تاريخ جديد للتأريخ
المعتزلة بين الحقيقة والوهم
أحمد فرج الله
الطبعة الأولى - بغداد - ٢٠٠٦
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى
قريبة إنشاء الله تعالى.
الإهداء
السيد الدكتور محمد عمارة
لقد كان كتابك عن النشاط السياسي للمعتزلة، وما تضمن من أخطاء حافزاً لأن أعود الى مسودات، كنت قد كتبتها عنهم قبل أكثر من ثلاثين عاماً، فأعيد
النظر فيها وأهيئها للطبع.
فلولا أخطاؤك ما كان هذا الكتاب.
فمن أولي بأن يهدى إليه غيرك ؟
مع بالغ احترامي
أحمد فرج الله
بغداد في ٢٠ / ٦ / ١٩٩٨
المقدمة
يشغل المعتزلة حيزاً كبيراً في التاريخ الإسلامي وحيزا اكبر في الفكر الإسلامي، وما يزال الحديث عنهم بعد قرون من نشأتهم وقرون من اختفائهم وانقطاعهم نشاطهم يشد القارئ ويشوقه ذلك أن تاريخ هذه الفرقة قد أرتبط، لأسباب ليس هنا محل بحثها، بما يمثل ثورة على الفكر المسلم التقليدي وهو ما حاربه المحافظون من المسلمين كأقسى ما تكون الحرب فقد وجدوا فيه - منافقين مداهنين أو مؤمنين متعصبين - هدماً للإسلام ومنفذاً يتسلل منه أعداؤه.
فمنذ نشأتهم، طرح المعتزلة قضايا وناقشوا قضايا لم يكن الفكر المسلم المحافظ حينذاك قد أعتاد الخوض فيها وإنما كان يسلم بها كما وردت دون بحث، بل كان السؤال عنها بدعة عقوبتها النار.
هذا كان موقف القدماء في عامتهم، ومنهم غالبية أصحاب المقالات والمؤلفين في الفرق الذين لم يبخلوا على المعتزلة بأقبح الأوصاف وآلمها وأشدها إيذاء، ويكفي أن تتصفح أي كتاب من كتب المقالات والفرق لترى منها ما يخطر وما لا يخطر لك على بال.
والحق أن هذا الموقف لم يقتصر على أعداء المعتزلة من الفرق الأخرى تجاه المعتزلة وحدهم، وإنما كان أسلوباً في الحياة الإسلامية تبنته كل فرق المسلمين في تعاملهم مع بعضهم، بما فيهم المعتزلة أنفسهم في
مواقفهم من الفرق الأخرى فقد كان الحوار بين هذه الفرق يمضي في قليل من الإنصاف وكثير من التجريح والاتهام الذي يجاوز الحدود أحيانا والذي غذته دون شك، دوافع وخلافات سياسية مزقت المجتمع الإسلامي في ذلك الحين وردته طوائف يخوض بعضها في دم بعض مما لا يجهله أحد، وما نزال نعاني منه أو من بعضه حتى اليوم.
وهكذا كانت الحال مع المعتزلة، وهكذا استمرت على امتداده قرون، فما يكتب عنهم كاتب ولا يعرض لهم صاحب مقالة إلا ليعيبهم ويذكر مساوئهم
غير أن تطورا في الفكر العربي الإسلامي المعاصر هو جزء من تطور عام في الفكر الإنساني كله قد بدل الموقف من هذه الفرقة، وكل من آثاره أن أصبح هذا الفكر قادراً أن يتعامل مع العديد من القضايا التي أثاروها بتسامح وحرية أوسع، بعيدا عن اتهامات العصور السابقة، ولم تعد أحكامه فيها طبعة جديدة لما أصدره القدماء من أحكام.
لقد أثيرت في زمن المعتزلة أو قبلهم قضايا كثيرة لم تكن الظروف قد تهيأت بعد للبحث الجاد فيها، فلما جاء المعتزلة لم يتحرجوا من خوضها والتوسع فيها ومواجهة الآخرين بمواقف جريئة منها.
كما أثار المعتزلة من جانبهم قضايا جديدة لم تكن قد طرحت أو لم تكن قد تحددت ملامحها بما يجعل منها قضايا حتى ذلك الوقت وكانت غالبيتها ذات طبيعة حساسة تجنب الفكر المسلم المحافظ الخوض فيها ،
وكان ينظر بريبة وحذر أو اتهام وهجوم، للباحثين فيها لما تجره من نتائج قد لا تخلو تبعا لهذا الفكر، من خطر على العقيدة الإسلامية.
ومن هنا نستطيع أن نفهم مواقف المحافظين المسلمين من قضايا كثيرة أثارها المعتزلة أو توسعوا في بحثها كأفعال الإنسان ومدى حريته فيها وكالحسن والقبح وهل هما ذاتيان أو شرعيان، وما يجب على الله من ثواب أو عقاب قبل الإنسان، وغيرها من القضايا التي طرحها التطور العقلي في مرحلة من مراحل الفكر الإسلامي وتجنب المحافظون الخوض فيها فلم يعالجوها إلا مضطرين، مدافعين أو مهاجمين من سبق الى بحثها، فكانت معالجتهم لها محكومة بهذا الحذر ولم يتجاوز في الغالب محاولات تثبيتها في صيغتها التي وردت فيها وإبقائها ضمنها وعدم الخروج أو التوسع قدر الإمكان في معانيها.
وإذا كان الجانب الإيماني ومواقف المعتزلة من قضايا قد أثار الطوائف الإسلامية، خصوصا المحافظين ضدهم، فان هناك عاملا جديدا دخل المعركة وزاد من حدتها، وكان هذا العامل الجديد ذا طابع سياسي حين تبنى المأمون وخليفتاه المعتصم والواثق مذهب المعتزلة وحاولوا فرضه مذهباً رسمياً للدولة، وما رافق ذلك من أحداث كان من أبرزها ما عرف في التاريخ الإسلامي بمشكلة خلق القرآن التي تعرض المنكرون لمقالة المعتزلة فيها وعلى رأسهم أحمد بن حنبل، لألوان من العنف أثارت لدى الجانب الآخر ردود فعل اتسمت هي أيضا بالدرجة نفسها من العنف.
ولقد كانت هذه المسألة التي شغلت المسلمين، حاكمين ومحكومين، مدة غير قصيرة، من المآخذ الكبيرة على المعتزلة وألحقت بهم ضرراً لم يكن من السهل تجاوز آثاره.
كان الخوف أولاً على العقيدة، فأصبح الخوف على العقيدة والسلطة عندما أريد ( تسييس ) الإيمان المعتزلي ليدخل ميدان المعركة التي حسمت فيما بعد بانتصار الفكر المحافظ وسيادته وانتهاء المعتزلة كفرقة.
إلا أن النهج العقلي الذي رفع لواءه المعتزلة وأثار ضدهم قوى محافظة كبيرة في السابق، أصبح هو نفسه مصدر الإعجاب بهم ن وسببا من أهم الأسباب التي دفعت الفكر المسلم الحديث الى التعامل مع آرائهم بما يفرضه الروح العلمي من تجرد وإنصاف، لا يهم من بعد الاتفاق أو الاختلاف في النتائج التي بلغوها فقد يختلف هذا الفكر معهم في هذه القضية أو تلك، وقد ينكر ما توصل أليه المعتزلة من نتائج، لكنه لا يستطيع أن ينكر عليهم أنهم سبقوا الى التزام نهج عقلي جديد، وإنهم أثاروا وناقشوا قضايا لم يكن الآخرون يجرؤون على مسها أو الاقتراب منها.
وكان هذا مما دفع العديد من الباحثين المحدثين الى التنقيب عن آثارهم ودراستها بكثير من الإنصاف والموضوعية، وكأنهم يردون بذلك دينا للمعتزلة طال مطله وإنكاره.
على أني قد أضيف عاملا آخر في تفسير الموقف الجديد لهؤلاء الباحثين ومحاولتهم إنصاف المعتزلة مما لحق بهم من حيف طوال قرون لقد انتهى المعتزلة كفرقة ذات سلطان ونفوذ وماتت أسباب الخصومة بينهم
وبين الآخرين ولم يبق منهم إلا ما يجده الباحثون في رفوف المكتبات، فانصافهم لن يثير إذن أحداً ولن يخيف أحداً وقد أصبحوا جزءا من التاريخ.
بقي شيء مهم آخر لا بد أن أشير إليه في هذه المقدمة لأنه سيكون الموضوع الأساسي لهذا الكتاب، وهو أ، عددا من الباحثين المحدثين(١) وقد أدهشهم النشاط الفكري للمعتزلة على الصعيد الإيماني، وهو مدهش حقاً ن راحوا يفتشون في محاولة للعثور على نشاط سياسي يقابل ذلك النشاط الإيماني لتكتمل صورة المعتزلة لديهم كما رسموها هم، ولكي لا يكون هناك نقص أو تقصير في جانب من جوانب هذه الصورة.
وسنرى في هذا الكتاب أن ليس من تشابه بين موقف المعتزلة الإيماني وبين موقفهم السياسي لقد وفقوا هناك كأروع ما يكون التوفيق وأخفقوا هنا كأقسى ما يكون الإخفاق، فلم يكن للمعتزلة موقف على الصعيد السياسي يقارن من قريب أو بعيد بموقفهم على الصعيد الإيماني، بل إن موقفهم السياسي - إذا جاز أن نسميه موقفا - قد تخلله الكثير من الضعف والتذبذب ومحابات السلطة مما كنا نريد أن يتنزه المعتزلة عنه.
هذا الموقف هو الذي أردت الكتابة عنه في هذه الدراسة إنصافا للحق وتصحيحا لبعض الآراء التي بالغت في تضخيم الدور السياسي للمعتزلة حتى نسبت عددا من الثورات إليهم وسمتها باسمهم.
____________________
(١) على رأس هؤلاء الدكتور محمد عمارة صاحب موسوعة الإسلام وفلسفة الحكم في القسم الثالث منها ( المعتزلة والثورة ) والذي سنناقش آراءه في الفصل الثالث من هذا الكتاب وهو المخصص للنشاط السياسي للمعتزلة ومنهم أيضاً الدكتور محمد ضياء الدين الريس في كتابه ( النظريات السياسية الإسلامية ) الطبعة الثانية ١٩٥٧ ص٦٤.
ولكي يكون تناولي للموضوع متسقا ومنطقيا رأيت أن أمهد له ببحث حول نشأة المعتزلة وسبب تسميتهم، لما بهذا الأمر من أهمية في شرح موقفهم السياسي فيما بعد.
ولقد حاولت جهدي ألا أظلم أحدا ولا أحابي أحدا فأنا أكتب للتاريخ ويكفي التاريخ ما زورته أقلام الظالمين والمحابين حتى الآن.
وما أظنه في حاجة الى مزيد.
المؤلف
بغداد في ١٨/ ١٠/ ١٩٩٥
الفصل الأول
في تسمية المعتزلة
تسمية المعتزلة في ذاتها لا تثير أي إشكال، فاللفظ واضح الدلالة ولا يحتمل معاني كثيرة كبعض الألفاظ التي كان الاختلاف في معانيها سبباً للاختلاف في أحكامها فالفعل ( أعتزل ) وهو المزيد من الثلاثي ( عزل ) لا يعني أكثر من الابتعاد والاجتناب والترك.
هذا هو الأصل اللغوي، وهو كما قلنا لا يثير صعوبة أو إشكالاً، لكن الصعوبة تثور حين تنتقل خطوة أخرى من اللغة إلى الإصطلاح، أي إلى المعتزلة كفرقة أو مذهب، فتحاول الإجابة عن السؤال الذي لا بد أن يرد هنا وهو اعتزال من أو ماذا ؟ هل اعتزال شخص أو أشخاص، ومن هم وفي أية مناسبة كان ذلك، أم هو اعتزال رأي أو موقف، وما هو هذا الرأي أو الموقف ومن هو صاحبه أو أصحابه.
فخلافا للشيعة الذين جاءت تسميتهم من مناصرتهم وتشيعهم لعلي بن أبي طالب كما يتفق على ذلك جميع المؤرخين.
وخلافا للخوارج الذين أخذوا اسمهم من موقف محدد ومناسبة معروفة حين خرجوا على علي بعد التحكيم في صفين(١) .
____________________
(١) كان ذلك عام ٣٧ هجري والموضوع من الشهرة بحيث لا يحتاج الى تعليق هنا.
وخلافا أيضاً للجهمية الذين لا تثير تسميتهم أية صعوبة لاشتقاقها من اسم شخص معروف هو جهم بن صفوان(١) .
وخلافا للفرق الإسلامية الأخرى التي لا تثير تسميتها أية صعوبة أو إشكال.
فإن ( اعتزال ) المعتزلة يبقى موضوعا للاجتهاد والنقاش وعدم اليقين.
ويبدو لي انه سوف يبقى كذلك ما دمنا عاجزين عن الربط بشكل قاطع بين التسمية وبين سببها.
لقد طرح المؤرخون وأصحاب المقالات منذ عهد بعيد العديد من الآراء في هذه المسألة، وإذا كنا لا نستطيع ان نستقصي كل ما قيل فيها فسنعرض على الأقل لأهم تلك الآراء مع مناقشة لكل منها، محاولين الوصول من خلال ذلك إلى الرأي الذي نستصوبه ونراه أولى بالاعتماد في تفسير نشأة المعتزلة والتسمية التي لحقتهم.
يتناول الملطي(٢) نشأة المعتزلة في كتابه ( التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ) ص٣٦ فيقول ( وهم - يقصد المعتزلة - سموا أنفسهم معتزلة وذلك عندما بايع الحسن بن عليعليهالسلام معاوية وسلم إليه الأمر اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس ذلك أنهم كانوا من أصحاب
____________________
(١) الراسبي الأزدي بالولاء من أشهر القائلين بالجبر ونفي حرية الإنسان في أفعاله خرج مع الحارث بن سريج في ثورته باقليم خراسان ضد الأمويين وكان من أكبر أعوانه فأسر وقتل هناك قتله سلم بن أحوز المازني عام ١٢٨، وللسيد خالد العسلي كتاب عنه باسم ( جهم بن صفوان ومكانته في الفكر الإسلامي ) من منشورات المكتبة الأهلية ببغداد ١٩٦٥.
(٢) أبو الحسن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي العسقلاني من فقهاء الشافعية ولادته في ملطية ووفاته في عسقلان عام ٣٧٧ له تصانيف في الفقه وغيره منها ( التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ) المطبوع عام ١٩٤٩ بتحقيق وتعليق الشيخ محمد زاهد الكوثري والذي ننقل عنه وهو كتاب مليء بالأخطاء وعدم التحقيق والتخليط.
علي ولزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة فسموا بذلك معتزلة ).
ويسرع إلى ذهني، وأنا أقرأ هذا النص، ان الملطي يخلط فيه بين مفهومين أو طائفتين للاعتزال، فإذا كان يقصد الذين اعتزلوا الحسن ومعاوية بعد الصلح بين الطرفين، وهو يصرح بذلك، فليس في هذا الموقف جديد، فقد سبقهم إليه آخرون من الذين اعتزلوا الصراع بين علي وبين خصومه دون أن يؤلفوا فرقة أو حزباً، كما لم يؤلف أولئك فرقة أو حزباً وإنما جمعهم كأفراد، موقف سلبي من الحسن ومعاوية، وربما من الحياة نفسها، فانصرفوا كما يقول الملطي إلى العلم والعبادة.
وليس في هذا ما يمكن أن يؤلف مذهبا يسمح باتهامه أو اتهام معتنقيه وأتباعه بالهوى والابتداع والخروج على الدين، مع إن هذا بالذات هو ماقصده الملطي في كتابه المؤلف أصلاً للرد على أهل الأهواء والبدع كما يشير عنوانه، الذي تعرض فيه للمعتزلة بوصفهم من هؤلاء، وإلا فأي بدعة في أن ينصرف بعض المسلمين للعلم والعبادة في ذلك الوقت أو في أي وقت غيره، بعد صلح الحسن ومعاوية أو قبل الصلح.
أما إذا كان المطلي يقصد بالمعتزلة الفرقة الإسلامية المعروفة، وهو ما نعتقده فيلاحظ أن واصل بن عطاء(١) وعمرو بن عبيد(٢) اللذين تجمع المصادر على أنهما مؤسسا الاعتزال، قد ولدا بعد نحو أربعين عاماً على صلح الحسن ومعاوية، فهما إذن لا يمكن أن يكونا من بين الذين اعتزلوهما وانصرفوا إلى العلم والعبادة.
____________________
(١) أبو حذيفة واصل بن عطاء مولى بني ضبة أو بني مخزوم رأس المعتزلة ومؤسس مذهبهم كان من أئمة البلغاء والمتكلمين ومن رواد مجلس الحسن البصري قبل اختلافه معه ولد في المدينة عام ٨٠ ه- وتوفي في البصرة عام ١٣١.
(٢) أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب مولى بني تيم كان مع واصل بن عطاء أحد اثنين هما مؤسسا الاعتزال ولد عام ٨٠ وتوفي عام ١٤٤ في زمن المنصور.
ثم أن مؤسسي الاعتزال لم يكونا من أصحاب علي أو من أنصاره بل على العكس فقد كانا من المنحرفين عنه إلى الحد الذي لم يتحرج معه واصل من القول بأنه لو شهد علي وطلحة أو علي والزبير على باقة بقل لم يحكم بشهادتهما لأن أحدهما فاسق برأيه، وان كان لا يعين الفاسق منهما وابعد من ذلك واشد منه، قول عمرو بن عبيد الذي يفسق فريقي الجمل وصفين كليهما متجاوزاً واصلا الذي يكتفي بتفسيق واحد فقط من الطرفين دون تحديد(١) .
فقول الملطي بأن المعتزلة - إذا كان يعني الفرقة المعروفة - كانوا من أصحاب علي لا يستقيم أذن مع ما هو معروف عن الرواد الأوائل للاعتزال، وكان الأولى أن يقول أنهم من أعدائه أو المنحرفين عنه(٢) .بقي أن نلاحظ أن الملطي يلتقي مع المعتزلة في أنهم هم الذين سموا أنفسهم كذلك، إلا أن الاثنين يختلفان في أسبابه، ففي حين يدعي المعتزلة ان التسمية جاءتهم من اعتزالهم ما اختلف فيه المسلمون ليأخذوا بالمجمع عليه من مسائل لا تتصل بموقف الحسن من معاوية ومبايعته له، نجد الملطي يجعل هذا الموقف هو الأساس في قيام المعتزلة ومنه جاءتهم التسمية. ومع ذاك فلا يبدو الملطي واضحاً تماماً فيمن أطلق التسمية، فهو إذا كان يقول في بداية النص ( وهم - يعني المعتزلة - سموا أنفسهم معتزلة ) فأنه يستعمل في نهايته صيغة البناء للمجهول حين يقول ((.فسموا بذلك معتزلة )) ولا أدري هل كان الملطي يقصد ذلك ويعنيه أم انه
____________________
(١) الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي تحقيق الشيخ محمد زاهد الكوثري ط ١٩٤٨ ص٧٢، ١٩٢ والملل والنحل للشهرستاني تحقيق محمد سيد كيلاتي ط ثانية دار المعرفة بيروت ١٩٧٥ ص٤٩ والتبصير في الدين لأبي المظفر الاسفراييني تقديم الشيخ محمد زاهد الكوثري نشر مكتبة الخانجي بمصر والمثنى ببغداد ١٩٥٥ ص٤٢، ٤١ وانساب السمعاني تعليق عبد الله عمر البارودي ط دار الجنان ١٩٨٨ ج٤ ص٢٣٩ وميزان الاعتدال للذهبي تحقيق علي محمد البجاوي نشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ج٣ ص٢٧٥ و ج٤ ص٣٢٩ والفرق الإسلامية ( ذيل كتاب شرح المواقف ) للكرماني تحقيق سليمة عبد الرسول مطبعة الإرشاد بغداد ١٩٧٣ وتاريخ بغداد - دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ج١٢ ص١٧٨ ولسان الميزان لابن حجر ج٦ ص٢١٥. وانظر أيضا أوائل المقالات للمفيد تعليق السيد هبة الدين الشهرستاني ص٤٣ وهو يجعل قول واصل مشتركا بين الاثنين واصل وعمرو أما النوبختي في ( فرق الشيعة ) إستانبول ١٩٣٢ نشر جمعية المستشرقين الألمانية بتصحيح ه- ريتر ص١٢ ( وقال واصل بن عطاء مثل علي ومن خالفه مثل المتلاعنين لا يدري من الصادق منهما ومن الكاذب واجمعوا جميعا - يقصد واصل وعمرو بن عبيد وضرار بن عمرو على ان يتولوا القوم في الجملة وان إدى الفرقتين ضالة لا شك من أهل النار.) وانظر أيضا شرح المواقف للايجي عضد الدين عبد الرحمن بن احمد ت ٧٥٦ المجلد الثالث ص٢٨٣ وتاريخ الإسلام للذهبي تحقيق الدكتور عمر عبد السلام تدمري نشر دار الكتاب العربي ١٩٨٨ ترجمة واصل بن عطاء الطبقة الرابعة عشرة حوادث سنة ١٣١ وأصول الدين للبغدادي ج١ نشر مدرسة الإلهيات بدار الفنون التركية ط أولى ١٩٢٨ ص٢٩٠ و ٣٣٥ وأظن واصلا وعمرا ينكران - كما يظهر واضحا - حديث ( العشرة المبشرة في الجنة ) الذين منهم طرفا النزاع علي وطلحة والزبير، ولولا ذاك لما حكما عليهما أو على أحدهما بأنه فاسق أي مخلد في النار، مع ان الحديث جاء مبشرا للطرفين بأنهم في الجنة خالدين فيها لا تمسهم النار ولا تقرب منهم.
(٢) يخلط الملطي خلطا غريبا في حديثه عن الفرق الإسلامية في كتابه المذكور أعلاه مخالفا في ذلك كل الذين كتبوا عنها وكل ما هو معروف من مبادئها وهو ما يفرض عليك الشك والحذر فيما تنقله عنه من معلومات خاصة بتلك الفرق وقد يكون سبب ذلك عدم دقة الملطي أو عدم حياده.
أستعمل الصيغة كما وردت إلى ذهنه عند الكتابة دون تفكير وقصد ؟ هل كان يريد القول أنهم هم الذين سموا أنفسهم معتزلة ثم تبعهم الناس في هذه التسمية فسموا بها.
وأخيراً فأن الملطي لم يذكر لنا بعض هؤلاء الذين اعتزلوا ولم يورد أسمائهم وإنما اكتفى بألفاظ لا تحدد شيئاً مثل ( هم ) و ( كانوا من أصحاب علي ) مع إن المؤرخين لم يبخلوا علينا بأسماء عدد من الذين اعتزلوا النزاع بين علي وبين خصومه قبلهم وهذا ما يجرد رواية الملطي من كثير من قيمتها.
لكن الغريب أن رأي الملطي هذا على ضعفه وتهافته يتبناه أحد كبار المؤلفين المعاصرين(١) ثم ينطلق منه للوصول إلى بعض النتائج التي لا تفضل في شيء النتائج التي يقود إليها رأي الملطي إن لم تكن أسوأ منها.
أستمع إلى الدكتور النشار وهو يقول تعقيباً على نص الملطي ( أعتزل أذن الحياة العامة جماعة من خلص المؤمنين رأوا الأمر كما قلنا بين يدي معاوية الطليق فزهدوا الدنيا وأمرها وفي هذا الوسط المعتزلي أو بين هؤلاء المعتزلة كان هناك رجلان من أهل البيت هما أبو هاشم عبد الله والحسن ابنا محمد بن الحنفية وكانا أول من قام بالاعتزال . الخ).
ولأني سبق أن ناقشت رأي الملطي الذي أستند إليه النشار فسأكتفي هنا ببعض الملاحظات التي احسب القارئ قد سبقني إليها وهو يقرأ تعقيب الدكتور النشار على نص الملطي والنتائج التي رتبها عليه.
____________________
(١) هو الدكتور علي سامي النشار في كتابه نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ط ثانية مطبعة دار نشر الثقافة بالإسكندرية ١٩٦٢ ج١ ص٢٦٣.
وأولى هذه الملاحظات قول النشار (( أعتزل إذن جماعة من خلص المؤمنين )) وهذا يمثل مصادرة على المطلوب فلقد وجهنا نحن السؤال إلى الملطي عن هؤلاء الجماعة أو عن بعضهم أو واحد منهم فلم نجد عنده جواباً.
والملاحظة الثانية تتعلق بعبارة النشار (( بين هؤلاء المعتزلة كان هناك رجلان من أهل البيت هما أبو هاشم عبد الله والحسن ابنا محمد بن الحنفية . )) وإذا كان النشار نفسه يقول أن الحسن بن علي قد بايع معاوية عام ٤٠ والصحيح ٤١ فأن أبا هاشم وأخاه الحسن لم يكونا عند المبايعة لمعاوية قد تجاوزا سن الطفولة أو ربما لم يكونا قد ولدا بعد إذ أن آباهما محمد بن الحنفية لم تتجاوز سنه عند ذاك العشرين إلا قليلاً فكيف جاز للدكتور ان يقول (( بين هؤلاء المعتزلة )) عن أبنيه ؟
وأخيراً فماذا يقصد النشار بقوله عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية بأنهما ( كانا أول من قام بالاعتزال )) أي اعتزال يريد ؟ هل اعتزال الحسن ومعاوية الذي تحدث عنه الملطي وهذا كان قد سبق إليه (( خلص المؤمنين )) أثر مبايعة الحسن لمعاوية، فلم يكن إذن أبنا محمد بن الحنفية أول من قام به، أم الأعتزال الذي سبقه خلال الصراع بين علي وبين خصومه، وما أظن الدكتور يتحدث عنه، وهو قطعا قبل ولادة عبد الله والحسن، أم الاعتزال الأخير المرتبط بمرتكب الكبيرة وهذا لم ينسبه أحد إلى غير واصل بن عطاء أو واصل ومعه عمرو بن عبيد بعد وفاة أبي هاشم والحسن ابني محمد بن الحنفية على أن أحدا من الرواة والمؤلفين
على اختلاف عصورهم وميولهم لم ينسب أية صلة للحسن أبن محمد بالاعتزال وإنما تحدثوا عنه كأول من قال بالإرجاء وألف فيه، وأظن الدكتور يتفق معي أن الإرجاء غير الاعتزال إلا إذا كان له رأي آخر في الموضوع.
لقد كنا نريد أن يكون الدكتور أكثر حرصاً وأكثر دقة وهو يتناول قضيا في مثل هذه الخطورة.
أكثر الروايات تداولا في تسمية المعتزلة هي تلك التي تنسب التسمية إلى اعتزال واصل بن عطاء أو عمرو بن عبيد(١) مجلس الحسن - البصري(٢) واعتزال مجلس الحسن تورده الروايات التي تربط به التسمية على وجهين، فمنها ما لا تذكر حادثة معينة أو سببا مباشراً للاعتزال مكتفية بهذا السبب العام الذي يتمثل بخروج واصل، في مرتكب الكبيرة، برأي مخالف للآراء السابقة أو إحداث عمرو ما أحدث من بدع.
ومنها ما لا تكتفي بذلك بل تضيف إليه سببا مباشرا لاعتزال مجلس الحسن وهذه الأخيرة تذكر الحادثة الاتية لتجعل منها بداية الاعتزال وتربط بها تسمية المعتزلة.
وقبل أن اورد الحادثة كما جاءت بها الروايات أود أن أنبه الى أن مناقشتي لها تتضمن في بعضها مناقشتي للروايات الأخرى التي تربط هي أيضا تسمية المعتزلة باعتزال مجلس الحسن لكنها لا تشير إلى هذه الحادثة
____________________
(١) في ( الفرق بين الفرق ) للبغدادي ص٧١ ان الذي اعتزل مجلس الحسن هو واصل بن عطاء وكذلك في ( أصول الدين ) للبغدادي أيضا ط أولى استانبول ١٩٢٨ ج١ ص٣٣٥ وهو ما نجده في ( الملل والنحل ) للشهرستاني تحقيق محمد سيد كيلاتي - دار المعرفة بيروت ١٩٧٥ ج١ ص٤٨ وفي التبصير في الدين لأبي المظفر الاسفراييني تقديم الشيخ محمد زاهد الكوثري نشر مكتبة الخانجي بمصر ومكتبة المثنى ببغداد ١٩٥٥ ص٦٤ واللباب في تهذيب الأنساب لأبن الأثير نشر مكتبة القدسي بالقاهرة ١٣٥٦ ه- ج٣ ص١٥٦ ومعجم الأدباء لياقوت الرومي ط ثالثة نشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ١٩٨٠ ج١٩ ص٢٤٦ وشرح التفتازاني سعد الدين مسعود بن عمر علي متن عقائد النسفي ص١٦ وتعريفات الجرجاني المطبعة الميمنية ص١٢٨ وشرح المواقف للايجي عبد الرحمن بن احمد ت ٧٥٦ المجلد الثالث ص ٢٨٢ وتاريخ الإسلام للذهبي الطبقة الرابعة عشرة حوادث سنة ١٣١ في ترجمة واصل بن عطاء.=
____________________
=وفي ( أوائل المقالات في المذاهب المختارات ) للشيخ المفيد تعليق السيد هبة الدين الشهرستاني مطبعة رضائي - تبريز - إيران ١٣٦٣ ه- ص٣٦ ان اعتزال مجلس الحسن كان من قبل الاثنين واصل وعمرو وفي طبقات المعتزلة لأحمد بن يحيى بن المرتضى تحقيق سوسنة ديفلد فلزر ط بيروت ١٩٦١ ص٣ ( ان واصلا وعمرو بن عبيد اعتزلا حلقة الحسن واستقلا بأنفسهما ) دون إيراد أي سبب، وهو ينقل ذلك عن ابن قتيبة في ( المعارف ) وبالرجوع إليه لم نجد ذكرا لواصل فهو يقول في ص٤٨٣ مطبعة دار الكتب ١٩٦٠ تحقيق الدكتور ثروت عكاشة ( وكان يرى - يقصد عمرو بن عبيد - رأي القدر ويدعو إليه واعتزل الحسن هو وأصحاب له فسموا المعتزلة ) فلعل ابن المرتضى وجد ما نقله في كتاب آخر لأبن قتيبة غير المعارف أو لغير ابن قتيبة فنسبة سهوا لهذا على ان ابن المرتضى بعد اسطر من ذلك وفي نفس الصفحة يجعل واصلا هو المعتزل الأول ونفس ما وجدناه في ( طبقات المعتزلة ) نجده في المنية والأمل لقاضي القضاة ص٧ وعنه كما أظن نقل ابن المرتضى ما نقل أما السمعاني فيذكر في ص٣٣٨ من الجزء الخامس من أنسابه ط دار الجنان ١٩٨٨ تحقيق عبد الله عمر البارودي ان الذي اعتزل مجلس الحين هو عمرو بن عبيد وجماعة معه فسموا ( المعتزلة ) لكنه بعد سطرين فقط ينقض ذلك حين يجعل واصلا هو المعتزل الأول لمجلس الحسن بعد طرده منه بسبب قوله في مرتكب الكبيرة ثم انضم غليه عمرو وفي ميزان الاعتدال للذهبي ط دار الفكر ج٣ ص٢٧٤ ان عمرا هو الذي اعتزل مع جماعة مجلس الحسن فسموا المعتزلة لكنه يروي في ص٢٧٥ ان ( أول من تكلم في الاعتزال واصل الغزال ودخل معه في ذلك عمرو بن عبيد ) وفي تاريخ بغداد نشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ج١٢ ص١٦٦ في ترجمة عمرو بن عبيد ( واعتزل - يعني عمرا - أصحاب الحسن ) وفي تهذيب التهذيب ج٨ ص٧٤
في ترجمة عمرو بن عبيد أيضا (.الى ان احدث - يعني عمرا - فاعتزل مجلس الحسن وجماعة معه فسموا المعتزلة.) وفي زهر الآداب لأبي اسحق الحصري شرح الدكتور زكي مبارك ج١ ص٩٤ ( واعتزل مجلس الحسن البصري - يعني عمرا - وهو أول المعتزلة ) وانظر أيضا الأعلاق النفسية لابن رستة طبعة ١٨٩٢ ص٢٣٠ وشرح الأصول الخمسة لقاضي القضاة تحقيق الدكتور عبد الكريم عثمان نشر مكتبة وهبة بالقاهرة ١٩٦٥ ص١٣٨.
وألاحظ ان الذين يجعلون واصلا هو المعتزل الأول لمجلس الحسن يربطون في غالبيتهم بين اعتزاله وبين قوله بالمنزلة بين المنزلتين في مرتكب الكبيرة ثم يجعلون الحسن هو الذي طرد واصلا من مجلسه بسبب قوله ذاك، إذا استثنينا الذين يأخذون بالرواية القائمة على سؤال الحسن عن حكم مرتكب الكبيرة أما الذين يربطون الاعتزال بعمرو ابن عبيد فلا يذكرون الكبيرة ولا المنزلة بين المنزلتين ولا يشيرون إليهما وإنما يتكلمون عما احدث عمرو من بدع واعتزاله مجلس الحسن اثر ذاك لا مطرودا منه كما هي الحال مع واصل هذا عدا الرازي محمد بن عمر في كتابه ( اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ) مراجعة علي سامي النشار نشر مكتبة النهضة المصرية ١٩٣٨ الذي يجمع فيه بين واصل وبين عمرو في القول بالمنزلة بين المنزلتين وباعتزال مجلس الحسن.
(٢) أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري من سادات التابعين وأحد كبار العلماء والفقهاء والنساك كان أبوه مولى للأنصار وأمه مولاة لأم سلمة زوج النبي محمد ولد في المدينة عام ٢١ وتوفي في البصرة عام ١١٠ وكان مجلسه في البصرة من المجالس المشهورة ومن بين روادها واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد زعيما المعتزلة ومؤسسا الاعتزال.
أو غيرها، مكتفية كما قلت، بهذا السبب العام الذي هو موقف واصل من مرتكب الكبيرة أو إحداث عمرو ما أحدث من بدع.
والآن ما هي الحادثة التي دفعت إلى اعتزال واصل مجلس الحسن وقيام المعتزلة ؟
تقول الرواية (( دخل واحد على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة وهم وعيدية الخوارج وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة وهم مرجئة الأمة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا.
فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا ولا كافر مطلقا بل هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر(١) ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن فقال الحسن: اعتزل عنا واصل فسمي هو أصحابه معتزلة ))(٢) .
وهذه الرواية، برغم ذيوعها، تبدو قاصرة، بالشكل الذي وردت به، عن تقديم حل لموضوع التسمية فهي مثلا لا تفسر لنا لماذا انبرى واصل وحده، والسؤال لم يوجه له، إلى إجابة السائل دون انتظار لما سيجيب به أستاذه الحسن في هذه المسألة يبين رأيه بعد ذلك موافقاً أو مخالفا ماذا كان يضير واصلا لو أنه انتظر قليلا ليسمع إجابة الحسن في المسألة، وأقل
____________________
(١) يراجع موضوع المنزلة بين المنزلتين في الفصل الثاني من هذا الكتاب.
(٢) الملل والنحل ج١ ص٤٨.
ما في تصرفه ذاك أنه يمثل خروجا على ما تعارف عليه الناس من آداب في ذلك الوقت وفي أي وقت ثم هل كان واصل على علم سابق بالسؤال فجاء جوابه جاهزا كأنه قد هيئ من قبل ؟ ولماذا ترك واصل مجلس الحسن بعد السؤال والجواب ؟ لنفرض انه اختلف مع أستاذه في مسألة ما وليس في هذا من غريب، أكان الاختلاف في مسألة واحدة موجبا لاعتزال مجلس الحسن والحسن نفسه، بعد طول ملازمة له، لا بد أن قضايا أخرى كثيرة قد أثيرت وبحثت خلالها ولم يكن رأي الاثنين - الحسن وواصل - متطابقا دائما فيها.
ولماذا اعتزل الآخرون حلقة الحسن وتبعوا واصلا ؟ هل كان جواب واصل في هذه القضية وحدها كافياً لأن يدفعهم إلى قطع صلاتهم بالحسن واعتزال مجلسه، والموضوع كله لا يعدو كما رأينا، سؤالا من شخص و جوابا من واصل حتى لو كان رأي واصل أرجح الرأيين، مع إن الحسن لم يكن قد أدلى برأيه بعد في السؤال كما تقول الرواية.
أم أن هناك قضايا أخرى كانت موضع خلاف مع الحسن واتفاق مع واصل فجاء جواب واصل في هذه القضية إيذانا بانفصال نهائي بين اتجاهيين، كان لا بد أن يقع يوما ما.
والقضية المسؤول عنها ؟ هل كانت مطروحة من قبل، وفي هذه الحالة، افترض أن رأي الحسن كان معروفا فيها لواصل، ولغير واصل، فليس الحسن على مكانته وعلو مقامه، بالذي يجهل رأيه في قضية كهذه يخوض فيها الناس وتتباين الآراء(١) .
____________________
(١) رأي الحسن في مرتكب الكبيرة انه منافق ويراجع في هذا ( الانتصار ) للخياط أبي الحسين عبد الرحيم بن محمد المطبعة الكاثوليكية بيروت ١٩٥٧ ص١١٨ و ( المنية والأمل ) لقاضي القضاة تحقيق الدكتور عصام الدين محمد علي دار المعرفة الجامعية ١٩٨٥ ص٤٠ وأمالي المرتضى دار احياء الكتب العربية تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ١٩٥٤ ج١ ص١٦٥ و ( الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد ) للشيخ الطوسي محمد بن الحسن مطبعة الآداب في النجف ١٩٧٩ ص٢٣٤ و ( الفصل في الملل والأهواء والنحل ) لأبن حزم تحقيق الدكتور محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة ط دار الجيل - بيروت ج٣ ص٢٧٣ ١٩٨٥ و ( طبقات المعتزلة ) لأبن المرتضى أحمد بن يحيى تحقيق سوسنة ويفلدفلزر بيروت ١٩٦١ ص٣٨ و ( شرح تجريد الاعتقاد ) للعلامة الحلي والحسن بن يوسف بن المطهر ت ٧٢٦ مطبعة العرفان صيدا ١٣٥٣ ه- ص٢٧١ و ( محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ) لفخر الدين الرازي محمد بن عمر ت ٦٠٦ط أولى بالمطبعة الحسينية بمصر ص١٧٥ و ( شرح الأصول الخمسة ) لقاضي القضاة عبد الجبار بن احمد الهمذاني الاسدابادي ت ٤١٥ تحقيق الدكتور عبد الكريم عثمان ط أولى ١٩٦٥ ص٧١٤، ٧١٥ ولباب المحصل في أصول الدين لابن خلدون نشر الأب لوسيانو روبيو ١٩٥٢ ص١٢٦ وأنظر أيضا شرح المواقف للايجي المجلد الثالث ص٢٥٤ أما صاحب ( الفرق بين الفرق ) فرغم ذكره للنفاق كواحد من أقوال الأمة وهو يعدد أقوالها في مرتكب الكبيرة إلا انه لم ينسب هذا القول الى الحسن البصري ص٧٠ بل الى ( قوم من أهل ذلك العصر ) وممن يذهب مذهب الحسن في اعتبار مرتكب الكبيرة منافقا، البكرية أصحاب بكر ابن أخت عبد الواحد ( مقالات الإسلاميين ) للاشعري تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ط أولى ج١ ص٣١٧ و ( الفرق بين الفرق ) ص١٢٩ وأصول الدين لعبد القاهر البغدادي ص٣٣٨.
لماذا لم يعتزل واصل مجلس الحسن من قبل، ما دام رأي الحسن معروفا فيها كما افترضنا بل لماذا السؤال مع هذا الفرض أصلاً ؟
أم أن المسألة طرحت لأول مرة في مجلس الحسن وفي هذه الحالة ما أظنني سأقبل أن واصلاً أو غير واصل يترك مجلس أستاذه ويعتزله ويعتزل أستاذه قبل أن يستمع رأيه ويناقشه فيه ويعرف قوته وضعفه واتفاقه أو اختلافه معه، فيترك حين يترك بعد ذلك، بعذر وسبب، برغم أن اختلاف الرأي في هذه القضية لا يمكن أن يبلغ وحده ودون سبب أو أسباب أخرى، تركاً وقطيعة و ( اعتزالاً ).
تلك بعض الملاحظات التي لا تستطيع هذه الرواية أن تقدم لنا أجوبة عليها، ذلك إنها تقوم على قطع كامل ومفاجئ بين وقائع الحادثة التي ترويها، وهو قطع لا نجد تبريراً مقبولاً له، بل لا تحتمله طبيعة العلاقة بين الحسن وواصل، وهي علاقة علمية ثرية وعميقة استمرت مدة غير قصيرة في مجلس كان يعتبر من معالم البصرة في ذلك الحين.
وملاحظة أخرى لا تتعلق هذه المرة بواصل ولا بالحسن ولا بالقضيّة المسؤول عنها، طرحت من قبل أم لم تطرح ورأي الحسن فيها ولكن بالسؤال نفسه فهذا السؤال - كما سنرى - لا يمكن إلا أن يدفعك دفعا إلى الشك فيه، وربما إلى ما هو أبعد من الشك.
ولكن قبل أن أنتقل إلى السؤال، أرى أن أقف أولا عند الصيغة التي تمهد بها الرواية لذلك السؤال في حلقة الحسن، فهي صيغة تدفعك هي الأخرى إلى الشك وربما إلى ما هو أبعد من الشك.
تبدأ الرواية بالقول ( دخل واحد . ) وهذا أول الضعف فيها فصيغة ( دخل واحد ) بالإثبات هنا وما شابهها من صيغ أخرى ك- ( روي أو نقل واحد ) دون تحديد، اعتدنا أن نواجهها كلما أريد تجنب مسؤولية ما يروى وينقل وهي تتساوى عندي مع ( لم يدخل واحد ) و ( لم يرو أو ينقل واحد ) بالنفي، ما دام هذا الواحد غير معروف ولا مشخص وما أحسبها تختلف عن الصيغة الأخرى التي يلجأ إليها الرواة عادة كلما أرادوا دفع الحرج عنهم فيما يروون، ك- ( قيل ) و ( روي )، ففي كليهما إسناد لمجهول وحمل عليه.
الرواية إذن تبدأ مع المجهول ( واحد ) فإذا سرنا مع هذا ( الواحد ) خطوة أخرى رأيناه يقول (.لقد ظهر في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر.وهم وعيدية الخوارج وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر.وهم مرجئة الأمة.).
والسؤال ينطلق أساسا من خطأ واضح، ذلك أنه لا الخوارج الذين يكفرون أصحاب الكبائر ولا المرجئة الذين لا تضر عندهم الكبيرة مع الإيمان قد ظهروا في زمان هذا ( الواحد ) الذي وجه السؤال، فالفرقتان سبق وجودهما وعرفت مبادؤهما قبل ذلك بوقت طويل، فالخوارج في الأقل يبدأ تاريخهم مع التحكيم في صفين أي قبل ولادة واصل - لا السؤال الذي سبب اعتزاله كما تقول الرواية - بأكثر من أربعين عاماً، وهذا يعني أن الخوارج كانوا، عندما طرح السؤال، قد طووا مرحلة طويلة من أقوى وأروع مراحل نشاطهم.
وهم على امتداد تاريخهم يكفرون أصحاب الكبائر، بل يكفرون عموم المسلمين المخالفين لهم، حتى من غير أصحاب الكبائر، وكان ذلك معروفا عنهم فكيف جهل هذا ( الواحد ) ما لا يمكن أن يجهل، فزعم أن الخوارج قد ظهروا أو قالوا بتكفير أصحاب الكبائر في زمانه.
أيبلغ الجهل بهذا ( الواحد ) وهو يخوض في موضوع كالكبيرة وموقف الخوارج والمرجئة من مرتكبها، ويحرص على أن يسمع رأي الحسن فيما اختلفوا من ذلك، ثم هو لا يعرف إن كان الخوارج قد ظهروا في زمانه أم في زمان آخر سابق له، وهو أمر من الشهرة والذيوع بحيث لا يجهله إنسان ؟! أكان يعرف رأي الخوارج ورأي المرجئة في مرتكب الكبيرة وهو لا يعرف متى ظهر أولئك أو هؤلاء ؟!
فهل أشك في علم السائل أم في صحة السؤال ؟!
وإذا كان السائل يعرف رأي الخوارج الذين يكفرون أصحاب الكبائر ورأي المرجئة الذين يرجئون أصحاب الكبائر فكيف جهل رأي الحسن فيهم، فجاء يستعلم عنه، وهو رأي مشهور شهرة الحسن نفسه ؟! أليس الأولى بالقبول أن يكون السائل على معرفة برأي الحسن في مرتكب الكبيرة لا تقل عن معرفته برأي الخوارج والمرجئة، وهو علم من أعلام المسلمين ومعاصر للسائل بحيث يتوجه بالسؤال إليه، وآراؤه معروفة في هذه القضية وفي غيرها ؟
وشك آخر تبعثه هذه الرواية في نفسي هو أنها - على شهرتها وذيوعها - تنتهي في جميع المصادر عند شخص واحد وكتاب واحد هما
الشهرستاني وكتابه ( الملل والنحل )(١) والشهرستاني عاش أكثر حياته في القرن السادس الهجري وقد سبقه الكثيرون ممن كتبوا في العقائد والفرق لكن أحدا منهم لم يورد هذه الرواية ولم يذكرها كأساس لتسمية المعتزلة(٢) .
فكيف يمكن أن نفسر انفراد الشهرستاني بها من بين جميع الذين كتبوا عن المعتزلة قبله، مع إنهم أقرب عهدا منه وأخرى أن يعرفوها ويشيروا إليها في كتبهم عن الفرق والمذاهب الإسلامية.
لهذا أجدني مضطرا لاستبعاد هذه الرواية، لا لأني أرفض النتيجة التي انتهت إليها من اعتزال واصل مجلس الحسن، فهذه النتيجة هي التي ستكون اختياري في التسمية، ولكن للأسباب التي تسوقها لتبرير اعتزال واصل مجلس الحسن وبالتالي تفسير التسمية.
أما الروايات الأخرى التي تربط التسمية باعتزال عمرو مجلس الحسن بعدما أحدثه من بدع، فقد رددت عليها في بعض ما رددت به على رواية اعتزال واصل مجلس الحسن بعد سؤاله عن حكم مرتكب الكبيرة كما مر بنا قبل قليل يضاف إلى ذلك هنا ان اسم المعتزلة قد ارتبط بواصل أكثر مما ارتبط بعمرو، فواصل هو أشهر الاثنين وابلغهما وأعلمهما وأقدرهما على الإقناع، وهو الذي أرسل البعوث للدعوة إلى الاعتزال والتبشير به، ولم يكن عمرو يجاريه في كل ذلك فمن المستبعد والحال هكذا، أن يكون هو التابع لعمرو في اعتزال مجلس الحسن، وإنما الأقرب وما تؤيده كثرة الروايات أن عمراً هو الذي تبع واصلاً بعد حوار بينهما، انتهى بان أخذ
____________________
(١) أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني العلامة المتكلم المعروف ولد في شهرستان بين نيسابور وخوارزم عام ٤٧٩ وتوفي عام ٥٤٨ ألف في الكلام والعقائد وغيرهما، من أشهر مؤلفاته كتاب ( الملل والنحل ) الذي نقل عنه.
(٢) هذه الرواية تجدها في ( الملل والنحل ) ج١ ص٤٨ وعنه ( المنية والأمل ) لقاضي القضاة ص ٨ و ( طبقات المعتزلة ) لأبن المرتضى ص٣ ملاحظين ان قاضي القضاة عاش ومات قبل الشهرستاني بأكثر من قرن فمن المستحيل ان يحيل عليه ولكن مقدمة ( المنية والأمل ) التي تبدأ ب- ( باب ذكر المعتزلة وطبقاتهم ) وتنتهي عند ( تعيين طبقات المعتزلة ) والتي تورد الرواية يبدو أنها أضيفت فيما بعد الى ( المنية والأمل ) أما من قبل جامعه أبن المرتضى حيث تجد المقدمة نفسها في طبقات المعتزلة مع اختلاف يسير أكبر الظن أنه بفعل النسخ وأما من قبل محقق الكتاب الذي أدخل فيها أيضا ( المسائل التي اتفق فيها المعتزلة واجمعوا عليها كما جاء بكتاب ( الفرق بين الفرق ) كما يقول وإذا تركت الشهرستاني فان هذه الرواية لم يذكرها لا الاشعري ولا المفيد ولا البغدادي ولا المرتضى ولا الاسفراييني وهم يتحدثون عن واصل وما أحدثه من القول في مرتكب الكبيرة، مع انهم عاشوا كلهم قبل الشهرستاني، كما لم يذكرها الذين ترجموا لواصل او تعرضوا له وهم يذكرون خلافة في تلك المسألة وخروجه على الأقوال التي كانت معروفة فيها آنذاك.
عمرو برأي واصل فيه، وهذا ما يؤكد أن عمراً استمر على علاقته بالحسن فترة بعد خلاف واصل واعتزاله، وانه لم يترك الحسن ويعتزل حلقته وينضم إلى واصل في تأسيس المذهب وقيام المعتزلة إلا بعد ذاك(١) .
وليست بأوفر حظا في القبول، الرواية التي تزعم ان قتادة بن دعامة السدوسي(٢) وهو من مشاهير أصحاب الحسن البصري وكان أعمى، دخل المسجد للصلاة فأم عمرو بن عبيد وأصحابه ظاناً أنهم حلقة الحسن، وكان عمرو قد اعتزل هو وأصحابه الحلقة، فلما عرف قتادة أنهم ليسوا أصحابه قال ( إنما هؤلاء المعتزلة ) ثم قام عنهم.
وهذه الرواية التي توردها المصادر باختلاف يسير في ألفاظها، تفترض سبق اعتزال عمرو وأصحابه، لكنها لا تقدم لنا تفسيرا لهذا الاعتزال وهو ما نبحث عنه هنا.
ولنعد إلى قتادة، ولنفترض مع الرواية انه لم يستطع لعماه، ان يميز هؤلاء الجماعة شكلاً، أكان صعباً عليه أن يميزهم صوتاً(٣) وهم من أصحابه السابقين ومن الملازمين وإياه لمجلس الحسن فترة ليست بالقصيرة، وكيف قبلوا هم - ولم يكونوا مصابين بعاهة قتادة - أن يأتموا به لو أخطأ هو فأمهم، بعد ما بلغ الخلاف بينهم الحد الذي دفعهم إلى ترك المجلس واعتزاله.
ثم كيف نستطيع أن نقبل أن قتادة وهو يأتي كل يوم إلى مجلس الحسن في الجامع ويصلي فيه فلا يخطئ الذين يؤمهم، لماذا يخطئ هذه
____________________
(١) أنظر هذا الحوار في المنية والأمل ص٣٩ وطبقات المعتزلة ص٣٧ وأمالي المرتضى ج١ ص١٦٦ على إني أشك كثيرا فيما ورد على لسان واصل فيه من دعوى إجماع الفرق الإسلامية على تسمية صاحب الكبيرة بالفاسق، فما أظن واصلا بالذي يجهل مذهب الخوارج الذين يكفرونه، وهو نفسه يؤكد ذلك ويشير إليه في حواره المذكور وإذا جاز لبقاي الفرق الإسلامية ان تضيف اسم الفاسق الى مرتكب الكبيرة الذي يبقى في نظرها مؤمنا قد فسق بكبيرته، فلا يمكن ان يضيف الخوارج اسم الفاسق الى مرتكب الكبيرة الذي اصبح في رأيهم كافرا مخلدا في النار، فأية حاجة الى هذا الاسم الذي سيبقى بلا حكم والذي سيكون ضربا من العبث ما أبعد الخوارج المتشددين عنه، ولهذا فإذا صح ما ورد عن واصل في هذا الحوار فما أراه ورد إلا على سبيل التكثير ودعم الحجة ثم ان الشيعة - الإمامية منهم على الأقل - لا تسمي صاحب الكبيرة كافر نعمة فاسقا كما ذكر في حوار واصل وإنما تسميه مؤمنا فاسقا وما احسب واصلا يجهل ذلك، وهو ما يشككنا أكثر في صدوره عنه، أو ان واصلا لم يقصد فيه - كما قلت - الى غير التكثير فقط، وسيأتي رأي أهل السنة والامامية فيما بعد أما إذا كان المقصود بالشيعة، الزيدية أو فريقا منهم ممن يسمون مرتكب الكبيرة كافر نعمة فاسقا فيلاحظ أولا ان هؤلاء الزيدية لم يكونوا قد ظهروا كفرقة عند حوار واصل مع عمرو، فهذا الحوار جرى كما يتفق الناقلون عند اعتزال واصل وقبل انضمام عمرو إليه وذلك في بداية القرن الثاني الهجري أي قبل حوالي العشرين عاما من ثورة زيد واستشهاده وقبل قيام الزيدية كفرقة لها كيانها وآراؤها الخاصة بها في القضايا الإسلامية.
(٢) أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي عربي صليبة من سدوس من بكر بن وائل تابعي من كبار أصحاب الحسن البصري ضليع بأخبار العرب وآدابهم وأنسابهم كان أكمه (أعمى ) ولد عام ٦٠ أو ٦١ وتوفي بواسط عام ١١٣ أو ١١٧ أو ١١٨ باختلاف الروايات.
(٣) وفيات الأعيان ج٤ ص٨٥ في ترجمة قتادة بن دعامة ( فدخل مسجد البصرة فإذا بعمرو بين عبيد ونفر معه.وارتفعت أصواتهم.).
المرة فلا يؤم إلا الذين اعتزلوه وتركوه، مع إن هؤلاء قد اتخذوا لهم مكاناً آخر غير مكانهم المعتاد في الجامع، بعد اعتزالهم حلقة الحسن فيه أتراه كان يأتي لأول مرة إلى الجامع ويصلي، أم أنه ضل مكانه، وهو الذي كان يدور البصرة أعلاها وأسفلها بغير قائد كما يقول مترجموه ؟(١) وقبل ذلك يرد السؤال الأتي، من الذي كان إمام الصلاة في ذلك الوقت، أهو قتادة أم الحسن البصري ؟ والحديث كله يدور عن الاعتزال في زمن الحسن لا بعده. إننا لا نستطيع إلا أن نرفض هذه الرواية التي تبدأ من حيث انتهت الروايات الأخرى في التسمية، مضيفة إلى ركام الأسئلة التي واجهناها هناك، أسئلة جديدة أخرى هنا.
أما عبد القاهر البغدادي(٢) فيقول في كتابه ( الفرق بين الفرق ) وهو يتحدث عن ( المعتزلة عن الحق ) كما يسميهم، أن التسمية جاءتهم من اعتزالهم ( قول الأمة بأسرها ) وهو يقصد طبعا ما يذهب إليه المعتزلة في حكم مرتكب الكبيرة من أنه لا مؤمن ولا كافر بل في منزلة بينهما(٣) . ويبدو أن عبد القاهر يبعد كثيرا في اتجاهه ذاك مدفوعا بما عرف عنه من كره شديد للمخالفين من الفرق والمذاهب الإسلامية الأخرى، حتى قال فيه الفخر الرازي ( وهذا الأستاذ - يعني البغدادي - كان شديد التعصب على المخالفين ولا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه )(٤)
____________________
(١) وفيات الأعيان لابن خلكان ج٤ ص٨٥. (٢) أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد التميمي البغدادي ولد ونشأ في بغداد وورد نيسابور مع أبيه وتوفي في أسفرايين فيما وراء النهر عام ٤٢٩ من كبار العلماء كان شديدا على المخالفين له في الرأي ألف في عدة فنون من تأليفه كتاب ( الفرق بين الفرق ) الذي ننقل عنه والذي يعتبر من المصادر المهمة في المذاهب والفرق الإسلامية وحيدثه هذا نجده في ص٦٧، ٦٨، ٧٠، ٧١ من كتابه المذكور. (٣) يخلط عبد القاهر بين اعتزال قول الأمة وبين اعتزال مجلس الحسن البصري فهو يقول في ص٦٨ ( ولأجل هذا - يعني قول المعتزلة في الفاسق - سماهم المسلمون المعتزلة لاعتزالهم قول الأمة بأسرها ) ولكنه يعود الى الرواية المشهورة عن اعتزال مجلس الحسن فيقرر في ص٧١ ( فلما سمع الحسن من واصل بدعته ههذ التي خالف بها أقوال الفرق قبله طرده من مجلسه فاعتزل عند سارية من سواري مسجد البصرة.) ثم يعود بعد سطر واحد ليقول ( ان الاسم جاءها - يقصد واصلا وعمرو بن عبيد - من قول الناس فيهما ( انهما اعتزلا قول الأمة ) فهو يجمع في الاسم بين اعتزال قول الأمة وبين اعتزال مجلس الحسن وفي كل منهما اعتزال واعتزال قول الأمة لا ينفرد به البغدادي وإنما سبقه إليه الأشعري في كتابه ( اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع ) بعناية الأب يوسف مكارثي المطبعة الكاثوليكية ١٩٥٢ ص٧٦ أما الأسفراييني فيجمع بين الاعتزاليين في التسمية حيث يقول في ص٦٤ من التبصير ( فاعتزل - يعني واصلا - جانبا مع اتباعه فسموا معتزلة لاعتزالهم مجلسه - مجلس الحسن البصري - واعتزالهم قول الأمة ) والحق ان الاسفراييني قلما رأيناه يخالف البغدادي فيما يخص عقائد الفرق والمذاهب الإسلامية ويقول أبو اليسر محمد بن محمد البزدوي في ص١٣١ من كتابه ( أصول الدين ) تحقيق الدكتور هانز بيتر لنس - دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي القاهرة ١٩٦٣ وهو يتحدث عن المعتزلة ( وهو قول - المعتزلة في مرتكب الكبيرة - بالمنزلة بين المنزلتين وبه سموا ( معتزلة ) اعتزلوا عن الناس أجمع بهذا القول ) وانظر أيضا ( الحور العين ) لنشوان بن سعيد الحميري تحقيق كمال مصطفى ١٩٧٣ ص٢٠٥ في أحد الأقوال التي يذكرها عن تسمية المعتزلة. والحق ان الصلة وثيقة بين اعتزال مجلس الحسن وبين اعتزال أقوال الأمة في أمر مرتكب الكبيرة ذلك ان اعتزال المجلس كان نتيجة للاعتزال الأول، أي اعتزال أقوال الأمة، ولذا فان الكثير من المؤرخين يخلطون او يجمعون بين الاعتزالين، قاصدين أو غير قاصدين، فتراهم يقولون خرج على أقوال الأمة أو اعتزلها ثم يضيفون ( اعتزل ) مجلس الحسن كنتيجة لذلك الاعتزال السابق.
(٤) نقلا عن مقدمة كتاب ( الفرق بين الفرق ) للبغدادي بقلم محققه العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري ص٦٠.
وإذا كان التعصب يفسد الحكم ويمنع المتعصب من التزام جانب الحق فيما يتناول ويناقش ويروي، فما ظنك بمن كان شديد التعصب، عندما يتعرض لمخالفيه من المذاهب الأخرى، في مسائل بالغة الدقة والخطورة كمسائل العقيدة، وما ظنك إذا جاءت هذه التهمة - تهمة التعصب - لا من واحد من خصومه في الرأي ولا المخالفين له في المذهب، وإنما من أحد كبار علماء مذهبه وأجلائهم هو الفخر الرازي.
ومن هنا كانت أحكام البغدادي ظاهرة التعصب شديدة القسوة كحكمه على المعتزلة، بأنهم اعتزلوا قول الأمة بأسرها في قضية مرتكب الكبيرة، مع ان الأمة - وهو يعني المسلمين - لم تكن أبدا متفقة الرأي بشأن هذه القضية ليمكن الادعاء بعد، بان المعتزلة خالفوا قول الأمة وخرجوا على إجماعها.
فإذا كان البغدادي، وهو يمثل رأيا من آراء الأمة، يسمى صاحب الكبيرة مؤمنا فاسقا - وهو أيضا رأي الشيعة الإمامية فيه - وان فسقه بارتكابه الكبيرة ( لا ينفي عنه اسم الإيمان والإسلام )(١) فان الخوارج في عمومهم يكفرونه(٢) والمرجئة يحكمون بصحة إيمانه(٣) والزيدية من الشيعة والأباضية من الخوارج يجعلونه كافراً كفر نعمة(٤) والحسن البصري وأصحابه يسمونه منافقاً(٥) وهذا ما يثبته البغدادي نفسه في أكثر من موضع من كتابه ( الفرق بين الفرق ) المشار إليه فأين هو الإجماع في هذه القضية ؟! أين هو ( قول الأمة بأسرها ) فيها، إلا إذا كان البغدادي ينكر
____________________
(١) الفرق بين الفرق ص٧٠ و ٢١٢ وهذا هو رأي أهل السنة في مرتكب الكبيرة وانظر في ذلك أيضا الابانة عن أصول الديانة للاشعري مكتب تعز للنشر ببغداد ص١٠ و ٧٤ واللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع للاشعري أيضا ص٧٥ ومقالات الإسلاميين له أيضا تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد مكتبة النهضة المصرية ١٩٥٠ ج١ ص٣٢٢ وكذلك التبصير في الدين لأبي المظفر الاسفراييني تحقيق الشيخ محمد زاهد الكوثري ط أولى ١٩٤٠ ص١٠٦ والفصل في الملل والأهواء والنحل لأبن حزم ج٣ ص٢٧٤ وأصول الدين لأبي اليسر محمد ابن محمد بن عبد الكريم البزدوي ت ٤٩٣ تحقيق هانز بيتر ليتس القاهرة ١٩٦٣ ص٢٤٤ ومختصر شرح العقيدة الطحاوية اختصار وتخريج صلاح أحمد السامرائي مكتب التراث العربي ١٩٩٠ ص٧٥ وشرح النسفية للدكتور عبد الملك السعدي بغداد ١٩٨٨ ص١٤٩ و ( محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ) لفخر الدين الرازي ط أولى بالمطبعة الحسينية المصرية ص١٧٥ ولباب المحصل في أصول الدين لابن خلدون نشر الأب لوسيانو روبيو ج١ النص العربي ١٩٥٢ ص١٢٦. وهو أيضا رأي الشيعة الامامية كما يظهر من ( أوائل المقالات ) في المذاهب المختارات للشيخ المفيد ص٤٨ و ١٠٣ و ١٠٤ و ( شرح تجريد الاعتقاد ) للعلامة الحلي ص٢٧١ و ( الاعتقاد فيما يتعلق بالاعتقاد ) للشيخ الطوسي ص٢٣٣ مع تقييد التسمية فلا يقال هو مؤمن مطلقا أو هو فاسق مطلق ( لئلا يوهم ارتفاع أحدهما إذا أطلقنا الآخر ) وإنما يقال ( هو مؤمن بتصديقه بجميع ما وجب عليه فاسق بتركه ما يجب عليه من أفعال الجوارح ) و ( الشيعة بين المعتزلة والاشاعرة ) لهاشم معروف الحسني طبعة دار النشر للجامعيين ١٩٦٤ ص٢٦٤.
(٢) الفرق بين الفرق ص ٤٥، ٥٠، ٧٠ والابانة ص١٠ واللمع ص٧٦ ومقالات الإسلاميين ج١ ص١٥٧ والاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد ص٢٢٨ وأمالي المرتضى تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، عيسى الابي الحلبي وشركاه ١٩٥٤ ج١ ص١٦٥ وشرح تجريد الاعتقاد ص٢٧١ والملل والنحل ج١ ص١١٥ والتنبيه والرد ص٥١ وشرح الأصول الخمسة لقاضي القضاة ص٧١٢ و٧١٣ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد مطبعة دار الكتب العربية الكبرى المجلد الثاني ص٣٠٧ وفيه ( ان الخوارج كلها تذهب الى تكفير أهل الكبائر ) و ( محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ) للفخر الرازي ص١٧٥ والإرشاد الى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد لأمام الحرمين الجويني ت ٤٧٨ تحقيق وتعليق الدكتور محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد نشر مكتبة الخانجي في القاهرة ط ١٠٥٠ ص ٣٨٥.
(٣) مقالات الإسلاميين للاشعري ج١ ص١٩٧ وأوائل المقالات للمفيد ص٤٨ والتنبيه والرد للملطي ص٤٧ والفصل في الملل والأهواء=
____________________
=والنحل لابن حزم ج٣ ص٢٧٣ وأمالي المرتضى ص١٦٥ وشرح التجريد للعلامة الحلي ص٢٧١ والفرق بين الفرق للبغدادي المشار إليه أعلاه ص١٢٢ والملل والنحل للشهرساني ج١ ص١٣٩ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ط دار الكتب العربية الكبرى مصطفى البابي الحلبي المجلد الثاني ص٢٤٩ وفرق الشيعة للنوبختي ص٦ ونهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني تحرير وتصحيح الفريد جيوم ص٤٧١ وأصول الدين لأبي اليسر البزدوي تحقيق الدكتور هاتز بيتر لنس دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي - القاهرة ١٩٦٣ ص٢٥٢.
(٤) فيما يتعلق بالإباضية انظر الفصل لابن حزم ج٣ ص٢٧٣ والملل والنحل ص١٣٥ ومقالات الإسلاميين ج١ ص١٧٥ - ١٧٦ وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي تحقيق الدكتور لطفي عبد البديع - المؤسسة العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر ١٩٦٣ ص١١٣ ولم يعرض البغدادي لمقالتهم في أصحاب الكبائر وهو يتحدث عنهم الملطي في التنبيه والرد ص٥٥ انهم يكفرون الأمة دون ذكر للكبائر أو لكفر النعمة، وفي الحور العين للحميري ص١٧٣ ( قالوا - الإباضية - ان مرتكبي الكبائر موحدون وليسوا بمشركين ) دون أن أي ذكر لا لكفر النعمة ولا لعموم الكفر.
أما الطوسي في الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد ص٢٢٨ والعلامة الحلي في شرح تجريد الاعتقاد ص٢٧١ والمفيد في أوائل المقالات ص٤٨ فيتحدثون عن موقف الخوارج عموما من مرتكب الكبيرة دون التعرض لموقف الاباضية فيها، وهو ما نجده أيضا عند الفخر الرازي في محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص١٧٥، وان كان للمفيد هنا رأي يخالف فيه بقية المؤرخين اذ يقول ( وكثير من الخوارج في جمهورهم يكفرون أصحاب الكبائر والازارقة وهم أهم فرقهم يعتبرون مشركين.
وانظر أيضا رغبة الآمل من كتاب الكامل لسيد بن علي المرصفي ط أولى مطبعة النهضة بمصر ١٩٢٩ ج٧ ص٢٤٠ والإرشاد الى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد لأمام الحرمين الجويني ت ٤٧٨ تحقيق الدكتور محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد نشر مكتبة الخانجي بمصر ١٩٥٠ ص٣٨٥. وفيما يخص الزيدية يراجع شرح التجريد للعلامة الحلي ص٢٧١ ومقالات الإسلاميين للاشعري ج١ ص١٤٠ ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين للفخر الرازي ص١٧٥ أما الطوسي في الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد ص٢٢٨ فيميز بين من كان من الزيدية على مذهب الناصر وهم يسمون أصحاب الكبائر كفار نعمة وبين غيرهم من الزيدية الذين يذهبون مذهب المعتزلة في هذه المسألة أما المرتضى في أماليه ج١ ص١٦٦ فلا يتحدث عن موقف الزيدية من مرتكب الكبيرة إلا في معرض تصحيحه لما أورده واصل في محاجته لعمرو بن عبيد في ان الشيعة تسمي مرتكب الكبيرة كافر نعمة فاسقا فقد عقب المرتضى بان واصلا يعني بالشيعة ( الزيدية ) ويبدو ان المرتضى قد فاته الصواب في تعليقه هذا فالزيدية لم يعرفوا بهذا الاسم ولم يصبحوا فرقة لها عقيدة ومذهب متميز إلا ابتداء من ثورة زيد عام ١٢٢ه- وكان واصل وعمرو بن عبيد قد أسسا مذهبهما في الاعتزال قبل ذاك بأكثر من عشر سنوات إذ أن الحسن البصري الذي انفصل عنه واصل أو عمرو أو واصل وعمرو توفي عام ١١٠ ه- وحتى لو قلنا ان الاعتزال حصل في زمن قتادة بن دعامة السدوسي فهذا توفي في ابعد التواريخ عام ١١٨ أي قبل ثورة زيد وقيام الزيدية ومن كل هذا يبدو واضحا ان موقف الزيدية من مرتكب الكبيرة جاء بعد الحوار الذي حصل بين واصل وعمرو لان قيام الزيدية كفرقة جاء بعد هذا الحوار. ولا يتعرض الشهرستاني لموقف الزيدية من مرتكب الكبيرة، ويقول البغدادي ص٢٥ من الفرق بين الفرق بان الزيدية يجمعون على القول بان أصحاب الكبائر من الأمة مخلدون في النار كالخوارج ولا أدري لماذا اختار البغدادي الخوارج دون المعتزلة الذين يخلدون هم أيضا مرتكب الكبيرة في النار مع إن الزيدية أقرب الى المعتزلة منهم الى الخوارج. ويذكر المفيد في ص٤٨ من أوائل المقالات ان الزيدية تفسق مرتكب الكبيرة وهو عندهم ليس بمؤمن ولا مسلم ولكن نفرا منهم يتفقون مع الإمامية والمرجئة وأصحاب الحديث في أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإسلام وانه مسلم وان كان فاسقا بما فعله من الكبائر والآثام.وانظر أيضا شرح الأصول الخمسة لقاضي القضاة ص٧١٤ ومنه يظهر أن الناصر من الزيدية وبعض الخوارج - دون تحديد لهم - يسمون مرتكب الكبيرة كافر نعمة ويتفق الشيخ محمد أبو زهرة في تأريخ المذاهب الإسلامية دار الفكر العربي ص٤٦ مع البغدادي في أن الزيدية يرون خلود مرتكب الكبيرة في النار لكنه يختلف عنه في أن أبا زهرة يرى أن الزيدية ينهجون في ذلك منهج المعتزلة بينما يشبههم البغدادي في أمر مرتكب الكبيرة بالخوارج كما رأينا.
(٥) سبق الحديث عن رأي الحسن في هذا الموضوع.
أن تكون الفرق المخالفة الأخرى من الأمة ؟ لماذا إذن لا يسع المعتزلة ما وسع غيرهم في هذا الموضوع ؟!
إن رأي الأمة، كما عرضنا، ليس واحداً، بل هناك آراء للأمة تبدأ بالتكفير وتنتهي بتصحيح الإيمان بشكل مطلق فأي جديد أو بدعة في أن يكون للمعتزلة رأي يضاف إلى ما سبق من آراء في موضوع انقسمت فيه الأمة أصلاً وتباينت مواقفها منه ؟! وماذا في قولهم أن الفاسق من المسلمين - وهو ما يشترك فيه المعتزلة مع السنة والشيعة الإمامية، و الذي اختاره البغدادي نفسه لصحاب الكبيرة - هو في منزلة بين الإيمان والكفر ؟! لماذا يتسامح البغدادي مع أقوال الآخرين، على بعد ما بينها، ويستكثر على المعتزلة رأيا جديدا يرونه، بصرف النظر عن قوة هذا الرأي أو ضعفه ؟!
لقد اعتزل الخوارج أقوال الفرق الأخرى بتكفير مرتكب الكبيرة واعتزل المرجئة بتصحيح إيمانه، واعتزل الزيدية أو طائفة منهم بتكفيره كفر نعمة، واعتزل الحسن البصري وأصحابه بجعله منافقاً اعتزلت كل فرقة أقوال الفرق الأخرى في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل، فلم يسم أولئك معتزلة لقولهم ولا هؤلاء معتزلة لرأيهم، فلماذا لزم هذا الاسم المعتزلة وحدهم وأصبح علماً دون غيرهم من الفرق والمذاهب ؟!
ثم إننا لو أخذنا بما يذهب إليه البغدادي، ألا يمكن أن يسري هذا على المسلمين عموما بالنسبة للأديان الأخرى، فيسمون معتزلة لاعتزالهم ما جاءت به اليهودية والنصرانية من أحكام وعقائد ؟
ولو جاز أن يطلق على أية فرقة أو مذهب أو حزب اسمه من مخالفته واعتزاله آراء الآخرين، وهو ما يفترض بالضرورة، لأصبحت هذه التسمية علماً على ما لا يعلمه إلا الله من الفرق والمذاهب والأحزاب.
على أن البغدادي يخطئ من جهة أخرى حين يربط بين فتنة الأزارقة وبين رأي واصل في شأن مرتكب الكبيرة، وقد يكون من المفضل لإيضاح هذه النقطة أن أنقل نص ما ذكره البغدادي ( على الوجه ) لا كما يفعل هو مع خصومه.
يقول البغدادي في صفحة ٧١ من ( الفرق بين الفرق ) ( فلما ظهرت فتنة الأزارقة بالبصرة والأهواز واختلف الناس عند ذلك في أصحاب الذنوب على الوجوه الخمسة التي ذكرناها(١) خرج واصل بن عطاء عن قول جميع الفرق المتقدمة وزعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر وجعل الفسق منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان.الخ ).
فإلى ما سبقت الإشارة إليه من عدم اتفاق الأمة على رأي واحد في أمر مرتكب الكبيرة خلافاً لما يذهب إليه البغدادي، يلاحظ أن الأزارقة كانوا قد ضعف أمرهم وتشتت كلمتهم وقتل زعمائهم قبل ولادة واصل بسنين(٢) .
فأين فتنة الأزارقة من واصل وجواب واصل أو بدعته كما يسميها البغدادي.
بل إن ربط مسألة الكبيرة أساساً بفتنة الأزارقة كما يوحي النص هو أمر لا يستند إلى حقيقة تاريخية، فحين جرد الأزارقة سيوفهم ثائرين يقتلون من يقتلون، لم يقصدوا مرتكب الكبيرة فقط ولم يريدوا إليه وحده
____________________
(١) الفرق بين الفرق ص٧٠ ويلاحظ ان الوجوه التي ذكرها البغدادي في حكم مرتكب الكبيرة هي ستة لا خمسة إلا اذا اعتبرنا رأي الازارقة والصفرية من الخوارج واحدا بعد ترك اختلافهم في الأطفال.
(٢) قتل نافع بن الازرق رأس الازارقة عام ٦٥ وعبيدة بن هلال من كبار زعمائهم عام ٧٧ وقطري بن الفجاءة ( أو نعامة ) أكبر زعمائهم بعد نافع عام ٧٨ وعبد ربه الصغير قبل عبيدة وقطري وكانت الخلافات قد فرقتهم ومزقت شملهم خلال ذاك وهذا يعني أن خطرهم قد انحسر أو ضعف ولم يعودوا يمثلون خطرا جادا بعد كل الذي حصل لهم وقبل ولادة واصل بسنين كما ذكرنا.
ولم يميزوا بينه وبين سواه، وإنما كانوا يعتبرون جميع المسلمين غيرهم مشركين، من ارتكب أو من لم يرتكب كبيرة منهم وهذا ما أكده البغدادي نفسه بقوله عنهم ( والذي جمعهم - يعني الأزارقة - من الدين أشياء منها قولهم بان مخالفيهم من هذه الأمة مشركون )(١) .
فحروب الأزارقة كانت أكبر من ( الكبيرة ) التي لم يعرفوها كاصطلاح ديني ولم ترد في خطاباتهم ولا في كتبهم لبعضهم أو للمخالفين لهم.
لقد خاض الأزارقة حروبا طويلة سالت فيها دماؤهم ودماء خصومهم، وما كان أهونها وأيسر شأنها لو اقتصرت على مرتكبي الكبائر وحدهم.
ليس بإمكاني إذن أن آخذ بالرأي يسوقه البغدادي كسبب للتسمية لا لأنه صادر عن عدو للمعتزلة، وهذا ما يجعلني أشك فيه، بل لأنه يتعارض مع حقائق التاريخ وهذا ما يدفعني إلى رفضه.
في بحث طويل عن المعتزلة(٢) حشرت فيه الوقائع والأسماء والمعلومات، واختلطت الأقوال بشكل لا يسمح لك في غير عنت شديد ان تبلغ ما قصده صاحبه منه، يتوصل كارلو نللينو إلى بعض النتائج التي يمكن إجمالها فيما يأتي:
١- أن تسمية المعتزلة لم تطلق للدلالة على إنهم انفصلوا عن أهل السنة، ولكنها ترتبط بموقفهم الوسط بين أهل السنة والخوارج في مسألة مرتكب الكبيرة.
____________________
(١) لا يكتفي الازارقة باعتبار مخالفيهم من الأمة مشركين بل انهم يعتبرون حتى القعدة منهم كذلك وهو ما يذكره البغدادي حين يشير الى ما اجمع عليه الازارقة في ص٥٠ من كتابه ( الفرق بين الفرق ) وما يؤكده الشهرستاني في ص١٢١ من ج١ من الملل والنحل حين يذكر عنهم انهم يكفرون مخالفيهم من المسلمين وحتى القعدة من نحلتهم وهو أيضا ما تجده لدى الاشعري في مقالات الإسلاميين ج١ ص١٥٨ - ١٥٩ وكذلك ما يظهر من رغبة الامل من كتاب الكامل ص٢٣٢ ج٧.
(٢) نشر هذا البحث مترجما الى العربية بقلم الدكتور عبد الرحمن بدوي في ( التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ) ط رابعة نشر وكالة المطبوعات بالكويت ودار القلم ببيروت ١٩٨٠ ص١٧٣ وما بعدها تحت عنوان ( بحوث في المعتزلة ).
وكارلو الفونسو نللينو إيطالي من كبار المستشرقين ولد في تورينو بإيطاليا ١٨٧٢ وتوفي في روما ١٩٣٨ عضو الأكاديمية الإيطالية تولى الإشراف على مجلة الدراسة الشرقية منذ عام ١٩١٥ واشغل كرسي تاريخ الإسلام ونظمه منذ ١٩١٥ في جامعة روما درس في الجامعة المصرية تاريخ الفلك عند العرب ١٩٠٩ - ١٩١٠ ثم تاريخ الأدب العربي بعد ذاك له بحوث ومقالات كثيرة منها هذا البحث المتعلق بأصل تسمية المعتزلة باختصار عن التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية المشار إليه أعلاه بقلم الدكتور عبد الرحمن بدوي وج٦ من الأعلام للزركلي.
٢- وإنهم هم الذين سموا أنفسهم معتزلة.
٣- وإنهم - يقصد الفرقة الكلامية الإسلامية - امتداد للمعتزلة السابقين أي الذين اعتزلوا الصراع بين علي وبين خصومه فلم يشاركوا فيه ولم ينضموا لأحد طرفيه.
هذه هي النتائج التي انتهى إليها نللينو في بحثه المذكور عن المعتزلة فكيف توصل إليها وما هي القيمة العلمية لها ؟
يمهد نللينو لذلك بالحديث عن اختلاف المسلمين في مسألة مرتكب الكبيرة والآثار التي ترتبت عليه، ثم يشير إلى خروج واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد برأي وسط بين أهل السنة وبين الخوارج فيها.
وهذا ما سبق إليه المؤرخون المسلمون وتناوله غالبية الذين كتبوا في العقائد والفرق منهم، فليس لنللينو فيه رأي جديد إلا ما نلاحظه من عدم الدقة في النقل عن هؤلاء حين يقول (.أن المؤلفين العرب على اختلاف آرائهم في أصل تسمية المعتزلة ومعناها الأول يكاد يتفقون على ان الخلاف بين أهل السنة وبين مؤسسي مذهب المعتزلة ( واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ) إنما نشأ حين احتدم النزاع واشتدت الخصومة بين متكلمي الخوارج ومتكلمي أهل السنة حول مسألة مرتكب الكبيرة.).
وهذا الكلام لا يبدو دقيقا، فإذا كان المؤلفون العرب يكاد يتفقون - كما يقول - على ان الخلاف نشأ بسبب الموقف من مرتكب الكبيرة، فإنهم لم يقولوا أبداً أن هذا الخلاف نشأ حين احتدم النزاع بين ( متكلمي الخوارج ومتكلمي أهل السنة ) حول هذه المسألة، وإنما كانوا يقولون أن المسلمين
كانوا فيها على أقوال فخرج واصل برأي خالف فيه - وليس وسطا - جميع الأقوال السابقة حين قرر أن مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا هو كافر، لكنه في منزلة بين منزلتيهما.
هذا أو في معناه ما يقوله المؤلفون العرب عند تناولهم لهذه المسألة(١) وفرق كبير بين القولين، فهؤلاء المؤلفون لم يصفوا موقف واصل بالوسط ولم يشيروا إلى الكلام والمتكلمين والخلاف بينهم، لسبب بسيط هو ان الكلام، بمعناه الاصطلاحي، لم يكن قد نشأ بعد في ذلك الوقت - قبل واصل أو قبل اعتزاله - وبالتالي فان الحديث عن الخلاف بين متكلمي الخوارج ومتكلمي أهل السنة حديث لا يستند إلى أساس مقبول، فضلاً عن إننا لا نعرف شيئا عمن أسماهم نللينو بمتكلمي الخوارج، وأظنه لا يعرف، فالخوارج لم يكن لديهم متكلمون، لأنهم لم يكونوا في حاجة إليهم وقد جعلوا ( الكلام ) للسيف في نزاعهم مع مخالفيهم خلال المرحلة التي يتناولها البحث.
ثم يستمر نللينو بعد ذاك فيقول أن واصلاً وعمراً قد اعتزلا أهل السنة في مسألة مرتكب الكبيرة حين ( وقفا موقفا وسطا شبه حياد بين الرأيين المتعارضين: رأي الخوارج ورأي أهل السنة، وقالا أن الفاسق أو صاحب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر وإنما هو في منزلة بين المنزلتين، وكانت نتيجة هذا الموقف الوسط في هذه المسألة الدينية، الحياد في النزاع السياسي الذي كان على أشده بين الفريقين المتنازعين ).
____________________
(١)هذا ما يقوله المرتضى في أماليه ج١ ص١٦٥ وما نجده في الفرق بين الفرق ص٧٠ وأوائل المقالات للمفيد ص٣٦ واللمع للاشعري ص٧٦ ومعجم البلدان لياقوت الرومي ج١٩ ص٢٤٦.
وأظن نللينو يقصد بالفريقين المتنازعين، أهل السنة والخوارج، وهنا ألاحظ أيضا أن النزاع لم يكن في يوم ما بين الخوارج كفريق، وبين أهل السنة وحدهم كفريق آخر، وإنما بين الخوارج وبين عموم المسلمين المخالفين لهم في العقيدة، لا فرق بين أن يكونوا من أهل السنة أو من غيرهم كما أن المعتزلة لم يكونوا أصحاب ثقل سياسي حينذاك يمكن أن يحسب أو يؤثر في هذا النزاع، فيقال إنهم كانوا محايدين فيه، وأغلب الظن إنهم لم يكونوا قد وجدوا بعد.
ثم ألاحظ ثانياً أن الموقف الوسط للمعتزلة في مسألة مرتكب الكبيرة الدينية، لم يمنع عددا كبيرا من زعمائهم من اتخاذ موقف آخر ( غير وسط ) من الصراع السياسي بين علي وبين خصومه(١) .
ويمضي نللينو في بحثه فينتقد غالبية المؤلفين العرب لاتخاذهم لفظ ( معتزل ) بمعنى منشق واعتبار المعتزلة فرقة منشقة على أهل السنة.
ولكي يعزز رأيه في كل ما بلغه من نتائج وما تبناه من أفكار، فاته يلجأ إلى فقرتين للمسعودي يحملهما كل ما أراده هو من ذلك، وكأن أحدا لم يعرفهما قبله وسأسوق نص الفقرتين تمهيدا لمناقشة نللينو فيهما.
تقول الأولى ( ومات واصل بن عطاء ويكنى بأبي حذيفة في سنة إحدى وثلاثين ومائة وهو شيخ المعتزلة وقديمها وأول من أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين وهو أن الفاسق من أهل الملة ليس بمؤمن ولا كافر وبه سميت المعتزلة وهو الاعتدال ).
____________________
(١) فمن المعتزلة من كان منحرفا عن علي الى حد تفسيقه وتخليده في النار كما مر بنا ومنهم من كان يفضل عليا على جميع الناس بعد محمد كمعتزلة بغداد بصفة عامة.
وتقول الثانية ( وأما القول بالمنزلة بين المنزلتين - وهو الأصل الرابع - فهو ان الفاسق المرتكب للكبائر ليس بمؤمن ولا كافر بل يسمى فاسقا على حسب ما ورد التوقيف بتسميته واجمع أهل الصلاة على فسوقه قال المسعودي وبهذا الباب سميت المعتزلة وهو الاعتزال.الخ )(١) .
وقبل أن أناقش نللينو في فهمه للفقرتين، وفي النتائج التي رتبها عليها، أجد من المناسب أن أثبت أيضا نص ما قاله نللينو كما أثبت نص ما قاله المسعودي في فقرتيه لتكون المناقشة، في ضوء النص ومع وجوده أقرب إلى الحق والعدل، برغم ما أثقل به على القارئ من تطويل، عذري فيه هو ما أشرت إليه الآن من توخي الحق والعدل فيما كتبت.
يقول نللينو ( ومن هذا - يقصد فقرتي المسعودي - ينتج أن اسم المعتزلة لم يطلق على الذين قاموا بإنشاء المدرسة الكلامية الجديدة، للدلالة على انهم انفصلوا عن أهل السنة وتركوا مشايخهم القدماء ورفقاءهم، وإنما أطلق للدلالة على موقفهم كأناس مبتعدين محايدين بين طرفي رجال الدين والسياسة في وقت ما، ممتنعين هكذا عن الخصومات والمنازعات القائمة بين المسلمين وإلى جانب ذلك يرى - يعني المسعودي - ان اسم المعتزلة لم يطلقه عليهم أهل السنة، وإنما اختاره المعتزلة أنفسهم للدلالة على موقفهم الخاص في هذه المسألة(٢) وهو موقف وصفه نللينو ب- ( الوسط ) حين كان يمهد لفقرتي المسعودي قائلا ( فقد وجد مع ذلك كتاب يربطون اسم المعتزلة بوقوفهم ذلك الموقف الذي أشرنا إليه آنفاً ( وسطا ) بين أهل السنة والخوارج )(٣) .
____________________
(١) تجد نص الفقرة الأولى في مروج الذهب للمسعودي نشر دار الأندلس ببيروت ١٩٨١ ط رابعة ج ٤ ص٢٢ والثانية ج٣ ص ٢٢٢.
(٢) سيأتي ردنا على هذا الرأي فيما بعد.
(٣) التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ص١٨١.
نللينو إذن يرى أن تسمية المعتزلة لا تعني انفصالهم عن أهل السنة: مشايخهم القدماء، وإنما ترتبط بموقفهم الوسط في مسألة مرتكب الكبيرة وحيادهم بين طرفي رجال الدين والسياسة فما هو الانفصال في نظر نللينو ؟ ! كيف يسمي شخصا أو جماعة تركوا مذهبهم السابق واعتزلوا مشايخهم ورفاقهم، بعد خلاف معهم في مسألة ما، ليستقلوا عنهم ويؤسسوا مذهبا جديدا يقوم على إنكار ما يدين به شيوخهم القدماء ويسفه آراءهم ويهاجمهم ويتهمهم كأعنف ما يكون الهجوم وأقسى ما يكون الاتهام ؟!
ماذا يعني الانفصال غير هذا أو ما هو دونه ؟! كيف فهم نللينو أن الاعتزال هنا لا يعني الانفصال عن أهل السنة، وهو نفسه يقول عن هؤلاء: انهم مشايخ المعتزلة ورفاقهم السابقون وان اعتزال المعتزلة لهم كان بسبب الموقف من مرتكب الكبيرة والخلاف بشأنه !
صحيح إن الاعتزال لا يعني دائما الانفصال والانشقاق، لكن هذا يصدق عندما يكون هناك استقلال فكري سابق أو مذهب قائم، ثم جاء الاعتزال في مسألة ما كنتيجة لهذا الاستقلال وأثر من آثاره ألا ترى انك لا تستطيع أن تسمي الخوارج منفصلين أو منشقين على أهل السنة في مسألة مرتكب الكبيرة، لما كانوا يؤلفون في الأصل فرقة مستقلة ومذهباً خاصاً، له رأيه في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل.
ولكنك على العكس، تقول عن الأشعري مثلاً: أنه انفصل أو انشق على المعتزلة، إذ كان في السابق منهم ومن مذهبهم.
هذا عن معنى الاعتزال عند نللينو وعند عدد ممن يشاركونه هذا الرأي يبقى قول نللينو عن اسم المعتزلة بأنه ( أطلق للدلالة على موقفهم كأناس مبتعدين محايدين.ممتنعين هكذا عن الخصومات والمنازعات القائمة بين المسلمين.).
فهل هناك من مذهب إسلامي أثار من الخصومات والمنازعات ما أثاره المعتزلة ؟!
أما رأي نللينو في الربط بين اسم المعتزلة وبين موقفهم الوسط في مسألة مرتكب الكبيرة وحيادهم بين طرفي رجال الدين والسياسة، فنرى أن الرجل قد فاته الصواب هنا كما فاته هناك، فالاعتزال لا يرتبط بالموقف الوسط ولا يستمد اسمه منه، بل بالموقف الخاص المستقل وسطا كان هذا الموقف أم غير وسط أترى لو أن الخوارج مثلا كانوا قد التزموا الوسط في مسألة مرتكب الكبيرة ثم جاء المعتزلة فابتعدوا عن أهل السنة وعن الخوارج في الوقت نفسه واتخذوا لهم موقفا طرفا بالنسبة للموقفين، كأن كفروا مرتكب الكبيرة بدلاً من الخوارج، أكانت تسميتهم تختلف ؟ ألا يكونون قد اعتزلوا المواقف والآراء السابقة وتبنوا رأيا مغايرا خاصا في مرتكب الكبيرة وان كان متطرفاً.
فالاعتزال إذن لا يرتبط بموضع هذا الرأي بين الآراء وإنما باستقلاله بينها، وهو ما لم يدركه نللينو.
إن مشكلة نللينو تأتي من فهمه الاعتزال على انه الوسط ( بين ) وهو ما تمسك به وثبت عنده، ونضيف إلى ذلك ان الخلاف في مرتكب الكبيرة لم
يكن في الواقع محصورا بين رأيين فقط لتصح ( البينية ) وإنما كانت هناك آراء كثيرة مطروحة عددنا منها خمسة أو ستة كما أذكر عند ردنا على البغدادي.
ملاحظة أخرى أرى من الضروري أن أشير إليها هنا، فنللينو وهو يتكلم عن الربط بين اسم المعتزلة وبين موقفهم في مسألة مرتكب الكبيرة يقول: انه ( أطلق للدلالة على موقفهم كأناس مبتعدين محايدين بين طرفي رجال الدين والسياسة ) ولا أدري ما الذي يعنيه نللينو بطرفي رجال الدين والسياسة، وحديثه كله كان عن مرتكب الكبيرة ومكانه بين المؤمن والكافر، والخلاف في ذلك بين أهل السنة وبين الخوارج، أو كما يقول بين ( متكلمي ) أهل السنة والخوارج فما الذي نقل هذا الخلاف وجعله هذه المرة بين رجال الدين والسياسة، ومن هم رجال الدين في نظره أهم أهل السنة أم الخوارج.
وأنتقل إلى القضية الأخرى التي أثارها نللينو، وهي أن المعتزلة هم الذين سموا أنفسهم كذلك، ولأني عالجت هذه القضية بتفصيل واف في مكانها من هذا الكتاب فسأكتفي بذاك واحيل عليه(١) لأعود الآن إلى السؤال الذي بدأت به نقاشي لنللينو، وهو كيف فهم كلام المسعودي، بما رتب عليه النتائج التي وصل إليها ؟ كيف فهم فقرتيه على أنهما تعنيان أن اسم المعتزلة لم يطلق للدلالة على انفصالهم عن أهل السنة بل للدلالة على موقفهم الوسط، ثم كيف فهمهما على أنهما تعنيان ان المعتزلة هم الذين اختاروا هذا الاسم ؟!
____________________
(١) انظر هذا فيما بعد.
هل في الأولى منهما غير ( ومات واصل وهو شيخ المعتزلة وقديمها وأول من أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين وهو أن الفاسق من أهل الملة ليس بمؤمن ولا كافر وبه سميت المعتزلة وهو الاعتدال ).
وهل في الثانية غير العبارات نفسها مكررة تقريبا مع بعض التقديم والتأخير.
أننا والحمد لله ما نزال نقرأ العربية فنفهمها، نقرأها في المسعودي، ونقرأها في غير المسعودي، وما أظن المسعودي كتب فقرتيه بلغة غير ما يكتب الآخرون من المؤلفين العرب الذين نقرأ لهم فنفهمهم فهل في عبارته ( وبه سميت المعتزلة وهو الاعتزال ) ما يسمح لنللينو ب- ( ومن هذا ينتج.) مرتبا كل النتائج التي لا يحتملها كلام المسعودي والتي أرادها نللينو نفسه فأخطأ الطريق إليها وماذا سيفهم نللينو لو كانت العبارة ( وبه سمى المعتزلة أنفسهم ) أو في أضعف الفروض ( وبه استحق المعتزلة اسمهم ).
وأصل الآن القضية الأخيرة التي أثارها نللينو، وهي محاولة الربط بين المعتزلة - الفرقة الكلامية المعروفة - وبين المعتزلة السابقين الذين اعتزلوا الصراع بين علي وبين خصومه، وهو رأي سبق إليه الكثيرون ممن كتبوا في الفرق والعقائد من المسلمين قبل نللينو بقرون منهم في سبيل المثال الحسن بن موسى النوبختي المتوفي عام ٣١٠(١) والملطي الذي أشرنا إليه آنفا والمتوفى عام ٣٧٧(٢) وثانيهما وأن ربط الاعتزال بمبايعة الحسن لمعاوية والصلح معه، لا بالصراع بين علي وبين خصومه ،
____________________
(١) كتابه ( فرق الشيعة ) ص٥.
(٢) كتابه ( التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ) ص٤١.
إلا أن الذين اعتزلوا ولزموا منازلهم ومساجدهم بعد المبايعة والصلح كانوا أصلا من أصحاب على كما يقول الملطي فاعتزالهم مرتبط إذن بالصراع ضد خصوم علي وبالفشل في هذا الصراع، وعلى كل فهو اعتزال سياسي.
وإذا كان نللينو قد تبنى هذا الرأي، فانه لم يحسن عرضه ولا تأييده، فهو يبدأ بالكلام عن اسم المعتزلة الذي (اختاره المعتزلة أنفسهم للدلالة على موقفهم الخاص في هذه المسألة ) مسألة مرتكب الكبيرة الدينية كما يسميها، ثم يستشهد بابن منظور صاحب لسان العرب(١) ومن تبعه من اللغويين في قوله ( وقوم من القدرية يلقبون المعتزلة زعموا أنهم اعتزلوا فئتي الضلالة عندهم يعنون أهل السنة والجماعة والخوارج الذين يستعرضون الناس قتلا ) ولا ادري هل يريد نللينو بالاستشهاد بابن منظور إثبات أن المعتزلة هم الذين سموا أنفسهم كذلك أم إثبات أنهم امتداد للمعتزلة الأولين.
وعلى كل، فيلاحظ أولا أن ابن منظور لم يكن صاحب تاريخ وعقائد ليحتج بقوله هنا، وإنما هو صاحب لغة لا يتناول المادة التاريخية إلا بقدر ارتباطها بالجانب اللغوي الذي يمثل الأساس في كتابه، وإلا فان ربط اسم المعتزلة باعتزال فئتي الضلالة: أهل السنة والخوارج، لم يقل به أحد عند قيام المعتزلة وتأسيس مذهبهم، حتى المعتزلة أنفسهم، فقد انحصرت مقالتهم إبتداء من مؤسس المذهب واصل بن عطاء، بأنهم تركوا المختلف
____________________
(١) محمد بن مكرم بن علي الأنصاري اللغوي المعروف صاحب المؤلفات الكثيرة في اللغة والأدب وأشهر كتبه في اللغة ( لسان العرب ) الذي يذكره نللينو ولد عام ٦٣٠ وتوفي في مصر عام ٧١١.
فيه وأخذوا بالمجمع عليه في تسمية مرتكب الكبيرة، دون أي ذكر أو حديث عن فئتي الضلالة.
وابن منظور بعد، متأخر من حيث الزمان فقد عاش بين القرنين السابع والثامن الهجري، فهو لم يتصل بالأحداث من طريق مباشر ولا من طريق قريب كالذين سبقوه، في ما يخص المادة التاريخية التي تضمنها كتابه.
كما ألاحظ أيضا أن ابن منظور قد ساق عبارته بصيغة ضعيفة كأنه لا يريد أن يحمل عليه ما يقوله هؤلاء الذين ( يلقبون ) المعتزلة والذين زعموا.
يضاف إلى كل ذلك، أن ابن منظور يتحدث عن موقف سياسي بين أهل السنة وبين الخوارج ويربط تسمية المعتزلة به كما يبدو من عبارته.
( ففي الضلالة.والذي يستعرضون الناس قتلاً ) فاستشهاد نللينو به، بعد ما ربط الاعتزال بسبب ديني يخص الخلاف في قضية مرتكب الكبيرة الدينية، هو استشهاد غير موفق ولا مقبول.
ويستمر نللينو مضيفاً ( ثم ان قول المسعودي يؤيده ما يرويه الرواة حول الموقف الديني والسياسي الذي وقفه واصل بن عطاء بازاء من اشتركوا في الحروب الدينية في القرن الأول بين أنصار علي وأنصار عثمان.الخ ).
ونعود مضطرين إلى النقطة التي انتهينا منها ونسأل مرة أخرى، ما هو قول المسعودي، هذا الذي يؤيده ما يرويه الرواة حول الموقف الديني
والسياسي الذي وقفه واصل ؟ ان المسعودي كما رأينا لم يقل في فقرتيه شيئا يتصل بالموقف السياسي لواصل ولم يعرض له، وإنما تحدث عن الفاسق الذي هو في منزلة بين المنزلتين والذي سميت به المعتزلة، كما تحدث الكثيرون غيره قبله وبعده.
ويمضي نللينو قائلا ( ويؤيد هذا كله ما كان بين نشأة الاعتزال وبين الأحزاب السياسية في العصر الأموي من صلة وثيقة ).
فهل قامت فرقة أو مذهب من فراغ أو عدم ؟ وهل نشأ حزب، وهو مقطوع الصلة بأحداث وأفكار عصره تأييداً أو رفضاً، اتفاقاً أو اختلافاً ؟! هل حدثنا التاريخ عن حركة من هذا النوع، بل هل يمكن أن تقوم ؟ ولنأخذ الحركات والفرق والمذاهب الإسلامية فهل شذت حركة أو فرقة أو مذهب عن هذه القاعدة ؟ هل كان الشيعة سيوجدون لو لا علي وأفضليته عندهم وخلافه مع من خالفه ؟ وهل خرج الخوارج لولا القتال وصفين والتحكيم ؟! فأين اختصاص المعتزلة في أن تكون نشأتهم ذات صلة وثيقة بالأحزاب السياسية في العصر الأموي ؟!
أما إذا كان يقصد ب- ( الصلة الوثيقة ) قوة الرابطة وحسن العلاقة التي كانت تشد المعتزلة إلى الحركات والأحزاب السياسية في عصرهم فهذا هو الخطأ الكبير الذي أوقع نللينو نفسه فيه، فإذا كان المعتزلة على خلاف مع الشيعة، بسبب موقفهم من علي أو من إمامته وهو أمر معروف، وعلى خلاف مع أهل السنة والخوارج، كما هو قول نللينو نفسه، الذي مر بنا قبل
قليل فماذا بقي من الحركات والأحزاب السياسية التي كان المعتزلة على ( صلة وثيقة ) بهم ؟!
لعلي أرهقتك بطول الحديث عن بحث نللينو، وأحسبك ضقت به كما ضقت به أنا قبلك، ولكن ماذا أعمل إذا كان نللينو لا يريد ان يتركني ويتركك أنظر إليه وهو يحاول إثبات أن المعتزلة الكلاميين يمثلون امتداداً للمعتزلة السياسيين السابقين، كيف يطوف على المؤلفين ابتداءً من الطبري وانتهاء بابي الفداء، مستعرضا بعض الذين اعتزلوا الصراع بين علي وبين خصومه ولا ينسى أن يمر بمحمد بن عبد الله النفس الزكية لينتهي إلى القول ( فعندما إذن الدليل الحاسم على لفظ ( معتزل ) بهذا المعنى السياسي طوال هذا الزمن الذي عاش فيه مؤسسا مذهب المعتزلة).
هل تستطيع وأنت تقرأ هذا دون أن تتساءل كما تساءلت، وماذا في أن يكون الاعتزال بمعناه السياسي قد عرف في زمان واصل وعمرو، وهو لا بد أن يكون معروفا في زمانهما، وقد جرت الأحداث التي دفعت إليه في فترة ليست بعيدة عنهما ؟! أية قرينة في ذاك، وأي دليل على صلة المعتزلة الكلاميين بالمعتزلة السياسيين ؟ وهل كان نللينو في حاجة إلى كل هذا، ليثبت ما لم ينكره أحد ولم يشك فيه أحد، وهو أن الاعتزال بمعناه السياسي كان موجودا في زمان واصل وعمرو بن عبيد وقبلهما.
ولنترك هذا فما علاقة محمد النفس الزكية بالمعتزلة السياسيين ؟
أن ألا النفس الزكية لم ين طبعا من المعتزلة السياسيين، وهو قد عاش وقتل في القرن الثاني للهجرة، فهل يظن نللينو أن النفس الزكية كان
في فكره واتجاهه السياسي والمذهبي، امتداداً لهؤلاء المعتزلة الذين أقل ما يوصفون به أنهم لم يكونوا من الذين يفضلون عليا أو يميلون إلى جانبه و إلا لما اعتزلوه في صراعه مع خصومه، وهو لم يقم بثورته ولم يتبعه التابعون فيها إلا على أساس حق أهل البيت من أبناء علي في خلافة المسلمين ورفع الظلم عنهم(١) .
أن المعتزلة الذين يرد ذكرهم في نص الطبري الذي استشهد به نللينو(٢) هم المعتزلة الكلاميين من أصحاب واصل بن عطاء، لا المعتزلة السياسيون لقد شارك أولئك كما يذكر الطبري في الاجتماع الذي تمت فيه بيعة النفس الزكية أواخر الحكم الأموي، وكان من بين المشاركين فيه أبو جعفر المنصور الذي ثار عليه محمد عام ١٤٥.
أما الذين اعتزلوا الصراع أو المعتزلة للقتال كما يسميهم الشريف المرتضى(٣) فلم يبق منهم أحد على عهد محمد ليبايع أو لينكث، ويكون موضع استشهاد محمد، فالاعتزال المشار إليه في نص الطبري لا يتضمن المعنى السياسي الذي تصوره نللينو وهو يكتب تاريخا لا يعرفه التاريخ.
وللأستاذ احمد أمين رأي أو ( فرض ) في تسمية المعتزلة قال أنه لفته إليه ( ما قرأناه في خطط المقريزي(٤) من أن بين الفرق اليهودية ( التي كانت منتشرة في ذلك العهد وقبله ) الطائفة يقال لها، الفروشيم وقال أن معناها المعتزلة ( ومن مذهبهم القول بما في التوراة على معنى ما فسره الحكماء من أسلافهم ) وقد أكدت هذا المعنى المعاجم اللغوية الحديثة فقد
____________________
(١) ستأتي مناقشتنا لهذا النص في الفصل الثالث من الكتاب عند الحديث عن ثورة النفس الزكية.
(٢) الفصول المختارة من العيون والمحاسن للمرتضى ط النجف ١٣٥٥ ج٢ ص٢٧.
(٣) تقي الدين احمد بن علي المقريزي مؤرخ الديار المصرية ولد في القاهرة ٧٦٦ وتوفي ٨٤٥، له مؤلفات كثيرة خصوصا في التاريخ منها ( المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ) المعروف بخطط المقريزي وهو الذي ينقل عنه هنا احمد أمين.
(٤) وضعنا كلام المقريزي بين قوسين مفردين تمييزا له عن كلام احمد أمين الذي جعلناه بين قوسين مزدوجين.
ذكرت أن معنى اللفظ الفروشيم PHARISEES و SEPARATED و وهو ينطبق على المعنى الذي تؤديه كلمة معتزلة ( وذكر بعضهم عن هذه الفرقة أنهاكانت تتكلم بالقدر ليس كل الأفعال خلقها الله ) فلا يبعد أن يكون هذا اللفظ قد أطلقه على المعتزلة قوم ممن أسلم من اليهود لما رأوه بين الفرقتين من الشبه في القول بالقدر ونحو ذلك ).
هذا هو نص ما ورد في ص ٣٤٤، ٣٤٥ من فجر الإسلام بعضه للمقريزي وبعضه لأحمد أمين(١) .
وهذا الرأي أو الفرض فيه من التكلف والضعف بقدر ما فيه من البعد عن الروح العلمي الرصين فلماذا يلجأ احمد أمين في التفتيش عن أسم المعتزلة إلى ( قوم ممن أسلم من اليهود لما رأوه بين الفرقتين من الشبه ) والاعتزال موجود كاسم وموجود كموقف ورأي قبل واصل مع المعتزلة السياسيين ومع واصل وعمرو في مرتكب الكبيرة والمعتزلة الكلاميين.
ثم أن اليهود كانوا يعيشون مع العرب منذ أقدم العهود، قبل الإسلام وبعده، يتكلمون لغتهم ويحيون حياتهم، فليست بهم حاجة لانتظار من يسلم منهم ليطلق هذه التسمية على المعتزلة أكان هناك ما يمنع اليهودي قبل إسلامه من الإطلاع على مذاهب المسلمين ومنها المعتزلة وإطلاق التسمية التي يراها أنسب وأكثر ملاءمة لما يعتقدون.
أما أن الفروشيم كانت تتكلم في القدر كما تكلمت المعتزلة وهو ما دعا أحمد أمين إلى رأيه أو فرضه فليس فيه - حتى مع التسليم بصحته - دليل على ما أراده منه إذ يكفي أن احمد أمين نفسه، وهو يمهد للحديث
____________________
(١) أبو عبد الله وهب بن منبه الصنعاني من أبناء الفرس الذي بعث بهم كسرى الى اليمن لطرد الحبشة منها مؤرخ صاحب أخبار وقصص ومعرفة بأساطير الأولين سيما الإسرائيليات ولد في صنعاء عام ٣٤ وتوفي فيها عام ١١٠ أو ١١٤ أو بعدها.
عن المعتزلة في الفصل الرابع المخصص لهم من فجر الإسلام يقول ( يدلنا تأريخ الفكر البشري على أن من أولى المسائل التي تعرض للعقل عندما يبدأ التعمق في البحث مسألة الجبر والاختيار.).
فإذا كانت التسمية قد جاءت من الشبه في أن المعتزلى تكلموا في القدر كما تكلم الفروشيم فإن الناس قبل الفروشيم وبعد المعتزلة لم يكفوا يوما عن الحديث في القدر، مذاهب وأشخاصاً وسيبقون كذلك ما بقي للإنسان نشاط أو ما بقي الإنسان.
ثم أن القول بالقدر والكلام فيه كان أسبق في الوجود من المعتزلة حتى بين المسلمين لقد تكلم في القدر قبلهم عدد كبير كانوا يعرفون بالقدرية ولم يعرفوا بغيره على خلاف المعتزلة الذين كانت بدايتهم مع المنزلة بين المنزلتين ومنها جاءت تسميتهم، أما القدر فقد تكلموا فيه كما تكلموا في غيره ولكن ليس على وجه الاختصاص إذ شاركهم فيه من لم يكن معتزليا ومن سبق الاعتزال في الوجود.
ونصل إلى ابن منبه الذي يريد احمد أمين أن يجد في ذكر اسمه من قبل المقريزي ما يؤيد رأيه فحتى لو وافقناه على انه وهب بن منبه(١) الذي كان ممن أسلم من يهود صنعاء فليس في ما أورده المقريزي عنه ما يعزز الرأي الذي يذهب إليه احمد أمين، بل على العكس، ما يهد هذا الرأي ويهدمه من أساسه فلنستمع إلى المقريزي وهو يقول ( قال ابن منبة: اعتزل عمرو بن عبيد وأصحاب له الحسن - يعني الحسن البصري - فسمعوا المعتزلة ) فهل في هذا غير ما يقوله غالبية الرواة المسلمين في
____________________
(١) سبق ان عرضنا لمواقف المسلمين واختلافها من مرتكب الكبيرة.
تسمية المعتزلة كما مر بنا ؟ هل فيه ما يشير ولو من بعيد إلى سبب آخر للتسمية، سبب يتصل بالفروشيم و ( يقول بما في التوراة على معنى ما فسره الحكماء من أسلافهم ) ؟!
ثم ماذا تفهم من عبارة احمد أمين ( المعاجم اللغوية الحديثة ) الواردة في بداية هذا البحث ؟ فهل تعني ان المعاجم اللغوية القديمة - المعاصرة أو القريبة من الفروشيم، لم تكن تطلق على هذه الطائفة اسم المعتزلة ولم تعرفها به، وان المعاجم الحديثة - البعيدة عن عصرهم - وحدها هي التي ألصقت هذا الاسم وأضافته إليهم.
ولماذا هذا ( البعض ) في ( وذكر بعضهم عن هذه الفرقة أنها كانت تتكلم بالقدر.) ألم يكن هذا الذي تقول به في القدر معروفا عنها بما يكفي للاستغناء عن ( بعضهم ) ؟ أكان هناك بعض آخر ينكر أن تكون هذه الفرقة قد تكلمت بالقدر، كما كانت هناك معاجم لغوية حديثة ومعاجم أخرى قديمة ؟
ولنفترض أن طائفة ما غير الفروشيم قد سبقت إلى الكلام في القدر، ولم يعلم بها الأستاذ احمد أمين إلا متأخراً، أكان سيبدل رأيه في هذه الحالة ليجعل من تلك الطائفة أصلاً للمعتزلة، أم ستكون كل الطوائف التي سبقت إلى القول بالقدر أصلاً مشتركا للمعتزلة ؟!
يضاف إلى كل ما سبق، أننا لم نجد بين كتبوا عن المعتزلة، على كثرتهم قبل المقريزي وربما بعده، من ذكر هذه الصلة أو أشار إليها، خصوصاً من أعداء المعتزلة وما أكثرهم، وهو أمر لن يثير أقل من الشك.
وبعد، فإن استخلاص رأي في قضية ما - ولتكن تسمية المعتزلة - لمجرد وجود تشابه في الاسم أو في الفعل، هو أمر بعيد عن الروح العلمي الذي حاول الأستاذ احمد أمين أن يكون مدافعاً عنه، وهو يكتب عن فكر المعتزلة فما أحراه ان يكون كذلك وهو يناقش تسميتهم.
وأقف الآن عند الدكتور البير نصري نادر، فهو أيضاً له رأي في تسمية المعتزلة.
ولأنني أخذت نفسي بألا أتجنى على أحد، ولا أحكم على رأي قبل عرضه ومناقشته، فسأحاول أن أعرض رأي الدكتور في تسمية المعتزلة تمهيداً لمناقشته بعد ذاك، وسترى انه كبير جداً أن يسمي ما طرحه الدكتور نادر رأياً، فضلاً عن انه رأي يستحق المناقشة.
تعرض الدكتور لتسمية المعتزلة في كتابين من كتبه الأول هو ( فلسفة المعتزلة ) المطبوع ١٩٥٠، والثاني ( أهم الفرق الإسلامية السياسية والكلامية )١٩٦٦.
ففي الأول يقول الدكتور بالنص: ( بينما كانت مختلف الفرق الإسلامية يكفر بعضها البعض نجد واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد رأسي المعتزلة يأتيان بحل جديد فيه الكثير من التسامح فقالا: أن المؤمن الذي يأتي بكبيرة هو في منزلة بين المنزلتين أي بين الكفر والإيمان ولما كان هذا الحل جديداً ولم يقبله الحسن البصري وبعض أتباعه انعزل واصل وعمرو بن عبيد عنهم ).
وبدءاً ألاحظ أن وصف الدكتور لفكرة المنزلة بين المنزلتين بأنها ( حل فيه الكثير من التسامح )، هو وصف غير صحيح ولا يمكن الأخذ به على إطلاقه، فإذا كانت هذه المنزلة تمثل حلاً متسامحاً بالنسبة بالغ التشدد بالنسبة للمسلمين الآخرين الذين يعتبرون مرتكب الكبيرة مؤمنا وان فسق بكبيرته(١) .
فالحل الذي عرضه واصل بالنسبة لمرتكب الكبيرة، يختلف إذن باختلاف الطائفة أو الفرقة التي تريد أن تقارن قوله بقولها، لا كما توهم الدكتور نادر.
هذه هي الملاحظة الأولى، وما أظن الدكتور سيخالفني فيها، إلا أن ينكر ما أجمع عليه المسلمون في هذه القضية ولن يستطيع.
أما الثانية فان الدكتور كما هو واضح هنا يعتمد في تسمية المعتزلة، الرواية المشهورة القائمة على اعتزال مجلس الحسن البصري لكنه لم يكن دقيقا - ولا أريد أن أقول غير ذلك - في نقلها، فالرواية لا تجمع ابتداءاً بين واصل وعمرو في القول بالمنزلة بين المنزلتين ولا يترك مجلس الحسن أو الطرد منه وإنما تفردهما كما ذكرنا فهي أما أن تعزو ترك المجلس أو الطرد منه إلى واصل بعد مقالته في المنزلة بين المنزلتين وخروجه برأي مخالف في ذلك، ومن ثم لحاق عمرو وانضمامه إليه وأما أن تجعل المعتزل الأول عمرو بن عبيد وتنسب إليه ترك المجلس لكنها لا تجمع بينهما كما يظهر من الصيغة التي استعملها الدكتور نادر وفي جميع
____________________
(١) لم نجد من جمع بينهما من المؤلفين غير الرازي في كتابه ( اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ) كما أشرنا الى ذلك في موضعه والرازي متأخر توفي عام ٦٠٦ وكتابه في غاية الاختصار ثم انه حين يعرض لفرق المعتزلة يقول عن - الواصلية منهم - اتباع واصل بن عطاء الغزال وهو أول من قال أن الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر . الخ ) وحين يصل الى الفرقة الثالثة - العمرية - يقول ( اتباع عمرو بن عبيد ومن قولهم ان شهادة طلحة والزبير غير مقبولة بوجه عام ) دون أية إشارة أو ذكر للمنزلة بين المنزلتين فهو يثبت القول بها لواصل وحده متابعا في ذلك الذين سبقوه من المؤلفين والكتاب في الفرق والمقالات.
الأحوال فإنها لا تنسب القول في المنزلة بين المنزلتين إلا إلى أحد الرجلين واصل بن عطاء الذي تبعه فيه بعد ذاك عمرو بن عبيد(١) .
وإذا كان الدكتور يحاول أن يتلافى في ( أهم الفرق الإسلامية ) المآخذ التي رأيناها في ( فلسفة المعتزلة ) فيأتي بالرواية على وجه قريب من وجهها وبتشويه أقل فانه ما إن يخرج من النص مجتهداً رأيا في أمر مرتكب الكبيرة حتى يزل ويبعد عن الصواب ألا ترى إليه وهو يتحدث عن المعتزلة في كتابه ذاك كيف يقرر ( إن المقصود بالكبيرة هنا الخروج على الإمام ) فمن أين علم الدكتور أن المقصود بالكبيرة ( هنا ) هو الخروج على الإمام ولم يقل بذلك أحد من الذين عالجوا هذا الموضوع أو تعرضوا له ؟ لو كانت الكبيرة هنا تعني الخروج على الإمام بحسب رأي الدكتور لكانت قد أثيرت قبل زمن طويل حين خرج من خرج على عثمان، وحين خرج من خرج على علي، ومن خرج على من جاء بعدهما.
ثم من أين أتى الدكتور بما أضافه إلى واصل في قوله ( ولا بكافر ( تجب علينا مقاتله ) فأنا لم أعثر على هذه الإضافة فيما بين يدي من مصادر، وأظنها كالإضافة التي سبقتها، وهو يتحدث عن عدم قبول الحسن ( وبعض اتباعه ) للحل الذي طرحه واصل في المنزلة بين المنزلتين.
ان الدكتور نادر يجتهد حيث لا يجب، لكنه يخطئ حيث يجتهد وحيث لا يجتهد: في الرأي أو في النص.
____________________
(١) أبو الحسين عبد الرحيم بن عثمان الخياط من مشايخ المعتزلة وأستاذ أبي القاسم البلخي توفي في حدود ٣٠٠ ه- كان كما يقول صاحب طبقات المعتزلة فقيها صاحب حديث واسع الحفظ لمذاهب المتكلمين من أشهر كتبه ( الانتصار ) في الرد على ابن الروندي المطبعة الكاثوليكية بيروت ١٩٥٧.
كنا قد تناولنا فيما مضى آراء الكتاب والمؤرخين من غير المعتزلة في أصل تسميتهم، والآن أفلا يجدر بنا أن نقف قليلا لنسأل المعتزلة أنفسهم - أصحاب الشأن - عن منشأ تسميتهم فعل عندهم من ذلك علماً ؟
فماذا عند المعتزلة من تسميتهم ؟
على خلاف الرأي الذي سبق، من ربط التسمية باعتزال ما اتفقت عليه الأمة حاول المعتزلة من جانبهم - وكأنهم يعكسون ذلك الرأي - الأخذ بالنقيض حين جعلوا الاعتزال، اعتزالا لما اختلفت فيه الأمة في قضية مرتكب الكبيرة فالخياط(١) يقول في ص١١٨ من كتابه ( الانتصار ) ( إن واصل بن عطاءرحمهالله لم يحدث قولا لم تكن الأمة تقول به فيكون قد خرج من الإجماع ولكنه ويجد الأمة مجتمعة على تسمية أهل الكبائر بالفسق والفجور مختلفة فيما سوى ذلك من أسمائهم فأخذ بما أجعمعوا عليه وأمسك عما اختلفوا فيه ).
وإلى هذا الرأي أيضا يذهب قاضي القضاة في شرح الأصول الخمسة وفي المنية والأمل والشريف المرتضى في الأمالي وابن المرتضى في طبقات المعتزلة وان كان الثلاثة الأخيرون يوردون هذا الرأي ضمن الآراء الأخرى التي أشرنا إليها آنفا(٢) .
وإذا كانت قد رفضت سابقا الرأي الذي يرد التسمية إلى اعتزال ما أجمعت عليه الأمة فإني أرفض وبنفس القوة ما يتعلق به المعتزلة من أن تسميتهم جاءت من اعتزالهم ما اختلفت فيه الأمة وأخذهم بالمجمع عليه وهو اسم الفاسق.
____________________
(١) شرح الأصول الخمسة ص٧١٦ و ٧١٧ والمنية والأمل ص٤٠ وأمالي المرتضى ص١٦٦ وطبقات المعتزلة ص٣٨.
(٢) ولهذا لم نجد في أدبيات الخوارج أو في خطبهم ذكرا للفاسق إلا على سبيل الذم الذي يلحق سلوك الإنسان وسيرته وليس كمرتكب لمعصية معينة اسمها الكبيرة.
ولنلاحظ أولا أن الحديث عما اتفقت أو اختلفت فيه الأمة لا يتعلق باسم مرتكب الكبيرة فقط وكيف يجب أن يسمى ليصح للمعتزلة أن يحتجوا بوجود الإجماع عليه، سواء وجد هذا الإجماع فعلا أم لم يوجد، وإنما الخلاف أساسا في حكم مرتكب الكبيرة إذا مات من غير توبة هل سيكون مثواه الجنة أم النار، وما هو العذاب الذي سيتعرض له وما هي مدته.
ولهذا فان البغدادي وغير البغدادي حين يقولون أن واصلاً قد خرج برأي في صاحب الكبيرة خالف فيه الإجماع لم يكونوا يقصدون اسم ( الفاسق ) الذي يتفق واصل في جزء منه مع عدد من الفرق الإسلامية، ومنها الفرقة التي ينتمي إليها البغدادي نفسه، لكنهم كانوا يقصدون بالدرجة الأولى الحكم الذي يترتب على ارتكاب الكبيرة فهذا هو الموضوع المهم الذي خالف فيه واصل آراء الفرق الأخرى قبله.
ولنعد إلى الاسم نفسه، فهل حقا أن الإجماع واقع على تسمية مرتكب الكبيرة بالفاسق، كما يدعي الخياط وغيره من المعتزلة ؟
أن المصادر في الفرق والمذاهب لا تؤيد ذلك، فالخوارج يسمون صاحب الكبيرة كافراً، والحسن وأصحابه يسمونه منافقاً، وليس بين أولئك وهؤلاء من يضيف اسم الفاسق إلى الإسم الذي اختاره لمرتكب الكبيرة.
أما الخوارج، فلأن المسافة بين الإيمان والكفر عندهم من القصر بحيث لا تحتمل محطة أخرى اسمها ( الفسق )، ينزل عندها صاحب الكبيرة ( الفاسق )، فهم لا يعرفون إلا المؤمن والكافر، وليس هناك وسط بين الأثنين يحتاجون معه إلى اسم آخر يكون علما عليه(١) بل أن فرقاً مهمة منهم
____________________
(١) هذا هو مذهب الازارقة أكبر فرق الخوارج وأهمها.
تتجاوز الكفر لتسمي المخالفين لهم، حتى مع عدم ارتكابهم لأية كبيرة مشركين ثم تجاوزا هذا فسموا القعدة من مذهبهم مشركين(١) .
وأما الحسن وأصحابه، فلأن النفاق يستغرق الفسق ويتعداه، فان محل لإضافة اسم الفاسق عندهم، وقد سموا مرتكب الكبيرة منافقاً، ورتبوا عليه حكم المنافق، فأية قيمة لتسمية لا حكم لها.
ولنسلم مع الخياط، أن الأمة ( مجتمعة على تسمية أهل الكبائر بالفسق والفجور.)، فلماذا تمسك واصل باسم الفاسق وترك الفاجر، وقد أجمعت الأمة عليه إجماعها على الفاسق وقرنته به، كما يقول الخياط في نصه المشار إليه آنفا.
أن اختيار واصل أو غير واصل ل- ( الفاسق )، اسما لمرتكب الكبيرة، لن يلزمنا إذن بشيء لأنه سيكون ترجيحا بلا مرجح، فإذا اختار واصل اسم الفاسق فأنا أستطيع، ودون أي حرج، إن أختار اسم الفاجر لنفس الشخص، فليس أحدهما أولى من الآخر وليس لأحدهما امتياز ورجحان حتى لو أخذنا بقول الخياط الذي سبقت الإشارة إليه، إلا أن يكون الإجماع في نظر الخياط هو ما اختاره واصل.
هذا فيما يخص الاسم، أما ما يخص الحكم، أي جزاء مرتكب الكبيرة والعذاب الذي سيلقاه في الآخرة، فان آراء الفرق الإسلامية ليست متفقة بشأنه، فالخوارج وهم يعدون مرتكب الكبيرة كافرا، كما رأينا، يحكمون عليه بالخلود في النار، والشيعة الإمامية وأهل السنة، لا يخلدونه
____________________
(١) الفرق بين الفرق للبغدادي ص٢١٠ وأصول الدين له أيضا نشر مدرسة الالهيات بدار الفنون التركية باستانبول ط أولى ١٩٢٨ ج١ ص٢٤٢ وما بعدها والفصول المختارة من كتاب العيون والمحاسن للشريف المرتضى ج٢ ص١٣٢ وشرح التجريد للعلامة الحلي ص٢٦١ والفصول المهمة في تأليف الأمة للسيد عبد الحسين شرف الدين مطبعة العرفان صيدا ١٣٣٠ ه- ص٣٥ والإرشاد الى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد لإمام الحرمين الجويني تحقيق الدكتور محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد نشر مكتبة الخانجي بمصر ١٩٥٠ ص٣٨١ وما بعدها والتبصير في الدين ص١٠٦ - ١٠٧ واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٧١ والشيعة بين المعتزلة والاشاعرة لهاشم معروف الحسني ص٢٦٢ وما بعدها.
بل هو ينال عندهم من العذاب بقدر معصبته(١) والمرجئة يصححون إيمانه، ويتركون الحكم عليه لله.
ليس هناك إذن من إجماع بين هذه الفرق في الموضوع، يمكن القول بان المعتزلة قد أخذوا به وتركوا المختلف فيه.
ومع ذاك فلا بأس أن نلم بالرأي الذي أتى به المعتزلة، لنرى إن كانوا قد أضافوا شيئا ذا قيمة في الموضوع بعد أن رأينا فشل دعواهم في الإجماع عليه.
يقول المعتزلة: إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، لكنه في منزلة دون منزلة الكافر من حيث العذاب، وهذا رأي لا أصالة فيه، نصفه مسروق، ونصفه مقلوب.
أما النصف المسروق فهو رأي الخوارج كما ذكرنا، وأما النصف المقلوب، فهو رأي السنة والامامية من الشيعة، فقد قال هؤلاء: إن المؤمن لن يخلد في النار إذا مات من غير توبة عن كبيرة ارتكبها لكنا يعاقب بقدر كبيرته، وجاء المعتزلة فقالوا: انه يخلد في النار، مع تخفيف العقاب عليه إلى ما دون عقاب الكافر.
ركز السنة والامامية على العقاب، مع عدم التأبيد في النار، وركز المعتزلة على التأبيد مع تخفيف العقاب.
____________________
(١) بل ان فيما ذهب إليه المعتزلة إغراءاً بارتكاب المزيد من الكبائر المزيد من الكبائر ما دامت أية واحدة توجب الخلود لمرتكبيها في النار فما الذي يمنعه من ارتكاب المزيد والعقاب هو هو واحد لا يتغير بارتكاب واحدة أو ارتكاب أكثر.
ورأي السنة والامامية أقرب إلى الحق والإنصاف، ذلك انه يجعل العقوبة متناسبة مع الجرم، فحين يستوفي مرتكب الكبيرة عقوبته فلن يكون ثمة سبب لإبقائه في النار مدة أخرى غير ما حدد لجرمه.
أما المعتزلة، فصاحب الكبيرة، مهما كانت، مخلد عندهم في النار، وهذا رأي فيه ظلم كبير من هذه الجهة، وفيه أظلم أكبر من جهة أخرى، لتسويته بين أصحاب الكبائر بتعريضهم لعقاب واحد دون تمييز بين كبيرة وكبيرة، مع ان العدل يقتضي عدم المساواة بين هؤلاء لأن الكبائر، رغم التسمية الواحدة، كثيرة جدا، ومختلفة جدا من حيث الخطورة، وليست في الدرجة نفسها لتوجب لأصحابها نفس العقاب، الذي هو الخلود في النار(١) .
ثم إن المعتزلة لم يوضحوا لنا فيما أضافوه، درجة العذاب الذي سيلقاه مرتكب الكبيرة، وإلى أي حد سيخفف عنه، وهل الفرق كبير بين عذابه وبين عذاب الكافر ؟
واختصارا أي درجات السعير سيحفظ لهذا السيئ الحظ الذي لا هو مؤمن ولا هو كافر ؟
وحتى لو تجاوزنا ذلك، واحسنا تقييم رأي المعتزلة، فأية أهمية في أن تأتي فرقة من المسلمين فتضيف إلى آراء الفرق الأخرى، وهي كثيرة في الموضوع، رأيا حديدا وهل يستحق هذا ان تنتزع اسمها منه، وتنسب إليه مع إن كل فرقة تعتبر معتزلة بالنسبة للفرق الأخرى في حكم مرتكب الكبيرة كما ذكرنا.
____________________
(١) المنية والأمل لقاضي القضاة ص٧ وطبقات المعتزلة لابن المرتضى ص٢.
ولنقبل رأي المعتزلة في ان اسمهم جاء من اعتزالهم ما اختلف فيه المسلمون، وأخذهم بما اجمعوا عليه ألم يكن من الأنسب لو انهم هم الذين اختاروا الاسم، كما يقولون، ان يختاروا من الأسماء ما يبرز معنى الإجماع الذي يدعون الأخذ به، لا اسم المعتزلة الذي قد يوحي العكس، وهو ما تعلق به خصومهم ضدهم، ذلك ان النسبة للإيجابي ( المجمع عليه ) أولى من النسبة للسلبي ( اعتزال المختلف فيه )، فان تكون ( مع ) أوضح في الدلالة من أن تكون ( ضد ).
كان من الممكن مثلا ان يطلق المعتزلة على أنفسهم لو أخذنا بوجهة نظرهم اسم ( الإجماعيين ) أو ( الإتفاقيين ) أو أي اسم آخر، يدل على الإجماع و الاتفاق أو يشير إليهما، فذلك أفضل من اسم ( المعتزلة ) الذي لا يشير في أفضل الحالات إلى أكثر من موقف سلبي بحت يلجأ إليه من لم يعرف الصواب ولم يهتد إلى الحق.
ثم أن المعتزلة قد تجاوزوا هذا الحد، فلم يقفوا عند مجرد الرفض واعتزال المختلف فيه من الآراء في مرتكب الكبيرة، بل أسسوا فرقة جديدة، وجاؤوا بمذهب جديد وكان يفترض - وأظننا لا نتجاوز في هذا دائرة المجمع عليه أيضا - أن يتحدد اسمهم، مما يشكل السمات الأساسية لمذهبهم، فاعتزال آراء الآخرين قد يشكل موقفا في ظرف معين وإزاء قضية معينة، ولكنه لا يمكن أن يؤلف في ذاته مذهبا ثم يكون هو الاسم المختار لهذا المذهب.
على أن اعتزال الآخرين، لا يختص به المعتزلة وحدهم، وإنما هو نقطة البداية في بناء أية فرقة أو مذهب، دينيا كان ذلك المذهب، أم سياسيا، أم.الخ، وإلا فلم هذا العناء في تأسيس مذهب ما إذا هو تبني آراء وأفكاره غيره من المذاهب التي سبقته، فلم ( يعتزلها ) ولم يختلف عنها.
ويظهر أن المعتزلة، قد شعروا بعد ذلك بقصور حجتهم عن تفسير الاسم بالاستناد إلى اعتزال المختلف فيه من الآراء في شأن صاحب الكبيرة، فليس أسهل من عكس الحجة عليهم والقول بان الاعتزال، كان اعتزالا لما أجمع عليه المسلمون، فترد دعواهم بما يماثلها، وهذا ما فعله معهم خصومهم ابتداء، وتمسكوا به، كما رأينا، وهم أكثر عددا وأشد قوة , وليس في اللغة ما يرجح ادعاء على ادعاء، ولم يكن تخريج المعتزلة في اعتزال المختلف فيه بأقوى من تخريج خصومهم في اعتزال المجمع عليه، ما دام الاعتزال قابلا للطرفين، من غير اختصاص بواحد منهما.
ولهذا لجأ المعتزلة إلى القرآن، للدفاع عن الاسم، وبيان فضله، يسدون به قصور حجتهم في تفسيره باعتزال المختلف فيه، فاحتجوا لذلك بقوله تعالى في سورة مريم ٤٨ ( واعتزلكم )، وبقوله في سورة المزمل ١٠ ( واهجرهم هجرا جميلا )، وكأنهم يريدون أن يجعلوا الاعتزال، أينما ورد في القرآن، اعتزالاً للشر ليحجوا خصومهم ويفحموهم بما لا يستطيعون نقضه والرد عليه(١) .
وهذا تعسف ظاهر من المعتزلة في تفسير ألفاظ اللغة وتضييق لها، غير مبرر ولا مقبول، فإذا كان القرآن قد استعمل اللفظ في هاتين الآيتين
____________________
(١) التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية هامش ص١٩٢.
اعتزال الشر فانه استعمله في سورة الكهف ١٦ لاعتزال الخير إذ يقول ( وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف . )(١) ، فليس في اللغة ما يمنع من استعمال اللفظ في الخير أيضا، فالفعل ( عزل ) يتسع لهما معا ولا يتجه لأحدهما دون الآخر، وليس وروده في هذه الآية أو تلك اعتزالا للشر يمانع من وروده في آية أو آيات أخرى اعتزالا للخير، فالحجة هنا ليست بأقوى من الحجة هناك.
وكما لجأ المعتزلة إلى القرآن، فقد لجؤوا إلى الحديث النبوي يستنجدونه في معركة التسمية، فاحتجوا بحديث رووه (ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أبرها وأنقاها الفرقة المعتزلة ) أو ( ستفترق أمتي إلى فرق خيرها وأبرها المعتزلة) دون ذكر لعدد الفرق(٢) .
والمعتزلة في هذا ينهجون نهج الفرق الأخرى، في وضع الأحاديث تأييدا ودعما لها وحطا من شأن خصومها، وإضعافا لهم.
كما احتجوا للاعتزال بحديث آخر، رووه عن النبي يقول ( من اعتزل من الشر سقط في الخير )(٣) .
والغريب أن المعتزلة يرفضون الأخذ بالآيات القرآنية إذا رأوها تعارض مع العقل ويؤولنها بما يجعلها مسايرة له، موافقة لأحكامه، ثم يأتون هنا ليحتجوا بأحاديث، كمثل هذا الحديث الذي لا أدري مدى صحته في نظر أصحاب الجرح والتعديل، ولكن أحس إحساسا عميقا، بأنه لم يصدر عن إمام اللغة، وسيد بلغائها محمد بن عبد الله لسقوطه لغة ومضمونا، فإذا
____________________
(١) المنية والأمل ص٧ و ٩ وطبقات المعتزلة ص٢.
(٢) وحديث افتراق الأمة على بضع وسبعين فرقة من الأحاديث السيئة الصيت والتي يصعب تصديقها والوثوق بها وقد استغل ابشع استغلال في تصديع وحدة المسلمين وتكريس الفرقة بين طوائف الإسلام وتأليب بعضهم ضد بعض بل إن هذا الحديث ورد في كتاب ( الفرق المفترقة بين أهل الزيغ والزندقة ) لعثمان بن عبد الله العراقي الحنفي تحقيق وتقديم الدكتور بشار قوتلواي أنقرة ١٩٦١ ص٣٠ لا عن النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم كما يفترض بل عن علي هذه المرة مع إضافة ما يناسبه طبعا من سب لمن ( ينتحلون حبنا أهل البيت . ) أو لمن ( يتشبع أو الشيعة ).
وللعلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري بحث قيم عن هذا الحديث في مقدمته لكتاب ( الفرق بين الفرق ) لعبد القاهر البغدادي و ( التبصير في الدين ) لأبي المظفر الاسفراييني.
وانظر كتابنا ( على هامش الفرق الإسلامية ) فقد فصلنا الحديث في هذا البحث.
ومعركة الأحاديث بين الفرق الإسلامية من أسوأ ما عرف تاريخ الإسلام من معارك.
(٣) المنية والأمل ص٧ و ٩ وطبقات المعتزلة ص٢.
كان من اعتزال الشر وقع في الخير، فأين سيقع من فعل الخير ولم يكتف باعتزال الشر والكف عنه، ان من اعتزل الشر يكون وبكل بساطة قد اعتزل الشر فقط، وتلك المنزلة، أما عمل الخير فمنزلة أخرى غيرها، وما أظن المعتزلة يردون هذا أو يعترضون عليه، وهم - لا غيرهم - أصحاب تعدد المنازل.
ثم أن الحديث يتكلم عن اعتزال الشر، لا عن ( المعتزلة ) الفرقة المعروفة، ويبقى السؤال قائما لتحديد الجهة التي يتناولها الحديث في حال تصحيحه من هي هذه الجهة التي اعتزلت الشر ؟ من قال إنهم المعتزلة، ولماذا لا يكون غيرهم ؟ إن ما واجهنا في موضوع المجمع عليه، والمختلف فيه، من أقوال المسلمين والحجة وعكسها هناك، يمكن أن يواجهنا هنا في اعتزال الشر والسقوط في الخير، أو اعتزال الخير والسقوط في الشر، فليست فرقة أولى به من فرقة، فالحديث رغم ملاحظاتنا عليه عام يتعلق بمن اعتزل الشر عموماً، فهو لا يحدد جهة أو جماعة، ولا يختص بمذهب، وكل يستطيع التمسك به ودفع خصومه عنه.
بل أن المعتزلة قد تجاوزوا الحد وكأنهم في سباق مع الفرق الأخرى في رواية الأحاديث الموضوعية لتأييد مذهبهم، وهي الأحاديث التي حاربوها وحاربوا من وضعها ومن تسلح بها.
استمع إليهم وهم يروون عن النبي حديث ( يكون في أمتي رجل يقال له واصل بن عطاء يفصل بين الحق والباطل )، وأظن راوي الحديث
نسي، فلم يذكر ( الغزال ) لقب واصل بعد ما ذكر اسمه واسم أبيه فلعل هناك واصل بن عطاء آخر يدعي انه المقصود بهذا الحديث !!
لقد كان المعتزلة في غنى عما يشوه صورتهم العقلية باللجوء إلى هذا ومثله مما حاربوا خصومهم عليه، ولو أنهم فعلوا لكانوا أحسنوا كثيرا لمذهبهم، ولاحتفظوا بتلك الصورة العقلية له، فلن يفعل حديث موضوع هنا وآخر مكذوب هناك، أكثر من تشويه هذه الصورة وهي خسارة على كل حال.
يبدو أنني انتهيت إلى رفض الآراء التي طرحت حتى الآن لتفسير اسم المعتزلة، سواء في ذلك ما تعلق به خصوم المعتزلة، أو ما تمسك به المعتزلة أنفسهم، فهل سنتوقف عند ذلك مكتفين بهذه النتيجة الهينة التي لا ترضي طموح العلم ولا تسد حاجة الباحثين أليس هناك من رأي نستطيع الأخذ به، مطمئنين إليه، واثقين بنسبة تتجاوز ما مر بنا على الأقل.
ولكن قبل ذاك، أود أن أعيد هنا ما سبق ان طرحته في بداية هذا الفصل، لماذا أثار اسم المعتزلة كل هذه الصعوبة، وكل هذا الاضطراب، خلافا للفرق الإسلامية الأخرى ؟ أهو وجه من وجوه الظلم الذي تعرضوا له في حياتهم ظل يلاحقهم، حتى بعد اختفائهم وزوال نشاطهم، في تسميتهم هذه المرة فلم يهتد لها باحث، بما يزيل الشك، ويبعث على الاطمئنان ؟!
ليس هذا، كما أظن، فلقد تعرض الشيعة لأشد وأقسى مما تعرض له المعتزلة وتعرض الخوارج، كذلك، لأشد وأقسى مما تعرض له المعتزلة فلم يثر اسم الأولين، ولا اسم الآخرين الصعوبة التي أثارها اسم المعتزلة.
لماذا ؟ لأن اسم أولئك وهؤلاء، قد ارتبط بشخص معين متشيعين له، أو خارجين عليه، هو علي بن أبي طالب.
ولم يثر اسم الجهمية أية صعوبة للسبب نفسه.
ولم يثر اسم السنة والجماعة لارتباطه بواقعة معينة وبتاريخ معين.
وأعود إلى النقطة التي بدأت حديثي منها: هل سنقف إذن عند هذه النتيجة التي لا تتجاوز في أفضل الحالات دائرة الشكوك ونحن نبحث تسمية فرقة كانت في وقت ما، ذات شأن كبير في تاريخنا الإسلامي ؟ وهل استنفدت جميع الوسائل للوصول إلى رأي مقبول في هذه القضية أليس هناك ما يمكن أن يقدمه البحث بديلا لما رفضنا من آراء فيها ؟
يلوح لي ان رأيا سأبسطه هنا، قد يستطيع ان يكون ذلك البديل المقبول أو الاقرب إلى المقبول.
وأرجو ألا يستغرب القارئ، إذا قلت له إن هذا الرأي يعتمد أساسا له اعتزال واصل مجلس الحسن البصري، وهو الرأي الذي سبق أن رفضته كتفسير لتسمية المعتزلة إذن كيف أعود إلى رأي رفضته أنا قبل قليل لأقدمه الآن كاختيار لي ؟ أليس في هذا من التناقض، ما يمنع في أحسن
الفروض، من الأخذ بهما أو اطراحهما ورفضهما معاً، أم كنت أعبث بالقارئ ووقته، فأنكر هناك ما أتبناه هنا.
لا شيء من هذا ولا ذاك مطلقا، فقد قلت وأنا أناقش الرواية التي تنسب اعتزال واصل إلى السؤال عن مرتكب الكبيرة في مجلس الحسن، أنني أرفض هذه الرواية بالصيغة التي وردت بها، وكان هذا تحفظي عليها، فأنا لم أرفض الواقعة في ذاتها، ولا التسمية التي ارتبطت بها، إنما رفضت هناك، وارفض هنا الأسباب التي تسوقها الرواية تفسيرا للواقعة.
أنا أتفق مع الرواية في قولها باعتزال واصل مجلس الحسن، وفي أن تسمية المعتزلة جاءت من هذا الاعتزال، لكني أختلف معها فيما وراء ذلك في الأسباب التي دفعت واصلا إلى ترك مجلس الحسن واعتزاله فلست من السذاجة بالدرجة التي أقبل معها، أن شخصا ما سأل الحسن البصري عن مرتكب الكبيرة، فانبرى له واصل بالإجابة دون انتظار رد الحسن، ثم.ثم قام واصل من وقته واعتزل الحسن ومجلسه، ليؤسس مجلسا جديدا.
أن هذا التفسير، لا أحسن الظن به كثيراً ولا قليلاً، وهو إلى العبث أقرب منه إلى الجد، في موضوع لا يحتمل العبث ولا يصلح له.
ولقد أوضحت أسباب رفضي هناك، بشيء من التفصيل، فلا حاجة إلى الخوض فيها من جديد هنا.
واختلف مع الرواية الأخرى، التي تقوم هي أيضا على اعتزال واصل مجلس الحسن، ولكنها تعزو الاعتزال إلى طرد واصل من قبل الحسن بعد قوله الخاص في مرتكب الكبيرة، مع أن هذه القضية لم تكن - كما أتصور - الوحيدة التي طرحت وبحثت في مجلس الحسن، ولا الوحيدة التي وقع فيها الاختلاف، فيمكن الافتراض أن قضايا كثيرة كانت تطرح للبحث والمناقشة في ذلك المجلس، فتتفق الآراء، أو تختلف حسب طبيعة القضية واجتهادات المناقشين واتجاهاتهم دون أن يدفع ذلك إلى اعتزال أو إلى ما هو دونه، وإلا لما اجتمع اثنان في حلقة درس.
أنا أقبل الروايتين إذن في جزء منهما، أقبلهما فيما يتعلق باعتزال واصل مجلس الحسن، واعتبار هذا الاعتزال أساسا للتسمية، ولكني أفضهما فيما تقدمانه من أسباب لذلك الاعتزال.
يبقى الآن أن أسبب - كما يقول رجال القانون - موقفي هذا، فليس أسهل ولا أبعد عن العملية التي حاولت الالتزام بها من أن أقول ان هذا هو اختياري، ثم ألقي العبء على القارئ وأستريح، ليس هذا فعل من يريد أن يكون صادقا مع نفسه، أمينا لقيم العلم.
يبقى إذن الأصعب في مهمتي كما أظن، لان تفسير الحدث بعد وقوعه قد يكون أحيانا أصعب الأمرين، فكيف بحدث مرت عليه قرون وقرون تنازعت فيه أطراف كثيرة واختلفت أطراف كثيرة بين متعصب في الانتصار له وبين مسرف في الإنكار عليه.
لقد مر على ميلاد المعتزلة أكثر من ثلاثة عشر قرنا، لم يتفق مؤرخو المذاهب الإسلامية على تفسير واحد لتسميتهم منذ أقرب العهود بنشأتهم وحتى اليوم.
فبين اعتزال ما اتفقت عليه الأمة، وبين اعتزال ما اختلفت فيه، هوة واسعة لا يمكن ردمها أو تجاوزها.
وبين اعتزال المتحاربين من أصحاب النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم واعتزال مجلس الحسن البصري، هوة أخرى لا يمكن ردمها أو تجاوزها.
ولهذا فأنا لا أنشد اليقين في هذه المسألة، ولا في كثير غيرها من مسائل التاريخ الإسلامي الذي لعبت فيه وما تزال عوامل جعلت الوصول إلى اليقين، أو ما هو قريب منه، أمرا في غاية العسر.
يكفيني أن أطرح رأيا أراه الأقرب إلى القبول من بين آراء مطروحة في موضوع ما يزال قابلا للبحث والوصول إلى نتائج جديدة فيه وسأكون سعيدا لو كشف البحث يوما ما هو أفضل وأولى بالقبول.
لعلي أثقلت على القارئ، وأخذت الكثير من وقته في مقدمة عذري فيها، أنها قد تكون ضرورية، وأنا أحاول أن أتبنى رأيا أو بالأحرى نصف رأي وان أقيمه على أساس جديد غير الذي كان قائما عليه.
والآن أصل إلى السؤال الذي يمثل التكملة الطبيعية لما بدأت به: ما الذي يدعوني إلى تبني الذي يقوم على اعتزال واصل مجلس
الحسن كأساس لتسمية المعتزلة ؟ أقوة في هذا الرأي، أم ضعف في الآراء الأخرى ؟
يبدو أن الأمرين معا قد حددا اختياري ودفعاني إلى الأخذ بهذا الرأي، وتفضيله على سواه.
فأنا لم أجد فيما استعرضت معك، من آراء ما يمكن الاطمئنان إليه، فالمطلي ينطلق من خلط غريب بين اعتزال أنصار علي بعد بيعة الحسن لمعاوية، وبين المعتزلة: الفرقة الدينية، موضوع بحثنا ويجمع الاثنين تحت هذه التسمية، وقد ناقشنا رأيه في موضعه هناك، ولم أجد فيه ما يصلح أن يكون مقنعا أو قريبا من الإقناع للتسمية، غير خلط - كما قلت - غريب وغير رؤية ن ان لم يشبها الكثير من التعصب، فقد شابها الكثير من عدم الدقة وعدم الوضوح.
وتسمية المعتزلة باعتزال ما أجمعت عليه الأمة، كما يتهمهم المتعصبون من خصومهم، ينقضها أن الأمة لم تكن مجتمعة على رأي واحد في شأن مرتكب الكبيرة ليجوز القول برفضه واعتزاله ولقد ناقشنا هذه الدعوى فيما سبق، ولن نحتاج إلى إعادة ما قلناه هناك.
كما إننا لا نستطيع الأخذ بقول المعتزلة في أن تسميتهم جاءت من اعتزالهم ما اختلفت فيه الأمة، لأنه قول لا يدعمه دليل، فدعوى اعتزال المختلف فيه ليست بأقوى من دعوى خصومهم باعتزال المجمع عليه فتتكافأ الحجتان ولا تترجح أحداهما على الأخرى.
ثم ان أسماء الفرق والمذاهب الإسلامية، لم تأت من مفهوم مبهم واسع كاعتزال ما اختلفت فيه الأمة، فهذا كلام لا يقول شيئاً، لأنه يقول كل شيء، فهو أو مثله لا يصلح أن يكون علما على فرقة أو مذهب، وليس مذهب أولى بادعائه والانتساب إليه من مذهب آخر.
أية فرقة أو مذهب يرضى أن يكون اسمه مشتقا من موقف غاية في السعة والغموض والإبهام إلى الحد الذي لا يمثل شيئاً، بل إلى الحد الذي يمكن ان يستخدم ضده، كما هي الحال بالنسبة للمعتزلة.
ولا أحسبني متجنبا على المعتزلة، ولا بعيدا عن المنطق، إذا قلت ان فكرة اعتزال ما اختلفت فيه الأمة وتمسك المعتزلة بها، واتخاذها أساسا لتفسير الاسم، كل ذاك قد جاء متأخرا بعد أن صار هذا الاسم علما عليهم لا يستطيعون تغييره، وبعد ما أخذ خصومهم ينبزونهم به، باعتباره اعتزالا لما اتفقت عليه الأمة.
هنا فكر المعتزلة في استخدام نفس السلاح ودفع الحَجة بمثلها في الرد على الخصوم فلماذا اعتزال ما اجتمعت عليه الأمة، وليس اعتزال ما اختلفت فيه، مادام اللفظ قابلا للمعنيين غير مختص بواحد منهما، ولماذا اختلفت فيه، مادام اللفظ قابلا للمعنيين غير مختص بواحد منهما، ولماذا يترك المعتزلة لخصومهم سلاحا يستطيعون هم ان يستعملوه بنفس الحذق والمهارة ودون ان يتكلفوا فيه أكثر من إحلال لفظ محل لفظ.
ثم نقطة أخرى اعرضها هنا، بكل تواضع، فأنا وفي حدود علمي لم أجد الفعل ( اعتزل ) مستعملا في غير المعاني الحسية، فقد جاء في كلام
العرب ( اعتزل ) القوم و ( اعتزل ) مجلسهم أو حربهم، ولكني لم أسمع ( اعتزل ) رأي فلان أو فكره أو ( اعتزل ) إجماع الأمة، إنما المستعمل في هذا المعنى أفعال أخرى ك- ( هجر ) أو ( ترك ) أو ( رفض ) . الخ ويكفي ان القرآن قد استعمل لفظ ( اعتزل ) في سبعة مواضع ليس بينها إلا الاعتزال بمعنى اعتزال الأشخاص(١) فكيف جرى استعمال اللفظ بهذا المعنى الذهني، إذا جاز التعبير، من خصوم المعتزلة ومن المعتزلة أنفسهم
بعد هذا العرض لا أستطيع بغير العناد للحق، إلا أن أرفض جميع تلك الآراء، فهي في نظري أضعف من أن تصلح أساسا للتسمية.
وعلي الآن أن أعرض الرأي الذي اخترته، وأنا لا أزعم انه الحق الذي لا يقبل نقضا ولكنه بالقياس إلى الآراء الأخرى يمثل عندي أفضلها وأجدرها بالاختيار وأقربها إلى ما هو معروف من أسماء الفرق والمذاهب الإسلامية الأخرى التي ارتبطت أسماؤها بأشخاص معينين أو بوقائع و مواقف معينة، فالشيعة وأهل السنة والجماعة والخوارج وباقي الفرق والمذاهب الإسلامية في الأصول والفروع، كالجعفرية والاشعرية والزيدية والحنفية والشافعية الخ، كل هؤلاء قد جرت أسماؤهم على هذه القاعدة، وتحددت بواحد مما ذكرنا، فلماذا يكون المعتزلة وحدهم خارجين عليها ليذهب اسمهم بعيدا وبعيدا جدا في السعة والإبهام حتى ( اعتزال ما اتفقت أو ما اختلفت فيه الأمة ).
____________________
(١) سورة البقرة ٢٢٢ والنساء ٩٠، ٩١ والكهف ١٦ ومريم ٤٨، ٤٩، والدخان ٢١.
إن واقعة اعتزال واصل مجلس الحسن، واقعة محددة واضحة لا تختلف في شيء عن طبيعة الوقائع التي حددت أسماء الفرق والمذاهب الإسلامية الأخرى، ولهذا فأنا أراها أليق بان تكون التفسير المنشود لاسم المعتزلة خصوصا وان هذه الواقعة تكاد تكون الأكثر شيوعا وانتشارا ان لم تكن أكثرها فعلا.
يضاف إلى هذا أن جميع الذين أرخوا للحسن ولواصل لم ينكروا علاقة واصل واتصاله بالحسن وحضوره مجلسه ثم اختلافه معه بعد ذاك واعتزاله له.
فاعتزال واصل كما أرى، هو الذي يفسر لنا اسم المعتزلة: لا اعتزال أنصار علي ولا اعتزال ما اجتمعت أو ما اختلفت فيه الأمة الذي لا يحدد ولا يقول شيئا.
هذا هو النصف الذي أتفق فيه مع الروايتين واقبله منهما، وهو النصف المتعلق بالواقعة ذاتها.
أما النصف الآخر المتصل بأسباب اعتزال واصل، فقد أعلنت رفضي له من قبل وبينت أسبابه بالتفصيل هناك، وقلت بالنسبة للأولى منهما: ان هذه الرواية بالصورة التي وردت بها، تبدو عاجزة تمام العجز عن تقديم سبب واحد معقول لاعتزال واصل مجلس الحسن: عاجزة عن تفسير السؤال، وعاجزة عن تفسير موقف واصل في تصديه للسائل، وعاجزة - وهذا هو الأهم - عن تفسير اعتزال واصل مجلس الحسن بعد ذاك إنها
تقوم على فصل كامل بين المواقف، وكأنك أمام مسرحية لم يحسن تأليفها وإخراجها، لا مواقف إنسانية يرتبط بعضها ببعض، ويفسر بعضها بعضا.
وقلت بالنسبة للثانية، ان اختلاف الرأي في قضية وهو أمر مشروع لا يمكن أن يبلغ اعتزالا، وإلا لما عرضت قضية ولا كان مجلس ولا درس.
بعد هذه النتيجة التي وصلتها في رفض الأسباب التي تسوقها الروايتان تفسيرا لاعتزال واصل مجلس الحسن، ما هو إذن السبب أو الأسباب التي أراها لتفسير هذه الواقعة.
ولن أطيل هنا فقد أطلت في بداية هذا الحديث، لان ذلك كان ضروريا، لإيضاح موقفي الذي انتهيت إليه، فلأبسط رأيي سريعا في هذه الأسباب مؤكدا مرة أخرى، أن هذا رأي أراه سيسعدني أن يجده القارئ خليقا بالقبول، وسيسعدني أكثر أن يحفزه إلى مزيد من البحث، والوصول في ذلك إلى ما هو أفضل وأكثر قبولا، فالحق أردت فيما قصدت وفيما كتبت.
إن هذا الرأي يقوم، في نظري على أن اعتزال واصل مجلس الحسن قد سبقه اعتزال من نوع آخر، اعتزال ذهني أو روحي، استغرق فترة ربما كانت طويلة، قبل أن ينتهي بترك واصل مجلس أستاذه الشيخ ومفارقته له، فالاعتزال هنا كان خاتمة طبيعية لتطور عميق مستمر في علاقات الرجلين، لا فعلاً معزولاً جاء أثر سؤال لم ينتظر فيه واصل جواب أستاذه، ولم يتبين حتى مواضع اتفاقه أو اختلافه فيه، أو لرأي رآه واصل
في حكم مرتكب الكبيرة خالف فيه الآخرين، والحسن نفسه خالفهم قبله حين أعتبر مرتكب الكبيرة منافقا.
لقد كان الحسن شخصية قوية نافذة، وكان مجلسه أو حلقته من الحلقات المشهورة في البصرة، ولا بد أن قضايا كثيرة مما كان يشغل الناس في ذلك العهد كانت تطرح للبحث والمناقشة، وان آراء المشاركين في الحلقة - ومنهم واصل - كانت تتباين بشأنها وتختلف سواء فيما بينهم وبين بعضهم، أم فيما بينهم وبين الشيخ الأستاذ، إذ كانت الحلقة منبرا حرا يستطيع الحاضرون عن طريقه أن يناقشوا ما يشاؤون ويبدوا ما يشاؤون فيما يعرض لهم دون أن يملي عليهم فيه رأي، إلا ما كانوا يقتنعون بصوابه، ودون ان يكون الاختلاف في هذا الرأي موجبا لترك الحلقة واعتزالها.
فليس في الأسباب التي تسوقها الروايتان، إذن ما يمكن أن يبرر اعتزال واصل ويفسره.
هذا ما لا أشك فيه، وهو ما دعاني إلى رفض أحد شطريهما، ولكن ما لا أشك فيه أيضاً، هو أن الخلاف بين واصل يؤيده عدد من أنصاره في الحلقة وبين الحسن والكثرة من طلابه وأتباعه، قد بلغ من العمق حدا وجد واصل نفسه وقد ابتعد عن الحسن لا في هذه القضية أو تلك فقط، فليس لذلك من الأهمية ما يدفعه إلى مفارقة الشيخ أو ما يدفع الشيخ ان يطلب منه اعتزال مجلسه، ولكن في الخط العام لهما، فكراً وعقيدة فكان عليه، وقد بلغ الخلاف هذا الحد أن يترك الحلقة ويعتزلها مكرهاً أو مختاراً.
هذا هو منطق الأشياء: فراق لا بد منه بعد خلاف طويل، هو ما وقع لواصل وما يقع لغير واصل، لو تهيأت نفس الظروف سواء كان هناك سؤال عن مرتكب الكبيرة أم لم يكن، وسواء خالف واصل برأي فيها أم لم يخالف، فمن الغفلة أن يعطى لهذه المسألة وحدها كل الأهمية وكل النتائج التي ترتبت عليها.
وقد يؤكد ما نذهب إليه، أن واصلاً لم يترك حلقة الحسن حين تركها وحده، وإنما تعبه آخرون هم أنصاره ومؤيدوه فيها، وهذا يعني أن واصلاً قد بلغ عند ذاك من استقلال الرأي والابتعاد عن الحسن ما يتجاوز مجرد الاختلاف حول المسألة أو مسائل محددة مما كان مثار بحث في تلك الأيام، وان عددا من زملائه ورفاقه في الحلقة قد انحازوا إليه وتبنوا آراءه، وألفوا معه داخلها ما يمكن أن نسميه اليوم كتلة مستقلة، لها خطها الفكري الخاص ولها قيادتها الخاصة المتمثلة بواصل، ولم يكن يعوزها للإعلان عن نفسها ككيان مستقل إلا خطورة أخيرة خطوها حين تركوا حلقة الحسن واعتزلوها نهائيا، ليؤلفوا مذهبا جديدا هو الذي عرف فيما بعد باسم ( المعتزلة ).
فهذا، وهذا وحده في نظري هو الذي يفسر موقف هؤلاء في اعتزالهم حلقة الحسن والتحاقهم بواصل أثر اعتزاله لها، إذ ما الذي يدعوهم إلى ترك الحسن على جلالة قدره، واعتزاله والانضمام إلى واصل لو أن الأمر اقتصر على مجرد اختلاف في الرأي بين الحسن وبين واصل
حول مسألة مرتكب الكبيرة، وموقف الحسن فيها معروف من قبل لهم ولواصل، ولم يدفعهم ذلك إلى ترك الحسن واعتزال مجلسه.
ألا يعني هذا انه كان هناك اتجاه أو خط فكري واحد جمع هؤلاء بواصل، وكان أقوى عندهم من علاقتهم بالحسن وحرصهم على دوامها.
وقد يؤكد ذلك أيضا، أن واصلاً قد بدأ بعد اعتزاله حلقة الحسن في إرساء دعائم مذهبه الجديد وتحديد ملامحه بما يميزه عن الفرق والمذاهب الإسلامية التي كانت قائمة آنذاك، وانه أرسل البعوث من أصحابه للتبشير بمذهبه والدعوة له والوصول به إلى كافة أقطار العالم الإسلامي.
لقد كان مذهب إسلامي كامل في طريقه لأن يقوم فهل أستطيع أن اقتنع الآن بان واصلا ما ترك مجلس الحسن، ولا اتخذ مجلسا خاصا به، ولا تبعه المؤيدون والأنصار، إلا ليقرر أن مرتكب الكبيرة هو في الآخرة بمنزلة بين منزلتي المؤمن والكافر.
وانه لم يرسل البعوث إلى أقطار الإسلام إلا لتحديد مثوى هذا البائس بينهما.
أما أنا فقد أوضحت رأيي مقتنعا به مطمئنا إليه، ولك بعد أن تتفق معي فيه أو تختلف و ( تعتزلني ) و (تعتزله)، فذلك حق لك، لن أضع قيدا عليه.
الفصل الثاني
في الكبيرة والفاسق والمنزلة بين المنزلتين
في الفصل السابق كان الحديث يدور كله تقريبا على محاور ثلاثة، تتمثل في مصطلحات ثلاثة، هي الكبيرة والفاسق والمنزلة بين المنزلتين، وقد آن لنا أن نلم بهذه المصطلحات، مبتدئين بالكبيرة التي كان الاختلاف في الحكم على مرتكبها، في نظر طائفة كبيرة من مؤرخي المذاهب، سببا في اعتزال واصل وقيام المعتزلة كفرقة دينية متميزة.
فما هي الكبيرة اصطلاحا، وما هي الظروف التي أثيرت فهيا كقضية، وهل كانت تعكس عند ذاك موقفا سياسيا، وفي أي اتجاه ؟
هذه وغيرها من المسائل، هي التي سنناقشها في هذا الفصل، إذ أن الإجابة عليها قد تسهم في تفسير مواقف المعتزلة من عدد من الأمور التي كانت مثار نزاع بين مختلف الفرق الإسلامية ومن هنا تبرز أهميتها، ومن هنا تأتي محاولاتنا للوصول الى رأي فيها.
ولنبدأ بأولى هذه المسائل واصلها الذي تفرعت عنه، وهي المتعلقة بالكبيرة كمصطلح لعب دورا في الحياة الإسلامية.
فماذا يعني هذا المصطلح على وجه التحديد ؟
لقد ورد اللفظ في القرآن بصيغة المفرد ( كبيرة ) وبصيغة الجمع ( كبائر ) في أكثر من سورة(١) ، وتناوله المفسرون وأصحاب المقالات منذ تاريخ بعيد ومع ذاك فإننا لا نملك عنه حتى الآن غير صورة مشوشة و معنى غير واضح ولا دقيق، تستطيع أن تكونه أنت لنفسك، كما أستطيع أن أصوغه أنا لنفسي دون قيد إلا ما يفرضه هذا المعنى العام للفظ.
والكتب التي بين أيدينا خير شاهد على ذاك، فهي لا تتفق على تعريف الكبيرة يلم شتاتها وينظم مفرداتها كما هو الشأن في المصطلحات الدينية الأخرى، فالكبيرة عند بعضهم ( كل معصية فيها حد من الحدود ) وعند بعضهم الآخر ( ما أصر عليه العبد من المعاصي ) أو ( ما كان حراما لعينه ) وعند غيرهم ( ما كان من المعاصي شنيعا بين المسلمين وفيه هتك حرمة الله وهتك الدين أو توعد الله أو رسوله فاعلها ) أو ( كل ذنب عظم الشرع التوعد عليه بالعقاب وشدده أو عظّم ضرره في الوجود ) وعند آخرين ( كل ما أوعد الله عليه بالنار ) أو ( كل ما يشعر بالاستهانة بالدين وعدم الاكتراث به )(٢) .
وإذا كان المسلمون قد أختلفوا في تحديد الكبيرة عن طريق تعريفها كما رأينا، فإنهم أختلفوا أيضا في تحديدها عن طريق تعداد ما يعتبر من الكبائر، فذهبوا بين من نزل بها الى الثلاث أو الأربع وبين من صعد بها الى ما يقارب السبعمائة.
ويبدو أن السبب في كل هذا الاختلاف، يرجع من جهة الى أن المسلمين في الصدر الأول للإسلام لم يكونوا قد وصلوا بعد الى صياغة
____________________
(١) البقرة ٤٥، ١٤٣، والنساء ٣١ والتوبة ١٢١ والكهف ٤٩ والشورى ٣٧ والنجم ٣٢.
(٢) كتاب الكبائر للذهبي ط مكتبة النقاء ببغداد ص٦، ٧ و ( عقوبة أهل الكبائر ) لأبي الليث السمرقندي ت ٣٧٣ المقدمة بقلم محققه مصطفى عبد القادر عطا نشر مكتبة الشرق الجديد ببغداد ومقدمة كتاب ( الزواجر عن اقتراف الكبائر ) لابن حجر ط أولى ١٣٢٥ ه- ص٣ وما بعدها وتفسير القرطبي دار الكتاب المصرية ١٩٣٧ ج٥ ص١٥٨ وما بعدها ومواهب الرحمن في تفسير القرآن للسيد عبد الأعلى السبزواري مطبعة الآداب في النجف ج٨ ص١٤١ - ١٤٨ و ١٥١ - ١٥٨.
تعريف للكبيرة يجنبهم ويجنب من بعدهم الاختلاف فيها وفي الحكم على مرتكبها، وإنما كانوا يناقشون وقائع جزئية مما يعتبرونه كذلك فمرحلة الأبنية العقلية كانت تبدو مرحلة متقدمة بالقياس الى ذلك العهد، ولم يبلغها المسلمون إلا في زمن تالٍ.
كما يرجع من جهة ثانية إلى أن الكبيرة من المفاهيم التي يصعب تحديدها انك تستطيع أن تعرف، وبسهولة، هذه الكبيرة أو تلك من الكبائر: القتل أو السرقة أو الزنا ولكنك ما أن تحاول صياغة تعريف للكبيرة كمفهوم، حتى تستشعر العجز ذلك أن المعاصي والآثام التي تنطوي تحت هذا المفهوم من الكثرة والاختلاف بحيث لا يمكن أن يضمها تعريف تطمئن إليه، كما ظهر لك من تعدد التعاريف وتباينها، وهذا ما دفع أحد أعلام الإمامية المعاصرين الى القول ( ان اختلاف العلماء في تعريف الكبائر وتعيينها لا يرجى زواله . )(١) .
على ان هذا الاختلاف في تعريف الكبيرة لم يمنع الفرق الإسلامية قبل المعتزلة، من تحديد مواقفها منها كل حسبما أداه إليه اجتهاده وما أملته عليه ظروفه، فقد سارع الخوارج في غالبيتهم وبتفصيل لا يغير كثيرا في الصورة، الى تكفير مرتكبي الكبائر واعتبار أصحابها مخلدين في النار، مخالفين في ذلك جميع المسلمين.
ورد المرجئة بتصحيح إيمان المسلم مهما كانت ذنوبه، ما لم تبلغ الكفر وذهب جمهور المسلمين سنة وشيعة ( إمامية ) الى اعتبار صاحب الكبيرة مؤمنا لكنه فاسق بكبيرته.
____________________
(١) هو السيد عبد الاعلى الموسوي السبزواري صاحب ( مواهب الرحمن في تفسير القرآن ) الذي أشرنا إليه قبل قليل انظر ج٨ ص١٥٤.
وقضي الحسن البصري بنفاقه(١) .
وأعتذر للقارئ من استطراد يجرني إليه هذا الحديث عن مواقف الفرق والمذاهب الإسلامية من مرتكب الكبيرة فمن بين هذه المواقف والأسماء التي أطلقتها تلك الفرق والمذاهب عليه، يستوقفني رأي الحسن البصري وإطلاقه اسم المنافق على مرتكب الكبيرة، مع بعد ما بين الاثنين ويستوقفني أكثر ان هذا الاسم لم يثر أي اهتمام لدى المؤلفين الذين لم يتجاوزوا صيغته اللفظية، ولم يفكروا فيما يمكن ان يكون الحسن قد قصده وأراد الوصول إليه من اختياره له.
لقد مر به هؤلاء المؤلفون معجلين، فمنهم من أورده كما جاءت به الرواية دون مناقشة أو بحث، ومنهم من سارع الى نقده وتفنيده، متصورا ان الحسن أخطأ في تسمية مرتكب الكبيرة بالمنافق، لأن المنافق هو الذي يبطن الكفر ويعلن الإسلام وهو شر من الكافر.
وقصر أولئك فلم يناقشوا ولم يجهدوا، وأخطأ هؤلاء فلم يوفقوا ولم يصيبوا، فما كان الحسن ليجهل ان المنافق هو الذي يسر الكفر ويعلن الإسلام وهو شر على المسلمين من الكافر المعلن لكفره فهل أراد الحسن شيئاً آخر غير ما فهمه المؤلفون، حين ربط بين ارتكاب الكبيرة وبين النفاق ؟ هل أراد ان يسم بالنفاق جهة محددة يتهمهما بارتكاب الكبائر ؟ ربما كان ذاك وأراني مضطرا هنا للجوء الى ( ربما ) والاتكاء عليها، فأنا لا أملك الدليل على ما أقول، وإنما هو رأي أراه، أخطئ فيه أو أصيب، فاشتراط الإصابة في بحث كهذا قد يمنع من الكتابة فيه، لأنها كتابة عن ماض
____________________
(١) تقدمت مواقف الفرق من مرتكب الكبيرة في الفصل السابق.
تضافرت عوامل كثيرة، ما هو مقصود وما هو غير مقصود، على تشويه صورته عبر قرون طويلة.
والآن من هي الجهة التي قد يكون الحسن عناها وأرداها حين ربط بين ارتكاب الكبيرة وبين النفاق ؟ هل هو المسلم العادي ؟ هل هم الخوارج، أم المرجئة، أم جهة أخرى غير أولئك وهؤلاء ؟
أستبعد أولا أن يكون الحسن قد أراد بالمنافق المسلم العادي المرتكب للكبيرة، فقد يسمى هذا مسلما فاسقا بإضافة الفسق إليه، وهو اسمه لدى جمهور المسلمين من السنة والشيعة، أو كافرا كما هو اسمه عند الخوارج، أو غير ذلك من الأسماء، لكن من غير الجائز ان يسمى منافقا لأن النفاق لا يصدق عليه لغة ولا دينا، ولا يمكن أن يكون هذا بعيدا عن الحسن، لأنه لا يمكن أن يكون بعيدا عمن هو دون الحسن معرفة باللغة وبالدين.
وكما استبعدت المسلم العادي، فما أظنني سأعدو رأي الحسن إذا أنا استبعدت الخوارج مما أراد بالاسم، فما كان هؤلاء منافقين في دينهم، ولا مداهنين في عقيدتهم لقد كانوا مصحرين واضحين فيما يؤمنون فتهمة النفاق لا تتجه إليهم ولا تصدق عليهم.
ثم أن الحسن لم يسمع عنه انه سمى الخوارج منافقين، مع انهم قد ارتكبوا الكبائر بقتالهم المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم، قريبا منه وفي مدينة البصرة وكان يفترض ان يدعوهم بالمنافقين، التزاما منه بالاسم الذي عرف به مرتكب الكبيرة.
كذلك لا أظن الحسن كان يريد المرجئة برأيه ذاك، فليس فيما يقوله المرجئة، من عدم عد العمل جزءاً من الإيمان الذي لا تضر معه معصية، ما يمكن ان يسمى نفاقاً وصاحبه منافقاً، وهو بتأخيره العمل وعدم عده من الإيمان، يجيز ضمنا ارتكاب الكبيرة ومن أجاز فعلاً ثم أتاه فلا يسمى منافقاً.
قد تنكر تشدد الخوارج وتسامح المرجئة، وقد تنقم على أولئك ما أزهقوا من أرواح وما أسالوا من دماء، وتنعى على هؤلاء ما أباحوا من حرمات حين أطمعوا الفساق في عفو الله(١) ، لكنك لا تستطيع أن تنعتهما بما هو بعيد عنهما وما ليس من مذهبهما.
ماذا بقي إذن ممن يجوز أن يكون الحسن قد قصده في تسميته بالمنافق غير السلطة القائمة آنذاك.
فهل أراد الحسن هذه السلطة وعناها، حين ربط بين ارتكاب الكبيرة وبين النفاق ؟
أما أنا فأميل الى هذا الرأي وأرجحه، ولك أنت أن تأخذ به وان ترفضه، ما دمت لا أملك الدليل عليه، وما دام ميلي وترجيحي لا يصلحان دليلا ولا يعوضان عن دليل، وليس لدي في الموضوع إلا ( ربما ) التي أتوكأ عليها.
وأصل أخيرا الى النقطة التي أنهي بها الحديث عن الكبيرة، وهي المتعلقة بطبيعة الاختلاف حول مرتكبها وهل كان يعكس موقفا سياسيا للفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة فيه.
____________________
(١) والقول منسوب لزيد بن علي انظر فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة لقاضي القضاة تحقيق فؤاد سيد - الدار التونسية للنشر ١٩٧٤ ص٢٢٨ وطبقات المعتزلة لابن المرتضى ص١٦.
لا يبدو الأمر كذلك، فالاختلاف في مرتكب الكبيرة - كما رأينا - لا يعكس أي موقف سياسي ولا يتصل به، وإنما هو اختلاف في شأن من شؤون الدين ذلك ان مفهوم الكبيرة التي يدور حول مرتكبها الاختلاف، هو مفهوم ديني بحت يتصل بالإيمان والكفر والجنة والنار، وهي الأخرى مفاهيم دينية لا تتصل بالسياسة، لأنها لا تتصل بحياة الإنسان الدنيوية، بل بحياته بعد الموت.
ولقد رأينا هذا واضحا في جميع التعاريف التي وضعت للكبيرة فليس بينها تعريف واحد يخرج عما ذكرنا ليدخل في مجال السياسة.
أين هو المعنى السياسي في اختلاف ينصب أصلا كما قلنا على الإيمان والكفر والثواب والعقاب هل مرتكب الكبيرة مؤمن أم كافر، وأين سيكون مكانه في الآخرة، هل سينعم هناك بجنات الخلد كما ينعم المؤمن الكامل الإيمان، أم سيواجه العقاب الذي يواجه العقاب الذي يواجه الكافر، أم شيء آخر غير هذا وذاك.
فالحديث عن الكبيرة كمصطلح، وعن مرتكبها والاختلاف بشأنه بين الفرق والمذاهب، حديث عن أموات، ولا يمكن للأموات أن يكونوا موضوعا سياسيا أو موضوعا للسياسة.
هكذا كانت الكبيرة عندما أثيرت، وعندما اختلفت الفرق والمذاهب الإسلامية في الحكم على مرتكبها.
لم يكن السؤال هل تجوز الثورة على مرتكب الكبيرة أم لا تجوز، ولم يكن الاختلاف في هذا، رغم أن افتراضه لا يغير من طبيعة الموضوع ،
ولكن السؤال والاختلاف كانا دائما: ما هو حكم مرتكب الكبيرة إيمانا أو كفرا، أي ما هو مكانه وأين سيكون مثواه بين المؤمن والكافر بعد الموت.
ولهذا فمن الخطأ ربط الكبيرة، وهي مفهوم إيماني فردي، بمفهوم ثوري أو موقف سياسي.
وهذه مواقف الفرق الإسلامية خير شاهد على ما نقول لقد بدأت تلك الفرق بتحديد مواقفها من السلطة منذ وقت مبكر في الإسلام، بعيدا عن الكبيرة وبمعزل عنها، بل وقبل ان تطرح كمسألة يختلف فيها الرأي بوقت طويل.
وقد بلغت هذه المواقف عند بعضها حد الثورة وحمل السلاح.
ثار الخوارج منذ زمن علي، واستمرت ثوراتهم حتى زمن العباسيين.
وثار الشيعة بعد علي، واستمرت ثوراتهم حتى زمن العباسيين.
ثاروا قبل ان تطرح مسألة مرتكب الكبيرة، وقبل ان يختلف فيها الرأي، ثم ثاروا بعد ان طرحت المسألة واختلف فيها الرأي.
ثار الذين كانوا يعتبرون مرتكب الكبيرة كافرا ويخلدونه في النار(١)
وثار الذين كانوا يعتبرون مرتكب الكبيرة مؤمنا فاسقا بكبيرته(٢)
وثار الذين كانوا يعتبرونه مؤمنا كامل الإيمان(٣) .
ثار كل هؤلاء، مع اختلاف مواقفهم أو تناقضا من مرتكب الكبيرة، دون أن تحدد هذه المسألة مواقفهم من الثورة أو تؤثر فيها، وذلك لسبب
____________________
(١) وهم الخوارج كما مر.
(٢) وهم الشيعة.
(٣) وهم المرجئة وقد ثاروا مع الحارث بن سريج المجاشعي أواخر العهد الأموي واستمرت الثورة مدة تجاوزت العشر سنوات حتى قتل قائد الثورة الحارث عام ١٢٨ وقارئ سيرته جهم بن صفوان وكانوا قد شاركوا أيضا قبل ذاك في ثورة زيد بن المهلب ضد الأمويين عام ١٠٢ أنظر تأريخ ابن الأثير ج٤ حوادث سنة ١٠٢ في مقتل يزيد بن المهلب ص٣٤٠.
بسيط هو أن الكبيرة مسألة إيمانية تتعلق بالجنة والنار والمؤمن والكافر والثورة عمل سياسي دنيوي يتعلق بالسلطة والموقف منها.
على ان الكبيرة، وهي كما قلت، مسألة إيمانية فردية، قد تبدو وكأنها اكتسبت طابعا مختلفا آخر ترتكبها السلطة وتصدر عنها.
وربما كان هذا وراء ما ذهب إليه بعض الكتاب من الربط بين الكبيرة وبين الثورة(١) .
وقد يعزز رأينا في طبيعة الكبيرة أن نعود الى الرواية التي يذكرها المؤرخون والمؤلفون في الفرق عن السؤال الذي وجه الى الحسن البصري بشأن مرتكب الكبيرة، لنرى ان كانت تمثل موقفا أو فكرا سياسيا أو أمرا يتصل بالسلطة والحكم.
وسأثبت نصها كما أوردته المصادر ( دخل واحد على الحسن البصري فقال يا إمام الدين لقد ظهر في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة وهم وعيدية الخوارج وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة وهم مرجئة الأمة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً(٢) ).
فالسؤال في هذه الرواية يبدأ بعبارة ( يا إمام الدين ) وهو نداء لا سياسة فيه ولا ما هو قريب من السياسة أنه استغاثة دينية تعبر عن قلق السائل من أمر يتعرض له الدين أو يوشك أن يتعرض له، ولهذا مهد له
____________________
(١) ومن هؤلاء الدكتور احمد محمود صبحي الذي يرى أن الخوارج أعلنوا تكفير فاعل الكبيرة، لتبرير ثوراتهم ضد الحكم الأموي، مع إن ثورات الخوارج لم تنقطع منذ خرجوا في صفين على الإمام علي - وقبل حكم الأمويين - واستمرت مشتعلة على امتداد ذلك الحكم ابتداء من أول خلفائهم معاوية فهم لم يكونوا أبدا بحاجة الى الكبيرة، يتوسلون بها لتبرير ثوراتهم ضد السلطة، وهي قد سبقت الكبيرة واختلاف آراء الفرق في مرتكبها أنظر كتاب الدكتور صبحي ( في علم الكلام - المعتزلة ) نشر دار الثورة العربية للطباعة والنشر بيروت ط خامسة ١٩٨٥ ص٩١.
(٢) الملل والنحل للشهرستاني ج١ ص٤٨ والمنية والأمل لقاضي القضاة ص٨ وطبقات المعتزلة لابن المرتضى ص٣ والأخيران يبدآن النص ب- ( روي ) بينما النص عند الشهرستاني الذي ينقلان عنه يبدأ ب- ( دخل واحد ) دون ( روي ) وأكرر ما سبق أن لاحظته من تأخر الشهرستاني من حيث الزمان بالنسبة لقاضي القضاة واستحالة أن ينقل هذا عن الشهرستاني المتأخر عنه.
بهذا النداء الذي يشعرك، لا بصفة المسؤول فقط ( إمام الدين ) وإنما بطبيعة القضية المسؤول عنها أيضا.
ثم يمضي السؤال هكذا ( لقد ظهر في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم يخرج بها عن الملة وهم وعيدية الخوارج ) فالسؤال إذن وكما مهد له النداء، يدور حول تكفير أصحاب الكبائر من المسلمين، وهو أمر يخص الدين في الصميم، حتى في الألفاظ المستعملة ( تكفير وكبيرة وملة ) فإنها ألفاظ قلما تصادفها في غير ميدان الدين.
( وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة وهم مرجئة الأمة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا).
هنا أيضا لا نصادف غير ألفاظ ( الإيمان وأركان الإيمان والكفر والطاعة والمعصية ) التي هي من أخص شؤون الدين حتى لكأنك تقرأ كتابا في العقائد.
ولكن بين الذين يكفرون والذين يرجئون، يبدو واضحا اتجاه السائل في رفض ما يذهب إليه الطرفان، والرأي الذي يريد استصداره من الحسن، حين يستصرخ ( الإمام ) ان يظهر حكم الدين الذي يتهم الطرفين بالخروج عليه: الخوارج المتشددين بتكفيرهم صاحب الكبيرة، والمرجئة المتساهلين بتصحيحهم إيمانه.
ولم يكن الحكم الذي يطمع فيه السائل ويرجوه إلا الوسط بين أولئك وهؤلاء.
فصيغة السؤال كما أوردتها المصادر، وكما رأينا، صيغة بعيدة عن السياسة، بقدر قربها من الدين واتصالها به ويؤكد هذا ان السائل عرض رأيين لفرقتين من المسلمين في مرتكب الكبيرة، ليس بينهم السلطة، ولو كان السؤال يتضمن معنى أو اتجاها سياسيا، مع السلطة أو ضدها، لاكتفى بعرض أحد الرأيين ولم يجمع بينهما، مع رفضهما معاً، أو لكان رأي السلطة أحد الرأيين في الأقل ذلك ان صيغة السؤال بالجمع بين فرقتين مسلمتين ومقابلة رأييهما، توحي بان الاختلاف محصور بينهما في أمر يخص العقيدة.
هذا عن صيغة السؤال، أما الذي وجه إليه السؤال فهو الحسن البصري، أحد أئمة الدين وأعلامه في وقته رجل عرف بورعه وزهده وبعده عن السياسة ذكروا انه كان يقول بالقدر ثم تركه.
فالمسؤول لم يكن سياسيا إذن ولا السؤال، والفرق الإسلامية لم تكن في حاجة الى تلك ( الكبيرة ) لتسييس مواقفها وأفكارها لقد كان لديها ما هو ( أكبر ) في ساحة الصراع على امتداد الأرض الإسلامية كلها.
فمسألة الكبيرة والسؤال عنها والاختلاف في مرتكبها لم يكن كما ذكرنا، منطلقا من موقف سياسي ولا راجعا لموقف سياسي بالنسبة للفرق والمذاهب الإسلامية.
فهل يختلف الأمر بالنسبة للمعتزلة ؟ هل تحول الموقف من مرتكبها من موقف إيماني بحت، الى موقف سياسي أو يمثل رأيا أو اتجاها سياسيا ؟
لا أظن ذلك، فليس لدى المعتزلة موقف في مسألة مرتكب الكبيرة غير ما رأينا عند الفرق الإسلامية الأخرى بل ربما كان الجانب الإيماني لها أوضح لدى المعتزلة منه لدى الفرق الأخرى.
وما إخالنا نطمع في بيان ذلك، بأكثر مما قاله قاضي القضاة، وهو يعرض للكبيرة والموقف من مرتكبها ( واعلم ان هذه - مسألة مرتكب الكبيرة - مسألة شرعية لا مجال للعقل فيها لأنها كلام في مقادير الثواب والعقاب وهذا لا يعلم عقلا.)(١) .
أرأيت أوضح من هذا الكلام يصدر عن إمام من أئمة المعتزلة، وهو لا ينفي الجانب السياسي للكبيرة والموقف من مرتكبها فقط، بل ينفي ان تكون هذه المسألة خاضعة للعقل أصلا، فهي مسألة تخص الثواب والعقاب، في الآخرة طبعا.
والحق ان قاضي القضاة لم ينفرد بموقفه هذا من مرتكب الكبيرة، وإنما كان يؤكد الأصل الذي قام عليه الاعتزال.
فهذا واصل بن عطاء، زعيم المعتزلة ومؤسس مذهبهم، هل قال وهو يحاج عمرو بن عبيد في مسألة الكبيرة قبل انضمام الأخير إليه، شيئا يتجاوز فيه المؤمن والكافر والفسق الى ما يخص السياسة أو يتعلق بالسلطة والموقف منها(٢) .
____________________
(١) شرح الأصول الخمسة ص١٣٨.
(٢) طبقات المعتزلة ص٣٨ والمنية والأمل ص٤٠.
وهل تجاوز المعتزلة، منذ واصل وحتى قاضي القضاة الذي عرضنا رأيه، حديث المؤمن والكافر والفاسق ؟!
ولن أتحدث عن المعتزلة بعد قاضي القضاة، فليس هناك ما يستحق الحديث عندهم.
الى هنا أنتهى من حديث الكبيرة لأنتقل الى حديث آخر يرتبط بها ولا يكاد ينفك عنها، هو حديث هذا ( الفاسق ) الذي ارتكبها.
فمن هو الفاسق، ما تعريفه، ما حكمه، ما هو موقف الفرق والمذاهب الإسلامية منه ؟
لغة، يعرف الفسق بأنه الخروج عن الشيء، فيقال فسقت الرطبة عن قشرها والفأرة عن حجرها إذا خرجت عنه.
أما اصطلاحا، فان الفسق يعني الخروج عن طاعة الله بكفر أو بعصيان، والفاسق هو الخارج عن طاعته بأي منهما، فالفسق بهذا الاعتبار أعم من الكفر وأشمل، لأنه يتناول الكفر فيما يتناول من معاصٍ وآثام.
وإذا نحن تركنا الكفر الذي يمثل الطرف الأبعد للفسق ويخضع لحكم خاص من بين مصاديقه، وإذا نحن تركنا صغار الذنوب التي لم يتفق على معيار واضح لها فان الفسق سيشغل عندئذ كل هذه المسافة الطويلة بين الكفر وبين صغار الذنوب، مما اصطلح على تسميته بالكبائر، ويكون الفاسق بالتالي هو مرتكب اي منها.
وأظننا لم ننس بعد الصعوبات التي واجهتنا، ونحن نحاول تحديد الكبيرة، سواء عن طريق تعريفها أو عن طريق تعداد الكبائر، فربط الفسق
بالكبيرة وتعريف الفاسق بأنه مرتكبها، مع عدم اتفاقنا على تعريف الكبيرة التي ارتبط بها، لن يكون إلا تعريف مجهول أو بما يشبه المجهول.
ومع التسمية طرحت الكبيرة، أو بالأحرى ارتكبها قضيتين أخريين، تتعلق الأولى بمكان مرتكب الكبيرة بين المؤمن والكافر، أي هل يبقى في منزلة المؤمن بعد ارتكابه الكبيرة، أم ينتقل الى منزلة الكافر، أم الى منزلة أخرى بينهما، وهو ما عرف ب- ( المنزلة بين المنزلتين ) الذي تعتبره غالبية الروايات سبب انفصال واصل وقيام المعتزلة كما ذكرنا.
وتتعلق الثانية بحكم هذا الذي ارتكب الكبيرة، هل هو حكم المؤمن أم حكم الكافر، أم حكم آخر بين الاثنين.
أصبح لدينا إذن ثلاث قضايا مرتبطة ببعضها، ومرتبطة كلها بالكبيرة: الاسم والمنزلة والحكم، فما هو موقف المسلمين منها ؟
وسنبدأ بأولى تلك القضايا وهي المتعلقة بالاسم، وقد سبق أن قلنا: أن المسلمين ربطوا بين الفسق وبين الكبيرة، وإنهم أطلقوا اسم الفاسق على مرتكبها لكن هذا القول لن يكون دقيقا على إطلاقه، فهناك فرقة من المسلمين على الأقل هم الخوارج، لا يعرفون هذه التسمية ولا يحتاجون إليها، لسبب بسيط هو أنهم يعتبرون جميع المسلمين من المذاهب الأخرى كفاراً، حتى من لم يرتكب الكبيرة منهم، فكيف يسمون من ارتكبها باسم دون اسم الكافر(١) .
____________________
(١) يكفي لتأييد رأينا في استغناء الخوارج عن اسم الفاسق والمنزلة بين المنزلتين أن تقرأ ما يقوله طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي من زعماء الاباضية إحدى الفرق غير المتشددة من الخوارج، بعد استيلائه على اليمن سنة ١٢٩ (.من زنى فهو كافر ومن سرق فهو كافر ومن شرب الخمر فهو كافر ومن شكل في أنه كافر فهو كافر . )
ولقد سبق أن قلنا أن المسافة بين الإيمان والكفر هي من الضيق عند الخوارج بحيث لا تسمح بمحطة بينهما اسمها الفسق، هذا من ناحية، ومن ناحية الثانية فان فرقا كبيرا بين موقف الشيعة الامامية والسنة أكبر الفرق الإسلامية وأهمها، وبين موقف المعتزلة في موضوع الاسم، رغم اتفاق الطرفين على الأخذ به، فالسنة والشيعة الامامية لا يطلقون اسم الفاسق إلا مضافا لاسم المؤمن، فليس الفاسق عندهم صنفا ثالثا الى جانب المؤمن والكافر، ليستقل باسم خاص به، كما يذهب المعتزلة انه مؤمن وباق في منزلته من الإيمان، لم يتركها ولم يفارقها الى غيرها، لكنه مؤمن ارتكب معصية فهو فاسق بمعصيته، يعاقب بقدرها يوم القيامة لهذا بقي اسمه كما كان، مؤمنا مع إضافة ما يشير الى صدور المعصية عنه وهو اسم الفاسق.
أما المعتزلة فيرون في الفاسق صنفا ثالثا مستقلا عن المؤمن وعن الكافر، ويجعلونه في منزلة وسط بينهما ولهذا فقد اقتصروا في تسميته على الفاسق وحده دون إضافته الى المؤمن، مما يشير الى استقلاله عندهم، خلافا للسنة والامامية من الشيعة.
وها نحن قد وصلنا الى القضية الثانية المتعلقة بمكان مرتكب الكبيرة ومنزلته الوسط بين المنزلتين: منزلة المؤمن ومنزلة الكافر.
وأول ما يلاحظ هنا، أن فكرة الوسط هذه ( المنزلة بين المنزلتين ) لم يبتدعها المعتزلة أو واصل على وجه التحديد، ولم يسبقوا إليها، وإنما تبعوا فيها الأباضية من الخوارج الذين كانوا يعتبرون ( كفار هذه الأمة -
يعنون بذلك مخالفيهم من المسلمين - براءً من الشرك والإيمان وانهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار )(١) .
فالأباضية كما ترى، سبقوا واصلا والمعتزلة الى القول بالمنزلة بين المنزلتين، حين قرروا ان المخالف لهم من المسلمين ليس مؤمناً ولا مشركا لكنه كافر، أي في منزلة وسط بين المؤمن والمشرك كل ما هناك ان واصلا وهو يتبنى الفكرة، قد بدل الذين يشغلون مراكزها إذ كانوا عند الاباضية المشرك والمؤمن والكافر، فاصبحوا عند واصل المؤمن والكافر والفاسق أما فكرة الوسط في ذاتها، والمنزلة بين المنزلتين، فقد بقيت كما هي لم يطرأ عليها تغيير.
لكن الأهم من الاسم الذي نطلقه على مرتكب الكبيرة ومن مكانه الذي جعلناه وسطا بين المؤمن والكافر، هو الحكم الذي سنخصصه له، وإلا فأية قيمة تبقى للاسم إذا جردناه من أخص لوازمه وهو الحكم.
وهذا ما يقودنا الى البحث في القضية الثالثة والأخيرة وهي المتعلقة بحكم مرتكب الكبيرة عند المعتزلة.
فإذا كان للمؤمن حكم معروف، وللكافر حكم معروف، فما هو الحكم الذي سيحدد لمن أسميناه فاسقا وقبلنا أن يكون صنفا مستقلا، مع كثرة المعاصي التي يضمها الفسق واختلاف خطورتها كما ذكرنا ؟ هل هو حكم القاتل مثلا أم حكم شارب الخمر أم حكم الناشز أم حكم لابس الحرير والذهب أم حكم مرتكبي الكبائر الأخرى، وكل ذاك يسمى فسقا ومرتكبه فاسقا، ولكل حكم يختلف عن الآخر ذلك أننا لو وافقنا ان يكون الفاسق
____________________
(١) الفرق بين الفرق ص٦١ وأصول الدين للبغدادي أيضا ط أولى ١٩٢٨ استانبول ج١ ص٣٣٢ وفيه ينسب ذلك الى النجدات من الخوارج لا الى الاباضية ومقالات الإسلاميين ج١ ص١٧١ وتأريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة ص٧٨ والملل والنحل ج١ص١٣٤ وكشاف اصطلاح الفنون للتانوي المؤسسة المصرية العامة للتأليف والطباعة والنشر ١٩٦٣ بتحقيق الدكتورين لطفي عبد البديع وعبد المنعم محمد حسنين ص١١٣ ورغبة الآمل من كتاب الكامل لسيد بن علي المرصفي ط أولى ١٩٢٩ ج٧ ص٢٤٠ والإرشاد الى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ص٣٨٥.
الحالة أكثر من حكم واحد على معصية واحدة: حكم الكافر الذي نعرفه، وحكم الظالم الذي نجهله، وحكم الفاسق الذي اخترعه المعتزلة.
أمامنا إذن نتيجتان يقودنا إليهما نظر المعتزلة للفاسق واعتباره صنفا مستقلا في مقابل المؤمن والكافر: أن يكون لمعاصِ مختلفة حكم واحد وان يكون لمعصية واحدة أكثر من حكم وكلا النتيجتين مرفوضة.
فهل هناك من سبيل نتجاوز به هذا الإشكال الذي دفعنا إليه المعتزلة ؟
يبدو لي إننا نستطيع ذلك إذا قلنا ان لفظ الفاسق، شأنه شأن الألفاظ المشابه الأخرى كالظالم والفاجر والخاسر، يفيد مجرد الذم الناشئ عن ارتكاب الكبيرة، ولكن دون تحديد حكم لمرتكبها.
فهذه الألفاظ لا تتضمن حكما محددا كالمؤمن والكافر، وإلا لتعددت الأحكام بتعددها، مع انه ليس هناك بإجماع غير الجنة والنار، يحكم بأولاهما للمؤمن وبالثانية على الكافر، ولا أماكن أخرى للآخرين من فاسق وفاجر وضال الخ.
ولأنها كذلك في دلالتها على المعصية مع عدم تحديد الحكم عليها، جاز ان تضاف الى غيرها دون خوف من الوقوع في التعارض، فيقال مثلا كافر فاجر، وذلك لأن الفاجر لا حكم محددا له فيخشى من تعارضه مع حكم الكافر، وفي نفس الوقت فانه يتضمن الذم المتلازم لاقتراف المعاصي الذي يشارك فيه الكافر(١) .
وبخصوص الفاسق فانه لا يخرج عما قدمنا فهو لا يتضمن حكما محددا ولا يؤلف صنفا مستقلا الى جانب المؤمن والكافر، خلافا للمعتزلة
____________________
(١) يلاحظ أن هذه الألفاظ قد استعملها المسلمون لا للدلالة على ارتكاب معصية معينة، بل للدلالة في غالب الأحيان على سلوك مذموم دينا أو أخلاقا، فكثيرا ما ترى ألفاظ ( الظالم والفاسق والفاجر ) تتردد في مخاطباتهم مفردة أو متتابعة، موجهة لمن تقال له فردا كان أو جماعة دون أن يقصدوا كبيرة بذاتها، بل إنها الى السب والذم أقرب، حتى أنك تستطيع.
الاستغناء عن أي لفظ منها من غير أن يتأثر المعنى المطلوب ولا يستقيم ذلك فيما يتعلق بالفاسق، إلا في حالة واحدة هي أن نأخذ بالحد الأعلى للكبائر والذي يصل الى السبعمائة كما رأينا فهذا العدد يمكن أن يضم أكثر ما يستوجب الذم من أفعال الإنسان دينا وأخلاقا ويصحح بالتالي استعمال لفظ الفاسق فيها ولقد رأينا بعض ذلك عند ابن حجر في كتباه ( الزواجر عن ارتكاب الكبائر ) الذي عد فيه أربعمائة وسبعا وستين كبيرة، وبقي عندنا مائتان وثلاث لإكمال السبعمائة، وما أظن الأفعال التي تستوجب الذم ستتجاوز كثيرا هذا العدد.
الذين أعطوه اسما وحكما خاصين، فانتهوا من ذلك الى النتائج الغريبة التي رأينا.
والقرآن الكريم خير ما يعزز رأينا ذاك، حين يجمع بين الكفر والفسق والكافر والفاسق في موضع واحد، ولو كان الأمر خلافة لما جمع بينهما.
استمع مثلا الى الآية ٨٠ من سورة التوبة ( استغفر لهم أو لا تستغفر إن تستغفر سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين ).
فالآية تبدأ بوصفهم بالكفر وتنتهي بوصفهم بالفسوق، ولو كان الفاسق صنفا مستقلا عن الكافر والمؤمن، ينفرد بحكم خاص، كما يذهب المعتزلة، لما جاز أن يسمى الذين كفروا، بالفاسقين، مع اختلافهم في الصنف وفي الحكم.
وكذلك الآية ٨٤ من نفس السورة ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره أنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ).
فهؤلاء الذين كفروا بالله ورسوله، تسميهم الآية فاسقين لا كافرين، مع أنهم كما تنطق الآية نفسها، كفروا بالله ورسوله، والاسم الذي يستحقونه بفعلهم ذاك هو الكفر لا الفسق، فإذا افترضنا، مع المعتزلة، ان الفاسق يمثل صنفا مستقلا وحكما مستقلا، لاجتمع في شخص واحد صنفان مختلفان، وتعرض لحكمين مختلفين، وهو نفس الفاعل ونفس الفعل، ولكنا بالتالي أمام متعارض يقودنا إليه مذهب المعتزلة كما رأينا.
ولا خلاص لنا من هذا التعارض إلا بما قدمنا من أن الفسق لفظ ذم لا يستقل بحكم خاص، شأنه شأن غيره من ألفاظ الذم الأخرى، ولذا جازت إضافة الفاسق الى الكافر، دون خشية الوقوع في تعارض بين حكمين مختلفين لكل منهما ولنفس السبب يصدق على المؤمن أيضا، فيقال للمؤمن الذي يرتكب كبيرة: أنه مؤمن فاسق بكبيرته.
لكن عدم تحديد الحكم لا يعني عدم وجوده، فهذا لا يمكن تصوره، إلا ساوينا بين المؤمن الذي لم يرتكب معصية وبين المؤمن المرتكب لها، وهذا ظلم في أحد جانبيه وتشجيع على المعاصي في جانبه الآخر كل ما يعنيه ذلك، ان الحكم هنا ليس محددا ولا واحدا بل يقدر بقدر المعصية، فلكل معصية ( كبيرة ) حكمها الذي يناسبها، مع ملاحظة ان هذا الحكم لا يمكن أن يكون في أية حال الخلود في النار وهو ما أعد للكافرين، و إلا ساوينا هذه المرة، بين المؤمن الذي لم يرتكب إلا معصية واحدة في حياته وبين الكافر الذي لم يعرف الإيمان فقط وهذا أيضا ظلم في أ؛د جانبيه بمساواة المؤمن بالكافر، وأغراء في جانبه الآخر بالمعاصي فماذا سيمنعك الآن من الاستمرار فيها والدوام عليها، ما دام الخلود في النار مصيرك حتى لو ارتكبت في حياتك كلها كبيرة واحدة، ولن يتغير هذا المصير، سواء اقتصرت عليها أم أضفت إليها كبائر أخرى(١) .
وقد سبق أن قلنا: ان السنة والشيعة الامامية يذهبون الى خلاف هذا، فالإيمان عندهم هو الأصل بالنسبة للمؤمن العاصي، وهذا الأصل لا يلغيه إلا الكفر(٢) أما المعصية التي تصدر عن المؤمن ولا تبلغ الكفر
____________________
(١) انظر فيما يخص خلود الكافر في النار وانقطاع عقاب المؤمن العاصي وخروجه منها، نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني ص٤٧٦ وأوائل المقالات في المذاهب المختارات للمفيد ص٤٧ وتصحيح الاعتقاد المطبوع مع أوائل المقالات للمفيد أيضا ص٢٠٨ - ٢٠٩ والإرشاد الى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد لأمام الحرمين الجويني ص٣٨٥ وما بعدها والاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد للشيخ الطوسي ص١٩٢ و ٢٠٦ وأصول الدين لعبد القاهر البغدادي المجلد الأول ص٢٤٢ - ٢٤٣ وص ٢٦٨- ٢٦٩ وأصول الدين للبزدوي ص١٣١ و ١٣٨ و ٢٤٣ وشرح مواقف الايجي للجرجاني ج٣ ص ٢٣٣- ٢٣٦ وشرح تجريد الاعتقاد للعلامة الحلي ص٢٦١ والفصول المهمة في تأليف الأمة للسيد عبد الحسين شرف الدين أحد أكبر علماء الإمامية في العصور الحديثة ت ١٩٥٧ مطبعة الفرقان صيدا ١٣٣٠ه- ص٣٥ وشرح النسفية للدكتور عبد المللك السعدي ط أولى بغداد ١٩٨٨ ص١٦٠ واجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لابن القيم تعليق زكريا علي يوسف ص١١٤. ورغم اتفاق أهل السنة والإمامية على أن التأبيد في النار هو للكافرين خاصة دون المؤمنين من مرتكبي الكبائر، فيلاحظ أن أهل السنة يجيزون أن يعاقب المطيع بإدخاله النار وإثابة العاصي بإدخاله الجنة، كما يظهر ذلك من الأشعري في مقالات الإسلاميين ج١ ص٣٢٢ والجويني في الإرشاد ص٣٨١ والإيجي في المواقف شرح الجرجاني ج٣ ص٢٣٦ وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص١١٤.
بينما يقتصر الامامية على جواز العفو عن العاصي وإدخاله الجنة، وذلك ما يظهر من الاقتصاد في الاعتقاد للطوسي ص٢٠١ و ٢٠٦ وشرح تجريد الاعتقاد للحلي ص٢٦٢ والفصول المهمة لعبد الحسين شرف الدين ص٣٥.
(٢) مقالات الإسلاميين ص٣٢٢ والفرق بين الفرق ص٢١٢ وأصول الدين للبزدوي ص٢٤٤ ومختصر شرح العقيدة الطحاوية ص٧٥ وشرح النسفية ص١٤٩ واجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ص١١٦.
فتقابلها العقوبة التي ستوقع عليه، فهو فاسق بما ارتكب من معصية، تمييزا له عمن لم يرتكبها، ولكنه يبقى ضمن أحد صنفين لا ثالث لهما هو صنف المؤمنين.
وإخال مذهب السنة والشيعة في موضوع الفاسق أقرب الى الحق والعدل، وأولى ألا يفرط بإيمان المؤمن لكبيرة تصدر منه، والإيمان لا يعني العصمة من الذنوب، فإهدار ايمان المؤمن لأنه ارتكب معصية، حتى لو أسميتها كبيرة، سوف لن يبقى عندك في دائرة الإيمان إلا الصفوة من المسلمين ثم ان العدل يقتضيك ألا تلغي إيمان سنين طوال، جاهد فيها المؤمن وصبر وعمل كل ما هو مطلوب منه، بمعصية صدرت عنه وإن لم يتب عنها.
وفيما يخص الخوراج، فقد سلفت الإشارة الى انهم لا يعرفون تسمية الفاسق للأسباب التي بيناها هناك، ولهذه الأسباب أيضا فانهم لا يعترفون له بحكم خاص، غير ما يخضع له الكافر من ذلك.
أما المرجئة، فلا يحكمون على الفاسق بغير حكم المؤمن، إذ المعصية لا تضر عندهم مع الإيمان.
ونصل الآن الى المعتزلة الذين يحكمون على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار كالكافر، ولكنهم يخففون عليه العقاب فلا يخضعونه لنفس عذاب الكافر وإنما لعذاب أخف.
ويظهر أن المعتزلة أخفقوا هنا أيضاً، فان الحكم الذي قرروه لمرتكب الكبيرة لا يقابل المنزلة بين المنزلتين التي وضعوه فيها ولا يتناسب معها.
فمرتكب الكبيرة الفاسق هو عندهم في منزلة بين منزلتي المؤمن والكافر، وهذا يقتضي أن يكون حكمه كذلك بين حكمي المؤمن والكافر، لكن ما قرره المعتزلة في هذا الشأن أمر آخر: أنهم يخلدون الفاسق في النار ويساوونه بالكافر من هذه الجهة، أما قولهم بان عذاب الفاسق أخف من عذاب الكافر فما أظنه سيغير كثيرا بعدما خلدوه في النار.
لماذا لا يعكسون الوضع فيذهب مرتكب الكبيرة الفاسق، والذي هو مؤمن أصلاً، الى الجنة، لكنه يحرم من التمتع بكل نعيم أهل الجنة ممن لم يرتكبوا معصية في حياتهم أو ارتكبوها وتابوا عنها قبل الموت، بدلاً من تخليده في النار كالكافرين مع تخفيف عذابه عن عذابهم.
أو أن يساق الفاسق الى النار، ولكن لا على سبيل الخلود فيها، وإنما للمدة التي تستلزمها المعصية، حتى إذا أمضاها يخرج منها الى الجنة، إذ ان الفاسق مؤمن في الأصل كما قلنا، لكنه مؤمن ارتكب معصية، فالعدل يفرض أن تكون العقوبة بقدر المعصية، حتى إذا ما استوفيت، عاد الفاسق الى الجنة، ولن تكون كذلك مع تخليده في النار.
أليس هذا أقرب الى الحق والعدل الذي يؤلف الأصل الثاني للمعتزلة، والذي يستمدون اسمهم الآخر منه فيقال ( العدلية ) أو ( أهل العدل والتوحيد ).
أما الخلود في النار، فلا يمكن أن يكون مقابلا للمنزلة بين المنزلتين التي أخذ بها المعتزلة، واعتبرت من أروع ما وصل إليه الفكر الإسلامي في هذا الميدان.
لقد انطلق المعتزلة من خطأ، حين سموا مرتكب الكبيرة فاسقا وأخرجوه بمعصية واحدة من دائرة الإيمان، ليجعلوا منه صنفا مستقلا عن المؤمنين، في منزلة بينهم وبين الكافرين، مع ان تلك المعصية أو الكبيرة قد لا تكون ذات خطر رغم الاسم، فالكبيرة كما رأينا، اصطلاح يضم من المعاصي والآثام ما لا حصر له.
وهذا الخطأ في الاسم جرهم الى خطأ في الحكم، والى ظلم كبير ألحقوه بمن سموه فاسقاً، عندما خلدوه في النار بمعصيته تلك وساووه بالكافر من حيث الخلود فيها.
أخطأ المعتزلة اذن من جهتين: أخطأوا ابتداء حين جعلوا مرتكب الكبيرة الواحدة في منزلة بين منزلتي المؤمن والكافر، واخطأوا انتهاء حين تجاوزا في الحكم عليه، حتى هذه المنزلة التي خصصوها له، ليخلدوه في منزلة في النار هي الى الكفر والكافرين أقرب كثيرا منها الى الإيمان والمؤمنين.
ثم ما هي حدود تخفيف العقوبة ؟ وهل سيطبق نفس التخفيف على أصحاب الكبائر كلهم ؟ وهذه تختلف خطورة وشدة ولا يجمعها إلا ما ذكرنا من توسطها بين حدي الكفر وصغار الذنوب أم سيصنف الفساق من أصحاب الكبائر في النار أصنافاً أخرى، تختلف عقوبة كل صنف من الصنف الآخر، مع انهم يؤلفون صنفا واحدا عند المعتزلة باسم واحد وفي منزلة واحدة(١) .
____________________
(١) وألاحظ أن المعتزلة في موضوع تنزيه الله وتأويل الآيات التي توهم التشبيه بينه وبين الإنسان، قد أصابوا في المنهج ولكنهم لم يصيبوا دائماً في التطبيق.
أنظر إليهم وهم يحاولون أن يفسروا الاستواء في قول الله تعالى في سورة طه - ٥ ( الرحمن على العرش استوى )
لقد أرادوا أن يفروا من التشبيه الذي يعنيه الاستواء بالمعنى الحسي المعروف، كاستوى على فرسه أو على دابته، فوقعوا في التشبيه وفيما هو شر من التشبيه.
لقد قالوا: أن معنى الاستواء هنا، هو الاستيلاء وضربوا مثلاً لذلك.
قد استوى بشر على العراق |
من غير سيف ودم مراق |
ورغم أنهم لم يجدوا في كل اللغة العربية، على سعتها، غير بيت واحد يستشهدون به في تأييد رأيهم فإني لا أدري ما الفرق من حيث التشبيه بين الاستواء الحسي الذي يجده المعتزلة في الآية القرآنية السابقة وبين الاستواء بمعنى الاستيلاء الذي يريد المعتزلة تفسير الآية به، ففي كل منهما تشبيه ومعنى حسي، ليس الثاني المعتزلي منهما بأقل وضوحاً من الأول.
ولكن المعتزلة أضافوا الى هذا التشبيه، ما لا يجوز أن يوصف به الله فالاستيلاء على الشيء يعني أنه كان لغيري أو مع غيري فاغتصبته أو أخذته، كما تفتح مدينة في حرب فهم بهذا، ينتقصون من قدرة الله، ويثبتون أنداداً له أقدم منه، كانوا يملكون ما لا يملك، منه - العرش - فاستولى عليه وأخذه منهم.
أليس هذا ما يقودنا إليه تفسير المعتزلة، وهو تشبيه يضاف إليه انتقاص من قدرة الله، وأن هناك ما لم يكن يملكه أولاً، وما كان في سلطان غيره ممن هو أسبق في الوجود منه، وهذا ما يخالف، كما أظن، لا أصل المعتزلة فحسب، بل الأصل المشترك لكل الفرق الإسلامية ولكل المسلمين؟!
وهكذا تجد المعتزلة قد أخطأوا في المنهج ثم أخطأوا في التطبيق.
وأظنني أترك الحكم الآن للقارئ بعد أن أوضحت رأيي في موضوع يستحق أن يناقشه أصحاب الرأي ويدلوا بما لديهم فيه.
الفصل الثالث
الدور السياسي للمعتزلة
عاصر المعتزلة، ابتداء من نشأتهم أوائل القرن الثاني الهجري، عدداً كبيراً من الثورات.
وفي هذا الفصل الذي خصصته للحديث عن نشاطهم السياسي، أحاول أن أتبين دور المعتزلة في تلك الثورات، قيادة أو مشاركة.
وقبل الاسترسال في هذا الحديث، أرى من الضروري أن أحدد ما أعنيه بالدور السياسي، حين أتحدث عن دور سياسي لجماعة ما فمن شأن هذا التحديد أن يجنبنا الكثير من الخلط، والكثير من الخطأ الذي سقط فيه بعض الذين كتبوا في هذا الموضوع.
فأنا أقصد بالدور السياسي، التعامل مع أحداث العصر والمشاركة فيها واتخاذ موقف منها.
ذلك هو الدور الذي أعنيه، حين أتحدث عن دور سياسي للمعتزلة أو لغيرهم أما تقييم حدث سياسي سابق وإصدار حكم فيه، تأييدا أو رفضا، فهذا مجرد رأي في حدث لا مشاركة فيه، يوشك أن يكون عمل مؤرخ، محايد أو متعصب بحسب الظروف.
والآن، وبعد هذا التحديد، ما هو دور المعتزلة فيما عاصروا من ثورات كانت تمثل أضخم أحداث ذلك العصر الهائج المضطرب.
وسأكتفي من تلك الثورات بما ذكره أحد أشهر مؤرخي المعتزلة والمدافعين عنهم في وقتنا هذا: الدكتور محمد عمارة الذي نسب إليهم في تلك الثورات دورا مهما وأحيانا حاسما ووحيداً(١) .
سأكتفي إذن بهذه الثورات أما الثورات الأخرى، على خطورتها، فأن أشد المتعصبين للمعتزلة، بل حتى المعتزلة أنفسهم لا يجرؤون على ادعاء دور لهم فيها أو القول بمشاركة في أحداثها.
وسأتناولها بحسب تسلسها التاريخي مبتدئا بثورة زيد بن علي(٢) .
وأبدأ كما قلت بثورة زيد بن علي(٣) عام ١١٢ ضد السلطة الأموية وعلى رأسها هشام بن عبد الملك وهي الثورة التي حاول الدكتور عمارة أن يخلع عليها من عنده رداء لم تلبسه ولم تعرفه، ولم يعرفه لها كل من كتب عنها على امتداد تأريخ طويل.
وأسارع فأبين: أننا لكي نحدد هوية ثورة من الثورات، لا بد أن نستند إلى بعض الحقائق الأساسية لها فهذه الحقائق وحدها هي التي تسمح بان نصف ثورة ما بوصف ما، وإلا فلن يكون حيدثنا غير ضلال نخدع به الآخرين وفي ذلك من مسؤولية التأريخ ما لا طاقة بحمله إلا لمن يتساوى لديه أن يقال: صادق أو كاذب.
____________________
(١) أنظر الجزء الثالث من موسوعة ( الإسلام وفلسفة الحكم ) عن ( المعتزلة والثورة ) الطبعة الثانية - نشر وتوزيع المكتبة العالمية ببغداد ١٩٨٤.
(٢) وهو ما أخذ به الدكتورة عمارة في كتابه المذكور وان كان قدم ثورة عبد الله بن معاوية على ثورة يزيد بن الوليد ربما لاستمرار الأولى الى عام ١٢٩ أي بعد ثورة يزيد التي لم تستمر غير أشهر ز
(٣) أبن الحسين بن علي بن أبي طالب من أباة الضيم المعروفين في الإسلام ومن أفضل الهاشميين في عصره دينا وزهدوا وشجاعة ونبلا ولد في المدينة عام ٧٩ وفيها أمضى حياته قبل أن ينتقل الى الكوفة ليعلن فيها ثورته ضد الحكم الأموي في زمن هشام بن عبد الملك وقد انتهت الثورة بقتله وصلبه عام ١٢٢ه-.
ذلك هو المقياس، وهو ما سنلتزمه هنا في محاولة التعرف على هوية ثورة زيد، وبعدها بالنسبة للثورات الأخرى.
فما هي الحقائق في الثورة الزيدية ؟
من هذه الحقائق ما يتعلق برجال الثورة وقادتها ثم جماهيرها التي تحركت وثارت وقاتلت.
ومن هذه الحقائق ما يتعلق بالأهداف والمبادئ التي نادت بها وقامت لتحقيقها.
ومنها ما يتصل بالظروف الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك.
فهذه الحقائق وغيرها هي التي تمنح الثورة سمتها الخاصة التي تميزها عن غيرها من الثورات.
وفي ضوء ذلك سنناقش ثورة زيد.
ولنبدأ أولا بقادة الثورة ورجالها الذين وردت أسماؤهم فيها(١) فأنا لا أجد بين كل الذين ترددت أسماؤهم في هذه الثورة، واحدا من المعتزلة، مع أن وجود شخص أو شخصين في صفوفهم - على افتراض ذلك - لا يغير من طبيعة الثورة ولا يفسر بأكثر من أن هذا الشخص ( المعتزلي ) قد شارك فيها، لا بوصفه معتزلياً في ثورة معتزلية، بل كمسلم عانى الظلم وكره أهله، ثم رأى ثورة قامت لمحاربته فانضم إليها، دون أن يدفعها للانضمام إليها غير سمتها العامة في محاربة الظلم، ممثلاً بالسلطة القائمة آنذاك.
____________________
(١) تجد أسماء هؤلاء في الكتب التي تعرضت لثورة زيد وأنظر على الخصوص ( ثورة زيد بن علي ) لناجي حسن نشر مكتبة النهضة ببغداد ط أولى ١٩٦٦ ص١٠٦ وما بعدها والحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية مخطوط ج١ ص١٥٢ في مكتبتنا ومقاتل الطالبيين لأبي الفرج شرح وتحقيق السيد عبد الرزاق المقرم الموسوي ط أولى النجف ١٩٣٧ ص١٢٠ وما بعدها.
وليس هذا بدعاً في ثورة زيد ففي كل الثورات التي قامت في الإسلام وغير الإسلام قديماً وحديثاً، لم يكن من شروط الثورات - الكبيرة منها على الخصوص - أن يكون جميع المنضمين إليها والثائرين تحت لوائها من مذهب واحد وفكر واحد، هو مذهب الثورة وفكرها.
ولكن مالنا نذهب بعيدا في التماس الحجج والأسباب لتحديد هوية ثورة زيد ونفي السمة المعتزلية عنها، وبين أيدينا الدليل الذي يغنينا عن سواه، فهذا مؤسس الاعتزال وزعيم المعتزلة: واصل بن عطاء، وقد عاصر الثورة منذ بداياتها الأولى وحتى القضاء عليها بمقتل زيد هل ادعى واحد من المؤرخين فقط، أنه اسهم فيها بسيف أولسان أو دعا اليها أو أيدها بأي شكل، ولم يكن بعيدا عنها إلا بقدر المسافة بين البصرة وبين الكوفة.
وهذا عمرو بن عبيد شيه المعتزلة وزعيمها الثاني بعد واصل، وقد عاصر هو الآخر ثورة زيد ولم يكن بعيدا عنها أين دوره فيها ؟ ماذا كان ينتظر للانظمام إليها أو - في الأقل - للإعلان عن موقف واضح في تأييدها والدعوة للالتحاق بها، إذا تعذر عليه هو، الالتحاق بها تحت أي عذر وأية حجة.
كيف سنفسر موقف زعيمي المعتزلة من ثورة معتزلية، ومعتزلية خالصة كما يقول الدكتور عمارة . إلا إذا أراد أنها خالصة من أي أثر معتزلي، فهل ذلك أراد ؟! ثم أي وصف سيدخره للثورة، لو شارك فيها واصل وعمرو، بعدما جعلها معتزلية خالصة دون مشاركة منهما ولا دعم ولا تأييد.
هذا عن رجال الثورة وقادتها وليس فيهم معتزلي واحد كما رأينا(١) فإذا انتقلنا الى جماهيرها، الذين ثبتوا منهم وقاتلوا فقتلوا أو شردوا أو الذين نكثوا أو تخلفوا وغدروا فأنهم لم يكونوا غير جماهير الكوفة العلوية.
ثاروا قبل زيد، وقبل واصل وعمرو والمعتزلة ثاروا مع الحسين وثاروا بعد الحسين واتصلت ثوراتهم منذ ذاك تشتد وتشتعل حيناً، وتضعف وتخمد حينا.
والكوفة قاعدة الثورة ومسرح أحداثها، هل ذكر أنها عرفت الاعتزال يوما في تأريخا، حتى عندما قوي أمر الاعتزال واشتد وتبنته السلطة الحاكمة في وقت ما.
وكما لم يكن بين الثائرين ولا بين قادتهم من هو معتزلي، فإننا لا نجد بين المبادئ التي نادت بها ثورة زيد ودعت إليها ما يمكن أن يعكس نظراً معتزلياً من قريب أو بعيد.
فهذه الثورة، شأنها في ذلك شأن الثورات الإسلامية الأخرى، كانت تتبنى بعض المبادئ العامة ن كالدعوة الى العمل بكتاب الله وسنة نبيه، وهي مبادئ يتطلع إليها ويسعى لتطبيقها المسلمون كافة على اختلاف مذاهبهم وفرقهم ولهذا كانت شعارا - صادقا أو كاذبا - ترفعه كل الثورات، تحشد به الناس وتجمع حوله المسلمين من جميع الطوائف، لأنه شعار جميع الطوائف.
____________________
(١) يكفي إن قاضي القضاة في المنية والأمل وابن المرتضى في طبقات المعتزلة لم يذكرا في طبقاتهما واحدا من قادة الثورة ورجالها مع انهما وسعا دائرة الاعتزال لتضم من لم يكن معتزليا ولم يعرف الاعتزال في حياته ولم يصفه أحد به.
والى جانب هذه المبادئ العامة وبعدها، تأتي عادة المبادئ والأهداف الأخرى الخاصة بكل ثورة والتي تمنحها هويتها الحقيقية ولذا فأن هذه الأهداف تختلف من ثورة لأخرى تبعا لاختلاف الثائرين وانتماءاتهم وما يرمون الى تحقيقه من وراء ثورتهم فثورة شيعية لا بد أن تختلف في هذه الأهداف عن ثورة غير شيعية وثورة يقودها عبد بن الزبير ضد يزيد بن معاوية أو ضد عبد الملك بن مروان تختلف في أهدافها الخاصة عن ثورة يقودها يزيد بن المهلب ضد يزيد بن عبد الملك، مع أن الثورتين متفقتان في الأهداف العامة من دعوة الى العمل بكتاب الله وسنة نبيه.
ولبيان ذلك فيما يتعلق بثورة زيد ومحاولة الصاق الصفة الاعتزالية بها، فسأثبت صيغة بيعته كما أوردتا المصادر إذ كانت هذه الصيغة هي خير ما يوضح أهداف ثورة زيد، العامة منها التي تتفق فيها مع غيرها من الثورات، والخاصة التي تنفرد بها وتتميز.
يقول الطبري في ج٧ ص١٧٢ من تأريخه ( وكانت بيعته - يعني بيعة زيد - التي يبايع عليها الناس: إنا ندعوكم الى كتاب الله وسنة نبيه وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء ورد المظالم واقفال المجمر ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا وجهل حقنا ).
هذه إذن الأهداف التي قامت عليها ودعت إليها ثورة زيد كما وردت في صيغة بيعته فهل فيها أثر لأي فكر معتزلي مهما تسامحنا فمددنا من دائرة هذا الفكر ؟!
وسأتجاوز ما يتصل بكتاب الله وسنة نبيه فما أظن أحدا يجرؤ على القول بان الدعوة الى العمل بكتاب الله وسنة نبيه هي دعوة معتزلية.
سأتجه الى الأهداف الخاصة كما قلت ولكني لن أتوقف عندها كلها، فليس في جهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين، ولا في قسمة الفيء بالسواء ورد المظالم وإقفال المجمر ما يمكن اعتباره فكراً معتزلياً إنما هي شعارات وأفكار تعكس الحالة التي كانت تعيشها جماهير المسلمين عند قيام الثورة وما يأملونه منها ويرجونه عند انتصارها وتبرز القضايا الساخنة - كما يقال الآن - في بيئة الثورة وهي قضايا ما كان لثورة زيد أو غيرها أن تغفلها في الظروف التي قامت فيها.
سأتجه الى الشعار الخاص ب- ( نصرة أهل البيت على من نصب لهم وجهل حقهم ) وهو واحد من شعارات ثورة زيد وأعمدتها التي قامت عليها فماذا يعني هذا الشعار وما هو حق أهل البيت، وعلى ماذا ينصب ؟ انه يعني بكل وضوح حقهم في خلافة المسلمين التي دفعوا عنها لكن الشعار لا يكتفي بمجرد تقرير هذا الحق، بل يدعو وبنفس الوضوح الى الانتصار لهم والنهوض معهم لاسترجاع الحق ضد من اغتصبه منهم وأنكره عليهم.
فأين هذا من فكر المعتزلة عموماً، ومن فكر مؤسسي الاعتزال واصل وعمرو خصوصاً وثانيهما يفسق عليا كبير أهل البيت وسيدهم ويحكم عليه بالخلود في النار، وأولهما يساوي بين حظ علي وحظ معاوية من النار، حين يفسق أحدهما لا على التعيين.
وبعيداً عن واصل وعمرو، فأي أصل من أصول المعتزلة ينص على حق أهل البيت في الخلافة ؟!
أليس من الغريب بعد هذا، أن يقال أن ثورة زيد التي قامت على حق أهل البيت في خلافة المسلمين والانتصار لهم ومحاربة أعدائهم هي ثورة اعتزالية خالصة ؟!
لقد قتل زيد وقمعت الثورة واستؤصل الثوار وطورد من بقي حيا منهم، فماذا كان نصيب زعيمي المعتزلة واصل وعمرو، من كل ما تعرض له الثائرون مع زيد، والمتعاونون معه، لو كانت الثورة معتزلية ؟!
هل اعتقلا أو اعتقل أحدهما أو حبس أو تعرض لأي لون من ألوان الاضطهاد أو المضايقة، لو كان لهما دور في ثورة زيد، فضلا عن قيادة ثورة ضد السلطة الأموية القائمة آنذاك ؟!
أكانت هذه السلطة تخشى موليين من أعدائها من زعماء ثورة قامت ضدها، فلا تعرض لهما بسوء، وقد قتلت سادات العرب ورؤوس القبائل وذوي البيوت دون تردد أو خوف ؟!
ثم أن فشل ثورة زيد كان بسبب غدر الغالبية العظمى ممن بايعوا قائدها فهل كانت هذه الغالبية التي بايعت ونكثت وغدرت هي غالبية معتزلية، ما دمنا قد افترضنا ان الثورة هي ثورة اعتزالية واعتزالية خالصة ؟!
ماذا سيبقى من اعتزالية الثورة إذن، إذا كانت جماهيرها غير معتزلية، وأهدافها وشعاراتها غير معتزلية، ولم يكن بين قادتها ورؤوسها واحد من
المعتزلة، ولم تقم في بيئة عرفت الاعتزال في تأريخها، وحتى الأسباب المباشرة التي تجمع الروايات على أنها كانت وراء ثورة زيد، وهي تتعلق بموقف هشام منه، ليس فيها ما يتصل بالاعتزال والمعتزلة.
يبقى آخر الجهل، يبقى لإثبات اعتزالية ثورة زيد ما يتشبث به البعض من وجود علاقة بين زيد وبين مؤسس الاعتزال: واصل بن عطاء، وهي علاقة توصف أحيانا بأنها علاقة زمالة وتوصف أحيانا بأنها علاقة تلمذة وفي جميع الاحوال فان الذين يذكرونها يحاولون ان يجدوا فيها منفذا لتزوير ثورة زيد و ( تعزيلها ) إذا جاز التعبير.
ورغم ان هذه العلاقة، لم تتأكد بدليل قوي واحد، فلأفترض أنه كانت هناك علاقة بين الاثنين: زيد وواصل، ولأفترض أن هذه العلاقة قد تجاوزت الصداقة الى التلمذة(١) وان زيدا كان تلميذاً لواصل فأي شيء في ذلك ؟!
أي دليل أو حجة على اعتزالية ثورة زيد، أن يكون قائدها على علاقة، مهما بلغت قوتها، مع زعيم المعتزلة واصل؟!
ألم يكن واصل نفسه تلميذاً للحسن البصري وواحدا من رواد مجلسه، فلم يمنعه ذلك من الخلاف على الحسن واعتزال مجلسه وتأسيس مذهب جديد هو مذهب المعتزلة ؟!
والأشعري أبو الحسن مؤسس المذهب الأشعري والعدو الألد للمعتزلة، ماذا كان قبل أن يتجرد للرد على المعتزلة ونقض مذهبهم ؟ ألم يكن معتزلياً قبل ذاك ؟ ألم يقضِ شطرا كبيرا من حياته، وهو يرفع لواء الاعتزال ويدافع عنه ويحارب أعداءه ؟ فهل منعه ذلك من أن يستقل بمذهب جديد فيما بعد ،
____________________
(١) يلاحظ أن واصلا ترك المدينة حيث كان زيد وهو ابن الحادي وعشرين سنة ومن كان في هذه السن فهو الى التلمذة أقرب وفي جميع الأحوال فلا يمكن أن يقال أنه كان استاذا لزيد، خصوصا وان زيدا كان في مثل سنه أو أسن منه، ومثله - ان لم يكن أعلى منه - علما وفضلا، ناهيك عن المركز والمكانة، فما أظن واصلا ولا غير واصل يدانيه فيهما.
وينقلب على مذهبه القديم ويتحول الى عدو يؤلف الكتب في هدم أسسه ونقض بنائه ؟!
وهل كانت الإنسانية ستتقدم لو تمسك كل تلميذ بما تلقى عن أستاذه وسلك طريقه فلم يفكر ولم يناقش ولم يخالف ؟!
وبعد كل ما تقدم، فهل أنا في حاجة الى القول بأن ليس هناك مؤرخ واحد ممن كتبوا عن ثورة زيد أو مقتله - عدا الدكتور عمارة طبعا - قد تحدث عن اعتزالية هذه الثورة أو عما هو قريب من ذلك.
ثورة يحيى بن زيد
ولن أطيل الوقوف عند ثورة يحيى بن زيد، ولن أتكلف للرد على ( اعتزالها ) فقد وفر علي الدكتور عمارة جهدا ووقتا ما أحوج الإنسان إليهما في هذه الإيام.
فالدكتور لم يجد ما يثبت به ( اعتزال ) هذه الثورة، غير أنها امتداد لثورة أبيه.
وكان من الممكن أن نعتبر خطأ الدكتور هنا تابعا لخطئه هناك وان كان إلحاق ثورة بثورة، وسحب صفة إحداهما على الأخرى، لما بين قائديهما من صلة النسب، هو من أفدح الأخطاء.
كنا سنقبل ذاك ونعتذر عنه بان الخطأ في ثورة يحيى جاء من الخطأ في ثورة زيد عدها معتزلية.
ولكن يبدو أننا كنا نحسن الظن كثيرا، فقد أضاف الدكتور هنا خطأ جديدا يتجاوز ما سبق.
لنقرأ نص ما أورده بشأن ثورة يحيى في الصفحة ٧٠ من الجزء الثالث من موسوعته عن المعتزلة.
يقول (.ثم انسحب يحيى ببقايا الثوار الذين نجوا من القتل - وهو يقصد طبعا بقايا الثوار مع زيد - وعبد معارك عديدة دخلها مع أنصاره من ( المعتزلة ).قتل يحيى بن زيد ).
أرأيت كيف وضعت كلمة ( المعتزلة ) في ثنايا الحديث عن ثورة يحيى، وأضيفت للثائرين معه بشكل لا يثير الانتباه، وكأنهم - عند من يقرأ النص - كانوا فعلا من المعتزلة، وكأن صفتهم هذه مجمع عليها، وفوق الريب والشكوك.
لن أقول شيئا في الرد على الدكتور عمارة هنا غير أن أحيلك يا عزيزي القارئ على كتب التاريخ، لترى كيف تكون الأمانة العلمية وتتبين بعد ما أورده الدكتور في هذا الموضوع عما ورد هناك.
يقول الطبري في الجزء السابع من تأريخه ص١٨٩(١) بعد أن يسرد قصة اختفاء يحيى وحده عند عبد الملك بن بشر بن مروان ( فلما سكن الطلب خرج يحيى في نفر من الزيدية الى خراسان ).
والطبري يقصد ( بالزيدية ) هنا، الذين قاتلوا مع زيد وبقوا على ولائهم له ولثورته فلم تكن الزيدية قد تأسست بعد كفرقة فضلا عن أن تصبح فرقة من المعتزلة(٢) .
____________________
(١) نشر دار المعارف بالقاهرة طبعة رابعة تحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم.
(٢) تجد اصطلاح الزيدية بالمعنى الذي نذهب اليه عند أبي الفرج أيضا في حديثه عن القتال بين أصحاب زيد وبين أهل الشام خلال الثورة حيث يقول ( وجعلت خيل أهل الشام لا تثبت لخيل زيد بن علي فبعث العباس بن سعد الى يوسف بن عمر يعلمه ما يلقي من ( الزيدية ) مقاتل الطالبيين.
ثم يتابع في ص٢٢٨ من نفس الجزء قصة يحيى وخروجه الى إقليم خراسان وقتله بالجوزجان مع سبعين نفر، هم كل أنصاره، دون أي ذكر لا للمعتزلة ولا لغيرهم.
وهذا أيضا ما أورده بنفس النصر تقريبا ابن الأثير ص٤٧١ - ٤٧٢ من الجزء الرابع من تأريخه(١) لم أجد حاجة لإثباته هنا.
والمسعودي المعتزلي أوالقريب من المعتزلة يقول حين يتعرض لثورة يحيى ومقتله في ص٢١٢ من ج٣ من مروج الذهب(٢) (.فولى أصحابه - يعني أصحاب يحيى - عنه يؤمئذ واحتز رأسه.وأظهر أهل خراسان النياحة على يحيى بن زيد سبعة أيام في سائر أعمالها.) دون أية إشارة لصفة الثائرين مع يحيى أو المولين عنه غير أنهم ( أصحابه ) ولو كانوا معتزلة لكان المسعودي اسعد بهم وأسرع الى تثبيت صفتهم هذه من الدكتور نفسه لكن كيف فات الدكتور ان يجعل أهل خراسان النائحين على يحيى سبعة أيام، هم أيضاً معتزلة ؟!
ولا يتجاوز أبو الفرج في مقاتل الطالبيين ص١٧٥(٣) ما عند الطبري وابن الأثير لكنه يختلف عن المسعودي فيما اتهم به أصحاب يحيى من الهرب والتخلي عنه حين قال ( فولى أصحابه ) بينما ينص أوب الفرج على أن أصحاب يحيى السبعين قتلوا كلهم، وهو ما يؤكده أيضا الطبري وابن الأثير فيما نقلناه عنهما، وابن اعثم في ص١٣٥ ج٨ من ( كتاب الفتوح ) وان كان الأخير يرفع عدد المقاتلين مع يحيى الى سبعمائة.
____________________
(١) نشر دار الكتب العلمية ببيروت ١٩٨٧ تحقيق الدكتور محمد يوسف الدقاق.
(٢) مروج الذهب نشر دار الأندلس ببيروت طبعة رابعة ١٩٨١.
(٣) شرح وتحقيق السيد أحمد صقر طبعة ثانية القاهرة ١٩٤٩.
أما اليعقوبي في تأريخه ج٣ ص٧٢(١) فيجعل الذين قاموا وقاتلوا مع يحيى قوما من الشيعة نحو مائة وعشرين شخصا وهو ما نجده أيضا عند الذهبي في تأريخ الإسلام وان كان لا يحدد عدداً، مقتصراً على قوله ( وانضم إليه خلق من الشيعة )(٢) .
فهل لدى الدكتور من مصادر العلم ما لا نعرفه ولا يعرفه الطبري ولا ابن الأثير ولا المسعودي ولا أبو الفرج ولا اليعقوبي ولا غيرهم ممن أرخ وكتب عن ثورة يحيى، وهل ورد للمعتزلة لدى واحد من ههؤلاء ؟!
ثورة عبد الله بن معاوية(٣)
والآن انتقل الى ثورة أخرى هي ثورة عبد بن معاوية(٤) التي لا يملك الدكتور عمارة لاسباغ صفة الاعتزال عليها غير وجود منصور بن جمهور الكلبي(٥) - وهو من أهل العدل والتوحيد كما يقول - بين الذين بايعوا ابن معاوية.
والدكتور عمارة يخلط خلطا غريبا في أمر هذه الثورة التي لا يدري كيف يجعل منها ثورة معتزلية فإن أحدا من المؤرخين لم يورد ذكرا للمعتزلة فيها، ولم يتحدث عن مشاركة لهم في أحداثها، كما هو شأن المعتزلة دائما من الثورات فكيف سيسلم الدكتور وقد قرر هو أن تكون ثورات المسلمين كلها اعتزالية ! كيف يرضيه أن تقوم ثورة في أي بلد من بلاد الشام، ثم لا يكون للمعتزلة دور فيها، حتى لو أجمع المؤرخون كلهم على ذلك، بل حتى لو اجمع المعتزلة أنفسهم عليه.
____________________
(١) نشر المكتبة المرتضوية في النجف مطبعة النجف ١٣٥٨ ه-.
(٢) تأريخ الإسلام ووفيات المشاهير والإعلام للحافظ شمس الدين الذهبي ت ٧٤٨ الطبقة الثالثة عشرة ترجمة يحيى بن زيد ص٢٩٩.
(٣) كان من المفروض أن نعالج هذه الثورة آخذا بالتسلسل الزمني بعد ثورة يزيد بن الوليد التي قامت عام ١٢٦ أي قبل ثورة عبد الله بن معاوية بعام، كما نبهت الى ذلك في بداية هذا الفصل ولكننا جرينا على ما جرى عليه الدكتور عمارة تسهيلا على القارئ في متابعة الأصل والرد.
(٤) عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ( الطيار ) بن أبي طالب كان كما يقول أبو الفرج في مقاتل الطالبيين ص١٦٢ ( جوادا فارسا شاعرا ولكنه كان سيئ السيرة رديء المذهب قتالا مستظهرا ببطانة السوء ومن يرمى بالزندقة ) ثار اواخر أيام الدولة الأموية عام ١٢٧ ودعا الى نفسه أو الى الرضا من آل محمد واستمر ثائرا حتى عام ١٢٩ حيث انهزم في آخر معركة خاضها ضد الأمويين متجها الى خراسان وكان قد ظهر فيها أبو مسلم صاحب دولة العباسيين فأخذ بأمره وقتل.
(٥) منصور بن جمهور الكلبي من زعماء بني كلب من اليمانية وممن كان لهم دور في الأحداث التي جرت في العصر الأخير من الحكم الأموي شارك في ثورة يزيد بن الوليد ضد ابن عمه الوليد بن يزيد كما شارك في ثورة عبد الله بن معاوية توفي في أوائل حكم العباسيين في مفازة بين السند وسجستان كان قد اتجه إليها بعد هزيمته في القتال الذي دار بينه وبين موسى بن كعب قائد جيش السفاح.
وها هو قد وجد الحل ألم يكن منصور بن جمهور، وقد افترضه من أهل العدل والتوحيد بين المبايعين لعبد الله ؟ أليس المعتزلة من أهل العدل والتوحيد ؟ ألا يكفي هذا إذن ليجعل من منصور معتزلياً، ثم من المعتزلة بسبب ذاك، أحد جناحين قامت عليهما ثورة عبد الله بن معاوية، تاركا الجناح الآخر لشركائهم في الثورة من الزيدية.
ولكن يبدو أن الدكتور سرعان ما ندم، ان جعل للمعتزلة شركاء في الثورة التي كان يتمنى ان تكون معتزلية خالصة، فعله مع ثورة زيد وثورة يحيى فها هو لم يسر إلا بمقدار بضعة أسطر حتى رجع مما تنازل عنه للزيدية، حين ألغى هويتهم وضمهم الى المعتزلة، ليتحدث بعد ذاك عن ثلاث ثورات قام بها المعتزلة في العراق وخراسان ضد الحكم الأموي(١) .
ولكن من هو منصور بن جمهور، هذا الذي استطاع وحده وبفضل مبايعته وحدها، أن يحول ثورة عبد الله الى ثورة معتزلية ؟! هل هو من قادة المعتزلة أو رجالهم المعروفين ؟ هل هو من أهل العدل والتوحيد حقا، كما يريد الدكتور أن يصنفه على سعة هذا المفهوم.
أن منصور بن جمهور كان غيلانيا كما تقول المصادر(٢) وهذا يعني في أحسن الفروض، أنه كان تابعا أو موافقا لغيلان(٣) في القول بالقدر وأحسب هذا ما أعجب الدكتور عمارة منه ودفعه لأن يجعل منه معتزلياً وليجعل من الثورة كلها بعد ذاك ثورة معتزلية، برغم ما بين القدرية وبين المعتزلية من اختلاف، لا يقلل من شأنه اتفاقهم في القول
____________________
(١) المعتزلة والثورة للدكتور محمد عمارة - نشر وتوزيع المكتبة العالمية ببغداد ط ثانية ١٩٨٤ ص٧١.
(٢) تأريخ الطبري ج٧ ص٢٧٠ والكامل لابن الأثير ج٤ ص٤٨٩.
(٣) ابن مسلم الدمشقي أبو مروان ثاني اثنين تكلما في القدر كان هو أو أبوه مولى لعثمان بن عفان عرضته مواقفه ضد الأمويين والكشف عن معايبهم الى غضب السلطة الأموية ثم انتهى الأمر بقتله بأمر هشام بن عبد الملك بعد سنة ١٠٥.
بالقدر، وهو أمر لا يختص به المعتزلة وحدهم ولا يقتصر عليهم، بل يشاركهم فيه عدد كبير من المسلمين، دون أن يكونوا لذلك معتزلة.
ومع ذاك فيبدو ان الدكتور قد اقتصر على هذا الوصف الذي وجد فيه طلبه كما تصور، فلم يقرأ ما قبله ولا ما بعده مما وصف به منصور، أو أنه قرأه ولم يجده كما أراد فتركه.
وسأكمل أنا ما أغفله الدكتور مما لا يسره من منصور فقد جاء في ص٢٧٠ من الجزء السابع من تأريخ الطبري ( كان منصور بن جمهور إعرابيا جافا غيلانيا، ولم يكن من أهل الدين وانما صار مع يزيد - يقصد الخليفة الأموي يزيد بن الوليد - لرأيه في الغيلانية، وحمية لقتل خالد - ابن عبد الله القسري - ).
وفي ص٤٨٩ من الجزء الرابع من الكامل لابن الأثير ( ولم يكن منصور من أهل الدين وانما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية وحمية لقتل يوسف - يعني ابن عمر الثقفي والي الكوفة - خالد القسري ) لأن منصورا وخالدا يمنيان كما هو معروف يجمعهما نسب واحد.
لكن هذا ليس كل شيء بالنسبة لمنصور فهذا الذي كان غيلانيا سابقا كما تقول المصادر، أو من أهل العدل والتوحيد - كما يريد الدكتور - قد ترك الغيلانية، وترك العدل والتوحيد، كما تقول نفس المصادر، ليتحول الى خارجي يقاتل في صفوف الخوارج تحت راية ( أمير المؤمنين ) الضحاك بن قيس الشيباني(١) أحد زعماء الخوارج ومن قواد ثوراتهم في ذلك العهد.
____________________
(١) ابن الحصين الشيباني من ذهل بن شيبان من زعماء الخوارج وشجعانهم تجاوز عدد جيشه مائة ألف مقاتل استولى على الكوفة وحاصر واسط واحتل الموصل فسار اليه مروان بن محمد آخر خلفاء الأمويين ودار بينهم قتال شديد انتهى بقتل الضحاك عام ١٢٨ أو سنة ١٢٩.
وهو قد فعل ذلك دون أن يستأذن الدكتور عمارة، ودون أن يهتم بما سيعرض له من حرج وكان حريا به أن يفكر بهذا الذي عانى ما عانى ليجعل من ثورة عبد الله معتزلية بسبب وجوده فيها، ثم هو ينتقل فجأة الى معسكر الخوارج، فينسف كل ما بناه الدكتور وتعب فيه.
سيئة أخرى من سيئات منصور فماذا سيقول الدكتور عمارة الآن ؟! هل سيضيف الى خيمة العدل والتوحيد بضعة أمتار أخرى لتتسع للخوارج، بعد انتقال منصور الى صفوفهم ؟!
ثم أن قيام عبد الله بثورته قد حصل عام ١٢٧، وكانت المعتزلة قد تكاملت وبرزت كفرقة مستقلة قائمة بنفسها وكان ما هو معتزلي ينسب اليها ويسمى باسمها، دون حاجة لأي اسم آخر ويكفي أن الدكتور عمارة ذاته يسمي ثورة زيد، وهي قبل ثورة عبد الله بسنين، معتزلية لا غيلانية، ولا ثورة أهل العدل والتوحيد.
وهكذا ترك الدكتور كل قادة الثورة، وعلى رأسهم عبد الله نفسه، وكل أهدافها ومبادئها، وكل شعاراتها، فلم يعرهم ولم يعرها أية أهمية، ليتعلق بمنصور وحده، ويجعل من الثورة كلها، وكأنها من صنعه هو، ملغيا بجرأة لا يحسد عليها، أي دور لغيره من رجال الثورة والمشاركين فيها، ابتداء من عبد الله بن معاوية الذي تنعته المصادر بكل نعت إلا الاعتزال.
بل ما أظن المعتزلة يرضون بعبد الله أو يقبلونه بين صفوفهم مع اتهامه بأنه كان يدعي الألوهية والنبوة ويستحل الخمر والزنا واللواط وسائر المحرمات(١) وكان أهون ما اتهم به ما جاء على لسان أبي الفرج
____________________
(١) أنظر في ذلك مقالات الإسلاميين للأشعري ج١ ص٦٧ والفرق بين الفرق للبغدادي ص١٥٠ والملل والنحل للشهرستاني ج١ ص١٥١- ١٥٢ والفصل في الملل والأهواء والنحل لأبن حزم ج٥ ص٣٦ والحور العين لنشوان الحميري ص١٦٠ وخطط المقريزي ج٤ ص١٧٦ وقد فندنا هذه الاتهامات في كتابنا ( على هامش الفرق الإسلامية ) في بحث ( الجناحية ) فليراجع اليه من شاء.
من أنه (. لم يكن محمود المذهب في دينه وكان يرمى بالزندقة ويستولي عليه من يعرف ويشهر أمره فيها.)(١) وهم قد نفوا عنهم وتبرأوا ممن هو أخف جرما وأهون ذنبا منه في نظرهم، وما أحسبهم إلا غاضبين على الدكتور لمحاولته حشر اسمهم في ثورة عبد الله، ونسبتها اليهم.
ثم أن الذين ضمتهم ثورة عبد لله كانوا من مختلف القبائل والعصبيات والفرق والاتجاهات.
كان بينهم المضري والربعي واليمني كما كان بينهم الخارجي والزيدي والشامي والكوفي.
وكان بينهم الأموي كسليمان بن هشام بن عبد الملك وابان بن معاوية بن هشام بن عبد الملك وعمرو بن سهل بن عبد العزيز بن مروان، والهاشمي كالسفاح والمنصور وعميهما عبد الله وعيسى ابني علي بن عبد الله بن عباس وقد أسر أولهما في آخر المعارك التي خاضها عبد الله.
ومن وجوه العرب وذوي البيوت كان هناك عدد غير قليل، منهم - الى جانب منصور بن جمهور الكلبي - عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب وعمر بن الغضبان بن القبعتري الشيباني واسماعيل ابن عبد الله القسري.
ولا يقل أي واحد من هؤلاء عن منصور نفوذا وتأثيرا، ان لم يفقه ويزد عليه فهل سنخلع على هذه الثورة اتجاهات ومذاهب كل هؤلاء فتكون خارجية معتزلية متزندقة زيدية أموية هاشمية، حسب اتجاهات ومذاهب المشاركين فيها، أم ان ذلك امتياز لمنصور وحده لا يسري على أحد ولا يشاركه فيه أحد.
____________________
(١) الأغاني ج١٢ ترجمة عبد الله بن معاوية ص٢٢٥.
والآن أصبح واضحا كما أظن، كيف تحولت ثورة عبد الله الى ثورة معتزلية فمنصور بن جمهور الكلبي كان غيلانيا كما يقال، ولما كان غيلان يقول بالقدر، فمنصور إذن من القائلين بالقدر، ولأن المعتزلة يقولون بالقدر أيضا، فلا بد أن يكون منصور معتزليا، ولما كان منصور ممن بايع عبد الله بن معاوية، فلا بد أن يكون منصور معتزليا، ولما كان منصور ممن بايع عبد الله بن معاوية، فان الثورة التي قادها عبد الله قد تحولت الى ثورة للمعتزلة، فيها سلت سيوفهم وفي ساحاتها أريقت دماؤهم.
أرأيتم أقوى من هذا المنطق ومن هذه الحجة فيما يستند إليه مؤرخ، وهو يعالج قضايا التأريخ الإسلامي ويحكم فيها.
لقد تحصلت لدينا إذن ثلاث من ثورات المعتزلة في العراق وخراسان، لم يكن أحد يعرف عنها شيئا: الأولى لأن زيدا كان على علاقة بواصل، والثانية لأن قائدها هو ابن للأول، والثالثة لأن منصورا كان من بين الذين بايعوا عبد الله.
وهكذا فليكن التأريخ !!
في حديثي عن ثورة زيد قلت: أنه لتحليل ثورة ما والكشف عن هويتها لا بد من الاستناد الى الحقائق الأساسية لها وإلا فأن الحديث عنها، مع تجاوز تلك الحقائق، سيكون من هذا اللغو الذي لا يراد به غير استعراض القدرة على الخداع والتضليل، وغير سرقة الوقت والجهد
وسأبدأ من بين تلك الحقائق بأول خطبة قالها يزيد بعد انتصار ثورته، وهي خطبة مهمة لأنها تمثل في رأيي ما يمكن أن نسميه بلغة العصر،
بالقانون الأساسي للثورة أو دستورها الذي يحدد أهدافها ويكشف بالتالي عن هويتها.
فكيف كانت تلك الخطبة وما الذي تناولته من قضايا وأمور ؟
واليك نص الخطبة كما أوردها ابن قتيبة في عيون الأخبار ج٢ ص٢٤٨، والجاحظ في البيان والتبيين ج٢ ص١٤١ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ وخليفة بن خياط ط أولى - مطبعة الآداب - النجف ١٩٦٧ ج٢ ص٣٨٢ والطبري ج٧ أحداث سنة ١٢٦ ص٢٦٨ وابن الأثير بصورة موجزة في أحداث سنة ١٢٦ ص٤٨٧.
( أيها الناس، والله ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا حرصاً على الدنيا ولا رغبة في الملك، وما بي اطراءُ نفسي، وأني لظَلُومٌ لها إن لم يرحمني الله، ولكن خرجت غضباً لله ودينه، داعياً الى الله والى سنّة نبيِّهِ، لمَا هُدمت معالم الهُدى، وأُطفئ نورُ أهلِ التقوى، وظهر الجبّار العنيد، المستحِلٌّ لكل حُرْمة، والراكبُ لكلِّ بِدْعة، الكافرُ بيوم الحساب، وإنه لابنُ عمِّي في النَّسَب وكفيئي في الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره وسألته ألا يكلني الى نفسي، ودعوت الى ذلك من أجابني من أهل ولايتي، حتى أراح الله منه العباد، وطهّر منه البلاد، بحَولِله وبقةتِه لا بحولي وقوّتي.
أيها الناس، إنَّ لكم عليّ ألا أضع حجراً على حجر، ولا لبنةً على لبنة، ولا أكْري نهراً، ولا أكنِزُ مالاً، ولا أُعطيه زوجاً ولا ولداً، ولا أنقُلُله من بلد الى بلد حتى أسُدَّ فقرَ ذلك البلد وخَصاصَة أهله، فإن فضَل فضلٌ نقلتُه الى البلد الذي يليه ولا أجمٍّركم في بعوثكم فأفتنكم وأفتن أهليكم، ولا
أُغلْقُ بابي دونكم فيأكل قويُّكم ضعيفكم، ولا أحمِلُ على أهل جِزيْتكم ما أُجليهم به عن بلادهم وأقطَعُ به نسلهم ولكن عليّ إدرارُ العطاء في كل سنة والرزق في كل شهر، حتى يستوي بكم الحال فيكون أفضلكم كأدناكم فإن أنا وفيت لكم فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة والمكاتفة، وإن لم أفِ لكم [ فلكم ] أن تخلعوني * إلا أن تستتيبوني، فإن أنا تبت قبلتم مني، وإن عرفتم أحداً [ يقوم مقامي ممن ] يُعرف بالصلاح يُعطيكم من نفسه مثل الذي أعطيتُكم فأردتم أن تبايعوه، فأنا أول من بايعه ودَخَل في طاعته.
أيها الناس، إنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيمَ لي ولكم )
وقد آثرت أن أنقل الخطبة كاملة هنا دون الاكتفاء بإحالة القارئ عليها في مظانها من كتب التأريخ والأدب، لكي لا يساء النقل عنها وما يترتب على ذلك من تفسير أو استنتاج خاطئين.
فهل وجد القارئ في هذه الخطبة على طولها واختلاف القضايا التي تعرضت لها، ما يمكن أن يعد من مبادئ المعتزلة أو قريبا منها ؟
هل تحدث فيها يزيد عن العدل والتوحيد بمفهوم المعتزلة، أو عن مرتكب الكبيرة والمنزلة بين المنزلتين، أو الموقف من المتحاربين في الجمل وصفين ؟
ولنترك الخطبة ولنفتش في حقائق الثورة الأخرى عسى أن نجد فيها ما عجزت الخطبة أن تمدنا به مما يثبت اعتزالية الثورة.
وسنأخذ الثوار قادة وغير قادة، ممن لهم دور في ثورة يزيد، فلعلنا نعثر عندهم أو عند بعضهم على ما يعزز رأي الدكتور عمارة، وينقض رأينا في هذه الثورة على الأقل.
وقبل أن أمضي في الحديث، أحب أن ألاحظ كما سبق أن لاحظت عند الحديث عن ثورة عبد الله بن معاوية، أن يزيد قام بثورته عام ١٢٦، وكانت المعتزلة قد ظهرت كفرقة، يعرف أفرادها باسمهم المعتزلي لا باسم آخر، إذ كان واصل قد أكمل بناء مذهبه قبل ذاك بزمن غير قصير(١) فهل كان بين الثوار أوبين قادتهم من قيل عنه أنه معتزلي ؟
إن جميع المصادر التي بين أيدينا لا تذكر واحدا فقط من هؤلاء، أطلق عليه اسم الاعتزال أو عرف به.
فمن أين تأتي للدكتور عمارة أن يسمي ثورة يزيد بأنها معتزلية ؟
ويبدو لي أن الدكتور، وقد قرر كما ذكرت، أن يجعل ثورات المسلمين كلها معتزلية، راح يلتمس كل الوسائل التي يظنها توصله الى هناك، وكانت تلك الوسائل بالنسبة لثورة يزيد ثلاث روايات وثلاثة أشخاص.
وسأبدأ بالروايات الثلاث، وهي لأبي بكر الخوارزمي وأبي القاسم البلخي وأبي الحسن المسعودي.
أما رواية الخوارزمي التي استشهد بها الدكتور لإثبات معتزلية الثورة فأقسم لو أنني مكانه، لما ذكرتها أبدا، ولتجنبت الإشارة إليها.
____________________
(١) توفي واصل عام ١٣١ أي بعد ثورة يزيد بخمس سنين وثورة عبد الله بأربع سنين وكان المعتزلة قد ظهروا كفرقة قبل ذاك بحوالي العشرين سنة إذا عرفنا أن وفات الحسن البصري كانت عام ١١٠ وان الخلاف بينه وبين واصل كان في حياته طبعا.
فهي أن تضعف حجته فيما أراد إثباته، أقوى بكثير من أن تعزز حجته في ذلك.
وحتى لا أتهم باحتكار حرية الرأي، وحتى لا أصادر حرية القارئ في ابداء رأيه وأسلبه حقه في الحكم، فسأثبت نص الرواية التي تقول ( ليس من فرق الإسلام فرقة إلا وقد هبت لأهلها رويحة ودالت لهم دولة كما أتفق للمختار بن عبيد الله - يقصد ابن أبي عبيد - للكيسانية ويزيد بن الوليد للغيلانية وابراهيم بن عبد الله للزيدية والمأمون لسائر الشيعة والمعتصم والواثق للمعتزلة والمتوكل للنواصب والحشوية . )(١) .
فالخوارزمي يميز بما لا مزيد عليه من الوضوح، بين الغيلانية وبين المعتزلة، ويجعل كلا منهما فرقة مستقلة منفصلة، ولكل منهما خليفة يدعمها ويؤيدها: يزيد للغيلانية، والمعتصم والواثق للمعتزلة.
أهناك ما هو أبلغ وأوضح من قول الخوارزمي هذا، في نفي أية صلة ليزيد بالمعتزلة وللمعتزلة بيزيد، بل وفي نفي أية صلة للمعتزلة بالغيلانية وتأييد وجودهما كفرقتين مستقلتين وهو ما يؤكده بدوره أبو القاسم البلخي الذي استشهد به أيضا الدكتور عمارة ل- ( تعزيل ) ثورة يزيد.
يقول أبو القاسم بخصوص هذه الثورة ( وخرجت الغيلانية مع يزيد بن الوليد بن عبد الملك في سنة ست وعشرين ومائة . )(٢) .
فماذا كان يمنع البلخي من نسبة الخروج الى المعتزلة، لو كان المعتزلة هم الذين خرجوا فعلاً، أولو كان الغيلانية هم المعتزلة ؟
____________________
(١) المعتزلة والثورة ص٧٨.
(٢) المعتزلة والثورة ص٧٨ وهذا ما يؤكده أيضا نشوان بن سعيد الحميري في الحور العين حيث يقول في ص١٩٤ منه (.وهو الذي يقال له الناقص وخرجت معه الغيلانية ).
فصاحب الحور العين يغفل هو أيضا عند حديثه عن ثورة يزيد أي ذكر للمعتزلة ويقتصر على أصحاب غيلان ( الغيلانية ).
وما أظن الخوارزمي والبلخي والحميري كانوا يريدون وهم يتحدثون عن الغيلانية التي ثارت وناصرت يزيد بن الوليد، الغيلانية الإيمانية التي هي أقرب الى ما تبحثه كتب العقائد والمقالات، وإنما الغيلانية السياسية ورأسها غيلان الذي كان ينتقد علنا وبكل قوة جور الأمويين وظلمهم، داعيا الناس الى الثورة عليهم.
وقد انتهت حياته بصلبه بدمشق بأمر هشام بن عبد الملك.
لقد كان البلخي وهو أ؛د كبار رجال المعتزلة أولى أن ينسب ذلك إليهم ويثبته، ولا يتركه لفرقة أخرى هي الغيلانية.
وتساءلت: أكان الدكتور باستشهاده بالخوارزمي والبلخي في الروايتين السابقتين، يريد أن ينفي علاقة المعتزلة بثورة يزيد أم يريد أن يثبت هذه العلاقة ؟!
بقي من الروايات الثلاث رواية المسعودي وهذا نصها ( وكان خروج يزيد بن الوليد بدمشق مع شائعة من المعتزلة وغيرهم من أهل داريا والمزة من غوطة دمشق على الوليد بن ييزد لما ظهر من فسقه وشمل الناس من جوره )(١) .
وأول ما نلاحظه أن المسعودي، وخلافا لغيره من المؤرخين، لم يعرض لثورة يزيد إلا في ثلاثة أسطر هي ما ذكرنا، وأنه من بين جميع المؤرخين أيضا الذي ذكر اسم المعتزلة في معرض كلامه عن تلك الثورة، فلا المؤرخون قبله ولا المؤرخون بعده، أوردوا اسم المعتزلة أو أشاروا إليهم فيها.
فهذا الطبري وقد تناول ثورة يزيد في كل تفاصيلها، لم يخصص للمعتزلة كلمة واحدة في حديثه الطويل عنها(٢) .
وهذا أبو الفرج، وقد بسط أخبار الثورة في أكثر من عشر صفحات كاملة من كتابه الأغاني، لم يذكر هو الآخر المعتزلة ولم يشر الى أية صلة لهم بها(٣) .
____________________
(١) مروج الذهب ج٣ ص٢٢٦.
(٢) الجزء السابع أحداث سنة ١٢٦ ص٢٣١ ومن هذه الصفحة تبدأ أخبار يزيد وثورته.
(٣) الأغاني طبعة دار الكتب ١٩٣٥ ج٧ ويبدأ حديث الثورة على الوليد بن يزيد من ص٧١ - ٨٣.
ومثل الطبري وأبي الفرج فعل ابن الأثير واليعقوبي وخليفة بن خباط وابن أعثم الذين أغفلوا أي ذكر للمعتزلة في الثورة(١) .
فهل كان هؤلاء المؤرخون على اختلاف مذاهبهم وعصورهم، قد اتفقوا على انكار هذه الحقيقة التي لا تمس أصلا من أصول الدين، ولا قضية كبيرة من قضاياه، ليحمل سكوتهم عنها، محمل التعصب وتعمد الاغفال لها وللمشاركين فيها ؟!
ثم ما المقصود بعبارة المسعودي ( شائعة من المعتزلة ) فأنا لا أفهم ما تعنيه على وجه التحديد هذه العبارة أنا أفهم أن يقول ( مع المعتزلة ) أو ( مع المعتزلة وغيرهم ) أما ( شائعة من المعتزلة ) فقد تعذر علي معناها وأبهم فهل كان المسعودي يقصد أصلا الى الإبهام ويتعمده ؟!
ولكن ما لنا نتجنى على المسعودي ونستشهد المؤرخين فيما لم يرد إليه، فها هو في كتابه ( التنبيه والأشراف ) آخر كتبه كما أظن، ينفي بنفسه ما أورده عن المعتزلة، أو بالأحرى عن ( شائعتهم ) في مروج الذهب.
استمع إليه وهو يتحدث عن الوليد ين يزيد والثورة ضده فيطيل الحيدث ويعرض ويعرض لأسباب سقوطه قائلا (.وتتابعت من الوليد أفعال أنكرها الناس عليه فدب يزيد بن الوليد في الدعاء الى خلعه فأجابته اليمن بأسرها وعاضدوه ووثبوا معه على عامل الوليد بدمشق فأجابوه وبايعوا يزيد ثم ساروا الى الوليد وهو في الحصن المعروف بالبخراء مما يلي البر بين حمص ودمشق فقتلوه.)(٢) .
____________________
(١) الكامل لابن الأثير ج٤ حوادث سنة ١٢٦ ص٤٧٩ فما بعدها وتأريخ اليعقوبي مطبعة الغري في النجف ١٣٥٨ه- من ص٧١- ٧٥ ( أيام الوليد بن يزيد ) و ( أيام يزيد بن الوليد ) وتأريخ خليفة بن خياط ج٢ حوادث سنة ١٢٦ ص٣٨٠ وكتاب الفتوح لأحمد بن أعثم الكوفي الطبعة الأولى دار الندوة الجديدة ببيروت ج٨ ص١٣٧ فما بعدها.
(٢) التنبيه والاشراف - دار الصاوي ١٩٣٨ أيام الوليد بن يزيد ص٢٨٠.
فلو كان للمعتزلة دور في ثورة يزيد يعرفه المسعودي، أكان يزيد في الإشارة إليه حتى بعبارة كعبارته عن ( شائعة من المعتزلة ) التي استعملها في مروج الذهب.
لقد تحدث المسعودي عن اليمن التي أجابت يزيد بأسرها وعاضدته ووثبت معه في هذه الثورة وما كان ليغفل دور المعتزلة وهو القريب منهم فكرا وعقيدة، وقد أفاض في الحديث عن غيرهم، لو كان للمعتزلة دور أو بعض دور، ولما اكتفى بأن يشير إليه ب- ( شائعة ) في كتاب، ثم يهمل حتى هذه الشائعة في كتاب لاحق فلا يذكرها ولا يشير إليها.
وأخيرا فلا بد أن نلاحظ أن ( شائعة ) المسعودي - حتى مع التسليم باشتراكها في ثورة يزيد - لم تكن وحدها في تلك الثورة، كما يقرر المسعودي نفسه حين يقول (.مع شائعة من المعتزلة وغيرهم . .) وهذا يعني أن ليس للمعتزلة أو بالأحرى لشائعتهم دور متميز في ثورة يزيد يسمح للدكتور عمارة أن ينسب الثورة إليهم، ويجعلنا من صنعهم وحدهم.
وبعد حديث الروايات نأتي الى حديث الأشخاص الذين ذكرهم الدكتور وجعل منهم دليله الآخر على اعتزالية الثورة وهؤلاء هم ١- أبو وهب عبيد الله بن وهب الكلاعي ٢- هشام بن الغاز الجرشي ٣- منصور بن جمهور الكلبي(١) .
ثلاثة فقط ! وما أظن الدكتور إلا قد استفرغ الجهد في البحث والتفتيش، وما أظنه وجد غيرهم بعد البحث والتفتيش.
____________________
(٢) المعتزلة والثورة ص٧٨ أما بالنسبة لمنصور بن جمهور فيرد ذكره في ص٧٥ و ٧٩.
ثلاثة إذن منعدد لا يحصى من المشاركين في ثورة يزيد ومع ذاك فهل كان هؤلاء الثلاثة من المشاركين في الثورة حقا ؟ وهل كانوا من المعتزلة حقا، ليمكن الادعاء من بعد بأن الثورة كانت المعتزلة ؟
أما الأولان فانك لا تجد لهما ذكرا في كل ما كتب عن الثورة وأحداثها والمشاركين فيها، لا بوصفهم معتزلة ولا بأي وصف آخر، ولكن ورد ذكرهما باختصار شديد في بعض كتب الرجال كرواة حديث.
ففيما يخص الأول منهما وهو عبيد الله بن وهب الكلاعي، اقتصرت ترجمته في التأريخ الكبير للبخاري على ما يلي ( عبيد الله بن وهب أبو وهب الكلاعي الشامي )(١) .
هذا كل شيء عنه عند البخاري.
وفي تأريخ الذهبي ( قال ابن معين ليس به بأس )(٢) .
وفي تهذيب التهذيب لابن حجر ( عبيد الله بن عبيد أبو وهب الكلاعي الدمشقي روى عن.وعنه.قال معاوية بن صالح عن ابن معين ليس به بأس وقال عثمان الدارمي عن دحيم ثقة )(٣) .
وعن هشام بن الغز تجد في الطبقات الكبرى لابن سعد(٤) ( ابن ربيعة ابن عمرو الجرشي ويكنى أبا العباس وقد رووا عنه وكان ثقة ) وفي ميزان الاعتدال عن الشخص نفسه ( وكان عابدا خيرا ) وفي تأريخ الإسلام للذهبي يدور وصفه بين ( صالح الحديث ) و ( ثقة ) و ( من خيار الناس ) و ( ليس به بأس ).
____________________
(١) كتاب التأريخ الكبير للبخاري ط دار الكتب العلمية بيروت القسم الأول من الجزء الثالث ص٤٠٢.
(٢) تأريخ الإسلام للذهبي تحقيق عمر عبد السلام تدمري نشر دار الكتاب العربي ط أولى ١٩٨٨ ج٦ ص٤٧٩.
(٣) تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني ط أولى حيدر آباد ١٣٢٦ ه- ج٧ ص٣٥.
(٤) طبقات ابن سعد طبعة ليدن ١٣٣٨ ه- بتصحيح أدور سخو الجزء السابع القسم الثاني ص١٧١ وميزان الاعتزال ج٤ طبعة دار الفكر ص٣٠٤ رقم الترجمة ٩٢٣٦ وتأريخ الإسلام للذهبي ج٧ ص٦٥٧.
فالحديث عنهما لا يتناول إلا جانبا واحدا هو المتعلق بحالهما من الثقة أو عدم الثقة فيما يرويان من حديث باعتبارهما من رجاله، دون أن يتجاوز نشاطهما هذا الجانب ولو كان هناك جانب آخر مما يمكن إضافته إليهما، لما تأخر هؤلاء المؤلفون أو بعضهم في الأقل من الإشارة إليه، وهم يتحدثون عنهما كما رأينا فلا يزيد ولا ثورته والمشاركة فيها ولا الاعتزال ولا المعتزلة كانت مما ذكره أولئك، مع أنه لم يفتهم أن ينسبوا الذين كتبوا عنهم الى طوائفهم وفرقهم أو يضيفوا إليهم ما عرفوا به عندهم من قول أو رأي.
فمن أين جاء الدكتور بمعلوماته عن مشاركتهما في ثورة يزيد أولاً وعن ( اعتزالهما ) ثانياً ؟
لقد سهل علينا الدكتور ذلك حين قال ( فلقد ذكر الجاحظ أنهم من أهل الشام الذين شهدوا الوقعة مع يزيد بن الوليد في جمهور الغيلانية )(١) .
فمصدر علم الدكتور إذن هو الجاحظ الذي ينقل عنه قاضي القضاة في ( فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ).
ولكن من تعصب الجاحظ للمعتزلة، ومع افتراض صدقه في ما يروي عن مشاركة هذين الشخصين، وهو ما لم نجده إلا عند قاضي القضاة الذي ينقل الدكتور عنه، فأنه لم يستطع أن يرقى بهما وبدورهما الى أكثر من أنهما شهدا الوقعة في ( جمهور الغيلانية ) وهي عبارة بينة الضعف لا تبرز أي دور لعبيد الله أو لهشام، وأقصى ما يمكن استنتاجه منها، أن هذين الشخصين كانا من بين عدد لا يحصى من الناس الذين شهدوا هذه
____________________
(١) المعتزلة والثورة ص٧٨.
الوقعة وليس لهما من دور غير ما يكون عادة لواحد أو اثنين من جمهور الناس وسوادهم وإلا لكان الجاحظ بالذات، قد أبرزه بشكل آخر يتناسب مع أهميته وتأثيره، وهو المعتزلي الشديد التعصب لمذهبه.
ماذا يصنع اثنان في ثورة لم يكونا من قادتها ولا من رجلها البارزين ولا من ذوي الرأي والتأثير فيها ! بل وليس هناك من يذكرهما عند الحديث عنها، غير ما ينقل عن الجاحظ.وغير الدكتور.
على أن الجاحظ لم ينسب عبيد الله أو هشام الى الاعتزال حتى ولم يقل أنهما كانا غيلانيين وإنما قال (.من أهل الشام الذين شهدوا الوقعة في جمهور الغيلانية ).
وعبارة ( شهدوا الوقعة في جمهور الغيلانية ) لا تعني بالضرورة أنهما كانا من الغيلانية إذ ربما كان المقصود حضورهما مع هؤلاء، لا أنهما منهم على جهة الرأي والمعتقد.
فهل يكفي هذا لأن نجعل من ثورة يزيد من صنع هذين ؟ ثم ماذا يربط الغيلانية بالمعتزلة، غير القول بالقدر وهو أمر من العموم والسعة بحيث لا يختص بفرقة أو مذهب بعينه وبحيث يمكن أن يجمع أكثر من فرقة وأكثر من مذهب فالقول بالقدر، كالقول بنفي القدر، لا يلزم منه أن يكون القائلون به من مذهب واحد، كما لا يلزم أن يكون القائلون بنفيه من مذهب واحد وليس الأمر خاصا بالقدر فهناك الكثير من القضايا المشتركة بين مذهب ومذهب دون أن يلزم عنها هدم الحدود بين المذهبين واعتبارهما مذهبا واحدا لمجرد تشابه مواقفهما إزاءها.
أن الشخص لا يكون معتزلياً ولا يصح عليه الاسم كما يقول المعتزلة أنفسهم إلا اذا جمع الأصول الخمسة(١) حتى لو أنه اعتقد أربعة من أصولهم هذه وتخلف واحد فقط لما جازت تسميته بالمعتزلي فكيف أصبح الغيلانية معتزلة والمعتزلة غيلانية، وهم لم يشتركوا - ولا أريد أن أقول لم يأخذوا - مع الغيلانية إلا في القول بالقدر الذي شاركوا فيه غير الغيلانية ممن قالوا به(٢) وهل لنا أن نسمي المعتزلة جهمية كما سماهم عدد من أعدائهم فعلاً، لاشتراكهم مع جهم وأصحابه في القول بنفي الصفات، ما دام القول بالقدر وحده يجعل منهم غيلانية ويجعل من الغيلانية معتزلة(٣) .
ثم أن شيخي المعتزلة واصلا وعمرو عاصرا غيلان الذي لم يقتل إلا بعد سنة ١٠٥ وأسسا مذهبهما وهو حي، فلماذا لم يؤلفا معه فرقة أو مذهبا، واستقلا بفرقتهما أو مذهبهما، لو كان هناك ما يجمعهم من الأصول المشتركة غير القول بالقدر، وهو قدر مشترك بين الكثير من المسلمين أفرادا وجماعات.
إن الذين يريدون أن يخلطوا بين المعتزلة وبين الغيلانية، أو يجعلوا من الغيلانية أسلافاً للمعتزلة، لا يصدرون إلا عن خطأ مقصود أو غير مقصود ولا يزيدون تأريخنا إلا غموضاً وتشويشاً.
ويبقى ثالث الثلاثة: منصور بن جمهور، وقد سبق أن تحدثت عنه عندما تناولت ثورة عبد الله بن معاوية ويبدو أنني سأعود إليه هنا، وأنا أتناول ثورة يزيد بن الوليد، فقد كان من بين ما أستدل به الدكتور عمارة
____________________
(١) وهذه الأصول هي ١- التوحيد ٢- العدل ٣- الوعد والوعيد ٤- المنزلة بين المنزلتين ٥- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(٢) فابن قتيبة مثلا وهو يعدد رجال القدرية في المعارف ص٦٢٥ لم يذكر واصل بن عطاء بينهم مع انه ذكر معبد وغيلان مما يعني ان القدرية عنده غير المعتزلة أما ذكره لعمرو بن عبيد لأن عمرا كان في الأصل من القائلين بالقدر قبل أن يصبح معتزليا.
(٣) فأحمد بن حنبل والبخاري وابن قتيبة في ردودهم على الجهمية كانوا يقصدون المعتزلة فيها.
على ( اعتزالية ) هذه الثورة حين قال ( وأول وال ولاه يزيد بن الوليد على العراق كان هو منصور بن جمهور )(١) .
ولكن قد لا يسر الدكتور أن أخبره، أن أول وال عزله يزيد هو منصور هذا، بعد فترة قصيرة من ولايته(٢) .
فإذا كان مجرد ولاية والٍ كمنصور، مع ما تصفه به كتب التأريخ، دليلا على اعتزالية الثورة، فعلى ماذا تدل تنحيته وعزله بعد أيام ؟
ولا بأس أن أنقل هنا رأي واحد من رجال اليمانيين وأفاضلهم في منصور، حين ولاه يزيد العراق بعد انتصار ثورته وإعلانه خليفة فقد جاءه يزيد بن حجرة الغساني، وكان كما يقول الطبري ( دينا فاضلا ذا قدر في أهل الشام قد قاتل الوليد ديانة فقال: يا أمير المؤمنين أنه - يعني منصور بن جمهور - ليس هناك في اعرابيته وجفائه في الدين قال: فإذا لم اول منصورا في حسن معاونته فمن اولي قال تولى رجلا من أهل الدين والصلاح والوقوف عند الشبهات.ومالي لا أرى أحدا من قيس يغشاك ويقف ببابك قال لولا أنه ليس من شأني سفك الدماء لعاجلت قيسا فو الله ما عزت إلا ذل الإسلام )(٣) .
هذا إذن هو رأي يماني من ذوي الدين والفضل في منصور بن جمهور اليماني أي من رجل غير مضري ولا متهم بالعصبية القبلية ضد اليمانية، ولا يصدر في رأيه عن طمع في ولاية أو منصب.
وهو رأي يؤكد ما سبق ذكره عن منصور ويبرز في نفس الوقت - مع جواب الخليفة يزيد - اختلاف مواقف السلطة من هذه القبيلة أو تلك
____________________
(١) المعتزلة والثورة ص٧٩ على أن بعض المؤرخين يتهمون منصورا بأنه افتعل كتاب تعيينه أنظر تأريخ خليفة بن خياط ج٢ ص٣٨٨.
(٢) يحدد خليفة بن خياط مدة ولاية منصور على العراق بنحو أربعين يوما - تأريخ خليفة بن خياط الصفحة السابقة.
(٣) تأريخ الطبري ج٧ ص٢٧١.
تبعاً لمواقفها منها، وما نتج عن ذلك من تكتلات وعصبيات قبلية كانت من أقوى الأسباب في سقوط الدولة الأموية.
وأخيرا نصل الى موقف زعيمي المعتزلة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ولا بد من الحديث عنه في ثورة معتزلية !! فهل ذكر أحد المؤرخين أو المؤلفين، حتى من المعتزلة أنفسهم، أنهما - وقد عاصرا الثورة - شاركا فيها أو حملا سيفا أو حجرا، دعما لها ودفاعا عنها.
ما الذي كان ينتظره شيخا المعتزلة لدعم ثورة معتزلية ؟ وما الذي يفسر موقفهما منها، غير موقفهما من الثورات الأخرى التي عاصراها أيضاً، فلم يحملا فيها سيفاً ولا حجراً دعماً لها ودفاعاً عنها.
وكم حاولت أن أمنع نفسي من الضحك، وكم جهدت أن آخذ الكلام عن موقف عمرو بالذات، من ثورة يزيد، مأخذ الجد فأخفقت فعمرو كما يبدو، كان سيئ الحظ مع الثورات، لا يتهيأ ولا يخرج للالتحاق بها إلا بعد فشلها وانتهاء أمرها ومقتل أو موت قادتها ففي ثورة زيد بن علي عام ١٢٢، التي استمر التحضير لها في الكوفة مدة تجاوزت السنة، لم يترك زيد خلالها أحدا يرجو منه العون أو يأمل فيه المساعدة إلا كاتبه أو اتصل به لم ينقل لنا أحد أن صوتا ارتفع لعمرو انتصارا لها وتأييداً.ثم هذا هو يخرج فجأة للالتحاق بها والقتال في صفوفها لكنه لسوء حظه ما يكاد يخرج - وبعد أكثر من سنة كما قلنا - حتى يأتيه الخبر بمقتل زيد وفشل ثورته، فيعود أو يترك الخروج.
أرأيتم الى سوء حظ عمرو.بضعة عشر شهرا، وزيد يحضر للثورة في الكوفة فلا يخرج عمرو ولا يتحرك، حتى إذا قرر الخروج أو خرج، ورد الخبر بمقتل زيد وفشل الثورة ويبقى عمرو مكانه !!
ثم يتكرر المشهد نفسه بع أربع سنوات مع ثورة أخرى، في دمشق هذه المرة، هي ثورة يزيد بن الوليد فحين قام يزيد بثورته تلك، لم يشترك فيها عمرو بن عبيد ولا واصل بن عطاء، ولم يرسلا جيشا لدعمها وإسنادها طيلة الفترة التي سبقتها ولا خلال الفترة التي أعقبت انتصارها.
حتى إذا استقرت الثورة ومر أكثر من خمسة أشهر عليها(١) عند ذاك وعند ذاك فقط ( همت معتزلة العراق أن تسير جيشا يقوده عمرو بن عبيد لنصرة يزيد بن الوليد لولا ان الأجل عاجله . ).
فهنا أيضا يلازم سوء الحظ عمرو بن عبيد فهو ما يكاد يتهيأ للخروج على رأس جيش لنصرة الثورة في دمشق حتى يموت يزيد فالذنب إذن ليس في عمرو، ولكن في الموت الذي عاجل يزيد دون أن يستأذن عمرا أو يستشيره فيه، وكان عليه الانتظار سنة أو سنتين أخرى حتى يفرغ عمرو من إعداد جيشه الذي سينفذه الى الشام.
ألم أقل أن عمراكان سيئ الحظ مع الثورات فهو ما أن ينوي الخروج في كل مرة للالتحاق بها، حتى يفاجأ بقتل أو موت قادتها وفشلها !
ولكن لماذا هذا الجيش الذي همت المعتزلة بتسييره بقيادة عمرو، وقد انتصرت الثورة ضد الوليد وزال الخطر عنها واستقرت الأمور وبويع ليزيد بالخلافة.
____________________
(١) كانت مدة خلافة يزيد كلها بين خمسة أشهر ويومين على رواية المقل وستة أشهر واثني عشر يوما على رواية المكثر وهذا يعني أن المعتزلة لم تفكر ولم تهم بإرسال الجيش على افتراض صحة الخبر إلا بعد أن اجتازت الثورة أيامها الصعبة ولم تعد بحاجة الى هذا الجيش.
لماذا هذا الجهد المضيع في إعداد جيش كامل لتسييره من العراق الى الشام انتصارا لثورة منتصرة لم تعد بحاجة إليه؟
وكيف استطاع المعتزلة أن يعدوا ويسيروا جيشا كاملا الى الشام بقيادة عمرو بن عبيد، وعمرو نفسه يصرح كما ينقل الطبري ( والله ما أعرف موضع ثلاثة إذا قالوا وفوا ولو عرفتهم لكنت لهم رابعاً )(١) .
أيكون جيش من أثنين أحدهما عمرو، أو من أثنين يقودهما عمرو ؟!
لقد عز على المعتزلة ألا ( يثوروا ) شيخهم على الظلم، وقد ثار المسلمون من مختلف الفرق والطوائف.
فإذا كان عمرو لم يقد ثورة ولم يشار فيها وهذا مالا سبيل الى نكرانه بإجماع، فلا أقل من الاعتذار عن تخلفه وتخاذله، وربما ما هو أكثر من ذاك، بأنه كان يتجهز دائما للخروج أو يخرج لكنه يعود بعد سماعه بفشل الثورة وهذا ما لا يصعب ادعاؤه ويمنح المعتزلة، في الوقت نفسه، شرف المساهمة في ثورات لم يشاركوا مطلقا فيها ولم يكن لهم أي دور في قيامها.
لقد كانت ثورة يزيد بن الوليد واحدة من الثورات الكثيرة التي شهدها عهد بني أمية منذ قيام حكمهم.
وهي ثورات فيها من الأسباب العامة قدر ما فيها من الأسباب الخاصة فيها الظلم والطغيان والاستبداد، وفيها الخمر والجواري ومجالس الغناء فيها المبادئ والفرق والأحزاب، وفيها الحقد والثأر وتنافس الأمر والأشخاص فيها عصبية القبيلة والأرض، وفيها عدنان وقحطان وربيعة
____________________
(١) تأريخ الطبري ج٧ ص٥٢٢.
ومضر فيها أرفع ما في الإنسان من شجاعة وإيثار ووفاء، وفيها أوضع ما في الإنسان من جبن وخيانة وغدر.
وكانت تلك الثورات مزيجا من هذه الأسباب أو عدد منها يبرز بعضها ويتغلب، ويضعف بعضها ويتراجع من ثورة لأخرى فهي لا تجري على نسق واحد من حيث أهمية العوامل المتحكمة فيها، ودور كل منها في هذه الثورة أو تلك ولكن قلما استقلت ثورة منها بعامل واحد واقتصرت عليه.
وكان الأقوى من بين هذه العوامل والأسباب والأكثر بريقا وسحرا، هو العامل الديني فهو الذي يتعلق به الثائرون عادة، ولو ظاهرا، وتحت لوائه يتحشد الناس، ودفاعا عنه يقاتلون إذ كان هو الوحيد الذي يستطيع أن يجمع صفوف المسلمين ويوحدهم في تلك البيئة وذلك العصر فما كانت ثورة لتستطيع أن تقوم وأن تنجح، لو أغفلت هذا العامل أو تجاوزته ولم تبرزه كشعار أساسي لها.
بعد هذا نعود الى ما بدأنه به حديثنا عن ثورة يزيد التي قادها ضد ابن عمه الوليد بن يزيد.
وأول ما تذكره الأخبار وتجمع عليه، هو ما اشتهر عن الوليد من تهتك وازدراء بقيم الدين وانتهاك لحرماته، حتى لقد أصبحت سيرته الماجنة الخليعة على كل لسان، يسخر بها من يسخر ويغضب منها من يغضب وهي في كل ذلك تفجر العوامل القديمة، وتضيف عوامل جديدة للنقمة على الحكم الأموي.
وكان هذا يجري في وقت كان الحكم يعاني من ضعف وانحلال ظاهرين، ودعاة آل محمد بدؤوا يهيئون لثورتهم التي كانت الدعوة لها في الشرق تجرف أمامها كل شيء في زحفها نحو إقامة السلطة الجديدة.
والمسلمون في مختلف أقطارهم يعربون عن سخطهم على الحكم القائم من خلال الثورات العديدة التي استطاع ذلك الحكم أن ينجح، عن طريق البطش والقسوة في القضاء عليها لكنه لم يستطع أن ينجح في القضاء على أسبابها.
كانت أحاديث تلك الثورات وذكرياتها وما أريق فيها من دماء وما قتل فيها من صالحين وأتقياء، تلهب النفوس وتحفزها دائما للثأر.
ولقد زاد من سخط المسلمين أن يصل الوليد الى منصب الخلافة فليس مما يرضيهم أن يكون خليفتهم شخصا في مثل صفات الوليد الذي كانت سيرته لا تليق بواحد من عامة الناس، فكيف بمن هو أمير المؤمنين وقائدهم والممثل لأهم وأقدس منصب ديني لديهم.
وهكذا فقد أصبح هذا الحكم ثقيلا على المسلمين الذين تحولت غالبيتهم، خصوصا في أواخر أيامه، الى ثائر ضده أو متحفز لثورة أو متظر لها.
وكانت اليمانية، وهم عظم أهل الشام والسند القوي للحكم الأموي، قد حقدت على الوليد لانحيازه للمضرية(١) على عادة الخلفاء الأمويين في انحيازهم لليمن أو لمضر، تبعا لاختلاف ظروف الخليفة.
____________________
(١) كانت أم الوليد هي أم الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفي القيسي المضري ( أخي الحجاج بن يوسف ).
ثم جاء مقتل أحد زعماء اليمن الكبار: خالد بن عبد الله القسري بعد تعذيبه وفشل اليمانية في استنقاذه، ليبعدهم أكثر عن الوليد، ويدفعهم الى العمل على الإطاحة به، مستفيدين من عوامل الضعف والخلل التي يصعب السكوت عليها أو الدفاع عنها في شخص الوليد، حتى من القريبين إليه.
وكان هذا التحول في موقف اليمانية من العوامل التي عجلت في سقوط الوليد وفي انتصار ثورة يزيد وإعلانه خليفة.
وقد عبر الطبري صراحة عن ذلك حين قال ( وكان من أعظم ما جنى على نفسه حتى أورثه ذلك هلاكه - يعني الوليد بن يزيد - إفساده على نفسه بني عميه بني هاشم وولد الوليد ابني عبد الملك بن مروان مع إفساده على نفسه اليمانية وهم عظم جند الشام )(١) .
هم يعود الطبري فيوضح ما يعنيه ذلك قائلا ( وأضطغن على الوليد - ابن يزيد - آل الوليد وآل هشام وآل القعقاع واليمانية بما صنع بخالد بن عبد الله فاتت اليمانية يزيد بن الوليد فأرادوه على البيعة )(٢) .
فاليمانية إذن في اضطغانهم على الوليد لم يقفوا عند عدم الرضا أو الغضب أو ما يسمى بلغة العصر، بالموقف السلبي ولو اقتصروا على ذاك لهان الأمر شيئا ما ولم ينتظروا قيام الثورة ضده لينضموا إليها ويكونوا عنصرا من عناصرها أنهم يتجاوزون كل ذلك، ويخطون أولى خطواتهم نحو الثورة التي سيقودونها، حين يريدون يزيد على البيعة مع وجود الخليفة على رأس السلطة.
____________________
(١) تأريخ الطبري ج٧ ص٢٣١.
(٢) المصدر السابق ص٢٣٧.
ولا يخرج ابن الأثير كثيرا عما جاء لدى الطبري من فساد اليمانية وتحولهم ضد الوليد وتأكيد دورهم في الثورة وإرادتهم يزيد على البيعة(١) كما تجد الحديث عن بيعة اليمانية ليزيد عند أبي الفرج أيضاً(٢) .
أما الدينوري فيتجاوز كثيرا في الأخبار الطوال، ما ذكره الطبري وابن الأثير عن دور اليمانية في ثورة يزيد(٣) .
وإليك نص ما أورده في هذا الشأن ( فلما سمع من كان بأقطار الشام من اليمانية هذا الشعر أنفوا أنفا شديدا فاجتمعوا من مدن الشام واساروا نحو الوليد ين يزيد.
وبلغ الوليد مسيرهم فأمر بمحمد بن خالد بن عبد الله - القسري - فحبس بدمشق.
أقبلت اليمانية وخرج إليهم الوليد بمضر مستعدا للحرب فالتقوا واقتتلوا وأثخنت اليمانية القتل في مضر فانهزمت مضر وأخذوا نحو دمشق ودخل الوليد قصره فتحصن فيه.
وأقبلت اليمانية حتى دخلت دمشق وأخرجوا محمد بن خالد من حبسه ورأسوه عليهم.
فأرسل محمد بن خالد الى ابن عم الوليد بن يزيد وهو يزيد بن الوليد بن عبد الملك فجاء به فبايعوه جميعا وأرسل الى أشراف المضريين فبايعوه طوعا وكرها.
وخلعوا الوليد بن يزيد فلبث مخلوعا أياما كثيرة وهو خليع بني أمية ).
____________________
(١) الكامل لابن الأثير ج٤ ص٤٧٩ و ٤٨١.
(٢) الأغاني دار الكتب ج٧ ص٧٣.
(٣) أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري ت ٢٨٢ أصله من مدينة دينور في إقليم همذان وهو أحد المؤخين والفلكيين واللغويين والنباتيين العرب من كتبه المشهورة في التأريخ الأخبار الطوال الذي ننقل عنه تحقيق عبد المنعم عامر والدكتور جمال الدين الشيال دار إحياء الكتب العربية القاهرة ط أولى ١٩٦٠ ص٣٤٨- ٣٤٩.
فالدينوري يتكلم عن قتال بين اليمانية من جهة وبين الوليد بن يزيد ومعه المضرية من جهة أخرى.
وفي هذا القتال الذي انتصرت فيه اليمانية وأثخنت في المضرية، لم يكن يزيد ين الوليد طرفا وإنما جاء به اليمانية بعد انتصارهم، فبايعوه وخلعوا الوليد الذي لبث مخلوعا أياما كثيرة كما يقول الدينوري.
فلم تكن الثورة ثورة يزيد، شارك فيها اليمانية، وإنما كانت ثورة اليمانية جاء فيها يزيد أو جاءت بيزيد خليفة.
أما الشعر الذي يتحدث عنه الدينوري في بداية النص والذي اجتمع بسببه اليمانية وساروا نحو الوليد لقتاله كما يقول، فيتعلق بقصيدة قالها الوليد بن يزيد أو نسبت إليه، يعير فيها اليمانية بتركهم خالد بن عبد الله القسري قتيلا أو أسيرا، كما في رواية الطبري وابن الأثير(١) دون أن يستطيعوا الدفاع عنه وفك أسره، مع استهانة واضحة بهم وتحدٍ لهم.
على أنك تستطيع أن تلمس عمق التغير في موقف اليمانية وحقدها على الوليد وجدها في التخلص منه أو باختصار، وضوح الطابع اليمني للثورة على الوليد، من استعراض سريع لأسماء الأشخاص الذين تولوا قتله أو شاركوا فيه فليس فيهم غير يماني وهؤلاء هم كما ذكرهم المؤرخون ١- يزيد بن عنبسة السكسكي من كندة ( يماني ) ٢- منصور بن جمهور الكلبي ( يماني ) ٣- حبال بن عمرو الكلبي (يماني ) ٤- حميد بن نصر اللخمي (يماني ) ٥- السري بن زياد بن أبي كبشة السكسكي ( يماني ) ٦- عبد السلام اللخمي ( يماني ) ٧- أبوعلاقة القضاعي ( يماني ) ٨- يزيد بن
____________________
(١) الطبري ج٧ ص٢٣٤ وابن الأثير ج٤ ص٤٨٠ مع بعض الاختلاف في القصيدة.
العقار الكلبي ( يماني ) ٩- الوليد بن مصاد الكلبي ( يماني ) ١٠- عبد الرحمن بن عجلان مولى يزيد )(١) .
ثم هذا الشعر الذي قاله شعراء اليمانية تشفيا بالوليد وانتصافا من النزارية كلها، وهو شعر يطفح بهذه العصبية التي قسمت العرب في ذلك العهد، بشكل لم يعرفوه حتى في جاهليتهم.
استمع الى واحد من هؤلاء وهو يقول(٢)
من مبلغ قيسا وخندف كلها |
وساداتهم من عبد شمس وهاشم |
|
قتلنا أمير المؤمنين بخالد |
وبعنا وليي عهده بالدراهم |
فهو لم يخص بشعره قيسا وحدها، ولا خندف وحدها، وإنما عم مضر كلها فمن المعلوم أنه ليس في مضر من القبائل غير ما يعود الى قيس والى خندف.
ولكن قبل ذاك أحسبك قد وقفت عند عجز البيت الأول من هذا الشعر وأحسبك قد أحسست فيه ما أحسسته أنا من عصبية تتجاوز مضر: قيسها وخندفها، لتتناول ما لم يعتد الشعراء أن يتنالوه إلا نادرا: عبد شمس وهاشم اللذين لم يعودوا في نظر الشاعر سادة وخلفاء للعرب كلهم، خارج حدود العصبيات القبلية، وفوق هذه العصبيات، بل سادة لقيس وخندف وحدهما فالشاعة لا يريد أن يحتفظ لهاتين الأسرتين بمركز يتجاوز التقسيم التقليدي للعرب من نزار وقحطان وربيعة ومضر، وإنما يريد أن يخضعهما لهذا التقسيم ويحصرهما في حدودهما القبلية منه، كجزء من مضر، يجري
____________________
(١) تجد أسماء ثمانية من هؤلاء العشرة في الطبري ص٢٤٦ وفي ص٣٠١ منه يرد اسما يزيد بن العقار والوليد بن مصادر كما تجد بعض هذه الأسماء في ابن الأثير ج٤ ص٤٨٤ والأغاني ج٧ ص٨٠.
(٢) هو الأصبغ بن ذؤالة الكلبي أحد الذين ترددت أسماؤهم في ثورة يزيد والشعر في الأغاني ج٧ ص٨١ والتنبيه والإشراف للمسعودي ص٢٨١.
عليهما ما يجري عليها، ولذلك فهو حين يفخر بقتل الوليد الذي باعوا وليي عهده ( الحكم وعثمان ) بالدراهم، لا يقف عند هذا الحد بل يتوجه بفخره الى قيس وخندف، ثم لا يقف حتى يتناول ابناء عمومتهم أو سادتهم من عبد شمس ومن هاشم كما يقول لم يمنعه من ذلك ما لهم من سلطان الخلافة ومكان الرسالة، ولم يمنعه أن من بين خلفاء عبد شمس من كان مع اليمن ضد مضر والمضريين فهؤلاء يبقون في نظره نزاريين مضريين نسباً، لا يشفع لهم أن يكونوا جانحين لليمن أو منصرفين عن قيس وخندف فالشاعر في لحظة من لحظات زهوه بانتصار حاسم كالذي تحقق في ثورة يزيد يشعر بقوة مضاعفة، ينسى معها قوة خصمه وينسى معها أن آل عبد شمس هؤلاء يبقون خلفاء للعرب ولللمسلمين جميعا وأن سقوط الوليد الاموي العبشمي لم يفعل أكثر من أنه أتى بابن عمه يزيد ين الوليد الأموي العبشمي خليفة للمسلمين مكانه.
ثم استمع الى شاعر يماني آخر وهو يقول في المناسبة نفسها(١)
لقد سكنت كلب واسباق |
صدى كان يزقو ليله غير |
|
تركن أمير المؤمنين |
مكبا على خيشومه غير |
فهو يصور خير تصوير حنق اليمانية من كلب ومذحج وغيرها، وغيظها الذي منع عنها وعن الشاعر النوم لمقتل خالد، حتى إذا أدركت ثأرها ممن وترها به، سكن الصدى الذي كان يصرخ ويذمر ليله كله، دون أن يهجع أو ينام مطالبا بالثأر.
____________________
(١) الطبري ج٧ ص٢٦٠ أما في رغبة الامل ج٨ ص١٨٢ فإنك تجد مكان البيتين أعلاه، ثلاثة أبيات ليس بينها البيت الأول وأبياتا أخرى لشاعر يماني آخر في هذه المناسبة.
وأنا لا أريد أن أستقصي ما قيل من شعر يصور عصبية اليمانية ضد الوليد وارتياحها لقتله فليس ذلك من شأن هذا الكتاب وإنما أردت فقط أن أمثل لهذا الجانب من الجوانب التي أسهمت في التعجيل بالثورة ضده وفي انتصار هذه الثورة.
وإذا كان مقتل خالد بن عبد الله القسري قد ساعد على تجمع اليمانية وتوحيد صفهم ضد الوليد، فان من الأمانة للتأريخ أن أقرر أن موقف اليمانية من الوليد وإنقلابهم عليه لم يكن فقط بسبب مقتل خالد.
صحيح أن هذا كان من الأسباب القوية التي احتفظت اليمانية وأضافت سببا جديدا لتعجيل الإطاحة بالوليد، لكنه لم يكن - كما قلت - السبب الوحيد فقبل خالد، يحدثنا الطبري عن اتفاق لرجال اليمانية على قتل الوليد واتصالهم لهذا الغرض بخالد نفسه الذي لم يوافقهم عليه وإليك نص الطبري حول هذا الموضوع(١) ( فأجمع على قتل الوليد جماعة من قضاعة واليمانية من أهل دمشق خاصة فاتى حريث وشبيب بن أبي ملك الغساني ومنصور بن جمهور ويعقوب بن عبد الرحمن وحبال بن عمرو ابن عم منصور وحميد بن نصر اللخمي والاصبغ بن ذؤالة وطفيل بن حارثة والسري بن زياد بن علاقة(٢) خالد بن عبد الله فدعوه الى أمرهم - يعني المشاركة في قتل الوليد - فلم يجبهم فسألوه أن يكتم عليهم.الخ ).
والنص من الوضوح بحيث يستغني عن أي تعليق ومنه يظهر أن عزم اليمانية على الفتك بالوليد والتخلص منه كان في زمن خالد نفسه ،
____________________
(١) الطبري ج٧ ص٢٣٣ وابن الأثير ج٤ ص٤٧٩.
(٢)أظن الصحيح هو السري بن زياد بن أبي كبشة السكسكي وهو ما تجده عند الطبري نفسه ص٢٤٦ عند ذكره الذين شاركوا في قتل الوليد والأغاني ج٧ ص٨٠ وتأريخ خليفة بن خياط ج٢ ص٣٨١.
ولأسباب اعتبروها خطيرة للدرجة التي تستحق أن يجمعوا على قتله، وهو خليفة.
ولم تكن هذه الأسباب غير العصبية اليمانية التي وجدت في الوليد ذي العصبية القيسية المضرية، عدوها الذي يوشك أن يزيلها عن مكانها، وما تتمتع به من مركز ونفوذ.
وجاء مقتل خالد، أحد أبرز رجالهم في ذلك العهد، بعد العذاب الذي تعرض له هو وأهل بيته، يثير لدى هذه اليمانية مخاوف جديدة مما ينتظرهم على يد الوليد، تدعمه القيسية وعموم المضرية.
ولهذا كان انتصار الثورة ضد الوليد انتصارا ليزيد وانتصار لليمانية أيضا وفي ذات الوقت إضعافا لقيس وإبعادا لها كما سبق أن ذكرنا، حتى قال يزيد بن حجرة الغساني ليزيد بعد انتصار ثورته وإعلانه خليفة (.ومالي لا أرى أحدا من قيس يغشاك ويقف ببابك ) ولم ننس بعد جواب يزيد الذي فيه من الحقد على قيس ما كان يتمنى معه أن يعالجهم بالسيف، لولا أنه لا يرى سفك الدماء كما يقول(١) .
ثم كان من بين الظروف التي مهدت للثورة على الوليد وسهلت نجاحها، الخلاف الذي نشب بين الوليد وبين بعض بني عمومته من أن هشام وآل الوليد، وبلغ من الحدة والعمق، أن أتهمه هؤلاء بالكفر والزندقة وغشيان أمهات أولاد أبيه بل واتخاذ مائة جامعة لقتل مائة رجل من بني أمية أهل الوليد وأسرته(٢) .
____________________
(١) الطبري ج٧ ص٢٧١.
(٢) الطبري ج٧ ص٢٣٢.
وهكذا فلم يعد العداء للوليد قاصرا هذه المرة على سواد المسلمين وحدهم، ولا على اليمانية وحدهم، وإنما اتسعت دائرته، وهي في الأصل واسعة كما نرى، لتضم عددا من بيت الخلافة ذاته، وهو ما لم يحصل من قبل بهذا الوضوح وهذه الشدة، وهو ما أضعف الوليد أكثر وسهل الإطاحة به.
وإذا كنا لا نريد الخوض في أسباب هذا الخلاف، فيمكن أن نشير هنا الى أن من بين أهم أسبابه، ما يتعلق بولاية العهد، فقد حاول هشام بن عبد الملك - عم الوليد - وهو خليفة، دفع الوليد عن ولاية العهد بعده وجعلها في ابنه مسلمة، وهو أمر لم ينسه الوليد ولم يغفره لآل هشام حبن ولى الخلافة بعد وفاة أبيهم، فصب عذابه عليهم ودفعهم بذلك الى صفوف أعدائه والناقمين عليه.
غير أن الوليد ارتكب ذات الخطأ حين أصبح خليفة، فعقد البيعة لابنيه الحكم وعثمان، الواحد بعد الآخر، وحرم منها من كان مستحقا لها أو طامعا فيها من أفراد البيت المرواني، الذين لم يرضهم طبعا إبعاد الوليد لهم عن الخلافة وحصرها في ابنيه، مدة قد تطول ويطول معها حرمان من كان بعد نفسه لتوليها.
وقد لا يكون هذا بعيدا عن فكر يزيد، وهو يهيئ ثورته ضد الوليد الذي سهل بسوء سيرته وحمقه سبل النجاح لها.
وهذا الخلاف إن كان قد أضعف الحكم ككل، فأنه أضعف أول ما أضعف من كان على رأس الحكم: الوليد بن يزيد ثم انتهى به الى خاتمته التي شارك هو فيها أو في سرعة الوصول إليها.
هذه هي الظروف التي مهدت وساهمت ودفعت الى الثورة ضد الوليد فيها من الأسباب العامة، وفيها من الأسباب الخاصة، وفيها مما بين الاثنين التقت كلها في حكم الوليد فأضعفته وأضعفت الحكم.
وإذا كان مثل هذا الوضع يفترض أن يمنع الأمويين من التفكير في القيام بثورة ضد الوليد، حتى لا يزاد في ضعف الحكم وحتى لا تستغل الثورة للانقضاض على الحكم الأموي نفسه والتخلص منه نهائياً، وبكل ممثليه ورموزه، فأنه قد يدفع بعض الأمويين، وربما حفاظا على الحكم أيضا وسدا لكل ثغرة ينفذ منها أعداؤه، أو طمعا شخصيا في الخلافة، للقيام بكل ما من شأنه التخلص من هذا الخليفة الذي أصبح وجوده هو عنصر الضعف وهو مصدر الخطر على هذا الحكم.
وهو ما حصل فعلاً، فيحدثنا صاحب الأغاني أنه ( لما أكثر الوليد بن يزيد التهتك في اللذات وشرب الخمر وبسط المكروه على ولد هشام والوليد وافرط في أمره وغيه، مل الناس أيامه وكرهوه وكان قد عقد لابنيه بعده ولم يكونا بلغا، فمشى الناس بعضهم الى بعض في خلعه وكان أقواهم في ذلك يزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك بن مروان فمشى في أخيه العباس - وكان امرأ صدق ولم يكن في بني أمية مثله كان يتشبه بعمر بن عب العزيز فشكا إليه ما يجري على الناس من الوليد فقال له يا
أخي أن الناس قد ملوا بني مروان وان مشى بعضكم في أمر بعض اكلتم والله أجل لا بد أن يبلغه فانتظره فخرج من عنده ومشى الى غيره فبايعه جماعة من اليمانية الوجوه فعاد الى أخيه ومعه مولى له وأعاد عليه القول وعرض له بأنه قد دعي الى الخلافة.فانصرف من عنده وجعل يدعو الناس الى نفسه )(١) .
كما يحدثنا أبو الفرج عن لقاء آخر بين يزيد بن الوليد وأخيه بشر من جهة وبين أخيهما العباس بن الوليد من جهة أخرى وفي هذا اللقاء يتكرر الحديث نفسها وتتكرر المواقف نفسها فيصر يزيد على خلع الوليد ويصر العباس على الرفض(٢) .
فنحن أمام تيارين أمويين رئيسين، أفرزتهما خطورة الوضع واختلاف الرأي بشأن علاجه الأول يمثله العباس بن الوليد الذي لا يكتفي برفض ما يدعي إليه من خلع الوليد، وإنما ينهي ويحذر وينبه في لهجة يطغى عليها الغضب حينا، والقلق والإشفاق حينا، مما ينتظر الأمويين عموما إذا هم أقدموا على خلع الوليد فهو يحس هاذ الخطر الداهم الوشيك الذي لن يبقي على أحد منهم، ويحاول أن يدفعه بما يملك من وسائل الدفع، فان لم يستطع له دفعا ولا تأجيلا فهو لا يتعجله ولا يسعى إليه، فلله أجل لا بد أن يبلغه فيه.
فموقف العباس كان بالغ الدقة شديد الحرج أنه يعرف ابن عمه الوليد ويعرف ما يخوض الناس فيه من سيرته، ولكنه يعرف من جهة أخرى، أن خلعه في تلك الظروف سيفتح للفتنة بابا قد لا يمكن سده، وهو
____________________
(١) الأغاني ج٧ ص٧٣.
(٢) الأغاني ج٧ ص٧٥.
في ذلك على حق، فلم يمض على خلع الوليد وقتله أكثر من ست سنين، حتى ختمت صفحة الأمويين في الشرق.
وأما التيار الثاني فيقوده يزيد بن الوليد ( الناقص ) الذي كان أشد الناس على الوليد وأبعدهم قولا فيه وأقواهم في التحريض عليه والإغراء به وهذا التيار هو الذي انتصر أخيراً، فاندلعت الثورة وخلع الوليد وقتل، وبويع ليزيد خليفة على المسلمين بعده.
هذه هي ظروف ثورة يزيد، بسطناها بشيء من التفصيل، ليكون الرأي فيها قريبا من الحق بعيدا عن الهوى فهل وجدت فيها ما يمكن أن يسمها بأية سمة معتزلية ؟! بل بأية سمة لمذهب أو فرقة بذاتها ؟
هل ثار المسلمون مع يزيد لأنهم كانوا معتزلة وكان يزيد معتزليا ؟!
هل بايع اليمانية يزيد وثاروا معه أو قبله، ضد الوليد لأنهم كانوا معتزلة وكان يزيد معتزلياً ؟!
لقد كانت أسباب الثورة كلها مهيأة: المسلمون واليمانية وعمومة الوليد من بني مروان والوليد نفسه الذي كانت سيرته تغذي عوامل الثورة عند هؤلاء جميعا.
وكان يزيد مهيئا للخلافة، فهو ابن الوليد أكبر أبناء عبد المللك بن مروان وكان كما يقول الطبري ( يظهر النسك ويتواضع ) وسواء كان صادقا في نسكه وتواضعه - وليس لدينا ما ينفي ذلك - أو كان كاذبا فيهما(١) فقد كان عليه أن يصطنعهما لإمكان قيادة ثورة، كان أوضح
____________________
(١) الطبري ج٧ ص٢٣٢ وابن الأثير ج٤ ص٤٧٩ أما ابن قتيبة فيقول في المعارف ص٢٠٧ أنه كان ( محمود السيرة مرضيا ) ويقول صاحب مآثر الأناقة عن يزيد في ص١٥٩ ( كان.شديد العجب بنفسه ) وأنه ( لما ولي الخلافة أظهر حسن السيرة ).
أسبابها الاستخفاف بأمور الدين وانتهاك محارمه فليس هناك اعتزالا ولا ثورة اعتزالية، ولا أي لون لفرقة أو مذهب.
أن أقصى ما يمكن أن يوصف به يزيد وحده، من حيث المعتقد هو ما جاء في الطبري(١) ( وقيل أنه كان قدريا ) وما أظن من شأن هذه العبارة أو مثلها، أن تحول ثورة كاملة كثورة يزيد، وبالظروف التي شرحناها، فتجعل منها ثورة اعتزالية، حتى لو أ، يزيد كان قدريا لا ( قيل أنه كان قدريا ).
هذا فضلا عن أننا ناقشنا العلاقة بين القدرية وبين المعتزلة، وقلنا أن القول بالقدر لا يعني الاعتزال ولا الغيلانية.
ولا أدري بعد كل الذي مر، إن كنت في حاجة الى رواية أخرى للطبري تتصل أيضاً بموضوعنا وتؤكد ما ذهبنا إليه من طبيعة ثورة يزيد.
يقول أبو جعفر في ص٢٦٧ من ج٧ وهو يسرد بعض الأحداث المتعلقة بثورة يزيد ( قال - يعني عثمان بن داود الخولاني - وجهني يزيد بن الوليد . فكفهم عني الحكم بن جرو القيني - من اليمانية - فأقيمت الصلاة فخلوت به فقلت أني رسول يزيد إليك والله ما تركت ورائي راية تعقد إلا على رأس رجل من قومك - يعني من اليمانية - ولا درهم يخرج من بيت المال إلا في يد رجل منهم وهو يحمل لك كذا وكذا قال أنت بذاك قلت نعم . .).
فهذه الرواية إن كانت تؤكد بعد يزيد عن ذلك السلوك المثالي الذي حاول المعتزلة قديماً والمعتزليون حديثاً أن يضيفوه إليه فيجعلوا منه ناسكاً
____________________
(١) الطبري ج٧ ص٢٩٨ وابن الأثير ج٤ ص٤٩٩.
زاهداً صاحب عقيدة ودين، ما ثار إلا غضباً لله حين عطلت أحكامه وانتهكت محارمه فإنها تؤكد من جهة أخرى غلبة اليمانية على الثورة حتى لا تعقد راية ولا يخرج درهم إلا بأمرها ورضاها ولمصلحتها كما ذكرنا.
وبعد فما الذي منع يزيد، لو كانت الثورة اعتزالية حقاً، أن يقلد المعتزلة شؤونها ويوليهم مراكزها، خصوصاً المهمة منها، والثورة ثورة المعتزلة وقد انتصرت، وهم آمن عليها وأحرص على بقائها وأشد احتياطا وصيانة لمصلحتها.
وانتقل الآن الى ثورة أخرى من ثورات المسلمين ضد الحكم الأموي، هي تلك التي قادها الحارث بن سريج(١) في إقليم خراسان من الدولة العربية.
وهي من الثورات التي ما تزال في حاجة إلى بحث جاد يضعها في مكانها الصحيح من الثورات العربية الإسلامية، وما يزال الكثير من جوانبها غامضا، بل لا يكاد الناس - إذا استثنينا ذوي الاختصاص - يعرفون عنها شيئا أو شيئا ذا غناء.
ويبدو لي أن من بين أسباب ذلك، أن هذه الثورة قامت في إقليم بعيد عن مركز الخلافة وعن أقاليمها العربية القريبة فهي لم تقم في الشام ولا في الحجاز ولا في العراق حيث كانت تقوم الثورات عادة، وإنما في إقليم ناءٍ هو ذلك الممتد بين ما اصطلح على تسميته بما وراء النهر وبين إقليم خراسان.
____________________
(١) الحارث بن سريج بالتصغير بن يزيد بن سواء المجاشعي التميمي هكذا ورد اسمه في ( الإكمال ) لابن ماكولا تصحيح وتعليق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني ط٢ نشر محمد أمين دمج بيروت ج٤ ص٢٧٣ ويسميه ابن حزم في جمهرة أنساب العرب نشر دار الكتب العلمية بيروت ط أولى ١٩٨٣ ص٢٣١ ( الحارث بن شريج بالمثلثة وهو خطأ - بن يزيد وسواد بالدال المهملة بدلا من الهمزة وفي تأريخ الجهمية والمعتزلة للشيخ جمال الدين القاسمي ط أولى مطبعة دار المنار ١٣٣١ ه- جاء في ص٨ منه ( ان الحارث هذا كان عظيم الازد بخراسان).
وهذا وهم محض فالحارث مجاشعي تميمي بإجماع وقد يكون القاسمي خلط بين الحارث وبين الكرماني عظيم الازد في خراسان في وقت الحارث.
ومنها أن هذه الثورة قد امتدت عبر وقائع كثيرة دون إثارة أو بريق، وعلى فترة زمنية بلغت اثني عشر عاما من ١١٦- ١٢٨ بين انتصار وهزيمة ن فأنت لا تستطيع أن تلم بأحداثها مجتمعة في وقعة واحدة أو وقعتين كباقي الثورات التي عرفنا، وإنما عليك أن تتابع تلك الأحداث مجزأة وموزعة على السنين، كما هو أسلوب المؤرخين العرب فقد تصادف حدثا يتصل بها في سنة، ثم تمضي سنة أو أكثر، تواجه فيها عشرات الأحداث، لكنك لا تجد لثورة الحارث أو أحداثها ذكراً فالمؤرخ العربي ينتقل بك في أحداثها لا بتسلسل منطقي يربطها ببعضها في وحدة تيسر بحثها ودراستها وإعطاء صورة صادقة قدر الإمكان عنها، وإنما يتناولها أجزاء ووقائع منفصلة، تبعا للسنة التي حصلت فيها، وهو يعالج أحداث تلك السنة، وكأن الحدث مستقل عما قبله وعما بعده لا يربطه بهما شيء من سبب أو نتيجة.
ومنها أن قائد الثورة الحارث بن سريج لا نكاد نعرف عنه قبل الثورة إلا اليسير، فلم يكن واليا ولا قائدا بارزاً، ولم يشغل مركزاً ذا خطر(١) ثم هو لا ينتمي الى واحدة من تلك الأسر اللامعة في التأريخ العربي الإسلامية، كابن الزبير وابن الأشعث ويزيد بن المهلب وغيرهم كل ما نعرفه أنه من قبيلة تميم، لكنه لا يمت بنسب قريب الى بيت من بيوت تميم الرفيعة كآل زرارة أو آل الأقرع بن حابس أو آل قيس بن عاصم.
فإذا تجاوزنا ذلك، فإننا نجهل كل شيء عن نشأته وبيئته وموطن أسرته ومن من أهله الذي رحل الى تلك المناطق واستوطنها ومتى كان.
____________________
(١) أول ذكر للحارث يرد في الطبري وابن الأثير في أحداث سنة ١١٠ في الموقعة التي حصلت بين المسلمين وبين أهل السغد وبخارى ومعهم خاقان والترك وكان المسلمون قد ضعفوا وأجهدهم العطش لنفاد الماء فكان الحارث يحرض الناس على القتال ثم تقدم مع آخرين في فوارس من تيم وقيس فقاتلوا حتى أزالوا الأعداء عن الماء فشرب المسلمون واستقوا ولم يرد للحارث ذكر بعد ذاك حتى عام ١١٦ حيث ينقل الطبري وابن الأثير خبر خلْع الحارث دون بيان للمركز الذي كان يشغله ودون بيان أسباب خلعه ثم يبدأ الحديث عن نشاطه السياسي خلال الأحداث التي تلت وحتى مقتله عام ١٢٨ الطبري ج٧ أحداث ١١٠ ص٥٨ وأحداث سنة ١١٦ ص٩٤ وابن الأثير ج٤ أحداث سنة ١١٠ ص٣٨٦ وأحداث سنة ١١٦ ص٤١٠.
كل هذا لا يعرض له المؤرخون على أننا نجد في تأريخ ابن الأثير عند الكلام عن أحداث عام ١١٨ ما يمكن أن يدلنا على موطن الحارث وأسرته حين يقول ( وفي هذه السنة نزل أسد - يعني ابن عبد الله القسري أخا خالد السابق ذكره - بلخ وسرح جديعا الكرماني(٢) الى القلعة التي فيها أهل الحارث وأصحابه وسامها البتوشكان من طخارستان العليا وفيها بنو بزرى التغلبيون أصهار الحارث فحصرهم الكرماني حتى فتحها فقتل بني بزرى.)(١) .
وسواء كان أهل الحارث وأصهاره قد ارتحلوا بسبب ظروف القتال الذي كان دائرا آنذاك، الى القلعة التي حصروا فيها، أم كانوا من سكانها أصلا، فيبدو أن أسرة الحارث كانت قد توطنت تلك المناطق، وفيها كانت نشأته، وهو ما يفسر خروجه هناك.
ومن هذه الأسباب أيضاً أن هذه الثورة قد انتهت بالفشل وقتل قائدها الحارث، دون أن يكتب لها النجاح في تحقيق أهدافها في العمل بالكتاب والسنة والبيعة للرضا أو الشورى(٣) خصوصا وأن هذه الأهداف - الأولان منها على الأقل - هي من الأهداف العامة التي سبق أن صادفناها وسنصادفها في كل الثورات الأخرى، فليس فهيا ما يرتبط وجوده بثورة الحارث ويمنحها سمة خاصة بين تلك الثورات، تذكر الناس بها حتى بعد فشلها والقضاء عليها.
ولكن لم فشلت ثورة الحارث ؟
فشلت لأسباب ما كان لها أن تنجح مع وجودها.
____________________
(١) جديع بالتصغير بن علي بن شبيب الأزدي المعني ولد بكرمان من بلاد فارس ومنها جاء لقبه كبير الازد ورجل خراسان في وقته كان له دور كبير في الأحداث التي وقعت هناك أواخر العهد الأموي قتل عام ١٢٩ في وقعة بينه وبين نصر بن سيار وال خراسان من قبل الأمويين.
(٢) تأريخ الطبري ج٤ أحداث سنة ١١٨ ص٤٢١ وابن الأثير ج٤ أحداث سنة ١١٨ ص٤٢١.
(٣) الطبري ج٧ أحداث سنة ١١٦ ص٩٥ وابن الأثير ج٤ أحداث السنة نفسها ص٤١٠ وانظر في جعل الأمر شورى الطبري ج٧ أحداث سنة ١٢٨ ص٣٣٠ و٣٣١ و ٣٣٩.
ومع إني لا أريد أن أؤرخ لهذه لاثورة، فليس ذلك من شأن هذا الكتاب، ولكن لا بد من الإشارة الى بعض تلك الأسباب، لارتباطها بما أريد الوصول إليه من حديث عن الدور السياسي للمعتزلة.
فمن هذه الأسباب ان ثورة الحارث اقتصرت في نشاطها على إقليم خراسان وانحصرت فيه، فلم تتجاوزه ولم تمد جذورها خارج حدوده وهذا ما أضعف من تأثيرها وسهل ضربها والقضاء عليها.
ومنها أنها ارتبطت مختارة أو مضطرة، بروابط متينة مع عدد من قادة ورؤساء مناطق إقليم خراسان وما وراء النهر من الذين كانوا في حروب متصلة مع الجيوش العربية وقد بلغ من شدة ارتباط الحارث بهؤلاء وقوة علاقته بهم، أنه أمضى مدة طويلة تجاوزت العشر سنوات، هو وأنصاره لاجئين عندهم(١) بل انه كان يحارب أحيانا الى جانبهم، قوات العرب والمسلمين هناك(٢) .
وبرغم ما يمكن أن يبرر به موقف الحارث هذا، وبرغم ما يمكن أن يعتذر به عنه، فلا بد أنه قد استغل لتشويه ثورته وإضعافها، وفض الناس عنها بتصويرها خيانة للعرب وللمسلمين، وكيدا
لهم وتعاوناً مع أعدائهم وبين العرب والمسلمين من وتره هؤلاء بأخ أو ابن أو أب أو قريب.
منها أن ثورة الحارث قد واجهت، خصوصا في السنوات الأخيرة لها، تكتلين متنافسين كبيرين أفرزتهما الفتنة في إقليم خراسان والعصبية القبلية فيها وفي غيرها آنذاك، هما تكتل نصر بن سيار الكناني المضري والي الإقليم وممثل السلطة(٣) وتكتل الكرماني جديع بن علي زعيم الأزد
____________________
(١) الطبري ج٧ ص٢٩٤ وابن الأثير ج٧ ص٤٩٧ ان مدة بقاء الحارث هي اثنتا عشرة سنة.
(٢) الطبري ج٧ ص١١٩، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٥، ١٧٤، ١٧٥ وابن الأثير ج٤ أحداث سنة ١١٩، ١٢١.
(٣) نصر بن سيار بن رافع الليثي الكناني من الامراء الشجعان المعروفين آخر أمراء خراسان في عهد الدولة الأموية حاول ان ينقذ الدولة وان يوقف دعوة العباسيين لكنها كانت اقوى منه وكانت الفتنة في خراسان قد اتسعت بين مضر وبين ربيعة واليمن وباقي سكان الاقليم ولم تستطع السلطة في ذلك الحين ان تنجده او تعينه توفي عام ١٣١ بساوة قريبا من همذان.
ورجلها القوي في ذلك الحين، وهو تكتل ضم اليمن وربيعة وقام عليهما ولم يكن هذا التكتل يمثل في الواقع تمردا أو ثورة ضد الحكم، بقدر ما كان يمثل ردا يمنيا ربعيا على التكتل المضري الذي كان يتزعمه نصر بن سيار والذي قرب مضر واعتمد عليها(١) مستبعدا اليمن وربيعة فجاء التكتل الثاني تعبيرا عن النقمة والغضب ودفاعا عن مصالح اليمن وربيعة ضد سياسة نصر المنحازة لمضر في ذلك الإقليم فالتكتلان كانا محدودين بحدود إقليم خراسان، لكنهما ضمن حدود هذا الإقليم قد جذبا غالبية العناصر من أصحاب العصبيات إليهما: المضريين لتكتل نصر، واليمنين لتكتل الكرماني.
وإذا كان هذا الخلاف بين التكتلين قد اقتصر كما قلنا على إقليم خراسان، إلا أنه أسهم كثيرا، بإمتداداته القبلية خارج هذا الإقليم، في إضعاف الحكم كله والإسراع - مع العوامل الأخرى التي أشرنا الى بعضها - في دفعه نحو نهايته.
ولم تكن الدولة في ذلك الحين، وقد بلغت أشد درجات الضعف والانحلال، مع انشغالها بالفتن والخلافات في مركز الخلافة نفسه، بقادرة على تغيير هذا الوضع وإعادة سلطتها في الأقاليم البعيدة عن المركز كإقليم خراسان(٢) .
على أن من الحق أن نقول أن العصبية القبلية بين مضر من جهة وبين اليمن ومعها ربيعة في غالب الأحيان من جهة أخرى، والتي نشطت ونشطها الأمويون منذ قيام حكمهم، لم تتحدد بإقليم خراسان وحده، بل
____________________
(١) الطبري ج٧ ص١٥٧ و ١٥٨ و٣٣٨ إذ لم يستعمل نصر خلال أربع سنوات إلا مضريا ص١٥٨ وابن الأثير ج٤ ص٤٤١ وج٥ ص١٩.
(٢) الطبري ج٧ ص ٣٦٩ والشعر الذي أرسله نصر الى كل من مروان بن محمد آخر خلفاء الأمويين ويزيد بن عمر بن هبيرة والي العراق في ذلك الحين وجواب كل منهما الى نصر بعدم القدرة على معاونته وانظر أيضا ابن الأثير ج٥ حوادث سنة ١٢٩ ص٣٣.
تجاوزته الى الأقاليم الأخرى من الدولة العربية(١) لكننا لا نريد هنا بحثها والخوض فيها، وإنما عرضنا لها بقدر علاقتها بالحارث وثورته ذلك ان انقسام العرب في خراسان الى عصبية مضرية وأخرى يمنية ربعية وتوزعهم على هذين التكتلين، قد أثر دون شك على ثورة الحارث وحرمها من كثير من الأنصار الذين كان من المحتمل أن ينضموا إليها، لولا شدة العصبية هناك، وتحزب ل قبيلة والتحاقها بأحد التكتلين.
بل أن الحارث نفسه، زعيم الثورة وقائدها، لم يسلم من هذه العصبية أحياناً، ولم ينس مضريته في بعض المواقف(٢) .
ومن هذه الأسباب أيضا أن الحارث لم يلتزم خطا واضحا في ثورته، ولا هدفا محددا لها، حتى ليبدو أحيانا وكأنه يتعارض مع خطه ومع هدفه، فهو يدعو الى الكتاب والسنة، لكنه يرضى من ذلك بتبديل بعض العمال في سمرقند وطخارستان(٣) وهو يدعو الى الشورى ويدعو في الوقت نفسه الى البيعة للرضا بإطلاق(٤) بل أنه لا يتحرج من دعوة قبيلته تميم الى نفسه، مخالفا في ذلك مبدأ الشورى الذي يدعو إليه(٥) ومتجاوزاً البيعة للرضا من آل محمد.
ثم هو بين هذا وذاك، يتصل بزعيمي التكتلين ويكاتبهما أو يعاديهما ويقاتلهما، لا يحاول أن يخرج بثورته ليتجاوز بها حدود خراسان ونصرا والكرماني.
وما أظن ثورة يمكن أن يتكب لها النجاح، وهي تتذبذب بين أكثر من خط، حتى لتظنها بلا خط وهذا ما دفع عددا من أنصار الحارث وكبار
____________________
(١) حتى الأندلس لم تخلُ من العصبية القبلية فقد كانت هناك على أشدها بين اليمانية والقيسية من المضرية ووصلت في كثير من الأحيان الى الحروب والاقتتال بين الطرفين.
(٢) الطبري ج٧ ص١٧٥، ٣٣٧، ٣٤١ وابن الأثير ج٥ ص١٩ و ٢٠.
(٣) الطبري ج٧ ص٣٣١.
(٤) الطبري ج٧ ص٩٥ وابن الأثير ج٤ ص٤١٠.
(٥) الطبري ج٧ ص٣١٠.
أصحابه والثائرين معه الى اعتزاله والابتعاد عنه، وهو ما أضعفه واضعف ثورته(١) .
ولعل من أهم الأسباب وأبعدها أثرا في إخفاق ثورة الحارث، أن هذه الثورة تعاصرت مع بدايات حدث كبير: لقد كانت الدعوة العباسية أو الدعوة للرضا من آل محمد، كما كانت تعرف آنذاك، قد بدأت في مناطق شرق الخلافة، وبالذات إقليم خراسان، موطن ثورة الحارث ومركز نشاطه وهي أدق تنظيما وأوضح أهدافا وأذكى تخطيطا وأنشط دعاة وأوفر أنصارا وأكثر قبولاً، وأقدر على مخاطبة الجماهير وأشد جذبا لها وتأثيراً عليها، بما تملك من رصيد لا يدانيه رصيد، فلم تترك هذه الدعوة لثورة الحارث ولا لغيرها من الثورات المحلية الأخرى فضلا من نشاط، ولا فضلا من ساحة تعمل فيها.
هذا بالإضافة الى العوامل التي سبق الحديث عنها والتي ساهمت، مستقلة عن الدعوة العباسية، فيما أصاب ثورة الحارث من فشل وإخفاق.
أراني استرسلت كثيرا في الحديث عن ثورة الحارث بن سريج، وما كان هذا الفصل معدا في الأصل للحديث عنها ولا عن غيرها من ثورات المسلمين، وإنما هو فصل خصصته لنشاط المعتزلة السياسي، ومواقفهم من الثورات التي قامت في زمانهم فليعذرني القارئ إذا كنت قد خرجت، أو أخرجت عن حدود هذا النشاط.
____________________
(١) الطبري ج٧ ص٣٣٩.
ولقد سبق أن بينت، غير متجن ولا متحامل، أن هؤلاء المعتزلة لم يكن لهم أي موقف سياسي على الإطلاق، أعني أية مشاركة إيجابية في أي من تلك الثورات التي رأيناها تشتعل على الساحة العربية الإسلامية.
رأينا ذلك في ثورة زيد وثورة ابنه يحيى ورأينا ذلك في ثورة عبد الله بن معاوية وثورة يزيد بن الوليد.
ونصل الى ثورة الحارث بن سريج، ونحاول أن نبحث عن دور للمعتزلة أن نجد لهم ذكرا، أي ذكر أو أية إشارة فيها، على امتدادها لأكثر من عشر سنوات، وكثرة وقائعها وتعدد أحداثها، فلا نجد من ذلك شيئا.
وليت الأمر وقف عند هذا الحد، عند عدم المشاركة والسكوت عن المشاركين في ثورة الحارث إذن لهان الأمر وسكتنا، ولم نتعرض لهم بما يسوء بعض الذين يصرون على أن يجعلوا منهم أبطال كل حركة، وقادة كل ثورة قامت في الإسلام منذ نشأتهم.
لقد هاجم المعتزلة ثورة الحارث بن سريج في شخص واحد من كبار رجالها وهو جهم بن صفوان(١) الذي كان كاتب الحارث ومساعده وقارئ سيرته بين الناس، والذي بلغ من اعتماد ثورة الحارث عليه وثقتها به، أنه كان الممثل لها والمتحدث باسمها في المباحثات التي كانت تجري بين ممثلي هذه الثورة من جهة وبين ممثلي تكتل نصر بن سيار من جهة أخرى(٢) وقد انتهت حياته بالقتل في واحدة من المعارك التي خاضتها الثورة في أواخر أيامها(٣) .
فقد برئ منه المعتزلة ونفوه عنهم واستنكفوا أن ينسب إليهم.
____________________
(١) سبقت ترجمته في ص٨١.
(٢) الطبري ج٧ ص٣٣٠، ٣٣١ أحداث سنة ١٢٨ وابن الأثير أحداث السنة نفسها ج٥ ص١٧ و ١٨.
(٣) قتله سلم بن أحوز المازني بعد أسره وذلك سنة ١٢٨ الطبري ج٧ ص٣٣٥.
أستمع الى أحد كبار شيوخ المعتزلة بشر بن المعتمر(١) وهو يقول:
إمامهم جهم وما لجهم |
وصحب عمرو ذي التقى والعلم |
وما أظن بشراً كان محقا وهو يهجو جهما ويذمه ويعيبه، فليس من حمل السيف وقاتل الظلم وقتل، غير طامع في جاه ولا منصب ولا مال، بأولى بالهجاء والذم، ممن لم يعرف له موقف أنكر فيه ظلماً أو حمل سيفاً أو رفع صوتاً ينصر فيه حقاً أو يدفع باطلاً، غير ما يتناقله أنصار المعتزلة أنفسهم ويضيفونه إليهم من مواقف، ثبت اختلاق بعضها، وسيثبت اختلاق ما بقي منها.
وما أظن من حق أحد أن ينسب ثورة الحارث الى المعتزلة ويضيفها إليهم، وموقف المعتزلة هو ما بينا منها ومن رجالها، وهم بين مرجئ وبين مجبرة(٢) أبعد المسلمين فكرا وعقيدة عن المعتزلة.
حارب الذين يصححون إسلام مرتكب الكبيرة، وحارب الذين يجعلون أفعال العباد مخلوقة لله، وحملوا السيف وقاتلوا وقتلوا دفاعا عن الحق وسالم الذي يخلدون مرتكب الكبيرة في النار، ويجعلون أفعال العباد مخلوقة لهم ثم لم يكتفوا فتجاوزا ذلك الى هجاء الثائرين المقاتلين دفاعا عن الحق.
وهذه الثورة من ثورات آل البيت، قام بها في منتصف القرن الثاني الهجري، واحد منهم ممن عرفوا بالدين والفضل والبأس: ذلك هو محمد المعروف بالنفس الزكية(٣) .
____________________
(١) أبو سهل بشر بن المعتمر الهلالي مؤسس مدرسة الإعتزال في بغداد من أكابر شيوخ المعتزلة والمقدمين فيهم توفي عام ٢١٠ والرجز هذا من الانصار للخياط ص٩٨.
(٢) كان الحارث يرى رأي المرجئة كما في الطبري ج٧ ص١٠٠ أما جهم فهو زعيم المجبرة الذين ينكرون أية قدرة للعبد في خلق أفعاله وأنه مجبور عليها وقد سبقت ترجمته في بداية الفصل الأول.
(٣) ابن عبد الله المحض بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المعروف بالنفس الزكية ولد في المدينة عام ١٠٠ وقتل فيها عام ١٤٥ زمن أبي جعفر المنصور بعد ثورته عليه هناك كان أحد سادات العلويين ورجالهم دينا وشجاعة ونسكا.
وهي امتداد لثورات هؤلاء العلويين الذين تحملوا بسبب الإسلام والدفاع عنه، ما لا طاقة لأحد به وما لا صبر لغيرهم عليه، فلم يهادنوا ولم يسالموا، غير مفكرين بثمن يدفعونه ولا بتضحية يقدمونها، وقد كان يسعهم ما وسع غيرهم من أشراف قريش والعرب، بل وأكثر مما وسع غيرهم بكثير لو شاؤوا.
ويبدوا لي أحياناً، أن وجود هذا البيت في ذاته، كان مصدر قلق وهم شديدين للسلطة، يدفعها الى اصطناع الذرائع للتخلص منه والتنكيل بأفراده، حتى لو سكتوا فلم يجهروا بنقد ولم يحملوا سيفا، بل حتى لو كانوا دون السن التي يجهرون فيها بالنقد ويحلمون السيف، أو تجاوزوا تلك السن فهم دائما تحت المراقبة، وهم دائما معرضون للخطر لأدنى سعاية وأوهي سبب فان لم يكن شيء من ذاك، فيكفي مالهم من منزلة رفيعة ومكانة عالية عند المسلمين، ومن حب واحترام عميقين لديهم وهذا في ذاته هو السبب، وهو الخطر الدائم الذي لا تحتمله السلطة ولا تتسامح فيه.
لقد كانت ثورات العلويين هذه، وستبقى، عظة وعبرة تستمد دائما قيمتها من أنها تمثل الإنسان في أعلى وأروع لحظاته، وهو يختار، وبوعي كامل وإرادة حرة، ما هو أليق به، رغم علمه بنتائجه، تاركاً، وبنفس الوعي والإرادة، ما هو أسهل وأيسر رغم علمه بنتائجه أيضاً.
وأعود بعد هذه الملاحظة السريعة الى ثورة النفس الزكية وأعيد قراءة فصولها، فصلاً بعد فصل، ومرة بعد أخرى، فلا أجد فيها غير
السمات العامة التي أنا واجدها في ثورات آل البيت فالموقف والشعارات والأهداف تكاد تكون هي نفسها هنا وهناك.
ثم أعيد قراءتها لأرى كيف استطاع الدكتور عمارة أن يجعل منها ثورة معتزلية، فلا أظفر بشيء من ذاك فالثورة قامت في المدينة التي غلب عليها أهل الحديث، أشد أعداء المعتزلة وأبعد الناس عن الاعتزال، وكان مالك نفسه رأس فقهاء المدينة وزعيم مدرسة الحديث، ممن ساعد في هذه الثورة وتعرض بسببها لسخط الحكم حتى لزم بيته وذلك حين أحل الناس من البيعة التي كانت في أعناقهم للمنصور وأجاز لهم الخروج مع محمد، على الرغم منها(١) .
وكان أغلب الذين استجابوا لمحمد عند خروجه، هم أهل المدينة والقبائل العربية القريبة منها وأبناء الأنصار وسائر قريش، وفي مقدمتهم آل عمر بن الخطاب وآل الزبير بن العوام وما نعرف أحدا من هؤلاء كان يرى الاعتزال أو يذهب إليه(٢) .
أما من الطالبين والعلويين، فقد خرج منهم مع محمد عدد من أبناء جعفر بن أبي طالب وعقيل بن أبي طالب ومن أبناء الحسن وأبناء الحسين(٣) .
وعلى العموم لم يتخلف عن محمد أحد من وجوه الناس إلا نفر عدَّ منهم الطبري أربعة أشخاص(٤) .
لكن الغريب ان من بين جميع العلويين والطالبيين ومن بين جميع المسلمين الذين استجابوا لدعوة محمد وخرجوا معه، والذين قتلوا أو
____________________
(١) قال مالك حين استفتاه الناس في الخروج مع محمد وفي أعناقهم بيعة المنصور ( إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين ) فأسرع الناس الى محمد ولزم مال بيته الطبري ج٧ ص٥٦٠ ومقاتل الطالبيين ص٢٨٣.
(٢) الطبري ج٧ ص٦٠٤ ومروج الذهب ج٣ ص٢٩٥ مقاتل الطالبيين ص٢٣٧ فما بعدها.
(٣) الطبري ج٧ ص٦٠٤ ومروج الذهب ج٣ ص٢٩٥ ومقاتل الطالبيين ص٢٧٧ فما بعدها.
(٤) الطبري ج٧ ص٥٥٩.
سجنوا أو شردوا، لا نجد واحدا فقط من آل محمد بن علي بن أبي طالب ( ابن الحنفية ) الذين يقال: ان الاعتزال قد خرج من بيتهم(١) .
أتكون الثورة معتزلية وقائدها معتزليا، ويخرج لنصرتها من لم يكن معتزليا ومن هو عدو للاعتزال والمعتزلة، ثم يتخلف عنها من خرج الاعتزال من بيته ؟ فهل سنصحح وصف الثورة أو وصف من خرج الاعتزال من بيته ؟!
ولنترك هذا، ولنأخذ الكتب المتبادلة بين قائد الثورة محمد وبين المنصور، أو - لكي أكون أكثر دقة - الكتاب الذي أرسله محمد الى المنصورة، رداً على كتاب الأخير إليه(٢) فنحن لا نجد فيه ما يتصل بالمعتزلة والاعتزال بأية صورة بل على العكس، فما فيه من فخر على المنصور، جاهلية وإسلاماً، وما فيه من تمسك بحق آل البيت واعتداء العباسيين عليه، لا يتفق ومعتقدات المعتزلة ومفاهيم في السياسة والحكم، كما أشرنا الى ذلك في ثورة زيد، فضلاً عن أن حديث الآباء والأجداد هنا، قد لا يسر المعتزلة ولا يرضيهم، وغالبيتهم العظمى كما هو معروف، من الموالي.
أما عن الدعوة الى الكتاب والسنة في دعوة محمد، فما أظن ثورة إسلامية، تقوم في بلد إسلامي، تستطيع أن تغفل الدعوة الى كتاب الله وسنة نبيه، وهي ركيزة كل ثورة إسلامية، لا في ذلك العصر حسب بل وحتى في عصرنا الحالي، كما يحدث الآن.
____________________
(١) الخلافة ونشأة الأحزاب السياسية للدكتور عمارة ص١٨٧ والحق أن الغلو لا الاعتزال هو الذي خرج من بيت محمد بن الخليفة فأولى الفرق الغالية كالحربية أصحاب عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي والبيانية اتباع بيان بن سمعان التميمي كانتا على صلة وثيقة به وقد أدعى زعيم الفرقة الأولى أن روح أبي هاشم حلت فيه كما ادعى زعيم الثانية أن الامامة انتقلت إليه بوصية من أبي هاشم وفي كتب الفرق كمقالات الإسلاميين للاشعري والفرق بين الفرق والتبصير في الدين للاسفراييني تفصيل ذلك
فارجع إليها أن شئت وكذلك كتابنا ( على هامش الفرق الإسلامية، فصل الغلو بعد علي ).
(٢) الطبري ج٧ ص٥٦٧، ٥٦٨ ز
فما ظنك بثورة في القرن الثاني الهجري، يقودها واحد من أبناء صاحب الرسالة، وتقوم في مدينته ويقاتل فيها آله وعشيرته وأنصاره ؟!
ما الذي ستدعو إليه الثورة إن لم تدعُ الى كتاب الله وسنة نبيه، وما الذي سيحشد الجماهير حولها ويرفدها بمن يدافع عنها ويقاتل دونها، إذا هي تخلت عن هذا الشعار فلم ترفعه ولم تؤكد التزامها به ؟!
إذن، كيف تحولت هذه الثورة بعد كل الذي ذكرنا الى ثورة معتزلية ؟!
يبدو لي أن صاحب ( المعتزلة والثورة ) وهو يرفض إلا أن تكون ثورات المسلمين كلها معتزلية، راح يفتش - فعله مع الثورات الأخرى - عن كل ما يمكن أن يساعده في الوصول الى هذا، من رواية مبتورة أو حديث موضوع أو موقف مشتبه، وهو ما لا يصعب العثور عليه لمن أراده، لكن هذا لن يكون تأريخاً، بل اختلاقا وتلفيقا يعرض عليك في صورة تأريخ.
لنستمع إليه، وهو يتحدث عمن أخذ منه محمد وتتلمذ عليه قائلاً، أنه ( كان - يعني محمدا - هو وأخوته وأبوه وأعمامه - لا ينسى ولا يستثني أحدا منهم - معتزلة، أخذوا الاعتزال عن واصل بن عطاء في المدينة(١) .
وأقسم أن لو كان الدكتور عمارة معهم في حلقة واصل، لفاته ذكر بعضهم ولما استطاع أن يوردهم بكل هذا التفصيل، دون أن يغفل أو يهمل أحدا من آل محمد وأسرته، وهم يجوبون دروب المدينة وشعابها الى حلقة واصل، يتلقون العلم ويأخذون الاعتزال عنه كما يقول مؤلف ( المعتزلة والثورة ).
____________________
(١) المعتزلة والثورة ص٨٧ وكم تمنيت أن يرشدنا الدكتور للمصدر الذي استقى منه معلوماته هذه فنحن لم نجدها فيما بين أيدينا من مصادر عن الموضوع.
أنني لم أكن أعرف قبل الآن أن واصلا كانت له حلقة درس في المدينة يختلف إليها المسلمون يأخذون عنه ويتعلمون منه فان أيا من المؤرخين لم يذكر شيئاً عن هذه الحلقة التي يفترض أن تكون من الحلقات المشهورة في المدينة بحيث يرتادها وجوه العلويين وذوو النباهة والفضل منهم.
وأجدني مضطراً أن أقف من بين هؤلاء ( المتعلمين ) عند واحد منهم على الأقل، عبد الله بن الحسن - والد قائد الثورة محمد النفس الزكية - الذي لم يتحرج الدكتورة عمارة أن يجعله هو أيضا من مرتادي حلقة واصل والدارسين على يده.
لقد كان عبد الله يكبر واصلا بعشر سنين(١) وهو من سادة آل البيت ومن أرفعهم قدرا وعلو منزلة، وكان من العلم والدين وقوة الشخصية بحيث يقول عنه الطبري ( ما سار عبد الله بن حسن أحدا قط إلا فتله عن رأيه ) أو بعبارة ابن الأثير المشابهة ( لا يحدث أحدا قط إلا قلبه عن رأيه )(٢) .
فماذا سيتعلم عبد الله على يد واصل وهو يكبره بعشر سنوات، ومن العلم والدين بالمنزلة التي رأينا ؟ هل سيتعلم منه موقفه من جده علي وهو ما قد عرفنا، أم حق آله في الخلافة ؟! أم يتعلم منه الثورة على الحكم الأموي والأمويين، وليس بين أهله إلا قتيل أو ثائر ضدهم ! ومتى كان لواصل موقف من بني أمية حتى ما هو دون الثورة ؟! أي اعتزال إذن هذا الذي يأخذه عبد الله عن واصل ؟!
____________________
(١) ولد عبد الله بن الحسن عام ٧٠ للهجرة وولد واصل بن عطاء عام ٨٠.
(٢) الطبري ج٧ أحداث سنة ١٤٤ ص٥٣٩ وابن الأثير ج٥ أحداث السنة نفسها ص١٤٤.
ثم أن واصلا ترك المدينة الى البصرة وهو ابن إحدى وعشرين سنة(١) ولا بد أن يكون اختلاف من يختلف إليه من العلويين وغيرهم قد حصل أثناء وجوده في المدينة فهل كانت حلقة واصل هذه التي يغشاها ويختلف إليها من ذكرنا من وجوه العلويين ومن الناس الآخرين، وهو دون العشرين من عمره ؟!
وهل أنا في حاجة لأن أضيف ان الاعتزال الذي أخذه محمد وأخوته وأبوه وأعمامه كلهم عن واصل في المدينة لم ينشأ ولم يعرف على اختلاف الروايات إلا في البصرة، وبعد مغادرة واصل المدينة فكيف أصبح هؤلاء معتزلة قبل نشوء الاعتزال وقيام المعتزلة ؟!
ويبدو أن الدكتور مولع ليس فقط برد ثورات المسلمين كلها الى المعتزلة ونحلهم إياها وإنما يريد أن يجعل الهاشميين والعلويين خاصة تلاميذ لواصل فإذا تفضل على واحد منهم، مهما كان سنه وقدره، جعله زميلا له يدرس ويتعلم معه في مكتب واحد.
لقد رأينا ذلك قبل قليل حين جعل عبد الله بن الحسن وزيدا وغيرهما تلاميذ لواصل.
ولنستمع الى ما يقوله الآن عن علاقة واصل بأبي هاشم بن محمد بن الحنفية (.وتعلم - يعني واصلاً - مع أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية في المكتب وكان خلاً له ورفيقاً )(٢) .
____________________
(١) الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية للدكتور عمارة ص١٨٥.
(٢) الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية من موسوعة الإسلام وفلسفة الحكم للدكتور عمارة ص١٨٥.
ولكي تعلم دقة الدكتور فيما يقول، اسمح لي أن أذكر لك أن أبا هاشم قد توفي عام ٩٨ أو ٩٩، وواصل لم يتجاوز بعد، الثامنة أو التاسعة عشرة من عمره.
وكان أبو هاشم كما يقول الدينوري، عند ذاك ( عظيم القدر وكانت الشيعة تتولاه . )(١) .
ويتفق المؤرخون على أنه هو الذي أوصى الى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ودفع إليه كتبه وصرف الشيعة إليه، عندما أحس بالموت(٢) .
بل أنه بلغ من ذيوع الاسم والشهرة ما دفع عددا من زعماء الغلاة في ذلك العهد الى الانتساب إليه وإدعاء حلول روحه فيهم.
وما أظنه قد بلغ كل هذه المنزلة وتمتع بكل هذه الشهرة، وهو في سن الثامنة أو التاسعة عشرة - سن واصل - ولا قبلها أو بعدها بقليل، ليمكن القول بأنه كان معه في مكتب واحد.
وإذا كانت المصادر التي بين أيدينا لا تعيننا على تحديد تأريخ مولده بصورة دقيقة، فلا يمكن أن نفترض أن أبا هاشم كان دون الثلاثين من عمره عند وفاته، خصوصا وهو أكبر أبناء محمد بن الحنفية الذي قاتل في الجمل وصفين وكان بيده لواء أبيه علي أواسط العقد الرابع الهجري، وهذا يعني أن مولد أبي هاشم كان عام ٦٨ أو ٦٩ في أقل تقدير أي أنه يكبر واصلا بإحدى أو اثنتي عشرة سنة.
____________________
(١) المعارف ص٢١٧.
(٢) تنقل الروايات أن سليمان بن عبد الملك قد أرسل مع أبي هاشم من سمه في الطريق عند رجوعه منه وذلك عام ٩٨ في خلافة سليمان.
فكيف يمكن لابن العشرين مثلاً - مع صرف النظر عن كونه حفيدا لعلي بن أبي طالب - أن يزامل في مكتب واحد، من لا يتجاوز التسع سنوات من عمره أو ربما أقل من ذاك، أو يكون خلاً ورفيقاً له ؟
على كل، سأشكر للدكتور عمارة سعة اطلاعه، لو تفضل فدلنا على مصادره في هذه الدعوى، على ألا يكون أحدهما قاضي القضاة أو أبو القاسم البلخي فلقد دهشت وأنا أرى خبطهما في هذا الموضوع.
أما الأول فيروي في ( فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ) ان واصل بن عطاء كان يحكي أنه كان معه - يعني أبا هاشم بن محمد بن الحنفية - في المكتب في دار أبيه فأخذ عنه وعن أبيه - محمد بن الحنفية - هذه الأصول - يقصد طبعا الأصول الخمسة المعروفة للاعتزال -(١) .
وأما الثاني ( البلخي ) فيقول في كتابه ( مقالات الإسلاميين ) أن واصلا ( رباه محمد بن علي بن أبي طالب - محمد بن الحنفية - وعلمه )(٢) .
وعجبت كيف وقع شيخا المعتزلة في مثل هذا الخطأ الذي لا يقع فيه من هو دونهما، ومن لا يقاس بهما وبما يحتلان من مكانة وشهرة وعذرت الدكتور عمارة إذا هو ساواهما، فأخطأ فيما لا يقع في مثله الخطأ.
أن واصلاً ولد عام ٨٠ وتوفي محمد بن الحنفية عام ٨١ أي بعد سنة واحدة فقط من ولادة واصل.
فكيف استطاع واصل وهو في المهد، أن يأخذ الأصول الخمسة، عن ابن الحنفية أو يتعلم ويدرس على يديه، إلا أن يكون الله قد أراد من ذلك
____________________
(١) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة لقاضي القضاة ص٢١٥.
(٢) مقالات الإسلاميين لأبي القاسم البلخي ص١١٠.
إظهار معجزة جديدة كمعجزة عيسى الذي كلم الناس في المهد، فزاد عليه واصل بأن تعلم ودرس وأخذ الأصول الخمسة للاعتزال وهو ما يزال في المهد.
ثم أن الأصول الخمسة للاعتزال لم تكتمل لا في زمان ابن الحنفية الذي أخذها عنه واصل كما يحكي قاضي القضاة أو واصل، ولا في زمان واصل نفسه، وإنما بعد وفاة واصل بمدة ليست قصيرة.
لقد كنت أجل الرجلين من الوقوع في خطأ، لم يدفع إليه إلا قلة حرص في تحري المعلومات، أو شدة تعصب في ربط الاعتزال بمحمد بن الحنفية ولا أدري أي الأمرين أخطر على هاذ المسكين الذي يسمونه تأريخا.
وأعود لأسأل ما الذي استند إليه الدكتور إذن ليجعل من ثورة محمد ثورة معتزلية، ناسخا كل ما أجمع عليه المؤرخون وأكدته وقائع التأريخ.
روايتان روايتان للطبري، ورد فيهما ذكر المعتزلة فتعلق بهما صاحب ( المعتزلة والثورة ) ليبدل هوية ثورة كاملة، هي ثورة محمد النفس الزكية في المدينة.
وسأعرض عليك هاتين الروايتين لتناقشهما معي، مبتدئا بالأولى منهما وهذا نصها كما ورد في الطبري ( وذكر أن محمدا كان يذكر أن أبا جعفر - المنصور - ممن بايع له ليلة تشاور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة حين اضطرب أمر بني أمية مع سائر المعتزلة الذين كانوا معهم هنالك )(١) .
____________________
(١) تأريخ الطبري ج٧ ص٥١٧.
الى هنا ينتهي نص الطبري للرواية الأولى.
وألاحظ ابتداء أن العبارة الأخيرة من النص ( مع سائر المعتزلة الذين كانوا معهم هنالك ) والتي تعلق بها الدكتور، ليس لها مكان في هذا النص، وأنها أقحمت فيه سهوا أو جهلا بعد ذاك، أو أن الطبري سمع شيئا فأثبته ولم يرد أن يتحمل تبعته، فأورده بصيغة التمريض ( ذكر ) دون أن يعزوه الى شخص أو أشخاص معروفين ممن ترد أسماؤهم في تأريخه ولو أراد غير ذلك، وكان متأكدا منه، لأسنده الى رواية أو رواته، كما هي عادته في تناوله للمسائل الأخرى.
وليس هذا تحكما في التأريخ ولا تعسفا في انتقاء ما أريد ورفض ما لا أريد مما ينقله الطبري، فالموضوع كما يقول الطبري نفسه، يتعلق باختيار أحد الهاشميين للخلافة ومبايعته، بعد ما اضطرب أمر بني أمية.
وأنا أفهم أن يشاور الهاشميون وأن يجتمعوا للنظر فيمن يولونه الخلافة بعد ما آذنت دولة الأمويين بالزوال فهم المعنيون الأساسيون بالأمر، والمرشح للخلافة سيكون من بينهم وواحدا منهم.
وهذا ما أشك فيه، وهو الأمر الطبيعي الذي يفعله الهاشميون وغير الهاشميون في مثل تلك الظروف لكن ما لا أشك فيه أيضا وما هو طبيعي أيضاً، أن هذا الاجتماع الذي يبايع فيه الهاشميون خليفة المستقبل، وهم ما يزالون تحت الحكم الأموي، لا بد أن يكون سريا جدا وخاصا جداً، يقتصر على عدد محدود من بين الهاشميين أنفسهم.
فما الذي أقحم المعتزلة فيه جاء بهم من العراق لحضوره ؟ إذ لو حضوره، لوجب أن يحضره معهم أو قبلهم، عدد كبير من الهاشميين وأقاربهم وأنصارهم، بل لكان أولى أن يحضره هؤلاء الذين ثبتوا وقاتلوا فيما بعد مع محمد، حين لم يشارك ولم يقاتل معه واحد فقط من جميع المعتزلة.
لكن اجتماعاً يضم مثل هذا العدد من الهاشميين وغيرهم، وينعقد في مكة، أقدس وأهم مدينة لدى المسلمين، ويتناول خلع الخليفة القائم ومبايعته خليفة آخر، ويشارك فيه بين من يشارك، المعتزلة القادمون من بعيد، لا يؤمن أن تتسرب أخباره وتعرف، فلم تكن السلطة - رغم الضعف الذي انتابها - مغمضة العينين مستسلمة الى الحد الذي تجهل معه مثل هذا الاجتماع، وتجهل ما دار فيه، وليس هناك أخطر مما دار فيه.
ثم لماذا المخاطرة وقدوم المعتزلة من العراق، وفي آل محمد بن الحنفية الذين ( خرج الاعتزال من بينهم ) من يستطيع أن يحضر الاجتماع ممثلا المعتزلة وحضورهم - وهم العلويون الهاشميون - لن يثير انتباه أحد من رصد السلطة وعيونها، خلافاً للآخرين من المعتزلة القادمين من العراق.
على أن الطبري لم يخبرنا باسم واحد من هؤلاء المعتزلة الذين حضروا الاجتماع وبايعوا محمدا.
وأعود مرة أخرى للنص وأسأل، لماذا يصر محمد على أن يذكر المعتزلة ومبايعتهم، وهو يتحدث عن نقض المنصور لها ؟ أكان فيها ما يقوي دعواه ويجعلها أكثر قبولا لدى آله وأنصاره من أهل المدينة وقريش ومن قبائل العرب الأخرى ؟ وما نعرف فيهم من كان معتزلياً أو قريباً من المعتزلة أم كان فيها تزكية له ودعما لحجته أمام عدو المعتزلة وزعيم مدرسة الحديث مالك بن أنس ليفتي الناس بالتحلل من بيعتهم للمنصور والخروج مع محمد والالتحاق بثورته؟!
أظن ابن الأثير قد فطن لهذا أو لبعضه، فاستوقفه كما استوقفني وشك فيه كما شككت فيه، فأورد الرواية بصيغة مماثلة تقريبا لكن دون عبارة ( مع سائر المعتزلة . ) وأنا أنقلها لك كما وردت عنده أيضاً.
قال ابن الأثير ( وذكر ان محمدا بن عبد الله كان يزعم ان المنصور ممن بايعه ليلة تشاور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة حين اضطرب أمر مروان بن محمد )(١) .
هذا هو نص ابن الأثير دون ذكر للمعتزلة وما ذاك إلا لأن ابن الأثير كما أتصور، قد استبعد أن يكون محمد ذكر المعتزلة أو أشار إليهم، فحذف العبارة الأخيرة من نص الطبري بعدما تبين له عدم صحتها.
وللاسباب نفسها كما أظن، أغفل المقريزي ذكر المعتزلة، مقتصرا على الهاشميين، وهو يتعرض لأمر البيعة في كتابه ( النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم ) إذ يقول (.حتى أن أبا جعفر - يقصد المنصور طبعا - كان ممن بايع محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن
____________________
(١) ابن الأثير ج٥ حوادث سنة ١٤٤ ص١٣٧.
علي ابن ابي طالب ليلة تشاور بنو هاشم فيمن يعقدون له الإمامة وذلك حين اضطربت أمور بني أمية.)(١) .
فهو لا يشير لغير بني هاشم ولا يتحدث إلا عنهم ولا يجعل الاجتماع إلا بينهم.
وقبل ابن الاثير وقبل المقريزي، هذا أبو الفرج وهو يعرض لنفس الموضوع نفسه ( مقاتل الطالبيين ) الذي خصصه، كما يظهر من اسمه لقتلاهم، واستقصى فيه أخبارهم، وقد أفاض في الحديث عن عبد الله بن الحسن وابنه محمد وثورته، ولم يترك شيئا يتصل بهما إلا ذكره وأتى عليه، وقد عرض للاجتماع المذكور في أربعة مواضع من كتابه، فهل أشار الى وجود المعتزلة في ذلك الاجتماع مع من حضره وشارك فيه ؟
لنستمع إليه في ص٢٠٥، ٢٠٦ بعد أن يذكر أسماء رواته ( أن جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالابواء وفيهم إبراهيم - الإمام - بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وأبو جعفر المنصور وصالح بن علي وعبد الله بن الحسن بن الحسن وابناه محمد وإبراهيم ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان.فبايعوا جميعا محمدا ومسحوا على يده.) ثم افترقوا ( ولم يجتمعوا بعدها ).
وفي ص٢٣٣ (.وبايعه - يعني محمد بن عبد الله - رجال من بني هاشم جميعا من آل أبي طالب وآل العباس وساير بني هاشم .
وفي ص٢٥٣ ( أن بني هاشم اجتمعوا فخطبهم عبد الله بن الحسن )
____________________
(١) النزاع والتخاصم فيما بين أمية وبني هاشم للمقريزي بتصحيح الشيخ محمود عرنوس ص٧٣.
وفي ص ٢٥٦ يكرر أبو الفرج ما سبق أن أورده في ٢٠٥ من حديث الاجتماع في الابواء والأشخاص الذين حضروه، بإضافة السفاح هنا ومبايعتهم جميعا لمحمد بن عبد الله، وأنهم لم يجتمعوا بعد هذا الاجتماع الى أيام مروان بن محمد(١) .
فهل رأيت أبا الفرج ذكر المعتزلة أو غير المعتزلة بكلمة، وهو يتناول في أكثر من موضع، الاجتماع الذي تمت فيه بيعة محمد بن عبد الله.
وهل تحدث في هذا الموضوع عن غير الهاشميين إجمالاً أو تفصيلاً، مضافا إليهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو أخو عبد الله بن الحسن لأمه.
ولكن ان شئت فسأخبرك بما ذكره أبو الفرج عن موقف المعتزلة، ممثلا بزعيمهم عمرو بن عبيد، من البيعة لمحمد ومن ثورته ( المعتزلية ) لا في هذا الاجتماع الذي لم يحضروه ولكن فيما بعد، حين دعا محمد عمرو بن عبيد للنهوض معه.
يقول أبو الفرج في ص٢٠٩ من مقاتل الطالبيين ( أن محمدا دعا عمرو بن عبيد فاعتل عليه.وكان أبو جعفر - المنصور - يشكر ذلك له وكان عمرو يقول لا أبايع رجلا حتى اختبر عدله ).
وهذا يثبت أن عمراً لم يحضر ذلك الاجتماع ولم يبايع محمد النفس الزكية فيه وأنه استمر على عدم مبايعته، حتى الوقت الذي بدأ فيه محمد يتهيأ للخروج ويدعو الناس للخروج معه.
____________________
(١) الابواء قرية قرب المدينة فيها قبر آمنة أم النبي محمد (ص) وبها كان اجتماع الهاشميين المشار إليه.
بل هو يثبت أن عمرا لم يكن يعرف محمداً، أو لم يكن يعرفه بما يسمح له أن يختبر عدالته، ويجيز مبايعته، ما لم نتهم عمرا بأنه كان كاذبا في ذلك، خوفا أو ملقا أو طمعا في المنصور، وحفاظاً على صلته به.
وعلى كل، فقد سارة علاقة عمرو قوية متينة بالسلطة العباسية وممثلها المنصور الذي بقي شاكراً له موقفه ذاك من محمد وعدم مبايعته له، طول حياته حتى روي أنه رثى عمرا بأبيات من الشعر عند وفاته.
فهل بعد هذا الوضوح من وضوح، وهل ترك عمرو نفسه مقالا لمن يريد أن يعتذر عنه أو يدعي بيعة له، أو موقفا الى جانب محمد وثورته ؟!
ولنترك ابن الاثير، ولنترك أبا الفرج، ولنعد الى نص الطبري ونفترض صحته، فهل زاد هذا النص على القول أن المعتزلة حضروا الاجتماع الذي تمت فيه بيعة محمد ولنقل أنهم بايعوه ولم يكتفوا بحضوره، فهل تعني البيعة بالضرورة - ومع التسليم بحصولها - الثبات عليها والثورة مع من تمت مبايعته عندما يعلن الثورة.
لقد سبقت الثورة محمد ثورات ما أكثرها، ولكن ما أكثر الذين نكثوا وغدروا ونقضوا بيعتهم فيها.
وفي ثورة محمد بالذات بايع المنصور نفسه أكثر من مرة فهل ألزمته بيعة بشيء ظ وهل حالت دون أن ينكثها بعدئذ، كما يذكر نص
فماذا يعني أن يبايع المعتزلة أو بعضهم محمدا ؟ إذ يبقى السؤال - حتى لو اضطررنا الى تصحيح النص، وقبلنا القول بمبايعتهم - هل وفى المعتزلة ببيعتهم تلك وثاروا مع محمد، حين ثار أم نكثوا وتخلفوا وغدروا ؟
أن المؤرخين لم يذكروا لنا اسم واحد من المعتزلة، ثار مع محمد أو قاتل الى جانبه والطبري نفسه صاحب النص، ورغم كل التفاصيل التي جاء بها عن الثورة، لم يورد أي دور للمعتزلة فيها، ولم يذكر شخصاً منهم قاتل في صفها أو كان له شأن في أحداثها، مع أن مشاركة واحد أو أثنين أو أكثر منهم، لا تعني أن الثورة قد تحولت الى ثورة للمعتزلة إذن لكان المحافظون من أصحاب مالك وأهل المدينة الذين خرجت الثورة من بين أظهرهم، أولى بالادعاء بها وأحرى أن تنسب إليهم.
ولن أعيد هنا ما سبق أن ذكرته عن آل محمد بن الحنفية، العلويين الهاشميين المعتزليين كما يقال، والذين لم يشترك أحد منهم في أي دور من أدوار ثورة محمد، ولم يرد لهم ذكر فيها، ابتداء من الاجتماع والبيعة، وانتهاء بإعلان الثورة، لا كعلويين ولا كهاشميين ولا كمعتزلة.
وإذا كان الطبري يتحدث عن حضور اجتماع أو بيعة فقط دون مشاركة وإذا كان ابن الأثير لا يتحدث عن اجتماع ولا بيعة ولا مشاركة وإذا كان أبو الفرج يتحدث عن رفض للبيعة ورفض للمشاركة.
إذا كان هؤلاء المؤرخون يغفلون الإشارة لأي دور للمعتزلة في ثورة محمد، ولا يتحدثون عن أي نشاط لهم فيها فهل لدى المؤرخين
الآخرين شيء ينافي أو يختلف عما ورد عند أولئك أوي ثبت أي دور أو نشاط للمعتزلة في هذه الثورة ؟
سأختار للإجابة على هذا التساؤل اثنين من مؤرخي المعتزلة المعروفين: المسعودي وابن أبي الحديد وكلاهما لم يتركا موقفا ينسب فيه للمعتزلة ما يستحق الذكر والإشادة، إلا أتيا عليه تفصيلاً فماذا لديهما عن مشاركة المعتزلة في ثورة محمد ؟
أن أيا منهما لم يتطرق للمعتزلة ولم يعرض لهم ولم يشر لأي دور لهم في ثورة محمد، مع أننا رأينا المسعودي يتحدث عن ( شائعة من المعتزلة )(١) ليثبت لهم دورا في ثورة يزيد بن الوليد التي سبق الحديث عنها، وسنراه يتحدث عن انضمام ( جماعة ممن يذهب الى القول البغداديين من المعتزلة ) بهذا التحديد الدقيق لهويتهم، وذلك عند الكلام عن ثورة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن أخي محمد، والمقتول في باخمرى بعده(٢) .
فالمسعودي الذي لم يفته وهو يتابع نشاط المعتزلة، أن يذكر ( الشائعة ) منهم، وأن يحدد بكل دقة، هوية الذين يدعي مشاركتهم في ثورة إبراهيم فيصفهم بأنهم ( ممن يذهب الى قول البغداديين من المعتزلة ) وليس عموم المعتزلة.
هذا المسعودي، لا يمكن أن يسكت ويتغاضى عن أي دور مهما كان، لو كان لهم فعلا دور في ثورة محمد، ولكان أحرص من الطبري، في
____________________
(١) مروج الذهب ج٣ ص٢٢٦ وقد سبقت الإشارة إليها.
(٢) مروج الذهب ج٣ ص٢٩٦ وما أظن المسعودي كان مصيبا في قوله هذا فالمعروف أن الاعتزال لم ينشأ في بغداد ولم تؤسس مدرسة المعتزلة فيها إلا من قبل بشر ابن المعتمر الذي توفي عام ٢١٠ ه- بعد مقتل ابراهيم وفشل ثورته بخمسة
وستين عاما ولم تكن بعد قد نشأت مدرسة المعتزلة ولم يكن هناك بعد من ( يذهب الى قول البغداديين من المعتزلة ) كما يقول المسعودي.
إثباته وإظهاره بما هو أقوى من هذه العبارة، وبما يتناسب مع اتجاه المسعودي في إيراد كل ما من شأنه أن يبرز نشاط المعتزلة، إذا وجد لهم شيئاً من نشاط في أية ثورة يعرض لها ويكتب عنها.
وبعد فهل أمامي كما ترى أكثر من أحد خيارين: أن أصدق نص الطبري وأتهم المعتزلة بترك محمد ونقض بيعته والتخلي عن ثورته، لأن أحداً منهم - وهو ما أجمع عليه المؤرخون معتزلة وغير معتزلة - لم يشارك ولم يقاتل فيها، أو - وهذا هو الخيار الثاني - القول بأن ما تضمنه النص من مبايعة المعتزلة لمحمد قد دخل أو أدخل سهواً أو عمداً.
وأنتقل الى الرواية الثانية للطبري عن صالح صاحب المصلى وإليك ما يخص الموضوع من نصها ( قال فكان شدة هرب محمد من أبي جعفر أن أبا جعفر كان عقد له بمكة في أناس من المعتزلة )(١)
ولن أطيل الوقوف عند هذه الرواية ولا الحديث عنها، ولن أحتاج إليه، فما قلته عن الرواية السابقة يصدق هنا أيضاً، ويضاف إليه، أن رواية صاحب المصلى هذه تبدو متعارضة، حتى مع رواية الطبري السابقة والتي رفضنا الأخذ بها بعدما تبين ضعفها وتهافتها ذلك أن الرواية الجديدة تقتصر في حديثها، عن البيعة والمبايعة، كما يظهر من النص، على المنصور والمعتزلة وحدهما، مغفلة بشكل كامل ذكر الهاشميين المعنين طبعاً، أكثر من المعتزلة وغير المعتزلة، بأمر البيعة، والذين أعطتهم الرواية السابقة - على مآخذنا عليها - الصدارة في نصها.
____________________
(١) تأريخ الطبري ج٧ ص٥٢٤.
وأجدني قد انتهيت مرة أخرى الى عمرو بن عبيد الذي كان قد توفى عام ١٤٤ أي قبل عام من ثورة محمد.
وسأترك الحديث عن دوره في الثورة نفسها لكي لا يقول قائل: وكيف يكون لعمرو دور فيها، وهو قد توفي قبلها بعام ؟ سأقتصر إذن في حديثي على الفترة التي تمتد من التأريخ الذي تمت فيه بيعة محمد وحتى موت عمرو ١٤٤، وهي قد بلغت أو قاربت العشرين عاما.
وسأفترض، كما أسلفت، أن عمرا كان من بين الذين حضروا اجتماع البيعة، ومن بين الذين بايعوا فيمن حضروا وبايعوا من المعتزلة، إذا صححت رواية الطبري وذهبت معه الى حضور المعتزلة الاجتماع المذكور ومبايعتهم محمدا فيه.
لكن هذا الافتراض سيلقي على شيخ المعتزلة مسؤولية أخرى قبل محمد وثورته، لا بوصفه ذاك، بل لسبق بيعته التي توجب عليه الالتزام والوفاء لصاحبها، والقيام معه حين يقوم والدعوة له قبل أن يقوم.
فماذا كان موقف عمرو من محمد ومن نشاطه طوال تلك الفترة، وهو يدعو ويحضر ويتهيأ للثورة ؟ أي دور كان لعمرو في دعم محمد وتأييده وحشد الناس حوله ؟
لا شيء على الإطلاق.
ذلك هو عمرو بن عبيد الذي لم يشارك في أي من الثورات التي تحدثنا عنها: لم يشارك في ثورة زيد ولا في ثورة ابنه يحيى، ولم يشارك
في ثورة عبد الله ولا في ثورة يزيد ولا في ثورة الحارث، مع أنه عاصرها كلها فموقفه من الثورات إذن ورفض تأييدها والمشاركة فيها، هو سلوك عام له، لا موقف منفرد يتعلق بثورة بعينها.
ولست في معرض الهزل فأزعم - كما يريد المعتذرون عنه من أنصار المعتزلة - أنه أمضى الشهور الطوال وهوي تهيأ للانضمام لهذه الثورة أو تلك فذلك ما لا سبيل الى ادعائه ولا يقول به إلا من كان عنده الدفاع عن عمرو، أولى من الدفاع عن العقل الذي آمن به المعتزلة أنفسهم وجعلوه إماما ورائدا لهم.
ولكن مالنا ولأنصار عمرو وللمعتذرين عنه، وعمرو نفسه يؤكد هذا السلوك في أكثر من مناسبة فيروي قاضي القضاة المعتزلي في ص٢٣٦ من كتابه ( فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ) أن عمراً رد على الزعفراني حين هاجمه هذا، متهما إياه بالجبن فقال ( ويحك هل الجند أشد من جندهم ورجالي من رجالهم أما رأيت صنيعهم بفلان وخذلانهم لفلان.).
وأحسبك تسأل معي وهل خلت ثورة من المخاطر التي يتكلم عنها عمرو ؟ وماذا تكون الثورة غير هذا ؟ أن بين الثورة وبين الفشل صلة ليس أقوى منها ما بين الثورة وبين النجاح فكلام عمرو هنا هو كلام تاجر لا يعطي إلا بضمان، لا كلام مجاهد ذي فكر وعقيدة ولو أخذ به الثائرون لما قامت ثورة على الإطلاق.
وليس هذا ظلماً لعمرو ولا تجنبا عليه، ولا يمكن الاعتذار عنه بأنه كان يحاول أن يوفر للثورة التي يشارك فيها أسباب النجاح قبل إعلانها، حتى لا تكون مغامرة قد تضر أكثر مما تنفع.
كان من الممكن أن نعتذر لعمرو بهذا ونصحح موقفه لو اقتصر على ثورة بذاتها أو ثورتين لكن ما كان منه هو سلوك وموقف ثابت كما قلنا.
اسمع الى رأيه في الثورة وحمل السلاح عموما، وقد سأله المنصور كالمستثبت من موقفه، بعد ما بلغه أن محمدا كتب إليه ( أو لست قد عرفت رأيي في السيف أيام كنت تختلف الينا وإني لا أراه )(١) .
فهو ينكر السيف وينكر الثورة، لا محتجا بظرف ولا مشترطا شرطا ينكرهما ضد أي سلطة وفي أي ظرف وهو يذكر المنصور برأيه أو مذهبه هذا الذي لم يتغير، محاولاً أن يطمئنه وأن يدفع عن نفسه في ذات الوقت ما يعتبره تهمة يجب نفيها وتفنيدها، وهي الاتصال بمحمد أو تأييده.
وقد تركه المنصور بعد أن اطمأن الى ( صدقه ) فيما ذكر، والى بقائه على الولاء للسلطة وللمنصور.
بل اسمع رأي المنصور نفسه في عمرو بن عبيد وموقفه من الثورة والثوار، وهو يقول ( ما خرجت المعتزلة حتى مات عمرو بن عبيد )(٢) .
____________________
(١) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص٢٣٣ وأمالي المرتضى ج١ ص١٧٥ وتأريخ بغداد ج١٢ ص١٦٩.
(٢) مقالات البلخي ص١١٠ والحور العين ص٢١٠.
وكل هذا، ان كان يعزز رأينا في عمرو بن عبيد من الثورة، فهو يعزز رأينا كذلك في موقف المعتزلة عموما، وعدم اشتراكهم في أية ثورة من الثورات التي سبق الحديث عنها.
وذا كنت قد أطلت القول في عمرو، فما ذاك إلا لأنه كان يصور دائما على خلاف حقيقته وإلا لأنه كان يبدو في هذه الصورة، وبتزوير غريب، وكأنه لا يغمد سيفه بعد ثورة إلا ليجرده في ثورة أخرى.
فالذين يتحدثون عن نشاط المعتزلة السياسي، يربطونه بعمرو أكثر مما يربطونه بغيره من زعمائهم.
على أن من العدل ألا نتهم عمرا وحده بهذا الموقف السلبي من الثورات ومن مهادنة السلطة فما يقال عن عمرو يقال وبالدرجة نفسها من الصدق عن الزعيم الآخر للمعتزلة: واصل بن عطاء، الذي لم يكن موقفه لختلف في قليل أو كثير عن موقف صاحبه الذي عرفنا.
وبعد فتلك ست من أهم ثورات المسلمين التي عاصرها المعتزلة - دون التعرض للثورة العباسية - وتلك كانت مواقفهم منها، أو بالأحرى موقفهم منها إذ ليس للمعتزلة مواقف مختلفة من الثورات وإنما هو موقف واحد ثابت لم يتغير ولم يتبدل، بدأ مع واصل وعمرو واستمر بعد واصل ثم استمر بعد عمرو وهو موقف لم يبلغ في وصفه ووصف ( سلميته ) - إذا جاز التعبير - ما بلغه واحد من أكابر زعمائهم هو أبو
القاسم البلخي(١) حين يقول ( لم تخرج المعتزلة قبل إبراهيم - يعني أخا محمد الذي ثار بعده وقتل في باخمرى - ولا بعده )(٢) .
أي أنها لم تشارك من بين جميع الثورات التي حصلت، على كثرتها، إلا في ثورة إبراهيم، إذا قبلنا ما قاله البلخي عن مشاركة للمعتزلة فيها.
وما أظن من حق أحد أن يدعي الغيرة على المعتزلة والانتصاف لهم ممن ( ظلمهم ) وأنكر عليهم ( دورهم ) في ثورات عصرهم بعد هذه الشهادة تصدر من زعيم كبير من زعمائهم !!
وأصل أخيرا الى الثورة العباسية، أكبر الأحداث السياسية وأضخمها وأعظمها أثرا في ذلك العهد وسيكون حديثي عنها وعن أثر المعتزلة فيها في غاية الاختصار، ربما لن يتجاوز الأسطر على رغم ضخامة الحدث كما قلت.
لقد اضطررت الى شيء من الإسهاب عند الحديث عن الثورات السابقة، لأن هناك من يدعي أو يتوهم أنه كان للمعتزلة دور فيها، فاقتضاني تصحيح هذا الإدعاء، التعرض لبعض الحجج التي يدلي بها أصحاب ( الدور ) ونقضها والرد عليها.
وليس في الثورة العباسية - وأشخاصها وأحداثها معروفة - من يدعي للمعتزلة يدا فيها أو مشاركة في أحداثها، أو دوراً كبيراً أو صغيراً في قيامها.
____________________
(١) أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي من كبار معتزلة بغداد ومن الطبقة الثامنة من طبقاتهم توفي ٣١٩ أخذ عن أبي الحسين الخياط ويقول عنه ابن المرتضى في ( طبقات المعتزلة ) ( رئيس نبيل غزير العلم بالكلام والفقه وعلم الأدب واسع المعرفة في مذاهب الناس . ).
(٢) مقالات البلخي ص١١٠.
فلماذا الحديث إذن عنها والأمر كما قلت لماذا الوقت والجهد في نفي دور لم ينسبه أحد للمعتزلة، ولم يضفه أحد إليهم في هذه الثورة.
الحق ان نفي دور المعتزلة في الثورة العباسية وعدم إسهامهم فيها، يشكل في نظري دليلاً قوياً على نفي ما أضيف إليهم في الثورات الأخرى فإذا كان المعتزلة كما يزعم البعض، قد ثاروا أو ساهموا أو دعموا تلك الثورات التي قامت، والسطة الأموية ما تزال قادرة على أن تعاقب وتبطش وتردع، ولها من القوة والأنصار والأعوان ما تستطيع أن تضرب به وتقمع أية حركة أو ثورة تقوم ضدها، ولم تبلغ بعد الانحلال والضعف الذي بلغته حين بدأت دعوة العباسيين تدخل مراحلها النهائية والحاسمة، وحين بدا واضحا عجز الأمويين عن دفعها والقضاء عليها أو الصمود أمامها ألا يفترض أن يكون المعتزلة أسرع الى المشاركة في الثورة العباسية ودعمها وتأييدها والانضمام إليها والمساهمة بدور واضح في أحداثها، وقد استغرق التحضير لهذه الثورة منذ كانت مجرد دعوة وحتى اندلاعها، السنين الأخيرة كلها من حياة الدولة الأموية ولم تتم بضربة مفاجئة يقوم بها واحد من ولاة الأقاليم أو قادة الجيش أين كان المعتزلة طيلة تلك الفترة، وأين دورهم فيها لو كان لهم دور أو نشاط سياسي، وكانوا فعلا ضد الحكم الأموي كما يدعي المدافعون عنهم ؟
أن أحدا منهم أو من غيرهم لم ينسب لهم دوراً أو نشاطا أو فعلا مهما كان في هذه الثورة فالذين قامت باسمهم معروفون، وقادتها وزعماؤها معروفون، ورجال دعوتها ونقباؤها معروفون، والمناطق التي انطلقت منها معروفة، والوقائع التي انتهت بقيامها وسقوط الدولة الأموية معروفة هي أيضاً.
وإذا لم يكن للمعتزلة أي دور وأي نشاط في الثورة العباسية، على ضخامتها ووضوح هويتها وكثرة المشاركين فيها، جماعات وأفراداً مع ما يقابل ذلك على الجانب الآخر من ضعف الحكم وتداعي السلطة وتواتر الدلائل على قرب انهيارها.
إذا لم يكن للمعتزلة دور في الثورة العباسية، وهذه ظروف قيامها أيمكن أن نتصور لهم دوراً في الثورات التي سبقتها، والظروف كلها مختلفة، والسلطة ما تزال بعد، تمتلك من وسائل الترغيب والترهيب ما تستطيع به أن تجهض أية ثورة، قبل قيامها، وتنتصر عليها بعد قيامها، بأدنى ثمن وأيسر وسيلة ؟ !
الجزء الثاني من الفصل الثالث
في أسباب الموقف المعتزلي
وهكذا نأتي على ثورات المسلمين، أو أهم ثوراتهم التي عاصرها المعتزلة وكان يمكن لهم دور فيها، كما كان لغيرهم وقد رأينا، لا متعصبين ولا متجنين، أنهم لم يشاركوا فيها بأية صورة من صور المشاركة: لم يسل لهم دم ولم يحاربوا سيفا ولم يطعنوا برمح.
وسأترك الثورات والمشاركة فيها والدم والسيف والرمح فإن ما يقابلها، لن يكون غير القتل في ساحة المعركة، أو القتل صبرا بعد المعركة وليس كل مهيأ لذاك ولكني سأقبل بما هو دون فهل سمعنا ان واصل بن عطاء أو عمرو بن عبيد، قد تعرض خلال حياته لسجن أو تعذيب أو اضطهاد أو تشريد أو أنه قاسى من جفوة السلطة أو عدم رضاها، وقد عاصر الأول منهما فترة طويلة من الحكم الأموي، فلم يمت إلا قبل سنة من سقوطه وطال عمر الثاني الى ما بعد قيام الحكم العباسي باثنتي عشرة سنة، معاصرا سلطتين متعاقبتين متعاديتين: الأموية والعباسية(١) .
وهل تعرض أحد من زعماء المعتزلة الآخرين لسجن أو تعذيب أو اضطهاد السلطة أو مارسوا السياسة، بما لا يرضيها ولا يتفق مع رغباتها.
____________________
(١) كانت وفاة واصل عام ١٣١ ووفاة عمرو سنة ١٤٤ وكان قيام الدولة العباسية سنة ١٣٢.
لقد قتل معبد الجهني، وقتل غيلان الدمشقي، وهما من أوائل القائلين بالقدر وبهذا ( القدر ) يلتقون مع المعتزلة، أو بالأحرى يلتقي المعتزلة معهم.
قتل معبد لأنه اشتراك في ثورة ابن الأشعث(١) وقتل غيلان لأنه تجرأ فرفع الصوت احتاجا على الأمويين واستنكارا لظلمهم.
وقتل جهم بن صفوان، وهو أشهر من قال بالجبر ونفي القدر، بعد أسرة في ثورة الحارث بن سريج ضد الحكم الأموي.
قتل القائل بحرية إرادة الإنسان واختياره لأفعاله وقتل القائل بانعدام حرية الإنسان واضطراره لأفعاله.
قتل الاثنان لأنهما وقفا في وجه السلطة ن وعارضاها وأنكرا عليها وثارا ضدها.
وما كان القول بالقدر، ولا القول بعكسه، وراء قتلهما ولو كان لأخطأ القتل أحدهما حتماً.
قتلا لأنهما ثارا ضد السلطة، وكان واصل وعمرو يعيشان في سلام وهدوء في ظل هذه السلطة، لم يقلقهما أحد ولم يضايقهما أحد ولم يسبب لهما القول بالقدر ما يكدر صفو حياتهما، أو يعرضهما لغضب الحكم والحاكمين.
وأراني بلغت الجزء الثاني من هذا الفصل الأخير وهو المتعلق بأسباب الموقف المعتزلي، ومحاولة تفسيره، بعد أن عرضت في جزئه
____________________
(١) عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي ثار ضد عبد الملك بن مروان عام ٨١ ونشبت بينه وبين جيش الأمويين بأمرة الحجاج معارك طويلة منها موقعة دير الجماجم ثم موقعة مسكن التي انتهت بهزيمته عام ٨٣ ولجوئه الى رتبيل كبير الترك لكن هذا قتله وبعث برأسه الى الحجاج عام ٨٥.
الأول، صورة هذا الموقف عند الكلام على الأحداث السياسية أو أهمها التي عاصرها المعتزلة.
كيف نفسر ضعف الجانب السياسي أو انعدامه - إذا شئت الدقة - لدى المعتزلة ؟
يبدو لي على خلاف الخوارج الذين خرجوا من قلب المعركة، وسلاحهم بأيديهم.
وعلى خلاف الشيعة الذين خاضوا المعركة المعركة مع أئمتهم، أو ثأروا لأئمتهم بعد استشهادهم.
على خلاف أولئك وهؤلاء كانت نشأة المعتزلة هادئة مسالمة بعيدة عن السياسة، بعيدة عن الدم والسيف ولهيب المعركة.
لقد كانت نشأة المعتزلة وليدة تطور سلمي طويل، أشرنا إليه عند الحديث عن تسميتهم فهم لم ينشؤوا في الأصل كمذهب سياسي ولم يمارسوا السياسة بعد نشأتهم، ولم يقتربوا منها ولو فعلوا لخالفوا مذهبهم وخرجوا عليه.
نشؤوا كمدرسة كلامية، تخوض في مسائل الإيمان وتقصر نشاطها عليه.
هذه كانت نشأتهم بأي الآراء أخذت: برأي من قال أنهم لزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا ( نشتغل بالعلم والعبادة ) أو برأي من جعلهم امتدادا للمعتزلين السابقين الذين كسروا سيوفهم واعتزلوا الصراع، أو من قال باعتزال مجلس الحسن البصري، أو اعتزال أقوال الأمة في مرتكب
الكبيرة فليس فيها جميعها إلا ما يبعد عن السياسة ولا يدخل فيها ولا يتصل بها(١) .
بل أن لفظ الاعتزال، وهو لا يعني غير الترك والابتعاد والاجتناب، يتضمن في ذاته معنى سلبيا بعيدا كل البعد عن الثورة والسياسة وما تفرضه من مواقف وما تجره من تضحيات لا يحتملها سلوك المعتزلة وميلهم الى الدعة والأمن والاستقرار، كما مر بنا.
أتراني بعد في حاجة الى تأكيد آخر على ما ذكرت ؟!
دونك إذن أصولهم الخمسة هل تجد فيها أو في واحد منها شيئا يخص السياسة أو يتناول مسألة سياسية ؟ هل في التوحيد أو العدل أو الوعد والوعيد أو المنزلة بين المنزلتين، ما يمكن اعتباره موضوعا سياسيا أو قريبا من السياسة مهما حاولت أن تتوسع في مفهوم السياسة، ومهما حاولت أن تقربها من هذه الأصول أو تقرب هذه الأصول منها.
وهل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أصلهم الخامس: ما يمكن أن يجعل منه أصلا سياسيا كما قد يتوهم البعض، وهو موضوع ان كان يبحث في كتب الكلام فأنه يبحث أيضا في كتب الفقه الى جانب الصوم والصلاة، ولا علاقة له بالسياسة وليس من شؤونها، وقد أخذت به الفرق والمذاهب الإسلامية الأخرى، من غير المعتزلة، على اختلاف بينها في شروطه، فلم يجعل منها فرقا ومذاهب سياسية.
وهذه المسائل التي أوردها ابن الراوندي(٢) في ( فضيحة المعتزلة ) ورد عليها الخياط في ( الانتصار ) مسألة مسألة، وقد بلغت المائة
____________________
(١) وقد أضيف هنا ملاحظة أراها جديرة بالاعتبار هي التي تتعلق بالشعر العربي ذلك أن الفرق السياسية الإسلامية كلها، من شيعة وخوارج وزبيريين، كان لهم شعراء هم ألسنتهم وممثلوهم والذابون عنهم، ينصرون مذهبهم ويدعون لعقيدتهم ويردون على خصومهم فالسياسة في ذلك العهد، لهيب ودم وأشلاء وليس كالشعر، يتقدم المعركة ويضرم لهيبها ويسيل دماءها وليس كالعربي يتأثر بالشعر ويستجيب لنائه ويسستميت بسماعه.
لقد كان الشعر سلاحا من أمضى الأسلحة في تلك البيئة العربية التي تؤرخ لها وإذا كانت الفرق، وهي تخوض معاركها، تحتاج الى المقاتل يحمل السيف بيده فيهاجم أو يدافع، فأنها تحتاج، وربما الدرجة نفسها، الى الشاعر يقاتل بلسانه فيشجع
أو يخذل، أمام المقاتل ووراء ه ولهذا لم تعدم أية فرقة سياسية شاعرا أو أكثر ولهذا أيضا لم يحتج المعتزلة الى شاعر ولم يعرف لهم شاعر ذلك أن الاعتزال والمعتزلة، مذهب كلامي، لا دم فيه ولا قتلى ولا أشلاء فما حاجته أو حاجتهم الى الشعراء ؟ وماذا سيقول شاعر كالكميت أو كالطرماح ؟ بل - ماذا سيحركه ويشعل عاطفته ؟
فوجود الشعراء لدى الفرق الإسلامية الأخرى، وعدم وجودهم لدى المعتزلة، يمثل في رأيي سببا آخر يدعوني الى رفض ما يقال عن ( سياسية ) المعتزلة، وان الاعتزال مذهب سياسي، أو أنه انطلق من موقف سياسي.
(٢) أبو الحسين أحمد بن يحيى بن اسحق الرواندي نسبة الى راوند من قرى اصبهان وقد يسمى بالريوندي أحد مشاهير الزنادقة في الإسلام كان في بداية أمره معتزليا ثم تزندق له مؤلفات كثيرة في الزندقة والطعن في النبي محمد (ص) والقرآن من كتبه ( فضيحة المعتزلة ) الذي نقضه الخياط في كتابه ( الانتصار ) في وفاته اختلاف كبيربين ٢٤٣ و ٣٠١ ولم يتجاوز الأربعين من عمره.
وعشراً كم من بينها، المسائل التي كانت لها - ولو بكثير من التجاوز - طبيعة سياسية ؟!
والمسائل التي ذكرها البغدادي في ( الفرق بين الفرق ) وعدها من فضائح المعتزلة التي هاجمها وشدد النكير عليهم بسببها، وقد أخذت من كتابه ثلاثا وخمسين صفحة كاملة(١) ما هو نصيب المسائل أو الفضائح ذات العلاقة بالسياسة منها !!
والمعركة الوحيدة التي خاضها المعتزلة ضد خصومهم من أهل السنة ودخلتها السلطة طرفاً الى جانبهم، وأشغلت الرأي العام الإسلامي فترة ليست قصيرة هل كانت ذات طبيعة سياسية أو ذات صلة مهما كانت ضعيفة بالسياسة ؟! أكان البحث في خلق القرآن وكلام الله، هل هو مخلوق أو قديم، أمراً يمس السياسة في شيء ؟
كيف يمكن أن يؤلف المعتزلة إذن فرقة سياسية، وهم لم ينشؤوا نشأة سياسية، ولا يملكون الحد الأدنى لمقومات الفرقة السياسية .بل لا يختلفون في شيء، قدر اختلافهم في المسائل ذات الطبيعة السياسية، عندما يتعرضون لها ويعالجونها ؟!
أين هو القدر المشترك لفرقة تتوزع سياسيا بين من يخلد عليا في النار وبين من يجعله أفضل الصحابة بعد محمد(٢) وأين القدر المشترك بين من يكتب في فضائل العثمانية، وبين من يبرأ منهم وكلاهما من المعتزلة(٣) .
____________________
(١) من ص٦٨ - ١٢١.
(٢) كمعتزلة بغداد.
(٣) ( فضائل العثمانية ) أح مؤلفات الجاحظ.
أنني قلت في بداية هذا الفصل: أن إبداء رأي في موقف أو حدث سياسي سابق، لن يجعل من صاحب هذا الرأي نفسه سياسياً، ولا مشاركا في ذلك الحدث ولا ذا دور فيه، بل يبقى في حدوده من إبداء الرأي، محايداً منصفاً أو متحيزاً متعصبا.
كيف يمكن أن نتكلم عن فرقة سياسية يقول زعيمها ( والله ما أعرف موضع ثلاثة إذا قالوا وفوا.) وهو يتحدث عن المعتزلة طبعا، لا عن الآخرين الذين لا صلة له بهم ولا معرفة، ولا لوم إذا لم يكن يعرفهم، أو يعرف أولئك الثلاثة منهم.
فإذا كان عمرو لا يعرف ثلاثة من بين جميع المعتزلة إذا قالوا وفوا فهل لأحد أن ينسب ثورة أو ثورات لهم ؟!
كيف يمارس المعتزلة السياسة، وشيخهم يعيبه أن يجد ثلاثة إذا عاهدوا وبايعوا ثبتوا ووفوا بما عاهدوا وبايعوا ؟ وماذا يبقى من السياسة وممارسة السياسة في ذلك العهد، إذا استبعدت السيف والثورة ومن يخوضها ومن يثبت فيها ومن يفي بعهده نحوها.
أنك لا تستطيع أن تخلق فرقة سياسية إذا لم تكن نشأتها سياسية، وإذا لم تكن قد مارست السياسة فعلا أما أن تحاول خلق فرقة سياسية، من كلمة تعثر عليها، بعد الجهد هنا، أو رواية موضوعة هناك، أو رأي منحول بين هذه وتلك فهذا لا يصنع أبدا فرقة سياسية مهما اجتهد الذين يريدون ( تسييس ) المعتزلة، أو أية فرقة لم تخلق في الأصل سياسية.
لقد نشأ المعتزلة، كما قدمت، نشأة هادئة لينة بعد خلاف وأصل أو عمرو وانفصاله لكن أحدا لم يقل أن هذا الخلاف كان سببا سياسي، أو أن واصلاً أو عمراً كان سياسياً، أو أنه شارك في الأحداث السياسية التي عاصرها، مع الذين شاركوا فيها، أو كان له، على الأقل، موقف محمود ممن شاركوا وثاروا، والسيف يحصد الثوار، مواجهة في ساحات المعارك، أو صبراً خارج ساحاتها.
ولأترك واصلاً وعمراً ولأقبل أنهما وحدهما لم يكونا سياسيين ولا ثائرين خلافاً لنهج الفرقة، مع أنهما مؤسساها وزعيماها فهل سمعت أن المعتزلة غيرهما أو بعدهما، قاموا بثورة، أو اشتركوا في ثورة، على كثرة الثورات التي قامت في الأرض العربية الإسلامية كما رأينا، لو كان الاعتزال يستند الى أصل سياسي، وكان المعتزلة يؤلفون فرقة سياسية ولها نشاط سياسي.
أن السياسة الوحيدة التي مارسها المعتزلة، هي عدم ممارسة السياسة.
الفهرس
الإهداء ٤
المقدمة ٥
الفصل الأول في تسمية المعتزلة ١١
١ - رأي الملطي ١٢
٢ - اعتزال مجلس الحسن البصري ١٧
٣ - التسمية جاءت من قتادة: ٢٥
٤ - اعتزال قول الأمة: ٢٦
٥ - رأي نللينو: ٣١
٦ - رأي احمد أمين: ٤٤
٧ - رأي الدكتور نادر: ٤٨
٨ - رأي المعتزلة في تسميتهم: ٥١
٩ - الرأي الذي نراه: ٦٠
الفصل الثاني في الكبيرة والفاسق والمنزلة بين المنزلتين ٧٣
الفصل الثالث الدور السياسي للمعتزلة ٩٦
ثورة زيد: ٩٧
ثورة زيد بن الوليد: ١١٣
ثورة الحارث ين سريج ١٤٣
ثورة محمد ( النفس الزكية ) ١٥١
الجزء الثاني من الفصل الثالث في أسباب الموقف المعتزلي ١٧٨
الفهرس ١٨٥