مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني
التجميع أديان وفرق
الکاتب محمد مهدي شمس الدين
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني

تأليف

محمد مهدي شمس الدين


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


تقديم

بسم اللّه الرحمن الرحيم

هذه مطارحات في الفكر الديني والفكر المادي كتبت القسم الثاني منها ونشرت معظمه منذ سنين في ملحق جريدة النهار البيروتية في حلقات أُسبوعية فيما بين ٢٢ شباط سنة ١٩٧٠ و ١٧ أيار سنة ١٩٧٠.

وكنت أُقدر ان الحاجة إلى هذه المطارحات قد انتهت بنشرها واذاعتها في الناس عن طريق الصحافة الاسبوعية، ولذا فلا داعي لاعادة نشرها في كتاب.

ولكن نفراً كبيراً كريماً من علماء الدين والمعنيين بقضايا الفكر الاسلامي او الفكر الديني بوجه عام، ومن الطلاب الجامعيين يرون أن الحاجة إلى هذه المطارحات لم تنته بنشرها في الصحافة، بل الحاجة اليها متجددة لأنها ملأت فراغاً كبيراً في هذا الحقل من حقول المواجهة الفكرية بين الدين والمادية، ولأنها أضاءت مساحات كبيرة وهامة، ربما كان غموضها


باعثاً على الحيرة والشك عند المؤمن، وحافزاً على التجني وإطلاق الأحكام الخاطئة على الدين عند من في قلوبهم مرض.

وهم يرون أن هذه الحاجة المتجددة تقضي بنشر هذه المطارحات في كتاب يسهل تداوله والرجوع إليه.

وقد رغب إلى بعض من ذكرت أن أُوضح - في هذه المطارحات - أثر المادية في مأساة العالم الثالث من خلال معاناته الأليمة من الرأسمالية والماركسية. وقد استجبت لهذه الرغبة النبيلة فكتبت القسم الأول من هذه المطارحات عندما قررت نشرها في كتاب.

إن القسم الأول يكمل القسم الثاني. فحين يعرض القسم الثاني للمادية على مستوى الفكر والفلسفة يعرض القسم الأول للمادية على مستوى السياسة والعلاقات الدولية، وبذلك يقدم الوجه التجريبي للمادية في السياسة.

وإذ كنت أُعدّ هذا الكتاب للنشر كانت تدوي في أُذني أنباء العدوان الاسرائيلي على وطني لبنان في أقدس بقاعه، وهي جنوبه - جبل عامل - أرض العلم والتقوى، والانسانية العالية ونبل الأخلاق. وأرى بعيني آثار العدوان الوحشي في عشرات الالوف من النازحين من القرويين المدنيين العزل يتدفقون على بيروت وغيرها فأعيش مأساة العالم الثالث كله في لوحة حية ترسمها الصهيونية بالحديد والنار على لحمي ودمي، أعيش المأساة، لا كشاهد عليها، وإنما كضحية ووقود لها، وأرى كيف أن مادية عصرنا تنفذ فصلاً من جريمتها ضد الانسانية على يد آلة شيطانية من آلاتها الاجرامية المجرمة هي القوة الصهيونية التي تمثل ذراعاً من أذرع المادية التي تسوط بها العالم الثالث... آه ما أشد مرارة الحياة في هذه الأيام


بعد سنوات ثلاث من المعاناة اليومية لآلام الناس في الفتنة اللبنانية البشعة التي هي مشهد آخر من مشاهد تلاعب المادية بمصائر العالم الثالث.

وعلى أي حال فليس أمامنا الآن سوى أن ننتظر ما يقوم به المجتمع الدولي من خلال مجلس الأمن ومنظمة الامم المتحدة تجاه العدوان الاسلاائيلي علينا، وبانتظار ذلك أشعر ان علينا العمل لاعادة النازحين إلى قراهم لئلا تجد الصهيونية أمامها أرضاً خالية من السكان تبعث فيها مطامع جديدة.

ومهما حاولت القوى التي تقف وراء الصهيونية أن تسقي غرسها الشيطاني هذا بدماء العرب وتغذية بأرضهم فلن تستطيع أَبداً أن تجعل الصهيونية أصيلة في فلسطين، ستبقى نبتة غريبة ملعونة ترفضها الأرض، وترفضها الامة، وترفضها حركة التاريخ، وتقتلعها ارادة اللّه بايدي عباده الأبرار وارادتهم وعزمهم. إن الصهاينة يجتمعون في فلسطين لشِّر يومٍ لهم في التاريخ، متى يشرق هذا اليوم...؟ إننا لا نعلم، ولكنه آتٍ لا ريب فيه، ذلك وعد اللّه والله لا يخلف الميعاد:

١ -( وَلا يَحسَبَنّ الذينَ كَفَرا سَبَقُوا إنهم لا يعجزون ) (١) .

٢ -( لا تَحسَبَنّ الذيِنَ كَفَروا مُعْجزينَ في الأرْضِ، وَمَأوَاهُمُ النارُ ولبئسَ المَصير ) (٢) .

إن علينا أن نعدَّ أُمتنا لهذا اليوم الموعود، ونصونها من التلوث والفساد والانحلال بما تفرزه المادية في الثقافة وأساليب الحياة من سموم

____________________

(١) سورة الانفال (مدنية - ٨) الاية ٥٩.

(٢) سورة النور (مدنية - ٢٤) الاية: ٥٧.


تفسد شخصية الانسان وتذهب بأصالته وتجعله بذلك إحدى نفايات أُمته التي تضعف تماسكها، وتوهن قوتها.

* * *

آمل أن تساهم هذه المطارحات في تعزيز المناعة الفكرية أمام غزو المادية من خلال الماركسية أو من خلال الرأسمالية، وفي معونة الباحثين عن ضياء ينير ظلام دروبهم، وعن هدى يخرجهم من ظلمات الكفر أو حيرة الشك إلى نور الإيمان باللّه، والحمد للّه رب العالمين.

بيروت محمد مهدي شمس الدين

ربيع الثاني ١٣٩٨ هجري

آذار (مارس) ١٩٧٨ م


القِسمُ الأوّل

١ - المادية في الرأسمالية والماركسية ومأساة إنسان عصرنا

٢ - الماركسية والعلم والسياسة

المادية في الرأسمالية والماركسية ومأساة إنسان عصرنا

هذا كتاب يتضمن مطارحات بين الفكر المادي - كما تعرضه النظرية الماركسية - والفكر الديني متمثلاً بالاسلام.

وهذه النظرة المادية الخالصة إلى أصل الكون والحياة والانسان هي النقطة الأرخميدية، نقطة الخلاف الرئيسية بين الاسلام وبين الماركسية، وعنها تتفرع الخلافات الاخرى.

ونريد أن نثير هنا سؤالاً هاماً:

إذا كانت الماركسية مادية فهل الرأسمالية - ضدها الايديولوجي وخصمها السياسي - روحانية تؤمن بقوة وراء الطبيعة يرجع إليها الخلق والأمر؟


إذا كانت الماركسية، انطلاقاً من ماديتها، ترفض الايمان باللّه، ومن ثم فهي ترفض الاعتراف بالنبوة والوحي، ومن ثم فهي ترفض الاعتراف بالدين، بل وتحاربه وتعتبره خصماً عليها أن تقضي عليه في ظاهر التركيب المؤسسي الاجتماعي وفي باطن الضمير الانساني لتخلص الانسان من آثاره الضارة في تخدير الشعوب، ولتمكن لنفسها في الوعي الانساني فتدفع بالانسان إلى إسعاد نفسه وعالمه... إذا كانت الماركسية هكذا فهل الرأسمالية مضادة لها في هذه النظرات والمواقف؟ هل تعترف الرأسمالية باللّه؟ ومن ثم فهل تعترف بالنبوة والوحي؟ ومن ثم فهل تعترف بالدين، وكيف تعترف بالدين؟.

الحق أن الرأسمالية ذات مظهر خادع روَّاغ من هذه الجهة تغر الناظر السطحي إليها فيحسب أنها مذهب في الحياة للدين فيه مكان مكين.

ولكن الباحث الذي تتجاوز ملاحظته السطح الخادع سرعان ما يكتشف أن الرأسمالية من هذه الجهة والخلاف بينهما في الاسلوب لا في جوهر الموقف. وسيرى الباحث المتعمق أن الرأسمالية كالماركسية مادية.

فالرأسمالية تتعامل مع الكون والحياة والانسان من منطلق مادي لا يترك مجالاً لمسألة وجود اللّه وما يتفرع عنها من وحي ونبوة وأديان وشرائع دينية. وغاية الفرق بينهما هي:

ان الماركسية نظام فلسفي يدعي لنفسه الشمول. وهذا يقضي منطقياً بأن ينفي كل نظام فكري آخر مغاير له ويدعي مجافاته للحقيقة وبطلانه. ولما كانت عقيدة وجود خالق للكون خارج عنه، على النحو الذي تبشر به الأديان السماوية - مضادة لعقيدة هذا النظام الفلسفي المادي النافية


بِحكم تفسيرها المادي للكون والحياة والانسان - لوجود خالق للكون وما فيه ومن فيه خارج عنه، فلا بد له أن ينفي العقيدة الدينية وأن ينفي كل ما يتفرع عنها من عقيدة بالوحي والنبوة والشرائع والقيم المستمدة من الوحي، ولا بد له من أن يبحث لكل هذه الثوابت في ثقافة الانسان وحضارته على مدى التاريخ عن تفسير مادي يتفق مع أُصوله وقواعده الفلسفية المادية.

أما الرأسمالية فليست نظاماً فلسفياً، إنها طريقة حياة، ولكنها ليست طريقة ساذجة، بل هي قائمة على معطيات فكرية لخليط من الفلسفات أدت جميعها إلى تكوين نظرة مادية إلي الكون والحياة والانسان. فمن المعلوم أن الرأسمالية لم تغد نظاماً ومنهجاً إلا على أنقاض الفكر الديني المسيحي الذي قضت عليه الفلسفات التي رفضت معتقدات الكنيسة ونظامها وأخلاقها، وأحلت محلها نظرة مادية إلى الكون والحياة والانسان، وأنظمة وأخلاقاً مستمدة من هذه النظرة المادية.

ولكن الرأسمالية مع كونها طريقة حياة مادية، تقوم على أفكار مادية، أبقت على الكنيسة بعد أن جردتها من سلطانها الزمني تجريداً كاملاً أو شبه كامل. إلا أنها لم تبق عليها باعتبارها مؤسسة فاعلة في الحياة موجهة لها، منظمة لنشاطاتها، بل باعتبارها مؤسسة تستهوي عقائدها وطقوسها فئة من الناس لا تزال مؤمنة بها. وهذا أمر لا يظير الرأسمالية في شيء ما دامت الكنيسة لا تقحم نفسها في الشؤون التي تقوم عليها طريقة الحياة الرأسمالية ولا تعطل أيَّ نشاط من أنشطتها. بل إن مفكري الرأسمالية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع رأوا أن المؤسسة الدينية ليست عديمة الفائدة في شأن تنفيذ الخطط التي وضعتها الدوائر الرأسمالية لاحتلال العالم القديم والجديد في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية. وليست


عديمة النفع في الصراع الذي تخوضه القوى الرأسمالية مع الطبقة العاملة. كما أنها - كما تبين أخيراً - ليست عديمة النفع في الصراع الايديولوجي ذي الأهداف السياسية والاقتصادية بين الرأسمالية والشيوعية التي لم تقلَّ يوماً ما طموحاً عن غريمتها الرأسمالية إلى احتلال العالم القديم والجديد في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية.

وإذن فقد أبقت الرأسمالية على المؤسسة الدينية لا لأن الرأسمالية تؤمن باللّه واليوم الآخر، وتؤمن بالوحي والنبوة، وتؤمن بالأديان والشرائع والقيم الدينية، فهي - باعتبارها طريقة حياة مبنية على نظرة مادية - لا تعني بهذه الامور على الإطلاق. قد يكون في المجتمعات الرأسمالية مؤمنون وقد يكون فيها ملحدون، فهي تتسع لهؤلاء وهؤلاء ولكن هذا لا يعني أنها مبنية على الايمان الديني بوجه من الوجوه. وإنما أبقت على المؤسسات الدينية لأنها - أولاً - ليست موقفاً فلسفياً ينفي ما يخالفه ويضاده من أفكار ومؤسسات من الناحية الفكرية النظرية، ولأنها - ثانياً - قدرت - وهي المسوقة بفكرة الربح - أن المؤسسات الدينية يمكن أن تكون ذات فائدة كبرى، في عمليات احتلال العالم، وفي الصراع الطبقي، وفي الصراع الايديولوجي مع الماركسية في السباق بينهما لاحتلال العالم.

وإذن، فالتفاوت في الموقف من الدين بين الماركسية والرأسمالية ليس ناشئاً من خلاف نظري مبدئي حول الدين، فكلاهما من الناحية النظرية المبدئية في موقع واحد بالنسبة إلي الدين، فهما لا يعترفان به، ولا يأخذان بتوجيهه في سياساتهما الداخلية والخارجية، ومناهجمها الاجتماعية والتعليمية والثقافية والاقتصادية. التفاوت بين الماركسية والرأسمالية بالنسبة إلى الدين هو في الموقف من الناحية العملية، الماركسية تنفيه وتحاربه


لأنها نظام فلسفي يفترض فيه - كأي نظام فلسفي غيره - أن ينفي ويبطل كل ما عداه من أنظمة ونظريات تفسر الكون والحياة والانسان بطريقة أُخرى. ولكن هذا الموقف المبدئي من الدين لا يمنع الماركسية من مهادنة الدين ومؤسساته ورجاله وتملقهم حين تكتشف حاجاتها إليهم في توجهاتها السياسية وصراعاتها، وحين ترى أن الدين يحقق لها فائدة عملية كما حدث من قيادات الاتحاد السوفياتي اثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها في مناسبات كثيرة جداً. والرأسمالية تنفي الدين وتحارب تدخله في شؤون الحياة والسياسة لأنها طريقة حياة قائمة على نظرة مادية إلى الكون والحياة والانسان. وهذا لا يمنعها من أن تهادنه بالابقاء على مؤسساته وبعض امتيازاتها لأنه ليس لها موقف فلسفي مبدئي منه من جهة ولأنها قد تحقق عن طريقه بعض المنافع التي تعزز قدرتها على الربح وعلى الكسب السياسي من جهة أُخرى. ولكنها تحاربه في رجاله وفي مؤسساته حين يقف من خلال بعض هذه المؤسسات وبعض هؤلاء الرجال أمام عدوانها ونهبها للشعوب المستضعفة وتسلطها السياسي كما حدث في حالات كثيرة في العصر الحديث في اروبا وافريقيا وامريكا اللاتيتية. وقد تحالفه حين تستطيع ترويض رجاله ومؤسساته لتغطية مخططاتها في استعمار الشعوب ونهب خيراتها وربطها بالفلك السياسي للرأسمالية الذي يجعلها أسيرة مواقف الرأسمالية في السياسة العالمية ومؤسساتها الاحتكارية الكبرى.

* * *

هذا هو واقع الأمر في موقف الرأسمالية والماركسية من الدين على رغم المظاهر الخادعة التي قد تنطلي على النظرة الساذجة.


وأذن فهذا الكتاب الذي يدحض المادية الماركسية لا يعني اعترافاً للرأسمالية بالايمان. والدعوة التي يتضمنها هذا الكتاب إلى الايمان بوجود اللّه سبحانه وتعالى موجهة إلى الماديين كيفما كانوا وكانت ماديتهم التي يدَّعونها ماركسيين كانوا أو رأسماليين، كما أنها دعوة موجهة إلى كهنة الفكر الماركسي والفكر المادي الذي افرز الرأسمالية نظاماً سياسياً اقتصادياً، وطريقة حياة.

والدعوة التي يتضمنها هذا الكتاب إلي الايمان بوجود اللّه تعالى لا تقف عند حد هذا الايمان بما هو قناعة عقلية ووجدانية فقط، فقضية وجود اللّه تعالى خالقاً للكون ومدبراً له لا تقف عند الايمان النظري بوجوده لأن هذه القضية من القضايا التي تنبثق عنها وتلازمها بالضرورة قضايا أخرى لا بد من الايمان بها، والاذعان لها، ومن ثم بناء الحياة على هداها.

فالايمان بوجود اللّه تعالى يعني - في حدود إدراك عقلنا البشري - الايمان بوجود علاقات شاملة بين اللّه وبين جميع الكون وما فيه ومن فيه، علاقة ربوبية تغمر الكون كله وتتغلغل في اعماقه وفي جميع ثنايا مظاهر وجوده. ومن بين هذه العلاقات علاقة بالانسان ذات طابع إنساني بشري، وهي علاقة اللّه بالانسان عن طريق النبوة.

فان اللّه تعالى يرسل النبيين مبشرين ومنذرين أدلاء على اللّه بالدين الموحى إليهم من عند اللّه والذي ينظم حياتهم ويقودهم إلى أفضل السبل. هذا الدين - منذ فجر النبوات - هو الاسلام جعل اللّه فيه وبه الهدى والنور لبني الانسان على مدى التاريخ. كل حقبة تاريخية تتلقى الانسانية منه فيها المستوى الذي يلائم نموها الحضاري وتطورها العقلي. فينقلها في


طريق التكامل إلى مستوى أعلى مما كانت فيه، حتى ختم اللّه تعالى انبياءه الاكرمين بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وختم رسالاته الهادية برسالة الاسلام الكامل المستوعب الشامل لكل حاجات الانسان التشريعية ولكل القيم الأخلاقية التي تجعل الانسان قادراً على بناء حياة طاهرة، كريمة، سعيدة متكاملة، قوية فعالة ذات تأثير حاسم في حركة التاريخ الانساني. وقد جعل اللّه تعالى حقيقة الاسلام وجوهره ومبادئه الكبرى في كتابه الكريم (القرآن العظيم) الذي بيَّن اللّه تعالى أثره في إصلاح حال الانسان وهداية البشرية إلى الحياة السعيدة بقوله مخاطباً أهل الكتاب من اليهود والنصارى، كما أنه خطاب لكل من انحرفت به الأهواء والفلسفات عن هدى اللّه:

( يَا أهْلَ الكتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُم كَثيراً ممّا كُنْتُم تُخْفُونَ منَ الكتَابِ وَيعَفْوُ عَنْ كَثير. قَدْ جَاءَكُم منَ اللّه نُورٌ وَكتَابٌ مُبين. يَهْدِي به اللّه مِنَ اتَّبَعَ رِضوانَه سُبُلَ السّلامِ وَيُخْرجَهُم من الظّلماتِ إلى النّور بإذْنه ويَهْديهم إلى صِراطٍ مُستْقَيم ) (١) .

إن نداء الايمان هذا، بوجود اللّه تعالى، وما يقضي به هذا الايمان من إيمان بالوحي والنبوة والدين والشريعة - إن هذا النداء موجّه باخلاص وصدق وحب إلى جميع الذين تلفهم الحيرة ويطوّح بهم الضياع في حياة فقدت جوهر معناها الانساني، وفقد الانسان فيها بعده الداخلي

____________________

(١) سورة المائدة (مدنية - ٥ - ) الاية: ١٥ - ١٦.


فشعر بالفراغ والخواء الذي جعله يفزع من الخلوة إلى نفسه، لأنه يشعر بالوحدة والوحشة واللامعنى، فيحمله ذلك على الفرار من مواجهة ذاته باغراق حواسه ومشاعره في صخب العالم الخارجي. وهكذا يزجي هذا الانسان الحديث حياة بائسة: من الاستغراق في العمل، إلى الاستغراق في اللهو، إلى الاستغراق في كل ما يجعل الانسان يعيش خارج ذاته طيلة يومه إلى أن يستغرقه النوم ليستيقظ على يوم جديد يشهد فراراً جديداً من الذات.

إن الايمان الصحيح، وبناء الحياة على هدى اللّه يمنح الانسان سلام النفس وسلام الحياة وسعادتها، والنجاة في اليوم الاخر.

١ -( يَا قَوْمَنَا أجيبُوا دَاعيَ اللّه وآمنُوا بِهِ يَغْفرْ لَكُم من ذنوبِكم ويُجركُمْ منْ عَذَابٍ أليم. وَمَن لا يُجبْ دَاعي اللّه فَلَيْس بمعْجزٍ في الأرْضِ وَلَيس لَهُ منْ دُونهِ أوْلياءُ أولئكَ في ضَلالٍ مُبين ) (١) .

٢ -( مَنْ عَملَ صَالحَاً من ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فَلَنُحْييَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أجْرَهم بأحسَنِ مَا كَانوا يَعْمَلُون ) (٢) .

* * *

____________________

(١) سورة الأحقاف (مكية - ٤٦) الاية: ٣١ - ٣٢

(٢) سورة النحل (مكية - ١٦) الآية: ٩٧.


٣ -( وَعَدَ اللّه المؤمنينَ وَالْمُؤمنَاتِ جَنّاتٍ تَجْري منْ تَحْتها الأنهَارُ خَالدينَ فيها وَمَسَاكنَ طَيّبَةً في جَنّاتِ عَدْن. ورَضوان منَ اللّه أكبْر. ذَلكَ هُوَ الفَوْزُ العظيم ) (١)

* * *

بقيت كلمة ينبغي أن تقال عن دور الرأسمالية في عذاب إنسانها، والانسان في العالم.

لقد بدأت الرأسمالية طريقة حياة ولدت من جهود فكرية متنوعة قام بها علماء اقتصاد، وسياسيون وفلاسفة، وأُدباء وفنانون، ومصلحون اجتماعيون تضافرت جهودهم طيلة عقود كثيرة من السنين لاخراج مجتمعاتهم من نظام الاقطاع ومن سلطة المؤسسات الدينية ورجالها.

ومن المعلوم أن الارادات وحدها لا تغير التاريخ. الارادات حين تتزامن مع تغيرات مناسبة في البيئة الاجتماعية، ويعبِّر عنها أصحابها بالعمل المنهجي فانها حينئذٍ تغير التاريخ. وهكذا كان الأمر في اوربا في نهاية القرون الوسطى.

كانت الحروب الصليبية قد حملت إلى أوربا مع الجنود العائدين بذور التغيير من العالم الاسلامي - العربي، ومن بيزنطة.

ثم سقطت القسطنطينية، واكتشفت أمريكا، واكتشفت طرق جديدة برية وبحرية أثرت على التجارة العالمية، واخترعت الآلة البخارية والنول الميكانيكي، وحققت صناعة السلاح تقدماً في التقنية، وتحسنت وسائل المواصلات... وتفاعل ذلك كله مع أفكار الفلاسفة، ونظريات الاقتصاديين، وصيحات المصلحين الاجتماعيين، وطموحات ملوك الحكم المطلق وساستهم

____________________

(١) سورة التوبة (مدنية - ٩) الاية: ٧٢.


الأقوياء الدهاة، وأحلام الشعراء والقصاص والفنانين.. تفاعل ذلك كله، فولدت الرأسمالية على مراحل كطريقة حياة وأُسلوب انتاج للسلع.

وبدأت بولادة طريقة الحياة هذه مأساة جديدة في تاريخ الانسان الاوربي، ومن ثم في تاريخ إنسان العالم.

استهلت الرأسمالية عهدها، مدفوعة بشهوة الكسب التي لا يقيدها شيء، هجومها في كل وطن على إنسان وطنها هي، مسلحة بكل قوى الاغراء والقمع: بالمال، والسلاح، والقانون.

فحولت الفلاحين إلى عمال، وأفرغت، بذلك، الريف وضخمت المدن باحياء الصفيح لفلاحي الأمس في ظل أسوء ظروف العيش لهؤلاء العمال الذين وقعوا في المصيدة حين فقدوا من جهة أرضهم التي حولها الاقطاعيون الكبار إلى مراع للماشية لخدمة صناعات النسيج المربحة، وواجهوا من جهة أُخرى الآلة الرأسمالية الوحشية الهائلة دون أن يقدروا على مقاومتها.

وفرض عليهم أن يقبلوا، لقاء عملهم، بأُجور لا تكاد تكفي للقوت الضروري، وتعرضوا لشّتى الخدع في انفاقهم لهذا الأجر الزهيد... وهكذا مضت الآلة الرأسمالية تمتصهم حتى الموت.

وحطمت باندفاعها في التوسع والانتشار بنية الاسرة وفككت عراها حين فرقت بين أفرادها الذين انطلقوا هنا وهناك بحثاً عن العمل والقوت. واضطرت المرأة - أُما وزوجة وفتاة - إلى أن تزاول العمل، وأن تهجر أُسرتها إذا اقتضى الحال ذلك بحثاً عن العمل. وقد تفاعل وضع


المرأة هذا مع تنامي رغبة الرجال في إطالة فترة العزوبة فراراً من الزواج وما يوجبه من مسؤوليات، فأدى ذلك إلي بدايات الفوضى الجنسية التي تعاظمت باستمرار ولم تقف عند حد حتى الآن، حيث غدت واقعاً معترفاً به، بل يجد في المفكرين والفلاسفة من يفلسفه ويبحث له عن المبررات الأخلاقية.

وأُعيد تعمير أوربا بقوة الانتاج الكبير الذي وفرته الرأسمالية بعرق ودماء الملايين من العمال الذين كان فيهم عدد كبير من العمال الأطفال.

وتفتحت، رويداً رويداً، أعين العمال على بشاعة مأساتهم، ووعوا قساوة الظلم والاستغلال اللذين تمارسها القوى الرأسمالية عليهم، فتحركوا بهدف تغيير واقعهم المرير بالاضرابات والتظاهرات التي كانت تقمع بقوة السلاح من قبل قوى السلطة الشرعية - لأنها محرمة بحكم القانون - ويسقط القتلى بالعشرات والمئات، ويعود العمال صاغرين إلى مصانعهم لأن الاضراب يعني الجوع.

ولكن جهاد العمال في سبيل تحسين أوضاعهم لم يتوقف، ولم تفلح أساليب القمع في أن تضع له حداً، لقد تكتل العمال في جمعيات، ثم في نقابات طالبت الحكومات بسن تشريعات مناسبة للعمال تخفف شيئاً من قسوة واقعهم وتحد من سلطة رأس المال عليهم. فاستيقظت ضمائر نخبة من المفكرين والمصلحين الاجتماعيين على بشاعة ما يحدث وفداحة الظلم الذي يتعرض له هؤلاء العمال فعملوا على تهيئة الضمائر في المجتمع للتغيير في أُسلوب استغلال العمال. وساهمت في ذلك الصحافة اليومية، والشعر والقصة، وتكوَّن بذلك رأي عام في المجتمعات لمصلحة العمال... وبدأت


تلين قناة الرأسمالية تدريجاً أمام الضغط الهائل الذي مارسته الشعوب على تكتل الرأسماليين، وهكذا وجدت طريقها إلى النور التشريعات التي تصون حقوق العمال وتنصفهم وتحسِّن ظروف العمل.

وأخيراً أدراك علماء الاقتصاد (الحر) الرأسمالي أن السلام الاجتماعي لا يفيد العمال وحدهم، وإنما يعود على العمل بفوائد كبيرة أيضاً، ومن ثم فإنه يزيد الأرباح - هاجس الرأسمالية ومحركها الأعظم - لأنه يقلل من تعطيل المصانع، ويحفظ سلامة الآلات التي كان العمال في بعض الاحيان ينتقمون بتحطيمها، ويجوّد كفاءة العامل... وإذن فتحسين ظروف العمل ورفع مستوى حياة العامل ليس صدقة ولا احساناً وإنما هو استثمار للمال يعود بمزيد من الربح.. وهكذا زادت الفرص أمام العمال في اوطان الرأسمالية لتحسين اوضاعهم، ونعم العمال في مراكز الرأسمالية الكبرى في أوربا وامريكا بمستويات من العيش جيدة، وبظروف عمل مريحة، وبعطلات أطول ومدفوعة الأجر، وبمعاشات تقاعدية، وغير ذلك من الامتيازات.

ولكن حين أذنت مأساة عمال الرأسمالية في أوطانها بالانتهاء تعاظمت مأساة شعوب العالم الثالث التي توجه الوحش الرأسمالي بأنيابه إليها.

ففي سبيل التوسع الصناعي والمواد الخام وزيادة الربح وتصريف الانتاج الذي فاض عن حاجة الأسواق الداخلية في أوربا، تنافست دول أوربا الرأسمالية على آسيا وأفريقيا لأجل فرض السيطرة السياسية والعسكرية التي تضمن حيازة جميع المنافع، فهجمت على هاتين القارتين فاتحة مستعمرة، فارضة سيادة الرجل الأبيض على مئات الملايين من الناس


بكل ما تعنيه هذه السيادة من تسلط سياسي، واستيطان، ونهب للثروات، وتجارة بالرقيق، والحيلولة دون شعوب القارتين ودون إهمال أي فرصة للنهوض والتحرر، وتحويل المستعمرات إلى أسواق لاستهلاك ما تنتجه مصانع أوربا مع سلع، ونجد دائماً عند جميع القوى الأوربية المستعمرة هما كبيراً وهاجساً دائماً هو الاسلام الذي كان ولا يزال يمثل القوة المعنوية والروحية المقاومة، والصيغة الحضارية البديلة، فكان يخيفها منه أن تتاح له فرصة الانبعاث في قلوب وعقول ابناء المستعمرات فيهدد وجودها، ويدفع بابناء المستعمرات إلى أن يستعيدوا وجودهم المسلوب وحريتهم المصادرة، فيحرروا به أنفسهم من مستعمريهم، ومن هنا فقد تعرض الاسلام في عقول وقلوب أبناء المستعمرات لأكبر عملية تشويه مرت بها عقيدة من العقائد وشريعة من الشرائع على أيدي أعدائها، وذلك لكي يشلّوا فاعليته وتأثيره، ووجهوا همهم إلى السيطرة على التعليم ليحولوا بين ناشئة ابناء المستعمرات المسلمين وبين أن يكون الاسلام: عقيدته، وشريعته، وقيمه ومفاهيمه جزءً من شخصيتهم المعنوية وعاملاً في صيانة هذه الشخصية فلا تهن ولا تستسلم، وقد افلحوا في ذلك إلى حد بعيد.

لقد كانت الرأسمالية - بما هي استعمار واستغلال اقتصادي - لشعوب آسيا وأفريقيا كالحذاء الحديدي الذي يحكى أن الصينين القدماء كانوا يضعون أقدام فتياتهم فيه لغايات جمالية فكان يشوه اقدامهن ويجعلن عاجزات حين يحول بينهن وبين النمو الطبيعي الحر، وهكذا كانت الرأسمالية: منعت شعوب آسيا وأفريقيا من النمو وشوهت صورتها امام نفسها حين غرست فيها روح الشك والشعور بالدونية وامام العالم، ولكي


تتم المقارنة مع الحذاء الصيني نذكر أن الرأسمالية كانت تمارس عمليتها تحت شعار (رسالة الرجل الأبيض) ولكن من المؤكد أن كهنة الرأسمالية لم يكن لديهم ذرة من حسن النية التي كانت عند الآباء الصينيين تجاه بناتهم.

* * *

وحين تعاظمت موجة النقمة لدي شعوب آسيا وأفريقا تفجرت ثورات هذه الشعوب ضد تسلّط القوى الاستعمارية الرأسمالية، وتكون، على مهل، رأي عام عالمي أدان الاستعمار على أُسس أخلاقية. ولكن القوى الرأسمالية التي كانت بعيدة عن أن تستجيب لداعي الاخلاق اضطرت أن تستجيب لحقائق السياسة الدولية حين وجدت أمامها قوة عالمية أُخرى هي المجموعة الاشتراكية التي ولدت بثورة روسيا سنة ١٩١٧ م بين أطلال عالم الحرب العالمية الاولى. لقد شبت هذه القوة الجديدة عن الطوق، وغدت تنافس الرأسمالية في السباق إلى استثمار العالم وفقاً لمنطق آخر.. حين حدثت هذه المتغيرات بدلت القوى الرأسمالية أساليبها في التعامل مع الشعوب المستعمرة وشبه المستعمرة، فقلصت على مهل تسلطها العسكري والسياسي المباشر الذي يفرض عليها التزامات مالية تنقص من أرباحها. ويضعها - امام الرأي العام العالمي الرافض للاستعمار - في مواقف محرجة، ويتيح للاتحاد السوفياتي أن يتسلل إلى مواقعها من خلال الامال بالتحرر، واستبدلت بالاستعمار المباشر صيغاً أُخرى للتسلط السياسي والاقتصادي والعسكري تؤمن لها جميع الامتيازات القديمة دون أي مضايقات - هذه الصيغ يجمعها ما يسمى ب (الاستعمار الجديد).

لقد أُبرمت المعاهدات بين الدول الاستعمارية ومستعمراتها السابقة.


وتضمن هذه المعاهدات امتيازات اقتصادية وسياسية وعسكرية للدولة المستعمرة سابقاً، كما أعادت القوى الرأسمالية المالية والصناعية تنظيم نفسها في تكتلات (تروست) ذات قدرة مالية وسياسية واقتصادية هائلة احتكرت تجارة المواد الخام والمنتجات الصناعية في العالم. مما جعل الدول المتحررة (المستعمرة سابقاً) تقف عاجزة في غالب الأحيان تقف عاجزة أمام سياسة الأسعار التي تفرضها الاحتكارات الرأسمالية الكبرى، فتجد نفسها مضطرة إلي أن تبيع سلعتها (فوسفات، نفط، حديد، كبريت، اورانيوم، بن، شاي، كاكاو الخ) لتمول مشروعات التنمية ولتنفق على جهازها الاداري وعلى (جيشها).

وحين تطمح بعض الدول إلى امتلاك ناصية الأُمور، وتقرر الاستيلاء على ثروتها الوطنية، والاستقلال في التصرف فيها بما يضمن مصالح شعبها أو تقترح اسعاراً عادلة لسلعتها لا تعدم الدول الاستعمارية والاحتكارات العالمية وسائل متنوعة تشل فيها قدرة الدولة الضعيفة على تسويق سلعتها، وتخلق لها المتاعب الداخلية التي قد تؤدي إلى قلب نظام حكمها واستبداله بنظام آخر مطواع (واقعي وأكثر تعقلاً) ومن ثم أكثر اضطراراً للبيع بالسعر الذي تراه الاحتكارات مناسباً.

كما عملت القوى الاستعمارية السابقة على إثارة النزاعات الاقليمية والعنصرية، والدينية، والقبلية بين الدول المتخلفة في العالم الثالث، مستغلة للتوصل إلى ذلك ما غرسته أثناء الاستعمار من مفاهيم ثقافية لها طابع التفريق والتقسيم في شعوب هذه الدول، دافعة بها من خلال هذه النزاعات إلى الحروب الأهلية والاقليمية، وإلى توريطها في منازعات وأزمات سياسية كبرى بين بعضها وفي داخل كل دولة منها، ملجئة لأنظمتها المختلفة


الضعيفة إلى البحث لدى الدول المستعمرة السابقة عن محالفات سياسية تقوي مركزها في الداخل أمام شعبها أو فريق منه وأمام خصومها في الخارج، ودافعة لها إلى البحث، بأي ثمن، عن السلاح الذي تحتكر صنعه الدول الاستعمارية، باذلة في سبيل الحصول عليه ثمن موادها الخام، معطلة مشاريع التنمية لشعوبها وأوطانها، مزدادة فقراً وتخلفاً ومن ثم عجزاً عن المقاومة، ومن ثم خضوعاً لما تمليه إرادات القوى الرأسمالية واحتكاراتها الكبرى... مستمتعة بحرية وسيادة وهميتين!!؟؟

وقد كانت حصيلة المسلمين عامة والعرب منهم بوجه خاص من بلاء هذا الاستعمار الرأسمالي كبيرة جداً، لقد تسلطت القوى الرأسمالية على جميع العالم الإسلامي تقريباً، بل على جميعه إذا اعتبرنا السيطرة غير المباشرة، وقد خرب الاستعمار في العالم الإسلامي كلما استطاع ان يخربه وكان أعظم تخريبه في شخصية الانسان المسلم. وأعظم محن العالم الاسلامي من الاستعمار محنة فلسطين التي تعتبر أعظم محن المسلمين في التاريخ - حتى بالقياس إلى ضياع الأندلس - فقد طرد الاستعمار القديم بالتعاون مع الصهيونية شعبها المسلم، وأسكن فيها اليهود الذين نفروا إليها من جميع بقاع الدنيا لينشئوا ما أسموه ب‍ (دولة اسرائيل) مدفوعين بأحلام خرافية استمدوها من ثوراتهم، وقد ثبت الاستعمار الجديد هذه الدولة، ووفر لها أسباب القوة والتسلط، فشتت بها العرب، واستنفذ توراتهم - وعلى رأسها ثروة النفط - بالسلاح الذي يبيعه إياهم ليحموا أنفسهم من طليعته وربيبته التي غرسها في قلب وطنهم. وحرمهم الاستقرار السياسي، وجعلهم طيلة ثلث قرن يعيشون في ظل الخوف من عدوان اسرائيل التي شجعها الاستعمار الجديد على أن تحتل في النهاية جميع أرض فلسطين


وجزءً من سوريا ومصر والاردن(١) .

هذه هي الرأسمالية التي تقود خطاها في استغلال العالم قيم الجاهليلة: المادية، والحيوانية، واللاأخلاقية، وروح العدوان(٢) .

* * *

لقد كانت الماركسية أحد التعابير السياسية - الفكرية عن صرخات العذاب التي أطلقتها الطبقة العاملة في اوربا ضد رأسمالية القرن التاسع عشر الطاغية الباغية على شعوبها وعلى العالم. ولكن النظام الذي بني على قواعدها ومبادئها سرعان ما مارس في الداخل والخارج سياسات إن كانت قد تجنبت الوقوع في بعض المآخذ على الرأسمالية في صيغتها القديمة أو صيغتها الجديدة، فانها لم تعدم أخطاء كبرى في سياستها تجاه شعوبها وتجاه شعوب العالم الثالث، وكشفت عن طموحات للسيطرة وبسط النفوذ جعلتها في نظر شعوب العالم الثالث قوة ينبغي الحذر منها، لأن طموحاتها في السيطرة السياسية والاقتصادية تماثل الطموحات التي تحرك القوى الرأسمالية نحو العالم الثالث، وترسم خططها في التعامل معه.

وكانت ثورات شعوب العالم الثالث صرخات العذاب الأليم التي تطلقها هذه الشعوب ضد الرأسمالية الأوربية ممثلة بالاستعمار.

____________________

(١) وها هي دولة الصهاينة تحتل أخيراً جبل عامل (لبنان الجنوبي) فتشرد عشرات الالوف من قراهم وتقتل المئات، وتهدم مئات المنازل وتضع باحتلالها الجنوب في غمرة أخطار سياسية غامضة طالما حذرنا منها، نسأل اللّه أن يرزقنا البصيرة لنواجه مسؤولياتنا بشجاعة، ونتحمل واجباتنا بإخلاص.

(٢) عن طبيعة الجاهلية وتركيبها لاحظ كتابنا (بين الجاهلية والاسلام) نشر دار الكتاب اللبناني - دار الكتاب المصري ١٣٩٥ هجري = ١٩٧٥ م فصل الجاهلية الحديثة.


وكانت أوربا الرأسمالية - الاستعمارية - إلى حين الحرب العالمية الثانية - تحكم العالم الثالث وفقاً لمعادلة متضادة الطرفين، غدا من المستحيل بعد الحرب الاستمرار فيها. كانت تحكم العالم بروحية وأُسلوب العلم الحديث في التنظيم المجتمعي واستثمار الطبيعة والطاقة، هذا العلم الذي وضع الانسانية في العصر الذري - من جهة - وبروح وأُسلوب عصر الانطلاق الاستعماري الاعظم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للميلاد في مجال العلاقات الدولية، من جهة أُخرى، وقد ولدت هذه المعادلة تناقضاً في الواقع بين القوى التي تنسج الواقع وتولد الافكار - وهي قوى العلم المنفتح - وبين الأفكار التي يراد صياغة الواقع وفقاً لها. لقد غدا الاستمرار في هذه المعادلة مستحيلاً بعد الحرب العالمية الثانية، إن افكار الواقع كانت تضغط باتجاه اسلوب اكثر أخلاقية في العلاقات الدولية على خلاف رغبات القوى الرأسمالية التي كانت تضغط بالقوة المسلحة لرسم واقع العلاقات الدولية على ضوء افكار القرن التاسع عشر.

وقد تمثلت المعالم العامة لهذا الاسلوب الأخلاقي في العلاقات الدولية في الامال التي اختلجت بها قلوب مئات الملايين من شعوب العالم الثالث نتيجة لما ولدته الحرب العالمية الثانية بما رافقها من عنف ووحشية في الصراع المجنون بين النازية والديمقراطيات الغربية والاتحاد السوفياتي - في هذه الشعوب من وعي لواقعها الأليم، كما وانها رفعت درجة أحساسها بقهرها وذلها وانحطاط حياتها، وكونت لديها آمالاً جديدة في الحرية والعدالة والرخاء عززتها وعود المنتصرين، وقد دفعت هذه الامال الجديدة الزاهية، والتطلعات إلى نظام عالمي جديد بالشعوب المقهورة إلى أن تبحث لنفسها عن صيغ في التعاون الدولي تحق آمالها وتطلعاتها.


ولكن العالم الغربي حاول أن يحتال على هذه الحقيقة، وأن يقف في وجه حركة التاريخ، وأن يجهض القوى الروحية العظمى التي اختلج بها العالم الثالث مندفعاً نحو الانعتاق باستعمال أساليب القمع المباشر تارة وأساليب الاستعمار الجديد تارة أُخرى، وساعده علي ذلك أن القوة العالمية الاخرى (العالم الاشتراكي) سقط - كما ذكرنا - في إغراء التسلط العسكري والسياسي وبسط النفوذ مما أعطى كلتا القوتين العظميين قدرة على المساومة مع غريمتها لتحقيق أهدافها.

وهكذا اكتشف العالم الثالث أنه وقع بين فكي كماشة فتكتلت شعوبه المستقلة وتلك التي كانت لا تزال مقهورة ومستعمرة تخوض ثورات دامية في سبيل التحرر الوطني. تكتلت في تجمع عالمي يمثل أخلاقية جديدة في السياسة الدولية، تجعل العلاقات الدولية قائمة على العدل والأخلاق وحكم القانون، فكان مؤتمر باندونج الذي وضعت فيه مبادئ الحياد الايجابي وعدم الانحياز بين القوتين العظميين في العالم.

وهكذا ولد في باندونج مفهوم جديد للسياسة الدولية والعلاقات بين الدول يقوم على رؤية روحية - أخلاقية، في مقابل المفهوم السائد الذي يقوم على منطق القوة.

لقد كان مؤتمر باندونج صرخة عذاب أيضاً أطلقها العالم الثالث الذي اكتشف أنه وقع بين فكي كماشة النظاميين الأعظمين - الرأسمالي والاشتراكي - بحثاً عن وضعية جديدة في السياسة تضمن لوحداته السياسية معاملة أكثر عدلاً، ووضعاً أكثر أمناً، وحركة أكثر حرية في رسم سياساتها الوطنية والخارجية.


ولكن روح باندونج، والنزعة التي حركت ضمائر مئات الملايين من البشر في العالم الثالث نحو بناء قوة عالمية ثالثة لا تقوم على مبادئ القوة والسيطرة، وانما تقوم على مبادئ الاخلاق والقانون والتعاون - هذه الروح وهذا الطموح لا يناسب مصالح مراكز الثقل في النظام الرأسمالي العالمي والنظام الاشتراكي العالمي، فعملت مراكز الثقل في النظامين على أجهاض محاولات بناء هذه القوة العالمية الثالثة مستغلة تخلف هذه الشعوب، ضعف أنظمة الحكم فيها، وفقرها، وعجزها العلمي والتقني الذي قصر بها عن استغلال ثرواتها بنفسها، وألجأها إلى عرض هذه الثروات في السوق العالمي الذي تحكم اقتصادياته احتكارات الرأسمالية الكبرى، ومؤسسات الاقتصاد في النظام الاشتراكي، فعادت، نتيجة لذلك، القوتان العظميان إلى العالم الثالث.

ولئلا تعود فكرة القوة الجديدة في المجتمع الدولي إلى الظهور بصورة فاعلة استخدمت القوى العالمية القادرة كل الوسائل لايجاد حالات العداء المسلح بين مجموعات انظمة العالم الثالث، فنشبت الحروب الاقليمية التي زادت هذه الشعوب ضعفاً واتكاءً على القوى الرأسمالية أو على القوى الاشتراكية العالمية، واستنزفت قدرتها الاقتصادية، وخلقت حواجز من الشك والعداء والمصالح الوطنية الاقليمية تحول دن أي تحرك جاد وفعال ومستمر في اتجاه تكوين قوة عالمية ضاغطة تحقق التوازن في السياسة الدولية لمصلحة العالم الثالث. وبدلاً من ذلك اتفقت الدولتان العظميان على سياسة الوفاق التي تعني - بشكل أو بآخر - وصايتهما على العالم الثالث.

وقد وضعت المبادئ الاولى لسياسة الوفاق منذ عبرت إرادة العالم الثالث عن نفسها في مؤتمر باندونج سنة ١٩٥٥ م ، وذلك في مؤتمر جنيف


الذي عقد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وانكلترا ورنسا وأنهى الحرب الباردة بين الشرق والغرب مفتتحاً عهداً جديداً من الانفراج الدولي تحت شعار (التعايش المشترك).

وقد كشفت التعليقات الغربية بمناسبة صفقة الاسلحة التشيكية مع مصر عن حقيقة ما كان يسمى آنذاك (روح جنيف) وأنه كان في الحقيقة بداية الطريق التي سلكتها القوتان العطميان لفرض وصايتهما أو نفوذهما - بشكل أو بآخر - على العالم.

فقد صرح سيرأنتوني ايدن رئيس الوزراء البريطاني في خطبة ألقاها في بورتموث في ٨ / ١٠ / ١٩٥٥ معلقاً على صفقة الأسلحة التشيكية - قال:

«هذه بالضبط فرصة أمام الدول الكبرى لكي تتفق على أن تحاول التحكم في نفسها وتتحد لكي تتحكم في الاخرين، وفي هذا يكمن في رأيي التفسير الحق لفكرة جنيف..»

وكتبت صحيفة المانشستر جارديان في عددها الصادر في ١٩ / ١٠ / ١٩٥٥ م معلقة على الصفقة بقولها:

«ربما كان من الخير أن يتفق الغرب مع روسيا في الشرق الأوسط على أساس سياسة جديدة لاتسمح لدول صغيرة في هذه المنطقة من العالم بأن تقوم بمحاولات خطيرة، وهي للأسف غير جديرة بتحمل المسؤولية».

وكتبت صحيفة لوموند الفرنسية في عددها الصادر في ٢٢ / ١٠ / ١٩٥٥ معلقة على الصفقة بقولها:

«ان نشاط انجلترا الدبلوماسي فيما يخص العالم العربي يجب أن يتجه


إلى اقناع الاتحاد السوفياتي بالاعتراف بالوضع الراهن في الشرق الأوسط، في نطاق مناقشات بين الأربعة الكبار».

* * *

إن العالم الثالث الان محكوم بقانون سياسة الوفاق بين القوتين العظميين، وهي سياسة لحظت فيها مصالح القوتين العظميين بالدرجة الأولى. وهي سياسة مبنية على منطق القوة. ومن الطبيعي أن البديل الصالح لسياسة الوفاق ليس اللاوفاق الذي قد يؤدي بالعالم كله إلى كارثة نووية تقضي على الجنس البشري، وإنما البديل لسياسة الوفاق هو التوصل إلى قاعدة في السياسة الدولية والعلاقات بين الدول والكتل الدولية تقوم على مبادئ الأخلاق والقانون ويكون لها مضمون روحي. إن البديل لسياسة الوفاق هو الطموح النبيل لشعوب العالم الثالث نحو عالم لا تقوم العلاقات فيه على منطق القوة والسيطرة. وإذا كانت الأديان قادرة على أن تقدم لهذه القاعدة مضموناً أخلاقياً وروحياً فان الاسلام أقدر هذه الأديان على ذلك لأنه بحكم تكوينه العقيدي والتشريعي، وبحكم تجربته التاريخية قادر على أن يقدم المضمون الاخلاقي- الروحي في صيغة عملية تتصل بالواقع المادي والنفسي للانسان. ويبقى لكل دين دوره في إغناء التجربة الانسانية في محيطه الثقافي وفي العالم.

إن العالم الثالث المسحوق تحت وطأة تخلفه المادي والتنظيمي داخل وحداته السياسية، هذا التخلف الناشيءَ عن عجزه وعن تدخل القوى العظمى في شؤونه، هذا العالم الثالث سيبقى نقطة الخطر ومبعث الأمل.


هو نقطة الخطر لأنه ساحة تصفية و تسوية الصراعات بين القوى العالمية الكبري التي تتعامل مع بعضها ومع العالم الثالث بمنطق القوة، وأقل خلل في حسابات التصفية والتسوية قد يقود العالم كله إلى كارثة نووية.

وقد وصل العالم إلى حافة الكارثة عدة مرات في ربع القرن الأخير بسبب المواجهات بين القوى الكبرى على أرض العالم الثالث.

وهو مبعث الأمل لأن وضعه الحاضر وتطلعات شعوبه يقدمان الفرصة للقوى العظمى في العالم لتعادل منطق القوة في السياسة بمنطق الاخلاق والقانون في العلاقات بين الدول، وبذلك (تؤنسن السياسة) لا حسب مفهوم الحضارة الحديثة حيث تكون السياسة إنسانية داخل كل وطن لشعب ذلك الوطن وتفقد إنسانيتها خارج حدود وطنها لتغدو سياسة قوة، وإنما حسب مفهوم الأخلاق والقانون الذين يعطيان للسياسة بعداً إنسانياً علي صعيد الجنس البشري كله. وتبعاً لذلك يجعلان العلاقات البشرية على مستوى الدول والجماعات اكثر دفئاً ومودة بما لها من مضمون روحي افتقده عالم القوة، عالم الحضارة الحديثة منذ زمن بعيد، ولا يزال الذخيرة التي مثلت إنسانية العالم الثالث فيوجه جميع محاولات التشويه والمسخ التي تعرض لها إنسانه، كما لا يزال هذا المضمون الروحي لصيغة في العلاقات الدولية قائمة على الأخلاق والقانون هو الشرط الاساسي لخلاص الحضارة الحديثة وإنسانها من أزمة الانسان الحديث التي قادته إليها النظرة المادية إلى الكون والحياة والانسان، وما ترتب على ذلك من اتباع منطق القوة في العلاقات البشرية.

إن صرخات العذاب التي تطلقها شعوب العالم الثالث ستظل تدوي في


آذان عالم (منطق القوة) مهما حاول قادة عالم منطق القوة أن يحتالوا على العالم الثالث لاسكات صرخات عذابه التي يواجه بها عالم الأقوياء القساة الماديين الانانيين، ان العالم الثالث يتحدى، وخلاص الانسانية يتوقف على نوع الاستجابة.

٢ ـ الماركسية والعلم والسياسة

الموقف المنطقي الأمين والأخلاقي في قضايا السياسة الداخلية والخارجية هو أن تنطلق النظرية السياسية من الموقف الفلسفي، وأن تبنى الممارسة السياسية الداخلية وعلى المستوى الدولي على نظرية سياسية نابعة من نظرية فلسفية شاملة إلى الكون والحياة والانسان.

والماركسية تدعي لنفسها هذا الشرف.

تدعي أولاً أنها فلسفة كونية شاملة تقدم التفسير الصحيح لجميع الظواهر في الطبيعة و المجتمع.

وتدعي ثانياً أن نضالها السياسي ليس ناشئاً من طموحات فردية أو جماعية أو فئوية لا صلة لها بالواقع الموضوعي للمجتمع، كما تتهم بذلك الجماعات السياسية المنافسة لها - وإنما هو حركة مبنية على فلسفة في المجتمع هي المادية التاريخية، نابعة عن فلسفة عامة وشاملة للكون بما فيه


من طبيعة وإنسان، هي المادية الديالكتيكية. ولذا فإن القوانين الاساسية في المادية الديالكتيكية (قانون حركة التطور، وقانون تناقضات التطور، وقانون قفزات التطور، وقانون الارتباط العام) هذه القوانين أملى الايمان بها الفكر الفلسفي العلمي السليم، ومن ثم اتخذناها سلاحاً نظرياً في تعاملنا مع الطبيعة والمجتمع، في عملنا العلمي في الطبيعة وفي عملنا السياسي في المجتمع.

الماركسية اذن تدعي لنفسها هذا الشرف، ولكنها دعوى يقوم واقع الممارسة السياسية على خلافها، فإننا بمراجعة بسيطة نكتشف أن الماركسية لا تبني مواقفها السياسية على أساس من تفكيرها الفلسفي وإنما تحاول أن تجعل من التفكير الفلسفي مبرراً لعملها السياسي، مما يحملها في كثير من الحالات على الاعتساف والتزوير لصياغة افكار تدَّعي لها صفة الحقيقة لتكون سنداً لمواقفها السياسية.

وهذا ما يظهر بجلاء كبير عند مراجعة الخلفية السياسية للمواقف الفلسفية التي اعلنتها الماركسية في كثير من الحالات، ومن هذا الباب اعتبارها القوانين الأربعة السالفة الذكر أُسساً مطلقة الاعتبار وثابتة للمادية الديالكتية، فان الباحث يلمس وراء هذا الموقف أو ذاك الرغبة في تبرير العمل السياسي، فيما هم يوهمون الناس بأن العمل السياسي على هذا النحو المميز جاء نتيجة حتمية للضرورة العلمية التي لا تدحض.

وسيأتي البحث النقدي الفلسفي لقوانين الديالكتيك، أما هنا فغايتنا الكشف عن الحافز السياسي إلى وضع هذه القوانين وإعطائها صفة الحقيقة العلمية، وما هي في الحقيقة سوى أدوات سياسية.

والآن إلى شيء من التفصيل.


١ ـ المدلول السياسي لقانون حركة التطور

لماذا تذهب الماركسية خلافاً للحقيقة الموضوعية - إلى أن قانون الحركة يتجاوز الواقع الموضوعي المادي إلى عالم الفكر فترى أن الفكر ينمو ويتغير بالحركة كما تنمو المادة وتتغير بالحركة؟

ويكشف لنا التحليل عن جواب هذا التساؤل في مجالين:

الأول - ظن الماركسية عندما وضعت قانونها هذا كانت تعلم أنها ستخوض صراعاً مع الفلسفة الميتافيزيقية، ومع المؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تنتسب - حقاً أو باطلاً - إلى هذه الفلسفة.

والفلسفة الميتافيزيقية تستند إلى جملة من الحقائق المطلقة والنهائية غير القابلة للجدل. والاعتراف بأن قانون الحركة لا يتعدى عالم المادة إلى عالم الفكر يعني أن ثمة حقائق فكرية مطلقة وحينئذٍ لا يمكن للماركسية تجاهلها، بل لا بد لها من الايمان بها وهذا يعني قوة في موقف الميتافيزيقية


ومن ثم قوة في موقف مؤسساتها في المجتمع.

أما إعلان أن قانون الحركة شامل يستوعب عالم المادة وعالم الفكر معاً فيقضي بأنه لا توجد حقائق مطلقة في عالم المادة وكذلك في عالم الفكر، وهذا يجعل الماركسية في وضع أفضل في المعترك السياسي، ويجرد الميتافيزيقية من ركائزها الأساسية، ويجعلها تمثل مرحلة - مرحلة فقط - في سير الطبيعة والانسان نحو التكامل والتطور الصاعد أبداً ودائماً.

وهكذا يكون الطموح السياسي هو الذي أملى على آباء المادية الديالكتيكية موقفهم الفلسفي، وليس العكس. لم يكن الموقف السياسي في حقيقة الأمر نتيجة للموقف الفلسفي

الثاني:

نفي وقوع خطأ في المواقف السياسية خلال النضال من أجل فرض السيطرة. فكل موقف سياسي صواب، وإذا انكشف خطأه كل صواباً نسبياً. وهكذا تجد المعاهدة مع هتلر ومهادنة النازية مكاناً لها في خانة الحقيقة، كما تجد السياسة الاقتصادية الجديدة مكاناً لها في خانة الحقيقة، وبذلك يمكن أن تكون المواقف السياسية المتناقضة صحيحة كلها، كما أننا نسبغ صفة الحقيقة على نظرية نيوتن وعلى نسبية انيشتين معاً.

الحقيقة هي أن اعتبار الماركسية قانون الحركة شاملاً لعمليات الفكر ناشئ من الرغبة في إيجاد التبرير السياسي وان أدى ذلك إلى تجاوز الحقيقة الفلسفية.

٢ ـ المدلول السياسي لقانون تناقضات التطور

لقد اعتمدت الماركسية في العمل السياسي مبدأ صراع الطبقات في المجتمع، وجعلت همها الأعظم رفع درجة الصراع في المجتمعات المضطربة، وتحريك الصراع في المجتمعات التي تتمتع بالاستقرار، والمضي في تأجيج الأحقاد الطبقية والفئوية إلى أن تصل بالمجتمع إلى حالات الانقسام والعداء ومن ثم تفجير الصراع بالثورات والحروب الأهلية، وإن توقف ذلك على تأييد أنظمة الحكم الرجعية، وتأييد الحكام الطغاة، ومحاربة الأنظمة التقدمية على غير الأسلوب الماركسي واسقاط الحكام ذوي النزعات الاصلاحية، وذلك لأجل أن تساهم أنظمة الحكم الرجعية والحكام الطغاة في إنزال أفدح الظلم بالفئات الاجتماعية الأقل حظاً من خيرات الانتاج العام للثروة، فتزداد نقمة هذه الفئات، ويؤدي ذلك إلي ارتفاع حدة الصراع الطبقي، وهذا يعجل بالثورة التي تؤدي إلى سيطرة الماركسية على


السلطة. بينما تعمل أنظمة الحكم التقدمية - غير الماركسية - والحكام ذووا النزعات الاصلاحية على انصاف الفئات المحرومة، ويؤدي ذلك إلى شعورها بالانصاف والعدالة، فينزع من صدورها الغل والحقد، ويدفع بها نحو التعاون مع غيرها من الفئات بدل الصراع، وهذا ما يبعد فرصة استيلاء الماركسيين على السلطة.

لقد اعتمدت الماركسية هذا المبدأ في عملها السياسي. ولكنه - كما يرى الجميع - مبدأ غير أخلاقي وغير انساني، وهو معرض للادانة من أي إنسان مستقيم الفكر والضمير انطلاقاً من لا أخلاقية المبدأ المذكور ولا إنسانيته. ولذا فثمة عاملان يحملان الماركسية على أن تجد سنداً فلسفياً - علمياً لهذا المبدأ: الأول - هو دفع الاعتراض الأخلاقي عليه فإن القوانين العلمية لا تخضع للاعتبارات الأخلاقية، إنها حتمية ولا شأن فيها للاختيار البشري والضمير، ولذا فلا مجال للاعتراض على هذا المبدأ من الناحية الأخلاقية. الثاني - هو إعطاء المبدأ صفة العلمية والحقيقة الفلسفية لئلا يخطر في بال أحد من الناس أنه مجرد تغطية أدبية إنشائية لأسلوب سياسي، وبذا يكتسب المبدأ قوة التأثير باعتباره حقيقة علمية فلسفية ويدفع عنه صفة اللاأخلاقية واللا إنسانية.

* * *

إن الصراع والتنافي موجود في المجتمع السياسي بلا شك، ولكن التعاون موجود في المجتمع السياسي أيضاً، فالصراع والتنافي ليس قانوناً عاماً وشاملاً وثابتاً في حركة التاريخ وإنما هو أحد مظاهرها، والتاريخ يتحرك وينمو من خلال تفاعل جملة من العوامل.


أما في الطبيعة فالقانون الظاهر هو قانون التكامل، وليس مبدأ التناقض، وتطور الطبيعية ونموها يتم من خلال تكامل قواها وعناصرها وتعاونها، وليس من خلال تناقضها، وما يبدو تناقضاً في الطبيعة فيكشف - حين دراسته على ضوء شروط التناقض - أنه ليس من التناقض في شيء، وإنما اعتبره الماركسيون تناقضاً بسبب جهلهم بقانون التناقض أو بسبب حرصهم على أيجاد المبرر الفلسفي لعملهم السياسي كما ذكرنا.

ويبدو أن واضعي أُسس الماركسية غفلوا عن أن هذا القانون يقضي عليهم بأحد أمرين كلاهما نفي للماركسية.

أحدهما - أن نفرض أن قانون تناقضات التطور يستمر حتى بعد تكوّن المجتمع الشيوعي الكامل، وهذا يقضي بأن يعمل هذا، القانون عمله في نفي الماركسية نحو مرحلة تتجاوزها في نمو التاريخ، وهذا يعني أن الماركسية مرحلة وليست نهاية حركة التاريخ، وهكذا تأتي مرحلة تاريخية تلغي الشيوعية وتكون اكثر تطوراً، وتقدماً منها على اعتبار أن حركة التاريخ تسير في خط صاعد دائماً؟؟.

وثانيهما - أن نفترض أن قانون تناقضات التطور يتوقف عن العمل ويبطل أثره. وحينئذٍ فهل يكفّ المجتمع عن الحركة؟ وهل تتوقف حركة التاريخ عند حدٍّ لا تتعداه؟ أي الأفتراضين يختار الماركسيون يكون ابطالاً لدعواهم وفلسفتهم من أصلها.

٣ ـ المدلول السياسي لقانون قفزات التطور

اعتمدت الماركسية في عملها السياسي لتسلم السلطة مبدأ الانقلاب المسلح والثورة، ورفضت مبدأ العمل الديمقراطي البرلماني الذي اعتمده الفكر السياسي في أوربا، ومن ثم فهي تحارب الاصلاحيين الذين ينتهجون سبيل التغيير التدريجي السلمي ليصلوا بالمجتمع السياسي إلى مستويات أفضل في اوضاعه الحياتية، وترى أن تغيير المجتمع السياسي وتحقيق العدالة لا يكون إلا بالعنف والثورة التي تجتث جميع قواعد المجتمع من جذورها دفعة واحدة. والنصوص الماركسية الأساسية في هذه المسألة واضحة صريحة لاتترك مجالاً للتأويل، قال ماركس وانجلز:

«ولا يتدنى الشيوعيون إلى اخفاء آرائهم، ومقاصدهم، ومشاريعهم، يعلنون صراحة أن أهدافهم لا يمكن بلوغها وتحقيقها إلا بهدم كل النظام الاجتماعي


التقليدي بالعنف والقوة»(١)

وقال لينين:

«إن الثورة البروليتارية غير ممكنة بدون تحطيم جهاز الدولة البرجوازي بالعنف»(٢)

ولكن العنف الثوري يقابله في العمل السياسي الأسلوب الديمقراطي الذي يعتمد التغيير عن طريق التشريع، وتكوين القناعات لدى فئات المجتمع السياسي للقبول بالتغيير، وهذا الأسلوب هو الذي يتبعه الخصوم السياسيون للماركسية في كل مجتمع.

وقد رأى المفكرون السياسيون أن يلتمسوا لموقفهم السياسي سنداً علمياً - فلسفياً يحقق لهم هدفين:

الأول - إسكات خصومهم السياسيين في الجدل حول أُسلوب التغيير السياسي للمجتمع بأن الثورة المسلحة والقضاء على المؤسسات القديمة بالعنف ليس أمراً خاضعاً للاختيار البشري الذي يسمح بالجدل وتفضيل أُسلوب على آخر، وإنما هو قانون حتمي ثابت في الطبيعة والتاريخ، ولذا فلا مناص من المصير إليه.

الثاني - إظهار أن مواقفهم السياسية نابعة من موقف علمي - فلسفي، وليست نتيجة اختيارات آنية تمليها الضرورات السياسية في الحياة المتغيرة المتقلبة للمجتمع السياسي.

____________________

(١) البيان الشيوعي، ص:٨.

(٢) اسس اللينينية، ص: ٦٦.


لأجل جميع ذلك اخترعت الماركية مبدأ قفزات التطور، زاعمة أن التغييرات التي تحدث نتيجة لقانوني الحركة وتناقضات التطور لا تحدث في الطبيعة والمجتمع تدريجياً وإنما تحدث دفعة واحدة وبشكل فوري ثوري يغير في لحظة الوضعية والبنية القديمة بوضعية وبنية جديدة تفرضها القفزة في الطبيعة والثورة في المجتمع السياسي.

ولم تقدم الماركسية أي دليل على دعواها هذه. وإنما عرضت جملة من الأمثلة التي يكشف النقد الموضوعي زيفها وخطأها.

وسيتضح بطلان هذا المبدأ من الناحية الفلسفية في المباحث الآتية، وكل ما نريد توضيحه هنا هو أن هذا المبدأ كسائر المبادئ الاسس في الماركسية ليس علمياً ولا فلسفياً وإنما هو تغطية وتبرير لأسلوب في العمل السياسي هو الثورة المسلحة التي قد تكون ضرورية حين تفشل جميع الوسائل في الاصلاح السلمي، ولكنها مع توفر امكانات الاصلاح والتغيير نحو الافضل بالأساليب السلمية تكون، بلا ريب، عملاً غير اخلاقي ومن ثم غير شرعي.

٤ ـ المدلول السياسي لقانون الارتباط العام

قانون الارتباط العام قانون صحيح وصادق في الطبيعة والمجتمع، وقد سبقت الواقعية الإلهية إلى الكشف عن هذا القانون. ولكنه يستند إلى أساس العلية، لا إلى ما تدعيه الماركسية من مبدأ التناقض، وسيأتي في الابحاث التالية بيان وجه الحق في الأساس الذي يستند إليه هذا القانون، أما هنا فنريد أن نكشف عن المدلول السياسي لهذا القانون في التطبيق الماركسي.

الماركسيون ينتفعون بجميع الفرص التي يتيحها لهم أي نظام سياسي يعملون في ظله: فهم، مثلاً، ينتفعون بحرية الكلام، والتظاهر، والتنظيم الحزبي والنقابي وغير ذلك من الحريات التي يتيحها لهم النظام الديمقراطي البرلماني إذا كانوا يعملون في ظل نظام كهذا كما تنتفع بها سائر الجماعات السياسية التي تعمل في ظل هذا النظام. وهذا أمر طبيعي،


فمن الأصول الأساسية التي يقوم عليها النظام البرلماني هو اتاحة هذه الحريات للجماعات السياسية العاملة في المجتمع، ومن حق هذه الجماعات أن تستفيد في عملها السياسي من هذه الحريات.

ولكن الماركسية عندما تنتصر تتخذ من مسألة الحريات موقفاً آخر، فهي تصادر حرية الجماعات السياسية الأخرى في المجتمع في التعبير عن الرأي، والتنظيم الحزبي والنقابي وغير ذلك، وتستأثر لأجهزتها وحدها بكل هذه الحريات. بدعوى أن هذه الجماعات السياسية الأخرى تمثل تطلعات سياسية معادية للشعب (ولا حرية لأعداء الشعب). والحقيقية هي أن الجماعات السياسية قد لا تكون عدوة للتطلعات الشعبية وكل ذنبها أنها تعتمد عقيدة سياسية غير الماركسية، ولكن هذا وحده في نظر الماركسية، سبب كافٍ لمصادرة حرياتها.

والماركسية تستند في موقفها هذا إلى رغبة طبيعية، ولكنها غير عادلة، وفقاً للشعارات التي تنادي بها، في الإستئثار بالسلطة وفي تفويت جميع الفرص التي تتيح للشعب أن يطلع على وجهات نظر أُخرى في قضاياه الحياتية والسياسية. وهي تعلم أن قانون الارتباط العام يقضي بأن لكل نشاط إنساني في الطبيعة أو المجتمع أثراً ينعكس على شبكة العلاقات بين الأشياء والمواقف والجماعات. وأن الجماعات السياسية الاخرى في المجتمع إذا اتيحت لها الحريات السياسية فستكشف أخطار الممارسات التي يقوم بها النظام الحاكم، وهذا يؤدي الى تكوين قناعات لدى الشعب لن تكون في مصلحة هذا النظام الذي سيفقد تدريجياً سلطته وقدرته على التأثير، ولذا فهي تصادر حريات الاخرين لتحول بينهم وبين الانتفاع


بقانون الارتباط العام في التأثير على الوضع السياسي للمجتمع، وتعطي لنفسها حرية الانتفاع بقدرة التأثير التي يوفرها هذا القانون.

إن الماركسية، حين تحكم، تمنع عن الآخرين ما تطالب به هي، وتحصل عليه في الغالب، حين يكونون حاكمين.

إن الماركسية تستثمر قانون الارتباط العام لمصلحتها وحدها حين تكون هي الحاكمة، بينما يكون إستثمار هذا القانون في العمل السياسي ممكنا لجميع الفئات السياسية في ظل الانظمة التي تعطي الحرية لجميع الفئات السياسية.

إن الماركسية لم تكتشف قانون الارتباط العام، ولكنها برعت في استخدامه على الصعيد السياسي.

خلاصة

في الأبحاث الآتية نقد شامل لأهم الركائز التي يقوم عليها الفكر المادي من خلال المسائل التي اثيرت في نقد الفكر الديني. ولذا لم يكن من مقصدي في الأبحاث الانفة إلا الكشف عن الخلفية السياسية التي أملت على المادية الديالكتيكية صياغة مبادئها الاساسية في الطبيعة والمجتمع، مرجئاً البحث الفلسفي إلى موضعه من هذا الكتاب.

وأود أن أُنبه هنا إلى أن المادية بجميع مظاهرها رأسمالية كانت أو ديالكتية أو غيرهما، بالاضافة إلى أنها خطأ علمي وفلسفي، مخالفة للطبيعة الانسانية ولأعمق واصدق ما يشتمل عليه التكوين الانساني من معنى، ومن ثم فإنها لن تؤدي إلا إلى انحطاط النوع الانساني في معناه وفي جوهره وإن أدت إلى تفوق بعض فئاته في الشأن المادي ولكن بثمن باهظ هو شقاء مئات الملايين من البشر، بل الوف الملايين إذا أخذنا بنظر الاعتبار التضخم السكاني في العالم الثالث.


القِسمُ الثَاني مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني (تصفية حساب صغير)

في الابحاث الاتية ما يكشف بوضوح عجز الماركسية - على افتراض تسليم جميع مقدماتها - عن تقديم تفسير مقنع لنشأة الكون. وسنرى أنها تعمد إلى غيبيٍّة تتناقض مع أحكام العقل. وسأكشف من الزيف العلمي والتضليل الفلسفي في الماركسية.

وقد أعلن الأستاذ نسيب نمر (في مجلة الأحد/ ٢٩ آذار ١٩٧٠ - العدد / ٩٧٢) بعد أن انكشف عجز الماركسية وإفلاسها - براءة الماركسية من الدكتور صادق جلال العظم ومن أفكاره، بدعوى أن أفكاره ليست ماركسية بدرجة كافية، وأنه لم يتناول موضوعه تناولاً علمياً صحيحاً، وإلا لما تغلب عليه ناقده محمد مهدي شمس الدين.

ولا أدري لماذا طبل الماركسيون هنا وفي كل مكان للدكتور وزمروا، واعتبروا كتابه نموذجاً رائعاً للفكر الماركسي في مقابل الفكر الديني، ورأوا فيه انتصاراً كاسحاً للماركسية على الدين. كان هذا موقفهم قبل أن نذيع سلسلة مقالاتنا في نقد الكتاب موضوع البحث، فلما تبين من خلال هذه المقالات البؤس الفكري الذي يظهر جلياً في الكتاب المذكور،


وتبين عجز الماركسية وإفلاسها، تبرأ الماركسيون من الدكتور ومن كتابه، واعلنوا بلسان الاستاذ نسيب نمر أنه لا يمثلهم ولا يمثل فكرهم.. لماذا؟!!

هل هذا تكتيك ماركسي للماركسية التي تتخطى ذاتها باستمرار؟!، وإذن فلنسمّ ما كتبه الاستاذ نسيب نمر في شأن مقالاتي وكتاب نقد الفكر الديني نوعاً من تخطي الذات!!

وقد تحدث الاستاذ نسيب نمر عما أتيح لي من حرية، وعما تعرض له الاستاذ صادق جلال العظم من مصادرة لحريته. وهذا ما أثار عجبي ودهشتي، فلقد أُتيح للدكتور من حرية التعبير عن الرأي ما لم يتيج لي عشر معشاره، وأتيح لافكاره من فرص الذيوع والانتشار ما لم يتح لاحاديثي في الرد عليه. لقد ناصرته الصحافة على اختلاف ميولها واتجاهاتها، وانبرت للدفاع عنه ولشرح أفكاره كل المؤسسات الاعلامية والحزبية الموالية لخطه الفكري، ونهجه السياسي. وكم روجت له هذه الأوساط وهللت في الصحافة والنوادي الثقافية.

وأما ما تعرض له من ملاحقة، وتعرض له كتابه من منع ومصارة، فقد قلت في مطلع أحاديثي أنه أمر لا موجب له ولا داعي إليه. وعلى أي حال فقد كان هذا الاجراء فرصة أتاحت للكتاب ذيوعاً وانتشاراً ما كان ليحصل عليهما لو أن الكتاب ترك وشأنه دون اعتراض.

مدخل

شُغِلتُ بعض الوقت عن قراءة كتاب الدكتور صادق جلال العظم «نقد الفكر الديني» وقدرت في نفسي أن هذا الكتاب لا يعدو أن يكون كأمثالٍ له ألفناها في السنوات الأخيرة، هي حصيلة أفكار شبابنا الذي تعلم في أوربا فأخذ منها - إلى جانب علومها - أوهامها وتصوراتهما الخاطئة عن الدين بوجه عام، دون أن يكون قد وعى من تراثه ومن عقيدته ومن تاريخه ما يعصمه من الزلل، ويحمله على غربلة ما يسمع ويرى ويلقّن، فأخذ كل شيء على انه حقيقة، وطفق يروجها في وطنه، بعد أن شُدِه بحضارة أوربا المادية، الغالبة الآن على كل شيء، وبعد أن رأى أن مُثَلها ومفاهيمها وأخلاقها تكتسح أمامها كل المواضعات والأعراف والتقاليد سيئة كانت أو حسنة، جميلة كانت أو قبيحة.

وهذه الكتب أيضاً حصيلة موجة الالحاد التي انطلقت في السنين الأخيرة، وشملت قطاعاً كبيراً من الشباب المتعلم - ولا أقول المثقف - الشباب الذي لم يتزود بأي معرفة دينية علمية على الاطلاق، والذي


يُحشى فكره بافكار الملاحدة الأجانب في صيغ جازمة. ومسلمات حاسمة.

ومن الغريب في ظواهر هذه الموجة الالحادية انها تسمح لنفسها بالشك في المسيحية والاسلام وتحاول تمهيدها بالضلالات التي تنشرها، والأباطيل التي تروج لها. دون أن تمس اليهودية بشيء، وإن مستها بكلمة فانها تصاغ بمنتهى الرقة والعذوبة، ولا أعرف سرّاً لهذه الظاهرة إلا فكرة ماركس أو انجلز - لا أتذكر - «إن اليهود إذا فقدوا دينهم فقدوا أنفسهم».

قدرت في نفسي أن الأمر في هذا الكتاب لايعدو أن يكون كذلك، ولكن بعض الاصدقاء ألحوا عليّ أن انتزع نفسي من بعض مشاغلي على الأقل لبعض الوقت، وأن اتفرغ لقراءة الكتاب والتعليق عليه، لأنه «خطير» يجب أن يناقش وتفضح أكاذيبه وأباطيله، وهكذا استجبت لهم، وخصصت للكتاب وقتاً في جملة أوقاتي، وجعلت النظر فيه من بعض أعمالي.

وعندما قرأت الكتاب لم يتغير حكمي عليه قياساً على نظائره وأمثاله، فهو لايعدو أن يكون ترديداً أميناً لأفكار عصر النهضة الأوربية عن الدين وعن أساسه، وعن أهدافه... هذه الافكار التي اندفع إليها بلا تبصر علماء ذلك الحين تحت وطأة الصراع بينهم وبين الكنيسة في ذلك الحين. والكتاب إن تميز على أمثاله بشيء فهو يتتميز بالوقاحة الزائدة، وسوء الأدب في التعبير. إنه عمل تافه يتسم بالنزق الفكري، والعاطفية والفجاجة في كثير من موارده، ولا يخلو عن كثير من التناقضات.

وقد كنت أقرأ الكتاب وأُعلق عليه، فاجتمعت لي من تعليقاتي عليه


هذه الحصيلة التي يراها القارئ، والتي عساه أن يجد فيها ما يجعله يوافقني في أن الكتاب المذكور لا يستحق كل هذه الضجة التّي أُثيرت حوله وحول كاتبه، فإنه لا يعدو - كما قلت - أن يكون كسائر الكتابات من هذا النوع تمر دون أن تنال من الدين أي منال، لأن الدين ينبع من فطرة في الانسان لا تقوى على اقتلاعها الترهات والاباطيل مهما كسبت ثوب العلم زوراً وبهتاناً، واسبغ عليها شكل الحقيقة كذباً وهذياناً.

ولا بد لي - قبل الدخول في نقد الكتاب - أن أقدم بعض الملاحظات حول طبيعة الموضوع المبحوث عنه «الدين» وحول مدى اهلية الدكتور المؤلف لتحمل المهمة التي كرس كتابه لأجلها.

أ - أهلية المؤلف

هل الدكتور مؤهل للكتابة عن نقد الفكر الديني؟

هذا أول سؤال يواجهنا.

يفترض فيمن يكتب عن شيء - نقداً أو تأييداً - أن يكون ملماً بصورة كافية بالموضوع الذي يكتب عنه، وأن يكون مطلعاً عليه اطلاعاً تاماً، وذلك ليكون مؤهلاً للحكم له أو عليه. فهل الدكتور بهذه المثابة من المعرفة الدينية؟.

لقد ظهر لي من قراءة كتابه أن معرفته الدينية بالاسلام ساذجة وسطحية إلى أبعد الحدود. إنها التصورات التي امتصها خياله وعقله من مجتمعه ومن


أهله، وليست معرفة مبنية على المعاناة والدراسة والبحث.

إن فكرته عن الاسلام أخذها - ليس عن مصادر الاسلام الاساسية «القرآن الكريم والسنة الصحيحة» وانما أخذها عن العجائز واشباه العجائز وعن الجهال وأشباه الجهال، وعن الكتابات المتأثرة بالأفكار الاسرائيلية، والقصص التي لم تثبت إسلامياً من مصادر الاسلام الصحيحة.

وسيمر علينا خلال نقدنا التحليلي للكتاب كثير من الأمثلة الدالة على أن المؤلف ينقد موضوعاً لا يعرفه معرفة كافية. إنه يعرف الاسلام معرفة مشوهة، ويريد أن يجعل الاسلام من خلال معرفته المشوهة - موضوعاً لنقده، مستخدماً في ذلك الآراء التي استعارها من أولئك الذين أطلقوها ضد الدين في فترة الصراع بين الكنيسة وملوك الحكم المطلق في أوربا، تلك الآراء التي تجاوزها الفكر واثبت زيف كثيرٍ منها، وفجاجته، وإغراقه في الذاتية والعاطفية.

سنرى أن الفصل الذي عقده المؤلف تحت عنوان «الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني» لا يكشف عن بؤس الفكر الديني، ولا يكشف عن بؤس الفكر العلمي وإنما يكشف عن البؤس الفكري للدكتور المؤلف.

ب - وظيفة الدين، ما هي؟

إن الدين عقيدة إلهية ينبثق عنها نظام كامل للحياة الانسانية. يقوِّم السلوك الانساني، ويرسم المناهج الصحيحة لهذا السلوك، ويرفع الكائن البشري من مستوى الحيوانية إلى مستوى الانسانية العالية.


وليست وظيفة الدين أن يقدم تفسيراً تفصيلياً للكون: كيف نشأ؟ وما هي الأطوار التي مرّ فيها؟ وما هي العناصر التي يتكوّن منها؟ وما هي التفاعلات بين هذه العناصر؟ إلى غير ذلك من هذه المسائل. وليس في الاسلام شيء من ذلك إذا ما رجعنا إلى المصادر الاساسية للاسلام.

كل ما يقوله الدين في هذا المجال أنه يرد الكون إلى علة علياً إنه يعتبر «اللّه» هو السبب النهائي الاعمق والأعلى للتكوين «ويحتم على تسلسل العلل والاسباب أن يتصاعد إلى قوة فوق الطبيعة وفوق المادة» أما المسائل المتقدمة وأمثالها فهي مجال العلم.

وموقف الدين الاسلامي من العلم يتكون من عنصرين:

الأول: التشجيع على البحث والمعرفة، وذلك بفتح الآفاق أمام العقل البشري، وإزالة المعوقات التي تعترض طريقه وتعرقل سيره «حرم الاسلام السحر، والشعبذة، والكهانة، والقيافة»(١) فالاسلام يشجع،

____________________

(١) وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة في مناسبات عدة وجه اللّه فيها الانسان إلى طلب المعرفة والبحث في الكون المادي والحياة الانسانية والحيوانية والنباتية المحيطة به. وبين اللّه تعالى في طائفة اخرى من الآيات أن الكون المادي كله مسخر للانسان لينتفع به، ولا يمكن ذلك بطبيعة الحال إلا بعد اكتشافه، واكتشاف القوانين التي تيسر التعامل معه.

والطائفة الاولى من الآيات هي آيات التفكر، منها الآيات التالية:

١ - «إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب.

الذين يذكرون اللّه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السماوات =


____________________

= والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار» آل عمران (مدنية - ٣) الآية ١٩٠ - ١٩١.

٢ - «اللّه الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى، يدبر الأمر، يفصل الآيات: لعلكم بلقاء ربكم توقنون. وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين، يغشي الليل النهار، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب، وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الاكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون» الرعد (مكية - ١٣) الآيات: ٢ - ٤

٣ - «والانعام خلقها لكم فيها دفء، ومنافع، ومنها تأكلون. ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون. وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم. والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون. وعلى اللّه قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين. هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون. ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون» النحل (مكية - ١٦) ٥ - ١١.

٤ - «واللّه أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعونوإن لكن في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين. ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً، إن في ذلك لآية لقوم يعقلون. وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون. ثم كلي من كل الثمرات، فاسلكي سبل ربك ذلا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه منه شفاء للناس. إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون» النحل/ الآية ٦٥ - ٦٩.

= ٥ - «أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق اللّه السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى..» الروم (مكية - ٣٠) الآية: ٨.

٦ - «اللّه سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره، ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون». الجاثية (مكية - ٤٥) الآية - ١٢-١٣.

والطائفة الثانية من الآيات هي آيات التسخير، وقد مر بعضها في آيات التفكر، ومنها مما لم يتقدم ذكره الآيات التالية.

١ - «ألم تر أن اللّه سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره» الحج (مدنية - ٢٢) الآية: ٦٥.

٢ - «ألم تروا أن اللّه سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة...» لقمان (مكية - ٣١) الآية: ٢٠.


ولا يخطط، لأن التخطيط ليس من وظيفته وإنما هو وظيفة العقل الباحث، ولأن للعلم قوانين تطوره الخاصة التي تنجم عن تطور المعرفة، وتنوع الاكتشافات.

الثاني: إن موقف الدين الاسلامي بالنسبة إلى كشوف العلم وانتصاراته موقف مؤيد - واكرر: بالنسبة إلى العلم، أي إلي ما ثبت باليقين والحس والتجربة، فهو يعترف به، ويباركه ويعتبره مظهراً من مظاهر خلافة الانسان في الأرض. أما الظنون، أما الفرضيات والنظريات فلا قيمة لها، ولا تنال من الدين الاحترام بوصفها علماً لأنها ليست علماً، وإنما هي ظنون «إن الظَّنَّ لا يُغنِي مِنَ الحَقَّ شيئاً»(١)

____________________

(١) سورة النجم، الآية: ٢٨ وقد وردت المقابلة في القرآن دائماً بين العلم الصحيح (الحق) في جميع الحقول أو في حقل بعينه، وبين الظنون والأوهام غير الثابتة، والتي هي، في أحسن الأحوال، «مشاريع» تفتقر إلى مزيد من البحث لاثباتها أو نفيها.


إن الفرضية والنظرية مجرد «مشروع» وليست حقيقة نهائية حتى تؤخذ مأخذ القبول المطلق، وإلا فاذا أردنا أن نظفي على الفرضيات قداسة الحقيقة «المعرفة العلمية النهائية الجازمة» نكون قد نقضنا بذلك المنهج العلمي الذي - لا يجيز لنا الايمان الا بما ثبت باليقين صحته وصدقه.

* * *

إن ما أشرت إليه من جهل المؤلف بموضوع بحثه «الدين الاسلامي» يكشف عن نفسه بوضوح في كثير من الموارد التي ينسب فيها إلي الإسلام أنه يقدّم «نصوصاً مقدسة» تفسر الظواهر الكونية، وهو مخطئ في نسبته ذلك إلى الاسلام.

وما أشرت إليه من بؤس المؤلف الفكري يكشف عن نفسه بوضوح عندما يفترض في الدين موضوعاً غير موجود في الدين وينقده بفرضية من الفرضيات، ونظرية من النظريات التي لم تثبت صحتها، ولم ترتفع عن درجة «الظن» إلى درجة «اليقين».

ج - مَنْهَجة البحث

تحت عنوان «الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني» عالج المؤلف موقف الدين (الاسلامي على الاخص) من العلم، وموقف العلم من الدين في اثنتين وستين صفحة من كتابه.

وقد انطلق في بحثه هذا من فرضية لم يبرهن على صحتها (وما اكثر ما لديه من فرضيات لا تزيد عن كونها دعاوى بلا برهان) - أقول انطلق من فرضية لم يبرهن عليها وهي:


أن النظرة العصرية «يسميها هو علمية» حق بجميع ما اشتملت عليه وأدت اليه، وأن الفكر الديني باطل كله، ابتداء من قضية وجود اللّه إلى إصغر قضية دينية، ورتب على هذه االفرضية العارية عن البرهان أن على الفكر العصري أن ينقد الفكر الديني.

إن أبسط الناس ثقافة لا يستطيع أن يوافق المؤلف على هذا الموقف. وإلا، فاذا كانت المسألة تقوم على مجرد الافتراض والادعاء فلماذا لا يكون الصحيح هو العكس، وهو أن على الفكر الديني الصحيح الأصيل أن يقوم بنفس المهمة تجاه الافكار العصرية القائمة على الهوى وعلى سوء الفهم لقضايا الدين والعلم.

أعتقد أن المؤلف انطلق في هذه المسألة بسبب تشبع فكره «بكليشهات» انصاف المثقفين عن العلم وعن التفكير العلمي وعن قوة العلم وانتصاره، دون أن تكون لديهم القدرة على التمييز بين العلم وبين الفرضيات والنظريات، أضف إلى ذلك ما ذكرناه عن ضحالة تفكيره ومعرفته فيما يتصل بالدين ومصادره الاساسية ووظيفته، فوقع في هذا الخطأ الذي أشرنا إليه.

وعلى أي حال فقد أثار المؤلف في مقدم بحثه قضية الصراع بين الدين والعلم، وعالج في نهاية البحث مسألة وجود اللّه.

وأعتقد ان الترتيب الطبيعي للبحث يقضي بالعكس: أن نبحث أولاً مسألة وجود اللّه، وبعد ذلك تكون جميع القضايا ثانوية، لأن قضية وجود اللّه هي اساس الفكر الديني ، فاذا خرجنا منها برأي حاسم استطعنا أن نصفي بقية المسائل بسهولة.


مسألة العلة الأولى اللّه ام المادة؟

أ - تمهيد

ب - العلة الاولى

ج - اللّه أم المادة؟


في الصفحات (٢٥ - ٢٩ ) عرض المؤلف باسلوب غير علمي لمسألة وجود اللّه، وخلقه للكون، وعرض للمسألة أيضاً في الصفحات (٧٤ - ٧٨ ) عند مناقشته لرأي وليم جيمس. وقد لخص رأيه في المسألة في صفحة (٢٨ - ٢٩) بالنص التالي:

«في الواقع علينا أن نعترف - بكل تواضع - بجهلنا حول كل ما يتعلق بمشكلة المصدر الأول للكون. عندما تقول لي إن اللّه هو علة وجود المادة الاولى التي يتألف منها الكون، وأسألك بدوري: وما علة وجود اللّه. إن اقصى ما تستطيع الاجابة به: «لا أعرف، إلا أن اللّه موجود غير معلول» ومن جهة أُخرى عندما تسألني: وما علة وجود المادة الأولى؟ فان اقصى ما استطيع الاجابة به «لا أعرف، إلا أنها غير معلولة الوجود» في نهاية الأمر اعترف كل منا بجهله حيال المصدر الأول للاشياء. ولكنك اعترفت بذلك بعدي بخطوة واحدة، وادخلت عناصر غيبية لا لزوم لها لحل المشكلة. والخلاصة، وإذا قلنا أن المادة الاولى قديمة وغير محدثة، أو ان اللّه قديم وغير محدث نكون


قد اعترفنا بأننا لا نعرف ولن نعرف كيف يكون الجواب على مشكلة المصدر الاول للاشياء. فالافضل اذن أن نعترف بجهلنا صراحة ومباشرة عوضاً عن الاعتراف به بطرق ملتوية».

وهكذا نرى المؤلف يسجل على نفسه بصراحة ووضوح أنه يجهل حقيقة المصدر الأول للاشياء: أهو اللّه أم المادة؟

ومع ذلك فهو يصرح في كل صفحة تقريباً من صفحات كتابه بأنه (المؤلف) مادي، وبأن الحقيقة النهائية هي المادة، ويختم كتابه بالعبارة التالية:

«ومن المؤكد أن المادية الديالكتيكية هي أنجح محاولة نعرفها اليوم في صياغة صور كونية متكاملة تناسب هذا العصر وعلومه».

وهكذا يقع المؤلف في التناقض.

إن تبني مفهوم معين للكون ينبع بالضرورة من تبني قرار حاسم بالنسبة إلى العلة الاولى للكون:

إن الاعتراف باللّه علةً أُولى يُلزِم بتبنِّى المفهوم الألهي للكون.

والاعتراف بالمادة علةً يُلزِم بتبنِّي المفهوم المادي للكون.

وعدم الجزم بالعلة الاولى للكون - كما يكشف عنه المؤلف في نصه الذي نقلناه - يجعل من المستحيل منطقياً تبنِّي أي من المفهومين - الالهي أو المادي للكون، إذ لا يمكن بناء نتيجة بدون مقدماتها.

أما أن نعلقَ الحكم في مسألة العلة الاولى للكون، لاننا (في زعم المؤلف) نجهلها، ثم نجزم بالمفهوم المادي للكون كما صنع المؤلف فهذا


تناقض ومحال يكشف كما قلت واكرر عن البؤس الفكري للمؤلف. إن تعليق الحكم في العلة الاولى يقتضينا أن نعلق ايضاً الحكم في طبيعة مفهومنا عن الكون: مادي هو أم إلهي؟

* * *

ويقع المؤلف في تناقض آخر بالنسبة إلى مسألة العلة الاولى، فبعد أن اعترف بصراحة في النص السابق بأنه يجهل الجواب عن مشكلة المصدر الأول للاشياء، نراه في صفحة(٧٨) يصرح بإنه يعرف المصدر الأول للاشياء، وينفي وجود اللّه بشكل حاسم، ويعبر عن رأيه هنا بالنص التالي:

«إن المفكر الذي لا يعتقد بوجود اللّه أو يعلق الحكم حول الموضوع بأسره قد لا يفعل ذلك من جهة تكوينه العاطفي... إنه يفعل ذلك لأنه القناعات الفكرية التي تشكلت لديه على أسس علمية واضحة لا تسمح له بأن يعتقد بوجود اللّه دون أن يقع في تناقض ذاتي ودون أن يضحي بوحدة تفكيره ومنطقه».

نتساءل: كيف علق الحكم سابقاً في هذه المسألة، وكيف جزم بالعدم هنا؟

إنه علق الحكم سابقاً لأنه لا دليل على الوجود (في زعمه) ولا دليل على العدم، ومع أنه لم يقدم أي دليل على العدم نراه جزم هنا بعدم وجود اللّه.

* * *


إن المصور لا يستطيع أن يلتقط صورة دقيقة لجسم مّا يريد تصويره ما لم يضبط - بدقة متناهية - زاوية الرؤية بين عدسته وبين الجسم المراد تصويره، فاذا ما أخل بهذا الشرط الاساسي حصل على صورة مشوهة، أو لم يحصل على صورة اطلاقاً.

والأمر في عمليات الفكر يشبه هذا المثال. فاذا أردنا اكتشاف حقيقة ما أو البرهنة على فرضية ما فعلينا ان نفكر فيها من الزاوية الملائمة لها، المتفقة مع طبيعتها - أما حين نفكر فيها من زاوية أُخرى، أو نطبق عليها شروطاً لا تتفق مع طبيعتها فاننا نخفق في مهمتنا، ويؤدي ذلك بنا في النهاية الى الضلال وسوء الفهم كما حدث للمؤلف

ان الشك في وجود علة نهائية للكون، أو الاعتراف بذلك والشك بانها اللّه أو المادة ينتج لدى رجل الفكر من أحد عاملين: إما عن قصور فكري، وإما عن سوء استخدام للفكر بالطريقة الصحيحة. إن ما يبدو لي هو أن المؤلف قد نظر الى مسألة وجود اللّه من غير الزاوية الصحيحة. فادى به ذلك إلى الوقوع في الخطأ: تعليق الحكم في هذه المسألة، أو الجزم بعدم وجود اللّه، فله رأيان في المسألة كما رأينا.

إن هذا يكشف عن أن المولف يعاني من اهتزاز فكري حيال هذه المسألة.

وعلى أي حال فهذه المسألة تبحث على مرحلتين.

الأولى: هل نحن بحاجة إلى الالتزام بعلة أُولى للكون أم لا؟

الثانية: إذا آمنا بلزوم علة أُولى للكون، فهل هذه العلة الاولى هي اللّه كما تقول الفلسفة الالهية أم المادة كما تقول الفلسفة المادية؟


أ - مسألة العلة الاولى

- ١ -

إن مبدأ العلية (توقف كل موجود ممكن على علة لوجوده) من البديهيات التي يدركها العقل البشري. إن الانسان يجد في صميم طبيعته ما يدفعه إلى تعليل الاشياء والظواهر، واكتشاف أسبابها. وقد اعترف المؤلف في ص ٢٥ بأن النظرية العلمية لا تعترف بالخلق من لا شيء».

وكل معرفة بشرية نظرية أو تطبيقية تتوقف على التسليم بمبدأ العلية والاذعان لقوانينه:

١ - مبدأ العلية «إن لكل شيء سبباً».

٢ - قانون الحتمية «إن كل سبب يولد النتيجة الحتمية له بصورة ضرورية ولا يمكن للنتائج أن تنفصل عن اسبابها»

٣ - قانون التناسب بين الاسباب والنتائج: «إن كل مجموعة متفقة في حقيقتها من مجاميع الطبيعة يلزم أن تتفق ايضاً في الاسباب والنتائج».


وهكذا يتوقف على التسليم بمبدأ العلية وقوانينه:

١ - إثبات الواقع الموضوعي للاحساس في التجربة الشخصية المادية.

٢ - النظريات والقوانين العلمية المستندة إلى التجربة.

٣ - جواز الاستدلال وانتاجه في أي ميدان من الميادين الفلسفية أو العلمية ولولا مبدأ العلية لما أمكن إثبات شيء من ذلك.

- ٢ -

وهنا يواجهنا سؤال أساسي:

هل مبدأ العلية قائم على أساس تجريبي أو على أساس فلسفي؟

الحق أن مبدأ العلية ليس مبدأً يستند إلى الحس، ولا إلى التجربة وإنما هو مبدأ عقلي ضروري فوق الحس وفوق التجربة.

ليس مبدأ العلية برهاناً حسياً لأن الحس لا يكتسب صفة الحقيقة الموضوعية إلا عن طريق مبدأ العلية، فليس من المعقول أن يكون مبدأ العلية مديناً للحس في ثبوته.

وليس مبدأ العلية نظرية علمية تجريبية، لأن جميع النظريات العلمية تتوقف عليه. فإن كل استنتاج علمي قائم على التجربة يواجه المشكلة التالية، وهي: أن التجربة التي يستند عليها الاستنتاج محدودة بنماذج معينة، فكيف تكون بمجردها دليلاً على نظرية عامة؟ والحل الوحيد لهذه


المشكلة في العلية وقوانينها: مبدأ العلية. قانون الحتمية. قانون التناسب

فإذا افترضنا أن مبدأ العلية نفسه، مرتكز على التجربة فسنواجه مشكلة العموم والشمول من جديد على صعيد مبدأ العلية نفسه، وذلك لأن التجربة ليست مستوعبة للكون، فكيف تعتبر دليلاً على نظرية عامة، وقد كنا نحل هذه المشكلة في مختلف النظريات العلمية بالاستناد إلى مبدأ العلية، بصفته الدليل الكافي على عموم النتيجة وشمولها، وأما إذا اعتبر نفس هذا المبدأ تجريبياً، وواجهنا مسألة العموم والشمول بالنسبة إليه، فسوف نعجز نهائياً عن الجواب عنه.

وإذن، فلا بد أن يكون مبدأ العلية فوق التجربة، وقاعدة أساسية للاستنتاجات التجريبية عامة.

وأخيراً، إن مبدأ العلية مبدأ ضروري لا يمكن الاستدلال على رده، وذلك لأن الدليل علة للعلم بالشيء المستدل عليه، وإذن محاولة الاستدلال على رد مبدأ العلية تنطوي على الاعتراف بمبدأ العلية وتطبيقه.

والخلاصة: أن مبدأ العلية ليس مبدأً حسياً، وليس مبدأ تجريبياً، ولا يمكن نقضه بأي دليل، وإنما هو مبدأ عقلي ضروري فوق الحس والتجربة، وثابت بصورة متقدمة على جميع الاستدلالات التي يقوم بها الانسان.

- ٣ -

بعد أن آمنا بمبدأ العلية وقوانينه، وأنه مبدأ عقلي ضروري، تخضع


له جميع الموجودات الممكنة ولا تستغني عنه، نتساءل:

لماذا تحتاج الأشياء إلي علل، ولماذا لا توجد الأشياء بدون علل؟

وقد أجاب عن ذلك الفيلسوف الاسلامي الكبير (صدر الدين الشيرازي) بما ملخصه: إن علاقة العلية بين العلة والمعلول هي ارتباط بين شيئين، وللارتباط مظاهر متنوعة، ولكنها جميعاً ترجع إلى نوعين.

احدهما: أن يكون لكل من الشيئين المرتبط أحدهما بالآخر وجود مستقل سابق على حصول الارتباط: يكون القلم - مثلاً موجوداً بصورة مستقلة، ويكون الكاتب موجوداً بصورة مستقلة، ثم يحصل الارتباط بينهما حين يستخدم الانسان القلم للكتابة. ويكون القماش - مثلاً - موجوداً بصورة مستقلة، ويكون الشخص موجوداً بصورة مستقلة أيضاً، ثم يحصل الارتباط بينهما حين يلبس الشخص القماش ثياباً، وهكذا.

ثانيهما: أن لا يكون لأحد الشيئين وجود مستقل عن وجود الاخر وهذا هو رباط العلية، مثلاً (ب) ارتبط ب‍ (ا) برباط العلية، ففي هذه الحالة لا يكون له (ب) وجود مستقل عن وجود (ا) وإنما حقيقة وجود (ب) عبارة عن ارتباطه وعلاقته ب (ا) فلو انقطع هذا الارتباط انقطع وجود (ب) بالضرورة - وهذا بخلاف ما إذا كان الارتباط ليس على نحو العلية، فان انقطاع الارتباط بين القلم والكاتب لا يؤثر على الوجود المستقل لكل منهما، وإنما يحتفظ كل واحد منهما بوجوده المستقل قبل الارتباط ومعه وبعده، بينما المعلول وجود منبثق عن العلة حال ارتباطه بها أما قبل ذلك فلا وجود له ابداً، وأما بعد انقطاع الارتباط فينعدم فوراً.


وإذن: فالحقائق الخارجية ليست في الواقع إلا تعلُّقات وارتباطات، فالتعلق والارتباط مقوم لكيانها ووجودها، والسر في احتياجها إلى العلة أن وجودها وكيانها عبارة عن الارتباط والتعلق بمنبع وجودها المباشر، وهو العلة.

- ٤ -

إن مبدأ العلية في الكون يقودنا الى قانون النهاية: «إن العلل المتصاعدة التي ينبثق بعضهاعن بعض، يجب أن تكون لها بداية، أي علة أُولى لم تنبثق عن علة سابقة».

وذلك لأن العلل لا يمكن أن تتصاعد بشكل لا نهائي، فإن الموجودات المعلولة كلها ارتباطات، وهي تحتاج إلى حقيقة مستقلة تنتهي إليها، وإلا فإن سؤال «لماذا؟» يبقى قائماً بالنسبة إلى كل موجود، وإذن، فإن عقلنا يقودنا إلى الايمان بسبب أول متحرر من مبدأ العلية، مستقل بذاته عن كل شيء، وبذلك لا نواجه بالنسبة إليه سؤال «لماذا؟».

* * *

إن خضوع الكون كله لمبدأ العلية وقوانينه قادنا بصورة حتمية إلى الايمان بعلة أُولى واجبة الوجود بالذات، غير محتاجة إلى علة، ولا يسع الانسان الا الاذعان لهذه الضرورة العقلية لأن رفضها يؤدي إلى التسلسل اللانهائي المستحيل.


ب - اللّه أم المادة

- ١ -

يتألف الكون المنظور من عدد من العناصر الأساسية بلغ عدد ما اكتشف منها حتى الان عنصرين ومائة عنصر رتبت في جدول حسب تسلسل وزنها الذري. ويقع الهدروجين في أول هذا الجدول لأنه أخف العناصر في وزنه الذري، فهو يحتوي في نواته على شحنة واحدة موجبة، يحملها بروتون واحد، ويحيط بها الكترون واحد ذو شحنة سالبة، ويقع في نهاية الجدول النوبليوم - فمرقمه الذري (١٠٢) أي أن نواته تشتمل على (١٠٢) وحدة من وحدات الشحنة الموجبة، ويحيط بها ما يماثل هذا العدد من الالكترونات ذات الشحنات السالبة.

في حدود ما وصل إليه العلم الان هذه العناصر هي المواد الاساسية التي يتألف منها الكون المادي، وهذا الحشد الهائل من الحقائق والانواع المختلفة يرجع لدى التحليل إلى تلك العناصر.


- ٢ -

وقد أثبت العلم التجريبي أن خصائص هذه العناصر غير نهائية وغير ثابتة، بل يمكن تبدل بعضها ببعض، وهذا التبدل بعضه يتم بصورة تلقائية، وبعضه يمكن إحداثه بالوسائل العلمية. فعنصر اليورانيوم - مثلاً - يطلق انواعاً ثلاثة من الأشعة، منها أشعة (الفا) وهي عبارة عن ذرات عنصر الهليوم، ويتحول اليورانيوم تدريجياً إلي راديوم، ويتحول الراديوم - بعد عدة تحولات عنصرية - إلي عنصر الرصاص.

وقد تمكن العالم الطبيعي (رذرفورد) من تحويل عنصر إلى عنصر آخر بجعل ذرات الهليوم تصطدم بذرات الآزوت، فنتجت ذرة هيدروجين من ذرة الازوت، وتحولت ذرة الازوت إلى اوكسجين.

وهكذا غدا من الثابت أن خصائص العناصر ليست ذاتية للعناصر.

- ٣ -

وقد استطاع العلم التجريبي - على ضوء نسبية آينشتين - أن ينزع عن الكتلة صفتها المادية، ويحولها إلى طاقة، فلم يعد في الكون عنصران متميزان: أحدهما المادة المحَّسة، والآخر الطاقة غير المحسَّة، بل غدت المادة عبارة عن طاقة مركزة، فإن كتلة الجسم نسبية، وليست ثابتة، فهي تزيد بزيادة السرعة، كما اكدت التجارب التي أجراها علماء الفيزياء الذرية. ولما كانت كتلة الجسم تزداد بازدياد حركته - وليست الحركة


إلا مظهراً من مظاهر الطاقة - فالكتلة المتزايدة في الجسم هي إذن طاقته المتزايدة، وذلك وفقاً للمعادلة التالية:

الطاقة = كتلة المادة × مربع سرعة الضوء: «١٨٦٠٠٠» ميلٍ في الثانية. كما أنه : الكتلة المادة = الطاقة مربع سرعة الضوء.

وإذن، فنفس صفة «المادية» صفة عرضية، وليست ذاتية للمادة المتطورة.

- ٤ -

على ضوء الحقائق السابقة.

١ - إن المادة الأصلية للكون المادي ترجع إلى حقيقة واحدة مشتركة.

٢ - إن خواص المركبات التي تتكون من العناصر - هذه الخواص ليست ذاتية بالنسبة إلى المادة الأصلية، وإنما هي عارضة عليها بسبب التركيب، وليس عن الطبيعة الاساسية المكوِّنة للمركب.

٣ - إن خواص العناصر البسيطة التي يتكون منها العالم المادي أيضاً ليست ذاتية لتلك العناصر وليست نهائية بدليل تحول بعض العناصر إلى بعض آخر كما رأينا.

٤ - وأخيراً إن صفة «المادية» ليست ذاتية للمادة المحسوسة، لأنها تتحول - في نهاية المطاف - إلى طاقة.


وإذن، فليست لدينا «حقيقة نهائية» هي المادة. وليست لدينا حقيقة نهائية. هي الطاقة.

النتيجة

- ٥ -

ان المادة لا يمكن ان تكون هي العلة النهائية للكون، لان الكون يحتوي على حشد هائل من المظاهر المتنوعة، والانواع المتباينة، وهي ترجع باجمعها إلى حقيقة واحدة كما رأينا. ولا يمكن للحقيقة الواحدة أن تختلف آثارها وتتباين افعالها، إذ لو أمكن ذلك لأمكن أن تكون الحقيقة الواحدة متناقضة الظواهر، ولكن هذا مستحيل لانه يؤدي الى القضاء على نتائج العلوم الطبيعية جميعاً، لأن هذه العلوم قائمة - كما رأينا سابقاً - على أساس قانون التناسب الذي يقضي بأن الحقيقة الواحدة لها آثار واحدة وثابتة لا تتغير، فقد بينا أن التجربة في العلم الطبيعي لا تتناول إلا نماذج ضئيلة من المادة المدروسة، وتعمم نتائج التجربة الى جميع المادة المدروسة بمقتضى قانون التناسب، فلو فرضنا إمكان تناقض ظواهر الحقيقة الواحدة لما أمكن وضع أي قانون علمي عام، وبذلك تنهار العلوم كلية.

واذن، فهذا الفرض - ان التنوع من خصائص المادة الذاتية - فرض مستحيل.

واذن، من المستحيل أيضاً أن تكون المادة هي العلة النهائية للكون،


لأن هذا الفرض يؤدي بنا الى الاستحالة العقلية كما رأينا، ويصدم حقائق التجربة الواقعية.

واذن، فاذا كانت المادة غير صالحة لأن تكون علة نهائية، فلا بد أن تكون هذه العلة النهائية فوق المادة وفوق الطبيعة.

- ٦ -

هل بقي علينا شيء؟

نعم بقي علينا أن نناقش - بصورة مباشرة - موقف الماركسية من هذه المسألة لنفضح قصورها وعجزها وسطحيتها.

تقول الماركسية في تصوير نشوء الكون عن المادة: ان الاشياء تنتج عن حركة في المادة، وان حركة المادة ناشئة ذاتياً عن المادة نفسها لاحتوائها على النقائض في داخلها، وقيام الصراع بين تلك النقائض.

ونغض النظر الآن عن بطلان المبدأ الماركسي (مبدأ التناقض) ونناقش هذه المسألة وفقاً لهذا المبدأ لنرى إن كانت الماركسية قادرة على تفسير نشوء الكون من المادة وفقاً لمبادئها؟

لقد أوضح العلم كما أشرنا - إلى أن العناصر التي يتألف منها الكون ابتداء من الهيدروجين وحتى نهاية السلسلة تعود إلى مادة واحدة بسيطة مشتركة بين الجميع (ولنغض النظر عن ان هذه المادة الاساسية عبارة عن


طاقة) فنسأل: كيف وجدت العناصر الاساسية للكون؟

سنقول - مع الماركسية - إن التناقضات الداخلية في المادة الأساسية ( ولا نعرف من أين جاءت هذه التناقضات في المادة الاساسية البسيطة المتجانسة) - إن التناقضات الداخلية ولدت أبسط العناصر (الهيدروجين) وبالتناقضات الداخلية في الهيدروجين تولد عنصر ارقى منه واكثر تعقيداً، وهو عنصر الهليوم، وتستمر التناقضات تفعل فعلها في الهليوم وما يتولد منه حتى يصل التطور إلى ذروته في العنصر الثاني بعد المئة النوبليوم.

هذا هو التفسير يقدمه الديالكتيك ليفسر به ديناميكية المادة.

ولكن بطلان هذا التفسير يتضح حين نلاحظ أن الهيدروجين لو كان مشتملاً بصورة ذاتية على نقيضه، ومتطوراً بسبب ذلك فلماذا لم تتكامل جميع ذرات الهيدورجين وتتحول إلى هليوم، ولماذا تحول بعضها إلى عنصر الهليوم وبقي الاخر محتفظاً بخواصه العنصرية بالرغم من تناقضاته الداخلية التي حولت أجزاء منه إلى هليوم.

إن هذا المثال يمكن تطبيقه على جميع العناصر الاثنين والمئة، وهو يكشف عن بطلان التفسير الماركسي لديناميكية المادة.

وكما اتضح بطلان التفسير المادي على مستوى العناصر يتضح بطلانه بصورة جلية على مستوى المركبات، ولنأخذ الماء مثلاً على ذلك: الماء مركب من أُوكسجين وهيدروجين ولنفرض وفقاً للتفسير الماركسي أحد هذين العنصرين إثباتاً والاخر نفياً نتج عنهما مركب الماء.

ونتساءل: إذا كان هذا التفاعل يتم بصورة ذاتية بين عنصري


الاكسجين والهيدورجين، فلماذا اختص بقسم معين منها، وبقيت الأقسام الاخرى متحررة من أسر هذا القانون، فيوجد اكسجين حر، ويوجد هيدروجين حر، ويوجد ماء.

إن هذا المثال - ويمكن تطبيقه على كل مركب في الكون - يكشف بوضوح عن بطلان التفسير الماركسي لديناميكية المادة.

* * *

الحقيقة هي أن المادة ليست ديناميكية، وليست هي نفسها سبباً ذاتياً لاكتساب خصائصها وتنوعها، فقد عرفنا النتتائج العلمية أن جميع خصائص المادة عرضية.

١ - خصائص المركبات صفات عرضية لها جاءت بسبب تركب العناصر. فخاصة السيلان في الماء عرضية جاءت من اتحاد عناصره، وإذا فرزناها ترجع إلى حالتها الغازية وتنعدم خاصة السيلان.

٢ - خصائص العناصر نفسها صفات عرضية لها، فاليورانيوم مثلاً خصائصه من اختزانه لانواع أشعته، فاذا فقدها يتحول إلى الراديوم الذي يتحول بدوره - بعد عدة تحولات إلى رصاص.

٣ - خصوصية «المادية» في المادة البسيطة نفسها صفة عرضية لها، فقد عرفنا أنها تتحول إلى طاقة، وتتكون من الطاقة.

وإذن: فليست المادة ديناميكية بذاتها تولد تفاعلاتها وتنوعاتها وظواهرها بنفسها، لأن كل ذلك (حتى ماديتها) شيء عرضي لها.

وهكذا يظهر بجلاء ووضوح عجز الماركسية عن تفسير نشوء الكون


من المادة، وتسقط بصورة مزرية فكرة أن المادة هي العلة الاولى.

وهكذا ننتهي بصورة حتمية إلى الايمان باللّه علة نهائية للكون.

ويجب أن نوضح هنا ان ايماننا باللّه لا يعني أن الاسباب الطبيعية لا معنى لها ولا أهمية لها، وانما يعني أن التنوع والتطور الظاهر والخفي في الكون يعود إلى اسباب طبيعية خارج المحتوى الذاتي للمادة، وهذه الاسباب تتصاعد متولدة من بعضها حتى تصل في النهاية إلى علة وراء الطبيعة هي اللّه تعالى.

الاسلام والعلم

يرى المؤلف في ص ٢١

«أن الدين - كما يدخل في صميم حياتنا، وكما يؤثر في تكويننا الفكري والنفسي - يتعارض مع العلم، ومع المعركة العلمية قلباً وقالباً، روحاً ونصاً».

نناقش فيما يلي الأدلة التي ساقها المؤلف على رأيه هذا لنكشف عن خطأه، وعن جهله بموضوع نقده (الدين الاسلامي).

- ١ -

يذكّر المؤلف قارئه بالصراع الذي حدث بين العلم والدين في أُوربا، ونحن نقول له: إن الصراع حدث بين علماء عصر النهضة وكنيسة القرون الوسطى لأسباب لا مجال لذكرها الان، وليس بين العلم والاسلام. وحدث في أُوربا وليس في العالم الاسلامي، والاسلام ليس ملزماً بتبرير


مواقف لم يتخذها هو في مناطق جغرافية لم يصل إليها، وفي مجتمعات لم يطبعها بطابعه.

وما يدعيه المؤلف من أن في العالم العربي معركة تدور في الخفاء بين الدين والعلم شيء لا نعرفه ولا نحسه، ولا يعرفه احد ولا يحسه - نعم تدور في العالم العربي معركة - ظاهرة وليست خفية - بين الاسلام وبين الالحاد متمثلاً في الماركسية ومشتقاتها. والماركسية ليست علماً: ليست علماً بعد أن افتضح عجزها عن تفسير تطور الكون والحياة والمجتمع، وبعد أن اضطر قادتها إلى تغييرها وتبديلها حتى لم يبق منها في بعض المناطق إلا اسمها، ليست علماً وانما هي مجموعة من الأخطاء في الفكر اطلق عليها إسم العقيدة. وإن صداقتنا مع المعسكر الشرقي لا تعني تبعيتنا له في عقائده وطرائقه التي اتضح لمفكرينا وعلمائنا بطلانها. إننا أصدقاء، نعم، ولكن عقيدتنا وجذورنا التاريخية ستبقى هي التي تكوّن شخصيتنا الحضارية المستقلة. وتدور في العالم الاسلامي معركة بين الاسلام وبين تيار الانحلال والاباحية الجنسية، والانهيار الاخلاقي الوافد إلينا من الغرب، وتدور في العالم الاسلامي معركة بين الاسلام وبين الاستعمار بشتىٍ اشكاله والوانه: العسكري، والاقتصادي، والفكري، من أي مصدر جاء.

- ٢ -

(ص ٢٢) أ : «ويحوي الدين الاسلامي آراء ومعتقدات تشكل


جزءً لا يتجزأ منه عن نشوء الكون وتركيبه وطبيعته، عن تاريخ الانسان وأصله وحياته خلال العصور».

لا أدري أين وجد المؤلف هذه «الموسوعة الدينية عن الكون» نشوئه، وتركيبه، وطبيعته. الحق أن الموجود في القرآن والسنة الصحيحة لا يعدو الأفكار العامة عن نشوء الكون، وأنه نشأ بارادة اللّه، وعن اصل تكوين هذه السلالة البشرية الموجودة الان، وهي لا تتنافى مع اية حقيقة علمية قائمة على الاطلاق - كما سنرى.

نعم، ربما يكون المؤلف قد استقى بعض معلوماته الدينية من اشخاص أو مصادر متأثرة بالاسرائيليات كبعض العجائز المتأثرات كثيراً بهذا النوع من القصص فيروينها لاطفالهن، كما لا يزال يؤمن كثير من المتعلمين عندنا ببعض الفرضيات «العلمية» التي شاع في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، والتي تجاوزها العلم منذ عقود من السنين ولكن افكار متعلمينا لا تزال متشبثة بها بالرغم من الشكوك الكبيرة التي تحيط بانقاضها الباقية ك‍«الداروينية» و«المادية الجدلية»، ولا يفوتنا أن نذكِّر المؤلف وغيره بأن كثرة أشياع فكرة ما لا تعني أنها حقيقة، وأن القوة المادية لا يمكن أن تسبغ صفة الحقيقة على أية فكرة، إن الفكرة حينئذٍ تكون أداة سياسية، لا حقيقية علمية.

ب - بالنسبة إلى منهج البحث في كل من العالم والدين، قال المؤلف:

«إن الاسلام والعلم في هذا الأمر على طرفي نقيض، فبالنسبة للدين


الاسلامي (كما بالنسبة لغيره) إن المنهج القويم للوصول إلى مثل هذه المعارف والقناعات هو الرجوع إلى نصوص معينة تعتبر مقدسة أو منزلة، أو الرجوع إلى كتابات الحكماء والعلماء الذين درسوا وشرحوا هذه النصوص».

أُكرر قولي عن المؤلف بأنه لا يعرف الاسلام (موضوع نقده).

أولاً: ليس في الاسلام افكار تفصيلية حاسمة حول الكون، وطبيعته وتركيبه وتفاعلاته، ومن هنا فليس ثمة موضوع لاتهام المؤلف للاسلام.

ثانياً: إن النصوص الدينية التي تكون مورداً للدراسة والفحص والتعمق فيها هي نصوص الدين، أي ما يتناول العقيدة والشريعة، وليس لأجل اكتشاف أسرار الطبيعة المادية. إن المنهج في استكشاف اسرار الطبيعة المادية هو التجربة وليس دراسة النصوص. إن علماء المسلمين العظام الذين نبغوا في جميع مجالات العلوم الطبيعية في المغرب والمشرق (الخوارزمي، ابن خلدون، ابن سينا، ابن الهيثم، جابر بن حيان، الطوسي وغيرهم، وغيرهم) هؤلاء العلماء الذين بنت أوربا نهضتها علي ثمرات بحوثهم العلمية توصلوا إلى نتائجهم العلمية الباهرة لا بدراسة القرآن والحديث يا دكتور، وإنما باتباع النهج العلمي في البحث والتجربة. إن دور الدين في تكوينهم العلمي هو انه الهمهم ودلهم على قداسة هذا النوع من البحث العلمي وعظمته وكوّن في عقولهم المنهج التجريبي عن طريق الأمر بالبحث والتأمل والنظر في ظواهر الطبيعة وأسرار الانسان، وذلك كما ورد كثيراً في الحديث وفي الآيات الكونية في القرآن.

لقد كان هؤلاء علماء في الفلك والطب والجغرافيا، والكيمياء والفيزياء


والاجتماع البشري، وغير ذلك، وكانوا مع ذلك مسلمين صالحين يتلقى المجتمع والدولة على صعيد رجال الدين ورجال الدنيا نتاجهم بالاحترام والتقدير والاعجاب، بل وينفقون الاموال الطائلة عليهم وعلى بحوثهم، وعلى تيسير وسائل البحث العلمي لهم من مكتبات ومستشفيات، ومراصد، وغيرها.

هل سمع الدكتور أن عالماً مسلماً اضطهد لعلمه، لاكتشاف من اكتشافاته، أو لرأي من آرائه كما حدث في أمكنة أُخرى؟ لم يحدث هذا أبداً يا دكتور (فلماذا تقيس الدين الاسلامي إلى غيره) عفواً، فما بالي أسألك، والذي يبدو لي من كلامك انك جاهل بالتاريخ العلمي للمسلمين كجهلك بالدين.

ولا ينقضي تعجبي من أحد المدافعين عن الدكتور (ملحق النهار / ١٨ ك٢ ١٩٧٠) الذي أراد - بدافع من حقده على الاسلام أو جهله به - أن يلحق بالاسلام التهمة العالقة بغيره، فادعى أن الامويين قتلوا العلماء القائلين بحرية الفكر، ويا ليته جاء على ذلك بشاهد من التاريخ يثبت دعواه. نعم، كان الامويون يلتزمون بمبدأ الجبرية لغايات سياسية ولكن التاريخ لا يحدثنا انهم قتلوا القائلين بحرية الانسان. على اننا لا نستطيع اعتبار الامويين ممثلين امناء للاسلام - إن

موضوعنا هو الاسلام كما ورد في مصادره الاساسية.

- ٣ -

أ - « من الامور الجوهرية التي يشدد عليها الدين الاسلامي أن جميع الحقائق الاساسية التي تمس حياة


الانسان في الدنيا والآخرة قد كشفت مرة واحدة في نقطة معينة وحاسمة في التاريخ - نزول القرآن وربما الكتب الاخرى قبله - ».

من أين جاء المؤلف بهذه الفكرة عن الاسلام؟ ومن قال له أن جميع المعارف التي تتعلق بحياة الانسان في الدنيا قد اكتشفت بنزول القرآن؟ ولماذا اشتغل المسلمون بشتى العلوم إذن إذا كانت هذه هي عقيدتهم؟ لا استطيع الا أن اكرر اتهامي للمؤلف بأنه جاهل بموضوع نقده بصورة تبعث على الأسف. كلا يا استاذ هذه الخرافة التي ذكرتها ليست من الاسلام في شيء. إن المعرفة في الاسلام عملية اقتحام واكتشاف للمجهول. وقوله تعالى:

«َ ما فَرّطْنا في الكتَاب منْ شيء(١) » الذي استشهدت به، لا يعني ميادين العلوم والحقائق الكونية، إن كلمة «شيء» في الآية حين توضع في اطارها - الدين - تعني القواعد العامة المعلقة بامور العقيدة والشريعة، ولكن المشكلة انك لا تعرف الاسلام من مصادره الاساسية.

ب - «اما الدين فبطبيعة عقائده المحددة ثابت ساكن، يعيش في الحقائق الأزلية، وينظر إلى الوراء ليستلهم مهده».

إن الدين ثابت في عقائده وتشريعاته، ولكنه يدفع إلى الحركة في

____________________

(١) سورة الأنعام، آية: ٣٨.


الكون، والتقدم في الحياة، وبناء الحضارة، ودليل ذلك تاريخ المسلمين الحضاري حين كان الإسلام يحركهم ويدفع بهم نحو بناء الحضارة وصنع التاريخ.

وتلح على ذهني أن المؤلف استقي أفكاره هذه من المستشرق ه‍ أ جيب في كتابه «الاتجاهات الحديثة في الإسلام» فإن هذا المستشرق في بعض فصول كتابه المذكور وجه إلى الاسلام هذا الاتهام الذي ردده المؤلف هنا.

ج - «في الواقع أصبح الاسلام الايديولوجية الرسمية للقوى الرجعية المتخلفة في الوطن العربي وخارجه، والمرتبطة صراحة ومباشرة بالاستعمار الجديد».

إن الاسلام ليس حليفاً لأي نظام غير عادل، وإذا كانت بعض الدول «تظهر» الإسلام كحليف لها فما ذاك إلا لأنها سخرت الإسلام لخدمة مآربها، كما تظهر الحكومات الاشتراكية الإسلام كحليف لها، والحقيقة هي أن الإسلام مع نفسه فقط.

ولا تفوتنا هنا أن ننبه على تناقض من تناقضات المؤلف الكثيرة، فهو في هذا الموضع يتهم الإسلام بأنه حليف الاستعمار والرجعية، ولكنه في ص ٤٥ - ٥١، تحت عنوان «التوفيق التبريري» يقول ان الإسلام يتخذ سنداً للرجعية وللاشتراكية وللديمقراطيات الشعبية، وللليبرالية. ونسأل المؤلف: هل هذه المواقف تشكل اتهاماً للاسلام الذي لا ينسجم إلا مع نفسه فقط أو تشكل اتهاماً بالجهل أو بالنفاق لاولئك الذين يظهرونه بمثل هذه المظاهر «ملاحظة: نذكر المؤلف بأن حكومة ستالين في الاتحاد


السوفياتي استعانت بالروح الديني عند المسلمين التابعين لها في الحرب العالمية الثانية»

هذه هي الأدلة التي ساقها المؤلف للتدليل على أن الإسلام يقف ضد العلم، وقد رأينا مدى تفاهتها، وكشفها عن جهل المؤلف بموضوع نقده.

* * *

وقد استطرد المؤلف في ص ٢٤ - ٣٣، في أفكار يبدو أنه أراد أن يعزز بها أدلته الثلاثة، ونحن نستعرضها فيما يلي لبيان زيفها وبطلانها:

أ - «وهناك تشابه بين الدين والعلم في أن كليهما يحاول أن يفسر الأحداث وأن يحدث الأسباب ص٢٤».

هذا خطأ. ان الدين الإسلامي لا يحاول أن يفسر الظواهر الطبيعية، ولا يحاول أن يجعل نفسه بديلاً عن العلم. ان الدين كما ذكرنا عقيدة وشريعة توجه سلوك الانسان وحياته، وموضوع العلم هو الطبيعة يكتشفها ويسخرها للانسان، ودور الدين في العملية دور الاثارة، والتوجية وبعث الاهتمام بالطبيعة، ونحو اكتناه المعنى الذي يكمن فيها، ومن يلاحظ الآيات الكونية في القرآن يرى الشاهد على ما نقول. وبهذا ينكشف أن كل النائج التي رتبها المؤلف على مقدمته السابقة خيال محض من عنده وليس من الإسلام.

ب - «خلق اللّه هذا الكون في فترة معينة من الزمن بقوله كن فكان. أما الطبيعة فقد حافظت على سماتها الأساسية منذ أن خلقها اللّه، أي أنها تحتوي الآن على نفس الاجرام السماوية وأنواع الحيوانات والنباتات التي


كانت موجودة فيها منذ اليوم الأول لخلقها، أما النظرية العلمية حول الموضوع ذاته فلا تعترف بالخلق من لا شيء، ولا تقر بأن الطبيعة كانت منذ البداية كما هي عليه الان».

١ - نكرر ان العقيدة الأساسية في الإسلام هي أن علل التكوين المتصاعدة في عالم الطبيعة تنتهي إلى اللّه، وما ورد في القرآن،

( إنما أَمرُه إذا أرادَ شَيْئاً أن يَقُولَ له كن فيكون ) (١)

____________________

(١) ورد أمر الخلق (كن) في القرآن الكريم في سبع سور، في ثمان آيات، هي كما يلي

١ - «بديع السماوات والارض. واذا قضى أمراً فانما يقول له كن فيكون»

البقرة (مدنية - ٢) الاية: ١١٧

والآية إخبار من اللّه تعالى عن قدره المطلقة على الخلق بصيغة الغالب.

٢ - «قالت: رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر. قال: كذلك اللّه يخلق ما يشاء، إذا قضى أمراً فانما يقول له كن فيكون»

آل عمران ( مدنية - ٣) الآية: ٤٧

٣ - « إن مثل عيسى عند اللّه كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون»

آل عمران (مدنية - ٣) الآية ٥٩

إخبار من اللّه تعالى في مورد خاص (خلق آدم وعيسى) عن قدرته المطلقة على الخلق.

٤ - «وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون، قوله الحق...»

الانعام (مكية - ٦) الآية: ٧٣

تعليم من اللّه تعالى لنبيه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٥ - «إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون»

النحل (مكية - ١٦) الآية: ٤٠ إخبار من اللّه تعالى عن قدرته المطلقة على الخلق في مقام بيان قدرته المطلقة على بعث الأموات.

٦ - «ما كان اللّه أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فانما يقول له كن فيكون»

مريم (مكية - ١٩) الآية ٣٥

إخبار من اللّه تعالى بصيغة الغائب عن قدرته المطلقة على الخلق في مقام بطلان قول النصارى في عيسى بن مريم انه ابن اللّه.

٧ - «إنما أمره إذا أراد شيئاً ان يقول له كن فيكون»

يس (مكية - ٣٦) الآية: ٨٢

تعليم من اللّه تعالى لنبيه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله في الاحتجاح على المشركين بشأن احياء الموتى وبعثهم.

٨ - «هو الذي يحيي ويميت، فاذا قضى أمراً فانما يقول له كن فيكون»

المؤمن (مكية - ٤٠) الآية: ٦٨

تعليم من اللّه تعالى لنبيه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله في مواجهة المشركين.


وغيرها من الآيات التي ورد فيها هذا التعبير، لاتدل على أن الكون خلق بصورة دفعية على نحو مكتمل، وإنما تدل على قدرة اللّه الكلية الشاملة، بل لعلها على التدريج في الخلق أكثر دلالة بقرينة قوله:

( إذا أرادَ شَيْئاً )

٢ - أما أن الطبيعة وجدت بصورة مكتملة، وحافظت على سماتها الاساسية منذ أن خلقها اللّه... فهذا غير صحيح، وليس في الاسلام ما يشير إلى ذلك، بل في القرآن ما يدل صراحة على أن الطبيعة مرت في أدوار وأطوار حتى اكتملت في صورتها الحاضرة، وعلى المؤلف ان يرجع إلى القرآن الصحيح ليصحح رأيه.


٣ - يقول المؤلف أن النظرية العلمية لا تعترف بالخلق من لا شيء. ونحن نسأل المؤلف: إذا كانت العلوم ترفض الخلق من لا شيء، فكيف وجد الكون اذن؟ ومن اين وجد؟ وهذا الشيء الذي وجد منه الكون مَن أوجده؟ لقد رأينا في مطلع هذا الحديث أن الذي اوجده هو اللّه تعالى.

٤ - تعرض لذكر خلق آدم، والجنة والطرد منها، ونرجئ الحديث عن ذلك إلى موعدنا معه في مكان آخر من كتابه تعرض فيه لهذه المسائل.

٥ - بعد كل ما ذكرنا فما هي قيمة ما نقله المؤلف عن «رسل» وهل هو إلا تهريج في وجه المنطق والحقيقة.

٦ - في ص ٢٩ - ٣١ تحدث المؤلف عن التوتر الذي يعاني منه المثقف الحديث بسبب التعارض القائم بين ثقافته العلمية وبين تراثه الديني - ان هذا التوتر يا دكتور ليس ناشئاً من تعارض حقيقي بين العلم وبين الاسلام، وانما هو ناشيء من أن كثيراً مما تسمونه «علماً» ليس إلا افتراضات لم تتأكد صحتها، أو ثبت بطلانها، وان الدين كما تفهمونه ليس مستنداً على مصادره الاساسية، وانما على الأباطيل التي الصقت به على مدى القرون من الاسرائيليات وغيرها.

العلم، العلم الحقيقي والدين الصافي لا يتعارضان وإنما يتكاملان في تنشئة الانسان وتقدمه.

خلق الانسان

المعتقد الاسلامي الاساسي الذي هو من ضروريات الدين هو أن الانسان وكل شيء في الكون مخلوق للّه سبحانه وتعالى.

أما تفاصيل كيفية الخلق وابتدائها فليس فيها نص صريح قاطع غير قابل للتأويل. وكيفية الخلق وابتدائها ليست من أُصول الدين التي يتحتم الاعتقاد بتفاصيلها ومميزاتها، بل يتقبلها المسلم كما جائت به ظواهر الكتاب والسنة الصحيحة وما لا يتنافي مع المسلمات العلمية اليقينية..

بعد هذا التمهيد نواجه ثلاث مسائل:

١ - وجود الانسان على الأرض هل ابتدأ بالسلالة الانسانية الموجودة الآن، أو سبقتها سلالات أُخرى غيرها انقرضت وبادت؟

٢ - نشأة السلالة الانسانية الموجودة الان.

٣ - الداروينية في علم الأحياء.


- ١ -

لم يتعرض القرآن الكريم بصراحة ووضوح لبيان أن هذه السلالة البشرية الموجودة الان هي السلالة الوحيدة التي ظهرت على الأرض، أو أن ثمة سلالات بشرية أُخرى ظهرت على هذه الأرض، وعاشت ثم انقرضت، ثم تكرر ظهور السلالات البشرية وانقراضها، ونسلنا البشري الحاضر هو آخر هذه السلالات.

قلت إن القرآن لم يتعرض بصراحة ووضوح لبيان هذه النقطة، وإن كان التحليل الدقيق لقوله تعالى في سورة البقرة، وهي قوله تعالى:

( وإذ قال رَبّكَ للمَلائكَةِ إني جاعل في الأرَضِ خَليفَةً. قالُوا: أتجعَلُ فيها مَن يُفْسد فيها ويسفكُ الدّماءَ، ونحنُ نُسبّحُ بحمدِكَ ونقدّسُ لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون ) (١) .

أقول: ان التحليل الدقيق لهذه الآية ربما يدل على أن سلالة انسانية سابقة على هذه السلالة، وجدت على ظهر الأرض، وعاشت، ثم انقرضت. وليس هنا مجال استعراض تحليل الآية المذكورة.

نعم في بعض الأخبار الواردة عن طريق أهل البيت(ع) وعن طريق غيرهم ما يدل بصراحة ووضوح على أن السلالة البشرية الموجودة الآن ليست هي الوحيدة التي وجدت على هذه الأرض من النوع الانساني،

____________________

(١) سورة البقرة الآية ٣٠.


وإنما سبقتها سلالات كثيرة انقرضت قبل وجودها:

١ - روي عن الإمام جعفر الصادق (ع)، قال: «لعلك ترى أن اللّه لم يخلق بشراً غيركم؟ بلى واللّه. لقد خلق ألف ألف آدم. أنتم في آخر أولئك الآدميين».

٢ - ذكر الشعراني في كتابه: «اليواقيت والجواهر/ ج ١ ص ٤٩» عن محيي الدين بن عربي حديثاً رواه عن ابن عباس عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله انه قال: «ان اللّه تعالى خلق مئتي ألف آدم».

٣ - وعن الإمام الباقر (ع): «لقد خلق اللّه في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم، خلقهم من أديم الأرض، فأسكنهم فيها واحداً بعد واحد مع عالمه، ثم خلق اللّه عزوجل آدم أبا البشر، وخلق ذريته منه».

هذه نماذج من النصوص التي تدل بصراحة على تقدم سلالات بشرية، غير السلالة الحالية، في سكنى هذه الأرض، وانقراضها قبل ظهور هذه السلالة.

ولم يتح لنا الوقت لدراسة هذه النصوص من حيث السند والشكل والمضمون وتحليل دلالاتها، ونرجو ان تتاح لنا الفرصة لذلك.

- ٢ -

إن ظواهر القرآن والسنة الصحيحة تدل على أن السلالة البشرية الموجودة الآن تنتهي إلى آدم وحواء «لم يرد في القرآن! اسم حواء»


ونحن هنا أمام أربع احتمالات.

١ - آدم رمز للنوع الانساني كله.

٢ - آدم عدد من أفراد النوع الانسان نظراً لتعدد الوان البشر ورسوسهم.

٣ - آدم فرد إنساني واحد. وهذا ينطوي على احتمالين:

أ - إنسان كامل تطور من نوع حيواني آخر كالقردة العليا مثلاً.

ب - إنسان كامل عقلياً تولد من زوج إنساني غير متكامل عقلياً وهذا بدوره تطور من زوج أحط منه عقلياً، وهذا بدوره تطور لزوج ادنى منه... وهكذا حتى تنتهي السلسلة إلى أبسط أنواع الحياة.

٤ - أن آدم وزوجه هما الابوان الأولان لهذه السلالة الانسانية، وهما لم يتكونا بالتناسل، وإنما خلقا من الأرض.

هذه هي الصورة المحتملة لمسألة المخلوق الأول، وابتداء خلق النوع الانساني - هذه السلالة الموجودة الآن بخصوصها، أو جميع السلالات السابقة ايضاً - واكرر أنه ليس من ضروريات الدين الاعتقاد بتفاصيل مسألة كيفية الخلق الأول، ما دام الاعتقاد الضروري الاساسي موجوداً، وهو أن اللّه خالق كل شيء، الانسان وغيره.

إلا اننا حين نعود إلى الفروض المتقدمة لفحصها نجد أن ظواهر القرآن تدل على الفرض الرابع، وتدفع بظاهرها الفروض الاخرى - ولا مجال


في هذه العجالة لتحليل ذلك، نعم نتوقف عند الفرض الثالث، لأنه الفرض المقبول اجمالاً في أذهان كثير من المتأثرين بالداروينية، وذلك لنبحث مدى صحة نظرية دارون الاحيائية.

- ٣ -

ملخص نظر دارون في علم الاحياء:

إن الأنواع الحية بما فيها الانسان ترجع إلى كائن حي وحيد الخلية. حدثت في داخل هذا الكائن تغيرات نوعية بشكل بالطفرات أوجبت انقسامه إلى أنواع بعد أن كان وحيد النوع. وهذه الطفرات لا تتم بتوجيه وقصد، وإنما تتم صدفة يحصل صراع - وفقاً لقانون تنازع البقاء - بين الأنواع التي زودتها الطفرة الصدفة بكفاءات نوعية جديدة، وبين تلك التي لم تحظ بذلك، وبحكم قانون بقاء الأصلح تبيد هذه الأنواع أمام الانواع المزودة بالطفرات. وهذه التغيرات المكتسبة بالطفرات الصدفة لا بد من افتراض أنها قابلة للتوريث إلى الاعقاب، وهكذا ينشأ جيل جديد ورث الخصائص النوعية المميزة عن اسلافه. وتستمر الطفرات في الحدوث صدفة ويستمر قانون الوراثة في عمله. ويستمر قانونا تنازع البقاء وبقاء الأصلح في عملهما وتستمر التطورات من خلال ذلك، حتى يصل بنا المطاف إلى الانواع الحية السائدة الان، ومن بينها الانسان، قمة هذه العملية التطورية.

هذا ملخص لنظرية دارون في اكمل صورها، بعد كثير من الاصلاحات التي اضافها خلفاء دارون إليها. فهل هي علم يقيني تماثل أن ٢ + ٢ = ٤ ؟


كلا، إنها في غالبها ظنون واحتمالات وفرضيات صنفت لأجل تكوين صورة عن عملية التطور التي لا شك فيها إجمالاً، والتي لا تختص بالأنواع الحية وحدها وإنما تشمل الجماد والنبات والحيوان. فعلينا أن نميز بين أصل مسألة التطور وهي قضية مسلمة إجمالاً وبين تفاصيلها كما شرحها دارون وخلفاؤه وهي لا تعدو أن تكون مجموعة من الظنون والاحتمالات، ولا ترقى الى مرتبة العلم واليقين.

والمناقشات التي تدور حول النظرية تكشف عن ضعفها، وعدم تماسكها:

أولاً: لماذا تحدث الطفرة؟ يجيب الداروينيون: انها تحدث صدفة.

ولكن هذا التعليل غير مقنع. إن الطفرة ظاهرة طبيعية لا بد لها من أسباب، فما هي أسبابها؟ لا ندري!!، إذن تعليلنا للتغير النوعي الذي يحدث بأنه طفرة حدثت صدفة، لا يعني اكثر من أننا نجهل سبب التغيير النوعي. وإلا فإذا كانت الصدفة وحدها كافية - علمياً - لتفسير النوع الحيواني فلماذا لا نفسر الظواهر الطبيعية الاخرى بالصدفة ايضاً؟ وإذا كان التعليل بالصدفة يكفي علمياً فلماذا نرفض فكرة أن السلالة البشرية الموجودة الآن تناسلت من أبوين وجدا صدفة، ولم يتسلسلا من نوع اخر؟.

الحقيقة أن التمسك بالصدفة لا يعني شيئاً اكثر من أننا نجهل السبب في حدوث التنوع الحيواني. وهكذا تختفي السمة العلمية من النظرية لتعوذ بالالفاظ التي تخفي عجزها عن البيان العلمي المقنع ثم ما هي الصدفة؟


هل في الكون صدفة؟ إن للصدفة قانوناً معينا يكشف لنا عن استحالة تعليل نشوء جزيء واحد من البروتين من المركبات الاساسية في جميع الخلايا الحية - إن العالم الرياضي السويسري (تشارلز يوجين جاي) قام بحساب الفرصة التي يمكن أن تتاح لتكوين جزيء واحد من البروتين صدفة فوجد أنها بنسبة(١) إلى (١٠ ١٦٠) أي بنسبة رقم واحد إلى عشرة مضروباً في نفسه (١٦٠) مرة، وهو رقم لا يمكن النطق به والتعبير عنه بالكلمات. وينبغي أن تكون كمية المادة اللازمة لحدوث هذا التفاعل لينتج جزيء واحد من البروتين صدفة اكثر مما يتسع له هذا الكون بملايين المرات. ويجب أن يستمر هذا التفاعل بلايين من السنين قدرها العالم المذكور بأنها عشرة مضروبة في نفسها (٢٤٣) (١٠ ٢٤٣) من السنين. كل هذا لانتاج جزيء واحد من البروتين صدفة فإذا قلنا أن التنوع الحيواني في الكون ناشيء عن طريق الصدفة نصل إلى الصفر، أي أن قيمة الاحتمال أو الصدفة تساوي الصفر أي تساوي المحال الرياضي.

ومع ذلك يقول الداروينيون إن النوع الحيواني في الكون وجد صدفة!!

ثم ان هذه التغيرات التي يسميها الداروينيون طفرات، ما الدليل على أنها نقلت كائناً حياً من حالة نوعية إلى حالة نوعية أُخرى؟ لا دليل، إنه مجرد افتراض لا غير، فلم تستطع جميع العلوم التي استعانت بها الداروينية أن تثبت بصورة علمية لا تقبل الشك حلقات الاتصال بين نوع حيواني ونوع آخر.

ان التغيرات موجودة بلا شك، وتدل على تطور في الكفاءات،


ولكن في داخل كل نوع، ولاتدل أبداً على الانتقال بسببها من حالة نوعية إلى حالة نوعية أُخرى.

ثانياً - ننتقل إلى مشكلة توريث الصفات المكتسبة بواسطة الطفرات، دون الصفات المكتسبة الاخرى التي ثبت علمياً عدم قابليتها للتوارث. بأي تعليل علمي مقبول نعلل هذا الافتراض الذي يشكل العمود الفقري للنظرية - إلى جانب حكاية الطفرة الصدفة لقد فشل دارون وخلفاؤه في اعداد جواب علمي مقبول وكاف على هذا السؤال. أما علم الوراثة فقد اثبت ان مرد جميع الصفات الوراثية إلى الجينات التي تحويها خلايا التناسل. وقد أوضح العلم أن الجينات لم تشتق من خلايا جسمية بل من «جرمبلازم» الوالدين فالأجداد، وهكذا وعلى هذا الضوء أثبت علم الوراثة بعد التمييز بين الخلايا الجسمية والخلايا التناسلية ان الصفات المكتسبة لاتورث. وهكذا تنهار الداروينية، من هنا لتلجأ إلى فرضية التنوع عن طريق الطفرات، وقد عرفنا قيمة هذه الفرضية آنفاً.

وهكذا تبقى الداروينية - مجرد فرضية لم يحالفها التوفيق.

ثالثاً: نساير الداروينية فنقول: لقد وصل التطور إلى قمته متمثلاً بالعقل الانساني، فكيف حدث ذلك؟ ما هو العقل؟ وما هو سره العجيب؟

إن العلم الحديث لا يعرف شيئاً عن طبيعة العقل. والداروينية كغيرها من الفرضيات عاجزة عن تقديم تفسير لنشأة العقل الانساني المدهش.

هل تفرض الداروينية ان العقل تطور من تطورات المادة نشأ بواسطة


الطفرات الصدفة وتنازع البقاء وبقاء الاصلح والتوريث؟..الحق أن أشد مذاهب علم النفس غلواً في المادية «المذهب السلوكي» حاول الجواب وفشل بشكل فاضح.

الخلاصة: إن الداروينية عاجزة عن إثبات دعواها إنها ذات نتائج احتمالية مبنية على مقدمات احتمالية، فهل يصح أن نعتبرها علماً، وان نتخذها سنداً في نقد الافكار الدينية؟ وهل نكون أُمناء حين نسمي الظنون والاحتمالات علماً(١) .

إن الدكتور العظم وقع في الخطأ حين أصدر أحكاماً جازمة مبنية على ما أسماه علماً، وما هو بعلم إن هو إلا ظن واحتمال والظن لا يغني من الحق شيئاً، وندرك مدى خطأه حين يهاجم العقائد مستنداً على هذه النظرية ويهاجم الموفقين بين العلم والدين الذين يرفضون هذه النظرية. انظر ص ٤٢ ، ٤٣ من الكتاب.

____________________

(١) نشرت صحيفة الأهرام القاهرية في عددها الصادر يوم الاربعاء ٢ شوال سنة ١٣٩٢ هجري - ٨ نوفمبر (تشرين الثاني) ١٩٧٢ م ، الخبر التالي:

واشنطن، في ٧ - ١ - ٧٢ وكالات الانباء:

أعلن ريتشار دليكي، أحد علماء الانثروبولوجيا - علم الانسان - في كينيا، أنه تم اكتشاف بقايا جمجمة يرجع تاريخها الى مليونين ونصف مليون عام، ويعد أقدم أثر من نوعه للانسان الأول. وقال العالم: ان هذا الاكتشاف يمتد في أثره مليوناً ونصف مليون عام عن أقدم أثر يمكن العثور عليه حتى الآن. وقد تم اكتشاف عظام الجمجمة مع عظام لساق بشرية ترجع إلى نفس الحقبة من التاريخ في جبل حجري بصحراء تقع شرق بحيرة رودلفا في كينيا.

وقال العالم: ان هذا الأثريمكن أن يقلب النظريات القائمة بشأن تطور الانسان عن أجداده فيما قبل التاريخ، وكيف ومتى تم. =


____________________

= وقد قدم ريتشارد، (وهو مدير المتحف البريطاني في كينيا) تقريراً عن اكتشافه إلى الجمعية الجغرافية في واشنطن، وقال فيه:

إن نظريات التطور الحالية - وعلى رأسها نظرية دارون - تفيد أن الانسان تطور من مخلوق بدائي كانت له سمات بدنية شبيهة بسمات القرود. وان اقدم اثر للانسان كمخلوق منتصب يسير على رجليه وله مخ كبير يرجع الى نحو مليون سنة، في حين ان الاكتشاف الجديد يدل على أن المخلوق الانساني المنتصب في الساقين لم يتطور عن المخلوق البدائي الذي يشبه القرد، بل كان يعاصره منذ أكثر من مليون ونصف مليون عام، وإنه يمكن على هذا الاعتبار استبعاد المخلوق البدائي الأول على اساس ان الانسان انحدر من سلالته وذكرت الجمعية الجغرافية في تعليقها:

«ان نظرية ليكي تقوم على أساس أن المخلوق البدائي الأول، واسمه العلمي (أوسترالو بيتشيكوس) - وكان اساساً من أكلة النباتات - قد وصل الى مرحلة تطورية مسدودة، بينما استطاع الانسان الذي استعمل اللحم في غذائه، وتمكن من صناعة الادوات الحجرية أن يبقى على قيد الحياة.

وأكد ليكي في تقريره أنه أمكن إعادة بناء جمجمة من شظايا العظام التي عثر عليها، وأنه بالرغم من أن هذه الجمجمة لا تشبه جماجم الجنس البشري المعروف حالياً إلا أنها تختلف كذلك عن جميع اشكال الجماجم التي عثر عليها للانسان الأول، ولذلك لا تتفق مع أي نظرية حالية من تطور الانسان»

وفي ١١ - ٣ - ١٩٧٣ نشرت جريدة الأخبار القاهرية في صفحتها الثالثة تحت عنوان «انتكاسة نظرية الارتقاء» ما يأتي للاستاذ ظفر الاسلام خان - الهندي: «تعرضت نظرية الارتقاء لهزة عنيفة في اوائل الشهر الحالي حين قرر المجلس التعليمي الحكومي بولاية كاليفورنيا الامريكية بأن تشير جميع الكتب المدرسية للعلوم الى نظرية الارتقاء الداروينية بأنها «نظرية افتراضية وليست حقيقية» وجاء في قرار المجلس التعليمي للولاية: «ان ما يمكن معرفته عن اصول الحياة لا يعدو أن يكون مجرد افتراض ذكي - على اكثر تقدير -» وأمر المجلس «باستخدام تعديل على العقائد النظرية المسلم بها الى بيانات قابلة للتعديل وفقاً للظروف».

أوردت هذا الخبر مجلة (الايكونومست) الاسبوعية البريطانية في عددها الصادر في ١٠ مارس سنة ١٩٧٣ نقلنا هذين الخبرين عن الاستاذ الدكتور عبد اللنعم النمر مدير البحوث الاسلامية في الازهر الشريف (خواطر من الدين والحياة) الطبعة الاولى ١٩٧٣ م - دار الكتاب اللبناني - بيروت - لبنان ص ٢١٠ - ٢١٢.


الجن والملائكة وابحاث أخرى (الجن والملائكة)

ثمة حقائق أثبتها الوحي ولا سبيل إلى العلم بها عن طريق الحس والتجربة، وهي الحقائق الغيبية. إن الملائكة والجن وابليس والجنة والنار وما إليها ليست أساطير كما يقول المؤلف.

هل النظرة العلمية التجريبية الحسية تنفي وجود هذه الكائنات؟ أو ان الحس والتجربة لم تكتشف هذه الكائنات؟ إن التعبير الصحيح هو الثاني، ولم يقل أحد ان هذه الأشياء يمكن اكتشافها في المختبر، لسبب بسيط جداً، وهو انها خارجة عن نطاق التجربة الحسية. فالرجوع إلى النظرة العلمية الحسية للحكم على ما هو خارج عن نطاقها مسلك غير علمي، ولا ينفي عدم قدرة الحس والتجربة على ملامسة هذه الأشياء ان تكون هذه الأشياء حقيقة أيضاً كالأشياء الحسية.

إن الوحي الصادق الذي ثبت بالبرهان القاطع هو طريقنا إلى العلم بهذه الامور، فاننا إذا آمنا بالعلة الاولى للكون، وهي اللّه. وآمنا بالنبوة والوحي فلا بد لنا من الايمان بالحقائق الغيبية التي اخبرنا الوحي عنها.


إننا حين نؤمن بأن شيئاً ما مصدر للمعرفة، فلا بد لنا من الايمان بالمعرفة التي تأتينا من هذا المصدر.

وإذن فالايمان بهذه الامور فرع للايمان بظاهرة الوحي، ومن لا يؤمن بالوحي لا معنى للكلام معه في الفرع وهو ينكر الأصل، وإذا آمنا بالوحي فمن المنطقي حينئذٍ الايمان بالغيب الذي جاء عن طريق الوحي.

والدكتور العظم وامثاله من الماديين الماركسيين وغيرهم حين يردون الكون وظواهره إلى اصل غير معروف وغير معقول، وحين يلوذون بحكاية الصدفة إذا حوصروا واعوزتهم الحجة المقنعة - هؤلاء ايضاً يؤمنون بالغيب الذي يعتقد بمثله المؤمنون بالاديان، فلماذا يكون غيب الماديين حقاً وغيب المؤمنين بالاديان باطلاً؟ مع أن غيب المؤمنين اكثر عقلانية وانسجاماً مع المنطق السليم.

***

من هنا يتضح لنا أن سخرية المؤلف في (٣٧ - ٣٨) لامعنى لها فليس المراد من النص الذي اختاره المؤلف أن بالامكان اكتشاف موجات ضوئية جنِّية وملائكية، وإنما المراد هو أن ثمة عوالم غير منظورة كثيرة وراء عالمنا، فعدم اطلاعنا على تلك العوالم وتركيبها لا ينفي وجود كائنات غير منظورة وذات طبيعة غير إنسانية فيها - وهذا معنى معقول صحيح لا وجه للسخرية منه.

***

النظرة الغائية

وهذا ينقلنا إلى مناقشة المؤلف للنظرة الغائية إلى الكون. إن المؤلف ينفي القصد والغاية من النظام الكوني. إنه نظام وجد صدفة، نعم صدفة، ووجد بهذا الشكل من النظام الدقيق المحكم المتناسق صدفة.

لا يأبى عقل الدكتور «العلمي» أن يؤمن بالصدفة في كل النظام الدقيق الشامل الذي يسيطر على كل ظواهر الطبيعة ويأبى عقله التصديق بالوحي وبالحقائق الغيبية الآتية عن طريق الوحي.

نعود إلى النظرة الغائية. إن النظام الدقيق المحكم الذي يسيطر على الكون يكشف عن القصد والغاية التي تقود الكون نحو النمو والتكامل. إن المؤلف قد نفى هذه النظرة بكلام خطابي عن العلم وعدم إدراكه للغاية والقصد مع قائمة بأسماء علماء الطبيعة والرياضيات (ص - ٣٨ ٣٩).


وقد فات الدكتور انه لا منافاة بين النظرة الغائية وبين العلم. إن وظيفة العلم وظيفة وصفية، العلم لا يفسر ولا يفلسف، العلم يحلل ويصف فقط، أما التفسير، اما إدراك المعنى الكامن ولاء الظاهرة الطبيعية، فهو من شأن الفلسفة، من شأن العقل المفكر الواعي، وليس من شأن أنابيب الاختبار وأفران الصهر. إن العلم يستطيع أن يحلل التفاحة إلى عناصرها الأساسية، ويصفها، ولكنه لا يستطيع أن يقول لنا انها جملية أو غير جميلة، لذيذة أو غير لذيذة، فلذلك شأن يتعلق بقوى إدراكية لدى الانسان لا علاقة للعلم التجريبي بها.

***

تدخل القدرة الإلهية في عمل الطبيعة

اعترض المؤلف على قوله تعالى في سورة المؤمن:

( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسانَ من سُلالَةٍ من طين. ثم جَعَلْنَاه نُطْفَةً في قرارٍ مَكين. ثم خَلَقْنَا النّطْفةَ عَلَقَةً. فخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فخَلَقْنا المضغة عظاماً. فكسوْنا العظام لحماً. ثم انشأناهُ خلقاً آخر فتباركَ اللّه أحسَنُ الخالقين ) (١) .

اعترض بأن ما تدل عليه الآيات من تدخل الارادة الإلهية في عملية تكون الجنين ينافي ما يقرره علم الأجنة.

ونقول للمؤلف اننا بينا عند الحديث عن المسألة الإلهية ان إيماننا باللّه علةً أُولى للكون لا يعني أننا ننفي العلل الطبيعية من التأثير، كيف ذلك ونحن نشاهد بحسنا وندرك بعقولنا تدخل العلل الطبيعية وعملها؟ وانما يعني ان العلل المتصاعدة لا بد ان تنتهي إلى علة أُولى هي اللّه تعالى.

ونزيد البيان هنا فنقول:

إن الظاهرة تارة تكون خارقة للطبيعية «معجزة» وأُخرى تكون طبيعية. حين تكون الظاهرة خارقة للطبيعة ففي هذه الحالة تكون نتيجة للتدخل الإلهي المباشر. وأما حين تكون الظاهرة طبيعية فهي تتبع بصورة مباشرة أسبابها الطبيعية، ومن ذلك نمو الجنين في الرحم، فإنه تابع

____________________

(١) سورة المؤمن، الآيات: ١٢ - ١٤


لأسبابه الطبيعية المباشرة، وإسناد عملية الخلق إلى اللّه في هذه الآيات، إنما هو باعتبار أن اللّه تعالى هو العلة الاولى والنهائية في سلسلة العلل المتصاعدة. فهو سبحانه وتعالى خلق الأسباب وجعل العلل وفقاً لهذا النظام الذي يحكم الكون كله.

***

تزوير وتناقض

يهاجم المؤلف (ص - ٤٢ - ٤٣) المسلمين الذين يرفضون نظرية دارون، ونظرية الحريات العامة في التاريخ كما بشرت بها الثورة الفرنسية، ونظرية فرويد والماركسية ويهاجمهم لأنهم يرفضون العلم في الوقت الذي يدعون ان الاسلام ينسجم مع العلم.

ونقول للمؤلف اننا قد بينا مدى «علمية» نظرية دارون آنفاً فهي ليست علماً بل ظن واحتمال لا يغني عن الحق شيئاً.

ونقول للمؤلف الماركسي: هل تقر عقيدتك الماركسية نظرية الحريات كما بشرت بها الثورة الفرنسية او ان الماركسية تستغل الحريات إلى أن يستولى اتباعها على السلطة فتخنق كل الحريات. هل يتاح لمسلم أن يهاجم الماركسية في دولة شيوعية كما هاجمت أنت الاسلام والمسيحية في كتابك موضوع البحث. هل توجد حريات في المجتمع الشيوعي؟

ونقول للمؤلف الماركسي هل تعترف الماركسية بنظرية فرويد التي قلت عنها (ص - ٤٣) «انها من أهم النتائج التي توصلت إليها البحوث العلمية


في مجال الدراسات النفسية». نقول له: هل تقر الماركسية نظرية فرويد في أن المحرك الأساسي للانسان هو الغريزة الجنسية، وتنخلى الماركسية عن مبدئها الاساسي في ان العامل الاقتصادي هو العامل الوحيد في حركة الفرد والمجتمع؟

إن الماركسية ترفض نظرية فرويد فلماذا لا يجوز للمسلم أن يرفضها؟ أو إنها بالنسبة إلى الماركسي تكون سخافة وبالنسبة إلى المسلم تصير علماً..

وأما مدى ما في الماركسية من «علم» فنرجو ان تتاح لنا فرصة الحديث عنه مع المؤلف في الفصل الأخير من كتابه.

***

التوفيق التبريري

في الصفحات (٤٥ - ٥١) انتقد المؤلف المحاولات التي تبذل في الدول الإسلامية لتبرير اشكال الحكم القائمة في كل دولة. ونحن نقول للمؤلف إن الإسلام كدين ليس مسؤولاً عن هذه المحاولات، وإنما المسؤول هو الحكام الذين يريدون أن يبرروا أنفسهم، ومسؤولية المبررين.

وقد عرضنا لهذه المسألة في قسم سابق من حديثنا مع المؤلف، ونبهنا على تناقض المؤلف مع نفسه بين ما ذكره هنا وبين ما ذكره عن هذا الموضوع في ص - ٢٣ - ٢٤.

التوفيق التعسفي

في الصفحات (٥١ - ٥٧) ندد المؤلف بقسوة وسخرية عن


المحاولات الرامية إلى تقرير أن بعض المكتشفات العلمية الحديثة قد وردت في القرآن.

ونقول للمؤلف: ان المبدأ العام بالنسبة إلى هذه المسألة هو أن القرآن ليس كتاباً في العلوم، ولذا فليس المطلوب منه ان يتضمن مبادئ علوم الطبيعة وغيرها، وإنما هو كتاب هدى ونور، يقوّم السلوك الإنساني ويهديه سواء السبيل.

ولكن هذا المبدأ لا ينفي أبداً أن في القرآن آيات كثيرة تتضمن إشارات واضحة جداً إلى حقائق علمية كشف العلم عنها بصورة نهائية. ان الآيات التي أتحدث عنها لم تسق للتعبير عن الحقيقة العلمية بصورة مباشرة، وإنما سيقت للتعبير عن أغراض أُخرى تتعلق بالانسان وسلوكه، وقدرة اللّه الكلية ولكنها في طيات ذلك تومئ إلى الحقيقة العلمية. والملاحظة الأمينة المحايدة الواعية تكشف عن ذلك بوضوح. ولو كان المقام يتسع لذكر بعض الأمثلة لذكرتها.

إن السخرية التي يلجأ إليها المؤلف لنفي الآراء التي لا تعجبه لا تقوى على دفع هذه الحقيقة. لسنا مع أولئك المتحمسين الذين يريدون أن يجعلوا من القرآن موسوعة علمية، ولكننا أيضاً لانوافق المؤلف على نفيه القاطع.

التوفيق على الطريقة اللبنانية

في الصفحات (٥٧ - ٦٩) استعراض المؤلف المحاولات المبذولة لانشاء حوار إسلامي مسيحي في لبنان والعالم، واعتبرها ظاهرة من ظواهر


التفكير المجامل في اذهان المسؤولين عن شؤون الفكر الديني عامة واهتماماتهم».

ونقول: لسنا مع الأب يواكيم مبارك وغيره ممن يرون ان يحصروا الحوار في «المقابلة اللاهوتية البحت» فذلك لا يجدي ولا يفيد.

المفروض انه يوجد إسلام ويوجد مسيحية، وانهما دينان متميزان فلا معنى للمطالبة بوحدتهما في كل شيء، وإلا لكانا ديناً واحداً. إن الحوار ينبغي أن يستهدف اكتشاف المبادئ الكبرى التي تجمعها، المبادئ الكبرى في السلوك وفي احترام الانسان، وفي تيسير حركة التقدم الانساني، والتعايش بين الامم والجماعات الثقافية والدينية المختلفة.

إن الاسلام منذ ظهوره منفتح على المسيحية والمسيحيين، وتاريخه خلال العصور أعظم شاهد على انفتاحه، والمسيحية من خلال تطور الكنيسة تحاول الانفتاح على الاسلام، ونأمل أن يترجم هذا الانفتاح إلى دعم جهود العالمين الاسلامي والعربي بصورة واضحة وصريحة في المسألة الفلسطينية(١) .

تناقض

بعد أن حارب المؤلف الدين من كل الوجوه، ونفى أُسسه على جميع المستويات، ابتداء من اكبر قضاياه «وجود اللّه» إلى أبسط قضية

____________________

(١) لاحظ بحثنا عن الحوار الاسلامي المسيحي الذي نشر بعد كتابة هذه المطارحات في جريدة السفير البيروتية في حلقتين الاولى في العدد ٧٠٨ الاثنين ١٤ ربيع الأول ١٣٩٦ هجري = ١٥ / ٣ / ١٩٧٦ بعنوان (تأملات في صيغة الحوار الاسلامي المسيحي - ازمة الحضارة ومشروع جديد للحوار والثانية في العدد ٧٠٩ الثلاثاء ١٦ / ٣ / ١٩٧٦ بعنوان (تأملات في صيغة الحوار الاسلامي المسيحي - آفاق جديدة لعلاقات الحوار بين الديانتين).


دينية، بعد كل هذا عاد في ص ٧٨ إلى القول بأنه «لا يريد نسخ الشعور الديني في تجارب الانسان من الوجود».

ونتساءل: كيف لايعترف بوجود إله، ويرفض وجود عالم غيبي، ومع ذلك يريد بقاء الشعور الديني، من أين يأتي الشعور الديني اذا لم يكن ثمة إله؟

وهذا التناقض شبيه بما ذكره في أول كتابه في (ص ١٧) حيث فرق بين ظاهرتين للدين:

١ - كونه «ظاهرة روحية نقية وخالصة على نحو ما نجدها في حياة قلة ضئيلة من الناس» والدين بهذا الاعتبار ليس موضوعاً لنقد المؤلف.

٢ - كون الدين «قوة هائلة تدخل في صميم حياتنا، وتؤثر في جوهر بنياننا الفكري والنفسي» وهو بهذا الإعتبار موضوع لنقد المؤلف.

نتساءل أولاً:

لماذا أعفى الدين بالاعتبار الأول من نقده، هل ينسجم فكر المؤلف - وهو الماركسي اللينيني - مع الظاهرة التي يمثلها هؤلاء «القديسون والمتصوفون وبعض الفلاسفة» وهل تسير الحياة الروحية لهؤلاء الذين اعفاهم المؤلف من نقده إلا على أساس المفهوم الإلهي والروحي للكون؟ وهو مفهوم يرفضه المؤلف جملة وتفصيلاً.

ونتساءل ثانياً:

هل الدين بالاعتبار الثاني الذي جعله المؤلف موضوعاً لنقده إلا نتيجة لكونه ظاهرة روحية؟ وهل هو باعتباره ظاهرة روحية تبدو في حياة


قلة ضئيلة إلا السبب الفاعل في الحياة الاجتماعية والفكرية لجماهير المعتنقين للدين؟

أَليست هذه القلة الضئيلة من الناس التي اعفاها المؤلف من نقده هي التي أغنت الدين بأفكارها وتأملاتها، وتَقَبّل المجتمع المتدين هذه الأفكار والتأملات فجعلها خميرة لثقافته وروحاً لحضارته.

ان هذه الملاحظة، وأمثالها كثير، تكشف لنا عن مدى تناقضات المؤلف.

وإلى اللقاء مع قصة المؤلف في قصة ابليس

قصة ابليس

يجب أن يكون القرآن هو المادة الأساسية للبحث في قصة إبليس الاسلامية، لأن القرآن الكريم هو المصدر الأصيل الذي لا يرقى إليه الشك حول ملامح هذه القصة من وجهة النظر الإسلامية.

وعلى هذا فيجب أن يكون القرآن هو المادة الأساسية للمؤلف في بحثه الذي كتبه عن إبليس. ولا يجوز - في منطق المنهج العلمي - اعتماد مصادر أُخرى غير موثوقة لهذه القصة، كما هو الشأن في كل بحث يتناول أية مسألة من مسائل المعرفة.

وإذن، فللبحث في قصة إبليس صلة بعلم التفسير، وعلم الفقه، وعلم أُصول الفقه: صلته بعلم التفسير من حيث انه يتناول نصاً قرآنياً، وصلته بعلم الفقه من حيث انه يتناول - في النص القرآني - تكليفاً شرعياً بالسجود، تعلق بمخلوق معين هو إبليس، وصلته بعلم اصول الفقه من حيث أنه (بحث المؤلف) يحتاج إلى معرفة بالمصطلحات الخاصة بعلم الفقه والأدلة الشرعية ليستطاع التوصل إلى فهمٍ صحيح للنص.


الأمر التشريعي والأمر التكويني «كما سنبينه في الفقرة الثالثة» «وثانياً» انها تعبر عن افكار وتصورات متأثرة بعقائد غريبة عن الاسلام مستمدء من الافلاطونية الحديثة وغيرها. وعلى أي حال فهي ذات منابع غير إسلامية.

وأما الاحاديث المسماة «الاحاديث القدسية» فاغلبها غير اسلامي، وانما تسرب إلى التراث الاسلامي من مصادر هندية وفارسية ويونانية واسرائيلية ونصرانية، ولذا فلا يمكن اعتبارها معبرة عن وجهة النظر الاسلامية الصافية.

إن الذي يعبر عن النظرة الاسلامية - بعد القرآن - هو السنة النبوية الصحيحة التي تثبت للدراسة النقدية فيما يتعلق بالسند والمتن، والشكل والمضمون، أي لما نصطلح عليه بالنقد الخارجي والنقد الداخلي.

والعجيب من المؤلف، وهو يدعي في اكثر من موضع من كتابه تقديس العلم، ويشحن كتابه بالعبارات التي ينعى فيها على مخالفيه في الرأي أنهم لا يتبعون «المنهج العلمي» في كلامهم - من العجيب أنه هو بالذات يترك ابسط مقتضيات المنهج العلمي، وهو التأكد من المصادر التي يعتمد عليها.

مثلاً: من الصحيح أن نعتبر كتاب الطواسين معبراً عن وجهة نظر الحلاج بالذات في قصة ابليس، وذلك فيما إذا أردنا أن نكتب عن شخصية الحلاج وآرائه، وأما نعتبر آراء الحلاج هي آراء الاسلام، وفهم الحلاج هو وجهة النظر الاسلامية، فهذا خطأ كبير يدركه حتى


الطلاب الذين يحضرون اطروحة الليسانس حين يرشدهم استاذهم المشرف إلى نوعية المصادر التي تصلح أن تكون مادة للدراسة المنوي انجازها.

٢ - الحرية الداخلية:

إن البحث الذي أداره المؤلف حول قصة ابليس يبتني على نظرية الجبر، وهي فكرة باطلة، وغير إسلامية. في الاسلام: المخلوق العاقل حر، وهو الذي يقرر بحريته واختياره التام موقفه من الاشياء والأحداث. وإرادة اللّه تأتي في مرحلة متأخرة عن اختيار العبد.

إن الفعل الانساني يتم انجازه نتيجة لاختيار المخلوق وحريته الداخلية مضافاً إليها - في مرحلة تالية إرادة اللّه، وذلك وفقاً للمعادلة التالية:

إرادة الانسان + إرادة اللّه - الفعل.

فالفعل مخلوق لارادة اللّه، ولكن ليس ابتداء‍ً، وإنما بعد أن يريده الانسان ويقرره بتمام حريته، فهو - الفعل - نتيجة لعامل الحرية - يتلوه تدخل الاراد ة الالهية في خلق الموقف الذي قرر الانسان اتخاذه.

هذا تبسيط لنظرية أهل البيت (ع) في مسألة حرية الانسان وعلاقتها بالارادة الالهية، وذلك في النص الوارد عنهم «لا جبر ولا تفويض ولكن امر بين الأمرين»، فالمخلوق ليس مجبراً، لاننا بوجداننا ندرك ما نتمتع به من حرية داخلية مطلقة، والمخلوق ليس مفوضاً لا دخل لارادة اللّه في خلق افعاله، وفي تسيير الكون، بل إرادة اللّه حاضرة دائماً، ولكن في مرحلة لاحقة على قرار العبد الذي يتخذه.


إن الأمر التشريعي (أو النهي التشريعي) هما الأمر والنهي المتعلقان بأفعال العباد (الانسان والملائكة، الجن، ومنهم إبليس) وفعل العبد (أو تركه) منسوب إلي العبد حقيقة، فهو الذي يفعل، وهو الذي يترك، ويتمتع بالحرية المطلقة في إطاعة الأمر الإلهي والنهي الإلهي وعصيانهما. ولكن العبد عاجز عن خلق أفعاله بنفسه، فهو يمارس حريته بمعونة الارادة الإلهية، فاذا قرر العبد موقفاً معيناً من شيء (والعبد يمارس حرية مطلقة في اتخاذ قراره بدون تدخل للارادة الالهية) حينئذٍ - وبعد أن يتخذ العبد قراره يأتي دور الارادة الالهية في تحقيق قرار العبد باعانته على جعل قراره النظري نافذاً في الواقع. وبهذا يتأكد مبدأ الحرية، اذ بدون تحقيق ارادة العبد تبقى حريته نظرية لا قيمة لها.

وقد بينا هذه الحقيقة في مطلع هذا البحث عند حديثنا عن الحرية الداخلية ان اللّه كلف العباد، وأمرهم بالطاعة، واعطاء الحرية، وجعلهم مسؤولين عن كيفية ممارستهم لحريتهم، فاذا قرروا الطاعة فهم احرار في اتخاذ هذا القرار، وإذا قرروا المعصية فهم احرار في اتخاذ هذا القرار، ويتحملون مسؤوليته، ولأجل أن تتحقق لهم حريتهم الكاملة تتدخل الارادة الإلهية في تنفيذ قراراتهم التي اتخذوها.

على هذا الضوء نصل إلى النتائج التالية:

١ - الارادة التكوينية (يسميها المؤلف «المشيئة») مجال عملها عالم الأشياء.

٢ - الارادة التشريعية (الأمر التشريعي) مجاله أفعال العباد، ولا


دخل للارادة التكوينية فيه إلا بالنحو الذي بيناه، وهو كما قلنا لا يتعارض مع مبدأ الحرية، بل يؤكد مبدأ الحرية، ويجعله واقعاً عملياً معاشاً.

٣ - لأن اللّه جعل الانسان حراً، فلا يمكن أن يأمره بشيء تشريعاً، ويريد منه خلافه تكويناً، بل اذا أمره بشيء تشريعاً يترك له حرية اتخاذ قراره، وينفذ له قراره الذي اتخذه.

ومن هنا يتضح مدى الخطأ الذي وقع فيه المؤلف حين قال (في ص ٨٩) «.... لقد شاء اللّه وجود أشياء كثيرة غير انه أمر عباده بالابتعاد عنها، كما انه أمرهم باشياء ولكنه أرادهم ان يحققوا أشياء أُخرى».

***

على ضوء هذه الملاحظات نشرح بإيجاز قصة إبليس من وجهة النظر الاسلامية مستهدين في ذلك بالنص القرآني، وبعد ذلك نوضح أخطاء المؤلف في آرائه وأحكامه الني أطلقها فيما يتعلق بقصة ابليس:


( ...فَسَجَدُوا إلا إبْليسَ أبَى واسْتَكْبَر، وكَانَ منَ الكَافرين ) (١) .

وفي بعض آخر من الآيات يقول اللّه على لسان ابليس:

( ....قَالَ يا إبْليسُ مَا لكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجدين؟ قَالَ: لم أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَر خَلَقْتَه منْ صَلْصَالٍ منْ حمأٍ مَسْنوُن ) (٢) .

( وَإذْ قُلْنَا للمَلائكَةَ اسْجُدوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْليسَ قَالَ: أَ أَسْجُدُ لمَنْ خَلَقْتَ طيناً ) (٣)

وفي بعض ثالث من الآيات تبرز «الأنا» عند ابليس في مقابل الذات الالهية:

( قَالَ: مَا مَنَعكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ؟ قَالَ أنَا خَيْز منْه خَلَقتْنَي منْ نَارٍ وَخَلَقْتَه منْ طين ) (٤) .

( فَسَجَدَ الملائكَةُ كُلّهم أجْمعَوُن إلا إبْليسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ منَ الكَافرين. قَالَ يَا إبْليس مَا مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لما خَلَقتُ بيَدي أسْتكبرت أمْ كُنْتَ منَ العَالين؟ قَالَ: أنَا خَيْر منْهُ خَلَقْتَني منْ نَارٍ وَخَلَقْتَه من طين ) (٥) .

____________________

(١) سورة البقرة الآية ٣٤ ٠

(٢) سورة الحجر الآية ٣٢ - ٣٣.

(٣) سورة الاسراء الآية ٦١.

(٤) سورة الاعراف الآية ١٢.

(٥) سورة الاعراف الآية ٧٥ - ٧٦.


موقفان:

وإذن، فثمة موقفان لابليس نتجا عن هذه التجربة، وكلاهما سلبيان:

احدهما موقفه من آدم، وهو موقف احتقار، لأنه لاحظ أن آدم - في نظره من عنصر منحط: «طين، صلصال من حمأٍ «مسنون»

وثانيهما موقفه من اللّه تعالى، وهو موقف التكبر، فقد رفض امتثال الأمر الإلهي تكبراً منه: «لم أكُنْ لأسْجُدَ لبشرٍ... انا خير منه».

الحرية وشبهة الإغواء:

وهذان الموقفان قد اتخذهما ابليس بحريته، ولم تتدخل الارادة الإلهية التكوينية في حمله على اتخاذ موقف اتخذه.

يدلنا على ذلك - مضافاً إلى المبدأ العام الذي قدمناه في مطلع هذا الحديث - يدلنا على ذلك أيضاً أن ابليس علل موقفه السلبي من السجود بانه خير من آدم، فهو لأنه خير من آدم - في زعمه - يكن عاطفة الاحتقار له، من هنا تكبر على اللّه فرفض امتثال أمره القاضي بالسجود لآدم.

قد يقال هنا استناداً إلى النص القرآني: أن ابليس كان مسيراً في موقفه، وأنه لم يتخذ قرار الرفض بحرية. والنص القرآني هو قوله تعالى:

( ...قَالَ: رَبّ بما أَغْوَيْتنَي لأُزَيِنَنّ لَهُمْ في الأرضِ وَلأُغْوِيَنّهُم أجْمعَين ) (١) .

____________________

(١) سورة الحجر الآية ٣٩.


1 ( صراطكَ المُسْتَقيم. ثُمّ لآتيَنّهُم من بين أيْديهم وَمِنْ خلِفْهِم وَعَنْ أيمَانِهم وَعَن شَمَائلهم وَلا تَجِدُ أكثَرهُم شَاكرين ) (١) .

٢( ... قَالَ: فَأخرُج منها فَانّك رَجيم. وأنّ عليَكَ اللعْنَةَ إلى يومِ الدّين. قَالَ: رَبّ فَأنظرني إلى يَومِ يِبُعَثونَ. قَالَ: فإنّكَ منَ المُنظرين. إلى يومِ الوَقتِ المَعلُوم. قَال: رَبّ بمَا أَغَوَيتنَي لأُزيّنَنّ لَهُم في الأرْضِ وَلأغوينّهم أجمَعين إلاّ عِبَادكَ منهم المُخلصين ) (٢) .

٣( قَالَ: فَبعزّتك لأغوِيَنّهُم أجمَعين. إلاّ عبَادَكَ منهُم المُخلَصين ) (٣) .

٤( قال: أَرأَيتَكَ هَذا الذي كرَّمتَ عَليَّ لئن أَخرتَنِ إلى يوم الِقيامَة لأحتِنكنَّ ذُرِّيِّتَه إلا قليلاً ) (٤) .

تُعلِّمنا هذه الآيات كيف أن ابليس غدا عاملاً شريراً في العالم الانساني، ومن خلال الصراع مع إغوائه وإضلاله يمارس الانسان حرية الاختيار بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال.

ولم يترك الانسان معزولاً أمام قوّة الشر الجديدة التي نشأت بسبب موقف ابليس. وإنما عزز موقف الانسان في مقابل قوة الشر: عزز بالفطرة المستقيمة التي فطر عليها والتي بها يدرك وبها يميز بين الحق

____________________

(١) سورة الاعراف الآية ١٣ - ١٧.

(٢) سورة الحجر الآية ٣٤ - ٤٠.

(٣) ص ٨٢ - ٨٣.

(٤) سورة الاسراء الآية ٦٢.


والباطل٧ وهذه الفطرة قوة داخلية تعين الانسان الذي يختار طريق الحق على التمييز وعلى إدراك المواقف الصالحة. وعزز بعامل خارجي هو قوى خيّرة سخرها اللّه تعالى لتعزز موقف الانسان أمام اغراءات الشر وتثبته، وقد عبر اللّه عنها في قوله تعالى:

( إنَّ الذيَن قَالوا ربُّنا اللّهُ ثُمّ استَقاموا تَتَنزَّلُ عَلَيهم المَلائكَةُ أن لا تَخاَفُوا وَلا تَحزنُوا وابشروا بالجِنّةِ التي كُنتُم تُوعدُون. نَحنُ أولياءكُم في الحيَاةِ الدُنيا ) .(١)

واللّه سبحانه وتعالى قبل كل شيء وفوق كل شيء يمنح المعونة والتسديد والهداية والتوفيق لمن يؤثر الاستقامة والصلاح. قال تعالى:

( والّذينَ جَاهَدُوا فينا لَنَهديَنّهم سُبُلنَا وإنّ اللّه لمَعَ المُحسنين ) (٢) .

***

بقي علينا - قبل انهاء هذا الموجز عن قصة ابليس القرآنية - أن نبحث عن أُمور: الأول إن ابليس أُمر بالسجود فلمن السجود؟. والثاني أن معنى السجود ما هو؟ والثالث عن مغزى السجود ما هو؟

١ - لمن السجود؟

إن الآيات التي ورد فيها أمر الملائكة وابليس بالسجود في سورة

____________________

(١) سورة حم السجدة الآية ٣٠ - ٣١.

(٢) سورة العنكبوت الآية ٦٩.


البقرة (آية ٣٤) وسورة الاعراف (آية ١٠) وسورة الاسراء (آية ٦١) وسورة الكهف (آية ٥١) وسورة طه (آية ١١٦) ورد فيها الأمر بالسجود لآدم، ففي هذه الآيات يرد هذا النص:( قُلنَا للمَلائكةِ اسجُدُوا لآدَمَ.. ) . ولكن الأمر بالسجود ورد في سورة ص (آية ٧١ - ٧٢) بالصورة التالية:( ... إنّي خَالق بَشَراً من طينٍ، فإذا سَوّيتهُ وَنَفختُ فيهِ من روُحي فَقَعُوا له سَاجدين ) وفي سورة الحجر (آية ٢٨ - ٢٩):( ... إنّي خَالق بَشَراً من صَلصَالٍ من حمأٍ مَسنُون. فإذا سَوّيتُه وَنفَختُ فيهِ من روُحي فقعوا لهُ سَاجدين ) .

والظاهر أن المراد بالبشر في الآيتين الآخيرين هو آدم. والتعبير عنه بالبشر في الآيتين ربما يكون المراد منه الاشارة إلى معنى سننبه عليه فيها بعد.

وهنا يواجهنا سؤال: هل السجود كان لآدم بما هو شخص أو أن السجود للنوع الانساني، وآدم رمز للنوع؟

يبدو أن الهدف من السجود كان تعظيم النوع الانساني كله، ولاظهار فضل الخليقة الانسانية على الخلائق الاخرى كلها، ولم يكن آدم إلا رمزاً ومثالاً للنوع الانساني.

تدلنا على ذلك الآية الحادية عشرة من سورة الاعراف:( وَلقَد خلقَنَاكُم، ثُمّ صَوّرنَاكُم، ثُم قُلنا للمَلائكةِ اسجدُوُا لآدَمَ... )


فان الخطاب: «وَلَقَد خلَقنَاكُم ثُمّ صَورنَاكُم...» لجميع النوع الانساني، ومن بعد هذا الخطاب جاء قوله تعالى: «..ثم قلنا للملائكة اسجدوا..» فالسجود لآدم بما هو ممثل للنوع الذي خلقه اللّه وصوره.

وهذا المعني - وهو أن السجود ليس لآدم باعتباره شخصاً، وإنما السجود للنوع الانساني وآدم رمز ممثل لهذا النوع - هذا المعنى يظهر بصورة جلية في الآيات المتعلقة بالموضوع في سورة البقرة (٣٠ - ٣٤) ففي الآيات بين اللّه انه سيجعل في الأرض خليفة، ومن المعلوم أن خلافة اللّه في الأرض ليست مختصة بآدم، وانما هي ثابتة لجميع افراد النوع الانساني. وبعد أن بين اللّه في تلك الآيات هذه الحقيقة - الخلافة في الأرض - امر الملائكة بالسجود لآدم، فالسجود لآدم باعتبار الخلافة، ولما لم يكن هذا الاعتبار مختصاً به، بل هو شامل لجميع ذريته، فالسجود إذن لجميع ذرية آدم أي للنوع الانساني كله، لأن مقياس عظمة هذا النوع وكرامته وهو خلافة اللّه في الارض موجود في جميع الافراد.

٢ - معنى السجود:

العبادة هي ان يجعل الانسان نفسه في مقام العبودية للّه تعالى، وحقيقة العبودية هي التسليم المطلق والاستسلام الكامل لارادته تعالى. فالعابد هو الذي يجعل نفسه في مقام الطاعة المطلقة والانقياد التام لأوامر اللّه ونواهيه.

ويعبر عن العبادة باشكال شتى من جملتها الحركات الجسدية، ومن جملة الحركات الجسدية السجود.


فالسجود في بعض الحالات يكون تعبيراً جسدياً عن العبادة، كالسجود في الصلاة الاسلامية، وهو في هذه الحالة وضع الجبهة على الأرض تذللاً وتخشعاً للّه تعالى.

ويمكن أن يكون السجود تعبيراً عن الاحترام والتعظيم فقط، وحينئذٍ يتجرد من معنى العبادة، ومثال ذلك ما ورد في قصة يوسف:( ...وَرَفَع أبَوَيهِ عَلى العَرشِ وَخَرّوا لَه سُجّداً ) (١) . فان يعقوب وابناءه لم يسجدوا ليوسف سجود عبادة، كيف ويعقوب نبي؟، بل سجدوا شكراً للّه وتعظيماً وتكريماً ليوسف على منزلته التي بلغها في مصر.

ويمكن أن يكون السجود تعبيراً عن السخرية والاستهزاء بالمسجود له.

وإذن فالسجود بما هو حركة جسدية معينة لا يلازم معنى العبادة دائماً، بل قد يفارقه كما رأينا. فيمكن أن تكون عبادة ويمكن أن لا تكون عبادة، وذلك بحسب المعنى الذي تتضمنه وترمز إليه.

إلا أنه ينبغي التنبيه على أن السجود في الذوق الاسلامي المستفاد من الكتاب والسنة لا يكون إلا للّه تعالى بنحو العبادة، ولا يجوز السجود لغير اللّه تعالى: بقصد التعظيم والتكريم الا بأمر إلهي خاص.

وهنا نصل إلى بحث مشكلة سجود الملائكة لآدم.

فسجود الملائكة لآدم باعتباره ممثلاً للنوع الانساني ثم وفقاً لأمر إلهي خاص، وهو بهذا الاعتبار ينطوي على جهتين: الاولى أنه عبادة للّه تعالى من حيث كونه طاعة لأمره بالسجود. والثانية انه تعظيم للنوع الانساني.

____________________

(١) سورة يوسف الآية ١٠٠.


لاعبادة - وإقرار بسيادته وافضليته من حيث اختيار اللّه له للخلافة في الأرض.

***

بهذا البيان يتضح لنا خطأ المؤلف (في ص ٩٠، وغيرها) حين يكرر في اكثر من موضع ما يفيد ان السجود لا يكون إلا عبادة، وأن ابليس لم يسجد، لأنه لم يرد ان يشرك بعبادته للّه احداً، وسنعالج هذه النقطة في موضعآخر أيضاً.

٣ - مغزى السجود:

إن الغاية من أمر الملائكة وإبليس بالسجود للحقيقة الانسانية ممثلة في آدم هي اظهار ان جميع القوى الكونية مسخرة لأجل الانسان وتقدمه، وذلك لأن الملائكة أسباب إلهية وأعوان للانسان على تقدمه الروحي والمادي، وسعادته الاخروية والدنيوية. وذلك لأجل تأكيد معنى خلافته في الأرض.

ومن هنا فرفض إبليس للسجود - وهذه هي الغاية من السجود - تعبير منه عن رفضه الاعتراف بالمنزلة التي أعطاها اللّه للانسان، ورفضه لأن يجعل نفسه حيث أراده اللّه أن يكون: عاملاً في سبيل تقدم الانسان وسعادته الروحية والمادية.

وقد أدرك إبليس المنزلة العالية التي جعلها اللّه للانسان، وأدرك أن الأمر بالسجود نتيجة لذلك، فرفض الاعتراف بهذه الحقيقة، وبدلاً


من أن يجعل نفسه عاملاً في سبيل تقدم الانسان جعل نفسه - على الضد من ذلك - عاملاً في سبيل تأخر الانسان وشتاته قال تعالى على لسان إبليس يوضح موقفه:( قَالَ: أرَأيتَكَ هَذا الّذي كَرّمتَ عَليّ لَئن أخّرتَنِ إلى يَومِ القيَامَةِ لأحتَنِكَنِّ ذُرّيَتَه إلا قليلاً ) (١) .

***

بعد هذا الاستعراض السريع لأبعاد مسألة إبليس من وجهة النظر الإسلامية نعود إلى المؤلف، فنقف معه على بعض الأخطاء التي تورط فيها في فهمه لهذه القصة وذلك نتيجة لعدم اطلاعه على المصطلحات وعدم معاناته للمصادر الأساسية التي يجب أن تعتمد في هذه الدراسة.

***

قال المؤلف (في ص ٨٩):

«تبدو قصة إبليس كما وردت في هذه الآيات (القرآنية) بسيطة في ظاهرها. ولقد أمره اللّه أن يقع ساجداً لآدم فرفض، وكان ما كان من شأنه. غير أنا لو أردنا أن نتجاوز هذه النظرة السطحية الى مشكلة إبليس لرجعنا إلى فكرة هامة قال بها بعض العلماء المسلمين، وهي التمييز بين الأمر الإلهي وبين المشيئة والارادة الإلهية، فالأمر بطبيعة الحال اما أن يطاع وينفذ

____________________

(١) سورة الاسراء الآية ٦٢.


واما أن يعصي وللمأمور الخيار في ذلك. اما المشيئة الإلهية فلا تنطبق عليها مثل هذه الاعتبارات لأنها بطبيعتها لا ترد... لقد شاء اللّه وجود أشياء كثيرة غير انه أمر عباده بالابتعاد عنها، كما أنه أمرهم بأشياء ولكنه أرادهم ان يحققوا أشياء اخرى، لذلك باستطاعتنا القول بأن اللّه أمر إبليس بالسجود لآدم، ولكنه شاء له أن يعصى الأمر، ولو شاء اللّه لإبليس أن يقع ساجداً لوقع ساجداً لتوه، إذ لا حول ولا قوة للعبد على رد المشيئة الإلهية».

هذا النص هو العمود الفقري في نظرية المؤلف عن قصة إبليس من وجهة النظر الإسلامية، وسيتضح لنا مدى خطأ المؤلف في فهمه لهذه القصة، وسيتضح لنا أن نتيجة انكشاف خطأه هو تساقط جميع النتائج التي رتبها على هذا الأساس:

١ - يعترف المؤلف بأن قصة إبليس - من خلال النصوص القرآنية - تبدو واضحة وبسيطة، ولا تشكل أي مأساة، وليس فيها أي تعقيد ولا غموض. ولكن بما أن المؤلف يريد أن يحصل على «بطولة فكرية» فهو يستعين ب‍ «بعض العلماء المسلمين» لينظر إلى القصة من زاوية أُخرى ونسأل المؤلف أولاً: من هم هؤلاء العلماء المسلمون (لا بد أن الحلاج منهم!! ‍‍‍)؟ وثانياً: ماذا يقول هؤلاء العلماء المسلمون؟ انه لم يبين لنا قولهم لنرى ما إذا كان قد فهم نصوصهم إذا كانوا من العلماء المسلمين حقاً. وثالثاً: فلنفترض انه يوجد علماء مسلمون أخطأوا في الفهم، فخلطوا بين مجال عمل الارادة التشريعية، ومجال عمل الارادة


التكوينية، فهل من العلم وهل من المنهج العلمي أن نصدر أحكاماً حاسمة اعتماداً على قول بعض العلماء ونترك فهم أكثر العلماء، مع اعترافنا بأن القصة في مصدرها الأساسي (القرآن) تبدو واضحة وبسيطة، ليس فيها أي عنصر مأساوي. ولكن عفواً، لقد غفلت عن ان المؤلف يريد أن يحصل على «بطولة فكرية» باكتشافه لعنصر المأساة في قصة إبليس، وستفوته هذه الفرصة لو انه سلك في بحثه مسلك العلماء الامناء للمنهج العلمي، فلنترك المنهج العلمي، ولنلفق، ولنصرف النصوص عن دلالاتها، ولنستعين بمصادر أجنبية عن طبيعة بحثنا، كل ذلك من أجل أن نحصل - بهذه الأساليب - على بطولة فكرية.

٢ - ان اللّه لم يأمر عباده بأشياء أراد عدم وجودها، ولم ينه عن أشياء أراد وجودها. وهذا الفهم من المؤلف فهم خاطئ نتيجة لخلطه بين مجال الارادة التشريعية ومجال الارادة التكوينية. ان اللّه أمر عباده ونهاهم وأعطاهم حرية الاختيار، وحقق لهم أقصى الحرية حين يسر لهم أن يحققوا ارادتهم وينتقلوا بها من المجال النظري المحض إلى مرحلة التنفيذ في عالم الواقع، أما الأشياء التي يريدها اللّه بالارادة التكوينية فهي ليست أفعال العباد كما رأينا.

وإذن، فقد أمر اللّه إبليس بالسجود لآدم بالأمر التشريعي، وترك له حرية اختيار قراره باطاعة هذا الأمر او عصيانه، وحينما اختار إبليس المعصية وعدم السجود مارس حريه المطلقة، وترتب على ذلك نتيجة المعصية، وهي الطرد واللعنة، وذلك لأن الحرية تلازمها المسؤولية.

٣ - لقد رتب المؤلف (في ص ٩٠ وما بعدها) ثلاث نتائج على


تحليله السابق الذي بينا وجه الخطأ فيه:

النتيجة الأولى : ان إبليس وان خالف الأمر الإلهي إلا انه كان منسجماً مع المشيئة الالهية.

ونقول : هذا خطأ، فقد بينا أن المشيئة (الارادة التكوينية) لا دخل لها في أفعال العباد، وإنما أمر اللّه إبليس بالسجود، وترك له حرية الاختيار، وقد اختار العصيان.

النتيجة الثانية : ان إبليس لو وقع ساجداً لآدم لخرج عن حقيقة التوحيد (...) إذ أن السجود لغير اللّه لا يجوز على الاطلاق لأنه شرك به (...) نستنتج إذن أن موقف إبليس يمثل «الاصرار المطلق على التوحيد».

هذا خطأ: لما بيناه من أن الخروج عن حقيقة التوحيد بالسجود لغير اللّه إنما يكون لو كان السجود لغير اللّه بنحو العبادة، وأما إذا كان بنحو التعظيم والتكريم فلا يعد عبادة، ومن ثم فلا يكون خروجاً عن حقيقة الوحيد، وقد أطاع الملائكة الأمر الإلهي بالسجود فلم يخرجوا عن حقيقة التوحيد، بل أكدوا إخلاصهم في التوحيد بخضوعهم للأمر الإلهي، أما إبليس فقد واجه الأمر الإلهي بالكبرياء، واظهار «الأنا» كما بينا ونبين فيما يأتي. موقف إبليس لا يمثل «الاصرار المطلق على التوحيد» وإنما يمثل خلق التكبر والكفر بأجلى صوره، وأحط معانيه. ولو كان موقف إبليس ناجماً عن اصراره على الوحيد لعلل موقفه بالتزام خط التوحيد المطلق، ولكنه لم يعلل موقفه بذلك، وإنما علله بأنه خير من آدم لأن آدم من طين أو من صلصال،( .. قال: أرَأيتَكَ هَذا الذي كَرّمتَ عَليّ، لَئن أخرّتَنِ إلى يَومِ القيامَة


لأحتَنكَنّ ذُرّيتَه إلا قَليلاً ) (١) .

تناقض:

ومن تناقضات المؤلف انه يقول في هذه الفقرة عن ابليس انه مثل الاصرار المطلق على الوحيد، بينما يصرح في الفقرة التي بعدها أن إبليس برر موقفه - لا بالتوحيد - وإنما بالعنصرية، وانه حلق من نار بينما خلق آدم من طين.

النتيجة الثالثة : ذكر المؤلف حجتين استند إليهما إبليس في رفض السجود.

الاولى : ان إبليس مخلوق من عنصر أعلى في مرتبة الكمال من عنصر آدم.

الثانية : أن آدم وذريته سيعيثون في الأرض فساداً.

والمؤلف مخطئ في تحليله المذكور.

اما بالنسبة إلى الحجة الاولى نقول للمؤلف: انه ليس في الإسلام - ولا في أي دين آخر فيما أعلم - سلم تقييمي للعناصر والأجسام يجعل أحدها أفضل من الآخر، وليس لدينا في الإسلام نصوص توحي بذلك فضلاً عن أن تدل عليه. ليست النار أفضل من الطين، ولا الطين أحط من النار، ولا لأي عنصر فضل على أي عنصر آخر. ولكن ما العمل إذا كان المؤلف يتعسف ليختلق خيالات تجعل فكرته منسجمة.

وأما بالنسبة إلى الحجة الثانية: فإن الاعتراض هو من الملائكة، وإبليس

____________________

(١) سورة الاسراء الآية ٦٢.


كما بينا ليس منهم، فقد قالوا عندما علموا بخلق آدم وخلافته في الأرض، وسيادته عليهم: «أتَجعَلُ فيها مَن يُفسدُ فيها وَيَسفكُ الدّماء...» وقد بين اللّه لهم السر في تفضيل النوع الانساني:

( ... وَعَلّم آدَمَ الأسمَاء كُلّها ثُم عَرَضَهم عَلى المَلائكةِ فَقَالَ أنبئُوني بأسماءِ هَؤُلاءِ إن كُنتم صَادقين. قَالُوا سُبحانَكَ لا علم لَنَا إلا ما عَلّمتَنَا إنّكَ أنتَ العَليم الحكيم. قَالَ يَا آدَمُ أنبئَهُم بأسمَائهم فَلمَا أنبَأَهُم بأسمَائهم، قَالَ ألم أقُل لَكُم إني أعلَمُ غَيبَ السّموات والأرض وَأعلَمُ ما تُبدونَ ومَا كنتم تَكتُمون ) (١) .

ثم انه كان على إبليس أن يطيع الأمر الإلهي كما اطاعه الملائكة بعد أن بين اللّه لهم، فكان عصيانه إستكباراً موجباً للعقاب.

***

قال المؤلف (في ص ٩٢):

«لذلك سنرى فيما بعد أن أمر السجود لم يكن أمر مشيئة، وإنما كان أمر ابتلاء».

هنا يكشف المؤلف - كما في كثير من كتابه - عن عدم وضوح المفاهيم لديه.

____________________

(١) سورة البقرة الآية ٣٠ - ٣٣.


إن أمر الابتلاء (الأمر الامتحاني) قسم من الأمر الشريعي وهو أمر صوري المقصود منه في الحقيقة تربية الارادة الانسانية على الاذعان المطلق لارادة اللّه. وكشف حقيقة العبد لمجتمعه، ومدى ثباته على الطاعة وتحمله لكل شيء في سبيلها. (ومن نماذج هذا الأمر الامتحاني أمر ابراهيم بذبح ولده).

هذا هو الأمر الامتحاني أو أمر الابتلاء كما يسميه المؤلف.

بينما نلاحظ أن الأمر بالسجود لآدم ليس أمراً ابتلائياً صورياً وإنما هو أمر حقيقي المطلوب تنفيذه وجعله حقيقة معاشه، ولو كان امراً ابتلائياً لما تم سجود الملائكة لآدم، ولاكتفى منهم باظهار استعدادهم للسجود كما اكتفى من ابراهيم باظهار عزمه تنفيذ أمر الذبح.

ولم يختص إبليس - دون الملائكة - بأمر مستقل حتى يقال انه وحده أُمر ابتلائي، بل ثمة أمر واحد، وجه إلى الملائكة وإبليس معاً: أطاعه الملائكة، وعصاه إبليس.

***

على هذا الضوء:

خلاصة المؤلف الي ذكرها (في ص ٩٢ - ٩٣ ) غير صحيحة.

ان قصة إبليس هي قصة كل مخلوق عاقل مدرك يوضع امام الاختيار بين الخير والشر، فيختار الشر والجريمة. وقد اتضح مما ذكرنا أيضاً أن مناقشة المؤلف للعقاد (ص ٩٤ - ٩٦) غير صحيحة أيضاً، فإنها مبنية على المقدمات والنائج التي بينا بطلانها سابقاً.

***


في (ص ١٠٥ - ١٠٦ ) يصور المؤلف إبليس وهو مسوق إلى قدر محتوم لا فكاك منه، ويستشهد على ذلك بحديث قدسي، وكلام للحلاج، وبآية «انا كل شيء خلقناه بقدر» وقد بينا رأينا في مستهل هذا الحديث في قيمة ما يسمى بالأحاديث القدسية، وكذلك في فهم الحلاج لقصة إبليس. أما الآية فهي بعيدة جداً عن الدلالة على مقصد المؤلف. ان القدر في الآية من المقدار - وتعني النظام وعدم الفوضى والعبث، ولا تعني الجبر، وقد بحثنا هذا الموضوع في موضع سابق من هذا الحديث، وبينا أن إرادة اللّه التكوينية لا دخل لها بأفعال العباد.

وكلام المؤلف (في ص ١٠٧) عن المقارنة بين آدم وإبليس خطأ أيضاً، فقد نهى اللّه آدم عن الأكل من الشجرة وتركه حراً، وحين خالف آدم الآمر الإلهي وتلقى نتيجة مخالفته تاب، فتاب اللّه عليه. وكذلك الحال بالنسبة إلى إبليس لقد أمر اللّه إبليس بالسجود لآدم وتركه حراً، فعصى وتلقى نتيجة عصيانه، ولم يتب وإنما أصر على موقفه فتحمل مسؤولية هذا الموقف.

كبرياء ابليس:

في (ص ١٠٨ - ١١٠) عالج المؤلف عاطفة الكبرياء عند إبليس باعتباره بطلاً مأساوياً. ويميز بين نوعين من الكبرياء: أحدهما الكبرياء التي تعني التعجرف وثانيهما الكبرياء المأساوية. ويرى المؤلف أن كبرياء إبليس من النوع الثاني.

أما نحن فنرى ان كبرياء إبليس من النوع الأول. يتضح ذلك حين


نحلل عاطفة الكبرياء. ان الكبرياء تعني رفض الواقع والتعالي عليه. ولكن تارة يكون حقاً فتكون الكبرياء عجرفة، وأُخرى يكون الواقع فاسداً وظالماً وباطلاً وحينئذٍ تكون الكبرياء بطولة وتكون تعبيراً عن الكرامة.

على هذا الضوء تبدو لنا كبرياء إبليس عجرفة لا مبرر لها. انه أُمر بالسجود لآدم من قبل السلطة التي لها حق الأمر وهي اللّه، فهذا اذن واقع، وهو واقع حق، فإن آدم جعله اللّه خليفه في الأرض وسخر جميع القوى الكونية ومنها الملائكة وابليس لخدمته ومعونته على بلوغ الكمال في تحقيق هذه الغاية، ولكن إبليس غروراً منه، رفض الانصياع إلى هذا الواقع، ولم يستجب له، فكان تكبره عجرفة سخيفة، بينما كان اعتراف آدم بواقعه فضيلة خلصته من الذنب والمعصية.

بين قصة ابراهيم وقصة ابليس

في الصفحات (٩٩ - ١٠٠ و ١٠٢ - ١٠٣ و ١١٢ وما بعدها) قارن المؤلف بين قصة إبراهيم في أمره بذبح ولده، وبين قصة إبليس في أمره بالسجود. وخرج من هذه المقارنة بأن قصني إبليس وابراهيم متشابهتان في ان كل واحدة منهما مأساة، إلا أن العنصر المأساوي في قصة ابليس أبلغ وأعظم.

ونحن نرى أن المؤلف مخطئ في المقارنة، وبالتالي فهو مخطئ في الاستنتاج، لأنه ليس ثمة أية علاقة بين قصة ابراهيم وبين قصة ابليس، بل نلاحظ أن بينهما جملة من الفوارق:

الأول : ان امر ابراهيم بذبح ولده اسماعيل كان امراً امتحانياً (كما انكشف فيها بعد - «وفديناه بذبح عظيم» والأمر الامتحاني يراد منه - كما ذكرنا آنفاً - تربية إرادة ابراهيم واسماعيل على الطاعة المطلقة والاذعان التام للارادة الالهية من جهة، واظهار فضلهما للمجتمع بانقيادهما التام لارادة اللّه تعالى من جهة أُخرى.


وأما أمر ابليس والملائكة بالسجود لآدم فكان تكليفاً حقيقياً يراد منه تحقيق مضمونه في الخارج، وتحويله إلى عمل معاش.

الثاني : ان ابراهيم حين تلقى الأمر الالهي بذبح ولده ( ولم يكن يعلم انه امر امتحاني بطبيعة الحال) سرعان ما عزم على تنفيذ هذا الأمر. قال اللّه تعالى في حكاية حال ابراهيم في موقفه ذاك:

( .. فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السّعيَ قَالَ يَا بُنَيّ إنّي أرَى في المَنَامِ أنّي أذبَحُك فَانظُر مَاذَا تَرى. قَالَ: يَا أبَتِ افعَل مَا تُؤمَر سَتَجُدني إنشَاء اللّه منَ الصّابرين. فَلَمّا أسلَما وَتَلّهُ للجَبين )

اما ابليس فحين تلقى الأمر الالهي بالسجود، رفض اطاعة هذا الأمر، ولم يرفض لأنه حريص على الوحيد المطلق - كما يكرر المؤلف الذي بينا خطأ نظريته هذه - أولاً: لأن السجود المأمور به لا ينافي التوحيد، ولذلك بقي الملائكة موحدين بعد أن سجدوا. وثانياً: لأن ابليس لم يعلل موقفه السلبي بهذه العلة، وانما علل موقفه بالعنصرية، والتكبر، واحتقار آدم.

الثالث : ان عاقبة انقياد ابراهيم لتنفيذ الأمر الالهي هي الكرامة والسعادة، قال اللّه تعالى:( ... فَلَمّا أسلَما وَتَلّهُ للجبَين. وَنادينَاهُ أن يَا إبراهيم قَد صَدَّقت الرّؤيا إنّا كَذَلك نَجزِي المُحسنين. إنّ هَذا لَهُوَ البَلاءُ

____________________

(١) سورة الصافات الآية ١٠٢ - ١٠٣.


المُبين* وَفَديناهَ بذبحٍ عَظيم*وَتَرَكنَا عَلَيه في الآخرين*سَلام عَلى إبراهيم*إنا كَذَلك نَجزي الُمحسنين*إنّهُ من عبَادِنا المؤمنين ) (١)

هذه هي عاقبة ابراهيم. اما عاقبة ابليس فكانت على العكس من ذلك: لعنة، وطرداً ورجماً.

واختلاف النتيجتين ليس إلا لاختلاف الموقفين: موقف ابراهيم موقف الطاعة، وموقف ابليس موقف الجحود والطغيان.

اذن لا علاقة بين قصة ابراهيم التي هي قصة القداسة والطاعة المطلقة، وبين قصة ابليس التي هي قصة الجحود والعصيان والجريمة.

وإلى اللقاء مع المؤلف في الحديث عن «المكر الإلهي».

____________________

(١) سورة الصافات الآية ١٠٣ - ١١١.


المكر الالهي

- ١ -

حاول المؤلف (في ص ١١٩ - ١٢٨) «إيجاد تعليل ديني مقبول» لما فهمه - خطأً - من قصة إبليس. وبعد أن استعرض في (ص ١١٩ - ١٢٠) ما سماه «المفارقات» في قصة إبليس، وعلاقته باللّه، قال: «أعتقد أن الصفة الإلهية التي نبحث عنها للاجابة على هذه الأسئلة هي صفة المكر».

ثم عرض بعض الآيات التي ورد فيها لفظ المكر والاستهزاء والاملاء والخديعة. واستخلص منها أن اللّه يمكر بعباده و«لم يكن أمر الابتلاء اذن سوى أداة المكر الإلهي، غايتها نفيذ أحكام المشيئة، وتبريرها أمام مخلوقاته، فتصبح بذلك مقبولة في أعينهم (...) ولكن المكر الإلهي يتدخل ليجعل الأُمور تبدو للعباد على غير ما هي عليه، أي ليجعل المشيئة وكأن لها غايات ومبررات وأسباباً (...) رددنا مراراً أن اللّه هو صانع الخير والشر (...) ولكن من مكره أراد للعباد أن يعتقدوا غير ذلك..» (ص ١٢٣ - ١٢٥).


وقد عزز المؤلف هذه الأحكام الإعتباطية التي لا أساس لها من الصحة اطلاقاً بالاستشهاد بالنصوص الصوفية وما يسمى بالأحاديث القدسية، وقد نبهنا فيما سبق على أن هذه الشواهد عديمة القيمة من حيث كونها مصدر لفهم القصة القرآنية.

يبدو اللّه في الإسلام من خلال استنتاجات المؤلف بعد «اكتشافه» للمكر الإلهي - يبدو اللّه كائناً شريراً، مخادعاً، عابثاً، لاعباً، يبدو اللّه وكأنه أحد آلهة اليونان القديمة في أن فيه كثيراً من نقائص البشر، وليس فيه الكثير من كمالاتهم.

والمؤلف مخطئ في بحثه، وفي فهمه لما أسماه «المكر الإلهي»، وفي استنتاجاته أخيراً بطبيعة الحال.

ولكن من أين جاء الخطأ؟.

لقد قلت أكثر من مرة في الحلقات المتقدمة من هذا البحث أن المؤلف جاهل بموضوع نقده، وهو الدين الإسلامي، وأُضيف هنا إلى ما تقدم أن المؤلف غير متمكن - بصورة باعثة على الأسف - من لغة القرآن وأساليبه البلاغية.

هو غير متمكن من اللغة العربية، ودليلي على ذلك كثرة الأخطاء التي يقع فيها باستمرار. ولو كان المؤلف يكتب بلغة غير لغته لما اغتفر له ذلك، لأنه يكتب في موضوع من أخطر موضوعات الفكر الانساني، فكيف وهو يكتب بلغته هو، لغة بلده وقومه، ويتناول بكتابته نقد نصوص مكتوبة باللغة نفسها.


عن أي شيء يكشف هذا؟ انه يكشف عن أن عقل المؤلف قد تكون في مناخ غير عربي، ويبرر لنا القول بأن المؤلف ليس مؤهلاً للكتابة عن نقد الفكر الديني الإسلامي.

وهو غير متمكن من لغة القرآن وأساليبه البلاغية. ودليلي على ذلك كثير من الشواهد الصغيرة التي مرت عليّ في كتابه، ودليلي الكبير على ذلك بحثه عن المكر الإلهي، موضوع حديثنا الآن. إن القرآن ليس كلاماً بسيطاً عادياً ليمكن تناوله وفهمه ببساطة وكأننا نتحدث مع بعضنا، أو كأننا نقرأ جريدة. إن القرآن عند المؤمن به وحي إلهي معجز في بلاغته، وعند غير المؤمن به كلام يعتبر نموذجاً أعلى اللبلاغة العربية، ولذا فلا بد - لأجل فهمه بشكل صحيح - من الاحاطة التامة بقواعد البلاغة العربية، وأساليب البيان العربي. إن أي أُستاذ للأدب لا يجرؤ على تناول نص أدبي عادي بالنقد ما لم يتخذ له أهبته، ويستعد له بما يلزمه من معرفة، فكيف بالمؤلف وهو يتناول النصوص القرآنية دون أن يملك الأداة الي تجعله قادراً على فهمها بصورة صحيحة.

وثمة شيء أساسي اخر يجب أن يتحلى به الباحث - ناقداً كان أو غير ناقد - عندما يتناول نصاً من النصوص، وهو الأمانة الفكرية: يجب أن يعرض النص بتمامه ليحيط بجميع عناصره، ويفهم جميع علاقاته الداخلية، وبذلك يستطيع أن يكوّن عنه فكرة صحيحة أو مقاربة. أما أن يبتر النص، ويختار منه المقطع الذي يؤيد هواه، فهذا ليس من الأمانة الفكرية في شيء. انه أحق أن يسمى تزويراً فكرياً. وسنرى في هذا الحديث أن الأمانة الفكرية كانت عنصراً مفقوداً عند المؤلف - ربما بسبب عدم تمكنه من لغة القرآن وأساليبه البلاغية - فإنه في نقله للآيات


القرآنية التي جعلها شواهد على «اكتشافه» للمكر الإلهي، لم ينقل النصوص كاملة، وإنما وقع اختياره منها على مقاطع معينة توهم انها تؤيد هواه ونظريته، وعزلها عن علاقاتها بغيرها من المقاطع الأُخرى في النص الذي تناول الواقعة.

- ٢ -

لقد وردت مشتقات مادة (م ك ر) في ست وعشرين آية من القرآن، وذلك في السور التالية:

«آل عمران. الأنعام. الأعراف. الأنفال. يونس. يوسف. الرعد. إبراهيم. النحل. النمل. المؤمن. نوح. فاطر. سبأ».

ومشتقات هذه المادة ليست مضافة إلى اللّه تعالى في جميع مواردها، وإنما هي مضافة إلى اللّه بشكل أو بآخر في ست آيات فقط، وهي الآيات التالية:

١ - في شأن عيسىعليه‌السلام ، وإرساله إلى بني إسرائيل، ودعوته لهم إلى الايمان، وكفرهم به:( ... وَمَكَرُوا، وَمَكَرَ اللّه، واللّه خَيرُ الماكرِين ) (١) .

٢ - في شأن أهل القرى: ابتداءً من الآية (٥٩ - ٦٤ - أعراف)

____________________

(١) سورة الأعراف ٥٥٤.


ذكر اللّه طرفاً من قصة نوح مع قومه، وكفرهم به وعقابهم. وفي الآيات (٦٥ - ٧٢) ذكر اللّه طرفاً من قصة النبي هود مع قومه عاد، وكفرهم به، وعقابهم وفي الآيات (٧٣ - ٧٩) ذكر اللّه قصة النبي صالح مع قومه ثمود وكفرهم به. وفي الآيات (٨٠ - ٨٤) ذكر اللّه طرفاً من قصة النبي لوط مع قومه وكفرهم به وعقابهم. وفي الآيات (٨٥ - ٩٣) ذكر اللّه طرفاً من قصة النبي شعيب مع قومه، وانقسامهم بين الكفر والايمان، وعقاب الكافرين منهم. وفي الآيتين (٩٤ - ٩٥) ذكر اللّه قاعدة عامة في الرسل والانبياء مع أقوامهم، وكيف يربي اللّه الانسان ليعي ويؤمن، ثم بعد هذا البيان عن أهل القرى، قال اللّه تعالى:

( وَلَوَ أنّ أهلَ القُرى آمَنُوا وَاتقّوا لَفَتَحَنا عَليَهم بَرَكاتٍ منَ السّمَاءِ والأرضِ، وَلكَن كَذّبُوا فَأخذنَاهُم بمَا كَانُوا يَكسبون. أفَأمنَ أهلُ القُرى أن يأتيهُم بأسُنَا بَيَاتاً وَهُم نَائمون؟ أَوَ أمِنَ أهلُ القُرى أن يَأتيَهُم بأسُنا ضُحىً وَهُم يَلعَبُون؟ أفَأمنُوا مَكرَ اللّه؟ فَلا يأمَنُ مَكرَ اللّه إلا القَومُ الخَاسروُن ) (١) .

٣ - في قوم ثمود ونبيهم صالح، ودعوته لهم إلى الايمان وكفرهم به وتآمرهم على قتله:

( ... وَمكرَوُا مَكراً، وَمَكَرنا مَكراً وَهُم

____________________

(١) سورة الاعراف الآية ٩٦ - ٩٩.


لا يَشعُرونَ. فَانظُركَيفَ كَانَ عَاقبةُ مَكرهم أنّا دَمّرناهم وَقَومَهم أجمَعين ) (١) .

٤ - في شأن النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وقريش، وتآمرهم عليه، ونجاته منهم بالهجرة إلى المدينة:( وإذ يمَكُرُ بكَ الّذيِنَ كَفَروا ليثبتُوك أو يَقتُلُوكَ أو يُخرجُوكَ، وَيمَكُرونَ وَيَمكُر اللّه، واللّه خَيرُ المَاكرين ) (٢) .

٥ - ابتداءً من أول سورة يونس يعرض اللّه تعالى صوراً من مواقف المشركين من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والقرآن ويذكِّر المشركين بما حدث لأسلافهم من مكذبي الرسالات، ويسفه وثنيتهم، ويذكر طلبهم للمعجزات، ثم يقول تعالى:( وَإذا أذَقنَا النّاسَ رحمَةً من بَعدِ ضَرّاء مَسّتهُم إذَا لَهُم مَكر في آياتنَا قُلِ اللّه أسرَعُ مَكراً، إنّ رُسُلَنَا يَكتُبُونَ مَا تمكُرون ) (٣) .

٦ - بعد أن ذكر اللّه في اول السورة الدلائل الكونية على وجوده وقدرته، وسَّفه افكار الملحدين للحياة الاخرة، واستعجالهم للعذاب مع علمهم بما حدث لمن قبلهم من الامم المشركة، وطلبهم للمعجزات، ثم يذكر الآيات الكونية الدالة على وجوده وقدرته وحكمته وصوراً عن مواقف المؤمنين باللّه، وصورة عن موقف المشركين وعاقبتهم( أولئِكَ

____________________

(١) سورة النحل الآية ٥٠ - ٥١.

(٢) سورة الانفال الآية ٣٠.

(٣) سورة يونس الآية ٢١.


لَهُمُ اللّعنَةُ وَلَهُم سُوء الدّار ) ثم يذكر طلبهم للمعجزة، ثم يذكر المؤمنين، ويذكر استهزاء الامم السابقة بانبيائها، وكيف «زُيّنَ للّذينَ كَفَرُوا مَكرهُم». والجنة وعد بها المتقون، والقرآن، والرسل السابقين، ثم يقول تعالى:

( وَقَدَ مَكَرَ الذينَ من قبَلهم فَللّهِ المكرُ جَميعاً، يَعلَمُ مَا تَكسِبُ كُلّ نَفسٍ، وَسَيَعلمُ الكُفّار لمن عُقبَى الدّار ) (١) .

***

هذه هي الآيات التي ورد فيها المكر منسوباً إلى اللّه تعالى. أما الآيات الاخرى التي وردت فيها صفة الاستهزاء والمخادعة منسوبتين إلى اللّه فموعدنا معها بعد الحديث عن «المكر الإلهي». فلنحاول الآن أن نفهم كيف ينسب اللّه المكر إلى نفسه، وما المراد من ذلك؟.

- ٣ -

إن المكر من العبد هو الحيلة والخديعة. والمكر من اللّه هو المجازاة والعقوبة على الذنب. والتعبير عن المجازاة والعقوبة على الذنب في هذه الموارد بلفظ «المكر» مظهر من مظاهر البلاغة العربية. وهذا النحو من البيان يسمى في البلاغة العربية «المشاكلة» و«المجانسة» وذلك

____________________

(١) سورة الرعد الآية ٤٢.


بان يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته. وهو كثير الورود في الشعر الجاهلي من ذلك قول يزيد بن نوفل الكلابي مخاطباً الحارث بن ابي شمر الغساني وكان قد اغتصب ابنة الشاعر فخاطبه بقصيدة منها:

يا حار أيقن أن ملكك زائل

واعلم بأن كما تدين تدان(١)

والدين هنا هو الجزاء، ومعنى البيت (كما تجزي تجزى) مع أن فعل الحارث الغساني مع الشاعر ليس بجزاء، وانما هو عدوان، ولكن الشاعر عبر عن العدوان والجزاء بمادة واحدة. تدين تدان.

ومن ذلك قول المنخل اليشكري:

ألا لا يجهلن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

فعبر عن الجزاء على الجهالة بالجهالة، مع أن مراده من قوله «فنجهل..» ليس جهالة العدوان وإنما الجزاء على العدوان.

وقد ورد كثير من ذلك في شعر ما بعد الاسلام أيضاً.

وورد هذا النحو من البيان في القرآن في عدة مواضع.

منها قوله تعالى:...( تَعلَمُ مَا في نَفسي وَلا أعلَمُ مَا في نَفسك ) (٢) . والمراد: ولا أعلم ما عندك، وعبر بالنفس للمشاكلة، وإلا فليس للّه نفس.

____________________

(١) لسان العرب: مادة «دان».

(٢) سورة المائدة الآية ١٩.


ومنها قوله تعالى:( نَسُوا اللّه فَأنسَاهُم أَنفُسَهم ) (١) . والمراد من «أَنساهم أنفسهم» أهملهم، وعبر عن الاهمال بالانساء لوقوعه في صحبته مراعاة للمشاكلة والمجانسة.

ومنها قوله تعالى:( فَمَنِ اعتَدى عَلَيكُم فَاعتدُوا عَلَيه بمثلِ ما اعتَدى عَلَيكُم ) (٢) . فعبر في هذه الآية بالاعتداء عن الجزاء على الاعتداء مراعاة للمشاكلة.

ومنها قوله تعالى:( وَجَزاءُ سَيّئةٍ سَيّئةٌ مثلُها ) (٣) . فعبر عن جزاء السيئة بالسيئة أيضاً.

ومنها قوله تعالى:( وإن عَاقَبتُم فَعَاقبُوا بمثلِ مَا عُوقبم به ) (٤) فعبر عن الجزاء على الاعتداء بالعقوبة كما عبر عن الاعتداء نفسه بالعقوبة.

ومن ذلك الآيات التي ورد فيها نسبة المكر إلى اللّه تعالى، ففي جميع هذه الآيات يأتي المكر منسوباً إلى اللّه في مقابل مكر الكافرين، وكفرهم وجحودهم، فهو تعبير عن الجزاء والعقاب الذي أنزله اللّه بهم لمكرهم، بل هو النتيجة الطبيعة لمكرهم واحتيالهم وخداعهم، واستعمل في هذه الآيات لفظ المكر للمشاكلة والمجانسة.

والآن نستعرض كل واحدة من الآيات الست التي ذكرناها ونحللها لنكشف بوضوح عن هذا المعني.

____________________

(١) سورة الحشر الآية ١٩ -

(٢) سورة البقرة الآية ١٩٤.

(٣) سورة الشورى الآية ٤٠.

(٤) سورة النحل الآية ١٢٦.


- ٤ -

الآية الأُولى:

( ...وَمَكَروا، وَمَكَرَ اللّه، واللّه خَيرُ المَاكرين )

تتحدث الآية عن اليهود الذين كفروا بعيسىعليه‌السلام ، فقد مكروا على عيسىعليه‌السلام بالحيلة لقتله، وجازاهم اللّه على مكروا بالخيبة والخذلان، إذ خلصه منهم وألقى شبهه على شخص اخر. أو أنهم مكروا بالكفر برسالة عيسى والانكار لنبوته فجازاهم اللّه على ذلك بالعقوبة والخذلان.

الآية الثانية:

بينا انفاً طبيعة الجو الذي وردت فيه الآية ومن الواضح أن اسناد المكر إلى اللّه في الآية الأخيرة هو بمعنى المجازاة لأهل القرى على مكرهم وكفرهم وجحودهم، وليس المكر فيها بالمعنى الذي ينسب إلى البشر، وعلى القارئ أن يرجع إلى عرضنا للآية في نطاق جوَّها القرآني ليتبين هذه الحقيقة بوضوح تام.

الآية الثالثة:

وقعت هذه الآية في عرض القرآن لقصة ثمود، وبغيهم، وكفرهم. فبعد أن بين اللّه في الآيات (٤٥ - ٤٩) انشقاقهم القبلي، ودعوة النبي صالح لهم إلى الايمان، وردهم عليه، ذكر اللّه تعالى أن القوى المسيطرة في ذلك المجتمع تامرت على صالح وأهله:


( ... وَكانِ في المَدينةِ تسعَةُ رَهطٍ يُفسدُون في الأرضِ ولا يُصلحون. قَالُوا تَقَاسَمُوا باللّة لَنُبَيّتَنّهُ وَأهلهُ ثُم لَنَقُولنّ لوَليّه مَا شَهدنا مَهلكَ أهلِه، وإنّا لَصَادِقُون ) .

هذه المؤامرة سماها اللّه «مكراً»، فقال: «ومكروا مكراً..»

وأخبرنا اللّه أنه جزاهم على مكرهم بالمؤمنين بالعذاب والعقوبة، وسمى هذا الجزاء مكراً للمجانسة والمشاكلة فقال تعالى: «... وَمَكَرنا مَكراً وَهُم لا يَشَعُرونَ، فَانظُر كَيفَ كَانَ عَاقبَةُ مَكرهم أنّا دَمّرناهُم وَقومَهم أجمَعين».

الآية الرابعة:

في هذه الآية أخبرنا اللّه تعالى كيف أن مشركي قريش اجتمعوا يتآمرون على النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فمن قائل اقتلوه، ومن قائل اسجنوه، ومن قائل انفوه عن بلادكم(١)

لقد سمى اللّه تعالى هذه المؤامرة «مكراً»: «وَإذ يَمكُرُ بكَ الّذينَ كَفَرُوا ليُثبتُوكَ، أو يَقتُلوكَ، أو يُخرجُوكَ. وِيمكُرُون...».

ولكن اللّه خلصه من كيدهم ومكرهم، ومكنه من الهجرة إلى المدينة دون أن يتمكنوا من قتله، وقد عبر اللّه عن هذا التدبير، وهذا الصنيع

____________________

(١) تفصيل المؤامرة، ومبيت الإمام علي بن ابي طالب على فراش النبي، وهجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مذكور في كتب التاريخ من ذلك: سيرة ابن هشام بحقيق السقا والأبياري وشلبي الطبعة الثانية ١٣٦٥ - ١٩٥٥ / ج ١ ص ٤٨٠ - وما بعدها.


الجميل ب«المكر» أيضاً، وذلك للمشاكلة والمجانسة كما قلنا، فقال: «... وَيمكُرُ اللّه واللّه خَيرُ المَاكرين».

الآية الخامسة:

( ...وإذَا أذَقنَا النّاسَ رَحمَة من بَعدِ ضَرّاء مَسّتهُم إذا لَهُم مَكرو في آيَاتنَا. قُلِ اللّه أسَرعُ مَكراً. إنّ رُسُلَنَا يَكتُبُونَ ما تمكُرُون ) .

بينا فيما سبق طبيعة الجو الذي وردت فيه الآية.

إن المراد بالناس في هذه الآية غير المؤمنين منهم. وتبين الآية ظاهرة سلوكية لدى هؤلاء الناس: فحين تتبدل حالهم بعد العسر يسراً، وبعد الضيق سعة وبحبوحة «يمكرون» في آيات اللّه، ويحتالون على تزويرها، ويخادعون فيها، بدل أن يقابلوها بالشكر، إزاء هذا الموقف من هؤلاء الناس يقول اللّه:

«... قُلُ اللّهُ أَسَرُع مكراً» يعني أسرع جزاء على المكر، فالمكر المنسوب إلى اللّه هنا - كما في مواضع أُخر - هو الجزاء على المكر. فهم بدل أن يقابلوا النعمة بالشكر قابلوها بالمكر، وجزاؤهم على مكرهم مرصود لهم «إنّ رُسُلَنَا يَكتُبُونَ مَا تمكُرُون». وسريع الحلول بهم «قل اللّه اسرع مكراً».

واستعمال المكر هنا منسوباً إلى اللّه انما هو للمشاكلة والمجانسة اللفظية كما مثلنا في مواضع أُخر.


الآية السادسة:

(وَقَد مَكَرَ الذينَ من قَبلهم، فللّه المَكرُ جَميعاً، يَعلَمُ مَا تَكسبُ كُلّ نَفس وَسَيَعلمُ الكُفّارُ لمَن عُقبَى الدّار).

بينا فيما سبق الجو العام للآية:

في هذه الآية أخبر اللّه تعالى أن الكفار الذين كانوا قبل هؤلاء الكفار من العرب قد مكروا بالمؤمنين، واحتالوا على خنق الرسالة الإلهية بقتل اتباعها المؤمنين وتعذيبهم وتشريدهم. فبين أن «للّه المكر جميعاً» أي أن بيده الجزاء والعقوبة على هذا المكر الذي يمكره الكافرون بالمؤمنين.

وقوله: «... يَعلَمُ مَا تَكسبُ كُلّ نَفسٍ. وَسَيَعلَمُ الكُفّارُ لمَن عُقبَى الدّار». بيان لطبيعة المراد من المكر المنسوب إلى اللّه تعالى وأنه الجزاء على اضطهاد الكافرين للمؤمنين.

وقد عبر عن الجزاء بالمكر للمجانسة والمشاكلة كما قلنا.

***

ويبدو أن الراغب الإصفهاني (الحسين بن محمد بن المفضل - ت: ٥٦٥ ه‍) قد فهم من استعمال «المكر» تارة في الحيلة والخديعة للتوصل إلى مقاصد شريرة، وأُخرى في الجزاء العادل على الشر، أو في الردع عن فعل الشر، وكشف الاساليب الشريرة للمجرمين - يبدو أن الراغب الإصفهاني قد فهم من تنوع استعمال المكر أن للمكر معنيين، فقد قال في كتابه «المفردات في غريب القرآن»:


(المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة) وذلك ضربان: ضرب محمود، وذلك أن يتحرى به فعل جميل، وعلى ذلك قال: «واللّه خَيرُ المَاكرين» ومذموم، وهو أن يتحرى به فعل قبيح. قال: «ولا يَحيق المَكرُ السّيّيء إلا بأهلهِ» «وَإذ يَمكُرُ بكَ الذيِنَ كَفَروا» «فانظُر كَيفَ كَانَ عَاقبَدُ مَكرهم» وقال في الأمرين: «وَمَكَروا مَكراً ومَكرنا مَكراً».

ومما يعزز فهم الراغب الاصفهاني لاستعمال «المكر» منسوباً إلى الذات الإلهية بمعنى يختلف عن استعماله منسوباً إلى الكافرين بالأنبياء والرسالات أن مكر اليهود بالنبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وصف في بعض الآيات بأنه مكر سيء، قال تعالى:

( ... وأقسمُوا باللّه جهَدَ أيمَانهم لَئن جاءَهُم نَذير لَيَكُونَنّ أهدَى من إحدى الأُمَمِ، فَلَما جَاءهُم نَذير مَا زَادَهُم إلا نُفُوراً. إستكبَاراً في الأرضِ وَمَكرَ السّيء، ولا يَحيقُ المكر السّيء إلا بأهله فَهَل يَنظُرونَ إلا سُنّةَ الأوّلين؟ فَلَن تَجدَ لسُنة اللّه تَبديِلاً، وَلَن تَجدَ لِسُنّةِ اللّه تَحويلا ) (١) .

***

____________________

(١) سورة فاطر الآية ٤٢ - ٤٣.


من هذا البيان يتضح مدى خطأ المؤلف في فهم «المكر الإلهي» وأسباب هذا الخطأ. ويتضح أن المؤلف فشل في إيجاد «تعليل ديني مقبول» لما فهمه - خطأ - من قصة إبليس. لقد أخطأ في فهم أصل القصة، وأخطأ في فهم «المكر»المنسوب إلى الذات الإلهية في القرآن. وما توهمه المؤلف اكتشافاً كبيراً تبين انه لم يكن شيئاً على الاطلاق. لقد كان خطأ وحسب.

- ٥ -

بقي علينا أن نصحح فهم المؤلف لبعض الآيات الأُخرى التي ذكرها في معرض حديثه عن «المكر الإلهي» والتي رأى أنها تتفق في مدلولها مع الآيات التي نسب فيها المكر إلى الذات الإلهية. وسنرى انه أخطأ في فهم هذه الآيات كما أخطأ في فهم آيات «المكر الإلهي» وسنرى انه بتر بعض الآيات وعزلها عن جوها العام ليتأتى له الاستعانة بها على إثبات دعواه.

قال المؤلف (ص ١٢١):

«نجد أيضاً بعض الآيات تنسب إلى الذات الإلهية صفة مشابهة هي صفة الاستهزاء (...) وأوردت بعض الآيات المعنى نفسه دون ذكر المكر الإلهي وتخصيصه..».

وقد ذكر المؤلف الآيات التي اعتبرها شواهد على دعواه عن المكر الإلهي، وسنذكر الآيات التي ذكرها، ونكشف عن خطأه في فهمه لها.


الآية الاولى:

ذكرها المؤلف هكذا:( اللّه يَسَتهزئُ بهم وَيمُدّهُم في طُغيَانهم يَعمهُون ) (١) .

وهذه الآية من جملة مقطع ورد في بيان حال المنافقين وملامحهم، ومواقفهم المخادعة والمراوغة من المؤمنين، وسخريتهم منهم. وأول المقطع المذكور:( وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا باللّه وَباليومِ الآخر وَما هُم بمؤمنين ) (٢) . ثم يبين اللّه خداعهم، وفساد نواياهم، وافسادهم في الأرض، واستكبارهم عن الايمان الحقيقي، وتسميتهم للمؤمنين سفهاء، ثم يقول تعالى:

( وَإذا لَقُوا الّذيِنَ آمَنُوا قَالوا آمَنّا، وَإذا خَلُوا إلى شَيَاطينهم قَالُوا إنّا مَعَكُم، إنّما نَحنُ مُستَهزؤن. اللّه يَستَهزيء بهم وَيمُدُّهُم في طُغيانهم يَعمهُون. أولئكَ الّذينَ اشتَروا الضّلالَةَ بالهُدى فَمَا رَبحَت تجَارَتُهُم وَمَا كَانوا مُهتَدينَ ) (٣)

هذا هو الجو العام للآية، وهذه هي علاقاتها الداخلية.

وقد سمى اللّه جزاؤهم على نفاقهم، ومواقفهم الملتوية من العقيدة واتباعها، واستهزاءهم بالمؤمنين - سمى اللّه ذلك الجزاء استهزاء مراعاة

____________________

(١) سورة البقرة الآية ١٥.

(٢) سورة البقرة الآية ٨.

(٣) سورة البقرة الآية ١٤ - ١٦.


للمشاكلة والمجانسة، كما تقدم في كلامنا عن المكر الإلهي، وقدمنا الشواهد عليه من القرآن والشعر الجاهلي.

الآية الثانية:

( وَلا يَحسَبَنّ الّذين كَفَروا أنّما نمُلي لَهُم خَيراً لأنفُسهم إنما نمُلي لَهُم ليزدادوا إثماً، وَلَهُم عَذاب مُهين ) (١) .

هذه الآية وردت في شأن المنافقين الذين تخلفوا عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في معركة أُحد وغزوة حمراء الأسد. وهي جزء من مقطع يعالج هذا الموقف من مواقف النبي والمسلمين مقابل المشركين.

فقد بين اللّه سبب النكبة في أُحد، وموقف المنافقين حينذاك، (الآيات: ١٦٥ - ١٦٨) ثم بين اللّه منزلة الشهداء العظيمة، ومدح الذين استجابوا لدعوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى غزوة حمراء الأسد على ما بهم من جراح وتعب (الآيات: ١٦٩ - ١٧٤). ثم بين حال المنافقين في هذا الموقف فقال تعالى مخاطباً النبي محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( وَلا يَحزُنكَ الّذينَ يُساَرعُونَ في الكُفرِ إنّهُم لَن يَضُرّوا اللّه شيئاً، يُريدُ اللّه ألا يَجعلَ لَهُم حَظاً في الآخرةِ، وَلَهُم عَذاب عَظيم. إنّ الّذين اشتَروا الكُفر بالإيمان لَن يَضُروا اللّه شيَئاً، وَلُهم

____________________

(١) سورة آل عمران الآية ١٧٨.


عَذَاب أليم. وَلا يَحسَبنّ الذين كَفَروا أنما نملي لَهُم خيَراً لأنفُسهم إنما نُملي لَهُم ليَزدادوا إثماً وَلَهُم عَذَاب مهين. مَا كَان اللّه لِيذرَ المؤمنين عَلى ما أنتم عَليهِ حَتّى يَميزَ الخَبيث منَ الطّيّب.. ) (‍١)

هذا هو الجو العام للآية.

ومنه يتضح أن اللّه تعالى لا يريد أن يملي (يمهل) لغاية أن يزداد الكافرون إثماً بحيث يكون الغرض والعلة في إمهالهم هو أن يزدادوا إثماً، وإنما يملي (يمهل) اللّه الانسان ليتيح له الفرصة التامة لتلقي الهداية والاقرار بالحق، ويعرضه لأنواع التجارب ليعطيه القدرة على الاختيار والحرية. وحينئذٍ، فإذا اختار طريق الهدى فقد فاز، وإذا اختار طريق الضلالة فقد هلك، وحينئذٍ تكون عاقبة امهاله وبالاً عليه، لأنه لم ينتفع من الفرصة التي اتيحت له، كما تكون عاقبة امهاله المؤمن خيراً وبركة عليه لأنه انتفع من الفرصة التي اتيحت له.

فاللام في قوله تعالى: «ليزدادوا إثماً» ليست لام الغاية والغرض والعلة، وإنما هي لام العاقبة، وذلك مثل قوله تعالى في قصة موسى وفرعون،( فَالتَقَطَه آلُ فرعوَن ليَكُون لَهُم عَدُواً وَحَزَناً ) (٢) . فإن التقاط آل فرعون لموسى لم يكن من أجل أن يجعلوا من موسى عدواً لهم، ولكن عاقبة التقاطهم له هي انه كان لهم عدواً وحزناً. ومن ذلك أيضاً قول أحد الشعراء الجاهلين:

____________________

(١) سورة آل عمران الآية ١٧٦ - ١٧٩.

(٢) سورة القصص الآية ٨.


وأم سماك فلا تجزعي

فللموت ما تلد الوالدة

فليس مراده أن الغرض والعلة من الولادة هي الموت، وإنما مراده ان عاقبة كل مولود هي الموت.

وهكذا الحال في الآية الكريمة.

الآية الثالثة:

( وإذا أردَنا أن نُهلكَ قَرية أمَرنا مُترَفيها فَفَسقُوا فيها، فَحَقّ عَلَيهَا العَذابُ، فَدمّرناهَا تَدميرا ) (١) .

إن هذه الآية لا تدل من قريب ولا من بعيد على ما ذهب اليه وهم المؤلف. وإنما هي من جملة الشواهد على المبدأ القرآني: «مبدأ أثر التغيير الداخلي في حركة التاريخ». وقد شرحته في كتاب لي بعنوان «مقدمة لدراسة تاريخ الثورات في الاسلام» آمل ان انجزه قريباً، وأذكر هنا ما تسمح به هذه العجالة.

ان الآية السابقة على هذه الآية هي قوله تعالى:

( مَنِ اهتَدى فَإنما يَهتَدي لنَفسه، وَمَن ضَلّ فَإنما يَضِلّ عَليَها، وَمَا كُنّا مُعَذّبينَ حَتّى نَبعَثَ رَسُولا ) (٢) .

____________________

(١) سورة الاسراء الآية ١٦ -

(٢) سورة الإسراء الآية ١٥.


فهذه الآية تقرر مبدأ الحرية الداخلية: حرية الارادة والاختيار، ومن ثم تقرر مبدأ التبعة الفردية والمسؤولية الشخصية. ودور الرسول هو دور الهادي والمرشد لا غير، واللّه لا يرغم العبد على فعل شيء أو تركه.

على ضوء هذه الآية يجب أن تفهم الآية التالية لها، وهي موضوع البحث، وذلك وفقاً للمبدأ القرآني: «مبدأ أثر التغيير الداخلي في حركة التاريخ»:

يعطي اللّه الفرصة ويهيء الظروف المناسبة للمجتمع، ليحرز المجتمع التقدم المادي والمعنوي، وليحافظ على مستوى هذا التقدم: «.. وَمَا كُنّا مُعَذّبين حَتّى نَبعَثَ رَسُولاً» هذا الرسول يأمر بالاصلاح ويأمر بالنظام العادل، ويخطط الشكل الذي يضمن للمجتمع بقاءه وتقدمه.

وهذا الرسول يتوجه بتعاليمه إلى المجتمع كله، إلا أنه يتوجه بصورة خاصة إلى الطبقة المسيطرة في المجتمع «المترفين».

وحين لا يطيع هؤلاء، ويستمرون مغرقين في الترف الذي يقودهم إلى الانحلال، ويستمرون مغرقين في الطغيان الذي يقودهم إلى اذلال الانسان، ولا يتحرك المجتمع ولا يحاول التغيير بل يستمر في رضوخه، وفي خضوعه، حينئذٍ.. حينئذٍ تتوفر الشروط الموضوعية لانحلال المجتمع: من شيوع الترف، وسيادة المترفين المطلقة، والانقسام الطبيعي الحاد، وحينئذٍ يحصل الانحلال والانهيار والهلاك.

وقد ورد هذا القانون في القرآن مطبقاً على حالات تاريخية معينة في أكثر من موضع، منها قوله تعالى:


( ألَم تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبّكَ بعَادٍ. إرَمَ ذاتِ العمَاد. التّي لَم يُخلق مثلُها في البلادِ. وثمودَ الّذينَ جَابُوا الصّخرَ بالوَاد. وَفرعَونَ ذي الأوتَاد. الذينَ طَغَوا في البلاد. فَأكثروا فيها الفَسَاد. فَصَبّ عَلَيهم رَبّكَ سَوطَ عَذاب. إنّ رَبّك لَبالمرصاد ) (١) .

***

بقي علينا أن نحلل بعض النواحي التعبيرية في الآية موضوع البحث. والذي يسترعي النظر من هذه الجهة أمران.

الأمر الأول: قوله تعالى: «وإذا أرَدنَا أن نُهلكَ..».

فهم المؤلف من «أردنا» الارادة الإلهية الفعلية للاهلاك، وهذا خطأ. الحقيقة هي أن استعمال «أردنا» في الآية موضوع البحث من قبيل قولنا: «إذا أراد المريض أن يموت ظهرت عليه الأعراض الفلانية» و«إذا أرادت السماء أن تمطر انتشر فيها الغيوم» والمراد من الارادة في هذين الموردين هو اجتماع الشروط الموضوعية للموت والمطر. وقد ورد نظير هذا التعبير في القرآن في قصة موسى وصاحبه:( ...فَوَجَدَا فيها جدَاراً يُريدُ أن يَنقَضّ فَأقامه ) (٢) ومن الواضح أنه

____________________

(١) سورد الفجر الاية ٦ - ١٤.

(٢) سورة الكهف الآية ٧٧


لا معنى لنسبة الارادة الفعلية إلي الجدار، وإنما المراد أن الشروط الموضوعية لانقضاض الجدار قد توفرت.

والتعبير ب‍ «أردنا» في الآية موضوع البحث من هذا القبيل، فإن المراد أن الشروط الموضوعية لهلاك القرية قد توفرت، بسبب العصيان والطغيان.

ونسبة الارادة هنا إلى اللّه «أردنا» وليس إلى القرية «ارادت» للاشارة إلى أن هذا القانون هو قانون كوني أوجده اللّه تعالى، فالنسبة إلى اللّه من حيث أنه أوجد النظام الكوني من جملة قوانين الاجتماع الانساني ونمو المجتمعات وانحلالها.

الأمر الثاني: قوله تعالى: «... أمَرنا مُترَفيها فَفَسَقُوا فيها..».

توهم المؤلف أن المراد أن اللّه أمرهم بأن يفسقوا. وهذا خطأ. الحقيقة أن هذا الاستعمال من باب «أمرته فعصاني» أي أمرناهم بواسطة رسلنا بالطاعة والاستقامة «.. وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً» ولكنهم عصوا، واستمروا على غيهم، فتمت بمعصيتهم الشروط الموضوعية للانحلال والدمار.

وإلا فكيف يعقل أن يكون اللّه قد أمرهم بالفسق، وهو القائل:

( قل أنّ اللّه لا يَأمُرُ بالفَحشَاء... ) (١) .

( قُل إنّمَا حَرمّ رَبي الفَواحشَ مَا ظَهَر منهَا

____________________

(١) سورة الاعراف الآية ٢٨.


ومَا بَطَنَ، والإثمَ وَالبغي بغَير الحَقّ ) (١) .

***

من هذا التحليل يبدو كم كان المؤلف ساذجاً وسطحياً حين علق على هذه الآية (في ص ١٢٢) بقوله:

«كان (اللّه) قد شاء تدمير القرية، ولكن لئلا يكون للعباد عليه حجة فيما شاء لجأ إلى المكر، فأمر مترفيها أن يفسقوا حتى يبدو للجميع وكأن القرية استحقت ذلك التدمير. بينما الحقيقة غير ذلك».

الآية الرابعة:

( إنّ المنَافقينَ يُخادعُونَ اللّه وهو خَادِعُهم ) (٢)

إن هذه الآية جزء من مقطع موضوعه المنافقون يشتمل على الآيات (١٣٧ - ١٤٣ - النساء) ويبدأ بقوله تعالى:

( إنّ الذيِنَ آمَنُوا، ثم كَفروا، ثم آمَنُوا، ثم كَفَرُوا، ثم ازدادوا كُفراً لم يَكُنِ اللّه ليغَفرَ لهَم ولا ليَهديَهُم سبَيلا. بَشّر المُنافقين بأنّ لَهُم عَذَاباً أليماً. الذين يَتّخذُونَ الكافرينَ أولياءَ من دوُن المؤمنين، أيَبتَغُونَ عندَهم العزّة؟‍ فَإنّ العزّةَ للّه جَميعاً ) .

____________________

(١) سورة الاعراف الآية ٣٣.

(٢) سورة النساء الآية ١٤٢.


ثم ينهى اللّه في الآية (١٤٠) المؤمنين عن مجالسة هؤلاء المنافقين في حالة معينة:

( وَقَد نَزَّلَ عَلَيكُم في الكتَاب أن إذا سمَعتم آيات اللّه يُكفَر بها ويُستَهزؤ بها فلا تَقعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَديثٍ غَيرِه، إنكُم إذاً مثلهم، إنّ اللّه جَامع المُنافقينَ والكَافرينَ في جَهَنم جَميعاً ) (١) .

ثم بين اللّه للمؤمنين مظهراً من مظاهر نفاق هؤلاء وخداعهم:

( الذينَ يَتَربّصُون بكُم، فَان كانَ لَكُم فَتح منَ اللّه قَالوا: ألم نَكُن مَعَكُم؟ وَإن كَان للكَافرينَ نَصيب، قَالُوا: ألَم نَستَحوذ عَلَيكم وَنَمنعكُم منَ المؤمنين؟ فاللّه يَحكُمُ بيَنكُم يَومَ القيامَةِ وَلَن يَجعَلَ اللّه للكَافرينَ عَلى المؤمنين سبَيلا ) (٢) .

هذا الموقف من المنافقين، وامثاله من مواقفهم سماه في الآية موضوع البحث اللّه خداعاً، وبين أن خداعهم هذا لن يعصمهم من المجازاة والعقوبة، وسمى الجزاء على الخداع خداعاً ايضاً، وذلك للمشاركة والمجانسة، كما تقدم نظيره في تحليلنا للآيات السابقة.

____________________

(١) سورة سورة النساء الآية ١٤٠.

(٢) سورة النساء الآية ٤١.


( إنّ المنَافقينَ يُخادعُونَ اللّه وَهُوَ خَادعُهُم، وإذَا قَامُوا إلى الصّلاة قَامُوا كُسالى يُرّاؤنَ النّاس وَلا يذكُرون اللّه إلا قَليلا ) (١) .

***

لقد تبين لنا من هذا الحديث أن الآراء التي توصل إليها المؤلف عن فكرة «المكر الإلهي» كانت خطأ نشأ من الأسباب التي قدمناها.

وإلى اللقاء مع المؤلف في الحديث عن الماركسية.

____________________

(١) سورة النساء الآية ١٤٢.


نظرة نقدية الى ركائز الماركسية (الركائز الاساسية للفلسفة الماركسية)

إن الماركسية عاجزة عن تقديم تصور للكون يطمئن إليه العقل. وهي تلجأ في هذا الميدان - كما بينا سابقاً - إلى الغيب، وهو ما تتهم به الدين. والفرق بين الغيب الذي تلجأ إليه الماركسية والغيب الديني أن الغيب الماركسي اعتراف بالجهالة فيما يعود إلى أصل الكون يتناقض مع المواقف الفكرية الجازمة في القضايا المتفرعة من المسألة الاساسية، وأما الغيب الديني فهو أمر تقضي به الضرورة العقلية وهو إدراك واعٍ للمسألة الأساسية يجعل النتائج منسجمة مع مقدماتها. وقد أثبتنا هذه الحقيقة بصورة لاتدع مجالاً للشك فيما سبق من هذه المقالات.

والان نريد أنن نناقش ركائز الماركسية الأساسية لنكشف عن أنها بعيدة عن العلم، وأنها - على الصعيد الفلسفي- حافلة بالأخطاء.

تحديد المفاهيم اولاً

ذهب المؤلف - كغيره من الماركسيين - إلى أن ثمة مفهومين فلسفيين للكون هما: المفهوم المثالي، والمفهوم المادي. وأن ما أسماه «الصورة الكونية» وهو مصلح اختاره للتعبير عن «مجموع النظريات الشاملة لطبيعة الكون التي تسود في عصر من العصور» (ص ٢٠٣ ) هذه الصورة الكونية إما أن تكون مثالية أو مادية، ولا شيء آخر غير هذين.

فهو يتحدث في الفصل الأخير من كتابه (مدخل الى التصور العلمي - المادي للكون وتطوره) عن المادية الميكانيكية. ونجاحها العظيم في تفسير الظواهر الكونية، وانتشارها الكبير في شتى فروع المعرفة البشرية ثم سقوطها نهائياً تحت ضربات نقد الفلسفة المادية الديالكتيكية - وذلك في مقابل الفلسفة المثالية التي فشلت في التأثير على المادية الميكانيكية «.. وجاءت أول موجة من النقد الموجه للصورة الكونية الميكانيكية هذه من جهة اليمين... وكان أهم ممثل لهذه النزعة اليمينية في نقد المادية ورفضها هو الفيلسوف الانجليزي (باركلي) الذي حاول أن يحل محلها صورة كونية مثالية روحية تعتبر جميع الكيفيات المحسوسة - في التحليل الأخير -


أفكاراً في العقل الإلهي، وذلك بالمعنى الحرفي للعبارة تقريباً. وبهذا الصدد نذكر أيضاً ان الفيلسوف الالماني لايبنتز دخل في جدل مشهور مع نيوتن واتباعه هاجم فيه اسس المادية الساكنة من وجهة نظر مثالية روحية محضة» (ص٢١٦)

وبعد أن أشار الى ان مجموعة من الشعراء والفنانين الانجليز الذين ينتمون الى المدرسة الرومانسية رفضوا المادية الميكانيكية لأسباب غير فلسفية، قال:

«غير أن النقد اليميني للمادية الميكانيكية لم يلق أذاناً صاغية خارج أوساط نفر من الأُدباء ورجال الدين وبعض الفلاسفة من أصحاب الميول المثالية الواضحة... أما النقد الأهم الذي وجه إلى المادية الميكانيكية فقد جاء من جهة اليسار، وتحت اسم المادية الديالكتيكية..»(ص٢١٧).

وسأعرض في نهاية هذا الفصل الى التناقضات الفكرية العجيبة التي وقع فيها المؤلف. أما هنا فعلينا تصحيح الخطأ الذي وقع فيه المؤلف حين ذهب الى وجود مفهومين فلسفيين للكون فقط هما: المادية (ميكانيكية، وديالكتيكية) والمثالية. في حين أن الحقيقة هي أن ثمة ثلاثد مفاهيم فلسفية نشرحها فيما يلي.

١ - المفهوم المثالي:

المفهوم الفلسفي المثالي عن العالم يقضي بأنه لا يوجد خارج إدراكنا وتصوراتنا أي واقع موضوعي للأشياء، فكل الأشياء التي يتكوّن منها


العالم ما هي إلا ألوان من تفكيرنا وتصورانا. وما لا ندركه فهو غير موجود.

٢ - المفهوم الواقعي المادي:

المفهوم الفلسفي الواقعي المادي يقضي بأن العالم موجود خارج إداركنا وتصوراتنا مستقل استقلالاً تاماً عن وعينا لأنه واقع موضوعي قائم بنفسه خارج ذواتنا. والحقيقة النهائية في الكون هي المادة التجريبية، وهي السبب الأعمق للظواهر الكونية، ولا يوجد وراءها شيء آخر يمكن اعتباره سبباً لوجود الكون واستمراره.

٣ - المفهوم الواقعي الإلهي:

المفهوم الفلسفي الواقعي الإلهي يقضي - كالمفهوم المادي - بأنه يوجد واقع موضوعي للعالم خارج إدراكنا وتصورنا ومستقل عنهما، فهو قائم بنفسه خارج ذواتنا. ولكن هذا الواقع الموضوعي ليس ذاتيَّ الوجود - على خلاف ما يذهب إليه المفهوم المادي - بل هو معلول الوجود لمبدأ غير مادي فوق الروح وفوق الطبيعة معاً، وهو اللّه تعالى.

وإذن، فالرأي الشائع تورط فيه المؤلف، وهو اعتبار أن ثمة مفهومين فقط على الصعيد الفلسفي أحدهما المفهوم المثالي والآخر المفهوم الواقعي المادي، وأن رفض أحدهما يعني حتماً الايمان بالآخر - هذا الرأي واضح الخطأ، فثمة - كما بينا - مفهوماً ثالثاً هو المفهوم الواقعي الإلهي. إن المفهوم المثالي مقابل للمفهوم الواقعي الإلهي كما هو مقابل


للمفهوم الواقعي المادي. وهذان المفهومان المقابلان للمثالية يلتقيان في أنهما معاً واقعيان يلتزمان بوجود موضوعي خارجي للكون مستقل عن إدراك الانسان وتصوراته، ويختلفان في السبب الأعمق للتكوين، فالمادية تقف عند المادة ولا تتعداها جازمة تارة بأن المادة هي أصل الموجودات وحائرة في هذه المسألة تارة أُخرى، والإلهية تتجاوز المادة في هذه المسألة إلى اللّه.

***

ويجب أن نكرر هنا ما سبق وبيناه في هذه المقالات وهو أن الايمان باللّه تعالى سبباً لوجود الكون واستمراره لا يعني إلغاء نظام العلية والسببية من الكون كما يشاء الماديون أن يتصوروا، فان الإلهي لا يعتقد بأن يداً تمتد من المجهول لتحدث ظواهر الطبيعة وتغيراتها، وانما يعتقد بأن لكل شيء سبباً على الانسان أن يبحث عنه، وأن جميع الأسباب تتناهى في الاخير إلى سبب أعلى منها جميعاً هو اللّه تعالى:

إن المفهوم الواقعي الإلهي يعترف بنظام العلّية في الكون، بل ينبثق منه، إذ أن من جملة أدلته دليل العلية، غاية ما في الأمر أنه لا يقف عند حد المادة التي ثبت عجزها عن التفسير وإنما يستجيب للضرورة العقلية فيقول بوجود علة اساسية عظمى تنتهي اليها جميع العلل والأسباب، وهي اللّه تعالى:

وإذن، فهذا المفهوم الواقعي الإلهي لا يضع نفسه في معارضة مع البحث العلمي في الطبيعة واكتشاف الأسباب الكامنة وراء حوادثها وظواهرها، بل يفتح جميع الأبواب أمام البحث العلمي في جميع المجهولات.

***


ويترتب على هذا أمر آخر، وهو أنه لا فرق بين الإلهي والمادي فيما يتعلق بالعلم واكتشافاته: فكلاهما يعتبر الطبيعة والانسان موضوعاً لبحثه العلمي، وكلاهما يؤمن بنتائج البحث العلمي في مجال التجربة في الطبيعة والانسان، وليس في حقائق العلم شيء يمكن أن يسمى مادياً أو إلهياً. الفرق الأساسي بينهما هو أن الإلهي يرد الكون إلى سبب أعمق هو اللّه تعالى ومن ثم فإنه يؤمن بنوع من الوجود المجرد، خارج المجال التجريبي ويرتب على هذا الموقف نتائجه في الانسان والحياة والمجتمع، أما المادي فيقف عند المادة لا يتعداها، ولا يؤمن بما وراء التجربة الحسية.

ويتضح لنا مما سبق أن الكيان الفلسفي للمادية لا يرتكز - عند التحليل - على حقائق إيجابية في مقابل الإلهي، وإنما يركز على النفي والانكار للحقيقة المجردة التي تعتبرها الإلهية نهائياً للوجود، ولما يترتب على هذه الحقيقة المجردة الأساسية من حقائق متفرعة عن الايمان بها، ومستند هذا الانكار عند المادية هو عدم قيام التجربة الحسية على وجودها وليس قيام تجربة حسية على عدمها، فان المادية تقول بالنسبة إلى هذه المسألة (لا أُومن باللّه لأنه لا دليل حسّي تجريبي على وجوده) ولا تقول (لا أُومن باللّه لأن لدي دليلاً حسياً تجريبياً على عدمه).

ولكن من الواضح أن هذا الأُسلوب في مواجهة هذه المسألة غير علمي فان موضوع البحث فيها حقيقة مجردة، وليس شيئاً مادياً.

وإذا كانت التجربة الحسية لا تقدم دليلاً على المفهوم الإلهي للعالم، أي لا تكشف في الظواهر المحسة عن سبب مجرد، فهي كذلك لا تقدم دليلاً على النفي المطلق الذي تقوم عليه المادية، اذ أن من الواضح أن التجربة الحسية لا يمكن أن تعتبر برهاناً على نفي حقيقة خارج حدودها


لما ذكرنا من أن موضوع البحث في المسألة حقيقة مجردة وليس شيئاً مادياً.

وعلى هذا فالقول بوجود (مادية علمية) أي تجريبية مجرد دعوى لا أساس لها من الصحة، لأن المفهوم الفلسفي المادي للعالم - كالمفهوم الفلسفي الإلهي للعالم - شيء لا يمكن اثباته بالتجربة الحسية، لأن موضوع البحث غير تجريبي. إن المادية كالالهية اتجاه فلسفي في محاولة فهم العالم، والطريق إلى اثبات صوابية أحد المفهومين محصور في الفكر ومسلماته لا غير.

وقد أثبتنا في أبحاثنا السابقة عجز الماركسية عن تقديم تفسير معقول للكون، وأن المفهوم الصحيح فلسفياً هو المفهوم الواقعي الإلهي للكون.

وعلينا الان أن نفي بما وعدنا به سابقاً من الكشف عن تهافت الماركسية وإفلاسها وعمقها كفلسفة تريد أن تقدم تفسيراً شاملاً للكون والحياة والانسان. وذلك من خلال نظرة نقدية إلي الركائز الأربعة الرئيسية في الماركسية وهي: حركة التطور، وتناقضات التطور، وقفزات التطور، والارتباط العام.

١ - حركة التطور

خلافاً لما هو شائع، ليس القول بأن الكون المادي في حالة حركة مستمرة وقفاً على التفكير الماركسي، فالواقعية الإلهية تؤمن بهذا أيضاً قبل هيغل وماركس وقبل أن يكون ثمة في تاريخ الفلسفة ديالكتيك، ولا حاجة بالانسان إلى أن يكون ماركسياً ليكتشف هذه الحقيقة البسيطة البديهية.

وقد بلغ المفهوم الفلسفي الميتافيزيقي ذروة كماله ونضجه في الفلسفة الاسلامية في أعمال الفيلسوف الاسلامي العظيم صدر الدين الشيرازي، محمد بن ابراهيم القوامي الشيرازي، (٩٧٩ ه‍ - ١٠٥٠ه‍) في نظريته عن الحركة العامة والحركة الجوهرية، وقد «برهن على أن الحركة لا تمس ظواهر الطبيعة وسطحها العرضي فحسب، بل الحركة في تلك الظواهر ليس إلا جانباً من التطور يكشف عن جانب أعمق، وهو التطور في صميم الطبيعة وحركتها الجوهرية. ذلك أن الحركة السطحية في الظواهر، لما كان معناها التجدد والانقضاء فيجب، لهذا، أن تكون علتها المباشرة أمراً متجدداً غير ثابت الذات أيضاً، لأن علة الثابت ثابتة، وعلة المتغير المتجدد متغيرة متجددة، فلا يمكن أن يكون السبب المباشر للحركة أمراً


ثابتاً، وإلا لانعدمت الحركة، وأصبحت قراراً وسكوناً».

الجديد الذي جاءت به الماركسية في حركة التطور هو فكرة التناقض الخيالية الباطلة، فقد اعتبرت الماركسية أن التناقض هو سبب الحركة في الطبيعة، وأن الحركة هي المظهر الذي ينتج عن الصراع بين المتناقضات. والحق أن الماركسية بعملها هذا وقعت في خطأٍ فلسفي جسيم، ولا بد من تجريد مفهوم حركة التطور عن فكرة التناقض لتنسجم الرؤية الفلسفية لحركة التطور مع الواقع الموضوعي لهذه الحركة في الطبيعة.

وإذن، فلا خلاف بين الإلهي والمادي في أصل مسألة الحركة في الطبيعة، وطنما الخلاف بينهما في نقطتين. الأولى طبيعة الحركة، والثانية مجال الحركة.

أ - طبيعة الحركة:

يدخل مبدأ التناقض عنصراً أساساً في مفهوم الحركة عند الماركسية بينما يعتبر مبدأ عدم التناقض عنصراً أساساً في مفهوم الحركة عند الواقعية الإلهية. ولذا فلا بد قبل نقد الماركسية في هذه المسألة من بيان مبدأ التناقض ليكون القارئ على بينة من مجال البحث.

١ - التناقض:

التناقض اختلاف القضيتين بحيث يلزم، لذات الاختلاف، من صدق كل واحدة منهما كذب الأُخرى وبالعكس.


ويتحقق هذا بأن تكون القضية الواحدة في موضوعها ومحمولها، مع وحدة الزمان والمكان ووحدة الاضافة (النسبة) ووحدة الشرط والوحدة في الجزء أو في الكل والوحدة في القوة (الامكانية) أو في الفعلية. أن تكون القضية الواحدة في جميع هذه الامور موصوفة بالوجود والعدم معاً. مثلاً: هذه القطرة من الماء في هذا الأُنبوب، بجميع أجزائها حارة فعلاً بدرجة عشرة في الدقيقة الستين من الساعة الواحدة صباحاً. وهذه القطرة من الماء بجميع أجزائها في الأُنبوب وفي نفس الزمان غير حارة بالفعل بنسبة عشر درجات.

هاتان القضيان متناقضتان. والواقعية الإلهية تقول إن صدقهما مستحيل وأن كذب إحدهما ضروري. وتقول الماركسية إن كذب احداهما مستحيل وأن صدقهما ضروري.

٢ - الحركة في الماركسية:

قال انجلز:

«ان الوضع يختلف كل الاختلاف إذ ننظر إلى الكائنات وهي في حالة حركتها، في حالة تغييرها، في حالة تأثيراتها المتبادلة على بعضها البعض، حيث نجد أنفسنا بدء هذه النظرة بأننا مغمورون في التناقضات، فالحركة نفسها هي تناقض. إن أبسط تغير ميكانيكي في المكان لا يمكن أن يحدث إلا بواسطة كينونة جسمٍ مَّا، في مكان مَّا، في لحظة مّا، وفي نفس تلك اللحظة


كذلك، في غير ذلك المكان، أي كينونته وعدمها معاً في مكان واحد، في نفس اللحظة الواحدة، فتابع هذا الناقض تابعاً مستمراً، وحل هذا التناقض حلاً متوافقاً مع هذا التتابع، هو ما يسمى بالحركة».

هذا النص الأساسي يصور بوضوح طبيعة الحركة في الفلسفة الماركسية، انها نتيجة الصراع والتدافع بين النقيضين. فكل واحد منهما - بحكم كونه نقيضاً - يمنع الآخر من التحقق المستمر، وهذا التمانع ينتج الحركة والتغير.

٣ - الحركة في الواقعية الإلهية:

تنطلق الواقعية الإلهية في فهمها لطبيعة الحركة من حقيقة أن التناقض مستحيل، وأنه لا ينتج الحركة بل ينتج السكون والثبات كما سنرى.

إن الحركة في الواقعية الإلهية هي تعانق مستمر بين الفعلية وبين القوة (الامكانية)، والحركة تنتج من تحول إمكانية الشيء إلى وجود فعلي، وليست صراعاً بين فعليتين متناقضتين كما تزعم الماركسية. فكل شيء موجود يمتلك - إلى جانب مستوى الوجود المعين الذي يمتلكه فعلاً - إمكانيات للنمو والتقدم، أو للتغير بشكل عام. إذا احتفظ هذا الشيء بفعليته المعينة ولم يكتسب فعلية جديدة أُخرى فهو ساكن وثابت، أما حين ينتقل من فعليته القائمة إلى فعلية جديدة غير تلك التي كان عليها فهو يتحرك ويكسب وجوداً أكثر قوة وثراءً إن حركته هي تحول إمكانياته المستكنة فيه إلى فعليات ظاهرة عليه، فحركة الشيء هي انتقال


مستمر متدرج من القوة إلى الفعلية. مثلاً بذرة الورد هي فعلاً بذرة جافة ذات حجم وشكل معينين ولكنها تملك في الوقت عينه إمكانية أن تتحول عبر مراحل من النمو إلى شجرة ورد زاهية اللون عابقة بالعبير. فاذا غرست وتهيأت لها ظروف النمو انتقلت من كونها بالفعل بذرة جافة إلى مرحلة فعلية جديدة هي انبثاقها عن (سمخ). لقد تحركت البذرة إلى الأمام باكتسابها الفعلية الجديدة، وهي تملك إمكانيات أُخرى فإذا تحولت إلى نبتة خضراء فوق التربة تكون قد تحركت أيضاً باكتسابها فعلية جديدة، وهكذا تستمر في الحركة إلى أن تصل إلي غايتها وتستنفذ جميع امكاناتها، وحينئذٍ تتوقف عن النمو، لأنها لم يعد لديها ما تعطيه، لم تعد قادرة على إثراء وجودها بمستويات جديدة لأنها حققت جميع إمكاناتها.

ومثال آخر، الماء، إنه يكون بارداً تماماً. في درجة الصفر. فهو بارد بالفعل وفي الوقات نفسه يملك «إمكانية» الحرارة من أبسط مستوياتها إلى أعلى مستوياتها حيث يتحول الماء إلى غاز. فإذا عرضنا الماء للنار تبدأ حرارته، التي كانت قوة فقط، بالتحول والحركة نحو الفعلية، وهكذا تكون «إمكانية»

الحرارة قد تحولت إلى «فعلية» الحرارة بدرجة معينة ولنفرضها ٥٠ درجة مثلاً، ولا تزال فيه «إمكانية» أن يتجاوز هذه الدرجة إلى درجة أعلى منها، فاذا بلغ درجة الغليان تكون «إمكانية» الغليان قد تحولت إلى «فعلية» الغليان، ولا تزال مع ذلك «امكانية» أن تشتد حرارته فيحول إلى غاز..

وإذن فثمة حرارة واحدة مستمرة الوجود «تتحرك» وتنمو باستمرار وذلك بتحولها من مرحلة القوة والامكان إلى الفعلية والانجاز، وكلما


تحققت بالفعل إحدى الامكانيات أفسحت المجال لتحقق إمكانية أُخرى أعلى منها.

***

هذا هو المفهوم الفلسفي للحركة لدى الواقعية الإلهية. فماذا لدى الماركسية؟

إن الحركة في المفهوم الماركسي تقوم - كما عرفت - على أساس الايمان بمبدأ التناقض ووجود المتناقضات بأجمعها بالفعل، ويترتب على ذلك صراع بينها بحكم كونها متناقضات، ونتيجة الصراع هي الحركة، بخلاف مفهومنا الذي يرى في الحركة تعبيراً عن سير الشيء من مرحلة الامكان إلى مرحلة الفعلية.

لقد تورط ماركس وأشياعه في خطأ جسيم نتيجة جهلهم بحقيقة التناقض فاعتبروا أن وجود الفعلية والقوة في الشيء من باب اجتماع النقيضين، وأن تحول الشيء وتحركه من الامكانية إلى الفعلية نتيجة الصراع بين هذين النقيضين، (وقد عرفت أن هذا ليس من التناقض في شيء) فان الماء ليس بارداً بدرجة الصفر بالفعل، وحاراً بالفعل ( في اللحظة عينها) بدرجة ٥٠ مثلاً وإنما هو بارد بدرجة الصفر بالفعل، وحار بدرجة ٥٠ بالقوة، وهذه القوة تتحول إلى الفعل ليس في اللحظة عينها وإنما في لحظة أُخرى تتحول فيها الامكانية إلى فعلية جديدة تتجاوز الفعلية السابقة عليها إلى درجة أعلى من الوجود الحراري. وإلا فلو آمنا بمفهوم الماركسية عن الحركة وانها صراع بين المتناقضات الفعلية باجمعها، لأدى بنا ذلك إلى نتيجة أُخرى هي السكون والثبات المطلقين، وعدم الحركة. بيان ذلك:


انه إذا وجدت درجتان من الحركة بالفعل في زمن واحد فهل يتغير الشيء أو لا يتغير؟ إن أجابت الماركسية بأنه لا يتغير يلزم من ذلك الجمود والثبات، وهما ضد الحركة. وان أجابت أنه يتغير فلنا أن نسأل: من أين جاء التغير؟ وإلى أية حالة يحصل التغير ما دامت جميع المتناقضات موجودة بالفعل ولم يكن بينها تمانع وتعارض؟ إن النتيجة هي الثبات لانه في هذا الفرض لا توجد حالة منتظرة للشيء لان جميع حالاته ناجزة وفعلية الوجود وإن أجابت بالاعتراف بالتعارض بين المتناقضات فلا بد من الاعتراف بانها لا يمكن إذن أن تكون بأجمعها موجودة بالفعل، ولا بد حينئذ من الرجوع إلى المفهوم الواقعي الإلهي عن الحركة وهو قائم على مبدأ عدم التناقض، وانتقال الشيء من القوة إلى الفعلية.

وهكذا يسقط مفهوم الماركسية عن طبيعة الحركة، وينكشف مدى خطأه على هذا الضوء:

ندرك أن الحركة بعد أن كانت خروجاً تدريجياً للشيء من القوة «الامكانية» إلى الفعلية، وليست صراعاً بين المتتناقضات الموجودة كلها بالفعل - كما تزعم الماركسية - فلا بد لنا من الاذعان بأن الحركة لا توجد بذاتها نتيجة لعامل داخلي في الطبيعة ، بل لا بد لها من محرك خارجي، لا بد من سبب خارج عن الشيء ينقله من مرحلة الامكان إلى مرحلة الفعلية. ولا بد أن يكون هذا السبب الخارجي فوق الطبيعة، لأن كل ما هو من الطبيعة فهو متغير ومتحرك، ومن ثم فهو بحاجة إلى محرك، وهذا السبب الخارجي فوق الطبيعة هو اللّه تعالى.


ب - مجال الحركة:

خلافاً للواقعية الإلهية، تعمم الماركسية قانون التطور والحركة إلى عالم الأفكار ولا تقف بهذا القانون عند حدود الواقع الموضوعي للطبيعة. فالفكر - كالمادة - مجال لقوانين الحركة في الطبيعة.

وعلى خلاف ذلك موقف الواقعية الإلهية من هذه المسألة، فان مجال قانون الحركة فيها مقصور على المادة فقط ولا يتجاوزها إلى الفكر البشري.

وهذا الموقف الماركسي بالنسبة إلى مجال الحركة يلغي صفة الثبات عن أي شيء في عالم الطبيعة وعالم الفكر على السواء، وهو ما لا يمكن لأي عقل سليم التسليم به، فاننا إذا التزمنا بأن التغير والحركة سمة للفكر كما هو سمة للطبيعة لم يعد في مقدورنا الوثوق بأي نتيجة بل لا يعود ثمة علم لأن التغير يلغي كل الحقائق التي تكون قد توصلنا إليها. فلا بد من الالتزام بأن ثمة في عالم الطبيعة وعالم الفكر حقائق ثابتة ينطلق منها الفكر نحو المجهول فيكتشفه ومن هذه الحقائق قانون الحركة فهو قانون ثابت. ويقضي علينا رأي الماركسية في مجال الحركة أن نقول إنه متغير واذا كان كذلك فثمة اذاً واقع موضوعي لا يسري عليه قانون الحركة والماركسية على الحالين لا بد لها من الالتزام بوجود حقائق ثابتة لا يجري عليها قانون الحركة.

وقد قامت الماركسية بمحاولات للبرهان، على مذهبها في هذه المسألة وسنرى أنها فشلت في تقديم برهان صحيح.


المحاولة الاولى:

ان الفكر انعكاس للواقع الموضوعي، ولذا فلا بد أن يكون مطابقاً له وإلا لم يكن انعكاساً له، وحيث أن الحركة ظاهرة طبيعة في عالم المادة فلا بد أن تكون ظاهرة طبيعة في عالم الفكر.

ولكن هذا التصوير خاطئ، فان كون الفكر - الذي يجعل من الواقع الموضوعي موضوعاً له - انعكاساً لهذا الواقع لا يعني أن الفكر يشتمل على جميع الخصائص الخارجية للواقع الموضوعي.

فان الفكر يدرك الواقع الموضوعي المتحرك، مجرداً عن خصائصه الموضوعية في الخارج إذ يشتمل انتقالها إلى داخل الفكر. ان الفكر يدرك الشيء باعتباره مفهوماً عقلياً لا باعتباره كتلة خارجية، ولذا فان الفكر لا يستوعب في داخله حركة لشيء، إلا أن هذا لا يعني أنه يدرك الشيء في حالة معينة ثم يجمد عندها فلا يتعداها، بل يدرك أن هذا الموضوع غير ثابت على حالة واحدة بل هو متغير، ويتابعه في تغيره فيكوّن عن كل حالة من حالاته مفهوماً مطابقاً لها.

مثلا: ميكروب الجدري له خصائص معينة في واقعة الخارجي، فهو يتكون بطريقة معينة، ويشتمل على أجزاء معينة ويؤدي وظيفته في نشر المرض بطريقة معينة هذا في وجوده الخارجي: اما في وجوده الذهني فالأمر يختلف عن ذلك. إن العالم يمكنه أن يدرك جميع هذه الخواص في المختبر، ولكن هذه الخواص لا تنتقل إلى الذهن البشري، و (فكرة) الميكروب مهما كانت مفصلة ودقيقة، لا يمكن أبداً أن تكون مشتملة على خصائص (واقع) الميكروب في الخارج.


فالمكروب يخضع لقانون الحركة في الخارج: يتكون، وينمو، ويتفاعل مع جسم الانسان، ويصيبه بالمرض... هذه الخصائص الموجودة في الخارج أو التي تتولد عن حركة المكروب في سبيل النمو لا تنعكس في الفكر.

نحن بالفكر نتابع مراحل نمو المكروب، فنأخذ فكرة عن تكوينه وفكرة عن عناصره وفكرة عن تفاعله، وفكرة عن طبيعة المرض الذي يسببه، ومن مجموع هذه الأفكار نكون «مفهومنا» عن المكروب.

أن الفكر يسجل مراحل حركة المادة في الطبيعة، ولا تتولد هذه المراحل في داخله كما تتولد في الطبيعة. فلنتصور إنساناً يركض وإن كاميرا تلفزيونية تسجل حركته. انها تسجل حركته ولاتتحرك معه، حينما يعرض علينا الشريط المصور ندرك أن الشريط يسجل حركة الركض في مراحلها ولا يركض مع الراكض في الشريط. كذلك الفكر يسجل حركة المادة في الطبيعة، ولا تجري حركة المادة في الفكر، وما ذلك الا لأن الحركة تتوقف على وجود خصائص موضوعية للمادة لاتتوفر الا في الخارج، وهذه الخصائص لا توجد في داخل الفكر لتتم الحركة في داخل الفكر.

الخلاصة: الفكر يتابع الطبيعة في حركتها ولاتتحرك الطبيعة في داخله، ومعنى أن الفكر يتابع الطبيعة في حركتها هو أن الفكر عند الإلهي - لا يتوقف عند مرحلة من مراحل الموجود الخارجي لايتعداها، بل يتابع نمو هذا الموجود الخارجي وحركته وتطوره والتغيرات التي تطرأ عليه.

والمسألة من الوضوح والبداهة بحيث لا تحتاج إلى مزيد من البيان.


المحاولة الثانية:

إن الفكر جزء من الطبيعة والواقع المادي الموضوعي فهو كما يقولون انتاج عال للمادة، وإذا كان جزءً من الطبيعة فلا بد أن تجري عليه قوانينها ومنها قانون الحركة.

ونجيب أولاً: ان الفكر ليس مادياً، وإنما هو نشاط للجانب الروحي من الانسان. وذلك لأن كون الشيء مادياً يعني أحد أمرين: إما أنه بالذات مادة، أو أنه ظاهرة قائمة بالمادة. والادراك (الفكر) ليس بذاته مادة ولا هو ظاهرة قائمة بعضو مادي كالدماغ، لأنه يختلف في القوانين التي تسيطر عليه عن المادة نفسها كما يختلف عن الصورة المادية المنعكسة على العضو المادي أو القائمة فيه.

وهذا الفهم للادراك يقوم على أمرين يميزان الفكر عن المادة وعن الظواهر القائمة فيها.

الأول: ان ادراكنا للواقع الموضوعي مختلف في خصائصه الهندسية عن الواقع الموضوعي نفسه، فنحن ندرك الواقع الموضوعي بكل اتساعه وشموله وتنوعه وأبعاده، دون أن يتسع المخّ لكل هذه الأبعاد والأشكال والتنوعات. وبديهي انه من المستحيل مادياً عكس صورة حديقة مساحتها كيلو متر مربع على لوحة مساحتها متر مربع مع احتفاظ الحديقة بكل مساحتها الخارجية واقتصار اللوحة على مساحتها الخارجية، مع اننا بالفعل ندرك الحديقة بكل مساحتها وتنوع موجوداتها ويستحيل مادياً ان يكون ذلك انعكاساً على جزء ضئيل من المخ. واذن فالفكر ليس مادة وليس ظاهرة قائمة بالمادة. ومهما كان التفسير العلمي لادراك الخصائص الهندسية


في الصورة العقلية فإنه لا يجيب على السؤال الفلسفي عن مكان وجود هذه الصورة الكاملة للواقع الموضوعي للحديقة. ويستحيل الجواب على هذا السؤال بأنها صورة مادية كما يستحيل الجواب بأنها قائمة بالمادة، بالمخ، ويتعين الجواب عليه باأنها صورة لامادية ولا قائمة بالمادة، انها صورة مجردة عن المادة قائمة بالجانب الروحي، الانساني من الانسان.

الثاني: إن الفكر يتسم بظاهرة الثبات، بينما الصور الحسية متغيرة. فالصورة التي ندركها للحديقة ونحن على مقربة منها تبقى على حالها في ادراكنا محتفظة بجميع خصائصها في حال نظرنا إلى الحديقة من بعيد حيث تبدو للبصر اصغر مما هي في الواقع، فبالرغم من أن المَرئِيَّ البصريّ قد تغير إلا أن الادراك الفكري بقي ثابتاً على حاله. وإذن فالفكر ليس مادة، وليس ظاهرة قائمة بالمادة والا لما تمتع بخاصة الثبات مع طروء التغير على المادة وعلى انعكاساتها. ومهما كان التفسير العلمي لظاهرة الثبات فانه لا يجيب على السؤال الفلسفي، إذا أن الصورة لا يمكن ان تكون هي الصورة المنعكسة عن الواقع الموضوعي على مادة الجهاز العصبي وإلا لطرأت عليها نفس التغيرات. إن هذا يكشف عن أن الادراك ليس مادة ولا ظاهرة قائمة بالمادة وإنما هو نشاط للجانب الروحي الانساني من الانسان..

ونجيب ثانياً - أن الفكر البشري واحد، فيجب أن يخضع لنفس القوانين ولذا فليس ثمة فرق بين أفكار المومنين بالديالكتيك وغيرهم من هذه الجهة، ولذا فيجب أن يؤمن الماركسيون بأن أفكار البشر جميعاً متطورة - لأنها جميعاً نتاج للطبيعة - فلماذا يتهمون افكار غيرهم بالجمود والتحجر ويسبغون فضيلة التطور على أفكارهم وحدها. وينبغي أن يتطور


الفكر البشري لدى جميع الناس في جميع الأزمان والأمكنة بدرجة متساوية أو متقاربة، فلماذا تفاوتت افكار الناس على مدى التاريخ؟.

المحاولة الثالثة:

اعتبار التكامل العلمي في شتى الميادين دليلاً على الحركة الديالكتيكية في الفكر.

والحق أن التكامل العلمي وتقدم العلوم أمر لا يمكن إنكاره، ولكنه لا يصح دليلاً على الدعوى الماركسية. فتقدم العلوم وتكاملها جاء نتيجة لزيادة في كمية الحقائق المكتشفة ينتج عنها تقلص في كمية الأخطاء المتراكمة، نتيجة لعمل العلماء الدائب جيلاً بعد جيل، وليس نتيجة لنمو في داخل كل حقيقة علمية. إن الحقيقة تبدأ بافتراض. وإذا بقي هذا الافتراض ملايين السنين فانه لا يتحول إلى حقيقة، وإنما يبقى افتراضاً. الذي يحدث أن العلماء يجرون تجاربهم على أساس هذا الافتراض الذي يطرح جانباً حين لا تؤيده التجارب، فاذا ما ايدنه ينتقل إلى درجة من الترجيح تحتاج إلى مزيد من التجارب إلى أن يأخذ صفة الحقيقة العلمية. إن الذي جعل الافتراض حقيقة ليس نمو الافتراض وانما ما أضافته التجارب من خبرات مكتشفة. وإذا غدا الافتراض حقيقة في ميدان العلوم فقد يواجه أثناء تطبيقه ما يجعله أكثر وثوقاً، أو يدخل عليه تعديلات معينة، أو يلغيه من دائرة العلوم نهائياً، إن كل هذا يعني أن زيادة في كمية الحقائق وتقلصاً في كمية الاخطاء هو ما حصل، وتاريخ العلوم هو تاريخ المحاولات التي تزيد في كمية الحقائق وتقلص من كمية الأخطاء.


٢ - تناقضات التطور

بعد أن آمنت الماركسية - كالواقعية الإلهية - بمبدأ الحركة في الطبيعة وتطور الطبيعة من خلال حركتها العامة - بعد أن آمنت بهذا واجهت السؤال الكبير: من أين جاءت الحركة في الطبيعة؟

أجابت على ذلك الواقعية الإلهية بأن هذه الحركة معلولة لسبب فوق المادة والطبيعة وهو اللّه تعالى.

أما المادية الديالكتيكية فقد رفضت الايمان بحقيقة المبدأ الأول ومن هنا كان عليها أن تجد جواباً على هذا السؤال الكبير. وقد توهمت أنها وجدته في تبني مبدأ التناقض، برفضها لمبدأ عدم التناقض والهوية. فالمادة تحتوي في داخلها على الاضداد والنقائض، وهي لا بد تتصارع لأنها نقائض وأضداد، وهذا الصراع يولد الحركة التي تؤدي إلى التغير والتطور، فالتطور نتيجة لصراع المتناقضات في داخل المادة، فهو ناشئ من سبب مادي ذاتي وليس من مبدأ خارجي فوق المادة والطبيعة كما هو مذهب الواقعية الإلهية.


وقد أدى إنكار مبدأ عدم التناقض وتبني مبدأ التناقض إلى إنكار مبدأ آخر وهو مبدأ الهوية أي أن الشيء عبارة عن عين ذاته وليس عبارة عن شيء آخر، فذهبت الماركسية - نتيجة لتبني مبدأ التناقض - إلى أنه يجب أن يكون الشيء غير نفسه، لأنه ما دام الشيء محتوياً لنقيضه ونفيه وما دام هذا النقيض نافياً لاثباته ومنتفياً في ذات الوقت في حركة نفي مستمرة وانتفاءٍ مستمر فلا بد أن تنقلب القضية (أ - هي - أ) إلى (ليست أ - هي - أ) دائماً.

والحق أن التناقض كما بيناه في حديثنا عن حركة التطور مستحيل إطلاقاً بحيث لا نتصور أن عقلاً بشرياً سوياً يؤمن بما تدعي الماركسية الايمان به من كون التناقض - لا ممكناً فقط - وإنما ضروري الوجود. فمن المستحيل قبول فكرة أن شيئاً بعينه موجود بالفعل وانه بعينه معدوم بالفعل في زمان واحد ومكان واحد وشروط متحدة وظروف متحدة في حالي الوجود والعدم.

وإنكار الماركسية لمبدأ عدم التناقض ناشئ من أن ماركس وأشياعه لم يفهموا هذا المبدأ، أو فهموه ولكنهم أنكروه توصلاً إلى غايات سياسية في نضالهم للاستيلاء على السلطة. كما بينا ذلك فيما تقدم ولذا فإن الماركسية لم تقدم برهاناً على مبدأ التناقض، وانما قدمت امثلة من الطبيعة والمجتمع زعمت أنها مظاهر للتناقض في صميم المادة ولدى مراجعة ما قدمه كتاب الماركسية منذ ماركس وانجلز من أمثلة وتحليله يتبين أنه ليس من التناقض المدعى في شيء.

***


وختاماً نلاحظ أن الماركسية نفسها تقدم دليلاً على أن التناقض مستحيل وأنها في موقفها هذا تدعم موقف الواقعية الإلهية في تمسكها بمبدأ عدم التناقض. وهذا الدليل ناشيء من تمسك الماركسية بمبدأ التناقض الذي أدى بها إلى رفض مبدأ عدم التناقض فالماركسية من ايمانها بمبدأ التناقض ورفضها لمبدأ عدم التناقض تنساق لا شعورياً إلى مبدأ عدم التناقض، وإلا فعليها أن تؤمن بأن الكون يحتوي المبدأين معاً. التناقض وعدمه.

«وما دعاء الكافرين إلا في ضلال»

٣ - قفزات التطور

هذا القانون يتكون من النقاط التالية:

١ - إن حركة التطور هي انتقال من التراكم الكمي إلى التغير النوعي.

٢ - إن هذا الانتقال ليس تدريجياً وانما هو دفعي يحدث فجأة وبقفزات.

٣ - إن التغيرات النوعية الفجائية ليستت دائرية، وإنما هي «حركة تقدمية صاعدة، وانتقال من الحالة الكيفية القديمة إلى حالة كيفية جديدة».

ترى الماركسية أن هذا القانون حتمي في الطبيعة والمجتمع.

والماركسية - كما هو شأنها في قانون تناقضات التطور - لا تقدم دليلاً فلسفياً على دعواها، وإنما تقدم جملة من الأمثلة تدعي أنها نماذج لما يحدث في الطبيعة والمجتمع على نطاق مستوعب شامل.

وترى الواقعية الإلهية أن هذا القانون باطل، وأن الماركسية وضعته لخدمة أهدافها السياسية، كما شرحنا ذلك فيما مضى - وأن المبادئ التي يتألف منها هذا القانون غير صحيحة، ويتضح ذلك فيما يأتي:

أولاً - في طريقة البرهان:

تعمد الماركسية هنا - كما هو الشأن في قانون تناقضات التطور - إلى


البرهان على موقفها بسرد جملة من الأمثلة كما ذكرنا. ولو سلمنا بصحة هذه الأمثلة في دلالتها فانها لا تدل على أن مضمونها قانون عام في الطبيعة والمجتمع، وانما غاية ما تدل عليه هو صحة مضمونها فقط - فمثال الماء حين يتحول - بالحرارة - دفعة الى غاز حين تبلغ درجة الحرارة (١٠٠) هذا المثال - لو سلمناه، وهو غير مسلم - إنما يدل على صدق قانون قفزات التطور بالنسبة الى الماء فقط، ولا يمكن الانتقال منه إلى جميع الموجودات الطبيعية. وهكذا الحال بالنسبة الى جميع الأمثلة الأُخرى.

وعلى هذا الضوء، فقانون قفزات التطور مجرد دعوى فلسفية وليس حقيقة فلسفية، لأنه لم يقم عليه برهان صحيح.

ثانياً - في مبادئ القانون:

أ - تحول التغير الكمي الى تغير كيفي

والمثال المتداول هو الماء والحرارة فإن الماء اذا ارتفعت حرارته (كميات الحرارة) إلى ان تتراكم وتبلغ درجة (١٠٠) ينقلب من حالة السيلان إلى حالة الغاز، فتكون التغيرات (الكمية - الحرارة في المثال) قد ادت الى تغيرات نوعية (الحالة الغازية في المثال).

ولكن تصوير المثال غير صحيح فانه مبني على اعتبار الحرارة شيئاً كمياً في الماء وهي في الحقيقة ليست كذلك، بل هي كيفية، فالتغير الكيفي - الحرارة - أدى إلى تغير كيفي هو الحالة البخارية أو الغازية.

ونلاحظ ان هذا المثال بالاسلوب الذي يفرضه الماركسيون يحتوي على


التضليل فإذا افترضنا أن الحرارة - في الأُسلوب العلمي - ظاهرة كمية تقاس بالدرجات. والبخار أو الغاز ظاهرة كمية تقاس بموازين الضغط أو بعلاقات الذرات فهنا إذن كميتان - فزيادة كمية الحرارة أدت إلى تغير كمي في الماء - أما أذا قلنا إن الحالة البخارية أو الغازية حالة كيفية لأن «كيفية» الماء في حسنا تتغير، فان الحرارة أيضاً حالة كيفية لأن حالة إحساسنا بها تختلف عن كيفية إحساسنا بالبرودة.

فهنا إذن كيفيتان، أدى تغير كيفية الحرارة إلى تغير كيفية الماء - والماركسية تجافي الدقة العلمية لأجل أن تجعل من المثال مطابقاً لدعواها فتنظر إلى الحرارة بأُسلوب القياس العلمي، وتنظر إلى الحالة البخارية أو الغازية على أساس حسي.

ب - الانتقال بالقفزة والدفعة:

إن الواقعية الإلهية لا تجادل في وجود التطور الدفعي في الطبيعة ولكنها لا تعتبر ذلك قانوناً كونياً شاملاً لأنه كما تشتمل الطبيعة على مظاهر للتطور الدفعي كذلك على مظاهر للتطور التدريجي.

فكما نلاحظ أن الماء يتطور من الحالة السائلة إلى الحالة البخارية أو الغازية دفعة، نلاحظ أيضاً أن تطور الجرثومة الحية في البيضة إلى فرخ والفرخ إلى دجاجة إنما هو تطور تدريجي وليس تطوراً دفعياً. وكذلك الحال في تطور البذرة إلى شجرة فانه تطور تدريجي وليس تطوراً دفعيا.


ج - إن التطور ليس دائرياً، وإنما هو تقدمي صاعد أبداً.

لا تنكر الواقعية الإلهية أن التطور في الطبيعة تكاملي وتقدمي، ولكنها تنكر أنه دائماً كذلك وأنه لا يكون دائرياً في حالة من الحالات بل تلاحظ الواقعية الإلهية أن التطور في كثير من الحالات يكون دائرياً.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك مثال الماء الذي يتحول إلى بخار ليعود إلى ماء، فالحركة التطورية هنا دائرية وليست تقدمية.

هذه الملاحظات على طريقة البرهان وعلى مبادئ القانون تكشف عن زيف قانون قفزات التطور.

وتبقى ملاحظات اضافية على مثال الماء.

١ - ان الحركة في الماء ليست ديالكتيكية، لأنها - كما نعلم - ليست ناشئة عن تفاعل ذاتي في داخل الماء، بل هي بواسطة الحرارة الخارجية، وإذا كانت ظاهرة التبخر في الماء نموذجاً لما يحدث في الطبيعة والمجتمع فلا بد لنا من القول بأن كل الحركات التطورية الدفعية والتدريجية تحدث بواسطة عوامل خارجية، وحينئذٍ لايكون التطور حتمياً لأنه ناشئ من حركة ذاتية في داخل المادة إذ نلاحظ انه لا توجد حركة ذاتية في داخل المادة، وإنما هي حركة تنشأ من عامل حارجي فتتوقف الحركة التطورية على وجود العوامل الخارجية المواتية في الطبيعة والمجتمع على حد سواء.

٢ - ان القفزة التطورية في الماء لا تستوعبه دفعة واحدة، وإنما يتبخر الماء على دفعات لتستوعب الكمية كلها أو لا تستوعبها كلها - حسب


توفر العوامل الخارجية للتبخر - وإذن، فلا وجه للقول بأن هذا القانون في الحياة الاجتماعية يقضي بقلب النظام الاجتماعي دفعة واحدة ولماذا لا يقال إن القانون يقضي بالتطور المرحلي الاصلاحي في المجتمع كما هو الحال في الطبيعة، فيناول التطور قفزات جزئية تتناول المؤسسات التي توفرت لها الظروف الاجتماعية القاضية بحدوث انقلاب فيها؟

٤ - الارتباط العام

قال ستالين:

«إن الديالكتيك - خلافاً للميتافيزية - لا يعتبر الطبيعة تراكماً عرضياً للأشياء، أو حوادث بعضها منفصل عن بعض، أو أحدها منعزل مستقل عن الآخر. بل يعتبر الطبيعة كلا واحداً متماسكاً، ترتبط فيه الأشياء والحوادث فيما بينها ارتباطاً عضوياً، ويتعلق أحدها بالآخر، ويكون بعضها شرطاً لبعض بصورة متقابلة». هذه هي دعوى الماركسية. وهي تريد أن تنسب الى نفسها فضيلة اكتشاف هذا القانون دون سواها من الفلسفات الميتافيزية.

ولكن الحقيقة على خلاف ذلك تماماً، وقد تورط أئمة الماركسية- ماركس وانجلز وسواهما - في هذه الدعوى إما لجهلهم بموقف الميتافيزية - والواقعية الإلهية بوجه خاص - وإما بدافع من النية السيئة.

فان الواقعية الإلهية تؤمن بقانون الارتباط قبل أن يكون للديالكتيك في دنيا الفلسفة وجود، بل ان قانون الارتباط العام في الواقعية الإلهية


ركن أساس لا يمكن تكوين نظرة متكاملة عن الكون والحياة إلا من خلاله.

ولكن الواقعية الإلهية لا تبني موقفها من قانون الارتباط العام على أساس الديالكتيك الذي تؤمن به الماركسية - والذي عرفت زيفه وبطلانه في بحث سابق. وانما تبني موقفها من هذا القانون على أساس مبدأ العلية الذي لايمكن فهم الوجود إلا من خلاله، وقد تقدم بحثه في فصلٍ سابق من هذه المقالات.

فالواقعية الإلهية ترفض مبدأ وجود الكون بالصدفة كما ترفض مبدأ وجود الكون نتيجة لضرورة ذاتية محتواة في داخل عناصره، وإذا بطل هذان الاحتمالان تعين أن يكون العالم موجوداً نتيجة لنظام العلية المتسلسل إلى نهايته وهي العلة العليا والنهائية وهي اللّه سبحانه وتعالى.

فكل جزء من أجزاء الكون في الطبيعة والانسان يدخل في سلسلة من النتائج لغيره كما يدخل في سلسلة من الأسباب لغيره، وإذن، فمن وجهة نظر الواقعية الإلهية، لا يمكن فهم شيء ما لم يربط بعلله وأسبابه وشروطه، وبالاجمال جميع الظروف المؤثرة في وجوده وصيروته.

وعلينا ان نعلق - قبل إنهاء هذا البحث - على كلمة ماركس الآنفة التي يقول فيها عن الأشياء والحوادث: (.. ويتعلق أحدها بالآخر، ويكون بعضها شرطاً لبعض بصورة متقابلة).

إن الواقعية الإلهية ترفض فهم الارتباط العام على هذا الأساس، فان قانون الارتباط على ضوء هذه العبارة - يكون دائرياً، أي أن العنصرين المترابطين أحدهما سبب في وجود الآخر ومسبب عنه في الوقت نفسه،


وهذا مستحيل لأنه يفترض وجود الشيء وعدمه، في آن واحد وهو باطل لانه مستحيل. بل إن نظام العلية يعمل أما بصورة أُفقية أو بصورة عمودية، ومجموع العلل والأسباب في الكون يتجه اتجاها عمودياً ينتهي في الآخر إلى العلة الاولى والعليا وهي اللّه تعالى فما يكون سبباً لوجود شيء أو حالة لا يكون مسبباً عن ذلك الشيء أو تلك الحالة وإلا لكان الدور الباطل المستحيل(١) .

***

____________________

(١) اعتمدنا في معظم الافكار الواردة في هذا الفصل على كتاب فلسفنا للسيد الصدر، ويحسن بمن يريد التوسع في الأبحاث المتعلقة بالركائز الاسس في الماركسية ان يرجع إلى الكتاب المذكور.


رَبنا لا تؤاخِذنا إن نَسيِنا أو أخطأنا،

رَبَّنا ولا تحمِل علينا إصراً كما حَمَلته على

الذيِن من قبلنا، رَبَّنا ولا تُحمِّلنا ما لا

طاقة لنا به. واعفُ عنّا، واغفر لنا،

وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم

الكافرين.

والحمد للّه رب العالمين


الفهرس

مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني تأليف محمد مهدي شمس الدين ١

تقديم ٣

القِسمُ الأوّل ١ - المادية في الرأسمالية والماركسية ومأساة إنسان عصرنا ٢ - الماركسية والعلم والسياسة المادية في الرأسمالية والماركسية ومأساة إنسان عصرنا ٧

٢ ـ الماركسية والعلم والسياسة ٣٠

١ ـ المدلول السياسي لقانون حركة التطور ٣٢

٢ ـ المدلول السياسي لقانون تناقضات التطور ٣٣

٣ ـ المدلول السياسي لقانون قفزات التطور ٣٥

٤ ـ المدلول السياسي لقانون الارتباط العام ٣٧

خلاصة ٣٩

القِسمُ الثَاني مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني (تصفية حساب صغير) ٤٠

مدخل ٤١

أ - أهلية المؤلف ٤٣

ب - وظيفة الدين، ما هي؟ ٤٤

ج - مَنْهَجة البحث ٤٨

مسألة العلة الأولى اللّه ام المادة؟ أ - تمهيد ب - العلة الاولى ج - اللّه أم المادة؟ ٥٠

أ - مسألة العلة الاولى - ١ - ٥٥

- ٢ - ٥٦

- ٣ - ٥٧

- ٤ - ٥٩


ب - اللّه أم المادة - ١ - ٦٠

- ٢ - - ٣ - ٦١

- ٤ - ٦٢

النتيجة - ٥ - ٦٣

- ٦ - ٦٤

الاسلام والعلم - ١ - ٦٧

- ٢ - ٦٨

- ٣ - ٧١

خلق الانسان ٧٧

- ١ - ٧٨

- ٢ - ٧٩

- ٣ - ٨١

الجن والملائكة وابحاث أخرى (الجن والملائكة) ٨٧

النظرة الغائية ٨٨

تدخل القدرة الإلهية في عمل الطبيعة ٨٩

تزوير وتناقض ٩٠

التوفيق التبريري التوفيق التعسفي ٩١

التوفيق على الطريقة اللبنانية ٩٢

تناقض ٩٣

قصة ابليس ٩٥

بين قصة ابراهيم وقصة ابليس ١١٦

المكر الالهي - ١ - ١١٩

- ٢ - ١٢٢

- ٣ - ١٢٥


- ٤ - ١٢٨

- ٥ - ١٣٣

نظرة نقدية الى ركائز الماركسية (الركائز الاساسية للفلسفة الماركسية) تحديد المفاهيم اولاً ١٤٤

١ - حركة التطور ١٤٩

٢ - تناقضات التطور ١٦٢

٣ - قفزات التطور ١٦٤

٤ - الارتباط العام ١٦٨

الفهرس ١٧٢