تأريخ جديد للتأريخ
على هامش الفرق الإسلامية
أحمد فرج الله
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة
أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
الإهداء
الى الذين لا يخيفهم أن يبحثوا عن حقائق جديدة
ولا يؤذيهم أن يجدوها
الى الأحرار فكرا وسلوكا
أهدي هذا الجهد المتواضع
٦/٦/١٩٩٧
المقدمة
حين كنت أهيئ لكتابي عن المعتزلة(١) اضطررت لمراجعة عدد كبير من الكتب المتصلة بالفرق والمذاهب، لمعرفة موقفها في هذه المسألة أوتلك من المسائل التي تناولها الكتاب، ومقارنتها مع موقف المعتزلة فيها.
ولقد أثار استغرابي ما وجدت من اضطراب كبير فيما ينقله المؤلفون عن مواقف تلك الفرق، وما ينسبونه لها، حتى انك لا تستطيع ان تكون صورة صادقة أو قريبة من الصدق عن الفرقة التي تريد دراستها استناداً الى ما أورده عنها اولئك المؤلفون، فهذه الصورة تفلت من بين يديك كلما انتقلت من مؤلف رآخر، وكأن الأمر يتعلق بأساطير تخضع لخيال المؤلف وهواه، لا بفرق وعقائد، اول ما يفترض فيها ان تكون ثابتة وواضحة ومعروفة، ثم هي فرق وعقائد إسلامية، أو على الاقل نبتت في بيئة اسلامية، فليس من اليسير ان تخرج عن هذه البيئة التي نبتت ونشأت فيها، مهما تعصب بعض المؤلفين ضدها ومهما كانت الاتهامات الموجهة اليها. وهي لو خرجت فلا يمكن ان تتجاوز في ذلك حداً معلوماً. وهي لو تجاوزت هذا الحد فلا يمكن ان تتجاوز الحد الادنى مما هو
____________________
(١) هو ( المعتزلة حقائق وأوهام ).
معقول انسانياً، بصرف النظر عن الدين الذي ينتمي اليه والا لأصبحت واصبح اتباعها موضوع الهزء والسخرية، بل لما كان لها اتباع ابتداء.
واجهت كل هذا وانا أهيئ لكتابي عن المعتزلة، فهالني ذلك وشدد عزمي على ان أعود الى هذا الموضوع بعد الفراغ من الكتاب.
وها انا أفي بوعدي الذي قطعته على نفسي خدمة للحقيقة وانصافاً لأشخاص وفرق، ظلموا لأنهم لا يملكون الرد على من اتهمهم لأسباب كثيرة منها أنهم لم يوجدوا اصلاً.
وبدءً أود ان انبه الى ان كتابي هذا ليس كتاباً في الفرق لأستقصي فيه كلّ هذه الفرق وما يتصل بها وبعقائدها، فذلك ما لم أرده وما هو خارج حدود كتابي الذي لم اقصد فيه الى اكثر من تصحيح بعض ما اخطأ فيه الكتاب عمداً أو سهواً من عقائد فرق لم تجد حتى الان الا من يضيف الى الاخطاء السابقة فيه اخطاء جديدة اليها.
الشيعة
وهم اولى الفرق الاسلامية التي يبحثها غالبية المؤلفين في الفرق والمذاهب(١) .
والشيعة اصطلاحاً هم الذين تشيعوا لعلي ووالوه وفضلوه على باقي الصحابة ورأوه احق بالخلافة من غيره.
وهذا هو ما يجمع عليه الشيعة بكل فرقهم وما لا يختلفون فيه. بل أظنه هو الذي يميزهم عن سواهم من الملسمين الذين لا يختلفون في فضل علي او الذين لا يختلفون في كونه افضل الصحابة. لكنهم لا يرون ما يراه الشيعة في موضوع الخلافة(٢) .
فتفضيل علي والقول بإنه احق الصحابة بالخلافة اذن هو الأصل الذي يجمع فرق الشيعة. واذا كان هناك من اختلاف بينها، ففيما لا يخرج عن هذا الاصل مما هو طبيعي ومعروف لدى جميع الفرق الاسلامية وغير الاسلامية..
لكنك غذا رجعت الى كتب الفرق والمذاهب. فإنك تجد المؤلفين قد ذهبوا فيما يسمونه فرق الشيعة، مذاهب لا يمكن ان تخطر لك او لغيرك على بال. فأول ما يواجهك منها هذا التباين الكبير في عدد الفرق التي يطلقون عليها اسم الشيعة.
____________________
١- الأشعري في مقالات الإسلاميين والبغدادي في الفرق بين الفرق والأسفراييني في التبصير في الدين وابن حزم في الفصل ونشوان الحميري في الحور العين وخالفهم في ذلك الشهرستاني في الملل والنحل والرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين والمقريزي في الخطط.
٢- كمعتزلة بغداد الذين يذهبون في عمومهم الى تفضيل علي على الصحابة كافة لكنهم لا يربطون بين أفضلية علي وبين أحقيته في الخلافة.
كم هو، في ضوء ما قدمنا، عدد الفرق الشيعية، أي الفرق التي يعالجها مؤرخو المذاهب تحت هذا العنوان، فأنا، وللأسف الشديد، لم اصل الى تحديد العدد الذي يتباين، نزولاً وصعوداً من كاتب لآخر ومن كتاب لآخر. هذا ابو الحسن المللطي(١) ارجع اليه في كتابه ( التنبيه والرد ) فأجد العدد لا يتجاوز الإحدى والعشرين فرقة(٢) . واستطلع البغدادي في ( الفرق بين الفرق ) فأجد العدد قد تخطى الثلاثين(٣) وهو كذلك عند الأسفراييني في ( التبصير في الدين)(٤) .وارجع الى الرازي في ( اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ) فاجد العدد قد ارتفع الى الأربعين(٥) . واقرأ ( الحور العين ) لنشوان الحميري فأرى الفرق قد بلغت الإحدى والاربعين(٦) .واراجع ابن حزم فأراه قد أدرك الست والخمسين(٧) . وأقرأ مقالات الإسلاميين للأشعري فأجد عدد الفرق قد وصل أو تجاوز العدد عند ابن حزم(٨) . واعد الفرق عند الشهرستاني فأجدها تجاوزت السبعين، وما أظن الشهرستاني وهو مشغول بخلق فرق الشيعة، الا قد نسي الحديث السيئ الصيت عن الفرق الثلاث والسبعين التي يفترق اليها المسلمون، والفرقة الناجية منها. فهو لم يترك لهذه الفرقة مكاناً للنجاة بعد ما بلغت فرق الشيعة وحدها عنده - ودون جميع الفرق المسلمة الأخرى - الثلاث والسبعين او تجاوزها فاستأثرت،
____________________
١- أبو الحسن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي العسقلاني من فقهاء الشافعية له تصانيف منها التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع الذي ننقل عنه كانت ولادته في ملطية ووفاته في عسقلان ٣٧٧ه-.
٢ - برغم أن الملطي يذكر في بداءة بحثه عن الرافضة أن فرقهم ثماني عشرة فرقة إلا أن الفرقة الثامنة عشرة عنده وهي الزيدية يفصلها الى أربع وبإضافة هذه الأربع فرق الى الصامنة عشرة السابقة يكون المجموع إحدى وعشرين فرقة لا ثماني عشرة كما ذكر ص٢٥، ٣٨ لكن الغريب أن الملطي يعود في ص١٤٨ فيقول انهم خمس عشرة فرقة وحين عددناهم وجدناهم هذه المرة قد نقصوا الى اثنتي عشرة فرقة وربما رأى الملطي أن العدد في المرة الأولى قد تجاوز الثلاث والسبعين ولم يبق مكان للفرقة الناجية في حديث الثلاث والسبعين فرقة فاضطر الى إنزال هذا العدد لينسجم مع الرقم الوارد في الحديث المذكور. هذا عن العدد فحسب أما الأخطاء التي يتضمنها كتابه فلنا وقفة طويلة أخرى فما أظن هذا الهامش يمكن أن يستوعب أخطاء صفحة واحدة من كتابه.
٣- أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي العالم الجليل صاحب المصنفات الكثيرة في مختلف الفنون ت في أسفرايين ٤٢٩ ه- من مصنفاته كتاب ( الفرق بين الفرق ) الذي ننقل عنه تصحيح وتحقيق الشيخ محمد زاهد الكوثري.
٤- أبو المظفر شاهفور بن طاهر بن محمد الأسفراييني الشافعي من كبار العلماء في الاصول والفقه والتفسير ت في طوس ٤٧١ه- من مؤلفاته التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين بتعليق الشيخ محمد زاهد الكوثري ونشر السيد عزة العطار القاهر البغدادي في كتابه ( الفرق بين الفرق ) إلا في القليل.
٥- فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن الرازي من أكابر العلماء ألف في شتى الفنون مولده في الري وإليها نسبته ووفاته في هراة ٦٠٦ كتب ونظم باللغتين العربية والفارسية من مؤلفاته اعقادات فرق المسلمين والمشركين مراجعة وتحرير علي سامي النشار نشر مكتبة النهظة المصرية ١٩٣٨ ص٥٢.
٦- أب سعيد نشوان بن سعيد الحميري اليمني امير وعالم باللغة والأدب من أهل اليمن ت ٥٧٣ه- من كتبه الحور العين تحقيق كمال مصطفى طبعة معادة في طهران ١٩٧٢ ص١٥٤ وما بعدها.
٧- أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري المذهب ولد في قرطبة ٣٨٤ه- وتوفي في ليلة من بلاد الأندلس ٤٥٦ه- احد كبار علماء الأندلس له مصنفات كثيرة منها الفصل في الملل والأهواء والنحل بتحقيق الدكتورين محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميره نشر دار الجيل ١٩٨٥ ص٣٥ وما بعدها.
٨- أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري من نسل أبي موسى الأشعري ت ٣٣٠ ه- شيخ أهل السنة ومؤسس المذهب الأشعري كان في بداية أمره معتزلياً ثم انقلب على المعتزلة وحاربهم، له في الكلام مصنفات عديدة منها مقالات الإسلاميين بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ط أولى ج ١ نشر مكتبة النهضة المصرية في القاهرة ١٩٥٠ ص٦٥ وما بعدها.
من غير ان ينتبه طبعاً، بالمكان المخصص للفرقة الثالثة والسبعين الناجية والا لأنقص العدد ونزل به الى حيث تبقى تلك الفرق ضمن الفرق الهالكة(١) ويبقى المكان محجوزاً لا يحله من لا يحمل شارة الفرقة(٧٣) في مكان واضح من جسمه.
بل ان العدد عند المقريزي يتجاوز مجموع الفرق التي رأيناها عند كل الذين سبقوا فهو يصل الى ثلاث مئة فرقة(٢) .
ولا أدري ان كان المقريزي في حالة وعي كامل وهو يحدد هذا الرقم. فما أظن مجموع فرق الأديان كلها، لا المسلمين فقط ولا الشيعة وحدهم من بين المسلمين، يبلغ هذا العدد او يقرب منه.
فهل عرفت سيدي القارئ كم هو عد الفرق الشيعية ؟ وهل تلومني اذا قلت أنني لم اصل بعد الى تحديد دقيق لهذا العدد الذي ينزل ويصعد، تبعاً لموقف المؤلف وهواه. فيبدأ بإحدى وعشرين فرقة لينتهي بثلاثمائة، وكأن الموضوع من التفاهة بحيث نستطيع ان ننقص او نزيد، نلغي او نضيف، ما شئنا من هذه الفرق واليها. لا اننا امام عقائد ومذاهب قد نؤيدها وقد نختلف معها، لكننا لا نستيطع ان نخلقها او نلغيها(٣) .
فاذا تجاوزنا العدد وجدنا ان تصنيف هذه الفرق يختلف كذلك من مؤلف لآخر.
فما هي الاصناف التي عدها آلمؤرخون شيعية ووزعوا بينها فرق الشيعة ؟ هنا ايضا سنواجه الصعوبة نفسها التي واجهناها قبلاً ونحن نحاول الوصول الى عدد الفرق، مع ان تصنيف هذه الفرق ضمن اصناف رئيسية كبيرة يفترض
____________________
١- أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ٤٧٩ه- - ٥٤٨ه- المتكلم والمؤلف المشهور في علم الكلام وأديان الأمم ولد في شهرستان شمال خراسان وإليها نسبته له الكثير من المؤلفات منها المللل والنحل الذي ننقل عنه بتحقيق محمد سيد كيلاني ط أولى نشر دار المعرفة ببيروت ١٩٧٥ ج١ ص١٤٦ وما بعدها.
أما حديث افتراق المسلمين على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون هالكة وواحدة ناجية فتراه باختلاف صيغه يتصدر غالبية كتب الفرق أو الكتب التي تعرضت لها. تجده في التبيه والرد للملطي ص٢٠ والفرق بين الفرق ص٩ والتبصير في الدين ص١٠ والملل والنحل ج١ ص١٣ وشرح مواقف الأيجي للجرجاني ط١٣١١ ه- ج٣ ص٢٨١ وخطط المقريزي ج٤ ص١٦٣ واصول الدين لأبي اليسر البزودي ص٢٤١ وتلبيس ابليس لابن الجوزي ط - بغداد ١٩٨٢ ص٧ فما بعدها.
وقد لعب هذا الحديث - مع الأحاديث المماثلة - دوراً خطيراً في حياة المسلمين وتمزيقهم فكانت كل فرقة تدعي أنها المعنية به وأنها وحدها الناجية دون بقية فرق المسلمين التي تعدها طبعاً فرقاً هالكة.
وأحسب هذا الحديث وراء ما نراه من اضطراب وخلط كبيرين فيما ينقله المؤلفون عن عقائد الفرق الإسلامية وعن أصنافها وعددها.
فيبدو أن كل مؤلف في الفرق أو كاتب عنها كان يضع هذا الحديث أمامه وهو يكتب فيضيف ويحذف وينقل ويوزع ليجمع في الأخير العدد المذكور في الحديث وهو الاثنتان والسبعون فرقة الهالكة دون أي اعتبار لعقائد تلك الفرق والتحري عنها والتأكيد منها.
ولهذا كانت فرق الكيسانية وحدها مثلاً إحدى عشرة عند الأشعري ولم تتجاوز الاثنين عند صاحب الفرق بين الفرق.
ولهذا ايضا جمع الأيجي كل الفرق من غير الغلاة وغير الزيدية وجعل منهم فرقة واحدة تحت اسم الإمامية مع أن تلك الفرق تبلغ عند الأشعري أربعاً وعشرين فرقة تحت اسم الرافضة.
وما كان الأيجي ليلجأ الى هذا فيدمج أربعاً وعشرين فرقة في فرقة واحدة لو لا الحديث المذكور واضطراره للانسجام مع العدد الوارد فيه دون أدنى اهتمام لما يسمى علماً وأمانة وبحثاً.=
____________________
=بل ان البزودي يذكر أنه رأى ( لمكحول النسفي صاحب اللؤلؤيات تصنيفاً في هذا وجعلهم ستة أصناف... وجعل كل صنف على اثني عشر صنفاً فصاروا اثنين وسبعين ) ( أصول الدين لأبي اليسر محمد بن محمد بن عبد الله البزودي ت ٤٩٦ ه- تحقيق وتقديم الدكتور هانز بيترلنس القاهرة ١٩٦٣ ص٢٤١.
وحسناً فعل مكحول هذا فهو قد أراح نفسه وأراحنا معه من الجمع والطرح واحتمال الزيادة والنقصان في عدد الفرق. لقد كان لديه رقم هو اثنان وسبعون يمثل مجموع الفرق الهالكة في نظره ولا يمكن أن يقسم هذا الرقم بما لا يترك زيادة إلا على ستة. إذن فلتكن هذه الأصناف ستة. يضم كل منها اثنتي عشرة فرقة فيكون حاصل الجمع اثنتين وسبعين فرقة هالكة.
وما فعله مكحول فعله الجرجاني في التعريفات طبع المطبعة الميمنية ص٢٣. وفعله بوضوح وتفصيل أكثر ابن الجوزي في تلبيس ابليس ص١٩ فما بعدها حين خلق تحت كل
صنف من هذه الأصناف الستة اثنتي عشرة فرقة جعل لكل منها اسماً وعقيدة دون أن يقتصر على ذكر العدد الإجمالي لها كما فعل صاحب التعريفات.
هكذا وبهذه البساطة تبحث الفرق الإسلامية وتدرس عقائدها ويعرض تأريخ الإسلام بعد أن تحولت فرق المسلمين وعقائدهم وأفكارهم الى مجرد أرقام لا يهم الباحث منها إلا ما يتعلق بقبولها أو عدم قبولها للقسمة..
ثم ان الفرق الهالكة هي فرق في النار شأنها في ذلك شأن الكفرة في نظر المسلمين فماذا يعني الهلاك غير هذا وليس في الآخرة من مكان ثالث بعد الجنة التي اعدت للمؤمنين والنار التي هيئت للكافرين.
لو كان هناك منازل متعددة غير الجنة والنار وكان الاختلاف يسيراً بينها لجاز أن نتقبل الحديث على أنه لا يعني أكثر من حرمان هذه الفرق من بعض الامتيازات التي كان من الجائز أن تتمتع بها كفرق مسلمة قصرت في بعض واجباتها فقصر في بعض امتيازاتها.
ولكن ما العمل اذا لم يكن هناك، كما قلنا غير الجنة وغير النار ؟ ولم يكن ما يقابلهما غير النجاة وغير الهلاك ولا يمكن طبعاً ان يذهب الناجي والهالك الى المكان نفسه: الى الجنة مثلاً وإلا فلا معنى للهلاك. ولا يمكن ان يذهبا الى النار لأن في ذلك ضلماً للناجي وتسوية له مع الهالك وتناقضاً بين تسميته ناجياً وبين الذهاب به الى النار.
لم يبق إذن إلا أن يذهب كل الى مكانه الذي أُعد له: الناجي الى الجنة والهالك الى النار حيث الكفرة والمشركون.
بل إن الحديث ينص في بعض صيغه المنقولة على دخول النار دون الاقتصار على لفظ الهلاك الذي يعني أيضاً دخول النار وان لم يكن باللفظ نفسه.
فأنا أشهد الشهادتين وأصلي وأصوم وأزكي وأحج ولا أرتكب شيئاً مما حرم الله ثم أدخل النار لأني من فرقة معينة أو لأني لست من فرقة معينة.
أكانت أسماء الفرق والمذاهب قد أضيفت الى أركان الإيمان المعروفة فأصبح المؤمن هو من يجمعها ومن ينتمي بالإضافة إليها لفرقة معينة باسمها ليكون من لم ينتم لتلك الفرقة مثواه النار خالداً فيها مع الكفرة والمشركين بصرف النظر عما أسلف من حسنات حتى لو قضى حياته كلها مصلياً صائماً مجاهداً في سبيل الله وإعلاء كلمة الإسلام ؟
أليست هذه هي النتيجة الوحيدة التي يقودنا إليها هذا الحديث أو في أحسن الحالات إحدى نتيجتين يقودنا إليهما ؟ فالثانية ستكون البقاء في النار مع العصاة وأصحاب الكبائر من المؤمنين ولكن دون تخليد فيها كالكفرة بل المدة التي تتناسب مع المعصية المرتكبة وهي هنا الانتماء أو عدم الانتماء لفرقة معينة.
هذا إذا رضي أصحاب الحديث ان يعاملوا هذه الفرق الاثنتين والسبعين معاملة العصاة الفاسقين لا معاملة الكفرة والمشركين.
ثم كيف يقول الحديث ( ستفترق أمتي... ) يعني أمة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم أي المسلمين وقد أخرجت منهم ابتداء تلك الفرق.
وكيف يبحث أصحاب المقالات والمؤلفون هذه الاثنتين والسبعين فرقة ضمن الفرق الإسلامية وهم يعلمون مسبقاً أنهم في النار وحكمهم حكم المشركين والكفار؟
وكيف حددت هذه الفرق على بعد ما بينها في العقيدة والمذهب وجعلت كلها - برغم هذا البعد - في مكان واحد هو النار ؟ وكيف تم تمييز الفرقة الثالثة والسبعين ( الناجية ) ؟ وماذا لو قالت كل فرقة انها هي المعنية بالحديث خصوصاً وان هذا الحديث لم يعين فرقة باسمها ؟=
____________________
=وماذا سنصنع بحديث آخر يرويه مثل رواة الحديث السابق أو أكثر عدداً وهو ( لا تجتمع أمتي على ضلال ) ؟ وقد اجتمعت على الضلال اثنتان وسبعون فرقة من ثلاث وسبعين هي مجموع فرق المسلمين ؟
وحديث ثالث في مثل شهرته يقول ( اختلاف أمتي رحمة ).
وقد رأيت ان اختلافها ادخل اثنتين وسبعين فرقة من ثلاث وسبعين - هي مجموع فرق المسلمين - في النار.
فهل الرحمة الواردة في هذا الحديث تعني الهلاك ودخول النار، كحكم الذين لم يسلموا ولم يعترفوا بنبوة محمد ؟!!
وبمناسبة حديثنا عن هذا ( الحديث ) فإني أرجو ذوي الاختصاص في الديانتين اليهودية والمسيحية إعلامي عن عدد الفرق في كل منهما وهل هو فعلاً إحدى وسبعون فرقة في اليهودية واثنتان وسبعون في المسيحية كما يذكر أصحاب ( الحديث ) ؟ وهل هناك في كل منهما واحدة ناجية فحسب ؟
ولماذا لا يكون افتراق هذه الأديان عن بعضها إلا بزيادة فرقة واحدة ؟ فاحدى وسبعون في اليهودية واثنتان وسبعون في المسيحية وثلاث وسبعون في الإسلام فالاختلاف بينها أو بالأحرى بين اللاحق والسابق منها هو دائما كما ترى بفرقة واحدة زائدة ؟
وأشير هنا الى الشيخ محمد زاهد الكوثري الذي قدم بحثين قيمين عن هذا الحديث في مقدماته لكل من الفرق بين الفرق للبغدادي والتبصير في الدين للأسفراييني وهو ما يستحق عليه أكثر من شكر.
وتجد ثتبنا بمراجع هذا الحديث في هامش ص٢٩٢ من الجزء الثالث من الفصل لابن حزم.
وعلى كل فان هذا الحديث الذي يرويه أكثر الرواة، منقولاً عن النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وجدته منقولاً عن علي ايضا في الجزء الرابع من تاريخ الطبري ص٤٧٩ والثالث من ابن الأثير ص١١٦ حوادث سنة ٣٦ه- وكان صاحب هذا الحديث هو على نفسه لا النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٢- أحمد بن علي بن عبد القادر تقي الدين المقريزي مؤرخ الديار المصرية ولادته ووفاته في القاهرة ٧٦٦ه- - ٨١٥ه- له مصنفات كثيرة خصوصا في التاريخ منها كتاب ( المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ) المعروف بخطط المقريزي نشر الشيخ احمد علي المليجي مطبعة النيل بالقاهرة ١٣٢٥ه- ج٤ ض١٧٣.
٣- فرق الزيدية وحدها تبدأ بثلاث عند البغدادي والأسفراييني والرازي ثم ترتفع الى ست عند الأشعري فثمان كما يذكر المسعودي لتصل الى خمس عشرة عند البرسي في مشارق أنوار اليقين ص٢٥٥.
الا يثير الصعوبة نفسها ولا الاشكال نفسه. لأننا في هذه الحالة لا نتابع الفرق ذاتها، وهي كثيرة نسبياً، وانما عدداً محدوداً من الأصناف التي تضم تلك الفرق والتي تتحد او تشابه في اصولها العامة.
ولكن حتى هذه الاصناف تبدو وكأنها غير خاضعة لما يميزها عن بعضها ويرسم الحدود بينها. فالفرق تنتقل عبرها كما تشاء، او بالأحرى كما يشاء المؤلف، في سهولة ويسر لا نعرفهما الا عند مؤرخينا سيما عندما يتعرضون لما يخص الشيعة من جليل الأمر وصغيره. فليس هناك منم اعتبار للعقيدة التي يجب ان تكون هي الاساس عند المؤلف وهو يضع ( فرقة ) مكانها من هذا الصنف او ذاك من الأصناف التي سماها المؤلفون شيعية.
فالملطي مثلاً وهو يتحدث عن الرافضة وفرقهم الإحدى والعشرين، يقول انهم يلقبون بالإمامية، ملغياً كل الأصناف الأخرى. فليس لدى هذا المؤلف اذن الإ صنف واحد اسمه الإمامية، جمع فيه كل الفرق التي عدها شيعية على تباعد عقائدها.
ويتفق مع الملطي في وحدة الصف، المقريزي في خططه فهو يطلق اسم ( الروافض ) مكتفياً به عن اسماء الأصناف التي اعتاد المؤلفون ان يرجعوا اليها الفرق الشيعية في نظرهم(١) .
كما يتفق مع الملطي في وحدة الصنف ايضاً، ابن الجوزي في ( تلبيس ابليس ) والجرجاني في ( التعريفات ) فليس عند أي منهما غير صنف واحد لفرق الشيعة تحت اسم ( الرافضة )(٢) .
____________________
١- التنبيه والرد ص٢٥ وخطط المقريزي ج٤ ص١٧٣.
٢- تلبيس إبليس ص٢٢ وتعريفات الجرجاني ص٢٣ ويلاحظ ان ابن الجوزي لا يكتفي بجعل الشيعة فرقة من فرق الرافضة بل يجعل العباسية القائلين ان ( العباس كان أولى بالخلافة من غيره ) وبينهم علي طبعاً من فرق الرافضة فضلا عن فرق جديدة وخلط كبير.
ونحب ان نشير هنا الى ما فاتنا ذكره من قبل، وهو ان ابن الجوزي والجرجاني يجعلان فرق الرفض اثنتي عشرة فرقة، وهو عدد جديد للفرق الشيعية يخالف ما مر بنا من اعداد سابقة، ويزيد الموضوع غموضاً وتعقيداً، الى غموضه وتعقيده.
وعجبت لم نزل ابن الجوزي والجرجاني بعدد الفرق الشيعية الى اثنتي عشرة، وكان الاتجاه يميل - كما رأينا - الى زيادة العدد كلما تقدمنا في الزمان.
لكن عجبي هذا لم يطل حين وجدت المؤلفين قد وزعا المسلمين، من غير الفرقة الناجية، الى ستة اصناف. فكان عليهما، تحقيقاً للعدل بينها كما أظن ! ان يجعلا تحت كل صنف اثنتي عشرة فرقة دون زيادة او نقص لكي لا يتجاوز مجموع الفرق، الاثنتين والسبعين، فتعتدى بالتالي على حقوق الفرقة التي تحمل الرقم ٧٣.
وربما عدنا الى ابن الجوزي فيما بعد لكن ما يجب تسجيله هنا ان ابن الجوزي يجعل الشيعة فرقة من فرق ( الرافضة ) لا العكس مخالفا في ذلك اجماع المؤرخين.
واعود بعد هذا الاستطراد الى الأشعري الذي يرد الفرق التي يسميها شيعية الى ثلاثة اصناف هي الغالية والرافضة والزيدية.
ويتفق معه في العدد ابن حزم في ( الفصل ) لكنه يضع بدل الرافضة ( الإمامية من الرافضة ) والأسفراييني الذي يجعلها هو الآخر ثلاثة اصناف تحت اسم ( الروافض ) وهي الزيدية والكيسانية والإمامية. اما الفرق التي يسميها
الغلاة ( فلا يعدون في زمرة الملسمين ) كما يقول ويبحثها في مكان آخر بعدهم(١) .
ويوزع البغدادي والرازي الرافضة على اربعة اصناف هي الزيدية والإمامية والكيسانية والغلاة(٢) .
ويحدد الشهرستاني الأصناف بخمسة هي الكيسانية والزيدية والإمامية والغلاة والإسماعيلية(٣) .
اما صاحب ( الحور العين ) فيخالف السابقين جميعاً، حين يجعل الزيدية كلهم فرقة واحدة، والإمامية، بكل فرقهم بما فيهم الكيسانية فرقة واحدة، مضيفاً اليهم اربع فرق اخرى ثم يبدأ في تفصيل فرق الزيدية والإمامية..
فأنت لا تدري ان كان يتكلم عن اصناف ام عن فرق أم انه يجمع بين الاثنين(٤) .
والاختلاف في عدد الأصناف بين واحد وخمسة أو ستة يستدعي طبعاً، اختلافا آخر في عدد الفرق الداخلية تحت كل صنف.
ولكن هل انتهينا عند هذا الحد من الاختلاف في عدد الفرق، وفي اصنافها، وفيما يضمه كل صنف منها، وهو اختلاف كبير ؟ لا اظن، فحتى لو تسامحنا في ذلك، فإننا سنواجه الاختلاف في اسماء الفرق التي جعلوا منها فرقا شيعية. فهذه الفرقة ليس لها اسم عند هذا المؤلف وفي هذا الكتاب. او لها اسم ولكنه يختلف عن الاسم الذي تجده عند مؤلف آخر كتاب آخر، وهو ما يسد منافذ الرؤية امامك وانت تحاول ان تدرس وتبحث وتحقق.
____________________
١- مقالات الاسلاميين ج١ ص٦٥ والفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص٣٥ والتبصير في الدين ص١٥.
٢ - الفرق بين الفرق ص١٨ واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٥٢.
٣- الملل والنحل ج١ ص١٤٦ - ١٤٧.
٤- الحور العين ص١٥٤.
فاذا تركت الأسماء، وجدت ان هذه الفرقة الواحدة تتكرر بالاسم نفسه احياناً، في اكثر من صنف من اصناف الفرق الشيعية، وكأنها ليست الفرقة ذاتها هنا وهناك.
فاذا رضيت بذلك، وجدت ان بعض هذه الفرق ليس وراءها اكثر من شخص واحد، وقد يكون مختلفا، هو الذي تحمل اسمه وتنسب اليه، او عدد محدود من الأشخاص لا يسمح مطلقا بأن يؤلفوا فرقة او يبحثوا بوصفهم فرقة.
فاذا قبلت بكل ذلك ادهشك ان غالبية هذه الفرق ( الشيعية ) كما تصنف عادة، لا علاقة لها من قريب او بعيد، بعلي بن ابي طالب الذي يفترض ان اسمها جاء من تشيعها له. وادهشك أكثر، ان من بين هذه الفرق الشيعية، من يبغض علياً ويعاديه. بل وفيها من يكفره، ثم لا يتحرج المؤرخون من مناقشة هذه الفرق وبحثها بوصفها من فرق الشيعة.
أراني قد اطلت عليك الحديث، لكن عذري فيه، انه يتناول قضايا لها من الخطورة بقدر ما لها من الإمتاع، فهو يتناول جانباً مهماً من جوانب الفكر الإسلامي: ذلك الذي يمس عقائد الفرق الإسلامية، ما هو صادق وما هو منحول منها، ونظرة المؤرخين اليها.
على ان حديثي لم يتجاوز حتى الآن، الكلام العام، دون ان يعرض لتلك الفرق وعقائدها، بما يؤكد هذا الكلام ويعززه.
واحسب منم حقك ان تطالبني بذلك، والا فإنني لم أفعل اكثر من اضافة واحد الى هؤلاء الذين انتقدتهم قبل قليل، ولن يكون حديثي فيما انتقدتهم فيه،
الا ضرباً من اللغو الذي لا يحفل بعقل الإنسان ولا يضيف الى الصورة التي شوهتها أقلام سابقة الا تشويهاً جديداً لم يبق له مكان فيها.
سأحاول اذن ان اتناول فرق الشيعة ومواقف المؤرخين منها، مبتدئاً بما يسمى بفرق ( الرافضة ).
ولكن قبل الفرق ذاتها، أرى من الضروري ان اقف عند مفهوم الرافضة الذي يضم تلك الفرق، ليكون البحث فيها بعد ذاك اوضح واسهل، واقرب الى قواعد المنطق.
ويتصل بالرافضة مفهوم آخر، هو الكيسانية الذي سنبحثه ايضا بعد الفراغ من الرافضة، وقبل البحث في فرقهم، ذلك ان المؤلفين في الفرق والعقائد، كما رأينا وكما سنرى، يجعلون الكيسانية، اصحاب المختار، جزءاً من الرافضة، وفرقهم من فرق الرافضة.
الرافضة
ماذا يعني لفظ الرافظة وكيف بدأ وما هي الفرق التي يتناولها وما هي عقائدها ؟
تلك هي الاسئلة او القضايا التي سنواجهها ونحن نبحث موضوع ما اصطلح عليه مؤرخو الفرق والمذاهب ب- ( الرافضة ).
الرواية الأكثر تداولاً والأوسع انتشاراً في تسمية الرافضة، هي تلك التي تربط في عمومها، بين هذه التسمية وموقف زيد بن علي من الشيخين ابي بكر وعمر، خلال أحداث ثورته في الكوفة عام ١٢٢ ه-.
وقلت عن الرواية ( في عمومها ) لأن هناك اختلافاً في التفاصيل التي يوردها المؤلفون الذين اخذوا بها، قد يكون من المناسب ان نلم بها ولو مسرعين.
فمن المؤلفين من يذهب الى ان جماعة من رؤساء اصحاب زيد، جاؤوا الى زيد يسألونه رأيه في ابي بكر وعمر، وحين اعلن عن توليهما وعدم براءاته منهما فارقوه ونكثوا بيعته فسماهم زيد رافضة(١) .
____________________
١- تأريخ الطبري تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ط رابعة نشر درا المعارف بالقاهرة ج٧ ص١٨٠ حوادث سنة ١٢٢، والكامل لأبن الاثير مراجعة الدكتور محمد يوسف الدقاق ط أولى نشر دار الكتب العلمية ببيروت ١٩٨٧ ج٤ ص٤٥٢ حوادث سنة ١٢٢. والفرق بين الفرق ص٢٥ والتبصير في الدين للأسفراييني ص١٨.
بل ان من هؤلاء من يريد ان يحدد وقت السؤال فيجعله عند اشتداد القتال بين زيد وجيش يوسف(١) .
ومن المؤلفين من يكتفي من ذلك بمنع زيد وإنكاره على من طعن من اصحابه او عسكره في ابي بكر وعمر او في ابي بكر، فرفضه الذين بايعوه وتفرقوا عنه، فقال لهم رفضتموني فكانت التسمية(٢) .
ومنهم من يرى ان الشيعة في الكوفة، حين سمعوا مقالة زيد ورأيه في خلافة ابي بكر وعمر، وعرفوا أنه لا يتبرأ منهما، رفضوه فسموا رافضة(٣) .
اما صاحب الحور العين فيجعل ( الرفض ) متبادلاً بين زيد واصحابه، وان هؤلاء هم الذين بدأوا فقالوا له ( ان برئت منهما - الشيخين - والا رفضناك فأجابهم زيد ( اذهبوا فانكم الرافضة ) بعد ان يورد نشوان حديثاً بالمناسبة عن ( قوم لهم نبز ) يمهد به لعبارة زيد هذه(٤) .
فهؤلاء المؤلفون كلهم - برغم اختلافهم في التفاصيل كما ذكرنا - متفقون على الربط بين موقف زيد من الشيخين، وتسمية الذين فارقوه، بسبب هذا الموقف، بالرافضة.
ولا أدري لماذا تذكرني حادثة زيد مع اهل الكوفة كما تبسطها الرواية، بحادثة سبقتها، ما أظن الذين وضعوا الرواية ورتبوا وقائعها، كانوا بعيدين عنها وعن اشخاصها ووقائعها. فيذكر المؤرخون ان الخوارج الذين كانوا يقاتلون الجيش الاموي في مكة مع عبد الله بن الزبير، جاؤوا الى ابن الزبير يوماً يسألونه رأيه في عثمان - ورأي الخوارج معروف فيه - فقال لهم عبد الله بعد كلام طويل
____________________
١- الفرق بين الفرق والتبصير في الدين الصفحات نفسها اعلاه.
٢- مقالات الإسلاميين ج١ ص١٣٠ واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص٥٢.
٣- الملل والنحل للشهرستاني ص١٥٥.
٤- الحور العين ص١٨٤- ١٨٥.
( اني ولي لابن عفان في الدنيا والاخرة وولي اوليائه وعدو اعدائه قالوا فبرئ الله منك يا عدو الله قال فبرئ الله منكم يا اعداء الله)(١) وعند ذاك تركه الخوارج وانصرفوا عنه و ( رفضوه ).
فهل كانت هذه الحادثة ماثلة امام بعض الذين ارخوا لثورة زيد، فانتقلوا بها، بعد حوالي الستين سنة، مع بعض التحوير، لتستقر في الكوفة بدلاً من مكة، وتستبدل بابن الزبير زيداً، وبالخوارج الرافضة، وبعثمان ابا بكر وعمر(٢) .
وعلى كل فان الرواية لا تصلح اصلاً لتسمية الرافضة لأكثر من سبب.
منها ان لفظ ( الرافضة ) اصطلاحاً سياسياً دينياً قد عرف واستعمل قبل ثورة زيد وربما قبل ولادته وهو ما ينسف بشكل قاطع الأساس الذي بنيت عليه الرواية.
فالخليفة الأموي عبد الملك بن مروان المتوفى عام ٨٦ ه- ( قبل ثورة زيد بست وثلاثين سنة ) يقول للفرزدق بعد ان سمع قصيدته الميمية في علي بن الحسين ( او رافضي ايضا انت ) ؟(٣) .
والشعبي المتوفى عام ١٠٣ ه- ( قبل ثورة زيد بحوالي العشرين سنة ) يقول مفصحاً عن كرهه للرافضة ( أحبب آل محمد ولا تكن رافضياً ) ويقول ايضاً (... أحذرك الأهواء المضلة شرها الرافضة )(٤) .
والمغيرة بن سعيد العجلي المقتول عام ١٩ ه- ( قبل ثورة زيد كذلك ) يزعم انه ( هو الذي سماهم بهذا الاسم - رافضة- )(٥) .
____________________
١- تأريخ الطبري ج٥ حوادث سنة ٦٤ ص٥٦٤ - ٥٦٦ والكامل لابن الأثير ج٣ حوادث سنة ٦٤ ص٤٩٠ ورغبة الأمل من كتاب الكامل لسيد بن علي المرصفي ط أولى مطبعة النهضة بالقاهرة ١٩٢٩ ج٧ ض٢٢١ وما بعدها وهو يجعل السؤال عن الخلفاء الأربعة لا عن عثمان فحسب.
٢- ويروي الطبري حادثة مشابهة أخرى قد لا تكون هي أيضا بعيدة عن فكر الذين اخترعوا رواية (رفض ) زيد وهذه الحادثة حصلت لزعيم الخوارج شبيب بن يزيد الشيباني عام ٧٧ه- ( قبل حادثة زيد ) حين جاءه أحد أصحابه هو مصقلة بن مهلهل الضبي في آخر معركة خاضها شبيب ضد جيش الأمويين قبل أن يموت غرقا في دجيل فقد جاءه مصقلة واخذ بلجام فرسه وسأله ( ما تقول في صالح بن مسرح ؟ - احد زعماء الخوارج قبل شبيب - وبم تشهد عليه قال: أعلى هذه الحال وفي هذه الحزة والحجاج ينظر ؟ قال فبرئ من صالح فقال مصقلة برئ الله منك وفارقوه - مصقلة وأصحابه - الا أربعين فارسا ) تاريخ الطبري ج٦ أحداث سنة ٧٧ ص٢٧٥.
٣- امالي المرتضى تحقيق محمد ابو الفضل إبراهيم دار أحياء الكتب العربية ١٩٥٤ القسم الأول هامش ص٦٨.
٤- عامر بن شراحيل من التابعين خرج مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث عام ٨١ - ٨٥ واسر وأطلقه الحجاج واتصل بعبد الملك بن مروان وأصبح نديما له. في وفاته اختلاف بين ١٠٣ه- - ١٠٧ه- أنظر ما جاء عنه بشأن الرافضة في العقد الفريد لابن عبد ربه تحقيق محمد سعيد العريان نشر دار الفكر ج٢ ص٢٢٢ وتهذيب ابن عساكر ج٧ ص١٤٠ وطبقات المعتزلة لأحمد بن يحيى بن المرتضى تحقيق سوسنة ويفلد - فلزر نشر فرانز شتاينر المطبعة الكاثوليكية بيروت ١٩٦١ ص١٣٠ والفرق
المفترقة بين أهل الزيغ والزندقة لأبي محمد عثمان بن عبد الله بن الحسن العراقي الحنفي تحقيق وتقديم الدكتور يشار قوتلراي أنقرة ١٩٦١ ص٩.
٥- رأس فرقة المغيرية من الغلاة قتله خالد بن عبد الله القسري والي العراق في زمن هشام بن عبد الملك عام ١١٩.
وزيد نفسه، قبل المبايعة وقبل القتال و ( رفضَ الشيخين ) يقول، كما ينقل عنه الرواة ( اني ابرأ الى الله من القدرية... ومن المرجئة... ومن الرافضة... ومن المارقة... )(١) .
فاصطلاح الرافضة اذن، لا يمكن الا ان يكون معروفاً في ذلك العصر، شأنه شأن الاصطلاحات المذكورة الأخرى كالمرجئة والمارقة، والا لما استعمله زيد - كما استعمله الذين سبقوه - بهذا الشكل، لو لم يكن متداولاً، ولو لم يكن السامع على معرفة به، كما هو على معرفة بالقدرية والمرجئة والمارقة التي برى منها زيد فهل كان هؤلاء الرواة يكذبون فيما ينقلون عن الشعبي والمغيرة وزيد ؟ ام كانت رواية الذين قالوا ان زيداً هو الذي سماهم رافضة، هي الكاذبة ؟
ولكن مالنا نلتمس الحجة فيما يذهب اليه، عند هذا او ذاك، اذ يكفي ان نشير الى الأحاديث ( النبوية ) الكثيرة التي ذكرت الرافضة، وهو ما يثبت ان هذا الاصطلاح قد سبق في الوجود، زيداً وثورته والرواية التي استندت اليها(٢) .
وثانيها ان العديد من المؤرخين والمؤلفين في الرجال، حتى من الزيدية انفسهم، لم يتعرضوا الى هذه الرواية اطلاقاً، ولم يذكروها وهم يتحدثون عن زيد وعن ثورته واسباب فشلها. وآذكر على سبيل المثال، خليفة بن خياط المتوفى على الأرجح عام ٢٤٠ ه-(٣) وأبا حنيفة احمد بن داود الدينوري المتوفى عام ٢٨٢ ه-(٤) واليعقوبي المتوفى قبل عام ٣٠٠ ه-(٥) والمسعودي
____________________
١- فيروي قاضي القضاة في فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص٢٢٨ ( ان زيد بن عليعليهالسلام لما خرج على هشام بن عبد الملك بالكوفة جاءه أبو الخطاب فقال عرفنا ما تذهب إليه حتى نبايعك... ) فكان رد زيد ما ذكرنا بعضه وهو يثبت أن اصطلاح الرافضة كان موجوداً ومعروفاً قبل ثورة زيد ذلك أن السائل كما رأينا طلب من زيد معرفة رأيه أولا قبل أن يقرر إن كان سيبايعه بعد ذاك أم لا.
٢ - تأريخ خليفة بن خياط تحقيق أكرم ضياء العمري ط أولى ١٩٦٧ مطبعة الآداب في النجف ص٣٦٩.
٣- أحمد بن داوود الدينوري ٢٨٢ أصله من دينور إحدى إقليم همدان أحد أعلام اللغة والأدب والتأريخ من كتبه المعروفة ( الأخبار الطوال ) في التأريخ تحقيق عبد المنعم عامر ومراجعة الدكتور جمال الدين الشيال ط أولى القاهرة ١٩٦٠ ص٣٤٤.
٤- تأريخ اليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب المعروف بابن واضح الاخباري ت بعد ٢٩٢ ه- من أشهر كتبه تأريخه المعروف بتأريخ اليعقوبي نشر المكتبة المرتضوية في النجف ١٣٥٨ ه- ج٣ ص٦٥ - ٦٦.
٥- مروج الذهب نشر دار الأندلس بيروت ط رابعة ج٣ ص٢٠٦ - ٢٠٧.
المتوفى عام ٣٤٦ ه-(١) الذين لم يوردوا في تواريخهم شيئاً عن هذه الرواية ولم يعرضوا لها.
وابو الفرج، وقد افرد للحديث عن زيد اكثر من عشرين صفحة في كتابه ( مقاتل الطالبيين )، لم يتطرق للرواية ولا للتسمية التي اقترنت بها، برغم انه فصل اخبار زيد ولم يفته شيء مما تعلق بثورته وبمصرعه(٢) .
ثم ان الذين رثوا زيداً بعد مقتله، لم يشر واحد منهم الى ( الرافضة ) وموقفهم من زيد وخذلانهم له، مع ان هذا الموقف، لو صح، لكان جديراً - وهو السبب فيما انتهى اليه زيد - ان يثير الشعراء ضد الرافضة، ويدفعهم الى الهجوم عليهم، وتحمليهم مسؤولية قتله، والشعر اسهل واسرع في الحفظ والنقل. وبين هؤلاء الشعراء، وهم كثر، من عاصر زيداً، ومن له رحم ماسة به كالفضل بن عبد الرحمن بن العباس(٣) من بني الحارث بن عبد المطلب، وقد رثى زيداً بقصيدة طويلة، فيها حزن ولوعة وفيها تهديد لبني الحكم ووعيد.
أفلا يستحق الرافضة الذين خذلوا زيداً وأسلموه، هم ايضاً، تأنيباً وتهديداً ووعيداً ؟ ألا يستحق موقفهم ذلك اشارة، على الأقل، في هذه القصيدة الطويلة، او في غيرها مما رثي به زيد في ذلك العهد.
كما اذكر ايضا ابن سعد في طبقاته(٤) ، وصاحب الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية(٥) ، فكلاهما لم يأتيا بذكر للرواية عند ترجمة زيد بن علي.
وابن قتيبة في المعارف، وهو يتحدث عن زيد وعن الزيدية في موضعين من كتابه(٦) ، وابن عبد ربه في العقد الفريد، وهو يتناول الموضوع نفسه(٧) ، وآخرين غير هؤلاء.
____________________
١- مقاتل الطالبيين تحقيق السيد أحمد صقر ط ثانية طهران ١٩٧٠ من ص١٢٧ - ١٥١.
٢- هذا هو اسمه كما ورد في المصادر وكما يورده أبو الفرج نفسه في ص٢٥٤ من مقاتل الطالبيين لكنه في ص١٤٨ وهو يورد القصيدة يقدم العباس على عبد الرحمن في سلسلة آباء الفضل فيقول: الفضل بن العباس بن عبد الرحمن.
٣- كتاب ( الطبقات الكبير ) لمحمد بن سعد الزهري بالولاء مولده في البصرة عام ١٦٨ه- ووفاته في بغداد عام ٢٣٠ه- اشهر كتبه ( الطبقات الكبير ) المعروف بطبقات ابن سعد تصحيح ادوارد سخو ط ليدن ١٣٣٣ ج٥ ص٢٣٩ في ترجمة زيد بن علي.
٤- الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية لحميد الدين بن احمد مخطوط ج١ ص١٤٣ في مكتبة الشيخ الوالدرحمهالله .
٥- المعارف لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ٢١٣- ٢٧٦ه- الأعلام المؤلفين في مختلف الفنون من كتبه ( المعارف ) تحقيق الدكتور ثروت عكاشة مطبعة دار الكتب ١٩٦٠ ص٢١٦ و ٦٢٣.
٦- العقد الفريد لأحمد بن محمد بن عبد ربه الأديب الأندلسي المعروف ولد وتوفي في قرطبة ٢٤٦ه- - ٣٢٨ه- من أشهر تآليفه ( العقد الفريد ) تحقيق محمد سعيد العريان نشر دار الفكر ج٢ ص٢٢٢.
٧- كتاب الفتوح لأحمد بن أعثم الكوفي ت نحو ٣١٤ ط أولى مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن في الهند ج٨ ص١١٠ وما بعدها.
ومنهم من اورد السؤال الذي قيل انه وجه لزيد عن موقفه من ابي بكر وعمر، وما أجاب به زيد، وانصراف اصحابه عنه بعد سماعهم جوابه، لكنهم لم يذكروا اسم الرافضة ولم يربطوا بينه وبين انصراف اصحاب زيد عنه، ومفارقتهم له، ومن هؤلاء صاحب ( الفتوح )(١) وصاحب ( البدء والتأريخ )(٢) .
ثم ان أياً من المؤلفين، سواء ربطوا بين موقف زيد وبين التسمية، أو الذين لم يربطوا بينهما فأثبتوا سؤال زيد عن موقفه من الشيخين وتفرق اصحابه عنه بعد سماعهم رأيه، لكنهم لم يجعلوا ذلك اساساً لها.
ان اياً من هؤلاء لم يسم واحداً فقط من كل الذين يقال انهم سألوا زيداً عن موقفه من الشيخين، اذ ليس من المعقول ان يتجمهر الآلاف ممن بايعوا زيداً ويتوجهوا الى حيث يقيم، وهو مختف عن اعين السلطة، ليسألوه رأيه في ابي بكر وعمر، فلا بد اذن ان يكون هذا السؤال قد وجه من عدد محدود من رؤساء اصحابه الذين كانوا يختلفون اليه، وعنهم وعن طريقهم وصل السؤال والرد كما تذكر الرواية. فكيف عرفنا السؤال بكل تفاصيله، والرد بكل تفاصيله ايضاً، وكل ما ترتب على السؤال والرد من نتائج توردها الرواية، ولم نعرف واحداً من الذين طرحوا السؤال على زيد او من الذين نقلوا رد زيد عليه.
ويتصل بما سبق، هذا الاختلاف الذي نواجهه حتى عند من يربطون بين موقف زيد من ابي بكر وعمر وبين تسمية خاذليه بالرافضة.
____________________
١- البدء والتاريخ لمطهر بن طاهر المقدسي نشر كلمان هوار ١٩٠٣ ج٦ ص٤٩ - ٥٠ وهو يجعل اسم الرفض شاملاً للزيدية والإمامية ج٥ ص١٢٤.
٢- تاريخ الطبري ج٧ ص١٨١ والكامل لابن الأثير ج٤ ص٤٥٢.
فالطبري وابن الاثير يريان ان تخلي اصحاب زيد كان بعد سؤالهم له عن رأيه في الشيخين، وأن هذا السؤال قد جاء قبل القتال، عندما علموا ان يوسف بن عمر قد بلغه خبر زيد، وانه جاد في أمره والبحث عنه(١) .
والأشعري والرازي يذهبان الى أن زيداً سمع من بعض اصحابه او عسكره الطعن على ابي بكر وعمر فأنكر ذلك، فتفرق عنه الذين بايعوه دون ان يورد المؤلفان أي ذكر للسؤال(٢) .
والبغدادي والأسفراييني يثبتان السؤال ويحددان وقته أثناء القتال لا قبله، فهما يختلفان عن الأشعري والرازي في اثبات السؤال، وعن الطبري وابن الأثير في تحديد وقته(٣) .
فأنت في الواقع امام روايات ثلاث متعارضة، لا رواية واحدة، للذين يربطون بين موقف زيد وبين التسمية، وهذا وحده دافع قوي للشك فيها على الاقل.
ومن هذه الأسباب انه بالاضافة الى الذين لم يذكروا الرواية ولم يشيروا اليها.
وبالإضافة الى الذين ذكروا جزءها المتعلق بالسؤال دون الربط بينه وبين التسمية.
فان عدداً من الذين يأخذون بالرواية كالبغدادي والأسفراييني والرازي، ويجعلون موقف زيد من الشيخين اساساً لافتراق اصحابه عنه، وتسميتهم لذلك
____________________
١- مقالات الإسلاميين ج١ ص ١٣٠ واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٥٢.
٢- الفرق بين الفرق ص٢٥ والتبصير في الدين ١٨.
٣- أما الأشعري فانه يعالج الكيسانية الذين يرتبط تأريخهم بالمختار بن أبي عبيد الثقفي ضمن فرق الرافضة مع أن المختار قتل عام ٦٧ه- أي قبل ميلاد زيد باثنتي عشرة
سنة لا ثورته التي يربط بها الأشعري تسمية الرافضة. أنظر مقالات الإسلاميين ج١ ص٨٩.
رافضة يعالجون الزيدية في مؤلفاتهم ضمن الرافضة، وبوصفها فرقة من فرقها، لا يجنب الرافضة كفرقة مستقلة عنها(١) .
ولا أدري كيف استطاع هؤلاء ان يجعلوا الزيدية، وهم بالفرض، اصحاب زيد وأنصاره، جزءاً من الرافضة الذين رفضوا زيداً وفارقوه كما تزعم الرواية، الا ان يكون الرفض رفضاً لشيء آخر غير زيد.
بل ان اسم الرافضة عند هؤلاء يتناول بالاضافة الى الزيدية، فرق الإمامية والكيسانية والغلاة، أي كل الفرق التي اعتبروها شيعية، سواء في ذلك، التي وجدت قبل زيد، وهي الغالبية العظمى لتلك الفرق، او بعده.
وهذا ما لا يستقيم الا برفض الرواية التي اخذ بها هؤلاء المؤلفون او رفض ما كتبوه عن الفرق المذكورة.
وأنا إنما خصصت اولئك المؤلفين بالذكر، لأنهم يؤرخون الرفض بثورة زيد، ويجعلون من هذه الثورة بداية له كما رأينا، ومن هنا جاء تناقضهم.
أما المؤلفون الآخرون من الذين لا يربطون بين ثورة زيد وبين اسم الرافضة، فانهم يجعلون الرفض كما يظهر من مؤلفاتهم، اسماً عاماً لجميع الفرق التي يريدونها شيعية.
فابن قتيبة تحت عنوان ( الفرق ) يقول ( الكيسانية من مالرافضة... ) و ( السبئية من الرافضة... ) و ( الزيدية... وهم اقل الرافضة غلواً... )(٢) .
وابن عبد ربه يبحث تحت عنوان ( الرافضة ) السبئية والكيسانية والزيدية(٣) .
____________________
١- المعارف لابن قتيبة ص٦٢٢ و ٦٢٣ والعبارة نفسها تجدها في الاعلاق النفسية لابن رستة ص٢١٩.
٢- العقد الفريد لابن عبد ربه ج٢ ص٢١٨ و ٢٢٢.
٣- خطط المقريزي ج٤ ص١٧٣ وما بعدها.
وكذلك يفعل المقريزي في خططه اذ يجعل الرفض اسماً عاماً لكل فرق الشيعة كما تصورها(١) .
ومنها ان مقام زيد في الكوفة قد تجاوز السنة(٢) وهو يحضر لثورته ويدعو الناس الى بيعته. فلماذا انتظر اصحابه المدة الطويلة تلك، فلم يسألوا ولم يبحثوا ولم يراجعوا زيداً يستطلعون رأيه في ابي بكر وعمر، ان لم يكن معروفاً لديهم، ما دام هذا الرأي يبلغ من الخطورة ما ينقضون البيعة بسببه ؟ بل كيف تمت بيعتهم له وهم يجهلون منها ما استوجب نقضها فيما بعد ؟ ان صيغة البيعة لزيد معروفة ومدونة يمكن الرجوع اليها والتأكد منها، وليس فيها ما يشير الى ابي بكر وعمر، لا مدحاً ولا ذماً. وهذه الصيغة كانت معروفة طبعاً لأصحاب زيد منذ بداية ثورته، وعلى اساسها قامت دعوته وبايعه أنصاره، فليس فيها ما هو مجهول او ما يستدعي السؤال، بعد اكثر من سنة عليها(٣) . ثم لنفترض ان اصحاب زيد هؤلاء كانوا قد عزموا على الغدر بزيد ونقض بيعته والقعود عن القتال معه، أكان صعباً علهيم ان يفعلوا ذلك دون هذا السؤال يطرحونه عليه. وهل يحتاج من أراد الغدر ونكث البيعة الى حجة وعذر وسؤال ؟ ! وهل احتاج الذين غدروا بالثوار قبل زيد وبعده الى مثل هذا السؤال ؟!
أظن العكس هو الصحيح، فالتخلي عن زيد ونقض بيعته وترك القتال معه سيكون لا شك، أسهل وأيسر في غيابه ومن غير مواجهته ولقائه الذي قد يعرضهم لحرج هم في غنى عنه، خصوصا وان زيداً كما يذكر مترجموه، كان
____________________
١- مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصهباني ص١٣٥ وحسب عبارته ( بضعة عشر شهراً ).
٢- صيغة هذه البيعة كما أوردها الطبري في ج٧ ص١٧٢ وابن الأثير ج٤ ص٤٤٦ أحداث سنة ١٢١ه-: ( إنا ندعوكم الى كتاب الله وسنة نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء ورد الظالمين وأقفال المجمر ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا وجهل حقنا ) أتبايعون على ذلك فإذا قالوا نعم وضع يده على يده ثم يقول ( عليك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله لتفين ببيعتي ولتقاتلن عدوي ولتنصحن في السر والعلانية ) فإذا قال: نعم مسح يده على يده ثم قال ( اللهم اشهد ).
٣- سليمان بن صرد الخزاعي زعيم حركة التوابين ورأس الثوار في موقعة عين الوردة التي استشهد فيها عام ٦٥ه-.
يملك من نفاذ الشخصية وقوة الحجة ما يستطيع معه، لو لقيهم، ان يملهم عما فكروا فيه وعزموا عليه من نقض البيعة وترك القتال، فيفسد بذلك تدبيرهم.
وأريد ان اطرح سؤلاً هنا، كما طرح اصحاب زيد سؤالاً هناك على زيد، حسب ما تدعي الرواية. ماذا مثلا لو اجابهم زيد بغير ما أجابهم به، هل يستمرون معه ويقاتلون في صفوفه ويثبتون على بيعته ؟ أم أن هناك سؤلاً أو اسئلة اخرى قد هيأوها، فهم لا يزالون يطرحون السؤال بعد السؤال، حتى يبلغوا ما أرادوا من عذر لنقض بيعة زيد والتخلي عنه ؟
ومنها ان تسمية الذي غدروا بزيد وتخلوا عنه بالرافضة، ليست هي التسمية الأنسب في هذا المقام، ولم يكن زيد بالذي يختارها على تسميات اخرى، قد تكون اليق منها واقوى دلالة واشد وقعاً على الذين غدروا به ونقضوا عهده، كالغادرة او الناكثة او ما شابه ذلك من تسميات. وليس الرافضة التي لا تحمل في ذاتها شيئاً من معنى الخيانة او الغدر ونقض البيعة.
أظن فيما قدمت من أسباب ما يكفي لسقوط الرواية زماناً ومكاناً وأشخاصاً.
ومع سقوط الرواية ينهض السؤال التالي: إذن ماذا يعني الرفض، وعلى ماذا ينصب وقد سبق القول أن التسمية كانت مستعملة ومعروفة قبل زيد وثورته ؟
خلال الحكم الأموي، كانت هناك فرقتان تناصبانه العداء: الخوارج والشيعة. فمنذ قيام هذا الحكم وثورات الفرقتين مستمرة لا تهدأ للإطاحة به
وإسقاطه. فلقد ثار الشيعة مع الحسين وثاروا مع سليمان بن صرد بعد الحسين(١) ومع المختار وزيد بعد الحسين وسليمان.
وهم قبل ثوراتهم وبعد فشلها، وعلى امتداد عهد الحكم الأموي، لا يكتمون بغضهم وعداءهم و ( رفضهم ) لذلك الحكم الذي لم يقم على اساس من دين ولا سابقة من اسلام.
فالرفض اذن كما يبدو، هو رفض الشيعة للحكم الاموي القائم آنذاك، وما يمثله من جور وظلم وتعدٍ على قيم الإسلام وحقوق المسلمين كانوا هم من اول ضحاياه.
وكان الأمويون من ناحيتهم يبادلون الشيعة بغضاً ببغض وعداء بعداء ويلتمسون الفرص للإيقاع بهم والقضاء عليهم، بالسيف عند قيامهم بثورة، او بتشويه صورتهم وتأليب الرأي الإسلامي عليهم ان لم يكن هناك سيف ولا ثورة.
وليس في رفض الحكم الاموي ما يستوجب الذم وتشويه الصورة، او ما يدعو الى تأليب الرأي الإسلامي. فالمسلمون، حتى من غير الشيعة والخوارج، ثاروا ضده مع ابن الزبير وابن الأشعث وابن الملهب.
لم يبق اذن الا توجيه الرفض اتجاهاً آخر وإعطاؤه مضمونا آخر يستطيع ان يخدم مصالح الأمويين ويحقق لهم ما عجز ( ورفض ) الحكم عن تحقيقه.
وكان هناك الشيخان ابو بكر وعمر خليفتا المسلمين، ولهما من المكانة والحرمة ما لا يختلف فيه اثنان. فلماذا لا يزج بهما في المعركة ضد اعداء الحكم و ( رافضيه ) من الشيعة.
____________________
١- قد تجد بدايات استغلال اسم أبي بكر وعمر في الصراع السياسي بين الشيعة والأمويين وفي محاولة هؤلاء تحويل الرفض من رفض السلطة والحكم الاموي القائم انذاك، الى رفض لأبي بكر وعمر فيما أوصى به معاوية أركان سلطته وقد بعثوا للحسن بن علي يطلبون حضوره لمحاجته فقد قال لهم معاوية ( تقولون له أن أباك قتل عثمان وكره خلافة الخلفاء من قبله ) وهو يعني طبعاً أبا بكر وعمر. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج٦ ص٢٨٦.
وفي سؤال معاوية لعبد الله وقد دخل عليه وعند وجوه قريش فقال له معاوية... ( ما تقول في أبي بكر ؟ ) فلما مدحه وترحم عليه قال له معاوية ( فما تقول في عمر ابن الخطاب ؟ ) مروج الذهب ج٣ ص٥٠. ومن المؤكد أن معاوية لم يسأل ابن عباس عن أبي بكر وعمر الا وهو ينتظر كلمة ذم في حقهما يتعلق بها ضده وضد الهاشميين وأنصارهم من الشيعة. فما كان ذم معاوية وحكمه و ( رفضه ) بالذي يثير غضب الحاضرين واستنكارهم.
وهكذا جاء اختيارهما واستغلال اسميهما. وتحول الرفض من رفض للحكم الأموي القائم آنذاك، وهو ( رافض ) يعتز به الشيعة، لأنه رفض مشروع ضد سلطة جائرة، الى رفض للشيخين ينبز به الشيعة وتشوه صورتهم(١) .
وقبل الرواية التي أثبتنا بطلانها، وقبل زيد وثورته. كان الحكم الأموي قد استغل اسم الشيخين في محاربة الشيعة، ضمن اسلحة اخرى منها سلاح الأحاديث ( النبوية ) لتثبيت لفظ ( الرافضة ) اسماً بديلاً لهم.
ولم يعدم الحكم من يزكي له هذا الاتجاه ويدفعه اليه، ومن هو على استعداد لأن يضع الف حديث وحديث، يقسم انه سمعها من النبي او ممن سمعها من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد أن أصبحت تجارة الأحاديث من أربح التجارات في ذلك العهد.
فحديث يقول " يا علي انت في الجنة وشيعتك يكونون في الجنة وسيكون بعدي قوم يدعون ولايتك يدعون الرافضة فان وجدتهم فاقتلهم فانهم مشركون ".
وحين سأل علي عن علامتهم لئلا يفوته قتلهم، أو يقتل غيرهم ممن ليسوا مشركين مثلهم ! أجيب "... ويشتمون أبا بكر وعمر "(٢) .
واظن صاحب الحديث قد غفل عن شيء مهم فيه، ذلك ان علياً لا يمكن ان يلتقي ( الرافضة ) الذين لم يوجدوا بهذا الاسم الا خلال الحكم الأموي وبعد اغتيال علي. وكان علي واضع هذا الحديث ان يلاحظ التواريخ بصورة افض،
____________________
١- التبصير في الدين للأسفراييني ص٢٥.
٢- المصدر السابق نفسه والصفحة.
فصناعة الأحاديث ان كانت لا تتطلب الا الاستعداد للكذب والجرأة عليه، فانها تتطلب الكثير من الدقة والانتباه والذكاء.
وحديث عن " الروافض يهود هذه الامة "(١) .
ولا أدري لماذا ترك واضعوا الحديث المجوس فلم يلصقوهم بالروافض مكتفين باليهود وحدهم. فهل كان هؤلاء في نظرهم أشد عداوة للإسلام والمسلمين فاختاروهم للروافض، أم أن اسم المجوس كان قد سبق حجزه للمعتزلة فلم يجدوا امامهم غير اليهود اسماً للروافض.
وحديث آخريقول " سيكون في آخر الزمان قوم لهم نبز يقال لهم الروافض يرفضون الاسلام فاقتلوهم فانهم مشركون ".
والحمد لله انهم ربطوا قتل الرافضة ببلوغ آخر الزمان، اذ سيكون الناس في ذلك الوقت مشغولين بأنفسهم وبجنتهم ونارهم، عن التفكير بالروافض والتفتيش عنهم لقتلهم.
وهكذا يبدو ان حصة الروافض من الأحاديث النبوية كانت أكثر من حصص غيرهم من الفرق والمذاهب. فالخوارج لم يخصهم تجار الاحاديث بأكثر من حديث واحد هو الذي يتحدث عن مروقهم من الدين كما يمرق السهم من الرمية(٣) .
والمعتزلة لم تزد حصتهم ايضا على حديث واحد يجعلهم مجوس هذه الأمة، وحديث آخر، يشاركهم فيه المرجئة، عن الصنفين اللذين ليس لهما من الاسلام نصيب.
____________________
١- التبصير في الدين للأسفراييني ص٢٥.
٢- التبصير في الدين ص٢٩ والملل والنحل ج١ ص٢١ و١١٥.
٣- الملل والنحل ج١ ص٢٠ ومن هذا يبدو بوضوح أن الأحاديث ( النبوية ) لم تتفق على وصف واحد لهؤلاء ( الروافض ) فهم يهود ونصارى ومشركون مع أن المفروض ألا يكون هناك اختلاف أو تعارض في الأحاديث ( النبوية ) على الأقل وكان على واضعي الأحاديث ملاحظة هذه الجهة والاتفاق اولاً على الوصف الذي يعطونه للروافض تجنباً لنسبة التعارض الى الأحاديث ( النبوية ) لكن الشيء المتفق عليه هو ورود لفظ ( الروافض ) في جميع الأحاديث ( النبوية ) السابق ذكرها مما يؤكد وجود هذا الاصطلاح واستعماله قبل زيد وقبل ثورته بزمن غير قصير ما لم نكذب تلك الأحاديث و ( نرفضها ).
اما الروافض فان نصيبهم من الأحاديث تجاوز ذلك، فما كانت السلطة لترضى بحديث واحد يجعل منهم يهوداً فحسب او مشركين فحسب، فلذلك كثرت الأحاديث عنهم، فواحد عن يهوديتهم، واثنان عن اشراكهم، مع المطالبة بقتلهم طبعاً اينما وجدوا، ورابع عن ( نصرانيتهم )(١) و... و...
وهكذا يبدو ايضاً ان الرواية ( الزيدية ) التي تربط بين التسمية وبين البراءة أو عدم البراءة من أبي بكر وعمر، لم تكن الا جزءاً من سلاح استعمله الأمويون ضد الشيعة لتشويه صورتهم.
لقد ثار زيد لكن ثورته أخفقت، كما أخفقت ثورات قبلها وثورات بعدها، لأسباب ترتبط بالظروف الداخلية والخارجية للثورة وخصومها، لا بسبب البراءة أو عدم البراءة من أبي بكر وعمر كما تزعم الرواية.
في كل الثورات قبل ثورة زيد وبعدها كان هناك من ينكث ومن يثبت وثورات تفشل وثورات تنجح:
لقد ثار عبد الله بن الزبير قبل زيد وفشل.
وثار عبد الرحمن بن الأشعث وفشل.
وثار يزيد بن المهلب وفشل.
وثار محمد النفس الزكية بعد زيد وفشل.
وثار ابراهيم اخوه وفشل.
وثار يزيد بن الوليد بعد زيد ونجح.
وثار العباسيون بعد زيد ونجحوا.
____________________
١- ويذكر النوبختي في فرق الشيعة ص٢٤ وجهاً رابعاً للتسمية فيقول ( وسماه - يعني محمد بن الحنفية - كيسان لكيسه ولما عرف من قيامه ومذهبه فيهم ).
فلم يتعلق المؤرخون بسبب واحد كالبراءة او عدم البراءة من ابي بكر وعمر لتفسير الفشل او النجاح، ولم يسموا الذين تخلوا ونقضوا ونكثوا من اصحاب الثوار رافضة، ويختلقوا لهذا الرفض سبباً مباشراً وحيداً، كالذي اختلقوه في ثورة زيد سلاحاً يحارب به الأمويون الشيعة ويكيدون لهم.
هذه صورة ما حصل، وهذه تسمية الرافضة بداية ونهاية أرجو أن أكون نقلتها اليك بصدق لا شائبة فيه، وما كان زيد واحداً من أبطالها ولا الكوفة مسرحاً لأحداثها.
الكيسانية:
أول ما يواجهك وأنت تبحث الكيسانية هو ما يتعلق بتسميتها من أين جاءت ؟ هل من اسم رجل، واذا كانت كذلك فمن هو كيسان هذا الذي تحمل اسمه وتنتسب اليه ؟
وتختلف الروايات في الإجابة، فواحدة تدعي أن المختار كان يلقب ب- ( كيسان ) ومنه جاءت التسمية، وأخرى تزعم ان كيسان هو مولى لعلي بن أبي طالب، وثالثة تقول أنه ابو عمرة صاحب شرطة المختار(١) .
وأياً من كان كيسان هذا فقد ارتبطت الكيسانية بالمختار ارتباطاً يوجب الوقوف قليلاً عنده قبل المضي في الحديث عن الكيسانية ذاتها.
والمختار هو ابن ابي عبيد بن مسعود الثقفي، أهله من سادات ثقيف ولد بالطائف العام الأول للهجرة واستشهد ابوه في يوم الجسر ضد الفرس في خلافة عمر بن الخطاب.
____________________
١- تأريخ الطبري ج٦ أحداث سنة ٦٦ه- وما بعدها، الكامل لابن الأثير ج٤ حوادث سنة ٦٦ ه- ص٢٧ وما بعدها.
فإذا تركنا النسب والولادة فإننا سنكون أمام واحد من كبار الثوار الذين لعبوا دوراً بارزاً على مسرح الحياة السياسية الإسلامية خلال الحكم الأموي.
حارب الأمويين الى جانب ابن الزبير حين ثار هذا بعد وفاة معاوية بن ابي سفيان، لكنه لم يستمر معه لما عرف عن ابن الزبير من انحراف شديد عن علي والعلويين وعموم الهاشميين، ففاقه وعاد الى الكوفة حيث تولى قيادة الحركة الشيعية بعد فشل ثورة التوابين في عين الوردة ومقتل ثوراها وعلى رأسها سليمان بن صرد الخزاعي عام ٦٥ ه-.
وفي الكوفة بدأ المختار نشاطه السياسي تحت شعار: الثأر من قتلة الحسين وآله.
وكان أمامه اكثر من خصم: الزبيريون من جهة، والأمويون من جهة أخرى، ثم عدد من قبائل الكوفة ورؤوسها ممن شاركوا في قتل الحسين، او ممن خافوا المختار على مصالحهم او كانوا على خلاف معه.
واستطاع المختار ان يجمع الشيعة حوله ويوحد صفوفهم، وكان ابراهيم بن الأشتر ( مالك بن الحارث النخعي احد اخلص واشجع اصحاب علي ) واحداً من اقوى شخصيات الشيعة واوسعهم سطوة ونفوذاً هناك، فعمل المختار على الاتفاق معه وضمه اليه.
وبعد ان تم للمختار ما أراد من ذلك، التفت الى الكوفة: جبهته الداخلية ومركز قيادته ونشاطه، فخاض على ارضها أكثر من معركة كان النصر حليفه فيها، حتى دانت له بعد ان غادرها جميع اعداء المختار وتركها واليها من قبل عبد الله بن الزبير، عبد الله بن مطيع العدوي(١) .
____________________
١- تأريخ الطبري ج٦ أحداث سنة ٦٨ ه- ص٨٦ وما بعدها، أبن الأثير ج٤ حوادث سنة ٦٧ ه- ص٦٠ وما بعدها.
ثم كانت معركة الخازر في الموصل مع جيش اهل الشام بقيادة عبيد الله ابن زياد، وذلك في بداية حكم عبد الملك بن مروان، وكانت معركة حاسمة انتصر فيها جيش المختار بقيادة ابن الأشتر على جيش الامويين، وهو اكثر عدداً واتم سلاحاً ومعه الدولة بما تملك من وسائل الترغيب والترهيب. وقتل جميع قادة الجيش الأموي وعلى رأسهم عبيد الله بن زياد(١) .
وجاءت اخيرا نهاية المختار، بعد معارك عنيفة خاضها جيشه ضد جيش مصعب بن الزبير، ثم خاضها المختار بنفسه، فقتل وقتل بعده آلاف من اصحابه صبراً، برغم نزولهم على حكم ابن الزبير واعطائهم الأمان من قبله(٢) حتى قال عبد الله بن عمر لمصعب ( انت القائل سبعة الاف من اهل القبلة في غداة واحدة غير ما بدا لك... والله لو قتلت عدتهم غنماً من تراث ابيك لكان ذلك سرفاً )(٣) .
هذه بإيجاز ثورة المختار. وهي كما ترى ثورة سياسية تعدد فيها الخصوم والوقائع والجبهات، وكان فيها من حلاوة النصر ومرارة الهزيمة ما يكون عادة في الثورات الكبيرة التي يطول أمدها وتتسع ساحتها، كثورة ابن الزبير نفسها التي انتهت هي الأخرى بالفشل وبقتل عبد اله بن الزبير بعد ان خذله وتخلى عنه حتى أهله وولده(٤) .
فثورة المختار اذن ثورة سياسية ليس مكانها كتب الفرق، كما هو حاصل حتى اليوم، وانما كتب التاريخ الى جنب الثورات السياسية الأخرى التي قامت ضد الحكم الأموي.
____________________
١- مروج الذهب ج٣ ص٩٩.
٢- تأريخ الطبري ج٦ ص١١٣، وابن الأثير ج٤ ص٧٢.
٣- تأريخ الطبري ج٦ حوادث سنة ٧٣ ه- ص١١٨.
٤- تأريخ الطبري ج٦ ص٧٦ و٧٧ وابن الأثير ج٤ ص٥٣ أما أبو الفرج فيجعل وصولهم ساعة إضرام النار. الأغاني ج٩ ص١٥ ترجمة كثير عزة.
ثم ثورة الشيعة قبل ان ينقسموا فيما بعد الى فرقهم المذهبية المعروفة.
فتقسيم الشيعة الى كيسانية وغير كيسانية، ثم تقسيم الكيسانية الى فرق عديدة كما يذهب المؤلفون في الفرق والمذاهب، خطأ محض. فلم تعرف ثورة المختار ولا زمن المختار هذا التقسيم الذي لم يظهر الا في زمن تال.
أما علاقة المختار بمحمد بن علي بن ابي طالب ( ابن الحنفية ) فمن السهل تفسيرها. فمحمد هذا كان اكبر وافضل ولد علي بعد وفاة الحسن ومقتل الحسين. ولم يكن احد من العلويين ينازعه مقامه.
وكانت الثورة باسم الحسين اخي محمد وللثأر من قتلته. فأي غريب ان ترتبط هذه الثورة بمحمد، وهو اخو الحسين واكبر الموجودين من العلويين انذاك وافضلهم، وان يكون قائدها المختار على صلة دائمة به ؟ !
واذا كان المختار في حاجة للدعم الأدبي من ابن الحنفية، فان ابن الحنفية كان هو ايضا في حاجة للدعم الأدبي والمادي من المختار. فحين حبس عبد الله ابن الزبير، ابن الحنفية وعبد الله بن عباس ومعهما عدد من الهاشميين، ومن انصارهم من غير الهاشميين في عارم، لإرغامهم على مبايعته وهددهم بالاحراق ان لم يبايعوا حتى اجل ضربه لهم، وكاد يفعل، لم يجد ابن الحنفية غير المختار يكتب له ويطلب مساعدته لإطلاقهم من حبس عبد الله بن الزبير. وقد استجاب المختار له فأنفذ عدداً من اصحابه الى مكة حيث كان الهاشميون مسجونين، فأطلقوهم ولم يكن قد بقي من الأجل الذي ضربه ابن الزبير لإحراقهم الا يومان(١) .
____________________
١- ابن الأثير ج٤ ص٥٣ و ٥٥ وطبقات ابن سعد ج٥ ترجمة محمد بن الحنفية ص٧٧.
وبقيت صلة المختار قوية بمحمد، وبقي محمد قوياً بالمختار حتى قتل، فضعف محمد بقتله(١) .
اما ما يزعم البعض عن براءة محمد من المختار، وانه اراد القدوم الى العراق بسبب ما بلغه عنه، لكنه عدل عن ذلك وبقي في مكة مخافة ان يقتله المختار لو دخل الكوفة. فأقل ما يوصف به انه جهل بما كان من علاقة بين الرجلين(٢) .
لقد استمرت ثورة المختار سنة ونصف سنة لم تنقطع خلالها الاتصالات بينهما. فما الذي منع ابن الحنفية من اعلان رأيه في المختار، وهو لا يخشى غائلته في مقر اقامته بمكة التي كانت تحت سيطرة عدو المختار عبد الله بن الزبير.
بل ان التفاف الشيعة حول المختار واستجابتهم له، لم تتم الا بعد عودة وفدهم الى مكة لمقابلة محمد بن الحنفية وسؤاله رأيه في المختار(٣) .
اكثر من ذاك المختار كان يرسل صلاته وعطاياه الى محمد بن الحنفية، وكان هذا يقبلها دون تردد، وما أظنه كان يجيز لنفسه ان يهتم المختار في دينه ويخشى على نفسه منه ثم يقبل في ذات الوقت هداياه، وهو من هو نبلا وشجاعة ودينا. ولو احتاج الى المال لكان له في غير المختار غنى.
انها واحدة من التهم الكثيرة التي لا أدري لماذا خص مؤلفو الفرق المختار وثورته بها دون باقي الثوار والثورات، فأجهدوا أنفسهم في محاولة النيل منه ومنها.
____________________
١- الفرق بين الفرق ص٣١.
٢- تاريخ الطبري ج٦ وما بعدها وابن الأثير ج٤ ص٢٩.
٣- الشهرستاني في الملل والنحل ج١ ص١٤٩ والبغدادي في الفرق بين الفرق ص٣٣، والأسفراييني في التبصير ص٢٠، والدينوري في الأخبار الطوال ص٣٠٣.
لقد ثار ابن الزبير، وثار ابن الأشعث وابن المهلب، وثار العباسيون بعد هؤلاء. ثاروا كلهم ضد الأمويين فلم يتهمهم أحد بالمروق من الدين او ادعاء النبوة أو البراءة من الشيخين، ولا بما هو اكثر ولا بما هو اقل.
فلم هذا السباق في كيل التهم الى المختار واصحابه واصحاب زيد من بين كل الثائرين ؟! وما أظنهم كانوا سيقصرون في اتهام زيد نفسه لو وجدوا فيه مغمزا، ولما اكتفوا بتوجيه التهم الى صاحبه دونه.
ولقد عرضت سابقا لثورة زيد وما خاض فيه الرواة منها وما اثاروه حولها.
وأحاول الآن ان اقف عند بعض التهم التي وجهت الى المختار.
فمن هذه التهم ما قيل عن الملائكة التي كانت تقاتل مع جيش المختار وهي تهمة رددها بشكل او بآخر، غالبية الذين كتبوا عن المختار وثورته(١) .
واحسب ان الوقت قد حان الآن للوقوف عند هذه التهمة ومناقشتها في شيء من الجد، بعيدا عن عواطف الحب والبغض للمختار.
بطل هذه الرواية - التهمة - شخص اسمه سراقة بن مرداس البارقي كان قد وقع اسيرا لدى المختار في احدى معاركه بالكوفة.
وسأترك الطبري يروي لنا حديث سراقة عن ( حرب ) الملائكة هذه التي اصبحت من اخطر التهم الموجهة الى المختار وثورته.
يقول الطبري ( فلما انتهى - يعني سراقة - الى المختار قال له اصلحك الله ايها الامير سراقة بن مرداس يحلف بالله الذي لا اله الا هو لقد رأى الملائكة
____________________
١- تاريخ الطبري ج٤ حوادث سنة ٦٦ه- ص٥٥، ومن الطريف أن نذكر أن ابن سراقة هذا، المدعو سليمان بن سراقة هو الذي وشى بزيد بن علي لدى يوسف بن عمر الثقفي فبعث يوسف بطلبه عند الرجلين اللذين وشى بهما ابن سراقة وأتى بهما فضربت أعناقهما وحين بلغ الخبر زيداً خاف أن يؤخذ عليه الطريق فتعجل الخروج قبل الأجل الذي كان بينه وبين أصحابه ( مقاتل الطالبيين ص١٣٥ ).
تقاتل على الخيول البلق بين السماء والارض فقال له المختار فاصعد المنبر فأعلم ذلك المسلمين فصعد فأخبرهم بذلك ثم نزل فخلا به المختار فقال اني قد علمت انك لم تر الملائكة وانما اردت ما قد عرفت الا اقتلك فاذهب عني حيث أحببت ولا تفسد علي أصحابي ).
ثم يضيف سراقة لتأكيد ما شاهده اوبالاحرى ما كذب فيه ( ما كنت في ايمان حلفت بها قط اشد اجتهادا ولا مبالغة في الكذب مني في ايماني هذه التي حلفت لهم بها اني قد رايت الملائكة معهم تقاتل.. )(١) .
واول ما يرد من سؤال هو، من الملوم في هذه الرواية او التهمة على افتراض صحتها، ومن اولى بالذم فيها وأحق ان يرمى بالكذب. أهو المختار ؟ أم سراقة الذي لم يترك يميناً يمكن ان يطمئن اليها مسلم الا حلف بها انه راى الملائكة تقاتل كما يعترف هو ؟
أيبرأ سراقة الكاذب ويتهم المختار المكذوب عليه ؟!
أكان المؤرخون سيقبلون هذا لو حصل مع غير المختار وثورة غير ثورته ؟!
ومع ذلك فلنعد الى بداية حديث الملائكة، لنرى موقف المختار: ماذا كان، مما اورده واقسم عليه سراقة.
لقد قال المختار بلهجة الواثق من كذبه فيما يرويه ( اني قد علمت انك لم تر الملائكة وانما اردت ما قد عرفت الا اقتلك فاذهب عني حيث احببت ولا تفسد علي اصحابي ).
____________________
١- ديوان الأخطل.
فالمختار لم يكن غير مؤمن فقط بمشاركة الملائكة ولا معتقد لها، وانما كان يرفض هذا ويحاربه، ويرى ان القول به يضر بأصحابه ويفسد عليهم عقيدتهم ويدخل فيها ما ليس منها، وحربهم واضحة، واهدافهم فيها واضحة. ولهذا يطلق سراحه ويأمره ان يذهب الى حيث أحب. والا لو كان المختار يؤمن بحرب الملائكة معه، او لو انه اراد ان يفيد من هذه الدعوى، لاستبقى سراقة اسيراً لديه واستغله في تثبيتها بين انصاره وصفوف جيشه، وكان سراقة مستعداً ان ينفذ كل ما يطلبه منه مقابل الابقاء عليه وعدم قتله.
ولأفترض اخيراً ان المختار قد طلب من سراقة ان يخبر اصحابه برؤيته الملائكة تقاتل معهم على الخيول، وهو ما يتناقض مع عموم النص ومع موقف المختار من سراقة كما رأينا.
فما الذي ينكر على قائد وهو يخوض معارك حاسمة ضد اعداء كثيرين اقوياء، ان يفيد من واحد من اعدائه جاء اليه يقسم بأغلظ الايمان انه راى الملائكة تحارب الى صفه ؟!
فلا المختار قال ذلك او ادعاه، ولا واحد من اصحابه قال ذلك او ادعاه، وانما الذي قاله وادعاه واحد من اعدائه من الذين حاربوه وحملوا السلاح ضده واسروا في قتاله.
أكان يطلب من المختار ان يأمر سراقة بصعود المنبر ليخبر اصحابه ان الملائكة تحارب في صفوف اعدائهم ؟!
ثم ان حديث الملائكة لم يختص به المختار ولا ثورته. فقد سبق لهؤلاء الملائكة ان قاتلوا مع اهل الشام حين نزلوا مددا لهم في صفين كما يقول الاخطل(١) .
ويوم صفين والأبصار خاشعة أمدهم إذ دعوا من ربهم مدد
فما الفرق بين الملائكة الذين رآهم سراقة يحاربون الى جانب المختار، وبين الملائكة الذين نزلوا بصفين مددا لأهل الشام كما يقول الأخطل.
ان أحدا لم يذكر بسوء ولم يتهم الذين قال الأخطل ان الملائكة نزلت مددا وانتصارا لهم في صفين.
أكانت ملائكة صفين من جنس مختلف عن ملائكة المختار ؟! ام ان تلك الملائكة قد حاربت فعلا في صفين، ولم تكن الحرب التي خاضتها ملائكة المختار الا خدعة من خدع المختار هذا ؟!
بل ان من بين الملائكة المقاتلين، كان جبريل نفسه احيانا هو الذي يخوض الحرب ويقود صفوف اهل الشام في حربهم ضد المختار المتهم بأسطورة الملائكة.
اسمع الى عبد الله بن الزبير الشاعر الاسدي، لا عبد الله بن الزبير بن العوام، وهو يهدد المختار واصحابه(٢) :
ثمانون الفا دين عثمان دينهم كتائب فيها جبرئيل يقودها
____________________
١- بفتح الزاي من شعراء الدولة الأموية ومن مداح الأمويين والبيت من قصيدة طويلة تجدها في ترجمته في الأغاني طبعة دار الكتب ج١٤ ص٢١٧ وهذا البيت وبيتان
آخران قبله وبعده ينسبها نصر بن مزاحم في كتابه وقعة صفين إلى أيمن بن خريم الأسدي أنظر وقعة صفين لنصر بن مزاحم تحقيق عبد السلام محمد هارون ط ثانية ص ٥٥٥.
٢- يبدو أن الملائكة خصوصا فرسان الخيول البلق منها كانت كاملة التدريب ومهيأة دائماً للتدخل عندما يطلب منها ذلك فكأنما قوات التدخل السريع الأمريكية هذه الأيام ويبدو أنها دخلت أكثر من حرب قبل حرب المختار وانتصرت فيها. فيروي لنا خليفة بن خياط وهو يتحدث عن غزو المسلمين للقيقان فيما وراء النهر عام ٥٠ه- أن المسلمين بعد انتصارهم على القيقان ساروا أربعة فراسخ فاتوا اقواما متحصنين في قلعة فقالوا ( والله ما انتم قتلتمونا ولا قتلنا ألا رجال ما نراهم معكم الآن على خيل بلق عليهم عمائم بيضاء... ) انظر تاريخ خليفة بن خياط ج١ ص١٩٨.
أفرأيت الى هولاء الملائكة يكونون مع اهل الشام او ضد المختار، فلا احد يذكرهم او يكذب حديثهم، ويكونون مع المختار فهذا هو الكذب الذي توشك القيامة ان تقوم بسببه(١) .
ومن هذه التهم ايضا ما ذكره البغدادي، والأسفراييني ومن على شاكلتهما، من ادعاء المختار النبوة ونزول الوحي(٢) .
واظن لو صح هذا او شيء منه، لكان اسعد واسرع من البغدادي والاسفراييني الى اتهام المختار به، اعداؤه الذين حاربهم وحاربوه وهم اكثر، واتصلت المعارك بينه وبينهم زمنا غير قصير. وكان من بينهم الدولة نفسها ومن يلهث لرضاها من شعراء وخطباء ورواة، وهم لم يعفوا عمن هو افضل من المختار وامس رحما بمحمد.
فهل سمعت احدا من هؤلاء كلهم قد اتهم المختار بشيء من هذا ؟
هل زعم احد منهم ان المختار قد ادعى النبوة ونزول الوحي، بل هل كان سيبقى معه واحد من اصحابه لو صح ما اورده البغدادي والاسفراييني؟!
ان اشد ما اتهم به المختار من قبل اعدائه، انهم كانوا يسمونه ( الكذاب ) وهي تهمة غير محددة ولا واضحة. وليس صعبا ان ترمي بها من شئت ممن تكره، ما دام اللفظ من السعة والشمول بحيث يحتمل الف سبب وسبب يمكنك التعلق بها لتبرير هذه التهمة. فكيف اذا كان هذا الذي تنعته ب- ( الكذاب ) قائدا لجيش ومخططا لعلميات ومعارك يعتبر التمويه والتضليل - ولنقل الكذب - من اهم اسباب نجاحها.
____________________
١- الفرق بين الفرق ص٣١، والتبصير في الدين ص٢٠، والحور العين ص١٨٢.
٢- رغبة الآمل من كتاب الكامل لسيد بن علي المرصفي ج٨ ص١٨ و١٩ وأبيات أخرى غير هذا البيت في تسمية المهلب بالكذاب.
وماذا تعني مقولة ( الحرب خدعة ) غير اجازة الكذب فيها ؟.
وما رأيك ان القائد الكبير المهلب بن ابي صفرة كان يدعى ( الكذاب ) وربما ( صنع الحديث ) ليشد به أمر المسلمين كما يقول المبرد. وكان قوم من قبيلته الأزد اذا رأوه رائحاً لهم قالوا راح المهلب ليكذب حتى قال أحدهم:
أنت الفتى نعم الفتى لو كنت تصدق ما تقول(١)
وهذا ما يؤكده ابن قتيبة حين يذكر ( وفيه - يعني المهلب - قيل راح يكذب )(٢) ثم يكرره مع بيتي شعر في ذم المهلب والإشارة الى كذبه(٣) .
أفكان كذب المهلب يختلف عن كذب المختار فيذم به هذا ويمدح ذاك، ولم يبلغ الكذب بالمختار حد وضع الاحاديث على الاقل، ولم يقل لنا الذين اتهموه فيم كان كذبه واين ؟
ثم مَن من القادة والرؤساء قد سلم من وصف مذموم اطلقه عليه اعداؤه، وقد سميت فرق اسلامية كاملة يهوداً ومجوساً و و..؟!
هذا عبد الله بن الزبير كانوا يسمونه الملحد.
وقد بلغ من شيوع هذه التسمية ان يقول عبد الملك بن مروان للشاعر ابي العباس الاعمى حين دخل عليه في مكة عند حجه ( اخبرني بخبر الملحد المحل )(٤) .
ويقول حميد الأرقط في أرجوزة له يعرض بابن الزبير ( ليس الامير بالشحيح الملحد )(٥) .
____________________
١- المعارف لابن قتيبة ص٣٩٩.
٢- عيون الأخبار له أيضاً طبع دار الكتب العلمية - بيروت تحقيق الدكتور يوسف الطويل ج٢ ص٣٢، وشرح نهج البلاغة ج٤ ص١٥٠، وابن الأثير ح ٤ ص١٨.
٣- الأغاني طبعة دار الكتب المصرية ١٩٦١ تحقيق مصطفى السقا ج٦ ص٣٠٤ ترجمة أبي العباس الأعمى وتتكرر تسمية عبد الملك لابن الزبير بالملحد عندما يلقي الشاعر أبا صخر الهذلي بعد مقتل ابن الزبير فهو يقول له ( لم يخف علي خبرك مع الملحد ) ( الأغاني ج٢٤ ترجمة عبد الله بن صخر ).
٤- بالتصغير ابن مالك بن ربعي التميمي أحد الشعراء الرجاز في العصر الأموي وسمي الأرقط لآثار كانت بوجهه، أنظر: رغبة الامل شرح الكامل ج٢ ص ١٣٢، وخزانة الأدب تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون ط ثانية ١٩٨٤ ج٥ ص٣٩٣ و٣٩٥ وأمالي القالي ط ثانية دار الجيل بيروت ١٩٨٧ ج٢ ص١٧.
٥- الفرق بين الفرق ص٣٤.
وعامر بن وائله الكناني يحدو وهو يسير بين يدي محمد بن الحنفية (... لا ابن الزبير السامري الملحد )(١) .
بل ان التسمية امتدت لتشمل ايضا اصحاب عبد الله بن الزبير حتى قال جرير(٢) :
دعوت الملحدين ابا خبيب جماحاً هل شفيت من الجماح
وقال سعيد بن عبد الرحمن(٣) :
أتاني بان الملحدين توافقوا على قتلها لا جنبوا القتل والسلب
وقال عبد الله بن الزبير الاسدي من شعراء الامويين:
وقد فر عنه الملحدون وحلقت به وبمن آساه عنقاء مغرب
فهل كان ابن الزبير ملحداً حقاً، وهل كان انصاره والثائرون معه ملحدين حقاً، هم ايضا اذا قبلنا وصفه هو بذلك ؟
وكنية عبد الله بن الزبير الثانية ( ابو خبيب ) ماذا تعني غير الخب وهو الخداع والخبث والكذب ؟
وربما اضيف ان ابن الزبير نفسه كان يصف ما بينه وبين المختار فيقول ( الى متى اماكر كذاب ثقيف ويماكرني )(٤) فهو يعرف انه يماكر المختار أي يخادعه ويكذب عليه.
____________________
١- ديوان جرير وترجمته في الأغاني طبعة دار الكتب المصرية ١٩٣٥ ج٨ ص٦٧. وهذا البيت من قصيدة جرير المشهورة في مدح عبد الملك بن مروان حين وفد عليه والتي يقول فيها:
( ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح )
٢- ابن حسان بن ثابت من شعراء الدولة الأموية والبيت من قصيدة طويلة قالها عندما قتل مصعب بن الزبير أخو عبد الله بن الزبير عمرة بنت النعمان بن بشير بعد أن رفضت اتهام زوجها المختار بما أرادوا اتهامه به انظر: تاريخ الطبري ج٦ حوادث سنة ٦٧ ه- ص١١٣، وانظر ايضا في تسمية عبد الله بن الزبير بالملحد تاريخ الطبري ج٦ حوادث سنة ٦٦ ه- ص٧٥.
٣ - الكامل لابن الأثير ج٤ حوادث سنة ٦٦ ه- ص٥٠.
٤- تاريخ الطبري ج٦ ص١٥١.
وربما اضيف ايضا ان ابن الزبير قد اعتاد الكذب، حتى انه كذب على السيدة عائشة، حين سمعت نباح كلاب الحوأب وهي في طريقها الى البصرة، فأرادت الرجوع وترك القتال بسبب تحذير النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لمن تنبحها من نسائه كلاب الحوأب. فأتاها ابن الزبير وكذب عليها، نافياً ان يكون المكان الذي نبحتها فيه الكلاب هو الحوأب.
وهذا أخوه مصعب بن الزبير، كانوا يسمونه المنافق حتى قال عدي بن الرقاع شاعر أهل الشام في ذلك الحين:
اذا ما منافق أهل العرا ق عوتب ثمت لم يعتب(١)
ولنعد الى تهمة ( الكذاب ) التي الصقت بالمختار. فهل اخبرك ؟ بمن هو اكذب منه ؟
ماذا تقول فيمن عرض زوجتي المختار بعد قتله، على السيف سائلا رايهما فيه، فضعفت احداهما وقد رأت الموت فقالت ( ما نقول فيه الا ما تقولون فيه أنتم ) ناجية بنفسها بجواب لا يتضمن على أي حال اتهامها للمختار كما أرادوا.
وثبتت الثانية وفضلت القتل على الكذب واتهام زوجها بما هو بريء منه فقالت ( رحمة الله عليه انه كان عبدا من عباد الله الصالحين ).
فماذا صنع الفارس العربي !! قائد الجيش المنتصر، مع هذه المرأة المفجوعة التي لا تحمل سيفا ولا رمحا غير شجونها واحزانها بعد مقتل زوجها ؟ لقد اعادها
____________________
١- المصدر السابق نفسه ج٦ ص١١٢ ومروج الذهب ج٣ ص٩٩ - ١٠٠. ويقول ابن عبد ربه في العقد حول قتل عمرة ( أنكر الناس ذلك عليه - يعني مصعباً - وأعظموه لأنه أتى أن الأمير الفارس الزبيري لا يكتفي بقتل النساء فهو يضيف الى هذه المأثرة مأثرة أخرى هي قتل الأولاد صبراً في غير ساحة الحرب مشاركاً بسر بن أرطأة الذي سبقه إليها حين قتل ولدي عبيد الله بن العباس في اليمن فقد قام مصعب ابن الزبير بقتل ولدي حجر بن عدي صبرا وكان معاوية قد قتل من قبل أباهما حجراً الذي يقول فيه الحسن البصري ( أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن منهن الا
واحدة لكانت موبقة... وقتله حجرا ويل له من حجر ويل له من حجر واصحاب حجر ) انظر فيما يخص مقتل ولدي حجر المعارف لابن قتيبة ص٣٣٤.
الى السجن وكتب الى اخيه ( انها تزعم انه - يعني المختار - نبي ) فكتب اليه اخوه بقتلها فاخرجت وقتلت صبرا بالسيف.
ما اظنك الا عرفته. انه مصعب بن الزبير الذي كذب على زوجة المختار فقال على لسانها ما لم تقل، ثم قتلها دون ان ترتكب جرما الا الصدق فيما نقلت عن زوجها.
اما الزوجة القتيلة فهي عمرة بنت النعمان بن بشير الانصاري والتي يقول في قتلها عمر بن ابي ربيعة(١) :
إن من اعجب العجائب عندي قتل بيضاء حرة عطبول
قتلت هكذا على غير جرم ان لله درهما من قتيل
كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول
هذا هو موقف مصعب من امرأة أسيرة لديه قد فقدت الزوج وعدمت الناصر. يطلب اليها ان تكذب على زوجها، فحين ترفض، يكذب هو عليها في كتابه الى اخيه عبد الله ثم يقتلها.
فهل تعرف ماذا فعل قائد جيش المختار في موقف كهذا ؟ وقد انتصر جيشه على جيش الأمويين وفضه، في معركة من أروع ما سجل تأريخ المعارك، هي معركة الخازر التي انعدم فيها التكافؤ عددا وسلاحا بين الطرفين وانكشفت عن مقتل غالبية قواد الجيش الاموي، وبينهم عبيد الله بن زياد راس المشاركين في استشهاد الحسين.
____________________
١- الأخبار الطوال ص٢٩٦.
لقد جاءت زوجة عبيد الله الى ابرهيم بن الاشتر قائد الجيش المنتصر واخبرته بانتهاب ما كان معها، فقال لها كم ذهب لك ؟ قالت: قيمة خمسين الف درهم، فامر لها بمائة الف درهم ووجه معها مائة فارس حتى اتوا بها اباها في البصرة(١) .
وهل تعرف ماذا فعل المختار بعبد الله بن مطيع، والي الكوفة من قبل عبد الله بن الزبير، بعد غلبة المختار على الكوفة واضطرار ابن مطيع الى مغادرتها ؟
سأترك الجواب لأبي حنيفة الدينوري الذي يروي ما حصل بقوله " فلما رأى ابن مطيع ضعفه عن القوم سأل الأمان على نفسه ومن معه من اصحابه فأجابه المختار الى ذلك فأمنه.
فخرج ابن مطيع واظهر المختار اكرامه وامر له من بيت المال بمئة الف درهم وحفظ فيه قرابته من عمر بن الخطاب وقال له: ارحل اذا شئت )(٢) .
ولم يكن ذلك من المختار موقفاً فريداً أملته ظروف خاصة وانما كان سلوكاً عاماً له ولثورته.
استمع اليه وهو يوصي ابراهيم بن الاشتر في الكوفة (... ولا تقاتل أحداً وأنت تستطيع الا تقاتل واحفظ ما أوصيتك به الا ان يبدأك أحد بقتال )(٣) .
ثم استمع اليه وهو يوصي ابن الاشتر هذا عند توديعه لقتال اهل الشام "... خف الله في سر أمرك وعلانيته... "(٤) .
فالمختار لا يكتفي من قادته وولاته برضا الناس عن اعمالهم، مع حاجته لذلك عاملاً مهماً من عوامل النصر وهو يخوض حرباً، وانما يريد ان تكون
____________________
١- المصدر السابق ص٢٩٢.
٢- تاريخ الطبري ج٦ ص٢١ وابن الأثير ج٤ ص٣٢.
٣- تاريخ الطبري ج٦ ص٨٢، وابن الأثير ج٤ ص٥٧.
٤- الطبري ج٦ ص٣٢.
اعمالهم هذه صادرة عن نية صادقة وايمان عميق بالله وخوف منه وطلب رضاه في السر والعلن قبل رضا الناس. فهو لا يسمح ان يدفع ثمن النصر من دينه وخلقه.
واظن في صيغة البيعة التي بايع الناس المختار على اساسها ما ينفي كل ما سبق ان اتهم به فلقد جاءت البيعة بالصيغة التالية ( تبايعوني على كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء اهل البيت وجهاد المحلين والدفع عن الضعفاء وقتال من قاتلنا وسلم من سالمنا والوفاء ببيعتنا لا نقيلكم ولا نستقيلكم )(١) .
فهل كان في بيعة المختار هذه ما يمكن عده غلواً او مروقاً من دين او ادعاء لنبوة او ممارسة لمخاريق او قولاً برجعة.
وهل كان في سلوك صاحبها الذي راينا ما يمكن عده كذلك او ما يقرب ان يكون كذلك ؟!
اراني قد اطلت في الحديث عن المختار. وما كنت لأفعل لو لا شعوري ان هذا الرجل قد ظلمه التاريخ وتجنى عليه المؤرخون ورموه بما لم يفعل ونسبو اليه ما لم يقل.
افلا يستحق اذن ان نرفع عنه الظلم الذي لحقه كل هذه السنين فنعامله معاملة الثوار على الظلم ولا نجمع عليه ظلما جديدا كان هو حرباً عليه وعلى اصحابه ؟
____________________
١- اما الأيجي عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد ت ٧٥٦ه- فيجعل الشيعة ثلاثة أصناف: الغلاة والزيدية ثم الإمامية الذين يجعلهم فرقة واحدة جامعة لكل الفرق من غير الغلاة وغير الزيدية مخالفا بذلك كل المؤلفين الآخرين في الفرق. شرح المواقف للجرجاني ط دار الطباعة ١٣١١ه- ج٣ ص٢٨٦.
فرق الرافضة:
يضم اسم الرافضة عند غالبية المؤلفين في الفرق والمذاهب، كافة الفرق التي يعدها شيعية، من إمامية وكيسانية وزيدية وغلاة.
هذا ما جرى عليه الملطي والغدادي والرازي والمقريزي والأسفراييني، بالنسبة للإمامية والكيسانية والزيدية.
أما الأشعري فيجعل اسم الرافضة في مقابل الزيدية والغلاة، جامعا تحته كل الفرق التي يعدها شيعية خارج هذين الصنفين.
ولأننا أفردنا للزيدية وللغلاة فصلا خاصا بكل منهما، فسنحاول الآن ان نبحث فرق الرافضة من الإمامية والكيسانية، برغم ان اسم الرافضة يشمل غير الإمامية وغير الكيسانية كما قلنا(١) .
ولكن علي ان اقف قبل ذاك عند نقطتين اساسيتين، تتعلق اولاهما بهذا التناقض الواضح بين تسمية الرافضة - نسبة الى رفض زيد لمن يأخذ بالرواية التي سبق الحديث عنها في التسمية - وبين اعتبار فرق الكيسانية من الرافضة. ذلك ان فرق الكيسانية هذه، والكيسانية نفسها التي ارتبطت بالمختار المقتول عام ٦٧، قد سبقت ثورة زيد وولادة زيد. فكيف تسمى فرقة او فرقا باسم شخص لم يكن قد وجد بعد عند نشوئها وقيامها(٢) ؟!
هل تستطيع ان تسمي الذين خرجوا على علي وقاتلوه في الجمل قبل صفين والتحكيم خوارج لمجرد انهم شاركوا هؤلاء في حمل السلاح والقتال ضد
____________________
١- ويزيد ابن حجر في الإصابة قائلا ( ويقال انه - يعني المختار - كان في أول أمره خارجياً ثم صار رافضيا ).
فأبن حجر لا يريد ان يفلت المختار من غير تجريح او اتهام لكنه لا يملك ما يثبت ذلك فيلجأ الى ما يلجأ اليه امثاله دائما حين يعوزهم الدليل على ما يريدون اتهام الناس به وهو لفظ ( يقال ) او ( قيل ) او ( روي ) او ما شابه.
ولهذا تراه هنا يطوف بالمختار على الفرق مبتدئا بالخوارج ومنتهيا بالروافض ليذم المختار ويظهر تلونه وتقلبه بين أقصى طرفين بالنسبة لعلي: الخوارج والروافض وكل منهما مطعون فيه ولا ينسى طبعا أن يمر في الطريق على الزيدية محطة من محطات المختار.
كل ذلك وهو لا يملك من وسائل الإثبات إلا ( يقال ) صادقا فيها أو غير صادق وما أكثر ما أجرمت هذه اللفظة وما أكثر ما شوهت من تأريخنا.
ومع ذاك فكيف فات ابن حجر أن لا الزيدية ولا الروافض كانوا قد وجدوا في زمن المختار الذي قتل قبل وجودهم بأكثر من نصف قرن. وعلى كل فيبدو أن ابن حجر لم يكن الأول في هذا الخلط فقد سبقه إليه ابو العباس المبرد في كامله حيث تجد هناك الصيغة نفسها التي ترد عند ابن حجر. وهكذا فليكن التاريخ !! انظر الإصابة ط دار الكتب العلمية بيروت ج٦ ص١٩٩ ترجمة المختار رقم ٨٥٣٩، ورغبة الامل من كتاب الكامل لسيد بن علي المرصفي ج٧ ص٢٠٥.
٢- مقالات الإسلاميين ج١ ص٨٧.
علي ؟ هذا اذا قبلنا ان الكيسانية يشاركون في آرائهم فعلا من يسميهم المؤلفون السابق ذكرهم بالرافضة.
هذه احدى النقطتين وهي كما ترى لا تحتمل اعتذاراً ولا تفسيراً.
اما الاخرى فان فرق الرافضة، وهي في الاصل فرق الشيعة كما يفترض، لا بد ان تنطلق بهذا الوصف من تفضيل علي والولاء له وتقديم اهل بيته والائتمام بهم. والا فانك لن تكون امام فرق من الشيعة بله الرافضة.
واظن هذا ما لا خلاف فيه، لكن الذي سنلاحظه ان بعض هذه الفرق ( الشيعية الرافضية ) لا تمت لعلي ولا لآل علي بأية صلة غير البغض والعداء.
وأصل بعد الى هذه الفرق لأتناولها على انفراد، دون ان يعني ذلك أنني سأتناولها كلها فهذا شأن الكتب المؤلفة اساسً في الفرق. وأنا لم أرد ذاك ولم أقصد اليه. وليس كتابي هذا من كتب الفرق، وانما هو ملاحظات على بعض ما ورد في كتب الفرق كما قلت.
وأبدأ بهذه الفرق كما وردت في مقالات الاسلاميين للأشعري، بوصفه من اقدم من ألف في المقالات والفرق، وهو نفسه مؤسس مذهب.
والرافضة عند الأشعري أربع وعشرون فرقة(١) .
وأجد أن الفرق من الرقم(٢) الى(٥) لا تصلح ان تؤلف فرقاً، اوعلى الأقل لا تصلح ان تبحث فرقاً متميزة. فبين الثانية والثالثة منها ينحصر كل الخلاف في من كان الموصي بالإمامة لابن الحنفية، هل هو أبوه علي أم أخوه الحسين، مع الاتفاق على إمامة محمد. وما أظن هذا وحده، ومهما كانت أهميته،
____________________
١- مقالات الإسلاميين ج١ ص٨٩، والفرق بين الفرق ص٢٦، والملل والنحل ج١ ص١٤٧، والتبصير في الدين ص١٨، وخطط المقريزي ج٤ ص١٧٤.
بقادر على تأسيس فرقة مستقلة. فليس هناك أي حديث او ذكر لعقيدة هاتين الفرقتين سياسياً او دينياً، اصولاً او فروعاً. بحيث تستطيع ان تتبين بم صارت ههذه فرقة وتلك فرقة اخرى.
وهل كانت ستقوم فرقة ثالثة لو ادعى مدع ان الحسين، لا علي ولا الحسين، هو الذي أوصى لمحمد بالإمامة.
ثم ما هي العلاقة بين هاتين الفرقتين اللتين لا تختلفان الا في مصدر النص. مع ان المنصوص عليه عندهما واحد لم يتغير، وعقيدة الطرفين فيه واحدة.
وبعد هذا فما الذي يربط هاتين الفرقتين بالمختار وثورته التي يريد الكتاب ان يسموها كيسانية، لإضعاف طابعها السياسي، ويوزعوها فرقاً لا يعرفها المختار ولا يربطها بثورته الا تصاله واتصالها بمحمد بن الحنفية(١) .
ولو قدر لي ان اعيد تصنيف الفرق التي يسميها الكتاب كيسانية، بملاحظة علاقتها بثورة المختار التي اعطوها هذا الاسم، لما وصلت واحدة منها بالمختار وثورته، ولأسميتها باسم محمد بن الحنفية او اسم ابنه ابي هاشم. فلم تكن ثورة المختار ثورة فرق مذهبية. مع اني لا ارى اية فرق واية مذاهب غير اسماء قيل انها تمثل فرقاً ومذاهب.
اما الرابعة والخامسة منها فهما وان كانتا تتفقان في دعواهما ان محمد بن الحنفية حي مقيم بجبال رضوى، وان عنده عينين من عسل وماء ويقوم على حراسته اسد ونمر(٢) الا ان الخامسة تجرم امامها ابن الحنفية وتجعل وجوده هناك عقوبة له. فكيف يمكن ان تعد من الرافضة الكيسانية، القائلة بامامة محمد
____________________
١- مقالات الإسلاميين ج١ ص٩٠، ٩١ والفرق بين الفرق ص٢٧، والملل والنحل ص١٥٠، والتبصير في الدين ص١٨.
٢- أنظر تفصيل الأسباب التي حبس من أجلها ابن الحنفية في جبال رضوى ص٣٤ من الفرق بين الفرق كما يوردها البغدادي لكنه يضيف انه - ابن الحنفية - المهدي المنتظر ولا ادري كيف يكون مهديا ومنتظرا من تبلغ به معاصيه حد الحبس في الجبال وانظر كذلك التبصير في الدين ص٢٠.
ابن الحنفية كما يزعمون، فرقة تجعل امامها عاصيا مجرما ووجوده في رضوى عقوبة له على ما اقترف من معصية وما ارتكب من جرم(١) ؟!
انك تستطيع ان تطلق على هذه الفرقة اية تسمية شئت الا الكيسانية. فهذا ما لا تستطيعه وما لا يجوز لك، الا اذا جاز ان تسمي الخوارج علوية مثلاً.
وما دام وجود ابن الحنفية في جبال رضوى كان لمعصية ارتكبها عند هذه الفرقة. فما أظن الأسد والنمر قد وضعا لحراسته خوفا عليه من الأعداء، وانما لحراسته خوفا من هربه قبل الحكم عليه.
وعلى كل فأنا ارثي لحال هذين الحارسين اللذين لم يرتكبا أيه معصية ليعاقبا، هما ايضا بالبقاء في جبال رضوى، وليكون طعامهما اليومي العسل فقط يشاركان فيه ابن الحنفية، فربما كانا يفضلان شيئاً. آخر لغذائهما غير العسل، خصوصا وانهما من الحيوانات المفترسة بل سادة هذه الحيوانات وقادتها.
ثم ان ما لاحظناه بالنسبة للفرقتين السابقتين (٢، ٣ ) نلاحظه هنا ايضا. فليس منم حديث او ذكرلعقيدة او رأي، ولا لموقف من الماضي واحداثه او من عصرهم واحداثه، غير وجود محمد بن الحنفية في جبال رضوى بسبب خفي لا يعلمه الا الله او عقوبة له على جرائم ارتكبها.
فهل هذا هو مفهوم الفرقة عند اصحاب المقالات والمؤلفين في الفرق ؟!
انني لم اجد حتى الان فرقا دينية ولا سياسية ولا اشخاصا معروفين من قادة هذه الفرق واتباعها، غير اسماء قليلة جدا نصادفها احيانا هنا او هناك،
____________________
١- هو عند النوبختي ابن كرب لا أبو كرب وينسب النوبختي إليه القول إن ابن الحنفية غائب في مكان لا يعلم أين هو دون ذكر للأسد والنمر أما القول في إقامة ابن الحنفية بجبال رضوى والأسد والنمر فينسبه النوبختي إلى فرقة أخرى غير أبي أو ابن كرب انظر فرق الشيعة ص٢٥ و ٢٦.
وبعضها لا نكاد نعرف عن اصحابها شيئا. فانا لم اعرف من اسماء هؤلاء اكثر من اثنين او ثلاثة او اقل، بينهم ابو كرب الضرير الذي لا اعلم عنه ولا عن اتباعه وانصاره، غير عيني العسل والماء، وغير الاسد والنمر شرطيي الحراسة لابن الحنفية خوفا عليه او خوفا منه(١) .
ولأفترض ان هؤلاء الاشخاص قد وجدوا حقا، وانهم اعتقدوا ما نقل عنهم الرواة حقا، فكيف اصبحوا فرقا اولا، وكيف جاز ان نبحثهم ونبحث معتقداتهم ضمن الكيسانية، وهي ثورة سياسية كما راينا. ان كان قد رافقها طابع ديني، فما ذاك الا لان هذا الطابع كان مرافقا لثورات ذلك العصر، فلم يتخلف عن أي منها ولم تتخلف عنه.
ان اقصى ما يمكن ان نسمي به هذه الظاهرة ( الفرق ) انها كانت مجرد نوبات مرض او جنون فردية، دفعت اليها ظروف ذات طبيعية فردية. ومن الخطأ ان نعممها ونجعل منها فرقا ومذاهب تتجاوز هذه الحدود الفردية.
ولذلك سرعان ما انتهت. لأنها لم تقم اصلا، او لأنها لم تملك الحد الادنى لما يجب ان تكون عليه الفرق. ولو ملكته لكان لها شأن آخر كباقي فرق المسلمين.
انتهت تلك ( الفرق ) وبقيت الاثنا عشرية والزيدية والمعتزلة والخوارج وبقيت فرق اخرى غير هؤلاء. والسبب ان هذه فرق ولم تكن تلك فرقا.
اما الفرقة التاسعة من الرافضة عند الأشعري، فيمكن تقسيمها قسمين(٢) :
____________________
١- يلاحظ أن الأشعري ينتقل من رقم (٦) الى رقم (٨) تاركا رقم (٧) فراغا دون أن يخصصه لفرقة ما.
٢- الغريب أن الأشعري يعالج هؤلاء كلهم مع ما بينهم من اختلافات كبيرة كفرقة واحدة ولكنه يعد الذين أعطاهم رقم ( ٢و٣) من فرق الرافضة، فرقتين مستقلتين برغم أن ليس هناك ما يميز بينهما إلا مصدر النص على إمامة محمد بن الحنفية هل جاء من علي مباشرة أو من ابنه الحسين وعلى كل فان الرزامية ينفون مقتل ابي مسلم عند الأيجي في المواقف خلافاً لما يذهب إليه الأشعري أنظر شرح المواقف للجرجاني ط١٣١١ ج٣ ص٢٨٨.
١ - القائلين بان ابا هاشم بن محمد بن الحنفية قد اوصى بالامامة الى محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس، وان محمداً هذا قد اوصى بها الى ابنه ابراهيم ( الامام ) ومن ابراهيم انتقلت الامامة بالأسلوب نفسه الى السفاح فالمنصور، كل يوصي بها لمن يليه.
ولا يعطيهم الاشعري اسماً معيناً غير رقم(٩) في فرق الرافضة كما رأينا.
٢ - القائلين ان الوصية بالامامة للعباسيين جاءت اصلاً من النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي نص على العباس بن عبد المطلب ( جد العباسيين ) ونصبه اماماً، ثم تسلسلت الامامة في ابنائه بالاسلوب السابق نفسه حتى وصلت محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ومن بعده.
وهؤلاء هم الذين يسميهم الأشعري بالراوندية الذين افترقوا في امر ابي مسلم كما يقول الى: أ - رازمية اصحاب رجل يقال له رازم وهم يثبتون موت ابي مسلم. ب - الأبي مسيلمة ويزعمون ان ابا مسلم حي لم يمت ( ويحكى عنهم - بتعبير الاشعري - استحلال لما لم يحلل لهم اسلافهم )(١) .
وهذا التقسيم الذي اخذ به الاشعري للقائلين بإمامة محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ولأبنائه من بعده يتفق فيه غالبية الذين كتبوا في الفرق.
فالرازي في ( اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ) يأخذ به ايضا حين يتحدث عن ( الهاشمية ) نسبة الى ابي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، و ( الراوندية ) فلا يميز يينهما الا بأن الأولين ( يزعمون ان الامام بعد محمد -
____________________
١- ( اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ) ص٦٣ ويدعوهم الرازي أتباع ( أبي هديدة ) بالدال المهملة بينما هم عند النوبختي ( الهريرية ) بالراء لا بالدال وقد يكون الاختلاف في ذلك من عمل النساخ وعلى كل فليس هناك من علاقة بين هؤلاء ( الراوندية ) وبين احمد بن إسحاق الريوندي الزنديق المشهور.
يقصد ابن الحنفية - هو ابو هاشم بن عبد الله بن محمد وهم يقولون انه قد مات واوصى بالخلافة الى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.. " بينما يدعي الاخرون ( الراوندية ) ( ان الامامة كانت اولاً حقا للعباس ) وان كان الرازي لا يصرح هنا بأن حق العباس في الامامة جاء بنص من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كما يفعل الاشعري(١) .
وتجد الاتجاه نفسه عند النوبختي في ( فرق الشيعة ) فهو كذلك يوزع القائلين بحق العباسيين في الامامة فريقين: أ - الذين يقولون ان ابا هاشم بن محمد ابن الحنفية اوصى بالامامة الى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، واوصى بها محمد الى ابنه ابراهيم، وهكذا بالتتابع. ب - والذين يقولون ان الامامة هي للعباس عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . وهؤلاء عنده فئة محدودة من الراوندية يسميها ( الهريرية ) وهم العباسية الخلص الذين غلوا في العباس وولده كما يعبر النوبختي عنهم.
لكن النوبختي يعود للموضوع فيما بعد ليقرر ان الغلاة من ( العباسية ) فرقتان: ( الهاشمية ) اصحاب ابي هاشم بن محمد بن الحنفية الذي اوصى بالامامة الى محمد بن علي، والذين يقولون ان الامام عالم بكل شيء، وهو بمنزلة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في جميع اموره، ومن لم يعرفه لم يعرف الله وليس بمؤمن، بل هو كافر مشرك.
والفرقة الثانية تقول ان الامام عالم بكل شيء، وهو الله ويحيي ويميت، وادعت ان ابا مسلم نبي مرسل يعلم الغيب، والذي ارسله ابو جعفر المنصور.
____________________
٢- فرق الشيعة ص٢٩، ٤١، ٤٢، ٤٦.
وهذه الفرقة هم اصحاب عبد الله الراوندي، وشهدوا ان المنصور هو الله.
ولا ندري ان كانت هذه الفرقة عند النوبختي هي فرقة رابعة من الراوندية غير فرقها الثلاث التي سبق ان تحدث عنها في ص ٤١ والتي هي عنده هناك ثلاث: الأبو مسلمية الذين ادعوا امامة ابي مسلم وقالوا انه حي لم يت والهريرية الذين غلوا في العباس وولده، والرزامية اصحاب رزام كما يذكر.
ويبدو لي ان النوبختي لم يكن موفقا في عرض الموضوع، والا لما احتاج الى بحثه في اربعة اماكن، وكان يستطيع ان يكون اكثر وضوحا واحكاما واختصارا لو انه حصره في مكان واحد، ليكون الرجوع اليه والاحاطة به اسهل وايسر لمن اراد، مع تجنب هذا الاضطراب الذي وقع واوقعنا فيه(١) .
اما الشهرستاني فلا يذكر اسم الراوندية حين يعرض لاختلاف اصحاب ابي هاشم بعد موته، ولكنه - كما يبدو - يجمع بين الوصية بالامامة من ابي هاشم هذا وبين حق العباسيين فيها اصلا اذ يقول ( واوصى - يعني ابا هاشم - الى محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس وانجرت في اولاده الوصية حتى صارت الخلافة الى بني العباس قالوا ولهم في الخلافة حق لاتصال النسب وقد توفي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعمه العباس اولى بالوراثة )(٢) .
ويخالف البغدادي في ( الفرق بين الفرق ) كلا من الاشعري والرازي والنوبختي عند معالجته لهذا الموضوع، فهو يطلق اسم الراوندية على الذين قالوا بنص ابي هاشم على امامة محمد بن علي بن عبد الله بن العباس لا على الذين قالوا بحق العباس فيها ابتداء(٣) .
____________________
١- الملل والنحل ج١ ص١٥١.
٢- الفرق بين الفرق ص١٥٥ مع ملاحظة ما سبق أن قلناه من أن، النوبختي ينسب الى الهريرية فحسب من الراوندية القول بحق العباس في الإمامة.
٣- مروج الذهب ج٣ ص٢٣٦.
ومن ناحية ثانية، فليس بين الراوندية عند البغدادي، من يسميهم الاشعري والنوبختي ب- ( الأبي مسلمية والرزامية. فالبغدادي يتحدث عن هؤلاء عند تعرضه لأصناف الحلولية في الفصل العاشر من الفرق بين الفرق وبوصفهم غلاة في ابي مسلم قائلا ( واما الرزامية فقوم بمرو افرطوا في مولاة ابي مسلم صاحب دولة بني العباس وساقوا الامامة من ابي هاشم اليه ثم ساقوها من محمد ابن علي الى اخيه عبد الله بن علي السفاح ثم زعموا ان الامامة بعد السفاح صارت الى ابي مسلم واقروا مع ذلك بقتل ابي مسلم وموته الا فرقة منهم يقال لهم ابو مسلمية افرطوا في ابي مسلم غاية الافراط وزعموا انه صار لها بحلول روح الاله فيه وزعموا ان ابا مسلم خير من جبريل وميكائيل وسائر الملائكة وزعموا ايضا ان ابا مسلم حي لم يمت... ).
ونص البغدادي، كما ترى، مرتبك الصياغة، فانت لا تدري مثلا لمن يعود الضمير ( اليه ) الوارد في بداءة النص. هل هو لأبي مسلم الذي يبدأ النص بالحديث عنه ؟ لكن هذا لم يعاصر ابا هاشم ولم يره لأنه ولد بعد وفاته. ام لمحمد ابن علي الذي لم يسبق له ذكر في النص ليمكن ارجاع الضمير اليه وليستقيم قول البغدادي بعده ؟ ( ثم ساقوها - يعني الامة - من محمد بن علي.. ) فضلاً عن ان محمداً هذا متقدم على ابي مسلم الذي لم يكن في عهده الا شاباً لم يشتهر ولم يكن له اتباع، لا باسم الرزامية ولا باسم آخر. ويعود الغدادي لقول ( ان الامامة بعد السفاح صارت الى ابي مسلم.. ).
على ان ارتباك النص هنا ليس كل شيء. فالبغدادي يخطئ من جهة اخرى بجعله السفاح أخاً لمحمد حين يقول ( ثم ساقوها - الامامة طبعاً - من محمد
ابن علي الى اخيه عبد الله بن السفاح ) ذلك ان السفاح هو ابن محمد بن علي لا اخوه كما ذكر البغدادي.
ملاحظين ان البغدادي قد سبق له ان تحدث عن القائلين بوصية ابي هاشم لمحمد بن علي فسماهم الراوندية لا الرزامية ولا الابا مسلمية.
فاذا انتقلنا من المؤلفين في الفرق الى المؤرخين نجد المسعودي، وهو يتحدث عن راي الراوندية في الخلافة يذكر انهم الذين يقولون ( ان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبض وان احق الناس بالامامة بعده العباس بن عبد المطلب لأنه عمه وواثه وعصبته.. وتبرؤوا من ابي بكر وعمر - رضي الله عنهم ا - واجازوا بيعة علي بن ابي طالب باجازته لها.. )(١) .
فالمسعودي ايضا يرى ان الراوندية يجعلون الامامة حقا للعباسيين، ارثاً من جدهم الذي كان احق بها، لكنه لا يذكر صراحة - شأنه في ذلك شأن الرازي - ان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم نص على امامة العباس كما فعل الاشعري(٢) .
على ان المسعودي يعود في موضع آخر بعد ذلك، فيساوي بين الخرمية والمسلمية ( الأبي مسلمية ) معتبراً الاثنين فرقة واحدة، ليضيف الى ما واجهنا من صعوبات في هذا الموضوع صعوبة جديدة(٣) .
اما الطبري فيقول عن الراوندية عند تعرضه لحوادث سنة ١٤١ه- ( والراوندية قوم فيما ذكر علي بن محمد - كانوا من اهل خراسان على راي ابي مسلم صاحب دعوة بني هاشم يقولون - فيما زعم - بتناسخ الارواح ويزعمون ان روح ادم في عثمان بن نهيك وان ربهم الذي يطعمهم ويشبعهم هو ابو جعفر المنصور وان الهيثم بن معاوية هو جبريك )(٤) .
____________________
١- ولقد رأيت عند ابن النديم ما يمكن عده مفهوماً جديداً للراوندية، مفهوماً سياسيا لهم إذ يقول وهو يتحدث عن محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة (... وكان يجاوره في الدرب الروندي... وكان يجتمع إليه الروندية أبناء الدولة... ).
فهل كانت الدولة العباسية في زمن المنصور أو السفاح قبله قد جلبت بعض الشباب من أقاليمها في الشرق لتجندهم لخدمها كما فعل العثمانيون فيما بعد مع المماليك.
أن أحداً من المؤرخين لم يعرض لهذه النقطة بقدر علمي وعلى كل فلعل هذا وراء غلوهم في العباسيين والمنصور حتى بعد مقتل أبي مسلم ( الفهرست ص٢٨٧ الفن الثاني من المقالة السادسة ).
٢- مروج الذهب ج٣ ص٢٩٢.
٣- تأريخ الطبري ج٧ ص٥٠٥ وابن الأثير ج٥ ص١٢٩.
٤- ففي الطبري بعد النص المتقدم ( قال وأتوا - يعني الراوندية - قصر المنصور فجعلوا يطوفون به ويقولون هذا قصر ربنا... الخ ) وهو ما يظهر أن الراوندية استمروا على غلوهم وولائهم للمنصور بعد قتله أبا مسلم فحادثة القصر التي يشير إليها الطبري كانت عام ١٤١ه- بينما قتل أبو مسلم عام ١٣٧ه-.
وهكذا تجدك امام عدد من الاسئلة يزداد كلما ازددت قراءة ومراجعة. وذلك ان المؤلفين لا يتفقون على راي فيما يخص الموضوع. فهم يختلفون اولاً في من هم الراوندية. هل هم الابو مسلمية والرزامية كما يبد من الاشعري ؟ ام هم الابو مسلمية والرزامية والهريرية كما يقول النوبختي ؟ ام ان الراوندية غير هؤلاء جميعاً ؟ كما يظهر من البغدادي الذي يميز بين الراوندية القائلين بامامة محمد بن علي بوصية من ابي هاشم، وبين الرزامية والابي مسلمية المغالين في ابي مسلم.
وفيمن كان غلو الراوندية هؤلاء. في العباسيين ؟ ام في ابي مسلم ؟ ام في الاثنين معاً ؟
وبعد ما قتل المنصور العباسي ابا مسلم. لأي منهما تجه الغلو ؟ للمقتول، ام للقاتل كما يبدو من الطبري(١) ؟
وما الذي جاء بعثمان بن نهيك والهيثم بن معاوية، وما دورها في كل ذاك ؟
تلك بعض الاسئلة التي لم نجد حتى الان اجابة نطمئن اليها، ولعل البحث سيهدينا يوما الى ما هو افضل واكثر اقناعا. لكن ما هو اهم من هذه الاسئلة كلها. وما اظن القارئ الكريم قد سبقني محقا اليه، وهو يتابع حديث ( العباسية ) وآراءاهم من هاشمية وراوندية وابي مسلمية ورزامية وهريرية. هو علاقة هؤلاء كلهم بالرافضة والشيعة عموما. اليس الشيعة الذين يتحدث عنهم اولئك المؤلفون هم الشيعة الذين نعرف: الشيعة الذين يقول عنهم اولئك المؤلفون انفسهم انهم الذين يتولون عليا وابناءه ويقدمونهم ويفضلونهم.
____________________
١- ويضيف البعض الى اسمه لقبه فيقول الكندي أما الشهرستاني فيسميه عبد الله بن عمرو بن الكندي.
فهل بين كل الفرق التي ذكرنا، من يتولى عليا وابناءه ويقدمهم ويفضلهم بل من لم يشارك في قتلهم وسفك دمهم واضطهادهم؟!
وسأترك ابا هاشم محمد بن الحنفية لأعود اليه فيما بعد واسأل الآن.
أكان الراوندية على اختلاف فصائلهم وتسمياتهم غلاة في علي وابنائه، ام في العباسيين وابي مسلم الخراساني صاحبهم وموطد دولتهم ؟ وهو ما رأيناه عند جميع المؤلفين السابقين.
فكيف جاز لهؤلاء ان يبحثوهم ضمن فرق الشيعة، مع بقائهم على التعريف السابق للشيعة ؟ !
لقد طرحت هذا السؤال على نفسي، كما طرحه القارئ الكريم، ولم اجد جوابا. وما احسبني سأجد الجواب الا بما يسوء اولئك المؤلفين. واظنني الآن اجبت.
الحربية والبيانية:
يقول الاشعري عن الحربية انهم ( اصحاب عبد الله بن عمروبن حرب(١) يزعمون أن ابا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية نصب عبد الله بن عمرو بن حرب اماما وتحولت روح ابي هاشم فيه.. )(٢) .
وهو ايضا ما يقوله الشهرستاني ( وفرقة قالت ان ابا هاشم اوصى الى عبد الله بن عمرو بن الكندي وان الامامة خرجت من ابي هاشم الى عبد الله وتحولت روح ابي هاشم اليه )(٣) .
____________________
١- مقالات الإسلاميين ج١ ص٩٤.
٢- الملل والنحل ج١ ص١٥١.
٣- الفرق بين الفرق ص٢٧ والتبصير في الدين ص١٩ والفصل في الملل والأهواء والنحل ص٥٠.
اما البغدادي فيذكرهم بالقول ( ومنهم من زعم ان تلك الروح - يعني روح الله التي كانت في ابي هاشم - انتقلت من ابي هاشم الى عبد الله بن عمرو ابن حرب وادعت هذه الفرقة الوهية عبد الله بن عمرو بن حرب ).
ويتفق معه في ذلك الاسفراييني كما هي عادته، وابن حزم(١) .
فالحربية اذن هم القائلون بامامة عبد الله بن عمرو بن حرب او بألوهيته.
وقد عرضت لهذه الفرقة في الفصل المخصص لفرق الغلاة بعد هذا الفصل. ولهذا فسأكتفي هنا بملاحظتين، محيلاً فيما عداهما الى ما كتب هناك.
واولى الملاحظتين ان الاشعري يبحث هذه الفرقة ضمن فرق الغلاة الخارجة عن الاسلام طبعاً(٢) . فكيف استجاز بحثها هنا، ضمن الفرق الاسلامية ؟ ولا يمكن لفرقة واحدة ان تجمع في ذاتها صفتين تنفي احداهما الأخرى، كالأسلام والخروج عنه، وتبحث في مكانين خصص احدهما لفرق الاسلام، والآخر للفرق الخارجة عنه.
فأما ان تكون هذه الفرقة من فرق الاسلام فتبحث مع هذه الفرق فحسب. واما ان تكون من الفرق الخارجة عن الاسلام فتبحث مع هذه الفرق.
لكني ارفض ان تبحث الفرقة مرتين: مع المسلمين مرة ومع سواهم مرة اخرى، الا اذا كان الفاصل بين المسلمين وبين غيرهم من الرقة والضعف وعدم الوضوح، بحيث يصعب عليك ان تميز فرقة ما، ان كانت مسلمة او غير مسلمة. او بحيث يمكنك ان تتجاهل، آمناً هذا الفاصل، فتضع اية فرقة شئت في أي مكان شئت.
والملاحظة الثانية، وهي ليست بعيدة عن الاولى، تتعلق بصفة عبد الله بن
____________________
١- مقالات الإسلاميين ص٦٨ ويبحثها ضمن الفرق الخارجة عن الإسلام، البغدادي والأسفراييني وابن حزم.
٢- مقالات الإسلاميين ج١ ص٩٥، ٦٦.
عمرو بن حرب. فهل كان هذا اماماً كما يقول الاشعري والشهرستاني ؟ وان كان حديثهما عن تحول روح ابي هاشم اليه يوحي بأن الموضوع يتجاوز حدود الامامة.
ام انه كان الهاً كما يقول البغدادي والأسفراييني وابن حزم ؟ وما اظن الفرق بين الامام والاله مما يمكن الخطأ فيه !!
وعلى كل فلا ادري ما وجه بحث هذه ( الفرقة ) ضمن فرق الرافضة او الشيعة عموماً: شخص ادعى انه امام او اله، ولأفترض انه وجد بعض الأغبياء والحمقى ممن يصدقونه في دعواه، فما علاقة ذلك بالشيعة، والرافضة منهم على وجه الخصوص، واقصى ما يرميهم به خصومهم، انهم رفضوا ابا بكر وعمر، وليس فيه ما يخرجهم عن الاسلام. بينما تتجاوز دعوى الالوهية الاسلام والمسلمين، شيعة وغير شيعة.
وما يصدق على الحربية، يصدق كذلك على البيانية الذين يبحثهم الاشعري مع الرافضة من الشيعة مرة، ومع الغلاة الخارجين عن الاسلام مرة اخرى(١) والذين سنعرض لهم ايضاً عند الحديث عن فرق الغلاة.
الصنفان الثاني عشر والثالث عشر من الرافضة:
ففي الصنف الثاني عشر يقول الاشعري انهم ( يزعمون ان الامام بعد ابي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب ).
والأشعري يخطئ هنا فيما لا يقع الخطأ فيه عادة فان علي بن الحسين توفي عام ٩٤ه- أي قبل وفاة ابي هاشم عام ٩٩ ه- بخمس سنين فكيف تكون
____________________
١- مقالات الإسلاميين ج١ ص٩٥.
الامامة لعلي بعد ابي هاشم.
اما عن الصنف الثالث عشر ( المغيرية ) فان الاشعري يكرر هنا ما فعله مع الحربية والبيانية حيث المغيرية في فرق ( الرافضة الامامية ) مع بحثهم في فرق الغلاة الخارجين عن الاسلام.
فأنت لا تدري اين مكان هذه الفرقة لدى الاشعري: ضمن فرق المسلمين، ام ضمن تلك الفرق ؟ مع انها كفرقة يفترض ان يكون لها ما يمثل الحد الادنى لما يجب ان تكون عليه الفرق، عقيدة وانصارا، والا لما وجد الاشعري مسوغا للكتابة عنها.
واذا كان هناك خطأ او اجتهاد، فلا يمكن في اية حال ان يكون هذا الخطأ او الاجتهاد في اسلامها او عدم اسلامها.
كيف تستطيع ان تحمل اذن محمل الجد ما يقوله شخص، لا يدري وهو يعرض لفرقة ما - هي المغيرية هنا - أمسلمون هم ام غير مسلمين ؟!
وعلى كل فقد تكلمنا عن المغيرية ضمن حديثنا عن فرق الغلاة. ولهذا فنحن نحيل عليه في مكانه هناك لمن اراد الوقوف على رأينا في هذه الفرقة.
الكاملية:
وهم الذين يكفرون الصحابة ويكفرون عليا معهم. ويضعهم البغدادي ضمن فرق الامامية(١) ، ويبحثهم الآخرون ضمن فرق الغلاة، مؤكدين - كلا الطرفين - ما سبق ان قلنا من عدم وجود ضوابط محددة تحكم تصنيف الفرق، بما يجنبك الخلط والاضطراب كما هي الحال الآن.
____________________
١- الفرق بين الفرق ص٣٥.
٢- المعارف ص٦٢٢، والبدء والتأريخ ج٥ ص١٣٣، والاعلاق النفسية لابن رستة ص٢١٨.
وقد بحثنا هذه الفرقة عند حديثنا عن فرق الغلاة، جريا وراء الغالبية من المؤلفين. فهناك موضعها لمن اراد.
وفي جميع الاحوال فان السؤال الذي لا بد ان نواجهه، هو كيف تتصور فرقة من الشيعة الامامية او من الغلاة - في علي طبعا - وهي تكفر عليا ؟!
وماذا تركت للنواصب والخوارج ؟ !
الخشبية:
ما سمعت باسم هذه الفرقة من الرافضة مرة الا ظننت ان هناك تصحيفاً او خطأ في الاسم، واتهمت نفسي بأنني لم اهتد الى الصواب فيه. ذلك ان الفرق التي مرت والتي ستمر، تحمل في غالبيتها اسماء اشخاص. وانا لم اعرف بين اصحاب الفرق من اسمه خشب لتحمل فرقته اسم ( الخشبية ) نسبة اليه، وان كان العرب قد سموا حجراً وصخراً وما ماثل ذلك.
على ان اتهامي لنفسي لم يطل لحسن الحظ فقد تأكدت من صحة الاسم، ووجدت المؤلفين يفسرون ( الخشبية ) بانهم كانوا يحملون الخشب ويحاربون به بدلاًً من السيوف.
هذا ما يقوله عنهم ابن قتيبة في معارفه ( من الرافضة كان ابراهيم بن الاشتر لقي عبيد الله بن زياد واكثر اصحاب ابراهيم معهم الخشب فسموا الخشبية )(١) .
وتساءلت، ولماذا يحارب هؤلاء بالخشب دون جميع الناس في ذلك
____________________
١- سبق الحديث عن معركة الخازر في بحث الكيسانية ويمكن الرجوع إليها في كتب التأريخ في أحداث سنة ٦٧.
الوقت ؟ اكانوا لا يحسنون الضرب بالسيف كغيرهم من العرب والمسلمين، ام انهم لا يملكون، ام كان الخشب امضى واشد فتكاً من السيف في حروبهم ؟
وتساءلت ثانية: ماذا سيكون اسمهم عند المؤلفين المسلمين لو انهم عدموا الخشب ايضا فلجأوا الى الحجارة يحاربون بها، او اكتفوا بأيديهم فحسب وقد عدموا الحجارة كما عدموا السيف والخشب.
أيكون اسمهم عند ذاك الحجرية او اليدوية. وتنشأ فرقة كاملة من فرق المسلمين، تبحث في كتب الفرق، ويخلق لها زعيم واتباع وعقيدة خاصة مأخوذة من الحجارة او من الايدي، لضاف فيما بعد الى الرافضة طبعاً ؟!
ولكن متى استعمل الخشبية هؤلاء الخشب، وفي اية معركة ؟
يجيب ابن قتيبة بان ذلك كان عندما لقي ابراهيم بن الاشتر عبيد الله بن زياد، اي في معركة الخازر في الموصل بداية عام ٦٧ ه- التي انتهت بهزيمة جيش الشام ومقتل عبيد الله نفسه وقادة جيشه الذي كان اضعاف جيش ابن الاشتر وقد تقدم حديث ذلك(١) .
أيكون الخشب اذن امضى واشد فتكاً من السيف كما قلت فيتنصر حملة الخشب والمحاربون به على حملة السيف والرمح وغيرهما من الاسلحة التي كانت معروفة في ذلك العهد ؟!
ويضحكني اكثر رأي الملطي في تعليل التسمية فهو يقول ( ومنهم صنف قالوا ان علياً افضل الناس كلهم وطعنوا على ابي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وقدموا علياً في الخلافة فصاروا هؤلاء !! بطعنعم وتقديمهم رافضة يقال لهم الخشبية )(٢) .
____________________
١- التنبيه والرد ص١٥٥.
٢- ابن الأثير أحداث سنة ٦٦ ه- ج٤ ص٥٣.
ويذكر ابن سعد الخشبية في ج٥ ص٧٦ في ترجمة محمد بن الحنفية قائلاً ( وحج عامئذ - يقصد عام ٦٨ه- - محمد بن الحنفية في الخشبية معه وهم أربعة آلاف نزلوا في الشعب الأيسر من منى ) وإذا كان ابن سعد يقصد الذين أرسلهم المختار وأشار إليهم ابن الأثير فان هؤلاء قد جاؤوا الى مكة عام ٦٦ه- في حياة المختار وليس بعد موته الذي يجعله
ابن سعد عام ٦٨ه- مخالفاً فيه الطبري وابن الأثير والمسعودي وغيرهم من المؤرخين الذين يتفقون على أن مقتل المختار كان عام ٦٧ه-.
ثم يعود ابن سعد الى ذكر الخشبية في ترجمة عبد الله بن مطيع ص١٠٩ من الجزء نفسه ولكن دون أن يوضح إن كان يقصد بالخشبية حملة خشب أم فرقة اسمها كذلك.
فأنا لا ادري ما وجه الصلة بين الطعن على الخلفاء وتفضيل علي، وبين الخشب وتسمية هؤلاء بالخشبية ؟
ولا أكتمك، انني ما اردت الضحك يوما الا رجعت للملطي، أقرأ ما كتبه عن الفرق الاسلامية. فأنا لم اجد احمق ولا اكثر تخليطا من هذا الملطي، ولا أجرأ على الخوض فيما لا يحسن - وما اظنه يحسن شيئا - منه. ودونك كتابه لتعرف كم كنت رفيقا به حين اقتصرت في وصفه على ما قلت.
على ان ابن الاثير له رأي آخر في تسمية الخشبية، فهو يقول ( وانما قيل لهم خشبية لأنهم دخلوا مكة وبأيديهم الخشب كراهة اشهار السيوف في الحرم )(١) . وكان المختار قد ارسلهم لإنقاذ محمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس ومنم معهم من الهاشميين وانصارهم الذين سجنهم عبد الله بن الزبير في سجن عارم لإجبارهم على البيعة له. واوشك ان يضرم فيهم النار لو لا وصول المدد الذي أرسله المختار.
واذا كان رأي ابن الأثير اكثر قبولاً في تفسير التسمية لجماعة امتنعوا عن دخول الحرم مع سيوفهم اجلالا واحتراما للمكان وقداسته. فانه يبقى غير مقبول اذا اراد ابن الاثير ان يجعل من حمل الخشب وترك السيف، لما ذكره من اسباب، علما على فرقة سياسية دينية. وكأن حمل الخشب في نظره عقيدة ومذهب لها.
ويتحدث صاحب الأغاني في ترجمته لأعشى همدان عن حصار المهلب بن ابي صفرة لنصيبين وفيها ابو قارب يزيد بن ابي صخر ومعه ( الخشبية ) وقول المهلب يحرض اصحابه ( يا ايها الناس لا يهولنكم هؤلاء القوم فانما هم العبيد
____________________
١- الأغاني ج٦ ترجمة أعشى همدان.
ويقول المسعودي في مروج الذهب ج٣ ص٩٩ ان الذي سماهم خشبية هو مصعب بن الزبير دون أن يعطي سبباً لذلك وفي هامش الصفحة نفسها ( في نسخة سماهم الحسينية ) في فرق الزيدية يذكر البرسي في مشارق أنوار اليقين ص٢٥٥ فرقة اسمها الخشبية.
بأيديهم العصي )(١) .
وقد هزم اصحاب المهلب: هزمهم ايضا الذين يحملون العصي.
وان كنت أظن المهلب لم يرد في قوله الا تحقير اعدائه والتقليل من شأنهم في عيون اصحابه بتشبيههم بالعبيد - وربما كان بينهم بعض الموالي - وهؤلاء لا يصلحون في نظر العرب لحمل السيف والقتال به وما هو بسلاحهم، وانما سلاحهم العصي والخشب ان احتاجوا الى سلاح.
ما أحسب المهلب كان يقصد شيئا غير هذا.
وما احسب ابا الفرج من جانبه كان يقصد بالخشبية فرقة من اتجاه معين لعدم وجود هذه الفرقة لا في وقته ولا في أي وقت آخر وانما اراد، وقد ساقه الحديث الى هذا الموضع، ان يسمي هؤلاء الذين حاصرهم المهلب، والذين لا يملكون غير العصي. فكيف سيسميهم بغير ( الخشبية ) وهو لا يعرف لهم اسما آخر، وقد سبقه المهلب نفسه وسهل له الطريق الى هذه التسمية حين وصفهم بحملة العصي.
هذا ما اراده ابو الفرج كما اظن، خلافا لابن قتيبة الذي لا يبدو موفقا في تسميته لأصحاب ابراهيم بن الاشتر بالخشبية، لأن اكثرهم كما يقول كانوا يحملون الخشب.
هل يمكن لجيش كجيش ابن الأشتر يخرج لملاقاة جيش اهل الشام او لنقل جيش الدولة الأموية بكل ثقلها في أهم وأخطر معركة وهو لا يملك الا ( الخشب ) يقاتل به ؟! اذن سيؤكل وينتهي في الطريق قبل ان يصل، وقبل ان يلاقي جيش الشام.
غير ان ابا الفرج يعود الى موضوع الخشبية في ترجمة كثير عزة فيقول ان ( خندف الأسدي الذي أدخل كثيراً في الخشبية ) (١٢٣) وهو ما يوحي بأن الخشبية
____________________
١- هكذا ورد اسمه بالفاء بنقطة واحدة في الأغاني طبعة دار الكتب في ترجمة كثير ج٩ ص١٧ وفي طبعة دار الثقافة - بيروت في ترجمة كثير ج٩ ص١٦ لكننا نجد الاسم ( خندق ) بالقاف بنقطتين في الجزء الثاني عشر من الأغاني ط دار الكتب نفسها تحت عنوان ( خبر كثير وخندق الأسدي ص١٧٤ مع قصيدة قافية هذا بيتها الأخير ( واني لجاز بالذي كان بيننا بني أسد رهط ابن مرة خندق ) مما يؤكد أن اسمه خندق بالقاف المثناة من فوق وهو ايضا ما نجده في مختار الأغاني لابن منظور تحقيق الدكتور طه الحاجري ج٦ ترجمة كثير عزة ص٢٣٧.
١٢٣- الأغاني ط دار الكتب ج٩ ص١٧ و ١٩.
قد تحولت هنا في نظر ابي الفرج الى فرقة دينية لا مجرد جماعة تحارب بالخشب.
ثم يعود فيؤكد هذا المعنى ( الفرقي ) في حديثه عن الخليفة عمر بن عبد العزيز(١) .
ويبقى السؤال هو التالي: اذا كان اسم ( الخشبية ) قد جاء فعلاً من ان قوماً كانوا لا يملكون سلاحاً غير الخشب ولا يحاربون الا به فان هذا - على افتراض حصوله - لن يحصل الا مرة واحدة لأنه لن تكون لهؤلاء الا معركة واحدة تنتهي بانتصارهم او نهايتهم والقضاء عليهم فليس من المعقول ان يعود اصحاب العصي الى خوض تجربة جديدة ومعارك جديدة وهم ليس معهم من سلاح يقابلون به اسلحة خصومهم على اختلافها واختلافهم الا العصي التي لا تغني شيئاً من السيف والرمح وغيرهما من الأسلحة التي يعرفها ذلك العصر.
وبالتالي فان معركة واحدة - وان كنت لا اعرفها حتى الآن - هي الصحيحة والتي خاضها ( الخشبية ) وحديث المؤلفين عن معارك مختلفة يجعلون من كل منها اصلاً للتسمية هو حديث غير مقبول.
اما اذا كانت التسمية تستند الى فرقة معينة فان المؤلفين في الفرق والمذاهب قد اخفقوا الى اليوم في ايجاد الصلة بين هذه الفرقة وبين الخشب فهل كان الخشبية مثلا يعبدون الخشب وحده او يصنعون تماثيلهم منه دون غيره من المواد او المعادن.. او.. او ؟
أم أن التسمية كلها ليست الا خطأ في النسخ وان التسمية الصحيحة هي ( الحسينية ) القريبة من ( الخشبية ) فصحفت بفعل بعض الناسخين وحولت من الاولى الى الثانية ؟
وقد يعزز هذا الاتجاه ان كل الجماعات التي اطلق عليها اسم الخشبية ترتبط بشكل او بآخر بالمختار وثورته التي قامت باسم الحسين وللثأر من قتلته.
____________________
١- أنظر فيما يتعلق باسم هذه الفرقة والفرق التي قبلها خطط المقريزي ج٤ ص١٧٧ - ١٧٨.
وان كنت اتمنى الا اكون مصيبا في ذلك فأية كارثة ان يكون جزءَ من تأريخنا الذي ندرسه وندرسه منذ قرون ليس في حقيقته الا خطا في النسخ ارتكبه واحد او اكثر من النساخ الأغبياء.
وبعد الخشبية سأسمح لنفسي ان اطلب مساعدة القارئ الكريم فلعل عنده علماً عن فرق من الرافضة عجزت انا عن معرفتها او معرفة شيء عنها ولكنها بالتأكيد ستزيد العدد الوارد في حديث ( ستفترق أمتي... ) لتزيد في الوقت نفسه من حدة الصراع بين الفرق على احتلال المركز الثالث والسبعين المخصص للفرقة الناجية الا اذا اتفقت هذه الفرق على ان تشغل كل منها جزءً من المكان ولو ببعض الضيق !!.
واعود للقارئ لأسأله عن فرقة اسمها ( الحلوية ) الذين افترض استنادا للتسمية ان من عقيدتهم تفضيل الحلوى وكثرة اكلها او ان لهم اختصاصا في صنعها وعملها.
وفرقة اخرى اسمها ( الشاعية ) وثالثة تدعى ( الخلفية ) ورابعة ( المتربصية ) وخامسة ( الامرية ). وسادسة اسمها ( الحبية ) او (الجبية )(١) وسابعة ( الجمهورية )(٢) وثامنة هي ( الكرنبية )(٣) وافترض ان لهم علاقة ما ب- ( الكرنب ) النبات المعروف فربما كانوا من المختصين بزراعته او طبخه او اكله. وتاسعة او عاشرة واعتذر اذا اخطأت الحساب، تسمى ( الربعية )(٤) ولعل هذه الفرقة لم يكن لينتسب اليها الا من كان اسمه ربيعا اوربيعة او كان من ربيعة القبيلة العربية المعروفة. وبعدها ( قحطبية )(٥) . ثم ( شرامخة ) و ( رمية ) و ( اقحطية )(٦) وأخرى وأخرى...
وثق يا سيدي ان هذه اسماء فرق اسلامية وان الامر جد لا هزل فيه فعقائد الناس ليست مما يحتمل الهزل او يمكن ان يكون موضوعاً له. فهل لديك
____________________
١- التنبيه والرد للملطي ص١٥٠.
٢- البدء والتاريخ ج٥ ص١٢٤.
٣- المصدر السابق الجزء والصفحة نفسها.
٤- المصدر السابق.
٥- المصدر السابق.
٦- المصدر السابق.
عن هؤلاء الشرامخة واصحابهم ما تزودني به فانا لا املك منعلم عنهم غير الاسم الذي يبدو ان المؤلف اكتفى به فلم يرد ان يستكمل اختراعه باختراع عقيدة تناسبه بعد ان استنفدت العقائد المعقولة وغير المعقولة كافة ؟!.
ورحم الله تأريخنا لكم تمنيت ان القاه لأخبره بما فعل ( المؤرخون ) معه.
ثم حلاجية )(١) والمقصود طبعا اصحاب الحسين بن منصور الحلاج وما اظنك تجهل الحلاج والتهم التي وجهت اليه والظروف التي احاطت بمقتله واختلاف الرأي بين المسلمين في شأنه.
فهل رايت اجهل واحمق ممن يجعل الحلاج والحلاجية من فرق الرافضة ؟
و ( مبيضة )(٢) والمبيضة كما يذكر المؤرخون هم انصار الأمويين في مقابل ( المسودة ) انصار العباسيين.
ولأول مرة اعلم ان من بين فرق الرافضة من كانوا من انصار الأمويين ويرفعون شعارهم !!
وكاغدية(٣) والذي اعرفه ان ( الكاغدي ) بالدال المهملة هو ابو عبد الله الحسين بن علي بن ابراهيم المعروف بالجعل من رجال المعتزلة وكان كما يقول ابن النديم ي الفهرست(٤) على مذهب ابي هاشم ( يقصد الجبائي الابن من كبار رجال المعتزلة ورئيس واحدة من فرقهم ).
ولا استغرب ان يقفز الكاغدي فيطيل القفز ليصبح رئيساً لإحدى فرق الرفض بعد ان كان شيخاً من شيوخ المعتزلة لكن الذي استغربه ما الذي منع صاحب الخطط وصاحب البدء والتاريخ من الاستمرار في ذكر مئات وحتى الوف من الفرق الأخرى ذات الأسماء المشابهة، ونسبتها الى الرافضة، وامامهما ثمانية وعشرون من حروف الهجاء العربية يستطيعان ان يركبا منها ما شاءا من الاسماء ؟!
____________________
١- المصدر السابق.
٢- المصدر السابق.
٣- الفهرست لابن النديم ط المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة - المقالة الخامسة ص٢٤٨.
٤- هذه أرجح الرويات وهناك روايات اخرى تحدد لثورة زيد ١٢١ه- او ١٢٣ه-.
الزيدية:
الزيدية - كما يشير الاسم - هم اتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أحد اعلام العلويين ورجالهم ديناً وفضلاً ونبلاً.
ثار في الكوفة عام ١٢٢(١) ، في زمن هشام بن عبد الملك وانتهت ثورته بقتله وصلبه.
وقد سبق ان عرضنا له ولثورته عند الحديث عن الرافضة فلا حاجة بنا للعودة الى ذلك ولكننا نحاول الان ان نتناول فرق الزيدية كما فعلنا من قبل مع الرافضة وكما سنفعل مع الغلاة، لنرى ان كان المؤلفون في العقائد عندنا منصفين فيما تحدثوا به عنهم.
وأسارع الى تأكيد نقطة أظنني أشرت اليها في مكان سابق وهي أني لا اريد ان احل محل أي واحد من هؤلاء المؤلفين في العقائد، ولا كتابي هذا محل واحد من كتبهم، فليس الغرض من هذا الكتاب ان يكون جامعا للفرق الاسلامية مستقصياً لعقائدها وانما الغاية منه تسجيل بعض الملاحظات ومناقشة بعض المواقف من هذه الفرقة او تلك من الفرق الاسلامية التي لم يكن اولئك المؤلفون قد انصفوها عن عمد او عن خطأ.
وأبدأ أولاً بعدد الفرق التي يجمعها اسم الزيدية، فهذا العدد ليس واحداً عند الجميع وانما يختلف صعوداً ونزولاً من مؤلف لآخر. فهو مثلاً عند الأشعري ست فرق(٢) ، وعند البغدادي والشهرستاني والأسفراييني والرازي والحميري والأيجي ثلاث فرق(٣) بينما هو عند الملطي والمقريزي اربع فرق(٤) ويذكر المسعودي نقلاً عن جماعة من مصنفي كتب المقالات كأبي علي الوراق وغيره ان
____________________
١- مقالات الإسلاميين ص١٣٧.
٢- الفرق بين الفرق ص٢٢، والملل والنحل ج١ ص١٥٧، والتبصير في الدين ص١٦، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٥٢، والحور العين ص١٥٥، وشرح مواقف الأيجي للجرجاني ط١٣١١ ه- ج٣ ص٢٩٠.
٣- التنبيه والرد ص٣٨، وخطط المقريزي ج٤ ص١٧٥.
٤- مروج الذهب ج٣ ص٢٠٨ -٢٠٩.
الزيدية كانت في عصرهم ثماني فرق(١) .
على ان واحداً من المؤلفين هو الحافظ رجب البرسي يصعد بالعدد الى خمس عشرة فرقة(٢) .
هذا اذن اول اختلاف، وهو ليس اختلافاً يسيراً. فليس يسيراً ان تكون فرق طائفة واحدة ثلاثاً عند بعض المؤلفين ورابعاً عند بعضهم وستاً عند آخرين وثماني عند غيرهم وخمس عشرة عند سواهم.
ولو أضفت ما ينفرد به كل مؤلف من تلك الفرق لأصبح لديك سبع عشرة فرقة من الزيدية.
وأقل ما يرد اليه هذا الاختلاف هو عدم دقة المؤلفين في تحديد هوية الفرق بحيث يسهل عليك ان تضيف وتحذف ما شئت كلما شئت. وقد سبق ان راينا مثل هذا في فرق الرافضة.
هذا عن عدد الفرق فاذا انتقلت الى اسمائها وجدت ثلاثا منها فحسب يتفق المؤلفون على اسمائها(٣) هي ١- الجارودية(٤) ٢- الجريرية او السليمانية(٥) ٣ - البترية(٦) .
ويضيف الأشعري والمسعودي والمقريزي والبرسي فرقة يسمونها اليعقوبية(٧) .
وينفرد الأشعري بفرقتين أخرين يسمى الاولى منهما النعيمية والثانية لا يعطيها اسما معينا بل رقما هو الرقم(٥) بين فرق الزيدية الست عنده.
ويبدو ان الاشعري لم يجد من الاشخاص ما يسمي به هذه الفرقة فلجأ الى الارقام واختار لها الرقم(٥) ليجعله اسما لها.
____________________
١- مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين منشورات دار الفكر بيروت ١٣٧٩ ص٢٥٥.
٢- فتقسيم الزيدية يختلف عند النوبختي بين من يسميهم الضعفاء او العجلية نسبة الى هارون بن سعيد العجلي ويجعل البترية فرقة منهم وبين الآخرين الذين يسميهم الأقوياء ومنهم الجارودية.
ويبدو ان تقسيم الزيدية الى ضعفاء وأقوياء يخضع عند النوبختي للموقف من الخلافة بعد النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم انظر ص٥٠ و٥١ من فرق الشيعة.
٣- أصحاب أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي رأس فرقة الجارودية من الزيدية توفى بعد عام ١٥٠ ه-.
٤- أصحاب سليمان بن جرير الرقي كما يسميه النوبختي، ربما نسبة الى مدينة الرقة في سوريا ويسميه البغدادي في الفرق بين الفرق الزيدي. زعيم الجريرية او السليمانية كما تدعى احيانا، من فرق الزيدية.
٥- من فرق الزيدية اصحاب رجلين هما الحسن بن صالح بن حي الهمداني الكوفي المولود عام ١٠٠ه- والمتوفى عام ١٦٨ه- او ٦٩ ه-، عند ابن الأثير في اللباب عام ١٦٧ ه- وكثير النواء الملقب بالأبتر توفى في حدود ١٦٩ه- والنواء بفتح النون وتشديد الواو بعدها الف ثم همزة نسبة الى بيع النواة وفي انتساب السمعاني ( النوا ) بلا همز ويخالف المقريزي إجماع المؤلفين فيجعل من الرجلين رجلاً واحداً يسميه الحسن بن صالح بن كثير النواء.
٦- يقول عنهم المسعودي في مروج الذهب ( وهم اصحاب يعقوب بن علي الكوفي ) ولا يزيد.
٧- وهو عند المسعودي زياد بن المنذر العبدي مروج الذهب طبعة دار الاندلس ١٩١٨ ج٣ ص٢٠٨.
ويذكر المسعودي اربع فرق اخرى هي المرئية والابرقية والعقبية واليمانية.
ويشاركه البرسي في الثلاث الاخيرة منها ويضيف الصاحبية والمحمدية والطالقانية والعمرية والركبية والخشبية والحلسفية !
وها أنت امام عدد من الفرق يبدأ بالثلاث لينتهي بالسبع عشرة وامام اسماء لا تدري اهي لأشخاص ام لمهن ام الأماكن. وحتى الارقام تحولت هي ايضا الى اسماء فرق.
وهذه دقة علمية وجهد كبير لا نملك الا ان نشكر مؤلفينا في الفرق عليهما !!
وبعد العدد والاسماء نأتي الى الفرق ذاتها نحاول ان نتعرف مواقفها ومواقف المؤلفين منها مبتدئين بالجارودية.
١ - الجارودية : وهي الاولى التي يبحثها المؤلفون في الغالب من فرق الزيدية ونسبتها الى ابي الجارود زياد بن المنذر العبدي.
ونحن كالعادة لا نعرف كثيرا عن رئيس الفرقة هذا، فكتب العقائد لا تتجاوز اسمه واحيانا تقتصر على الكنية دون الاسم وقد تختلف حتى في الكنية.
وكتب الرجال لا تتناوله الا باختصار شديد، وهي مع هذا الاختصار لا تتناوله الا لتذمه وتوجه الطعن اليه، حتى في نسبه فهو الهمداني او الثقفي او الشهدي(١) بالاضافة طبعا الى النسب الذي عرف به وهو ( العبدي ).
ولو لا ما نقله لنا ابو الفرج عن اشتراك ابي الجارود في ثورة زيد وانه كان ينادي بشعاره ويحمل معه هرديا، لما كان لدينا منه غير شخص اعمى او اعمى البصر والبصيرة وكذاب متروك الحديث ورافضي، مع انه لم يرفض زيدا
____________________
١- مقاتل الطالبيين ص١٣٦.
ولم يرفضه زيد ليصح تلقيبه بذلك تبعا للرواية المعروفة في تسمية الرافضة، بل بقي على ولائه لزيد وخرج معه يوم خرج كما راينا عند صاحب مقاتل الطالبيين(١) .
فإذا تركنا ابا الجارود الى الجارودية فان هؤلاء كما يذكر المؤلفون في العقائد يقولون ان محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم نص على علي بالوصف لا بالاسم، وهذا ما يتفقون فيه مع باقي فرق الزيدية، ولكنهم يقولون ايضا ان الصحابة كفروا بتركهم بيعة علي وهو ما يختلفون فيه معهم(٢) . ذلك ان الامر الاساسي الذي سبب انقسام انصار زيد الى رافضة وزيدية هو، كما يقول اولئك المؤلفون، الموقف من الخلافة بعد وفاة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم فقد كان زيد يجيز خلافة ابي بكر وعمر ولا يتبرأ منهما برغم قوله بأفضلية علي وانه الاحق بالخلافة، وان الأمة تركت الأفضل بعدم مبايعتها له.
ورأي زيد هذا هو الذي اعطى للزيدية هويتهم. فكيف يجوز لك ان تجعل من الجارودية القائلين بتكفير ابي بكر ومن رضي ببيعته خلافا لرأي زيد، فرقة من الزيدية دون ان تقع في التناقض ابتداء من اول الطريق ؟!
ليس امامك اذن الا احد خيارين: ان تحذف الجارودية اصلا من الزيدية وتنقلهم من صفهم فيها الى اية طائفة اخرى. وهذا يقودك حتماً الى رفض التقسيم الذي سار عليه مؤلفو العقائد من المسلمين، وان كان هؤلاء المؤلفون انفسهم لم يتحرجوا ابداً من نقل او حذف او اضافة او خلق ما شاؤوا من الفرق كما راينا. فليس كثيرا اذن ان تنقل الجارودية الى الصنف الذي تراه اليق بهم ولكن كيف تستطيع ان تحذف الجارودية من فرق الزيدية، وزعيمها الذي تستمد اسمها من كان من بين الخارجين مع زيد في ثورته، لم يتركه ولم
____________________
١- مقالات الإسلاميين ج١ ص١٣٣ والفرق بين الفرق ص٢٢، والتبصير في الدين ص١٦، والملل والنحل ج١ ص١٥٧، وخطط المقريزي ج٤ ص١٧٥،
والحور العين ص١٥٥، ويشاركهم في موقفهم هذا من الخلافة الفرقة التي تحمل رقم (٥) عند الأشعري من دون تسمية معينة لها انظر مقالات الإسلاميين ج١ ص١٣٧.
٢- هو ابو الحسين عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخياط من كبار رجال المعتزلة تنسب اليه فرقة منهم باسم الخياطية توفى في حدود عام ٣٠٠ ه- من مؤلفاته كتاب (الانتصار) في الرد على ابن الراوندي انظر ص٩٦.
يتخلف عنه ؟!
هذا احد الخيارين. اما الثاني فهو ان تعيد النظر في عقيدة الزيدية نفسها بحيث تستطيع ان تضم الجارودية فيما تضم من فرق، دون ان يكون هناك تعارض بين الزيدية وبين واحدة من اهم فرقها هي الجارودية.
وهذا يقتضيك التضحية بما افترضه اصلاً لهذا الطائفة، والتفتيش عن اصل اخر، اعرض واوسع قد يستطيع ان يجمع فرق الزيدية، ومنها الجارودية.
وقد يكون الخياط اخذ بالخيار الاول وهو يرد على ابن الراوندي في موضوع الرجعة فأفرد للجارودية مكانا مستقلا وذكرهم بعد الزيدية، وكأنهم ليسوا فرقة منها(١) . وهو في ذلك يمثل العكس تماما لما فعله ابن حزم بعده حين جعل الكيسانية من فرق الزيدية او حسب تعبيره ( شعبة من الزيدية )(٢) .
٢ - فرق الزيدية الاخرى : - لا اجد كبير فرق بين الجارودية او السليمانية كما يرد اسمهم احيانا عند المؤلفين وبين النعيمية كما يروي عنهم الأشعري. فالاثنان متفقان على ان الأمة قد أخطأت في البيعة لأبي بكر وعمر مع وجود علي الأفضل والأصلح للخلافة منهما وان كان هذا الخطأ لا يبلغ عند الطرفين درجة الفسق او الكفر.
والاثنان متفقان ايضا على تكفير عثمان والبراءة منع وعلى تكفير محاربي علي.
وقتد تكون هناك فروق بين الطرفين سوغت انقسامهما الى فرقتين منفصلتين لكن المصادر التي بين ايدينا لا تساعدنا على معرفتها والاطلاع عليها.
____________________
١- الفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص٣٥.
٢- المعارف لابن قتيبة ص٦٢٢، وخطط المقريزي ج٤ ص١٨٢، والملل النحل ج١ ص١٧٤، والأعلاق النفسية ص٢١٨.
وقد سبق ان لاحظت انه لا يجوز عد السبئية جزءاً من الرافضة اذا ربطنا الرفض بثورة زيد بن علي عام ١٢٢ه-.
كذلك لا اجد كبير فرق بين الذين يعطيهم الأشعري رقم(٥) من الزيدية وبين الجارودية فيما يخص الخلافة والموقف منها، فكلا الفريقين يتبرآن من أبي بكر وعمر.
اما الفرق الأربع ( المرئية والأبرقية والعقبية واليمانية ) التي اشار اليها المسعودي، والفرق الاخرى التي انفرد بها البرسي فلا نعرف عنها ولا عن مواقفها ولا الأسباب التي دعت الى قيامها شيئا. وهذا نقص كبير في معلوماتنا عن الزيدية حين نجهل بشكل مطلق احدى عشرة من فرقها التي لا تتجاوز السبع عشرة فرقة في اكبر عدد اعطي لها.
فاذا ما انتهينا من التقارب بين الجريرية وبين النعيمية من جهة والتقارب بين الجارودية وبين رقم(٥) من جهة ثانية وجدنا ان فرق الزيدية المعروفة لدينا على قلتها نسبيا تتباعد كثيرا بين المكفرين ومكفري المكفرين غير المكفرين.
وما اظن طائفة يصل بعد ما بين فصائلها وفرقها ما وصل بين فصائل الزيدية وفرقها، حتى لتبدو وكأن ما يفرقها اكثر مما يجمعها. او ان ليس هناك ما يجمعها بعد ما اختلفت فيما يفترض انه الاصل والجامع لها.
وقبل ان انهي حديث الزيدية ارى ان اقف عند واحد من هؤلاء المؤلفين الذين يختلط عندهم التعصب بالجهل فلا تدري ايهما كان اشد جناية على التاريخ وتشويها له. هذا الواحد هو ابو الحسين الملطي صاحب ( التنبيه والرد على اهل الاهواء والبدع ) من كتب العقائد التي يرجع اليها الدارسون. فلهذا الرجل موقف من بعض الفرق الاسلامية ومنها الزيدية، لا يمكن تفسيره بغير التعصب والجهل.
وحتى لا أُتهم بالتحامل عليه فسأعرض موقفه هذا كما ورد في كتابه المذكور محتفظا برأيي فيه الى ما بعد ذاك.
يقول الملطي ص٣٨:
( والفرقة الثامنة عشرة: هم الزيدية: اصحاب زيد بن علي رضي الله عنهما وهم اربع فرق: -
فالأولى: - من الزيدية اعظمهم قولا وهم الذين يكفرون الصدر الأول وسائر من ينشأون ابدا اذا خالفهم، ويرون السيف، والسبي، واستهلاك الأموال، وقتل الأطفال، واستحلال الفروج وليس في الامامة اكثر ضررا منهم في الناس انما هو بقدر ما يخرج الواحد منهم يضع السيف، والحريق، والنهب، والسبي ولا يقصدون ولا يرعون وكان منهم علي بن محمد صاحب البصرة سبى العلويات، والهاشميات، والعربيات وباعهن مكشفات الرؤوس بدرهم ودرهمين وافرشهن الزنوج والعلوج، واحرق المصاحف والمساجد وتأويل انهم مشركون وكان يقول: ( لا يلدوا الا فاجرا كفارا )، وكان يستحل كل ما حرم الله.
والفرقة الثانية من الزيدية: - يكفرون السلف ويتبرأون ويتولون ولا يرون السيف ولا السبي ولا استحلال الفروج ولا الأموال.
والفرقة الرابعة من الزيدية: - هم معتزلة بغداد يقولون بقول الجعفرية، جعفر بن مبشر الثقفي، وجعفر بن حرب الهمداني، ومحمد بن عبد الله الاسكافي وهؤلاء ائمة معتزلة بغداد، وهم زيدية يقولون: بامامة المفضول على الفاضل، ويقولون: ان علياعليهالسلام افضل الناس بعد رسول الله
صلىاللهعليهوآلهوسلم لا يسبقه بالفضل احد من الامة، وزعموا ان امامة المفضول على الفاضل جائزة لما ولى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عمرو بن العاص على فضلاء المهاجرين والانصار في غزوة ذات السلاسل... الخ ).
وليت الملطي اعلمنا اين وجد كل هذه المعلومات التي لم يستطع احد من المؤلفين قبله ولا بعده الاطلاع عليها او على بعضها. حشرها في اسلوب لو جاء به طالب ابتدائية لما احرز من الدرجات غير الصفر بحروف كبيرة.
لقد عرضت عليك ما كتبه الاشعري والبغدادي والشهرستاني والاسفراييني والرازي والحميري والمقريزي والجرجاني والمسعودي والايجي والبرسي ممن تعرضوا لعقائد الزيدية وحرصت ان اكون اميناً في النقل عنهم وعن غيرهم. فهل رايت عند واحد منهم شيئا من غريب ما وجدته عند هذا الملطي ؟
هل رايت احداً غيره تكلم عن السبي واستهلاك الاموال وقتل الاطفال واستحلال الفروج ؟!
وهل رايت احداً ينسب صاحب الزنج الى الزيدية ويجعل من ثورته او حركته ثورة او حركة زيدية ؟
لم يستحل الزيدية السبي واستهلاك الأموال ولا قتل الأطفال واستحلا الفروج. لكن الملطي هو الذي استحل منهم ومن غيرهم ما لم يستحله احد حين عدا على عقائد المسلمين، وبينهم الزيدية فأوسعها تزويرا وتشويهاً، يدفعه الى ذلك جهل وتعصب لا يقفان عند حد.
اما حديثه عن تكفير الصدر الاول ذلك خاص بالجارودية من الزيدية كما يروي المؤلفون. والملطي اخرج الجارودية من الزيدية فتحدث
عنهم في مكان آخر وجعلهم الفرقة الحادية عشرة من فرق الرفض دون اية علاقة لهم بالزيدية، والا لعذرناه في هذه النقطة على الاقل.
ثم يأتي الملطي الى الفرقة الرابعة من الزيدية التي هي عنده معتزلة بغداد وهذا جهل آخر يضيفه الى ما سبق منه، اذ لم يقل احد ممن كتب عن المعتزلة، ولا معتزلة بغداد انفسهم انهم زيدية او فرقة منها.
ولا ادري لماذا سكت هؤلاء المعتزلة وتستروا تحت اسم آخر لم يعرفه احد حتى جاء الملطي فكشف عنه بعد حوالي قرنين من الزمان.
ان معتزلة بغداد هم معتزلة. قد يقتربون من الزيدية كما تقترب فرقة اسلامية من فرقة اسلامية اخرى في قضية ما. لكن هذا يبقى محصورا في حدود التقارب، دون ان يتجاوز الى ذوبان احداهما في الاخرى، والا لما كان هناك فرقتان ولا اسمان. ودونك كتب الفريقين فلن ترى غير ذلك.
وانه لمن المضحك والمحزن ان اضطر الى محاولة اثبات ان المعتزلة هم معتزلة، وانهم ليسوا فرقة اخرى لو لا مؤلفا في عقائد المسلمين اسمه الملطي، وكتابا له يقرؤه الناس اسمه التنبيه والرد، قد دفعاني الى هذا المضحك المحزن.
الغلاة
وبعد الروافض والزيدية تصل الى الغلاة، فكيف اضيف هؤلاء الى الشيعة ونسبوا اليهم ؟
وقبل ذاك. نسأل ما هو الغلو ومتى بدأ ومع من ؟ فما يزال الحديث عن
الغلاة يستهوي القارئ، وما يزال تأريخهم يحتاج الى وقفة متأنية تدرس قبل ان تجيب وتبحث قبل ان تستسلم لأساطير ليس وراءها الا تعصب او غباء او الاثنان معا.
لغة: لا يعني غير الافراط وتجاوز الحد المألوف، فهو لا يثير اشكالاً كأي لفظ تحدد معناه في اللغة. وعلى هذا فالغلاة هم المفرطون المتجاوزون للحد المألوف.
اما اصطلاحا: فيراد به الجماعات التي غلت في علي بن ابي طالب وتجاوزت به ذلك الحد.
واولى هذه الجماعات كما يقال هم السبئية اصحاب عبد الله بن سبأ الذي يزعم المؤلفون انه ( كان اول من كفر من الرافضة ) ومنه (... انشعبت اصناف الغلاة من الرافضة )(١) .
فالسبئية هم اذن اصل الغلو ومنشأه، منهم بدأ وعنهم أخذته الفرق الاخرى.
ولهذا فاننا سنقصر حديثنا الآن في الغلو على السبئية، تاركين الحديث عن الفرق الغالية الأخرى الى الفصل التالي من هذا الكتاب.
فماذا عن السبئية هؤلاء، وماذا عن رئيسهم عبد الله بن سبأ ؟
تقول المصادر ان عبد الله بن سبأ كان ( يهودياً من اهل صنعاء امه سوداء فأسلم زمان عثمان ثم انتقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام فلم يقدر على ما يريد عند احد من اهل الشام فأخرجوه حتى اتى مصر فأقام فيهم )(٢) .
____________________
١- الطبري أحداث عام ٣٥ ج٤ ص٣٤٠ وابن الأثير أحداث العام نفسه ج٣ ص٤٦.
٢- لا أدري ان كان ابن سبأ قد وجد حقاً أم لم يوجد كما اعتقد ؟ ولا أدري ان كان قد قال برجعة علي أم لم يقل ؟ لكن الذي يرويه المؤرخون أن الخليفة عمر بن الخطاب قد أنكر موت النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وأكد رجعته قائلاً ( ان رجالاً من المنافقين
يزعمون ان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم توفى وان رسول الله والله ما مات ولكنه ذهب الى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه اربعين ليلة ثم رجع بعد ان قيل قد مات والله ليرجعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلقطعن ايدي رجال وارجلهم يزعمون ان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مات ) فعمر يقسم ان النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ما مات بل ذهب الى ربه كما ذهب موسى وانه سيرجع فيعاقب الذين قالوا بموته بقطع ايديهم وأرجلهم.
واظن الرجعة التي قال بها عمر عند وفاة النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم قد سبقت الرجعة عند ان سبأ بأكثر من عشرين عاماً تاريخ الطبري ج٢ ص٢٠٠، وابن الأثير ج٢ ص١٨٧ وسيرة ابن هشام ج٤ ص٦٥٥.
وتقول المصادر ايضا انه هو الذي قال بألوهية علي ونفي موته، وهو اول من وضع للمسلمين فكرة الرجعة. فعلي يرجع الى الدنيا قبل يوم القيامة فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً(١) .
وهو ايضا الذي وضع فكرة الوصية ( وصية النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي بالامامة ).
وانه واصحابه يقولون ان عليا هو الذي يجيء في السحاب، والرعد صوته والبرق سوطه واذا سمع هو واصحابه صوت الرعد قالوا ( عليك السلام يا امير المؤمنين )(٢) .
ثم لم يكتف ابن السوداء بكل هذا، فاضاف الى بدعته او بدعه الدينية، بدعة سياسية هذه المرة، حين حرض الناس على عثمان واغراهم به حتى انتهى الامر بقتله كما هو مبسوط في مواضعه من الكتب.
كل هذا تجده في كتب التاريخ والعقائد وهي تتحدث عن السبئية ورئيسهم عبد الله بن سبأ.
والحق ان شخصية ابن سبأ وما نسب اليه من دور ديني وسياسي قد اثارا شكوكي منذ بدأت اقرأ عنه. وكانت شكوكي تزداد وتقوى كلما تقدمت في القراءة(٣) .
واسباب ذلك كثيرة، اول ما واجهني او واجهته منها هو ما يتعلق بالعصر الذي يزعم الرواة ان ابن سبأ ظهر واشهر دعوته فيه.
فهذا العصر الذي يحدده اولئك الرواة بفترة خلافة عثمان التي بدأت بعد ثلاثة عشر عاماً فقط من وفاة النبي محمد يمكن تسميته بعصر النبوة او هو امتداده في جميع الأحوال(٤) .
____________________
١- الطبري وابن الأثير الصفحات السابقة، ومقالات الإسلاميين ج١ ص٨٥، والملل والنحل ج١ ص١٧٤، والفرق بين الفرق ص١٤٣، والتبصير في الدين ص٧١، والفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص٣٦، ٤٦ والحور العين ص١٥٤، وخطط المقريزي ج٤ ص١٨٢، والأعلاق النفسية ص٢١٨، والمعارف لابن قتيبة ص٦٢٢، والفرق المفترقة بين اهل الزيغ والزندقة ص٤٠، واصول الدين للبغدادي ص٣٣٢، والتنبيه والرد للملطي ص٢٥ واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص٥٧، والبدء والتاريخ ج٥ ص١٢٥، ١٢٩.
٢- للاستاذ مرتضى العسكري كتاب جليل عن ابن سبأ وقد رجعنا اليه كثيرا في بحثنا
٣- كانت وفاة النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم في ١١ ربيع الأول من عام ١١ه- وبويع لعثمان بالخلافة في الثالث من محرم سنة ٢٤ه- ومحرم هو مبدأ السنة الهجرية ومن هذا يبدو أن خلافة عثمان بدأت قبل إكمال الثلاث عشرة سنة على وفاة النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٤- باستثناء مدة حكم عمر بن عبد العزيز التي لم تتجاوز السنتين وخمسة أشهر ٩٩- ١٠١ه- كما هو معروف.
فالصحابة في غالبيتهم ما يزالون احياء. وليس بينهم وبين نبيهم والجهاد معه والقتال تحت رايته لإعلاء شهادة لا اله الا الله محمد رسول الله الا بضع عشرة سنة، ومنهم من شارك في القتال خلال حكم الراشدين الثلاثة بعده. بل ان منهم من كان يقاتل خارج الحدود لنشر راية الاسلام عندما اظهر ابن سبأ دعوته كما يزعمون.
وكتاب الله الذي عاصروا نزوله، يخبرهم ان ليس مع الله اله ولا بعد محمد نبي، يتلونه ويعيشونه في كل لحظة من حياتهم من ليل او نهار، ومن كان على رأس السلطة ما يزال يحمل اسم الخليفة وامير المؤمنين.
اليس كثيرا اذن ان يقوم في مثل هذه البيئة النبوية، يهودي لم يسلم الا من عهد قريب، بالدعوة الى اله غير الله ونبي غير محمد، ويبلغ من شهرة هذه الدعوة، ان يخرجه اهل الشام من ارضهم، كما يقول المؤرخون، بعد ان ضاقوا به وبها، ويمضي في دعوته ثم لا يجد من يعرض له او يقيم عليه الحد او من يتقرب الى الله بسفك دمه وقد جردت السلطة جيوشها فقتلوا من قتلوا من ؤوس العرب وزعماء القبائل واصحاب الاسر والبيوت، ولم يكن ما استحقوا عليه القتل الا انهم حبسوا زكاتهم فلم يرسلوها الى المدينة ؟!
ومن هذه الاسباب ما يتصل بالشخص الذي غلا فيه ابن سبأ. انه علي ابن ابي طالب حاربه الأمويون حيا وميتا وسبوه على المنابر طوال مدة حكمهم(١) وسبه ولاتهم وشعراؤهم وخطباؤهم فلم يتركوا ما يمكن ان تأليهه، وهو اشد واقوى من كل ما اتهموه به ووجهوه اليه. انه الكفر الذي لا يستحل به دم ابن سبأ وحده بل دم علي معه او قبله.
____________________
١- الفرق بين الفرق ص١٤٤، ومنه يظهر ان عبد الله بن سبأ هو شخص آخر غير عبد الله بن السوداء وهكذا فانت الآن امام شخصين عبد الله بن سبأ الذي يقول عنه المؤرخون انه ابن السوداء وعبد الله بن السوداء الذي يقول عنه البغدادي نقلاً عن الشعبي انه ( كان يعين السبأية على قولها ) أي اصحاب عبد الله بن سبأ والذي هو غيره طبعاً وأظن هذا سببا آخر للشك في وجود أي من الاثنين وما اورده البغدادي تجده في التبصير في الدين للأسفراييني ص٧٢. اما الجاحظ في البيان والتبيين فيضيف الى ابن السوداء، ابن حرب فقد جاء في ج٣ ص٨١ منه ( فلقيني ابن السوداء وهو ابن حرب... )
والخوارج، هؤلاء الذين حملوا السيف ضد علي وثاروا عليه وقتلوه لأنه كما قالوا رضي بالتحكيم ووافق عليه. ماذا يكون التحكيم ورضا علي به في جنب تأليهه ورضاه به ؟! كيف سكتوا فلم يرفعوا سيفا ولا صوتا ضده ؟! اتراهم يرفضون تحكيمه في امر دين الله ويقتلونه به، ويسكتون عنه وقد قبل بأن يكون هو الله ؟!
واصحاب الجمل وصفين، وقد حاربوا عليا وحاربهم في اعنف واقسى ما عرف تاريخ المسلمين من حروب في ذلك العهد. وكان يكفيهم لتجنبها او النصر فيها رفع شعار تأليهه بدل رفع المصاحف مثلا، وليس في ذلك خدعة ولا حرج، ولكان سيرهم لحرب علي واجبا دينيا لن يتخلف احد عنه، ولن يحتاجوا معه لأي سبب آخر يتوسلون به لتبرير قتالهم له.
والعباسيون بعد هؤلاء وقد حاربوا عليا ميتا وحاربوا آله امواتا واحياء. هل فاتهم ما عرفه الرواة والمؤرخون فلم يذكروا في معرض الذم والاتهام لخصومهم العلويين، ما اقترفه ابوهم من ذنب كبير برضاه دعوى تأليهه وعبادته من دون الله.
اليس في سكوت هؤلاء كلهم واحجامهم عن التعرض لهذه القضية الكبيرة او الاشارة اليها وهم يخوضون حروبهم مع علي حيا وميتا ما يكفي لدحضها واسقاطها ؟! اليس في كل ذلك ما ينفي هذه الاسطورة التي لو صحت لكانت امضى اسلحتهم في حروبهم تلك، خصوصا وكثير منهم يشاهدونها كل يوم وليس مجرد رواية تروى او حديثاً ينقل يفقده الزمن وطول العهد الكثير من قوته وتأثيره وصدقه.
وحتى صناع الأحاديث الذين لم يتركوا فرقة من فرق المسلمين دون ان
يوردوا بشأنها حديثا او اكثر. اليس غريبا ان يسلم السبئية منهم فلم يخصوهم بحديث ( عن يهودي اسمه عبد الله واسم ابيه او جده - باختلاف الروايات - سبأ وامه سوداء(١) يتستر بالاسلام يظهر ويحرض الناس على عثمان او يدعي الالوهية لعي كيدا للاسلام وثأروا لدينه القديم فاذا رأيتموه فاقتلوه واقتلوا اصحابه ) او بما يؤدي هذا المعنى. ولا ايسر من بضاعة الحديث ولا افضل منها وسيلة لنيل الحظوة عند الخلفاء والولاة والتقرب اليهم بما يرضيهم من احاديث فيها طعن في علي وانتقاص منه.
وهذا الشعر العربي والشعراء العرب الذين لم يفتهم ان يسجلوا ادق التفاصيل للحياة العربية والذين يمثلون مصدر علمنا الوحيد احيانا في بعض شؤونها.
أكان يفوتهم مثل هذا الحدث الخطير في الحياة الاسلامية فلا يعرضون له ولا يشيرون اليه بشيء ؟!
وانا لا اتحدث عن الشعر الذي نقل لنا بعد عقود من عصر ابن سبأ ودعوته السبئية وهو كما اظن لا يتجاوز البيت احدهما على كل حال بيت اعشى همدان او ما نسب اليه والذي لا يتضمن اكثر من تسمية اصحاب المختار بالسبئية دون اية اضافة تخص عقيدتهم وتوضحها وقد نظم كما قيل في مناسبة معينة اثناء ثورة المختار عام ٦٦ أي بعد ثلاثة عقود على ظهور ابن سبأ واشتهار دعوته(٢) وكان اعشى همدان من الذين يجاهرون بعدائهم للمختار وانتهاز اية فرصة للتشهير به والنيل منه.
ولكني اتحدث عن الشعر والشعراء المعاصرين لابن سبأ ودعوته وقد استمرت على الاقل زمناً من خلافة عثمان حتى مقتله ومقتل علي بعده. وبين
____________________
١- والبيت هو:
شهدت عليكم أنكم سبئية وأني بكم يا شرطة الشرك عارف
وقد ورد هذا البيت في ج٦ من تاريخ الطبري حوادث سنة ٦٦ ه- ص٨٣، ولم أجده في الأغاني في ترجمة أعشى همدان أما المناسبة التي قيل ان الشعر الذي منه هذا البيت قد نظمفيها حديثها في الطبري ج٦ ص١٨٢- ١٨٣.
وبرغم ان ما يرويه الطبري فيها عن اخراج الكرسي المنسوب الى علي وتفاؤل اصحاب المختارية في حربهم ليس بالأمر الغريب أو المثير للدهشة فقد عرفت الحرب رموزاً صادقة أو كاذبة يلجأ اليها القادة لبث روح الحماس في اصحابهم ودفعهم الى الاستماتة في قتالهم كما حصل قبل ذاك عند رفع قميص عثمان الملطخ بالدم تحريضاً وتشجيعاً.
فان التلفيق في هذه القصة ظاهر لا يحتاج الى طويل تفكير اذ يكفي ان نلاحظ حجم هذا البغل الذي يحمل الكرسي والذي يمسكه كما يقول الطبري سبعة عن يمينه وسبعه عن يساره واظنك لو صففت هؤلاء السبعة من كل جهة، الواحد جنب الآخر، بحيث لا تترك اية فرجة بينهما لخرجوا بمسافة طويلة عن كل طرف من طرفي البغل ولما استطاع الأخيرون من كل طرف ان يمسكوا به لبعدهم عنه حتى لو كان هذا البغل قد استورد بشكل خاص للمختار.
هذا فضلا عن ان الذي يتحمل المسؤولية في قصة الكرسي على افتراض صحتها هو من زعم المختار ان الكرسي علي وليس المختار نفسه. وانظر ايضا حديث الكرسي في رغبة الآمل من كتاب الكامل للمرصفي ج٧ ص٢١١- ٢١٢.
٢- الملل والنحل ج١ ص١٧٤، ويبدو من ابن ابي الحديد في شرح النهج ان عبد الله بن سبأ قد ظهر بعد وفاة علي وان الغلاة قد سبقوه في الوجود واليك ما يقوله في هذا الشأن ( ثم استترت هذه المقالة - الغلو في علي وقول الغلاة له انت انت يومون الى ربوبيته - سنة او نحوها ثم ظهر عبد الله بن سبأ وكان يهودياً يتستر بالإسلام بعد وفاة امير المؤمنينعليهالسلام فاظهرها فاتبعه قوم فسموا السبئية... ) ج٨ ص١١٩- ١٢٠.
ومن هذا يظهر ان الغلاة سبقوا عبد الله بن سبأ وان هذا لم يكن المؤسس للغلو في الاسلام كما هو معروف بين المؤرخين وهو سبب جديد للشك.
هؤلاء الشعراء انصار لعثمان واعداء لعلي لم يكن آخرهم الخوارج الذين كان اغتيال علي ايديهم.
لقد نقل لنا المؤرخون ما قيل في هجاء النبي محمد مع حرصهم على عدم اذاعته ونشره. فكيف غاب عنا ما قيل في هجاء ابن سبأ واستنكار دعوته - لو كان شيء من ذاك - مع حرص المؤرخين على اذاعته ونشره، ومع حرص السلطة وسعيها لتشويه صورة ابن سبأ ومن خلاله تشويه صورة من يدعو اليه ويؤهله: علي بن ابي طالب ؟!
ومع ذاك فلنعد الى اعشى همدان وقد قلت ان تسميته لأصحاب المختار بالسبئية في البيت الذي نقله الطبري لا تعني ابداً ما اراده منها اصحاب المقالات والمؤلفون في الفرق من غلو في علي ومجيئه في السحاب وكلام عن البرق والرعد الخ.
فالطبري نفسه يعطي لفظ ( السبئية ) في اكثر من موضع من تأريخه معنى سياسيا يرتبط بالأحداث التي حفل بها ذلك العصر.
ويكفي أن تقرأ ما جاء في الجزء الرابع منه ص٤٠٣ حيث يقول بعد حديث عن ضابيء بن الحارث البرجمي الذي مات في حبس عثمان ( فلذلك صار عمير بن ضابيء سبئيا ).
وليس في هذا اكثر من أن عمير بن ضابيء الذي حبسه عثمان ومات في حبسه قد تحول الى عدو لعثمان ثأرا لأبيه ومال الى اعدئه ( السبئية ).
فموقف عمير موقف أي ابن يريد أن يثأر لأبيه ممن يتهمه بقتله أو بأنه سبب فيه، ينضم لأعدائه أن استطاع انتظارا لليوم الذي يمكنه الانتقام من المتهم
في نظره عن مقتل أبيه.
عمير حين أراد الثأر لأبيه، لم يسلم على السحاب ولم ينضم - لأخذ الثأر - الى المسلمين او الرادين السلام عليه ولم ينتظر سوط علي. انما انضم الى أعداء الخليفة الذي يتهمه بموت أبيه، وشارك فعلا في الأحداث التي انتهت بمقتل عثمان.
فالطبري وهو يتحدث عن انضمام عمير للسبئية يتحدث عن جماعة سياسية ومواقف سياسية على الارض لا في السحاب.
وفي ص٥٤١ من الجزء نفسه يقول الطبري وهو يتحدث عن بيعة اهل البصرة لعلي وقسمة ما في بيت المال عليهم ( وخاض في ذلك السبئية وطعنوا على علي من وراء ).
والنص واضح فهو يعني من جهة موقفا سياسيا من الخليفة في عهدهم لا صلة له بالسحاب ولا يستقرئ الأنواء الجوية عن وقت مجيئه.
وهو يعني من جهة ثالنية ان هؤلاء السبئية لم يكونوا من الغلاة في علي والا لما طعنوا عليه وشكوا في صحة فعله.
بعد هذا أظن من الطبيعي إن نعرض لموقف علي من دعوة ابن سبأ لتأليهه ومن السبئية، فهو المعني بها قبل غيره وهو المؤله فيها.
وحتى تكون الصورة واضحة فسأذكر نصوص ما أورده الرواة في هذا الشأن بعد الإشارة إليها مجملا في بداية الفصل.
يقول الشهرستاني عن السبئية ( أصحاب عبد الله بن سبأ الذي قال لعلي أنت أنت يعني الإله فنفاه إلى المدائن.. ) وان عليا ( هو الذي يجيء في السحاب
والرعد صوته والبرق تبسمه...)(١) .
ويذكر البغدادي في حديثه عنهم أنهم ( أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في علي وزعم انه كان نبيا ثم غلا فيه حتى زعم انه اله ودعا إلى ذلك قوما من غواة الكوفة ورفع خبرهم إلى علي فأمر باحراق قوم في حفرتين... )(٢) .
ويقول عنهم الرازي ( أتباع عبد الله بن سبأ وكان يزعم ان علياً هو الله وقد أحرق علي منهم جماعة.. )(٣) .
ويعرفهم الجرجاني بأنهم ( أصحاب عبد الله بن سبأ قال لعلي انت الإله حقاً فنفاه علي إلى المدائن.. وعلي في السحاب والرعد صوته والبرق سوطه... )(٤) .
ولا تخرج أقوال الباقين عما قدمنا. ولهذا فلسنا في حاجة الى الإتيان بها هنا.
فابن سبأ لا يكتفي بتأليه علي وانما يدعو المسلمين الى تأليهه ويضم إلى دعوته من يؤلف منهم فرقة اسمها ( السبئية ).
والأمر بالنسبة لعلي ليس تهمة محضة أو وشاية لا بد من أقامة الحجة قبل الحكم فيها، فابن سبأ نفسه يأتي لعلي كما يروون ويقول له مواجهة أنت الإله. فلا حاجة بعلي إذن لأي دليل آخر لإثبات التهمة واقامة الحد.
فماذا يصنع علي مع هذه الطائفة التي تدعو الى عبادة شخص غير الله وتأليهه.
انه أمر بإحراق قسم منهم كما يقول الرواة. اما رئيسهم عبد الله فيكتفي بإبعاده إلى المدائن.
____________________
١- الفرق بين الفرق ص١٤٣.
٢- اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٥٧.
٣- تعريفات الجرجاني ص٦٧.
٤- الفرق بين الفرق ص١٤٣- ١٤٤.
ورواية الحرق هذه يكملها رواتها بأن الغلاة الذين أمر علي باحراقهم قالوا له حين مستهم النار، الآن تأكد لنا أنك الله لأنه لا يعذب بالنار الا الله.
وما سمعت بألوهية أسهل ولا أيسر من هذه الألوهية التي يكفي فيها أن يعذب بالنار من هو قادر على التعذيب بها ليصبح آلها.
ولو سرنا مع هؤلاء الغلاة أو بالاحرى مع ما يرويه الرواة عنهم لكان اغلب المجرمين آلهة، ولكان لنا من هؤلاء الآلهة ما قد يفوق عدد سكان الصين.
وفي تاريخ الإسلام كم هم الذين عذبوا بالنار قبل علي وكم هم الذين عذبوا بالنار بعده ؟ يكفي أن نذكر انه في حروب الردة امر ابو بكر بإحراق المرتدين، فلم يقل احد انه قد صار لذلك آلها أو أن واحداً من أمراء جيشه قد صار لذلك الهاً.
وفي زمن هشام بن عبد الملك احرق خالد بن عبد الله القسري والى الكوفة المغيرة بن سعيد ومن كان معه بالنار فلم يتحول خالد إلى اله.
ولقد فاتني عند زيارتي لروما أن أسأل عن تمثال نيرون الذي لا بد ان يكون كبير الآلهة ورئيسهم عند الرومان. فهو لم يكتف بإحراق واحد أو اثنين وإنما احرق مدينة كبيرة بكاملها كما يحكي المؤرخون.
وتسأل بعد ذاك لماذا الحرق، وهل هو الحد الشرعي في مثل هذه الحال ؟
ولماذا اقتصر الحرق على بعض دون بعض ؟ ولماذا أخيرا لم ينل زعيم الفرقة ورأس الفتنة ما نال الآخرين من افرادها واكتفي بنفيه إلى المدائن؟
أما عن السؤال الأول فلا يجيبك أحد.
وأما عن السؤالين الآخرين فيجيبك البغدادي بأن عليا خاف من إحراق الباقين، شماتة أهل الشام واختلاف أصحابه عليه وهو عازم على العودة إلى قتال معاوية، فاكتفى بنفي ابن سبأ الى المدائن(١) .
فعقوبة عبد الله بن سبأ كان يفترض أن تكون اشد حسب ما تحدده أحكام الدين. لكن شماتة أهل الشام والخوف من اختلاف الأصحاب دفعا عليا إلى تجاوز تلك الأحكام وتعطيلها مكتفيا بنفي عبد الله.
فابن أبي طالب لم يكن يعنيه أمر الدين ولا احترام حدوده ولا تنفيذ احكامه. كل ما كان يهمه هو أن يمنع أهل الشام من الشماتة به. ولولا ذاك لبادر إلى تنفيذ العقوبة التي يفرضها الإسلام على عبد الله بن سبأ، وهي لا شك أكثر من مجرد النفي إلى المدائن.
ولا اكتمك يا عزيزي القارئ. لقد ضحكت كثيرا من هؤلاء الذين كتبوا لنا تأريخنا، ولكني رثيت لهؤلاء الذي كتب عليهم ان يقرؤوا هذا التاريخ.
أيرفض ابن أبي طالب الإبقاء على معاوية أميرا في الشام ولو لمدة، مع ورسوخ سلطانه هناك ومساس رحمه به ومكانة بيته في قريش ثم لا يخشى شيئا، ويخشى أمضاء حكم الله في هذا اليهودي الذي لا حرمة له من فضل أو دين ولا سابقة له من جهاد او اسلام ولا عصبية له من اسرة او قبيلة ؟!
والله لقد كان أهل الشام أكثر شماتة به. وأهل العراق اكثر اختلافا عليه لو انه ترك ابن سبأ فلم يقم الحد عليه. ولكان ابن العاص أسرع إلى رفع شعار ابن سبأ وتأليه علي وهو صادق، منه الى رفع المصاحف في صفين وهو مخادع.
ومن هذه الأسباب ما يتعلق بالسبئية أنفسهم.
____________________
١- وردت في مروج الذهب ( فقتلتموه ) وقد صححناها تبعاً لما يقتضي المقام.
فلأفترض أن ابن سبأ والسبئية وجدوا حقا، ولأفترض انهم الهوا عليا وعبدوه حقا.
افليس من طاعتهم لمن ألهوه وعبدوه أن يمتثلوا لأوامره ونواهيه فيأتوا ما يأمرهم به ويجتنبوا ما ينهاهم عنه ؟ فلمَ لم ينتهوا ويكفوا بعد ان نهاهم علي، وبعد أن استتابهم وأجج النار وهددهم بالحرق فيها، بل بعد أن احرق قسما منهم كما يذكر الرواة ؟!
اكان من غلوهم فيه وعبادتهم له أن يفعلوا ما ينهى عنه ويعصوا ما يأمر به ؟!
ومن هم هؤلاء السبئية ومن رؤساؤهم ؟! أن المؤرخين لا يذكرون واحد فحسب يضيفونه إلى ابن سبأ. فهل من المقبول ان تقوم فرقة كاملة تشغل التاريخ والمؤرخين وما تزال، منذ اربعة عشر قرنا، ولا نعرف ولا يعرف المؤرخون أنفسهم من اتباعها الا واحدا هو زعيمها ومؤسسها عبد الله بن سبأ.
ثم كيف يقول هؤلاء برجعة علي وهو في نظرهم الإله الذي لا يجوز عليه الموت ولا الغياب ليقال انه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً. وهو كإله يستطيع ان يفعل ذلك في أي وقت شاء دون التقيد بوقت محدد قبل القيامة.
وأضيف إلى ذلك انه لو كان الغلو الذي يمثله السبئية موجودا حقا في زمن علي كما يقول المؤرخون. أتراه يتجاوز الحسن والحسين ليقفز ويستقر في بيت محمد بن الحنفية ويرتبط به كما هو معروف ؟ فهل كان ابن الحنفية اكبر
سناً وقدراً من الحسن والحسين ليتجه الغلو والغلاة إليه دونهما، وهما سبطا النبي وابنا علي من فاطمة وسيدا شباب أهل الجنة، كما هو متفق عليه لدى المسلمين.
ألم يكونا أولى بالغلو وأحق أن ينتقل اليهما بعد علي ولا يتعداهما لابن الحنفية كما سنرى، لو كان هذا الغلو سابقا في الزمان لابن الحنفية، أي لو كانت السبئية قد وجدت فعلاً في عهد علي ؟!
وأعود الى ابن سبأ مرة أخرى، ولكن لأتناول هذه المرة، دوره السياسي كما صوره المؤرخون.
والحق أن عودتي إليه لا تعني أنني اخترته من بين السبئية. ولكن بكل بساطة لأنني لا أجد ولا اعرف ولا يعرف المؤرخون غيره ممن يدعونهم السبئية كما قلت آنفاً.
وعلى كل فهؤلاء المؤرخون يضيفون الى بدعته او بدعه الدينية بدعة سياسية فهو الذي فتن المسلمين وحرضهم على الثورة ضد عثمان. وهو الذي كان وراء الأحداث التي انتهت بقتله كما هو مبسوط في كتب التاريخ.
والمؤرخون يصورون ابن سبأ ودوره في الثورة ضد عثمان وكأن هذه الثورة كانت من صنع يديه، وهو الذي لا نعرف واحداً فحسب من اتباعه ومؤيديه. وكأن الذين ثاروا وحاصروا عثمان وقتلوه لم يكونوا يصدرون الا عن رأيه ولا يتلقون الأوامر الا منه، متجاهلين بغباء او بقصد كل الظروف التي ادت الى الثورة واشعلت نارها والتي كان من أهمها موقف أهل المدينة وقريش وعلى رأسهم عدد من كبار الصحابة.
هذا عبد الملك بن مروان يخاطب قريشا وهو على المنبر في المدينة فيقول لهم بعد أن يطيل الحديث في قصة يجعل منها مثلا للعلاقة السيئة بين الأمويين وبين قريش (.... وليكم عمر بن الخطاب فكان فظاً غليظاً مضيقاً عليكم فسمعتم له وأطعتم ثم وليكم عثمان فكان سهلاً ليناً كريماً فغدوتم عليه فقتلتموه وبعثنا عليكم مسلماً يوم الحرة فقتلناكم(١) فنحن نعلم يا معشر قريش أنكم لا تحبوننا أبدا وانتم تذكرون يوم الحرة ونحن لا نحبكم ابداً ونحن نذكر مقتل عثمان )(٢) .
وهذا عمرو بن سعيد بن العاص ( الأشدق ) والي المدينة الأموي يخاطب أهلها من على المنبر وهم ينظرون الى ثيابه اعجابا بها فيقول ( ما بالكم يا اهل المدينة ترفعون إلي إبصاركم كأنكم تريدون أن يضربونا بسيوفكم أغركم أنكم فعلتم ما فعلتم فعفونا عنكم أما انه لو أثبتم بالأولى ما كانت الثانية. أغركم أنكم قتلتم عثمان فوافقتم ثائرنا منا رفيقا... )(٣) .
ومالنا ولعبد الملك ولعمرو بن سعيد وخطبهما ولو عدنا الى الوراء قليلا لرأينا عثمان نفسه يتحدث عن موقف أهل المدينة منه في كتابه إلى معاوية طالبا نصرته بعد تطور الأحداث ضده ( اما بعد فان أهل المدينة قد كفروا واخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة... )(٤) .
لكن معاوية يبطئ و ( يتربص ) كما يقول الطبري وابن الأثير وابن أبي الحديد(٥) .
فهل نحتاج بعد إلى شهادات أخرى من الخارج اكثر من شهادة القتيل وشهادت أهل البيت وأصحاب القضية ؟!
____________________
١- مروج الذهب ج٣ ص١٢١ في اخبار عبد الملك بن مروان.
٢- العقد الفريد ج٤ ص١٨٩.
٣- الطبري ج٤ احداث سنة ٣٥ ه- ص٣٦٨.
٤- الطبري ج٤ احداث سنة ٣٥ ه- ص٣٦٨، وابن الأثير ج٣ احداث السنة نفسها ص٦١، وشرح النهج لابن ابي الحديد ج٢ ص١٥١.
وانظر جواب محمد بن مسلمة وهو من القاعدين عن علي، الى معاوية واتهامه له بخذلان عثمان ( وقعة صفين لنصر بن مزاحم تحقيق عبد السلام محمد هارون ص٧٧ وكلام شبث بن ربعي مع معاوية في هذا الشأن المصدر نفسه ص١٨٧).
وأوضح منهما بخصوص موقف معاوية كتاب ابي ايوب الأنصاري جواباً على كتاب معاوية إليه وقد جاء فيه (... وما نحن وقتل عثمان ان الذي تربص بعثمان وثبط يزيد بن اسد واهل الشام عن نصرته لأنت... ) المصدر السابق ص٣٦٨.
وانظر كذلك جواب عبد الله بن عباس الى معاوية وهو يستشهد فيه الوليد بن عقبة بن ابي معيط اخي عثمان لأمه المصدر السابق ص٤١٥.
٥- الطبري ج٤ ص٣٦٧، وشرح النهج ج٢ ص١٤٩، وابن الأثير ج٣ ص٤٣ و٥٨ وفيه ( فان محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم قد افسده خليفتكم فأقيموه ). وانظر ايضا ما قاله محمد بن مسلمة لعثمان ( وانت ترى خذلان اصحابك لك، لا بل هم يقودون عدوك عليك ) الطبري ج٤ ص٣٧٢.
وانظر ايضا شرح النهج لابن ابي الحديد ج٣ ص٢٧ و٢٨ في موقف اهل المدينة وانهم لو ارادوا لمنعوا قتل عثمان وقول عبد الرحمن بن عوف وقد سئل كيف لم يمنع اصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن عثمان فقال ( انما قتله اصحاب رسول الهصلىاللهعليهوآلهوسلم ) وما روي عن ابي سعيد الخدري في مقتل عثمان وهل شهده احد من اصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فقال ( نعم شهده ثماني مئة ) وانظر جواب قيس بن سعد للنعمان بن بشير وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص٤٤٩.
ومع ذاك فلنتابع ما ينقله الطبري من موقف أهل المدينة من عثمان فهو يذكر انه ( لما رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من اصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الى من بالآفاق منهم وكانوا قد تفرقوا في الثغور: أنكم أنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عز وجل وتطلبون دين محمد فان دين محمد قد افسد من خلفكم وترك فهلموا فأقيموا دين محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم فأقبلوا من كل أفق حتى قتلوه )(١) .
وما أظن الطبري وهو ينص على من بالمدينة ( من اصحاب النبي إلى من بالآفاق منهم ) ألا قاصدا تحديد هويتهم بشكل دقيق وعدم خلطهم بمن كان في المدينة أو في الآفاق من غير الصحابة ممن لا يملكون التأثير نفسه وليس لهم السابقة نفسها والدين والرأي المسموع.
بل أن أهل المدينة هؤلاء كتبوا إلى عثمان نفسه ( يدعونه إلى التوبة ويحتجون ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه ابدا حتى يقتلوه او يعطيهم ما يلزمه من حق الله )(٢) .
هذا عن موقف أهل المدينة على العموم. أما عن قريش خاصة فقد يكفيني من ذلك أن اعرض مواقف عدد من زعمائها وذوي الرأي والنفوذ فيها.
يقول الطبري ( فخرج عمرو - يعني ابن العاص - من عند عثمان وهو محتقد عليه يأتي عليا مرة فيؤلبه على عثمان ويأتي الزبير مرة فيؤلبه على عثمان ويأتي طلحة مرة فيؤلبه على عثمان ويعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان )(٣) .
____________________
١- الطبري ج٤ ص٣٦٩.
٢- الطبري ج٤ ص٣٥٦- ٣٥٧.
٣- الطبري ج٤ احداث سنة ٣٥ه- ص٣٥٧ وابن الأثير ج٣ ص٥٤- ٥٥، وشرح النهج ج٢ ص١٤٤.
ثم يقول عن عمرو وقد بلغه مقتل عثمان ( قال - يعني عمرو بن العاص أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها ان كنت لأحرض عليه حتى لأحرض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل )(١) . أما طلحة فسأتجاوز ما ذكره الطبري عن موقفه من عثمان وتحريضه عليه إلى ما قاله عثمان نفسه عنه ( اللهم أكفني طلحة بن عبي الله فانه حمل علي هؤلاء وألبهم والله أني لأرجو ان يكون منها صفراً وان يسفك دمه انه انتهك مني ما لا يحل له... )(٢) . وهكذا كان فقد قتله مروان بن الحكم يوم الجمل ثأراً بعثمان. وأوردنا هنا ما ذكره ابن سعد في ترجمة مروان بن الحكم قال ( فلما رأى يعني مروان - انكشاف الناس نظر إلى طلحة بن عبيد الله واقفاً فقال والله أن دم عثمان إلا عند هذا هو كان اشد الناس عليه وما اطلب أثرا بعد عين ففوق له بسهم فرماه به فقتله... )(٣) .
وهذا ما يتفق عليه المؤرخون(٤) . وما اظن مروان كان سيقتل احد قائدي الجيش الذي انضم إليه، وهو يخوض حربه ضد علي: ألد أعدائه وأعداء الأمويين، لو لا ما تحقق لديه من مشاركة طلحة في مقتل عثمان. وقد هيأت له حرب الجمل فرصة الثأر منه.
ولم يكن الزبير اقل عداء لعثمان وتحريضاً عليه من طلحة وابن العاص، فيروي لنا صاحب مروج الذهب ان طلحة والزبير هما اللذان اسلفا الأشتر وقد نفدت نفقته، مبلغ مئة الف درهم، كل منهما خمسين الف يتزود بها ليعود الى الكوفة ويمنع سعيد بن العاص عامل عثمان عليها من دخولها(٥) .
____________________
١- الطبري ج٤ احداث سنة ٣٥ه- ص٣٧٩ و٤٠٥، وابن الأثير ج٣ ص٥٧، ٥٨، ٦٤، وشرح النهج ج٢ ص١٥٥.
وانظر في موقف طلحة من عثمان: الطبري ج٤ احداث سنة ٣٥ ه- ص٣٧٩ و ٤٠٥، وابن الأثير ج٣ ص٥٧، ٥٨، ٦٤، وشرح النهج ج٢ ص١٤٨ وج١٠ ص٥، ٦، ٧. وكذلك اعتراف طلحة نفسه بأن ما كان منه في عثمان شيء لا يكفي في توبته عنه الا ان يسفك دمه في طلب دمه - يعني عثمان - الطبري ج٤ ص٤٧٢، وابن الأثير ج٣ ص١١٢- ١١٣.
وقول علي وقد سأل طلحة عما اخرجه عليه قال: الطلب بدم عثمان فقال علي ( قتل الله اولانا بدم عثمان ) مروج الذهب ج٢ ص٣٦٤.
٢- طبقات ابن سعد ج٥ ص٢٦ ترجمة مروان بن الحكم.
٣- مروج الذهب ج٢ ص٣٦٥، والاصابة لابن حجر ج٣ ص٢٩٠، وما بعدها ترجمة طلحة بن عبيد الله رقم ٤٢٥٩، وتهذيب التهذيب له ايضا ج٥ ص٢٠ وما بعدها والاخبار الطوال للدينوري ص١٤٨، وتاريخ خليفة بن خياط ج١ ص١٦٠- ١٦٢ وص١٦٥، وفيها ( رمى مروان طلحة بن عبيد الله بسهم ثم التفت الى ابان بن عثمان فقال ( قد كفيناك بعض قتلة ابيك ). وانظر ايضا الاستيعاب في معرفة الاصحاب لابن عبد البر تحقيق علي محمد البجاوي القسم الثاني ترجمة طلحة ففيه اضافة الى ما سبق ( ولا يختلف العلماء الثقات في ان مروان قتل طلحة يومئذ - يوم الجمل - وكان في حزبه ).
ويبدو مما ورد في مروج الذهب ان مروان كان يريد قتل الاثنين طلحة والزبير لو قدر عليهما فقد جاء في ص٣٦٥ المشار اليها قول مروان ( رجع الزبير ويرجع طلحة ما
ابالي رميت ها هنا ام ها هنا ) ثم يستمر المسعودي بعد ذلك قائلاً ( فرماه في اكحله - يعني طلحة - فقتله ).
وانظر شرح النهج ج٩ ص١١٣ - ١١٤.
٤- مروج الذهب ج٢ ص٣٣٧ - ٣٣٨.
وانظر ايضا في موقف الزبير رد علي الواضح في حواره معه قبل بدء معركة الجمل وهو يقول له ( اتطلب مني دم عثمان وانت قتلته سلط الله على اشدنا عليه اليوم ما يكره ) الطبري ج٤ ص٥٠٩، وقريب من هذا تجده في مروج الذهب ج٢ ص٣٦٣.
٥- شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج٣ ص٢٨.
وانظر ايضا في موقف عبد الرحمن بن عوف من عثمان الطبري ج٤ احداث سنة ٣٥ه- ص٣٦٥.
وما يقال عن عمرو وطلحة والزبير يقال عن السيدة عائشة وعبد الرحمن بن عوف.
ففيما يخص موقف السيدة عائشة يراجع الطبري ج ٤ ص٤٥٨ - ٤٥٩ وابن الأثير ج ٣ ص١٠٠ ومروج الذهب ج٢ ص٣٦٢.
اما عبد الرحمن بن عوف فيروي ابن ابي الحديد انه قال وقد ذكر له عثمان في مرضه الذي مات فيه ( عاجلوه قبل ان يتمادى في ملكه فبلغ ذلك عثمان فبعث الى بئر كان عبد الرحمن يسقي منها نعمه فمنع منها ووصى عبد الرحمن إلا يصلي عليه عثمان فصلى عليه الزبير أو سعد بن أبي وقاص وقد كان حلف لما تتابعت أحداث عثمان ألا يكلمه أبدا )(١) .
وفي حديث سعيد بن العاص لمروان ما يغنينا عن كل ما سبق حول موقف طلحة والزبير والسيدة عائشة من عثمان، فيذكر الطبري وابن الأثير أن مروان ابن الحكم وبعض المنحرفين عن علي قد خرجوا مصاحبين للثلاثة في توجيههم من مكة الى البصرة للتحريض على علي بحجة الطلب بدم عثمان. وحين بلغوا ذات عرق قال سعيد لمروان ( أين تذهبون وثأركم على أعجاز الإبل اقتلوهم ثم ارجعوا إلى منازلكم... ) قاصداً بذلك طلحة والزبير والسيدة عائشة(٢) .
وأسأل الآن بعد هذا، عن مكان هذا اليهودي بين هؤلاء ودوره فيما صدر عن كل منهم بالنسبة لعثمان.
فهل كان ابن سبأ وراء إبطاء معاوية عن نصرة عثمان حين أرسل إليه كتابه يستنجده ويطلب نصره.
____________________
١- الطبري ج٤ ص٤٥٣، وابن الأثير ج٣ ص١٠٢، وفيها ( يعني عائشة وطلحة والزبير ) وأنظر أيضاً حوار عمار بن ياسر معهم ورده عليهم في كتاب الفتوح الكبير لابن أعثم ج٣ ص١٢٣.
٢- الطبري ج٤ أحداث سنة ٣٥ ص٣٥٥، ٣٦٧، ٣٦٨، ٣٧١، ٣٧٣، ٣٧٤، ٣٧٥، ٣٧٦، وابن الأثير ج٣ أحداث السنة نفسها ص٥٩، وتاريخ خليفة بن خياط ج١ ص١٤٦.
أم كان هو الذي أغرى ابن العاص وطلحة والزبير وعبد الرحمن بالتحريض على عثمان.
أم كان وراء موقف السيدة عائشة في تشديد الحملة عليه.
أكان عبد الله بن سبأ هو من كتب الكتاب الذي طلب فيه عثمان - أو طلب باسمه - معاقبة الثائرين من المصريين وهو الكتاب الذي سبب عودتهم إلى المدينة وحصارهم عثمان بعد ما كانوا فصلوا عنها راجعين إلى بلادهم بالعهد المؤكد منه بإزالة اسباب الشكوى.
أكان هو الذي ختم الكتاب بختم الخليفة وهو الذي كلف الرجل بالسفر إلى مصر واكترى له راحلته التي حملته الى هناك(١) .
وقل ذاك أكان ابن سبأ هو الذي دفع عثمان الى ارتكاب ما ارتكب مما سبب نقمة المسلمين عليه وثورتهم ضده(٢) .
وأنا هنا لا أريد أن أخوض في هذه النقطة التي ينحصر كل الخلاف فيها بين من يؤتم عثمان أو يكفره(٣) وبين من يلتمس له العذر فيما صدر عنه من أفعال أو غرت قلوب المسلمين عليه ودفعتهم إلى ركوب الأحداث التي انتهت بمقتله.
وارجع إلى ما كنت فيه من حديث ابن سبأ لأناقش سؤالا خطر في ذهني الآن وهو انه لو صح لابن سبأ مثل هذا الدور في التحريض على عثمان وقتله أكان يستطيع أن يفلت من بني امية فلا يصيبوه بثأر عثمان بعد انتهاء الأحداث. ثم بعد اغتيال علي وانتقال السلطة أليهم وكان حيا عند ذاك(٤) وقد قتلوا من هو اخف جرما منه وأعلى مكانة واعز أسرة وارفع مقاما.
____________________
١- الطبري ج٤ ص٣٤٦ فما بعدها حيث ورد ذكر بعض هذه الأحداث وكذلك الملل والنحل للشهرستاني ج١ ص٢٦ ومقالات الإسلاميين ج١ هامش ص٥١ وما بعدها وهي مفصلة ايضا في شرح نهج البلاغة ج٢ ص٣٢٤ وما بعدها وج٣ ص٤- ٦. وكذلك في العواصم من القواصم للقاضي ابي بكر بن العربي ت ٥٤٣ ط المطبعة السلفية - القاهرة ١٣٧١ه- تحقيق السيد محب الدين الخطيب ص٦١ - ٦٢ وغيرها من المراجع التي عرضت لها تفصيلاً او اختصاراً.
٢- كالخوارج وكبعض فرق الزيدية كما مر بنا.
٣- بدليل ما ترويه المصادر من ان ابن سبأ قال لمن جاءه بنعي علي ( لو جئتنا بدماغه في صرة - او قارورة او سبعين قارورة باختلاف الروايات - لعلمنا انه لا يموت او لم نصدق بموته ) وهو ما يؤكد وجوده حياً عند مقتل علي. الفرق بين الفرق ص١٤٣ والتنبيه والرد للملطي ص٢٥ والحور العين ص١٥٤ والفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص ٣٦ والبدء والتاريخ ج٥ ص١٢٩ وخطط المقريزي ج٤ ص١٨٢ وتعريفات الجرجاني ص٦٧ والبيان والتبيين للجاحظ ج٣ ص٨١.
٤- الطبري ج٤ احداث سنة ٣٥ والتنبيه والرد للملطي ص١٤٨ وابن الأثير ج٤ احداث سنة ٣٥ ص٤٦.
ثم ما لابن سبأ، وهو - كما يقول المؤرخون - يملك كل هذا التأثير والنفوذ. وله كل هذا الدور في تحريك الأحداث السياسية وتوجيهها، يترك دوره ويتخلى عنه فلا نسمع له صورتا ولا نحس له وجودا بعد ذاك في تأييد ألهه ومعبوده علي والانتصار له، وقد خاض حروبا متصلة طول مدة خلافته بين الجمل وصفين وحروراء ؟ هل ذكر احد أن عبد الله بن سبأ أو واحدا من اتباعه قد ظهر او شارك أو قتل أو قاتل في تلك الحروب إلى جانب علي. او كان له دور مهما صغر شأنه فيها.
أتراهم اكتشفوا ألها جديدا غير علي فانتقلوا إلى عبادته وانصرفوا عن ألههم القديم فلم ينصروه ولم يقفوا إلى جانبه ؟!
وثمة شيء آخر يتصل بابن سبأ أريد أن أتناوله ما دمت قد وصلت في الحديث عنه إلى هذا الحد، ذلك أن أيا من المؤرخين والمؤلفين في الفرق والعقائد لم يعن بنهايته ولم يقل لنا كيف كانت ومتى.
وقد أرضى أن يغفل المؤرخون والمؤلفون في الفرق والعقائد حياته السابقة قبل دعوته إلى تأليه علي وقيام فرقته السبئية. وقبل قيادته الثورة ضد عثمان كما يذكرون. فلم تكن ولادته ونشأته قبلهما ألا كولادة ونشأة هذه الملايين الذين يأتون وقد يروحون من هذه الدنيا دون أن يعرفهم أو يحس بهم احد.
هذا صحيح. ولكن الصحيح أيضا أن الأحداث التي ارتبطت بابن سبأ بعد ذاك جعلت منه شخصا ذا وزن كبير في الحياة الدينية والسياسية للمسلمين. ويكفي انك لا تفتح كتاباً في التاريخ او في العقائد ألا واجهك ابن سبأ ببدعته
وهو يضلل الناس ويفتنهم عن دينهم. فليس مقبولاً أذن بعد هذه الشهرة التي صار أليها، أن نجهل كل شيء عن نهايته فلا نعرف أين توفي وكيف ومتى، ونحن نعرف كل شيء عمن هو دونه بكثير.
لقد تابع المؤلفون أخباره حتى قبل اشتهاره وذيوع اسمه فعرفوا أن أمه كانت سوداء وانه كان من يهود صنعاء على وجه التحديد(١) أفلم يتابعوا أخباره بعد ما اشتهر، فيعرفوا كيف انتهى أمره، هل توفي أم قتل وأين ومتى ؟ الم يذكر واحد من أتباعه، وهو رئيس فرقة - إذا عذرنا أعداءه - فيخبرنا عن شيء من ذلك ؟ أم أن ابن سبأ لم يمت.. لأنه لم يوجد.
ويبقى غير ما ذكرنا شيء يتصل بالغلو. ذلك أن الغلو في بعض الأشخاص والصعود بهم إلى مرتبة الآلهة، سواء في تأريخنا او تاريخ غيرنا هو من صنع الخيال لا من عمل العقل. فهل يستطيع الخيال أن ينشط كما يشاء ويصور كما يشاء ويغلو كما يشاء في شخص أنت تراه وتسمعه وتحادثه وتجالسه كباقي الناس. وتحكم على أفعاله فتصوبه وقد تخطئه فيها عندما تظن انه اخطأ كباقي الناس أيضا.
ولهذا كان العلو يصاحب الأموات عادة أو من هم في حكمهم ممن لا يمكن مشاهدتهم. دون أن يتعارض هذا مع الاحترام أو الإعجاب أو ما هو أكثر منهما للأحياء من الناس. ولكننا نتحدث هنا عن الغلو الذي يتجاوز بالإنسان حدود الآدمية إلى مرتبة الألوهية.
____________________
١- الفرق بين الفرق ص٣١.
فكيف اخترع المؤلفون أسطورة ابن سبأ والسبئية وتأليه علي والقول برجعته وعدم موته وان الرعد والبرق صوته وسوطه وهو معهم يحيا حياتهم، ليس بينه وبينهم من فرق ألا ما يكون بين شخص وشخص وألا ما يميز شخصاً عن شخص دون ان ينتقل به ذلك إلى مرتبة الألوهية.
ولو جاز ذلك لكان أولى بتأليه علي، أصحابه الأولون ممن لزموه وقدموه وتحملوا فيه وقاتلوا دونه وقتلوا معه او بعده بسبب ثباتهم على حبه والولاء له، حتى بعد قتله وانتقال السلطة إلى أعدائه.
كان أولى بالدعوة إلى تأليهه، أولئك الصفوة من الأنصار الصادقين الثابتين، لا عبد الله بن سبأ اليهودي الذي لم يعرفه - لو كان قد عرفه - ألا قبل سنوات من اغتياله.
الم يشعر مؤرخونا بالحرج وهم يجعلون جزء خطيرا من تأريخنا من صنع يهودي امه سوداء ؟ وماذا كان سيفعل لو كانت امه بيضاء، وكان عبد الله بن السوداء، عبد الله بن البيضاء ؟!
الم يشعروا بالاثم وهم يحولون كبار الصحابة ورجال الاسلام الى مجموعة لا فكر لديها ولا وعي، يقودها ويسيرها ويتلاعب بها يهودي امه سوداء ؟!
اليس كبيرا على العرب والمسلمين ما يتهمهم به مؤرخون عرب مسلمون ؟!
لقد كنت أشك قبل الآن برواية عبد الله بن سبأ، أما الآن فاحسبني قد تجاوزت الشك.
الغلو بعد علي:
في حديثي الذي تقدم عن السبئية قلت أن الغلو لم يعرف في عهد علي ولا في عهد الحسن والحسين بعده.
فحتى ثورة التوابين في عين الوردة عام ٦٥ه- لم يذكر احد من هؤلاء الثوار ولم يتهمهم احد من المؤرخين والرواة بأي شكل من أشكال الغلو في علي أو في الحسن أو الحسين ولم تتجاوز دعوتهم الثأر للحسين والندم لخذلانه وأنهم قد تابوا إلى الله - ومن هنا جاء اسمهم - مما ارتكبوه في عدم نصرتهم له وتخلفهم عنه.
وليس في ذلك ألا ما تجده عند أي شخص حين يحس بثقل ما فرط فيه وما ارتكبه من أثم جعل منه ضميرا خالصا، ومن حياته عذابا دائما لا يستطيع الخلاص منه ألا بالخلاص من الحياة نفسها فتراه يسعى إلى الموت وكأنه السبيل الوحيد يكفر به ما سلف من ذنبه.
لم يزد واحد من التوابين على ما ذكرنا ولم يتجاوزه الى أي امر آخر يمكن عده غلواً أو شيئاً قريبا من الغلو.
وبعد التوابين قام المختار ثائرا ضد الأمويين. وكانت ثورة سياسية دينية انتهت بالفشل ومقتل المختار كما هو معلوم.
وبرغم محاولات المؤرخين والمؤلفين في الفرق والعقائد النيل من هذه الثورة ومن صاحبها ألا أن أحدا منهم لم يستطع ان يثبت تهمة واحدة مقبولة تسمح بأن ينسب المختار إلى الغلو أو إلى ما هو قريب منه.
لقد قالوا انه كاذب، ولا ادري ما شأن الكذب بالغلو. فهل يجب في كل كاذب ان يكون غاليا، على افتراض صحة التهمة الموجهة للمختار بأنه كاذب.
وقالوا أن سراقة ادعى رؤية الملائكة تحارب في صفوف المختار وهي التي أسرته. وأين الغلو في ذلك. بل ما ذنب المختار ان يكذب غيره ويحمل هو التهمة عنه.
وقالوا، وهو اخطر ما اتهم به، أن المختار كان يتكهن ويسجع وانه ادعى النبوة عند خواصه وان الوحي ينزل عليه(١) .
ولا ادري ما قيمة دعوى النبوة إذا اقتصرت على الخاصة. فهذه الدعوى تكون عادة للعامة وتوجه أليهم حتى لو بدأت مع الخاصة، وهي لا بد أن تبدأ معهم.
وفي حالة المختار بالذات فان هذا في غير حاجة الى ادعاء النبوة لدى خاصته، فهم يعرفونه ويعرفون كذب دعواه ودعوى غيره بالنبوة بعد محمد.
وأظن هذا هو الذي دفع ابن حزم - وهو يصر على اتهام المختار - إلى القول ( وقد حوم المختار أن يدعي النبوة لنفسه )(٢) فابن حزن كما ترى لا يريد ان يخرج المختار سليماً من هذه التهمة بعد ما سبقه أليها غيره، فهو إن لم يكن قد ادعى النبوة حقاً وهذا ما لا يمكن إثباته عليه، فلا اقل من انه حوم حولها وهذا ما لا يصعب إضافته إليه.
وأسأل من أين علم ابن حزم ذلك ن أكان هو الآخر يعلم الغيب الذي اتهم المختار به ما دام هذا لم يدع النبوة ولم يعلن عنها ولم يصرح بها ولم يتهمه احد من أعدائه الذين حاربهم وحاربوه، بادعائها ؟!
____________________
١- الفصل في الأهواء والملل والنحل ج٥ ص٤٣.
٢- انظر حديثنا عن فرق الرافضة ص٥١ وما بعدها.
ولو صحت الدعوى لذاع أمرها وانتشر واستفاض بين الناس وتحدثوا بها فليست هذه الدعوى مما يمكن ستره وكتمانه. وهي بطبيعتها موجهة إلى الناس، إلى اكبر عدد من الناس. فذلك مقياس نجاحها وتأثيرها. وذلك الذي يعطي قيمتها ويحقق لمدعيها في الوقت نفسه ما يطمح إليه ويسعى إلى بلوغه.
ومع ذاك فلافتراض أن شخصا اسمه المختار ادعى النبوة حقا ولم يكتف بالحوم حولها كما يقول ابن حزم، فما شأن علي وأبنائه بذلك. وأين الغلو في إن يدعي المختار أو غير المختار انه نبي أو اله ويجد من يصدقه في دعواه.
أظن الأقرب إلى الصواب أن نقول أن مدعي النبوة أو الألوهية هو الأبعد عن علي وال علي. وفي دون ذاك ثار من ثار واستشهد من استشهد منهم.
غفر الله لمؤرخينا، ماذا يقولون لأنفسهم لو خلوا إليها في لحظة ضمير.
لقد شوهوا صورة المختار حقا. ولكنهم قبل ذاك شوهوا تأريخنا نحن، وهو اكبر من المختار.
هذا فيما يخص المختار. وعلى الجانب الآخر محمد بن الحنفية الذي لم نسمع من ادعى انه نبي أو اله حتى وفاته عام ٨١.
ودونك كتب المؤرخون والمؤلفون في الفرق والعقائد فهل وجدت أن فرقة قامت في حياة محمد بن الحنفية وزعمت انه نبي أو اله أو بلغت فيه حد الغلو أو قريبا من هذا الحد.
متى بدأ الغلو أذن أو ما اصطلح المؤلفون على تسميته غلواً ؟
يبدو لي أن الغلو بدأ مع أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية. فالملاحظ أن أولى صور الغلو ظهرت عند أشخاص كانوا من أصحابه أو على علاقة به. وهم الذين سبقوا إلى القول بالتناسخ والحلول حين زعموا أن روح أبي هاشم - الذي كان إماما أو نبيا أو ألها باختلاف الفرق والروايات - قد انتقلت أليهم فصاروا هم بهذا أئمة أو أنبياء أو آلهة.
فالغلو كما ترى لم يكن علويا ولا حسنيا ولا حسينيا، ولم يعرف في زمنهم وإنما عرف في زمن عبد الله بن محمد بن الحنفية، ومعه كانت بدايته.
رأينا ذلك فيما سبق، ونحن نبحث بعض ما سمي بفرق الرافضة(١) وسنراه عندما نتناول بعد قليل فرق الغلاة.
ولكن ألا ترى معي أن نقف ولو قليلا عند أبي هاشم نفسه قبل الحديث عن هذه الفرق التي ترتبط به وتتخذ منه زعيما لها، فذلك أحرى أن يسهل البحث وييسر المدخل أليه.
والحق أننا لا نعرف عن عبد الله هذا ما يتناسب مع دوره على المستويين السياسي والديني.
ومع ذاك فان المعلومات المتوفرة لدينا يمكن أن تلقي بعض الضوء على شخصية أبي هاشم وتفسير بعض مواقفه.
وهذه المعلومات تقول انه ( كان صاحب الشيعة وأوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وصرف الشيعة أليه ودفع كتبه أليه ومات عنده.. )(٢) .
____________________
١- نسب قريش لمصعب بن عبد الله بن مصعب الزبيري نشر وتحقيق أ. ليفي بروفنسال - دار المعارف للطباعة والنشر ١٩٥٣ ص٧٥ وبالمعنى نفسه طبقات ابن سعد ج٥ ص٢٤١ وميزان الاعتدال ج٢ ص٤٨٣ ترجمة عبد الله بن محمد بن الحنفية.
٢- مقاتل الطالبيين ص١٢٦.
وانه كان ( لسنا خصما عالما )(١) وان سليمان بن عبد الملك سمه عندما وفد أليه في قضاء حوائجه عام ٩٩(٢) .
وانه ( قد وضع الأرصاد على كثير - المقصود كثير عزة الشاعر - فلا يزال يؤتى بالخبر من خبره فيقول له إذا لقيه كنت في كذا وكنت في كذا إلى أن جرى بين كثير وبين رجل كلام فأتي به أبو هاشم فاقبل به على أدراجه فقال له أبو هاشم كنت الساعة مع فلان فقلت له كذا وكذا وقال لك كذا وكذا فقال له كثير اشهد انك رسول الله )(٣) .
فأبوا هاشم كما يظهر لم يكن على صلة طيبة مع أبناء عمومته من آل الحسن والحسين فقد استقل بدعوته وبأنصاره بعيدا عنهم، وربما زدت، انه كان ينفس عليهم ما يحتلونه في قلوب المسلمين من منزلة رفيعة وما يقلونه لديهم من حب واحترام.
وأظن هذا قد يفسر موقف أبي هاشم ووصيته إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وصرفه من الشيعة إليه تاركا أبناء عمومته هؤلاء، وهم أمس رحما به وأدنى قرابة.
وإذا كان هذا يحصل أحيانا فيما بين أبناء العمومة بحكم المنافسة التي قد تقوى وتشتد فيما بينهم فتدفع بهم إلى مواقف متباعدة او متعارضة ربما بلغت حد الاقتتال. ألا أن سببا حديدا بمكن أضافته في حالة أبي هاشم هذا، هو ما يمكن أن اسميه ب- ( عقدة فاطمة ).
فابو هاشم هو ابن محمد المعروف بابن الحنفية، ومحمد هذا هو ابن علي من زوجته خولة بنت جعفر بن قيس الحنفي والتي لا يمكن ان تقاس ببنت محمد والدة اخويه الحسن والحسين.
____________________
١- مقاتل الطالبيين ص١٢٦ والكامل لابن الأثير ج٤ احداث سنة ٩٩ ص٣١٦.
٢- الأغاني لأبي الفرج ج٩ ترجمة كثير عزة ص١٨.
٣- المنية والأمل لقاضي القضاة تحقيق وتعليق الدكتور عصام الدين محمد علي نشر دار المعرفة الجامعية بالإسكندرية ١٩٨٥ الطبقة الثالثة ص٢٤ وطبقات المعتزلة لأحمد ابن يحيى بن المرتضى تحقيق سوسنة ديفلد - فلزر بيروت ١٩٦١ الطبقة الثالثة ص١٧ وفضل الاعتزال وطبقات المعتزلة لقاضي القضاة الطبقة الثالثة ص٢١٤.
وأنا لا أريد أن أصادر البديهيات فأنكر ما لهذا العامل من اثر على محمد. لكنني لا أستطيع أن أنكر من جانب آخر أن محمدا كان أخا اصغر للحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، ورابطة الأخوة ليس من السهل نسيانها أو إلغاؤها، إلى ما كان عليه محمد من فضل ودين.
ثم أن حياة الحسن والحسين قد انتهت بالاستشهاد سماً او قتلاً في أروع مأساة عرفها تاريخ المسلمين. وقد رحلا ورحلت فاطمة قبلهما، وأصبح هو كبير العلويين.
ومع رحيلهم لابد أن تكون العقدة قد رحلت أيضا أو لم يبق منها ما يبين أثره على محمد.
لكن محمدا مات عام ٨١ وخلفه ابنه أبو هاشم. وبموته بعدت القرابة وضعفت الرابطة واصبح الإخوة أبناء عمومة، ولم يعد هناك ما يمنع ( عقدة فاطمة ) من الظهور أو يحد من تأثيرها.
وهذا ما حصل حين أوصى أبو هاشم بالأمر من بعده، لا إلى واحد من أبناء عمومته الادنين وفيهم من هو أهل لذاك وإنما لواحد من العباسيين هو محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس - الذي لا يلتقي معه ألا في الجد الأبعد عبد المطلب بن هاشم.
فإذا انتقلنا إلى الصعيد الديني فسنواجه شخصا اقل ما أصفه به انه لم يكن مستقيم السيرة ولا واضح النهج. لا يردع من يغلو فيه ولا يبرأ منه كما فعل الأئمة من أبناء فاطمة بعده. ولا يكتفي بالسكوت أو الأعراض عنه، وإنما هو
يركض وراء هذا الغلو ويلتمس الأسباب والوسائل إليه ولا يمتنع حتى من التجسس على أصحابه وأنصاره ليبدو إمامهم وكأن الوحي ينزل عليه بأسرارهم، فعله مع كثير عزة كما رأينا.
فأبو هاشم في نظري هو الذي سن الغلو وسبق إليه. ومنه وبسببه انتقل إلى من بعده.
وسنرى أن أولى الفرق الغالية من حيث الزمان كانت على صلة به، وادعى رؤساؤها الوصية منه، وان روحه تحولت فيهم.
فإذا ثبت هذا، وهو ما تؤكده جميع المصادر، فان سؤالا كبيرا سيرد هنا، ذلك أن المعتزلة يزعمون أنهم اخذوا الاعتزال من أبي هاشم في سلسلة يصلونها عن طريقه بعلي ومحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم دعما وتأييدا لمذهبهم(١) .
والاعتزال كما هو معروف اقرب المذاهب الإسلامية الى العقل. والغلو هو ابعد المذاهب عن العقل، فكيف يمكن لشخص أو مذهب أن يجمع بينهما، ألا أن يكون كاذبا في احدهما او فيهما معا.
أن إمام العتزلة الذين يحرصون على تأكيد اتصالهم به واخذ مذهبهم عنه لم يكن مع الأسف بالمنزلة التي يفخر مذهب بالانتماء إليه، حتى لو لم يكن هذا المذهب هو مذهب المعتزلة.
وأعود إلى الغلاة وفرقهم ملاحظين منذ البدء أن التسمية التي اولع بها المؤلفون وهي ( فرق ) الغلاة ليست دقيقة بل لا تخلو من تجاوز كبير للحقيقة إذا افترضنا في الفرقة حدا أدنى من الاشخاص الذين تضمهم عقيدة معينة ويجمعهم
____________________
١- سبق ان رأينا مثل هذه الفرق في بحثنا عن الرافضة.
تصور مشترك على المستوى الديني والسياسي والفكري. ولهم مؤلفاتهم وكتبهم التي تعكس هذا التصور، ورؤساؤهم الذين يحملون عبء العقيدة ويعبرون عنها ويعملون على دعمها ونشرها، وجماهيرها التي تؤمن بها وتدافع عنها بالسيف أو باللسان أو بالقلب. ولها أخيرا امتدادها الطبيعي في الزمان والمكان.
هذا ما يفترض ضرورة في الفرقة، وليس فيه كما ترى تزيد أو غلو.
ولكننا فيما يخص الغلاة سنجد ( فرقا ) كاملة لا نعرف من إتباعها غير واحد فحسب هو الذي جعل منه المؤلفون صاحب فرقة تحمل اسمه وتنتسب إليه، ثم حكموا على هذه الفرقة التي لم توجد، بالغلو والكفر والخروج من الإسلام وحملوا الشيعة طبعا مسؤولية ما خلقوه(١) .
ونقطة أخرى قد يكون من المناسب أن أشير إليها هنا فإذا كان هؤلاء الغلاة - كما رأيت وسترى - بين مدعي الألوهية له أو لعلي وبين منكر لنبوة محمد ومدعيها له أو لعلي وبين محلل ما حرم الله أو محرم ما حلل. فلم لا يسميهم المؤلفون ( مرتدين ) بدلا من الغلاة وهو الاسم الأقرب والأولى بهم كما أظن. وقد أطلق اسم المرتد على من هو اقل واهون جرما ومن لم يفعل أكثر من امتناعه عن إرسال صدقات قومه إلى المدينة مفضلا توزيعها على فقراء قومه ؟!.
ماذا تكون الردة أذن أن لم يكن كل ذلك ردة ؟! لماذا ترك المؤلفون اسم المرتدين وتعلقوا بدلا منه باسم الغلاة ؟ اظنني لن أجد صعوبة في الإجابة بان اتخاذ اسم المرتدين لأولئك سيقطع الطريق على المؤلفين الذين يريدون الربط بين الغلاة من جهة وبين الشيعة من جهة أخرى ويبحثون الغلاة ضمن فرق الشيعة،
____________________
١- مقالات الإسلاميين ج١ ص٦٨ والملل والنحل ج١ ص١٥١ والحور العين ص١٦٠ وان كان الأخيران يبحثان الحربية في فرق الكيسانية لا في الغلاة.
بينما يتعذر عليهم ذلك إذا اخذوا باسم المرتدين الذين سبقوا أن وجدوا مباشرة بعد وفاة النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم أول خلافة أبي بكر أو، بالنسبة لبعضهم، في حياة النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه.
واعتذر للقارئ عن هذا الاستطراد الذي أرجو ألا يكون عديم الفائدة لأتناول ( فرق ) الغلاة مبتدئا بالحربية.
الحربية:
الحربية هم أصحاب عبد الله بن حرب الكندي يزعمون كما يقول الأشعري والشهرستاني والحميري(١) أن روح أبي هاشم بن محمد بن الحنفية تحولت فيه وأن أبا هاشم نص على إمامته.
أما البغدادي فيضيف إلى ذلك أن دعوى أصحابه فيه كدعوى البيانية في بيان. ودعوى هؤلاء هي النبوة أو الألوهية كما سيأتي(٢) .
ويذهب الأسفراييني إلى أن عمرا كان يدعي انتقال روح الإله من عبد الله بن الحنفية إليه كما يدعي الألوهية(٣) .
ويسميهم المقريزي الحزنية أتباع عبد الله بن عمرو الحزني دون أن يضيف شيئاً(٤) .
أما ابن حزم فيفصل أكثر عند تعرضه للحربية وابن حرب وهذا نص ما ورد فيه عنهم ( وقالت طائفة منهم - يعني من الغلاة - بآلهية عبد الله بن الحرب الكندي الكوفي وعبدوه وكان يقول بتناسخ الأرواح وفرض عليهم تسع عشرة
____________________
١- الفرق بين الفرق ص١٤٩.
٢- التبصير في الدين ص٧٣.
٣- خطط المقريزي ج٤ ص١٧٨.
٤- الفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص٥٠.
صلاة في اليوم واليلة في كل صلاة خمس عشرة ركعة الى أن ناظره رجل من متكلمي الصفرية وأوضح له براهين الدين فأسلم وصح إسلامه وتبرأ من كل ما كان عليه... )(١) .
وأول ما يرد هنا ونحن نتحدث عن ابن حرب ونص أبي هاشم على إمامته أو ألوهيته، هو ما يتعلق بموقف الشيعة من قضية الإمامة والنص عليها، ثم حق أبي هاشم في تحويلها ونقلها.
فمن المعروف أن أهم فرقتين من فرق الشيعة هما الاثنا عشرية والزيدية. والزيدية لا يقولون في الإمامة بالنص، لا على أبي هاشم ولا على غير أبي هاشم ليستطيع هذا تحويلها إلى من شاء.
أما الاثنا عشرية من الشيعة فلهم أئمتهم الذين نعرفهم، وليس بينهم أبو هاشم ولا ابن الحنفية أبوه.
وعلي بن أبي طالب نفسه، لم يكن في نظر أولئك وهؤلاء من الشيعة ألا إماما بالوصف أو بالنص فكيف يجوز أن تحمل دعوى النبوة او الألوهية من ابن حرب أو من غيره على الشيعة، ولم يكن علي عندهم نبياً ولا ألها وإنما الأفضل بين الصحابة والأحق بالخلافة فيهم.
واذا كان أبو هاشم قد نص على عبد الله بن حرب إماما أو نبياً أو ألها كما نص على آخرين، فليكن الغلو محصوراً فيه ولا يمتد إلى غيره من فرق الشيعة وأئمتهم الذين يبرؤون ممن يسميهم المؤلفون في العقائد بالغلاة، وبشهادة هؤلاء المؤلفين أنفسهم.
____________________
١- في مقالات الإسلاميين ج١ ص٦٦ والفرق بين الفرق ص١٤٥، والتبصير في الدين ص٧٢، والحور العين ص١٦١ والملل والنحل ج١ ص١٥٢ والفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص٤٤ هو بيان بن سمعان التميمي وفي فرق الشيعة ص٣٠ بيان الهندي وفي اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٥٧ بنان بن اسماعيل الهندي وفي تعريفات الجرجاني ص٢٧ بنان بن سمعان التميمي وفي خطط المقريزي ج٤ ص١٧٦ بيان بن سمعان دون لقب اما الملطي فيكتفي باسم ابيه دون اسمه ص٣٠ حين يتحدث عن الذين يقولون ( بنبوة ابن سمعان ) لكنه في ص١٤٨ يقول وانما سموا البيانية ببيان دون أي توضيح.
ثم ما هي صفة أبي هاشم هذا ؟ ماذا يكون ؟ إماما أم نبيا أم ألها ليستطيع من تحولت روحه اليه، أن يشغل ما يشاء من الوظائف الثلاث. فما أظن من كانت درجته إماما بقادر مثلا أن يعين نبيا أو ألها كما أصبح ابن حرب.
قد يستطيع أبو هاشم أن يعين نصف إمام أو - وهذا أقصى ما يقدر عليه - إماما كاملاً لكنه لا يستطيع في أي حال أن يتجاوز ذلك الى تعيين نبي أو إله وإلا فان زملائي الحقوقيين سيعترضون. فالقاعدة القانونية التي يتمسكون بها ويعتبرونها من بديهيات عملهم تقول أنه ( لا يملك الإنسان أن يملك أكثر مما يملك ).
وعلى كل فيبدو أنني سأعود للحديث عن أبي هاشم. فان غالبية الأئمة والأنبياء والآلهة قد جرى تعيينهم من قبله كما يذكر المؤلفون. وقد سبق أن رأينا أبا هاشم ينصب محمد بن علي بن عبد الله بن عباس إماما. وهو الآن ينصب عبد الله بن حرب. وسنراه قريبا ينصب بيان بن سمعنا وآخرين.
ولا أدري إن كان ابن محمد بن الحنفية وهو ينصب الأئمة ويوزع الإمامة، قد جعل من كل واحد من هؤلاء إماما كاملا مستقلا بإمامة كاملة أم انه قسم الإمامة نفسها إلى أرباع أو أخماس او ما هو دون على عدد الموصى أليهم وأعطى كلا منهم حصته فيها، أو في النبوة أو الألوهية لمن رفضوا قبول الإمامة ورأوا أنفسهم اكبر منها ؟!
وقبل أن انتهي من حديث ابن حرب ستكون لي وقفة قصيرة عند رأي ابن حزم فيه، فابن حزم يذكر أن عبد الله بن حرب قد فرض على إتباعه تسع عشرة صلاة في اليوم في كل صلاة خمس عشرة ركعة خلافا لكل مدعي النبوة والألوهية في ذلك العصر والذين كانوا أميل إلى التساهل في أمور الدين والتخفيف من قيوده حتى أن الكثيرين منهم استحلوا المحرمات وأباحوا الخمر والزنا واسقطوا الصلاة تبعا لما يذكر المؤلفون في الفرق كما سنرى. فما بال ابن حرب من دونهم يتشدد في دينه الجديد فيزيد في عدد الصلوات ثم يزيد في عدد الركع في كل صلاة ؟!
وماذا بعد الصلاة ؟ فهل انحصر دينه كله فيها وفي ركعاتها الخمس عشرة ؟ فلا ابن حزم ولا غيره حدثونا عن شيء من ذاك.
ثم يقول ابن حزم أن عبد الله بن حرب قد تبرأ من كل ما كان عليه واسلم وصح إسلامه على اثر مناظرة جرت له مع احد متكلمي الصفرية من الخوارج.
واسأل أن كان ابن حزم جادا فيما يقول. فقد يصح هذا لو كان الرجل تابعا مخدوعا. أما وانه صاحب النحلة ومدعي الربوبية. فكيف يتصور رجوعه عما كان فيه، لأن واحدا من الصفرية أو غير الصفرية ناظرة في ذلك ؟ أكان ابن حرب جاهلا بما يفعل حين ادعى الألوهية وحين عبده أتباعه وحين فرض دينا جديدا بصلاة جديدة تختلف عما جاء به محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
أكان ذلك كله نتيجة خطأ ليتركه أثر مناظرة جرت له مع واحد من الخوارج. وهل يمكن للجهل والخطأ ان يقعا حتى في الألوهية، ليمكن الاعتذار عن ابن حرب عند ذلك ؟!
ثم ألم يصادف ابن حرب من يسأله أو يناظره قبل هذا الواحد، من كل من عرفوه واتصلوا به من داخل أو خارج دينه الجديد.
لقد سهل ابن حزم العذر عن عبد الله بن حرب، وليته كان كذلك مع الآخرين.
البيانية:
قبل أن أمضي في الحديث عن البيانية أود أن أؤكد نقطة أساسية ربما فاتني ذكرها في بداية الفصل. هي أن الغلاة الذين يتحدث عنهم مؤرخو العقائد هم الغلاة في علي كما يزعمون.
ولهذا كانوا يبحثونهم في الفصل المخصص للشيعة ويعيبون الشيعة بهم.
ولهذا أيضاً حاولت من خلال هذا الفصل أن أوضح صورة هؤلاء الغلاة وحقيقة أمرهم، ثم خطأ ما يذهب إليه المؤرخون من وجود علاقة بينهم وبين الشيعة ابتداء من علي.
وأعود إلى البيانية من الغلاة وساترك اختلاف المؤلفين في اسم زعيمها أهو بيان أم بنان وفي اسم أبيه ونسبه تميمي أم نهدي أم هندي(١) .
سأتجاوز الاسم واللقب الى الفرقة ذاتها وعقيدتها وأحاول ذلك في ضوء ما أورده المؤرخون عنها.
____________________
١- مقالات الإسلاميين ج١ ص٦٧ والفرق بين الفرق ص١٤٥ والملل والنحل ج١ ص١٥٢ والحور العين ص١٦١ ويلاحظ ان الشهرستاني والحميري يبحثان البيانية ضمن فرق الهاشمية المنسوبين الى ابي هاشم بن محمد بن الحنفية والتبصير في الدين ص٧٢ والتعريفات ص٢٧.
فماذا لدى هؤلاء عن البيانية ؟!
يقول الأشعري والبغدادي والشهرستاني والحميري والأسفاراييني والجرجاني ان الإمامة انتقلت إليه من أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية(١) .
ويزيد البغدادي والأسفراييني والمقريزي بأن روح الإله تناسخت في الأنبياء والأئمة حتى صارت إليه(٢) .
والشهرستاني بأن الجزء الإلهي الذي كان في علي قد انتقل اليه بنوع من التناسخ(٣) .
ويتفق الأشعري والبغدادي والحميري في أن بياناً هذا كان يدعي معرفته بالاسم الأعظم وبه يدعو الزهرة فتجيبه(٤) .
ويذكر البغدادي والأسفراييني وابن حزم أن بياناً كان يزعم أنه المعني بقول الله ( هذا بيان للناس )(٥) فهو البيان الوارد في القرآن(٦) .
ويتفق الأشعري والبغدادي والشهرستاني والحميري على أنه كان يقول ان اله على صورة إنسان وانه يهلك كله الا وجهه(٧) متأولاً قول الله ( كل شيء هالك الا وجهه ) و ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك )(٨) .
كما يذكر البغدادي والأسفراييني ان بياناً هذا نسخ بعض شريعة محمد.
وأخيراً فان منهم من يدعي له النبوة والإمامة كالأشعري(٩) أو النبوة كابن حزم(١٠) أو الإمامة والنبوة والألوهية كالبغدادي(١١) .
أو الإمامة والخلافة كالشهرستاني(١٢) .
____________________
١- الفرق بين الفرق ص١٤٥ والتبصير في الدين ص٧٢ وخطط المقريزي ج٤ ص١٧٥ - ١٧٦.
٢- الملل والنحل ج١ ص١٥٢.
٣- مقالات الإسلاميين ج١ ص٦٦ والفرق بين الفرق ص١٤٥ والحور العين ص١٦١.
٤- الفرق بين الفرق ص١٤٥ والتبصير في الدين ص٧٢ والفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص٤٤.
٥- سورة آل عمران ١٣٨.
٦- مقالات الإسلاميين ج١ ص٦٦ والفرق بين الفرق ص١٤٥ والملل والنحل ج١ ص١٥٣ والحور العين ص١٦١.
٧- سورتا القصص ٨٨ والرحمن٢٧.
٨- الفرق بين الفرق ص١٤٥ والتبصير في الدين ص٧٢ ومقالات الإسلاميين ج١ ص٦٧.
٩- الفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص٤٤.
١٠- الفرق بين الفرق ص١٤٥.
١١- الملل والنحل ج١ ص١٥٣.
١٢- مقالات الإسلاميين ج١ ص٦٨ فما بعدها.
فماذا كان بيان هذا ؟ خليفة أم إماما أم نبياً أم إلهاً أم هو كل ذلك فأنا لم أستطع أن أعرف مهنته على وجه التحديد، وكل واحد ممن رأينا من المؤلفين يجعله صاحب مهنة وأحيانا مهنتين أو أكثر في وقت واحد.
ولأفترض صحة ما ذكروه من انتقال الإمامة أو الألوهية إليه، فأين الغلو في علي ؟!
ان الذي صار به بيان إماما أو نبياً أو إلهاً هو أبو هاشم لا علي، وان الروح الذي انتقل اليه وحل فيه هو روح أبي هاشم لا روح علي الذي لم يزد في حالة بيان على ان يكون واحدا في هذه السلسلة الطويلة التي مرت بها الألوهية وهي تنتقل من شخص لآخر حتى وصلت بيانا واستقرت فيه بعتد أن أتعبها طول السفر وكثرة المحطات من آدم حتى ابن محمد بن الحنفية.
وما الفرق بين علي وبين أي أحد من أولئك الذين مرت بهم الألوهية لينسب بيان والبيانية الى الغلو فيه لا في واحد آخر منهم.
أن اقل ما يوصف به بيان، انه تساوى مع علي ما دام كل منهما إماما أو نبيا أو ألها حسب ما يقوله المؤلفون.
فالحديث إذن عن غلو بيان والبيانية في علي حديث لا مكان له. بل ما أظن بيانا يقبله ويرضى به بعد أن صارت إليه الألوهية واستقرت فيه ولم يعد لعلي منها شيء.
ثم ما هو مذهب أو دين هذا الإمام أو النبي أو الإله الذي سماه المؤلفون بيانا. ومن هم صحابته وأركان ملته ؟ ومن أين بدأت دعوته ومتى وكيف تطورت وكيف انتهت ؟
ألم يكن لهذه الفرقة امتداد في الزمان أو المكان ؟ ألم يكن لها مؤلف أو كاتب يكتب عنها ويظهر عقيدتها نرجع إليه كلما أردنا الإطلاع على أمر مما يخصها ؟ أليس لهاتراث فكري على الإطلاق ؟! وكيف صارت أذن فرقة هي ومثيلاتها من الفرق السابقة واللاحقة في نظر من ألفوا في العقائد والفرق ؟!
لقد قال بيان انه نبي أو اله وهذا يوجب عليه أول ما يوجب أن يكون له دين يبشر به ويدعو إليه فما هو هذا الدين وأين سنعثر عليه ؟!
ألم يفكر في الصلاة على الأقل كما فعل صاحبه عبد الله بن حرب فيزيد فيها أو يقلل منها.
أيكون نبي أو اله ولا يعرف احد عن دينه ولا عن أصحابه شيئا ؟! أم انه لم يكن له دين ولا أصحاب، ولم تكن البيانية كفرقة ألا وهما تتابع عليه المؤلفون في العقائد لأنهم أرادوه.
المغيرية:
والمغيرية من فرق الغلاة المشهورة التي يطيل المؤلفون الحديث عنها. فما شأن هؤلاء المغيرية وما شأن زعيمهم المغيرة. وهل هو حقاً من أصحاب الغلو كما يروي المؤلفون في العقائد أم من الثوار أم من السحرة ؟!
يقول عنهم الأشعري في مقالات الإسلاميين وهو يتحدث عن الغلاة(١) ( يزعمون أنه - يعني المغيرة - كان يقول انه نبي وانه كان يعلم اسم الله الأكبر وان معبودهم رجل من نور على رأسه تاج وله من الأعضاء والخلق مثل ما للرجل وله.... ).
____________________
١- الفرق بين الفرق ص١٤٦ فما بعدها.
( وزعم أنه يحي الموتى بالاسم الأعظم وأراهم أشياء من النيرنجات والمخاريق وذكر لهم كيف ابتدأ الله الخلق فزعم أن الله - جل اسمه - كان وحده لا شيء معه فلما أراد أن يخلق الأشياء تكلم باسمه الأعظم فطار فوقع رأسه التاج قال وذلك قوله ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال ثم كتب بإصبعه على كفه أعمال العباد من المعاصي والطاعات فغضب من المعاصي فعرق فاجتمع من عرقه بحران احدهما مالح مظلم والأخر نير عذب ثم اطلع في البحر فأبصر ظله فذهب ليأخذه فطار فانتزع عين ظله فخلق منها شمساً ومحق ذلك الظل وقال لا ينبغي أن يكون معي اله غيري ثم خلق الخلق كله من البحرين فخلق الكفار من البحر المالح المظلم وخلق المؤمنين من النير العذب.... ).
ويقول عنهم البغدادي في الفرق بين الفرق(١) ( هؤلاء أتباع المغيرة بن سعيد العجلي وكان يظهر في بدء أمره موالاة الأمامية ويزعم أن الإمامة بعد علي والحسن والحسين إلى سبطه محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي(٢) وزعم انه هو المهدي المنتظر... وتبعته الرافضة على دعوته إياهم ألى انتظار محمد بن عبد الله بن الحسن ثم انه اظهر لهم بعد رياسته عليهم نوعا من الكفر الصريح منها دعواه النبوة... ).
ثم يسترسل البغدادي كما فعل الأشعري قبله في الحديث عن التاج الذي وقع فوق راس الله وعن العرق الذي تصبب منه غضبا وهو يرى معاصي عباده بعد أن كتب أعمالهم بإصبعه على كفه.
ويمضي في الحديث عن البحرين اللذين اجتمعا من عرق الله وكيف انه أبصر ظله في البحر فذهب ليأخذه فطار - يعني الظل لا الله - فانتزع عيني ظله فخلق منهما الشمس والقمر وأفنى الباقي..
____________________
١- المعروف بالنفس الزكية خرج في المدينة ايام المنصور وقتل عام ١٤٥ وهو من سراة العلويين وذوي الفضل والدين منهم كانت ولادته في المدينة ٩٣ وقد أخطأ البغدادي هنا ايضا كعادته سهواً أو عمداً حين ذكر ان المغيرة كان يدعو الى انتظار محمد بن عبد الله بن الحسن ( النفس الزكية ) فمحمد هذا لم يكن قد قتل بل لم يكن قد اشتهر وعرف عندما قتل المغيرة عام ١١٩ وقد وقع في هذا الخطأ الأشعري في مقالات الإسلاميين ج١ ص٧٣ والمقريزي في الخطط.
٢- الملل والنحل ج١ ص١٧٦ وما بعدها.
ويذكرهم الشهرستاني فيقول(١) ( أصحاب المغيرة بن سعيد العجلي ادعى أن الإمامة بعد محمد بن علي بن الحسين - الباقر - في محمد النفس الزكية بن عبد الله بن الحسن بن الحسن الخارج بالمدينة وزعم أنه حي لم يمت(٢) ..
وادعى الإمامة لنفسه بعد الإمام محمد وبعد ذلك ادعى النبوة لنفسه واستحل المحارم وغلا في حق عليرضياللهعنه غلوا لا يعتقده عاقل ).
واستحلال المحارم تهمة جديدة لم يجد الشهرستاني حرجا في إضافتها إلى المغيرة خصوصا وأن هذا الرجل قد تحمل الكثير قبلها فماذا يضيره لو أضيفت إليه تهمة جديدة أخرى.
ثم يكرر الشهرستاني ما سبق ان رايناه عند الاشعري والبغدادي من حديث العرق والظل والعذب والمالح فيفيض فيه ويتابع (... وقد قال المغيرة بإمامة أبي جعفر بن علي - الباقر - ثم غلا فيه وقال بآلهيته فتبرأ منه الباقر ولعنه... ).
ويقول ابن حزم(٣) ( وفرقة قالت بنبوة المغيرة بن سعيد مولى بجبلة بالكوفة.. ).
وهو يردد ما رأيناه أنفا فلا حاجة لذكره لكنه لا ينسى أن يضيف هو أيضا تهمة جديدة ينسبها إلى المغيرة الذي يبدو أنه كان سمحا سهل الخلق لا يضيق بتهمة أو اثنين أخريين أو أكثر. ثم انه ليس أحسن حظا ممن سبقه أو لحقه من الذين قدر عليهم أن يكتب ابن حزم وأمثاله سيرتهم. فليتأس بأصحابه وليترك أمره لله فلعل ضميرا حرا سيرد عنه وعن أصحابه في يوم، ما عجزوا هم عن رده من كتابات ابن حزم وأمثاله.
____________________
١- المصدر السابق ص١٧٦- ١٧٧ وقد سبق ان قلت ان قتل محمد النفس الزكية كان عام ١٤٥ وقتل المغيرة عام ١١٩ أي قبل النفس الزكية بست وعشرين سنة فلا مجال للقول ان المغيرة كان يدعي ان النفس الزكية حي لم يمت لأنه لم يكن فعلا قد مات - قتل - عندما كان المغيرة حيا يتصرف بالإمامة كما يريد او يريد المؤلفون ولم يقتل النفس الزكية الا بعد المغيرة بست وعشرين سنة كما ذكرنا.
٢- الفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص٤٣ - ٤٤.
٣- اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٥٨.
وتهمة ابن حزم الجديدة تتعلق ب- ( تحريم ماء الفرات وكل ماء نهر أو عين أو بئر وقعت فيه نجاسة... ).
ويختصر الرازي موضوع المغيرة والمغيرية بأنه ( ادعى الآلهية ثم أحرقوا بالنفط والنار )(١) .
والآن ماذا يقول المؤرخون عن المغيرة والمغيرية ؟
يقول الطبري عند الكلام عن أحداث سنة ١١٩(٢) .
( وفي هذه السنة - يعني ١١٩ - خرج المغيرة بن سعيد وبيان في نفر فأخذهم خالد(٣) فقتلهم أما المغيرة بن سعيد فإنه كان - فيما ذكر - ساحرا... عن الأعمش قال سمعت المغيرة بن سعيد يقول لو أردت أن احيي عادا وثمودا وقرونا بين ذلك كثرا لأحييتهم...
وكان المغيرة قد نظر في السحر فأخذه خالد فقتله وصلبه.
... عن مولى عمرو بن حريت - والكلام ما يزال للطبري - قال رأيت خالدا حيت أتى بالمغيرة وبيان في ستة رهط أو سبعة أمر بسريره فاخرج إلى المسجد الجامع وامر باطنان قصب ونفط فأحضرا.
وعن علي بن محمد قال خرج المغيرة بن سعيد نفر وكانوا يدعون الوصفاء وكان خروجهم بظهر الكوفة فأخبر خالد القسري بخروجهم وهو على المنبر فقال أطعموني ماء فنعى عليه ذلك ابن نوفل فقال(٤)
أخالد لا جزاك الله خيراً.........
وكنت لدى المغيرة عبد سوء تبول من المخافة للزئير
____________________
١- تاريخ الطبري ج٧ احداث سنة ١١٩ ص١٢٨ وما بعدها.
٢- خالد بن عبد الله القسري البجلي والي الكوفة من ١٠٥- ١٢٠ حيث عزل وتولى مكانه يوسف بن عمر الثقفي.
٣- يحيى بن نوفل الحميري احد الشعراء الهجائين في زمن الأمويين ت نحو ١٢٥.
٤- الكامل لابن الأثير ج٤ احداث سنة ١١٩ ص٤٢٨.
وقلت لما أصابك أطعموني شراباً ثم بلت على السرير
لا علاج ثمانية وشيخ كبير السن ليس بذي نصير
ويقول ابن الأثير في كلامه عن أحداث سنة ١١٩ أيضاً(١) ( وفي هذه السنة خرج المغيرة بن سعيد وبيان في ستة نفر كانوا يسمون الوصفاء وكان المغيرة ساحراً وكان يقول لو أردت أن احيي عاداً وثموداً وقروناً بين ذلك كثيراً لفعلت وبلغ خالد بن عبد الله القسري خروجهم بظهر الكوفة وهو يخطب فقال: أطعموني ماء فقال يحيى بن نوفل في ذلك ( الأبيات السابقة ).
لكن ابن الأثير يضيف الى كلامه السابق ما أورده المؤلفون في العقائد قبله من سقوط التاج وغضب الله والبحرين العذب والمالح وتحريم ماء الفرات والمياه الاخرى الخ.
وفي خطط المقريزي(٢) ( والفرقة الثامنة المغيرية أتباع مغيرة بن سعيد العجلي مولى خالد بن عبد الله طلب الإمامة لنفسه بعد محمد بن عبد الله بن الحسن فخرج على خالد بن عبد الله القسري بالكوفة في عشرين رجلاً فعطعطوا به فقال خالد أطعموني ماء وهو على المنبر فعير بذلك... وادعى - يقصد المغيرة - النبوة وزعم أن معجزته علمه بالاسم الأعظم وأنه يحيي الموتى... ) ثم الحديث نفسه عن عرق الله بعد غضبه وعن البحر العذب والبحر المالح...
____________________
١- خطط المقريزي ج٤ ص١٧٦.
٢- البدء والتاريخ ج٥ ص١٣٠.
ويقول صاحب البدء والتاريخ(١) ( فأما المغيرية فأصحاب المغيرة بن سعيد أثبتوا له النبوة وزعموا أن محمد بن الحنفية لو شاء أحيى الخلق حتى عاداً وثموداً فأخذه خالد فقتله وصلبه ).
وقبل هؤلاء قال محمد بن حبيب في المحبر(٢) ( وصلب خالد بن عبد الله القسري في خلافة هشام بن عبد الملك المغيرة بن سعيد البجلي ثم الاحمسي وخرج عليه بالكوفة داعياً لمحمد بن عبد الله بن الحسن وكان يقول هو المهدي فظفر به وبأصحابه فصلب المغيرة وحرق أصحابه بالنار وهم الذين يدعون ( المغيرية ).
فما هي صورة المغيرة هذا ؟ أي الأقوال نأخذ بها وأيها نترك ؟ هل هو رئيس فرقة وصاحب مذهب ؟ هل هو ثائر ضد السلطة ؟ هل هو مشعوذ ساحر ؟ هل هو داعية من دعاة العلويين هل.. هل هو كل هذا ؟
سأترك اختلاف المؤلفين في نسب المغيرة أهو عجلي أم بجلي من بجيلة أنفسهم أو مولى لهم فهذا ما يمكن التسامح فيه كما فعلنا من قبل مع بيان بن سمعان.
وسأترك هذا الهذيان عن العرق والعذب والمالح وعيني الظل الذي يريد أن يصدقه هؤلاء ويقتنعوا به، وأن نصدقه نحن ونقتنع به فهو كما قلت هذيان لا يصدر إلا عن مجنون ولا يجوز إلا على مجنون. وما أظننا هنا نتعامل مع هذا الصنف ولا نكتب عنهم.
سأتجاوز كل ذاك لأسأل لمن كان المغيرة يدعو بالإمامة ؟ لمحمد بن عبد الله
____________________
١- ابو جعفر محمد بن حبيب البغدادي الأخباري الهاشمي بالولاء ت ٢٤٥ له مصنفات كثيرة في اللغة والشعر والأخبار والأنساب منها كتاب المحبر الذي ننقل عنه بتصحيح الدكتورة ليلزة ليختن شتيتر منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ص٤٨٣.
٢- مقالات الإسلاميين ج١ ص٧٣.
ابن الحسن ( النفس الزكية ) أم لمحمد بن علي بن الحسين ( الباقر ) أم لنفسه هو ؟
فالبغدادي يقول عن المغيرة أنه ( يزعم أن الإمامة بعد علي والحسن والحسين الى سبطه محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي..) النفس الزكية دون أن تمر بأي شخص آخر، وأنه هو المهدي المنتظر.
بينما ينسب الشهرستاني الى المغيرة القول بإن الإمامة في محمد بن علي بن الحسين ( الباقر ) ثم من بعده في محمد النفس الزكية مخالفا في ذلك البغدادي الذي يتجاوز الباقر في الإمامة كما رأينا.
بل يزيد الشهرستاني فيقول ان المغيرة غلا في محمد بن علي الباقر فجعله إلها وطلب من أصحابه أن ينتظروه فإنه سيرجع وجبريل وميكائيل يبايعانه بين الركن والمقام. وهو في ذلك يخالف الأشعري الذي يجعل بيعة الملكين للنفس الزكية لا للباقر(١) .
أما صاحب البدء والتاريخ فلا يتحدث إلا عن محمد بن الحنفية ويدعي أن المغيرية يزعمون أن ابن الحنفية هذا لو شاء لأحيى الخلق حتى عادا وثمودا.
ويقول المقريزي ان المغيرة طلب الإمامة لنفسه بعد محمد النفس الزكية مع أن المغيرة قتل بإجماع سنة ١١٩ في خلافة هشام بن عبد الملك وثار النفس الزكية وقتل ١٤٥ في خلافة أبي جعفر المنصور أي بعد ست وعشرين سنة من مقتل المغيرة الذي يدعي المقريزي أنه كان يطلب الإمامة بعده(٢) .
على أن المؤلفين لا يختلفون فقط فيمن كان المغيرة يدعو إليه من العلويين الاثنين: الباقر أو النفس الزكية، وإنما يضيفون إليهما ثالثا هو المغيرة ذاته الذي
____________________
١- خطط المقريزي ج٤ ص١٧٦.
٢- الملل والنحل ج١ ص١٧٤ واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٦٠ وخطط المقريزي ج٤ ص١٧٥ اما صاحب الفرق بين الفرق فيجعلهم من فرق الإمامية ويعالجهم تحت هذا العنوان ص٣٥ وكذلك ابن حزم في الفصل ج٥ ص٤١.
يجعلونه إماما أونبيا. وأنا أشك أن يقبل إمام أونبي لنفسه أن يكون مجرد تابع وداعية لواحد ممن هم دونه رتبة أو مساوون له في أحسن الحالات !!
وبعد دعوى الإمامة أو النبوة التي لم نصل فيها الى نتيجة واضحة كما ظهر حتى الآن.
ننتقل الى دعوى السحر التي علقت بالمغيرة. فهل كان هذا فعلا مشعوذا ساحرا كما وصفه بعض المؤلفين. وهل كان قتله لهذا السبب ؟
قد يكون المغيرة نظر في السحر وكان يري الناس أشياء من النيرنجات والمخاريق كما يقول الأشعري. لكن كيف نفسر خوف خالد القسري، وهو والي العراق، واضطرا به الى الحد الذي أصبح موضع سخرية الناس في ذلك العهد حتى قال فيه الشعراء ما رأينا بعضه، وهو لا يواجه جيشاً ولا عدواً ذا شوكة وقوة بل واحداً من هؤلاء الذين لا تزيد بضاعتهم على خفة اليد والحركة. ولم يكن شيء أسهل عليه من قتله دون خوف أو اضطراب ودون أن يستطعم الماء وهو على المنبر.
ثم أن الشعر الذي رأيناه لا يشير من قريب أو بعيد الى ما يتهم به المغيرة من تعاطي السحر. وكان حرياً بالشاعر لو صحت التهمة، أن يعرض لها ويجعلها ضمن ما يهجو به خالداً خصوصاً وأنه لم يقصر في وصف المغيرة وأصحابه الاعلاج الثمانية ولم يقصر في هجاء خالد ووصف حالته حين بلغه نبأ خروجهم وهو يخطب.
فهل كان المغيرة إذن ثائراً ضد السلطة القائمة آنذاك ؟ وإذا قبلنا هذا
الفرض فلا بد أن تسأل عن هذه الثورة التي قادها والتي نجهل كل شيء عنها وتخلو المصادر من أي ذكر لها وكم عدد الذين ثاروا مع المغيرة وحملوا السلاح في ثورته تلك. أهم الثمانية وشيخهم الذي لا نصير له كما يقول يحيى بن نوفل ؟ وما عسى أن يبلغ هؤلاء في مواجهة خصم هو الدولة، حتى لو رفعنا عددهم الى عشرين وهو أعلى رقم لم يذكره لهم غير المقريزي.
ثم ما علاقة بيان. بن سمعان بالمغيرة وخروجه معه، وهو كما يدعي المؤلفون في العقائد، زعيم فرقة اخرى يسمونها البيانية كما مر بنا. فهل تخلى بيان وتخلى أتباعه وأنصاره عن فرقتهم ومبادئها لينضموا الى المغيرة في ثورتهم التي لا يجمعون معهم فيها أكثر من تسعة أشخاص أو عشرين شخصاً عند المكثر من المؤلفين، بينهم زعيما الفرقتين.
أية فرقة هذه التي لا تستطيع أن تحشد مجتمعة عندما تريد أن تحارب أكثر من عشرين ؟!
ألا نعذر يحيى بن نوفل إذن وهو ينعى على خالد خوفه، ولم ينشب قتال ولم يجرد سيف ولم تتعرض الكوفة لأي خطر، ولا يمكن.
ويظل السؤال عن المغيرة.
ويظل السؤال الآخر كيف أصبح هذا ( المغيرة ) من الشيعة، حتى مع إضافة لفظ ( الغلاة ) إليهم، هذا القيد الذي يلجأ إليه الكتاب والمؤلفون في العقائد عادة، وكأنهم يحاولون أن يخففوا التهمة عنهم، وهم يحشرون في صفوف الشيعة كل من رفضوا معتقده أو استقبحوا مذهبه.
لقد برئ أئمة الشيعة زعماؤهم من المغيرة كما يقول هؤلاء المؤلفون أنفسهم. فماذا يريدون أكثر من ذلك لنفيه ونفي أمثاله وإخراجهم من صفوف الشيعة، وترك الحديث عن غلاة الشيعة، فليس هناك شيعة وغلاة شيعة، وإنما هناك شيعة وغير شيعة فحسب من فرق المسلمين الأخرى، أو من الخارجين على الإسلام.
ان غلاة فرقة ما، هم الذين يحتلون أحد طرفي هذه الفرقة، ولكنهم لا يخرجون عنها وإلا لما جاز أن تضيفهم إليها فتقول ( غلاتها ).
فهل يصح هذا في حالة المغيرية وأمثالهم ؟ وهل يعتبر شيعيا، حتى لو سمي غاليا، أي شيعيا متطرفا، من يشرك بالله ويجعل عليا إلها آخر معه، أو من ينكر نبوة محمد أو يشكك فيها ؟!
أظنني أجب على السؤال... الآخر.
بقي أن أقول ان المغيرة وأمثاله ربما كانوا في وقت ما من أصحاب الأئمة من آل البيت لكن هذا لا يمنع أيا منهم أن تنازعه نفسه للسلطة والرئاسة فيحاول أن يجعل من الصعود بهم فرق منازلهم وإضافة صفات تدخل في حد الكفر إليهم، ثم الزعم بانتقال هذه الصفات إليه، طريقه لما يريد، مستغلا سذاجة من يدعوهم ويغرر بهم، وحبهم وتقديرهم لآل بيت النبي.
ولكن ما ذنب آل البيت عند ذاك ؟ وما ذنب الشيعة أن يخرج واحد أو اثنان أو أكثر فيدعون ما يدعي المغيرة وأشباهه إذا أعلنوا براءتهم منهم ونفوهم عنهم ولعنوا من يصدقهم أو يتصل بهم.
وهل خلت الأديان والمذاهب والفرق الأخرى من أمثال هؤلاء المشعوذين والخارجين والمتنكرين لأديانهم ومذاهبهم وفرقهم.
وهل تحملت تلك الأديان والمذاهب والفرق تبعة المشعوذين والخارجين والمتنكرين ؟!
الكاملية:
وهؤلاء أصحاب رجل لا يعرفه المؤلفون إلا بكنيته: أبي كامل دون أن يضيفوا(١) . أما من أبو كامل هذا، ما اسمه لقبه ماذا كان نشاطه. في أي البلاد ولد وفي أي عصر وأين كانت وفاته ومتى. فهي أمور لا يعرض لها المؤلفون، مع أنهم يكتبون عن رئيس فرقة يؤرخون لها ولعقيدتها ويمنحونها اسما خاصا بها وهم يعدون فرق الغلاة من الشيعة.
وسواء صح وجود هذا ( الأبي كامل ) أم لم يصح، فالكاملية تمثل نموذجاً آخر للفرق التي يدعوها المؤلفون في العقائد ب- ( غلاة الشيعة ).
ولن أطيل الحديث في هذه الفرقة ولن أحتاج إليه فقد كفاني ذلك ما أورده المؤلفون أنفسهم من أن الكاملية يقولون بتكفير علي بن أبي طالب.
ولا أدري فيم غلو الغلاة أفي حب علي أم في بغضه وتكفيره ؟!
وإذا كان الشيعة يرفضون أن يضاف إليهم - حتى مع قيد الغلاة - من يؤلهون عليا فهل سيقبلون بأن يكون منهم من يكفره ؟
ولن يبرر موقف المؤلفين من هذه الفرقة، ولن يسمح لها بمكان بين الغلاة
____________________
١- مقالات الإسلاميين ج١ص٦٧.
أو إضافتها إليهم، ان تكفيرهم لعلي كان كما يقول أولئك المؤلفون بسبب سكوته وتركه قتال الصحابة الذين كفروا بترك بيعته.
ماذا سيكون الهذيان غير هذا أو دون هذا ؟ كيف تقول عن فرقة انها غالية - يعني في علي - ثم تقول انها تكفره لأي سبب كان تكفيره.
لو جعل المؤلفون الكاملية من فرق الخوارج لعذرناهم ولكانوا أقرب الى الحق والمنطق.
وعلى كل فهذا ما يقوله المؤلفون أعرضه هنا ولكنني لا أملك تغييره.
الجناحية:
فرقة أخرى من الفرق التي يقول كتاب المقالات انها من غلاة الشيعة.
وزعيم الفرقة التي تحمل هذا الاسم، هو عبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر ( ذي الجناحين ) بن أبي طالب.
ولا أدري لماذا تجاوز المؤلفون في تسمية هذه الفرقة، اسم مؤسسها عبد الله بن معاوية، وذهبوا الى جده الكبير جعفر بن أبي طالب ( ذي الجناحين ) شهيد معركة مؤتة عام ٨ه-، خلافاً لما ساروا عليه من نسبة الفرق الى مؤسسيها، كما مر بنا حتى الآن، كالبيانية والمغيرية والكاملية. وحتى السبئية، فبرغم أن اسم زعيمهم هو عبد الله سبأ، وقد سبق الحديث عنه وعن فرقته، إلا أن شهرته بابن سبأ تتجاوز شهرته باسمه عبد الله.
لعل السبب في ذاك أن اسم رئيس الفرقة مركب، والنسبة للمركب
أصعب من النسبة الى الاسم المفرد، فضلاً عن أن اسم عبد الله يطلق على كثير من رؤساء الفرق، كعبد الله بن سبأ وعبد الله بن عمرو بن حرب، فاختير ( الجناحية ) تجنباً للبس مع العبادلة من رؤساء الفرق الأخرى.
كما تركت النسبة لجده جعفر ( ذي الجناحين ) وهي أولى وأوضح من الجناحية ربما للسبب نفسه أيضاً، أي لما يمكن أن يجره ذلك من الخلط بين أصحابه الجعفرية، نسبة الى جده جعفر بن أبي طالب، وبين الجعفرية: أصحاب الإمام جعفر بن محمد الصادق أكبر فرق الشيعة.
وأعود الآن الى عقيدة هذه الفرقة التي يقول عنها الأشعري(١) ( يزعمون أن عبد الله بن معاوية كان يدعي أن العلم ينبت في قلبه كما ينبت الكمأة والعشب وان الأرواح تناسخت وأن روح الله كانت في آدم ثم تناسخت حتى صارت إليه.
قال وزعم أنه رب وأنه نبي فعبده شيعته وهم يكفرون بالقيامة ويدعون أن الدنيا لا تفنى ويستحلون الميتة والخمر وغيرهما من المحارم ويتأولون قول الله عز وجل ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا )(٢) .
وقال عنهم البغدادي(٣) ( هؤلاء أتباع عبد الله بن معاوية ابن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب وكان سبب إتباعهم له أن المغيرية الذين تبرؤوا من المغيرة بن سعيد بعد قتل محمد بن عبد الله بن الحسن خرجوا من الكوفة الى المدينة يطلبون إماما فلقيهم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فدعاهم الى
____________________
١- سورة المائدة ٩٣.
٢- الفرق بين الفرق ص١٥٠.
٣- لقد قتل المغيرة سنة ١١٩ ومحمد النفس الزكية لم يكن قد خرج بعد، بل لم يكن قد عرف وشهر ( قتل سنة ١٤٥). أما خروج عبد الله بن معاوية فكان سنة ١٢٧ أي بعد ثماني سنوات من مقتل المغيرة.
ولا ادري كيف صبر اولئك المساكين الذين كانوا يفتشون عن إله لهم مدة ثماني سنوات من غير أن يعثروا عليه حتى ظفروا عن طريق الصدفة بعبد الله الذي اتفقوا معه على ان يشغل منصب الإله الشاغر حتى ذلك الوقت.
نفسه وزعم أنه هو الغمام عبد علي وأولاده من صلبه فبايعوه على إمامته ورجعوا الى الكوفة وحكوا لأتباعهم أن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر زعم أنه رب وأن روح الإله كانت في آدم ثم في شيث ثم دارت في الأنبياء والأئمة الى أن انتهت الى علي ثم دارت في أولاده الثلاثة ثم صارت الى عبد الله ابن معاوية وزعموا أنه قال لهم أن آلعلم ينبت في قلبه كما تنبت الكمأة في العشب(١) .
وكفرت هذه الطائفة بالجنة والنار واستحلوا الخمر والميتة والزنا واللواط وسائر المحرمات وأسقطوا وجوب العبادات وتأولوا العبادات على أنها كنايات عمن تجب موالاتهم من أهل البيت علي وقالوا في المحرمات المذكورة في القرآن انها كنايات عن قوم يجب بغضهم كأبي بكر وعمر وطلحة والزبير وعائشة... ).
ويقول عنهم الشهرستاني(٢) ( وكان من مذهب عبد الله أن الأرواح تتناسخ من شخص الى شخص وأن الثواب والعقاب في هذه الأشخاص أما أشخاص بني آدم وأما أشخاص الحيوانات قال وروح الله تناسخت حتى وصلت إليه وحلت فيه وادعى الإلهية والنبوة معا وانه يعلم الغيب فعبده شيعته الحمقى...
وعنه نشأت الخرمية والمزدكية بالعراق... )
ويقول ابن حزم عنه(٣) ( وكان عبد الله هذا رديء الدين معطلا مستصحبا للدهرية ).
ويقول الحميري(٤) ( وكان عبد الله بن معاوية يقول انه رب وان العلم
____________________
١- الفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص٣٦.
٢- الحور العين ص١٦٠.
٣- خطط المقريزي ج٤ ص١٧٦.
٤- الفرق بين الفرق ص١٥٠ وشيء قريب من هذا تجده في الحور العين ص١٦٠ وان كان الحميري يجعل الوفد المسافر للتفتيش عن الإمام أصحاب عبد الله بن عمرو بن حرب لا أصحاب المغيرة.
ينبت في قلبه كما تنبت الكمأة والعشب وان الأرواح تتناسخ وان روح الله كانت في آدم ثم نسخت حتى صارت فيه فعبدته شيعته وكفروا بالقيامة وزعموا أن الدنيا لا تفنى واستحلوا الخمر والميتة وغيرها من المحارم وتأولوا قول الله ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ).
ويتناولهم المقريزي فيذكر أنهم(١) ( أتباع عبد الله بن معاوية.. وزعموا أنه إله... ومذهبهم استحلال الخمر والميتة ونكاح المحارم وأنكروا القيامة.. وزعموا أن كل ما في القرآن من تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير كناية عن قوم لزم بغضهم مثل أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية وكل ما في القرآن من الفرائض التي أمر الله بها كناية عمن يلزم موالاتهم مثل علي والحسن والحسين وأولادهم ).
فالجناحية إذن يعبدون عبد الله بن معاوية الذي هو عندهم إله، ويستحلون الخمر والزنا والميتة وباقي المحارم. وهذا ما سأعود الى الحديث عنه فيما بعد. لكن ليس من المناسب قبل ذاك، وتمهيدا له، أن نناقش الأسلوب الذي تم به تعيين هذا الاله، وكيف أسندت إليه رتبة الألوهية ؟!
يحدثنا البغدادي عن ذلك كما رأينا، فيذكر أن المغيرية.. ( خرجوا من الكوفة الى المدينة يطلبون إماماً، فلقيهم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، فدعاهم الى نفسه وزعم أنه هو الإمام بعد علي وأولاده من صلبه. فبايعوه على إمامته، ورجعوا الى الكوفة وحكوا لأتباعهم أن عبد الله بن معاوية زعم أنه رب. وأن روح الإله كانت في آدم ثم في شيث، ثم دارت في الأنبياء والأئمة
____________________
١- الفرق بين الفرق ص١٥٠.
الى أن انتهت الى علي. ثم دارت في أولاده الثلاثة. ثم صارت الى عبد الله بن معاوية... الخ )(١) .
والحق انني لم أكن أعرف قبل، أن الأئمة والأنبياء والآلهة يجري اختبارهم بهذا الأسلوب الذي كشف عنه البغدادي لأول مرة. إذ يلتقي الذين يفتشون لهم عن إمام أو نبي بمن تتوفر فيه الصفة المطلوبة، فيتم الاتفاق بين الطرفين: الإمام أو النبي أو الإله من جهة، والأتباع من جهة أخرى. ولا يمنع ذلك أن يتم هذا اللقاء في الطريق، ومن غير موعد سابق. بل ومن غير معرفة سابقة لأحد الطرفين بالآخر.
وأحسب أن لو عرفت ذلك العصر، الطباعة لما احتاج هؤلاء الأتباع الى الذهاب بأنفسهم، ولاكتفوا بإعلان ينشرونه في الصحف، عن حاجتهم الى من يملأ منصب إمام أو نبي.. أو حتى إله شاغر ؟!
وبعد أن ينتهي البغدادي من تعيين عبد الله بن جعفر إلهاً للجناحية، يبدأ في الحديث عن عقيدتهم، فيفصل ما أجمله الأشعري منها. ثم يلاحظ أن الأشعري قد أغفل موقف هؤلاء من الصحابة، فلم يوجه إليهم أية تهمة في هذا الشأن. فماذا عليه لو أضاف تهمة جديدة تنسب إليهم، مثل القول إن العبادات هي ( كنايات عمن تحب موالاتهم من أهل بيت علي ) والمحرمات ( كنايات عن قوم يجب بغضهم كأبي بكر وعمر وطلحة والزبير وعائشة ).
وهذا ما فعله البغدادي(٢) .
أما المقريزي فيأسف ألا تكون لديه هو أيضاً تهمة يضيفها الى عبد الله
____________________
١- خطط المقريزي ج٤ ص١٧٦.
٢- الملل والنحل ج١ ص١٥٢.
والجناحية، بعدما سبقه الآخرون الى كل ما يخطر على باله من تهم. فعمد الى ايضاح المقصود ب- ( المحارم ) أو ( المحرمات ) عند الأشعري والبغدادي فقال: انه: ( نكاح المحارم ) من أم أو بنت أو أخت. فعبد الله بن معاوية كان يجيز لنفسه: إذن نكاح أمه أو بنته أو أي من محارمه الأخريات كما يرى المقريزي(١) .
غير أن الاكتشاف الأهم، هو الذي تم بجهود الشهرستاني الذي أثبت أن المزدكية التي عرفتها فارس قبل الإسلام، قد نشأت عن مذهب عبد الله هذا(٢) .
وربما يكتشف بعضهم في مذهب عبد الله ما فات الجميع حتى الآن.
بقي أن أسأل أين موضع علي في كل هذا وما شأنه به ؟
عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ( ذي الجناحين ) بن أبي طالب، رجل ليس من أبناء علي ولا من أحفاده، يدعي الإمامة أو النبوة أو الألوهية، وإن روح الإله كانت في آدم وتناسخت حتى صارت إليه وعبده أتباعه.
وسواء صح هذا كما يزعم المؤلفون أم لم يصح. فما علاقته بالغلو في علي، وهو ما يفترضه عنوان البحث، مع أن الحديث كله عن غلو الجناحية في عبد الله بن معاوية وعبادتهم له.
وأي غلو أكثر من زعمك، أن روح الإله قد حلت فيه، وانه تحول الى إله أو نبي بدين جديد، حلل فيه حرام الإسلام وحرم حلاله ؟!
وإذا كانت المسافة التي قطعتها روح الإله في سفرتها، ابتداء من آدم حتى
____________________
١- تاريخ الطبري ج٧ احداث سنة ١٢٧ ص٣٠٢ وابن الأثير ج٥ احداث نفس السنة ص٣.
٢- الطبري ج٧ احداث سنة ١٢٧ ص٣٠٢ وما بعدها واحداث سنة ١٢٩ ص٣٧١ وما بعدها وابن الأثير ج٥ احداث سنة ١٢٩ ص٣٦ وما بعدها والاغاني ج١٢ ترجمة عبد الله بن معاوية ص٢٢٩.
عبد الله بن معاوية طويلة جدا، وعبرت خلالها من المحطات، بعدد الأنبياء والأئمة. كما يقول المؤلفون. فلماذا لا يكون الغلو في آدم الذي انطلقت منه، أو في عبد الله بن معاوية الذي استقرت فيه، أو في واحد من الألوف الذين حلت فيهم ورحلت عنهم، ليرتبط من دون أولك كلهم بعلي وبنيه، وهم لا يختلفون في شيء عن غيرهم ممن مرت بهم روح الإله ثم تحولت عنهم كما يدعون. مع علمنا بإن روح الإله التي حلت في علي وبنيه لم تكن تجيز الخمر والزنا، ولا المحرمات الأخرى. فكيف اختلفت وأصبحت عند انتقالها الى عبد الله بن معاوية، واستقرارها فيه - مع قرب المسافة بين الطرفين - تستحل الخمر والزنا ونكاح المحارم، وتنكر القيامة والجنة والنار ؟
ثم اني اعرف شخصا اسمه هو أيضا عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ( ذي الجناحين ) بن أبي طالب، ولا أدري إن كان هو نفسه الذي يتحدث عنه الأشعري والبغدادي والشهرستاني... الخ أم هو شخص آخر غيره.
لكن هذا الشخص الذي أعرفه كان ثائرا ضد السلطة الأموية.
يقول عنه الطيري في حوادث سنة ١٢٧(١) .
( وفي هذه السنة دعا الى نفسه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بالكوفة وحارب بها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان فهزمه عبد الله بن عمر فلحق بالحبال وغلب عليها ).
واستمر عبد الله في ثورته حتى سنة ١٢٩، وتنقلت ساحات قتاله بين
____________________
١- ابوه الغضبان بن القبعثري من سادات بني شيبان في العصر الأموي.
وخلال ذلك خاض معارك كثيرة، جرب فيا حظه من النصر والهزيمة والفوز والخذلان، حتى انتهى سنة ١٢٩ قتيلاً في هراة بأمر أبي مسلم صاحب دولة العباسيين.
ويذكر الطبري وابن الأثير(١) أن جيش ابن معاوية ضم في صفوفه اليمن وربيعة ومضر وأهل الكوفة والزيدية والخوارج، والكثير من وجوه العرب وذوي البيوت، كعبد الرحمن بن يزيد بن المهلب وعمر بن الغضبان بن القبعثرى الشيباني(٢) ومنصور بن جمهور الكلبي(٣) وإسماعيل بن عبد الله القسري، شقيق خالد بن عبد الله القسري، والي العراقيين من قبل هشام بن عبد الملك وعمرو بن سهل بن عبد العزيز بن مروان، ومن كان معهم من أهل الشام. كما أتاه بنو هاشم: والسفاح والمنصور وعماهما عبد الله وعيسى ابنا علي ابن عبد الله بن عباس. وقد أسر أولهما في آخر معارك عبد الله بن معاوية.
فعلى امتداد ثلاث سنوات ١٢٧، ١٢٨، ١٢٩ كان ابن معاوية يحارب، ويحارب معه أصحابه، فيقتلون ويقتلون. وبينهم رؤوس العرب ووجوه الهاشميين والأمويين. وبينهم أهل الكوفة والشام. وبينهم الخوارج المتشددون في أمور الدين، والذين يكفرون تمن يرتكب أدنى خطيئة واهون ذنب.
الم يكتشف واحد من هؤلاء شيئا مما اتهم به عبد الله بن معاوية، وهو كثير خطير ابتداء من دعوى الألوهية والنبوة وحتى نكحاح المحارم ؟!
وكيف إذن اكتشفه بعد مئات السنين، الأشعري والبغدادي
____________________
١- من رجال كلب وفرسانهم خرج مع يزيد بن الوليد، مات في الصحراء بين السند وسجستان عام ١٣٢ عند قيام الحكم العباسي.
٢- تاريخ الطبري ج٧ احداث سنة ١٢٩ ص٣٧٤.
٣- الأغاني ج١٢ ترجمة عبد الله بن معاوية ص٢٢٥.
والشهرستاني والمقريزي وغيرهم ؟!
أم أنهم اكتشفوا ذلك ورضوا به واعتقدوه. وكان قتالهم مع ابن معاوية ديناً وعقيدة، عن معرفة وايمان ورضى بنكاح الأم والبنت والأخت ؟!
ان أشد ما اتهم به عبد الله بن معاوية، هو ما أشار إليه الطبري(١) في الحديث الذي دار بين عامر بن ضبارة وبين عبد الله بن علي، عم السفاح والمنصور، وما أورده أبو الفرج في ترجمته لعبد الله بن معاوية.
فأما الطبري فيروي أنه حين أتي بعبد الله بن علي أسيراً ن في آخر معركة خاضها جيش ابن معاوية عام ١٢٩ ضد الجيش الأموي وانهزم فيها، سأله عامر ابن ضبارة قائد الجيش الذي أسره ( ما جاء بك الى ابن معاوية وقد عرفت خلافة أمير المؤمنين ؟ قال كان عليّ دين فأديته ) ثم قال له ابن ضبارة ( ان الذي قد كنت معه قد عيب بأشياء فعندك منها علم قال نعم وعابه ورمى أصحابه باللواط ).
وانتهى الحديث كما يروي الطبري بين الاثنين.
وألاحظ أولا أن الحديث كان يدور بين ابن ضبارة، قائد الجيش المنتصر وبين عبد الله بن علي الأسير لديه، والذي كانت حياته كلها معلقة بكلمة أو إشارة تصدر من آسره. وهي مسألة لا بد أن تؤخذ في الاعتبار، عند الحكم على موقف عبد الله أو موقف شبيه منه.
ثم انه لا ابن ضبارة، ولا عبد الله بن علي، قد وجها تهمة واحدة محددة لعبد الله بن معاوية، غير تهمة الخلاف لأمير المؤمنين أي الخروج على السلطة
____________________
١- فرق الشيعة للنوبختي ص٣٤ و٣٥. وفي ( فرق الشيعة ) ط النجف ص٣٨ ( وقال بالسرياني أي بني ).
وهي تهمة سياسية ليس فيها ما يتصل مطلقا بما ألصف به فيما بعد. بل ان ما الصق به يتنافى عادة، مع السياسة والثورة وطبيعة الثوار.
أما ما زاد على ذاك، فلا يحدد تهمة ولا يؤكد عيبا. فكل ما قاله قائد الجيش أن ابن معاوية قد عيب بأشياء. وكل ما رد به عبد الله أن له علما بهذه الأشياء. فلا السائل ولا المسؤول بينا الأشياء التي عيب بها عبد الله بن معاوية.
وما أظن من حق أحد، بعد قرنين من الزمان أو أكثر، أن يختلق تهما يرمي بها ابن معاوية، وهي لم تعرف حتى من أعدائه وأثناء ثورته عليهم وقتاله لهم.
لو كان ابن معاوية حقا كما اتهم، لما تردد عامر بن ضبارة في بيان تلك التهم، والزيادة فيها والإضافة إليها في حديثه مع عبد الله.
فلم يكن ابن ضبارة رفيقا بعبد الله بن معاوية الى هذا الحد، ليمر بالتهم المنسوب إليه فلا يصرح بها، وهو الذي دخل معه حربا، كان من المحتمل أن يفقد جيشه ومنصبه وحياته فيها.
بل لكان ابن ضبارة وغير ابن ضبارة ممن هم فوقه أو دونه، قد أسرعوا الى استغلال تلك التهم لتشويه سمعة عبد الله وإضعاف أمره وتفريق أصحابه عنه، خلال المدة التي استمرت فيها ثورته. ولما انتظروا فيها هزيمته وأسر من أسر من جيشه، ومنهم عبد الله بن علي. فماذا يجدي عليهم ذلك الآن وقد انتهى الرجل وزال خطره وأصبح مشغولا بالبحث عن ملجأ له.
أما اتهام أصحاب عبد الله باللواط، فلا أدري مَن من أصحابه كان ذلك ؟ الخوارج، أم وجوه الهاشميين والأمويين، أم رؤساء القبائل وذوو البيوت منهم ؟!
وعلى كل فان تهمة اللواط لم توجه له وإنما لأصحابه. ثم ان اللواط - مع اعتبار الظرف الذي كان يحيط بعبد الله بن علي وهو يرد على سائله قائد الجيش - هو العيب الوحيد الذي ذكره الطبري، وهو عيب مهما قيل فيه فلا يمكن أن يصل الى إدعاء الألوهية ونكاح المحارم، وهي بعض التهم التي ألصقها مؤرخو العقائد الذين سبق ذكرهم ن بعبد الله بن معاوية وأصحابه ( الجناحية ).
والى هنا ننتهي من حديث الطبري وابن الأثير لنستمع الى رأي أبي الفرج في عبد الله بن معاوية.
يقول أبو الفرج ( وكان عبد الله من فتيان بني هاشم وأجوادهم وشعرائهم ولم يكن محمود المذهب في دينه وكان يرمى بالزندقة ويستولي عليه من يعرف ويشهر أمره فيها... )(١) .
وأبو الفرج يستعمل هنا صيغة ( وكان يرمى ) وهي صيغة لا تفيد التأكيد في حال من الأحوال. ولو أراد ابو الفرج غير ذلك، أو لو كان واثقاً من تهمة الزندقة لقال ( وكان عبد الله زنديقاً أو مجاهراً بزندقته ) أو أية صيغة أخرى تفيد الغرض.
هذا إذن كل ما وجهه أبو الفرج الى عبد الله واتهمه به: ( لم يكن محمود المذهب وكان يرمى بالزندقة.. ).
وهذا ما دونه، هو القدر الذي أستطيع قبوله من سيرة عبد الله وعقيدته.
أما ما تجاوز ذلك فلا استطيع فهمه ولا قبوله، إلا على أنه قد اختلق وأضيف وجرى تناقله فيما بعد، كل يزيد على من سبقه من المؤلفين. وبعكس
____________________
١- مقالات الإسلاميين ص٧٤.
هذا فسأجد حرجاً كبيراً في التوفيق بين أتباع رؤوس العرب والمسلمين لعبد الله، في ثورة ضد السلطة الأموية، استمرت ثلاث سنوات، سلت فيها سيوف وسالت دماء، وبين كل هذه التهم المنسوبة لزعيمهم وقائد ثورتهم.
أكان أولئك كلهم يتبعون زنديقاً مستحلاً للمحارم، ينتحل الألوهية والنبوة والإمامة، ويجيز اللواط والخمر والزنا ونكاح الأم والبنت والأخت فلا يعلمون ولا يسألون، او يعلمون ويرضون ؟!
انني لا أريد الدفاع عن عبد الله، ولا رفع التهمة عنه، ولكني أريد الدفاع عن العقل ورفع التهمةعنه.
وأخيراً فما شأن علي بن أبي طالب والغلو والغلاة فيه، وما اتهم به ابن معاوية: أن يكون إلهاً أو زنديقاً أو لواطاً... أو لا يكون.
المنصورية:
أتباع أبي منصور العجلي، من عجل بن لجيم، من بكر بن وائل. وينسبه النوبختي الى عبد القيس ويقول عنه: انه كان أمياً نشأ في البادية وسكن الكوفة.
وقد ادعى بعد وفاة محمد بن علي ( الباقر ) أنه فوض إليه أمره وجعله وصيه من بعده. ثم ترقى به الأمر كما يذكر النوبختي الى أن قال ( كان علي بن أبي طالبعليهالسلام نبياً ورسولاً وكذلك الحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وأنا نبي ورسول والنبوة في ستة من ولدي يكونون بعدي أنبياء... ) ( وزعم أن جبرائيلعليهالسلام يأتيه بالوحي من عند الله عز وجل
وأن الله بعث محمداً بالتنزيل وبعثه هو - يعني نفسه - بالتأويل... ).
كما ادعى ( أن الله عز وجل عرج به إليه فأدناه منه وكلمه ومسح يده على رأسه وقال لي بالسرياني - ينتقل النوبختي الى صيغة المتكلم هنا - وذكر أنه نبي ورسول وأن الله اتخذه خليلا )(١) .
وقال عنه الأشعري(٢) ( أتباع أبي منصور، يزعمون أن الإمام بعد أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي ( أبو منصور)... وأنه هو الكشف الساقط..(٣) وزعم أبو منصور أنه عرج به الى السماء فمسح معبوده رأسه بيده ثم قال له أي بني أذهب فبلغ عني ثم نزل به الى الأرض... وزعم أن عيسى أول من خلق الله من خلقه ثم علي... وكفر بالجنة والنار وزعم أن الجنة رجل وأن النار رجل واستحل النساء والمحارم واحل ذلك لاصحابه وزعم ان الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والميسر وغير ذلك من المحارم حلال وقال لم يحرم الله ذلك علينا ولا حرم شيئاً تقوى به أنفسنا وإنما هذه الأشياء أسماء رجال حرم الله ولايتهم وتأويل في ذلك قوله تعالى ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا )(٤) .
وأسقط الفرائض وقال هي أسماء رجال أوجب الله ولايتهم(٥) .
ويتفق البغدادي الذي يتابعه الأسفراييني كعادته، مع النوبختي والأشعري فيما ذهبا إليه من ادعاء أبس منصور الإمامة بعد الباقر ومن عروجه الى السماء ومسح الله على رأسه وطلبه منه التبليغ عنه.
كما يتفق مع الأشعري في أنه الكسف الساقط من السماء لكنه يختلف
____________________
١- سورة الطور ٤٤ ( وان يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم ).
٢- سورة المائدة ٩٣.
٣- سبق ان راينا ذلك عند الجناحية اصحاب عبد الله بن معاوية الذين تأولوا هم ايضا الآية ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات... ) على انها تعني رجالاً مخصوصين. ويقول الغزالي وهو يتحدث عن الباطنية ان ( المحرمات - وهو يقصد عند الباطنية طبعا - عبارة عن ذوي الشر من الرجال والعبادات عبارة عن الأخيار الأبراب الذين أمرنا باتباعهم ) فضائح الباطنية ص٥٦.
٤- الفرق بين الفرق ص١٤٩ والتبصير في الدين ص٧٣ ومقالات الإسلاميين ج١ ص٧٤ وفي شرح المواقف للجرجاني ج٣ ص٢٨٧ ( والجنة رجل امرنا بموالاته وهو الامام والنار بالضد ) فالجرجاني يتفق مع الأشعري في ذلك مع تفصيل لصفة الرجلين - الجنة والنار -.
٥- الفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص٤٥.
عنه في تفسير الجنة والنار عند أبي منصور والمنصورية. فالبغدادي يرى أن الجنة هي نعيم الدنيا في عقيدة هؤلاء، والنار محن الناس فيها. بينما يذهب الأشعري الى أنهما رجلان كما مر بنا قبل قليل(١) .
وإذا تركت النبوة التي يتفق فيها ان حزم مع النوبختي والتي لم يعرض لها الأشعري صراحة فلا أكاد أجد فرقا لدى ابن حزم(٢) عما أورده الأشعري وغيره إلا ما ذكره عن المنصورية من أنهم ( يقتلون من كان منهم ومن خالفهم ويقولون نعجل المؤمن الى الجنة والكافر الى النار )(٣) .
كما لا أجد فرقا لدى الشهرستاني عما ذكره الأشعري من حديث أبي منصور وانتقال الإمامه إليه بعد الباقر وعروجه الى السماء ومن تأويل المحرمات على أنها أسماء أشخاص أمر الله بمعاداتهم والفرائض أسماء أشخاص أمر بموالاتهم لكنه يبدو حائرا في الكسف الساقط من هو: الله ؟ أم علي ؟! أم أبو منصور نفسه ؟(٤) .
ويتناول ابن قتيبة وابن عبد ربه وابن رستة والرازي والجرجاني المنصورية باختصار شديد(٥) .
وقبل مناقشة الغلو في عقيدة المنصورية كما يعرفها المؤلفون، أجدني مضطراً أن اناقش مسألة أخرى تبدو لي على جانب كبير من الخطورة، وهي هذه الظاهرة التي تتمثل في كثرة مدعي النبوة والألوهية ممن رأينا، وممن سنرى.
فهل ادعى هؤلاء حقاً النبوة والألوهية، وهل كانت هذه الدعوى من السهولة، بحيث يستطيع حتى الأمي كأبي منصور، أن يدعيها، وأن يجد من يصدقه
____________________
١- وهذا مر لم نعرفه عند اية نحلة اخرى غير ( منصورية ) ابن حزم فمن الذي سيقتل المخالفين لهم إذن اذا قتل هؤلاء المنصورية أنفسهم كما يقول ابن حزم. على ان ما ورد لدى الأشعري والبغدادي أنهم يستحلون خنق المنافقين لهم.
٢- الملل والنحل ج١ ص١٧٨، ١٧٩.
٣- المعارف ص٦٢٣، والعقد الفريد ج٢ ص٢١٩ وفيه خلط بين المنصورية والسبئية فضلا عن ان ابن عبد ربه يجعل الكسف عليا والسحاب ابا منصور وهو ما لم يقله احد من المؤلفين، والأعلاق النفسية ص٢١٨ واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٥٨ والتعريفات ص١٣٧.
٤- اسمه محمد ابن ابي زينب وهو المشهور وفي خطط المقريزي ج٤ ص١٧٤ ابن ابي ثور او ابن يزيد وفي التحرير الطاووسي للشيخ حسن بن الشهيد الثاني اسمه محمد او مقلاص ويكنى بأبي الظبيان او ابي اسماعيل او ابي الطيبات الأجدع الأسدي او مولاهم رئيس فرقة الخطابية موضوع بحثنا وانظر ايضا عنه وعن موقف جعفر بن محمد الصادق منه رجال الكشي تعليق السيد احمد الحسيني - نشر مؤسسة الاعلمي للمطبوعات - كربلاء ص٢٤٦ ورجال ابن داود - طهران رقم ٤٦٧ عمود ٥١٠.
٥- مقالات الإسلاميين ج١ ص٧٥.
ويستجيب له فيها ؟!
ولأترك السلطة، فقد يجاب بأنها قامت بما كان يلزمها من قمع أولئك المدعين. فقتل والي الأمويين خالد بن عبد الله القسري، فلاناً وصلب فلانا. وقتل واليهم الآخر يوسف بن عمر الثقفي، فلاناً من المدعين وصلب فلاناً. وقتل عيسى بن موسى العباسي قائد المنصور، فلاناً وفلاناً. وماذا يطلب من السلطة أكثر من هذا أو غير هذا، وقد فعلته.
ولا أريد الرد هنا، وإن كنت أملكه. ولكني أسأل عن الإسلام والمسلمين خارج السلطة. وخارج الحكم. ما شأنهم، ما موقفهم، ماذا كانت ردود فعلهم لو صدقنا المؤلفين فيما يقولون ؟
كيف يمكن أن يستجيب المسلمون، بعد أكثر من قرن على قيام الإسلام ورسوخه وانتشاره، لمن يدعي الألوهية أو النبوة، فيقاتلون معه ويقتلون دونه ؟! أكانوا في شك من دينهم ونبيهم، أم كانت الألوهية والنبوة أمراً هيناً مما يتداوله الناس من أمور ذلك العصر، يتعاطاه من شاء ويسعى إليه من شاء ؟!
ان وجود مدعي الألوهية والنبوة بهذه الكثرة في العصر الذي نتحدث عنه، يثير بحق سؤالاً بالحجم نفسه، عن دور الإسلام الذي لم يستطع أن يحصن المسلمين ضد النصابين والسحرة والمشعوذين، من مدعي الألوهية والنبوة.
ولو شئت أن أكون أكثر صراحة لقلت، أنه اتهام للإسلام أكثر مما هو اتهام لهؤلاء المدعين الذين وجدوا أغبياء وحمقى وفراغاً روحياً، فاستغلوا الغباء والحمق، واستغلوا الفراغ الروحي.
ذلك مع الأسف ما يقودنا إليه لأخذ بما أورده المؤلفون في العقائد. وذلك ما لا أظن مسلماً يرضاه ويقبل به.
وأعود الآن الى صاحبنا أبي منصور، وما أحسبه إلا عاتباً أو غاضباً على الأشعري، ألا يكون وضعه في الموضع الذي يستحق، فتجاهل نبوته ولم يصرح بها كما فعل النوبختي وابن حزم، واقتصر على وصفه إماماً بعد محمد بن علي، مع أن الأشعري اعتبر أنبياء، من هم دونه رتبة ومنزلة، ومن لم يعرج بهم الى السماء ولم يكلمهم الله بالسرياني كما يقول النوبختي. ولم يطلب منهم التبليغ عنه، ولم يأتوا أخيراً بدين جديد يخالف دين محمد كما يعترف الأشعري نفسه.
لكن ما استعصى علي فهمه في حديث أبي منصور هو لماذا اختار الله السريانية وفضل بها الكلام معه ؟ صحيح أن الله يتكلم جميع اللغات. ولكن لا ( النبي ) أبو منصور الذي يريده أن يبلغ عنه، كان يعرف السريانية أو يتكلمها في بادية قومه بني عجل، ولا من بعثه إليهم كانوا يعرفون السريانية أو يتكلمونها ليتم التبليغ بها. فهل كان ذلك لتأكيد معجزة أبي منصور ؟ ربما وعلى كل فأنا هنا أنقل بأمانة ما يسميه الناس منذ مئات السنين ( تأريخا ).
وأعود مرة أخرى ولكن لأرى هذه المرة أين مكان الغلو في علي عند أبي منصور والمنصورية ؟
ان الرجل لم يرض لنفسه أن يتساوى مع علي.. فكيف يغلو فيه ؟! فإذا كان علي نبيا ورسولا، فهو أيضا نبي ورسول، ولكنه - وهو امتياز لا يشاركه علي فيه - عرج به الى السماء ورأى الله الذي مسح على رأسه وكلمه
بالسرياني، وهو امتياز آخر لا يشاركه علي فيه، وطلب إليه أن يبلغ عنه. وكان جبريل يأتيه بالوحي. ولم يكن يأتي عليا بالوحي.
فأين علي من كل هذا ؟ وكيف يغلو فيه من هو أعلى منه منزلة، ومن يرفعه الله إليه ويكلمه ويمسح على رأسه، وهو ما لم يفعله الله مع علي.
كيف يغلو في علي من يأتيه جبريل بالوحي من الله مباشرة، ومن يقاسم محمدا نبوته، ويزاحمه فيها، حتى يجعله نبيا للتنزيل فحسب، ويجعل من نفسه نبيا للتأويل. وإن كنت أجهل أي النيين والنبوتين أهم وأخطر.
بل كيف يغلو في علي من يأتي بدين جديد يخالف دين علي: دين يقوم على إنكار القيامة والجنة والنار، وعلى استحلال المحارم.
أكان هذا دين علي، أم كان دين أبي منصور غير ما ذكره المؤلفون ؟!
الخطابية:
وهذه فرقة أخرى من الفرق التي يصر المؤلفون في الفرق والعقائد على أن يجعلوها من غلاة الشيعة.
يسمونها الخطابية، ويقولون انهم أتباع أبي الخطاب بن أبي زينب الأسدي(١) الذي خرج أيام أبي جعفر المنصور بالكوفة، فقتله عيسى بن موسى قائد جيش المنصور وابن أخيه.
ويضح لنا الأشعري في مقالات الإسلاميين(٢) عقيدتهم فيقول ( أصحاب أبي الخطاب بن أبي زينب وهم خمس فرق كلهم يزعمون أن الأئمة
____________________
١- البغدادي في الفرق بين الفرق ص١٥٠ وما بعدها وابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص٤٦ و ٤٨ والشهرستاني في الملل والنحل ج١ ص١٧٩ وما بعدها وابن رستة في الاعلاق النفسية ص٢١٨، والحميري في الحور العين ص١١٦ وما بعدها، والجرجاني في التعريفات ص٥٨ والرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٥٨ لكنه يقول ان ابا الخطاب زعم ( ان الله تعالى قد انفصل عن جعفر وحل فيه وانه هو اكمل من الله تعالى ) وهو ما نجده في رجال الخاقاني ص١٣١ اما الملطي فيخالف الجميع حين يدعي في التنبيه والرد ص١٥٠ ( وهم - يعني الخطابية - يزعمون ان ابا بكر وعمر (رض) الجبت والطاغوت وكذلك الخمر والميسر عليهم لعنة الله ).
٢- مقالات الإسلاميين ج١ ص٦٦.
انبياء ومحدثون ورسل الله وحججه على خلقه لا يزال منهم رسولان واحد ناطق والآخر صامت فالناطق محمد ( ص) والصامت علي بن أبي طالب فهم في الأرض اليوم طاعتهم مفترضة على جميع الخلق يعلمون ما كان وما هو كائن وزعموا أن أبا الخطاب نبي ,ان أولئك الرسل فرضوا عليهم طاعة أبي الخطاب وقالوا الأئمة آلهة وقالوا في أنفسهم مثل ذلك... وعبدوا أبا الخطاب وزعموا أنه إله وزعموا أن جعفر بن محمد إله أيضاً إلا ان أبا الخطاب أعظم منه وأعظم من علي. وخرج أبو الخطاب على أبي جعفر فقتله عيسى بن موسى... ).
ويتابع المؤلفون الآخرون الأشعري في ذلك مع اختلاف لا يغير من صورة هذه الفرقة(١) .
وقد آثرت أن أنقل نص الأشعري، ليكون القارئ على بينة من نقاشنا معه، حتى لو قبلنا ما أورده كله دون تحفظ عليه أو على شيء منه.
والآن أين الغلو في علي، وهو الأساس لفرق الغلاة عند جميع المؤلفين في الفرق، ومنهم الأشعري نفسه إذ يقول ( وإنما سموا الغالية لأنهم غلوا في علي وقالوا فيه قولاً عظيماً )(٢) .
في أي جانب من جوانب عقيدتهم يلتقي الخطابية مع الشيعة، معتدلين أو غلاة.
فحتى لو قبلت الخرف الذي أتى به النص نقلاً عن الخطابية، فأنا لا أجد أي غلو في علي، حين يجعله هؤلاء رسولاً صامتاً لا يبين.
وأي نفع في رسول لا يقول شيئاً ولا يبلغ شيئاً. وكيف يتعامل وشؤون
____________________
١- مقالات الإسلاميين ج١ ص٧٧.
٢- الفرق بين الفرق ص١٥١ والمقصود بجعفر هنا هو جعفر بن محمد ( الصادق ).
الدين والدنيا مع هذا الصمت.
لقد كان خيراً لعلي أن يكون إماماً ناطقاً من أن يكون رسولاً صامتاً.
ثم ما هي صفة علي التي انفرد بها عند أبي الخطاب، ليكون موضعاً لغلو هذا فيه ؟ إذ لا بد من فرق كبير ومسافة بعيدة بين طرفي الغلو، وإلا فهل يقبل أن يغلو أحد فيمن هو دونه، أو في أحسن الحالات، مساوٍ له.
فإذا كان علي نبياً ن فان أبا الخطاب نبي أيضاً قد فرض الرسل طاعته.
وإذا كان علي إلهاً، فان أبا الخطاب إله أعظم منه، كما ينسب المؤلفون القول بذلك الى الخطابية.
فهل كان الخطابية غلاة في علي أم في أبي الخطاب ؟!
بل ان الخطابية لم يكتفوا بتأليه أبي الخطاب وحده، حتى جعلوا من كل واحد منهم إلهاً كما يذكر الأشعري(١) .
ولكن كم هو عدد هؤلاء الخطابية، وهل يبلغ هذا العدد ما يسمح بالنظر إليهم والحديث عنهم كفرقة، ثم أربع أو خمس فرق، توزعوا فيها بعد وفاة زعيمهم أبي الخطاب كما سيأتي ؟
ربما وجدنا الجواب على ذلك عند البغدادي الذي يقول عنهم ( ثم ان أبا الخطاب نصب خيمة في كناسة الكوفة ودعا فيها أتباعه الى عبادة جعفر )(٢) .
فعددهم إذن لا يتجاوز في جميع الأحوال، ما تستطيع أن تستوعبه خيمة واحدة(٣) وإن كنت أجهل كيف يدعو أبو الخطاب أتباعه، لعبادة جعفر لا لعبادته هو، مع أنه أعظم من جعفر وأعظم من علي كما يقول المؤلفون. وكان
____________________
١- لكن الغريب ان المقريزي يصل بفرق هؤلاء الخطابية الذين ضمتهم خيمة واحدة الى خمسين فرقة فهل جعل المقريزي من كل واحد منهم فرقة كاملة او ربما اكثر من
فرقة !! اظن هذا هو الفرض الذي يجبرنا المقريزي عليه ليمكن لخيمة واحدة ان تضم خمسين فرقة مجتمعة للعبادة.
٢- الملل والنحل ج١ ص١٧٩ وما بعدها ويتفق معه في ذلك البغدادي في الفرق بين الفرق ١٥٠.
٣- الفرق بين الفرق ١٥١.
الأحرى به أن يدعوهم لعبادته لا لعبادة من هو دونه ومن ( تبرأ منه ولعنه وأمر أصحابه بالبراءة منه وشدد القول في ذلك وبالغ في التبرئ منه واللعن عليه ) كما يقول الشهرستاني(١) .
ويتابع البغدادي حديثه عن أبي الخطاب وأصحابه فيقول ( ثم خرج أبو الخطاب على والي الكوفة في أيام المنصور فبعث إليه المنصور بعيسى بن موسى في جيش كثيف فأسروه فصلب في كناسة الكوفة )(٢) .
وأحب أن أنبه هنا الى خطأ تأريخي آخر من أخطاء البغدادي. خطأ لا يتعلق بكثافة الجيش الذي قاده عيسى بن موسى لمحاربة من لا يستطيعون أن يزيدوا على إشغال خيمة واحدة. ولكنه يتعلق بصحة الواقعة التي يرويها، زمانا وأشخاصا.
فالبغدادي يذكر أن أبا الخطاب كان ( في وقته - المقصود جعفر بن محمد - إماما صامتا وصار بعده ناطقا )(٣) .
وهذا يعني أن أبا الخطاب كان حياً عند وفاة جعفر بن محمد، وأنه تحول الى إمام ناطق بعد وفاته، كما كان خروجه ومقتله بعد وفاة جعفر أيضا.
ولكم أردت أن أسلم بما أورده البغدادي، ولكن ما ذنبي إذا كان جعفر ابن محمد قد توفي بإجماع عام ١٤٨، وإذا كان عيسى بن موسى قد عزل عن الكوفة، وعن ولاية العهد أيضا بإجماع عام ١٤٧. فكيف يكون خروج أبي الخطاب بعد وفاة جعفر بن محمد عام ١٤٨ على عيسى بن موسى المعزول قبل ذاك عام ١٤٧.
____________________
١- الفرق بين الفرق ص١٥١ والتبصير في الدين ص٧٤.
٢- فالأشعري والشهرستاني والحميري يجلعون فرق الخطابية أربعاً بعد أبي الخطاب أما البغدادي والأسفراييني فيجعلالها خمساً لكن الخامسة عندها هي التي يسميانها بالخطابية المطلقة التي ظلت التي ظلت على ولائها لأبي الخطاب وأنكرت إمامة من بعده وأظنها هي التي يبدأ الأشعري والشهرستاني حديث الخطابية بها وعلى هذا فليس هناك من خلاف بينهم حول عددها اذ المقسوم لا يضاف الى اقسامه.
٣- مقالات الإسلاميين ج١ ص٧٧ والفرق بين الفرق ص١٥١، والملل والنحل ج١ ص١٨٠ والحور العين ص١٦٧ والتبصير في الدين ص٧٤.
ليس أمامي إلا أن أنكر وفاة جعفر بن محمد في التأريخ المذكور، وهذا ما لا سبيل إليه، فوفاته مع الأسف الشديد ثابتة كما قلت بإجماع. أو أن أنكر عزل عيسى بن موسى، وهذا هو الآخر ما لا سبيل إليه، لأنه ثابت أيضا بإجماع. ولو استطعت لأخرت وفاة جعفر او عزل عيسى الى ان تنتهي المعركة بينه وبين أبي الخطاب حتى أجنب البغدادي الخطأ الذي وقع فيه.
على ان الخطابية انقسموا بعد مقتل زعيمهم الى أربع أو خمس فرق نحاول أن نلم بها بإيجاز استكمالا للبحث وهي(١) :
١ - المعمرية:
ينسبون الى رجل اسمه معمر كما يقول المؤلفون، وأنا لم أشك أن معمرا هذا هو رجل، لا شيء آخر، ولكن هن هو معمر ؟ ألا يعرف الذين يكتبون عنه وعن فرقته، ما يضيفونه الى الاسم ؟ أم انه كسابقه المعروف بأبي كامل المغالي في علي المكفر له.
والمعمرية هؤلاء يعبدون معمراً كما عبدوا قبله أبا الخطاب، وزعموا أن الدنيا لا تفنى، وأن الجنة ما يصيب الناس من الخير والنعمة والعافية. وأن النار ما يصيب الناس من خلاف ذلك... واستحلوا الخمر والزنا وسائر المحرمات ودانوا بترك الصلاة.. )
هذا ما يقوله عنهم الأشعري ويشاركه فيه البغدادي والشهرستاني والحميري والأسفراييني(٢) .
____________________
١- ابن حزم في الفصل في الملل والنحل ج٥ ص٤٦ ومطهر بن طاهر المقدسي في البدء والتاريخ ج٥ ص١٣٠.
٢- مقالات الإسلاميين ج١ ص٧٧ و٧٨ والفرق بين الفرق ص١٥١، والملل والنحل ج١ ص١٨٠ والحور العين ص١٦٧ والتبصير في الدين ص٧٤ ويسميهم الاسفراييني ( الربيعية ) اتباع ( ابي ربيع ) وخطط المقريزي ج٤ ص١٧٤.
ولأني ناقشت هذا من قبل عند الحديث عن بعض الفرق الأخرى ممن يسمونهم غلاة، وتساءلت عن علاقة ذلك - على افتراض صحته - بالغلو والغلاة والشيعة، فلا أريد العودة إليه. لكن الطريف هنا هو أن أرى الآلهة والأنبياء يسرقون عقائد وأفكار بعضهم فينتحلونها، كما يفعل الناس الآخرون حين يسرقون من بعضهم.
فلقد رأيت عدم فناء الدنيا واستحلال الخمر والزنا واللواط وسائر المحرمات وتأويلها وتأويل الفرائض بأسماء أشخاص عند عبد الله بن معاوية و ( جناحيته ) ثم رأيتها، مضافاً إليها تفسير الجنة، بأنها ما يصيب من خير ونعيم الدنيا. والنار ما يصيب الناس من خلاف ذلك، لدى المنصورية.
وأراها الآن عند المعمرية.
وتركت الآلهة يسرق بعضهم بعضاً، دون عقوبة، فهم فوق القانون الذي لا ينفذ إلا على هؤلاء المساكين من عبيدهم.
ولكني وقفت، ووقفت طويلاً، عند هذه الظاهرة التي أسهب المؤلفون في الحديث عنها من اللواط ونكاح المحارم عند أكثر من فرقة.
وتساءلت:
أيكون العرب والمسلمين قد بلغ بهم الانحطاط الأخلاقي هذا الحد ؟!! أم إن حقد المؤلفين على طائفة او فرقة مخالفة لهم قد غلبهم، فدفعهم الى رمي خصومهم بما تجاوز كل حد. وهم مهما قيل فيهم، لا يخرجون عن كونهم عرباً ومسلمين، قد عاشوا ونبتوا في بيئة عربية مسلمة، وشاركوا العرب والمسلمين
حياتهم وعاداتهم، وأسهموا في بناء هذه الحضارة التي ما يزال حديثنا وحديث غيرنا عنها مستمراً.
رجعت الى نفسي أسألها عن حقيقة هذه الظاهرة، إذ ما يزال الناس حتى الآن، ونحن على عتبة القرن الحادي والعشرين، يستهجنون الانحلال الجنسي، وممارسة الجنس مع المحارم. ولا يذكرونه إلا مستنكرين برغم تطور الفكر وتغير القيم والتساهل الملحوظ فيما يخص الجنس، كمظهر من مظاهر حرية الإنسان.
كنا سنقبل ما أورده المؤلفون، لو اقتصروا فيه على حالة أو حالات محددة حصلت لواحد أو أكثر ممن كتبوا عنهم.
أما أن تقوم فرق كاملة على استحلال المحرمات والمحارم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات. فها ما لا أظن شعوبياً متحاملاً على العرب، ولا ملحداً متعصباً ضد الإسلام، استطاع أن يبلغه.
انني أرفض وبقوة وبدون تحفظ أو تعصب ما ذكره المؤلفون. ولا أرى فيه إلا خيانة للعلم وتزويرا للتأريخ، إرضاء لنوازع الحقد الذي افقدهم القدرة على التفكير والتمييز بين ما يعقل وما لا يعقل.
ما الذي دها العرب والمسلمين في زمن العصبية والدين، فأفقدهم عصبيتهم ودينهم ؟!
ولنترك المسلمين من غير العرب، ولنقصر حديثنا على العرب وحدهم.
فيم إذن كان الوأد وفخر الفرزدق بجده صعصعة، محيي الوئيد ؟! وماذا كان يصنع سيد أهل الوبر: قيس بن عاصم وبنو تميم وقبائل عربية أخرى ؟
وما الذي أشعل القتال بين هوازن وكنانة في يوم من أيام حرب الفجار، سالت فيه دماء واستهلكت أموال ورجال.
وما الذي أثار البن كلثوم، سبط المهلهل وضيف الملك عمرو بن هند حتى قتل مضيفه.
وهذا الفارس الكناني ربيعة بن مكدم، الذي قاتل وحده. وحين أحس الموت، اتكأ على رمحه، يري القوم أنه حي فلا يقدمون عليه، حماية للضعينة أن تمس، فكان حامي الضعينة حيا وميتا.
وأين فخر العرب ومديحهم وهجاؤهم الذي يقوم في أغلبه على حماية المرأة والغيرة عليها والدفاع عنها والموت دونها.
أكان كل هذا كذبا وزورا ووهما، لتقوم فرق كاملة بين العرب، وفي أرضهم، تدعو لإباحة المرأة... وإباحة الرجل معها أيضاً كما يذكر المؤلفون.
وإين هي الحالات التي يستطيع بها هؤلاء المؤلفون أن يثبتوا ما يذكرونه عن تلك الفرق الإباحية. فلا بد أن تكون كثيرة وكثيرة جداً، بعد أن أصبحت عقيدة لها تدين بها وتمارسها دون حياء، كما يمارس غيرهم من الفرق طقوسهم وعقيدتهم دون حياء.
ان أيا من المؤلفين المذكورين لم يقدم لنا حالة واحدة، ولو على سبيل التمثيل، لما اتهم به من يسميهم فرق الإباحة، من استحلال النساء وجعلها ملكا مشاعا لمن يطلبها من قريب أو غريب.
فهذا الأشعري، وهو يتهم أكثر من فرقة كما رأينا، باستحلال المحارم.
وهذا البغدادي، ورأيه رأي الأشعري. وهذا الشهرستاني والأسفراييني والحميري والمقريزي، وكلهم يذهبون هذا المذهب ويتحدثون عن الزنا واللواط واستحلال المحرمات عند الفرق التي ذكرناها.
لكن واحدا منهم لم يخطر في ذهنه أن يقدم دليلاً واحداً على ما يوجه لخصومه من تهم في مثل هذه الخطورة.
وما أضننا في حاجة الى السؤال لماذا ؟
٢ - البزيعية:
من الخطابية، أصحاب بزيع بن موسى ( الحائك ) كما يسميه بعضهم(١) . من مقالاتهم، أن كل مؤمن يوحى إليه، وأن منهم - البزيعية - من هو خير من جبريل وميكائيل ومحمد. وأن جعفر بن محمد هو الله، وأنه ليس بالذي يرون(٢) .
ويضيف صاحب البدء والتاريخ انهم يقولون بنبوة بزيع، وانهم كلهم أنبياء يوحى إليهم. كما يذكر عن بزيع دعواه بصعوده الى السماء، وان الله مسح على رأسه، وان الحكمة تنبت في صدره كما تنبت الكمأة في الأرض(٣) .
وقد سبق أن رأينا آلهة وأنبياء آخرين يسرقون من بعضهم عقائدهم وأديانهم. ولهذا فلن يثير استغرابنا أن يسرق بزيع ( ربما بحم مهنته كحائك ) الكمأة من عبد الله بن معاوية، والعروج الى السماء من أبي منصور. فيبدو أن
____________________
١- البدء والتاريخ للمقدسي ج٥ ص١٣٠. اما البرقي في رجاله فلم يزد وهو يعدد أصحاب الصادق على ذكر واحد منهم اسمه ( ابو عمر بزيع ) لا يتجاوز ذلك. رجال البرقي ص٣٧ ولا يختلف عنه ابن داود الحلي فهو يذكر في حرف الباء من رجاله شخصاً اسمه ( بريع ) يقول عنه انه بالباء المفردة والراء لا الزاي دون اية اضافة اخرى غير كلمة ( لعنه ق ) التي تعني لعنة الصادق الإمام جعفر بن محمد.
ومعجم رجال الحديث للخوئي ج٣ ص٢٩١ وفيه ان بزيع كان يدعي النبوة وان الصادق كان يلعنه.
٢- واسمه عند الأسفراييني عمرو بن بيان وفرقته العمرية. التبصير ص٧٤ ويسميه الحميري عمير بن البنان الحور العين ص١٦٧.
٣- مقالات الإسلاميين ج٢ ص٧٨ والفرق بين الفرق ص١٥٢، والملل والنحل ج١ ص١٨٠ ويقول ان اسم هذه الطائفة العجلية والعميرية والفصل في الملل والاهواء والنحل ج٥ ص٤٦ وابن حزم يعرض للعمرية باختصار شديد مركزا على قول بيان - كما يذكر ابن حزم طبعا ( لو شئت ان اعيد هذا التبن تبراً لفعلت)
والتبصير في الدين ص٧٤ ولا يزيد الحديث عن العميرية على سطر واحد وخطط المقريزي ج٤ ص١٧٤ ولم اجد له ذكرا عند أي من اصحاب الرجال الامامية كالبرقي وابن داود والكشي.
مثل هذه السرقات ليست مما يمنعها الآلهة فيما بينهم.
ثم لنفرض أن كل ما نقله المؤلفون كان صادقاً وحقيقياً. فما علاقة ذلك بالشيعة، حتى بمن يسمون الغلاة منهم ؟! وما شأن علي وأولاده، إذا كان بين البزيعية من هو أفضل من جبريل وميكائيل ومحمد ؟!
أكان هذا هو رأي الشيعة أو بعضهم، أو من يسمونهم غلاتهم ؟! أم هي تهمة لا بد منها، حتى لو لعنهم الشيعة وأكفروهم وبرئوا منهم.
ان الغلو، كما أفهمه ويفهمه غيري، يعني المبالغة في احترام من أغلو فيه والالتزام أكثر بمبادئه وتعاليمه، والحرص على تنفيذها والتقيد بها.
هذا هو الغلو في علي وفي غير علي. فهل كان في شيء مما جاء به البزيعية، ما يمكن أن يمثل التزاماً بمبادئ علي وتنفيذاً لها ؟!
سؤال سأترك الجواب عليه للقارئ.
٣ - العميرية:
والنسبة الى عمير بن بيان العجلي(١) من الخطابية الذين استقلوا بفرقهم بعد مقتل أبي الخطاب. يقولون كما يذكر الأشعري انه ( لا يزال خلف منهم في الأرض أئمة أنبياء. وعبدوا جعفراً... وزعموا أنه ربهم.
وقد كانوا ضربوا خيمة في كناسة الكوفة ثم اجتمعوا الى عبادة جعفر فأخذ يزيد بن عمر بن هبيرة عمير بن بيان فقتله... )(٢) .
وقد تحدث البغدادي عن خيمة قبل خيمة عمير، كان يجتمع فيها الخطابية
____________________
١- مقالات الإسلاميين ج١ ص٧٥ وما بعدها والفرق بين الفرق ص١٥١، والملل والنحل ج١ ص١٨٠ والتبصير في الدين ص٧٤ والحور العين ص١٦٧ وخطط المقريزي ج٤ ص١٧٤.
٢- مقالات الإسلاميين ج١ ص٧٨ والملل والنحل ج١ ص١٨٠ وخطط المقريزي ج٤ ص١٧٥ وان كان هذا يسميه ( يزيد بن عمير ) لا عمر.
في زمن أبي الخطاب لعبادة جعفر.
وها هو الأشعري يحدثنا عن خيمة جديدة، هي خيمة عمير بن بيان، أحد أتباع أبي الخطاب.
ولا أدري، أهو خطأ وقع فيه أحد الاثنين، الأشعري أو البغدادي، فيمن كان صاحب الخيمة. أم أن عميرا أراد تقليد أستاذه، حتى في أسلوب العبادة، فكان يجمع أصحابه في خيمة واحجدة، كما كان يفعل أبو الخطاب من قبل.
ولا اعتراض لي على عمير، ولم يضايقني أن تتم عبادته وعبادة أصحابه داخل الخيمة، وان كانت العبادة في الخارج أفضل لصحة المتعبدين كما أظن.
لكن ما ضايقني، بل وأحزنني كثرا، ألا يكون بين المؤلفين في الفرق - ومنها فرقة عمير نفسه - من يقف ولو قليلا، لا ليتحرى صحة هذا الرأي أو عدم صحته عند الفرقة التي يكتب عنها، فقد يمنعه من ذلك تعصب وكره لتلك الفرقة، وإن لم يكونا عذرا لمني ريد أن يكتب. ولكن ليتحرى - على الأقل - صحة التواريخ التي يذكرها وعدم تعارضها. وهو أمر لا يصعب التأكد منه، ولا يمس العقيدة ذاتها ولا يتعلق بها.
فإذا كان مؤلفونا في العقائد لا يهتمون ولا يدققون في تواريخ الأحداث، وهي أولى المهمات وأبسط المهمات، فكيف يهتمون ويدققون فيما وراء التواريخ، في الأحداث نفسها. وكيف نستطيع أن نحمل محمل الجد ما يروونه عن هذه الفرقة أو تلك من فرق الإسلام.
أنظر إليم: الأشعري والبغدادي والشهرستاني والأسفراييني والحميري
والمقريزي وهم متفقون على أن العميرية قد نشأت هي وباقي فرق الخطابية بعد مقتل زعيمها أبي الخطاب(١) وهو شيء مألوف عند موت مؤسس الفرقة الأصلية فتنشق فرقته وتتوزع في أكثر من فرقة واحدة، تبعا لعدد الطامعين بعده بالزعامة من خلفائه، وتفاوت قدراتهم وحدة الخلافات بينهم، سيما في ظروف معينة كالظروف التي نبحثها هنا.
وأنظر إليهم، وهم متفقون أيضاً على أن خروج أبي الخطاب وقتله كان في خلافة أبي جعفر المنصور.
إذن فنشأة فرق الخطابية، ومنها العميرية، لا يمكن أن تسبق زمن المنصور أو تتقدم عليه، ما دام أبو الخطاب نفسه قد قتل في زمن المنصور.
وما أحسب هذا مما يقع الخلاف فيه.
ولكن لنمض مع مؤلفينا، ولنر ما يقولون في مقتل عمير بن بيان زعيم العميرية، ومن الذي قتله وفي أي وقت.
أنهم يقولون: ان الذي قتل عمير، هو يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري، مع أن يزيد هذا هو والي العراقيين في آخر عهد الدولة الأموية، وهو الذي حارب العباسيين مدة طويلة، حتى اضطروا الى مصالحته وإعطائه عهداً نقضه السفاح فيما بعد، وأرسل إليه من قتله في واسط عام ١٣٢ تأريخ سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية.
ولست في حاجة الى القول إن هذا قد تم قبل خلافة المنصور التي بدأت عام ١٣٦.
____________________
١- مقالات الإسلاميين ج١ ص٧٨ والفرق بين الفرق ص١٥٢، والملل والنحل ج١ ص١٨١ والتبصير في الدين ص٧٤ والحور العين ص١٦٧ و ١٧٨.
أما ابن حزم فيذهب الى أبعد مما ذهب إليه الآخرون، إذ يجعل قاتل عمير بن بيان هو خالد بن عبد الله القسري الذي عزل عن الكوفة سنة ١٢٠ في زمن هشام بن عبد الملك، وقتل سنة ١٢٦.
ويبعد أكثر نشوان الحميري حتى يؤكد أن الذي قتل عمير هو عمير ابن هبيرة - يقصد عمر بن هبيرة - والد يزيد بن عمر الذي أشرنا إليه، أحد مشاهير القادة والولاة والمتوفى في حدود عام ١١٠.
أفيكون أبو الخطاب الذي نشأت العمرية بعده قد قتل في زمن الدولة العباسية وفي عهد ثاني خلفائها المنصور، ويكون مقتل زعيم العميرية في زمن الدولة الأموية قبل المنصور وقبل الدولة العباسية ؟!
هذا كله، ونحن أمام قضية تأريخ لا تحمل نقاشاً ولا اجتهاداً ولا أختلافاً في وجهات النظر. فكيف بما ينقله المؤرخون والرواة مما يحتمل نقاشاً واجتهاداً واختلافاً في وجهات النظر. ومما يعتمد على نزاهة المؤرخ وأمانته ودقته.
٤ - المفضلية:
ونصل أخيراً في فرق الخطابية، الى المفضلية ورئيسها المفضل، هذا الصيرفي الذي ترك التعامل مع الدرهم والدينار، ليتعامل مع الفرق والعقائد والآلهة، لأنها قد تكون أربح في نظره، وهو الذي امتهن الربح السريع، أو لأنها أصبحت مهنة سهلة، مارسها من لا يملك خبرة الصراف ولا فطنته.
ولا أكتمك يا سيدي القارئ لقد أتعبني هؤلاء الآلهة والأنبياء والأئمة
والرسل. أو إذا أردت أن أكون منصفاً، لقد أتعبني الذين ألفوا فيهم وكتبوا عنهم، حتى تساءلت انه ما دامت دعوى الألوهية بهذه البساطة، فهل سأرى من يطرق الباب علي يوما ليخبرني أنه إليه أو نبي، وأنه قد عرج به الى السماء وأن الله قد مسح على رأسه أو غير رأسه من أعضاء جسمه، ويطلب مني أن أصدقه وأن أتبعه.
ثم تركت التفكير في طارق الباب وعدت الى أصحابي من المؤلفين في العقائد والفرق، لأرى ما عند هؤلاء المفضلية، فاذا هم ( يقولون بربوبية جعفر... وانتحلوا النبوة والرسالة وإنما خالفوا في البراءة من أبي الخطاب لأن جعفراً أظهر البراءة منه )(١) .
وأظن لمهنة رئيسهم الصيرفي القائمة على تبادل العملات وحساب الربح والخسارة، علاقة بهذا التوزيع للألوهية والنبوة. فهو لم يترك الألوهية والنبوة والرسالة كلها لجعفر، وإنما احتفظ لنفسه بالنبوة والرسالة، مقابل التنازل عن الألوهية لجعفر.
وعلى كل، فان هؤلاء المفضيلة قد تركوا أبا الخطاب وأعلنواالبراءة منه. فكيف يستمر المؤلفون على بحثهم ضمن فرق الخطابية، وماذا يطلبون أكثر من براءة ذوي الشأن، لينقلوهم الى صف آخر غير صف أبي الخطاب والخطابية ؟! أم أنهم يصرون على إبقائهم ضمن فرق الخطابية إصرارهم على إبقاء الخطابية أنفسهم، والفرق المشابهة الأخرى - على افتراض وجودها كفرق على الأقل - وبحثهم ضمن فرق الشيعة أو غلاتها.
____________________
١- الفرق بين الفرق ص١٥٢ والتبصير في الدين ص٧٥ والفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص٤٢ والحور العين ص١٥٥ واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٥٩ وخطط المقريزي ج٤ ص١٧٦ وتعريفات الجرجاني ص٩٢.
الغرابية
كم تساءلت، وأنا أمر بهذه الطائفة من الغلاة وأقرأ عنهم(١) لماذا اختاروا لتمثيل التشابه بين محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلي، الغراب والذباب، دون غيرهما من أصناف الحيوانات والطيور. وهما ليسا بأجملها ولا أذكاها ولا أقواها، ولا أعذبها صوتا ولا شكلا.
وليس التشابه بين أفرادها، بأقوى من التشابه بين أفراد أي صنف من الحيوانات أو الطيور الأخرى.
ثم أن الغراب مما يتشاءم به العرب ويرونه نذيرا بالفراق والتنائي، حتى اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب، كما انه من لئام الطير وبغائها. إن أصاب جيفة نال منها وإلا مات هزالا(٢) .
أما الذباب فما أظن في الحشرات أقبح شكلاً وأشد تنفيرا وأحقر منزلة منه.
أكان المؤلفون في العقائد مؤمنين فعلا بوجود فرقة، أعياها أن تجد ما تعبر به عن التشابه بين محمد وعلي، فلجأت الى الغراب والذباب.
أما أنا فلست مستعدا أن أقامر بعقلي لأصدق أولئك المؤلفين، وأقبل ما يقدمونه على أنه حقيقة.
فإذا تركت الغراب والذباب وانتقلت الى عقيدة هذه الفرقة واجهت ما هو أدعى للسخرية وأقرب الى أن يكون هذياناً لشخص اثقله حمى شديدة.
كان جبريل يريد الذهاب الى علي بالوحي فيضل ويخطئ ويذهب الى
____________________
١- الحيوان للجاحظ ط المجمع العلمي العربي الإسلامي بيروت طبعة ثالثة ١٩٦٩ تحقيق الأستاذ عبد السلام محمد هارون ج٢ ص٣١٣ و٣١٤ و ٣١٦.
٢- يسميهم الملطي في ص١٥٠ من التنبيه والرد ( الجمهورية ) ولم اهتد حتى الآن لوجه التسمية والعلاقة بين خطأ جبريل وبين الجمهورية.
محمد بدلاً منه. وتكون نبوة محمد نتيجة خطأ من جبريل(١) .
أرأيتم ؟
وأسأل كيف حصل هذا الخطأ، والمرسل هو الله، والمرسل إليه نبي، والرسول ملك.
ولا أريد أن أبعد في التفاصيل ولا أن أكثر من الأسئلة، فربما زل بي القلم، والعصمة لله وحده، ليتهمني من لا أسهل ولا أحب إليه من اتهام الناس في عقيدتهم ودينهم. وقد امتلأت صفحات هذا الكتاب وغير هذا الكتاب بذلك قديماً وحديثاً.
لكن - وهذا ضمن الحدود المسموح بها كما أظن - لماذا يختار الله جبريل من الملائكة للتبليغ، وهو يعلم أنه غير قادر عليه وسيفشل حتماً في تنفيذه.
ولنفترض أن جبريل أخطأ أولاً، فلم يميز بين محمد وبين علي، وهو ما لا يخطئ فيه أبسط الناس من أهل الأرض لا من صنف الملائكة، لكبر فرق السمن بينهما. فلماذا لم يصحح االله له خطأه بعد ذاك، وقد استغرق تبليغ الرسالة سنوات طويلة ! أكان الله غير عالم بخطأ جبريل وغير قادر على تصحيحه أيضاً ؟!
وما ذنب جبريل ليعلن، ولم يكن سيئ النية ولا مرتشياً. ولم يكن فعله إلا نتيجة خطأ غير مقصود لا يستحق عليه اللعن، خصوصا من هؤلاء الغرابية الذين يعترفون بأن محمداً وعلياً كانا أشبه من الغراب بالغراب.
أيمكن أن يرضى مؤلفونا في العقائد بهذه النتائج التي يدفعونا إليها دفعاً لا خيار لنا فيه، وهم يتحدثون عن الغرابية بما تحدثوا به.
____________________
١- يعنون بصاحب الريش جبرئيل كما ورد في الفرق بين الفرق ص١٥٢ والتبصير في الدين ص٧٤ وخطط المقريزي ج٤ ص١٧٦ - ١٧٧ وتعريفات الجرجاني ص٩٢.
وأسأل ثانية - وهذا أيضا ضمن ما هو مسموح - وماذا بعد أن أخطأ جبريل، وأصبح محمد نبياً، نتيجة هذا الخطأ ؟ ما هي عقيدة هذه الفرقة الغرابية ؟هل اقتصرت كلها على لعن صاحب الريش(١) ومن هم أتباعها ورئيسها حتى لو كانت تتألف من الرئيس وحده ؟ أليس هناك واحد فحسب يعرفه المؤلفون فيذكرونه لنا ؟
لقد كنا نرفض وجود الفرق الأخرى لأن المؤلفين لم يذكروا غير واحد هو الذي تحمل الفرقة اسمه. أما الغرابية فيبدو أن المؤلفين قد عجزوا حتى عن العثور على هذا الواحد يعصبون به التهم التي هيأوها لهم، فاتجهوا نحو... الغراب والذباب.
المفوضية والذمية:
يقول عنهم البغدادي ( وأما المفوضة من الرافضة - يبدو أن البغدادي نسي أنه يبحث هنا فرق الغلاة لا الرافضة الذين تقدم حديثه عنهم - فقوم زعموا أن الله تعالى خلق محمداً ثم فوض إليه خلق العالم وتدبيره فهو الذي خلق العالم دون الله تعالى ثم فوض محمد تدبير العالم الى علي بن ابي طالب فهو المدبر الثاني...
وأما الذمية فهم قوم زعموا أن عليا هو الله وشتموا محمداً وزعموا أن عليا بعثه لينبئ عنه فادعى الأمر لنفسه... )(٢) .
أما الأشعري فيبحث المفوضة في الصنف الخامس عشر من أصناف الغالية دون أن يسميهم ويقول انهم ( يزعمون أن الله عز وجل وكل الأمور وفوضها
____________________
١- الفرق بين الفرق ص١٥٣.
الى محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنه أقدره على خلق الدنيا فخلقها ودبرها وأن الله سبحانه لم يخلق من ذلك شيئاً ويقول ذلك كثير منهم في علي ويزعمون أن الأئمة ينسخون الشرائع ويهبط عليهم الملائكة وتظهر عليهم الأعلام والمعجزات ويوحي إليهم.
ومنهم من يسلم على السحاب ويقول إذا مرت سحابة به ان عليا - رضوان الله عليه - فيها وفيهم يقول بعض الشعراء:
برئت من الخوارج لست منهم
من الغزل منهم وابن باب
ومن قوم إذا ذكروا عليا
يردون السلام على السحاب(١)
ويبحث قبلهم الذمية. دون أن يسميهم أيضا ويقول عنهم ( والصنف الثاني عشر من أصناف الغالية يزعمون أن عليا هو الله ويكذبون النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ويشتمونه ويقولون ان عليا وجه به ليبين أمره فادعى الأمر لنفسه(٢) .
ويختلف المفوضة عند الرازي عنهم عند البغدادي والأشعري فمفوضة الرازي يجعلون خلق العالم في الأصل لعلي وأولاده كما يروي عنهم صاحب اعتقادات فرق المسلمين والمشركين قائلا ( وهم قوم يزعمون أن الباري تعالى
____________________
١- مقالات الإسلاميين ج١ ص٨٦-٨٧.
٢- اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٥٩.
خلق روح علي وأرواح أولاده وفوض العالم إليهم فخلقوا هم الأرضين والسموات... )(١) .
أما الذمية فإنهم يمثلون الفرقة العاشرة في ترقيم الرازي لفرق الغلاة برغم أنه لا يعطيهم تسمية معينة، لكن ذلك يبدو من قوله فيهم ( وهم يزعمون أن جبريلعليهالسلام أزاغ الرسالة إلى علي لكن محمداً كان أكبر سنا من علي فاستعان علي به ثم أن محمداً استقل بالأمر ودعا الخلق إلى نفسه وهؤلاء يسيئون القول في النبيعليهالسلام )(٢) .
وابتداء أنا أرفض بشكل قاطع عند الحديث عن الفرق وعقائدها صيغاً مثل ( وهم قوم ) أو ( وصنف يزعمون ) دون أي تحديد للقوم أو الصنف، إلا برقمه ضمن أصناف الغلاة. فهذه ألفاظ لا تقول شيئاً، ولا تعرف فرقة، ولا توضح عقيدة، ولا تثير في النفس غير الشك في قائلها، وهو أقل ما تثير.
وهذا لا يعني أنني سأقبل ما يقوله المؤلفون عنهم لو أبدلوا صيغة مثل ( وهم قوم أو صنف ) ب- ( وهم فرقة ) حتى لو اختلفوا اسماً أو أكثر من اسم لهذه الفرقة. فلن يصحح في نظري وجود فرقة ما، وجود اسم لها. ولقد رفضت فرقاً كثيرة مرت بنا لها أسماء، بعد ما ثبت كذب وجودها.
____________________
١- اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٦٠.
٢- الفرق بين الفرق ص١٤٣- ١٤٤ والملل والنحل ج١ ص١٧٤ والتبصير في الدين ص٧٢ وان كان الأسفراييني يستعمل لفظ الغيم بدلا من السحاب والفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص٣٦ وخطط المقريزي ج٤ ص١٧٥ والتنبيه والرد ص٢٥.
أية صعوبة أن يقول قائل ان هناك قوماً يزعمون كذا، أو ان جماعة أو فرقة يدعون كذا، ويقف عند ذاك فلا يتجاوزه ولا يحاول أن يحدد أولئك القوم أو تلك الفرقة، ما هي مبادئها، وكيف نشأت وتطورت وأين وجدت، ومن هم قادتها، وما علاقتها بالفرق الأخرى، وأهم منه في رأيي ما علاقة أئمة الشيعة بها ونظرتهم إليها.
وإلا فلن يكون الحديث، غير عبث في مسائل لا تحتمل العبث، ولو قلت: تزوير مع سبق الاصرار كما يقول الحقوقيون، لما بعدت.
ليس يرضيني اذن هذا الحديث العابث الظالم، عن عقائد ناس أحاول أن أظفر بشيء عنها وعنهم فلا أجد، برغم الجهد والبحث، لتبقى صيغ ال- ( وهم قوم ) و ( الصنف ال-... ) هي صيغ الاتهام الوحيدة عند المؤلفين في العقائد، دون تعريف أو تسمية لهؤلاء ال- ( هم ).
ولأعد الى ما ذكره المؤلفون عن الفرقة التي تدعي أن علياً هو الله، ويشتمون محمداً لأن علياً ( الله ) وجهه ليبين أمره، فادعاه لنفسه.
وليس صعباً أن يسأل الإنسان، انه مادام علي هو الله القادر طبعاً على فعل ما يريد ومنع ما يريد، فلماذا ترك محمداً ولم يمنعه، بعد ما ثبتت خيانته بادعاء ما ليس له بحق !!
ثم أن محمدا اقتصر في دعوته كما يقولون على أنه نبي ورسول، فلم يدع الألوهية التي بقيت لعلي ولم يزاحمه فيها ولم يبعده عنها. فأين خيانته وادعاء الأمر لنفسه ؟ هل يريد هؤلاء أن يكون علي نبياً بالإضافة الى وظيفته الأساسية الهاً. متجاوزاً مبدأ الاختصاص وتوزيع السلطات ؟ ألا يكفيه أن يكون ألهاً ويترك النبوة، وهي دون منزلته، لغيره من الناس ؟! ان محمداً لم يفعل كما أظن، ما يستحق الذم عليه، وبالتالي قيام فرقة ( الذمية ).
أما ما يذكره الرازي من أن الرسالة كانت لعلي في الأصل وأن علياً استعان بمحمد لكبر سنه، لكن محمداً استقل بالأمر بعد ذاك.
فمن الملوم فيه، محمد أم علي ؟
لقد كانت الرسالة إذن لعلي الذي اختاره الله إلهاً، مع علمه بصغر سنه ووجود محمد الأكبر منه سناً. فكيف جاز لعلي أن يتصرف بهذه الرسالة، على أهميتها وخطورة شأنها، ويخالف أمر الله فيستعين بغيره في أدائها، والله نفسه هو الذي اختاره لها دون غيره. وكان يعرف محمدا طبعا، ويستطيع أن يصرف الرسالة إليه دون أن يمنعه من ذلك مانع.
ان ( ذمية ) الرازي - الغلاة في علي - يتهمون عليا، أرادوا أم لم يريدوا، بعصيان أمر الله ومخالفته له. وإذا كان هناك من يجب أن يوجه إليه اللوم أكثر
من غيره، فهو ليس محمدا بل عليا الذي لم يحسن الاختيار، أو بالأحرى عصى الله في هذا الاختيار.
لقد سبق أن قلت ان المؤلفين يتحدثون عن ( فرق ) وانني حين أناقشهم هنا فإنما أناقشهم في فرق، أفترض فيها الحد الأدنى من العقل والفهم والإدراك. ولكني لست مستعدا أن أتعب نفسي في متابعة النزلاء في مستشفيات الأمراض العقلية، لأناقش كلا منهم فيما يهذي، مما يعده المؤلفون عقيدة، ويعدون صاحبه فرقة، حتى لو صح ما ينقله هؤلاء عنهم، وحتى لو ذكروا أسماءهم ولم يكتفوا ب- (هم ) كما اعتادوا.
وفيما يخص ( المفوضة ) فيلاحظ أن الأشعري يخلط بينهم وبين السبئية حين يقول ( ومنهم من يسلم على السحاب ويقول إذا مرت سحابة به ان عليا رضوان الله عليه فيها ).
فمن المتفق عليه بين المؤلفين في الفرق، أن الذين يقولون بمجيء علي في السحاب هم السبئية، أو بعضهم من أصحاب عبد الله بن سبأ، الذين يعالجهم الأشعري في الصنف الرابع عشر من أصناف الغلاة عنده. وهو ما تجده لدى البغدادي والشهرستاني والأسفراييني وابن حزم والمقريزي والملطي، مع بيتين مضافين للبيتين أوردهما الأشعري. والأبيات الأربعة منسوبة لإسحاق بن سويد العدوي(١) .
____________________
١- الملل والنحل ج١ ص١٧٥.
وعلى كل فان هؤلاء الذين فوض إليهم خلق العالم وتدبيره، لم يظلم أحد في هذا العالم ولم يضطهد ويحارب، كما ظلموا واضطهدوا وحوربوا.
أكانوا أعداء أنفسهم، أم كان هناك خطأ في التفويض أو في التدبير ؟!
في الميمية والعينية واللاعنية والسراجية:
هل سمعت يا سيدي القارئ بفرقتين اسم الأولى ميمية واسم الثانية عينية(١) .
وأؤكد لك أني جاد كأشد ما يكون الجد، وأن الميمية والعينة، فرقتان من فرق الغلاة التي استأثرت باهتمام المؤلفين في الفرق والمذاهب، وانك لا تفتح كتابا من الكتب المؤلفة فيها، إلا طالعتك هاتان الفرقتان متجاورتين، إذ الحديث عن إحداهما يستلزم الحديث عن الأخرى.
فالميمية هي التي تفضل محمداً في الألوهية على علي. أما العينية فعلى العكس هي التي تفضل علياً على محمد.
وأظنك عرفت الآن علة التسمية، وان الأولى سميت بالحرف الأول الذي يبدأ به اسم محمد الذي تفضله فرقة ( الميمية ) والثانية بحرف العين، أول حرف في اسم علي الذي تفضله ( العينية ).
____________________
١- الفرق المفترقة بين اهل الزيغ والزندقة لأبي محمد عثمان بن عبد الله بن الحسن العراقي الحنفي.
فكأنه لم يكف المؤلفين أن يخلقوا فرقاً لا تجد فيها إلا اسم شخص واحد، هو الذي تنسب إليه، حتى أضافوا فرقاً لا تجد فيها غير حرف واحد، عليك أنت أن تستنتج ما يرمز اليه.
وهل سمعت أيضاً بفرقة أخرى اسمها ( اللاعنية )(١) كل دينهم كما يقول المؤلفون في الفرق، ان يلعنوا عائشة وطلحة ومعاوية، فلعن هؤلاء هو دينهم. لا يضيف المؤلفون إليه شيئاً، ولا الى الأشخاص شخصاً.
ولكن كيف تم اختيار هؤلاء الثلاثة ( الملعونين ) وما هو الأساس الذي قام عليه هذا الاختيار ؟ أهو الاشتراك في حرب الجمل مثلاً فكيف إذن أفلت الزبير وابنه عبد الله، ودورهما في الجمل ربما تجاوز دور الآخرين، وأضيف معاوية الذي لم يشارك فيها. أم صفين فكيف أستثني عمرو بن العاص ومروان وغيرهما ممن قادوا الصفوف في صفين ؟!
ثم كيف ترك زعماء الخوارج فلم يدخل واحد منهم ضمن الثلاثة، حتى عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي.
أترى الاختيار تم عن طريق الاقتراع بين المرشحين للعن توخياً للعدالة ؟! قد يكون.
____________________
١- أظنني قرات اخيرا المؤلف اسمه الدكتور ! ابراهيم شحادة الخواجة ومهنته استاذ مشارك في اكثر من جامعة في السعودية وهو يضيف الى فرق الغلاة من الشيعة فرقة جديدة يسميها ( الجعدية ) اصحاب الجعد بن درهم استاذ ومؤدب مروان بن محمد اخر الخلفاء الامويين الذي يقال له ( الجعدي ) نسبة الى - الجعد بن درهم المذكور ورحمت الطلاب الذين يدرسون على هذا الدكتور وامثاله وكان الله معهم فيما يدرسون ويتعلمون ما دام استاذهم شحادة وامثاله. انظر شعر الصراع السياسي في القرن الثاني الهجري ط أولى - الكويت ١٩٨٤ ص٦٤.
وعلى كل فهذا هو اختيار زعيم الفرقة، ليس من حقي أن أتدخل فيه أو أفرض رأياً عليه، فهو حر في اختيار من يلعن ومن لا يلعن.
ولكن من هو رئيس هذه الفرقة، فنحن نجهل كل شيء عنه. نجهل الاسم الذي اعتاد المؤلفون أن يذكروه ويكتفوا به في تسمية الفرق، وهو الحد دون الأدنى الذي رفضته ولم أقبله بالنسبة لأية فرقة. نجهل مهنته: أكان الهاً أم نبياً أم مجرد إمام، وهل غير شيئاً في شريعة محمداً، أم قصر دينه كله على لعن الثلاثة السابقين.
ذلك ما لم يجب عليه من تحدث عنهم وجعل منهم فرقة.
فهل انتهت فرق الغلاة ؟!
لا أظن، فيبدو أن حديثهم مما يروق المؤلفين في العقائد عندنا، فهم لا ينفكون يقدمون لك فرقاً جديدا، كلما انتهيت من فرق قديمة. وفرقاً لم تسمع عنها، كلما فرغت من فرق سمعت عنها(١) .
فهل سمعت مثلاً بالسراجية(٢) والنجارية(٣) والشباسية وكلها من فرق الغلاة كما يزعم المؤلفون في الفرق والعقائد.
فإذا سألت وما السراجية ؟ قيل لك أنهم أتباع رجل اسمه أبو مسلم السراج. والنجارية ؟ أتباع رجل اسمه أبو مسلم النجار.
وتقسيم للمؤلفين أنك تعلم عما لا شك فيه أن أبا مسلم - على افتراض وجوده - رجل لا امرأة، وأن أبا القاسم هو الآخر رجل، وإلا لكان أبو مسلم
____________________
١- الفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص٤٩.
٢- مقالات الإسلاميين ج١ ص٨٤- ٧٥ والفرق بين الفرق ص١٥٣.
٣- الفصل في الملل والأهواء والنحل ج٥ ص٤٨ و ٤٩.
ام مسلم وأبو مسلم أم القاسم، وأنك لم تسأل إلا عن فرقة حملت هذا الاسم، وما تريد أن تعرفه، شيء آخر يخص الفرقة ذاتها: عقيدتها. مؤسساتها. قادتها. أتباعها. منشأها. تراثها. مفكريها.
ذلك أن هذا البحث مخصص للحديث عن ( فرق ) للغلاة كما يصورهم الكتاب والمؤلفون المسلمون في الفرق والعقائد.
فماذا رأيت فيما مر بك حتى الآن من غالبية هذه الفرق.
انني لم أر إلا حمقاً وهذيانا وهجرا من القول، وكلاما مجنونا لا يصلح أن يؤلف عقيدة، ولا ينشئ مذهباً. ثم بضعة أشخاص لا يمكن أن يجمعوا - مع التسليم بوجودهم - فرقة ولا جزء من فرقة. وكان أصلح لهم أن يتجهوا الى مستشفيات الأمراض العقلية، للأقامة فيها حتى يشفيهم الله، من أن يتجهوا الى تأسيس فرق وعقائد ومذاهب، يصر المؤلفون المسلمون على أنها تمثل فرقا وعقائد ومذاهب للشيعة أو لغلاتهم.
وأنت مضطر أن تذعن وأن تصدق وأن تؤمن، وأن تستمر مذعنا مصدقا مؤمنا، الى أن يستطيع هذا العقل العربي المسلم أن يتحرر من قيده أو قيوده، فيناقش دون خوف من نفسه، ومن خارج نفسه.
حتى ذلك الوقت، أنت مضطر أن تعترف بفرقة اسمها السراجية، وأخرى اسمها النجارية، وثالثة ورابعة. وغلو وغلاة وفرق غالية.
وهذا هو الشيء الوحيد الذي تسطيع أن تفعله، وربما استكثروا عليك أنك تستطيع أن تفعل شيئاً، حتى لو كان هذا الشيء هو الاعتراف والخضوع والإذعان.
حتى ذلك الوقت، تبقى السراجية أصحاب رجل اسمه أبو مسلم السراج.
الفهرس
الإهداء ٤
المقدمة ٦
الشيعة ٨
الرافضة ١٨
الكيسانية: ٣٢
فرق الرافضة: ٤٨
الحربية والبيانية: ٥٩
الصنفان الثاني عشر والثالث عشر من الرافضة: ٦١
الكاملية: ٦٢
الخشبية: ٦٣
الزيدية: ٧٠
الغلاة ٧٨
الغلو بعد علي: ٩٩
الحربية: ١٠٧
البيانية: ١١١
المغيرية: ١١٤
الكاملية: ١٢٤
الجناحية: ١٢٥
المنصورية: ١٣٦
الخطابية: ١٤١
١ - المعمرية: ١٤٥
٢ - البزيعية: ١٤٩
٣ - العميرية: ١٥٠
٤ - المفضلية: ١٥٣
الغرابية ١٥٥
المفوضية والذمية: ١٥٧
في الميمية والعينية واللاعنية والسراجية: ١٦٣
الفهرس ١٦٧