منهج الرشاد لمن أراد السداد
التجميع أصول الدين
الکاتب الشيخ جعفر كاشف الغطاء تحقيق الدكتور جودت القزويني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

منهج الرشاد

لمن أراد السداد

رسالة الامام الشيخ جعفر كاشف الغطاء إلى الأمير عبدالعزيز بن سعود

تأليف الشيخ جعفر كاشف الغطاء

تحقيق الدكتور جودت القزويني


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى

قريبة إنشاء الله تعالى.


منهج الرشاد لمن أراد السداد

رسالة الأمام الشيخ جعفر كاشف الغطاء الى الأمير عبدالعزيز بن سعود

تأليف زعيم الأمامية في عصره الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفى سنة ١٢٢٨هـ / ١٨١٣م

حققه وقدّم له الدكتور جودت القزويني


هذه الرسالة حصيلة مراسلة بين شخصيّتين كبيرتين تمثّلتا بالشيخ جعفر كاشف الغطاء- زعيم الطائفة الأمامية في عصره-، المتوفى سنة ١٢٢٨هـ / ١٨١٣م، وبين الأمير عبدالعزيز بن سعود- أحد قادة الحركة الوهابية في عهدها الأول-، المتوفى سنة ١٢١٨هـ /١٨٠٣م.

والسبب الذي دعا إلى تأليفها هو أنّ الأمير عبدالعزيز كتب رسالة إلى الشيخ كاشف الغطاء انتقد فيها الممارسات التي يطبقها زوار المراقد الدينية المقدسة،- وهي حسب العقيدة الوهابية تقارب الشرك في مقام التوحيد- ، المبتنية على مفردات نظرية مثل الشفاعة، والتوسل، والاستغاثة.

ولمعرفة ما تنطوي عليه هذه الأوراق من مناقشة وجدل يتحتّم فهم الظروف التي كانت سائدة في منطقة الجزيرة، والتي بدأت تؤثر في المناطق المحيطة تأثيراً بالغاً وفعّالاً.

فقد كانت منطقة الجزيرة العربية سياسياً واقعة تحت نفوذ السيادة العثمانية (عدا مسقط)، كما كان حال الدول الأخرى مثل العراق، وبلاد الشام، ومصر. ولم تكن سيطرة الدولة العثمانية على هذه البلدان سيطرة فعلية حيث تكتفي من الولاة بتقديم المبالغ المناسبة دليلاً لخضوع الوالي لها.

وفي القرنين (الثاني عشر والثالث عشر الهجريين / الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين) بدأ النفوذ البريطاني يدخل منطقة الشرق لتأمين سلامة المواصلات التجارية بين الهند وانكلترا، ووصول بضائع شركة الهند الشرقية الانكليزية إلى موانىء الخليج.

وكانت إيران تحت سلطة الأفشاريين بعد سقوط الدولة الصفوية سنة ١١٣٥هـ / ١٧٢٢م.

وفي أوائل القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي أصبح نفوذ البريطانيين شبه منفرد في المنطقة لانشغال الدولتين الكبيرتين القاجارية والعثمانية بأوضاعهما الدالخلية المضطربة، والنزاعات المتكررة بينهما.

ففي هذا الوسط ظهرت الدعوة الوهابية، وامتدت بتحالف تمّ عام ١١٥٧هـ/١٧٤٤م بين الشيخ محمد بن عبدالوهاب، والأمير محمد بن سعود على أن يكون صاحب


السيف حارساً للدين، وناصراً للسنّة، وان يستمر الداعية على الجهر بدعوته الأصلاحية الجديدة.

وقد استعت الأمارة في عهد محمد بن سعود(١) فشملت أكثر (نجد) حيث تكرّست فتوحاته على القرى المحيطة (بالدرعية)، والتي نجح في القضاء على زعاماتها المحلية ولم يبق خارجا عن قبضته سوى مدن الرياض، والأحساء، والقصيم.

وقد حكم محمد بن سعود عشرين عاماً حتى وفاته سنة ١١٧٩هـ / ١٧٦٥م حيث تولّى الحكم بعده ولده عبدالعزيز.

أمّا ولده (المعني بهذه الرسالة) عبدالعزيز بن محمد بن سعود فقد حكم (٣٩) عاماً وخلال هذه الفترة الزمنيّة اتسعت فتوحاته إتساعاً إمتدّ بسلطانه من شوطىء الفرات إلى رأس الخيمة، وعمان، ومن الخليج إلى أطراف الحجاز وعسير.

إن العلاقة الوهابية- الأثنا عشرية مرّت بمرحلتين:

الأولى: في حياة شيخ الوهابية محمد بن عبدالوهاب حتى وفاته عام ١٢٠٦هـ / ١٧٩٢م.

الثانية: ما بعد رحيل الأمام محمد بن عبدالوهاب، أي (خلال مرحلة حكم الأمير عبدالعزيز بن سعود (١٢٠٦هـ- ١٢١٨هـ).

ففي المرحلة الأولى لم تشهد المدن المقدسة الشيعيّة أيّ هجوم وهابي. والسبب يعود- كما ذكر صاحب العبقات- إلى علاقة الشيخ جعفر الطيبة مع الشيخ محمد بن عبدالوهاب. وبالرغم انّ المصادر التاريخية لم تشر إلى علاقة كهذه سوى ما ذكر في (العبقات)، فأنّ سياق الأحداث التاريخية يؤكد وجود علاقة بين الطرفين، ربّما إمتدت منذ إقامة الشيخ محمد بن عبدالوهاب أيام دراسته في بغداد، وبقيت حتى تولّي الشيخ كاشف الغطاء زعامة الطائفة الأمامية.

أمّا المرحلة الثانية- والتي تبدأ بعد وفاة الشيخ محمد بن عبدالوهاب- ، فأنها إتّسمت بالحوار الدبلوماسي في سنيّها الأولى، لكنّها لم تستمّر على هذه الوتيرة بعد الغزو الوهابي لمدينة كربلاء عام ١٢١٦هـ، وإحلال الدمار والقتل فيها.

____________________

(١) كانت إمارة آل سعود لا تتعدى البلدتين، أو الثلاثة في زمن أبيه سعود بن محمد بن مقرن. وقد إتسعت الفتوحات بعد تولّي محمد بن سعود الزعامة سنة ١١٣٩هـ / ١٧٢٧م.


وتتجلّى أهمية هذا الحوار في المراسلات التي دارت بين الأمير عبدالعزيز بن سعود والشيخ كاشف الغطاء، حيث كتب الأمير عبدالعزيز رسالة (نقل قسماً من مضامينها كاشف الغطاء)، وردّ عليها برسالة أشبه ما تكون بالمناقشة الشاملة لما ورد من الشبهات التي أثيرت حول الفكر الأمامي، ومما لم يرد منها أيضاً.

قد تميّز منهج كاشف الغطاء في رسالته بسمات، أهمّها:

١- امتازت الرسالة بالموضوعية والصدق، والواقعية، وغزارة المعرفة، وقوّة الأستدلال، حيث نهج مؤلفها منهجاً عقلانياً متكاملاً ردّ فيه المنطق بالمنطق، والحجّة بالحجّة والبرهان، ممّا جعلها- على رغم أنّها نافت على القرنين من الزمن- رسالةً فتيةً ما زالت حجيتها قائمة، طريّة الأفكار، متينة المباني، عذبة المحاججة، خالية مما اعتاد عليه المؤلفون في مثل هذه الميادين من الخروج عن ذريعة العلم إلى ذرائع أخرى لا تتصل إلى نهج المعرفة بصلة.

٢- يبدو أنّ كاشف الغطاء كان يدرك انّ الفتوحات الجديدة تهدد أمن المنطقة بكل عام، وستصل إلى العراق لضعف السلطة الحاكمة فيه، وانشغالها بالمشاكل الداخلية وغيرها. لذلك كان حديثه في الرد حديثا حاول من خلاله إقناع عبدالعزيز بن سعود- بما استطاع من إمكانات- بالرجوع عن معتقداته الدينيّة، والتخلّي عن نظريته المذهبية الت اعتنقها وتبّناها- على فرض الامكان- ، أو احترام وجهات النظر المتغايرة- على فرض آخر- لذلك كان خطابه إليه خطاباً يشعر أنّه خطاب صادر من سلطة دينيّة عليا إلى سلطة قتالية عليا.

وبالرغم من احترامه المتزايد للأمير الفاتح إلاّ أنّ (رسالته) لم تخل من واقعيّة في التعامل مع هذا الأمير، فقد حدّثه فيها باللغة المباشرة التي يفهمها هذا الأمير العربي. وكان يعزو تبنّيه للمذهب الوهابي إلى عدم خبرته في اختيار المذهب الذي عليه أنّ يتبّناه ويناضل من أجله، بسبب ضآلة معرفته الفكرية.

٣- تناولت الرسالة ردّاً للشبهات التي نشرها الوهابيون، وقد رتّبها على مقدمة وفصول، مقاصد، وكان لا يملّ من تكرار كلمة (أخي)، و(أقسم عليك) - نهاية كلّ موضوع- بعد بيان النتيجة التي يتوصل إليها بعد إيراده جملة من الأحاديث النبويّة لعلّ ذكل يكون سببا لمراجعة المعتقد من جديد.

٤- إستخدم في طيّات رسالته أسلوب الموعظة، وإلفات النظر إلى أنّ النفوذ الدنيوي


مهما بلغ فانّه سيؤول إلى الزوال. وقد أطنب في اختيار بعض المرويات المتعلقة بنهاية الأنسان وفنائه في الفصل الثالث، تحت عنوان: (في حياة سائر الموتى).

٥- نسب كاشف الغطاء نفسه في رسالته هذه إلى أنّه من تلامذة مدرسة (بغداد). وقد ذكر محمد حسين كاشف الغطاء انّ الشيخ جعفر أراد بذلك أن يظهر بمظهر أهل السنّة ليتوصل إلى أهدافه، ويقلع عبدالعزيز عما هو عليه. ولم يكن هذا الرأي موافقاً للصواب لعلم الأمير عبدالعزيز بهوية كاشف الغطاء، ومخاطبته الصريحة في رسالته التي إنتقد فيها زوار قبر الأمام علي في النجف.

ويمكن الأستنتاج أنّ العلاقة التي يشير إليها صاحب (العبقات) نفسه بين الشيخ كاشف الغطاء، وابن عبدالوهاب ينكم أن تكون ممتدّة إلى أيام تتلمذ الشيخ محمد ابن عبدالوهاب على يد شيوخ الحنابلة البغداديين. فأراد كاشف الغطاء أن يظهر أمام عبدالعزيز بن سعود أنه بمنزلة شيخه الذي نهض بأعباء الدفاع عن فكره، ونشر معتقداته بالقوّة.

٦- لمّا كان المذهب الوهابي يعتمد على صحاح الأحاديث السنّية، فقد التزم كاشف الغطاء في نقل أحاديثه، ومناقشاته على الصحاح فقط، ولم يتطرّق إلى غيرها من كتب الحديث. كما نقل أقوال كبار علماء السنّة في بحثه، ولم يتطرّق إلى كتب الحديث الشيعيّة سوى ما نقله فقط عن كتاب الأحتجاج للشيخ الطبرسي في حديث عام يتصل بالمجادلة بين النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعض المناوئين له من العصر الجاهلي.

٧- كتبت هذه الرسالة في سنة ١٢١٠هـ / ١٧٩٥م أي في حياة العلامة السيد مهدي بحر العلوم الذي توفي سنة ١٢١٢هـ / ١٧٩٧م. وكانت المرجعيّة في هذه المرحلة مقسّمة بين عدد من المجتهدين، حيث تخصص بحر العلوم بالتدريس، وكاشف الغطاء بالزعامة والفتيا، والشيخ حسين نجف بالصلاة جماعة، مما يبرهن على انحصار مرجعيّة التقليد السياسية والدينيّة في شخص كاشف الغطاء دون غيره من المجتهدين الكبار من طبقته.

لقد كان الشيخ كاشف الغطاء مدركاً المتغيرات السياسية، والصراع القائم بين القوى المتنازعة على الخليج فحاول أن يظهر النجف مركزاً مستقلاً عن مدار صراعات دول المنطقة، وأن يجنّب المرجعية الدينيّة العليا من الدخول في هذا الصراع.

ومن هنا يمكن تفسير العلاقة الودّية التي أقامها مع شيخ الوهابية بالمكاتبة مرّة، وبتقديم الهدايا مرّة أخرى، ونجاحه في حفظ الكيان الشيعي بعيداً عن المتغيرات السياسية التي


شهدتها المنطقة.

وبمقدار النجاح الذي حققه كاشف الغطاء مع الشيخ عبدالوهاب، فأنّه أراد أن ينحو المنحى نفسه مع وريثه الأمير عبدالعزيز بن سعود، وهو وإن نجح في تحييده قرابة العقد من الزمن إلاّ أنّ ذلك لم يمنع ابن سعود من غزو مدينة كربلاء المقدسة عام ١٢١٦هـ، ونهب (الكنوز) المودعة في حرم الأمام الحسين بن عليعليه‌السلام ، وقتل أهالي البلدة قتلة مأساوية شنعاء.

إنّ الهجوم الوهابي على (كربلاء) عام ١٢١٦هـ لم يكن مستهدفاً الشيعة بمقدار ما كان يهدف إلى إحلال الفوضى في الأمبراطورية العثمانية، وتهديد سلامتها وسرقة الخزائن التي ملأها ملوك الهند والفرس بنفائس الجواهر في النجف وكربلاء.

وبعد واقعة كربلاء عام ١٢١٦هـ / ١٨٠١م أحسّ كاشف الغطاء بضرورة تحصين النجف، وتعبئة الأهالي للدفاع عنها. فتهيّأت لذلك مراكز تدريب قتالية خارج البلدة يشرف عليها كاشف الغطاء بنفسه. كما تمّ تعيين عدد من المقاتلين للحراسة، وتنظيم المجاميع الأخرى للتصدي للغزو الخارجي من وراء الأسوار(١) .

وقد فشلت جميع الهجمات الوهابية الخمسة التي تكررت على النجف والتي كان أعنفها الهجمة التي حدثت أواخر عام ١٢١٨هـ / ١٨٠٣م حيث دافع النجفيون دفاعاً عنيفاً، ولم تستطع القوّة الغازية من اقتحام المدينة.

وفي عام ١٢٢١هـ / ١٨٠٦م تعرضّت النجف لغارة مفاجئة إلاّ أنّ ثقة النجفيين بممارساتهم القتالية وتحصنّهم بالأسوار والأسلحة جعلهم يتغلبون هذه المرّة على القوّة المهاجمة بسهولة.

(منهج الرشاد) - النسخة الخطية

وهي نسخة مكتوبة في حياة المؤلف، وقريبة لزمن التأليف كتبها العلامة الشيخ قاسم الدلبزي سنة ١٢١٠هـ / ١٧٩٥م، وعليها تعليق له.

____________________

(١) انتدب كاشف الغطاء الصدر الأعظم محمد حسين خان (وزير فتح علي شاه) ببناء سور محصّن للمدينة وفعلاً فقد بدأ العمل ببناءه سنة ١٢١٨هـ / ١٨٠٣م، واستمرّ العمل فيه ما يقارب العقد من الزمن فأصبحت النجف بسببه بلدة محصّنة يصعب اقتحامها حيث تضمّن خندقاً عميقاً، وأبراجاً، ومراصد، ومخافر، وجعلت في طبقاته منافذ مختلفة لوضع فوهات المدافع البنادق.


الصفحة الأولى من مخطوطة (منهج الرشاد)


الصفحة الأخيرة من مخطوطة (منهج الرشاد)


وهذه النسخة- كما يظهر- مطابقة للأصل تمام المطابقة، سليمة العبارة، صحيحة وهي تتكون من (٥٥) صفحة ، كلّ صفحة تحتوي على (٢٣) سطراً عدا الصحفة الأولى، ويتكون السطر الواحد- غالباً من (١٢) كلمة.

أمّا ناسخها العلامة الدلبزي فهو من العلماء المجهولين الذين اختفى تراثهم، ويبدو أنّه من تلامذة المؤلف كاشف الغطاء، والسيد مهدي بحر العلوم، كما يظهر من بعض المخطوطات أنه كان حيّا سنة ١٢٣١ هـ / ١٨١٦م. واستظهر بعضهم أنّه مات بالطاعون سنة ١٢٤٧هـ / ١٨٣١م. وولده الشيخ حسين الدلبزي المتوفى بالطاعون أيضاً سنة ١٢٤٧هـ من العلماء المشهود لهم بالفضل، وغزارة العلم، والأدباء الكبار الذين احتفظت المجاميع الأدبية بنماذج من قصائدهم البليغة الجزلة.

وعلى هذه النسخة (تملك) جملة من الأعلام منهم: الشيخ سليمان العاملي، والسيد صدر الدين الصدر (صهر المؤلف)، والعلامة السيد عبدالله بن محمدر ضا شبّر، والشيخ محمد رضا بن علي بن محمد جعفر الاسترابادي (وهي من مقتنيات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، برقم ٣٨٩٢ من تعداد الكتب الخطية).

النسخة المطبوعة

أمّا النسخة الثانية فهي نسخة طبعت بالمطبعة الحيدرية في النجف في شهر شعبان سنة ١٣٤٢هـ / ١٩٢٤م، باهتمام العلامة السيد عباس التبتي، وتقع في (٨٢) صفحة

وعلى صفحتها الأولى كتب هذا النصّ: (كتاب منهج الرشاد لمن أراد السداد من تأليف واحد الدهور، ونادرة العصور، أفضل الربانيين، وأعظم أساطين الدين، شيخ الطائفة الشيخ الأكبر (الشيخ جعفر النجفي) عطّر الله مرقده، صاحب كتاب كشف الغطاء، وشرح القواعد، والحقّ المبين، وغيرها من المؤلفات الشهيرة، المتوفى في رجب سنة ثمانية وعشرين بعد الألف والمائتين هجريّة.

كتبه بعنوان جواب مكتوب، كتبه إليه بعض أمراء (نجد) من أبناء سعود الذين هم الدعاة إلى مذهب الوهابيّة. وهو كتاب جليل لم يكتب مثله في هذا الباب.

وكان طبعه ونشره باتفاق حضرة حجّة الأسلام، ومرجع الأنام، وحيد الناس، سيدنا الأجل الحاج سيد عباس التبتي مدّ ظلّه العالي. طبعت بمطبعة (الحيدرية) في النجف الأشرف سنة ١٣٤٣هـ).

وقد ذكر الطهراني أنّ منهج الرشاد هو أوّل كتاب كتب في الردّ على الوهابيّة ووصفه


بأنّه حوى حقائق علمية، وحججاً دامغة.

أمّا العلامة الأمين فذكر أنّ هذه الرسالة هي أول رسالة كتبت في هذا الموضوع (إلاّ أن يكون سبقها كتاب سليمان بن عبدالوهاب أخي محمد بن عبدالوهاب). وامتدح مؤلفها وقال : (إنّها حوت كثيراً مما لم يحوه بعض ما تأخّر عنها، فهي من مفاخر ذلك العصر).

جواب الأمير عبدالعزيز بن سعود

عند وصول الرسالة إلى الأمير عبدالعزيز بن سعود كتب إلى مؤلفها الشيخ جعفر كاشف الغطاء هذه الرسالة المختصرة، وهذا نصّها:

يصل الخط إن شاء الله إلى عبدالله جعفر راعي (المشهد)

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

السلام التام، والتحية والأكرام، يهدى إلى سيد الأنام، محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ثم ينتهي إلى جناب الأجلّ الأكرم عبدالله جعفر سلّمه الله من كلّ شرّ، وأسكنه يوم القيامة جنّة المستقرّ، وأعاذه من عذاب النار الذي يحذر.

أمّا بعد: فوصل كتابك، وفهمنا ما تضمّنه من خطابك، وما ذكرت أنّه بلغك عنّا من حسن الطريقة، واستقامة السيرة من الصلاة والزكاة، والصيام، والحج، وغيره ذلك من شرائط الأسلام، فالحمد لله الذي هدانا للأسلام، وجنّبنا من عبادة الأصنام، حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه، كما يحبّ ربّنا ويرضى، وكما ينبغي لكرام وجهه وعزّ جلاله.



منهج الرشاد لمن أراد السداد



مقدمة المؤلف

الحمد لله الذي تفرّد بالأزلية والقدم، واشتقّ نور الوجود من ظلمة العدم، وأسس قواعد الشرع على وفق المصالح والحكم، وفضّل أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على سائر الأمم، وأنزل القرآن فيه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات، وحذر عن اتباع الملاذ والشهوات، وأمر بالوقوف عند الشبهات، وأنذر عن متابعة الآباء والأمهات، والصلاة والسلام على من قدّمه على جميع أنبيائه، وفضّله على كافة أصفيائه، (محمد) المختار، صلى الله عليه وعلى آله، ما أظلم ليل، وأضاء نهار.

أما بعد: فقد ورد- الى المقصر مع ربه، التائب اليه من ذنبه، الطالب من الله السداد، (جعفر) أقل طلبة أهل (بغداد)- كتاب كريم، مشتمل على كلماتٍ كالدر النظيم، ممن لم يزل بالمعروف آمراً، وعن المنكر ناهياً زاجراً، الآمر بعبادة المعبود، الشيخ عبدالعزيز بن سعود(١) . فلما نظرته وتدبرته وتأملته وتصورته، خلوت في زاوية من الدار، وتصفحته تصفح الأنصاف والأعتبار. وقلت متهما لنفسي بالميل الى العصبية والعناد، والركون الى ما عليه الآباء والأجداد: يا نفس إعرفي قدر دنياك، واحذري شر من أغوى أباك، لقد تخليت عن نعيم الدنيا بحذافيرها، وقنعت بقليلها، ولو بقرص شعيرها، وتجنبت دار العزّة والوقار، واخترت العزلة والخمول في هذه الديار.

فلو كنت في كبار البلدان، من ممالك بني (عثمان)، أو في بعض بلدان فارس وإيران لجاءت إليك الدنيا من كل جانب ومكان، ونلت من النعيم ما لم ينله إنسان، فاحذري أن تكوني مع الأعراض عن هذه النعم الفاخرة، ممن قد خسر الدنيا والآخرة.

فلما شممت منها رائحة التصفية، ورأيت أن نسبة المذاهب- لولا الله عندها- على التسوية، وجهتها الى الكشف عن حقيقة الجواب عن الشبة الموردة في ذلك الكتاب،

____________________

(١) عبدالعزيز محمد بن سعود (أمير آل سعود في دولتهم الأولى)، ولد سنة ١١٣٢هـ / ١٧٢٠م، وولّي بعد وفاة أبيه عام ١١٧٩هـ / ١٧٦٥م، وكانت عاصمة حكمه (الدّرعية) بنجد، واتسعت الفتوحات في أيامه، وأمتدّ ملكه من شواطىء الفرات الى رأس الخيمة وعمان، ومن الخليج الفارسي إلى أطراف الحجاز وعسير.

اغتاله رجلّ من أهل العمادية (من ديار الجزيرة) في جامع الدرعية سنة ١٢١٨هـ / ١٨٠٣م. الأعلام للزركلي: ٤/٢٧.


ورأيت أن أشرح في الحال رسالةً على وجه الأختصار، مستمداً من فيض الواحد القهار، وسميتها(منهج الرشاد لمن أراد السداد).

فاقسم عليك- بمن جعلك متبوعاً بعد أن كنت تابعاً، ومطاعاً بعد أن كنت لغيرك مطيعاً سامعا، وأعزّك بعدما كنت ذليلاً، وكثر جمعك بعدما كان نزراً قليلاً- أن تنظر ما رسمته سطرا سطرا، وتمعن في تحقيق ما رقمته نظراً وفكراً، متوحشاً من الناس وقت النظر، متحذراً من النفس الأمارة كل الحذر، طالباً من الله كشف الحقيقة، سالكاً في المناظرة واضح الطريقة، فلعله يظهر أنه ليس بيننا نزاع، فنحمد الله على الإتفاق والأجتماع. وقد رتبتها على مقدمة، ومقاصد، وخاتمة.

أما المقدمة، فتشتمل على ثلاثة فصول:

الفصل الأول

في أنّ الافعال والكلمات تختلف باختلاف المقاصد والنيّات

فمن قال: يد الله، وعين الله، وجنب الله، وأراد الجوارح على نحو ما في الأجسام، او قال: إن الله على العرش استوى، أو في جهة الفوق، وأراد الحلول والاختصاص التام، أو أسند الرحمة إليه، أو الغضب، وأراد رقّة القلب، أو ثوران النفس على نحو ما يعرف بين الأنام، أو أسند الرزق الى المخلوق، أو دعاه، أو استغاث به على نحو ما يسنده الى الملك العلام، كان خارجاً عن مقالة أهل الإسلام.

وأما من قصد بها معاني أخر، فليس عليه من بأس ولا ضرر. وليس هذا كصنيع المشركين، فأن الفرق ظاهر، كما سنبينه كمال التبيين، فالمستغيث بالمنسوب مستغيث بالمنسوب إليه، والمستجير بالمكان مستجير بمن سلطانه عليه.

فمن أراد الأستاجرة والأستغاثة بـ (زيد) فله طريقان:

أحدهما: أن يهتف بأسمه.

وثانيهما: أن ينادي بصفاته، أو مكانه، أو خدمه.

وثانيهما أقرب الى الأدب، وأرغب لطباع أرباب الرتب، فلا يكون المستغيث ببيت الله، أو بصفات الله، أو برسل الله، أو المقربين عند الله، إلا مستغيثاً بالله؛ فكلّما دعا


مخلوقاً مقرباً عند الله، أو استغاث به قاصداً بحسن التعبير الأستغاثة باللطيف الخبير، فليس عليه بأس في ذلك، بل هو سالك في الآداب أحسن المسالك.

وكذلك من أسند تلك الأشياء لمجرد الربط الصوري، لا على قصد التأثير الحقيقي، كما يقال: (أنبت الربيع البقل)، والمنبت هو الله، و(بنى الأمير القصر)، والباني ظاهراً بناه(١) .

فأطلاق (السيد) و(المالك) على غير الله ، (وإضافة (العبد) و(المملوك) في الأحرار الى غير الل ه)(٢) ، إن أريد بها الملكية الحقيقة، كان خروجاً عن الطريقة الشرعية، وإلاّ لم يكن في ذلك بأس بالكلية.

ولهذا ورد في الأخبار النبوية إطلاق (السيد) على غير الله.

روى أبو هريرة(٣) عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة(٤) .

وعن أبي سعيد الخدري(٥) عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(٦) .

وعن عليعليه‌السلام ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: أبوبكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة(٧) .

وعن فاطمةعليها‌السلام : أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبرني أني سيدة نساء العالمين، رواه الترمذي(٨) .

وروى أبو نعيم الحافظ، قال: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إدعوا لي سيد العرب عليا.

____________________

(١) في المطبوع: سواه.

(٢) لا توجد في المخطوطة.

(٣) أبو هريرة: عبدالرحمن بن صخر الدوسي اليماني، توفي سنة ٥٧هـ / ٦٧٧م في المدينة.

(٤) سنن الترمذي (كتاب المناقب) حديث ٣٥٤٨؛ وصحيح مسلم (كتاب الفضائل)، حديث ٤٢٢٣؛ ومسند أحمد (باقي مسند المكثرين)، حديث ١٠٥٤٩؛ وسنن ابن ماجه، (كتاب الزهد)، باب ٣٧؛ سنن الدارمي، المقدمة، باب ٨.

(٥) أبو سعيد الخدري: سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري، توفي في المدينة سنة ٧٤هـ / ٦٩٣م، وهو من الصحابة، ورتبهم أسمى مراتب العدالة والتوثيق.

(٦) سنن الترمذي (كتاب المناقب)، حديث ٣٧٠١، ٣٧١٤؛ وابن ماجه (المقدمة)، حديث ١١٥؛ ومسند أحمد (باقي مسند المكثرين)، حديث ١٠٥٧٦، ١١١٦٦، ١١١٩٢، ١١٣٥١. ورواه أيضاً في (باقي مسند الأنصار)، حديث ٢٢٢٤٠، ٢٢٢٤١.

(٧) سنن الترمذي (كتاب المناقب)، حديث ٣٥٩٧، ٣٥٩٩. ومثله حديث ٣٥٩٨؛ وسنن ابن ماجه (المقدمة)، حديث ٩٢، ٩٧؛ ومسند أحمد بن حنبل (مسند العشرة المبشرين بالجنّة)، حديث ٥٦٨.

(٨) سنن الترمذي، حديث رقم ٣٨٢٨


وفي حلية الأولياء أنه قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ مرحباً بسيد المؤمنين(١) .

وعن أبي بكرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال للحسن: إبني هذا سيد(٢) .

وعن عائشة(٣) عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه سار إبنته الزهراء، فقال لها: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، أو نساء المؤمنين(٤) . وروي ذلك عن الصحابة أيضاً، فعن جابر(٥) أن عمر كان يقول: أبو بكر سيدنا، واعتق سيدنا، (يعني: بلالا)، رواه البخاري(٦) . وعن أبي بكررضي‌الله‌عنه أنه قال: أتقولون هذا شيخ قريش وسيدهم(٧) . وعن عائشة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب.

وروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أن سادات النساء أربعة: خديجة، وفاطمة، وآسية، ومريم.

وعن عليعليه‌السلام : أنا سيد البطحاء. إلى غير ذلك مما يزيد على التواتر.

فالجمع بين ذلك وبين ما روي في الكتب المعتبرة أنه جاء وفد الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقالوا: أنت سيدنا، فقال: السيد الله(٨) . باختلاف القصد في معنى (السيد).

وكذا ما ورد من المنع من قول السيد عبدي وأمتي، فقول العبد لمولاه ربي، مع وجود ذلك في كلام يوسف(٩) .

وكذلك الأستغاثة بغير الله، إن أريد بها الصورة، أو من باب إستغاثة العبد بقصد

____________________

(١) حلية الأولياء: ١/٦٦.

(٢) البخاري (كتاب المناقب)، حديث ٣٣٥٧، ٣٤٦٣. وكذلك رواه في (كتاب الصلح، حديث ٢٥٠٥؛ والترمذي (كتاب المناقب)، حديث ٣٧٠٦.

(٣) عائشة بنت أبي بكر التيميّة، أم المؤمنين، توفيت في المدينة سنة ٥٨هـ / ٦٧٨م.

(٤) صحيح البخاري (كتاب المناقب)، حديث ٣٣٥٣؛ وصحيح مسلم (فضائل الصحابة)، حديث ٤٤٨٦، ٤٤٨٨؛ والترمذي (كتاب المناقب)، حديث ٣٨٠٧؛ وسنن ابن ماجه (ما جاء في الجنائز)، حديث ١٦١٠؛ ومسند أحمد (باقي مسند الأنصار)، حديث ٢٣٣٤٣، ٢٤٨٢٩، ٢٥٢١٠.

(٥) جابر بن عبدالله بن عمرو الأنصاري، صحابي، أقام في المدينة، وتوفي فيها سنة ٧٨هـ / ٦٩٧م.

(٦) صحيح البخاري، (باب مناقب بلال بن رياح): ٤/٢١٧، حديث رقم ٣٤٧١؛ وسنن الترمذي، (كتاب المناقب)، حديث ٣٥٨٩.

(٧) صحيح مسلم (باب فضائل سلمان، وصهيب، وبلال): ٤/١٩٤٧.

(٨) سنن أبي داود (كتاب الأدب)، حديث ٤١٧٢؛ ومسند أحمد (مسند المدنيين)، حديث ١٥٧١٧، ١٥٧٢٦. وجاء فيه (أنت سيد قريش، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : السيد الله).

(٩) إشارة إلى قول يوسفعليه‌السلام :( قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ) - سورة يوسف، الآية ٢٣- وقوله أيضاً:( فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّکَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) - سورة يوسف، الآية ٥٠.


المعبود، فلا بأس بها، وعلى ذلك قوله تعالى( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) (١) وكذا قوله( يَسْتَصْرِخُهُ ) (٢) .

وكذلك إطلاق الرب في بعض المعاني على غير الله كفر، مع أنّ الصديق يوسفعليه‌السلام قال( اذْکُرْنِي عِنْدَ رَبِّکَ ) (٣) ، وكذلك طلب الرزق من غير الله على وجه الحقيقة كفر، وقال الله تعالى:( وَ ارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَ اکْسُوهُمْ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) (٤) وقوله:( يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ ) (٥) ، ونحوه( اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا ) (٦) .

ومن ذلك قول القائل: لولا (فلان) لكان (كذا). فأن أراد أنه الفاعل المختار، دخل في أقسام الكفار. وإن أراد العليّة الصورية بمجرد رابطة جزئية، لم يكن عليه بأس بالكلية.

ولذلك ورد عن سيد الأنام أنّه قال: لولا قومك حديثو عهد بالأسلام لهدمت الكعبة(٧) .

وعن سفيان الثوري أنه قال: لولا هذه الدنيا لكان الملوك صعاليك.

وعن عمر أنه قال لعليعليه‌السلام لما أشار عليه بعدم أخذ حلي الكعبة: لولاك لافتضحنا.

وعن النبي أنه قال لعلي: لولا أن تقول الناس فيك ما قالت النصارى لقلت فيك مقالاً.

وورد في صحيح الأثر، عن الفاروق عمر أنه قال : (لولا عليّ لهلك عمر). ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، إلى غير ذلك.

وكذا الحلف بغير الله إن أريد به الحلف على جهة إثبات الدعوى، كان خارجاً عن الشريعة، وإلاّ لم يكن قسماً على الحقيقة.

والحديث الذي فيه: (من حلف بغير الله، فقد أشرك)(٨) محمول على حقيقة الحلف،

____________________

(١) القرآن الكريم: ٢٨/١٥ (سورة القصص).

(٢) القرآن الكريم: ٢٨/١٨ (سورة القصص).

(٣) القرآن الكريم: ١٢/٤٢ (سورة يوسف).

(٤) القرآن الكريم: ٤/٥ (سورة النساء).

(٥) القرآن الكريم: ١٢/ ٨٨ (سورة يوسف).

(٦) القرآن الكريم: ١٨/٧٧ (سورة الكهف).

(٧) عن عائشة، قالت: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يا عائشة لولا أنّ قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض ) صحيح مسلم (كتاب الحج)، حديث ٢٣٧٠؛ والبخاري (كتاب العلم)، حديث ١٢٣. وكذلك رواه في (كتاب الحج):- حديث عهدهم بالجاهلية- حديث ١٤٨٠، ١٤٨٣.

(٨) سنن الترمذي (كتاب النذور والأيمان)، حديث ١٤٥٥.


وسيجيء تفصيله في المقصد الخامس. وكذلك إطلاق اليد، والرجل، والقدم، وغير ذلك بالنسبة الى الله على الحقيقة، لا يوافق الطريقة من غير تأويل، لم يتوهمه سوى نزر قليل.

مع أنه روى أبو هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أن النار لا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها(١) . وعن أنس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن النار لا تمتلئ حتى يضع الله قدمه فيها(٢) . ومن ذلك نسبة الضحك والعجب الى الله تعالى، فأنّ إرادة الحقيقة بعيدة عن الطريقة؛ مع أن أبا هريرة روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: لقد عجب الله، أو ضحك الله، عن (فلان) و(فلانة)، ونقل قصته(٣) .

فبأختلاف المعاني إختلفت المباني، وكذلك في مسألة الأفعال، فأنها شبيهة الأقوال، فأنّ القيام للتواضع قد ورد النهي عنه.

روى أبو أسامة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه خرج متكأً على عصى، فقمنا له، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم بعضهم لبعض، رواه أبو داود(٤) .

وروى ابن عمر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: لا يقوم الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا(٥) .

عن أنس أنه قال : لم يكن شخص أحب إليهم من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا، لما يعلمون من كراهيته لذلك، رواه الترمذي، وقال: هذا خبر صحيح(٦) .

فينبغي أن ينزل المنع على قيام خاص، كأن يقوم منحنياً على نحو ما يصنع الأعاجم. وفي الخبر ما يرشد إليه اختلاف الأغراض والمقاصد.

كما روي عن معاوية أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من سرّه أن يتمثل له الرجال قياماً، فليتبوء

____________________

(١) صحيح البخاري (كتاب تفسير القرآن)، حديث ٤٤٧٢؛ وصحيح مسلم (كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها)، حديث ٥٠٨٢.

(٢) صحيح البخاري (كتاب التوحيد)، حديث ٦٨٩٥؛ وصحيح الترمذي (كتاب صفة الجنّة)، حديث ٢٤٨٠، ٢٤٨٤.

(٣) صحيح البخاري (كتاب المناقب)، حديث ٣٥٢٤؛ وصحيح مسلم (كتاب الأشربة)، حديث ٣٨٢٩، ٣٨٣٠؛ وسنن الترمذي (باب تفسير القرآن)، حديث ٣٢٢٦.

(٤) سنن أبي داود (كتاب الأدب)- باب قيام الرجل للرجل، حديث ٠٣٢٥.

(٥) مسند أحمد: ٢/١٧.

(٦) سنن الترمذي (كتاب الأدب)- باب كراهية قيام الرجل للرجل، حديث ٢٦٧٨.


مقعده من النار(١) .وحديث (ولا يقوم الرجل)، ظاهره اختصاص الجالس مجالسه، وربما ينزل ما دل على كراهته كذلك على نحو كراهته لملاذ الدنيا، وزهده في القيام كزهده في مباحاتها.

فقد روى أبو سعيد الخدري أن سعداً جاء على حمار، فلما دنا من المسجد، قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للأنصار: قوموا إلى سيدكم(٢) .

وعن عائشة قالت: كنت جالسةً متربعة، فجاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأردت القيام، كما هي عادتي عند دخوله، فمنعني(٣) . فأنّ فيه دلالة على أنّ ذلك كان معتاداً لها، ولعلّ هذا المنع كان لسبب خاص، أو كزهد الدنيا، وكسر النفس.

وروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه لما قدم جعفر مبشراً بفتح خيبر، قام، فقال: ما أدري بأيّهما أنا أشد فرحاً، أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر(٤) .

وقيام الأحتمال في هذه الأخبار لا يمنع الاستناد إليها كما لا يخفى على أولي الأنظار مع ما ورد في الأخبار الكثيرة، من إستحباب تعظيم المؤمن، ويدخل في تعظيم شعائر الله على نحو ما ورد في التفاسير المعتبرة.

وعن أبي هريرة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يجلس معنا في المسجد يحدثنا، فإذا قام قمنا لقيامه، حتى نراه دخل بعض بيوت أزواجه.

وعن واثلة(٥) قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن للمسلم لحقاً إذا رآه أخوة تزحزح له، رواه البيهقي في شعب الايمان(٦) .

____________________

(١) سنن أبي داود (كتاب الأدب)، حديث ٤٥٥٢؛ وسنن الترمذي (كتاب الأدب)، حديث ٢٦٧٩.

(٢) سنن أبي داود، حديث ٥٢١٦.

(٣) أيضاً، حديث ٥٢١٧.

(٤) علّق العلامة الشيخ قاسم الدلبزي (ناسخ الكتاب) على هذا الموضوع بقوله:

(لقائل أن يقول: إنّ حديث (جعفر) ليس فيه دلالة على المطلوب لأنّ قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (ما أدري أنا بأيّهما أشدّ فرحاً) لا دلالة فيه لاحتمال أن يكون من جمعة الفرح؛ يعني ما أدري فرحي لقدوم جعفر، أو لفتح خيبر؛ لأنّ مطلوبنا القيام، وهذا لا دلالة فيه على أنّ القيام كان من النبيّ لجعفر من جمعة فرحه بفتح خير.

وذلك حديث أبي هريرة، وحديث واثلة لأنّ قول الأصحاب (قمنا قياماً)، حتى قوله (دخل بيوت بعض أزواجه) لا دلالة فيه على أنّهم قائمين- هكذا وردت في الأصل- لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكذا قوله في حديث واثلة: (فاذا رآه أخوه تزحزح له) لاحتمال أن يكون التزحزح، والتفسح بمعنى واحد. والمنكر لا ينكر التفسّح ) ++ (قاسم الدلبزي) ==

(٥) واثلة بن الأسقع بن كعب، توفي سنة ٨٣هـ/٧٠٢م بدمشق عن (١٠٥) سنين.

(٦) سنن البيهقي، (كتاب شعب الأيمان).


ولعل هذا مبني على أن التواضع تختلف أقسامه باختلاف الأزمان، وكيف كان فالذي يظهر بعد التأمل التام إختلاف الأقوال والأفعال باختلاف المقاصد. ومن ذلك إختلاف أحوال الزهّاد، فبعض ترك المآكل والملابس الحسان، واقتصر على الجشب والخشن، وبعضهم يأكل من أطيب المأكول، ويلبس من أنعم الملبوس. وباعتبار اختلاف النيات دخل (العملان) في قسم العبادات.

ثم إنّ الأفعال المختلفة بعضها لا ينسب الى غير الله، كأيجاد الكائنات، وصنع المصنوعات. وبعضها لا ينسب الى الله، كأفعال القبائح والمنفّرات، وبعضها تختلف معانيها ومقاصدها، فتنسب الى الخالق مرة، والمخلوق أخرى. وهذا الحكم متمشٍ على قول من لم يثبت فاعلاً سوى الله، وعلى قول من أثبت.

والمعيار أنه متى قام إحتمال إرادة وجه صحيح بني عليه، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إدرؤا الحدود بالشبهات)، (ولا تقل في الناس إلاّ خيراً). وما دلّ على النهي عن سوء ال ظن، فكيف بالشك.

وعن عائشة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إدرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم(١) .

فالناس إذن في صدور أمثال هذه الأمور عنهم على أنحاء:

بين علماء عاملين، مقاصدهم صحيحة، فلا يتعمدون بالأقوال والأفعال، إلا الوجوه السليمة من القيل والقال.

وبين أعوام جهال بنوا على ما بنى عليه علماؤهم على الإجمال، وليس لهم قابلية التفتيش على حقيقة الحال، فهم أيضاً معذورون عند ربّ العزة والجلال.

وبين من بنوا على طريق الضلال، وعليهم المؤاخذة بضروب النكال.

والتحقيق أنّ تبدل الأحكام بتبدل الموضوعات، ليس من باب التشريع والإبداع، مثلاً يستحل للنساء التزين لرجالهن، فمنذ كان لبس السواد زينة إستحب، فإذا انعكس وصار الميل إلى الأحمر والأصفر إنعكس الخطاب. وألوان اللباس تختلف باختلاف الناس، ففي كل بلاد يستحب لون ونوع، فإنه قد يكون في مكان لباس شهرة، وفي آخر بعكسه، وفي موضع من لباس النساء، وفي موضع بعكسه.

وكذا كانت رغبة الناس في طيب الكافور، فكرهه اليوم.

____________________

(١) المستدرك للحاكم: ١/٣٨٤.


وكذلك إكرام الضيف بالمآكل، وكذا المراكب، فيختلف الحال باختلاف الأحوال.

وكذا طريق التواضع، وتعلية البناء، ولباس الزهد.

والزهد في المأكول يختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والمقاصد، وعلى ذلك مبنى كثير من إختلاف الأخبار.

وكذا يستحب التأهب لجهاد الكفار بأحسن السلاح، وكان أطيبها السيوف والرماح، وصار الأحسن في هذه الأيام (التفك)(١) المعروف بين الأنام.

وكذا الوصول الى بعض الأرضين لا يستحب، حتى تجعل مقبرة للمسلمين.

فاختلاف الأزمنة والأمكنة والجهات، قد يبعث على اختلاف الأحكام، لأختلاف الموضوعات، وربما بني على ذلك إختلاف كثير من الأخبار، وطريقة المسلمين على اختلاف الأعصار.

وفقنا الله وإياكم لسولك الجادة المستقيمة، والأخذ بالطريقة السليمة، وردني الله إليك إن كنت أنت على الحق، وردّك إليّ إن كان الحقّ معي، ومع أكثر الخلق.

الفصل الثاني

في بيان اختلاف ظواهر الآيات والروايات

وإن لكلّ من الحق والباطل مأخذاً، كما روي: إنّ لكل حق حقيقة، ولكل صواب نوراً، فمن أراد الحق إهتدي إليه، ومن أراد الباطل كان له ميدان في المجادلة عليه. فمن خرج عن جادة الأنصاف، وسلك طريق الغي والأعتساف، ولم يرجع الي سيرة الصحابة والتابعين، أمكنه أن يستند الى ظاهر القرآن المبين، فيما يخرج عن شريعة سيد المرسلين.

فأن (الوعيدية) المنكرين للعفو، الموجبين للمؤاخذة على المعاصي، يمكنهم الإستدلال بآية سورة الزلزال( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ‌ ) (٢) ، و (الوعدية) القائلين برفع المؤاخذة بالكلية، وان الله لا يعاقب على معصية، لهم الإستناد

____________________

(١) وفي نسخة (البندق)، ويقصد بها البنادق.

(٢) القرآن الكريم: ٩٩/٧- ٨ (سورة الزلزلة).


الى قوله تعالى:( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) (١) ، ووعده لا خلف فيه. والمثبتون للرؤية في الآخرة يستندون الى قوله تعالى:( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) (٢) ، والنافون الى قوله تعالى:( لاَ تُدْرِکُهُ الْأَبْصَارُ وَ هُوَ يُدْرِکُ الْأَبْصَارَ ) (٣) . والقائلون بأن الله على العرش بآية( عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‌ ) (٤) ، والنافون بقوله تعالى:( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) (٥) و( إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ‌ ) (٦) ( وَمَا يَکُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ) (٧) . والقائلون بالتجسيم على الحقيقة يستندون الى مثل قوله:( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) (٨) ، والنافون الى قوله( لَيْسَ کَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ ) (٩) ونحوها.

والقائلون بجواز المعصية على الأنبياء يستندون الى مثل قوله تعالى:( وَ عَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى‌ ) (١٠) ، والنافون بمثل قوله:( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (١١) .

والقائلون باستناد جميع الأفعال إلى الله، استندوا إلى قوله:( خَالِقُ کُلِّ شَيْ‌ءٍ ) (١٢) وقوله:( کُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) (١٣) .

والآخرون الى قوله( مَا أَصَابَکَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ مَا أَصَابَکَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِکَ ) (١٤) .

والقائلون بأن الكفار مخاطبون بالفروع بعموم( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّکُمُ ) (١٥) ، والنافون

____________________

(١) القرآن الكريم: ٣٩/٥٣ (سورة الزمر).

(٢) القرآن الكريم: ٧٥/٢٣ (سورة القيامة).

(٣) القرآن الكريم: ٦/١٠٣(سورة الأنعام).

(٤) القرآن الكريم: ٢٠/٥ (سورة طه).

(٥) القرآن الكريم: ٩/٤٠ (سورة التوبة).

(٦) القرآن الكريم: ٢٦/٦٢ (سورة الشعراء).

(٧) القرآن الكريم: ٥٨/٧ (سورة المجادلة).

(٨) القرآن الكريم: ٤٨/١٠ (سورة الفتح).

(٩) القرآن الكريم: ٤٢/١١ (سورة الشورى).

(١٠) القرآن الكريم: ٢٠/١٢١ (سورة طه).

(١١) القرآن الكريم: ٢/١٢٤ (سورة البقرة).

(١٢) القرآن الكريم: ٦/١٠٢ (سورة الأنعام).

(١٣) القرآن الكريم: ٤/٧٨ (سورة النساء).

(١٤) القرآن الكريم: ٤/٧٩ (سورة النساء).

(١٥) القرآن الكريم: ٢/٢١ (سورة البقرة).


لذلك لخطاب( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) (١) الى غير ذلك.

وكذا في الفروع الفقهية، فأنّ كلاً من الفقهاء له مأخذ من الكتاب والسنة، مغاير لمأخذ صاحبه، كما لا يخفى على المتتبع، فلمن أراد أن يبيح جميع الأشياء قوله تعالى:( خَلَقَ لَکُمْ مَا فِي الْأَرْضِ ) (٢) ومن قصر التحريم على أربعة استند الى ما دل على تحليل جميع الأشياء ما عدا الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهلّ به لغير الله، من جميع ما خلق الله. ‌ والحاصل أنّ كلّ من أراد العناد والعصبية، فله مدرك يتشبث به من آية قرآنية، أو سنّة محمّدية، ويكون صاحب مذهب ورأي، يباحث الفضلاء، ويناظر أساطين العلماء، ما لم يكن له حاجب من تقوى الله. ‌ ولقد أجاد بعض القدماء، من فحول العلماء حيث يقول: إنّ المسائل الشرعية عندي بمنزلة الشمع اللّين، أصوّره كيف شئت لولا تقوى الله. ‌ ونقل أنّ بعض الفضلاء أخذ قطعةً من قرطاس في محفل من الناس، فأورد عليهم براهين على أنّها قطعة ذهب، حتى اقرّوا بذلك.

ولكن من أراد رضا الجبار، ورجا الفوز بالجنة، وخاف عذاب النار، ينظر الى المعادلة في الدلالات، ثم ينظر المرجحات الخارجيات، وأولاها التأمل في طريقة الصحابة وسيرتهم، فأنّها أعظم شاهد على ما حكم به الجبار، وجرت عليه سنّة النبيّ المختارصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأنّ لكل ملّة طريقةً يرجعون إليها، ويعوّلون عند وقوع الأشتباه عليها.

وقد يحصل العلم بما عليه الأمراء، من النظر الى عمل أتباعهم، وأشياعهم، ورعاياهم، وخدمهم، وحشمهم، لأنّ الأثر يدل على مؤثره، والمنتهى يدل على مصدره.

وبعد العهد بيننا وبين زمان (الصدور)، ربّما أخفى علينا كثيراً من الأمور، فاذا حصل الأجماع والأتفاق، إرتفع النزاع والشقاق، وكذلك إذا اشتهر أمر بين السلف وظهر، فلا وجه للأنصراف عنه الى ما شذّ وندر.

فقد علم أنّ الميزان الذي لا عيب فيه، ولا نقص يعتريه، هو الرجوع الى كلام الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، لأنه موضح وكاشف لحكم سيد المرسلين.

____________________

(١) القرآن الكريم: ٢/١٠٤ (سورة البقرة).

(٢) القرآن الكريم: ٢/٢٩ (سورة البقرة).


ولمّا اختلفت الأخبار في بعض ما أوردناه وشرحناه، لزم الرجوع إليهم، والأعتماد في تصحيح الأخبار- بعد الله- عليهم.

على أنّ الأخبار الدالة على جواز ما منعه المانعون أكثر مورداً، وأوفر عدداً، وأقرب إلى ظاهر الكتاب والسنة وكلام الأصحاب.

وفقنا الله وإياكم لأدراك حقائق الأمور، والتوفيق للسعادة يوم النشور، وجعلنا من المتمسكين بالعروة الوثقى، والمتشوقين إلى دار الآخرة التي هي خير وأبقى، والله ولي التوفيق، وبيده أزمة التحقيق.

الفصل الثالث

في بيان الميزان التي يرجع إليها إذا تشابهت الأمور

وهي ما عليه الصحابة والتابعون، وما أجمع عليه المسلمون. قال الله تعالى:( وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ) (١) وقال:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) (٢) .

وعن إبن عمر، أنه قال: لا تجتمع أمتي- أو قال: (أمّة محمّد)- على ضلال. ويد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار، رواه الترمذي(٣) .

وعن إبن عمر، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: إتبعوا السواد الأعظم، فأنه من شذّ شذ في النار(٤) .

وعن عمر، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انه قال: من سرّه بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فأن الشيطان مع الفرد، وهو من الأثنين أبعد(٥) .

وعن أسامة بن شريك(٦) ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أيما رجل يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه،

____________________

(١) القرآن الكريم: ٤/١١٥ (سورة النساء).

(٢) القرآن الكريم: ٣٣/٣٣ (سورة الأحزاب).

(٣) سنن الترمذي (كتاب الفتن)- باب ما جاء في لزوم الجماعة-

(٤) مسند أحمد بن حنبل: ٤/٣٨٣.

(٥) سنن الترمذي، حديث ٢١٦٥.

(٦) أسامة بن شريك الثعلبي الذبياني، كان من الصحابة، سكن الكوفة.


رواه النسائي(١) .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إن الله أجاركم من ثلاث خلال، وعدّ منها: أن تجتمعوا على الضلال(٢) .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما إجتمعت أمتي على الخطأ(٣) .

وقال عليعليه‌السلام : في بعض خطبه: عليكم بالسواد الأعظم، وإن الشاذة للذئب(٤) .

وعن عمر، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أصحابي كالنجوم بأيّهم إقتديتم إهتديتم.

وعن رزين، عن عمر، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: سألت ربي عن اختلاف أصحابي، فأوحى إليّ: إنّ أصحابك بمنزلة النجوم. بعضها أقوى من بعض، ولكلّ نور، فمن أخذ بما هم عليه من اختلافهم، فهو عندي على هدى(٥) . وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ مثل أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تخلّف عنها هلك(٦) .

وعن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو سلك الناس وادياً، وسلك الأنصار وادياً أو شعباً، لسلك وادي الأنصار(٧) .

وعن زيد بن أرقم(٨) ، قال: قام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطيباً، فقال: أيّها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين: كتاب الله فيه الهدى، وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، رواه مسلم(٩) .

وعن جابر(١٠) ، قال: رأيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجه يخطب، فسمعته يقول: يا أيّها

____________________

(١) سنن النسائي (كتاب تحريم الدم)، حديث ٣٩٥٧؛ وصحيح مسلم: ٣/١٤٧٩.

(٢) سنن أبي داود، حديث ٤٢٥٣.

(٣) سنن ابن ماجه، حديث ٣٩٥٠.

(٤) نهج البلاغة، الخطبة (١٢٧).

(٥) كنز العمّال: ١/١٨١، حديث ٩١٧.

(٦) مستدرك الحاكم: ٣/١٥٠.

(٧) صحيح مسلم، حديث ١٣٥.

(٨) زيد بن أرقم بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، أقام بالكوفة أيام المختار، وتوفي فيها سنة ٦٦هـ، وقيل سنة ٦٧هـ / ٦٨٧م.

(٩) صحيح مسلم (فضائل الصحابة)، حديث ٤٤٢٥؛ ومسند أحمد بن حنبل، (مسند الكوفيين)، حديث ٨٤٦٤؛ وسنن الدارمي (فضائل القرآن)، حديث ٣١٨٢.

(١٠) جابر بن عبدالله الأنصاري، توفي سنة ٧٨هـ / ٦٩٧م، عن (٩٤) عاماً.


الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، رواه الترمذي(١) .

وقريب منه ما رواه زيد بن أرقم(٢) .

وعن حذيفة، عن النبي صلّى الله عليه وآله: إقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر(٣) .

وعن جبير بن مطعم(٤) ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّ إمرأته قالت للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن لم أجدك فإلى من أرجع، فقال: إئت أبا بكر(٥) .

وعن إبن عمر، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وضع الحق على لسان عمر يقول به(٦) .

وعن أبي داود، عن أبي ذرّ، قال: إنّ الحق وضع على لسان عمر يقول به(٧) .

وعن عقبة بن عامر، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنه قال: لو كان بعدي نبيّ لكان عمر بن الخطاب(٨) .

وعن سعد بن أبي وقاص أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليعليه‌السلام : أنتّ مني بمنزلة هارون من موسى(٩) .

وعن عبدالله بن عمرو(١٠) ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: ما أظلت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء، من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ، رواه الترمذي(١١) .

وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: اللهم أدر الحقّ مع علي حيث ما دار، رواه الترمذي(١٢) .

____________________

(١) سنن الترمذي (باب مناقب أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )، حديث ٣٧٨٦.

(٢) أيضاً، حديث ٣٧٨٨.

(٣) أيضاً، حديث ٣٦٦٢.

(٤) جبير بن معطم بن عدي القرشي النوفلي، توفي سنة ٥٩هـ / ٢٦٠م.

(٥) سنن الترمذي، حديث ٣٦٧٦.

(٦) أيضاً، حديث ٣٦٨٢.

(٧) أيضاً، حديث ٣٦٨٦.

(٨) سنن الترمذي، حديث ٣٦٨٦.

(٩) المصدر السابق، حديث ٣٧٣١.

(١٠) هو ابن عمرو بن العاص السهمي القرشي، صحابي، أقام في مصر، وتوفي في الطائف سنة ٦٣هـ / ٦٨٣م.

(١١) سنن الترمذي، حديث ٣٨٠١؛ وسنن ابن ماجه (المقدمة)، حديث ١٥٢.

(١٢) سنن الترمذي (كتاب المناقب)، حديث ٣٦٤٧.


وعن عمار، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إذا سلك الناس طريقاً، وسلك علي غيره، فأسلك طريق عليعليه‌السلام .

وعن إبن مسعود، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من كان مستناً فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً. إلى أن قال: فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على إثرهم، وتمسكوا بما استعطعتم من أخلاقهم وسيرتهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، رواه رزين(١) .

وعن عرباض بن سارية(٢) ، قال: صلّى بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ووعظ ثم قال: إنه من يعيش منكم بعدي فسيرى إختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فأن كل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، (رواه أحمد، وغيره)(٣) .

وعن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه: من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية(٤) .

وعن الحارث الأشعري(٥) ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: من خرج عن الجماعة قدر شبر، فقد خلع ربقة الأسلام من عنقه.

وعن ابن عباس، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ من فارق الجماعة قدر شبر مات ميتة جاهلية(٦) .

وعن عبدالله بن عمرو، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ أمته تفترق ثلاث وسبعين فرقة، وليس فيها ناج سوى واحدة، فسئل عنها، فقال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي(٧) .

إلى غير ذلك من الأخبار.

____________________

(١) صحيح مسلم: ٤/١٩٦٢.

(٢) عرباض بن سارية السلمي الحمصي، صحابي، اقام في الشام، وتوفي سنة ٧٥هـ / ٦٩٤م.

(٣) مسند أحمد بن حنبل (مسند الشاميين)، حديث ١٦٦٩٢، ١٦٦٩٤، ١٦٦٩٥؛ وسنن الدارمي، (المقدمة)، حديث ٩٥؛ والترمذي (كتاب العلم)، حديث ٢٦٠٠؛ وابن ماجه (المقدمة)، حديث ٤٢، ٤٣.

(٤) وفي النسخة المطبوعة ورد الحديث كالآتي: (من مات، ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). صحيح مسلم (كتاب الأمارة)، حديث ٣٤٤١.

(٥) هو الحارث بن الحارث الأشعري، صحابي، أقام في الشام.

(٦) مسند أحمد بن حنبل (مسند الشاميين)، حديث ١٦٧١٨ (ضمن حديث طويل)، وحديث ١٧٣٤٤.

(٧) سنن الترمذي (كتاب الأيمان)، حديث ٢٥٦٥.


ومقتضى ذلك أنه من اللازم الرجوع الى سيرة الصحابة وطريقتهم، وانها الميزان إذا اشتكلت علينا الامور، وتعارضت علينا الأدلة، وسيتضح أن جميع ما ينكر من هذه الأفعال الموردة صادرة عن الصحابة، وطريقتهم مستمرة عليه، مع أن في السنة ما يدل على جوازه.

وما ورد عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ الأسلام بدأ غريباً وسيعود غريبا(١) ، فلا ينافي ما ذكرناه، لأن فرقة الأسلام بين طوائف الكفر كنقطة في بحر.

وروى أبو سعيد الخدري عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما أنتم في الناس إلاّ كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود(٢) . وعوده غريباً في أيام الدجّال، ونحوه يكفي في صدق الخبر.

وروى عبدالله بن مسعود(٣) عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، رواه مسلم(٤) .

وعن أبي سعيد الخدري(٥) عن النبي أنه قال: لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الدنيا الله(٦) .

وكل ما صدر في زمان الصحابة من الأعراب بمحضر منهم ولم ينكروه، فهو موافق لرضاهم، وإلاّ لأنكروه. ولهذا أوردنا في هذه الرسالة كثيراً مما صدر في زمانهم من غيرهم.

وعلى كل حال، فلا كلام في أنّ الأدلة فيها عام، وفيها خاص، وفيها ناسخ، وفيها منسوخ، وفيها مجمل، وفيها مبيّن، وفيها مطلق، وفيها مقيّد، ومنها قطعي الصدور ظني الدلالة، ومنها قطعي الدلالة ظني الصدور، ومنها ظنيهما، ومنها قطعيهما. ومن جهة إختلاف السند: منها صحيح، وضعيف، وحسن، وموثّق، وقوي إلى غير ذلك.

فإذا تعارضت الأدلة، فلابدّ من النظر الى المرجحات: من جهة السند، أو من جهة

____________________

(١) صحيح مسلم، حديث ١٤٥.

(٢) صحيح البخاري (كتاب تفسير القرآن)، حديث ٤٤٦٤؛ وصحيح مسلم (كتاب الأيمان)، حديث ٣٢٧؛ ومسند أحمد بن حنبل (باقي مسند المكثرين)، حديث ١٠٨٩٢.

(٣) في صحيح مسلم ورد إسم عبدالله بن عمرو بن العاص.

(٤) صحيح مسلم (كتاب الأمارة)، حديث ٣٥٥٠.

(٥) في المصادر (أنس بن مالك).

(٦) مسلم (كتاب الأيمان)، حديث ٢١١؛ والترمذي (كتاب الفتن)، حديث ٢١٣٣؛ ومسند أحمد (باقي مسند المكثرين)، حديث ١١٦٣٢. وزاد في المصادر كلمة (الله) مرّة ثانية في نهاية الحديث.


الدلالة، أو من جهة سبك العبارة، أو من جهة كثرة الرواية، أو من جهة شهرة الفتوى، أو من جهة موافقة الأصول ومخالفتها، أو من جهة موافقة العمومات ومخالفتها، أو من جهة موافقة الكتاب وعدمها، الى غير ذلك.

فاذا فقدت المرجحات، وقامت الحيرة، فلا يبقى مدار إلاّ على سيرة الأصحاب، وطريقتهم، والنظر إلى ما هم عليه صاغراً عن كابر، وما عليه الأول والآخر.

وما نحن عليه اليوم من طريقة القوم أكثر الروايات موصلة إليه، وطريقة الأصحاب والصحابة مستمرة عليه، وقد ذكرت منها قليلاً من كثير ليعلم حال السلف، ويرتفع الأنكار على خلفهم.

فيا أخي فوحقّ من رفع السماء، وبسط الأرض على الماء، إني لمّا أحببتك لمكارم أخلاقك، وحسن سيرتك مع الناس، وإرفاقك، أخشى عليك من سراية القدح إلى المشايخ الكبار،(١) والعلماء الأبرار، الذين هم للشارع نواب، ولأبواب الشرع بواب(٢) ، عصمنا الله وإياكم، وكفانا شرّ الجهل وكفاكم، والله الموفق.

وأما المقاصد فثمانية:

المقصد الأول

في تحقيق ضروب الكفر

وأقسامه كثيرة:

أولها: كفر الأنكار بإنكار وجود الأله، أو إبات أنّ غير الله هو الله، أو بأنكار المعاد، أو نبوة نبينا أشرف العباد.

ثانيها: كفر الشرك بإثبات شريك للواحد القهار، أو في النبوة للنبي المختار.

ثالثها: كفر الشك، بالشك في إحدى الثلاثة التي هي أصول الأسلام في غير محل النظر، ولا عبرة بالأوهام(٣) .

____________________

(١) في المطبوع: من حمل راية القدح في المشايخ الكبار.

(٢) في نصّ مخطوطة العبقات: (لمدائن الشرع أبواب).

(٣) في المطبوع زيادة عبارة : (التي هي كخيالات المنام).


رابعها: كفر الهتك لهتك حرمة الدين، بالبول على المصحف، أو في الكعبة، أو سب خاتم النبيينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

خامسها: كفر الجحود، بأن يجحد باللسان أصول الإسلام، ويعتقدها بالجنان، قال تعالى:( وَ جَحَدُوا بِهَا وَ اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) (١) .

سادسها: كفر النفاق، بأن ينكر في الجنان، ويقرّ باللسان، كما قال تعالى:( وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ مَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) (٢) .

سابعها: كفر العناد، بأن يقر بلسانه، ويعتقد بجنانه، ولم يدخل نفسه في ربقة العبودية، بل يتجرأ على الحضرة القدسية، كأبليس (لعنه الله).

ثامنها: كفر النعمة، بأن يستحقر نعمة الله، ويرى نفسه كأنه ليس داخلاً تحت منّة(٣) الله.

تاسعها: كفر إنكار الضروري(٤) .

عاشرها: إسناد الخلق الى غير الله على قصد الحقيقة.

وليست جميع المعاصي العظام مخرجة عن الإسلام، فأنّ المعاصي لا تنفك على الدوام، حتى في مبدأ حدوث الأسلام، ولذلك وضعت الحدود والتعزيزات، وأقيمت الأحكام على ممر الأوقات.

نعم قد يطلق على كثير منها إسم (الكفر) تعظيماً للذنب، وتحذيراً منه، وتشبيهاً لمؤاخذته، لعظمها بمؤاخذة الكفر.

فهو إذن في الشرع قسمان: كفر صغير، لا يخرج عن إسم الأسلام. وكبير مخرج عن إسمه بلا كلام.

ولو بنينا على أنّ كلّ ما أطلق عليه إسم الكفر يكون مكفراً، لم تنج إلاّ شرذمة قليلة من الورى. فأطلاق إسم الكفر قد يكون إستعظاماً للذنب- كما مرّ- ، وقد يراد أنه ربما إنجرّ بالأخرة الى ذلك. كما ورد في الحديث: إنّ في قلب المؤمن نكتة بيضاء، فاذا عصى

____________________

(١) القرآن الكريم: ٢٧/١٤ (سورة النمل).

(٢) القرآن الكريم: ٢/٨ (سورة البقرة).

(٣) في المطبوع: نعمة.

(٤) في المطبوع: الأنكار للضروري.


الله إسودّ منها جانب، وهكذا إلى أن يتم سوادها، فذلك الذي طبع الله على قلبه(١) .

ومما يدل على أن لفظ (الكفر) يطلق على سائر المعاصي كثيراً في كلام الشارع منها: ما رواه أنس، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: لا دين لمن لا عهد له(٢) .

وعن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن(٣) .

وعن أبي هريرة: عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن علامة النفاق الكذب، وسوء الخلق، والخيانة(٤) .

وعن عبدالله بن عمرو، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ النفاق عبارة عن أربع: الخيانة، والكذب، والغدر، والفجور(٥) .

وعن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن المرآء في القرآن كفر(٦) .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: لا يترك(٧) حضور الجماعة إلاّ منافق(٨) .

وعن أبي ذر، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه(٩) .

وعن عبدالله بن مسعود ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الرقي والتمائم من الشرك(١٠) .

وعن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: من قال: مطرنا بكوكب كذا، فهو كافر(١١) .

____________________

(١) الموطأ (باب الكلام)، باب (١٨).

(٢) مسند أحمد بن حنبل: ٣/١٣٥، ١٥٤، ٢١٠، ٢٥١.

(٣) صحيح البخاري (كتاب الأشربة)، حديث ٥٢٥٦؛ وصحيح مسلم (كتاب الأيمان)، حديث ٨٦؛ والنسائي (كتاب قطع السارق)، حديث ٤٧٨٧.

(٤) صحيح مسلم، حديث ١٠٧.

(٥) أيضاً، حديث ١٠٦.

(٦) سنن أبي داود (كتاب السنّة)، حديث ٤؛ ومسند أحمد بن حنبل (الباب الثاني)، حديث٢، ٢٥٨، ٢٨٦.

(٧) في المطبوع: يفوّت.

(٨) صحيح مسلم: ١/٤٥١.

(٩) البيهقي: ١٠/١٨٧.

(١٠) المستدرك للحاكم: ٤/٢١٧.

(١١) صحيح مسلم: ١/٨٤.


وعن زيد بن خالد(١) ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه من قال: مطرنا بنوء كذا، فهو كافر(٢) .

وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أتى حائضاً أو امرأته في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمّد، رواه الدارقطني، وابن ماجة، والترمذي(٣) .

وروى عن عمر بن لبيد، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الرياء الشرك الأصغر(٤) .

وعن أبي سعيد، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الرياء الشرك الخفي(٥) .

وعن عمر بن الخطاب، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ يسير الرياء شرك.

وعن شداد بن أوس(٦) ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من صلّى برياء(٧) ، فقد أشرك، ومن صام برياء، فقد أشرك، ومن تصدّق برياء، فقد أشرك.

وروي: إنّ تارك الصلاة كافر(٨) ، إلى غير ذلك.

بل قلّما يسلم شيء من المعاصي من إطلاق إسم الكفر، فلا تبقى ثمة حدود ولا تعزيرات، ولزم الحكم بالأرتداد، وكفر العباد، ولا ينجو من الكفر إلاّ قليل من الأحياء والأموات، ولنادت الخطباء بذلك على رؤوس الأشهاد، ولشاع ذلك في أقاصي البلاد، مع أن المعهود من سيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين معاملة الناس على الأكتفاء بأظهار الشهادتين.

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا الشهادتين.

وعن أبي هريرة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحنّاء، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: يتشبّه بالنساء، فنفاه إلى (البقيع)، فقيل: يا رسول الله ألا تقتله؟ فقال: نهيت عن قتل المصلّين.

____________________

(١) زيد بن خالد الجهني المدني، أبو عبدالرحمن، صحابي، أقام بالكوفة، وتوفي في المدينة سنة ٦٨هـ / ٦٨٧م.

(٢) صحيح مسلم (باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء).

(٣) سنن ابن ماجه: ١/٢٠٩، حديث ٦٣٩، وسنن الترمذي: ١/٢٤٣.

(٤) مسند أحمد بن حنبل: ٥/٤٢٨.

(٥) ابن ماجه: ٢/١٤٠٦، حديث ٤٢٠٤.

(٦) شدّاد بن أوس بن ثابت الخزرجي، توفي سنة ٥٨هـ/٦٧٨م عن (٧٥) عاماً.

(٧) في المطبوع : (وهو يرائي).

(٨) سنن ابن ماجه: ١/٣٤٢.


وروى عبدالله بن مسعود، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ قتال المسلمين كفر(١) .

وعن إبن عمر، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن نسبة المسلم الى الكفر كفر(٢) .

وعن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم(٣) .

وعن ابن عمر قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أمرت أن اقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فأن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله(٤) .

وعن أنس أنه قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله(٥) .

الى غير ذلك من الأخبار.

وليس غرضي أنه لا طريق للكفر سوى ذلك، ولكن يستفاد منها أنه بعد إظهار الشهادتين يبنى على الإسلام ما لم يعلم شيئاً ينافيه، ولا حاجة الى التجسس، بل نهى الله تعالى عنه.

وبيان الأمر على التحقيق: هو أنه قد علم أنّ لسان الشارع جارٍ على نحو لسان العرب، ففيه حقائق، ومجازات، وإستعارات، وكنايات، وخطابات، تشتمل على المبالغات، كما أنّ لساننا يشتمل على ذلك من غير إنكار، فأنّ الذنب إذا صدر من شخص وأردنا إستعظامه، صحّ لنا أن نسمّيه كفراً، وأن نسمي فاعله كافراً. ولا يزال ذلك يقع على مرور الأزمان من أيام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى هذا الآن، مع أنه ليس في ذلك إنكار، بل قد يعدّ من أفعال الأبرار، على أنّ كلّ من صدر منه ذنب ولو صغير، لم يف بجزاء نعم اللطيف الخبير.

فأطلاق الكفر لعله من باب الكفر ببعض النعم الذي هو كفر صغير.

على أنّ أنظار الأنبياء والأولياء ليس الى المعاصي، حتى يكون فيها صغير وكبير، بل إلى من عصاه الناس وهو اللطيف الخبير.

____________________

(١) صحيح مسلم: ١/٨١. (باب بيان قول النبي-صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).

(٢) صحيح مسلم: ١/٧٩. (باب بيان حال ايمان من قال لأخيه المسلم يا كافر).

(٣) مسند أحمد بن حنبل: ٢/٤٦٥.

(٤) صحيح مسلم: ١/٥٣، حديث ٣٦.

(٥) النسائي (باب المناسك)، حديث ٢١١.


فإذا لاحظت أنّ المعصية كانت في حق الله، تجدها- ولو صغرت- أكبر من الجبال الرواسي، حتى أنه بلسان الورع والتقوى دون الفقه والفتوى، ربما لا يفرق بين الصغائر والكبائر. بل ربما نقل عن بعض الأولياء أنه لا فرق بين المكروه والحرام، والمسنونات وفرائض الأحكام، قال: لأنّ الكلّ مطلوب للملك العلام.

وإذا بني على هذا إستحسن هذا الاطلاق، وحسن إطلاق إسم المعاصي والمحرمات على فعل المكروهات، والفرائض والواجبات على فعل المستحبات والمندوبات، وكبائر الخطيئات على صغائر التبعات، والكفر والكفار على كل من عمل ما يوجب دخول النار.

ولولا ذلك للزم كفر أكثر من في الأرض، لأنّه قلّما خلت معصية من هذا الغرض، ولو علمنا بجميع ظواهر الأخبار، لاختلت علينا أحكام ملّة النبيّ المختار، وفقنا الله واياك، وهدانا الله إلى الحق وهداك(١) .

المقصد الثاني

في تحقيق معنى العبادة

لا ريب أنه لا يراد بالعبادة التي لا تكون إلاّ لله، ومن أتى بها لغير الله، فقد كفر مطلق الخضوع والخشوع والانقياد، كما يظهر من كلام أهل اللغة، وإلاّ لزم كفر العبيد والأجراء، وجميع الخدام للأمراء، بل كفر الأبناء في خضوعهم لللآباء، وجميع من تواضع للإخوان، أو لأحد من أصحاب الأحسان.

وإنما الباعث على الكفران، الأنقياد لبعض العباد مع إعتقاد إستحقاقهم ذلك بالأستقلال من دون توجه الأمر من الكريم المتعال، وأنّ لهم تدبيراً واختياراً.

ولفظ (العبد) و (العبادة) قد يطلق على مطلق المطيع والطاعة، فقد ورد: أنّ العاصي عبد الشيطان، وإنه عبد الهوى. وإن الأنسان عبد الشهوات، وإنّ من أصغى إلى ناطقٍ فقد عبده.

ثم من إتبع قول قائل لأنه مخبر عن غير، فهو عابد للمخبر عنه، لا للمخبر. ومن خدم شخصاً بأمر آمر، فالمعبود هو الآمر، ومن تبرّك بشيء لأمره، كان ذلك من عبادة الآمر. فالملائكة في سجودهم لآدم، ويعقوب في سجوده ليوسف، والناس في تقبيلهم

____________________

(١) في المطبوع: وفّقنا الله وإياكم، وهداك إلى الحق المبين.


للحجر الأسود والأركان، لم يعبدوا سوى من أمرهم بذلك.

ثم السجود والخضوع لعروض بعض الأسباب، لا ينافي الأخلاص لربّ الأرباب.

روى أبو داود والترمذي، عن عكرمة، قال: قيل لأبن عباس: ماتت (فلان ة)- بعض أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ، فخرّ ساجداً، فقيل له: تسجد في هذه الساعة؟ فقال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا رأيتم آيةً فاسجدوا، وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

فعلى هذا لو سجد من رأى ميتاً أو، قبراً، أو شيئاً عجيباً، ذاكراً لعظمة الله- كما يصنعه بعض العارفين- لم يكن به بأس. وعبادة الأصنام وبعض الصالحين، مع نهي الأنبياء والمرسلين الذين دلّت على صدقهم المعاجز(٢) والبراهين، محض عناد وخلاف على رب العباد، ولو أنهم أخذوا عن قول الله ورسله، لم يكن عليهم إيراد.

كما أن (السيد) لو قال لعبده: تبرك بثياب (فلان)، ونعله، وترابه، ففعل، كان عابداً للمولى. وأمّا لو نهاه المولى، أو أخذ بمجرد الظن الذي لا يغني عن الحقّ شيئاً، أو الخرص(٣) ، لكان عاصياً مخالفاً.

ألا ترى أنّ من جعل المرضعات أمهات، ليس كمن جعل المصاهرات، ومن حرم الوصيلة، والسائبة، والحام(٤) ، ليس كمن حرم الجلالة(٥) من الأنعام.

وليس تحريم الأشهر الحرام كتحريم غيرها من باقي أشهر العام، وليس صيام آخر شهر رمضان كصيام أول شوال. كل ذلك للفرق بين الأمر والأختراع، والقول بمجرد

____________________

(١) سنن أبي داود: ١/٣١١، حديث ١١٩٧؛ وسنن الترمذي: ٥/٦٦٥، حديث ٣٨٩١.

(٢) في المطبوع: المعجزات.

(٣) الخرص: الحدس، والكذب والأفتراء.

(٤) من معتقدات العرب أنّ الوصيلة من الغنم (وهي الشاة) إذا ولدت أنثى فهي لهم، واذا ولدت ذكراً- أوقفوه لآلهتهم، فان ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

أمّا السائبة فقد كان الرجل إذا نذر القدوم من سفر، أو الشفاء من علّة، فانّ ناقته ستكون سائبة (أي لا تستخدم للانتفاع بها، ولا تخلّى عن ماء، أو تمنع عن مرعى).

والحام هو الذكر من الأبل اذا اانتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قال العرب قد حمى ظهره، فلا يحمل عليه.

وقد حرّم القرآن هذه المعتقدات كما ورد في سورة المائدة، آية (١٠٣) قوله تعالى:( مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لاَ سَائِبَةٍ وَ لاَ وَصِيلَةٍ وَ لاَ حَامٍ وَ لٰکِنَّ الَّذِينَ کَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْکَذِبَ وَ أَکْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ‌ )

والبحيرة هي الشاة التي تبحر أذنها (أي تشق) علامة على تحريم الانتفاع بها.

(٥) الحيوان الجلال: هو الذي يأكل العذرة، وقد ورد النهي عن أكل لحمه، وشرب لبنه.


الأبتداع(١) .

ثم (العبادة) تختلف بأختلاف النيّات، فمن قصد حقيقة العبادة إختراعاً وابتداعاً، ومخالفة لأمر الله سبحانه كان كافراً، سواء قصد القرب إلى الله زلفى أو لا، بل هذا في الحقيقة عين العناد والشقاق بعد نهي الأنبياء والرسل.

كما قال قوم (شعيب) له:( يَا شُعَيْبُ أَ صَلاَتُکَ تَأْمُرُکَ أَنْ نَتْرُکَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ) (٢) .

وقال الصدّيق:( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ، مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُکُمْ ) (٣) .

وحكى الله عن قوم نوح وعاد وثمود أنّهم ردّوا أيديهم في أفواههم، وقالوا:( إِنَّا کَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنَّا لَفِي شَکٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ‌ ) (٤) الى غير ذلك من الآيات الدالة على ردّهم على الأنبياء، وبنائهم على الأختراع والأبتداع.

وفي الأحتجاج: في حديث طويل عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه أقبل في مشركي العرب، فقال لهم: وأنتم فلم عبدتم الأصنام من دون الله؟ فقالوا: نتقرب بها الى الله زلفى، فقال: أو هي سامعة مطيعة عابدة لربها حتى تتقرّبوا بها إلى الله؟ قالوا: لا، قال: أفأنتم نحتموها بأيديكم؟ فقالوا: نعم، قال: فلئن تعبدكم هي أحرى من أن تعبدوها، إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العالم بمصالحكم، وعواقبكم، والحكيم فيما يكلّفكم(٥) .

فإذا كان الله قد نهى على لسان أنبيائه عن عبادة الأصنام والصالحين من الأنام، على نحو عبادة الصلاة والصيام، ففعلهم بعد ذلك رد لكلام العليم العلام.

وكشف الحيققة: إنّ العبادة إن أريد بها مجرد الأمتثال والطاعة، كانت الزوجة، والأمة، والعبد، والخادم، والأجير، ونحوهم، عابدين لغير الله.

وإن أريد الأمتثال والأنقياد للعظيم في ذاته، المستوجب للطاعة، لا بواسطة أمر غيره،

____________________

(١) في المطبوع: للفرق بين الأمر والاتباع، والقول بمجرد الأختراع والأبتداع.

(٢) القرآن الكريم: ١١/٨٧ (سورة هود).

(٣) القرآن الكريم: ١٢/٣٩- ٤٠ (سورة يوسف).

(٤) القرآن الكريم: ١٤/٩ (سورة إبراهيم).

(٥) أوردها أحمد بن علي الطبرسي (من علماء القرن الخامس الهجري) في كتاب الاحتجاج: ١/٢٦.


فأين ذلك من أفعال المسلمين.

فأقسم عليك بمن سلّطك على طائفة من عباده، ومكّنك من كثير من بلاده، أن تخلّي نفسك من حب الأنفراد، الباعث على الأمتياز بين العباد، وتحذر من قولهم (لكل جديد لذّة)، و (خ الف تعرف). كما أني أحذّر نفسي، وأصحابي من حبّ إتباع الآباء والأجداد، وإرادة الدخول في الجماعة، وكراهة الإنفراد.

وأمّا ما صدر من أهل الإسلام، فإنّما هو عن أمر زعموه، فأن كان حقاً أثيبوا، أو كان خطأ فكذلك.

فأين حال المسلمين من حال من جعل الآلهة ثلاثة، أو اثنين، واتخذ الملائكة أربابا، واتخذ بعض المخلوقين أنداداً وشركاء، يعبدون من دون الله أو مع الله، إمّا لأهليتهم، أو لترتب التقرب الى الله زلفى من دون أمر الله لهم بذلك، قال تعالى:( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ) (١) .

وروي أنّ (قريشاً) كانوا يعبدون الأصنام، ويقولون: ليقربونا الى الله، ولا طاقة لنا على عبادة الله. وسيجيء في بعض المقامات الآتية ما يكشف عن حقيقة ذلك.

وإن أردت تمام الكلام في هذا المقام، فأنظر بعين البصيرة إلى ما نحاول في هذا المقام تحريره.

إعلم أنّ الألفاظ اللغوية والعرفية العامّة، قد تبقى على حالها من المعاني القديمة، فتلك لا تحتاج إلى بيان، سواءً وردت في السنّة أو القرآن.

وأمّا إذا نقلت عن المعاني الأولية إلى غيرها، أو إستعملت في المعاني الثانوية على وجه المجازية، فهي من المجمل المحتاج الى البيان، كلفظ الصلاة والصيام والحج، فأنه لو لم يبينها الشرع لبقيت على إجمالها، حيث لا يراد منها مطلق الدعاء والأمساك والقصد، بل معنى جديد، تتوقف معرفته على بيان وتحديد.

ومن هذا القبيل ما نحن فيه من لفظ العبادة والدعاء ونحوهما، فأنه لا يراد بهما في لحوق الشرك بهما المعنى القديم، وإلاّ للزم كفر الناس من يوم آدم إلى يومنا هذا. لأنّ العبادة بمعنى الطاعة، والدعاء بمعنى النداء والأستغاثة للمخلوق لا يخلو منها أحد.

ومن أطوع من العبد لسيده، والزوجة لزوجها، والرعية لملوكها، ولا زالوا ينادونهم،

____________________

(١) القرآن الكريم: ١٢/٤٠ (سورة يوسف).


ويطلبون إعانتهم ومساعدتهم، بل الرؤساء لم يزالوا يستغيثون بجنودهم وأتباعهم ويندبونهم.

فعلم أنّه لا يراد بهذه المذكورات، المعاني السابقات، وتعيّن إرادة المعاني الجديدة، فصارت بذلك من المجملات والمتشابهات، فلا يجوز الحكم بمقتضاها، إلاّ في الموضع المعلوم دون المشكوك والموهوم.

وإنّما هو خطاب الوضيع لمن شأنه رفيع، على أن يكون ملك التصرف، أو خدمته الخاصة لرفعته الذاتية، وشرافته الأصيلة، من دون أمر آمر، ولا تكليف مكلف، بل من مجرد الأبتداع والأختراع.

وأما ما كان عن أمر آمر، فالمعبود هو الآمر، ولا فرق بين أن يقول: ضع جبهتك في الصلاة على الأرض، أو على بدن إنسان، أو غير ذلك، وبين أن يقول: ضعها على (قبر) كذا، أو (حجر) كذا.

وإنّما كفّر عبدة الأصنام، لأنهم فعلوا ما يعدّ عبادةً من دون أمر الله، ولأنهم خالفوا أنبياء الله في نهيهم عن تلك الأشياء، فكانت قصد تقربهم فيما نهى الله عنه. إمّا بناء على أن الأصنام للجبار قاهرون، فيقربونهم قهراً، أو كان إستهزاءً بالرسالة، وتكذيباً لهم، وكل من الكفرين أعظم من الآخر، فأنّ المتقربين محصّل كلامهم أنّا نخالف أمر الله، وأمر رسوله ونعبد ما نهينا عن عبادته ليقربنا إلى الله.

المقصد الثالث

في الذبح لغير الله

لا يشك أحد من المسلمين في أنّ من ذبح لغير الله ذبح العبادة (كما يذبح أهل الأصنام لأصنامهم حتى يذكروا على الذباءح أسماءهم، ويهلون بها لغير الله)- خارج عن ربقة المسلمين، سواء إعتقدوا آلهيتهم، أو قصدوا أن يقربوهم زلفى، لأنّ ذلك من عبادة غير الله تعالى.

وأما من ذبح عن الأنبياء أو الأوصياء، أو المؤمنين ليصل الثواب إليهم، كما يقرأ القرآن ويهدى إليهم، ونصلي لهم وندعو لهم، ونفعل جميع الخيرات عنهم، ففي ذلك أجر عظيم، وليس قصد أحد من الذابحين للأنبياء أو لغيرهم سوى ذلك.


أما العارفون منهم، فلا كلام. وأمّا الجهّال، فهم على نحو عرفائهم.

وقد روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه ذبح بيده، وقال: اللّهم هذا عنّي، وعن من لم يضح من أمتي. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي(١) . وفي سنن أبي داود أنّ علياً كان يضحّي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكبش، وكان يقول: أوصاني أن أضحي عنه دائماً(٢) .

وعن عليعليه‌السلام أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوصاني أن اضحي عنه(٣) .

وعن بريدة، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن إمرأةً سألته هل تصوم عن أمّها بعد موتها؟ وهل تحج عنها؟ قال: نعم(٤) .

وعن إبن عباس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: تقضي البنت نذر أمّها(٥) .

وروي أنّ العاص بن وائل أوصى بالعتق فسأل إبنه عمرو النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن العتق له، فأمره به.

وروي عن عائشة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال عند الذبح: اللّهم تقبل من محمّد، وآله، وأمته.

والحاصل لا كلام ولا بحث في أنّ أفعال الخير تهدي إلى الموتى، ومن أولى بالهدايا من أنبياء الله وأوصيائه، فليس الذبح لهم وبأسمهم، حتى يكون الأهلاك لذكرهم، وإنما ذلك عمل يهدي إليهم ثوابه كسائر الأعمال، حتى أنّه لو ذكر إسمهم على الذبيحة، كان ذلك عند المسلمين منكراً، فهو ذبح عنهم لا لهم.

وإني- والذي نفسي بيده- منذ عرفت نفسي إلى يومي هذا، ما رأيت، ولا سمعت أحداً من المسلمين ذبح أو نحر، ذاكراً لأسم نبي، أو وصي، أو عبد صالح، وإنّما يقصدون إهداء الثواب إليهم، فإن كان في أطرافكم قبل تسلّطكم مثل ذلك، (فصاحب الدار أدرى بالذي فيها).

ولا شك أنّ نجداً وأعرابها قبل أن تظهروا فيها أمر الصلاة والصيام، وتأمروهم بالملازمة

____________________

(١) مسند أحمد بن حنبل: ٣/٣٥٦؛ وسنن أبي داود: ٣/٩٩، حديث ٢٨١٠؛ وسنن الترمذي: ٤/٧٧، حديث ١٥٠٥.

(٢) سنن أبي داود: ٣/٩٤، حديث ٢٧٩٠.

(٣) مسند أحمد بن حنبل: ١/١٥٠.

(٤) صحيح مسلم: ٢/٨٠٥، حديث ١١٤٩.

(٥) سنن ابن ماجه: ٢/٩٠٤.


لعبادة الملك العلام، كانوا كالأنعام أو أضلّ سبيلاً، وقد رفع الله عنهم الشقاق، وحصل بينهم الاتفاق، وفرّقوا بين الحلال والحرام، وتوجهوا لأوامر الملك العلام.

ويؤيد ذلك ما رواه إبن عمر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: اللّهم بارك لنا في شآمنا، الله بارك لنا في يمننا، قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا، فقال: اللّهم بارك لنا في شامنا، وفي يمننا، ثم قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا، فأظنه قال في الثالثة: هناك موضوع الزلازل والفتن، وبها (مطلع) قرن الشيطان، رواه البخاري(١) . وإلحاق غير أهل (نجد) بهم من قياس الشاهد على الغائب.

وكيف يخفى على فحول العلماء، وأساطين الفقهاء الذين أقاموا الجمعات والجماعات، وأقاموا الأحكام، وأوضحوا الشبهات، وأمعنوا نظرهم في فهم الآيات والروايات، أنّ الذبح لا يكون إلاّ لجبّار السموات؟ مع أنّ ذلك تلقّاه عن الأكابر الأصاغر، وعن الأوائل الأواخر. فلم يزل أهل الأسلام من قديم الأيام يذبحون للأنبياء والأوصياء والعباد الصالحين، ويهدون الثواب إليهم طلباً لمرضاة رب العالمين.

وإختيارهم للأماكن الشريفة، كحرم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونحوه، لما ورد من أنّ الأعمال يتضاعف أجرها لشرف الزمان والمكان، كشرف الكوفة.

روى الأصبغ بن نباتة(٢) عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أن الخضر قال له: إنّك في مدينة لا يريدها جبار بسوء إلاّ قصمه الله.

وروي أنّ البركة فيها على إثني عشر ميلاً من سائر جوانبها.

وإن المسلمين كافة يتبرؤون ممن يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله، أو يذبح وينحر لغير الله، أو يحلف بغير الله، على النحو الذي وقع في نظركم أنهم يقصدونه ويتعمدونه، ومعاذ الله أن يكونوا كذلك.

والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، لو علمت منهم ذلك، لكفرتهم، وهاجرت عنهم، معتقداً وجوب ذلك عليّ، لكن وحقّ من إشتقّ من ظلمة العدم نور الوجود، ما وجدت ذلك منهم، ولا صدر ذلك عنهم، ولا بأس عليكم فربّما إفترى الحاضرون لديكم تقرباً بذلك إليكم، فأقتصر على حدودك التي أنت فيها، فأنّ النفس إذا قنعت، قليل من الدنيا يكفيها.

____________________

(١) صحيح البخاري: ج٩ (باب الفتن)، حديث١٦؛ وسنن الترمذي (كتاب المناقب)، حديث ٧٣.

(٢) الأصبغ بن نباتة المجاشعي التميمي الكوفي، توفي أوائل القرن الثاني الهجري.


وفي المشكاة: عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها فتهلكوا، كما هلك من كان قبلكم(١) .

وبعد التأمل الصادق لا نجد- عند من شاهدناه ممن يدعي وينتسب إلى ملّة سيد الأنام- ذبحاً، ولا نحراً، ولا نذراً، ولا عتقاً ولا تصدقاً، ولا وقفاً، ولا شيئاً من العبادات مما يتعلق بالماليات أو البدنيات، ولا توسلاً، ولا تقرّباً، إلا إلى جبّار الأرضين والسماوات، ولو أعلم ذلك منهم قبلت كلمة الأسلام الصادرة عنهم.

فمهلاً يا أخي مهلاً مهلاً، فأن القوم ليس حالهم كما وصل إليكم، وورد عليكم، فإني بهم خبير، وبأحوالهم بصير، وليس غرضي تزكيتهم، ولكن- والله- هذا الذي علمته من سيرتهم، والله الموفق.

المقصد الرابع

في النذر لغير الله

هذا المقام من مزال الأقدام، وإنما كثرت فيه الأقاويل، لخفاء الموضوع إلاّ على القليل، فإنّه لا ينبغي الشك في أنّ النذر لغير الله على أنه أهل لأن ينذر له، لأنه مالك الأشياء وبيده زمامها من الكفر والشرك، لأنّ النذر من أعظم العبادات، وإن اريد أنه ينعقد بذلك وإن لم يذكر إسم الله عليه فهي مسألة فقهية فرعية. واعتقاد ذلك لا عن دليل تشريع حرام، لا يخرج عن ملة الأسلام.

وليس المعروف في هذه البلدان النذر لغير الله إلا على معنى انه صدقة يهدى ثوابها إلى أولياء الله، فمعنى النذر للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثلاً أنه صدقة منذورة يهدى ثوابها له، وهكذا النذر لسائر الأولياء. فلا يزيد هذا على من نذر لأبيه وأمّه، أو حلف، أو عاهد أن يتصدق عنهم، كما روي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال للبنت التي نذرت لأمّها عملاً: ف بنذرك(٢) .

____________________

(١) صحيح البخاري (كتاب المغازي)، حديث ١٧؛ و(كتاب الجهاد)، حديث ٣٨؛ وصحيح مسلم (كتاب الزكاة)، حديث ١٢١؛ وسنن ابن ماجه (كتاب الفتن)، حديث ١٨؛ ومسند أحمد بن حنبل، الباب الخامس، حديث ٤٨.

(٢) صحيح البخاري (كتاب الاعتكاف)، حديث ٥، ٦، ١٦؛ وصحيح مسلم (كتاب الأيمان)، حديث ٢٧؛ سنن أبي داود (كتاب الأيمان)، حديث ٢٢؛ سنن الترمذي (كتاب النذور)، حديث ١٢؛ وابن ماجه (كتاب الطلاق)، حديث ٣٦.


فأن كان النذر للآباء والأمهات كفراً، كان هذا كفراً، وإلاّ فلا. فمن حاول بالنذر حصول الثواب والتقرب إلى الله زلفى من المنذور له، على أن يكون الفعل له لا على أن يكون الثواب له، فهو ضال مضل. وأمّا من قصد خلاف ذلك، فلا بأس عليه.

واختيار بعض الأمكنة للنذور طلباً لشرف المكان، حتى يتضاعف ثواب العبادة، كما يختار بعض الأزمنة لبعض العبادات، لا بأس به، بل لا بأس بتخصيص بعض الأمكنة المباركة، وهو مستفاد من الأخبار، كما لا يخفى على من حام حول الديار.

روى ثابت بن الضحّاك(١) ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن رجلاً سأله أنه نذر أن يذبح ببوّانة، قال: هل كان فيها وثن يعبد؟ قال: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ فقال: لا، فقال: ف بنذرك(٢) .

ثم إني أعلم والله أنك لو وضعت منادياً ينادي في بلاد الإسلام، ويعلن بصوته في كل مقام، ليجد شخصاً يعدّ من نوع الأنسان يقصد بنذره غير وجه الملك الديّان، لرجع إليك صفر اليدين، ولم يجد ناذراً للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو الصحابة، أو الحسنينعليهما‌السلام .

وكيف يقصدونهم بنذورهم وعباداتهم مع علمهم بمماتهم؟ وإذا دخلوا إلى مواضع قبورهم قرأوا لهم القرآن، وأهدوا إليهم من صلاتهم بعض ما كان، ودعوا لهم برفعة الدرجات، وزيادة الأجر عند رب السماوات، فأن كانوا معبودين باعتقادهم، فكيف يهدون إليهم عبادة العبيد؟!

ليت شعري كم من الفرق بين من يعبد ليقرّب الى الله زلفى، وبين من يعبد الله عنه ليقرّبه الله زلفى.

والله ما نذرت نذور، ولا جزرت جزور، ممن يتصف بالأيمان، ويقرّ بالشهادتين بالقلب واللسان، إلا لوجه الملك الديّان، وطلباً لرضى الواحد المنان.

فمن كانت هذه مقاصدهم، وعلى ذلك بنوا قواعدهم، كيف ينسبون الى عبادة غير الله، ويشبهون بعبدة الأصنام المثبتين شريكاً للملك العلام؟!

ليت شعري لو أنّ الرسل جاءت بالسجود للأحجار، أو لبعض الكواكب والأشجار،

____________________

(١) ثابت بن الضحّاك بن خليفة بن ثعلبة بن عدي الأنصاري مات سنة ٤٥هـ / ٦٦٥م.

(٢) سنن أبي داود (كتاب الأيمان)، حديث ٢٢؛ سنن ابن ماجه (باب الكفارات)، حديث ١٨؛ مسند أحمد بن حنبل، الباب الأول، حديث ٩٠.


لم يكن ذلك السجود إلاّ عبادة للملك الجبار، لأنّ الطاعة لللآمر لا لمن يكن له في ذلك الأظهار.

ولو أنّ الناظر لصور الكواكب وهيئة الأفلاك، تدبّرها تفكّراً في عظمة الخالق، وسجد، كان عابداً لمدبرها.

ثم ليس المراد بالعبادة مجرد الخضوع والتذلل، كما هو المعنى القديم، بل يراد معنى جديد، وهو التذلّل الخاص، على شرط أن يكون في كمال الصفاء والأخلاص.

وعلى فرض أن يصدر من بعض أعوام المسلمين، لعدم قربهم من محال العلماء العاملين. فلا ينبغي معاملة الجميع بهذه المعاملات، والبناء على نسبتهم إلى الشرك من دون قيام البينات.

فقف يا أخي في مواضع الشبهات، لئلاّ تقع في الهلكات. وإني- والله- فرح مسرور بدفعك عن أبناء السبيل كل محذور، وأمرك بالصلاة والصيام، وإنفاذ ما شرع النبي (صلى الله عليه) من الأحكام، إلاّ أني أخشى عليك أن تأخذ العالم بذنب الجاهل، والمنصف بورطة المعاند المجادل. وفقنا الله لطريق الصواب، والفوز برضاه في يوم الحساب، فأنه أرحم الراحمين.

المقصد الخامس

في القسم بغير الله

لا يرتاب مسلم في أنّ القسم بغير الله، على وجه إرادة صاحب العظمة والكبرياء والملكوت والقدرة والجبروت، باعث على الخروج عن ربقة المسلمين.

وأما إرادة مجرد التأكيد، فلا يلزم منه كفر ولا إشراك بديهةً، إذ ليس مدار الكفر على مجرد العبارات، ويدل على ذلك أنه قد ورد القسم بغير الله متواتراً في كلام الصحابة والتابعين، بل في كلام خاتم النبيينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ففي كتاب عليعليه‌السلام إلى معاوية: لعمري لأن نظرت بعقلك دون هواك، لتجدني أبرأ الناس من دم (عثمان)(١) .

____________________

(١) نهج البلاغة: ٣٦٧


وفي كلام له آخر: وأما تحذيرك إياي أن يحبط عملي وسابقتي في الإسلام، فلعمري لو كنت الباغي عليك لكان لك أن تحذِّرني ذلك.

وفي كتاب معاوية: فأن كنت أباحسن إنّما تحارب عن الأمرة والخلافة، فلعمري لو صحّت خلافتك لكنت قريباً من أن تعذر في حرب المسلمين.

وقد وقع هذا القسم بلفظ (لعمري) في كلام الصحابة والتابعين، في نثرهم وشعرهم كثيراً، بحيث يتعذر ضبطه.

وعن بعض أهل البيت أنّ واحداً من أصحابه حلف عنده: وحقّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحقّ علي ما فعلت (كذا)، وأقرّه على ذلك.

وفي حديث طلحة: إن رجلاً من أهل (نجد) جاء يسأل عن الإسلام، فقال: أفلح الرجل- والله- إن صدق(١) .

وفي شرح مصابيح الطيبي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفلح الرجل وأبيه- والله-

وحمل على أنها لم يرد بها حقيقة القسم، وإنما تجري على اللسان لمجرد التأكيد.

وروى نصر بن مزاحم(٢) ، عن رجاله، عن عمرو بن العاص أنّه سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغية، وكان ذكره لأهل الشام قبل وقعه (صفين) بعشرين سنة فسمعه عبدالله ابن عمر العبسي، وكان أعبد أهل زمانه، فخرج ليلاً وأصبح في عسكر عليعليه‌السلام ، فحدث الناس بقول عمرو، وقال شعراً:

والراقصات بركب عابدين له

إن الذي جاء من عمرو لمأثور

ما في مقال رسول الله في رجل

شك، ولا في مقال الرسل تحبير

ومن الشعر المنقول عن علي بن الحسين قوله:

(نحن وبيت الله أولى بالنبي).

وكم للصحابة والتابعين من حلف بشيبة رسول الله، وضريحه وعينيه، وتربته، وليس هذا من القسم الحقيقي في شيء، إذ المراد مجرد التأكيد والتثبّت دون حقيقة القسم التي هي مدار القضايا والحكومات، وتدور عليها ما لزم من الكفارات.

____________________

(١) صحيح البخاري (كتاب الأيمان) حديث٣؛ وسنن أبي داود (كتاب الصلاة) حديث١؛ سنن النسائي (كتاب الصلاة) حديث ٤؛ سنن الدارمي (كتاب الصلاة) حديث ٢٠٨.

(٢) وقعة صفين لنصر بن مزاحم: ٣٤٣.


فما ورد عن إبن عمر، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم(١) .

وفي الصحيحين: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فلا يحلف إلاّ بالله، أو يصمت(٢) .

وعن عبدالرحمن بن سمرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تحلفوا بالطواغي، ولا بآبائكم، رواه مسلم(٣) .

وعن أبي هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، رواه أبو داود، والنسائي(٤) .

وعن بريدة، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من حلف بآبائه فليسم منها(٥) .

فهذه الأخبار محمولة على من قصد اليمين الحقيقي المثبتة والنافية التي تترتب عليها الكفارة، فأنها لا تكون إلاّ بالله، كما يرشد إليه ذكر الطواغيت، والأنداد.

ونقل عن أحمد أنّ الحلف بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينعقد لأنه أحد ركني الشهادة، أو يحمل على الكراهة، كما في شرح (المنهاج) وفيه: الحلف بالمخلوق كالنبي، والكعبة، وغيرهما مكروه، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا تحلفوا إلا بالله.

والتحقيق أنّ الحلف غير المقصود معناه لا بأس به.

روى أبو هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: اليمين على نية المستحلف.

القسم الثاني: أن يراد به الأثبات والنفي، فأن كان مأخوذاً عن دليل، لم يكن فيه بأس، وترتب عليه الأثر عند الفقيه المثبت له، ولم يكن عليه شيء، وإن قصد بالحلف بالمخلوق أنه ذو الكبرياء والجبروت والملك والملكوت، فهو كفر.

وربما نزل عليه ما رواه إبن عمر، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن من حلف بغير الله فقد أشرك، رواه الترمذي(٦) .

____________________

(١) سنن النسائي (كتاب الأيمان والنذور)، ٤/٤.

(٢) صحيح مسلم (كتاب الأيمان)، باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى، حديث ٣.

(٣) صحيح مسلم (كتاب الأيمان)، حديث ٦. والطواغي هي الأصنام. ومفردها (طاغية). وكلّ من طغى وجاوز الحدّ المعتاد من الشرّ سمّي (طاغية).

(٤) سنن أبي داود: ٣/٢٢٢، حديث ٣٢٤٨؛ وسنن النسائي (كتاب الأيمان والنذور) ٤/٥.

(٥) سنن أبي داود: ٣/٢٢٣، حديث ٣٢٥٣

(٦) سنن الترمذي (كتاب النذور)، باب ٩، وسنن النسائي (كتاب الأيمان)، باب ٤؛ وابن ماجه (كتاب الكفارات) ، باب ٢؛ سنن الدارمي (كتاب النذور) باب ٦.


وروى عن إبن عمر، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن من حلف بغير الله فقد كفر.

أو ينزّل هذا على المبالغة، كما ورد في كثير من فعل المعاصي وترك الواجبات، وما عدا هذا القسم والذي قبله بناؤه على الكراهة، إذ لو كان حراماً ما صدر من الصحابة بمحظر من الناس، ولم ينكر عليهم.

مضافاً إلى أنه مما توفر الدواعي على نقله، ولو كان محرّماً للهجت به ألسنة الخطباء والوعّاظ، ولم يخف على الصبيان، فضلاً عن العلماء الأعيان، وليس الغرض المهم سوى دفع الكفر عن الناس إذا صدر منهم مثل ذلك.

وتفصيل الحال: أنّ القسم والعهد بغير الله إن قصد بهما ذو العزة والجلال، والعلو فوق كل عال، كما يحلف المربوب بربّه، فذلك كفرٌ وإشراك.

وإن قصد ترتّب الأحكام عليه من إثبات حقوق الناس، ولزوم الكفارات، فذلك تشريع وعصيان، إلا من أثبت ذلك بزعم الدليل والبرهان، وإن رأى وجوب العمل بذلك لمجرد الأكرام، لأنّ عدم العمل ينافي الأحترام، فلا أرى فيه بأساً في المقام.

وإن أريد به مجرد التأكيد من دون ترتب بشيء من الأحكام، فأولى بالدخول في المباح، والخروج من الحرام. وإن وقع لغواً، وهذراً من غير قصد، فلا يعدّ من الأيمان، ولا مدار عليه في شيء كائناً ما كان، والله الموفق.

المقصد السادس

في الأستغاثة

لا يخفى أن الاستغاثة بالمخلوق على أنه الفاعل المختار مدخل للمستغيث في أقسام الكفار، وإنّما المراد منه طلب الشفاعة، وسؤال الدعاء.

وقد روى النسائي، والترمذي في حديث الأعرابي أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علّمه قول: يا محمد إني توجّهت بك إلى الله، ونحوه ما في حديث إبن حنيف(١) .

وروى البيهقي في خبر صحيح أنه في أيام عمررضي‌الله‌عنه جاء رجل إلى قبر النبي

____________________

(١) سنن الترمذي (كتاب الدعوات)، باب ١١٨؛ وسنن ابن ماجه (كتاب اقامة الصلاة والسنّة فيها) ، باب ١٨٩، حديث ١٣٨٥. وابن حنيف هو عثمان بن حنيف الأنصاري، سكن الكوفة، ومات في خلافة معاوية.


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: يا محمد إستسق لأمتك فسقوا(١) .

وروى الطبراني، وابن المقري، وأبو الشيخ أنهم كانوا جياعاً، فجآؤا إلى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: يا رسول الله الجوع، فأشبعوا.

وروى البيهقي عن مالك الدار خازن عمررضي‌الله‌عنه ، قال: أصاب الناس قحط، فذهب إلى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إستسق لأمتك فقد هلكوا، فأتاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام، وقال له: قل لعمر أنهم سقوا.

ومن ذلك قوله تعالى:( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) (٢) .

وعن معاذ أنه لما كان في اليمن جاءه نعي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فرجع وهو يقول: يا محمداه، يا أبا القاسماه، وبقي على ذلك برهة من الزمان. وفيه ظهور بالأستغاثة.

وعن أبي بكر بن محمد بن الفضل أنّ (بلالاً) لما أخذ في النزع، قالت إمرأته: واويلاه واحزناه، فقال لها: لا تقولي واحزناه، فأني قصدت الذهاب إلى محمد، وحزبه.

وروى الكازروني ندبة الزهراءعليها‌السلام ، وروى ندبة معاذ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وعن النعمان بن بشير، قال: أغمي على عبدالله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي وتقول: واجبلاه(٣) .

وما روي عن أبي موسى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه ما من ميت يموت، فيقوم باكيه ويقول: واجبلاه، واسيداه إلا وكّل الله به ملكين يلهزانه ويقولان له: أكان هكذا. فمبني على النهي عن العزاء والبكاء.

وفي قصة إدريس أنّ المطر إنقطع عن قومه عشرين سنة، فجاؤا إليه يدعو لهم.

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ ملكاً غضب الله عليه، فأهبط من السماء، فأتى إدريس، فاستشفع به، فدعا له، فأذن له في الصعود، فصعد.

وفي الحقيقة أن المستغيث بالمخلوق إن أراد طلب الدعاء والشفاعة من المستغاث به، فلا بأس به، وإن أراد إسناد الأمور بالأستقلال إليه، فالمسلمون منه براء.

على أنّا بيّنا فيما سبق أن الأستغاثة بدار (زيد)، وصفاته، وغلمانه، وخدمه، ربما

____________________

(١) سنن البيهقي: ٣/٣٢٦.

(٢) القرآن الكريم: ٢٨/١٥ (سورة القصص).

(٣) سنن البيهقي: ٤/٦٤.


أريد بها الإستغاثة به، فيكون هذا أولى في بيان ذل المستغيث، وإنه لا يرى لسانه أهلا لأن يجري عليه إسم المولى، ولهذا ترى أن طاعة الله تذكر بعدها طاعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ورضاه يذكر بعد رضى الله ورسوله، وإذا إنفردت أحداهما دخلت فيها الأخرى.

روى أبو هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني(١) .

وكيف يستغاث حقيقة بمن لا يدفع عن نفسه ضرّاً ولا شرّاً، ولا يملك رزقاً، ولا موتا، ولا حياة ولا نشوراً، المبدىء من تراب، ثم نطفة مودعة في الأصلاب، ثم جسم معرّض للبليات، ثم بعدها يكون من الأموات.

وإنّما شرفه بالعبودية والأنقياد للحضرة القدسية، ولولا أمر الله ما سمع له كلام، ولا رفع له مقام، وليس بيننا وبينه ربط سوى أمر الملك العلام.

فليس المراد بالأستغاثة إلا طلب الدعاء من المستغاث به، لما في الحديث القدسي: يا موسى ادعني بلسان لم تعصني فيه، يا رب وأين ذلك؟ فقال: لسان الغير.

فالمستغيث إن طلب أصالة وإستقلالاً من المستغاث به، كان معولاً عليه في كل أمر يرجع إليه، وإلا فالمستغاث به حقيقة هو الذي تنتهي إليه الأمور.

وكذلك الدعاء إن قصد أن المدعو هو الفاعل المختار الذي تنتهي إليه الأشياء، فذلك كفر برب السماء، وإن أريد المجاز، فلا يدخل تحت حقيقة الدعاء.

ولا ريب أنّ كلّ من قال لشخص: أعنّي على بناء الدار، أو قضاء الدين، أو قال: أعطني، أو غير ذلك، بقصد الدعاء، أعني: طلب المربوب من الرب، فهو كفر وإشراك. وإن قصد الطلب لا على ذلك النحو، لم يكن كفراً.

ولو كان المدار على هذه الصورة، لكفّرت الخلائق من يوم آدم إلى يومنا هذا، بل صدور هذه العبارات عن الأنبياء والأوصياء أبين من الشمس.

وكذلك (الاستجارة)، و(الندبة)، ونحوهما، فأن كانت على الطور المعهود، كقوله تعالى:( وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِکِينَ اسْتَجَارَکَ فَأَجِرْهُ ) (٢) ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى

____________________

(١) صحيح البخاري (كتاب الجهاد)، باب ١٠٩؛ صحيح مسلم (كتاب الأمارة)، باب ٢٣؛ سنن النسائي (كتاب البيعة)، باب ٢٧؛ ابن ماجه (المقدمة)، باب (١). وقد رويت (الأمام)، (أميري).

(٢) القرآن الكريم: ٩/٦ (سورة التوبة).


الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) (١) ( فَادْعُ لَنَا رَبَّکَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ) (٢) فلا محيص عن القول بجوازه. فتفاوت العبارات باختلاف النيات.

فمن كان داعياً دعاء الأصنام وسائر الأرباب، أو مستغيثاً كذلك، فهو كافر مشرك. وإن أراد المتعارف بين سائر الناس، فليس به بأس.

فبحق من شقّ سمعك وبصرك، أن تمعن في هذا المقام نظرك، وتصفّي نفسك عن حب الانفراد، كما يلزمنا التخلية عن حب متابعة الآباء والأجداد.

ولا فرق بين الأحياء والأموات، لأنّ من إستغاث بالمخلوق أو إستجار، على أنه فاعل مختار، فقد دخل في أقسام الكفار، فالأستغاثة بعيسى أو بمريم، حيّين أو ميّتين، تقع على القسمين.

وإعتقاد أن الميت يسمع أو لا يسمع، ليس من عقائد الدين التي تجب معرفتها على المسلمين، فمن إعتقدها: فأما أن يكون مصيباً مأجوراً، أو مخطأً معذوراً.

ومن ذلك القبيل الألفاظ التي تفيد الرّجاء، والتوكّل، والأعتماد، والتعويل، والألتجاء، والأستغاثة بغير الله، فأن هذه العبارات لو بني على ظاهرها لم يبق في الدنيا مسلم، إذ لا يخلو أحدٌ من الأستعانة على الاعداء، والأعتماد على الأصدقاء، والألتجاء إلى الأمراء، ونحو ذلك.

إلاّ أنه إن قصد الملتجأ إليه والمعول عليه من المخلوقين له اختيارٌ وتدبير في العالم لنفسه لا عن أمر الله، فذلك كفر بالله، وإلا فلا بأس.

ومما يناسب نقله في هذا المقام ما نقله القتيبي، قال: كنت جالساً عند قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجآء أعرابي، فسلّم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم أنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه

فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه

فيه العفاف، وفيه الجود والكرم

ثم قال: ها أنا ذا يا رسول الله، فقد ظلمت نفسي، وأنا أستغفر الله وأسألك يا رسول الله أن تستغفر لي. قال القتيبي: ثم نمت، فرأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام، فقال: يا قتيبي أدرك الأعرابي وبشره أنه قد غفر الله له، قال: فأدركته وبشرته.

____________________

(١) القرآن الكريم: ٢٨/١٥ (سورة القصص).

(٢) القرآن الكريم: ٢/٦١ (سورة البقرة).


المقصد السابع

في التوسل

ولا ريب أنه من سنن المرسلين، وسيرة السلف الصالحين، ودلت عليه الأخبار والآثار.

نقل أن آدم لما إقترف الخطيئة، قال: يا ربي أسألك بحق محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما غفرت لي، فقال: يا آدم كيف عرفت، قال: لأنّك لمّا خلقتني نظرت إلى العرش، فوجدت مكتوباً فيه: (لا إله إلا الله، محمّد رسول الله)، فرأيت إسمه مقروناً مع إسمك، فعرفته أحب الخلق إليك. صححه الحاكم(١) .

وعن عثمان بن حنيف أن رجلاَ ضرير البصر أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إدع الله أن يعافيني، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن شئت صبرت فهو خيرٌ لك، وإن شئت دعوت، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ، ويدعو بهذا الدعاء: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبيّ الرحمة، يا محمد إني توجّهت بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم شفعه فيّ)(٢) .

وفيه دلالة على جواز الشفاعة في الدنيا، وعلى الأستغاثة، رواه الترمذي، والنسائي، وصححه البيهقي، وزاد: فقام وقد أبصر.

ونقل الطبراني عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفّان في حاجته، فكان لا يلتفت إليه، فشكا ذلك لابن حنيف، فقال له: إذهب وتوضأ وقل: … (وذكر نحو ما ذكر الضرير)، قال: فصنع ذلك، فجآء البواب، فأخذه وأدخله على (عثمان)، فأمسكه على (الطنفسة) وقضى حاجته(٣) .

وروي أنّه لمّا دعا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لفاطمة بنت أسد، قال اللهم إنّي أسألك بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي… (إلى آخر الدعاء)(٤) .

وفي الصحيح عن أنس أن عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه كان إذا أقحط الناس إستسقى

____________________

(١) مستدرك الحاكم: ٢/٦١٥.

(٢) سنن الترمذي (كتاب الدعوات)، باب ١١٩، حديث ٣٥٧٨؛ وسنن ابن ماجه (كتاب اقامة الصلاة)، باب ١٨٩، حديث ١٣٨٥.

(٣) سنن ابن ماجه (كتاب اقامة الصلاة)، باب ١٨٩، حديث ١٣٨٥.

(٤) كنز العمال: ٦/١٨٩.


بالعباس، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيّك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيّك، ونستشفع إليك بشيبته، فسقوا(١) .

وروى الشيخ عبدالحميد (بن أبي الحديد) عن عليعليه‌السلام أنه قال: كنت من رسول الله كالعضد من المنكب، وكالذراع من العضد، رباني صغيراً، وواخاني كبيراً، سألته مرّة أن يدعو لي بالمغفرة، فقام فصلّى، فلمّا رفع يديه سمعته يقول: اللهم بحقّ علي عندك إغفر لعلي، فقلت: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: أو أحد أكرم منك عليه، فأستشفع به إليه(٢) .

وفي هذين الخبرين دلالة على شفاعة الدنيا.

وفي مسند إبن حنبل أن عائشة قال لها مسروق: سألتك بصاحب هذا القبر ما الذي سمعت من رسول الله (يعني: في حق الخوارج) قالت سمعته يقول: إنهم شرّ الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة، وأقربهم عند الله وسيلة(٣) .

وعن الأعمش أن إمرأةً ضريرة بقيت ستة ليال تقسم على الله بعلي!، فعوفيت.

فما رواه جبير بن مطعم عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه أتاه أعرابي، فقال: جهدت الأنفس، وجاع العيال، فأستسق لنا، فأنا نستشفع بك إلى الله، ونستشفع بالله عليك، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (ويحك أنه لا يستشفع بالله على أحد، شأن الله أعظم)، فليس مما نحن فيه، لأنه نهى عن الأستشفاع بالله لا بأحد إلى الله.

وعن علي أنه قال لسعد بن أبي وقاص: أسألك برحم إبني هذا، وبرحم حمزة عمي منك ألا تكون مع عبدالرحمن(٤) .

وعن عائشة رضي ‌الله ‌عنها أن النبيّ أسرّ إلى فاطمة سرّاً، فبكت بكاء شديداً، فسألتها، فقالت: ما كنت لأفشي سرّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلما قبض سألتها وقلت لها: عزمت عليك بما لي عليك من الحق، (… الخبر)(٥) .

وروى أبو مخنف عن أبي الخليل، قال: لما نزل طلحة والزبير في موضع (كذا)، قلت:

____________________

(١) صحيح البخاري (كتاب الاستسقاء)، باب ٣؛ و(كتاب فضائل أصحاب النبيّ)، باب ١١.

(٢) شرح نهج البلاغة: ٤/٥٥٨.

(٣) سنن الدارمي (كتاب الجهاد)، باب ٣٩؛ مسند أحمد بن حنبل: ١/١٤٠، سنن ابن ماجه (المقدمة)، باب ١٢، حديث ١٧٠.

(٤) الترمذي: ٥/٦٠٧.

(٥) صحيح البخاري: ٤/٢١٠؛ وصحيح مسلم: ٤/١٩٠٥؛ والترمذي: ٥/٦٥٨.


ناشدتكما الله وصحبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وعن عليعليه‌السلام أن يهودياً جاء إلى النيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقام بين يديه، وجعل يحد النظر إليه، فقال: يا يهودي ما حاجتك، فقال أنت أفضل أم موسى فقال له: إنه يكره للعبد أن يزكي نفسه، ولكن قال الله تعالى:( وأمّا بنعمة ربك فحدّث ) إنّ آدم لما أصابته خطيئته التي تاب منها كانت توبته (اللهم إني أسألك بمحمد وآل محمد لما غفرت لي)، فغفر له(١) .

وعن عليعليه‌السلام أنه بعد دفن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام عند قبره الشريف، فقال مخاطباً له: طبت حيّاً وطبت ميّتاً، إنقطع عنا بموتك ما لم ينقطع بموت أحد سواك من النبوة والأنباء، وأخبار السماء، (والحديث طويل) إلى أن قال: بأبي أنت وأمي إذكرنا عند ربك، واجعلنا من بالك وهمك.

ونقل الشيخ عبدالحميد أن معاوية سأل عقيلاً عن عليعليه‌السلام ، فقال له عقيل: يا معاوية جاءته زقاق عسل من اليمن، فأخذ الحسين منها رطلاً واشترى إداماً لخبزه، فلما جاء عليّ ليقسمها قال: يا (قنبر) أظن أنه قد حدث بهذا حدث قال: نعم، وأخبره بقصة الحسينعليه‌السلام فغضب، وقال علي (بحسين) فرفع الدرة عليه، وقال: بعمي (جعفر)، (وكان إذا سئل بحق جعفر سكن)، فأجابه (الحسين) بما أجاب.

ونقل الشيخ عبدالحميد أن رجلاً وفد من مصر، فاستعاذ بعمر.

وكيف كان فقد بان أن من توسل إلى الله (بمعظم) من: قرآن، أو نبي، أو عبدصالح، أو مكان شريف، أو بغير ذلك، فلا بأس عليه، بل كان آتياً بما هو أولى وأفضل.

ولا بأس بالتوسط بحق المخلوقات، فأن للمولى على عبده حقّ المالكية، وللعبد حق المملوكية، وللخادم حق الخدمة، وللأرحام حق الرحم، وللصديق حقّ الصداقة، وللجار حق الجوار، وللصاحب حق الصحبة، فالحق عبارة عن الرابطة بأي نحو إتفقت، وعلى أي جهة كانت.

وعلى ذلك جرت عادة السلف من أيام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى يومنا هذا، لا ينكره أحدٌ من المسلمين، والدعوات، والمواعظ مشتملة عليه، والأجماع منعقدّ عليه، فلم يبق في المقام إشكال، ولا بقي محلٌ للقيل والقال، والله ولي التوفيق، وهو أرحم الراحمين.

____________________

(١) كنز العمال: ١١/٤٥٥.


المقصد الثامن

في الشفاعة

الشفاعة- في الحقيقة- قسم من الدعاء والرجاء، ليس من خواص الأنبياء والأوصياء، وليس لأحد على الله قبول شفاعته، وإنما ذلك من ألطافه ومننه، ولا شفاعة إلا بإذنه ورضاه، والأخبار فيها متواترة.

روى محمد بن عمرو بن العاص، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: من سأل الله لي الوسيلة، حلّت عليه الشفاعة، رواه مسلم(١) .

وعن جابر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (من سمع الأذان ودعا بكذا، حلت له شفاعتي يوم القيامة)، رواه البخاري(٢) .

وعن عبدالله بن عباس، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا يشركون بالله شيئاً، إلا شفعهم الله فيه، رواه مسلم(٣) .

وعن عائشة رضي ‌الله عنها، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: ما من ميت تصلي عليه أمة من الناس يبلغون مائة، كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه، رواه مسلم(٤) .

وعن جابر، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: أعطيت خمساً… (وعدّ منها الشفاعة)(٥) .

وعن إبن عباس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا أول شافع وأول مشفع في القيامة ولا فخر(٦) .

وعن جابر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا أول شافع وأول مشفع. ونحوه عن أنس(٧) ، وأبي بن كعب(٨) .

____________________

(١) صحيح مسلم (كتاب الصلاة)، باب ١١؛ أبي داود (كتاب الصلاة)، باب ٣٦؛ سنن الترمذي (كتاب المناقب)، باب ١؛ سنن النسائي (كتاب الأذان)، باب ٣٧؛ مسند أحمد بن حنبل (كتاب الثاني)، الباب ١٦٨.

(٢) البخاري (كتاب الأذان)، باب ٨؛ وصحيح مسلم (كتاب الصلاة)، باب ١١؛ وسنن أبي داود (كتاب الصلاة)، باب ٣٦.

(٣) صحيح مسلم (كتاب الجنائز)، باب ١٩ (من صلى عليه أربعون شفعوا فيه)، حديث ٥٩.

(٤) صحيح مسلم (كتاب الجنائز)، باب ١٨، حديث ٥٨.

(٥) صحيح مسلم (كتاب المساجد ومواضع الصلاة)، باب ٥، حديث ٣.

(٦) صحيح مسلم (كتاب الفضائل)، (باب- ٢- ، تفضيل نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - على جميع الخلق)، حديث ٢٢٧٨.

(٧) صحيح مسلم (كتاب الأيمان)، باب ٣٣٠.

(٨) سنن الدارمي (المقدمة)، الباب ٨.


وعن جبير بن مطعم، عن عثمان بن عفان، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: يشفع يوم القيامة ثلاثون (وعد منهم الأنبياء).

وعن أبي سعيد، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن الشفاعة على مراتب الناس في القابلية(١) .

وعن عبدالله بن مالك عن أبيه، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه أتاني آتٍ من ربي، فخيّرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فأخترت الشفاعة.

وعن عبدالله بن أبي الجذعاء، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنه والدارمي يدخل الجنة بشفاعة رجل(٢) من أمتي أكثر من بني تميم، رواه الترمذي والدارمي(٣) .

وعن أنس قال: سألت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: أنا فاعل، قلت: فأين أطلبك، قال: أولاً على الصراط، قلت: فأن لم ألقك؟ قال: عند الميزان، قلت: فأن لم ألقك، قال: عند الحوض، فأني لا أخطيء هذه المواضع، رواه الترمذي(٤) .

وعن أبي سعيد الخدري، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إن الله يقول بعد فراغ الشافعين من الشفاعة: شفّعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين(٥) .

وعن أنس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه يحبس المؤمنون يوم القيامة، فيقولون لو استشفعنا، فيأتون (آدم)، فيعتذر بخطيئته، ثم (إبراهيم) فيعتذر بثلاث كذبات كذبهن، ثم (موسى) فيعتذر بقتل النفس، ثم (عيسى)، فيقول: لست هناك، فيقول الله تعالى بعد أن أسجد له: إشفع تشفع… (الخبر وهو طويل)(٦) .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن ملكاً غضب عليه، فأهبط من السماء، فجاء إلى إدريس فقال له: إشفع لي عند ربك، فدعا له، فأذن له في الصعود. وفيه دلالة على الشفاعة في الدنيا. وستجيء في باب زيارة القبور أخبار كثيرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : (من زارني كنت له شفيعاً)(٧) .

____________________

(١) سنن ابن ماجه: ٢/١٤٤٣.

(٢) في المطبوع : (بشفاعتي رجال).

(٣) الترمذي: ٤/٥٤١.

(٤) الترمذي (باب صفة القيامة): ٤/٥٣٧.

(٥) الترمذي: ٤/٥٤١.

(٦) الترمذي: ٤/٥٣٧.

(٧) سنن البيهقي: ٥/٢٤٥.


وبيان الحال: أن (الشفاعة) إن كانت من قبيل الدعاء، فيرجع طلبها إلى إلتماس الدعاء من الأنبياء والأولياء، فتكون عبارة عن دعاء مخصوص لنجاة الغير، أو قضاء حاجته في أمور الدنيا والآخرة، فلا كلام ولا بحث في جواز طلبها من كل أحد، فهي كما لو سألت إخوانك الدعاء. ويؤيد ذلك انه لما سئل إدريسعليه‌السلام الشفاعة دعا.

ولا فرق بين الأحياء والأموات، فأنّا سنبين- إن شاء الله- تواتر الأخبار في أن الأموات يسمعون وينطقون، لكن الناس لا يسمعون كلامهم. فالشفاعة بهذا المعنى لا غضاضة في طلبها، إذ لسنا في ذلك بمنزلة من قالوا لا طاقة لنا بعبادة الله، ونحن نعبد الأصنام، وهم يوصلوننا الى الله.

وإن أريد بالشفاعة منصب أعطاه الله لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأوليائه، فيدفعون بالأذن العام عن الناس، بمعنى أن الله أذن إذناً عاماً لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في إنقاذ بعض أهل العذاب من العذاب يوم يقوم الحساب، فبهذا المعنى تكون مخصوصةً في الآخرة.

ولا ريب أن المستشفع بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والأولياء في دار الدنيا، يريد المعنى الأول.

فليت شعري ما الذي ينكر من طلب الشفاعة، أمن جهة خطاب الموتى فلذلك لا يوجب كفراً ولا إشراكاً، لو كان خطأ، فكيف لو كان صواباً، أو من جهة إسناد الأمر إلى غير الله سبحانه، وهذا أعجب من السابق، فأن الداعي والساعي في حاجة أحد إلى مولاه لا يرتفع عن درجة العبودية، ولاسيما إذا لم يحدث شيئاً إلا عن إذنه.

ومن البديهية(١) أن العبيد والخدام القائمين بشرائط العبودية والخدمة مع الأذن يشفعون عند مواليهم في قضاء حوائج الناس، ولا يخرجهم ذلك عن العبودية والخدمة، بل هذا نوع من العبودية.

وفي أحاديث الشفاعة ما يدل على عموم الشفاعة في دفع المضار الدنيوية والأخروية.

وقد نقل عن الصحابة بطرق معتبرة أن الصحابة كانوا يلجأون إلى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويندبونه في الأستسقاء ورفع الشدائد والأغراض الدنيوية.

روى البيهقي بطريق صحيح عن مالك الدار خازن عمررضي‌الله‌عنه أنه أصاب الناس قحط، فذهب رجل إلى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إستسق لأمّتك فقد هلكوا، فأتاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام، فقال له: قل لعمر: قد سقوا(٢) .

____________________

(١) في النسخة المطبوعة : (الأمور البديهيّة).

(٢) البيهقي: ٣/٣٤٤.


وقد روي أنّ من رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نومه فكأنما رآه في يقظته، لأن الشيطان لا يتمثل به(١) .

وروى البيهقي بطريق صحيح أن رجلاً في أيام عمررضي‌الله‌عنه جاء إلى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: يا محمد إستسق لأمتك(٢) .

وروى الطبراني وابن المقري أنهم كانوا جياعاً، فجاؤا إلى قبر النبي، فقالوا: يا رسول الله الجوع، فاشبعوا.

والغرض أن ذلك ظاهر بين الصحابة والسلف، لا يتناكرونه أبداً، وحيث كان لا يزيد على سؤال الدعاء، واتضح في البحث الآتي أن الأنبياء والأولياء أحياء، لا يبقى كلام أصلاً.

الخاتمة

وأما الخاتمة، فتشتمل على أبواب:

الباب الأول

في حياة الأموات بعد موتهم

وفيه فصول:

الفصل الأول

في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد موته

وإنه يسمع الكلام ويرد الجواب، كما في حياته غير أن الله حبس سمع الناس إلاّ قليلاً من الخواص، ولا بعد في ذلك بعد الأقرار بعموم قدرة الجبار، فأن من أودع تلك النطفة روح الإنسان، قادر أن يودعها في أي محل كان.

ولا ينافي ذلك إطلاق إسم الموت عليه، وأن الحياة إنما هي وقت البعث، لان المراد أن عود تلك الأجسام على الحال السابق والكيفية السابقة، إنما يكون في ذلك الوقت، وإن

____________________

(١) صحيح مسلم (كتاب الرؤيا)، باب ١ حديث ١١.

(٢) البيهقي: ٣/٣٥٠.


ظهور ذلك للناظرين، إنما يكون في ذلك الحين، ولابد أن تتلقّى ما ورد عن النبي الكريم، بأشد القبول والتسليم.

روي عن أمّ سلمةرضي‌الله‌عنه ، قالت: رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتراب على شيبته، فسألته، فقال: شهدت قتل الحسينعليه‌السلام .

وعن ابن عباس أنه رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام، وفي يده قاروة، فقلت وما هذه. فقال هذا دم الحسينعليه‌السلام (١) .

وقال المبارزي: نبينا حي بعد وفاته.

وقال شيخ الشافعي(٢) : نبينا حي بعد وفاته، فأنه يستبشر بطاعات أمته، ويحزن من معاصيهم، وتبلغه صلاة من يصلّي عليه.

وعن عليعليه‌السلام أنّ أعرابيا جاء إلى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: يا رسول الله إستغفر لي، فنودي من داخل القبر ثلاث مرات: قد غفر الله لك(٣) .

وروى أبو داود في مسنده، عن أبي هريرة، مرفوعاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: ما من أحدٍ يسلّم عليّ إلاّ ردّ الله روحي حتى أردّ عليه.

وذكره إبن قدامة من رواية أحمد أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ما من أحد يسلّم عليّ عند قبري إلاّ ردّ الله عليّ روحي. وذكره بعض أكابر مشايخ البخاري.

وفي خبر النسائي وغيره، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: إن لله ملائكة سيّاحين في الأرض، يبلغونني من أمتي السلام.

فعلى هذا لا فرق بين السلام من قرب، أو بعد.

وعن أبي هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: من صلّى عليّ عند قبري سمعته(٤) .

وعن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: من صلى عليّ عند قبري، وكل الله به

____________________

(١) تاريخ ابن عساكر، ص٢٦٣.

(٢) عبدالقاهر بن طاهر البغدادي الأسفراييني، ولد ونشأ في بغداد، ورحل إلى خراسان واستقرّ في نيسابور، ومات في أسفرائين. له مؤلفات كثيرة.

(٣) كنز العمال: ١/٥٠٦.

(٤) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: ١/٤٨٨، الباب السادس في الصلاة عليه وعلى آله، حديث ٢١٩٧.


ملكاً يبلغني(١) .

وروى إبن أوس مرفوعاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة، فأن صلاتكم معروضة عليّ، قالوا: أو كيف تعرض عليك وأنت رميم؟! فقال: إنّ الله حرّم على الأرض لحوم الأنبياء(٢) . وهذا يعم الأنبياء (صلى الله عليهم).

وروى الحافظ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: علمي بعد مماتي كعلمي في حياتي(٣) .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله وكّل ملكاً يسمعني أقوال الخلائق، يقوم على قبري، فلا يصلّي عليّ أحد إلاّ قال: يا محمّد (فلان) بن (فلان) يصلّي عليك، صلّوا عليّ حيثما كنتم، فأن صلاتكم تبلغني.

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ أعمالكم تعرض عليّ(٤) .

والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، وفيها دلالة على أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخاطب في مماته كما يخاطب في حياته، بل يظهر من بعض الروايات(٥) أنّ كلامه يسمعه بعض الخواص.

أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة، عن سعيد بن المسيب، قال: لقد كنت في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فما يأتي وقت صلاةٍ إلاّ سمعت الأذآن من القبر.

وأخرج ابن سعد في الطبقات، عن سعيد بن المسيب أنه كان يلازم المسجد أيام الحرّة، فإذا جاء الصبح سمع أذاناً من القبر الشريف(٦) .

وأخرج زبير بن بكار(٧) في أخبار المدينة، عن سعيد بن المسيب، قال: لم أزل أسمع الأذان والأقامة من قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيام الحرّة، حتى عاد الناس.

وأخرج الدارمي في مسنده، عن مروان، عن سعيد بن عبدالعزيز أنّه كان لا يعرف وقت الصلاة إلاّ بهمهمةٍ تخرج من القبر(٨) .

____________________

(١) كنز العمال، حديث ٢١٩٦.

(٢) كنز العمال: ج١، الباب السادس، حديث ٢١٤١.

(٣) كنز العمال: ج١، الباب السادس، حديث ٢٢٤٢.

(٤) صحيح مسلم (كتاب المساجد)، باب ٥٧؛ ومسند أحمد بن حنبل، الكتاب الخامس.

(٥) في النسخة المطبوعة: الأخبار.

(٦) الطبقات الكبرى: ٥/١٣٢.

(٧) الزبير بن بكّار، من أهل المدينة، توفي سنة ٢٥٦هـ / ٨٧٠م عن (٨٤) عاماً. له مؤلفات في الأنساب والتاريخ.

(٨) سنن الدارمي: ١/٥٦.


الفصل الثاني

في حياة سائر الشهداء والأنبياء

قد سبق أن الارض لا تأكل لحومهم.

قال البيهقي في كتاب الأعتقاد(١) : إنّ الأنبياء بعدما قبضوا رّدت إليهم أرواحهم، فهم أحياء كالشهداء.

وقال القرطبي في التذكرة(٢) : الموت ليس عدماً محضاً، يدل على ذلك أن الشهداء أحياء، فالأنبياء أولى، وقد صحّ أنّ الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إجتمع بالأنبياء ليلة الأسراء في بيت المقدس وفي السماء.

وقال الأستاذ أبو منصور عبدالقاهر بن طاهر البغدادي شيخ الشافعي: إنّ الأنبياء لا تبلى أجسادهم، ولا تأكل الأرض منهم شيئاً، وقد إلتقى نبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع إبراهيم، وموسى بن عمران.

وعن أنس، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّه مرّ بقتلى بدر فكلّمهم، فقال له أصحابه: كيف تكلّم أجساداً لا أرواح فيها؟! فقال: لستم اسمع منهم لكنهم لا يتكلمون.

وعن قتيبة وأبي الفضل، عن إبن عباس أنّ الحواريين قالوا لعيسى: أحي لنا يحيى بن زكريا، حتى ننظر إلى وجهه، فخرج معهم وأحياه، وإذا نصف شعر رأسه ابيض، وقد كان أسوداً فسألوه، فقال: لما نوديت زعمت أنها القيامة، فقال عيسى: أتريد أن أسأل الله أن يردك إلى الدنيا؟ فقال: إن مرارة الموت لم تخرج من حلقي بعد.

وعن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه مرّ بابراهيم يصلّي، وبموسى يصلّي. وفي حديث المعراج أنه مرّ بكثير من الأنبياء يصلون.

وقال الحافظ شيخ السنة أبو بكر البيهقي في الإعتقاد: إن الأنبياء تردّ إليهم أرواحهم بعدما يقبضون، فهم أحياء عند ربهم كالشهداء، وقد رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جماعة منهم، وصلّوا خلفه، وقد أخبر هو عن ذلك، وخبره صدق، أنّ صلاتنا تعرض عليه، وانّ

____________________

(١) الأعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للحافظ البيهقي الشافعي، طبع في بيروت سنة ١٩٨٨م.

(٢) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة لشمس الدين محمد بن أحمد القرطبي المتوفى سنة ٦٧١هـ، وهو مطبوع بالقاهرة سنة ١٩٨١م ضمن جزأين.


الأرض لا تأكل من لحمه.

وعن الشيخ عفيف الدين أنّ الأولياء من جملة خصائصهم رؤيا الأنبياء.

وقال الشيخ تقي الدين السبكي: إنّ حياة الأنبياء والشهداء في القبور كحياتهم في الدنيا، ويدل عليه صلاة موسى وجماعة من الأنبياء ليلة الأسراء مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وروى الثقات عن أنس مرفوعاً، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الأنبياء أحياء في قبورهم.

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: مررت بقبر موسى بن عمران فرأيته يصلّي(١) .

وقال الله تعالى في حق من قتلوا في سبيل الله:( أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‌ ) (٢) إلى غير ذلك من الأخبار.

الفصل الثالث

في حياة سائر الموتى

روى إبن عباس مرفوعاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: ما من أحدٍ يمر بقبر أخيه المؤمن فيسلم عليه إلاّ عرفه، وردّعليه‌السلام .

وفي رواية: ما من أحدٍ يمر بقبر رجلٍ يعرفه إلاّ عرفه وردّعليه‌السلام (٣) .

ونقل أبو عبدالله البخاري أنّ الشهداء وسائر المؤمنين إذا زارهم المسلم وسلّم عليهم، عرفوه وردواعليه‌السلام .

وروى الثعلبي في تفسيره، وابن المغازلي الواسطي في المناقب: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأصحابه لما حملهم البساط، وصلوا إلى موضع أهل (الكهف)، فقال: سلّموا عليهم، فسلّموا عليهم، ولم يردوا، فسلم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله(٤) .

وأخرج الشيخ ابن حيارة في كتاب (الوصايا)، عن قيس، قال: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من

____________________

(١) تراجع هذه الأحاديث في كنز العمال، الفصل الثالث في زيارة القبور، المجلد الخامس.

(٢) القرآن الكريم: ٣/١٦٩ (سورة آل عمران).

(٣) كنز العمال: ٥/٦٤٦.

(٤) ابن المغازلي، مناقب علي بن أبي طالب، ص٢.


لم يوص، لم يؤذن له في الكلام مع الموتى، قيل، يا رسول الله الموتى يتكلمون، فقال: نعم ويتزاورون.

وعن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه رأى جعفرا يطير في الجنة.

ونقل أبو بكر محمد بن عبدالله الشافعي أن عيسى لما دفن مريم، قال: السلام عليك يا أماه، فأجابته من جوف القبر: وعليك السلام حبيبي، وقرة عيني، فقال لها: كيف وجدت طعم الموت؟ فقالت: والذي بعثك بالحقّ ما ذهبت مرارة الموت من حلقي، ولا خشونته من لساني.

وروى الحاكم عن سالم بن أبي حفصة قال: توفي أخ لي، فوضعته في القبر، وسوّيت عليه التراب، ثم وضعت أذني على لحده، فسمعت قائلاً يقول له: من ربّك، فسمعت أخي يقول بصوت ضعيف: ربي الله، فقال له: وما دينك، فسمعت أخي يقول بصوتٍ ضعيف: ديني الأسلام، فسمعته يقول له: ومن نبيّك؟ فسمعته يقول بصوت ضعيف: محمّد نبيّي، فسمعته يقول له: نم نوم العروس، وسمعت الملك الآخر يقول له أبشر بروحٍ وريحان، وربّ غير غضبان(١) .

وفي الأخبار، عن عمر بن الخطاب أنه قال: ما من ميت يموت، يوضع على سريره، فيخطى ثلاث خطوات، إلاّ وينادى بنداء يسمعه ما شاء الله من الخلائق غير الثقلين. فيقول: يا إخوتاه، يا خدماه، يا حملة نعشاه، لا تغرّنكم الدنيا كما غرّتني، ولا يلعبن بكم الزمان كما لعب بي، خلّفت ما جمعت لورثتي، ولم يحملوا من خطيئتي شيئاً، والديّان يحاسبني، وأنتم تشيعوون جنازتي، ثم تدعونني في لحدي.

وزيد في آخر: ثم تسلمونني الى منكر ونكير، واندامتاه واندامتاه، واندامتاه(٢) .

وعن الفقيه الزاهد إسماعيل بن الحسن، عن عمر بن الخطاب أنه دخل المقابر، فنادى يا أهل المقابر الأموال قد قسّمت، والدور قد سكنت، والأزواج قد نكحت، فهذا خبر ما عندنا، فأخبرونا ما عندكم، قال: فهتف به هاتف، وهو ينادي ويقول: يابن الخطاب وجدنا ما عملنا ربحاً، وما خلفنا خسراناً، والجبار سألنا عن جميع ما فعلنا، ثم سكت.

وعن كعب، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: لا يمرّ أحد بالمقابر إلاّ ويناديه أهل القبور: يا

____________________

(١) كنز العمال: ١٥/٦٠٥.

(٢) كنز العمال: ١/٥٩٦.


غافلاً لو علمت بما نحن فيه لذاب لحمك وجسمك، كما يذوب الثلج في النار(١) .

وعن الضحاك، عن إبن عباس، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: إن الموتى ينادون في كل يوم ثلاث مرات من قبورهم: يا أهل الديار عجلوا عجلوا، فأنما نحن محبوسون من أجلكم، الرحيل الرحيل، لا تحبسوا إخوانكم، خرّبوا ما بنيتم، وأتركوا ما جمعتم، نورتم البيوت، وأظلمتم القبور، وبنيتم البيوت، ونسيتم القبور، وعمرتم البيوت، وخربتم القبور، ووسعتم البيوت، وضيقتم القبور، (وذكروا غير ذلك)(٢) .

وعن أبي عبدالله محمد بن عمر، يروي عن عمر، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: ما من يوم يمضي إلا وملك يهتف: يا أهل القبور من تغبطون اليوم فيقولون: نغبط أهل المساجد، يصلّون في مساجدهم، ويصومون ويصدّقون، ولا نقدر نصلي ونصوم ونتصدق.

وعن محمد بن أبي عبدالله بن الفضل، عن محمد بن كعب، قال: مرّ عيسى على قبر، فرأى فيه عذابا شديداً، فدعا الله حتى أحياه، فقال له عيسى: فلم تعذّب. قال: كنت جالسا في سوق (مصر)، وقد أكلت شيئا، فأخذت عودةً من حزمة شوك لأخلل أسناني بها، ومت منذ أربعة آلاف سنة وأنا في عذابها، ثم قال: يا روح الله منذ أربعة آلاف سنة ومرارة الموت باقية في حلقي. فقال عيسى: اللّهم يسّر علينا سكرات الموت.

وعن وهب بن منبه أن عيسىعليه‌السلام مرّ على نهرٍ فيه ماء عذب، وحوله خابية(٣) ، كلما يوضع فيها من ذلك الماء يصير مالحاً، فقال: إلهي ما خبر هذا الماء المالح؟! فأذن الله للخابية بالكلام، فقالت: إني كنت آدمياً، فبقيت في قبري ثلاثمائة سنة، ثم جاء لبّان، فضرب ترابي لبناً، وبنيت في قصر ثلاثمائة سنة، ثم خرب القصر، فبقيت تراباً مائتي سنة، ثم جاء شخص فجعلني (حبّاً)، ووضعني سقايةً على شاطىء هذا النهر من مائة سنة وكل ما يجعل فيّ يكون مالحاً، لما في من مرارة نزع الروح، وأنا معذب منذ مت، لأني أخذت إبرةً من جاري، وما رددتها حتى متّ. فما أدري أنّ عذابي أشد أم مرارة الموت، فقال عيسى: اللّهم يسّر عليّ الموت، ونجني من عذاب القبر… (الحديث). وقد ذكرنا من مضمونه محل الحاجة.

وعن عائشة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن أشد الأحوال على الميت حين يدخل (الغسال) داره ليغسله، فيخرج خواتم الشبان من اصابعهم، وينزع قميص العروس من بدنها، ويرفع

____________________

(١) في النسخة المطبوعة: الملح بالماء.

(٢) كنز العمال: ١٥/٦٢٦.

(٣) الخابية: الجرّة الكبيرة المستعملة لحفظ الماء.


عمائم المشايخ عن رؤوسهم. فعند ذلك يقول بصوت يسمع الخلائق غير الثقلين: يا غسال بالله عليك إنزع ثيابي برفق، فأني الساعة استرحت من مخاليب ملك الموت، فأذا صب عليه الماء صاح كذلك. فإذا رفع عن المغتسل، وشدّ مواضع قدميه بالكفن، يقول: بالله عليك لا تشد راس كفني ليرى وجهي أهلي وأولادي وعروسي التي كنت أحبّها، وينظر إلى وجهي أقربائي، وأحبائي وإخواني، وجيراني، ورفقائي، فأن هذه آخر رؤياي.

فإذا خرج من الدار، نادى بالله عليكم يا حملة نعشي لا تعجّلوا بي، حتى أودّع داري التي بنيتها، وزيّنتها ونقشتها بأنواع النقوش، وأهلي ومالي وأولادي، فأن هذا خروج لا مردّ بعده إلى يوم القيامة. فإذا رفعت الجنازة، نادى يا حملة نعشي بالله عليكم لا تعجّلوا بي، حتى أسمع أصوات أولادي الذين يعولون خلف جنازتي، وعروسي التي تبكي عليّ، ووالدي الذي تقوّس ظهره لموتي، ووالدتي التي شدّت وسطها بالمنديل لمفارقتي، وقد نشرت شعرها، وضربت صدرها، وتقوّس ظهرها، وأبيضّت عيناها لفقدي.

فإذا صلّي على جنازته، ورفع من المصلى،ورجع بعض أصدقائه، يقول: يا إخوتاه كنت أعلم أنّ الميت ينساه الأحياء، لكن لا بهذه السرعة، رجعتم قبل أن تدفنوني، ونسيتموني بهذه السرعة، وجسمي بعد بين أظهركم.

فإذا وضع في لحده، ووضع عليه التراب، ينادي واورثتاه، تركت لكم الكثير، فلا تنسوني، وتصدّقوا عني على فقرائكم، ولو بكسرة خبز محترق، وعلمتكم القرآن والأدب، فلا تنسوني من الدعاء، فأني صرت محتاجاً، كفقرائكم على أبوابكم، ومحتاجاً إلى دعائكم، كصاحب حاجتكم الى ساداتكم(١) . ومما يدل على بقاء حياتهم في قبورهم، ما دلّ على أنّ الميّت بعدما يسأل، يفتح له باب إلى الجنة، إن كان من أهل الخير، أو إلى النار إن كان من أهل الشر، وبقاء اللذة والألم ظاهر في بقاء أثر الحياة.

وعن عبدالله بن عمر، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا مات أحدكم، عرض عليه مقعده بالغدوة والعشيّ، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

وعن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الميت يسأل في قبره عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأن

____________________

(١) تراجع هذه الأحاديث في الجزء الخامس عشر من كنز العمال في الباب الأول (في ذكر الموت وفضائله)، حديث ٤٢٠٩٤ حتى حديث ٤٣٠١١ (من ص٥٤٨ حتى ص٧٥٨).


أجاب بالحق قيل له: نم نومة العروس، وإلاّ فتح له باب إلى قبره يكون معذباً إلى يوم القيامة(١) .

وعن البراء بن عازب، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: يأتيه ملكان يجلسانه، ثم ذكر أنهما يسألانه، فأن أجاب بحق، فتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، وإلاّ يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرّها وسمومها. الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الدالة على أنهم في قبورهم يتلذذون و يتألمون، وهذا من توابع الحياة ولوازمها.

وكيف كان فقد بلغت هذه الأخبار فوق التواتر، وبعد عموم قدرة الفاعل المختار، لا بعد ولا غرابة في مداليلها.

وما دلّ من الكتاب والسنة على أنّ الأحياء يكون عند النفخ في (الصور)، فقد بيّنا أنّ المراد: إمّا الحياة على النحو المعهود من تلك الأشخاص الخاصة بعينها، أو يراد أنّه يوم البروز والظهور على عيون الأشهاد.

وإذا تبيّن بهذه الأخبار المتواترة، أنهم يسمعون ويعقلون ويعرفون من يخاطبهم، صحّ لنا أن نخاطبهم مخاطبة الأحياء فنلتمس دعاءهم، ونقسم عليهم بالأقسام في أن يكونوا شفعاء لنا في الدنيا وفي يوم القيام، لأنّ الشفاعة أظهر فرديها أنها دعاء خاص، واختصاص الخواص بها باعتبار قبولها.

فلو قال قائل لنبي، أو وصي، أو عبد صالح: إشفع لي، أو إدع لي، أو أغثني، أو أعنّي (أي بدعائك)، أو قال: إقض لي حاجتي، أو إرزقني مالاً، وأدفع الضرر عني، ونحو ذلك ولا يريد سوى التوسط بالدعاء وسؤال الله، لم يكن عليه شيء.

وقد وقع كثير من ذلك في كلام الصحابة والتابعين، بل ربّما كان هذا التعبير أولى، لدلالته على قرب منزلة العبد عند مولاه واحترامه، فتكون شهادة له بنبوته، وقرب منزلته.

وليس على من قال للعبد المقرب، أو إلى الخادم المقرب: إقض حاجتي، (بمعنى إسع لي في قضاءها عند مولاك)، بأس، بل هو أنسب في التواضع الى المولى.

وأما من قال مثل ذلك معتقداً أنّ الأنبياء والأوصياء بأيديهم الأمر أصالةً، يفعلون ما يشاؤون، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

____________________

(١) سنن الترمذي (كتاب الجنائز)، باب ٧٠- ما جاء في عذاب القبر حديث ١٠٧١.


وإني قد طفت بشطر من بلاد المسلمين، وخالطت كثيراً منهم منذ سنين، فلم أر أحداً بعتقد أنّ في الوجود فاعلاً مختاراً سوى الفاعل المختار العزيز الجبار تبارك وتعالى، وذلك مراد (العوام) في خطاباتهم، فضلاً عن العلماء الأعلام، إلاّ أنهم لا يمكنهم كشف الحال، وإن كان مقصدهم ذلك على الأجمال. نسأل الله وإياكم طريق السداد والنجاة من أهوال يوم المعاد.

الباب الثاني

في الزيارات

وفيه فصلان:

الفصل الأول

في زيارة قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

روى الدارقطني في السنن وغيرها، والبيهقي، وغيرهما من طريق موسى بن هلال العبدي، عن عبدالله العمري، عن نافع، عن إبن عمر، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من زار قبري وجبت له شفاعتي.

وعن نافع، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعاً، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: من جاءني زائراً ليس له حاجة إلاّ زيارتي، كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة.

وعن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من حجّ وزار قبري بعد وفاتي، كان كمن زارني في حياتي.

وروي عن عائشة أيضا، وعن نافع، عن إبن عمر، عن النبي، قال: من زارني كنت له شهيداً أو شفيعاً.

وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: من حجّ فلم يزرني، فقد جفاني(١) .

وعن أبي هريرة مرفوعاً، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: من زارني بعد موتي، فكأنما زارني حياً(٢) .

____________________

(١) تراجع هذه الأحاديث في سنن البيهقي: ٥ (كتاب الحج)، باب زيارة قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(٢) كنز العمال (باب زيارة قبر النبي)، المجلد الخامس، حديث ١٢٣٨٢.


وعن أنس مرفوعاً، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال من زارني في المدينة، كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة(١) .

وعن أنس مرفوعاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من زارني ميّتاً كمن زارني حياً، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة.

وعن إبن عباس، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من زارني في مماتي، كان كمن زارني في حياتي، ومن لم يزرني فقد جفاني.

وعن عليعليه‌السلام مرفوعاً، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من زار قبري بعد مماتي، فكأنما زارني في حياتي، ومن لم يزرني فقد جفاني.

وعن إبن عباس، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: من حج ّ وقصدني في مسجدي، كانت له حجتان مبرورتان.

وروى إبن عساكر، عن عليعليه‌السلام ، قال من زار قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان في جوار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وعن بكر بن عبدالله مرفوعاً، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: من أتى المدينة زائراً لي، وجبت له الجنة.

وعن كعب الأحبار أنّ عمر لمّا فتح بيت المقدس، قال لي: هل لك أن تسير معي الى المدينة نزور قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذهبت معه، فلمّا دخل بدأ بالمسجد، وسلّم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وفي الموطأ عن إبن عمر كان يقف عند قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيسلّم عليه، وعلى أبي بكر، وعمر.

وسئل نافع هل كان ابن عمر يسلّم على قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! فقال: رأيته مائة مرّة أو أكثر يسلّم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلى أبي بكر، وعمر.

وعن إبن عمر: أنّ سنّة السلام من قبل القبلة.

ونقل الدارقطني، عن عليعليه‌السلام أنه دخل المسجد فسلم على القبر. وروي عن آل الخطاب، وعن بعض الحفّاظ زيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

____________________

(١) كنز العمال (باب زيارة قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) المجلد ١٥، حديث ٤٢٥٨٤.


وكيف كان، فالروايات في استحباب زيارته وشفاعته لزوّاره، داخلة في قسم المتواتر، وعمل الصحابة، والتابعين، وأهل البيت أجمعين على ذلك.

قال عياض: زيارة قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سنّة، أجمع عليها المسلمون. وروى غيره إجماع المسلمين قولاً وفعلاً على استحباب زيارته، وصريح بعضها(١) أن شدّ الرحال إليها لا مانع منه.

وفيما دل على استحباب التعظيم، وانّ حرمة الاموات كحرمة الأحياء، كفاية.

الفصل الثاني

في زيارة باقي القبور

قد مرّ في الأخبار الماضية زيارة الصحابة قبري الشيخين.

وروى بريدة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها(٢) .

ولعل السر- والله أعلم- أنه في مبدأ الأسلام كانت زيارة القبور وتذكار الموتى والقتلى، باعثاً على الجبن عن الجهاد، حتى إذا قوي الأسلام أمرهم بها. ونحو ذلك في خبر آخر.

وعن أبي هريرة، أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زار قبر أمّه، ولم يستغفر لها، قال: أمرت بالزيارة، ونهيت عن الأستغفار، فزوروا القبور، فأنّها تذكر الموت(٣) .

وعن بريدة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا خرج إلى المقابر، قال: (ا لسلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمي ن)، رواه مسلم(٤) .

وعن عائشة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يخرج إلى البقيع آخر الليل، فيقول: السلام عليكم… (الخبر)، رواه مسلم(٥) .

____________________

(١) في النسخة المطبوعة: وصرّح بعضهم.

(٢) صحيح مسلم (كتاب الجنائز)، المجلد الثاني، باب ٣٦، حديث١٠٦؛ وسنن ابن ماجه (باب ما جاء في زيارة القبور)، باب ٤٧، حديث ١٥٧١.

(٣) صحيح مسلم (كتاب الجنائز)، باب استئذان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ربّه في زيارة قبر أمّه، حديث ١٠٨.

(٤) صحيح مسلم (كتاب الجنائز)، باب ما يقال عند دخول القبور، حديث ١٠٤.

(٥) صحيح مسلم (كتاب الجنائز)، باب ما يقال عند دخول القبور، حديث ١٠٢.


وكيف كان فالأخبار متظافرة على زيارة القبور، ولا حاجة لنقل جميعها، وفيما ورد من أنّ حرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً دلالة على ذلك، وزيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والصحابة لقبور الشهداء أوضح من الشمس في رابعة النهار.

الباب الثالث

في التبرك بالقبور ونحوها

إختلف العلماء من أهل السنة والجماعة في جواز التبرك بالقبور، فمنهم: من أجازه على كراهة.

قال النووي: لا يجوز أن يطاف بقبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويكره إلصاق البطن والظهر به. قال: ويكره مسّه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد عنه، كما لو حضر في حياته.

وكلامه ظاهر في أنّ المس أبعد من التعظيم، وشبهة العبودية.

وذكر إبن عساكر في (تحفه)، عن ابن عمر أنه كان يكره مس قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ويظهر من بعضهم ندبه وأستحبابه.

نقل عبدالله بن أحمد بن حنبل في كتاب العلل والسؤالات، قال: سألت أبي عن الرجل يمس منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يتبرك بمسه وتقبيله، ويفعل بالقبر ذلك رجاء ثواب الله تعالى، فقال: لا بأس به.

وعن إسماعيل أن إبن المنكدر(١) يصيبه الصمّات، فكان يقوم ويضع خدّه على قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فعوتب في ذلك، فقال: يستشفى بقبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . والأستشفاء أعظم من التبرك.

ونقل عن إبن أبي الضيف، والمحب الطبري، جواز تقبيل قبور الصالحين، وظاهره الندب.

وفي رواية عن إبن حنبل أني لا أعرف التمسح بالقبر، أما المنبر فنعم، لما روي أن إبن عمر كان يفعله.

ونقل عن مالك التبرك بالمنبر.

____________________

(١) محمد بن المنكدر القرشي التيمي أحد الأئمة التابعين، توفي سنة ١٣٠هـ / ٧٤٨م.


وروي عن يحيى بن سعيد شيخ مالك أنه حينما أراد الخروج إلى العراق، جاء الى المنبر، وتمسّح به.

وقال السبكي: منع التمسح بالقبر ليس مما قام الأجماع عليه. وأستدل بما رواه يحيى بن الحسن، عن عمر بن خالد، عن أبي نباته، عن كثير بن يزيد، عن المطلب بن عبدالله، قال: أقبل مروان بن الحكم، فإذا رجل ملتزم القبر، فأخذ مروان برقبته وقال: ما تصنع؟! فقال: إني لم آت الحجر ولا اللبن، إنما جئت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وذكر رواية أحمد، قال: وكان الرجل أبا أيوب الأنصاري.

ونقل هذه الرواية أحمد، وزاد فيها: أنه قال: سمعت رسول الله يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن إبكوا عليه إذا وليه غير أهله.

وعن أبي الدرداء أن بلالاً رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام، فقال له: ما هذه الجفوة يا بلال، أما لك أن تزورني؟! فانتبه حزينا خائفاً، فركب راحلته، وقصد المدينة، فأتى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجعل يبكي عنده، ويمرّغ وجهه عليه، إلى أن ذكر حضور الحسنين وبكاء أهل المدينة، وأذان بلال، قال: فما رئي أكثر باكياً ولا باكية بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ذلك اليوم.

وذكر إبن حملة أن (بلالاً) وضع خديه على القبر، وأن ابن عمر كان يضع يده اليمنى عليه.

ونقل عن مالك، والزعفراني تحريمه، وهو الظاهر من كلام أنس بن مالك، حيث قال: ما كنا نعرفه.

وكيف كان كيف يدّعى المسّ والتبرك عبادة مع أنه أبعد من التعظيم، وقضية الذم على عبادة يعوق ويغوث ونسر، ليس من جهة التبرك، كما نصّ عليه المفسرون(١) ، حيث قالوا: تبركت الآباء فانتهى الأمر إلى عبادة الأبناء، فوقع الذم على الأبناء.

وتحقيق الحال: أنّ التقبيل على أنحاء:

منها: تقبيل المحبة، لأنّ من أحبّ شخصاً أحبّ مكانه، وثيابه، وداره، ومزاره، فلا يكون تقبيل الأعتاب، والجدران، والأبواب إلاّ كتقبيل بعض ثياب الأحباب، فهو من قبيل قوله:

____________________

(١) في تفسير الآية (٢٣) من سورة نوح.


أمرّ على الديار ديار (ليلى)

أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حبّ الديار شغفن قلبي

ولكن حبّ من سكن الديارا

وسئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن تقبيل اليد، فنهى عن ذلك، إلاّ في تقبيل يد الزوجة للشهوة، ويد الولد للمحبة.

وعن عليعليه‌السلام انه، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد فتح خيبر: لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم، لقلت اليوم فيك مقالاً، لا تمر على ملأ من المسلمين إلا أخذوا من تراب رجليك، وفضل طهورك يستشفون به، ولكن حسبك أنّك مني وأنا منك(١) .

وروي عن عليعليه‌السلام أنه قال: قدم علينا أعرابي بعد دفن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على القبر، وحثا من ترابه على رأسه.

وعلى كل حال فالذي يظهر بعد تحقيق النظر أنّ التقبيل للمحبة من قبيل تقبيل الوالد لولده(٢) ، والأرحام بعضهم لبعض فلو قبّل بعضهم جدران بعض، أو ثياب بعض، أو مكان بعض، حباً وإرادة، لا تعظيماً ولا عبادة، فليس فيه بأس.

وأما قصد التعظيم والأكرام، فليس فيه خروج عن ملة الأسلام، قصارى ما هناك أنه عدّه بعض العلماء من الآثام، فليس على الفاعل عن دليل في الرد عليه من سبيل. وأما من فعل مشرعاً فهو عاصٍ لربه، حتى يتوب عن ذنبه.

ولقد نقل عن بعض أمراء دار السلام بغداد أنه وشى بعض الوشاة على جماعة أنهم يقبّلون أعتاب الأولياء، فقال: سبحان الله في كل يومٍ تقبلون جلد الميتة (يعني الفروة التي هو لا بسها)، ولا تقبّلون أعتاب أبواب الأولياء.

وعلى أي تقدير، فالغرض إنما هو نفي (التكفير). ونسبة فعل هؤلاء إلى فعل عبدة الأصنام خروج عن الأنصاف في هذا المقام، لأنّ الذاهبين إلى الجواز منا إنما أخذوا عن الدليل، لا لمجرد الأختراع والأبتداع، فأن اشتبهوا عذروا وأجروا.

فمن قبّل الحجر الاسود، والركن اليمانيّ، أو باقي الأركان، أو مسها، أو لزم المستجار، فقد تبرك بتلك الأحجار، لأنها بأمرٍ من العزيز الجبار، ولو أخطأ الأمر، كان

____________________

(١) نهج البلاغة: ٢/٤٤٩.

(٢) في النسخة المطبوعة : (الوالدة لولدها).


مثاباً.

ومن طاف بين (المروتين)، عملاً بالكتاب وسنة سيد الثقلين، لم يكن عليه مؤاخذة في البين.

وطوائف المسلمين بأجمعهم لا يتبرك منهم أحد بقبر أو غيره، إلاّ أنه بزعم أنه مأمور من الله، ومن تبرّك قاصداً للعبادة، فهو خارج عن ربقة المسلمين.

ومن البين المعلوم أنه لو أمر (المولى) عبده بالتبرك بثياب عبده المقرب، أو مكانه، أو قبره، فأمتثل، كان مطيعاً لمولاه، لا للعبد الذي قرّبه وأدناه.

فأقسمت عليك بمن جمع بيننا في كلمة الأسلام، وألّف بين قلوبنا في هذه الأيام، أن تنفرد عن الأصحاب إذا ورد عليك (الكتاب)، وترى نفسك كأنّك الآن خلقت من تراب، وتبذل الجهد في تمييز الخطأ من الصواب، فأنّه- والله(١) - لا حاجة بنا إلاّ إليه، ولا إعتماد لنا إلاّ عليه.

وليس لنا مع الأنبياء والأولياء قرابة نسب، ولا لهم علينا ما نخاف منه الطلب، وإنما عظّمناهم لأمر الله، وأخذنا بأقوالهم عملاً بقول رسول الله، وما أبرّء نفسي إنّ النفس لأمارة بالسوء إلاّ ما رحم ربي.

وكشف الحال على وجه يدفع ما قيل أو يقال: إنّ التواضع والتبرك والأكرام والأحترام لما هو معظّم عند الملك العلام من تعظيم الله، كما أن قرآنه وبيته، ومساجده لا نتسابها إليه، إحترام له تبارك وتعالى. فمن عظّم عيسى ومريم وعزير لعبوديتهم، وقرب منزلتهم، فهو معظّم لله.

كما أن من عظم بيت السلطان وعبيده وغلمانه وأتباعه من حيث التبعية، يكون معظماً للسلطان. وأما من (وجدها) قابلة للتعظيم، وأهلاً له من حيث ذاتها لا لأجل العبودية والتابعية، وإن كان غرضه التقريب زلفى، إنما يكون معظّما لها، لا للسلطان.

وإني منذ ثلاثين حجة أنظر في حال طوائف المسلمين، محقيهم ومبطليهم، فلم أجد أحداً يعظم كتاباً، أو نبيّاً، أو مكاناً، أو عبداً صالحاً من غير قصد قربة من الله، أو انتسابه إليه، فقد ظهر أن هذا كله من باب طاعة الله وتعظيمه.

وأمّا عبدة الأصنام والعباد الصالحين، فأنما أرادوا عبادتهم حق العبادة، كأن يصلّوا

____________________

(١) في النسخة المطبوعة: فأنا وأنت.


لهم، ويصوموا ويكون ذلك لأستحقاقهم بربوبيتهم في أنفسهم، أو للتقريب زلفى، فهي عبادة حقيقية على الوجهين.

وعلى كل من الأحتمالين على أني ذكرت مكرراً أنهم عاندوا الرسل، وكذبوهم، واستهزؤا بهم، وقالوا أيضا: لا طاقة لنا بعبادة الله، وإنما نعبد الأصنام لأنّ عبادتهم مقدورة لنا، وهم يقربونا إلى الله زلفى، ولقد نقلت روايةً مشتملةً على ذلك المعنى في مقام آخر. فالفرق بين الأمرين أوضح مما يرى رأي العين. فبحق من شقّ لك السمع والبصر، وسلّطك على طوائف من الأعراب والحضر، أن توجّه ذهنك الوقّاد، وفكرك النقّاد، صافياً عن ملاحظة العصبية والعناد، وتجعل مناظرتنا كأنّها حين حلولنا في المقابر، وانصرفنا عن مرارة الدنيا، طالبين للنعيم الفاخر، وحضورنا يوم فصل القضاء بين يدي جبار الأرض والسماء، وكأنّ الملائكة بيننا شهود، وقد حضرنا في اليوم الموعود، وقد فارقنا الأموال والأولاد، وانقطعنا الى ربّ العباد.

اللهم إجمع بيننا بالحقّ، واعصمنا عن الميل إلى رضا الخلق.

الباب الرابع

في بناء قبو الأنبياء والأولياء وتعميرها

وتعلية بنائها وتشييد أركانها

لا يخفى على من أمعن النظر ، وتتبّع الآثار والسير، أنّ الأزمنة مختلفة الأحوال بالنسبة إلى جميع الأقوال والأفعال، فربّ شيءٍ كان في قديم الزمان في أعلى مراتب الأستحسان، فانعكس وصار أدنى ما يكون أو كان.

وحيث أنّ الشارع حكيم، وبالعباد رحيم، يراعي أحوالهم، ففي مبدأ الأسلام لما كان المعاش ضيّقاً، والأسعار متصاعدة في المآكل والملابس، حافظ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والصحابة في أيامهم على المآكل الجشبة، والملابس الخشنة أو الخلقة، لئلا تنكسر قلوب الفقراء، ولتطيب نفوسهم، فأنهم إذا رأوا سيد الجميع لابساً رثّ اللباس، وآكلاً أدنى المأكول، إستقرت نفوسهم، وأطمئنت قلوبهم، وارتفعت كدورتهم.

ثم لمّا توسعت أحوال الناس، وقوي الأسلام، ورخصت الأسعار، استعمل الأكثر من الخلفاء أحسن الملبوس، وأكلوا أطيب المأكول، وهذا التعليل مستفاد من الأخبار أيضاً.


ولذلك نقول في أمر بناء (المساجد) و(الحضرات)، فأنهم كانوا لا يرفعون البناء، ولا يزينون الدور، لما بهم من القصور، فإذا كانت بيوت الله، وبيوت أنبيائه لم يرفع بناؤها طابت نفوس الفقراء، واطمئنّت قلوبهم.

وأما في مثل هذه الأيام ونحوها، حيث ارتفع بناء الدور، فلا وجه لجعل بيوت الله أخفض منها، ومن يرضى بتعلية بيوت الخلق على بيوت الخالق مع أنّ في تعليتها تعظيماً لشعائر الله، وهي البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها إسمه.

و(القباب) منها، لأنّها جعلت للعبادة، وليس في بناء القباب تجديد قبر، لأنّ القبر باق على حاله لم يجدد، وإنّما وضع أساس القبة بعيداً عنه، ليكون فيها علامة على (المزار) الذي ندب إلى زيارته العزيز الجبار، ولتكون ظلالاً للزائرين، فلا تدخل في باب التجديد أصلاً، وكذا صندوق الخشب، فأنه أجنبي عن القبر لا دخل له به.

وعن كلّ حال فأصل وضع البناء لهذه المقاصد الجليلة ليس فيه بأس أصلاً، ولو تركت العلامات ما أمكن التوصل الى زيارة أكثر الأموات لاندراس آثارهم، فوضع هذا للتمكن من إدراك فضيلة زيارة القبور، وكلما كان الشاهد أحكم، كانت دلالته على المشعر أدوم.

وأما قضية (الزينة) فقد روي عن عليعليه‌السلام أنّ بعض الصحابة أشاروا على عمر أن يأخذ زينة الكعبة ليقوي بها جيوش المسلمين، فقال له عليعليه‌السلام : إنّ الأموال قسّمها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الفقراء، وكانت في ذلك اليوم الحليّ موجودة ولم يقسّمها، فلا تخالف وضع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال عمررضي‌الله‌عنه : (لولاك إفتضحنا)، وأبقى الحليّ على حالها.

والأصل في بناء (القباب) وتعميرها، ما رواه البناني (واعظ أهل الحجاز) عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن جده الحسين، عن أبيه علي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال له: والله لتقتلن في أرض العراق، وتدفن بها. فقلت: يا رسول الله ما لمن زار قبورنا وعمّرها وتعاهدها. فقال لي: يا أبا الحسن إن الله جعل قبرك وقبر ولديك بقاعاً من بقاع الجنة، وإن الله جعل قلوب نجباء من خلقه، وصفوة من عباده تحن إليكم، ويعمرون قبوركم، ويكثرون زيارتها، تقرباً الى الله تعالى، ومودةً منهم لرسوله. يا علي من عمّر قبوركم وتعاهدها، فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس، ومن زار قبوركم عدل ذلك ثواب سبعين حجة بعد حجة الأسلام، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

ونقل نحو ذلك أيضاً في حديثين معتبرين: نقل أحدهما الوزير السعيد بسند،


وثانيهما بسندٍ آخر غير ذلك السند، ورواه أيضاً محمد بن علي بن الفضل.

فبعد دلالة هذه الأخبار على تعمير (القباب)، واستمرار طريقة الأصحاب، مع أنها داخلة في المواضع المعدّة للطاعات، كالمساجد، والمدارس، والرباطات، مع أنّ فيها تعظيماً لشعائر الأسلام، وإرغاماً لمنكري دين النبي عليه الصلاة والسلام.

وبعد أن بيّنا أنّ الحكم والمصالح تختلف بأختلاف الأوقات، وذكرنا إعتضاد ذلك بالروايات، لم يبق بحث من جميع الجهات.

وعلى تقدير ثبوت الخطأ في هذا الباب، لا يلزم على المخطىء تكفير ولا عصيان، بل ربما يثاب، لأن الخالي من التقصير وإن إتصف بالقصور معذور كل العذر، بل هو مأجور.

فيا أخي لا تعارض المسلمين فيما هم عليه إن لم تركن إلى ما ركنوا اليه، وأحملهم على المحامل الحسان، فأنّا هكذا أمرنا بحمل الأخوان، وفقنا الله وإياكم، وهدانا وهداكم، والله ولي التوفيق.

وحيث إنتهى ما أردنا ذكره، وأحببنا رسمه وسطره، على غاية من السرعة والأستعجال، وعدم التمكن لأستيفاء كثير مما يناسب هذا المجال، والإستقصاء لما في كتب الأخبار والاستدلال، أحببنا أن نضيف إلى ذلك:


كشف الجواب

عمّا تضمّنه ذلك الكتاب

من الأنكار على أكثر المسلمين في جميع الأقطار(١) .

أقول: إن أريد بدعوة غير الله والأستغاثة إسناد الأمر الى المخلوق على أنه الفاعل المختار الذي تنتهي إليه المنافع والمضار، فذلك من أقوال الكفار. والمسلمون بجملتهم براء من هذه المقالة ومن قائلها، وما أظن أن أحداً ممن في بلاد المسلمين يرى هذه الرأي، ولا سمعناه من أحد إلى يومنا هذا.

وإن أريد أنّ المدعو والمستغاث به له اختيار وتصرف في أمر الله تعالى، فيحكم على الله، فهذا أشد كفراً من الأول.

وإن أريد دعاؤه والأستغاثة به للدعاء والشفاعة، أو من التصرف في العبارة، كما تقول: يا رحمة الله، ويا بيت الله، ويا عبدالله، ولا تريد إلاّ نداء الله ودعاءه، واستغاثتة، فهذا من أعظم الطاعات، وفيه محافظة على الآداب من كل الجهات.

وكون الدعاء عبادة إنما يجري في قسم منه، وهوالطلب من الخالق المدبّر الذي جلّ شأنه عن الأشباه والنظائر. ولو جعلت كل دعاء عبادة، للزم أن دعاء (زيد) لأصلاح بعض الامور، أو دفع بعض المحذور، وطلب الأفعال، كلها من قبيل الكفر.

فالسؤال، والأزواج، والعبيد، والخدّام في طلب المآكل والملابس مربوبون، ومقابلوهم أرباب، فيكون ذلك مكفراً، وإن أقررت بالتخصيص خصّصناه بما ذكرناه.

وبيانه: أنّ لفظ (الدعاء) لا يراد به المعنى اللغوي، وإلاّ لكفر جميع الخلق، فالمراد دعاء العبودية والمربوبية، كمن دعا الأصنام أن الصالحين، مع إعتقاد ربوبيتهم، وقصد عبوديتهم، مكتفين بها عن عبادة الله، أو مشركين أولئك مع الله لقصد وصول النفع

____________________

(١) ورد في النسخة المطبوعة: والله الملهم للسداد والصواب، فنقول: أما ما ذكرت من الإنكار على كثير من الناس الإستغاثة بغير الله ودعوة غير الله.


إليهم منهم، وليقربوا إلى الله زلفى.

وأمّا ما ذكرته من (النذر لغير الله تعالى) و(الذبح لغير الله)، وهذا أيضاً إن أريد أنهم يذبحون مهلّين باسم غير الله، أو ينذرون تعبداً لغير الله. فذلك لم يصدر من أحد من المسلمين، وكل من فعل ذلك، فهم منه براء، سواء كان ذلك عبادةً لغير الله، أو كان لأجل أن يقرب إلى الله.

وأمّا لو كان من باب إهداء ثواب المذبوح والمنحور والمنذور إلى أولياء الله وعباده الصالحين، فهو من أعظم الطاعات، وأفضل القربات، وقد بيّنا ذلك في بعض المقامات.

قولك: إن ذلك حقيقة دين المشركين أعداء رسل رب العالمين، كقوم نوح وعاد وثمود، وقوم إبراهيم، فأخبر الله عنهم بذلك في كتابه المبين، حيث يقول وهو أصدق القائلين( وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَ لاَ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هٰؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ) (١) فأخبر الله أنهم ما عبدوهم إلا ليقربوهم الى الله زلفى، وقال سبحانه وتعالى:( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) (٢) .

فتأمل كيف أخبر الله سبحانه عنهم أنهم ما قصدوا بعبادتهم غير الله إلاّ التقرب الى الله والشفاعة عنده، وإلاّ فهم مقرّون أنّ الله هو المدبّر لأمر هذا العالم العلوي والسفلي، كما أخبر الله عنهم أنهم أقروا بذلك، قال الله تعالى:( قُلْ مَنْ يَرْزُقُکُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِکُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصَارَ وَ مَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ مَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَ فَلاَ تَتَّقُونَ‌ ) (٣) .

أقول: إنّ لكلّ حقّ حقيقة، وعلى كل صواب نوراً، إنّ عبدة غير الله قد اتخذوا آلهة دون الله تعالى أو مع الله وجعلوا لهم أنداداً وأمثالاً لله، قال الله تعالى:( أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِکُ لَکُمْ ضَرّاً ) (٤) ، وقال:( فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً ) (٥) ، وقال:( وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَکَاءَ الْجِنَّ ) (٦) ، وقال:( لَقَدْ کَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ) (٧) ، وقال:

____________________

(١) القرآن الكريم: ١٠/١٨ (سورة يونس).

(٢) القرآن الكريم: ٣٩/٣ (سورة الزمر).

(٣) القرآن الكريم: ١٠/٣١ (سورة يونس).

(٤) القرآن الكريم: ٥/٧٦ (سورة المائدة).

(٥) القرآن الكريم: ٢/٢٢ (سورة البقرة).

(٦) القرآن الكريم: ٦/١٠٠ (سورة الأنعام).

(٧) القرآن الكريم: ٥/٧٣ (سورة المائدة).


( يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (١) ، وقال:( إِنَّکُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى ) (٢) ، وقال:( لَقَدْ کَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) (٣) .

ثم المذمة لم تكن على اعتقاد الشفاعة، أو التقرب زلفى، بل على العبادة بهذا القصد، والمراد بالعبادة أعمال خاصة كما بيّناه.

وقولك( إن ذلك حقيقة دين المشركين، كقوم نوح وعاد وثمود ) كيف ذلك، وقد أخبر الله عنهم بقوله:( أَ لَمْ يَأْتِکُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِکُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عَادٍ وَ ثَمُودَ ) ، إلى قوله:( فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَ قَالُوا إِنَّا کَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) (٤) وأخبر عن قوم (عاد) أنهم قالوا لهود:( وَ مَا نَحْنُ بِتَارِکِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِکَ ) (٥) وعن قوم صالح أنهم قالوا له:( أَ تَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ) (٦) وعن قوم شعيب أنهم قالوا له:( أَ صَلاَتُکَ تَأْمُرُکَ أَنْ نَتْرُکَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ) (٧) ، وعن قوم إبراهيم أنهم كذّبوا الرسل.

فهؤلاء الطوائف بصريح القرآن كذبوا الرسل، وردوا قولهم، وعاندوهم، فلو كانوا مقرّين لكانوا كفاراً لكفر العناد ككفر إبليس.

فيا أخي أقسمت عليك بمن خلقنا من تراب، ثم أودعنا الأصلاب أن تترك الجدال، وتتأمل في حقيقة الحال، كيف تشبّه أعمال المسلمين بأعمال عبدة الأصنام وغيرها مع أنهم أنكروا نبوّة الأنبياء، وردّوا عليهم بعد أن أمروهم، ولم يسمعوا لهم قولاً، ولا قبلوا لهم فعلاً.

ثم أنهم عبدوا طواغيتهم بالعبادة الحقيقية، لاعتقاد أنّ لهم تصرفاً في الأكوان، أو في إرضاء الملك الديان، وإلاّ لم يذمهم الرحمن، ولا أنكر عليهم كل فعل كان.

ثم تعللوا بأنا لا نقدر على عبادة الله سبحانه، فنعبدهم ونكتفي بعبادتهم وهم يقربونا، كما أوردنا بذلك بعض الروايات في بعض المقامات.

____________________

(١) القرآن الكريم: ٥/١١٦ (سورة المائدة).

(٢) القرآن الكريم: ٦/١٩ (سورة الأنعام).

(٣) القرآن الكريم: ٥/١٧ (سورة المائدة).

(٤) القرآن الكريم: ١٤/٩ (سورة إبراهيم).

(٥) القرآن الكريم: ١١/٥٣ (سورة هود).

(٦) القرآن الكريم: ١١/٦٢ (سورة هود).

(٧) القرآن الكريم: ١١/٨٧ (سورة هود).


وعلى كلّ حال لا يتأمل مسلم في أنّ العبادة الحقيقية من الصلاة والصيام وغيرهما لا تكون لغير الله، فأن كان التصديق عن الأولياء والذبح لهم والنذر لهم عبادة، فنحن عبيد آبائنا وأمهاتنا وأمواتنا الذين نتصدق عنهم، أو ننذر لهم، ونذبح لهم.

وإن كان طلب الدعاء منهم وندبتهم على الدعاء والشفاعة كفراً، فعلى الأسلام السلام، فانه ليس في الوجود أحد لا يلتمس الدعاء من إخوانه، أو يستغيث بهم في طلب نجاته، وإن دعاء المؤمن للمؤمن أسرع للأجابة لأنه دعاء بلسان لم يعص به.

فيا أخي، المقاصد متفاوتة، وإنّما الأعمال بالنيات ولكلّ امرىءٍ ما نوى(١) ، فربّ كلمة ظاهرها الأسلام، تصير بالنية كلمة كفر، وبالعكس.

وأما قولك: فأنّ الذي يفعل عندنا في مشهد عليرضي‌الله‌عنه من دعوة، واستغاثة، ورجاء، وخوف، وخشية. انه ليس بعبادة، فأنهم ما قصدوا بدعوتهم (علياً) وغيره إلاّ ليشفع لهم عند الله.

فأن قلت: أولئك يدعون الأصنام، ونحن لا ندعو إلاّ الصالحين.

قلنا: وكذلك المشركون منهم يدعون الصالحين ويعبدونهم مع الله، كعيسى ومريم والملائكة.

فأن قلتم: إنّ الدعوة لا تسمّى عبادة.

قلنا: بل هي عبادة وأي عبادة، ففي الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الدعاء هو العبادة. ويلي قوله تعالى:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَکُمْ ) (٢) .

وأصل دين الأسلام هو إخلاص العبادة بجميع انواعها من الذبح والدعوة، والنذر، والتوكل، والخشية، والرغبة، والأنابة، ولا يقبل الله من الأعمال إلاّ ما اجتمع فيه شرطان:

الأول: ألاّ يعبد إلا الله وحده.

الثاني: ألا يعبد إلاّ بما شرع على لسان رسوله، كما قال الله تعالى:( فَمَنْ کَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَ لاَ يُشْرِکْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) (٣) .

____________________

(١) البخاري (بدء الوحي)، باب ١؛ وصحيح مسلم (كتاب الأمارة)، باب ١٥٥؛ والنسائي (كتاب الطهارة)، باب٥٩؛ وابن ماجه (كتاب الزهد)، باب ٢٦.

(٢) القرآن الكريم: ٤٠/٦٠ (سورة غافر).

(٣) القرآن الكريم: ١٨/١١٠ (سورة الكهف).


أقول: إن كان المدار على الصور دون الحقائق، فسجود الملائكة لآدم، وسجود يعقوب ليوسف، قاض بأنهما عبدا غير الله.

وإن قلت: بأن تعلق ارادة الشرع دفعت المنع. فقد أوردنا من الأخبار وكلام الصحابة ما يفيد عدم المنع، من أمثال الصور التي ذكرت.

ثم بالله عليك أنصف، ما الفرق بين قول الصديق لصاحبه في السجن( اذْکُرْنِي عِنْدَ رَبِّکَ ) (١) وبين قولنا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( اذْکُرْنِي عِنْدَ رَبِّکَ ) .

ثم كيف باستغاثة ولي موسى(٢) ولم يحكم عليه بالكفر؟! ثم كيف باستطعام موسى والخضر أهل القرية(٣) ؟ ثم كيف يقول أصحاب موسى( لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّکَ ) (٤) ثم ما معنى قول الأسباط ليعقوب( اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ) فقال:( سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَکُمْ رَبِّي ) (٥) ؟!

وعلى كل حال إن أريدت الحقائق في الأستغاثات والدعوات وغيرها، ففي ذلك خروج عن طريقة الأسلام، وإلاّ فلا بأس، وإلاّ للزم ألاّ يخرج من الكفر أحد من العالم، ولا يمكنك والله ولا يسعك إلاّ أن تقول إنّما يراد دعاء خاص، واستغاثة خاصة ونحو ذلك، فيرتفع المحذور.

وأما من قصد حقيقة العبادة مع غير الله، ليتقرب إلى الله زلفى، أو لغير ذلك، فهو خارج عن ربقة الأسلام.

وما ذكرتم من أنّا نفرّق بين الصالحين وغيرهم، فمعاذ الله أن نفرق بين من يعبد موسى أو محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو يناديهم ويدعوهم، أو يستغيث بهم أحياءً وأمواتاً، ويلجأ اليهم على أنّ لهم الأمر أو ليقربوه زلفى، وبين من يعبد فرعون، وهامان، وإبليس.

أين النفوس المقرونة بالأبدان التي تتغير من أدنى حوادث الزمان، ولا زالت مورداً للأمراض، ومحلاً للأغراض، لا تدفع شيئاً من حوادث الدهور، وليس لها في كل الأمور من أمر من رتبة المعبود. ومن لا يصلح لغيره الركوع والسجود، إنما هم عبيد زادت علينا

____________________

(١) القرآن الكريم: ١٢/٤٢ (سورة يوسف).

(٢) إشارة إلى الآية (١٥) من سورة القصص:( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ )

(٣) إشارة إلى قوله تعالة في سورة الكهف، الآية ٧٧:( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا )

(٤) القرآن الكريم: ٢/٦١ (سورة البقرة).

(٥) القرآن الكريم: ١٢/٩٧ (سورة يوسف).


عبوديتهم، وخدام سبقت خدمتنا خدمتهم.

فأن أمرنا بتقبيل بنائهم، أو تعظيم أبنائهم، أو التماس دعائهم، فعلنا إمتثالاً لأمر ربنا، كما صنعنا ذلك في أحجار الكعبة وأركانها. وإن نهانا تركنا، إذ لا خوف إلاّ من الله، ولا رجاء إلاّ له.

وأما قولك: إنه قد ورد في الحديث عن الصادق الصدوق، قال : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فأنّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلال ة)(١) .

وفي الحديث الثاني، قال: إفترقت اليهود والنصارى عن اثنين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة عن ثلاثة وسبعين فرقة، كلها في النار إلاّ واحدة. وسئل عن الواحدة، فقال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي(٢) (انتهى).

أقول: اللهم إني رضيت بسنّة الخلفاء الراشدين حكماً، وما عليه أصحاب محمّد متمسكاً وملتزماً، فأحلّ ما أحلوه، وأفعل ما فعلوه. وهذه أقوالهم وسيرتهم في هذه الرسالة أوضحتها، فلا أزيغ عنها، ولا أبعد مسافةً منها، فتتبع ما رويت من أخبارهم، وما نقلت من آثارهم، رزقني الله وإياكم حلاوة الأنصاف، وجنّبنا مرارة الجدال والأعتساف.

وأما قولك : (فلا تغتر بالكثرة وهذا الثابت عن نبيك، والله يقول:( وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّکُورُ ) (٣) وقال:( إِنْ تُطِعْ أَکْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوکَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) (٤) . وفي الحديث: إنّ بعث الجنة من الألف واحد، فأنت اختر لنفسك، والمهدي من هاده الله ) ، إنتهى.

أقول: يا أخي، الوصية مشتركة بيني وبينك، فالذي عليّ ألاّ تأخذني حميّة الآباء والأجداد، وحب الطريقة المأنوسة بين العباد، بل أنظر بعين البصيرة وإخلاص السريرة.

وأما أنت فأني أخشى عليك من حب الانفراد، حتى لا تكون كبعض الآحاد، فأن الأصابع لم تزل ممدودة إلى من ركب جادة غير معهودة، وقد ورد في المثل: (خالف تعرف).

____________________

(١) سنن الترمذي: ٥/٢٦٧٦، وسنن أبي داود: ٤/٤٦٠٧، وسنن ابن ماجه: ١/٤٢.

(٢) كنز العمال: ١/١٠٦٠.

(٣) القرآن الكريم: ٣٤/١٣ (سورة سبأ).

(٤) القرآن الكريم: ٦/١١٦ (سورة الأنعام).


ثم إني- والله- أخشى عليك من جهة أنك كنت خالي البال، بعيد عن هذه المحال فوردت عليك شبهات لم تستطع ردّها، وخيالات لم تبلغ حدّها، فكان الحال كما قال: (صادف قلباً خالياً فتمكّنا)(١) .

وأما اليوم، فليس لك عند الله عذر، فقد علمت بالأخبار، وسمعت بطريقة الخلفاء الأبرار، فأجدّ نظرك، واستعمل فكرك، واخلع عن نفسك ربقة التقليد، واطلب من ربك التأييد والتسديد.

ثم ما ذكرت إنّما يدل على أنّ الحقّ مع القليل من المكلفين لا من المسلمين، فأن أكثر أهل الأرض كفار من يهود، ونصارى، ومشركين، وجاحدين، وغيرهم، حتى أنّ نسبة اقليم المسلمين إلى سائر الأقاليم أقلّ قليل.

فنحن نقول بأنّ من أطاع أكثر الخلق ضال، لأنّ أكثر الناس من أهل الكفر والضلال، وان الشكور قليل، وان بعث أهل الجنة من الألف واحد، ولو استندت في هذا الى حديث الفرق، فوحدة الفرقة لا تنافي زيادة أفرادها على ألف فرقة.

والحق أنه لا ملازمة بين القلّة والكثرة، وبين الحق والباطل، فكم من قليل هدي إلى الصواب، وكثير حلّ عليه المؤاخذة والعقاب، وكم قد إنعكس الأمر في هذا الباب، والمدار على طلب العصمة والنجاة من رب الأرباب، ولا حول ولاقوة إلاّ بالله العليّ العظيم.

تمت علي يد أقل العباد عملاً، وأكثرهم زللاً محمد قاسم ابن شيخ محمد بن حمزة الدلبزي في سنة ألف ومائتين وعشرة.

____________________

(١) إشارة إلى قول القائل:

عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى

فصادف قلباً خالياً فتمكّنا


الفهرس

منهج الرشاد لمن أراد السداد رسالة الأمام الشيخ جعفر كاشف الغطاء الى الأمير عبدالعزيز بن سعود تأليف زعيم الأمامية في عصره الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفى سنة ١٢٢٨هـ / ١٨١٣م حققه وقدّم له الدكتور جودت القزويني ٣

(منهج الرشاد) - النسخة الخطية ٨

الصفحة الأولى من مخطوطة (منهج الرشاد) ٩

الصفحة الأخيرة من مخطوطة (منهج الرشاد) ١٠

النسخة المطبوعة ١١

منهج الرشاد لمن أراد السداد ١٤

مقدمة المؤلف ١٦

الفصل الأول في أنّ الافعال والكلمات تختلف باختلاف المقاصد والنيّات ١٧

الفصل الثاني في بيان اختلاف ظواهر الآيات والروايات ٢٤

الفصل الثالث في بيان الميزان التي يرجع إليها إذا تشابهت الأمور ٢٧

المقصد الأول في تحقيق ضروب الكفر ٣٢

المقصد الثاني في تحقيق معنى العبادة ٣٧

المقصد الثالث في الذبح لغير الله ٤١

المقصد الرابع في النذر لغير الله ٤٤

المقصد الخامس في القسم بغير الله ٤٦

المقصد السادس في الأستغاثة ٤٩

المقصد السابع في التوسل ٥٣

المقصد الثامن في الشفاعة ٥٦


الخاتمة الباب الأول في حياة الأموات بعد موتهم الفصل الأول في حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد موته ٥٩

الفصل الثاني في حياة سائر الشهداء والأنبياء ٦٢

الفصل الثالث في حياة سائر الموتى ٦٣

الباب الثاني في الزيارات الفصل الأول في زيارة قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ٦٨

الفصل الثاني في زيارة باقي القبور ٧٠

الباب الثالث في التبرك بالقبور ونحوها ٧١

الباب الرابع في بناء قبو الأنبياء والأولياء وتعميرها وتعلية بنائها وتشييد أركانها ٧٥

كشف الجواب عمّا تضمّنه ذلك الكتاب ٧٨

الفهرس ٨٥