المواسم والمراسم
السيد جعفر مرتضى العاملي
مراجعة وضبط النص موقع معهد الإمامين الحسنينعليهماالسلام
لإعداد الخطباء والمبلّغين
حيث أخذ الموقع على عاتقه مراجعة النصوص والروايات الواردة في الكتب الحسينيّة وضبطها قدر الإمكان ، من قبل كادر متخصص بالتحقيق والتقويم والتدقيق.
تنويه :
* اللون الأسود يشير إلى المتن.
* اللون القهوائي يشير إلى العناوين والأبواب والفصول.
* اللون الأحمر يشير إلى الآيات القرآنية.
* اللون الأزرق يشير إلى كلام المعصومعليهالسلام .
* اللون الأخضر يشير إلى الشعر.
* اللون البرتقالي يشير إلى الهامش ورقمه في المتن.
* كلمة (موقع معهد الإمامين الحسنين) فيها إشارة إلى رأينا وتحقيقنا.
المواسمُ والمراسم
المؤلِّف :
السّيد جعفر مرتضى العاملي
الناشر : معاونيّة العلاقات الدوليّة في منظمة الإعلام الإسلامي
التاريخ : ١٤٠٨ ه- - ١٩٨٧ م
الطبعة الثانية
- أ -
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
وبعد ، فلم يكن ليدور في خلدي في يوم من الأيّام ، أن يكون موضوع الاحتفال بالمناسبات ، وإقامة المواسم ، موضوعاً للبحث أو مجالاً للتشكيك والنقض والإبرام ، من أيّ كان وفي أيّ من الظروف والأحوال ؛ فضلاً عن أن أبتلى أنا شخصياً بالبحث فيه ، وأجمع له الشواهد الدلائل.
ولكن … ما عشتَ أراكَ الدهر عجباً … فها أنا ذا لا أجد مناصاً من أن أتصدّى لهذا الموضوع ، وأصرف فيه شطراً من عمري الذي ما كنت أحبّ له أن يصرف في مثل هذه الاُمور الجانبيّة التي تجاوزت حدّ الوضوح ؛ لتكون من الضرورات والبديهات لدى سائر أبناء البشرية ، ممّن يتعاملون مع الاُمور بسلامة الفطرة وصفائها ، وبصحيح العقل ، وصريح الوجدان
نعم ، لقد رأيتني غير قادر على التخلّص ، ولا على التملّص من هذا الأمر ، بعد أن كانت ثمّة فئة اختارت لنفسها ليس فقط أن تثقل العقل بالقيود المرهقة ، وتعطّل دَور الوجدان ، وتمنع من تأثير الفطرة ، وإنّما تعدّت ذلك إلى اُسلوب التهويش والتشويش والعربدة ، وحتّى إيصال الأذى إلى الآخرين وهتك حرماتهم ما وجدت إلى ذلك سبيلاً ؛ حيث أدركَ مَن تسمّوا بالعلماء فيها أنهم لا يملكون من الأدلّة على ما يدّعون سوى الشعارات الفارغة ، وتوزيع التّهم الباطلة - وبلا حساب - ورمي الآخرين بالكفر تارةً ، وبالشرك اُخرى ، وبالابتداع في الدين ثالثة … وهكذا …
فكانت هذه الدراسة الموجزة التي اُريد لها أن تعطي صورة واضحة قدر الإمكان لِما يقوله هؤلاء الناس في هذه المسألة ، مع الإشارة إلى بعض موارد الخلل والضعف في تلكُم الأقاويل ، مع التأكّد على أنّ سلاحنا الأوّل والأخير هو الدليل القاطع والبرهان الناصع ، وعلى أنّ هدفنا هو خدمة الحق والدين ، والذبّ عن شريعة سيّد المرسلين ، وعلى أنّ تقوى الله سبحانه ، والخوف
- ب -
من عقابه ، والأمل في ثوابه هو الذي لا بد وأن يهيمن على كلّ أقوالنا وأفعالنا ، بل وعلى كلّ حياتنا ووجودنا.
والله نسأل أن يهبَ لأولئك الذين يشغلوننا باُمور جانبية ، وغير ذات أهمية العقل قبل كلّ شيء ، ومعه الإنصاف ، وأن يمنّ عليهم بالتقوى ، والخوف من عقاب الله أوّلاً ، ثمّ الرجاء لثوابه ثانياً , وأن يمنّ علينا ، وعلى جميع إخواننا المؤمنين العاملين المخلصين بالتوفيق والتسديد في جميع ما نقول ونفعل ، إنّه ولي قدير ، وبالإجابة حري وجدير ، وهو خير مأمول وأكرم مسؤول.
إيران - قم المُشرّفة
٢٠ ربيع الأوّل ١٤٠٧ه- ق
جعفر مرتضى العاملي , عامله الله بلطفه وإحسانه
تمهيد
الهداية القرآنيّة
قال الله سبحانه في كتابه في كتابه الكريم ، في مجال رسم الأسس والمنطلقات للدعوة الإلهية إلى سبيله :( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (١) .
فهذه الآية قد أعطت النظرة الشمولية للإسلام فيما يرتبط بسياسته الإعلامية ، ورسمت لهذه السياسة أسسها ومنطلقاتها بدقّة ، وبعمق يستوعب كلّ اتّجاهاتها ومناحيها ، ولسنا هنا في صدد بيان وتحديد ذلك ، ولكننا نشير إلى أمر ألمَحَت إليه الآية الكريمة ، ويهمّنا لفت النظر إليه ، والتوجيه نحو التأمّل فيه ، وهو : أنّ نهج القرآن وطريقته - كما ألمَحَت إليه الآية الشريفة - هو استثارة العقول ، ومحاكمة الناس إلى ضمائرهم ، وإرجاعهم إلى سليم الفطرة وإنصاف الوجدان …
ولم نجد القرآن قد حكم على أحد بالكفر أو بالفسق ، إلاّ ضمن ضوابط عامة ، يكون لكل أحد كامل الحرية في أن يطبّقها على نفسه أو لا يطبّقها.
أمّا أن يطبّقها على الآخرين بأشخاصهم وأعيانهم ، فليس له ذلك إلاّ في الحدود التي أجازها الإسلام ، ولم يرَ فيها ما يتنافى مع أيٍّ من اُصوله وقواعده ، أي في خصوص الموارد التي قبل بها الآخرون ، وأقرّوا بانطباقها على أنفسهم وفق الضوابط العامة التي يعرفها ويقرّ بها الجميع.
____________________
(١) سورة النحل / ١٢٥.
وهذا على الرغم من أنّ الحقّ ربما يكون مرّ ، أو مخجلاً لكثير من اُولئك الذين اختاروا الانحراف عن جادّة الحق ، والابتعاد عن الطريقة القويمة ، والخطّة السليمة المستقيمة.
نعم ، لربما تمسّ الحاجة - وذلك كثير في القرآن أيضاً - إلى تصعيد التحدّي إلى حدّ التلويح أو التصريح بما لو لم يبادر إلى التلميح أو التصريح به لكان خطراً على الإسلام وعلى قواعده ومبانيه من الأساس ؛ ولكنها تكون حالات استثنائية - يعقبها الاستدلال والتفهيم مباشرة - ولا يمكن أن تتخذ الصفة الطبيعية التي يفترض جعلها أساساً للتحرّك في المجال العام للدعوة الإسلامية.
هذه كلها لو لم نقل إنّ المنطلق الإسلامي لكل حوار منصف وهادف وبنّاء هو قوله تعالى : ( وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ … )(١) ؛ حيث يريد سبحانه أن يهيّئ الطرف الآخر للبحث العلمي القائم على أساس الدليل الساطع والبرهان القاطع ، بعيداً عن أجواء التشنّج والانفعال والشكّ والريب ولعلّ هذا بالذات هو المقصود من المجادلة بالتي هي أحسن … حسبما نصّت عليه الآية آنفة الذكر.
ونجد إلى جانب ذلك أنّ طريقة أئمتنا عليهم الصلاة والسّلام وخطّتهم لم تتعدَ هذا النهج ؛ وذلك تأسّياً منهم بالنبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، والتزاماً منهم بالهداية القرآنية وعلى هذا الأساس ، فإننا نجد أنّ دعوة عليعليهالسلام أصحابه إلى عدم سبّ أهل الشام ، ولكن بإمكانهم أن يصفوا أعمالهم ، معلّلاً ذلك بأنه أصوب في القول ، وأبلغ في العذر(٢) .
إنّ هذه الدعوة قد جاءت منسجمة كلّ الانسجام مع تعاليم القرآن الكريم ، وتوجيهاته السامية في مجال الهداية إلى سبيل الله ، والدعوة إلى دينه مع أنّهعليهالسلام يستحل دماءهم ، ويباشر قتلهم ، حتّى لقد قيل : إنّهعليهالسلام قد قتل منهم بنفسه عدّة مئات في ليلة واحدة ، وهي المسمّاة ب- (ليلة الهرير).
ولم يكن موقفه هذا , وهو الالتزام بالكلمة المهذّبة ، والعمل بالهدى القرآني الرائد خاصّاً بالذين حاربوه في صفين ، أو في الجمل ، والنهروان ، وإنما هو ينسحب على مجمل مواقفه في حياته( صلوات الله وسلامه عليه) وعلى أبنائه الأئمة الميامين الطيبين الطاهرين.
____________________
(١) سورة سبأ / ٢٤.
(٢) راجع : نهج البلاغة بشرح محمّد عبده ٢ / ٢٢١ ، وتذكرة الخواصّ / ١٥٤ ، وصفّين لنصر بن مزاحم / ١٠٣ ، والأخبار الطوال / ١٦٥.
كما أنّ من الواضح أنّ أعظم مواجهة حادّة تعرّض لها الأئمةعليهمالسلام وأشدّها إثارة ، هي تلك التي تعرّض لها سيّد شباب أهل الجنة السّبط الشهيد الحسين بن علي (صلوات الله وسلامه عليه) ، حينما قرّر أن يواجه الطاغوت ، وأن يقدّم نفسه وأبناءه ، وأهل بيته وأصحابه ، في سبيل الله والمستضعفين … فنجدهعليهالسلام حينما يريد أن يستدلّ لموقفه من يزيد الطاغية ، ومن نظام حكمه ، ذلك الموقف الذي يعرف بدقّة نتائجه وآثاره ، نجده لا يذكر يزيد بن معاوية إلاّ بما عُرف وشاع عنه ، فيقول : (( إنّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا يختم ، ويزيد رجل شارب الخمور ، وقاتل النفس المحترمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله )).
فهوعليهالسلام قد أعطى الميزان والضابطة ، والتعليل الواضح ، لكونهعليهالسلام لا يحقّ له أن يبايع يزيد ولكنه يجعل ذلك ضمن قانون عام تكون نتيجته : إنّ هذا الصنف من الناس وهذه النوعية ، لا يحقّ لها أن تبايع تلك النوعية ، وذلك الصنف ، ملخّصاً ذلك بقوله : (( ومثلي لا يبايع مثله))(١) . ثمّ … وبما أنّ ذكر تلك الضابطة قد استلزم التصريح ببعض ما ربما يتوهّم منافاة التصريح به للهداية القرآنية … نجدهعليهالسلام يشير إلى أنّ ذلك التوهّم مسوّغ له ما دام أنّ يزيد بن معاوية (( معلن بالفسق )) , ولا يتستر بذلك فكما لا مجال لأيّ ترديد أو خيار في اتخاذ ذلك القرار ، كذلك لا مجال للتواني ، ولا للترداد في الجهر به والإعلان عن مبرّراته ودوافعه …
وبعد ، فبالرغم من أنّ واقعة الطفِّ كانت من أبشع ما عرفه التاريخ البشري … فإننا لا نجد الإمام الحسين (عليه الصلاة والسّلام) فيها إلاّ ذلك الصابر المحتسب ، الذي لا تندّ منه حتّى ولو كلمة واحدة في غير المسار الطبيعي للهداية القرآنية التي تقدّمت الإشارة إليها.
بل إنّ كلماته في ذلك الموقف المصيري كانت تطفح بالحبّ والحنان ، وتفيض بالأدب والطهر والنبل ، والنزاهة عن كلّ سباب قبيح ، أو استرسال مشين ، رغم هول المصائب التي يواجهها ، وفداحة الكوارث التي يعاني منها … بل نجدهعليهالسلام - كما كان - حتّى لأعدائه ، والذين يقتلون صحبه وولده ، ويريدون إزهاق نفسه ثمّ سبي نسائه - نجده - يبقى كالوالد الرحيم ، الذي تذهب نفسه عليهم حسرات ، والذي لا همّ له إلاّ هدايتهم ، وحملهم على المحجّة البيضاء ، وإرشادهم إلى سبيل الخير والفلاح والرشاد.
____________________
(١) مقتل الحسينعليهالسلام للمقرم / ١٣٩ ، عن مثير الأحزان لابن نما الحلي , والفتوح لابن أعثم ٥ / ١٨.
وإذا ما رأينا أحياناً بعض المواقف الحادّة والفاصلة للأئمةعليهمالسلام ، فإنما هو في مقابل اُولئك الذين حاولوا ضرب أساس الإسلام ، وتقويض دعائمه ، من أمثال أبي الخطاب ، والمغيرة بن سعيد ، وأضرابهما من الغلاة والنواصب ولسنا في مجال استقصاء ذلك هنا.
وبعد أن تحقّق لدينا أنّ طريقة القرآن ، ونهج الإسلام إنّما هو الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن … وأنّ الأساس والمنطلق هو الحوار الموضوعي المنصف ، القائم على قاعدة :( وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ … ) .و( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ ) .و( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) وذلك في ظل العقل ، وحرية التعبير وحرية الموقف. وعرفنا كذلك أنّ الرفق والرضا والتفاهم وروح التعاون في البحث الموضوعي النزيه والهادف … هو الجوّ الطبيعي الذي يريده الإسلام ، ويرى أنّه يتهيّأ له في ظلّه تكريس وجوده ، وتأكيد واقعيّته وأصالته إذا عرفنا ذلك كلّه فإننا ندرك أنّ ما يدينه الإسلام ويرفضه ويسعى إلى إزالته ، هو حالة تكبيل العقل في الهوى والعواطف والشهوات ، والمصالح الشخصية والقبلية ، والأهواء والعصبيّات … فهو يرفض ويحارب ظاهرة :( وَجَحَدُوا بِهَا ) من أجل الحفاظ على بعض الامتيازات الظالمة التي جعلوها لأنفسهم ، أو استجابة لدواعٍ غير واقعية ولا أصلية ، أو من أجل الحصول على بعض الملذّات الزائلة والتمتّع بها ، أو من أجل الحفاظ على مركز اجتماعي ، أو على وضع اقتصادي ، أو سياسي معيّن ، وإن كان ذلك على حساب( إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ) ، أو حتّى على حساب كلّ المثل والقِيَم الإنسانيّة ، وكل الضوابط والمعايير والأحكام الإلهية …
هذا ، بالإضافة إلى أنّ اُولئك الجاحدين بموقفهم الجحودي ذلك ، إنما يعاندون قناعاتهم ، ويضطهدون عقولهم( وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) فيجعلون عقولهم ووجدانهم وفطرتهم ، وكل النبضات الإنسانيّة الحيّة في وجودهم ، في سجن تلك الأهواء والمصالح ، ويثقلونها بالقيود ، ولتكون نتيجة ذلك هي إلقاءها في سلّة المهملات مع نفايات التاريخ. فيأتي الإسلام … ويقف في وجه هذا البغي ، ويعمل على تحطيم هذا الطغيان ، فيحرر العقل والفطرة من قيد الجمود هذا ، لينطلق إلى الحياة باحث ومنقّب ، وبعد ذلك مستنتج وصاحب قرار وتصميم ، حينما يستكشف كلّ معاني السموّ والخير والسعادة ، بعيداً عن النزوات البهيمية وصراع الشهوات ، ومزالق العواطف غير المتّزنة ولا المسؤولة
وهذا ما يفسّر لنا ما نجده في القرآن من كونه يؤنّب أشدّ التأنيب هذا النوع من الناس ، وينعى عليهم ارتكابهم تلك الجريمة النكراء في حق فطرتهم وإنسانيّتهم ، والأهمّ من ذلك في حقّ عقلهم ووجدانهم …
إلى التعقّل ، والبصيرة في الدين
ولقد كان الإسلام ولا يزال يؤكّد ويردّد بأساليبه المتنوّعة ، وفي مختلف المناسبات على دور العقل والفطرة ، وعلى أهمية الضمير والوجدان ، والفكر والعلم.
ففيما يرتبط بأهمّية الفكر والعلم والعقل نجد العشرات ، بل المئات من الآيات القرآنية التي تشير إلى ذلك … وكمثال على ذلك نشير إلى الآيات التالية :
( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (١) .( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاّ الْعَالِمُونَ ) (٢) .( أَفَلاَ تَتَفَكّرُونَ ) (٣) .( أَوَلَمْ يَتَفَكّرُوا ) (٤) .( وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّماوَاتِ وَالأرْضِ ) (٥) .
( إِنّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ ) (٦) .( أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) (٧) .
( لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (٨) .( لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (٩) .
( وَاتّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ ) (١٠) .( وَمَا يَذّكّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) (١١) .
وبالنسبة لعلاقة الدين بالفطرة ، فالله سبحانه يقول :( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (١٢) .
____________________
(١) سورة الزمر / ٩.
(٢) سورة العنكبوت / ٤٣.
(٣) سورة الأنعام / ٥٠.
(٤) سورة الأعراف / ١٨٤ ، سورة الروم / ٨.
(٥) سورة آل عمران / ١٩١.
(٦) سورة الرعد / ٣ ، سورة الروم / ٢١ , سورة الجاثية / ١٣.
(٧) سورة البقرة / ٤٤ و ٧٦ ، سورة آل عمران / ٨٥ ، سورة الأنعام / ٣٢ ، سورة الأعراف / ١٦٩ ، سورة يونس / ١٦ ، سورة هود / ٥١ ، سورة يوسف / ١٠٩ ، سورة الأنبياء / ١٠ و٦٧ ، سورة المؤمنون / ٨٠ ، سورة القصص / ٦٠ ، سورة الصافات / ١٣٨.
(٨) سورة البقرة / ٧٣ و ٢٤٢ , سورة الأنعام / ١٥١ ، سورة يوسف / ٢ ، سورة النور / ٦١ ، سورة غافر / ٦٧ ، سورة الزخرف / ٣ ، سورة الحديد / ١٧.
(٩) سورة البقرة / ١٦٤ ، سورة الرعد / ٤ ، سورة النحل / ١٢ ، سورة الروم / ٢٤.
(١٠) سورة البقرة / ١٩٧.
(١١) سورة البقرة / ٢٦٩ ، سورة آل عمران / ٧.
(١٢) سورة الروم / ٣٠ و ٣١.
وبعد … فإنّ كل ما تقدّم يعطينا أنّ ما ينتجه بعض الناس في دعوتهم إلى مذهبهم ، من أساليب فظّة وجافّة وقاسية ، من قبيل التفسيق تارة والتكفير اُخرى ، والرمي بالشرك أو الزندقة ثالثة ، وما إلى ذلك من افتراءات وتهجّمات ناشئة عن عدم فهمهم - هم - لمعنى الشرك والتوحيد ، وخلطهم بين المفاهيم التي هي من أوضح الواضحات ، وأنّ كل ذلك لا ينسجم مع الإسلام ، ولا يلائم تشريعاته ومناهجه ، بل الإسلام من ذلك كلّه بريء.
ويتّضح بعد هذا النهج عن الإسلام وعن تعاليمه ، حينما نعلم أنّ المسائل التي يطرحونها ما هي إلاّ مسائل اجتهادية ، يخالفهم فيها كثير إن لم يكن أكثر علماء الإسلام … بل إنّ الحقيقة هي أنّ ما يدعون إليه ويعملون على نشره لا يعدو عن أن يكون مجرد شعارات فارغة ، أو تحكّمات باطلة لا تستند إلى دليل ولا تعتمد على برهان بل إنّ بعضها يخالف صريح القرآن ، وما هو المقطوع به من سنّة النبيصلىاللهعليهوآله وسيرته ، والصحيح الثابت عن الصحابة والتابعين ، فضلاً عن مخالفته لصريح حكم العقل ، ومقتضيات الفطرة والجبلة الإنسانية.
إنّ الموضوع الذي هو محل البحث هو مشروعية الأعياد ، والمواسم والمراسم ، والمآتم ، وجميع الاحتفالات التي تقام للذكرى في المناسبات المختلفة ، كعيد المولد النبوي الشريف ، وعيد الغدير ، وعاشوراء ، والاحتفال بعيد الاستقلال ، وبيوم العمال ، وغير ذلك … حتّى عيد الجيش ، ويوم الشجرة ، وحتى زيارة الأماكن المقدسة في مواسم معيّنة.
ولكن لربما نضطرّ في بحثنا هذا إلى تخصيص المولد النبوي الشريف بالذكر ، وذلك تبعاً لِما ورد في أدلّتهم ؛ ذلك لأنه هو المحور الذي تدور كلماتهم حوله عادة ، وإن كانوا يهدفون - ونقصد المانعين منهم - إلى ما هو أعمّ من ذلك ، كما صرّحوا به في مطاوي كلماتهم واستدلالاتهم ، وكما يظهر من عموم أدلّتهم ، التي رأوا أنّها كافية للدلالة على المنع من كل تجمّع في مكان معيّن ، في زمان معيّن ، فليلاحظ ذلك … والله هو الموفق وهو الهادي.
الفصل الأوّل
المواسمُ والمراسمُ .
في سطور أوّل مَن احتفل بالمولد النبوي
يقولون : إنّ أوّل مَن احتفل بمولد النبي (عليه الصلاة والسلام) ، هو - كما يقال - الأمير أبو سعيد مظفر الدين الأربلي المتوفّى عام ٦٣٠ ه- ق(١) وكان يفد إلى العيد طوائف من الناس من بغداد ، والموصل ، والجزيرة ، وسنجار ، ونصيبين ، بل ومن فارس منهم العلماء والمتصوّفون ، والوعّاظ ، والقرّاء ، والشعراء ، وهناك يقضون في أربلاً من المحرم إلى أوائل ربيع الأوّل. وكان الأمير يقيم في الشارع الأعظم مناضد عظيمة من الخشب ، ذات طبقات كثيرة بعضها فوق بعض ، تبلغ الأربع والخمس ، ويزيّنه ويجلس عليها المغنّون والموسيقيّون ولاعبو الخيال حتّى أعلاها إلخ(٢) . وقد صنّف له ابن دحية كتاب : ( التنوير في مولد السراج المنير) لِما رأى من اهتمام مظفر الدين به ، فأعطاه الأمير ألف دينار غير ما غرم عليه مدّة إقامته(٣) . وقد أطنبوا في وصف حاكم أربل بالصلاح والخير ، والبر والتقوى كما يعلم من مراجعة ترجمته عندهم(٤) . ولكن السّيد رشيد رضا لا يوافق على ذلك ، ويقول : أوّل مَن أبدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي ، أحد ملوك الشراكسة في مصر(٥) . وقال غيره عن الموالد : أوّل مَن أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميّون ، أوّلهم المعز لدين الله ، توجّه من المغرب إلى مصر في شوال سنة ٣٦١ ه- … إلى أن قال : إلى أن أبطلها الأفضل ابن أمير الجيوش(٦) . وهذا … وقد قتل الأفضل في سنة ٥١٥.
____________________
(١) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ٢ / ٢٩٩ عن الزرقاوي ١ / ١٦٤ ، وراجع التوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / ١١٥ ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٧٥ و٧٧ و٨٠ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١٣٧ و١٣٦ ، ولم يصرّح بالأوّلية ، وكذا في تاريخ ابن الوردي ٢ / ٢٢٨ ، وجواهر البحار ٣ / ٣٣٧ ، والسيرة الحلبيّة ١ / ٨٣ و٨٤ ، والسيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤ ، ومنهاج الفرقة الناجية / ١١٠ ، والإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / ٤٥ ، لأبي بكر جابر الجزائري ، و٤٦ و٥٠ و٧٥.
(٢) وفيات الأعيان / طبعة سنة ١٣١٠ ه-.ق ١ / ٤٣٦و٤٣٧ ، وشذرات الذهب ٥ / ١٣٩ و١٤٠ عنه ابن شبهة وراجع السيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤و٢٥ ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / ١١٦ عن سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان ، وراجع رسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوع مع النعمة الكبرى على العالم / ٧٦ ، والبداية والنهاية ٢٣ / ١٣٧ ، وجواهر البحار ٣ / ٣٣٧و٣٣٨ ، والإنصاف فيما قيل في المولد من الغلوّ والإجحاف / ٥٠ و٥١ عن الحادي للسيوطي. (٣) وفيات الأعيان ١ / ٤٣٧و٣٨١ ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / ١١٥و١١٦ ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي / ٧٥و٧٧و٨٠ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١٣٧ ، وجواهر البحار ٣ / ٣٣٨ ، عن روح السير لإبراهيم الحلبي ، والسيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤ ، والإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / ٥٠ ، والقول الفصل / ٦٩ عن أحسن الكلام فيما يتعلّق بالسنّة والبدعة من الأحكام / ٥٢ ، والسيرة الحلبيّة ١ / ٨٣ و٨٤. (٤) وفيات الأعيان ١ / ٤٣٥- ٤٣٨ ، والسيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤ ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيّين / ١١٥ ، وحسن المقصد / ٧٥و٧٦و٨٠ والبداية والنهاية ٣ / ١٣٧ ، وشذرات الذهب ٥ / ١٣٨-١٤٠. (٥) راجع القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ٢٠٥ عن الفتاوي ج٤.(٦) القول الفصل / ١٨و٦٨ عن كتاب أحسن الكلام فيما يتعلّق بالسنّة والبدعة من الأحكام / ٤٤و٤٥ للشيخ بخيت المطيعي ، وعن المحاضرات الفكرية ، المحاضرة العاشرة / ٨٤ ، وعن الإبداع في مضار الابتداع / ١٢٦ ، وعن كتاب المعز لدين الله / ٢٨٤ ، وراجع الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ٢ / ٢٩٩.
ويؤيّد هذا القول الأخير أيضاً ما ذكره المقريزي عن أعياد الخلفاء الفاطميين ، فليراجعه مَن أراد(١) .
والظاهر هو أنّه لا منافاة بين الأقوال السالفة ، لإمكان أن يكون مرادهم أنّ صاحب أربل أوّل مَن أحدثه في أربل ، واُولئك أوّل مَن أحدثه في القاهرة وفي مصر , نعم تبقى المنافاة بين ما تقدّم نقله عن السّيد رشيد رضا ، وما نقل عن غيره حول أوّل مَن أحدثه في مصر.
كما أنّ من الممكن أن يقصد البعض أنّ حاكم أربل أوّل مَن احتفل بالمولد احتفالاً عظيم ، وبهذه الصورة الخاصة التي كانت تكلّفه عشرات بل مئات الألوف من الدنانير ، حسبما صرّحوا به.
ومهما يكن من أمر فإنّ الاهتمام بالمولد كان أسبق من التواريخ المتقدّمة ، حيث نجدهم يقولون : كان ازدياد التعظيم للنبيعليهالسلام بين أهل الصلاح والورع سبباً في أن صار يحتفل بمولده عام ٣٠٠ ه- وكان ذلك بدعة في نظر المتمسّكين بالعادات الإسلامية الأولى.
ويحكى عن الكرجي (المتوفّى عام ٣٤٣ - ٩٥٤م) وكان من الزهّاد المتعبّدين : أنه كان لا يفطر إلاّ في العيدين ، وفي يوم مولد النبيعليهالسلام (٢) وقال السخاوي : لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة وإنما حدث بعد(٣) .
أمّا نحن فنقول : إنّ الاهتمام بالمناسبات والمواسم قد بدأ من عهد النبيصلىاللهعليهوآله ، ومن شخص رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، حسبما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى…
قال القسطلاني : … ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولدهعليهالسلام ، ويعملون الولائم ، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات ، ويظهرون السرور ويزيدون في المبرّات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم … إلى أن قال : فرحم الله امرأً اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياد ، ليكون أشدّ علة على مَن في قلبه مرض ، وأعياه داء.
ولقد أطنب ابن الحاج في المدخل في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء ، والغناء بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف ، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل(٤) وقال ابن عباد في رسائله الكبرى : … وأما المولد فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين ، وموسم من مواسمهم ، وكل ما يفعل فيه.
____________________
(١) الخطط للمقريزي ١ / ٤٩٠ ، ومنهاج الفرقة الناجية / ١١٠.
(٢) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ٢ / ٢٩٨.
(٣) السيرة الحلبيّة ١ / ٨٣ و٨٤ ، وراجع السيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤.
(٤) المواهب اللدنّية ١ / ٢٧ ، وراجع أيضاً السيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤ ، والسيرة الحلبيّة ١ / ٨٣و٨٤.
مما يقتضيه وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك ، من إيقاد الشمع ، وإمتاع البصر والسمع ، والتزيّن بلباس فاخر الثياب ، وركوب فاره الدواب أمر مباح لا ينكر على أحد(١) .
وعن ابن حجر أنّه قال : وأمّا ما يعمل فيه فينبغي الاقتصار على ما يفهم منه الشكر لله تعالى من التلاوة ، والإطعام ، والصدقة ، وإنشاد شيء من المدائح النبويّة والزهدية … وأمّا ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك ، فما كان من ذلك مباح ، بحيث لا ينقص السرور بذلك اليوم ، لا بأس بإلحاقه به ؛ وأمّا ما كان حرام ، أو مكروه ، فيمنع. وكذا ما كان خلاف الأولى(٢) .
وقد أوضح ابن تيمية أنّ العيد لا يختص بالعبادة ، والصدقات ونحوه ، بل يتعدّى ذلك إلى اللعب ، وإظهار الفرح أيضاً.
وقد رأى ابن تيميّة أنّ لذلك أصلاً في السنّة ، أي في الرواية التي تذكر أنه قد كان عند النبيصلىاللهعليهوآله جوار يغنين ، فدخل أبو بكر فأنكر ذلك ، وقال : أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ؟ فقال له النبيصلىاللهعليهوآله : إنّ لكل قوم عيد ، وإنّ عيدنا هذا اليوم(٣) .
وأضاف : إنّ المقتضي لما يفعل في العيد من الأكل والشرب ، واللباس والزينة ، واللعب والراحة ونحو ذلك ، قائم في النفوس كله ، إذا لم يوجد مانع ، خصوصاً نفوس الصبيان والنساء ، وأكثر الفارغين(٤) .
ولكننا نعتقد أنّ الرواية المتقدّمة لا أساس لها من الصحة ؛ لأن الروايات في ذلك متضاربة ومتناقضة ، ولأن أكثرها يدلّ على حرمة الغناء ، حيث لا يعقل أن يحلل الشارع ما يعتبره العقلاء من مزامير الشيطان… إلى آخر ما ذكرناه في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله ٢ / ٣١٤ - ٣٢٩ ، فليراجع…
والغريب في الأمر أننا نجد ابن كثير الحنبلي حينما وصل به الكلام إلى الحديث عن مريم أخت عمران ، التي كانت في زمان موسى ، يقول :
____________________
(١) راجع : القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ١٧٥.
(٢) تلخيص من رسالة حسن المقصد للسيوطي ، والمطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٩٠.
(٣) اقتضاء الصراط المستقيم / ١٩٤ - ١٩٥ , والرواية في / ١٩٣ عن الصحيحين وراجع : صحيح البخاري ١ / ١١١ طبعة الميمنية ، وصحيح مسلم ٣ / ٢٢ ، والسيرة الحلبيّة ٢ / ٦١ - ٦٢ ، وشرح مسلم للنووي بهامش إرشاد الساري ٤ / ١٩٥ - ١٩٧ ، ودلائل الصدق ١ / ٣٨٩ ، وسنن البيهقي ١٠ / ٢٢٤ ، واللمع لأبي نصر / ٢٧٤ ، والبداية والنهاية ١ / ٢٧٦ ، والمدخل لابن الحاج ٣ / ١٠٩ ، والمصنّف ١١ / ١٠٤ ، ومجمع الزوائد ٢ / ٢٠٦ عن الطبراني في الكبير.
(٤) اقتضاء الصراط المستقيم / ١٩٥.
… وضربها بالدف في مثل هذا اليوم الذي هو أعظم الأعياد عندهم ، دليل على أنه قد كان شرع مَن قَبلنا ضرب الدف في العيد(١) .
ثمّ نراه يحكم بجواز ذلك في الأعياد ، وعند قدوم الغياب ، تماماً على وفق ما استنبطه من رواية مريم ، وذلك استناداً للرواية المتقدمة التي استند إليها سلفه ابن تيميّة.
قال ابن حجر الهيثمي : وأخرج ابن عساكر ، عن إبراهيم بن أبي عيلة ، قال : دخلنا على عمر بن عبد العزيز يوم العيد ، والناس يسلّمون عليه ويقولون : تقبّل الله منّا ومنك يا أمير المؤمنين فيردّ عليهم ولا ينكر عليهم.
قال بعض الحفّاظ الفقهاء من المتأخّرين : وهذا أصل حسن للتهنئة بالعيد والعام والشهر ، انتهى. وهو كما قال : فإنّ عمر بن عبد العزيز كان من أوعية العلم والدين ، وأئمة الحقّ والهدى إلخ(٢) .
وقبل ذلك نجد أنّ هذا النص قد قاله عمرو الأنصاري لأبي وائلة فيردّ عليه بنفس العبارة(٣) وليت شعري لماذا لا تكون تهنئة الشيخين لعلي يوم الغدير أساساً للتهنئة في العيد ؟!(٤) .
المولد في جميع الأقطار الإسلامية
وقال السخاوي : لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة ، وإنّما حدث بعد ، ثمّ لازال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد ، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات ، ويعتنون بقراءة مولده الكريم ، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم(٥) .
قال ابن الجوزي : ومن خواصّه أنّه أمان في ذلك العام ، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام(٦) .
وحكى بعضهم : أنه وقع في خطب عظيم ، فرزقه الله النجاة من أهواله بمجرد أن خطر عمل المولد النبوي بباله(٧) .
____________________
(١) البداية والنهاية ١ / ٢٧٦.
(٢) الصواعق المحرقة / ٢٢٣.
(٣) مجمع الزوائد ٢ / ٢٠٦ عن الطبراني في الكبير.
(٤) راجع كتاب الغدير للعلاّمة الأميني ، الجزء الأوّل.
(٥) السيرة الحلبيّة ١ / ٨٣ - ٨٤ ، والسيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤ ، وراجع تاريخ الخميس ١ / ٢٢٣.
(٦) المواهب اللدنّية ١ / ٢٧ ، وتاريخ الخميس ١ / ٢٢٣ ، وجواهر البحار ٣ / ٣٤٠ عن أحمد العابدين ، والهيثمي والقسطلاني ، والسيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤.
(٧) جواهر العلم ٣ / ٣٤٠.
استحباب القيام
وقد ذكروا : أنهم كانوا حينما يقرؤون المولد ، فإذا وصلوا إلى ذكر ولادتهصلىاللهعليهوآله يقومون وقوفاً ، احتراماً وإجلالاً وقد تكلّموا في حكم هذا القيام , فقال الصفوري الشافعي : مسألة القيام عند ولادته لا إنكار فيها ؛ فإنه من البدع المستحسنة.
وقد أفتى جماعة باستحبابه عند ذكر ولادته , وقال جماعة بوجوب الصلاة عند ذكره ؛ وذلك من الإكرام والتعظيم لهصلىاللهعليهوآله ، وإكرامه وتعظيمه واجب على كل مؤمن ولاشكّ أنّ القيام له عند الولادة من باب التعظيم والإكرام(١) .
وسيأتي من الحلبي الشافعي وغيره التأكيد على مشروعية القيام عند ولادتهصلىاللهعليهوآله .
هذا … وقد ألّف العديد من الكتب والرسائل ، ونشرت بحوث كثيرة تتحدّث عن مشروعية المولد النبوي ، وسائر المواسم والمراسم ، هذا عدا عن البحوث المبثوثة في الكتب المختلفة والمؤلّفة لأغراض اُخرى … وعلى هذا ، فليس كتاب التنوير لابن دحية ، ثمّ رسالة السيوطي المسمّاة ب- (حسن المقصد) ، ولا المولد الذي ألّفه ابن الدبيع هي البداية ولا النهاية في هذا المجال.
ولكن ما لفت نظرنا هنا هو ذلك الكتاب المطبوع باسم (النعمة الكبرى على العالم في مولد سيّد ولد آدم) ، والمنسوب إلى شهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي الشافعي ، وهو اسم صاحب الكتاب المعروف المسمّى ب- (الصواعق المحرقة) ، حيث قد تضمّن هذا الكتاب كلمات منسوبة إلى أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليعليهالسلام ، والحسن البصري ، وابن الجنيد البغدادي ، ومعروف الكرخي ، وفخر الدين الرازي ، والإمام الشافعي ، والسري السقطي.
ونحن نشكّ في نسبة تلك الكلمات إلى هؤلاء ؛ وذلك لأننا لم نعثر على شيء منها في المصادر الاُخرى التي في حوزتنا ، وإن كنّا لا ندّعي أننا بلغنا الغاية في الاستقصاء.
وعلى كل حال فإننا نكل أمر هذه المنسوبات وأمر الكتاب ومؤلّفه الحقيقي إلى الله ، فهو المطّلع على السرائر ، والمحيط بما في الخواطر …
____________________
(١) نزهة المجالس ٢ / ٨٠.
الفصل الثاني استدلالات لا تصح
بداية
نجد للمجوّزين لإقامة المواسم والمراسم استدلالات عديدة ، ولكننا لا نجد من بينها ما يجدي في إثبات ما يريدون إثباته ، ولا يصلح للاستدلال به ، ونحن نشير إلى طائفة من أدلّتهم تلك ، مع التذكير ببعض ما يرد عليها ، فنقول :
إنّهم يذكرون أنّ أبا لهب حينما بُشّر بولادتهصلىاللهعليهوآله أعتق مولاته ثويبة ، فرأه العباس - وفي رواية اليعقوبي : رآه النبيصلىاللهعليهوآله - بعد موته في المنام فأخبره أنّه يخفّف عنه العذاب كل يوم اثنين ؛ لعتقه ثويبة حينما بُشّر بذلك(١) .
قال القسطلاني : قال ابن الجزري : فإذا كان هذا أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمّه جوزي في هذا بفرحه ليلة مولد النبيصلىاللهعليهوآله ، فما حال المسلم الموحّد من اُمّتهعليهالسلام الذي يُسرّ بمولده ، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبّته ؟ لعمري ، إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنّاتِ النعيم(٢) .
ورحم الله حافظ الشام شمس الدين محمد بن ناصر ، حيث قال :
إذا كان هذا كافرٌ جاء ذمّهُ |
وتبّتْ يداه في الجحيمِ مخلّ--دا |
|
أتى أنّه في يوم الاث-نينِ دائماً |
يُخفّف عنه للسرورِ بأحم--دا |
|
فما الظنُّ بالعبدِ الذي كان عمرهُ |
بأحمدَ مسروراً ومات موحّدا(٣) |
ولكن هذا الاستدلال لا يصحّ ؛ وذلك لأنّ إعتاق ثويبة قد كان بعد مولدهصلىاللهعليهوآله بزمن طويل ، أي بعد ما هاجر النبيصلىاللهعليهوآله إلى المدينة ، بعد أن حاولت خديجة شراءها من أبي لهب لتعتقها ؛ بسبب ما يزعم من إرضاعها للنبيصلىاللهعليهوآله ، فرفض أبو لهب بيعها(٤) .
____________________
(١) راجع : السيرة النبويّة لابن كثير ١ / ٢٢٤ ، البداية والنهاية ١ / ٢٧٣ ، تاريخ اليعقوبي ٢ / ٩ ، وفتح الباري ٩ / ١٢٤ ، وعمدة القاري ٢ / ٩٥ ، والسيرة الحلبيّة ١ / ٨٤و٨٥ ، والسيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٥ ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٩٠ ، وإرشاد الساري ٨ / ٣١ ، وهو ظاهر صحيح البخاري ٣ / ١٥٧ طبعة سنة ١٣٠٩ه- ، وجواهر البحار ٣ / ٣٣٨و٣٣٩ ، وتاريخ الاسلام للذهبي ٢ / ١٩ ، والوفاء / ١٠٧ ، ودلائل النبوة للبيهقي ١ / ١٢٠ ، وبهجة المحافل ١ / ٤١ ، وطبقات ابن سعد قسم ١ / ٦٧ - ٦٨ ، والمواهب اللدنّية ١ / ٢٧ ، وتاريخ الخميس ١ / ٢٢٢ ، وسيرة مغلطاي / ٨ ، وصفة الصفوة ١ / ٦٢ ، ونور الأبصار / ١٠ ، وإسعاف الراغبين بهامشه / ٨.
(٢) المواهب اللدنّية ١ / ٢٧ ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٩٠-٩١ ، وتاريخ الخميس ١ / ٢٢٢. (٣) السيرة النبويّة لزيني دحلان ١ / ٢٥ ، ورسالة السيوطي المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٩١.
(٤) أنساب الأشراف (سيرة النبي ص) / ٩٥-٩٦ ، والكامل لابن الأثير ١ / ٤٥٩ ، وطبقات ابن سعد ١ قسم ١ / ٦٧ ، والإصابة ٤ / ٢٥٨ ، وإرشاد الساري ٨ / ٣١ ، والسيرة الحلبيّة ١ / ٨٥ ، وراجع الوفاء / ١٠٧ ، وفتح الباري ٩ / ١٢٤ ، والاستيعاب بهامش الإصابة ١ / ١٦ ، وذخائر العقبى / ٢٥٩ ، وقاموس الرجال ١٠ / ٤١٧.
وتوجيه الحلبي لذلك : بأنّ من الممكن أن يكون أبو لهب قد أعتقها أوّلاً لكنه لم يذكر ذلك ولم يظهره ، ورفض بيعها لخديجة ؛ لكونها كانت معتوقة ، ثمّ عاد فأظهر ذلك …(١) .
هذا التوجيه غير وجيه ؛ لأنّ من غير المعقول أن لا يظهر الناس ولا يطّلعوا على عتقه لجاريته طيلة حوالي خمسين سنة ، كما أنّ هذه الجارية التي اعتقها لماذا بقيت عنده طيلة هذه المدّة المتمادية وهي خارجة عن ملكه ؟ ولماذا لم يظهر ذلك إلاّ بعد هجرتهصلىاللهعليهوآله ؟ فما هو الداعي له للكتمان , ولا سيّما قبل النبوة ؟ وما الداعي للإظهار , ولا سيّما بعد الهجرة ؟
وأوردوا أيضاً على الرواية بأنها مرسلة ، وبأنه لا حجيّة في المنامات ، وبأنها مخالفة لظاهر القرآن الذي يقول عن الكفار :( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ) (٢) ولكن إذا ثبت أنّ الرائي هو النبيصلىاللهعليهوآله ، كما هو مقتضى رواية اليعقوبي ، كان المنام حجّة.
كما أنّهم قد ناقشوا في هذا الاعتراض الأخير بما لا مجال لذكره ، فلتراجع المصادر المتقدّمة ، فالعمدة هو ما ذكرناه نحن آنفاً , ونذكر أخيراً أنّ فرحه لو كان استجابة لحاجة نفسية طبيعية ، ولم يكن لله ، فلماذا يثاب عليه ؟!
ونجد في كلماتهم أيضاً الاستدلال بفعل حاكم أربل ، الذي ابتكر عمل المولد على ذلك النحو المخصوص حسبما ذكروه ، وقد كان فاضلاً ورعاً ديّناً إلى آخر ما وصفوه به(٣) .
ولكنه استدلال لا يصحّ أيضاً ؛ لأن التشريع لا يصحّ من أحد إلاّ من صاحب الشريعة ، ولم يكن هذا الرجل من العلماء ، حتّى يحمل عمله على أنه قد استند فيه إلى دليل شرعي ، فلعلّه كان غافلاً عن اللوازم الفاسدة لمثل هذا العمل ، أو حتّى متعمّداً لها إلاّ إذا كان المقصود والاستدلال على هذا الأمر بالإجماع المتحقّق في زمانه ، وحضور العلماء وغيرهم لتلك المناسبات كما يظهر من سياق كلامه … ولسوف نشير إليه فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
ولكنه أيضاً استدلال باطل عندنا ؛ لأننا نعتقد أنّ الإجماع بما هو هو لا حجيّة فيه ، إلاّ بسبب اشتماله على قول المعصومعليهمالسلام ، أو قول أحد الأئمة المعصومين ؛ أمّا دون ذلك فلا اعتبار به ، ولكن المشهور عند أولئك المستدلّين بهذه الأدلّة هو حجيّته متى تحقّق ، حتّى ولو بعد عصر النبيصلىاللهعليهوآله ، ثمّ ما تلاه من أعصار فيكون حجّة عليهم ، فراجع كتب الاُصول(٤) .
____________________
(١) السيرة الحلبيّة ١ / ٨٥.
(٢) راجع : فتح الباري ٩ / ١٢٤ - ١٢٥ ، وإرشاد الساري ٨ / ٣١ ، وعمدة القاري ٢٠ / ٩٥ ، والقول الفصل / ٨٤ - ٨٧.
(٣) راجع : رسالة حسن المقصد للسيوطي ، والمطبوعة مع كتاب النعمة الكبرى على العالم / ٨٠.
(٤) راجع : المستصفى , وفواتح الرحموت ، والأحكام في اُصول الأحكام ، وإرشاد الفحول - بحث الإجماع.
قال السيوطي ما حاصله : إنّه ظهر له تخريج عمل المولد على أصل آخر ، وهو أنهصلىاللهعليهوآله قد عقّ عن نفسه بعد النبوة ، مع أنّه قد ورد أنّ جدّه عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته… فهذا يعني أنهصلىاللهعليهوآله أراد إظهار الشكر على إيجاد الله تعالى إيّاه رحمة للعالمين ، وتشريفاً لاُمّته ، فيستحب لنا أيضاً - إظهاراً للشكر بمولده - بالاجتماع وإطعام الطعام ، ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرّات(١) . ولكن هذا لا يصلح للاستدلال أيضاً ؛ إذ لم يثبت أنّ ذلك كان منهصلىاللهعليهوآله فرحاً وابتهاجاً بما ذكر ؛ فإنّ ذلك لا يعدو عن أن يكون استنباطاً استحسانياً قد يوافق الواقع وقد لا يوافقه هذا كلّه بالإضافة إلى عدم ثبوت أنهصلىاللهعليهوآله قد عقّ عن نفسه(٢) ، وعدم ثبوت أنّ عبد المطلب كان قد عقّ عنهصلىاللهعليهوآله (٣) … فلا بدّ من ثبوت ذلك بشكل قطعي ليتكلّم في دلالته على المدعّى أو عدم دلالته. مضافاً إلى أنّ العقيقة بنفسها مستحبة في الشرع ، وقد ثبت ذلك بالدليل القطعي ، ولكن لا يلزم من استحبابه والعمل بها جواز إقامة المراسم والمواسم في أوقات معيّنة وبكيفية خاصة… وحتى لو ثبت أنّ ذلك كان فرحاً واستبشاراً بمولدهصلىاللهعليهوآله ، وإلاّ لكرّرها بعد ذلك في كل عام ، كما يراد إثباته. فلعلّ للاستبشار بالعقيقة مرّة واحدة في العمر خصوصية عند الشارع.
وقد نقل السيوطي عن أبي الفضل ابن حجر قوله عن عمل الموالد للنبيصلىاللهعليهوآله : وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت ، وهو ما ثبت في الصحيحين ، من أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قَدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء ، فسألهم. فقالوا : هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ، ونجّى موسى ، ونحن نصومه شكراً لله تعالى فقالصلىاللهعليهوآله : (( فأنا أحقّ بموسىعليهالسلام منكم )) فصامه وأمر بصومه. وفي نصّ آخر : كان يوم عاشوراء يوماً تصومه اليهود ، تتخذه عيداً ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (( صوموه أنتم))(٤) .
____________________
(١) راجع : رسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٩٠.
(٢) روى ذلك البيهقي في السنن الكبرى ٩ / ٣٠٠.
(٣) الرواية في تهذيب تاريخ دمشق ١ / ٢٨٣.
(٤) راجع : القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ٧٨و٧٩ ، وسنن الدارمي ٢ / ٢٢ ، وصحيح البخاري ١ / ٢٢٤ ، وصحيح مسلم ٣ / ١٥٠و١٥٩ ، ومسند أحمد ٤ / ٤٠٩ ، وزاد المعاد ١ / ١٦٤فما بعدها ، وكشف الأستار ١ / ٤٩٠ ، ومجمع الزوائد ٣ / ١٨٥. وللحديث طرق متعددة ونصوص مختلفة ، وهو موجود في مختلف المصادر الحديثيّة عند أهل السنّة ، ولتراجع رسالة المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٨٩ ، والسيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٥ ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيِّين / ١١٤ ، وعجائب المخلوقات بهامش حياة الحيوان ١ / ١١٤ ، والمنتقى من أخبار المصطفى ٢ / ١٩٢ ، ومجمع الزوائد ٣ / ١٨٤ - ١٨٨ ، ومنحة المعبود ١ / ١٩٣.
قال ابن حجر : فيستفاد منه فعل الشكر لله تعالى على ما منّ به في يوم معيّن ، من إحداث نعمة أو دفع نقمة. ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة … وأيّ نعمة أعظم من نعمة بروز نبي الرحمة في ذلك اليوم(١) .
وقد ردّ البعض على هذا الاستدلال : بأنّ السلف الصالح لم يعملوا بهذا النص على الوجه الذي يفهمه منه من بعدهم ، وهذا يمنع من اعتبار هذا النهي صحيح ، فاستنباط ذلك من الحديث مخالف لِما أجمع عليه السلف من ناحية فهمه ، ومن ناحية العمل به ، وما خالف إجماعهم فهو خطأ(٢) .
ونقول : إنّ هذا الرد ليس صحيح ، كما سيتضح في الفصل الذي نردّ فيه على أدلّة المانعين… ولذا فلا حاجة إلى تكرار الكلام هنا ولكننا نودّ أن نشير هنا إلى أمر آخر لم نتعرّض له هناك ، وخلاصته :
إننا نعتقد أنّ ما ورد من الأحاديث التي تحثّ على صيام يوم عاشوراء لا يمكن أن تصح ، وقد بحثنا هذا الموضوع مفصّلاً في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله ٣ / ١٠٤-١١٠ ؛ وذلك لأنهصلىاللهعليهوآله كان يكره موافقة أهل الكتاب في كل أحوالهم ، حتّى قالت اليهود : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلاّ خالفنا فيه(٣) وفي الحديث : (( مَن تشبّه بقوم فهو منهم ))(٤) .
بالإضافة إلى التناقض الشديد بين الروايات المشار إليها …(٥) هذا عدا عن اسم عاشوراء إسلامي لا يعرف في الجاهلية(٦) .
ولسنا هنا في صدد تقصّي هذا البحث ، فمَن أراد المزيد فليراجع الصحيح من سيرة النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله وسيأتي المزيد من الكلام حول يوم عاشوراء في فصل (لن يخدع السراب).
____________________
(١) تلخيص من رسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوع مع النعمة الكبرى على العالم / ٨٩ -٩٠ وراجع : التوسل بالنبي وجهلة الوهابيِّين / ١١٤ - ١١٥.
(٢) راجع : القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ٧٨ و٧٩.
(٣) راجع : المدخل لابن الحاج ٢ / ٤٨ ، والسيرة الحلبيّة ٢ / ١١٥ ، ومفتاح كنوز السنة عن عدد من المصادر ، ومسند أحمد ٣ / ٢٤٦ ، والجامع الصحيح للترمذي ٥ / ٢١٤ - ٢١٥ ، وصحيح مسلم ١ / ١٦٩ ، وسنن أبي داود ٢ / ٢٥٠ ، و١ / ٦٧ ، وسنن الدارمي ١ / ٢٤٥ وسنن النسائي ١ / ١٨٧.
(٤) المدخل لابن الحاج ٢ / ٤٨ ، وسنن أبي داود ٤ / ٤٤ ، ومسند أحمد ٢ / ٥٠ ، ومجمع الزوائد ١٠ / ٢٧١ ، عن الطبراني في الأوسط.
(٥) الصحيح من سيرة النبي ٣ / ١٠٥.
(٦) مجمع البحرين ٣ / ٤٠٥ ، والجمهرة في لغة العرب لابن دريد ٤ / ٢١٢ ، والنهاية لابن الأثير ٣ / ٢٤٠.
وقد استدلّ بعض الأصدقاء(١) في مقال له حول نفس هذا الموضوع بقوله تعالى :( ذلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمّ مَحِلّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (٢) .
على اعتبار أنّ شعائر الله سبحانه هي أعلام دينه ، خصوصاً ما يرتبط منها بالحج ، كما قال القرطبي ؛ لأن أكثر أعمال الحج إنما هي تكرار لعمل تاريخي ، وتذكير بحادثة كانت قد وقعت في عهد إبراهيمعليهالسلام ، وشعائر الله مفهوم عام شامل للنبيصلىاللهعليهوآله ولغيره ، فتعظيمهصلىاللهعليهوآله لازم.
ومن أساليب تعظيمه إقامة الذكرى في يوم مولده ونحو ذلك ، فكما أنّ ذكرى ما جرى لإبراهيمعليهالسلام من تعظيم شعائر الله سبحانه ، كذلك تعظيم ما جرى للنبي الأعظم محمدصلىاللهعليهوآله يكون من تعظيم شعائر الله سبحانه.
ونقول : إنّه لا بدّ من إصلاح هذا الاستدلال ، والقول : بأنّه لا يتوقّف على دعوى أنّ شعائر الحج ما هي إلاّ تكرار لحوادث تاريخية ، ليمنع ذلك بعدم ثبوت ذلك أوّل ، وأنه قد كان يمكن التذكير بحوادث تاريخية مهمة جداً غيره ، ولعلّ بعضها أهم بكثير من قضية التحيّر بين الصفا والمروة في طلب الماء ، أو نحوه مما يذكر هنا.
كما لا يرد على هذا الاستدلال أنّ تفسير القرطبي للشعائر بأعلام الدين - الذي هو معنى عام - لا ينافي اختصاص هذا التعبير في القرآن ب- (أعمال الحج) ومواضعه ، لا يرد عليه ذلك ؛ لأن العبرة إنما هي بعموم اللفظ لا بخصوصية المورد.
ولكن يلاحظ : إنّ القرآن يكرّر ويؤكّد على أنّ في هذه الشعائر منافع للناس ، فهو يقول في الآية السابقة وهو يتحدّث عن أعمال الحج :( ذلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمّ مَحِلّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) كما ويشير إلى أنّ عمل الحج نفسه يحصل الناس فيه على المنافع ، كما قال تعالى :( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) .
وفي آية اُخرى في نفس الموضوع ، نجده تعالى يقول :( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِن شَعَائِرِ اللّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا صَوَافّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ كَذلِكَ سَخّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَن يَنَالَ اللّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلكِن يَنَالُهُ التّقْوَى مِنكُمْ ) (٣) .
وقد أطلق في القرآن لفظ المشعر الحرام على المزدلفة ، كما وأطلق على الصفا والمروة أنهما من شعائر الله …
____________________
(١) المستدل هو صديقنا الشيخ رسول جعفريان حفظه الله في مقال له حول هذا الموضوع.
(٢) سورة الحجِّ / ٣٢ - ٣٣.
(٣) سورة الحجِّ / ٣٦ - ٣٧.
فالظاهر أنّ المراد هو أنّ هذه الأماكن ، وكذلك البدن التي يشعرها الحاج ويعلمها إنّما هي من أعلام المناسك ، ودلائله المظهرة لكمال انقياد العباد له تعالى ، فلا يجوز التعدّي على هذه الأعلام ، ولا يجوز تجاوزها ، بل لا بدّ من تعظيمها والتقيّد بها ، وقد ورد النهي عن تجاوزها وتعدّيها في قوله تعالى :( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلّوا شَعَائِرَ اللّهِ وَلاَ الشّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْىَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آمّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِن رَبّهِمْ وَرِضْوَاناً ) (١) وقبل آية تعظيم شعائر الله تجده تعالى يقول وفي نفس المناسبة :( ذلِكَ وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَاتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لّهُ عِندَ رَبّهِ ) (٢) فنجد أنّ هذا السياق متّحد مع سياق الآية التي استدلّ بها هنا.
وبعد كل ما تقدّم نقول : إنّ الاستدلال بالآية يتوقّف على كون مولد النبيصلىاللهعليهوآله ، وكذا يوم عاشوراء مثل ، وغير ذلك من المناسبات من شعائر الله ، أي من أعلام الله التي نصبها لطاعته ؛ ليجب تعظيمها… وكما يقال : العرش ثمّ النقش ؛ فإنّ قوله تعالى :( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) يشعر بأنّ كونها من الشعائر يحتاج إلى جعل منه تعالى.
وقد استدلّ أيضاً على مشروعية المواسم والمراسم بقوله تعالى مخاطباً موسىعليهالسلام :( وَذَكّرْهُم بِأَيّامِ اللّهِ ) (٣) ، فإنّ المقصود بأيّام الله أيّام غلبة الحق على الباطل ، وظهور الحق ، وما نحن فيه من مصاديق الآية الشريفة ؛ فإنّ إقامة الذكريات والمواسم فيها تذكير بأيّام الله سبحانه(٤) .
ونقول : إنّ ما تدلّ عليه الآية هو التذكير بالاُسلوب العادي والمعروف ؛ وأمّا الخصوصية فلا تفهم من الآية ، وقد روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام : (( كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يخطبنا فيذكّرنا بأيّام الله ، حتّى نعرف ذلك في وجهه ، كأنه نذير قوم يصبحهم الأمر غدوة ))(٥) .
وعن اُبيّ بن كعب : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قرأ يوم الجمعة ( تبارك ) وهو قائم , فذكّرنا بأيّام الله(٦) .
وعن النبيصلىاللهعليهوآله : (( بينما موسىعليهالسلام في قومه يذكّرهم بأيّام الله ، وأيّام الله نعمه وبلاؤه ، إذ قال …))(٧) .
____________________
(١) سورة المائدة / ٢.
(٢) سورة الحجِّ / ٣٠.
(٣) سورة إبراهيم / ٥.
(٤) المستدل بذلك هو الصديق المشار إليه آنفاً في مقال له حول هذا الموضوع وذكر هذا الاستدلال أيضاً عن بعضهم في كتاب : القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ٧٣.
(٥) مسند أحمد ١ / ١٦٧.
(٦) سنن ابن ماجة ١ / ٣٥٢ - ٣٥٣.
(٧) مسند أحمد ٥ / ١٢١.
فذلك كلّه يدلّ على أنّ التذكير بأيّام الله كان يتخذ صفته الطبيعية والعادية ، ولو للأفراد على انفراد ، ولم يكن يقيم لهم احتفالات ومراسم معيّنة في أوقات مخصوصة من أجل ذلك ، إلاّ أن يقال : إنّ أمر تعيين المصداق قد ترك إلينا ، كما سيأتي ، فتكون الآية من أدلّة العنوان العام.
كما أنّ المقصود بأيّام الله … لعلّه تلك الأيّام التي تحدث فيها خوارق العادات ، وتظهر فيها الآيات أيّام بطشه بالظالمين ، وأخذه لهم أخذ عزيز مقتدر ، وكذا الحال بالنسبة لآية :( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ) فلا تشمل الآية ما هو محل الكلام هنا.
وقد استدلّ أيضاً بقوله تعالى :( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) ، إذ من المصاديق الجليّة لرحمة الله سبحانه هو ولادة النبيصلىاللهعليهوآله ، الذي أرسله الله رحمة للعالمين ، فالفرح بمناسبة ميلادهصلىاللهعليهوآله مطلوب ومراد(١) .
ولكننا نقول : الآية تدلّ على لزوم الفرح برحمة الله سبحانه وفضله ؛ أمّا الخصوصية فلا تدل عليه ، وحينما يصف الله الإنسان بأنه فرح فخور فإنّ ذلك لا يعني إلاّ ثبوت هذه الحالة النفسية له ، ولا تدلّ على أنه يقيم الحفلات ويلتزم بالمواسم والمراسم ، كما هو محل البحث هنا ، إلاّ أن يقال : إنّ أمر تعيين الكيفية والمصداق قد أوكل إلينا ، كما سبق في الآية السابقة.
واستدلّ بعض العلماء : بأنّ جلّ أعمال مناسك الحج ما هي إلاّ احتفالات بذكرى الأنبياء ، فأمر الله تعالى باتخاذ مقام إبراهيم مصلّى ؛ إحياءً لذكرى شيخ الأنبياء إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) أمّا السعي بين الصفا والمروة فهو تخليد لذكرى هاجر حينما عطشت هي وابنها إسماعيل ، فكانت تسعى بين الصفا والمروة وتصعد عليهما لتنظر هل ترى من أحد - كما ذكر البخاري -.
ورميُ الجمار تخليد لذكرى إبراهيمعليهالسلام حينما ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة ، فعرض له الشيطان , فرماه بسبع حصيات فساخ.
وذبحُ الفداء إنما هو تخليد لذكرى إبراهيم أيضاً حينما أمر بذبح ولده إسماعيل ، ففداه الله بذبح عظيم.
وفي بعض الأخبار : إنّ أفعال الحج إنّما هي احتفال بذكرى آدم ، حيث تاب الله عليه عصر التاسع من ذي الحجة بعرفات ، فأفاض به جبريل حتّى وافى إلى المشعر الحرام فبات فيه ، فلمّا أصبح أفاض إلى منى ؛ فحلق رأسه إمارة على قبول توبته وعتقه من الذنوب ، فجعل الله ذلك اليوم عيداً لذرّيته.
____________________
(١) راجع : القول الفصل / ٧٣ ، ومقالة الصديق المشار إليه آنفاً.
فأفعال الحج كلّها تصير احتفالات وأعياداً بذكرى الأنبياء ومَن ينتسب إليهم ، وهي باقية أبد الدهر(١) .
ونقول :
أوّلاً : إنّ هذا الاستدلال يتوقّف على ثبوت الروايات المشار إليها آنفاً ، على كون قوله تعالى :( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) قد جيء به للإشارة إلى هذا الأمر التاريخي.
والآية إنّما أوردت كلمة( مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ) للإشارة إلى موضوع الحكم ، وليس عنوان هذا الموضوع دخيلاً في ثبوت ذلك الحكم ، لا بنحو الاقتضاء ولا بنحو العليّة التامة ، ولعلّه تكون العلة للحكم أمراً آخر ، ويكون العنوان من قبيل لفظ (زيد) في قولك : أكرم زيداً.
كما ويرد هنا سؤال ، وهو : لماذا اختصّت هذه الأحداث بأن يقام لها هذا الاحتفال الدائم أبد الدهر ، مع أنه قد توجد أحداث أعظم أهمية وأشدّ خطراً منها ؟ لماذا لم تخلّد هي أيضاً باحتفالات على نحو تخليد هذه… ولتكن إحدى هذه الأحداث ولادة السّيد المسيح من دون أب ، وقصة غرق فرعون ، ومحاولة إحراق إبراهيم بالنار فكانت برداً وسلاماً ، وقصة الطوفان ، وغير ذلك ؟
ثانياً : إنّ هذه الذكريات قد أمر الشرع بها وشرّع الحكم بلزوم العمل به ، وهذا لا ينكره المانعون وإنما هم يقولون : إنّ ما لم يرد به الشرع يكون بدعة وحرام ، وهذا مما قد ورد الشرع به ، فلا إشكال فيه ، وإنما الإشكال فيما عداه.
واستدلّ أيضاً على مشروعية الاحتفالات والمراسم بحزن يعقوب على فراق ولده يوسف ، حتّى ابيضّت عيناه من الحزن ، فلم يجز له بعد موت ولده العزيز على قلبه - مع أنّ حرقته عليه أعظم - أن يظهر التفجّع عليه ، ويقيم المراسم في هذا السبيل(٢) .
ونقول : إنّ ذلك لا ربط له بإقامة المراسم والمواسم في زمان معيّن ، وفي مكان معيّن ، فإنّ مجرد الحزن والأسى لا مانع منه ، ولكن الزيادة على ذلك هي التي تحتاج إلى إثبات بنظر المانع ، والآيات لا تدلّ على أكثر من ممارسة التوجّع والتفجّع والحزن.
واستدلّ أيضاً بقوله تعالى :( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) (٣) فإنّ الاحتفالات بميلادهصلىاللهعليهوآله ما هي إلاّ رفع لذكرهصلىاللهعليهوآله (٤) .
____________________
(١) راجع كتاب : معالم المدرستين ١ / ٤٧ - ٤٩ ، للعلاّمة العسكري حفظه الله تعالى.
(٢) راجع كتاب آثين وهابيّت / ١٨٠ - ١٨١ للعلاّمة السبحاني حفظه الله.
(٣) الانشراح / ٤.
(٤) آثين وهابيّت / ١٨٤ للعلاّمة السبحاني حفظه الله.
ويمكن المناقشة في ذلك : بأنّ رفع ذكرهصلىاللهعليهوآله من قِبَل الله سبحانه إنما هو بجعله نبيّاً رسول ، وليس في الآية أمر متعلّق بالمكلّفين يطلب منهم إقامة احتفالات ، ولا غير ذلك.
وقد ورد في الروايات أنّ المراد برفع ذكره ما هو واقع من ذكر الشهادة بنبوّته إلى جانب الشهادة لله بالوحدانية في الأذان وفي غيره ، وقيل في تفسير الآية غير ذلك أيضاً.
واستدلّ أيضاً بأنّ مودّة ذوي القربى مطلوبة شرعاً ، وقد أمر بها القرآن صراحة ، فإقامة الاحتفالات للتحدّث عمّا جرى للأئمةعليهمالسلام لا يكون إلاّ مودّة لهم ، إلاّ أن يدّعى : إنّ المراد بالمودّة الحب القلبي ، ولا يجوز الإظهار.
ونقول : صحيح أنّ إرادة الحب القلبي مجرّداً ، ومن كلمة (المودّة) ، لا يمكن تقويته ، لا سيّما وأنّ بعض المحقّقين يقول في تفسير المودّة : كأنها الحب الظاهر أثره في مقام العمل(١) . ولكن يمكن المناقشة فيما ذكر : بأنّ مودّتهم تحصل من دون إقامة احتفالات ، فالمانع يدّعي : إنّ الخصوصية للزمان وللمكان وللتجمّع ، وللمراسم الخاصة يحتاج جوازها إلى إثبات ، إلاّ إذا لزم بالأمر بالعنوان العام ، وترك أمر تعيين المصاديق إلينا ، كما سيأتي بيانه ، مع عدم كون الخصوصية مورداً للحكم الشرعي ، ولا للتعبّد بإتيانها ، ولعلّ هذا هو مراد المستدل ، فلا إشكال حينئذ.
ونفس ما تقدّم يقال بالنسبة إلى استدلاله بآية :( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ) (٢) .
واستدلّ أيضاً بقوله تعالى :( رَبّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السّمَاءِ تَكُونَ لَنَا عِيداً ِلأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ ) (٣) . فقد اعتبر يوم نزول المائدة السماوية عيداً وآية ، مع أنّها لأجل إشباع البطون. فيوم ميلادهصلىاللهعليهوآله ويوم بعثته ، الذي هو مبدأ تكامل فكر الأمم على مدى التاريخ ، أعظم من هذه الآية ، وأجل من ذلك عيداً ، فاتخاذه عيداً يكون بطريق أولى(٤) . ويمكن الجواب عن ذلك : بأنّ العيد المشار إليه في الآية قد جاء على وفق الحالة الطبيعية للأعياد عادة ؛ لأنّ المائدة تنزل في وقت معيّن ، وقد طلب عود نزولها واستمراره ، ثمّ يجتمع الناس عليها للاستفادة منه ، ولا بدّ من أن يحصل الفرح والابتهاج بها.
فكل الخصوصيات المعتبرة في العيد لا بدّ وأن تحصل بتبرّع منا , مع عدم المساهمة الشرعية لا في حصولها ، ولا في إمضائها وجعل المشروعية لها.
____________________
(١) راجع تفسير الميزان ١٦ / ١٦٦.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) سورة المائدة / ١١٤.
(٤) راجع : أئين وهابيّت / ١٨٢-١٨٣.
وأمّا الاستدلال على مشروعية الاحتفالات والمواسم بأنها من السنن الحسنة فسيأتي حين الرد على ما يتذرّع به المانعون أنه لا يصلح للاستدلال به ، فلا حاجة إلى التكرار هنا.
واستدلّوا أيضاً على مشروعية الاحتفالات والمواسم : بأنّ الله سبحانه وتعالى قد أقسم بالضحى ، وبالليل إذا سجى ، وقد روي أنّ المراد ليلة المولد ، أو ليلة المعراج.
والجواب : إنّ ذلك يدلّ على أهمية هذه الليلة وامتيازه ، ولكنه لا يدلّ على مشروعية إقامة الموالد والمواسم في زمان معيّن ، أو في مكان معيّن ، بل ليس فيها أية إشارة إلى أيّ نحو من أنحاء التجمّعات ، لا نفياً ولا إثباتاً.
الفصل الثالث
بماذا يتذرّع المانعون ؟
أدلّة القائلين بحرمة الاحتفالات والأعياد
إنّ مَن يراجع كلمات هؤلاء القوم يجد أنهم يستدلّون لِما يذهبون إليه ، بأدلّة استنباطية وروائيّة ، وإن كانت كلماتهم قد جاءت في الأكثر خطابية وشعارية … فلا بدّ أوّلاً من إيراد جانب منه ، ثمّ استخلاص ما يمكن استخلاصه مما أوردوه على شكل استدلال ومستند لهم ولكن لا بدّ وأن يجد القارئ بعض التكرار ، الذي حاولنا الاحتراز منه قدر الإمكان ، فلم يحالفنا التوفيق التام في ذلك.
____________________
(١) ستأتي الروايات ومصادرها حين الرد على ما يتذرّع به المانعون , فلا حاجة إلى ذكرها هنا أيضاً.
جاء في هامش كتاب فتح المجيد ما نصّه : وهي التي يسمّيها الناس اليوم (الموالد والذكريات) ، التي ملأت البلاد باسم الأولياء وهي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم ، ولذلك لا يذكر الناس ويعرفون إلاّ مَن أقيمت له هذه الذكريات ، ولو كان أجهل خلق الله وأفسقهم فكلّما كسدت سوق طاغوت من هؤلاء ، قامت السدنة بهذا العيد لتحيي في نفوس العامة عبادته ، وتكثر الهدايا والقرابين باسمه.
وقد امتلأت البلاد الإسلامية بهذه الذكريات ، وعمّت المصيبة ، وعادت بها الجاهلية إلى بلاد الإسلام ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله ، ولم ينجَ منها إلاّ نجد والحجاز ، فيما نعلم بفضل الله ، ثمّ بفضل آل سعود الذين قاموا بحماية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وقال في قرة العيون : وقد أحدث هؤلاء المشركون أعياداً عند القبور التي تعبد من دون الله ، ويسمّونها عيد ، كمولد البدوي بمصر وغيره ، بل هي أعظم ؛ لِما يوجد فيها من الشرك والمعاصي العظيمة(١) .
وقالوا أيضاً : والمستقرئ لشؤون البشر ، وما يطرأ عليها من التطورات الصالحة والفاسدة يعرف حقيقة هذه الأعياد الجاهلية ، بما يرى اليوم من الأعياد التي يسمّيها أهل العصر (الموالد) ، أو يسمّونها الذكريات ، لمعظّميهم من موتى الأولياء وغيرهم ، ولحوادث يزعمون أنها كان لها شأن في حياتهم من ولادة ولد ، أو تولّي ملك ، أو رئيس ، أو نحو ذلك.
وكل ذلك إنما هو إحياء لسنن الجاهلية ، وإماتة لشرائع الإسلام من قلوبهم ، وإن كان أكثر الناس لا يشعرون بذلك ؛ لشدّة استحكام ظلمة الجاهلية على قلوبهم ، ولا ينفعهم ذلك الجهل عذر ، بل هو الجريمة كل الجريمة التي تولد عنها كل الجرائم من الكفر ، والفسوق ، والعصيان(٢) .
وقال المرشدي : وقد ابتلي الناس بهذا ، لا سيّما في مولد البدوي(٣) .
والمراد أنهم ابتلوا بنقل الدراهم والشمع.
____________________
(١) فتح المجيد بشرح عقيدة التوحيد ، هامش / ١٥٤ و ١٥٥.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ، هامش / ١٩١.
(٣) فتح المجيد بشرح عقيدة التوحيد ، هامش / ١٦٠.
وحول ولد البدوي فقد قالوا أيضاً : ويقام له كل عام ثلاثة موالد ، يشدّ الرحال إليها الناس من أقصى القطر المصري ، ويجتمع في المولد أكثر من ثلاث مئة ألف حاج إلى هذا الصنم الأكبر عجّل بهدمه وحرقه ، هو وغيره من كل صنم في مصر وغيرها(١) . وقد استدلّوا أيضاً بما روي عن أبي هريرة ، قال : قال رسول للهصلىاللهعليهوآله : (( لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ، ولا تجعلوا قبري عيداً ، وصلّوا عليّ ؛ فإنّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم )). وروي بمعناه عن النبيصلىاللهعليهوآله ، عن السجاد زين العابدينعليهالسلام ، وعن الحسن بن الحسن بن علي ، وعن أبي سعيد مولى المهري(٢) .
وقد نهى عمر عن اتخاذ آثار الأنبياء أعياداً(٣) . وقال ابن تيمية : وقد تقدّم أنّ اتخاذ المكان عيداً هو اعتياد إتيانه للعبادة عنده ، أو غير ذلك(٤) . وقال : وفي الحديث دليل على منع شدّ الرحل إلى قبرهصلىاللهعليهوآله ، وإلى قبر غيره من القبور والمشاهد ؛ لأن ذلك من اتخاذها أعياداً(٥) . وقال : يشير إلى أنّ ما ينالني منكم من الصلاة والسّلام يحصل مع قربكم من قبري وبُعدكم منه ، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيداً(٦) .
وقال : ربما اجتمع القبوريّون عندها اجتماعات كثيرة في مواسم معيّنة ، وهذا بعينه الذي نهى عنه النبيصلىاللهعليهوآله بقوله : (( لا تتخذوا قبري عيداً )) وبقوله : (( لعن الله اليهود ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدَ ))(٧) .
وقال المناوي في فتح القدير : معناه النهي عن الاجتماع لزيارته ، واجتماعهم للعيد ؛ إمّا لدفع المشقّة ، أو كراهة أن يتجاوزوا حدّ التعظيم(٨) .
____________________
(١) المصدر السابق.
(٢) راجع سنن أبي داود ٢ / ٢١٨ ، ومسند أحمد ٢ / ٣٦٧ ، وعون المعبود ٦ / ٣٤ الضياء في المختارة ، وأبي يعلى ، والقاضي إسماعيل ، وسعيد بن منصور في سننه ، ومجمع الزوائد ٤ / ٣.
واستدلّوا بهذا الحديث في الكتب التالية : عقيدة التوحيد / ٢٥٦-٢٥٧-٢٦٠ ، وفتح المجيد / ٢٥٨و٢٥٩ ، وكشف الارتياب ٤٤٩ عن رسالة زيارة القبور لابن تيمية ، وعن الوفاء للسمهودي ، وشفاء السقام(المقدمة) / ١١٨ و٦٥ و٦٦ عن مصنف عبد الرزاق ، والصارم المنكي / ١٧٩ و ١٧٤ و ١٧٣ و ١٧٢ و ٢٦٢ و ٢٨٠ و٢٨١ و ٢٨٣ و ٢٩٦ و ٢٩٨ و ٣٠٠ و ٣٠٢ و ٣٠١ و ٢٩٩ و ٢٩٧ ، والتوسل بالنبيصلىاللهعليهوآله وجهلة الوهابيِّين / ١٥١ و١٣٣ و١٢٢ ، واقتضاء الصراط المستقيم / ١٩٠ و٣١٣ و٣٢١ و ٣٢٢ و٣٦٨ و ٣٧٥ و٣٧٦ و٣٧٨ وراجع / ٣٨٣ و ١٠٩ و١١٠ عن أبي يعلى ، ومحمد بن عبد الواحد المقدسي في مستخرجه ، وسعيد بن منصور ، وزيارة القبور الشرعية والشركية / ١٤.
(٣) اقتضاء الصراط المستقيم / ٣١٣.
(٤) اقتضاء الصراط المستقيم / ٣٧٨.
(٥) عون المعبود ٦ / ٣٢ ، وفتح المجيد / ٢٦١.
(٦) اقتضاء الصراط المستقيم / ٣٢٣ ، وعون المعبود ٦ / ٣٣ ، وفتح المجيد / ٢٥٧ ، والصارم المنكي / ١٧٢ و ٢٩٨ وزيارة القبور الشرعية والشركية / ١٥.
(٧) اقتضاء الصراط المستقيم / ٣٧٥.
(٨) عون المعبود ٦ / ٣٢ ، وليراجع : كشف الارتياب / ٤٤٩.
وقال ابن القيّم : نهيه لهم أن يتخذوا قبره عيد ، نهى أن يجعلوه مجمع ، كالأعياد التي يقصد الناس الاجتماع إليها للصلاة ، بل يزار قبره (صلوات الله وسلامه عليه) كما يزوره الصحابة رضوان الله عليهم ، على الوجه الذي يرضيه ويحبّه( صلوات الله وسلامه عليه)(١) وقال ابن عبد الهادي الحنبلي : وتخصيص الحجرة بالصلاة والسّلام جعل لها عيد ، وقد نهاهم عن ذلك(٢) .
وقال المناوي : يؤخذ منه أنّ اجتماع العامة في بعض أضرحة الأولياء في يوم أو شهر مخصوص من السنة ، ويقولون : هذا يوم مولد الشيخ ، ويأكلون ويشربون وربما يرقصون فيه ، منهي عنه شرعاً. وعلى ولي الشرع ردعهم عن ذلك ، وإنكاره عليهم وإبطاله(٣) . وقال العظيم آبادي : وإنّ مَن سافر إليه ، وحضر من ناس آخرين ، فقد اتخذه عيد ، وهو منهي عنه بنص الحديث ، فثبت منع شدّ الرحل لأجل ذلك بإشارة النص ، كما ثبت النهي عن جعله عيداً بدلالة النص... إلخ(٤) . وقالوا كذلك : فاتخاذ القبر عيداً هو مثل اتخاذه مسجد والصلاة إليه ، بل هو أبلغ وأحقّ بالنهي ، فإنّ اتخاذه مسجداً يُصلّى في لله ليس فيه من المفسدة ما في اتخاذ نفسه عيد ، بحيث يعتاد انتيابه والاختلاف إليه والازدحام عنده ، كما يحصل في أمكنة الأعياد وأزمنتها ؛ فإنّ العيد يقال في لسان الشارع على الزمان والمكان(٥) .
قال ابن القيّم : ونهى أمّته أن يتخذوا قبره عيداً… إلى أن قال عن القبور : ولا تعظّم بحيث تتخذ مساجد ، فيصلّى عندها وإليه ، وتتخذ أعياداً وأوثاناً(٦) . وقال ابن القيّم والبركوي : وكان للمشركين أعياد زمانيّة ومكانيّة , فلمّا جاء الله بالإسلام أبطلها ، وعوّض الحنفاء منها عيد الفطر ، وأيّام منى ، كما عوّضهم من أعياد المشركين المكانية بالكعبة ، ومنى ، ومزدلفة ، وعرفة ، والمشاعر(٧) . وقال ابن تيمية : وكذلك ما يحدثه بعض الناس ؛ إمّا مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسىعليهالسلام ، وإمّا محبّة للنبيصلىاللهعليهوآله ، والله قد يثيبهم على هذه المحبّة والاجتهاد ، لا على البدع من اتخاذ مولد رسول اللهصلىاللهعليهوآله عيداً ، مع اختلاف الناس في مولده ؛ فإن هذا لم يفعله السلف ، مع عدم قيام المقتضي له ، وعدم المانع منه.
ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف (رض) أحقّ به منّا ؛ فإنّهم كانوا أشدّ محبّة لرسول الله وتعظيماً له منّا(٨) .
____________________
(١) عون المعبود ٦ / ٣٢ ، الهامش.
(٢) الصارم المنكي في الرد على السبكي / ٢٨٥.
(٣) عون المعبود ٦ / ٣٣.
(٤) المصدر السابق.
(٥) الصارم المنكي / ٢٢٩.
(٦) زاد المعاد ١ / ١٤٦ ، وراجع : الصارم المنكي / ٢٩٩.
(٧) عون المعبود ٦ / ٣٢ ، وفتح المجيد في شرح عقيدة التوحيد / ٢٥٧ ، وزيارة القبور الشرعية والشركية / ١٥.
(٨) اقتضاء الصراط المستقيم / ٢٩٤ - ٢٩٦.
وقال : حتّى أنّ بعض القبور يجتمع عندها القبوريّون في يوم من السنة ، ويسافرون لإقامة العيد ؛ إمّا في المحرم ، أو رجب ، أو شعبان ، أو ذي الحجة ، أو غيره وبعضها يجتمع عندها في يوم عاشوراء ، وبعضها في يوم عرفة ، وبعضها في النصف من شعبان إلخ(١) .
وقال : فإن اعتياد قصد المكان المعيّن في وقت معيّن ، عائد بعود السنة ، أو الشهر ، أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد. ثمّ ينهى عن دق ذلك وجله وهذا هو الذي تقدّم عن الإمام أحمد إنكاره قال : وقد أفرط الناس في هذا جداً ، وأكثروا ، وذَكَر ما يفعل عند قبر الحسين.
وقد ذكرت فيما تقدّم : أنه يكره اعتياد عبادة في وقت إذا لم تجيء بها السنّة ، فكيف اعتياد مكان معيّن في وقت معين ؟
ويدخل في هذا ما يفعل بمصر عند قبر نفيسة وغيره ، وما يفعل بالعراق عند القبر الذي يقال : إنّه قبر عليرضياللهعنه ، وقبر الحسين ، وحذيفة بن اليمان ، وسلمان الفارسي ، وقبر موسى بن جعفر ، ومحمد بن علي الجواد ببغداد(٢) .
وقال : وأمّا اتخاذ قبورهم أعياداً فهو مما حرمه الله ورسوله ، واعتياد قصد هذه القبور في وقت معيّن ، والاجتماع العام عندها في وقت معيّن هو اتخاذها عيد ، ولا أعلم بين المسلمين أهل العلم في ذلك خلاف(٣) .
وقال عن يوم عرفة : وأيضاً فإن التعريف عند القبر اتخاذ له عيد ، وهذا بنفسه محرم ، سواء كان فيه شدّ الرحل أولم يكن ، وسواء كان في يوم عرفة أو في غيره ، وهو من الأعياد المكانية مع الزمان(٤) .
وقال في كراهة قصد القبور للدعاء : السلف (رض) كرهوا ذلك ، متأوّلين في ذلك قولهصلىاللهعليهوآله : لا تتخذوا قبري عيداً(٥) .
وقال حول عيد الغدير بعد أن ذكر أنّ السلف لم يفعلوه ، ولا أهل البيت ولا غيرهم : ..الأعياد شريعة من الشرايع… فيجب فيها الاتّباع لا الابتداع ، وللنبي خطب وعهود ووقائع في أيّام متعددة ، مثل يوم بدر وحنين ، والخندق وفتح مكة ، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين ، ثمّ لم يوجب أن يتخذ أمثال تلك الأيّام أعياداً(٦) .
____________________
(١) المصدر السابق / ٣٧٥ - ٣٧٦.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم / ٣٧٧.
(٣) نفس المصدر السابق والصفحة.
(٤) المصدر السابق / ٣١٢.
(٥) المصدر السابق / ٣٦٨.
(٦) اقتضاء الصراط المستقيم / ٢٩٤.
وقال : ما أحدث من الأعياد والمواسم فهو منكر ، وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل الكتاب ؛ لوجهين : أحدهما أنّه داخل في مسمّى البدع والمُحدثات.
ثمّ ذكر روايات النهي عن الابتداع في الدين ، مثل ما في صحيح مسلم ، عنهصلىاللهعليهوآله : (( شرّ الاُمور مُحدثاتها ، وكل بدعة ضلالة )) وفي رواية النسائي : (( وكل ضلالة في النار )).
وفي نص آخر : (( إيّاكم ومحدثات الاُمور ؛ فإنّ كل بدعة ضلالة )).
وفي الصحيح ، عنهصلىاللهعليهوآله : (( مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )) وفي لفظ الصحيحين : (( مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )).
وقال تعالى :( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) ثمّ قال : (( فمَن ندب إلى شيء يتقرّب به إلى الله ، أو أوجبه بقوله أو فعله ، من غير أن يشرّعه الله ، فقد شرّع من الدين ما لم يأذن به الله )).
نعم ، قد يكون متأوّلاً في هذا الشرع ، فيغفر له لأجل تأويله إذا كان مجتهداً الاجتهاد الذي يعفي فيه عن المخطئ ، ويثاب أيضاً على اجتهاده لكن لا يجوز اتّباعه في ذلك ، إذ قد علم أنّ الصواب في خلافه(١) .
وقال : الأصل في العبادات أن لا يشرّع منها إلاّ ما شرّعه الله ، والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلاّ ما حظره الله وهذه المواسم المحدثة إنّما نُهي عنها لما حدث فيها من الدين الذي يتقرّب به(٢) .
كما أنّ ابن الحاج ، رغم اعترافه بما ليوم مولد النبيصلىاللهعليهوآله من الفضل ، لا يوافق على الاحتفال بالمولد ؛ لِما فيه من المنكرات ، ولأن النبي أراد التخفيف عن أمّته ، ولم يرد في ذلك شيء بخصوصه ، فيكون بدعة(٣) .
وقد استدلّوا على عدم جواز الاحتفال بالمولد النبوي بأنّ السلف ، الذين كانوا أشدّ محبّة لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وتعظيماً له منّا وأحرص على الخير ، لم يفعلوه ولم يكن منه عندهم عين ولا أثر(٤) .
وقالوا : وأمّا اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية ، كبعض ليالي شهر ربيع الأوّل التي يقال : إنها ليلة المولد ، وبعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة وأوّل جمعة من رحب ، أو ثامن شوال الذي يسمّيه الجهّال عيد الأبرار ؛ فإنها من البدع التي لم يستحبّها السلف ولم يفعلوه(٥) .
____________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم / ٢٦٧ - ٢٦٨ بتلخيص ، ويوجد نظير العبارة الأخيرة في / ٢٩٠.
(٢) المصدر السابق / ٢٦٩.
(٣) راجع المدخل لابن الحاج ٢ / ٣ ، فما بعدها إلى عدّة صفحات ، وليراجع / ٢٩ - ٣٠.
(٤) اقتضاء الصراط المستقيم / ٢٩٥ ، وراجع : سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ١ / ٤٤١ - ٤٤٢.
(٥) القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ٤٩ عن الفتاوى المصرية ١ / ٣١٢.
وقال السكندري الفاكهاني : لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنّة ، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمّة الذين هم القدوة في الدين ، المتمسّكون بآثار المتقدّمين ، بل هو بدعة أحدثها البطالون.
واعتبر الفاكهاني أنّ المولد : منه محرم ، وهو ما دخله بعض الأعمال المحرمة ؛ كاجتماع الرجال مع النساء ونحوه ومنه مكروه , وهو الاجتماع على أكل الطعام ولا يصحبه اقتراف شيء من الآثام , فهذه بدعة مكروهة وشناعة ؛ إذ لم يفعله أحد من متقدّمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام ، وسراج الأزمنة وزين الأمكنة(١) .
هذا مع أنّ شهر ربيع الأوّل الذي ولد فيه الرسولصلىاللهعليهوآله قد مات فيه ، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه(٢) .
وقال الحفار : ليلة المولد لم يكن السلف الصالح ، وهم أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله والتابعون لهم يجتمعون فيها للعبادة ، ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة ؛ لأن النبيصلىاللهعليهوآله لا يعظّم إلاّ بالوجه الذي شرّع به تعظيمه ، وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله ، لكن يتقرّب إلى الله جلّ جلاله بما شرّع.
والدليل على أنّ السلف لم يكونوا يزيدون فيها زيادة على سائر الليالي أنهم اختلفوا فيها ، فقيل : إنهصلىاللهعليهوآله ولد في رمضان. وقيل : في ربيع الأوّل.... إلخ , إلى أن قال : فلو كانت تلك الليلة التي ولد في صبيحتها تحدث فيها عبادة بولادة خير الخلقصلىاللهعليهوآله لكانت معلومة مشهورة لا يقع فيها اختلاف(٣) .
كما أنّ محمد بن عبد الوهاب قد أنكر تعظيم الموالد والأعياد الجاهلية ، التي لم ينزل في تعظيمها سلطان ، ولم ترد به حجة شرعية ولا برهان ؛ لأن ذلك مشابهة للنصارى الضالين في أعيادهم الزمانيّة والمكانيّة ، وهو باطل مردود في شرع سيّد المرسلين(٤) .
إنّ النصارى يحتفلون بعيد ميلاد المسيح وميلاد أفراد أسرتهم ، وعنهم أخذ المسلمون هذه البدعة فاحتفلوا بمولد نبيّهم وبمولد أفراد أسرتهم ، ورسولهم يحذّرهم قائلاً : (( مَن تشبّه بقوم فهو منهم )) صحيح رواه أبو داود(٥) .
كما أنّ الشيخ عبد الرحمان بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب اعتبرها من البدع المنهي عنه ، حيث لم يأمر بها الرسول ، ولا فعلها الخلفاء الراشدون ، ولا الصحابة ولا التابعون(٦) .
____________________
(١) القول الفصل / ٥٠ ، وراجع / ٥٣ عن (الحاوي للفتاوي) للسيوطي / ١٩٠ - ١٩٢.
(٢) منهاج الفرقة الناجية / ١١٠.
(٣) راجع القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ٥٣ عن كتاب المعيار المعرب / ٩٩ – ١٠١.
(٤) المصدر السابق / ٥٤ ، عن الدرر السنيّة ٤ / ٤٠٩ ، وعن مجموعة الرسائل النجدية ٤ / ٤٤٠.
(٥) منهاج الفرقة الناجية / ١٠٩.
(٦) منهاج الفرقة الناجية / ٥٥ ، عن مجموعة الرسائل النجدية قسم ٢ / ٣٥٧ - ٣٥٨ ، والدرر السنيّة ٤ / ٣٨٩.
كما أنّ الشيخ محمد بن عبد اللطيف قد اعتبر ذلك من البدع(١) .
وقال محمد بن عبد السلام خضر الشقيري عن الاحتفال بالمولد : بدعة منكرة ضلالة ، لم يرد بها شرع ولا عقل ولو كان في هذا خير ، كيف يغفل عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة ، والتابعون وتابعوهم ، والأئمة وأتباعهم ؟!(٢) . وقد ردّوا على الاستدلال على حلّية إقامة الموالد بآية :( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) , ردّوا على ذلك : بأنّه من قبيل حمل كلام الله على ما لم يحمله عليه السلف الصالح وهو غير مقبول ؛ لأن الشاطبي قد قرّر أنّ الوجه الذي لم يثبت عن السلف الصالح العمل بالنص عليه لا يقبل ممّن بعدهم دعوى دلالة النص الشرعي عليه. قال : إذ لو كان دليلاً عليه لم يعزب عن فَهم الصحابة والتابعين ، ثمّ يفهمه من بعدهم ، فعمل الأوّلين - كيف كان - مصادم لمقتضى هذا المفهوم ومعارض له ، ولو كان ترك العمل. قال : فما عمل به المتأخّرون من هذا القسم مخالف لإجماع الأوّلين ، وكل مَن خالف الإجماع فهو مخطئ ، وأمّة محمد لا تجتمع على ضلالة ، فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنّة … إلى أن قال : فكل مَن خالف السلف الأوّلين فهو على خطأ(٣) .
وقال محمد بن جميل زينو : الاحتفال لم يفعله الرسولصلىاللهعليهوآله ولا الصحابة ، ولا التابعون ، ولا الأئمة الأربعة ، وغيرهم من أهل القرون المفضلة ، ولا دليل شرعي عليه(٤) . ثمّ ذكر بعض الأشياء التي تحصل في الموالد مما رآه خلاف الشرع ، وزعم أنّ هذه الاُمور كافية لتحريم الاحتفال ، من قبيل الزيادة في مدحهصلىاللهعليهوآله ، وصرف الأموال ، والاستغاثة بهصلىاللهعليهوآله إلخ
من أجل التسهيل على القارئ ، ومن أجل استيفاء الكلام على ما ذكره المانعون من أسباب ذهابهم إلى المنع من الذكريات ونحوها … فإننا نقوم بتلخيص وافٍ لمختلف الجهات التي دعتهم إلى إصدار حكمهم ذاك ، حسبما وردت في كلماتهم آنفة الذكر ، مع إعادة الإشارة إلى المصادر من جديد… فنقول :
إننا نستطيع أن نلخّص الأسباب التي رأوا أنها كافية للحكم بحرمة الاجتماعات والاحتفالات ما عدا الفطر والأضحى … على النحو التالي :
١ - إنّ الموالد والذكريات للأولياء نوع من العبادة لهم ، بدليل أنّ الناس لا يعرفون إلاّ مَن اُقيمت فيهم الذكريات ، ولو كان أجهل وأفسق الناس(٥) .
____________________
(١) المصدر السابق عن الدرر السنيّة ٨ / ٣٨٥.
(٢) المصدر السابق عن كتاب السنن والمبتدعات / ١٣٨ - ١٣٩ وراجع : الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / ٤٧.
(٣) القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ٧٣ ، وراجع : الموافقات ٣ / ٧١.
(٤) منهاج الفرقة الناجية / ١٠٧ ، وراجع : الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / ٤٠ فما بعده.
(٥) فتح المجيد في شرح التوحيد ، هامش / ١٥٤ و ١٥٥.
٢ - مضافاً إلى ما فيها من المعاصي العظيمة(١) . ٣ - إنها إحياء لسنن الجاهلية ، وإماتة لشرائع الإسلام من القلوب(٢) . ٤ - لا يجوز اتخاذ مولد رسول اللهصلىاللهعليهوآله عيداً مع اختلاف الناس في مولده(٣) . ٥ - إن ذلك لم يرد به عقل(٤) ولا شرع ، ولا أصل له لا في كتاب ولا سنّة(٥) . ٦ - إنّ ذلك لم يفعله السلف ، ولم ينقل عن أحد منهم ، وهم كانوا أشدّ حبّاً للرسول منّا(٦) . وكل ما لم يكن على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأصحابه دين ، لم يكن ممن بعدهم دين. والمولد لم يكن في عهده ولا في عهد القرون المفضلة إلى القرن السابع(٧) .
واستدلّوا على أنّ السلف لم يفعلوه باختلافهم في تاريخ مولده ، فلأجل ذلك لم يخصّوا ليلة المولد بشيء زيادة عمّا يفعلونه في سائر الأيّام(٨) .
٧- إنّ السلف كرهوا ذلك ، متأوّلين في ذلك قولهصلىاللهعليهوآله : لا تتخذوا قبري عيداً(٩) .
٨- إنّ يوم مولدهصلىاللهعليهوآله وإن كان عظيماً ولكن لم يرد عن النبيصلىاللهعليهوآله فيه شيء بخصوصه ؛ لأنهصلىاللهعليهوآله أراد التخفيف عن اُمّته ، فيكون بدعة(١٠) . ٩- إنّ الله سبحانه لا يعظّم إلاّ بالوجه الذي شرّع تعظيمه به(١١) .
هذا كلّه ، عدا عن تفسيرهم العيد باجتماع الناس في مكان معيّن لأجل العبادة ، وعن ادّعائهم أنّ الصلاة عند القبور اتخاذ لها أعياداً وأوثاناً ، إلى غير ذلك مما يلاحظه المتتبّع لكلماتهم السابقة.
١٠ - في ذمّ المواسم والأعياد المحدثة ما تشتمل عليه من الفساد في الدين(١٢) .
____________________
(١) المصدر السابق ، وراجع المدخل لابن الحاج أوائل الجزء الثاني.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم / ١٩١.
(٣) المصدر السابق / ٢٩٤ - ٣٩٦.
(٤) القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ٥٥ عن كتاب السنن والمبتدعات / ١٣٨ - ١٣٩.
(٥) اقتضاء الصراط المستقيم / ٢٩٤ - ٢٩٦ ، والقول الفصل / ٥٠ و ٥٣ و٥٤ و٥٥ عن الحاوي للفتاوي / ١٩٠ - ١٩٢ ، والدرر السنية ٤ / ٤٠٩ و٣٨٩ وعن مجموعة الرسائل النجدية ٤ / ٤٤٠ وقسم ٢ / ٣٥٧ ، وعن السنن والمبتدعات / ١٣٨ - ١٣٩.
(٦) اقتضاء الصراط المستقيم / ٢٩٤ - ٢٩٦ ، وراجع سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ١ / ٤٤١ - ٤٤٢ ، والقول الفصل / ٤٩ و٥٠ و٥٣ و٥٥ عن الفتاوى المصرية ١ / ٣١٢ ، وعن المعيار المعرب / ٩٩ –١٠١ ، وعن السنن والمبتدعات / ١٣٨ - ١٣٩ ، وعن الحاوي للفتاوي / ١٩٠-١٩٢ ، والإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / ٤٣.
(٧) الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / ٤٦ و٤٣ و٤٧.
(٨) القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ٥٣ عن كتاب المعيار المعرب / ٩٩ - ١٠١.
(٩) اقتضاء الصراط المستقيم / ٣٨٦ ، والقول الفصل / ٤٩ عن الفتاوى المصرية.. أمّا الحديث فقد تقدّمت مصادر وموارد الاستدلال والاستشهاد به ، فلا نعيد.
(١٠) المدخل لابن الحاج ٢ / ٣ فما بعده.
(١١) القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ٥٣ عن كتاب المعيار المعرب / ٩٩ - ١٠١.
(١٢) اقتضاء الصراط المستقيم / ٢٨٢ فما بعده ، والإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / ٤٠ فصاعد.
١١- هذه الموالد ما ابتدعت إلاّ لضرب الإسلام وتحطيمه والقضاء عليه ، ومن هنا كان حكم الإسلام على هذه الموالد والمواسم ، والزرد ، والحضرات ، المنع والحرمة ، فلا يبيح منها مولداً ولا سيّما موسماً إلخ(١) .
١٢- إنّ الذكريات تعظيم وعبادة لغير الله.
١٣- إنّ تفسير آية بحيث يظهر منها جواز عمل هذه الموالد والاحتفالات غير جائز؛ لأنه حمل لكلام الله على ما لم يحمله عليه السلف الصالح ، فيكون فَهم المتأخرين مصادماً لإجماع المتقدّمين ، ومَن خالف الإجماع فهو مخطئ ؛ لأن الأمّة لا تجتمع على ضلالة ، فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنّة(٢) .
١٤- إنّ في ذلك مشابهة للنصارى في أعيادهم الزمانيّة والمكانيّة ، وهو باطل مردود في الشرع(٣) .
١٥- ما سيأتي من أنّ يوم وفاتهصلىاللهعليهوآله هو يوم ولادته ، فلا معنى للفرح فيه.
كانت تلك خلاصة رأينا ، إنها وافية بإعطاء صورة متكاملة عن الجهات المؤثّرة في إصرار هؤلاء على اعتبار الموالد والذكريات من البدع المرفوضة جملة وتفصيلاً.
وإن كان ربما يظهر من بعض كلماتهم أنهم ينطلقون في موقفهم ذاك من دوافع اُخرى ، لا تبعد كثيراً عن المشاعر التعصبية الدينية في مقابل الرافضة وأعيادهم(٤) ومواسمهم ، فحاولوا أن يجدوا المبرّرات الشرعية والعلمية لمواقفهم تلك. وإن كانوا قد خانهم التوفيق في هذا المجال ، كما سيتضح في ما يلي من صفحات.
____________________
(١) الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / ٤٢.
(٢) الموافقات ٣ / ٧١ ، والقول الفصل / ٧٣.
(٣) القول الفصل / ٥٣ عن الدرر السنية ٤ / ٤٠٩ ، وعن مجموعة الرسائل النجدية ٤ / ٤٤٠.
(٤) راجع على سبيل المثال بعض ما تقدّم عن ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم.
الفصل الرابع أدلّة المانعين … سرابالميول
والمشاعر
ونحن لا نستطيع أن نوافق المانعين في استدلالاتهم المتقدّمة ؛ لأننا لا نجد فيها ما يكفي لتوفير الحدّ الأدنى من القناعة بما يريدون تكريسه كحكم شرعي إلهي ، له بُعد عقائدي بنحو أو بآخر. بل قد نجد في كلماتهم المتناثرة هنا وهناك ، ما يشعرنا بأنّ القضية لا تعدو عن أن تكون استسلاماً لمشاعر طائفية ، أفرزت هذا الإصرار الذي يصل إلى حدّ التحدّي ، على إطلاق شعارات قوية وصاخبة ومبهمة كذلك ؛ بهدف التأثير على حالة التوازن العاطفي لدى الآخرين ، ليمكن من ثمّ إعطاء صفة الشرعية لأمر قد يكون أبعد ما يكون عن منطق الشرع والعقل والفطرة. وحيث إنّ عمدة وأقصى ما يستندون إليه هو ما تقدّم في الفصل السابق ، فإننا لا بدّ وأن نذكّر القارئ ببعض مواضع الخلل فيه ، وتلك قناعاتنا التي نلتزم بكل آثارها ؛ سواء كانت بالنسبة لكلام الآخرين تصير ردّاً وتفنيداً ، أو تتضمّن قبولاً وتأييداً. هذا ، ومن أجل بيان مواضع الخلل في كلماتهم المتقدمة ، نتكلم في الموضوع على النحو التالي :
الاحتفالات والمواسم بدعة : قد تقدّم أنهم يعتبرون المواسم والذكريات ونحوها بدعة وقد حاول البعض التخلّص من هذا الاتهام والردّ عليه ، فقال ابن حجر : عمل المولد بدعة ، لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدّه ، فمَن تحرّى في عملها المحاسن وتجنّب ضدّها كان بدعة حسنة ، وإلاّ فلا. وقال الحلبي الشافعي : جرت عادة كثير من الناس إذا سمعوا بذكر وصفهصلىاللهعليهوآله أن يقوموا تعظيماً لهصلىاللهعليهوآله . وهذا القيام بدعة لا أصل له ، أي ولكن هي بدعة حسنة ؛ لأنه ليس كل بدعة مذمومة ، وقد قال سيّدنا عمر (رض) في اجتماع الناس لصلاة التراويح :نعمت البدعة هي . وقد قال العزيز عبد السلام : إنّ البدعة تعتريها الأحكام الخمسة ، وذكر من أمثلة كل ما يطول ذكره(٤) ولا ينافي ذلك قولهصلىاللهعليهوآله : (( إيّاكم ومحدثات الاُمور ؛ فإن كل بدعة ضلالة )) وقولهصلىاللهعليهوآله : (( مَن أحدث في أمرنا (أي شرعنا) ما ليس منه ، فهو رد عليه )) ؛ لأنّ هذا عام اُريد به خاص ، فقد قال إمامنا الشافعي قدس الله سره : ما أحدث وخالف كتاباً أو سنّة ، أو إجماعاً أو أثراً ، فهو البدعة الضلالة وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئاً من ذلك فهو البدعة المحمودة(٥) .
____________________
(١) رسالة حسن المقصد ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٨٨ ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيِّين / ١١٤.
(٢) أي ولادتهصلىاللهعليهوآله . (٣) كلام موجود أيضاً في تهذيب الأسماء واللغات ، قسم اللغات ١ / ٢٣ ، ونصب الراية ٢ / ١٥٣ ، ودلائل الصدق ٣ قسم ١ ، وحول استحسان بعض البدع ، راجع : المصنف ٣ / ٧٨ و٧٩ و٨٠.
(٤) راجع كلام العزيز عبد السلام أيضاً في تهذيب الأسماء واللغات قسم اللغات ١ / ٢٢ ٢٣ ، وفي القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ٤٧ عن قواعد الأحكام في مصالح الأنام ٢ / ١٧٢-١٧٤ ، وقريب منه كلام القرافي الذي نقله عنه الشاطبي في الاعتصام ١ / ١٤٧ - ١٥٠.
(٥) راجع كلام الشافعي أيضاً في تهذيب الأسماء واللغات قسم اللغات ١ / ٢٣.
وقد وجد القيام عند ذكر اسمهصلىاللهعليهوآله من عالِم الاُمّة ، ومقتدى الأئمة دين وورع ، الإمام تقي الدين السبكي ، وتابعه على ذلك مشايخ الإسلام في عصره ، إلى أن قال : ويكفي مثل ذلك في الاقتداء.
وقد قال ابن حجر الهيثمي : إنّ البدعة الحسنة متّفق على ندبه. وعمل المولد ، واجتماع الناس له ، كذلك أي بدعة حسنة.
ومن ثمّ قال الإمام أبو شامة (شيخ الإمام النووي) : ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولدهصلىاللهعليهوآله من الصدقات والمعروف ، وإظهار الزينة والسرور ، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مشعر بمحبّتهصلىاللهعليهوآله ، وتعظيمه في قلب فاعل ذلك ، وشكر الله على ما منّ به من إيجاد رسولهصلىاللهعليهوآله ، الذي أرسله رحمة للعالمين … هذا كلامه(١) .
وقال النووي : إنّ البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة. قال الإمام المجمع على إمامته وتمكّنه في أنواع العلوم وبراعته ، أبو محمد العزيز بن عبد السلامرحمهالله ورضي عنه ، في آخر كتاب القواعد : البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ، ومندوبة ، ومكروهة ، ومباحة... إلخ(٢) ثمّ كلامه بطوله...
ولكننا بدورنا نقول : إنّ هذا الكلام ضعيف ، لوجهين يظهر منهما أيضاً دليلان على جواز إقامة هذه المراسم والمواسم.
فأوّلاً : إنّ ما ذكر من تقسيم البدعة إلى حسنة ومذمومة ، ومن كونها تنقسم إلى الأحكام الخمسة ، ثمّ الاستشهاد بقول عمر بن الخطاب عن صلاة التراويح : نعمت البدعة هي.
إنّ ذلك كلّه ليس في محلّه ، ولا يستند إلى أساس صحيح ؛ وذلك لأن البدعة الشرعية هي : إدخال ما ليس من الدين في الدين.
____________________
(١) السيرة الحلبيّة ١ / ٨٣ - ٨٤ ، وراجع السيرة النبويّة لزيني دحلان ١ / ٢٤ - ٢٥ ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٨١ - ٨٢ ، وراجع جواهر البحار ٣ / ٣٤٠ - ٣٤١ و ٣٣٨.
(٢) تهذيب الأسماء واللغات ، قسم اللغات ١ / ٢٢و٢٣.
استناداً إلى ما روي عنهصلىاللهعليهوآله : (( مَن أحدث من أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))(١) ؛ لأن قوله (( في أمرنا )) معناه : أدخل في تشريعاتنا الدينية ما ليس منه ، بل لقد قال السّيد الأمين عن البدعة : لا يحتاج تحريمها إلى دليل خاص ؛ لحكم العقل بعدم جواز الزيادة على أحكام الله تعالى ، ولا التنقيص منه ، لاختصاص ذلك به تعالى وبأنبيائه الذين لا يصدرون إلاّ عن أمره(٢) .
فالبدعة في الشرع وبعنوان التشريع لا تقبل القسمة المذكورة ، بل هي من غير صاحب الشرع قبيحة مطلق.
وأمّا الابتكار والابتداع في العادات والتقاليد واُمور المعاش والحياة فهو الذي يقبل القسمة إلى الحسن والقبيح ، ويكون موضوعاً للأحكام الخمسة : الوجوب ، والحرمة ، والاستحباب ، والكراهة ، والإباحة. ويلاحظ الخلط في الأمثلة التي ذكرها عبد العزيز بن عبد السّلام بين هذا القسم وبين سابقه(٣) .
وعليه فالاُمور العادية والحياتية ونحوه مما لم يرد من الشارع حكم متعلّق به بخصوصه ، أو بعمومه يكون كل منها أحد أفراده ومصاديقه ، إنْ عملها المكلّف وقام به ، أو تركه بعنوان أنها من الدين ، فإن لم تكن منه فإنه يكون قد أبدع في الدين ، وأدخل فيه ما ليس منه. وأمّا إذا قام به وعمله ، أو تركه ملتزماً بها أو غير ملتزم ، لا بعنوان أنها من الدين ، ولا يدّعي أنّ الله سبحانه قد شرّع ذلك ، مع عدم منافاة ذلك لأي من أحكام الدين وتعاليمه ، فلا يكون ذلك بدعة في الدين ، ولا إدخالاً ما ليس منه فيه. وما نحن فيه إنما هو من هذا القبيل ، كما هو ظاهر ؛ إذ لو كان اختيار الأساليب المختلفة للتعبير عن التقدير والاحترام المطلوب لله سبحانه بدعة ، لكان كل جديد يجري العمل به في طول البلاد وعرضها ، من البدع المحرمة. وليكن حينئذ منصب وزير التجارة ووزير النفط ، واستعمال الراديو والتلفزيون ، والتلفون ، وركوب السيارة والقطار ، والطائرة من البدع. وليكن كذلك اعتبار الجلوس كل يوم على الشرفة لاحتساء كوب من الشاي ، وكذا إطلاق ألقاب جلالة الملك ، ومعالي الوزير إلى غير ذلك مما لا مجال لتعداده من البدع المحرمة ، حيث لم يرد بها نص بخصوصه ؛ ولأنها من محدثات الاُمور كما يدّعي هؤلاء.
هذا ، وقد صرّحوا - هم أنفسهم : بأن الأشياء ، ما عدا العبادات ، كلّها على الإباحة حتّى يرد ما يوجب رفع اليد عنه ، ولا سيّما ما كان من قبيل العادات(٤) الذي هو محل كلامنا بالفعل ، حيث قد جرت عادة الناس على إقامة الذكريات لعظمائهم ، وعلى اعتبار يوم ميلاد الشخص يوم فرح ومسرّة ، فيهدون له فيه الهدايا ، ويقيمون المجالس ، وكذا يوم احتجامه.
____________________
(١) راجع سنن أبي داود ٤ / ٢٠٠ ، وسنن أبي مسلم ٥ / ١٣٣ ، ومسند أحمد ٦ / ٢٤٠و٢٧٠.
(٢) كشف الارتياب / ٩٨.
(٣) راجع أمثلة في تهذيب الأسماء واللغات قسم اللغات ١ / ٢٢.
(٤) راجع : اقتضاء الصراط المستقم / ٢٦٩ ، وراجع إرشاد الفحول ، الصفحات الأخيرة.
ومن ذلك أيضاً اعتبارهم يوم الاستقلال يوماً عظيماً ، إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبّعه واستقصائه.
ثانياً : إنّ الحقيقة هي أنّ ما نحن فيه داخل في قسم ما أمر الله سبحانه به وأراده ؛ فلا يكون بدعة لا بالمعنى الأوّل ولا بالمعنى الثاني.
وتوضيح ذلك : إنّ أوامر الشارع ونواهيه تارة تتعلق بالشيء بعنوانه الخاص به والذي يميزه عن كل مَن عداه ، وتارة يتعلق لا بعنوانه بخصوصه بل بعنوانه العام ، ويترك أمر تحقيق المصاديق واختيارها , وملاحظة انطباق ذلك العنوان وعدمه إليه.
فاختيار المكلف لهذا المصداق أو لذاك لا يعتبر بدعة ، ولا إحداثاً في الدين ما ليس منه ، بل هو عين الامتثال والانقياد لأحكامه ، والانصياع لأوامره ، ويستحق على ذلك الأجر الجميل والثواب الجزيل.
وذلك كما لو أمر الشارع بمعونة الفقراء ، وترك أمر اختيار المورد والمصداق والكيفية والاُسلوب إلى المكلف ، فباستطاعته أن يعينهم بالعمل لهم ، أو بقضاء حوائجهم ، أو مساعدتهم مالياً... إلى غير ذلك مما يصدق عليه أنه معونة.. وإن لم ينص الشارع على مصداق أو كيفية بالخصوص.
وكذا لو أمره باحترام الوالدين ، فيمكن أن يجسّد ذلك في ضمن المصداق الذي هو الوقوف لهما حين قدومهم ، وبإجلاسهما في صدر المجلس ، وبالجلوس بين أيديهما في حالة الخضوع والتأدّب ، وبعدم التقدّم عليهما في المشي وفي المجالس ، وبتقبيل أيديهم ، وبغير ذلك من اُمور
وكذا الحال.. لو صدر الأمر باحترام النبي ومحبّته ، وتعظيمه وإجلاله وتوقيره ، مع عدم التحديد المانع من الأغيار في نوع بخصوصه ، فبإمكان المكلف أن يختار ما شاء من المصاديق التي تنطبق عليها تلك العناوين ، ولا يكون ذلك بدعة ، ولا إدخالاً لِما ليس من الدين في الدين.
فيمكن تعظيمهصلىاللهعليهوآله ، وتوقيره وتبجيله ، بإقامة الذكريات له ، ويمكن أن يكون بنشر كراماته وفضائل ه ، وبالصلاة والتسليم عليه كلّما ذُكر ، وبتأليف الكتب عن حياته الشريفة ، وبإطلاق اسمه على الجامعات والمعاهد وغيره ، وبغير ذلك من مصاديق التعظيم والتبجيل ، والالتزام بالوقت المخصوص لا حرج فيه ما دام أنه لا يعتبر من الدين ، كما لا يعتبر توقيت درس الفقه مثلاً بكونه بعد صلاة المغرب والعشاء ، كما يعترف به هؤلاء وينصحون به(١) إدخالاً في الدين ما ليس منه.
وهكذا يقال بالنسبة لِما ورد من الحثّ على البكاء على الإمام الحسين (عليه الصلاة والسّلام) والتحزّن لِما أصابه وصحبه الأبرار ، حيث يترك أمر اختيار الكيفية والوقت إلى المكلفين.
____________________
(١) الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / ٦٧.
بقي أن نشير إلى أنّ الاستدلال على مشروعية عمل المولد بأنه سنّة حسنة ، وقد قالصلىاللهعليهوآله : (( مَن سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر مَن عمل بها ))(١) .
في غير محله أيضاً ؛ وذلك لأنّ مورد الرواية - حسبما يقولون - هو التصدّق على أولئك الذين جاؤوا إلى النبيصلىاللهعليهوآله بحالة يرثى لها ، فخطبصلىاللهعليهوآله الناس وحثّهم على الصدقة ، فجاء أنصاري بصرّة ، ثمّ تتابع الناس بعده ، فقالصلىاللهعليهوآله : (( مَن سنّ سنّة حسنة ))(٢) .
فمعنى ذلك أنّ مورد الرواية هو تعيين المورد والمصداق للنصّ الشرعي المتعلّق بالعنوان العام ، حسبما تقدّمت الإشارة إليه ، وليس موردها ما لا نصّ فيه أصلاً.
هذا كله ، عدا عن أنّ ما نحن فيه ليس من السنّة التي معناها الإدخال في الشرع ، بل هو من الاُمور المباحة كما تقدّم.
واستدلّوا أيضاً على حرمة الموالد والذكريات للأولياء بأنها نوع من العبادة لهم وتعظيمهم.
ونقول : إنّ ابن تيمية قد خلط بين العبادة والتعظيم ، وصار يكفّر الناس استناداً إلى ذلك ، ونحن نعرض الفرق بينهما ليتضح زيف هذا الكلام ، فنقول : قال السّيد الأمينرحمهالله تعالى : العبادة بمعناها اللغوي ، الذي هو مطلق الذل والخضوع والانقياد ، ليست شركاً ولا كفراً قطعاً ، وإلاّ لزم كفر الناس جميعاً من لدن آدم إلى يومنا هذا ؛ لأن العبادة بمعنى الطاعة والخضوع لا يخلو منها أحد ، فيلزم كفر المملوك ، والزوجة ، والولد ، والخادم ، والأجير ، والرعية ، والجنود بإطاعتهم وخضوعهم للمولى ، والزوج ، والأب ، والمخدوم ، والمستأجر ، والملك ، الاُمراء ، وجميع الخلق لإطاعتهم بعضهم بعض. بل كفر الأنبياء لإطاعتهم آبائهم وخضوعهم لهم ، وقد أوجب الله طاعة أوامر الأبوين ، وخفض جناح الذلّ لهم ، وقال لرسولهصلىاللهعليهوآله :( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ) وأمر بتعزير النبيصلىاللهعليهوآله وتوقيره ، وأمر بإطاعة الزوجة لزوجها ، وأوجب طاعة العبيد لمواليهم وسمّاهم عبيد.
____________________
(١) نقل هذا الاستدلال في القول الفصل / ٤٣-٤٤ ، عن محمد بن علوي المالكي في مقدمته لطبقة مولد ابن الديبع / ١٣ ، وفي رسالته حول الاحتفال بالمولد النبوي / ١٨ وفي مقدمته للمورد المروي / ١٧.
(٢) راجع صحيح مسلم ٣ / ٨٧ ، والسنن الكبرى ٤ / ١٧٥و١٧٦وسنن النسائي ٥ / ٧٥-٧٧ ، ومسند أحمد ٤ / ٣٥٩و٣٦٠و٣٦١ ، والزهد والرقائق / ٥١٣-٥١٤ ، والمسند للحميدي ٢ / ٣٥٢-٣٥٣ ، والمعتصر من المختصر ٢ / ٢٥١-٢٥٢.
وأطلق على المعاصي أنه عبد الشيطان وعبد الهوى ، وأنّ الإنسان عبد الشهوات ، إلى غير ذلك مما لا مجال له. ولا ريب في أنّ هذه الاُمور التي هي طاعة وخضوع ، وكذلك ما أشير إليه من تسمية ما ذكر عبادة ، لا يوجب الكفر والارتداد وإلاّ لم يسلم منه أحد ، والضرورة قاضية بخلافه ، والسجود هو منتهى التذلل والخضوع ، فقد يكون حراماً إذا كان على نحو العبادة للشخص.
وقد لا يكون كذلك مثل أمر الله الملائكة بالسجود لآدم ، وسجود يعقوب وزوجته وبنيه ليوسف ، كما أخبر عن ذلك القرآن الكريم ، فدلّ ذلك على أنّ السجود ليس موجباً للكفر والشرك مطلقاً ليكون نظير اتخاذ شريك للباري ، وإلاّ لم يأمر الله به ملائكته ، ولا حكاه عن أنبيائه وغيرهم.
وعلم من ذلك أيضاً أنّ مطلق الخضوع والتعظيم ، حتّى السجود لغير الله ، ليس في نفسه شركاً وكفر حتّى ولو أطلق عليه اسم العبادة لغة ؛ إذ ليس كل ما يطلق عليه اسم العبادة يوجب الكفر والشرك ، إلاّ إذا دلّ على تحريمه ، مثل السجود الذي اتفقت كلمة المسلمين على تحريم ما كان منه لغير الله سبحانه.
ونسوق هنا مثالاً آخر ، وهو أنه قد أطلق لفظ العبادة على الدعاء ، قال تعالى :( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) (١) وعنهصلىاللهعليهوآله : (( الدعاء مخُّ العبادة )).
والمراد بالدعاء ليس مطلق أن ينادي الإنسان شخصاً ما ، وإلاّ لكان كل مَن نادى أحداً فقد عَبَده ، بل المراد سؤال الله تعالى الحاجة مع الخضوع والتذلل ، واعتباره الفاعل المختار , والمالك الحقيقي لاُمور الدنيا والآخرة.
وأمّا ما ورد : (( مَن أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان ينطق عن الله فقد عبد الله ، وإن كان ينطق عن غير الله فقد عبد غير الله )) فهو من باب التنزيل والادّعاء ليس إلاّ. والخلاصة : إنّ ما يترتب عليه الكفر ، أو الشرك ليس هو التعظيم ، ومطلق التعظيم ليس عبادة. وإنما الذي يترتب عليه الكفر والشرك هو الخضوع والانقياد الخاص ، والذي صرّح الشارع بالنهي عنه ، أو كان معه اعتقاد أنّ غير الله هو المالك المختار الذي بيده مقاليد كل شيء أوّلاً وبالذات. وعليه فكل ما لم يكن كذلك من مصاديق التعظيم لم يكن عبادة ، فضلاً عن أن يكون عبادة محرمة ، بل قد يكون تعظيماً مباحاً مثل الانحناء ، ورفع الجندي يده لقائده ، ورفع القبعة عند الإفرنج ، وحتى السجود أحياناً ، وقد يكون تعظيماً مطلوباً مثل تعظيم الحجر الأسود بتقبيله ، وكذا تعظيم الكعبة ، وتعظيم النبي والإمام ، والوالدين ، والعلماء وغير ذلك(٢) .
وتعظيم النبيصلىاللهعليهوآله مطلوب ومحبوب لله سبحانه ، وقد كان المسلمون يعظّمون النبيصلىاللهعليهوآله غاية التعظيم ، حتّى أنهم كانوا لا يحدّون النظر إليه تعظيماً له(٣) .
____________________
(١) سورة غافر / ٦٠.
(٢) كشف الارتياب / ١٠٣ - ١٠٦ بتصرف وتلخيص.
(٣) البحار ١ / ٣٢ عن الشفاء - لعياض.
وكتاب التبرّك (تبرّك الصحابة والتابعين بآثار الأنبياء والصالحين) للعالم العلاّمة الشيخ على الأحمدي حفظه الله لخَير شاهد وأوفى دليل على شدّة تعظيم الصحابة لهصلىاللهعليهوآله ، وكذلك على تعظيم العلماء والصلحاء ولسنا بحاجة إلى إثبات لزوم تعظيم النبيصلىاللهعليهوآله ، ويكفي أن نشير هنا إلى قوله تعالى :( لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً ) (١) .
وقوله تعالى :( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ) (٢) .
بل إذا كان يجب احترام كل مؤمن وتعظيمه ، انطلاقاً مما ورد في الحديث من (( أنّ المؤمن أعظم حرمة من الكعبة))(٣) ، ولزوم تعظيم الكعبة وتكريمها أظهر من الشمس وأبين من الأمس.. فكيف يكون الحال بالنسبة لسيّد الخلق أجمعين وأفضل كل ولد آدم على الإطلاق من الأوّلين والآخرين ، فهل يكون تعظيمه وتوقيره واحترامه عبادة له وحراماً شرعاً ؟! معاذ الله كبرت كلمة تخرج من أفواههم.
وبالنسبة لتعظيم خصوص ليلة مولدهصلىاللهعليهوآله وليلة المعراج ، نوردها هنا نصّاً يشير إلى هذا التعظيم من قِبَل الله سبحانه ، فقد قال الحلبي وغيره : وقد أقسم الله بليلة مولده في قوله تعالى : والضحى والليل وقيل : المراد ليلة الإسراء ولا مانع أن يكون الأقسام وقع بهم ، أي استعمل الليل فيهما(٤) .
وفي بعض المصادر : إنّ المراد بالضحى هو الساعة التي خرّ فيها السّحرة سُجّد ، وبالليل ليلة المعراج.
وعن الصادقعليهالسلام ، وقتادة ، ومقاتل : (( إنّ المراد بالضحى الضحى الذي كلّم الله فيه موسى ، وبالليل ليلة المعراج ))(٥) .
____________________
(١) سورة النور / ٦٣.
(٢) سورة الحجرات / ٢.
(٣) الجامع الصحيح للترمذي ٤ / ٣٧٨ ، وسنن ابن ماجة ٢ / ٢٩٧ ، وراجع المصنف لعبد الرزاق ٥ / ١٣٩ ، وكشف الارتياب / ٤٤٦ - ٤٧٧.
(٤) راجع السيرة الحلبيّة ١ / ٥٨ ، والسيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢١ ، وقد نبّهني إلى وجود هذا النص في السيرة الحلبيّة أحد الفضلاء من الإخوة ، فنشكره على ذلك.
(٥) فتح القدير ٥ / ٤٥٧ ، وراجع المصادر التالية : الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢ / ٩١ ، والتفسير الكبير للرازي ٣١ / ٢٠٨ ، وراجع / ١٠٩ ، وغرائب القرآن للنيسابوري ، بهامش الطبري ٣٠ / ١٠٧ ، والكشّاف للزمخشري ٤ / ٧٦٥ ، ومدرك التنزيل للنسقي ، بهامش تفسير الخازن ٤ / ٣٨٥.
وبعد , فإنّ أهم دليل اعتمد عليه هؤلاء هو الرواية المنسوبة إلى النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، والتي تضمّنت النهي عن جعل قبرهصلىاللهعليهوآله عيد. وقد قال الحافظ المنذري : يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبرهصلىاللهعليهوآله ، وأن لا يهمل حتّى يكون كالعيد الذي لا يؤتى في العام إلاّ مرتين. قال : ويؤيّده قوله : (( لا تجعلوا بيوتكم قبوراً )) أي لا تتركوا الصلاة فيها حتّى تجعلوها كالقبور التي يصلّى فيها(١) . ونحن وإن كنّا نحتمل المعنى الذي ذكره المنذري ، إلاّ أنّ ما جعله مؤيّد لا يصلح للتأييد ، إذ إنّ الظاهر هو أنّ هذه الفقرة في صدر بيان كراهة جعل القبور في بيوتهم. وإنّ دفن النبيصلىاللهعليهوآله في بيت ابنته فاطمة(٢) إنما كان لمصلحة خاصة اقتضت ذلك ، فليس لهم أن يتخذوا ذلك مؤشّراً على رجحان الدفن في البيوت ؛ وذلك لأن للأنبياء خصوصية ليست لغيرهم ، وهي أنهم يدفنون حيث يقبضون(٣) . فلا يصحّ ما ذكروه من أنهصلىاللهعليهوآله لم يدفن في الصحراء ، لئلاّ يصلّى عند قبره ، ويتخذ مسجداً فيتخذ قبره وثناً(٤) . وذلك لِما قدّمناه من الرواية المقتضية للخصوصية.. هذا بالإضافة إلى أنّ دفنه في بيته أدعى لأن يتخذ مسجد ، خصوصاً وأنه متّصل بالمسجد النبوي ، ولو كان في الصحراء لأمكن المنع بصورة أسهل وقد منع عمر من الصلاة عند شجرة بيعة الرضوان ، فامتنع الناس ، ولذلك نظائر اُخرى(٥) . وأمّا بالنسبة لفقرة : ( لا تتخذوا قبري عيداً ) فيحتمل قوي أن يكون المراد أنّ اجتماعهم عند قبرهصلىاللهعليهوآله ينبغي أن يكون مصحوباً بالخشوع والتأمّل والاعتبار ، حسبما يناسب حرمته واحترامهصلىاللهعليهوآله ، فإن حرمته ميتاً كحرمته حي.. فلا يكون ذلك مصحوباً باللهو واللعب والغفلة والمزاح ، وغير ذلك مما اعتادوه في أعيادهم. ولعلّ هذا هو مراد السبكي حينما قال : ويحتمل لا تتخذوه كالعيد في الزينة والاجتماع وغير ذلك ، بل لا يؤتى إلاّ للزيارة والسّلام والدعاء(٦) . أمّا الرقص والغناء وغير ذلك من المحرمات ، فهي من الاُمور الممنوع عنها من الأساس فلا يبقى مجال للإشكال به ، حسبما ورد في كلام ابن الحاج وابن تيمية.
____________________
(١) كشف الارتياب / ٤٤٩عن السمهودي ، والصارم المنكي / ٢٩٧ ، وراجع / ٣٠٠ ، وعون المعبود ٦ هامش / ٣١ - ٣٢ ، وشفاء السقام / ٦٧ ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيِّين / ١٢٢ ، وزيارة القبور الشرعية والشركية / ١٥.
(٢) لقد نشرنا مقالاً أثبتنا فيه أنهصلىاللهعليهوآله دفن في بيت فاطمة لا في بيت عائشة فراجع كتابنا دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج١.
(٣) مقدمة شفاء السقام / ١٢٥-١٢٦والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيِّين.
(٤) راجع : مقدمة شفاء السقام ، المسمّاة : تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد / ١١٨ ، والصارم المنكي / ٢٦١-٢٦٢ ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيِّين / ١٥١.
(٥) راجع الدر المنثور ٦ / ٧٣ ، عن مصنف ابن أبي شيبة ، وتاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي / ١٤٤و١٤٥ ، السيرة الحلبية٣ / ٢٥ ، وفتح الباري ١ / ٤٦٩ ، و٧ / ٣٤٥ ، وإرشاد الساري ٦ / ٣٥٠ ، وطبقات ابن سعد ٢ ، قسم ١ / ٧٣ ، وشرح النهج للمعتزلي ١ / ١٧٨ ، وراجع الغدير ٦ / ١٤٦و١٤٧ عن مَن تقدم وعن غيره ، وكذا كتاب التبرك / ٢٢٦-٢٣٥ عن مَن تقدم وغيره.
(٦) كشف الارتياب / ٤٤٩ عن السمهودي في وفاء الوفاء , وشفاء السقام / ٦٧ ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيِّين / ١٢٢ ، والصارم المنكي / ٢٩٧.
وأمّا قولهصلىاللهعليهوآله : (( وصلّوا عليّ حيث ما كنتم )) فهو بيان لأمر ثالث آخر ، وهو : إنّ الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله لا يجب أن يراعى فيها الحضور عنده ، بل هي تصله عن بُعد ، كما تصله عن قرب.
وأمّا احتمال أن يكون المعنى لقوله : (( لا تتخذوا قبري عيداً )) لا تتخذوا له وقتاً مخصوصاً(١) ، فهو بعيد عن سياق الكلام وعن ظاهره ، بل يكون أشبه بالأحاجي والألغاز ، كما ذكره البعض(٢) .
وبعد كل ما تقدّم ، وبعد أن كان الظاهر من العبارة هو المعنى الذي أشرنا إليه ، مع احتمال أن يكون كلام المنذري أيضاً مراد فلا تبقى الرواية صالحة للاستدلال بها على المنع من الاجتماعات ، وإقامة الموالد والذكريات والدعاء والزيارة في أوقات معيّنة ، كما يريد ابن تيمية وأتباعه إثباته.. إذ يكفي لردّ الاستدلال ورود الاحتمال العقلائي فيه ، فكيف إذا كان هذا الاحتمال من القوة بحيث يصير صالحاً لأن يدّعى أنه هو الظاهر من الرواية دون سواه ؟
ولو سلّمنا أنّ احتمال إرادة المنع عن الموالد والذكريات والاجتماعات وارد في الرواية ، فإنها لا أقل تصير مجملة لا ظهور فيها ، فتسقط عن صلاحيتها للاستدلال به.
هذا كلّه بالإضافة إلى أنّ الرواية خاصة بالتجمّع عند القبور ، فلا أطلق فيها بالنسبة إلى غيرها من المواضع ، ولعلّ لقبر النبيصلىاللهعليهوآله خصوصية في المقام ، وهي : أنه يمكن أن يؤدي بهم الأمر إلى نحو من العبادة له ، فمنع الشارع من التجمّع عنده احتياطاً لذلك ، بخلاف قبر غيرهصلىاللهعليهوآله ، فإن احتمال ذلك أبعد.
وأمّا بالنسبة للرواية المنسوبة للإمام السجادعليهالسلام ، وقريب منها الرواية المنسوبة لحسن بن الحسن والتي مفادها : أنهعليهالسلام حينما لاحظ ذلك الرجل يأتي كل غداة فيزور قبر النبيصلىاللهعليهوآله ويصلّي عليه حدّثهعليهالسلام عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال : (( لا تجعلوا قبري عيداً ، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً ، وصلّوا عليّ وسلّموا حيثما كنتم , فسيبلغني سلامكم وصلاتكم))(٤) .
فإنّ هذه الرواية ظاهرة في أنه (عليه الصلاة والسلام) عندما لاحظ أنّ ذلك الرجل قد ألزم نفسه بأمر شاق ، وهو المجيء يومياً للصلاة عليهصلىاللهعليهوآله وزيارته ، فأرادعليهالسلام التخفيف عنه ، وإفهامه أنّ بإمكانه الصلاة والتسليم عليهصلىاللهعليهوآله حيثما كان ، فسيبلغه ذلك ، فلا داعي لإلزام نفسه بما فيه كلفة ومشقّة ، ولم ينهه عن الصلاة والدعاء عند قبرهصلىاللهعليهوآله (٥) . وعلى ذلك يحمل ما ورد عن حسن بن حسن أيضاً.
____________________
(١) المصادر المتقدّمة.
(٢) راجع عون المعبود ٦ / ٣١-٣٢ ، وراجع الصارم المنكي / ٢٧٩.
(٣) قد تقدّمت مصادر الرواية من ضمن مصادر أبي داود عن أبي هريرة : لا تتخذوا قبري عيداً.
(٤) أشار إلى ذلك أيضاً في شفاء السقام / ٦٦ ، والصارم المنكي / ٢٨١ - ١٩٨.
وأمّا ما ذكره البعض من أنّ مرادهعليهالسلام أنّ قصد القبر للدعاء ونحوه اتخاذ له عيد.. كما أنّ حسن بن حسن شيخ أهل بيته (على حدّ تعبير هذا البعض) قد كره للرجل أن يقصد القبر للسلام عليه ونحوه عند دخول المسجد ، ورأى أنّ ذلك من اتخاذه عيداً إلى أن قال : والعيد إذا جعل اسماً للمكان ، فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة عنده ، أو لغير العبادة كما أنّ المسجد الحرام ، ومنى ، ومزدلفة ، وعرفة ، جعلها الله عيداً مثابة للناس ، يجتمعون فيها وينتابونها للدعاء والذكر والنسك(١) .
أمّا ما تقدّم فإنه لا ينسجم مع سياق الحديث ، وما ذكرناه هو الظاهر منه ، ولا أقل هو محتمل بحيث يبطل به الاستدلال , حسبما أوضحناه فيما سبق بالنسبة لخصوص فقرة : لا تجعلوا قبري عيداً وأمّا بالنسبة لِما أراده الإمام السّجادعليهالسلام ، فإنّ ما ذكرناه آنفاً الظاهر الذي لا محيص عنه.
هذا بالإضافة إلى ما أشرنا إليه سابقاً من أنّ ذلك لا يدلّ على عدم جواز عمل الموالد والذكريات.
ونحن لا ننكر أنّ ارتكاب أيّ من المعاصي لا يجوز ، ولكن عدم جواز ذلك لا يختص بالاحتفالات بل حرمتها مطلقة ، ولا يلزم من تحريمها تحريم إقامة الذكريات والمواسم والاحتفالات ، بل لا يمكن أن تكون هذه محكومة بالحلّية وتلك بالحرمة ولا ملازمة بينهما ؛ إذ يمكن إقامة الاحتفالات من دون تعرّض للمعاصي إطلاقاً ، كما هو معلوم ومشاهد ، وإلاّ فلو استغلّت الصلاة لخداع الناس مثلاً فهل تكون الصلاة محرمة مطلقاً ، أم أنّ المحرم هو الخصوص هذا الذي يضاف إلى الصلاة ويجب الابتعاد عنه وتركه ؟!
هذا كلّه عدا عن أنّ بعض ما ذكروه مما يفعل في المولد ؛ إمّا ليس حراما ، وإمّا محل الخلاف. وإن كان بعضه لا شكّ في تحريمه.
وأمّا أنّ هذه المواسم إحياءً لسنن الجاهلية فهو أوّل الكلام ، فلا بد من إثباته ؛ وأمّا أنها إماتة لشرائع الإسلام من القلوب ، فالقائل بجوازها يقول بعكس ذلك تماماً ، أي إنه يقول : إنها إحياء لشرائع الإسلام في القلوب ، ولا سيّما ما فيه تذكر للنبي ولأعماله العظيمة ، وللإنجازات الكبرى للإسلام وللمسلمين.
____________________
(١) راجع : الصارم المنكي / ٢٩٨ عن ابن تيمية وقد تقدّم بعض ما يشير إلى ذلك في ضمن ما نقلناه من استدلالاتهم في الفصل السابق.
ولو كان في هذه الاحتفالات هذا المحذور بسبب ما يحدث فيه من الفرح واللهو والانصراف عن التفكر في الله وفي دينه وشرعه , لوجب تحريم كل ما فيه هذه الخصوصية حتّى الزواج ، وملاعبة الأطفال ، والتجارة ....إلخ ؛ فإن ذلك أيضاً فيه انصراف وإلهاء عن التفكير في الله وشرعه وأحكامه بل هذه الاُمور أدعى لذلك لِما فيها من الاستمرار والتكرار لذلك ، بخلاف المواسم والاحتفالات والزيارات والأعياد فإنها قليلة جداً بالنسبة لِما ذكرناه وأشباهه.
وأمّا أنّ الاختلاف في مولدهصلىاللهعليهوآله يوجب عدم جواز اتخاذ يوم مولده عيد فهو عجيب بل وأعجب من عجيب ، بل إنّ معنى ذلك هو أنّ الاختلاف في يوم عرفة مثلاً ، أو في أوّل شهر رمضان ، أو في أوّل شوال بسبب الاختلاف في رؤية الهلال وعدمها يوجب عدم جواز الوقوف في عرفة ، وصوم أوّل الشهر وإفطاره.
كما أنّ الاختلاف الحاصل في أكثر المسائل الفقهية يوجب الحكم بالحرمة فيها ولا أدري لماذا نشأت الحرمة عن ذلك ، ولم ينشأ غيرها من الأحكام ؟! وكذلك الحال بالنسبة للاختلاف في ليلة القدر ، كذلك الاختلاف في أوّل ما نزل من القرآن فإنه ينبغي أن يوجب حرمة قراءة ما اختلف فيه في الصلاة ، وكذلك ما اختلف في كونه مكّياً أو مدنياً ، أو في السفر أو الحضر ، أو أنه نزل في شأن فلان أو فلان الآخر ، وهكذا. أضف إلى ذلك أنّ من المعروف عند جميع الفقهاء والمتشرعة أنّ ما يقع فيه الاختلاف ، مما كان من هذا القبيل ، يمكن أن يؤتى به برجاء إدراك الواقع. هذا كلّه عدا عن أنّ القائل بجواز إقامة الاحتفالات لا يدّعي أنها جزء من الدين ، فلا بد من مراعاة خصوصياتها لذلك ، بل هو يقول : إنها من جملة الأشياء التي بقيت على الإباحة ، حيث لم يرد فيها نهي ، فمَن شاء فعله ومَن شاء تركه ، من دون أن يكون كل من الفعل أو الترك ذا صفة تعبّدية إطلاقاً ، فتكون كسائر حركات الإنسان وأفعاله التي لم يرد فيها ما يوجب ترجيح ، أو تقبيح.
وأمّا الاستدلال بأنّ ذلك لم يرد به عقل ولا شرع فقد تقدّم آنفاً الجواب عنه ، وأنّ مَن يدّعي المنع هو الذي يحتاج إلى الدليل ؛ وأمّا الآخرون فهم لا يدّعون أنّ ذلك - أعني الاحتفالات والموالد ، ونحوها - من الشرع حتّى يحتاجوا إلى الدليل المثبت لكونه قد ورد فيه تشريع بخصوصه. كما أنهم لا يدّعون كونها من الأحكام العقلية التي لا مفرّ منها ولا محيص عنه ، بل هم يدّعون عدم وجود مانع عقلي ولا شرعي منه ، وإنما هي باقية على الإباحة حتّى يثبت الرادع أو المعين لأحد الأحكام الاُخرى هذا كلّه عدا عن أنّ في هذه المناسبات والمواسم من الفوائد ما يجعلها راجحة عقلاً إذا خلت من ارتكاب المعاصي ، أضف إلى ذلك أنّ ثمّة بعض الشواهد والدلائل التي تفيد مشروعية هذه المناسبات والاحتفالات. بعضها ناظر إلى خصوص بعض المواسم ، وبعضها الآخر له صفة الإطلاق والعموم أو الخصوص اللفظي ، مع ملاحظة عموم العلة وخصوصها كما سنرى.
وأمّا الاستدلال على عدم مشروعية المواسم ، بأن الناس العاديين يتوهّمون مشروعيتها فيرد عليه :
أوّلاً : إنها لا توهم ذلك ؛ لأن الكل يعلم أنها من باب التكريم والتعظيم ، ولا يتوهّم أحد صدور أمر خاص به ، وبما لها من العنوان ، وإنما يعتبرونها من قبيل الاحتفال بولادة ولد ، أو قدوم عزيز.
ثانياً : لو سلّم ، فإن ذلك لا يجعلها بدعة ، ولا يلزمنا دفع الوهم المذكور إلاّ كما يلزمنا تعليم أي جاهل ولو أوجب الوهم المذكور صيرورتها بدعة لأوجبت هذه الأوهام تحريم كثير من المستحبّات والمباحات ، أو استحباب أو إباحة كثير من المحرمات ، نحو ذلك إذ قد يتوهّم من المداومة على بعض النوافل مثلاً وجوبها ، فهل تصبح من أجل ذلك بدعة محرمة ، أم أنّ على الجاهل أن يتعلم ، وعلى العالم أن يعلمه بالطرق العادية والمألوفة ؟!
بالوجه الشرعي وأمّا حكاية أنّ النبيصلىاللهعليهوآله أراد التخفيف عن أمّته فلم يلزمها بالمواسم والموالد ، فقد تقدّم وسيأتي أنّ الشارع قد طلبها بعنوانها العام ، ولا أقل من أنها من الاُمور المباحة التي لا مانع منها شرعاً ولا عقلاً.
وأمّا قولهم : التعظيم لا بدّ وأن يكون بالوجه الشرعي فلا يختلف فيه عن سابقه.
وليراجع الوجهان اللذان ذكرناهما حين الكلام على تقسيمات البدعة ليتضح فساد ما ذكر هنا.
وأمّا الحديث أنّ في ذلك مشابهة للنصارى في أعيادهم الزمانيّة والمكانيّة , فيكفي أن نذكر : أنّ عيد الفطر وعيد الأضحى يشبهان الأعياد الزمانيّة للنصارى أيضاً ، كما أنّ الحج مثلاً - حسب تفسيرهم للعيد - يشبه أعيادهم المكانيّة بالإضافة إلى سائر أيّام عيد الأضحى ، فينبغي أن يصبح عيد الفطر والأضحى محرّمين وكذلك الحج ، حسب ما يقتضيه الدليل المذكور.
كما وينبغي تحريم بناء المساجد ، بل وتحريم الاجتماع فيها للصلاة ؛ لأنه يشبه تجمّع النصارى في كنائسهم , كذلك ينبغي تحريم الأكل والشرب , ولبس الثياب , وركوب الدابة , إلى غير ذلك.
وأيضاً فإن المشابهة للنصارى ، إن كانت في اُمور تقتضيها طبيعة البشر وحياتهم وتعاملهم العادي والطبيعي فلا مانع منه ، وإن كانت نتيجة لتشريع إلهي يتحرّى مصلحة البشر وسعادتهم فلا مانع من ذلك أيضاً.
وأمّا إذا كانت نتيجة اجتهاد بشري في مقابل التشريع الإلهي ، بهدف إبطال الشرع والدين ، أو بهدف الزيادة أو إحداث النقص فيه فذلك هو الذنب ، وتلك هي الجريمة بعينها ، ولكن ما نحن فيه إنما هو من القسم الأوّل ، بل ومن القسم الثاني كما سيتضح ، لا من القسم الأخير.
قال أبو بكر جابر الجزائري - تبعاً لغيره - حول إعلان الفرح بمولده الشريف : وإن كان باليوم الذي ولد فيه ، فإنه أيضاً اليوم الذي مات فيه ، ولا أحسب عاقلاً يقيم احتفال فرح وسرور باليوم الذي مات فيه حبيبه.. إلى أن قال : أضف إلى ذلك أنّ الفطرة قاضية أنّ الإنسان يفرح بالمولود يوم ولادته ويحزن عليه يوم موته ، فسبحان الله ، كيف يحاول الإنسان غروراً تغيير الطبيعة ؟!(١) .
ونقول : إنه لم يدّعِ أحد أنه حتّى في يوم الوفاة لا بدّ من الفرح والسرور ، ولا يلزم من قول المجوّزين للمواسم والذكريات ذلك.
بل هم يقولون : إنّ كل ذكرى لا بدّ وأن يعمل فيها ما يناسبها ، ولأجل ذلك نجد الحملة الشعواء من ابن تيمية ومَن لفّ لفّه على الروافض على إقامتهم المآتم في عاشوراء ، والأفراح في يوم الغدير ، ويوم المولد وأشباهه أضف إلى ذلك أنهم كما يقيمون الأفراح في مثل يوم مولده ومبعثهصلىاللهعليهوآله ، كذلك هم يقيمون العزاء والحزن في مثل يوم وفاته.
وأمّا كون يوم وفاته هو يوم ولادته فهو ليس مما ينبغي أن يقال هنا ؛ لأن الذكريات إنما تقام لصاحب الذكرى في كل عام مرة ، وهذا يتوقّف على الاختلاف في تواريخ الذكريات من حيث موقعها من الأشهر والأيّام فيه.
ولا تقام في كل اُسبوع مرة ، بحيث ينشغل الناس بها باستمرار وتختل أعمالهم وتتأثّر مصالحهم ، حتّى يقال : إنه قد اجتمع يوم الحزن وهو الوفاة يوم الاثنين ، مع يوم الفرح وهو يوم الإثنين.
هذا كلّه فضلاً عن اعترافه أخيراً بأن الفطرة قاضية بالفرح يوم المولد وبالحزن يوم الوفاة ، والناس قد عملوا في هذا الأمر تماماً وفق مقتضيات الفطرة ، والذين يمنعون من ذلك هم المخالفون لأحكام الفطرة ولمقتضياته ، كما هو ظاهر للعيان , وليس ما نحن فيه إلاّ أدلّ دليل على ذلك.
وأمّا ما ذكروه من أنّ السلف لم يقيموا هذه المواسم ، ولم يفعلوا شيئاً من هذه الأعياد ، أو لم ينقل عنهم فنقول:
____________________
(١) الإنصاف في ما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / ٥٤-٥٥ ، وراجع كلام الفاكهاني / ٨٥ ، وفي رسالة حسن المقصد للسيوطي ، الموجودة في الحاوي للفتاوي ١ / ١٩٠-١٩٢ ، والقول الفصل / ٥١.
١- لسوف يأتي إن شاء الله تعالى أنّ السلف قد احتفلوا ببعض الأعياد والمواسم غير الفطر والأضحى ، ولكننا نجد هؤلاء الذين يدّعون لأنفسهم التبيعة للسلف لا يعترفون بتلك الأعياد والمناسبات أيضاً.
وعلى فرض أنّ السلف لم يفعلوا بعض الاُمور ، ومنها الأعياد غير الفطر والأضحى ، فإنّ عدم فعلهم لا يضرّ ، ما دام قد انعقد الإجماع بعد ذلك على إقامة هذه المواسم والأعياد ، ولاسيّما عيد المولد النبوي ، وعمّ ذلك جميع قطاعات الأمّة صغيرها وكبيرها ، عالِمها وجاهلها ، رئيسها ومرؤوسها...إلخ كما تقدّم حين الكلام على أوّل مَن عمل المولد النبويصلىاللهعليهوآله ، وذلك في الفصل الأوّل وبعده.
وقد استمرّ عمل الناس على هذه المواسم إلى قرب ظهور ابن تيمية الذي أقام الدنيا وأقعدها ، في إنكاره اُموراً واضحة ، وفي دعاواه العريضة.
وهم أنفسهم قد صرّحوا بأن الإجماع معصوم ، وبأنه يمكن انعقاده في كل عصر وزمان ، ويكون حجة.
بل لقد صرّحوا بأن الإجماع نبوة بعد نبوة ، وليس لهم دليل معصوم سواه ، وقد جعله الله في الشريعة خلف النبوة ، حيث كان نبيّها خاتم الأنبياء لا يخلفه نبي ، فجعل اجتماع أمّته بدلاً من نبوة بعد نبوة(١) .
نعم ، وقد انعقد هذا الإجماع أيضاً على إقامة مراسم النيروز ، والمهرجان وكذا عيد الحجامة ، والختان ، وغير ذلك في العصور الثلاثة الأولى ، ثمّ على إقامة المولد بعد ذلك.
٣- وأمّا بالنسبة لإنكار بعض السلف زيارة القبور- قبور أئمة أهل البيتعليهمالسلام - في مواسم معيّنة ، لأسباب سياسية - كما ظهر من المنصور والمتوكل - ولتعصّبات مذهبية ، إن صلح هذا دليل ، فإنما يصلح دليلاً لأتباع ذلك البعض ، وهو حجة عليهم ، دون غيرهم من سائر الفرق والمذاهب الإسلاميّة.
٤- أضف إلى ذلك كلّه أنّ آراء السلف وأقوالهم ومواقفهم متناقضة ومتباينة ، حتّى الصحابة مع بعضهم البعض في كثير من المسائل ، فما الذي يكون حجة منها ؟ وكيف ؟ مع أنّه لم ينقل لهم رأي في ذلك. لا ، قد نقل لهم رأي مخالف بالنسبة للأعياد.
٥- ولو سلّم صلاحية منعهم من زيارة القبور للاستدلال به ، فإنما يقتصر على مورده وهو زيارة القبور فحسب ، ولا يصلح للاستدلال به على تحريم الاحتفال بعيد الاستقلال مثلاً.
____________________
(١) راجع فيما تقدم المنتظم لابن الجوزي ٩ / ٢١٠ ، وبحوث مع أهل السنّة والسلفية / ٢٧عنه ، عن أبي الوفاء ان عقيل أحد شيوخ الحنابلة.
وراجع حول عصمة الإجماع أيضاً كتاب الإلمام ٦ / ١٢٦ ، والإحكام في اُصول الأحكام ١ / ٢٠٤و٢٥٠ ، وحول حجية الإجماع في كل عصر / ٢٠٨ ، فما بعده.
وراجع كذلك تهذيب الأسماء واللغات ، القسم الأوّل ١ / ٤٢ ، وسائر كتب الاُصول الباحثة حول الإجماع وحجيته على مذاق أهل السنّة.
٦- وأمّا قولهم : إنّ السلف كانوا أكثر حبّاً لرسول اللهصلىاللهعليهوآله منّا فهو ينافي قول النبيصلىاللهعليهوآله : (( إنه سيأتي أقوام يحبّونه أكثر من حبّ أصحابه له )) ونقل ذلك أيضاً عن عمار بن ياسر(١) .
٧- هذا كلّه عدا أنه لا يلزم على السلف أن يعملوا بجميع المباحات ، أو حتّى بجميع المستحبات.
٨- أضف إلى ذلك : إنّ السلف إذا تأوّلوا - خطأ - حديث : (( لا تتخذوا قبري عيداً )) على ذلك ، فامتنعوا من عمل الموالد والذكريات. فلو أدركنا نحن خطأهم في فَهم النص أو في الاستظهار منه كان لنا مخالفتهم ، بعد أن فرضنا أنّ باب الاجتهاد كان ولا يزال مفتوح ، حسبما اعترف ابن تيمية الذي حكم بالأجر لمَن اجتهد في هذا الأمر وأخطأ.
٩- أمّا تفسير الآيات القرآنية فقد جاء النص ليؤكّد ويصرّح بأن القرآن إنما يفهم مع تمادي القرون والأزمان حيث تتضح مداليله ، وتظهر معالمه فبعد أن روى ابن المبارك حديث : (( إنه ما من آية في كتاب الله إلاّ ولها ظهر وبطن ، ولكل حد مطلع )) قال : سمعت غير واحد في هذا الحديث : (( ما في كتاب الله آية إلاّ ولها ظهر وبطن )).
يقول : لها تفسير ظاهر ، وتفسير خفي ، ولكل حد مطلع. يقول يطلع عليه قوم فيستعملونه على تلك المعاني ثمّ يذهب ذلك القرن ، فيجيء قرن آخر ، فيطلعون منها على معنى آخر ، فيذهب ما كان عليه مَن كان قبلهم ، فلا يزال الناس على ذلك إلى يوم القيامة... إلخ(٢) .
فلا معنى إذاً لحصر فَهم الآيات القرآنية والنصوص النبويّة التي فيها أيضاً المحكم والمتشابه , والعام والخاص...إلخ كالقرآن , لا وجه لحصر فهمهما بطائفة دون طائفة , ولا بفريق دون فريق ؛ فكل مَن فهم من القرآن أمراً صحيحاً جديداً تعيّن عليه أن يلتزم به ويعمل بما فهم.
وكم قد ترك الأوّل للآخر وكم من التفريعات الفقهية والتي تنبّه إليها المتأخرون ولم يذكرها السلف ، ولا أشار إليها ولا خطرت لهم على بال ، ولا احتاجوا إليها إطلاقاً.
١٠- هذا كلّه عدا ما تقدّم ، من أنّ المانع هو الذي يحتاج إلى الدليل ؛ وأمّا الآخرون فلا يدّعون أنّ ذلك جزءاً من الشريعة ، ليصح الاحتجاج عليهم بفعل السلف ، أو بعدم فعلهم.
١١- وبعد ، فلو كان عمل السلف حجة لدخل الكثير مما ليس من الدين في الدين ، وذلك من قبيل ما أحدثه الاُمويّون في أيّام عاشوراء ، ولم يتجرّأ السلف على معارضتهم ، بل اضطرّوا إلى مجاراتهم ، فهل يكون عمل السلف هذا حجة على مَن بعدهم ؟!
____________________
(١) راجع : مجمع الزوائد ١٠ / ٦٦ ، عن أحمد والبزّار والطبراني ، عن أبي ذر وأبي هريرة ، عنهصلىاللهعليهوآله ، وعن عمار بن ياسر ، وكنز العمال ٢ / ٣٧٤ ، عن ابن عساكر ، عن أبي هريرة.
(٢) الزهد والرقائق ، قسم ما رواه نعيم بن حماد / ٢٣ ، ولتوضيح ذلك لا بأس بمراجعة كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله ١ / ٢٠٠ - ٢١٦.
ومثل ذلك كثير في حياة السلف وأعمالهم ومواقفهم ، يشمل سائر الأحوال والأعمال التي أرادهم الحكّام عليه ، ولم يمكنهم المخالفة فيها سواء في عهد الاُمويّين أو العباسيّين.
١٢- بل إنّ هؤلاء المانعين أنفسهم يعلّلون إقدام السيوطي على التأليف في مشروعية المولد بقولهم : وذلك إرضاءً للعامة والخاصة أيضاً من جهة ، وتبريراً لرضا العلماء به وسكوتهم عنه ؛ لخوفهم من الحاكم والعوام من جهة اُخرى(١) .
وأمّا أنّ هذه المواسم والموالد قد جعلت لهدم الإسلام ، والقضاء على العقيدة الإسلاميّة ، فهو مصادرة على المطلوب ؛ وذلك لأن مَن يقيم المولد والموسم يقول : إنّ هذه المواسم والموالد قد جعلت لأجل إحياء الإسلام ، وتركيز العقيدة الإسلاميّة.. وإذا ما كان هناك مَن يستغل بعض الاُمور المحللة لاُمور محرمة ، فلا يوجب تحريم الحلال ، كما لم يوجب ذلك إخراج الواجب عن كونه واجب ؛ فإنّ مَن يحاول أن يخدع الناس عن طريق الصلاة والصوم والعبادة ، لا يعني ذلك حرمة هذه العبادات نعم ، المحرم هو استغلاله لها بهذه الصورة.
هذا كلّه عدا ما قدّمناه من أننا نرى أنها داخلة تحت عنوان التعظيم المطلوب للشارع.
وأمّا استدلاله على دعواه بمناصرة أهل الباطل له ، ووقوفهم إلى جنبه ومعه فهو في غير محله أيضاً ؛ فإنّ أهل الباطل يحاولون خداع الناس بإظهارهم التقوى والورع ، وعدم ضدّيتهم مع عقائد الناس وعاداتهم وأعرافهم ؛ من أجل أن يحصلوا على ما هو أعظم وأهم بنظرهم , فهذا الاستدلال على ضد مراد المستدل أدل كما هو ظاهر لا يخفى.
وإذا أردنا أن نسلّم بما يقال : من أنّ عمل السلف حجة ، وإن لم يكن المعصوم داخلاً فيهم ، بل وحتى كفاية عمل عمر بن عبد العزيز وأمثاله ، ليكون ذلك سنّة ومن الدين(٢) .
وإذا كان عصر الصحابة والتابعين هو العصر الذي تنعقد فيه الإجماعات ، وتصير حجة وتشريعاً متّبع ، وإذا كان الإجماع معصوماً ونبوة بعد نبوة ، حسبما يدّعون ، وإذا كان يحلّ لمسلم أن يدّعي وجود نبوة بعد نبوة خاتم النبيين ، خلافاً لنص القرآن الكريم :( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) (٣) .
____________________
(١) الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / ٥٧.
(٢) قد تقدّم ما يشير إلى ذلك حين الكلام على مشروعية التهنئة في العيد.
(٣) سورة الأحزاب / ٤٠.
وإذا كان يجوز طرح القرآن وكل ما قاله النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله لمجرد أنه انعقد الإجماع بعد عصر النبي على خلافهم ، إذا جاز كل ذلك فلقد سبّ أمير المؤمنينعليهالسلام على عشرات الألوف من المنابر في جميع أقطار العالم الإسلامي ، من قِبَل وعّاظ السلاطين ، طيلة العشرات من السنين ، ومن قِبَل العديد من الصحابة.
كما أنّ بني اُميّة وكل أتباعهم ومَن كان تحت سيطرتهم ، ثمّ بعد ذلك بني أيوب ولمدّة عشرات السنين ، قد اتخذوا يوم عاشوراء عيد ، وأوّل مَن فعل ذلك الحجاج برضا وبمرأى ومسمع من الخليفة عبد الملك بن مروان ، وبمرأى ومسمع من بقايا الصحابة وجميع التابعين. ولم نجد اعتراضاً من أحد منهم ، ولا من أي من علماء الأمّة وصلحائها - باستثناء أهل البيتعليهمالسلام الذين كانوا يعملون بمبدأ التقية آنئذ - لا في تلك الفترة ، ولا في زمان بني أيوب وبعده ولا سيّما وأنهم يروون اُموراً وحوادث عظيمة اتفق وقوعها في هذا اليوم ، من قبيل : توبة الله فيه على آدم ، واستواء السفينة على الجودي ، ونحو ذلك(١) .
وياليتهم أفتوا بذلك ، بل لقد تعدّوا ذلك إلى الإفتاء بحرمة لعن يزيد ، وعدم جواز تكفيره ، وقالوا : إنه من جملة المؤمنين(٢) كما أنّ الجمهور قد خالفوا في جواز لعنه بالتعيين(٣) .
بل يقول الشبراوي الشافعي ، عن الغزالي ، وابن العربي : فإن كلاهما قد بالغ في تحريم سبّه ولعنه ، لكن كلاهما مردود ؛ لأنه مبني على صحة بيعة يزيد لسبقه ، والذي عليه المحققون خلاف ما قالاه(٤) .
أضف إلى ذلك : إنّ عمر بن عبد العزيز قد ضرب ذلك الذي وصف يزيد ب- (أمير المؤمنين) عشرين سوطاً(٥) كما أنّ الإمام أحمد بن حنبل قد حكم أيضاً بكفر يزيد(٦) ثمّ زادوا في الطنبور نغمة ، فقالوا : يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين وحكاياته قال ذلك الغزالي وغيره(٧) .
وليس ذلك ببعيد على مَن لا يرى بأساً بالسكوت حتّى عن لعن إبليس ، كما عن ابن أبي شريف ، بل قال الرملي : ينبغي لنا أن لا نلعنه(٨) .
____________________
(١) راجع على سبيل المثال : عجائب المخلوقات ، بهامش حياة الحيوان ١ / ١١٤.
(٢) الصواعق المحرقة / ٢٢١ ، وإحياء علوم الدين ٣ / ١٢٥ ، وراجع العواصم من القواصم ، وهوامشه لترى دفاعهم المستميت عن يزيد لعنه الله تعالى.
(٣) الإتحاف بحب الأشراف / ٦٢.
(٤) الإتحاف بحب الأشراف / ٦٨.
(٥) الصواعق المحرقة / ٢٢٢ ، وتاريخ الخلفاء / ٢٠٩.
(٦) الإتحاف بحب الأشراف / ٦٣و٦٨.
(٧) الصواعق المحرقة / ٢٢١.
(٨) الإتحاف بحب الأشراف / ٦٧ - ٦٨.
وأمّا تحريم التحزّن والتجمّع في يوم عاشوراء(١) فلعلّه أهون بلكم الشرور ، بعد أن كانوا وما زالوا يهاجمون مجالس عزاء الإمام الحسينعليهالسلام ، ويقتلون مَن يقدرون عليه من المشاركين فيه ، بل ويحرقون المساجد ويفعلون الأفاعيل في سبيل ذلك(٢) .
وأمّا اعتبار عاشوراء عيد فتوضّحه النصوص التالية :
قال علاء زكريا القزويني : فزعم بنو اُميّة أنهم اتخذوه عيداً ، فتزيّنوا فيه ، وأقاموا الضيافات والشيعة اتخذوه يوم عزاء ينوحون فيه ، ويجتنبون الزينة.
وأهل السنّة يزعمون : أنّ الاكتحال في هذا اليوم مانع من الرمد في تلك السنة(٣) ، ومَن اغتسل فيه لم يمرض ذلك العام ، ومَن وسّع على عياله وسّع الله عليه سائر سنته(٤) .
وقال عن شهر صفر : اليوم الأوّل منه عيد بني اُميّة ، أدخلت فيه رأس الحسينرضياللهعنه بدمشق(٥) .
وقال البيروني ، بعد ذكر ما جرى على الإمام الحسينعليهالسلام يوم عاشوراء : فأمّا بنو اُميّة ، فقد لبسوا فيه ما تجدّد , وتزيّنوا ، واكتحلوا ، وعيّدوا ، وأقاموا الولائم والضيافات ، وأطعموا الحلاوات والطيّبات ، وجرى الرسم في العامة على ذلك أيّام ملكهم ، وبقي فيهم بعد زواله عنهم. وأمّا الشيعة فإنهم ينوحون ويبكون ؛ أسفاً لقتل سيّد الشهداء فيه(٦) .
ويقول المقريزي : فلمّا زالت الدولة اتخذ الملوك من بني أيوب يوم عاشوراء يوم سرور ، يوسّعون فيه على عيالهم ، وينبسطون في المطاعم ، ويتخذون الأواني الجديدة ، ويكتحلون ، ويدخلون الحمام جرياً على عادة أهل الشام التي سنّها الحجاج في أيّام عبد الملك بن مروان ؛ ليرغموا به آناف شيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، الذين يتخذون يوم عاشوراء يوم عزاء وحزن على الحسين بن علي ؛ لأنه قتل فيه.
قال : وقد أدركنا بقايا مما عمله بنو أيوب ، من اتخاذ عاشوراء يوم سرور وتبسّط(٧) .
أمّا ابن حجر الهيثمي والزرندي ، فيقولان في معرض نهيهما عن الندب والنياحة والحزن يوم عاشوراء ، الذي هو من بدع الرافضة ، ونهيهما عن العمل ببدع الناصبة المتعصّبين على أهل البيت ، أو الجهال المقابلين الفاسد بالفاسد ، والبدعة بالبدعة ، والشر بالشر ، من إظهار غاية الفرح واتخاذه
____________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم / ٢٩٩ -٣٠٠ , ونظم درر السمطين / ٢٢٨.
(٢) راجع المنتظم ، وشذرات الذهب ، والكامل لابن الأثير ، والبداية والنهاية ، وهم يتحدثون عن الفتن في بغداد بين أهل السنّة والرافضة في مطلع كلّ عام بمناسبة عاشوراء.
(٣) عجائب المخلوقات ، بهامش حياة الحيوان ١ / ١١٥ , ونظم درر السمطين / ٢٣٠.
(٤) نظم درر السمطين / ٢٣٠.
(٥) المصدر السابق.
(٦) الكنى والألقاب ١ / ٤٣١ ، وراجع الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري ١ / ١٣٧ عن الآثار الباقية للبيروني , ط اُوربا / ٣٢٩.
(٧) الخطط والآثار ١ / ٤٩٠ ، والحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري ١ / ١٣٨ عنه.
عيداً ، وإظهار الزينة فيه ؛ كالخضاب ، والاكتحال ، ولبس جديد الثياب ، وتوسيع النفقات ، وطبخ الأطعمة والحبوب الخارجة عن العادات ، واعتقادهم أنّ ذلك من السنّة والمعتاد(١) .
وحتّى ابن تيمية نجده ينكر هذا الأمر ، فيقول : وإظهار الفرح والسرور يوم عاشوراء ، وتوسيع النفقات فيه هو من البدع المحدثة المقابلة للرافضة(٢) .
هذا , وقد ورد في زيارة عاشوراء المرويّة عن الإمام الباقرعليهالسلام قوله:(( اللّهم إنّ هذا يوم تبرّكت به بنو اُميّة ، وابنُ آكلة الأكباد ))(٣) .
وأضاف ابن تيمية إلى عبارته آنفة الذكر قوله : وقد وضعت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنع فيه ، من الاغتسال والاكتحال إلخ(٤) . وقال : وأحدث فيه بعض الناس أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة لا أصل لها ، مثل الاغتسال فيه ، أو التكحّل ، أو المصافحة وهذه الأشياء ونحوها من الاُمور المبتدعة ، كلها مكروهة ، وإنما المستحب صومه. ونقول : قد عرفت أنّ صومه مكذوب أيضاً.
وقد روي في التوسّع فيه على العيال آثار معروفة ، أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه ، قال : بلغني أنه مَن وسّع على أهله يوم عاشوراء وسّع الله عليه سائر سنته رواه ابن عيينة.
وهذا بلاغ منقطع لا يعرف قائله والأشبه أنّ هذا وضع لمّا ظهرت العصبية بين الناصبة والرافضة ؛ فإن هؤلاء أعدّوا يوم عاشوراء مأتم ، فوضع أولئك فيه آثاراً تقتضي التوسّع فيه ، واتخاذه عيداً(٥) .
بل لقد بلغ بهم الأمر أن رووا في تفسير آية :( مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ) ، عن ابن عباس : يوم الزينة يوم عاشوراء(٦) .
وعن ابن عمر ، عنهصلىاللهعليهوآله : (( مَن صام يوم الزينة أدرك ما فاته من صيام تلك السنة ، ومَن تصدّق يومئذ بصدقة أدرك ما فاته من صدقة تلك السنة )) يعني يوم عاشوراء(٧) .
____________________
(١) الصواعق المحرقة / ١٨١ - ١٨٢ ، ونظم درر السمطين / ٢٢٨ - ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم / ٣٠١.
(٣) مصابيح الجنان / ٢٩١.
(٤) اقتضاء الصراط المستقيم / ٣٠١ ، وراجع نظم درر السمطين / ٢٣٠.
(٥) اقتضاء الصراط المستقيم / ٣٠٠ ، وللاطلاع على بعض هذه الأحاديث راجع نوادر الاُصول / ٢٤٦ ، والسيرة الحلبيّة ٢ / ١٣٤ ، واللآلئ المصنوعة ١ / ١٠٨ - ١١٦ ، وتذكرة الموضوعات / ١١٨ ، ونظم درر السمطين / ٢٣٠.
(٦) الدر المنثور ٤ / ٣٠٣ ، عن سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وراجع عجائب المخلوقات ، بهامش حياة الحيوان ١ / ١١٤.
(٧) الدر المنثور ٤ / ٣٠٣ عن ابن المنذر.
بل تقدم أنّ أهل السنّة يزعمون : أنّ الاكتحال في هذا اليوم مانع من الرمد في تلك السنة(١) .
أمّا ابن الحاج فذكر : أنه يستحب يوم عاشوراء التوسعة فيه على الأهل والأقارب ، واليتامى والمساكين ، وزيادة النفقة والصدقة مندوب إليه ، بحيث لا يجهل ذلك(٢) .
وبعد أن ذكر أشياء تفعل في هذا اليوم لم تعرف عن السلف ، كذبح الدجاج وطبخ الحبوب ، وزيارة القبور ، ويدخل النساء الجامع العتيق بمصر ، وهنّ في حال الزينة الحسنة ، والتحلّي والتبرّج للرجال ، وكشف بعض أبدانهن ، ويقمن فيه من أوّل النهار إلى الزوال إلى أن قال : ومن البدع التي أحدثها النساء فيه استعمال الحناء على كلّ حال ، فمَن لم يفعلها منهن فكأنها ما قامت في عاشوراء.
ومن البدع أيضاً محرهن فيه الكتان ، وتسريحه وغزله ، وتبيضه في ذلك اليوم بعينه ، ويشلنه ليخطنّ به الكفن. ويزعمن أنّ منكراً ونكيراً لا يأتيان مَن كفنها مخيط بذلك الغزل . إلى أن قال : وممّا أحدثوه فيه من البدع : البخور ، فمَن لم يشتره منهم في ذلك اليوم ويتبخّر به فكأنه ارتكب أمراً عظيماً ، وكونه سنّة عندهنّ لا بدّ من فعلها ، وادخارهنّ له طول السنة يتبركن به ، ويتبخرن إلى أن يأتي مثله يوم عاشوراء الثاني.
ويزعمون أنّه إذا بخّر به المسجون خرج من سجنه ، وأنه يبرئ من العين ، والنظرة ، والمصاب ، والموعوك إلخ(٣) ثمّ يذكر ما يفعلونه في أوّل رجب وأوّل جمعة ، وليلة المعراج ، والنصف من شعبان ، فليراجعه مَن أراد.
وأخيراً … فبينما نرى ابن الحاج يشنّ حملة شعواء على عمل المولد النبوي ، على اعتبار أنه بنفسه بدعة لا رخصة فيها في الشارع ، فضلاً عمّا يصاحبه من اُمور محرمة أو مرجوحة بنظر الشارع ، نجده يستحسن شعراً لابن السماط يوسف بن علي , المتوفّى سنة ٦٩٠ه- ، يصرّح فيه بأنه يعتبر يوم المولد النبوي من الأعياد ، حيث يقول :
أعلمتَ أنّك يا ربيعَ الأوّلِ |
تاجٌ على هام الزمانِ مكلّلُ |
|
مستعذبُ الإلمام مرتقب اللقا |
كلّ الفضائلِ حين تقبلُ تقبلُ |
|
ما عدتَ إلاّ كنتَ عيداً ثالثاً |
بل أنت أحلى في العيونِ وأجملُ |
____________________
(١) عجائب المخلوقات بهامش حياة الحيوان ١ / ١١٥ ، وراجع الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري ١ / ١٣٨ ، والصواعق المحرقة / ١٨٢ ، ونظم درر السمطين / ٢٣٠.
(٢) المدخل لابن الحاج ١ / ٢٨٩.
(٣) المدخل ١ / ٢٩١ ، وراجع / ٢٩٠.
شرفاً بمولد مصطفى لمّا بدا |
أخفى الأهلّة وجهُهُ المتهللُ |
|
وحويت مَن أصبحت ظرفَ زمانِهِ |
ظرفاً به في بردِ حُسنكَ ترفلُ |
|
وملكتَ أنفسها بلطفِ شمائلٍ |
بنسيمها نفس العليل تعللُ |
|
وإذا حدا الحادي بمنزلة الحمى |
فالقصدُ سكّان الحمى لا المنزلُ |
|
فضل الشهورِ علا مفاخرَها فإن |
فخرت بأطولِها فأنت الأطولُ |
إلى أن قال :
واستكمل البشرى فإنك لم تزلْ |
لك في القلوب مكانةٌ لا تجهلُ |
|
لِم لا وعشرك واثنتان أريننا |
قمراً به شمسُ الضحى لا تعدلُ(١) |
الفصل الخامس
سبق فإننا نستطيع أن نستخلص ممّا سبق الاُمور التالية :
أوّلاً : أنّ ما ادّعوا أنّه يصلح دليلاً للمنع عن المواسم والمراسم على اختلافه ، لا يصلح للاستدلال به على ذلك ، من وجوه مختلفة , والفصل السابق كلّه في بيان ذلك ، فلا نعيد.
ثانياً : أنّ الابتكار والابتداع في العادات والتقاليد واُمور المعاش والمعاد يمكن أن يكون حسناً تارة ، وقبيحاً اُخرى ، وقد تعرض له الأحكام الخمسة ؛ تبعاً للعناوين المختلفة التي يمكن أن يتعنون بها حينما تكون تلك العناوين محكومة بأي من تلك الأحكام.
وما نحن فيه من هذا القبيل ؛ فإن جاء به على أنه من الدين فإنه يكون حراماً ؛ لتعنونه بعنوان البدعة المحرمة وإن جاء به لا على أنه عبادة ولا من الدين فلا يكون حراماً.
ثالثاً : قد تقدّم قول ابن تيمية - وكذلك قال غيره أيضاً - إنّ الأشياء ما عدا العبادات كلّها على الإباحة ، حتّى يرد ما يوجب رفع اليد عنه ، ولا سيّما ما كان من قبيل العادات.
وما نحن فيه من قبيل العادات أيضاً ، حيث قد جرت عادة الناس على إقامة الذكريات والمواسم ، بمناسبة يوم الاستقلال وفي الأيّام التي هي مثل أيّام ولادة عظمائهم ، وغير ذلك من مناسبات ، وقد تقدّم توضيح ذلك.
____________________
(١) راجع المدخل لابن الحاج ٢ / ٤٤ - ٤٥.
رابعاً : بل ما نحن فيه داخل في قسم ما أمر الله سبحانه ، حيث إنّ الاحتفالات بيوم مولد النبيصلىاللهعليهوآله أو أحد الأئمةعليهمالسلام ، أو الاحتفال بيوم الهجرة أو يوم المبعث ، أو حتّى يوم عاشوراء ، إلى غير ذلك من المناسبات إنما هو داخل تحت عناوين عامة ورد الأمر بها والحثّ عليه. وتقدّم أنّ اختيار المكلف لمصداق العنوان العام لا يعدّ ابتداع ، ولا إحداثاً في الدين ، وإدخالاً في أمره ما ليس منه. وقد تقدّم توضيح ذلك في أوائل الفصل السابق فلا نعيد.
وتقدّم أنّ ما ورد عنهصلىاللهعليهوآله : (( مَن سنّ سنّة حسنة.... )) قد طبّقه الرسولصلىاللهعليهوآله على اختيار البعض لمصداق عنوان عام مأمور به ، فيكون من شواهد ما ذكرناه آنفاً.
خامساً : قد تقدّم قول بعض المانعين ، وهو أبو بكر جابر الجزائري : إنّ الفطرة قاضية أنّ الإنسان يفرح بالمولود يوم ولادته ، ويحزن عليه يوم موته ، فسبحان الله ! كيف يحاول الإنسان - غروراً - تغيير طبيعته ؟
ونحن نوضّح هذا الأمر هنا ، بمقدار ما تسمح لنا به الفرصة ويسعفنا به البيان فنقول :
إنّ مما لا شك فيه هو أنّ الناس - كلّ الناس - يولون ما يرتبطون به عقائدياً وفكرياً وعاطفياً أهمية خاصة ، وعلى أساس ذلك يتخذون مواقفهم ، ويكون الفعل ورد الفعل.. والتأثير والتأثّر بصورة تلقائية ، وعفوية وطبيعية وكذلك ، فإنّ للناس بالنسبة لِما يرفضونه ، ويدينون به عقائدياً ، وفكرياً ، وعاطفياً موقفاً آخر ، وتأثيراً وتأثّراً من نوع آخر كذلك.
وقد اعتاد الناس - انطلاقاً من احترامهم للمثل والقيم التي يؤمنون بها - على احترام الأشخاص الذين بشّروا بها ، وضحّوا في سبيلها ، وارتبطوا بهم عاطفياً وروحياً كذلك ورأوا أنّ إحياء الذكرى لهؤلاء الأشخاص لم يكن من أجل ذواتهم كأشخاص ، وإنما من أجل أنهم بذلك يحيون تلك القيم والمثل في نفوسهم ، وتشدّ الذكرى من قوة هذا الارتباط فيما بينهم وبينه ، وترسخها في نفوسهم ، وتعيدهم إلى واقعهم.
وهكذا يقال بالنسبة للاحترام الذي يخصّون به بعض الأيّام ، أو بعض الأماكن ، وقديماً قيل :
مررتُ على الديار ديارِ ليلى |
اُقبّل ذا الجدارَ وذا الجدارا |
|
وما حبُّ الديارِ شغفن قلبي |
ولكنْ حبَّ مَن سكن الديارا |
ويلاحظ أنّ الاهتمام بإقامة الذكريات والاحتفال بالمناسبات ، التي تمثل تحوّلاً من نوع ما في حياة الناس عامة ، لا يقتصر على فئة دون فئة ، ولا يختصّ بفريق دون فريق ، فالكبير والصغير ، والغني والفقير ، والملك والسوقة ، والعالم والجاهل ، والمؤمن والكافر ، وغيرهم الكل يشارك في إقامة الذكريات للمثل والقيم ، ومَن يمثّلها حسب قدراته وإمكاناته.
فهذه الشمولية تعطينا أنّ هذا الأمر لا يعدو عن أن يكون تلبية لحاجة فطرية ، تنبع من داخل الإنسان ومن ذاته ، وتتصل بفطرته وسجيّته ، حينما يشعر أنه بحاجة إلى أن يعيش مع ذكرياته وآماله ، وإلى أن يتفاعل مع ما يجسّد له طموحاته.
فيوم ولادة النبيصلىاللهعليهوآله هو يوم فرح للمسلمين ، ويوم عيد وبهجة لهم ولا بد وأن يستجيب الإسلام لنداء الفطرة ، ويلبّي رغباتها ما دامت منسجمة مع منطلقاته وأهدافه ، ولا يحرمها من عطاء رحمته وبرّه ؛ ما دام أنه دين الفطرة الذي يوازن بين جميع مقتضياتها , ويعطيها حجمها الطبيعي ، من دون أن يكون ثمّة إهمال مضر أو طغيان مدمر.
وهذه هي عظمة تعاليم الإسلام ، وهذا هو رمز الخلود له ، وفّقنا الله للسير على هدى هذا الدين ، والالتزام بشريعة ربّ العالمين ، إنه خير مأمول وأكرم مسؤول.
هذا وقد قال العلاّمة الأمينيرحمهالله تعالى : لعلّ تجديد الذكرى بالمواليد والوفيات ، والجري على مواسم النهضات الدينية ، أو الشعبية العامة ، والحوادث العالمية الاجتماعية ، وما يقع من الطوارق المهمة ، في الطوائف والأحياء بعد سنيّه ، واتخاذ رأس كلّ سنة بتلكم المناسبات أعياداً وأفراحاً ، أو مآتم وأحزاناً.
وإقامة الحفل السار أو التأبين من الشعائر المطردة ، والعادات الجارية منذ القدم ؛ دعمتها الطبيعية البشرية ، وأسستها الفكرة الصالحة لدى الأمم الغابرة عند كلّ ملّة ونحلة ، قبل الجاهلية وبعدها ، وهلمّ جرا حتّى اليوم.
وهذه مواسم اليهود والنصارى والعرب ، في أمسها ويومها ، وفي الإسلام وقبله ، سجّلها التاريخ في صفحاته وكأنّ هذه السنّة نزعة إنسانية تنبعث من عوامل الحب والعاطفة ، وتسقى من منابع الحياة ، وتتفرع على اُصول التبجيل والتجليل , والتقدير والإعجاب لرجال الدين والدنيا ، وأفذاذ الملل ، وعظماء الأمّة ؛ إحياءً لذكرهم , وتخليداً لاسمهم.
وفيها فوائد تاريخية واجتماعية ، ودروس أخلاقية صافية راقية لمستقبل الأجيال ، وعظات وعبر ، ودستور عملي ناجع للناشئة الجديدة ، وتجارب واختبارات تولد حنكة الشعب ، ولا تختص بجيل دون جيل ، ولا بفئة دون اُخرى.
وإنما الأيّام تقتبس نوراً وازدهاراً ، وتتوسّم بالكرامة والعظمة ، وتكتسب سعداً ونحساً ، وتتخذ صيغة مما وقع فيها من الحوادث المهمة ، وقوارع الدهر ونوازله إلخ(١) .
____________________
(١) سيرتنا وسنّتنا / ٤٥ - ٤٦.
وقال السّيد الأمينرحمهالله : وأمّا جعل التذكار لمواليد الأنبياء والأولياء ، الذي يسمّيه الوهابية بالأعياد والمواسم ، بإظهار الفرح والزينة في مثل يوم ولادتهم التي كانت نعمة من الله على خلقه ، وقراءة حديث ولادتهم ، كما يتعارف قراءة حديث مولد النبيصلىاللهعليهوآله ، وطلب المنزلة والرفعة من الله لهم ، وتكرار الصلوات والتسليم على الأنبياء ، والترحّم على الصلحاء ، فليس فيه مانع عقلي ولا شرعي ؛ إذا لم يشتمل على محرم خارجي ، كغناء أو فساد ، أو استعمال آلات اللهو ، أو غير ذلك كما يفعل جميع العقلاء وأهل الملل في مثل أيّام ولادة عظمائهم وأنبيائهم ، وتبوّئ ملوكهم عروش الملك وكل ذلك نوع من التعظيم الذي إن كان صاحبه أهلاً للتعظيم كان طاعة وعبادة لله تعالى ، وليس كلّ تعظيم عبادة للمعظم كما بيّناه مراراً ، فقياس ذلك بفعل المشركين مع أصنامهم قياس فاسد(١) انتهى.
سادساً : قد تقدّم أنهم يقولون : إنّ الإجماع نبوة بعد نبوة ، ولا يختص عندهم زمان الإجماع بوقت دون وقت ، ولا بزمان دون زمان ، وقد انعقد الإجماع على إقامة أعياد اُخرى غير الفطر والأضحى ، مثل عيد النوروز ، والمهرجان ، وعيد المولد النبوي ، ولا سيّما في عهد حاكم أربل وبعده إلى قرب ظهور ابن تيمية.. حسبما تقدّمت الإشارة إليه في غير موضع ، فلا نعيد.
سابعاً : وقد ادّعى أولئك المانعون أنه لا يوجد إلاّ عيدان الفطر والأضحى ، ولكننا نقول : إنه على أساس ما قدّمناه ، من أنّ الفرح حينما يوجد ما يقتضي الفرح ، والحزن حينما يوجد ما يقتضي الحزن ، هو مقتضى النزعة الإنسانية ، والسجية والفطرة البشرية.
وبما أنّ الإنسان يفرح ويبتهج حينما ينتصر في معركة ما ، ولأن خسران المعركة مع الشياطين معناه خسارة الإنسان لأعزّ شيء يملكه ، وإلى الأبد ألا وهو نفسه وذاته.
نعم ، من أجل ذلك نجد أمير المؤمنينعليهالسلام يقول في بعض الأعياد : (( إنما هو عيد لمَن قَبِل الله صيامه ، وشكر قيامه ؟ وكلُّ يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد ))(٢) .
نعم ، وهذا بالذات هو سرّ تشريع عيد الفطر وعيد الأضحى ، بعد تلك الرحلة التربوية الجهادية مع النفس الأمّارة , وضد كلّ الشياطين ، حينما يفترض بالإنسان أن يترك - مختاراً - اُموراً تدعوه إليها غرائزه , وتدفعه نحوها شهواته ، كما ويزيده شوقاً إلى بعضها حنين الأُلفة والعادة الناشئ عن طول الممارسة لها.
____________________
(١) كشف الارتياب / ٤٥٠.
(٢) نهج البلاغة بشرح محمد عبده ٣ / ٣٥٥ ، الحكمة رقم ٤٢٨.
وقد أشارعليهالسلام إلى أنّ انتصار الإنسان في رحلته الجهادية التربوية تلك في شهر رمضان المبارك ، وفي أيّام الحج حيث مراعاة تروك الإحرام ، هو الذي جعل يوم أوّل شوال ، ويوم العاشر من ذي الحجة عيداً يفرح به الإنسان الصابر المجاهد.
ومما يدلّ أيضاً على عدم انحصار العيد في الفطر والأضحى ، ما روي عنهصلىاللهعليهوآله حول يوم الجمعة : (( إنّ هذا يوم جعله الله للمسلمين عيداً ))(١) والروايات المصرّحة بكون يوم الجمعة عيداً كثيرة ، فليراجعها مَن أراد(٢) .
ويلاحظ : إنّ عدداً من الروايات قد صرّحت بأنه إنّما اعتبر عيد ، بسبب ما حصل فيه من الاُمور المهمة ، مثل خلق آدم ، ودخوله الجنة ، وخروجه منها ، وتوبة الله عليه ، وموته ، وقيام الساعة فيه(٣) .
كما أنه قد ورد الأمر بالتزيّن ، ولبس الثياب الجديدة ، وغير ذلك من مظاهر السرور في هذا اليوم(٤) .
ثامناً : عاشوراء في القرون الثلاثة الاُولى.
ويقول أتباع ابن تيمية ، والمدّعون لحرمة المواسم والمراسم : البدعة وهي ما حدثت بعد القرون الثلاثة مذمومة مطلقاً(٥) وتقدّم تكرار المانعين لقولهم : إنّ ذلك لم يكن في القرون الثلاثة الأولى التي هي خير القرون ، ومعنى ذلك هو أنّ ما حدث في القرون الثلاثة الأولى لا يكون مذموماً بل هو مقبول عند هؤلاء.
وعليه فنقول : قد تقدّم أنّ بني اُميّة - وهم في القرن الأوّل - قد اتخذوا يوم عاشوراء عيداً.
____________________
(١) سنن البيهقي ٣ / ٢٤٣ ، واقتضاء الصراط المستقيم / ١٨٩ ، وفتح المجيد / ١٥٤.
(٢) راجع سنن الدارمي ١ / ١٢٧٨ ، سنن ابن ماجة ١ / ٣٤٩ و٤١٥ ، ٤١٦ واقتضاء الصراط المستقيم / ١٩٧ ، وسنن النسائي ١ / ١٩٤ ، وسنن أبي داود ١ / ٢٨١ ، ومسند أحمد ٤ / ٢٧٧ و٢ / ٣٠٣ و٥٣٢ ، والمسند للحميدي ١ / ٦ - ٧ ، والموطأ بهامش تنوير الحوالك ١ / ١٩٠ ، والمنتقى ٢ / ٣٤ و٣٥ ، ومجمع الزوائد ٢ / ١٩٥ ، وكشف الأستار ١ / ٤٤٩ ، وصحيح البخاري ٣ / ٢٠٦ ، ومنحة المعبود ١ / ١٤٦ ، ومسند الطيالسي / ١٩٤ ، ونصب الراية ٢ / ٢٢٥ ، ومستدرك الحاكم ١ / ٢٨٨ ، وتلخيص المستدرك بهامشه.
(٣) راجع مسند أحمد ٣ / ٥١٢ و٥٠٤ و٤٨٦ و٤٠١ و٤١٨ و٥٤٠ و٥١٩ ، وصحيح مسلم ٣ / ٦ ، وسنن النسائي ٣ / ٩٠-٩١ ، ومسند الطيالسي / ٣١١ ، والموطأ بهامش تنوير الحوالك ١ / ١٣١ ، وكشف الأستار ١ / ٢٩٤ ، ومجمع الزوائد ٢ / ١٦٣-١٦٤ ، ومنحة المعبود ١ / ١٣٩ و١٤٠ ، والجامع الصحيح للترمذي ٢ / ٣٦٢ و٣٥٩ ، وسنن أبي داود ١ / ٢٧٤ ، وسنن الدارمي ١ / ٣٦٩ ، وعجائب المخلوقات بهامش حياة الحيوان ١ / ١١٠ ، والترغيب والترهيب ١ / ٤٩٠ و٤٩٥ ، والمنتقى ٢ / ٤١ و١٣.
(٤) راجع سنن ابن ماجة ١ / ٣٤٩ ، ٣٤٨ ، وسنن أبي داود ١ / ٢٨٣ و٢٨٢ ، والترغيب والترهيب ١ / ٤٩٨ ، والمنتقى ٢ / ١٢ و١١ ، ومجمع الزوائد ٢ / ١٧١ ، فما بعده ، والسنن الكبرى للبيهقي ٣ أبواب الجمعة.
(٥) كشف الارتياب / ١٤٢ عن رسائل الهدية السنية / ٤٧.
أمّا غيرهم فقد اتخذوه يوم حزن وأسى وعزاء.
وعلى هذا فقد انعقد الإجماع المركب من السلف على موسمية يوم عاشوراء - وحسب زعم هؤلاء القائلين بعصمة الإجماع - فلا بد من قبولهم بكونه موسم ، ولا يجوز لهم إحداث قول ثالث فيه. وقد تقدّم الكلام في ذلك ، فلا نعيد.
تاسعاً : أعياد اُخرى في القرون الثلاثة الاُولى.
هذا وإذا كان ما يحدث في القرون الثلاثة الأولى ليس من البدع المذمومة ، وإذا كانوا يحتجّون للمنع عن المواسم والمراسم بأنها لم تكن في تلك القرون ، فإن معنى ذلك هو أنّ كلّ ما كان في تلك القرون يكون شرعياً ومقبول ، ويمكن ذكر اُمور كثيرة كانت آنئذ ، ونكتفي هنا بذكر الأعياد التالية :
فبالاستناد إلى اُسامة ، عن حماد بن زيد ، عن هشام بن محمد بن سيرين ، قال : اُتي عليرضياللهعنه بهدية بمثل النيروز ، فقال : (( ما هذا ؟ )) قالوا : يا أمير المؤمنين ، هذا يوم النيروز قال : (( فاصنعوا كلّ يوم نيروز )).
قال اُسامة : كرهرضياللهعنه أن يقول : النيروز.
قال البيهقي : وفي هذا الكراهة لتخصيص يوم لذلك لم يجعله الشرع مخصوصاً به(١) .
وقال ابن تيمية : وأمّا عليرضياللهعنه ، فكره موافقتهم في اسم يوم العيد الذي ينفردون به ، فكيف بموافقتهم في العمل؟(٢) .
ولكننا بدورنا لم نفهم مما تقدّم أنهعليهالسلام كره موافقتهم بالاسم ، بل نراهعليهالسلام قد صرّح باسمه ، وأحبّ أن يطلقه على كلّ يوم ، وإلاّ لكان عليه أن يقول مثلاً : فاصنعوا كلّ يوم مثل هذا.
ونرى أنّه (عليه الصلاة والسّلام) قد شجّعهم على أعمال من هذا القبيل ، ولم ينههم عنه ، وإلاّ فقد كان اللازم عليه أن يصرّح لهم بالنهي عن هذا التخصيص ، ولا أن يكتفي بطلب عمل ذلك في كلّ يوم.
كما أنه لو كانعليهالسلام قد كره ذلك ، فقد كان عليه أن يرفض هديتهم النيروزية تلك ، ولكنه لم يفعل ذلك.
____________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم / ٢٠٠ ، وراجع / ٢٥٠.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم / ٢٠١.
هذا وقد كانت العادة عامة في الاحتفال بعيد النيروز ، وهو مبدأ السنة الشمسية ، بتبادل الهدايا ، فكان الخليفة في بغداد يفرق على الناس أشياء منها صور مصنوعة من عنبر ، منها ورد أحمر مثلاً(١) .
والمقصود بالخليفة الذي كان يفعل ذلك هو الذي يلقّبه الحنابلة وأهل الحديث ب-(محيي السنّة) ، وكان أحمد بن حنبل من أقرب المقرّبين إليه. وأعني به المتوكل العباسي(٢) ، وقيل : إنه أوّل مَن أخّر النيروز ؛ رفقاً بأهل الخراج(٣) وقيل : بل أخّره المعتضد(٤) . وكذلك الحال بالنسبة لأمّ المقتدر العباسي(٥) وقبل ذلك في زمن المأمون(٦) ، والواثق(٧) ، والمنصور. وقيل : قبل هؤلاء جميعاً الحجاج(٨) . ولعيد النيروز في مصر وغيرها مراسم خاصة ، لا مجال لذكرها فضلاً عن التفصيل فيه.
كما أنّ عيد المهرجان - الذي كان في القرون الثلاثة الأولى - قد كانت له أهمية خاصة أيضاً ، وكانوا يحتفلون به في طول البلاد الإسلاميّة وعرضها(٩) . وكان الناس يتهادون فيه كما يتهادون في النيروز ، وكان القوّاد ورجال دار الخلافة تخلع عليهم فيه ملابس الشتاء(١٠) . وأوّل مَن رسم هدايا النيروز والمهرجان الحجّاج(١١) . والمقصود أنه رسمها بشكل واسع ، وأخذ الناس بالعمل به ، وإلاّ فقد تقدّمت الرواية عن أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسّلام) أنه قبل هدايا النيروز. هذا ولا بد من التذكير هنا بأنّ علياًعليهالسلام قد قبل هدية النيروز ، وبعد ذلك - وابتدأ من الحجاج - أصبح الاحتفال بالنيروز والمهرجان رسمياً عند الخلفاء ورجال الدولة والعامة على حدّ سواء ، حتّى عند حامل (محيي السنة) والصديق الحميم لأحمد بن حنبل وقد كان العلماء والصلحاء والفقهاء وغيرهم حاضرين وناظرين ، ولم ينقل لنا أي اعتراض من أحد منهم على ذلك ، لا في ذلك الزمان ولا بعده.
____________________
(١) الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري ٢ / ٢٩٣.
(٢) الديارات / ٥٧ ، وراجع / ٣٩-٤٠ ، ونشوار المحاضرات ٨ / ٢٤٦ ، والعامة في بغداد / ٢٥٣ - ٢٥٤ عنهما وعن عجائب المخلوقات / ١٢١ وعن صبح الأعشى ٢ / ٤٢٠.
(٣) محاضرة الأوائل / ١٤٢. (٤) الكامل لابن الأثير ٣ / ٤٦٩ ويؤيده ما في نشوار المحاضرات ١ / ٢٩٣.
(٥) نشوار المحاضرات ١ / ٢٩٣ ، وراجع المستطرف ٢ / ٥٢.
(٦) العقد الفريد ٦ / ٢٨٩ ، وراجع روض الأخيار / ١١٩.
(٧) الأغاني ١٩ / ٢٣٠.
(٨) الأوائل ٢ / ٣٤.
(٩) راجع : حاضرات الأدباء ١ / ٤٢٤.
(١٠) الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري ٢ / ٢٩٦ عن عدد من المصادر ، والعامة في بغداد / ٢٥٥ ، والديارات / ٢٧٠ ، وليراجع / ٢٣١.
(١١) الأوائل ٢ / ٣٤.
فإذا كان هؤلاء يستدلّون لعدم جواز الاحتفال بعيد المولد النبوي ونحوه ، بأنه لم يكن في زمن السلف - أعني الذين عاشوا في القرون الثلاثة الاُولى - فإنّ عليهم - والحالة هذه - أن يعتبروا عيد النيروز والمهرجان من الأعياد الإسلاميّة ؛ لأنها قد كانت في القرون الثلاثة ، ولم يعترض عليها أحد ، حتّى أحمد بن حنبل نفسه فضلاً عن غيره.
هذا ولا حاجة لنا لإثبات أنّ عيد الغدير إسلامي أصيل ، وقد كان في العصور الثلاثة الاُولى ، وعدم صحة قول المقريزي : أوّل ما عُرف في الإسلام بالعراق ، أيّام معز الدولة علي بن بويه ، فإنه أحدثه في سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة ، فاتخذه الشيعة من حينئذ عيداً(١) .
فإنّ هذا القول لا يصحّ ولا يمكن قبوله ، فقد قال المسعودي : وُلد عليرضياللهعنه ، وشيعته يعظّمون هذا اليوم(٢) .
والمسعودي قد توفّي قبل التاريخ المذكور ، أي في سنة ٣٤٦ ه-.
وروى فرات بن إبراهيم - وهو من علماء القرن الثالث - عن الصادق ، عن أبيه ، عن آبائهعليهمالسلام ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (( يوم غدير خمٍّ أفضل أعياد اُمّتي ))(٣) .
ونجد أمير المؤمنين علياًعليهالسلام قد اعتبره عيد ، حيث إنهعليهالسلام خطب في سنة اتّفق فيها الجمعة والغدير ، فقال : (( إنّ الله عزّ وجلّ جمع لكم معشر المؤمنين في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين )) والخطبة طويلة يأمرهم فيها - تفصيلاً - بفعل ما ينبغي فعله في الأعياد , وبإظهار البشر والسرور ، فمَن أراد فليراجع(٤) .
وقد روى فرات بسنده : عن فرات بن أحنف ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : قال : قلت : جعلت فداك ! للمسلمين عيد أفضل من الفطر والأضحى ويوم الجمعة ويوم عرفة ؟ قال : فقال لي : (( نعم ، أفضله وأعظمه ، وأشرفها عند الله منزلة هو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين ، وأنزل على نبيّه محمد :( اليوم أكملتُ لكم دينَكم ) ))(٥) .
____________________
(١) الخطط للمقريزي ١ / ٢٨٨.
(٢) التنبيه والإشراف / ٢٢١ - ٢٢٢.
(٣) الغدير ١ / ٢٨٣.
(٤) مصباح المتهجّد / ٦٩٨ ، والغدير ١ / ٢٨٤ عنه.
(٥) الغدير ١ / ٢٨٤ – ٢٨٥ ، وتفسير فرات / ١٢.
وفي الكافي : عن الحسن بن راشد ، عن الإمام الصادقعليهالسلام أيضاً : أنه اعتبر يوم الغدير عيداً ، وفي آخره قوله : (( فإنّ الأنبياء صلوات الله عليهم كانت تأمر الأوصياء باليوم الذي كان يُقام فيه الوصيَّ أن يُتّخذ عيداً )) قال قلت : فما لمَن صامه ؟ قال : (( صيام ستّين شهراً ))(١) . ويؤيّده ما رواه الخطيب البغدادي ، بسندٍ عن رجاله كلّهم ثقات ، عن أبي هريرة : (( مَن صام يوم ثماني عشر من ذي الحجّة كُتب له صيام ستين شهراً ، وهو يوم غدير خمٍّ))(٢) . وفي رواية اُخرى : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أوصى علياًعليهالسلام أن يتخذ ذلك اليوم عيداً(٣) وليراجع ما رواه المفضل بن عمر ، عن الصادقعليهالسلام (٤) وما روي عن عمار بن حريز العبدي ، عنهعليهالسلام (٥) , وعن أبي الحسن الليثي ، عنهعليهالسلام , وعن زياد بن محمد ، عن الصادقعليهالسلام (٦) . وقال الفياض بن عمر الطوسي سنة تسع وخمسين ومئتين ، وقد بلغ التسعين : إنّه شهد أبا الحسن علي بن موسى الرضاعليهالسلام في يوم الغدير ، وبحضرته جماعة من خاصّته قد احتبسهم للإفطار ، وقد قدم إلى منازلهم الطعام والبر والصلات والكسوة حتّى الخواتيم والنعال ، وقد غيّر من أحوالهم وأحوال حاشيته ، وجددت لهم آلة غير الآلة التي جرت الرسم بابتذالها قبل يومه ، وهو يذكر فضل اليوم وقدمه(٧) .
وفي مختصر بصائر الدرجات ، بالإسناد ، عن محمد بن علاء الهمداني الواسطي ، ويحيى بن جريح البغدادي ، قالا في حديث : قصدنا جميعاً أحمد بن إسحاق القمّي ، صاحب الإمام أبي محمد العسكري ، المتوفّى ٢٦٠ ه- بمدينة قم ، وقرعنا عليه الباب ، فخرجت إلينا من داره صبية عراقية ، فسألناها عنه ، فقالت : هو مشغول بعيده ، فإنه يوم عيد فقلنا : سبحان الله ! أعياد الشيعة أربعة ؛ الأضحى , والفطر ، والغدير , والجمعة(٨) .
وبعد ، فقد حشد العلاّمة الأميني في كتابه القيّم (الغدير) عشرات النصوص , عن عشرات المصادر الموثوقة عند أهل السنّة ، والتي تؤكّد على عيدية يوم الغدير في القرون الاُولى ، وأنه قد كان شائعاً ومعروفاً في العصور الإسلاميّة الاُولى. وتكفي مراجعة الفصل الذي يذكر فيه تهنئة الشيخين أبي بكر وعمر لأمير المؤمنينعليهالسلام بهذه المناسبة ، فقد ذكر ذلك فقط عن ستين مصدراً.
____________________
(١) الكافي ٤ / ١٤٨ – ١٤٩ ، والغدير ١ / ٢٨٥ ، عنه ومصباح المتهجّد / ٦٨٠.
(٢) تاريخ البغدادي ٨ / ٢٩٠ ، وأشير إليه في تذكرة الخواصّ / ٣٠ ، والمناقب للخوارزمي / ٩٤ ، وفيه ستين سنة بدل ستين شهر ، ومناقب الإمام علي لابن المغازلي / ١٩ ، وفرائد السمطين الباب ١٣ / ج ١ / ٧٧ ، مثل ما في مناقب الخوارزمي ، والغدير١ / ٤٠١ – ٤٠٢ ، عنهم وعن زين الفتى للعاصمي.
(٣) الكافي ٤ / ١٤٩ ، والغدير ١ / ٢٨٥ – ٢٨٦.
(٤) الخصال ١ / ٢٦٤ ، والغدير ١ / ٢٨٦.
(٥) مصباح المتهجّد / ٦٨٠ ، والغدير ١ / ٢٨٦.
(٦) مصباح المتهجّد / ٦٩٦.
(٧) الغدير ١ / ٢٨٧ ، ومصباح المتهجّد / ٦٩٦.
(٨) الغدير ١ / ٢٨٧.
هذا ما عدا المصادر الكثيرة التي ذكرت تهنئة الصحابة لهعليهالسلام بهذه المناسبة ، وعدا المصادر التي نصّت على عيديّة يوم الغدير ، فإنها كثيرة أيضاً فراجع كتاب الغدير١ / ٢٦٧ - ٢٨٩.
ومن ذلك كله يعلم أنّ ما ذكره ابن تيمية عن عيد الغدير - إنّ اتخاذ هذا اليوم عيداً لا أصل له ، فلم يكن في السلف ، لا من أهل البيت ولا من غيرهم ، مَن اتخذ ذلك عيداً(١) - لا يصحّ ، ولا يستند إلى دليل علمي ولا تاريخي على الإطلاق ، وإنما الأدلّة كلّها على خلافه.
أضف إلى ذلك إننا نجد أنه قد كان في القرون الثلاثة ما هو أهم ، ونفعه أعمّ ، فإن رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يتيّمن بسنة ولادة عليعليهالسلام .
قال ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي : وقد روي أن السّنة التي ولد فيها عليعليهالسلام ، هي السنة التي بُدئ فيها برسالة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فأسمع الهتاف من الأحجار والأشجار ، وكُشِفَ عن بصره ، فشاهد أنواراً وأشخاصاً ، ولم يخاطب فيها بشيء.
وهذه السنة هي السنة التي ابتدأ فيها بالتبتُّل والانقطاع والعزلة في جبل حراء ، فلم يزل به حتّى كوشف بالرسالة ، واُنزل عليه الوحي ، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يتيمَّن بتلك السنة وبولادة عليعليهالسلام فيها ، ويسميّها سنة الخير والبركة(٢) .
عام الحزن
وفي مقابل ذلك نجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله في محاولة منه لتخليد جهاد أبي طالب وخديجةعليهماالسلام ، وليذكّر الناس بأنّ الإسلام لا ينسى ما لهما من أياد بيضاء ، وتضحيات كبرى ، نجدهصلىاللهعليهوآله ، يسمّي عام وفاتهما ب- (عام الحزن)(٣) .
ليس من الحنظل يُشتار العسل
إننا مهما توقّعنا فلا يمكن أن نتوقّع من أهل البادية ، ورعاة الإبل والأعراب , إلاّ الجهل الذريع ، والحماقات المخجلة ، مع مزيد من الجمود والجحود والعنجهية والادّعاء.
فإنّ هؤلاء الذين يتوقّفون في مسألة البرق (التلغراف) على اعتبار أنه أمر حادث في آخر الزمان ، ولا يعلمون حقيقته ، ولا رأوا فيه كلاماً لأهل العلم - حسب زعم علماء نجد ، الذين استفتاهم السلطان ابن سعود(٤) - ويعتبرون عيد الأمّ بدعة ، كما ورد على لسان علمائهم ، وهم يجيبون على الأسئلة الشرعية عبر الإذاعة.
____________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم / ٢٩٤.
(٢) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الحنفي ٤ / ١١٥.
(٣) تاريخ الخميس ١ / ٣٠١ ، وسيرة مغلطاي / ٢٦ ، والمواهب اللدنّية ١ / ٥٦.
(٤) استفتاء ابن سعود لعلماء نجد ، وجواب أربعة عشر رجلاً من علمائهم موجود في جريدة الرأي العام الدمشقية الصادرة بتاريخ ١٩ ذي القعدة سنة ١٣٤٥ ، راجع كشف الارتياب / ٤٩١ - ٤٩٢.
وإن كان قد عاد التلغراف ، والطائرة ، والمدفع ، والكومبيوتر إلخ ليكون حلالاً يمارسه كبار شيوخهم ، وحكامهم وملوكهم.
إنّ هؤلاء الذين يتوقّفون في التلغراف لا يتوقّفون في إهانة المسلمين ، وضرب مقدّساتهم ، وهتك حرماتهم وحتّى سفك دمائهم ، من أجل خيالات زائفة ، وترهات وأباطيل لا أصل لها في الشرع ، ولا حجة لها من العقل.
كما أنهم لا يتوقّفون في السخرية بالنبي الأكرمصلىاللهعليهوآله والهزء به ، حيث يستبعدون اسم أبي طالب عن شعبه المعروف على مدى التاريخ ب- (شعب أبي طالب) ، ويكرمون كهف المنافقين ويطلقون على الشارع الذي في ذلك الشعب ويسمّونه ب- (شارع أبي سفيان).
بل هم يسخرون بكلِّ المقدسات ، ويهزؤون بالذات الإلهية - والعياذ بالله - فيكرمون عدو الله وعدو رسوله ، فيطلقون اسم أبي لهب ( لعنه الله) على أحد شوارع مكّة المكرمة ، فما ندري ما نقول حول هذه العقلية الجامدة ، وهذه النفوس الحاقدة ، وهذا التصرف السافل ؟! فهل هو النصب ، أم هي الحماقة ؟!(١) .
ولا نعرف لهذا مثيلاً إلاّ احتياط أهل العراق بالنسبة لدم البعوض ، مع استحلالهم لقتل سيّد شباب أهل الجنة وأهل بيته وأصحابه ، كما ذكره ابن عمر(٢) .
وما ذلك إلاّ واحدة من ممارساتهم المخجلة ، ومهازلهم وترهاتهم الباطلة التي لسنا بصدد تتبّعها واستقصائها.
وما أحراهم بما وصف به بشر بن المعتمر ، رئيس معتزلة بغداد ، سلفهم الخوارج الذين يشبهونهم في أربعة عشر وجهاً من مميزاتهم وخصائصهم(٣) ، قال بشر بن المعتمر :
ما كان من أسلافِهم أبو الحسنْ |
ولا ابنُ عباسٍ ولا أهلُ السننْ |
|
غير مصابيحِ الدجى مناجبْ |
اُولئك الأعلام لا الأعاربْ |
|
كمثل حرقوصٍ ومَن حرقوصُ |
فقعةُ قاعٍ حولها قصيصُ |
____________________
(١) أشار إلى ذلك بعض المحقّقين.
(٢) راجع : خصائص أمير المؤمنين عليعليهالسلام للنسائي / ١٢٤ - ١٢٥ ، وأنساب الأشرف - بتحقيق المحمودي ٣ / ٢٢٧ و٥ / ٣٧٨ - ط أولى ، ونقل عن حلية الأولياء وعن الطبراني في الكبير ، وعن الترمذي في جامعه ،والبخاري ٤ / ٣٤ ، ومسند أحمد ٢ / ١١٤ و٩٣ و١٥٣ , ٨٥ ، وأسد الغابة ١ / ١٩ ، والفصول المهمة لابن الصباغ / ١٥٨ ، والجوهرة في نسب عليعليهالسلام وآله / ٤٠ ، وتهذيب تاريخ دمشق ٤٠ / ٣١٧ ، وراجع الإصابة ١ / ٣٣٢ ، وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر بتحقيق المحمودي / ٣٨.
(٣) راجع كتاب كشف الارتياب / ١١٤ - ١٢٦.
ليس من الحنظلِ يُشتار العسلْ |
ولا من البحورِ يُصطاد الورلْ |
|
هيهات ما سافلةٌ كعاليهْ |
ما معدن الحكمةِ أهلُ الباديةْ(١) |
وبعد ، فإننا نجد في القرون الثلاثة الأولى أعياداً ومناسبات اُخرى يحتفل الناس بها ، ويهتمّون بشأنها ، ويتهادون فيها مثل عيد الختان ، ويوم الاحتجام(٢) . وقد أنفق محيي السنّة! المتوكل ، في حفل ختان أبي عبد الله المعتز ستة وثمانين مليوناً من الدراهم(٣) ، حتّى أنسى الناس يوم زواج المأمون ببوران ، وغيره من الأيّام المشهورة.
ولسنا في صدد التتبّع لشواهد ذلك ، وكتب التاريخ والأدب مليئة بها ، فليراجعها مَن أراد.
اليوم الوطني عند الوهابيِّين
وأخيراً فإننا نجد نفس المانعين أيضاً يبتكرون ، انطلاقاً من دوافعهم الفطرية ، ومن سجيّتهم الإنسانية - وإنّ ذلك لمن المفارقات حقّاً ، حيث إننا نجد نفس هؤلاء الذين يوزّعون أوسمة الشرك والابتداع على هذا الفريق أو ذاك ، ممن يقيمون الذكرى بمولد الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، أو بيوم عيد الغدير ، أو بيوم عاشوراء , أو المبعث أو غير ذلك - نجدهم أنفسهم يبتدعون عيداً جرياً على مقتضيات الفطرة والسجيّة ، لم يكن في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولا في عهد السلف ، لا في القرون الثلاثة الاُولى ، ولا في الثلاثة التي بعدها ، ولا إلخ. وهذا العيد هو العيد الوطني ، الذي هو يوم تأسيس الدولة الوهابية في الحجاز ، ويعلنون ذلك في مختلف وسائل الإعلام التي تقع تحت اختيارهم ، ويلقي أولياء الاُمور في المملكة على أعلى مستوى خطابات بهذه المناسبة ويتلقّون برقيات التهنئة ويجيبون عليها. كما أنّ نفس ملك الوهابيِّين يبعث ببرقيات التهنئة إلى ملوك ورؤساء العالم بالأعياد الوطنية لتلك البلاد ، وكذلك يفعل سائر وزرائه وأعوانه.
بالمواسم ويكفي أن نذكر أنّ خادم الحرمين الشريفين! يرسل خلال ثلاثة أيّام فقط - وافقت كتابة هذا الوريقات - البرقيات التالية ، ويذيعها عبر وسائل إعلامه.
____________________
(١) الحيوان ٦ / ٤٥٥ ، والفقعة : الرخو من الكمأة والقصيص : شجرة تنبت في أصلها الكمأة.
(٢) راجع : الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري ٢ / ٣٠٠ - ٣٠١.
(٣) راجع قصة هذا الحفل في الديارات / ١٥٠ - ١٥٦ ، وفي الهامش عن المصادر التالية : لطائف المعارف للثعالبي / ٧٤و٧٥ - ط ليدن ، وثمار القلوب / ١٣١ ، ومطالع البدور في منازل السرور - للغزالي١ / ٥٨ و٥٩ عن كتاب : العجائب والطرف والهدايا والتحف / ١١٣ - ١١٩.
١ - الجمعة ٢٨ تشرين الثاني سنة ١٩٨٦م يذاع من إذاعة نداء الإسلام من مكة المكرمة : إنّ الملك فهد يبرق لرئيس جمهورية موريتانيا مهنّئاً له بالعيد الوطني لبلاده.
٢ - جواب رئيس النمسا ببرقية شكر على تهنئة الملك فهد له بمناسبة العيد الوطني لبلاده.
٣ - السبت ٢٩ تشرين الأوّل سنة ١٩٨٦م خوان كارلوس ملك اسبانيا يبعث ببرقية لخادم الحرمين الشريفين جواباً على تهنئة له بمناسبة اعتلائه العرش في اسبانيا.
٤ - الأحد ٣٠ تشرين الثاني ١٩٨٦م خادم الحرمين الشريفين يبعث ببرقية تهنئة لأبي بكر العطاس رئيس اليمن الديمقراطية ، بمناسبة عيد استقلال بلاده.
٥ - خادم الحرمين يبعث ببرقية تهنئة لرئيس جمهورية يوغسلافيا ، بمناسبة اليوم الوطني لبلاده.
٦ - تلقَّ خادم الحرمين الشريفين برقية جوابية من رئيس الجمهورية اللبنانية ردّاً على برقية له بمناسبة استقلال بلاده.
هذه من علاهُ إحدى المعالي |
وعلى هذهِ فقسْ ما سواها |
ولا ندري ما الذي أحلّ ذلك لهم ولملوكهم ، ولوزرائهم ، وقوّادهم ، وسائر حكامهم ، وحرّمه على غيرهم ؟! وإذا كان ذلك حراماً مطلقاً فلماذا لا ترتفع أصوات وعّاظ السلاطين في وجوه سلاطينهم أوّلاً ؟ أم أنهم يرون الشعرة في عين غيرهم ، ولا يرون الخشبة في أعينهم ؟!
مَن يدري !! ولعلّ الفطن الذكي هو الذي يدري.
الفصل السادس
شواهد اُخرى في نهايات البحث
وما دمنا نقترب قليلاً قليلاً من نهايات البحث ، بعد أن ذكرنا طائفة من الدلائل والشواهد التي من شأنها أن تساهم إلى حدّ كبير في تكوين الانطباع المشروع والواعي عن حقيقة أنّ الشرع والدين منسجم تماماً مع مقتضيات الفطرة ومتطلباتها ، وأنه يعتبر نفسه مسؤولاً عن المحافظة عليها ، وتنمية قدراتها الذاتية ، مع حفظ التوازنات الضرورية في روافدها ؛ من أجل ضمان سلامة الإنسان وسعادته ، وتقدّمه المطّرد في مدارج المجد والكمال المنشودين.
فمن المناسب هنا أن نعرض لبعض الشواهد الاُخرى ، التي ربما يقال : إنها ليس لها ذلك الوضوح الذي يؤهّلها للاعتماد عليها وحدها ، ولكنها - على الأقل - تستطيع أن تحتلّ موقع المؤيّد والمناصر ، الذي يقوى تارة ويضعف اُخرى.
فإلى الشواهد التالية :
هذا وإذا كنّا نعلم أنّ مَن أصيب بمصيبة ، ثمّ عفا عليها الزمن وتقادم عهدها فإنه سوف ينساها ، أو على الأقل لا تبقى لها في قلبه تلك الحرقة ، فإذا مرّت بخاطره ، فيمكن أن لا يعيرها أيّ اهتمام يذكر ، ولا يحتاج إلى القيام بأيّ عمل تجاهها.
١ - فإننا مع ذلك نجد الرواية عن فاطمة بنت الحسين ، عن أبيها الحسين بن علي (رض) قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (( مَن أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث لها استرجاعاً ، وإن تقادم عهدها ، كتب الله له من الأجر مثلها يوم أصيب))(١) .
فلربما يستفاد من ذلك أنّ هذا معناه جواز تجديد الذكرى للأموات مهما تقادم عهدهم ، شرط أن يفعل ما فيه الثواب والأجر ، لا ما يوجب العقاب والوزر.
٢ - ذرّية(٢) خادمة رسول اللهصلىاللهعليهوآله قالت : كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا كان يوم عاشوراء دعا مراضيع الحسينعليهالسلام ، ويقول لهنّ : (( تُسقون شيئاً مرّاً )) هذا إشارة إلى ما وقع في أولاده يوم عاشوراء(٣) .
فنجدهعليهالسلام يتحرّى المناسبة ، ويأمر بذلك. فإنكار تحرّي يوم في السنة لإظهار الحزن فيه أو الفرح ، ليس في محله ، والنصوص الدالّة على مطلوبيّة البكاء على الحسين ومصائب أهل البيتعليهمالسلام كثيرة ، فعن الربيع بن المنذر ، عن أبيه قال : كان الحسين بن علي يقول : (( مَن دمعت عيناه فينا دمعة بقطرة ، أعطاه الله تعالى الجنة )) وبمعناه غيره(٤) .
وفي نص آخر : عن الصادقعليهالسلام : (( مَن ذُكِرنا عنده ، أو ذَكَرنا ، فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه))(٥) .
____________________
(١) سنن ابن ماجة ١ / ٥١٠ ، ومسند أحمد ١ / ٢٠١ ، واقتضاء الصراط المستقيم / ٢٩٩ - ٢٠٠ عنهما ، ومجمع الزوائد ٢ / ٣٣١ ، عن الطبراني في الأوسط.
(٢) ذرية : اسم امرأة ، يقال : إنها كانت خادمة لهصلىاللهعليهوآله .
(٣) ينابيع المودة للقندوزي الحنفي / ٢٦٢ عن كتاب مودة القربى - لعلي بن شهاب الهمداني.
(٤) دعوة الحسينية إلى مواهب الله السنية / ١٣٦ ، عن مسند أحمد ، وعن ذخائر العقبى ، وينابيع المودة ، وجواهر العقدين ، وأحمد في المناقب ، ورشفة الصادي.
(٥) دعوة الحسينية / ١٣٧ ، عن ينابيع المودة عن رشفة الصادي.
وعنهعليهالسلام : (( إنّ عاشوراء أحرق قلوبنا ، وأرسل دموعنا ، وأرض كربلاء أورثتنا الكرب والبلاء ، فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون ؛ فإنّ البكاء عليه يمحو الذنوب أيّها المؤمنون))(١) ولسنا هنا في صدد استقصاء ذلك.
٣ - عن النبيصلىاللهعليهوآله : (( ما من قوم اجتمعوا يذكرون فضائل آل محمد إلاّ هبطت ملائكة من السماء حتّى لحقت بهم تحدّثهم ))(٢) فيلاحظ هنا أنه نصّ على مطلوبية الاجتماع لذلك.
وليراجع حول إقامة المآتم في عاشوراء كتاب دعوة الحسينية ، ومقتل الحسين للمقرم ، وسيرتنا وسنّتنا ، وغير ذلك.
قال ابن الحاج : تقدّم ما في قوله (عليه الصلاة والسلام) للسائل الذي سأله عن صوم يوم الإثنين ، فقالصلىاللهعليهوآله : (( ذلك يوم ولدت فيه )).
ولمّا صرّحصلىاللهعليهوآله بقوله يوم الإثنين (( ذلك يوم ولدت فيه )) علم بذلك ما اختصّ به يوم الإثنين من الفضائل ، وكذلك الشهر الذي ظهر فيهصلىاللهعليهوآله .
فإن كان يوم الجمعة فيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله تعالى شيئاً إلاّ أعطاه إيّاه ، وقد قال الإمام أبو بكر الفهري المشهور بالطرطوشيرحمهالله تعالى ، : إنها بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس ، وقوّىرحمهالله ذلك بحديث ، قال في كتابه : رواه مسلم في الصحيح ، وذكر فيه : إنّ آدم خلق بعد العصر من يوم الجمعة ، في آخر ساعة من ساعات الجمعة ، ما بين العصر إلى الليل(٣) .
إلى أن قال : إذ إنّ المعنى الذي فضّل الله به تلك الساعة في يوم الجمعة هو خلق آدم (عليه الصلاة والسّلام) ، فما بالك بالساعة التي ولد فيها سيّد الأولين والآخرينصلىاللهعليهوآله .... إلى أن قال : ووجه آخر : إنّ يوم الجمعة فيه أُهبط آدم وفيه تقوم الساعة. ويوم الإثنين خيرٌ كلهُ وأمنٌ كلهُ ، فلله الحمد والمنّة(٤) .
وقال أيضاً : لكن أشار (عليه الصلاة والسّلام) إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله (عليه الصلاة والسلام) للسائل الذي سأله عن صوم يوم الإثنين ، فقال له (عليه الصلاة والسّلام) : (( ذلك يوم ولدت فيه ))(٥) .
____________________
(١) المصدر السابق عن الأسفراييني في آخر كتاب نور العين.
(٢) ينابيع المودة / ٢٤٦ ، عن مودة القربى للهمداني ، ودعوة الحسينية / ١٣٨ عنه.
(٣) المدخل ٢ / ٢٩.
(٤) المصدر السابق / ٣٠.
(٥) الحديث موجود أيضاً في السيرة الحلبيّة ١ / ٥٨ ، ومسند أحمد ٥ / ٢٩٧ و٢٩٩ ، والمنتقى٢ / ١٩٥ ، عن أحمد ومسلم وأبي داود ، وصحيح مسلم٣ / ١٦٦.
فتشريف هذا اليوم متضمّن لتشريف هذا الشهر الذي ولد فيه ، فينبغي أن نحترمه حقّ الاحترام ، ونفضّله بما فضّل الله الأشهر الفاضلة.
إلى أن قال : لما قد علم أنّ الأمكنة والأزمنة لا تتشرّف لذاتها ، وإنما يحصل لها التشريف بما خُصّت به من المعاني . إلى أن قال : فينبغي إذا دخل هذا الشهر الكريم أن يُكرّم ويُعظّم ، ويُحترم الاحترام اللائق به ، وذلك بالاتباع لهصلىاللهعليهوآله في كونه (عليه الصلاة والسّلام) كان يخصّ الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البرّ فيها ، وكثرة الخيرات.... إلخ.
ثمّ يذكر : أنهصلىاللهعليهوآله أراد التخفيف على أمّته ، فلم يلزمهم في هذا الشهر بشيء(١) فيكون بدعة وقد تقدّم أنّ هذه الإرادة لم تثبت ، ولا يصحّ الاستدلال بها ، فلا نعيد.
كما أنّ البعض قد علّق على ما روي عنهصلىاللهعليهوآله : (( فيه ولدت وفيه أُنزِلَ عليَّ )) بقوله : هذا في معنى الاحتفال به ، إلاّ أنّ الصورة مختلفة ، ولكن المعنى موجود ، سواء كان ذلك بصيام ، أو إطعام ، أو اجتماع على ذكر ، أو صلاة على النبيصلىاللهعليهوآله ، أو سماع شمائله الشريفة(٢) .
كما أنّ ابن رجب قد قرّر استحباب صوم يوم المولد ، استناداً إلى هذه الرواية(٣) .
وقال ابن العماد في حوادث سنة ٣٨٩ ه - وكذا قال غيره أيضاً : تمادت الشيعة في هذه الأعصر في غيّهم بعمل عاشوراء ، باللطم والعويل ، والزينة ، وشعار الأعياد يوم الغدير ، فعمدت غالية السُّنة وأحدثوا في مقابلة يوم الغدير يوم الغار وجعلوه بعد ثمانية أيّام من يوم الغدير ، وهو السادس والعشرون من ذي الحجة ، وزعموا : أنّ النبيصلىاللهعليهوآله وأبا بكر اختفيا حينئذٍ في الغار.
وهذا جهل وغلط ، فإنّ أيّام الغار إنّما كانت بيقين في صفر ، وفي أوّل شهر ربيع الأوّل.
وجعلوه بإزاء يوم عاشوراء ، بعده بثمانية أيّام يوم مصعب بن الزبير ، وزاروا قبره يومئذٍ بمسكن ، وبكوا عليه ، ونظروه بالحسين ؛ لكونه صبر وقاتل حتّى قتل ، ولأن أباه ابن عمّ النبيصلىاللهعليهوآله إلى أن قال : ودامت السنّة على هذا الشعار القبيح مدّة سنين.
____________________
(٢) المدخل لابن الحاج ٢ / ٣ فما بعدها ، وعنه في رسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٨٤ - ٨٥.
(٣) راجع القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ١٧٥ متناً وهامشاً و / ١٧٧.
(٤) المصدر السابق / ١٧٥ و ١٧٦ عن لطائف المعارف.
قاله في العبر(١) .
لكن ابن الجوزي ذكر أنّ عادة الشيعة جرت في الكرخ وباب الطاق بنصب القباب ، وتعليق الثياب ، وإظهار الزينة في يوم الغدير ، وإشعال النار في ليلته ، ونحر جمل في صبيحته ، فأرادت الطائفة الاُخرى أن تعمل في مقابلة هذا شيئاً , فادّعت إلخ(٢) الكلام السابق.
قال ابن كثير في حوادث سنة ٣٦٣ : فيها ، في يوم عاشوراء عملت البدعة الشنعاء على عادة الروافض ، ووقعت فتنة عظيمة ببغداد بين السنّة والرافضة. وكلا الفريقين قليل عقل ، أو عديمه ، بعيد عن السّداد.
وذلك أنّ جماعة من أهل السنّة أركبوا امرأة وسمّوها عائشة ، وتَسمَّى بعضهم بطلحة وبعضهم بالزبير ، وقالوا : نقاتل أصحاب علي فقتل بسبب ذلك من الفريقين خلق كثير(٣) .
وفي الختام فإننا نأمل أن يكون ذلك الذي ذكرناه كافياً في إعطاء لمحة عن هذا الموضوع الذي كنّا نرى أنه من الواضحات ، والبديهيات التي لا تحتاج إلى إقامة الأدلّة والبراهين ، ولا إلى حشد الشواهد والدلائل.
وكنّا نتمنّى أن يصرف هذا الوقت الذي استغرقه منّا هذا البحث فيما هو أهمّ ، ونفعه أعمّ , ولكن قاتل الله العصبيات الجاهلية والتعصّبات المذهبية التي فرضت على البعض أن يستميتوا في سبيل المنع من المجالس التي يذكر فيها محمدصلىاللهعليهوآله وأهل بيتهعليهمالسلام ومصائبهم ، وما جرى عليهم وكذلك من زيارة مشاهدهم المشرفة في أوقات مخصوصة ، والتبرّك بآثارهم صلوات الله وسلامه عليهم.
فكان أن ظهروا علينا بتلك النظريات السخيفة ، والاستدلالات الضعيفة ، ثمّ تبع ذلك رمي هذه الطائفة بالكفر وتلك بالشرك ، ثمّ مارسوا ضد هؤلاء وأولئك أساليب القهر والقمع والتحقير والإهانة ، إلى غير ذلك من أساليب ظالمة وحاقدة ؛ ليمنعوا الناس من العمل وفق قناعاتهم بأمن وحرية. هذا كله عدا عن التعدّي على الحرمات ، وارتكاب العظائم والجرائم في حق النبيصلىاللهعليهوآله ، وفي حق أهل بيته الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وفي حق شيعتهم الميامين بل وجميع المسلمين.
____________________
(١) شذرات الذهب ٣ / ١٣٠ ، والمنتظم لابن الجوزي ٧ / ٢٠٦ ، وبحوث أهل السنّة والسلفية / ١٤٥ ، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة ١ / ٩٥ ، والغدير ١ / ٢٨٨ عن نهاية الأرب في فنون الأدب ١ / ١٧٧. وراجع العامة في بغداد / ٢٥٢ ، ويوم الغار ذكره المقريزي في خططه ١ / ٣٨٩ ، ونسب ذلك إلى عوام السنّة ، والحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري ١ / ١٣٨ عن كتاب الوزراء / ٣٧١ ، وعن المنتظم.
(٢) راجع المنتظم ٧ / ٢٠٦ ، والغدير ١ / ٢٨٨ عن نهاية الأرب في فنون الأدب ١ / ١٧٧.
(٣) البداية والنهاية ١١ / ٢٧٥ ، وعنه في الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ١ / ٩٤ ، وبحوث مع أهل السنّة والسلفية / ١٤٤ - ١٤٥ و ١١١.
فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وسيعلم الذين ظلموا محمداً وأهل بيته وشيعتهم ، والمسلمين النبلاء جميعاً أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين.
إيران - قم المشرفة
جعفر مرتضى الحسيني العاملي
حُرّر بتاريخ ١٢ ربيع الثاني سنة ه- ق
الموافق ٢٤ آذار سنة ١٣٦٥ ه - ش
١ - القرآن الكريم.
٢ - آئين وهابيت ، للعلاّمة الشيخ جعفر سبحاني / ط - دفتر جامعة المدرسين - قم - إيران - سنة ١٣٦٤ ه- - ش
٣ - الإتحاف بحب الأشراف ، للسبزواري الشافعي ، المطبعة الأدبيّة بمصر.
٤ - الإحكام في اُصول الأحكام ، للآمدي / ط - سنة ١٣٨٧ ه- - ق مؤسسة الحلبي وشركاه ، مصر.
٥ - إحقاق الحق ، قسم الملحقات ، للسّيد المرعشي النجفي.
٦ - إحياء علوم الدين ، لأبي حامد الغزالي / ط - دار المعرفة ، بيروت - لبنان.
٧ - الأخبار الطوال ، للدينوري ، دار إحياء الكتب العربية / ط - سنة ١٩٦٠م.
٨ - الأدب المفرد ، للبخاري.
٩ - الإرشاد ، للشيخ المفيدرحمهالله / ط - الحيدريّة - النجف الأشرف - العراق ، سنة ١٣٩٢ ه- ق.
١٠ - إرشاد الساري ، للقسطلاني / ط - سنة ١٣٠٤ه- ق نشر دار صادر ، بيروت.
١١ - إرشاد الفحول ، للشوكاني / ط - سنة ١٣٩٩ه- ق دار المعرفة ، بيروت - لبنان.
١٢ - الاستيعاب ، لأبي عمر بن عبد البر القرطبي ، المطبوع بهامش الإصابة سنة ١٣٢٨ه- ق بمصر.
١٣ - أسد الغابة ، لابن الأثير الجزري ، انتشارات إسماعيليان - طهران - إيران.
١٤ - إسعاف الراغبين للصبان ، المطبوع بهامش نور الأبصار ، بمصر.
١٥ - الإصابة في معرفة الصحابة ، لابن حجر العسقلاني / ط - مصر سنة ١٣٢٨ ه- ق.
١٦ - إعلام الورى للطبرسيرحمهالله تعالى / ط - سنة ١٢٩٠ ه- ق الحيدريّة - النجف الأشرف ، العراق.
١٧ - الأغاني ، لأبي الفرج الأصفهاني / ط - دار إحياء التراث العربي ، بيروت - لبنان.
١٨ - اقتضاء الصراط المستقيم ، لابن تيمية / مكتبة الرياض الحديثة.
١٩ - الإلمام ، للنويري الإسكندراني / ط - سنة ١٣٨٨ ه- ق حيدر آباد الدكن ، الهند.
٢٠ - الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ، للشيخ أسد حيدر / ط - سنة ١٣٩٢ ه- ق نشر دار الكتاب العربي - بيروت.
٢١ - أنساب الأشرف ، للبلاذري - الطبعة الاُولى والثانية التي حققها المحمودي.
٢٢ - الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف ، لأبي بكر جابر الجزائري / ط - سنة ١٤٠٥ ه- ق الرياض.
٢٣ - الأوائل ، لأبي هلال العسكري / ط - سنة ١٩٧٥م - دمشق.
ب
٢٤ - بحوث أهل السنّة والسلفية ، للسّيد مهدي الروحاني / ط - سنة ١٣٩٩ه- ق بيروت - لبنان.
٢٥ - البداية والنهاية ، لأبي الفداء ابن كثير / ط - سنة ١٩٦٦ م.
٢٦ - بهجة المحافل للعامري ، الناشر المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.
ت
٢٧ - تاريخ الإسلام ، للذهبي / ط - مطبعة المدني - القاهرة.
٢٨ - تاريخ ابن الوردي / ط - الحيدريّة - النجف الأشرف - العراق ، سنة ١٣٨٩ ه- ق.
٢٩ - تاريخ الأمم والملوك ، لمحمد بن جرير الطبري / ط - سنة ١٤٠٥ ه- ق مؤسسة عز الدين - بيروت - لبنان.
٣٠ - تاريخ بغداد ، للخطيب البغدادي / ط - دار الكتاب العربي - بيروت - لبنان.
٣١ - تاريخ الخميس للديار بكري / ط - سنة ١٢٨٣ ه- ق مصر.
٣٢ - تاريخ عمر بن الخطاب ، لأبي الفرج ابن الجوزي ، منشورات دار إحياء علوم الدين.
٣٣ - التبرّك ، تبرك الصحابة والتابعين بآثار الأنبياء والصالحين ، للشيخ علي الأحمدي الميانجي / ط الدار الإسلاميّة. بيروت - لبنان.
٣٤ - ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق ، تحقيق المحمودي / ط - بيروت لبنان ، سنة ١٣٩٨ ه- ق.
٣٥ - تذكرة الخواص ، سبط ابن الجوزي / ط - سنة ١٣٨٣ ه- ق - النجف الأشرف - العراق.
٣٦ - تذكرة الموضوعات ، للفتني ، الناشر أمين دمج. بيروت - لبنان.
٣٧ - الترغيب والترهيب ، للمنذري / ط - سنة ١٣٨٨ ه- ق دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٣٨ - تفسير فرات ، لفرات الكوفي / منشورات مكتبة الداودي قم - إيران.
٣٩ - التفسير الكبير ، للفخر الرازي ، منشورات دار الكتب العلمية - طهران - إيران.
٤٠ - تلخيص المستدرك ، للذهبي ، المطبوع بهامش المستدرك في الهند سنة ١٣٤٢ ه- ق.
٤١ - التنبيه والأشرف ، للمسعودي / ط - سنة ١٣٥٧ ه- ق دار الصاوي ، بمصر.
٤٢ - تهذيب الاسماء واللغات ، للنووي - إدارة الطباعة المنيرية ، بمصر.
٤٣ - تهذيب تاريخ دمشق ، لابن بدران / ط - دار المسيرة ، سنة ١٣٩٩ ه- ق.
٤٤ - التوسل بالنبيّ وجهلة الوهابيِّين ، لأبي حامد بن مرزوق / ط - سنة ١٣٩٦ ه- ق استانبول تركيا.
ج
٤٥ - الجامع الصحيح ، للترمذي ، منشورات المكتبة الإسلاميّة - إيران.
٤٦ - الجامع لأحكام القرآن ، للقرطبي / ط - دار إحياء التراث العربي ، بيروت - لبنان.
٤٧ - الجمهرة في لغة العرب ، لابن دريد.
٤٨ - جواهر البحار ، لإسماعيل النبهاني.
٤٩ - الجوهرة في نسب عليعليهالسلام وآله ، للأنصاري التلمساني ، البري / ط - بيروت - لبنان ، سنة ١٤٠٢ ه- ق.
٥٠ - حسن المقصد ، المطبوع في استانبول ، تركيا ، مع النعمة الكبرى على العالم.
٥١ - الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري ، لأدم متز / ط - سنة ١٣٨٧ه- ق بيروت - لبنان.
٥٢ - حلية الأولياء ، لأبي نعيم.
٥٣ - حياة الحيوان ، للدميري.
٥٤ - كتاب الحيوان ، للجاحظ / ط - سنة ١٣٨٨ ه- ق - بيروت - لبنان.
خ
٥٥ - خصائص أمير المؤمنين ، للنسائي / ط - النجف الأشرف - العراق عام ١٣٨٨ ه- ق.
٥٦ - الخصال ، للشيخ الصدوقرحمهالله تعالى / ط - سنة ١٤٠٣ ه- ق ، منشورات جماعة المدرسين ، قم - إيران.
٥٧ - الخطط والآثار ، للمقريزي / ط - مصر سنة ١٢٧٠ ه- ق.
٥٨ - دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ، لجعفر مرتضى ، مؤلف هذا الكتاب / ط - سنة ١٤٠٠ ه- ق قم - إيران.
٥٩ - الدر المنثور ، للسيوطي / ط - سنة ١٣٧٧ ه- ق.
٦٠ - دلائل الصدق ، للشيخ محمد حسن المظفررحمهالله تعالى / ط - سنة ١٣٩٥ ه- ق قم - إيران.
٦١ - دلائل النبوة ، للبيهقي / ط - سنة ١٣٨٩ ه- ق.
٦٢ - دعوة الحسينية ، لمحمد باقر البهاري البهبهاني / ط - سنة ١٣٩٩ ه- ق المطبعة العلمية / قم - إيران.
٦٣ - الديارات ، للشابشتي / ط - سنة ١٣٨٦ ه- ق مكتبة المثنى. بغداد - العراق.
ذ
٦٤ - ذخائر العقبى ، لأحمد بن عبد الله الطبري / ط - سنة ١٩٧٤. دار المعرفة - بيروت.
ر
٦٥ - روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار ، لمحمد بن قاسم / ط - سنة ١٢٩٢ ببولاق - مصر.
ز
٦٦ - زاد المعاد ، لابن قيّم الجوزيّة ، المؤسسة العربية للطباعة والنشر بيروت - لبنان.
٦٧ - الزهد والرقائق ، لابن المبارك ، الناشر محمد عفيف الزعبي.
٦٨ - زيارة القبور الشرعية والشركية ، لمحي الدين محمد الركوكي / ط - سنة ١٤٠٤ه- ق الرياض.
س
٦٩ - سنن ابن ماجة / ط - سنة ١٣٧٣ ه- ق.
٧٠ - سنن أبي داود ، نشر دار إحياء السنّة النبويّة.
٧١ - سنن الدارمي ، نشر دار إحياء السنّة النبويّة.
٧٢ - السنن الكبرى ، للبيهقي / ط - سنة ١٣٤٤ ه- ق الهند.
٧٣ - سنن النسائي / ط - دار إحياء التراث العربي ، بيروت - لبنان.
٧٤ - السيرة الحلبيّة ، للحلبي الشافعي / ط - سنة ١٣٢٠ ه- ق
٧٥ - السيرة النبويّة ، لزيني دحلان - دار المعرفة ، بيروت - لبنان.
٧٦ - سيرة مغلطاي / ط - مصر سنة ١٣٢٦ ه- ق.
٧٧ - سيرتنا وسنّتنا ، للعلاّمة الأمينيرحمهالله / ط - سنة ١٣٨٤ ه- ق - النجف الأشرف - العراق.
ش
٧٨ - شذرات الذهب ، لابن العماد الحنبلي / ط - المكتب التجاري ، بيروت - لبنان.
٧٩ - شرح صحيح مسلم ، للنووي ، بهامش إرشاد الساري للقسطلاني.
٨٠ - شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي / ط - مصر سنة ١٣٨٥ ه- ق.
٨١ - شفاء السقام ، للشيخ محمد بخيت / ط - سنة ١٣١٨ ه- ق - المطبعة الأميريّة ببولاق - مصر.
ص
٨٢ - الصارم المنكي في الرد على السبكي ، لابن عبد الهادي الحنبلي المقدسي / ط - سنة ١٣١٩ ه- ق المطبعة الخيرية ، مصر.
٨٣ - صحيح البخاري / ط - سنة ١٣٠٩ ه- ق بمصر.
٨٤ - صحيح مسلم / ط - مصر (محمد صبيح وأولاده).
٨٥ - الصحيح من سيرة النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله ، لجعفر مرتضى ، مؤلف هذا الكتاب / ط - سنة ١٤٠٣ ه- ق قم - إيران.
٨٦ - صفة الصفوة ، لابن الجوزي / ط - سنة ١٣٨٩ ه- ق حلب - سوريا.
٨٧ - صفين ، لنصر بن مزاحم المنقري / ط - سنة ١٣٨٢ ه- ق.
٨٨ - الصواعق المحرقة ، لابن حجر الهيثمي / ط - دار الطباعة بمصر.
ط
٨٩ - الطبقات الكبرى ، لابن سعد ، كاتب الواقدي / ط - ليدن.
ع
٩٠ - العامة في بغداد ، لفهمي عبد الرزاق سعد / ط - سنة ١٩٨٣م الأهلية للنشر والتوزيع - بيروت - لبنان.
٩١ - عجائب المخلوقات ، لزكريا القزويني ، بهامش حياة الحيوان - دار القاموس الحديث - بيروت - لبنان.
٩٢ - العقد الفريد ، لابن عبد ربه الأندلسي / ط - سنة ١٣٨٤ه- ق دار الكتاب العربي.
٩٣ - عقيدة التوحيد ، لمحمد بن عبد الوهاب ، المطبوع مع فتح المجيد.
٩٤ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري ، للعيني ، منشورات دار إحياء التراث العربي. بيروت.
٩٥ - العواصم من القواصم ، لأبي بكر بن العربي.
٩٦ - عون المعبود شرح سنن أبي داود ، لمحمد شمس الحق العظيم آبادي / ط - سنة ١٣٨٨ ه- ق.
غ
٩٧ - الغدير ، للعلاّمة الأمينيرحمهالله تعالى / ط - سنة ١٣٩٧ ه- ق دار الكتاب العربي ، بيروت.
٩٨ - غرائب ، للنيسابوري - المطبوع بهامش تفسير الطبري المسمّى ب- (جامع البيان).
ف
٩٩ - فتح الباري شرح صحيح البخاري ، للعسقلاني / ط - سنة ١٣٠٠ ه- ق ببولاق مصر ، ثمّ نشر دار المعرفة ، بيروت - لبنان.
١٠٠ - فتح القدير ، للشوكاني - نشر دار المعرفة ، بيروت لبنان.
١٠١ - فتح المجيد ، لعبد الرحمان بن حسن آل الشيخ ، نشر أنصار السنّة المحمّدية.
١٠٢ - الفتوح ، لابن أعثم الكوفي / ط - الهند سنة ١٣٩٥ه- ق
١٠٣ - فرائد السمطين ، للجويني / ط - سنة ١٤٠٠ ه- ق مؤسسة المحمودي - بيروت - لبنان.
١٠٤ - الفصول المهمة ، لابن الصباغ المالكي / ط - الحيدريّة - النجف الأشرف - العراق سنة ١٣٨١ ه- ق.
١٠٥ - فواتح الرحموت ، لابن نظام الدين الأنصاري ، مطبوع مع المستصفى للغزالي سنة ١٣٢٢ ه- ق.
١٠٦ - قاموس الرجال ، للتستري / ط - مركز نشر الكتاب - طهران - إيران ، سنة ١٣٧٩ ه- ق.
١٠٧ - القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل ، لإسماعيل بن محمد الأنصاري / ط - سنة ١٤٠٦ه - الرياض.
ك
١٠٨ - الكافي ، للكلينيرحمهالله تعالى / ط - سنة ١٣٧٨ ه- ق دار الكتب الإسلاميّة. طهران - إيران.
١٠٩ - الكامل في التاريخ ، لابن الأثير / ط - بيروت سنة ١٣٨٥ ه- ق.
١١٠ - الكشّاف ، للزمخشري - نشر دار الكتاب العربي ، بيروت - لبنان.
١١١ - كشف الارتياب ، للسّيد محسن الأمين العاملي / ط - دار الغدير. طهران - إيران.
١١٢ - كشف الأستار عن البزار ، للهيثمي / ط - سنة ١٣٩٩ ه- ق بيروت - لبنان.
١١٣ - كشف الغمة ، للأربلي.
١١٤ - الكنى والألقاب ، للشيخ عباس القميرحمهالله / ط - سنة ١٣٩٠ه- ق النجف الأشرف - العراق.
ل
١١٥ - اللآلئ المصنوعة ، للسيوطي / ط - سنة ١٣٩٥ ه- ق دار المعرفة ، بيروت - لبنان.
١١٦ - اللمع في التصوف ، لعبد الله بن علي السراج الطوسي / ط - ليدن سنة ١٩١٤م.
م
١١٧ - مجمع البحرين ، للطريحي / ط - سنة ١٣٩٥ه- ق منشورات المكتبة المرتضوية. طهران - إيران.
١١٨ - مجمع الزوائد ، للهيثمي / ط - سنة ١٩٦٧م.
١١٩ - محاضرات الاُدباء ، للراغب الأصفهاني.
١٢٠ - محاضرات الأوائل للسكتواري البسنوي / ط - سنة ١٣٠٠ ه- ق ببولاق مصر ، نشر دار الكتاب العربي.
١٢١ - مدارك التنزيل ، للنسقي ، المطبوع بهامش تفسير الخازن ، نشر دار المعرفة - لبنان.
١٢٢ - المدخل ، لابن الحاج / ط - سنة ١٣٤٨ه- ق المطبعة المصرية بالأزهر.
١٢٣ - مروج الذهب ، للمسعودي / ط - سنة ١٩٦٥م بيروت - لبنان.
١٢٤ - المستدرك على الصحيحين ، للحاكم النيسابوري / ط - الهند سنة ١٣٤٢ ه- ق.
١٢٥ - المستصفى ، للغزالي / ط - سنة ١٣٢٤ه- ق المطبعة الأميريّة. ثمّ نشر دار صادر - بيروت.
١٢٦ - المستطرف في كلّ فن مستظرف , للابشيهي / ط - سنة ١٣٠٤ ه- ق المطبعة العثمانية بمصر.
١٢٧ - المسند ، للحميدي ، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
١٢٨ - مسند أحمد بن حنبل - منشورات دار صادر ، والمكتب الإسلامي ، بيروت - لبنان.
١٢٩ - مسند الطيالسي / ط - الهند سنة ١٣٢١ ه- ق.
١٣٠ - مصابيح الجنان ، للسّيد عباس الكاشاني ، منشورات دار الكتب العلمية ، النجف الأشرف - العراق.
١٣١ - مصباح المتهجّد ، للشيخ الطوسي.
١٣٢ - المصنّف ، لعبد الرزاق الصنعاني / ط - سنة ١٣٩٠ ه- ق.
١٣٣ - معالم المدرستين ، للعلاّمة السّيد مرتضى العسكري ، نشر مؤسسة البعثة - طهران سنة ١٤٠٦ ه- ق.
١٣٤ - مفتاح كنوز السُّنَّة ، ترجمة محمد فؤاد عبد الباقي / ط - سنة ١٣٩١ ه- ق.
١٣٥ - مقتل الحسين ، للخوارزمي / ط - النجف الأشرف - العراق.
١٣٦ - مقتل الحسين ، للسّيد عبد الرزاق المقرّمرحمهالله - مطبعة الأدب ، النجف الأشرف - العراق.
١٣٧ - المناقب ، للخوارزمي / ط - سنة ١٣٨٥ه- ق الحيدريّة ، النجف الأشرف - العراق.
١٣٨ - مناقب الإمام عليعليهالسلام ، لابن المغازلي / ط - سنة ١٣٩٤ ه- ق.
١٣٩ - منتخب تاريخ دمشق ، لابن بدران.
١٤٠ - المنتظم ، لابن الجوزي / ط - سنة ١٣٥٩ ه- ق ، حيدر آباد الدكن - الهند.
١٤١ - المنتقى من أخبار المصطفى ، لابن تيمية / ط - سنة ١٣٩٨ه- ق دار المعرفة - بيروت - لبنان.
١٤٢ - منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي ، للساعاتي / ط - مؤسسة مكة للطباعة والإعلام - مكة المكرمة.
١٤٣ - منهاج الفرقة الناجية ، لمحمد بن جميل زينو / ط - مؤسسة مكة للطباعة والإعلام - مكة المكرمة.
١٤٤ - الموافقات ، للشاطبي - دار المعرفة بيروت - لبنان.
١٤٥ - المواهب اللدنّية ، للقسطلاني ، دار الكتب العلمية.
١٤٦ - الموطأ ، لمالك بن أنس ، المطبوع مع تنوير الحوالك ، للسيوطي - دار إحياء الكتب العربية بمصر.
ن
١٤٧ - نسب قريش ، لمصعب الزبيري.
١٤٨ - نشوار المحاضرات ، للتنوخي / ط - سنة ١٣٩١ ه- ق.
١٤٩ - نصب الراية ، للزيلعي / ط - سنة ١٣٩٣ ه- ق.
١٥٠ - نظم درر السمطين ، للزرندي الحنفي ، إصدار مكتبة نينوى - طهران - إيران.
١٥١ - النعمة الكبرى على العالم ، لأحمد بن حجر الهيثمي الشافعي / ط - سنة ١٣٩٨ ه- ق إسلامبول - تركيا.
١٥٢ - النهاية في اللغة ، لابن الأثير / ط - دار إحياء التراث العربي ، بيروت - لبنان سنة ١٣٨٣ ه- ق.
١٥٣ - نهج البلاغة (جمع الشريف الرضي) / ط - الاستقامة.
١٥٤ - نوادر الاُصول ، للحكيم الترمذي ، دار صادر - بيروت.
١٥٥ - نور الأبصار ، للشبلنجي الشافعي - نشر مكتبة الجمهورية بمصر.
و
١٥٦ - الوفاء بأحوال المصطفى ، لابن الجوزي / ط - سنة ١٣٨٦ ه- ق مطبعة السعادة - مصر.
١٥٧ - وفيات الأعيان ، لابن خلكان / ط - مصر سنة ١٣١٠ ه- ق.
ي
١٥٨ - ينابيع المودة ، للقندوزي الحنفي / ط - سنة ١٣٠١ه- ق ، إسلامبول - تركيا.
والحمد لله ، والصلاة على محمد وآله الطاهرين.
١ - الحياة السياسية للإمام الرضاعليهالسلام / ط - ثانية - وقد ترجم إلى الفارسية أيضاً.
٢ - الحياة السياسية للإمام الحسنعليهالسلام في عهد الرسول والخلفاء الثلاثة بعده.
٣ - الحياة السياسية للإمام الجوادعليهالسلام .
٤ - الصحيح من سيرة النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله أربعة أجزاء ، والجزء الخامس قيد الإعداد.
٥ - الأدب الطبية في الإسلام.
٦ - حديث الإفك.
٧ - دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام (جزءان).
٨ - الزواج المؤقت في الإسلام.
٩ - ولاية الفقيه في صحيحة عمر بن حنظلة.
١٠ - ابن عباس وأموال البصرة.
١١ - موقع ولاية الفقيه في نظرية الحكم في الإسلام.
١٢ - نقش الخواتيم لدى الأئمة الاثني عشر.
١٣ - أبو ذر مسلمان ياسوسياليست (فارسي).
١٤ - تحقيقي در باره تاريخ هجري (فارسي).
١٥ - المواسم والمراسم في الإسلام (وهو هذا الكتاب)
قيد الإعداد.
١٦ - الخوارج تاريخياً وسياسياً.
هذا كله عدا عن البحوث العديدة المنشورة في المجلات وغيرها.
والحمد لله ربِّ العالمين , وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
الفهرس
تقديم ٤
تمهيد ٦
عليٌّ عليهالسلام وأهل الشام ٧
مواقف الحسين عليهالسلام في نفس الاتّجاه الإمام الحسين عليهالسلام في كربلاء ٨
الأئمة عليهمالسلام والمواقف الحادّة الإسلام وظاهرة الجحود ٩
الإسلام … والدعوة ١٠
التجنّي والافتراء لفت نظر ضروري ١١
المواسمُ والمراسمُ . في سطور أوّل مَن احتفل بالمولد النبوي ١٢
المولد عيد عند البعض ، وما يفعل فيه ١٣
ابن تيميّة والغناء في العيد الغناء في العيد عند أهل الكتاب ١٤
التهنئة في العيد المولد في جميع الأقطار الإسلامية من خواصِّ المولد ١٥
النعمة الكبرى على العالم ١٦
الفصل الثاني استدلالات لا تصح أبو لهب … وعتق ثويبة ١٧
الاستدلال بفعل حاكم إربل ١٨
العقيقة … دليل آخر الاستدلال بيوم عاشوراء ١٩
تعظيم شعائر الله سبحانه ٢١
وذكّرهم بأيّام الله ٢٢
الفرح بفضل الله سبحانه مناسك الحجِّ تكرار للذكرى ٢٣
الاستدلال بما جرى ليعقوب ٢٤
آية المودّة آية المائدة ٢٥
السُّنّة الحَسَنة والسُّنّة السيّئة والضحى بماذا يتذرّع المانعون ؟ ٢٦
كلمات واستدلالات ٢٧
تلخيص لا بدّ منه ٣٣
قد يكون الذنب للتعصب الأعمى ٣٥
الفصل الرابع أدلّة المانعين … سرابالميول الاحتفالات والمواسم بدعة ٣٦
السنّة الحسنة والسنّة السيّئة الذكريات عبادة لصاحب الذكرى ٤٠
والضحى والليل إذا سجى ٤٢
لا تجعلوا قبري عيداً ٤٣
الرواية عن السجاد عليهالسلام ، وابن عمّه ٤٤
المعاصي في المناسبات دليل المنع إحياء سنن الجاهليّة ٤٥
مانعية الاختلاف في المولد عدم الدليل العقلي والشرعي ٤٦
إيهام المشروعيّة التخفيف عن الاُمّة والتعظيم مشابهة النصارى ٤٧
يوم ولادته يوم موته صلىاللهعليهوآله موقف السلف من الأعياد والمواسم ٤٨
المواسم والموالد لهدم الإسلام عاشوراء.. عيد الشامتين بأهل البيت عليهمالسلام ٥١
التزلّف الوقح ٥٤
التهافت في كلام ابن الحاج ٥٥
الأدلة وبعض الشواهد ممّا ٥٦
قضاء الفطرة والسجية الإنسانيّة ٥٧
توضيح العلاّمة الأميني رحمهالله ٥٨
كلام السّيد الأمين قدسسره كلّ يوم عيد ٥٩
يوم الجمعة عيد ٦٠
عيد النوروز ٦١
عيد المهرجان ٦٢
عيد الغدير ٦٣
عام الحزن ليس من الحنظل يُشتار العسل ٦٥
أعياد ومناسبات اُخرى اليوم الوطني عند الوهابيِّين شواهد اُخرى على القبول ٦٧
شواهد اُخرى في نهايات البحث ٦٨
ذكرى المصائب وخاصة عاشوراء ٦٩
ابن الحاج يستدل ويرد ٧٠
يوم الغار … ويوم مصعب ٧١
يوم الجمل كلمة أخيرة ٧٢
المصادر والمراجع ٧٣
كتب مطبوعة للمؤلِّف ٨٢
الفهرس ٨٣