١٠ ) فلا فائدة في تضييع الوقت معهم وحرق الأعصاب من أجلهم، وإنما الواجب علينا أن نضحي بكل شيء


مع أولئك المنصفين الذين يبحثون عن الحق ويبذلون جهدهم للوصل إليه والذين قال في حقهم رب العزة والجلالة:( إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّکْرَ وَ خَشِيَ الرَّحْمٰنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ کَرِيمٍ‌ ) ( يس: ١١ ).

فعلى المستبصرين من الشيعة في كل مكان أن ينفقوا من أوقاتهم ومن أموالهم في سبيل التعريف بالحق لكل أبناء الأمة الإسلامية، فلم يكن أئمة أهل البيت حكرة على الشيعة وحدهم، إنما هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى لكل المسلمين.

وإذا بقي الأئمة من أهل البيت مجهولين لدى عامة المسلمين وخصوصا منهم المثقفين من أبناء « أهل السنة والجماعة » فإن الشيعة يتحملون مسؤولية ذلك عند الله.

كما إذا بقي الناس كفارا وملحدين لا يعرفون دين الله القويم الذي جاء به محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سيد المرسلين، فالمسؤولية على كل المسلمين.


التعريف بأهل السنة

هم الطائفة الإسلامية الكبرى التي تمثل ثلاثة أرباع المسلمين في العالم، وهم الذين يرجعون في الفتوى والتقليد إلى أئمة المذاهب الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل.

وقد تفرع عنها فيما بعد ما يسمى بالسلفية التي جدد معالمها ابن تيمية الذي يسمونه مجدد السنة، ثم الوهابية التي ابتدعها محمد بن عبد الوهاب، وهو مذهب السعودية.

وكل هؤلاء يسمون أنفسهم « بأهل السنة » وفي بعض الأحيان يضيفون كلمة الجماعة، فيقال « أهل السنة والجماعة ».

ويتبين لنا من خلال البحث التاريخي أن كل من انتمى إلى ما يسمى عندهم بالخلافة الراشدة، أو الخلفاء الراشدين وهم « أبو بكر وعمر وعثمان وعلي » واعترف بإمامتهم سواء في عهدهم أو في عصرنا فهو سني من « أهل السنة والجماعة ».

وكل من رفض تلك الخلافة واعتبرها غير شرعية، وقال بثبوت النص على علي بن أبي طالب فهو شيعي من أهل الرفض. ويتبين لنا أيضاً أن كل الحكام، من أبي بكر وإلى آخر خلفاء بني العباس

____________________

(١) سيتبين لنا في أبحاث لاحقة بأن « أهل السنة والجماعة » لم يلحقوا علي بن أبي طالب بالخلفاء الراشدين الثلاثة إلا في زمن متأخر جدا.


هم راضون على أهل السنة ومتفقون تماما معهم، وغاضبون ومنتقمون من الذين تشيعوا لعلي بن أبي طالب وبايعوه بالخلافة كما بايعوا أولاده من بعده.

وعلى هذا الأساس فإن علي بن أبي طالب وشيعته لم يكونوا معدودين عندهم من « أهل السنة والجماعة » وكأن هذا الاصطلاح - يعني « أهل السنة والجماعة » قد وضع في مقابل علي وشيعته، وهو حسب أعتقادي السبب الرئيسي في تقسيم الأمة الإسلامية بعد وفاة الرسول إلى سنة وشيعة.

وإذا رجعنا لتحليل الأسباب وكشف الأستار حسب المصادر التاريخية الموثوقة لوجدنا أن هذا التقسيم ظهر عقيب وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مباشرة وبدون فصل، إذ أن الأمر استتب لأبي بكر باعتلائه منصة الخلافة وايدته الأغلبية الساحقة من الصحابة، وعارضه علي بن أبي طالب وبنو هاشم وقلة قليلة من الصحابة الذين كانوا في أغلبهم من الموالي. وبديهي أن السلطة الحاكمة أقصت هؤلاء وأبعدتهم واعتبرتهم خارجين من الصف الإسلامي، وعملت كل جهودها على شل معارضتهم بكل الأساليب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ومن المعلوم أن « أهل السنة والجماعة » اليوم، لا يدركون الأبعاد السياسية التي لعبت في تلك العصور، ومدى العداوة والبغضاء التي أولدتها تلك الأدوار الخبيثة في عزل وإبعاد أعظم شخصية عرفها تاريخ البشرية بعد الرسول محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و «أهل السنة والجماعة » في هذا العصر يظنون أو يعتقدون بأن الأمور كانت على أحسن ما يرام وأنها تدور وفق الكتاب والسنة في زمن الخلفاء الراشدين وأن هؤلاء كانوا يتشبهون بالملائكة فكانوا يحترمون بعضهم ولم تكن بينهم أحقاد ولا مطامع ولا نوايا سيئة.

ولكل ذلك تراهم يرفضون كل ما يقوله الشيعة في الصحابة عامة وفي الخلفاء الراشدين منهم خاصة. وكأن « أهل السنة والجماعة » لم يقرأوا كتب التاريخ التي سجلها علماؤهم، واكتفوا فقط بما يسمعونه من أسلافهم من مديح وإطراء وإعجاب بعامة


الصحابة وخصوصاً منهم الخلفاء الراشدين، ولو فتحوا قلوبهم وأبصارهم وتصفحوا تاريخهم وكتب الحديث عندهم طلبا للحق ومعرفة الصواب لغيروا عقيدتهم ليس في الصحابة فحسب ولكن في كثير من الأحكام التي يعتبرونها صحيحة وما هي كذلك.

وإني أحاول بهذا المجهود المتواضع أن أبين لإخواني من « أهل السنة والجمعة» بعض الحقائق التي طفحت بها كتب التاريخ، وأخرج لهم باختصار وجيز النصوص الجلية التي تدحض الباطل وتظهر الحق، عسى أن يكون في ذلك الدواء الناجع لتشتت المسلمين واختلافهم ويعمل على توحيدهم وجمع كلمتهم.

وإن « أهل السنة والجماعة » كما أعرفهم اليوم ليسوا متعصبين، وليسوا ضد الإمام علي وأهل البيت، بل إنهم يحبونهم ويحترمونهم ولكنهم في نفس الوقت يحبون ويحترمون أعداء أهل البيت ويقتدون بهم باعتبار « كلهم من رسول الله ملتمس ».

و « أهل السنة والجماعة » لا يعملون بقاعدة الولاء لأولياء الله والبراءة من أعداء الله، بل يلقون بالمودة للجميع ويترضون على معاوية بن أبي سفيان كما يترضون على علي بن أبي طالب.

وقد بهرتهم هذه التسمية البراقة ( أهل السنة والجماعة ) ولم يعرفوا خفاياها ودسائسها التي وضعها دهاة العرب ولو علموا يوماً بأن علي بن أبي طالب هو مخض السنة المحمدية وهو بابها الذي يؤتى منه للدخول إليها، قد خالفوه في كل شيء وخالفهم، لتراجعوا عن موقفهم ولبحثوا الموضوع بجد، ولما وجدت «أهل السنة » إلا شيعة لعلي وللرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولكل ذلك لابد من كشف حقيقي لتلك المؤامرة الكبرى التي لعبت أخطر الأدوار في إقصاء السنة المحمدية، وإبدالها ببدع جاهلية سببت نكسة المسلمين وارتدادهم عن الصراط المستقيم وتفرقهم واختلافهم ثم تكفير ومقاتلة بعضهم البعض، الشيء الذي سبب تخلفهم العلمي والتقني مما أدى إلى احتلالهم وغزوهم ثم إذلالهم وتحقيرهم وتذويبهم.


وبعد هذا الاستعراض الوجيز للتعريف بالشيعة وبالسنة لابد من الملاحظة بأن اسم الشيعة لا يعني معارضة السنة كما يتوهم عامة الناس عندما يتباهون بقولهم: نحن أهل السنة، ويقصدون بأن غيرهم ضد السنة، فهذا لا يوافق عليه الشيعة أبداً، بل إن الشيعة يعتقدون بأنهم وحدهم المتمسكين بسنة النبي الصحيحة لأنهم أتوها من بابها وهو علي بن أبي طالب ولا باب سواه وعلى رأيهم لا يمكن الوصول إلى الرسول إلا عن طريقه.

ونحن كالعادة في توخي الحياد للوصول إلى الحق لابد أن نتدرج بالقارئ العزيز، ونستعرض معه بعض الأحداث التاريخية ونقدم إليه الدليل والبرهان على أن الشيعة هم أهل السنة كما جاء عنوان الكتاب.

ونترك له بعد ذلك حرية الاختيار والتعليق.


أول حادث فرق المسلمين إلى شيعة وسنة

ذلك هو الموقف الرهيب والخطير الذي وقفه عمر بن الخطاب وأكثر الصحابة تجاه أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما أراد أن يكتب لهم ذلك الكتاب الذي يعصم المسلمين من الضلالة(١) .

وعارضوه بشدة وقساوة وعدم احترام لمقامه السامي حتى اتهموه بالهجر والهذيان، مدعين بأن كتاب الله يكفيهم فلا حاجة لكتابة الرسول. ومن خلال هذه الحادثة التي سماها ابن عباس رزية المسلمين يتبين لنا بأن الأكثرية من الصحابة يرفضون السنة النبوية ويقولون: « حسبنا كتاب الله».

أما علي وأتباعه من الصحابة وهم الأقلية والذين سماهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشيعة علي، فكانوا يمتثلون أوامر الرسول بدون اعتراض ولا نقاش ويعتبرون كل أقواله وأفعاله سنة واجبة الاتباع تماما ككتاب الله، ألم يقل كتاب الله:( الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْکُمْ ) ( النساء: ٥٩ )

وسيرة عمر بن الخطاب معروفة عند كل المسلمين ومواقفه المعارضة للنبي في كل أدوار حياته مشهورة(٢) .

وبطبيعة الحال فإن عمر بن الخطاب كان يرى عدم التقيد بالسنة النبوية، ويظهر ذلك جليا من خلال أحكامه عندما أصبح للمؤمنين فكان يجتهد

____________________

(١) رزية يوم الخميس مشهورة في صحيح البخاري وصحيح مسلم.

(٢) لقد وافينا البحث لمعارضة عمر للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كتابنا « فاسألوا أهل الذكر ».


برأيه مقابل النصوص النبوية بل كان يجتهد برأيه مقابل النصوص الإلهية الجلية فيحرم ما أحل الله ويحلل ما حرم الله(١) .

وبطبيعة الحال إن أنصاره ومؤيديه من الصحابة كانوا على شاكلته، وإن محبيه والمعجبين به من السلف والخلف يقتدون به وببدعه الحسنة كما يسمونها. وسيأتي خلال الأبحاث القادمة بأنهم يتركون سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويتبعون سنة عمر بن الخطاب.

____________________

(١) كتحريمه سهم المؤلفة قلوبهم ومتعة الحج ومتعة النساء التي حلّلها الله وتحليله طلاق الثلاث بطلقة واحدة وقد حرّم الله ذلك.


الحادث الثاني في مخالفتهم للسنة النبوية

ذلك هو رفضهم الالتحاق بجيش أسامة الذي عبأه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنفسه وأمرهم بالسير تحت قيادته، يومين قبل وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ووصل الأمر بهم إلى الطعن برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وانتقاده إذ ولى عليهم شابا صغيراً لا نبات بعارضيه عمره سبعة عشر عاماً.

وتخلف عن السير أبو بكر وعمر وبعض الصحابة ولم يلتحقوا بالجيش بدعوى إدارة أمر الخلافة رغم لعن الرسول لمن تخلف عن أسامة(١) .

أما علي وأتباعه فلم يعينهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الجيش وذلك لحسم الخلاف، وليصفوا الجو ويخلو من أولئك المعاندين والمعارضين لأمر الله، فلا يرجعوا من مؤتة إلا والأمر قد استتب لعلي كما يريده الله ورسوله في خلافة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

لكن دهاة العرب من القريشيين عرفوا ذلك منه، فرفضوا الخروج من المدينة وتباطأوا حتى لحق الرسول بربه، فأبرموا أمرهم كما خططوا له من قبل، وأبعدوا ما أراده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو بعبارة أخرى رفضوا السنة النبوية.

وبهذا يتبين لنا ولكل باحث أن أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمان بن عوف وأبا عبيدة عامر بن الجراح كانوا يرفضون السنة النبوية ويجتهدون بآرائهم جريا وراء المصالح الدنيوية ومن أجل الخلافة ولو كلفهم ذلك معصية الله ورسوله.

____________________

(١) إقرأ كتاب الملل والنحل للشهرستاني قول النبي: لعن الله من تخلف عن جيش أسامة ج ١ ص ٢٩.


أما علي والصحابة الذين اتبعوه فكانوا يتقيدون بالسنة النبوية ويعملون على تنفيذها حرفياً ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وقد رأينا علياًعليه‌السلام في تلك المحنة كيف أنه تقيد بوصية النبي له على أن يقوم بتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ومواراته في قبره، فنفذ علي كل أوامره ولم يشغله عن ذلك شاغل، ورغم علمه المسبق بأن الجماعة تسابقوا إلى السقيفة لاختيار أحدهم للخلافة، وكان بإمكانه أن يسارع إليها هو الآخر ويفسد عليهم تخطيطهم ولكن احترامه للسنة النبوية والعمل على تطبيقها يحتم عليه البقاء بجانب ابن عمه ولو كلفه ذلك ضياع الخلافة.

ولابد لنا هنا من وقفة ولو قصيرة، لنلاحظ الخلق العظيم الذي ورثه علي من المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ففي حين يزهد علي في الخلافة من أجل تنفيذ السنة نرى الآخرين يرفضون السنة من أجل الخلافة.


الحادث الثالث الذي أبرز الشيعة في مقابل « أهل السنة »

ذلك هو الموقف الخطير الذي وقفه أغلب الصحابة في السقيفة ليخالفوا صراحة النصوص النبوية التي نصبت علياً للخلافة وقد حضروها كلهم يوم الغدير بعد حجة الوداع. ورغم اختلاف المهاجرين والأنصار في أمر الخلافة إلا أنهم تصافقوا في الأخير على ترك النصوص النبوية وتقديم أبي بكر للخلافة ولو كلفهم ذلك زهق النفوس، وشمروا على سواعدهم لقتل كل من تحدثه نفسه بمخالفتهم ولو كان من أقرب الناس للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

وهذا الحادث أبرز أيضاً أن الأغلبية الساحقة من الصحابة عاضدوا أبا بكر وعمر في رفض سنة نبيهم وإبدالها باجتهاداتهم، فهم أنصار الاجتهاد. كما أبرز في المقابل الأقلية من المسلمين الذين تمسكوا بالنصوص النبوية وتخلفوا عن البيعة لأبي بكر وهم علي وشيعته.

نعم، لقد ظهر في المجتمع الإسلامي بعد الأحداث الثلاثة المذكورة، هوية الفريقين أو الحزبين المتعارضين، يعمل أحدهما على احترام السنة النبوية وتنفيذها، ويعمل الثاني على دحض السنة النبوية وطمسها وإبدالها بالاجتهاد الذي يطمع الأكثرية ويمنيهم بالوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه.

____________________

(١) وأكبر دليل على ذلك تهديد عمر بن الخطاب بحرق بيت فاطمة الزهراء بمن فيها، والقصة مشهورة في كتب التاريخ.


برز على رأس الحزب الأول السني علي بن أبي طالب وشيعته، وبرز على رأس الحزب الثاني الاجتهادي أبو بكر وعمر وأغلب الصحابة.

وعمل الحزب الثاني بقيادة أبي بكر وعمر على تحطيم وكسر شوكة الحزب الأول ودبروا لذلك عدة تدابير للقضاء على الحزب المعارض، من ذلك:

أولاً: عزل المعارضة وشلها اقتصادياً

أول مبادرة بادر بها الحزب الحاكم هو إقصاء المعارضين عن كل موارد الرزق والمال، وقد عمد أبو بكر وعمر على طرد فلاحي فاطمة من فدك(١) واعتبرا تلك الأرض ملكاً للمسلمين، وليست خالصة لفاطمة كما أقر بذلك أبوهاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . كما حرماها من ميراث أيها بدعوى أن الأنبياء لا يورثون، وقطعا عنها سهم الخمس الذي كان رسول الله يخص به نفسه وأهل بيته ؛ لأن الصدقات محرمة عليهم.

وبذلك أصبح علي مشلولاً اقتصادياً فقد اغتصبت منه أرض فدك التي كانت تدر عليه أرباحاً هائلة، وكذلك حرم من ميراث ابن عمه والذي هو حق من حقوق زوجته، وقطع عنه سهم الخمس، فأصبح علي وزوجته وأولاده في حاجة لمن يسد رمقهم ويكسو أجسامهم، وهو بالضبط ما عبر عنه أبو بكر عندما قال للزهراء: نعم أنت لك الحق في الخمس ولكني سوف أعمل فيه عمل رسول الله، فلا أتركك تجوعين ولا تعرين.

وكما قدمنا فإن الصحابة الذين تشيعوا لعلي أغلبهم من الموالي الذين لا ثراء لهم، فلا يخشى الحزب الحاكم منهم ولا من تأثيرهم، فالناس يميلون للغني ويحتقرون الفقير.

____________________

(١) قصة فدك معروفة في كتب التاريخ، وخصام الزهراء لأبي بكر حتى ماتت وهي غاضبة عليه مشهورة ذكرها البخاري ومسلم.


ثانياً: عزل المعارضة وشلها اجتماعياً

ولأجل اساقط الصف المعارض الذي يتزعمه علي بن أبي طالب فقد عمل الحزب الحاكم أيضاً على عزله اجتماعياً. وأول شيء فعله أبو بكر وعمر هو تحطيم الحاجز النفسي والعاطفي الذي يحمل المسلمين كافة على احترام وتقدير قرابة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وإذا كان علي هو ابن عم النبي وسيد العترة الطاهرة، قد وجد له مبغضون ضمن الصحابة الذين كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من فضله، فضلاً عن المنافقين الذين كانوا يتربصون به.

فإن فاطمة هي وحيدة النبي التي بقيت بعده في أمته وهي أم أبيها كما كان يسميها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسيدة نساء العالمين فكل المسلمين يحترمونها ويتعظمونها للمكانة التي حظيت بها عند أبيها وللأحاديث التي قالها في فضائلها وشرفها وطهارتها. ولكن أبا بكر وعمر عمدا إلى إسقاط هذا الاحترام والتقدير من نفوس الناس، فجاء عمر بن الخطاب إلى بيت الزهراء وفي يده قبس من نار وطوق بيتها بالحطب وأقسم أن يحرقها بمن فيها إن لم يخرجوا لبيعة صاحبه. يقول ابن عبد ربه في العقد الفريد(١) : « وأما على والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له: إن أبوا قاتلهم، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة فقالت: يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟

قال: نعم أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأمة ».

فإذا كانت فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين كما جاء في صحاح « أهل السنة والجماعة »، وإذا كان ولداها الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وريحانة

____________________

(١) العقد الفريد لابن عبد ربه الجزء الرابع عند ذكر جماعة تخلفوا عن بيعة أبي بكر.


النبي في هذه الأمة يستهان بهم ويستصغر شأنهم حتى يقسم عمر أمام الملأ أن يحرق عليهم دارهم إن رفضوا البيعة لأبي بكر، فهل يبقى بعد هذا في نفوس الآخرين شيء من الاحترام أو التقدير لعلي بن أبي طالب الذي يبغضه أكثرهم ويحسدونه وقد أصبح بعد وفاة النبي زعيم الصف المعارض وليس عنده من حطام الدنيا ما يرغب الناس فيه ؟

فهذا البخاري يحدث في صحيحه بأن فاطمة طالبت أبا بكر بميراثها من رسول الله مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا، فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولو يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر(١) .

فقد نجح الحزب الحاكم نجاحاً كبيراً في عزل علي بن أبي طالب اقتصادياً واجتماعياً وأسقطه من أعين الناس، فلم يبق له بينهم احترام ولا تقدير وخصوصاً بعد وفاة الزهراء ولذلك استنكر علي وجوه الناس فاضطر لمصالحة أبي بكر ومبايعته حسب ما يرويه البخاري ومسلم.

وتعبير البخاري كلمة « استنكر على وجوه الناس » يدلنا دلالة واضحة على مدى الحقد والبغض الذي كان يواجهه أبو الحسن ( سلام الله عليه ) بعد وفاة ابن عمه وزوجته، ولعل بعض الصحابة كان إذا مشى بينهم يسبونه ويشتمونه ويستهزئون به، ولذلك استنكر وجوههم للمنكر الذي رآه.

ولا نقصد من هذا الفصل سرد التاريخ ومظلومية علي بقدر ما نريد إظهار الحقيقة المرة والمؤلمة، ألا وهي أن حامل لواء السنة النبوية وباب علم الرسول أصبح متروكاً، وفي المقابل أصبح أنصار الاجتهاد بالرأي الذين يرفضون السنة النبوية هم الحاكمون والمؤيدون أغلب الصحابة.

____________________

(١) صحيح البخاري ج ٥، ص ٨٢ باب غزوة خيبر، صحيح مسلم كتاب الجهاد.


ثالثاً: عزل المعارضة سياسياً

رغم الحصار الشديد ومصادرة الحقوق المالية وعزلهم عن المجتمع الإسلامي حتى تحولت وجوه الناس عن علي بن أبي طالب كما مر علينا، فإن الحزب الحاكم لم يكتف بكل ذلك حتى عمد إلى عزله سياسياً وإبعاده عن كل أجهزة الدولة وعدم إشراكه في أي منصب حكومي أو إسناده أي مسؤولية. وبالرغم من تعيينهم الولاة من الطلقاء ومن فساق بني أمية الذين حاربوا الإسلام طوال حياة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد بقي الإمام علي بعيداً عن مسرح الحياة السياسية طيلة ربع قرن حياة أبي بكر وعمر وعثمان. وفي حين كان بعض الصحابة الولاة يجمع الأموال ويكنز الذهب والفضة على حساب المسلمين، كان علي بن أبي طالب يسقي نخيل اليهود كي يحصل على قوته بكد يمينه وعرق جبينه.

وهكذا بقي باب العلم، حبر الأمة وحامل السنة حبيس داره ولا يعرف قدره إلا بعض المستضعفين الذين كانوا يعدون على الأصابع فكانوا يتشيعون له ويهتدون بهديه ويتمسكون بحبله.

وقد حاول الإمام علي زمن خلافته إرجاع الناس إلى القرآن والسنة النبوية بدون جدوى إذ أنهم تعصبوا لاجتهاد عمر بن الخطاب وصاح أكثرهم في المسجد: واسنه عمراه. ونستنتج من كل هذا بأن عليا وشيعته تمسكوا بالسنة النبوية وعملوا على إحيائها ولم يحيدوا عنها أبداً بينما اتبعت بقية الأمة بدع أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وسموها ب- « البدع الحسنة »(١) . وهذا ليس من الادعاء بل هي الحقيقة التي أجمع عليها المسلمون وسجلوها في صحاحهم وعرفها كل باحث ومنصف. فقد كان الإمام علي يحفظ القرآن ويعرف كل أحكامه وهو أول من جمعه

____________________

(١) صحيح البخاري ج ٢، ص ٢٥٢ باب صلاة التراويح وكذلك ج ٧ ص ٩٨.


بشهادة البخاري نفسه. في حين لم يكن أبو بكر ولا عمر ولا عثمان يحفظونه ولا يعرفون أحكامه(١) . وقد أحصى المؤرخون على عمر قوله سبعين مرة: لولا علي لهلك عمر، وقول أبي بكر: لا عشت في زمن لست فيه يا أبا الحسن … أما عثمان فحدث ولا حرج.

____________________

(١) جهل عمر بحكم الكلالة مشهور في كتب السنة، وكذلك جهله بأحكام التيمم معلوم لدى الجميع، ذكره البخاري في صحيحه ج ١ ص ٩٠.


السنة النبوية بين الحقائق والأوهام

إذا كان عمر بن الخطاب المعدود عند « أهل السنة والجماعة » من الملهمين ومن أعلم الصحابة، إذا لم يكن أعلمهم على الإطلاق للرواية التي أخرجوها في صحاحهم أن النبي أعطاه فضل شرابه وتأول ذلك بالعلم، يشهد على نفسه بأنه يجهل الكثير من السنة النبوية وقد شغل عنها بالتجارة في الأسواق.

فهذا البخاري يروي في صحيحه في باب الحجة على من قال: إن أحكام النبي كانت ظاهرة وما كان بعضهم يغيب عن مشاهدة النبي وأمور الإسلام، قال: استأذن أبو موسى على عمر فكأنه وجده مشغولاً فرجع، فقال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ائذنوا له فدعي له فقال: ما حملك على ما صنعت ؟

فقال: إنا كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: فائتني على هذا ببينة أو لأفعلن بك، فانطلق إلى مجلس الأنصار فقالوا: لا يشهد إلا أصاغرنا، فقام أبو سعيد الخدري فقال: قد كنا نؤمر بهذا فقال عمر: خفي علي هذا من أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألهاني الصفق بالأسواق.

____________________

(١) صحيح البخاري ج٨ ص١٥٧ من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة صحيح مسلم ج٦ ص١٧٩ في باب الاستئذان من كتاب الآداب.


تعليق: في هذه القصة طرائف لابد من ذكرها

* أولاً: إن قضية الاستئذان معروفة في الإسلام وهي سنة نبوية يعرفها الخاص والعام وقد كان الناس يستأذنون للدخول على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهذه من آداب الإسلام ومفاخره.

وتفيد هذه الرواية بأن عمر بن الخطاب كان له حراس وشرطة تمنع الناس من الدخول عليه إلا بالإستئذان، فقد استأن عليه أبو موسى ثلاث مرات ولم يأذن له فرجع ولكن أنصاره وأتباعه من بني أمية وكأنهم أرادوا تفضيله وتقديمه على النبي فقالوا بأنه كان ينام على حافة الطريق بدون حرس حتى قيل فيه: عدلت فنمت.

وكأنهم يقولون بأنه اعدل من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأن النبي كان عنده حراسة، وإلا لماذا يقال: مات العدل مع عمر ؟ !

* ثانياً: تفيدنا هذه الرواية على مدى الغلظة والشدة التي كان يعرف بها عمر بن الخطاب وكيف كان يعامل المسلمين بدون مبرر لذلك. فهذا أبو موسى الأشعري وهو من أكابر الصحابة يستدل بحديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخصوص الاستئذان، فيقول له عمر: والله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا(١) .

فهناك مبرر لإهانة أبي موسى وتكذيبه أمام الناس وتهديده بالضرب الموجع لمجرد رواية رواها عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتى قال أبي بن كعب - بعد ما شهد بصحة الحديث -: يا أبن الخطاب، لا تكونن عذابا على أصحاب رسول الله(٢) .

أما أنا فلا أرى من مبرر غير استبداد عمر برأيه في أكثر الأمور، وإذا ما عارضوه بكتاب الله أو بسنة النبي فتراه يغضب ويهدد، الشيء الذي جعل كثيراً من الصحابة يكتمون الحق وهم يعلمون كما وقع ذلك لعمار بن ياسر عندما

____________________

(١) صحيح مسلم ج ٦ ص ١٧٩ كتاب الآداب، باب الاستئذان.

(٢) المصدر نفسه.


جابه عمر بالسنة النبوية في قضية التيمم، ولما هدده عمر قال عمار: إن شئت لم أحدث به(١) . والشواهد كثيرة على منع عمر الصحابة من نقل الأحاديث النبوية وذلك من عهد أبي بكر وبالأخص في أيام خلافته التي امتدت أكثر من عشر سنوات أحرق خلالها كل ما جمع من الأحاديث النبوية ومنع الصحابة من نقلها وحبس بعضهم من أجلها(١) . وقد فعل ذلك من قبله أبو بكر كما فعل ذلك عثمان من بعده.

فكيف يقال لنا بأن الخلفاء كانوا يعملون كلهم بالسنة النبوية في حين أن السنة النبوية لم تلق منهم إلا الحرق والمنع والتعتيم ؟ !

* ثالثا: تفيدنا هذه الرواية بأن عمر بن الخطاب كان كثيراً ما يتغيب عن مجالسة النبي والاستماع لأحاديثه ويشتغل عنه بالتجارة في الأسواق.

ولذلك غابت عنه أكثر الأحاديث النبوية التي عرفها الخاص والعام من الصحابة حتى صبيانهم، يشهد على ذلك قول الأنصار عندما فزع إليهم أبو موسى من تهديد عمر، قالوا: فو الله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنا، فقام أبو سعيد الخدري، وكان أصغر القوم، فشهد أنه سمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحدث بذلك.

وهذا في حد ذاته توهين لشأن عمر الذي اعتلى منصة الخلافة وهو لا يعرف من السنة النبوية أبسط الأمور التي عرفها أصغر القوم سنا، واين هو من حديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي يقول: ( إذا تولى وال أمر رعية وهو يعلم أن فيهم من هو أعلم منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ).

وأنى لعمر بن الخطاب أن يصغي قلبه لمثل هذه الأحاديث النبوية التي رفضها في حياة النبي ولم يقنع بها وجعل لنفسه حق الاجتهاد في مقابلها.

____________________

(١) صحيح مسلم ج ١ ص ١٩٣ باب التيمم وكذلك صحيح البخاري.


بقي أن نعترف لأبي حفص باعترافه بالجهل عندما يواجه من قبل بعض الصحابة بالحجة والدليل، فيقول مرة: كل الناس أفقه منك يا عمر حتى ربات الحجال، ومرة يقول: لولا علي لهلك عمر، وأخرى يقول: لقد أهالني عن أحاديث النبي الصفق بالأسواق.

وإذا كان عمر يتلهى عن السنة النبوية بالصفق في الأسواق فإنه عن القرآن أكثر لهواً، فقد اختلف مرة مع أبي بن كعب وهو من أشهر الحفاظ وأنكر عليه قراءته وقال بأنه لم يسمع بها من قبل، فقال له أبي: يا عمر، إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق(١) .

فشغله بالتجارة ولهوه بالصفق في الأسواق يعرفه الخاص والعام وليس هو بالأمر الخفي عن الصحابة وخصوصاً منهم العارفين بكاب الله وسنة رسوله. لذلك اعتقد بأنه كان يعيش عقدة نفسية كبيرة، وهي عقدة الجهل المركب، إذ يرى أصغر المسلمين يعرف ما لا يعرف هو ويحفظ ما لا يحفظ هو، ويرى إلى جانبه عليا وهو شاب لم يبلغ الثلاثين يصوب رأيه بما حفظه من الكتاب والسنة وبمحضر من الصحابة، حتى يضطر للقول: « لولا علي لهلك عمر ».

ويرى أمرأة تقوم في آخر المسجد فتعترض عليه وهو فوق المنبر وتحاججه بكتاب الله في قضية مهور النساء على مشهد ومسمع من كل المصلين، فيقول عند ذلك: كل الناس أفقه منك يا عمر، حتى ربات الحجال. وفي الحقيقة لم يكن ذلك قناعة منه بقدر ما هو تغطية على جهله وكسب الموقف لصالحه ليقول الناس عنه بأنه متواضع كما نسمع اليوم الكثير من الناس يرددون ذلك.

ومن أجل هذه العقدة عمل عمر على محق السنة النبوية ما استطاع لذلك سبيلاً، واجتهد برأيه معارضاً للكتاب والسنة، والشواهد على ذلك كثيرة جداً(٢) .

____________________

(١) تاريخ ابن عساكر ج ٢ ص ٢٢٨ وروى مثل هذا الحاكم في مستدركه وأبو داود في سننه وابن الأثير في جامع الأصول.

(٢) ذكرت بعضها في كتاب ( مع الصادقين ) وكتاب ( فاسألوا أهل الذكر ).


والمتتبع لسيرة عمر يكتشف بأنه لم يعش مع النبي بعد إسلامه إلا نصف عمر الرسالة أو أقل من ذلك بكثير. فها هو يحدث عن نفسه في هذا الصدد فيقول: « كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته يخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك(١) .

فقوله: كنا نتناوب النزول على رسول الله ينزل يوماً وأنزل يوماً، فيه دلالة واضحة على أنه كان بعيد المسكن عن مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولذلك قسم عمر حياته إلى يومين يوم ينزل لرؤية النبي، ويوم لا ينزل ولا يكلف نفسه عناء النزول لبعد المسافة. أو أن المسافة لم تكن بعيدة ولكنه ينزل إلى الأسواق ويشتغل فيها بالصفق والتجارة.

وإذا أضفنا هذا إلى قوله: « ألهاني الصفق بالأسواق عن أحاديث النبي » في قضية أبي موسى الأشعري المتقدم ذكرها ثم أردفنا بقول أبي بن كعب له: « يا عمر، إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق »، كما مر علينا، تأكدنا بأنه لم يقض وقتا طويلاً مع صاحب الرسالةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولعله كان يغيب عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى في المناسبات الكبرى التي يجتمع فيها المسلمون كافة كيوم عيد الفطر وعيد الأضحى، ولذلك نراه يسأل بعض الصحابة الذين لم تشغلهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة يسألهم عما كان يقرأ به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عيد الفطر وعيد الأضحى.

فقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب صلاة العيدين، عن عبيد الله بن عبد الله أن عمر بن الخطاب سأل أبا وافد الليثي، ما كان يقرأ به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الأضحى والفطر فقال: كان يقرأ فيهما ب-( ق والقرآن المجيد ) و( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ ) .

____________________

(١) صحيح البخاري ج ١ ص ٣١ من كتاب العلم باب التناوب في العلم.

(٢) صحيح مسلم ج ٣، ص ٦١ كتاب الصلاة باب ما يقرأ به في صلاة العيدين.


وعن أبي واقد الليثي أنه قال: سألني عمر بن الخطاب عما قرأ به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في يوم العيد فقلت: ب-( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ) و( ق والقرآن المجيد ) (١) .

فشهادة عبيد الله وأبو واقد الليثي على عمر بأنه لم يكن يعرف قراءة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في العيدين، إذا أضفنا إليها شهادة أبي بن كعب وشهادته هو على نفسه بأنه كان يشغله عن القرآن والسنة الصفق بالأسواق عرفنا الأسرار والألغاز التي بقيت حتى الآن محيرة للعلماء كفتواه بترك الصلاة للمجنب الذي لا يجد الماء وجهله بأحكام التيمم التي جاء بها القرآن والسنة، وكحكمه في الكلالة التي قضى فيها بعدة أحكام متناقضة، رغم نزولها في كتاب الله ورغم ما جاء فيها من التفصيل والبيان في السنة النبوية فإن عمر لم يفهمها إلى أن فارق الحياة(٢) .

ولو وقف عمر عند حده وحاول التعلم للقضاء على جهله لكان خيرا له وللمسلمين، ولكنه أخذته العزة بالإثم فراح يحرم ما أحل الله ورسوله كمتعة الحج ومتعة النساء وسهم المؤلفة قلوبهم، ويحلل ما حرم الله ورسوله كإمضائه الطلاق الثلاث والتجسس على المسلمين وغير ذلك(٣) .

ومن أجل ذلك عمل هو وصاحبه أبو بكر من أول يوم على منع أحاديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنع تدوينها وكتابتها حتى وصل الأمر بهما إلى حرق كل ما جمعه الصحابة من الأحاديث والسنن النبوية، أولا لطمس حقائق علي وأهل البيت التي نطق بها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثانيا لكي لا يجدوا في النصوص النبوية معارضة للسياسة التي تبنوها والأحكام التي اجتهدوا بها بآرائهم وثالثاً ؛ لأن عمر بن الخطاب ما كان يعرف من سنة النبي إلا القليل. فقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس أن عمر بن

____________________

(١) صحيح مسلم ج ٣ ص ٦١ كتاب الصلاة باب ما يقرأ به في صلاة العيدين.

(٢) أخرج البيهقي في سننه أن عمر سأل النبي عن ميراث الجد مع الاخوة، فقال له النبي: ما سؤالك عن هذا يا عمر ؟ إني أظنك تموت قبل أن تعلمه، قال سعيد بن المسيب: فمات عمر قبل أن يعلمه.

(٣) إقرأ كتاب النص والاجتهاد لشرف الدين الموسوي.


الخطاب تحير في حكم الشك في الصلاة، فقال له: يا غلام هل سمعت من رسول الله أو من أحد أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع(١) ؟ عجبت والله أمر عمر بن الخطاب خليفة المسلمين لا يعرف كيف يرقع صلاته فيسأل عن ذلك صبيان الصحابة وهو أمر يعرفه عامة المسلمين والأميون منهم حتى في يومنا الحاضر والأعجب من ذلك قول « أهل السنة والجماعة » بأن عمر كان أعلم الصحابة فإذا كان أعلمهم على هذا النمط فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر.

نعم تبقى فقط بعض المعارضة الطفيفة التي لاتغير من أحكامهم واجتهاداتهم شيئاً ولا تهدد مصالح الخلافة، كقضية استئذان أبي موسى أو استدلال أبي بن كعب بقراءة لا يعرفها عمر، عند ذلك يفتخر عمر بالرجوع إلى الاعتراف وهو فضيلة فيقول: لقد ألهاني عن ذلك الصفق بالأسواق.

فأين هذا من قول علي بن أبي طالب الذي يقول: ( كان لي مدخل خاص على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كل يوم مرتين مرة في الصباح وأخرى في المساء ) ؟

فهذه المجالس كانت خاصة بعلي في كل صباح ومساء أضف إلى ذلك حضوره دائماً مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مجالسه العامة.

فكان علي أقرب الناس للنبي وأشدهم لصوقا به وأخصهم لديه من يوم ولادته، فقد تربى في حجره حتى شب فكان يتبعه اتباع الفصيل إثر أمه في كل مكان، وفي غار حراء عند نزول الوحي عليه وقد رضع حليب الرسالة وترعرع على معارف السنة النبوية من أول مهدها. فمن أولى بالسنة منه، وهل لأحد غيره أن يدعيها لو أنصف المنصفون ورجع إلى الحق المعاندون ؟ وهذا أكبر دليل على أنه ( سلام الله عليه ) وشيعته الذين اتبعوه هم رمز السنة المحمدية

____________________

(١) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج ١ ص ١٩٠.


وأعلامها. أما غيرهم ممن لم يهتدوا بهديه ويسيروا على دربه فهم أبعد ما يكونون عن السنة النبوية، ولو أنهم سموا أنفسهم « بأهل السنة » غفلة وتقليداً. وسنبين ذلك بنحو أكثر وضوحاً في ما يأتي من أبحاث في مضمون هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَکُمْ أَعْمَالَکُمْ وَ يَغْفِرْ لَکُمْ ذُنُوبَکُمْ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ( الأحزاب: ٧٠ - ٧١ ).


أهل السنة لا يعرفون السنة النبوية

أيها القاريء العزيز، لا يستفزك هذا العنوان، فأنت بحمد الله تمشي على طريق الحق لتصل في النهاية إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى. فلا تدع وساوس الشيطان، ولا الغرور بالنفس، ولا التعصب المقيت يستولي عليك ويصدك عن الوصول إلى الهدف المنشود والحق المفقود وجنة الخلود. وكما قدمنا في ما سبق بأن المتسمين « بأهل السنة والجماعة » هم القائلون بخلافة الخلفاء الراشدين الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. هذا ما يعرفه الناس اليوم.

ولكن الحقيقة المؤلمة هي أن علي بن أبي طالب لم يكن معدوداً عند «أهل السنة» من الخلفاء الراشدين، لا ولم يعترفوا حتى بشرعية خلافته.

وإنما ألحق علي بالخلفاء الثلاثة في زمن متأخر جداً، وذلك في سنة ثلاثين ومائتين للهجرة في زمن أحمد بن حنبل.

أما الصحابة من غير الشيعة والخلفاء والملوك والأمراء الذين حكموا المسلمين من عهد أبي بكر وحتى عهد الخليفة العباسي محمد بن الرشيد المعتصم، لم يكونوا يعترفون بخلافة علي بن أبي طالب أبداً، بل منهم من كان يلعنه ولا يعتبره حتى من المسلمين وإلا كيف يجوز لهم سبه ولعنه على المنابر ؟ وقد عرفنا سياسة أبي بكر وعمر في إقصائه وعزله كما قدمنا، ثم جاء عثمان بعدهما فأمعن في احتقاره أكثر من صاحبيه والتقليل من شأنه حتى هدده مرة بالنفي كما نفى أبا ذر الغفاري. ولما ولي معاوية أمعن في سبه ولعنه وحمل


الناس على ذلك فدأب حكام بني أمية على ذلك في كل مدينة وقرية ودام ذلك ثمانين عاماً(١) .

بل وتواصل ذلك اللعن والطعن والبراءة منه ومن شيعته أكثر من ذلك بكثير، فهذا المتوكل الخليفة العباسي يصل به الحقد إلى نبش قبر علي وقبر الحسين بن علي وذلك سنة أربعين ومائتين للهجرة. وهذا الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين في عهده، يخطب الناس يوم الجمعة فيقول لهم من فوق المنبر: « إن الحديث الذي روي عن رسول الله أنت مني بمنزلة هارون من موسى صحيح ولكنه محرف ؛ لأن رسول الله قال له: أنت مني بمنزلة قارون من موسى » فاشتبه على السامع(٢) .

ولما كان عهد المعتصم الذي كثر فيه الزنادقة والملحدون والمتكلمون وولى عهد الخلافة الراشدة واشتغل الناس بمشاكل هامشية وكانت محنة أحمد بن حنبل في قوله بقدم القرآن وأصبح الناس يدينون بدين ملوكهم وبأن القرآن مخلوق. ولما تراجع أحمد بن حنبل عن قوله الأول خوفاً من المعتصم وخرج من محنته واشتهر بعد ذلك ولمع نجمه في عهد المتوكل بين أهل الحديث(٣) عند ذلك ألحق علي بن أبي طالب بالخلفاء الثلاثة.

ولعل أحمد بن حنبل بهرته الأحاديث الصحيحة الواردة في فضائل علي والتي ظهرت رغم أنف الحكام، فهو القائل: « لم يرد في أحد من الناس من الفضائل بالأحاديث الحسان مثل ما ورد في علي بن أبي طالب ».

عند ذلك ربع بخلافته واعتبرها صحيحة بعد ما كانت عندهم منكورة.

الدليل على ذلك:

جاء في طبقات الحنابلة - وهو الكتاب الصحيح والمشهور عندهم -: عن ابن أبي يعلى بالإسناد عن وديزة الحمصي قال:

____________________

(١) كلهم باستثناء عمر بن عبد العزيزرحمه‌الله .

(٢) تاريخ بغداد ج ٨ ص ٢٦٦.

(٣) أهل الحديث هم أنفسهم أهل السنة والجماعة.


دخلت على أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع بعليرضي‌الله‌عنه (١) فقلت له: يا أبا عبد الله إن هذا الطعن على طلحة و الزبير فقال: بئسما قلت، وما نحن وحرب الجمل وذكرها ؟ أصلحك الله إنما ذكرناها حين ربعت بعلي وأوجبت له الخلافة وما يجب للأئمة قبله !

فقال لي: وما يمنعني من ذلك ؟ ! قلت: حديث ابن عمر فقال لي: عمر خير من ابنه فقد رضي علياً للخلافة على المسلمين وأدخله في الشورى، وعلي قد سمى نفسه أمير المؤمنين، فأقول أنا ليس للمؤمنين بأمير ؟ ! قال: فانصرفت عنه(٢) .

ومن هذه القصة يتبين لنا بأن « أهل السنة » لم يقبلوا بخلافة علي ويقولوا بصحتها إلا بعد أحمد بن حنبل بكثير كما لا يخفى. ويظهر جليا من هذا المحدث أنه زعيم « أهل السنة والجماعة » ومتكلمهم ؛ لأنهم يرفضون خلافة علي محتجين على ذلك بحديث عبد الله بن عمر - ففيه أهل السنة - والذي أخرجه البخاري في صحيحه وبما أنهم يقولون بأن البخاري هو أصح الكتب بعد كتاب الله، فكان لزاماً عليهم رفض خلافة علي وعدم الاعتراف بها.

وقد ذكرنا هذا الحديث في كتاب « فاسألوا أهل الذكر » ولا بأس بإعاته لتعميم الفائدة، فإن في الإعادة إفادة. أخرج البخاري في صحيحة عن عبد الله ابن عمر، قال: « كنا نخير بين الناس في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ( رضي الله عنهم)(٣) .

كما أخرج البخاري في صحيحه حديثا آخر لابن عمر أكثر صراحة من الأول إذ قال عبد الله بن عمر:

____________________

(١) أنظر إلى هذا الحديث رغم أنه لا يسب عليا ولا يلعنه بل يقول:رضي‌الله‌عنه ولكنه لا يقبل بأ، يكون علي معدوداً من الخلفاء وينكر ذلك على أحمد بن حنبل، وقوله: إنما ذكرناها يدل على أنه يتكلم باسم الجماعة وهم أهل السنة الذين بعثوه إلى أحمد بن حنبل منكرين عليه.

(٢) كتاب طبقات الحنابلة ج ١ ص ٢٩٢.

(٣) صحيح البخاري ج ٤ ص ١٩١ كتاب بدء الخلق، باب فضل أبي بكر بعد النبي.


« كنا في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا نفاضل بينهم »(١) . ومن أجل هذا الحديث الذي ليس لرسول الله فيه رأي ولا عمل، إنما هو من خيال عبد الله بن عمر وآرائه الفاسدة وحقده وبغضه المعروف لعلي، بنى « أهل السنة والجماعة » مذهبهم على عدم الاعتراف بخلافة علي. وبأمثال هذه الأحاديث استباح بنو أمية سب علي ولعنه وشتمه وانتقاصه، ودأب الحكام من عهد معاوية إلى أيام مروان بن محمد بن مروان سنة ١٣٢ للهجرة يلعنون علياً على المنابر ويقتلون من تشيع له أو من أنكر عليهم ذلك »(٢) . ثم قامت دولة العباسيين من عهد العباس السفاح سنة ١٣٢ للهجرة وإلى عهد المتوكل سنة ٢٤٧ للهجرة، تواصلت خلالها البراءة من علي ومن تشيع له بأساليب مختلفة ومتعددة حسب الظروف والملابسات ؛ لأن دولة العباسيين قامت على أنقاض أهل البيت والمتشيعين لهم، فكان الحكام لا يجهرون بلعن علي عندما تقتضي مصلحة الدولة ولكنهم يعملون في الخفاء أكثر من عمل الأمويين وقد استفادوا من التجربة التاريخية التي أبرزت مظلومية أهل البيت وشيعتهم وعطف الناس عليهم، فعمل الحكام بدهاء لكسب الموقف لصالحهم وتقربوا إلى أئمة أهل البيت لا حباً فيهم ولا اعترافاً بحقهم وإنما لاحتواء الثورات الشعبية التي تقوم في أطراف الدولة وتهدد كيانها، ذلك ما فعله المأمون بن هارون الرشيد مع الإمام علي بن موسى الرضا، أما إذا سطرت الدولة وقضت على الثورات الداخلية فإنها تمعن في إهانة الأئمة وشيعتهم كما فعل المتوكل الخليفة العباسي الذي اشتهر ببغض علي وشتمه حتى نبش قبره وقبر الحسين. ولكل ذلك قلنا بأن « أهل السنة والجماعة » لم يقبلوا بخلافة علي إلا بعد زمن أحمد بن حنبل بكثير.

____________________

(١) صحيح البخاري ج ٤ ص ٢٠٣ باب مناقب عثمان بن عفان من كتاب بدء الخلق.

(٢) باستثناء سنتين تولى خلالهما عمر بن عبد العزيز فأبطل اللعن، ولكن بعد قتله عادوا إلى اللعن وإلى أكثر من اللعن حتى نبشوا قبره وحرموا أن يتسمى أحد باسمه.


صحيح أن أحمد بن حنبل هو أول من قال بها، ولكنه لم يقنع بها أهل الحديث كما قدمنا، لاقتدائهم بعبد الله بن عمر. فلابد لذلك من وقت طويل حتى يقتنع الناس ويقبلوا الفكرة التي ظهر بها أحمد بن حنبل، والتي قد يظهر الحنابلة بمظهر المنصفين والمتقربين لأهل البيت فتميزهم عن المذاهب السنية الأخرى من المالكية والحنفية والشافعية والذين كانوا يتنافسون لكسب المؤيدين. فلابد إذا من قبول الفكرة وتبنيها.

وبمرور الزمن قال « أهل السنة والجماعة » كلهم بمقولة أحمد بن حنبل وقبلوا بتربيع الخلافة بعلي وأوجبوا له ما أوجبوه للخلفاء الثلاثة من الاحترام والترضي.

أليس هذا أكبر دليل على أن « أهل السنة والجماعة » كانوا من النواصب الذين يبغضون علياً ويعملون على انتقاصه وإسقاطه.

ولقائل أن يقول: كيف يصح ذلك ونحن نرى اليوم « أهل السنة والجماعة» يحبون الإمام علياً ويترضون عنه ؟ فنقول نعم، لما قدم العهد ومات الأئمة من أهل البيت ولم يعد هناك ما يخيف الحكام ويهدد ملكهم، وتلاشت هيبة الخلافة الإسلامية واستولى عليها المماليك والمغول والتتار، وضعف الدين وأصبح أكثر المسلمين يشغلهم الفن والطرب واللهو والمجون والخمر والجواري، وخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وأصبح المعروف عندهم منكراً والمنكر عندهم معروفاً وعم الفساد البر والبحر، عند ذلك بكى المسلمون على أسلافهم وتغنوا بأمجادهم وتذاكروا أيامهم فسموها بالعصور الذهبية وبما أن أفضل العصور عندهم هو عصر الصحابة فهم الذين فتحوا الأمصار ووسعوا المملكة الإسلامية شرقا وغربا ودان لهم الأكاسرة والقياصرة فترضوا على الصحابة جميعاً بما فيهم علي بن أبي طالب، وإذا كان « أهل السنة والجماعة » يقولون بعدالتهم جميعاً فلا يمكنهم عند ذلك أن يخرجوا علياً من بين الصحابة.

ولو قالوا بإخراجه لافتضحوا وكشف أمرهم عند كل عاقل وباحث، فموهوا


على العامة بأنه رابع الخلفاء الراشدين وهو باب مدينة العلم رضي الله عنه وكرم الله وجهه. ونحن نقول لهم: فلماذا لا تقلدوه في أمور دينكم ودنياكم إن كان اعتقادكم فيه صحيحاً بأنه باب مدينة العلم ؟

لماذا تركتم الباب عمداً وقلدتم أبا حنيفة ومالكاً، والشافعي وابن حنبل وابن تيمية، الذين لا يدانوه في علم ولا عمل ولا فضل ولا شرف، فأين الثرى من الثريا وأين السيف من المنجل وأين معاوية من علي لو كنتم تعقلون؟ هذا بقطع النظر عن كل النصوص الواردة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتي توجب على كل المسلمين اتباع الإمام علي من بعده والاقتداء به، ولقائل من « أهل السنة » أن يقول: إن فضل علي وسابقته وجهاده في سبيل الإسلام وعلمه الغزير وشرفه العظيم وزهده الكبير يعرفه الناس جميعاً، بل إن أهل السنة يعرفون علياً ويحبونه أكثر من الشيعة ( هذا ما يردده الكثير منهم اليوم ).

فنقول هؤلاء: أين كنتم(١) وأين كان أسلافكم وعلماؤكم عندما كان علي يلعن على المنابر مئات السنين ؟ فلم نسمع ولم يحدثنا التاريخ أن أحداً منهم أنكر ذلك أو منع من ذلك أو قتل من أجل ولائه وحبه لعلي، فلا ولن نجد من علماء أهل السنة من فعل ذلك بل كانوا مقربين للسلاطين والأمراء والولاة لما اعطوهم من البيعة والرضا وأفتوا لهم بقتل الرافضة الذين يوالون علياً وذريته، وهؤلاء موجودون حتى في عصرنا الحاضر.

لقد دأب النصارى على معاداة اليهود غير القرون واعتبروهم مجرمين وحملوهم مسؤولية قتل السيد المسيح عيسى بن مريم، ولكن لما ضعف أمر النصارى وتلاشت أمور العقيدة عندهم واعتنق أكثرهم مذهب الإلحاد وأصحبت الكنيسة في سلة المهملات للموقف المعادي الذي وقفته ضد العلم والعلماء ،

____________________

(١) لقد تعمدت القول: أين كنتم، وأقصد بها المعاصرين من « أهل السنة والجماعة » اليوم، فإنهم يقرأون في صحيح مسلم بأن معاوية كان يسب علياً ويأمر الصحابة بذلك، فلا ينكرون، بل إليهم يترضون على سيدهم معاوية كاتب الوحي عندهم، فدل ذلك على أن حبهم لعلي حب مزيف حال عن كل اعتبار.


وفي المقابل قوي أمر اليهود واستفحل واستشرى حتى احتلوا الأراضي العربية والإسلامية بالقوة، وامتد نفوذهم في الشرق والغرب وأقاموا دولة إسرائيل، عند ذلك اجتمع البابا يوحنا بولس الثاني مع أحبار اليهود وبرأهم من جريمة قتل المسيح.

« فالناس ناس والزمان زمان ».


« أهل السنة » ومحق السنة

نريد في هذا الفصل توضيح شيء مهم لا غنى للباحث أن يتعمق فيه، ليكشف بدون لبس بأن الذين يتسمون « بأهل السنة » ليس لهم في الحقيقة من سنة النبي شيء يذكر.

وذلك لأنهم، أو بالأحرى ؛ لأن أسلافهم من الصحابة والخلفاء الراشدين عندهم الذين يقتدون بهم ويتقربون إلى الله بحبهم وولائهم قد وفقوا من السنة النبوية موقفاً سلبياً إلى درجة أنهم أحرقوها ومنعوا من كتابتها والتحدث بها(١) .

وإضافة لما سبق توضحيه، لابد لنا من كشف الستار عن تلك المؤامرة الخسيسة التي حبكت ضد السنة النبوية المطهرة لمنع انتشارها والقضاء عليها في المهد، وإبدالها ببدع الحكام واجتهاداتهم وآراء الصحابة وتأويلاتهم. وقد عمل الحكام الأولون:

أولاً: على وضع الأحاديث المكذوبة التي تؤيد مذهبهم في منع الكتاب لعموم السنة النبوية والأحاديث الشريفة. فها هو الإمام مسلم يخرج في صحيحه، عن هداب بن خالد الأزدي عن همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:

____________________

(١) يراجع في هذا الصدد كتاب « فاسألوا أهل الذكر » من صفحة ٢٠٠ وما بعدها.


( لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج … )(١) .

والغرض من وضع هذا الكتاب هو تبرير ما فعله أبو بكر وعمر تجاه الأحاديث النبوية التي كتبها بعض الصحابة ودونوها، وقد وضع هذا الحديث في زمن متأخر عن الخلفاء الراشدين، وغفل الوضاعون الكاذبون عن الأمور التالية:

أ: لو قال هذا الحديث صاحب الرسالة لامتثل أمره الصحابة الذين كتبوا عنه ولمحوه قبل أن يتولى أبو بكر وعمر حرقها بعد سنوات عديدة من وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ب: لو كان هذا الحديث صحيحاً لاستدل به أبو بكر أولا، ثم عمر ثانيا، لتبرير منعهما كتابة الأحاديث ومحوها، ولاعتذر أولئك الصحابة الذين كتبوها إما جهلاً وإما نسياناً.

ت: لو كان هذا الحديث صحيحاً لوجب على أبي بكر وعلى عمر أن يمحوا الأحاديث محواً لا يحرقاها حرقاً.

ث: لو صح هذا الحديث فالمسلمون من عهد عمر بن عبد العزيز الى يوم الناس هذا كلهم آثمون لأنهم خالفوا نهي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى رأسهم عمر بن عبد العزيز الذي أمر العلماء في عهده بتدوين الأحاديث وكتابتها، والبخاري ومسلم اللذان يصححان هذا الحديث ثم بعصيانه ويكتبان ألوف الأحاديث عن النبي.

ج: وأخيراً لو صح هذا الحديث لما غاب عن باب مدينة العلم علي بن أبي طالب الذي جمع أحاديث النبي في صحيفة طولها سبعون ذراعاً ويسميها الجامعة ( وسيأتي الكلام عنها لاحقاً بحول الله ).

ثانياً: عمل الحكام الأمويون على التأكيد بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير معصوم عن الخطأ وهو كغيره من البشر الذين يخطئون ويصيبون، ويروون في

____________________

(١) صحيح مسلم ج ٨، ص ٢٢٩ كتاب الزهد والرقائق باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم.


ذلك عدة أحاديث. والغرض من وضع تلك الأحاديث هو التأكيد على أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يجتهد برأيه فكان كثراً ما يخطئ مما حدا ببعض الصحابة أن يصوب رأيه، كما جاء ذلك في قضية تأبير النخل ونزول آية الحجاب، والاستغفار للمنافقين، وقبول الفدية من اسرى بدر، وغير ذلك مما يدعيه « أهل السنة والجماعة » في صحاحهم وما يعتقدونه في صاحب الرسالة ( عليه وآله أفضل الصلاة وأزكى السلام ).

ونحن نقول لأهل السنة والجماعة:

إذا كان هذا هو ديدنكم وهذا هو اعتقادكم في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكيف تدعون التمسك بسنته، وسنته عندكم وعند أسلافكم غير معصومة، بل غير معلومة ولا مكتوبة ؟(١) على أننا نرد على هذه المزاعم والأكاذيب وندجضها من نفس كتبكم وصحاحكم(٢) .

فهذا الإمام البخاري يخرج في صحيحه من كتاب العلم وفي باب كتابة العلم، عن أبي هريرة قال: ما من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحد أكثر حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب(٣) .

ويستفاد من هذه الرواية بأن هناك من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كان يكتب أحاديثه، وإذا كان أبو هريرة يروي أكثر من ستة آلاف حديث عن النبي شفاهياً فإن عبد الله بن عمرو بن العاص فاق هذا العدد كتابياً ولذلك اعترف أبو هريرة بأن عبد الله بن عمرو أكثر منه أحاديث عن النبي ؛ لأنه كان يكتب ولا شك بأن هناك في الصحابة كثيرين ممن كانوا يكتبون عن النبي أحاديثه، ولم يذكرهم أبو هريرة لعدم اشتهارهم بكثرة الرواية عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

____________________

(١) لأن تدوين السنة النبوية تأخر إلى زمن عمر بن عبد العزيز أو بعده، أما الخلفاء والحكام الذين حكموا قبله فقد أحرقوها ومنعوا من كتابتها والتحدث بها.

(٢) الغريب أن أهل السنة كثراً ما يروون الحديث ونقيضه في نفس الكتاب، والأغرب من ذلك أنهم كثيراً ما يعملون بما هو مكذوب ويهملون ما هو صحيح.

(٣) صحيح البخاري ج ١ ص ٣٦ باب كتابة العلم.


وإذا أضفنا إلى هؤلاء الإمام علي بن أبي طالب الذي كان ينشر من فوق المنبر صحيفة يسميها الجامعة، جمع فيها كل ما يحتاجه الناس من أحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد توارثها الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام وكثراً ما تحدثوا عنها.

فقد قال الإمام جعفر الصادق:

( إن عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعاً، إملاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخط علي بيده، ما من حلال ولا حرام وما من شيء يحتاج إليه الناس وليس قضية إلا وهي فيها حتى أرش الخدش ).

وقد أشار البخاري نفسه في صحيحه إلى هذه الصحيفة التي كانت عند علي في عدة أبواب من كتابه، ولكنه وكما عودنا البخاري فإنه أبتر الكثير من خصائصها ومضمونها.

قال البخاري في باب كتابة العلم:

« عن الشعبي عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي هل عندكم كتاب ؟

قال: لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجلاً مسلماً أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: وما في هذه الصحيفة ؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر ».

كما جاء في صحيح البخاري في موضع آخر قوله:

« عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي قال: ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».

كما جاء في موضع آخر من صحيح البخاري قوله:


عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: خطبنا علي فقال: « ما عندنا كتاب نقرأه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة »(١) .

وينقل البخاري في باب آخر من صحيحه قوله:

عن عليرضي‌الله‌عنه قال: « ما كتبنا عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا القرآن وما في هذه الصحيفة »(٢) .

كما أخرج البخاري في موضع آخر من صحيحه قوله:

عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: خطبنا عليرضي‌الله‌عنه على منبر من أجر وعليه سيف فيه صحيفة معلقة، فقال: ( والله ما عندنا كتاب يقرأ إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة )(٣) .

ولم ينقل البخاري ما قاله الإمام جعفر الصادق من أن الصحيفة تسمى الجامعة ؛ لأنها جمعت كل حلال وكل حرام، وفيها كل ما يحتاجه الناس حتى أرش الخدش بإملاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخط علي بن أبي طالب. فاختصرها بقوله مرة: بأن فيها العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر، ومرة أخرى بقوله: فنشرها علي فإذا فيها أسنان الإبل، وإذا فيها المدينة حرم … وإذا فيها ذمة المسلمين واحدة … وإذا فيها من والى قوماً بغير إذن مواليه..

إنه التزوير والتعتيم على الحقائق، وإلا هل يعقل أن يكتب علي هذه الكلمات الأربعة في صحيفة ويعلقها على سيفه وتلازمه عندما يخطب من فوق المنبر ويجعل منها المرجع الثاني بعد كتاب الله فيقول للناس: ما كتبنا عن النبي إلا القرآن وما في هذه الصحيفة ؟ ؟ !

وهل كان عقل أبي هريرة أكبر من عقل علي بن أبي طالب إذ كان يحفظ عن رسول الله مائة ألف حديث من غير كتابة ؟

____________________

(١) صحيح البخاري ج ٤، ص ٦٧ وصحيح مسلم ج ٤ ص ١١٥.

(٢) صحيح البخاري ج ٤ ص ٦٩.

(٣) صحيح البخاري ج ٨ ص ١٤٤.


عجيب والله أمر هؤلاء الذين يقبلون مائة ألف حديث عن أبي هريرة الذي لم يصحب النبي إلا ثلاث سنوات وكان يجهل القراءة والكتابة ويزعمون بأن عليا باب مدينة العلم الذي تعلم منه الصحابة شتى العلوم والمعارف، كان يحمل صحيفة فيها أربعة أحاديث ظلت تلازمه من حياة الرسول إلى ايام خلافته فيصعد بها على المنبر وهي معلقة على سيفه ؟ كبرت كلمة تخرج من أقواههم إن يقولون إلا كذباً.

على أن في ما أخرجه البخاري كفاية للباحثين والعقلاء، وذلك عندما ذكر بأن فيها العقل، فهو دليل بأن في الصحيفة أشياء كثيرة تخص العقل البشري والفكر الإسلامي. ونحن لا نريد إقامة الدليل على ما في الصحيفة، فأهل مكة أدرى بشعابها وأهل البيت أدرى بما فيه وقد قالوا بأن فيها كل ما يحتاجه الناس من حلال وحرام حتى أرش الخدش.

ولكن الذي يهمنا في هذا البحث هو أن الصحابة كانوا يكتبون أحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقول أبي هريرة بأن عبد الله بن عمرو كان يكتب أحاديث النبي، وقول علي بن أبي طالب: ما كتبنا عن رسول الله إلا القرآن وما في هذه الصحيفة، كما جاء في صحيح البخاري، هو دليل قاطع على أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم ينه عن كتابة أحاديثه أبداً ،بل العكس هو الصحيح، وأن الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه « لا تكبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه » هو حديث مكذوب وضعه أنصار الخلفاء لتأييد وتبرير ما فعله أبو بكر وعمر وعثمان من حرق الأحاديث النبوية ومنع السنة من الانتشار. ومما يزيدنا يقينا بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم ينه عن كتابة الأحاديث عنه بل إنه أمر بها، هو ما قاله الإمام علي أقرب الناس للن

بي: « ما كتبنا عنه غير القرآن وما في هذه الصحيفة » والذي صححه البخاري.

وإذا أضفنا إلى هذا قول الإمام جعفر الصادق بأن الصحيفة الجامعة هي من إملاء رسول الله وخط علي فمعناه أن النبي أمر علياً بالكتابة.


وحتى لا يبقى عندك شك أيها القارئ العزيز، أزيدك ما يلي:

أخرج الحاكم في مستدركه وأبو داود في صحيحه والإمام أحمد في مسنده والدارمي في سننه، أخرجوا كلهم حديثاً مهماً جداً بخصوص عبد الله بن عمرو الذي ذكره أبو هريرة بأنه كان يكتب عن النبي:

قال عبد الله بن عمرو: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ( ص)، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من رسول الله وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟

قال عبد الله: فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأومأ إلى فيه وقال: « أكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج منه إلا الحق(١) . ونلاحظ من خلال هذا الحديث بأن عبد الله بن عمرو كان يكتب كل ما يسمعه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم ينهه النبي عن ذلك وإنما وقع النهي من قريش، ولم يرد عبد الله التصريح بأسماء الذين نهوه عن الكتابة ؛ لأن في نهيهم طعن على رسول الله، كما لا يخفى فأبهم القول بأنهم قريش، والمقصود بقريش زعماؤها من المهاجرين وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمان بن عوف وأبو عبيدة وطلحة والزبير ومن سار على رأيهم.

كما نلاحظ بأن نهيهم لعبد الله كان في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهذا ما يؤكد عمق المؤامرة وخطورتها. وإلا لماذا يعمد هؤلاء لنهي عبد الله عن الكتابة بدون الرجوع إلى النبي نفسه ؟ كما يفهم أيضاً من قولهم له: إن رسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، أن عقيدتهم في النبي كانت هزيلة إلى درجة أنهم يشكون فيه بأنه يقول باطلاً ويحكم ظلماً خصوصاً في حالة الغضب، وما قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما ذكر له عبد اله بن عمرو نهي قريش وما قالوه في شأنه فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

____________________

(١) مستدرك الحاكم ج ١ ص ١٠٥.

(٢) سنن أبي داود ج٢ ص١٢٦.

(٣) سنن الدارمي ج١ ص١٢٥.

(٤) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج٢ ص١٦٢.


« أكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج منه إلا الحق » - إشارة إلى فمه - لدليل آخر على علم الرسول بشكهم في عدالته، وأنهم يجوزون عليه الخطأ وقول الباطل فأقسم بالله بأنه لا يخرج من فمه إلا الحق.

وهذا هو التفسير الصحيح لما جاء في قوله سبحانه وتعالى:

( وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى‌* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى‌ ) ( النجم: ٣ - ٤ ).

وأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معصوم عن الخطأ وقول الباطل وبهذا فإننا نجزم بأن كل الأحاديث والروايات التي وضعت في زمن الأمويين والتي يستفاد منها بأنه غير معصوم لا يصح شيء منها، كما أن الحديث المذكور يشعرنا بأن تأثيرهم على عبد الله بن عمرو كان كبيراً حتى أمسك عن الكتابة كما صرح هو بنفسه إذ قال: « فأمسكت عن الكتابة » وبقي على ذلك إلى أن جاءت مناسبة تدخل فيها رسول الله بنفسه لإزالة الشكوك التي تثار حول عصمته وعدالته، وكانت كثراً ما تشار حتى بمحضرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كقولهم له صراحة: أأنت نبي الله حقاً ؟(١) أو: أنت الذي تزعم أنك نبي(٢) ، أو والله ما قصد بهذه القسمة وجه الله(٣) .

أو كقول عائشة للنبي: إن ربك يسارع في هواك(٤) أو قولها له: أقصد إلى غير ذلك من العبارات النابية التي تعرب عن شكهم في عصمته واعتقادهم بأنه يحيف ويظلم ويخطئ ويكذب والعياذ بالله.

فكانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صاحب الخلق العظيم رؤوفاً رحيماً كثيراً ما يزيح تلك الشبهات بقوله مرة: ما أنا إلا عبد مأمور، ومرة يقول: والله إني لأبر لله وأتقى، وأخرى يقول: والذي نفسي بيده ما خرج منه إلا الحق، وكثيراً ما كان يقول: رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر.

فلم تكن هذه الكلمات النابية التي تطعن في عصمته وتشكك في نبوته

____________________

(١) قاله عمر بن الخطاب في صلح الحديبية أخرجه البخاري ج ٢ ص ١٢٢.

(٢) قالته عائشة بنت أبي بكر للنبي كتاب إحياء العلوم للغزالي ج ٢ ص ٢٩.

(٣) قاله صحابي من الأنصار للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخرجه البخاري ج ٤ ص ٤٧.

(٤) صحيح البخاري ج ٦ ص ٢٤ وكذلك في صفحة ١٢٨ من الجزء السادس.


صادرة عن أناس متروكين أو عن المنافقين، ولكنها مع الأسف صدرت عن عظماء الصحابة وعن أم المؤمنين والذين هم عند « أهل السنة والجماعة » قدوة وأسوة حسنة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومما يزيدنا يقينا بأن حديث « لا تكتبوا عني » هو حديث موضوع لا أساس له من الصحة ولم ينطق به رسول الله إطلاقاً، أن أبا بكر نفسه كان يكتب عن رسول الله بعض الأحاديث التي جمعها في عهد النبي، ثم بعد ما تولى الخلافة بدا له أن يحرقها لأمر قد لا يخفى على الباحثين.

فها هي اينته عائشة تقول: جمع أبي الحديث عن رسول اله فكانت خمسمائة حديث فبات يتقلب، فقلت: يتقلب لشكوى أو لشيء بلغه، فلما أصبح قال: أي بنية هلمي بالأحاديث التي عندك، فجئته بها فأحرقها(١) .

وهذا عمر بن الخطاب أيضاً في خلافته يخطب يوماً في الناس قائلاً: ( لا يبقين أحد عنده كتاباً إلا أتاني به فأرى فيه رأيي ) فظنوا أنه يريد النظر فيها ليقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه يكتبهم فأحرقها بالنار(٢) .

كما بعث في الأمصار يأمرهم: من كان عنده شيء فليمحه(٣) . فهذا أكبر دليل على أن الصحابة عامة سواء منهم المقيمين في المدينة أو في بقية الأمصار الإسلامية الأخرى كلهم عندهم كتب جمعوا فيها الأحاديث النبوية التي كتبوها على عهدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأحرقت كلها بفعل أبي بكر أولا ثم عمر ثانياً ومحيت بقية الكتب التي في الأمصار بأمر عمر في خلافته(٤) .

وعلى هذا فلا يمكن لنا ولا لأي عاقل أن يصدق بأن رسول الله نهاهم عن

____________________

(١) كنز العمال ج ٥ ص ٢٣٧، وابن كثير في البداية والنهاية، وتذكرة الحفاظ للذهبي ج ١ ص ٥.

(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٥ ص ١٨٨ والخطيب البغدادي في تقييد العلم.

(٣) جامع بيان العلم لابن عبد البر.

(٤) انظر رعاك الله إلى هذا العمل الشنيع الذي فعله الخلفاء أبو بكر وعمر تجاه السنة النبوية، والخسارة العظمى التي لا تقدر والتي تسببا فيها للأمة الإسلامية التي كانت في أشد الحاجة للأحاديث النبوية لفهم القرآن وفهم أحكام الله تعالى، وإنها لعمري أحاديث صحيحة ؛ لأنهم كتبوها عنه مباشرة وبدون واسطة، أما الأحاديث التي جمعت في ما بعد أغلبها أحاديث موضوعة ؛ لأن الفتنة وقعت وقتل المسلمون بعضهم، وكتبت بأمر الحكام الجائرين.


كتابة الحديث بعدما عرفنا بأن أكثر الصحابة كانت عندهم كتب للأحاديث وخصوصاً الصحيفة التي كانت تلازم الإمام علي وطولها سبعون ذراعاً ويسميها الجامعة لأنها جمعت كل شيء.

وبما أن السلطة الحاكمة والسياسة السائدة، اقتضت مصالحها محو السنة وحرقها وعدم التحدث بها، فإن الصحابة المؤيدين لتلك الخلافة امتثلوا الأوامر ونفذوها، فلم يبق لهم ولا لأتباعهم من التابعين سوى الاجتهاد بالرأي، أو الاقتداء بسنة أبي بكر وسنة عمر وسنة عثمان وسنة معاوية وسنة يزيد وسنة مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك وسنة سليمان بن عبد الملك إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز فطلب من أبي بكر الحزمي أن يكتب له ما كان من حديث رسول الله أو سنته أو حديث عمر بن الخطاب(١) .

وهكذا يتبين لنا أنه حتى في الظروف التي سمحت بتدوين السنة وبعد مرور مائة سنة على طمسها ومنعها، نرى الحاكم الأموي المعتدل والذي ألحقه «أهل السنة » بالخلفاء الراشدين، يأمر بجمع سنة رسول الله وسنة عمر بن الخطاب، وكأن عمر بن الخطاب شريك محمد في رسالته ونبوته. ولماذا لم يطلب عمر بن عبد العزيز من أئمة أهل البيت الذين عاصرهم أن يعطوه نسخة من الصحيفة الجامعة، ولماذا لم يكلفهم هم بجمع الأحاديث النبوية فهم أعلم بحديث جدهم من غيرهم ؟ ؟

فالمحققون والباحثون يعرفون سر ذلك. وهل يحصل الاطمئنان إلى تلك الأحاديث التي جمعها « أهل السنة والجماعة» من بني أمية وأعوانهم الذين يمثلون خلافة قريش وقد عرفنا حقيقة قريش وعقيدتها في رسول الله وسنته المطهرة ؟

ويبقى واضحاً بعد هذا بأن السلطة الحاكمة وعلى مر عصور الخلافة، عملت بالاجتهاد والقياس ومشاورة بعضهم.

وبما أن السلطة قد أقصت الإمام علياً عن مسرح الحياة وأهملته فلم يكن لها عليه من سلطان لحرق ما كتبه في عهد الرسالة بإملاء النبي نفسه.

____________________

(١) موطأ الإمام مالك ج١ ص٥.


وبقي علي بن أبي طالب يحتفظ بتلك الصحيفة التي جمع فيها كل ما يحتاجه الناس حتى أرش الخدش، ولما تولى الخلافة كان يعلقها على سيفه ويصعد على المنبر ليخطب في الناس ويعرفهم بأهميتها.

وقد تواترت الأخبار عن أئمة أهل البيتعليهم‌السلام بأنهم توارثوا تلك الصحيفة أبا عن جد وكابرا عن كابر، وكانوا يفتون بها في المسائل التي يحتاجها معاصروهم ممن اقتدوا بهديهم.

ولذلك كان الإمام جعفر الصادق والإمام الرضا وغيرهم من الأئمة يرددون دائماً نفس الكلام بخصوصها ويقولون: « إننا لا نفتي الناس بآرائنا، إنا لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنها آثار من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أهل علم نتوارثها كابراً عن كابر، نكتنزها كما يكتنز الناس ذهبهم وفضتهم »(١) .

وقال جعفر الصادق مرة أخرى.

حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله، وحديث رسول الله هو قول الله ( عز وجل )(٢) .

وبكل هذا يصبح حديث الثقلين المتواتر: تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً(٣) ، هو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، وتصبح السنة النبوية، الصحيحة ليس لها من حافظ وراع وقيم غير الأئمة الأطهار من آل بيت المصطفى المختار.

كما يستنتج من هذا أن شيعة أهل البيت الذين تمسكوا بالعترة هم أهل السنة النبوية، وأن « أهل السنة والجماعة » مدعون ما ليس لهم، ولا تقوم دعواهم على حجة ولا دليل.

- والحمد لله الذي هدانا لهذا -.

____________________

(١) معالم المدرستين للعلامة العسكري ج ٢ ص ٣٠٢.

(٢) أصول الكافي ج ١ ص ٥٣.

(٣) صحيح مسلم ج ٥ ص ١٢٢. صحيح الترمذي ج ٥ ص ٦٣٧.


الشيعة في نظر « أهل السنة »

إذا استثنينا بعض العلماء المعاصرين الذين أنصفوا في كتاباتهم عن الشيعة بما تفرضه عليهم الأخلاق الإسلامية، فإن الأغلبية الساحقة منهم قديماً وحديثاً لا زالوا يكتبون عن الشيعة بعقلية الأمويين الحاقدين، فتراهم في كل واحد يهيمون ويقولون ما لا يفقهون، ويسبون ويشتمون ويتقولون افتراء وبهتاناً على شيعة آل البيت ما هم منه براء، ويكفرونهم ينبذونهم بالألقاب اقتداء بسلفهم الصالح معاوية وأضرابه، الذين استولوا على الخلافة الإسلامية بالقوة والقهر والمكر والدهاء والخيانة والنفاق.

فمرة يكتبون بأن الشيعة هي فرقة من تأسيس عبد الله بن سبأ اليهودي، ومرة يكتبون بأنهم من أصل المجوس، وأنهم روافض قبحهم الله، وأنهم أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى، ومرة يكتبون بأنهم منافقون لأنهم يعملون بالتقية وأنهم إباحيون يبيحون نكاح المحارم ويحللون المتعة وهي زنا، والبعض يكتب بأن لهم قرآناً غير قرآننا، وأنهم يبعدون علياً والأئمة من بنيه ويبغضون محمداً وجبريل وأنهم وأنهم ….

ولا يمر عام إلا ويطلع علينا كتاب أو مجموعة كتب من أولئك العلماء الذين يتزعمون « أهل السنة والجماعة » بزعمهم وكله تكفير واستهانة بالشيعة.

وليس لهم في ذلك مبرر ولا دافع إلا إرضاء أسيادهم الذين لهم مصلحة في تمزيق الأمة وتفريقها والعمل على إبادتها. كما ليس لهم فيما يكتبون من حجة ولا دليل سوى التعصب الأعمى والحقد الدفين والجهل المقيت، وتقليد السلف


بدون تمحيص ولا بحث ولا بينة، فهم كالببغاء يعيدون ما يسمعون ويستنسخون ما كتبه النواصب من أذناب الأمويين، والذين لا يزالون يعيشون على مدح وتمحيد يزيد بن معاوية(١) .

فلا نستغرب من أولئك الممجدين ليزيد بن معاوية، أن يسبوا ويكفروا أعداء يزيد هذا. وإذا كان سلفهم الصالح، يزيد وأبوه معاوية يغدقون على أتباعهم ومن تشيع لهم الذهب والفضة ويشترون بها ضمائرهم في الماضي، فإن ملايين الدولارات، والقصور الفخمة في لندن وباريس والتي ملئت بزرق العين، من الشقراوات، والخمر المصفى، لقادر على شراء ضمائرهم ودينهم وأوطانهم في الحاضر.

ولو كان هؤلاء يتبعون السنة النبوية كما يزعمون لتعلموا من أخلاقه العاليةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم احترام الغير ولو خالفهم في العقيدة.

ألم تقل السنة النبوية: « المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا »، و « المسلم للمسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ».

ألم يصرح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » فلو كان هؤلاء الكتاب المدعون أنهم من « أهل السنة والجماعة » يعرفون السنة النبوية، لما سمحت لهم نفوسهم بتكفير من يشهد أن لا إله إلا لله وأن محمداً رسول الله، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان، ويحج البيت الحرام، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

وبما أنهم أتباع السنة الأموية والقرشية فهم يتكلمون ويكتبون بالعقلية الجاهلية والأفكار القبلية والنعرات العنصرية. فالشيء من مأتاه لايستغرب، وكل إناء بالذي فيه ينضح.

____________________

(١) فقد نشرت وزارة المعارف للمملكة العربية السعودية كتاباً بعنوان: « حقائق عن أمير المؤمنين يرزيد بن معاوية » وهذا الكتاب انتخبته وزارة المعارف للتدريس في مدارسها الرسمية.


ألم يقل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما جاء في الذكر الحكيم:( قُلْ يَا أَهْلَ الْکِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى کَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَ بَيْنَکُمْ ) ( آل عمران: ٦٤ ) ؟

فإن كانوا من أهل السنة حقاً، فلينادوا أخوانهم من الشيعة إلى كلمة سواء بينهم. وإذا كان الإسلام ينادي أعداءه من اليهود والنصارى إلى كلمة سواء للتفاهم والتآخي، فكيف بمن يعبدون إلهاً واحداً، ونبيهم واحد وكتابهم واحد، وقبلتهم واحدة ومصيرهم واحد !

فلماذا لا ينادي علماء « أهل السنة » إخوانهم من علماء الشيعة ويجلسون معهم حول طاولة البحث، ويجادلونهم بالتي هي أحسن ويصلحون عقائدهم إن كانت فاسدة كما يزعمون ؟

لماذا لا يعقدون مؤتمراً إسلامياً يجمع علماء الفريقين وتطرح فيه كل المسائل الخلافية على مسمع ومرأى من كل المسلمين حتى يعرفوا وجه الصواب من الكذب والبهتان ؟

وخصوصاً وأن « أهل السنة والجماعة » يمثلون ثلاثة أرباع المسلمين في العالم، ولهم من الإمكانات المادية والنفوذ لدى الحكومات ما يجعل ذلك عندهم سهلاً ميسوراً إذ يملكون الأقمار الصناعية. ولأن « أهل السنة والجماعة » لا يعملون لمثل هذا أبداً، ولا يريدون المواجهة العلمية التي ينادي بها كتاب الله المجيد بقوله:

( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَکُمْ إِنْ کُنْتُمْ صَادِقِينَ‌ ) ( البقرة: ١١١ ).

( قُلْ هَلْ عِنْدَکُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ‌ ) (الأنعام: ١٤٨ )

ولذلك تراهم دائماً يلجأون إلى السب والشتم والتكفير والبهت والافتراء وهم يعرفون بأن الحجة والدليل مع خصومهم الشيعة.

وأعتقد بأنهم يخافون أن يتشيع أكثر المسلمين إذا كان كشفت الحقائق كما وقع


بالفعل لبعض العلماء الأزهريين في مصر الذين سمحوا لأنفسهم بالبحث عن الحق فأدركوه واستبصروا ونبذوا ما كانوا عليه من عقيدة « السلف الصالح ». فالعلماء من « أهل السنة والجماعة » يدركون هذا الخطر الذي يهدد كيانهم بالذوبان، فإذا أعيتهم الحيلة وصل الأمر بالبعض منهم أن حرم على أتباعه ومقلديه أن يجلسوا مع الشيعة أو يجادلوهم أو يتزوجوا منهم أو يزوجوهم أو يأكلوا من ذبائحهم.

ويفهم من موقفهم هذا بأنهم أبعد ما يكونون عن السنة النبوية، وهم أقرب ما يكونون من سنة بني أمية الذين عملوا بكل جهودهم على إضلال الأمة المحمدية بأي ثمن ؛ لأن قلوبهم لم تخشع لذكر الله وما نزل من الحق ودخلوا في الإسلام وهم كارهون.

وهذا ما عبر عنه إمامهم معاوية بن أبي سفيان الذي قتل خيار الصحابة من أجل الوصول إلى الحكم فقط، فقد قال في أول خطبة له:

« إني لم أقاتلكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون ».

وصدق الله إذ يقول:( إِنَّ الْمُلُوکَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَ کَذٰلِکَ يَفْعَلُونَ‌ ) ( النمل: ٣٤ ).


« أهل السنة والجماعة » في نظر الشيعة

إذا استثنينا بعض المتعصبين من عوام الشيعة الذين ينظرون إلى « أهل السنة والجماعة » بأنهم كلهم من النواصب(١) ، فإن الأغلبية الساحقة من علمائهم قديماً وحديثاً، لا زالوا يعتقدون بأن إخوانهم من « أهل السنة والجماعة » هم ضحايا الدس والمكر الأموي لأنهم أحسنوا الظن « بالسلف الصالح » واقتدوا بهم بدون بحث ولا تمحيص، فأضلوهم عن الصراط المستقيم وأبعدوهم عن الثقلين - كتاب الله والعترة الطاهرة - الذين يعصمان المتمسك بهما من الضلالة ويضمنان له الهداية.

فترهم كثيراً ما يكتبون للدفاع عن أنفسهم وللتعريف بمعتقداتهم داعين للإنصاف ولتوحيد الكلمة مع إخوانهم من « أهل السنة والجماعة ».

وقد جاب بعض علماء الشيعة في الأقطار والأمصار باحثين عن الأساليب الكفيلة لتأسيس دور وجمعيات إسلامية للتقريب بين المذاهب ومحاولة جمع الشمل. ويمم آخرون منهم وجهتهم صوب الأزهر الشريف منارة العلم والمعرفة عند « أهل السنة »، وتقابلوا مع علمائه وجادلوهم بالتي هي أحسن، وعملوا على إزالة الأحقاد، كما فعل الإمام شرف الدين الموسوي عند لقائه بالإمام سليم الدين البشري، وكان من نتيجة ذلك اللقاء والمراسلات ولادة الكتاب القيم

____________________

(١) النواصب جمع ناصبي: وهم الذين ناصبوا العداء لأهل البيت النبوي وحاربوهم وقتلوهم وتتبعوهم أمواتاً فنبشوا قبورهم.


المسمى ب- « المراجعات » والذي كان له الدور الكبير في تقريب وجهات النظر عند المسلمين. كما أن جهود أولئك العلماء من الشيعة كللت بالنجاح في مصر فأصدر الإمام محمود شلتوت مفتي الديار المصرية في ذلك الوقت فتواه الجريئة في جواز التعبد بالمذهب الشيعي الجعفري، وأصبح الفقه الشيعي الجعفري من المواد التي تدرس بالأزهر الشريف.

هذا ودأب الشيعة وعلماؤهم بالخصوص على التعريف بأئمة أهل البيت الطاهرين وبالمذهب الجعفري الذي يمثل الإسلام بكل معانيه وكتبوا في ذلك المجلدات والمقالات وعقدوا لذلك الندوات وخصوصاً بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عقدت مؤتمرات عديدة في طهران باسم الوحدة الإسلامية وباسم التقريب بين المذاهب، وكلها دعوات صادقة لنبذ العداء والأحقاد، ولبث روح الأخوة الإسلامية واحترام المسلمين بعضهم لبعض.

وفي كل عام يدعو مؤتمر الوحدة الإسلامية علماء ومفكرين من الشيعة والسنة فيعيشون أسبوعاً كاملاً تحت ظل الأخوة الصادقة فيأكلون ويشربون ويصلون ويدعون ويتبادلون الآراء والأفكار ويعطون ويأخذون. ولو لم يكن لتلك المؤتمرات دور إلا تأليف القلوب وتقريب المسلمين بعضهم من بعض ليتعارفوا وتزول الأحقاد لكان فيها الخير الكثير والفضل العميم، ولسوف تؤتى أكلها بعد حين إن شاء الله رب العالمين.

وأنت إذا دخلت إلى أي بيت من بيوت الشيعة العاديين فضلاً عن بيوت العلماء والمثقفين، فسوف تجد فيه مكتبة تضم إلى جانب مؤلفات الشيعة جانباً كبيراً من مؤلفات « أهل السنة والجماعة » على عكس « أهل السنة والجماعة » فقد لا تجد عن علمائهم كتاباً شيعياً واحداً إلا نادراً. ولذلك هم يجهلون حقائق الشيعة ولا يعرفون إلا الأكاذيب التي يكتبها أعداؤهم. كما أن الشيعي العادي تجده في أغلب الأحيان يعرف التاريخ الإسلامي بكل أدواره وقد يحتفل بإحياء بعض ذكرياته.


أما العالم السني تجده قليلاً ما يهتم بالتاريخ فهو يعتبره من المآسي التي لا يريد نبشها والاطلاع عليها، بل يجب إهمالها وعدم النظر فيها لأنها تسيء الظن ب- « السلف الصالح ». وبما أنه أقنع نفسه أو أوهمها بعدالة الصحابة أجمعين ونزاهتهم، فلم يعد يتقبل ما سجله التاريخ عليهم.

لكل ذلك تراه لا يصمد للنقاش البناء الذي يقوم على الدليل والبرهان، فتراه إما يتهرب من البحث لعلمه مسبقاً بأنه مغلوب وإما أن يتغلب على عواطفه وميوله ويقحم نفسه في البحث فيصبح ثائراً على كل معتقداته ويتشيع لأهل بيت المصطفى.

فالشيعة هم أهل السنة النبوية لأن إمامهم الأول بعد النبي هو علي بن أبي طالب الذي يعيش ويتنفس بالسنة النبوية. أنظر إليه وقد جاؤوه ليبايعون بالخلافة على أن يحكم بسيرة الشيخين فقال: « لا أحكم إلا بكتاب الله وسنة رسوله » فلا حاجة لعلي في الخلافة إن كانت على حساب السنة النبوية، فهو القائل: « إن خلافتكم عندي كعفطة عنز إلا أن أقيم حدا من حدود الله ».

وقال ابنه الإمام الحسين: قولته المشهورة التي بقيت ترن في مسمع الدهر: « إن كان دين محمد لا يستقيم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني ».

ولهذا فإن الشيعة ينظرون إلى اخوانهم من « أهل السنة والجماعة » بنظر العطف والحنان وكأنهم يريدون لهم الهداية والنجاة ؛ لأن ثمن الهداية عندهم حسب ما جاءت به الروايات الصحيحة خير من الدنيا وما فيها، فقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للإمام علي عندما بعثه لفتح خيبر: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن قالوها فقد عصم منك دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس أو خير لك من أن يكون لك حمر النعم(١) .

____________________

(١) صحيح مسلم ج ٧ ص ١٢٢ كتاب الفضائل باب فصائل علي بن أبي طالب.


وكما كان هم علي بن أبي طالب الوحيد هو هداية الناس والرجوع بهم إلى كتاب الله وسنة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكذلك شيعته اليوم هممهم أن يدفعوا عن أنفسهم كل التهم والأكاذيب وأن يعرفوا إخوانهم من « أهل السنة » بحقائق أهل البيتعليهم‌السلام وبالتالي يهدوهم إلى سواء السبيل.

( لَقَدْ کَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا کَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَ لٰکِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ کُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ هُدًى وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‌ ) (يوسف: ١١١).


التعريف بأئمة الشيعة

لقد انقطع الشيعة للأئمة الاثني عشر من أهل البيتعليهم‌السلام ، أولهم علي بن أبي طالب ثم ابنه الحسن، ثم ابنه الحسين، ثم التسعة المعصومون من ذرية الحسن ومن نسله.

وقد نص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على هؤلاء الأئمة في العديد من المرات تصريحاً وتلميحاً وقد ذكرهم بأسمائهم في بعض الروايات التي أخرجها الشيعة والبعض من علماء « السنة ».

وقد يعترض البعض من « أهل السنة » على هذه الروايات مستغرباً كيف يتكلم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أمور غيبية ما زالت في طي العدم ؟ وقد جاء في القرآن قوله:( لَوْ کُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَکْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ مَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ) ( الأعراف: ١٨٨ ).

وإجابة على ذلك نقول بأن هذه الآية الكريمة لا تنفي عن الرسول علمه بالغيب مطلقاً، إنما جاءت رداً على المشركين الذين طلبوا منه أن يعلمهم عن قيام الساعة، وموعد الساعة قد اختص الله سبحانه بعلمه.

وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ …. ) ( الجن: ٢٦ - ٢٧ ).

وفي هذا دلالة على أنه سبحانه يطلع على غيبه رسله الذين اصطفاهم، ومن ذلك مثلاً قول يوسفعليه‌السلام لأصحابه في السجن:( لاَ يَأْتِيکُمَا طَعَامٌ


تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُکُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَکُمَا ذٰلِکُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي … ) ( يوسف: ٣٧ ).

وكقوله تعالى:( فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) (الكهف: ٦٥ ). حكاية عن الخضر الذي التقى بموسى وعلمه من علم الغيب ما لم يستطع عليه صبراً. والمسلمون شيعة وسنة لم يختلفوا في أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعلم الغيب وقد سجلت سيرته الكثير من الأخبار بالغيب كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ويح عمار تقتله الفئة الباغية ) وقوله لعلي: ( أشقى الآخرين الذي يضربك على رأسك فيخضب لحيتك ) وقوله: « إن ابني الحسن يصلح الله به فئتين عظيمتين » وكقوله لأبي ذر بأنه سيموت وحيداً طريداً إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة، ومنها حديثه المشهور الذي أخرجه البخاري ومسلم وكل المحدثين والذي جاء فيه: « الأئمة من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش » وفي بعض الروايات « كلهم من بني هاشم ».

وقد أثبتنا في الأبحاث السابقة من كتاب « مع الصادقين » وكتاب « فاسألوا أهل الذكر » بأن علماء السنة أنفسهم أشاروا في صحاحهم ومسانيدهم إلى تلك الأحاديث الدالة على إمامة الأئمة الاثني عشر وصححوها.

وإذا سأل سائل: لماذا تركوهم واقتدوا بغيرهم من ائمة المذاهب الأربعة، إذا كانوا يعترفون بتلك الأحاديث ويصححونها ؟ ؟

والجواب هو: إن « السلف الصالح » كلهم من أنصار الخلفاء الثلاثة الذين أولدتهم السقيفة أبو بكر وعمر وعثمان، فكان نفورهم من أهل البيت وعداؤهم للإمام علي وأولاده لابد منه، فعملوا كما قدمنا على محق السنة النبوية وإبدالها باجتهاداتهم.

وسبب ذلك انقسام الأمة إلى فرقتين بعد وفاة الرسول مباشرة فكان « السلف الصالح » ومن تبعهم ورأى رأيهم يمثلون « أهل السنة والجماعة» وهم الأغلبية الساحقة في الأمة، وكان الأقلية القليلة علي وشيعته الذين تخلفوا عن البيعة ولم


يقبلوا بها فأصبحوا من المنبوذين والمغضوب عليهم وأطلقوا عليهم اسم الروافض.

وبما أن « أهل السنة والجماعة » هم الذين تحكموا بمصير الأمة عبر القرون فحكام بني أمية كلهم وحكام بني العباس كلهم هم أنصار وأتباع مدرسة الخلافة التي أسسها أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية(١) ويزيد.

ولما فشل أمر الخلافة وذهبت هيبتها وأصبحت في أيدي المماليك والأعاجم وسمع بتدوين السنة النبوية، عند ذلك ظهرت تلكم الأحاديث التي عمل الأولون على طمسها وكتمانها ولم يقدروا فيما بعد على محوها وتكذيبها، وبقيت تلك الأحاديث من الألغاز المحيرة عندهم لأنها تخالف الأمر الواقع الذي آمنوا به.

وحاول بعضهم التوفيق بين تلك الأحاديث وما هم عليه من العقيدة فتظاهروا بمحبة أهل البيت ومودتهم فتراهم كلما ذكروا الإمام علياً يقولون رضي الله عنه وكرم الله وجهه، حتى يتبين للناس بأنهم ليسوا بأعداء لأهل البيت النبوي.

فلا يمكن لأي واحد من المسلمين حتى المنافقين منهم أن يظهر عداءه لأهل البيت النبوي ؛ لأن أعداء أهل البيت هم أعداء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذلك يخرجهم من الإسلام كما لا يخفى.

والمفهوم من كل هذا بأنهم في الحقيقة أعداء أهل البيت النبوي ونقصد بهؤلاء « السلف الصالح » الذين تسموا أو سماهم أنصارهم ب- « أهل السنة والجماعة » والدليل أنك تجدهم كلهم يقلدون المذاهب الأربعة الذين أوجدتم السلطة الحاكمة ( كما سنبينه عما قريب )، وليس عندهم في أحكام الدين شيء يرجعون فيه لفقه أهل البيت أو لأحد الأئمة الاثني عشر.

____________________

(١) لقد أغفلنا ذكر خلافة علي بن أبي طالب قصداً ؛ لأن « أهل السنة والجماعة » لم يكونوا يعترفون بها كما قدمنا إلا في زمن أحمد بن حنبل. راجع فصل ( أهل السنة لا يعرفون السنة النبوية » ص ٤٤ من هذا الكتاب.


والحقيقة تفرض بأن الشيعة الإمامية هم أهل السنة المحمدية ؛ لأنهم تقيدوا في كل أحكامهم الفقهية بأئمة أهل البيت الذين توارثوا السنة الصحيحة عن جدهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يدخلوا فيها الآراء والاجتهادات وأقوال العلماء.

وبقي الشيعة على مر العصور يتعبدون بالنصوص ويرفضون الاجتهاد في مقابل النص، كما يؤمنون بخلافة علي وبنيه ؛ لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نص على ذلك، فهم يسمونهم خلفاء الرسول ولو لم يصل منهم إلى الخلافة الفعلية إلا علي، ويرفضون ولا يعترفون بالحكام الذين تداولوا الخلافة من أولها إلى آخرها ؛ لأن أساسها كان فلتة وقى الله شرها ولأنها قامت رفضاً ورداً على الله ورسوله وكل الذين جاؤوا بعدها هم عيال عليها فلم يقم خليفة إلا بتعيين السابق له، أو بالقتال والتغلب والقهر(١) .

ولذلك اضطر « أهل السنة والجماعة » للقول بإمامة البر والفاجر لأنهم قببلوا بخلافة كل الحكام حتى الفاسقين منهم. وامتاز الشيعة الإمامية بالقول بوجوب عصمة الإمام فلا تصح الإمامة الكبرى وقيادة الأمة إلا للإمام المعصوم وليس في هذه الأمة بشر معصوم إلا الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

____________________

(١) يستثنى من ذلك فقط خلافة علي بن أبي طالب، فهو الوحيد الذي لم يتعين من قبل الذي سبقه، ولم يسلط عليها بالقهر والقوة، بل بايعه المسلمون بكل حرية وطواعية بل ودعوهم إليها بإصرار.


التعريف بأئمة « أهل السنة والجماعة »

وقد انقطع « أهل السنة والجماعة » إلى الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المعروفة، وهم: أبو حنيفة ومالك، والشافعي وأحمد بن حنبل.

وهؤلاء الأئمة الأربعة لم يكونوا من صحابة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا من التابعين فلا يعرفهم رسول الله ولا يعرفونه، ولم يرهم ولم يرونه، فأكبرهم سنا أبو حنيفة بينه وبين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكثر من مائة عام لأن مولده كان في سنة ثمانين للهجرة ووفاتة سنة خمسين ومائة، أما أصغرهم أحمد بن حنبل فكان مولده سنة خمس وستين ومائة وكانت وفاته سنة إحدى وأربعين ومائتين، هذا بالنسبة لفروع الدين.

أما بالنسبة لأصول الدين ف- « أهل السنة والجماعة » يرجعون للإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري الذي ولد سنة سبعين ومائتين وتوفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة.

فهؤلاء هم أئمة « أهل السنة والجماعة » والذين ينقطعون إليهم في أصول الدين وفروعه. فهل ترى فيهم واحداً من أئمة أهل البيت، أو من أصحاب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو تكلم رسول الله عن واحد منهم وأرشد الأمة إليه ؟ ؟ كلا لا يوجد شيء من ذلك ودونه خرط القتاد.

وإذا كان « أهل السنة والجماعة » يدعون التمسك بالسنة النبوية، فلماذا


تأخرت تلك المذاهب إلى ذلك العهد ؟ وأين كان « أهل السنة والجماعة » قبل وجود تلك المذاهب ؟ وبماذا كانوا يتعبدون، وإلى من كانوا يرجعون ؟ ثم كيف ينقطعون إلى رجال لم يعاصروا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا عرفوه، وإنما ولدوا بعدما وقعت الفتنة وبعدما تحارب الصحابة وقتل بعضهم بعضا وكفر بعضهم بعضاً، وبعد ما تصرف الخلفاء في القرآن والسنة واجتهدوا فيهما بآرائهم.

وبعدما استولى يزيد بن معاوية على الخلافة فاستباح مدينة الرسول المنورة لجيشه يفعل فيها ما يشاء، فعاث جيشه فيها فساداً وقتل خيار الصحابة الذين لم يبايعوه واستبيحت الفروج وانتهكت المحارم وحبلت النساء من سفاح. فكيف يركن العاقل إلى أولئك الأئمة الذين هم من تلك الطبقة البشرية التي تدنست بأوحال الفتنة وتغذت بألبانها المتلونة، وشبت وترعرت على أساليبها الماكرة الخداعة، وقلدتها أوسمة العلم المزيفة. فلم يبرز للوجود منهم إلا الذين رضيت عليهم الدولة ورضوا عنها(١) .

كيف يترك - من يدعي التمسك بالسنة - الإمام علي باب مدينة العلم والإمام الحسن والإمام الحسين سيدا شباب أهل الجنة والأئمة الطاهرين من عترة النبي الذين ورثوا علوم جدهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويتبع أئمة لا علم لهم بالسنة النبوية بل هم صنيعة السياسة الأموية ؟

كيف يدعي « أهل السنة والجماعة » بأنهم أتباع السنة النبوية وهم يهملون القيمين عليها ؟ بل كيف يتركون وصايا النبي وأوامره بالتمسك بالعترة الطاهرة، ثم يدعون أنهم أهل السنة ؟ !

وهل يشك مسلم عرف التاريخ الإسلامي وعرف القرآن والسنة بأن «أهل السنة والجماعة » هم أتباع الأمويين والعباسيين ؟ وهل يشك مسلم عرف القرآن والسنة وعرف التاريخ الإسلامي بأن الشيعة الذين يقلدون عترة النبي ويوالونهم هم اتباع السنة النبوية، وليس لأحد غيرهم أن يدعيها ؟

____________________

(١) سيأتي في الأبحاث القادمة بأن الحكام الأمويين والعباسيين هم الذين أوجدوا تلك المذاهب وفرضوها.


أرأيت أيها القارئ العزيز كيف تقلب السياسة الأمور وتجعل من الباطل حقاً ومن الحق باطلاً ! فإذا بالموالين للنبي وعترته تسميهم بالروافض وبأهل البدع، وإذا بأهل البدع الذين نبذوا سنة النبي وعترته واتبعوا اجتهاد الحكام الجائرين تسميهم « أهل السنة والجماعة » إنه حقاً أمر عجيب. أما أنا فأعتقد جرماً بأن قريش هي وراء هذه التسمية وهو سر من أسرارها ولغز من ألغازها.

وقد عرفنا في ما سبق بأن قريشاً هي التي نهت عبد الله بن عمرو عن كتابه السنة النبوية بدعوى أن النبي غير معصوم. فقريش هي في الحقيقة أشخاص معينون لهم نفوذ وعصبية وقوة معنوية في أوساط القبائل العربية، وقد يسميهم بعض المؤرخين ب- « دهاة العرب » لما اشتهروا به من المكر والدهاء والتفوق في إدارة الأمور، ويسميهم البعض ب- « أهل الحل والعقد ».

ومن هؤلاء أبو بكر وعمر وعثمان وأبو سفيان ومعاوية ابنه وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، ومروان بن الحكم، وطلحة بن عبد الله، وعبد الرحمان بن عوف، وأبو عبيدة عامر بن الجراح وغيرهم(١) .

وقد يجتمع هؤلاء للتشاور وتقرير أمر يتفقون عليه فيبرمون أمرهم ويفشونه في الناس ليصبح فيما بعد أمراً واقعاً وحقيقة متبعة دون أن يعرف سائر الناس سر ذلك.

ومن هذا المكر الذي مكروه قولهم بأن محمداً غير معصوم وهو كسائر البشر يجوز عليه الخطأ فينتقصونه ويجادلونه في الحق وهم يعلمون.

ومنها شتمهم لعلي بن أبي طالب ولعنهم إياه باسم أبي تراب وتصويره للناس بأنه عدو لله ولرسوله.

____________________

(١) لقد استثنينا من هؤلاء الإمام علياًعليه‌السلام لأنه يفرق بين دهاء الحكمة وحسن التدبير وبين دهاء الخداع والغش والنفاق، وقد قال غير مرة: « لولا الغش والنفاق لكننت أدهى العرب » كما جاء في القرآن قوله: ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) فمكر الله هو الحكمة وحسن التدبير، أما مكر المشركين فهو غش ونفاق وخداع وزور وبهتان.


ومنها شتمهم ولعنهم للصحابي الجليل عمار بن ياسر تحت اسم مستعار فسموه عبد الله بن سبأ أو ابن السوداء ؛ لأن عماراً كان ضد الخلفاء وكان يدعو الناس لإمامة علي بن أبي طالب(١) .

ومنها تسمية الشيعة الذين والوا علياً - بالروافض - كي يموهوا على الناس بأن هؤلاء رفضوا محمداً واتبعوا علياً. ومنها تسمية أنفسهم ب- « أهل السنة والجماعة » حتى يموهوا على المؤمنين المخلصين بأنهم يتمسكون بسنة النبي مقابل الروافض الذين يرفضونها.

وفي الحقيقة هم يقصدون ب- « السنة » البدعة المشؤومة التي ابتدعوها في سب ولعن أمير المؤمنين وأهل بيت النبي على المنابر في كل مسجد من مساجد المسلمين وفي كل البلدان والمدن والقرى، فدامت تلك البدعة ثمانين عاماً، حتى كان خطيبهم إذا نزل للصلاة قبل أن يلعن علي بن أبي طالب، صاح به من في المسجد « تركت السنة، تركت السنة ».

ولما أراد الخليفة عمر بن عبد العزيز إبدال هذه السنة بقوله تعالى:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسَانِ وَ إِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى … ) ( النحل: ٩٠ ) تآمروا عليه وقتلوه ؛ لأنه أمات سنتهم وسفه بذلك أقوال أسلافه الذين أوصلوه للخلافة فقتلوه بالسم وهو ابن ثمانية وثلاثين سنة ولم تطل خلافته غير سنتين وذهب ضحية الإصلاح لأن بني عمومته الأمويين لم يقبلوا أن يميت سنتهم ويرفع بذلك شأن أبي تراب والأئمة من ولده.

وبعد سقوط الدولة الأموية جاء العباسيون فنكلوا بدورهم بأئمة أهل البيت وشيعتهم إلى أن جاء دور الخليفة جعفر بن المعتصم الملقب « بالمتوكل » فكان من أشد الناس عداوة لعلي وأولاده ووصل به البغض والحقد إلى نبش قبر الحسين في كربلاء

____________________

(١) يراجع في ذلك كتاب « الصلة بين التصوف والتشيع » للدكتور مصطفى كامل الشبيبي المصري، والذي بين فيه بعشرة أدلة قوية بأن عبد الله بن سبأ اليهودي أو ابن السوداء ليس إلا سيدنا عمار بن ياسر (رضوان الله تعالى عليه).


ومنع الناس من زيارته(١) وكان لايعطي عطاء ولا يبذل مالا إلا لمن شتم علياً وولده. وقصة المتوكل مع ابن السكيت العالم النحوي المشهور معروفة وقد قتله شر قتلة، فاستخرج لسانه من قفاه عندما اكتشف بأنه يتشيع لعلي وأهل بيته في حين أنه كان أستاذاً لولديه. وبلغ حقد المتوكل ونصبه أن أمر بقتل كل مولود يسميه أبواه باسم علي لأنه أبغض الأسماء إليه. حتى أن علي بن الجهم الشاعر لما تقابل مع المتوكل قال له: يا أمير المؤمنين إن أهلي عقوني، قال المتوكل: لماذا ؟ قال: لأنهم سموني علياً وأنا أكره هذا الاسم وأكره من يتسمى به، فضحك المتوكل وأمر له بجائزة.

وكان يقيم في مجلسه رجلاً يتشبه بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فيضحك الناس عليه ويقولون: قد أقبل الأصلع البطين فيسخر منه أهل المجلس ويتسلى بذلك الخليفة.

ولا يفوتنا هنا أن نلاحظ بأن المتوكل هذا، والذي دل بغضه لعلي على نفاقه وفسقه يحبه أهل الحديث وقد لقبه ب- « محيي السنة ».

وبما أن أهل الحديث هم أنفسهم « أهل السنة والجماعة » فثبت بالدليل الذي لا ريب فهي أن « السنة » المقصودة عندهم هي بغض علي بن أبي طالب ولعنه والبراءة منه فهي النصب.

ومما يزيدنا وضوحاً على ذلك أن الخوارزمي يقول في كتابه: « حتى أن هارون بن الخيزران وجعفر المتوكل على الشيطان لا على الرحمان، كانا لا يعطيان مالاً ولا يبذلان نوالاً، إلا لمن شتم آل أبي طالب ونصر مذهب النواصب »(٢) .

____________________

(١) وإذا كان الخليفة يصل إلى هذه الدرجة من الخسة والانحطاط فينبش قبور الأئمة من أهل البيت وبالخصوص قبر سيد شباب أهل الجنة، فلا تسأل بعدها عما فعلوه في الشيعة الذين كانوا بتبركون بزيارة قبره. فقد وصل شيعة أهل البيت إلى أقصى المعاناة والمحن حتى يتمنى المسلم أن يتهموه بأنه يهودي ولا يتهموه بالتشيع فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

(٢) كتاب الخوارزمي ص ١٣٥.


كما ذكر ابن حجر عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: لما حدث نصر بن علي بن صهبان بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخذ بيد الحسن والحسين وقال: ( من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان في درجتي يوم القيامة )، أمر المتوكل بضربه ألف سوط، فأشرف على الهلاك، فكلمه فيه جعفر بن عبد الواحد وجعل يقول له: يا أمير المؤمنين، هذا من أهل السنة، فلم يزل به حتى تركه(١) .

والعاقل يفهم من قول جعفر بن عبد الواحد للمتوكل بأن نصراً هو من أهل السنة لينفذه من القتل دليل آخر بأن « أهل السنة » هم أعداء أهل البيت الذين يبغضهم المتوكل ويقتل كل من يذكر هلم فضيلة واحدة وإن لم يكن يتشيع لهم. وهذا ابن حجر يذكر أيضاً في كتابه بأن عبد الله بن إدريس الأزدي كان صاحب « سنة وجماعة » وكان صلباً في السنة مرضياً وكان عثمانياً(٢) .

كما قال في عبد الله بن عون البصري: إنه موثق وله عبادة وصلابة في السنة وشدة على أهل البدع، قال ابن سعد: كان عثمانياً(٣) .

وذكر أيضاً أن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني كان حريزي المذهب، ( أي على مذهب حريز بن عثمان الدمشقي ) المعروف بالنصب وقال ابن حيان: إنه كان صلباً في السنة(٤) .

وبهذا عرفنا بأن النصب والبغض لعلي وأولاده وشتم آل أبي طالب ولعن أهل البيت يعد عندهم من الصلابة في « السنة »، وعرفنا بأن العثمانيين هم أهل النصب والعداء لأهل البيت، وهم أهل الشدة على من يتولى علياً وذريته.

____________________

(١) تهذيب التهذيب لابن حجر ترجمة نصر بن علي بن صهبان.

(٢) ابن حجر في تهذيب التهذيب ج ٥ ص ١٤٥ والمعروف أن العثمانيين كانوا يلعنون علياً ويتهمونه بقتل عثمان بن عفان.

(٣) إبن حجر في تهذيب التهذيب ج ٥ ص ٣٤٨.

(٤) إبن حجر في تهذيب التهذيب ج ١ ص ٨٢.


ويقصدون بأهل البدع « الشيعة الذين قالوا بإمامة علي » ؛ لأنها عندهم بدعة، إذ خالفت ما عليه الصحابة والخلفاء الراشدين و « السلف الصالح » من إبعاده وعدم الاعتراف بإمامته ووصايته.

والشواهد التاريخية على إقامة هذا الدليل كثيرة جداً ولكن ما ذكرناه فيه الكفاية لمن أراد البحث والتحقيق وقد رمنا الاختصار كالعادة، وعلى الباحثين أن يدركوا أضعاف ذلك إن شاؤوا.

( وَ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‌ ) (العنكبوت: ٦٩ ).


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي عين أئمة الشيعة

لا يشك باحث درس السيرة النبوية وعرف التاريخ الإسلامي بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي عين الأئمة الاثني عشر ونص عليهم ليكونوا خلفاءه من بعده وأوصياءه على أمته.

وقد جاء ذكر عددهم في صحاح أهل السنة وأنهم اثنا عشر وكلهم من قريش وقد أخرج ذلك البخاري ومسلم وغيرهما. كما جاء في بعض المصادر السنية ذكرهم بأسمائهم موضحاًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن أولهم علي بن أبي طالب وبعده ابنه الحسن، ثم أخوه الحسين ثم تسعة من ذرية الحسين آخرهم المهدي.

أخرج صاحب ينابيع المودة في كتابه قال: قدم يهودي يقال له: «الأعتل » فقال: يا محمد، أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين فإن أجبتني عنها أسلمت على يديك. قال: ( سل يا أبا عمارة )، فسأله عن أشياء إلى أن قال: ( صدقت )، ثم قال: فأخبرني عن وصيك من هو ؟ فما من نبي إلا وله وصي وإن نبينا موسى بن عمران أوصى يوشع بن نون.

فقال: ( إن وصيي علي بن أبي طالب وبعده سبطاي الحسن والحسين تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين ).

قال: يا محمد، فسمهم لي. قال: ( إذا مضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمد، فإذا مضى


محمد فابنه جعفر، فإذا مضى جعفر فابنه موسى، فإذا مضى موسى فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمد، فإذا مضى محمد فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه الحسن، فإذا مضى الحسن فابنه الحجة محمد المهدي فهؤلاء اثنا عشر )، قال: فأسلم اليهودي وحمد الله على الهداية(١) . ولو أردنا تصفح كتب الشيعة وما فيها من الحقائق يخصوص هذا الموضوع لوجدنا أضعاف ذلك.

ولكن يكفينا دليلاً أن علماء « السنة والجماعة » يعترفون بعدد الأئمة الاثني عشرة، ولا وجود لهؤلاء الأئمة غير علي وبنيه الطاهرين. ومما يزيدنا يقيناً أن الأئمة الاثني عشر من أهل البيت لم يتتلمذوا على أي واحد من علماء الأمة، فلم يرو لنا أصحاب التواريخ ولا المحدثون وأصحاب السير بأن أحد الأئمة من أهل البيت تلقى علمه من بعض الصحابة أو التابعين، كما هو الحال بالنسبة لكل علماء الأمة وأئمتهم. فأبو حنيفة تتلمذ على جعفر الصادق ومالك تتلمذ على أبي حنيفة، والشافعي تلقى عن مالك وأخذ عنه وهكذا أحمد.

أما أئمة أهل البيت فعلمهم موهوب من الله سبحانه وتعالى يتوارثونه أبا عن جد، فهم الذين خصهم الله بقوله:

( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْکِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) ( فاطر: ٣٢ ).

وقد عبر الإمام جعفر الصادق عن هذه الحقيقة مرة بقوله: ( عجباً للناس يقولون بأنهم أخذوا علمهم كله عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعملوا به واهتدوا ! ويروون أنا أهل البيت لم نأخذ علمه ولم نهتد به ونحن أهله وذريته، في منازلنا أنزل الوحي، ومن عندنا خرج العلم إلى الناس، أفتراهم علموا واهتدوا وجهلنا وضللنا ؟ ! )

نعم، كيف لا يتعجب الإمام الصادق من أولئك الذين يدعون أنهم أخذوا العلم من رسول الله، وهم يعادون أهل بيته وباب علمه الذي منه يؤتى ،

____________________

(١) القندوزي الحنفي في ينابيع المودة ص ٤٤٠ وفرائد السبطين للحمويني بسنده عن مجاهد عن ابن عباس.


وكيف لا يتعجب من انتحالهم اسم « أهل السنة » وهم يخالفون هذه السنة ؟ ؟ ! وإذا كان الشيعة كما يشهد التاريخ قد اختصوا بعلي فناصروه ووقفوا ضد عده، وحاربوا حربه وسالموا سلمه وأخذوا كل علومهم منه.

فأهل السنة والجماعة لم يتشيعوا له ولم ينصروه، بل حاربوه وأرادوا القضاء عليه، وقد تتبعوا أولاده من بعده قتلا وسجناً وتشريداً، وخالفوه في أكر الأحكام باتباعهم أدعياء العلم الذين اختلفوا ببآرائهم واجتهاداتهم في أحكام الله فبدلوها حسب أهوائهم وما اقتضته مصالحهم.

وكيف لا نعجب نحن اليوم من الذين يدعون ابتاع السنة النبوية ويشهدون على أنفسهم أنهم تركوا سنة النبي ؛ لأنها أصبحت شعاراً للشيعة(١) أليس ذلك عجيباً ؟ !

كيف لا نعجب من الذين يزعمون بأنهم « أهل السنة والجماعة » وهم جماعات متعددة مالكية وحنفية وشافعية وحنبلية يخالون بعضهم في الأحكام الفقهية ويدعون بأن ذلك الاختلاف هو رحمة لهم، فيصبح بذلك دين الله أهواء وآراء وما تشتهيه أنفسهم.

نعم إنهم جماعات متعددة تفرقوا في أحكام الله ورسوله، ولكنهم اجتمعوا واتفقوا على تصحيح خلافة السقيفة الجائرة وترك وإبعاد العترة الطاهرة.

كيف لا نعجب من هولاء الذين يتبجحون بأنهم « أهل السنة » وقد تركوا أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتمسك بالثقلين كتاب الله العترة رغم إخراجهم هذا الحديث وتصحيحه ؟ فإنهم لم يتمسكوا لا بالقرآن ولا بالعترة ؛ لأنهم يتركهم للعترة الطاهرة فقد تركوا القرآن ؛ لأن الحديث الشريف مفاده أن القرآن والعترة لا يفترقان أبداً كما أخبر بذلك رسول الله بقوله: ( وقد أنبأني اللطيف الخبير بأنهما

____________________

(١) يراجع في ذلك كتاب « مع الصادقين » صفحة ١٥٩ - ١٦٠ ليعرف بأن ابن تيمية يقول بترك السنة النبوية إذا أصبحت شعاراً للشيعة ومع ذلك يسمونه مجدد السنة.

منهاج السنة لابن تيمية ج ٢ ص ١٤٣، وشرح المواهب للزرقاني ج ٥ ص ١٣، وكتاب الهداية.


( القرآن والعترة ) لن يفترقا حتى يرد ا علي الحوض )(١) .

وكيف لا تعجب من قوم يدعون أنهم « أهل السنة » وهم يخالفون ما ثبت في صحاحهم من فعل النبي وأوامره ونواهيه(٢) ؟

أما إذا اعتقدنا وصححنا حديث: « تركت فيكم كتاب الله وسنتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً » كما يحلو لبعض « أهل السنة » أن يثبتوه اليوم، فإن العجب سيكون أكبر والفضيحة أظهر. إذ ان كبراءهم وأئمتهم هم الذين أحرقوا السنة التي تركها رسول الله فيهم، ومنعوا من نقلها وتدوينها كما عرفنا ذلك في ما تقدم من أبحاث سابقة. وقد قال عمر بن الخطاب بصريح اللفظ: « حسبنا كتاب الله يكفينا ». وهو رد صريح على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والزاد على رسول الله راد على الله كما لا يخفى.

وقول عمر بن الخطاب هذا أخرجه كل صحاح « أهل السنة » بما فيهم البخاري ومسلم، فإذا كان النبي قد قال: ( تركت فيكم كتاب الله وسنتي )، فعمر قال له: حسبنا كتاب الله ولا حاجة لنا بسنتك وإذا كان عمر قد قال بمحضر النبي حسبنا كتاب الله، فإن أبا بكر أكد على تنفيذ رأي صاحبه فقال عندا أصبح خليفة: « لا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه »(٣) . كيف لا تعجب من قوم تركوا سنة نبيهم ونبذوها وراء ظهورهم، وأحلوا محلها بدعاً ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان، ثم يسمون أنفسهم وأتباعهم « أهل السنة والجماعة » ؟

____________________

(١) أخرجه الإمام أحمد ج ٥ ص ١٨٩ من مسنده والمستدرك للحاكم ج ٣ ص ١٤٨. وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه الذهبي في تلخيصه معترفاً بصحته على شرط الشيخين.

(٢) أخرج البخاري في صحيحه بأن النبي نهى عن صلاة التراويح في رمضان جماعة وقال: «صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته ما عدا الصلاة المكتوبة ». ولكن أهل السنة تركوا نهي الرسول واتبعوا بدعة عمر بن الخطاب.

(٣) تذكرة الحفاظ للذهبي ج ١ ص ٣.


ولكن العجب يزول عندما نعرف بأن أبابكر وعمر وعثمان ما كانوا يعرفون هذه التسمية أبداً، فهذا أبوبكر يقول: « لئن أخذتموني بسنة نبيكم لا أطيقها »(١) . كيف لا يطيق أبو بكر سنة النبي ؟ فهل كانت سنتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمراً مستحيلاً حتى لا يطيقها أبوبكر ؟

وكيف يدعي « أهل السنة » أنهم متمسكون بها إذا كان إمامهم الأول ومؤسس مذاهبهم لا يطيقها ؟ ؟ !

ألم يقل الله سبحانه في حقها:( لَکُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (الأحزاب: ٢١ ) ؟ وقال في حقها أيضاً:( لاَ يُکَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا ) ( الطلاق: ٧ ) وقال أيضاً:( وَ مَا جَعَلَ عَلَيْکُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (الحج: ٧٨ ).

فهل يرى أبوبكر وصاحبه عمر أن رسول الله ابتدع ديناً غير الذي أنزل الله، فأمر المسلمين بما لا يطاق وكلفهم عسراً ؟ حاشاه فقد كان كثيراً ما يقول: بشروا ولا تنفروا، يسروا ولا تعسروا، إن الله أتاكم رخصة فلا تشددوا على أنفسكم. ولكن اعتراف أبي بكر بأنه لا يطيق سنة النبي يؤكد ما ذهبنا إليه من أنه أحدث بدعة يطيقها حسب هواه وتتماشى وسياسة الدولة التي ترأسها.

ولعل عمر بن الخطاب كان يرى هو الآخر بأن أحكام القرآن والسنة لا تطاق فعمد إلى ترك الصلاة إذا أجنب ولم يجد الماء وأفتى بذلك أيام خلافته وقد عرف ذلك الخاص والعام وأخرج ذلك عنه كل المحدثين.

وبما أن عمر كان مولعاً بكثرة الجماع وهو الذي نزل فيه قوله تعالى:( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم ) ( البقرة: ١٦٧ ) ؛ لأنه لم يصبر على الجماع وقت الصيام وبما أن الماء كان قليلاً رأى عمر أنه من الأسهل أن يترك الصلاة ويرتاح إلى أن يتوفر لديه الماء الكافي للغسل عند ذلك يعود إلى الصلاة. أما عثمان فقد خالف السنة النبوية كما هو معروف حتى أخرجت عائشة قميص النبي وقالت: لقد أبلى عثمان سنة النبي قبل أن يبلي قميصه، وحتى

____________________

(١) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج ١ ص ٤ وكنز العمال ج ٣ ص ١٢٦.


عابه الصحابة بأنه خالف سنة النبي وسنة الشيخين وقتلوه من أجل ذلك.

أما معاوية فحدث ولا حرج فإنه عاند القرآن والسنة وتحداهما، فبينما يقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( علي مني وأنا من علي من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله )(١) ، نجد معاوية قد أمعن في سبه ولعنه ولم يكتف بذلك حتى أمر كل ولاته وعماله أن يسبوه ويلعنوه ومن امتنع منهم عزله وقتله. وإذا عرفنا بأن معاوية هو الذي سمى نفسه وأتباعه - ب- « أهل السنة والجماعة » في مقابل تسمية الشيعة بأتباع الحق.

وينقل بعض المؤرخين بأن العام الذي استولى فيه معاوية على الخلافة الإسلامية بعد صلح الحسن بن علي، قد سمي ذلك العام بعام الجماعة.

ويزول العجب عندما نفهم بأن كلمة « السنة » لا يقصد بها معاوية وجماعته إلا لعن علي بن أبي طالب من فوق المنابر الإسلامية في أيام الجمعة والأعياد. وإذا كانت « السنة والجماعة » من ابتكار معاوية بن أبي سفيان فنسأله سبحانه أن يميتنا على بدعة الرفض التي أسسها علي بن أبي طالب وأهل البيتعليهم‌السلام !!.

ولا تستغرب أيها القارئ العزيز أن يصبح أهل البدعة والضلالة هم «أهل السنة والجماعة » ويصبح الأئمة الطاهرون من أهل البيت هم أهل البدعة. فها هو العلامة ابن خلدون من مشاهير علماء « أهل السنة والجماعة » يقولها بكل وقاحة بعد أن عدد مذاهب الجمهور قال: « وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح»(٢) .

ألم أقل لك أيها القارئ من البداية: « لو عكست لأصبت » فإذا كان الفساق من بني أمية هم « أهل السنة » وأهل البيت هم أهل البدعة كما يقول ابن خلدون فعلى الإسلام السلام وعلى الدنيا العفا.

____________________

(١) مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٢١ مسند أحمد ج ٦ ص ١٢٣ خصائص النسائي ص ١٧.

(٢) مقدمة ابن خلدون ص ٤٩٤ في فصل علم الفقه وما يتبعه من الفرائض.


حكام الجور هم الذين نصبوا أئمة « أهل السنة »

ومما يدلنا على أن أئمة المذاهب الأربعة من « أهل السنة » هم أيضاً خالفوا كتاب الله وسنة النبي الذي أمرهم بالاقتداء بالعترة الطاهرة، فلم نجد واحداً منهم لوى عنقه وركب سفينتهم وعرف إمام زمانه. فهذا أبو حنيفة الذي تتلمذ على الإمام الصادق والذي اشتهر عنه قوله: « لولا السنتان لهلك النعمان » نجده قد ابتدع مذهباً يقوم على القياس والعمل بالرأي مقابل النصوص الصريحة.

وهذا مالك الذي تلقى هو الآخر عن الإمام الصادق، ويروى عنه قوله: ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفقه وأعلم من جعفر الصادق، نجده قد ابتدع مذهباً في الإسلام وترك إمام زمانه الذي يشهد بنفسه أنه أعلم وأفقه الشر في عصره. فقد نفخ في روعه الحكام العباسيون وسموه « إمام دار الهجرة » فأصبح مالك بعدها صاحب الجاه والسلطان والحول والطول.

وهذا الشافعي الذي يتهم بأنه كان يتشيع لأهل البيت فقد قال في حقهم تلك الأبيات المشهورة:

يا أهل بيت رسول اله حبكم

فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم الشأن أنكم

من لم يصل عليكم لا صلاة له


ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم

مذاهبهم في أبحر الغي والجهل

ركبت على اسم الله في سفن النجا

وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل

وأمسكت حبل الله وهو ولاؤكم

كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل

ويشتهر عنه قوله:

إن كان رفضاً حب آل محمد

فليشهد الثقلان أني رافضي

وإذا يشهد الثقلان أن رافضي فلماذا لم يرفض المذهب التي قامت ضد أهل البيت بل ابتدع هو الآخر مذهباً يحمل اسمه، وترك أئمة أهل البيت الذين عاصرهم ؟ وهذا أحمد بن حنبل الذي ربع الخلافة بعلي وألحقه بالراشدين بعدما كان منكوراً، وألف فيه كتاب الفضائل، واشتهر عنه قوله: « ما لأحد من الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح مثلما لعليرضي‌الله‌عنه ». إلا أنه ابتدع له مذهباً في الإسلام اسمه المذهب الحنبلي، رغم شهادة العلماء من معاصريه بأنه ليس فقيهاً، قال الشيخ أبو زهرة: « إن كثيراً من الأقدمين لم يعدوا أحمد بن حنبل من الفقهاء، كابن قتيبة وهو قريب من عصره جداً وكذلك ابن جرير الطبري وغيرهما »(١) .

وجاء ابن تيمية فرفع لواء المذهب الحنبلي وأدخل عليه بعض النظريات الجديدة التي تحرم زيارة القبور والبناء عليها، والتوسل بالنبي وأهل البيت فكل ذلك عنده شركاً. فهذه هي المذاهب الأربعة وهؤلاء هم أئمتها وما ينسب إليهم من أقوال في حق العترة الطاهرة من آل البيت.

فإما أنهم يقولون ما لا يفعلون وهو مقت كبير عند الله، أو أنهم لم يبتدعوا تلك المذاهب، ولكن أتباعهم من أذناب الأمويين والعباسيين هم الذين

____________________

(١) كتاب احمد بن حنبل لأبي زهرة ص ١٧٠.


أسسوا تلك المذاهب بإعانة الحكام الجائرين ثم نسبوها إليهم بعد وفاتهم، وهذا ما سنعرفه إن شاء الله في الأبحاث القادمة، أفلا تعجبون من هؤلاء الأئمة الذين عاصروا أئمة الهدى من أهل البيت، ثم تنكبوا صراطهم المستقيم ولم يهتدوا بهديهم، ولا اقتبسوا من نورهم، ولا قدموا حديثهم عن جهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بل قدموا عليهم كعب الأحبار اليهودي، وأبا هريرة الدوسي الذي قال في شأنه أمير المؤمنين علي ( ع ): ( إن أكذب الناس على رسول الله لأبو هريرة الدوسي ) كما قالت فيه عائشة بنت أبي بكر نفس الكلام. ويقدمون عليهم عبد الله بن عمر الناصبي الذي اشتهر ببغضه للإمام علي وامتنع عن مبايعته وبايع إمام الضلالة الحجاج بن يوسف. ويقدمون عليهم عمرو بن العاص وزير معاوية على الغش والنفاق.

أفلا تعجبون كيف أباح هؤلاء الأئمة لأنفسهم حق التشريع في دين الله بآرائهم واجتهاداتهم حتى قضوا على السنة النبوية بما أحدثوه من قياس واستصحاب وسد باب الذرائع والمصالح المرسلة وغير ذلك من بدعهم التي ما أنزل اله بها من سلطان ؟

وهل غفل الله ورسوله عن إكمال الدين، وأباح لهم أن يكملوه باجتهاداتهم فيحللوا ويحرموا كما يحلو لهم ؟ !

أفلا تعجبون من المسلمين الذين يدعون التمسك ب- « السنة » كيف يقلدون رجلاً لم يعرفوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يعرفهم ؟ !

فهل عندهم دليل من كتاب الله، أو من سنة رسوله على اتباع وتقليد أولئك الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب ؟ !

فأنا أتحدى الثقلين من الإنس والجن أن يأتوا بدليل واحد على ذلك من كتاب الله أو من سنة رسوله. فلا والله، لا ولن يأتوا به ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.


لا والله، ليس هناك دليل في كتاب الله وسنة رسوله إلا على أتباع وتقليد الأئمة الطاهرين من عترة النبي ( صلى الله عليه وعليهم ). أما هذا فهناك أدلة كثيرة وحجج دامغة وحقائق ساطعة.

( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ) ( الحشر: ٢ ).

( فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَ لٰکِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) (الحج: ٤٦ ).


السر في انتشار المذاهب السنية

إن المتتبع في كتب التاريخ وما دونه الأسلاف يجد بما لا شك فيه بأن شيوع المذاهب «السنية» الأربعة في تلك العصور كان بإرادة السلطة الحاكمة وإدارتها، ولذلك كثر أتباعها فالناس على دين ملوكهم. كما يجد الباحث بأن هناك عشرات المذاهب التي انقرضت وذابت ؛ لأن الحاكم لم يكن راض عليها، كمذهب الأوزاعي ومذهب حسن البصري، وأبو عيينة وابن أبي ذؤيب، وسفيان الثوري، وابن أبي داود، وليث بن سعد وغيرهم كثير.

وعلى سبيل المثال، فإن ليث بن سعد كان صديق مالك بن أنس وكان أعلم منه وأفقه كما اعترف بذلك الشافعي(١) . ولكن مذهبه انقرض وفقهه ذاب واندرس ؛ لأن السلطة لم تكن عنه راضية. وقال أحمد بن حنبل: كان ابن أبي ذؤيب أفضل من مالك بن أنس إلا أنآ مالكاً أشد تنقية للرجال(٢) . وإذا راجعنا التاريخ، فإننا نجد مالكاً صاحب المذهب قد تقرب إلى السلطة والحكام وسالمهم ومشى في ركابهم، فأصبح بذلك الرجل المهاب والعالم المشهور، وانتشر مذهبه بوسائل الترهيب والترغيب خصوصاً في الأندلس حيث

____________________

(١) مناقب الشافعي ص ٥٢٤.

(٢) تذكرة الحفاظ ج ١ ص ١٧٦.


عمل تلميذه يحيى بن يحيى على موالاة حاكم الأندلس، فأصبح من المقربين وأعطاه الحاكم مسؤولية تعيين القضاة فكان لا يولي على القضاء إلا أصحابه من المالكية فقط.

كذلك نجد أن سبب انتشار مذهب أبي حنيفة بعد موته هو أن أبا يوسف والشيباني وهما من أتباع أبي حنيفة ومن أخلص تلاميذه، كانا في نفس الوقت من أقرب المقربين لهارون « الرشيد » الخليفة العباسي، وقد كان لهما الدور الكبير في تثبيت ملكه وتأييده ومناصرته، فلم يسمح هارون « الجواري والمجون » لأحد أن يتولى القضاء والفتيا إلا بعد موافقتهما.

فلم ينصبا قاضياً إلا إذا كان على مذهب أبي حنيفة، فصار أبو حنيفة أعظم العلماء ومذهبه أعظم المذاهب الفقهية المتبعة، رغم أن علماء عصره كفروه وأعتبروه زنديقاً، ومن هؤلاء الإمام أ؛مد بن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري. كما أن المذهب الشافعي انتشر وقوي بعدما كاد يندرس، وذلك عندما أيدته السلطة الغاشمة، وبعدما كانت مصر كلها شيعة فاطمية، انقلبت إلى شافعية في عهد صلاح الدين الأيوبي الذي قتل الشيعة وذبحهم ذبح النعاج.

كما أن المذهب الحنبلي ما كان ليعرف لولا تأييد السلطات العباسية في عصر المعتصم عندما تراجع ابن حنبل عن قوله بخلق القرآن ولمع نجمه في عهد المتوكل « الناصبي ». وقوي وانتشر عندما أبدت السلطات الاستعمارية الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الماضي وتعامل هذا الأخير مع آل سعود فأيدوه فوراً وناصروه وعملوا على نشر مذهبه في الحجاز والحزيرة العربية.

وأصبح المذهب الحنبلي يعود إلى ثلاثة أئمة أولهم أحمد بن حنبل الذي لم يكن يدعي بأنه فقيهاً، وإنما كان من أهل الحديث، ثم ابن تيمية الذي لقبوه بشيخ الإسلام ومجدد « السنة » والذي كفره علماء عصره لأنه حكم على كل المسلمين بالشرك لأنهم يتبركون ويتوسلون بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم جاء في القرن الماضي محمد بن عبد الوهاب صنيعة الاستعمار البريطاني في الشرق الأوسط ،


فعمل هو الآخر على تجديد المذهب الحنبلي بما أخذه من فتاوى ابن تيمية، وأصبح أحمد بن حنبل في خبر كان إذ أن المذهب عندهم اليوم يسمى المذهب الوهابي. ومما لا شك فيه أن أنتشار تلك المذاهب وشهرتها وعلو شأنها كان بتأييد ومباركة الحكام. ومما لا شك فيه أيضاً بأن أولئك الحكام كلهم بدون استثناء كانوا يعادون الائمة من أهل البيت لشعورهم الدائم بأن هؤلاء يهددون كيانهم وزوال ملكهم، فكانوا يعملون دائماً على عزلهم عن الأمة وتصغير شأنهم وقتل من يتشيع لهم. فبديهي أن ينصب أولئك الحكام بعض العلماء المتزلفين إليهم والذين يفتونهم بما يتلائم مع حكمهم ووجودهم، وذلك لحاجة الناس المستمرة لوجود الحلول في المسائل الشرعية.

ولما كان الحكام في كل العصور لا يعرفون من الشريعة شيئاً ولا يفهمون الفقه، فكان لابد أن ينصبوا عالماً باسمهم يفتي، ويموهون على الناس بأن السياسة شيء والدين شيء آخر. فكان الخليفة الحاكم هو رجل السياسة والفقيه رجل الدين كما يفعل ذلك اليوم رئيس الجمهورية في كل البلاد الإسلامية، فتراه يعين أحد العلماء المقربين يسميه مفتي الجمهورية أو أي عنوان آخر يعبر عن ذلك، ويكلفه بالنظر في مسائل الفتيا والعبادات والشعائر الدينية. ولكنه في الحقيقة ليس لهذا الرجل أن يفتي أو يحكم إلا بما تمليه عليه السلطة وما يرضي الحاكم، أو على الأقل ما لا يتعارض وسياسة الحكومة وتنفيذ مشاريعها. وهذا الظاهرة برزت في الحقيقة من عهد الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان، فهم وإن لم يفرقوا بين الدين والدولة إلا أنهم أعطوا أنفسهم حق التشريع بما يتماشى ومصالح الخلافة وضمان هيبتها واستمرارها.


ولما كان لهؤلاء الخلفاء الثلاثة حضور مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصحة فقد أخذوا عنه بعض السنن التي لا تتعارض مع سياستهم.

فإن معاوية لم يدخل الإسلام إلا في السنة التاسعة للهجرة على أشهر الروايات الصحيحة، فلم يصحب النبي إلا قليلاً ولم يعرف من سنته شيئاً يذكر، فاضطر إلى تعيين أبي هريرة وعمرو بن العاص وبعض الصحابة الذين كلفهم بالإفتاء على ما يريده.

واتبع بنو أمية العباس بعده هذه « السنة الحميدة » أو هذه البدعة الحسنة، فكل حاكم جلس إلى جانبه قاضي القضاة المكلف بدوره بتعيين القضاة الذين يراهم صالحين للدولة ويعملون على دعمها وتأييدها. وما عليك بعد ذلك إلا أن تعرف ماهية أولئك القضاة الذين يغضبون ربهم في إرضاء سيدهم وولي نعمتهم الذي نصبهم. وتفهم بعد ذلك السر في أبعاد الأئمة المعصومين من العترة الطاهرة فلا تجد منهم أحداً وعلى مر العصور عينوه من قبلهم أو نصبوه قاضياً أو قلدوه وسام الإفتاء.

وإذا أردنا مزيد التجقيق حول كيفية انتشار المذاهب « السنية » الأربعة بواسطة الحكام، فلما أن يأخذ لذلك مثالاً واحداً من خلال كشف الستار عن مذهب الإمام مالك الذي يعد من أكبر المذاهب وأعظمها قدراً وأوسعها فقهاً، فقد اشتهر مالك بالخصوص بالموطأ الذي كتبه بنفسه ويقال عند أهل السنة بأنه أصح الكتب بعد كتاب الله، وهناك بعض العلماء الذين يقدمونه ويفضلونه على صحيح البخاري. كما أن شهرة مالك فاقت كل الحدود، حتى قيل: « أيفتى ومالك في المدينة » ؟ ولقبوه بإمام دار الهجرة. ولا يفوتا أن نذكر بأن مالكاً أفتى بحرمة بيعة الإكراه فضربه جعفر بن سليمان والي المدينة سبعين سوطاً. وهذا ما يحتج به المالكية دائماً على معاداة مالك للسلطة وهو غير صحيح


إذ ان الذين رووا هذه القصة، هم أنفسهم الذين رووا ما بعدها، فإليك البيان والتفصيل. قال ابن قتيبة: « وذكروا أنه لما بلغ أبا جعفر المنصور ضرب مالك بن أنس وما أنزل به جعفر بن سليمان، أعظم ذلك إعظاماً شديداً وأنكره ولم يرضه، وكتب بعزل جعفر بن سليمان عن المدينة وأمر أن يؤتى به إلى بغداد على قتب. ثم كتب إلى مالك بن أنيس ليستقدمه إلى نفسه ببغداد، فأبى مالك، وكتب إلى أبي جعفر يستعفيه من ذلك ويعتذر له بعض العذر إليه، فكتب أبو جعفر إليه أن وافني بالموسم العام القابل إن شاء الله فإنى خارج إلى الموسم »(١) .

فإذا كان أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي يعزل ابن عمه جعفر بن سليمان بن العباس عن ولاية المدينة من أجل ضرب مالك فهذا يبعث على الشك والتأمل. إذ أن ضرب جعفر بن سليمان لمالك لم يكن إلا لتأييد خلافة ابن عمه وتدعيم ملكه وسلطانه، فكان الواجب على أبي جعفر المنصور إكرام الوالي وترقيته، لا عزله وإهانته بتلك الطريقة، فقد عزله وأمر بإقدامه على شر حال مكبلاً بالأغلال على قتب، ثم يبعث الخليفة بنفسه اعتذاره إلى مالك لكي يسترضيه ! إنه أمر عجيب ! ويفهم من ذلك بأن والي المدينة جعفر بن سليمان تصرف الحمقى الذين لا يعرفون من السياسة ودهائها شيئاً، ولم يفهم بأن مالكاً هو عمدة الخليفة وركيزته في الحرمين الشريفين، وإلا ما كان ليعزل ابن عمه من الولاية ؛ لأنه ضرب مالكاً الذي استحق ذلك من أجل فتواه بحرمة بيعة الإكراه. وهذا ما يقع اليوم أيضاً بين ظهرانينا وأمام أعيننا عندما يحاول بعض الولاة إهانة شخص ما وسجنه لتدعيم هيبة الدولة وسلامة أمنها، فإذا بذلك الشخص يكشف عن هويته وإذا به من أقارب السيد الوزير أو من معارف

____________________

(١) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج ٢ ص ١٤٩.


زوجة الرئيس فإذا بالوالي قد أعفي من منصبه ودعي لمهام أخرى قد لا يعرفها حتى الوالي نفسه. وهذا يذكرني بحادثة وقعت زمن الاحتلال الفرنسي للبلاد التونسية، فكان شيخ الطريقة العيساوية وجماعته يضربون البنادير ويرفعون أصواتهم بالمدائح في الليل مروراً ببعض الشوارع وحتى يصلوا إلى محل الحضرة كما هي عادتهم.

وبمرورهم أمام مسكن ضابط الشرطة الفرنسي، خرج إليهم هذا الأخير مغضباً فكسر بناديرهم وفرق جمعهم ؛ لأنهم لم يعملوا بقانون احترام الجار والتزام الهدوء بعد العاشرة ليلاً. ولما علم المراقب المدني بالحادثة وهو بمثابة الوالي عندنا، غضب غضباً شديداً على ضابط الشرطة فعزله من منصبه وأعطاه ثلاثة أيام لمغادرة مدينة قفصة، ثم استدعى شيخ الطريقة العيساوية واعتذر إليه باسم الحكومة الفرنسية، واسترضاه بأموال كثيرة كي يشتري بها بنادير وأثاثاً جديداً ويعوض كل ما كسر لهم. وعندما سأله أحد المقربين إليه لماذا فعل كل ذلك ؟ أجابه بأن الأفضل لنا أن يتلهى هؤلاء الوحوش بضرب البنادير وينشغلوا بالشطحات وأكل العقارب وإلا سوف يتفرغوا لنا ويأكلونا نحن ؛ لأنا غاصبين حقوقهم. ونعود إلى الإمام مالك لنستمع إليه يروي بنفسه كيف كان لقاؤه بالخليفة أبي جعفر المنصور.


لقاء مالك مع أبي جعفر المنصور

هذه الرواية التي يرويها ابن قتيبة المؤرخ الكبير في كتابه تاريخ الخلفاء منقولة عن مالك نفسه، فبلابد من هذه الملاحظة وأخذها بعين الاعتبار.

قال مالك: لما صرت بمنى أتيت السرادقات، فأذنت بنفسي، فأذن لي، ثم خرج إلي الآذن من عنده فأدخلني، فقلت للأذن: إذا انتهيت بي إلى القبة التي يكون فيها أمير المؤمنين فأعلمني، فمر بي من سرادق إلى سرادق، ومن قبة إلى أخرى، في كلها أصناف من الرجال بأيديهم السيوف المشهورة والأجزرة المرفوعة، حتى قال لي الآذن: هو في تلك القبة، ثم تركني الأذن وتأخر عني.

فمشيت حتى انتهيت إلى القبة التي هو فيها، فإذا هو قد نزل عن مجلسه الذي يكون فيه إلى البساط الذي دونه، وإذا هو قد لبس ثياباً قصدة لا تشبه ثياب مثله تواضعاً لدخولي عليه، وليس معه في القبة إلا قائم على رأسه بسيف صليت. فلما دنوت منه، رحب بي وقرب، ثم قال: ها هنا إلي فأوميت للجلوس فقال: ها هنا، فلم يزل يدنيني حتى أجلسني إليه ولصقت ركبتي بركبتيه. ثم كان أول ما تكلم به أن قال: والله الذي لا إله إلا هو يا أبا عبد الله، ما أمرت بالذي كان ولا علمته قبل أن يكون، ولا رضيته إذ بلغني ( يعني الضرب ). قال مالك: فحمدت الله تعالى على كل حال وصليت على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،


ثم نزهته عن الأمر بذلك والرضا به، ثم قال: يا أبا عبد الله، لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، وإني أخالك أمانا لهم من عذاب الله وسطوته ولقد دفع الله بك عنهم وقعة عظيمة، فإنهم ما علمت أسرع الناس إلى الفتن وأضعفهم عنها، قاتلهم الله أنى يؤفكون.

وقد أمرت أن يؤتى بعدو الله(١) من المدينة على قتب، وأمرت بضيق مجلسه والمبالغة في امتهانه، ولابد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه. فقلت له: عافى الله أمير المؤمنين، وأكرم مثواه، قد عفوت عنه لقرابته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم منك. قال أبو جعفر: وأنت فعفى الله عنك ووصلك. قال مالك: ثم فاتحني فيمن مضى من السلف والعلماء، فوجدته أعلم الناس بالناس، ثم فاتحني في العلم والفقه، فوجدته أعلم الناس بما اجتمعوا عليه، وأعرفهم بما اختلفوا فيه، حافظاً لما روي واعياً لما سمع. ثم قال لي: يا أبا عبد الله، ضع هذا العلم ودونه، ودون منه كتبا، وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس، وشواذ عبد الله بن مسعود، واقصد إلى أواسط الأمور، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة ( رضي الله عنهم )، لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك ونبثها في الأمصار، ونعهد إليهم أن لا يخالفوها ولا يقضوا سواها.

فقلت له: أصلح الله الأمير، إن أهل العراق لا يرضون علمنا ولا يرون في عملهم رأينا. فقال أبو جعفر: يحملون عليه ونضرب عليه هاماتهم بالسيف ونقطع طي ظهورهم بالسياط، فتعجل بذلك وضعها فسيأتيك محمد المهدي ابني العام القابل إن شاء الله إلى المدينة ليسمعها منك، فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء الله.

____________________

(١) يقصد ابن عمه جعفر بن سليمان بن العباس واليه على المدينة.


قال مالك: فبينما نحن قعود إذ طلع بني له صغير من قبة بظهر القبة التي كنا فيها، فلما نظر إلي الصبي فزع ثم تقهقر فلم يتقدم، فقال له أبو جعفر: تقدم يا حبيبي إنما هو أبو عبد الله فقيه أهل الحجاز، ثم التفت إلي فقال: يا أبا عبد الله، أتدري لم فزع الصبي ولم يتقدم ؟ فقلت: لا !

فقال: والله استنكر قرب مجلسك مني إذ لم ير به أحداً غيرك قط، فلذلك تقهقر.

قال مالك: ثم أمر لي بألف دينار عيناً ذهباً، وكسوة عظيمة، وأمر لابني بألف دينار، ثم استأذنته فأذن لي، فقمت فودعني ودعا لي، ثم مشيت منطلقاً، فلحقني الخصي بالكسوة فوضعها على منكي وكذلك يفعلون بمن كسوه وإن عظم قدره، فيخرج بالكسوة على الناس فيحملها ثم يسلمها إلى غلامه. فلما وضع الخصي الكسوة على منكبي انحنيت عنها بمنكبي كراهة احتمالها، تبرؤا من ذلك.

فناداه أبو جعفر: بلغها رحل أبي عبد الله … إنتهي.


تعليق لابد منه لفائدة البحث والتحقيق

يلاحظ المتتبع لهذه المقابلة الودية التي جمعت بين الإمام مالك والخليفة الجائر أبي جعفر المنصور، ومن خلال المحاورة التي دارت بينهما نستنتج الأمور التالية:

* أولاً: نلاحظ بأن الخليفة العباسي عزل واليه على المدينة وهو ابن عمه وأقرب الناس إليه، وأهانه الإهانة بعد عزله، ثم يعتذر للإمام مالك عما صدر عنه ويقسم بالله أنه لم يكن بأمره ولا بعلمه ولم يرضه عندما بلغه.

كل ذلك يدل على الوفاق التام الذي كان بين الرجلين، والمكانة التي كان يخظى بها الإمام مالك عند أبي جعفر المنصور، إلى درجة أنه يستقبله على انفراد بلباس داخلي، ويجلسه مجلساً لم يجلس فيه أحد قط حتى ان ابن الخليفة فزع وتقهقر عندما رأى ركبتي مالك لاصقة بركبتي أبيه.

* ثانياً: نستفيد من قول المنصور لمالك: لا يزال أهل الحرمين بخير ما كمنت بين أظهرهم، وإنك أمان لهم من عذاب الله وإن الله دفع بك عنهم وقعة عظيمة، بأن أهل الحرمين أرادوا الثورة على الخليفة وحكمه الظالم فهداهم الإمام مالك وأحمد ثورتهم ببعض الفتاوى كالقول بوجوب الطاعة لله ورسوله وأولي الأمر ( وهو الحاكم ) وبذلك استكان الناس

____________________

(١) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة الجزء الثاني ص ١٥٠.


وهدأوا فلم بقتالهم الخليفة، ودفع الله بتلك الفتوى مجزرة الخليفة(١) . ولذلك قال المنصور لمالك: إن أهل الحرمين أسرع الناس إلى الفتن وأضعفهم عنها قاتلهم الله أنى يؤفكون.

* ثالثاً: إن الخليفة كان يرشح مالكاً ليكون هو العالم المنظور إليه في كل الأقطار الإسلامية، ثم يفرض مذهبه على الناس ويحملهم على اتباعه بوسائل الترهيب والترغيب. فمن وسائل الترغيب قوله: ونعهد إلى أهل الأمصار أن لا يخالفوها ولا يقضوا بسواها، وأن يوفدوا إليه وفودهم ويرسلوا إليه رسلهم في أيام حجهم. ومن وسائل الترهيب قوله: أما أهل العراق فيحملون عليه ونضرب عليه هاماتهم بالسيف ونقطع طي ظهورهم بالسياط. ونفهم من هذه الفقرة ماذا كان يلاقيه الشيعة المساكين من حكام الجور من اضطهاد وقتل لحملهم على ترك الأئمة من أهل البيت وأتباع مالك وأمثاله.

* رابعاً: نلاحظ بأن الإمام مالكاً وجعفر المنصور كانا يحملان نفس العقائد ونفس المفاضلة بخصوص الصحابة والخلفاء الذين استولوا على الخلافة بالقوة والقهر. قال مالك في ذلك: ثم فاتحني في العلم والفقه فوجدته أعلم الناس، ثم فاتحني فيمن مضى من السلف والعلماء فوجدته أعلم الناس بالناس. ولا شك بأن أبا جعفر المنصور بادل الإمام مالكاً نفس الشعور وأطراه بنفس الإطراء، إذ قال له مرة لقاء قبل هذا: وأيم الله ما أجد بعد أمير المؤمنين أعلم منك ولا أفقه(٢) ويقصد بأمير المؤمنين ( نفسه، طبعا ).

____________________

(١) ولا تناقض بين فتواه بفساد بيعة الإكراه وفتواه بوجوب طاعة السلطان وقد رووا في ذلك أحاديث كثيرة أذكر منها على سبيل المثال: « من خرج على طاعة السلطان فمات على ذلك مات ميتة جاهلية » وكقولهم: « عليك بالسمع والطاعة ولو أخذ الأمير مالك وضرب ظهرك ».

(٢) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج ٢ ص ١٤٢.


ومما سبق نفهم بأن الإمام مالكاً كان من النواصب، إذ أنه لم يكن يعترف بخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أبداً وقد أثبتنا في ما تقدم بأنهم أنكروا على أحمد بن حنبل الذي ربع الخلافة بعلي وأوجب له ما يجب للخلفاء قبله، وغني عن البيان بأن مالكاً هلك قبل مولد ابن حنبل بكثير.

أضف إلى ذلك أن مالكاً اعتمد في نقل الحديث على عبد الله بن عمر الناصبي الذي كان يحدث بأنهم لا يعدلون في زمن النبي بأبي بكر أحداً ثم عمره، ثم عثمان، ثم الناس بعد ذلك سواسية. وعبد الله بن عمر هو أشهر رجال مالك وأغلب أحاديث الموطأ تعود إليه وكذلك فقه مالك.

* خامساً: نلاحظ بأن السياسة التي قامت على الظلم والجور تريد أن تتقرب إلى الناس بما يرضيهم من الفتاوى التي ألفوها ولا تكلفهم الالتزام بالنصوص القرآنية أو النبوية. فقد جاء في كلام المنصور لمالك قوله: ضع هذا العلم ودون منه كتباً وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود، واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة لنحمل الناس على علمك وكتبك. ومن هذا يتبين لنا بوضوح بأن مذهب « أهل السنة والجماعة » هو خليط من شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود وما استحسنه مالك من أواسط الأمور التي كان عليها الأئمة والمقصود بهم «أبو بكر وعمر وعثمان » وما اجتمع عليه الصحابة الذين رضي عنهم الخليفة أبو جعفر المنصور.

وليس فيه شيء من سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي تروى عن الأئمة الطاهرين من عترته، والذين عاصر المنصور ومالك البعض منهم، وعمل الخليفة عل عزلهم وخنق أنفاسهم.

* سادساً: يلاحظ أن أول كتاب كتب في تدوين السنة من أحاديث الصحابة والتابعين هو كتاب الموطأ للإمام مالك، وكان يطلب من السلطة


على لسان الخليفة نفسه لكي يحمل الناس عليه قهراً بضرب السيوف إن لزم ذلك كما صرح المنصور. فلابد أن تكون تلك الأحاديث من وضع الأمويين والعباسين والتي تخدم مصالحهم وتقوي نفوذهم وسلطانهم، وتبعد الناس عن حقائق الإسلام التي صدع بها نبي الرحمةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

* سابعاً: نلاحظ بأن الإمام مالكاً ما كان يخشى إلا من أهل العراق ؛ لأنهم كانوا شيعة لعلي بن أبي طالب، وقد تشبعوا بعلمه وفقهه وانقطعوا في تقليدهم للأئمة الطاهرين من ولده فلم يقيموا وزناً لمالك ولا لأمثاله لعلمهم بأن هؤلاء نواصب يتزلفون للحكام ويبيعون دينهم بالدرهم والدينار. ولذلك قال مالك للخليفة: أصلح الله الأمير إن أهل العراق لا يرضون علمنا، ولا يرون في عملهم رأينا. فيجيبه المنصور بكل غطرسة: يحملون عليه ونضرب عليه هاماتهم بالسيف، ونقطع طي ظهورهم بالسياط. وبهذا نفهم كيف انتشرت المذاهب التي ابتدعتها السلطات الحاكمة وسمتها بمذاهب « أهل السنة والجماعة ». والأمر العجيب في كل ذلك أنك ترى أبا حنيفة يخالف مالكاً، ومالكاً يخالفه، والاثنين يخالفان الشافعي والحنبلي، وهذان يختلفان ويخالفان الاثنين، وليس هناك مسألة فيها اتفاق الأربعة إلا نادراً، ومع ذلك فكلهم «أهل سنة وجماعة ». أي جماعة هذه ؟ مالكية، أم حنفية، أم شافعية، أم حنبلية ؟ ؟ فلا هذا ولا ذاك، وإنما هي جماعة معاوية بن أبي سفيان وهم الذين وافقوه على لعن علي بن أبي طالب وجعلوها سنة متبعة ثمانين عاماً. ولماذا يسمح بالخلاف وتعدد الآراء والفتيا في المسألة الواحدة ويصبح خلافهم رحمة ما دام مقصوراً على المذاهب الأربعة، فإذا خالفهم مجتهد آخر كفروه وأخرجوه عن الإسلام ؟


ولماذا لا يحمل خلاف الشيعة لهم كالخلاف فيما بينهم لو كانوا منصفين وعاقلين ؟ ولكن ذنب الشيعة لا يغتفر ؛ لأنهم لا يقدمون على علي أمير المؤمنين أحداً من الصحابة، وهذا هو جوهر الخلاف الذي لا يتحمله « أهل السنة والجماعة » الذين اتفقوا على شيء واحد ألا وهو إقصاء علي عن الخلافة وطمس فضله وحقائقه.

* ثامناً: نلاحظ بأن الحكام الذين استولوا على أموال المسلمين بالقهر والقوة، نراهم يوزعون هذه الأموال بسخاء على علماء السوء والمتزلفين إليهم لاستمالتهم وشراء ضمائرهم ودينهم بدنياهم. قال مالك: ثم أمر لي بألف دينار عيناً ذهباً وكسوة عظيمة وأمر لابني بألف دينار. فهذا ما اعترف به مالك على نفسه وقد يكون ما لم يحدث به أكثر من ذلك بكثير ؛ لأن مالكاً كان يشعر بالحرج من العطايا الظاهرة فكان لا يجب أن يراها الناس، نفهم ذلك من قوله:

فلما وضع الخصي الكسوة على منكبي انحنيت عنها كراهة احتمالها وتبرؤا من ذلك. ولما عرف المنصور منه ذلك أمر الخصي أن يبلغها رحل أبي عبد الله مالك حتى لا يعرف الناس عنه ذلك.


إختبار الحاكم العباسي لعلماء عصره

كان الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور من الدهاة الكبار وقد عرف كيف يستولي على عقول الناس ويشتري ضمائرهم، وقد عمل على بسط نفوذه وتوسيع دائرة ملكه بوسائل الترغيب والترهيب. كما عرفنا مكره ودهاءه من خلال تعامله مع مالك بعد ما ضربه والي المدينة، مما يدلنا على الصلة الوثيقة التي تربطه بالإمام مالك قبل تلك الواقعة بزمن طويل.

فقد كان لمالك لقاء مع المنصور قبل هذا اللقاء الذي ذكرناه بخمسة عشر عاماً وذلك إبان استيلاء المنصور على الخلافة(١) . وقال المنصور لمالك فيما قال: « يا أبا عبد الله إني رأيت رؤيا!» فقال مالك: يوفق الله أمير المؤمنين إلى الصواب من الرأي ويلهمه الرشاد من القول، فما رأى أمير المؤمنين ؟

فقال أبو جعفر: رأيت أني أجلسك في هذا البيت، فتكون من عمار بيت الله الحرام، وأحمل الناس على علمك، وأعهد إلى أهل الأمصار يوفدون إليك وفودهم، ويرسلون إليك رسلهم في أيام حجهم لتحملهم من أمر دينهم على

____________________

(١) يذكر ابن قتيبة في تاريخ الخلفاء ج ٢ ص ١٥٠ بأن اللقاء الأول كان في سنة ١٤٨ للهجرة أما اللقاء الثاني الذي كان في موسم الحج فهو في سنة ١٦٣ للهجرة.

ونحن نقول بأن مالكاً كان دائم اللقاء بالخليفة وإنما ذكر ابن قتيبة هذين اللقاءين ؛ لأن مالكاً رواهما بنفسه ولأن فيهما أموراً مهمة، فليس من المعقول أن يجتمع الخليفة مع مفتي الدولة مرة كل خمسة عشر عامً !


الصواب والحق إن شاء الله، وإنما العلم علم أهل المدينة، وأنت أعلمهم …(١) . يقول ابن قتيبة لما ولي أبو جعفر المنصور الخلافة جمع مالك بن أنس وابن أبي ذؤيب وابن سمعان في مجلس واحد وسألهم: أي الرجال أنا عندكم ؟ أمن أئمة العدل أم من أئمة الجور ؟ قال مالك، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا متوسل إليك بالله تعالى وأتشفع إليك بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقرابتك منه، إلا ما أعفيتني من الكلام في هذا. قال: قد أعفاك أمير المؤمنين.

أما ابن سمعان فقال له: أنت والله خير الرجال يا أمير المؤمنين، تحج بيت الله الحرام، وتجاهد العدو، وتؤمن السبل، ويأمن الضعيف بك أن يأكله القوي، وبك قوام الدين، فأنت خير الرجال وأعدل الأئمة.

أما ابن أبي ذؤيب فقال له: أنت والله عندي شر الرجال استأثرت بمال الله ورسوله، وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين، وأهلكت الضعيف، وأتعبت القوي، وأمسكت أموالهم، فما حجتك غداً بين يدي الله ؟

فقال له أبو جعفر: ويحك ما تقول ؟ أتعقل ؟ أنظر ما أمامك ؟

قال: نعم قد رأيت أسيافاً، وإنما هو الموت، ولابد منه عاجله خير من آجله.

وبعد هذه المحاورة طرد المنصور ابن أبي ذؤاب وابن سمعان، واختل بمالك وحده وأمنه وقال له:

يا أبا عبد الله، انصرف إلى مصرك راشداً مهدياً، وإن أحببت ما عندنا، فنحن لا نؤثر عليك أحداً ولا تعدل بك مخلوقاً.

قال: ثم بعث أبو جعفر المنصور من الغد لكل واحد منهم صرة فيها خمسة آلاف دينار مع أحد شرطته وقال له:

____________________

(١) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج ٢ ص ١٤٢.


تدفع لكل رجل منهم صرة، أما مالك بن أنس إن أخذها فبسبيله، وإن ردها فلا جناح عليه فيما فعل. وأما ابن أبي ذؤيب فائتني برأسه إن أخذها، وإن ردها عليك، فبسبيله لا جناح عليه. وإن يكن ابن سمعان ردها فأنت برأسه، وإن أخذها فهي عافيته. قال مالك: فنهض بها إلى القوم، فأما ابن سمعان فأخذها فسلم، وأما ابن أبي ذؤيب فردها فسلم، وأما أنا فكنت والله محتاجاً إليها فأخذتها(١) . ونلاحظ من هذه القصة بأن مالكاً يعرف جور الخليفة وظلمه، ولكنه وللعلاقة الودية التي كانت بينه وبين المنصور فقد ناشده بمحمد وقرابته منه. وهذا ما كان يعجب الحكام العباسيين ويهمهم في ذلك العصر، وهو أن يعظمهم الناس ويمجدونهم بقرابتهم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولذلك فهم الخليفة قصد مالك فأعجبه ذلك وأعفاه من الكلام.

أما الثاني وهو ابن سمعان فقد أطراه بما ليس فيه مخافة القتل إذ كان السياف واقفاً ينتظر إشارة الخليفة.

أما الثالث وهو ابن أبي ذؤيب فكان شجاعاً، لا يخشى في الله لومة لائم وكان مؤمناً مخلصاً وصادقاً ناصحاً لله ولرسوله ولعامة المسلمين، فجابهه بحقيقة أمره وكشف عن زيفه ومغالطته، وعندما هدده بالقتل رحب به ولم يخف منه. ولذلك نرى أن الخليفة امتحن الرجلين بالأموال الطائلة، وأعفى الإمام مالكاً من ذلك الامتحان، فهو سالم في الحالتين إن أخذها أو ردها. أما ابن أبي ذؤيب فيقطع رأسه إن أخذها وكذلك ابن سمعان بقطع رأسه إن ردها. ولما كان أبو جعفر المنصور داهية عظمى تراه عمل على رفع مكانة مالك

____________________

(١) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج ٢ ص ١٤٤.


وفرض مذهبه، وقضى على مذهب ابن أبي ذؤيب بالرغم من أن ابن أبي ذؤيب كان أعلم من مالك وأفضل منه كما اعترف بذلك الإمام أحمد بن حنبل(١) . كما أن ليث بن سعد كان أفقه من مالك، كما اعترف بذلك الإمام الشافعي(٢) . والحقيقة في ذلك العصر أن الإمام جعفر الصادق كان أفضل وأعلم وأفقه منهم جميعاً وقد اعترفوا كلهم بذلك(٣) ، وهل يتجرأ أحد من الأمة أن يباريه في علم أو في عمل، في فضل أو في شرف، وجده علي بن أبي طالب هو أفضل وأعلم وأفقه من الخلق كلهم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

ولكن السياسة هي التي ترفع قوماً وتضع آخرين والمال هو الذي يقدم قوماً ويؤخر آخرين. والذي يهمنا في هذا البحث هو أن نبين بالأدلة الواضحة والحجج الدامغة بأن المذاهب الأربعة ل- « أهل السنة والجماعة » هي مذاهب ابتدعتها السياسة وفرضتها على الناس بوسائل الترهيب والترغيب والدعابة، فالناس على دين ملوكهم. ومن أراد مزيداً من البيان والتحقيق فعليه بقراءة كتاب « الإمام الصادق والمذاهب الأربعة » للشيخ أسد حيدررحمه‌الله وهناك سيعرف ما حضي به الإمام مالك من الجاه والسلطان حتى أن الإمام الشافعي كان يتوسل بوالي المدينة كي يدخل على مالك فيقول له الوالي: « أفضل المشي راجلاً من المدينة إلى مكة أهون علي من الوقوف على باب مالك ؛ لأني لا أشعر بالذلة إلا عند الوقوف على بابه ».

____________________

(١) تذكرة الحفاظ ج ١ ص ١٧٦.

(٢) مناقب الشافعي ص ٥٢٤.

(٣) قد مر عليك قول مالك: ما رأت عين ولا سمعت أنذ ولا خطر على قلب بشر أفقه من جعفر بن محمد الصادق.


وهذا أحمد أمين المصري يقول في كتابه ظهر الإسلام: « كان للحكومات دخل كبير في نصرة مذهب أهل السنة، والحكومات عادة إذا كانت قوية وأيدت مذهبا من المذاهب تبعه الناس بالتقليد، وظل سندا إلى أن تداول الدولة »(١) .

ونحن نقول بأن مذهب الإمام جعفر الصادق وهو مذهب أهل البيت إذا جاز لنا تسميته بالمذهب جرياً على عادة المسلمين وإلا فإنه الإسلام الصحيح الذي جاء به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لم يؤيده أي حاكم ولم تعترف به أية سلطنة، بل عمل كل الحكام على إسقاطه والقضاء عليه وتنفير الناس منه بشتى الوسائل.

فإذا شق تلك الظلمات الحالكة وكان له أتباع وأنصار عبر القرون الظالمة فذلك من فضل الله تعالى على المسلمين ؛ لأن نور الله لا تطفئه الأفواه، ولا تقضي عليه السيوف ولا تبطله الدعايات الكاذبة والإشاعات المغرضة لئلا يكون للناس على الله حجة أو يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين.

والذين اقتدوا بأئمة الهدى من العترة الطاهرة، كانوا ثلة قليلة يعدون على الأصابع بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتكاثروا على مر التاريخ والعصور ؛ لأن الشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وما كان لله دام واتصل. وقد حاولت قريش القضاء على محمد في بداية الدعوة، ولما عجزت عن ذلك بفضل الله وفضل أبي طالب وعلي الذين كانا يفديانه بنفسيهما سلت قريش نفسها بأن محمداً أبتر ليس له عقب إذا مات انقطع نسله وانتهى أمره، فصبروا على مضض. ولكن رب العالمين أعطاه الكوثر وأصبح محمد جد الحسنين وبشر المؤمنين بأنهما إمامان إن قاما وإن قعدا، وبأن الأئمة كلهم من ذرية الحسين، وهذا كله يهدد مصالح قريش ومستقبلها.

وهذا لم يعجب قريش فثارت ثائرتها بعد وفاة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحاولت القضاء

____________________

(١) كتاب ظهر الإسلام ج ٤ ص ٩٦.


على عترته كلها فأحاطوا بيت فاطمة بالحطب ولولا استسلام علي وتضحيته بحقه في الخلافة ومسالمته لهم، لقضي عليهم، وانتهى أمر الإسلام من ذلك اليوم. وسكتت قريش وهدأ روعها ما دامت هي الحاكمة وليس في نسل محمد من يهدد مصالحها، وبمجرد ما رجعت الخلافة لعلي اشعلت قريش ضده الحروب الطاحنة ولم تهدأ حتى قضت عليه، وأرجعت الخلافة إلى أخبث بطن من بطونها فأصبحت ملكية قيصرية يعهد بها الآباء إلى أبنائهم، وعندما رفض الحسين مبايعة يزيد قريش هبت قريش عند ذلك، وثارت ثورتها العارمة للقضاء نهائياً على العترة النبوية وكل شيء اسمه نسل محمد بن عبد الله.

فكانت مذبحة كربلاء والتي قتلوا فيها ذرية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما في ذلك الصبيان والرضع وأرادوا اجتثاث شجرة النبوة بكل فروعها، ولكن الله سبحانه وتعالى أنجز وعده لمحمد فأنقذ علي بن الحسين وأخرج من صلبه بقية الأئمة وملئت الأرض بنسله شرقاً ومغرباً، وكان الكوثر. فما من بلد ولا قرية ولا بقعة من الأرض إلا لنسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها وجود وأثر وعند الناس لهم فيها احترام ومودة.

وها نحن اليوم وبعد كل المحاولات التي باءت بالفشل، أصبح عدد نفوس الشيعة الجعفرية وحدهم يبلغ ٢٥٠ مليون مسلم في العالم كلهم يقلدون الأئمة الاثني عشر من عترة النبي ويتقربون إلى الله بمودتهم وموالاتهم ويرجون شفاعة جدهم. ولن تجد مثل هذا العدد في أي مذهب من المذاهب الأخرى إذا أخذنا كل مذهب على انفراد رغم تأييد الحكام وقرضهم.( وَ يَمْکُرُونَ وَ يَمْکُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْمَاکِرِينَ ) ( الانفال: ٣٠ ).

ألم يأمر فرعون بذبح كل مولود من الذكور في بني اسرائيل عندما أخبره المنجمون بأن مولوداً في الإسرائيليين يهدد بزوال ملكه ؟ ولكن خير الماكرين أنفذ


موسى من مكر فرعون وأوصله حتى تربى في حجر فرعون نفسه وقوض ملكه وأهلك حزبه وكان أمر الله مفعولاً. ألم يعمل معاوية ( فرعون زمانه ) على لعن علي وقتله وقتل أولاده وشيعته ؟ ألم يحرم أن يذكره ذاكر بفضيلة ؟ ألم يحاول بكل مكره على إطفاء نور الله وإرجاع الأمر إلى الجاهلية ؟ ولكن خير الماكرين رفع ذكر علي رغم أنف معاوية وحزبه وأصبح ذكر علي يلهج به المسلمون سنة وشيعة بل حتى النصارى واليهود، وأصبح قبر علي مزاراً بعد قبر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يطوف حول ضريحه ملايين المسلمين يذرفون الدموع ويتقربون إلى الله به وتعلو مقامه قية ومآذن ذهبية شامخة في السماء تأخذ بالأبصار.

بينما خمد ذكر معاوية الأمبراطور الذي ملك الأرض وعاث فيها فساداً فهل تجد له ركزاً ؟ أم تجد له مزاراً يذكر غير مقبرة مظلمة ومهملة ؟ فإن للباطل جولة وللحق دولة فاعتبروا يا أولي الألباب. والحمد لله على هدايته، الحمد لله الذي عرفنا بأن الشيعة هم على سنة الرسول فهم أهل السنة النبوية ؛ لأنهم اقتدوا بأهل البيت، وأهل البيت أدرى بما فيه، وهم الذين اصطفاهم الله وأورثهم علم الكتاب. كما عرفنا بأن « أهل السنة والجماعة » قد اتبعوا بدع الحكام من السلف والخلف كما أنهم لا حجة لهم فيما يدعونه.


حديث الثقلين عند الشيعة

ومما يدل على أن الشيعة هم اتباع السنة النبوية الصحيحة هو ما يروى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حديث الثقلين وقوله: ( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، فلا تتقدموهم فتهلكوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم(١) وفي بعض الروايات: ( وإن اللطيف الخبير أنبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ).

وحديث الثقلين هذا أخرجه « أهل السنة والجماعة » في أكثر من عشرين مصدراً من صحاحهم ومسانيدهم، كما أخرجه الشيعة في كل كتب الحديث. وهو كما ترى صريح صراحة لا مزيد عليها بأن « أهل السنة والجماعة» ضلوا ؛ لأنهم لم يتمسكوا بهما معاً وهلكوا ؛ لأنهم تقدموا على أهل البيت وظنوا بأن أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وابن حنبل أعلم من العترة الطاهرة فقلدوهم وتركوا العترة الطاهرة.

على أن قول بعضهم بأنهم تمسكوا بالقرآن لا دليل عليه ؛ لأن القرآن كله عمومات وليس فيه تفاصيل الأحكام، وهو حمال اوجه ولا بد له من مبين ومفسر كما هو الحال بالنسبة للسنة النبوية التي تتطلب رواة ثقات ومفسرين عالمين.

____________________

(١) صحيح الترمذي وصحيح مسلم ومستدرك الحاكم ومسند أحمد بن حنبل وكنز العمال وخصائص النسائي وطبقات ابن سعد والطبراني والسيوطي وابن حجر وابن الأثير. ولمعرفة عدد الأجزاء والصفحات يراجع كتاب المراجعات ص ٨٢ وما بعدها.


وليس هناك حلّ لهذا المشكل إلا بالرجوع لأهل البيت أعني الأئمة من العترة الطاهرة الذين أوصى بهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وإذا أضفنا إلى حديث الثقلين المتقدم أحاديث أخرى لها نفس المعنى وترمي إلى نفس الهدف كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض )(١) وقوله أيضاً:

( علي مع الحق والحق مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة )(٢) تأكد لدينا ولدى كل باحث بأن من ترك علياً فقد ترك التفسير الحقيقي لكتاب الله تعالى، ومن ترك علياً فقد نبذ الحق وراء ظهره واتبع الباطل فليس بعد الحق إلا الضلال.

وتأكد لدينا أيضاً بأن « أهل السنة والجماعة » تركوا القرآن والسنة النبوية بتركهم الحق وهو علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، كما تأكدت نبوة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله بأن أمته ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في الضلالة إلا فرقة واجدة. وهذه الفرقة الناجية هي التي اتبعت الحق والهدى باتباعها للإمام عليعليه‌السلام ، فحاربوا حربه وسالموا سلمه واقتدوا به في علمه وتمسكوا بالأئمة الميامين من ولده.

( أُولٰئِکَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذٰلِکَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) ( البينة: ٧ - ٨ ).

____________________

(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ج ٣ ص ١٢٤ والذهبي في تلخيصه.

(٢) منتخب كنز العمال ج ٥ ص ٣٠ تاريخ ابن عساكر ج ٣ ص ١١٩.

تاريخ بغداد ج ١٤ ص ٣٢١، تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج ١ ص ٧٣.


حديث الثقلين عند « أهل السنة »

كما قدمنا فإن نفس الحديث الذي ذكرناه في الفصل السابق، هو الذي أخرجه علماء « أهل السنة والجماعة » واعترفوا بصحته في أكثر من عشرين مصدراً من مصادرهم المشهورة. وإذا اعترفوا بصحة الحديث فقد شهدوا على أنفسهم بالضلالة ضمنياً ؛ لأنهم لم يتمسكوا بالعترة الطاهرة واعتنقوا مذاهب واهية ما أنزل الله بها من سلطان ولا وجود لها في السنة النبوية. والعجيب من علماء « أهل السنة » اليوم وبعد انقراض بني أمية وهلاكهم، وفي عصر كثر فيه الاتصال المباشر وتوفرت فيه وسائل البحوث العلمية، فكيف لا يتوبرون ويرجعون إلى الله من قريب كي يشملهم قوله سبحانه وتعالى:( وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى‌ ) ( طه:٨٢).

وإذا كان الناس في القرون الخالية زمن الخلافة مكرهين على اتباع السلطان بالقهر والقوة، فما هو عذرهم اليوم، والسلطان في كل البلاد لا يهمه من أمر الدين شيئاً ما دام عرشه مضموناً وهو يتبجح بالديمقراطية وبحقوق الإنسان التي من ضمنها حرية الفكر والعقيدة ؟ بقي هناك من علماء « أهل السنة » المعترضون على حديث الثقلين المذكور ،


بحديث « تركت فيكم كتاب الله وسنتي »(١) . وأقل ما يقال في هؤلاء: إنهم بعيدون عن مقاييس العلم وأصول البحث والمعرفة، وإثبات الحجة والدليل.

____________________

(١) قلنا في ما سبق من الأبحاث بأن حديث « كتاب الله وسنتي » هو حديث مرسل غير مسند ولم يخرجه الصحاح، بينما حديث « كتاب الله وعترتي » هو حديث صحيح ومتواتر أخرجه كل الصحاح عند السنة والشيعة.


كتاب الله وعترتي، أو كتاب الله وسنتي ؟ قد وافينا البحث في هذا الموضوع في كتاب « مع الصادقين » وقلنا باختصار بأن الحديثين لا يتناقضان ؛ لأن السنة النبوية الصحيحة محفوظة عند العترة الطاهرة من أهل البيتعليهم‌السلام ، وأهل البيت أدرى بما فيه وعلي بن أبي طالب هو باب السنة النبوية وهو أولى أن يكون راوية الإسلام من أبي هريرة ومن كعب الأحبار ووهب بن منبه. ومع ذلك لابد من مزيد البيان والتوضيح، ولو أدى ذلك إلى التكرار فإن في الإعادة إفادة، ولعل بعضهم لم يقرأوه هناك فإنهم سيطلعون عليه هنا بمزيد من التفصيل والإيضاح.

ولعل القراء الكراميجدون في هذا البحث ما يقنعهم بأن حديث «كتاب الله وعترتي » هو الأصل، وإنما عمد الخلفاء على إبداله بحديث «كتاب الله وسنتي » ليبعدوا بذلك أهل البيت عن مسرح الحياة. ولابد من الملاحظة بأن حديث « كتاب الله وسنتي » لا يصح حتى عند «أهل السنة والجماعة » ؛ لأنهم رووا في صحاحهم بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهاهم عن كتابتها، إذا كان حديث النهي صحيحاً، فكيف يجوز للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقول: تركت فيكم سنتي وهي غير مكتوبة ولا معلومة ؟ ؟ ! ثم لو كان حديث « كتاب الله وسنتي » صحيحاً، فكيف جاز لعمر بن الخطاب أن يرد على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقول: حسبنا كتاب الله ؟ !


وإذا كان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ترك سنة مكتوبة، فكيف جاز لأبي بكر وعمر حرقها ومنعها من الناس ؟ ! وإذا كان حديث « كتاب الله وسنتي » صحيحاً، فلماذا يخطب أبوبكر بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقول: لا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه(١) ؟ ! وإذا كان حديث « كتاب الله وسنتي » صحيحاً، فلماذا خالفها أبو بكر في قتال مانعي الزكاة وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من قال لا إله إلا لله عصم مني دمه وماله وحسابه على الله ؟ !

وإذا كان حديث « كتاب الله سنتي » صحيحاً، فكيف جاز لأبي بكر وعمر ومن وافقهما من الصحابة أن يستبيحوا حرمة الزهراء ويهجموا على بيتها مهددين بحرقها بمن فيها، ألم يسمعوا قول النبي فيها: ( فاطمة بضعة مني من أغضبها فقد أغضبني ومن أذاها فقد أذاني ؟ ) بلى والله لقد سمعوها ووعوها، ألم يسمعوا قول الله تعالى:( قُلْ لاَ أَسْأَلُکُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (الشورى: ٢٣) التي نزلت فيها وفي بعلها وولديها ؟ فهل كانت مودة أهل البيت هي ترويعهم وتهديدهم بالحرق، وضغط الباب على بطن فاطمة حتى أسقطت جنينها بأبي هي وأمي؟؟!

وإذا كان حديث « كتاب الله وسنتي » صحيحاً، فكيف استحل معاوية والصحابة الذين بايعوه وساروا في ركابه أن يلعنوا علياً ويسبوه على المنابر طيلة حكم بني أمية، ألم يسمعوا أمر الله لهم بأن يصلوا عليه كما يصلون على النبي ؟ ألم يسمعوا قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( من سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله )(٢) ؟ ! وإذا كان حديث « كتاب الله وسنتي » صحيحاً، فلماذا غابت هذه السنة على

____________________

(١) تذكرة الحفاظ للذهبي ج ١ ص ٣.

(٢) سمتدرك الحاكم ج ٣ ص ١٢١ قال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٧٣ خصائص النسائي ص ٢٤. المناقب للخوارزمي ص ٨٢.


أكثر الصحابة فجهلوها وأفتوا في الأحكام بآرائهم، وكذلك فعل أئمة المذاهب الأربعة الذين التجأوا للقياس والاجتهاد، والإجماع وسد باب الذرائع، والمصالح المرسلة والاستصحاب وصوافي الأمراء وأخف الضررين وغير ذلك(١) ؟ ! فإذا كان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد ترك « كتاب الله وسنة نبيه » ليعصمان الناس من الضلالة، فلا داعي لكل هذه الأمور التي ابتدعها « أهل السنة والجماعة » فكل بدعة وضلالة وكل ضلالة في النار كما جاء في الحديث الشريف... ! ثم إن العقلاء وأهل المعرفة، يلقون باللوم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي أهمل سنته ولم يعتن بها ولم يأمر بتدوينها وحفظها ومن ثم صيانتها من التحريف والاختلاف والوضع والاختلاق، ثم يقول للناس: ( إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، كتاب الله وسنتي ) !

أما إذا قيل لهؤلاء العقلاء بأنه نهاهم عن كتابتها فسيكون عند ذلك هزؤاً ؛ لأن ذلك ليس من أفعال الحكماء، إذ كيف ينهى المسلمين عن كتابة سنته، ثم يقول لهم: تركت فيكم سنتي ؟ ؟ ! أضف إلى كل ما تقدم بأن كتاب الله المجيد، إذا أضفنا إليه السنة النبوية التي كتبها المسلمون عبر القرون، فإن فيها الناسخ والمنسوخ وفيها الخاص والعام وفيها المحكم والمتشابه، فهي شقيقة القرآن، غير أن القرآن كله صحيح ؛ لأن الله سبحانه تكفل بحفظه ولأنه مكتبوب، أما السنة ففيها المكذوب أكثر من الصحيح، فالسنة النبوية هي قبل كل شيء محتاجة إلى المعصوم الذي يدل على صحيحها ويطرح كل ما وضع فيها، وغير المعصوم لا يقدر على شيء من ذلك ولو كان عالماً علامة.

كما أن « القرآن والسنة » معاً يفترقان إلى عالم متبحر عارف بكل أحكامهما مطلع على أسرارهما، لكي يبين للناس من بعد النبي ما اختلفوا فيه وما جهلوه.

____________________

(١) جامع بيان العلم ج ٢ ص ١٧٤.


ألم تر أن الله سبحانه أشار إلى أن القرآن الكريم يفتقر إلى مبين، فقال جل وعلا:( وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْکَ الذِّکْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) ( النحل: ٤٤ ) ؟ فلو لم يكن النبي يبين للناس ما نزل إليهم، لم يكونوا ليعرفوا أحكام الله ولو نزل القرآن بلغتهم ! وهذا أمر بديهي يعرفه كل الناس، ورغم نزول القرآن بفرائض الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، فالمسلمون في حاجة لبيان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو الذي أوضح كيفية أداء الصلاة، ومقدار نصاب الزكاة، وأحكام الصوم، ومناسك الحج، ولولاه لما عرف الناس من ذلك شيئاً.

وإذا كان القرآن الذي لا اختلاف فيه، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بحاجة إلى مبين، فإن السنة النبوية أحوج من القرآن إلى من يبينها، وذلك لكثرة الاختلاف الذي حصل فيها ولكثرة الدس والكذب الذي طرأ عليها، وإنه من الطبيعي جداً، بل من الضروريات العقلية أن يعتني كل رسول بالرسالة التي بعث بها، فيقيم عليها وصياً وقيماً بوحي من ربه حتى لا تضيع الرسالة بموته، ولأجل ذلك كان لكل نبي وصي.

ولكل ذلك أعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خليفته ووصيه على أمته علي بن ابي طالب ورباه منذ صغره بأخلاق النبوة، وعلمه في كبره علم الأولين والآخرين، وخصه بأسرار لا يعرفها غيره، ودل الأمة عليه مراراً وأرشدهم إيه تكراراً، فقال لهم إن هذا أخي ووصيي وخليفتي عليكم، وقال: أنا خير الأنبياء وعلي خير الأوصياء وخير من أترك بعدي، وقال: علي مع الحق والحق معه، وعلي مع القرآن والقرآن معه، وقال: أنا قاتلت على تنزيل القرآن وعلي يقاتل على تأويله، وهو الذي يبين لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي، وقال: لا يؤدي عني إلا علي وهو ولي كل مؤمن بعدي وقال: علي مني بمنزلة هارون من موسى، علي مني وأنا منه وهو باب علمي(١) .

____________________

(١) كل هذه الأحاديث صحيحة عند « أهل السنة والجماعة » أخرجها علماؤهم وصححوها وقد ذكرناها في الكتب السابقة ومن أراد المصادر فعليه بكتاب المراجعات بتحقيق حسين الراضي.


وقد ثبت بالدليل العلمي وبالتاريخ وما كتبه أصحاب السير بأن علياً كان المرجع الوحيد للكل الصحابة عالمهم وجاهلهم، ويكفي أن يعترف «أهل السنة » بأن عبد الله بن عباس والذي لقبوه بحبر الأمة تلميذه وخريجه كما يكفي دليلاً أن كل العلوم التي عرفها المسلمون تنسب إليهعليه‌السلام (١) .

وعلى سبيل الافتراض لو تعارض حديث « كتاب الله وسنتي » مع حديث «كتاب الله وعترتي » لوجب تقديم الثاني على الأول أعني تقديم «عترتي » على «سنتي »، ليتسنى للمسلم العاقل الرجوع إلى أئمة أهل البيت الطاهرين كي يبينوا له مفاهيم القرآن والسنة. أما لو أخذ بحديث « كتاب الله وسنتي » فسوف يبقى محتاراً في كل من القرآن والسنة ولا يجد المرجع الموثوق الذي يبين له الأحكام التي لم يفهمها، أو الأحكام التي اختلف فيها العلماء اختلافاً كبيراً وقال فيها أئمة المذاهب أقوالاً متعددة أو متناقضة.

ولا شك بأنه لو أخذ بقول هذا العالم أو ذاك، أو اتبع رأي هذا المذهب أو ذاك، فإنما يتبعه ويأخذ منه بدون دليل على صحة هذا ويطلان ذاك، وإن قبول هذا المذهب ورفض ذاك هو تعصب أعمى وتقليد بدون حجة، قال الله تعالى في هذا المعنى:( وَ مَا يَتَّبِعُ أَکْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) ( يونس: ٣٦ ). وأضرب لذلك مثالاً واحداً حتى يعرف القاريء الكريم صدق الحديث ويتبين له الحق من الباطل.

لو أخذنا القرآن الكريم وقرأنا فيه آية الوضوء وقول الله تعالى:( وَ امْسَحُوا بِرُءُوسِکُمْ وَ أَرْجُلَکُمْ إِلَى الْکَعْبَيْنِ ) ( المائدة: ٦ )، فهمنا منها لأول وهلة مسح الأرجل كمسح الرؤوس، وإذا نظرنا إلى فعل المسلمين نجدهم مختلفين في ذلك. « فأهل السنة والجماعة » كلهم يغسلون، والشيعة كلهم يمسحون. فنصاب عند ذلك بالحيرة والشك، أيهما الصحيح ؟

____________________

(١) راجع في ذلك مقدمة ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه للنهج.


ونرجع إلى العلماء من « أهل السنة والجماعة » ومفسريهم، فنجدهم مختلفين في هذا الحكم على حسب ما يروونه من أن هناك قراءتين « أرجلكم بالنصب » و « أرجلكم بالجر ».

ثم يصححون القراءتين ويقولون: من قرأ بالنصب فقد أوجب الغسل ومن قرأ بالجر فقد أوجب المسح. ثم يطلع علينا عالم ثالث متبحر في اللغة العربية من علماء السنة(١) فيقول: إن قراءة النصب وقراءة الجر توجبان المسح ؛ لأن الأرجل إما تكون منصوبة على المحل أو تكون مجرورة بالجوار، ثم يقول بأن القرآن جاء بالمسح وجاءت السنة بالغسل.

وأنت كما ترى أيها القارئ بأن علماء « السنة والجماعة » لم يزيلوا حيرتنا باضطراب أقوالهم، بل قد ضاعفوا شكنا لقولهم بأن السنة خالفت القرآن، وحاشا للنبي أن يخالف القرآن ويغسل رجليه في الوضوء، ولو غسل النبي رجليه في الوضوء لما جاز لكبار الصحابة مخالفته وهم من هم في العلم والمعرفة والقرب منه أمثال علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن والحسين وحذيفة بن اليمان وأنس بن مالك وكل الصحابة الذين قرأوا بالجر وهم أغلب القراء الذين أوجبوا المسح وكل الشيعة الذين اقتدوا بالأئمة من العترة الطاهرة قالوا بوجوب المسح.

فما هو الحل ؟ !

ألم تر أيها القارئ العزيز بأن المسلم سيبقى محتاراً في شكه وبدون الرجوع إلى من يعتمد عليه فسوف لا يعرف وجه الصواب ولا يدري ما هو حكم الله الصحيح من المكذوب عليه ؟

وقد تعمدت أن أضرب لك هذا المثال من القرآن الكريم أيها القارئ العزيز حتى تعرف مدى الاختلاف والتناقض الذي يتخبط فيه علماء المسلمين من

____________________

(١) هو الإمام الفخر الرازي في تفسيره الكبير ج ١١ ص ١٦١.


« أهل السنة والجماعة » في أمر كان يفعله النبي عدة مرات في كل يوم وطيلة ثلاثة وعرين عاماً. وكان من المفروض أن يعرفه الخاص والعام من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإذا بالعلماء عند « أهل السنة » يختلفون في القراءات فينصبون، ويجرون ويرتبون على ذلك أحكاماً متضاربة !

وللعلماء في تفسير كتاب الله وترتيب الأحكام على حسب القراءات المتعددة اختلافات كثيرة لا تخفى على الباحثين. وإذا كان اختلافهم في كتاب الله ظاهراً فهو في السنة النبوية أظهر وأكثر. فما هو الحل إذن ؟

إذا قلت بوجوب الرجوع إلى من يعتمد عليه في شرح وبيان الأحكام الصحيحة من القرآن والسنة، فسوف نطالبك بالشخص العاقل المتكلم ؛ لأن القرآن والسنة لا يعصمان من الضلالة، فهما صامتان لا يتكلمان ويحملان عدة وجوه كما قدمنا في آية الوضوء، ولقد اتفقنا عزيزي القارئ على وجوب تقليد العلماء العارفين بحقائق القرآن والسنة، وبقي الخلاف بيننا فقط في معرفة هؤلاء العلماء العارفين بحقائق القرآن والسنة.

فإذا قلبت بأنهم علماء الأمة وعلى رأسهم الصحابة الكرام، فقد عرفنا اختلافهم في آية الوضوء وفي غيرها من المسائل، كما عرفنا بأنهم تقاتلوا وكفر بعضهم بعضاً، فلا يمكن الاعتماد عليهم جميعاً، وإنما يعتمد على المحقين منهم دون المبطلين ويبقى المشكل قائماً.

وإذا قلت بالرجوع إلى ائمة المذاهب الأربعة، فقد عرفت بأنهم اختلفوا أيضاً في أكثر المسائل حتى قال بعضهم بكراهة البسملة في الصلاة وقال بعضهم ببطلان الصلاة بدونها، وقد عرفت أحوال هذه المذاهب وأنها من صنائع الحكام الظالمين، وعرفت أيضاً بأنهم بعيدون عن عهد الرسالة ولم يعرفوا الصحابة فضلاً عن النبي نفسه.

فلم يبق أمامنا إلا حل واحد لا ثاني له، ألا وهو الرجوع الى أئمة العترة من


أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، العالمين، العاملين الذين لم يلحقهم أحد في علمهم وورعهم وحفظهم وتقواهم فهم المعصومون عن الكذب والخطأ بنص القرآن الكريم(١) وعلى لسان النبي العظيم(٢) .

فقد أورثهم الله علم الكتاب بعد أن اصطفاهم، وعلمهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل ما يحتاجه الناس، ودل الأمة عليهم بقوله: ( مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ) وقد قال ابن حجر وهو من علماء « أهل السنة والجماعة » في شرح هذا الحديث بعد أن صححه:

« ووجه تشبيههم بالسفينة أن من أحبهم وعظمهم شكراً لنعمة مشرفهم، واخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات ومن تخلف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم وهلك في مفاوز الطغيان »(٣) .

أضف إلى ذلك أنك لا تجد عالماً في الأمة الإسلامية قديماً وحديثاً من عهد الصحابة إلى اليوم، من ادعى لنفسه أنه أعلم أو أفضل من أئمة العترة النبوية الطاهرة، كما أنك لا تجد في الأمة قاطبة أحداً ادعى بأنه علم واحداً من أئمة أهل البيت أو أرشدهم لأمر ما. وإذا أردت أيها القارئ مزيداً من البيان والتفصيل فعليك بقراءة «المراجعات » و « الغدير ».

وما قدمته أنا إليك فيه الكفاية إن كنت من المنصفين فحديث «تركت فيكم كتاب الله وعترتي » هو الحق الذي يسلم به العقل والوجدان وتثبته السنة والقرآن.

____________________

(١) قوله تعالى: ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ).

(٢) قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كتاب الله وعترتي إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، فكما أن كتاب الله معصوم عن الخطأ فكذلك العترة الطاهرة، فغير المعصوم لا يضمن الهداية والذي يجوز عليه الخطأ هو في حاجة إلى الهداية.

(٣) الصواعق المحرقة لابن حجر الشافعي ص ١٥١.


وبكل هذا يتبين لنا مرة أخرى بالأدلة الواضحة التي لا تدفع بأن الشيعة الإمامية هم أهل السنة النبوية الحقيقة، وأن « أهل السنة والجماعة » قد أطاعوا ساداتهم وكبراءهم فأضلوهم السبيل وتركوهم في ظلمات يعمهون، وأغرقوهم في بحر كفر النعم وأهلكوهم في مفارز الطغيان على حد تعبير ابن حجر الشافعي.

« والحمد لله رب العالمين على هدايته لعباده المخلصين ».


مصادر التشريع عند الشيعة

المتتبع لفقه الشيعة الإمامية يجدهم ينقطعون في كل الأحكام الفقهية - إلا المستحدثة -(١) إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن طريق الأئمة الاثني عشر من أهل البيتعليهم‌السلام .

وهؤلاء عندهم مصادر التشريع اثنان لا ثالث لهما:

الكتاب والسنة، أعني المصدر الأول هو القرآن الكريم، والمصدر الثاني هي السنة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام.

وهذه هي أقوال الشيعة قديماً وحديثاً، بل هي أقوال الأئمة من أهل البيت الذين لم يدع واحد منهم أنه اجتهد برأيه أو حكم حكماً من عنده.

فهذا الإمام الأول علي بن أبي طالب عندما اختاروه للخلافة واشترطوا عليه أن يحكم فيهم بسنة الشيخين أبي بكر وعمر، قال: لا أحكم إلا بكتاب الله وسنة رسوله(٢) .

____________________

(١) ونقصد بها اجتهاد العلماء في ما لا نص فيه والذي حدث بعد غيبة الإمام الثاني عشر.

(٢) وفي بعض الروايات قال: « وما عداهما فأجتهد رأيي » وهي زيادة مكذوبة من أصحاب الاجتهاد وانصاره، لأن الإمام علياً لم يدع يوماً بأنه اجتهد برأيه، بل كان دائماً يستنبط الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله أو كان يقول: عندنا الجامعة وفيها كل ما يحتاجه الناس حتى أرش الخدش، وهذه الصحيفة هي من إملاء رسول الله وخط علي، وقد مر الكلام عن الصحيفة الجامعة في فصل « أهل السنة ومحق السنة » من هذا الكتاب.


وسنوضح في أبحاث لاحقة بأنهعليه‌السلام كان دائماً يتقيد بسنة النبي ولا يحيد عنها أبداً، ويحاول بكل جهوده إرجاع الناس إليها حتى سبب له ذلك غضب الخلفاء، ونفور الناس منه لشدته في ذات الله وتشبثه بسنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

كما أن الإمام الباقرعليه‌السلام كان يقول دائماً:

لو حدثناكم برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا، ولكنا نحدثكم ببينة من ربنا بينها لنبيه فينها نبيه لنا.

وقال مرة أخرى: يا جابر، إنا لو كنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم.

وهذا الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام يقول:

والله ما نقول بأهوائنا ولا نقول برأينا، ولا نقول إلا ما قال ربنا، فمهما أجبتك فيه بشيء فهو عن رسول الله لسنا نقول برأينا من شيء.

وأهل العلم والمحققون يعرفون ذلك من أئمة أهل البيت فلم يسجلوا عن أحدهم القول بالرأي ولا بالقياس ولا بالاستحسان أو بشيء غير القرآن والسنة(١) .

وحتى إذا رجعنا للمرجع الكبير المعاصر الشهيد آية الله محمد باقر الصدر ( رضوان الله عليه ) تجده يقول في رسالته العملية لفقه العبادات والمعاملات - في الفتاوى الواضحة - يقول حرفياً: « ونرى من الضروري أن نشير أخيراً بصورة موجزة إلى المصادر التي اعتمدناها بصورة رئيسية في استنباط هذه الفتاوى الواضحة وهي كما ذكرنا في مستهل الحديث عبارة عن الكتاب الكريم والسنة

____________________

(١) أنظر إلى علماء الشيعة كيف يأخذون عن الثقات المتورّعين مهما كان مذهبهم، وهو ردّ على القائلين بأنّ الشيعة لا يثقون في الصّحابة، وإنّما يرفض الشيعة حديث الصحاب إذا تعارض مع ما يرويه أئمة أهل البيتعليهم‌السلام .


الشريفة المنقولة عن طريق الثقات المتورعين في النقل مهما كان مذهبهم(١) . أما القياس والاستحسان ونحوهما فلا نرى مسوغاً شرعياً للاعتماد عليها.

وأما ما يسمى بالدليل العقلي الذي اختلف المجتهدون والمحدثون في أنه هل يسوغ العمل به أولا، فنحن وإن كنا نؤمن بأنه يسوغ العمل به، ولكنا لم نجد حكماً واحداً يتوقف إثباته على الدليل العقلي بهذا المعنى، بل كل ما يثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو سنة.

وأما ما يسمى بالأجماع فهو ليس مصدراً إلى جانب الكتاب والسنة، وإنما لا يعتمد عليه إلا من أجل كونه وسيلة إثبات في بعض الحالات.

وهكذا كان المصدران الوحيدان هما الكتاب والسنة ونبتهل إلى الله أن يجعلنا من المتمسكين بهما. « ومن استمسك بهما فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم »(١) .

نعم، ونجد هذه الظاهرة هي السائدة عند الشيعة قديماً وحديثاً ولا يعتمد عندهم إلا على الكتاب والسنة ولا تجد لأحدهم فتوى واحدة ناتجة عن القياس أو الاستحسان، وقصة الإمام الصادق مع أبي حنيفة معروفة، وكيف أنه نهاه عن القياس وقال له فيما قال: ( لا تقس في دين الله فإن الشريعة إذا قيست محقت، وإن أول من قاس إبليس عندما قال: ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) ).

هذه هي مصادر التشريع عند الشيعة من عهد علي بن أبي طالب وإلى يومنا هذا. فما هي مصادر التشريع عند « أهل السنة والجماعة » ؟

____________________

(١) الفتاوى الواضحة للشهيد باقر الصدر ص ٩٨.


مصادر التشريع عند « أهل السنة والجماعة »

وإذا تتبعنا مصادر التشريع عند « أهل السنة والجماعة » وجدناها كثيرة تتعدى حدود الكتاب والسنة التي رسمها الله ورسوله.

فالمصادر عندهم - بالإضافة إلى الكتاب والسنة - هي سنة الخلفاء الراشدين، وسنة الصحابة، وسنة التابعين وهم علماء الأثر وسنة الحكام ويسمونها صوافي الأمراء، ثم القياس، والاستحسان، والإجماع، وسد باب الذرائع.

وهي كما ترى عشرة مصادر عندهم كلها تتحكم في دين الله، وحتى لا نتكلم بدون دليل ونلقي الكلام على عواهنه، أو يتهمنا البعض بالمبالغة، لابد من إعطاء بعض الأدلة من أقوالهم وكتبهم كي يتبين للقارىء الكريم ذلك واضحاً.

ونحن لا نناقش « أهل السنة والجماعة » في المصدرين الأولين المتمثلين في الكتاب والسنة، فهو أمر لا خلاف فيه، بل هو الواجب الذي جاء به النقل والعقل والإجماع، وهو من باب قوله تعالى:( مَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاکُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) ( الحشر: ٧ ) وقوله:( وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ ) ( المائدة: ٩٢ ) وقوله:( إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ ) (الأحزاب: ٣٦ ) وغيرها من الآيات البينات الدالة على وجوب تشريع الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله فقط، ولكن نقاشنا معهم في المصادر الأخرى التي أضافوها من عندهم.


أولاً: سنة الخلفاء الراشدين

فقد احتجوا بحديث « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ »(١) .

وقد بينا في كتاب « مع الصادقين » بأن المقصود من الخلفاء الراشدين في هذا الحديث هم أئمة أهل البيت، وأضيف هنا بعض الأدلة الأخرى لمن فاته ذلك البحث.

أخرج البخاري ومسلم وكل المحدثين بأن رسول الله حصر خلفاءه في اثني عشر، فقال: الخلفاء من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش. فدل هذا الحديث الصحيح على أن المقصود هم أئمة أهل البيتعليهم‌السلام وليسوا الخلفاء « الحكام » الذين اغتصبوا الخلافة.

ولقائل أن يقول: سواء أكان المقصود بالخلفاء أئمة أهل البيت الاثني عشر كما يقول الشيعة، أم الخلفاء الراشدين الأربعة كما يقول « أهل السنة » فإن مصادر التشريع ثلاثة: القرآن والسنة وسنة الخلفاء ؟

وهذا صحيح على رأي « أهل السنة » ولكنه لا يصح على رأي الشيعة ؛ لأن أئمة أهل البيت كما قدمنا لم يكونوا يشرعوا باجتهادهم وآرائهم بل كل ما قالوه هو سنة جدهم رسول الله تعلموها منه واحتفظوا بها كي يظهروها للناس إذا اقتضت الحاجة ذلك. أما « أهل السنة والجماعة » فقد حفلت كتبهم بالاستدلال سنة أبي بكر وسنة عمر كمصدر للتشريع الإسلامي ولو خالفت الكتاب والسنة. ومما يزيدنا يقيناً بأن أبابكر وعمر غير مقصودين بحديث النبي، أن علياً رفض أن يحكم بسنتهم عندما اشترط عليه الصحابة ذلك.

فلو كان الرسول يقصد بالخلفاء الراشدين أبا بكر وعمر لما جاز لعلي أن يرد على رسول الله ويرفض سنتهم، فدل الحديث على أن الخلفاء الراشدين ليس منهم أبو بكر ولا عمر.

____________________

(١) أخرجه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وأحمد بن حنبل.


على أن « أهل السنة والجماعة » يقصدون بالخلفاء الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان دون سواهم ؛ لأن علياً لم يكن معدوداً عندهم من الخلفاء وإنما ألحق في زمن متأخر كما قدمنا، ولأنه كان يلعن على المنابر فكيف يتبعون سنته ؟ ؟ !

وإذا قرأنا ما رواه جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء تحقق لدينا صحة ما ذهبنا إليه. قال السيوطي نقلاً عن حاجب بن خليفة: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة، فقال في خطبته:

« ألا إن ما سن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سن سواهما فإنا نرجئه »(١) .

والحقيقة أن جل الصحابة والحكام الأمويين والعباسيين كانوا يرون أن ما سن أبو بكر وعمر وعثمان هو دين يأخذون به وينتهون إليه:

وإذا عمل هؤلاء الخلفاء الثلاثة على منع سنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما عرفنا ذلك في ما سبق، فلا يبقى بعد ذلك من السنة إلا ما سنوه ومن الأحكام إلا ما احكموه.

ثانياً: سنة الصحابة عموماً

إننا نجد أدلة كثيرة وشواهد عديدة على اقتداء « أهل السنة والجماعة » سنة الصحابة عموماً بدون اسثناء.

فهم يحتجون بحديث مكذوب وافينا البحث فيه في كتاب « مع الصادقين» والحديث يقول: « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » وقد احتج ابن القيم الجوزية بهذا الحديث على حجية رأي الصحابي(٢) .

وقد اعترف بهذه الحقيقة أيضاً الشيخ أبو زهرة إذ قال: « لقد وجدناهم

____________________

(١) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٦٠.

(٢) أعلام الموقعين ج ٤ ص ١٢٢.


(يعني فقهاء أهل السنة ) جميعاً يأخذون بفتوى الصحابي » ثم يضيف في مقطع آخر قوله:

« والاحتجاج بأقوال الصحابة وفتاويهم هو مسلك جماهير الفقهاء وخالفهم الشيعة(١) ولكن ابن القيم الجوزية أيد الجمهور بنحو ستة وأربعين وجهاً وكلها حجج قوية … ».

ونحن نقول للشيخ أبي زهرة: كيف تكون الحجة - التي تخالف كتاب الله وسنة رسوله - قوية ؟ ! فكل الحجج التي جاء بها ابن القيم واهية كبيت العنكبوت وأنت بنفسك قد نسفتها عندما قلت:

« ولكننا وجدنا الشوكاني يقول: والحق أن قول الصحابي ليس بحجة فإن الله سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبينا محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وليس لنا إلا رسول واحد، والصحابة ومن بعدهم مكلفون على السواء باتباع شرعه في الكتاب والسنة، فمن قال بأنه تقوم الحجة في دين الله بغيرهما، فقد قال في دين الله بما لا يثبت وأثبت شرعاً لم يأمر الله به »(٢) .

فتحية إلى الشوكاني الذي قال حقاً ونطق صدقاً، ولم يتأثر بالمذهب فكان قوله موافقاً لأئمة الهدى من العترة الطاهرة ورضي الله عنه وأرضاه إن كانت أعماله مطابقة لأقواله.

ثالثاً: سنة التابعين « علماء الأثر »:

كذلك نجد « أهل السنة والجماعة » يأخذون بآراء التابعين ويسمونهم « علماء الأثر » كالأوزاعي وسفيان الثوري وحسن البصري وابن عيينة وغيرهم كثير، كما أنهم متفقون على الأخذ باجتهادات أئمة المذاهب الأربعة وتقليدهم رغم أنهم من تابعي التابعين.

____________________

(١) وهذه شهادة أخرى من الشيخ أبي زهرة تؤيد ما قلناه بأن الشيعة لا يقبلون في شرع الله إلا الكتاب الكريم والسنة النبوية.

(٢) كتاب الشيخ أبي زهرة ص ١٠٢.


وإذا كان الصحابة أنفسهم يعترفون بخطأهم في عديد من المرات وأنهم يقولون ما لا يعلمون. فهذا أبو بكر يقول عندما يسأل عن مسألة: سأقول فيها برأيي فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمني أو من الشيطان. وهذا عمر يقول لأصحابه: لعلي آمركم بالأشياء التي لا تصلح لكم وأنهاكم عن أشياء تصلح لكم(١) .

وإذا كان هذا هو مبلغهم من العلم وأنهم يتبعون الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً، فكيف يحق لمسلم عرف الإسلام أن يجعل أفعال هؤلاء وأقوالهم سنة متبعة ومصدراً من مصادر التشريع ؟ وهل يبقى بعد هذا الحديث «أصحابي كالنجوم » من أثر ؟

وإذا كان هؤلاء هم الصحابة الذين حضروا مجالس النبي وتعلموا منه يقولون مثل هذه الأقوال، فكيف تكون حال من جاء بعدهم وأخذ عنهم وشارك في القتنة ؟

وإذا كان أئمة المذاهب الأربعة يقولون في دين الله بآرائهم مصرحين ومعترفين بإمكانية الخطأ، فيقول الواحد منهم: هذا ما أعتقد أنه صحيح وقد يكون رأي غيري هو الصحيح، فلماذا ألزم المسلمون أنفسهم بتقليدهم؟!

رابعاً: سنة الحكام

ويسمى عند « أهل السنة والجماعة» صوافي الأمراء، وقد استدلدوا عليه بقوله تعالى:( أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْکُمْ ) (النساء: ٥٩ )(٢) .

فأولي الأمر عندهم الحكام وإن كانوا متسلطين بالقوة والقهر، وهم يعتقدون بأن الحكام أمرهم الله على رقاب العباد فيجب لذلك طاعتهم والأخذ بسنتهم.

____________________

(١) تاريخ بغداد ج ١٤ ص ٨١.

ونحن نقول لهؤلاء: إن كان هذا هو مبلغكم من العلم، فماذا تقدمتم من عنده علم الأولين والآخرين وحرمتم الأمة من هديه ونوره وتركتموها تتخبط في الفتنة والجهالة والضلالة ؟ !

(٢) لقد أوضحنا بالأدلة في كتاب « مع الصادقين » بأن أولي الأمر هم أئمة الهدى من العترة الطاهرة وليس المقصود بهم الحكام الغاصبين، ومن المستحيل أن يأمر الله سبحانه بطاعة الظالمين والفاسقين والكافرين.


ورد بان حزم الظاهري على « أهل السنة والجماعه » رداً عنيفاً بقوله: « بناء على ما تقولون فللأمراء أن يبطلوا ما شاؤوا من الشرائع التي أمر الله ورسوله بها، كما لهم أن يزيدوا فيها، ولا فرق بين الزيادة والنقص في ذلك، وهذا كفر ممن أجازه بلا خلاف »(١) .

ورد الذهبي على ابن حزم بقوله:

« هذا تقرير فاسد وخطأ فاحش، فإن الأمة أجمعت إلا داود بن علي ومن مشى خلفه، على أن أولي الأمر هلم الحكم بالرأي والاجتهاد إذا لم يكن في النازلة نص، ويقولون: لا يحل لهم الحكم بالرأي والاجتهاد مع علمهم بالنص في النازلة، فظهر بهذا أن لهم أن يزيدوا في الشرع زيادة ساغت في الشرع ولييس لهم أن يبطلوا ما شاؤوا من الشرع ».

ونحن نقول للذهبي: كيف تدعي إجماع الأمة وأنت نفسك استثنيت داود بن علي ومن مشى خلفه ! ؟ ولماذا لم تسم من مشى خلفه ؟ ثم لماذا لم تستثن الشيعة وأئمة أهل البيت، ألأنهم عندك ليسوا من الأمة الإسلامية ؟ ! أم أن تزلفك للحكام هو الذي جعلك تبيح لهم أن يزيدوا في الشرع، لكي يزيدوا في عطائك وشهرتك ؟

وهل كان الحكام الذين حكموا المسملين باسم الإسلام يعرفون النصوص القرآنية والنصوص النبوية حتى يقفوا عند حدودها ؟

وإذا كان الخليفتان أبو بكر وعرم تعمدا مخالفة النصوص القرآنية والنبوية كما قدمنا في أبحاث سابقة، فكيف يلتزم من جاء بعدهما بتلك النصوص التي بذلت وغيرت وأعفيت آثارها ؟

وإذا كان فقهاء « أهل السنة والجماعة » يفتون للأمراء بأن يقولوا في دين الله ما يشاؤون، فليس غريباً على الذهبي أن يقلدهم.

فقد جاء في طبقات الفقهاء عن سعيد بن جبير قال: سألت عبد الله بن عمر عن الإيلاء ؟ فقال: أتريد أن تقول: قال ابن عمر قال ابن عمر ؟ !

____________________

(١) ابن حزم في ملخص إبطال القياس ص ٣٧.


قال: قلت: نعم، ونرضى بقولك ونقنع. فقال ابن عمر: يقول في ذلك الأمراء، بل يقول في ذلك الله ورسوله ومن يقول عنهما.

وعن سعيد بن جبير قال: كان رجاء بن حيوة يعد في أفقه فقهاء الشام ولكن كنت إذا حركته وجدته شاميا يقول: قضى عبد الملك بن مروان فيها بكذا وكذا(١) .

كما جاء في طبقات ابن سعد عن المسيب بن رافع قال: كان إذا جاء النبي من القضاء وليس في الكتاب ولا في السنة سمي « صوافي الأمراء » فدع إليهم فجمع له أهل العلم، فما اجتمع عليه رأيهم فهو الحق(٢) .

ونحن نقول: « ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ».

خامساً: بقية مصادر التشريع عند « أهل السنة »

ونذكر منها القياس والاستحسان والاستصحاب وسد باب الذرائع، والإجماع فمشهورة جدا ومعروفة عندهم. وقد اشتهر الإمام أبو حنيفة بالعمل بالقياس ورد الأحاديث كما اشتهر الإمام مالك بالرجوع لعمل أهل المدينة وسد باب الذرائع واشتهر الإمام الشافعي بالرجوع إلى فتاوى الصحابة وقد رتبهم على أقسام ودرجات فقال بأولوية العشرة المبشرين بالجنة، ثم المهاجرين الأولين، ثم الأنصار، ثم مسلمة الفتح ويقصد بهم الطلقاء والذين أسلموا بعد فتح مكة(٣) .

كما اشتهر الإمام أحمد بن حنبل بعدم الاجتهاد والابتعاد عن الفتوى وأخذه برأي أي صحابي كان. فقد نقل عنه الخطيب البغدادي أن رجلاً سأله عن مسألة في الحلال

____________________

(١) طبقات الفقهاء ترجمة سعيد بن جبير.

(٢) طبقات ابن سعد ج ٦ ص ١٧٩.

(٣) مناقب الإمام الشافعي ج ١ ص ٤٤٣.


والحرام، فقال له أحمد: سل عافاك الله غيرنا، قال: إنما نريد جوابك يا أبا عبد الله، قال: سل عافاك الله غيرنا، سل الفقهاء سل أبا ثور(١) .

كما نقل عن المروزي قوله: أما الحديث فقد استرحنا منه وأما المسائل فقد عزمت إن سألني أحد عن شيء فلا أجيبه(٢) . ولا شك بأن أحمد بن حنبل هو الذي أوحى بفكرة عدالة الصحابة كلهم بدون استثناء فأثر مذهبه في « أهل السنة والجماعة ». فقد ذكر الخطيب في تاريخ بغداد في جزئه الثاني بالإسناد عن محمد بن عبد الرحمان الصيرفي قال: قلت لأحمد بن حنبل: إذا اختلف أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مسألة، هل يجوز لنا أن ننظر في أقوالهم، لنعلم مع من الصواب منهم، فنتبعه ؟

فقال لي: لا يجوز النظر بين أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلت: كيف الوجه في ذلك ؟ قال: تقلد أيهم أحببت. ونحن نقول: وهل يجوز تقليد من لا يعرف الحق من الباطل ؟ وغريب أن يفتي أحمد وهو الذي يتهرب من الفتوى، بتقليد أي صحابي أحب وبدون النظر في أقوالهم لمعرفة الصواب !

وبعد هذا العرض الوجيز لمصادر التشريع الإسلامي عند الشيعة وعند «أهل السنة والجماعة »، يتبين لنا بوضوح لا لبس فيه بأن الشيعة هم الذين يتقيدون بسنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يبغون عنها حولاً حتى كانت سنة النبي هي شعارهم كما شهد بذلك أعداؤهم.

أما « أهل السنة والجماعة » فهم يتبعون سنة أي صحابي وأي تابعي وأي حاكم.

____________________

(١) تاريخ بغداد ج ٢ ص ٦٦.

(٢) مناقب الإمام أحمد بن حنبل ص ٥٧.


وهذه كتبهم وأقوالهم تشهد عليهم وكفى بها شهيداً وسوف نبحث في فصل قادم إن شاء الله تعالى أفعالهم لنعرف بأنها ليست من سنة النبي في شيء. وأترك للقارئ نفسه أن يستنتج من هم أهل السنة، ومن هم أهل البدعة ؟


تعليق لابد منه لإكمال البحث

وتجدر الإشارة إلى أن الشيعة تقيدوا بمصادر التشريع من الكتاب والسنة ولم يزيدوا عليها شيئاً وذلك لوجود النصوص الكافية عند أئمتهم لكل مسألة من المسائل التي يحتاجها الناس. وقد يستغرب ذلك بعض الناس ويستبعدون أن يكون لأئمة أهل البيت نصوص كافية لكل ما يحتاجه الناس لمواكبة كل العصور حتى تقوم الساعة.

ولتقريب هذا الواقع لذهن القارئ لابد من الإشارة إلى الأمور التالية:

إذا اعتقد المسلم بأن الله سبحانه بعث محمداً بشريعة مكملة لكل الشرائع السابقة ومهيمنة عليها لتكمل مسيرة الإنسانية فوق هذه الأرض لتعود بعدها إلى الحياة الإبدية.

( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ کُلِّهِ ) (التوبة: ٣٣ ).

وإذا اعتقد المسلم بأن الله سبحانه أراد من الإنسان أن يكون خاضعاً لأحكامه في كل أقواله وأفعاله ويسلم إليه مقاليد أموره.

( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلاَمُ ) ( آل عمران: ١٩ )،( وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ) ( آل عمران: ٨٥ ).

وإذا كان الأمر كذلك فلابد أن تكون أحكام الله كاملة وشاملة لتغطية كل


ما يحتاجه الإنسان في مسيرته الشاقة للتغلب على كل العقبات والصمود أمام التحديات والوصول إلى الهدف المنشود.

ولكل ذلك عبر سبحاه وتعالى عن هذه الحقيقة بقوله:

( مَا فَرَّطْنَا فِي الْکِتَابِ مِنْ شَيْ‌ءٍ ) ( الانعام: ٣٨ ).

وعلى هذا الأساس فليس هناك من شيء إلا وهو مذكور في كتاب الله تعالى، ولكن الإنسان بعقله المحدود لا يدرك كل الأشياء التي ذكرها الله سبحانه وتعالى لحكمة بالغة لا تخفى على أهل المعرفة. وذلك كقوله سبحانه وتعالى:

( وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لٰکِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) ( الإسراء: ٤٤ ).

و « إن من شيء » بدون استثناء تدل على الإنسان والحيوان والجماد يسبح وقد يقبل الإنسان تسبيح الحيوان والكائنات الحية من النباتات ولكن عقله لا يفقه تسبيح الحجارة مثلاً. قال تعالى:

( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْرَاقِ‌ ) ( ص: ١٨ ).

وإذا سلمنا بذلك وآمنا به، فلابد من التسليم والإيمان بأن كتاب الله فيه كل الأحكام التي يحتاجها الناس إلى يوم القيامة، ولكننا لا ندركها إلا إذا رجعنا لمن أنزل عليه وفهم كل معانيه، وهو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال تعالى:

( وَ نَزَّلْنَا عَلَيْکَ الْکِتَابَ تِبْيَاناً لِکُلِّ شَيْ‌ءٍ ) ( النحل: ٨٩ ).

وإذا سلمنا بأن الله سبحانه بين كل شيء إلى رسوله ليبين للناس ما نزل إليهم، فلابد أن نسلم بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد بين كل شيء ولم يترك شيئاً يحتاجه الناس إلى يوم القيامة إلا وأعطى فيه حكماً. وإذا لم يصلنا ذلك البيان أو لم نعرفه نحن اليوم فذلك ناتج عن قصورنا وتقصيرنا وجهلنا، أو هو ناتج عن خيانة الواسطة التي بيننا وبينه أو هو ناتج عن جهل الصحابة وعدم وعيهم لما بينهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


ولكن الله سبحانه وتعالى جلت حكمته يعلم أن كل هذه الاحتمالات ممكنة أو واقعة فلا يترك شريعته تضيع، فاصطفى من عباده أئمة أورثهم علم الكتاب وتبيانه، لكي لا يكون للناس على الله حجه، قال تعالى:( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْکِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) ( فاطر: ٣٢ ).

ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين للناس ما يحتاجون إليه واختص وصية علياً بكل ما يحتاج الناس بعده إلى قيام الساعة وذلك للمزايا التي كان يتمتع بها علي من بين الأصحاب جميعاً من ذكاء مفرط، وفهم حاد وحفظ قوي ووعي لكل ما يسمع، فعلمه النبي كل ما يعلم وأرشد الأمة إليه على أنه بابه الذي منه يؤتى.

وإذا قال قائل بأن رسول الله بعثه الله للناس كافة فليس من حقه أن يختص بالعلم أحدهم ويحرم الآخرين، قلنا: ليس لرسول الله في ذلك الأمر شيء إنما هو عبد مأمور ينفذ ما يوحى إليه من ربه، فالله هو الذي أمره بذلك ؛ لأن الإسلام هو دين التوحيد ومبني على الوحدة في كل شيء فلابد لتوحيد الناس وجمعهم من قيادة واحدة، فهذا أمر بديهي قرره كتاب الله وحكم به العقل والوجدان قال تعالى:

( لَوْ کَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) ( الأنبياء: ٢٢ ) وقال أيضاً:( وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) (المؤمنون: ٨١ ). كذلك لو أرسل الله رسولين في زمن واحد، لانقسم الناس إلى أمتين وتفرق أمرهم إلى حزبين متعارضين. قال تعالى:( وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ) ( فاطر: ٢٤ ).

كذلك كان لكل نبي وصي يخلفه في قومه وأمته، كي لا يتشتت امرهم ويتفرق جمعهم. وهذا لعمري أمر طبيعي يعرفه الناس كافة سواء كانوا علماء أو جاهلين مؤمنين أو كافرين، ألا ترى أن كل قبيلة وكل حزب وكل دولة لابد لها من رئيس واحد يتزعمها ويقودها، ولا يمكن أن يخضعوا لرئيسين في نفس الوقت.


لكل هذا اصطفى الله سبحانه من الملائكة رسلا ومن الناس، وشرفهم بمهمة القيادة لعباده وجعلهم أئمة يهدون بأمره. قال تعالى:( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرَاهِيمَ وَ آلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ‌ ) ( آل عمران: ٣٣ ). والأئمة الذين اصطفاهم الله سبحانه لختم الرسالة المحمدية، هم أئمة الهدى من عترة النبي وكلهم من آل إبراهيم ذرية بعضها من بعض هؤلاء هم الذين أشار إليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله: « الخلفاء من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش »(١) .

ولكل زمان إمام معلوم، فمن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. والله سبحانه وتعالى إذا اصطفى إماماً طهره وعصمه وعلمه فلا يؤتى الحكمة إلا لأهلها ومستحقيها. وإذا رجعنا إلى أصل الموضوع وهو معرفة الإمام كل ما يحتاج إليه الناس من أحكام الشريعة من خلال النصوص التي جاءت في الكتاب والسنة والتي تواكب مسيرة البشرية إلى قيام الساعة، فإننا لا نجد في الأمة الإسلامية من ادعى ذلك غير أئمة أهل البيتعليهم‌السلام الذين صرحوا عديد المرات بأن عندهم الجامعة وهي من إملاء رسول الله وخط علي بن أبي طالب وفيها كل ما يحتاجه الناس إلى يوم القيامة حتى أرش الخدش.

وقد أشرنا إلى هذه الصحيفة الجامعة التي كان يحملها علي معه وقد أشار إليها البخاري ومسلم في صحيحهما ولا يمكن لأي واحد من المسلمين تكذيب ذلك.

وعلى هذا الأساس فإن الشيعة الذين انقطعوا لأئمة أهل البيت حكموا في الشريعة بنصوص القرآن والسنة ولم يضطروا لغيرها وذلك على الأقل طيلة ثلاثة قرون حياة الأئمة الاثني عشر.

____________________

(١) أخرج الحديث البخاري في صحيحه ج ٨ ص ١٢٧ وصحيح مسلم ج ٦ ص ٣ وفي بعض الروايات كلهم من بني هاشم بدلاً من قريش، وسواء أكان من بني هاشم أم من قريش فكلهم من آل إبراهيم كما هو معلوم.


أما « أهل السنة والجماعة » فقد اضطروا للاجتهاد والقياس وغير ذلك لفقدان النصوص وجهل أئمتهم من أيام الخلافة الأولى. وإذا كان الخلفاء عندهم قد عمدوا لحرق النصوص النبوية والعمل على منعها وكتمانها. وإن كان كبيرهم يقول: حسبنا كتاب الله، ضارباً بالسنة النبوية عرض الجدار، فمن الطبيعي جداً أن يفتقروا إلى النصوص المبينة لأحكام القرآن نفسه.

فكلنا يعلم بأن أحكام القرآن الظاهرية قليلة جداً وهي في عمومها تفتقر إلى بيان النبي، ولذلك قال تعالى:( وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْکَ الذِّکْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) ( النحل: ٤٤ ).

وإذا كان القرآن يفتقر للسنة النبوية لتبين أحكامه ومقاصده. وإذا كان أقطاب « أهل السنة والجماعة » قد أحرقوا السنة المبينة للقرآن، فلم يبق عندهم بعدها نصوص لا لبيان القرآن ولا لبيان السنة نفسها. فلابد والحال هذه أن يعمدوا للاجتهاد والقياس واستشارة العلماء عندهم فيأخذوا بالاستحسان وبما يرون فيه مصلحتهم الوقتية. ومن الطبيعي جداً أن يحتاجوا إلى كل ذلك لفقد النصوص ويضطروا إليه اضطراراً.


والمرجعية عند الشيعة التقليد

لابد لكل مكلف من المسلمين، إذا لم يكن مجتهداً - يمعنى أنه قادر على استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة - أن يقلد مرجعاً جامعاً للشرائط من العلم والعدل والورع والزهد والتقوى وذلك لقوله تعالى:( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّکْرِ إِنْ کُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) ( النحل: ٤٣ ).

وإذا بحثنا هذا الموضوع نجد الشيعة الإمامية قد واكبوا الأحداث فلم تنقطع عندهم سلسلة المرجعية أبداً من وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلى يوم الناس هذا. وقد واصل الشيعة تقليد الأئمة الاثني عشر من أهل البيتعليهم‌السلام ، وقد استمر وجود هؤلاء الأئمة أكثر من ثلاثة قرون على نسق واحد فلم يخالف واجد منهم قول الثاني ؛ لأن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة كانت هي المتبعة عندهم جميعاً ولم يعملوا بقياس ولا باجتهاد ولو فعلوا لكان الاختلاف عندهم شائعاً، كما وقع لأتباع « أهل السنة والجماعة ».

ويستنتج من هذا أن مذهب « أهل السنة والجماعة » سواء كان حنفياً أم مالكياً أم شافعياً أم حنبلياً، فهو مبني على رأي رجل واحد بعيد عن عصر الرسالة ولا تربطه بالنبي أية صلة. أما مذهب الشيعة الإمامية فهو متواتر عن اثني عشر إماماً من ذرية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينقل الابن عن أبيه فيقول أحدهم: حديثي هو حديث أبي وحديث أبي هو حديث جدي وحديث جدي هو حديث أمير المؤمنين علي وحديث علي


هو حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحديث رسول الله هو حديث جبريلعليه‌السلام وهو كلام الله تعالى.

( وَ لَوْ کَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً کَثِيراً ) ( النساء: ٨٢ ). ثم جاءت مرحلة ما بعد غيبة الإمام المعصوم الذي أرجع الناس إلى تقليد العالم الفقيه الجامع للشرائط. وبدأت سلسلة الفقهاء المجتهدين منذ ذلك العهد إلى اليوم تتوالى بدون انقطاع، وفي كل عهد يبرز في الأمة مرجع واحد أو عدة مراجع للشيعة يقلدونهم في أعمالهم حسب الرسائل العملية التي يستبطها كل مرجع من الكتاب والسنة، ولا يجتهد إلا في الأمور المستحدثة التي عرفها هذا القرن بسبب التقدم العلمي والتكنولوجي، كعملية زرع القلب أو أي عضو جسدي من شخص لآخر، أو الحمل الاصطناعي، أو المعاملات البنكية وغير ذلك.

وقد يبرز من بين المجتهدين أعلمهم فيسمى المرجع الأعلى للشيعة أو زعيم الطائفة والحوزة العلمية، والذي يحظى بتقدير واحترام كل المراجع الآخرين. ويقلد الشيعة على مر العصور الفقيه الحي الذي يعيش مشاكل الناس ويهتم بهمومهم فيسألونه ويجيبهم. وبهذا بقي الشيعة في كل العصور يحافظون على المصدرين الأساسيين للشريعة الإسلامية من الكتاب والسنة والنصوص المنقولة عبر الأئمة الاثني عشر من العترة الطاهرة جعلت علماءهم يستغنون عن القياس والقول بالرأي ؛ لأن الشيعة اعتنوا بتدوين السنة النبوية من زمن علي بن أبي طالب الذي كان يحتفظ بالصحيفة الجامعة التي جمعت كل ما يحتاجه الناس إلى يوم القيامة كان الأئمة من ولده يتوارثونها كابراً عن كابر، ويكنزونها كما يكنز الناس الذهب والفضة. وقد نقلنا قول الشهيد آية الله الصدر في رسالته العملية والتي ذكر فيها بأنه لم يعتمد إلا على القرآن والسنة.


وليس ذكرنا للشهيد الصدر إلا مثالاً، وإلا فإن كل مراجع الشيعة بدون استثناء يقولون نفس القول. وبهذا البحث الوجيز في مسألة التقليد الشرعي والمرجعية الدينية يتبين لنا بأن الشيعة الإمامية هم أهل القرآن والسنة النبوية المنقولة مباشرة عن علي « باب مدينة العلم » العالم الرباني والمرشد الثاني للأمة بعد نبيها من كان في القرآن كنفس النبي(١) . فمن جاء للمدينة ودخلها من بابها فقد وصل إلى المعين الصافي وأخذ بالكيل الوافي والعلاج الشافي، وقد استمسك بالعروة الوثقى لا انقصام لها لقوله تعالى:( وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ) ( البقرة: ١٨٩ ).

ومن أتى البيوت من غير أبوابها سمي سارقاً فلم يتمكن من الدخول ولم يعرف سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسيعاقبه الله على عصيانه.

____________________

(١) إشارة إلى قوله تعالى: ( قل تعالوا ندع أنفسنا وأنفسكم )، فدعا علي بن أبي طالب: أخرجه مسلم في صحيحه في باب فضائل عليعليه‌السلام .


التقليد والمرجعية عند أهل السنة والجماعة

وإذا بحثنا موضوع التقليد والمرجعية عند « أهل السنة والجماعة » فإننا نتحير لإيجاد علاقة تربط هؤلاء بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكلنا يعلم بأن « أهل السنة والجماعة » يرجعون في التقليد إلى أئمة المذاهب الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، وكل هؤلاء لا يعرفون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا صاحبوه.

وفي وقت كان الشيعة يقلدون علي بن أبي طالبعليه‌السلام الذي لم يفارق النبي طيلة حياته ومن بعده يقلدون سيدي شباب أهل الجنة الإمام الحسن والإمام الحسين سبطي النبي والإمام علي بن الحسين زين العابدين، وابنه الإمام الباقر وحفيده الإمام الصادقعليهم‌السلام ، لم يكن « لأهل السنة والجماعة » وجود في ذلك العصر ولم يحدثنا التاريخ عنهم اين كانوا ومن هو إمامهم الذي يقلدونه ويرجعون إليه في الأحكام الشرعية من الحلال والحرام، من يوم وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى ظهور المذاهب الأربعة ؟

ويظهر بعد ذلك على مسرح الحياة أئمة المذاهب الأربعة واحداً بعد واحد وعلى فترات متفاوتة حسب رغبة الحكام العباسيين كما قدمنا في بحث سابق. ثم يظهر بعد ذلك تكتل يجمع المذاهب الأربعة تحت شعار براق يأخذ بالألباب ويتسمى ب- « أهل السنة والجماعة » ويلتف حوله كل من عادى علياً والعترة الطاهرة وكان من أنصار الخلفاء الثلاثة وكل الحكام من بني أمية وبني العباس، فاعتنق الناس تلك المذاهب طوعاً وكرهاً، لأن الحكام عملوا على تأييدها بوسائل الترغيب والترهيب والناس على دين ملوكهم.


ثم نجد « أهل السنة والجماعة » وبعد موت الأئمة الأربعة يغلقون باب الاجتهاد في وجه علمائهم فلا يسمحون لهم إلا بالتقليد لأولئك الائمة الميتين. ولعل الحكام والأمراء هم الذين أغلقوا عليهم باب الاجتهاد ولم يسمحوا لهم بالنقد والنظر في شؤون الدين خوفاً من التحرر الفكري الذي قد يسبب لهم قلاقل وفتناً قد تهدد مصالحهم وكيانهم.

واصبح « أهل السنة والجماعة » مقيدين لتقليد رجل ميت لم يشاهدوه ولم يعرفوه حتى يطمئنوا لعدالته وورعه وعلمه، وإنما كل ما هنالك أنهم أحسنوا الظن بأسلافهم الذين يروي كل فريق منهم مناقب خيالية في الإمام الذي يتبعه فجاء أغلبها فضائل منامية لا تتعدى أضغاث أحلام أو طيف منام، أو ظناً وأوهاماً، فكل حزب بما لديهم فرحون.

ولو نظر المثقفون من « أهل السنة والجماعة » اليوم إلى المثالب التي رواها أسلافهم أيضاً وتضارب الأقوال في بعضهم حتى وصل بهم الأمر إلى الحروب والتكفير في ما بينهم، لراجعوا موقفهم من أولئك الأئمة ولكانوا من المهتدين.

ثم كيف يقلد المسلم العاقل في هذا الزمان رجلاً لا يعرف من مستحدثات العصر شيئاً، ولا يجيبه إذا سأله عن حل لبعض مشاكله، ومن المؤكد بأن مالكاً وأبا حنيفة وغيرهم سيتبرأون من « أهل السنة والجماعة » يوم القيامة ويقولون: ربنا لا تؤاخذنا بما فعل هؤلاء الذين لم نعرفهم ولم يعرفونا، وما قلنا لهم يوماً بوجوب تقليدنا.

ولا أدري ماذا سيكون جواب « أهل السنة والجماعة » عندما يسألهم رب العالمين عن الثقلين ؟ ثم يأتي عليهم بالرسول شهيداً، وسوف لن يقدروا على دفع شهادته، ولو تذرعوا بطاعة ساداتهم وكبرائهم. وإذا سألهم: هل وجدتم في كتابي أو في سنة رسولي عهداً أو ميثاقاً أو حجة على اتباع المذاهب الأربعة ؟ ؟ والجواب على هذا معروف ولا يتطلب مزيداً من العلم، فليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله شيء من ذلك، وإنما في كتاب الله وسنة رسوله أمر صريح بالتمسك بالعترة الطاهرة وعدم التخلف عنهم.


ولعلهم سيقولون:( رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَ سَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ‌ ) ( السجدة: ١٢ ) وسكون الرد: كلا، تلك كلمة أنتم قائلوها.

وسيقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يارب، إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً، إنني أوصيتهم بعترتي وبلغتهم ما أمرتني به من مودة قرابتي، فنكثوا بيعتي وقطعوا رحمي، وذبحوا ولدي وأباحوا حرمي، فلا ترزقهم يا رب شفاعتي ).

ومرة أخرى يتبين لنا بأن « أهل السنة والجماعة » لا تربطهم بالرسول صلة ولا مودة، فمن فارق العترة فقد فارق القرآن ومن فارق القرآن فلن تجد له من دون الله وليا ولا نصيرا( وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّکْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَ کَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً ) ( الفرقان: ٢٧ - ٢٩ ).


الخلفاء الراشدون عند الشيعة

هم الأئمة الاثنا عشر من العترة النبوية الطاهرة، أولهم:

* أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وسيد المسلمين ويعسوب الدين أسد الله الغالب علي بن أبي طالبعليه‌السلام باب مدينة العلم الذي حير العقول وبهر النفوس وأنار القلوب ولولاه - بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - لما قام للدين عمود.

* والثاني هو الإمام هو محمد الحسن بن عليعليه‌السلام سيد شباب أهل الجنة ريحانة النبي في هذه الأمة، العابد الزاهد الناصح الأمين.

* والثالث هو الإمام أبو عبد الله الحسين بن عليعليه‌السلام سيد شباب أهل الجنة وريحانة النبي في هذه الأمة، سيد الشهداء وذبيح كربلاء الذي بذل مهجته لإصلاح أمة جده.

* والرابع هو الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام وسيد الساجدين.

* الخامس هو الإمام محمد بن علي الباقرعليه‌السلام الذي يقر علوم الأولين والآخرين.

* والسادس هو الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام الذي ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفقه منه علماً وعملاً.


* والسابع هو الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليه‌السلام سليل النبوة ومعدن العلم.

* والثامن هو الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام الذي أوتي الحكمة في حال صباه.

* والتاسع هو الإمام محمد بن علي الجوادعليه‌السلام إمام الجود والكرم والأخلاق.

* والعاشر هو الإمام علي بن محمد الهاديعليه‌السلام صاحب الفضل والهدى.

* والحادي عشر هو الإمام الحسن بن علي العسكريعليه‌السلام إمام الزهد والتقوى.

* الثاني عشر هو الإمام محمد بن الحسن المهديعليه‌السلام الذي سيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ويصلي خلفه ابن مريمعليه‌السلام ويتم الهل به ويفرح به المؤمنون.

فهؤلاء هم أئمة الشيعة وعددهم اثنا عشر إماما فإذا قيل: الشيعة الإمامية، أو الاثنا عشرية، أو الجعفرية كانوا هم المقصودين دون سواهم. فلم يقل أحد من الفرق الإسلامية بإمامتهم غيرهم.

وإذا تتبعنا الآيات القرآنية النازلة بخصوصهم والتي تبين فضلهم وشرف منزلتهم وطيب عنصرهم وطهارة نفوسهم وعظيم شأنهم، كآية المودة وآية إذهاب الرجس والتطهير، وآية المباهلة، وآية الأبرار، وآية الصلاة والتسليم، وغيرها كثير. وإذا تتبعنا الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في فضلهم وتقدمهم على الأمة وأعلميتهم وعصمتهم فإننا سنسلم قطعاً بإمامتهم وأنهم آمان الأمة من الضلالة وسبيلها الوحيد إلى الهداية.


وسيتبين لنا جلياً بأن الشيعة هم الفائزون لأنهم تمسكوا بحبل الله المتين وهو ولاؤهم واستمسكوا بالعروة الوثقى لا انفصام لها وهي مودتهم، وركبوا سفينة النجاة وآمنوا من الغرق والهلاك.

ولذلك نحكم ونجزم بمزيد اليقين والمعرفة بأن الشيعة الإمامية هم أهل السنة المحمدية.( لَقَدْ کُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هٰذَا فَکَشَفْنَا عَنْکَ غِطَاءَکَ فَبَصَرُکَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ( ق: ٢٢ ).

صدق الله العلي العظيم


الخلفاء الراشدون عند أهل السنة والجماعة

هم الخلفاء الأربعة الذين اعتلوا منصة الخلافة بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأهل « السنة والجماعة» يقولون فأفضليتهم على حسب ترتيب خلافتهم وعلى سائر الخلق بعد النبي. هذا ما نسمعه اليوم، وقد عرفنا في ما سبق من أبحاث بأن الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام لم يكن معدوداً عندهم من الخلفاء العاديين فضلاً عن الراشدين، وإنما لحقه في ركب الخلفاء الإمام أحمد بن حنبل في زمن متأخر جداً، وكان قبلها يلعن على منابرهم في كل البلاد الإسلامية والإمبراطورية الأموية.

ولمزيد التحقيق وليطمئن القارئ إلى هذه الحقيقة المؤسفة لابد من لفت نظره إلى ما يأتي:

قد قدمنا أن عبد الله بن عمر هو من أكابر فقهاء « أهل السنة والجماعة » وقد اعتمده مالك في موطأه، والبخاري ومسلم في صحيحهما، وباقي المحدثين عن بكرة أبيهم. فهذا الرجل كان من النواصب الكبار الذين عرفوا ببغضهم الصريح لأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، ويحدثنا التاريخ أنه رفض البيعة لولي المؤمنين وأسرع يبايع الحجاج اللعين عدو الله ورسوله(١) .

____________________

(١) الحجاج بن يوسف الثقفي المعروف بفسقه وكفره وجرائمه واستهتاره بالذين، أخرج الحاكم في المستدرك ج ٣ ص ٥٥٦ وابن عساكر ج ٤ ص ٦٩ أن الحجاج كان يقول: يزعم ابن مسعود أنه يقرأ قرآنا من عند الله، والله ما هو إلا رجز من رجز الأعراب. وكان يقول: اتقوا الله ما استطعتم فليس فيها مشوبة واسمعوا وأطيعوا لأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فإنها المثوبة.

كما أخرج أبن عقيل في كتاب النصائح الكافية ص ٨١ أن الحجاج خطب بالكوفة فذكر الذين يزورون قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمدينة قال: تبا لهم إنما يطوفون بأعواد ورمة بالية، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك ؟ ألا يعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله.


وقد كشف عبد الله بن عمر عن مكنون قلبه واباح بخالص سره، عندما حدث بأنه لا يعد لعليعليه‌السلام فضلاً ولا فضيلة ولا منفية واحدة تجعله على الأقل في المرتبة الرابعة بعد عثمان بن عفان. وقد عرفنا بأنه يفضل أبا بكر وعمر وعثمان فقط، أما عليعليه‌السلام فهو بالنسبة إليه من سوقة الناس إن لم يكن أقلهم عنده، وإليك حقيقة أخرى أخرجها المحدثون والمؤرخون تعرب بصراحة عن نفسية ابن عمر الحاقدة والمبغضة لعلي ولكل الأئمةعليهم‌السلام من عترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الطاهرة.

قال عبد الله بن عمر وهو يفسر حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوله: ( الخلفاء من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش )، قال عبد الله بن عمر: يكون على هذه الأمة اثنا عشر خليفة وهم:

أبوبكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان ذو النورين، معاوية وابنه ملكا الأرض المقدسة، والسفاح، وسلام، ومنصور، وجابر، والمهدي، والأمين، وأمير العصب، كلهم من بني كعب بن لؤي، كلهم صالح لا يوجج مثله(١) .

إقرأ واعجب أيها القارئ العزيز من هذا الفقيه المعظم عند « أهل السنة والجماعة » كيف يحرف الحقائق ويقلبها فيجعل معاوية وابنه يزيد، والسفاح من أفضل العباد، إذ يقول صراحة: كلهم صالح ولا يوجد مثله !

وقد أعمى بصره الحقد والجهل، كما أعمى بصيرته الحسد والبغض(٢) فلم ير لأمير المؤمنين عليعليه‌السلام فضلاً ولا فضيلة فيقدم عليه معاوية الطليق وابنه يزيد الزنديق والمجرم السفاح، وما عشت أراك الدهر عجباً !

____________________

(١) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٤٠ كنز العمال ج ٦ ص ٦٧ تاريخ ابن عساكر والذهبي.

(٢) اقرأ ولا تنس قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي أخرجه البخاري ومسلم بأن حب علي بن أبي طالب إيمان وبغضه نفاق وإن المنافقين كانوا لا يعرفون زمن النبي إلا ببغضهم لعلي.


فعبد الله بن عمر هو ابن أبيه حقاً والشيء من مأتاه لا يستغرب وكل إناء بالذي فيه ينضح، فأبوه عمل بكل جهوده لإبعاد عليعليه‌السلام عن الخلافة واحتقاره وانتقاصه في أعين الناس.

وهذا ابنه الحاقد البغيض، ورغم وصول عليعليه‌السلام إلى الخلافة بعد مقتل عثمان إذ بايعه المهاجرون والأنصار، نراه امتنع عن مبايعته وعمل بكل جهوده على أطفاء نوره وتأليب الناس عليه لإسقاطه فجعل يحدث ويوهم المسلمين بأن علياًعليه‌السلام لا فضل له وهو كسائر الناس العادين.

وقد خدم عبد الله بن عمر الدولة الأموية وتوج معاوية وابنه يزيد بتاج الخلافة كذباً وافتراء على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واعترف بخلافة السفاح والمنصور ولك فساق بني أمية وقدمهم على سيد المسلمين وولي المؤمنين بنص القرآن والسنة ولم يعترف بخلافته رغم وقوعها، إن هذا لشيء عجيب !

ولنا مع ابن عمر لقاء آخر في بحث لاحق لنكشف الستار عنه أكثر، مع أن فيما قدمناه كفاية لإسقاطه من الاعتبار وتجريده من العدالة، وعده في زمرة النواصب الذين أسسوا مذهب « أهل السنة والجماعة » وأصبح عندهم من أكبر الفقهاء والمحدثين.

وأنت إذا جبت الأرض شرقاً وغرباً وصليت في مساجد « أهل السنة والجماعة » قاطبة وتحدثت مع علمائهم فسوف يملأ سمعك قول أئمتهم في كل مناسبة: « عن عبد الله بن عمر رضي اله عنهما ».


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يقبل تشريع « أهل السنة والجماعة »

عرفنا مما سبق بأن الشيعة اقتداءً بأئمة أهل البيتعليهم‌السلام لم يعملوا بالرأي ولا بالقياس بل حرموهما، وذلك ؛ لأن النصوص النبوية كانت هي القاضية والحاكمة عندهم، وقد توارثوها كابراً عن كابر، وقد جاء ذكر الصحيفة الجامعة وطولها سبعون ذراعاً وفيها كل ما يحتاجه المسلمون إلى قيام الساعة.

كما عرفنا أيضاً بأن « أهل السنة والجماعة » اضطروا للعمل بالرأي وبالقياس وذلك لعدم وجود النصوص النبوية عندهم وافتقارهم إليها ؛ لأن كبراءهم وساداتهم رفضوها وأحرقوها ومنعوا من تدوينها وكتابتها.

وقد عمد أنصار الاجتهاد والقول بالرأي إلى وضع حديث على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لتأييد مذهبهم وتلبيس الحق بالباطل، فقالوا بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث معاذ بن جبل إلى اليمن وسأله: كيف تقضي إذا عرض لك القضاء ؟ فقال معاذ: أقضي بكتاب الله، فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن لم تجد في كتاب الله ؟ قال: أقضي بسنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: إن لم تجد في سنة رسوله ؟ فقال معاذ عند ذلك: إن لم أجد أجتهد برأيي.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند ذلك: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله. وهذا الحديث باطل ولا يمكن أن يصدر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكيف يقول النبي لمعاذ: إن لم تجد في كتاب الله وسنة رسوله ؟ والله يقول لرسوله:( وَ نَزَّلْنَا


عَلَيْکَ الْکِتَابَ تِبْيَاناً لِکُلِّ شَيْ‌ءٍ ) ( النحل ٨٩ ). ويقول:( مَا فَرَّطْنَا فِي الْکِتَابِ مِنْ شَيْ‌ءٍ ) ( الأنعام: ٣٨ ) وكذلك قوله:( وَ مَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاکُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) ( الحشر: ٧ ). وقال أيضاً لرسوله:( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْکَ الْکِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْکُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاکَ ) (النساء: ١٠٥ ). فكيف يقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد هذا لمعاذ: إن لم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ؟ ! وهل هذا إلا اعتراف بأن كتاب الله وسنة رسوله ناقصان ولم يبينا كل الأحكام القضائية ! ولقائل أن يقول: ربما كان هذا الحديث لمعاذ بن جبل في بداية الدعوة ولم يكمل بعد نزول القرآن.

قلنا: لا يصح ذلك، أولاً: لقول معاذ: أحكم بكتاب الله. فدل على أن كتاب الله كامل عندهم.

وإذا أضفنا إليه قوله: أقضي بسنة رسوله، علمنا بما لا شك فيه بأن الحديث وضع في زمن متأخر جداً عندما كثر القول بالاجتهاد مقابل النصوص ؛ لأن مصطلح كتاب الله وسنة رسوله كان يستعمل دائماً فيما بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولا يصح ثانياً لأنه يصبح حجة لكل من جهل أحكام الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يقضي برأيه بما شاء ولا يكلف نفسه معرفة النصوص.

ولا يصح ثالثاُ لقول الله سبحانه:( وَ مَنْ لَمْ يَحْکُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولٰئِکَ هُمُ الْکَافِرُونَ‌ ) ( وَ مَنْ لَمْ يَحْکُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولٰئِکَ هُمُ الظَّالِمُونَ‌ ) ( وَ مَنْ لَمْ يَحْکُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولٰئِکَ هُمُ الْفَاسِقُونَ‌ ) ( المائدة: ٤٤ - ٤٥ - ٤٧ ).

ولا يصح رابعاً لأن الذي يجهل الأحكام لا يحق له القضاء ولا الإفتاء حتى يعرف حكم الله ورسوله في ذلك. وإذا كان النبي نفسه هو رسول الله وقد أعطاه الله سبحانه حق التشريع للأمة فقال:( وَ مَا کَانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَکُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) ( الأحزاب: ٣٦ )، ومع ذلك فإنه لم يعمل طيلة حياته ولم


يحكم في قضية واحدة برأي ولا بقياس، ولا باجتهاد، بل كان دائماً يتبع النصوص الإلهية التي ينزل بها جبريلعليه‌السلام كلما دعت الحاجة لذلك، والروايات التي تخالف هذا الواقع كلها موضوعة.

ولمزيد الاطمئنان بما قدمناه، إليك الدليل من صحاح « أهل السنة » أخرج البخاري في صحيحه قوله:

« ما كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسأل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول: لا أدري أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي، ولم يقل برأي ولا قياس لقوله تعالى:( بِمَا أَرَاکَ اللَّهُ ) ( النساء: ١٠٥ )(١) .

نعم هذا هو رب العالمين وأحكم الحاكمين يقول لرسول الله:( وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْکَ الْکِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْکِتَابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْکُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ... ) ( المائدة: ٤٨).

نعم هذا هو القرآن يقول لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْکَ الْکِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْکُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاکَ اللَّهُ... ) ( النساء: ١٠٥ ).

وإذا كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يعمل برأي ولا بقياس بشهادتهم في صحاحهم، فكيف تسنى لهم أن يعملوا بذلك ؟ ! وكيف يخالفون أحكام الله وسنة رسوله ثم يقولون بأنهم « أهل السنة » إنه حقاً أمر عجيب وغريب.

____________________

(١) صحيح البخاري ج ٨ ص ١٤٨ من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ( النساء / ١٠٥ ).


تنبيه لابد منه

إذا تكلمنا في الفصول القادمة عن « أهل السنة والجماعة » فإننا لا نقصد بهم المسلمين المعاصرين فقد لاحظنا في عديد الفقرات بأن هؤلاء أبرياء وليس لهم في ما اقترفه السلف من ذنب ولا إثم وقلنا بأنهم ضحايا الدس والتعتيم التاريخي الذي صاغه الأمويون والعباسيون وأذنابهم لمحق السنة النبوية وإرجاع الأمر إلى الجاهلية.

ولقد كنا منهم نسير في ركبهم ونهتدي بهديهم فمن الله علينا وهدانا إلى سفينة النجاة، وليس لنا إلا التضرع والابتهال إليه سبحانه أن يهدي لذلك كل الأمة الإسلامية حتى لا يبقى إلا الحق. ولقائل أن يقول: إن تناول الصحابة بهذا النقد والتجريح يخدش شعور الأغلبية من المسلمين الذين يعتقدون بعدالتهم جميعاً ويعتبرونهم أفضل الخلق بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنقول بأن المسلمين مطالبون بالاعتقاد في الله وفي رسوله والعمل بما افترضاه والوقوف عند الحدود التي رسماها، ويتوقف نجاة المسلمين بما فيهم الصحابة على ذلك، فمن خرج عن ذلك مصيره إلى النار ولو كان عم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو ولده.

وإن تناول البعض من الصحابة بالنقد والتجريح فرضته الأحداث التاريخية التي تفاعلوا معها واختلفوا وكانوا سبب اختلاف الأمة ورزيتها.


عداوة « أهل السنة » لأهل البيت تكشف عن هويتهم

إن الباحث يقف مبهوتاً عندما تصدمه حقيقة « أهل السنة والجماعة » ويعرف بأنهم كانوا أعداء العترة الطاهرة، يقتدون بمن حاربهم ولعنهم وعمل على قتلهم ومحو آثارهم. ولذلك تجد « أهل السنة والجماعة » يوثقون المحدثين إذا كانوا من الخوارج أو من النواصب العثمانية، ويتهمون ويوهنون المحدثين إذا كانوا من شيعة أهل البيت. وإنك تجد ذلك مذكوراً في كتبهم بصراحة عندما يحاولون تكذيب الأحاديث الصحيحة التي وردت في فضائل علي بن أبي طالبعليه‌السلام ويوهنون راويها بقولهم: وفي سنده فلان وهو رافضي(١) .

ويصححون الأحاديث المكذوبة التي وضعت لتفضيل وتمجيد الخلفاء الآخرين، وإن كان راويها من النواصب ؛ لأن النصب عندهم هو شدة وصلابة في السنة. فهذا ابن حجر يقول عن عبد الله بن إدريس الأزدي المعروف بالنصب: يقول: إنه صاحب سنة وجماعة وكان صلباً في السنة وكان عثمانياً(٢) .

ويقول في عبد الله بن عون البصري: إنه موثق وله عبادة وصلابة في السنة ،

____________________

(١) رافضي بمعنى يتشيع لعلي ويرفض خلافة الذين تقدموه.

(٢) تهذيب التهذيب لابن حجر ج ٥ ص ١٤٥ وكذلك ج ١ ص ٨٢.


وشدة على أهل البدع، قال ابن سعد: وكان عبد الله بن عون البصري عثمانياً(١) .

كما يقول في إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني المعروف ببغضه لعليعليه‌السلام : إنه كان حريزي المذهب أي على مذهب حريز بن عثمان الدمشقي المعروف بالنصب(٢) . قال ابن حيان: إنه كان صلباً في السنة حافظاً للحديث. وتجد الإشارة هنا بأن هذا الناصبي الذي يمدحونه بالصلابة في السنة ويحفظ الحديث، كان يغتن المحدثين على بابه، فيبعث بجارية له ومعها دجاجة في يدها، فتطوف في المدينة، ثم تعود لتقول لسيدها الجوزجاني بأنها لم تجد من يذبح لها الدجاجة، فيصيح عند ذلك قائلاً: سبحان الله ! ! فروجة لا يوجد من يذبحها وعلي يذبح في صحوة من نهار نيفاً وعشرين ألف مسلم !!

وبمثل هذا المكر والدهاء يحاول النواصب أعداء أهل البيت تحريف الناس عن الحق وإضلالهم بمثل هذه الأراجيف الكاذبة حتى يملأوا قلوب المسلمين وخصوصاً المحدثين منهم، حقداً وبغضاً لعلي بن أبي طالبعليه‌السلام ويستبيحوا بذلك سبه وشتمه ولعنه. وإنك لتجد هذه الظاهرة موجودة إلى يوم الناس هذا فرغم ادعاء « أهل السنة والجماعة » في زماننا بأنهم يحبون أهل البيت ويترضون عن سيدنا علي ( كرم الله وجهه ) كما يقولون، إلا أنك عندما تروي حديثاً فيه فضيلة لعليعليه‌السلام تراهم يغمزون ويهزأون، ويرمونك بالتشيع وقول البدع والغلو في الدين.

____________________

(١) المعروف أن العثمانيين هم النواصب الذين يكفرون عليا ويتهمونه بقتل عثمان وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان ابن عم عثمان، فهو رئيسهم وزعيمهم.

(٢) النواصب هم أعداء علي وأهل بيته من الخوراج والقاسطين والناكثين والذين ناصبوا له العداء وحاربوه، وبعد استشهاده عملوا على سبه ولعنه.


وعندما تحدث عن الخلفاء أبي بكر وعمر وكل الصحابة بدون استثناء وتقول في فضلهم ما شئت وتغالي في ذلك، فإنهم يطمئنون إليك ويستأنسون بحديثك ويقدموك على أنك كثير العلم واسع الاطلاع. إنها بالضبط عقيدة سلفهم « الصالح »، فقد نقل المؤرخون بأن الإمام أحمد بن حنبل كان يضعف من أهل الحديث كل من ينتقص أبا بكر أو عمر أو عثمان، بينما كان يكرم إبراهيم الجوزجاني الناصبي المتقدم ذكره إكراماً شديداً، ويراسله ويقرأ كتبه على المنبر ويحتج بها.

وإذا كان هذا حال أحمد بن حنبل الذي فرض على معاصريه القول بخلافة عليعليه‌السلام وربع بها، فلا تسأل عن الآخرين الذين لم يعترفوا له بفضيلة واحدة أو الذين سبوه ولعنوه على المنابر في الجمعة والأعياد. وهذا الدارقطني يقول: كان ابن قتيبة متكلم أهل السنة يميل إلى التشبيه، منحرف عن العترة(١) .

وبهذا يتبين بأن أغلب « أهل السنة والجماعة » كانوا منحرفين عن عثرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وهذا المتوكل الذي لقبه أهل الحديث ب- « محيي السنة » والذي كان يكرم أحمد بان حنبل ويعظمه ويطيع أوامره في تنصيب القضاة، كان من أكبر النواصب لعلي ولأهل البيتعليهم‌السلام حتى وصل به الحقد إلى نبش قبر الحسين بن علي ومنع من زيارته، وقتل من يتسمى بعلي. وذكره الخوارزمي في رسائله وقال بأنه كان لا يعطي مالاً ولا يبذل نوالاً إلا لمن شتم آل أبي طالبعليهم‌السلام ونصر مذهب النواصب(٢) .

وغني عن التعريف بأن مذهب النواصب هو مذهب « أهل السنة والجماعة » فناصر مذهب النواصب المتوكل هو نفسه « محيي السنة » فافهم.

____________________

(١) لسان الميزان للذهبي ج ٣ ص ٣٥٧.

(٢) رسائل الخوارزمي ص ١٣٥.


وهذا ابن كثير يحدثنا في البداية والنهاية بأن « أهل السنة والجماعة » عندما سمعوا الأعمش يروي حديث الطير المشوي الذي فيه فضيلة علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، أخرجوه من المسجد وغسلوا مكانه(١) .

كما أنهم حاولوا منع دفن الإمام محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير الكبير والمؤرخ العظيم لا لشيء إلا ؛ لأنه صحح حديث غدير خم ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه ) وجمع رواياته من طرق متعدده، بلغت حد التواتر.

قال ابن كثير: وقد رأيت له كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين، وكتاباً جمع فيه حديث الطير المشوي(٢) ، وذكره أيضاً ابن حجر في لسان الميزان فقال: هو الإمام الجليل والمفسر، ثقة، صادق، فيه تشيع يسير وموالاة لا تضر(٣) .

وهذا المحدث الكبير الإمام النسائي وهو صاحب أحد الصحاح الست عند « أهل السنة »، عندما كتب كتاب الفضائل في أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، سألوه عن فضائل معاوية، فقال: لا أعرف له فضيلة إلا لا أشبع الله بطنه، فضربوه على مذاكيره حتى غشي عليه ونقل ومات من ذلك.

كما يحدثنا ابن كثير في تاريخه عن حوادث سنة ٣٦٣ التي وقعت في بغداد بين الشيعة و « أهل السنة والجماعة » بمناسبة يوم عاشوراء، قال:

إن جماعة من « أهل السنة » أركبوا امرأة سموها عائشة وتسمى بعضهم بطلحة، وبعضهم بالزبير، وقالوا: نقاتل أصحاب عليعليه‌السلام ، فقتل بسب ذلك خلق كثير(٤) .

وهذا بالضبط ما يقع اليوم في الهند فإن « أهل السنة والجماعة » يهجمون على الشيعة في يوم عاشوراء ليمنعوهم من موكب التعزية فيقتل بسبب ذلك خلق كثير من المسلمين الأبرياء.

____________________

(١) ابن كثير في كتاب البداية والنهاية ج ١١ ص ١٤٧.

(٢) البداية والنهاية لابن كثير ج ١١ ص ١٤٧.

(٣) لسان الميزان لابن حجر في ترجمة ابن جرير الطبري.

(٤) البداية والنهاية لابن كثير ج ١١ ص ٢٧٥.


وبعد هذا العرض يتبين لنا بوضوح بأن النواصب الذين عادوا علياًعليه‌السلام وحاربوا أهل البيتعليهم‌السلام ، هم الذين سموا أنفسهم ب- « أهل السنة والجماعة »، وقد عرفنا ماذا يقصدون بالسنة وماذا يقصدون بالجماعة. ومن البديهي أن من كان عدواً لعترة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو عدو لجدهم رسول الله، ومن كان عدواً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو عدو الله.

ومن البديهي أيضاً أن عدو الله ورسوله وأهل بيته ليس هو من عباد الرحمان وليس هو من أهل السنة، إلا أن تكون سنة الشيطان هي المقصودة. أما سنة الرحمان فهي مودة الله ورسوله وأهل البيت وموالاتهم والسير على هديهم، قال تعالى:( قُلْ لاَ أَسْأَلُکُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ( الشورى: ٢٣ ).

فأين معاوية من علي وأين أئمة الضلال من أئمة الهدى، وأين « أهل السنة والجماعة » من الشيعة الأبرار.( هٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَ هُدًى وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ) ( آل عمران: ١٣٨ )

صدق الله العلي العظيم


حريف أهل السنة والجماعة كيفية الصلاة على محمد وآله

تمعن - رعاك الله - في هذا الفصل فإنك ستعرف خفايا « أهل السنة والجماعة » إلى أي مدى وصل بهم الحقد على عترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يتركوا شيئاً من فضائل أهل البيت عليهم السلام إلا وحرفوه. من ذلك، الصلاة على محمد وآل محمد التي نزل بها القرآن الكريم، فقد أخرج البخاري ومسلم وكل المحدثين من « أهل السنة والجماعة » بأن الصحابة جاؤوا إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما نزل قول الله تعالى:( إِنَّ اللَّهَ وَ مَلاَئِکَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (الأحزاب ك ٥٦ ) فقالوا: يا رسول الله، عرفنا كيف نسلم عليك، ولم نعر فكيف نصلي عليك ؟ ! فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قولوا اللهم صلي على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل ابراهيم إنك حميد مجيد …(١)

وزاد بعضهم قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ولا تصلوا علي الصلاة البتراء، قالوا: وما الصلاة البتراء يا رسول الله؟ قال: ( أن تقولوا اللهم صل على محمد وتسكنوا، وإن الله كامل لا يقبل إلا الكامل ).

مما حدا بالإمام الشافعي أن يقول ويصرح بأن الذي لا يصلي على أهل البيت، لا يقبل إلا الكامل ». مما حدا بالإمام الشافعي أن يقول ويصرح بأن الذي لا يصلي على أهل البيت، لا يقبل الله صلاته. وفي سنن الدارقطني بسنده عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله

____________________

(١) صحيح البخاري ج ٤ ص ١١٨.


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من صلى صلاة لم يصل فيها علي ولا على أهل بيتي لم تقبل صلاته(١) . وأخرج ابن حجر في صواعقه قال: أخرج الديلمي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: الدعاء محجوب حتى يصل على محمد وأهل بيته(٢) . كما أخرج الطبراني في الأوسط عن عليعليه‌السلام قال: ( كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد وآل محمد(٣) . وبعدما عرفنا من صحاح « أهل السنة والجماعة » كيفية الصلاة على محمد وآل محمد وعرفنا أيضاً بأن الله لا يقبل صلاة عبد إذا لم يصل فيها على محمد وآل محمد، كما وأن دعاء المسلم محجوب حتى يصلي على محمد وآل محمد.

وإنها لعمري فضيلة عظيمة ومنقبة جليلة فضلت أهل البيت على سائر البشر فيهم يتقرب المسلم إلى ربه. ولكن « أهل السنة والجماعة » غاظهم أن يتركوا هذه الفضيلة لأهل البيت وأحسوا بخطورتها، إذ أن أبابكر وعمر وعثمان وكل الصحابة مهما قيل فيهم من فضائل مكذوبة ومناقب مزعومة، فإنهم لا يبلغون هذه المنزلة ولا يطاولون هذه المنقبة ؛ لأنهم وبأجمعهم لا يقبل الله صلاتهم إذا لم يتقربوا إلى الله بالصلاة على علي بن أبي طالب بعد محمد ؛ لأنه سيد العترة كما لا يخفى.

فعمدوا إلى تحريفها بإضافة جزء من عندهم لم يأمر به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليرفعوا بذلك مكانة أسيادهم من الصحابة، كما عمدوا على بترها من القرن الأول، فإذا ما كتبوا كتاباً تراه خال من الصلاة الكاملة، وعند ذكرهم لاسم محمد أو النبي أو رسول الله يكتبون فقط،صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدون ذكر آل محمد. وإذا تكلمت اليوم مع أحدهم وقلت له: صل على محمد، فسيجيبك

____________________

(١) سنن الدار قطني ص ١٣٦.

(٢) الصواعق المحرقة لابن حجر ص ٨٨.

(٣) فيض القدير ج ٥ ص ١٩ كنز العمال ج ١ ص ١٧٣.


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدون ذكر الآل حتى أن بعضهم يلفلفها لفاً، فلا تسمع منه إلا ( صل وسلم ). أما إذا سألت أي شيعي عربي كان أو فارسي أن يصلي على محمد فسيقول: ( اللهم صل على محمد وآل محمد ).

وقد جاء في كتب « أهل السنة والجماعة » قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد بصيغة الحاضر والمستقبل وبصيغة الدعاء والطلب منه سبحانه.

ولكنهم مع ذلك يكتفون بعبارةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصيغة الماضي الإخباري وبدون ذكر الآل. وقد حاول زعيم « أهل السنة والجماعة » معاوية بن أبي سفاين أن يمحو ذكر محمد من الأذان(١) . فلا غرابة أن يعمد أتباعه ومقلدوه على بتر الصلاة وتحريفها، ولو قدروا على حذفها لفعلوا ولكن هيهات هيهات.

وقد تسمع اليوم في كل منبر من منابرهم وبالخصوص منابر الوهابية لا تسمع إلا الصلاة المحرفة، فإما أنهم يصلون صلاة بتراء وإذا ما اضطروا إلى إكمالها فإنهم عندئذ يزيديون عليها لفظاً: وعلى أصحابه أجمعين، أو يقولون: وعلى أصحابه الطيبين الطاهرين ويحولون بذلك آية التطهير النازلة في أهل البيت إلى الصحابة ليموهوا على عامة الناس بأن أهل البيت والصحابة في الفضل سواء. وقد أخذوا علم التمويه والتحريف على فقيههم الأول ومرشدهم الكبير عبد الله بن عمر الذي عرفنا بغضه لأهل البيت. فقد أخرج مالك في الموطأ أن عبد الله بن عمر كان يقف على قبر النبي فيصلي على النبي وعلى أبي بكر وعلى عمر(٢) .

____________________

(١) يراجع في ذلك كتاب « فاسألوا أهل الذكر » ص ٤٦.

(٢) تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك ج ١ ص ١٨٠.


وأنت أيها الباحث إذا تأملت في الواقع فإنك لا تجد لهذه الزيادة من الصلاة على الصحابة أصلاً لا في الكتاب ولا في السنة النبوية، وإنما أمر الكتاب والسنة بالصلاة على محمد وآل محمد، والأمر هو موجه للصحابة قبل غيرهم من المكلفين.

وإنك لا تجد هذه الزيادة إلا عند « أهل السنة والجماعة » فكم لهم من بدعة في الدين ابتدعوها وسموها سنة وهم يريدون من ورائها طمس فضيلة أو ستر حقيقة.( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ کَرِهَ الْکَافِرُونَ‌ ) ( الصف: ٨ ). وبهذا يتبين لنا أيضاً من هم أهل السنة الحقيقيين من الأدعياء المزيفين.


أكاذيب تكشفها حقائق

نريد أن نبين في هذا الفصل لكل عاقل حر ترك التعصب ورفع الحجب والغشاوة عن بصره وبصيرته ليصل إلى الهداية والحق. فنقول له بأن كل أقطاب « أهل السنة والجماعة » وأئمتهم قد خالفوا صريح السنة النبوية ونبذوها وراء ظهورهم، وتركوها عامدين طائعين.

فلا يغترن مسلم بما يسمعه هنا وهناك من مدح وإطراء مزيف، لا يقوم على دليل واضح ولا برهان ساطع. ونحن إذ نكشف عن هذه الحقائق لا نتقول عليهم ولانزيد شيئاً على ما ذكروه هم أنفسهم في صحاحهم ومسانيدهم وتواريخهم. وقد ذكرنا البعض من هذه الحقائق في كتبنا السابقة، ومررنا عليها مرور الكرام، ولا بأس بذكرها بشيء من التفصيل هنا حتى تشرق شمس الهداية وتتبدد سحب الضلال ويحل النور محل الظلام.

وقد قلنا فيما سبق بأن في الإعادة إفادة، وإذا ما تكررت الأحداث بأساليب متعدده قد يستفيد منها القارئ أكثر ؛ لأن القراء قد يستهويهم أسلوب معين فيقرأونه بدون ملل، وقد تعلمنا من القرآن الكريم هذا الأسلوب الحكيم فهو يقص علينا قصة موسى وعيسىعليهما‌السلام في العديد من السور وبأساليب متعددة يعضد بعضها بعضاً.

وسوف نأتي على ذكر الأئمة والأقطاب الذين يعتمدهم « أهل السنة


والجماعة » ويعتبرونهم قمة العلم والفقه، ويقدمونهم على الأئمة الأطهار من آل بيت المصطفى المختار مهملين بعض الصحابة الذين عرفوا لدى الخاص والعام من العلماء وغير العلماء بفسقهم وفجورهم وبعدهم عن روح الإسلام وأخلاقه، أمثال معاوية وابنه يزيد(١) وابن العاص وابن مروان وابن شعبة وغيرهم.

ولوجبت في بعض البلاد العربية والإسلامية ل- « أهل السنة والجماعة » فسوف تجد لهؤلاء ذكراً وتمجيداً، وشوارع بأسمائهم وكتباً في عبقرياتهم وحسن سياستهم وصحة خلافتهم. ومع ذلك فنحن لا نضيع الوقت في الكتابة عنهم وكشف عوراتهم فقد كفانا ذلك بعض الأحرار من المؤرخين والمفكرين. ولكن سنتناول في هذا البحث أولئك الأئمة الذين اشتهروا بالصلاح والعدل والزهد والتقوى فكانوا عمدة « أهل السنة والجماعة » حتى نتعرف من قريب كيف أنهم غيروا سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأحدثوا في هذه الأمة البدع التي سببت الفرقة والضلالة، وحطمت ذلك البناء الشامخ الذي شيده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقضى حياته كلها عملاً وجهاداً لصيانته وتثبيته.

وقد انتقيت من بين أقطاب « أهل السنة والجماعة » اثني عشر شخصية كان لها دور كبير في التأثير على سير الأحداث وتغيير معالم الدين والمساهمة في تفريق الأمة وتشتيتها.

____________________

(١) اخرج ابن سعد في طبقاته الكرى ج ٥ ص ٤٧ عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: والله ماخرجنا على على يزيد حتى خفنا أن نرمى بحجارة من السماء، إن رجلا ينكح الأمهات والبنات والأخوات، ويشر الخمر، ويدع الصلاة، والله لو يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاء حسناً.


أئمة « أهل السنة والجماعة » وأقطابهم

١ - أبو بكر بن أبي قحافة الخليفة الأول.

٢ - عمر بن الخطاب الخليفة الثاني.

٣ - عثمان بن عفان الخليفة الثالث.

٤ - طلحة بن عبيد الله.

٥ - الزبير بن العوام.

٦ - سعد بن أبي وقاص.

٧ - عبد الرحمان بن عوف.

٨ - عائشة بنت أبي بكر « أم المؤمنين ».

٩ - خالد بن الوليد.

١٠ - أبو هريرة الدوسي.

١١ - عبد الله بن عمر.

١٢ - عبد الله بن الزبير.

فهؤلاء اثنا عشر شخصية اخترتهم من بين كثير من أقطاب «أهل السنة والجماعة » لكثرة ذكرهم وتمجيدهم والثناء عليهم أو لكثرة رواياتهم وغزارة علمهم كما يزعمون.


وسوف نتناول بالبحث الموجز لكل واحد منهم ونبرز مخالفته للسنة النبوية اما عمداً أو جهلاً حتي يتبين للباحث بأن ( أهل السنة والجماعة ) يدعون ما ليس لهم ويتبعون أهواءهم زاعمين بأنهم علي الحق وغيرهم على ضلال !

١ - أبو بكر ( الصديق ) ابن أبي قحافة

لقد وافينا في بعض الابحاث السابقة من كتبنا بأنه جمع خمسمائة حديث للنبي (ص ) أحرقها بالنار، وخطب في الناس قائلاً: لا تحدثوا عن رسول الله شيئاً فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم القرآن فأحلوا حلاله وحرموا حرامه.

وقد ذكرنا أيضاً بأنه خالف سنة النبي (ص ) في كتابه الكتاب وأيد عمر في قوله ( ان رسول الله يهجر وحسبنا كتاب الله يكفينا ).

كما ضرب بنصوص النبي في اسبخلاف علي عرض الجدار واغتصب الخلافة

كما ترك سنةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تأمير أسامة عليه وسيرة في جيشه.

كما ترك سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ايذار بضعته الزهراء وتحدى غضبها.

كما ترك سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حرب وقتل المسلمين الذين منعوه الزكاة.

كما ترك سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حرقة الفجاءة السلمي وقد نهى النبي عن ذلك.

كما ترك سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في منعه سهم المؤلفة قلوبهم واتبع رأي عمر.

كما ترك سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في استخلافه عمر على المسلمين دون مشورتهم.

نعم كل هذه المخالفات وغيرها لسنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سجلها صحاح ( اهل السنة والجماعة ) ومؤرخوهم وطفحت بها كتب السير.

فاذا كانت السنة النبوية كما عرفها العلماء: هي كل قول أو فعل أو اقرار لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد خالف أبو بكر السنة بأجمعها من قول وفعل وتقرير.


* ومن القول مثلاُ: قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فاطمة بضعة مني من أغضها فقد أغضبني، وقد ماتت فاطمة وهي غاضبة عليه كما أخرج ذلك البخاري.

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لعن الله من تخلف عن جيش أسامة، قاله عندما طعنوا في تأميره اسامة ورفضوا الخروج معه والالتحاق بجيشه، وقد تخلف أبو بكر رغم كل ذلك متذرعاً بالخلافة.

* ومن الفعل مثلاً: ما فعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع المؤلفة قلوبهم إذ عاملهم بالحسنى وأعطاهم سهماً من الزكاة بأمر من الله تعالى. ولكن أبابكر حرمهم من ذلك الحق الذي نص عليه القرآن وفعله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نزولاً على رغبة عمر بن الخطاب الذي قال لهم: لا حاجة لنا فيكم.

* ومن الإقرار مثلاً: ما أقره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كتابة أحاديثه ونشرها بين الناس، ولكن أبابكر أحرقها ومنع من نشرها والتحدث بها.

أضف إلى ذلك أنه كان يجهل كثيراً من أحكام القرآن الكريم، فقد سئل عن الكلالة التي نزل بحكمها القرآن، فقال: إني سأقول فيها برأيي فإن يك صواباً فمن الله وإن يك خطأ فهو مني ومن الشيطان(١) .

كيف لا تعجب من خليفة المسلمين الذي يسأل عن حكم الكلالة التي أوضحها الله في كتابه وبينها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سنته، فيترك الكتاب والسنة ويقول فيها برأيه، ثم يعترف بأن الشيطان قد يستحوذ على رأيه، وهذا ليس بغريب على خليفة المسلمين أبي بكر فقد قال غير مرة: إن لي شيطانا يعتريني.

وقد قرر علماء الإسلام بأن من قال في كتاب الله برأيه فقد كفر، كما عرفنا بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما كان يقول برأي ولا بقياس. أضف إلى ذلك أنه كان يقول: « لا تحملوني على سنة نبيكم فإني لا أطيقها »

____________________

(١) تفسير الطبري وتفسير ابن كثير وتفسير الخازن وكذلك تفسير جلال الدين السيوطي في الجامع الكبير وكلهم في تفسير سورة النساء في قوله: ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ).


فإذا كان أبو بكر لا يطيق سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكيف يدعي أتباعه وأنصاره أنهم « أهل السنة».

ولعله لا يطيقها لأنها تذكرة بانحرافه وبعده عن صاحب الرسالة، وإلا كيف نفسر قول الله تعالى:( وَ مَا جَعَلَ عَلَيْکُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (الحج: ٧٨ ) وقوله:( يُرِيدُ اللَّهُ بِکُمُ الْيُسْرَ وَ لاَ يُرِيدُ بِکُمُ الْعُسْرَ ) ( البقرة: ١٨٥ ) وقوله:( لاَ يُکَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) ( البقرة: ٢٨٦) وأخيراً قوله سبحانه وتعالى:( وَ مَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاکُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر: ٧ ).

فقول أبي بكر بأنه لا يطيق سنة النبي هو رد على هذه الآيات وإذا كان أبو بكر الخليفة الأول بعد النبي لا يطيق سنته في ذلك العهد، فكيف يطلب من مسلمي العصر الحاضر أن يقيموا حكم الله بكتابه وسنة نبيه ؟ !

على أننا وجدنا أبا بكر يخالف السنة النبوية حتى في الأمور الميسورة التي يقدر عليها فقراء الناس وجهالهم. وقد ترك أبوبكر الأضحية التي كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يفعلها ويؤكد عليها، وقد عرف كل المسلمين بأن الأضحية هي سنة مستحبة ومؤكدة، فكيف يتركها خليفة المسلمين ؟ !

قال الشافعي في كتاب الأم وغيره من المحدثين(١) :

إن أبا بكر وعمر ( رضي الله عنهما ) كانا لا يضحيان، كراهية أن يقتدى بهما فيظن من رآهما أنها واجبة. إنه تعليل باطل لا يقوم على دليل وكل الصحابة عرفوا من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن الأضحية سنة وليست واجبة. وعلى فرض أن الناس ظنوا أنها واجبة فماذا يترتب عن ذلك، وقد رأينا عمر يبتدع صلاة التراويح وهي ليست سنة ولا واجبة بل إن النبي نهى عنها، ومع ذلك فأغلب « أهل النسة والجماعة » اليوم يظنون أنها واجبة.

____________________

(١) البيهقي في ننه الكبرى ج ٩ ص ٢٦٥ جمع الجوامع للسيوطي ج ٣ ص ٤٥.


ولعل أبا بكر وعمر بتركهم سنة النبي في الأضحية أرادا أن يوهما الناس بأن كل ما فعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس بواجب ويمكن تركه وإهماله.

وبذلك يستقيم قولهم: حسبنا كتاب الله يكفينا، ويستقيم أيضاً قول أبي بكر: لا تحدثوا عن النبي شيئاً وقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فأحلوا حلاله وحرموا حرامه.

وعلى هذا لو حاجج رجل أبابكر بالسنة النبوية في الأضحية مثلاً فسيكون جواب أبي بكر: لا تحدثني عن النبي شيئاً، وأرني الأضحية في كتاب الله !

وبعد هذا يفهم الباحث لماذا بقيت سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندهم مجهولة ومتروكة، ولماذا بدلوا أحاك الله ورسوله بآرائهم وقياسهم وما استحسنوه من أمور تتماشى وأهواءهم. وهذه الأمثلة التي أخرجناها هي غيض من فيض لما فعله أبو بكر تجاه السنة النبوية الشريفة وما لقيت منه من إهانة وحرق وإهمال ولو شئنا لكتبنا في ذلك كتاباً مستقلاً. فكيف يطمئن المسلم إلى شخص هذا مبلغه من العلم وهذه علاقته بالسنة النبوية الشريفة، وكيف يتسمى أتباعه ب- « أهل السنة » ؟ ؟ !

فأهل السنة لا يهملونها ولا يحرقونها.

كلا، بل أهل السنة هم الذين يتبعونها ويقدسونها.

( قُلْ إِنْ کُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْکُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَکُمْ ذُنُوبَکُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْکَافِرِينَ ) ( آل عمران: ٣١ - ٣٢ ).

صدق الله العلي العظيم

٢ - عمر بن الخطاب « الفاروق »:

عرفنا في أبحاث سابقة من كتبنا بأنه كان بطل المعارضة للسنة النبوية الشريفة، وأنه الجريء الذي قال: إن رسول الله يهجر وحسبنا كتاب الله


يكفينا، وحسب قول الرسول الذي لا ينطق عن الهوى، فإن عمر هو الذي تسبب في ضلالة م نضل في هذه الأمة(١) . وعرفنا بأنه عمل على إهانة الزهراء وإيذائها، فروعها وأدخل الرعب عليها وعلى صغارها عندما هجم على بيتها وهدد بحرقها. وعرفنا بأنه عمل على جمع كل ما كتب من السنة النبوية فأحرقها ومنع الناس من التحدث بأحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقد خالف عمر سنة النبي في كل أدوار حياته وبمحضر النبي ،

____________________

(١) دليل ذلك قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، وقول ابن عباس: لو كتب ذلك الكتاب ما اختلف من الأمة اثنان، ولما كان عمر هو الذي منع رسول الله من الكتابة واتهمه بالهجر كي لا يصر النبي على الكتابة، عرفنا بأنه تسبب في الضلالة وحرم الأمة الإسلامية من الهداية.


كما خالف سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تسييره ضمن جيش أسامة، ولم يخرج معه بدعوى إعانة أبي بكر على أعباء الخلافة. كما خالف القرآن والسنة في منع سهم المؤلفة قلبوبهم. كما خالف القرآن والسنة في متعه الحج وكذلك في متعة النساء. كما خالف القرآن والسنة في الطلاق ثلاث فجعله طلقة واحدة. كما خالف القرآن والسنة في فريضة التيمم وأسقط الصلاة عند فقد الماء.

كما خالف القرآن والسنة في عدم التجسس على المسلمين فابتدعه. كما خالف القرآن والسنة في إسقاط فصل من الأذان وإبداله بفصل من عنده. كما خالف القرآن والسنة في عدم إقامة الحد على خالد بن الوليد وكان يتوعده بذلك. كما خالف السنة النبوية في النهي عن صلاة النافلة جماعة فابتدع التراويح. كما خالف السنة النبوية في العطاء فابتدع المفاضلة وخلق الطبقية في الإسلام. كما خالف السنة النبوية باختراعه مجلس الشورى وعهده لابن عوف.

والغريب أنك تجد « أهل السنة والجماعة » ينزلونه بعد كل هذا منزلة المعصومين، ويقولون بأن العدل مات معه، وبأنه لما وضع في قبره وجاءه الملكان ليسألانه، فصاح بهما عمر: « من ربكما ؟ » ويقولون بأنه الفاروق الذي فرق الله به الحق من الباطل ». أليس ذلك دليلاً على الاستهزاء والسخرية من بني أمية وحكامهم على الإسلام والمسلمين، وبوضعهم أمثال هذه المناقب لشخص عرف بالفظ الغليظ كما عرف بمعارضته المستمرة للرسول(١) . فكأن لسان حالهم يقول للمسلمين: لقد ولى عهد محمد بما فيه، وأقبل عهدنا نحن لنشرع لكم من الدين ما نريد وما يعجبنا، فها أنتم أصبحتم لنا عبيداً رغم أنوفكم ورغم نبيكم الذي فيه تعتقدون. أليس هذا من قبيل رد الفعل والأخذ بالثأر لتعود زعامة قريش بقيادة بني أمية الذين حاربوا الإسلام ونبي الإسلام ؟ وإذا كان عمر بن الخطاب يعمل على طمس السنن النبوية ويسخر منها ويعارضها حتى بحضور النبي نفسه، فلا غرابة أن تسلم له قريش قيادتها وتجعله زعيمها الأكبر، لأنه أصبح بعد ظهور الإسلام لسانها الناطق وبطلها المعارض، كما أصبح بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوتها الضاربة وأملها العريض في تحقيق أحلامها وطموحاتها للوصول إلى السلطة وإرجاع عادات الجاهلية التي يعشقونها وما زالوا يحنون إليها. وليس من قبيل الصدفة أن نجد عمر بن الخطاب يخالف السنة النبوية في خلافته ويعمل على تأخير مقام إبراهيم عن البيت إلى ما كان عليه أيام الجاهلية.

فقد أخرج ابن سعد في طبقاته وغيره من المؤرخين:

____________________

(١) أخرج مسلم في صحيحه ج ٤ ص ٥٩ أن ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين فقال جابر بن عبد الله: فعلناهما مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما.


إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما فتح مكة ألصق مقام إبراهيم بالبيت كما كان على عهد إبراهيم وإسماعيلعليهما‌السلام ؛ لأن العرب في الجاهلية أخروه إلى مكانه اليوم. فلما ولي عمر بن الخطاب أخره إلى موضعه الآن، وكان على عهد النبي وأبي بكر ملصقاً بالبيت(١) .

فهل ترى بربك من مبرر لعمر بن الخطاب حتى يعمد فيميت سنة النبي الذي أعاد ما فعله إبراهيم وإسماعيلعليهما‌السلام فيحيي عمر سنة الجاهلية ويعيد بناء المقام كما كان على عهدهم ؟

فكيف لا تقدمه قريش وكيف لا تروي في فضائله ما يتعدى الخيال، حتى أن صاحبه أبابكر الذي تقدمه في الخلافة لم يبلغ شأوه وكان في نزعه ضعف حسب ما يرويه البخاري ولكن عمر أخذها منه فلم ير عبقرياً يفري فريه.

وهذا نزر يسير من بدعه التي أحدثها في الإسلام وهي مخالفة كلها لكتاب الله وسنة رسوله، ولو شئنا جمع البدع والأحكام التي قال فيها برأيه وحمل الناس عليها، لكتبنا في ذلك كتاباً مستقلاً، لولا توخي الاختصار.

ولقائل أن يقول: كيف خالف عمر بن الخطاب كتاب الله وسنة رسوله، والله تعالى يقول:( مَا کَانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَکُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً ) ( الأحزاب: ٣٦ ) ؟

وهذا ما يردده أكثر الناس اليوم وكأنهم يكذبون ولا يصدقون أن عمر بن الخطاب يفعل ذلك. فنقول لهؤلاء: هذا ما أثبته له أولياؤه وأتباعه من « أهل السنة والجماعة » الذين يفضلونه على النبي من حيث لا يشعرون. فإذا كان ما قيل فيه كذباً، فصحاحهم كلها تسقط عن الاعتبار ولا حجة لهم بعد ذلك على كل ما يعتقدون ! على أن جل الأحداث التاريخية كتبت في

____________________

(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٣ ص ٢٠٤، وكذلك السيوطي في تاريخه لخلافة عمر بن الخطاب.


عهد دولة « أهل السنة والجماعة » الذين لا يشك في حبهم واحترامهم وتقديرهم لابن الخطاب. وإذا كانت صحيحة وذلك هو الواقع الذي لا مفر منه فعلى المسلمين اليوم أن يراجعوا موقفهم ويعيدوا النظر في كل عقائدهم إن كانوا من « أهل السنة والجماعة ».

وإنك تجد أكثر المحققين اليوم لما أعيتهم الحيلة لرد مثل هذه الروايات والأحداث التاريخية التي أجمع عليها العلماء والمحدثون، ولا يقدرون على تكذيبها، فتراهم يتأولون ويلتمسون بعض الأعذار الواهية التي لا تقوم على دليل علمي، والبعض منهم أخذ يعدد بدعه ويقلبها مناقب من مفاخرة التي يشكر عليها.

وكأن الله ورسوله ما كانا يعرفان مصلحة المسلمين وغفلا عن تلك البدع - أستغفر الله -، فاكتشفها عمر بن الخطاب فسنها لهم بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . إنه بهتان عظيم وكفر صريح نعوذ بالله من خطل الآراء وزلل الأهواء، وإذا كان عمر هو زعيم وإمام « أهل السنة والجماعة » فإني أبرأ إلى الله من تلك السنة وتلك الجماعة. وأسأله سبحانه أن يميتني على سنة خاتم النبيين وسيد المرسلين سيدنا محمد وعلى منهاج أهل بيته الطيبين الطاهرين.

٣ - عثمان بن عفان « ذو النورين »:

وهو الخليفة الثالث الذي وصل الخلافة بتدبير عمر بن الخطاب وعبد الرحمان بن عوف الذي أخذ عليه العهد والميثاق بأن يحكم فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وسنة الخليفتين.

وأنا شخصياً أصبحت أشك في الشرط الثاني الذي يتمثل في الحكم بسنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


؛ لأن عبد الرحمان بن عوف يعرف أكثر من غيره بأن الخليفتين أبا بكر وعمر لم يحكما السنة النبوية، وإنما حكما باجتهادهما وآرائهما، وأن السنة النبوية على عهد الشيخين كادت تكون معدومة تماماً لولا وقوف الإمام علي على إحيائها كلما سمحت له الظروف بذلك.

وأغلب الظن أنه اشترط على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بأن يحكم فيهم بكتاب الله وسنة الشيخين، فرفض علي هذا العرض قائلاً: لا أحكم إلا بكتاب الله وسنة رسوله، فخسر الخلافة لأنه أراد إحياء سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفاز بها عثمان لأنه قبل أن يواصل درب أبي بكر وعمر اللذين صرحا غير مرة بأن لا حاجة بالسنة النبوية وإنما يكفي القرآن ليحللوا حلاله ويحرموا حرامه. ويزيدنا يقيناً صحة ما ذهبنا إليه أن عثمان بن عفان فهم من هذا الشرط أن عليه أن يجتهد برأيه في الأحكام كما فعل صاحباه، وهي السنة التي سنها الشيخان بعد النبي.

ولذلك نرى عثمان أطلق العنان لرأيه واجتهد أكثر من صاحبه حتى أفكر عليه الصحابة، وجاؤوا يلومون عبد الرحمان بن عوف قائلين له: هذا عمل يديك !

ولما كثرت المعارضة والإنكار على عثمان، قام في الصحابة خطيباً فقال لهم: « لماذا لم تنكروا على عمر بن الخطاب اجتهاده، ألانه كان يخيفكم بدرته ؟ ». وفي رواية ابن قتيبة: قام عثمان خطيباً على المنبر لما أنكر الناس عليه فقال: أما والله يا معشر المهاجرين والأنصار لقد عبتم علي أشياء ونقمتم على أموراً، قد أقررتم لابن الخطاب مثلها، ولكنه وقمكم وقمعكم، ولم يجترئ أحد بملأ بصره منه ولا يشير بطرفه إليه، أما والله لأنا أكثر من ابن الخطاب عدداً وأقرب ناصرا(١) .

وأعتقد شخصياً بأن الصحابة من المهاجرين والأنصار لم ينكروا على عثمان اجتهاده، فقد ألقوا الاجتهاد وباركوه من أول يوم، ولكنهم أنكروا عليه لما عزلهم

____________________

(١) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج ٨ ص ٣١.


وولى المناصب والولايات الفساق من بني عمومته وقرابته الذين كانوا بالأمس القريب حرباً على الإسلام والمسلمين.

وقد سكت المهاجرون والأنصار على أبي بكر وعمر لأنهما أشركاهم في الحكم وأعطياهم المناصب التي فيها المال والجاه. أما عثمان فإنه عزل أكثرهم وأعطى الأموال الطائلة إلى بني أمية بغير حساب، عند ذلك أنكروا عليه وأثاروا حوله الشبهات إلى أن قتلوه. وهذه هي الحقيقة التي تنبأ بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما قال لهم:( إني لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها ) .

وقال الإمام عليعليه‌السلام :

( كأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى:( تِلْکَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَ لاَ فَسَاداً وَ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‌ ) ( القصص: ٨٣ ).

بل والله لقد سمعوها ووعوها ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها ).

فهذا هو الواقع، أما أن نعتقد بأنهم أنكروا عليه تغيير سنة النبي فهذا مما لا سبيل إليه، ولأنهم لم ينكروا على أبي بكر وعمر، فكيف ينكرونها عليه، والمفروض أن عثمان بن عفان أكثر عدداً وأقرب ناصراً من أبي بكر وعمر كما صرح هو نفسه بذلك ؛ لأنه زعيم بني أمية وبنو أمية أقرب للنبي من تيم وعدي، قبيلتي أبي بكر وعمر وأشد منهما قوة ونفوذاً وأشرف منهما حسباً ونسباً. ولأن الصحابة لم ينكروا على أبي بكر وعمر، بل كانوا يقتدون بسنتهما ويتركون سنة النبي وهم يعلمون فلا يمكن أن ينكروا على عثمان ما أقروه لغيره.

والدليل أنهم حضروا في كثير من المواقف التي غير فيها عثمان سنة النبي كإتمامه صلاة السفر ومنعه من التلبية وتركه التكبير في الصلاة ومنعه من التمنع في الحج، فلم ينكر عليه غير علي بن أبي طالب كما سنعرفه قريباً بحول اله. والصحابة كانوا يعرفون سنة النبي ويعمدون على مخالفتها من أجل إرضاء الخليفة عثمان.


أخرج البيهقي في سننه الكبرى عن عبد الرحمان بن يزيد قال: كنا مع عبد الله بن مسعود فلما دخل مسجد منى، قال: كم صلى أمير المؤمنين ( يعني عثمان ) قالوا: أربعاً، فصلى أربعاً، قال: فقلنا: ألم تحدثنا أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلى ركعتين وأبا بكر صلى ركعتين ؟

فقال: بلى وأنا أحدثكموه الآن، ولكن عثمان كان إماماً فما أخالفه والخلاف شر(١) .

إقرأ واعجب من هذا الصحابي وهو من أكابرهم عبد الله بن مسعود، إذ يرى في خلاف عثمان شراً، ويرى في خلاف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل الخير.

أفبعد هذا يقال: إنهم أنكروا عليه عندما ترك السنة النبوية ؟

وروى سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد قال:

إعتل عثمان وهو بمنى، فأتى علي فقيل له: صل بالناس.

فقال علي: ( إن شئتم، ولكن أصلي لكم صلاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعني ركعتين ! )

فقالوا: لا إلا صلاة أمير المؤمنين عثمان أربعاً، فأبى علي أن يصلي بهم(٢) .

اقرأ واعجب من هؤلاء الصحابة وهم ألوف مؤلفة ؛ لأنهم كانوا بمنى في موسم الحج، كيف يرفضون صراحة سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يقبلون إلا بدعة عثمان، وإذا كان عبد الله بن مسعود يرى في خلاف عثمان شراً فيصلي أربعاً رغم أنه يروي عن النبي ركعتين فلعله فعل ذلك تقية خوفاً من هؤلاء الذين يعدون بالآلاف، والذين لا يقبلون إلا ما فعله عثمان ضاربين بالسنة النبوية عرض الجدار.

ولا تنس بعد كل هذا أن تصلي وتسلم على النبي وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي رفض أن يصلي بهم إلا صلاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد أراد بذلك

____________________

(١) السنن الكبرى للبيهقي ج ٣ ص ١٤٤.

(٢) المحلى لابن حزم ج ٤ ص ٢٧٠.


إحياء السنة النبوية التي خالفوها، ولم يخش علي في ذلك لومة لائم، ولا خاف من جموعهم ومؤامراتهم. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن عبد الله بن عمر قال: الصلاة في السفر ركعتان من خالف السنة فقد كفر(١) . وبهذا فقد كفر عبد الله بن عمر الخليفة عثمان وكل الصحابة الذين تابعوه على بدعة إمام الصلاة في السفر، ومع ذلك فلنا عودة مع الفقيه عبد الله بن عمر لنحكم عليه بما حكم به على غيره.

كما أخرج البخاري في صحيحه قال: سمعت عثمان علياً ( رضي الله عنهما ) بين مكة والمدينة، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعاً قائلاً: ( لبيك عمرة وحجة معاً ). فقال عثمان: تراني أنهى الناس عن شيء وتفعله أنت ؟ فقال علي: ( لم أكن لأدع سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقول أحد من الناس )(٢) . ألا تعجب من خليفة المسلمين الذي يخالف صريح السنة ولا يكتفي بذلك حتى ينهى الناس عنها فلا ينكر عليه أحد منهم إلا علي بن أبي طالب الذي لم يكن يدع سنة رسول الله ولو قتل دون ذلك. فقل لي بربك، هل تجد في أصحاب محمد من يمثل السنة النبوية بحق وحقيقة غير أبي الحسن عليعليه‌السلام . ورغم سطوة الحاكم وشدته ورغم تأييد الصحابة له، فإن علياً لم يترك السنة أبداً، وهذه كتبهم وصحاجهم تشهد على صدق ما ذهبنا إليه من أنه (سلام الله عليه ) قد حول بكل جهوده إحياء السنة النبوية، وإرجاع الناس إلى احضانها، ولكن لا رأي لمن لا يطاع، كما قال هو بنفسه. فلم يكن في ذلك العصر من يطيعه ويعمل بأقواله غير الشيعة الذين والوه واتبعوه وانقطعوا إليه في كل شيء.

____________________

(١) البيهقي في سننه ج ٣ ص ١٤٠ وكذلك الطبراني في المعجم الكبير والجصاص في أحكام القرآن ج ٢ ص ٣١٠.

(٢) صحيح البخاري ج ٢ ص ١٥١ باب التمتع والإقران من كتاب الحج.


وبهذا يتبين لنا جلياً بأن الصحابة لم ينكروا على عثمان تغييره للسنة النبوية، فقد عرفنا من صحاحهم كيف أنهم يخالفون سنة النبي ولا يخالفونه في بدعه، ولكنهم ثارت ثائرتهم عليه من أجل الدنيا الدنيئة لكسب المال والجاه والسلطان. وهم الذين حاربوا علياً دون هوادة ؛ لأنه لم يولهم المناصب وطالبهم أن يرجعوا الأموال التي جمعوها بغير حق إلى بيت مال المسلمين ليستيد منها المساكين.

لك الله يا أبا الحسن، يا من حافظت على كتاب ربك وسنة ابن عمك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكنت إمام المتقين وناصر المستضعفين، وكان شيعتك هم الفائزون، إذ أنهم تمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله بالتفافهم حولك وانقطاعهم إليك.

فهل تصدق أيها القارئ العزيز والباحث اللبيب بعد كل ما مر عليك من أبحاث بأن أتباع عثمان بن عفان هم أهل السنة، واتباع علي هم الروافض وأهل البدع ؟

فاحكم بما أراك الله إن كنت من المنصفين.

( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُکُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَ إِذَا حَکَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْکُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُکُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ کَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ) ( النساء: ٥٨ ).

صدق الله العلي العظيم

٤ - طلحة بن عبيد الله:

إنه من كبار الصحابة المشهورين، وهو أحد السنة الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة وقال فيه بأنه مؤمن الرضا كافر الغضب يوماً إنسان ويوماً شيطان، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة على زعم « أهل السنة والجماعة ». وعندما نبحث عن شخصية هذا الرجل في كتب التاريخ يتبين لنا بأنه من عشاق الدنيا، من الذين غرتهم وجرتهم وراءها فباعوا دينهم من أجلها وخسروا أنفسهم وما ربحت تجارتهم ويوم القيامة يندمون.


هذا طلحة الذي كان يؤذي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله: إن مات رسول الله تزوجت عائشة فهي بنت عمي، فبلغ رسول الله قوله فتأذى من ذلك. ولما نزلت آية الحجاب واحتجب نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال طلحة: أيحجبنا محمد عن بنات عمنا ويتزوج نساءنا من بعدنا ؟ فإن حدث به حدث لنزوجهن نساءه من بعده(١) .

ولما تأذى رسول الله من ذلك نزل قول الله تعالى:

( … وَ مَا کَانَ لَکُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لاَ أَنْ تَنْکِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِکُمْ کَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً ) ( الأحزاب: ٥٣ ).

وهذا طلحة الذي دخل على أبي بكر قبل وفاته عندما كتب عهده بالخلافة لعمر بن الخطاب فقال له: ماذا تقول لربك إذ وليت علينا فظاً غليظاً ؟ فشتمه أبو بكر بكلام بذيء(٢) . ولكننا نجده بعد ذلك يسكت ويرضى بالخليفة الجديد ويصبح من أنصاره، ويعمل على جمع الأموال وكسب العبيد خصوصاً بعد أن طمع في الخلافة، واشرأبت عنقه إليها بعد أن رشحه عمر بن الخطاب لها.

وطلحة، هو الذي خذل الإمام علياً وانجاز في صف عثمان بن عفان لعلمه المسبق بأن الخلافة إذا آلت إلى علي فلا يبقى له فيها مطمع بعد ذلك، وقد قال علي في ذلك: ( فصغى رجل منهم لضغنه ومال الآخر لصهره، مع هن وهن … ) يقول الشيخ محمد عبده في شرحه: وكان طلحة ميالاً لعثمان لصلات بينهما على ما ذكره بعض رواة الأثر، وقد يكفي في ميله إلى عثمان انحرافه عن علي ؛ لأنه تيمي وقد كان بين بني هاشم وبني تيم مواجد لمكان الخلافة في أبي بكر(٣) .

____________________

(١) تفسير ابن كثير وتفسير القرطبي وتفسر الألوسي وغيرهم كلهم ذكروا ذلك عن تفسر قوله سبحانه: ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده …).

(٢) الإمامة والسياسة لابن قتيبة في باب وفاة أبي برك واستخلافه عمر.

(٣) محمد عبده في شرح نهج البلاغة ج ١ ص ٨٨ من الخطبة الشقشقية.


لا شك بأن طلحة هو أحد الصحابة الذين حضروا بيعة الغدير وسمعوا قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه ). ولا شك بأنه سمع رسول الله يقول: ( علي مع الحق والحق مع علي ) وحضر يوم خيبر عندما أعطاه الراية، وقال بأنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ويعرف أيضاً بأن علياً هو للنبي بمنزلة هارون من موسى، ويعرف الكثير والكثير. ولكن الحقد الدفين والحسد ملأ قلبه فلم يعد يرى إلا التعصب لقبيلته والانحياز إلى ابنة عمه عائشة بنت أبي بكر التي كان يطمع في الزواج منها بعد النبي، ولكن القرآن حال دون ذلك. نعم لقد انضم طلحة إلى عثمان وبايعه بالخلافة ؛ لأنه كان يعطيه الصلات والهبات، ولما اعتلى عثمان منصة الخلافة أغدق على طلحة من أموال المسلمين بدون حساب(١) ، فكثرت أمواله ومواشيه وعبيده حتى بلغت غلته من العراق وحده كل يوم ألف دينار. يقول ابن سعد في طبقاته: لما مات طلحة كانت تركته ثلاثين مليوناً من الدراهم، كان النقد منها مليونين ومائتي ألف درهم ومائتي ألف دينار، وكان سائرها عروضاً وعقاراً(٢) .

لكل ذلك طغى طلحة وتجبر وبدأ يؤلب على صديقه الحميم عثمان ليطيح به ويأخذ مكانه. ولعل عائشة أم المؤمنين أطمعته في الخلافة ومنته بها ؛ لأنها هي الأخرى عملت على أسقاط عثمان بكل جهودها، وكانت لا تشك في أن الخلافة ستؤول إلى ابن عمها طلحة، ولما بلغها مقتل عثمان وأن الناس قد بايعوا طلحة فرحت فرحاً شديداً وقالت: « بعداً لنعثل وسحقاً، إيه ذا الإصبع إيه أبا شبل، إيه ابن عم لله أبوك أما إنهم وجدوا طلحة لها كفؤاً ».

____________________

(١) ذكر الطبري وابن أبي الحديد وطه حسين في الفتنة الكبرى بأن طلحة كان قد افترض من عثمان خمسين ألفاً، فقال له ذات يوم: قد تهيأ مالك فأرسل من يقبضه، فقال عثمان: هو لك يا أبا محمد معونة على مروءتك ! ويقال إن عثمان وصل طلحة بمائتي ألف أيضاً.

(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٣ ص ٨٥٨.


نعم هذا جزاء عثمان من طلحة، بعدما أغناه غدر به من أجل الطمع في الخلافة وألب عليه الناس، وكان من أشد المحرضين عليه حتى منعه من شرب الماء أيام الحصار. قال ابن أبي الحديد بأن عثمان يقول أيام الحصار: ويلي على ابن الحضرمية « يعني طلحة » أعطيته كذا وكذا بهاراً ذهباً وهو يروم دمي ويحرض على نفسي، اللهم لا تمنعه به ولقه عواقب بغيه.

نعم هذا طلحة الذي انحاز لعثمان واختاره للخلافة من أجل إبعادها عن علي، ولأن عثمان أعطاه الذهب والفضة وها هو اليوم يؤلب عليه ويأمر الناس يقتله ويمنع دخول الماء إليه، وعندما يأتون بجثته يمنع من دفنه في مقابر المسلمين فيدفن في « حش كوكب » كانت اليهود تدفن فيه موتاهم(١) . ثم بعد ذلك نرى طلحة أول من يبايع الإمام علياً بعد مقتل عثمان، ثم ينكث بيعته ويلتحق بعائشة ابنة عمه في مكة، وينقلب فجأة للمطالبة بدم عثمان، سبحان الله، هل يوجد بهتان أكبر من هذا ؟ !

بعض المؤرخين يعلل ذلك بأن علياً رفض أن يوليه على الكوفة وما وراءها، فنكث البيعة وخرج محارباً للإمام الذي بايعه بالأمس. إنها نفسية من غرق في الدنيا إلى أم رأسه، وباع آخرته ولم يعد يشغله غير المنصب والجاه والمال.

يقول طه حسين:

« فكان طلحة إذن يمثل نوعاً خاصاً من المعارضة، رضي ما أتاح الرضا له الثراء والمكانة، فلما طمع في أكثر من ذلك عارض حتى أهلك وهلك(٢) .

هذا هو طلحة الذي بايع بالأمس الإمام علياً يخرج بعد أيام قليلة يجر حرم رسول الله عائشة إلى البصرة فيقتل الأبرياء وينهب الأموال ويثير الرعب في

____________________

(١) تاريخ الطبري والمدائني والواقدي في مقتل عثمان.

(٢) الفتنة الكبرى طه حسين ج ١ ص ١٥٠.


الناس حتى يشقوا عصا الطاعة لعلي، ويقف بدون خجل يحارب إمام زمانه الذي أعطاه عهد البيعة طائعاً مختاراً. ومع ذلك فقد بعث إليه الإمام علي قبل المعركة، فلقيه في الصف، فسأله أما بايعتني ؟ وما الذي أخرجك يا طلحة ؟ قال: الطلب بدم عثمان. قال علي: ( قتل الله أولانا بدم عثمان ).

وفي رواية ابن عساكر، قال له الإمام علي: ( أنشدك الله ياطلحة، أسمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والي من والاه وعاد من عاداه ؟ ) قال: نعم، فقال له: ( فلم تقاتلني ؟ ) وكان جوابه: الطلب بدم عثمان، وكان رد علي: ( قتل الله أولانا بدم عثمان ).

واستجاب الله دعوة علي فقتل طلحة في اليوم نفسه، قتله مروان بن الحكم الذي جاء به طلحة لمحاربة علي. إنه طلحة الفتة والبهتان وتقليب الحقائق لا يراعي في ذلك إلا ولا ذمة، ولا يفي بعهده، ولا يسمع نداء الحق وقد ذكره به الإمام علي وأقام عليه بذلك الحجة، ولكنه أصر واستكبر وتمادى في غيه فضل وأضل، وقتل بسبب فتنته خلق كثير من الأبرياء لم يشاركوا في مقتل عثمان ولا عرفوه مدة حياتهم ولا خرجوا من البصرة. نقل ابن أبي الحديد أنه لما نزل طلحة البصرة أتاه عبد الله بن الحكيم التميمي لكتب كان كتبها إليه فقال لطلحة: « يا أبا محمد، أما هذه كتبك إلينا ؟ قال: بلى. قال: فكتبت أمس تدعونا إلى خلع عثمان وقتله، حتى إذا قتلته أتيتنا ثائراً بدمه، فلعمري ما هذا رأيك، إنك لا تريد إلا هذه الدنيا، مهلاً إذا كان هذا رأيك فلم قبلت من علي ما عرض عليك من البيعة فبايعته طائهاً راضياً ثم


نكثت بيعتك، ثم جئت لتدخلنا في فتنتك(١) .

نعم هذه هي حقيقة طلحة بن عبيد الله عارية كما ذكرها أصحاب السنن والتواريخ من « أهل السنة والجماعة » وبعد كل هذا فهم يقولون أنه من العشرة المبشرين بالجنة. ويحسبون أن الجنة هي فندق هيلتون يدخلها أصحاب الملايين والسماسرة من رجال الأعمال، فيلتقي فيها القاتل والمقتول والظالم والمظلوم، ويلتقي فيها المؤمن والفاسق والبر والفاجر.( أَ يَطْمَعُ کُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ) ( المعارج: ٣٨ ).( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ کَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ کَالْفُجَّارِ ) ( ص: ٢٨ )( أَ فَمَنْ کَانَ مُؤْمِناً کَمَنْ کَانَ فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ‌ ) ( السجدة: ١٨ ).( أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا کَانُوا يَعْمَلُونَ‌ * وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ کُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَ قِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي کُنْتُمْ بِهِ تُکَذِّبُونَ‌ ) ( السجدة: ١٩ - ٢٠ ).

٥ - الزبير بن العوام:

هو أيضاً من كبار الصحابة ومن المهاجرين الأولين، وله قرابة قريبة من رسول الهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهو ابن صفية بنت عبد المطلب عمة النبي. وهو أيضاً زوج اسماء بنت أبي بكر أخت عائشة. وهو أحد الستة الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة(٢) .

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد المعتزلي ج ٢ ص ٥٠٠.

(٢) لقد ابتكر عمر بن الخطاب هذه الفكرة وهي من الدهاء بمكان، وذلك ليخلق معارضين لعلي ومنافسين له ؛ لأن الصحابة كلهم كانوا على علم تام بأن الخلافة هي من حق علي وإنما اغتصبتها قريش اغتصاباً، ولما حاججتهم فاطمة الزهراء قالوا لها: لو سبق إلينا زوجك وابن عمك ما عدلنا به أحداً، فما رضي عمر بن الخطاب أن تعود الخلافة بعد موته لصاحبها الشرعي فخلق له منافسين بهذه الطريقة فطمع كل منهم بالخلافة وحدثتهم أنفسهم بالرئاسة فباعوا دينهم بدنياهم فما ربحت تجارتهم.


وهو أيضاً من المبشرين بالجنة على ما يقول « أهل السنة والجماعة ». ولا غرابة أن نجده دائماً صحبة شبيهه طلحة فلا يذكر طلحة إلا ومعه الزبير ولا الزبير إلا ومعه طلحة. وهو أيضاً من الذين تنافسوا في الدنيا وملأوا منها البطون، فقد بلغت تركته حسبما يذكره الطبري، خمسين ألف دينار وألف فرس، وألف عبد وضاعاً كثيرة في البصرة وفي الكوفة وفي مصر وغيرها.

يقول طه حسين في ذلك:

« والناس يختلفون في مقدار ما قسم على الورثة من تركة الزبير، فالمقلون يقولون: إن الورثة اقتسموا فيما بينهما خمسة وثلاثين مليوناً، والمكثرون يقولون: إنهم اقتسموا اثنين وخمسين مليوناً، والمعتدلون يقولون: إنهم اقتسموا أربعين مليوناً. ولا غرابة في ذلك فقد كانت للزبير خطط في الفسطاط، وخطط في الإسكندرية وخطط في البصرة وخطط في الكوفة وإحدى عشرة داراً في المدينة وكانت له بعد ذلك غلات وعروض أخرى »(١) . أما البخاري فيروي أنه خلف في تركته خمسين ألف ألف ومائتي ألف(٢) .

ونحن لا نقصد من هذا العرض محاسبة الصحابة عما اكتسبوه من عروض، وما جمعوه من أموال قد تكون كلها من حلال، ولكن عندما نرى حرص الرجلين طلحة والزبير على الدنيا، ونعلم بأنهما نكثا بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ؛ لأنه عزم على إرجاع الأموال التي اقتطعها عثمان إلى بيت مال المسلمين عند ذلك نشك في أمر الرجلين. أضف إلى ذلك أن الإمام علياً عندما تولى الخلافة بادر بإرجاع الناس إلى السنة النبوية، وأول شيء فعله هو توزيع بيت المال فأعطى لكل واحد من المسلمين ثلاثة دنانير سواء كان عربياً أم أعجمياً وهو ما فعله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طيلة

____________________

(١) التفنة الكبرى لطه حسين ج ١ ص ١٤٧.

(٢) صحيح البخاري ج ٤ ص ٥٣ باب فرض الخمس باب بركة الغازي في ماله حياً وميتاً.


حياته، وأبطل علي بذلك بدعة عمر بن الخطاب الذي فضل العربي على الأعجمي فأعطى للعربي ضعف الأعجمي. ويكفي علي بن أبي طالب أن يعود بالناس إلى السنة النبوية حتى يثور عليه الصحابة الذين أعجبوا بها ابتدعه عمر. وهذا أمر أغفلناه في تعليل محبة قريش وتقديسها لعمر، وقد فضلها على باقي المسلمين وبعث فيهم نعرة القومية العربية والقبيلة القريشية والطبقة البورجوازية. فكيف يأتي علي بعد ربع قرن من وفاة النبي ليعود بقريش الى ما كانت عليه زمن النبي الذي سوى في العطاء فكان بلال الحبشي يقبض كالعباس عم النبي، وقد كانت قريش منكرة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تلك المساواة، وقد نجد قلال تصفح السيرة بأنهم كانوا يعارضونه في أغلب الاوقات من أجل ذلك.

ومن أجل ذلك أيضاً ثارت ثورة طلحة والزبير على أمير المؤمنين علي ؛ لانه ساوى بينهم في العطاء ولم يعطهم ما طلبوا من الامارة، ثم هو يريد محاسبتهم على الاموال التي جمعوها ليعود بالاموال المسروقة الى الشعب المستضعف. والمهم أن نعرف بأن الزبير عندما يئس أن يوليه علي على البصرة، وأن يفضله على غيره وخاف أن يحاسبه الخليفة الجديد على ثروته الخيالية، جاء مع صاحبه طلحة يستأذنان علياً في الخروج الى العمرة، وعرف علي نواياهما المبيتة فقال: ( والله ما أراد العمرة ولكنهما أرادا الغدرة ).

والتحق الزبير هو الاخر بعائشة بنت أبي بكر فهي أخت زوجته، وأخرجها هو وطلحة صوب البصرة، ولما نبحتها كلاب الحوأب وأرادت الرجوع جاءوها بخمسين رجلاً جعلوا لهم جعلاً، وشهدوا ذوداً لكي تواصل أم المؤمنين صيانها لربها ولزوجها وتسير معهم الي البصرة ؛ لانهم عرفوا بدهائهم بأن تأثيرها في الناس أكبر من تأثيرهم، فقد أوعزوا طيلة ربع قرن وأوهموا الناس بأنها حبيبة رسول الله، وابنة الصديق الحميراء التي عندما نصف الدين، والعجيب في أمر الزبير أنه هو الاخر خرج للطلب بدم عثمان كما يدعي، وقد اتهمه صلحاء الصحابة بأنه هو الذي عمل قتله.


فقد قال له الامام علي عند مقابلته له في ساحة المعركة: ( أتطلب مني دم عثمان وأنت قتلته؟)(١)

وفي لفظ المسعودي قال له: ( ويحك يا زبير ما الذي أخرجك ؟ ) قال: الطلب بدم عثمان، قال علي: ( قتل الله أولانا بدم عثمان ).

كما أخرج الحاكم في المستدرك، قال: جاء طلحة والزبير الى البصرة فقال لهم الناس: ما جاء بكم ؟ قال: نطلب بدم عثمان، فقال الحسين: ( أيا سبحان الله، أفما كان للقوم عقول فيقولون والله، ما قتل عثمان غيركم ).

لقد فعل الزبير مثل صاحبه طلحة، غدر بعثمان وحرض على قتله، ثم بايع الامام علياً طائعاً، ونكث البيعة والعهد وجاء الى البصرة يطلب هو الاخر بدم عثمان، ولما دخل البصرة شارك بنفسه في تلك الجرائم فقتلوا أكثر من سبعين رجلاً من حراسه، ونهبوا بيت المال يقول المؤرخون بأنهم كتبوا كتاب هدنة مع عثمان بن حنيف ( والي البصرة ) وتعاهدوا على احترامه حتى يقدم علي. ثم خانوا العهد والميثاق وهجموا على عثمان بن حنيف وهو يصلي بالناس صلاة العشاء، فكتفوهم وقتلوهم وأرادوا قتل عثمان بن حنيف والي علي فخافوا أن يسمع أخوه سهل بن حنيف والي المدينة فينتقم من أهلهم، فضربوه ضرباً شديداً ونتفوا لحيته وشاربيه، ثم هجموا على بيت المال فقتلوا من حراسه أربعين رجلاً وحبسوا عثمان وأسرفوا في تعذيبه.

يقول طه حسين في شأن هذه الخيانة ويقصد طلحة والزبير:

( لم يكتف هؤلاء القوم بنكث البيعة التي أعطوها علياً وانما أضافوا اليها نكث الهدنة التي اصطلحوا عليها مع عثمان بن حنيف، وقتلوا من قتلوا من أهل البصرة الذين أنكروا نقض الهدنة وحبس الامير، وغصب ما في بيت المال وقتل من قتلوا من حراسه )(٢) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٥ ص ٢٠٤، الكامل لابن الاثير ج ٣ ص ١٠٢.

(٢) الفتنة الكبرى لطه حسين ج ٢ ص ٣٧.


ولما اقبل علي الى البصرة لم يقاتلهم، بل دعاهم الى كتاب الله فرفضوا وقتلوا من حمل اليهم القرآن ومع ذلك فقد ناداه الامام هو الاخر، وذكره كما فعل مع طلحة، اذ قال له: ( يا زبير، أتذكر يوم مررت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بني غنم، فنظر الي فضحك وضحكت اليه، فقلت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال لك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : صه، انه ليس به زهو ولتقاتلنه وأنت له ظالم )(١) .

ذكر ابن أبي الحديد خطبة لامير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول فيها:

( اللهم ان الزبير قطع رحمي ونكث بيعتي وظاهر علي عدوي فاكفنيه اليوم بما شئت )(٢) . وقد جاء في نهج البلاغة للامام علي قوله في طلحة والزبير: ( اللهم انهما قطعاني وظلماني، ونكثا بيعتي والبا الناس علي فاحلل ما عقدا، ولا تحكم لهما ما أبرما، وأراهما المساءة فيما أملا وعملا، ولقد استتبتهما قبل القتال واستأنيت بهما أمام الوقائع، فغمطا النعمة العافية )(٣) .

وفي رسالة منه بعث بها اليهما قبل بدء القتال جاء فيها: ( فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما فان الان أعظم أمركما العار من قبل أن يجتمع العار والنار والسلام )(٤) .

وهذه هي الحقيقة المؤلمة وهذه هي نهاية الزبير ومهما يحاول بعض المؤرخين اقناعنا بأنه تذكر حديث النبي الذي ذكره به علي فتاب واعتزل القتال وخرج الى وادي السباع فقتله ابن جرموز، فهذا لا يستقيم مع نبوءة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي قال له: ( ستقاتل علياً وأنت له ظالم ).

ويقول بعض المؤرخين بأنه أراد الاعتزال عند ذكره الامام علي بالحديث ولكن ابنه عبد الله غيره بالجبن، فأخذته الحمية فرجع يقاتل حتى قتل.

____________________

(١) تاريخ الطبري في وقعة الجمل وتاريخ المسعودي وتاريخ أعثم وغيرهم.

(٢) شرح النهج لابن أبي الحديد ج ١ ص ١٠١.

(٣) نهج البلاغة شرح محمد عبده ص ٣٠٦.

(٤) نهج البلاغة شرح محمد عبده ص ٦٢٦.


وهذا أقرب للواقع وللحديث الشريف الذي فيه اخبار بالغيب من الذي لا ينطق عن الهوى. ثم لو كان فعلاً ندم وتاب ورجع عن غيه وظلمه، فلماذا لم يعمل بقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره وأخذل من خذله )، فلماذا لم ينصر علياً ولم يواله ولم يسترضه ؟ وهب أن ذلك لا يمكنه فعله، فهلا ركب في الناس الذين جاء بهم للحرب وأخبرهم بأنه استبصر الى الحق وتذكر ما كان ناسياً، وطلب منهم أن يكفوا عن الحرب، فيحقن بذلك دماء الابرياء من المسلمين ؟ لكن شيئاً من ذلك لم يقع فعرفنا بأن أسطورة التوبة والاعتزال هي من خيال الوضاعين الذين بهرهم حق علي وباطل الزبير، وبما أن صاحبه طلحة قتله مروان بن الحكم فاختاروا ابن جرموز لقتل الزبير غدراً، حتى يتسنى لهم التأويل ممتلكاتهم يدخلون فيها من يشاؤون ويمنعون منها من يشاؤون. ويكفينا دليلاً على كذب الرواية ما جاء في رسالة الامام علي ودعوتهما للرجوع عن الحرب وقوله: ( فان الان أعظم أمركما العار من قبل أن يجمع العار والنار ).

ولم يحدث أحد أنهما استجابا لندازه ولا امتثلا لأمره ولا رداً على رسالته. أضف الى كل ذلك أن الأمام وقبل بدء المعركة دعاهم لكتاب الله كما قدمنا فرفضوا الامتثال، وقتلوا الشاب الذي حمل لهم القرآن عند ذلك استباح علي قتالهم. وإنك لتقرأ بعض المهازل عند المؤرخين فتعرف أن البفض منهم لا يعرفون الحق ولا يفقهون مثال ذلك: يقول بعضهم بأن الزبير لما علم بأن عمار بن ياسر جاء مع علي بن أبي طالب، قال: ياجدع أنفاه، يا قطع ظهراه، ثم أخذه إفكل فجعل السلاح ينتفض في يده، فقال أحد أصحابه:

ثكلتني أمي هذا الزبير الذي كنت أريد أن أموت معه أو أعيش معه ؟.


والذي نفسي بيده ما أخذ هذا ما أرى إلا لشيء قد سمعه أو رآه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) ويقصدون بوضع هذه الروايات بأن الزبير تذكر حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( ويح عمار تقتله الفئة الباغيه ) ويريد هؤلاء أن يحتقروا عقولنا ويهزؤوا منا لكن عقولنا كاملة وسليمة بحمد الله ولا نرضى منهم بذلك، فكيف يخاف الزبير ويرتعد من حديث ( عمار تقتله الفئة الباغية ) ولا يخاف ولا يرتعد من أحاديث كثيرة قالها النبي في علي بن أبي طالب ؟ أكان عمار عند الزبير أفضل وأشرف من علي ؟ !

ويريد هؤلاء أن يحتقروا عقولنا ويهزؤوا منا لكن عقولنا كاملة وسليمة بحمد الله ولا نرضى منهم بذلك، فكيف يخاف الزبير ويرتعد من حديث ( عمار تقتله الفئه الباغية ) ولا يخاف ولا يرتعد من أحاديث كثيرة قالها النبي في علي بن أبي طالب ؟ أكان عمار عند الزبير أفضل وأشرف من علي ؟ ! ألم يسمع الزبير قول النبي: ( يا علي، لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ) ؟ ألم يسمع قوله: ( علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث دار ) وقوله: ( من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله ) وقوله: ( يا علي أنا حرب لمن حاربك وسلم لمن سالمك ) وقوله: ( لأعطين رايتي إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ) وقوله: ( أنا قاتلتهم على تنزيل القرآن وأنت تقاتلهم على تأويله ) وقوله: ( يا علي، أعهد إليك بأن تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ). وقوله … وقوله … وآخرها حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الزبير نفسه: ( ستقالته وأنت له ظالم )، فأين الزبير من كل هذه الحقائق التي يعرفها كل الناس الأباعد الغرباء، فكيف به وهو ابن عمة النبي وابن عمة علي ؟ إنها العقول المتحجرة التي لم تقدر على دفع الأحداث التاريخية وما فيها من حقائق، فتحاول بكل جهوجها عبثا أن تجد بعض الأعذار الواهية لكي تموه على الناس وتوهمهم بأن طلحة والزبير من المبشرين بالجنة.

( تِلْکَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَکُمْ إِنْ کُنْتُمْ صَادِقِينَ‌ ) ( البقرة:١١١ )( إِنَّ الَّذِينَ کَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَ اسْتَکْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَ لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَ کَذٰلِکَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ‌ ) ( الأعراف:٤٠ ).

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٥ ص ٢٠٥.


٦ - سعد بن أبي وقاص:

وهو أيضاً من كبار الصحابة السابقين الى الاسلام، ومن المهاجرين الاولين الذين شهدوا بدراً، وهو أحد الستة الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة بعده، وأحد العشرة المبشرين بالجنة على زعم ( أهل السنة والجماعة ). وهو بطل القادسية في خلافة عمر بن الخطاب، ويقال ان بعض الصحابة كانوا يشكون ويطعنون في نسبة ويؤذونه بذلك، ويروون أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أثبت نسبة فهو من بني زهرة.

وينقل ابن قتيبة في كتاب الامامة والسياسة أن بني زهرة اجتمعوا بعد وفاة النبي الى سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، فكانوا في المسجد الشريف مجتمعين، فلما أقبل عليهم أبو بكر وأبو عبيدة قال لهم عمر: مالي أراكم حلقاً شتي ؟ قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعته الانصار، فقال سعد وعبد الرحمن ومن معها من بني زهرة فبايعوا(١) .

____________________

(١) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج ١ ص ١٨.

ويروى أن عمر بن الخطاب عزله عن الولاية، ولكنه أوصى الخليفة من بعده ان صرفت الخلافة عن سعد أن يوليه ؛ لانه لم يعزله عن خيانة، وقد نفذ عثمان بن عفان وصية عمر فولاه على الكوفة.

ومن الملاحظ أن سعد بن أبي وقاص لم يترك ثروة كبيرة بالقياس الى أصحابه، وبلغت تركته حسب الرواة ثلاثمائة ألف كما أنه لم يشارك في قتل عثمان ولم يحرض عليه كطلحة والزبير.

روى ابن قتيبة في تاريخه قال: كتب عمرو بن العاص الى سعد بن أبي وقاص، يسأله عن قتل عثمان ومن قتله ؟

فكتب اليه سعد: انك سألتني من قتل عثمان ؟ واني أخبرك أنه قتل بسيف سلته عائشة وصقله طلحة وسمه ابن أبي طالب وسكت الزبير وأشار بيده، وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه، ولكن عثمان غير وتغير وأحسن وأساء فان كنا أحسنا فقد أحسنا، وان أسأنا نستغفر الله، وأخبرك أن الزبير مغلوب


بغلبة أهله وبطلبه بذنبه وطلحة لو يجد أن يشق بطنه من حب الامارة لشقه …(١) .

ولكن الغريب في سعد بن أبي وقاص أنه تخلف عن بيعة أمير المؤمنين علي، ولم يعينه وهو يعرف حق الامام وفضله. فقد روى بنفسه عدة فضائل في علي منها ما أخرجه الامام النسائي والامام مسلم في صحيحيهما:

قال سعد: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول في علي خصالاً ثلاثاً لئن يكون لي واحدة منهن أحب الي من حمد النعم سمعته يقول: ( انه مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي ) وسمعته يقول: ( لاعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله )، وسمعته يقول: أيها الناس من وليكم ؟ قالوا: الله ورسوله ثلاثاً أخد بيد علي فأقامه ثم قال: ( من كان الله ورسوله وليه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه )(٢) .

وفي صحيح مسلم قال سعد بن أبي وقاص: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لعلي: ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي )، وسمعته يقول يوم خيبر: ( لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ) قال: فتطاولنا لها فقال: ادعوا علياً.. ولما نزلت هذه الآية( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَکُمْ ) ( آل عمران: ٦١ ) دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: ( اللهم هؤلاء أهلي )(٣) .

فكيف يعرف سعد بن أبي وقاص كل هذه الحقائق ثم يمتنع عن بيعته ؟! كيف يسمع سعد قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كان الله ورسوله وليه فعلي وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، والذي رواه هو بنفسه ثم لا يواليه ولا ينصره ؟! كيف يغيب على سعد بن أبي وقاص حديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( من مات وليست في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) الذي رواه عبد الله بن عمر، فيموت

____________________

(١) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج ١ ص ٤٨.

(٢) خصائص الامام النسائي ص ١٨ وص ٣٥.

(٣) صحيح مسلم ج ٧ ص ١١٩ باب فضائل علي بن أبي طالب.


سعد ميته جاهلية ناكباً عن بيعة أمير المؤمنين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين ؟! يذكر المؤرخون بأن سعداً جاء الى الامام علي معتذراً فقال: والله يا أمير المؤمنين، لا ريب لي في أنك أحق الناس بالخلافة وأنت أمين على الدين والدنيا، غير أنه سينازعك على هذا الامر أناس، فلو رغبت في بيعتي لك أعطي سيفاً له لسان يقول لي خذ هذا ودع هذا !

فقال له علي: ( أترى أحداً خالف القرآن أو العمل ؟ لقد بايعني المهاجرون والانصار على أن أعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه، فان رغبت بايعت والا جلست في دارك فاني لست مكرهك عليه )(١) .

أليس موقف سعد بن أبي وقاص غريباً ؟ ! فهو يشهد بأن علياً لا ريب فيه، وأنه أحق الناش بالخلافة، وأنه أمين الدين والدنيا ثم بعد هذا يطالبه بسيف ناطق كشرط على بيعته حتى يعرف به الحق من الباطل ؟! أليس هذا تناقضاً يرفضه العقلاء ؟ وهل هذا الا المحال الذي يطلبه مكابر عرف الحق من صاحب الرسالةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أكثر من حديث روى هو بنفسه منها أكثر من خمسة ؟ !، ألم يكن سعد حاضراً بيعة أبي بكر وعمر وعثمان والتي حكموا في كل منها بقتل منن يتخلف عنها خوفاً من الفتنة ؟، وقد بايع سعد لعثمان وانحاز إليه بدون شرط وسمع عبد الرحمان بن عوف يهدد علياً مسلطاً السيف فوق رأسه قائلاً: فلا تجعل على نفسك سبيلاً فانه السيف لا غير(٢) . وكان حاضراً لما امتنع علي عن بيعة أبي بكر فهدده عمر بن الخطاب وقال له: بايع وإلا والله الذي لا اله إلا هو نضرب عنقك(٣) .

____________________

(١) تاريخ أعثم ص ١٦٣.

(٢) الامامة والسياسة لابن قتبية ج ١ ص ٣١.

(٣) الامامة والسياسة لاين قتيبة ج ١ ص ٢٠.


وهل جرأ المتخلفين عن البيعة والذين تطاولوا على وصي النبي أمثال عبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة، الا تخلف سعد بن أبي وقاص ؟ وانك تلاحظ أن الاشخاص الخمسة الذين عينهم عمر بن الخطاب لمنافسة علي في الخلافة قد لعبوا بالضبط الدور الذي رسمه لهم لبن الخطاب، وهو منع علي من الوصول اليها، فهذا عبد الرحمان يختار للخلافة صهره عثمان، ويهدد علياً بالقتل ان لم يبايع كل ذلك ؛ لان عمر رجح كفة عبد الرحمان على الباقين. وبعد موت عبد الرحمان بن عوف ومقتل عثمان بن عفان لم يبق من المنافسين لعلي في الخلافة الا ثلاثة طلحة والزبير وسعد. ولما رأى هؤلاء بأن المهاجرين والأنصار هرعوا للإمام علي وبايعوه ولم يتلفتوا لأي واحد منهم، عند ذلك أضمروا له الشر وأرادوا به الهموم، فحاربه طلحة والزبير وخذله سعد.

ولا تنس بأن عثمان بن عفان لم يمت حتى كون لعلي منافساً جديداً هو أخطر منهم جميعاً وأشد مكراً ودهاء، وأكثرهم عدة وعدداً فقد مهد له عثمان للاستيلاء على الخلافة بأن ضم له تحت ولايته التي دامت عشرين عاماً أهم الولايات، والتي تجمع أكثر من ثلثي العائدات للدولة الإسلامية بأسرها. وهذا المنافس هو معاوية الذي لم يكن له دين ولا خلق وليس له شغل إلا الوصول إلى الخلافة بأي ثمن وعن أي طريق.

ومع ذلك فإن أمير المؤمنين علياً لم يجير الناس على البيعة بالقوة والإكراه كما فعل الخلفاء من قبله، ولكنه تقيد ( سلام الله عليه ) بأحكام القرآن والسنة ولم يغير ولم يبدل أبداً، ألم تقرأ قوله لسعد: ( لقد بايعني المهاجرون والأنصار على أن أعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه، فإن رغبت بايعت وإلا جلست في دارك فإني لست مكرهك عليه ؟ )

هنيئاً لك يا ابن أبي طالب، يا من أحييت القرآن والسنة بعدما أماتهما غيرك من قبلك، فهذا كتاب الله ينادي:( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَکَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَکَثَ فَإِنَّمَا يَنْکُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ


فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) ( الفتح: ١٠ ) وقوله تعالى:( أَ فَأَنْتَ تُکْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَکُونُوا مُؤْمِنِينَ‌ ) ( يونس: ٩٩ ). فلا إكراه في الدين، ولا بيعة بالإكراه في الإسلام، ولم يأمر الله نبيه أن يقاتل الناس ليبيايعوه. وهذه سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسيرته الشريفة تحدثنا بأنه لم يكره أحداً من الناس على بيته أبداً. ولكن الخلفاء والصحابة هم الذين سنوا تلك البدعة وهددوا الناس بالقتل إن لم يدخلوا في بيعتهم. وإذا كانت فاطمة نفسها هددت بالحرق إن لم يخرج المتخلفون في بيتها للبيعة !، وإذا كان علي نفسه وهو الذي نصبه رسول الله للخلافة يسلطون عليه السيف ويقسمون بالله ليقتله إن لم يبايع، فلا تسأل عن بقية الصحابة المستضعفين، أمثال عمار وسلمان وبلال وغيرهم. والمهم أن سعد بن أبي وقاص امتنع عن بيعة علي كما امتنع عن سبه لما أمره معاوية بذلك كما جاء في صحيح مسلم.

ولكن هذا لا يكفي سعداً ولا يضمن له الجنة ؛ لأن مذهب الاعتزال الذي أسسه تحت شعار: « أنا لست معك ولست ضدك » لا يقبله الإسلام ولا يعترف به ؛ لأن الإسلام يقول: ليس بعد الحق إلا الضلال. ولأن كتاب الله وسنة رسوله قد رسما معالم الفتنة وأخبرا بها ووضعا لها حدوداً ليهلك من هلك عن بينة وينجو من نجا عن بينة. وقد بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل شيء بقوله في علي: ( اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار ).

وقد بين الإمام علي الأسباب والدوافع التي منعت سعداً من الانضمام إليه ورفضه بيعته عندما قال في الخطبة الشقشقية: ( فصغى رجل منهم لضغنه ).


ويقول الشيخ محمد عبده في شرح هذا المقطع. كان سعد بن أبي وقاص في نفسه شيء من علي ( كرم الله وجهه ) من قبل أخواله ؛ لأن أمه حمنه بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، ولعلي في قتل صناديدهم ما هو معروف ومشهور(١) .

فالحقد الدفين والحسد أعمى بصيرة سعد فلم يعد يرى لعلي ما يراه لخصومه، فقد نقل عنه أنه لما ولاه عثمان ولاية الكوفة خطب فيهم قائلاً:

« أطيعوا خير الناس أمير المؤمنين عثمان ». فسعد بن أبي وقاص كان هواه مع عثمان في حياته وحتى بعد مقتله، وبذلك نفهم اتهامه بالمشاركة في قتل عثمان عندما كتب لعمرو بن العاص بقوله: « إن عثمان قتل بسيف سلته عائشة وسمه ابن أبي طالب ». إنه اتهام باطل يشهد التاريخ على كذبه فلم يكن لعثمان في محنته أكثر نصحاً ومواساة من علي لو كان له رأي يطاع. والذي نستخلصه من مواقف سعد المتخاذلة: هو بالضبط ما وصفه به الإمام علي بأنه صاحب ضغينة، فهو رغم معرفته بحق علي إلا أن الضغينة والحقد وقفا حائلاً بينه وبين الحق، فبقي حائراً متخيراً بين ضمير يوبخه ويوقظ فيه شعلة الإيمان وبين نفس مريضة أقعدتها عادات الجاهلية فصغت لضغنها، وتغلبت نفس سعد الأمارة بالسوء على ضميره فتردت به وأقعدته عن نصرة الحق.

والدليل على ذلك ما أخرجه المؤرخون عن مواقفه المحيرة، ذكر ابن كثير في تاريخه قال:

« دخل سعد بن أبي وقاص على معاوية بن أبي سفيان فقال له: مالك لم تقاتل علياً ؟ قال سعد: إني مرت بي ريح مظلمة فقلت: أخ، أخ وانخت راحلتي حتى انجلت عني ثم عرفت الطريق فسرت.

____________________

(١) شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبده المصري ج ١ ص ٨٨.


فقال معاوية: ليس في كتاب الله أخ، أخ، ولكن قال الله تعالى:( إِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‌ءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) ( الحجرات / ٩ )، فو الله ما كنت مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة على الباغية.

فقال سعد: ما كنت لأقاتل رجلاً قال له رسول الله: ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ).

فقال معاوية: من سمع هذا معك ؟ فقال: فلان وفلان وأم سلمة، فقام معاوية فسأل أم سلمة فحدثته بما حدث سعد، فقال معاوية: « لو سمعت هذا قبل هذا اليوم لكنت خادماً لعلي حتى يموت أو أموت »(١) . ونقل المسعودي في تاريخه مثل هذه المحاورة بين معاوية وسعد بن أبي وقاص. وذكر أن معاوية قال لسعد بعد ما حدث بحديث المنزلة: ما كنت عندي قط ألام منك الآن، فهلا نصرته ؟ ولم قعدت عن بيعته ؟ فإني لو سمعت من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل الذي سمعت فيه، لكنت خادماً لعلي ما عشت(٢) .

وما رواه سعد بن أبي وقاص لمعاوية في فضل علي، هو حديث واحد من بين مئات الأحاديث التي تصب كلها في مصب واحد، وتهدف كلها إلى هدف واحد ألا هو أن علي بن أبي طالب، هو الشخص الوحيد الذي يمثل الرسالة الإسلامية بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يقدر عليها غيره، وما دام الأمر كذلك فجدير بكل المؤمنين الصالحين أن يخدموه طيلة حياتهم. فليس قول معاوية بأنه لو سمع مثل هذا الحديث قبل اليوم لكان خادماً لعلي ما عاش، إلا حقاً يفتخر به كل مؤمن ومؤمنة. ولكن معاوية لم يقل ذلك إلا استهزاء وسخرية من سعد بن أبي وقاص كي يشتمه باللؤم ويهينه ؛ لأنه أمتنع عن سب علي ولعنه ولن ينفذ رغبته في ذلك.

____________________

(١) تاريخ ابن كثير ج ٨ ص ٧٧.

(٢) تاريخ المسعودي المعروف بمروج الذهب في ترجمة سعد بن أبي وقاص.


وإلا فإن معاوية يعرف أكثر من حديث المنزلة في فضل ابن أبي طالب ويعرف أيضاً بأنه أولى الناس بعد الرسول وذلك ما صرح به في الرسالة التي بعث بها إلى محمد بن أبي بكر والتي سيأتي ذكرها إن شاء الله قريباً. وهل امتنع معاوية عن سب ولعن أمير المؤمنين عندما علم من سعد بذلك الحديث وأكدته له أم سلمة عندما سألها ؟ كلا، إنه تمادى في غيه أكثر وأخذته العزة بالإثم، فأصبح يلعن علياً وكل أهل بيته وحمل الناس على ذلك حتى شب عليه الصغير، وهرم عليه الكبير وتواصل ذلك ثمانين عاماً أو أكثر.( فَمَنْ حَاجَّکَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَکَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَکُمْ وَ نِسَاءَنَا وَ نِسَاءَکُمْ وَ أَنْفُسَنَا وَ أَنْفُسَکُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْکَاذِبِينَ‌ ) ( آل عمران: ٦١ ).

صدق الله العلي العظيم

٧ - عبد الرحمان بن عوف

كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو فسماه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبد الرحمن وهو من بني زهرة، وهو ابن عم سعد بن أبي وقاص.

هو من كبار الصحابة ومن المهاجرين الأولين، وشهد مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المشاهد كلها، وهو أيضاً من السنة الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة، بل جعله رئيساً على مجلس الشورى والمقدم عليهم جميعاً، إذ قال: وإذا اختلفتم فكونوا في الشق الذي فيه عبد الرحمان بن عوف. وهو أيضاً من العشرة المبشرين بالجنة في اعتقاد « أهل السنة والجماعة ». وعبد الرحمان بن عوف كما هو مشهور من التجار الكبار في قريش، والذي ترك ثروة ضخمة وأموالاً بلغت حسب المؤرخين: ألف بعير ومائة فرس وعشرة آلاف شاة، وأرضاً كانت تزرع على عشرين ناضحاً، وخرجت كل واحدة من نسائه الأربع بنصيبها من المال الذي تركه فكان أربعة وثمانين ألفاً(١) .

____________________

(١) الطبري والمسعودي وابن سعد وطه حسين وغيرهم.


وعبد الرحمان بن عوف هو صهر عثمان بن عفان ؛ لأنه تزوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أخت عثمان لأمه. وقد عرفنا من خلال كتب التاريخ أنه لعب دوراً كبيراً لإبعاد علي عن الخلافة، بشرطه الذي اشترطه عليه في تحكيم سنة الخليفتين أبي بكر وعمر، لعلمه مسبقاً بأن علياً لا يقبل بذلك الشرط أبداً ؛ لأن سنتهما مخالفة للكتاب والسنة النبوية. وهذا وحده يكفينا دليلاً على تعصب عبد الرحمان للبدع الجاهلية، وبعده عن السنة المحمدية ومشاركته الفعالة في المؤامرة الكبرى للقضاء على العترة الطاهرة، وإبقاء الخلافة في حوزة قريش تتحكم فيها كيف شاءت. أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، قال المسور: طرقني عبد الرحمان بعد هجيع من الليل فضرب الباب حتى استيقظت، فقال: أراك نائماً فو الله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم، انطلق فادع الزبير وسعداً فدعوتهما له فشاورهما، ثم دعاني فقال: أدع لي عليا فدعوته فناجاه حتى ابهار الليل، ثم قام علي من عنده وهو على مطمع، وقد كان عبد الرحمان يخشى من علي شيئاً. ثم قال: ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح. فلما صلى للناس من الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمان، ثم قال: أما بعد يا علي، إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعل على نفسك سبلاً، ثم قال مخاطباً لعثمان: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمان وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون(١) .

والباحث يفهم من هذه الرواية التي أخرجها البخاري بأن المؤامرة قد دبرت بليل، ويفهم أيضاً الدهاء الذي يتمتع به عبد الرحمان بن عوف وأن اختيار عمر له لم يكن عفوياً.

____________________

(١) صحيح البخاري ج ٨ ص ١٢٣.


تأمل في قول الراوي وهو المسور: فدعوت له عليا فناجاه ثم قام علي من عنده وهو على مطمع. وهذا يدلنا على أن عبد الرحمان بن عوف، هو الذي أطمع علياً في الخلافة حتى لا ينسحب علي من الشورى المزيفة ويتسبب لهم في انقسام الأمة مرة أخرى كما وقع عقيب بيعة أبي بكر في السقيفة، ويؤكد صحة هذا الاحتمال قول المسور: « وقد كان عبد الرحمان يخشى من علي شيئاً ».

من أجل ذلك لعب عبد الرحمان دور المراوغ المخادع فطمأن علياً في الليل وهنأه بالخلافة، لما أصبح وحشر أمراء الأجناد وحضر رؤوس القبائل وزعماء قريش عند ذلك انقلب عبد الرحمان ليفاجئ علياً بأن الناس لا يعدلون بعثمان وأن عليه أن يقبل وإلا سبجعل على نفسه سبيلاً ( يعني يقتلونه إن رفض البيعة لمن اختاروه وهو عثمان بن عفان ).

وإن الباحث ليفهم ذلك بوضوح خصوصاً عندما يقرأ هذه الفقرة الأخيرة من الرواية، يقول المسور: « فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمان ثم قال: أما بعد يا علي إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعل على نفسك سبيلاً ».

فلماذا يوجه عبد الرحمان خطابه إلى علي وحده من بين الحاضرين، ولماذا لم يقل مثلاً: أما بعد يا علي ويا طلحة ويا زبير ؟ !

من أجل ذلك فهمنا بأن الأمر دبر بليل وأن الجماعة كانوا متفقين من البداية على عثمان وإبعاد علي عنها.

ولنا أن نجزم بأنهم جميعاً كانوا يخشون من علي لو وصل إلى لخلافة أن يعود بهم إلى العدالة والمساواة ويحيي لهم سنة النبي، ويميت بدعة ابن الخطاب في المفاضلة خصوصاً وأن عمر بن الخطاب قد أشار قبل موته إلى ذلك وحذرهم من خطر علي عليهم، فقال: « لو ولوها الأجلح لحملهم على الجادة » والجادة هي السنة النبوية التي لا يحبها عمر ولا تحبها قريش عامة، ولو كانوا يحبون سنة النبي لولوا علياً ولحملهم عليها ولردهم إليها، فهو نائبها والقائم عليها.


وكما قدمنا في بحث طلحة والزبير وسعد بأنهم زرعوا الشوك وحصدوا الخسران والندامة. فلننظر إلى عبد الرحمان بن عوف وما آل إليه تدبيره، يقول المؤرخون بأن عبد الرحمان بن عوف ندم أشد الندم لما رأى عثمان خالف سنة الشيخين، وأعطى المناصب والولايات إلى أقاربه وحاباهم بالأموال الطائلة، فدخل عليه وعاتبه وقال: إنما قدمتك(١) على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر، فخالفتهما وحابيت أهل بيتك وأوطأتهم رقاب المسلمين. فقال عثمان: إن عمر كان يقطع قرابته في الله وأنا أصل قرابتي في الله، قال عبد الرحمان: لله علي أن لا أكلمك أبداً، فلم يكلمه حتى مات وهو هاجر لعثمان، ودخل عليه عثمان عائداً له في مرضه فتحول عنه إلى الحائط ولم يكلمه(٢) . وبهذا يكون الله سبحانه قد استجاب دعاء الإمام علي في عبد الرحمان كما استجابه في طلحة والزبير فقتلا من يومهما. يقول ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج إن علياً غضب يوم الشورى وعرف ما دبره عبد الرحمان بن عوف فقال له:

( والله ما فعلتها إلا ؛ لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه، دق الله بينكما عطر منشم )(٣) . ويقصد الإمام علي بأن عبد الرحمان طمع أن يستخلفه عثمان من بعده كما فعل أبو بكر بعمر، وقد قال له علي: ( أحلب حلباً لك شطره واشدد له اليوم ليرده عليك غداً ). أما عطر منشم الذي دعا به علي عليهما فهو مثل سائر يقال: أشأم من عطر منشم وهو يدل على النفور والمقاتلة.

____________________

(١) قوله إنما قدمتك يدل على الاستبداد برأيه ولم يكن عن مشورة ولا عن اختيار الناس له كما يزعمون.

(٢) تاريخ أبي الفداء ج ١ ص ١٦٦، أنساب الأشراف للبلاذري ج ٥ ص ٥٧، العقد الفريد لابن عبد ربه المالكي ج ٢ ص ٢٦١.

(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ١ ص ٦٣.


واستجاب الله دعاء الإمام فلم تمض سنوات قليلة حتى ضرب الله بينهم العداوة والبغضاء، وإذا بعبد الرحمان يعادي صهره ولا يكلمه حتى الموت ولا يأذن له بالصلاة على جنازته. ويتجلى لنا أيضاً من هذا البحث الوجيز أن عبد الرحمان بن عوف، هو رأس من رؤوس قريش الذين عملوا على طمس السنة النبوية وإبدالها ببدع الخليفتين. كما يتجلى لنا بأن الإمام علياًعليه‌السلام هو الوحيد الذي ضحى بالخلافة، وما فيها من أجل الحفاظ على السنة المحمدية التي جاء بها أخوه وابن عمه محمد بن عبد الله ( صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ). وأنت أيها القارئ الكريم لا شك بأنك عرفت « أهل السنة والجماعة » على حقيقتهم كما عرفت بنفسك من هم أهل السنة، فالمؤمن غر كريم ولكنه لا يلدغ من جحر مرتين.

٨ - عائشة بنت أبي بكر « أم المؤمنين »:

هي زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأم المؤمنين. تزوجها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في السنة الثانية أو الثالثة للهجرة وتوفي عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة على أشهر الأقوال المروية. وتجدر الإشارة بأن كل أمرأة تزوجها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحمل هذا اللقب، فيقال أم المؤمنين خديجة أم المؤمنين حفصة، وأم المؤمنين مارية … الخ. أقول هذا ؛ لأني فوجئت خلال حديثي مع كثير من الناس بأنهم لم يفهموا معنى الأمومة التي لقب بها أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وبما أن حديث « أهل السنة » كله عن عائشة إذا تحدثوا عن أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأغلب الأحاديث النبوية ينقلونها عن عائشة، ونصف الدين يأخذونه عن الحميراء عائشة.

فكأنهم فهموا من كلمة « أم المؤمنين » أنها فضيلة تحصها من بين سائر أزواجه عليه الصلاة والسلام وعلى آله.


والحال أن الله حرم على المؤمنين الزواج بنساء النبي بعد وفاته بقوله تعالى:( وَ مَا کَانَ لَکُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لاَ أَنْ تَنْکِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِکُمْ کَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً ) (الأحزاب: ٥٣ ) وقال أيضاً:( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ … ) (الاحزاب: ٦ ).

وقد سبق أن أشرنا بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تأذى من قول طلحة لما سمعه يقول: إذا مات محمد تزوجت عائشة بنت عمي. فأراد الله سبحانه أن يقول للمؤمنين بأن نساء النبي حرام عليكم نكاجهن كحرمة أمهاتكم. مع العلم بأن عائشة كانت عقيماً، فلم تحمل ولم تخلف وكانت من أكبر الشخصيات التي عرفها تاريخ المسلمين، إذ أنها لعبت أكبر الأدوار في تقريب البعض من الخلافة وإبعاد البعض عنها، وعملت على تزكية قوم وإقضاء آخرين. وشاركت في الحروب وقادت المعارك والرجال، وكانت تبعث بالرسائل لرؤساء القبائل وتأمر وتنهي وتعزل أمراء الجيوش وتؤمر آخرين وكانت قطب الرحى في معركة الجمل وعمل طلحة والزبير تحت قيادتها. ونحن لا نريد الإطالة في سرد أدوار حياتها فقد وافينا البحث عنها في كتاب «فاسألوا أهل الذكر» فعلى الباحثين مراجعته إن أرادوا معرفة ذلك. ولكن الذي يهمنا في هذا البحث هو اجتهادها وتغييرها لسنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولابد من إبراز بعض الأمثلة لكي نفهم من خلال سلسلة هؤلاء العظماء، الذين هم مفخرة « أهل السنة والجماعة » والذين يقتدون بهم ويقدمونهم على الأئمة الطاهرين من عترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وليس ذلك في الحقيقة إلا نزعة قبلية عملت على محق السنة النبوية وطمس معالمها وإطفاء نورها، لولا وقوف علي والأئمة من ولده لما وجدنا اليوم من سنة النبي شيئاً يذكر. وكما عرفنا بأن عائشة لم تمتثل لسنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم تقم لها وزناً


وقد سمعت من زوجها أحاديث كثيرة في حق علي إلا أنها أنكرتها وعملت بعكسها. وعصت أمر الله وأمر رسوله لها بالذات، وخرجت فقادت حرب الجمل المشؤومة التي انتهكت فيها المحارم، وقتلت الأبرياء وخانت العهد في الكتاب الذي كتبته مع عثمان بن حنيف، وعندما جاؤؤها بالرجال مكتفين أمرت بضرب أعناقهم صبراً وكأنها لم تسمع قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )(١) . ودعنا من الحروب والفتن التي أشعلت نارها أم المؤمنين وأهلكت بها الحرث والنسل، وهيا بنا إلى تأولها هي الأخرى والقول برأيها في دين الله، وإذا كان مجرد الصحابي له رأي وقوله حجة فكيف بمن يؤخذ نصف الدين عنها ؟ !

أخرج البخاري في صحيحه من أبواب التقصير عن الزهري عن عروة عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت: الصلاة أول ما فرضت ركعتان فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم ؟ قال: تأولت ما تأول عثمان(٢) .

أفلا تعجب كيف تترك أم المؤمنين زوجة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سنة رسول الله التي روتها بنفسها وصححتها، ثم تتبع بدعة عثمان بن عفان والتي كانت تحرض على قتله بدعوى أنه غير سنة النبي وأبلاها قبل أن يبلى قميصه ؟

نعم ذلك ما وقع في عهد عثمان، ولكنها غيرت رأيها في عهد معاوية بن أبي سفيان، و ما أسرع أن تغير أم المؤمينن رأيها فقد حرضت على قتل عثمان، ولكنها لما عرفت بأنهم قتلوه وبايعوا عليا غيرت رأيها، وبكت على عثمان بكاء شديداً وخرجت للطلب بدمه هي أيضاً.

والمفهوم من الرواية أنها أتمت صلاة السفر وجعلتها أربع ركعات بدلاً من ركعتين في زمن معاوية الذي كان حريصاً على إحياء بدع ابن عمه وولي نعمته عثمان بن عفان.

____________________

(١) صحيح البخاري ج ٨ ص ٩١ وصحيح مسلم في كتاب الإيمان.

(٢) صحيح البخاري ج ٢ ص ٣٦.


والناس على دين ملوكهم، وكانت عائشة من أولئك الناس الذين صالحوا معاوية بعد العداء، فهو الذي قتل أخاها محمد بن أبي بكر ومثل به أشنع مثلة. ومع ذلك فإن المصالح الدنيوية المشتركة تجمع الأعداء وتوحد الأضداد، لذلك تقرب إليها معاوية وتقربت إليه وأصبح يبعث لها بالهدايا والعطايا والأموال الطائلة. يقول المؤرخون: إن معاوية لما قدم المدينة دخل على عائشة لزيارتها، فلما قعد قالت له: يا معاوية أأمنت أن اخبئ لك من يقتلك بأخي محمد بن أي بكر ؟ فقال معاوية: إنما دخلت بيت الأمان. فقالت: أما خشيت الله في قتل حجر بن عدي وأصحابه ؟ فقال: إنما قتلهم من شهد عليهم(١) .

وروي أيضاً أن معاوية كان يبعث لها بالهدايا والثياب وأشياء توضع في أسطوانها، وبعث لها مرة بمائة ألف دفعة واحدة(٢) . كما بعث لها مرة أخرى وهي بمكة طوقا قيمته مائة ألف كما قضى معاوية كل ديون عائشة التي بلغت ثمانية عشر ألف دينار وكل ما كانت تعطيه للناس(٣) .

وقد قدمنا في كتاب « فاسألوا أهل الذكر » أنها أعتقت في يوم واحد أربعين رقبة تكفيراً عن يمينها(٤) . كما أن الولاة والأمراء من بني أمية كانوا يوصلونها ويبعثون لها بالهدايا والأموال أيضاً(٥) .

____________________

(١) تاريخ ابن كثير وابن عبد البر في الاستيعاب ترجمة حجر بن عدي.

(٢) تاريخ ابن كثير ج ٧ ص ١٣٦ ومستدرك الحاكم ج ٤ ص ١٣.

(٣) تاريخ ابن كثير ج ٧ ص ١٣٧.

(٤) صحيح البخاري ج ٧ ص ٩٠ من كتاب الأدب باب الهجرة. مسند الإمام أحمد بن حنبل ج ٦ ص ٧٧.

(٥) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج٦ ص٧٧.


وإذا بحثنا عن هذا التقارب بين عائشة ومعاوية قلنا: متى كان البعد والعداء حتى نقول بالتقارب فأبو بكر هو الذي شارك معاوية في الحكم وولاه على الشام بعد موت أخيه ومعاوية يشعر دائماً بفضل أبي بكر عليه فلولاه لم يكن معاوية يحلم يوماً بالوصول إلى الخلافة. ثم إن معاوية يلتقي مع الجماعة في مؤامرتهم الكبرى لمحق السنة والقضاء على العترة، وقد تقاسموا تلك المهمة فأحرقوا السنة وتركوا له القضاء على العترة فأتم معاوية ما أوكل إليه حتى أجبر الناس على لعن العترة، وبمؤامرته خرج الخوارج على الإمام علي وبمؤامرته قتل علي وبمؤامرته قتل الحسن بن علي وقد دس له السم، وقضى يزيد ابنه من بعده على بقية العترة.

فليس بين معاوية وعائشة عداء حتى قولها أأمنت أن اخبئ لك من يقتلك بأخي محمد بن أبي بكر ؟ لم يكن إلا مداعبة وإلا فإنها لا تحت ابن الخثعمية محمد بن أبي بكر والذي كان يحارب ضدها مع علي ويستحل قتلها. ثم هي تلتقي مع معاوية في بغض أبي تراب إلى أبعد الحدود وبحقد يفوق التصور والخيال. ولا أدري أيهما المتفوق في ذلك، أهو الذي حاربه وسبه ولعنه وعمل على إطفاء نوره ؟ أ هي التي عملت على إبعاده عن الخلافة وحاربته وعملت على محو اسمه فكانت لا تذكر اسمه ولما بلغها خبر قتله سجدت شكراً لله ؟

وقد بقي بغضها لولده من بعده إلى أن منعت أن يدفن الإمام الحسن بجانب جده، وخرجت تصيح راكبة على بغلة تستنفر بني أمية وتستيعن بهم على بني هاشم قائلة: لا تدخلوا بيتي من لا أحب، وأرادت أن تشعل حرباً أخرى، حتى قال لها بعض أقاربها: « ألا يكفينا يوم الجمل الأحمر حتى يقال يوم البغلة الشهباء ».

وهي بلا شك واكبت مسيرة كبرة من حكم بني أمية وسمعتهم يلعنون عليا وأهل البيت على المنابر، فما أنكرت ذلك ولا نهت عنه ولعلها كانت تشجع على ذلك من طرف خفي.


فقد أخرج أحمد بن حنبل في مسنده قال: جاء رجل فوقع في علي وعمار عند عائشة فقالت: أما علي فلست قائلة لك فيه شيئاً، وأما عمار فإني سمعت النبي يقول فيه لا يخير بين أمرين إلا اختار أرشدهما(١) . فلا نستغرب إذا من عائشة إذا أماتت سنة النبي وأحيت بدعة عثمان في إتمام الصلاة لإرضاء معاوية وحكام بني أمية الذين كانوا يتبعونها في حلها وفي ترحالها ويمجدونها ويأخذون الدين عنها. كما أن عائشة كانت تفتي لهم برضاعة الكبير وكانت ترى أن الرجال يمكنهم أن يرضعوا من النساء فيصبحوا بذلك من محارمهن(٢) . وما أخرجه الإمام مالك في موطأه تقشعر منه جلود المؤمنين والمؤمنات، إذ يقول بأنها كانت تبعث بالرجال إلى أختها أم كلثوم وإلى بنات أخيها فيرضعوا منهن وتسبيح أم المؤمنين عائشة بعد تلك الرضاعة مقابلتهم بدون حجاب(٣) ؛ لأنهم على رأيها أصبحوا من محارمها، وما علينا الا أن نتصور أحد يتحمل بدعة عائشة ولو يجد في نفسه حرجاً مما قضيت ويسلم تسليماً.

وأنا ألفت الباحثين والمحققين الى هذه الطامة فهي وحدها كافيه للكشف عن الحقيقة ولمعرفة الحق من الباطل. وبهذا يتبين لنا بأن ( أهل السنة والجماعة ) يعبدون الله ينصوص ما أنزل بها من سلطان، بدون تمحيص ولا تثبيت، ولو تبينوا تلك البدع لنفرت نفوسهم منها وتركوها طائعين.

____________________

(١) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج ٦ ص ١١٣.

(٢) قد وفينا البحث في هذه المهزلة في كتاب لأكون مع الصادقين في باب خلاف عائشة مع بقية أزواج النبي.

(٣) موطأ مالك ج ٢ ص ١١٦ باب رضاعة الكبير.


هذا ما لا مسته شخصياً عند بعض ( علماء السنة ) المتحررين الذين عندما اطلعوا على حديث رضاعة الكبير استغربوا وذهلوا وأكدوا بأنهم لم يسمعوا به أبداً. وهذه ظاهرة سارية عند ( أهل السنة والجماعة ) فكثير من الأحاديث التي يحتج بها الشيعة موجودة في صحاحهم وهو يجعلونها ويكفرون من يقول بها.( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ کَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَ امْرَأَةَ لُوطٍ کَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ‌ ) ( التحريم: ١٠ ).

٩ - خالد بن الوليد:

خالد بن الوليد بن المغيرة من بني مخزوم الملقب عند ( أهل السنة والجماعة ) بسيف الله. أبوه من أكبر الاثرياء الذين لا يقدر ثراؤهم بقيمة، يقول عباس محمود العقاد: كان أغنى أبناء زمانه في صفوف الثراء المعروفة بينهم كافة، الذهب والفضة والبساتين والكروم والتجارة والعروض والخدم والجواري والعبيد، وسمي من أجل ذلك بالوحيد(١) . وأبوه هذا هو الدليد بن المغيرة الذي نزل فيه القرآن يتوعده بالنار وبئس القرار، فقال تعالى في شأنه:( ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَ جَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَ بَنِينَ شُهُوداً * وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * کَلاَّ إِنَّهُ کَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَکَّرَ وَ قَدَّرَ * فَقُتِلَ کَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ کَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَکْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هٰذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ … ) ( المدثر: ١١-٢٦ ).

ويروي أن الوليد جاء للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يغريه بالاموال ليترك الذين الجديد فأنزل الله فيه:( وَ لاَ تُطِعْ کُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ‌ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ

____________________

(١) عبقرية خالد: عباس العقاد ص ٢٤.


أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذٰلِکَ زَنِيمٍ * أَنْ کَانَ ذَا مَالٍ وَ بَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ‌ ) ( القلم: ١٠ - ١٦ ).

وكان الوليد يعتمد بأنه أحق وأولى بالنبوة من محمد فكان يقول: أينزل القرآن والنبوة على محمد الفقير وأترك أنا كبير قريش وسيدها ؟ وعلى هذه، مفيدة تربى خالد بن الوليد حاقداً على الإسلام وعلى نبي الإسلام الذي سفه أحلام أبيه وقوض عرشه فشارك خالد في الحروب كلها ضد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ولا شك بأن خالداً كان يشارك أباه في اعتقاده بأنه أولى بالنبوة من محمد الفقير اليتيم ولأن خالداً كأبيه من عظماء قريش إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق، فلو نزل القرآن والنبوة على أبيه لكان لخالد منهما النصيب الأوفر ولورث النبوة والملك كما ورث سليمان داود. وقد سجل الله سبحانه اعتقادهم هذا بقوله:

( وَ لَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هٰذَا سِحْرٌ وَ إِنَّا بِهِ کَافِرُونَ‌ * وَ قَالُوا لَوْ لاَ نُزِّلَ هٰذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‌ ) ( الزخرف: ٣٠ - ٣١ ).

فلا غرابة أن يعمل كل ما في وسعه للقضاء على محمد ودعوته وقد رأيناه يجهز جيشاً كبيراً بما أتاح له الثراء في غزوة أحد ويكمن للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم محاولاً القضاء عليه، وقد حاول أيضاً عام الحديبية أن يغتال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولكن الله سبحانه أفشل مخططاته كلها فباءت بالفشل ونصر نبيه في المواطن كلها. ولما عرف خالد كغيره من عظماء قريش بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يقهر، ورأى الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، عند ذلك استسلم للأمر الواقع وفي نفسه حسرة، فكان إسلامه متأخراً إلى السنة الثامنة للهجرة وقبل فتح مكة بأربعة شهور. ودشن خالد إسلامه بمخالفة أوامر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث نهاهم عن القتال فدخل خالد إلى مكة يوم الفتح بعد ما قتل أكثر من ثلاثين رجلاً أغلبهم من قريش وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوصاهم بأن لا يقتلوا أحداً.


ومهما اعتذر المعتذرون عن خالد بأنه صد عن الدخول إلى مكة ويأنه شهروا في وجهه السلاح، فهذا لا يبيح له القتال بعد نهي النبي عنه، وكان بوسعه أن يرجع إلى باب آخر فيدخله بدون قتال، كما فعل الآخرون، أو أن يبعث للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستشيره في قتال الذين منعوه الدخول. ولكن شيئاً من ذلك لم يكن، واجتهد خالد برأيه مقابل النص الذي سمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وما دمنا نتحدث عن الاجتهاد مقابل النص والذي أصبح له أنصار ومؤيدون، أو قل أصبحت له مدرسة قائمة تخرج منها عظماء الصحابة والمشرعون وسميت فيما بعد بمدرسة الخلفاء، لابد لنا من الإشارة هنا بأن الاجتهاد بهذا المعنى هو معصية الله ورسوله لا غير، ولأننا الفنا اصطلاح الاجتهاد مقابل النص فأصبح وكأنه أمر مشروع، وفي الحقيقة يجب أن نقول: وعصى خالد أمر النبي بدل أن نقول: واجتهد خالد برأيه مقابل النص كما علمنا القرآن عندما قال: (وَ عَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى‌ ) ( طه: ١٢١ ) ؛ لأن الله نهاه عن الأكل من الشجرة، ولأن آدم أكل منها، فلا تقول: فاجتهد آدم برأيه مقابل النص. ويجب على المسلم أن يقف عند حده ولا يقول برأيه في مسألة ورد فيها امر أو نهي من الله أو من رسوله ؛ لأن ذلك هو الكفر الصريح. قال الله للملائكة:( اسْجُدُوا لِآدَمَ ) ، فهذا أمر،( فَسَجَدُوا ) (طه / ١١٦ )، وهذا إيجاب وامتثال وطاعة. إلا إبليس فإنه اجتهد برأيه فقال: أنا خير منه فكيف أسجد له ؟ وهنا عصيان وتمرد، بقطع النظر عمن هو خير، آدم أم إبليس ؟

ولذلك قرر سبحانه: ( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة ) ( الأحزاب: ٣٦ ). وإلى هذا أشار الإمام جعفر الصادق عندما قال لأبي حنيفة: ( لا تقس فإن


الشريعة إذا قيست محقت، وإن أول من قاس إبليس عندما قال: أنا خير منه خلقني من نار وخلقته من طين ).

وقوله: إن الشريعة إذا قيست محقت هو أحسن تعبير للدلالة على فساد القياس، فلو استعمل الناس آراءهم المختلفة مقابل النصوص فلا ولن يبق للشريعة أثر، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض. ونعود بعد هذا العرض الوجيز للاجتهاد لنقول في هذه المرة، بأن خالد بن الوليد عصى أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرة أخرى عندما بعثه إلى بني جذيمة يدعوهم إلى الإسلام ولم يأمره بقتال. فذهب إليهم وأوقع فيهم وغذر بهم بعدما أعلنوا إسلامهم وقتلهم صبراً، حتى أتهمه عبد الرحمان بن عوف - الذي حضر معه تلك الوقعة - بأنه إنما قتلهم ليثأر لعميه اللذين قتلهما بنو جذيمة(١) .

ولما سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتلك الوقعة الشنيعة تبرأ إلى الله مما صنع خالد ثلاث مرات، ثم أرسل إليهم علي بن أبي طالب بأموال كثيرة فودى لهم كل الدماء التي أهرقها خالد. ومهما يعتذر المعتذرون من « أهل السنة والجماعة » عن خالد بن الوليد، فإن صفحات تاريخه حافلة بالمآسي والمعاصي لكتاب الله وسنة رسوله، ويكفي الباحث أن يقرأ تاريخه وما فعله في اليمامة أيام أبي بكر، وغدره بمالك بن نويره وقومه وكيف قتلهم صبراً وهم مسلمون ودخل بزوجة مالك ونكحها في ليلتها، ولم يراع في ذلك شرع الإسلام ولا مروءة العرب. حتى أن عمر بن الخطاب مع تساهله في الأحكام، إلا أنه شنع عليه وسماه عدو الله وتوعده بالرجم.

____________________

(١) أخرج اليعقوبي في تاريخه ج ٢ ص ٦١ أن عبد الرحمان بن عوف قال: والله لقد قتل خالد القوم وهم مسلمون، فقال خالد: إنما قتلتهم بأبيك عوف بن عبد عوف، فقال له عبد الرحمان: ما قتلت بأبي ولكنك قتلت بعمك الفاكه بن المغيرة.

أنظر رعاك الله: إن خالداً لم ينكر قتله للقوم وهم مسلمون بل اعترف بأنه قتلهم بعوف والد عبد الرحمان فهل يحق في دين الله أن يقتل قوم برجل واحد وهل يجوز قتل المسلمين برجل كافر.


وعلى الباحثين أن يراجعوا التاريخ بعين البصيرة ومن وجهة النقد البناء الذي يوصلهم إلى الحقيقة بكل تجرد وحياد، ولا تأخذهم العصبية المذهبية، فيقوموا الأشخاص من خلال الأحاديث المكذوبة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأن « أهل السنة والجماعة » وهم بنو أمية في الواقع يمسحون الأحداث التاريخية بحديث واحد يضعونه من عندهم ليقطعوا به الطريق على الباحثين فلا يصلون إلى الحقيقة. وما أسهل أن يقول أحدهم: قال رسول الله لخالد بن الوليد: « مرحباً بسيف الله »: فيأخذ هذا الحديث المكذوب مأخذه من نفوس المسلمين الأبرياء الذين يحسنون الظن ولا يعرفون خفايا الأمور ودسائس الأمويين، فيتأولون بعد هذا الحديث الموضوع كل ما يقال في خالد من حقائق ويلتمسون لها أعذاراً.

وهذا ما يسمى بالتأثير النفسي على الأشخاص وهو الداء العضال الذي يحجب الإنسان عن الحق ويقلب الواقع تماماً. خذ لذلك مثلاً، أبا طالب عم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قيل: إنه مات على الكفر وإن النبي قال فيه: أبو طالب في ضحضاح من نار يغلي منها دماغه. ومن أجل هذا الحديث المكذوب يعتقد « أهل السنة والجماعة » بأن أبا طالب مشرك وهو في النار ولا يتقبلون بعد ذلك التحليل العقلي الذي يوصلهم إلى الحقيقة، وبهذا الحديث تنسف كل حياة أبي طالب وجهاده في سبيل الإسلام من أجل دعوة ابن أخيه حتى عافاه قومه، وعاداهم إلى أن رضي بالحصار في شعب مكة لمدة ثلاث سنين مع ابن أخيه يأكل خلالها أوراق الشجر، وتنسف كل مواقفه البطولية واشعاره العقائدية في نصرة دعوة النبي، وكذلك يعفى كل ما فعله النبي في حق عمه وكيف غسله وكفنه في قميصه ونزل في قبره وسمى ذلك العام بعام الحزن وقال: والله ما نالت مني قريش إلا بعد موت أبي طالب، وإن الله أوحى إلي أن أخرج منها فقد مات ناصرك، فهاجر من مكة في يومه. وخذ لذلك مثلاً أبا سفيان بن حرب والد معاوية، قيل إنه أسلم بعد فتح مكة وقال النبي فيه: « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ». ومن أجل هذا الحديث الذي ليس فيه فضل ولا فضيلة يعتقد « أهل النسة


والجماعة » بأن سفيان أسلم وحسن إسلامه وهو في الجنة ؛ لأن الإسلام يجب ما قبله. ولا يتقبلون بعد ذلك التحليل العقلي الذي يوصلهم إلى الحقيقة، وبهذا الحديث أيضاً يعفى كل ما فعله أبو سفيان تجاه صاحب الرسالة ودعوته، وتنسى كل الحروب التي قادها ومولها للقضاء على محمد، وينسى حقده وبغضه للنبي حتى أنه لما جاؤوا به وقالوا له أسلم وإلا ضربنا عنقك قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقالوا: قل: أشهد أن محمدا رسول الله فقال: أما هذه ففي نفسي شيء منها. وكان إذا اجتمع بالنبي بعد استسلامه يقول في نفسه: بأي شيء غلبني هذا ؟ فيقول له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالله عليك يا أبا سفيان. فهذان مثلان ضربتهما من واقعنا الإسلامي حتى يتبين للباحثين مفعول التأثير النفسي على الناس وكيف يحجبهم عن الحق، ومن هذا نفهم بأن « أهل السنة والجماعة » غلفوا الصحابة بهالة من الأحاديث المكذوبة أكسبتهم حصانة وقدامة في نفوس الغافلين فلم يعودوا يتقبلون فيهم نقد الناقدين ولومة اللائمين.

وإذا اعتقد المسلم بأن هؤلاء بشرهم رسو الله بالجنة فلا يتقبل بعد ذلك فيهم أي قول وكل ما فعلوه يهون ويلتمس لهم فيه أعذار أو تأويلات هذا إذا لم يغلق الباب من أوله. ولذلك وضعوا لكل واحد من كبرائهم لقباً نسبوه للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهذا صديق وهذا فاروق وهذا ذو النورين، وهناك حب رسول الله وهناك حواري رسول الله وهناك حبيبه رسول الله، وهناك أمين الأمة وهناك راوية الإسلام، وهناك كاتب الوحي، وهناك صاحب النعلين، وحجام الرسول وسيف الله المسلول، وغير ذلك. وكلها في الحقيقة لا تسمن ولا تغني من جوع في ميزان الحق عند الله إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إنما الذي ينفع عند الله ويضر هو الإعمال.


والتاريخ هو خير شاهد على الأعمال وبها نقيم شخصية الإنسان وقيمته، ولا نقيم الإنسان مما يقال فيه كذباً وبهتاناً. وهي بالضبط مقولة الإمام علي: ( إعرف الحق تعرف أهله ). وبما أننا درسنا التاريخ وعرفنا ما فعله خالد بن الوليد وعرفنا الحق من الباطل فلا يمكن لنا أن نسميه سيف الله، ويحق لنا أن نسأل متى لقبه رسول الله بذلك، هل سماه سيف الله عندما قتل أهل مكة يوم الفتح وقد عرفنا بأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهاه عن القتال ؟ أم عندما بعثه مع سرية زيد بن حارثة إلى مؤتة وقال: إذا قتل زيد، فجعفر بن أبي طالب وإذا قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، ولم يعينه حتى في المرتبة الرابعة لقيادة الجيش، وبعد مقتل الثلاثة لاذ خالد بالفرار من المعركة بمن بقي من الجيش ؟ أم لقبه بسيف الله عندما خرج معه إلى غزوة حنين صحبة اثني عشر ألف مقاتل فأعطى بالأدبار وولى هارباً تاركاً رسول الله في المعركة ومعه اثنا عشر رجلاً ؟

وإذا كان الله يقول:( وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ ) ( الأنفال: ١٦ ).

فكيف يسمح لسيفه بالهروب ؟ إنه حق أمر عجيب ! وأنا أعتقد أن خالداً لم يكن يعرف هذا اللقب في حياة النبي أصلاً ولم يقله رسول اله أبداً، وغاية ما هناك أن أبا بكر هو الذي أعطى لخالد هذا الوسام عندما بعثه لإسكات الثائرين عليه من أجل الخلافة وفعل بهم ما فعل ونقم عليه عمر بن الخطاب وقال لأبي بكر: « إن سيف خالد لرهقاً » وهو أعرف الناس به وأقربهم إليه، عند ذلك قال أبو بكر لعمر: إن خالداً سيف من سيوف الله سله على أعدائه، إنه تأول فأخطأ، ( ومن هنا جاء هذا اللقب ). وأخرج الطبري في الرياض النضرة أنه كان في بني سليم ردة فبعث إليهم أبو بكر خالد بن الوليد ف، جمع رجالاً منهم في الحضائر وأضرم عليهم النار فأحرقهم، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: تدع رجلاً يعذب بعذاب الله عز وجل ؟


فقال أبو بكر: والله لا أشم سفاً سله الله على عدوه حتى يكون هو الذي يشيمه، ثم أمره فمضى من وجهه إلى مسيلمة(١) . ومن هنا سمى « أهل السنة والجماعة » خالداً ب- « سيف الله المسلول » ولو أن خالداً عصى أمر الرسول وحرق الناس بالنار ضارباً بالسنة عرض الجدار. فقد أخرج البخاري في صحيحه أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: « إن النار لا يعذب بها إلا الله »، وقوله أيضاً: « لا يعذب بالنار إلا ربها »(٢) .

وقد قدمنا أن أبا بكر كان يقول قبل موته: يا ليتني لم أحرق الفجاءة السلمي ! ونحن نقول يا ليت سائلاً يسأل عمر بن الخطاب ويقول له: إذا كنت تعرف أنه لا يعذب بالنار إلا الله، فلماذا أقسمت غداة وفاة الرسول لتحرقن بيت الزهراء بمن فيها أو يخرجوا للبيعة ؟ ولولا تليم علي وأمره الجماعة بالخروج للبيعة لنفذت فيم مرادك. وإن الشك يداخلني بعض الأوقات فأستبعد أن يكون عمر يعارض أبا بكر فلا يلتفت إليه وإلى معارضته، فهذا غريب. وقد رأينا أبا بكر لا يقف بوجه عمر ولا يثبت أمام معارضته حتى قال له غير مرة: لقد قلت لك بأنك أقوى مني على هذا الأمر فغلبتني، ومرة أخرى لما اشتكى إليه المؤلفة قلوبهم فعل عمر بالكتاب الذي كتبه إليهم وأنه بصق فيه ومزقه، وسألوه: أأنت الخليفة أم عمر ؟ فقاتل: بل هو إن شاء الله. ولذلك أقول: لعل المعارض له في أفعال خالد البشعة هو علي بن أبي طالب، ولكن المؤرخين الأولين كانوا كثيراً ما يتحاشون ذكر اسمه فأبدلوه بعمر، كما وردت بعض الروايات المسندة إلى أبي زينب أو إلى رجل ويقصدون به علياً ولا يصرحون بذلك. وليس هذا إلا مجرد احتمال، أو أننا نقبل قول بعض المؤرخين بأن عمر بن

____________________

(١) الرياض النضرة للطبري ج ١ ص ١٠٠.

(٢) صحيح البخاري ج ٤ ص ٣٢٥.


الخطاب كان يبغض خالداً ولا يطيق رؤيته ؛ لأنه يغار منه فقد استهوى خالد قلوب الناس بما حقه من انصارات ويقال أبن خالداً صارع عمر في الجاهلية فغلبه وكسر رجله.والمهم، أن عمر عزل خالداً يوم تولى الخلافة ولكن لم يقم عليه الحد بالرجم كما وعده بذلك. وبالنتيجة إن خالد بن الوليد وعمر بن الخطاب كانا مترادفين في الشدة والغطرسة كل منهما غظ غليظ القلب عمل كل منهما على مخالفة السنة النبوية، وعصيان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته وبعد وفاته، كما كان كل منهما يبغض وصي النبي ويعمل على إبعاده، وقد تآمر خالد مع عمر وأبي بكر على أغتيال علي عقيب وفاة النبي(١) ولكن الله سبحانه وتعالى نجاه منهم ليقضي أمراً كان مفعولاً. ومرة أخرى يتضح لنا بعد دراسة لشخصية خالد بن الوليد الذي يتغنى به « أهل السنة والجماعة » بأنهم أكثر بعداً عن السنة النبوية، وهم يقتدون بمن خالفها ونبذها وراء ظهره ولم يراع لها ولا لكتاب الله حرمة ولا احتراماً.

١٠ - أبو هريرة الدوسي:

هو من الصحابة المتأخرين عن الإسلام وعلى حسب ترتيب الطباقت لابن سعد فهو يعد من الطبقة التاسعة أو العاشرة. قدم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في آخر السنة السابعة للهجرة وبذلك يقول المؤرخون بأن صحبته للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم تتجاوز ثلاث سنين(٢) على أكثر تقدير ومنهم من ينزل بتلك الصحبة إلى أقل من سنتين باعتبار أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعثه مع ابن الحضرمي إلى البحرين فتوفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو بالبحرين. ولم يكن أبو هريرة من الذين عرفوا بجهاد أو شجاعة ولا من أولئك الداهة المفكرين ولا من الفقهاء الحافظين ولم يكن يعرف القراءة والكتابة، وقدم على

____________________

(١) يراجع في ذلك كتاب الاحتجاج للطبرسي.

(٢) صحيح البخاري ج ٤ ص ١٧٥ في ما رواه أبو هريرة عن نفسه باب علامات النبوة.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ملء بطنه كما صرح هو بذلك وكما فهم النبي منه ذلك عندما أسكنه في أهل الصفة وكلما جيء للنبي بصدقة من الأكل بعث بها إليهم، وكان كما يروي هو عن نفسه كثير الجوع فيعترض طريق الصحابة ويمثل دور المصروع طمعاً في أن يدخلوه إلى بيوتهم ويطعموه.

ولكنه اشتهر بكثرة الأحاديث التي يرويها عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فبلغت مروياته ما يقرب من ستة آلاف حديث، وهذا ما ألفت نظر المحققين إليه ولأنه مع قلة الصحبة روى أحاديث ووقائع لم يحرضها أبداً. وجمع بعض المحققين مجموع مرويات الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين وأمهات المؤمنين وأهل البيت الطاهرين. فلم تبلغ كلها عشر معشار ما رواه أبو هريرة بمفرده، ( مع العلم بأن من هؤلاء علي بن أبي طالب الذي صاحب النبي ثلاثين عاماً ).

ومن ثم توجهت إلى أبي هريرة أصابع الأتهام ووصفته بالكذب والوضع والتدليس وقالوا بأنه أول راوية أتهم في الإسلام. ولكن « أهل السنة والجماعة » يلقبونه ب- « راوية الإسلام » ويحترمونه كثيراً ويحتجون به ولعل البعض منهم يعتقد بأنه أعلم من علي، وذلك لحديث يرويه هو عن نفسه قال: قلت يا رسول الله، إني أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه قال: أبسط رداءك فبسطته قال فغرف بيديه، ثم قال: ضمه فضممته فما نسيت شياً بعدها(١) .

وأكثر أبو هريرة الرواية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى ضربه عمر بن الخطاب بالدرة وقال له: قد أكثرت من الرواية وأحر بك أن تكون كاذباً على رسول الله. وذلك لرواية رواها أن الله غلق السماوات والأرض والخق فعد سبعة أيام، فلما سمع بذلك عمر دعاه وطلب منه إعادة الحديث فلما أعاده ضربه عمر وقال: يقول الله في ستة أيام وأنت تقول في سبعة ؟ فقال أبو هريرة: علني سمعته من كعب الأحبار، فقال عمر: ما دمت لا تفرق بين أحاديث النبي وكعب الأحبار فلا تحدث(٢) .

____________________

(١) صحيح البخاري ج ١ ص ٣٨ من كتاب العلم باب حفظ العلم وكذلك ج ٣ ص ٢.

(٢) انظر كتاب أبي هريرة لمحمود أبو ربه المصري.


كما يروي أن الإمام علي بن أبي طالب قال: ألا إن أكذب الأحياء على رسول الله أبو هريرة الدوسي(١) .

كما أن عائشة أم المؤمنين كذبته عدة مرات في عدة أحاديث كان يرويها عن رسول الله، فأنكرت عليه مرة وقالت له: متى سمعت رسول الله يقول ذلك ؟ فقال لها: لقد شغلك عن حديث رسول الله ( ص٩ المرآة والمكحلة والخضاب، ولما أصرت على تكذيبه وشهرت به، وتدخل مروان بن الحكم وتثبت من صحة الحديث اعترف عند ذلك أبو هريرة وقال: إني لم أسمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنما سمعته من الفضل بن العباس(٢) .

وفي هذه الرواية بالخصوص اتهمه ابن قتيبة وقال فيه: لقد استشهد أبو هريرة بالفضل بن العباس بعد موته، ونسب الحديث إليه ليوهم الناس بأنه سمعه منه(٣) .

كما قال ابن قتيبة في كتابه « تأويل مختلف الحديث »: كان أبو هريرة يقول: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذا وكذا، وإنما سمعته من غيره ».

كما أن الذهبي أخرج في كتابه « أعلام النبلاء » بأن يزيد بن إبراهيم سمع شعبة بن الحجاج يقول: كان أبو هريرة مدلساً. وجاء في كتاب « البداية والنهاية » لابن كثير أن يزيد بن هارون سمع شعبة يقول فيه ذلك أيضاً يعني كان مدلساً، وكان يروي ما سمعه من كعب الأحبار ومن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يميز ين هذا وهذا. كما أن أبا جعفر الإسكافي قال: أبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية(٤) .

____________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ٤ ص ٢٨.

(٢) صحيح البخاري ج ٢ ص ٢٣٢ باب الصائم يصبح جنبا وموطأ مالك ج ٣ ص ٢٧٢.

(٣) سر أعلام النبلاء للذهبي.

(٤) شرح ابن ابي الحديد المعتزلي ج ٤ ص ٦٨.


وقد اشتهر أبو هريرة في حياته من بين الصحابة بالكذب والتدليس والإكثار من الأحاديث الموضوعة حتى أن بعضهم كان يستهزئ به ويطلب منه وضع الأحاديث لما يريد. فقد روي أن رجلاً من قريش لبس جبة جديدة وأخذ يتبختر فيها ومر بأبي هريرة فقال له: يا أبا هريرة، إنك تكثر الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئاً ؟ فقال أبو هريرة: سمعت أبا القاسم يقول: إن رجلاً ممن كان قبلكم بينما كان يتبختر في حلته إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة، فو الله ما أدري لعله كان من قومك ورهطك(١) . وكيف لا يشك الناس في روايات أبي هريرة إذا كانت متناقضة، فقد يروي حديثا ثم يروي نقيضه وإذا عارضوه واحتجوا عليه بما رواه سابقاً، يعرض عنهم أو يرطن بالحبشية(٢) .

وكيف لا يتهمونه بالكذب والوضع وقد شهد هو على نفسه بأنه يحدث من جعبته وينسبه للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . أخرج البخاري في صحيحه أن أبا هريرة قال: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفضل الصدقة ما ترك غنى واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة أما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد أطعمني واستعملني ويقول الابن أطعمني إلى من تدعني، فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ ! فقال: لا هذا من كيس أبي هريرة(٣) .

أنظر كيف يبدأ الحديث بقوله: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم بعد ذلك عندما ينكرون عليه ويستفهمونه، يعترف بوضعه ويقول هو من كيس أبي هريرة !

____________________

(١) البداية والنهاية ج ٨ ص ١٠٨.

(٢) صحيح البخاري ج ٧ ص ٣١ باب لا هامة.

(٣) صحيح البخاري ج ٦ ص ١٩٠ باب وجوب النفقة على الأهل والعيال.


فهنيئاً لأبي هريرة بهذا الكيس المليء بالأكاذيب والأساطير، والذي وجد له رواجاً عند معاوية وبني أمية واكتسب من ورائه الجاه والسلطان والأموال والقصور فقد ولاه معاوية ولاية المدينة المنورة وبنى له قصر العقيق وزوجه من المرأة الشريفة التي كان أبو هريرة يخدمها. وإذا كان أبو هريرة وزير معاوية المغرب فليس ذلك لفضله ولا لشرفه أو علمه ولكنه كان يحد عنده الأحاديث التي يريدها ويرويها، وإذا كان بعض الصحابة يتلكأون في لعن أبي تراب ويجدون في ذلك حرجاً، فإن أبا هريرة لعن علياً في عقر داره وعلى مسمع من شيعته.

روى أبن ابي الحديد قال: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته وقال: يا أهل العراق، أتزعمون أني أكذب على رسول الله وأحرق نفسي بالنار، والله لقد سمعت رسول الله يقول: إن لكل نبي حرماً وإن حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأشهد أن عليا قد أحدث فيها.

فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه المدينة ويكفينا دليلاً أنه كان والياً على المدينة من قبل معاوية، ولا شك في أن المحققين والباحثين الأحرار سيشكون في كل من تولى عدو الله ورسوله وعادى ولي الله ورسوله. ولا شك في أن أبا هريرة لم يصل إلى ذلك المنصب الرفيع وهو ولاية المدينة عاصمة الإسلام، إلا للخدمات التي أسداها لمعاوية وحكام بني أمية، وسبحان مقلب الأحوال فقد جاء أبو هريرة إلى المدينة عرياناً ليس له إلا نمرة يستر بها عورته، ويستدى المارة ليسدوا رمقه والفعل يجري فوق جلده. وإذا به فجأة يصبح والي المدينة المنورة يسكن قصر العقيق وعنده الأموال والخدم والعبيد ولا يتكلم الناس إلا بإذنه.


كل ذلك من بركات كيسه، فلا تنس ولا تتعجب فإنك ترى اليوم نفس المسرحيات تتكرر والتاريخ يعيد نفسه فكم من معدم جاهل تقرب إلى الحاكم، وانخرط في الحزب فأصبح سيداً مهاباً يقيم الدنيا ويقعدها، يصول ويجول وتحت تصرفه الأموال التي لا تخضع للحساب والسيارات التي لا تخضع للرقابة والمأكولات التي لا تباع في الأسواق ومع كل ذلك فهو لا يحسن الكلام حتى بلغته، ولا يفهم من معاني الحياة غير بطنه وفرجه غاية ما هنالك أن له كيساً مثل كيس أبي هريرة مع وجود الفارق طبعاً، ولكن الهدف واحد هو إرضاء الحاكم والترويج له لدعم ملكه وتثبيت عرشه والقضاء على أعدائه.

وقد كان أبو هريرة يحب الأمويين ويحبونه من زمن عثمان بن عفان زعيمهم، فكان رأيه في عثمان مخالف لكل الصحابة من المهاجرين والأنصار، فهو يكفر الصحابة الذين شاركوا في قتل عثمان وألبوا عليه. ولا شك بأنه كان يتهم علي بن أبي طالب بقتل عثمان، ونفهم ذلك من حينه في مسجد الكوفة وقوله بأن علياً أجدث في المدينة ويلعنه على لسان النبي والملائكة والناس أجمعين. ولذلك ينقل ابن سعد في طبقاته أنه لما مات أبو هريرة سنة ٥٩ كان ولد عثمان بن عفان يحملون سريره، حتى بلغوا البقيع حفظاً بما كان من رأيه في عثمان(٢) .

وإن لله في خلقه شؤوناً، إذ يموت عثمان بن عفان سيد قريش وعظيمها مقتولاً ويذبح بذبح النعاج وهو خليفة المسلمين الذي لقبوه بذي النورين والذي تستحي منه الملائكة كما يزعمون، ولا يغسل ولا يكفن ويعطل دفنه ثلاثة أيام، ثم يدفن في مقرة اليهود. ويموت أبو هريرة الدوسي في العز والجاه، وقد كان معدما ولا يعرف أحد قومه ولا عشيرته وليس له في قريش قرابة، فيحمله أولاد الخليفة الذين أصبحوا في عهد معاوية ولاة الأمور ويدفنونه في بقيع رسول الله ! وهلم بنا الآن إلى أبي هريرة لنعرف موقفه من السنة النبوية.

____________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ٤ ص ٦٧.

(٢) طبقات ابن سعد ج ٢ ص ٦٣.


أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: حفظت عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم(١) . وإذا قلنا في الأبحاث السابقة أن أبا بكر وعمر قد أحرقا السنة النبوية المكنونة ومنعا المتحدثين من نقلها، فها هو أبو هريرة يفصح بهذا الحديث عن المكنون ويؤكد ما ذهبنا إليه، ويعترف بأنه ما كان يحدث إلا بما يروق الخلفاء الحاكمين. وعلى هذا الأساس فإن أبا هريرة كان يملك كيسين أو وعاءين أحدهما كان يبثه، وهو الذي تحدثنا عنه وفيه ما يشتيهيه الحاكمون. وأما الوعاء الثاني الذي كتمه أبو هريرة ولم يحدث به خوفاً من أن يقطع بلعومه، فهو الذي يحوي الأحاديث الصحيحة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ولو كان أبو هريرة ثقة ما كان ليكتم الأحاديث الحقيقية ويبث الأوهام والأكاذيب لتأييد الظالمين، وهو يعلم بأن الله لعن من يكتم البينات. فقد أخرج له البخاري قوله: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حدياً، ثم تلو: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنم اللاعنون ن وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلوم النبي يشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون(٢) . فكيف يقول أبو هريرة: لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً، ثم يقول هنا حفظت عن رسول الله وعاءين فأما أحدهما فبثثته، وأما الوعاء الثاني لو بثثته قطع هذا البلعوم ! وهل هذه إلا شهادة منه بأنه كتم الحق رغم الآيتين في كتاب الله ؟ !

____________________

(١) صحيح البخاري ج ١ ص ٣٨ باب حفظ العلم.

(٢) صيحيح البخاري ج ١ ص ٣٧ باب حفظ العلم.


وإذا كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لأصحابه: ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم(١) وقال: رب مبلغ أوعى من سامع. وأخرج البخاري أن النبي حرض وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا به من وراءهم. فهل لنا أن نتساءل وهل للباحثين أن يتساءلوا لماذا قتل الصحابي عندما يتحدث بحديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقطع منه البلعوم ؟ ! فلابد أن هناك سراً لا يحب الخلفاء إفشاءه وقد أشرنا إلى ذلك السر في الأبحاث السابقة من كتاب « فاسألوا أهل الذكر » ونوجز هنا بأنه يتعلق بالنص على خلافة علي. وليس اللوم على أبي هريرة فقد عرف قدره وشهد على نفسه بأن الله لعنه ولعنه اللاعنون إذ كتم حديث النبي.

ولكن اللوم على « أهل السنة والجماعة » الذي يجعلون من أبي هريرة راوية السنة، وهو يشهد بأنه كتمها ويشهد بأنه دلسها وكذب عليها ويشهد أيضاً بأنها اختلطت عليه فلم يعرف حديث النبي من حديث غيره. وهذا كله من أحاديث واعترافات صحيحة جاءت في صحيح البخاري وغيره من صحاح « أهل السنة والجماعة ». كيف يطمئنون لرجل طعن في عدالته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأتهمه بالكذب فقال: إنه أكذب الأحياء على النبي، واتهمه عمر بن الخطاب وضربه وهدده بالنفي، كما طعنت فيه عائشة وكذبته عدة مرات، وطعن فيه كثير من الصحابة وردوا أحاديثه المتناقضة فكان يعترف مرة ويرطن بالحبشية أخرى وطعن فيه كثير من علماء الإسلام واتهموه بالكذب والتدليس والتكالب على موائد معاوية وذهبه وفضته. فكيف يصح بعد كل هذا أن يصبح أبو هريرة راوية الإسلام ويأخذون عنه أحكام الدين ؟

وقد أكد بعض العلماء المحققين بأن أبا هريرة هو الذي أدخل في الإسلام

____________________

(١) صحيح البخاري ج ١ ص ٣٠.


عقائد اليهود والإسرائيليات التي ملأت كتب الحديث، أو أن كعب الأحبار اليهودي هو الذي أدخلها عن طريقه وبواسطته، فجاءت روايات تشبيه الله وتجسيمه ونظرية الحلول، والأقوال المنكرة في الأنبياء كلها عن أبي هريرة. فهل يتوب « أهل السنة والجماعة » إلى رشدهم ليعرفوا عمن يأخذون السنة الحقيقية وإذا ما سألوا فنقول لهم: تعالوا إلى باب مدينة العلم والأئمة من بنيه فهم حفظة السنة وهم أمان الأمة وهم سفينة النجاة وهم أئمة الهدى ومصابيح الدجى وهم العروة الوثقى وحبل الله المتين.

١١ - عبد الله بن عمر:

هو من مشاهير الصحابة الذين كان لهم دور كبير في سير الأحداث التي وقعت في زمن الخلفاء الثلاثة وفي عهد بني أمية، ويكفي أن أباه عمر بن الخطاب ليكون عند « أهل السنة والجماعة » معظماً ومحبوباً، فهم يعدونه من أكبر الفقهاء ومن حفاظ « الأحاديث النبوية »، حتى أن الإمام مالكاً اعتمد عليه في أكثر أحكامه، كما أنه أشبع كتاب الموطأ من أحاديثه. وإذا تصفحنا كتب « أهل السنة والجماعة » وجدناها حافلة بذكره والثناء عليه. غير أننا عندما نقرأ ذلك بعين الباحث البصير يتبين لنا بأنه كان بعيداً عن العدالة وعن الصدق وعن السنة النبوية وعن الفقه وعلوم الشريعة. وأول ما يلفت انتباهنا هو عداؤه الشديد وبغضه لسيد العترة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وصل به إلى حد الوقيعة فيه واعتباره من سوقة الناس.

وقد قدمنا فيما سبق بأنه روج أحاديث مكذوبة مفادها أنهم كانوا يفاضلون على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى مسمع منه بأن أفضل الناس أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان ثم الناس بعد ذلك سواء، فسمع ذلك النبي ولا ينكره(١) .

____________________

(١) أخرجه البخاري ومسلم ومالك وغيرهم.


وهو كما ترى كذب مفضوح يضحك منه العقلاء وقد بحثنا عن حياة عبد الله بن عمر في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوجدناه شابا صغيراً لم يبلغ الحلم ولم يكن له مع أهل الحل والعقد شأن يذكر ولا رأي يسمع، وقد توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعبد الله بن عمر في التاسعة عشر من عمره على أحسن التقادير.

فكيف يقول والحال هذه: كنا نفاضل في عهد النبي ؟ اللهم إلا إذا كان ذلك حديث الصبيان فيما بينهم من أولاد أبي بكر وعثمان وإخوته هو، ومع ذلك فلا يصح أن يقال كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسمع ذلك فلا ينكره ! فدل ذلك على كذب الحديث وسوء النوايا.

أضف إلى ذلك أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يأذن لعبد الله بن عمر بالخروج معه إلا في غزوة الخندق وما بعدها من الغزوات إذ بلغ عمره خمسة عشر عاماً(١) .

فلا شك أنه حضر غزوة خيبر التي وقعت في السنة السابعة للهجرة النبوية، ورأى بعينيه هزيمة أبي بكر وكذلك هزيمة أبيه عمر، وسمع بلا شك قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند ذلك: ( لأعطين الراية غداً إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا ليس فرارا امتحن الله قلبه للإيمان ) ولما أصبح أعطاها لقاطع اللذات ومفرق الجماعات ومفرج الكربات وصاحب الكرامات أسد الله الغالب علي بن أبي طالب(٢) .

وقد أبان حديث الراية هذا فضل علي وفضائله على سائر الصحابة وعلو مقامه عند الله ورسوله وفوزه بمحبة الله ورسوله. ولكن بغض عبد الله بن عمر شاء أن يجعل علياً من سوقة الناس ! وقد قدمنا بأن « أهل السنة والجماعة » عملوا بهذا الحديث الذي أوحاه إليهم سيدهم عبد الله بن عمر، فلم يعدوا علي بن أبي طالب ضمن الخلفاء الراشدين، كلا ولم يعترفوا بخلافته إلا في زمن أحمد بن حنبل كما أثبتناه، عندنا افتضحوا في عهد كثر فيه الحديث المحدثون، وبدأت أصابع الأتهام تتوجه

____________________

(١) صحيح اليخاري كتاب الشهادات باب بلوغ الصبيان ج ٣ ص ١٥٨. وكذلك صحيح مسلم كتاب الإمارة باب سن البلوغ.

(٢) ذكر حديث الراية كل من البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والإمام أحمد وأبو داود وكل المحدثين.


إليهم وتوصمهم بالنصب والبغض لأهل البيت النبوي، وقد عرف المسلمون كلهم بأن بغض علي من أكبر علامات النفاق. عند ذلك اضطروا للقول بخلافة علي وألحقوه بركب الراشدين وتظاهروا بمحبة أهل البيت زوراً وبهتاناً. وهل من سائل يسأل أبن عرم، لماذا اختلف المسلمون كلهم أو جلهم بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيمن يستحق الخلافة ومن هو أولى بها فاختلفوا في علي وأبي بكر فقط، ولم يكن لأبيه عرم ولا بان عفان سوق رائجة في ذلك العهد ؟

وهل من سائل يسأل ابن عمر، إذا كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرك على رأيك، فلا يعدل بأبي بكر أحدا ثم عثمان، فلماذا ولى عليهم قبل وفاته بيومين شايا لا نبات بعارضيه اصغر منك سناً، وأمرهم بالسير تحت إمرته وقيادته ؟ أتراه يهجر كما قال أبوك ؟

وهل من سائل يسأل ابن عمر، لماذا قال المهاجرون والأنصار غداة بيعة أبي بكر لفاطمة الزهراء: والله لو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما كنا نعدل به أحداً، وهو اعتراف من كبار الصحابة بأنهم لا يعدلون بعلي أحداً، لولا ما سبقت بيعتهم التي سموها فلتة. فما هي قيمة رأي عبد الله بن عمر المراهق المغرور الذي لا يعرف كيف يطلق زوجته من آراء كبار الصحابة ؟

وأخيراً هل من سائل يسأل عبد الله بن عمر، لماذا اختار جل الصحابة علي بن أبي طالب للخلافة بعد مقتل عمر وقدموه على عثمان، لولا رفضه شرط ابن عوف في الحكم بسنة الشيخين(١) .

ولكن عبد الله بن عمر تأثر بأبيه، فقد عاشر خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان وهو يرى علي بن أبي طالب مبعداً، ليس له في الجماعة مجلس ولا في الحكومة منصب وقد تحولت عنه وجوه الثاس بعد وفاة ابن عمهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وزوجته سيدة النساء وليس عنده ما يطمع الناس فيه.

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٥ ص ٤٠، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٠٤ تاريخ ابن قتيبة وكذلك مسند أحمد ج ١ ص ٧٥.


ولا شك في أن عبد الله بن عمر كان أقرب الناس لأبيه فكان يسمع آراءه ويعرف أصدقاءه وأعداءه، فشب على ذلك البغض والحقد والكراهية لعلي خاصة ولأهل البيت عامة وترعرع وكبر على ذلك، حتى إذا رأى يوماً علياً وقد بايعه المهاجرون والأنصار بعد مقتل عثمان، فكبر ذلك عليه ولم يتحمله وأظهر المكنون من حقده الدفين فرفض أن يبايع إمام المتقين وولي المؤمنين، ولم يتحمل البقاء في المدينة فخرج إلى مكة مدعيا العمرة. ونرى بعد ذلك عبد الله بن عمر يعمل كل ما في وسعه لتثبيط الناس وفك عزائمهم ليحجموا عن نصرة الحق ومقاتلة الفئة الباغية التي أمر الله بمقاتلتها حتى تفيء إلى أمر الله. فكان من الخاذلين الأولين لإمام زمانه المفترض الطاعة.

وبعد مقتل الإمام علي وتغلب معاوية على الإمام الحسن بن علي وانتزاع الخلافة منه، خطب معاوية في الناس قائلا: ( إني لم أقاتلكم لتصلوا أو تصوموا وتحجوا ولكن قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك ). نرى عبد الله بن عمر يسارع عند ذلك إلى بيعة معاوية بدعوى أن الناس اجتمعوا عليه بعد ما كانوا متفرقين، وأنا أعتقد بأنه هو الذي سمى ذلك العام بعام الجماعة فهو وأتباعه من بني أمية أصبحوا « أهل السنة والجماعة » من ذلك الوقت وحتى قيام الساعة. وهل من سائل يسأل ابن عمر ومن يقول بمقالته من « أهل السنة والجماعة » متى حصل الإجماع على خليفة في التاريخ كالذي حصل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ؟

فخلافة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها وقد تخلف عنها كثير من الصحابة. وخلافة عمر كانت بدون مشورة بل بعهد من أبي بكر ولم يكن للصحابة فيها رأي ولا قول ولا عمل. وخلافة عثمان كانت بالثلاثة الذين اختارهم عمر بل تمت باستبداد عبد الرحمان بن عوف وحده.


أما خلافة علي فكانت ببيعة المهاجرين والأنصار له بدون فرض ولا إكراه، وكتب ببيعته إلى الآفاق كلهم إلا معاوية من الشام(١) . وكان من المفروض على ابن عمر و « أهل السنة والجماعة» أن يقتلوا معاوية بن أبي سفيان الذي شق عصا الطاعة وطلب الخلافة لنفسه، وذلك حسب الروايات التي أخرجوها في صحاحهم من أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما )(٢) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما جاء في صحيح مسلم وغيره: ( من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليعطه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر )(٣) .

ولكن عبد الله بن عمر عكس الآية تماماً وبدلاً من الامتثال لحديث النبي وأواره ومقاتلة معاوية وقتله ؛ لأنه نازع خليفة المسلمين وأشعل نار الفتنة، نراه يمتنع عن بيعة علي التي أجمع عليها المسلمون ويبايع معاوية الذي شق عصا الطاعة ونازع الإمام وقتل الأبرياء وتسب في فتنة بقيت آثارها إلى اليوم. ولذلك أعتقد بأن عبد الله بن عمر قد شارك معاوية في كل ما ارتكبه من جرائم وموبقات وآثام ؛ لأنه شيد ملكه وأعانه على التسلط والاستيلاء على الخلافة التي حرمها الله ورسوله على الطلقاء وأبناء الطلقاء، كما ورد ذلك في الحديث الشريف. ولم يكتف عبد الله بن عمر بذلك فحسب، بل سارع لبيعة يزيد بن معاوية، يزيد الخمور والفجور والكفر والفسوق الطليق ابن الطليق واللعين ابن اللعين. وإذا كان عمر بن الخطاب كما ذكره ابن سعد في طبقاته يقول: « لا تصلح الخلافة لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح »(٤) ، فكيف يخالف عبد الله أباه

____________________

(١) ابن حجر في فتح الباري ج ٧ ص ٥٨٦.

(٢) صحيح مسلم ج ٦ ص ٢٣ مستدرك الحاكم ج ٢ ص ١٥٦، سنن البيهقي ج ٨ ص ١٤٤.

(٣) صحيح مسلم وسنن البيهقي وسنن ابن ماجه.

(٤) الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٣ ص ٢٤٨.


في هذا المبدأ الذي سطره من قبل، وإذا كان عبد الله بن عمر بخالف كتاب الله وسنة رسوله في أمر الخلافة فلا نستغرب أن يعمل بعكس رأي أبيه، ثم هل لنا أن نسأل عبد الله بن عمر: أي إجماع وقع على بيعة يزيد بن معاوية وقد نبذه صلحاء الأمة وبقية المهاجرين والأنصار، ومنهم سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وكل من سار معهم ورأى رأيهم ؟ والمعروف أنه هو نفسه كان من المعارضين لبيعة يزيد في البداية، ولكن معاوية عرف كيف يستميله فأرسل إليه مائة ألف درهم فقبلها، فلما ذكر له البيعة لابنه يزيد قال ابن عمر: هذا ما أراد ؟ إن ديني إذن علي لرخيص(١) .

نعم لقد باع عبد الله بن عمر دينه بثمن رخيص كما شهد بذلك على نفسه، وهرب من بيعة إمام المتقين وأسرع لبيعة إمام الباغين معاوية وإمام الفاسقين يزيد، وكما تحمل أوزار تلك الجرائم التي سببها حكم معاوية الظالم، فإنه يتحمل بلا شك أوزار جرائم يزيد وعلى رأسها انتهاك حرمة رسول الله، وقتل ريحانته سيد شباب أهل الجنة وعترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والصالحين من أبناء الأمة الذين قتلهم في كربلاء وفي وقعة الحرة. ولم يكتف عبد الله بن عمر بهذا الحد من البيعة إلى يزيد فحسب بل عمل على حمل الناس عليها وردهم إلهيا وخوف كل من تحدثه نفسه بالخروج عليها. فقد أخرج البخاري في صحيحه وغيره من المحدثين بأن عبد الله بن عمر جمع ولده وحشمه ومواليه - وذلك عندما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية - فقال لهم: إنا بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله(٢) وإني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان ،

____________________

(١) أنساب الأشراف للبلاذري ج ٥ ص ٣١ والاستيعاب لابن عبد البر ج ٢ ص ٣٩٦ وأسد الغابة، ج ٣ ص٢٨٩.

(٢) هل أمر الله ورسوله ببيعة الفساق والمجرمين ؟ أم أنه أمر ببيعة أوليائه الصالحين فقال: ( إنما وليكن الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) ؟


وإن من أعظم الغدر بعد الإشراك بالله أن يبايع رجل رجلاً على بيع الله ورسوله ثم ينكث بيعته(١) ولا يخلعن أحد منكم ولا يشرفن أحد منكم في هذا الأمر فيكون صيلماً بيني وبينه(٢) . ولقد قوي بطش يزيد بموالاة عبد الله بن عمر له وتحريضه الناس على بيعته، فجهز جيشاً بقيادة مسلم بن عقبة من أكابر الفاسقين، وأمره بالسير إلى مدينة الرسول وأباح له أن يفعل فهيما ما يشاء فقتل عشرة آلاف من الصحابة وسبى نساءهم وأموالهم، وقتل سبعمائة من حفاظ القرآن على ما يذكره البلاذري، وهتك الحرمات من الحرائر المسلمات حتى ولدن من سفاح أكثر من ألف مولود، وأخذ منهم البيعة على أنهم كلهم عبيد لسيده يزيد. أفلم يكن عبد الله بن عمر شريكه في كل ذلك إذ عمل على دعمه وتأييده ؟ أترك الاستنتاج في ذلك إلى الباحثين !

ولم يقف عبد الله بن عمر عند هذا الحد بل تعداه إلى بيعة مروان بن الحكم الوزغ اللعينن الفاجر الذي حارب عليا، وقتل طلحة وفعل الأفاعيل، من حرق بيت الله الحرام ورميها بالمجانيق حتى هدم ركنها، وقتل فيها عبد الله بن الزبير، وأعمال أخرى يندى لذكرها الجبين. ثم يذهب ابن عمر في البيعة أشواطاً ويذهب إلى بيعة الحجاج بن يوسف الثقفي الزنديق الأكبر الذي كان يستهزئ بالقرآن، ويقول ما هو إلا رجز الأعراب، ويفضل على رسول الله سيده عبد الملك بن مروان، الحجاج الذي عرف بوائقه الخاص والعام حتى قال المؤرخون بأنه انتقض كل أركان الإسلام. ذكر الحافظ بن عساكر في تاريخه أن رجلين أختلفا في الحجاج قال أحدهما: هو كافر، وقال الثاني: بل هو مؤمن ضال، ولما تعاندا سألا الشعبي عنه

____________________

(١) ليت ابن عمر قال هذا لطلحة والزبير اللذان نكثا بيعتهما لعلي وحارباه وليست « أهل السنة والجماعة » عملوا بهذا الحديث في تقسيم الرجال ! وإذا كان نكث البيعة من أعظم الكباير الذي تأتي بعد الإشراك، فما هي مصير طلحة والزبير اللذين لم ينكثا البيعة ققط ولكنهما هتكا الأعراض وقتلا الأبرياء ونهبا الأموال وخانا العهد ؟ ؟ ؟

(٢) صحيح البخاري ج١ ص١٦٦، مسند أحمد ج٢ ص٩٦، سنن البيهقي ج٨ ص١٥٩.


فقال: إنه مؤمن بالجبت والطاغوت وكافر بالله العظيم(١) . هذا الحجاج المجرم المنتهك لما حرم الله، والذي يذكر المؤرخون بأنه أسرف في القتل والتعذيب والتمثيل بصلحاء الأمة والمخلصين وخصوصاً منهم شيعة آل محمد، فإنهم لاقوا منه ما لم يلاقوه من غيره. يقول ابن قتيبة في تاريخه بأن الحجاج قتل في يوم أحد بضع وسبعين ألفاً حتى سالت الدماء إلى باب المسجد وإلى السكك(٢) . ويقول الترمذي في صحيحه: أحصى ما قتل الحجاج صراً فوجد مائة وعشرون ألفا(٣) . ويقول ابن عساكر في تاريخه بعد ذكر من قتلهم الحجاج: ووجد في سجنه بعد موته ثمانون ألفاً منهم ثلاثون ألف امرأة(٤) . وكان الحجاج يشبه نفسه برب العزة والجلالة فإذا مر قرب السجن وسمع نداء المسجونين واستغاثتهم له يقول لهم: إخسأوا فيها ولا تكلموني. هذا الحجاج الذي تنبأ به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل وفاته فقال: ( إن في ثقيف كذاباً ومبيراً ). والغريب أن راوي هذا الحديث هو عبد الله بن عمر نفسه(٥) ! نعم لقد ترك عبد الله بن عمر بيعة خير البشر بعد النبي ولم ينصره ولم يصل وراءه، فأذله الله سبحانه وذهب إلى الحجاج يقول: سمعت رسول الله ( صلي الله عليه وآله و سلم ) يقول: ( من مات وليست في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ). فاحتقره الحجاج اللعين وأعطاه رجله قائلاً: إن يدي مشغولة فبايعه، وكان يصلي خلف الحجاج الزنديق وخلف واليه نجدة بن عامر رأس الخوارج(٦) .

ولا شك بأن عبد الله بن عمر اختار الصلاة وراء هؤلاء ؛ لأنهم كانوا مشهورين

____________________

(١) تاريخ ابن عساكر ج ٤ ص ٨١.

(٢) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج ٢ ص ٢٦.

(٣) صحيح الترمذي ج ٩ ص ٦٤.

(٤) تاريخ ابن عساكر ج ٤ ص ٨٠.

(٥) صحيح الترمذي ج ٩ ص ٦٤ ومسند أحمد بن حنبل ج ٢ ص ٩١.

(٦) الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٤ ص ١١٠ والمحلى لابن حزم ج ٤ ص ٢١٣.


بشتم ولعن علي بعد كلا صلاة. فكان ابن عمر يشفي غليله ويروي حقده الدفين وهو يسمع ذلك فيرتاح قلبه ويهدأ روعه. ولذلك نجد مذهب « أهل السنة والجماعة » يفتون بالصلاة وراء البر والفاجر، وراء المؤمن والفاسق وذلك استناداً لما فعله سيدهم وفقيه مذهبهم عبد الله بن عمر في صلاته وراء الحجاج الزنديق والخارجي نجدة بن عامر. أما ما قاله الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً )(١) . فيضرب به عرض الجدار.

وليست هذه الخصال الأربعة - حفظ القرآن، وحفظ السنة، وقدم الهجرة، وقدم الإسلام - ولا واحدة منهن توجد في هؤلاء الذين بايعهم ابن عمر وصلى بإمامتهم لا معاوية ولا يزيد ولا مروان ولا الحجاج ولا نجدة الخارجي. وهذه طبعاً من السن النبوية التي خالفها عبد الله بن عمر وضرب بها عرض الجدار، وعمل بعكسها تماماً إذ أنه ترك سيد العترة الطاهرة علياً الذي اجتمعت فيه كل هذه الخصال وأكثر منها فنبذه وراء ظهره ويمم وجهه شطر الفساق والخوارج والملحدين أعداء الله ورسوله واقتدى بصلاتهم !

وكم لعبد الله بن عمر فقيه « أهل السنة والجماعة » من مخالفات لكتاب الله وسنة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولو شئنا لجمعنا في ذلك كتاباً مستقلاً، ولكن يكفينا ذكر بعض الأمثلة من كتبهم وصحاجهم حتى تكون حجتنا بالغة.

خلاف عبد الله بن عمر للكتاب والسنة:

قال الله تعالى في كتابه العزيز:( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‌ءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) ( الحجرات: ٩ ) وقال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يا علي، أنت تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين ). فيخالف عبد الله بن عمر نصوص القرآن والسنة النبوية كما يخالف إجماع

____________________

(١) صحيح مسلم ج ٢ ص ١٣٣، صحيح الترمذي ج ٦ ص ٣٤، سنن أبي داود ج ١ ص ٩٦.


الأمة من المهاجرين والأنصار الذين قاتلوا مع أمير المؤمنين، ويقول برأيه: لا أقاتل في الفتنة وأصلي وراء من غلب(١) . كما ذكر ابن حجر بأن عبد الله بن عمر كان من رأيه ترك القتال في الفتنة ولو ظهر أن إحدى الطائفتين محقة والأخرى مبطلة(٢) . عجيب والله أمر عبد الله بن عمر الذي يرى الحق مع طائفة ويرى الباطل مع الأخرى، ثم لايتحرك لنصرة الحق على الباطل ولا لردع الباطل حتى يفئ إلى أمر الله، ويصلي وراء الغالب ولو كان باطلاً ! وهو ما وقع فعلاً من ابن عمر. فقد تغلب معاوية وقهر الأمة وتولى عليها رغم أنفها فجاء ابن عمر فبايعه وصلى خلفه رغم ما فعله معاوية من جرائم ويواثق تفوق التصور ولا تخفى على ابن عمر. وقد تغلب أهل الباطل من أئمة الجور بكثرتهم على أهل الحق، وهم أئمة أهل البيت فأبعدوا وقام الطلقاء والفساق والمجرمون الضالون يحكمون الأمة بالقوة والقهر. فترك ابن عمر الحق بكامله فلم يسجل له التاريخ صحبة ولا مودة لأهل البيت، وقد عاصر منهم خمسة أئمة، فلم يصل وراء واحد منهم، ولو يرو عن واحد منهم حديثاً ولم يحدث ولم يعترف لواحد منهم بفضل ولا فضيلة.

وقد عرفنا - في فصل الأئمة الاثني عشر من هذا الكتاب - رأيه في الخلفاء الاثني عشر على حد زعمه فقد صحح خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ويزيد والسفاح وسلام والمنصور وجابر والمهدي والأمين وأمير العصب، قال: هؤلاء الاثنا عشر كلهم من بني كعب بن لؤي كلهم صالح لا يوجد مثله(٣) . فهل ترى في هؤلاء واحداً من أئمة الهدى من عترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والذين وصفهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنهم سفينة النجاة وأعدال القرآن ؟ !

____________________

(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ج٤ ص١١٠.

(٢) فتح الباري لابن حجر ص ٣٩.

(٣) تاريخ السيوطي - كنز العمال - تاريخ ابن عساكر والذهبي، ولمعرفة المصادر بالأرقام يراجع فصل الخلفاء الاثني عشر عند أهل السنة من الكاب.


ولذلك فإنك لا ترى لهم وجوداً عند « أهل السنة والجماعة » ولا يوجد في قائمة أئمتهم وخلفائهم الذين يقتدون بهم واحد من أئمة أهل البيتعليهم‌السلام . هذه حال عبد الله بن عمر في مخالفة الكتاب والسنة، أما جهله بهما فحدث ولا حرج. فمنه جهله بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رخص للنساء إذا كن محرمات أن يلبسن الخفين، وكان ابن عمر يفتي بحرمة ذلك(١) . ومنها أنه كان يكري مزارعه على عهد رسول الله وعهد أبي بكر وعمر وعثمان معاوية حتى حدثه أحد الصحابة في آخر خلافة معاوية بأن رسول الله حرمه(٢) . نعم هذا هو فقيه « أهل السنة والجماعة » لا يعرف حرمة كراء المزارع، ولا شك بأنه كان يفتي بجواز ذلك طوال هذه المدة المذكورة من عهد النبي إلى آخر خلافة معاوية قرابة خمسين عاماً.

ومنها ما أنكرته عليه عائشة من فتواه بأن القبلة توجب الوضوء، أو فتواه بأن الميت يعذب ببكاء الحي عليه، وكذلك في أذان الصبح وفي قوله بأن الشهر تسعة وعشرون يوماً، كما عارضته في عذة مسائل أخرى. ومنها ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحهما: قيل لبعد الله بن عمر: إن أبا هريرة يقول: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: من تبع جنازة فله قيراط من الأجر. فقال ابن عمر: اكثر أبو هريرة علينا، فصدقت عائشة أبا هريرة وقالت: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقوله، فقال ابن عمر: لقد فرطنا في فراريط كثيرة(٣) .

وتكفينا شهادة عمر بن الخطاب في ابنه عبد الله عندما قال له أحد المتملقين، وهو على فراش الموت: إستخلف عبد الله بن عمر، فقال له: كيف استخلف عليهم من لا يعرف كيف يطلق زوجته ؟

____________________

(١) سنن أبي داود ج ١ ص ٢٨٩، سنن البيهقي ج ٥ ص ٢٥، مسند أحمد ج ٢ ص ٢٩.

(٢) صحيح اليخاري وصحيح مسلم ج ٥ ص ٢١.

(٣) صحيح البخاري في كتاب الجنائز باب فضل اتباع الجنائز.


فهذا هو ابن عمر ولا أحد يعرفه أكثر من أبيه.

وأما الأحاديث المكذوبة التي خدم بها سيده معاوية فكثيرة جداً ونذكر منها على سبيل المثال قوله: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يطلع عليكم رجل من أهل الجنة فطلع معاوية، ثم قال من الغد يطلع عليكم رجل من أهل الجنة فطلع معاوية، ثم قال من الغد مثل ذلك فطلع معاوية. وقوله: لما نزلت آية الكرسي قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمعاوية: أكتبها، فقال معاوية: مالي يكتبها إن كتبتها ؟ قال: لا يقرأها أحد إلا كتب لك أجرها.

وأنا لا أدري لماذا لم يلحق « أهل السنة والجماعة » سيدهم معاوية كاتب الوحي بالعشرة المبشرين بالجنة وسيدهم ابن عمر يؤكد ثلاث مرات، وفي ثلاثة أيام متوالية أن معاوية من أهل الجنة، وإذا كان الناس يبعثون يوم القيامة حفاة عراة فإن معاوية أفضل مهم جميعاً، إذ يبعث وعليه رداء من نور الإيمان !! إقرأ واعجب !!

هذا هو عبد الله بن عمر وهذا مبلغه من العلم وهذا فقهه وخلافه للكتاب والسنة النبوية، وهذا هو عداؤه لأمير المؤمنين والأئمة الطاهرين من عترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهذا هو ولاؤه وتزلفه لأعداء الله ورسوله وأعداء الإنسانية. فهل يتبصر « أهل السنة والجماعة » اليوم بهذه الحقائق ويعلمون بأن السنة المحمدية لا توجد إلا عند أتباع العترة الطاهرة وهم الشيعة الإمامية ؟( لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ‌ ) ( الحشر: ٢٠ ).

صدق الله العلي العظيم

١٢ - عبد الله بن الزبير:

أبوه الزبير بن العوام الذي قتل في حرب الجمل وتسمى في السنة النبوية حرب الناكثين، وأمه أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، وخالته عائشة أم المؤمنين بنت أبي بكر وزوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو من أكبر المناوئين للإمام عليعليه‌السلام والمبغضين له.


ولعله كان يفتخر بخلافة جده أبي بكر وبخالته عائشة فورث منهما ذلك الحق وشب عليه. فكان الإمام عليعليه‌السلام يقول للزبير: قد كنا نعدك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرق بيننا وبينك. والمشهور في التاريخ أنه كان في حرب الجمل من العناصر البارزة والقادة المباشرين، حتى أن عائشة قدمته ليؤم الناس في الصلاة بعدما عزلت طلحة والزبير ؛ لأنهما اختلفا ورغب كل واحد منهما فيها. ويقال أيضاً إنه هو الذي جاء لخالته عائشة بخمسين رجلاً يشهدون زوراً بأن المكان ليس ب- ( ماء الحوأب ) فواصلت معهم طريقها. وعبد الله هو الذي عبر أباه بالجبن واتهمه بالخوف لما عزم على اعتزال المعركة بعدما ذكره الإمام عليعليه‌السلام بحديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإعلامه بأنه سيقاتل علياً وهو له ظالم، حتى أن أباه - لما كثر هو تعييره - قال له: ( مالك أخزاك الله من ولد ما أشأمك )(١) .

ويقال: إنه ما زال يعير أباه ويهيجه حتى حمل على جيش علي فقتل، وبهذا يصدق عليه قول أبيه ( ما أشأمك من ولد ).

وهذه هي الرواية التي اخترناها ؛ لأنها أقرب للواقع ولنفسية الزبير الحاقدة وابنه عبد الله ابن السوء. فلا يمكن للزبير أن ينسحب من المعركة بتلك السهولة ويترك وراءه طلحة وأصحابه ومواليه وعبيده الذين جاء بهم إلى البصرة، ويترك أم المؤمنين أخت زوجته وقد أشرفت على الهلاك، ولو سلمنا بأنه تركهم فهم لا يتركونه وبالخصوص ابنه عبد الله الذي عرفنا عزمه وشدة حزمه. ويذكر المؤرخون بأن عبد الله بن الزبير كان يشتم علياً ويلعنه ويقول: جاءكم الوغد اللئيم - يقصد علياًعليه‌السلام - وخطب في أهل البصرة يستنفر الناس ويحرضهم على القتال فقال: أيها الناس إن علياً قتل الخليفة بالحق عثمان مظلوماً، ثم جهز الجيوش ليستولي عليكم ويأخذ مدينتكم، فكونوا رجالاً تطالبون بثأر خليفتكم، واحفظوا حريمكم وقاتلوا عن نسائكم

____________________

(١) تاريخ أعلم وكذلك شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ٢ ص ١٧٠.


وذراريكم وأحسابكم وأنسابكم، ألا وإن علياً لا يرى في هذا الأمر أحداً سواه، والله لئن ظفر بكم ليهلكن دينكم ودنياكم(١) . وقد بلغ من بغضه لبني هاشم عامة ولعليعليه‌السلام خاصة أنه ترك الصلاة على محمد أربعين جمعة ويقول: إنه لا يمنعني من ذكره إلا أن تشمخ رجال بآنافها(٢) .

وإذا كان حقده وبغضه يصل به إلى ترك الصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا لوم عليه ولا يستغرب منه أن يكذب على الناس ويتهم الإمام علياًعليه‌السلام ويرميه بكل قبيح، وقد سمعت خطبته في أهل البصرة وقوله لهم: والله لئن ظفر بكم ليهلكن دينكم ودنياكم. إنه كذب مفضوح وبهتان عظيم من عبد الله بن الزبير الذي لا يعرف الحق إلى قلبه سبيلاً. والشاهد على ذلك أن علي بن أبي طالب ظفر بهم وانتصر عليهم وأمر الإغلبية منهم وفيهم عبد الله بن الزبير نفسه، ولكنه عفا عنهم جميعاً وأطلق سراحهم وأكرم عائشة بأن سترها وأرجعها إلى بيتها في المدينة، كما منع أصحابه من أحد الغنائم وسبي النساء والأطفال، والإجهاز على جريح، حتى سبب له ذلك تمرد بعض الجيش عليه والتشكيك في أمره. فعليعليه‌السلام هو محض السنة النبوية وهو العارف بكتاب الله ولا أحد يعرفه سواه، فقد ثارت ثائرة بعض المنافقين المندسين في جيشه وألبوا عليه، وقالوا: كيف يبيح لنا قتالهم ويحرم علينا سبي نسائهم ؟

واغتر بهذا القول كثير من المقاتلين غير أنه ( سلام الله عليه ) احتج عليهم بكتاب الله وقال لهم: إقترعوا على من يأخذ منكم أمه عائشه ! وعند ذلك أدركوا أنه على الحق فقالوا نستغفر الله لقد أصبت وأخطأنا. فقول عبد الله بن الزبير كذب وبهتان مبين ؛ لأن بغضه لعليعليه‌السلام

____________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ١ ص ٣٥٨ تاريخ المسعودي ج ٥ ص ١٦٣.

(٢) تاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٧، شرح نهج البلاغة ج ١ ص ٣٨٥.


أعمى بصره وبصيرته وأخرجه عن الإيمان ولم يتب ابن الزبير بعد ذلك ولم يتخذ من تلك الحرب دروساً ومواعظ يستفيد منها. كلا إنه قابل الحسنة بالسيئة وازداد حقده وبغضه لبني هاشم ولسيد العترة الطاهرة، وعمل كل ما في وسعه لإطفاء نورهم والقضاء عليهم. فقد روى المؤرخون بأنه وبعد مقتل الإمام عليعليه‌السلام قام يدعو لنفسه بإمارة المؤمنين والتف بعض الناس وقويت شوكته، فعمل على سجن محمد بن الحنفية، ولد الإمام عليعليه‌السلام وكذلك الحسن بن علي ومعهم سبعة عشر رجلاً من بني هاشم، وأراد أن يحرقهم بالنار فجمع على باب الحبس حطباً كثيراً وأضرم عليهم النار، ولولا وصول جيش المختار في الوقت المناسب فأطفأ النار واستنقذهم لبلغ فيهم ابن الزبير مراده(١) . وبعث إليه مروان بن الحكم جيشاً بقيادة الحجاج فحاصره وقتله وصلبه في الحرم.

وهكذا انتهت حياة عبد الله بن الزبير كما انتهت حياة أبيه من قبل، كل منهما أبح الدنيا وحرص على الإمارة وأراد البيعة لنفسه وقاتل من أجلها وهلك وأهلك ومات مقتولاً دونها ولم يبلغ مناه. ولعبد الله بن الزبير أراء في الفقه أيضاً وهي رد فعل منه لمخالفة فقه أهل البيت الذين يبغضهم، ومن أشهرها قوله بحرمة زواج المتعة. فقد قال مرة لعبد الله بن عباس: يا أعمى البصر، لئن فعلتها لأرجمنك بالحجارة. ورد عليه ابن عباس: أنا أعمى البصر، أما أنت فأعمى البصيرة، وإذا اردت معرفة حلية المتعة فاسأل عنها أمك !(٢) .

____________________

(١) تاريخ المسعودي ج ٥ ص ١٨٥ شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج ٤ ص ٤٨٧.

(٢) أعمى البصر لأن عبد الله بن عباس كف بصره في كبره، أما قوله: فاسأل عنها أمك فيقال إن الزبير تزوج أسماء بزواج متعة وإن عبد الله نفسه ولد من المتعة، ويقال إن عبد الله رجع إلى أمه فقالت له: ألم أنهك عن ابن عباس فهو أعلم الناس بمثالب العرب.


ولا نريد الإطالة في هذا الموضوع الذي كثر فيه الكلام، وإنما أردنا إبراز مخالفة ابن الزبير لأهل البيت في كل شيء حتى في الأمور الفقهية التي ليس له فيها قدم راسخة. وقد ذهب كل هؤلاء بخيرهم وشرهم وتركوا الأمة المنكوبة تمخر في بحر من الدماء وتغرق في بحر الضلالة، والأغلبية منهم لا يعرفون الحق من الباطل، وقد صرح بذلك طلحة والزبير وكذلك سعد بن أبي وقاص. ولكن الوحيد الذي كان على بينة من ربه ولم يشك في الحق طرفة عين، هو علي بن أبي طالب ( سلام الله عليه ) الذي كان يدور الحق معه حيث توجه ودار. فهنياً لمن أتبعه واقتدى به، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أنت يا علي وشيعتك هم الفائزون يوم القيامة )(١) .( فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَکُمْ کَيْفَ تَحْکُمُونَ‌ ) ( يونس: ٣٥ ).

صدق الله العلي العظيم

____________________

(١) الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي في سورة البينة.


السنة النبوية لا تخالف القرآن عند الشيعة

بعد البحث والتنقيب في عقيدة الطرفين من الشيعة و « أهل السنة والجماعة » وجدنا بأن الشيعة يرجعون في كل أحكامهم الفقهية إلى كتاب الله والسنة النبوية لا غير، ثم هم يرتبون القرآن في المرتبة الأولى والسنة النبوية في المرتبة الثانية، ونعني بذلك أنهم يخضعون السنة للمراقبة ويعرضونها على كتاب الله العزيز، فما وافق بذلك أنهم يخضعون السنة للمراقبة ويعرضونها على كتاب الله العزيز، فما وافق منها كتاب الله قبلوه وعملوا به وما خالف كتاب الله تركوه ولم يقيموا له وزناً(١) . والشيعة يرجعون في ذلك إلى ما قرره أئمة أهل البيتعليهم‌السلام رواية عن جدهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي قال: إذا جاءكم حديث عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فاعملوا به وما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار. وقد قال الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام عدة مرات: ( ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف ). وقال في أصول الكافي بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطب الناس بمنى فقال: ( أيها الناس، ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم عني يخالف كتاب الله فلم أقله ).

____________________

(١) هذا هو لعمري المنطق السليم الذي يقطع الطريق على كل المحدثين الذين اشتهروا بتدليس الحديث ونسبته للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو منه برئ.


وعلى هذا الأساس المتين بنى الشيعة الإمامية فقههم وعقائدهم، فمهما بلغ الحديث من صحة الإسناد فلابد أن يزنوه بهذا الميزان ويعرضوه على الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والشيعة الإمامية هي الفرقة الوحيدة بين الفرق الإسلامية الأخرى التي اشترطت هذا الشرط، وبالخصوص في باب تتعارض فيه الروايات والأخبار. قال الشيخ المفيد في كتابه المسمى ب- « تصحيح الاعقتاد »: « وكتاب الله تعالى مقدم على الأحاديث والروايات، وإليه يتقاضى في صحيح الأخبار وسقيمها فما قضى به فهو الحق دون سواه ».

وبناء على هذا الشرط، وهو عرض الحديث على كتاب الله تعالى تميز الشيعة عن « أهل السنة والجماعة » في كثير من الأحكام الفقهية وكذلك في كثير من العقائد. والباحث يجد في كل أحكام الشيعة وعقائدهم مصداقاً في كتاب الله، خلافاً لما هو عند « أهل السنة والجماعة » فالمتتبع قد يجد عندهم عقائد وأحكاماً تخالف صريح القرآن الكريم، ستعرف ذلك وسنوافيك ببعض الأدلة على ذلك قريباً إن شاء الله. وبناء على ذلك يفهم المتتبع أيضاً بأن الشيعة لم يصححوا، أي كتاب من كتب الحديث عندهم أو يعطوه قدسية تجعله بمثابة القرآن، كما هو الحال عند « أهل السنة والجماعة » الذين يصححون كل الأحاديث التي رواها البخاري ومسلم، رغم أن فيهما مئات الأحاديث التي تتناقض مع كتاب الله. ويكفيك أن تعرف بأن كتاب الكافي عند الشيعة رغم جلالة قدر مؤلفه محمد بن يعقوب الكليني، وتبحره في علم الحديث إلا أن علماء الشيعة لم يدعوا يوماً بأن ما جمعه كله صحيح بل هناك من علمائهم من طرح أكثر من نصفه وقال بعدم صحتها، بل إن مؤلف ( الكافي ) لا يقول بصحة كل الأحاديث التي جمعها في الكتاب.


ولعل كل ذلك ناتج عن سيرة الخلفاء عند كل فرقة منهم، ف- « أهل السنة والجماعة » اقتدوا بأئمة يجهلون أحكام القرآن والسنة، أو يعرفونها ولكنهم اجتهدوا بآرائم، وخالفوا تلك النصوص لعدة أسباب أوضحنا البعض منها في أبحاث سابقة. أما الشيعة فإنهم اقتدوا بأئمة العترة الطاهرة الذين هم عدل القرآن وترجمانه لا يخالفونه ولا يختلفون فيه.( أَ فَمَنْ کَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ کِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَ رَحْمَةً أُولٰئِکَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مَنْ يَکْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَکُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّکَ وَ لٰکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ‌ ) ( هود: ١٧ ).

صدق الله العلي العظيم


السنة والقرآن عند « أهل السنة والجماعة »

بعد ما عرفنا بأن الشيعة الإمامية يقدمون القرآن علي السنة و يجعلونه القاضي عليها والمهيمن، ف " أهل هذا بأنهم سموا أنفسهم ب " أهل السنة " من أجل هذا المبدأ الذي ارتأوه، و إ لا لماذا لم يقولوا بأنهم أهل القرآن السنة و الجماعة " علي العكس تماماً يقدمون السنة علي القرآن و يجعلونها و مهيمنة عليه. و نستنتج من و السنة و خصوصاً أنهم يروون في كتبهم بأن النبي قال: تركت فيكم كتاب الله و سنتي ؟، ولأنهم أهملوا القرآن و جعلوه في المرتبة و تمسكوا بالسنة المزعومة و جعلوها في المرتبة الأولي، فهمنا من ذلك السبب الرئيسي لقولهم بأن السنة قاضية على القرآن. و هذا منهم أمر عجيب، و أعتقد بأنهم اضطروا إلى ذلك اضطراراً عندما وجدوا أنفسهم يقومون بأعمال مخالفة لما جاء في القرآن، و قد ألفوها بعدما فرضها عليهم الحكام الذين أطاعوهم. و لتبرير تلك الأعمال وضعوا لها أحاديث نسبوها للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذباً، و لما كانت تلك الأحاديث تتعارض مع أحكام القرآن، قالوا بأن السنة قاضية علي القرآن أو أنها تنسخ القرآن. وأضرب لذلك مثلاً واضحاً يفعله المسلم مرات عديدة في كل يوم، ألا وهو الوضوء قبل الصلاة فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَکُمْ وَ أَيْدِيَکُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُءُوسِکُمْ وَ أَرْجُلَکُمْ إِلَى الْکَعْبَيْنِ ) (المائدة: ٦ )


ومهما قيل، و بقطع النظر عن قراءة النصب والجر وقد قدمنا بأن الفخر الرازي وهو من أشهر علماء " أهل السنة والجماعة " في اللغة العربية قال بوجوب المسح في القراءتين(١) . وقال ابن حزم أيضاً: سواء قرئ بخفض اللام أو بفتحها هي على كل حال عطف على الرؤوس أما علي اللفظ و إما على الوضع ولا يجوز غير ذلك.(٢) ولكن الفخر الرازي بعد اعترافه بأن القرآن نزل بوجوب المسح في القراءتين، نراه يتعصب لمذهبه السني، فقال: ولكن السنة جاءت بالمسح ناسخة للقرآن.(٣) وهذا المثل من السنة المزعومة القاضية على القرآن أو الناسخة له، يوجد له أمثلة كثيرة عند " أهل السنة والجماعة " فكم من حديث موضوع يبطلون به حكماً من أحكام الله بدعوى أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نسخه.

و نحن لو تمعنا قي آية الوضوء التي نزلت في سورة المائدة و إجماع المسلمين على أن سورة المائدة هي آخر ما نزل من القرآن و يقال: إنها نزلت قبيل وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشهرين فقط، فكيف و متى نسخ النبي حكم الوضوء يا ترى ؟ ! وقد قضى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهل يعقل أنه و قبل شهرين من وفاته عندما نزل عليه قوله سبحانه: ( وامسحوا برؤوسكم و أرجلكم ) عمد إلى غسل رجليه معارضة لكتاب الله ؟ ! إنه كلام لا يصدق، ثم كيف يصدق الناس هذا النبي الذي يدعوهم لكتاب الله والعمل به قائلاً لهم: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ثم يعمل هو بعكسه ؟ ! فهل هذا معقول أو يقلبه العقلاء ؟ أم سيقول له المعارضون والمشركون والمنافقون: إذا كنت أنت تعمل بخلافه، فكيف تأمرنا نحن باتباعه ؟ ! وسوف يجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنى ذلك نفسه محرجاً ولا يقدر علي دفع حجتهم، و لذلك نحن لا نصدق بهذا الادعاء الذي يرفضه النقل والعقل، و كل من له دراية بالكتاب والسنة لا يصدقه.

____________________

(١) التفسير الكبير للفخراوي ج١١ ص١٦١.

(٢) المحلى لابن حزم ج٣ ص٥٤.

(٣) التفسير الكبير للفخر الرازي ج١١ ص١٦١.


ولكن " أهل السنة و الجماعة " والذين هم في الحقيقة حكام بني أمية و من جرى وراءهم كما عرفنا بذلك في أبحاث سابقة، عمدوا لوضع الأحاديث على لسان النبي ليصححوا بذلك آراء واجتهادات أئمة الضلالة، و يكسبوها شرعية دينية أولاً، وليعللوا اجتهادات هؤلاء في مقابل النصوص بأن النبي نفسه قد اجتهد مقابل النصوص القرآنية و نسخ منها ما شاء، فيصبح بذلك أهل البدع يستمدون شرعيه مخالفتهم للنصوص اقتداء بالرسول كذباً و بهتاناً. و قد قدمنا في بحث سابق بالأدلة و احجج القوية أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال يوماً برأي ولا بقياس و إنما كان ينتظر نزول الوحي لقوله تعالى: ( لتحكم بين الناس بما أراك الله )(١) أليس هو القائل مبلغاً عن ربه:( وَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَکُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‌ ) ( يونس: ١٥). أولم يهدده ربه بأشد التهديد لو حاول أن يتقول على الله كلمة واحدة، فقال جل وعلا:( وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ‌ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ‌ * فَمَا مِنْکُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ‌ ) ( الحاقة: ٤٤ - ٤٧ )

فهذا هو القرآن، و هذا هو النبي الذي كان خلقه القرآن، و لكن " أهل السنة والجماعة "(٢) ، ولشدة عداوتهم لعلي بن أبي طالب و أهل البيتعليهم‌السلام ، كانوا يخالفونهم في كل شيء حتى أصبح شعارهم هو مخالفة علي و شيعته في كل شيء، حتى لو كانت سنة نبوية ثابتة عندهم(٣) . و لما كان المشهور عن الإمام عليعليه‌السلام الجهر بالبسملة حتى في الصلاة السرية من أجل إحياء النبوية، فقد عمل بعضهم علي القول

____________________

(١) صحيح البخاري ج ٨ ص ١٤٨، ( النساء: ١٠٥ ).

(٢) ونقصد بهم الأوائل الذين عاهدوا عليا و أولاجه من بعده والذين أسسوا مذهب « أهل السنة والجماعة ».

(٣) قد فصلنا القول في ذلك وأخرجنا تصريحاتهم من كتبهم و أقوال أئمتهم في كتاب « مع الصادقين » فليراجع.


بكراهتها في الصلاة، و كذلك بالنسبة للقبض والسدل و دعاء القنوت و غير ذلك من الأمور التي تخص الصلاة اليومية. و لذلك كان أنس بن مالك يبكي و يقول: و الله ما أجد شيئاً مما أدركت عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قالوا: و هذه الصلاة ؟ قال: لقد غيرتم فيها ما غيرتم(١) والغريب يشنعون على الشيعة إذا خالفوهم في أية مسألة فتصبح تلك الرحمة نقمة، ولا يقلبون إلا آراء أئمتهم مع أن أئمتهم لا يساوون أئمة العترة الطاهرة في علم ولا في عمل ولا في فضل ولا في شرف. و كما ذكرنا في " غسل الرجلين " و رغم أن كتبهم تشهى بأن المسح هو الذي نزل به القرآن و هو أيضاً سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) ، و لكنهم لا يقبلون من الشيعة شيئاً من ذلك و يتهمونهم بتأويل القرآن و الخروج عن الدين. والمثل الثاني الذي لا بد من ذكره أيضاً هو نكاح المتعة الذي نزل به القرآن و أقرته السنة النبوية، و لكنهم لتبرير اجتهاد عمر بن الخطاب الذي حرمه اختلقوا حديثاً مكذوباً نسبوه للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أخذوا يشنعون على الشيعة لإباحتهم هذا النكاح استناداً لما رواه الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام أضف إلى ذلك أن صحاحهم تشهد بأن الصحابة فعلوه في عهد رسول الله و عهد أبي بكر، و شطر من عهد عمر قبل أن يحرمه، و يشهدون أيضاً بأن الصحابة اختلفوا فيه بين محلل و محرم. والأمثلة في هذه المواضيع - التي ينسخون فيها النص القرآني بحديث مكذوب - كثيرة جداً، و قد ضربنا منها والقصد هو رفع الستار عن مذهب " أهل السنة و الجماعة " و إطلاع القارئ بأنهم يقدمون الحديث على القرآن، و يقولون صراحة بأن السنة قاضية علي القرآن.

____________________

(١) البخاري ج ١ ص ٧٤.

(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٦ ص ١٩١.


فهذا الإمام الفقيه عبد الله بن مسلم بن قتيبة محدث و فقيه " أهل السنة و الجماعة " متوفي سنة ٢٧٦ هجرية يقول بصراحة: " السنة قاضية على الكتاب، و ليس الكتاب بقاض علي السنة"(١) . كما ذكر صاحب كتاب مقالات الإسلاميين نقلاً عن الإمام الأشعري و هو إمام " أهل السنة و الجماعة " في الأصول قوله: " إن السنة تنسخ القرآن و تقضي عليه، و أن القرآن لا ينسخ السنة و لا يقضي عليها "(٢) .

و ذكر ابن عبد البر بأن الإمام الأوزاعي و هو من كبار أئمة " أهل السنة و الجماعة "، قال: " إن القرآن أحوج إلي السنة من السنة إلى القرآن … "(٣) .

فإذا كانت هذه أقوالهم تشهد على عقيدتهم فمن الطبيعي جداً أن يتناقض هؤلاء مع ما يقوله أهل البيت من عرض كل حديث على كتاب الله، ووزنه عليه ؛ لأن القرآن هو القاضي على السنة، و من الطبيعي أيضاً أن يرفضوا هذه الأحاديث و لا يعترفوا بها ولو رواها أئمة أهل البيت ؛ لأنهم تنسف مذهبهم نسفاً. فقد ذكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة بأن الحديث الذي روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و هو قوله: إذا جاءكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله، قال البيهقي: هذا حديث باطل لا يصح، و هو ينعكس على نفسه بالبطلان، فليس في القرآن دلالة على عرض الحديث على القرآن. و صرح ابن عبد البر نقلاً عن عبد الرحمان بن مهدي بأن الحديث الذي روي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنه قال: ( ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، و إن خالف كتاب الله فلم أقله )، هذه الألفاظ لا تصح عنه عند أهل العلم. بصحيح انقل من سقيمه، و قال بأن هذا الحديث وضعه الزنادقة و الخوارج(٤) .

____________________

(١) سنن الدارمي ج ١ ص ١٤٥ و كذلك اين قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص ١٩٩.

(٢) مقالات الإسلاميين ج ٢ ص ٢٥١.

(٣) جامع البيان العلم ج ٢ ص ٢٣٤.

(٤) جامع بيان العلم ج ٢ ص ٢٣٣.


أنظر إلى هذا التعصب الأعمى الذي لم يترك لهم سبيلاً للتحقيق العلمي و الخضوع للحق، فأصبحوا يسمون رواة هذا الحديث، و هم أئمة الهدى من العترة الطاهرة، بالزنادقة و الخوارج و يتهمونهم بوضع الحديث ! و هل لنا أن نسألهم، ما هو هدف الزنادقة و الخوارج من وضع هذا الحديث الذي يجعل كتاب الله - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مرجعاً لكل شيء ؟ ؟ و العاقل المنصف يميل إلى هؤلاء ( الزنادقة و الخوارج ! ! ) الذين يعظمون كتاب الله و يجعلونه في المرتبة الأولى للتشريع، أحسن له من الميل الي " أهل السنة و الجماعة " الذين يقضون علي كتاب الله بأحاديث مكذوبة و ينسخون أحكامه ببدع مزعومة.( کَبُرَتْ کَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ کَذِباً ) ( الكهف: ٥ )

فالذين يسمونهم زنادقة و خوارج هم أهل بين النبوة أئمة الهدى و مصابيح الدجى الذين وصفهم جدهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنهم أمان الأمة من الاختلاف فإذا خالقتهم قبيلة صارت حزب إبليس و ذنبهم الوحيد هو أنهم تمسكوابسنة جدهم و رفضوا ما سواها من البدع البكرية و العمرية و العثمانية و المعاوية، و اليزيدية و المروانية و الأموية، و بما أن السلطة الحاكمة كانت و زنادقة و أن يحاربوهم و ينبذوهم، ألم يلعن علي و أهل البيت على منابرهم ثمانين عاماً ؟ ؟ ألم يقتل الحسن بسمهم و الحسين و ذريته بسيوفهم ؟ ؟

و دعنا من الرجوع إلى مأساة أهل البيت الذين لم تنته مظلمتهم بعد، ولنعد إلى هؤلاء الذين يسمون أنفسهم " أهل السنة و الجماعة " و الذين ينكرون حديث عرض السنة على القرآن، فلماذا لم يسموا أبا بكر " الصديق " من الخوارج أو من الزنادقة ؟ و هو الذي أحرق الأحاديث و خطب في الناس قائلاً: " أنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، و الناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاَ، فمن سألكم فقولوا: بيننا و بينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله و حرموا حرامه "(١) .

____________________

(١) الذهبي في تذكرة الحفاظ ج ١ ص ٣.


ألم يقدم أبو بكر القرآن علي السنة ؟ بل جعله المصدر الوحيد و رفض السنة بدعوى أن الناس يخلفون فيها ؟ ! و لماذا لم يسموا عمر بن الخطاب من الخوارج أو من الزنادقة، و هو الذي رفض السنة النبوية من أول يوم عندما قال: حسبنا كتاب الله يكفينا، و قد أحرق هو أيضاً كل ما جمعه الصحابة من الأحاديث و السنن على عهده(١) و لم يقف عند ذلك الحد حتى نهى الصحابة عن إفشاء الحديث(٢) . و لماذا لم يسموا أم المؤمنين عائشة التي يؤخذ عنها نصف الدين بأنها من الخوارج و من الزنادقة، فهي التي اشتهرت بعرض الحديث على القرآن، فكانت كلما بلغها حديث لا تعرفه عرضته على كتاب الله و أنكرته إذا عارض القرآن. فقد أنكرت على عمر بن الخطاب حديث: إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله عليه، و قالت: حسبكم القرآن، فإنه يقول: ولا تزر وازرة وزر أخرى(٣) .

كما أنكرت حديث عبد الله بن عمر الذي روى بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام علي القليب و فيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال، ثم التفت إلى أصحابه فقال: " إنهم ليسمعون ما أقول ".

فكذبت عائشة أن يكون الأموات يسمعون و قالت: إنما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق )، ثم استشهدت على كذب الحديث بعرضه على القرآن فقرأت قوله سبحانه:( أنك لا تسمع الموتى ) ( النحل: ٨٠ )( وَ مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) ( فاطر: ٢٢ )(٤)

و أنكرت أحاديث كثيرة كانت في كل مرة تعرضها على كتاب الله، فقالت لمن حدث بأن محمداً رأى ربه - لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن بها فقد كذب، من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب، ثم

____________________

(١) كنز العمال ج ٥ ص ٢٣٧، و ابن كثير و الذهبي في تذكرة الحفاظ ج ١ ص ٥.

(٢) الذهبي في تذكرة الحفاظ ج ١ ص ٤.

(٣) صحيح البخاري كتاب الجنائز باب قول النبي يعذب الميت ببعض بكاء أهله و كذلك صحيح مسلم، كتاب الجنائز باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.

(٤) صحيح البخاري و كذلك صحيح مسلم في كتاب الجنائز في نفس الباب السابق.


قرأت قوله تعالى:( لاَ تُدْرِکُهُ الْأَبْصَارُ وَ هُوَ يُدْرِکُ الْأَبْصَارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الأنعام: ١٠٣ )، و قرأت( وَ مَا کَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُکَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) (الشوري: ٥١ ). و من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت قول الله: ( و ما تدري نفس ماذا تكسب غداً ) ( لقمان: ٣٤ ) و من حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم قرأت قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْکَ مِنْ رَبِّکَ ) ( المائدة: ٦٧ ).

كذبك كان ألو هريرة رواية أهل السنة عندهم، كان كثيراً ما يحدث الحديث، ثم يقول: فاقرأوا إن شئتم قوله تعالى، فيعرض حديثه على كتاب الله حتى يصدقه المستمعون.

فلماذا لا يسمي " أهل السنة و الجماعة " كل هؤلاء من الخوارج و الزنادقة، فهم يعرضون الأحاديث التي يسمعونها علي كتاب الله و يكذبون ما خالف منها القرآن ؟ ! إنهم لا يجرؤون علي ذلك، أما إذا تعلق الأمر بأئمة أهل البيت، فإنهم لا يتورعون بأن يشتموهم بكل نقيصة ولا ذنب لهم سوى عرض الحديث على كتاب الله و إبطالها بأحاديث مكذوبة ؛ لأنهم يدركون تماماُ أنه لو عرضت أحاديثهم على كتاب الله فسوف لن يوافق كتاب الله على تسعة أعشار منها. والعشر العاشر الذي يؤيده كتاب الله لأنه من أقوال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يؤولون بعضه على غير ما أراده الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتأويلهم حديث: ( الخلفاء من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش )، و حديث: " تمسكوا بسنة الخلفاء الراشيدين بعدي "، و كقوله: ( اختلاف أمتي رحمة )، و غيرها من الأحاديث الشريفة و التي يقصد بها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أئمة العترة الطاهرة، ولكنهم صرفوها إلى خلفائهم الغاصبين و إلى بعض الصحابة المنقلبين. و حتى الألقاب التي يضفونها على الصحابة كتسمية أبي بكر ب- " الصديق " و عمر ب- " الفاروق " و عثمان ب- " ذي النورين " و خالد ب- " سيف الله "، و الحال أن كل هذه الألقاب هي لعلي على لسان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( الصديقون ثلاثة، حبيب النجار مؤمن آل يس، وحزقيل مؤمن آل فرعون، و علي بن أبي


طالبعليه‌السلام و هو أفضلهم )(١) .

و علي نفسه كان يقول: أنا الصديق الأكبر ولا يقولها بعدي إلا كذاب. و هو الفاروق الأعظم الذي فرق الله به الحق من الباطل(٢) ، ألم يقل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن حبه إيمان و بغضه نفاق، و أن الحق يدور معه حيث دار ؟ وأما ذو النورين(٣) ، فهوعليه‌السلام ، والد الحسن و الحسين ( عليمها السلام ) سيدي شباب أهل الجنة، و هما نوران من صلب النبوة. و أما سيف الله فهو الذي قال فيه جبريلعليه‌السلام يوم أحد: ( لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذوالفقار ) و هو بحق سيف الله الذي سله على المشركين فقتل أبطالهم و جندل شجعانهم و هشم أنوفهم حتى أذعنوا للحق و هم كارهون، و هو سيف الله ؛ لأنه لم يهرب من معركة أبداً، و لم يخش من مبارزة قط. و هو الذي فتح خيبر و قد عجز عنها أكابر الصحابة و رجعوا منهزمين. لقد قامت السياسة من أول خلاقة على عزله و تجريده من كل فضل و فضيلة، و لما معاوية للحكم ذهب أشواطاً بعيدة فعمل على لعن علي و انتقاصه، و على رفع شأن مناوئيه و نسب إليهم كل فضائله و ألقابه زوراً منه و بهتاناً، و من يقدر في ذلك العهد على تكذبيه أو معارضته ؟ و قد وافقوه على سبه و لعنه والبراءة منه، و قد قلب أتباعه من " أهل السنة و الجماعة " كل الحقائق ظهراً على عقب، فأصبح عندهم المنكر معروفاً و المعروف منكراً، و أصبح علي و شيعته هم الزنادقة و الخوارج و الروافض فاستباحوا بذلك لعنهم و قتلهم، و أصبح أعداء الله و رسوله و أهل بيته هم " أهل السنة " فاقرأ واعجب، و إن كنت في شك من هذا فابحث و نقب.

( مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ کَالْأَعْمَى وَ الْأَصَمِّ وَ الْبَصِيرِ وَ السَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَ فَلاَ تَذَکَّرُونَ‌ ) ( هود: ٢٤ ).

صدق الله العلي العظيم

____________________

(١) شواهد التنزيل للحسكاني ج ٢ ص ٢٢٣، غاية المرام ص ٤١٧، الرياض النضرة ج ٢ ص ٢٠٢.

(٢) تاريخ الطبري في إسلام علي، سنن ابن ماجه ج ١ ص ٤٤، خصائص النسائي، مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١١٢.

(٣) يسمي " أهل السنة و الجماعة " عثمان بذي النورين و يعللون ذلك بأنه تزوج رقية وأم كلثوم بنتي النبي و الصحيح أنهما ربيبتاه، و على فرض أنهما بنتاه، فكيف تكونان نورين و لم يحدث النبي لهما بفضيلة واحدة و لماذا لا تكون فاطمة التي قال في حقها: سيدة نساء العالمين هي النور، و لماذا لم يسموا علياً " بذي النور " على هذا الأساس ؟


الأحاديث النبوية عند " أهل السنة " متناقضة

لعل الباحث يجد كثيراً من السنن التي تنسب إلي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هي في الحقيقة ليست إلا بدعاً ابتدعها بعض الصحابة بعد وفاته و ألزموا الناس بها و حملوهم عليها قهراً، حتى اعتقد أولئك المساكين أنها من أفعال النبي و أقواله. و لذلك جاءت تلك البدع في أغلبها متناقضة و متعارضة مع القرآن، فاضطر علماؤهم للتأويل و القول بأن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعل هذا مرة، و فعل ذاك أخرى كقولهم بأنه صلى مرة بالبسملة و أخري صلى بدون البسملة، و مرة مسح رجليه في الوضوء و أخرى غسلهما، و مرة قبض يديه في الصلاة و أخري أسدلها، حتى ذهب البعض منهم للقول بأنه فعل ذلك متعمداً للتخفيف علي أمته حتى يختار كل واحد منهم ما يناسبه من العمل. إنه كذبّ برفضه الإسلام الذي بني عقائده علي كلمة التوحيد و توحيد العبادة حتى في المظهر و اللباس، فلم يسمح للمحرم وقت الحج أن يلبس ما يريد لا شكلاً ولا لوناً، و لم يسمح للمأموم إلا أن يتبع إمامه في حركاته وسكناته من قيام و ركوع و سجود و جلوس. كما أنه كذبّ ؛ لأن الأئمة الطاهرين من أهل البيت يرفضون تلك الروايات و لا يقلبون بالاختلاف في العبادات شكلاً و مضموناً. و إذا رجعنا إلى تناقض الأحاديث عند " أهل السنة و الجماعة " فهي كثيرة جداً تفوق الحصر، و سوف نعمل علي جمعها في كتاب خاص إن شاء الله.


وكالعادة و بإيجاز نذكر هنا بعض الأمثلة ليتبين للباحث على أي أساس بني " أهل السنة و الجماعة " مذهبهم و عقيدتهم. فقد جاء في صحيح مسلم، و في شرح الموطاً لجلال الدين السيوطي عن أنس بن مالك قال: صليت خلف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أبي بكر و عمر و عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ: بسم الله الرحمان الرحيم.

و في رواية أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان لا يجهر بقراءة بسم الله الرحمان الرحيم، قال: و قد روي هذا الحديث عن أنس قتادة و ثابت البناني و غيرهما، و كلهم أسنده و ذكر فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا أنهم اختلف عليهم في لفظه اختلافاً كثيراً، مضطرباً و متدافعاً، فمنهم من يقول فيه: كانوا لا يقرأون بسم الله الرحمان الرحيم، و منهم من يقول كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمان الرحيم، و منهم من يقول: كانوا يجهرون ببسم الله الرحمان الرحيم و منهم من قال: كانوا لا يتركون بسم الله الرحمان الرحيم، و منهم من قال: كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين.

قال: و هذا اضطراب لا تقوم معه حجة لأحد من افقهاء(١) .

أما إذا أردت معرفة السر الحقيقي لهذا التناقض و الاضطراب من نفس الراوي، و هو أنس بن مالك الذي كان يلازم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأنه حاجبه، فتراه مرة يروي بأنهم - رسول الله و الخلفاء الثلاثة - كانوا لا يقرأون بسم الله الرحمان الرحيم، و مرة بأنهم لا يتركونها.

إنما هو الواقع الأليم المؤسف الذي اتبعه أكثر الصحابة في نقل الحديث و روايته حسبما تقتضيه المصلحة السياسية و حسبما يرضي الأمراء.

فلا شك بأنه روي عدم القراءة لبسم الله الرحمان الرحيم عندما عمل بنو أمية و حكامهم علي تغيير كل سنة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان علي بن أبي طالب يتمسك بها ويعمل على إحيائها.

____________________

(١) تنوير الحوالك شرح على موطاً مالك ج ١ ص ١٠٣ و نحن نقول: الحمد لله أن شهد شاهد من أهلها على اضطراب الأحاديث عندهم و تناقضها و أنه كما أعترف، لا تقوم لأحد من فقهائهم حجة، إنما الحجة قائمة مع أئمة الهدي الأطهار الذين بم يختلفوا في شيء.


فقد قامت سياستهم على مخالفته في كل شيء و العمل بضده. حيث اشتهر ( سلام الله عليه) بأنه كان يبالغ في الجهر بالبسمة حتى في الصلاة السرية. و هذا ليس ادعاء منا أو من الشيعة، فنحن لم نعتمد في كل ما كتبنا إلا على كتب " أهل السنة و الجماعة " و تصريحاتهم.

و قد ذكر الإمام النيسابوري في تفسير غرائب القرآن، و بعد ذكره للروايات المتناقضة عن أنس بن مالك قال: " و فيها تهمة أخري، و هي أن علياًرضي‌الله‌عنه كان يبالغ في الجهر بالتسمية، و لما كان زمن بني أمية بالغوا في المنع من الجهر سيعاً منهم في إبطال آثار علي بن أبي طالب، فلعله إنما خاف منهم فلهذا اضطراب أقواله "(١) .

كما صرح الشيخ أبو زهرة ما يقارب هذا المعني إذ قال: " لابد أن يكون للحكم الأموي أثر في اختفاء كثير من آثار عليعليه‌السلام في القضاء و الإفتاء ؛ لأنه ليس من المعقول أن يلعنوا علياً فوق المنابر، و أن يتركوا العلماء يتحدثون بعلمه و ينقلون فتاواه و أقواله للناس، و خصوصاً ما يتصل بأساس الحكم الإسلامي"(٢) .

و الحمد الله الذي أظهر الحق على لسان بعض علمائهم فاعترفوا بأن علياً كان يبالغ في الجهر ببسم الله الرحمان الرحيم. و نستنتج بأن الذي دعاه ( سلام الله عليه ) أن يبالغ في الجهر بالتسمية، هو أن الخلفاء الذين سبقوه تركوها إما عمداً أو سهواً واقتدى بهم الناس فأصبحت سنة متبعة و هي بلا شك مبطلة للصلاة إذا ما تركت عمداً، و إلا لما بالغ الإمام عليعليه‌السلام في الجهر بها حتى في الصلاة السرية. ثم إننا نشتم من روايات أنس بن مالك التزلف لإرضاء بني أمية الذين أطروه و أغدقوا عليه الأموال و بنوا له القصور ؛ لأنه من المناوئين لعليعليه‌السلام هو الآخر و يظهر بغضه لأمير المؤمنينعليه‌السلام من قصة الطير

____________________

(١) تفسير غرائب القرآن للنيسابوري بهامش تفسير الطبري ج ١ ص ٧٧.

(٢) الشيخ أبو زهرة في كتاب الإمام الصادق ص ١٦١.


المشوي عندما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي هذا الطير )، فجاء علي يستأذن فرده أنس ثلاث مرات، و لما عرف النبي في المرة الرابعة قال لأنس: ( ما حملك على ما فعلت ؟ ) قال أنس: رجوت أن يكون واحداً من الأنصار.(١)

و يكفي هذا الصحابي أن يسمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعو ربه بأن يأتيه بأحب الخلق إليه، و يستجيب الله لدعاء رسوله فيأتيه بعليعليه‌السلام ، ولكن بغض أنس له يحمله على الكذب فيرد علياً مدعياً بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حاجة له و يتكرر منه الكذاب ثلاث مرات متوالية لأنع لم يقبل أن يكون عليعليه‌السلام أحب الخلق إلي الله بعد رسوله، ولكن علياً اقتحم الباب في المرة الرابعة ودخل، فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ما حسبك عني يا علي ؟ ) قال: ( جئتك فردني أنس ثلاث مرات )، قال: ( ما حملك على ذلك يا أنس ؟ ) قال: يا رسول الله، سمعت دعاءك فأحببت أن يكون رجلاً من قومي.

و التاريخ بعد ذلك يحدثنا بأن أنس بقي علي بغضه للإمامعليه‌السلام طيلة حياته، و هو الذي استشهده علي يوم الرحبة بحديث الغدير فكتم الشهادة و دعا عليه الإمامعليه‌السلام فلم يقم من مجلسه إلا أبرص، فكيف لا يصبح أنساً من المناوئين لعليعليه‌السلام ، و هو بيغضه و يتقرب إلي أعدائه بالبراءة منه. لكل ذلك جاءت روايته في خصوص البسملة تفوح بالولاء لمعاوية بن أبي سفيان إذ يقول: " صليت خلف النبي و أبي بكر و عمر و عثمان " و يعني بذلك أنه ما كان يقبل بالصلاة وراء علي، و هو بالضبط ما كان يريده معاوية و أتباعه من رفع ذكر الخلفاء الثلاثة، و طمس ذكر عليعليه‌السلام و عدم التحدث باسمه. و بما أنه ثبت من طريق أئمة العترة الطاهرة و شيعتهم بأن علياًعليه‌السلام

____________________

(١) لأخرجه الحاكم في المستدرك و قال: صحيح على شرط الشيخين، و أخرجه الترمذي في صحيحه ج ٢، ص ٢٩٩، و الطبري في الرياض النضرة ج ٢ ص ١٦٠، تاريخ بغداد ج ٣ ص ١٧١، كنز العمال ج ٦ ص ٤٠٦، النسائي في الخصائص ص ٥، و ابن الأثير في أسد الغابة ج ٤ ص ٣٠.


كان يجهر بالبسملة في الفاتحة والسورة التي بعدها، كما ثبت أيضاً من طريق " أهل السنة و الجماعة " بأنه كان يبالغ في الجهر بالبسملة حتى في الصلاة السرية، فثبت بذلك أنها هي السنة النبوية الصحيحة، فمن تركها فقد ترك الواجب و أبطل صلاته ؛ لأن مخالفة السنة هو الضلال، فما أتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا.

و لنا بعد هذا عدة مآخذ على روايات الصحابة التي تخالف سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و عدة أمثلة ذكرنا البعض منها في أبحاث سابقة و سنذكر البعض الآخر في أبحاث لاحقة. و المهم في كل ذلك أن نعرف بأن " أهل اسنة و الجماعة " يقتدون بأقوال و أفعال الصحابة.

أولاً: لإيمانهم بأن أقوالهم و أفعالهم هي سنة ملزمة.

ثانياً: لاشتباههم في أن ما قاله الصحابة و ما فعلوه لا يخالف السنة النبوية ؛ لأن الصحابة كانوا يحكمون بآرائهم و ينسبون ذلك للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى يتمكنوا من التأثير في النفوس و يأمنوا معارضة المعارضين. و إذا كان علي بن أبي طالبعليه‌السلام هو المعارض الوحيد الذي حاول بكل جهوده في أيام خلافته إرجاع الناس للسنة النبوية بأقواله و أفعاله و فضائه، و لكن بدون جدوى ؛ لأنهم شغلوه بالحروب الطاحنة فلم ينته من حرب إلا و أشعلوا له حرباً أخرى، ولم ينته من حرب الجمل حتى أسعروا حرب صفين ولم ينته من صفين حتى أشعلوا حرب النهروان، و لم ينته منها حنى اغتالوه في محراب الصلاة.

و جاء معاوية للخلافة و كان همه الوحيد هو إطفاء نور الله، فعمل بكل جهوده للقضاء علي سنة النبي التي أحياها الإمام عليعليه‌السلام ، و أرجع الناس لبدع الخلفاء و خصوصاً البدع التي سنها هو لهم، و عمل على سب عليعليه‌السلام و لعنه حتى لا يذكره ذاكر إلا بما هم مشين. يذكر المدائني أن بعض الصحابة جاء إلى معاوية فقال له: " يا أمير المؤمنين، إن علياًعليه‌السلام مات و ليس هناك شيء تخافه، فلو رفعت هذا


اللعن عنه ؟ فقال معاوية: لا والله حتى يهرم عليه الكبير و يشيب عليه الصغير. يقول المدائني: فمكثوا علي ذلك ( بنو أمية ) دهراً و علموه إلى صبيانهم في الكتاتيب و إلى نسائهم و خدمهم و مواليهم، و قد نجح معاوية في مخططه نجاحاً كبيراً، إذ أبعد الأمة الإسلامية ( إلا القليل منها ) عن وليها و قائدها الحقيقي، و جرهم إلى معاداته و البراءة منه، و ألبس لهم الباطل بالحق وجعلهم يعتقدون بأنهم هم " أهل السنة " و أن من والى علياً و اتبعه فهو خارجي و صاحب بدعة. و إذا كان الإمام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام و ما أدراك، يلعن فوق المنابر و يتقرب إلى الله بسبه و لعنه، فما بالك بالشيعة الذين اتبعوا، فقد منعوا عطاءهم و حرقوا عليهم ديارهم و صلبوهم على جذوع النخل و دفنوهم أحياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إن معاوية في نظري هو حلقة من سلسلة المؤامرة الكبرى و فصل من فصولها، و لكنه نجح أكثر من غيره في طمس الحقائق و تقليبها ظهراً على عقب، و أرجع الأمة إلى الجاهلية الأولي في لباس الإسلام. و تجدر الإشارة بأنه كان أدهى ممن سبقه من الخلفاء فكان ممثلاً بارعاً يجيد التمثيل، فيبكي في بعض الأحيان حتى يؤثر في الحاضرين فيعتقدون أنه من الزهاد العباد المخلصين، و يقسو و يتجبر أحياناً أخرى حتى يخيل إلى الحاضرين أنه من أكبر الملحدين و يظن البدوي بأنه رسول الله ! ولابد لإتمام البحث أن نعرف من خلال رسالة محمد بن أبي بكر التي وجهها إليه ورده عليها مدي مكره و دهائه كما سنعرف من خلال الرسالتين حقايق لا غنى للباحثين من الوقوف عليها.


كتاب محمد بن أبي بكر إلي معاوية

من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر:

سلام على أهل طاعة الله، ممن هو سلم لأهل ولاية الله ،

أما بعد ،

فإن الله بجلاله و عظمته و سلطانه و قدرته، خلق خلقه بلا عبث منه ولا ضعف في قوته، ولا حاجة به إلى خلقهم، لكنه خلقهم عبيداً و جعل منهم غوياً و رشيداً، و شقياً و سعيداً، ثم اختار على علم فاصطفى وانتخب منهم محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فاختصه برسالته، واختاره لوحيه و ائتمنه على أمره، و بعثه رسولاً و مبشراً و نذيراً، مصدقاً لما بين يديه من الكتب، و دليلاً على الشرائع، فدعا إلى سبيل أمره بالحكمة و الموعظة الحسنة، فكان أول من أجاب و أناب و أمن و صدق و أسلم و سلم، أخوه و ابن عمه علي بن أبي طالبعليه‌السلام صدقه بالغيب المكتوم و آثره علي كل حميم، و وقاه بنفسه كل هول و واساه بنفسه في كل خوف، و حارب حربه و سالم سلمه، فلم يبرح مبتذلاً لنفسه في ساعات الأزل و مقامات الروع، حتى برز سابقاً لا نظير له في جهاده، ولا مقارب له في فعله. و قد رأيتك تساميه، و أنت أنت، وهو هو السابق المبرز في كل خير، أول الناس إسلاماً، و أصدق الناس نية، و أفضل الناس ذرية و خير الناس زوجة، و أفضل الناس ابن عم، أخوه الشاري لنفسه يوم مؤتة، و عمه سيده الشهداء يوم أحد، و أبوه الذاب عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و عن حوزته، و أنت اللعين ابن اللعين، لم تزل أنت و أبوك تبغيان لدين الله الغوائل، و تجهدان في إطفاء نور الله، تجمعان على ذلك الجموع، و تبذلان فيه المال و تؤلبان عليه القبائل. علي هذا مات أبوك و على ذلك خلفته، و الشاهد عليك بذلك من تدني


و يلجأ إليك من بقية الأحزاب و رؤساء النفاق و الشقاق لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و الشاهد لعلي مع فضله المبين و سابقته القديمة أنصاره الذين معه الذين ذكرهم الله تعالي في القرآن ففضلهم، و أثني عليهم من المهاجرين و الأنصار فهم معه كتائب و عصائب يجالدون حوله بأسيافهم، و يهرقون دماءهم دونه، يرون الحق في اتباعه و الشقاء في خلافه. فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعلي و هو وارث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و وصيه و أبو ولده، و أول الناس له اتباعاً و أقربهم به عهداً، يخبره بسره و يطلعه علي أمره، و أنت عدوه و ابن عدوه ؟ ! فتمتع في دنياك ما استطعت بباطلك، و ليمددك بن العاص في غوايتك، فكأن أجلك قد انقضي، وكيدك قد وهي، و سوف يتبين لك لمن تكون العاقبة العليا ! و اعلم أنك إنما تكايد ربك الذي قد أمنت كيده، و آيست من روحه و هو لك بالمرصاد، و أنت منه في غرور. والسلام علي من اتبع الهدي(١) . و هذه الرسالة التي كتبها محمد بن أبي بكر فيها حقائق دامغة لكل باحث عن الحقيقة، فهي تصف معاوية بأنه ضال مضل و أنه لعين ابن لعين، و أنه يعمل كل ما في وسعه لإطفاء نور الله و يبذل الأموال لتحريف الدين و يبغي لدين الله الغوائل، و أنه عدو الله و لرسوله و يعمل بالباطل بإعانة عمرو بن العاص. كما وأن الرسالة تكشف عن فضائل و مزايا علي بن أبي طالبعليه‌السلام التي لم يسبقه إليها سابق ولا يلحقه إليها لاحق، والحق أن لعلي بن أبي طالبعليه‌السلام من الفضائل و المزايا أكثر مما عدده محمد بن أبي بكر بكثير، و لكن الذي يهمنا في هذا الباب هو رد معاوية بن أبي سفيان علي هذه الرسالة، لتعرف أيها الباحث عن الحقيقة خفايا و دسائس التاريخ، و تكتشف من خلالها خيوط المؤامرة التي أبعدت الخلافة عن صاحبها الشرعي و تسببت في انحراف الأمة، فإليك الرد.

____________________

(١) جمهرة رسائل العرب ج ١ ص ٤٧٧ مروج الذهب للمسعوى ج ٢ ص ٦٠، شرح النهج البلاغه لابن أبي الحديد المعتزلى ج ١ ص ٢٧٤.


رد معاوية علي محمد بن أبي بكر

من معاوية بن صخر إلي الرازي على أبيه محمى بن أبي بكر.

سلام علي أهل طاعة الله.

أما بعد.

فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في عظمته و قدرته و سلطانه، و ما أصفى به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع كلام كثير الفته و وضعته لرأيك فيه تضعيف و لأبيك فيه تعنيف. ذكرك فيه فضل ابن أبي طالب و قديم سوابق و قرابته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و نصرته له و مواساته إياه في كل هول و خوف، فكان احتجاجك علي، و فخرك بفضل غيرك لا بفضلك، فأحمد رباً صرف هذا الفضل عنك وجعله لغيرك. فقد كنا و ألوك معنا في حياة نبينا نعرف حق أبي طالب لازماً لنا، و فضله مبرزاً علينا، فلما اختار الله لنبيه ( عليه الصلاة و السلام ) ما عنده، و أتم له ما وعده، و اظهر دعوته، و أفلج حجته، و قبضه الله إليه ( صلوات الله عليه )، كان أبوك و فاروقه أول من ابتزه حقه و خالفه علي أمره، علي ذلك اتفقا و اتسقا، ثم أنهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما و تلكأ عليهما، فهما به الهموم وأرادا به العظيم، ثم إنه بايعهما و سلم لهما، و أقاما لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه علي سرهما، حتى قبضهما الله، و انقضى أمرهما، ثم قام ثالثهما عثمان فهدى بهديهما و سار بسيرتهما، فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي فطلبتما له الغوائل حتى بلغتما فيه مناكما.


فخذ حذرك يا ابن أبي بكر، فستري وبال أمرك، و قس شبرك بقترك تقصر عن أن توازي أو تساوي من يزن الجبال حلمه، و لا تلين علي قسر قناته، ولا يدرك ذو مدي أناته. أبوك مهد له مهاده، و بنى ملكه و شاده، فإن بك ما نحن فيه صواباً فأبوك أوله، و إن يكن جوراً فأبوك استبد به و نحن شركاؤه، فبهديه أخذنا و بفعله اقتدينا، و لولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب، و لسلمنا أليه، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا، فاحتذينا مثاله، و اقتدينا بفعاله، فعب أباك بما بدالك أودع، والسلام علي من أناب ورجع من غوايته و تاب(١) .

* * *

و نستنتج من هذا الرد، بان معاوية لا ينكر فضائل علي بن أبي طالب ومزاياه، و لكنه تجرأ عليه و احتذاء بأبي بكر و عمر، و لولا هما لما استصغر شأن عليعليه‌السلام و لا تقدم عليه أحد من الناس. كما يعترف معاوية بأن أبا بكر هو الذي معد لبني أمية و هو الذي بني ملكهم و شاده. و نفهم من هذه الرسالة بأن معاوية لم يقتد برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و لم يهتد بهديه، عندما اعترف بأن عثمان هدي بهدي أبي بكر و عمر و سار بسيرتهما.

و بذلك يتبين لنا بوضوح بأنهم جميعاً تركوا سنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واقتدى بعضهم ببدعة بعض. كما أن معاوية لم ينكر بأنه من الضالين الذين يعلمون بالباطل و أنه لعين ابن لعين علي لسان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ولتعميم الفائدة لا بأس بذكر الرسالة التي رد بها يزيد بن معاوية على ابن عمر وهي على اختصارها ترمي نفس المرمى. فقد أخرج البلاذري في تاريخه قال: لما قتل الحسين بن علي بن أبي طالبعليهما‌السلام كتب عبدالله بن عمر رسالة الى يزيد بن معاوية جاء فيها:

____________________

(١) لأن أبابكر و عمر و عثمان توفوا في حياة الإمام علي.


أما بعد، فقد عظمت الرزية و جلت المصيبة، وحدث في الإسلام حدث عظيم، ولا يوم كيوم قتل الحسين.

فكتب إليه يزيد:

و في رد معاوية علي ابن أبي بكر كما في رد يزيد علي ابن عمر نجد نفس المنطق و نفس الاحتجاج. و هو لعمري أمر ضروري يقره الوجدان، و يدركه كل عاقل و لا يحتاج في الحقيقة إلى شهادة معاوية وابنه يزيد. فلولا استبداد أبي بكر و عمر على علي، لما وقع ما وقع في الأمة الإسلامية، و لو تمكن علي من الخلافة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و حكم المسلمين لتواصلت خلافته إلى سنة أربعين للهجرة أعني ثلاثون عاماً بعد النبي(١) . و هي مدة كافية لإرساء قواعد الإسلام بكل أصوله و فروعه، و لتمكنعليه‌السلام من تطبيق كتاب الله و سنته رسوله بدون تحريف ولا تأويل. و لما وليها بعد وفاته غير سيدي شباب أهل الجنة الإمام الحسن و الإمام الحسين و أولاده المعصومين بقية الأئمةعليهم‌السلام و لتواصلت خلافة الراشدين ثلاثة قرون، لم يكن بعدها للكافرين و المنافقين و الملحدين تأثير ولا وجود، ولكانت الأرض غير الأرض والعباد غير العباد، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

يبقي هناك دائماً اعتراض من بعض " أهل السنة و الجماعة " على هذا الاحتمال و ذلك من وجهين:

____________________

(١) جمهرة رسائل العرب ج ١ ص ٤٧٥، مروج الذهب للمسعودي ج ٢ ص ٥٩، شرح النهج لابن أبي الحديد ج ١ ص ٢٨٣.


* الأول: أنهم يقولون بأن ما وقع هو الذي اختاره الله وأراده، ولو أراد الله أن يقود المسلمين علي و الأئمة من ولد ( عليم السلام ) لكان ذلك، و هم يرددون دائماً " الخير في ما اختاره الله"

* الثاني: أنهم يقولون: لو تولى علي الخلافة مباشرة بعد النبي و أعقبه الحسن و الحسين لأصبحت الخلافة و راثية يرثها الأبناء على الأباء، و هذا لا يقره الإسلام الذي ترك الأمر شوري بين الناس.

و إجابة علي ذلك و لرفع الالتباس نقول:

أولاً: ليس هناك دليل واحد على أن ما وقع هو الذي اختاره الله وأراده، بل الأدلة على عكسه ثابتة في الكتاب و السنة، فمن الكتاب مثلاً قوله تعالى:( وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَکَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ لٰکِنْ کَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا کَانُوا يَکْسِبُونَ‌ ) ( الأعراف: ٩٦ )، و كذلك قوله تعالى:( وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَکَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ کَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ‌ ) ( المائده: ٦٦ ). و كذلك قوله تعالى:( مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِکُمْ إِنْ شَکَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ وَ کَانَ اللَّهُ شَاکِراً عَلِيماً ) ( النساء: ١٤٧ ). و قوله:( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) ( الرعد: ١١ ). و كل هذه الآيات البينات تفيد بأن الانحراف سواء كان على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الأمم هو من عند أنفسهم و ليس من عند الله.

و من السنة النبوية مثلاُ: قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( تركت فيكم كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ) و قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ) و قوله: ( ستفترق أمتي إلى ثلاث و سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ). و كل هذه الأحاديث الشريفة تفيد بأن ضلالة الأمة كانت بسبب انحراف الأمة و عدم قبولها لما اختاره الله لها.

* ثانياً: هب أن الخلاقة الإسلامية كانت بالوارثة فليست هي الوارثة التي يفهمونها بأن يستبد الحاكم علي رعيته، فيولي عليهم ابنه قبل وفاته و يسميه ولي العهد، ولو كان الوالد والوالد فاسقين بل هي وراثة إلهية من اختيار رب العامين


الذي لا يعزب عن علمه مثقال حبة من خردل، والتي تخص نخبة صالحة اصطفاها الله وأورثها الكتاب و الحكمة لتكون للناس أئمة، فقال:( وَ جَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَ أَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَ إِقَامَ الصَّلاَةِ وَ إِيتَاءَ الزَّکَاةِ وَ کَانُوا لَنَا عَابِدِينَ‌ ) ( الأنبياء: ٧٣ ). مع أن قولهم بأن الإسلام لا يقر الوراثة و إنما ترك الأمر شورى، هو مغالطة لا يقرها الواقع و التاريخ فقد وقعوا بالضبط في النظام الوارثي الممقوت، و لم يتول على الأمة بعد عليعليه‌السلام إلا الظالمين الغاصبين الذين أورثوها لأبنائهم الفسقة رغم أنف الأمة. فأيهما الأفضل أن يتوارثها الفساق الذين يحكمون بأهوائهم و لا يخضعون إلا لشهواتهم ؟ أو يتوارثها الأئمة الطاهرين الذين اصطفاهم الله و أذهب عنهم الرجس، و أورثهم علم الكتاب ليحكموا بين الناس بالحق ويهدوهم سواء السبيل و يدخلوهم جنات النعيم، من باب قول الله:( وَ وَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) ( النمل: ١٦ )؟ و ما أظن العاقل يختار إلا الثاني إن كان من المسلمين ! و ما دمنا الآن نقول بالأمر الواقع ولا يفيدنا التحسر على ما فات فلنعد إلى الموضوع فنقول:

و لما دفع أبو بكر و عمر أمير المؤمنين عن منصبه في الخلافة و تقمصاها، و صغرا بذلك شأن علي و فاطمة و أهل البيتعليهم‌السلام و أهانوهم، عند ذلك سهل الأمر على معاوية و يزيد و عبدالملك بن مروان و أضرابهم أن يفعلوا ما فعلوه، و لولا أنهما مهدا لمعاوية و مكنا له في البلاد حتى بقي والياً في الشام وحدها أكثر من عشرين عاما ُ، ولم يعزل أبداً و نال معاوية هيبة و أوطأ رقاب الناس حتى دانوا له بكل ما يريد، ثم جعل الخلافة لابنه من بعده الذي وجد كما صرح بنفسه بيوتاً مجددة و فرشاً ممهدة و وسائد منضدة، فمن الطبيعي أن يقاتل من أجلها و أن يقتل ريحانة النبي ولا يبالي، فقد رضع بغض أهل البيت في حليب أمه ميسون و ترعرع في حجر أبيه علي سبهم و لعنهم، فلا غرابة أن يصدر منه الذي صدر أو أكثر من ذلك.

و قد اعترف بعض الشعراء بهذه الحقيقة إذ يقول:


لولا حدود صوارم

أمضي مضاربها الخليفة

لنشرت من أسرار أل

محمد جملاً ظريفة

و أريتكم أن الحسين

أصيب يوم السقيفة

و يفهم الباحث المتتبع بأن دولة بني أمية كلها قامت بفضل أبي بكر و عمر. و كذلك دولة بني العباس و غيرها من الدول، و كذلك نجد هؤلاء قد بذلوا كل ما في وسعهم للتنويه بأبي بكر و عمر و خلق الفضائل لهم و إثبات أحقيتهم في الخلافة ؛ لأنهم أدركوا بأن شرعيتهم في الخلافة لا تتم إلا بتصحيح خلافتهما و القول بعد التهما. و في المقابل نراهم جميعاً فعلوا بأهل البيت الأفاعيل لا لشيء إلا ؛ لأنهم أصحاب الخلافة الشرعية و هم وحدهم الذين يهددون كيانهم و دولتهم.

و هذا بديهي عند العقلاء الذين عرفوا الحق، و أنت ترى إلى يومنا هذا أن بعض الدول الإسلامية يحكمها ملوك ليس لهم من الفضل أو الفضيلة شيء، سوى أنهم أولاد ملوك وسلاطين و أمراء كما كان يزيد أميراً والده معاوية كان ملكاً و ملك الأمة بالقوة والقهر. فلا يعقل أن يحب ملوك السعودية و أمراؤها أهل البيت و من تشيع لهم. كمالا يعقل يبغض ملوك السعودية و أمراؤهم معاوية و يزيد، و ما سن لهم دستور ولاية العهد المعاصرون و بدستور معاوية و يزيد و كل أمراء بني أمية و بني العباس، يستمد الملوك المعاصرون شرعيتهم و بقاءهم. و من هنا أيضاً جاء تقديس الخلفاء الثلاثة و تفضيلهم و القول بعدالتهم و الدفاع عنهم، وعدم السماح بنقدهم أو التكلم فيهم ؛ لأنهم أساس كل الحكومات التي وجدت وستوجد من يوم السقيفة إلى أن يرث الله الأرض و من عليها. و يفهم على هذا الأساس أيضاً لماذا اختاروا لأنفسهم اسم " أهل السنة و الجماعة " و لغيرهم اسم الروافض أو الزنادقة ؛ لأن عليناً و أهل بيتهعليهم‌السلام


و شيعته رفضوا خلافتهم ولم يبايعوهم و احتجوا عليهم في كل مناسبة، فعمل الحكام على انتقاصهم و تصغير شأنهم و تحقيرهم و سبهم و لعنهم و قتلهم و تشريدهم. و إذا لقي أهل البيت الذين تعلق أجر الرسالة في القرآن بمودتهم هذه الإهانة و هذا التقتيل، فلا غرابة أن يلاقي شيعتهم و من والاهم و اهتدي بهديهم كل تنكيل و توهين و تحقير و تفكير. و يصبح المحق هو المنبوذ المعادي المتروك و يصبح المطل هو القدوة و السيى المحترم الذي تجب طاعته.

فالذي والى علياً و شايعه هو صاحب بدعة و فتنة، والذي والي معاوية و شايعه هو صاحب سنة و جماعة. والحمى لله الذي وهبنا من العقل ما نميز به الحق من الباطل و النور من الظلمات و الأبيض من الأسود، إن ربي على صراط مستقيم( وَ مَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَ الْبَصِيرُ * وَ لاَ الظُّلُمَاتُ وَ لاَ النُّور وَ لاَ الظِّلُّ وَ لاَ الْحَرُورُ * وَ مَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَ لاَ الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَ مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) ( فاطر: ٢٢ - ١٩ )

صدق الله العلي العظيم


الصحابة عند شيعة أهل البيت

و إذا بحثنا موضوع الصحابة بتجرد و بدون عواطف نجد أن الشيعة أنزلوهم بمنازل القرآن و السنة النبوية و ما أوجبه العقل، فلم يكفروهم بمجموعهم كما فعل الغلاة، و لم يقولوا بعد التهم جميعاً كما فعل " أهل السنة و الجماعة ". يقول الإمام شرف الدين الموسوي في هذا الموضوع: " إن من وقف علي رأينا في الصحابة علم أنه أوسط الآراء، إذ لم نفرط فيه تفريط الغلاة الذين كفروهم جميعاً، ولا أفرطنا إفراط الجمهور الذين وثقوهم جميعاً، فإن الكاملية و من كان في الغلو على شاكلتهم قالوا بكفر الصحابة كافة، و قال " أهل السنة " بعدالة كل فرد ممن سمع النبي أو رآه من المسلمين مطلقاً واحتجوا بحديث ( كل من دب أو درج منهم أجمعين أكتعين ). أما نحن و إن كانت الصحبة بمجردها عندنا فضيلة جليلة لكنها بما هي من حيث هي غير عاصمة، فالصحابة كغيرهم من الرجال فيهم العدول و هم عظماؤهم و علماؤهم، و فيهم البغاة و فيهم أهل الجرائم من المنافقين، و فيهم مجهول الحال، فنحن نحتج بعد ولهم و نتولاهم في الدنيا و الآخرة. أما البغاة على الوصي و أخي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و سائر أهل الجرائم كابن هند و ابن النابغة و ابن الزرقاء و ابن عقبة و ابن أرطأة ز أمثالهم، فلا كرامة لهم ولا وزن لحديثهم، و مجهول الحال نتوقف فيه حتى نتبين أمره. هذا رأينا في حملة الحديث من الصحابة، و الكتاب و السنة هما بينتنا على هذا الرأي كما هو مفصل في مظانه من أصول الفقه، لكن الجمهور بالغوا في تقديس


كل من يسمونه صحابياً حتى خرجوا عن الاعتدال فاحتجوا بالغث منهم والسمين، واقتدوا بكل مسلم سمع من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو رآه اقتداء أعمى، و أنكروا على من يخالفهم في هذا الغلو، و خرجوا في الإنكار على كل الحدود.، و ما أشد إنكارهم علينا حين يروننا نرد حديث كثير من الصحابة مصرحين بجرحهم أو بكونهم مجهولي الحال عملاً بالواجب الشرعي في تمحيص الحقائق الدينية و البحث عن الصحيح من الآثار النبوية.

و بهذا ظنوا الظنون فاتهمونا بما اتهمونا رجماً بالغيب و تهافتاً علي الجهل، ولو ثابت إليهم أحلامهم و رجعوا إلي قواعد العلم لعلموا أن أصالة العدالة في الصحابة مما لا دليل عليها، ولو تدبروا القرآن الحكيم بوجوده مشحوناً بذكر المنافقين منهم، و حسبك منه سورة التوبة و الأحزاب … " ( إنتهى كلام شرف الدين ).

و يقول الدكتور حامد حفني داود أستاذ كرسي الأدب العربي و رئيس قسم اللغة العربية بجامعة عين شمس بالقاهرة: " أما الشيعة فيرون أن الصحابة كغيرهم تماماً لا فرق بينهم و بين من جاء بعدهم من المسلمين إلى يوم القيامة. و ذلك من حيث خضوعهم لميزان واحد هو ميزان العدالة الذي توزن به أفعال الصحابة كما توزن به أفعال من جاء بعدهم من الأجيال و أن الصحبة لا تعطي بصاحبها منقبة إلا إذا كان أهلاً لهذه المنقبة و كان لديه الاستعداد نعموا برسالة صاحب الشريعةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و أن منهم المعصومين كالأئمة الذين نعموا بصحبة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كعلي وابنيهعليهم‌السلام و منهم العدول و هم الذين أحسنوا الصحبة لعلي بعد انتقال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الرفيق الأعلي. و منهم المجتهد المصيب، و منهم المجتهى المخطئ و منهم الفاسق، و منهم الزنديق، و هو أقبح من الفاسق و أشد نكالاً ويدخل في دائرة الزنديق المنافقون و الذين يعبدون الله علي حرف، كما أن منهم الكفار و هم الذين لم يتوبوا من نفاقهم و الذين ارتدوا بعد الإسلام.


و معنى هذا أن الشيعة - و هم شطر عظيم من أهل القبلة - يضعون جميع المسلمين في ميزان واحد ولا يفرقون بين صحابي و تابعي و متأخر، و أن الصحبة في ذاتها ليست حصانة يتحسن بها من درجة الاعتقاد. و على هذا الأساس المتين أبا حوا لأنفسهم - اجتهاداً - نقد الصحابة و البحث في درجة عدالتهم، كما أبا حوا لأنفسهم الطعن في نفر من الصحابة أخلوا بشروط الصحبة و حادوا عن محبة أن محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

كيف لا، وقد قال الرسول الأعظم: ( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله و عترتي آل بيتي، و إنهما يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ). و علي أساس من هذا الحديث و نحوه يرون أن كثيراً من الصحابة حالفوا هذا الحديث باضطهادهم لآل محمد، و لعنهم لبعض أفراد هذه العترة، و من ثم فكيف يستقيم لهؤلاء المخالفين شرف الصحبة، و كيف يوسموا بسمة العدالة ؟ !

ذلك هو خلاصة رأي الشيعة في نفي صفة العدالة عن بعض الصحابة و تلك هي الأسباب العلمية الواقعية بنوا عليها حججهم ".

هذا و يعترف الدكتور حامد حنفي داود في موضع آخر بأن نقد الصحابة و تجريحهم ليس هو بدعاً من مسائل العقيدة، و لم يكتفوا فيما تعرضوا له بعامة الصحابة بل تعرضوا للخلفاء أنفسهم، و كان لهم في ذلك خصوم و مؤيدون. و قد كان موضوع نقد الصحابة قرصراً - في القرون الأولى - علي الراسخين قي العلم و لخاصة علماء المعتزلة، و و سبقهم في هذا الاتجاه رؤوس الشيعة و زعماء المتعصبين لآل محمد. و سبق أن أشرت في غير هذا الموضع أن علماء الكلام و شيوخ المعتزلة كانوا عالة على زعماء الشيعة منذ القرن الهجري الأول، و عليه فقضية نقد الصحابة إنما هي وليدة التشيع لآل محمد، و لكنها كانت وليدة التشيع، لا لذات التشيع ،


بل لأن المنشيعين لأل محمد عرفوا بتبحرهم في علوم العقائد بسبب ما نهلوا من موارد أئمة أل البيت و هم المصدر الأصيل و المعين الفياض الذي نهلت منه الثقافات الإسلامية منذ صدر الإسلام إلى اليوم "(١) . إنتهى كلام الدكتور حامد داود. و أنا أعتقد بأن الباحث عن الحقيقة لا بد له من فتح باب النقد و التجريح و إلا سيبقى محجوباً عنها، بالضبط " كأهل السنة و الجماعة " الذين بالغوا في القول بعدالة الصحابة و عدم البحث في أحوالهم فيقوا بعيدين عن الحق إلى يومنا هذا.

____________________

(١) كتاب الصحابة في نظر الشيعة الإمامية صفحة ٨ و ما بعدها.


الصحابة عند " أهل السنة و الجماعة "

أما " أهل السنة و الجماعة " فقد بالغوا قي تنزيه الصحابة، و القول بعدالتهم جميعاً بدون استثناء و خرجوا بذلك على حدود العقل و النقل عندما أنكروا على من ينتقد أحداً منهم أو يقول بعدم عدالته فضلاً عن تفسيقهم، و إليك طرفاً من أقوالهم لتعرف بعدهم عن مفاهيم القرآن و ما ثبت في السنة النبوية الصحيحة، و ما أثبته، و ما أثبته العقل والوجدان. هذا الإمام النووي يقول في شرح صحيح مسلم: " إن الصحابة ( رضي الله عنهم ) كلهم هم صفوة الناس و سادات الأمة، و أفضل ممن بعدهم، و كلهم عدول قدوة لا نخالة فيهم، و إنما جاء التخليط ممن بعدهم، و فيمن بعدهم كانت النخالة(١) .

و هذا يحيى بن معين يقول: كل من شتم عثمان أو طلحة أو أحداً من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دجال يكتب عنه و لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين.(٢) و هذا يحيى بن معين يقول: كل من شتم عثمان أو طلحة أو أحداً من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دجال لا يكتب عنه و عليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين(٣) .

و هذا الذهبي يقول: من الكبائر سب أحد من الصحابة فمن طعن فيهم أو سبهم، فقد خرج من الدين و مرق من ملة المسلمين(٤) .

و سئل القاضي أبو يعلي عمن شتم أبا بكر ؟ فقال: كافر، قيل فيصلى عليه ؟

____________________

(١) صحيح مسلم ج ٨ ص ٢٢.

(٢) تهذيب التهذيب ج ١ ص ٥٠٩.

(٣) تهذيب التهذيب ج ١ ص ٥٠٩.

(٤) كتاب الكبائر للذهبي ص ٢٣٣ و ٢٣٥.


قال: لا فقيل كيف يصنع به و هو يشهد أن لا إله ألا الله ؟ لا تسموه بأيديكم، ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته(١) . و يقول الإمام أحمد بن حنبل: " خير الأمة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبو بكر، و عمر بعد أبي بكر، و عثمان بعد عمر، و علي بعد عثمان، و هم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب تأديبه و عقوبته ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه و يستتيبه، فإن تاب قبل منه، و إن ثبت أعاد عليه العقوبة و خلده في الحبس حتى يموت أو يراجع ". و قال الشيخ علاء الدين الطرابلسي الحنفي - من شتم أحداً من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا بكر أو عمر أو عثمان أو علياً أو معاوية أو عمرو بن العاص، فإن قال: كانوا على ضلال و كفر، قتل، و إن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالاً شديداُ.(٢)

و ينقل الدكتور حامد حفني داود أقوال " أهل السنة و الجماعة " باختصار، فيقول: " يرى أهل السنة أن الصحابة كلهم عدول، و أنهم جميعاً مشتركون في العدالة و إن اختلفوا في درجاتها، و أن من كفر صحابياً فهو كافر، و من فسقه فهو فاسق، و أن من طعن في صحابي فكأنما طعن علي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ويرى جهابذة أهل السنة أيضاً أنه يجوز الخوض فيما جرى بين عليرضي‌الله‌عنه و معاوية من أحداث التاريخ. و أن من الصحابة من اجتهد و أصاب و هو علي و من نحا نحوه، و أن منهم من اجتهد و أخطأ مثل معاوية و عائشة ( رضي الله عنها ) و من نحا نحوهما، و أنه ينبغي - في نظر أهل السنة - الوقوف و الإمساك عند هذا الحكم دون التعرض لذكر المثالب. و نهوا عن سب معاوية باعتباره صحابياً، و شددوا النكير على من سب عائشة، باعتبارها أم المؤمنين الثانية بعد خديجة و باعتبارها جب رسول الله.

____________________

(١) كتاب الصارم المسلول ص ٢٧٥.

(٢) كتاب معين الحكام فيها يتردد بين الخصمين من الأحكام ص ١٨٧.


و ما زاد على ذلك فينبغي ترك الخوض فيه و أرجاء أمره إلى الله سبحانه، و في ذلك يقول الحسن البصري و سعيد بن المسيب: " تلك أمور طهر الله منها أيدينا و سيوفنا فلنطهر منها ألسنتنا ". "هذه خلاصة آراء أهل السنة في عدالة الصحابة و فيما ينبغي أن تقف منهم "(١) . أنتهى كلامه. و إذا أراد الباحث أن يتوسع في معرفة الصحابة و من المقصودون بهذا المصطلح على رأي " أهل السنة و الجماعة " فسيدرك بأنهم يعطون هذا الوسام الشرقي لكل من رأى النبي!

يقول البخاري في صحيحه: من صحب رسول الله ًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.

و يقول أحمد بن حنبل: أفضل الناس بعد صحابة الرسول من البدريين كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً، أو رآه، وله من الصحبة على قدر ما صحبه(٢) .

و قال ابن حجر في كتاب " الإصابة قي تمييز الصحابة ": طل من روي عن النبي حديثاً أو كلمة، أو رآه و هو مؤمن به فهو من الصحابة، و من لقي النبي مؤمناً به و مات علي الإسلام، طالت مجالسته معه أو صرت، روي عنه أولم يرو، غزا أولم يغز، من رآه و لم يجالسه و من لم يره لعارض "(٣) .

و الأغلبية الساحقة من " أهل السنة و الجماعة " يرون هذا الرأي و يعدون من الصحابة كل من رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو ولد في حياته، و إن لم يدرك و لم يعفل، و ليس أدل علي ذلك من عدهم محمد بن أبي بكر من الصحابة و قد توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و لمحمد بن أبي بكر من العمر ثلاثة أشهر فقط. و لذلك نري ابن سعد يقسم الصحابة إلى خمس طبقات في كتابه المشهور بطبقات ابن سعد.

____________________

(١) كتاب الصحابة في نظر الشيعة الإمامية ص ٨ و ٩.

(٢) الكفاية ص ٥١ و كتاب تلقيح فهوم أهل الآثار ص ٢.

(٣) كتاب الإصابة لابن حجر ج ١ ص ١٠.


و هذا الحاكم النبسابوري صاحب كتاب " المستدرك " يجعلهم اثنتي عشره طبقة كالآتي:

الطبقة الأولي: هم الذين أسلموا بمكة قبل الهجرة كالخلفاء الراشدين.

الطبقة الثانية: هم الذين حضروا دار الندوة.

الطبقة الثالثة: هم الذين هاجروا إلي الحبشة.

الطبقة الرابعة: هم الذين حضروا العقبة الأولي.

الطبقة الخامسة: هم الذين حضروا العقبة الثانية.

الطبقة السادسة: هم الذين هاجروا للمدينة بعد هجرة الرسول إليها.

الطبقة السابعة: هم الذين شهدوا بدراً.

الطبقة الثامنة: هم الذين هاجروا بعد بدر و قبل الحديبية.

الطبقة التاسعة: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان.

الطبقة العاشرة: هم الذين هاجروا بعد الحديبية و قبل فتح مكه، أمثال خالد بن الوليد و عمرو بن العاص و غيرهم.

الطبقة الحادية عشرة: هم الذين سماهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالطلقاء.

الطلقة الثانية عشرة: هم صبيان و أطفال الصحابة الذين ولدوا في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمثال محمد بن أبي بكر.

" فأهل السنة و الجماعة " متفقون على عدالة الصحابة أجمعين و المذاهب و الأربعة يقبلون رواياتهم بدون تردد، و لا يسمحون بنقدها ولا الطن فيها.

و ناهيك أن رجال الجرح و التعديل الذين أخذوا على أنفسهم نقد المحدثين والرواة لفرز الأحاديث و تنقيتها، و لكنهم إذا وصلوا إلى الصحابي مهما كانت طبقته و مهما كان عمره عند وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهم يتوقفون عند ذلك ولا يطعنون بروايته مهما أثير حولها من شبهات و مهما تعارضت مع العقل و النقل، و يقولون بأن الصحابة لا يخضعون للنقد و التجريح و كلهم عدول!


و هذا لعمري تكلف ظاهر ينفر منه العقل و يشمئز منه الطبع ولا يقره العلم، ولا أعتقد بأن المثقفين من شباب يقبلون هذه البدع المضحكة. و لست أدري ولا أحد يدري من أين استمد " أهل السنة و الجماعة " هذه الأفكار الغربية عن روح الإسلام الذي قال على الدليل العلمي و الحجة البالغة، و ليتني أعلم، و ليت واحداً منهم يقنعني بدليل واحد من كتاب أو سنة أو منطق على عدالة الصحابة المزعومة ! و لكننا بحمد الله عرفنا اللغز من تلك الآراء المزيفة و سنشرحها في الفصل القادم، فعلي الباحثين أن يكتشفوا بدورهم بعض الأسرار التي مازالت تنتظر الجرأة و الشجاعة.


فصل الخطاب في تقييم الأصحاب

لا شك أن الصحابة بشر غير معصومين عن الخطأ، و هم كسائر الناس العاديين يجب عليهم ما يجب على كل الناس و يحق لهم ما يحق لكل الناس، و إنما لهم فضل الصحبة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا احترموها و رعوها حق رعايتها، و إلا فإن العذاب يكون مضافاً ؛ لأن عدل الله سبحانه اقتضى أن لا يعذب البعيد القاضي كالقريب الداني، فليس الذي سمع من النبي مباشرة و رأى نور النبوة و شهد المعجزات و تيقن منها و حظي بتعاليم النبي نفسه، كمن عاش في زمن ما بعد النبي و لم يسمع منه مباشرة. والعقل والوجدان يفضلان رجلاً يعيش في زماننا و يقيم علي احترام الكتاب و السنة و تنفيذ تعاليمهما، على صحابي عاش مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و صاحبه و لما يدخل الإيمان في قبله و أسلم استسلاماً أو صاحبه على البر والتقوى طيلة حياته ولكنه ارتد وانقلب بعد وفاته. و هذا ما يقرره كتاب الله و سنة رسوله إضافة للعقل والوجدان و كل من له دراية بالقرآن الكريم و السنة النبوية الشريفة، لا يرتاب في هذه الحقيقة و لا يجد عنها محيصاً. و مثال ذلك قوله تعالى:( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْکُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَ کَانَ ذٰلِکَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ) ( الأحزاب: ٣٠ )

فالصحابة فيهم المؤمن الذي استكمل إيمانه، و فيهم ضعيف الإيمان، و فيهم الذي لم يدخل الإيمان قبله، و فيهم التقي الزاهد، و فيهم المتهور الذي لا يعرف


غير مصلحته، و فيهم العادل الكريم، و فيهم الظالم اللئليم، و فيهم أهل الحق المؤمنين، و فيهم البغاة الفاسقون، و فيهم العلماء العاملون، و فيهم الجهلة المبتدعون، و فيهم المخلصون و فيهم المنافقون و الناكثون و المارقون و المرتدون. و إذا كان القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة و التاريخ أقروا هذه الأمور و أوضحوها بأجلى بيان، فيصبح قول " السنة و الجماعة " بأن الصحابة كلهم عدول قولاً هراء لا عبرة به ولا قيمة ؛ لأنه يعارض القرآن و السنة و يعارض التاريخ و العقل والوجدان، فهو محض التعصب، و هو قول بلا دليل و كلام بلا منطق. و قد يتعجب الباحث في هذه الأمور من عقيلة " أهل السنة و الجماعة " الذين يخالفون العقل و النقل و التاريخ. ولكن عندما يقرأ الباحث الأدوار التي لعبها الأمويون و كذلك الأساليب التي اتبعها العباسيون لتركيز هذه العقيدة - أعني احترام الصحابة و عدم انتقادهم و القول بعدالتهم - يزول عجبه ولا يساوره أدني شك في أنهم إنما منعوا الحديث في الصحابة لكيلا يصل إليهم النقد و التجريح لأفعالهم الشنيعة التي ارتكبوها تجاه الإسلام و نبي الإسلام و الأمة الإسلامية. و إذا كان أبو سفيان و معاوية و يزيد و عمرو بن العاص و مروان بن الحكم و المغيرة بن شيعة و بسر بن أرطأة، كلهم من الصحابة و قد تولوا أمارة المؤمنين و حكموهم، فكيف لا يمنعون الخوض في نقد الصحابة، و كيف لا يختلقون لهم روايات مكذوبة تقول بعدالتهم جميعاً لكي تشملهم تلك الفضائل، ولا يتجرأ أحد على نقدهم أو ذكر أفعالهم.

و من يفعل ذلك من المسلمين يسموه كافراً و زنديقاً و يفتوا بقتله و عدم تغسيله و تكفينه، و إنما يدفع بخشبة حتى يواري في حفرته - كما تقدم ذكره - و كانوا إذا أرادوا قتل الشيعة، اتهموهم بست الصحابة، و معني سب الصحابة عندهم، هو نقدهم و تجريحهم فيما فعلوه، و هذه وحده يكفي للقتل و التنكيل. بل وصل الحد إلى أبعد من ذلك، و يكفي أن يتساءل أحد عن مفهوم الحديث حتى يلاقي حتفه، فإليك الدليل:


أخرج الخطيب البغدادي في تاريخه قال: ذكر عند هارون الرشيد حديث أبي هريرة: إن موسى لقي آدم فقال له: أنت آدم الذي أخرجتنا من الجنة ؟ فقال رجل قرشي كان في المجلس: أين لقي آدم موسى ؟ ! فغضب الرشيد و قال: النطع والسيف، زنديق يطعن في حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .(١) و إذا كان هذا الرجل بلا شك من الأعيان ؛ لأنه يحضر مجلس الرشيد يلاقي الموت بقطع رأسه بالسيف لمجرد تساؤله عن المكان الذي لقي فيه آدم موسى. فلا تسأل عن الشيعي الذي يقول بأن أبا هريرة كذاب، استناداً لتكذيب الصحابة له و على رأسهم عمر بن الخطاب. و من هنا يفهم الباحث كل التناقضات التي جاءت في الأحاديث و المنكرات و المستحيلات و الكفر الصريح. و مع ذلك سجلت بأنها صحيحة و ألبست ثوب القداسة و التنزيه. كل ذلك ؛ لأن النقد و التجريح كانا ممنوعين و يجران إلي الموت و الهلاك. بل إن الذي يتساءل عن بعض المعاني ليصل إلي الحقيقة و يشتم منه رائحة التفتيش و التنقيب فهو مقتول لا محالة ليكون مثالاً لغيره، فلا يجرؤ أحد بعده أن يتكلم.

و قد موهوا على الناس بأن الذي يطعن في حديث أبي هريرة أو أحد الصحابة حتى العاديين منهم، بأنه طعن على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و بذلك وضعوا هالة على الأحاديث الموضوعة التي اختلقها بعض الصحابة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأصبحت من المسلمات. و كنت كثيراً ما أحتج على بعض علمائنا بأن الصحابة لم يكن عندهم هذا التقديس بل كانوا أنفسهم يشككون في حديث بعضهم إذا تعارض حديثه بما يخالف القرآن، و بأن عمر بن الخطاب ضرب أبا هريرة بالدرة و نهاه عن الحديث و اتهمه بالكذب إلي غير ذلك، فكانوا يردون علي دائماً بأن الصحابة من حقهم أن يقولوا في بعضهم ما شاؤوا، أما نحن فلسنا في مستواهم حتى نرد عليهم أو ننتقدهم. أقول: يا عباد الله، إنهم تقاتلوا و كفر بعضهم بعضاً و قتل بعضهم بعضاً ؟ !

____________________

(١) تاريخ بغداد ج ١٤ ص ٧


يقولون: كلهم مجتهدون للمصيب منهم أجران و للمخطئ أجر واحد، و ليس لنا نحن أن نخوض في شؤونهم. و من المؤكد أن هؤلاء ورثوا هذه العقيدة من آبائهم و أجدادهم سلفاً عن خلف فهم يرددونها ترديد الببغاء بدون تدبر ولا تمحيص. و إذا كان إمامهم الغزالي نفسه قد اتخذ هذا الرأي وبثه في الناس فأصبح بذلك حجة الإسلام و المسلمين، فقد قال في كتابه " المستصفي ": " والذي عليه السلف و جماهير الخلف أن عدالة الصحابة معلومة بتعديل الله عز و جل إياهم و ثنائه عليهم في كتابه، و هو معتقدنا فيهم ". و أنا أتعجب من الغزالي و من " أهل السنة و الجماعة " عموماً على استدلالهم بالقرآن على عدالة الصحابة، و ليس في القرآن أية واحدة تدل على ذلك، بل في القرآن آيات كثيرة تنفي عدالتهم و تفضح سرائرهم و تكشف نفاقهم. و قد أفردنا فصلاً كاملاً لهذا الموضوع في كتابنا " فاسألوا أهل الذكر " من صفحة ١١٣ إلي ١٢٧ فمن أراد مزيد البحث و الوقوف على تلك الحقائق، فليرجع للكتاب المذكور ليعرف قول الله و قول الرسول فيهم. ولكي يعرف الباحث بأن الصحابة لم يكونوا يحلمون يوماً بالمنزلة التي اخترعها لهم " أهل السنة و الجماعة " فما عليه إلا قراءة كتب الحديث و كتب التاريخ التي طفحت بأفعالهم الشنيعة و تفكير بعضهم، و كيف أن الكثير منهم كان يشك في نفسه إن كان من المنافقين. فها هو البخاري يخرج في صحيح بأن ابن مليكة أدرك ثلاثين من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه و ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبرئل.(١)

وها هو الغزالي نفسه يخرج في كتابه بأن عمر بن الخطاب كان يسأل حذيفة بن اليمان إن كان رسول الله سماه في جملة المنافقين الذين أعلمه بأسمائهم(٢)

____________________

(١) صحيح البخاري ج ١ ص ١٧

(٢) إحياء علوم الدين للغزالي ج ١ ص ١٢٩ و كنز العمال، ج ٧ ص ٢٤.


ولا عبرة لقول من يقول بأن المنافقين ليسوا من الصحابة إذا عرفنا أن المصطلح الذي اتفقوا عليه هو ما سمعناه آنفاً أن كل من رأى رسول الله مؤمناً به فهو صحابي حتى لو لم يجالسه. و قولهم: مؤمناً به، فيه أيضاً تكلف ؛ لأن كل الذين صاحبوا النبي نطقوا بالشهادتين، و قبل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منهم ذلك الإسلام الظاهري و قال: " أمرت أن أحكم بالظاهر و الله يتولى السرائر " و لم يقل في حياته لواحد منهم: أنت منافق فلا أقبل منك إسلامك ! و لذلك أيضاً نجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسمي المنافقين - ب- "أصحابي" - و هو يعلم نفاقهم، و إليك الدليل: أخرج البخاري بأن عمر بن الخطاب طلب من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يضرب عنق عبدالله بن أبي المنافق فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق ! فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : دعه لا يتحدث الناس بأن محمداً يقتل أصحابه.(١)

و قد يحاول بعض العلماء من " أهل السنة و الجماعة " إقناعنا بأن المنافقين كانوا معروفين فلا نخلطهم بالصحابة، و هذا أمر مستحيل لا سبيل إليه، بل منافقون هم من جملة الصحابة الذين لا يعلم خفاياهم إلا الله سبحانه، و قد كانوا يصلون و يصومون و يعبدون الله و يتقربون إلي النبي بكل الوسائل. و إليك الدليل:

أخرج البخاري في صحيحه بأن عمر بن الخطاب طلب من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرة أخري أن يأذن به بضرب عنق ذي الخويصرة عندما قال النبي: أعدل ! ولكن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعمر: دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.(٢) و لست مبالغاً إذا قلت بأن أكثرية الصحابة لم يكونوا بعيدين عن النفاق بما

____________________

(١) صحيح البخاري ج ٦ ص ٦٥، كتاب فضائل القرآن سورة المنافقين، و تاريخ ابن عساكر ج ٤ ص ٩٧.

(٢) صحيح البخاري ج ٤ ص ١٧٩.


قرره كتاب الله في العديد من الآيات و بما قرره رسول الله في العديد من الأحاديث. فمن كتاب الله قوله تعالى:( بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَکْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ کَارِهُونَ‌ ) ( المؤمنون: ٧٠ )، و قوله( الْأَعْرَابُ أَشَدُّ کُفْراً وَ نِفَاقاً ) ( التوبة: ٩٧ )، و قوله:( وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ ) ( التوبة: ١٠١ )، و قوله:( وَ مِمَّنْ حَوْلَکُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ) (التوبة: ١٠١ ) و تجدر الإشارة بأن بعض العلماء من " أهل السنة و الجماعة " يحاولون جهدهم تغطية الحقائق، فيفسرون " الأعراب " بأنهم ليسوا من الصحابة، و إنما هم سكان البادية من أطراف الجزيرة العربية. و لكننا وجدنا عمر بن الخطاب عندما أشرف على الموت أوصى إلى الخليفة من بعده قائلاً: و أوصيه بالأعراب خيراً فإنهم أصل العرب و مادة الإسلام(١) فإذا كان أهل العرب و مادة الإسلام هم أشد كفراً و نفاقاً و أجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله و الله عليهم حكيم، فلا قيمة لقول " أهل السنة و الجماعة " بأن الصحابة كلهم عدول. و لمزيد البيان، و حتى يتحدث الباحث بأن الأعراب هم أنفسهم عامة الصحابة، فقد جاء في القرآن الكريم بعد ذكر الأعراب أشد كفراً و نفاقاً، قال سبحانه:( وَ مِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَ صَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ( التوبة: ٩٩ )

أما ما قرره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في السنة النبوبة الشريفة فقوله: يؤخذ بأصحابي إلى النار، فأقول: يا رب، هؤلاء أصحابي ! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سحقاً من بدل بعدي ولا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم(٢) . إلى أحاديث أخري كثيرة ضربنا عنها صفحاً من أجل الاختصار، و ليس هدفنا

____________________

(١) صحيح البخاري ج ٤ ص ٢٠٦

(٢) صحيح البخاري ج ٧ ص ٢٠٩ باب الحوض.


البحث في حياة الصحابة لكي نطعن بعدالتهم فالتاريخ كفانا مؤونة ذلك و شهد على البعض منهم بالزنا، و شرب الخمر و شهادة الزور والارتداد و ارتكاب الجرائم بحق الأبرياء و خيانة الأمة، و لكن نريد فقط أن نبرز بأن مقولة عدالة الصحابة كلهم هي خرافة وهمية جاء بها " أهل السنة و الجماعة " لبستروا على سادتهم و كبرائهم من الصحابة الذين أحدثوا في دين الله و غيروا أحكامه ببدع ابتدعوها، و لنكشف ثانية بأن " أهل السنة الجماعة " باعتناقهم عقيدة " عدالة الصحابة أجمعين " قد أظهروا هو يتهم الحقيقة ألا و هي مودة المنافقين والاقتداء ببدعهم التي أحدثوها ليرجعوا بالناس إلى الجاهلية.

و بما أن " أهل السنة و الجماعة " قد حرموا على أتباعهم نقد الصحابة و تجريحهم و أغلقوا في وجوههم باب الاجتهاد و ذلك من عهد الخلفاء الأمويين، و عهد اختلاق المذاهب، وورث الأتباع هذه العقيدة و أورثوها إلى أبنائهم جيلاً بعد جيل و بقي " أهل السنة و الجماعة " حتى يوم الناس هذا يمنعون من الخوض في الصحابة و يترضون عليهم جميعاً و يكفرون من ينتقد واحداً منهم. و خلاصة القول أن الشيعة أتباع أهل البيت ينزلون الصحابة منازلهم التي يستحقونها، فيترضون على المتقين منهم و يتبرأون من المنافقين و الفاسقين أعداء الله و رسوله. و بذلك فهم وحدهم أهل السنة الحقيقة ؛ لأنهم أحبوا حبيب الله في ضلال الأغلبية الساحقة من المسلمين.


مخالفة أهل السنة و الجماعة لسنن النبوية

في هذا الفصل لابد لنا أن نكشف للباحث بصفة إجمالية عن مخالفة " أهل السنة و الجماعة " لمعظم السنن النبوية، كما نوضح في المقابل بأن الشيعة هم الذين تمسكوا بالسنن، و لذلك حق لنا أن نسمي هذا الكتاب بعنوان " الشيعة هم أهل السنة ". و نريد في هذا الفصل طرح أمهات المسائل التي تبين للباحثين بمزيد اليقين بأن " أهل السنة و الجماعة " قد خالفوا تعاليم الإسلام في كل ما قرره القرآن و الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سنته الشريفة، و تسببوا في ضلال من ضل من الأمة، و انتكاس المسلمين و بالتالي في تخلفهم و معاناتهم. و حسب اعتقادي أن سبب الضلالة يرجع إلى عامل رئيسي ألا و هو حب الدنيا، ألم يعقل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( حب الدنيا رأس كل خطيئة ) و حب الدنيا يتمثل في حب السلطة و الوصول إلى الحكم، و من أجل الحكم دمرت الشعوب و خرجت الأوطان و البلدان و أصبح الإنسان أخطر من الوحوش الضارية. و هو ما أشار إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما قال لأصحابه: ( إني لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها ). لكل ذلك لابد من دراسة موضوع الخلافة و الإمامة أو ما نسميه اليوم نظام الحكم الإسلامي، فهو الطامة الكبرى و البائقة العظمي التي جرت على الإسلام و أهله المصائب و المتاعب و الضلالة و الهلاك.


١ - نظام حكم في الإسلام

يرى " أهل السنة و الجماعة " بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم ينص على أحد و ترك الأمر شورى بيم الناس ليختاروا من شاؤوا، فهذه هي عقيدتهم في الخلافة، و قد أطبقوا على ذلك من يوم وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و إلي اليوم. و المفروض أن يعمل " أهب السنة و الجماعة " بهذا المبدأ الذي يؤمنون به و يدافعون عنه بكل جهودهم. غير أن البحث يوقفنا على أنهم عملوا عكس ما يعتقدون و بقطع النظر عن بيعة أبي بكر التي سموها هم أنفسهم، بأنها فلتة و قي الله المسلمين شرها، فإن أبا بكر هو الذي اخترع فكرة ولاية العهد في الإسلام فعهد قبل وفاته بالخلافة لصاحبه عمر بن الخطاب. كما عهد عمر بن الخطاب عند موته إلى عبد الرحمان بن عوف ليختار واحداً من الخمسة الذين رشحهم، و يأمره بضرب أعناق المخالفين الذين يشقون عصا الطاعة. و لما وصل معاوية للخلافة طبق هذا المبدأ ( ولاية العهد ) خير تطبيق إذ عين ولياً لعهده ابنه يزيد و عين يزيد ولياً لعهده انبه معاوية، و بقيت الخلاقة من ذلك الوقت يتداولها الطلقاء و أبناؤهم جيلاً بعد جيل فكل خليفة يعهد لولده أو أخيه أو أحد أقاربه، كذلك فعل الخلفاء في الدولة العباسية منذ قيامها إلى أن تلاشت و كذلك فعل خلفاء الدولة العثمانية من قيامها إلى أن ولي عصر الخلافة و اضمحل في عهد كمال أتاتورك في القرآن الحالي.


و بما أن " أهل السنة و الجماعة " يمثلون تلك الخلاقة أو أن تلك الحكومات المتعاقبة تمثل " أهل السنة و الجماعة " في كل بقاع الدنيا، و على مر التاريخ الإسلامي، فإنك تري اليوم في السعودية و في المغرب و الأردن، و في كل دول الخليج كلهم يعملون بنظرية ولاية العهد التي ورثوها عن " سلفهم الصالح " و كلهم يمثلون " أهل السنة و الجماعة "، و على فرض صحة النظرية التي يعتقدونها و هي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ترك الأمر شوري و القرآن يقر الشورى، فإنهم خالفوا القرآن و السنة و قلبوا نظام الشورى " الديمقراطي " إلي نظام ولاية العهد الملكي الاستبدادي. أما على فرض أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نص على علي بن أبي طالب كما يقول بذلك الشيعة، فإن " أهل السنة و الجماعة " خالفوا صريح السنة النبوية و خالفوا القرآن ؛ لأن رسول الله لا يفعل شيئاً إلا بإذن ربه. و لذلك تراهم يشعرون بفساد هذه النظرية " الشورى " ؛ لأن الخلفاء الأولين لم يطبقوها و لم يعملوا بها، كما يشعرون بفساد نظرية " ولاية العهد " أيضاً فتراهم يبررون ذلك بأحاديث " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم ملك عضوض "، و كأنهم يريدون إقناع غيرهم بما اقتنعوا به من أن الملك لله يعضه حيث يشاء، و أن الملوك و السلاطين ولاهم الله سبحانه على رقاب الناس فتجب بذلك طاعتهم وعدم الخروج عليهم. و هذا بحث طويل يجرنا إلى القضاء والقدر الذي بحثناه في كتاب " مع الصادقين " ولا نريد الرجوع إليه، و نكتفي بأن نعرف بأن " أهل السنة و الجماعة " يسمون أيضاً ب- " القدرية " لقوهم بذلك. و النتيجة هي أن " أهل السنة و الجماعة " يؤمنون بولاية العهد و يعتبرونها خلافة شرعية، لا لأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر بها، أو أنه عين ولياً لعهده، فهم ينكرون ذلك أشد الإنكار، ولكن ؛ لأن أبا بكر عهد إلي عمر و عمر عهد إلى الستة، و معاوية عهد إلي يزيد و هكذا، و لم يقل أحد من العلماء عندهم ولا أحد من أئمة المذاهب الأربعة، بأن الحكم الأموي أو الحكم العباسي أو


الخلافة العثمانية هي غير شرعية. بل نراهم يسارعون إلى البيعة و التأييد و تصحيح خلافتهم، بل ذهب أكثرهم للقول بشرعية الخلاقة لكل من تغلب عليها بالقوة والقهر، ولا يهمهم إن كان براً أم فاجراً تقياً أم فاسقاً عربياً قرشياً أم تركياً و كردياً. يقول الدكتور أحمد محمود صبحي في هذا الصدد: " موقف أهل السنة في مسألة الخلاقة، هو التسليم بالأمر الواقع، دون تأييد أو خروج عليه "(١) ولكن الواقع أن " أهل السنة " يؤيدون أيضاً، فقد ذكر أبو يعلي الفراء عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: " إن الخلافة تثبيت بالغلبة والقهر ولا تفتقر إلى العقد ". و قال في رواية عبدوس بن مالك العطار: " من غلب بالسيف حتى صار خليفة و سمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً براً كان أم فراجاً ". واحتج بقول عبد الله بن عمر: " نحن مع من غلب "، و بذلك أصبح " أهل السنة و الجماعة " رهينة هذه البدعة - بدعة ولاية العهد - فهم يبايعون الغالب و المتغلب بقطع النظر عن ورعه وتقواه و علمه ( براً كان أم فاجراً ) والدليل على أن أغلب الصحابة الذين قاتلوا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معاوية بن أبي سفيان في عدة غزوات، بايعوه فيما بعد على أنه أمير للمؤمنين، كما قلبوا لخلافة مروان بن الحكم الذي سماه رسول الله " الوزع " و طرده من المدينة و قال: ( لا يساكنني حياً ولا ميتاً ). بل قبلوا بخلافة يزيد بن معاوية و بايعوه بإمارة المؤمنين و لما خرج عليه الحسين سبط النبي قتلوه و أهل بيته، لتثبيت ملك ليزيد و تصحيح خلافته، و ذهب علماؤهم إلي القول بأن الحسين قتل بسيف جده و منهم من يكتب حتى اليوم كتب على حقائق " أمير المؤمنين يزيد بن معاوية " كل ذلك تأييداً منهم لخلافة اليزيد و إدانة الحسين ؛ لأنه خرج عليه. و إذا عرفنا كل هذا، فليس أمامنا إلا الاعتراف بأن " أهل السنة و الجماعة "

____________________

(١) نظرية الإمامة لمحمود صبحي ص ٢٣.


قد خالفوا السنة نسبوها إلي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و هي قولهم بأنه ترك الأمر شوري بين المسلمين. أما الشيعة فقد تمسكوا في مبدأ الإمامة بقول واحد و هو " النص من الله و رسوله علي الخليفة "، فالإمامة عندهم لا تصح إلا بالنص ولا تكون إلا للمعصوم والأعلم والأتقى و الأفضل، فلا يجوز عندهم تقديم المفضول على الفاضل، و لذلك نراهم رفضوا خلافة الصحابة أولاً كما رفضوا خلافة " أهل السنة و الجماعة " ثانياً. و بما أن النصوص التي يدعيها الشيعة في شأن الخلافة لها وجود فعلي و مصداق حقيقي في صحاح " أهل السنة و الجماعة " فليس أمامنا إلا الاعتراف بأن الشيعة هم الذين تمسكوا بالسنة النبوية الصحيحة. وسواء أقلنا بأن الأمر شورى، أو هو بالنص في شأن الخلافة، فإن الشيعة وحدهم على حق ؛ لأن الشخص الوحيد الذي تعين بالنص و بالشورى معاً هو علي بن أبي طالب. ولا قائل من المسلمين شيعياً كان أم سنياً يقول بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشار إلى ولاية العهد من قريب أو بعيد. ولا قائل من المسلمين سيناً كان أم شيعياً يقول بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لأصحابه: ( تركت أمركم شوري فاختاروا من شئتم لخلافتي ).

و نحن نتحدى العالمين أن يأتونا بحديث واحد من هذا القبيل، فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا، فليرجعوا إلى السنة النبوية الثابتة و التاريخ الإسلامي الصحيح لعلهم يرشدون، أم أنهم يقولون بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهمل هذا الأمر الخطير و لم يتبين معالمه ليدخل أمته في صراع دائم و فتنة عمياء تمزق وحدتهم و تفرق شملهم وتنحرف بهم عن صراط الله المستقيم، و نحن نري اليوم بأن الفاسقين من الحكام الجائرين يكفرون في مصير شعوبهم من بعد خلافتهم فيعمدون إلي تعيين خلف لهم في حالة الشغور، فكيف بمن أرسله الله رحمة للعالمين ! ؟


٢ - القول بعدالة الصحابة يخالف صريح السنة

إذا نظرنا إلي أفعال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أقواله تجاه الصحابة نجده قد أعطى كل ذي حق حقه، فهو يغضب لله و يرضي لرضاه و كل صحابي خالف أمر الله سبحانه تبرأ منه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما تبرأ مما صنع خالد بن الوليد في قتله بني جذيمة، و كما غضب علي أسامة عندما جاءه ليشفع للمرأة الشريفة التي سرقت، فقال قولته المشهورة: " و يلك أتشفع في حد من حدود الله ؟ و الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها، إنما أهلك من كان قبلكم ؛ لأنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه و إذا سرق الوضيع أقاموا عليه الحد. "

و نجدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحياناً يبارك و يترضى على بعض أصحابه المخلصين، و يدعو لهم و يستغفر لهم، كما نجده يلعن البعض منهم الذين يعصون أوامره و لا يقيمون لها و زناً أحياناً أخرى، مثل قوله: ( لعن الله من تخلف عن جيش أسامة ) و ذلك عندما طعنوا في تأميره و رفضوا الالتحاق بجيشه بحجة أنه صغير السن.

كما نجدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوضح للناس ولا يتركهم يغتروا ببعض الصحابة المزيفين، فيقول في أحد المنافقين: " إن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من المرمية ". و قد يتوقف فلا يصلي علي أحد الصحابة الذين استشهدوا في غزوة خيبر ضمن جيش المسلمين، و يكشف على حقيقته و يقول. " إنه غل في سبيل الله " و لما فتشوا متاعه وجدوا فيه خرزاً من خرز اليهود.


و يحدثنا الماوردي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عطش في غزوة تبوك فقال المنافقون: إن محمداً يخبر بأخبار السماء، و لا يعلم الطريق إلى الماء، فنزل جبريل و أخبره بأسمائهم، و أخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهم سعد بن عبادة، فقال له سعد: ( إن شئت ضربت أعناقهم فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، و لكن نحسن صحبتهم ما أقاموا معنا )(١) و قد سار فيهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما أشار به القرآن الكريم في حقهم، فقد رضي الله عن الصادقين منهم و غضب على المنافقين و المرتدين و الناكثين منهم، و لعنهم في العديد من الآيات المحكمات، و قد وافينا البحث لهذا الموضوع في كتاب " فاسألوا أهل الذكر " في فصل " القرآن الكريم يكشف حقائق بعض الصحابة " فمن أراد التحقيق فعليه بالرجوع إلى الكتاب المذكور. و يكفينا مثل واحد من أعمال بعض الصحابة المنافقين التي كشفها الله سبحانه و فضح أصحابها و كانوا أثني عشر رجلاً من الصحابة تذرعوا ببعد المسافة و أن الوقت لا يسعهم للحضور مع النبي، فبنوا مسجداً لأداء الصلاة في وقتها، فهل ترى إخلاصاً و رفاء أكبر من هذا ؟ أن يصرف العبد أموالاً طائلة لبناء مسجد حرصاً منه على أداء فريضة الصلاة في وقتها و في جماعة يجمعهم مسجد واحد ؟ ولكن الله سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، والذي يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، علم سرائرهم و ما تخفي صدورهم، فأوحي إلى رسوله بأمرهم و أطلعه على نفاقهم بقوله:( وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَ کُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَکَاذِبُونَ ) ( التوبة: ١٠٧ ) و كما أن الله لا يستحي من الحق فكذلك رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقول لأصحابه صراحة بأنهم سيتقاتلون على الدنيا و أنهم سيتبعون قي الضلالة سنن اليهود

____________________

(١) قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، و لكن نحسن صحبتهم... " فيه دليل واضح علي أن المنافقين هم من الصحابة، فقول " أهل السنة و الجماعة " بأن المنافقين ليسوا من الصحابة مردود عليهم ؛ لأنه رد على رسول الله الذي يسميهم أصحابه.


و النصارى شبراً بشبر و ذراعا بذراع، و أنهم سينقلبون بعده علي أدبارهم و يرتدون، و أنهم يوم القيامة سيدخلون إلي النار ولا ينجو منهم إلا القليل الذي عبر عنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهمل النعم، و أنهم و أنهم … فكيف يحاول " أهل السنة و الجماعة " إقناعنا بعد كب هذا بأن الصحابة كلهم عدول و أنهم في الجنة جميعاً، و أن أحكامهم ملزمة لنا، و أن أراءهم و بدعهم واجبة الاتباع، و أن الطعن على أي واحد منهم مروق عن الدين يوجب القتل ؟ ؟ !

إنه قول لا يقبله المجانين فضلاً عن العقلاء، إنه قول زور و بهتان لفقه الأمراء و السلاطين و الذين ساروا في ركابهم من علماء السوء المتطفلين على العلم، و نحن لا يمكن لنا قبول هذا القول أبداً مادامت لنا عقول ؛ لأنه رد علي الله و رسوله و من رد قول الله و قول الرسول فقد كفر، و لأنه يصادم العقل والوجدان.

و نحن لا نلزم " أهل السنة و الجماعة " بالعدول همه أو برفضه، فهم أحرار فيما يعتقدونه و هم وحدهم المسؤولون عن نتائجه و عواقبه الوخيمة. ولكن عليهم أن لا يكفروا من يتبع القرآن و السنة في عدالة الصحابة فيقول للمحسن منهم: أحسنت و يقول للمسيء منهم: أخطأت و أسأت، و يتولى أولياء الله و رسوله منهم و يتبرأ من أعداء الله و رسوله منهم أيضاً. و بهذا يتبين لنا أيضاً بأن " أهل السنة و الجماعة " خالفوا صريح القرآن، و صريح من سب صحابياً، إذا قلت له: كيف لا تكفر معاوية و كل الصحابة الذين اتبعوه على سب و لعن علي من فوق المنابر ؟ فسيجيبك حتماً كما هو معروف:( تِلْکَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا کَسَبَتْ وَ لَکُمْ مَا کَسَبْتُمْ وَ لاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا کَانُوا يَعْمَلُونَ‌ ) ( البقرة: ١٣٤ ).


٣ - النبي يأمر المسلمين بالاقتداء بعترته و أهل السنة يخالقونه

لقد أئبتنا فينا سبق من أبحاث بأن حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي عرف بحديث الثقلين، و هو قوله: " تركت فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله و عترتي أهل بيتي، و إن اللطيف الخبير أنباني أنهكا لن يفترقا حتى يرد علي الحوض " و أثبتنا بأن هذا الحديث هو حديث صحيح متواتر أخرجه الشيعة كما أخرجه " أهل السنة و الجماعة " في صحاحهم و مسانيدهم. و المعروف بأن " أهل السنة و الجماعة " نبذوا أهل البيت وراء ظهورهم(١) ، وولوا وجوههم شطر أئمة المذاهب الأربعة الذين فرضتهم السلطات الجائرة والتي حظيت بدورها بتأييد و بيعة " أهل السنة و الجماعة ". و إذا شئنا التوسع في البحث لقنا بأن " أهل السنة و الجماعة " هم الذين حاربوا أهل البيت النبوي بقيادة الحكام الأمويين و العباسيين. ولذلك لو فتشت في عقائدهم و كتب الحديث عندهم فسوف لا تجد لفقه أهل البيت شيئاَ عندهم يذكر. و سوف تجد كل فقههم و أحاديثهم منسوبة لأعداء أهل البيت من النواصب و المحاربين لهم كعبد الله بن عمر و عائشة، و أبي هريرة و غيرهم. فنصف الدين عندهم يؤخذ عن عائشة الحميراء و فقيه أهل السنة هو

____________________

(١) ولنا نقول بأن أهل السنة و الجماعة قد لعنوهم و حاربوهم و قتلوهم، هذا إذا فهمنا بأن زعيم أهل السنة هو معاوية و ما جرأ معاوية عليهم إلا أبو بكر و عمر و عثمان، كما اعترف معاوية نفسه بذلك.


عبد الله بن عمر، و رواية الإسلام عندهم هو أبو هريرة شيخ المضيرة، والطلقاء و أبناء الطلقاء هم القضاة و المشرعون في دين الله عندهم.

والدليل أن " أهل السنة و الجماعة " لم يكن لهم وجود معروف بهذا الاسم، ولكنهم كانوا قي مجموعهم المعارضين لأهل البيت من يوم السقيفة، و هم الذين تآمروا على انتزاع الخلافة من أهل البيت والعمل على إقصائهم عن المسرخ السياسي للأمة. و تكونت فرقة " أهل السنة و الجماعة " كرد فعل على الشيعة الذين تكتلوا وراء أهل البيت و انقطعوا إليهم، و قالوا بإمامتهم اتباعاً للقرآن والسنة. و من الطبيعي أن يكون المعارضون للحق هم الأكثرية الساحقة من الأمة خصوصاً بعد الفتن و الحروب، أضف إلي ذلك أن أهل البيت لم يتمكنوا من الحكم إلا أربعة أعوام و هي خلافة الإمام علي و قد أشغلوه قيها بالحروف الدامية. أما " أهل السنة و الجماعة " المعارضون لأهل البيت فقد حكموا مئات السنين و امتد ملكهم و سلطانهم شرقاً و غرباً، و كان لهم الحول و الطول و الذهب و الفضة، فكان " أهل السنة و الجماعة " هم الغالبون ؛ لأنهم الحاكمون، و كان الشيعة بقيادة أهل البيت هم المغلوبون ؛ لأنهم محكومون و مضطهدون بل مشردون و مقتولون. و نحن لا نريد الإطالة في هذا الموضوع بقدر ما نريد الكشف عن خفايا " أهل السنة و الجماعة " الذين خالفوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وصيته و في تركته التي تضمن الهداية و تمنع من الضلالة، أما الشيعة فقد تمسكوا بوصية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و اقتدوا بعترته الطاهرة و تحملوا من أجل ذلك العناء والأتعاب. و الحقيقة أن هذا الخلاف والعصيان من " أهل السنة و الجماعة " و هذا القبول و الرضا من الشيعة بخصوص الثقلين و التمسك بهما معاً ظهرت معالمه من يوم الخميس الذي سمي يوم الرزية، عندما طلب إليهم الرسول إحضار الكتف والدواة ليكتب لهم ذلك الكتاب الذي يعصمهم من الضلالة، فوقف عمر ذلك الموقف الخطير و رفض أمر النبي مدعياً بأن كتاب الله يكفيهم و لا حاجة


للعترة، فكأن النبي يقول تمسكوا بالثقلين القرآن والعترة، وعمر يرد عليه حسبنا ثقلاً واحداً و هو القرآن و لا حاجة لنا بالثفل الثاني، و حذا قوله بالضبط " حسبنا كتاب الله يكفينا " و قول عمر يمثل موقف " أهل السنة و الجماعة " ؛ لأن قريش المتمثلة قي أبي بكر و عثمان و عبد الرحمان بن عوف و أبي عبيدة، و خالد بن الواليد و طلحة بن عبيد الله كل هؤلاء وقفوا يؤيدون عمر في موقفه. قال ابن عباس: فنهم من يقول ما قال عمر، و منهم من يقول قربوا للرسول ليكتب الكتاب. و من البديهي أن علياً و شيعته من ذلك اليوم تمسكوا بوصية النبي ولو لم تكتب و عملوا بالقرآن و السنة معاً. ولم بعمل أعداؤهم حتى بالقرآن الذي قبلوه في بداية الأمر، ولكنهم عطلوا أحكامه عندما وصلوا إلى الحكم فاجتهدوا بآرائهم و نبذوا كتاب الله و سنة رسوله وراء ظهورهم.


٤ - " أهل السنة و الجماعة " و مودة أهل البيت

لا يشك أحد من المسلمين في أن الله سبحانه و تعالي جعل مودة أهل البيتعليهم‌السلام ضريبة علي المسلمين مقابل منحهم الرسالة المحمدية و ما فيها من فضائل النعم، فقال عز و جل:( قُلْ لاَ أَسْأَلُکُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ( الشورى: ٢٣ ) و قد نزلت هذه الآية الكريمة تفرض علي المسلمين مودة العترة الطاهرة، و هم علي و فاطمة و الحسن و الحسين، بشهادة أكثر من ثلاثين مصدراً من مصادر " أهل السنة و الجماعة "(١) ، حتى قال الإمام الشافعي في ذلك:

يا أهل بيت رسول الله حبكم

فرض من الله في القرآن أنزله

فإذا كانت محبتهم نزل بها القرآن و جعلنا فرض على أهل القبلة كافة كما اعترف بذلك الإمام الشافعي! و إذا كانت مودتهم هي أجر الرسالة المحمدية كما نطق صريح البيان، و إذا كانت مودتهم عبادة يتقرب بها إليه سبحانه، فما بال " أهل السنة و الجماعة " لا يقيمون لأهل البيت و زناً ولا ينزلونهم إلا دون منزلة الصحابة(٢) ؟ و لنا أن نسأل " أهل السنة و الجماعة " بل لنا أن نتحداهم أن يأتونا بآية قرآنية

____________________

(١) راجع في ذلك كتاب " مع الصادقين " للمؤلف

(٢) ف- " أهل السنة و الجماعة " كلهم يقولون بتفضيل أبي بكر و عمر و عثمان على علي بن أبي طالب، و إذا كان علي هو سيد العترة و أفضل أهل البيت بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإن أهل البيت عند " أهل السنة و الجماعة " يأتون بعد الصحابة الثلاثة المعروفين عندهم بالخلفاء الراشدين.


واحدة أو بحديث نبوي واحد يفرض على المسلمين مودة أبي بكر أو عمر أو عثمان أو أي واحد من الصحابة ؟ ! كلا وأنى لهم مثل ذلك، فلا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله شيء من ذلك، بل يوجد في القرآن آيات عديدة تشير إلي منزلة أهل البيت الرفيعة و تفضلهم علي سائر العباد.

و في السنة النبوية أحاديث كثيرة تفضل أهل البيت و تقدمهم على سائر المسلمين تقديم الإمام علي المأموم و العالم على الجاهل. و يكفينا من القرآن آية المودة التي نحن بصدد ذكرها، و أية المباهلة و آية الصلاة علي النبي و آله، و آية إذهاب الرجس و التطهير، و أية الولاية، و أية الاصطفاء و وراثه الكتاب. و يكفينا من السنة النبوية حديث الثقلين و حديث السفينة، و حديث المنزلة، و حديث الصلاة الكاملة، و حديث النجوم، و حديث مدينة العلم، و حديث الأئمة بعدي اثنا عشر. ولا نريد القول بأن ثلث القرآن نزل في مدح أهل البيتعليهم‌السلام ، و ذكر فضائلهم كما يقول بعض الصحابة كابن عباس، ولا أن ندعي بأن ثلث السنة النبوية كله تنويه و تمجيد في أهل البيت و توجيه الناس إلى فضلهم و فضائلهم كما ألمح لذلك الأمام أحمد بن حنبل.

و يكفينا من القرآن و السنة ما أوردناه من صحاح " أهل السنة و الجماعة " للدلالة على تفضيل أهل البيت على من سواهم من البشر. و بعد نظرة و جيزة إلى عقائد " أهل السنة و الجماعة " و إلى كتبهم و إلى سلوكهم التاريخي تجاه أهل البيت، ندرك بدون غموض بأنهم اختاروا الجانب المعاكس و المعادي لأهل البيتعليهم‌السلام ، و بأنهم أشهروا سيوفهم لقتالهم و سخروا أقلامهم لانتقاصهم و النيل منهم و لرفع شأن أعدائهم و من حاربهم. و يكفينا على ذلك دليل واحد يعطينا الحجة البالغة، و كما قدمنا بأن " أهل السنة و الجماعة " لم يعرفوا إلا في القرن الثاني للهجرة كرد فعل على الشيعة الذين


والوا أهل البيت وانقطعوا إليهم فإننا لا نجد شيئاً في فقههم و عباداتهم و كل معتقداتهم يرجعون فيه إلى السنة النبوية المروية عن أهل البيت.(١)

و رغم أن أهل البيت أدري بما فيه فهم ذرية المصطفي وعترته، و رغم أنهم لم يسبقهم أحد في علم ولا في عمل، و أنهم واكبوا مسيرة الأمة طوال ثلاثة قرون و تداولوا الإمامة الروحية و الدينية عبر الأئمة الاثني عشر، الذين لم يخالف منهم واحد رأي الثاني، فإننا نجد " أهل السنة و الجماعة " يتعبدون بالمذاهب الأربعة التي لم تخلق إلا في القرن الثالث للهجرة و التي يخالف فيها بعضهم رأي البعض الآخر، و مع ذلك نبذوا أهل البيت وراء ظهورهم و وقفوا منهم موقف العداء بل و حاربوا كل من تشيع لهم ولا زالوا يحاربونهم حتى يوم الناس هذا. و إذا أردنا دليلاً آخر، فما علينا إلا أن نحلل موقف " أهل السنة و الجماعة " من ذكرى يوم عاشوراء ذلك اليوم المشؤوم الذي هدم فيه ركن الإسلام بقتل سيد شباب أهل الجنة والعترة الطاهرة من ذرية المصطفى، و النخبة الصالحة من أصحابه المؤمنين.

أولاً: نلاحظ أنهم يقفون من قتلة الحسين موقف الراضي الشامت المعين، ولا يستغرب منهم ذلك فقتلة الحسين كلهم من " أهل السنة و الجماعة " و يكفي أن نعرف بأن قائد الجيش الذي ولاه ابن زياد لقتل الحسين، و هم عمر بن سعد بن أبي وقاص. و لذلك ف- " أهل السنة و الجماعة " يترضون على الصحابة أجمعين بما فيهم قتلة الحسين و الذين شاركوهم، و يوثقون أحاديثهم، بل وفيهم من يعتبر الإمام الحسين " خارجياً " ؛ لأنه خرج على أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ! و قد قدمنا فيما سبق بأن فقيه " أهل السنة و الجماعة " عبد الله بن عمر قد بايع يزيد بن معاوية و حرم أن يخرج أحد من أتباعه على يزيد، و قال: " نحن مع من غلب ".

____________________

(١) وهب أنهم كما يزعمون اليوم و يقولون: نحن أولى بعلي و أهل البيت من الشيعة، فلماذا ترك علماؤهم و أئمة المذاهب عندهم فقه أهل البيت و كان عندهم نسياً منسياً ؟ واتبعوا مذاهب ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان، قال تعالي: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه "، أما الذين لم يتبعوه فليسوا أولي به كما لا يخفي


ثانياً: نرى بأن " أهل السنة و الجماعة " على مر التاريخ من يوم عاشوراء إلى يوم الناس هذا، يحتفلون بيوم عاشوراء و يجعلونه عيداً يخرجون فيه زكاة أموالهم و يوسعون فيه علي عيالهم، و يروون بأمه يوم بركات و رحمات.

ولا يكفيهم كل ذلك فتراهم إلى اليوم يشنعون علي الشيعة و ينتقدون بكاءهم علي الحسين، و في بعض البلدان الإسلامية يمنعونهم من إقامة ذكرى العزاء و يهجمون عليهم بالسلاح و يعملون فيهم ضرباً و تقتيلاً بدعوى محاربة البدع. و في الحقيقة هم لا يحاربون البدع بقدر ما يمثلون دور الحكام الأمويين و العباسيين الذين حاولوا جهدهم القضاء على ذكرى عاشوراء ووصل بهم الأمر إلى نبش قبر الحسين و إعفائه و منع الناس من زيارته. فهم إلى الآن يريدون القضاء على إحياء تلك الذكرى خوفاً من أن يعرف الناس، و من يجهلون حقيقة أهل البيت - واقع الأمور فتنكشف بذلك عورات أسيادهم و كبرائهم، و يعرف الناس الحق من الباطل و المؤمن من الفاسق.

و بهذا يتبين لنا مرة أخرى، بأن الشيعة هم أهل السنة النبوية ؛ لأنهم اتبعوا سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى في الحزن و البكاء علي أبي عبد الله الحسين، و ذلك بروايات ثابتة أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكى على ولده الحسين عندما أعمله جبريل بمقتله في كربلاء و ذلك قبل الواقعة بخمسين عاماً. و يتبين لنا أيضاً بأن " أهل السنة و الجماعة " يحتفلون بيوم عاشوراء لأنهم اتبعوا سنة يزيد بن معاوية و بني أمية في احتفالهم بذلك اليوم ؛ لأنهم انتصروا فيه على الحسين و أخمدوا ثورته التي كانت تهدد كيانهم، و قطعوا بذلك دابر الشغب على حد زعمهم.

و التاريخ يحدثنا بأن يزيد و بني أمية، احتفلوا بذلك اليوم احتفالاً كبيراً حتى وصل إليهم رأس الحسين و سبايا أهل البيت ففرحوا بذلك و شمتوا برسول للهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و قالوا في ذلك أشعاراً.

و تقرب إليهم علماء السوء من " أهل السنة و الجماعة " فضعوا لهم أحاديث في فضل ذلك اليوم، و أن عاشوراء هم اليوم الذي تاب الله فيه على آدم، و هو اليوم


الذي رست فيه سفينة نوح على جبل الجودي، و هو اليوم الذي كانت فيه النار برداً و سلاماً على إبراهيم، و هو اليوم الذي خرج فيه يوسف من السجن و رد فيه بصر يعقوب، و هو اليوم الذي انتصر فيه موسى على فرعون، و هو اليوم الذي نزلت فيه على عيسى مائدة من السماء.

وهذه الروايات كلها يرددها علماء " أهل السنة و الجماعة " و أئمتهم على المنابر حتى اليوم بمناسبة عاشوراء، و هي روايات كلها من وضع الدجالين الذين تزيوا بزي العلماء، و تقربوا إلى الحكام بكل الوسائل، فباعوا آخرتهم بدنياهم فما ربحت تجارتهم و هم في الآخرة من الخاسرين.

و قد أمعنوا في الكذب عندما رووا بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هاجر إلى المدينة فصادف دخوله إليها يوم عاشوراء، فوجد يهود المدينة صياماً، فسأهم عن السبب، قالوا: هذا اليوم الذي انتصر فيه موسى على فرعون، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : نحن أولي بموسى منكم، ثم أمر المسلمين بصوم عاشوراء و تاسوعاء لمخالفة اليهود.

و هذا كذب مفضوح إذ أن اليهود يعيشون معنا، و لم نسمح لهم بعيد يصومون فيه يسمونه عاشوراء.

و هل لنا أن نسأل ربنا عز و جل: كيف جعل هذا اليوم مباركاً علي كل أنبيائه و رسله من أدم إلي عيسي، إلا محمد، فقد كان عليه هذا اليوم مصيبة و عزاء و شؤماً إذ قتل فيه ذريته و عترته و ذبحوا ذبح الغنم و أخذت بناته سبايا ؟

والجواب: إنه( لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْأَلُونَ‌ ) ( الأنبياء: ٢٣ )

( فَمَنْ حَاجَّکَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَکَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَکُمْ وَ نِسَاءَنَا وَ نِسَاءَکُمْ وَ أَنْفُسَنَا وَ أَنْفُسَکُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْکَاذِبِينَ‌ ) ( آل عمران: ٦١ )


٥ - أهل السنة و الجماعة و الصلاة البتراء

بعدما قدمنا فصل سابق نزول الآية و تفسيرها من قبل الرسول نفسه و تعليمهم كيفية الصلاة الكاملة، و نهيهم عن الصلاة البتراء التي لا يقبلها الله سبحانه، و مع ذلك نجد إصراراً كبيراً من طرف " أهل السنة و الجماعة " على الصلاة البتراء لئلا يذكرون أن محمد ضمن الصلاة، و إذا ما ذكروهم غصباً تراهم يضيفون الصحابة معهم، و إذا قلت أمام أحدهم:صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنه يفهم علي الفور بأنك شيعي، و ذلك ؛ لأن الصلاة الكاملة على محمد و آل محمد أصبحت شعاراً للشيعة وحدهم.

و هذه حقيقة لا مرية فيها و قد اعتمدنها شخصياً في بداية البحث فكنت أعرف تشيع الكاتب من قوله بعد ذكر محمد:صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و عندما لا أجد إلا لفظةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعرف أنه سني.

كما أفهم تشيع الكاتب عندما يكتب " عليعليه‌السلام " و لكنه عندما يكتب كرم الله وجهه أعرف بأنه سني. و نري من خلال الصلاة الكاملة بأن الشيعة اقتدوا بالسنة النبوية الشريفة، بينما خالف " أهل السنة و الجماعة " أوامر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و لم يقيموا لها وزناً، فتراهم دائماً يصلون الصلاة البتراء، و إذا ما اضطروا إلى إضافة الآل فأنهم عند ذلك يضيفون معهم الصحابة أجمعين بدون استثناء حتى لا يبقوا لأهل البيت فضلاً ولا خصوصية.


و هذا كله ناتج عن موقف الأمويين تجاه أهل البيت و العداوة التي كانوا يحملونها لهم حتى وصل بهم الأمر أن أبدلوا الصلاة عليهم بلعنهم على المنابر و حمل الناس على ذلك بوسائل الترهيب و الترغيب.

ف- " أهل السنة و الجماعة " لك يجاورهم في السب و اللعن لأهل البيت، ولو فعلوا ذلك لافتضحوا المسلمين و لعرفوا على حقيقتهم و تبرأ منهم الناس، فتركوا السب و اللعن ولكنهم أضمروا العداوة و البغضاء لأهل البيت و حاولوا بكل جهودهم إطفاء نورهم بأن رفعوا مكانة أعدائهم من الصحابة و اختلقوا لهم فضائل خيالية لا تمت للحق بصلة.

و الدليل على ذلك أنك تجد " أهل السنة و الجماعة " حتى اليوم يقولون شيئاً في معاوية و الصحابة الذين لعنوا أهل البيت طيلة ثمانين عاماً، بل و يترضون عليهم أجمعين، و في الوقت يكفرون أي مسلم ينتقص أحداً منهم ( من الصحابة ) و يكشف عن جرائمه، فيفتون بقتله.

و قد حاول بعض الوضاعين أن يضيف إلى الصلاة الكاملة - التي علمها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلي أصحابه - جزءاً أخر ظناً منه بأن ذلك سينقص من مكانة أهل البيت، و فيمتهم فروى بأنه قال: قولوا اللهم صل على محمد و آل محمد و على أزواجه و ذريته. و الباحث يفهم بأن هذا الجزء قد أضيف لكي تلحق عائشة بركب أهل البيت.

و نحن نقول لهم: لو سلمنا جدلا بصحة الرواية، و قلبنا أمهات المؤمنين ضمنها، فإن الصحابة لا دخل لهم فيها و أنا أتحدى أن يأتي أحد المسلمين بدليل من القرآن أو من السنة في هذا المعني، فنجوم السماء أقرب إليه من ذلك.

و القرآن و السنة أمرا كل الصحابة و كل من يأتي بعدهم من المسلمين إلي قيام الساعة بالصلاة على محمد و أل محمد. و هذه وحدها مرتبة عظيمة تقصر عنها كل المراتب و منقبة جليلة لا يلحقهم فيها لاحق.

فأبو بكر و عمر و عثمان و كل الصحابة أجمعين و كل المسلمين في العالم و الذين


يعدون بمئات الملايين عندما يصلون يقولون في تشهدهم: اللهم صلي على محمد و آل محمد و إذا لم يقولوا ذلك فصلاتهم مردودة لا يقبلها الله سبحانه.

و هذا هوا المعني بالضبط الذي قصده الإمام الشافعي عندما قال:

يكفيكم من عظيم الشأن أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له

و قد اتهم الشافعي بالتشيع من أجل قوله هذا، فإن أذناب الأمويين و العباسيين يتهمون بالتشيع كل من صلى على محمد و آل محمد، أو قال فيهم شعراً أو حدث بفضيلة من فضائلهم.

و على كل حال فالبحث في هذا المجال واسع قد يتكرر في العديد من الكتب، فلا بأس بالإعادة إذا كان فيها إفادة.

و المهم أننا عرفنا خلال هذا الفصل بأن الشيعة هم أهل السنة النبوية و صلاتهم كاملة و مقبولة حتى رأي من خالفهم، و " أهل السنة و الجماعة " خالفوا في ذلك صريح السنة النبوية، و صلاتهم بتراء غير مقبولة حتى على رأي أئمتهم و علمائهم( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْکِتَابَ وَ الْحِکْمَةَ وَ آتَيْنَاهُمْ مُلْکاً عَظِيماً ) ( النساء: ٥٤ )


٦ - عصمة النبي و تأثيرها على " أهل السنة و الجماعة "

إن نظرية العصمة مختلف فيها عند المسلمين، و هي في الحقيقة العامل الوحيد الذي يفرض على المسلمين أن يتقبلوا أحكام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدون نقاش ولا جدال، إذا ما اعتفدوا في أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي، فلا يؤمنون بأن أقوال النبي و أحكامه إذا لم تكن قرأناً يتلى، فهي مجرد اجتهاد منه.

أما إذا اعتقدوا هذا الاعتقاد وسلموا بأن الأمر كله الله وليس النبي إلا واسطة للتبليغ والبيان فقط، فهم شيعة و قد اشتهر كثير من الصحابة بهذا الاعتقاد، وعلى رأس هؤلاء الإمام عليعليه‌السلام الذي ما كان يغير من سنة النبي قليلاً و لا كثيراً باعتبارها من وحي الله، فلا يجوز استعمال الرأي و الاجتهاد مقابل أحكام الله سبحان و تعالى.

و أما إذا اعتقدوا أن النبي غير معصوم في أقواله و أفعاله و العصمة لا تختص إلا بالقرآن الكريم و ما يتلى من آياته، و ما عدا ذلك فهو كسائر البشر يخطئ و يصيب، أما إذا قالوا بهذا فإنهم " أهل السنة و الجماعة " الذين يجوزون أن يجتهد الصحابة و العلماء مقابل أقوال و أحكام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما يتماشى و المصلحة العامة طبقاً للظروف التي تقتضيها الحال حسب رأي الحاكم في كل زمان.

وإنه غني عن البيان بأن مدرسة الخلفاء الراشدين ( باستثناء الإمام علي ) قد اجتهدوا بآرائهم مقابل السنة النبوية، ثم ذهبوا شوطاً أبعد فاجتهدوا مقابل


النصوص القرآنية أيضاً، و أصبحت آراؤهم فيما بعد أحكاماً عند " أهل السنة و الجماعة " يعلمون بها و يفرضونها على المسلمين.

و قد تكلمنا عن اجتهادات أبي بكر و عمر و عثمان في كتاب " مع الصادقين " و كذلك في كتاب " فاسألوا أهل الذكر " و قد نفرد لهم كتاباً خاصاً في المستقبل إن شاء الله تعالي.

و قد عرفنا أن " أهل السنة و الجماعة " يضيفون إلى المصدرين الأساسين للتشريع الإسلامي ( القرآن والسنة ) مصادر أخري كثيرة من جملتها سنة الشيخين ( أبي بكر و عمر ) و اجتهاد الصحابي، و هذا ناتج عن اعتقادهم بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن معصوماً، و إنما كان يجتهد رأيه، و كان بعض الصحابة يصوب رأيه و يصلح خطاه.

و بهذا يتبين لنا بأن " أهل السنة و الجماعة " عندما ما يقولون بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس معصوماً، فهم يجوزون بذلك مخالفته و عصيانه من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون ؛ لأن غير المعصوم غير واجب الطاعة شرعاً و عقلاً، و ما دمنا نعتقد بخطئه فلا تلزمنا طاعته، كيف نطيع الخطأ ؟

كما يتبين لنا في المقابل بأن الشيعة عندما يقولون بعصمة النبي المطلقة، فهم يفرضون بذلك طاعته ؛ لأنه معصوم عن الخطأ، فلا تجوز مخالفته و معصيته بأي حال من الأحوال، و من يخالفه أو يعصيه فقد خالف و عصى ربه، و إلى ذلك يشير القرآن الكريم في العديد من الآيات بقوله:( و ما أتاكم الرسول فخذوه ) ( آل عمران: ١٣٢ )، و قوله:( قُلْ إِنْ کُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْکُمُ اللَّهُ ) ( آل عمران: ٣١ ). إلى آيات كثيرة تفرض على المسلمين طاعة النبي و عدم مخالفته باعتباره معصوماً ولا يبلغ إلا ما أمره به الله سبحانه.

و هذا يفرض بالضرورة أن يكون الشيعة هم أهل السنة النبوية لاعتقادهم


بعصمتها و وجوب اتباعها. كما يفرض أن يكون " أهل السنة و الجماعة " بعيدين عن السنة النبوية لاعتقادهم بخطئها و جواز مخالفتها.

( کَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْکِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْکُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ( البقرة: ٢١٣ )


مع الدكتور الموسوي و " التصحيح "

إلتقيت مجموعة من الشباب المثقف في بين أخ تربطني به وشائج القرابة و الصبا في ضواحي باريس بمناسبة وليمة أقامها لمولد ابنه الذي رزقه الله بعد طول انتظار، ودار الحديث بيننا عن الشيعة و السنة و كان الجميع و أغلبهم من الجزائريين المتحمسين للثورة الإسلامية ينتقدون الشيعة و يرددون تلك الأساطير المعروفة، و اختلفوا فيما بينهم بين مؤيد منصف يقول بأن الشيعة إخوتنا في الدين و مناهض به يصف الشيعة بكل ضلالة و يفضل عليهم النصارى.

و لما تعمقنا في البحث والاستدلال كان بعضهم يهزأ مني و يقول بأنني من المغرورين الذين بهرتهم الثورة الإيرانية، و حاول صديقي إقناعهم بأنني باحث كبير و أطراني أمام الحاضرين، و قال بأنني مؤلف كتب عديدة في هذه المواضيع.

و لكن أحدهم قال بأن لديه الحجة التي ليس بعدها حجة. و سكت الجميع، و تساءلت عن هذه الحجة، فطلب مني الانتظار بضع دقائق و ذهب مسرعاُ إلى بيته المجاور و رجع يحمل بين يديه كتاب " الشيعة و التصحيح " للدكتور موسى الموسوي و ضحكت عندما رأيت الكتاب و قلت: أهذه هي الحجة التي ليس بعدها حجة ؟ التفت إلى الحاضرين و قال:

هذا من أكبر علماء الشيعة و هو مرجع من مراجعهم و له شهادة في الاجتهاد و لأبوه وجده من أكبر علمائهم، ولكنه عرف الحق و نبذ التشيع و أصبح من أهل السنة و الجماعة.


و أنا واثق من أن الأخ ( و يقصدني ) لو يقرأ هذا الكتاب لما دافع عن الشيعة أبداً ولعرف خفاياهم و انحرافاتهم.

وضحكت مرة أخري و قلت له: و حتى تعرف أني قرأته قراءة باحث فسأعطيك أمام الحاضرين الحجة التي ليس بعدها حجة من الكتاب نفسه الذي جئت به.

قال مع الحاضرين بلهفة: هات نسمع منك.

قلت: أنا لا أتذكر رقم الصفحة ولكن أعرف العنوان و أذكره جيداً و هو: أقوال أئمة الشيعة في الخلفاء الراشدين.

قال: و ما في ذلك ؟

قلت: إبحث عنه و اقرأه أمام الحاضرين و بعدها سأبين لك الحجة.

و أخرج الفقرة و قرأها أمام الحاضرين و ملخصها أن الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام كان يفتخر بانتسابه لأبي بكر " الصديق " فيقول " أولدني أبو بكر مرتين " والذين رووا هذه الروايات يروون أيضاً بأن الإمام الصادق كان يعطن في أبي بكر من جهة أخري.

و يعلق الدكتور الموسوي علي هذا بقوله: " فهل يعقل أن يفتخر الإمام الصادق بجده من جهة و يطعن قيه جهة أخري ؟ إن مثل هذا الكلام قد يصدر من السوقي الجاهل و لكنه لا يصدر من إمام ".

و تساءل الجميع، ما الحجة في هذا ؟ ! و قالوا إنه كلام معقول و منطقي.

قلت: أن الدكتور الموسوي استنتج من قول الإمام الصادق: " أولد ني أبو بكر مرتين " بأنه يفتخر بجده مع أنه ليس في هذه العبارة ما يوحي بالمدح و الثناء على أبي بكر، أن الصادق ليس هو حفيد مباشر لأبي بكر و إنما ؛ لأن أمة جدها أبو بكر. و مع العلم بأن الصادق ولد بعد وفاة أبي بكر بسبعين عاماً فلم يره أبداً.

قالوا: لم نفهم قصدك من كل هذا ؟ !


قلت: ما رأيكم فيمن يفتخر بجده المباشر والد أبيه و يقول بأنه أعلم أهل زمانه و لم يعرف التاريخ مثله، ثم يقول بأنه درس و تأدب على يديه، فهل يعقل أن يطعن فيه بعد ذلك، و هل يقبل عاقل أن يفتخر بشخص من جهة ثم يكفره من جهة أخري ؟ !

فقالوا جميعاً: لا يعقل و لا يكون ذلك ابداً.

فقلت: إقرأ إذاً ما جاء فيه أول صفحة من هذا الكتاب الذي بين يديك، فستري بأن الدكتور الموسوي هو ذلك الرجل.

فقرأ: " ولدت و ترعرعت في بيت الزعامة الكبرى للطائفة الشيعية و درست و تأدبت على يد أكبر زعيم و قائد ديني عرفه تاريخ التشيع منذ الغيبة الكبرى و حتى هذا اليوم، و هو جدنا الأمام الأكبر السيد أبو الحسن الموسوي الذي قيل فيه: " أنسى من قبله و أتعب من بعده ".

قلت: الحمد لله الذي أظهر الحجة على لسان الموسوي نفسه و قد حكم على نفسه بنفسه إذ قال فيما قرأتم: هل يعقل أن يفتخر بجده من جهة و يطعن فيه من جهة أخري ؟ و حكم بأن هذا لا يصدر إلا من السوقي الجاهل.

و إن الذي يصف جده بهذه الأوصاف العظيمة التي لم تتوفر لغيره من أفذاذ العلماء، و يدعي بأنه تأدب على يديه و أخذ دروسه و علومه منه، لا يكفره بعد ذلك و يطعن عقيدته، إلا إذا كان سوقياً جاهلاً.

و أطرق الجميع رؤوسهم، وابتهج صديقي صاحب البيت قائلاُ: ألم أقل لكم إن الأخ التيجاني باحث موضوعي و منطقي ؟

و فكر صاحب الكتاب الذي كان يرعد و يزبد و قال: يا أخي، ربما عرف الحق الدكتور الموسوي بعد ما كبر و تعلم فسبحان الله، طلب العلم من المهد إلى للحد.

و أجبت: لو كان الأمر كما تقول لوجب على الدكتور أن يتبرأ من جده و من أستاذه أيضاً الذي أعطاه شهادة الاجتهاد لا أن يفتخر بهما، و يحتج بشهادتهما و هو يكتب في نفس الوقت تكفيرهما من حيث لا يشعر.


ولو اردت أن أناقشكم في كل المواضيع التي كتبها لأريتكم العجب العجاب.

وانتهى ذلك اللقاء بعد توضيحات وشروح عن واقع تلك الإشكالات، وكانت له نتائج إيجابية بحمد الله إذ استبصر منهم ثلاثة بعد قراءة كتبي.

وإني أنتهز هذه الفرصة لأقدم للقراء الكرام بعض الصفحات التي كتبتها في هذا الموضوع على عجالة ؛ لأن كتاب « الشيعة والتصحيح » له تأثير في الأوساط التي يتواجد فيها الوهابيون، وبما أن هؤلاء لهم من الأموال والنفوذ في بعض المناطق فقد يؤثرون في بعض الشباب من المسلمين الذين لا يعرفون الشيعة، فيخدعوهم بهذا الكتاب ويمنعونهم من الوصول إلى الأبحاث المفيدة، ومن ثم يقيمون أمامهم حاجزا للوصول إلى الحقيقة المنشودة.

وهؤلاء المعترضون جعلوا حجتهم على الشيعة كتاب « الشيعة والتصحيح » للدكتور موسى الموسوي الذي طبع بالملايين ووزع مجانا في أوساط الشباب المثقف من طرف سلطات معروفة عرف الخاص والعام أهدافها ومراميها.

وقد ظن هؤلاء المساكين أنهم فندوا مذهب الشيعة الإمامية بطبع الكتاب ونشره ؛ لأن مؤلفه « آية الله » الموسوي وهو من الشيعة لتكون الحجة من باب وشهد شاهد من أهلها.

وغفل هؤلاء المساكين عن عدّة أمور لم يحسبوا لها حساباً ولم يقدّروا نتائجها العكسيّة التي عادت عليهم بالوبال. وإني شخصياً لا أكلف نفسي شيئاً من الوقت للردّ على أكاذيب الدكتور موسى الموسوي التي ملأ بها كتابه، وأعتقد أنّ في كتابي « مع الصّادقين » رداً مقنعاً على مفترياته، مع أنه كتب قبل كتابه بوقت قصير ولم يكن مضمونه غلا إظهار معتقدات الشيعة التي ترتكز كلّها على القرآن الكريم والسنّة النبويّة الصّحيحة وإجماع المسلمين بمن فيهم « أهل السنّة والجماعة »، فلم نمرّ على عقيدة واحدة من عقائدهم إلا وأثبتناها في صحاح « أهل السنّة والجماعة ».

فتبين بذلك أنّ كلام الدكتور موسى الموسوي هراء وافتراء لا يقوم على دليل علمي ولا منطق إسلامي وهو طعن على « أهل السنة » قبل الشيعة.


وتبين أيضاً بأن الذين روّجوا له كتابه لا يعرفون من حقائق الإسلام شيئاً وكشفوا بذلك عن عوراتهم وجهلهم. وكلّ ما انتقده مدّعي « التصحيح » من عقائد الشّيعة وشنّع به عليهم موجود بحمد الله في صحاح « أهل السنّة والجماعة ». فالعيب ليس على الشّيعة وإنّما العيب على موسى الموسوي وعلى « أهل السنة والجماعة » الذين لا يعرفون ما يوجد في صحاحهم ومسانيدهم. فالقول بالإمامة والنّص على اثني عشر خليفة كلّهم من قريش ليس هو من اختراعات الشيعة وهو موجود في صحاح « أهل السنة والجماعة ».

والقول بالمهدي وأنه من العترة الطّاهرة يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ليس هو من اختراعات الشيعة إنما هو موجود في صحاح « أهل السنّة والجماعة ».

والقول بأنّ الإمام علي بن أبي طالب هو وصيّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس من اختراعات الشّيعة وهو موجود في صحاح « أهل السنّة والجماعة ».

والقول بالتقيّة والعمل بها ليس هو من اختراعات الشيعة، وقد نزل بها القرآن وأثبتتها السنّة النبوية وكل ذلك موجود في صحاح « أهل السنة والجماعة ».

والقول بزواج المتعة وأنها حلال ليس هو من اختراعات الشيعة وإنّما أحلّها الله ورسوله وحرمهاعمر كما هو ثابت في كتب وصحاح « أهل السنة والجماعة ».

والقول بوجوب الخمس في مكاسب الأرباح ليس هو من اختراعات الشيعة، وإنّما أوجبه كتاب الله وسنة رسوله يشهد بذلك صحاح « أهل السنة والجماعة ».

أما زيارة مراقد الأئمة فليس مختصاً بالشيعة فأهل السنّة والجماعة يزورون مراقد الأولياء والصالحين بل ويقيمون لهم مراسم وأفراحاً موسميّة.

والقول بالبداء وأنّ يمحو ما يشاء ويثبت، ليس هو من خيال الشيعة بل هو ثابت في صحاح البخاري.


والقول بجمع الصلاتين في غير ضرورة ليس هو من اختراع الشيعة، بل هو ما جاء في القرآن الكريم و فعله الرسول العظيم كما هو ثابت في صحاح " أهل السنة و الجماعة "

و القول بوجوب السجود على التراب و على الأرض ليس هو من اختراعات الشيعة، بل هو فعل سيد المرسلين و خاتم النبيين يشهد بذلك صحاح " أهل السنة و الجماعة ".

و ما عدا ذلك من الأقوال التي ذكرها الدكتور موسى الموسوي و التي لا يقصد من ورائها إلا التهويل و التهريج كدعاية تحريف القرآن ف- " أهل السنة و الجماعة " أولي بهذه التهمة من الشيعة كما أوضحنا ذلك في كتاب " مع الصادقين ".

و الخلاصة أن كتاب " التصحيح " الذي ألفه الدكتور الموسوي كله يتناقض مع كتاب الله و سنة رسول الله و إجماع المسلمين و ما أوجبه العقل السليم.

فكثير مما أنكره الموسوي هو من ضروريات الدين التي نزل بها الذكر الحكيم و أمر بها الرسول العظيم و أجمع عليها كل المسلمين، و المنكر لها كافر بإجماع المسلمين.

فإن كان يقصد ب- " التصحيح " إبدال تلك العقائد و تلك الأحكام فقد كفر و خرج من ربقة الإسلام و على المسلمين كافة أن يقاوموه.

و إن كان يقصد ب- " التصحيح " إبدال عقائده الشخصية التي يعاني من مركباتها والتي يظهر منها أنه لم يعرف من الشيعة شيئاً، و لعله نقم عليهم إذ حملهم مسؤولية قتل والده الذي ذبح كالكبش ( كما يقول هو في صفحة ٥ من كتابه ) على يد مجرم في لبوس رجل الدين.

فنشأ من صغره بتلك العقدة ناقماً على الشيعة بدون ذنب اقترفوه، و حول وجهه شطر " أهل السنة و الجماعة " و شاركهم في الحقد و البغض لأتباع أهل البيت، بدون الانتماء إليهم فيقي مذبذباً لا إلي هؤلاء فلم يعرف من الشيعة غير ما يردده أعداؤهم من الأكاذيب، و لم يعرف من " أهل السنة و الجماعة " غير صلاة الجمعة و الجماعة ( إن كان يحضرها )


فإذا كان هذا هو المقصود بالتصحيح فما عليه إلا تصحيح عقائده الفاسدة التي خالف بها إجماع الأمة.

و إذا كان الدكتور موسى الموسوي قد نشأ و ترعرع حسب ما يدعي ( في الصفحة الخامسة من كتابه ) و درس و تأدب على يد أكبر زعيم و قائد ديني عرفه تاريخ التشيع منذ الغيبة الكبرى و حتى هذا اليوم، و هو جدع الإمام الأكبر السيد أبو الحسن الموسوي الذي قيل فيه: " أنسي من قبله و أتعب من بعده "، فلماذا لم يحفظ دروسه و لم يتأدب بآدابه و لم يقتد بهديه و ينهل من علمه، بل نراه في كتابه يهزأ و يسخر من عقائد جده الإمام الأكبر و الزعيم الديني الأوحد الذي عرفه تاريخ الشيعة. فدل بذلك على أنه عاق لوالديه بل تعدى عقوقه إلى تكفير جده و أبويه، و إذا كان الشيعة في نظر الموسوي كافرين فزعيمهم و قائدهم الأكبر إلي الكفر - هو جده ( حاشاه ) - أقرب.

و إنه من العار الذي ليس بعده عار أن يجهل الحفيد موسى ما كتبه جده أبو الحسن الموسويرحمه‌الله في كتابه وسيلة النجاة، ثم يدعي بأنه درس و تأدب على يديه.

و إنه من أكبر العار أن يعرف شاب تونسي يبعد عن النجف آلاف الكيلومترات كتاب وسيلة النجاة للإمام الأكبر أبي الحسن الموسوي الأصفهاني، و يهتدي إلي حقائق أهل البيت من خلاله، بينما لا يعرفه الحفيد الذي تربى و ترعرع فيه بيته و على يديه.

و الذي كتبه الإمام الأكبر السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهانيقدس‌سره في وسيلة النجاة، نقضه حفيده الدكتور موسى الموسوي و سخر منه واعتبره خروجاً عن الإسلام.

و المنطق يقول: إن كانت عقيدة الإمام الأكبر و الزعيم الديني الذي ما عرف تاريخ الشيعة مثله ( كما يعتقد حفيده ) عقيدة صحيحة و سليمة، فعقيدة حفيده كفر و ضلال.

و إن كانت عقيدة الحفيد الدكتور موسى الموسوي هي السليمة و الصحيحة


فعقيدة جده هي الكفر و الضلال، و في هذه الحالة يجب عليه أن يتبرأ منه و لا يفتخر بالانتماء إليه ولا بالرجوع إلي التربية بين يديه، كما بدأ مقدمة كتابه.

و بهذه الحجة و بهذا المنطق أيضاً، يضرب بالشهادة العليا التي نالها موسى الموسوي من أل كاشف الغطاء عرض الجدار.

أولاً: لأن الصورة التي أخرجها في كتابه علي أنها شهادة عليا في الفقه الإسلامي ( الاجتهاد ) ليست إلا إجازة في الروايات، و التي يعطيها المراجع لأغلب الطلاب، و أنا شخصياً عندي منها إجازتان إحداهما: لآية الله العظمي الإمام الخوئي في النجف و الثانية: لآية الله العظمي المرعشي النجفي في قم.

فليست إجازة الرواية شهادة عليا في الفقه الإسلامي كما يدعي الدكتور موسى الموسوي للتمويه على العامة الذين لا يعرفون تنظيم، و مراحل الدراسة في الحوزات العلمية.

ثانياً: لأن حفيد الإمام الأكبر الذي يدعي التصحيح قد خان الأمانة التي ائتمنه عليها أستاذه و معلمه الذي يدعي الموسوي أنه و سمه برتبة الاجتهاد، إذ يقول المرحوم المرجع الديني الأعلى زعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف الشيخ محمد الحسين أل كاشف الغطاء في تلك الإجازة التي أخرج الموسوي صورة منها في كتابه: " و قد أجزت له لأهليته أن يروي عني ما صحت لي روايته من مشائخي العظام و أساتذتي الكرام … "

و قد رأينا الموسوي يفند و يسخر من كل ما رواه المرجع الديني الأعلى زعيم الحوزة العلمية آل كاشف الغطاء عن مشائخه العظام و أساتذته الكرام في كتابه " أصل الشيعة و أصولها " والذي ذكر فيه مل معتقدات الشيعة و أحكامهم، فأين كتاب " الشيعة و التصحيح " الذي ألفه التلميذ الخائن من كتاب " أصل الشيعة و أصولها " الذي ألفه المرجع الأعلى كاشف الغطاء.

فإذا كان كاشف الغطاء هو المرجع الديني الأعلى و زعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف كما يعترف الموسوي في الصفحة ١٥٨ من كتابه، و إذا كان الموسوي يفتخر علينا بالشهادة العليا التي نالها من حضرته قبل ثلاثين عاماً ،


فلماذا يسخر - الموسوي التلميذ الصغير - من معتقدات أستاذه العظيم الذي علمه و أعطاه شهادة عليا علي حد زعمه ؟

فإن كان المرجع الديني الأعلى و زعيم الحوزة العلمية الشيخ محمد الحسين أل كاشف الغطاء على حق و معتقداته فالموسوي على باطل و معتقداته كلها فاسدة.

و إن كان المرجع الديني الأعلى على باطل و معتقداته غير صحيحة، فيسخر منها الموسوي و يفندها، فيلزمه في هذه الحالة أن لا يكذب على الناس و يموه بأن شهادته العليا في الفقه الإسلامي ( الاجتهاد ) قد حصل عليها من سماحته.

و إذا كانت معتقدات موسى الموسوي هي الصحيحة كما يدعي هو في كتابه فقد كفر جده السيد أبا الحسن الموسوي الأصفهاني الذي يقول عنه و نفسه بأنه أكبر زعيم و قائد ديني عرفه تاريخ التشيع منذ الغيبة الكبرى و حتى هذا اليوم.

كما كفر أستاذه و مانحه الشهادة العليا كاشف الغطاء و كفر ملايين الشيعة من نشأنهم بعد السقيفة إلى يومنا هذا. و إني كما عاهدت ربي أن أتبين في الأمر قبل الحكم عليه عندما قرأت كتاب موسى الموسوي " الشيعة و التصحيح " أقبلت عليه بكل جوارحي علني أدرك فيه ما فاتني و أكمل ما ينقصني، فإذا بي لا أجد فيه إلا الأكاذيب و التناقضات و إنكار ما هو ثابت بنص القرآن والاستهزاء بسنة النبي و مخالفة إجماع المسلمين، و أدركت أن الموسوي لم يكلف نفسه قراءة صحيح البخاري فقء والذي هو أصح الكتب عند " أهل السنة و الجماعة " و الذي يريد الموسوي حسب " تصحيحه " أن ينضم إليهم الشيعة و يتركوا أوامر الله و رسوله، ولو قرأ هذا العالم الفذ ! ! الذي حصل علي الشهادة العليا في الفقه الإسلامي " الاجتهاد " و عمره على ما يبدو عشرون الدكتوراه في التشريع الإسلامي من جامعة طهران عام ١٩٥٥ ولا تنس أنه ولد في النجف الأشرف عام ١٩٣٠، كما حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة باريس " السوربون " عام ١٩٥٩.


أقول لو كلف نفسه قراءة صحيح البخاري فقط و هو كتاب موثوق عند " أهل السنة و الجماعة " لما وقع في هذه الورطة التي سوف لا يجد منها مخرجاً إلا بالتوبة النصوحة و الرجوع إلي الله. و ألا سوق لن تنفعه الشهادات العليا وبل الألقاب الخلابة و لا الأنوال المذولة التي تصرف لتفريق المسلمين. قال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ کَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَکُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَ الَّذِينَ کَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ‌* لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْکُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولٰئِکَ هُمُ الْخَاسِرُونَ‌ ) ( الأنفال: ٣٦ - ٣٧ ).

و على كل حال، فكتابه مليء بالتناقضات التي يتعثر فيها كل باحث و إذا كان الموسوي يرى في نفسه الكفاءة لتصحيح مذهب الشيعة في عقائدهم و أحكامهم، فأنا أدعوه لمقاباته تلفزيونيه و ندوه عليمة يحضرها من يشاء من الباحثين و المحققين ليعرف الناس بعدها من هو المحتاج إلى التصحيح، و هو ما يدعو له القرآن الكريم و ما وصل إليه الكفر الحر في أرقى المجتمعات، حتى يتبين المسلمون أمرهم فلا يكفروا قوماً بجهالة و يصبحوا بعد ذلك نادمين.

( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَکُمْ إِنْ کُنْتُمْ صَادِقِينَ‌ ) ( البقرة: ١١١ )

بقي شيء واحد لابد لنا أن ننصف فيه الدكتور الموسوي و هو ما ذكره في " تصحيحه " في ثلاثة عناوين رئيسية:

ضرب القامات في يوم عاشوراء.

الشهادة الثالثة ( علي ولي الله )

الإرهاب

أما ضرب القامات بالسلاسل والزناجيل، فإنه ليس من عقائد الشيعة ولا من الدين و إنما هو من أعمال العوام، و لا يختص بالشيعة وحدهم، فهناك من أهل السنة و الجماعة و من الطريقة العيساوية المعروفة في كل شمال إفريقيا من يفعل اكثر من الشيعة، ولا يقصدون بها حزناً على الحسين ولا على مصاب أهل البيتعليهم‌السلام .

و نحن توافق الدكتور على تصحيحه و نعمل معه لرفع هذه المظاهر عن كل


المسلمين، مادام هناك من علماء الشيعة المخلصين من يحرم ذلك ويسعى لإبطاله كما اعترف بذلك الموسوي نفسه.

أما الشهادة الثالثة ( أشهد أن علياً ولي الله )، فإن الموسوي نفسه يعرف جيداً بأن كل علماء الشيعة يقولون بأنها ليست جزءاً من الأذان، بل إذا جيء بها بنية الوجوب أو بنية أنها جزء من الأذان أو الإقامة بطل الأذان و الإقامة. والموسوي يعرف جيداً هذه الحقيقة، ولكنه يروك التهريج بأية مفردة تخدم هدفه المريب.

أما الإرهاب فنحن نرفضه رفضاً تاماً كما يرفضه الدكتور الموسوي، ولكن كان على الدكتور الموسوي أن لا يلصق هذه التهمة الشنيعة بالشيعة، فموجة الإرعاب التي عرفت في السنوات الأخيرة هي نتيجة حتمية للصراع القائم بين الشرق و الغرب، بين الشمال والجنوب، بين المستكبرين و المستضعفين، بين الغاصبين و المغصوبين.

و لماذا يربط الدكتور الموسوي أعمال الحشاشين بالشيعة ؟ و التاريخ يشهد أن الشيعة استهدفت علي مر التاريخ من كل الفرق و من كل الحكومات و المستعمرين، و مع ذلك كانوا يرفضون الإرهاب بكل أشكاله و ألوانه.

و لماذا لا يتكلم الموسوي عن إرهاب معاوية و ما قام به من اغتيالات في صفوف المسلمين حتى اغتال الإمام الحسن بالسم. و كان يغتال معارضيه من المؤمنين الصادقين بالسم ثم يقول: إن لله جنوداً من عسل.

و هل الحركات الإسلامية في العالم والتي اتصفت بالإرهاب في فلسطين و في مصر والسودان و في تونس و الجزائر و في أفغانستان و غيرها في بلاد الغرب مثل الباسك و الكورس و إيرلندا و غيرها من بلاد العالم، هل هؤلاء من الشيعة ؟

و إذا كان الدكتور الموسوي يقصد بالإرهاب هو خطف الرهائن و تحويل الطائرات و نسفها، فإن المناضلين من الشعب الفلسطيني الذين شردتهم إسرائيل، و طردتهم من بيوتهم هم الذين اختطفوا الرهائن في ملعب مونيخ إبان الألعاب الأولبية لسنة ٧٥ وقتلوا بعض المشاركين من الإسرائيليين و حولوا بعض الطائرات و نسفوها، كل ذلك ليوقظوا ضمير العالم و يعرفوا بقضيتهم و مظلمتهم التاريخية التي لم تعرف البشرية مثلها.


و يشهد الموسوي بأن هؤلاء ليسوا من الشيعة، و إذا كان الدكتور الموسوي يتأثر بوكالات الأنباه الأجنبية التي تحاول جهدها إلصاق هذه التهمة بالشيعة من أجل المواقف السياسية و العداء المفرط الثورة الإسلامية، فإن هذه الأوساط تضع في قائمة الإرهاب الدولي كلا من ليبيا و سوريا و العراق على رأس القائمة، و كل هؤلاء ليسوا من الشيعة ضرورة.

فلماذا يخصص الدكتور الموسوي الشيعة بالإرهاب في كتابه " الشيعة و التصحيح " و هو نفسه يقول في صفحة ١٢٢ بأن الدولة الشيعية الإيرانية ما ولن تستطيع أن تتحدث باسم الشيعة جميعاً، بل و حتى باسم الشيعة في إيران.

و إذا كان الأمر كذلك فعلي الدكتور تصحيح مفاهيمه.

و هكذا و بهذا نكون قد أنصفنا الدكتور الموسوي و بينا الحق من الباطل و الصحيح من السقيم.

و أثبتنا للقراء الكرام بأن عقائد الشيعة الإمامية كلها صحيحة و سليمة ؛ لأنها وليدة القرآن الكريم و السنة النبوية.

و أن ما يحاوله المغرضون و المشاغبون أعداء الله و رسوله و أعداء الإسلام من اتهامات مزيفة، و إشاعات باطلة للطعن بعقائد المتمسكين بالعترة الطاهرة سيبوء بالفشل و يذهب جفاء، قال تعالي:

( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَ أَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْکُثُ فِي الْأَرْضِ کَذٰلِکَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ‌ ) ( الرعد: ١٧ ).

و نسأله سبحانه و تعالي أن يهدينا جميعاً و يوفقنا لما يحب و يرضي و يلهمنا رشدنا، و يرفع مقته و غضبه عنا، و يفرج كربتنا بحضور الحجة المنتظر، و يعجل لنا ظهوره، إنهم يرونه بعيداً و نراه قريباً.

و آخر دعوانا الحمد لله رب العالمين و أفضل الصلاة و أزكى التسليم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا و مولانا محمد و على أله الطيبين الطاهرين.


مصادر الكتاب

القرآن الكريم

١ - التفسير الكبير للفخر الرازي. ٢ - تفسير الطبري.

٣ - تفسير ابن كثير. ٤ - تفسير الخازن.

٥ - تفسير السيوطي. ٦ - أحكام القرآن للجصاص.

٧ - تفسير القرطبي. ٨ - تفسير الألوسي.

٩ - تفسير غرائب القرآن للنيسابوري. ١٠ - شواهد التنزيل للحسكاني.

١١ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور.

كتب الأحاديث

١ - صحيح البخاري. ٢ - صحيح مسلم.

٣ - صحيح الترمذي. ٤ - صحيح النسائي.

٥ - صحيح ابن ماجه. ٦ - صحيح أبي داود.

٧ - مستدرك الحاكم. ٨ - مسند الإمام احمد.

٩ - سنن الدارمي. ١٠ - سنن الدارقطني.

١١ - سنن البيهقي. ١٢ - موطأ الإمام مالك.

١٣ - تنوير الحوالك.

١٤ - خصائص النسائي.

١٥ - كنز العمال.

١٦ - منتخب كنز العمال.

١٧ - منهاج السنة لابن تيمية.

١٨ - الجامع الصغير للسيوطي.

١٩ - الجامع الكبير للسيوطي.

٢٠ - جمع الجوامع للسيوطي.


٢١ - اصول الكافي. ٢٢ - بصائر الدرجات.

٢٣ - لسان الميزان للذهبي. ٢٤ - لسان الميزان لابن حجر.

٢٥ - اللؤلؤ والمرجان. ٢٦ - مناقب الشافعي.

٢٧ - مناقب أحمد بن حنبل. ٢٨ - مصنف الهداية.

كتب التاريخ

١ - تاريخ ابن عساكر. ٢ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي.

٣ - تاريخ الخلفاء لان قتيبة. ٤ - تاريخ الخلفاء للسيوطي.

٥ - تاريخ المدائني. ٦ - تاريخ الواقدي.

٧ - تاريخ الطبري ( الكبير ). ٨ - تاريخ ابن الأثير ( الكامل ).

٩ - تاريخ المسعودي. ١٠ - تاريخ أعثم.

١١ - تاريخ أبي الفداء. ١٢ - تاريخ اليعقوبي.

كتب السيرة

١ - الإصابة في تمييز الصحابة. ٢ - أسد الغابة لابن الأثير.

٣ - الطبقات الكبرى لابن سعد. ٤ - طبقات الفقهاء.

٥ - طبقات الحنابلة. ٦ - الملل والنحل للشهرستاني.

٧ - العقد الفريد لابن عبد ربه. ٨ - الصواعق المحرقة لابن حجر.

٩ - البداية والنهاية لابن كثير. ١٠ - تذكرة الحفاظ للذهبي.

١١ - ينابيع المودة للقندوزي الحنفي. ١٢ - فرائد السمطين للحمويني.

١٣ - مقدمة ابن خلدون. ١٤ - ظهر الإسلام لأحمد أمين.

١٥ - مناقب الخوارزمي. ١٦ - شرح نهج البلاغه للمعتزلي.

١٧ - شرح نهج البلاغة لمحمد عبده. ١٨ - أعلام الموقعين.

١٩ - أنساب الأشراف للبلاذري. ٢٠ - الاستيعاب لابن عبد البر.

٢١ - الرياض النضرة للطبري. ٢٢ - أعلام النبلاء للذهبي.

٢٣ - تلخيص الذهبي.


كتب مختلفة

١ - تقييد العلم للخطيب البغدادي. ٢ - جامع بيان العلم لابن عبد البر.

٣ - الصلة بين التصوف والتشيع. ٤ - معالم المدرستين للعسكري.

٥ - الفتنة الكبرى لطه حسين. ٦ - تهذيب التهذيب لابن حجر.

٧ - أحمد بن حنبل لأبي زهرة. ٨ - أصول الفقه للشيخ أبي زهرة.

٩ - ملخص أبطال القياس لابن حزم. ١٠ - النصائح الكافية لابن عقيل.

١١ - رسائل الخوارزمي. ١٢ - المعجم الكبير للطبراني.

١٣ - فيض القدير للشوكاني. ١٤ - المحلي لابن حزم الظاهري.

١٥ - الفتاوي الواضحة لباقر الصدر. ١٦ - شرح المواهب للزرقاني.

١٧ - المراجعات لشرف الدين. ١٨ - النص والاجتهاد لشرف الدين.

١٩ - عبقرية خالد لعباس العقاد. ٢٠ - الاحتجاج للطبرسي.

٢١ - أبو هريرة لمحمود أبي رية. ٢٢ - فتح الباري لابن حجر.

٢٣ - مقالات الإسلاميين. ٢٤ - تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة.

٢٥ - غاية المرام. ٢٦ - الإمام الصادق للشيخ أبي زهرة.

٢٧ - جمهرة رسائل العرب. ٢٨ - الصحابة في نظر الشيعة الإمامية.

٢٩ - كتاب الكبائر للذهبي. ٣٠ - كتاب الصارم المسلول.

٣١ - كتاب معين الأحكام. ٣٢ - كتاب تلقيح فهوم الآثار.

٣٣ - إحياء علوم الدين للغزالي. ٣٤ - نظرية الإمامة لمحمود صبحي.

٣٥ - ثم اهتديت للمؤلف. ٣٦ - مع الصادقين للمؤلف.

٣٧ - فاسألوا اهل الذكر للمؤلف.


الفهرس

المقدمة ٩

التعريف بالشيعة ١٧

التعريف بأهل السنة ٢٣

أول حادث فرق المسلمين إلى شيعة وسنة ٢٧

الحادث الثاني في مخالفتهم للسنة النبوية ٢٩

الحادث الثالث الذي أبرز الشيعة في مقابل « أهل السنة » ٣١

أولاً: عزل المعارضة وشلها اقتصادياً ٣٢

ثانياً: عزل المعارضة وشلها اجتماعياً ٣٣

ثالثاً: عزل المعارضة سياسياً ٣٥

السنة النبوية بين الحقائق والأوهام ٣٧

تعليق: في هذه القصة طرائف لابد من ذكرها ٣٨

أهل السنة لا يعرفون السنة النبوية ٤٥

الدليل على ذلك: ٤٦

« أهل السنة » ومحق السنة ٥٢

الشيعة في نظر « أهل السنة » ٦٣

« أهل السنة والجماعة » في نظر الشيعة ٦٧

التعريف بأئمة الشيعة ٧١

التعريف بأئمة « أهل السنة والجماعة » ٧٥

النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي عين أئمة الشيعة ٨٢

حكام الجور هم الذين نصبوا أئمة « أهل السنة » ٨٨

السر في انتشار المذاهب السنية ٩٢


لقاء مالك مع أبي جعفر المنصور ٩٨

تعليق لابد منه لفائدة البحث والتحقيق ١٠١

إختبار الحاكم العباسي لعلماء عصره ١٠٦

حديث الثقلين عند الشيعة ١١٣

حديث الثقلين عند « أهل السنة » ١١٥

مصادر التشريع عند الشيعة ١٢٦

مصادر التشريع عند « أهل السنة والجماعة » ١٢٩

تعليق لابد منه لإكمال البحث ١٣٨

والمرجعية عند الشيعة التقليد ١٤٣

التقليد والمرجعية عند أهل السنة والجماعة ١٤٦

الخلفاء الراشدون عند الشيعة ١٤٩

الخلفاء الراشدون عند أهل السنة والجماعة ١٥٢

النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يقبل تشريع « أهل السنة والجماعة » ١٥٥

تنبيه لابد منه ١٥٨

عداوة « أهل السنة » لأهل البيت تكشف عن هويتهم ١٥٩

حريف أهل السنة والجماعة كيفية الصلاة على محمد وآله ١٦٤

أكاذيب تكشفها حقائق ١٦٨

أئمة « أهل السنة والجماعة » وأقطابهم ١٧٠

١ - أبو بكر ( الصديق ) ابن أبي قحافة ١٧١

٢ - عمر بن الخطاب « الفاروق »: ١٧٤

٣ - عثمان بن عفان « ذو النورين »: ١٧٨

٤ - طلحة بن عبيد الله: ١٨٣

٥ - الزبير بن العوام: ١٨٨

٦ - سعد بن أبي وقاص: ١٩٥

٧ - عبد الرحمان بن عوف ٢٠٢


٨ - عائشة بنت أبي بكر « أم المؤمنين »: ٢٠٦

٩ - خالد بن الوليد: ٢١٢

١٠ - أبو هريرة الدوسي: ٢٢٠

١١ - عبد الله بن عمر: ٢٢٨

خلاف عبد الله بن عمر للكتاب والسنة: ٢٣٦

١٢ - عبد الله بن الزبير: ٢٣٩

السنة النبوية لا تخالف القرآن عند الشيعة ٢٤٤

السنة والقرآن عند « أهل السنة والجماعة » ٢٤٧

الأحاديث النبوية عند " أهل السنة " متناقضة ٢٥٦

كتاب محمد بن أبي بكر إلي معاوية ٢٦٢

رد معاوية علي محمد بن أبي بكر ٢٦٤

الصحابة عند شيعة أهل البيت ٢٧١

الصحابة عند " أهل السنة و الجماعة " ٢٧٥

فصل الخطاب في تقييم الأصحاب ٢٨٠

مخالفة أهل السنة و الجماعة لسنن النبوية ٢٨٧

١ - نظام حكم في الإسلام ٢٨٨

٢ - القول بعدالة الصحابة يخالف صريح السنة ٢٩٢

٣ - النبي يأمر المسلمين بالاقتداء بعترته و أهل السنة يخالقونه ٢٩٥

٤ - " أهل السنة و الجماعة " و مودة أهل البيت ٢٩٨

٥ - أهل السنة و الجماعة و الصلاة البتراء ٣٠٣

٦ - عصمة النبي و تأثيرها على " أهل السنة و الجماعة " ٣٠٦

مع الدكتور الموسوي و " التصحيح " ٣٠٩

مصادر الكتاب ٣٢١


القرآن الكريم كتب الأحاديث ٣٢١

كتب التاريخ كتب السيرة ٣٢٢

كتب مختلفة ٣٢٣

الفهرس ٣٢٤