التحول المذهبي‏
التجميع كتب متنوعة
الکاتب علاء الحسون
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

التحوّل المذهبي‏

علاء الحسّون


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة


المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ الكثير من أتباع أهل السنّة والجماعة توفّرت لهم أجواء تعرّفوا من خلالها على أفكار ومبادئ‏ أهل البيت‏عليهم‌السلام ، فتجلّت لهم حقائق مخالفة للأسس الفكريّة التي هم عليها، فاعترتهم حالة من الاندهاش دعتهم إلى إعادة النظر في مرتكزاتهم الفكرية وبنيتهم المعرفيّة من أجل حلّ إشكاليّة التضارب المعرفي الذي تبلور في أذهانهم.

ومن هذا المنطلق توجّه المهتمّون بأمر دينهم إلى البحث من أجل تلمّس خطى الحقيقة، فغاصوا في أعماق التاريخ ليكتشفوا الحقائق الكامنة فيه، وغربلوا المعتقدات التي هم عليها ليحدّدوا مكانتها من الصحّة والصواب، فانزاحت الستائر بالتدريج عن أبصارهم، وزالت رواسب الجهل وأتربة التقليد الأعمى عن ذواتهم، وتجلّت في قلوبهم بارقةُ نور بيّنت لهم الكثير من الحقائق، فانجذبوا إلى هذا النور، وتلمّسوا الطريق إليه حتى استضاءت بصائرهم بنور الولاء لأهل البيت‏عليهم‌السلام . ثمّ وجد الحقَّ الذي تجلّى بأوضح وأجلى معانيه في عقول هؤلاء طريقاً إلى قلوبهم فطهّرها من جميع الأدران والشوائب العالقة بها.

ثمّ تشرّبت عقليّة هؤلاء بالفكر الشيعي، وانتهلت نفوسهم من تُراث أهل البيت‏عليهم‌السلام ما يروى ظمأها ويحقّق لها التوازن الروحي المفقود.

ثمّ أنهى هؤلاء تقليدهم الأعمى لموروثاتهم العقائديّة، واتّبعوا ما أملت عليهم الأدلّة والبراهين الساطعة، فاعتصموا بأهل البيت‏عليهم‌السلام وانضمّوا تحت لوائهم وساروا في ظلّ رايتهم متمسّكين بالقرآن والعترة ليعصموا بذلك أنفسهم من الضّلال الذي


حذّر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أمّتَه من الوقوع فيه من بعده.

والكتاب الماثل بين أيديكم هو دراسة لهذه الرحلة وتحليل لما يواجهه الباحث السنّي خلال استبصاره وتغيير انتمائه من المذهب السنّي إلى مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام .

ويشتمل هذا الكتاب على ستّة فصول تتناول البحث بصورة تحليليّة حول الطريق إلى الاستبصار، دوافع الاستبصار، موانع الاستبصار، مرحلة الاستبصار ومرحلة ما بعد الاستبصار.

وقد تناول الفصل الأخير تبيين أسباب نشوء الاختلاف الدّيني وسبل المبادرة إلى معالجة هذا الأمر، مع ذكر آراء بعض المستبصرين حول الوحدة الإسلامية.

والجدير بالذّكر أنّ الاستبصار مصطلح يتضمّن جميع أنواع تغيير الانتماء من الأديان الأخرى أو المذاهب السنّية والشيعيّة كالزيديّة والاسماعيليّة وغيرها إلى المذهب الإمامي الاثني عشري.

ولكنّنا اقتصرنا في بحثنا التحليلي هذا على تغيير الانتماء من المذهب السنّي إلى المذهب الإمامي الاثني عشري فحسب، لأن التحوّل من الأديان الأخرى أو المذهب الزيدي أو الاسماعيلي إلى المذهب الاثني عشري ظاهرة تختلف دوافعها وموانعها ومساراتها عن التحوّل من المذهب السنّي إلى المذهب الإمامي الاثني عشري، ويتطلّب ذلك تحليل مغاير عن تحليل انتقال صاحب العقليّة السنّيّة إلى التشيّع الإمامي الاثني عشري.

ولهذا حددنا بحثنا التحليلي هذا وخصّصناه في جانب واحد من جوانب الاستبصار، لتكون ثمرته أدق وأفضل مما لو أردنا تعميم البحث وتناول جميع أنواع الاستبصار.

والأسلوب الذي اتّبعته في هذا الكتاب هو تحليل مرحلة مرحلة من المراحل التي يمرّ بها المستبصر خلال اعتناقه لمذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام مع الاستشهاد في كل خطوة من خطوات الاستبصار بكلام المستبصرين المذكور في مؤلّفاتهم أو مقابلاتهم مع


الصحف والمجلّات.

وقد خصصت أيضاً جانبا كبيراً من الكتاب لذكر الدوافع التي تحفّز الباحث على الاستبصار والموانع التي يواجهها الباحث خلال استبصاره الذي لا يكون وليد يوم وليلة أو مجرّد نزوة عابرة أو انقياد أعمى، بل هو وليد فترة - تختلف مدّتها من شخص إلى آخر - يمضيها الباحث في الدراسة الموضوعيّة والمكثّفة للمدارس المذهبيّة والفلسفات الدينيّة والبحث المضني حول أسس ومباني مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام وإجراء المقارنة بينه وبين المذهب السنّي الذي كان عليه.

وفي الختام آمل أن يسدّ هذا الكتاب حاجة المكتبة الإسلاميّة التي تفتقر إلى هذه النوعيّة من الدراسات في مجال تحليل رحلة الاستبصار وتغيير الانتماء إلى مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام ، ولا سيّما في عالمنا المعاصر الذي فرض هذا الموضوع نفسه في الساحة الإسلاميّة نتيجة إزدياد عدد المستبصرين في شتى أنحاء العالم.

علاء الحسّون



الفصل الأول

الطريق إلى الاستبصار


أهمّية العقيدة:

إنّ العقيدة تشكّل في وجود الإنسان القاعدة الفكرية التي منها تنبثق أفكاره وتصوراته وتتبلور أفعاله وتصرفاته، وهي الأساس والبداية والمنطلق للفكر والسلوك، وهي الركن الأساسي في تكوين وبناء شخصية الإنسان، وهي العنصر الأساسي الموجّه لإرادته والمحرّك لعواطفه، وهي حجر الزاوية ومنطلق الوعي في حركة الإنسان نحو الأهداف السامية.

ولا يختلف اثنان بأنّ الإنسان يحتاج إلى عقيدة يقيم بناءً عليها كلّ حياته، ويلجأ إليها طلباً للحماية والشعور بالأمن النفسي الداخلي وضبط السلوك

لأن الشخص الذي يعيش في فراغ عقائدي، ولا رأي له في الشؤون العقائديّة، أو الذي دفعته الظروف التي عاش فيها إلى تبنّي عقائد معيّنة، فاعتقد بها من دون وعي ولا إعمال للعقل، فهو إنسان خائر القوى، متردّد الخطى، يعيش حالة الخمول والركود.

ولكن المشكلة تكمن في وصول الإنسان إلى العقيدة المبتنية على الأسس والمبادئ‏ القويّة التي تسمو بالفرد إلى أعلى المستويات، وتحفّزه على إتباع طريق الحق والخير والرشاد، وترفع من شأنه وتصحّح مسار حياته وتنظّم نزعاته ورغباته، وتوجّه طاقاته نحو الاتجاه السليم.

وذلك لأنّ العقيدة الفاسدة التي تستمد وجودها من الأوهام والتخيلات، ليس من شأنها إلّا تحفيز الإنسان نحو الانحراف و الوغول في الشرّ والفساد.

ولكن العقيدة الصحيحة والسليمة من التحريف والنقيّة من الشوائب ترسم


للإنسان أفضل المناهج العمليّة لنيل الحياة الطيّبة في الحياة الدنيا والسعادة فيما بعدها، لأنّها تمنح صاحبها القدرة على استبدال الضعف في كيانه بالقوّة والعزم والثبات، وتدفعه إلى استقطاب طاقاته وتسييرها بعزم لخوض غمار الحياة نحو الأهداف النبيلة، وتصوغ شخصيته بحيث يغدو فرداً لا يعرف التردد ولا يرضخ للهوان.

والذي يُوفّق للاستبصار هو الذي يعي بوضوح هذه الأمور ويدرك أن العقيدة تمتلك المكانة الأولى في حياة الإنسان، وأن من حقها أن تلقى من العناية والاهتمام ما يناسب مكانتها ويليق بشأنها.

ولهذا يندفع هكذا شخص إلى مراجعة عقيدته، وتقييم نظرته الكونيّة، ليحاول من جديد تشييدها عن وعي كامل وقناعة تامّة، وعلى أساس الأدلّة والبراهين والاستدلالات العلميّة، ليصل إلى العقيدة التي تبلغ من القوة في الإقناع أن تفرض نفسها على العقل، وأن تستولي على وجود الإنسان، وتهيمن على وجدانه من دون إرادته.

ويعيد هكذا شخص النظر من جديد إلى معتقداته الموروثة والتي تلقاها من البيئة التي عاش فيها، ليرى مدى عنايتها بتقويم تصوراته وإغنائه بأسمى وأروع ما يتبناه من الفكر السليم.

ومن هذا المنطلق يقوم هكذا شخص بغربلة أفكاره وتوسيع آفاق رؤيته بالبحث والتنقيب والمطالعة، ليصل إلى عقيدة شاملة تستقي من مشرب الوحي والعقل السليم والهدي القويم، وتستمد وجودها من كلام اللَّه المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن كلام رسول اللَّه‏صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي لا ينطق عن الهوى، حتى يصل إلى أفكار ورؤى واضحة المفاهيم، جليّة المعالم، لا يكسوها إبهام، ولا يستُرها لغز، وليس فيها تلفيق أو التباس أو تعارض أو تناقض.ليطمئن بعدها أنّه بعيدٌ عن التيّارات الهدّامة التي حملت معها المؤامرة، فانخدع بها الكثير من أبناء المسلمين، وانجرفوا بها حتى سقطوا في أودية التيه والضلال.


ودأب صاحب هكذا شخصيّة خلال غربلته لأفكاره أنّه إنْ وجد في معتقداته أوهام أو قضايا مزيّفة أو تقاليد عمياء، فانّه يقوم بتطهير عقيدته من هذه الشوائب وتنقيحها من الأدران العالقة بها.

اهتمام المستبصرين بالبحوث العقائديّة:

إنّ عقليّة الشخص الذي يوفّق للاستبصار عقليّة علميّة تحاول باستمرار أن تقف وقفة التأمل والتمحيص عند مرتكزاتها الفكريّة و أصولها العقائديّة، لتستبدل أفكارها الخاطئة بالأفكار الصحيحة وتحفّز عقلها على الانعتاق من دوائر التبعيّة والتقليد الأعمى‏، لتستطيع عبر البحث المبني على القواعد العلميّة الرّصينة أنْ تكوّن لنفسها عقيدة صادقة وأصول و مبادئ سليمة.

لأنّ عقليّة هكذا شخص تدرك بوضوح أهميّة البحث في المجال العقائدي، وتدرك ما للعقيدة من صلة وثيقة بنشاط الإنسان الحيوي والعملي، وتعي أثر المعتقد على الإنسان نفسياً واجتماعياً وفكرياً.

وبهذه العقليّة يدرك هكذا شخص أنّه ينبغي أن يقوم بدراسة دقيقة لأفكاره و موروثاته العقائديّة، ولا يصلح له أن يتغافل عنها أو يغضّ الطرف دونها، لئلا يسير على المسار الخاطئ وهو لا يشعر، ولئلا يستطيع الانتهازيون صرفه عن الحق وهو جاهل، ولئلا يتعلّق بأذيال فهم خاطئ، أو يقع في شباك فرقة ضالّة، ولئلا يكون (إمّعة) في تصديق الأفكار والمعتقدات التي تعرض عليه.

فلهذا لا يكون هكذا الشخص من الذين يقفون من أمر عقائدهم موقف اللامبالاة، أو من الذين يكون موقفهم موقف من لا يعنيه شي‏ء من أمر عقيدته، أو يقومون بإغلاق عقولهم عن التفكير في هذا المجال.

بل يقوم هكذا شخص بعمليّة غربلة معتقداته ليطرح أفكاره الرديئة ويستبدلها بالأفكار والرؤى السامية، ويخوض رحلة فكريّة بحثا عن الحقيقة، فيحكّم عقله


ويقوم بتمحيص الحقّ ليعرفه من بين ركام الباطل.

و نجد في أقلام المستبصرين، بوضوح الإشارة إلى اهتمامهم بهذا الأمر ودعوتهم الآخرين إلى البحث في المجال العقائدي، ومنهم يقول طارق زين العابدين:

( إنّ الدين الإسلامي لمّا كان هو نظام الحياة الذي يجب أن يؤسّس كل مؤمن حياته عليه ويبني عليه مصيره، كان لابد أن يقوم اعتقاد كهذا على أساس يبعث اليقين والطمأنينة.

ولا يصحّ أن تُنال المصائر بالظنون والتوهّم، أو تنال بالتقليد الأعمى الذي لا يعرف صاحبه الدليل والحجّة غير ما كان عليه آبائه الأوّلون، فإذا سُئل: لماذا أنت مسلم؟ فانه لا يجيب إلّا بالصمت والحيرة.

وإذا قيل له لماذا أنت شيعي أو سنّي أو مالكي أو...؟ تراه يخطرف في الإجابة.

كل ذلك لأنّه لم يفكّر في اعتقاده ومصيره من قبل بحريّة، بل قام كل ما عنده من اعتقاد على التقليد الأبوي والاجتماعي، فصار على هذا مسلماً: شيعيّاً أو سنّياً)(١) .

ويقول هذا المستبصر في مكان آخر من كتابه حول أهميّة التوجّه إلى البحوث العقائديّة:

(إنّ الحياة الدنيا ليست مجالاً لاكتساب أعمال قد أحيطت بالظنون وطُوّقت بالأوهام إذ أنّها حياة - وهي تؤدّي إلى مصير كهذا قطعاً - لا تحتمل ذلك لمحدوديّتها وقصرها، فلابدّ إذاً أن يكون كلّ فعل يُكتسب فيها مؤسّساً على اليقين والحق، والفعل الذي يبعث الاطمئنان على النتائج، فتأسيس هذه الحياة على الظن والأوهام لا ينتهي إلّا إلى هذين)(٢) .

ثم يضيف هذا المستبصر قائلاً:

____________________

(١) طارق زين العابدين/ دعوة إلى سبيل المؤمنين: ٨.

(٢) المصدر السابق: ١٥.


(والحصول على هذا اليقين أولى ما يكون في العقيدة، إذ أنّها أصل لكل فرع، وفساده في فسادها الذي هو موجبٌ لكلّ فساد لا محالة، إذ العقيدة هي التي نَعنيها بالتحقيق والتصحيح حتى تبدو وقد تأسّست على الحقيقة واليقين، فلابدّ إذاً من التحقق من سلامتها بالفحص وإعادة النظر وتقليب البصر وإعمال الفكر والتدبّر في أحوالها )(١) .

ويقول ياسين المعيوف البدراني في هذا الخصوص:

( إنّه من واجب الإنسان الواعي أن يجعل الفكر والتبصر والتأمل رائداً له في سلوك الطريق الذي يوصل إلى الحقّ سبحانه وتعالى آخذاً بالعقائد الصحيحة وتاركاً النزعات القبلية والعنصريّة والقوميّة التي لا تولد عنده إلّا القلق الدائم والخوف المستمر وعدم الاستقرار النفسي )(٢) .

ويضيف هذا المستبصر قائلاً:

( يا إخوتي في مثل هذه الحالة العقيمة المرة التي نعيشها وسط مذاهب متعدّدة وطرق إسلاميّة شتى لمَ لا نحاول البحث عن المذهب الحقيقي كي نتمسّك به؟ ولماذا نأخذ الإسلامَ من موقع واحد؟ بينما هناك طرق ومشارب عديدة واللَّه سبحانه وتعالى يقول:( فَبَشِّرْ عباد الّذينَ يَستَمعُونَ القولَ فَيتَّبعُونَ أحسَنه ) (٣) .

وعلى هذا فمن واجب المسلم أن يدرس وأن يتأمّل المذاهب المطروحة في السّاحة الإسلاميّة وأن يعتمد على عقله وتفكيره وعلى عوامل الاستدلال والاطمئنان المتوافرة لديه، وعند الاختلاف فإنّ الحق بيّن واضح لا يتعدّد ولا يأخذ مظاهراً وصوراً وأشكالاً شتى خلافاً لما يرى ويقول المصوّبة المغرضون )(٤) .

____________________

(١) المصدر السابق: ١٦

(٢) ياسين المعيوف البدراني/ ياليت قومي يعلمون: ٤٩

(٣) الزمر: ١٧.

(٤) ياسين المعيوف البدراني / ياليت قومي يعلمون:٤٩.


دوافع اهتمام المستبصرين بالبحوث العقائديّة:

إنّ الشخص الذي يوفّق للاستبصار - كما ذكرنا - دأبه التطلّع نحو المعرفة المُبتنية على الأدلّة الرّصينة والبراهين السديدة، وديدَنه السير في طريق البحث من أجل الوصول إلى الحقيقة.

وهذه الحركة نحو البحث من أجل فهم الواقع لا تتقدّم إلّا عبر وجود ما يحفّزها، ومن جملة الدوافع الكثيرة التي تستثير همّة الإنسان للبحث العقائدي، الحقيقة، وتشعل في صدره جذوة البحث عن الحقيقة، يمكننا ذكر الأمور التالية:

١ - حبّ المعرفة والاستطلاع والشعور بالرغبة في تلمّس الحقيقة، وتوسيع دائرة الوعي، والنهوض بالمستوى العلمي، والاستزادة من معرفة الحق، والوقوف على كنهه وحقيقته.

وهذا هو السبب الذي دفع ياسين المعيوف البدراني للبحث، حيث أنّه يقول:

( طلباً للمعرفة واستزادةً منها التقيت بعينات من أهل القرى‏ والمدن مما جعل بيني وبينهم بعض المناقشات والمحاورات التي ولّدت عندي حافزاً جديداً لأن أعيد النظر في قراءاتي السابقة وأن أقارن بينها وبين كتب أخرى وما تحمل في طيّاتها من قضايا التاريخ ومجرياته.

ولقد وجدت عند الكثير ممّن كنت أحاورهم وآخذ منهم تقاعساً عن اقتحام الحقيقة وصمتاً أمام الدّليل الواضح متمشين في ذلك مع ما يطلب الواقع ومع ما هو موروث عن الآباء والأجداد، لكنّني عزمت على العمل الدؤوب والاستمرار في تقصّي الحقيقة ومعرفتها )(١) .

٢ - التوجّه بعد سموّ الوعي إلى الاهتمام بتنقيح القناعات وبنائها على ضوء الفكر السليم، والبحث الجادّ من أجل تطهير العقل من الخرافات المحتملة التي تأخذ بيده إلى

____________________

(١) ياسين المعيوف البدراني/ ياليت قومي يعلمون: ٥.


عالم الأوهام، لأن الرأي الفاسد الواحد يكفي لتهيئة العقل لتقبّل المزيد من شاكلته.

٣ - إيقاظ روح الجري وراء الحقيقة وتقصّيها، والتطلّع إلى كسب البراهين، من أجل الوصول إلى العقيدة والرؤى‏ الفكريّة التي لم ينسجها الخيال البشري وفق ما تقتضي مصالحه ومآربه وأهواءه النفسيّة، ومن ثم التمكّن من صيانة النفس من الاتجاهات الباطلة والوصول إلى العقيدة السليمة التي تحفظ الإنسان من قبول الأفكار الضالة والمنحرفة.

وبعبارة أخرى، الوصول إلى العقيدة التي تقدّم لصاحبها الحقيقة بصورة مقنعة وشاملة، وتعينه ليحصل على اليقين الكامل والتفسير النهائي، بحيث تهديه إلى الصراط المستقيم وتوصله إلى سبيل الرشاد.

ولهذا يقول إدريس الحسيني:

( والسؤال الذي يجب أن يطرحه كلّ مسلم على نفسه: لماذا أنا من هذه الفرقة ولست مع تلك؟

هل الوراثة هي السبب أم الاجتهاد والقناعة؟

إذا كانت القناعة كما يدّعي البعض، فهي تعني الانسحاب من المذهب والبدء في مسيرة بحث محايدة ومتكافئة، أو قراءة التاريخ من أجل البحث عن الصواب، والاستعداد النفسي لخسران الكثير من المسلّمات. والقراءة عن هذه الفرقة وكأنّها فرقة القارئ.. ثم تحكيم العقل، والقرآن والوجدان.. وجدير بنا القول آنئذٍ: ( اللهمّ ما عَرّفتَنا من الحَقّ فحمّلناه وما قَصُرنا عَنه فبلّغناه ).

أمّا أن نصم الأذان، ونعمي الأبصار، بحجة الإيمان والتقوى‏ هو خداع نفسي، وهروب من ضغوط الحق، ودفن للرأس في الرمال )(١) .

٤ - إبراء الذمّة أمام اللَّه سبحانه وتعالى، لأن الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله حذّر أمته بأنّها ستفترق

____________________

(١) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٩٦-٩٧.


إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلّا واحدة، وهذا ما يوجب على المسلم الاهتمام بمعرفة الحقّ.

ولهذا يقول محمد علي المتوكّل:

( فالأمر كما ترى جد خطير، فمجرّد أن يكون هناك احتمال، ولو بنسبة ١%، أنْ تكون من الأغلبيّة الضالّة هو أمر يدعو إلى الخوف ويدفع إلى التدقيق وإمعان النظر في كلّ الموروث ومراجعته، علّه يكون زائفاً.

وطالما أن الأمر أمرُ جنّة أو نار، فهو جدير بأن ينذر المرء ما تبقى من أيّام عمره- إذا تطلب الأمر- للبحث والتحقيق وتحري السبيل التي تقود إلى النجاة والطريق التي تنتهي به إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثم التصميم على إتباع نتائج البحث حتى ولو كانت نسفاً لكلّ التراث الفكري والعقائدي، وخروجاً على الأسرة والمجتمع.

قد لا تكون في شك من سلامة أيٍّ من معتقداتك ومسلّماتك التاريخيّة، مع أنّها في الغالب تكون مجرّد تقليد أعمى وتبعيّة ساذجة للأسرة والمجتمع، فلماذا لا تخصّص جزءاً من وقتك واهتمامك للتحقق من مطابقة معتقداتك لحقائق الدين، ومسلّماتك التاريخيّة للواقع التاريخي؟ فإنّك إن فعلت لن تخسر شيئاً، بل تكون لك الحجة إذا ما سئلت عن مصدر قناعاتك، ولا تكون من الذين يقولون إنّا وجدنا آباءنا على ملّة وإنّا على آثارهم مقتدون، وعندئذٍ تكون حجّتك داحضة وعذرك مردوداً )(١) .

ويقول طارق زين العابدين في هذا المجال:

( إنّ الاختلاف الذي وقع بين المسلمين إلى اليوم يؤيّد ما ذهبنا إليه في وجوب التحقيق والبحث في ما بلغنا من اعتقاد، وإلّا فكيف نطمئن على حصول السلامة وبلوغ النجاة؟ وكيف نثبت ذلك ونقيم عليه الدليل والحجّة؟

____________________

(١) محمد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٨.


هذا أمر لا أظنّ سيَستَهونَه مسلم ارتبط مصيره بيوم فيه حساب ثمّ ثواب أو عقاب، ولا أظنّ إنساناً صدّق باليوم الآخر ولا يرجو فيه النّجاة والسلامة. فالتحقيق والبحث هو سبيل إلى بلوغ هذه الغاية والحصول على النجاة المطلوبة )(١) .

ويقول مروان خليفات أيضاً في هذا المجال:

( ونحن نرى اليوم أن المسلمين فرق عديدة، وكلّ واحدة تدّعي أنّها على الحق، وقد رأيت أن هذا الأمر مهم جدّاً، وعليه يتوقّف مصير الإنسان، لذا فحري بكلّ مسلم يرجو الخلاص يوم القيامة أن يجتهد في معرفة هذه الفرقة فيتبعها.

ومن الغريب أن المسلم يقرأ حديث الافتراق هذا ولا يقوم بواجبه الشرعي في البحث عن هذه الطائفة بحريّة و موضوعية، كي تبرأ ذمّته ويلقى ربّه بقلب سليم)(٢) .

ويقول إدريس الحسيني حول أهمية الوصول إلى القطع الذي تثبت به براءة الذمّة:

(وليكن ما يكون، ولكن لابدّ لي أن أفكّر، وأمارس كينونتي في الوجود، لأبرى‏ء ذمّتي، طلباً للحقّ والتماساً للنجاة، وبعدها أطلب العذر على تقصيري.

المهم هو الوصول إلى (القطع) الذي تثبت به المعذريّة.

وهذا القطع لابدّ أن يحصل بالاجتهاد والبحث الحثيث )(٣) .

ويقول التيجاني السماوي حول تأثّره بحديث الافتراق والأهميّة التي يحظاها هذا الحديث:

( قرأت الحديث الشريف الذي قال فيه رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( افترقت بنو اسرائيل إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النّصارى إلى اثنين وسبعين فرقة، وستفترق أمّتي إلى ثلاثةٍ وسبعين فرقة، كلّها في النار إلّا فرقة واحدة )).

فلا كلام لنا مع الأديان المتعدّدة التي يدّعي كلّ منها أنه هو الحق وغيره الباطل،

____________________

(١) طارق زين العابدين/ دعوة إلى سبيل المؤمنين: ١٦-١٧.

(٢) مروان خليفات/ وركبت السفينة: ١٩.

(٣) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٩٤.


ولكن أعجب واندهش واحتار عند قراءة هذا الحديث.

وليس عجبي واندهاشي وحيرتي للحديث نفسه، ولكن للمسلمين الذين يقرؤون هذا الحديث ويردّدونه في خطبهم ويمرّون عليه مرّ الكرام بدون تحليل ولا بحث في مدلوله لكي يتبيّنوا الفرقة الناجية من الفرق الضالة.

والغريب أنّ كلُّ فرقة تدّعي أنّها هي وحدها النّاجية وقد جاء في ذيل الحديث:قالوا: من هم يا رسول اللَّه: قالصلى‌الله‌عليه‌وآله :(( من هم على ما أنا عليه، أنا وأصحابي)).

فهل هناك فرقة إلّا وهي متمسّكة بالكتاب والسنة؟

وهل هناك فرقة إسلاميّة تدّعي غير هذا؟

فلو سئل الإمام مالك أو أبو حنيفة أو الإمام الشافعي أو أحمد بن حنبل، فهل يدّعي أي واحد منهم إلّا التمسّك بالقرآن والسنّة الصحيحة؟!

فهذه المذاهب السنيّة، وإذا أضفنا إليها الفرق الشيعيّة التي كنت أعتقد بفسادها وانحرافها، فها هي الأخرى تدّعي أيضاً أنّها متمسّكة بالقرآن والسنّة الصحيحة المنقولة عن أهل البيت الطّاهرين‏عليهم‌السلام ، وأهل البيت أدرى بما فيه كما يقولون.

فهل يمكن أن يكون كلّهم على حق كما يدّعون؟

وهذا غير ممكن، لأن الحديث الشريف يفيد العكس، اللهمّ إلّا إذا كان الحديث موضوع، مكذوب، وهذا لا سبيل إليه، لأنّ الحديث متواتر عند السنّة والشيعة، أم أن الحديث لا معنى له ولا مدلول؟ وحاشى لرسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يقول شيئاً لا معنى له ولا مدلول وهو الذي لا ينطق عن الهوى وكل أحاديثه حكمة وعبر.

إذاً لم يبق أمامنا إلّا الاعتراف بأن هنا فرقة واحدة على الحق وما بقي فهو الباطل، فالحديث يبعث على الحيرة كما يبعث على البحث والتنقيب لمن يريد لنفسه النجاة

ومن أجل هذا داخلني الشك والحيرة بعد لقائي بالشيعة فمن يدري لعلّهم يقولون حقّاً وينطقون صدقاً؟!

ولماذا لا أبحث ولا أنقب، وقد كلّفني الإسلام بقرآنه وسنّته أن أبحث


وأقارن وأتبيّن.

قال اللَّه تعالى:( والّذينَ جَاهَدُوا فينَا لَنَهْديَنَّهُم سُبُلَنا ) (١) .

وقال أيضاً:( الّذينَ يَستَمعوُنَ القَولَ فَيَتَّبعوُنَ أحْسَنَه أوْلئكَ الَّذينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأوْلئِكَ هُم أوْلُوا الألْبَابِ ) (٢) .

وقد قال رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( ابحث عن دينك حتى يقال عنك مجنون ))؛ فالبحث والمقارنة واجب شرعي على كلّ مكلّف )(٣) .

٥ - الرغبة في توسيع آفاق الرؤية والمعرفة وازدياد البصيرة و رفع مستوى الثقافة الدينيّة من خلال الانفتاح على باقي المذاهب.

ويندفع الباحث إلى هذه الأمور لتكون زاوية رؤيته للأمور الدينيّة رحبة ومتسمة بالشموليّة، وليتسنّى له بعد الإلمام بالرؤية الدينية ان يتّبع أحسنها وأن يسلك أفضلها، ولعلّه يجد ضالّته المنشودة في مذهب آخر!

٦ - إنقاذ النفس من التيه والضياع والتخبّط والفوضى في الصعيد الفكري والفراغ العقائدي والخواء الروحي، و ملئه بعقيدة تعيد للإنسان توازنه المفقود، وتمدّه بالعطاء والغذاء الروحي، وتأخذ بيده إلى الكمال والتسامي، بحيث يترك ذلك أثره الإيجابي في سلوكه وتصرفاته وتوجّهاته.

٧ - ارتقاء المستوى الفكري وبلوغ مرتبة النضج في الإدراك والتفكير، والتمكّن من الموازنة بين الأمور بتعقّل وحكمة، ومن ثم التوجّه انطلاقاً من الشعور بالثقة والإحساس بالجدارة نحو البحث عن معين يغذّي العقل بمفاهيم نقيّة لا تشوبها أيّة شائبة.

لأنّ الإنسان نتيجة تراكم التجارب التي يتلقّاها خلال حياته، تنشأ في سريرته مجموعة منبّهات تدفعه ليعيش حالة اليقظة والوعي والبصيرة، فيبدأ الإنسان بعد ذلك

____________________

(١) العنكبوت / ٦٩.

(٢) الزمر: ١٨.

(٣) محمد التيجاني السماوي/ ثم اهتديت: ٦٤-٦٥.


بإمعان النظر فيما يدور حوله وما يتلقاه من أفكار ومفاهيم، ويندفع إلى غربلة خزين أفكاره وتنقية ذهنه من المفاهيم الخاطئة والعقائد الضالة.

٨ - عدم الاكتفاء بما تملي الأجواء من انتماء، بل ربّما الشك في صحّتها بعد إمعان النظر فيها، والشعور بوجود شي‏ء ينقصها، ومن ثم اتّخاذ قرار البحث والتنقيب ليكون المرء على بصيرة من أمر دينه، وعالماً بقضايا مذهبه، وليكون انتماؤه مرتكزاً على الأدلّة الساطعة، ومبتنياً وفق ما تملي عليه الحجج والبراهين الواضحة.

٩ - الاقتناع بأنّ حب الاستطلاع في الأمور الدينيّة بحاجة إلى فكر ينفتح ويتّسع في آفاق البحث، ليتحرّر من حالة التقليد الأعمى والجمود واحترام المقدّسات المزيّفة، ومن ثم الانطلاق بقوّة وبجدّية نحو البحث وتحدّي كلَّ العقبات التي تعتري حركة البحث باتجاه الوصول إلى الحقيقة التي يطمئن إليها القلب.

١٠ - الشعور بحالة سلبية نتيجة تراكم الشبهات والتساؤلات العقائديّة في الذهن، ومن ثم الإحساس بلزوم التوجه إلى مصدر يجيب عن هذه الأسئلة والاستفسارات من أجل التمكّن من اقتحام جميع المجاهيل المقفلة بعد الحصول على الأجوبة المقنعة للأسئلة الحائرة.

لأن الإنسان حينما يسمو وعيه تساوره بعض الشكوك حول المبادئ‏ التي يعتنقها وتخطر على باله بعض الأسئلة والشبهات، فتعتريه حالة قلق المعرفة، وتبدأ هذه الحالة تستشري في نفسه وتلح عليه ليتطلّع نحو الحقيقة ولينطلق بفكر منفتح وعقلية واعية ليعبّد لنفسه طريق الوصول إلى العقيدة الحقّة.

١١ - الانتباه إلى النفس ورؤيتها بأنّها لا تعتمد على ركن وثيق في أهم جانب من جوانبها الحياتيّة وهي العقيدة، والاقتناع على أثر النظر إلى البنية الفكرية بالحاجة إلى إعادة النظر في المرتكزات الفكريّة، ومن ثم العزم على تشييد عقيدة مبتنية على الأسس المتينة والدعائم الراسخة.

١٢ - هنالك حالات خاصّة دفعت بعض المستبصرين للبحث في المجال


العقائدي، منها:

يذكر أحد المستبصرين قائلاً: ذهبت قبل الاستبصار إلى العلماء من أهل السنّة لعلّي أجد عندهم ما يدلّني على الانتماء العقائدي الصحيح، وطلبت منهم الإجابة عن الشكوك العالقة بذهني وإقناعي بردود وإجابات شافية ومقنعة تسكن حيرتي وتشفي غليلي وتريح ضميري، لكنّهم ثاروا بوجهي واتّهموني بالضلال، فقرّرت بعدها الاعتماد على نفسي، فانفردت بنفسي، فوجدت أنّني بحاجة ماسّة إلى التزوّد من المعرفة، ومن هنا نشأت في نفسي رغبة ملحة للبحث والمطالعة في الأمور العقائديّة.

وهذا ما حدث مع إدريس الحسيني الذي أراد جملة ممّن حوله أن يمنعوه عن البحث، لكن باءت محاولاتهم بالفشل، بل أدّت عكس ما أرادوه، فيقول إدريس الحسيني حول هؤلاء:

(إنّ الّذين لم يكونوا يجيبونني عن تساؤلاتي، وينصحونني بأن لا أقرأ التاريخ إطلاقاً، كانوا بمثابة حافز لي لالتماس الجواب بنفسي)(١) .

ويذكر مستبصر آخر حول ما دفعه للبحث في المجال العقائدي:

سمعت ذات مرّة عن طريق المحاورات التي تجري بين أوساط أبناء منطقتنا بعض الأمور والقضايا الإسلاميّة بحيث نالت إعجابي، لأنّني وجدتها آراء كاملة ورائعة، فاستفسرت عن القائلين بها، فقيل لي أنّها تابعة للشيعة.

فقررت من ذلك الحين البحث حول التشيّع لطلب المزيد من أمثال هذه الرؤى الإسلاميّة التي اثلجت صدري وروت ضميري المتعطّش للحقائق الدينيّة.

ويقول صالح الورداني حول الدافع الأول الذي دفعه للبحث:

( إنّ ما عايشته وواجهته من قِبل التيّارات الإسلاميّة في مصر، كان الدافع الأول والأساس الذي أدّى بي للغوص في التراث الإسلامي المصدر الأساس لهذه التيّارات

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد: ٣.


كمحاولة للوصول إلى الخلل الذي أوجد التناحر والتكاثر بين هذه التيّارات.. لم أجد هذا الخلل من الحاضر، بل وجدته من الماضي )(١) .

ويقول هشام آل قطيط حول إحدى العوامل التي حفّزته للبحث:

( إنّ قصّة الانتقال في العصر الحاضر من السنّة إلى الشيعة، زادتني حيرة وتأمّلاً وتفكّراً في هذا المجال العقائدي، فصرت أتساءل مع نفسي ما هذا الانتقال الضخم والتحوّل الهائل من التسنن إلى التشيّع؛ من علماء أهل السنّة ومثقّفيهم ولم أجد العكس...؟!!

لماذا...؟!!

فقلت لو لم تكن الأدلة مقنعة لما انتقل هؤلاء بهذه الكثرة وتركوا التسنن وأصبحوا شيعة )(٢) .

شروط البحث في المجال العقائدي:

إنّ البحث ومحاولة توسيع دائرة المعرفة والقيام بجولة فكريّة في رحاب المذاهب الإسلاميّة من أجل الوصول إلى الحقيقة لا تأتي ثمارها إلّا إذا تمّ خلالها مراعاة جملة من الشروط التي تؤدّي إلى سلامة المنهج وتضمن صحّة نتائجه وثماره.

ويمكننا عدّ الأمور التالية من جملة الشروط التي ينبغي للباحث الذي يطمح للوصول إلى النتائج الصحيحة أن يقوم بمراعاتها خلال البحث:

١ - التحلّي بالرؤية الشموليّة:

وهي أن يتوجّه الباحث في دراسته للقضايا العقائديّة توجّهاً شاملاً بحيث يتناولها

____________________

(١) صالح الورداني/ الخدعة: ٤.

(٢) هشام آل قطيط / ومن الحوار اكتشفت الحقيقة: ٢١٧.


من جميع جوانبها، ويلحظ جميع ما يرتبط بها، لأن تقصي المعطيات والإحاطة بكل ما له صلة بموضوع البحث من شأنه ان يتيح للباحث القدرة على أداء عمليات التحليل والنقد والتفسير في نطاق واسع وشامل، وبهذا يتمكّن الباحث من كشف الحقيقة بصورة كاملة.

أما النظرة الجزئيّة أو الضيّقة التي يقتصر فيها نظر الباحث إلى الموضوع من زاوية محدّدة، فإنّها تفضي في الغالب إلى النتائج الخاطئة، وتكون النتائج عموماً قاصرة نتيجة قلّة المعلومات التي يمتلكها الباحث حول الموضوع المطروح على طاولة البحث.

ومن أهم السبل للحصول على الشموليّة في الرؤية العقائديّة هي الوقوف على مختلف الاتّجاهات المذهبيّة، والانفتاح على الأفكار والرؤى المختلفة، وتحليلها ومعرفة أدلّتها وتبيين إيجابيّاتها وسلبياتها، لأن ذلك يتيح للباحث أن يوسّع دائرة معارفه من خلال تعرّفه على الرأي الآخر.

وهذا ما توجّه إليه إدريس الحسيني خلال رحلته المضنية في البحث عن الحقيقة، حيث أنّه يقول:

( وأنّه لجدير أن أكشف عن مدى الفجاجة التي لمستها في كل المذاهب التي انفتحت عليها، لقد قادني التفكير إلى مراجعة كل معتقداتي.

وامتدّت محاولاتي في البحث والتنقيب في كل المذاهب بل والديانات بما فيها الديانات الاسطوريّة. إنّني حاكمت نفسي يوماً في خلوتها، واشترطت عليها التجرّد الكامل في البحث عن الحقيقة العُليا. عن (اللَّه) الحقيقي، وعن وحيه الأخير! لقد انفتحت على الإنجيل باحثاً فيه عمّا ما يشفي غليلي، فرجعت أجرّ أذيال البؤس ويدي بيضاء من ذلّ السؤال. وكذلك سارت بي الراحلة، من مذهب إلى آخر، من دين إلى آخر، أنقلب، أبحث فراوحت إلى


حضيرة الثقلين، منبت الهداية، وموطن الحق... )(١) .

كما أنّه يقول: ( تعلّمت أنّ من شروط البحث عن الحقيقة، عدم الاستماع إلى القول الواحد، وإلى الفرقة الواحدة، ولكن( الّذينَ يَسْتَمِعوُنَ القَوْلَ فيتَّبِعُون أحسَنه ) (٢) )(٣) . فعلى هذا، لا سبيل لمعرفة الحقّ إلّا عن طريق البحث الشمولي الذي يفتح أمام بصيرة الإنسان آفاقاً رحبة تُعينه على غربلة معتقداته وتمييز الصحيح منها عن السقيم. أمّا الّذين اقتصرت رؤيتهم على ما توارثوه من معتقدات، فهم على غير بيّنة من أمر دينهم، وعليهم أن يلمّوا بما لدى الآخرين من المذاهب الإسلاميّة، ليكون انتماؤهم المذهبي عن وعي و قناعة و حجّة وبرهان. وهذا ما قام به أغلبيّة المستبصرين حيث أنّهم أحاطوا بصورة إجماليّة على آراء المذاهب الإسلاميّة، ثمّ اتّخذوا قرارهم النهائي عن وعي فيما يخصّ انتمائهم المذهبي. وفي هذا الصعيد ينبغي لكلّ باحث يستهدف التعرّف على عقائد وأفكار باقي المدارس الفكريّة والمذاهب الإسلاميّة، أن يعي بان أفضل السبل لمعرفة آراء الغير ومعتقداته هي أقواله وتصريحاته، وعليه أن يبحثها بنفسه ويطّلع عليها من مصادرها المعتبرة والمعتمدة والموثوقة عندهم، لا من كتب ومصادر غيرهم أو ما كتبه عنهم خصومهم. لأنّ الخصم قد يكون جاهلا متطفّلاً، فيحرف الواقع عن غير قصد، أو قد يكون حاقداً متحاملا يفتري بقصد التنكيل و التشهير، أو قد يكون متطرّفاً يلجأ إلى المغالطات في تقييمه دون علم ودراية، أو قد يكون خائناً مستأجراً من قبل الأيادي

____________________

(١) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٤٠٧.

(٢) الزمر: ١٨.

(٣) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٣٥.


الأثيمة، فيكذب ويدسّ بقصد التفرقة وإيقاظ الفتنة.

وهذا ما يتحتّم مراعاته عند دراسة مذهب التشيّع، لأن هذا المذهب قد تعرّض للهجمات الشرسة من قبل السلطات الحاكمة على مرّ العصور، وقد استغلّ الحاقدون ذلك من أجل الكيد بهذا المذهب والوقيعة به على غير دليل وبرهان، وقد نُسب إلى هذا المذهب الكثير من الأفكار والرؤى التي هو بري‏ء منها.

فلهذا ليس من الحقّ والإنصاف أن يُدان مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام بما ينسبه إليه غيره، أو بما يقوله الشواذ الّذين لا وزن لكلمتهم، بل الصحيح أن يقوم الباحث بمطالعة كتب الشيعة المعتبرة بنفسه، ليتعرّف بصورة مباشرة على ما هو متّفق عليه عند علمائهم، أو ما هو متسالم عليه عندهم.

وإلّا فمن المؤسف أن نجد باحثين ومحقّقين يقومون بإدانة مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام ، وهم ممن قد خفي عليهم أصول ومبادئ‏ وفكر هذا المذهب، وقد اكتفوا بما قيل عن هذا المذهب، ولم يبادروا للتعرّف عليه من كتبه المعتبرة.

ولهذا دعا الهاشمي بن علي بعد استبصاره أن يتعرّف الباحثون على التراث الشيعي من كتبهم أنفسهم، فقال:

( وصيّتي لكلّ قارئ‏ حرّ عنده عقل يميّز به الحق من الباطل، أن يقرأ عن الشيعة والتشيّع من كتب أهل الشيعة أنفسهم.. )(١) .

و اكّد هذا المستبصر على هذا الأمر في موضع آخر من كتابه قائلاً:

( عرفت الحديث القائل: (( النّاسُ أعْداءُ مَا جَهلوا ))(٢) .

وأنا من موقعي هذا أدعو كل إنسان حرّ أن يطّلع على كتب الشيعة وعلى آرائهم دون واسطة)(٣) .

____________________

(١) الهاشمي بن علي/ الصحابة في حجمهم الحقيقي: ٨٣.

(٢) نهج البلاغة: ١٧٢، الكلمات القصار.

(٣) الهاشمي بن علي / الصحابة في حجمهم الحقيقي:١٢.


٢ - الموضوعيّة:

من أهمّ شروط الدراسة في المجال العقائدي أن يكون البحث موضوعيّاً، بحيث يتناسى الباحث انتماءه المذهبي ويصعد إلى أعلى درجات التجرّد، ومن ثم يقوم بالمقارنة القائمة على توثيق الحقائق، ليستطيع أن يصل إلى فكر موضوعي لا تحكمه عاطفة متحيّزة أو نزعة متعصبة أو رؤية موروثة أو تصوّرات سابقة.

ومن أهم سمات البحث الموضوعي في هذا المجال، هو التحلّل من القيود والمجاملات وانتحاء منحى الصراحة والتوجّه إلى البحث العلميّ المجرّد من التحيّز، والترفّع عن التعصّب البغيض والتمسّك بالحقائق مهما كانت مزعجة ومؤلمة، واستعمال العقل والتفكير العلمي المجرّد عن ضباب الانحراف النفسي والتعتيم الدعائي المخرّب، ودراسة المذاهب الأخرى دراسة واعية متأمّلة من منابعها الأصليّة.

وفي ظل هكذا أجواء يتمكّن الباحث بسهولة ومن دون أي توجّهات سلبيّة أن يعيد النظر في مصادر هدايته، وأن يقرأ من جديد وبروح بنّاءة قراءة المتدبر المستهدي المستفيد.

وهذا ما اتّبعه محمد عبد العال خلال بحوثه العقائديّة، حيث أنّه يقول:

( قرّرت بعد أن وقعت في هذه الحيرة العقائديّة أن أقف وأكف عن البحث، ثمّ أضع معياراً يصلح أن يكون قاعدة للآتي ممّا سأتبنى، وكان المعيار هو التجرّد، فالتجرّد عين ذات الحكمة؛ ((وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أوْتيَ خَيراً كَثيراً ))، ولم يكن التجرّد مجرد كلمة، بل كان تجرّداً عميقاً، لصيقاً في أعماقي، حرصت على أن أطمئن له )(١)

وهذا أيضاً ما قام به التيجاني السماوي خلال بحثه عن الحقيقة، حيث أنّه يقول:

( اقتحمت نفسي في البحث، بغية الوصول للحقيقة...، وتجرّدت من كلّ الأفكار

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد:٢٦.


المسبقة بكل إخلاص )(١) .

ويرى التيجاني السماوي أن من مصاديق الموضوعيّة أن يشكّك الفرد في انتمائه الموروث، ليحفّزه ذلك على البحث بدقّة عن صحّة ما ينتمي إليه.

فيقول في هذا المجال:

( وعلى الباحث المحقّق أن لا يأخذ الأشياء على ما هي عليه بأنّها من المسلّمات، بل عليه أن يعكسها ويشكّك فيها في أغلب الأحيان، ليصل إلى الحقيقة المطموسة التي لعبت فيها السياسة كلّ أدوارها.

وعليه أن لا يغتر بالمظاهر ولا بكثرة العدد، فقد قال تعالى في كتابة العزيز:( وَإنْ تُطِع أكثَر مَنْ في الأرضِ يُضلّوكَ عن سَبيلِ اللَّهِ إن يَتَّبِعُونَ إلّا الظنّ وإن هُم إلّا يَخرُصوُنَ ) (٢) )(٣) .

ويقول التيجاني السماوي حول المنهج الذي اتّبعه في بحثه العقائدي:

( عاهدت ربّي - إن هداني - أن أتجرّد من العاطفة لأكون حيادياً، موضوعياً، ولأسمع القول من الطرفين فأتّبع أحسنه، ومرجعي في ذلك:

١ - القاعدة المنطقيّة السليمة: وهي أن لا اعتمد إلّا ما اتّفقوا عليه جميعاً في خصوص التفسير لكتاب اللَّه والصحيح من السنّة النبويّة الشريفة.

٢ - العقل: فهو أكبر نعمة من نعم اللَّه عزّ وجل على الإنسان، إذ به كرّمه وفضّله على سائر مخلوقاته، ألا ترى أن اللَّه سبحانه عندما يحتجّ على عباده يدعوهم للتعقّل بقوله:( أفَلا يَعقِلُون ) ،( أفَلا يَفْقَهُون ) ،( أفَلا يَتَدَبَّرُون ) ،( أفَلا يُبصِرُونَ... الخ ) (٤) .

وله أيضاً في موضع آخر:

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ٨٠.

(٢) الأنعام: ١١٦.

(٣) محمّد التيجاني السماوي/ الشيعة هم أهل السنّة: ١١.

(٤) محمد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ٨٠.


( وقد عاهدت ربّي أن أكون منصفاً، فلا أتعصب لمذهبي ولا أقيم وزناً لغير الحق، والحقُّ هنا مُرّ كما يُقال، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( قل الحقّ وَلَو على نَفسِك، وقل الحقّ ولو كان مرّاً )) )(١) .

ويقول التيجاني في موضع آخر:

( وأخذت على نفسي عهداً وأنا أدخل هذا البحث الطويل العسير، أن أعتمد الأحاديث الصحيحة التي اتّفق عليها السنّة والشيعة، وأن أطرح الأحاديث التي انفرد بها فريق دون آخر.

بهذه الطريقة المعتدلة، أكون قد ابتعدت عن المؤثّرات العاطفيّة، والتعصّبات المذهبيّة، والنّزعات القوميّة أو الوطنيّة، وفي نفس الوقت أقطع طريق الشكّ لأصل إلى جبل اليقين وهو صراط اللَّه المستقيم )(٢) .

ويرى طارق زين العابدين أنّ من جملة مصاديق الموضوعيّة هو الاحتزاز عن التعصّب والتقليد، فيقول:

( إنّ من حَزَم الأمر على التحقيق والبحث في اعتقاده فهو لا يستطيع إحراز شي‏ء من تحقيقه إن كان مفعماً بالتعصّب وتقليد الذين لا يتيحان الفرصة للتحقيق الحرّ، فلابد له لكي يكون حرّ الحركة والتفكير، أن يفرّغ نفسه من كلّ ما يمكن أن يتسبب في إفساد التحقيق عليه والحيلولة بينه وبين ما يصبو إليه من بحثه، وأن يهيئ نفسه جيّداً لتقبّل الحقيقة التي يصل اليها، بعد إنجاز التحقيق والاطمئنان إلى سلامته من حيث المنهج السليم والأدلّة المقنعة بلا شكّ. لأنّ الخوف من خوض التحقيق أو الخوف من تقبّل النتيجة عدوّ المحقّق النزيه، فالنتيجة تحتّم عليه رحابة الصدر لتقبّلها باعتبار أنّها الحقّ، بل تحتّم عليه الدفاع عنها

____________________

(١) المصدر السابق: ٨٨.

(٢) المصدر السابق: ٧٦.


وعرضها على الآخرين.

ومن لا يهدف إلى هذا من تحقيقه وبحثه فعليه ألّا يشرع في شي‏ء من التحقيق، لأنّه يكون عندئذٍ مضيعة لوقته، بل يكون عبثاً ولعباً، ولماذا يتحمّل المشاق ويقطع الحجّة على نفسه، ثمّ لا يقبل نتيجة بحثه وتحقيقه ولا يدافع عنها؟! )(١) .

ويقول صالح الورداني حول أهمّية اتّباع الموضوعيّة في البحث:

( لا تستطيع أن تجرّد الحقيقة في دائرة الفكر السني وأن تستخلصها من هذه التراكمات الطويلة العميقة المعقدة إلّا بصفة التجرّد.

والذين يقرؤون التراث السنّي بدون تجرّد لن يصلوا إلى شي‏ء، لأنه الخطوة الضروريّة لاستخلاص الحقيقة وسط هذه التراكمات )(٢) .

ويقول عبد المحسن السراوي في هذا المجال:

( ومن أراد أن يبحث ويقارن بين المذاهب، فعليه أن يلقي جلباب التعصّب المذهبي، ويكون هدفه مرضات اللَّه تعالى، ولم شمل هذه الأمة التي لا تزال تتخبّط في العصبيّة المذهبيّة.

ولا يستفيد من هذا التخبّط إلّا أعداء الدّين الذين يريدون أن تبقى الخلافات ليبقوا هم القدوة ولو على حساب التفرقة بين أبناء هذه الأمة )(٣) .

ويقول مصطفى خميس حول المنهج الذي ينبغي أن يتبعه من يبتغي الوصول إلى الحقيقة:

( إنّنا نبحث عن الحقيقة ونأخذ بها أينما وجدت، ونتوخّى في ذلك الدليل والنقل الصحيح، مسترشدين بقول مولانا الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام :

( نحن أبناء الدّليل، نميل حيث يميل )، بعيدا عن نهج أولئك الذين تلقّوا الّدينَ

____________________

(١) طارق زين العابدين/ دعوة إلى سبيل المؤمنين: ١٩.

(٢) مجلّة المنبر/ العدد: ٢٢.

(٣) عبد المحسن السراوي/ القطوف الدانية في المسائل الثمانية: ١٦.


من الرّجال لا من النّصوص التي ورثوها عن النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولابدّ من رسم قاعدة أساسيّة تكون منهجاً في البحث؛ وهي:

معرفة الرجال بالحق وليس معرفة الحقّ بالرجال؛ أيّ أن الرجال يُعرّفون بالحق، وليس العكس صحيحاً )(١) .

٣ - إتباع المنهج العلمي الرصين:

إنّ الجهد الذي يبذله الباحث خلال تحرّي الحقيقة لا يؤدي ثماره إلّا إذا سار الباحث في حركته طلبا للحقيقة وفق دراسة منهجيّة واضحة تخضع لخطّة مدروسة ومحدّدة، يلتزم فيها الباحث حين النظر إلى ما يطرحه من أحداث و مواقف تاريخيّة وقضايا فكريّة لها صلة بالعقيدة منهجا غايته الوصول إلى الحق فيما يخص دينه ومعتقده.

ومن فوائد إتباع هكذا منهج أنّه يصون الباحث من التأثّر بالعواطف الهائجة والشعارات المغرية التي تدغدغ العواطف والأحاسيس والهتافات الخادعة التي تزيّن الأمور دون سماح بالنظر إلى الجوهر والحقيقة.

لأن الذي لا يمتلك المنهج المحدّد والخطّة المرسومة في بحثه عن الحقيقة، فانّه من السهولة أن ينساق وراء الزخرف، أو يكون مصيره حين التقائه بشخصيّة ضالّة، تعي ما تفعل، أن يكون لعبة بيدها؛ لأن الشخصيّة الضالّة تكون قادرة على أن تحوّل جهد هكذا شخص لصالحها وتقوّي بذلك جبهتها وتدخله في لوائها وتحت بيرقها.

فلهذا ينبغي لكلّ باحث أن لا يسير خلال بحثه بصورة عفويّة أو ارتجاليّة طائشة، بل عليه أن يتّبع منهجيّة تدفعه لينهل من المنابع العلميّة الأصليّة التي لم تكدرها الأهواء ولم تعبث بها الشبهات، ليصون بذلك عقله من الاضطراب والتخبّط

____________________

(١) مصطفى خميس/ لا تضيّعوا السنّة: ١٠.


وتضارب التصوّرات والاجتهادات، وليحترس خلال حركة بحثه من الأجواء التي تموج فيها الأهواء وتضطرب فيها المصالح والشهوات، والتي يتصدّى فيها بعض الشخصيّات لتسويغ باطلهم عن طريق تحريف الكلم عن مواضعه وتأويل الحديث في غير محلّه وتفسير الآيات الكريمة بما تهوى أنفسهم.

وبصورة عامة، فإنّ من أهم الأمور التي ينبغي أن يتّسم بها الباحث خلال دراسته العقائديّة، ليتمكّن من نيل المطلوب من بحثه هو:

١ - الدراسة بإمعان وبعقلٍ واع وفكر ثاقب وعقليّة منفتحة وبصيرة نافذة، والتوجّه إلى البحث بصورة متأنّية ومعمّقة ومستفيضة من أجل معرفة الحقيقة وتلمّس خطاها والاندفاع نحوها.

ولهذا يقول صائب عبد الحميد خلال وقفه له مع بحث عقائدي:

( ثم ليس من حقّنا أن ننتظر أيّ فائدة ترجى من وراء هذه الوقفة مالم يصحبها شرطان متلازمان على طول الطريق وحتى النهاية، وهما:

أ - الجدّ في التأمّل والنظر والمتابعة.

ب - الحياد التّام في التعامل مع المفاهيم والأحداث )(١) .

٢ - التوجّه بشوق ولهفة بحيث يشعر الفرد بمقدار ازدياد مستواه المعرفي خلال البحث أنّه يهفو إلى المزيد ويرغب في الاستزادة من العلم.

٣ - تلقي العلم من المصادر الموثوقة وغير المغرضة من أجل الاستيعاب والإلمام بالحقائق الدينيّة وعدم أخذ الأشياء بعفويّة، والحرص على توثيق المراجع ونسبة الآراء إلى أصحابها.

٤ - ابتغاء الشموليّة عن طريق الالتقاء بالعديد من العلماء والقراءات المستفيضة لعدد كبير من الكتب العقائديّة، وإجراء الموازنة والمقارنة بين الآراء المختلفة

____________________

(١) صائب عبد الحميد/ حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي: ٢٠.


وغربلتها من أجل تمييز الأفكار والرؤى السقيمة عن الصحيحة، والتمكّن من خلال هذه المقارنة من معرفة وجه الحقيقة العلميّة وفق ما يمليه العقل السليم والمنطق السديد، أيّ وفق ما يشير إليه الدليل العقلي والبرهان المنطقي.

٥ - التمتّع بعلوّ الهمّة والاستعداد للتضحية في سبيل الوصول إلى الحقيقة من قبيل التغرّب لطلب العلم وتحمّل العناء من أجل رفع المستوى المعرفي.

٦ - بذل الوسع واستنفاد الطاقة والعمل بجد واجتهاد وكدّ وكدح ومتابعة ومواصلة بغية الوصول إلى عالم المعرفة وتجلية الحقيقة والوصول إلى الوعي الكامل والقناعة التامّة، وبناء منظومة فكريّة مشيّدة على الأسس العلميّة الرصينة.

٧ - إعادة قراءة التراث الإسلامي، قراءة سليمة وفق منهجيّة معرفيّة تصون صاحبها من الرفض المطلق له أو القبول المطلق له أو المبادرة إلى التلفيق والانتقاء العشوائي منه.

٨ - نبذ الاكتفاء بالظواهر في فهم النصوص والاجتناب عن التمسّك بحرفيّة النصوص، بل المبادرة إلى فهم محتوى النصوص ومعرفة مقاصدها.

٩ - تفعيل الفكر وشحنه بالحيويّة وجعله متوثّباً لا يركن إلى الجمود، وذلك من خلال الابتعاد عن الأجواء التي تحاول تحديد فكر الإنسان بأطر لا يمكن تجاوزها أو الحيد عنها، لأن البقاء في هكذا أجواء يؤدّي إلى إقفال العقل، ويمنع المرء من التقدّم العلمي في مجال البحث، وهذا ما يؤدي بصاحبه إلى الإفلاس العقائدي والمعيشة في ظل الآفاق المعرفيّة الضيّقة

موانع البحث في المجال العقائدي:

قد يظنّ البعض أن البحث من أجل تصحيح العقيدة أو التثبّت من صحّتها طريق مفروش بالزهور، وأنّ الأمور كلّها تسير فيه على ما يرام، ولكن الواقع يشير إلى خلاف ذلك، لأن هذا الطريق شائك و مضني، وأن الباحث يواجه فيه الكثير من الموانع


والعراقيل التي تحاول أن تسلب اهتمامه بالبحث أو تصرّفه عن مواصلة بحثه.

ومن هذه الموانع يمكننا ذكر الموارد التالية:

١ - تحذير الآخرين من التعرّف على رأي المخالفين

ويذكر الكثير من المستبصرين أنّهم واجهوا العديد من العراقيل التي خلّفها من كان يعيش حولهم، ليصدّوهم عن مواصلة البحث والتعرّف على فكر مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام .

وليس خشية الكثير من أهل السنّة من الكتاب والفكر الشيعي إلّا وليد هذا التحذير المنتشر في أوساطهم من قبل علمائهم ومَن تبعهم.

ويشير الهاشمي بن علي إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( والواقع أن هناك مسألة مهمّة نلفت إليها النظر، وهي خوف بعض اخواننا السنّة من مطالعة كتبنا حتى أنّ البعض منهم يشتريها ويحرقها كما سمعت!!

من يخاف من قراءة كتاب فلن يبلغ الغاية لا في الدين ولا في الدنيا.

اقرؤوا كتبنا، فإن كنّا ضالّين فهاتوا بُرهانَكم وأرشدونا لتكسبوا الثواب، وإن كنّا على الحقّ فتعالوا إليه وإن كان مرّاً )(١) .

ومن هذا المنطلق يدعو محمد الكثيري أبناء الصحوة إلى توسيع آفاق معارفهم بقراءة تراث سائر المذاهب، فيقول:

( على أبناء الصحوة ألا يخافوا من البحث والقراءة واستخدام العقل في التمحيص والمقارنة، لأن هذا هو السبيل الوحيد، الذي يحفظهم من السقوط في أحابيل المصالح السياسيّة المختلفة والمتناقضة، والتي لا يعلمون عنها شيئاً )(٢) .

ويصف معتصم سيّد أحمد حركة التحذير من الانفتاح على باقي المذاهب بأنّها

____________________

(١) جريدة المبلّغ الرسالي/ ٢٧ صفر ١٤١٩ ه ق.

(٢) محمد الكثيري/ السلفيّة: ٦٦٩.


حركة نابعة من عقول منغلقة تحاول بإغلاق المنافذ المطلة على الواقع الخارجي أن تبقى في دائرة ما هي عليها.

فيقول حول هذه الدعوة:

( فكل دعوى تأمر بالانغلاق وعدم البحث وتحصيل المعرفة، فإنّها دعوى تقصد تكريس الجهل وإبعاد النّاس عن الحق.

إن ما يقوم به الوهابيّة من تحصّن بعد الإطّلاع على الكتب الشيعيّة وعدم مجالسة أفراد الشيعة والنقاش معهم، هو الأسلوب العاجز وهو منطق غير سليم، وقد عارض القرآن الكريم هذه الفكرة بقوله:

( قُلْ هَاتُوا بُرهنَكُم إنْ كُنتُم صَادقينَ ) (١) )(٢) .

ويقول عالم سنّي من الفيليبين:

( نشأت من صغري على الحسّاسيّة من الشيعة وكرههم والحذر الشديد من كتبهم، لأنها كتب ضلال، حرام قراءتها وبيعها وشراؤها.

وفي لحظة فكرت في نفسي وقلت: أليس من المنطقي أن يطّلع الإنسان على وجهة النظر الأخرى ويفهمها، ثم يناقشها ويردّها؟

أليس موقفنا شبيهاً بموقف الذين يقول اللَّه تعالى عنهم:( جَعَلُوا أصَابِعَهم في آذانِهِم ) ؟ ومن ذلك اليوم قررت أن أقرأ كتب الشيعة، وليقل الناس عنّي ما يقولون! )(٣) .

٢ - تفشّي روح اللامبالات بالبحوث الدينيّة ومنها العقائديّة، وهو اتّجاه مطروح في عصرنا الحاضر، وهو يدعو إلى ترك البحث والتفكير فيما يخص الأمور العقائديّة، ويرى أن هذا الأمر لا جدوى فيه، لأنّه لم ولن يؤدّ يوماً ما إلى قرار حاسم أو فكرة

____________________

(١) البقرة: ١١١.

(٢) معتصم سيّد أحمد/ الحقيقة الضائعة: ٣٠ - ٣١.

(٣) الإمامة والقيادة/ أحمد عِزّ الدّين - مقدّمة الناشر.


يتّفق عليها أصحاب المدارس الفكريّة المتجادلة في هذا المجال.

ويدعو هذا الاتّجاه أن يصرف الإنسان تفكيره إلى ما هو أجدى في حياته من الرفاهيّة وإلى ما يعود عليه بالفائدة الملموسة بمختلف جوانبها.

وهذا الاتجاه - في الحقيقة - قد نشأ نتيجة الجهل بأهمية العقيدة والغفلة عن أمر الآخرة والانغماس في الملذات الدنيويّة.

و أفكار هذا الاتجاه لم تترعرع إلّا في نفوس الذين حجبت التقنيّة الحديثة بصائرهم وأحاطتهم أوهام الدنيا من كلّ جانب وأسرتهم بين مخالبها وأحكمت سيطرتها - بقوّة - على نفوسهم، فجعلتهم لاهثين وراء الجانب المادّي وملذات الحياة الدنيا تاركين وراء ظهورهم كل القيم والعقائد والجوانب الروحيّة، بل حتى الجوانب الخُلقيّة، محبذين إمضاء أوقاتهم في إشباع أنفسهم بالملذات وتلبية ميولهم ورغباتهم المشروعة وغير المشروعة بدل التوجه إلى الجد والاجتهاد في المطالعة والبحث في الأمور الدينيّة.

ويمكننا إلقاء بعض التقصير في هذا المجال على عاتق بعض رجال الدّين، حيث أنهم نتيجة بعض مواقفهم غير المسؤولة وعدم محاولة فهمهم لعقليّة الجيل المعاصر، خلقوا بين الجيل الجديد وبين العقيدة الدينيّة فجوة دفعت بعض الشباب إلى إدارة ظهورهم للعقيدة الدينيّة وابتعادهم عن البحث في هذا المجال.

ويشير هشام آل قطيط إلى ما عاناه في هذا المجال قائلاً:

( عندما كنت في القرية وأنا طالب في الجامعة أتردد على بعض المساجد في المنطقة فأجد الخطاب عند العلماء متشابها تماماً، بحيث لا يختلف عالم عن آخر بطريقة الخطاب، من حيث المقدمة والموضوع والخاتمة والدعاء.

أشعر بأنّ علماءَنا يتّبعون بطريقة روتينيّة في إلقاء الكلام، بحيث إذا غاب إمامُ المسجد لمرض أو لظرف معيّن، يكلّف أحد الاخوة المصلّين بإلقاء الخطبة، يصعد على المنبر ويقرأ علينا بطريقة الدرج والسرعة، فأنظر من حولي أجد قسم من الناس


نيام، والقسم الآخر كأنّه مسافر في حافلة، هذا من جهة الخطاب.

وأمّا من جهة الحوار الموضوعي والانفتاح الفكري، فهو مفقود تماماً. لماذا؟

لأنّنا ترعرعنا على طريقة التفكير التقليدي الموروث الغير قابل للتطور، رغم أن الإسلام دين التطور ودين المرونة ودين الانفتاح ودين المعاملة ودين النصيحة ودين الأخلاق ودين الإنسانية دين السّماحة والعزة والكبرياء والأنفة، هذه هي مبادئ ديننا الحنيف الذي نزل به الوحي على نبيّنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله بحيث إذا أردت السؤال من أحد العلماء فإجابته على شقّين:

الشقّ الأول: إما يجاوبني وإما يقول لي: ما هذا السؤال الذي تطرح، فيسفّه سؤالي!

والشقّ الثاني: إذا كان سؤالي عن مذهب معيّن ولم يكن الجواب حاضراً في ذهن الشيخ، فيقمّعني، ما يجوز تسأل هكذا سؤال، هذا سؤالك غلط، لا يجوز أن تجادل، الجدلُ فيه إثم، صوم وصلّي وبس، لماذا تقلق نفسك بهكذا أفكار، فالشيخ عندنا في البلد ديكتاتور.

فصرت أتساءل في نفسي يا إلهي إذا أريد أنْ أستفسر عن ديني وعن بعض الأفكار الصعبة التي تدور في ذهني أواجه بالقمع.. والإرهاب، وأهل البلد مع الشيخ وليسوا معي ولا مع أفكاري، فعشت في حيرة )(١) .

وقد تكون مسألة اللامبالات للبحث ناشئة من الكسل وحب الراحة كما يشير إلى ذلك التيجاني السماوي قائلا:

( وقد اكتشفت أيضاً أن الكثير من العلماء يمتلكون الكثير من الكتب مما يزينون به غرفهم وبيوتهم، ولكن قد تفتح الكتاب فتجده مغلقاً من الداخل، ولم تفصل أوراقه بعد.

وقد تسأل أحدهم عن حديث فيستنكره ويُقسم باللَّه أن لا وجود له، ولكن عندما

____________________

(١) هشام آل قطيط/ ومن الحوار اكتشفت الحقيقة: ١٩-٢٠.


تطلعه على ذلك الحديث في كتابه الذي يحمله أو يقتنيه في بيته، يستغرب، ثمّ يَستنكر، ثمّ يُنكر، ثمّ يتكبّر )(١) .

ويشير معتصم سيّد أحمد أيضا إلى هذا المانع قائلاً:

(ومن عوامل الخطأ أيضاً، التسرّع، وهو نتاج حبّ الراحة، فمن غير أن يتعّب الإنسان نفسه في البحث والتنقيب يريد أن يصدر حكمه من أول ملاحظة، ومن هنا قلّ المفكّرون في العالم لصعوبة التفكير والبحث، فمن يريد الحق فلابدّ أن يجهد نفسه في البحث.

وغير ذلك من الملاحظات العلميّة التي لابدّ من أن يضعها الباحث نصب عينيه قبل الشروع في البحث، وهذا مع التجرّد التام والتسليم المطلق إذا ظهر الحق، وبالإضافة إلى طلب العون والتضرّع إلى اللَّه تعالى لكي ينير قلبك بنور الحقّ:

(( اللهمّ أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابَه)) حديث شريف )(٢) .

وقد يكون سبب عدم التوجّه إلى البحوث العقائديّة وعدم المبادرة إلى معرفة أصول ومباني سائر المذاهب نتيجة أسباب أخرى يشير إليها محمد الكثيري قائلا:

( لن أكون مجانباً للصواب إذا قلت بأنّ مسألة التمذهب والمذهبيّة أو الاختيارات الفقهيّة والأصوليّة، كانت قضايا مُبهمة لدينا ولدى غالبيّة الملتزمين الشباب من جيلنا.

أوّلا: لندرة الكتب التي تعالج هذه القضيّة الشائكة.

ثانيا: لعدم معرفتنا بتفاصيلها و خلفياتها التاريخيّة ونحن في بداية التحصيل العلمي الديني.

زد على ذلك خلو الساحة من أيّ تعدد مذهبي فقهي أو أصولي...

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ اعرف الحق: ١٤.

(٢) معتصم سيّد أحمد/ الحقيقة الضائعة: ٣٢


لذلك كانت معرفتنا بباقي المذاهب الفقهيّة والأصوليّة الأخرى هزيلة، بل نَكاد لا نعرف شيئاً عن المذاهب الإسلاميّة خارج إطار أهل السنّة والجماعة )(١) .

وقد يكون سبب إهمال البحث في الأمور العقائدية وعدم الالتفات إلى الاختلافات المذهبية غير ما ذكر، لأن كل إنسان قد يكون له دليل خاص به في هذا المجال.

ويقول أسعد وحيد القاسم حول أسباب عدم توجّهه نحو البحوث العقائدية والخلافات المذهبيّة قبل الاستبصار:

( ولم أكن حتى أفرق بين السني والشيعي، لأنني كنت قد غضضت نظري عن تلك الفروق التي بينهما، والتي لا تجعل بأي حال من الأحوال احدهما مسلماً والآخر كافراً، والتي لم أكن أعلم تفاصيلها، ولم أكن مستعدا حتى للتفكير فيها أو حتى البحث عنها لشعوري بعدم الحاجة إلى مثل هذه البحوث التي تطلب التنبيش في التاريخ، والدخول في متاهات قد لا تصل إلى نتيجة، وكنت مقتنعاً في ذلك الحين [قبل الاستبصار] أنّ التقصي لمعرفة مثل هذه الفروق والاختلافات هو من نوع الفتنة التي ينبغي الابتعاد عنها أو الحديث فيها )(٢) .

وقد يكون سبب عدم التوجّه إلى البحوث العقائديّة هو الجهود المكثّفة التي تبذلها بعض السلطات الحاكمة لتجهيل أبناء مجتمعاتها بأمور دينهم وإحداث حالة من الضياع الفكري والإفلاس العقائدي والانحسار الثقافي فيهم، من أجل غرس روح التبعيّة وتهيئة أرضية السيادة عليهم وتسييرهم بكل سهولة!

٣ - إنّ البعض قد يواجه عراقيل كثيرة في حياته نتيجة الأجواء التي تحيطه، أو الظروف الاقتصاديّة الصعبة التي يمرّ بها، فيمنعه ذلك من تنمية وعيه وارتقاء مستواه

____________________

(١) محمد الكثيري/ السلفيّة: ١١-١٢.

(٢) أسعد وحيد القاسم/ حقيقة الشيعة الاثنى عشريّة: ١٠.


الفكري وإثراء رصيده المعرفي وتوسيع نطاق ثقافته، فلا تتهيّأ لديه الأرضية المناسبة للبحث العلمي والتعمّق في ظواهره وخوافيه.

وعلاج ذلك هو أن يسعى هكذا إنسان بكلّ وسعه أن يهاجر إلى البلدان التي تتوفّر فيها الأجواء المناسبة لتنمية وعيه ولهذا قال تعالى:

( إنّ الّذينَ تَوفَاهُم الملائِكةُ ظالِمِي أنفُسِهِم قالُوا فيمَ كنتُم قالُوا كُنَّا مُستَضعَفينَ في الأرضِ قالُوا ألَم تَكُن أرضُ اللَّهِ واسِعةً فتُهاجِروا فِيهَا فأولئِكَ مَأواهُم جَهنّمُ وسَآءَتْ مَصيرا * إلّا المُستَضعَفينَ مِنَ الرّجالِ والنِّسَاء والوِلْدانِ لا يَسْتَطيعُونَ حِيلةً ولا يَهتَدُونَ سَبيلاً * فأولئك عَسَى‏ اللَّهُ أنْ يَعفُوا عَنهُم وَكانَ اللَّهُ عفُوّاً غَفوراً ) (١) .

٤ - التلبّس بالعقليّة المنغلقة التي لا تحب البحث، لأنّها تخشى أن يسلب البحث منها المعتقدات التي ألفتها مدّة طويلة من الزمن.

فهؤلاء يحبذون الجمود والعكوف على الأفكار البالية، ويرجّحون البقاء على الكسل الذهني، لئلا يحلّقوا في الأجواء التي لم يألفوها من قبل.

ويمكننا أن نقول بأن الشخص الذي يوفّق للاستبصار هو الذي يتخطّى جميع هذه العقبات ويصمد إزاء كافّة التيّارات المضادّة بقوّة وعزم، ويقتحم كافّة الموانع التي يجدها أمامه ويخوض معترك البحث، بغية أن يصل إلى العقيدة التي تأخذ بيده إلى أعلى مراتب الكمال.

ولكن مع ذلك لا يمكننا إنكار المصاعب التي يواجهها هكذا شخص خلال رحلته المضنية في مجال الوصول إلى العقيدة الصحيحة التي يمكن الاطمئنان إليها والوثوق في صحّتها وصدقها، لأن الحقيقة عزيزة المنال وطريق البحث إليها شائك واجتيازه مجهد، والموقف محرج والحق مُرّ ثقيل، وتحوّل الإنسان من فكرة منتمي إليها ومؤمن بصحّتها إلى غيرها يحتاج إلى تحمّل الكثير من الجهد والعناء.

____________________

(١) النّساء: ٩٧ - ٩٩.


ولهذا يقول التيجاني السماوي للذين يودّون توسيع دائرة معارفهم:

( وعلى الذين يريدون التوسع أن يتكبّدوا عناء البحث والتنقيب والمقارنة كما فعلت، لتكون هدايتهم بعرق الجبين وعصارة الفكر كما يطلبه اللَّه من كل واحد وما يتطلّبه الوجدان لقناعة راسخة لا تزحزحها الرّياح والعواصف.

ومن المعلوم بالضرورة أن الهداية التي تكون عن قناعة نفسيّة أفضل بكثير من التي تكون بمؤثرات خارجيّة)(١) .

ويصف إدريس الحسيني التجربة التي خاضها خلال البحث قائلاً:

( لقد قمت بكلّ ما يمكن أن يفعله باحث عن الحقيقة، ومصر على المضي في دربها الوعر.

لكن، المهمّ، أنّني وصلت إلى البداية حتى لا أقول النّهاية )(٢) .

ثم يصف ما لاقاه من معاناة خلال البحث قائلاً:

( لقد قضيت فترة في البحث قاسية يا اللَّه كم كان الأمر صعبا إنّني كنت أشعر بالانسلاخ إنّه أشبه ما يكون بالمخاض!! )(٣) .

وفي الحقيقة تكمن صعوبة البحث على الحق في المجال العقائدي، في أنّ الحقيقة لا تتم معرفتها بمجرّد معرفة نصوصها الجزئيّة، أو من خلال العثور على النصوص المتفرّقة والمتناثرة والمفصولة بعضها عن بعض، بل ينبغي إرجاع الفروع إلى الأصول والجزئيّات إلى الكلّيات والمتشابهات إلى المحكمات والظنّيات إلى القطعيّات، ليمكن الوصول إليها جميعاً على نسيج واحد يشكّل هيكليّة مترابطة تكشف الواقع والحق.

كما أنّ الكثير من الحقائق مثقلة بركام من الخلط والخبط، وليس من السهولة

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ ثم اهتديت: ٩٩.

(٢) مجلّة المنبر/ العدد: ٣.

(٣) المصدر السابق.


الحصول عليها من بين هذا الركام.

ولهذا يقول التيجاني السماوي:

( فعلى الباحث أن يرجع إلى المصادر الموثوقة، وأن يتجرّد للحقيقة فيمحّص الروايات والأحداث التاريخيّة ليكشف من خلالها الحقائق المكسوّة بثياب الباطل فيجرّدها وينظر إليها في ثوبها الأصلي )(١) .

ويقول صالح الورداني أيضاً حول تجربته في البحث:

(كان البحث عن حقيقة الإسلام وسط ركام من الأقوال والفتاوى والأحاديث وأحداث التاريخ أمراً شاقّا وعسيرا.

فمنذ أن توفّى رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحتى اليوم علقت بالإسلام الكثير والكثير من الشوائب التي غطّت على معالمه وموّهت على حقيقته وقضت على ملامحه حتى أنّه تحوّل إلى إسلام آخر غير ذلك الإسلام الذي ورّثه الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله للأمّة.

وبدأ وكأنّ الأمر يحتاج إلى رسول جديد لبعث الإسلام مرّة أخرى.

هذا ما توصّلت إليه من خلال بحثي وقراءاتي وتجاربي الطويلة في دائرة الواقع الإسلامي بمصر والتي استمرّت أكثر من عشرين عاماً )(٢) .

وتكمن أيضاً صعوبة البحث في أنّه يتطلّب من الباحث أن يكون في موقف الحيطة والحذر من كلّ ما ألفه واعتاده في المجال العقائدي، لئلا ينجرف خلال البحث وراء خلفيته الموروثة، ليحترز من تأثير هذه الخلفيّة على تفكيره وبحثه، فهو على الدوام خلال البحث في صراع مع عواطفه وتصوّراته السابقة وموروثاته التي ألفها من قبل.

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ فاسئلوا أهل الذِكر: ٢٥٧.

(٢) صالح الورداني/ الخدعة: ٤.


ثمار يقتطفها المستبصرون من بحوثهم العقائديّة:

يتقبّل الشخص الذي يوفّق للاستبصار كل المصاعب التي يواجهها خلال بحثه برحابة صدر، وتهون عنده كل المشقات التي ينبغي تحملها في هذا السبيل، لأن الثمار التي يقتطفها هكذا الشخص في هذا المجال ثمينة، وتستحق تحمّل جميع أنواع العناء من أجل الحصول عليها.

ومن هذه الثمار يمكننا ذكر الأمور التالية:

١ - العثور على الضالة المنشودة والحقيقة التي طالما كان الباحث يبحث عنها ويسعى لاكتشافها، فانّه لا شكّ سوف يحصد ثمرة جهوده، فيجد آية تهديه وترشده إلى طريق الخلاص من حيرته، ثم تشرق له الحقيقة بكل جلائها، فيستيقظ قلبُه وعقلُه ويشرق وجهه بنور الإيمان.

٢ - نبذ التخبّط في المعرفة، والاستزادة علماً وفهماً والتعرّف على الكثير من الحقائق الساطعة والالتفات إلى الكثير من المعارف التي ترشد الباحث إلى المعرفة اليقينيّة.

٣ - معالجة الإشكالات العالقة بالذهن، ورفع الغيوم المتلبّدة فيه نتيجة تراكم الشبهات والحصول على الإجابات المقنعة والشافية للأسئلة التي كانت تدور في الذهن.

٤ - الإطلال من خلال نوافذ البحث على آفاق جديدة من آفاق المعرفة، والانفتاح على عالم ملؤه المعارف السّامية والرؤى الرفيعة، ومن ثم الحصول على معارف واضحة المعالم، يتمكّن بها الباحث أن يقيّم مفردات أفكاره ومعتقداته، فيفرز الصالح منها عن السقيم، ويميّز الأفكار الصحيحة عن الأفكار الخاطئة، ومن ثم يتأكّد من سلامة الاتّجاه العقائدي الذي هو عليه.

وهذه هي الثمار التي يحصل عليها الباحثون الذين يوفقون للاستبصار ، حيث أنهم بعد استفراغ وسعهم في البحث والتنقيب يصلون إلى قناعة تامّة بأن الكثير من


المعتقدات التي كانوا ينتمون إليها لا واقع لها، أو أنّها طُرحت أكبر من حجمها ومُنحت مكانة أعظم ممّا تستحق، أو لم تعط الموقع المناسب لها ولم تمنح القدر اللائق بشأنها.

ومن هنا يلمّ هؤلاء بأن الأهواء والنزعات والسلطات الجائرة كانت هي العامل الأقوى وراء شيوع هذه القضايا وجعلها في حقل الثوابت والمسلّمات.

والحقيقة الأخرى التي يجدر الإشارة إليها في هذا المقام هي أن الكثير من الباحثين يصلون من خلال البحث إلى قدرة التميّز بين الحقّ والباطل، ولكن لما يأتي الحق على غير اتجاه هوى الباحث، فإنّ الكثير تضعف نفسه عن إتباع الحق، فيختاروا الإقامة على ما هم عليه.

ولكن الباحث الذي يوفّق للاستبصار هو الذي يتجرّد عن هواه، فيشرح اللَّه سبحانه وتعالي صدره للحق وهو على نور من ربّه.

وتخطّي هذه المرحلة يتطلّب الجرأة والشجاعة والإقدام والتضحية ولا يقدر على ذلك إلّا من شملته العناية الربّانيّة.

فلهذا يقول صائب عبد الحميد حول التصحيح الذي يقوم به المستبصر بعد الاقتناع بخطأ معتقداته:

( إنّ التصحيح ثورة حقيقية، ولا يجرؤ على تقحّم نيران الثورة إلّا الثوريّون.

فالثّوريون هم الذين امتلأوا استعداداً لتقديم الغالي والنفيس على الطريق الثورة، ولا يشغلهم عن أهدافهم ما سيفقدونه من راحة ونعيم وأموال وبنين وأهلين..

وكذلك من أدرك أن التصحيح ثورة، ومضى على طريقه، فسوف لا يوقف مسيرته ما يراه من تساقط الكثير من المعلومات والمفاهيم التي كان قد ورثها وقرأها وترسّخت في ذهنه وأصبحت جزءاً من عواطفه وربّما أصبحت جزءاً من وجوده الاجتماعي أيضاً، لا يهمّه أن يرى ذلك كلّه يتساقط على طريق التحقيق العلمي الدقيق.


إنّ التصحيح بهذا المعنى سيمرّ من خلال ثورتين:

- ثورة على التراث، تُثير كوامنه وتكشف حقائقه

- تسبقها ثورة على أواصر عوجاء أو معكوسة شدّتنا إلى هذا التراث شدّاً مغلوطاً حال حتى دون الإذن بمناقشته )(١) .

يقول إدريس الحسيني حول الثمار التي اقتطفها من بحوثه العقائديّة:

( لقد انجلت تلك الصورة التي ورثتها عن (الشيعة) وحل محلها المفهوم الموضوعي الذي يتأسّس على العمق العلمي المتوفر في الكتابات التاريخيّة.

والذين لم يتحرّروا من أصدقائي من هذه النظرة، هم أولئك الذين اكتفوا بالموروث، وسحقاً للموروث!

بل وانهم اليوم لهاربون من السؤال، ويتجاهلون الموضوع حتى لا يتحمّلوا مسؤوليّة البحث ونتائجه. )(٢)

وأيضاً من ثمار البحث العقائدي للمستبصرين أنّهم في الأعم الأغلب كانوا يظنون أن الشيعة فرقة ضالة ولا يوجد داعي لأن يتعب الإنسان نفسه بقراءة كتبهم، لأن ذلك لا جدوى ولا ثمرة فيه سوى تضييع الوقت، ولكنّهم بعد البحث عرفوا أنّ مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام يمتلك من أجل إثبات معتقداته أدلّة قاطعة وبراهين ساطعة وقوّة بيان ومتانة استدلال.

ولهذا يقول محمد مرعي الانطاكي حول ما آل به البحث الذي قام به مع أخيه حين التوجه إلى دراسة مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام :

( كنت أنا وأخي نتذاكر في خصوص المذهب الجعفري، فتارة يجعل نفسه من علماء الشيعة وأنا أكون من علماء السنّة، ونباشر بالمناظرة.

____________________

(١) صائب عبد الحميد/ حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي: ٢١.

(٢) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٢٦.


فألقي عليه مسائل فيجيبني عنها من الكتاب والسنّة، بحيث أرى نفسي مغلوباً معه، وأرى أن الحق مع الشيعة.

وأخرى أجعل نفسي شيعيّاً وهو سنّي، فنتذاكر في مسائل أيضاً، فيضحك فيرى نفسه مغلوباً، ويقول: الحقّ الصحيح مع الشيعة.

وهكذا مراراً تتكرّر المذاكرة بيننا بهذا الترتيب، ونجد أن الحق مع الشيعة لأن الحقّ يعلو ولا يُعلى عليه.

فهكذا رأينا الحق ثابت بجانب أهل بيت رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى غير ذلك من الأدلة التي تأخذ بعنق المؤمن فتمنعه عن وجهته.

وقد عرفت... بأن الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة من كلا الطرفين طافحة في كتب الفريقين بأحقّية الأخذ بالمذهب الجعفري، إذ أنّه سلسلة ذهبيّة متراصّة حلقاتها بعضها ببعض لا تنفصم...

فاعتنقناه بكلّ فرح وسرور، إذ لا مناص لنا من الأخذ به طلباً للنجاة، وفوزاً إلى الرشاد )(١) .

والجدير بالذكر أن المستبصرين لم يقصدوا في بداية توجّههم إلى البحث أن يتخلّوا عن مذهبهم الموروث أو يلتجئوا إلى مذهب آخر، بل معظم المستبصرين الذي التقيت بهم أو قرأت كتبهم يصرحون بأنّهم حين التوجّه إلى البحث لم يكن في بالهم أنّهم سوف يعتنقون مذهب التشيّع قط، وإنّما ساقتهم جملة من الدوافع إلى البحث، ثمّ أملى عليهم البحث جملة من الأدلّة التي دفعتهم إلى اعتناق مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام .

وهذا ما يصرّح به العديد من المستبصرين منهم:

يقول محمد علي المتوكّل: في كتابه (ودخلنا التشيّع سجّداً):

____________________

(١) محمد مرعي الانطاكي/ لماذا اخترت مذهب الشيعة: ٥٦-٥٨.


( وهنا لابدّ أن أؤكّد أنّي وحتى ذلك الوقت لم أكن أسعى لاعتناق مذهب جديد أو للتخلي عن ثوابت المذاهب السنيّة في العقائد والفقه والتاريخ، وكل الذي أردته هو التخلّص من الشبهات التي طرأت لي بعد أن أثار الإخوة أمر الخلافات التي كانت بين الصحابة بعيد وفاة النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن جهة أخرى الحصول على المزيد من المعلومات والحقائق حول أهل البيتعليهم‌السلام )(١) .

ويقول أسعد وحيد القاسم في هذا المجال:

( إنني حينما بدأت بحثي حول هذه المسألة الحساسة (حقيقة الشيعة)، فإنّ أقصى أهدافي كانت بأن أتحقق من أن الشيعة مسلمون أم لا، ولم يكن عندي أيّ شك بأن الطريقة التي عليها أهل السنّة والجماعة هي الطريقة الصحيحة.

ولكنّه وبعد الاطلاع والتقصي والتفكير مليا في هذا الأمر، فان النتيجة التي توصلت إليها كانت مفارقة مدهشة، ولكنني لم أتردد لحظة واحدة من قبول الحقيقة التي وجدتها، ولماذا لا اقبلها مادام هناك ما يساندها من حجج وبراهين ممّا يعتبر حجة عند أهل السنّة )(٢) .

دراسة المستبصرين لكتب التاريخ:

إنّ تاريخ كل أمّة له أثر حاسم في صياغة شخصيّة تلك الأمة وتشييد كيانها ودعم وجودها، لأنه يحمل لها تراثا ضخما تعيش على معينه، وتستفيد منه كلبنة قوية وصلبة لبناء نفسها والإعداد لمستقبلها.

وهذا ما يحفّز كل الأمم ولا سيّما الأمة الإسلاميّة على دراسة تاريخها والاهتمام به بجميع الأشكال الممكنة.

____________________

(١) محمد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٤٠.

(٢) أسعد وحيد القاسم/ حقيقة الشيعة الاثني عشر: ١٥.


ولهذا يقول معتصم سيّد أحمد حول دور التاريخ في استنهاض الأمم:

( ان الأمم التي تتقدّم هي الأمم التي تستفيد من عبر التاريخ، وتستخلص قمة التجارب في حاضرها، بعد أن تعي سنن التاريخ وقوانينه التي تقود الأمة نحو التحضّر، بالإضافة إلى معرفة أسباب انحلال الأمم وتراجعها، فلم يخصّ اللَّه قوماً بقانون دون قوم، بل هي سنّة واحدة لا تتغيّر.

قال تعالى:( فَلَن تجِدَ لسُنّة اللَّهِ تَبديلاً ولَن تجِدَ لسُنّة اللَّه تَحويلاً ) (١) .

فالحياة قائمة على حقيقة واحدة وهي الصراع الدؤوب بين الحق والباطل وكل الأحداث التي تجري في تاريخ الإنسانية لا تخرج عن كونها واجهة من واجهات الصراع بين الحقّ والباطل.

فيمكننا بهذه البصيرة أن نغوص في التاريخ ونجعله حيويّاً يتفاعل وحياتنا اليوميّة.

ويمكننا إدراك أعمق ما يمكن إدراكه في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ أمتنا الإسلاميّة التي تعيش أعنف التقسيمات المذهبيّة.

ومن أجل ذلك لابد أن نتجاوز انفعالاتنا النفسيّة وانشداداتنا العاطفيّة ونحكّم قواعدنا وبصائرنا القرآنيّة، حتى نتمكّن من القدرة الموضوعيّة على التحليل والنظر من سطح الأحداث إلى جوهرها، فنصل إلى رؤية واضحة و واقعيّة بدلاً عن الرؤية الخاطئة والمشوّهة )(٢) .

ويقول إدريس الحسيني في هذا المجال حول أهميّة دراسة تاريخنا الإسلامي:

( ليس ثمة شي‏ء في ديننا، إلّا وله علاقة بالتاريخ، وما نملكه اليوم من عقائد وأحكام وثقافات إسلامية، كلها جاءتنا عن طريق الرواية، فحري بنا، أن يكون التاريخ عندنا، هو أحد المصادر العلمية المهمة )(٣) .

____________________

(١) فاطر: ٤٣.

(٢) معتصم سيّد أحمد/ الحقيقة الضائعة: ١٧١.

(٣) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ١٩.


ويقول ياسين المعيوف البدراني في هذا المجال:

( نحن جميعا وكل مسلم بحاجة إلى دراسة التاريخ دراسة علمية وإلى دراسة المذاهب الفقهية السياسية دراسة عميقة لكي نستطيع أن نتبيّن مواطن الخطأ ونقول يا فلان أنت مخطئ ولكي نتبيّن أيضاً مواطن الحق ونقول يا فلان أنت محق وذلك بعد البحث العلمي والتمحيص )(١) .

ويوضح عبد المنعم حسن هذه الأهميّة بصورة مفصّلة، شارحاً أبعادها المختلفة بقوله:

( تفصل بيننا وبين النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله حقبة زمنيّة طويلة نحتاج فيها للتاريخ شئنا أم أبينا، فهو ضروري لفهم شريعة السماء، وكل ما نتعبّد به وصل إلينا عبر التاريخ، القرآن والسنّة والحديث والسيرة والفقه وغيرها.

فكيف يتسنى لنا طي هذه المسافة الزمنيّة التي تجاوزت الأربعة عشر قرناً إذا لم نبحث التاريخ...

بلا شكّ أنّ العقلاء لا يُقرّون إهمال التاريخ وطيّه وإغفال العبر والدروس التي يمكن استخلاصها منه.

ونحن أمة تهيئ‏ نفسها للانطلاق فلا بد لنا من النظر إلى التاريخ بعقل مستبصر ببصائر الوحي.. لا نقبله بعلاته على أساس أنه مقدس فنقدّسه بأجمعه تقديسا أعمى ولا نرفضه كلّياً، لأن تقديس التاريخ يقودنا إلى تكريس سلبيات السابقين، لأننا نقدّسهم فنتأسّى بهم كما فعلت السلفيّة، وهي نظرية، لكنها في الواقع تصبح منهجا للعمل ينعكس على سلوكنا )(٢) .

ويضيف عبد المنعم حسن:

( إنّ التقديس الأعمى للتاريخ يجعلنا لا نُفرّق بين الظّالم والمظلوم، بين القاتل

____________________

(١) ياسين المعيوف البدراني/ يا ليت قومي يعلمون: ١٦٧.

(٢) عبد المنعم حسن/ بنور فاطمة اهتديت: ٢٨-٢٩.


والمقتول، ولا بين الطاغية والمجاهد، وبما أننا عرضة للخطأ ونحن نسعى لحمل أمانة السماء يجب علينا أن نتلافى المزالق التي وقع فيها السالفون، ولا يمكن لنا أن نتلافاها إلّا بتشخيصها وهذا يتطلّب وضعها تحت مجهر البحث والتنقيب.

كما لا يمكننا إلغاء كل التاريخ أو الانتقاء منه بأهوائنا وشهواتنا ورغباتنا، لأنّنا بإلغائه نُلغي سنن القرآن والسنّة بل كلّ الإسلام.

إذن عزيزي القارئ‏ يجب علينا أن نتبصّر أحداث التاريخ ونقف على المنعطفات التي مرت عليها الأمّة وأن نحدّد من يصلح لنا قدوة من غيره حتى نستفيد لحاضرنا فنتقدّم لمستقبل مُشرق... فلهذا لا استغناء عن التاريخ الذي له المدخليّة الأولى في فهم الانحراف الذي حدث في الأمّة فتنكبت الطريق وبعدت عن الصّواب )(٣) .

ويقول سعيد أيوب حول ضرورة التنقيب في أوراق الماضي من أجل معرفة الحاضر:

( إنّ للتاريخ حركة، ولمعرفة الحاضر معرفة حقيقة يجب التنقيب في أوراق الماضي، ثم ترتب المعلومات على امتداد الرحلة لاستنتاج المجهولات.

والذي فطرت العقول عليه هو أن تستعمل مقدمات حقيقيّة يقينيّة لاستنتاج المعلومات التصديقيّة الواقعيّة، فالحاضر لا يمكنه الوقوف على حقيقة إلّا بالرجوع القهقري، وبتحليل الحوادث التاريخيّة للحصول على أصول القضايا وأعراقها.

فعند الأصول، تُرى النتيجة على مرآة المقدّمة، ولأن حركة التاريخ على صفحتها الصالح والطالح ويصنع أحداثها المحسن والمسيء، فلابد من تحديد الدوائر والخطوط بدقّة ليظهر أصحاب كل طريق، وظهور هؤلاء على صفحة الحاضر لا يتحقق إلّا بعرض حركتهم في أحداث الماضي على قاعدة العلم )(٦٤) .

____________________

(١) المصدر السابق: ٢٩.

(٢) سعيد أيوب/ ابتلاءات الأمم: ٧.


عقبات في طريق دراسة التاريخ:

من المؤسف أن أكثر ما كُتب حول التاريخ الإسلامي نالته يد التحريف وتحكمت فيه النظرة الضيّقة ، وهيمن عليه التعصّب والهوى المذهبي، وهبّت عليه رياحُ الأهواء والعصبيّات، وعبثت به أيدي الانتهازيين نتيجة سيرهم في اتّجاه التزلّف للحكام.

وإنّ الكثير من تاريخنا لعبت به أيدي السلطات الحاكمة والنزوات العِرقيّة والمذهبية والقوميّة، فابتزّت منه رواءه وصفاءه وألبسته ثوبا من التحريف والتزييف والخلط والتشويه.

وبعبارة أخرى إنّ أكثر ما عندنا هو تاريخ لا يمنحنا صورة كاملة وشاملة عن كل ما سلف من أحداث، ولا يعكس الواقع بأمانة، لأننا نجد الكثير من المؤرّخين طمسوا الحقائق من أجل أن يكون التاريخ موافقاً مع هوى الحكّام والسلاطين ومنسجماً مع ميولهم وخادما لمصالحهم، أو متماشيا مع ما يعتقده المؤرّخ نفسه، ويميل إليه، وإن كان ذلك مخالفاً للواقع.

ويشير سعيد أيّوب إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( ولما كانت الإنسانية على امتداد المسيرة البشريّة لم تقف عند حال واحد، واختلفت وتفرّقت بعد أن جاءهم العلم بغيا بينهم، فان علوماً كثيرة قد ضاعت أو أهملت على امتداد طريق الاختلاف والافتراق، ومن ذلك علم التاريخ، فهو على شرافته وكثرة منافعه، عمل فيه عاملان للفساد يوجبان انحرافه عن صحة الطبع وصدق البيان، إلى الباطل والكذب.

أحدهما أن كل عصر به حكومة تحكمه، بيدها القوة والقدرة، تميل إلى إظهار ما ينفعها، وتغمض عما يضرها ويفسد الأمر عليها.

وهذا الأمر لم يزل ولا يزال يعمل داخل المسيرة البشريّة، فكل عصر كانت الحكومات تهتمّ بإفشاء ما تنتفع به من الحقائق، وستر ما تستضر به، أو تلبسها بلباس تنتفع به، أو تصوير الباطل والكذب بصورة الحقّ والصدق.


وثانيهما أن ما تراه الحكومة حقّا، يسلّم به المتحمّلين للأخبار والناقلين لها والمؤلّفين فيها إلّا من رحم اللَّه.

وعلى ضوء الرؤية الحكوميّة وعلى ضوء نحلتها وإحساسها المذهبي، يتحرك أهل الأخبار فلا يأخذون شيئاً يخالف ما ضبطه لهم القائمين عليهم )(١) .

ويشير إدريس الحسيني أيضاً إلى هذه الحقيقة، قائلاً:

( إنّ تراثنا تشكّل من خلال لعبة تاريخيّة وقفت من ورائها سلطة الخلفاء التي كانت تنهج نهجاً تحريفيّا في كل المؤسّسات الاجتماعية والثقافيّة من أجل خلق واقع منسجم تتطابق فيه البنى السياسيّة بالاجتماعيّة والثقافيّة.

ولأن القطاع الثقافي والتعليمي يشكل ركيزة المجتمع الحضاري وأساسا للدولة العقائديّة، فإنّ المؤسّسة السلطانيّة لعبت دوراً كبيراً في إعادة ترتيب محتوياتها الداخليّة من أجل سلب العناصر النقيضة لتلك المؤسّسة.

وتفريغ كل ذلك المحتوى من شأنه أن يكون قنبلة موقوتة تهدد بقاء تلك المؤسّسة.

وليس عجيبا أن يذكر التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك، تعكس حرص المؤسسة السلطانيّة على التصرف في الجهاز المعرفي والثقافي للأمة، ونزوع حالة من الشموليّة تجعل الفكر محكوما برقابة شديدة وتحت رحمة الرغبة الخلفائيّة )(٢) .

ويقول صائب عبد الحميد حول هذه الحقيقة مع تبيينها بصورة مفصّلة:

( لقد ابتدأ النزاع في هذه الأمة سياسيّا، ومضى إلى وقت ليس بالقصير نزاعا سياسيّا، ثم كان من شأن السياسة أن تقود هذا النزاع إلى ميادين الفكر والاجتماع الأخرى.

____________________

(١) سعيد أيّوب/ الرساليّون: ٨-٩.

(٢) إدريس الحسيني/ الخلافة المغتصبة: ١١٣.


حتى تَوالت على الأمّة عهود تتابع فيها حاكمون يتبنّون اتّجاهاً واحداً يتعصّبون له ويوفّرون له الحماية وأسباب الانتشار ويواجهون بالعنف كلّ اتّجاه آخر.

ثمّ وجدوا في كلّ عصر رجالاً ممّن عُرف بالفقه، تقرّبوا إليهم واجتهدوا في توطيد سلطانهم، فتعاظم الشرخُ بين فصائل الأمة، وترسّخت الحواجز التي أصبحت هنا حواجز دينيّة بين فئة تعيش في ظل السلطان ثم تمنحه الشرعيّة في سياساته ومقاصده، وفئات أخرى يطارد رجالها ويؤذى كبراؤها، وربما يقتلون ويحجر على أفكارهم وتعاليمهم وكتبهم )(١) .

ويضيف صائب عبد الحميد:

( تلك الأجواء كانت السبب المباشر في ظهور الأخبار المكذوبة والأحاديث الموضوعة والعقائد الدخيلة، التي تسلّحت كلّ فرقة بطائفة منها، ورمت خصومها بطائفة أخرى، ساعدت على ذلك قمع السلطات للعلماء المخلصين والمجاهدين والمصلحين، وابتعاد بعضهم عن المواجهة.

فهل ذهبت تلك النزاعات ودرست مع الزمن، واختفت آثارها؟!

يغالط نفسه ويخادعها من يزعم ذلك

إنّ الحقيقة التي ينبغي أن لا تغيب عن أحد أنّ تُراثنا الموجود بين أيدينا إنّما جمع وصنّف في تلك الأحقاب، لا غير..

فكل تراثنا الذي نقرأه: في الحديث، في التّفسير، في الفقه، في الأصول، في العقائد، في التّاريخ كلّه تراث تلك العهود؛ عهود النّزاع السياسي والمذهبي.

إذن لاشك أن يأتي تراثنا محمّلا بتلك الآثار الخطيرة، وهذه هي الحقيقة التي طغت على تراثنا الإسلامي.

هذه الحقيقة هي أوّل ما ينبغي أن نقف عنده، لا على طريق التقريب بين المذاهب

____________________

(١) صائب عبد الحميد/ حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي: ١٨.


فقط، بل على طريق المطالعة الحرّة أيضاً، وعلى طريق الدرس والتلقي، أو التحقيق أو التصحيح)(١) .

ولهذا عانى المستبصرون كثيرا خلال بحوثهم في كتب التاريخ من النسيج الغليظ الذي نسجه التاريخ المحرّف حول الكثير من الحقائق، ومن الهالة المصطنعة والمزيّفة التي أضفاها على الكثير من الرجال والمفاهيم.

ولهذا أشار أغلب المستبصرين إلى هذا الأمر في كتبهم التي‏ألّفوها بعد الاستبصار، منهم:

يقول سعيد أيوب:

( لاشكّ في أنّ ما يختزنه الماضي من أحداث جرت على امتداد المسيرة البشريّة، قد تعرض لأمور وضعت الباحث عن الحقيقة في دائرة مضنية شاقّة.

وفي جميع الأحوال كان الباحث يصل إلى نقاط بحثه بمراكب العسر لا اليسر.

وكانت الحقائق تظهر إمّا مختصرة ويقام بها حجة، وإمّا بها التباس لا ينسجم مع الفطرة ويتطلب بحثها جهداً جديداً، وإمّا مشوّهة يراد بها فتنة.

ويعود ذلك لعدم الأمانة في النقل أو لسوء الحفظ أو لعدم الدقة في النسخ وتخزين المادّة )(٢) .

ويشير محمد علي المتوكّل إلى هذه الحقيقة، فيقول:

( إنّ القرون الأربعة عشر التي تلت رحيل النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله كانت حافلة بالفتن والمؤامرات التي استهدفت الإسلام فكراً ونظاماً، وانّ التفسير والحديث والتاريخ، كل ذلك كان خاضعاً لأهواء السلاطين الذين انتحلوا الإمامة وإمرة المؤمنين تجاوزاً وعدواناً، ووجدوا من العلماء من يعمل لخدمة مصالحهم بالتزييف والتحريف فلم

____________________

(١) المصدر السابق.

(٢) سعيد أيّوب/ زوجات النبي: ٥-٦.


يسلم من التراث شي‏ء، وعبر هذه القرون الطويلة، وصل الدين إلينا بالغث والسمين، فاقداً لأصالته ونقائه، يغلب الطابع الأموي فيه على النبويّ، ومع ذلك، تجدنا نُقبل عليه بكلّ اطمئنان، ونتلقاه دون أن نتساءل عن حقيقته أو نتثبّت من سلامته.

للتأكّد ممّا نقول يكفي أن تُراجع بعض الموسوعات الحديثة المعروفة بالصحاح أو مصنفات السلف في التفسير والتاريخ، لتجد نفسك في لجة من التناقضات والأكاذيب والخرافات التي لا تشبه الدين في شي‏ء، على أن لا يكون رجوعك إليها من خلال خلفياتك النفسيّة التي تقدس السلف وتتعبد بتقليده والتسليم لتركته وليَكُن مرجعك القرآن والعقل وأنت تتصفح كتب التراث)(١) .

ويقول ياسين المعيوف البدراني حول ما كان يتمنّاه من التّاريخ وما وجد فيه:

( ما أشبه التاريخ بمرآة صافية تأخذ الصور ثمّ تحفظها للأجيال من كلّ الأمم وهذه الصور هي مسجّلة كما هي عليه في الحقيقة إذا كانت اليد التي قامت بالتصوير نزيهة وشريفة.

ولكن من المؤسف أنّ المصالح السياسيّة والأهواء الشخصيّة تلعب دوراً هامّاً في تشويه تلك الصور وتسلبه حرّيته في أداء الأمانة، محاولة السيطرة على نظام التاريخ ومنعه من أن يوصل الحقيقة للأجيال )(٢) .

مظلوميّة مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام :

إنّ مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام هو المذهب الذي تركزت جهود هائلة من قبل الحكّام والسّلاطين، ولا سيّما بني أميّة وبني العبّاس لظلمه واضطهاده وسنّ الحرب الدعائيّة والدمويّة ضدّه لإخفاء كل ما يبرز أحقّيته ومنهجه في فهم الإسلام و دوره في حفظ

____________________

(١) محمد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٨-٩.

(٢) ياسين المعيوف البدراني/ يا ليت قومي يعلمون: ١٦٩.


الشّريعة والعقيدة.

ويشير صالح الورداني إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( لقد محت السياسة كل شي‏ء يتعلّق بآل البيت من تراثهم ولم تبقي إلّا على القشور وما يخدم مآرب وتوجّهات ومصالح الحكام.

فمنذ أن برز معاوية وساد الخط الأموي وبدأت الأمّة تسير في خط آخر مُعاد لأهل البيت بدأ بسبِّ الإمام علي على المنابر وانتهى بذبح وتصفية أبنائه وأشياعهم ومحو تراثهم وعلومهم )(١) .

ومن أبرز الأسباب التي أدت إلى تعرّض مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام واتباعه للظلم والاضطهاد من قبل السلطات الحاكمة هي المبادئ التي يحملها هذا المذهب من قبيل عدم الإقرار بولاية الحاكم الذي لا يستمد مشروعيّة حكمه من الباري عزّوجلّ، والاعتقاد بأن الإنسان حرّ مختار وهو المسؤول عن اختياره وإرادته، والتي كانت تحفّز الناس على نبذ الجبريّة وعدم الخنوع للسلطات الجائرة.

ويذكر مصطفى خميس في هذا المجال قائلاً:

( كلّ هذا التشويش والافتراء، وكل هذه الأكاذيب التاريخيّة، أدّى إلى الافتراء على التيّار المناهض للسلطة الجائرة الحاكمة التي كُتب التّاريخُ بأقلامها، وأقلام المتكسّبين، والمتسكعين على موائدها، وأدّى إلى اختراع حكايات وأحداث تاريخيّة وشخصيّات خرافيّة، استطاعت بواسطتها أن تسي‏ء إلى تلك الفئة الثائرة عليها والمناهضة لسلطانها. و خاصة أتباع مدرسة أهل البيت النبوي الشريفة الذين لم يجيزوا لهؤلاء الحاكم الطغاة الظلمة أيّ سلطان على المسلمين، وجرّدوهم من حقّ الولاية العامة، و رفضوا طاعتهم ونصرتهم مكتفين بطاعة و ولاية أئمّة الهدى من أهل البيت‏عليهم‌السلام الذين أمر اللَّه عزّ وجل بطاعتهم

____________________

(١) صالح الورداني/ الخدعة: ٣٣.


فأدّى ذلك إلى ابتعادهم عن ولاة السوء وحكّام الضلال ونبذهم، كما قادهم ذلك أيضاً إلى استنكار أعمال الحاكمين والولاة الظّلمة الفاسقين والتمرّد عليهم، فأدّى ذلك كلّه إلى نفور الحكّام والسلاطين منهم عبر العصور، والسعي الدائب إلى البطش بهم وتنفير النّاس منهم، واختراع الأكاذيب التي تساعد على ابتعاد الناس عنهم، فاتهموهم بما ليس فيهم، وسعوا إلى إغراء الناس بهم، وتنفير العامّة منهم )(١) .

ثم يضيف هذا المستبصر قائلا:

( لقد تحمّل شيعة أهل البيت الكثير الكثير من العَنَت والجور، سواءً من الحكام الظالمين، أو من السماسرة المأجورين والدسّاسين المفترين، أعداء الإسلام، الّذين باعوا دينهم بدنياهم لقاء أجر زهيد، شحنوا القلوب وأوغروا الصّدور بما لفقوا وافتروا على الشيعة المسلمين بما لم يسمع به الشيعة أنفسهم ولم يعرفوه، وما أنزل اللَّه به من سلطان، لا غرض لهم في ذلك سوى إرضاء أسيادهم أولياء نعمتهم، ابتغاء الفتنة، وإذكاءً لنار الفساد، بعد ما خمدت وخبا نورُها، فلعنة اللَّه على من يوقظها، واللَّه تعالى سيظهر دينه رغم كيد الحاقدين، ورغم أنف المنافقين والمستكبرين، وإنّ للَّه العزّة ولرسوله وللمؤمنين )(٢) .

ويقول معتصم سيد أحمد حول ما لاقاه أهل البيت‏عليهم‌السلام وأتباعهم من السلطات الجائرة، والأسباب التي دفعت إلى ذلك:

( بما أنّ التاريخ شاهد عيان ينقل كل ما رأى، فلابدّ للمخطّط أن يسكته أو يعمّي عليه حتى لا يفضحه ويكشف حيلته، ومن هنا كان التاريخ تحت قبضة السياسة الحاكمة يدور معها حيث ما دارت، فأصبح المؤرخون تحت تهديد أو إغراء السلاطين ترتعش الريشة في أيديهم لتزييف الحقائق.

____________________

(١) مصطفى خميس/ شبهات وحقائق: ١٥٥.

(٢) المصدر السابق.


وانّ السياسة التي اتّبعها التيّار الأموي ومن بعده العبّاسي كانت تستهدف من الأساس تشويه صورة أهل البيت‏عليهم‌السلام ، فكان مجرّد التظاهر بالحب لعلي بن أبي طالب وأهل بيته كفيلٌ بهدم الدار وقطع الرزق - حتى تتبع معاوية شيعة علي قائلاً: اقتلوهم على الشبهة والظنّة - وحتى بات ذكر فضائلهم جريمة لا تغتفر.

وللتعرّف على المأساة التي لاقوها أئمة أهل البيت وشيعتهم في التاريخ راجع كتاب (مقاتل الطالبيّين) لأبي الفَرَج الأصفهاني.

فما بال المؤرخين، هل يتسنّى لهم في تلك الظروف القاسية تدوين مناقب وفضائل أهل البيت وذكر سيرتهم العطرة؟!

وهكذا أصبحت الأمة تتوارث جيلاً بعد جيل حقائق مشوهة، بل تطوّر الأمر إلى أكثر من ذلك عندما أصبح العلماء المتأخّرون يبررون للسابقين وينقلون عنهم من غير تأمل أو تدبّر، فتأصّلت حالة العداء لأهل البيت وشيعتهم وحالة الجهل والغفلة في الآخرين )(١) .

ضرورة الدراسة الواعية للتاريخ:

إنّ التاريخ على الرغم من تدخل الأهواء والمصالح الدنيويّة وقوى السّياسة في كتابته وتحريف حقائقه، فانّ بعض مصادره قد حفظت للحق بعض وثائقه، وهذا ما يمكّن أهل البصائر من ذوي العلم والوعي والفكر والفطرة السليمة من استخلاص واستكشاف الواقع منه بشكل يمكن الاعتماد عليه.

وكل ما في الأمر هو أن يستعمل الباحث خلال دراسته للتاريخ سبلاً تُعينه على اكتشاف الحقيقة عن طريق تجريد الأحداث التاريخية من التأثيرات السياسيّة التي علقت بها، وتنقيتها من أهواء المؤرخين ونزعاتهم.

____________________

(١) معتصم سيد أحمد/ الحقيقة الضائعة: ١٧٢-١٧٣.


وينبغي للباحث في هذه الحالة أن يكون من أصحاب العقول الواعية والموضوعيّة اليقظة التي تقرأ بحَذر وبدقّة وتأمّل وإمعان، لئلا تقع في فخ التضليل والتجهيل، وعليه أن يتّخذ في بحثه سبيلاً يحرّره من أوهام كثيرة حوّلها التاريخ إلى حقائق.

ويشير سعيد أيوب إلى إحدى الطرق التي تُساعد الباحث على عدم الوقوع في فخّ التضليل، قائلاً:

( إنّ تصرّف السياسة في الأحداث التاريخيّة بالإفشاء والكتمان والتغيير والتبديل، يصبح هباء ضائعاً في خلاء، إذا علم الباحث الحق أوّلا، لأنّ بميزان الحقّ يُعرف الرّجال وتظهر حركة المسيرة ووسائلها وأهدافها.

فقديماً كانت هناك أسباب انتقاليّة لفساد النبع التاريخي، منها فقدان وسائل الضبط والأخذ والنقل والتأليف والحفظ عن التغيير، فهذه الأسباب والنقائص الفرعيّة ارتفعت اليوم بتراكم وسائل الاتصال وسهولة نقل الأخبار وبإمكانيّة بحث وتحليل الرباط بين الماضي والحاضر.

وبهذا الارتفاع يكون معرفة الحق الذي به نعرف الرجال وبه نزن الأحداث أمراً يسيراً في متناول أولي الألباب والأبصار، واللَّه تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون )(١) .

ومن الأساليب التي يراها إدريس الحسيني لاكتشاف الحقيقة من بطون كتب التاريخ الإسلامي هي ما يذكرها في كتابه (لقد شيّعني الحسين) بقوله:

( أريد هنا، أن أوقف التّاريخ الإسلامي على قَدَميه، بعد أن ظلّ في أذهاننا منقلباً على وجهه، وخطوة واحدة جديرة بإيقافه على رجليه، هي أن نفتح أعيننا مباشرة على كل ما وقع، ونحكّم الوجدان، ليس إلّا! )(٢) .

ثمّ يضيف قائلاً:

____________________

(١) سعيد أيوب/ الرساليّون: ١٠.

(٢) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ١٠١.


( سوف نحفز في كل الاتّجاهات، وفي كل الأبعاد من أجل الوقوف على حقيقة الظّاهرة التاريخيّة، مجرّدة عن أوهامها، وبذلك يمكن للتاريخ الإسلامي‏أن يتمثل واقفاً على رجليه )(١) .

ويرى صالح الورداني في كتابه (السّيف والسياسة) انّ من أهم الأمور التي ينبغي أن يتّبعها الباحث في بطون التاريخ هي وضع النصوص فوق الرجال فيقول:

( إنّ هذا التاريخ قد صبغته السياسة وطغى فيه الرجال على النصوص وتغلبّت فيه النّزعات على القيم الإسلاميّة..

ولقد استمرّ المسلمون منذ وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وحتى اليوم يرصدون حركة التاريخ بعين واحدة، هي عين القداسة دون أن ينظروا إليها بعين النقد..

ومنبع هذه النظرة يمكن في تلك الأغلال السلفية التي طوّق بها المسلمون والتي تحول دون رؤيتهم لحركة التاريخ بصورة متكاملة بمعزل عن القداسة التي أضفيت على رموز وشخصيّات معيّنة لعبت دوراً بارزاً في دائرة هذه الحركة.

ونحن لا نهدف من خلال هذه الدراسة إلى التجريح أو الطعن والتشويه وهدم رموز معيّنة هي محلّ قداسة المسلمين، ولكنّ الهدف هو وضع النّصوص فوق الرجال، ثمّ وزن هؤلاء الرجال على ضوء هذه النصوص..

ما نهدف إليه هو أن نرسي قاعدة تعينُنا على قراءة التاريخ قراءة متبصرة من خلال النصوص لا من خلال الرجال.. )(٢) .

وبهذه الدراسة الواعية يصل الباحث إلى حقائق جديدة، ومن جملة هذه الحقائق ما توصّل إليه صالح الورداني خلال دراسته الواعية للتّاريخ، والتي يذكرها في كتابه (السّيف والسياسة) قائلاً:

____________________

(١) المصدر السابق.

(٢) صالح الورداني/ السيف والسياسة: ٦.


( عليهم [المسلمين‏] أن يدركوا حقيقة هامّة، وهي أنّ هذا التّاريخ الذي بين أيدينا هو تاريخ المسلمين وليس تاريخ الإسلام.

والفرق كبير وشاسع بين تاريخ الإسلام وتاريخ المسلمين.

تاريخ الإسلام هو كتاب اللَّه.

وتاريخ المسلمين مادون ذلك ممّا يخضع للبحث والأخذ والرد وعلى ضوء كتاب اللَّه يجب أن يدرس تاريخ المسلمين )(١) .

كما أنّ الباحث الواعي يحاول أن لا يقتصر في دراسته للتاريخ مراجعة الكتب التي دوّنت في ظلّ السلطان، بل يحاول أن يقرأ أيضاً الكتب التاريخيّة التي دوّنها من اضطهدتهم السلطة، ليحصل عبر ذلك على صورة أكثر شموليّة حول أحداث التاريخ.

ولهذا يقول التيجاني السماوي:

( إنّ العلماء الأوائل غالباً ما كانوا يكتبون ويؤرخون بالنحو الذي يوافق آراء الحكام من الأمويّين والعبّاسيين الذين عرفوا بعدائهم لأهل البيت النّبويّ، بل ولكن من يشايعهم ويتبع نهجهم.

ولهذا فليس من الإنصاف الاعتماد على أقوالهم دون أقوال غيرهم من علماء المسلمين الذين اضطهدتهم تلك الحكومات وشرّدتهم وقَتَلتهم لأنّهم كانوا أتباع أهل البيت‏عليهم‌السلام )(٢) .

وهذا ما قام به أحمد حسين يعقوب، فقرأ كتباً إسلاميّة تنظر إلى التّاريخ من زاوية تختلف عمّا يراه أهل السنّة، فتفتّح بذلك عقلُه وتعرّف على حقائق قلبت عنده الموازين.

ويقول هذا المستبصر حول تجربته في هذا المجال:

____________________

(١) المصدر السابق: ٢٠٣.

(٢) محمد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ٧٧.


( وأثناء وجودي في بيروت قرأت كتاب (الشيعة بين الحقائق والأوهام) لمحسن الأمين، و كتاب (المراجعات) للإمام العاملي، وتابعت بشغف بالغ المطالعة في فكر أهل بيت النبوّة وأوليائهم.

لقد تغيّرت فكرتي عن التاريخ كلّه، وانهارت تباعاً كل القناعات الخاطئة التي كانت مستقرّة في ذهني، وتساءلت: إن كانت هذه أفعال الظالمين بابن النبي وأهل بيته، فكيف تكون أفعالهم من الناس العاديين؟!

لقد أدركت بأنّ الدولة التاريخيّة - وهي دولة عظمى - قد سخّرت جميع مواردها ونفوذها من خلال برامجها التربويّة والتعليميّة لغايات قلب الحقائق الشرعيّة، وتسخير الدين الحنيف لخدمة وقائع التاريخ وإضفاء الشرعيّة على تلك الوقائع، وإظهار الدين والتاريخ كوجهين لعملة واحدة.

وإنّ النّاس قد انطلت عليهم هذه الخطة فأشربوا ثقافة التاريخ متصورين بحكم العادة والتكرار وتبني الدولة لهذه الثقافة، بأن ثقافة التاريخ هي ثقافة الدين.

وبهذا المناخ الثقافي حملت الدولة التاريخ على أهل بيت النبوّة ومَن والاهم، وصوّرتهم بصورة الخارجين على الجماعة الشاقّين لعصا الطاعة، المنحرفين عن إسلام الدولة، وتقوّلت عليهم ما لم يقولوه ونسبت إليهم ما لا يؤمنون به، وصدقت العامة دعايات الدولة ضد أهل بيت النبوّة ومن والاهم، وتبنى الأبناء والأحفاد ما آمنت به العامّة دون تدقيق أو تمحيص، ولا دليل لا من كتاب اللَّه ولا من سنّة رسوله )(١) .

عقبة الإطار الفكري في فهم التاريخ:

من جملة العقبات الأخرى التي يواجهها المستبصر في مراجعته للتاريخ هي الإطار الفكري الذي أملاه عليه المجتمع السنّي حول التاريخ.

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد: ١٠.


ويصف إدريس الحسيني هذا الإطار الذي يلقّنه علماء أهل السنّة لإتباعهم:

( لقد تلقّينا دروساً - ديماغوجيّة - خاصّة، لفهم التّاريخ الإسلامي وأن (نترضى) بعد ذكر كلّ اسم ينتمي إلى جوقة القديم.

وإذا رأينا الدم والفسق والكفر، ليس لنا الحق سوى أن نغمض الأعين، ونكف الألسن خوفا من الغيبة التاريخيّة، ثم نقول:( تِلك أمّة قَد خَلتْ لَها ما كَسبَتْ ولَكُم ما كَسبْتُم ولَا تُسألونَ عمّا كانُوا يَعْمَلُون ) (١) .

عملية لجم مُبرمجة، وقيود توضع على عقل الإنسان، قبل أن يدخل إلى محراب التأريخ المقدّس.

لقد علّمونا أن نرفض عقولنا، لنكون كائنات (روبوت) توجّهنا كمبيوترات مجهولة )(٢) .

ويضيف هذا المستبصر في هذا المجال:

( من الدّروس - الديماغوجيّة - التي حقنوا بها وعينا، هو أن ما كان في التاريخ الإسلامي هو الصواب المطلق.

ولم يكن في الإمكان أبدع مما كان.. وان الإيمان كل الإيمان، هو التصديق بما وقع، والخلافة الرشيدة حبكة جملية جداً، بل وأنّها تكاد تطفح إبداعا، وما زلتُ أضحك على نفسي لتقبلها بسذاجة الأمويين.

لقد تلقّيت منهم واقع الخلافة الراشدة دون مناقشة، وإذا راودتني نفسي بتساؤلات، قمعتها، لتستقيم عل التزام التجاهل.

واذكر أنّ الشك بهذه الحبكة طرأ عليّ وأنا ابن خمسة عشر عاماً غير انني طويت الصفحة عن ذلك الشك وتعمدت نسيانه! )(٣) .

____________________

(١) البقرة: ١٤١.

(٢) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٤١.

(٣) المصدر السابق: ٤٣.


ويقول هذا المستبصر حول المعاناة التي عاناها في هذا المجال:

( إنّني ورثت مجموعة تقديسات متناقضة، تجرّعتُها على حين غفلة من نضجي ووعيي التاريخي... ولكن التاريخ علّمني ألّا أكون مناقضاً للحقيقة، وإلّا كيف يتّسع القلب لحب الشي‏ء ونقيضه؟ )(١) .

ويذكر هذا المستبصر حول المعاناة التي عاناها في بداية قراءته لبعض فقرات التاريخ الإسلامي:

( كنت أقرأ صفحة ثم أتوقّف متعوّذاً باللَّه، وكأنّني أنا المسؤول عن كل ماوقع، أقرأ التاريخ خلسة وخفية، وكأنني أمارس الفحشاء والمنكر، وما زلت اتذكر الأصحاب وقد بدأوا يوجهون لي النقد، لأنني بدأت أخرج عن الإيمان، وأهتمّ بالفتن، إنّني كنت أدرك أنّهم لا يقولون إلّا ما لُقّنوه)(٢) .

ويقول مصطفى خميس حول تقييمه لهذه الفكرة التي يتبناها البعض حول النظرة القدسيّة إلى التاريخ:

( لم يكن الذين كتبوا التاريخ عدولاً بأجمعهم، كلا، ولا مسدّدين بأمر اللَّه عزّ وجل، لكنهم كانوا أناساً عاديين، تأثروا بعواطفهم وبميولهم وسياسات حكامهم، وقد جمعوا روايات التاريخ وأحداثه من أفواه الرواة، وكتابات القصّاصين أحيانا من غير تحقيق ولا تدقيق، وهذا ما حدث عند الكثيرين منهم، بل أكثرهم.

فهذه النظرة القدسيّة إلى التاريخ بكل ما جاء فيه - بعجره وبجره - قادت الكثيرين منهم إلى التجنّي على الحقيقة، كما قادتهم إلى نصرة الباطل على الحق، وذلك بإظهار كثير من الأكاذيب والدسائس والافتراءات على أنّها أحداث تاريخيّة، وألبسوها ثوب الحقيقة المزيّف )(٣) .

____________________

(١) المصدر السابق: ٩٦.

(٢) المصدر السابق: ٩٤.

(٣) مصطفى خميس/ شبهات وحقائق: ١٥٤-١٥٥.


التحذير من قراءة التاريخ:

من جملة العقبات الأخرى التي يواجهها المستبصرون حين توجّههم إلى البحث في كتب التاريخ هي التحذير الذي يتلقونه من علمائهم وممن حولهم فيما يخص دراسة التاريخ.

ويشير إدريس الحسيني إلى هذا الأمر قائلاً:

( بعضهم بلغ من الحكمة شأواً بعيداً، فيقول: ( لا داعي للبحث عن هذه القضايا القديمة في التاريخ، لأنها باعثة على الفتنة ).

لقد تحول البحث عن الحقيقة، فتنة في قاموس هذا الصنف من الناس، وكأنّهم يرون البقاء على التمزّق الباطني، حيث تتشوش الحقيقة، وتغيب، أفضل من الإفصاح عن الحق الذي من اجله أُنزل الوحي، وتحركت قافلة الرسل والأنبياء، وكأن مهمة الدين هو أن يأتي بالغموض، وكأن اللَّه عزّ وجل أراد أن يبلبل الحقائق، ويقمعها بحكمة: لا تبحث في التاريخ )(١) .

ويقول محمد الكثيري حول سبب ممانعة البعض عن قراءة التاريخ:

( إنّ البحث والدراسة العميقة لتاريخ الإسلام بشكل عام وتاريخ المذاهب الفقهيّة والأصوليّة بشكل خاص وعلاقة ذلك بالاجتماع والسياسة، يكشف عن حقائق مهمّة وخطيرة تنزّل أصناماً ذهبيّة براقة من عليائها لترمي بها في مزابل التّاريخ، لأنّها العار الأبدي على جبين الإنسانيّة، ورمز للانحراف والظلم اللذين شيّدا صروح النفاق والكفر )(٢) .

ويقول التيجاني السماوي حول معاناته أيضاً، في الفترة الزمنيّة التي كان معتنقاً فيها لمذهب أهل السنّة:

____________________

(١) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ١٩.

(٢) محمد الكثيري/ السلفيّة: ١٤


( وفي الحقيقة ما عرفت من التاريخ الإسلامي قليلاً ولا كثيراً، لأنّ أساتذتنا ومعلّمينا كانوا يمنعوننا من ذلك مدّعين بأنّه تاريخٌ أسود مظلم لا فائدة من قراءته )(١) .

ويذكر التيجاني السماوي أنّه ذات يوم سأل أستاذه في مادّة البلاغة عندما كان يدرّسهم الخطبة الشقشقيّة حول محتوى هذه الخطبة.

فقال له الأستاذ:

( نحن ندرّس بلاغة ولا ندرّس التّاريخ، وما يهمّنا شي‏ء من أمر التاريخ الذي سوّدت صفحاته الفتن والحروب الدّامية بين المسلمين، وكما طهّر اللَّه سيوفنا من دمائهم، فلنطهّر ألسنتنا من شتمهم )(٢) .

ويصف التيجاني معاناته في دراسة التاريخ في بداية توجّهه إلى البحث قائلاً:

( وحاولت مراراً عديدة دراسة التاريخ الإسلامي، ولكن لم تتوفّر عندي المصادر والإمكانات لتوفير الكتب، وما وجدت أحداً من شيوخنا وعلمائنا يهتمّ بها وكأنّهم تصافقوا على طيّها وعدم النظر فيها، فلا تجد أحداً يملك كتاباً تاريخيّاً كاملاً )(٣) .

ويقول التيجاني السماوي أيضاً في هذا الخصوص:

( أما العالم السُنّي تجده قليلاً ما يهتمّ بالتّاريخ فهو يعتبره من المآسي التي لا يريد نبشها والاطّلاع عليها، بل يجب إهمالها وعدم النّظر فيها لأنّها تسي‏ء الظنّ ب(السلف الصالح ))(٤) .

تخطّي المستبصرين لهذه العقبات:

إنّ الشخص الذي يوفّق للاستبصار - على العموم - لا تمنعه أمثال هذه العوائق عن

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ٣٧.

(٢) المصدر السابق: ٣٧.

(٣) المصدر السابق: ٣٧.

(٤) محمد التيجاني السماوي/ الشيعة هم أهل السنّة: ٦٩.


السير في بحثه من أجل معرفة الحقيقة، لأنه يعي بأن غض الطرف عن وقائع التاريخ لا يخدم الحقيقة، ويدرك أنّ عمليّة فصل الواقع الحالي عن تراكمات الماضي غير ممكنة، وانّ كل أمّة بحاجة ماسّة إلى دراسة تاريخها، ليمكنها أن ترى المستقبل بوعي وواقعيّة.

ويعي هكذا شخص أيضاً بأن القضايا التاريخيّة ليست قضايا غاب أشخاصها وطوى الزمن صفحتها، بل هي قضايا لها التأثير الأساسي على حياة الإنسان المسلم، لأن بعضها تعتبر جزءاً من عقيدة الفرد ورؤيته الدينيّة العامّة.

كما أنّ هكذا شخص يعي بأن الدعوة إلى أن نجعل بيننا وبين تاريخنا حجاباً مستوراً مقولة غير مبتنية على دليل أو برهان، بل هي ليست إلّا مجرّد محاولة من البعض لعدم انكشاف واقعهم الأسود ومعتقداتهم التي يكذّبها الواقع والتاريخ بصراحة.

فلهذا ردّ الكثير من المستبصرين في تصريحاتهم ومؤلفاتهم على هذه الفكرة، منهم عبد المنعم حسن، حيث أنّه قال:

( أمّا أولئك الذين ينادون بعدم البحث في التاريخ بحجّة إثارة الفتن وعدم جدوائيّة ذلك، يخافون من انكشاف الواقع وفضح مآسي الأمة التي اختارتها بكامل إرادتها وهي تبتعد عن نهج الحق.

ولا يهمّنا ونحن نبحث عن الحقيقة في صفحات التاريخ أن تتساقط الشخصيّات ويتعرّى البعض من هالته القدسيّة المصطنعة حوله، لأنه لا ترجيح للشخصيّات في ميزان الحق إلّا لمن أخلص له والتزم به )(١) .

ويقول معتصم سيّد أحمد في هذه المجال:

( كل سؤال أو استنكار في البحث التاريخي بداعي عدم إثارة الفتن القديمة أو أيّ

____________________

(١) عبد المنعم حسن/ بنور فاطمة اهتديت: ٣٠.


داعي آخر لا محل له، وإنْ دلّ فإنّما يدل على جهل صاحبه.

وفي الواقع إن كانت هناك فتنة فهي بسبب ما حدث في التاريخ من تزييف وتحريف، وإلّا فالتاريخ بما هو، هو مرآة صافية تعكس الماضي للحاضر من غير خُداع أو دَجل، ولكن عندما سقط التاريخ في أيدي السياسات المنحرفة تذبذبت صورته وتبدلت أشكاله، ومن هنا تعددت الآراء واختلفت المذاهب، وإلّا لو كان التّاريخ سليماً لانكشف زيفها وعُرف باطلها.

وما تعانيه الأمّة الإسلاميّة اليوم من فرقة وشتات وتمزّق في الصفوف ما هو إلّا نتاج طبيعي للانحرافات التي حدثت في التاريخ من تدليس المؤرخين وكتمهم للحقائق.

فهم جزءٌ لا يتجزّأ من المخطط الذي استهدف مدرسة أهل البيت من أجل مصالح سياسيّة، فقد عمل هذا المخطّط على كافة الأصعدة والمستويات ليشكّل تيّاراً آخر ذا مظهر إسلامي في قبال الإسلام الحقيقي الأصلي )(١) .

ويقول إدريس الحسيني:

( إنّ طرح سؤال، من قبيل: لماذا نبحث في التاريخ؟ هو عين التخلّف الفكري، لأنه لم يعد يوجد من يشك في أهمية التاريخ! ومن القرآن تعلّمت الأمة قيمة النظر في التاريخ، وللتاريخ سننه وقوانينه التي تجري على كل البشر )(٢) .

ويقول محمّد عبد العال:

( ردّاً على المقولة المزمنة والمستهلكة: ( ما لنا وللماضي فنحن أبناء الحاضر )، نقول: أنّ رفض باطل الحاضر باطل مالم يرتكز على رفض باطل الماضي. أيّ أنّ رفض باطل الماضي يشكّل ضرورة حتميّة لضمان صحّة رفض الباطل الحاضر، لأنّ

____________________

(١) معتصم سيّد أحمد/ الحقيقة الضائعة: ١٧١.

(٢) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٢١.


أيّ بناء لا يستقيم على أساس معوّج )(١) .

ويقول هشام آل قطيط:

( لماذا نعتبر الرجوع إلى التاريخ جريمة أو إثماً في ذلك أو ذنباً عظيماً.

وأقول أنّ في التاريخ حقائق دفينة قد حفظها لنا وسجّلها عبر عصور متراكمة وبعيدة، فلولا التاريخ لما عرفنا العقيدة التي نسير عليها ونستنير من خلالها، ونستلهم منها وجودنا الفكري وسلوكنا البشري.

فالتاريخ في الحقيقة والواقع حارس رقيب لا يغفل ولا يغيب، يراقب الخونة الذين كانوا يبيعون ضمائرهم لولاة الباطل بأبخس الأثمان، لقلب الحقائق رأساً على عقب، ولإظهار الأضاليل الكاذبة، إرضاءً لنفوسهم الخبيثة وحكّامهم الأخسّاء الأذلّاء.

فصاحب العقيدة النقيّة الصحيحة لا يخاف من الرجوع إلى التاريخ، لأنه يرى في التاريخ الصحيح المرآة العاكسة لعقيدته النقيّة.

وأمّا متزلزل العقيدة فالتاريخ يبيّن له الحق بواقعه، ويدَع له الخيار في إتّباعه أو تركه.

وأمّا المسلم القوي العقيدة فإنّ التّاريخ يريه النعمة الوافرة التي قد منّ اللَّه تعالى بها عليه، فأولده من أبوين مسلمين، وكفاه صعوبة مخالفة الآباء، ويتمسّك بدينه الحق المبين فلا تغريه بعد الزخارف بخدعها البرّاقة، فيفوز بسعادة الدارين الدنيا والآخرة.

في الواقع يجب أن نتمسّك بالتاريخ بأسناننا، وأظفارنا، لأنّ التاريخ الصحيح هو منجاة لنا، فلولا التاريخ والتدوين لما عرفنا الصلاة، ولا الصوم ولا أركان الدين. فالتاريخ معادٌ معنوي يعيد لك العصور التي سلفت وينشرها لأهل عصره، ويرجّع آثارهم التي سلفت أمام أهل زمانه، فتستفيد عقولهم من غررها ما تستضي‏ء بنوره، وتنتعش نفوسهم مما تتنفّسه من مسكه وعبيره.

____________________

(١) مجلّة المنبر: العدد ٢٦.


فالتاريخ ضالّة الباحث والمفكّر والعالم وطلبة المتفنّن، وبغية الأديب وأُمنية أهل الدّين ومقصد السّاسة والقول الفصل إنّه مأرب المجتمع البشري أجمع، وهو التاريخ الصحيح والمحقق الذي لم يقصد به إلّا ضبط الحقائق على ما هي عليه.

فلذلك علينا أن نشجّع الطلبة والباحثين إلى الغوص في أعماق التاريخ ليستخرجوا لنا ما فيه من دررٍ كامنة وأصدافٍ ثمينة وحقائق ثابتة )(١) .

ثمّ يضيف هشام آل قطيط:

لماذا نخاف من الغوص بأعماق التاريخ؟

لماذا نخاف من استخراج الحقائق الدفينة في طيّات التاريخ؟

لماذا يَنتابنا الخوفُ والهَلَع عندما نجد حقيقة ثابتة أخرجها لنا الباحثون والمؤرّخون تخالف ما نحن عليه اليوم؟

لماذا نخاف من الواقع؟

أليس اللَّه سبحانه وتعالى أوجدنا أبرياء أنقياء على الفطرة، لا يوجد أي شي‏ء يؤثّر في فطرتنا السليمة.

فلنتأمّل من أين جاءتنا تلك المؤثرات حتى سيطرت على عقولنا وطبعت على قلوبنا.

في الحقيقة تسليم الإنسان للأشياء واستقبالها دون تفكّر وتأمّل وتدبّر مذموم من قبل الخالق، والدّليل قوله تعالى:

( أفلا يعقلون ) ،( أفلا يتدبّرون ) ،( أفلا يتفكّرون ) ، وآيات كثيرة من هذا القبيل.

يخاطب اللَّه الإنسان الذي خلقه في أحسن تقويم، وميّزه عن بقيّة الكائنات بالعقل الذي يتفكّر ويتدبّر، فلا يسلم بالأمور على عواهنها أو علاتها.

____________________

(١) هشام آل قطيط/ وقفة مع الدكتور البوطي في مسائلة: ٢٢.


فنفهم من قوله تعالى: أنّه علينا أن نبحث ونفكّر ونمحّص الحقائق، ونتبعها ولو خالفت أهواءنا وطبائعنا وعاداتنا وتقاليدنا، التي ورثناها عبر عصورٍ متراكمة أبّاً عن جد.

لماذا نجد الكثيرين في هذا العصر المتقدّم يستهدفون محاربة فكرة الرجوع إلى التاريخ ونبش الحقائق من بطون التاريخ؟

لماذا يرون هذا العمل جريمة من وجهة نظرهم وكأنهم يرون البقاء على التمزّق الباطني، حيث تتشوّش الحقيقة وتغيب عن أذهان الناس أفضل من الإفصاح عن قول الحق الذي من أجله نزل الوحي وتحرّكت قوافل الأنبياء والمرسلين، وكأن مهمّة الدّين هو أنْ يأتي بالغموض، وكأنّ اللَّه عزّ وجل أراد أن يبلبل الحقائق )(١) .

ثم يؤكّد هشام آل قطيط:

( وليس ثمة شي‏ء في ديننا إلّا وله علاقة بالتاريخ، وما نملكه اليوم من عقائد وأحكام وثقافات إسلامية كلّها جاءتنا عن طريق الرواية، فحريٌّ بنا أن يكون التاريخ عندنا هو أحد المصادر المهمة للبحث.

وبعضهم يرى فيقول: ( لا داعي للبحث عن هذه القضايا القديمة في التاريخ لأنّها باعثة على الفتنة ).

فأقول لتلك الفئة: هل البقاء على التمزّق الباطني وإخفاء ما نزل الوحي من أجله أفضل من الرجوع إلى هذه القضايا القديمة؟

يا إلهي ما أشدّ ذلك غرابة، فحقّا هذا هو عين التخلّف الفكري والجنوح عن ركب الحضارة)(٢) .

فلهذا ينبغي للباحث الذي يودّ أن يصل في أمور عقائده إلى نتائج تميط له اللثام

____________________

(١) المصدر السابق: ٢٤.

(٢) المصدر السابق: ٢٥.


عن حقائق طَمستْها الأجيال، أن ينعم النظر في العصور الإسلاميّة الأولى بدقة، ويدرسها من جميع جوانبها بصورة وافية.

وهذا ما يؤكد عليه التيجاني بقوله:

( يا أهلي وعشيرتي لنتّجه - على هدى اللَّه تعالى - إلى البحث عن الحقّ وننبذ التعصّب جانباً فنحن ضحايا بني العبّاس وضحايا التاريخ المظلم وضحايا الجمود الفكري الذي ضربه علينا الأوائل.

إنّنا ولاشك ضحايا الدهاء والمكر الذي اشتهر به معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة واضرابهم.

ابحثوا في واقع تاريخنا الإسلامي لتبلغوا الحقائق الناصعة وسيؤتيكم اللَّه أجركم مرّتين.

فعسى أن يجمع اللَّه بكم شمل هذه الأمة التي نكبت بعد موت نبيّها وتمزقت إلى ثلاث وسبعين فرقة، هلمّوا لتوحيدها تحت راية لا اله إلّا اللَّه، محمد رسول اللَّه، والاقتداء بأهل البيت النبويّ الّذين أمرنا رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بإتباعهم فقال:

(( لا تتقدّموهم، فتهلكوا ولا تتخلّفوا عنهم فتهلكوا ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم ))(١) .

ولو فعلنا ذلك، لرفع اللَّه مقته وغضبه عنّا ولأبدلنا من بعد خوفنا أمناً، ولمَكّنَنا في الأرض واستخلفنا فيها ولأظهر لنا وليّه الإمام المهديعليه‌السلام الذي وعدنا به رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليملأ الأرضَ قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، وليتمّ به اللَّه نورَه في كلّ المعمورة )(٢) .

____________________

(١) الدرّ المنثور للسيوطي: ٢/٦٠ - أسد الغابة: ٣/١٣٧ - الصواعق المحرقة لابن حجر: ١٤٨و٢٢٦ - ينابيع المودّة: ٤١ و ٣٥٥ - كنز العمال: ١/١٦٨ - مجمع الزوائد: ٩/١٦٣.

(٢) محمد التيجاني السماوي/ ثم اهتديت: ١٧١.



الفصل الثاني

دوافع الاستبصار


إنّ الاستبصار لا ينشأ من العواطف والأحاسيس الطارئة، أو الاندفاع نتيجة الانفعال أو المجازفة أو اللامبالاة بالعقيدة أو التذبذب في المبدأ والاتّجاه، بل هو موقف يتّخذه صاحبه بعد دراسة واعية ومستفيضة وتفكير دائب ومعمّق تكون ثمرته القناعة الكاملة.

ويواجه المستبصر في هذه المرحلة الكثير من المصاعب - التي سوف نشير إليها في البحوث القادمة - ويواجه الكثير من العقبات التي يتطلب اجتيازها الكثير من الترويض والوعي والتحلّي بالصبر، ولكن المستبصر يصمد بقوّة ليسير وفق ما تملي عليه الأدلّة والبراهين.

ولا يتم هذا التحوّل المذهبي إلّا عبر مجموعة عوامل تقود صاحبها وتدفعه إلى اعتناق مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام ، وهذا هو الموضوع الذي سوف نسلّط عليه الضوء في هذا الفصل.

وأودّ قبل التطرّق إلى هذه العوامل أن أشير إلى هذه الحقيقة بأنّ الأسباب والعوامل التي تدفع المستبصرين إلى اعتناق مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام كثيرة ومتنوّعة ومتداخلة، وبعضها تعمل بصورة مباشرة وأخرى تعمل بصورة غير مباشرة، وبعضها واضحة و ماثلة للعين وبعضها خفيّة وكامنة.

وكل هذه العوامل تعمل بأقدار متفاوتة، وتترك آثاراً مختلفة، وقد يقوى أثرها في شخص ويضعف في آخر، ولكنّها جميعا لها في النهاية أثرها الذي لا ينكر.


الدافع الأول:

التعرّف على عظمة أهل البيت ‏عليهم‌السلام

إنّ الأئمة من أهل البيت ‏عليهم‌السلام هم موضع الرسالة ومختلف الملائكة، مهبط الوحي، معدن الرحمة، خزّان العلم، مُنتهى الحلم، أئمّة الهدى، أعلام التّقى، مصابيح الدّجى، ذوي النُهى وأولي الحِجى، معادن حكمة اللَّه، حفظة سرّ اللَّه، حملة كتاب اللَّه وأوصياء نبيّ اللَّه تعالى.

وهم الدّعاة والقادة الهداة والسّادة الولاة والذّادة الحُماة وأهل الذّكر وأولي الأمر وبقيّة اللَّه وخيرته وحزبه وعَيبة علمه وحجّته وصراطه ونوره وبُرهانه.

وهم الأئمّة الرّاشدون المهديّون، المعصومون، المكرّمون، المقرّبون، المتّقون، الصّادقون، المطيعون للَّه، القوّامون بأمره، العاملون بإرادته، الفائزون بكرامته...

اصطفاهم اللَّه بعلمه وارتضاهم لغيبه واختارهم لسرّه واجتباهم بقدرته وأعزّهم بهداه وخصّهم ببرهانه وانتجبهم لنوره وأيّدهم بروحه ورضيهم خلفاء في أرضه وحُججاً على بريّته وأنصاراً لدينه وحفظة لسرّه وخزنة لعلمه ومستودعاً لحكمته وتراجمة لوحيه وأركانا لتوحيده وشهداء على خلقه وأعلاماً لعباده ومناراً في بلاده وأدلّاءَ على صراطه...

عصمهم اللَّه من الزّلل وآمنهم من الفتن وطهّرهم من الدَّنس وأذهب عنهم الرّجس وطهَّرهم تطهيراً...

فالرّاغب عنهم مارق واللازم لهم لاحق والمقصّر في حقّهم زاهق، والحقُّ معهم


وفيهم ومنهم وإليهم، وهم أهله ومعدنه، وميراث النبوّة عندهم و آيات اللَّه لديهم وعزائمه فيهم ونوره وبرهانه عندهم وأمره إليهم.

مَن والاهم فقد والى اللَّه، ومن عاداهم فقد عاد اللَّه، ومن أحبّهم فقد أحبّ اللَّه، ومن أبغضهم فقد أبغض اللَّه ومن اعتصم بهم فقد اعتصم باللَّه.

هم الصّراط الأقوم وشهداء دار الفناء وشفعاء دار البقاء والرّحمة الموصولة والباب المبتلى به النّاس هم نور الأخيار وهداة الأبرار وحُجج الجبّار بهم يسلك إلى الرّضوان وعلى من جحد ولايتهم غضب الرّحمن.

كلامهم نور وأمرهم رشد ووصيّتهم التّقوى وفعلهم الخير وعادتهم الإحسان و سجيّتهم الكرم وشأنهم الحقّ والصّدق والرّفق وقولهم حكم وحتم ورأيهم علم وحلم وحَزم، إنْ ذُكر الخير كانوا أوّله وأصله وفرعه ومعدنه ومأواه ومنتهاه(١) .

وبصورة عامّة، فإنّ أئمّة أهل البيت‏عليهم‌السلام هم ممّن لم تنجّسهم الجاهليّة بأنجاسها، ولم تُلبسهم من مدلهمّات ثيابها، وهم التّامون في محبّة اللَّه والمخلصون في توحيد اللَّه، وكلامهم نور تهتدي الأجيال بهديه، وتسير على ضوئه وتعشوا إليه إذا أظلمت عليها الجهالات وتاهت في مسالك الباطل.

وهم حياةٌ للأنام ومصابيح للظّلام ودعائم للإسلام، وهم الّذين يأخذون بأيدي الأمّة ليرشدوها إلى سواء السّبيل ويعضدون مسيرتها لئلّا تقع في المزالق.

وهم الّذين يصفهم الإمام علي‏عليه‌السلام في نهج البلاغة قائلاً:

(( هم عيش العلم وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وظاهرُهم عن باطنهم، وصمتُهم عن حُكم منطقهم، لا يُخالفون الحقَّ ولا يختلفون فيه، وهم دعائم الإسلام وولائج الاعتصام، بهم عاد الحقُّ إلى نصابه وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانُه عن منبته، عقلوا الّدينَ عقل رعاية ووعاية لا عقل سماع ورواية فإنّ

____________________

(١) هذه الأوصاف لأهل البيتعليهم‌السلام مُقتبسة من الزّيارة الجامعة.


رواة العلم كثير ورعاته قليلٌ ))(١) .

وقال ‏عليه‌السلام أيضاً في حقّهم: ( لا يُقاس بآل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله من هذه الأمّة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً... هم أساسُ الّدين وعماد اليقين، إليهم يفي‏ء الغالي، وبهم يلحق التّالي، ولهم خصائص حقّ الولاية... ))(٢) .

فلهذا يكون الأئمّة من أهل البيت ‏عليهم‌السلام خير مُعين يستطيع طالب الحقيقة أن ينهل منه المنهج والعقيدة، لأنّ اللَّه سبحانه وتعالى قد اصطفاهم ليكونوا بعد الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله بقيّته في أمّته وحُججاً على بريّته وأنصاراٌ لدينه وأعلاماً لعباده ومناراً في بلاده وأدلّاء على صراطه وحَفَظةً لشريعته وملجأ لحلّ الاختلاف وأماناً للأمّة من الغرق في بحار الظّلمات المتلاطمة الزاخرة بكلّ أنواع المخاطر.

ولهذا قرنهم الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بمحكم الكتاب في حديث الثّقلين، وجعلهم قدوةً لأولي الألباب وسُفناً للنّجاة والعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وبابُ حِطّة التي من دخلها كان آمناً.

ولكن للأسف الشديد أنّ السلطات الجائرة على مرّ العصور حاولت نتيجة عدائها وخصومتها لأهل البيت‏عليهم‌السلام أن تقلب موازين الحقائق.

وكان لكلٍّ من هذه السلطات في عدائها لعترة الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله أسباب لا تخفى على أحد.

ولهذا تعرّض أهل البيت ‏عليهم‌السلام وأتباعهم وأشياعهم للعُدوان وكان نصيبهم من ذلك القتل والسّجون والتشريد في الآفاق.

ويشير أحمد حسن العنثري إلى هذه الحقيقة بقوله:

( كانت المحنة التي تعرّض لها آلُ الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وأتباعهم عظيمة، فقد جهد

____________________

(١) نهج البلاغة/ الخطبة: ٢٣٩.

(٢) نهج البلاغة/ الخطبة: ٢٣٩.


أعداؤهم منذ اليوم الأوّل على محاربتهم بشتى فنون المحاربة قاصدين إبادتهم وإخماد صوتهم، فقاتلوهم قتالاً ضروساً لم يشهد له تاريخ الفتن في عالم الإسلام نظيراً، فسَفكوا دماءً لم يُسفك مثلها في كلّ الفتوحات، حتى امتدّت أيدي الحقد والغدر والخيانة إلى أوصياء الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله ابتداء من على‏عليه‌السلام و مروراً بالحسن والحسينعليهما‌السلام وحتى الإمام العسكري‏عليه‌السلام فمنهم مذبوحٌ ومنهم مسمومٌ وكادوا يقضون عليهم في واقعة كربلاء، وهكذا تفشّى القتل والتشريد بذريّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبشيعتهم عبر القرون )(١) .

ومن جهة أخرى فتبعاً لأهواء السلطان جهدت أقلام المستأجرين على تجاهل الأئمة من أهل البيت‏عليهم‌السلام ، ومن المؤسف أن هذه الحالة مستمرّة إلى يومنا هذا، بحيث يقول محمد علي المتوكّل:

( خلت مناهجُنا الدراسيّة من ذكرهم [أهل البيت‏]، مع أنّها حوت الغثّ والسمين من السيَر والأخبار، عن رجال ونساء من الشرق ومن الغرب، وهذا في حدّ ذاته كان مثار تساؤل كبير، إذ ماذا كنّا نعرف ونحن جامعيّون ننتمي إلى حركة إسلامية عن الإمام علي، عن السيّدة الزهراء، عن الحسن والحسين وأبنائهما، عن زينب بنت علي؟ لا شي‏ء يُذكر، مقارنة بغيرهم وقياساً إلى عظيم شأنهم وموقعهم من رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومكانتهم عنده.

لقد تجاهلت المناهج الدراسيّة سيرة أهل البيت ‏عليهم‌السلام لأنّها ارتبطت بسلبيات الآخرين وجرائمهم، فلم يشأ التربويّون لفت أنظار التلاميذ إلى الدوائر السوداء في تاريخ المسلمين! بينما تجاهلتها الحركة الإسلاميّة لأنها في الأساس تقوم على شق من التاريخ ورجاله، ينكشف زيفهم إذا ما قرأ المسلمون سيرة أهل البيت‏عليهم‌السلام وعرفوا

____________________

(١) أحمد العنثري/ الامامة في الميزان (مخطوط): ٣.


مكانتهم )(١) .

ويشير عبد المنعم حسن إلى هذه الحقيقة أيضاً، قائلاً:

( ولأهل البيت ‏عليهم‌السلام تراثٌ عظيم كان من الممكن أن تستفيد منه الأمّة ولكنّها أبت إلّا نفوراً.

وإحدى معاجزهم التي بهرتني، ذلك المنهج في الّدعاء وكيفيّة التقرّب إلى اللَّه تعالى والأدب الرّفيع في مخاطبة الربّ سُبحانه.

والقارئ للصحيفة السجّاديّة وهي صحيفة كلّها أدعية للإمام الرابع على بن الحسين السجّادعليه‌السلام يتعجّب لماذا لم يهتم علماء السنّة بهذه الصحيفة، هل لأنها واردة عن أحد أئمة أهل البيت‏عليهم‌السلام ؟ أم ماذا؟!! )(٢) .

ولكن رغم كل هذا الاضطهاد والتعتيم الذي لاقته مدرسةُ أهل البيت‏عليهم‌السلام من السّلطات الحاكمة، فإنّ ذلك لم يزدها إلّا تجذّراً في الأمّة، لأنّها مدرسة تحتوي على أنوار ساطعة من الحقائق بحيث لا تقف أمامها ظلمات أهل الدنيا.

فلهذا اضمحلّت جهود الطغاة والظالمين وانهارت دولهم دولة بعد أخرى، ولكن بقيت مدرسة أهل البيت‏عليهم‌السلام شامخة تّتسع يوماً بعد يوم وتمتدّ في جميع أرجاء المعمورة، بحيث لا تجد اليوم مصراً إلّا وللشيعة أو للمستبصرين فيه نشاطات مكثّفة لنشر فكر ومبادئ مدرسة أهل البيت‏عليهم‌السلام ورفد المسلمين بعلوم و معارف آل الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله .

و بدأ الكثير في عالمنا المعاصر يَعوا مكانةَ أهل البيت‏عليهم‌السلام ويدركوا سموّ شأنهم وعلوّ مقامهم وجلالة قدرهم، وقد عرف الكثير أنّ شريعة الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله المرويّة عن طريق أهل البيت‏عليهم‌السلام أفضل طريق لمعرفة ما جاء به رسولُ اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لأنّها:

____________________

(١) محمد علي المتوكل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٤٠.

(٢) عبد المنعم حسن/ بنور فاطمة اهتديت: ٢١٠.


ولإنّها أوّلاً: تنبع من عين صافية.

وثانياً: لأنّها حافظت على استقلالها، ولم تخضع للسُلطات الحاكمة التي حاولت تشويه الّدين وصياغته على ضوء مآربها ومبتغياتها.

ولهذا نجد الكثير من أهل السنّة التحقوا بركب أهل البيت‏عليهم‌السلام ليستزيدوا من أنوار معارفهم، ولينهلوا من معينهم العذب العلوم النقية التي لم تمسها أيدي التحريف والتلاعب.

كما أنّ الكثير من أهل السنّة عرفوا أنّ تراث مدرسة أهل البيت ‏عليهم‌السلام منهل عذب للخير وينبوع فياض بالحكمة ورصيد ضخم في الكمال والمعرفة، وبإمكان أيّ شخص أن يستلهم منه المعارف الحقّة والمبادئ الرفيعة والمثل العليا.

وقد تبيّن للكثير من هؤلاء أنّ هذه المدرسة إضافة إلى نقاء تراثها فهي مدرسة غنيّة، وفيها كنوز من المعارف لا تحصى‏،بحيث يستطيع الإنسان أن يكتشف في كل أفق من آفاقها معارف جديدة يهتدي بها إلى اللَّه سبحانه وتعالى.

فلهذا لم يتباطأ هؤلاء في الالتحاق بركب هذه المدرسة والسير على هداها واقتفاء أثرها.

التأثّر بفاطمة الزهراءعليها‌السلام :

يعتبر التأثر بشخصيّة الزهراءعليها‌السلام من جملة أهم الأسباب التي دفعت بعض أهل السنّة إلى اعتناق مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام .

ويُمكننا عدّ عبد المنعم حسن من جملة الّذين اعتنقوا مذهب أهل البيتعليهم‌السلام عن طريق تأثّره بفاطمة الزهراءعليها‌السلام .

ويقول هذا المستبصر في كتابه (بنور فاطمة اهتديت) حول بداية استبصاره أنّه استمع عبر إحدى الأشرطة الصوتيّة إلى محاضرة أحد الخطباء الحسينيّين، والتي بدأ الخطيب فيها بقراءة خطبة الزهراءعليها‌السلام التي ألقتها في المسجد النبويّ بعد أن


غُصب حقُّها.

فشعر عبد النمعم حسن أنّ هذه الخطبة اخترقت بتعابيرها الرائعة وجوده ثمّ وجدت لنفسها مأوى في سويداء قلبه وكيانه بأسره.

ويذكر هذا المستبصر أن المقطع الذي تأثر به من خطبة الزهراءعليها‌السلام أمام المهاجرين والأنصار هو قولهاعليها‌السلام :

(( وأنتم الآن تزعمون أنّ لا إرث لنا، أفحكم الجاهليّة تبغون؟!! ومن أحسن من اللَّه حكماً لقوم يوقنون؟! أفلا تعلمون؟ بلى قد تجلّى لكم كالشّمس الضاحية أنّي ابنتُه.

أيّها المسلمون!! أأُغلب على إرثي؟ يا ابن أبي قُحافة! أفي كتاب اللَّه أن تَرث أباك ولا أرثَ أبي؟ لقد جئتَ شيئاً فريّاً، أفعلى عمد تركتم كتاب اللَّه ونبذتموه وراء ظهوركم؟!

إذ يقول:( و وَرِثَ سُليمانُ داوُدَ ) وقال فيما اقتصّ من خبر زكريّا - إذ قال:

( فَهَب لي من لَدُنكَ وَليّاً يَرثُني و يَرثُ من آلِ يَعقوُب ) وقال:( وأوُلوا الأرحَامِ بَعضُهُم أَولى‏ ببَعضٍ في كتَابِ اللَّه ) وقال:( إنْ تَرَكَ خيراً الوصيَّةَ للوَالِدينِ والأقْرَبين بالمَعروُفِ حقّاً على المُتّقينَ ) .

وزعمتُم أنّ لا حَظوة لي ولا إرث من أبي أفخصّكم اللَّه بآية أخرج أبي منها؟ أم تقولون إنّا أهل ملّتين لا يتوارثان؟ أولست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي؟ فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك. نعم الحَكَم اللَّه والزّعيم محمّد والموعد القيامة وعند السّاعة يخسر المُبطِلون ولا ينفعكم إذ تندمون ))(١) .

يقول عبد المنعم حسن حول تأثّره بهذا المقطع من الخطبة:

____________________

(١) عبد المنعم حسن/ بنور فاطمة اهتديت: ٥٩.


( نفذت هذه الكلمات كالّسهم إلى أعماقي، ثمّ فتحت جرحاً لا أظنّه يندمل بسهولة ويسر، غالبت دموعي وحاولت منعها من الإنحدار ما استطعت!

ولكنّها انهمرت وكأنّها تُصرّ أنْ تغسل عارَ التاريخ في قلبي، فكان التصميم للرحيل عبر محطات التاريخ للتعرّف على مأساة الأمّة وتلك كانت هي البداية لتحديد هويّة السير والانتقال عبر فضاء المعتقدات والتاريخ والميل مع الدليل.

كان ذلك في الدّار التي يقيم فيها ابن عمّي الشيعي! جئت لتحيّته والتحدّث معه عن أمور عامّة.. لحظة ثمّ لفت انتباهي صوتُ خطيب ينبعث من جهاز التسجيل قائلاً: ( وهذه الخطبة وردت في مصادر السنّة والشيعة وقد ألقتها فاطمةُ الزهراءعليها‌السلام لتثبيت حقّها في فدك )، ثم بدأ الخطيب في إلقاء الخطبة)(١) .

ويضيف هذا المستبصر:

( إلى حين استماعي لهذا الشريط لم أكن على استعداد للخوض في قضايا خلافيّة مذهبيّة. قد عرفنا أنّ الأخ - ابن عمّي - شيعي وسألنا اللَّه أنْ يهديه، وكنّا نتحاشى الدخول معه في نقاش بقدر استطاعتنا ولكن أبى اللَّه سبحانه وتعالى إلّا أن يقيم علينا حجّته )(٢) .

ويذكر عبد المنعم حسن حول الآثار التي تركتها هذه الخطبة بعد أن استمع إليها من الشريط:

( تدفّق شعاعُ كلماتها إلى أعماق وجداني، و اتّضح لي أنّ مثل هذه الكلمات لا تخرج من شخص عادي، حتى ولو كان عالماً مفوهاً درس آلاف السنين، بل هي في حدّ ذاتها معجزة، كلمات بليغة عبارات رصينة، حجج دامغة وتعبير قوي...

تركتُ نفسي لها، واستمعت إليها بكلّ كياني، وعندما بلغت خطبتها الكلمات التي

____________________

(١) المصدر السابق: ٦٠.

(٢) المصدر السابق.


بدأت بها هذا الفصل لم أتمالك نفسي وزاد انهمار دموعي.

وتعجبت من هذه الكلمات القويّة الموجهة إلى خليفة رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ،ومما زاد في حيرتي أنّها من ابنة رسول اللَّه، فماذا حدث؟ ولماذا.. وكيف؟!! ومع من كان الحق، وقبل كل هذا هل هذا الاختلاف حدث حقيقة؟

وفي الواقع لم أكن أعلم صدق هذه الخطبة ولكن اهتزّت مشاعري حينها وقرّرت الخوض في غمار البحث بجدّية مع أول دمعة نزلت من آماقي.. ومن هذا المنحى لا أريد أن أسمع من أحد، فقط أريد خيط البداية أو بداية الخيط لانطلق، ولم تكن الخطبة مقصورة على ما ذكرته من فقرات، بل هي طويلة جدّاً، وفيها الكثير من الأمور التي تشحذ الهمّة لمعرفة تفاصيل ما جرى و ظروفه الموضوعيّة المحيطة به )(١) .

التأثّر بالإمام الحسين‏عليه‌السلام :

من الّذين تأثّروا في استبصارهم بالإمام الحسين‏عليه‌السلام وتشيّعوا عن طريقه، يمكننا ذكر إدريس الحسيني، بحيث أنّه ألّف بعد استبصاره كتاباً سمّاه (لقد شيّعني الحسين)، وقد جاء فيه:

( ما إن خلصت من قراءة (مذبحة) كربلاء، بتفاصيلها المأساويّة، حتى قامت كربلاء في نفسي وفكري، من هنا بدأت نقطة الثورة، الثورة على كل مفاهيمي ومسلّماتي الموروثة، ثورة الحسين داخل روحي وعقلي )(٢) .

وله في مكان آخر حول (فاجعة الطف):

( هذه وحدها الحدث الذي أعاد رسم الخريطة الفكريّة والنقّية في ذهني )(٣) .

ويقول إدريس الحسيني حول الأبعاد التي أخذت مأساة كربلاء في حياته:

____________________

(١) المصدر السابق: ٦١.

(٢) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٣١٣.

(٣) المصدر السابق: ٦٠.


( كنت أطرح دائماً على أصدقائي قضيّة الحسين المظلوم وآل البيت‏عليهم‌السلام ، لم أكن أطرح شيئاً آخر. فأنا ضمآن إلى تفسير شاف لهذه المآسي، لأنّني وبالفطرة التي اكسبنيها كلام اللَّه - جلّ‏ وعلا - لم أكن أتصوّر، وأنا مسلم القرن العشرين، كيف يستطيع هؤلاء السّلف (الصالح) أن يقتلوا آلَ البيت تقتيلاً؟!

لكن أصحابي، ضاقوا منّي وعزّ عليهم أن يروا فكري يسير حيث لا تشتهي سفينة الجماعة، وعزّ عليهم أن يتّهموني في نواياي، وهم قد أدركوني منذ سنين البراءة وفي تدرّجي في سبيل الدعوة إلى اللَّه.

قالوا بعد ذلك كلاماً جاهليّاً، لشدّ ما هي قاسية قلوبهم تجاه آل البيت‏عليهم‌السلام .

ومن هنا بدأت القصّة!

وجدتُ نفسي أمام موجة عارمة من التساؤلات التي جعلتني حتماً أقف على قاعدة اعتقاديّة صلبة.

إنّني لستُ من أولئك الّذين يحبّون أن يخدعوا أو ينومّوا، لا، أبداً، لا أرتاح حتى أُجدّد منطلقاتي، وأعالج مسلّماتي! فلتقف حركتي في المواقف، مادامت حركتي في الفكر صائبة. هنا لا أتكلّم عن الأوضاع الأخرى التي ضيقت علّي السبيل.

وإعلان البعض - غفر اللَّه لهم - عن مواقفهم الشاذة تجاه قضيّة كهذه لا تحتاج إلى أكثر من الحوار!

إنّ هذه الفكرة التي انقدحت في ذهني باللطف الإلهي جعلتني أدفع أكبر ثمن في حياتي، وكلّفتني الفقر والهجرة والأذى... وما زادني في ذلك إلّا إيماناً وإصرارا...

إنّ هذا الطريق، طريقٌ وعِر، فيه تتجلّى أقوى معاني التضحية، وفيه يكون الاستقرار والهناء بدعاً. فأئمّة هذا الطريق ما ارتاح لهم بالٌ ولا قرّ لهم جنان، لقد يُتِّموا وذُبّحوا، وحوربوا عبر الأجيال! )(١) .

____________________

(١) المصدر السابق: ٦٢.


ويقول إدريس الحسيني حول ما لاقاه من معاناة في مجال بحثه حول واقعة الطف:

( كنت أظنّ أنّ الإسلام قد أعطانا روحاً قويّة لطلب العدالة، ولم أكن أظن أنّ بعضنا سوف لا تدفعه مذبحة كربلاء، إلى معرفة القضية من أساسها، ومحاكمة أشخاصها على مستوى الفكر الذي لا يزال يؤسّس وعيَنا بالماضي والحاضر.

غير إنّني رأيتهم مكّبلين بألف قيد، مثلما كنت مقيّداً، وإن كنت قد استطعت كسرَ الأغلال عنّي، فإنّ غيري ضعف عن ذلك وبقي أسير الظلام.

ثمّ أدركت أنّ الإسلام أعظم من أن يكبّل أُناساً لطلب العدالة في التاريخ وفي كلّ المستويات. أدركت أنّ شيئاً جديداً على روح الإسلام لوّث صفاءه الروحي.

أدركت أنّه (المذهّب).

وفي ذلك الوقت عرفت أنّني لا يمكنني أن أتعامل بتحرر و موضوعيّة مباشرة مع القرآن والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكان ضروريّاً أن أرفع القيود عنّي وأبدأ مسيرة جديدة في البحث عن الحقيقة. جئت مرّات ومرّات عند أهل الخبرة من أهل السنّة والجماعة، وكلّما حدّثتهم عن ذلك، امتعضوا وارتَسم في وجوههم غضب: يسمّونه الغضب للَّه! )(١) .

ويقول هذا المستبصر حول ما توصّل إليه من الحقائق بعد أنْ كسر الأغلال من نفسه:

( ما إن أقرأ عن تفاصيل كربلاء حتى تأخذني الجذبة بعيداً، ثم تعود أنفاسي إلى أنفاسي، والحسين ألفاه لديها، قد تربع بدمائه الطاهرة.

فياليتني كنت معه، فأفوز فوزاً عظيماً، وفي تلك الجذبة هناك من يفهمني، وقد لا يفهمني من لا يرى للجريمة التأريخيّة وقعاً في نفسه وفي مجريات الأحداث التي تلحقها.

فكربلاء مدخلي إلى التاريخ، إلى الحقيقة، إلى الإسلام، فكيف لا أجذب إليها،

____________________

(١) المصدر السابق: ٣١٩ - ٣٢٠.


جذبة صوفي رقيقُ القلب، أو جذبة أديب مُرهف الشعور، وتلك هي المحطّة التي أردتُ أن أنهي بها كلامي عن مجمل معاناة آل البيت‏عليهم‌السلام وظروف الجريمة التأريخيّة ضدّ نسل النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله .

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، هو من قَتَل الحسين؟ أو بتعبير أدقّ، من قتل من؟

نحن لا نشكّ في أنّ مَقتل الحسينعليه‌السلام هو نتيجة وضع يمتدّ بجذوره إلى السقيفة، إلى أخطر قرار صَدر بعد وفاة الرّسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله وكان ضحيّته الأولى آل البيت‏عليهم‌السلام .

ونلاحظ من خلال حركة التاريخ الإسلامي، أنّ محاولة تهميش آل البيت، وقمع رموزهم بدأ منذ السقيفة.

ورأيي لو جازف الإمام عليعليه‌السلام وفاطمة الزهراءعليها‌السلام لكان فعلاً أحرقوا عليهم الدار ولكان شي‏ء أشبه بعاشوراء وكربلاء الحسين.

وإنّ بداية النشوء - أو بالأحرى إعادة النشوء - لحزب بني أميّة، كان منذ الخلافة الأولى، ذلك أنّ معاوية و... يزيد كانا عاملين على الشام، وتقوّى نفوذُهما منذ ذلك العهد.

وكلّ المسلمين في ذلك العصر كانوا يدركون مدى القوّة التي يمكن أن تمنحها الإمارة لرجال مثل معاوية ويزيد.

المعادلة المقلوبة، وميزانُ القوى اللامتكافئ بين الحزب الأموي وبني هاشم بدأ منذ وفاة رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وما ضُرب ولا قُمع واستُضعف بعد رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله رجلٌ أو عشيرة مثلَ ما ظُلم آلُ البيت ‏عليهم‌السلام .

لقد دخل بنو أميّة الإسلام، وهم صاغرون، وكان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أراد قتلهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة، غير أنّه عفا عنهم، وقال: ((إذهبوا فأنتم الطلقاء)) وطلقاء لا تعني الإسلام، ثمّ ما برحصلى‌الله‌عليه‌وآله يحذّر من خطرهم الذي كان يدركه من خلال طبيعة الصّراع


الذي دار بين الإسلام وبني أميّة )(١) .

ويُعاتب إدريس الحسيني علماء أهل السنّة في هذا الخصوص قائلاً:

( لماذا هؤلاء لا يكشفون الحقائق للناس، كما هي في الواقع؟

لماذا يتعمدون إبقاءنا على وعينا السخيف، تجاه أكبر وأخطر مسألة وجدت في تاريخ المسلمين؟

ثمّ لماذا لا يتأثّرون بفاجعة الطف العظمى؟ تلك التي ماجت في دمي الحار بالإنصاف والتوق إلى العدالة، فتدفقت بالحسرة والرفض والمُطالبة بالحقّ الضائع في منعطفات التاريخ الإسلامي.

وطبعي الذي لا أنكره، ولن أنكره، إنّني لا أحبّ الخادعين والجاهلين، ثمّ وإنّي لناقم على هؤلاء وأرافعهم إلى اللَّه والتاريخ!

كنت في تلك الفترة صاحب بساطة عقائديّة كباقي الناس، وببساطتي هذه كنت أبدوا أوعاهم عقيدة، وكنت ذا ثقافة أحاديّة، هي ثقافة أهل السنّة والجماعة.

فالجوّ الذي أحاط بي، هو جو الصحوة البتراء النائمة، التي انحرفت بوعيي إلى مواقع تافهة)(٢) .

ومن جملة الّذين كانت بداية استبصارهم أيضاً نتيجة التأثّر بالإمام الحسين‏عليه‌السلام ، هو صائب عبد الحميد، حيث أنّه يقول في كتابه (منهج في الانتماء المذهبي) تحت عنوان (هكذا كانت البداية):

( مع الحسين - مصباح الهدى - كانت البداية.

ومع الحسين - سفينة النجاة - كان الشروع.

بداية لم أقصدها أنا، وإنّما هي التي قصدتني، فوفّقني اللَّه لحسن استقبالها، وأخذ

____________________

(١) المصدر السابق: ٣١٥ - ٣١٦.

(٢) المصدر الساق: ٥٩.


بيدي إلى عتباتها...

ذلك كان يوم مَلكَ على مسامعي صوت شجيّ، ربّما قد طرقها من قبل كثيرا فأغضت عنه، ومالت بطرفها، وأسدلت دونه ستائرها، وأعصت عليه.

حتى دعاني هذه المرّة، وأنا في خلوة، أو شبهها، فاهتزّت له مشاعري ومنحته كلّ إحساسي وعواطفي، من حيث أدري ولا أدري..

فجذبني إليه.. تتبادلني أمواجه الهادرة وألسنة لهيبه المتطايرة..

حتى ذابت كبريائي بين يديه، وانصاع له عتوّي عليه..

فرُحتُ معه، أعيش الأحداث، وأذوب فيها أسير مع الراحلين، وأحطّ إذا حطّوا، وأتابع الخطى حتى النهاية..

تلك كانت قصّة مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، بصوت الشيخ عبد الزهراء الكعبي يرحمه اللَّه، في العاشر من محرّم الحرام من سنة ١٤٠٢ للهجرة، فأصغيت عنده أيّما إصغاء لنداءات الإمام لحسينعليه‌السلام ..

وترتعد جوارحي، مع الدمعة والعبرة، وشي‏ء في دمي كأنه الثّورة.. وهتاف في جوارحي لبّيك، يا سيّدي يا بن رسول اللَّه..

وتنطلق في ذهني أسئلة لا تكاد تنتهي، وكأنّه نور كان محجوباً، فانبعث يشقّ الفضاء الرحيب دفعةً واحدة..

انطلاقة يؤمّها الحسين، بقيّة المصطفى، ورأس الأمّة، وعَلمُ الدين انطلاقة الإسلام كلّه تنبعث من جديد، ورسول اللَّه يقودها من جديد، بشخص ريحانته، وسبطه الحسين ‏عليه‌السلام .

وهذه نداءات الإسلام يبثها أينما حلّ، والجميع يعرفها! ولا يعرف للإسلام معنى في سواها.

ومصارع أبناء الرسول!!

وتيّار الانحراف يجرف الحدود، ويقتحم السدود!


وأشياء أخرى لا تنتهي...

وتعود بي الأفكار إلى سنين خلت، وأنا أدرج على سلّم الدرس، لم أشذّ فيها عن معلّمي، فقلت: ليتني سمعت إذ ذاك ما يروي ضمئي...

ولكن ما هو ذنب معلّمي! إنّه مثلي، كان يسمع ما كنت أسمعه، وليس إلّا بل لَيتها مَناهجنا قد نالت شرف الوفاء لهذا العطاء الفريد..

ليتها مرّت على فصول تلك الملاحم، ولو مرور العابرين! من غير تعظيم أو تمجيد، أو ثناء...

فليس ثمّة حاجة إلى شي‏ء من هذا القبيل، فقد تألّق أولئك الأبطال فوق ذروة المديح والثناء، فكأنني أنظر إلى منابر التبجيل والاطراء مهطعة تحدّق نحوهم، وهم يحلّقون في قبّة السماء!!

ثمّ أنت يا حَلَق الوعظ، ويا خُطب الجُمع ويا بيوتات الدّين، أين أنت من هذا البحر اللامتناهي؟!

لقد صحبتُك طويلاً، فليتني وجدتك اتّخذت من أولئك الأبطال، وتلك المشاهد أمثلة تُحتذى في معاني اليقين والجهاد، أو الإقدام والثبات، أو التضحية والفداء، أو النصر والإباء، أو الحبّ والعطاء، أو غيرها مما يفيض به ميدان العطاء غير المتناهي ذاك، كما عهدتك مع نظائرها، وما هو أدنى منها بكثير!

وأين أنت أيّتها الدنيا؟!

وعلى أيّ فلك تجري أيّها التاريخ؟!

ألا تخشى أن يحاكمك الأحرار يوماً؟

عتاب لاذع، وأسئلة لا تنتهي، والناس منها على طرق شتى..

فهي تمرّ على أقوام فلا يكاد يوقظهم صداها، ولا يفزعهم صَخَبها!!

ورأيتها تمرّ على آخرين فتكاد تنتزع أفئدتهم، من شدّة ما لهم معها من هياج ونحيب، وأدمع تجري فلا تريد أن تكفّ..


ويلتهبون على الجناة غيظاً ونقمة وحنقاً..

فتمتلئ‏ صدروهم من هذا وذاك بكلّ معاني الموالاة والبراءة.. موالاة للَّه وأوليائه، وبراءة من أعدائه..

ولِمَ لا تنفطر الأكباد لفاجعة كهذه!

وبدلاً من أن تهربي من ذكراها - أيّتها الدنيا - في العام مرّة، أولى بك أن تقفي عندها كلّ يوم ألف مرّة، ولا تستكثري.

أكثير أن يحيا الحسين السّبط بيننا على الدّوام، وليس كثيراً أن يُقتل بين يديك كلّ يوم ألف مرّة؟!

وعندما رحتُ أتعجب من هذا الانقسام، عدت مع هذه الواقعة إلى الوراء، فإذا النّاس من حينها كحالهم الآن، فهم بين من حمل الحسين‏عليه‌السلام مبدأً، وتمسّك به إماماً وأسوةً ودليلاً إلى طريق الفلاح، فوضع نفسه وبنيه دون أن يُمَسّ الحسين، وبين من حمل رأس الحسين هديّة إلى يزيد!!

وبين هذا وذاك منازلٌ شتى في القُرب والبُعد من معالم الحسين‏عليه‌السلام ..

وأشياء أخرى تطول، فقد استضاءت الدنيا كلّها من حولي، وبدت لي شاخصة معالم الطريق.. فرأيت الحكمة في أن أسلك الطريق من أوّله، وأبتدئ المسيرة بالخطوة الأولى لتتلوها خطى ثابتة على يقين وبصيرة..

وابتدأت، وإن كانت الأيّام تشغلني بين الحين والحين بما يصدّ المرء عن نفسه وبنيه، إلّا أنّي أعود إذا تنفّست ،فأُتابع الخطى )(١) .

ويقول عبد المنعم حسن حول تأثّره بالإمام الحسين‏عليه‌السلام :

( قضيّة الحسين ‏عليه‌السلام من أولي القضايا التي أخذت مساحة من دواخلي وعمّقت جرحاً أحسستُ به منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها الحقائق تتكشف مزيحة جهلاً

____________________

(١) صائب عبد الحميد/ منهج في الانتماء المذهبي: ٣١ - ٣٤.


ووَهماً كنّا نعيشه بإيعاز وتخطيط ذكي من أولئك اّلذين حرّفوا الحقائق وفقاً لأهوائهم ورغباتهم.

وبتنا نحن نعيش في قصور من زجاج نحلم بأن يعيد التأريخ نفسه لنعيش تلك الحياة المعصومة التي كان يعيشها الصحابة والرعيل الأول من التابعين الذين عاشوا في صدر الإسلام.

ولا ننسى دور علمائنا الذين ظلّوا يردّدون ما وجدوه في التاريخ دون نظر وتحليل لما جرى فيه.

وقضيّة الحسين‏عليه‌السلام من القضايا التي أراد أعداء الإسلام أن لا تبرز للناس لأنّها تمثّل حلقة من حلقات الصراع بين الحقّ والباطل وتعتبر من أنصع صفحات التاريخ في قضية الجهاد والتضحية في سبيل رسالة السماء.

استوقفتني قضيّة الحسين ‏عليه‌السلام كثيراً كما استوقفتني قضيّة أمّه الزهراءعليها‌السلام وأنا أبحث عن جهة الحقّ، قرأت وسمعت عن قصّة الحسين‏عليه‌السلام وعشت معه، تارة أبكي وأخرى ألعن فيها مَن ظلمه، وتارة أتأمّل في واقع أمّة كهذه، لم أسمع بمثل هذه البشاعة من قبل، أو سمعت ولكن كالعادة مخدراً بمقولة أنّ ما جرى في صدر الإسلام مروراً بالأمويين والعبّاسيين لا يجب علينا أن نبحث فيه، ولا أن نتساءل ما هو جذر المشكلة، لأنّ ذلك سيقودنا إلى نتائج ربّما تخدش في أولئك المقدّسين مما يجعل غضب الرّحمن يصب علينا صبّاً.

وقضية الحسين‏عليه‌السلام ستضعنا أمام أسئلة كثيرة وعلامات استفهام، الإجابة عليها ستفضي بنا إلى أن الحسين‏عليه‌السلام كقضيّة لم يُقتل في كربلاء، بل أنّ أصل القضيّة يرجع إلى ما بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله )(١) .

ويقول محمد علي المتوكل حول تأثره بالإمام الحسين‏عليه‌السلام : ( وقد تأثّرت وأنا أقرأ

____________________

(١)عبد المنعم حسن/ بنور فاطمة اهتديت: ١٩٢ - ١٩٣.


كتيّباً عن الإمام الحسين )، ثمّ توصل هذا المستبصر إلى هذه النتيجة قائلاً:

( عليَّ أن أدافع عن قضيّة الحسين في مقابل الذين قتلوه والذين لازالوا يتحاملون عليه إلى اليوم، وهكذا لم يعد بمقدوري أن أتراجع عن مشوار البحث، وبات لزاماً على أن أميط اللثام عمّا خفي علّي من حقائق، فكانت بداية المشوار مع فتية امتلكوا الشجاعة الكافية لخوض غمار البحث والتسليم لنتائجه مهما كانت قاسية ومهما اصطدمت بالموروث وتعارضت معه )(١) .

ويقول أحمد حسين يعقوب حول الدور الكبير الذي كان للإمام الحسين‏عليه‌السلام في استبصاره:

( وأثناء وجودي في بيروت قرأت بالصدفة كتاب (أبناء الرسول في كربلاء) لخالد محمد خالد، ومع أنّ المؤلّف يتعاطف مع القتلة ويلتمس لهم الأعذار، إلّا أنّني فجعت إلى أقصى الحدود بما أصاب الإمام الحسين‏عليه‌السلام وأهل بيت النبوّة وأصحابهم، وكان جرحي النازف بمقتل الحسين هو نقطة التحوّل في حياتي كلّها )(٢) .

ويقول التيجاني السماوي حول تأثّره بالإمام الحسين‏عليه‌السلام :

( جاء صديقي منعم وسافرنا إلى كربلاء، وهناك عشنا محنة سيّدنا الحسين كما يعيشها شيعتُه، وعلمت وقتئذٍ بأنّ سيّدنا الحسين لم يمت، فالنّاس يتزاحمون ويتراصّون حول ضريحه كالفراشات ويبكون بحرقة ولهفة لم أشهد مثيلاً، فكأنّ الحسين استشهد الآن.

وسمعت الخطباء هناك يثيرون شعورَ النّاس بسردهم لحادثة كربلاء في نواح ونحيب، ولا يكاد السّامعُ لهم أن يمسك نفسه ويتماسك حتى ينهار.

فقد بكيت وبكيت وأطلقت لنفسي عنانها، وكأنّها كانت مكبوتة، وأحسست براحة

____________________

(١) محمد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٣٤.

(٢) مجلّة المنبر/ العدد: ١٠.


نفسيّة كبيرة ما كنت أعرفها قبل ذلك اليوم، وكأنّي كنت في صفوف أعداء الحسين، وانقلبت فجأة إلى أصحابه وأتباعه الّذين يفدونه بأرواحهم.

وكان الخطيب يستعرض قصة الحرّ وهو أحد القادة المكلّفين بقتال الحسين، ولكنّه وقف في المعركة يرتعشُ كالسّعفة ولمّا سأله بعض أصحابه:

أخائف أنت من الموت؟

أجابه الحرّ:

لا واللَّه، ولكنّني أخيّر نفسي بين الجنّة والنار.

ثمّ همز جواده وانطلق إلى الحسين قائلاً:

هل من توبة يا بن رسول اللَّه؟

ولم أتمالك عند سماع هذا أن سقطت على الأرض باكياً، وكأنّي أُمثّل دور الحرّ، وأطلب من الحسين: هل من توبة يا بن رسول اللَّه؟ سامحني يا بن رسول اللَّه.

وكان صوت الخطيب مؤثّراً، وارتفعت أصوات النّاس بالبكاء والنّحيب.

عند ذلك سمع صديقي صياحي، وانكبّ علّي معانقاً، باكياً، وضمّني إلى صدره كما تضمّ الأم ولدها وهو يردّد يا حسين يا حسين.

كانت دقائق ولحظات عرفت فيها البكاء الحقيقي، وأحسست وكأنّ دموعي غسلت قلبي وكلّ جسدي من الداخل )(١) .

كلمات بعض المستبصرين حول أهل البيت ‏عليهم‌السلام :

إنّ الروايات التي تأمر الأمة باتّباع أهل البيت ‏عليهم‌السلام وتؤكّد على مودّتهم ومحبّتهم والاقتداء بهم واتّباع آثارهم كثيرة جدّاً، بحيث لا يمكن أن ينكرها إلّا مكابر مجانف للحقّ

ونحن في يومنا هذا نعيش في ظل أجواء تنادي بتحطيم جدران الانغلاق، وتدعو

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ٦٢ - ٦٣.


إلى توسيع آفاق الذهنيّة بمعرفة آراء وأفكار الآخرين.

فلهذا آن الأوان ليعرف العالم كلّه مَن هم أهل البيت‏عليهم‌السلام وما هي مدرستهم؟ ليستفيدوا من عطاءاتهم الثريّة، ولينهلوا من معينهم ما يساعدهم على تحقق ما يصبّوا إليه من خير وسعادة.

ونجد في كتب المستبصرين الكثير من التحريض على هذا الأمر، منها:

يقول التيجاني السماوي:

( فإذا أراد المسلم معرفة الحق وضمان العصمة من الضلالة والنجاة يوم القيامة والفوز بالجنّة ورضا اللَّه، فما عليه إلّا بالركوب في سفينة النجاة والرّجوع إلى أهل البيت‏عليهم‌السلام فإنّهم أمان الأمة لا يقبل اللَّه عبداً إلّا من طريقهم ولا يدخل داخل إلّا من بابهم، وهو ما قرّره رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمر به الأمّة مُبلّغاً ذلك عن ربّه عزّ وجل )(١) .

ويقول عبد المنعم حسن:

( ونظرة عامّة إلى منهجهم [أهل البيت‏] وكلماتهم وأحوالهم كافية للتدليل على أنّهم هم أمناء اللَّه على وحيه المنزّل على نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله هذه الأمانة العظمى التي لا يمكن أن يتحمّلها من يعتريه الشيطان بين الفينة والأخرى، ولا يؤدّي حقّها من كان كلّ الناس أفقه منه، ولا يستطيع حفظها من آثر هواه وهوى عشيرته على التمسّك بأبسط مفردات الحقّ )(٢) .

ويضيف هذا المستبصر:

( أهل البيت ‏عليهم‌السلام كلماتُهم نورٌ لم أسمع بها عند الآخرين، منهجهم في تربية الأمّة وتوجيهها يجعلك تحسّ بمعنى خلافة اللَّه في الأرض، لم يشهد التاريخ بأنّهم تعلّموا على أيدي أحد، بل الكلّ يدّعي الرجوع إليهم )(٣) .

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ كل الحلول عند آل الرسول: ١٣٦.

(٢) المصدر السابق.

(٣) عبدالمنعم حسن/ بنور فاطمة اهتديت: ٢٠٩.


ويقول ياسين المعيوف البدراني حول إحدى السُبل لمعرفة مكانة أهل البيت ‏عليهم‌السلام الرّفيعة:

( إنّنا إذ نحب القرآن ونجلّه الإجلال كلّه، لأنّه منقذ البشريّة ومخرج لها من الظلمات إلى النور، فيجب أن نقرأه لا كالّذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، بل نقرأه بعقول مفتوحة وقلوب مؤمنة حتى نفهم الآيات التي تبيّن المكانة الرّفيعة لأهل البيت‏عليهم‌السلام ..

فعليك يا أخي المؤمن أن تبحث عن كتبهم لتعرفهم ولتعرف ما خصّهم اللَّه من خصوصيّات، ما أعطاها لغيرهم، وليكن مسارُ دربك نجاة لك ولغيرك من الزيف والانحراف )(١) .

ويقول حسن شحاتة حول عظمة أهل البيت‏عليهم‌السلام :

( إنّ موقعيّتهم موقعيّة الإمامة العظمى، فهم أصل الأصول في وجود هذا الكون، وهم نجوم الاهتداء من اتّبعهم اهتدى لصراط اللَّه المستقيم، ومن حاد عن طريقهم كان من المغضوب عليهم الضآلّين

فأهل البيت‏عليهم‌السلام هم مصابيح الهدى وسفن النّجاة، وهم أئمّتنا وأولوا الأمر المفروض طاعتهم بعد طاعة اللَّه كما ورد بنصّ القرآن.

وهم خزّان القرآن، وهم كواكب الصراط، وهم الصالحون، وهم أولياء اللَّه، وهم أهل الذكر المطلوب منّا سؤالهم عن كلّ شي‏ء في الدين، وهم أهل الدّين الصحيح، فوجب على كلّ موحّد عاقل أن يتبعهم في العبادة والمعاملة والعادة، إذ هم أهل القدس والطّهارة وأهل العصمة والنزاهة)(٢) .

وقد أنشد معروف عبد المجيد في مدح أهل البيت‏عليهم‌السلام مجموعة قصائد منها قصيدة (وشايعت عليّاً) والتي جاء فيها:

____________________

(١) ياسين المعيوف البدراني/ يا ليت قومي يعلمون: ٣٤.

(٢) مجلّة المنبر/ العدد: ١١.


مهما مدحتُك يا عليّ فألكن

ومقصر في الحقّ، مهما أدّعي

من جاوز الجوزاء، يعجز دونه

مثلي وأهل الشعر لو جُمعوا معي

أنت الذي شرع الإمامة فاتحا

طوبى‏ لكم من خاتم أو شارع

يا والد الحسن الزكي وسيّد الش

هداء أوفى الأوفياء التابع

وعلي السجّاد زين العابدي

ن الزاهد المتهجّد المتورّع

والباقر العِلم الشبيه محمد

الحاضر الراضي الشكور الجامع

والصادق المنْجي المحقق جعفرٍ

كنز الحقائق والفقيه الضالع

والكاظم الغيظ الوفيّ بعهده

موسى الصبور على البلاء الخاشع

وغريب أهل البيت قرّة عيننا

كفؤ الملوك وعزّ كلّ مدفّع

ومحمّد ذي النور يسطع حوله

هذا الملقّب بالجواد، القانع

وعلي الهادي النقي المرتضى

الناصح المفتاح، دونك أو..فعِ..!

والخالص الحسن الكتوم لسرّه

العسكري الشافع المستَودع

والقائم المهديّ كاشف غمّنا

بُقيا النبوّة والدليل القاطع

يا غائباً، طال الغياب، وعيننا

تشتاق طلعتك البهيّة، فاطلع

يا راجعاً بعد الذهاب، قلوبنا

مُدّت إليك، كما الأيادي، فارجع

يا كاشف الغم الجسيم، شفاهنا

نادتك من وسط المظالم، فاسمع

يا صاحب الأمر الحكيم، إلى متى

تبقى الأمورُ بلا لواءٍ جامع؟!

والدار يغزوها الفساد مُدَمدماً

كالسيل يأتي من محيط مترَع

يا صاحب الدّار التي ممّا بها

قد آذنت بتشقّق وتصدّع

عجّل بسيفك، فالدواء بحدّه

للجور والكفر الذئوم الناقع

يا حجّة اللَّه، الذي بظهوره

يتفرّق الطاغوت بعد تجمّع

إظهرْ، فليس الماء في قيعاننا

للظامئين سوى سرابٍ خادع..!

مهما تبعتك يا علي، فعاجزٌ

من للكسيح وراء سهم مسرع..؟!


أنت الشهاب، أبو الشهاب، وكلّكم

شهبٌ تحلّق في الفضاء المهيَع

أنت الأمير أبو الأمير، وكلّكم‏

أمراءُ عزّ في زمان خانع

أنت الإمام أبو الأئمّة من لكم

خُلقَ الوجود، وما أنا بالصاقع..!

أنت الشهيد أبو الشهيد، وكلكّم

شهداء حقٍ في العصور مضيّع

بيد الأولى سلبوا الولاية عنوةً

وتوارثوها ذات يوم مُفجع..!

ويد الأولى في مكّة قد أطلقوا

والأدعياء ذوي الدّعي ابن الدّعي

والطامعين الطالبين مناصباً

والساقطين من اللئام الوُضّع

القلب ضاق بقيحه وجراحه

والعين كمهاء بفيض الأدمع

فإذا شكوت، فللذي يُشكى‏ له‏

وإذا فزعت، فحيدرٌ هو مفزعي

وهو الملاذ إذا المقابر بُعثرت

وسُئلتُ: هل من ناصر أو شافع..؟!

شايعتُ من ردّت له الشمسُ التي

ردّت إذا حلّ الغروبُ ليوشع

فإذا مَدَحتُ، فمدحتي مبتورةٌ

إن لم تكن مقرونة بتشيّعي..!!(١)

الدّافعُ الثّاني:

التعرّف على واقع أهل السنّة

إنّ من أهمّ العوامل التي تمهّد للسنّي الطريق للتخلّي عن مذهبه بعد التأثّر بشخصية أهل البيت‏عليهم‌السلام والانبهار بمدرستهم الفكريّة والعقائديّة، هي مسألة التعرّف على واقع مذهب أهل السنّة.

وإليك فيما يلي تصريحات بعض المستبصرين حول مذهب أهل السنّة، والتي جعلتهم بعد الحصول على البديل المناسب أن يتخلّوا عن مذهبهم السابق.

يقول صالح الورداني:

____________________

(١) معروف عبد المجيد/ بلون الغار بلون الغدير: ٢٠-٢٣.


( أبسط ما يُقال في عقيدة أهل السنّة أنّها عقيدة حكوميّة. عاشت في أحضان الحكّام منذ نشأتها وحتى اليوم، وأخذت من هؤلاء الحكّام الدعم والشرعيّة التي أتاحت لها الاستمرار والانتشار والبقاء..

وهذا هو العامل الوحيد الذي جعل هذه العقيدة في مركز الصّدارة وجعل منها عقيدة الأغلبيّة، إذ هي في حقيقتها لا تملك أيّة مقوّمات تكفل لها البقاء والانتشار..

إنّ عقيدة أهل السنّة في حقيقتها عقيدة هشّة خلقت لمجاراة الواقع وإضفاء المشروعيّة عليه، وكان يمكن لها أن تنتهي بانتهاء هذا الواقع لولا احتضان الحكام لها..

ولقد قدّر لعقائد كثيرة أن تصبح في ذمّة التاريخ على الرغم من كونها تحمل الكثير من المقوّمات التي تكفل لها الاستمرار والبقاء، وسبب ذلك يعود إلى معاداة الحكام لها وسعيهم الدائم لاستئصالها..

ونتيجة لحالة الأمن والدعم التي واكبت عقيدة أهل السنّة منذ نشأتها في العصر العبّاسي وحتى الآن..

ونتيجة لالتفات الجماهير حولها وتحوّلها إلى عقيدة الأغلبيّة..

ونتيجة للدعاية الواسعة التي واكبتها..

ونتيجة لحالة الكبت والبطش والتنكيل التي لاحقت وطوّقت العقائد والاتّجاهات الأخرى المنافسة لها والتي أدّت في النهاية إلى القضاء عليها وانحسار بعضها في ركن مظلم ومحاصر بشتى الفتاوى الإرهابيّة..

نتيجة لهذا كلّه وضعت عقيدة أهل السنّة في مقام عال بعيد عن الشبهات واعتبرت الامتداد لعقيدة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والسلف الصالح، مما نتج عنه بالتالي اعتقاد كونها عقيدة الفرقة الناجية من النار، من التزم بها وسار على دربها نجا من عذاب النار، ومن تخلّف عنها وخالف نهجها كان من أصحاب دار البوار..

وعاش المسلمون في هذا الوهم الذي باركه الحكام وفقهاء السلاطين تحت حراسة كمّ هائل من الرّوايات المُختلقة والفتاوى.


من هنا لم يجرؤ أحد على الخوض في هذه العقيدة أو المساس بها، حيث أنّها اعتبرت كجزء من الدين والمساس بها يعتبر مساساً بالدّين..

وظلت العقائد والاتّجاهات الأخرى محل نقد وطعن وتشويه على مرّ الزمان،بينما بقيت عقيدة أهل السنّة في برج عال تحيط بها هالة من القداسة والعصمة لا تتيح لأحد أن يقترب منها(١) .

ويشير صالح الورداني إلى هذه الحقيقة أيضاً في كتاب آخر له، قائلاً:

( إنّ أهل السنّة بفقهائهم ومؤسّساتهم يواجهون الآخرين في كلّ عصر بآراء واجتهادات تمّ دعمها من قبل الحكّام وأوهموا العامّة أنّها نصوصاً..

ولقد منحت الحكومات المتعاقبة أهل السنّة فرصة التمكّن والسيادة على الآخرين، مما يسّر لهم التغلغل والانتشار بين الجماهير على حساب التيّارات الأخرى من معتزلة وشيعة وغيرهم، وقد أدّى هذا الوضع إلى حصول أهل السنّة على صلاحيّة محاكمة الآخرين والبطش بهم..

إنّ أحداث التاريخ تؤكّد أنّ أهل السنّة عاشوا واستمرّوا بفضل دعم الحكّام، ولو كان الحكّام قد تخلّوا عنهم لكانوا اندثروا بأفكارهم وآرائهم كما اندثرت فرق أخرى كثيرة لم تجد عوناً ولا دعماً من القوى الحاكمة..

وهذا الدعم لأهل السنّة من قبل الحكّام إنّما هو مستمر حتى اليوم ليس لشي‏ء إلّا لكون نهج أهل السنّة يمثّل أكبر دعامة يمكن أن ترتكز عليها الحكومات في مواجهة التيّارات الأخرى التي تهدد وجودها ومستقبلها.. )(٢) .

ويقول صالح الورداني أيضاً حول هذا الموضوع في كتابه (عقائد السنّة وعقائد الشيعة، التقارب والتباعد):

____________________

(١) صالح الورداني/ أهل السنّة شعب اللَّه المختار: ٥-٦.

(٢) صالح الورداني/ الكلمة والسيف: ١٥.


والسنّة حاضرة والشيعة غائبة..

هذه الجملة تلخّص لنا حركة التاريخ الخاص بالسنّة والشيعّة..

السنّة كانت دائمة الحضور وقد منحت الفرصة كاملة للبروز والانتشار..

والشيعة كانت دائمة الغياب بفعل الحصار والبطش والإرهاب..

لأن السنّة كانت على وئام مع الحكّام وتدين لهم بالسمع والطاعة برّهم وفاجرهم فقد منحت حريّة الدعوة وشرعيّة التواجد..

ولأن الشيعة تحمل راية آل البيت‏عليهم‌السلام الّذين يخشاهم الحكّام وتدين بالطاعة والولاء لأئمتهم الأطهار لم تنل رضا الحكّام وأخرجت من دائرة الإسلام فغابت عن الأنام..

ولأن السنّة كانت ظاهرة فقد أصبحت معروفة..

ولأن الشيعة كانت غائبة فقد أصبحت مجهولة..

ولكون الشيعة خصم للسنة غائب عن الأنظار فقد كثرت من حوله الشائعات ولفّقت له شتى الاتهامات التي تحوّلت بمرور الزمن إلى حقائق بنيت على أساسها مواقف ودانت بها مذاهب وصاحب الحق غائب..

هكذا يجسّم لنا التاريخ قضيّة السنّة والشيعة وكيف تحوّلت إلى لعبة سياسيّة في أيدي حكام بني أميّة وبني العبّاس وسائر الحكام..

وسوف تستمر السنة أداة الحكام على مر الزمان في مواجهة الشيعة، وبدونها لن يجدوا الشرعيّة التي تبرّر استمرارهم في الحكم..

والسنّة بدورها سوف تظل تتحصن بالحكام وتستمد منهم القدرة والدعم على مواجهة الشيعة والاستمرار في الصدارة..

السنّة تحتاج إلى الحكام، والحكام يحتاجون إلى السنّة، تحالف مصيري دائم، والضحيّة هي الشيعة..


من هنا يبدأ تأريخ السنّة والشيعة، وهنا ينتهي )(١) .

ويلخص صالح الورداني الكلام حول تقييمه لمذهب أهل السنّة بهذه الوضعية:

( لقد عشت في دائرة الفكر السنّي لفترة طويلة أحسست فيها بالخلل والوضيعة غير السويّة.

أحست بأن المذهب السنّي هو مذهب حكومي تفوح منه رائحة السياسة وتشعر فيه بالخلل الذي لا يريح عقلك ولا يجيب على التساؤلات الكثيرة التي تدور في نفسك )(٢) .

ويشير محمد الكثيري أيضاً إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( المهم هو أنّ السلطات الحاكمة للمجتمع الإسلامي، خصوصاً مع بداية القرن الرابع قد أضفت الشرعيّة المطلوبة على بعض المدارس الأصوليّة والفقهيّة.

وتلقّاها عامّة الجمهور بالقبول، وأضفوا عليها مع مرور الزمن القداسة والاحترام، حتى أضحت تمثّل الإسلام في شكله ومضمونه، وعُدّ الخارج عنها مارقاً عن الإسلام، كافراً ضالاً وفي أحسن الظروف مبتدعاً، لذلك أحلّوا دمه وماله.

في المقابل عاشت فرق ومذاهب أخرى في الظل، ليس فقط لشذوذها الفكري والعقائدي، وركوبها الغلوّ الذي تنفر منه فطرة أغلبيّة الناس. ولكن لمعاداتها السلطات السياسيّة القائمة.

وأفضل مثال على ذلك الفرقة الشيعيّة بعامة والإماميّة الاثنا عشريّة بخاصّة، فإذا كانت هذه الفرق لم تعترف بشرعيّة أغلب السلطات السياسيّة التي قامت على طول التاريخ الإسلامي، فإنّ ردّ فعل تلك السلطات كان مماثلاً وزيادة بعض الشي‏ء.

فشوهّت أفكار الفرق المعارضة وحُرّفت عقائدها وقُتل دُعاتها ورجالات دعوتها وأرباب مدارسها، ولم يُسمح لها بنشر مذاهبها إلّا بطرق سريّة وخفيّة.

____________________

(١) صالح الورداني/ عقائد السنّة وعقائد الشيعة، التقارب والتباعد: ٢٦.

(٢) مجلة المنبر/ العدد: ٢٢.


لذلك لم تُعرف حقيقة الكثير من المدارس الكلاميّة إلّا بعد فترة طويلة من انتهاء هذا الصراع.

ولكن هذا النموّ والظل والخفاء لبعض الفرق، قد جعل قطاعات واسعة لا تعرف عنها شيئاً، ولما كانت تظهر على السّاحة بعض عقائدها وأفكارها بين الحين والآخر، كانت تلقى استهجاناً ونفوراً من الأغلبيّة، عامّة وعلماء )(١) .

ويضيف محمد الكثيري:

( ومهما يكن فقد استطاعت المذاهب الأربعة أن تخطو خطوات في ساحة الرقيّ وتكتسب قيمتها المعنويّة، لأنّها كانت موضع عناية الخلفاء والولاة المتعاقبين. بالرّغم ممّا رافقها من خلافات ومنافرات، فعناية السلطة تكسب الشي‏ء لوناً من الاعتبار والعظمة حسب نظام السياسة لا النظام الطبيعي.

فعوامل الترغيب ووسيلة القوّة جعلتها تأخذ بالتوسّع شيئاً فشيئا، ولولا ذلك لما استطاعت البقاء حتى تصبح قادرة على مزاحمة غيرها.

إنّ السلطات الحاكمة على طول التاريخ الإسلامي لم تكتف بصناعة المذاهب ودعمها وتقويتها وفرض إتّباعها على الجماهير المسلمة، ولكن حدّدت هذه المذاهب وحصرتها في أربعة ومنعت العامّة من تقليد غيرها، وحذّرت الخاصّة من تجاوزها أو إنشاء مذاهب أخرى جديدة.

أيّ منعت الاجتهاد وأغلقت بابَه وجعلته حكراً على من مضى من (السلف) وفرضت على (الخلف) التقليد والامتثال، وحفظ مسائل وأجوبة هؤلاء الأئمة من السلف )(٢) .

ويقول محمد الكثيري في مكان آخر حول ملخّص ما يمكن أن يقال حول مذهب أهل السنّة:

____________________

(١) محمّد الكثيري/ السلفيّة: ٩٠-٩١.

(٢) المصدر السابق: ١٠٩.


( لذلك لا نعدو الحقيقة إذا قلنا بأن الحكومات الإسلاميّة قد اصطنعت لها مذاهب فقهيّة وأصوليّة، كما أن المعارضة أنتجت لها مذاهب فقهيّة وأصوليّة كذلك. فللحكومة مذهبها الإسلامي الذي يدعمها ويؤمّن لها الشرعيّة في الماضي والحاضر، وللمعارضة كذلك عقائدها التي تنطلق منها وتبرر تصرّفها )(١) .

ويبيّن ياسين المعيوف البدراني هذه الحقيقة فيقول حول مذاهب أهل السنّة:

( ...لكن النّاس غرقوا مرغمين في متاهات واسعة ولدتها السيطرات السلطويّة والمصالح الدنيويّة الخاصّة أيّام الأمويّين والعبّاسيين فطمسوا الطريق الحقّة ونكلوا بأهلها وجعلوا من أنفسهم خلفاء للَّه في الأرض وقادةً للدّين، فكانوا والحال هذه لا يدعمون إلّا المذهب الذي يؤيّد نظامهم ويبرّر أخطاءهم فيرفعون من شأنه ويحيطونه بهالة من التقديس والعظمة ويطلبون من الناس ولاءً مطلقاً وإتباعا أعمى لأيّ إمام صاحب مذهب يقوم بالباطل بين أيديهم، ويصفونه بأنّه من الأولياء الّذين أشار إليهم اللَّه ورسوله الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله )(٢) .

ويضيف ياسين المعيوف البدراني:

( وقد ذكرنا هذا ليتوضّح عند المثقفين الواعين ذلك الأمر، وليعرفوا أن هذه المذاهب هي من صنع السياسات الحاكمة، وأنّ كثيرا من الناس عامّة ومن العلماء خاصّة يعرفون هذه حق المعرفة، ولكنّهم يميلون إلى دنيا الباطل ويخافون من إظهار الحقيقة )(٣) .

ويقول التيجاني السماوي في هذا المجال:

( إذا استثنينا بعض المتعصّبين من عوام الشيعة الذين ينظرون إلى (أهل السنّة والجماعة) بأنّهم كلّهم من النواصب، فإن الأغلبيّة الساحقة من علمائهم قديماً

____________________

(١) المصدر السابق: ١٠٥.

(٢) ياسين المعيوف لبدراني/ ياليت قومي يعلمون: ٨٧.

(٣) المصدر السابق.


وحديثاً، لازالوا يعتقدون بأنّ إخوانهم من (أهل السنّة والجماعة) هم ضحايا الدسّ والمكر الأموي، لأنّهم أحسنوا الظن (بالسّلف الصالح) واقتدوا بهم بدون بحث ولا تمحيص، فأضلّوهم عن الصراط المستقيم وأبعدوهم عن الثّقلين - كتاب اللَّه والعترة الطاهرة - اللذين يعصمان المتمسك بهما من الضلالة ويضمنان له الهداية.

فتراهم كثيرا ما يكتبون للدفاع عن أنفسهم وللتعريف بمعتقداتهم داعين للإنصاف ولتوحيد الكلمة مع إخوانهم من (أهل السنّة والجماعة).

وقد جاب بعض علماء الشيعة في الأقطار والأمصار باحثين عن الأساليب الكفيلة لتأسيس دور وجمعيّات إسلاميّة للتقريب بين المذاهب ومحاولة جمع الشمل.

ويمّم آخرون منهم وجهتهم صوب الأزهر الشريف منارة العلم والمعرفة عند (أهل السنّة)، وتقابلوا مع علمائه وجادلوهم بالتي هي أحسن، وعملوا على إزالة الأحقاد، كما فعل الإمام شرف الدين الموسوي عند لقائه بالإمام سليم الدين البشري، وكان من نتيجة ذلك اللقاء والمراسلات ولادة الكتاب القيّم المسمّى ب(المراجعات)، والذي كان له الدور الكبير في تقريب وجهات النظر عند المسلمين.

كما أن جهود أولئك العلماء من الشّيعة كُلّلت بالنّجاح في مصر، فأصدر الإمام محمود شلتوت مفتي الديار المصريّة في ذلك الوقت فتواه الجريئة في جواز التعبّد بالمذهب الشيعي الجعفريّ، وأصبح الفقهُ الشيعي الجعفريّ من المواد التي تُدرّس بالأزهر الشريف.

وأنت إذا دخلت في أيّ بيت من بيوت الشيعة العاديّين، فضلاً عن بيوت العلماء المثقّفين، فسوف تجد فيه مكتبة تضم إلى جانب مؤلّفات الشيعة جانباً كبيراً من مؤلّفات (أهل السنّة والجماعة) على عكس (أهل السنّة والجماعة) فقد لا تجد عند علمائهم كتاباً شيعيّاً واحداً إلّا نادراً.

ولذلك هم يجهلون حقائق الشيعة ولا يعرفون إلّا الأكاذيب التي يكتبها أعداؤهم.

ولهذا فإن الشيعة ينظرون إلى إخوانهم من (أهل السنّة والجماعة) بنظر العطف


والحنان، وكأنّهم يريدون لهم الهداية والنّجاة، لأنّ ثمن الهداية عندهم حسب ما جاءت به الروايات الصحيحة خير من الدنيا وما فيها، فقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله للإمام علي ‏عليه‌السلام عندما بعثه لفتح خيبر:((...لئن يهدي اللَّه بك رجلا واحداً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس -أو- خير لك من أن يكون لك حمر النعم ))(١) .

ولكن في المقابل تختلف نظرة أهل السنّة إلى باقي المذاهب ومنها الشيعة الإماميّة، ويذكر صالح الورداني سبب ذلك، قائلاً:

( إنّ الحفاظ على مذهب أهل السنّة يقتضي محاربة الدين الآخر وتدميره.

فهذه المسألة بالنسبة لأهل السنّة مسألة مصيريّة تحتم استحالة التعايش بينهم وبين الآخرين.

فمن ثم سوف يستمر البطش والإرهاب الفكري من قبلهم تجاه كل تيّار وصاحب فكر يحاول المساس بهم أو يشكك في مفاهيمهم وعقائدهم ذلك لاعتبارات كثيرة ذكرناها ونوجزها فيما يلي:

اعتقادهم أنّهم يمثلون الفرقة الناجية من النار في الآخرة المنصورة على عدوّها في الدنيا.

اعتقادهم أنّهم يمثّلون الأغلبيّة..

الشعور الدائم بالأمن والاستقرار في كنف القوى الحاكمة..

اندثار معظم الفرق والاتجاهات المناوئة لهم..

الشعور بالاستعلاء على الآخرين...

البطش الدائم بالمخالفين على مرّ الزمان [و] طبع أفكارهم وعقائدهم بالطابع السلطوي..)(٢)

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ الشيعة هم أهل السنّة: ٦٧ - ٦٩.

(٢) صالح الورداني/ الكلمة والسيف: ٢٠-٢١.


نشأة التسمية بأهل السنّة والجماعة:

من جملة الأمور التي تزيل هيبة مذهب أهل السنّة من أعين المنتمين إليه وتخفّف علاقتهم به، إضافة إلى كونه عقيدة حكوميّة عاشت في أحضان الحكّام منذ نشاتها، هي مسألة تسمية هذا المذهب بأهل السنة والجماعة، لأن الكثير قد يتصوّر أنّ هذا المذهب سمّي بهذا الاسم لتبعيّته عن سنّة رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن الواقع ليس كذلك.

ويذكر التيجاني السماوي حول نتائج بحثه في هذا المجال:

( من الذي أطلق مصطلح أهل السنّة والجماعة؟!

لقد بحثتُ في التاريخ، فلم أجد إلّا أنّهم اتّفقوا على تسمية العام الذي استولى فيه معاوية على الحكم بعام الجماعة.

وذلك أنّ الأمّة انقسمت بعد مقتل عثمان إلى قسمين:

شيعةُ علي‏عليه‌السلام وأتباع معاوية.

ولما استشهد الإمام علي‏عليه‌السلام واستولى معاوية على الحكم بعد الصّلح الذي أبرمه مع الإمام الحسن‏عليه‌السلام وأصبح معاوية هو أمير المؤمنين، سُمّيَ ذلك العام بعام الجماعة.

إذاً فالتّسمية بأهل السنّة والجماعة دالّة على اتّباع سنّة معاوية والاجتماع عليه، وليست تعني اتّباع سنّة رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فالأئمّة من ذريّته وأهل بيته أدرى وأعلم بسنّة جدّهم من الطلقاء، وأهل البيت أدرى بما فيه، وأهل مكّة أدرى بشعابها، ولكنّنا خالفنا الأئمّة الاثنى عشر الذين نصّ عليهم رسول اللَّه‏صلى‌الله‌عليه‌وآله واتّبعنا أعداءَهم.

ورغم اعترافنا الذي ذكر فيه رسول اللَّه اثنى عشر خليفة كلّهم من قريش إلّا أنّنا نتوقّف دائماً عند الخلفاء الأربعة.

ولعلّ معاوية الذي سمّانا بأهل السنّة والجماعة كان يقصد الاجتماع على السنّة التي سنّها في سبّ على‏عليه‌السلام وأهل البيت‏عليهم‌السلام والتي استمرّت ستّين عاماً ولم يقدر على إزالتها إلّا عمر بن عبد العزيز، وقد يحدّثنا بعض المؤرّخين أنّ الأمويين تآمروا على قتل


عمر بن عبد العزيز وهو منهم لأنّه أمات السنّةَ وهي لعن علي بن أبي طالبعليه‌السلام )(١) .

ويقول صائب عبد الحميد حول التسمية بأهل السنّة والجماعة:

( تكاملت هذه التسمية على مرحلتين؛ عُرف في المرحلة الأولى لقب (الجماعة)، أطلقه الأمويّون على العام الذي تمّ فيه تسليم الملك لمعاوية وانفراده به، فقالوا: (عام الجماعة).. لكنّها الجماعة التي تأسّست على الغَلَبة ولصالح الفئة الباغية، بلا نزاع في ذلك!

ورغم ذلك فقد بقي الانتماء للجماعة رهناً بطاعة الحاكم والانصياع لأمره حتى بالباطل، ومن تمرّد على الحاكم في إحياء سنّة أماتها أو إطفاء بدعة أحياها فهو خارج على الطاعة مفارق ل(الجماعة) مستحقّ للعقاب النازل على المفسدين في الأرض!

هكذا، فالصلاح والفساد إنّما يحدّده معاوية، وليس للَّه حكم ولا شريعة! شان أيّ حكم استبدادي ليس له أدنى صلة بالدين...

وما زالت أهواء الأمراء تُعدّ خروجاً على (الجماعة) ودخولاً في الفتنة، حتى لو كان المخالف لهم سبط رسول اللَّه‏صلى‌الله‌عليه‌وآله وريحانته سيّد شباب أهل الجنّة!!

هكذا قلب الدين رأساً على عقب حين جرّدت كلمة (الأمير) من كلّ مقوّماتها وضوابطها الشرعيّة، لتصبح لقباً من نظير (الفرعون) و (النمرود) و (القيصر) و (كسرى) التي كانت الأمم الأخرى تلقّب بها الحاكمين! ويصبح( الّذينَ يَأمرُونَ بالقِسْطِ منَ النّاسِ ) (٢) مفسدين في الأرض، خارجين على (الجماعة) ساعين في الفتنة!

وبقيت الجماعة رهناً بطاعة (الخليفة) من دون النظر إلى طريقة استخلافه، وإلى دينه أو أخلاقه أو عقله...

أمّا ما يدّعيه بعضهم من أنّ (الجماعة) مأخوذة من متابعة إجماع الصحابة وإجماع السّلف، فإنّما هي دعوى لا يسندها الواقع بشي‏ء، فأيّ أمر هذا الذي أجمع عليه

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ١٧٠-١٧١.

(٢) آل عمران: ٢١.


السّلف ثمّ تميّزت به هذه الطائفة من غيرها من الطوائف؟!

لكن المشكلة تكمن في أنّهم اختزلوا مساحة (السّلف)، لتشمل فقط القائلين بإمامة كلّ متغلّب وحرمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حين يراه (الأمير) فساداً...

أمّا لفظ (السنّة) فلم يظهر مقروناً بلفظ (الجماعة) في بادئ الأمر، بل ظهر بمفرده أوّلاً في العهد الأموي أيضاً للتمييز بين المنتظمين في سلك (الجماعة) و بين الآخرين الذين ما زالوا يؤمنون بقداسة الدّين التي تأبى‏ أن يكون رجال بني أميّة هؤلاء زعماء له ناطقين باسمه، فإذا قيل: (أهل السنّة فإنّما يراد بهم أهل الطاعة و(الجماعة) أنفسهم، وأمّا الآخرون فهم أهل البدَع )(١) .

ويشير إدريس الحسيني إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( إن التسمية التي أطلقت على الفريقين: ليست وفيّة للحقيقة، وهي أسماء سمّوها من عند أنفسهم، نزّاعة للتشويه والتضليل، أكثر من حرصها على الموضوعيّة.

واستخدام الاسمين على الأبعاد التضليليّة، كان من دأب التيّار الأموي.

فالنقطة الحسّاسة التي توحي بها المفارقة بين الاسمين، هو أن (سنّة) الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لها شمّتها في عنوان (السنّة والجماعة) في الوقت الذي لا رائحة لها في عنوان (مذهب الشيعة). هذا أنّ مذهب الشيعة يقف مقابلاً لمذهب (السنّة والجماعة) بما هي الممثل الوحيد لسنّة الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله !

وهذا التشويه والتضليل، قد أوتي أُكُله على امتداد الأيام التي أردفت عصور المحنة. فلقد أصبح (الشيعة) يفتقدون للمسوغات النفسيّة والإعلاميّة في ذهن الجمهور )(٢) .

ثم أضاف إدريس الحسيني قائلاً:

( والشيعة حسب تعريف علمائهم، هم الذين يسلكون سنّة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله مأخوذة

____________________

(١) مجلّة المنهاج/ العدد٦: ١٢١-١٢٤.

(٢) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٢٩.


من عترته الطاهرة.

بيد أنّ الملابسات السياسيّة والايديولوجيّة التي رافقت حركة الفرقتين أضفت على القضيّة، مجموعة من الشبهات لا تحصى ولا تعد.

وبالتالي يكون من الضروري التعرّض إلى المصطلحين بشكل أعمق، يستمد مرتكزاته من عمق التاريخ الإسلامي ذاته.

ذلك لأن أعداء الشيعة طالما تحاملوا على الشيعة، ملتمسين كل سلبيّة غريبة وإلصاقها بهم)(١) .

ثمّ قال إدريس الحسيني حول مسألة التسمية المذهبيّة:

( ليست التسمية - إذاً - هي موضع الإشكال، وإنّما الواقع الفعلي للمذهبين هو موضوع النّقاش، إذ أنّنا ونحن ننظر في سنّة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله القوليّة والفعليّة والتقريريّة، سوف نتبيّن أيّ الفريقين أقرب إليها.

إنّ الشيعة لم يكونوا يوماً مبتدعة، بل أنّ مذهبهم قائم في الأساس على (النص). وإذا أتيت أنّ الإسلام الحقيقي بعد الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله تمثّل في علي ‏عليه‌السلام فإنّ التشيّع لعلي‏عليه‌السلام هو التعبير المرحلي عن التشيّع لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله بالثبات على تعاليمه وتوصياته في حقّ علي ‏عليه‌السلام والذي هو الإسلام!

فاسم (السنّة) أتى، كاستراق للفرصة، لمحاصرة (الشيعة) اصطلاحيّاً، لأن التيّار السائد يومها لم يكن له من الحجّة سوى اللعب على وتر المفاهيم القشريّة. وكان اليوم الذي تحوّلت فيه الخلافة إلى ملك عضوض، هو عام الجماعة، ومنها جاء (السنّة والجماعة)!)(٢) .

ويقول صالح الورداني حول التسميات المذهبيّة:

____________________

(١) المصدر السابق: ٣١.

(٢) المصدر السابق: ٣٥.


( ليس في الإسلام مذهبيّة..

ليس هناك ما يسمّى بشيعة أو سنّة أو شافعيّة أو مالكيّة أو أحناف أو حنابلة..

فكل هذه تسميات تاريخيّة من اختراع السياسة..(١) .

والحقّ أن هناك إسلام حق وإسلام باطل..

إسلام ربّاني وإسلام حكومي..

والذي ساد على مرّ التاريخ هو الإسلام الحكومي..

والذي ضرب واختفى هو الإسلام الربّاني..

إنّ الأسماء والمسمّيات لا مجال لها هنا، فالمهم هو الحقّ، وأمام الحقّ تتلاشى الأسماء والمسمّيات ويبدأ التركيز على الجوهر.. )(٢) .

وجود الكثير من الثّغرات في المذهب السنّي:

من الأمور التي تسلب من الشخص السنّي نظرته المقدّسة إلى مذهب أهل السنّة بعد تعرّفه على مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام ، هي مسألة وجود الكثير من الثغرات في المذهب والتراث السنّي والأفضليّة التي يمتاز بها المذهب والتراث الشيعي عليه.

ويوضّح صالح الورداني هذا الأمر بصورة مفصّلة قائلاً:

( هناك عدّة قضايا مشتركة بين التراث السنّي والشيعي..

وهناك أيضاً عدّة قضايا تفرض التباعد وعدم التلاقي..

وأثناء رحلتي الطويلة مع التراث كانت تستوقفني الكثير من الروايات والاجتهادات والأقوال التي تبعث الشك في نفسي على مستوى تراث السنّة وتراث الشيعة..

كان التراث السنّي يحمل كمّاً كبيراً من الروايات المختلقة والموضوعة.. والتراث

____________________

(١) يقف الحكّام على الدوام وراءجميع النزعات المذهبيّة بهدف تشتيت الأمة سيراً مع مبدأ فرّق تسدّ (صالح الورداني).

(٢) صالح الورداني/ الخدعة: ٤٤-٤٥.


الشيعي كذلك..

وكان التراث السنّي يحمل داخله عدّة أطروحات مختلفة ومتناحرة والتراث الشيعي كذلك..

إذاً ما الذي يميز تراثاً عن الآخر؟..

والإجابة على هذا السؤال تقتضي أن نحدّد ملامح الخلاف بين التراثين..

إن التراث السنّي يعتمد على الصحابة..

بينما التراث الشيعي يعتمد على آل البيت..

والتراث السنّي يتبنّى التعايش مع الحكّام..

بينما التراث الشيعي يرفض هذا التعايش..

التراث السنّي تغلب عليه أقوال الرجال..

بينما التراث الشيعي يغلب عليه النصّ..

التراث السنّي نتج من حالة سلام مع الواقع..

بينما التراث الشيعي في حالة صِدام معه..

التراث السنّي يضيّق على العقل..

والتراث الشيعي يحترم العقل..

وبهذه المقارنة يتّضح لنا مدى الهوة التي تباعد بين التراثين، إلّا أنّ التراث الشيعي كحال أيّ تراث لابد وأن تطرأ عليه متغيّرات نتيجة لتراكم الأقوال والاجتهادات النابعة منه بحيث يصبح متشابهاً إلى حدّ كبير مع التراث السنّي..

من هنا برزت الروايات الموضوعة عند الطرفين..

وبرزت المذاهب في إطار الفكر الواحد..

أبرز التراث السنّي الكثير من الرّوايات التي ترفع من قدر الصحابة وتضخّم بعضهم، وأبرز التراث الشيعي الكثير من الروايات التي ترفع من قدر آل البيت‏عليهم‌السلام وتضخّمهم وعند كلا الطرفين ظهر الوضع والاختلاق..


ولقد تبيّن أن القاعدة التي وضعت من قبل الشيعة لضبط حركة الرواية ووقف عملية الوضع والاختلاق هي أدق وأكثر ارتباطاً بالنص من قاعدة السنّة..

قاعدة الشيعة تنص على أن الحديث الذي يخالف القرآن والعقل يضرب به عرض الحائط. بينما قاعدة السنّة تعتمد على علم الرجال والبحث في سند الرواية..

قاعدة الشيعة ترتكز على متن الرواية..

بينما قاعدة السنّة ترتكز على سندها..

وعلى ضوء قاعدة الشيعة تم نبذ الكثير من الروايات في التراث الشيعي ومحاكمة الروايات الأخرى ووضعها تحت دائرة الضبط والتنقيح..

وعلى ضوء قاعدة السنّة تم اعتماد الكثير من الروايات رغم مخالفتها لنصوص القرآن ومُصادَمتها للعقل بسبب أنّ سند هذه الروايات سليم ورجاله رجال الصحيح. أيّ أنّه مادامت قد ثبتت عدالة الرواة، فقد ثبتت صحّة الرواية، ولو كانت تخالف القرآن..

إنّ قاعدة الشيعة سوف ينتج عنها غربلة التراث وتنقيحه، بينما قاعدة السنّة سوف ينتج عنها إبقاء التراث على حاله وزيادة حدّة التباعد بينه وبين القرآن والعقل..

ولقد كان تبني الشيعة لقضيّة الإمامة قد ميّز التراث الشيعي عن التراث السنّي وأوجد الكثير من الاجتهادات والمواقف التي انعكست على الفقه والعقيدة والتصوّر الشيعي بشكل عام.

ومن أبرز نتائجها حصر مصدر التلقي في دائرة آل البيت‏عليهم‌السلام المقصودين بالإمامة، ورفض الخطوط الأخرى التي خالفت نهجهم وعلى رأسها خط الصحابة الذي أرسى دعائمه أبو بكر وعمر..

وأهمّ ما سوف ينبني على قاعدة تحكيم القرآن والعقل هو تحجيم دور الرجال وعزل أقوالهم عن النصوص والحيلولة دون طغيان هذه الأقوال عليها.

وهي من أهم مميّزات التراث الشيعي على التراث السنّي الذي بفقده هذه القاعدة تغلب الرجال على النصوص.


إنّ عزل القرآن والعقل عن التراث والحيلولة دون أن يقوما بدورهما كحَكمين عليه إنّما هي مؤامرة على الإسلام من اختراع السياسة، الهدف منها إمرار الروايات المختلفة والموضوعة التي سوف تسهم في صياغة الإسلام وطمس هويّته الحقّة وإبدالها بهويّة زائفة تخدم مصالح الحكّام وتضفي المشروعيّة عليهم..

تحكيم القرآن والعقل يعني الانتماء للنص لا التراث..

والنص هو الحكم على التراث وليس العكس..

من هنا فان الرجال عند الشيعة إنّما هم تحت النصوص وليسوا فوقها.

و هذا ما استراح إليه عقلي واطمأنّت به نفسي أنني عندما تبنيت الأطروحة الشيعيّة لم أستبدل تراثاً بتراث،ولم أنتقل من عبادة رجال إلى عبادة رجال..

عندما التزمت بخط آل البيت‏عليهم‌السلام إنّما التزمت بخط النص لا بخط الرجال.. )(١) .

وفي مقارنة أخرى بين عقيدة التسنن وعقيدة التشيّع، يقول صالح الورداني:

( الفرق الشاسع بين عقيدة التشيّع وعقيدة التسنن...

عقيدة التشيّع تلتزم بالعقل والنص...

وعقيدة التسنن تلتزم بالأثر والرجال...

عقيدة التشيّع توالي أهل البيت ‏عليهم‌السلام ...

وعقيدة التسنّن تخاصم أهل البيت ‏عليهم‌السلام ...

عقيدة التشيّع تحترم الرأي وتفتح باب الاجتهاد...

وعقيدة التسنن تنبذ الرأي وتغلق باب الاجتهاد...

عقيدة التشيّع تملك الرصيد العلمي الموروث عن أهل البيت ‏عليهم‌السلام ...

وعقيدة التسنن لا تملك إلّا رصيد الفقهاء المتناحرين فيما بينهم، الموروث من واقع منحرف غلبت عليه السياسة...

____________________

(١) المصدر السابق: ٤٩-٥١.


عقيدة التشيّع لا تتعاطف مع الحكّام...

وعقيدة التسنن تتحالف مع الحكّام...

هذا ما اكتشفناه في عقيدة التشيّع، ولاشك أن عقيدة بهذه المواصفات لابد وأن تنجح تراثا وثقافة مغايرة...

إنّ التراث السني تراث مهلهل ملي‏ء بالتناقضات والخلل الفكري والعقلي وقد نتجت عنه ثقافة مجانبة للعقل لا تحترم الآخر، شديدة الإيغال في الماضي، وما هذا إلّا لكونها فشلت في الارتباط بالحاضر وإيجاد بدائل لرموز الماضي..

من الواجب هنا أن نفرّق بين التشيّع كعقيدة وبينه كتراث وثقافة ومجتمع، بالنسبة للتشيّع كعقيدة نعتقد أنّ خط آل البيت هو التعبير الأصدق والأكثر التزاماً بروح الإسلام، هو مخرجٌ لكثير من المتاهات السائدة في التراث السنّي والعلاج لكثير من حالات الاكتئاب العقلي أو الخلل السائد في أوساط المسلمين.

إنّ التشيّع كعقيدة هو الخلاص للمسلمين في الدنيا والآخرة.

أمّا التشيّع كتراث الذي ينتج عن اجتهاد الأشخاص فانّ هذه الاجتهادات قد يحدث فيها بعض التجاوز وقد يطغى رأي الرجال على النصوص، لذلك لا يجب أن يكون التراث حكماً على الدين.

وهذا يرد على الذين يحاولون استغلال التّراث الشيعي للطعن في التشيّع لآل البيت ‏عليهم‌السلام .

لقد لاحظت أنّ مُعظم الذين يتربّصون بالشيعة والتشيّع من الوهّابيّين وغيرهم، وخاصّة في فترة الثمانينات في مصر، كانوا يتصيدون من كتاب (بحار الأنوار) بعضا من الروايات ويستخدمونها في تأليب المسلمين على الشيعة.

هذا الكتاب هو مجموع لعلوم آل البيت‏عليهم‌السلام ويمثّل التراث الشيعي، لكنّه في النهاية لا يعبّر عن العقيدة الشيعيّة.

نحن في عقيدة آل البيت نؤمن أنّ الحديث يُعرَض على القرآن والعقل كما نصّ


على ذلك الإمام الصادق‏عليه‌السلام .

في التراث السني لا توجد هذه القاعدة، وهذا هو الفرق، لأنّ التراث السنّي لا يحكمه العقل، بينما التراث الشيعي يحكمه العقل.

الثقافة الشيعيّة هي ثقافة تتميّز على الثقافة السنّية بالرقي العقلي والتحرّر الذهني والتفوّق السلوكي، لذلك حين نقارن بين عوام المذهبيّين نلحظ هذه الفوارق )(١) .

وهذه هي الرؤية التي ساعدت صالح الورداني على البحث عن الحقيقة لأنّه يقول:

( كنت على الدّوام أطرح على نفسي السؤال التالي: ما بين أيدينا تراث أم دين..؟

كان العرف السائد أن ما بيننا هو الدين. وهكذا كنت أتصوّر لفترة من الزمن- هي فترة نشأتي الفكريّة - إلّا أنّه مع مرور الزمن وحصولي على قدر من الوعي والخبرة، أمكن لي أن أتبيّن الفروق بين التراث والدين..

وتجلّت أمام عيني حقيقة ساطعة وهي أن الصراع الفكري المحتدم بين المسلمين إنّما هو صراع يقوم على أساس التراث وليس على أساس الدين..

وتبيّن لي أن الجماعات والتيّارات الإسلاميّة إنّما بنت تصوّراتها وأصولها الفكريّة على أساس أطروحات تراثيّة وليس على أساس نصوص دينيّة...

كما يبدو في كم الفتاوى والخطب والمؤلّفات السائدة في الوسط الإسلامي والتي تعكس نتاجات واجتهادات ومواقف لفقهاء السلف أكثر من كونها تعكس نصوصاً..

من هنا فإنّ إحساسي بالخديعة وحكمي بالزيف على الأطروحة الإسلاميّة المعاصرة سرعان ما تنامى وقوي بحيث دفعني إلى طرح التراث جانباً والبحث عن الدين من جديد.. )(٢) .

ومن هذه الرؤية لمذهب أهل السنّة اندفع إدريس الحسيني إلى ترك المذهب

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد: ٢٢.

(٢) صالح الورداني/ الخدعة: ٣٩-٤٠.


السنّي وتوجّه إلى مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام ، ويشير هذا المستبصر إلى هذا الأمر قائلاً:

( فاقتنعت و وصلت إلى نتيجة نهائيّة، إن هذا الطرح عاجز عن بناء أمّة أو تأسيس فكر أو إقامة شخصيّة للمسلم وتحقيق العدل والأمن والسلام للمسلمين أو إراحة العقل وتحقيق التوحّد والاستقرار ودفع الأمّة إلى الأمام، فأصدرتُ قراري بالتحوّل إلى مذهب آل البيتعليهم‌السلام )(١) .

ومن أهم الأمور المحفّزة لتغيير الانتماء المذهبي بعد أن يعرف الباحث السنّي عدم صلاحيّة مذهبه، هو أن يجد مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام هو البديل المناسب للاعتناق، فيدفعه ذلك إلى الاستبصار وترك انتمائه المذهبي السابق واعتناق مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام .

ويشير التيجاني السماوي حول تجربته الخاصّة في معرفة البديل المذهبي:

( قرأت الكثير [من الكتب‏] حتى اقتنعت بأن الشيعة الإمامية على حقّ فتشيّعت وركبت على بركة اللَّه سفينةَ أهل البيت وتمسّكت بحبل ولائهم، لأنّي وجدت بحمد اللَّه البديل على بعض الصحابة الذين ثبت عندي أنّهم ارتدّوا على أعقابهم القهقرى ولم ينج منهم إلّا القليل وأبدلتهم بأئمة الهدى أهل البيت النبويّ الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا وافترض مودّتهم على الناس أجمعين )(٢) .

ويضيف التيجاني السماوي:

( نعم، وجدت البديل والحمد للَّه الذي هداني لهذا وما كنت لأهتدي لولا أن هداني اللَّه.

الحمد للَّه والشكر له على أن دلّني على الفرقة الناجية التي كنت أبحث عنها بلهف، ولم يبق عندي أيّ شك في أن المتمسّك بعلي وأهل البيت قد تمسّك بالعروة الوثقى‏

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد: ٣.

(٢) محمد التيجاني السماوي/ ثم اهتديت: ١٣١.


لا انفصام لها.

والنّصوص النبويّة على ذلك كثيرة أجمع عليها المسلمون، والعقل وحده خير دليل لمن ألقى‏ السّمع وهو شهيد...

نعم وجدت البديل بحمد اللَّه، وصرت أقتدي - بعد رسول اللَّه - بأمير المؤمنين وسيّد الوصيّين وقائد الغرّ المحجّلين أسد اللَّه الغالب الإمام علي بن أبي طالب وبسيّدي شباب أهل الجنّة وريحانتي النبيّ من هذه الأمّة الإمام أبي محمد الحسن الزكيّ والإمام أبي عبد اللَّه الحسين وببضعة المصطفى سلالة النبوّة وأم الأئمّة معدن الرّسالة ومن يغضب لغضبها ربُّ العزّة والجلالة سيّدة النّساء فاطمة الزهراء.

وأبدلت الإمامَ مالك بأستاذ الأئمّة ومعلّم الأمّة الإمام جعفر الصادق ‏عليه‌السلام .

وتمسّكت بالأئمّة التسعة المعصومين من ذريّة الحسين أئمة المسلمين وأولياء اللَّه الصالحين.

وأبدلت الصحابةَ المُنقلبين على أعقابهم أمثال معاوية وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة وأبي هريرة وعكرمة وكعب الأحبار وغيرهم بالصّحابة الشّاكرين الّذين لَم ينقضوا عهدَ النبيّ أمثال عمّار بن ياسر و سلمان المحمّدي وأبي ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأُبيّ بن كعب وغيرهم والحمد للَّه على هذا الاستبصار.

وأبدلت علماء قومي الذين جمّدوا عقولَنا واتّبع كثير منهم السلاطين والحكّام في كلّ زمان، بعلماء الشيعة الأبرار الذي ما أغلقوا يوماً باب الاجتهاد ولا وهنوا ولا استكانوا للامراء والسلاطين الظالمين.

نعم أبدلت أفكاراً متحجّرة متعصّبة تؤمن بالتناقضات، بأفكار نيّرة متحرّرة ومتفتّحة تؤمن بالدليل والحجّة والبرهان.

وكما يُقال في عصرنا الحاضر غسلت دماغي من أوساخ رانت عليه - طوال ثلاثين عاماً - أضاليل بني أميّة وطهّرته بعقيدة المعصومين الذين أذهب اللَّهُ عنهم الرّجس


وطهّرهم تطهيراً لما تبقى من حياتي

اللهمّ أحينا على ملّتهم وأمتنا على سنّتهم وأحشرنا معهم فقد قال نبيّكصلى‌الله‌عليه‌وآله :

(( يُحشر المرء مع من أحب )) )(١) .

الدافع الثالث:

الالتقاء باتباع مذهب أهل البيتعليهم‌السلام

إنّ لقاء المرء وحواره مع من يخالفه في الرأي والمعتقد، من شأنه أن يساعده على تفتّح آفاق ذهنه عبر التعرّف على أفكار ورؤى الطرف المقابل، لأنّ هذا اللقاء يؤدّي إلى تلاقح فكري يوسّع آفاق رؤية الطرفين ويغنيهما بالكثير من المعلومات التي كانت غائبة عن أذهانهما فيما سبق.

ويمكن الحصول على هذه الثّمرة أيضاً حينما يلتقي شخص سنّي مُتَفهّم مع شخص شيعي واعٍ، لأنّ هذا اللقاء لا شكّ سيؤدّي إلى نوع تقارب عقلي بينهما، ومن ثمّ تكون ثمرته تعرّف كلّ منهما على حقائق لم يكن ملتفت إليها فيما سبق.

وكان هذا الأمر لكثير من أهل السنّة حين التقائهم بشخصيّة شيعيّة واعية بمثابة الشعلة المقدّسة التي أضاءت أذهانهم وقلوبهم ودفعتهم إلى البحث عن الحقيقة.

ويذكر الكثير من أهل السنّة الذين استبصروا، أنّ هذه اللقاءات كان لها دوراً فعّالاً في إعادة نظرتهم لمعتقداتهم السابقة، وكان ذلك تمهيداً لترك مذهبهم السني واعتناقهم لمذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام .

وفي الكثير من هذه اللقاءات التي يجتمع فيها الطرفان السنّي والشيعي، تثير هذه الجلسات في نفسيّة الطرف السنّي محفّزاً يدفعه إلى النظر من جديد إلى مرتكزاته الفكريّة التي ورثها من البيئة التي عاش في كنفها.

____________________

(١) المصدر السابق: ١٣٢-١٣٤.


وقد جاء في كتب وكلام المستبصرين الإشارة إلى هذا العامل والدافع للاستبصار، ويمكننا الإشارة في هذا المجال إلى بعض تصريحات المستبصرين منهم:

يقول صالح الورداني:

( كانت لي علاقات كثيرة بالطلبة العرب المقيمين في مصر لغرض الدراسة وكان من بينهم عدد من الشّيعة العراقيّين )(١) .

ويضيف هذا المستبصر:

( استفدت كثيراً من تلك العلاقات في التعرّف على فكر الشيعة عن قرب وأمكن لي أن أقوم برحلة إلى العراق بدعوة من صديق لي تعرّفت عليه في مصر وكان على درجة كبيرة من الثقافة ويقوم بتحضير دراسات عليا في القاهرة وذلك عام ١٩٧٧ م...

ومن خلال تواجدي بالعراق قمت بزيارة مراقد آل البيت ببغداد والطواف على مساجد الشيعة وسماع الدروس والمحاضرات والحوار مع الشباب الشيعي من أصدقاء صديقي..

ونتيجة لهذا كلّه تبددت من ذهني الكثير من الأوهام والتصوّرات غير الصّحيحة التي كنت أحملها عن الشيعة، وكانت لي بالإضافة إلى ذلك بعض الملاحظات السلبيّة إلّا أنّني نحّيتها جانباً لاعتقادي أنّ الرؤية التي يجب أنْ تُبنى‏ تجاه أيّ تصوّر أو أطروحة سائدة إنّما تقوم على أساس ما تتبنّاه هذه الأطروحة من معتقدات لا على أساس سلوك الأفراد وممارساتهم )(٢) .

ويقول عبد المنعم حسن حول كيفيّة تأثّره بأحد معتنقي مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام عندما كان في السودان:

( استقرّ بي المقام في العاصمة (الخرطوم) لأبدأ الدراسة الجامعيّة..

____________________

(١) صالح الورداني/ الخدعة: ١٧.

(٢) المصدر السابق.


وفي أحد أحيائها حيث اخترت أن أسكن مع أقربائي كان يسكن أحد أبناء عمومتي وحيداً يكافح في الحياة بين الدراسة والعمل..كان متديّناً يعيش حياة سعيدة رغم أنّه لا يملك شيئاً من الوسائل المادّية للسعادة وربّما يختصر طعامه في اليوم بوجبة واحدة.

كنّا نزوره باستمرار - لإعجابنا الكثير به وبخُلُقه وزهده - ونجلس معه ونحاوره في كثير من قضايا الدين والموت والآخرة، كان ينبوعاً من العلم، وحديثه معنا كان يخلق فينا روحاً إيمانيّة ودفعة معنويّة مضاعفة وذلك لمواجهة الحياة والزهد في الدنيا...

وكنّا نعجب من تديّنه الذي ينبع من إخلاص قلّما تجده عند أحد خصوصاً في هذا الزمن الذي غلبت عليه المادّية وأصبح الدين لعقاً على ألسنة الناس يحوطونه ما درّت معايشهم فإذا مُحصّوا بالبلاء قلّ الديّانون..

إحساسنا ونحن نتحدّث إليه أنّنا نقف مع أحد أولئك الذين جاهدوا مع رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بدر وأحد وحنين... تخرج الكلمة من قلبه فنشعر بها في أعماق وجداننا، كان كثير الصوم.. دائم العبادة للَّه تعالى.. أحياناً نبيت معه ليالي كاملة فنراه بالليل قائماً قانتاً يدعوا اللَّه ويتلو كتابه وفي الصباح يدعو اللَّه بكلمات لم نسمع بها من قبل، كلمات يناجي بها ربّنا عزّ وجل هي بلا شك ليست لبشر عادي، لابدّ أنّها من قول الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله ولكن عجباً لم نسمع بها من قبل، ولم نقرأها ضمن مناهجنا الدراسيّة ولا في كتبنا الإسلاميّة... فنضطرّ إلى سؤاله ما هذا الذي تقرؤه؟! فيجيبنا بأنّه دعاء الصّباح لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب‏عليه‌السلام فنوجم مبهوتين.

كثيراً ما كان يثير الحديث عن أهمّية التديّن والدين والبحث عن سُبل النّجاة قبل أنْ يأتي الأجل المحتوم، وهذا الحديث كان يثير فينا إحساساً بالمسؤوليّة يؤرّقنا فكنّا نتحاشى فتح الحوار معه من الأساس.

إلى أن جاء يومٌ ابتدأنا معه حواراً صريحاً - بعد أن لاحت لنا في الأفق أشياء استغربناها - حول هذا الدين الذي يتعّبد به إلى اللَّه تعالى، و أوّل معلومة ثبتت لدينا أنّه


جعفري إمامي إثنا عشري (شيعي)!

وانطلقنا معه في حوارات قويّة باعتبارنا متمسّكين بمذهب أهل السنّة والجماعة أولا أقل (ذلك ما عليه آباؤنا ونحن على آثارهم سائرون).

وكان النقاش يمتد لساعات طويلة وكانت حجّته قويّة بيّنة مدعّمة بالأدلّة والبراهين العقليّة والنقليّة، ولم يعتمد في طول حواره معناً على كتاب أو مصدر شيعي مما يعملون به، بل كان يرشدنا إلى مصادر أهل السنّة والجماعة لنجد صدق ادّعائه.

ورغم أنّ حديثه وأدلته وبعض الكتب التي قرأناها كانت تحدث فينا هزّة داخليّة إلّا أننا كنّا نكابر ولا نظهر له من ذلك شيئاً...

وعندما نجتمع بعيدا عنه كنّا نأسف لحاله ونصفه بأنّه مسكين - رغم تديّنه المخلص - بدأ أوّل خطواته نحو هاوية الجنون لكونه شيعي... إلّا أنّه أثبت لنا بعد حوار دام سنتين تقريبا بأنّنا كنا من المجانين الغافلين، وأقام علينا الدليل والحجّة بصحّة ما هو عليه، فما كان منا في النهاية إلّا التسليم بعد البحث والتنقيب وانكشاف الحقائق )(١) .

ومن جملة الّذين كان للقائهم باتباع مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام دور في اعتناقهم للتشيّع هو محمد علي المتوكّل، حيث أنّه التقى في السودان بشخص شيعي، وتعرّف عن طريقه على حقائق أدّت به و بأصدقائه في نهاية المطاف إلى اعتناق مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام .

ويذكر محمد علي المتوكّل حول كيفيّة اتّصاله بهذا الشخص الشيعي أنّه تعرّف عليه في إحدى الفنادق في السودان وهو لا يعلم بأنّه شيعي، ثم دار بينهما حديثٌ حول تطلعات الإسلاميين والتحدّيات التي تواجههم.

ويذكر هذا المستبصر أنّه انبهر بسعة أفق ذلك الرجل ودقّة معلوماته، ولكنّه شك

____________________

(١) عبد المنعم حسن/ بنور فاطمة اهتديت: ١٢-١٤.


خلال حديثه معه بأنّه شيعي فيقول:

( بعد شي‏ء من التردد سألته: هل أنت شيعي؟

وتوقّعت أن يخرجه سؤالي عن هدوئه واتّزانه، وكأنّي عندما سألته كنت أقول له: (هل أنت زنديق)!!

ولكنّه أجاب ودون أن يطرف له جفن: نعم أنا شيعي؟!

قلت في نفسي: سبحان اللَّه، يقولها غير متحرّج ولا متأثّم، أيحسب أنّه بذلك يحسن صنعاً؟

وللحظة، حاولت أن أربط ما بين أفكاره العميقة وحججه المتينة التي أدلى بها أثناء الحوار وبين اعترافه الجري‏ء هذا بالتشيّع...

أخرجني من ذهولي سائلاً: وماذا تعرف أنت عن الشيعة؟

قلت: وما عساني أعرف عنهم غير مفارقتهم للسنّة والجماعة وجرأتهم على الصحابة وغلوّهم في تقديس الإمام علي.

ثمّ أردفت: لقد اطّلعت مؤخّراً على آراء الشيعة ومعتقداتهم ومواقفهم من الصحابة وكنت آمل أن التقي بشيعي حتى أسأله عن صحّة ما ينسب إليهم.

قلت ذلك وأنا أحاول جاهداً أن أخفي عنه خليطاً من الأحاسيس التي اجتاحتني في تلك اللحظة وأنا ألتقي وجها لوجه بشيعي، وأي شيعي! مثقّف، سياسي حركي وقوي الشخصيّة. الآن ربّما أحسم معه الكثير من القضايا العالقة، وربّما ينكشف من الحقائق ما أتمنّى نقيضه.

قد يثبت هذا الشيعي المتمكن - بالدليل - أن الخلافة كانت لعلي، فيثبّت تبعا لذلك أن الخلفاء غصبوه حقّه.

وقد يثبت أنّ عائشة لم تكن محقّة في خروجها على الإمام علي، ومن ثم تتحمّل المسؤوليّة كاملة عن دماء المسلمين التي أهدرت وعن مصالح الأمّة التي تضررت.

وقد يثبت أنّ الصّحابة عرفوا الحقّ لأهل البيت ثمّ أنكَروه، وهكذا تنهار الدعائم


التي لم نعرف الدين إلّا قائماً بها.

الآن وقد تحقّق ما كنت أرجوه بلقائي بهذا الشيعي؛ أتمنّى لو أنّه لم يتحقّق ولم ألتق به.

كم هو مرير ذلك الإحساس الذي ينتاب الإنسان وهو يتوقّع أن تتحوّل كل الحقائق التي لديه إلى أباطيل، والمعتقدات إلى أوهام والرموز إلى أصنام.

أنا لا أريد شيئا من ذلك، لا أريد أن أكتشف شائبة في العلاقة بين علي وغيره من الخلفاء، أريد أن تكون واقعة الجمل شيئاً أشبه بالمسرحيّة، حيث يقتتل الممثّلون على المسرح، ثمّ يهنئ بعضهم بعضاً خلف الكواليس على ما حقّقوه من نجاح في أداء الأدوار.

حرصت أن أبدو أمامه متماسكاً ومعتداً بانتمائي المذهبي كاعتدادي بتميّزي الحركي!

فالمرء مهما كان هو ابن مذهبه، وإن جاز له الاعتراف بينه وبين قومه، باهتزاز الثّقة فيه، فليس له أن يكشف ذلك لأهل المذاهب المناوئة!

انطلاقاً من روح العصبيّة هذه، سمحتُ لنفسي أنْ أحادثه بلهجة فيها شي‏ء من النّصح والكثير من الاستهجان، فنحن ننتمي إلى الأصل، إلى (السنّة والجماعة)، وغيرنا مهما كانت مزاعمه، مفارق لهذا الأصل منشق عنه، وربما كان ذلك هو اعتقاد كل من يتبنى ديناً أو مذهباً، فهو الحق وهو الأصل، وإلّا لما تمسّك بشي‏ء من ذلك ودافع عنه، هذا بصفة عامّة وهناك من يحيد عن الحق ويتمسّك بغيره مدركاً للحقيقة، تحدوه مصالح مادّية أو عقد نفسيّة، وقد عبّر القرآن عن هذا الصنف بقوله تعالى:( وَجَحَدوُا بِهَا واسْتَيقَنَتهَا أنفُسُهمْ ظُلْمَاً ) (١) ، ولم نكن - وللَّه الحمد - من هذا الصنف الأخير.

وكأنّه أدرك عمقَ الأزمة التي أعيشها، تجاهل جلّ الكلام الذي قلته و الهجوم الذي واجهته به وأخذ يحدّثني عن العقل ودوره والمنهج السليم في قراءة التاريخ وخطر التعصّب وخطأ التقليد في العقائد، حتى كاد ينسيني الموضوع الأساسي.

____________________

(١) النمل: ١٤.


وللحقيقة فقد كان بارعاً سلس الحديث مرتّب الفكر، استطاع بلباقته وحكمته أن يمتص حماسي وينتزع تعصّبي، فلم أملك إلّا أن أصغي إليه بكل جوارحي.

وبعد أن فرغ من حديثه حول مناهج البحث وأصول الفكر، قمت بإطّلاعه على ما كان من أمري وأمر أصحابي وما نحن فيه من الحيرة وتشتت الفكر.

وعلى الأثر تشعّب الحديث بيننا دون أن ينال أيّاً من القضايا التاريخيّة والمذهبيّة، ولم يبدوا الأخ أيّ حرص على استدراجي أو تغيير قناعتي وكان خلاصة الحديث نُصحُه لي أن أبحث عن الحقيقة بتجرّد، وأن أحرّر عقلي من إسار التقليد والموروث.

وعدته بالعمل بنصحه، ولم أكن أتوقّع أن يكون للقائنا ذاك ما بعده، فهو نزيل بالفندق، يغادره بين يوم وليلة، فلا تبقى منه إلّا ذكرى هذا اللقاء المثير، لذلك سألته أن يعدّ لي قائمة بالكتب الضروريّة للبحث التاريخي والعقائدي.

فقال: هناك كتابان يعّد كل واحد منهما دليلا كاملاً لمراجع البحث، كما يعدّان من أقوى ما كتب حول الإمامة والمذاهب أحدهما (المراجعات) وهو عبارة عن رسائل متبادلة بين عالم شيعي هو سيّد شرف الدين الموسوي من جبل عامل في لبنان والشيخ سليم البشري، عالم مصري وأحد شيوخ الأزهر السابقين.

هذا الكتاب عظيم الفائدة ويخدم بحثكم كثيراً، لأن الجانب الشيعي اعتمد بالكامل في احتجاجه على المصادر المعتمدة عند السنّة، ولم يأت بدليل واحد من غيرها، وقد أقرّ الشيخ البشري، وهو ضليع في علوم الحديث، بصحّة جميع الأدلّة التي أوردها السيّد شرف الدين، وما انتهت المراسلات بينهما إلّا وكان قد أيقن بولاية أهل البيت‏عليهم‌السلام وإمامتهم.

ثمّ قال: هذا الكتاب لا أتوقّع وجوده بالمكتبات السودانيّة، وقد طفت على أكثرها ولم أره.

أمّا الغدير فهو موسوعة في التاريخ والعقائد قوامه أحد عشرة مجلّداً يدور حول محور الحديث النبويّ المشهور بل المتواتر الذي قاله النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله عندما كان راجعاً من


حجّة الوداع امتثالاً لقوله تعالى:( يا أيّها الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أَنْزَلَ إلَيكَ مِنْ رَبّك وإنْ لَمْ تَفْعَل فَمَا بلّغْتَ رِسَالَتَه واللَّهُ يَعصِمُك مِنَ النَّاسِ ) (١) .

وأهمّ ما في الحديث قوله‏صلى‌الله‌عليه‌وآله أمام مائة ألف صحابي أو يزيدون: (( ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم))؟ قالوا: بلى. قال:(( من كنتُ مولاه هذا علي مولاه، اللهمَّ وال من والاه و عاد من عاداه، وانصر من نصره وأخذل من خذله )).

ثم قال الشيخ إنّ هذا الكتاب موجود بمكتبة الدار السودانيّة للكتب. وهكذا ودّعته وقد عقدت العزم على شراء كتاب الغدير ).

المفاجأة الكبيرة:

ويضيف محمد علي المتوكّل:

( لم يهنّئني المنام في ليلتي تلك، إذ كان ذهني يسترجع محاور الحوار الذي دار بيننا مرّة بعد مرّة، وقد شغلني أمر الكتاب الذي تذكّرت أنه الكتاب ذاته الذي اطلع صديقنا طاهر على أحد أجزائه فدخل و أدخلنا معه في هذه الطرق الشائكة التي لا تؤمن عقباها.

في صباح اليوم التّالي وبينما كنت أتأهّب للذهاب إلى المكتبة لشراء كتاب الغدير كان ساعي البريد يسلم إلى موظّف الاستقبال مجموعة من الرسائل بينها مظروف مرسل عبري إلى أحد أصدقائي وكان على اتّصال بمؤسّسة البلاغ الإيرانيّة التي ترسل له كتيّبات ثقافيّة صغيرة. غير أنّ الأمر كان مختلفاً هذه المرّة فالمظروف أكبر من المعتاد، وكالعادة فضضت الظروف فوراً لأعرف الكتاب الذي بداخله.

وكم كانت المفاجأة كبيرة عندما أخرجت كتابَ المراجعات من المظروف، بصراحة انتابني شي‏ء من الخوف في تلك اللحظة، فالحدث لم يكن بكل المقاييس

____________________

(١) المائدة: ٦٧.


عادياً. في الليلة السابقة تجمعني الأقدار بعالم من علماء الشيعة وكنت من قبل أبحث عن أحد عوامهم! ثمّ أسمع بكتاب المراجعات للمرّة الأولى فأجده في طريقي وأنا ذاهب لشراء الغدير!

فلم يخامرني شك في تلك اللحظة أنّ امراً ما له علاقة بالغيب يتحكّم في اتّجاه بحثنا فليكن ذلك هو توفيق اللَّه وهدايته التي يمنّ بها على من يسعى إليها( وَالّذينَ جاهَدُوا فِنَا لَنَهديَنَّهم سُبُلَنا ) )(١) .

السير في ظل العناية الربّانيّة:

يقول محمد علي المتوكّل:

( أخذت أتصفّح الكتاب وأتنقّل بين عناوينه، فما من سؤال راود ذهني قبل ذلك إلّا وكان الكتاب قد تناوله بشكل أو بآخر، وكأنّه كتب لأمثالي ممن تبيّنوا، في جانب من الطريق أنّ هناك سبلاً أخرى ربما كانت هي الأقرب؛ بل الأصوب.

عدت بالكتاب إلى غرفتي وقد توقّفتْ تلقائيّاً كل برامجي وأعمالي، وتعطّلت الهموم إلّا هم واحد؛ هو اكتشاف الحقيقة.

شرعت بالقراءة، وكان الشيخ سليم البشري يجادل عنّي، ويطرح أسئلتي، بل يطرح ما هو أشمل وأعمق منها، فيرد عليه السيّد شرف الدين الموسوي بثقة العارف ويقين المؤمن. وأنا بين هذا وذاك تقذفني موجة من شك إلى أخرى من يقين ثم يحدث العكس، ويخامرني الشك حول الشيخ البشري وبساطة تعاطيه مع مناظره إذ يتنازل دون تردد عن موقفه كلّما واجهه الآخر بالحجج والأدلّة.

وكأني وددت لو أنّه يماري قليلاً أو يبدي إصراراً على رأيه!! فأراجع نفسي وأقول ماذا يضير الرجل إن كان موضوعيّاً ومخلصاً للحقيقة؟ فهو بذاك إلى القوّة أقرب منه

____________________

(١) القصص: ٦٩.


إلى الضعف، إذ لا يجد حرجاً في الاعتراف للطرف الآخر بقوّة الحجّة وسلامة الموقف وصحّة المعتقد حتى ولو كان في ذلك اعتراف بالعكس.

كنت أطوي الصّفحات طيّاً في شبه ذهول عن الوقت وما يجري من حولي، وعندما كان وقت صلاة العصر كنت قد بلغت من الكتاب مداه وقلبت آخر صفحاته. ولقد قرأت من قبله الكثير، وتأثّرت ببعض ما قرأت... بيد أنّ (المراجعات) كان شيئاً آخر!

وساعات من نهار قضيتها متنقلا بين صفحاته أجبرتني على العودة من أوّل الطريق، أرغمتني على وضع كل الماضي وكل الموروث على صدر علامة استفهام كبيرة ).

العودة إلى نقطة الصفر:

يستمرّ محمد علي المتوكّل في سرد حكايته قائلاً:

( والآن على أنْ أرى ذلك الذي أوصاني بهذا الكتاب... لأقول له أنّ الذي جمعني بك قد وضع بين يديّ كتاب المراجعات الذي عهدي باسمه البارحة، فمن أنت؟ وماذا تريد؟ وكيف أتيت إلى هنا؟ ومن ذا الذي أرسلك إلينا؟ أتراك تعي أو تقصد ما تحدثه في حياتنا؟...

كل تلك الأسئلة كانت تتشابك في ذهني بينما كنت أطرق باب غرفته بيد مرتجفة، مددت إليه الكتاب، تناوله قائلاً: نعم، إنّه هو، من أين أتيت به، فأخبرته بقصّته. ثمّ سألني عن رأيي فيما قرأت.

فقلت له: أرجعني المراجعات إلى نقطة الصفر، محا من ذهني و روحي كل الماضي، فما أحوجني الآن إلى من يمسك بيدي ويخرجني مما أنا فيه، وما أحسبه إلّا أنت.

فردّ بكل تواضع: أستغفر اللَّه، وهل أنا وأنت إلّا سواسية في طلب الحقّ والبحث عن الهدى، ومع ذلك لا بأس في التحاور والتباحث ف( إنّ أعقل النّاس مَن جمع عقولَ النّاس إلى عقله).


عندئذٍ حدثته عن المجموعة التي أشاركها البحث والتنقيب عن الحقيقة، فبدا متحمّساً لرؤيتهم، وكنت بدوري أتعجل لقياهم حتى أزفّ إليهم الأخبار الجديدة وأطلعهم على (المراجعات).

وهكذا أطلعتهم على المستجدّات التي كانت في نظرهم فتحاً وتوفيقاً إلهيّاً، ودليلاً على سلامة التوجّه واستقامة طريق البحث.

وفي أوّل لقاء للمجموعة مع الشيخ، كان هناك إحساس مشترك يغمر الجميع، الإحساس بآثار رحمة اللَّه ودلائل الاستجابة للدّعاء، وإحساس آخر بالأُلفة تجاه ذاك الرجل الذي كان بمثابة يد امتدّت لغريق ).

البحث بصورة منظّمة:

ويضيف محمد علي المتوكّل:

( انتظمت جلساتنا معه صباحاً ومساء، طيلة شهر كامل، فتحنا خلاله كل الملفّات المغلقة، تنقّلنا بين أطلال الماضي وبحثنا تحت الأنقاض، أيقظنا الكثير من الحقائق النائمة في طيّ النسيان.

تارة لا نملك إلّا أن نسلّم له ونوافقه الرأي، وتارة نعارضه ونقف وإيّاه على طرفي نقيض، ونُثير الشبهات ونطرح الأسئلة.

كنّا، كمجموعة، نتّفق في بعض الأحيان، وأحياناً أخرى نختلف، عندما ينضم بعضنا إلى جانبه ويعارضه الآخرون، وهكذا كانت الرؤية تزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، وقد تصدرت القضايا التاريخيّة قائمة الموضوعات المثارة.

كان يتحاشى التطرّق إلى المسائل التي من شأنها استفزاز مشاعرنا، وبالمقابل يسهب في الحديث عن أهل البيت فلا نملّ ولا نسأم، بل نطالب بالمزيد، إذ كنّا لا نعرف شيئاً عنهم، ومن لم يعرف أهل البيت لم يعرف شيئاً من الإسلام.

أحياناً كثيرة يلتقي الحديث عن أهل البيت بالحديث عن غيرهم من الصّحابة،


فتبدو الصورة على غير ما نحبّ.

فنحن، مثلاً، وقد بدأنا نكتشف بعض جوانب العظمة في شخصيّة الزهراء، ترتسم في مخيّلتنا طبيعة العلاقة التي كانت بينها وبين أصحاب رسول اللَّه المقرّبين، فمن المؤكّد أنّهم أحبّوها كما أحبّوا أباها، وأكرموها إكراماً له وإقراراً بعظمتها وعرفاناً لحقّها، تلك أمانينا، ونتلهّف إلى أن نسمع تصديقها من الشيخ، فيتردّد ويُناور حتى لا يفتح الملف المطلوب، وعندما نلح عليه يبوح بما عنده، فيعتصر الألم قلوبنا، ونكون بين مصدّق ومشكّك، كيف تموت الزّهراء في رفعتها وعظمتها وسموّ مقامها، غاضبة على كبار الصحابة، ومن أين أتوا بالجرأة ليغضبوها؟

وعلي، ذلك الصدّيق الأكبر، والفاروق الأعظم، المأمول من كلّ الذين نحبّهم ونقدّسهم من أصحاب رسول اللَّه أن يكونوا على وفاق كامل معه، ولكن الحقيقة تأتي بعكس ما نهوى، فنعاني التنازع والانفصام في عواطفنا، نحن نقّدرهم جميعاً، وهم يحيف بعضهم على بعض، ويبغض بعضهم عليّا، يبغضه وهو يسمع قول النبي عن علي أنه لا يحبّه إلّا مؤمن ولا يبغضه إلّا منافق)(١) .

تبدّد الغيوم عن وجه الحقيقة:

يقول محمد علي المتوكّل:

( شيئاً فشيئاً بدأنا ندرك أنّ الكثير من الحقائق المُكتشفة لا يمكن قبولها إلّا بعد التخلّي عن مسلّمات قديمة، وأننا بصدد التوصّل إلى دعائم جديدة يقوم عليها الدّين، وهي أعلى وأسمى من تلك التي توهّمنا أنّ الدّين قائم بها.

بتعبير آخر لقد بتنا على ضوء تلك المستجدّات، مطالبين باتّخاذ موقف فاصل،

____________________

(١) روى‏ مسلم في صحيحه/ كتاب الإيمان: ١/٤٦؛

عن الإمام علي قوله:(( والذي فَلقَ الحبّة وبرأ النّسمة إنّه لعهد النبيّ الأمّي إلى انه لا يحبّني إلّا مؤمنٌ ولا يبغضني إلّا منافق)).


ولا مجال للتمييع. وإلّا كنّا مثل ذلك الانتهازي الذي قال في فترة التمرّد العسكري الذي قاده معاوية ضدّ الإمام علي‏عليه‌السلام : الأكلُ مع معاوية أَدسم، والصّلاة مع على أتمّ، والوقوف على التلّ أسلم.

سارع بعضُنا إلى اجتياز هذه العقبة النفسيّة، واستطاع أن يتخطّى الماضي ومخلّفاته والتقليد وقيوده، فلم يعد يتردّد في القبول بنتائج البحث، مهما كانت قاسية ومريرة.

ولكنّي ومع آخرون، توقفت كثيراً وفكّرت طويلاً لَعَلّي أوفّق بين هذا الولاء الذي أخذ يتجذّر في قلبي لأهل البيت، وبين ولاءات سابقة، انتفت عوامل بقائها، ولم يبق منها سوى بعض الرّواسب النفسيّة. ولكن هيهات،( مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرجُلٍ مِن قَلبَينِ في جَوفِهِ ) (٢) ، ولا مكان للغير في نفس بات يعمرها الحبُّ والولاء لأهل البيت.

لم يتعرّض الشيخ للمسائل الفقهيّة، ولم يبد ملاحظة على ما نحن عليه من فقه، وبدوري كنت أمنّي نفسي وأرجو أنْ لا تكون هناك اختلافات فقهيّة بين مذهب أهل البيت ومذاهب أخرى.

إذ كَم هو قاس أن تكتشف أنّ الفقه الذي عملت به طيلة سنوات مضت يعاني من خَلَل في بعض جوانبه.

وكم هو عسير أن تتواءم نفسيّاً وعمليّاً مع أحكام جديدة غير التي اعتدت عليها!

لذلك استنكرت نفسي ما شاهدته من تفاوت، لكنّي فوجئت عندما بدأت ألاحظ بعض الأشياء الغريبة في وضوء الشيخ وصلاته، استفسرنا منه عنها فكان عنده على كل حكم دليل، مع ذلك أبت نفسي أن تسلّم.

وكنت أقول للآخرين أنّني لن أتبع الشيعة في كلّ شي‏ء، وكوني أوافقهم الآن فيما يتعلّق بولاية أهل البيت لا يعني أن أقلّدهم في كلّ شي‏ء، لاسيّما هذه المسائل الفقهيّة التي لا يؤيّدها العقل، وأيّهما أفضل، غسل الرجل وإزالة ما يعلق بها من غبار وغيره، أم

____________________

(١) الأحزاب: ٤.


تمرير اليد المبتلّة عليها فلا تزداد إلّا اتّساخاً؟!

ولكن الأخوة كان بعضهم قد وطّن نفسه على قبول كل ما يقول به الشيعة، بعد أن أسقط الاعتبار عن السبل الموازية لأهل البيت. وهكذا كنّا في جدل دائم حول القضايا الفرعيّة مع اتفاقنا الكامل على الأصول.

وعندما طرحنا الأمر على الشيخ تجنّب الخوض في التفاصيل الفقهيّة، ولكنّه أرسى قاعدة وأوصى باتّباعها، وهي عدم مناقشة الأحكام الفقهيّة من حيث حِكَمها وعِلَلها إلّا بعد التّحقق من مصادرها، وما يثبت وروده عن النبيّ وأهل بيته صحيح، حتى ولو خالف المألوف ولم تَستوعبه العقول، إذ ليس للرأي مكان في الفقه ).

مرحلة اقتطاف ثمار البحث:

يقول محمد علي المتوكّل:

( في نهاية المطاف، وبعد شهر من الحوار الدائم، والتحقق من صحّة الأدلّة التي أوردها الشيخ في المصادر السنّيّة، كانت الرؤية قد اتّضحت تماماً، وزالت الشبهات، وتخطّينا الحواجز النفسيّة والعاطفيّة، ولم يبق إلّا أن نتعرّف إلى الدّين من جديد بعد أن اكتشفنا الطرّيق الموصل له، وحدّدنا الجهة التي منها نأخذ ديننا.

عندئذٍ قرّر الشيخ الرحيل، تاركاً خلفه خمسة مستبصرين وآخرين على طريق الاستبصار، يكونون فيما بعد نواة للتشيع في السودان، وبداية لحركة استبصار واسعة النطاق تشمل في غضون عشرة أعوام، كافة أنحاء السودان، وتؤسّس العديد من المؤسّسات الثقافيّة التي تضطلع حتى الآن بدور مشهود في تصحيح المسار الفكري والعقائدي الذي تعرّض عبر القرون لمؤامرات الطمس والتحريف )(١) .

____________________

(١) محمد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٤٢-٥٠.


الدافع الرابع:

قوّة أدلّة الشيعة

إنّ من أهمّ العوامل التي تدفع الباحث السنّي حين التقائه بأحد أتباع مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام إلى تقبّل كلامه هي الأدلّة التي يستقيها الشيعي من الكتاب والسنّة في بيان معتقدات مذهبه، بحيث تأخذ هذه الأدلّة نتيجة قوّتها بيده حتى تبلغه مرتبة القناعة الكاملة بأحقيّة مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام .

ويقول محمد مرعي الانطاكي في هذا المجال:

( من جملة الأسباب التي دعتنا إلى التشيّع، هي وقوع كثير من المناظرات التي جرت بيني وبين بعض علماء الشيعة.

وفي حال المناظرة كنت أجد نفسي محجوجاً معهم، غير أنّني أتجلّد وأدافع دفاع المغلوب، مع ما أنا عليه بحمد اللَّه تعالى من الاطّلاع الواسع والعلم الغزير في المذهب السنّي الشافعي وغيره، إذ أنّني تلمّذت حوالي ربع قرن على فطاحل العلماء والجهابذة على مشيخة الأزهر حتى حصلت لي شهادات راقية )(١) .

ويصف التيجاني السماوي حجج الشيعة الرصينة والواضحة قائلاً:

( وليس دليل الشيعة دليلاً واهياً أو ضعيفاً حتى يمكن التغاضي عنه وتناسيه بسهولة، وإنّما الأمر يتعلّق بآيات من الذّكر الحكيم أنزلت في هذا الشأن وأولاها رسول اللَّه‏صلى‌الله‌عليه‌وآله من العناية والأهميّة ما سارت به الركبان وتناقله الخاص والعام حتى ملأت كتبَ التّاريخ والأحاديث وسجّله الرواةُ جيلاً بعد جيل )(٢) .

ولهذا يقول التيجاني السماوي في هذا المجال:

( ممّا زاد قناعتي بأنّ الشيعة الإماميّة هي الفرقة الناجية هو أنّ عقائدهم سمحة

____________________

(١) محمد مرعي الانطاكي/ لماذا اخترت مذهب الشيعة: ٥١.

(٢) محمد التيجاني السماوي/ لأكون مع الصّادقين: ٤٤.


وسهلة القبول لكلّ ذي عقل حكيم وذوق سليم، ونجد عندهم لكلّ مسألة من المسائل ولكلّ عقيدة من العقائد تفسيراً شافيا كافياً لأحد أئمة أهل البيت‏عليهم‌السلام ، قد لا نجد لها حلّاً عند أهل السنّة وعند الفرق الأخرى )(١) .

ويذكر التيجاني السماوي أيضاً في كتابه ( كل الحلول عند آل الرسول ):

( ونحن إذ قدّمنا في كتبنا السابقة ومن خلال الأبحاث العلميّة والتاريخيّة بأنّ الشيعة الإمامية الإثني عشرية هي الفرقة الناجية التي تمثّل الخطَّ الإسلامي الصّحيح، فليس ذلك الحكم هو وليد الظروف والملابسات التي عشتها وتفاعلتُ معها فحسب، وإنّما هي حقيقة أثبتها النّقلُ من خلال القرآن والسنّة كما أثبتها التاريخ الذي سَلِم من التزييف والتحريف، واهتدى إليها العقل بما وهبه اللَّه سبحانه من قدرة التميّز وإثبات الدّليل.

فقال عزّ من قائل:( فبَشِّر عِبَادِ * الّذينَ يَستَمعوُنَ القولَ فيَتَّبعوُنَ أحسَنَه أولئِكَ الّذينَ هَداهُم اللَّهُ وأولئك هم أولُوا الأَلبابِ ) (٢) .

وقال في حقّ الّذين عطّلوا عقولَهم فاستحقّوا العذاب:( وقالوا لو كنّا نسمَعُ أو نعقِلُ ما كنّا في أصحابِ السّعير.. ) (٣) )(٤) .

ويقول محمد الكثيري حول مدى قوّة عقائد الشيعة وأدلّتهم الوضاءة والمشرقة حين مقارنتها مع أدلّة غيرهم:

( إنّ هذه الكتب السلفيّة التي تنشرها المملكة السلفيّة للطعن في عقائد الشيعة، تُساهم من جانب آخر في نشر التشيّع، لأنّه يكفي أن يطّلع أبناء الصَحوة على عقائد الشيعة في كتبهم ومجلّاتهم وعند المقارنة تنهدم صروح الكذب السلفيّ بسرعة،

____________________

(١) المصدر السابق: ٢٤.

(٢) الزمر: ١٨.

(٣) الملك: ١٠.

(٤) محمد التيجاني السماوي/ كل الحلول عند آل الرسول: ١٧.


ويتحوّل أبناءُ الصّحوة بعد اكتشاف الحقيقة إلى أعداء للدعوة السلفيّة ومبادئها، ويعتنقون التشيّع زرافات، وهذا ما يقع حاليّاً )(١) .

ويُعلّل محمد الكثيري هذا الأمر قائلاً:

( وبالجملة فليس هناك عقيدة أو فكرة يدعو لها الشيعة الإمامية إلّا ولها مستند قويّ، ليس في القرآن وما صحّ من السنّة لديهم، بل ما صحّ من السنّة لدى‏ خصومهم.

لذلك ترى المتشيّعين من أبناء السلفيّة أو أهل السنّة اليوم لا يرجعون في الاستدلال على عقائد الشيعة التي اعتنقوها إلى مصادر الشيعة التاريخيّة والحديثيّة، بل يجدون مُبتغاهم في تراث أهل السنّة والسلفيّة، وهذا ممّا يزيدهم اطمئناناً وإيماناً بصحّة عقائد الشّيعة وما يَدعون إليه )(٢) .

ويشير محمد مرعي الانطاكي إلى قوّة أدلّة الشيعة خلال ذكره الأسباب التي دعته إلى الالتحاق بمذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام قائلاً:

( هي أمور كثيرة، نذكر منها:

أوّلاً: رأيت أنّ العمل بمذهب الشيعة مجزٍ، وتبرأ به الذمّة بلا ريب، وقد أفتى به كثيرٌ من علماء السنّة من السّابقين واللاحقين، وأخيراً منهم الشيخ الأكبر زميلنا الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر بفتواه الشهيرة المنتشرة في العالم الإسلامي(٣) .

____________________

(١) محمد الكثيري/ السلفيّة: ٦٦٨.

(٢) المصدر السابق: ٦١٥-٦١٦.

(٣) محمد مرعي الانطاكي: وإليك أخي القارئ‏ نص فتواه - كما ذكرها الشيخ المظفّر في عقائد الإماميّة - في شأن جواز التعبّد بمذهب الشيعة الإماميّة:

أوّلاً: - إنّ الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه اتّباع مذهب معيّن، بل نقول: انّ لكلّ مسلم الحقّ في أن يقلّد بادئ‏ ذي بدء أيّ مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً، والمدوّنة أحكامها في كتبها الخاصّة.

ولمن قلّد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أيّ مذهب كان - ولا حرج عليه في شي‏ء من ذلك.

ثانياً: - إنّ مذهب الجعفريّة المعروف بمذهب الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة، مذهب يجوز التعبّد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنّة.

فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وان يتخلّصوا من العصبيّة بغير الحقّ لمذاهب معيّنة، فما كان دين اللَّه وما كانت شريعته بتابعة لمذهب، أم مقصورة على مذهب، فالكلّ مجتهدون مقبولون عند اللَّه تعالى، يجوز لمن ليس أهلا للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقرّرون في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات.

شيخ الجامع الأزهر

محمود شلتوت‏


ثانياً: ثبت عندي بالأدلّة القويّة والبراهين القاطعة والحُجج الدامغة الرّصينة الواضحة التي هي كالشمس الساطعة في ضاحية النهار، ليست دونها سحاب، أحقّية مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام وأنّه هو المذهب الحقّ الذي أخذه الشيعة عن أئمة أهل البيت عن جدّهم رسول اللَّه‏صلى‌الله‌عليه‌وآله ، عن جبرائيل، عن الربّ الجليل، وليس فيه دخيل، ولن يرضوا عنه بديلاً حتى يلقوا الربّ الجليل.

وأخذه الثقاة عن الثقاة من يوم البِعثَة إلى يوم البَعث لا يختلف آخرهم عن أوّلهم.

ثالثاً: إنّ الوحي نزل في بيتهم، وأهل البيت أدرى وأعرف بما في البيت من غيرهم.

فجدير بالعقل المتدبّر أن لا يترك ما صحّ لديه من الأدلّة منهم ويأخذ من الأجانب الدخلاء.

رابعاً: - كثير من الآيات الواردة في الذكر الحكيم والقرآن المجيد، دالّة على مدّعانا...

خامساً: كثير من الأحاديث المأثورة، والأخبار الواردة عن لنبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله دالّة على ذلك، وقد ذكرها الفريقان - السنّة والشيعة - في كتبهم )(١) .وقد أنشد محمد مرعي الانطاكي حول سبب استبصاره قائلاً:

____________________

(١) محمد مرعي الإنطاكي/ لماذا اخترت مذهب الشيعة: ٤٩-٥١.


لماذا اخترتُ مذهبَ آل طه

وحاربت الأقاربَ في وِلاها

وعفتُ ديارَ آبائي وأهلي

وعيشاً كان ممتلأً رفاها

لأنّي قد رأيتُ الحقَّ نصّاً

وربّ البيت لم يألف سواها

بالاستمساك بالثقلين حازت

بأولاها وأُخراها نجاها

وصارت أعظم المخلوق قدراً

واورثها الولا عزّاً وجاها

ولا أصغي لعذل بعد علمي

بأنّ اللَّه للحقّ اصطفاها

ولا أهتمّ في الدّنيا لأمر

إذا ما النّفس وافاها هُداها

فمذهبي التشيّع وهو فَخْر ٌ

لمن رام الحقيقةَ وامتطاها

وفرعي من عليّ وهو درّ

صفا والدّهرُ فيه قد تباها

وهل ينجو بيوم الحشر فردٌ

مشى في غير مذهبِ آل طه؟!(١)

الدافع الخامس:

قراءة الكتب الشيعيّة أو كتب المستبصرين:

كانت المطالعة والانفتاح على التراث الشيعي أحد أسباب استبصار بعض المستبصرين واعتناقهم لمذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام ، منهم إدريس الحسيني حيث أنّه يقول:

( لا أحد أخذ بيدي - بصورة مباشرة - إلى هذه المدرسة. لقد اندفعتُ إلى ذلك بنفسي معتمداً على امكاناتي، ربّما كانت هناك ظروف وملابسات لها مدخليّة كبيرة في هذا الاختيار، كنت يومئذٍ شابّاً غضّاً طري العود، لكن أسئلتي كانت كبرى.

لقد تعرّفت على هذا المذهب عن طريق البحث والدراسة والإصرار على المعرفة. والحمد للَّه أصبحت شيعيّاً مواليّاً )(٢) .

____________________

(١) محمد مرعي الانطاكي/ لماذا اخترت مذهب الشيعة: ٤٩٣.

(٢) مجلّة المنبر/ العدد: ٣.


أهمّ الكتب التي تأثّر بها المستبصرون:

كتاب المراجعات‏

يُعتبر كتاب (المراجعات) للسيّد عبد الحسين شرف الدّين رحمه اللَّه من أبرز الكتب التي تركت تأثيراً واضحاً على المستبصرين، ولهذا الكتاب الفضل في تكوين قناعة الكثير بأحقّية مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام .

وقد جاء في كلام المستبصرين حول هذا الكتاب القيّم والأثر الخالد ما فيه الكفاية لتبيين مدى تأثّرهم بهذا السفر العظيم.

يقول التيجاني السماوي في كتابه (ثمّ اهتديت) حول كتاب (المراجعات):

( قرأتُ كتابَ المراجعات للسيّد شرف الدّين الموسوي، وما أنْ قرأت منه بضع صفحات حتى استهواني الكتابُ وشدّني إليه شدّاً، فكنت لا أتركه إلّا غصباً وكنت أحمله في بعض الأحيان إلى المعهد.

وأدهشني الكتاب بما حواه من صراحة العالم الشيعي وحلّه لما أشكل على العالم السنّي شيخ الأزهر.

وجدت في الكتاب بغيتي لأنه ليس كالكتب التي يكتب فيها المؤلّف ما يشاء بدون معارض ولا مناقش، فالمراجعات هو حوار بين عالمين من مذهبين مختلفين يحاسب كلٍّ منهما صاحبه على كل شاردة و واردة، على كل صغيرة وكبيرة متوخّين في ذلك المرجعين الأساسيين لكافّة المسلمين وهما القرآن الكريم والسنّة الصحيحة المتّفق عليها في صحاح السنّة.

فكان الكتاب بحقّ يمثّل دوري كباحث يفتّش عن الحقيقة ويقبلها أينما وجدت، وعلى هذا كان الكتاب مفيداً جدّاً وله فضلٌ عليّ عميم )(١) .

ويصرّح التيجاني السماوي أيضاً في مكان آخر من كتابه (ثمّ اهتديت) بالدور

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ٧٥.


الأساسي الذي كان لكتاب (المراجعات) في اعتناقه لمذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام ، فيقول:

( قرأت كتاب المراجعات للإمام شرف الدين وراجعته عدّة مرّات وقد فتح أمامي آفاقاً سبّبت هدايتي وشرحت صدري لحبّ أهل البيت ‏عليهم‌السلام ومودّتهم )(١) .

ويقول محمد مرعي الانطاكي معبّراً عن مشاعره النابعة من أعماق قلبه حول كتاب (المراجعات):

( إنّي لأقدّم نصيحة خالصة لوجه اللَّه لا يشوبها رياء، لكلّ واحد من إخواننا السنّة، أن يرجع إلى كتاب (المراجعات) وغيره من كتب الشيعة الإمامية، وأن يطالعها بدقّة وإمعان، ونظر وإنصاف، من أوّلها إلى آخرها، فإنّه سيجد ما فيه المقنع إن شاء اللَّه، ولا يبقى له أيّ عذر أو مجال ليتّهم شيعة العترة الطّاهرة بما هم بريئون منه، براءة ذئب يوسف من يوسف، إن كان حرّاً من الأقاويل المفتعلة التي لم ترض اللَّه ورسوله )(٢) .

ويذكر محمد مرعي الانطاكي حول كيفيّة تعرّفه على كتاب (المراجعات) والأثر الذي تركه هذا الكتاب على بنيته الفكريّة، أنّه حاور شيعيّاً يدعى السيّد عبد القادر الحاج موسى، فأتاه هذا الشيعي بكتاب (المراجعات) وقال له: خذ هذا الكتاب.

يقول محمد مرعي الانطاكي:

( قلت: وما هذا الكتاب؟

قال: كتاب من مؤلّفات الشيعة.

قلت: لا حاجة لي به.

فأعاد على القول.

فقلت له: إنّ الكتاب لا يقرأ في مجلس واحد!

فقال: خذه معك عارية.

____________________

(١) المصدر السابق: ١٣٠.

(٢) محمد مرعي الانطاكي/ لماذا اخترت مذهب الشيعة: ٥٣.


وكان الوقت بعد العصر، فحملته وذهبت إلى منزلي، وبعد أن نام الأولاد وأمّهم، خلوت بنفسي، وبدأت بالمطالعة، وهذا أوّل كتاب وصل إلى من كتب الشيعة، وما أنْ بدأتُ بقراءة المقدّمة حتى أخذتني دهشة لما فيها من البلاغة، وتركيب الألفاظ، وسبك جملها(١) وعذوبة ألفاظه، وحسن معانيه التي قلّ أن يأتي كاتب بمثلها، فقمت أفكّر في هذا الأثر القيّم والسفر العظيم، وما فيه من الحكميات والمحاكمات بين مؤلّفه المفدّى، وبين الشيخ الأكبر الشيخ (سليم البشري) شيخ الجامع الأزهر، وذلك بأدلّته القاطعة، وحججه البالغة، ممّا يفحم الخصم، ويقطع عليه حجّته.

وقد رأيت مؤلّفه العظيم لم يعتمد في احتجاجه على الخصم من كتب الشيعة، بل يكون اعتماده على كتب السنّة والجماعة، ليكون أبلغ في الردّ على الخصم، فبذلك زدت إعجاباً على إعجاب مما جرى به قلمه الشريف )(٢) .

ويضيف محمد مرعي الانطاكي:

( وزادت دهشتي عند وصولي إلى (المراجعة الرّابعة) إذ فيها القول الفصل لمن كان له عقل أو ألقى السّمع وهو شهيد.

ولم أقتصر عليها، بل أخذت كلّما انتهيت من واحدة بدأت في الأخرى، وهكذا إلى أن مضى عليّ أكثر من ثلثي الليل، وأنا لا أشعر بملل ولا كلل، لما وجدت فيه من حلاوة ألفاظه وطلاوة عباراته، وحينئذٍ تفتّحت امامي أبواب الصدق والصواب الصائب الذي لا مرية فيه، ولست بمغال إن قلت: كأنّي صهرت في بودقة، وفقدت شعوري لأنه قد استدرجني الكتاب، وقادني إليه، فسرت معه مختاراً أو غير مختار(٣) .

هذا ولم يمض عليَّ الليل إلّا وأنا مقتنع تماماً، بأنّ الحقّ والصواب مع الشيعة، وأنّهم على المذهب الحقّ الثابت عن رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن أهل بيته الطاهرين ‏عليهم‌السلام ، ولم

____________________

(١) محمد مرعي الانطاكي/ لماذا اخترت مذهب الشيعة: ٤٣٩.

(٢) المصدر السابق: ٥٢-٥٤.

(٣) المصدر السابق: ٤٣٩.


يبق لي أدنى شبهة البتّة، واعتقدت بأنّهم على خلاف ما يقال فيهم من المطاعن والأقاويل المفتعلة الباطلة.

ثمّ في صبيحة تلك الليلة، عرضت الكتاب الشريف على أخي وشقيقي، فضيلة العلّامة الفذّ الحافظ الشيخ (أحمد أمين الانطاكي) حفظه اللَّه، فقال لي:

ما هذا؟

فقلت: كتاب شيعي، لمؤلّف شيعي.

فقال: أبعده عنّي، أبعده عنّي، أبعده عنّي - ثلاثاً - فإنّه من كتب الضلال، وليس لي به حاجة، وإنّي أكره الشيعة وما هم عليه!!

فقلت: خذه واقرأه، ولا تعمل به، وماذا يضرّك إن قرأته؟

فأخذ الكتاب ودرسه وطالعه بدقّة وإمعان؛ وحصل له ما حصل لي من الاعتراف بأحقّية المذهب الشيعي، وقال:

إنّ الشيعة على الحقّ والصواب، وغيرهم خاطئون، ثمّ تركت أنا وأخي المذهب الشافعي، واعتنقنا المذهب الشيعي الجعفري الإمامي وذلك لقيام الأدلّة الكثيرة الواضحة، والبراهين الرّصينة الناصعة )(١) .

ويصف هشام آل قطيط رحلته مع كتاب (المراجعات) بعد استعارته من أحد أصدقائه قائلاً:

( بدأت في القراءة في هذا الكتاب، وكنت واثقاً من نفسي بأنّه كتاب ضلال سوف أرد عليه وأفهم الشيعي من هو السنّي؟!

فقرأت ترجمة الكتاب. واستمريت بالقراءة وقطعت منه تقريباً أكثر من مائتين صفحة، ففوجئت وتشنّجت من هذا الكتاب المدسوس، واستغربت من هذه المعلومات الغريبة التي لأول مرّة تطرقُ ذهني، وخاصّة علمائنا دائماً يحذّرونا من

____________________

(١) المصدر السابق: ٥٣-٥٤.


قراءة كتب الضلال، فقلت إن استمريت في القراءة في هذا الكتاب سوف يحرفني لاشكّ في ذلك إطلاقاً، وإذا أردت أنْ اتتبّع الأدلّة ليس لديّ المصادر وليس لديّ الفراغ الكافي للبحث في هذه القضيّة الشائكة، فأغلقت الكتاب لأنّه شوّش تفكيري )(١) .

ويقول هشام آل قطيط في المرّة الأخرى التي وقع هذا الكتاب بيده:

( راجعت المصادر ووقفت عليها و وجدت صدق ما يأتي به العالم الشيعي، فاستغربت من قوّة استدلال هذا العالم وإحاطته الدّقيقة بالتاريخ والسيرة والصّحاح واستهواني الكتاب بأسلوبه الجذّاب وثوبه الناعم المُزركش وصرت أفكّر: يا إلهي أين كنت أنا؟

أين علماؤنا من هذه الكتب؟ فهل يعرف علماؤنا ما في هذه الكتب من أدلّة ويتعمدون طمس هذه الحقائق عنّا؟ لأنّه ليس من اختصاصنا البحث في الدين، وإنّما هو حكر على الشيوخ والعلماء فقط، أم انّهم لا يعلمون حقيقة هذه الكتب؟! )(٢) .

ويقول عبد المنعم حسن حول إعجابه بهذا الكتاب وما لاقاه من ردود أفعال ممن حوله بعد تأثّره بهذا الكتاب:

( ولا أظنّني سأجد كتاباً على أديم الأرض أكثر قوّة وحجّة ومنطقاً من كتاب المراجعات الذي أماط اللثام وأبطل كل حُجَج الشيخ البشري بأدب و وقار.

وأذكر ذات يوم أن أحد الأشخاص استعار كتاب المراجعات من أحد الأصدقاء وبعد فترة وجيزة جاء بالكتاب وهو يقول - محاولاً الاستهزاء به كردّة فعل طبيعيّة - إنّه مختلق، انّ هذه المناظرة أساساً لم تقم.

فأجابه الأخ: يا شيخنا فلنفرض جدلاً أنّ هذه المناظرة لم تكن، وأنّ هذه

____________________

(١) هشام آل قطيط/ ومن الحوار اكتشفت الحقيقة: ٢٣.

(٢) المصدر السابق: ٣٩.


الشخصيّات لا وجود لها في الحقيقة، ما رأيك فيما ورد في الكتاب من الأدلّة، نحن كلامنا ليس حول الشخصيّات وما يهمّنا محتوى الكتاب إذا كنت تملك ردّاً عليه فتفضّل( هَاتوُا بُرهَانَكُم إنْ كُنتُم صَادقينَ ) وإلّا فالزم الصمت... فصمت صاحبنا.

والحال إنّنا نثق بأن هذه المناظرة والحوار بين السيّد عبد الحسين والشيخ سليم حدثت حقيقة، والشخصيّتان علمان بارزان في سماء الأوساط الدينيّة عند الشيعة والسنّة )(١) .

ويذكر أسعد وحيد القاسم حول تقييمه لهذا الكتاب، وفيما يخصّ انطباعه حول هذا الأثر الخالد:

( وكتاب المراجعات هذا، وبالرغم أن كاتبه شيعي إلّا أنّه ولدهشتي الكبيرة فإنّه يحتجّ بما يعتقده الشيعة من خلال كتب الحديث التي عند أهل السنّة لا سيّما الصّحيحَين منها...

ولا أخفي بأنّ ما قرأته في ذلك الكتاب كان مفاجأة كبيرة لي، ولا أُبالغ بالقول أنّه كان صدمة العمر، فلم أكن اتوقّع أبداً بأنّ الخلافات بين أهل السنّة والشيعة هو بتلك الصورة التي رأيتها فعلاً من خلال ذلك الكتاب، واكتشفتُ بأنّني كنت جاهلا بالتاريخ والحديث )(٢) .

ويقول معتصم سيّد أحمد حول الدور الأساسي الذي كان لهذا الكتاب في استبصاره:

( وبعد قراءتي لكتاب المراجعات ومعالم المدرستين وبعض الكتب الأخرى، اتّضح لي الحقّ وانكشف الباطل، لما في هذين السفرين من أدلّة واضحة وبراهين ساطعة بأحقّية مذهب أهل البيت، وازدادت قوّتي في النقاش والبحث، حتى كشف اللَّه نور الحقّ في قلبي، وأعلنت تشيّعي)(٣) .

____________________

(١) عبد المنعم حسن/ بنور فاطمة اهتديت: ١١٩

(٢) أسعد وحيد القاسم/ حقيقة الشيعة الإثني عشريّة: ١٢-١٣.

(٣) معتصم سيد أحمد/ الحقيقة الضائعة: ٢٣.


ويقول سعيد السّامرائي حول كتاب المراجعات:

( لم أعجب بقلم كإعجابي بقلم السيّد عبد الحسين شرف الدّين الموسوي العاملي رحمه اللَّه.

وعلى الرغم من أنّ كتبه كانت من أوائل الكتب التي قرأت في طريق التعّرف على مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام ؛ لم تترك بعدها أيّة بحوث أخرى فيَّ ذلك التأثير الذي تركته بحوث السيد شرف الدين.

ولئن كان قلمه السّاحر يمثّل جزءاً كبيراً من ذلك التأثير الأكبر، كان لمنهجه في البحث الذي يأخذ بالألباب ويشدّها أكثر فأكثر كلّما تدرجت في القراءة التي لابد وأن تكون متّصلة بلا توقّف مهما كانت المشاغل! )(١) .

كتاب ثمّ اهتديت:

طُبع هذا الكتاب القيّم أكثر من عشرين مرّة، وقد ترجم إلى سبعة عشر لغة في العالم، وقد اهتدى به إلى الحقّ الآلاف من المسلمين في كلّ بقاع العالم.

ويقول مؤلّف هذا الكتاب التيجاني السماوي حول أسباب نجاح هذا الكتاب:

( إنّ أهل البيت سلام اللَّه عليهم هم السِرّ وراء نجاح الكتاب بلا شكّ، فما لقيت إنساناً إلّا وأبدى إعجابه للكتاب )(٢) .

ويقول التيجاني السماوي حول ردود الأفعال التي لاقاها هذا الكتاب في وسط أهل السنّة:

( بعض المتعصّبين كان يروّج في أوساطه بأنّ كتاب (ثمّ اهتديت) يشبه كتاب سلمان رشدي، ليصدّ الناس عن قراءته بل ويحثّهم على لعن كاتبه.

____________________

(١) سعيد السامرّائي/ حجج النهج: ٥.

(٢) محمد التيجاني السماوي/ كل الحلول عند آل الرسول: ٣٣٠.


إنّه الدسّ والتزوير والبهتان العظيم الذي سوف يحاسبه عليه ربّ العالمين، وإلّا كيف يُقارن كتاب (ثمّ اهتديت) الذي يدعو إلى القول بعصمة الرّسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله وتنزيهه والاقتداء بأئمة أهل البيت الّذين أذهبَ اللَّهُ عنهم الرّجسَ وطهَّرَهُم تَطهيراً بكتاب (الآيات الشيطانيّة) الذي يشتُمُ فيه صاحبه الملعون الإسلام ونبيَ الإسلامصلى‌الله‌عليه‌وآله ويعتبر أنّ الدّين الإسلامي هو نفثة الشياطين؟ )(١) .

وأيضاً من ردود الأفعال التي لاقاها هذا الكتاب أنّه شاع في بعض أوساط أهل السنّة بأنّ مؤلّف هذا الكتاب شخصيّة وهميّة.

ويذكر هشام آل قطيط أنّ أحد مشايخ أهل السنّة سألني قبل أن أتعرّف على كتاب (ثمّ اهتديت):( هل قرأت كتاب: (ثمّ اهتديت) للضال التونسي؟ إذا قرأته أو موجود عندك فاحرقه!!

قلت له: لأوّل مرّة أسمع باسم هذا الكتاب.

فقال لي: مؤلّفه خيالي غير وجود، اسمه التيجاني السماوي، كتبوه الشيعة باسمه على أنّه سنّي وتشيّع وبدأ يدعو لمذهبهم، ونحن اتّصلنا في تونس، فقالوا لنا أنّ هذا الاسم غير موجود)(٢) .

ويشير الهاشمي بن علي إلى هذا الأمر أيضاً في كتابه (حوار مع صديقي الشيعي) قائلا:

( ومن الأشياء العجيبة التي اطلعت عليها قول من يقول أنّ التيجاني التونسي شخصيّة وهميّة وكذلك غيره من المتشيّعين.

وعلى افتراض أنّ ذلك صحيح - وهو غير صحيح قطعاً - فانظروا إلى ما قيل ولا

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ فسألوا أهل الذكر: ١٧٤.

(٢) هشام آل قطيط/ ومن الحوار اكتشفت الحقيقة: ٢٧.


تنظروا إلى من قال.

فهل ماجاء في تلكم الكتب صحيح أم باطل؟

وإذا كان باطلاً فبأيّ دليل؟! أمّا التشكيك والجدل فلن يجدي شيئاً )(١) .

ومن الطرائف التي يذكرها التيجاني السماوي حول كتابه (ثمّ اهتديت) أنّه حينما كان في بيروت: دار بينه وبين سائق ركب معه - ليوصله بالقرب من بئر العبد - حديث عام، فلمّا عرف السائق أن من معه من تونس قال له:

يمكن أسألك عن شخص تونسي؟

يقول التيجاني السماوي: قلت: من هو؟

( قال: الدكتور محمد التيجاني السماوي.

وخفق قلبي وأنا أستمع لرجل يسأل عنّي وأنا إلى جانبه وهو لا يعرفني وظننت أنّه من شيعة لبنان الذين يعرفونني من خلال كتبي.

فقلت بدون تردّد: أنا هو الدكتور التيجاني.

فقال: لا مش معقول!

قلت: لماذا مش معقول؟

قال: قيل لنا أنّه شخص وهمي لا وجود له.

قلت: كيف عرفته وتسأل عنه إذاً؟

قال: أنا عرفته في كتاب (ثمّ اهتديت)، وهو كتاب رائع وكلّه حقائق، ولكن شيخنا قال بأن هذا الشخص لا وجود له.

اطمأنّ قلبي لكلامه وقلت له: سبحان اللَّه، ربّ صدفة خير من ألف ميعاد، يا أخي أنت تكلم الدكتور التيجاني وهو أمامك بلحمه ودمه وعظمه.

قال: كيف أصدّق وأنت لازلت شابّاً وبهذا اللباس!؟

____________________

(١) الهاشمي بن علي/ حوار مع صديقي الشيعي: ١٦١.


أخرجت له جواز السفر وقلت: هاك الدليل.

فتح الجواز وقرأ هويّتي ونظر صورتي وهو يقول: الآن تشيّعت، وصافحني بحرارة وأخذ يقبّلني ويعتذر إلي )(١) .

كتب أخرى تأثّر بها المستبصرون:

من الكتب الأخرى التي كان لها الأثر البالغ في اعتناق المستبصرين لمذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام يمكننا ذكر الكتب التالية التي أشار إليها التيجاني السماوي في كتابه ثمّ اهتديت:

( وقرأت كتاب الغدير للشيخ الأميني وأعدته ثلاث مرّات لما فيه من حقائق دامغة واضحة جليّة، وقرأت كتاب فدك في التاريخ للسيد محمد باقر الصّدر، وكتاب السّقيفة للشيخ محمد رضا المظفّر، وفهمت منها أسراراً غامضة اتّضحت، كما قرأت كتاب النص والاجتهاد فازددت يقيناً، ثم قرأت كتاب أبي هريرة لشرف الدين وشيخ المضيرة للشيخ محمود أبو ريّة المصري...

ثمّ قرأت كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة لأسد حيدر وعرفت الفرق بين العلم الموهوب والعلم المكسوب، عرفت الفرق بين حكمة اللَّه التي يؤتيها من يشاء وبين التطفّل على العلم والاجتهاد بالرأي الذي أبعد الأمّةَ عن روح الإسلام.

وقرأت كتباً أخرى عديدة للسيّد جعفر مرتضى‏ العاملي، والسيّد مرتضى‏ العسكري، والسيّد الخوئي والسيد الطباطبائي والشيخ محمد أمين زين الدّين وللفيروز آبادي )(٢) .

ومن الكتب الأخرى التي تأثّر بها المستبصرون كتاب (لماذا اخترت مذهب الشيعة مذهب

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ فسيروا في الأرض فانظروا: ٩٨.

(٢) محمد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ١٣٠-١٣١.


أهل البيت) تأليف محمد مرعي الانطاكي، حيث يقول عنه أحمد راسم النفيس بعد عثوره عليه في إحدى المكتبات:

( أخذت الكتاب وقرأته، تعجّبت، ثم تعجّبت كيف يمكن لعالم أزهري هو الشيخ الانطاكي مؤلّف الكتاب أن يتحوّل إلى مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام ، أرقتني هذه الفكرة آونةً، وقلت في نفسي: هذا الرجل له وجهة نظر ينبغي احترمها )(١) .

وللسيّد إدريس الحسيني مقولة تُشير إلى أن الباحث عن الحقيقة ليس بحاجة إلى قراءة كتب الشيعة من أجل الاقتناع بأحقّية مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام ، بل ان كتب أهل السنّة المعتبرة هي خير دليل على ذلك.

ويقول إدريس الحسيني في هذا المجال:

( قال لي أحد المقرّبين: من الذي شيّعك وأيّ الكتب اعتمدتها؟

قلت له: أما بالنسبة لمن شيّعني فإنّه جدّي الحسين‏عليه‌السلام ومأساته الأليمة، أمّا عن الكتب فقد شيّعني صحيحُ البخاري والصّحاحُ الأخرى!!

قال: كيف ذلك؟

قلت له: إقرأها، ولا تدع تناقضاً إلّا أحصيه، ولا (رطانة) إلّا وقِف عندها مليّاً، إذ ذاك ستجد بغيتَك )(٢) .

ويؤكّد إدريس الحسيني على هذا الأمر، قائلاً:

( ويعلم اللَّه، أنّني رسّخت قناعتي الشيعيّة من خلال مستندات أهل السنّة والجماعة أنفسهم. ومن خلال ما رزحت به من متناقضات. وكان الكتاب أحياناً يتعرّض بالشتم والسباب للشيعة، وإذا بي أزدادُ بصيرة، كما لا أخفي واقع روحي التي تمزّقت، وهي تلهث خلف المخرج من هذه التناقضات ببراءتهم.!

____________________

(١) احمد راسم النفيس/ الطريق إلى مذهب أهل البيت: ١٧-١٨.

(٢) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٦٣.


ويشهد الخالق وهو حسبي، أنّني كنت أسهر الليالي وأنا أقرأ وأدعو اللَّه أن يجد لي مخرجاً، وكان دعائي الذي يلازمني اللهمّ أرني الحقَّ حقّاً وارزقني اتّباعه، وأرني الباطلَ باطلاً وارزقني اجتنابه )(١) .

وكان السبب الذي دعا إدريس الحسيني لإتباع هذا المنهج والبحث عن الحقيقة من بطون كتب أهل السنّة هو قلّة المصادر الشيعيّة في متناول يديه.

ولهذا يقول: ( لم تكن عندي يومها المراجع الكافية لاستقصاء المذهب الشيعي )(٢) .

وهذه المشكلة ليست مشكلة إدريس الحسيني فحسب، بل هي مشكلة يعاني منها الكثير من متعطّشي التعرّف على أفكار ورؤى مدرسة أهل البيت‏عليهم‌السلام .

ولهذا يقول محمد علي المتوكّل:

( كانت المشكلة الأساسيّة التي تعترض طريقنا هي عدم وجود المصادر الشيعيّة التي اعتقدنا أنّها وحدها التي تعرض الخلافات التاريخيّة وتذكر فضائل أهل البيت وما وقع عليهم من ظلم.

وكان بين أيدينا مجموعة من الكتيّبات الصغيرة ذات الطابع الثقافي تزودنا بها مؤسّسة البلاغ الإيرانيّة عن طريق المراسلة، ولكنّها لم تكن تفي بالغرض إذ لا تتعرّض كثيراً للمسائل الخلافيّة.

وكان أحد أفراد مجموعتنا، وهو أوّل من طرق هذا الباب، قد اطّلع على جزء من موسوعة شيعيّة اسمها (الغدير) وذلك في المكتبة الملحقة بمسجد جامعة الخرطوم، وعندما أردنا الرجوع إليه بعد ذلك لم يكن في مكانه،! وهكذا فقدنا مصدراً أساسيّاً ونادراً كنّا في أمسّ الحاجة إليه.

____________________

(١) احمد راسم النفيس/ الطريق إلى مذهب أهل البيت: ١٧-١٨.

(٢) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٦٣.


مرّت أشهر ونحن لا نزال نراوح في أماكننا، ولا زالت رياح الشك تعصف بنا)(١) .

ولكن رغم ذلك تبقى هذه الميّزة للشيعة بأنّها قادرة على إثبات أحقّية أصول معتقداتها من كتب أهل السنّة.

ويشير معتصم سيّد أحمد إلى هذه الحقيقة التي توصّل اليها عن طريق حواره مع ابن عمّه المستبصر عبد المنعم، فيذكر في كتابه (الحقيقة الضائعة):

قال لي ابن عمّي:

( لماذا لا تبحث أنت بتأمّل وصبر؟ وخاصّة أنّ لكم مكتبة في الجامعة تفيدك في هذا الأمر كثيراً.

قلت (متعجّباً): مكتبتنا سنّية، فكيف أبحث فيها عن الشيعة؟!

قال: من دلائل صدق التشيّع أنّه يستدل على صحّته من كتب و روايات علماء السنّة فإنّ فيها ما يظهر حقّهم بأجلى الصور.

قلت: إذن مصادر الشيعة هي نفس مصادر أهل السنّة؟!

قال: لا، فإنّ للشيعة مصادر خاصّة تفوق أضعافاً مضاعفة مصادر السنّة، كلّها مرويّة عن أهل البيت‏عليهم‌السلام عن رسول اللَّه‏صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكنّهم لا يحتجّون على أهل السنّة بروايات مصادرهم، لأنّها غير ملزمة لهم فلابدّ أن يحتجّوا عليهم بما يثقون به، أيّ ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم.

سرّني كلامه وزاد تفاعلي للبحث، قلت له: إذن كيف أبدأ؟

قال: هل يوجد في مكتبتكم صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند أحمد والترمذي والنسائي؟

قلت: نعم، عندنا قسم ضخم لمصادر الحديث.

قال: من هذه ابدأ، ثمّ تأتي بعد ذلك التفاسير وكتب التاريخ، فان في هذه الكتب

____________________

(١) محمد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٣٥.


أحاديث دالّة على وجوب اتباع مدرسة أهل البيت.

وبدأ يسرد لي أمثلة منها، مع ذكر المصدر ورقم المجلّد والصفحة..

توقّفت حائراً أستمع إلى هذه الأحاديث التي لم أسمع بها من قبل مما جعلني أشك في أنّها موجودة في كتب السنة.. ولكن سرعان ما قطع عنّي هذا الشك، بقوله: سجّل هذه الأحاديث عندك، ثمّ ابحثها في المكتبة ونلتقي يوم الخميس القادم بإذن اللَّه )(١)

ويضيف معتصم سيّد أحمد:

( بعد مراجعة تلك الأحاديث في البخاري ومسلم والترمذي.. في مكتبة جامعتنا، تأكّد لي صدق مقالته، وفوجئت بأحاديث أخرى أكثر منها دلالة على وجوب اتّباع أهل البيت، مما جعلني أعيش في حالة من الصدمة..

لمَ لم نسمع بهذه الأحاديث من قبل؟!

فعرضتها على بعض زملائي في الكلّية حتى يشاركونني في هذه الأزمة، فتفاعل البعض ولم يكترث لها البعض الآخر، ولكنّني صمّمت على مواصلة البحث ولو كلّفني ذلك كل عمري.. وعندما جاء يوم الخميس، انطلقت لعبد المنعم... فاستقبلني بكلّ ترحاب وهدوء وقال: يجب عليك ألّا تتعجّل، وأن تواصل البحث بكلّ وعي )(٢)

ثمّ يذكر معتصم سيّد أحمد: وبهذه الصورة وبمزيد من البحث انكشفت أمامي كثير من الحقائق لم أكن اتوقّعها.

دوافع عامّة محفّزة على الاستبصار:

إنّ من أهم التساؤلات التي تدفع الباحث السنّي إلى دراسة مذهب التشيّع ومن ثمّ الالتحاق به، هي الاستفسار حول أسباب، إهمال النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله لمسؤوليّة الخلافة من بعده

____________________

(١) معتصم سيّد أحمد / الحقيقة الضائعة: ١٩.

(٢) المصدر السابق: ٢٠.


كما يذهب إليه المذهب السنّي، فينتهي به البحث إلى عدم، إهمال الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله لهذا الأمر على ضوء مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام .

ويشير محمّد عبد الحفيظ إلى هذا الأمر بعد ذكره اهتمام أبي بكر وعمر بأمر قيادة الأمّة بعدهما:

( إنّ الخلافة قيادة تتعلّق بها مصالح الإسلام والمسلمين، ولا يصلح أن يسكت عنها... لأنّ عامّة الناس لا يعرفون المؤهّلات المعتبرة عندهم، وإنّما يعرفها مَن سبقت له نفس المسؤوليّة.

فإذا كان الخليفتان يهتمّان بهذه الدرجة بمصلحة الإسلام والمسلمين، أيصح أن يهمل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هذه المسؤوليّة؟ وهو الذي إذا خرج من المدينة - عاصمته - أمّر عليها أميراً، وإذا أرسل جيشاً جعل عليه قائداً )(١) .

هذا من جهة، ومن جهة أخرى يشير صالح الورداني بصورة مفصّلة إلى مجموعة دوافع دفعته إلى الاستبصار، ويمكننا أن نقول بأن هذه الدوافع عامّة لها مدخليّة في تخلّي الكثير من أهل السنّة عن مذهبهم وانجذابهم نحو مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام .

وهذه الدوافع كما يذكرها صالح الورداني هي:

( هناك عدّة عوامل جذبتني لخط آل البيت وللاطروحة الشيعيّة.

وهذه العوامل منها ما يتعلّق بالأطروحة السنّية..

ومنها ما يتعلّق بالواقع الإسلامي..

ومنها ما يتعلّق بشخصي..

ومنها ما يتعلّق بالأطروحة الشيعيّة..

أمّا ما يتعلّق بالأطروحة السنّية فهو ما قد بيّناه من أن هذه الأطروحة إنّما هي وليدة السياسة وتقديم فقه الرّجال على فقه النّصوص، وهذا الخلل الحقيقي فيها والذي

____________________

(١) محمّد عبد الحفيظ/ لماذا أنا جعفري: ٥٨.


يتجنّب القوم علاجه.

وأمّا ما يتعلّق بالواقع الإسلامي فهو يتمثّل في تلك التجربة الطويلة التي عشتها مع التيّارات الإسلاميّة ولمست فيها عن قرب مدى المأزق الفكري والحركي الذي تعيشه هذه التيّارات بسبب هذه الأطروحة، وبالنسبة لشخصي فقد عشتُ فترتي السنّية رافعاً شعار العقل فلم أجد لي مكاناً بين القوم ولاحقتني الإشاعات والاتّهامات، وأدركت فيما بعد أنّ استخدام العقل عند القوم يعني الزندقة والضلال، ولقد كنت أدرك جيّداً أنّ التنازل عن العقل يعني الذوبان في الماضي، وبالتّالي يصبح المرء بلا شخصيّة يواجه بها الواقع... )(١) .

ويضيف صالح الورداني:

( إنّ التسلّح بالعقل سوف يمنح المرء القدرة على الاختيار، ومن ثمّ فقد كان تسلّحي بالعقل العامل الأساس في دفعي نحو خطّ آل البيت واختياره. ولم يكن هذا ليُتمّ لولا تسلّحي بالعقل الذي أعانني على تحطيم الأغلال التي كان يكبلني بها الخطُّ السنّي...

أمّا ما جذبني لخط آل البيت ودفعني نحو التشيّع فيما يتعلّق بالأطروحة الشيعيّة فهو ما يلي:

١ - القرآن والعقل:

إنّ تحكيم القرآن والعقل في دائرة الأطروحة الشيعيّة قد منحها القدرة على تجديد محتوياتها ومواكبة الواقع والمتغيّرات. بينما بقيت الأطروحة السنّية جامدة منغلقة لرفضها الخضوع لحكم القرآن والعقل مما ولّد قداسة غير مباشرة لجميع محتوياتها وفي مقدّمتها كتب الأحاديث خاصّة كتابا البخاري ومسلم اللذان حظيا بقداسة خاصّة من دون الكتب الأخرى...

____________________

(١) صالح الورداني/ الخدعة: ١٤٥.


٢. الإمام علي:

لفت نظري أثناء قراءتي لكتب التراث السنّي قول ابن حنبل: أنّ عليّاً كثير الأعداء ففتّش أعداءه له عيباً فلم يجدوا، فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطّروه كيداً منهم لعلي.فهذا القول يلخّص حركة التاريخ الخاص بالصّراع بين آل البيت والقوى المتربّصة بهم )(١) .

ويضيف صالح الورداني:

( إنّ القوم قد تآمروا على الإمام من بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ هذا التآمر قد اضطرّهم إلى تحريف النّصوص الواردة فيه وفي آل البيت وطمس معالمها بل واختراع نصوص تناقضها..

إلّا أنّ القوم على الرّغم من موقفهم هذا نطق لسانهم بما يفيد الشبهة فيهم.

فقد لاحظت أنّهم يطلقون لفظة (إمام) على عليّ وحده من دون بقيّة الصحابة، ثمّ أنّهم يدّعون أن الإمام عليّاً قام بتحريق أناس قالوا بإلوهية.

وكنت كلّما مررت على هذين الأمرين تساءلت:

لماذا يطلق القوم هذه اللفظة على الإمام خاصّة.

ولماذا قال هؤلاء بإلوهية الإمام دون غيره؟..

إنّ الإجابة على هذين السؤالين قد كلّفتني الكثير من الوقت في البحث والتأمل حتى اهتديت أن هناك من النصوص ما يعطي للإمام عليّ خاصّية ترفعه فوق الجميع.

وإنّ هذه الخاصّية كان يتنزل بها القرآن ويبشّر بها الرّسول.

وهذه الخاصّية هي الطهارة من الرّجس لتسلّم مهمّة الإمامة من بعد الرّسول.

وهذا هو ما توارثه القوم عن عليّ وحجبته السياسيّة، وما بقي منه سوى وصفه له بالإمام.

وهذا هو ما دفع بالبعض للقول بإلوهيته لما يرون من تحقّق المعجزات على يديه

____________________

(١) المصدر السابق: ١٤٦-١٤٨.


إنْ سلّمنا بصحّة هذه الرواية..

إنّ القوم لم يخبرونا لماذا أُلّه علي؟

فهم على الرّغم من تبنّيهم هذه الرواية لا يقصدون من ورائها سوى الطعن في شيعة الإمام ونبذ أيّ تصوّر يطرأ على ذهن المُسلم حول خصوصيّته، وكانّهم يريدون أن يثبتوا من وراء هذه الرواية أنّ الإمام كان يبارك الخطّ السائد، وأنّ من حاول الانشقاق عن هذا الخط ومنحه خصوصيّة تمّيزه عن القوم فقد أحرقه بيده.

فدعوى إلوهية الإمام قضى عليها في مهدها على يده، ولم تظهر بعدها أيّة دعاوي أخرى لتمييز الإمام، أما الشيعة هؤلاء ففرقة مختلقة لا أصل لها ويقف من ورائها أعداء الإسلام..

ثمّ أنّ القوم بعد هذا لا يذكرون الإمام إلّا ويقولون كرّم اللَّه وجهه.

وعند ما سألت عن معنى هذه الكلمة قالوا:

إنّه لم يسجد لصنم بينما جميع الصحابة قد وقعوا في هذا.

فقلت في نفسي إنّ هذه الخاصيّة التي جاءت على لسان القوم إنّما تؤكّد مكانة الإمام وموقعه الشرعي كما أكّدته رواية ادّعاء إلوهيته ونَعتهم له بالإمام..

لقد استفزّتني كثيراً تلك المكانة المتواضعة جدّاً التي يضع أهل السنّة فيها الإمام علياً.

واستفزّني تقديم عثمان عليه، على الرغم من أفاعيله ومنكراته..

واستفزّني مساواته بمعاوية الطليق الذي لا وزن له..

واستفزّني ما يلصقون به من صغائر وموبقات..

وكان هذا كلّه مبرّرا للنفور من فقه القوم وأطروحتهم والبحث عن الحقيقة في دائرة الأطروحات الأخرى حتى اهتديت للأطروحة الشيعيّة ووجدت فيها ما أراح عقلي وطمأن نفسي بخصوص الإمام علي‏عليه‌السلام ..

وجدت فيها مكانته وخصوصيّته..

ووجدت فيها علمه الذي دثره القوم..


وجدت عليّاً الإمام المعصوم وهي الصّفة التي تعكس خصوصيّته وتمييزه والتي فُسّرت على ضوئها جميع الأمور التي استشكلت عليَّ في فقه القوم حول الموقف من الإمام..

فسّرت لماذا يقولون عنه إمام..؟

ولماذا يقولون كرّم اللَّه وجهه..؟

ولماذا حاول تأليهه البعض..؟

إنّ مكانة الإمام كانت ساطعة سطوع الشّمس، بحيث لم يتمكّن القوم من حَجبها عن أعين المسلمين بتأويلاتهم وتبريراتهم.

وقد كنت واحداً من هؤلاء الّذين سطعت عليهم شمس الحقيقة، فأضاءت لي الطريق نحو الصراط المستقيم خط آل البيت، محطّماً من طريقي جميع القواعد والأغلال التي صنعها القوم لتكبيل العقل وحجب الحقائق.

٣ - الاجتهاد:

وما لفت نظري في الطرح الشيعي أيضاً قضيّة فتح باب الاجتهاد الذي ضلّ مغلقاً منذ قرون طويلة لدى الطرف الآخر ولا يزال..

وتميّزت المؤسّسة الدينيّة المعاصرة عند الشيعة بوجود عدد من المجتهدين البارزين الذين اجتهدوا في كثير من القضايا الملحّة والعاجلة، والتي لازال يتخبّط فيها الطّرف السنّي

ومن الطريف أنّ هذا التقليد إنّما هو مرتبط بحياة المجتهد، فإذا مات فعلى المقلّد أن ينتقل لتقليد الأعلم من بين المجتهدين الأحياء.

وهذا يعني ارتباط المقلّد بقضاياه المعاشة والمعاصرة، ويجعل نظرته على الدوام نحو اليوم والغد.

فتقليد الميّت يعني التحجّر على خط ثابت ويورث الانغلاق والتعصّب، وهو مانراه واقعاً عند الطرف السنّي الذي لازال يعيش على استفتاء أهل القبور.


ومن أهمّ نتائج فتح باب الاجتهاد عند الشّيعة المرونة في مواجهة الواقع والارتباط به، فلم أجد عند الشيعة تلك القضايا الهامشيّة والسطحيّة التي ينشغل بها الواقع السنّي...

٤ - المؤسّسة الدينيّة:

وما يميّز المؤسّسة الدينيّة عند الشيعة هو استقلالها عن الحكّام وبُعدها عن سيطرتهم مماأكسبها مواقف سياسيّة شجاعة أسهمت في إحداث تغييرات فعّالة في مجتمعاتها.

وهذه الاستقلاليّة إنّما يعود سببها إلى ارتباط المؤسّسة الدينيّة بالشارع والجماهير التي تدين لها بالطاعة والولاء وتسلّمها أموالها وتذعن لأحكامها.

إنّ رجال الدّين عند الشيعة إنّما يتقاضون أجورهم من الجماهير لأمن الدّولة.

فمن ثمّ فإن المؤسّسة الدينيّة إنّما تعتمد على الجماهير وتعبّر عنهم ولا تخشى الحاكم لكونه لا سلطان له عليها...

وحال المؤسّسة الدينيّة عند السنّة على العكس من ذلك.

وهي مؤسّسة مرتبطة بالحكّام وواقعة في دائرة نفوذهم ويتقاضى منهم الفقهاء أجورهم.

فمن ثمّ فإنّ ولاءهم يتّجه على الدوام نحو الحاكم وليس نحو الجماهير، وفتاواهم إنّما تصدر لحساب الحاكم لا لحساب الجماهير.. وهذا ما دفع بالجماعات الإسلاميّة وتيّارات الحركة الإسلاميّة المختلفة إلى نبذ المؤسّسة الدينيّة باعتبارها مؤسّسة حكوميّة في خدمة الحاكم لا في خدمة الإسلام..

ومن هنا فإنّ المؤسّسة الدينيّة السنّية تعيش مأزقاً خطيراً يهدّد وجودها ومستقبلها، فهي قد فقدت ثقة الجماهير المسلمة والتيّارات الإسلاميّة بها من جهة. ومن جهة أخرى فقدت القدرة على المبادرة وهي أسيرة الحكم وأسيرة فقه الماضي..)(١) .

____________________

(١) المصدر السابق: ١٤٨-١٥٣.



الفصل الثالث

موانع الاستبصار


إن العملية العقلية التي يمكنها الوصول إلى معرفة لحق هي العقليّة السليمة التي تستطيع بسهولة أنْ تقوم بعمليّة النظر والتأمّل وفق المنهج الفكري السليم، وتستطيع أن تحكم خلال تقييمها للأمور والقضايا حكماً قوامه الصدق والعدل.

ومن أكبر الموانع التي تردع الإنسان عن الوصول إلى الحقّ هي اضطراب الميزان الذي يَزن به القضايا ويقيّم به الأمور، لأنّ هذا المانع يدفع الإنسان إلى إدراك الحقيقة بصورة ناقصة ومن دون استيعاب كل عناصرها وأجزائها وصفاتها، ومن هنا تلتبس الأمور على الإنسان.

كما أنّ الاضطراب في ميزان تقييم الأمور والقضايا يدفع الباحث إلى الانسياق مع التعميم الفاسد الذي يؤدّي إلى تشويه صورة الحقيقة عند الباحث واختلاط الحقّ بالباطل في قرارة نفسه.

ومن أضرار التعميم الفاسد أن يحكم المرء على الكلّ بسبب الحكم على البعض، ومثال ذلك أّنه يرى بعض ما عليه مذهبه حقّاً، فيقبل المذهب كلّه، ويرى - حسب وجهة نظره - بعض ما عليه المذهب المخالف باطلاً، فيرفض ذلك المذهب كلّه دون فحص ولا تمييز.

ولكنّ الباحث الواعي والطالب للحقّ ينبغي أن يجزّئ دائماً عناصر المذهب الذي يودّ البحث حوله، وعليه أن يفحص كل جزء فيه فحصاً مستقلّاً، ليصل بالأدلّة إلى الحكم الصحيح المرتبط بذلك الجزء، ثمّ يقوم بفحص الجزء الآخر حتى يصل


إلى الصورة الكاملة في تقييمه لذلك المذهب، وإلّا فلا يصحّ أن يعطي الباحث حكماً عامّاً بصحّة المذهب الذي هو عليه مجرّد أنّه تحقّق من صحّة بعض مسائل أو قضايا أو مقولات ذلك المذهب، كما لا يصح عكس ذلك أيضاً، لأنّ هذا الأمر يدفع الباحث إلى التعصّب والجهل وعدم البصيرة.

والأمر الجدير بالذكر هنا هو أنّ البحث في معتقدات مذهب معيّن لا يشبه البحث في القوانين الطبيعيّة، فلهذا لا يحقّ للباحث عبر الاستقراء الناقص والملاحظة المتكرّرة أن يعمّم ما توصّل إليه من صفات على نوعه وفصيلته، ليصل إلى نظريّة ظنيّة مقبولة وصالحة للعمل.

لأنّ كل مذهب متشكّل من عقائد مختلفة، وكل واحد من هذه العقائد تستمد وجودها من أدلّة مغايرة للأدلّة التي تستمد المفردة العقائديّة الأخرى وجودها منه.

فلهذا ينبغي للباحث الذي يبتغي تقييم مذهب معيّن، أن يقوم بتجزّئة عقائد ذلك المذهب، وأنْ يقوم بعدها بالبحث في كل مفردة عقائديّة من مفردات ذلك المذهب، ليصل بعد ذلك إلى الحكم الذي يستمد وجوده من الأدلّة والبراهين، كما عليه أن يبادر إلى فحص باقي عقائد ذلك المذهب ليقوم بتقييمها والتثبّت من صحّتها أو سقمها حتى يستوفي كل عقائد ذلك المذهب.

والجدير بالانتباه أنّ الباحث ينبغي أنْ لا يغترّ بكثرة عناصر الصواب الموجودة في مذهبه، لأنّ مذهبه قد يحتوي على عقيدة أساسيّة باطلة وفاسدة تكون بمثابة السمّ القاتل في الطعام. ولا يخفى على أحد أن السمّ القاتل على رغم قلّته يكفي لإفساد كميّة كبيرة من الغذاء الطيّب والنافع.

وهذا ما يحّتم على كلّ باحث يستهدف معرفة الحقّ أن يقوم بغربلة معتقداته المذهبيّة، ليصل إلى القناعات التي لا تتضمّن الأفكار السامّة والرؤى الفاسدة.


أسباب الحرمان من إدراك الحقيقة:

إنّ الحرمان من الإحاطة بالحقيقة:

١ - إمّا أن يكون نتيجة أسباب داخليّة مرتبطة بذات الإنسان من قبيل ضعف أداة الإدراك أو التلبّس بالوهم الناشئ‏ من عدم الاتّزان الفكري أو التأثّر بسوابق الأفكار أو الانقياد للمؤثّرات النفسيّة الوراثيّة التي تتّبعها ردود أفعال فكريّة غير مدروسة أو الابتلاء بالرذائل النفسيّة التي تحجب بصيرة الإنسان عن إدراك الحقيقة، وهي أسباب ينبغي للمرء أن يقوم بإزالتها عن نفسه.

٢ - وإمّا أن يكون نتيجة أسباب خارجيّة يقوم بها الآخرون، فتكون النتيجة حرمان غيرهم من إدراك الحقيقة من قبيل التحريف والتعتيم والشبهات التي يلقيها البعض ليصرفوا وجوه الناس عن التوجّه إلى الحق.

وهذا هو الجانب الذي نودّ الإشارة إليه في البحوث القادمة.

السبب الأوّل:

التحريف‏

إنّ الطامّة الكبرى التي شهدها الإسلام بعد أن التحق رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالرفيق الأعلى وإلى يومنا هذا أنّه ابتلي بأيدٍ قامت من أجل الوصول إلى مآربها الشخصيّة بطمس بعض معالمه و تغيير جملة من شرائعه والتلاعب ببعض مفاهيمه.

وقد حاولت هذه الأيادي الأثيمة بشتى الطرق أن تكتم الحقَّ أو تخفيه أو تلبسه


بالباطل بحيث لا يتميّز أحدهما عن الآخر.

كما أنّها حاولت أن تُحرّف الكَلِم عن مواضعه وأن تتلاعب بالنصوص عن طريق التحريف في بنية الكلمة أو الزيادة في النصّ أو النقص منه أو بتره أو التلفيق أو التصرّف فيه بالتقديم والتأخير لا على سياق قائِلِه لتصل عبر إخراج النصّ عن معناه الحقيقي إلى المقصود المنسجم مع مآربها الشخصيّة.

وفي هذا الخضم كم من حقائق أخفيت، وكم من سيرٍ نقيّة شوّهت، وكم من سيرٍ مدنسة ألبست لباساً يضفى عليها هالة من العظمة والقداسة.

ولهذا ذهب الكثير ضحيّة الإعلام المغرض الذي حاول أنْ يصوّر الإسلام بالصورة الملائمة مع أغراضه وميوله ومصالحه الشخصيّة.

وهذا ما يبيّن مدى الصعوبة التي واجهها المستبصر في محاولة تصدّيه للبحث عن الحقيقة الموضوعيّة ضمن هذا الكم الهائل من التحريف والتزوير الذي أحدث خلال مسيرة التاريخ الإسلامي.

ويشير ياسين البدراني إلى هذه الحقيقة في كتابه (يا ليت قومي يعلمون)، قائلاً:

( إنّ الكثير من الأحاديث وُضعت لكي ترفع مكانة شخصيّات خسيسة منحطّة، ولكي تطمس معالم شخصيّات أخرى خصّها اللَّه بالفضل والهدى والعلم والحلم والفصاحة والتقى فكانوا للعباد مناراً وهدى.

لكنّ الحكّام المتسلّطين من بني أميّة وبني العبّاس جاؤوا بما لا يرضى اللَّه وافتعلوا الأكاذيب والأباطيل.

ونحن لا نريد من الأخ القارئ إلّا أن لا يُخدع بباطلهم، وأن لا يبقى معصوب العينين ضيّق النظر، منقاداً لمنطق العاطفة، بل نريد له أن يكون حرّ الإرادة في مطالعاته وفهمه وأن يحكم بالانصاف على ما يقرأ )(١) .

____________________

(١) ياسين المعيوف البدراني/ ياليت قومي يعلمون: ٦٤.


إذن فالمطلوب من الباحث الذي يودّ قراءة كتب السّلف أن يعي ما فعلته هذه السلطات الحاكمة، لئلّا يكون ضحيّة الروايات المحرّفة التي دسّتها هذه الأيدي الأثيمة بغية الوصول إلى مآربها الدنيويّة.

وهذا ما قام به المستبصرون، فإنّهم حين بحثهم عن الحقّ حاولوا أن يزيلوا الغشاوة التي وضعتها يدُ التحريف ورجال الكذب والدجل على بصائرهم، واجتهدوا أن يبدّدوا الضباب أو الغبار الذي أثاره البعض لتشويه صورة الحقيقة، وحاولوا أن يتجنّبوا التأثّر بالخرافات التي تسبح في المتاهات والظنون، والتي تأخذ بيد العقل ليسبح معها في عالم الأوهام.

وكانت النتيجة أن وصل هؤلاء إلى ما يبتغوه، لأنّ المغرضين على رغم محاولاتهم الحثيثة لتزييف الحقائق وتغيير وجه الحقيقة عن طريق شعاراتهم الفارغة والفاظهم المُنمّقة وسلوكهم الطرق الملتوية، فإنّ دين اللَّه تعالى يعلو ولا يُعلى عليه.

فلهذا باءت محاولاتهم بالفشل، ويشهد الجميع في عالمنا المعاصر ازدهار شأن اهل البيت ‏عليهم‌السلام يوماً بعد آخر وانتشاره في جميع ربوع العالم.

التحريف في عالمنا المعاصر:

إنّ التحريف الذي قام به بعض القدماء قد وجد - للأسف - في عالمنا المعاصر بعض الأجواء المناسبة التي تمدّه بما يكفل له البقاء.

ومن أهمّ أسباب بقاء التحريف هو أنّ جملة من أبناء مجتمعاتنا الإسلاميّة المعاصرة ألفوا التزييف الذي سنّته الحكومات الجائرة السابقة عن طريق وعّاظ السلاطين والأقلام المرتزقة، ولم يحاولوا التثبّت من صحّة ما ذهب إليه من قبلهم، بل تلقّوا آراء السابقين كثوابت لا يصح غربلتها أو التشكيك في صحّتها.

ومن هذا المنطلق بقي التحريف مترسّخاً في أوساط المجتمع لايستطيع أحد أن يزيله سوى العلماء، ولكنّ الكثير من العلماء أيضا - للاسف - كما يذكر عنهم ياسين


المعيوف البدراني في كتابه (ياليت قومي يعلمون)، قائلاً:

( تعوّدت بعض الأقلام المأجورة واستمرّت أن تعيش في النفاق وعلى النفاق مقدّمة نتاجها الفكري للمجتمع الذي تعيش فيه مزيفاً ومغلوطاً، وذلك بدافع من مصلحة دنيويّة تافهة )(١) .

ويقول التيجاني السماوي أيضاً في هذا المجال: ( واكتشفت أيضاً أن العديد من العلماء، عندما تواجههم الحقيقة المرّة المؤلمة، يبحثون عن بعض التأويلات والمخارج التي هي في الحقيقة، مبكية ومضحكة في الوقت نفسه )(٢) .

ويقول إدريس الحسيني:

( ...أليس هذا هو التجهيل؟ اءنّهم يكتبون للامّيين والمغّفلين! لذلك تراهم لا يتورّعون عن التلفيق! )(٣) .

ويشير صالح الورداني إلى هذه الحقيقة أيضاً قائلاً:

( إنّ منهج التأويل والتبرير هو الأساس الذي بني عليه منهاج القوم وعقائدهم ولم يكن مجرّد طرح عابر في مذهبهم وإنّما كان سلاحهم الذي يشهرونه في وجه خصومهم وفي وجه المسلمين الذين ينتابهم الريب في رواياتهم ومواقفهم وأحداث التاريخ بوجه عام.. وعقيدة تقوم على التبرير والتأويل عقيدة واهية مهزوزة لابدّ للعقل من أن يلفظها يوماً )(٤) .

ومن جهة أخرى أيضاً فإنّ الكثير من الأعلام والمشايخ لم يتحلّوا بالأمانة العلميّة في نقلهم المعارف الدينيّة إلى الآخرين، ولم يلتزموا بالورع خلال نظرهم في الاستدلال والمعاني، لأن أمثال هؤلاء - في الواقع - لم يطلبوا العلم من أجل التحلّي

____________________

(١) المصدر السابق: ٦٩.

(٢) محمد التيجاني السماوي/ اعرف الحق: ١٤.

(٣) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٢٦.

(٤) صالح الورداني/ الخدعة: ٦٩.


بالفضيلة، أو من أجل إفادة الناس بما عرفوا من الحكمة، بل طلبوه ليكون لهم جسراً يصلوا من خلاله إلى مطامعهم الدنيويّة.

ولهذا انعدمت الأمانة في نفوس هؤلاء، وغدوا لايتحرّجون من رواية مالم يسمعوا أو ذكر ما لم يعلموا.

وهذا ما دعى العلماء إلى تشييد علم الرجال وإجراء الجرح والتعديل، ليكون الباحث على بصيرة من أمره، ولئلّا تخفى عليه منزلة من يروي له الحقائق.

وأضف إلى مسألة عدم تحلّي بعض العلماء بالأمانة العلميّة، أنّ الكثير من الباحثين يواجهون في زماننا استنكاف بعض العلماء من الاعتراف بعدم العلم إذا سُئِلوا عن شي‏ء لا يعلموه.

وذلك لأنّ هؤلاء يرون أن الإذعان بعدم المعرفة يذهب بشي من احترام المقابل لهم، فيدفعهم هذا الأمر إلى الإجابة وفق ما تملي عليهم أهواؤهم واستنباط الإجابة من عالم الأوهام، ليفهموا السائل بأنّه ممن لا يخفى عليهم شي‏ء!

في حين أنّ الواقع يحتّم على العالم الورع والمتّقي إذا سُئل عما لا يعلم أنْ لايجد في صدره حرجاً أن يقول (لا أعلم)، وعليه أن لا يستنكف ولا يبالي بما يكون لموقفه الصحيح من أثر في نفوس سائليه.

بل لو يتأمّل الإنسان الواعي في هذا الموقف يرى أنّ العالم إذا سُئل عما لا يعلم، فاعترف بعدم علمه، فإنّه وان لم يمنح السائل جواب ما سأل، لكنّه يعطيه درساً أخلاقيّاً مفاده أنّ المرء ينبغي أن لا يتحدّث إلّا عن بصيرة.

من جهة أخرى يشير صباح علي البياتي في هذا المجال إلى إحدى الوسائل التي يجعلها من في قلوبهم مرض وسيلة لتشويه سمعة التشيّع، قائلاً:

( أودّ أنّ أنوّه إلى أمر مهم جدّاً ألا وهو: أن الشيعة لا يعتقدون بوجود كتاب صحيح تماماً غير كتاب اللَّه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما عداه من كتب، فإنّها تحوي الصحيح وغيره مهما كانت منزلة هذه الكتب أو مصنّفيها.


وعلى هذا الأساس فإنّ وجود رواية في أيّ من كتبهم لا تعني بالضرورة أنّهم يقولون بصحّتها، وأمثال هذه الروايات موجودة فعلاً في كثير من كتب الشيعة رغم عدم اعتقادهم بصحّتها، وذلك على العكس من الإخوة من أهل السنّة الذين يضفون على بعض كتبهم - وبخاصّة التي يسمونها (الصحاح) وعلى رأسها كتابَي البخاري ومسلم - رداء القدسيّة، حتى قالوا عن صحيحي البخاري ومسلم:... أنّه لو حلف رجل بطلاق امرأته على أن كل ما في الصحيحين هو من أقوال وأفعال وتقرير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يحنث، وأن من روى له البخاري فقد جاز القنطرة(١) )(٢) .

السبب الثاني:

التعتيم‏

من الأسباب الأخرى التي توجب حرمان الباحث من معرفته للحقّ هي التعتيم الذي يحاول البعض عن طريقه أنْ يُرخي سحابه من الدخان حول بصيرة الباحثين، ليمنعوهم من الوصول إلى علوم ومعارف أهل البيت ‏عليهم‌السلام .

ويقول محمد الكثيري في هذا المجال:

( إنّ الكتاب الشيعي مُحارَب في كلّ مكان وممنوع دخوله في أغلب الدول، وقد أحاط السلفيّون والغرب الاستعماري دولة التشيّع بأسلاك شائكة من الدعايات المغرضة وتزييف الحقائق الدينيّة والسياسيّة )(٣) .

ويقول هذا المستبصر في مكان آخر من كتابه (السلفية):

( إنّ السلفيّة يحاربون الكتاب الشيعي في كل مكان، ويمنعون دخوله إلى بلدهم ويُحرّمون قراءته.

____________________

(١) مقدّمة فتح الباري: ٣٨١.

(٢) صباح علي البياتي/ لا تخونوا اللَّه والرسول: ٦٩.

(٣) محمّد الكثيري/ السلفيّة: ٧١٢.


وفي الجزائر يتعرّض أيّ شاب ملتزم للإهانة بل ربّما للضرب والمحاكمة إذا ما وُجد بحوزته كتاباً أو مجلّة شيعيّة؟

لماذا هذا الخوف من الكتاب الشيعي يا دعاة السلفيّة؟! )(١) .

ويضيف هذا المستبصر:

( ونحن نقول لدعاة السلفيّة: إذا كان ما تكتبونه عن الشيعة صحيح ويمثّل الحقيقة، فلماذا لاتفسحون المجال للكتاب الشيعي أن ينتشر؟! لأنّ ذلك سيؤكّد ما تدّعون عليهم من آراء ومعتقدات، وسيجعل أبناء الصحوة الإسلاميّة يتّخذون الموقف السليم من التشيّع...

لكنّني على يقين من أنّهم لن يفعلوا، لأنّهم يخافون من التشيّع، ومن حقائق التشيّع، لأنّ الشمس عندما تطلع وتحتل مكانها في كبد السماء، تنطفئ كل الشموع، وينعدم ضوؤها، وهذا هو حال التشيّع مع العقيدة السلفيّة.

إنّهم يتستّرون ويختفون وراء جدران صنعوها من الكذب والتلفيق، لذلك ما إن يعرف أحد أبناء الصحوة الإسلاميّة بعض الحقائق حتى ينقلب عدوّاً لدوداً للسلفيّة ولدعاة مذهب السلف، لأنّه سيكتشف إنّ غذاءه السلفي كان محشواً بالكذب وتحريف الحقائق )(٢) .

وقال التيجاني السماوي مشيراً إلى معاناته في البحث:

( ولماذا يحاول بعض العلماء حتى اليوم في عصر العلم والنور جهده تغطية الحقائق بما يختلقونه من تأويلات متكلّفة لا تسمن ولا تغني من جوع؟ )(٣) .

وأشار التيجاني السماوي أيضاً إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( إذا استثنينا بعض العلماء المعاصرين الذين أنصفوا في كتاباتهم عن الشيعة بما تفرضه عليهم الأخلاق الإسلاميّة ، فإنّ الأغلبيّة الساحقة منهم قديماً وحديثاً لازالوا

____________________

(١) المصدر السابق: ٦٧٩.

(٢) المصدر السابق: ٦٨١.

(٣) محمد التيجاني السماوي/ فسألوا أهل الذكر: ٣١٧


يكتبون عن الشيعة بعقليّة الأمويين الحاقدين، فتراهم في كل وادٍ يهيمون ويقولون ما لا يفقهون، ويسبّون ويشتمون ويتقوّلون افتراء وبهتاناً على شيعة آل البيت ما هم منه براء، ويكفّرونهم وينبذونهم بالألقاب اقتداءً بسلفهم الصالح معاوية وأضرابه، الذين استولوا على الخلافة الإسلاميّة بالقوّة والقهر والمكر والدهاء والخيانة والنفاق.

فمرّة يكتبون بأنّ الشيعة هي فرقة من تأسيس عبد اللَّه بن سبأ اليهودي، ومرّة يكتبون بأنّهم من أصل المجوس، وانّهم روافض قبّحهم اللَّه، وأنّهم أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى.

ومرة يكتبون بأنّهم منافقون لأنّهم يعملون بالتّقيّة، وأنّهم إباحيّون يبيحون نكاح المحارم ويحلّلون المتعة وهي زنا، والبعض يكتب بأنّ لهم قرآناً غير قرآننا، وأنّهم يعبدون عليّاً والأئمّة من بنيه ويبغضون محمّداً وجبريل وأنّهم وأنّهم...

ولا يمرّ عاماً إلّا ويطلع علينا كتاب أو مجموعة كتب من أولئك العلماء الّذين يتزعّمون (أهل السنة والجماعة) بزعمهم وكلّه تكفير واستهانة بالشيعة.

وليس لهم في ذلك مبرّر ولا دافع إلّا ارضاء أسيادهم الّذين لهم مصلحة في تمزيق الأمّة وتفريقها والعمل على ابادتنا.

كما ليس لهم فيما يكتبون من حجّة ولا دليل سوى التعصّب الأعمى والحقد الدفين والجهل المقيت، وتقليد السلف بدون تمحيص ولا بحث ولابيّنة، فهم كالببّغاء يعيدون ما يسمعون ويستنسخون ما كتبه النواصب من أذناب الأمويين، والذين لايزالون يعيشون على مدح وتمجيد يزيد بن معاوية.

وبما أنّهم أتباع السنّة الأمويّة والقريشيّة فهم يتكلّمون ويكتبون بالعقليّة الجاهليّة والأفكار القبليّة والنعرات العنصريّة، فالشي‏ء من مأتاه لا يستغرب، وكلّ إناء بالذي فيه ينضحُ )(١) .

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ الشيعة هم أهلُ السنّة: ٦٣-٦٤.


وقال حسين على آل رجاء:

( إنّ الشعب العامي المسلم مظلوم حيث يحال بينه وبين العلوم الحقيقيّة المتمثّلة بعلوم آل البيت عليهم الصّلاة والسلام )(١) .

وأشار الهاشمي بن علي إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( طبعاً مازلت أقول أنّ هناك الملايين من المسلمين وغيرهم ممّن لهم طينة صالحة ولكن لم يصل إليهم هذا المذهب. ( فإنّ النّاس لو عرفوا محاسِن كلامنا لاتّبعونا )) كما ورد عن الإمام المعصومعليه‌السلام )(٢) .

وقال أسعد وحيد القاسم حول معاناته في هذا المجال:

( وكلّما كنت أقرأ كتباً إضافيّة حول هذا الموضوع، فإنّ الحقيقة كانت تبدو لي أكثر وضوحاً حتى ظهرت لي في النهاية بأجلى صورها وبما لا يقبل أيّ شك.

إلّا ان السؤال الذي أخذ يراودني دائماً يدور حول سبب إخفاء كثير من الحوادث التّاريخيّة وأحاديث الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله عنّا بالرغم من توثيقها في المصادر المعتبرة عند أهل السنّة، والتي من شأنها توضيح الكثير من الغموض الذي رافق مسألة الخلاف بين السنّة والشيعة على مرّ القرون الماضية.

فهل إخفاء الحقائق أو التعتيم والتشويش عليها يُقبل مبرّراً لمنع الفتنة كما يزعمون؟

أليست الفتنة كلّها بإخفاء الحقائق وتزييفها؟ )(٣) .

وذكر محمد كوزل الحسن الآمدي في هذا المجال:

( وقفت على نصوص كثيرة واردة في الكتاب والسنّة معلنة بخلافة أمير المؤمنين والأئمة المعصومين من ذريّته ‏عليهم‌السلام آمرة بالاقتداء بهم والسير على نهجهم، وناهية عن مخالفتهم ومعاداتهم، وتواترت بذلك الأخبار من كتب السنّة والشيعة. وإنْ كانت

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد: صفر (التجريبي)

(٢) جريدة المبلّغ الرسالي: ٢٧ صفر ١٤١٩ه.

(٣) أسعد وحيد القاسم/ حقيقة الشيعة الاثنى‏ عشريّة: ١٥.


سلطات الجور سعت وصرفت قصارى جهدها لاخفاء تلك النصوص وكتمانها، وعذّبت وسجنت مَن أفشاها ونشرها، وبذلت أموالاً كثيرة وجوائز نفيسة لمن وضع مخالفها ومناقضها على لسان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ورغم كلّ ذلك فقد أنعم اللَّه على هذه الأمّة أن حفظ لهم مقداراً كثيراً من تلك النصوص كي يكون كافياً( لِمَن كانَ لَهُ قَلبٌ أو أَلقى‏ السَّمعَ وهوَ شهيدٌ ) ، ويكون حجّة على من ألقى العذر وهو عنيد )(١) .

السبب الثالث:

الشبهات‏

الشكوك البنّاءة:

يشعر الإنسان بعد بلوغه مرحلة النضج أنّه بحاجة إلى البحث والتحقيق من أجل الحصول على المعرفة النقيّة التي يمكن أن يطمئنّ بها.

ومن هنا تتبلور في ذهن الإنسان شكوك وشبهات حول صحّة المعتقدات التي ينتمي إليها.

وهذه الشكوك والشبهات والتساؤلات العقائديّة التي تمور في دواخل الفرد تعتبر شكوكاً بنّاءة، وهي أمر طبيعي، لأنّها تنتج من عدم المعرفة، وتثير في نفس الإنسان جملة من المشاعر التي تبعث فيه النشاط والحيويّة من أجل طلب العلم والتثبّت في أموره العقائديّة.

وعلى الباحث في هذه الحالة أن يتريّث عن لا يسارع إلى تكذيب القضايا التي تثار حولها الشكوك في ذهنه، وعليه أن يقوم بالبحث والتحقيق بكامل الحيطة والحذر لينتهي إلى النتيجة اليقينيّة.

____________________

(١) محمد كوزل الحسن الآمدي/ الهجرة إلى الثقلين: ٢٠٤.


الشكوك الهدّامة:

الشكوك والشبهات الهدّامة والمخرّبة تختلف عن الشبهات التي تثار في ذهن الباحث بشكل طبيعي، بل هي أفكار يتعمّد المغرضون انشاءها وإثارتها عن طريق تزيين الباطل وتزييف الحق أو خلط الحق بالباطل أو غير ذلك من الأساليب الملتوية من أجل حرمان الآخرين من معرفة الحق.

وأكثر من يثير هذه الشبهات هم الّذين يضرّهم اتّجاه الآخرين نحو الحق، فيتوسّلون بكلّ ما في أيديهم من تمويه وخداع ليبقوا الناس في الدوائر التي تخدم مصالحهم ومطامعهم الشخصيّة.

ويحاول هؤلاء أن تعيش الأمّة في تيه وحيرة وظَلام وعدم يقين واضح في أمر العقيدة، لتتاح لهم في وسط هذا العماء الطاغي وهذا التيه المضل فرصة الاستغلال والوصول إلى مآربهم الشخصيّة والاصطياد بالماء العكر.

ويشير سعيد أيّوب إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( وعلى امتداد المسيرة البشريّة لم تكف أجهزة الصدّ عن سبيل اللَّه عن وضع العوائق أمام طائفة الحقّ )(٢٢٣) .

ويقول هشام آل قطيط:

( كثير من الحقائق والمسلّمات تستحيل إلى خرافة و وَهمٍ حين يستفرغ المرء وسعه، ويسلخ بعض الوقت في التنقيب عن جذور تلك الحقائق ومصدرها.

فكثيراً ما تكون العواطف والأهواء والنزعات، هي العامل الأقوى وراء شيوع قضيّة ما واستحكامها وفرض نفسها، لتشغل لها مكاناً بين الثوابت والمسلّمات.

كلّ ذلك بسبب وجود من يحرص على أنْ تأخذ قضيّة معيّنة حجماً أكبر من ذاتها ومكانة أعظم مما تستحق.

____________________

(٢٢٣) سعيد أيّوب/ الرّساليّون: ٤٨.


أضف إلى ذلك فقدان المقياس الحقيقي المستند إلى العقل، وتقييم الواقع في تحديد حجم المسائل وأعطائها الموقع المناسب )(١) .

ويستخدم هؤلاء المغرضون في سبيل بلورة شبهاتهم الكثير من السبل الملتوية، منها: استعمال الألفاظ في غير مواضعها من أجل إضاعة المعنى الحقيقي الذي يعنيه اللفظ، أو الإغارة على النصوص الدينيّة من أجل نحر معانيها الأصليّة وجعل معاني أخرى مكانها و..

ولايكون ضحيّة هذه الشكوك والشبهات إلّا أصحاب العقول التي لم يقم أصحابها بتنويرها وارتقاء مستوياتها.

ويشير التيجاني السماوي إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( فقد يَلبس الباطلُ لباسَ الحقّ للتمويه والتضليل، وقد ينجح في أغلب الأحيان لبساطة عقول الناس أو لحسن ظنّهم به، وقد ينتصر الباطلُ أحياناً لوجود أنصار مؤيّدين له، فما على الحقّ إلّا الصبر وانتظار وعد اللَّه بأنّ يزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقاً )(٢) .

ويشير ياسين المعيوف البدراني إلى هذا الأمر قائلاً:

( سيقع في الكثير من الشبهات - التي تغيّر المفاهيم الحقيقيّة لتحل محلّها مفاهيم مغلوطة تنمو في عقول البسطاء - الذين ينعقون عن جهل خلفَ كلّ ناعق ويميلون مع كلّ ريح )(٣) .

ولهذا ينبغي لكلّ انسان يودّ صيانة نفسه من التأثّر بالشكوك الهدّامة أن يوسّع دائرة معارفه بالأمور العقائديّة، ليتمكّن من الدفاع عن معتقداته، وليسعه التحصّن إزاء الوسائل التي يستخدمها المغرضون في زرع الشبهات في نفوس الآخرين، وليتمكّن

____________________

(١) هشام آل قطيط/ وقفة مع الدكتور البوطي في مسائلة: ٢٨.

(٢) محمد التيجاني السماوي/ الشيعة هم أهل السنّة: ١٢.

(٣) ياسين المعيوف البدراني/ ياليت قومي يعلمون: ٤٢.


من إزالة الالتباس الذي قد يقع فيه على حين غفلة.

كما على الباحث فيما لو أراد ان يرتقي في مجال درء الشبهات وبيان بطلانها أن يقف على المصادر التي يستقي منها أصحاب الشبهات باطلهم وصناعتهم الجدليّة، ليتمكّن من دحض حجّتها وبيان تهافتها بأفضل صورة ممكنة.

مظلوميّة مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام :

لايخفى على أحد انّ الشيعة شهدت من جميع النواحي التاريخيّة والفكريّة والاعتقاديّة الحملات المسعورة والهجمات القاسية من قبل السلطات الحاكمة ومَن تبعهم من وعّاظ السلاطين ومن لفّ حولهم.

وقد واجه التشيّع منذ نشأته المؤامرات الواسعة من أجل القضاء عليه، وقد سعت بعض السلطات الحاكمة - وعلى رأسها السلطات الأمويّة والعبّاسيّة - بكلّ ما أوتيت من قوّة إلى تحريف وتخريب أهم حصونه المنيعة وبنائه العقائدي.

ويشير التيجاني السماوي إلى هذا الأمر قائلاً:

( ومن العقائد التي يشنّع بها أهل السنّة على الشيعة ما هو من محض التّعب المقيت الذي أولده الأمويّون والعبّاسيّون في صدر الإسلام، بما كانوا يحقدون على الإمام علي ويبغضونه حتى لعنوه على المنابر أربعين عاماً )(١) .

ويشير عبد المنعم حسن أيضاً إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( إنّ الشيعة ومنذ وفاة الرّسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله عاشوا في اضطهاد وتشريد وتقتيل من قبل السلطات الجائرة التي تعاقبت، وبعد واقعة كربلاء أصبح الشيعة وحدهم المناوئين للحكّام والمتصدّين لهموم الأمّة باعتبار أنّ أئمّتهم هم الحافظون للشريعة، لذلك

____________________

(٢) محمد التيجاني السماوي/ لأكون مع الصادقين: ٥٩.


كرّست الحكومات كل جهودها لضربهم )(١) .

ويذكر إدريس الحسيني هذا الأمر أيضاً بقوله:

( لقد نشأ التشيّع وترعرع في بيت النبوّة، وفي أهل بيت هم أهل بيتِ نبيّ الإسلام. وعاشوا معاً - الشيعة وأهل البيت - أعنف حالة، ظلّوا محاصرين ومصادَرين لا لشي‏ء إلّا لتصدّيهم المبكّر لكلّ تحريفيّة تسلّلت إلى الإسلام، وإلى كلّ سلطة حاربت دين اللَّه في الأرض )(٢) .

و يضيف هذا المستبصر:

( الشيعة قوم عاشوا المظلوميّة في مختلف أطوار التاريخ. لم يفرض عليهم العنف إلّا العنف الذي مارسه في حقّهم أعداء الأديان وأعداء الإنسانيّة )(٣) .

ويشير صباح علي البياتي إلى مظلوميّة أهل البيت ‏عليهم‌السلام وشيعتهم قائلاً:

( قال الإمام الباقرعليه‌السلام لبعض أصحابه: ( يا فلان، ما لقينا من ظلم قريش إيّانا وتظاهرهم علينا، ومالقي شيعتُنا ومحبّونا من النّاس!

إنّ رسول الله عليه وآله قبض وقد أخبر انّا أولى الناس بالناس؛ فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه، واحتجّت على الأنصار بحقّنا وحجّتنا، ثمّ تداولتها قريش، واحداً بعد واحد، حتى رجعت إلينا، فنكثت بيعتَنا ونصبت الحربَ لنا

ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود حتى‏ قُتل، فبويع الحسنُ ابنه وعوهد ثمّ غُدر به وأسلم وثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه ونهبت عسكره,وعولجت خلاخيل أمّهات أولاده، فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته وهم قليل حقّ قليل

ثمّ بايع الحسين ‏عليه‌السلام من أهل العراق عشرون ألفاً، ثمّ غدروا به وخرجوا عليه

____________________

(١) عبد المنعم حسن/ بنور فاطمة اهتديت: ٢١٦.

(٢) إدريس الحسيني/ هكذا عرفت الشيعة: ١٣.

(٣) المصدر السابق.


وبيعته في أعناقهم وقتلوه، ثم لم نزل - أهل البيت - نُستذل ونستضام ونقصى ونمتهن ونحرم ونقتل ونُخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا

ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمّال السوء في كل بلدة، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، و رَوَوا عنّا ما لم نَقله وما لم نَفعَله ليبغّضونا إلى النّاس، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن‏عليه‌السلام ، فقُتِلَت شيعتُنا بكلّ بلدة وقُطِعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان من يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجن أو نُهب مالُه أو هُدمت دارُه

ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيد اللَّه بن زياد قاتل الحسين ‏عليه‌السلام ، ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كل قتلة، وأخذهم بكل ظنّة وتهمة، حتى أنّ الرجل ليقال له: زنديق أو كافر أحَبُّ إليه من أن يُقال شيعة عليّ، وحتى صار الرجل الذي يُذكر بالخير - ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً - يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة، ولم يخلق اللَّه تعالى شيئاً منها ولا وقعت وهو يحسب أنّها حقّ لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا بقلّة ورع ))(١) .

هكذا كان حال الشيعة في زمن بني أميّة - كما وصفه الإمام الباقرعليه‌السلام - ثمّ جاء دور العبّاسيين الّذين كانوا أشدّ وطأة على أهل البيت وشيعتهم من أسلافهم الأمويّين، وكتب التاريخ ممتلئة بتلك الحوادث المفجعة، ومن أراد التفصيل فعليه بكتاب مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الإصفهاني.

ثمّ جاء العثمانيّون ليكمّلوا المسيرة الظالمة، إذ كان السلطان سليم - كما يحدّثنا السيّد أسد حيدر - شديد التعصّب على أهل الشيعة، ولا سيّما أنّه كان في تلك الأيّام قد انتشرت بين رعاياه تعاليم شيعيّة تنافي مذهب أهل السنّة، وكان قد تمسّك بها

____________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١١/ ٤٣-٤٤.


جماعة من الأهالي، فأمر السلطان سليم بقتل كل من يدخل في هذه الشيعة، فقتلوا نحو أربعينَ ألف رجل، وأخرج فتوى شيخ الإسلام بأنّه يؤجَر على قتل الشيعة وإشهار الحرب ضدّهم(١) .

كما ذكر الشيخ المظفّر رحمه اللَّه بعض فضائع العثمانيّين تجاه الشيعة، ومنها ما حدث في مدينة حلب، حيث أفتى الشيخ نوح الحنفي في كفر الشيعة واستباحة دمائهم وأموالهم، تابوا أو لم يتوبوا !! فزحفوا على شيعة حلب وأبادو منهم أربعين ألفاً أو يزيدون، وانتهبت أموالُهم وأخرج الباقون منهم من ديارهم...(٢) .

أمّا المذابح التي ارتكبت بحقّ الشيعة، وما أريق من دمائهم وما انتهب من أموالهم، وما تعرّض له مشاهدهم المقدّسة من تخريب على أيدي الوهّابيّين بفتوى شيخهم محمّد بن عبد الوهّاب، فحدّث ولا حرج، استكمالاً للمخطّط الذي بدأه معاوية في تصفية آثار النبوّة والقضاء على سنّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من خلال تصفية أتباعه المتمسّكين بسنّته )(١) .

ويضيف هذا المستبصر:

( الشيعة قوم عاشوا المظلوميّة في مختلف أطوار التاريخ، لم يفرض عليهم العنف إلّا العنف الذي مارسه في حقّهم وأعداء الأديان وأعداء الإنسانيّة )(٢) .

وهذه السلطات رغم استخدامها كافّة وسائل إعلامها وممارستها الإرهاب ومبادرتها إلى قتل وتشريد أتباع مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام ، ورغم ما بذلته من ثروة لشراء بعض الضمائر واستئجار الأقلام من أجل إخفاء معالم هذا المذهب، وإن استطاعت أن تبعد الكثير من أبناء الأمّة عن قادتهم الحقيقيّين من أهل البيت ‏عليهم‌السلام بحيث ذهب الكثير ضحيّة الأقلام التي حاولت أن توسّع الفجوة بين أبناء الأمّة وبين معرفة أئمّتهم

____________________

(١) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: ١/٢٤٤، عن مصباح الساري ونزهة القاري: ١٢٣-١٢٤.

(٢) تاريخ الشيعة: ١٤٧، التقيّة في فقه أهل البيت: ١/٥١.

(٣) صباح علي البياتي / لاتخونو اللَّه والرسول: ١٥٤

(٤) المصدر السابق.


من أهل البيت ‏عليهم‌السلام ، ولكنّها لم تستطع أن تغيّر مسار كلّ الأمّة عن دربها الأصيل الذي ابتدأه رسول البيت ‏عليهم الله عليه وآله وأكمله الأئمّة من اهل البيت ‏عليهم‌السلام .

ولهذا يقول التيجاني السماوي:

( وبالرغم من كلّ ذلك سيبقى صوت الحقّ مدوياً وسط الضوضاء المزعجة، ويبقى بصيص النور مضيئاً وسط الظلام الدّامس، لأن وعد اللَّه حق ولابد لوعده من نفاذ، قال تعالى:( يُريدُونَ ليُطفِئُوا نُورَ اللَّهِ بأفواهِهِم واللَّهُ مُتِمُّ نورِهِ ولَو كَرهَ الكَافِرونَ ) (١) )(٢) .

ويشير محمد علي المتوكّل إلى صمود التشيّع بوجه الحملات التي شُنّت عليه:

( إنّ التشيّع - بما هو جوهر الدّين - قد صمد عبر التاريخ في وجه أعنف حملات الطمس والتشويه، واستعصى على كل المؤامرات التي استهدفته منذ وفاة النبي وإلى الآن.

وهو المذهب الوحيد الذي ظلّ أمره في ازدياد، لما يستبطن من حق، ولتمسّك أهله، ولقدرته على مواكبة العصر والوفاء بمتطلّبات الزمن، بينما اندثر غيره من المذاهب أو كاد، حتى المذاهب الأربعة لم يعد التمسّك بها إلّا تقليديّاً وشكليّاً ولم تعد قادرة على الوقوف أمام دعاوي التجديد الفقهي وفتح أبواب الاجتهاد التي تنطلق من هنا وهناك )(٣) .

ويذكر ياسين المعيوف البدراني:

( إنّنا ننظر إلى حالة الشيعة فنعجب ونذهل لما لاقوه من الاضطهاد في العهدين الأسودين ولقرون عدّة.

وتصيبنا الحيرة في أنّهم - أيّ الشيعة - كيف تمكّنوا برغم كل ذلك الاضطهاد أن يحافظوا على علمهم ومناهجهم وسيرتهم ورسالتهم واستمروا يحملون لواء الجهاد

____________________

(١) الصفّ: ٨.

(٢) محمد التيجاني السماوي/ فاسألوا أهل الذّكر: ٦.

(٣) محمّد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٦٠.


ضدّ كل الحكّام المنحرفين والظالمين لشعوبهم متبعين العقيدة الصحيحة التي استقوها من منهلها الأول منهل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل البيت ‏عليهم‌السلام متمسّكين بها بكلّ القوّة والإيمان والثبات.

ذلك لأنّها امتزجت عندهم مع الدم واللحم امتزاج الإيمان مع النفس المؤمنة.

كما وأنّهم (أهل البيت) لم يقفوا عند حدود التقليد والقول باللسان على عواهنه، بل كان دأبهم في الليل والنهار أن ينشروا علومهم وأن يبثوا الروح الثوريّة روح رسالة الإسلام في نفوس المستضعفين، وما تزال آثار هذه الدعوة تستعر بلهيب الحق حتى يومنا هذا )(١) .

إثارة الشبهات ضدّ مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام :

في ظلّ هكذا أجواء إرهابيّة ضد مذهب التشيّع من قبل السلطات الحاكمة، نشأت فئات متلبسة بالعلم لا تريد للتشيّع إلّا الوقيعة والشرّ، ولا تريد للشيعة إلّا الوهن والضعف، فغمست أقلامها في دواة الأوهام والآثام، ثمّ بادرت في كتاباتها إلى حملة تشويهيّة ضد مذهب التشيّع من أجل النيل من عقائده والتشكيك بصحّته وعرضه بصورة مزيّفة والصاق التهم والافتراءات به وطمس محاسنه والتشهير به وتصويره كأنّه المعول الهادم لكيان الإسلام!

ولم يستحي هؤلاء من باطلهم، فكذّبوا باسم البحث المحايد، واختلقوا ولفّقوا من أجل أغراضهم الدنيئة، وحاولوا عبر تخطيطهم المدروس والمُبَرمج أن يخرجوا التشيّع من حظيرة الإسلام وأن يعطوه صفة لا تلتقي مع الإسلام.

ويقول مروان خليفات حول إحدى الطرق التي استخدمها هؤلاء للإطاحة بالكيان الشيعي:

____________________

(١) ياسين المعيوف البدراني/ ياليت قومي يعلمون: ١٦٨.


( من العوامل التي ساعدت على تكوين هذه الصورة المشوّهة عن الشيعة، هو خلط كثير من المؤرّخين والكتّاب بين الجعفريّة وغيرها من الفرق...

[و] يقول علي عبد الواحد وافي - من علماء أهل السنّة - [في كتابه بين الشيعة وأهل السنّة:١١]: ( انّ كثيراً من مؤلّفينا، بل من كبارهم، أنفسهم قد خلط بين الشيعة الجعفريّة وغيرها من فِرق الشيعة، فنسب إلى الجعفريّة عقائد وآراء ليست من عقائدهم ولا من آرائهم في شي‏ء، وإنّما ذهبت اليها فرق أخرى من فرق الشيعة ) )(١) .

ويقول أسعد وحيد القاسم في هذا الخصوص:

( ما اندرج تحت اسم الشيعة من طوائف تقول بألوهيّة عليّ أو نبوّته أو غير ذلك من الطوائف. فإنّ الشيعة منها براء.

فلماذا يصرّ البعض على اعتبار هذه الطوائف من الشيعة؟

ولماذا يقومون بإشاعة هذه الترهات وغيرها مضلّلين بها عوام المسلمين وجهّالهم؟

ولماذا هذا التزوير الشائن في تاريخ المسلمين ودينهم الحنيف؟ )(٢) .

وكان أثر هذا التحريف القديم على الأجيال التي جاءت بعدها أنّها ورثت هذه الأفكار الخاطئة والمشوّهة حول عقائد وحقيقة الشيعة والتشيّع من أسلافها مع حسن الظن بهم، وقبلتها من غير تحقيق ولا تمحيص ولاتبصّر.

وساعدت الأجواء السياسيّة والتعصّبات الدينيّة على بقاء هذه المفاهيم، فتغلغلت هذه المفاهيم المغلوطة التي تكوّنت في عصور التخلّف الفكري والصراع الطائفي في نفوس الكثير من أبناء المجتمع.

ولهذا يقول عبد المحسن السراوي:

( إنّ كثيراً من كتّاب عصرنا لا يزالون يعيشون بعقليّة عصور الظلمة، تلك التي

____________________

(١) مروان خليفات/ وركبت السفينّة: ٦١٥.

(٢) أسعد وحيد القاسم/ حقيقة الشيعة الاثني عشريّة: ١٧.


استغلّ ظروفها المُندَسّون في صفوف المسلمين لنشر المفتريات وخلق الأكاذيب )(١) .

ويقول هذا المستبصر حول بعض الكتّاب المعاصرين الذين كتبوا حول الشيعة والتشيّع:

( اولئك الكتّاب قد جمدوا على عبارات سلف عاشوا في عصور الظلمة عصور التطاحن والتشاجر، فقلّدوهم بدون تفكير أو تمييز حتى أصبحت القضيّة خارجة عن نطاق الأبحاث العلميّة، وهي إلى المهاترات أقرب من المناقشات المنطقيّة )(٢) .

ثمّ وقعت هذه الشبهات والافتراءات والهجمات الفكريّة ضدّ مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام بيد فئات تُحرّكهم العواطف الآنيّة وتستفزّهم الانفعالات النفسيّة وتهيّجهم الشعارات المزيّفة وتتحكّم بهم الغوغائيّة، فاعترتهم حالة ردود أفعال عشوائيّة، فنفخوا في هذه الشبهات والافتراءات، و زادوا فيها ما شاء لهم هواهم أن يزيدوا، وحمّلوها أكثر ممّا تحمل، وأضافوا عليها من الأكاذيب ما يندى لها الجبين، بحيث يقول أسعد وحيد القاسم في هذا المجال:

( استنكرتُ هذه الحملة نظراً للطريقة البعيدة عن الأدب والموضوعيّة التي يصفون بها حقيقة الشيعة، والتي كنت ألاحظ أنّها تتّسم بالمبالغة والتهويل في أغلب الأحيان )(٣) .

ويصف عبد المنعم حسن مشاعره وموقفه قبل الاستبصار بعد استماعه إلى مجموعة من هذه الشبهات حول الشيعة من قبل أحد المشايخ الذين التقى بهم:

( أحسستُ بغثيان بسبب كذب هؤلاء القوم.

لقد قرأت بعض كتب الشيعة التي ألّفها كبار علمائهم ورأيت بعض الأخوة الشيعة، لم أقرأ أو أسمع ما قاله هذا الوهابي، ولا أدري كيف يدّعون نصرة الحقّ وهم يكذبون

____________________

(١) عبد المحسن السراوي/ القطوف الدانية في المسائل الثمانية: ١٦.

(٢) المصدر السابق.

(٣) أسعد وحيد القاسم/ حقيقة الشيعة الاثني عشريّة: ٨.


بل يبالغون فيه إلى حدّ يؤسف له.

صرخت في وجهه بلا وعي منّي: ألا يمكنك أن تنصر الحق الذي تدّعيه بدون أن تكذب وتفتري على القوم.

فارتبك متلعثماً: كيف تقول لي مثل هذا الكلام؟!

قلت: أنت الذي أجبرتني على ذلك، أنا قرأت للشيعة وجلست معهم، وأعرف جيّداً ما يقولون وما ذكرته لي بعيد عنهم كلّ البعد )(١) .

ثم قال عبد المنعم حسن له:

( إنّ مثل هذه التهم صارت قديمة لا يصدّقها أحد، والنّاس أكبر وعياً من أن تنطلي عليهم هذه الأكاذيب.

قال: يبدو أنّك منهم!

قلت: لست شيعيّاً ولو كنت فلا شي‏ء يمنعني من التّصريح بذلك، لكنّني الآن فقط عرفتكم، أنتم لا تستطيعون الدفاع عن باطلكم إلّا عن طريق الكذب )(٢) .

ويذكر هشام آل قطيط حول بعض هذه التهم الرخيصة قائلاً:

( إنّ أحد علمائنا في المنطقة كان يقول لي دائماً إيّاك ومجالسة الشيعي، وإيّاك ومحاورة الشيعي ( لا تحاور الشيعي ولو كان الجدال عن حقّ).

هؤلاء الشيعة قتلوا إمامنا الحسين ‏رضى الله عنه، ولحدّ الآن يبكون ويلطمون ويندبون هم ونساؤهم وأطفالهم نَدَماً وخوفاً عسى اللَّه أن يغفر لهم.

هؤلاء الشيعة يعتقدون بأنّ الرّسالة نزلت على علي (كرّم اللَّه وجهه) وتاه الوحي جبرائيل ونزل على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وغير ذلك.

يسجدون للحجر، ويسبّون الصحابة، ويعملون بالتقيّة بينهم سرّاً لايظهرونها لأحد

____________________

(١) عبد المنعم حسن/ بنور فاطمة اهتديت: ١٩٠-١٩١.

(٢) المصدر السابق: ١٩١.


وذبيحتهم محرّمة لا يجوز لنا أن نأكل منها )(١) .

ويقول هذا المستبصر أيضاً حول هذه الإشاعات:

( من الإشاعات التي كانت تؤثّر في نفسي وتقع حاجزاً بيني وبين قراءة كتب الشيعة هو أنّ الشيعة يقولون في آخر الصلاة تاه الوحي جبرائيل ثلاث مرّات، وحتى سألت أكثر من عالم عندنا، فقال لي: إحذر هؤلاء الشيعة، فإنّهم يقولون في آخر الصلاة هذه العبارة المذكورة وأنّ الرسالة نزلت على عليّعليه‌السلام وتاه الوحي ونزل بها على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فعند البحث والتحقيق وجدت أنّ الشيعة بريئون من هذه الإشاعات والدعايات بحقّهم فوجدت أنّ الشيعة يقولون في آخر الصلاة ثلاث مرّات: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر )(٢) .

ويقول معتصم سيّد أحمد حول نشاط بعض المؤلّفين والكتّاب أنّهم:

( بذلوا قصارى جهدهم لتزييف الحقائق وتشويه مذهب أهل البيت، بشتى أساليب الدعاية ونشر الأكاذيب.

وقد نجح هؤلاء الكتّاب نجاحاً كبيراً في تعميق الجهل في نفوس أهل مذهبهم وتوسيع الفجوة بينهم وبين معرفة الحقيقة.

فصوّروا التشيّع بأبشع وأقبح ما يكون من الصور، من جراء ما نسجوه من خرافات وأوهام.

ولا أقول هذا مجرد افتراض، إنّما عايشت هذا الجهل مدّة من الزمن، وأحسست به أكثر عندما تفتّحت بصيرتي وأنار اللَّه قلبي بنور أهل البيت، فوجدت مجتمعي يركد في ركام من الجهل والافتراءات على الشيعة، فكلّما أسأل عن الشيعة سواء كان المسؤول عالماً او مثقّفاً كان يجيبني بسلسلة من الأكاذيب على الشيعة فيقول مثلا:إنّ الشيعة تدّعي أنّ الإمام عليعليه‌السلام هو الرّسول ولكن جبرائيل أخطأ وأنزل الرسالة على محمّد، أو أنّهم

____________________

(١) هشام آل قطيط/ ومن الحوار اكتشفت الحقيقة: ٢٢-٢٣.

(٢) المصدر السابق: ٢٥٥.


يعبدون الإمام عليّاً... وغيرها من الأكاذيب التي لا تمت إلى الواقع بصلة )(١) .

ويضيف معتصم سيّد أحمد:

( إنّ هذا الجهل بالتشيّع، الذي تعيشه مجموعة كبيرة من الأمّة الإسلاميّة ، كان نتاجاً طبيعيّاً لمجهود هؤلاء الكتّاب، لفرض الجهل المطبق على أبناء هذه الأمة لكي لا يتعرّفوا على مذهب التشيّع.

وهذا هو المخطّط الذي بدأ قديماً ليتمّ مسيرته إلى اليوم، فتجد مئات من الكتب المسمومة ضدّ الشيعة في متناول يد الجميع، هذا إذا لم تكن توّزع مجّاناً من قبل الوهّابيّة، ويفترض في هذا الجو المشحون ضدّ الشيعة أن يسمح للكتاب الشيعي بالانتشار، حتى تكون المعادلة متكافئة، وهذا ما لم يحصل، فهذه هي المكتبات الإسلاميّة يكاد يندر فيها الكتاب الشيعي بخلاف المكتبات الشيعيّة سواء كانت تجاريّة أو في المعاهد العلميّة فهي لا تخلوا من كتب ومصادر السنّة بجميع خطوطها و اتّجاهاتها.

وقد لاحظت اختلاف المنهجيّة بين النوعين من الكتب، فتجد كتب الشيعة تهدف إلى تأصيل وإثبات صحّة مذهبها بالأدلّة والبراهين اعتماداً على مصادر ومراجع أهل السنّة، من غير أن تتهجّم على المذاهب الأخرى.

أمّا الكتب التي تحاول الردّ على الشيعة فإنّها تهدف من الأساس ضرب المذهب الشيعي بأي طريقة كانت حتى ولو كانت بالتهم والافتراءات )(٢) .

ويقول إدريس الحسيني حول تجربته في هذا المجال:

( وكنّا دائماً نعتقد أنّ المسلمين، مهما اختلفت طرائقهم، لا يكذبون، وربّما حملنا جهالاتهم على الاشتباه، وربّما حملناها على سبعين محمل وإن كانوا يحملون أفكاراً

____________________

(١) معتصم سيّد أحمد/ الحقيقة الضائعة: ١٩٩.

(٢) المصدر السابق: ٢٠٠-٢٠١.


إلّا على محمل واحد.. فإنّنا بذلك سنحافظ على آدابنا الإسلاميّة وموضوعيّة النقد. وليكن ما يكون عليه هذا الطرف أو ذاك فكلّ إناء ينضح بما فيه.

غير أنّ الواقع الذي انتيهت إليه، يعاكسني ذلك الاعتقاد، فكثير منهم كان تحامله فيه تساهل مع الأكاذيب التي تحاك ضد الإماميّة، حتى وإنّهم ليعلمون أنّها محض أراجيف، منسوبة إلى تلك الطائفة ظلماً وعدواناً.

لقد كتب كثير منهم في الاتّجاه نفسه، والمعطيات نفسها، وتكاثرت كتبهم التي هي إحياء مكرور لتراث النصب والتحامل على طائفة طالما استضعفوها ولفّقوا حولها أجود الأكاذيب.

ويستنتج من حركتهم هذه، أنّهم على جانب كبير من الجهل بالتاريخ الإسلامي وبمذهب الإماميّة، ذلك الجهل الناتج عن سرعتهم في إصدار الأحكام، وفي نواياهم القبيحة في قراءة التراث الإمامي، قراءة تهدف إلى تجميع عناصر لخلق صورةً ملفقة من أجل التعريض بهم لااستيعاب أفكارهم.

وهذا المنهج يختلف اختلافاً جذريّاً، عمّن تواضع للحقيقة، واتّقى اللَّه في البحث عنها.

ومن دون أن نزكّي أنفسنا على أحد يجدر بنا القول:

أنّنا نحن الذين اطّلعنا على هذه المدرسة، اطلاعاً كبيراً، وتربّعنا أمام علمائها لنستمع اليهم، جنباً إلى جنب مع أبناء الطائفة ونهلنا من علومهم، لم نشعر بتلك الخلفيّات التي ذكرها رواد اتّجاه التفريق.

لقد اطّلعنا على تراث الجماعة والتزمنا مبادئه فترة ليست بالقصيرة، واستنشقنا الكيمياء السنّي، استنشاقاً حسناً، وبتنا نعلم خفايا المذهبين )(١) .

ويقول إدريس الحسيني حول إحدى الافتراءات التي الصقت بالشيعة:

( خلال فترة طويلة، ارتبط التشيّع بالعنف والإرهاب، وما شابه ذلك من النعوت

____________________

(١) إدريس الحسيني/ هكذا عرفت الشيعة: ٨.


التي تحجب الوجه الآخر المشرق له وهو وجه السلام والحوار والتعايش.

لقد ارتبط عنوان التشيّع بالعنف في الحقب التاريخيّة السابقة، وفي إطار زمني معيّن، فلقد سلك الكثير من الخلفاء في حقّ هذه الطائفة نهجاً ظالماً، مع أنّ الوجه الحضاري المشرق للإسلام، لايكاد يذكر دون ان يرتبط بوجوه شيعيّة على شتى المستويات، في الفكر والأدب والعلوم )(١) .

ويضيف هذا المستبصر:

( ولو تأمّلنا التاريخ على نحو أعمق من المألوف، لرأينا حقّاً أنّ الشيعة أكثر الفرق الإسلاميّة حبّاً للحوار والسلام والتعايش، إذ من المفترض من المظلوم إذا تمكّن من أسباب القوّة أن يعيث فساداً في الأرض، وأن يقيم مجازر ضد العدوّ والصديق لايفرّق في ذلك بين ناقة وجمل، فشأن المظلوم إذا تمكّن من أسباب الانتقام أن لايرحم.

وهذا مالم يفعله الشيعة في مختلف الأطوار التاريخيّة، حيث تمكّنوا من إقامة دول و وجدوا فرصاً وإغراءات جمّة، لكنّهم ثبتوا على المبدأ )(٢) .

ثمّ يقول إدريس الحسيني:

( وقد أصبح شعاراً مقروءاً ومحفوظاً لدى كلّ الشيعة، بأنّ الإنسان إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، وهو من كلام الإمام عليعليه‌السلام لليهودي الذي صاحبه في طريقه إلى الكوفة.

إنّ سيرة الأئمّة وتعاليمهم لشيعتهم، تعتبر تراثاً أخلاقيّاً نادراً في تاريخ البشر، و وسيلة للتعايش والحوار مع كلّ الملل والأديان )(٣) .

ثم يؤكّد هذا المستبصر قائلاً:

( لم يكن التشيّع يوماً نهجاً في الإرهاب، ولا مأوى للتآمر، ولا فكراً مغذّياً

____________________

(١) المصدر السابق: ٢٠٩.

(٢) المصدر السابق: ٢١١.

(٣) المصدر السابق: ٢١٦.


للمراهقة السياسيّة وعنف المجرمين وعبث العابثين )(١) .

ويقول ياسين المعيوف البدراني حول هذا الأمر:

( نحن في مواجهة مشكلة كبرى يقف التاريخ أمامها ملجماً وتختفي فيها الحقيقة خلف ركام من الأتربة والأحجار وسيل من الادّعاءات الكاذبة والأقوال الفارغة فتلتوي الطرق الموصولة اليها ولا تعالج قضيّتها بدراسة علميّة ليبدو جوهر المسألة واضحاً ولتظهر الحقيقة كما هي للعيان.

واحدةٌ من كبريّات المشاكل التي عملت على هدم وحدة المسلمين، وهي أنّ الكثير من المؤرّخين أولعوا بذمّ الشيعة ونسبوا اليهم الكثير من الأشياء الباطلة دون تثبّت وتمحيص ودون أيّ وازع ديني أو رادع وجداني )(٢) .

ويقول التيجاني السماوي حول الأثر الذي يتركه الأسلوب غير الموضوعي في مواجهة التشيّع:

( ولكنّ الباحث المنصف عندما يقف على شي‏ء من هذا التحريف والتزييف يزداد عنهم بعداً ويعرف بلا شك أنّهم لا حجّة لديهم غير التضليل والدسّ وتقليب الحقائق بأي ثمن.

ولقد استأجروا كتّاباً كثيرين وأغدقوا عليهم الأموال كما أغدقوا عليهم الألقاب والشهادات الجامعيّة المزيّفة ليكتبوا لهم ما يريدون من الكتب والمقالات التي تشتم الشيعة وتكفّرهم... )(٣) .

وعموماً فمن هنا تبلورت حول معتقدات الإماميّة صور كالحة ليس لها أساس من الصحّة حتى فقد الكثير وضوحَ الرؤية إلى مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام ، والتبست عليهم السبل، واضطربت عندهم الموازين، وأصبح أمر تمييز الحقّ عن الباطل يتطلّب الكثير

____________________

(١) المصدر السابق: ٢١٧.

(٢) ياسين المعيوف البدراني/ ياليت قومي يعلمونَ: ٧٦.

(٣) محمد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ١٤٩.


من الجهد والعناء.

وفي هكذا أجواء، وفي ظلّ هكذا افتراءات أصبح التشيّع نبزاً و وصمة عار لمن ينتمي إليه في معتقده ومسلكه، وأصبح ديدن عامّة الناس أنّها لا تمرّ على ذكر التشيّع إلّا وتلصق به أوصاف الذم والألقاب المستكرهة.

وبلغ الأمر إلى درجة بحيث غدى الكثير من أهل السنّة لا يرغبون في سماع كلام الشيعة نتيجة تأثّرهم بدعاة السوء.

ولهذا يقول التيجاني السماوي حول حواره مع الأستاذ منعم - أحد الأساتذة العراقيّين - عندما التقى به قبل استبصاره في الباخرة المصريّة التي كانت تذهب من الإسكندريّة إلى بيروت:

( وإذا بالأستاذ العراقي يبتسم ويقول لي: أنّه هو الآخر شيعي. فاضطربت لهذا النبأ وقلت غير مبال: لو كنت أعلم أنّك شيعي لما تكلّمت معك.

قال: ولماذا؟

قلت: لأنّكم غير مسلمين، فأنتم تعبدون علي بن أبي طالب والمعتدلون منكم يعبدون اللَّه، ولكنّهم لا يؤمنون برسالة النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويشتمون جبرائيل ويقولون بأنّه خان الأمانة، فبدلاً من أداء الرسالة إلى علي أدّاها إلى محمّد.

واسترسلت في مثل هذه الأحاديث بينما كان مرافقي يبتسم حيناً ويُحوقل أحياناً.

ولمّا أنهيت كلامي سألني من جديد:

أنت أستاذ تدرّس الطلّاب؟

قلت: نعم.

قال: إذا كان تفكير الأستاذ بهذا الشكل فلا لوم على عامّة الناس الذين لا ثقافة لهم )(١) .

وأشار إدريس الحسيني إلى هذه الحقيقة قائلاً:

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ٢٩.


( إنّ الرّافضة ظلّت ولا زالت هي عنوان كل معتصم بولاية الأئمّة الطاهرين من أهل البيت، وكان التشيّع ولا يزال تهمة مسقطة للسمعة.

ففي الماضي المتخلّف كانت تهمة التشيّع تعني الجريمة التي لا حدّ فيها غير الإعدام في دولة خلفاء بني أميّة والعبّاس )(١) .

ويقول هذا المستبصر أيضاً:

( فأنا السنّي المنشأ، لم أكن أجد في بيئتنا ما يعرف بالشيعة، تعريفاً حقيقا، وكل مذهب من مذاهب الدنيا، نستطيع الإحاطة به في بيئتنا سوى (الشيعة) فإنّ حصار الوهّابيّة عليهم أقوى من (جدار برلين).

نعم، قد كنّا نعلم أنّ الشيعة أصحاب طريقة غريبة عن كلّ البشر، وأنّ إشكالهم ربما لها - أيضاً - بعض الخصوصيّات، وأن يكون تصوّر الناس للشيعة على أنّهم أصحاب أذناب البقر - كما أشار آل كاشف الغطاء - ليس مبالغة منه، وحال الأمّة كذلك، لقد تعجب الشامي، وهو يسمع أنّ عليّاًعليه‌السلام قُتل بالمحراب، فقال: ( أَوَ عليٌ يُصلّي)؟!

وقد ذكر صاحب العقد الفريد في باب كتاب الياقوتة في العلم والأدب: قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ:

أخبرني رجل من رؤساء التجّار قال: كان معنا في السفينة شيخ شرس الأخلاق، طويل الإطراق، وكان إذا ذكر له الشيعة غضب وأربد وجهه وروى من حاجبيه.

فقلت له يوماً: يرحمك اللَّه، ماالذي تكرهه من الشيعة، فإنّي رأيتك إذا ذكروا غضبت وقبضت؟

قال: ما أكره منهم إلّا هذه الشين في أوّل اسمهم، فإنّي لم اجدها قط إلّا في كلّ شرّ وشؤم وشيطان وشغب وشقاء وشنار وشرر وشَين وشوك وشكوى وشهوة وشتم وشحّ.

قال أبو عثمان: فما ثبت لشيعي بعدها قائمة.

____________________

(١) إدريس الحسيني/ الخلافة المغتصبة: ١٢.


هكذا كان يفهم اعداء الشيعةِ الشيعةَ. وذلك لأنّهم يجهلون حقيقتهم. و قديماً قال الإمام عليعليه‌السلام (( الإنسان عدو ما جهل ))!

وإذا كرّسنا واقع التجهيل والتغييب، فلربّما - لاسامح اللَّه - ورد من يرى في (السين) السنّية: سوء وسم وسؤر وسحاق وسقم وسخط وسبّ وسقط وسخب وسرقة و... و...

وهذا التجهيل امتدّ اليوم ليأخذ أشكالاً مختلفة، كلّها تنظر إلى المسألة الشيعيّة بمنظار أسود!)(١) .

ويصف أحمد حسين يعقوب مشاعر صديقه صاحب العقليّة المنفتحة بالنسبة إلى التشيّع:

( قال صديقي: إنّك تعلم إنّني رجل من أهل السنّة، وقد ورثت هذا التصنيف وراثة.

وتعلم أيضاً أنّني رجل منفتح الذهن والعقل، وقد اطّلعت على الخطوط العريضة للفكرين: الرأسمالي التحريري والاشتراكي الشيوعي، وأحطت بنظرية الحكم في الإسلام حسب رأي أهل السنّة.

وتعلم كذلك انّني متسامح وديمقراطي أؤمن بالرأي والرأي المعارض، ويتّسع صدري لتعدّد الآراء، وتعدّد الرّسالات، فيمكنني التعايش مع المسلمين واليهود والنّصارى والمجوس وأتباع الأحزاب الدينيّة والقوميّة وحتى الشيوعيّة، ولا أشعر بالغرابة لهذا التعدّد الهائل في المجتمع نفسه، ولا ينتابني أيّ إحساس بالتعصّب.

وبالرّغم من سعة صدري وديمقراطيّتي وتسامحي إلّا أنّ مجرّد ذكر كلمة (شيعة) كافٍ لإثارة استغرابي وحنقي ونفوري، حتى لكأنّني مسكون في (لا شعوري) بكراهيّة الشيعة والتشيّع! )(٢) .

ويقول إدريس الحسيني حول مشاعره بالنسبة للشيعة عندما كان سنّيّاً:

____________________

(١) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٢٣-٢٤.

(٢) أحمد حسين يعقوب/ مساحة للحوار من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة: ٧.


( ما كنت أتصوّر انّ الشيعة مسلمون! فكانت تختلط عندي المسألة الشيعيّة بالمسألة البوذيّة أوالسيخيّة.

والوضع (السنّي) لا يجد حرجاً في أن يملي علينا ذلك، ولا يستحي من اللَّه ولا من التاريخ ليغذّي نزعة التجهيل والتمويه.

انّه كان يكرّس هذه النظرة لدى الأفراد ولا يصحح مغالطاتهم )(١) .

ويقول التيجاني السماوي حول هذا الأمر:

( فلا غرابة أن يشتموا كل من تشيّع له ويرموه بكل عار وشنار حتى وصل الأمر بهم أن يقال لأحد يهودي أحبّ إليه من أن يقال له شيعي.

ودأب أتباعهم على ذلك في كل عصر ومصر وأصبح الشيعي مسبّة عند أهل السنّة والجماعة لأنّه يخالفهم في معتقداتهم وخارج عن الجماعة، فهم يقذفونه بما شاؤوا ويرمونه بكلّ التهم وينبزونه بشتى الألقاب، ويخالفونه في كلّ أقواله وأفعاله )(٢) .

ويقول التيجاني السماوي حول الأسباب الأساسيّة لإنكار أهل السنّة للشيعة:

( فإذا أنكر هؤلاء السنّة على معتقدات الشيعة وأقوالهم فهو لسببين:

أوّلاً: العداء الذي أجّج ناره حكّام بني أميّة بالأكاذيب والدعايات واختلاق‏الروايات المزوّرة.

وثانياً: لأنّ معتقدات الشيعة تتنافى وما ذهبوا إليه من تأييد الخلفاءوتصحيح أخطائهم واجتهاداتهم مقابل النصوص خصوصاً حكّام بني اميّة وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان.

ومن هنا يجد الباحث المتتبّع أنّ الخلاف بين الشيعة وأهل السنّة نشأ يوم السّقيفة، وتفاقم، وكل خلاف جاء بعده فهو عيالٌ عليه، وأكبر دليل على ذلك أنّ العقائد التي يشنّع أهل السنّة على إخوانهم من الشيعة، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوع الخلافة

____________________

(١) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٥٨.

(٢) محمّد التيجاني السماوي/ مع الصادقين: ١٥٩.


وتتفرّع منه، كعدد الأئمّة والنّص على الإمام، والعصمة، وعلم الأئمة، والبداء والتقيّة والمهدي المنتظر وغير ذلك.

ونحن إذا بحثنا في أقوال الطرفين مجرّدين عن العاطفة، فسوف لانجد بُعداً شاسعاً بين معتقداتهم، ولا نجد مبرّراً لهذا التهويل وهذا التشنيع، لأنّك عندما تقرأ كتب السنّة الذين يشتمون الشيعة يخيّل اليك بأنّ الشيعة ناقضوا الإسلام وخالفوه في مبادئه وتشريعه، وابتدعوا ديناً آخر.

بينما يجد الباحث المنصف في كلّ عقائد الشيعة أصلاً ثابتاً في القرآن والسنّة وحتى في كتب من يخالفهم في تلك العقائد ويشنّع بها عليهم )(١) .

ولهذا يقول ياسين المعيوف البدراني:

( انّ مهمّة من يكتب عن الشيعة وحقيقتها الشرعيّة هي أشد صعوبةً من مهمة الذي يكتب عن أيّ طائفة أخرى من طوائف المسلمين، وذلك لوجود عوامل وعقبات تحتاج إلى دقّة في المعرفة ثمّ إلى إحاطة بالظروف التي أفرزتها تلك العوامل..

إنّ موقف الشيعة وأتباع أهل البيت موقفاً دينيّاً صحيحاً صلباً أمام السلطان ومؤازريه منذ صدر الإسلام إلى يومنا هذا، وهو الدافع الوحيد إلى إلصاق التهم المختلفة بهم، فقالوا فيهم عيوباً أو شبهات هم منها براء )(٢) .

ويضيف هذا المستبصر قائلاً:

( وقد سمعنا من العلماء الكبار عند إخواننا السنّة أنّ الشيعة أهل خرافات وخلافات وبدع وتعصّب؛ وهذا ما غرسوه باطلاً في عقول الأجيال المسلمة متّخذين من الشيعة موقفاً معادياً بغير الحقّ، وانّ إيضاح هذه القضيّة يحتاج إلى نظرة شاملة مرنة تتحرّك مع الضمير الوجداني وتتحرى الحقيقة )(٣) .

____________________

(١) المصدر السابق: ١٦٢-١٦٣.

(٢) ياسين المعيوف البدراني/ ياليت قومي يعلمون: ٩٥.

(٣) المصدر السابق.


موقف علماء الشيعة إزاء هذه الشبهات:

إنّ علماء ومفكّري الشيعة أدركوا على مرّ العصور عظمة المسؤوليّة الملقاة على عاتقهم وضخامة الجهد الذي ينبغي بذله من أجل إعادة الصورة الحقيقيّة للتشيّع في أذهان النّاس.

فلهذا بذل الكثير منهم قصارى جهدهم في هذا المجال، وكان لجملة منهم مواقف جبّارة إزاء الحملات المسعورة التي شنّها المخالفون على التشيّع، بحيث أنّهم جعلوا أنفسهم درعاً حصيناً لحماية تعاليم عترة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله من أجل صيانتها من كلّ ما يشينها.

وقد قام هؤلاء العلماء خلال بحوثهم العلميّة الرّصينة وكتاباتهم المنطقيّة الشاملة بدرء الشبهات ودحض الافتراءات وتفنيد الادّعاءات وتصحيح الأوهام وإماطة اللثام عن المفاهيم الخاطئة التي كوّنتها الظروف السياسيّة وعمّقتها الأقلام والألسن المأجورة والاتّجاهات المتعصّبة

وقد حاول علماء الشيعة أن يبيّنوا عقائدهم للجميع والإذاعة بها، فألّفوا الكتب وحاولوا نشرها إلى جميع ربوع العالم كي لا ينسب إليهم ما لا يقولون ولا يعتقدون به.

واجتهد هؤلاء العلماء والمفكّرين أن يشبعوا ذلك استدلالاً وبرهاناً من الكتاب والسنّة بنصوص لا تقبل الشك والتأويل، ليستند اليها طلّاب الحقيقة الذين يرغبون في التعرّف على معتقدات الشيعة.

وإلّا فليس من الإنصاف أن يحكم الإنسان على مذهب بما يتلقّاه من أفواه خصومه أو ما يقرأه في كتب مخالفيه، ولا سيّما إذا كان ذلك المحكوم مذهباً حاضراً في الساحة ومجاهراً بمبادئه وأفكاره ومعتقداته ومبينّاً لها في بطون كتبه المنتشرة في أكثر أنحاء العالم، ولهذا يقول مروان خليفات:

( من أراد أن يقوّم جماعة من خلال أقوال خصومهم، فإنّه حتماً سيخفق في


نتائجه، وهذا هو الحال لأكثر مَن درسوا التشيّع )(١) .

ومن هنا تكون النتيجة التي يصل إليها الباحث حول التشيّع إذا تلقّى معلوماته من خصومهم مختلفةً عمّا إذا تعرّف على التشيّع من الشيعة أنفسهم.

وهذا ما حدث مع التيجاني السماوي حيث أنّه كان يكره الشيعة نتيجة تعرّفه عليهم من قبل مخالفيهم، ولكنّه بمجرّد الالتقاء بهم في العراق ونبذه للتعصّب، عرف أنّ الواقع على خلاف ما صوّره له البعض.

ويقول التيجاني السماوي حول ما خطر بباله في تلك الفترة حول الإشاعات التي كان متأثّراً بها:

( ولكن كيف أصدّق هذه الإشاعات وقد رأيت بعيني ما رأيت وسمعت بأذني ما سمعت وها قد مضى على وجودي بينهم أكثر من أسبوع ولم أرَ منهم ولم أسمع إلّا الكلام المنطقي الذي يدخل العقول بدون استئذان، بل قد استهوتني عباداتهم وصلاتهم ودعاؤهم وأخلاقهم واحترامهم لعلمائهم حتى تمنّيت أن أكون مثلهم )(٢) .

ومن هذا المنطلق ينبغي لكافّة الباحثين الذين يودّون التعرّف على مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام أن يقوموا بمعرفة التشيّع من كتبهم لا من كتب خصومهم.

ولا عذر لأحد في عالمنا المعاصر بأن يقول بأنّه غير قادر على معرفة التشيّع، لأنّ القدماء الذين عاشوا في ظلّ السلطات التي سلّت سيفها على الشيعة لهم أن يعتذروا بجهلهم في هذا المجال، ولكنّ أبناء اليوم لا يحقّ لهم هذا الاعتذار، لأنّ العصر الذي نحن فيه هو عصر قد أزيلت فيه الكثير من الحجب عن أوجه الحقائق بفضل ارتقاء التقنيّة في إيصال المعلومات.

____________________

(١) مروان خليفات/ وركبت السفينة: ٦١٤.

(٢) محمّد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ٤١.


موانع الاستبصار:

إنّ العقيدة التي تتبلور في نفس الإنسان في مرحلة المراهقة تبقى عقيدة غير ناضجة ومحتاجة للوعي الذي يستمد وجوده من البحث والتحليل والاستقراء.

وتبقى هكذا عقيدة متزلزلة وغير محكمة تتلاعب بها الانفعالات النفسيّة وتؤثّر عليها الأجواء المحيطة بكلّ سهولة حتى يترعرع الفرد، ويصل إلى مرحلة النضج العقلي، فينمو وعيه وتتبلور في ذهنه أسئلة تبحث عن إجابات شافية وتعتريه شكوك في المعتقد الذي قد ورثه من البيئة التي عاش في كنفها، ومن هنا يتوجّه الفرد إلى البحث عن الحقيقة.

وهذا ما قام به المستبصرون حيث أنّهم توجّهوا من منطلق الوصول إلى العقيدة الواعية إلى البحث، وحاولوا من خلال التحليل الشمولي أن يتعرّفوا على معتقدات باقي المذاهب، ليتمكّنوا من إثراء رصيدهم المعرفي عن هذا الطريق.

ولكنّ المشكلة تكمن في أنّ الكثير من أهل السنّة - كما يشير المستبصرون إلى ذلك - يصلون خلال بحوثهم إلى أحقّية أتباع مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام و وجوب التمسّك بالثقلين كتاب اللَّه تعالى وعترة الرّسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لكنّهم لا يجدون في ذلك الكفاية في تغيير انتمائهم المذهبي، لأنّهم يواجهون في هذه الحالة الكثير من العقبات التي تمنعهم من التحوّل المذهبي، ويشعرون أنّهم لا يستطيعون اجتياز مرحلة اعتناق الحقيقة من دون تخطّي هذه العقبات، والتي منها:


المانع الأوّل:

التقليد الأعمى‏

يستصعب الكثير من الناس مخالفة المفاهيم التي ورثوها من آبائهم وأسلافهم ولو تبيّن لهم الحق واضحاً كالشمس في رابعة النّهار.

وليس ذلك إلّا نتيجة الوقوع في أسر التقليد الأعمى في الانتماء المذهبي، لأنّ التقليد في العقائد يدفع الإنسان إلى تقديس الموروث، ويخلق العديد من الحواجز النفسيّة التي تمنع الباحث من النظر في أدلة انتمائه.

ولكنّ الواقع يفرض أن يتحدّى الباحث لجج الموروث، وأن يكسّر أغلاله، وأن يتمرّد على سننه في ضوء البراهين الساطعة والحجج القاطعة.

وعلى الباحث أن يعي بأنّ الآباء لو جانبوا الصواب أو اجتهدوا فأخطؤوا، وتبيّن لنا خطؤهم بالدليل والبرهان، فلا داعي لإتباع نهجهم والسير على خطاهم، بل علينا أن نتّبع الحق ولو كان ذلك مخالفاً لأفكارنا ومعتقداتنا الموروثة.

لأن الإنسان المقيّد بالعادات البالية والمتمسّك - من دون بصيرة - بما جاء به الآباء يكون صاحب فكر خامل ومستعبد لا يتمكّن من إعادة مجراه الطبيعي إلّا إذا أطلق نفسه من سلاسل الاستعباد وتحرّر من المحاكاة العمياء وتوجّه بنفسه إلى البحث والاستطلاع والدراسة وطلب العلم والمعرفة متّبعاً أفضل أساليب المنهج العلمي في تلقّي المعرفة.

كما أنّ الذين يعيشون في أسر التقليد الأعمى في أمر العقيدة، والذين يتلقّون العقيدة من موروث الآباء والأجداد بلا تدقيق ولا تمحيص، فإنّهم يحرمون عقولهم من الفهم، لأنّهم يفقدون بالتدريج القدرة على البحث والتساؤل والتمحيص، ويتعوّدون على الاقتباس من الغير دون عناء وفحص أو تدقيق، فلهذا تتضاءل قدرتهم في هذا المجال حتى تغدوا أنفسهم مهيأة ومستعدّة للميل مع كلّ ريح واتّباع كل ناعق في بيداء الضلالة.


ولهذا شنّ القرآن الكريم هجوماً عنيفاً على الذين يتشبّثون بالقيم والآراء والعقائد الموروثة رغم مخالفتها للعقل ومناقضتها للفطرة.

فقال تعالى:

( وإذا قيلَ لهُم اتّبعوُا ما أنزلَ اللَّهُ قالوُا بل نتَّبعُ ما ألفَينَا عليه آباءَنَا أَوَ لَو كان آباؤُهُم لا يَعقِلوُنَ شيئاً ولا يهتدونَ ) (١) .

( وإذا قيلَ لهُم تعَالوا إلى ما أَنزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسول قالوا حسبُنَا ما وَجَدنَا عليه آباءَنَا أَوَ لَو كان آباءُهُم لا يَعلَمونَ شيئاً ولا يَهتَدونَ ) (٢) .

( بَل قالُوا إنّا وجَدنَا آباءَنَا على أمّةٍ وإنّا على آثارِهِم مُهتَدوُنَ * وكذلك ما أَرسَلنَا من قَبلِك في قَريَةٍ من نَذيرٍ إلّا قالَ مُترَفوهَا إنّا وجَدنَا آباءَنَا على أمّة وإنا على آثارِهِم مُقتَدونَ ) (٣) .

وبيّن القرآن في مواضع عديدة بأنّ التقليد الأعمى للآباء كان من أهمّ أسباب إعراض الأمم السابقة عن اتّباع الحق، وأنّه كان من أكبر العوائق التي منعت الأمم من الاستجابة لوحي اللَّه تعالى، وقد ذكر الباري عزّ وجل أنّ أغلبيّة الذين لم يذعنوا للأنبياء كانت ذريعتهم في ذلك التمسّك بموروث الآباء.

وقد ورد في القرآن عن لسان هؤلاء أنّهم قالوا للأنبياء:

( قالوا حسبُنَا ما وَجَدنَا عليه آباءَنَا ) (٤) .

( قالوا أجِئتَنَا لتَلفِتَنَا عمَّا وجَدنَا عليه آباءَنا ) (٢٧٣) .

____________________

(١) البقرة: ١٧٠.

(٢) المائدة: ١٠٤.

(٣) الزحرف: ٢٢-٢٣.

(٣) المائدة: ١٠٤.

(٤) يونس: ٧٨.


( مَا هذا إلّا رجلٌ يريدُ أن يصدّكُم عمّا كان يعبُدُ آباؤُكُم ) (١) .

( أتنهانَا أنْ نعبُدَ ما يعبُدُ آباؤُنَا ) (٢) .

( إنّا وجدنَا آباءَنَا على أمّة وإنّا على آثارهِم مُقتَدُون ) (٣) .

وغير ذلك من الآيات المشيرة إلى هذا المعنى.

ولهذا كان الأنبياءعليهم‌السلام يعاتبون الذين يحملون هذا النمط من التفكير، وقد ورد في قول أحد الأنبياء لقومه انّه قال لهم:

( أوَ لَو جِئتُكُم بأَهدى‏ مِمّا وَجَدتم عليه آباءَكُم ) (٤) .

وقال تعالى:

( أوَ لَو كان آباؤُهُم لا يَعقِلونَ شيئاً ولا يَهتَدوُنَ ) (٥) .

فلهذا ينبغي أن يعي الباحث عن الحقيقة بأنّ أسلافه وإن كانوا شخصيّات معروفة ومرموقة، فانّ شهرتهم لا تصلح أن تكون دليلاً على سلامة رأيهم ما لم تتظافر الأدلّة الشافية على صحّته.

ويشير معتصم سيّد أحمد إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( إنّ النظرة القدسيّة للعلماء السابقين والعظماء تدعو الإنسان إلى تقليدهم مطلقاً والاتّكال على أفكارهم، فالاستسلام لهذا التقليد مدعاة للانحراف عن الحق، فلم يجعل اللَّه عقولهم حجّة علينا، وإنّما عقل كل إنسان حجّة عليه، فلا يمنعنا احترامنا لهم من مناقشة أفكارهم والتدقيق فيها حتى لا ندخل في قوله تعالى:( وقالُوا ربّنا إنّا أطَعنَا

____________________

(١) سبأ: ٤٣.

(٢) هود: ٦٢.

(٣) الزخرف: ٢٢.

(٤) الزخرف: ٢٤.

(٥) البقرة: ١٧٠.


سادتَنا وكبراءَنا فأضلّونَا السّبيلا ) (١) )(٢) .

إذن، من حقّ الأبناء أن يطلبوا من آبائهم الدليل فيما يذهبون إليه، لأنّ التقليد لمجرّد حسن الظنّ بالآخرين بلا بيّنة ولا دليل ولا حجّة، يدفع الإنسان إلى الورود في موارد الهلكة، و الوقوع في مهاوي الردى، ويقود صاحبه إلى مسالك الغواية والضلال، ويصدّه عن اتّباع النور والهدى، فتكون نتيجته التخبّط في الدنيا والخسران والهلاك في الآخرة.

والجدير بالذكر أنّ الدعوة إلى تمحيص الموروث لا يعني ضرب خط البطلان على عقائد الآباء بصورة مطلقة، بل المراد هو أن يبادر الإنسان إلى حركة تصحيحيّة من أجل الوصول إلى قناعة عقليّة تجاه أصول دينه ومعتقداته المذهبيّة، وليكون الإنسان على بصيرة من أمر دينه، ولئلا يقع في الأخطاء التي وقع فيها من سبقه.

لأنّ التابع الذي يقلّد في العقائد من دون بصيرة سيقع تلقائيّاً في كل الأخطاء التي وقع فيها من قبله، ولا معذرة له عند اللَّه عزّ وجل، لأنّ العقائد هي من الشؤون التي لا يصح التقليد فيها.

ويشير ياسين المعيوف البدراني إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( الإسلام لا يرى التقليد والتعبّد كافياً في ممارسة الأصول العقائديّة... بل إنّه يوجب على كل فرد البحث على صحّة هذه العقائد وبصورة مستقلّة بعيدة عن العاطفة والتقليد الأعمى‏ )(٣) .

ولهذا أخبر الباري عزّ وجل عن حسرة المقلّدين في الأمور العقائديّة يوم القيامة قائلاً:

( يَوْمَ تُقَلّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللّهَ وَأَطَعْنَا الرّسُولاَ* وَقَالُوا

____________________

(١) معتصم سيّد أحمد/ الحقيقة الضائعة: ٣٢.

(٢) الأحزاب: ٧.

(٣) ياسين المعيوف البدراني/ ياليت قومي يعلمون: ٤٨.


رَبّنَا إِنّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلّونَا السّبيلاَ* رَبّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيِنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ) (١) .

وقال تعالى أيضاً واصفاً حال هؤلاء يوم القيامة:

( وَيَوْمَ يَعَضّ الظّالِمُ عَلَى‏ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتّخَذْتُ مَعَ الرّسُولِ سَبِيلاً* يَا وَيْلَتَى‏ لَيْتَنِي لَمْ أَتّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً* لَقَدْ أَضَلّنِي عَنِ الذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولا ) (٢) .

وقال تعالى:

( إذ تبرّأ الّذين اتُّبِعوا من الذين اتَّبعوا وَرأَوا العذابَ وتقطَّعت بِهِم الأسباب ) (٣)

وقال تعالى:

( وَقَالَ الّذِينَ اتّبَعُوا لَوْ أَنّ لَنَا كَرّةً فَنَتَبَرّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرّءُوا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النّارِ ) (٤) .

ويقول طارق زين العابدين حول عاقبة من سكنت نفوسهم للموروث من العقائد:

( وما يجدر الإشارة إليه أنّ الذين يُفجعون بالمصير السيئ والنهاية المشؤومة في تلك الحياة الأخرى هم الذين سكنت نفوسهم للموروث من العقائد، ظنّاً منهم أنّه الحقّ، وتلذّذت أنفسهم بنشوة الغفلة وهدأت النفس لها، ولِما أصابوه من هذه الحياة.

وهؤلاء إمّا أنّهم قد أطلقوا للنفس زمامها وحبلها على غاربها بالتهاون والتساهل في أمر الدين ونسيان الحياة الآخرة وعدم مراعاة أمرها بتصحيح اعتقاد أو أداء تكليف، أو أنّهم ركنوا إلى الأوهام في اعتقادهم وغاصوا في بحار التوهّم بحثاً عن اللؤلؤ، دون ان يتفطّنوا إلى أنّ اعتقاداً كهذا لا وجود له حتى يأتي باللؤلؤ النفيس،

____________________

(١) الأحزاب: ٦٦-٦٨.

(٢) الفرقان: ٢٧-٢٩.

(٣) البقرة: ١٦٦.

(٤) البقرة: ١٦٧.


فليس الوهم إلّا عدمٌ محض لا يوجد إلّا في الخيال.

أو أنّ هؤلاء قد استلقَوا في أحضان الظن في أمر العقيدة، وذاقوا بهذا يسيراً من مذاق الحقيقة بعد اختلاطها بقدر جمّ من الباطل، وهم في غمرة هذا المذاق الحلو الذي يتلمّظونه بين كمّ من المرارة ركنوا المذاق الباطل الذي خلطوه به ظنّاً منهم أن للحق مذاقاً كهذا، إذ أنّهم خلطوا عملاً صالحاً بآخر سيّئاً( إن يتّبعون إلّا الظنَّ وإنّ الظنَّ لا يُغني من الحقّ شيئاً ) (١) .

والذين يمحصّون اعتقادهم الدّيني ليبلغ حدّ اليقين أو قدراً من اليقين تضعُف نسبة الشك والظنّ فيه بصورة تجعل مقدار الشك لا يؤدّي وجوده إلى زوال الطمأنينة في الاعتقاد، فهؤلاء أقرب من غيرهم إلى النهج الذي رسمه النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله لكي يسير عليه الناس بل هؤلاء لا يعجزون عن التماس الأدلّة والحجج القويّة على اعتقادهم هذا من حيث موافقته لآيات القرآن وأحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ومسلّمات العقل وفطريّاته، فهم في حقيقة الأمر يأنسون في اعتقادهم الممحّص هذا إلى التفسير السليم لنقاط الخلاف بينهم وبين الفرق الأخرى، تفسيراً يخلو من التكلّف الذي لا يُرتضى أبداً في مثل هذه المواقف، بل يقفون على أعتاب التفسير الحكيم لهذه النقاط الخلافيّة دون أن تتلجج النفوس الحرّة في قبوله ودون أن يخالفه القرآن أو الحديث أو مقتضيات العقل المتوازنة.

فهكذا يجب أن يكون الاعتقاد في المسائل الدينيّة الأصليّة، ولا يتأتّى ذلك ببذل الهِمَم في البحث والتحقيق... والتنائي عن العصبيّة والجاهليّة والتقليد الأعمى )(٢) .

وخلاصة المطلب هو أن الباحث الذي يودّ أن تأخذ الأدلّة العلميّة بيده فتنتشله من فهمه الخاطئ‏ ومبادئه الغير صحيحة، عليه أن يحرّر عقله من التقليد ليكون واقعيّاً في

____________________

(١) النجم: ٢٨.

(٢) طارق زين العابدين/ دعوة إلى سبيل المؤمنين: ١٧-١٨.


البحث عن الحقّ.

كما ينبغي لهكذا باحث أن يدرس الأمور بعقليّة نيّرة وبعيدة عن أيّة سلطة تمنعه من الاستقلال في النظر، ليصل إلى حقائق ناصعة ومعارف فاضلة وقناعات ناتجة من بحوث ودراسات واعية.

ولهذا يقول إدريس الحسيني:

( كان لديّ أخ أصغر منّي، يسألني باستمرار عن التشيّع، وكنت أقول له: أنت تعرف تقرأ، فعليك بالبحث الشخصي، وإذا أوقفك شي‏ءٌ، ساعدتك.. فأنا أضجر من أن أورّث للآخرين أفكاراً جاهزة. ولعلّه اليوم وصل! )(١) .

ويقول هشام آل قطيط في هذا المجال:

( والذي يريد أن يصل إلى الحق لابدّ من الوصول وإن طال الطريق.. لكن المشكلة.. أين تكمن؟.. تكمن في فرار الشخص الباحث عن الحقيقة من عبادة السادة والكبراء وتقديس الشخصيّات على حساب الدين.. وعن تقليد الأجداد والآباء.. ويتجرّد من كل موروث فكري، فإن تجرّد من كل ما ذكرت وتمسك بأدلّة القرآن والسنّة النبويّة والآثار الصحيحة المرويّة عن رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لابدّ أن يدرك الحق وينال مبتغاه الذي هو فيه منى كل طالب ورغبة كل راغب )(٢) .

____________________

(١) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين:عليه‌السلام ٣.

(٢) هشام آل قطيط/ ومن الحوار اكتشفت الحقيقة: ٣٢٢.


المانع الثاني:

معرفة الحق بالرجال‏

من الموانع الأخرى التي تشكّل بالنسبة إلى الباحث السنّي عائقاً مهمّاً في تخطّي الانتماء المذهبي السابق بعد الوصول إلى القناعة التامّة بأحقّية مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام هو عدم الجرأة في ردّ أقوال الشخصيّات التي أضفى عليها المجتمع هالة من العظمة والقداسة بحيث غدت أصناماً لا يجرأ أحد النيل من مكانتها.

ويقول صالح الورداني حول الوقوع في أسر قداسة الرجال ومعرفة الحق بالرجال لا معرفة الحق بالحق:

( وهذه هي متاهة الأحبار والرهبان التي أضاعت اليهود والنّصارى من قبل، وقد وقع فيها المسلمون اليوم بتبنّيهم أقوال الرجال بدلاً من تبنّيهم النصوص )(١) .

ويقول صالح الورداني حول هذا الأمر أيضاً:

( والبحث عن الحق يوجب تتبّع النص، لا تتبّع أقوال الرجال..

تتبّع النص سوف يقود إلى الحقّ..

وتتبّع الرجال سوف يجعل هناك وسائط بين الباحث والنصّ. وسوف يجعل الباحث رهين الرجال لا رهين النصّ..

إنّ النصّ هو المعيار وهو مناط التكليف.. والمسؤوليّة إنّما تقع على كاهل المسلم بالنصّ.. وحسابه يقوم على النصّ.. ونجاته من النار كذلك..

والنص هنا يقصد به النصّ القرآني أو النبوي الصحيح الموافق للقرآن والعقل فيما يتعلّق بمجال الغيبيّات والاتباع والسياسة والأخلاق وأصول الدين والولاء والبراءة، وخلاف ذلك غير النصوص المتعلّقة بالأحكام فهذه محل اجتهاد وتتباين أمامها

____________________

(١) صالح الورداني/ الخدعة: ٤٤.


الأفهام ولها أهلها ممن تتوافر فيهم القدرات العلميّة وشروط الاجتهاد.. )(١) .

ويضيف صالح الورداني في هذا المجال قائلاً:

( ولو تبنّى المسلمون قضيّة الفصل بين النصوص وأقوال الرجال معتبرين أنّ النصوص هي الأصل وأنّ الاجتهاد حادث عليها مع جميع أطروحات التراث لأمكن جلاء الحقيقة وإظهار الدين في صورته النقيّة الصافية، إلّا أن هذه القاعدة لا يمكن تطبيقها والرجال فقهاء وساسة متربصون بالنصوص وبكل محاولة لتحريرها من قيودهم )(٢) .

ويؤكّد صالح الورداني على هذا الأمر في كتاب آخر له، قائلاً:

( وعلى المسلمين أن يتحرّروا من عبادة الرجال.

وعليهم أن يتحرّروا من وهم قداسة الماضي.

عليهم أن يجعلوا النصوص فوق الرجال، وأن يتخذوها مقياساً ونبراساً لهم على طريق تصحيح الفكر الإسلامي وقراءة أحداث التاريخ )(٣) .

ويبيّن هذا المستبصر هذه الحقيقة بصورة مفصّلة قائلاً:

( وأعترف أنّ البحث... يتطلب شرطاً أساسيّاً... وهو التجرّد من قدسية الأشخاص، أي وجود الشخصيّة الفكريّة المستقلّة المتحرّرة من عبادة الرجال.

فقد كنت أغوص في التراث وأنا أحمل بين جنبي رهبة وقدسيّة لرموز السلف بداية من الصحابة ونهاية بالفقهاء.

لكنّني عندما تحرّرت من وهم القداسة - بفضل اللَّه وعونه - وجدت الطريق مفتوحاً أمامي للوصول إلى حقيقة الإسلام.

وأكتشفت أن هذا الدّين قد تحققت فيه سنّة الأوّلين التي تتمثل في طغيان الرجال

____________________

(١) صالح الورداني/ الخدعة: ٤٥.

(٢) صالح الورداني/ الخدعة: ٤٤.

(٣) صالح الورداني/ السيف والسياسة: ٢٠٣.


على النصوص من بعد الرّسول بحيث تصبح الأمّة تتلقى دينها من الرجال لا من النصوص التي ورثها الرسول، ممّا يؤدّي في النهاية إلى ضياع حقيقة الإسلام كما ضاعت من قبل حقيقة دين موسى وعيسى‏عليهما‌السلام على يد أحبار ورهبان بني إسرائيل الذين قال اللَّه تعالى فيهم:( اتّخذوُا أحبَارَهُم ورُهبَانَهم أربَاباً من دونِ اللَّهِ ) (١) .

عندما بدأت أتتبّع النصوص وأحداث التاريخ بمعزل عن الرجال، أو بمعنى أدق عندما وضعت النصوص فوق الرجال عرفت الحقّ )(٢) .

ويضيف صالح الورداني:

( وإن كان الفقهاء قد اجمعوا أنّ الرجال يُعرفون بالحق، إلّا أنّ هذه القاعدة في الحقيقة لا وجود لها من واقعهم وتراثهم.

فهم قد رفعوها شعاراً لهم في الظاهر وفي الحقيقة طبّقوا عكسها.

ولقد كان أمر التفريق بين النصّ والرجال ومحاولة فهم النصّ بمعزل عنهم هو الذي أوصلني لحقيقة الإسلام. وما كان لي أنْ أصل لهذه الحقيقة لو التزمت باعتماد أقوالهم وتفسيراتهم للنصوص. هذه الأقوال والتفسيرات التي تفوح منها رائحة السياسة في الغالب.

لقد اكتشفت الحقيقة وخرجت من دائرة الوهم إلى دائرة الحقيقة عندما تتبّعت مسيرة الإسلام من بعد الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله وأعدت قراءته من جديد.

واستراحت نفسي من بعد سنوات طويلة من التيه والحيرة عندما وقع بصري على الطرف المغيب من تأريخ الإسلام و واقع المسلمين واستقرت قدماي على الطريق.

وتبدّدت الغشاوة فور أن سطع أمامي نور آل البيت وظهرت لي معالم الصراط المستقيم وتيقنت أنّني على طريق الإسلام الصحيح )(٣) .

____________________

(١) التوبة: ٣١.

(٢) صالح الورداني/ الخدعة: ٤-٥.

(٣) المصدر السابق.


ويقول إدريس الحسيني في هذا المجال:

( أنّني أدركت منذ البداية - أيضاً - أن الحقيقة أغلى وأنفس من الرجال دون استثناء، وأنّه لابدّ لي أن أوطّن نفسي وأهيّئها للطوارئ‏ في معترك التنقيب عن الحقائق الضائعة والفضائح الغابرة.

كنت واضعاً نصب عيني احتمال الفراق، مع مجموعة شخصيّات كانوا يجرون منّي مجرى الدم، وكنت واعياً منذ البداية، ومُدركاً لأهداف الرسالة الإسلاميّة التي جاءت لتعلّم الناس قيَم السماء، لا قيَم الأرض..

فماذا تكون قيمة أبي هريرة - مثلاً - في ميزان الدّين، حتى نعطّل البحث - بسبب التقديس - عن الحقيقة التاريخيّة، وفي سبيل التغطية على فضائحها نلجأ لتزوير الحقائق كلّها، وهل (أبو هريرة) أصل من أصول العقيدة حتى يحرم عليّ‏محاسبته تأريخيّاً والاعتراف بأفعاله القباح! أو ليس من الإفك أن نسكت عن فضائحه، فتختلط بحقائق الدين، ليكون الإسلام ضحيّة كل تلك المفاسد.. )(١) .

ويقول هشام آل قطيط في هذا الصدد:

( أدعوا جميع المسلمين إلى أن يتحرّروا من القيود المذهبيّة والخروج على سلطان الماضي الذي كبّل العقليّة الإسلاميّة و وضعها على رفوف الإهمال وكأن حياتنا خلقت لتقليد كل ما هو مقدّس عند الأقدمين وإن كان خارجاً على الإسلام )(٢) .

ويقول سعيد السامرائي في هذا المجال:

( إنّ هناك - عزيزي القارئ الكريم - طريقان لمعرفة الحق، أوّلهما يوصل إليه والآخر قد يوهم بذلك.

أما الأول فهو معرفته بعد إعمال الفكر وتدقيق النظر.

____________________

(١) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ١٩-٢٠.

(٢) هشام آل قطيط/ حوار ومناقشة كتاب عائشة أمّ المؤمنين للدكتور البوطي: ٣٣٩.


وأما الثاني فهو بتقليد من تعتقد بعدالتهم.

وهذا الثاني قد يوصلك إلى الحق إن كان من تتبّع آراءهم وأحوالهم وأفعالهم على الحق، وقد يضلّك إن كانوا غير ذلك، إنّك ستظل على اعتقادك بأنّك على الحق وهو التوهم، ويكون وصفك إذ ذاك على ما جاء به التنزيل:( يَحسَبوُن أنّهُم يُحسِبُونَ صُنعَاً ) (١) ( إلّا أنّهم هُم المُفسِدوُنَ ولكنْ لا يَشعرُونَ ) (٢) .

أمّا الأول فهو الذي وصفه عليٌ أمير المؤمنين عندما أجاب السائل عن الطائفة المحقّة يوم الجمل، فلم يقل الإمام (أنا على الحق)، ولو قالها لكان صادقاً، بل قال:

(( اعرف الحقَّ تعرِفُ أهلَه ))(٣)

سبل التحرّر من التقليد وتقديس الرجال:

من أهم العوامل التي يتمكّن بها الفرد أن يتحرّر من التبعيّة العمياء لهذا وذاك هي إعمال العقل.

ويقول محمد علي المتوكّل حول العقل أنّه:

( ذلك النور الإلهي الذي يدل صاحبه على الحقّ ما لم تحجبه الأهواء والشهوات، وهو حجّة اللَّه على الإنسان، به عرف اللَّه وبه يصدّق الأنبياء، وبه يميز الحق عن الباطل، ولا دين لمن لا عقل له.

لقد سعت المناهج السلفيّة إلى سلب الإنسان جوهرته التي بها يبصر، ونوره الذي به يرى، لتجعله بعد ذلك أسير التقليد والتقديس لرجال السلف، لا كلّهم ولكن أولئك الذين ثبتت عداوتهم لأهل البيت، وخلص ولاؤهم لكل من ناصب العترة الطاهرة العداء )(٤) .

____________________

(١) الكهف :١٠٤.

(٢) البقرة: ١١.

(٣) سعيد السامرّائي/ حجج النهج: ٦.

(٤) محمد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٩.


ويقول معتصم سيّد احمد في هذا المجال:

( فقد أعطى اللَّه سبحانه الإنسان نور العقل والعلم، وجعل أمر الاستفادة منه بيد الإنسان، فمن أهمل ذلك النور ولم يشعله لكشف الواقع، سيظل يعيش في ركام من الجهل والخرافات والضلال، بخلاف الذي يستثمر عقله وينمّيه.

والفرق بين الاثنين يرجع إلى سبب واحد، وهو الثقة وعدمها، فالذي يشعر بالضعف والانهزام لا يستفيد من عقله، أما الذي يثق باللَّه تعالى وبما أعطاه من نور وعقل يصل إلى قمّة المعرفة والتحضر.

فلذلك إنّ كثيراً ممن اعترض طريقي في البحث كان يستخدم هذا الأسلوب لضعضعة ثقتي، فيقول:

من أين لك القدرة في بحث هذه الأمور؟! وإنّ كبار علمائنا لم يتوصّلوا إلى ما توصّلت إليه فما هي قيمتك أمام جهابذة العلماء؟!.. وغير ذلك من أساليب تحطيم القدرات.

ولم يكونوا يريدون منّي أكثر من أنْ أخوض فيما يخوضون، وأنعق كما ينعقون، قال تعالى:( قَالوُا حَسبُنَا مَا وَجَدنَا عليه آباءَنَا ) (١) )(٢) .

ويقول صالح الورداني حول تجربته التي أوصلته إلى معرفة الحق:

( كنت أعطي للعقل مكانه وأتيح له القيام بدوره، فمن ثمّ كنت أتميّز بالمرونة والتجاوب مع المتغيرات والارتباط بالواقع.. )(٣) .

ويقول إدريس الحسيني حول أهمية العقل:

( وعندما نفهم الإسلام بعيداً عن التوجّه الإيديولوجي السلفي نفهم أنّ الهدف منه هو إثارة عقل الإنسان لكي يمارس حياته بوعي، وليقوم بدوره الديني على يقين )(٤) .

____________________

(١) المائدة: ١٠٤.

(٢) معتصم سيّد احمد/ الحقيقة الضائعة: ٣٠.

(٣) صالح الورداني/ الخدعة: ١٤.

(٤) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٣٤٩.


ويقول صالح الورداني حول تجربة بحثه بعد أن أعمل عقله في البحوث الدينيّة المرتبطة بقضايا الدين:

( النصوص المتعلقة بقضايا الدعوة ومستقبل الدين وأصوله والولاء والبراء وتحديد مصدر التلقي والقدوة والسلوك الإنساني والنجاة من النار لا يجوز التقليد فيها، ومن حقّ المسلمين أن يعملوا فيها عقولهم من أجل الوصول إلى الحقّ..

وما ضلت الأمة إلّا بتعطيل العقل وتسليم زمامها لفقهاء الماضي وفقهاء الحكومات من المعاصرين لتتلقى منهم دينها دون أن تميّز بين ما يجب فيه التقليد وما لا يجب فيه التقليد..

ولو أتيحت الفرصة للمسلمين ليفهموا النصوص المتعلّقة بالجهاد والسياسة والحكام ومستقبل الدعوة والقدوة الحقّة بمعزل عن الفقهاء لكان من الممكن أن تتكوّن في أذهانهم صورة الإسلام الحقّة التي سوف يجعلونها مقياس الحكم على هؤلاء الفقهاء وأمثالهم.

لكنّهم جعلوا هؤلاء الفقهاء وسيلتهم لفهم هذه النصوص، وبالتالي جعلوا أنفسهم رهينة لخط محدّد هو الخط الذي رسمه الحكّام بمعونة هؤلاء الفقهاء.

من هنا فإن التحرّر من هذا الخط هو الخطوة الأولى للوصول إلى الحقّ، ولن يتحقّق هذا التحرّر إلّا عن طريق النصوص.

فهذه النصوص هي التي سوف تحدّد لنا القدوة الحسنة - التي يجب أن نتّبعها ونتلقّى منها ديننا - من القدوة السيّئة التي من الممكن أن نسقط في حبائلها فيما لو نحّينا النصوص جانباً وعطّلنا العقل..

وعندما تحدّد النصوص من هم القدوة ومصدر التلقي تحسم القضيّة وينتهي الخلاف ويتوجّب الالتزام. فهذه القدوة سوف تكون مناط الحقّ والمعبرة عنه والناطقة بلسانه..

ومن خلال بحثي وتأمّلاتي تبيّن لي أنّ هناك قدوة سيّئة سادت الأمّة من بعد


الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ومنها برزت جميع الأطروحات التي موّهت على حقيقة الإسلام وزيّفت النصوص وحجبت بأقوالها وتفسيراتها حقيقتها عن الأمّة، وبالتالي أسهمت في تمكين الباطل وإضعاف الحقّ واختراع سبل متفرّقة أضلّت الأمة عن سبيل اللَّه...

وعندما يتمّ الكشف عن القدوة الحقّة سوف تتضح أمامنا القدوة الباطلة والحكم في ذلك إنّما يكون للنصوص وليس للرجال..

وتبرز لنا أهميّة القدوة وكونها قضيّة مصيريّة حين يتبيّن لنا أن الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله هو خاتم الرسل وأن هذا الختم يفرض وجود قدوة حسنة تحفظ الدين من بعده وتسدّ الفراغ الذي أحدثه غيابُه في واقع الأمّة.

وهذه القدوة يجب أن تتوافر بها مؤهّلات خاصّة لتأدية هذه المهمّة تميزها عن الآخرين حتى لا يقع النزاع وتستقطب الأمة قدوات أخرى تقودها نحو الباطل..

وقد شغلتني هذه المسألة كثيراً أو شكّلت حيرة كبيرة بالنسبة لي.

في وسط هذه الحيرة كانت هناك تساؤلات كثيرة لا أجد لها إجابة في الأطروحة أو في التراث الذي بين أيدينا، أوّل هذه التساؤلات كان في تحديد ماهيّة الحق بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

هل هو ينحصر في القرآن؟

وإذا كان ينحصر بالقرآن فأين التفسير الحق لهذا القرآن؟

ولقد تتبّعت تأريخ القرآن فلم أجد جواباً بل زدت شكّاً وحيرة بسبب الطريقة التي تمّ بها جمع القرآن، والخلافات التي وقعت بين الصحابة حول جمعه وتفسيره..

وزاد الطين بلّة تلك الروايات الكثيرة التي تتعلّق بآيات من القرآن لم تدوّن فيه أو تمّ رفعها وبقى حكمها أو بقى نصّها ورفع حكمها..

إنّ مثل هذا الخلاف حول القرآن قد ولّد لديّ قناعة بأنّه لابدّ وأن تكون هناك جهة ما تحسم هذا الخلاف، وأنّ هذه الجهة لابدّ وأن تكون هي القدوة الحسنة.. ولكن من هي هذه القدوة؟


ولماذا لم تبرز لتؤدّي دورها في حفظ الدين؟

إنّ أمّة العرب كأي أمّة سابقة لها لابد وأن ينطبق عليها حال هذه الأمم.

ومن المعروف أن الأمم السابقة كانت تمرّ بحالة تراجع عن الدين (ردّة) بعد رحيل الرسول الذي كُلّف ‏بالدعوة فيها ممّا كان يقتضي إرسال رسول جديد.

فما الذي سوف يقوّم هذا الانحراف؟..

لابدّ وأن هناك قدوة حسنة تحل محل الرسول من بعده ترجع إليها الأمّة.

وإذا كان موسى‏عليه‌السلام عندما غاب عن قومه ليأتي بالألواح وضع أخاه هارون مكانه ليخلفه في قومه حتى يعود إليهم، أليس من الأولى بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يفعل نفس الشي‏ء في قومه خاصّة وأنّه يعلم أنّه لا نبيّ بعده؟

قد يطرأ على الذهن أنّ الرسول قد ترك القرآن الذي تكفّل اللَّه بحفظه إلى قيام الساعة، وهذا وحده كاف لسدّ الفراغ الذي أحدثه غيابُه والقرآن هو أفضل قدوة..

وأمام هذا الاستنتاج تطرح تساؤلات أخرى:

أنّ الرسل قد تركوا كتباً بين أقوامهم قبل رحيلهم، ومع ذلك انحرفت هذه الأقوام.

وبنو إسرائيل على وجه المثال حرّفوا الكَلِم عن مواضعه، أيّ أنّ انحرافهم تجاوز حدود السلوك الشخصي إلى تحريف الكتاب الذي ورثوه عن الرسول.

وهذا يدلّ على أنّ الكتاب وحده لا يكفي لضبط حركة الأمّة من بعد الرسول، فلابد أن تكون إلى جواره قوّة تنفيذيّة مميّزة ترجع إليها الأمّة حال الخلاف والانحراف...

هذه القوة هي الفئة المصطفاة من الأمّة التي ترث الكتاب من بعد الرسول كما هو حال الأمم السابقة... وهي ما يتّضح من خلال قوله تعالى:

( ثمّ أورَثنَا الكتَابَ الّذينَ اصطَفَينَا من عِبَادِنا ) (١) .

____________________

(١) فاطر: ٣٢.


فلو كان الكتاب وحده يكفي ما أورثه سبحانه للفئة المصطفاة التي هي القدوة من بعد الرسول

والقرآن لم يحسم الخلاف والردّة التي وقعت بعد وفاة الرسل مباشرة، إنّما حسم هذا الأمر بواسطة السيف.

فالقرآن حاله كحال الكتب السابقة له لابدّ وان تنحرف عنه الأمّة. وهو لم يحكم في الخلافات التي وقعت حول مسألة الخلافة، كما لم يحكم في مواجهة القبائل التي اعتبرت مرتدّة وقوتلت على هذا الأساس، ولم يحكم في قضايا أخرى كثيرة..

وبالإضافة إلى الخلاف الذي وقع حول جمعه بين الصحابة، يمكن طرح السؤال التالي: إنّ القرآن الذي تركه الرسول لم يحل دون وقوع الردّة والخلاف، فهل هذه الردّة وقعت بسبب الانحراف عن القرآن أم الانحراف عن القدوة؟..

إنّ التاريخ يجيب مؤكّداً أنّ السبب المباشر لهذه الردّة كان بسبب الانحراف عن القدوة وليس بسبب القرآن..

فالذين منعوا الزكاة كانوا مسلمين..

والرافضون بيعة أبي بكر كانوا مسلمين..

فهم كانوا مسلمين ملتزمين بالقرآن ومؤمنين به إلّا أنّ هذا الإيمان وهذا الإلتزام لم يحل دون انحرافهم..

من هنا بدأت رحلة البحث عن هذه القدوة المتميّزة.

وهذه الرحلة كان اعتمادي وزادي فيها هو النصوص، فهي الحكم الوحيد بين أيدينا للخلاص من متاهات الرجال والوصول إلى الحق... إنّ الحق إنّما يعرف بالنص لا بالرجال، والرجال إنّما يعرفون بالحقّ لا العكس. وما دمت معتقداً انّ النصّ فوق الرجال فقد تكشفت أمامي معالم الطريق )(١) .

____________________

(١) صالح الورداني/ الخدعة: ٤٥-٤٩.


المانع الثالث:

التعصّب‏

إنّ التعصّب يعدّ من الموانع الأخرى التي تحول بين المرء و بين إذعانه وإتباعه للحقّ، لأنّ التعصّب يدفع صاحبه إلى الجمود على فكرة معيّنة وعدم السماح لنفسه بتغيير معتقداته مهما بلغت الأدلّة والبراهين المثبتة لبطلان ما هو عليه.

والتعصّب يدفع صاحبه إلى التشبث بآراء طائفة معيّنة مصرّاً على أنّها دون غيرها هي الحق الذي يجب إتباعه.

ومن آثار هذا الداء العضال أنّه يصدّ صاحبه عن الإصغاء إلى دليل المخالف أو الاهتمام بما يذكر من أدلّه، لأنّه يكون دائماً مسيء‏ الظن بكلّ من يخالفه في الرأي، فيؤدّي به ذلك إلى أن يعيش حالة الحرمان من الرؤية المترويّة والمتّزنة لأفكار من يخالفه في الرأي، ومن ثمّ يندفع هكذا شخص إلى عدم قبول الحق حين ثبوته موافقاً لما يذهب إليه الآخر.

ولهذا يكون المتعصّب محروماً من معرفة الحق و إن جُعلت الحقيقة أمام بصيرته كالشمس في رابعة النهار.

و يشير محمد مرعي الأنطاكي إلى هذه الحقيقة في كتابه (لماذا اخترت مذهب الشيعة) قائلاً:

( انظر بدقّة وإمعان، إلى ما أوردناه لك من الحجج والبراهين في هذا الكتاب، كيف تجلّى الحقّ، واّتضح السبيل لسالكيه الذين أخلصوا النيّة، وتجرّدوا عن العصبيّة المذهبيّة والنعرات الطائفيّة العمياء المهلكة، أما من بقي مصرّاً على عناده، فلا تفيد الروايات وإن كثرت وكثرت، ولو قدّمناه له ألف دليل ودليل )(١) .

ولهذا ينبغي للباحث الذي يودّ أن يمتلك جرأة التخلّي عن معتقداته عند ثبوت

____________________

(١) محمد مرعي الانطاكي/ لماذا اخترت مذهب الشيعة: ٤٩٠.


خطئها أن يروّض نفسه للأخذ بالحق، وأن يتجرّد عن الرؤية الطائفيّة، وأن لا يدع للتعصّب مجالاً للتوغّل في سريرته، وإن كان مبتلياً به، فعليه أن يخلع رداء التعصّب عن ذاته وأن يميت كلّ عصبيّة مستقرّة في سويداء قلبه، ليتعامل مع آراء المذاهب الأخرى بمرونة وليمتلك قدرة النظر إلى من يخالفه في الرأي بعين الحياد.

ولكن من المؤسف - كما يذكر المستبصرون - أنّ الكثير من الجهات المتوليّة لإدارة شؤون الناس الدينيّة تحاول نتيجة عدم امتلاكها الأدلّة الكافية لإثبات أحقّيتها أن تحمي عقيدة الناس بغرس التعصّب في نفوسهم.

لأنّ المتعصّب يدفعه التعصّب إلى عدم الإصغاء لأقوال المخالفين، لأنّ من المقرّر سلفاً أنّ ما عندهم باطل، فلا داعي لتضييع الوقت في الإصغاء إلى الباطل.

ويشير التيجاني السماوي إلى معاناته من الذين قيّدوا عقله ردحاً من الزمن، قائلاً:

( قومي الذين جمّدوا فكري ردحاً من الزمن وحجّروا عليّ أن أفقه الحديث أو أحلل الأحداث التاريخيّة بميزان العقل والمقاييس الشرعيّة التي علّمنا إيّاها القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة.

ولذلك سوف أتمرّد على نفسي وأنفض عنّي غبار التعصّب الذي غلّفوني به وأتحرّر من القيود والأغلال التي كبّلوني بها أكثر من عشرين عاماً ولسان حالي يقول لهم:

يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربّي وجعلني من المكرمين.

يا ليت قومي اكتشفوا العالم الذي يجهلونه ويعادونه دون أن يعرفونه )(١) .

ويرى ياسين المعيوف البدراني أن محاولة غرس التعصّب أعم من أن تكون حالة عفويّة من قبل بعض الجهات، بل هي تسير وفق خطط مدروسة تدعمها جهات تعي ما تفعل.

ولهذا يقول في هذا المجال:

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ١٢٢.


( يبدوا أن هناك إشكالاً عميقاً يكمن في منهاج الدراسة في الجامعات والمعاهد الدينيّة حيث تقتصر كل مؤسّسة على تدريس اتّجاه معيّن ونمط واحد من العقائد والفقه والعلوم الدينيّة متجاهلةً سائر الاتّجاهات والمذاهب الأخرى.

وإنّ الأنكى والأخطر من ذلك هو تعبئة الطلاب فكريّاً ونفسيّاً ضدّ كل ما يخالف تلك المؤسّسة ومنهجها، فيتخرّج طلاب هذه العلوم بفكر منغلق وعقليّة ضيّقة محدودة جاهلين الرأي الآخر ومنحازين بتعصّب أعمى ضد كل مالا يوافق فكرهم )(١) .

وقد أشار الكثير من المستبصرين إلى هذا المانع الذي يقف بوجه كل باحث سنّي يقصد تغيير انتمائه المذهبي بعد وصوله إلى القناعة التامّة بأحقّية مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام .

ويقول التيجاني السماوي حول هذا المانع الذي اعترى طريقه ليصدّه عن ترك موروثاته العقائديّة، أنّه بعد ما جرى بينه وبين صديقه الشيعي الأستاذ منعم في بغداد حواراً أدي إلى توسيع آفاق رؤاه، طرأت على باله خواطر، منها أنّه قال في قرارة نفسه:

( يا إلهي، لماذا أُكابر وأُعاند وقد أعطاني حجّة ملموسة من أصحّ الكتب عندنا؟... أأسلّم لهم بهذه الحقيقة؟...، ولكن أخاف من هذه الحقيقة فلعلّها تتبعها حقائق أخرى لا أحبّ الاعتراف بها، وقد انهزمتُ أمام صديقي مرّتين... ولكنّي لا أريد هزيمة أخرى، وأنا الذي كنت منذ أيّام قلائل عالماً في مصر أفخر بنفسي ويمجّدني علماء الأزهر الشريف، أجد نفسي اليوم مهزوماً مغلوباٌ ومع من؟ مع الذين كنت ولا أزال أعتقد أنّهم على خطأ، فقد تعوّدت على أنّ كلمة (الشيعة) هي مُسبّة.

إنّه الكبرياء وحبّ الذات، إنّها الأنانيّة واللجاج والعصبيّة، إلهي ألهمني رشدي، وأعنّي على تقبّل الحقيقة ولو كانت مُرّة.

اللهمّ افتح بصري وبصيرتي واهدني إلى صراطك المستقيم، واجعلني من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه.

____________________

(١) ياسين المعيوف البدراني/ ياليت قومي يعلمون: ٥٠.


اللهمّ أرنا الحقَّ حقّاً وارزقنا اتّباعه وأرنا الباطلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه.

رجع بي صديقي إلى البيت وأنا أردّد هذه الدعوات فقال مبتسماً:

هدانا اللَّه وإيّاكم وجميع المسلمين، وقد قال في محكم كتابه:( والّذينَ جاهَدُوا فينَا لنَهديَنَّهُم سُبُلَنا وإنّ اللَّهَ لَمَعَ المُحسنينَ ) والجهاد في هذه الآية يحمل معنى البحث العلمي للوصول إلى الحقيقة، واللَّه سبحانه يهدي إلى الحق كلّ من بحث عن الحق )(١) .

ويشير التيجاني السماوي في كتابه (ثمّ اهتديت) إلى دور التعصّب في إبعاد الإنسان عن اتّباع الحق بعد ذكره جملة من معتقدات أهل البيت‏عليهم‌السلام :

( ولَعمري إنّه الحق الذي لا مفرّ منه لو يتحرّر الإنسان عن تعصّبه الأعمى وكبريائه وينصاع للدليل الواضح )(٢) .

ولهذا يؤكّد التيجاني السماوي في العديد من كتبه على وجوب نبذ التعصّب لكلّ باحث يبتغي التعرّف على الفرقة الناجية من بين الفرق الإسلاميّة ، وقد قال في كتابه (الشيعة هم أهل السنّة):

( هذا وقد ولّى عصر التعصّب والعداوة الورثيّة، وأقبل عهد النور والحريّة الفكريّة، فعلى الشاب المثقّف أن يفتح عينيه، وعليه أن يقرأ كتب الشيعة ويتّصل بهم ويتكلّم مع علمائهم كي يعرف الحقّ من بابه، فكم خُدعنَا بالكلام المعسول وبالأراجيف التي لا تثبتُ أمام الحجّة والدليل.

والعالم اليوم في متناول الجميع، والشيعة موجودون في كل بقاع الدنيا من هذه الأرض، وليس من الحقّ أن يسأل الباحث عن الشيعة أعداء الشيعة وخصومهم الذين يخالفونهم في العقيدة، وماذا ينتظر السائل من هؤلاء أن يقولوا في خصومهم منذ

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ٤٤.

(٢) المصدر السابق: ٩٧.


بداية التاريخ؟

فليست الشيعة فرقة سرّيّة لا تُطلع على عقائدها إلّا من ينتمي إليها، بل كتبها وعقائدها منشورة في العالم، ومدارسها وحوزاتها الإسلاميّة مفتوحة لكلّ طلاّب العلم، وعلماؤهم يقيمون الندوات والمحاضرات والمناظرات والمؤتمرات، وينادون إلى كلمة سواء وإلى توحيد الأمّة الإسلاميّة.

وأنا على يقين بأنّ المنصفين من الأمّة الإسلاميّة إذا ما بحثوا في الموضوع بجدّ سوف يستبصرون إلى الحقّ الذي ليس بعده إلّا الضّلال، لأنّ مانعهم من الوصول هو فقط وسائل الدعاية المغرضة والإشاعة الكاذبة من أعداء الشيعة أو تصرّف خاطئ من بعض عوام الشيعة.

ويكفي في أغلب الأحيان أن تزاح شبهة واحدة أو تنمحي خرافة باطلة حتى ترى من كان عدوّاً للشيعة يصبح منهم )(١) .

ويقول التيجاني السماوي أيضاً في هذا المجال في كتاب آخر له:

( وها نحن اليوم، في عهد الحرّيات، في عهد النور كما يسمّونه في عهد العلم وتسابق الدول لغزو الفضاء والسيطرة على الأرض، إذا ما قام عالمٌ وتحرّر من قيود التعصّب والتقليد، وكتب أيّ شي‏ء يُشمّ منه رائحة التشيّع لأهل البيت، فتثور ثائرتُهم وتُعبَّأُ طاقاتهم لسبّه وتكفيره والتشنيع عليه لا لشي‏ء سوى أنّه خالف المألوف عندهم )(٢) .

ويشير صائب عبد الحميد إلى تجربته ومعاناته من الكبرياء الذي حاول أن يمنعه من الاستبصار قائلاً:

(وإنّي أعترف على نفسي أن لو لم تتداركني رحمة ربّي وتوفيقاته لصرعتني تلك النفس (المعاندة) ولقد كادت ونجحت مرّةً، ولكنّ اللَّه أعانني عليها...


فبعد أن أمضيت الشهور في الدرس والتنقيب والمناظرة والبحث، وبلغت كامل اليقين واستجمعت قواي في ليلةٍ ختمتُ فيها مجلساً في بحث متشعّب عميق في هذه المواضيع، فخرجتُ منه وأنا أشدّ يقيناً وأثبتُ حجّةً عازماً أن أبدأ الفجر الجديد بالصلاة وفق مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام ...

وبينما كنت أعيش نشوة الانتصار وحلاوة اليقين، إذ صادف أن اجتمعت مع ثلّة من أبناء الشيعة، فتناولنا أطراف الحديث، فلمّا رأيتهم يتحدّثون وملؤهم الفخر بمذهبهم ثارت فيّ تلك النفس - المعاندة - من جديد، وأبت أن توافقهم!

فخضت الحديث معهم أُغالط نفسي على علمٍ وإصرار، ومضيت هكذا حتى سئمت نفسي واضطربت في داخلي، ولكنّي لست مستعدّاً للانقياد لهم!

فعدت متحيّراً من نفسي وما فيها، ونمتُ مصروعاً ثقيلاً.. وعدت أقضي شهوراً أخرى مضطرباً بين يقينٍ عرفته وأعتقده وبين عناد وكبرياء لهما جذور قديمة!

وبقيت هكذا أصطنع العلل والأعذار وأجعلها شرعيّةً طبعاً، ولكنّها كانت كبيوتات الصغار، يشيدونها على الرمال فتنقشع وتزول آثارها بعد ساعة حتى أجليتُ ما في صدري بدموع الليل وزفرات الخلوة، أبكي حبّاً وشوقاً إلى سادة الخلق وأنوار الهدى، وأبكي على نفسي وغَلَبتها.

حتى أحسست و أنا في هدأة الليل كأنّ قطرة من تلك الدموع قد أتت على آخر عِرق من عروق تلك الكبرياء، فاقتلعتها من محلّها، وسقت مكانها بذرة، بذرة الطّاعة الولاء، فانتفضتُ مُكبّلاً أُطلق لتَوّه، خفيف الحمل كطائرٍ صغير، مستبشراً كضائع أشرفَ فجأةً على أحبّته وذويه.. وأفقتُ مطمئنّاً في أوسط سفينة النجاة، أنهل من منهلها العذب الصافي )(١) .

ولهذا يقول صائب عبد الحميد لإخوانه من أهل السنّة مشيراً إلى خطورة التعصّب

____________________

(١) صائب عبد الحميد/ منهج في الانتماء المذهبي: ٣١١-٣١٢.


و دوره في صدّ الإنسان عن الإذعان للحقّ:

( إنّي - يا صديقي - قد ورثت مثلكم تلك القناعات، ولم أكن آلِف سواها، بل إنّي ممّا يخالفها لحذر نَفور.

ولست أنسى كم نحاول الغوص في أعماقها، حتى إذا تغلغلنا يسيراً، اصطدمنا بذلك الحاجز الموهوم، لنرتدّ على أدبارنا القهقرى!

فكم مرّةً بلغنا - والحرقة تقوي قلوبنا، والدمعة لها بريق في أعيننا - أن نقول: إنّ الإمام عليّاً كان مظلوماً.

لقد قلناها كلّنا غير مرّة، ولكنّنا لم نتمكّن - لما في أنفسنا من حواجز - أن نستغرق النظر، لنعرف مسؤوليّتنا تجاه ذلك الظلم وتلك الظُلامة!

لقد أنستنا تلك الحواجز أنّنا مؤمنون، علينا أن نتحرّى الحق فنتّبعه، ونلتزم الموقف السليم الذي ينجو بنا يوم الموقف العسير!

ورجائي أن لا أكون مؤاخذاً عندك إن قلتها، فهي حقيقة حاكمة مهما حاولنا التنكّر لها، إنّها العصبيّة والكبرياء، هي التي تحجبنا عن تبنّي الموقف الشرعيّ أينما وجدناه.

ولسنا أوّل منهزمين أمامها، فلقد قهرت من هم أشدّ منّا قوّةً، وأكثر جمعاً! ولعلّ من بينهم أبو حامد الغزالي ، الذي قال مرّة - معتقداً بصحّة ما يقول -: ولكن أسفرت الحجّة وجهها، وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبتهصلى‌الله‌عليه‌وآله في يوم غدير خمّ، باتفاق الجميع، وهو يقول: ( مَن كُنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاه )).

فقال عمر: بَخٍ بَخٍ لك يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمنٍ ومؤمنة.

فهذا تسليم ورضى وتحكيم ثمّ بعد هذا غلب الهوى بحبّ الرئاسة وحمل عمود الخلافة، وعقود البنود، وخفقان الهواء في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيل، وفتح الأمصار سقاهم كأس الهواء، فعادوا إلى الخلاف الأوّل، فنبذوا الحقّ وراء


ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون(١) .

ولعلّ منهم في عصرنا هذا: شيخ الأزهر الأسبق الشيخ سليم البشري، وقد صرّح هو بذلك في جوابه للسيّد شرف الدين الموسوي، بعد مناقشات ومراسلات طويلة بينهما عرض عليه السيد الموسوي من خلالها أدلّةً وبراهين قاطعة بأحقّية مذهب أهل البيت، وأنّهم -عليهم‌السلام - أولى بالإتباع من سواهم، فأجابه الشيخ قائلاً:

وحين أغرقت في البحث في حجّتك، وأمعنت في التنقيب عن أدلّتك، رأيتني في أمر مَريج:

أنظر في حججك فأراها مُلزمة، وفي بيّناتك فأراها مسلّمة، وأنظر في أئمّة العترة الطاهرة فإذا هم بمكانة من اللَّه ورسوله يُخفض لها جناح الذلّ هيبةً وإجلالاً..

ثمّ أنظر إلى جمهور أهل القبلة، والسواد الأعظم من ممثّلي هذه الملّة فأراهم مع أهل البيت على خلاف لما توجبه ظواهر الأدلّة!

فأنا أؤامر منّي نفسين:

نفس تنزع إلى متابعة الأدلّة..

وأخرى تفزع إلى الأكثريّة من أهل القبلة! قد بذلت لك الأولى قيادها، فلا تنبو في يديك، ونَبت عنك الأخرى بعنادها، فاستعصت عليك..!!(٢) )(٣) .

ويشير صائب عبد الحميد أيضاً في كتابه (منهج في الانتماء المذهبي) إلى مبحث مفصّل حول أسباب نشوء التعصّب والموقف الانحيازي وأثره في الوجود الاجتماعي لهذه الأمة وكيف ينبغي أن نواجهه؟ ويبدأ حديثه حول هذا المبحث بطرح هذا السؤال قائلاً:

____________________

(١) كتاب سرّ العاملين - للغزالي - المقالة الرابعة/ ٢٠-٢٤؛ ورواه سبط عنه ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ٦٢.

(٢) المراجعات/ المراجعة: ١١.

(٣) صائب عبد الحميد/ منهج في الانتماء المذهبي: ٣٠٩.


( لماذا هذا التجافي بين أبناء المذاهب الإسلاميّة؟

هل انتخب كلّ منّا مذهبه عن وعي وإدراك وبعد الدرس والتحقيق؟ أم كيف حصل هذا الانتماء؟

بين هذين السؤالين تدور أشياء كثيرة، منها ما هو بديهي، ومنها ما يتطلّب بعض العمليّات العقليّة، وما لم نمتلك الروح الموضوعيّة في مواجهة القضايا، فسوف تغيب عنّا حتى تلك الأمور البديهيّة.

ولابدّ أن نعترف مقدّماً بأنّ هذه الموضوعيّة ستكون أمراً صعباً للغاية عندما نواجه قضايا تتعلّق بالعقائد والتقاليد والموروثات التي تشبّعت بها العروق، وألفتها النفوس.

وسوف تكون أشدّ وأصعب عندما يدور الحديث بين تلك العقائد والموروثات من جهة، وبين ما يقابلها لدى الآخرين من جهة أخرى، فالانحياز الفوري نحو المألوف هو النتيجة المتوقّعة دائماً، بينما يبقى الموقف الموضوعي أمراً نادر الحصول.

كيف نشأ هذا الموقف الانحيازيّ؟

وما هو نصيبه من الصحّة؟

وما هو أثره في الوجود الاجتماعي لهذه الأمّة؟

وكيف ينبغي أن نواجهه؟

ينبغي أن يثيرنا سؤال واحد يجب أن نضعه أمام أنفسنا لأجل البحث عن سرّ اختلافنا، وهذا التجافي الحاصل بيننا. ولعلّنا سوف نمسك بطرف من أطراف الاتّفاق، ونقترب خطوةً نحو الموضوعيّة لو ابتدأنا من هذه الملاحظة البسيطة:

فلو أنّك سألت شابّاً ولد في مدينة (النجف) فقلت له: هل ستكون شيعيّاً لو حصل أنّك ولدتَ في (حَلَب) من أبوين سنّيين؟

وهكذا لو سألت الحلبي، هل ترى أنّك ستكون سنّياً بهذه الطريقة، لو أنّك ولدت في (النجف) في أسرة شيعيّة؟

هنا سوف لا يختلف منّا اثنان حول الجواب الذي سنسمعه، بل يمكننا أن نضع


الجواب مقدّماً، متّفقين على أنّه من المسلّمات التي لا خلاف فيها.

وهذه الملاحظة وحدها تكفي لأن تضعنا أمام الحقيقة كلّها، وتكفي لأن تبعث فينا الاستغراب لهذا التجافي والتنافر الحاصل بيننا، كما تسمح لنا هذه الملاحظة أيضاً أن نطرح مزيداً من الأسئلة اللازمة، لنقترب أكثر نحو الموضوعيّة كلّما استطعنا أن نزيح شيئاً من دواعي الانحياز الوهميّة المتراكمة فينا.

ولنبدأ بالسؤال حول الانحياز نفسه، والعصبيّة ذاتها:

فهل سيرضى أحدُنا لو وجد آخر يتعصّب ضدّه من غير دواعٍ حقيقيّة، وبدون أن يتعرّف على حقيقة مواقفه وآرائه؟

فإذا كان الجواب بالنفي بديهيّاً لدى هذا الشخص، فلماذا نتوقّع أن يكون موقف أشخاص محايدين، نفترض أنّهم يراقبون هذا المشهد؟ قطعاً انّهم سيؤاخذون المتعصّب على تعصّبه.

إذن، فعند الجميع كان التعصّب لذاته شيئاً ممقوتاً.

أفلا يكون من التناقض إذن أن نحمل بين جوانحنا أشياء نمقتُها لدى الآخرين، ونمقتُها بالأصل؟!

فلماذا لا نكون إذن على مستوى تقبّل الطرح العلميّ والموضوعي الذي يتناول شيئاً من مواقفنا تجاه الأشياء والقضايا المبدئيّة، وتجاه بعضنا؟

وماذا في الأمر؟ فما دام الطرح موضوعيّاً وعلميّاً، فإنّه سيثبّتنا على ما نحن عليه، إن وافقنا الأصل والصواب، أو أنّه سيرشدنا إلى ما هو أحقّ وأهدى، إن لم نكن قد وافقناه.

ألسنا جميعاً من دعاة الحقّ، وطلابه؟

ولكنّ السرّ كلّه يكمن ها هنا، فثمّة حقيقة نستطيع أن نطلق عليها:

(الخوف من الهزيمة) أمام الطرف المقابل، تراودنا جميعاً، وهذه حقيقة لا يمكن لنا أن نوافق الصواب إن تنكّرنا لها، وقد تتجلّى هذه الظاهرة في الملاحظات التالية:

- أفلا ترون أنّنا لو صدمتنا الحقيقة بشي‏ء يخالف ما ألفناه واعتقدناه، لظهرت ردود


الفعل فينا - فوراً - على هيئة غضب وثورة، ثمّ أحكام تُلقى جزافاً، وربما أعقبتها سخريّة، ثمّ يستدل الستار على الموضوع، حتى لو عاد يواجهنا ثانيةً لما أحدث فينا أثراً يُذكر، ولأصبح كأيّة مسألة لا تستحق العناية، أو الالتفات!

وبهذه الطريقة يدفعنا اللاشعور للتسلّح بالمناعة الكافية ضدّ أيّ مفهوم يخالف المألوف، ولو كان أكثر منه ثباتاً، وأقوى حجّةً.

وهذه ظاهرة عامّة في بني الإنسان، إلّا من تحرّر منها بالوعي والمعرفة، وتلك شجاعة ما أعزّها!

- وترانا أيضاً حين نواجه الأمر معكوساً نقف منه الموقف المناسب! فلو عرض علينا مذهبنا مفهوماً أو اعتقاداً لا يستقيم مع الفطرة السليمة والعقل المستقيم والبيان الشرعيّ، فإنّ ردّ الفعل هذه المرّة سيأتي على هيئة تنازل تلقائي عمّا نرتضيه حقيقةً، لنخضع - بأي مستوى من مستويات الخضوع - لمعانٍ تأباها عقولنا، وتنفر منها فطرتنا ولكنّنا ورثناها!

ولو خشينا من أنّ هذه المعاني الجديدة قد تستولي علينا، فإنّنا نلجأ - من حيث ندري، أو لا ندري - إلى غضّ النظر عنها، مؤثرين السكوت، والوقوف عند أيّ مستوى يمكننا أن نخضع له، مستبعدين إمكان المناقشة والحوار!

فما الذي يدفعنا إلى كلّ هذا؟ إنّه (الخوف من الهزيمة)!

ذلك الشبح الذي يراود كل من يواجه مثل هذا الموضوع، حيث يرغب، بل يندفع من الداخل لأن يكون متفوّقاً، ويهرب من أيّ نوع من أنواع التراجع، حتى لو كان تراجعاً أمام الحقّ وأمام الحكم الشرعي!

وهو لأجل إرضاء هذه الرغبة يطرح في المقابل آراء وحججاً ليقتنع بها ويجعلها في النهاية سدّاً منيعاً دون الدخول في أيّة محاولة للمناقشة الجادّة، والحوار والمتابعة.وعندما تكون تلك الهواجس متفوقة لديه جدّاً، فإنّه سيكتسب قناعات شديدة بكلّ ما من شأنه قطع السبيل إلى ميادين التفكير الحرّ، ويجعل أيّ شي‏ء من هذا القبيل بمثابة الأمر المحرّم الذي يجب إنكاره كلّياً.


ثمّ كيف نفسّر وجود هذه العُقد النفسيّة المتراكمة فينا تراكماً جعل أحدنا يرى أن مجرّد اقترابه من الآخر يُعدّ مستوى من مستويات الهزيمة، أو الضعف العقائدي، أو أنّه مجاملة على حساب المبادئ!

ومن منّا ينكر ظاهرة الانكماش النفسي المفاجئ ، والنفور غير الإراديّ التي فرضت نفسها حتى على الكثير ممّن جاء ليعالج هذا الداء العُضال، ويرسم حدود هذه المشكلة المُستعصية في الأمّة؟

فحتى الكثير من هؤلاء ينزلق من حيث لا يشعر، فيمارس مرّة أخرى تجسيد تلك الروحيّة، وتعميق تلك الحواجز النفسيّة التي سيكون لها هنا آثار أكثر سلبيّة حتى من تلك البحوث التي تُكرّس أصلاً لتعميق الخلاف وإحياء الروح الطائفيّة، وذلك لأنّها ستوحي للقارئ بأنّ هذه الظاهرة هي بمستوى الحقيقة التي تأصّلت في النفوس، واصبحت جزءاً لا يتجزّأ من عقائدنا وعواطفنا، وعند هذا يصبح مجرّد مناقشاتها أمراً مخالفاً للطبع، وليس له موضع بيننا على الإطلاق.

ومن أبرز الأمثلة على هذا النمط، ما نجده عند بعض من كتب في الدفاع عن الوحدة الإسلاميّة، متحمّساً ضدّ الطائفيّة ومروّجيها، ثمّ إذا أراد أن يستشهد بمثال، أو يأتي بمصاديق على دعواه، مال على الجانب الآخر، مسجّلاً نماذج من حملات بعض رجالهم ضدّ المذهب الذي ينتمي إليه هو، فكأنّه يريد أن يقول: إنّ أولئك هم أساس هذه النزاعات، وهم الذين يؤجّجون نار الفتنة بين المسلمين، ولم يكن أصحابه هو إلّا مدافعين عن مذهبهم المُستهدَف!

وهكذا يمارس دوره من جديد في إثارة النزاع بما يثيره من ردود فعل سلبيّة لدى الأطراف الأخرى، فيضيف حلقةً أخرى إلى مسلسل النزاعات!

بينما كان الأجدر به - حين يلجأ إلى مثل هذا الاستشهاد - أن ينتخب نموذجاً من حملات أصحابه هو ضدّ المذاهب الأخرى، فيردّها، ويبعدها عن ساحة القبول، وبهذا يكون قد أعطى نموذجاً صادقاً ورائعاً في هذا المضمار، وقدّم مثالاً لروحيّة عالية


تترفّع على الأهواء والعصبيّات، وتميل بصدق لتحقيق التآلف بين أبناء هذه الأمّة الواحدة.

ذلك بحقّ إنسان في القمّة، وما أحوجنا إليه في كلّ مكان وزمان.

إنّ تلك الروحيّة العالية وحدها هي التي تحقّق أثراً إيجابيّاً يرجى أن يؤتي ثماره على طريق التقارب والتفاهم والحوار العقلاني الواعي الذي سيزيدنا قوّةً ويوفّر بيننا مستوى من الانسجام والاتّحاد لا يقلّ عن درجة الإحساس الصادق بالارتباط المصيريّ والاتّحاد العقيدي.

وسيعيننا هذا الفهم، بل سيدفعنا إلى التعرّف على بعضنا من جديد، بروح أخويّة نزيهة، ويزوّدنا برغبة صادقة في البحث عن الحقائق الناصعة المبرّأة من كلّ ما تراكم من غبار زمن طويل، ملي‏ء بالنزاعات والتخاصم، وتبادل التهم والشتائم و...

وبمثل هذه الصيغة يمكننا أن نتوصّل إلى جذور تلك الحواجز النفسيّة وخلفيّات هذا التشنّج وتلك العصبيّات المقيتة.

فلقد بلغت بنا تلك العصبيّات حدّاً بالغ الخطورة، حتى صار تعصّبنا لأيّ شي‏ء ألفناه هو أشدّ ألف مرّة من استعدادنا للتمسّك بالحكم الشرعي الثابت.

وهذا يقابله تعصّب مماثل ضدّ ما نراه لدى الأطراف الأخرى.

ومن المهم أن أؤكّد هنا أنّي لا أعني مفهوماً بالذات، أو طائفة من المسلمين دون غيرها، ولا فرداً دون آخر، بل أريد تلك الظاهرة التي أضحت (مرضاً) نفسيّاً أرسى جذوره في أعماقنا - أفراداً وجماعات - حتى أصبحت معظم التقاليد التي نُسبت إلى المذهب وألصقت به وهي ليست منه، حاكمةً حتى على النصّ الشرعي الثابت لدينا.

فرحنا نلجأ إلى تحوير كل نصّ لا ينسجم مع هذا التقليد، أو ذلك الرأي وصياغته بحسب قوالب صنعناها نحن بأيدينا، وإن كانت لا تمّت إلى الدين بصلة، ولكنّها ارتقت في أذهاننا إلى مستوى الشعائر المقدّسة، فأصبح مجرّد الإشارة إليها أمراً يثير المشاعر ويؤجّج فينا نار الغضب.

ولهذا نجد أنّ علماء المذهب نفسه لا يجرؤون على استنكارها، أو وعظ أصحابهم


بتخفيف شدّة تمسّكهم بها، ولو تجرّأ أحدهم على شي‏ء من ذلك لنبذه أتباعه في الحال، ولأصبح بينهم عرضةً لألوان الشتائم والمطاعن، وربما بلغ الأمر إلى رميه بالزندقة والنفاق، ولو كان أتقى الأتقياء!

ولنتذكّر مرّةً أخرى أنّ من الخطورة بدرجة أن يميل كلّ منّا للاستفادة من هذه الإشارات في توجيه التهم إلى الآخرين، على أنّها من مزاياهم وحدهم، فإنّ هذا الأسلوب هو تجسيد كامل للعصبيّة، كما أنّه سوف يُبقي على كل معايبنا وأخطائنا، ثمّ يعود بنا إلى عمق مصيبتنا.

إنّما المطلوب منّا أن نفتّش عن تلك الظواهر في أنفسنا نحن لننتزعها، من قلوبنا وعواطفنا، ونتخلّص من آثارها.

فلوا امتلكنا مثل هذه الروحيّة، لاقتلعنا كلَّ جذور الخلاف، واكتسحنا كلَّ الآثار السلبيّة المترتّبة عليه.

والآن، لعلّي أصبحت قادراً على أن أطرح على نفسي السؤال الآتي:

ما الذي يحملني على الاعتقاد - إلى حدّ التسليم - بأنّ مذهبي الذي ورثته عن آبائي ومجتمعي الصغير هو الحقّ الأوحد والأمثل، وأنّه الصورة الأكثر كمالاً للدين الإسلامي الحنيف، بحيث لا يشاركه مذهب آخر في حظّه هذا من الكمال؟

ما الذي حملني على هذا الاعتقاد، أهو القرآن الكريم أم السنّة المطهّرة أم العقل السليم؟

أم هي العصبيّة التي لا تستند إلى شي‏ء؟!

ولماذا لا يمكنني أن أعتقد بأن المذاهب الأخرى هي مثل مذهبي على الأقلّ؟ ومن يدري! فلعلّها تكون جميعاً أكثر سلامةً وكمالاً ممّا تعلّمته أنا!

وما العجب من هذا الافتراض، أليس هكذا يعتقد أبناء المذاهب الأخرى؟

إذن ما الذي يمنعني من أن أكون أبعد نظراً، لأتقبّل فكرة، أنّ المذاهب الأخرى هي أيضاً تحتمل الصحّة، على الأقل؟ ثمّ ألستُ مسؤولاً غداً عن سبب اعتقادي وتبعيّتي الدينيّة؟


وهذا هو السؤال الخطير الذي يجب أن أقف عنده موقف الجدّ.. سيبرز هنا سؤال آخر، وهو: ألا تقودني هذه الفكرة إلى الطائفيّة مرّة أخرى؟

أعني أنّني عندما أدخل طريق الدرس والمتابعة، فإنّ دراستي ستقودني حتماً إلى قناعة ما، وعلى أساس هذه القناعة سوف أنتخب المذهب عن وعي وإدراك هذه المرّة، كما تقتضي المسؤوليّة الشرعيّة، وأصول الدراسة العلميّة، أفلا يُفهم من هذا أنّني سوف أطعن بالمذاهب الأخرى، وسوف أصرّح بالفعل إن لم أصرّح بالقول، بأنّ المذهب الذي انتخبته هو الأكثر كمالاً ودقّة وعمقاً؟

نعم، قد تكون هذه الطريقة مصدراً للإثارة، ولكن إلى أيّ شي‏ء تعود تلك الإثارة، وعلى أيّة أرضيّة تقوم؟

هل انبثقت من موقف علمي ورؤية موضوعيّة، أم أنّها نشأت عن غير ذلك؟

وبتعبير آخر، هل هي رؤية تصمد أمام قوله تعالى:( قُل هاتُوا بُرهانَكُم إنْ كُنتُم صَادقينَ ) (١) . أم هي واقعة تحت ظلال قوله تعالى:( إنْ يَتّبِعُونَ إلّا الظَنَّ ومَا تَهوى‏ الأنفُسُ ) (٢) .

فهذا هو ميزان السماء لكلّ دعوى.

إنّ شيئاً من ردود الفعل هذه، ما هو إلّا جزء من إفرازات تلك العُقَد النفسيّة المتجذّرة فينا، وإلّا فمن أين جاء زعمنا: أنّ الفرد المسلم الذي انطلق من وعيه بمسؤوليّته الشرعيّة، ملتزماً قواعد البحث العلمي والدراسة الموضوعيّة المجرّدة، متسلّحاً بالشجاعة الكافية في اتّباع الحقّ الذي يستقرّ عليه، ثمّ انتهى إلى اختيار آخر، خالف فيه أصحابه، أنّه سيكون بالضرورة قد ناصبهم العداء، أو حكم عليهم بالضلال والجحيم؟

أليس العكس هو الصحيح، ما دمنا نقرّ جميعاً بأنّ هذا المنهج هو مسؤوليّة شرعيّة

____________________

(١) النمل: ٦٤.

(٢) النجم: ٢٣.


في أعناق الجميع دون استثناء؟

نعم، لنا أن نقول: إنّ مثل هذا الفرد لكي يكون متوازناً في مواقفه، ملتزماً علميّته، عليه:

أوّلاً: ألّا يكون منفعلاً بتأثير نشوة الاكتشاف الجديد، فيندفع متحمّساً تجاه المذاهب الأخرى، ليشنّ عليها حملاته، بمناسبة أو بلا مناسبة، وكأنّه يتحدّث مع فرقة ضالّة قد مرقت من الدين.

وثانياً: ألّا يذوب كلّياً في المجتمع الجديد بكلّ ما فيه، حتى التقاليد الموروثة التي لم يكن مصدرها الإسلام، وحتى العُقد النفسيّة المتراكمة فيهم تجاه كلّ من يخالفهم بشي‏ء.

إنّ منهجاً كهذا لو التزمه الواعون منّا، لوصلنا إلى أفضل ممّا نحن عليه الآن بكثير.

وحتى لو لم نصل جميعاً إلى نتيجة واحدة، وحتى لو عاد كلّ واحد منّا فانتخب مذهبه الذي نشأ عليه من جديد، فلن يؤدّي ذلك إلى خلاف جديد بيننا بالمرّة، بل بالعكس تماماً سيؤدّي إلى احترام كلّ منّا للآخر؛ لأنّه سيعرف عنه الكثير مما كان مخفياً عليه، أو كان مشوّهاً في ذهنه، نتيجة ماورثه في ذلك الواقع الممزّق المخيف )(١) .

الفرق بين العصبيّة والوفاء للذكريات:

يذهب صائب عبد الحميد إلى وجود فرق بين العصبيّة والوفاء للذكريات فيقول:

( لست من الذين يرون أنّ هزيمة اليقين أمام العاطفة هو من أثر العصبيّة وحدها، فربّما يكون ذلك، ولكن ربّما تكون هذه العاطفة وفاءً للذكريات الجميلة التي لا يشك صاحبها في صفائها، وربّما يجتمع الأمران معاً.

والوفاء لذاته ممدوح، بعكس العصبيّة..

فكثيراً ما يقف المرءُ على حقيقة كان يعتقد بخلافها، ولكن لعقيدته هذه في قلبه قدسيّة أحياناً، فينبعث عن هذه القدسيّة سؤال يقول: أحقّاً أنّ هذا المفهوم الذي عشت

____________________

(١) صائب عبد الحميد/ منهج في الانتماء المذهبي: ١٥-٢٤.


أُقدّسه لا أصل له، وأنّ الصواب في المفهوم الآخر الذي يأباه قلبي وتنفر منه نفسي؟!

هذه هي العصبيّة، وكم صدّت فحولاً عن مواصلة الطريق نحو الحقيقة الثابتة..

إنّ العصبيّة تمنح كثيراً من المفاهيم هالة قدسيّة، لكنّها سراب لا حقيقة لها.. وأصعب شي‏ء على من يقدّس أمراً أن يقال له: إنّ الذي تُقدّسه سراب!!

وثمّة نوع آخر من العاطفة يشدّ المرء الى الوراء..إنّه الوفاء للذكريات.. فَلِم لا وقد أمضى أيّام شبابه وهو في ذروة الحماس الديني، مع ثلّة من إخوانه المؤمنين، تزدان مجالسهم بالذكر والبحث الصادق النقيّ الذي لا تشوبه شائبة من رياء أو مكابرة؟

إنّه ليعشق تلك الذكريات عشقاً لا تتخلّله سهام الطعن، فإذا ما واجهته الحقيقة بغير ما كان يرى ثار شوقه إلى تلك الذكريات وتأجّج عشقه لها، فينبعث من بين الشوق والعشق سؤال يُمِضُّ الفؤاد: أحقّاً كانت مجالسنا تلك قد تخلّلها شي‏ء من الأوهام؟!

إنّه لا يريد أن يشك في ذلك الماضي الجميل!!

وهذا هو الوفاء للذكريات...

ولقد كنت للعصبيّة عدوّاً حيثما واجهتني، غلبتها أو غلبتني، أمّا الذكريات فقد آخيتها وأحسنتُ صحبتها حتى النهاية، وقد جعلتها في فقرات من هذا الكتاب بمثابة صديق لي أحاوره فيستجيب لي ولو همساً.

وقد أعانني على ذلك كونها ذكريات واضحة لم تختلط في ذهني.. وكونها زاخرة بعلامات استفهام كانت تثيرها العقول في ساعات انطلاقاتها، فتخترق بحرّيتها أسوار القداسة، ثمّ تترك السؤال حائراً، وقلّما وجدت له جواباً مقنعاً وشافياً..

ورأيت أثناء رحلتي أن الوفاء للذكريات لا ينبغي أن يكون عاطفيّاً، فربّما ينعكس أثره فلا يكون عندئذٍ وفاءً.. وإنما المطلوب من الوفاء أن يكون وفاءً علميّاً إنْ صحّ التعبير )(١) .

____________________

(١) المصدر السابق: ١٢.


المانع الرابع‏

الهوى‏

من الموانع الأخرى التي تردع الباحث عن الإذعان للحقّ، وتعيقه عن تغيير انتمائه المذهبي بعد القناعة ببطلان ما كان عليه من أفكار ومعتقدات هو الهوى، لأنّ الهوى يأخذ بزمام النفس لتنساق مع مغريات وشهوات وملاذ الحياة. ولهذا يمنع الهوى صاحبه عن قبول أيّة فكرة فيها منع لمشتهياته الدنيويّة، ولا يسمح لصاحبه أن يبادر إلى ما يخالف ميوله ورغباته.

ويتمرّد الهوى عن الحقيقة ويحاربها كلّما يجدها مناقضة لمصالحه الشخصيّة، ويحاول - تلبيةً للنزعات الأنانيّة الكامنة في النفس - أن يوظّف قدرات صاحبه من أجل خلق الأعذار لعدم التخلّي عمّا يخالف هواه.

وبعبارة أخرى فإن من له مصلحة أو منفعة أو هوى في فكرة معيّنة، فإنّه لو ترك زمام أموره بيد هواه لقاده الهوى إلى رفض كل فكرة لا تخدم مصالحه ومنافعه ولا تتماشى مع رغباته النفسية، وسيدير ظهره لتلك الفكرة ويكفّ بصرَه عن رؤيتها. ويكون الإنسان بعد وقوعه في أسر الهوى، على الرغم من اكتشاف فساد ما هو عليه، معرضاً عن قبول الفكرة الجديدة المخالفة لهواه.

ولهذا لا يستطيع هكذا إنسان من اتباع الحق ما لم يكن لديه إرادة قويّة وعزيمة صادقة في طلب الحقّ، بحيث يدفعه ذلك نحو اعتناق الحقيقة ولو أدّى به ذلك إلى التضحية بممتلكاته وسحق شهواته ومخالفة أهوائه.

وأضف إلى ذلك أنّ الهوى يفرز في وجود الإنسان فهماً بشرياً خاصاً تنشأ منه اجتهادات خاطئة تزيّف الحقّ وتحرّف الواقع وتبعث بالحقيقة، بحيث يؤدّي ذلك إلى إرباك فهم الإنسان وفقدانه حالة الاتّزان.

ومن هذا المنطلق نجد الكثير من أهل الأهواء الذين يتّضح لهم الحقّ بالأدلّة والبراهين، يصعب عليهم التخلّي عن أفكارهم ومعتقداتهم السابقة وتغيير انتمائهم


المذهبي وقبول الحقّ، لأنّهم تبعاً لما تملي عليهم أهواؤُهم لا يودّونَ ترك ما ألِفوه، ولا يرضون إتّهام آبائهم بالضلال.

بل البعض من هؤلاء يصعب عليهم أنّ يروا الحقّ في غير ما يخدم مصالحهم، فيكبر عليهم الأمر حينما يجدون الحقّ في خلاف ما تهواه أنفسهم، فتأخذهم العزّة بالإثم ويصرّون على البقاء على ما هم عليه ولو ظهر لهم الحقُّ كالشمس في رابعة النهار.

ويشير التيجاني السماوي إلى هذا الأمر قائلاً:

( كم من إنسان يُعادي الحقّ ويُعانده ردحاً من عمره، حتى يكتشف في يوم من الأيّام أنّه على خطأ فيُسارع بالتوبة والاستغفار وهذا هو واجب كل إنسان، فقد قيل: (الرجوع إلى الحقّ فضيلة).

وإنّما المصيبة في الذين يرون الحقَّ عياناً ويلمسونه بأيديهم ثمّ يقفون ضدّه ويحاربونه من أجل أغراض خسيسة ودنيا دنيئة وأحقاد دفينة )(١) .

ولهذا ينبغي للباحث الذي يودّ أن يخضع دائماً للحقّ أن لا يبيح لنفسه اتّباع الهوى، وأن يرفض السير وفق ما تملي عليه أهواؤه النفسيّة، لتكون نفسه مستعدّة للتضحية حين بحثها عن الحقّ.

وسبيل ذلك هو الاتّباع الصادق والاستسلام والخضوع لأوامر اللَّه تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله والإذعان بالحقّ ولو كان ذلك مخالفاً للميول والأهواء. وقد قال تعالى:

( إنّما كان قولَ المؤمنينَ إذا دُعوُا إلى اللَّه ورَسُولِه ليَحكُمَ بينَهُم أنْ يقُولُوا سَمِعنا وأطَعنَا وأولئك همُ المُفلحونَ ) (٢) .

( فَلا وربّك لا يؤمنونَ حتّى يُحكّموكَ فِيما شَجَر بينَهُم ثُمّ لا يَجِدُوا في أنفُسِهِم حَرَجاً ممّا قَضَيتَ وَيُسَلِّموا تَسلِيماً ) (٣) .

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ الشيعة هم أهل السنّة: ٢١.

(٢) النور: ٥١.

(٣) النساء: ٦٥.


( فإن لَم يَستَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَم أنّما يتّبعون أهواءَهُم ومَن أضَلُّ مِمّن اتّبع هواهُ بِغَيرِ هُدىً مِن اللَّه إنّ اللَّه لا يَهدي القومَ الظالمينَ ) (١) .

وينبغي أيضاً للباحث عن الحقيقة أن يعي بأنّه إن لم يتمكّن من التغلّب على هواه، فإنّ جميع جهوده في البحث عن الحقّ تذهب سُدى، لأن متّبع الهوى إذا عرف الحق سيكون غير قادر على اتّباعه، لأنّ الهوى سيدفعه إلى الإعراض عمّا توصّل إليه.

ولهذا ينبغي للباحث قبل البحث أن يوطّن نفسه لاعتناق الحقيقة مهما كلّف الأمر، وأن لا تكون نواياه حين البحث بأن يبحث عن الحقيقة التي تحقّق مصالحه الشخصيّة، لأن هذا يدفع الباحث في كثير من الأحيان إلى رفض الحقيقة فيما لو رآها لا تتماشى مع ميوله ومصالحه، فيدفعه ذلك على الرغم من اليقين بأحقّيتها إلى رفضها وعدم تقبّلها.

ولهذا يدعو التيجاني السماوي إلى الحذر من هذا المانع الذي يصدّ الإنسان عن اتّباع الحقّ قائلاً:

( لا تدع وساوس الشيطان، ولا الغرور بالنفس، ولا التعصّب المقيت يستولي عليك، ويصدّك عن الوصول إلى الهدف المنشود والحقّ المفقود وجنّة الخلود )(٢) .

وله أيضاً في كتابه (ثمّ اهتديت):

( ولماذا نهرب من الحقيقة ونحاول طمسها عندما لا تتماشى مع أهوائنا )(٣) .

____________________

(١) القصص: ٥٠.

(٢) محمد التيجاني السماوي/ الشيعة هم أهل السنّة: ٤٥.

(٣) محمد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ٨٦.


المانع الخامس‏

التهيُّب‏

من العقبات الأخرى التي يواجهها الباحث الذي يتوجّه إلى تغيير انتمائه المذهبي بعد اقتناعه بأحقّية الانتماء الآخر هو التهيّب والشعور بالخوف من التخلّي عن معتقداته السابقة.

ويشير معتصم سيّد أحمد إلى هذه العقبة التي واجهها حين دنى خلال بحثه من الاستبصار، فيقول:

( بعد فراغي من بحثي الأول الذي كلّفني مجهوداً فكريّاً ونفسيّاً، وجعلني أعيش صراعات مع ضميري وأخرى مع زملائي وأساتذتي في الجامعة، وصلت فيه إلى قناعة كافية أشك في الشمس ولا أشك فيها، وكانت النتيجة من ذلك كما وضّحت وجوب اتّباع مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام وأخذ الدين عنهم.

وكانت هذه قناعاتي الأولى لفترة من الزمن، لم أتمكّن بعد من تحديد الموقف واختيار مذهبي رغم وجداني الذي كان يلُحّ عليّ باتّباع مذهب التشيّع، ورغم أنّ أصدقائي وأهلي وزملائي كانوا يصنفونني شيعيّاً، وكثير منهم يناديني بالشيعي وبعضهم بالخميني!، وأنا بعد لم أحدّد موقفي، لا أشك فيما توصّلت إليه، ولكن نفسي الأمّارة بالسوء هي التي تنهاني وتوسوس لي:

كيف تترك ديناً وجدتَ عليه آباءك؟!

وماذا تصنع مع هذا المجتمع الذي هو بعيدٌ عن اعتقادك؟!

وانت مَن حتى تصل إلى هذا؟! أغفل عنه أعاظم العلماء!! بل جلّ المسلمين؟!.. والآلاف من الأسئلة والتشكيكات التي غالباً ما كانت تتغلّب علي وتسكّتني!

وأحياناً ينتفضُ عقلي وضميري.. هكذا.. دفع وجذب ومدّ وجزر وتوتّر عصبي وانفصام في نفسي، لا مفرّ ولا أنيس ولا صديق ولا حبيب..

فطفقتُ أسأل وأبحث عن الكتب التي ردّت على الشيعة، لعلّها تُنقذني مما أنا فيه


وتوضّح لي حقائق لعلّها غائبة عنّي، ولقد كفاني الوهّابيّة عن جمعها فقد كان إمام الجماعة في مسجد قريتنا يحضر لي كل ما أطلبه..

وبعد البحث فيها تعقّدت مشكلتي وازداد توتّري ولم أجد فيها بغيتي، لأنّها خالية من الموضوعيّة والنقاش المنطقي، وكل ما فيها سبٌّ ولعنٌ وشتم وافتراءات وكذب، شكّلت لي حجاباً في أوّل الأمر، ولكن بعد تجريدها من هذه التأثيرات الإعلاميّة تبيّنت أمامي أوهن من بيت العنكبوت.

فعزمت بعد ذلك على مواصلة البحث، رغم اقتناعي بما توصّلت إليه في البحث الأول مقاوماً تسويلات نفسي ومتطلّعاً لرؤية الحقيقة أكثر ظهوراً وضياءً، فوقع اختياري على بحث أدلّة ولاية الإمام علي‏عليه‌السلام والناصّة على إمامته وكان في ذهني مجموعة من الأدلّة التي تؤدّي هذا الغرض رغم أنّها كافية لمن كان له عقل صاف وقلب سليم، ولكن أردت أن يكون هو البحث الفاصل بين أن أكون سُنيّاً أعتقدُ بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان وبين أن أكون شيعيّاً، أقول بإمامة علي ‏عليه‌السلام .

وبعد البحث كانت المفاجأة! حيث لم أستطع وإلى الآن أن أجمع وأحصي وأتتبّع كل الأدلّة سواء أكانت نقليّة أو عقليّة، التي تصرّح وبكل وضوح بإمامة أمير المؤمنين‏عليه‌السلام ، بعضها ظاهر في الدلالة وبعضها يحتاج إلى مقدّمات مطوّلة )(١) .

ويشير محمّد علي المتوكّل إلى هذه العقبة التي كان يعاني منها صديقه، قائلاً:

( وبينما كنت أشحذ إرادتي متحرّراً من آخر أغلال الخوف والتبعيّة للإعلان عن عقيدتي الجديدة واختياري الواعي، كان صديقي يتشرنقُ بأوهامه وينسلخ عمّا أوتيَ من آيات ودلائل ويقول:

لو كان هذا حقّاً لاتّبعه من هو أعلم منّا من الأوّلين والآخرين، فكان بذلك كمن استوقد ناراً فلمّا أضاءت ما حوله أبى أن يمشي فيها فجعل علمه جهلاً ويقينه شكّاً.

____________________

(١) معتصم سيّد احمد/ الحقيقة الضائعة: ١٠٩.


كان كلّما اجتمعنا يجادلنا بلجاجة ومكابرة، مقلِّلاً من شأنه وشأننا، وكأنّما الحقّ لا ينكشف إلّا لكبار السنّ وذوي الألقاب العلميّة الجوفاء.

كان يقول:

مَن نحن حتى نكون أوّل من يتشيّع في السودان، هذا البلد الحافل بالعلماء والعرفاء في مختلف العصور؟

من نحن حتى نخالف مالكاً وأبا حنيفة وأحمد بن حنبل والشافعي وابن تيمية وغيرهم من علماء السلف؟

من نحن حتى ندّعي معرفة مالا يعرفه علماء السودان ومشايخه؟ )(١) .

ويشير التيجاني السماوي إلى هذا التهيّب في جواب مَن اعترض على عنوان كتابه (ثمّ اهتديت) بأنّه ينطوي على غموض قد يبعث على التأمّل والتساؤل حول ما إذا كان الآخرون على ضلاله، فيقول:

( وعلى فرض أنّ العنوان يتضمّن معنى الضلالة التي تقابل الهداية فيما نقصده على المستوى الفكري من إصابة المنهج الإسلامي الصحيح الذي يضعنا على الصراط المستقيم، كما عقّب بعض القرّاء بذلك، فليكن كذلك: وهو الواقع الذي يتهيّب مواجهته البعض بروحٍ رياضيّة بنّاءة، ونَفَسٍ موضوعي خلّاق..ينسجم في الفهم مع قول الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله :

(( تركت فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي ‏أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً )).

فالحديث واضح وصريح في الإشارة إلى ضلال من لم يتمسَّك بهما معاً (الكتاب والعترة).

وعلى كل حال فأنا مقتنعٌ بانّني اهتديت بفضل اللَّه سبحانه وتعالى إلى التمسّك

____________________

(١) محمد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٥٦.


بكتاب اللَّه وعترة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فالحمد للَّه الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا اللَّه، لقد جاءت رسُلُ ربّنا بالحقّ )(١) .

فعبارة التيجاني (فليكن كذلك) تدلّ على جرأته وشجاعته في تخطّي هذه العقبة التي يصفها بعد ذلك قائلاً:

( وهو الواقع الذي يتهيّب مواجهته البعض بروحٍ رياضيّة بنّاءة، ونَفَسٍ موضوعي خلّاق.. ).

ويقول التيجاني السماوي أيضاً حول تجربته في تخطّي مانع التهيّب بعد غربلته لموضوع الصحابة و وصوله إلى النتائج التي هزّت كيانه:

( وعلى هذا خشيت على نفسي، واستغفرت ربّي مرّات عديدة أردت فيها الانقطاع عن البحث في مثل هذه الأمور التي تشكّكني في صحابة رسول اللَّه وبالتالي تشكّكني في ديني، ولكنّي وجدت من خلال الحديث مع بعض العلماء طيلة تلك المدّة تناقضات لا يقبلها العقل، وبدؤوا يحذّرونَني انّني إن واصلت البحث في أحوال الصحابة فسوف يسلب اللَّه نعمته عليّ ويهلكني، ومن كثرة معاندتهم وتكذيبهم كل ما أقول دفعني فضولي العلمي وحرصي على بلوغ الحقيقة إلى أن أقحم نفسي من جديد في البحث و وجدت قوّة داخليّة تدفعني دفعاً ).(٢) .

التوهّم بأنّ الكثرة تعني الحقَّ:

من أهم الأمور التي تبعث التهيّب في نفوس المستبصرين حين قصدهم ترك مذهبهم السابق والتوجّه إلى مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام رغم وجود الأدلّة الهائلة التي تأخذ بأيديهم إلى اعتناق التشيّع هي عدم القدرة على تقبّل خطأ ما عليه هذا الكمّ

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ لأكون مع الصّادقين: ٧.

(٢) محمّد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ١٢٤.


الهائل من أتباع مذهب أهل السنّة والجماعة.

ويقول التيجاني السماوي حول تجربته في هذا المجال:

( و في بعض الأوقات أتساءل كما يتساءل كثير من الباحثين، كيف لم يكتشف هذا الطريق إلّا التيجاني.... علماء الإسلام الذين يُعدّون بالآلاف، بل بالملايين، وعلى مَرّ القرون واكتشفتها أنت اليوم.

وهذا في حدّ ذاته اعتراض وجيه، وأنا شخصيّاً تساءلت حول ذلك في عديد من المرّات، ولكنّي بتجربتي الشخصيّة التي بلغت من العمر ربع قرن، وبمجادلاتي مع بعض علمائنا، اكتشفت - ويا للأسف الشديد - أنّنا نردّد كالببغاء ما قيل قبلنا بدون بحث ولا تمحيص. أنا لا أردّد ما قاله الآباء فقط، وكأنّه قرآن كريم.

ونحن في بعض الأوقات نمجّد ونشكر ونفتخر بأشياء وهمية، علماً أنّها لا تقوم على الدليل والبحث العلميّ، بل قد تعاكس الخبرة البشريّة، وقد نشكر بعض الأحاديث التي تشتم - صراحة - رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونحن نقبلها بكلّ فخر واعتزاز على أنّها من السنّة النبويّة )(١) .

ويشير إدريس الحسيني إلى مواجهته لهذه العقبة، قائلاً:

( كنت كلّما طرحت سؤالاً على نفسي، رأيت شيطاناً يعتريني ويقول لي: (دع عنك هذا السؤال، فهل أنت أعظم من ملايين المسلمين الذين وُجدوا قبلك، وهل أنت أعلم من هؤلاء الموجودين حتى تحسم في هذه المسألة ).

كنت أعلم أنّ هؤلاء الملايين لم يطرحوا هذا السؤال على أنفسهم بهذه القوّة والإلحاح، وكنت أعتقد رغم ذلك أنّ المسألة لا تحتاج إلى شهادة أزهريّة حتى نحسم فيها.

وعلى كل حال، فلم تكن هذه الاعتراضات الوسواسيّة بالتي تردني عن اندفاعي إلى كشف الحجاب عن الحقيقة المخبوءة.

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ اعرف الحقّ: ١٣-١٤.


لكنّ شيئاً حزّ نفسي وهو هذه الكثرة الغالبة، لقد كبرت في عيني، وصعب عليّ مخالفتها، لولا أن هداني اللَّه، بيد أنّ شيئاً واحداً جعلني انتصر عليها ولا أبالي، وهي عندما وجدتها جاهلة. واستحضرت (جدّيتي) التي ورثتها من فكر (الهجرة والتكفير) فهذا الأخير على علّاته، علّمني كيف أخالف المجتمع الجاهلي، فهذا احتياطٌ جليل مكّنني من الصمود أمام الأمواج البشريّة المتدفّقة، والتي ليس لها منطق في عالم الحقائق سوى كثرتها )(١) .

ولهذا واجه القرآن هذه الحالة التي تجعل الكثير من الناس منهزمين نفسيّاً أمام كثرة الباطل، أو يخيّل لهم أنّ الحقّ في جانب الكثرة.

فقال تعالى:( قُل لا يَستَوي الخَبيث والطيّب ولَو أعجَبك كَثرةُ الخبيث فاتّقوا اللَّهَ يا أوُلي الألبَاب لعلّكُم تُفلحونَ ) (٢) .

وقد ذكر الباري عزّ وجل آيات كثيرة من أجل تصحيح فهم الذين يظنّون بأنّ الكثرة تعني الحقّ، وأنّ أحقيّة أيّ عقيدة وأصالتها ترتبط بكثرة عدد أتباعها وانتشارها أو ذيوع صيتها أو ما تحقّقه من انتصارات سياسيّة.

وقد جاءت في القرآن آيات كثيرة تصف الأكثريّةَ بأنّهم( لا يعلمون ) (٣) ، و( لا يؤمنون ) (٤) ، و( لا يشكرون ) (٥) .

وبهذا أراد الباري عزّ وجل أن ينتزع من نفوس المؤمنين الشعور بالضعف والانهزام والرهبة فيما هم عليه إزاء كثرة الباطل وقوّته، ليعرفوا أنّ التمييز بين الحقّ والباطل يتطلّب عدم لحاظ الكثرة والقلّة، لأنّ قضية الحقّ والباطل لا تخضع لحساب

____________________

(١) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٦١.

(٢) المائدة: ١٠٠.

(٣) الأعراف: ١٨٧.

(٤) هود: ١٧.

(٥) البقرة: ٢٤٣.


الأرقام، وانّ الكثرة العدديّة لا تُعطي للمذهب صِفتي الأصالة والواقعيّة، وأن قلّة عدد مذهب معيّن لا يعني أنّ ذلك المذهب فرقة منشقّة وشاذّة ولا تمت إلى الحقيقة بصلة.

ويشير هشام آل قطيط إلى هذه الحقيقة في كتابه (ومن الحوار اكتشفت الحقيقة) تحت عنوان: فعل الأكثرين لا يكون دليلاً على الصواب:

( فمن ذلك قوله تعالى:

( وَ إنْ تُطِع أكثَر مَنْ في الأرضِ يضلّوكَ عَن سبيلِ اللَّه ) (١) .

وقال تعالى:( وَمَا وجَدنا لأكثَرِهِم من عَهدٍ وإنْ وَجَدنا أكثَرَهم لَفاسِقين ) (٢) .

وقال تعالى:( فأبى‏ أكثَرُ النّاسِ إلّا كفُوراً ) (٣) .

وقال تعالى:( إنّ اللَّه لَذو فَضلٍ على النّاس ولكنّ أكثَر النّاسِ لا يَشكرُونَ ) (٤) .

وقال تعالى:( يَعرِفُونَ نِعمَة اللَّه ثمّ يُنكِرونَها وأكثَرُهُم الكافِرونَ ) (٥) .

وقال تعالى:( بَل أكثَرُهم لا يَعلَمونَ الحقَّ فهُم مُعرِضون ) (٦) .

وكل هذه الآيات تدلّ على أن الحقّ لا يكون دائماً بجانب الكثرة، وإنّما يكون غالباً بجانب القلّة.

ولو أنّك تدبّرت يا أخي لوجدت على مَرّ التاريخ أن الأغلبيّة عصاة، والمخلص المطيع منهم قليل والأكثر منهم جهّال، والعلماء منهم قليلون وأهل المروءة والشجاعة فيهم أقلّ وأهل الفضائل والمناقب أفراد وأن المدار في معرفة الحقّ والوقوف عليه

____________________

(١) الانعام: ١١٦

(٢) الأعراف: ١٠٢.

(٣) الفرقان: ٥٠.

(٤) يونس: ٦٢.

(٥) النحل: ٨٣.

(٦) الأنبياء: ٢٤.


يعتمد على الدليل والبرهان )(١) .

وقد جرى بين عبد المنعم حسن قبل استبصاره وابن عمّه المستبصر حواراً يبيّن بصورة مُجملة العقبات التي تخلق التهيّب في نفسيّة الباحث عند تغيير انتمائه المذهبي.

وينقل لنا عبد المنعم حسن هذا الحوار في كتابه (بنور فاطمة اهتديت)، قائلاً:

( كنت قلقاً جدّاً وأنا أحاول تجنّب أيّ حوار مع ابن عمّي حول هذا المذهب الجديد الذي تجسّد في سلوكه أدباً وأخلاقاً ومنطقاً ممّا جعلني أفكّر في أنّه لا غضاضة في النقاش معه حول أصل الفكرة رغم قناعتي بأنّ ما يؤمن به لا يتجاوز أُطُر الخرافة، أو ربما نزوة عابرة جعلته يتبني هذه الأفكار الغريبة.

قلقي كان نابعاً من تخوّفي لأن أتأثّر بفكرته أو ربّما أجد أنّها تجبرني على الاعتراف بها، وبالتالي أخالف ما عليه الناس وما وجدت عليه آبائي، وسأكون شاذّاً في المجتمع وربّما اتهمت بأني مارق من الدين كما أتّهم.

ولكنّي تجاوزت كل ذلك وقرّرت أن أخوض معه حواراً لعلّني أجدُ مَنفذاً أزعزع من خلاله ثقة هذا الرجل بما يعتنقه، خصوصاً وأنّني قرأت كتباً لا بأس بها ضدّ الشيعة والتشيّع ومنها كان المخزون الذي من خلاله أنطلق لجداله فبدأت معه الحوار.

قلتُ له: الآن أنت تركت ما كان عليه الناس وأصبحت شيعيّاً، فما هي الضمانات التي تمنعك من أن تغيّر مذهبك غداً؟

قال: الآية الكريمة تقول:( قُل هاتُوا بُرهانَكُم إنْ كُنتُم صَادقِينَ ) وأنا من أنصار الدليل أينما مالَ أميل وقد أفرغت وُسعي وتوصلت إلى أنّ الطريق المستقيم هو مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام ، والدليل على صحّته أن الأدلّة التي يسوقها أصحابه ممّا اتّفق عليه جميع المسلمين.

قلت: لكن لماذا لم يكتشف غيرك هذه الحقيقة؟

____________________

(١) هشام آل قطيط: ومن الحوار اكتشفت الحقيقة: ٧٢-٧٣.


قال: أوّلاً: من قال لك أنّه لا يوجد غيري! وثانياً: وصول غيرك للحقيقة أو عدمه ليس دليلاً على صحّة أو خطأ ما توصلت إليه، إنّ المسألة تكمن في نفس وجدان الحقيقة والحقّ ومن ثمّ اتباعه، ولا شأن لي بغيري، لأن اللَّه يقول: ( يَا أيّها الّذينَ آمَنُوا عَلَيكُم أَنفُسَكُم لا يضرُّكُم مَنْ ضلَّ إذا اهتَدَيتُم )(١) .

قلت له: لو افترضنا صحّة مذهب الشيعة، ذلك يعني أن ٩٠% من المسلمين على خطأ، لأنّ كل المسلمين يؤمنون بمذهب أهل السنّة والجماعة، فأين هذا التشيّع من عامّة الناس؟

قال: الشيعة ليست بهذه القلّة التي تتصوّرها، فهم يمثّلون غالبية في كثير من الدول، ثمّ أنّ الكثرة والقلّة ليست معياراً للحقّ بل القرآن كثيراً ما يذمّ الكثرة، يقول تعالى:( ولكنّ أكثَركُم للحقِّ كارِهُونَ ) (٢) ، ويقول:( ولا تجدُ أكثَرَهم شاكرينَ ) (٣) ، و( قليلٌ من عباديَ الشّكوُر ) (٤) ، وبذلك لا تكون الكثرة دليلاً على أنّهم على حقّ.

أمّا التشيّع كمنهج سماوي فهو بدليل أنّني شيعي، وإذا وُجّه الإشكال إلى عدم انتشار التشيّع، فهذا يتوجّه أيضاً لرسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله في أوّل دعوته وحتى وفاته إذ أنّ الإسلام لم يكن منتشراً ومع ذلك فهو الحق المنزل من قِبَل اللَّه تعالى.

فقلت متعجّباً: وهل تريدني أن أسلّم بأنّ آباءَنا وأجدادنا الذين عرفناهم متديّنين طريقهم غير الذي أمر به اللَّه.

ابتسم قائلاً: أنا لستُ في مقام بيان وتقييم أحوال الماضين، فاللَّه أعلمُ بهم، ولكن أذكّرك بأنّ القرآن يرفض أن يكون الأساس في الاعتقاد تقليد الآباء والأجداد، يقول تعالى:( وإذا قيلَ لَهُمُ اتّبِعوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالوا بَل نتّبِعُ ما أَلفَينَا عليه آباءَنَا أوَ لَو كان

____________________

(١) المائدة: ١٠٥

(٢) الزخرف: ٧٨.

(٣) الأعراف: ١٧.

(٤) سبأ: ١٣.


آباؤُهُم لا يَعقِلونَ شَيئاً ولا يَهتَدُون ) (١) )(٢) .

ويقول عبد المنعم حسن حول هذا الحوار الذي استمرّ فيه الحديث إلى جوانب أخرى:

( انتهينا من جلسة الحوار هذه وأنا متعجّب من هذه الثقة التي يملكها، وفكّرت في البحث ولكن ليس لكي أقتنع وإنّما لأملك أدلّة أقوى أدحض بها حججه، وبعد فترة قرّرت ألّا أدخل معه في نقاش حتى أكون بعيداً عن المشاكل وحتى لا أتأثّر بهذه الأفكار الغريبة والتي أرى شخصاً عن قربٍ يتبنّاها )(٣) .

وعموماً على الرغم من كلّ الموانع التي يواجهها المستبصر في طريقه إلى اعتناق مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام ، والتي فرضت عليه بهدف الإعاقة أو غير ذلك، فإنّ المستبصر يوطّن نفسه لإزالة كافّة العقبات التي تمنعه من اعتناق المذهب الذي أسفر بحثه الحرّ والموضوعي والمبتني على الأسس العلميّة عن أحقّيته.

ومن هذا المنطلق يهجر المستبصر عقيدته الموروثة بعد التثبّت من ابتعادها عن الصواب، ويتوجّه إلى المعتقدات التي أملتها عليه البراهين والأدلّة الساطعة.

____________________

(١) البقرة: ١٧٠.

(٢) عبد المنعم حسن/ بنور فاطمة اهتديتُ: ٥٥-٥٦.

(٣) المصدر السابق.



مرحلة الاستبصار

المدخل إلى الاستبصار

مرحلة الحيرة والاضطراب‏



إنّ الحيرة هي أوّل مرحلة يدخل فيها الباحث بعد الوصول إلى مرحلة اليقين بخطأ معتقداته التي كان متمسّكاً بها طيلة حياته، والتي أمضى فيها عمراً وبذل من أجلها الغالي والنفيس.

فتراوده الشكوك في صحّة المبادئ التي كان منتمياً إليها، وتدور في ذهنه وتتردّد في صدره الكثير من التساؤلات حول صحّة مذهبه، ويدبّ الشك في نفسه حيال معتقداته السابقة، فتهتزّ قناعاته وتتزعزع بُنيته الفكريّة فتزلزل كيانه وتؤرّق ليله وتظلم نهاره.

ومن هنا تعتري نفسيّة الباحث حيرة لا تهدأ حتى تثور ولا تخمد حتى تشتعل، يتلظّى بها صاحبها في داخله دون أن يحسّ به مَن حوله.

وتنشأ هذه الحالة عند الباحث - كما يذكر محمّد علي المتوكّل - جراء ما يحدث في نفس الباحث من تنازع وصراع عنيف بين حقّ تكشفت له جوانبه ولزمته حجّته وقديم لا زال يملك عليه عواطفه ويتغلّب على إرادته مدعوماً بروح التقليد والتوافق الاجتماعي(١) .

ومن أهمّ أسباب الصدمة التي يتلقّاها المستبصر تنشأ ممّا يجده من تناقض بين

____________________

(١) انظر: محمد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٥٧.


المعلومات التي نفذت إلى أذهانه من قَبل وبين التي تزوّد بها من خلال بحوثه العقائديّة.

ويصف التيجاني السماوي الحيرة التي اعترته بعد الشك بمعتقدات مذهبه السابق قائلاً:

( بقيت متحيّراً ثلاثة أشهر مضطرباً حتى في نومي تتجاذبني الأفكار وتموج بي الظنون والأوهام)(١) .

وله أيضاً:

( ما كنت لأصدّق الشيعة في كل ما يقولون رغم أني اقتنعت بأمور كثيرة، وبقيت بين الشك والحيرة، الشكّ الذي أدخله علماء الشيعة في عقلي، لأنّ كلامهم معقول ومنطقي...

والمهم هو أنّ هذا الشك وهذه الحيرة هما بداية الوهن وبادية الاعتراف بأنّ هناك أموراً مستورة لابدّ من كشفها للوصول إلى الحقيقة )(٢) .

ويقول التيجاني السماوي حول هذا الأمر الذي يعاني منه الكثير، ولا يستطيعون أن يتّخذون إزاءه موقفاً حازماً:

( وكثيراً ما التقي في المناسبات مع بعض الشباب المثقّف من المسلمين الصادقين الذين يتساءلون ويسألون عن حقيقة الشيعة وباطلهم، وهم حائرون بين ما يشاهدونه ويعيشونه مع أصدقاء لهم من الشيعة وما يسمعونه ويقرؤونه عنهم ولا يعلمون أين يوجد الحق.

وقد تحدّثت مع البعض منهم وأهديت لهم كتابي (ثمّ اهتديت)، والحمد للَّه أنّ الأغلبيّة من هؤلاء وبعد المناقشة والبحث يهتدون لمعرفة الحق فيتبعونه، ولكن هذا

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ١٢٣.

(٢) المصدر السابق: ٦٢.


يبقى مقصوراً على نخبة من الشباب الذين ألتقي بهم صدفةً، أمّا البقيّة فقد لا يتاح لهم مثل هذا اللقاء فتبقى مشوّشة الفكر بين الآراء المتضاربة )(١) .

ويذكر حسين الرجاء حول الحيرة التي لاقاها والصدمة النفسيّة التي أورثته الانهيار والإرهاق على أعتاب تغييره لانتمائه المذهبي:

( لقد وافاني اليوم الذي أصبحت أقدّم فيه رجلاً وأؤخّر رجلاً حيراناً معذّباً أقدّم الأولى انصياعاً للحقّ والدليل، وأؤخّر الثانية خوفاً من زلّة القدم، فلم يمض زمن مقداره ثلاث سنوات وزيادة أشهر إلّا وقد استولى الحقُّ على قلبي.

وكانت دراستي خلال المقارنة بعيداً عن الهوى والتعصّب والطائفة والعواطف، وكنت حذراً حاضر الذهن ودقيق الملاحظة غير متسرّع في الحكم، فآمنت بأهمّ المسائل العقيديّة والمذهبيّة مسألة مسألة.

وباعتبار أنّ مثل هذا الانتقال صعب وشائك، جَعَلت الرياح تعصفني يميناً وشمالاً، فتعثّر لساني وتردّد قلبي وكأن أمواجاً تتقاذفه، موجةٌ للدين وموجةٌ للدنيا، لأنّي عالم بأنّ تشيّعي سيكون على حساب مصلحتي وسمعتي وكرامتي عند بعض الناس وحجب ثقَتهم عنّي وتفرّقهم من حولي.

فأصبحت أسير الامتحان في سجن الابتلاء في لحظات لا مناص لأجل الخلاص إلّا بالفداء، ولكن ما نوع هذا الفداء فهل أفدي الدنيا بالدين أم الدنيا لأجل الدين، وبعبارة أخرى أيّهما أبيع وأيّهما أشتري، أحلى البيعين مرّ وأدفأهما أحرّ من الجمر، فكتمت أمري ما يقرب من شهرين... ولقد استشرت رجالاً من أبناء قريتي وعمومتي ممن أثق بهم فسكت بعضهم وعارض البعض الآخر وكل ذلك كان سرّاً )(٢) .

ويبيّن حسين الرجاء بعبارة أخرى هذه الحالة التي مرّ بها قبل الاستبصار، قائلاً:

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ فاسألوا أهل الذكر: ٥-٦.

(٢) حسين الرجاء/ دفاع من وحي الشريعة: ٢٤.


( فأخذت أقارن بين العقائد والمذاهب لمدّة تقارب الأربع سنوات. في السنة الأولى منها بحثت بشكل مركّز عن العقائد، وفي الثانية قارنت بين المذاهب ومذهب الإمام جعفر الصادق‏عليه‌السلام ، وفي الثالثة حاولت أن أكتشف مظلوميّة أهل البيت عليهم صلوات اللَّه في التواريخ المختلفة، وفي الرابعة كنت حيراناً معذّباً، أقدم رجلاً وأؤخّر أخرى، كنت في حالة شك كبيرة باعتبار انّني شككت في المذهب السنّي ولم أكن أرى من رجوع إليه وكنت أرى أحقّية التشيّع لكنّني كنت أخشى الانضمام إليه لما تجرّعناه طوال سنوات من دعاية مظلّلة، عدا أنّني لم أدرس خفاياه بعد)(١) .

ويصف محمّد علي المتوكّل حالة الإرباك والتزلزل التي عاش في كنفها فترة طويلة قبل الاستبصار:

( مرّت شهور ونحن بين مندفع يريدُ باباً يلجُ منه إلى عالم التشيّع، وآخر يتردّد في حيرته يتمنى أن لو يزول الشك عنه فيعود إلى ما كان عليه من مذهب ومعتقد، إذ ما أقسى أن تتزلزل ثوابت الإنسان، وتنحل سواري يقينه وهو يبحث عن الحقيقة ولا يجد إليها طريقاً.

حاولنا الاتّصال ببعض من يحتمل إطلاعه على مسائل التاريخ والعقائد من رموز الحركة الإسلاميّة وغيرهم، إلّا أن أحداً من الذين لجأنا إليهم لم يكن مستعدّاً للسماع منّا والإجابة على تساؤلاتنا.

وعندما أحسّ إخوتنا في الحركة بما نحن فيه سعوا إلى تنظيم بعض اللقاءات مع شخصيّات علميّة وكان البعض منّا يحضر تلك اللقاءات التي لم تنتظم، لأنّ الذين أتوا لهدايتنا كانوا أحوج منّا لمن يشير لهم إلى الطريق.

من ناحية أخرى فقد كنّا في حاجة إلى السماع من الشيعة والإطلاع على عقائدهم

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد صفر (التجريبي).


أكثر من حاجاتنا لسماع خصومهم )(١) .

ويقول هشام آل قطيط حول آثار الحيرة التي أصابته والأزمة النفسيّة الشديدة التي اعترته فأفقدته توازنه النفسي:

( أوشكتُ من أن أصاب بأزمة نفسيّة، وسيطر عليّ القلق، بحيث لم أعد أستطيع العمل، أصبتُ برجفة حادّة وقشعريرة فأخذني أخي إلى الدكتور، وقال لي الدكتور: جسميّاً لا يوجد فيك شي‏ء، فأنت مُرهق نفسياً وفكريّاً، يا أخي بماذا تفكّر؟ هذه الدنيا لا تستحق التفكير، خُذ إجازة من العمل وسافر إلى البلد...

فنمت يومين في الفراش، محاولاً التخلّص من التفكير وصرت أجلس مع أصدقائي أشاهد برامج التلفزيون والمسلسلات لأروّح عن نفسي التعب والإرهاق )(٢) .

ويصف إدريس الحسيني الحيرة التي لازمته قبل الاستبصار:

( ففي اللحظات التي ظهرت لي الأحداث على حقيقتها، قامت - فوراً - حرب بين عقلي ونفسي، فالنفس عزّ عليها اقتلاع (ضرس) العقيدة السابقة، والعقل عزّ عليه أن يتغاضى عن الحقائق الواضحة القطعيّة، فإمّا أن أتّبع طريقاً موروثاً بعقليّة الفولكلور أو أن أسلك سبيل القناعة ونور العقل.

كان هذا أخطر قرار اتّخذته في حياتي، لكي انتقل بعدها إلى رحاب التحدّيات الفكريّة والاجتماعيّة )(٣) .

ويذكر إدريس الحسيني حول علامات الاستفهام التي ظلّت تراوده بين الحين، الآخر:

( وفجأة رأيت نفسي، أتمثل... منهجاً شكّياً، ابتغاء الحق فكانت الأزمة يومها، أزمة يقين، وما أثقلها من أزمة على طلّاب الحقيقة، ولكن كيف يتسنّى لي الخروج من هذا

____________________

(١) محمد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٣٩.

(٢) هشام آل قطيط/ ومن الحوار اكتشفت الحقيقة: ٣٥.

(٣) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ١٦.


المأزق الاعتقادي؟ )(١) .

ويبيّن إدريس الحسيني شتات الأفكار التي اجتاحت خاطره خلال الفترة التي كان يعيش في الحيرة:

( لقد كنت دوماً أتساءل حول ما إذا خرجت بنتيجة من هذه الرحلة المعتقديّة!

وخشيت أن أكون مفلساً في ذلك، راجعاً بخفي حنين.

كانت هذه الأسئلة، جزءاً من منهجي في تركيز المعتقدات وتمحيصها، وفي الأخير أثلّج صدري أن أكون قد خرجت بقيَم النجاة وسبل الرشاد. لقد ألفيت نفسي في موكب البيت النبوي، أسير وفق هداه وأسلك وفق خطاه، ورأيت نفسي منفّذاً حقيقةً لمطالب الإسلام، ووجدت نفسي ممارساً لحديث الثقلين، إذ ما أن أذكر القرآن إلّا وأذكرهم، وما أذكرهم إلّا وأذكر القرآن.

أصبح حبلهم بيدي، متصلاً بحبل القرآن، ترى أيّ زاد كنت سأخسر وأيّ المعاني كنت سأفقد!

وهكذا دارت عليّ دائرة الشكوك، ورأيتني منسجماً مع عقيدة منسجمة من أوّلها إلى آخرها. وما أكثر تلك الأسئلة التي غاب عنّي حلّها، فألفيتها قارّاً في مدرسة أهل البيت‏عليهم‌السلام .

لقد خرجت من الضيق وشدّته إلى سعة الحقّ ورحابته، ومن غبش المعاني إلى الوضوح والجلاء)(٢) .

الخروج من مأزق الحيرة:

إنّ الباحث لا يجد أمامه بعد الحيرة إلّا أنّ يحاول البحث عن الطريق الصحيح لإخماد نيران الشكوك التي ثارت في أعماق نفسه.

____________________

(١) المصدر السابق: ٥٣.

(٢) المصدر السابق: ٤٠٦.


ويذكر بعض المستبصرين أنّهم في البداية يجدون أنفسهم لا تمتلك القدرة على مصارحة أحد بما يعتمل في صدورهم من اضطراب ولا يمتلكون الشجاعة الكافية للجهر بما في قرارة أنفسهم، خيفة أن ينالهم الأذى ممن حولهم.

فلهذا لا يجدون أمامهم في حيرتهم هذه إلّا أن يتوجّهوا بصدق نحو البحث من أجل تحديد موقفهم النهائي إزاء انتمائهم المذهبي.

ويذكر كافّة المستبصرين أن مواصلتهم للبحث لم تزدهم إلّا شكّاً في معتقداتهم السابقة، وأن علماء أهل السنّة لم يمنحوهم فصل الخطاب لأسئلتهم الحائرة التي تحتاج إلى جواب مقنع.

ويقول مروان خليفات في هذا المجال:

( وحاولت إيقاف حيرتي بقراءة ردود علمائنا على هذه الحقائق، لكنّها لم تنفعني بل زادتني بصيرة بأحقّية مذهب أهل البيت، وقرأت كتباً كثيرة، لا يسعني ذكرها، فكانت ترسم لي صورة الحقيقة بألوان من الحجج الدامغة، التي كان عقلي يقف مبهوراً محتاراً أمامها، فضلاً عن حيرة علمائنا في التعامل معها )(١) .

وفي ظل أجواء الحيرة المزعجة يفضّل البعض أن لا تكدّر الشبهات أنفسهم، فيغضّوا أبصارهم عن الشبهات العالقة بأذهانهم، ويحاولون أن يبعدوا الشكوك التي تحوم حولهم، ليحتفظوا بالسلام الداخلي الذي يحلمون به.

ولكن الباحث الواعي الذي لا يهمّه سوى معرفة الحقّ لا يسمح لنفسه بذلك، ولا يحاول تسكين الألم الذي يعاني منه نتيجة الحيرة، لأنّه يعي بأنّ هذا الألم هو المحفّز الذي يُزيد ظمأه للحقيقة ويدفعه لمعرفة الحق، فيحاول بشتى السبل أن يجد مخرجاً مناسباً لحلّ المشكلة التي يعاني منها.

ويبقى الحل النهائي بعد أن يعجز الباحث أن ينقذ نفسه من أغلال الحيرة عن

____________________

(١) مروان خليفات/ وركبت السفينة: ١٨.


طريق البحث هو الالتجاء إلى اللَّه سبحانه وتعالى.

ويذكر بعض المستبصرين أنّهم بعد أن بقوا فترة طويلة في هذه الحالة حيارى ينشدون الاستقرار الروحي الذي يوصلهم إلى السعادة الحقيقيّة فلا يجدوه، توجّهوا بكل وجودهم إلى اللَّه تعالى ورفعوا أيديهم بكلّ إخلاص ونيّة صادقة ليخرجهم الباري عزّ وجل من الأزمة التي هم فيها، وتضرّعوا إليه بكل جوارحهم وخلجات نفوسهم لينوّر عقولهم ويهديهم سواء السبيل ويرشدهم إلى دين الحق فيخرجهم بذلك من الحيرة التي يعانون منها وينتشلهم من حومة القلق القاتل الذي ألمّ بحياتهم.

وكان من جملة هؤلاء محمّد علي المتوكّل وباقي الإخوة الذين كانوا معه في رحلة البحث عن الحقيقة.

ويشير محمّد علي المتوكّل في كتابه (ودخلنا التشيّع سجّداً) إلى التجائه نحو الباري عزّ وجل في زمن الحيرة، قائلاً:

( كان لابدّ لنا أن نمضي قدماً لاستكشاف المجهول وإزالة الحجب التي أسدلها المضلّون على وجه الحقيقة، هنا كانت الحاجة ملحّة إلى من يمسك بأيدينا ويكون دليلاً لنا في متاهات التاريخ ومنعطفاته، فتوجّهنا إلى المولى (جلّ وعلا) بالدعاء ضارعين، وفي مثل وضعنا ذاك يكون الدعاء هو السبيل الأوحد للخروج من دوامة الشك والحيرة، وأيّ نور يكون لنا في تلك الظلمات إن لم يجعل اللَّه لنا نوراً( وَمَنْ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ لَه نُوراً فَمَا لَه مِنْ نُورٍ ) ، وكان دعاؤنا المستمر: ( اللهمّ أَرنا الحقَّ حقّاً وارزقنا اتّباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ).

ولم يمض إلّا القليل حتى استجاب اللَّه لدعائنا، فإنّه بالأوّابين رؤوف رحيم، وجاء الفرج من حيث لم نحتسب )(١) .

ويشير إدريس الحسيني إلى توسّله بالخالق الجليل قائلا:

____________________

(١) محمد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٤٠.


( في يوم من الأيّام لم يبق لي سوى أن أخلع جبّة أهل السنّة والجماعة، فلم يبق أمامي دليل واحد يسند مصداقيّة مذهبهم غير أنّ العادة - قبّحها اللَّه - حالت دوني وبين التغيّر، وما أصعب المرء وهو يتحوّل من مذهب لآخر، وما أشدّ برزخ الانتقال الاعتقادي، لابدّ لي إذن من محفّز روحي يشجّعني على هذا الانتقال، لابدّ من شمّة رحمانيّة تكشف لي الغطاء عن الاختيار الرشيد.

كانت ليلة غنيّة بطلب الرّحمان والإلحاح عليه، لكشف هذه الغمّة عنّي، فلقد أوصلني عقلي إلى هذه النقطة، ولم يبق لي إلّا التوسّل بالخالق الجليل )(١) .

ويذكر التيجاني السماوي أيضاً أنّه بعد زيارته للعراق وتعرّفه على التشيّع توجّه إلى الحج وهو حيران في أمر دينه، فلم يجد بدّاً سوى الدعاء من الباري عزّ وجل ليفتح بصيرته ويلهمه السداد ويهديه سواء السبيل، فيقول:

( وكنت كلّما طفت بالبيت العتيق خلال العمرة وفي كلّ زيارة لمكّة المكرّمة - ولم يكن يطوف بها إلّا نفر قليل من المعتمرين - صلّيت وسألت اللَّه سبحانه من كل جوارحي أن يفتح بصيرتي ويهديني أيّ الحقيقة.

وقفت على مقام إبراهيم ‏عليه‌السلام واستعرضت الآية الكريمة:( وجَاهِدُوا في اللَّه حقَّ جِهَادِهِ هو اجتَباكُم ومَا جَعَل عَليكُم في الدِّينِ من حَرَجٍ مِلّة أبيكُم إبرَاهيم هو سَمّاكُم المُسلِمينَ من قَبلُ وَفي هذا لَيَكُونُ الرَّسولُ شهيداً عَلَيكُم وتَكُونُوا شُهَداءَ على النّاسِ فَأقيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ واعتَصِمُوا باللَّه هو مَولاكُم فَنِعمَ المَولى‏ ونِعمَ النَّصيرُ ) (٢) ؛ صدق اللَّه العظيم.

وبدأت أناجي سيّدنا إبراهيم أو أبانا إبراهيم كما سمّاه القرآن:

- يا أبتاه، يا من سمّيتنا بالمسلمين، ها قد اختلف أبناؤك من بعدك فأصبحوا يهوداً

____________________

(١) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٦٣.

(٢) الحج: ٧٨.


ونصارى ومسلمين، واختلف اليهود فيما بينهم إلى إحدى وسبعين فرقة واختلف النصارى إلى اثنين وسبعين فرقة، واختلف المسلمون إلى ثلاثة وسبعين فرقة وكلّهم في الضّلالة حسبما أخبر بذلك إبنك محمّد وفرقة واحدة بقيت على عهدك يا أبتاه!

أهي سنّة اللَّه في خلقه كما يقول القدريّة، فاللَّه سبحانه هو الذي كتب على كل نفس أن تكون يهوديّة أو نصرانيّة أو مسلمة أو ملحدة أو مشركة، أم أنّه حب الدنيا والابتعاد عن تعاليمه سبحانه، ذلك بأنّهم نسوا اللَّه فأنساهم أنفسهم.

إنّ عقلي لا يطاوعني بتصديق القضاء والقدر، بأنّه هو الذي حتّم مصير الإنسان، بل أميلُ وأكاد أجزم بأنّ اللَّه سبحانه خلقنا وهدانا وألهمنا الفجور والتقوى، وأرسل إلينا رُسُلَه ليوضّحوا لنا ما أشكل علينا ويعرّفوننا الحقّ من الباطل، ولكنّ الإنسان غرّته الحياة الدنيا وزينتها، الإنسان بأنانيّته وكبريائه، بجهله وفضوله، وبعناده ولجلجته، بظلمه وطغيانه مال عن الحقّ واتّبع الشيطان وابتعد عن الرحمن فورد غير مورده، وأكل غير مأكله، وقد عبّر القرآن الكريم عن ذلك أحسن تعبير وأوجزه بقوله تعالى:( إنّ اللَّه لا يظلمُ النّاسَ شَيئاً ولكنّ النّاس أنفُسَهم يظلمون ) (١) .

يا أبانا إبراهيم، لا لوم على اليهود والنصارى الذين عاندوا الحقّ بغياً بينهم لمّا جاءتهم البيّنة، فها هي الأمة التي أنقذها اللَّه بولدك محمّد وأخرجها من الظلمات إلى النور وجعلها خير أمّة أخرجت للناس، فهي الأخرى اختلفت وتفرّقت وكفّر بعضها بعضاً، وقد حذّرهم رسول اللَّه ونبّههم إلى ذلك وضيّق عليهم حتى قال:(( لا يحلّ لمسلمٍ أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث )) فما بال هذه الأمّة قد انقسمت وافترقت وأصبحت دويلات يعادي بعضها البعض ويحارب بعضها البعض ويكفّر بعضها البعض وحتى لا يعرف بعضها البعض الآخر،فيهجره طيلة حياته)(٢) .

____________________

(١) يونس: ٤٤.

(٢) محمّد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ٦٨-٦٩.


تهيئة النّفس لتغيير الانتماء المذهبي:

إنّ التحوّل المذهبي واجتياز مرحلة الاستبصار تتطلّب علو الهمّة والشجاعة في اتّخاذ القرار، والمستبصر هو الذي ينذر نفسه وأمواله وأهله في سبيل العقيدة الحقّة.

وفي الواقع أنّ المستبصر هو صاحب عزيمة لايصدّه شي‏ء عن مواصلة رحلته إلى النور ولا يثنيه عنها المكائد المتلاحقة بعد ما يتّضح له الحقّ بوضوح، بل إنّ كافّة الموانع التي تحاول أن تصدّه عن تغيير انتمائه المذهبي لا تزيده إلّا إصراراً على الحقّ وعناداً للباطل ومجابهة للرأي العام الحاكم في بيئته، لأنّه ممّن لا تأخذه في اللَّه لومةُ لائم ولا يعبأ بما سينال من أذى من قبل الآخرين، فيوطّن نفسه لتحمّل الأذى صابراً محتسباً أجره عند اللَّه تعالى.

وعندما ينبلج نور الحق في قلب المستبصر، وعندما يتغذّى عقله بنفحات الهداية، يجد في قرارة نفسه قوّة هائلة وهمّة رفيعة وعزيمة راسخة تمنحه الصمود إزاء كافّة التيّارات والعقبات التي يعي أنّها ستصدّه عن التوجّه نحو التكامل والتسامي والارتقاء ونيل أهدافه المنشودة.

ويستمد المستبصر كل هذه القوّة من الأدلّة والبراهين التي رفعت مستوى وعيه وفتحت آفاق ذهنه، فيغدو قادراً على اقتحام التيّار الاجتماعي السائد وقادراً على الصمود والتحدّي دفاعاً عن القناعات التي استمدّها من الأدلّة والحجج والبراهين.

وبعبارة أخرى يوطّن المستبصر نفسه للصمود إزاء جميع الهجمات التي ستنهال عليه، ويستمد قوّة هذا الصمود إزاء هذه التيّارات المضادّة من القوة الإيمانيّة التي اكتسبها نتيجة تمسّكه بمعارف أهل البيت ‏عليهم‌السلام .

ويعدّ الباحث نفسه بعد الوصول إلى بوّابة الاستبصار لتحمّل جميع العناء الذي سيحيطه نتيجة القرار المذهبي الجديد الذي سيتّخذه عن قريب.

وتكون القِيم التي يحملها في جنبه هي الدعامة التي تمنحه الصمود والوقوف بوجه كافّة الجهات التي ستحاول أن تزل قدمه عن الصراط المستقيم.


ويعلم المستبصر أنّه سيفقد جميع الامتيازات التي كان يمتلكها، ويعلم أنّ الإعلان عن استبصاره سيؤدّي به إلى صراع مرير مع علماء مذهبه، ولكنّه لا يبال بكل هذه العقبات بعد أن أشرقت روحه بنور الحق، فيتوكّل على اللَّه ويطرح كل العواطف التي تشدّه إلى الوراء جانباً، ثمّ يتقدّم لاعتناق مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام بثبات وعزم راسخ وإرادة لا تصمد أمامها الجبال.

وفيما يلي سنبحث كيفيّة تخطّي المستبصرين لهذه المرحلة والمنعطف الحسّاس الذي يحدث في حياة المستبصر.

مرحلة اتّخاذ القرار:

عندما يتّخذ الباحث القرار بترك مذهب أهل السنة واعتناق مذهب أهل البيت: يكسر بذلك حاجز التردّد في نفسه وينهي الصراع القائم في داخله بين نداء الحقّ وبين وساوس الباطل، وينهي بذلك الأزمة التي كان يعاني منها فيستقرّ رأيه على اعتناق مذهب التشيّع.

فيشعر المستبصر بعدها بهدوء وسكينة واستقرار نفسي في وجوده، ثمّ يعزم أن يمضي حياته ثابت الجنان، مطمئن القلب، مستنير العقل لا تحرّكه العواطف ولا تتلاعب بمشاعره كافّة المضايقات التي سيواجهها فيما بعد.

وأبرز ما يحتاج إليه الباحث في هذه المرحلة هو التحلّي بروح الشجاعة، ولهذا يقول إدريس الحسيني:

( يجب أن نتحلّى بروح شجاعة، جريئة أيّ بنفسيّة مهذّبة سليمة غير متشنّجة، تقتضي التضحية ببعض التقديسات التي هي في الأصل عين الأزمة )(١) .

ويقول هذا المستبصر في مكان آخر من كتابه (لقد شيّعني الحسين)عليه‌السلام حول العامل الذي منحه القوّة في اتّخاذ القرار بعد أن تبيّن له الحقّ:

____________________

(١) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٣٥٧.


( لقد بقيت زماناً طويلاً أربّي نفسي على شي‏ء واحد، أن أكون شجاعاً، أن أكسبَ نفسيّة قويّة لا تتأثّر بمسبقاتها. وإنّها - لعمري - أخطر ممارسة واجهتها، لأنّ مجتمعاً بكامله وبكلّ ثقله العرفي والثقافي والبشري كان ضدّ اتّجاهي هذا، غير أن الدعاء والتصميم والتفاني جعلني أتجاوز هذه المعوقات )(١) .

ويشير إدريس الحسيني أيضاً في هذا المجال إلى ملاحظة مهمّة في مسألة الانتقال المذهبي فيقول:

( أنا أتحدّث عن انتقال صعب من الناحية النفسيّة والاجتماعيّة و...، أمّا من الناحية العقليّة، أستطيع أن أتحدّث عن انتقال سهل )(٢) .

ويقول حسين الرجاء حول تجربته في اتّخاذ القرار:

( بعدما تيقّنت بأحقّية مذهب الأطهار من آل محمّد عليهم الصلاة والسلام، اتّخذت قراراً لا رجعة فيه مع علمي بأنّ ذلك سيكون على حساب سمعتي وكرامتي ومصلحتي والتفاف الناس من حولي باعتباري شيخاً صوفيّاً، فخيّرت نفسي بين الدين والدنيا، فرأيت أنّ أحلاهما مرّ وأحرّ من الجمر، لكنّني آليت على نفسي وأعلنت تشيّعي بكلّ ثقة )(٣) .

وفي المقابل قد يعيش بعض الباحثين في أجواء وظروف خاصّة تجعلهم أن لا يواجهوا أيّة صعوبة في اتّخاذ قرار التحوّل المذهبي، ومن هؤلاء أسعد وحيد القاسم حيث يقول:

( في الحقيقة لم يكن هذا القرار عندي صعباً أبداً، فأنا وبسبب خلفيّتي الثقافيّة لم يكن قد سبق لي وان نظرت نظرة متطرّفة للشيعة، فقد ربّيت نفسي من صغري في حلقات دروس (أجواء منفتحة وموضوعيّة) حيث كان لهذا دور في عدم تردّدي ولو للحظة واحدة اثناء بحثي في قبول ما أراه حقّاً، ولم أفكّر لحظة كيف سيكون ردُّ فعل

____________________

(١) المصدر السابق: ٤٠٦.

(٢) مجلّة المنبر/ العدد: ٣.

(٣) المصدر السابق: العدد الصفر (التجريبي).


أسرتي ومجتمعي، لأنّ المسألة هنا شخصيّة جدّاً، ولا اعتبار فيها سوى ما يراه العقل والمنطق، وعلى ذلك يحاسبنا اللَّه سبحانه وتعالى، فلا الأسرة ولا القبيلة تشفع لأحد يوم الحساب )(١) .

مشاعر لحظة التحوّل:

تنتاب نفسيّة الباحث حين التحوّل ولحظة تغيير الانتماء من المذهب السنّي الى مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام مشاعر خاصّة، قد لا يستطيع من لم يمرّ بهذه الحالة إدارك كنهها أو معرفة أثرها على النفس.

وكما يذكر أغلب المستبصرين أنّ المستبصر يمتلكه لحظة التحوّل شعورٌ مزيج بالراحة والرّضا والاستقرار والأمن، ويشعر في لحظة اعتناق مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام أنّه قد ألقى عن كاهله عبئاً ثقيلاً من الهموم والقلق والشكوك، وأنّ السعادة باتت ترفرف على جميع جوانب حياته.

فيكون المستبصر عندها مطمئن البال مستقر النفس، مرتاح الضمير، ويشعر براحة نفسيّة لا مثيل لها، لأنّه يدرك حينها أن اللَّه سبحانه وتعالى قد أزال عن بصيرته الغشاوة ومنّ عليه بالهداية و وفّقه للاهتداء إلى سبيل الرشاد.

كما أنّ المستبصر يشعر بعد الاستبصار أنّه ليس كما كان فيما سبق همج رعاع يتبع كل ناعق ويميل مع كل ريح ويستجيب كل دعوة بلا دليل، بل يشعر أنّ دليله اليوم عقله الذي امتلأ نوراً من مصابيح الهدى واستضاء بنور علوم ومعارف أهل البيت ‏عليهم‌السلام .

ويقول عبد المنعم حسن حول الأفكار التي خطرت على باله والمشاعر التي انتابته ساعة التحوّل:

( فجأة أحسست ببرودة تلفح وجهي وبرعدة تنتاب أوصالي في يوم حارّ من أيّام

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد: ٨.


فصل الصيف الذي يتميّز به السودان، ورغم درجة الحرارة العالية في ذلك اليوم إلّا أنّني شعرت بأنّها تدنّت إلى مادون الصفر!

برهة مرّت ثمّ شعرت بدف‏ء الحقيقة.. وبنور ينكشف أمامي وبهالة قدسيّة تلفّني، وإذا بالحجب التي أثقلت كاهلي قد انزاحت، ولمع برقُ الحقيقة أمام ناظري، وإذا بي أبدأ أوّل خطواتي في الاتّجاه الصحيح.

كانت أصعب لحظات العمر هي وقت اكتشاف عمق المأساة التي كنّا نعيشها، والتي كانت نتاجاً طبيعيّاً للجهل المركّب الذي كان يغشى عقولنا.. خصوصاً وأنّ هذه المأساة كانت متمركزة في اعتقادنا وديننا.

أن يجد الإنسان نفسه مخطئاً في تقدير أمور حياته اليوميّة مثل لون الدراسة التي يجب أن يدرسها أو الوسيلة التي يجب أن ينتقل بها.. فليس في ذلك كثير أسىً وتندّم.. لكن يخطئ الطريق إلى اللَّه سبحانه وتعالى.. أن يسلك طريقاً غير الذي وصفه اللَّه تعالى إلى الجنّة، فهذا خطيرٌ بل جنون وتهوّر.

ذلك ما وجدت عليه - و للأسف - السواد الأعظم من المسلمين أثناء تجربتي هذه، والتي لا أدّعي أنّها الأولى أو الأخيرة ولا حتى المتميّزة.. وهذا ما توصّلت إليه بعد بحثي وتنقّيي بين ثنايا تراثنا الدّيني وتاريخنا الإسلامي )(١) .

ويصف محمّد مرعي الانطاكي مشاعره حين التحوّل:( فاستراح ضميري بهذا التمسّك بالمذهب الجعفريّ، وهو مذهب آل بيت النبوّة عليهم صلوات اللَّه وسلامُه أبداً مادام الليل والنهار، لعلمي أنّي قد حصلت على أقصى غاية ما أريد بأخذ مذهب العترة الطاهرة، وبذلك أعتقد يقيناً لا يشوبه شكٌّ أنّي قد نجوت من عذاب اللَّه تعالى )(٢) .

____________________

(١) عبد المنعم حسن/ بنور فاطمة اهتديت: ٧.

(٢) محمّد مرعي الانطاكي/ لماذا اخترت مذهب الشيعة: ٥٤.


هل يعني ترك المذهب السنّي ترك السنّة النبويّة؟

إنّ التحوّل وتغيير الانتماء من المذهب السنّي إلى مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام لا يعني ترك سنّة الرّسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل معنى ذلك أنّ الباحث يصل إلى هذه النتيجة بأنّ أهل البيت ‏عليهم‌السلام هم الطريق الصحيح والموثوق لمعرفة سّنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولهذا يقول إدريس الحسيني حول تركه للمذهب السنّي واعتناقه لمذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام :

( طبعاً، لا أقول أنّني تركتُ المذهب السنّي.. إن كنتَ تعني بالمذهب السنّي، ذلك المذهب التاريخي، فأنا بكلّ تأكيد لستُ سنّياً بهذا المعنى. ولكنّني سنّي بالمعنى الشرعي الأصيل، وإلّا ما معنى أن أكون شيعيّاً؟! أنا كنت أبحث عن (السنّة)، وتبيّن لي بالأدلّة القاطعة، الآخذة بالأعناق أنّ لسنّة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله طريقاً واحداً لا غير، هو طريق أئمّة أهل البيت ‏عليهم‌السلام وأنّني مُلزمٌ بها تكليفاً عن هذا الطريق فقط، اخترت ذلك.. فأنا سنّي بامتياز! )(١) .

ويشير أسعد وحيد القاسم إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( لم أشعر منذ البداية أنّه كان عليّ أن أترك مذهبي السنّي، ولا اعتقد أنّي تركته، وما أقصد أنّ إيماني في بداية الأمر بأحقّية أهل البيت ‏عليهم‌السلام بخلافة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يعن تركي لمذهبي السنّي، وإنّما اعتبرته تعديلاً لمعلوماتي التاريخيّة، وتصحيحاً لمساري الإسلامي.

فإذا كان المذهب السنّي يعني هو الأخذ بالسنّة النبويّة، فإنّ تمسّكي بها قد ازداد بتعرّفي على طريق أهل البيت ‏عليهم‌السلام ، لأنّهم أقرب الناس إلى هذه السنّة النبويّة، وعلى رغم أنّ من حولي أخذوا ينادوني بالشيعي، فلم اكترث لذلك، بل لم أجد بأساً فيه، لأنّه لم يكن عندي عقدة مسبقة من هذه التسمية )(٢) .

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد: ٣.

(٢) مجلّة المنبر/ العدد: ٨.


الاعتراف بالخطأ بكلّ جرأة وشجاعة:

لا يستنكف المستبصر أن يعترف بأنّه كان على الباطل ثمّ عرف الحقّ فتحوّل إليه، ولماذا يخشى المستبصر ذلك وهو الذي يمتلك الشجاعة والجرأة والإرادة التي دفعته إلى الاستبصار على الرغم من كلّ التحدّيات والعقبات التي وقفت أمامه لتصدّه عن تغيير انتمائه المذهبي.

ولهذا نجد هشام آل قطيط يصرّح قائلاً:

( وربّما ناقدٌ ينتقد أو سائل يسأل: هل أنا كنت على ضلال واهتديت..؟ نعم. كنت على ضلال عن معرفة الحققة، لأنّي كنت أجهل هذه الحقائق )(١) .

ويعترف التيجاني السماوي في هذا المجال قائلاً لأهل السنّة:

( وقد كنت في ما مضى مثلكم محجوباً عن الحقيقة وعن أهل البيت ‏عليهم‌السلام وشيعتهم، فهداني اللَّه سبحانه إلى الحقّ الذي ليس بعده إلّا الضلال، وتحرّرت من قيود التعصّب والتقليد الأعمى، وعرفت بأنّ أغلب المسلمين لازالت تحجُبُهم الإشاعات والأباطيل وتصدّهم الدعايات عن الوصول إلى الحقيقة ليركبوا جميعاً في سفينة النجاة ويعتصموا بحبل اللَّه المتين )(٢) .

ويقول التيجاني السماوي أيضاً حول دلالة كتابه (ثمّ اهتديت) على أنّه كان ضالاً ثم اهتدى:

( وعلى فرض أنّ العنوان يتضمّن معنى الضلالة التي تقابل الهداية فيما نقصده على المستوى الفكري من إصابة المنهج الإسلامي الصحيح الذي يضعنا على الصراط المستقيم، كما عقّب بعض القرّاء بذلك؛ فليكن كذلك، وهو الواقع الذي يتهيّب مواجهته البعض بروح رياضيّة بنّاءة، ونفس موضوعي خلّاق.. ينجسم في

____________________

(١) هشام آل قطيط/ ومن الحوار اكتشفت الحقيقة: ٩.

(٢) محمد التيجاني السماوي/ فاسألوا أهل الذكر: ١٩.


الفهم مع قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله :

(( تركت فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً)).

فالحديث واضح وصريح في الإشارة إلى ضلال مَن لم يتمسّك بهما معاً (الكتاب والعترة).

وعلى كلّ حال فأنا مقتنع بأنّي اهتديت بفضل اللَّه سبحانه وتعالى إلى التمسّك بكتاب اللَّه وعترة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فالحمد للَّه الذي هدانا لهذا وما كنّا نهتدي لولا أن هدانا اللَّه، لقد جاءت رسلُ ربّنا بالحقّ )(١) .

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ لأكون مع الصادقين: ٧.


الفصل الخامس

ما بعد الاستبصار



إنّ المستبصر يفتح صفحة جديدة من حياته بعد الاستبصار، لأنّ التحوّل الذي يمرّ به لا يكون في صعيد الفكر والعقيدة فحسب، بل يترك ذلك أثره على كافّة جوانب حياته، ويحدث تحوّلاً شاملاً في مجرى حياته ويدخله في رحاب مرحلة نورانيّة جديدة من حياته.

ويشير صالح الورداني إلى هذه الحقيقة مع ذكر تجاربه في هذا المجال:

( إنّ التحوّل بشكل عام والاتجاه لأيّ مذهب أو فكر آخر عملٌ يتطلّب مقوّمات مثل الشخصيّة الفكريّة والثقافيّة التي تؤهّل الفرد للانتقال أو التحوّل الصحيح والسليم. التجربة على المستوى المعيشي والثقافي والسياسي ضروريّة وقد حصلت عليها في حياتي العامّة سواء على المستوى العسكري أو الثقافي أو السياسي، والأهمّ عامل الخبرة في دائرة الحركة الإسلاميّة ذات التيّار السنّي تحديداً.

هذه المقوّمات ساعدتني على تحقيق التحوّل الصحيح الفعّال بشكل أرضاني قبل إرضاء الآخرين، لأنّها مسألة ذاتيّة ولأنّي لم أجد الراحة الفكريّة والنفسيّة والعقائديّة في دائرة الفكر السنّي، فانتقلت إلى فكر آل البيت ‏عليهم‌السلام ، كما كانت عندي القدرة على اتّخاذ القرار، وهي مسألة ليست بالسهلة وقد لاتتوافر لكثير من الناس على جميع المستويات، لأنّ القرار سيشمل كل الأمور الحياتيّة للمرء على مستوى الدين والحياة.

فقرّرت بأن لا أسلّم زمام نفسي لأحد، حتى عندما كنت في دائرة الفكر السنّي لم أكن على شاكلتهم، بل تميّزت عنهم بطريقة التفكير والسلوك والتناول الديني وبطريقة الإفتاء، فكنت أحياناً أبيح قضايا معيّنة يعتبرها غيري حراماً، فيُثار الآخرون


ويدفعهم غضبُهم للحكم عليّ بالزندقة والانحراف! )(١) .

ويقول محمّد عبد العال حول الأثر الذي تركه استبصاره على نظرته إلى الحياة:

( تغيّرت نظرتي في كل شي‏ء، حتى أنّني كنت أعبد اللَّه سبحانه وتعالى بطريقة مليئة بالتساؤلات لم أجد عنها أجوبة، والإنسان حين الإنفراد بنفسه يطرح تساؤلات كثيرة فإن وجد أجوبة عنها يعشق هذا النوع من اللقاء مع الذات وإن لم يجد فإنّه ينفر من هذا الاختناق.

بعد الاستبصار تحوّلت من نافرٍ من اللقاء مع نفسي إلى عاشق لها، لأنّني أجد كلّ الإجابات التي تفوق حجم التساؤلات.

أستطيع أن أقول بشكل عام أنّ تساؤلاتي انتصفت المقام بين ما قبل الولاية وما بعد الولاية، فكانت تساؤلاتي أكثر من الإجابات في حين أمست أقل من الإجابات )(٢) .

ردود أفعال أبناء المجتمع:

يواجه معظم المستبصرين - بعد أن يُذاع خبر استبصارهم - موقفاً شديداً من أبناء المجتمع، وتشنّ عليهم حملة مضادّة وحرب شعواء وإعلام مضاد وتشويهي قبال تغييرهم الانتماء العقائدي. لأنّ أكثر أبناء المجتمع ترتسم الدهشة على وجوههم عندما يصلهم خبر تشيّع أحد أصحابهم، لأنّهم يحسبون أن ما هم عليه هو من المسلّمات التي لا غبار عليها، فعلى هذا يكون الخارج من معتقدهم مرتدّاً وضالاً وخائناً لمبادئه وثقافة أبناء مجتمعه، فلهذا يقفون بوجهه بقوّة ويحاولون أن يسلبوا منه جميع الامتيازات التي

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد ٢٢.

(٢) مجلّة المنبر/ العدد: ٢٦.


كان يمتلكها، ويواجهونه بصدور تضيق بالكراهيّة ونفوس تحمل بين جوانحها حقداً لما قام به.

ومن هنا يحاول البعض ممن حول المستبصر أن يسعروا نار التشهير والتسقيط ضدّه، وأن يطيحوا بمكانته الاجتماعيّة وأن يسلبوا منه اعتباره بين أقرانه وأفراد أسرته عبر الصاق بعض الافتراءات به واختلاق بعض الأكاذيب ضدّه أو حصره في دائرة الانعزال لئلّا يلتقي بالآخرين.

ويتحرّك البعض في هكذا أجواء ليعيدوا المستبصر إلى انتمائه السابق، فيبذلون قصارى جهدهم ليثنوه عن معتقده الجديد، ويحاول هؤلاء بشتى السُبل وبكلّ وسيلة منع صاحبهم من مواصلة انتمائه الجديد، ولكنهم هيهات أن يرجعوا إلى الضّلال من هداه اللَّه، و هيهات لهم أن يُزَلزلوا كياناً صامداً ومستقياً يستمدُّ قوّته من تراث أهل البيت ‏عليهم‌السلام .

وقد يتّهم البعض معتنقي مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام بأنّهم قد غُلبوا على أمرهم وسيطر عليهم الشيعة، إلّا أنّ هذه المَقولة لا حقيقة لها، لأنّ الدافع الحقيقي لاستبصار معتنقي مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام هو الاقتناع بالأدلّة والبراهين التي يحصلون عليها نتيجة بحوثهم المتواصلة في رحاب العقائد الإسلاميّة.

فلهذا ينبغي أن يعي الّذين يحاولون بشتى السبُل محاربة المستبصر وصرفه عمّا ذهب إليه أن صاحبهم لم يتخلّ عن معتقداته السابقة إلّا اتّباعاً للادلّة المُقنعة التي دفعته إلى ذلك، وأنّ الذي ليس له شجاعة لتقبّل الحقائق والأدلّة، لا يحقّ له أن يضايق من رضي بالحقّ وقبِلَ الدّليل.

ويقول محمّد التيجاني السماوي حول الأسباب التي تدفع الإنسان إلى مضايقة المستبصر:

( إنّ أهل السنّة والجماعة وكما قدّمنا لا يسمحون بنقد وتجريح أيّ صحابي من صحابتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويعتقدون بعدالتهم جميعاً، وإذا كتب أيّ مفكّر حرّ وتناول بالنقد أفعال


بعض الصحابة، فهم يُشنّعون عليه، بل ويُكفّرونه ولو كان من علمائهم، وذلك ما حصل لبعض العلماء المتحرّرين المصريين وغير المصريين أمثال الشيخ محمود أبو ريّة صاحب (أضواء على السنّة المحمّديّة) وكتاب (شيخ المضيرة)، وكالقاضي الشيخ محمد أمين الانطاكي صاحب كتاب (لماذا اخترت مذهب أهل البيت)، وكالسيّد محمّد بن عقيل الذي ألّف كتاب (النصائح الكافية لمن يتولّى معاوية)، بل ذهب بعض الكتّاب المصريّين إلى تكفير الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر عندما أفتى بجواز التعبّد بالمذهب الجعفري.

وإذا كان شيخ الأزهر ومفتي الديار المصريّة يُشنَع عليه لمجرّد اعترافه بالمذهب الشيعي الذي ينتسب لأستاذ الأئمّة ومعلّمهم جعفر الصادق‏عليه‌السلام ، فما بالك بمن اعتنق هذا المذهب بعد بحث وقناعة وتناول بالنقد المذهب الذي كان عليه و ورثه من الآباء والأجداد. فهذا مالا يسمح به أهل السنّة والجماعة ويعتبرونه مروقاً عن الدّين وخروجاً عن الإسلام، وكأنّ الإسلام على زعمهم هو المذاهب الأربعة وغيرها باطل.

أنّها عقول متحجّرة وجامدة تشبه تلك العقول التي يحدّثنا عنها القرآن والتي واجهت دعوة االنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعارضته معارضة شديدة لأنّه دعاهم إلى التوحيد وترك الآلهة المتعدّدة، قال تعالى( وَعَجبُوا أنْ جَاءَهُم مُنْذِرٌ مِنْهُم وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذا سَاحِرٌ كَذّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلهاً وَاحِداً إنَّ هَذا لَشَي‏ءٌ عُجاب ) (١) .

ولكلّ ذلك فأنا واثقٌ من الهجمة الشرسة التي سوف تواجهني من أولئك المتعصّبين الذين جعلوا أنفسهم قوّامين على غيرهم فلا يحقّ لأحد أن يخرج عن المألوف لديهم ولو كان هذا المألوف لا يمتّ للإسلام بشي‏ء، وإلّا كيف يُحكم على من انتقد بعض الصحابة في أعمالهم بالخروج عن الدّين والكفر، والدين بأصوله

____________________

(١) ص: ٤،٥.


وفروعه ليس فيه شي‏ء من ذلك )(١) .

ويقول التيجاني السماوي حول ما عاناه من محاربة وهجوم من قبل أبناء مجتمعه بعد اعتناقه للتشيّع:

( وقد اشتهر أمري لدى الخاص والعام بأنّي تشيّعت وأنّي أدعو إلى التشيّع لآل البيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وبدأت الاتهامات والإشاعات تروج في البلاد، على أنّني جاسوس لإسرائيل أعمل على تشكيك الناس في دينهم وبأنّني أسبّ الصحابة وبأنّني صاحب فتنة إلى غير ذلك )(٢) .

ويضيف التيجاني السماوي حول ماتعرّض إليه بعد أن تلقّى أبناء مجتمعه خبر استبصاره:

( وعشنا فترات قاسية غرباء في ديارنا وبين إخواننا وعشيرتنا ولكنّ اللَّه سبحانه أبدلنا خيراً منهم فكان بعض الشباب يأتون من مُدن أخرى يسألون عن الحقيقة فكنت أبذل قصارى ما في وسعي لإقناعهم فاستبصر عددٌ من الشباب )(٣) .

ويقول محمّد مرعي الانطاكي حول المؤامرات التي حيكت ضدّه والحملات الظالمة التي شُنّت عيله والضغوط الشديدة التي تعرّض لها، وما نال من الأذى والاضطهاد من قِبل قومه:

( فلمّا أعلنّا التشيّع وانتشر هناك، وفشا وأخذ النّاس يدخلون فيه جماعات وأفراد، فحينذاك تكتَّلت فئات ممّن يناوئ‏ مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام لجهلهم بمعرفة المذهب، والمرء عدوّ ما جهل.

لذلك أتوا بما أتوا من سوء الأفعال والمعاملة، بحيث نستحي أن نذكره لقبحه وشناعته!

____________________

(١) محمد التيجاني السماوي/ فاسألوا أهل الذّكر: ١٧٣-١٧٤.

(٢) محمد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ١٧٣.

(٣) المصدر السابق: ١٧٤.


ولقد حكم الكثيرون منهم علينا بالكفر والارتداد، فرشقونا بسهامهم، وقاموا يحرّضون علينا سفهاءهم، ويغرّرون صبيانهم، فيؤذوننا بالكلام، ويرموننا بالحجارة والحصى قائلين لنا: يا عبدة (القرميدة)!! ويعنون بذلك التربة الحسينيّة.

وأخذوا يحذّرون الناس على المنابر من معاملتنا بدعوى الكفر والارتداد، ويقطعون علينا أسباب المعاش ما أمكنهم، بحيث لو أردنا أن نستأجر داراً للسكنى‏ أتوا إلى أصحابه ويهدّدونه قائلين بأنّ هؤلاء رفضة مشركون يشتمون الصحابة، وإيّاك أن تؤجّرهم فإن فعلت آذيناك!!

فيا للعجب كأنّما خرجنا عن حظيرة الإسلام باعتناقنا مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام ، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه وإليه المشتكى )(١) .

ويقول حسين الرجاء حول السخريّة والاستهزاء والمضايقات التي واجهها أعقاب رحلة الاستبصار:

( ثمّ اعلنتُ الحقَّ واللَّه لا يقضي إلّا بالحقّ، وعلى أثر ذلك تفرّق الناس من حولي وخلعوا بيعة الطريقة وأساؤا الظنّ وحكموا عليّ بأحكام لم يرض بها اللَّه تبارك وتعالى.

فبعض الناس شمت وشتم، فأصبحت هدفاً للسهام وعبرة لمن يعتبر ولا مشاحة هنا فإنّ الناس أعداء ما يجهلون.

وبعضهم أعذروني ولكن باعتقاد أنّني مجنون.

وبعضهم يقولون أنّه سياسي يستتر بالدين.

وبعضهم يقولون أنّه ترك دينه لأجل الأطماع.

وبعضهم يقول أنّه لا يستطيع أن يرجع الى دينه، فلو رجع فالشيعة يقتلونه، وللأسف الشديد أن مثل هذه الهراءة يطلقها أحد السماحات.

____________________

(١) محمّد مرعي الانطاكي/ لماذا اخترت مذهب الشيعة: ٦٠-٦١.


وبعضهم ظنّ أنّني أبحرت في العلم فاختلط أمري وذلك انطلاقاً من المقولة الشائعة بين الناس: أنّ العالم عندما يبعد في خوض العلم يدخل على عقله )(١) .

ويضيف حسين الرجاء حول الحملات التي انهالت عليه بعد استبصاره:

( شرع الناس يلتقون بي فيسألونني ويردّون عليَّ كلٌ حسب عقليّته ومستواه، فواحد يقابلني باللوم والعتب وآخر بالشدّة والانتقاض وثالث يذكّرني بثقة الناس والقيمة الاجتماعيّة وأنّها ذهبت منّي ورابع يطعن ويسبّ بكلمات جارحة وأليمة )(٢) .

ويقول هذا المستبصر حول موقفه إزاء ردود فعل الناس:

( كنت أدافع عن نفسي بكتاب اللَّه وسنّة رسوله، فأتلو الآية وأذكر الحديث، فيكون الجواب: ألم يقرأ الآية إلّا أنت؟ ألم يعرف الحديث إلّا أنت؟ ألم يقرأه العلماء؟ ألم يقرأه الناس؟ فلماذا لم يغيّروا دينهم؟ وعندها يتمزّق قلبي أسفاً على جماهير الناس الذي لا يعرفون عن الدّين شيئاً )(٣) .

ويصف حسين الرجاء معاناته بعد الاستبصار بعبارة أخرى:

( على أعقاب أنّ انغرست بذرة التشيّع وتجذّر جذعُها وعلت أغصانها ورفرفت نسائم آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله بأوراقها وكشف بدو الصّلاح عن طيب ثمارها تجمّع أوباش الناس حانقين يريدون اجتثاثها من جذورها واخماد جذوتها وإسكات أصحابها وحملهم على أشواك طرق غير مأمونة لكثرة التعرّج وجهالة المسار واحتمالية النتائج، فهم لا يلوون على شي‏ء ولا يألون جهداً، فتارة بالدعاية والإشاعات وأخرى بالتهويل والتخويف )(٤) .

ويقول هذا المستبصر حول إحدى المضايقات التي واجهها بعد اعتناقه لمذهب

____________________

(١) حسين الرجاء/ دفاع من وحي الشريعة: ٢٥.

(٢) المصدر السابق: ٢٦.

(٣) المصدر السابق.

(٤) المصدر السابق: ٣٣-٣٤.


أهل البيت ‏عليهم‌السلام :

( كان لعائلتنا صهر هو زوج لإبنة أخي، وما إن علم هذا بتشيّعنا حتى جنّ جنونه، فطفق يذهب إلى العلماء يستفتيهم عمّا إذا كان يجوز له أن يخالطنا ويواكلنا ويجلس معنا بحكم الأعراف الاجتماعيّة التي لابدّ له من أن يستجيب لها، فأفتوه بأنّه يجوز له أن يأكل من خبزنا ويشرب من مائنا فقط، وحذّروه من أكل اللحم أو الذبائح أو ما أشبه، بدعوى ذبائحنا لا تحلّ لأنّنا على غير دين!! )(١) .

ويقول هذا المستبصر أيضاً حول ما واجهه من مضايقات:

( كان أخي الأكبر يمرّ بي وأنا عاكف على مختلف الكتب التي لم يرها من قبل ولم يسمع بما فيها، فأوعدني بأن سأصبح يوماً مجنوناً، وبالفعل وبعد الاستبصار قال لي: أنت مجنون، وقال: أنت (تصلّخت) أيّ انسلخت من ثيابك، وقال: (لا تتصلّخ) أيّ أنّك مجنون ولكن لا تمزّق ثيابك، فقلت في نفسي: كيف ترجو من المجنون الّا يمزّق ثيابه، وبعد ردحاً من الزمن استبصر أخي، فلم أقل له لا تمزّق ثيابك!! )(٢) .

ويقول محمد عبد العال حول ما لاقاه أعقاب رحلة الاستبصار:

( لقد حصلت محاولات حثيثة وجادّة من قبل أهلنا من أهل التسنّن والمعنيين بهذا الشأن لأن يعيدوني إلى جادّة الصواب رأفة بي!! ولمحبّتهم لي حرصوا على أن أعود عن هذا الانحراف!!

ولكن كنت حريصاً على حوار هادى‏ء ومتأن، وحريصاً على خروج المحاور من إطار الحوار الخاص بيني وبينه إلى حوار بينه وبين نفسه، وقد تأثّر البعض واستبصر، عندها شعر بعض علية القوم بخطر اللقاءات معي والاستماع إليّ، حتى وصل الأمر إلى إطلاق الفتاوى بحرمة الاستماع إليّ، وإن كنت اتحدّث عبر مكبّر للصوت، فقد

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد: الصفر (التجريبي).

(٢) حسين الرّجاء/ دفاع من وحي الشريعة: ٢٤.


كان يقال أن صمّوا آذانكم وأنّه عالم سليط اللسان وقوي الحجّة، وعملوا على انفضاض الناس من حولي )(١) .

ويصف أسعد وحيد القاسم الحرب النفسيّة التي شنّها عليه مَن حوله بعد اعتناقه لمذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام :

( وكان نتيجة ذلك، إنهاء علاقاتهم [زملائي‏] بي، وأفتوا بتكفيري، ثمّ أصبحوا... يدعون كلّ الطلبة إلى مقاطعتي ويحذّرونهم من محاوراتي أو مجرّد الاستماع إلي)(٢) .

ويذكر صالح الورداني أنّ بعض المستبصرين لاقوا من بعض أبناء مجتمعهم ردود أفعال قاسية تصل أحياناً إلى ما يشبه الحرمان الكلّي، وأن بعض الذين كانوا من عوائل ثريّة، ولها انشطتها التجاريّة الواسعة، ماإن تشيّعوا، ضُيّق عليهم، وحوصروا اقتصاديّاً، فاضطرّ أمثال هؤلاء المستبصرين إلى مباشرة أعمال مختلفة من أجل الحصول على قوّتهم.

كما أن بعض الذي تشيّعوا حرّم أهل زوجاتهم ابنتهم من الميراث، وحاولوا بشتى الطرق أن يفصلوا ابنتهم عن زوجها(٣) .

ويقول معتصم سيّد أحمد حول الاضطهاد والممارسات العدوانيّة التي لاقاها من قبل التيّارات المضادّة، وما تعرّض وقتها من محنة شديدة واضطهاد:

( ومن ثمّ بدأت مرحلة جديدة من الصراع، فلم يجد الذين عجزوا عن النقاش طريقاً غير السخريّة والسبّ والشتم والتهديد والافتراء... وغير ذلك من أساليب الجهل، فاحتسبت أمري عند اللَّه، وصبرت على ما جرى، رغم أن الضربات قد وجّهت لي من أعزّ أصدقائي الذين حرّموا الأكل والنوم معي تحت سقف واحد.

وضُربت عليَّ عُزلة كاملة، إلّا من بعض الإخوة الذين هم أكثر فهماً وتحرّراً. وبعد

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد: ٢٦.

(٢) مجلّة المنبر/ العدد ٨.

(٣) انظر: مجلّة المنبر/ العدد: ٢٢، لقاء مع صالح الورداني.


مدّة من الزمن أستطعت أن أعيد علاقاتي بالجميع وبصورة أفضل من الأول، بل ولقد أصبحت بينهم محترماً ومقدّراً، وكان بعضهم يستشيرني في كل صغيرة وكبيرة من أمور حياته، ولكن هذا الحال لم يستمر طويلاً، فقد شبّت نار الفتنة من جديد، بعد ما أعلن ثلاثة من الطلبة [الذين كانوا معي في الجامعة] تشيّعهم، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الطلبة أظهروا تعاطفهم وتأييدهم للشيعة، فدارت سلسلة أخرى من الصدمات والصّراعات التزمنا فيها جميعاً الأخلاق الرساليّة والحكمة، فتمكّنا من امتصاص الغضب بأسرع ما يكون )(١) .

ويضيف معتصم سيّد أحمد حول ما لحقه من أذى واضطهاد في قريته بعد ذيوع خبر استبصاره:

( وبهذا انتشر أمري في القرية، وبدأت أطرح مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام على كثير من أهلها، فشبّت نار الوهّابيّة وتأجّج غضب مروّجيها، فأصبحت كل محاضراتهم في أيّة مناسبة كانت هي عبارة عن سبّ وشتم الشيعة والافتراء عليهم وأحياناً يتعرّضون لشخصيّتي، و واجهت كل ذلك بالصبر والصفح الجميل )(٢) .

ويضيف هذا المستبصر أيضاً حول الاضطهاد الذي واجهه بعد اعتناقه لمذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام :

( كان إمام المسجد في قريتنا يصرّح بكفري وضلالتي، ويمنع الجميع من الجلوس معي أو قراءة كتبي، أيّ منطق هذا يسلب الإنسان حرّية تفكيره ولكنّها سياسة الجهل والتجهيل والحصار الفكري )(٣) .

ويقول محمّد علي المتوكّل حول ما شنّه البعض عليه من حملات مسعورة من أجل صرفه عمّا توجّه إليه:

____________________

(١) معتصم سيّد احمد/ الحقيقة الضائعة: ٢٣-٢٤.

(٢) المصدر السابق: ٢٥.

(٣) المصدر السابق: ٢٠٠.


( أراد بعضهم الإيقاع بيني وبين أهلي، بينما كان دافع آخرين هو الحرص على ديني والإشفاق عليّ.

أيّاً كانت الدوافع فقد تلقّى والدي النبأ بحكمته التي أعرفها جيّداً، واعتماداً على ثقته بابنه...

وعند أوّل لقاء بيني وبين أبي، لم يحدّثني مباشرة عمّا بلغه عنّي من أنباء، ولكن بدلاً عن ذلك أخذ يسدى إليّ مجموعة من النصائح القيّمة ويدعوني إلى التريُّث والتثبّت قبل أن أخطوا أيّ خطوة مصيريّة في حياتي، فهمت مراده وطمأنته على نفسي وعلى سلامة مسيرتي، وقدّمت له بعض كتب الدعاء المأثور عن أهل البيت ‏عليهم‌السلام منها الصحيفة السجّاديّة للإمام علي بن الحسين‏عليه‌السلام فأقبل على قراءتها بشغف شديد.

أمّا والدتي - ذلك الإنسان البسيط ذو التديّن الفطري والمعرفة المحدودة بالتاريخ وغيره من قضايا الدين - فقد بدت منزعجة جدّاً بعد أن سمعت بعض ما تناقلته النسوة من حديث حول ابنها، وكان أكثرهنّ لا يميّز بين شيعي وشيوعي، لذلك كُنّ يستغربن: كيف تحوّل ذلك الشاب المتديّن من واعظ يدعو الناس إلى الإيمان إلى شيوعي لا دين له؟!

ومع ذلك فإنّ أمي انتظرت ريثما تفهم الحقيقة منّي، ولم ترتّب على كلام الناس شيئاً، وما أن التقينا بعد طول افتراق بادرت باستيضاح الأمر منّي، فحرت في أمري، إذ كيف أبيّن لها حقيقة التشيّع وهي لا تعرف عن (التسنّن) شيئاً، شأنها في ذلك شأن أكثر الناس - رجالاً ونساء - قلت لها:

دعيني أسألك يا أمّي، من تعرفين من الصحابة؟

أجابت: أعرف عليّاً وفاطمة بنت الرسول والحسن والحسين وحمزة والعبّاس.

قلت لها: ذلك يكفي، وكل ما في الأمر أن الناس بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله انقسموا إلى قسمين: قسمٌ صار مع على وفاطمة والحسن والحسين وأبنائهم إلى اليوم وهم الشيعة، وقسم خالفهم واتّبع غيرهم وهم الذين عُرفوا بأهل السنّة، ونحن بعد أن عرفنا هذه


الحقيقة رأينا الحقّ في إتّباع أهل البيت ‏عليهم‌السلام فصرنا شيعةً لهم، فهل في ذلك شي‏ء؟

قالت: لا شي‏ء في ذلك ونحن نحبُّ أهل البيت ونحبّ من يُحبّهم.

وهكذا اطمأنّت الوالدة وحمدت اللَّه أنّ ولدها لا زال متمسّكاً بدينه كأقوى ما يكون )(١) .

ويقول محمّد علي المتوكّل أيضاً حول ردود أفعال طلبة جامعته إزاء استبصاره واستبصار مجموعة من الطلبة الذين استبصروا معه:

( تلك الأسباب مجتمعة دفعت فصيل الحركة بالجامعة إلى المسارعة لاتّخاذ قرارات حاسمة في مواجهة مجموعتنا التي لم تعدّ تخفي تشيّعها.

فكانت الخطوة الأولى هي تكثيف الدعاية المضادّة للشيعة والتشيّع عن طريق الجلسات الثقافيّة والندوات والمعسكرات المغلقة.

وفي خطوة تالية اتّهمت مجموعتنا بالعمالة والتعاون مع جهات سياسيّة معادية من أجل إضعاف الحركة!

كلّ ذلك تمهيداً لإجراءات تكون أكثر حسماً وأشدّ قسوة، ما كان أغناهم وأغنانا عنها لو أنّهم اتّبعوا الحوار معنا بدلاً عن التوجّس والارتياب، إذ أنّ الحركة التي استطاعت أن تتحدّى التراث وتخرج عن الخط التقليدي كان بإمكانها أن تخطوا في طريق (التجديد) خطوة أكثر عمقاً وجدّية، وتجرّب أن تعرض إشكالياتها في التراث على منهج آخر خلاف منهج الرأي الذي لا يزيد عن الطريق إلّا بعداً.

في الخطوة قبل الأخيرة دُعي جميع الكوادر إلى اجتماع حُجبت عنه مجموعتنا التي كان الأمر متعلّقاً بها، وبعد أن تُليت الاتّهامات الموجّهة إلينا، وأعلن للمجتمعين (انحراف) مجموعتنا عقائديّاً وحركيّاً، صدرت اليهم القرارات الحركيّة القاضية بمقاطعتنا وعزلنا اجتماعيّاً و وقف التعامل مع أفراد المجموعة الشيعيّة بأيّ وجه من

____________________

(١) محمد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٦٦-٦٧.


الوجوه، وأُخذ على الجميع القسم على ذلك، على الرغم من احتجاج عدد ممّن يعرف إخلاصنا للحركة ولا يجزم بانحراف توجّهنا الفكري )(١) .

دواعي مضايقة أبناء المجتمع السنّي للمستبصرين:

يرى أسعد وحيد القاسم أنّ سبب مواجهة أبناء المجتمعات السنّية لمن يغيّر انتماءه من المذهب السنّي إلى المذهب الشيعي هو سيطرة التفكير القبلي والتعصّب الديني والمذهبي على عقليّة أبناء هذه المجتمعات.

فيقول في هذا لمجال:

( الدّين والمذهب في مجتمعاتنا من الأمور التي تورَّث، والقليل النادر جدّاً من يضعها تحت مجهر الدراسة والتمحيص )(٢) .

ولهذا يقول التيجاني السماوي:

( رغم كلّ الأدلّة الواضحة والحجج القاطعة التي تقدّمت بها في كتبي السابقة، غير أن البعض سامحهم اللَّه لا يقرؤون بعقولهم وقلوبهم، بل يقرؤون بعواطفهم ما يرضي مشاعرهم وأهوائهم، وقد تعلّموا معاداة كلّ ما يخالف معتقداتهم وتوهين كلّ ما يعاكس رغباتهم )(٣) .

ويقول محمّد علي المتوكّل حول ردود أفعال أهل السنّة بعد قراءتهم لكتابه (ودخلنا التشيّع سجّداً):

( بالنسبة للقارئ السنّي [الذي يقرأ كتابي‏] من الطبيعي أن يتساءل؛ بل يستغرب ويستنكر، ويصدر ما يعنّ له من الأحكام على كل من ينتقل إلى التشيّع، وقد يبدو الأمر له ضرباً من ضروب الردّة والانحراف العقائدي، ذلك أنّه يقطع، ظنّاً وتقليداً، بأنّ

____________________

(١) المصدر السابق: ٥٣.

(٢) مجلّة المنبر/ العدد ٨.

(٣) محمّد التيجاني السماوي/ كلّ الحلول عند آل الرّسول: ١٧.


الحقّ كلّ الحقّ هو ما عليه أهل السنّة، وهل بعد الحقّ إلّا الضلال؟

وقبل أن يسترسل في أسئلته وأحكامه الخاصّة، نضيف إلى قائمته سؤالين، لعلّه يطرحهما على نفسه، أو لعلّه يتذكّر قوله تعالى:( قُل مَنْ يَرزُقُكُم مِن السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُل اللَّه وإنّا أو إيّاكُم لَعَلى‏ هُدًى أو في ضَلالٍ مُبين ) (١) .

أوّلاً: هل كونك سنّيّاً كان أمراً باختيارك؟ أو هو ما وجدتَ عليه آباءك والّذين من حولك، فكنت أحدهم في ذلك؟

ثانياً: بعد أن بلغت الرشد وتبيّن لك أنّ هناك أديان أخرى ومذاهب إسلاميّة يقوم بعضها على نفي البعض الآخر والحكم بانحرافه، هل خامرك الشكُّ أو افترضت للحظة أن الحق قد يكون بخلاف ما ألفيت عليه الآباء؟

ومن ثمّ هل سعيت من أجل التحقّق والتثبّت من صحّة معتقداتك وأفكارك الموروثة؟

وإذا أجبت بالنفي فأنت كغيرك من أهل الأديان وأصحاب المذاهب الموروثة، الذين لا يرون الحقّ في شي‏ء بخلاف ما هم عليه، فقط لأنّهم ألفوا آباءهم عليه، فتجد نفسك عند مفترق طرق يزعم كل منها أنّه ينتهي إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث الدين الخالص المبرّأ من الشوائب، ويدّعي أنّه طريق النجاة والفرقة الناجية التي هي واحدة إلى جانبها إثنان وسبعون فرقة ضالّة ومن ثمّ هالكة)(٢) .

ولهذا يرى معظم المستبصرين رغم تحمّلهم الكثير من المآسي والنكبات أنّ الاستياء العام الذي يتعرّضون له لا يستحقّ الاهتمام أو الالتفات إليه.

ومن جملة هؤلاء أحمد حسين يعقوب حيث أنّه يقول:

( لقد اهتديت وأولادي والحمد للَّه، فصارت أفراح أهل البيت أفراحنا وأتراحهم أتراحنا، وأنا على بيّنة من ربّي، ولست معنيّاً بما يقوله المجتمع عنّي.

____________________

(١) سبأ: ٢٤.

(٢) محمّد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٦.


لقد وصفت الأكثريّة الساحقة من أبناء المجتمعات القديمة كلّها الرسل والأنبياء الكرام بالمجانين، واتّهمتهم بالسحر والكهانة والشعر والكذب.. ولم يسلم خاتم النبيّين من هذه الأوصاف الظالمة!

لقد بلغ العرب المدى عندما قالوا بأنّ (القرآن أساطير الأوّلين)! ولكن بوقت طال أم قصُر، سقطت أكاذيب الأكثريّة من أبناء المجتمعات، وحصحص الحقُّ، وبقيت الحقيقة الخالدة التي نادى بها النبيّون.

المطلوب أن أنجوا بنفسي، ولا يضيرني عند اللَّه إن ضلّ ابني أو تنكّر لي مجتمعي، ليقولوا أنّني كافر... وأنّني رافضي... إلخ، هم يعرفون أنّني أصلّي وأحجّ وأبكي من خشية اللَّه، لقد كنت خطيبهم وإمامهم في الصلاة ورئيس بلديتهم فكيف يمكن التوفيق بين هذه الاتّهامات، وبين حقيقة الواقع!! )(١) .

ويضيف أحمد حسين يعقوب:

( إنّ فرعون كان يعتقد أن حكمه وطريقته وعقيدته الفاسدة هي المثلى وأنّه كان يخشى أن يذهب موسى (بطريقتكم المثلى)، كان يعتقد أن دينه هو الصحيح، وهو يخاف من موسى أن ينجح بتبديل دين المجتمع (أن يبدّل دينكم)، كان يعتقد أنّه مصلح، ويخشى أن يظهر موسى (في الأرض فساداً)!

لكن من يصدّق اليوم أن فرعون مصلح وأن طريقته هي المثلى، وأنّ موسى مُفسد، حاشاه؟!! من يصدّق اليوم أكاذيب العرب بأنّ القرآن أساطير الأوّلين؟!!

بوقت يطول أو يقصر ستسقط كلّ الأكاذيب وتزول كلّ الأصباغ الزائفة وتظهر الحقائق الشرعيّة المجرّدة، والخاسرون هم الذين يكذّبون على أنفسهم ويسجنون أنفسهم وعقولهم في كهوف التاريخ ومغره )(٢) .

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد: ١٠.

(٢) المصدر السابق.


صمود المستبصرين إزاء مضايقات أبناء مجتمعاتهم:

إنّ المستبصر رغم المضايقات التي يواجهها من أبنا مجتمعه يقف بقوّة إزاء كافّة التيّارات التي تحاول إعادته إلى ما كان عليه، ولا يعبأ بكلّ المصاعب التي تنهال عليه نتيجة صموده واستقامته في هذا السبيل، لأنّه يشعر بعد الاستبصار بامتلاك شخصيّة قويّة ومتماسكة يستمدّ منها القدرة على تخطّي كافّة الحواجز والعقبات الصعبة التي ستقف بوجهه لتصرفه عن السير باتّجاه الحقيقة.

وبهذا الشعور الإيماني العظيم الذي يتضاءل بجانبه كل شي‏ء يشعر المستبصر باستقرار نفسي لا يشوبه أيّ خوف أو قلق.

ومن هذا المنطلق يندفع المستبصر بقوّة لمواجهة القوى المعاكسة المغرضة التي تقف بوجهه لتصدّه عن مواصلة الطريق الذي اختاره بنفسه، لأنّ المستبصر يعتقد كما ذكر سعيد أيّوب:

( إنّ على الأرض معسكران لا ثالث لهما: معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، ومعسكر الإيمان ممتدٌّ طال ما ظلّ متمسّكاً بالمنهج الذي يمدّه بكل تصوّرات الحياة، وهذا المنهج تكفّل اللَّه تعالى بحفظه وبنصره حتى يرث اللَّه الأرض ومَن عليها، فقال تعالى:( ...واللَّهُ مُتمُّ نورِهِ ولَو كَرِه الكافِرُونَ ) (١) .

( هو الذي أَرسَلَ رسُولَه بالهُدى‏ ودينِ الحقِّ لِيُظهِرَه على الدّينِ كلّه وَلو كَرِه المُشركونَ ) (٢) .

ووفقاً لهذه النصوص تكون الغاية قد أعلنت، وهي أنّ اللَّه تعالى سوف يتمّ نوره ولو كره معسكر الكفر وسيظهر دينه ولو كره معسكر الشرك. فاذا كان اللَّه تعالى قد تكفّل بهذا فما هو دور الإنسان المؤمن؟

____________________

(١) الصفّ: ٨.

(٢) الصف: ٩.


بمعنى إذا كان اللَّه تعالى سيتم ويظهر ولن يؤجّل إهمال جميع الخلق هذا الإتمام والظهور كما لن يعجل طاعة جميع الخلق هذا الاهتمام وهذا الظهور، فما هو دور الإنسان المؤمن في هذا النصر الذي سيتحقّق حتماً في نهاية الطريق؟

إنّ دور الإنسان الذي يأخذ موقعه في معسكر الإيمان هو أن يضع نفسه على الطريق الذي حدّده المنهج، ويسير في الحياة وفقاً لهذا التحديد، ولا شأن له متى يأتيه نصر اللَّه، وحركة المؤمن على الطريق نحو الغاية المعلنة يقول فيها تعالى:

( وَلَنَبْلونّكُم حَتّى‏ نَعلَمَ المُجَاهِدينَ مِنْكُم والصَّابِريِنَ ونَبلُوَا أخْبَارَكُم ) (١) .

وهذا الاختبار يجعل الإنسان في شعور دائم بأنّه مراقب في جميع مهامه، لأنّ حركته كعبد ارتبطت بمنهج اللَّه تعالى كمعبود، وهو في الحياة لابدّ إما أن يكون مجاهداً وإمّا أن يكون صابراً. وكما أنّ هذه هي حركته في حياة الإبتلاء فعليها يكون عطاء المعبود في عالم الخلود، يقول تعالى:( أم حَسِبتُم أنْ تدْخلُوا الجَنّةَ ولَمّا يَعلَم اللَّهُ الّذينَ جَاهَدُوا مِنْكُم ويَعلَم الصّابِريِن ) (٢) )(٣) .

ويعي المستبصر - كما ذكر معتصم سيّد أحمد - أنّه قد وضع نفسه في مقام يتطلّب منه التحلّي بالصبر والعزيمة، لأنّ الطريق الذي اختاره هو طريق أنبياء اللَّه الذين لاقوا أشدّ أنواع العذاب من مجتمعاتهم(٤) بحيث قال تعالى:

( ومَا يأتيهِم مِن نَبيٍّ إلّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهزِؤُون ) (٥) .

وبهذه الرؤية ينطلق المستبصر بعد استبصاره، فيقف بكل صمود وتحدّي إزاء كافّة التيّارات التي تحاول أن تسلب منه القناعات التي توصّل إليها عبر الأدلّة والحجج

____________________

(١) محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : ٣١.

(٢) آل عمران: ١٤٢.

(٣) سعيد أيوب/ عقيدة المسيح الدجّال: ١٨.

(٤) أنظر: معتصم سيّد أحمد/ الحقيقة الضائعة: ٣١.

(٥) الزخرف: ٧.


والبراهين.

ويقول محمّد عبد العال حول إحدى الأمور التي حفّزته على الاستقامة والصمود إزاء التيّارات المعاكسة:

( رغم أنّ مستلزمات الوحشة كانت كثيرة جدّاً وصاخبة جدّاً، إلّا أنّني لا ولم ولن أشعر بها، لأنّني حفظت عن ظهر قلب قول الإمام علي‏عليه‌السلام : (( أيّها النّاس لا تستوحشوا طريق الهُدى لقلّة أهله ))(١) .

وبهذه الرؤية، فإنّ المستبصر لا تأخذه في اللَّه لومة لائم، لأنّه يعلم بأنّه قد أرضى اللَّه سبحانه وتعالى في عمله الذي قام به.

ولهذا يقول التيجاني السماوي:

( ومادام هدفنا سليماً، فما قيمة اعتراض المعترضين والمتعصّبين الذين لا يعرفون إلّا السباب والشتائم )(٢) .

ويقول التيجاني السماوي أيضاً في هذا المجال:

( فاللَّه يقول:( يَا أيُّها الّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامينَ بالقِسْطِ شُهَدَاءَ للَّه وَلَو على أنْفُسِكُم ) (٣) .

ومن أجل هذه الآية الكريمة فأنا لا أبالي إلّا برضاء اللَّه سبحانه وتعالى ولا أخشى فيه لومة لائم مادمتُ أدافع عن الإسلام الصحيح وأنزّه نبيّه الكريم عن كلّ خطأ ولو كان ذلك على حساب نقد بعض الصّحابة المقرّبين ولو كانوا من (الخلفاء الراشدين) لأن رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسلم هو أولى بالتنزيه من كلّ البشر.

والقارئ‏ الحرّ اللّبيب يفهم من كلّ مؤلّفاتي ماهو الهدف المنشود، فليست القضيّة هي انتقاص الصّحابة والنيل منهم بقدر ما هو دفاع عن رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسلم وعصمته ودفع

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد: ٢٦.

(٢) محمد التيجاني السماوي/ فاسألوا أهل الذكر: ١٧٦.

(٣) النساء: ١٣٥.


الشبهات التي ألصقها الأمويّون والعبّاسيّون بالإسلام وبنبيِّ الإسلام خلال القرون الأولى التي تحكّموا فيها على رقاب المسلمين بالقهر والقوّة وغيّروا دين اللَّه بما أملته عليهم أغراضهم الدنيئة وسياستهم العقيمة وأهواؤهم الخسيسة.

وقد أثّرتْ مؤامرتُهم الكبرى على كتلة كبيرة من المسلمين الذين اتّبعوهم عن حسن نيّة فيهم وتقبّلوا كلّ ما رَوَوه من تحريف وأكاذيب على أنّها حقائق وأنّها من الإسلام ويجب على المسلمين أن يتعبّدوا بها ولا يُناقشوها.

ولو عرف المسلمون حقيقة الأمر لما أقاموا لهم ولا لمَرويّاتهم وَزناً )(١) .

ويقول التيجاني السماوي أيضاً:

( فلا أبالي بلوم الأكثريّة ولا أباهي بمدح الأقليّة مادمت أبتغي رضا اللَّه ورسوله ورضا الأئمّة من أهل البيت ‏عليهم‌السلام ؛ وأما رضا الناس فهو غاية لا تدرك، لأنّ الناس لا يرضون إلّا عمّا يعجبهم ولا يميلون إلّا مع أهوائهم، وأهواؤهم شتى( وَلَو اتّبَعَ الحَقُّ أهْوَاءَهُم لَفَسَدت السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَن فِيهِنّ... ) (٢) .

وإذا كان أغلب الناس معرضين عن الحقّ حتى وصل بهم الأمر إلى قتل رُسُل اللَّه معاندةً للحقّ الذي لا يتماشى مع أهوائهم، قال تعالى:( أَفَكُلّمَا جَاءَكُم رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى‏ أنْفُسُكُم اسْتَكبَرتُم فَفريقاً كَذَّبْتُم وَفَريقاً تَقْتُلُونَ ) (٣) .

فلا غضاضة عليَّ إن أُهنت أو لُعنت على لسان البعض منهم الذين لم يتحمّلوا الحقّ الذي صدعتُ به في كتبي السّابقة وقد أعيتهم الحلية في الردّ عليَّ بالحجّة والدّليل العلمي فلجأوا للسبّ والشتم كما هي عادة الجاهلين.

فلا ولن أخضع للمساومات ولا للترهيب والترغيب، وسأكون المدافع بلساني وقلمي عن رسول اللَّه وأهل بيته صلوات اللَّه عليهم أجمعين، عسى أن أحظى لديهم

____________________

(١) محمّد التيجاني السماوي/ فسألوا أهل الذكر: ١٧٤-١٧٥.

(٢) المؤمنون: ٧١.

(٣) البقرة: ٨٧.


بالقبول فأكون من الفائزين، وما توفيقي إلّا باللَّه عليه توكّلت وإليه أُنيب )(١) .

ويقول أحد أصدقاء أحمد حسين يعقوب بعد وقوفه على حقيقة التشيّع من أوثق المصادر:

( لا أشعر بأي حرجٍ الآن لو أعلنت وعلى رؤوس الأشهاد، وبكلّ وسائل الإعلان انّني مع بني هاشم ومع أهل بيت النبوّة، وانّني من حزبهم أو من شيعتهم، لأنّ طريقهم هي الطريق الأصوب، ومنهاجهم هو منهاج النبوّة.

ثم لماذا عليَّ أن أشعر بهذا الحرج التقليدي؟ فلقد عرف التاريخ القديم الكثير من الناس الذين تشيّعوا وتحزّبوا لمن هم أقلّ مرتبة، وأدنى مقاماً من أهل بيت النبوّة وبني هاشم‏عليهم‌السلام ، فلقد تشيّعت الأكثريّة الساحقة من المسلمين وتحزّبت لبني أميّة وبني مخزوم وبني عديّ وبني تيم ولرجالات هذه البطون ولم نشعر بالحرج، ولم يَلُمها أحد بل أعتبرت الأكثريّة ذلك من فضائلها ومناقبها )(٢) .

ويقول محمّد مرعي الانطاكي حول صموده في سبيل الحقّ:

( وعلى كلّ حال نحن ثابتون كالجبل الأشمّ لا تحرّكه العواصف، والبحر الخضمّ لا يأبه بحَرّ الهجير، مشمّرين عن سواعدنا، آخذين بأذيال الحقّ، ندعو إلى سبيل اللَّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالمجادلة التي هي أحسن( وَمَن أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللَّه وعَمَل صَالِحاً وَقَالَ إنّني مِن المُسْلِمينَ ) (٣) وقد أخذ اللَّه بأيدينا ببركة أهل البيت ‏عليهم‌السلام في الأحوال كلّها، ننتصر عيلهم، وهم فاشلون خائبون خاسرون، وبصنع أعمالهم يوم القيامة مَجزِيّون )(٤) .

ويقول إدريس الحسيني في هذا المجال:

____________________

(١) محمّد التيجاني السماوي/ الشيعة هم أهل السنّة: ١٦.

(٢) أحمد حسين يعقوب/ مساحة للحوار من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة: ٢٨٢-٢٨٣.

(٣) فصّلت: ٣٣.

(٤) محمد مرعي الانطاكي/ لماذا اخترت مذهب الشيعة: ٦١.


( أن أكون من شيعة الإمام علي‏عليه‌السلام وأختار لنفسي طريق النبوّة في مسلك آل البيت ‏عليهم‌السلام ليس عيباً! إنّما العيب كلّ العيب في ألّا أكون كذلك بعد أن حصل لي العلم بوجوب هذا)(١) .

وقد يصل المستبصر إلى مستوى رفيع من الوعي بحيث إذا استهزأ به البعض وعابوا عليه، يبستم ويسترحم في قلبه على حالهم، ويدعوا اللَّه أن يرزقهم فهماً وعلماً ليدركوا بها الحقائق.

وعموماً، فإنّ أفضل موقف يختاره المستبصر في هذا المجال هو أن يقابل سوء تصرّفات قومه بالأفعال الحسنة وأن يقترب إلى إخوانه من أهل السنّة أكثر من قبل ليبيّن لهم الحق الذي خفي عليهم.

وهذا ما أوصى به السيّد محمّد باقر الصّدر (رحمة اللَّه عليه) للتيجاني السماوي حينما التقى به في العراق:

فيقول التيجاني حول هذا الأمر:

( وكم كانت فرحتي عظيمة عندما قابلت السيّد محمّد باقر الصّدر في النجف الأشرف... وشكوت إليه ما نلاقيه من مقاومة ومن بثّ الإشاعات ضدّنا والعزلة التي نواجهها.

وقال السيّد في معرض كلامه: (لابدّ) من تحمّل المشاق، لأنّ طريق أهل البيت ‏عليهم‌السلام صعب ووعر... وماذا قدّمنا نحن في سبيل دعوة الحقّ التي دفع ثمنها أبو عبد اللَّه الحسين‏عليه‌السلام بنفسه وأهله وذريّته وأصحابه، كما دفع ثمنها الشيعة على مرّ التاريخ وما زالوا حتى اليوم يدفعون ثمن ولائهم لأهل البيت ‏عليهم‌السلام . فلابدّ يا أخي من تحمّل بعض الأتعاب والتضحيّة في سبيل الحقّ، فلئن يهدي اللَّه بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها.

____________________

(١) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ١٦.


كما نصحني السيد الصدر بعدم الانزواء، وأمرني بأن أتقرّب أكثر من إخواني أهل السنّة كلّما حاولوا الابتعاد عنّي، وأمرني أن أصلّي خلفهم حتى لا تكون القطعية، واعتبارهم أبرياء، فهم ضحايا الأعلام والتاريخ المزيّف، والناس أعداء ما جهلوا.

وعملاً بنصائح الأئمّة من أهل البيت ‏عليهم‌السلام وكذلك بنصائح علماء النجف الأشرف عمدنا للتقرّب من إخواننا من المذاهب الأخرى ولا زمنا الجماعة، فكنّا نصلّي معاً، وخفّت بذلك حدّة التوتّر، وتمكنّا من إقناع بعض الشباب من خلال تساؤلاتهم عن كيفيّة صلاتنا و وضوئنا وعقائدنا)(١) .

ومن هذا المنطلق يواجه المستبصر سوء تصرّفات قومه بروح هادئة تتحرّك بوعي وثبات وفي ضوء منهجيّة تنطلق من موقع القاعدة الإيمانيّة الصلبة.

وبهذا يعيش المستبصر - عند مواجهته لهذه التحدّيات - بعيداً عن مشاعر الخوف والقلق والضياع والاهتزاز، وبعيداً عن كافّة مشاعر الضعف التي تملأ النفس رعباً وتحطّم فيها كلّ استعداد للمقاومة، بل يستبدل المستبصر هذه المشاعر نتيجة المامه بمعارف أهل البيت ‏عليهم‌السلام بمشاعر الثقة والسرور والثبات والوضوح في الموقف.

تصدّي المستبصرين لمهمّة الدعوة للتشيّع:

إنّ أوّل أمنية يتمنّاها المستبصر بعد اعتناقه لمذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام هي أن يبيّن للآخرين الحقائق التي توصّل اليها، وأن يعرّف أبناء مجتمعه الطريق الذي أخذ بيده إلى الهدى والرشاد، لأنّه يودّ أن يجد الآخرون حلاوة الاستبصار التي شعر بها حين اعتناقه لمذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام ، ويعزّ عليه أن لا يقوم بإخراج أبناء مجتمعه من الظلمات إلى النور.

وتتوفّر هذه الفرصة للمستبصر بصورة طبيعيّة، لأنّ الناس إنطلاقاً من حبّ

____________________

(١) محمّد التيجاني السماوي/ ثمّ اهتديت: ١٧٤-١٧٥.


الاستطلاع تتوجّه إلى المستبصر وتنهال عليه لتستفسر منه أسباب تغييره للانتماء المذهبي.

وفي الحالات التي قد يكتفي الناس باستهزاء صاحبهم بعد الاستبصار، يكون السبب هو أنّهم يحسبون اعتناق صاحبهم للتشيّع نزعة عارضيّة سرعان ما تزول، ولكن بعد مضيّ فترة، عندما يجد الناس أنّ التشيّع عقيدة نالت اهتمام صاحبهم بشكل مكثّف، تتحوّل أسئلتهم من أسئلة سخريّة إلى أسئلة جادّة حول مبادئ وتعاليم مذهب التشيّع.

وهنا تتوفّر للمستبصر الفرصة المناسبة لنشر مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام ، فيقوم بإيضاح جوانب كثيرة من التاريخ الإسلامي، وتبيين ما ثار في نفسه من تساؤلات وشكوك أزالت الغشاوة عن عينيه، ويوضّح لهم الملابسات التاريخيّة ويشرح لهم الحقائق التي حاول الكثير إخفاءها من أجل نيل مصالحهم الشخصّية.

ومن هذا المنطلق يتقدّم المستبصر إلى المجتمع بكلّ قوّة وشجاعة وبإصرار وحماس متلبّساً بالروح الجهاديّة حاملاً راية العمل التوجيهي من أجل استنقاذ أبناء مجتمعه من مهاوي الضلالة والانحراف، ومن أجل المساهمة في نشر الفكر الديني الرصين وتزويد الناس بعناصر اليقظة والنهوض الفكري وتوجيههم إلى المادئ القيّمة والتراث الإسلامي الأصيل.

ويكرّس المستبصر في هذا المجال جهده للدفاع عن التشيّع والردّ على منتقديه، ويأخذ على عاتقه مهام الدعوة والتبليغ لنشر مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام ويشمّر عن ساعديه لخدمة هذا المذهب، ويجنّد قواه ويوظّف كل طاقاته وقدراته لتوسيع آفاق رؤية أبناء مجتمعه وتصحيح أفكارهم المشوّهة حول هذا المذهب.

ويوطّن المستبصر في هذا المجال نفسه لإعلاء كلمة الحقّ، وينذر حياته للتبليغ وخدمة الدين لتكون حياته حافلة بالعطاء الصادق لخدمة مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام .

ويحاول المستبصر خلال عمله التوجيهي أن يكون أداة مؤثّرة في تصحيح


معتقدات من حوله وتقويم اعوجاجهم وإصلاح أحوالهم وتصحيح مسيرتهم، ويحاول أن تكون كلماته صادقة و واعية تحمل تفهماً وإدراكاً واضحاً لحقيقة التشيّع، لتكون سبباً في استضاءة بصائر الناس وتنوير عقولهم بمعارف أهل البيت ‏عليهم‌السلام .

وفي هذا الصعيد يكون الشباب المتعطّش إلى فهم الإسلام الأصيل وتطبيق تعاليمه المتعالية الأرضيّة المناسبة والخصبة لتقبّل الحقائق.

ولهذا يقول محمّد علي المتوكّل:

( كان الشباب والطلّاب هم محور اهتمامنا ومجال دعوتنا، فكان أكثر المستبصرين فيما بعد شباباً.

لقد اتّخذنا من الجامعة منطلقاً لدعوتنا فقمنا بإصدار الصحف الحائطيّة وإقامة الأسابيع الثقافيّة بما فيها من ندوات ومحاضرات وحوارات ومعارض كتاب، لم يكن خطابنا مستغرباً في الوسط الطلّابي! إذ نخاطب العقول ونقدّم الحجج والبراهين بين يدي رؤانا ومعتقداتنا، والطلاب بعيدون عن التعصّب والتبيعيّة خاصة إزاء الطرح الموضوعي والحجج القويّة، باستثناء الوهّابيين، فهم الفئة الوحيدة التي ناصبتنا العداء وسعت إلى عزلنا عن الطلاب عن طريق الوصم بالكفر والزندقة والانحراف الفقهي.

ويضيف محمّد علي المتوكّل:

( لقد اتّسمت دعوتنا بالموضوعيّة والهدوء واحترام الآخر، والبعد عن التفاصيل المستفزّة للآخرين، وليس ذلك تكتيكاً بل استراتيجية نستمدّها من قيم التشيّع ومبادئه التي تدعو إلى الجماعة ونبذ الفُرقة...

أما مجتمعنا التقليدي فلم نزدد بالتشيّع إلّا قرباً منه وتفاعلاً معه، ولقد لاقت وتلاقي دعوتنا إلى أهل البيت قبولاً وتجاوباً يتناسب مع ثقافة الشعب السوداني وموروثاته الروحيّة والأخلاقيّة )(١) .

____________________

(١) محمّد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٦٩-٧٠.


ولهذا يقول التيجاني السماوي:

( فعلى المستبصرين من الشيعة في كلّ مكان أن ينفقوا من أوقاتهم ومن أموالهم في سبيل التعريف بالحقّ لكلّ أبناء الأمّة الإسلاميّة، فلم يكن أئمّة أهل البيت حكرة على الشيعة وحدهم، إنّما هم أئمّة الهدى ومصابيح الدجى لكلّ المسلمين )(١) .

أساليب الدعوة عند المستبصرين:

يختلف المستبصرون فيما بينهم في مجال أساليب الدعوة لنشر مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام ، ويحاول كلٌ منهم أن يستخدم الأسلوب الذي يجد فيه أكبر قدر ممكن من النتائج المثمرة في الصعيد الاجتماعي الذي هو فيه.

فالبعض - من قبيل حسن شحاتة - يفضّل استخدام اللهجة الشديدة والأسلوب الاستفزازي، لأنّه يرى أنّ هذا الأسلوب يحرّك النفوس الأبيّة وتكون ثماره مذهلة.

ويقول هذا المستبصر حول سبب حدّة لهجته في هذا المجال:

(انّ أعداء أهل البيت ‏عليهم‌السلام يستحقّون أكثر من ذلك، فقد شاء اللَّه أن كل أمّة عادت نبيّها وكالت له وآذته، ولكن ما أوذيَ نبيٌّ مثل ما أوذيَ نبيُّنا في نفسه وآل بيته، فقد دُبّرت له صلوات اللَّه عليه وآله أربعون مؤامرة لقتله، ونجّاه اللَّه، ثمّ ظلموه في أخيه أمير المؤمنين‏عليه‌السلام في حياته تكراراً واتّهموه بأنّه سدّ أبوابهم وترك باب أخيه وأخرجهم من المسجد وترك أخاه، وفي كل مرّة يدفع اللَّه أعلام آل البيت وينبّه بمقامهم...

هذا في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أما بعد وفاته فإنّهم قد انقضوا عليه في آل بيته، فأوّل ما قاموا به أن اغتصبوا مقام أخيه أمير المؤمنين الذي أقامه اللَّه فيه، وأخذوا الخلافة بمسرحيّة قذرة أقاموها في زريبة بني ساعدة! ثمّ انقضوا على الزهراء قرّة عين

____________________

(١) محمّد التيجاني السماوي/ الشيعة هم أهل السنّة: ٢٧.


المصطفى وفلذة كبده، فاغتصبوا حقّها وميراثها وآذوها وشتموها في ملئهم وأحرقوا دارها وكسروا الباب على ضلعها وأسقطوا جنينها وجرى ما جرى عليها!! وغضبت الزهراء وعند غضبها يغضب اللَّه، ومن يغضب اللَّه عليه يستحقّ اللعن الدائم، فلعن اللَّه من آذى النبيَّ فيها، بأبي هي وأمّي كانت شهيدة...(بكى الشيخ ولم يكمل ) )(١) .

ويرى التيجاني السماوي أنّه لا مانع من توخّي الأسلوب الليّن فيقول:

( وإن كنت أعتقد بأنّ الأسلوب الاستفزازي الذي يحرّك النفوس الأبيّة والذي اعتمدته في الكتب السابقة قد أتى بنتائج مثمرة ومذهلة، إلّا أنّه لا مانع من توخّي الأسلوب الليّن المسالم الذي قد يُقنع الكثير من الناس فتكون ثماره ألذُّ وأشهى )(٢) .

ويرى إدريس الحسيني في هذا المجال:

( إنّ شعوبنا أصبحت - بفضل اللَّه - على درجة من الوعي قادرة أن يجعلها في مستوى استيعاب الفكرة ولا داعي لأن نكثر من شرح المعتقد )(٣) .

ويرى صالح الورداني أنّ ذلك يتّبع الطرف المقابل، فانّ الذي يواجه جبهات تعلن الحرب ما بين الحين والآخر على الشيعة والتشيّع دون هوادة، بمناسبة وبدون مناسبة، وتطعن في عقائد الشيعة من منطلق حقد دفين لا يدلّ على تقوى أو ورع أو حرص على الإسلام والمسلمين، أو تواجه التشيّع على أسس غير علميّة وغير موضوعيّة، فمن الطبيعي أن يكون الردّ على مستوى المواجهة(٤) .

ويقول صالح الورداني حول سبب استخدامه اللهجة الشديدة في بعض الأحيان:

( ليس من يجلس على الشاطئ‏ كمن يصطرع مع الأمواج )(٥) .

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد: ١١.

(٢) محمّد التيجاني السماوي/ كل الحلول عند آل الرسول‏عليهم‌السلام : ١١.

(٣) إدريس الحسيني/ الخلافة المغتصبة: ٢٤٠.

(٤) انظر: مجلّة المنبر/ العدد ٢٢، لقاء مع صالح الورداني.

(٥) المصدر السابق.


ثمّ يقول:

( إنّ كتاباتنا إنّما تعكس حالة الرأي العام الإسلامي في مصر الذي يتقبّل هذه اللغة ويحتاجها وهو ما لمسناه من ردود الأفعال الايجابيّة تجاه كتبنا ليس على مستوى الداخل فقط، بل على مستوى الخارج أيضاً، وإنّني في كتاباتي لا أعتبر أنّني أدافع عن التشيّع، وإنّما أدافع عن الإسلام الحقيقي الذي جاءنا عبر آل البيت عليهم الصلاة والسلام )(١) .

ثمّ يضيف:

( إنّ المجتمع السنّي يحتاج إلى هزّة كبيرة حيث أنّ المعتقدات السنيّة قد عيّشت هذا المجتمع في وهمٍ كبير، وهم النجاة من النار واحتكار الحقّ في دائرته، وذلك الوهم الناتج من كم الروايات التي تقوم على أساسها هذه المعتقدات.

ونظراً لتجربتي الطويلة في المجتمع السنّي جماعات وأفراد وأطروحات أيقنت بهذا، من هنا برزت مؤلّفاتي تحمل طابع التحدّي والمواجهة من أجل تحقيق هذه الهزّة، وسواء كان الأمر إثارة الإشكالات العقائديّة أو التعرّض للصحابة ونفي القداسة عنهم أو التشكيك في روايات أهل السنّة، فكل ذلك مطلوب ومن شأنه أن يحدث هذه الهزّة المطلوبة )(٢) .

ويقول إدريس الحسيني حول أسلوبه الحاد في مخاطبة أهل السنّة:

( إنّنا لنعتقد - بكلّ أسف - ما شحنت به كتاباتنا السابقة، تلك التي جاءت حامية، ناريّة.. وما تركته من صدمات في بعض النفوس، وما أثاره من إرباك في نفوس أخرى.. وأيّاً كان موقفي العقدي، فلست ممن تأخذه العزّة بالجهل والجفاء.. لعلّ الأمر كما سبق وأن قلت عدّة مرّات، أمر انتقال جرى على ذاتي، وأفقدني هدوئي. ونظراً لما

____________________

(١) المصدر السابق.

(٢) المصدر السابق.


رأيته من فتاوى وتشنيعات، ما كان لي أن أعطيها ذلك الاعتبار.. فإنّي أعلم حقّاً أنّ من إخواننا أهل السنّة مَن لهم قابليّة الحوار.

ولقد فوجئت بما أثاره مؤلّفي الأوّل وكذا الثاني، من اهتمام شريحة واسعة من القرّاء.. منهم المُعجب ومنهم المعترض.

وأقول بهذا الخصوص، إن كان مبعث اعتراض البعض، موجّه إلى الأسلوب القاسي، ولاختراق تلك التابوهات المحرمة الممنوعة، فانّ لهم عليَّ أن يؤاخذوني، لأنّ أسلوباً كهذا لا يمكن أن يؤدّي إلّا إلى ردّة فعل الطرف الآخر، سواء أكان معادياً أو غير متفهّم. ولكن الحقائق التي بحثناها، لا زالت تشكل أزمة حقيقيّة وتحدّياً لتراثنا المعرفي بشكل عام )(١) .

عقبات في طريق نشر المستبصرين للتشيّع:

إنّ المستبصر يواجه بعض العقبات في عمله التوجيهي من قبل الذين يرفضون دائماً البحث عن إمكانيّة صحّة معتقداتهم أو خطئها، لكنّه يدأب بالدفاع عن مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام بكلّ قوّة وشجاعة، ولا يفترّ في عمله ولا يتوانى في مواصلة تبليغه مهما بلغ التيار المعاكس من قوّة.

لأنّه يشعر أن ما يقوم به جزء من واجبه الديني الملقاة على عاتقه، وأنّ ما يفعله رسالة مقدّسة هدفها محاربة الجهل والزيف والخطأ، ورائدها التوعية ونشر الحقيقة مهما اعترض سبيلها من عقبات وموانع.

ولهذا يقول إدريس الحسيني:

( إنّ الجهل المطبق، والأميّة المنتشرة تجعل من الضروري أن تنهض الأصوات المسؤولة بالدعوة إلى ما يلم شعث الإسلام الحقّ ويرأب صدعه ويعيد حبك نسيجه

____________________

(١) إدريس الحسيني/ هكذا عرفت الشيعة: ٢٠٥.


المنفوش )(١) .

ويقول التيجاني السماوي:

( وما دام اللَّه سبحانه وتعالى هو الذي يقذف بالحقّ على الباطل، فلا ولن أتردّد أبداً في إظهار ما أؤمن بأنّه الحقّ حتى يحكم اللَّه بيني وبين أولئك المتعصّبين الذين لا يعجبهم من الحقّ إلّا ما ألفوه ولو كان باطلاً.

ولا ينكرون من الباطل إلّا ما جهلوه ولو كان حقّاً، ومع ذلك أدعو اللَّه لهم بالهداية والتوفيق فإنّه هو الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم )(٢) .

كما أنّ المستبصر يعي أنّ التشيّع يتطلّب المزيد من الجهد والحرص والاهتمام لتبليغه والدعوة إليه، لأنّه مذهب لاقى على مرّ العصور أشدّ الاضطهاد من قبل السلطات الجائرة.

ويستلهم المستبصر في حركته الجهاديّة من أئمّة أهل البيت‏عليهم‌السلام روح المقاومة وتحمّل كافّة المصاعب في سبيل إعلاء كلمة الحقّ، ويجعل سيرة الأئمة الهداة النموذج الرائع لنفسه في نشر الحقائق، لأنّ سيرتهم كانت العمل بمثابرة من أجل هداية الناس إلى الرشد والصواب، والأخذ بأيديهم إلى الصلاح في الأزمنة التي كانت مليئة بالنكبات والمحن والفتن والضلالات، وكان أهل البيت‏عليهم‌السلام يجتهدون لحمل مشعل الهداية لإضاءة درب الحقّ للآخرين.

وأهمّ ما عند المستبصر خلال دعوته هو أنّ يعرّف الآخرين بالإسلام الصحيح الذي يجب اتّباعه، ولا يقوم المستبصر بمهمّة نشر مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام إلّا ليتمّ الحجّة البالغة على أبناء مجتمعه فيحيا من يحيى منهم على بيّنة من أمره ويهتدي إلى الحقّ والصراط المستقيم أو يضلّ عن سواء السبيل.

وقد لا يجد المستبصر آذاناً صاغية لكلامه، فيأسف على ذلك، كما يقول إدريس

____________________

(١) إدريس الحسيني/ الخلافة المغتصبة: ١١.

(٢) محمّد التيجاني السماوي/ كل الحلول عند آل الرسول: ١٠.


الحسيني:

( ويؤسفني جدّاً أن تستمر الحقيقة في الغياب عن هذه الأمّة النائمة، والتي زادها نوماً كسلها في التماس عقيدتها الصحيحة، مكتفية بما حمّلته أقلام التحريف على أديم التاريخ )(١) .

ولكن المستبصر مع ذلك يواصل نشاطه التبليغي، ويدعو الناس إلى الحق، لأنّه كما يقول التيجاني السماوي:

( بما أنّنا من المؤمنين الذين يحبّون الخير لكلّ المسلمين ويعملون على إرشادهم إلى الهداية التي نعتقد بأنّها سفينة النجاة، فلا نيأس منهم وسنبقى إلى مدى الحياة ندعوهم إلى الخير والسّعادة التي ليس بعدها إلّا جنّة النعيم )(٢) .

فلهذا يستمرّ المستبصر في دعوة الناس إلى الحقّ، إلّا اللهمّ الذين يقولون عنهم محمّد أحمد خير:

( ومن العبث مخاطبة الرؤوس التي تقف وراء هذه النعرات الطائفيّة المفرّقة، لأنّها لا تتحرّك من وحي عقيدة وإيمان، بل من وحي مصلحة التربّع على كراسي الحكم ومن مصلحة الاستمرار في نهب ثروات المسلمين )(٣) .

ويقول ياسين المعيوف البدراني في هذا المجال:

( لقد أجهدنا أنفسنا لأكثر من عشرين عاماً كي نتلاحم مع أبناء بلدنا في حوار دؤوب، إلّا أنّنا وجدنا الأعذار والإجابات التي كانت بالأمس هي نفسها أعذار اليوم لا تختلف في جوهرها ولا في مضامينها الخاوية من الحقيقة، ويتعلّل ويحتج البعض بطول الطريق، لكن اللَّه سبحانه وتعالى يقول:

( لَوْ كَانَ عَرَضاً قَريباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتّبَعُوكَ ولكنْ بَعدَتْ عَلَيهِم الشقّةُ

____________________

(١) إدريس الحسيني/ الخلافة المغتصبة: ١٣.

(٢) محمّد التيجاني السماوي/ كلّ الحلول عند آل الرسول: ١٨.

(٣) محمّد أحمد خير/ براءة الشيعة: ٩.


وَسَيَحلِفُونَ باللَّه لَو اسْتَطَعنَا لَخرَجْنا مَعَكُم يُهلِكُونَ أنْفُسَهُم واللَّه يَعْلَمُ إنّهُم لَكاذِبُون ) (١) .

يا إخوتي الحق والحقّ أقول: إنّ الطريق شائكة وطويلة واجتيازها مجهد عبر مجتمع لم يعقد ولم يعرف البحث عن الحقيقة، الأمر الذي لا يتيح للداعية أن يوضح ما يريد، أو أن يمدّ بصره حتى نهاية الطريق، ذلك لأنّ الأمّة انحدرت وانحرفت في اتّجاه مظلم خطّه لها المستعمرون والطامعون الغاشمون الذين يقفون لأمّتنا الإسلاميّة بالمرصاد ويضعون في سبيل الدعاية من الحواجز والعراقيل ما يصعب عليه تجاوزها والتغلّب عليها.

إنّ المسلم الحقّ لا يستهدف من وراء دعوته مكسباً مادّياً أو هدفاً دنيويّاً إلّا الثواب وأداء الواجب، وإنّ الهدف من هذا العمل الشاقّ هو بناء الأمّة من جديد وإعادتها إلى مركزها القرآني الذي انحرفت عنه متجاهلة طريق النجاة )(٢) .

مبادرة المستبصرين إلى التأليف حول تحوّلهم المذهبي:

إنّ النخبة من المستبصرين الذين يمتلكون القدرة على التعبير بالقلم رأو أنّ الكتابة تُعتبر من أهمّ الطرق التي يمكنهم أن يوصلوا بها حصيلة تجربة استبصارهم إلى الآخرين، فبادروا بعد اعتناقهم لمذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام إلى التأليف ليبيّنوا للآخرين عن طريق بحث علمي مقارن وتحقيق موضوعي رصين الأدلّة التي دفعتهم إلى تغيير انتمائهم المذهبي، وليساهموا بأقلامهم في توعية أبناء المجتمع وتعريف المسلمين بعضهم على بعض، وليزيلوا ما علق بأذهانهم من غموض وتشويش وتمويه إزاء مدرسة أهل البيت‏عليهم‌السلام ، وليزيحوا الضباب التاريخي عن الكثير من

____________________

(١) التوبة: ٤٢.

(٢) ياسين المعيوف البدراني/ ياليت قومي يعلمون: ٦.


الحقائق التي يجهلها المسلمون، لتبدوا الصورة واضحة أمام الجميع وليتعرّف الجميع على الأدلّة والبراهين التي دفعتهم إلى التخلّي عن انتمائهم الموروث وفرضت عليهم الالتزام بمذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام .

دوافع مبادرة المستبصرين إلى التأليف:

إنّ الدوافع التي تحفّز المستبصرين على التأليف حول رحلتهم من المذهب السنّي إلى مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام كثيرة، ومن جملة هذه الدوافع يمكننا الإشارة إلى ما ذكره أصحاب المؤلّفات من المستبصرين حول أسباب مبادرتهم إلى التأليف، منهم:

محمّد مرعي الانطاكي، مؤلّف كتاب: (لماذا اخترت مذهب الشيعة):

( فلمّا اعتنقنا هذا المذهب الشريف وأعلنّا ذلك قامت الطامّة الكبرى... فهناك جماعات كثيرة من مختلف البلاد، طلبوا منّا أن نذكر الأسباب التي دعتنا إلى الأخذ بمذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام ، مع التطرّق إلى ذكر نبذة من ترجمة حياتنا، فلبّينا طلباتهم، وامتثلنا أوامرهم، وشرعنا بكتابة هذا الإملاء )(١) .

على محمّد الحنفي، مؤلّف كتاب (فلك النجاة):

( وسُئل عنّا من سبب تبديل المذهب من (أهل الجماعة) إلى مذهب (العترة،) وكنّا ندافع مرّة، بعد مرّة فلمّا أصرّوا علينا أردنا أن نكتب ما فيه كفاية لمن له دراية، ولسنا عليهم بمسيطرين،( وَمَا عَلَيْنَا إلّا البَلاغُ المُبين ) )(٢) .

محمّد التيجاني السماوي مؤلّف كتاب (ثمّ اهتديت):

( بيان ما رأيته الحقّ، راغباً في مساعدة من يريد البحث عنه، آملاً أن يساهم ذلك في قيام الوحدة الإسلاميّة على أساس فكري متين )(٣) .

____________________

(١) محمّد مرعي الانطاكي/ لماذا اخترت مذهب الشيعة، مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام : ٣١-٣٢

(٢) على محمّد الحنفي/ فلك النجاة: ١٣.

(٣) محمّد التيجاني السماوي/ لأكون مع الصّادقين: ٧.


وله أيضاً:

( ليسهّل على الباحث المنصف الوصول إلى الحقيقة من أقرب سبلها كما وصلت إليها من خلال البحث والمقارنة )(١) .

صائب عبد الحميد مؤلّف كتاب (منهج في الانتماء المذهبي):

( وجدت لزاماً عليَّ أن أسجّل تجربتي بكلّ أمانة، لتكون بين الأيدي تجربة جاهزة تختزل الكثير من عناء هذا الطريق الطويل، وتقدّم حلولاً للكثير من تلك الأسئلة الحائرة..

فوضعت هذا الكتاب..

وقد حاولت أن أحفظ فيه أشواط رحلتي مرتّبة كما كانت في الواقع، بعيداً عن التكلّف..

إثارات أوّليّة، ثمّ عودة إلى نقاط البدء، فحوار بين حقيقة تهدي إليها الإثارة و موقف مسبق إزاء هذه الحقيقة.. وقد اتّخذ هذا الحوار ثلاثة أشكال:

- حوار مع قطب من الأقطاب الذين تبنّوا ذلك الموقف ودافعوا عنه، وقد قدّمت لهذا دائماً بذكر اسم الرجل وكتابه..

- حوار مع الذكريات...

- حوار مع حدث ثابت من الأحداث، أو مفهوم من المفاهيم )(٢) .

صالح الوراني مؤلّف كتاب (الخدعة؛ رحلتي من السنّة إلى الشيعة):

( وليس من المعقول أن أكلّف نفسي كل هذا العناء في الوسط السنّي، ثمّ أعيش تجربة الانتقال الطويلة من السنّة إلى الشيعة، ثمّ بعد ذلك أقف في طابور المنتظرين لأتبنّى دور المتفرّج..

____________________

(١) المصدر السابق: ٦.

(٢) صائب عبد الحميد/ منهج في الانتماء المذهبي: ١٣.


من هنا بدأت في سلوك سبيل التأليف والنشر والدعاية وسبيل الحركة أيضاً من أجل خدمة دعوة آل البيت‏عليهم‌السلام ودعمها وتذليل العوائق من طريقها وبعث الهمّة في نفوس المؤمنين بهذه الدعوة ليقوموا بدورهم تجاهها.. )(١) .

عبد المنعم حسن، مؤلّف كتاب (بنور فاطمة اهتديت):

( أسجّل هذه التجربة شهادة للتاريخ دون بحث عن منفعة شخصيّة أنالها سوى رضا اللَّه تعالى، وحتى أُساهم بمجهودي المتواضع هذا في إحقاق الحقّ، وحتى يسجّل كحلقة جديدة من حلقات انتصار مذهب الحق (مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام ) ومن سلك منهجهم وتمسّك بهداهم وهم (الشيعة).

وليس المقصود من هذا البحث النيل من شخص معيّن أو إثارة الفتنة، أو البحث عن التفرقة بين المسلمين كما يحلو لبعض الجهلة أن يسمّونها، إنّما هو نقاش عقائدي، القصد منه الكشف عن الحقائق ولفت الإنتباه إلى الواقع المأساوي الذي تعيشه الأمّة من مرارة الذل والهوان بعد انحرافها عن الصراط المستقيم ونبذها كتاب اللَّه تعالى وسنّة رسوله... كما أنّها خطوة لتوحيد الأمّة تحت راية الحقّ والالتفاف حول محور الدين الحقيقي الأصيل المتمثّل في نهج أهل البيتعليهم‌السلام )(٢) .

وله أيضاً:

( لقد مَنَّ اللَّه عليَّ بالهداية بفضله وأدخلني برحمته إلى حيث نور الحقّ، وشكراً لهذه النعمة يجب عليَّ أن أبلغ للناس ما توصّلت إليه )(٣) .

أسعد وحيد القاسم، مؤلّف كتاب (حقيقة الشيعة الاثني عشرية):

( وأمام هذا الجهل والتعصّب من جهة، ومظلوميّة الشيعة من جهة أخرى، فقد ارتأيت أن أكتب خلاصة بحثي وأقدّمه لكلّ باحث عن الحقيقة، وليطّلع الملأ عليها.

____________________

(١) صالح الورداني/ الخدعة: ١٨٦.

(٢) عبد المنعم حسن/ بنور فاطمة اهتديت: ٧.

(٣) المصدر السابق: ٢٣.


فما دام هناك من يفتري على الشيعة كذباً وتضليلاً، وقد جوّز لهم البعض ذلك، فإنّ الحقّ أحقُّ بأن يكتب وينشر )(١) .

إدريس الحسيني، مؤلّف الكتاب: (لقد شيّعني الحسين):

( من صميم الإخلاص والحرص على هذه الأمّة المترامية الأطراف، أوجّه رسالتي هذه إلى كل مسلم ورع يحترم عقله.. ملتمساً منهم العودة إلى الصواب.. أو، لا أقلّ إلى مطاولة المفاوضات العقائديّة.. من دون حدّة ولا تعصّب.. ليؤمن من يؤمن وهو على بيّنة وليضل من يضل عن إرادة واختيار )(٢) .

وله أيضاً:

( أودّ أن أشير - في بادئ‏ ذي بدء - إلى حقيقة، أريد الّا تغيب عن القارئ‏، وهو يذهب لقراءة هذا الكتاب. هي أنّني لست مذهبيّاً في المسلك، وإن قناعاتي مهما كانت، فإنّها لا تجازف بي بعيداً.

أنا مسلم، وأنطلق من صميم الحبّ للدين، وليس من صميم الحقد والتآمر.

إنّني لم ولن أشأ أن أجعله برميل بارود لتفجير المعرفة التاريخيّة من جديد. كما لا أريد به تعميق الفجوة المذهبيّة بين المذاهب، ولكن ما أردته فقط الدفاع عن الحقيقة المرّة والضائعة: بسبب التراخي في كشف الحقّ والمزايدة عليه..

إنّني لم أطلب الانتقام من سنوات التجهيل الذي مارسه في حقّنا علماؤنا من العامّة؛ إنني أودّ فقط أن أمدّ يد المساعدة لمن أراد أن يتحرّر من سلطة الفكر الجاهز، من الأَسر الموروث، أريد أن أسجّل تجربتي حتى لا يبقى بعدي مغفّل. ليكن ما يكن، ولكن لا يبقى مغفّل! إنّني أسمى نفساً من أن أنتقم من أشخاص معيّنين، ولكنّني لا أجد حرجاً في التعرّض لأفكارهم )(٣) .

____________________

(١) أسعد وحيد القاسم/ حقيقة الشيعة الاثني عشرية: ١٦.

(٢) إدريس الحسيني/ هكذا عرفت الشيعة: ٧.

(٣) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ١٣.


وله أيضاً:

( والكتاب سيكون جولة سريعة في تجربة تلامس كل محطّات الأمّة الرئيسيّة، والغاية منه يمكن حصرها في جملة من النقاط:

١ - إنّ المسؤوليّة تقتضي نصرة الحقّ مهما كلّف الثمن، وأنّ الساكت عن الحقّ شيطانٌ أخرس.

٢ - لابدّ من مبادرة شجاعة لكسر حاجب الانغلاق، لأنّ هذا الأخير غير مرغوب فيه دينيّاً، وأنّ الإسلام جاء ليفتح لنا آفاق السماوات والأرض، لا ليركسنا في زاوية الانغلاق.

٣ - لكي لا يتوهّم إخواننا من العامّة، إنّهم هم وحدهم الموجودون، ومن أجل معرفة الآخر، معرفةً، تنسخ ما علق به من شبهات دعائيّة، ومن ثمّ الاعتراف به كواقع، له جذوره الراسخة في عمق التاريخ الإسلامي.

٤ - إنّنا ونحن ننشد الوحدة، يجب أن نكشف الغطاء عن بعضنا البعض، حتى نتكافأ في معرفة بعضنا البعض، وحتى نتكافأ في السلب والإيجاب، وهذا يمنحنا دفعاً عمليّاً للتوحّد سياسيّاً وحضاريّاً، وهو المانع الوحيد ضدّ التآكل المذهبي.

وأخيراً وليس آخراً، لأنّني عرفت كيف كنت وأيّ مسير اخترت، وأدركت مدى قيمة الحقيقة في حسبان الباحثين عنها، وادركت مدى الجهد الذي بذلته، لخلع جبّة التقليد عنّي، واختراق جدار سميك، سميك.. من الضلالات )(١) .

ويقول إدريس الحسيني حول ردود أفعال انتشار كتابه (لقد شيّعني الحسين):

( بالنسبة لكتاب (لقد شيّعني الحسين).. عبّرت بما فيه الكفاية، بأنّه كتاب لم أكن أظنّ أنّه سيثير كل هذه الزوبعة.. لقد أزعج الكثير.. وبلغني ما لحق البعض من محاكمات، وصلت إلى حدّ الحجز والجلد.. وفي أماكن أخرى لحرق كمّيات كبيرة

____________________

(١) المصدر السابق: ١٧.


منه.. كل ما أقوله للإخوة الذين تعرّضوا لذلك: أنا آسف.. وأجركم على اللَّه.. لكن مثل هذه الإجراءات لا تمنع دخول الكتاب وانتشاره.. لقد بلغ كل المناطق العربيّة والآسيويّة والأوروبيّة وحتى الولايات المتّحدة الأمريكيّة.. إنّها بركة الإمام الحسين ‏عليه‌السلام ذلك الرجل العظيم، الذي صنع كربلاء في المكان والزمان وفي نفوسنا.. ربّما أظهرت بعضاً من القسوة في تناول الموضوع.. ولكنّني مع كل ذلك رغم الحالة الانفعاليّة الشديدة، لم أكفّر أحدا من العامّة.

لقد كان أسرع كتاب يقدمه مؤلّف لقراّئه.. في بضعة أسابيع، فجّرت ما كان يخالجني من تساؤلات.. إنّني لست قدريّاً بالمعنى الجبري، ولكنّني أقول في هذا الموضوع أنّني كتبت (لقد شيّعني الحسين) جبراً. لقد شيّعني الحسين ‏عليه‌السلام حقيقة، لأنّه وضعني على عتبة التشيّع، وأتمنّى أن يشيّعني مرّة ثانية لينطلق بي إلى الفضاءات الأوسع في عالم التشيّع )(١) .

____________________

(١) مجلّة المنبر/ العدد ٣.



الفصل السادس

الاختلاف المذهبي‏

أسبابه - علاجه‏



إنّ اختلاف الناس في القدرات العقليّة واختلافهم في الخلق والممتلكات سنّة من سنن الوجود ومظهر من مظاهر الكون وآية من آيات اللَّه تعالى، وقد قال عزّ وجل:

( وَمِن آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ واختِلافُ ألْسِنَتِكُم وَألوَانِكُم إنّ في‏ ذلك لآيَاتٌ للعَالِمين ) (١) .

ويكون هذا الاختلاف في الأمور التي أجاز الباري فيها الاختلاف عاملاً من عوامل النموّ والتطوّر في حياة الإنسان، لأنّ تعدّد الآراء وتعدّد الاختصاص يذكّي الحركة العلميّة ويدفعها إلى الأمام ويعبّد لها طريق التكامل ويرفع مستوى المعرفة ويؤدّي إلى النضج الفكري وتكوين العقليّة الواعية نتيجة التقاء خيرة العقول وانتفاع كلٌ من أطراف الاختلاف من خبرات الآخر، فيؤدّي ذلك إلى بناء حضارة توفّر للإنسان الأرضية المناسبة لازدهار طاقاته الكامنة وارتقائه في جميع الأصعدة.

وبذلك يندفع أبناء المجتمع إلى الخروج من السبات والخمول والعزلة إلى ميادين التنافس من أجل رفع مستوى تماسك المجتمع وتحصين وجوده.

ولكن يشترط في هذا الاختلاف أن لا يغيب العنصر الأخلاقي عن قاموس العلاقة بين أبناء المجتمع، ليكون هذا الاختلاف إضافة إلى معطياته الإيجابيّة عاملاً من عوامل التوحيد والتقريب بين الناس.

____________________

(١) الروم: ٢٢.


الاختلاف في الصعيد الديني:

إنّ الاختلاف الديني الذي يكون في الصعيد العقائدي بين أبناء المجتمع اختلاف مبغوض عند اللَّه تعالى، ولم يفسح الباري عزّ وجل لعباده الاختلاف في هذا المجال، لأنّه تعالى بعث النبيّين ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه، وليرشدهم إلى العقائد الحقّة، وأمر عباده أن يتّبعوا الأنبياء وأن لا يختلفوا في الأمور الدينيّة التي لا يحق لهم إبداء الرأي فيها.

وقد قال تعالى:

( كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبيِّينَ مُبَشّرينَ ومُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُم الكِتَابَ بالحَقّ لِيَحكُمَ بَينَ النّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ وَمَا اختَلَفَ فِيهِ إلّا الّذينَ أوتوهُ مِنْ بَعدِ ما جَاءَتهُم البَيّناتُ بَغياً بَينَهُم فَهَدى‏ اللَّهُ الّذينَ آمَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِن الحِقّ بإذْنِهِ واللَّهُ يَهْدي مَن يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُستَقيم ) (١) .

وقد ذمّ الباري عزّ وجل الاختلاف في الأمور الدينيّة وحذّر من عواقبه قائلاً:

( وَلا تَكُونُوا كالَّذينَ تَفَرّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعدِ مَا جَاءَهُم البَيِّنَاتُ وَ أُولئِكَ لَهُم عَذَابٌ عَظيمٌ ) (٢) .

وقال جلّ وعلا:

( شَرَعَ لَكُم مِن الّدين مَا وَصّى‏ بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَينَا إلَيكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهيمَ وَمُوسى‏ وعِيسى‏ أنْ أِقِيْمُوا الدّينَ وَلا تَتَفَرّقُوا فِيه ) (٣) .

وقال سبحانه:

( إنّ الّذينَ فَرّقُوا دينَهُم وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُم فِي شَي‏ءٍ إنّما أَمرُهُم إلى اللَّهِ ثُمّ

____________________

(١) البقرة: ٢١٣.

(٢) آل عمران: ١٠٥.

(٣) الشورى‏: ١٣.


يُنَبّئهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (١) .

وقال تعالى:

( واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرّقُوا ) (٢) .

وقال جلّ شأنُه:

( وَلا تَكُونُوا مِنَ المُشرِكِينَ * مِنَ الّذينَ فَرّقُوا دينَهُم وَكَانُوا شِيَعاً كلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِم فَرِحُون ) (٣) .

سلبيّات الاختلاف الديني:

إنّ الاختلاف في العقائد يؤدّي إلى سلبيّات عديد منها:

(١) الوقوع في الضلال:

بما أنّ الحقّ واحد لا يتعدّد ولا يختلف وهو هدى اللَّه الذي لا هدى غيره ولا حقّ سواه، فما خالفه لا يكون إلّا باطلاً، وقد قال تعالى:( فَمَاذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلاَل ) (٤) .

فعلى هذا تكون نتيجة الفرد الذي لا يتّبع الدين الذي جاء به خاتم الأنبياء رسول اللَّه‏صلى‌الله‌عليه‌وآله الوقوع في أودية الكفر والضلالة.

ويدلّ عليه قوله تعالى:

( وَلكِن اختَلَفُوا فَمِنْهُم مَنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَنْ كَفَرَ ) (٥) .

( وَلاَ تَتّبِعُوا السُّبُلُ فَتَفَرّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ ) (٦) .

____________________

(١) الأنعام: ١٥٩.

(٢) آل عمران: ١٠٣.

(٣) الروم: ٣١-٣٢.

(٤) يونس: ٣٢.

(٥) البقرة: ٢٥٣.

(٦) الأنعام: ١٥٣.


وقوله عزّ من قائل:

( وِأنّ هذا صِرَاطي‏ مُسْتَقيماً فاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ ذلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ ) (١) .

( فَذلِكُم اللَّهُ رَبّكُم الحَقّ فَمَاذا بَعد الحقّ إلّا الضَّلال فأنّى‏ تصْرفُون ) (٢) .

( وَلَنْ تَرضَى‏ عَنْكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى‏ حتّى‏ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم قُل إنّ هُدَى‏ اللَّهِ هُوَ الهُدَى‏ وَلَئِن اتّبَعْتَ أَهوَاءَهُم بَعدَ الذي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مِالَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) (٣) .

( قُل إنّ الهُدى‏ هُدَى‏ اللَّه ) (٤) .

( إنّ الّدينَ عِندَ اللَّهِ الإسلام ) (٥)

( وَمَن يَبْتَغِ غَيرَ الإسلام ديناً فَلَنْ يُقْبَل مِنْه وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِين ) (٦) .

( اهْدِنَا الصّرَاطَ المُسْتَقيمَ * صِرَاطَ الّذينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِم غَيرِ المَغْضُوبِ عَلَيهِم وِلا الضّآلّين ) (٧) .

(٢) ضعف شوكة الأمّة:

إنّ الاختلاف الديني يمهّد الأرضيّة الاجتماعية لانتشار الفتن و وقوع المحن وبلورة الشقاق، لأنّه يفتح باب العداوة بين أبناء المجتمع، ويؤدّي إلى تعدّد الجبهات وتنوعها وإثارة الصراعات، ويجعل الأمّة شيعاً يذيق بعضهم بأس بعض، فيؤدّي هذا

____________________

(١) الأنعام: ١٥٣.

(٢) يونس: ٣٢.

(٣) البقرة: ١٢٠.

(٤) آل عمران: ٧٣.

(٥) آل عمران: ١٩.

(٦) آل عمران: ٨٥.

(٧) الفاتحة: ٦-٧.


الأمر إلى سلب قوّة الأمّة وضعف شوكتها.

ولهذا قال تعالى:

( وَأَطِيعُوا اللَّه وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشلُوا وَتَذْهَب رِيحُكُم وَاصْبِرُوا إنّ اللَّه مَعَ الصّابِرِين ) (١) .

( وَلَقَد صَدَقَكُم اللَّهُ وَعْدَهُ إذْ تْحُسُّونَهُم بإذْنِهِ حتّى‏ إذا فَشِلْتُم وَتَنَازَعْتُم فِي الأمْرِ وَعَصيتُم مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَا تُحِبّونَ مِنْكُم مَنْ يُرِيدُ الدُّنيَا وَمِنْكُم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمّ صَرَفَكُم عَنْهُم لَيَبْتَلِيَكُم وَلَقَد عَفَا عَنْكُم وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ على المُؤمِنِينَ ) (٢) .

أسباب نشوء الاختلاف الديني:

إنّ الاختلاف بين الناس في القضايا الدينيّة له أسباب متعدّدة وبواعث متنوّعة أهمّها:

١- الافتقار إلى العلم.

٢- الرذائل النفسيّة.

(١) الافتقار إلى العلم:

أحد أسباب الاختلاف بين الناس هو عدم وضوح الرؤية للموضوع من كلّ جوانبه، و وقوع نظر كلٌ من طرفي الخلاف على مالا يقع عليه نظر الآخر.

وتوضيح ذلك هو أن ينظر أحدهم إلى الموضوع المختَلف فيه من زاوية معيّنة وينظر الآخر إليه من زاوية أخرى، فيختلفان بعدها في تقييم ذلك الموضوع.

كما أن من جملة أسباب اختلاف الناس هو غلبة الجهل وتفشّيه بينهم، حيث

____________________

(١) الأنفال: ٤٦.

(٢) آل عمران: ١٥٢.


يؤدّي هذا الأمر إلى استحكام الخرافات في النفوس وقوّة أمر التحزّب للباطل وللفرق المنحرفة.

وقد أشار الباري عزّ وجل في كتابه الكريم عند ذكره قصّة موسى‏عليه‌السلام وقومه، أنّ الجهل من الأسباب الأساسيّة لابتعاد الناس عن دين اللَّه تعالى وتفرّقهم فيه فقال اللَّه تعالى حول ما جرى بين موسى وقومه:

( قَالُوا يَا مُوسَى‏ اجْعَل لَنَا إلهاً كَمَا لَهُم آلِهَةٌ قَالَ إنّكُم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) (١) .

كما أنّ الجهل يدفع صاحبه إلى الوقوع في مصائد أصحاب الأهواء الذين يحاولون استغلال جهل الناس من أجل تحقّق مآربهم الشخصيّة، فيؤدّي به ذلك إلى إيثار الضلالة على الهدى والغي على الرشاد نتيجة تقليده ومحاكاته للغير من دون دليل أو برهان، فيدفعه ذلك إلى سلوك طريق الغواية وتنكّب طريق الهداية.

وبالجهل يفقد الإنسان الحصانة في تقبّل الأفكار التي ترد عليه، ولهذا تتغلغل في عقليّة هكذا أشخاص الأفكار الضالّة والمنحرفة، لأنّ هذه الأفكار تجد عقولاً مفلسة وقلوباً غافلة وأرضيّة مناسبة لاستحكامها في نفوس هؤلاء، فتجعل من عقول هؤلاء موطناً لنفسها.

معالجة الاختلاف الديني الناتج من الجهل:

إنّ هذا اللون من الاختلاف يزول ويضمحل بعد تعرّف أطراف الاختلاف على الحقيقة بصورة كاملة وبعد معرفتهم الشموليّة بالموضوع المختلف فيه.

فلهذا ينبغي لكلّ واحد من أطراف الاختلاف في هذه الحالة أن يكلّف نفسه مشقّة البحث، وأن يبادر إلى طلب العلم من مصادره النقيّة وأن يبذل جهده التام - بعد التحلّي بالموضوعيّة والتجرّد عن القناعات السابقة - لاكتشاف الطريق الصحيح بعقليّة

____________________

(١) الأعراف: ١٣٨.


منفتحة ترشده إلى سواء السبيل، ليتمكّن بعد إزالة قصوره في الإدراك وإعادة نظره في مرتكزاته الفكريّة ومعلوماته التاريخيّة والدينيّة أن يحلّ الاختلاف القائم بينه وبين الآخرين بالعلم والوعي ودقّة النظر و وضع الأمور في مواضعها.

ويكون الحوار في هذه الحالة أفضل وسيلة لحلّ الاختلاف واكتساب الشموليّة في الرؤية، وبه يتمكّن كلٌ من طرفي الحوار أن يصلح عقليّة الطرف المقابل وأن يرفع مستواه الفكري والثقافي، وسيأتي في البحوث القادمة ذكر أهميّة الحوار العلمي والمناقشة البنّاءة في حلّ الاختلاف.

(٢) الرذائل النفسيّة:

ذكرنا فيما سبق أن الاختلاف إمّا أن يكون نتيجة الافتقار إلى العلم وقد مرّ ذكره، وإما أن يكون نتيجة بعض الرذائل النفسيّة التي تدفع صاحبها إلى مخالفة الحقّ والالتزام ببعض آراء المخالفة للواقع.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا القسم الثاني، وذكر بأنّ معظم الناس ليس خلافهم مع الحقّ نتيجة عدم معرفتهم به، وإنّما سببه مجموعة رذائل نفسيّة تمنعهم من الإيمان بالحقّ، ولهذا قال تعالى:

( الّذينَ آتَيْنَاهُم الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أبْنَاءَهُم وإنّ فَريقاً مِنْهُم لَيَكْتمُونَ الحَقَّ وَهُم يَعلَمُون ) (١) .

وقد ذكر القرآن أيضاً بأنّ الكثير من الأمم كانت تعرف صدق أقوال الرسل فيما يبلّغونهم عن اللَّه عزّ وجل، إلّا أن الرذائل النفسيّة من قبيل العصبيّة والأحقاد والغرور والعناد صدّهم وحال بينهم وبين اتّباعهم للرسل، بل حملهم ذلك على مخالفتهم بغياً وظلماً.

____________________

(١) البقرة: ١٤٦.


ومن الآيات الكريمة التي تبيّن هذه الحقيقة قوله تعالى:

( كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبيِّينَ مُبَشّرينَ ومُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُم الكِتَابَ بالحَقّ لِيَحكُمَ بَينَ النّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ وَمَا اختَلَفَ فِيهِ إلّا الّذينَ أوتوهُ مِنْ بَعدِ ما جَاءَتهُم البَيّناتُ بَغياً بَينَهُم.. ) (١) .

وقوله سبحانه حول بني إسرائيل:

( وَآتَيْنَاهُم بَيّنَات مِنَ الأَمْرِ فَمَا اختَلَفُوا إلّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُم العِلمُ بَغياً بَيْنَهُم.. ) (٢) .

وقوله عزّمن قال:

( إنّ الّدينَ عِندَ اللَّهَ الإسلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الّذينَ أُوتُوا الكِتَابَ إلّا مِنْ بَعدِ مَا جِاءهُم العِلمُ بَغياً بَيْنِهُمْ.. ) (٣) .

فهذه الآيات الكريمة تصرّح بأنّ اختلاف معظم الأمم مع أهل الحقّ لم يكن سببه الجهل أو عدم معرفة الحق، وإنّما سببه البغي والظلم والعدوان، لأنّ العلم بالحقّ لا يكفي في الإيمان به والدفاع عنه، وسبب ذلك هو أنّ العلم نور، ولا يستفيد من هذا النور إلّا من يزيل عن بصيرته الحجب التي تمنعه من الرؤية، ولا يقدر على ذلك إلّا أصحاب النفوس الطيّبة والقلوب الطاهرة.

ولهذا حذّر الباري عزّ وجل أبناء الأمّة من التفرقة مع وجود العلم والبينات. فقال تعالى:

( وَلا تَكُونُوا كالّذينَ تَفَرّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعدِ مَا جَاءَهُم البَيّنَات وَأُولئِكَ لَهُم عَذَابٌ عَظيم ) (٤) .

____________________

(١) البقرة: ٢١٣.

(٢) الجاثية: ١٧.

(٣) آل عمران: ١٩.

(٤) آل عمران: ١٠٥.


وقال تعالى:

( وَمَا تَفَرّقَ الّذينَ أُوتوا الكِتَابَ إلّا مِن بَعدِ مَا جَائَتْهُمُ البَيّنَة ) (١) .

أهمّ الرذائل المؤدّية إلى الاختلاف:

من أهم الرذائل التي تودي إلى وقوع الاختلاف بين الناس هو الهوى، لأنّ الهوى بعد الهيمنة على النفس الإنسانيّة يستولي على مقياس الحُسن والقُبح ويصوّر للإنسان الأشياء الحسنة قبيحة والأشياء القبيحة حسنة على ضوء ما يرتئيه.

وقد أخبر الباري عزّ وجل بأنّ الانقياد للهوى هو الذي حال بين الأمم والأنبياء، وأملى على الناس الاستكبار لئلّا يؤمنوا برسالة الأنبياء فقال تعالى:

( أَفَكُلّما جَاءَكُم رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى‏ أَنْفُسُكُم اسْتَكبَرتُم ) (٢) .

كما أخبر اللَّه تعالى بأنّ الهوى له من القوّة بأن يحل في النفوس محل الإله، فقال تعالى:

( أفَرَأيتَ مَن اتَّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ وأُضَلّهُ اللَّهُ على عِلم ) (٣) .

ومن هذا المنطلق يؤدّي هذا الداء العضال في النفوس المريضة والقلوب الغافلة إلى النفور التام والاستكبار الممقوت عن قبول الحقّ وبغي بعض أبناء الأمّة على بعض وظهور العداوة والبغضاء وغير ذلك من المفاسد التي تؤّدي إلى تفرقة الكلمة.

ويتفرّع عن الهوى رذائل نفسيّة أخرى تؤدي إلى الاختلاف والتفرقة منها الحسد للغير على ما آتاه اللَّه من فضله، حبّ الشهرة، والتفاخر، الأنانيّة والحرص على نيل المنافع الخاصّة والاستجابة لتطلّعات النفس الأمّارة بالسوء.

____________________

(١) البيّنة: ٤.

(٢) البقرة: ٨٧.

(٣) الجاثية: ٢٣.


دور السّلطات الظالمة في تأجيج الاختلاف:

إنّ السلطات الجائرة تغرس بذرة الاختلافات المذهبيّة واختلاق الفساد في قواعد الدين الأساسيّة، ثمّ تكلّف وعّاظ السلاطين ليتعاهدوا هذه البذور المغروسة بالسقي من مياه الشبهة والتزوير والافتراء والغلو لتثمر الأحزاب المذهبيّة التي تكفّر بعضها البعض، والتي توفّر لهذه السلطات أرضيّة تحكّمها بسهولة على رقاب الناس.

وتحاول هذه السلطات بكل ما أوتيت من قوّة وما تملك من وسائل عن طريق تكريس التفرقة بين صفوف الأمّة والعمل على تمزيق المجتمع وتفتيت أوصاله وتخريب تماسكه ودعم الحركات الهدّامة المهتمّة بتمزيق الكلمة وتمزيق الوحدة وإضعاف دعائم الأمّة أن تصل إلى مآربها الشخصيّة.

ولا تأبى هذه السلطات أن تستخدم من أجل الوصول إلى غاياتها الدنيئة أيَّ وسيلة منافية للقيم الأخلاقيّة، لأنّها ترى أنّ مصالحها لا تتحقّق مع وحدة الأمّة وتكاتفها، فتعمد عن طريق استئجار النفوس الضعيفة وشراء ذوي القلوب المريضة وإغرائهم بزخارف الدنيا أن توظّفهم لغرس الحقد والكراهيّة والعداوة والبغضاء في النفوس وخلق مستنقع خصب لانتشار ما يؤدّي إلى تفرقة كلمة أبناء المجتمع.

وقد نجحت هذه السلطات بمكرها وخبثها أن تزرع في نفوس الأمّة ما يدفعها إلى التفرقة، وقد أفلحت في مسعاها ونجحت في مبتغاها ولعبت دورها في شدّ أزر الفتن والشقاق.

ومن هذا المنطلق تلاعبت هذه السلطات بالعقائد والمفاهيم لتعطّل الملكات الإراديّة في نفوس أبناء الأمّة، ولتمهّد بذلك لنفسها سبيل الهيمنة عليهم نتيجة ضعف إرادتهم الشخصيّة، وهذا ما فعله فرعون مع قومه حيث قال تعالى عنه:

( فَاسْتَخَفَّ قَومَهُ فَأطَاعُوهُ إنّهُم كَانُوا قَوْمَاً فَاسِقِينَ ) (١) .

____________________

(١) الزخرف: ٥٤.


معالجة الاختلاف الديني الناتج من الرذائل:

إنّ البحث وطلب العلم والحوار وغير ذلك من الأمور التي ذكرناها في معالجة الاختلافات الدينيّة الناتجة من الجهل لا تجدي ولا تنفع لمعالجة الاختلاف الديني الناتج من الرذائل النفسيّة.

لأنّ المتلبّس بالرذائل لا يؤمن بالحقّ ولو تجلّى له ذلك كالشمس في رابعة النهار، لأنّه مبتلٍ بحجب وأمراض نفسيّة تمنعه من الخضوع إلى الحقّ والانقياد إلى الصراط المستقيم.

ولا يوجد علاج لحل هذا الاختلاف إلّا المبادرة إلى التربية الأخلاقيّة ودعوة الآخرين إلى التحلّي بالتقوى وتطهير القلب من الشوائب وتنقية النفس من الأوساخ المتلوثة بها.

ولهذا تكون الخطوة الأولى والأساسيّة التي ينبغي أن يقوم بها الإنسان الواعي والسائر على درب الحقّ عندما يواجه من يختلف معه في الرأي والعقائد، أن يبحث قبل كلّ شي‏ء عن الأسباب التي دعت الطرف المقابل لمخالفة الحقّ، ليتمكّن بعد ذلك من دراسة هذه الأسباب والعثور على العلاج المناسب لحلّ الاختلاف القائم بينه وبين الآخر.

لأنّ الحوار العلمي وتقديم الأدلّة والبراهين لا ينفع مع الشخصيّات المتلبّسة بالرذائل النفسيّة، و وظيفة الفرد إزاء هذا النمط من الأشخاص الذي يخالفونه في الرأي والمعتقد أن يقوم بتطهير قلوبهم من الشوائب العالقة بها، ليمهّد بذلك الطريق لغرس المبادئ‏ الحقّة في قلوبهم.

فتنة علماء السوء:

يبيّن الاستقراء أنّ معظم اختلاف رؤساء أهل الباطل وعلماء الفرق الضالّة مع أصحاب الدعوة الحقّة هو نتيجة تلبّس هؤلاء بالرذائل النفسيّة، لأنّهم لم يضلّوا


لجهلهم بالحقّ، وإنّما ضلّوا لهروبهم من وجه الحقّ إرضاءاً لأهوائهم ورذائلهم النفسيّة واتّباعهم السلطات الحاكمة لنيل مطامعهم الشخصيّة.

في حين أنّ معظم الذين يتّبعون أرباب الفرق هم ممن قادهم الجهل والتقليد الأعمى إلى الوقوع ضحايا في لعبة أرباب المذاهب.

ولهذا تكون فتنة هؤلاء العلماء من أعظم الفتن، لأنّهم أضلّوا الناس وحرموهم من اتّباع الهدى، وقد ظنّ أتباع هذه الفرق أنّ علماءهم يقودونهم إلى الحقّ، فسلّموا لهم زمام الأمور، فانتهز هؤلاء العلماء الفرصة فحرّموا ما شاؤوا وحلّلوا ما شاؤوا وأفتوا بما تهوى أنفسهم، وأظهروا من الدين ما ينسجم مع مصالحهم وأخفوا منه ما لا يتّفق مع أهوائهم، ثمّ حاولوا أن يجعلوا أتباعهم وراء ستار كثيف من الجهل لئلّا ينكشف غيّهم.

ويشير التيجاني السماوي إلى هؤلاء العلماء قائلاً:

( ودأب أغلب العلماء على الجري وراء الحكّام واستمالتهم بالفتاوى والتملّق طمعاً في ما عندهم من مال وجاه، وعمل هؤلاء دائماً على سياسة (فَرّق تَسُد)، فلم يسمحوا لأحد بالاجتهاد وفتح ذلك الباب الذي أغلقه الحكّام في بداية القرن الثاني، معتمدين على ما يثار هنا وهناك من فتن وحروب بين السنّة وهي الأغلبيّة الساحقة والتي تمثّل الأنظمة الحاكمة. والشيعة وهي الأقليّة والتي تمثّل في نظرهم المعارضة الخطيرة التي يجب القضاء عليها، وبقي علماء السنّة مشغولون بتلك اللّعبة السياسيّة الماكرة في نقد وتكفير الشيعة والردّ على أدلّتهم بكلّ فنون النقاش والمجادلة حتى كُتبت في ذلك آلاف الكتب وقُتلت آلاف النفوس البريئة وليس لها ذنبٌ غير ولائها لعترة النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله ورفضها للحكّام الذين ركبوا أعناق الأمّة بالقوّة والقهر)(١) .

ومن طرق علماء السوء من أجل الوصول إلى مآربهم تلبيسهم الحقّ بالباطل من أجل حرمان أبناء الأمّة من معرفة الحقّ بسهولة، لأنّهم في ظلّ هكذا أجواء يستطيعون

____________________

(١) محمّد التيجاني السماوي/ فاسألوا أهل الذكر: ٣٤٠.


أن يخرجوا ضلالهم إلى الناس في قوالب الحقّ، ليغترّ بهم العامّة فيتبعوهم معتقدين أنّهم على الحقّ.

ويشير معتصم سيّد أحمد إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( عندما ينظر الإنسان لواقع الأمّة الإسلاميّة تأخذه الحيرة من جراء الاختلافات والتمذهب الذي أصبح الطابع المميّز في الوسط المسلم، ترى ماذا يصنع الإنسان؟ وأيّ الطرق يسلك؟ في حين تدّعي كل الطرق أنّها الحق المطلق، مع أنّ الثابت بالضرورة أن الحقَّ لا يمكن أن يتعدّد، بخلاف الباطل الذي يمكن أن يتشكّل في وجوه مختلفة )(١) .

اختلاف المسلمين بعد رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

لقد بيّن النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله الطريق الصحيح الذي فيه الخير والصلاح، وقد جعل لأمّته الثقلين كتاب اللَّه وعترته أهل بيته الملجأ للاعتصام من الضلال من بعده، وأمر الناس أن يلتجئوا إلى سفينة أهل البيت‏عليهم‌السلام ليحموا أنفسهم من الغرق في بحار الفتن والضلال.

كما أن النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أشار إلى افتراق الأمّة من بعده، لتتنبّه الأذهان ولتعتصم الأمّة بالحقّ وتتجنّب الشطط والفتن في الأمور التي تقع من بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولكن الأمّة لم تلتفت إلى ذلك، فكان أوّل اختلاف أدّى إلى تفرقة المسلمين بعد أن رُزئت الأمّة بفقد الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله هو مبادرة بعض الصحابة إلى الهيمنة على زمام الحُكم من بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد حاول هؤلاء الصحابة بشتى السبل عن طريق تحريك مشاعر الجاهليّة وإبراز كوامن النفوس وخفايا بعض القلوب ضدّ الإمام علي‏عليه‌السلام أن يغضّوا الطرف عن

____________________

(١) معتصم سيّد أحمد/ حوارات: ١١.


النصوص الواردة من النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله على ولاية أهل البيت‏عليهم‌السلام وخلافتهم من بعده، وأن يغيّروا المنهج المرسوم من قِبل اللَّه ورسوله للخلافة وأن يستولوا على زمام الحكم من بعد رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومن هذا المنطلق نشأت الفرق في أوساط المسلمين، ولهذا يقول التيجاني السماوي:

( الخلافة، وما أدراك ما الخلافة! فهي التي جعلها اللَّه فتنة الأمّة، وهي التي قسمتها وأطمعت فيها الطّامعين، وهي التي أهرقت في سبيلها الدماء البريئة، وهي التي كفر من أجلها مسلمون فأغرتهم وأبعدتهم عن الصراط المستقيم وأدخلتهم نار الجحيم )(١) .

ويقول التيجاني السماوي أيضاً:

( كلّ خلاف وقع بين المسلمين سواء في الفقه أو في التفسير للقرآن أو في فهم السنّة النبويّة الشريفة منشوءة وسببه الخلافة )(٢) .

ويقول إدريس الحسيني:

( إنّ الإمامة وما يتّصل بها من موضوعات هي مفتاح كل الصراعات التي شهدها التاريخ الإسلامي )(٣) .

ويشير أحمد حسين يعقوب أيضاً إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( يكمن سبب المصائب التي حلّت بهذه الأمّة ومزّقت وحدتها، وبعثرت صفوفها، وجعلتها شيعاً وأحزاباً وطرائق قدداً، يكمن في الفصل بين المنظومة الإلهيّة وبين المرجعيّة والقيادة السياسيّة التي عيّنها اللَّه تبارك وتعالى، والتمسّك بالمرجعيّة والقيادة السياسيّة التي فرضتها القوّة والغلبة واستكان لها الناس بحكم طاعة الغالب، ثمّ بحكم التكرار والتقليد الأعمى.

____________________

(١) محمّد التيجاني السماوي/ فاسألوا أهل الذكر: ٢٣٩.

(٢) محمّد التيجاني السماوي/ لأكون مع الصادقين: ٤٠-٤١.

(٣) إدريس الحسيني/ الخلافة المغتصبة: ١٣.


فما سالت الدماء إلّا من أجل رئاسة الدولة، وما اختلف المسلمون إلّا بسبب هذه الرئاسة، وما حدثت الحروب بينهم إلّا طمعاً بها، فهل يُعقل أن يُبيّن الشرع الحنيف للناس كيف يتبوّلون ويغفل ويترك بيان مَن يتولّى رئاسة الدولة بعد النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكيفيّة التنصيب، وكيفيّة انتقال الرئاسة؟)(١) .

وبمرور الزمان ازدادت الفرق والمذاهب، وأصبحت كلُّ فرقة تدّعي أنّها هي الفرقة الناجية التي أشار اليها رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ويقول هشام آل قطيط في هذا المجال:

( فجميع الطوائف الإسلاميّة بعد وفاة النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله تفرّقت إلى ملل ونحل ومذاهب وصارت كل فرقة تدّعي أنّها هي الفرقة الناجية، وأن أتباعها هم الناجون، بحيث كل فرقة لديها الفن في صنعة الحديث.. فصارت تقول أحاديث تنتصر بها على الفرقة الأخرى، فعظمت المحنةُ وانتشر الباطل)(٢) .

ويقول أسعد وحيد القاسم حول جذور الاختلاف بين المسلمين والمسألة التي منها انطلق الخلاف بين المسلمين:

( ولا أجد مسألة اختلف عليها بين أهل السنّة والشيعة من الممكن أن تنطبق عليها مثل هذه المواصفات كمسألة خلافة النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله أو إمامة المسلمين بعده، ويقول الشهرستاني صاحب موسوعة الملل والنحل في هذا الصدد: (وأعظم خلاف بين الأمّة خلاف الإمامة، إذ ما سُلّ سيفٌ في الإسلام على قاعدة دينيّة مثل ما سُلّ‏على الإمامة في كلّ مكان ).

وأما الفروع، فهي الآثار التي ترتّبت على حصول أزمة الخلافة والإمامة أو مخلّفاتها ذات الخطورة على الإسلام والمسلمين. وتشعبات هذه الفروع هي ذلك الكم الهائل

____________________

(١) أحمد حسين يعقوب/ الخطط السياسيّة لتوحيد الأمّة الإسلاميّة: ٣٥-٣٦.

(٢) هشام آل قطيط/ ومن الحوار اكتشفت الحقيقة: ٣٢٢.


من المفاهيم والأحكام الفقهيّة المختلف عليها بين الفريقين من جهة، وبين كل فريق من جهة أخرى )(١) .

ويقول معتصم سيّد أحمد حول هذا الأمر:

( وقد نقل التاريخ تعصّب كل جماعة لمدرستهم الفقهيّة وما حصل بينهم من مشادات ونزاعات إلى درجة أن يكفّر بعضهم البعض، وما كشف لنا أيضاً دور السلطات الحاكمة وكيف كانت تتلاعب بدين المسلمين، فالعالم الذي يوافق هواها يكون إماماً للمسلمين وتلزم الناس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بتقليده والاقتداء به )(٢) .

ومن جراء الاختلاف حول الإمامة والخلافة بين أهل السنّة والشيعة، ذهب أهل السنّة إلى أن الخلافة زعامة مدنيّة يرجع فيها الاختيار والتعيين إلى الناس أنفسهم، وذهب أتباع مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام إلى أن الخلافة أو بالأحرى الإمامة ليست مجرّد زعامة مدنيّة وحكم إداري، بل هي امتداد للنبوّة بجميع معطياتها إلّا ما يخصّ مقام النبوّة، وذهبوا إلى أن خلافة الرسول منصب إلهي يعيّنه النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله عن طريق الوحي ولا مجال فيه لاختيار الأمّة.

ومن هذا المنطلق قال الشيعة استناداً إلى النصوص القرآنيّة والروايات الصريحة أن الإمام علي‏عليه‌السلام هو خليفة رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالحقّ، وأنّ الباري عزّ وجل قد اصطفى آل محمّدعليهم‌السلام كما اصطفى آل إبراهيم، ذريّة بعضُها من بعض لمنصب الإمامة والخلافة من بعد الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد احتجّ الشيعةُ على مخالفيهم بأدلّة كثيرة وأقاموا براهينهم.

ولكن أتباع المذهب السنّي أنكروا النصّ على الإمامة، وشكّكوا في الأدلّة التي احتجّ بها الشيعة، وحاولوا صياغة فكرة الخلافة بصورة تضفي المشروعيّة على خلافة

____________________

(١) أسعد وحيد القاسم/ أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة: ٢٥.

(٢) معتصم سيّد أحمد/ الحقيقة الضائعة: ٢٣٩.


كلّ من استلم دفّة الحكم بعد التحاق الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله بالرفيق الأعلى.

ومن المؤسف أن تحوّل هذا الاختلاف في بعض الأزمنة نتيجة ضعف الإيمان وغياب العنصر الأخلاقي إلى صراعات حادّة يتخفّى وراءها مظهر بشع من الكراهيّة والحقد المكشوف، وأصبحت كل فرقة ترصد نقاط ضعف الفرقة الأخرى لتدينها بها.

ومن هنا اتّسعت دائرة الجدل والنقاش بين الأطراف المتنازعة، ثمّ تحوّل إلى التراشق بالاتّهامات واستخدام الكلمات البذيئة، فأدّى ذلك إلى ضياع جهود كثيرة و فوت خيراً واسعاً ضاع في المهاترات والشقاق.

ثمّ استغلّ المغرضون والانتهازيّون هذه الفرصة فأجّجوا نيران الاختلاف ومزّقوا أوصال الأمّة وفتّتوا وحدتها من أجل توسيع الهوة بين أبناء المجتمع والاصطياد بعدها بالماء العكر.

وقد بلغ الاختلاف بين المسلمين حدّاً بحيث سمح بعض المسلمين لأنفسهم أن يمدّوا جسور العلاقة الودّيّة مع الأطراف المضادّة للإسلام، وفي الوقت نفسه أبَوا أن يمدّوا جسور العلاقة مع إخوانهم المسلمين الذين اختلفوا معهم في بعض الأمور العقائديّة والفكريّة، بل بلغ حقد وكراهيّة بعضهم ضدّ الآخر، الحدّ الذي دفعهم إلى تشويه أحدهم صورة الآخر بأساليب بعيدة كل البُعد عن القيم الأخلاقيّة.

وفي ظلّ هكذا أجواء اندفع كل طرف من الأطراف الإسلاميّة إلى الحذر والتوجّس من الطرف الإسلامي الآخر، وأصبح أمرُ الأمّة أن لا تمضي عليها فترة قصيرة إلّا وتثار فيها مسألة خلافيّة تفرّق قواها وتقوّي بأسَ بعضها على بعض.

الوحدة الإسلاميّة:

تعني الوحدة الإسلاميّة أن يكن كل مسلم المحبّة في قلبه لباقي إخوانه من المسلمين وإن كانوا على ضلال، لأنّ كل إنسان بذاته طاهر وهو مخلوقٌ اصطفاه اللَّه سبحانه وتعالى على سائر المخلوقات وكرّمه على العالمين.


والكفر والضلال رجس، ولكنّها أمور عارضيّة على وجود الإنسان، وينبغي لكلّ فرد أن ينطلق من محبّته للإنسان الضال لينقذه من الأفكار المنحرفة التي تلبّس بها، وعليه أن ينطلق من منطلق محبّته للإنسان الضائع ليمدّ له يد العون من أجل انتشاله من حالة الضياع التي يتخبّط فيها.

وهذه المحبّة في الواقع هي التي تحفّز الإنسان إلى هداية الآخرين، ومن دون هذه المحبّة لا يستطيع الإنسان أن يقوم بهداية من يخالفه في الرأي، ولا يتمكّن من إرشاده إلى سواء السبيل، لأنّ الإنسان الذي يكره الآخر ويشمئزّ منه لا يستطيع أن يقدّم له الخير، ولكنّ الذي يحبّ الآخرين وإن كانوا على ضلال، فإنّه ينطلق من منطلق محبّته لهم لينقذهم من الضلال الذي هم فيه ويحفّزه حبّه لهم على تطهير عقولهم من الأفكار المنحرفة وتنقية قلوبهم من الرجس والشوائب العالقة بها.

ومعنى الوحدة هو تعميق هذا المعنى في نفوس الناس، لينظر كلّ الناس بعين الحبّ والمودّة والرأفة إلى الآخرين، وأن يفرّق بين الضلال والضال وبين الانحراف والمنحرف، فإنّ الضلال والانحراف أرجاس ولابدّ من القضاء عليها وتطهير الأمّة من وجودها.

ولكن الإنسان الضال والمنحرف هو إنسان طاهر في ذاته، مكرّم عند اللَّه لكونه مخلوق اصطفاه اللَّه على بقيّة المخلوقات، وهو الذي أرسل اللَّه تعالى أنبياءه ورسله من أجل إنقاذه من الضلال والانحراف.

ولولا محبّة الأنبياء للكفّار لم يبذل هؤلاء الأنبياء هذا الجهد المكثّف لإنقاذهم من الضلال، ولم يتحمّلوا هذا الجهد في دعوتهم إلى الحقّ.

فلهذا ينبغي لنا اقتداءاً بمنهج الأنبياء أن لا نبغض الإنسان الضال لذاته، بل علينا أن نبغض الضلال المتعشعش في وجود الضال، وعلينا أن نحاول من منطلق محبّتنا للضال كمخلوق اصطفاه الباري عزّ وجل عى‏ سائر المخلوقات أن نبعده عن هذه


الأرجاس والنجاسات(١) .

ومن هذا المنطلق تذوب وتضمحل جميع أساليب العدوان والقمع والتسقيط والتشويه والاستفزاز والاستخفاف والاستهتار بين أتباع المذاهب الإسلاميّة.

ومن هذا المنطلق يسعى كل صاحب انتماء مذهبي إلى تفهّم صاحب الانتماء الآخر، فيطّلع على رؤاه ومواقفه المذهبيّة المتّصلة بمختلف المسائل الدينيّة ولاسيّما العقائديّة، ويكون شأنه حين تعامله مع الضالين والمنحرفين شأن تعامل الطبيب مع المريض.

فالمريض كما يقول عصام العماد يحتاج من الطبيب إلى المعالجة والمعاينة لا المجادلة والمخاصمة، وعلى الطبيب أن ينظر إليه بمحبّة ومودّة، وأن يبذل كل ما لديه من جهد من أجل أن يجلب له الدواء، ويزيل عنه الداء، ولا شكّ أن الطبيب الذي يسي‏ء الظنّ بمريضه لا يستطيع معاينة مريضه ومعالجته(٢) .

ومن هنا يتمكّن أتباع كل مذهب أن يوضّحوا هويّتهم المذهبيّة الحقيقيّة ليزيلوا أسباب وقوع الآخرين في الالتباس واشتباههم في فهمهم لهم، وبذلك تزول الحواجز النفسيّة التي كوّنتها ظروف القطيعة بين أتباع المذاهب الإسلاميّة.

ويساهم هذا الأمر في إزالة الكثير من عوامل سوء الفهم والتصوّرات الخاطئة التي يحملها كل فريق عن الآخر، ويؤدّي هذا الأمر في نهاية المطاف إلى تضييق شقّة الخلاف بين أتباع المذاهب الإسلاميّة وفسح المجال واسعاً للوصول إلى التعاون الحقيقي فيما بينهما للوصول إلى الحقيقة.

ولهذا يقول صالح الورداني:

( وحالة سوء الفهم القائمة بين السنّة والشيعة إنّما يعود سببها إلى العزلة الفكريّة

____________________

(١) إلّا اللهمّ الذي استحال وجوده إلى الضلال وختم اللَّه على قلبه وأصبح ضلالاً مجسّداً لا رجاء في هدايته ولا أمل في رجوعه إلى الحقّ.

(٢) انظر: عصام العماد/ المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهّابيين: ٩٥-٩٦.


الواقعة بين الطرفين، تلك العزلة التي أسهمت فيها السياسة بدور كبير.

وهي التي تولّدت في ظلّها الشائعات وتكاثرت من حول الشيعة، ممّا أدّى إلى توسيع رقعة العداء بين الطرفين..

إنّ التعايش القائم على المعرفة والوعي من شأنه أن يؤدّي إلى تقبّل الآخر والتماس الأعذار له في فكره ومعتقده وتحقيق الوحدة الإسلاميّة المنشودة، بل هو الطريق الوحيد للوصول إليها.. )(١) .

ويقول صالح الورداني أيضاً:

( وعندما أتعامل معك على أساس فهم كامل لشخصك وفكرك ومعتقدك، فهذا سيؤدّي لأن تكون الوحدة راسخة لأنّه حينما أعمل معك وأنا أعلم بأنّ لك رؤية في أبي بكر وعمر، فسأتفهم وجهة نظرك، وسيؤدّي هذا إلى استيعابي مسألة التعامل المشترك بيني وبينك.

لكن يختلف الأمر كثيراً عندما أتعامل معك وأنا لا أدري بهذه الحقيقة فيأتي بعض الدسّاسين ويصنعون الفتنة بيننا.

الوحدة يجب أن تقف على وضوح الرؤية كما أنّها عمل جماهيري لا صلة للسياسة بها، لن تفرضها الحكومات ولن تحقّقها المؤتمرات بل ستتحقّق بجهود الدعاة والكتّاب والمفكّرين في تصحيح الأفكار والمفاهيم الإسلاميّة في الساحة الجماهيريّة.

هذا هو دور المؤسّسات بالدعم ليتبدّد الالتباس والشبهات السائدة )(٢) .

وأضف إلى ما تمّ ذكره أنّ هذا النمط من الحبّ يصون الإنسان من الصراع والرغبة في الغلبة حين حواره مع من يخالفه في الرأي، لأنّ الصراع كما يقول صائب عبد الحميد

____________________

(١) صالح الورداني/ المناظرات بين فقهاء السنّة وفقهاء الشيعة: ٨.

(٢) مجلّة المنبر: العدد ٢٢.


غايته نفي الآخر وإفنائه، ولكن الحوار غايته إبقاء الآخر وجذبه إلى الصواب بعد إزالة الشبهات العالقة بذهنه(١) .

ولا يستطيع الإنسان أن يمنع نفسه من هذا الصراع إلّا بالحبّ الذي يكنّه للآخر، وهذا الحبّ هو الذي يجعل الفرد أن يستخدم أسمى الأساليب الصحيحة في حواره ومقابلته مع من يخالفه في الرأي.

اهتمام المستبصرين بالوحدة الإسلاميّة:

إنّ الأضرار الفادحة الناتجة من عدم مراعاة الوحدة الإسلاميّة وعدم توحيد الصفوف ورصّها للحفاظ على كيان الإسلام والتشاحن بين أبناء المجتمع وإثارة بواعث البغضاء والأحقاد في قلوب بعضهم على الآخر دفعت المستبصرين إلى التأكيد على هذه الوحدة والدعوة إليها بعد تبيين أهمّيّتها ودورها في لمّ شعث المسلمين وجمع شملهم وتقوية بُنيتهم.

ولهذا يقول إدريس الحسيني:

( لقد كانت الوحدة الإسلاميّة ولا تزال همّنا الكبير، الذي مهما اختلفنا لن تكون إلّا هدفنا المقدّس.. وحدة إسلاميّة ناضجة، تقرب الشقة بين الفرقاء، وتجعلهم بحيث يتفهّمون أزمتهم التراثيّة وضرورة الحسم فيها )(٢) .

ويقول معتصم سيّد أحمد حول أهمّية الوحدة وكيفيّة الحصول عليها:

( انّ حالة التمذهب التي يعيشها المسلمون قديماً وحديثاً، لا يمكن اعتبارها حالة صحيحة نابعة من صميم الدين، وإنّما هي حالة سلبيّة لابدّ من مواجهتها وتخطّيها بكل السبل، لأن الرسالة التي جاءت من إله حكيم لا يمكن أن تكون دعوة للتفرق

____________________

(١) انظر: صائب عبد الحميد/ حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي: ١٣.

(٢) إدريس الحسيني/ هكذا عرفتُ الشيعة: ٢٠٤.


والتمذهب، وهو القائل:( إنّ هذِهِ أُمَّتُكُم أُمّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُم فَاعْبُدُونِ ) (١) ، ولا يمكن أن نتصوّر الأمّة الواحدة، إلّا من خلال المنهج الواحد، ومن هنا كانت تعاليم الإسلام تعاليم واحدة، منسجمة مع سنن اللَّه الكونيّة، التي تجعل الوجود في غاية الانسجام والتوازن، كما أنّ رسالات اللَّه التي تعاقبت على البشريّة كانت تحمل شعاراً واحداً وهو توحيد العبادة لعبادة الواحد القهّار)(٢) .

ويقول هشام آل قطيط حول أخطار عدم رصّ الصفوف في المرحلة الراهنة التي يعيشها العالم الإسلامي:

( علينا بالتوحّد وجمع الكلمة ورصّ الصفوف والتقارب إسلاميّاً...، والعارفون بأهداف الاستعمار يعلمون كلّ العلم أنّ تجزئة الأمّة الإسلاميّة أعظم وسيلة تمسّك بها المستعمرون للاحتفاظ بسلطتهم.

فعلينا أن ندرك أبعاد المرحلة التي نعيشها في هذا العصر كإسلاميّين، بغضّ النظر إلى المذهبيّة أو الطائفيّة )(٣) .

ويقول هذا المستبصر أيضاً حول أهمّية لمّ شعث الأمّة وسبل تحقّقه:

( فنحن بأشدّ الحاجة إلى لمّ شعث الأمّة، ونحن بحاجة إلى عقد مؤتمرات إسلاميّة تأخذ على عاتقها العمل من أجل الوحدة الإسلاميّة وتقف وقفة واعية ومسؤولة من قِبل أصحاب العقول المفكّرة العاملة وأصحاب الأقلام الشريفة لتعمل دون كلل من أجل أن نتوحّد ونرفع أصواتنا عالية في وجه كل من يحاول أن يزرع الحقد والمعرفة ويؤجّج النار كلّما حاولنا إطفاءها.

فإنّي أدعو جميع أعلام المسلمين ومفكّريهم في العالم أن يعملوا بجدٍ لعقد مؤتمرات إسلاميّة تكافح الفرقة والبغضاء والشحناء وتعمل على تأليف قلوب

____________________

(١) الأنبياء: ٩٢.

(٢) معتصم سيّد أحمد/ حوارات: ٩.

(٣) هشام آل قطيط/ وقفة مع الدكتور البوطي في مسائلة:


المسلمين آخذةً على عاتقها ومتمسّكة بقوله تعالى في كتابه الكريم:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ) فلماذا كل هذه الحملات المسعورة..؟

لماذا كل هذه الأقاويل.. والنزاعات.. والصراعات.. والعصبيّات..؟ لماذا..؟ أ لئن هناك فرقة إسلاميّة كبيرة اعتنقوا مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام هذا هو الذنب العظيم.. هذا هو الذي أقام الدنيا وأقعدها.. حق معكم.. لأنّها الفرقة المحقّة.. والحق كما يقال مرّ، وكما قال الإمام علي ‏عليه‌السلام : ((إنّ الحقّ لم يترك لي صاحب )) فلذلك نحن هكذا.. ونسأل اللَّه أن يأخذ بيد العلماء العاملين للإسلام من كلّ المذاهب ما يحقّق لنا الأصحاب العاملين من أجل الحقّ والوحدة الإسلاميّة واللَّه من وراء القصد )(١) .

ويقول هشام آل قطيط خلال دعوته من الأمّة الإسلاميّة إلى الاهتمام بالوحدة:

( علينا أن نرصّ الصفوف ونتوحّد فوق الخلافات المذهبيّة، ولا شك أنّنا بكفاحنا الإسلامي نستطيع إحباط خطط الأعداء التي ترمي إلى التفريق بين المسلمين. إنّه لا خير في وجود التنوّع المذهبي، وليس بوسعنا إلغاؤه، والذي يجب أن نعمل على إيقافه ومنعه هو استغلال هذا الوضع لصالح المغرضين )(٢) .

ويقول ياسين المعيوف البدراني حول سبب اهتمام المسلمين بالوحدة الإسلاميّة:

( الوحدة الإسلاميّة أمنيّة كبرى للمسلمين جميعاً يسعون جاهدين لتحقيقها إيماناً منهم أن في التماسك قوّة وعزّة ومنعة، لكن الطريق صعبة وعسيرة وليست بالأمر السهل اليسير مادامت العقول مربوطة إلى بيئة معيّنة وإلى دراسات خاصّة ومطالعات محدودة ضيّقة وبعيدة عن فهم جوهر الإسلام.

وسنبقى كذلك مادام عند الكثير منّا خوفٌ من قول الحقّ، خوفٌ من إظهار ما في

____________________

(١) المصدر السابق: ٢٥٩-٢٦٠.

(٢) هشام آل قطيط/ حوار ومناقشة كتاب عائشة أمّ المؤمنين للدكتور البوطي: ٣٣٩.


النفوس وتستّر على كلمة الحقّ فلا يطلع واحدٌ منّا على ما عند الآخر ويبقى كلٌّ منّا مجهولاً عند أخيه غامضاً في عقيدته ورأيه وقد يحمله محامل سيّئة لا يكون قاصداً إيّاها، لذلك نحن نريد أن يكون للحقّ حوار وللحقيقة تبيان وإظهار بغير إفراط وتفريط )(١) .

ويقول هذا المستبصر أيضاً حول أهمّية الوحدة بين المسلمين:

( نحن بأمسّ الحاجة إلى الوحدة بين المسلمين، لنستطيع أن نسلك الطريق السويّة وأن نزيل عن طريقنا تلك العقبات المؤلمة )(٢) .

ويدعو هذا المستبصر أيضاً أن تغتنم الأمّة الأجواء الموفّرة لها حاليّاً لجمع الكلمة ونيل ثمارها ومعطياتها الغنيّة، فيقول:

( نحن اليوم في زمن تقشعت عن أبصار أهله غياهب القسوة وأشرقت شموس الفضل من وجوه أهل الفضل لإزالة الجفوة والفجوة، ولم يبق إلّا أن نشرع أقلامنا لنزيل الفرقة ولنجمع الكلمة ولنوالف ما بين الأفئدة ولنرفع منارة الوحدة ولنبيّن الخطر القاتل الذي يزرعه في ما بيننا أهل التنابذ والتخاصم والتعصّب والفرقة، يجب أن ننفض غبار التخلّف المتراكم وغبار الانحطاط، لأنّ ديننا الكريم لا يقوم إلّا على دعامتين: كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة )(٣) .

ويقول مصطفى خميس حول حاجة المسلمين إلى التوحّد:

( إنّ المسلمين اليوم بأشدّ الحاجة إلى التوحّد، ونبذ الفرقة والانقسام، وأيّة دعوة هدّامة... لا تزيدنا إلّا تباعداً وتباغضاً وانقساماً، وهذا ما يبغيه أعداء الإسلام )(٤) .

ويقول أحمد حسين يعقوب في هذا المجال:

____________________

(١) ياسين المعيوف البدراني/ ياليت قومي يعلمون: ٦٥.

(٢) المصدر السابق: ١٠١.

(٣) المصدر السابق: ٥٥.

(٤) مصطفى خميس/ شبهات وحقائق: ١٦.


( فإن وحدّة الأمّة الإسلاميّة، أمنية غالية على قلب كل مسلم صادق، وهدف عام مشترك يسعى لتحقيقه الذين آمنوا في مشارق الأرض ومغاربها، وفضلاً عن هذه الوحدة فريضة ربّانيّة أوجب اللَّه تعالى على المؤمنين إقامتها، فقد أجمعت وحدة الأمّة الإسلاميّة ضرورة تقتضيها مصلحة المسلمين، وتفرضها ضرورات وجودهم للوقوف أمام زحف الطامعين بأرضهم، وخيراتهم، وبعدّتهم عن دينهم، ثمّ إنّ وحدة الأمّة الإسلاميّة هي الإطار الأمثل لإحساس الأفراد المسلمين بكرامتهم وتمييزهم وبرسالتهم العالميّة )(١) .

ويقول هذا المستبصر حول المفاسد العظمى التي تنتج من تفريق الأمّة وتشتيت وحدتها:

( إذا كانت وحدة الأمّة الإسلاميّة فرضاً، فإنّ تفريق وفرقة الأمّة الإسلاميّة جريمة كبرى ومفسدة عظمى تترتّب عليها مئات المفاسد، فهي تعطّل الأمّة كشخص اعتباري عن القيام بكل أدوارها و واجباتها، وتؤدّي إلى التنازع والفشل وذهاب الريح والهيبة وتعميق كل ذلك وترسيخه، فيتفرّق المسلمون بعد وحدة، ويختلفوا بعد انسجام ويتحولون إلى شيع متباعدة متباغضة ومتناحرة وأحزاب متنافرة، يلتهي كلّ حزبٍ بما لديه، وتزعم كلّ فئة أنّها على الحقّ المبين، وغيرها على الباطل، مع أنّه لا يوجد إلّا حقٌّ واحد، وباطل واحد، ولو كانوا جميعاً على الحقّ لاتّحدوا تحت راية الحقّ الواحدة، ولكنّهم لأنّهم على الباطل، كرهوا ما أنزل اللَّه، فاتّبعوا أهوائهم واختلفوا، وكانوا مثل المشركين، فالأهواء متعدّدة الأبواب، فدخلت كلّ فئة مشركة في باب والذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً وأحزاباً نسجوا على منوال المشركين، ودخلوا أبواب الهوى كما دخل المشركون من قبلهم.

____________________

(١) أحمد حسين يعقوب/ الخطط السياسيّة لتوحيد الأمّة الإسلاميّة: ٩-١٠.


قال تعالى:( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشِلُوا وَتَذْهَب رِيحُكُم ) (١) ، وقال جلّ جلاله:( وَلا تَكُونُوا مِنَ المُشرِكِينَ * مِنَ الّذينَ فَرّقُوا دينَهُم وَكَانُوا شِيَعاً كلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِم فَرِحُون ) (٢) )(٣) .

ويقول أحمد حسين يعقوب حول السبيل لنيل الوحدة الإسلاميّة:

( الأمّة الإسلاميّة تقف على مفترق الطرق، فإما أن تعود إلى الشرعيّة الإلهيّة فتتّحد كثمرة لهذه العودة، أو تبقى فريسة للأهواء والمطامع، وكثمرة لذلك تبقى مختلفة متفرقة منقسمة إلى شيع وأحزاب، كل حزب بما لديهم فرحون، تتسلّق على حبل الدين للوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها أو الحصول على بعض مغانمها ترقص فوق الجماجم والأشلاء، وتدّعي العافية، بالوقت الذي تحيا فيه هذه الأمّة تحت وطأة ظلمات متراكم بعضها فوق بعض، إذا أخرجت يدك لم تكد تراها.

فالأمّة الواحدة أصبحت عشرات الأمم، ودولة الإيمان تحوّلت إلى عشرات الدول، وأرض الإسلام استبيحت تماماً وتحوّلت إلى مائدة تتداعى عليها الأمم الكافرة، وتعطّلت هذه الأمّة تماماً عن القيام بدورها الرئيسي المتمثّل بإنقاذ الجنس البشري، فكيف تدعو بدعوة الإسلام بالوقت الذي تنبذ فيه الإسلام من وراء ظهرها؟

وكيف تنقذ العالم وهي عاجزة عن إنقاذ نفسها؟ لقد رضيت هذه الأمّة أو تراضت بالسير متسكعة ومتلكعة في ذيل القافلة الدوليّة، لا يحسب لها حساب ولا يقام لها وزن، بل تحوّلت إلى ألعوبة بيد دول الكفر )(٤) .

ويقول عاطف سلام حول خطورة عدم اهتمام المسلمين بالوحدة فيما بينهم:

إنّ على الإسلاميّين الواعين - وبخاصّة أهل العلم والأكابر - أن يبذلوا كافّة الجهود،

____________________

(١) الروم: ٣١-٣٢.

(٢) أحمد حسين يعقوب/ الخطط السياسيّة لتوحيد الأمّة الإسلاميّة: ٢٢٧.

(٣) المصدر السابق: ٢٢٩.


بما تصل إليه إمكاناتهم، في العمل على تهيئة المناخ المناسب من أجل قيام وحدة إسلاميّة شاملة ينضوي تحت لوائها جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها حتى تحقّق الأمّة أهدافها المصيريّة وتستعيد أمجادها التليدة التي تحطّمت على صخور الفرقة والتبعثر.

إنّ أعداء الإسلام حريصون - قدر طاقاتهم - على بثّ بذور التفرّق والتناقض في صفوف المسلمين، وإقامة الحواجز النفسيّة وإشاعة سوء الظنّ بينهم حتى يظلّوا على حالهم التي وصلوا إليها نتيجة انقسامهم وتفرّقهم.

يجب ألاّ نترك لهم الفرصة لتحقيق أغراضهم أو نفسح لهم المجال لتنفيذ مكائدهم ومخطّطاتهم، بل ينبغي أن نظلّ ماثلين في الساحة، نوضّح المفاهيم الصحيحة، ونزيل اللبس والغموض، ونزيد من درجة الوعي والثقافة عند جماهير الأمّة )(١) .

التيّارات المعادية للوحدة الإسلاميّة:

تشهد ساحتنا الإسلاميّة على الرغم من الأهميّة التي تمتلكها الوحدة الإسلاميّة تيّارات مضادّة شنّت حملات دعائيّة وتضليليّة هدّامة من أجل العبث بالوحدة الإسلامية وتعويق حركتها وهدم بنائها في أوساط الأمّة.

ويشير صالح الورداني إلى هذا الأمر قائلاً:

( إنّ تتبّع تاريخ دعوة الوحدة الإسلاميّة يكشف لنا أنّ السياسة تسبّب في تعويق هذه الدعوة بل وفي قتلها، كما يكشف لنا أنّ ظهور المد الوهّابي ورسوخه بين التيّارات الإسلاميّة المعاصرة قد أسهم إلى حدّ كبير في ضرب هذه الدعوة وإجهاضها )(٢) .

____________________

(١) عاطف سلام/ فقهيّات بين السنّة والشيعة: ٩٧-٩٨.

(٢) صالح الورداني/ عقائد السنّة وعقائد الشيعة التقارب والتباعد: ٢١٧.


ويقول إدريس الحسيني حول العقبات التي لاقاها مشروع الوحدة الإسلاميّة:

( ففي الوقت الذي بدأت أصوات الوحدة ترتفع في دنيا المسلمين.. و وصل العقل المسلم إلى رشده في نبذ كل شقاق وشتات وفتن.. ليتوحّد على كلمة الإسلام في مشتركاته التي تعتبر أصولاً في الدين الإسلامي برزت أصوات صنعتها البداوة وصقلتها بمدى التوهّب لتقف - بصلافة - ضدّ المشروع الذي لم تستوعبه بذهنها المتعصّب، وطال بوقها في التشكيك بنوايا القيمين عليه)(١) .

ويقول هذا المستبصر أيضاً:

( لقد سعى زعماء الوهّابيّة إلى محاربة فكرة التقريب، والتحريض على كل مشروع يسعى إلى لمّ شعث المسلمين، وجمع فرقهم.. واستخدموا أحطّ أنواع الكلام وأخسّ العبارات في التشكيك بنوايا أهل التقريب، وأصدروا فتاوى تحرّم الدنوّ من الشيعة حتى في قضايا الإسلام المصيريّة )(٢) .

ويقول هشام آل قطيط حول الذين يجعلون دوماً بعض الحواجز أمام الوحدة الإسلاميّة:

( إنّ نفس المواضيع والشبهات تتكرّر وتعاد منذ العصور المنسحقة وحتى عصرنا الحاضر، كلّما حاولنا إخمادها التهبت لتحرق ما حولها، وكلّما حاولنا التقارب والتوحّد في الصفّ الإسلامي تثار شبهات ومواضيع متكرّرة أكل الزمان عليها وشرب، يجعلون منها البعض حواجز مصطنعة للتباعد والتفرقة ولقد عمد الكثير منهم لتكرار هذه الشبه والتركيز عليها بشكل مقصود ومتعمّد ليثيروا النزاعات والصراعات بين أبناء الأمّة الإسلاميّة.

وسوف يبقى هذا الصراع متأجّجاً ومحتدماً في أمّتنا الإسلاميّة مادامت هناك أقلام

____________________

(١) إدريس الحسيني/ هكذا عرفت الشيعة: ٧.

(٢) المصدر السابق: ١٣٩.


مأجورة وعقول غير مسؤولة و واعية لما يحيط بنا في هذه المرحلة الصعبة والحرجة، والمستفيد الأوّل منها هو الاستعمار الذي يصرف بلايين الدولارات لخلق هكذا أجواء مشحونة بالنزاعات والصراعات والعصبيّات )(١) .

ويعاتب التيجاني السماوي أصحاب التيّار المخالف للوحدة الإسلاميّة من أهل السنّة: قائلا:

( ألم يقل رسول اللَّه‏صلى‌الله‌عليه‌وآله كما جاء في الذكر الحكيم:( قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنا وَبَينِكُم ) (٢) .

فإن كانوا من أهل السنّة حقّاً، فلينادوا إخوانهم من الشيعة إلى كلمة سواء بينهم.

وإذا كان الإسلام ينادي أعداءه من اليهود والنصارى إلى كلمة سواء للتفاهم والتآخي، فكيف بمن يعبدون إلهاً واحداً ونبيّهم واحد وكتابهم واحد وقبلتهم واحدة ومصيرهم واحد!

فلماذا لا ينادي علماء أهل السنّة إخوانهم من علماء أهل الشيعة ويجلسون معهم حول طاولة البحث، ويجادلونهم بالتي هي أحسن ويصلحون عقائدهم إن كانت فاسدة كما يزعمون؟

لماذا لا يعقدون مؤتمراً إسلاميّاً يجمع علماء الفريقين وتطرح فيه كل المسائل الخلافيّة على مسمع ومرأى من كل المسلمين حتى يعرفوا وجه الصواب من الكذب والبهتان؟

وخصوصاً وأنّ (أهل السنّة والجماعة) يمثّلون ثلاث أرباع المسلمين في العالم، ولهم من الإمكانات المادّية والنفوذ لدى الحكومات ما يجعل ذلك عندهم سهلاً ميسوراً إذ يملكون الأقمار الصناعيّة.

____________________

(١) هشام آل قطيط/ وقفة مع الدكتور البوطي في مسائلة: ٢٥٩.

(٢) آل عمران: ٦٤.


ولأنّ (أهل السنّة والجماعة) لا يعملون لمثل هذا أبداً، ولا يريدون المواجهة العلميّة التي ينادي بها كتاب اللَّه المجيد بقوله:( قُلْ هاتُوا بُرهَانَكُم إنْ كُنْتُم صَادِقِينَ ) (١) .

( قُلْ هَلْ عِنْدَكُم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَنَّ وإنْ أَنْتُم إلّا تَخرُصُونَ ) (٢) .

ولذلك تراهم دائماً يلجأون إلى السبّ والشتم والتكفير والبهت والافتراء وهم يعرفون بأنّ الحجّة والدليل مع خصومهم الشيعة.

وأعتقد بأنّهم يخافون أن يتشيّع أكثر المسلمون إذا ما كُشفت الحقائق، كما وقع بالفعل لبعض العلماء الأزهريّين في مصر الذين سمحوا لأنفسهم بالبحث عن الحقّ فأدركوه واستبصروا ونبذوا ما كانوا عليه من عقيدة (السلف الصالح).

فالعلماء من (أهل السّنة والجماعة) يدركون هذا الخطر الذي يهدّد كيانهم بالذّوبان، فإذا أعيتهم الحيلة وصل الأمر بالبعض منهم أن حرّم على أتباعه ومقلّديه أن يجلسوا مع الشيعة أو يجادلونهم أو يتزوّجوا منهم أو يزوّجوهم أو يأكلون من ذبائحهم.

ويُفهم من موقفهم هذا بأنّهم أبعد ما يكونون عن السنّة النبويّة، وهم أقرب ما يكونون من سنّة بني أميّة الذين عملوا بكلّ جهودهم على إضلال الأمّة المحمّديّة بأيّ ثمن، لأنّ قلوبهم لم تخشع لذكر اللَّه وما نزل من الحقّ ودخلوا في الإسلام وهم كارهون.

وهذا ما عبّر عنه إمامهم معاوية بن أبي سفيان الذي قتل خيار الصحابة من أجل الوصول إلى الحكم فقط، فقد قال في أوّل خطبة له:

____________________

(١) البقرة: ١١١.

(٢) الأنعام: ١٤٨.


(إنّي لم أقاتلكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا، وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد أعطاني اللَّه ذلك وأنتم كارهون).

وصدق اللَّه إذ يقول:( إنّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ ) (١) (٢) .

ويقول ياسين المعيوف البدراني حول وجوب توفير الأجواء والأرضيّة الروحيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة المناسبة لنموّ الوحدة الإسلاميّة:

( إنّنا نأمل ونطلب من كلّ مسلم يحب الوصول إلى الحقيقة ونصرتها، ويحب أن يعرف دينه المعرفة الحقّة، أن يوقف نفسه على خدمة الإسلام والمسلمين، وأن يعمل جاهداً ليساهم في سدّ الثغرات بين الطوائف الإسلاميّة ولنزع ونبذ التعصّب الذي ساعد على تسلل أصابع المتشرّقين القذرة المغرضة التي ليس لها من هدف إلّا توسيع الخلاف بين المسلمين )(٣) .

ويقول محمّد أحمد خير خلال دعوته كلّ المخلصين لتحقّق هذا الأمل الكبير الذي يعيش في نفسه:

( إنّني أدعوا كلَّ المخلصين... إلى إعلان كلمة الوحدة والتفاهم بين المسلمين عن طريق التركيز على الأسس التي يشترك فيها كلُّ المسلمين والوقوف بوجه كل دعوة ضآلّة تريد أن تفرّق الصفوف)(٤) .

ويقول حسين الرجاء حول هذا الهدف الحيوي والهام:

( أيّها الإخوة المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها.

كبرت كلمة لا مسؤولة تخرج سوداء يجب أن تموت غير مرغوب فيها ولا

____________________

(١) النمل: ٣٤.

(٢) محمّد التيجاني السماوي/ الشيعة هم أهل السنّة: ٦٥-٦٦.

(٣) ياسين المعيوف البدراني/ ياليت قومي يعلمون: ٩٨.

(٤) محمّد أحمد خير/ براءة الشيعة: ٨٠.


مأسوف عليها أورقت خلط الأوراق وأثمرت عقاب الأبرياء وكفّرت المؤمنين، فتولد عنها نصب الحواجز بين المسلمين، فهي تحمل في طيّاتها بذور التشتّت والتمزّق!!

وها هي سنن التاريخ البشري تشهد، فكم من أمم بادت وعقائد اندثرت وحضارات ذابت ومواريث خطيرة وصالحة للاستمرار أهملت فتلاشت، وكم من خلاف واختلاف حلّ و رحل ودساتير وقوانين غيّرت وبدّلت، وها هنا نحن المسلمين لم نحافظ على ميراث أو ثروة أو تراث أكثر ممّا حافظنا على الخلاف والاختلاف وبالتالي التشتّت والتمزّق في الوقت الذي أصبحت وحدة المسلمين ضرورة ملحّة أكثر من أيّ وقت مضى، وها هي الأمم تتداعى علينا كعرب ومسلمين كما تتداعى الآكلة إلى قصعتها كما أخبرنا وحذّرنا رسول اللَّه‏صلى‌الله‌عليه‌وآله فاستمعوا إلى نداء اللَّه، فاللَّه ينادينا:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (١) وفي نداء آخر يبيّن الآثار السلبيّة للتفرّق والنزاع( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشلُوا وَتَذْهَب رِيحُكُم ) (٢) (٣) .

وعموماً فإنّ الكثير من المستبصرين يطلبون من أبناء الأمّة الإسلاميّة أن يتحلوا بالنوايا الصادقة والعزائم الأكيدة، ليتمكّنوا من بلوغ هذا الهدف المبارك، لأنّ الإنسان لا يبلغ هذا الهدف إلّا من خلال عدم الخضوع للأهواء والعصبيّات والتحلّي بالنوايا المبرأة من الهوى والنقيّة من شوائب الجاهليّة.

آراء المستبصرين حول الوحدة الإسلاميّة الصحيحة:

إنّ المستبصر المتحوّل من المذهب السنّي إلى مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام يعي أكثر من غيره المعنى الصحيح للوحدة الإسلاميّة بين السنّة الشيعة، لأنّه عاش في أوساط المجتمع السنّي، وتعرّف بعد ذلك على الشيعة، فلهذا يكون أقدر من غيره على تبيين

____________________

(١) آل عمران: ١٠٣.

(٢) الأنفال: ٤٦.

(٣) حسين الرجاء/ دفاع من وحي الشريعة: ٤٧.


الطرق المؤدّية إلى الوحدة الإسلاميّة بين السنّة والشيعة.

وإليك فيما يلي نصوص أقوال جملة من المستبصرين حول التعريف الصحيح للوحدة الإسلاميّة.

يقول إدريس الحسيني:

( إنّ الوحدة الإسلاميّة، ليس معناها تجميد الخلاف بإضماره وتأجيله، ليكون كنزاً محفوظاً تتوارثه الأجيال اللاحقة مثلما ورثناه عن أسلافنا.. إنّ نضجاً كهذا لابدّ أن نسعى إليه حتى يتولى العلماء مسؤوليّة البحث في الخلافات التي لن يزيدنا السكوت عنها سوى تأجيجاً لها.

فالوحدة الإسلاميّة ليست هي موقف الاحتواء المذهبي، ولا تأجيل النظر في أزمتنا التراثيّة، إنّما هي وحدة تهدف تبديد ما صنعه السابقون وأورثونا إيّاه. وأعتقد أنّ ذلك له صلة بنضج المجتمعات المسلمة، ونضج علمائنا ودعاتها الذين لا يزالون إلى اليوم عاجزين من استيعاب الاختلاف وسلوك سبيل الحوار )(١) .

ويضيف هذا المستبصر:

( الخطابات والمطارحات التي قدّمت في إطار جمعيّة التقريب، أبانت عن تطلّع حقيقي من أبناء المذهبين إلى التوحّد في إطار ما بينهم من مشتركات، ونبذ ما من شأنه إثارة الفرقة والخلاف.

ولا أحد ينكر جهود العاملين من كلتا المدرستين، من أجل تحرير هذا النزاع التاريخي، وإيجاد أرضيّة حواريّة، تمكّن من التقريب بين الإخوة الأعداء، والدفع بهم إلى حيث الواجب والمسؤوليّة في تحقيق هذه الوحدة التي ظلّت حلم الإسلام والمسلمين منذ دبّ فيهم الخلاف وتملّكتهم الفتن.

وقد ظهر في خضم هذا النقاش، ثلاثة اتّجاهات في مفهوم الوحدة المتوخّاة في

____________________

(١) إدريس الحسيني/ هكذا عرفت الشيعة: ٢٠٤-٢٠٥.


حياة المسلمين المعاصرة:

١ - اتّجاه احتوائي يرى أنّ الوحدة تتمّ بتذويب المذاهب الأخرى في مذهب واحد.

٢ - اتّجاه نبذ الخلافات والتوحّد على المصلحة العليا للمسلمين والأصول المشتركة وتجميد الخلاف التاريخي.

٣ - اتّجاه ما يمكن أن ننعته بالتكفير، وهو الذي لا يرى أنّ هناك أيّ مجال للقاء والحوار أو الالتقاء.. فهو اتّجاه يرى أنّ الوحدة موجودة وهي التي تتمثّل في مذهبه ويعمل على إقصاء الأطراف الأخرى.

وقد تبيّن، أنّ كل هذه الإتّجاهات مع تفاوت في الرؤية ومستوى النضج، لم تكن تعبّر عن مفهوم الوحدة الإسلاميّة.

فما يؤخذ على الاتّجاه الأوّل الاحتوائي الذي يرغب في تذويب المذاهب في مذهبه الخاص، هو أنّه اتّجاه متفائل ومثالي، فهو يطمح إلى ما فشل فيه المسلمون عبرة قرون من الزمان. وهو يمثّل موقفاً غير موضوعي، ينطلق بخلفيّة حواريّة لا تترك للآخر إمكانيّة الإقناع الإيجابي.

أما الاتّجاه الثاني، فهو اتّجاه متفائل أيضاً، ويملك شيئاً من النضج بحيث يدرك مدى فشل المواقف الاحتوائيّة، فهو يحاول استثمار الواقع الإسلامي على تعدّديّته في سبيل تحمّل المصير المشترك للمسلمين، إلّا أنّه لا يقدّم مشروعاً واضحاً فيما يتعلّق بالمعرفة الإسلاميّة، من حيث هي مجال لتحدّيات أخرى، تتطلّب حسماً معرفيّاً.

ولسنا بعد ذلك في حاجة إلى الحديث عن الاتجاه الثالث وهو الاتّجاه الإقصائي، لأنّه لا يحمل أيّ مبرّر معقول في موقفه الهجومي، فهو أحد مظاهر أزمة الأديان والإيديولوجيّات جميعاً.

إنّ الوحدة الإسلاميّة هي بالدرجة الأساس مطلب معرفي قبل أن يكون سياسيّاً، لأنّ الأمّة التي تتجلّى فيها وحدة الحقيقة، حتماً ستكون أمّة موحّدة! فإذا ما استطعنا تجميد الخلاف وتأجيل الأزمة، لأهداف نعتبرها عُليا، فان ذلك لم يقدم الأمة خطوة واحدة على طريق الوحدة الحقيقيّة، مادام أنّ المعرفة تعاني أزمة مُزمنة، ومادام أنّ تأجيل الأزمة لا يعني نسيانها أو إنهاءها، بل إنّه يعني توريثها للأجيال المقبلة، إلى جانب ما سنورّثها إيّاه من مشاكل وأزمات بمزيد من التراكم والتحريف.


ومع أنّ الوحدة المعرفيّة لا طريق إليها إلّا بالبحث والدراسة والحوار والإقناع، فإنّ هذا الأمر من وظيفة النخبة العالمة، بإمكانها أن تواجه هذه المشكلات بكثير من النضج والاستيعاب والتفهّم، وذلك عبر مؤسّسات للحوار وبحث قضايا الخلاف.

ولا شك أن قضيّة كهذه لها علاقة بنضج المجتمعات، وليس بشي‏ء آخر على الإطلاق.. لأنّ المجتمع الناضج يسمح بالتعدّديّة والتعايش مع الفكر المخالف مهما كان نوع وحجم هذا الاختلاف. وكما أن القرن الواحد والعشرين يتّجه صوب التعدّديّة والتعايش وفكر الخلاف، فأيضاً يتّجه نحو نقد الحقيقة وتمحيص المعرفة بقوّة وإصرار.

إذا أمكننا أن نتوحّد، ونجعل التقارب إطاراً لبحث الخلاف بين الفرقاء، نستطيع أن نتوصّل إلى نتيجة إيجابيّة في إطار وحدة المسلمين.. ومن هنا فإن مشروع التقريب ينبغي أن يكون إطاراً لمعالجة قضايا مثل هذا النوع وليس مشروعاً بديلاً عن وحدة المسلمين التي يبدو أنّها أعمق بكثير مما يراه البعض بما أنّها تعبّر عن ضرورة معرفيّة )(١) .

ويقول إدريس الحسيني أيضاً حول الذين اعتبروا كتابه (لقد شيّعني الحسين‏عليه‌السلام ) ضدّ الوحدة الإسلاميّة:

( أمّا الذين اعتبروا كتابي [لقد شيّعني الحسين‏] واقعاً ضدّ الوحدة، وباعثاً على الفتنة التاريخيّة. فماذا أقول لهم؟

____________________

(١) المصدر السابق: ٢٠٦-٢٠٧.


إنّ عقلي لم يعد يفهم هذه الفلسفة الوحدويّة المجحفة، ولا ذائقتي بالتي تستسيغ هذه النعمة السياسيّة. أيّ وحدة هذه التي تقوم على مذبحة الحقّ؟! وأيّ فتنة بدأت وانتهت؟ كيف أسكت وأنا أرى مجاميعهم تعقد الجلسات وتؤلّف البحوث الطوال في تكفير أهل الولاية ومحاصرة المدّ العلوي.

لنعد فيما نعود إليه إلى طاولة المفاوضات التاريخيّة وبعقليّة نيّرة ومنهجيّة موضوعيّة.

وعلى كل حال فأنا لا أروم الفتنة ولا إعاقة الوحدة، وإذا كانت الفتنة هي أن أكشف عن وجه الحقيقة والوحدة هي أن أساهم في تعزيز الباطل، فنِعم الفتنة هي ونِعم الفرقة كانت! )(١) .

ويقول صائب عبد الحميد حول دواعي التقريب بين المذاهب الإسلاميّة:

( إنّ التقريب ثمرة طبيعيّة للتصحيح، فكما لا يمكننا أن ننتظر ثمرة تنتج بلا شجرة، لا يمكننا كذلك أن ننتظر للتقريب وجوداً ومعنى دون أن نقطع أشواطاً هامّة على طريق التصحيح.

وكما أنّ جودة الثمرة و رونقها يتوقّف على مقدار العناية بالشجرة وتوفير أسباب نموّها وحفظها من الآفات، فكذلك هو المستوى المرجو من التقريب، فإنّه يتوقّف على المقدار المنجز من التصحيح ودرجة نقائه )(٢) .

ويقول عاطف سلام حول المعنى الصحيح للوحدة الإسلاميّة:

( ولا نعني بالوحدة الإسلاميّة أن يتخلّى كلّ ذي مذهب عن فكره واجتهاده الذي يطمئنّ إليه، بل نقصد من وراء ذلك إلى الوحدة في الموقف والتلاحم بين الصفوف والتنسيق في العمل وبذل الجهود في مواجهة التحدّيات التاريخيّة والحضاريّة التي

____________________

(١) إدريس الحسيني/ الخلافة المغتصبة: ١٠-١١.

(٢) صائب عبد الحميد/ حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي: ٢٠-٢١.


تواجه الأمّة وتكتنف مسيرتها وتحيط بها من كلّ جانب )(١) .

ويقول سعيد السامرّائي حول نشاط السيد شرف الدين ومنهجه الصحيح في مجال التقريب بين المذاهب الإسلاميّة:

( وقد عرف عن السيد شرف الدين جهاده المتواصل من أجل التقريب بين أتباع الدين الواحد والمذاهب المتعدّدة، وكان منهجه في ذلك إثارة المشكلة وطرحها للبحث العلمي للوصول إلى الجواب الذي لا مفرّ منه ولا إشكال فيه، مما يزيل الأدران من القلوب ويحطّم ما يشاع هنا وهناك من مفتريات، الغاية منها توسيع الفجوة بين المسلمين.

وهذا المنهج - برأيي - خير ألف مرّة من ذاك المنهج الذي يدعو إلى تناسي المشكلة وكأنّها غير موجودة، ثمّ تعود الحال كما كانت عليه مع أوّل إشاعة يطلقها أحد المغرضين، والسبب في ذلك هو أن الأمور المُختلف عليها لم تدرس لحلّها والحقائق لم تتوضّح، في حين أنّه لو كان زيدٌ من الناس قد فهم وجهة نظر عمرو، أو قل عرفها على حقيقتها، فإنّه لا يمكن أن يكون صيداً سهلاً للإشاعات، لأنّه سيعرف ما إذا كانت صحيحة أو باطلة مقصودة لغرض خبيث )(٢) .

ويقول صائب عبد الحميد في معرض جوابه عن السؤال الذي مفاده:

(إن مجرّد البحث أو التفكير في مثل هذا الموضوع، هو بمثابة نواة للفرقة والتمزّق وإثارة الخلافات المذهبيّة من جديد):

( إنّ قضيّة الوحدة بين المسلمين هي مسؤوليّة شرعيّة لا يمكن التعامي عنها وإغفالها، فقد أمر القرآن الكريم بحفظها أمراً صريحاً، فقال:( واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرّقُوا ) (٣) .

____________________

(١) عاطف سلام/ فقهيّات بين السنّة والشيعة: ٨.

(٢) سعيد السامرّائي/ حجج النهج: ٥.

(٣) آل عمران: ١٠٣.


وحذّر من تضييعها، وتوعّد على ذلك بأشدّ الوعيد، فقال:( وَلا تَكُونُوا كالّذينَ تَفَرّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعدِ مَا جَاءَهُم البَيّنَات وَأُولئِكَ لَهُم عَذَابٌ عَظيم ) (١) .

فالوحدة بهذا المستوى من الأهميّة، قضيّة يجب حمايتها والحرص عليها في كلّ قول وفعل، ولاشك في أنّ من تغافل عن ذلك فقد وقع في التقصير

فمن المسلّم به إذن: أنّ الشارع المقدّس لن يرتضي لأحدٍ أيّ عمل من شأنه أن يقدح بهذه المسؤوليّة الشرعيّة.

ولكن، من المسلّم أيضاً بين المسلمين أنّه جلّ جلاله لن يرتضي لعبده المكلّف أن تكون حجّته في تديّنه وانتمائه المذهبي: ما وجد عليه آباءه!

إذن ليس أمام هذا العبد المكلّف المسؤول إلّا أن يتعاهد مسؤوليّته بالبحث والدرس والتحقيق، على قدر استطاعته، ليكون قد اتّخذ موقفه، وحدّد التزامه عن وعي وإدراك حقيقيّين.

وإذا كان كذلك، فثمّة مسألة أخرى لابدّ من الإشارة إليها:

ففي منهج البحث العلمي: هل سيكون الباحث ملزماً تأييد وموافقة كلّ ما تتبنّاه المذاهب الإسلاميّة، على اختلافها؟

فينبغي له أن يكون - تحت عنوان حفظ الوحدة الإسلاميّة - مؤيّداً لكلّ الفروع والتفاصيل التي تعترض طريق البحث؟

إنّ شيئاً من هذا الإلزام سوف لا يبقي على أيّ معنى للبحث والنظر، بل سيبطلهما من الأساس. فالبحث العلمي إنّما يتوخّى الحقائق المجرّدة عن أيّة مواقف مسبقة، وأيّة اعتبارات أخرى تصرفه عن مساره، وهذا محال مع وجود ذلك الالتزام.

فليس من الصحيح إذن أن نطالبه بموافقة الجميع، حتى فيما اختلفوا فيه، بحجّة تجنّب الخلاف والفرقة، بل إنّ فكرة كهذه ستكون مصدر أخطار على الوحدة بين

____________________

(١) آل عمران: ١٠٥.


المسلمين قد لا يوازيها خطر يأتي من عمل عدائي مقصود!

لأنّ هذا الفهم يعني بالنتيجة: أنّ علينا أن نحتفظ بكلّ تلك الخلافات وبأسبابها ودواعيها أيضاً إلى الأبد، لأنّها كلّها كانت آراء رجال السلف ومواقفهم وحتى تلك التي أدّت إلى إثارة الحروب، وسفك الدماء، لأنّ كلّ أطرافها كانوا على الحقّ!

ألا يعني هذا أن من حقّنا اليوم، وفي كلّ عصر، أن نجدّد تلك النزاعات، وأن يقتل بعضنا البعض، ولا بأس علينا، لأنّ كلّ طرف منّا قد تمسّك بما نُقِل إليه عن بعض رجال السلف؟

وفي أحسن الأحوال، فإنّنا سنبقي على تلك الخلافات، وعلى جذورها حيّةً فينا ما حيينا، وليس هذا مجرّد فرض نفترضه، أو دعوى ندّعيها، بل هو الواقع الحاصل في هذه الأمّة.

فهل تمدّد الخلاف فينا وتوالت الانقسامات، إلّا بسبب التمسّك بتلك الفكرة التي جعلت من نقاط الخلاف القديم محاور لتجمّعنا، وعناوين لانقساماتنا؟

وما زال الكثير منّا يدافع عن ذلك المبدأ، معتقداً بأنّ الدفاع عن الجميع هو السبيل الوحيد لتحقيق التقارب بين المسلمين!

وإنّه لأمر غريب حقّاً، فمتى كان التمسّك بأسباب الانشقاق هو الشرط الذي يضمن تحقيق الانسجام؟!

ولنتذكّر ثانيةً أنّ هذا هو واحدٌ من إيحاءات (الخوف من الهزيمة) الذي نعاني منه، وإلّا أفلا يكون من دواعي الاستغراب أن تضيق صدورنا عن تتبّع النصّ الإسلامي الشرعي، والتمسّك به؟!

ذلك ونحن نعتقد جميعاً أنّ مسؤوليّتنا تتلخّص في حفظ هذا الدين الحنيف كما أراد اللَّه ورسوله، بالتزام الموقف الحقّ الثابت الذي لا غبار عليه، وحمايته سواءً وافق ميول الأشخاص أو خالفها!

هكذا يتبيّن إذن أنّه لا يجوز استغلال شعار (الوحدة الإسلاميّة) للتخلّي عن


مسؤوليّتنا الشرعيّة في التفكير الحرّ، وانتخاب الموقف عن وعي وبصيرة.

وكذا فليس من الصواب الاندفاع تحت ذريعة هذه المسؤوليّة لتعميق الخلافات المذهبيّة، وإغذاء النزعة الطائفيّة البغيضة، فهذه أيضاً مسؤوليّة شرعيّة ملقاة على عواتقنا بنفس الدرجة، ونحن مسؤولون عنها غداً:( مُنِيبِينَ إلَيْه واتَّقُوهُ وأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِين * مِنَ الّذينَ فَرّقُوا دينَهُم وَكَانُوا شِيَعاً كلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِم فَرِحُون ) (١) .

إنّ الوحدة بين المسلمين يجب أن تُفهم أنّها قضيّة رساليّة أساسيّة. فليست هي موضوعاً طائفيّاً يجمع المسلمين أمام الأمم الأخرى وحسب، ولا هي دعوى فوقية يراد منها التزلّف والتملّق فيما بيننا. ولم تكن في عرف التشريع السماويّ المقدّس هدفاً دنيويّاً مصلحيّاً مؤقّتاً، بل هي أكبر من ذلك كلّه، إنّها مسؤوليّة رساليّة بحجم هذه الرسالة، أريد لها أن تسود، كما أريد لها البقاء والخلود.

فما أحوجنا إلى أن ندرك واجباتنا في حفظ مجتمعنا الإسلامي النزيه، وتحقيق الانسجام والتآلف بين أفرادنا وفصائلنا، ومعالجة أسباب (هذه الفرقة التي لم تؤذ السنّي في مواجهة الشيعي فقط، ولا الشيعي في مواجهة السنّي فقط، ولكنّها كرّست تفتيت السنّي إلى عدّة مذاهب، وكرّست تفتيت الشيعي إلى عدّة مذاهب )(٢) .

إنّ اتّفاق المسلمين في قضاياهم المصيريّة ليكونوا أمّة واحدةً، ويداً واحدةً في مواجهة المسؤوليّات، وفي البناء الحضاريّ الإسلامي، وفي حفظ هذا الدين العزيز، والوقوف بوجه المخاطر والتحدّيات، هي من الأمور التي يجب حمايتها وإن اختلف المسلمون في انتماءاتهم المذهبيّة، أو تباينوا في وجهات النظر حول بعض القضايا، فليس هناك أيّ تناقض بين أن نكون أحراراً في تفكيرنا، وأن نكون متّفقين في قضايانا

____________________

(١) الروم: ٣١-٣٢.

(٢) من مقالة للدكتور فهمي الشناوي بعنوان (الفتنة الكبرى المعاصرة) نشرتها مجلّة العالم في عددها ٣٣٦ من عام ١٩٩٠ (صائب عبد الحميد).


المصيريّة، ومعالمنا المشتركة.

وإذا كان هذا الهدف كبيراً وعظيماً فهو ليس مستحيلاً ولا مُستبعداً.

وحين تتوفّر لدينا الرغبة الصادقة في بلوغ هذا الهدف نكون قادرين على تبنّي المشروع الوحدويّ المتكامل الذي يستوعب جميع الخطوات الأساسيّة على هذا الطريق، والتي يمكن حصرها بما يلي:

أوّلاً: إزاحة الحواجز النفسيّة المتراكمة فينا، والتي لم ترتكز على دليل علميّ، ولا حجّة منطقيّة، ولا أساس من الدين الذي أمرنا الشارع المقدّس أن نتديّن به.

ثانياً: تحقيق المستوى الكافي من الوعي بمسؤوليّاتنا تجاه الإسلام والأمّة المسلمة.

ثالثاً: التوجّه نحو المبادئ المشتركة فيما بيننا - والتي تشكّل لوحدها كلّ العناصر الأساسيّة اللازمة لتحقيق أفضل مستوى من الاتّحاد بين المسلمين - كوحدة العقيدة بأركانها ومصادر التشريع الأساس وفروع الدين، وما لا يحصى من الأحكام التفصيليّة الأخرى، هذا مع إيماننا جميعاً بوحدة المصير.

إذ أنّ وحدة المصير - لوحدها - لو أخذناها مأخذ الجدّ، لأزاحت الكثير والكثير جدّاً من العقبات التي تحول دون تفاهمنا.

إنّ خطوات كتلك ستخلق التآلف الحقيقي، وهو التأليف بين القلوب كما يصفه اللَّه تبارك وتعالى بقوله:( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ) (١) .

هذا بدلاً من أن نسوّد الصفحات العديدة بالنداءات الوحدويّة والعبارات الخطابيّة الرنّانة والألفاظ الأدبيّة الساحرة التي تصوّر درجة عظمى من الاتّحاد والتماسك ولكن قد لا تجد لها مصداقاً في القلوب.

وفي أبسط لغة، ومع الحدّ الأدنى‏ من البرهان، نقول: إن كلّاً منّا يشهد للآخرين بأنّهم مسلمون..

____________________

(١) الأنفال: ٦٣.


وبهذه الشهادة وحدها يترتّب عليه أن يحفظ تجاههم كلّ حقوق المسلم على أخيه المسلم، والتي بيّنها الشارع المقدّس في عشرات، بل مئات النصوص من قرآن وسنّة:

فَدمُه، وعِرضه، وماله حرام، واغتيابه حرام، وبهتانه من الكبائر، وسبابه فسوق، وقتاله كفر، والغشّ له والغدر به جفاء مع الدّين كلّه، بل عليه أن يعيش معه كأعضاء الجسد الواحد، وأن يحبّ له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها، ولا يقبل فيه أقوال الوشاة والساعين في بثّ الفرقة والخلاف.

كلّ هذا، وكثير غيره، يعدّ من أوّليّات الأخلاق الإسلاميّة، وممّا يتعلّمه المسلم في أوّل حياته، وابتداءً من أبسط الحقوق: كإفشاء السّلام وعيادة المريض، وانتهاءً بأكبرها: كالإيثار بالنفس.

فما بالنا ننسى كلّ هذا بمجرّد أن نختلف في مواردنا الفقهيّة؟!

ثمّ نجعل نقطة الخلاف هذه قِبلتنا التي إليها نتوجّه في أفكارنا واهتماماتنا وأحاديثنا في جلسات سمرنا، لتصبح فيما بعد مواقف سياسيّة وعقائديّة تفصل بيننا؟

ولماذا لا ندرك أنّ كلّ ما حصل في هذه الأمّة من انقسامات وتشعّب في الموارد، إنّما هو وليد الخلاف السياسي الذي ظهر مرّةً، ثمّ تهيّأ له أن ينمو بعد ما ظهر، وهو لأجل أن ينمو ويستمرّ، لابدّ أن يعتمد أساساً (شرعيّاً) وعليه فلابدّ أن يشقّ له مورده الفقهيّ المناسب، ولو تدريجيّاً، وعن غير قصد، ولكنّه سينمو بالنتيجة، ليكون مورداً مستقلّاً له خصائصه وقواعده ودعائمه التي يقوم بها، وتميّزه عن غيره، وكلّما مضى في تعزيز بنيته، فقد تغلغل في البعد عن منبعه الأوّل!

وهكذا قل مع كلّ مورد أدخلت فيه السياسية أصابعها، حتى تحصّل في الواقع اتّجاهات متعدّدة، تتوغّل في البعد عن بعضها كلّما أرادت تدعيم حججها وإظهار معالمها.

والحقيقة هي هكذا لو تبصّرنا فيها.


وأمام تلك الحقائق، فلا مفرّ من كوننا جميعاً على قدمٍ سواء في المسؤوليّة، مسؤوليّة البحث والتحرّي والاستكشاف، ثمّ انتخاب الموقف الواعي، القويم غير المنحاز وغير المتطرّف. وكلّنا متساوون في الحاجة إلى مراجعة مواقفنا، ثمّ إعادة بنائها على أساس سليم )(١) .

دور الحوار في تماسك الوحدة الإسلاميّة:

إنّ الحوار البنّاء هو الطريق الأمثل لإزالة اللبس وإلغاء الكثير من الشكوك والظنون العالقة في ذهنيّة كلّ طرف بالنسبة للآخر، لأنّ الحوار يؤدّي إلى وضوح الرؤية وتحقّق القدر المطلوب من التفاهم وإزالة العوائق والرواسب السلبيّة بين الطرفين، وهذا الأمر من شأنه أن يقلّص روح التباغض والحقد والكراهيّة في نفسيّة الطرفين المختلفين، لأنّ الغموض - عموماً - يؤدّي إلى زرع بذور الشكّ والتباعد بين الطرفين. ولهذا يقول إدريس الحسيني:

( أقول أنّ الحديث عن (السنّة والشيعة) ضرورة، لأنّ فيه تفويت للفرصة على تجّار الفرقة والطائفيّة، ليعرف بعضنا البعض بكلّ وضوح وجلاء )(٢) .

ويقول أيضاً عصام العماد في هذا المجال:

( إنّني أعتقد أنّ التقريب بين المسلمين لا يمكن أن يتمّ إلّا بالحوار الصحيح الذي يستخدم منهجاً سليماً.

إنّنا إذا لم نجدّد في أساليب الحوار بين المسلمين، ونتفنّن في صياغتها وإخراجها من حالتها القديمة إلى حالة جديدة أكثر علميّة؛ فسوف لن يثمر الحوار تقريباً بين المسلمين، بل سوف يخلق بُعداً وتمزّقاً أكثر من ذي قبل )(٣) .

____________________

(١) صائب عبد الحميد/ منهج في الانتماء المذهبي: ٢٤-٣٠.

(٢) إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٢٤.

(٣) عصام العماد/ المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهّابيّين: ٩.


ويقول صائب عبد الحميد في كتابه (منهج في الانتماء المذهبي) حول كتابه وأهميّة الحوار ودوره في تماسك الوحدة الإسلاميّة:

( ليس هو كتاباً مذهبيّاً يُراد منه تعميق الخلاف بين المسلمين، فما أحوجنا اليوم إلى كلمة تلمّ شملنا، وتؤلّف بين قلوبنا، وما أحرانا باجتياز الحواجز التي رُكزت بيننا.

ثمّ ما أشوقنا إلى لغة الحوار السليم التي تعيننا على ذلك، إذن لبلغنا المُنى ولاستوت مراكبنا، واجتمعت كلمتنا على ما تركه لنا نبيُّنا المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلا نضلّ بعده ولا نفترق أو نسلك سُبلاً شتى..

وإذا كانت هناك أسباب و دواعٍ لما حصل بيننا من خلاف، فما أجمل أن نقف عليها بكلّ حياد وتعقّل، مدركين أنّ المهمّ في الأمر هو ظهور النهج الإسلامي الأصيل الحنيف، وليس غلبة هذا الاتّجاه، أو ذاك.. وأنّ اتّفاقنا على الحقّ الصّريح هو الذي سيضمن اجتماعنا )(١) .

ويقول صائب عبد الحميد في كتابه (حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي) حول الشرط الذي ينبغي أنْ يتّسم به الحوار، ليكون مؤثّراً في تقوية بنية الوحدة الإسلاميّة:

( إنّما الحوار العلمي الموضوعي هو السبيل الوحيد إلى الحلّ الجذري، الذي يحفظ لهذه الأمّة هويّتها ويضعها على الطريق الصحيح في البناء الحضاري المنشود.

فهل كان قدراً على المسلمين - وحدهم، بحكم تمذهبهم - أن يُحرموا من فضيلة هذا الحوار العلمي لتبقى الذات الإسلاميّة ممزّقة، طعمةً لكلّ آكل؟! )(٢) .

ثمّ يضيف قائلاً:

( هل نستطيع أن نقف أمام الحقائق والتاريخ وقفة حياد تامّ كما نقف أمام الظواهر

____________________

(١) صائب عبد الحميد/ منهج في الانتماء المذهبي: ١١.

(٢) صائب عبد الحميد/ حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي: ١٥.


الكونيّة والنظريّات العلميّة في الفيزياء والكيمياء والفلك وطبقات الأرض؟

لماذا نقف أمام العلوم التجريبيّة بحياد تام، فيما لا نعرف شيئاً من ذلك الحياد تجاه المفاهيم الدينيّة والحقائق التاريخيّة؟

لم يكن السرّ في ذلك هو اختلاف طبيعة الحقائق الدينيّة والتاريخيّة عن طبيعة الحقائق التجريبيّة.

إنّما السرّ في أنّنا قد بَنينا مواقف مسبقة تجاه القضايا الدينيّة والتاريخيّة، وهذه المواقف المسبقة هي التي تتحكّم في طريقة تلقّينا للقضايا والحقائق.. بينما لم يكن شي‏ء من ذلك تجاه القضايا التجريبيّة.

ومن مزايا هذه المواقف المسبقة أنّها أضفت صفة القداسة على كثير من المفاهيم والأشخاص، فوقفت هذه القداسة سدّاً منيعاً دون تقبّل أيّ حقيقة تصدمها أو لا تتلاءم معها! هذا مع أنّ المنهج الذي رسمه الإسلام للحوار والبحث العلمي قد ألغى أيّ نوع من القداسة على المفاهيم وعلى الأشخاص، وفتح أبواب البحث العلمي حتى حيال أقدس المبادئ والمفاهيم، ألا وهو مبدأ التوحيد.

فحين ردّ القرآن الكريم على الذين جحدوا مبدأ التوحيد لم يصدمهم أوّلاً بما لهذا المبدأ من قداسة، ولم يهوّل عليهم أمر التشكيك حتى أتى بالحجّة والبرهان القاطع:

قال تعالى:( وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إلهٍ إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إلهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُم على بَعْضٍ ) .

فبعد أن قدّم البرهان العلمي الثابت حقّ له عندئذٍ أن يبدي ما لهذا الأمر من قداسة، فقال:( سُبْحَانَ اللَّه عَمّا يَصِفُونَ * عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَتَعالى‏ عَمّا يُشْرِكُونَ ) (١) .

ومثل هذا الأسلوب جاء أيضاً في قوله تعالى:( أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنُ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) وبعد هذا البرهان القاطع قال:

____________________

(١) المؤمنون: ٩١-٩٢.


( فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ ) (١) .

أمّا النقاش في مبدأ المعاد واليوم الآخر فقد بسط القرآن الكريم فيه القول وفصّل وأجاب على الشبهات بأنواع شتى من البراهين، وكذلك الحال مع مبدأ النبوّة والكلام في صدق الأنبياء ورسالاتهم، ففي كلّ هذه المبادئ التي تمثّل أصول الدين، فلا دين إلّا بها، لم يصدم القرآن المعاندين بالتهويل والتكفير حتى ساق الحجج ودافع عن هذه المبادئ والمفاهيم بالبراهين العقليّة القاطعة ليوقفهم على حقيقة واضحة وضوح البديهيّات التي لا يتنكّر لها إلّا معاند يعشق اللجاجة والجحود.

وكلّ شي‏ء من العقائد الإسلاميّة هو دون هذه العقائد الثلاث بلا شكّ، وبلا أدنى خلاف.. إذن لنا كلّ الحقّ في مناقشة ما هو دون ذلك، ومعنا في حقّنا هذا القرآن والسنّة.

نحن نعتقد بعصمة القرآن وعصمة السنّة وبأنّ للتاريخ مساراً ما، ولكنّنا نعود فنرفض آراءنا المذهبيّة على القرآن، فتظهر له معان شتى و وجوه مختلفة وأهداف متناقضة!

ونفرض آراءنا المذهبيّة على السنّة، فتظهر وكأنّها سُنن شتى لا سنّة واحدة، ونرفض أهواءنا على التاريخ، فنصدّق منه ما وافقها، ونكذّب بما خالفها!

إنّ هذا يعني أنّنا في الحقيقة إنّما اعتقدنا بعصمة أهوائنا وآرائنا المذهبيّة، فجعلناها حاكمةً على كلّ شي‏ء، لا على حقائق الأحداث فقط، بل على القرآن والسنّة أيضاً!! وهذا هو السرّ في نموّ النزاع واستفحاله وتفشّيه )(٢) .

ويشير التيجاني السماوي إلى هذه الحقيقة قائلاً:

( أقول لإخواني قول اللَّه تعالى:( يَا أيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا يَسْخَر قَوْمٌ مِن قَوْمٍ عَسَى‏ أنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُم وَلا نِسَاءٌ مِن نِسَاءٍ عَسَى‏ أنْ يَكُنّ خَيْراً مِنْهُنّ وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُم

____________________

(١) الأنبياء: ٢١-٢٢.

(٢) صائب عبد الحميد/ حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي: ١٥-١٧.


وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ‏ِ الفُسُوقُ‏ِ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبّ فَأولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (١) .

كما أتمنّى من كل قلبي أن يثوب المسلمون إلى رشدهم وينبذوا التعصّب ويتركوا العاطفة لتحلّ العقل محلّها في كلّ بحث، حتى مع أعدائهم وليتعلّموا من القرآن الكريم أسلوب البحث والنّقاش والمجادلة بالّتي هي أحسن، فقد أوحى إلى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : بأنْ يقول للمعاندين:( وَإنّا أَوْ إيَّاكُمْ لَعَلَى‏ هدى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) (٢) فرسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يرفع من قيمة هؤلاء المشركين ويتنازل هو ليعطيهم النصف حتى يُدلوا ببرهانهم وأدلّتهم إن كانوا صادقين، فأين نحن من هذا الخلق العظيم)(٣) .

ويقول معتصم سيّد أحمد:

( إنّ من واجب المسلمين وهم يعيشون في عصر العولمة، أن ينفتحوا على بعضهم البعض، ويتجاوزوا تلك العصور المظلمة من الاختلاف والتعصّب الأعمى، لكي تتلاقح أفكارهم وتتشكّل قناعاتهم بالأدلّة والبراهين عن طريق السِلْم لا العنف، وبالحكمة والإقناع لا بالقوّة والإكراه.

ومن أهمّ الوسائل التي تفتح هذا الطريق الحوار الهادف البنّاء، بشتى أشكاله التي تشمل المناظرات والمطارحات والمراجعات، وقد أكّدت الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة على هذا الأمر حيث فتحت الباب واسعاً أمام الحريّة الفكريّة، والحوار والتلافي الثقافي.

قال تعالى:( ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالْحِكْمَةِ وِالمِوْعِظَةِ الحَسَنَة وَجَادِلْهُم بالَّتي هِيَ أَحْسَن إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمُهْتَدِين ) (٤) )(٥) .

____________________

(١) الحجرات: ١١.

(٣) سبأ: ٢٤.

(٤) محمّد التيجاني السماوي/ لأكون مع الصّادقين: ١٨٢.

(٥) النحل: ١٢٥.

(٦) معتصم سيد أحمد/ حوارات: ١٣.



التعريف بالمستبصرين(١) المذكورين في هذا الكتاب‏

١ - أحمد حسين يعقوب:

مكان وسنة الولادة: الأردن، مدينة (جرش)، ١٩٣٩ م.

المستوى الدراسي: حصل على الثانويّة العامّة في جمهوريّة مصر العربيّة، أكمل دراسة الحقوق في جامعة دمشق، ثمّ سجّل للدراسات العالية (دبلوم القانون العام) في الجامعة اللبنانيّة، ثمّ سجّل لدراسة الماجستير في جامعة الحكمة.

كان موظّفاً ومعلّماً وخطيب جمعة ورئيس بلديّة، وهو حاليّاً يعمل في مهنة المحاماة منذ ٢٠ عاماً.

مؤلّفاته:

(١) النظام السياسي في الإسلام.

(٢) نظريّة عدالة الصّحابة والمرجعيّة السياسيّة في الإسلام.

(٣) مرتكزات الفكر السياسي.

(٤) الخطط السياسيّة لتوحيد الأمّة الإسلاميّة.

(٥) طبيعة الأحزاب السياسيّة العربيّة.

(٦) الوجيز في الإمامة والولاية.

(٧) المواجهة مع رسول اللَّه وآله.

(٨) مساحة للحوار من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة.

____________________

(١) المعلومات المذكورة في هذا الحقل (التعريف بالمستبصرين) مقتبسمة من ( موسوعة من حياة المستبصرين) لمركز الأبحاث العقائديّة.


(٩) كربلاء الثورة والمأساة.

(١٠) الهاشميّون في الشريعة والتاريخ.

(١١) أين سنّة الرسول وماذا فعلوا بها؟.

(١٢) حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي.

(١٣) الاجتهاد بين الحقائق الشرعيّة والمهازل التاريخيّة.

(١٤) المرجعيّة السياسيّة في الإسلام.

٢ - أحمد راسم النفيس:

مكان وسنة الولادة: مصر، مدينة المنصورة، ١٩٥٢ م.

المستوى الدراسي: حصل على الثانويّة العامّة سنة ١٩٧٠ م بمجموع مرتفع أهله لدخول كلّية الطبّ بمدينة المنصورة.

التحق في الجامعة، ثمّ تسلّم بعد ذلك رئاسة اتّحاد الطلبة لعامين متتاليين.

استبصر عام ١٩٨٦ م.

مؤلّفاته:

(١) الطريق إلى مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام .

(٢) على خطى الحسين‏عليه‌السلام .

٣ - إدريس الحسيني:

مكان وسنة الولادة: المغرب، مدينة (مولاي إدريس)، ١٩٦٧ م.

المستوى الدراسي: تلقى دراسته حتى الثانويّة بالمغرب، ثمّ استبصر فالتحق بالحوزة العلميّة بدمشق.

مؤلّفاته:

(١) لقد شيّعني الحسين‏عليه‌السلام .. الانتقال الصعب في رحاب المعتقد والمذهب.

(٢) الخلافة المغتصبة، أزمة تاريخ أم أزمة مؤرّخ.

(٣) هكذا عرفت الشيعة، توضيحات وردود.


٤ - أسعد وحيد القاسم:

مكان وسنة الولادة: فلسطين، عام: ١٩٦٥ م.

المستوى الدراسي: حاصل على البكالوريوس في الهندسة المدنيّة، والماجستير في إدارة الإنشاءات، والدكتوراه في الإدارة العامّة.

استبصر عام ١٩٨٩ م.

مؤلّفاته:

(١) تحليل نظم الإدارة العامّة في الإسلام (وهي رسالة في الدكتوراه).

(٢) حقيقة الشيعة الإثني عشرية.

(٣) أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة.

٥ - حسن شحاتة:

مكان وسنة الولادة: مصر، بلدة (هربيط) التابعة لمركز أبو كبير بمحافظة الشرقيّة، ١٩٤٦ م.

المستوى الدراسي: خرّيج معهد القراءات، وحاصل على شهادة الماجستير في علوم القرآن.

حفظ القرآن في سنّ الخامسة تقريباً، بدأ نشاطه الديني منذ صغره، أدخله أبوه في الأزهر، اعتلى المنبر للمرّة الأولى من حياته لخطبة الجمعة وهو دون الخامسة عشر.

٦ - حسين الرجاء:

مكان وسنة الولادة: سوريا، قرية (حطة) التابعة لمدينة (دير الزور)، ١٩٤٥ م.

استبصر عام ١٩٨٤ م، ترك الطريقة القادريّة الصوفيّة بعد استبصاره، ثمّ التحق بالحوزة العلميّة في دمشق، وتلقى فيها الدروس الحوزويّة لمدّة سنتين، ثمّ تابع مسيرته الدراسيّة في الجامعة العالميّة للعلوم الإسلاميّة في لندن.

مؤلّفاته : دفاع من وحي الشريعة، ضمن دائرة السنّة والشيعة.


٧ - سعيد أيّوب:

مكان وسنة الولادة: مصر، القاهرة، ١٩٤٨ م.

المستوى الدراسي: خاض بعد حصوله على شهادة المتوسّطة في عالم الفكر وأصبح مفكّراً إسلاميّاً، ألّف الكثير من البحوث في المجالات الدينيّة المختلفة.

استبصاره عام ١٩٨٥ في القاهرة.

توفي سنة ١٩٩٧ في القاهرة أثر مرض عضال، ودفن في كفر الشيخ بمحافظة المنوفيّة.

مؤلّفاته:

(١) الأوائل في أحداث الدنيا وأخبار الآخرة.

(٢) الانحرافات الكبرى، القرى الظالمة في القرآن الكريم.

(٣) ابتلاءات الأمم، تأمّلات في الطريق إلى المسيح الدجّال والمهدي المنتظرعليه‌السلام في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام.

(٤) الطريق إلى المهدي المنتظرعليه‌السلام .

(٥) الرساليّون، قراءة في أصالة الحجّة وتأمّلات في معالم التأويل وحكمة الابتلاء.

(٦) زوجات النبي، قراءة في تراجم أمّهات المؤمنين في حركة الدعوة.

(٧) عقيدة المسيح الدجّال في الأديان، قراءة في المستقبل.

(٨) في ظلال أسماء اللَّه الحُسنى.

(٩) الظلّ الممدود في الصلاة على النبيّ وأهل بيته‏عليهم‌السلام .

(١٠) وجاء الحقّ.

(١١) معالم الفتن، نظرات في حركة الإسلام وتاريخ المسلمين.

٨ - سعيد السّامرّائي:

مكان وسنة الولادة: العراق، مدينة سامرّاء، منتصف الخمسينات.

تشيّع بعد إتمامه للدراسة الجامعيّة، ثمّ هاجر إلى لندن تخلّصاً من جور النظام البعثي الذي كان متسلّطاً على زمام الحكم في العراق.


مؤلّفاته:

(١) حجج النهج، المختار من نهج البلاغة.

(٢) الطائفيّة في العراق، الواقع والحلّ.

٩ - صائب عبد الحميد:

مكان وسنة الولادة: العراق، مدينة (عانة) ١٩٥٦ م.

المستوى الدراسي: حاصل على شهادة الليسانس في فرع الفيزياء.

باشر بعد التخرّج مهمّة التدريس في اختصاص الفيزياء في إحدى المدارس الثانويّة، ثمّ شاءت الأقدار الإلهيّة أن توفّر له الأجواء المناسبة في إيران، لارتقاء وعيه الديني، فانتهز الأستاذ صائب هذه الفرصة لمعرفة الحق.

مؤلّفاته:

(١) منهج في الانتماء المذهبي.

(٢) ابن تيمية، حياته، عقائده.

(٣) تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي، مسار الإسلام بعد الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله ونشأة المذاهب.

(٤) حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي.

(٥) تاريخ السنّة النبويّة ثلاثون عاماً بعد الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله .

(٦) ابن تيمية في صورته الحقيقيّة.

(٧) الزيارة والتوسّل.

(٨) الوهّابيّة في صورتها الحقيقيّة.

(٩) خلافة الرسول بين الشورى والنصّ.

(١٠) علم التاريخ ومناهج المؤرّخين.

١٠ - صالح الورداني:

مكان وسنة الولادة: مصر، القاهرة، ١٩٥٢ م.

خاض في عالم الفكر وأصبح مفكّراً ومؤلّفاً قديراً استطاع أن يُغني المكتبة العربيّة


من مؤلّفاته وبحوثه الإسلامية القيّمة.

عمل في مجال الصحافة والإعلام في مصر، وهو مؤسّس دار الهدف للإعلام والنشر في القاهرة.

استبصر عام ١٩٨١ م.

مؤلّفاته:

(١) الحركة الإسلاميّة والقضيّة الفلسطينيّة.

(٢) الشيعة في مصر.

(٣) أهل السنّة شعب اللَّه المختار، دراسة في فساد عقائد أهل السنّة.

(٤) زواج المتعة حلال عند أهل السنّة، محاكمة المنهج الفقهي عند أهل السنّة.

(٥) السيف والسياسة، الصراع بين الإسلام النبوي والإسلام الأموي.

(٦) الكلمة والسيف، محنة الرأي في تاريخ المسلمين.

(٧) المناظرات بين فقهاء السنّة وفقهاء الشيعة.

(٨) مدافع الفقهاء، التطرّف بين فقهاء السلف وفقهاء الخلف.

(٩) الخُدعة، رحلتي من السنّة والشيعة.

(١٠) دفاع عن الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله ضدّ الفقهاء والمحدثين.

(١١) فقهاء النفط، راية الإسلام أم راية آل سعود.

(١٢) الإمتاع.

(١٣) فتاوى ابن باز.

(١٤) عقائد السنّة وعقائد الشيعة، التقارب والتباعد.

(١٥) الحركة الإسلاميّة في مصر، الواقع والتحدّيات، من الخمسينات إلى التسعينات.

(١٦) مذكّرات معتقل سياسي، ثلاث سنوات تحت التعذيب.

(١٧) مصر وإيران، صراع الأمن والسياسة.

(١٨) الإمام علي‏عليه‌السلام سيف اللَّه المسلول.

(١٩) أزمة الحركة الإسلاميّة المعاصرة، من الحنابلة إلى الطالبان.


١١ - صباح علي البياتي:

مكان وسنة الولادة: العراق، مدينة الموصل، ١٩٥٣ م.

المستوى الدراسي: حاصل على شهادة البكالوريوس في قسم اللغة العربيّة من كلّية التربية في جامعة صلاح الدّين عام ١٩٨٩ م.

استبصر عام ١٩٩٣ م.

مؤلّفاته:

(١) لا تخونوا اللَّه والرسول، دراسة نقديّة لآراء الشيخ محمّد بن عبد الوهّاب في كتابه (رسالة في الردّ على الرافضة).

(٢) الصحوة، رحلتي إلى الثقلين، (مخطوط).

(٣) حقيقة التشيّع.

(٤) التبرّك.

١٢ - طارق زين العابدين:

مكان الولادة: السودان.

لاح بصره خلال بحثه حول المذاهب الإسلاميّة نور معارف أهل البيت‏عليهم‌السلام ، فاشتاق إلى نيل المزيد من هذه المعارف، فسافر إلى إيران والتحق بكلّية الإلهيّات والمعارف الإسلاميّة في مدينة مشهد المقدّسة.

ومن هنا تجلّت الحقائق التاريخيّة له، وتوصّل إلى قناعات جديدة لم تجعل له مجالاً للمساومة أو المماطلة، فاعتنق مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام .

مؤلّفاته: دعوة إلى سبيل المؤمنين.

١٣ - عاطف سلام:

مؤلّفاته : فقهيّات بين السنّة والشيعة.


١٤ - عبد المحسن السراوي:

مكان وسنة الولادة: سوريا، قرية (سعدة) على نهر (الخابور) في محافظة (الحسكة) ١٩٥٧ م.

المستوى الدراسي: تخرّج من كلّيّة الدعوة، فرع جامعة ليبيا بدمشق، عام ١٩٨٣ م، ثمّ عمل رئيس لديوان الأوقاف في محافظة الحسكة وعضواً في مجلسها المحلّي.

انتسب بعد استبصاره إلى الحوزة العلميّة في دمشق عام ١٩٨٦م.

مؤلّفاته:

(١) القطوف الدانية في المسائل الثمانية.

(٢) فاطمة الزهراءعليها‌السلام في الأحاديث النبويّة.

١٥ - عبد المنعم حسن:

مكان وسنة الولادة: السودان، قرية (مسمار) ١٩٦٩ م.

المستوى الدراسي: خرّيج كلّيّة الحقوق.

كان أبوه من المقرّبين لمرشد الطريقة الختميّة التي تعتبر من الطوائف الصوفيّة في السودان.

تصدّى عبد المنعم رئاسة الإتّحاد العام للطلّاب السودانيّين بالولاية الشماليّة لفترة معيّنة، التحق بعد استبصاره بالحوزة العلميّة في سوريا المسماة بحوزة القائم‏عليه‌السلام العلميّة، ثمّ أصبح الأمين العام لهيئة أهل البيت‏عليهم‌السلام العالميّة.

مؤلّفاته: بنور فاطمةعليها‌السلام اهتديت.

١٦ - عصام علي يحيى العماد:

مكان وسنة الولادة: اليمن، مدينة (أب) ١٩٦٨ م.

المستوى الدراسي: حاصل على شهادة الليسانس في قسم الدراسات الإسلاميّة وشهادة الماجستير وشهادة الدكتوراه في علوم القرآن والحديث.

نشأ في أسرة سنّيّة ومتأثّرة بالتيّار السلفي الوهابي، درس المذهب الوهّابي في بعض المعاهد الدينيّة، منها: (معهد صنعاء العلمي) وهو أكبر معهد وهابي في اليمن،


ثمّ درس عند بعض علماء اليمن في المساجد، ثمّ قام بتدريس الفقه السلفي ومارس الخطابة في مساجد صنعاء.

كما أنّه سافر إلى السعوديّة والتحق بكلّية أصول الدين - قسم الحديث - في جامعة الإمام محمّد بن سعود.

سافر بعد الاستبصار إلى إيران عام ١٩٩٠ م، والتحق بالحوزة العلميّة في مدينة قم المقدّسة.

مؤلّفاته:

(١) رحلتي من الوهاّبيّة إلى الإثني عشرية.

(٢) المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهّابيّين، محاولة للتقريب بين الإثني عشريّة والوهّابيّة.

١٧ - علي محمّد فتح الدّين الحنفي:

مكان وسنة الولادة: باكستان، مدينة (جنك) بالبنجاب، أحد العقدين الآخرين من القرن التاسع عشر الميلادي.

كان متولّعاً منذ صغره بدراسة الحديث النبوي الشريف، وكان متميّزاً بين أقرانه بذهنيّة رفيعة وذاكرة قويّة، حتى أصبح من كبار حفّاظ عصره المشتهرين بحفظ الأحاديث الشريفة وأسانيدها ورواياتها.

توفّي سنة ١٣٧١ ه/ ١٩٥٢ م، ودفن في مدينة (چاند) التابعة لمدينة (جنك) الباكستانيّة.

مؤلّفاته : فلك النجاة في الإمامة والصلاة.

١٨ - محمّد أحمد خير:

مكان وسنة الولادة: السودان في منطقة الخندق الشماليّة، ١٩٥٧م.

المستوى الدراسي: تخرّج من كلّية الاقتصاد، قسم الاقتصاد البحت.

تلقى العلوم الدينيّة على يد عدد من العلماء، يعمل نائب مدير قسم التخطيط


بشركة الإطارات الدوليّة.

مؤلّفاته : براءة الشيعة.

١٩ - محمّد التيجاني السماوي:

مكان وسنة الولادة: تونس، مدينة ( قفصة ) ١٩٤٣ م.

المستوى الدراسي: أنهى دراسته في جامعة الزيتونة، حصل على شهادة الماجستير من جامعة باريس، وكانت أطروحته حول المقارنة بين الأديان، ثم حاز على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون، وكانت اطروحته التي قدّمها لهذه الجامعة لنيل درجة الدكتوراه تحت عنوان (النظريّات الفلسفيّة في نهج البلاغة).

مؤلّفاته:

(١) ثمّ اهتديت.

(٢) لأكون مع الصّادقين.

(٣) فاسألوا أهل الذّكر.

(٤) الشيعة هم أهل السنّة.

(٥) اتّقوا اللَّه.

(٦) أعرفت الحقّ.

(٧) كلّ الحلول عند آل الرسول‏عليهم‌السلام .

(٨) فسيروا في الأرض فانظروا.

٢٠ - محمّد عبد الحفيظ:

مكان وسنة الولادة: مصر، قرية (بنبات)، ١٩٦٠ م.

المستوى الدراسي: اجتاز المراحل الدراسيّة حتى الإعدادية في مسقط رأسه، ثمّ أكمل ما بقي منها في معهد اسوان الثانوي - القسم العلمي - ثمّ ذهب إلى القاهرة عام ١٩٨٠م، لمواصلة دراسته الجامعيّة، فالتحق بادئ الأمر بكلّية طبّ الأسنان، ثمّ انتقل إلى كلّية الشريعة، ثمّ انتقل منها إلى كلّية الشريعة والقانون حتى تخرّج منها عام ١٩٨٦م.


مؤلّفاته: لماذا أنا جعفري؟

٢١ - محمّد علي المتوكل:

مكان الولادة: السودان.

المستوى الدراسي: تخرّج من كلّية الحقوق في فرع جامعة القاهرة بالخرطوم سنة ١٩٨٨ م.

خاض مرحلة البحث مع مجموعة من زملائه في الجامعة، حتى انتهى‏

بهم المطاف إلى الاستبصار عام ١٩٨٥م.

مؤلّفاته: ودخلنا التشيّع سجّداً.

٢٢ - محمّد الكثيري:

مكان الولادة: المغرب.

المستوى الدراسي: مختص في علم الاجتماع الديني.

مؤلّفاته: السلفيّة بين أهل السنّة والإماميّة.

٢٣ - محمّد كوزل الحسن الآمدي:

مكان وسنة الولادة: تركيا، مدينة (ميافاقين)، ١٩٦٨ م.

اتّجه لطلب العلم منذ صغره، ثمّ عمل في التوجيه الإسلامي والإرشاد في تركيا، استبصر عام ١٩٨٨م.

مؤلّفاته:

(١) الهجرة إلى الثقلين.

(٢) المسح في وضوء الرسول‏صلى‌الله‌عليه‌وآله .

٢٤ - محمّد مرعي الأمين الانطاكي:

مكان وسنة الولادة: سوريا، قرية (عنصو)، التابعة إلى انطاكية، ١٣١٤ه.

المستوى الدراسي: درس في جامعة الأزهر بمصر.


تولّى إمامة الجماعة والتدريس والإفتاء والخطابة في بلده.

انتقل إلى رحمة اللَّه تعالى سنة ١٣٨٣ ه.

مؤلّفاته : لماذا اخترت مذهب الشيعة، مذهب أهل البيت‏عليهم‌السلام .

٢٥ - مروان خليفات:

مكان وسنة الولادة: الأردن، مدينة (اربد)، ١٩٧٣ م.

المستوى الدراسي: تخرّج من كلّية الشريعة والدراسات الإسلاميّة في جامعة اليرموك عام ١٩٩٥م.

استبصر عام ١٩٩٢ م.

سافر لطلب العلم إلى إيران والتحق بالحوزة العلميّة في مدينة قم ثم سافر إلى سوريا والتحق بالحوزة العلميّة في دمشق.

مؤلّفاته:

(١) وركبت السفينة.

(٢) أكرمتني السماء، العودة المباركة إلى النعمة الإلهيّة.

(٣) النبي‏صلى‌الله‌عليه‌وآله ومستقبل الدعوة.

(٤) قراءة في المسار الأموي.

٢٦ - مصطفى خميس:

مكان الولادة: سوريا.

مؤلّفاته:

(١) لا تضيّعوا السنّة.

(٢) شبهات وحقائق.

٢٧ - معتصم سيّد أحمد:

مكان وسنة الولادة: السودان، قرية (ندى) الواقعة على ضفاف نهر النيل.

المستوى الدراسي: حاصل على شهادة البكالوريوس في فرع الاقتصاد.


مؤلّفاته:

(١) الحقيقة الضائعة، رحلتي نحو مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام .

(٢) حوارات، تجربة عمليّة في الحوار الشيعي السنّي.

٢٨ - معروف عبد المجيد:

مكان وسنة الولادة: مصر، مدينة (القليوبيّة)، ١٩٥٢ م.

المستوى الدراسي: درس الآداب واللغات السامية في جامعة الأزهر في مصر، والنقوش السامية في جامعة روما في إيطاليا، والآثار الكلاسيكيّة اليونانيّة والرومانيّة في جامعتي زوريخ في سويسرا وغوتنغن في ألمانيا.

يجيد عدداً من اللغات الحيّة والقديمة، عمل في الترجمة والتدريس الجامعي وهو يعمل حاليّاً في الحقل الإعلامي‏ في الصحافة والإذاعة والتلفزيون في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة.

كان استبصاره عام ١٩٨٤ م.

مؤلّفاته:

(١) أحجار لن تهفو لها نفسي، مجموعة شعريّة.

(٢) أكاسياً للفراعنة، مجموعة شعريّة.

(٣) معلقة على جدران الأهرام، مجموعة شعريّة.

(٤) وينصبون عندها سقيفة، مجموعة شعريّة.

(٥) بلون الغار بلون الغدير، مجموعة شعريّة.

٢٩ - الهاشمي بن علي:

مكان وسنة الولادة: تونس، مدينة (قابس) ١٩٦٨ م.

المستوى الدراسي: حاصل على شهادة الليسانس في اللغة الإنجليزيّة واللغة الإيطاليّة عام ١٩٩٤ م، من جامعة تونس.

استبصر عام ١٩٨٩م.


سافر بعد استبصاره إلى إيران و واصل دراسته في الحوزة العلميّة في مدينة قم، ثمّ سافر إلى سوريا والتحق بالحوزة العلميّة في دمشق.

مؤلّفاته:

(١) الصّحابة في حجمهم الحقيقي.

(٢) حوار مع صديقي الشيعي.

٣٠ - هشام آل قطيط:

مكان وسنة الولادة: سوريا، قرية (البابيري) التابعة لمحافظة حلب، ١٩٦٥ م.

المستوى الدراسي: تخرّج عام ١٩٩٢ م، من كلّية الآداب قسم اللغة العربيّة في حلب؛ التحق بعد استبصاره عام ١٩٩٤ م،بالحوزة العلميّة في دمشق.

مؤلّفاته:

(١) وقفة مع الدكتور البوطي في مسائلة.

(٢) حوار ومناقشة كتاب عائشة أم المؤمنين للدكتور البوطي.

(٣) ومن الحوار اكتشفت الحقيقة.

(٤) محاكمة شيخ الأزهر، الأزهر بين فكّي كماشة التيّار السلفي وظاهرة التوظيف الديني، وثائق وحقائق.

(٥) المتحوّلون، حقائق ووثائق، ظاهرة تحوّل تلك النخبة من العلماء والمثقّفين نحو مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام . ثلاث مجلّدات.

٣١ - ياسين المعيوف البدراني:

مكان الولادة: سوريا، مدينة (دير الزور).

مؤلّفاته: ياليت قومي يعلمون.


مصادر الكتاب‏

٥١٤٥٩- إبتلاءات الأمم؛ سعيد أيّوب، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٩ ه.

٥١٤٦٠- أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة.. عرض ودراسة؛ د. أسعد وحيد القاسم، دار المصطفى لإحياء التراث، قم، الطبعة الأولى ١٤١٨ ه.

٥١٤٦١- اعرف الحقّ؛ د. محمّد التيجاني السماوي، مكتبة باب الحوائج، قم، الطبعة الثانية ١٤٢٠ ه.

٥١٤٦٢- الإمامة والقيادة؛ د. أحمد عزّ الدين، مركز المصطفى للدراسات الإسلاميّة، قم، الطبعة الأولى ١٤١٧ ه.

٥١٤٦٣- براءة الشيعة؛ محمّد أحمد حامد محمّد خير، الطبعة الثانية ١٤١٣ ه.

٥١٤٦٤- بلون الغار بلون الغدير (مجموعة شعريّة)؛ معروف عبد المجيد، مركز الأبحاث العقائديّة، قم، الطبعة الأولى ١٤٢٠ ه.

٥١٤٦٥- بنور فاطمة اهتديت؛ عبد المنعم حسن، دار الخليج العربي للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٢٠ ه.

٥١٤٦٦- ثمّ اهتديت؛ د. محمّد التيجاني السماوي، مؤسّسة أنصاريان للطباعة والنشر، قم، الطبعة الثانية ١٤١٧ ه.

٥١٤٦٧- حُجج النهج.. المختار من نهج البلاغة؛ إعداد وتعليق: د. سعيد السامرّائي، مؤسّسة الفجر، بيروت - لندن، الطبعة الأولى ١٤٠٧ ه.


٥١٤٦٨- حقيقة التشيّع؛ صباح علي البياتي، المجمع العالمي لأهل البيت ‏عليهم‌السلام ، قم، الطبعة الأولى ١٤٢٢ ه.

٥١٤٦٩- حقيقة الشيعة الإثني عشريّة؛ د. أسعد وحيد القاسم، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، قم، الطبعة الأولى ١٤٢١ ه.

٥١٤٧٠- الحقيقة الضائعة.. رحلتي نحو مذهب آل البيت ‏عليهم‌السلام ؛ معتصم سيّد أحمد، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، قم، الطبعة الأولى ١٤١٧ ه.

٥١٤٧١- حوارات.. تجربة عمليّة في الحوار الشيعي السنّي؛ معتصم سيّد أحمد، دار الرسالة والتضامن، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٩ ه.

٥١٤٧٢- حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي؛ صائب عبد الحميد، الغدير للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٥ ه.

٥١٤٧٣- حوار ومناقشة كتاب عائشة أمّ المؤمنين للدكتور البوطي؛ هشام آل قطيط، دار المحجّة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - دار الرسول الأكرم الطبعة الأولى ١٤١٨ ه.

٥١٤٧٤- الخدعة.. رحلتي من السنّة إلى الشيعة؛ صالح الورداني، دار النخيل للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٦ ه.

٥١٤٧٥- الخطط السياسيّة لتوحيد الأمّة الإسلاميّة؛ أحمد حسين يعقوب، دار الثقلين للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥ ه.

٥١٤٧٦- الخلافة المغتصبة.. أزمة تاريخ أم أزمة مؤرّخ؛ إدريس الحسيني.

٥١٤٧٧- دعوة إلى سبيل المؤمنين؛ طارق زين العابدين، مجمع البحوث الإسلاميّة التابع للآستانة الرضويّة المقدّسة، مشهد، الطبعة الأولى ١٤١٨ ه.

٥١٤٧٨- دفاع من وحي الشريعة.. ضمن دائرة السنّة والشيعة؛ حسين الرجاء، مؤسّسة السيّدة زينب‏عليها‌السلام الخيريّة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٠ ه.

٥١٤٧٩- الرساليّون.. قراءة في أصالة الحجّة وتأمّلات في معالم التأويل وحكمة


الإبتلاء؛ سعيد أيّوب، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ ه.

٥١٤٨٠- السلفيّة بين أهل السنّة والإماميّة: محمّد الكثيري، مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ ه.

٥١٤٨١- السيف والسياسة.. صراع بين الإسلام النبوي والإسلام الأموي؛ صالح الورداني، دار الجسام، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٦ه.

٥١٤٨٢- شبهات وحقائق؛ مصطفى خميس، دار الهداية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.

٥١٤٨٣- الشيعة هم أهل السنّة؛ د. محمّد التيجاني السماوي، مؤسّسة أنصاريان للطباعة والنشر، قم.

٥١٤٨٤- الصحابة في حجمهم الحقيقي؛ الهاشمي بن علي، مركز الأبحاث العقائديّة، قم، الطبعة الأولى ١٤٢٠ ه.

٥١٤٨٥- الطريق إلى مذهب أهل البيت؛ د. أحمد راسم النفيس، مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ ه.

٥١٤٨٦- عقائد السنّة وعقائد الشيعة.. التقارب والتباعد؛ صالح الورداني، الغدير للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٩ ه.

٥١٤٨٧- عقيدة المسيح الدجّال في الأديان.. قراءة في المستقبل؛ سعيد أيّوب، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٤١١ ه.

٥١٤٨٨- فاسألوا أهل الذّكر؛ د. محمّد التيجاني السماوي، مؤسّسة أنصاريان للطباعة والنشر، قم.

٥١٤٨٩- فسيروا في الأرض فانظروا؛ د. محمّد التيجاني السماوي، دار المحجّة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٠ ه.

٥١٤٩٠- فقهيّات بين السنّة والشيعة؛ عاطف سلام، مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة،


بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٠ ه.

٥١٤٩١- فلك النجاة في الإمامة الصلاة؛ الحافظ على محمّد فتح الدين الحنفي، مؤسّسة دار الإسلام، لندن، الطبعة الثانية ١٤١٨ ه.

٥١٤٩٢- القطوف الدانية في المسائل الثمانية؛ عبد المحسن العبد اللَّه السراوي، دار المودّة، بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٤ه.

٥١٤٩٣- كلّ الحلول عند آل الرسول؛ د. محمّد التيجاني السماوي، دار المجتبى‏ للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٤١٦ ه.

٥١٤٩٤- الكلمة والسيف.. محنة الرأي في تاريخ المسلمين؛ صالح الورداني، مركز الحضارة العربيّة، الطبعة الأولى ١٤١٧ه.

٥١٤٩٥- لأكون مع الصادقين؛ د. محمّد التيجاني السماوي، مؤسّسة أنصاريان للطباعة والنشر، قم.

٥١٤٩٦- لا تخونوا اللَّه والرسول.. دراسة نقديّة لآراء الشيخ محمّد بن عبد الوهّاب في كتابه (رسالة في الردّ على الرافضة)؛ صباح البياتي، مركز الأبحاث العقائديّة، الطبعة الأولى ١٤٢١ ه.

٥١٤٩٧- لا تضيّعوا السنّة؛ مصطفى خميس، للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٩ ه.

٥١٤٩٨- لقد شيّعني الحسين‏عليه‌السلام .. الانتقال الصعب في رحاب المعتقد والمذهب؛ إدريس الحسيني، دار النخيل للطباعة والنشر، بيروت الطبعة الأولى ١٤١٤ ه.

٥١٤٩٩- لماذا اخترت مذهب الشيعة مذهب أهل البيت ‏عليهم‌السلام ؛ محمّد مرعي الأمين الإنطاكي تحقيق: عبد الكريم العُقيلي، مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأولى ١٤١٧ ه.


٥١٥٠٠- لماذا أنا جعفري؛ محمّد عبد الحفيظ، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٣ ه.

٥١٥٠١- مساحة للحوار من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة؛ أحمد حسين يعقوب، مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ ه.

٥١٥٠٢- المناظرات بين فقهاء السنّة وفقهاء الشيعة؛ إعداد وتعليق: صالح الورداني، مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة، الطبعة الأولى ١٤١٩ ه.

٥١٥٠٣- المنبر؛ (مجلّة).

٥١٥٠٤- المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهّابيّين.. محاولة للتقريب بين الإثني عشريّة والوهّابيّة؛ مؤسّسة الكوثر للمعارف الإسلاميّة، قم المقدّسة، الطبعة الأولى ١٤٢٤ ه.

٥١٥٠٥- منهج في الانتماء المذهبي؛ صائب عبد الحميد، مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة، قم الطبعة الخامسة ١٤١٤ ه.

٥١٥٠٦- الهجرة إلى الثقلين؛ محمّد كوزل الحسن الآمدي، مركز الأبحاث العقائديّة، قم، الطبعة الأولى ١٤٢١ ه.

٥١٥٠٧- هكذا عرفت الشيعة.. توضيحات و ردود؛ إدريس الحسيني، دار النخيل العربي للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ ه.

٥١٥٠٨- ودخلنا التشيّع سجّداً؛ محمّد علي المتوكّل، دار الخليج العربي للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٢٢ ه.

٥١٥٠٩- وركبت السفينة؛ مروان خليفات، مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة، قم المقدّسة، الطبعة الأولى ١٤١٨ ه.

٥١٥١٠- وقفة مع الدكتور البوطي في مسائلة؛ هشام آل قطيط، دار الرسول الأكرم، دار المحجّة البيضاء، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ ه.

٥١٥١١- ومن الحوار اكتشفت الحقيقة؛ هشام آل قطيط، دار المنتظر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢١ ه.

٥١٥١٢- يا ليت قومي يعلمون؛ ياسين المعيوف البدراني، مؤسّسة العارف،بيروت.


الفهرس

التحوّل المذهبي‏ علاء الحسّون ١

المقدّمة ٣

الفصل الأول الطريق إلى الاستبصار ٧

أهمّية العقيدة: ٨

اهتمام المستبصرين بالبحوث العقائديّة: ١٠

دوافع اهتمام المستبصرين بالبحوث العقائديّة: ١٣

شروط البحث في المجال العقائدي: ١ - التحلّي بالرؤية الشموليّة: ٢١

٢ - الموضوعيّة: ٢٥

٣ - إتباع المنهج العلمي الرصين: ٢٩

موانع البحث في المجال العقائدي: ٣١

ثمار يقتطفها المستبصرون من بحوثهم العقائديّة: ٤١

دراسة المستبصرين لكتب التاريخ: ٤٥

عقبات في طريق دراسة التاريخ: ٤٩

مظلوميّة مذهب أهل البيت‏ عليهم‌السلام : ٥٣

ضرورة الدراسة الواعية للتاريخ: ٥٦

عقبة الإطار الفكري في فهم التاريخ: ٦٠

التحذير من قراءة التاريخ: ٦٣

تخطّي المستبصرين لهذه العقبات: ٦٤

الفصل الثاني دوافع الاستبصار ٧٢

الدافع الأول: التعرّف على عظمة أهل البيت ‏ عليهم‌السلام ‏ ٧٤


التأثّر بفاطمة الزهراء عليها‌السلام : ٧٩

التأثّر بالإمام الحسين‏ عليه‌السلام : ٨٢

كلمات بعض المستبصرين حول أهل البيت ‏ عليهم‌السلام : ٩٢

الدّافعُ الثّاني: التعرّف على واقع أهل السنّة ٩٦

نشأة التسمية بأهل السنّة والجماعة: ١٠٥

وجود الكثير من الثّغرات في المذهب السنّي: ١٠٩

الدافع الثالث: الالتقاء باتباع مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ‏ ١١٧

المفاجأة الكبيرة: ١٢٤

السير في ظل العناية الربّانيّة: ١٢٥

العودة إلى نقطة الصفر: ١٢٦

البحث بصورة منظّمة: ١٢٧

تبدّد الغيوم عن وجه الحقيقة: ١٢٨

مرحلة اقتطاف ثمار البحث: ١٣٠

الدافع الرابع: قوّة أدلّة الشيعة ١٣١

الدافع الخامس: قراءة الكتب الشيعيّة أو كتب المستبصرين: ١٣٥

أهمّ الكتب التي تأثّر بها المستبصرون: كتاب المراجعات‏ ١٣٦

كتاب ثمّ اهتديت: ١٤٢

كتب أخرى تأثّر بها المستبصرون: ١٤٥

دوافع عامّة محفّزة على الاستبصار: ١٤٩

١ - القرآن والعقل: ١٥١

٢. الإمام علي: ١٥٢

٣ - الاجتهاد: ١٥٤

٤ - المؤسّسة الدينيّة: ١٥٥

الفصل الثالث موانع الاستبصار ١٥٧


أسباب الحرمان من إدراك الحقيقة: السبب الأوّل: التحريف‏ ١٦٠

السبب الثاني: التعتيم‏ ١٦٥

السبب الثالث: الشبهات‏ الشكوك البنّاءة: ١٦٩

الشكوك الهدّامة: ١٧٠

مظلوميّة مذهب أهل البيت ‏ عليهم‌السلام : ١٧٢

إثارة الشبهات ضدّ مذهب أهل البيت ‏ عليهم‌السلام : ١٧٧

موقف علماء الشيعة إزاء هذه الشبهات: ١٩١

موانع الاستبصار: ١٩٣

المانع الأوّل: التقليد الأعمى‏ ١٩٤

المانع الثاني: معرفة الحق بالرجال‏ ٢٠١

سبل التحرّر من التقليد وتقديس الرجال: ٢٠٥

المانع الثالث: التعصّب‏ ٢١١

الفرق بين العصبيّة والوفاء للذكريات: ٢٢٦

المانع الرابع الهوى‏ ٢٢٨

المانع الخامس التهيُّب‏ ٢٣١

التوهّم بأنّ الكثرة تعني الحقَّ: ٢٣٤

مرحلة الاستبصار المدخل إلى الاستبصار مرحلة الحيرة والاضطراب‏ ٢٤٢

الخروج من مأزق الحيرة: ٢٤٩

تهيئة النّفس لتغيير الانتماء المذهبي: ٢٥٤

مرحلة اتّخاذ القرار: ٢٥٥

مشاعر لحظة التحوّل: ٢٥٧

هل يعني ترك المذهب السنّي ترك السنّة النبويّة؟ ٢٥٩

الاعتراف بالخطأ بكلّ جرأة وشجاعة: ٢٦٠

الفصل الخامس ما بعد الاستبصار ٢٦٢


ردود أفعال أبناء المجتمع: ٢٦٥

دواعي مضايقة أبناء المجتمع السنّي للمستبصرين: ٢٧٦

صمود المستبصرين إزاء مضايقات أبناء مجتمعاتهم: ٢٧٩

تصدّي المستبصرين لمهمّة الدعوة للتشيّع: ٢٨٥

أساليب الدعوة عند المستبصرين: ٢٨٨

عقبات في طريق نشر المستبصرين للتشيّع: ٢٩١

مبادرة المستبصرين إلى التأليف حول تحوّلهم المذهبي: ٢٩٤

دوافع مبادرة المستبصرين إلى التأليف: ٢٩٥

الفصل السادس الاختلاف المذهبي‏ أسبابه - علاجه‏ ٣٠٢

الاختلاف في الصعيد الديني: ٣٠٥

سلبيّات الاختلاف الديني: (١) الوقوع في الضلال: ٣٠٦

(٢) ضعف شوكة الأمّة: ٣٠٧

أسباب نشوء الاختلاف الديني: (١) الافتقار إلى العلم: ٣٠٨

معالجة الاختلاف الديني الناتج من الجهل: ٣٠٩

(٢) الرذائل النفسيّة: ٣١٠

أهمّ الرذائل المؤدّية إلى الاختلاف: ٣١٢

دور السّلطات الظالمة في تأجيج الاختلاف: ٣١٣

معالجة الاختلاف الديني الناتج من الرذائل: فتنة علماء السوء: ٣١٤

اختلاف المسلمين بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : ٣١٦

الوحدة الإسلاميّة: ٣٢٠

اهتمام المستبصرين بالوحدة الإسلاميّة: ٣٢٤

التيّارات المعادية للوحدة الإسلاميّة: ٣٣٠

آراء المستبصرين حول الوحدة الإسلاميّة الصحيحة: ٣٣٥

دور الحوار في تماسك الوحدة الإسلاميّة: ٣٤٦

التعريف بالمستبصرين(١) المذكورين في هذا الكتاب‏ ٣٥٢

مصادر الكتاب‏ ٣٦٦

الفهرس ٣٧١