( قوله قدّس الله روحه ) (١) :
أبواب التيمم
باب أنّ الدقيق لا يجوز التيمم به
أخبرني الشيخرحمهالله عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه ، عن محمد بن الحسن ، عن محمد بن يحيى ، عن محمد ابن أحمد بن يحيى ، عن محمد بن عيسى ، عن ياسين الضرير ، عن حريز ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يكون معه اللبن أيتوضّأ منه؟ قال : « لا ، إنّما هو الماء والصعيد ».
فنفى أن يكون ما سوى الماء والصعيد يجوز(٢) التوضّؤ به بلفظة « إنّما » لأنّ ذلك مستفاد منها على ما بينّاه في كتابنا الكبير (٣) .
السند :
قد قدمنا في جملة من رجاله القول بما يغني عن الإعادة ، والذي ينبغي علمه هنا أنّ محمد بن علي بن بابويه من أجلاّء الطائفة وثقاتهم ،
__________________
(١) في « رض » : قالقدسسره .
(٢) في النسخ : لا يجوز ، والصواب ما أثبتناه من الإستبصار ١ : ١٥٥.
(٣) في الاستبصار ١ : ١٥٥ : في الكتاب الكبير.
وتوضيح حاله أظهر من أن يبيّن ، وقد ذكر في كتاب كمال الدين ما لفظه : حدثنا أبو جعفر محمد بن علي الأسودرضياللهعنه قال : سألني علي ابن الحسين ابن بابويهرحمهالله بعد موت محمد بن عثمان العمري أن أسأل أبا القاسم الروحي أن يسأل مولانا صاحب الزمانعليهالسلام أن يدعو الله أن يرزقه ولداً ذكراً ، قال : فسألته(١) ذلك ، ثم أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيّام أنّه قد دعا لعلي ابن الحسين وأنّه سيولد له ولد مبارك ينفع الله به وبعده أولاد ، قال : فولد لعلي بن الحسينرحمهالله تلك السنة ابنه محمد وبعده أولاد.
ثم قال : قال مصنف هذا الكتاب : كان أبو جعفر محمد بن علي الأسودرضياللهعنه كثيراً ما يقول لي إذا رآني اختلف إلى مجلس شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليدرضياللهعنه وأرغب في كتب العلم وحفظه : ليس بعجب أن يكون لك هذه الرغبة في العلم وأنت ولدت بدعاء ( صاحب الأمرعليهالسلام )(٢) (٣) . انتهى.
والصدوقرحمهالله كثيراً ما يروي عن محمد بن علي الأسود ، والنجاشيرحمهالله حكى أنّ السؤال كان على يد علي بن جعفر الأسود(٤) ، ولا أدري الصحة في أيّ الروايتين ، إلاّ أنّ دلالة الرواية على علوّ شأن محمد بن علي بن بابويه ظاهرة.
ومحمد بن الحسن المذكور في السند هو ابن الوليد.
وأمّا محمد بن أحمد بن يحيى فقد قال النجاشي : إنّه كان ثقة في
__________________
(١) في المصدر زيادة : فأنهى.
(٢) في المصدر : الإمامعليهالسلام .
(٣) كمال الدين : ٥٠٢ / ٣١.
(٤) رجال النجاشي : ٢٦١ / ٦٨٤.
الحديث ، إلاّ أنّ أصحابنا قالوا : إنّه كان يروي عن الضعفاء ويعتمد المراسيل ، ولا يبالي عمّن أخذ ، وما عليه في نفسه مطعن في شيء ، وكان محمد بن الحسن بن الوليد يستثني من رواية محمد بن أحمد بن يحيى ما رواه عن(١) محمد بن موسى الهمداني ، وما رواه عن رجل ، أو يقول : بعض أصحابنا ، أو عن محمد بن يحيى المعاذي ـ إلى أن قال ـ : أو عن محمد بن عيسى بن عبيد بإسناد منقطع ـ إلى أن قال ـ : قال أبو العباس ابن نوح : وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه ، وتبعه أبو جعفر بن بابويهرحمهالله على ذلك إلاّ في محمد بن عيسى بن عبيد فلا أدري ما رأيه فيه ، لأنّه كان على ظاهر العدالة والثقة(٢) . انتهى.
وقال الشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهمالسلام من كتابه : محمد ابن أحمد بن يحيى الأشعري صاحب نوادر الحكمة روى عنه سعد ، ومحمد بن يحيى(٣) ، وأحمد ( بن إدريس ، ومحمد(٤) بن يحيى المعاذي ، ومحمد بن علي الهمداني ، ومحمد بن هارون ، وممويه ، ومحمد )(٥) ابن عبد الله بن مهران ، ضعفاء روى عنهم محمد بن أحمد بن يحيى. انتهى(٦) .
وأنت إذا تأمّلت المقام ترى أنّه لا يخلو من إشكال أمّا أوّلاً : فما ذكره النجاشي عن الأصحاب أنّه كان يروي عن الضعفاء. غير واضح الاختصاص بمحمد بن أحمد بن يحيى ، لأنّ هذا شأن أكثر الرجال المعتبرين ، واعتماد
__________________
(١) في النسخ : عنه ، والصواب ما أثبتناه.
(٢) رجال النجاشي : ٣٤٨ / ٩٣٩.
(٣) في « فض » الحسن.
(٤) في « فض » و « د » زيادة : بن أحمد. وما أثبتناه من المصدر.
(٥) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٦) رجال الطوسي : ٤٩٣ / ١٢ ١٧.
المراسيل أمر مرجعه إلى الاجتهاد ، فلا وجه لكونه مضرّاً بالحال ، فإنّ كان قول النجاشي : وما عليه في نفسه مطعن. إشارة إلى هذا فله وجه ، إلاّ أنّ ظاهر كلامه يأباه ، مضافاً إلى أنّ تخصيصه الثقة بالحديث ، مع أنّ ظاهر قوله : وما عليه في نفسه مطعن. يدل على أنّه ثقة مطلقا ، ولعل أمر هذا سهل.
نعم اعتماد المراسيل محتمل لأنّ يكون المراد به أنّه يجوّز الإرسال في الرواية مع عدم ذكره ، بل يجوّز أن يؤتى بالرواية متصلة بمن لم يلقه الراوي ، وهذا يفيد نوع قدح في روايته لا في نفسه ، وحينئذ يشكل الاعتماد على رواياته ، إلاّ أنّ الظاهر الاحتمال السابق.
وأمّا ثانياً : فما ذكره ابن الوليد : من استثناء بعض المذكورين مع كونهم ضعفاء. لا وجه له ، لأنّ رواية محمد بن أحمد بن يحيى عن كل ضعيف غير مقبولة ، والاختصاص غير واضح.
وأمّا ثالثاً : فما ذكره ابن الوليد في محمد بن عيسى أتى بلفظ إسناد منقطع ، ومعنى هذا لا يخلو من خفاء ، فإنّ أُريد به أنّه إذا روى محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عيسى مرسلاً ، فلا وجه له بعد قوله : ما رواه عن رجل. بل إذا كان الإرسال مانعا(١) لا فرق بين محمد بن عيسى وغيره ، وقول أبي العباس : إنّه لا يدري رأيه في محمد بن عيسى. لا يخلو من غرابة بعد ما قررناه ، وقد أوضحت المقام زيادة على ما هنا في معاهد التنبيه على كتاب من لا يحضره الفقيه.
وأمّا رابعاً : فما قاله الشيخ لا يخلو من خلل فيما أظن ،(٢) لأنّ ظاهر
__________________
(١) في النسخ زيادة : و، حذفناها لاستقامة المعنى.
(٢) في النسخ زيادة : لا ، حذفناها لاستقامة المعنى.
أوّل الكلام أنّ محمد بن أحمد بن يحيى المعاذي يروي عن محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري ، وآخر الكلام يقتضي أنّ محمد بن أحمد بن يحيى يروي عنهم.
والظاهر أنّ ابتداء من يروي عنهم محمد بن أحمد بن يحيى : محمد ابن أحمد بن يحيى المعاذي ، وآخر من يروي عنه أحمد بن إدريس ، والتشويش من العطف.
ثم إنّ المذكور في كتاب النجاشي : محمد(١) بن يحيى المُعاذي(٢) . كما سمعته ، والشيخ قال : محمد بن أحمد بن يحيى(٣) . ولعل أمر هذا سهل.
وفي الفهرست قال الشيخ بعد ذكر جملة من الطرق إلى كتب محمد ابن أحمد بن يحيى : وأخبرنا جماعة ، عن محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، ومحمد بن الحسن ، عن أحمد بن إدريس ، ومحمد بن يحيى ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، وقال محمد بن علي بن الحسين بن بابويه : إلاّ ما كان فيها من تخليط وهو الذي يكون طريقه محمد بن موسى الهمداني. انتهى(٤) .
وهذا الكلام من ابن بابويه المنقول يقتضي أنّ ما رواه عن(٥) محمد بن موسى الهمداني خاصّ بالتخليط ، وكلام ابن الوليد يقتضي ردّ مطلق ما رواه
__________________
(١) في « فض » زيادة : بن أحمد.
(٢) رجال النجاشي : ٣٤٨ / ٩٣٩.
(٣) رجال الطوسي : ٤٣٥ / ١١ ، ٤٩٣ / ١٣ ، ولكن في الموضعين : محمد بن يحيى المعاذي.
(٤) الفهرست : ١٤٤ / ٦١٢.
(٥) في « فض » و « د » ونسخة في « رض » : عنه.
عن(١) محمد بن موسى الهمداني ، ولا أدري الوجه في هذا الاختلاف ، ولعل مراد ابن بابويه أنّ كل ما رواه عن(٢) محمد بن موسى فهو مخلط ، والمعنيّ من التخليط غير واضح على كلا الحالين ، فليتأمّل.
إذا عرفت هذا فالرواية المذكورة قد اشتملت على رواية محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عيسى ، لكن الإسناد غير منقطع ، فالتوقف من هذه الجهة لا وجه له.
ظاهر في السؤال عن الوضوء باللبن ، لكن استفادة عدم جواز التيمم بالدقيق إنّما هي من جهة الحصر ، فلا يتوجه على الشيخ أنّ الحديث لا دخل له بالعنوان كما هو واضح ، وما قيل : من أنّه يحتمل أن يكون اللبِن بكسر الباء وهو ( الطين المفخور. فمن البُعد بمكان ، لكنّه في حيّز الإمكان )(٣) (٤) .
والذي ذكرهرحمهالله في التهذيب بعد هذه الرواية لا يزيد عما هنا(٥) ، لكن في أوّل كتاب الطهارة في بحث الوضوء ذكر في قولهعليهالسلام : « وإنّما لامرئ ما نوى » أنّه يدل على أن ليس له ما لم ينو قال : وهذا حكم لفظة « إنّما » في مقتضى اللغة ، ألا ترى أنّ القائل إذا قال : إنّما لك عندي درهم ، وإنّما أكلت رغيفاً ، دل على نفي أكثر من درهم وأكل أكثر من رغيف.
ويدلُّ على أنّ لفظة « إنّما » موضوعة لما ذكرنا أنّ ابن عباس كان يرى
__________________
(١) في النسخ : عنه ، والصواب ما أثبتناه.
(٢) في النسخ : عنه ، والصواب ما أثبتناه.
(٣) بدل ما بين القوسين في « فض » هكذا : المفخر من الآجر ويحتمل ارادة اللّبن المعروف فمن البعد بمكان ، كما يخفى على تقدير تسليم دخوله في حيّز الإمكان.
(٤) في « رض » زيادة : في باب التيمم.
(٥) التهذيب ١ : ١٨٨ / ٥٤٠.
جواز بيع الدرهم بالدرهمين نقداً ، وناظره على ذلك وجوه الصحابة واحتجّوا عليه بنهي النبيصلىاللهعليهوآله عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة ، فعارضهم بقولهعليهالسلام : « إنّما الربا في النسيئة » فرأى ابن عباس هذا الخبر دليلاً على أنّه لا ربا إلاّ في النسيئة.
ويدلُّ أيضا على أنّ لفظة « إنّما » تفيد ما ذكرناه أنّ الصحابة لما تنازعت في التقاء الختانين واحتجّ من لم ير ذلك موجباً للغسل بقولهعليهالسلام : « إنّما الماء من الماء » قال الآخرون من الصحابة : هذا الخبر منسوخ. فلولا أنّ الفريقين رأوا هذه اللفظة مانعة من وجوب الغسل من غير إنزال لما احتجّ بالخبر نافوا وجوب الغسل ولا ادّعى نسخه الباقون(١) . انتهى.
وذكر في باب المياه الخبر المبحوث عنه دليلاً على عدم جواز الطهارة بالمضاف ، وأشار إلى أنّه قدّم القول في بيان الحصر فيه(٢) .
ولا يخفى أنّه يمكن المناقشة في بعض الدليل على الحصر بإنّما ، فإنّ استدلال ابن عباس بمجرّده لا يثبت حكماً يلزم غيره ، إلاّ إذا وافقه الغير ، ولم ينقل الشيخ الموافقة ؛ والأمثلة المذكورة من قوله : إنّما لك عندي درهم ، وإنّما أكلت رغيفاً ، يجوز أن يكون للقرائن فيها مدخليّة ، وما نحن فيه لا يبعد استفادة الحصر من القرينة أيضاً ، وهو كاف في المطلوب ، وقد قدّمنا في الخبر الأوّل كلاماً عن العلاّمة في الاستدلال على الحصر بإنّما لا حاجة لإعادته.
ثم إنّ الضمير في قوله : « إنّما هو » غير ظاهر المرجع ، وكأنّه عائد إلى ما يتطهّر به ، والمقام قرينته.
__________________
(١) التهذيب ١ : ٨٤ / ٢١٩ ، ٢٢٠ ، الوسائل ٢ : ١٨٤ أبواب الجنابة ب ٦ ح ٥.
(٢) التهذيب ١ : ٢١٨ ، الوسائل ١ : ٢٠١ أبواب الماء المضاف ب ١ ح ١.
أمّا توجيه الجواب عمّا عساه يقال في الخبر : من أنّ السؤال عن الوضوء فأيّ حاجة لذكر الصعيد ، فيمكن أن يقال فيه : إنّهعليهالسلام أتى بفائدة زائدة عن مقتضى السؤال.
وفي الفقيه : ولا يجوز التوضّؤ باللبن لأنّ الوضوء إنّما هو بالماء أو الصعيد(١) . وقد ذكرنا في حاشيته ما يتوجه عليه ، غير أنّه ينبغي أن يعلم هنا أنّ الظاهر من كلامه إرجاع الضمير للوضوء ، وحينئذ يجوز أن يراد بالوضوء ما يتناول التيمم مجازاً من باب استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، أو يراد بالوضوء ما يدخل به في الصلاة فيكون من باب عموم المجاز ، فليتأمّل.
اللغة :
قال في القاموس : الصعيد : التراب أو(٢) وجه الأرض(٣) .
وينقل عن السيد المرتضى أنّه قال باشتراط التراب في التيمم ، واحتجّ بقوله تعالى( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (٤) قائلاً : إنّ الصعيد هو التراب ( بالنقل عن أهل اللغة(٥) . والمفيد في المقنعة قال : والصعيد هو التراب(٦) )(٧) . والجوهري نقل عنه ذلك أيضا(٨) .
__________________
(١) الفقيه ١ : ١١.
(٢) في النسخ : ووجه الأرض ، وما أثبتناه من المصدر.
(٣) القاموس المحيط ١ : ٣١٨ ( صعد ).
(٤) النساء : ٤٣ ، المائدة : ٦.
(٥) نقله عنه في المعتبر ١ : ٣٧٢.
(٦) المقنعة ٥٩.
(٧) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٨) الصحاح ٢ : ٤٩٨ ( صعد ).
ونقل عن الخليل : إنّه وجه الأرض(١) ، وكذا عن الزجاج(٢) ، وحكاه ثعلب عن ابن الأعرابي(٣) ، وقد ذكرت ما لا بد منه في حاشية الروضة.
والذي ينبغي ذكره هنا أنّ الأولى الاستدلال على ( أنّ الصعيد التراب )(٤) بخبر زرارة السابق في باب مقدار ما يمسح الرأس ، حيث قال فيه : « ثم قال( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) إلى أن قال : « « منه » أي من ذلك التيمم ، لأنّه علم أنّ ذلك لا يجزي على الوجه ، لأنّه يعلق من ذلك ببعض الكف ولا يعلق ببعضها » ولم أر الآن من تعرّض للاستدلال بالخبر ، وهو أسلم من الشبهات الواردة على الاستدلال بكلام أهل اللغة(٥) ، فتأمّل.
قوله :
فأما ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن ابن بكير. عن عبيد بن زرارة قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الدقيق يتوضّأ به قال : « لا بأس بأن يتوضّأ به وينتفع به ».
فالوجه في قوله « لا بأس بأن يتوضّأ به » إنّما أراد به الوضوء الذي هو التحسين وتدلك الجسد به دون الوضوء للصلاة ، والذي يكشف عن ذلك :
ما أخبرني به الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه محمد ابن الحسن ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ،
__________________
(١) العين ١ : ٢٩٠ ( صعد ).
(٢) نقله عنه في مجمع البيان ٢ : ٥٢ وفي المصباح المنير : ٣٤٠.
(٣) الحبل المتين : ٩٠ ، المدارك ٢ : ١٩٧.
(٤) بدل ما بين القوسين في « فض » : ذلك.
(٥) في « رض » و « د » زيادة : كما يعلم مما أشرنا إليه.
عن صفوان ، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال : سألت أبا عبد الله عليهالسلام عن الرجل يطلي بالنورة فيجعل الدقيق بالزيت يلته به ويتمسح به بعد النورة ليقطع ريحها قال : « لا بأس ».
السند :
في الأوّل قد تكرّر القول في رجاله.
وكذا الثاني ، إلاّ أنّ عبد الرحمن بن الحجاج قد قدّمنا فيه كلاماً لا يخلو من إجمال(١) ، ولا بأس بذكر حاله هنا زيادة على ذلك : فاعلم أنّ النجاشي قال في شأنه : إنّه رمي بالكيسانية ، وروى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهماالسلام ، وبقي بعد أبي الحسن ورجع إلى الحق ولقي الرضاعليهالسلام وكان ثقة ثقة ثبتاً وجهاً(٢) .
وهذا الكلام كما ترى وإن كان يقتضي أنّ الرامي له بالكيسانية غير معلوم ليفيد قدحاً فيه ، إلاّ أنّ قوله : ورجع إلى الحق. يدل على الاعتراف من النجاشي بذلك ، إلاّ أن يقال : إنّ قوله : ورجع إلى الحق. من تتمّة القول المحكي عن الغير ، وفيه بُعد لا يخفى.
والصدوق ذكر في مشيخة الفقيه : أنّ عبد الرحمن بن الحجاج كان موسىعليهالسلام إذا ذكر عنده قال : « إنّه لثقيل في الفؤاد »(٣) والكشي روى هذا أيضا لكن بنوع مغايرة ، فإنّه قال في الرواية : « ثقيل على الفؤاد »(٤) والرواية
__________________
(١) في ج ٢ : ٣٦٧.
(٢) رجال النجاشي : ٢٣٧ / ٦٣٠.
(٣) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٤١.
(٤) رجال الكشي ٢ : ٧٤٠ / ٨٢٩.
غير سليمة الطريق ، وظاهر الصدوق الاعتماد على ذلك.
ولشيخنا المحقق ميرزا محمد أيّده الله توجيه لهذا القول بما لا يقدح في شأن عبد الرحمن ، وأظنّه تقدّم ، وهو أن يكون ثقيلاً على فؤاد المخالفين ، أو الاسم ثقيل فيه وفي أبيه(١) . وهذا التوجيه وإن بَعُد إلاّ أنّه وجه لا بأس به.
وعلى تقدير الارتياب إذا روى عبد الرحمن عن الرضاعليهالسلام فلا ريب في صحّة الرواية ، لأنّها بعد الرجوع ، أمّا روايته عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهماالسلام فالارتياب حاصل فيها.
والعلاّمة في الخلاصة قال : إنّه كان وكيلاً لأبي عبد اللهعليهالسلام (٢) . وفي ثبوت التوثيق بالوكالة على الإطلاق نظر أشرنا إلى وجهه فيما تقدّم ، وهو أن الوكالة إنّما تُثبت التوثيق فيما يتوقف على ذلك ، ولم أقف على طريق معتبر لثبوت الوكالة ، هذا كلّه إذا لم يعمل بالموثّق ( وإلاّ فالأمر )(٣) واضح.
وفي رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ : إنّ عبد الرحمن كان أُستاذ صفوان(٤) . وصفوان هو ابن يحيى ، وحاله أظهر من أن يبيّن.
المتن :
لا يخفى أنّه متضمن للوضوء ، فذكره في باب التيمم قد ينكر على الشيخ ، ويجاب بأنّ الوضوء لا يمكن حمله على ظاهره ، بل احتمال إرادة التيمم منه ظاهر ، فيتم احتمال المعارضة لما سبق ، وما قاله الشيخ من
__________________
(١) منهج المقال : ١٩١.
(٢) خلاصة العلامة : ١١٣ / ٥.
(٣) في « فض » : والأمر.
(٤) رجال الطوسي : ٢٣٠ / ١٢٦.
التوجيه واضح ، والاستشهاد له في الخبر الثاني غير محتاج إليه ، بل ربما يظن عدم الدلالة على المطلوب من إطلاق الوضوء على استعمال الدقيق ، لكن الأمر سهل بعد ما تسمعه من كلام أهل اللغة ، وفي الأخبار أيضاً ما يدلّ على استعمال الوضوء في مثل هذا.
اللغة :
قال في القاموس : الوضاءة : الحسن والنظافة(١) . وقال ابن الأثير في النهاية : الوضاءة ، الحسن والبهجة ، يقال : وضُأت فهي وضيئة ؛ وقال أيضا : يقال : هو أوضأ منك ، أي أحسن(٢) .
قوله :
باب التيمم في الأرض الوحلة والطين والماء
أخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن العباس بن معروف ، عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إذا كنت في حال لا تقدر إلاّ على الطين فتيمم به ، فإنّ الله تعالى أولى بالعذر ، إذا لم يكن معك ثوب جاف ولا لبد تقدر على أن تنفضه وتتيمم به ».
وعنه ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن علي بن محبوب ، عن معاوية بن حكيم ، عن عبد الله
__________________
(١) القاموس المحيط ١ : ٣٣ ( الوضاءة ).
(٢) النهاية لابن الأثير ٥ : ١٩٥ ( وضأ ).
ابن المغيرة ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « إذا كنت في حال لا تجد إلاّ الطين فلا بأس أنّ تتيمم (١) به ».
عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن رفاعة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إذا كانت الأرض مبتلّة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجفّ موضع تجده فتيمم منه ، فإنّ ذلك توسيع من الله عز وجل » قال(٢) : « وإن كان في حال لا يجد إلاّ الطين فلا بأس أنّ يتيمم منه ».
السند :
في الجميع ليس فيه لبس بعد ما قدّمناه ، سوى أنّه ينبغي أن يعلم أنّ السند الأخير(٣) ليس من قسم الصحيح ، لأنّ محمد بن عيسى الأشعري الواقع التعبير عنه بأبيه بعد أحمد بن محمد الراوي عنه سعد غير معلوم التوثيق ، إلاّ من حيث إنّ العلامة ذكره في القسم الأوّل من الخلاصة وأتى بعبارة النجاشي ، وهي أنّه شيخ القميين ووجه الأشاعرة متقدّم عند السلطان ودخل على الرضاعليهالسلام وسمع منه ، وروى عن أبي جعفر الثانيعليهالسلام (٤) ، وقد وصف أيضا بعض روايات هو فيها بالصحة في بعض مصنفاته(٥) . وأنت خبير بأنّ هذا لا يفيد توثيقاً.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٥٦ / ٥٣٨ : تيمم.
(٢) في الاستبصار ١ : ١٥٦ / ٥٣٩ زيادة : فإن كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو شيء مغبّر ، وفي الهامش أنها زيادة من التهذيب.
(٣) في « فض » زيادة : ربما.
(٤) خلاصة العلاّمة : ١٥٤ / ٨٣.
(٥) المختلف ١ : ٢٦٢.
وأشار إلى ما في الخلاصة جدّيقدسسره في الفوائد عليها فقال : هذه العبارة لا تدلّ صريحاً على توثيقه ، نعم قد يظهر منها ذلك. انتهى.
وما ( قد يقال : إنّ كونه )(١) شيخ القميين يفيد التوثيق ، لأنّ المعروف من المشيخة ذلك كما في كثير من مشايخ الشيخ ، بل وغيره. محل بحث أيضا.
وأمّا السند الثاني : فلا يبعد صحّته ، لولا عدم توثيق ابن بكير من النجاشي(٢) ، نظراً إلى ما أسلفناه من أنّ توثيق النجاشي مع عدم التعرض لفساد المذهب مقدّم على قدح الشيخ(٣) .
وليس فيه غير من ذكرناه إلاّ معاوية بن حكيم ، وقد وثّقه النجاشي ساكتاً عن كونه فطحياً(٤) .
وأمّا عبد الله بن المغيرة فليس فيه ارتياب ، لأنّ النجاشي وثّقه مرّتين قائلاً : لا يعدل به أحد من جلالته ودينه وورعه(٥) .
وما في الكشي : من أنّه وجد بخط أبي عبد الله بن محمد الشاذاني قال العبيدي محمد بن عيسى : حدثني الحسن بن علي بن فضال قال : قال عبد الله بن المغيرة : كنت واقفاً فحججت على تلك الحالة فلمّا صرت مكة خلج في صدري شيء فتعلّقت بالملتزم ، ثم ذكر أنّه دعا الله بالتوفيق لدينه ثم أتى الرضاعليهالسلام واعترف بأنّه حجّة الله وأمينه على خلقه(٦) .
__________________
(١) في « رض » : يقال : إنّه.
(٢) رجال النجاشي : ٢٢٢ / ٥٨١.
(٣) في « د » زيادة : وعدم ذكر فساد المذهب من النجاشي وإن لم يوثقه يقتضي نوع توقف ثبوت فساد المذهب ، إلاّ ان يقال : إنّ ثبوت التوثيق من الشيخ مقارن لفساد المذهب ، فاللازم من التوثيق فساد المذهب ، وفيه أنّ المعارضة إنّما هو في فساد المذهب ، أمّا التوثيق فلا ، ويشكل بان عدم التوثيق من النجاشي معارض ، فليتأمل.
(٤) رجال النجاشي : ٤١٢ / ١٠٩٨.
(٥) رجال النجاشي : ٢١٥ / ٥٦١.
(٦) رجال الكشي ٢ : ٨٥٧ / ١١١٠ ، وفيه : أبي عبد الله محمد بن شاذان.
ففيه : أنّ الرواية مشتملة على الشاذاني وحاله غير معلوم على وجه يعتمد عليه ، والحسن بن علي بن فضال يتوقف قبول قوله على العمل بالموثّق لو سلمت حال الشاذاني.
أمّا ما وقع في الخلاصة بعد توثيقه مرّتين من قوله : قال الكشي : روي أنّه كان واقفياً ثم رجع(١) . فلا يخفى ما فيه ، وقد نقل الكشي الإجماع على تصحيح ما يصح عنه والإقرار له بالفقه(٢) فهو مؤيّد لما قدمناه.
فإن قلت : قد نقل الكشي في محمد بن أحمد بن نعيم الشاذاني رواية تدل على علوّ مرتبته فكيف يقال : إنّه غير معلوم الحال؟!.
قلت : الرواية بتقدير تسليم سندها راجعة إلى شهادته لنفسه فلا يفيد شيئا ، وعلى تقدير عدم ضرر ذلك لا يفيد أيضا ، والرواية سندها آدم بن محمد قال : سمعت محمد بن شاذان بن نعيم يقول : جمع عندي مال الغريم فأنفذتُ به إليه وألقيتُ فيه شيئاً من صلب مالي ، قال : فورد في الجواب : « قد وصل إليّ ما أنفذتَ من خاصّة مالك فيها كذا وكذا تقبّل الله منك »(٣) وقد رواها الصدوق في كمال الدين عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار ، عن أبيه قال : حدثنا محمد بن شاذان(٤) وذكر الرواية ، والكلام فيما عدا السند واحد.
المتن :
في الأوّل ظاهر الدلالة على أنّ الطين يتيمم به إذا لم يكن مع الإنسان
__________________
(١) خلاصة العلاّمة : ١١٠.
(٢) رجال الكشي ٢ : ٨٣٠ / ١٠٥٠.
(٣) رجال الكشي ٢ : ٨١٤ / ١٠١٧.
(٤) كمال الدين : ٥٠٩ / ٣٨ بتفاوت يسير.
ثوب جاف ولا لبد يقدر على أن ينفضه ، والظاهر أنّ المراد ليس مجرد النفض ، بل إذا خرج منه تراب ، كما يدل عليه خبر رفاعة الآتي ( وإن كان )(١) في النسخة التي رأيتها للكتاب ( وقع فيه )(٢) نقيض ما هو مطلوب.
والذي في التهذيب : قال : « وإن كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو شيء مغبّر ، وإن كان في حال لا يجد إلاّ الطين فلا بأس أن يتيمم به »(٣) وهذه الزيادة هي المطلوبة لتقييد ما قلناه ، وقد نقله في المختلف العلاّمة واصفاً لها بالصحة(٤) ، وهو من جملة المواضع الذي قلنا : إنّ العلاّمة يصف فيه رواية فيها محمد بن عيسى الأشعري بالصحة(٥) .
ثم إنّ ظاهر الأخبار الثلاثة إطلاق التيمم بالطين ، قال في المقنعة : إذا حصل في أرض وحلة وهو محتاج إلى التيمم ولم يجد تراباً فلينفض ثوبه أو عرف دابّته إن كان راكباً أو لبد سرجه ورحله ، فإن خرج من شيء من ذلك غبرة يتيمم بها ، وإن لم يخرج منه غبرة فليضع يديه على الوحل ثم يرفعهما فيمسح إحداهما بالأُخرى حتى لا يبقى فيهما نداوة وليمسح بها وجهه وظاهر كفيه(٦) .
وقد اختار العلاّمة في المختلف هذا القول ، وجعل من مؤيّداته موثقة زرارة وهي الرواية الثانية ، لكن أتى بالمتن فيها زائداً على ما هنا ، وهو عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « إنّ أصابه الثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو من
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٣) التهذيب ١ : ١٩٠ / ٥٤٦ ، الوسائل ٣ : ٣٥٤ أبواب التيمم ب ٩ ح ٤.
(٤) المختلف ١ : ٢٦٢.
(٥) راجع ص ٧٣٦.
(٦) المقنعة : ٥٩ ، بتفاوت يسير.
شيء مغبّر ، وإن كان في حال لا يجد إلاّ الطين فلا بأس أن يتيمّم منه »(١) .
وهذا المتن في التهذيب كما نقله إلاّ في قوله : « أو شيء مغبّر » ففي النسخة التي رأيتها من التهذيب : « شيء معه »(٢) وفي الاستبصار على ما وجدته من النسخ كما ترى ، ولا يخلو من غرابة.
وجعل العلاّمة الرواية الأخيرة أيضا من المؤيّدات وأنت خبير بأنّ الدلالة على جميع مطلوب المفيد غير ظاهرة.
واتفق للعلاّمة أيضاً أنّه نقل عن الشيخ في النهاية جعله التيمم مراتب ، أُولاها التراب ، فإن فقد فالحجر ، فإن فقد تيمم بغبار عرف دابّته أو لبد سرجه ، فإن لم يكن معه دابّة تيمم بغبار ثوبه ، فإن لم يكن معه شيء من ذلك تيمم بالوحل.
قال العلاّمة بعد نقل كلام المفيد السابق : فقد وقع الخلاف بين الشيخين في هذا المقام في موضعين ، الأول : أنّ المفيد خيّر بين الثوب وعرف الدابّة والطوسي رتّب بينهما. الثاني : أنّ المفيد شرط خروج غبار من الثوب أو العرف والطوسي أطلق(٣) . انتهى.
ولا يخفى عليك أنّ الطوسي لم يطلق بل قال : بغبار عرف دابّته وغبار ثوبه. وهذا لا يتحقق إلاّ بإخراجه أو كونه خارجاً.
واحتمال أن يكون العلاّمة فهم من كلام المفيد أنّ مراده التيمم بالغبار الخارج حين النفض غير الموجود على الثوب أو اللبد بل المصاحب للهواء ، بخلاف قول الشيخ فإنّه أطلق من هذه الجهة ، بعيد عند التأمّل.
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٦٢.
(٢) التهذيب ١ : ١٨٩ / ٥٤٥.
(٣) المختلف ١ : ٢٦١.
ولا يذهب عليك أنّ مفاد الأخبار الدالة على التيمم بالغبار وإن كان الإطلاق في الغبار من التراب وغيره ، إلاّ أنّ احتمال إرادة التراب قريب ، نظراً إلى أنّه المتعارف من الغبار غالباً.
وقد نقل العلاّمة في المختلف عن سلاّر أنّه قال : ( إذا وجد الثلج والوحل والحجر نفض ثوبه وسرجه ورحله ، فإن خرج منه تراب تيمم به(١) . وعن المرتضى أنّه قال )(٢) يجوز التيمم بالتراب وغبار الثوب وما أشبهه إذا كان الغبار من التراب(٣) .
وظاهر نقل العلاّمة الأقوال أنّه فهم من كلام غير المذكورين إرادة إطلاق الغبار ومنهم المفيد وقد اختار قوله كما قدمنا الإشارة إليه ، غير أنّ العجب من العلاّمة أنّه قال بعد اختيار القول المذكور وذكر الأخبار المؤيّدة : وأمّا اشتراط الغبار فلمّا بيّنا من أنّ التيمم إنّما يكون بالأرض أو التراب(٤) .
وأنت خبير بأنّ هذا يخالف إطلاق مذهب المفيد ، ولو حمل الإطلاق على التراب لم يتم نقله الأقوال على الإطلاق ، فليتأمّل.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ شيخناقدسسره نقل في المدارك عن السيد المرتضى في الجمل أنّ الذي يظهر منه جواز التيمم بالغبار مع وجود التراب ، قالقدسسره : وهو بعيد ، لأنّه لا يسمّى صعيدا(٥) .
وقد يقال : إنّ الصعيد هو التراب ، والغبار إذا كان من التراب لا وجه لخروجه عنه إلاّ من حيث تسميته غباراً ، وضرورة مثل هذه التسمية غير
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٦١.
(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٣) المختلف ١ : ٢٦٢.
(٤) المختلف ١ : ٢٦٣.
(٥) مدارك الاحكام ٢ : ٢٠٧.
ظاهرة ؛ وإن كان الغبار من غير التراب فالكلام عليه ممكن في أصل الحكم ، ولا وجه لبعده ، هذا.
وقد يختلج الإشكال في صحّة التيمم بالغبار مع وجود الطين ، فإنّ الروايات صحيحها خبر رفاعة ، وهو دالّ على ما في زيادة التهذيب أنّ وجود الثلج المانع من الأرض هو المجوّز للتيمم بالغبار ، وحينئذ فإطلاق القول بتقديمه على الطين مشكل.
وبالجملة : فللمناقشة في تقديم الغبار على الطين مجال ، على أنّ الطين قد يناقش فيه بأنّ حكم التيمم به مقيد بعدم غيره ، فهو طهارة اضطرارية كالغبار ، فالترجيح محل كلام ، فما قاله شيخناقدسسره : من إمكان المناقشة في جواز التيمّم بالغبار مع إمكان الطين(١) . محل نظر من حيث الإطلاق ، وإن كنّا شاركناه في التأمّل من جهة أُخرى.
بقي شيء وهو أنّ بعض الأصحاب قال : إنّ الطين لو أمكن تجفيفه قدّم على الغبار قطعا(٢) . ( وله وجه )(٣) .
ثم إنّه يحتمل اعتبار الصبر إلى ذهاب النداوة في الطين إذا لم يخف فوت الوقت ، كما ينقل عن العلاّمة في التذكرة أنّه قيّد ما ذكر في الوحل بذلك(٤) .
وفيه : أنّ الدليل غير معلوم في الوحل والطين ، واحتمال التوصل إلى ما قرب من التراب يشكل بأنّ النص مطلق.
__________________
(١) مدارك الأحكام ٢ : ٢٠٧.
(٢) منهم صاحب المدارك ٢ : ٢٠٧.
(٣) ما بين القوسين ليس في « رض » و « د ».
(٤) التذكرة ٢ : ١٨١.
اللغة :
قال في القاموس : لَبَدَ الصوف كضرب نَفَشَه وبلّه بماء ثم خاطه ، وقال أيضاً : اللبد بساط معروف وما تحت السرج(١) .
قوله :
فأما ما رواه سعد بن عبد الله ، عن الحسن بن علي ، عن أحمد ابن هلال ، عن أحمد بن محمد ، عن أبان بن عثمان ، عن زرارة ، عن أحدهماعليهماالسلام قال ، قلت : رجل دخل الأجَمَة(٢) ليس فيها ماء وفيها طين ما يصنع؟ قال : « يتيمّم ، فإنّه الصعيد » قلت : فإنّه راكب ولا يمكنه النزول من خوف وليس هو على وضوء؟ قال : « إن خاف على نفسه من سبع أو غيره وخاف فوت الوقت فليتيمّم يضرب بيده على اللبد والبرذعة ويتيمّم ويصلّي ».
فلا ينافي خبر أبي بصير وخبر رفاعة فإنّ(٣) فيهما : إذا لم تقدر على لبد أو سرج تنفضه تيمم بالطين ، وقال في هذا الخبر أوّلاً : يتيمم بالطين ، فإن لم يقدر على النزول للخوف تيمم من السرج لأنّ الوجه في الجمع بين الأخبار أنّه إذا كان في لبد السرج أو الثوب غبار يجب أن يتيمم منه ولا يتيمم من الطين ، فإذا لم يكن في الثوب غبرة أوّلاً يتيمم
__________________
(١) القاموس المحيط ١ : ٣٤٧ ( لبد ).
(٢) الأَجَمَة : منبت الشجر كالغَيْضة وهي الآجام ، تهذيب اللغة ١١ : ٢٢٧ ، لسان العرب ١٢ : ٨ ( أجم ).
(٣) في الاستبصار ١ : ١٥٧ ، فإنه قال.
بالطين ، فإن خاف من النزول تيمّم من الثوب وإن لم يكن فيه غبار.
والذي يدل على أنّه إنّما يسوغ له التيمم باللبد والسرج إذا كان فيهما الغبار :
ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة قال : قلت لأبي جعفرعليهالسلام : أرأيت المواقف إن لم يكن على وضوء كيف يصنع ولا يقدر على النزول؟ قال : « تيمم من لبده و (١) سرجه و (٢) مَعرفة دابّته فإنّ فيها غباراً ويصلّي ».
السند :
في الأوّل : فيه أحمد بن هلال ، وقد قدّمنا أنّ الشيخ ضعّفه في هذا الكتاب(٣) ، وحينئذ لا حاجة إلى تعيين الحسن بن علي وإن كان في الظاهر أنّه ابن فضال ، وأمّا أحمد بن محمد فهو ابن أبي نصر على ما يقتضيه الممارسة.
والثاني : لا ارتياب فيه بعد ملاحظة ما قدّمناه مكرّراً ، غير أنّه ينبغي أن يعلم أنّ الشيخ في المشيخة لهذا الكتاب ذكر طريقه إلى الحسين بن سعيد عن الشيخ المفيد ، عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد. وعن الشيخ المفيد ، عن شيخه عماد الدين أبي محمد جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه ، عن أبيه ، عن سعد ، عن أحمد بن محمد(٤) .
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٥٧ : أو.
(٢) في الاستبصار ١ : ١٥٧ : أو.
(٣) راجع ص ١٥٤.
(٤) مشيخة الاستبصار ( الاستبصار ٤ ) : ٣٢٧.
وقد روى الشيخ الحديث في التهذيب عن المفيد ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد(١) . وهذا لا يضرّ بحال ما ذكره في المشيخة ، لأنّ له طرقاً إلى الرجل ، وفي المشيخة اقتصر على البعض ، والشيخرحمهالله لم يلتفت إلى صحّة الطريق ، ولا إلى العالي منه ، اعتماداً على أنّ الأحاديث مأخوذة من كتب عليها المعوّل ، وإنّما ذكر الأسانيد دفعاً لبعض الشبهات.
المتن :
في الأوّل ما قاله الشيخ فيه بعيد جدّاً ، واحتمال التخيير في الجمع بين الأخبار لعلّه أولى.
وما قد يقال : إنّ مفاد خبر زرارة كونه إذا خاف السبع أو فوت الوقت يتيمم على اللبد ، وظاهر المفهوم أنّه مع القدرة لا يجوز ، والتخيير ينافي هذا.
يمكن الجواب عنه بأن التخيير لا ينافي كون الأفضل الطين ويكون الشرط لذلك.
وما ذكره الشيخ : من التيمم بالثوب وإن لم يكن فيه غبار. لا دليل عليه ، فإن السابقة دل بعضها على النفض وهو يشعر بإرادة الغبار ، والبعض الآخر وهو الساقط منه المطلوب دل على الغبار ، ولو فرض إطلاق البعض في النفض حمل على المقيّد بالغبار.
والرواية الثانية المذكورة من الشيخ للدلالة على أنّه إنّما يسوغ التيمم باللبد والسرج إذا كان فيهما الغبار ، تنافي الجمع ، على أنّ في دلالتها على
__________________
(١) التهذيب ١ : ١٨٩ / ٥٤٤.
الحصر نوع تأمّل ، لكنه سهل الجواب ، ولا يخفى عدم دلالتها على أنّ التيمم باللبد إنّما يسوغ للضرورة ، لأنّ التقييد من كلام السائل.
وبهذا يندفع ما ذكره شيخناقدسسره : من أنّ الرواية تدل على جواز التيمم مع الضرورة ، فلا يتم مطلوب القائل بجواز التيمم بالغبار مع وجود الطين(١) .
وما قاله الشيخ : من دلالة خبر أبي بصير وخبر رفاعة. يؤيّد كونه ذكر الحديث مع الزيادة التي في التهذيب فكأنّها سقطت من النسخ التي رأيتها.
بقي في المقام أُمور :
الأوّل : في الرواية الأُولى ما يقتضي أنّ الصعيد هو الطين ، وهذا لا يخفى ما فيه ظاهراً ، ولعل المراد هو الطين من الصعيد ، وقد يستبعد ذلك لكن مع ثبوت النص لا(٢) إشكال.
الثاني : ما تضمنته الروايات في الباب اشتمل على الطين ، والأقوال المذكورة في المختلف وقع التعبير فيها بالوَحل(٣) ، فكأنّ الحكم واحد على ما فهمه الأصحاب ، وربما يظن المغايرة. وفي القاموس : الوحل : الطين ترتطم فيه الدواب(٤) . وهذا ظاهره أنّه غير الطين ، نعم في الصحاح : الوحل بسكون الحاء وفتحها : الطين الرقيق(٥) .
الثالث : ظاهر الرواية الأخيرة أنّ مجرّد وجود الغبار في المذكورين كاف في صحّة التيمّم ، ولعل إطلاقه يقيد بما تضمن النفض ، فليتأمّل.
__________________
(١) مدارك الأحكام ٢ : ٢٠٧.
(٢) في « رض » : فلا.
(٣) المختلف ١ : ٢٦١ : ٢٦٢.
(٤) القاموس المحيط ٤ : ٦٥ ( الوحل ).
(٥) الصحاح ٥ : ١٨٤٠ ( وحل ).
قوله :
باب الرجل يكون(١) في أرض غطاها الثلج.
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن علي بن إسماعيل ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يجنب في السفر لا يجد(٢) إلاّ الثلج ، قال(٣) : « يغتسل بالثلج أو ماء النهر ».
وبهذا الاسناد عن محمد بن أحمد ابن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن عثمان بن عيسى ، عن معاوية بن شريح قال : سأل رجل أبا عبد اللهعليهالسلام وأنا عنده ، فقال : يصيبنا الدَّمَق والثلج ونريد أن نتوضّأ ولا نجد إلاّ ماءً جامداً فكيف أتوضّأ أدلك به جلدي؟ قال : « نعم ».
السند :
لا لبس فيه في الخبرين بعد ما كرّرنا ذكره ، غير أنّ علي بن إسماعيل الواقع في الأوّل لا بأس بإعادة ما ذكرناه مجملا ، والحاصل أنّ الموجود في الرجال الموجودة الآن علي بن إسماعيل بن ميثم التمار ، وهذا مهمل في الرجال(٤) ، وعلي بن إسماعيل بن عيسى مذكور في طرق الفقيه إلى إسحاق
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٥٧ : يحصل.
(٢) في الاستبصار ١ : ١٥٧ / ٥٤٢ زيادة : في السفر.
(٣) في الاستبصار ١ : ١٥٧ / ٥٤٢ : فقال.
(٤) انظر رجال النجاشي : ٢٥١ / ٦٦١.
ابن عمار(١) ، والعلاّمة وصفه بالصحة(٢) . والرجل المذكور في مرتبةٍ لا يبعد أن يكون هو المراد هنا.
لكن تصحيح العلاّمة محلّ تأمّل في إفادته التوثيق المعتبر ، لكثرة ما وقع له من الأوهام في توثيق الرجال لا لأنّ تصحيح الأخبار اجتهاديّ ولا يفيد غير المقلد له ، لإمكان أن يقال على هذا : إنّ النجاشي وغيره من المتقدمين الذين لم يعاصروا الرواة توثيقهم أيضا بالاجتهاد كما يقتضيه الاعتبار.
نعم قد يشكل الحال في توثيق الشيخ ؛ لأنّه أيضاً كثير الأوهام على نحو العلاّمة.
وربما يقال : إنّ التزكية ليست من قبيل الفتوى ، بل من قبيل الإخبار ، والواحد فيها مقبول لمفهوم الآية ، فإذا تحققت العدالة لا وجه للتوقف في تصحيح العلاّمة.
وفيه : أنّ التصحيح محتمل لأن يريد به حصول القرائن المفيدة لصدق الراوي ، فهو ظن خاص بالمجتهد ، والتوثيق أمر آخر.
إلاّ أن يقال : إنّ هذا بعينه جار في التوثيق. ( وفيه احتمال الفرق كما يعرف من حقيقة التوثيق ، إلاّ أن يقال : إنّ الصحة العرفية يتوقف على التوثيق )(٣) فالحكم بالصحة حكم بها.
وفيه : أنّ الاضطراب قد علم من العلاّمة في التصحيح كما يعرف من المنتهى والمختلف.
__________________
(١) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٦.
(٢) خلاصة العلاّمة : ٢٧٧.
(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».
نعم تصحيح الصدوق له مزيّة يقرب معها أن يكون على نحو التوثيق ، ومن ثم تطمئن النفس إلى إخباره في الفقيه ، حيث قال في أوّله : أنّه يورد فيه ما يعتقد صحته(١) .
وما قد يقال : إنّ اعتقاد صحّة الحديث عند الصدوق لا يدل على توثيق الرجل ، لأنّ الصحّة عند المتقدّمين لا يتوقف على التوثيق.
فجوابه : أنّنا لا ندعي توثيق رجال الحديث من الحكم بصحته من الصدوق ، بل نقول : إنّ الخبر صحيح على نحو الصحيح الاصطلاحي ، فينبغي تأمّل هذا فإنّه حريّ بالتأمّل.
وإذا تمهّد ما قلناه فاعلم أنّ طريق الفقيه المذكور فيه إسماعيل بن عيسى لا يخلو من خلل على ما أظن في ذكر ابن عيسى ، كما نبّهنا عليه في حاشيته.
وفي الرجال علي بن إسماعيل الدهقان ، قال النجاشي : إنّه خيّر فاضل من أصحاب العياشي(٢) . وكذلك قال الشيخ في من لم يرو عن أحد من الأئمّةعليهمالسلام في كتابه(٣) . ومرتبة هذا الرجل لا توافق ما نحن فيه إلاّ بتكلّف.
وفي الرجال علي بن إسماعيل بن عمار من وجوه من روى الحديث على ما قاله النجاشي في ترجمة إسحاق(٤) . وحاله لا يخفى ( وفي الرجال على ما ذكره العلاّمة في الخلاصة في علي بن السري )(٥) نقلا عن الكشي أنّه قال : قال نصر بن الصباح : علي بن إسماعيل ثقة وهو علي بن السري ،
__________________
(١) الفقيه ١ : ٣.
(٢) ليست في رجال النجاشي.
(٣) رجال الطوسي : ٤٧٨ / ٩.
(٤) رجال النجاشي : ٧١ / ١٦٩.
(٥) ما بين القوسين ساقط من « فض ».
لقّب إسماعيل بالسري(١) قال العلاّمة : ونصر بن الصباح ضعيف(٢) .
والذي حققه شيخنا المحقق أيّده الله في كتاب الرجال أنّ لفظة ثقة تصحيف يق(٣) كما يقتضيه سوق كلام الكشي ، والعلاّمة غيّر كلام الكشي لظنّه أنّ فيه تصحيح المرام ، وعلى كل حال فالرجل المبحوث عنه غير معلوم الحال بعد احتمال الاشتراك ، وبتقدير كونه الدهقان فهو ممدوح ، وقد وصفها العلاّمة في المختلف بالصحّة(٤) .
وأمّا معاوية بن شريح في الثاني ، فالظاهر أنّه ابن ميسرة بن شريح وهو مهمل في رجال النجاشي(٥) ، والشيخ في الفهرست(٦) .
المتن :
في الأوّل ظاهر الدلالة على تحقّق الغُسل بالثلج ولزوم الغُسل لا التيمّم ، فيندفع به على تقدير الصحة ما ينقل عن السيد المرتضىرضياللهعنه أنّه قال : إذا لم يجد إلاّ الثلج ضرب بيده وتيمّم بنداوته(٧) .
والعلاّمة جعل الخبر مؤيّداً لما اختاره من الاغتسال بالثلج ، واعتمد في الدليل على أنّ المغتسل والمتوضّئ يجب عليه مماسّة أعضاء الطهارة
__________________
(١) رجال الكشي ٢ : ٨٦٠ / ١١١٩ وفيه السدي بدل السري ، وفي الخلاصة : ٩٦ / ٢٨ : السري نقلاً عن الكشي.
(٢) خلاصة العلاّمة : ٩٦ / ٢٨.
(٣) منهج المقال : ٢٣٣.
(٤) المختلف ١ : ٢٦٣.
(٥) رجال النجاشي : ٤١٠ / ١٠٩٣.
(٦) الفهرست : ١٦٦ / ٧٢٧.
(٧) المختلف ١ : ٢٦٣.
بالماء وإجراؤه عليها ، فإذا تعذّر الثاني وجب الأوّل ، إذ لا يلزم من سقوط أحد الواجبين لعذر سقوط الآخر.
قال : ويؤيّده ما رواه الشيخ في الصحيح وذكر الرواية ، ثم قال : لا يقال : لا دلالة في هذا الحديث على مطلوبكم وهو الاجتزاء بالمماسّة ، لأنّ مفهوم الاغتسال إجراء الماء الجاري على الأعضاء ، لا نفس المماسّة ، لأنّا نقول : يمنع أوّلاً دخول الجريان في مفهوم الاغتسال ، سلّمنا ، لكن الاغتسال إذا علّق بشيء اقتضى جريان ذلك الشيء على العضو ، أمّا حقيقة الماء فيمنع ذلك ، ونحن نقول هنا بموجبه ، فإنّ الثلج يجوز إجراؤه على الأعضاء لتحصل الرطوبة عليها ويعتمد على الثلج بيده ، ويؤكد ذلك ما رواه معاوية بن شريح ، وذكر الرواية الثانية(١) .
وفي نظري القاصر أنّ كلامه محلّ تأمّل ،أمّا أوّلاً : فما قاله من وجوب الأمرين ، فإذا تعذر أحدهما لم يسقط الآخر. فيه : أنّا لا نسلّم وجوب أمرين ، بل الواجب الغُسل المركّب من الأمرين ، والمركّب ينتفي بانتفاء أحد جزءيه.
وأمّا ثانياً : فما ذكره في جواب الإيراد اقتضى أوّلاً منع دخول الجريان في مفهوم الاغتسال ، وهو مناف لتصريحه أوّلاً في الدليل بأنّ الواجب أمران.
ثم إنّ الجواب اقتضى ثانياً أنّ الاغتسال إذا علّق بشيء اقتضى جريان ذلك الشيء ، فظاهر الحال أنّه الثلج ، لأنّه المعلّق في الرواية ، وقوله : نحن نقول بموجبه. مقتضاه إجراء الثلج لتحصل الرطوبة ، والجريان للرطوبة
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٦٣.
لا للثلج ، وقد يمكن تسديد هذا ، إلاّ أنّ الحقّ أنّه إنّما يتم على تقدير صلاحية الرواية للاستدلال على أن يكون نصا في جريان الثلج ، والحال أنها محتملة لأن يراد بالاغتسال بالثلج إجراء مائه ولو بمعونة ، ومن ثم جعلها العلاّمة مؤيّدة ، فالتأييد مع الاستدلال بها لا يخلو من خلل على تقدير الإغماض عن السند.
والخبر الثاني المتضمن لذلك غير سليم السند.
وقد نقل في المختلف عن ابن إدريس أنّه منع من التيمم به والوضوء والغُسل ، وأنّه احتج بأنّ الجنب ممنوع من الصلاة إلاّ بعد الغسل ، ولا يطلق الغُسل إلاّ مع الجريان(١) وأجاب العلاّمة بما قدّمه وقد سمعت ما فيه.
وفي المقنعة قال المفيد : وإن كان في أرض قد غطّاها الثلج ولا سبيل إلى التراب فليكسره وليتوضّأ به مثل الدهن(٢) .
وقد يقال على هذا : إنّ ظاهر الكلام أوّلاً أنّ التيمم مقدم إذا أمكن التراب ، وعلى تقدير التعذّر فليتوضّأ من الثلج. ويشكل بأنّ الثلج إن تحقق به الوضوء لا وجه للتيمم.
ويمكن الجواب بأنّ قوله : ولا سبيل إلى التراب. ليس المراد به إرادة التيمم ، بل هو لبيان كون الثلج ساتراً للأرض ، ولا يخفى ما فيه من التكلّف.
بقي شيء ، وهو أنّ قولهعليهالسلام : « يغتسل من الثلج أو ماء النهر » لا يخلو من إجمال ، لأن ماء النهر مع وجوده ربما كان أقرب إلى مدلول الغسل فيتعيّن ، إلاّ أن يقال : إنّ الغرض من الإمامعليهالسلام بيان عدم اعتبار
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٦٣ ، ٢٦٤.
(٢) المقنعة : ٥٩.
الجريان في الغسل ، وأنّه لا فرق بين ماء النهر والثلج ، وقد يحتمل أنّ يكون الترديد من الراوي بحصول الشك ، ولا يخلو من بُعد ، فليتأملّ ذلك كلّه.
اللغة :
قال في القاموس : الدمق : ريح وثلج ، معرّبة دَمَه(١) .
قوله :
فأما ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن العبيدي ، عن حماد ابن عيسى ، عن حريز ، عن محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يجنب في السفر فلا يجد إلاّ الثلج أو ماءً جامداً فقال : « هو بمنزلة الضرورة يتيمّم ولا أرى أن يعود إلى هذه الأرض التي توبق دينه ».
عنه ، عن معاوية بن حكيم ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « إن أصابه الثلج فلينظر لبد سرجه فليتيممّ من غباره أو من شيء معه ».
سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن عبد الله ابن المغيرة ، عن رفاعة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إذا كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمّم من غباره أو من شيء مغبّر ».
فلا تنافي بين هذه الأخبار و(٢) الأخبار الأوّلة ، لأنّ الوجه في الجمع بينهما أنّه يجب على الإنسان أن يتدلّك بالثلج أو الجمد ، لأنّه
__________________
(١) القاموس المحيط ٣ : ٢٤٠ ( دَمَقْ ).
(٢) في الاستبصار ١ : ١٥٨ زيادة : بين.
ماء إذا أمكنه ذلك ولا يخاف على نفسه(١) لا يعدل عن ذلك إلى التيمم بالتراب والغبار ، فإذا ( يمكنه ذلك وخاف )(٢) من استعماله جاز له أن يعدل إلى التيمم كما يجوز له العدول عن الماء إلى التراب عند الخوف ، والذي يدل على ذلك :
ما أخبرني به الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمد بن علي بن محبوب ، عن محمد بن أحمد العلوي ، عن العمركي ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفرعليهماالسلام قال : سألته عن الرجل الجنب ( أو على غير وضوء ) (٣) لا يكون معه ماء وهو يصيب ثلجاً وصعيداً أيّهما أفضل أيتيمم أم يتمسح بالثلج وجهه؟ قال : « الثلج إذا بلّ رأسه وجسده أفضل ، فإن لم يقدر على أن يغتسل به فليتيمّم ».
السند :
في الأوّل : ليس التوقف فيه إلاّ من العبيدي وهو محمد بن عيسى ، وقد قدمنا وجه عدم التوقف(٤) ، والطريق إلى محمد بن علي بن محبوب في المشيخة : الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٥٨ زيادة : من استعماله و.
(٢) بدل ما بين القوسين في « رض » : تمكّن من ذلك وخاف ، وفي « د » : تمكنه ذلك ، وفي الاستبصار ١ : ١٥٨ : لم يمكنه ذلك ويخاف على نفسه.
(٣) في « فض » : أو غير وضوء ، وفي « رض » : أو لا على وضوء ، وفي « د » : أو على وضوء ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ١٥٨ / ٥٤٧.
(٤) في ص ٥٣ ٥٩.
أبيه ، عن محمد بن علي بن محبوب(١) ، ولا يستبعد رواية العبيدي عن حمّاد من ممارس الرجال.
والثاني : تقدم القول في رجاله ، وذكر الحديث هنا بهذه الصورة يؤيد النقيصة في الخبر السابق ، كما حكيناه سابقا(٢) ، وضمير « عنه » راجع إلى ابن محبوب ، وقد تقدم اسناد آخر للخبر.
والثالث : تقدم أيضا.
والرابع : فيه محمد بن أحمد العلوي ، ولم أقف في الرجال على ذكره ، نعم في كتاب كمال الدين قرب باب النص على القائمعليهالسلام ما هذا لفظه : حدثنا الشريف الديِّن الصدوق أبو علي محمد بن أحمد بن محمد ابن زيارة بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب عن علي بن محمد بن قتيبة(٣) . وهذا الرجل يروي عنه الصدوق فرواية ابن محبوب عنه غير معقولة ، ولا يخفى مدح الرجل من الصدوق.
المتن :
في الأوّل ظاهر في تعين التيمم وإن أمكن الغسل بالثلج والماء الجامد ، والظاهر أيضا أنّ التيمم ليس بالثلج وإن كان باب الاحتمال واسعا.
وفي الفقيه : ومن أجنب في أرض ولم يجد الماء إلاّ ماءً جامداً أو(٤)
__________________
(١) مشيخة الاستبصار ( الاستبصار ٤ ) : ٣٢٤.
(٢) في ص ٧٣٨.
(٣) كمال الدين : ٢٣٩ ، بتفاوت يسير.
(٤) في المصدر : و.
لا يخلص إلى الصعيد فليصلّ بالمسح ، ثم لا يعد إلى الأرض التي يوبق فيها دينه(١) . ولفظة « أو » في النسخة التي رأيتها ، والظاهر أنّه بمعنى الواو أو الألف غلط ؛ واحتمال أن يكون قوله : أو لا يخلص عطفاً على لم يجد ، أي إذا حصل أحد الأمرين إمّا عدم الماء أو عدم الخلاص إلى الصعيد ، لا يخفى أنّه يوجب الاختلال في العبارة ، كما يعرف بأدنى تأمّل.
والظاهر أنّ الصدوق أتى بمدلول الرواية ، وربما يفهم من العبارة أنّ المسح على الماء الجامد ، واحتمال إرادة التيمم ربما كان له قرب إلى العبارة.
وقد نقل العلاّمة في المختلف عن سلاّر وجماعة أنهم قالوا : يتيمم بنداوة الثلج ، ثم قال العلاّمة : احتجّ سلاّر بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح(٢) . وذكر الرواية الأولى ، وفي وصفها بالصحّة دلالة على توثيق محمد بن عيسى إن كانت مأخوذة من الكتاب.
ثم إنّه أجاب عن الاحتجاج بجواز أن يكون المراد يتيمم بالتراب كما فهم الشيخ ، أو يتيمم بالثلج ، بمعنى أنّه يمسح الأعضاء بأجمعها ، ويطلق عليه اسم التيمم إمّا للحقيقة اللغوية أو المجاز الشرعي وهو الإمساس(٣) . ولا يخفى عليك ما في الجواب.
وما قاله الشيخ في الجمع بين الأخبار لا يخلو من نظر أيضا ، إلاّ أنّه قابل للتسديد ، والاستدلال له بالرواية الأخيرة غير تام كما يعرف من ملاحظة كنه الرواية وكلام الشيخ ، وفي الخبر الأوّل نكتة توجب قصم
__________________
(١) الفقيه ١ : ٤٨.
(٢) المختلف ١ : ٢٦٣.
(٣) المختلف ١ : ٢٦٤ بتفاوت يسير.
الظهور ، والله تعالى أعلم بحقائق الأُمور.
اللغة :
توبق دينه أي تهلكه ، من قولهم : أوبقت الشيء أهلكته ، كذا في الحبل المتين(١) .
قوله :
باب أنّ المتيمّم إذا وجد الماء لا يجب عليه إعادة الصلاة
أخبرني الشيخرحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد ابن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة ، عن زرارة ، عن أحدهماعليهماالسلام قال : « إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت ، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم وليصلّ في آخر الوقت ، فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضّأ لما يستقبل ».
عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن ابن سنان قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : « إذا لم يجد الرجل طهوراً وكان جنباً فليمسح من الأرض وليصلّ ، فإذا وجد ماءً فليغتسل وقد أجزأته صلاته التي صلّى ».
__________________
(١) الحبل المتين : ٨٣ بتفاوت يسير.
السند :
في الخبرين واضح بعد ما قدّمناه ، وذكرنا سابقا أنّ ابن أُذينة هو عمر ابن محمد بن أُذينة الثقة في كتاب الشيخ للرجال(١) وإن كان التعبير عنه بعمر بن أُذينة ، والنجاشي لم يوثّقه لكن ترجمه بعمر بن محمد بن أُذينة ، وفي السند إلى كتابه قال : عمر بن أُذينة(٢) .
وما قاله جدّيقدسسره من أنّ سبب وهم ابن داود في عدّهما اثنين هو ذكر الشيخ له بعنوان عمر بن أُذينة ، والنجاشي بعنوان عمر بن محمد بن أُذينة(٣) لا يخلو من تأمّل ، فإنّ النجاشي قد سمعت ما ذكره.
نعم قد يشكل الحال بأنّ النجاشي قد قدّمنا أنّه مرجَّح على الشيخ في مقام تعارض الجرح والتعديل ، لأنّ عدم ذكر الجرح في الرجل مثل كونه فطحياً يدل على أنّه لم يثبت عنده ذلك ، ومن ثم يذكر مخالف المذهب في كتابه ، وهذا ربما يعطي تقديم قوله في عدم التوثيق أيضا ، وحينئذ يشكل الاعتماد على توثيق الشيخ مع تمشّي ما قلناه فيه بعينه ، فليتأملّ.
المتن :
في الأوّل ظاهر في أنّ المسافر يطلب ما دام في الوقت فإذا خاف فوته تيمّم ، وربما يدّعى أنّ الظاهر فوت جميع الوقت لا فوات الفضيلة وإن كان باب الاحتمال واسعاً ، سيّما واستفادة فوت وقت الفضيلة من الأخبار غير عزيز.
__________________
(١) رجال الطوسي : ٢٥٣ / ٤٨٢ ، ٣٥٣ / ٨.
(٢) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥٢.
(٣) حواشي الشهيد الثاني على الخلاصة : ٢٠.
ثم الظاهر من الطلب الإطلاق كما قاله في المعتبر(١) ، وما يأتي من الأخبار في كيفية الطلب قاصر السند ، ومن ثم قال المحقق : والتقدير بالغلوة والغلوتين رواية السكوني وهو ضعيف غير أنّ الجماعة عملوا بها ، ثم قال : والوجه أنّه يطلب من كل جهة يرجو فيها الإصابة ولا يكلّف التباعد بما يشقّ ، ورواية زرارة تدل على أنّه يطلب دائما ما دام في الوقت حتى يخشى الفوات ، وهو حسن ، والرواية واضحة السند والمعنى(٢) . انتهى.
وفي نظري القاصر أنّ ما قاله المحققرحمهالله لا يخلو من تأمّل ، لأنّ استفادة الطلب دائماً ما دام في الوقت من الرواية غير واضحة ، إذ الأمر لا يفيد الدوام ، وقولهعليهالسلام « ما دام في الوقت » بيان لزمان الطلب ، وحينئذ وضوح معنى الرواية فيما ذكره محلّ كلام ، بل ربما يدّعى دلالتها على الطلب المتعارف ، وهو ما ذكره المحقق أوّل الكلام إن لم يثبت المقيد.
وما تضمنته الرواية من قوله : « في آخر الوقت » الظاهر أنّه راجع إلى الأمرين أعني التيمم والصلاة ، واحتمال أن يراد إذا خاف أن يفوته الوقت لو طلب يتيمم ولو في أوّل الوقت ، لكن لا يصلّي إلاّ في آخره. دفعه أظهر من أن يخفى ، نعم يحتمل إرادة إذا خاف من الطلب فوت الوقت ، لكن يؤخّر التيمم والصلاة ، وقد يوجب هذا نوع شك.
وقوله : « فإن وجد الماء فلا قضاء عليه » محتمل لأمرين أحدهما : أنّه إذا وجد بعد الطلب ، وثانيهما : إذا وجده بعد ترك الطلب بخوف فوت الوقت ، وسيأتي إن شاء الله ذكر ما لا بدّ منه في الباب المعنون به.
وقولهعليهالسلام في الخبر الثاني : « إذا لم يجد الرجل طهوراً » يريد به
__________________
(١) المعتبر ١ : ٣٩٢.
(٢) المعتبر ١ : ٣٩٣ بتفاوت يسير.
الماء ، ولا مانع من إرادة الماء وحده من الطهور بقرينة وهي في الخبر مكشوفة ، وإطلاقه يقيد بما قبله من جهة الطلب ، ولا يدل قوله : « إذا لم يجد » على ذلك ، لأنّ عدم الوجدان لا يخرج عن الإجمال بعد ذكر الطلب في الأخبار ، وإن كان إطلاق الآية قد يقتضي نوع أشكال ، وحلّه يظهر ممّا قلناه ، فليتأمّل.
ولا يخفى دلالة الخبر الثاني على التيمم بالأرض.
قال :
فأما ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن خالد ، عن الحسن بن علي ، عن يونس بن يعقوب ، عن منصور بن حازم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : في رجل تيمم وصلّى ثم أصاب الماء فقال : « أمّا أنا فكنت فاعلاً ، إنّي كنت أتوضأ وأُعيد ».
فالوجه في هذا الخبر أنّه تجب الإعادة إذا وجد الماء وكان الوقت باقيا ، فامّا إذا صلّى في آخر الوقت وخرج الوقت لم تلزمه الإعادة ، والذي يدل على ذلك :
ما أخبرنا به الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن يعقوب ابن يقطين ، قال : سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل تيمم وصلّى فأصاب بعد صلاته ماءً ، أيتوضّأ ويعيد الصلاة أم تجوز صلاته؟ قال : « إذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت توضّأ وأعاد ، وإن مضى الوقت فلا إعادة عليه ».
السند :
في الأوّل فيه محمد بن خالد ، والظاهر من ممارسة الرجال أنّه البرقي ، وقد تقدم فيه قول(١) ، والحاصل أنّ الشيخ وثّقه في رجال الرضاعليهالسلام من كتابه(٢) ، والنجاشي قال : إنّه كان ضعيفاً في الحديث(٣) .
وفي فوائد جدّيقدسسره على الخلاصة ما هذا لفظه : الظاهر أنّ قول النجاشي لا يقتضي الطعن فيه نفسه ، بل في من يروي عنه ، ويؤيّد ذلك كلام ابن الغضائري ، وحينئذ فالأرجح قبول قوله لتوثيق الشيخ له وخلوه عن المعارض(٤) . انتهى.
وقد يقال : إنّ النجاشي لو أراد بقوله : إنّه ضعيف في الحديث ، روايته عن الضعفاء ، فهذا لا يختص بمحمد بن خالد ، كما أوضحناه في مواضع.
ثم إنّ قول جدّيقدسسره إنّ كلام ابن الغضائري يؤيّده. ففيه : أنّ قول ابن الغضائري غير مؤيّد ، لأنّ عبارته على ما في الخلاصة نقلاً عنه : حديثه يعرف وينكر ويروي عن الضعفاء كثيراً ويعتمد المراسيل(٥) . والظاهر من قوله : يعرف وينكر. اضطراب الحديث ، ولعلّ هذا هو المراد بضعف الحديث ، وذكر ابن الغضائري الرواية عن الضعفاء زائد على ذلك ، والحق أنّ ذكره لا وجه له ، وكذا اعتماد المراسيل كما ذكرناه مكرّراً.
__________________
(١) في ص ٦٨.
(٢) رجال الطوسي : ٣٨٦ / ٤.
(٣) رجال النجاشي : ٣٣٥ / ٨٩٨.
(٤) حواشي الشهيد الثاني على الخلاصة : ٢٢.
(٥) خلاصة العلاّمة : ١٣٩ / ١٤.
ثم إنّ قول جدّيقدسسره : لعدم المعارض ، فيه : أنّ عدم توثيق النجاشي معارض قويّ كما نبّهنا عليه مراراً.
فإن قلت : لا وجه للمعارضة إذا لم يقدح فيه النجاشي.
قلت : القدح بضعف الحديث على ما قرّرناه حاصل ، وعلى تقدير غيره فعدم ذكر التوثيق مع تثبّته في الرجال قرينة عدم ثبوت توثيقه ، فليتأمّل.
وأمّا الحسن بن علي فاحتمال ابن فضال قريب عند الممارس ، وغيره بعيد وإن أمكن قرب الوشاء ، وحال بقية الرجال واضحة.
والثاني لا ارتياب فيه.
المتن :
ما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من نظر ، لأنّ ظاهر النص أنّ الإمامعليهالسلام فعل ذلك ، ولو كان تأخير التيمّم واجباً على الإطلاق أو بالتفصيل فكيف يفعله الإمامعليهالسلام ؟ ولو حمل قول الإمامعليهالسلام على أنّه لو كان فاعلاً كما قد يشعر به الكلام أمكن ، لكنّه لا يوافق المقام كما لا يخفى على من نظر في كنه الكلام ، وعلى تقدير الحمل على فعل الإمامعليهالسلام ، فالحمل على الاستحباب له وجه ، وربما دل عليه قول الإمامعليهالسلام ، إذ الاختصاص به لا وجه له ، فيكون مستحباً ، والتأسّي به مستحب.
وما ذكره الشيخ من الرواية للاستدلال على الجميع لا يأبى الحمل على الاستحباب ، وفيها دلالة على جواز التيمم مع السعة مطلقا ، نظراً إلى عدم التفصيل ، فهي مضادّة لما يظهر من الشيخ ، إذ التقديم على تقدير وجوب التأخير يقتضي الإعادة مطلقا ، ولو حملت على أنّ الوقت كان
مظنون الضيق فظهر خلافه أمكن ، لولا أنّ ترك الاستفصال يفيد العموم ، فليتأمّل.
ونقل في المختلف عن ابن أبي عقيل أنّه قال : لا يجوز التيمم إلاّ في آخر الوقت ، ثم قال ـ يعني ابن أبي عقيل ـ : ولو تيمم في أوّل الوقت وصلّى ثم وجد الماء وعليه وقت تطهَّر بالماء وأعاد الصلاة ، وإن وجد الماء بعد مضيّ الوقت فلا إعادة عليه.
وذكر العلاّمة الاحتجاج له بصحيح يعقوب بن يقطين المذكور ، وأجاب عنه بعدم الدلالة ، لاحتمال إيقاع الصلاة على تقدير الإعادة في سعة الوقت لأنّه لم يفعلها على وجهها ، وإيقاعها على تقدير عدمها مع ضيق الوقت(١) .
وهذا الجواب لا يخلو من غرابة ، لأنّ الإعادة على تقدير سعة الوقت لو حملت عليها الرواية لا يتم الاختصاص بالوقت ، والظاهر من الرواية أنّ خروج الوقت على التقدير المذكور يقتضي عدم الإعادة ، ولا وجه لذلك حينئذ لعدم وقوع العبادة على وجهها ، ولو حملت الرواية على الضيق لم يتم الحكم الأوّل ، ولو فصّلت الرواية فحكم في الإعادة مع السعة وعدمها مع الضيق ، اختلّ الجواب ، فإنّ حكم السعة : الإعادة في الوقت وخارجه ، نعم ما قدّمناه من احتمال ظن الضيق له وجه.
على أنّ قول ابن أبي عقيل لو تم استناده إلى الرواية أمكن توجيهه ، لكن الضرورة غير داعية بعد التوقف في اعتبار الضيق مطلقا ، كما ستسمع القول فيه إن شاء الله تعالى.
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٨٦.
قال :
ولا ينافي هذا الخبر ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة ، قال : قلت لأبي جعفرعليهالسلام : فإن أصاب الماء وقد صلّى بتيمم وهو في وقت ، قال : « تمّت صلاته ولا إعادة عليه ».
وما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن الحسن بن علي ، عن علي بن أسباط ، عن يعقوب بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : في رجل تيمم وصلّى وأصاب الماء وهو في وقت ، قال : « مضت صلاته وليتطهّر ».
وما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن العباس بن معروف ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن معاوية بن ميسرة قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل في السفر لا يجد الماء فتيمم ثم صلّى ثم أتى الماء وعليه شيء من الوقت أيمضي على صلاته أم يتوضّأ ويعيد الصلاة؟ قال : « يمضي على صلاته فإنّ رب الماء هو رب التراب ».
وما رواه أحمد بن محمد ، عن عثمان بن عيسى ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجل تيمم وصلّى ثم بلغ الماء قبل أن يخرج الوقت فقال : « ليس عليه إعادة الصلاة ».
فالوجه في هذه الأخبار أن نحمل قوله : قبل خروج الوقت ، أن يكون ظرفا لحال الصلاة لا لوجود الماء ، لأن وقت التيمم هو آخر الوقت على ما ذكرناه في كتابنا الكبير ، وقد تقدّم أيضا من الأخبار ما يدل على ذلك ، فيكون التقدير في الخبر الأوّل : فإن أصاب الماء وقد
صلّى بتيمم في وقتها ، والخبر الثاني : في رجل تيمم وصلّى وهو في وقت ثم أصاب الماء ويكون مقدّماً ومؤخّراً ، وكذلك الخبر الثالث قوله : لا يجد الماء ثم صلّى وعليه شيء من الوقت ثم أتى الماء ، وكذلك الخبر الرابع قوله : عن رجل تيمم وصلّى قبل خروج الوقت ثم بلغ الماء. وإذا جاز هذا التقدير في هذه الأخبار لم يناف ما ذكرناه وسلمت الأخبار كلها.
السند :
في الأوّل : واضح ، وحمّاد هو ابن عيسى كما سيأتي التصريح به في مواضع من الكتاب ، ولا يضر وقوع واسطة بين الحسين وابن عيسى في بعض الأسانيد كما في باب زكاة الجنسين من الكتاب ، حيث روى الحسين ابن سعيد ، عن المختار بن زياد ، عن حماد بن عيسى(١) ؛ وإن كانت المرتبة لا تأبى أن يكون ابن عثمان ، لأنّه من أصحاب الرضاعليهالسلام ، والحسين بن سعيد من أصحابه أيضا ، إلاّ أنّ الممارسة تقتضي الأوّل.
والثاني : فيه الحسن بن علي ، واحتمال ابن فضال فيه له قرب بل أظن تعيّنه ؛ وعلي بن أسباط ويعقوب قد قدّمنا فيهم القول(٢) .
والثالث : فيه معاوية بن ميسرة ، وهو مذكور مهملاً في فهرست الشيخ(٣) وكتاب النجاشي(٤) .
__________________
(١) الاستبصار ٢ : ٣٨ / ١١٩.
(٢) في ص ١٠٩.
(٣) الفهرست : ١٦٧ / ٧٣١.
(٤) رجال النجاشي : ٤١٠ / ١٠٩٣.
والرابع : فيه عثمان بن عيسى وأبو بصير ، وقد كرّرنا القول في شأنهما(١) ؛ وابن مسكان : عبد الله كما هو مصرح به في مواضع أيضاً ، وقد قدّمنا فيه قولاً أيضاً(٢) .
المتن :
في الجميع ظاهر بل كاد أن يلحق بالصريح في تسويغ التيمم قبل آخر الوقت ، لأنّ عدم الاستفصال يوجب عموم السؤال ، فيندفع احتمال إرادة التقديم مع عدم رجاء زوال العذر كما يقوله البعض(٣) وسيأتي إن شاء الله ذكره في الباب الآتي معنوناً بتأخير التيمم ؛ ويندفع أيضاً القول بالتأخير مطلقا(٤) ، والخبر الأوّل الدال على التأخير يحمل على الاستحباب كما قدّمنا فيه القول(٥) .
وما قد يقال : إنّ المعارض إذا وجد لا نفع في ترك الاستفصال لإفادة العموم ، فجوابه أنّ المعارض غير متعيّن لما قالوه كما ستسمعه ، نعم قد يظن أنّ ترجيح الاستحباب في الحمل لا بد له من مرجِّح وبدونه لا يفيد ، ويتوجه عليه أنّ الاحتمال يدفع جميع الأقوال ، والترجيح سيأتي بيانه في الباب الآتي إن شاء الله تعالى.
نعم يمكن القول بأنّ الأخبار المذكورة محمولة على ظن خروج
__________________
(١) راجع ص ٥٠ ، ٥١.
(٢) في ص ١٢١.
(٣) نقله عن ابن الجنيد في التنقيح الرائع ١ : ١٣٤.
(٤) الذي قال به السيد المرتضى في الانتصار : ٣١ ، والشيخ في المبسوط ١ : ٣١ ، وابن إدريس الحلّي في السرائر ١ : ١٣٥.
(٥) في ص ٧٥٣ ، ٧٥٤.
الوقت ، ويدفعه ما قلناه من ترك الاستفصال وعدم ما يدل عليه مرجحا.
أمّا ما قاله الشيخ في توجيه الأخبار فممّا لا ينبغي ذكره في الكتب العلمية على ما أظن.
وقد ذكر العلاّمة في المختلف الخبر الأوّل والثالث في حجة ابن بابويه بعد أن نقل عنه القول بجواز التيمم في أوّل الوقت ، وأجاب عن الخبرين بوجوه : الأوّل : بالحمل على ما إذا علم أو ظن انتفاء الماء. الثاني : الحمل على من ظن ضيق الوقت. الثالث : ما قاله الشيخ(١) ، وأنت قد سمعت ما ذكرناه فلا وجه لإعادته.
وذكر العلاّمة أيضاً أنّ ابن بابويه احتج أيضاً بقوله تعالى( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ) إلى قوله( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) (٢) قال : والعطف يقتضي التسوية في الحكم ، فكما صحّ في المعطوف عليه إيقاعه في أوّل الوقت ، فكذا المعطوف ، وبأنّ طهارة التيمم إحدى الطهارتين فيصح فعلها في أوّل الوقت كالأُخرى.
وأجاب عن الأوّل : بالمنع من التسوية في الحكم مطلقاً بين المعطوف والمعطوف عليه ، سلمنا ، لكن التسوية هنا ثابتة ، لأنّ قوله تعالى( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ) معناه إذا أردتم القيام إلى الصلاة فيكون كذلك في المعطوف ، ونحن نمنع أنّ المضطر له أن يقوم إلى الصلاة في أوّل الوقت فإنّه نفس المتنازع ، ولا دلالة في الآية على اتحاد وقت الإرادة في الموضعين ، غاية ما في الباب دلالتها على إيجاد فعل الطهارتين عند الإرادة وإن كانت مختلفة في الوقت.
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٥٥.
(٢) المائدة : ٦.
وعن الثاني : بأنّه قياس مع الفرق ، فإنّ إحدى الطهارتين اختيارية والأُخرى اضطرارية(١) .
وفي نظري القاصر أنّ الجواب عن الأوّل غير تامّ ، أمّا أوّلا : فما ذكره من منع التسوية إن أراد به أنّ المساواة من كل وجه غير معتبرة فمتوجه ، لكن مطلوب الصدوق ظاهره أنّ الظاهر من العطف المشاركة بين الوضوء والتيمم في وجوبه إذا قام الإنسان إلى الصلاة ، ولما كانت إرادة القيام هي المرادة عند البعض(٢) فالمشاركة في الوجوب عند الإرادة حاصلة ، وحينئذ فمنع المساواة لا وجه له ، وإن كان الحق أنّ تفسير الآية بالإرادة غير معلوم الإرادة من الصلاة ، لما(٣) في بعض الأخبار من أنّ المراد به القيام من النوم(٤) .
والعجب من العلاّمة أنّه قال هنا : معناه إذا أردتم على سبيل الجزم(٥) ، وفي موجب الوضوء عند ذكر النوم استدل بكلام المفسرين على أنّه القيام من النوم(٦) ، وفي المنتهى ذكر ضد ذلك في الأوّل(٧) ، وفي النوم ذكر الخبر الدال على القيام من النوم(٨) ، وهذا من العجلة المتكرر منه أمثالها.
وأمّا ثانياً : فما ذكره من تسليم التسوية إلى آخر ما قاله ، فيه : أنّ
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٥٦ ، بتفاوت يسير.
(٢) كالسيد المرتضى في الانتصار : ٣٢ ، والمحقق الحلي في المعتبر ١ : ٣٨١.
(٣) في « رض » : كما.
(٤) التهذيب ١ : ٧ / ٩ ، الوسائل ١ : ٢٥٣ أبواب نواقض الوضوء ب ٣ ح ٧.
(٥) المختلف ١ : ٢٥٦.
(٦) المختلف ١ : ٩٠.
(٧) المنتهى ١ : ١٥٠.
(٨) المنتهى ١ : ٣٣.
التسوية إذا سلّمت اقتضت المشاركة في كل من أراد القيام ، إلاّ ما خرج بالدليل ، وحينئذ يحتاج الفرق إلى إثبات الدليل ، فليس من النزاع في شيء ، بل هو استدلال على المطلوب ما لم يثبت خلافه ، فقوله : لا دلالة في الآية على اتحاد وقت الإرادة. غريب ، بل هي ظاهرة في ذلك حينئذ فضلاً عن احتمال التسليم للمساواة ، وكأن العلاّمة لمّا اقتضى ظنّه التأخير في الجملة ، رأى أنّ الآية تصير دالّة على اتحاد فعل الطهارتين فقط ، وقد عرفت الحال.
نعم ربما يقال في الاستدلال : إنّ تعيّن العطف غير معلوم ، بل يجوز الاستئناف(١) .
ولا يرد(٢) أنّ الاستئناف لو جاز لوجب التيمم لنفسه ، كما قيل في الغسل على تقدير الاستئناف(٣) . لإمكان الجواب بأنّ هذا لا يضر بالحال لوجود القائل بوجوب الطهارات الثلاث لنفسها ، كما حكاه الشهيد في الذكرى(٤) ، وقد ذكرت ما لا بد منه في الآية في موضع آخر.
والذي يمكن التسديد به من جانب الصدوق حيث ذكر العطف مقتصرا عليه ، أنّ الظاهر له من الآية العطف على مقتضى الدليل ، وإن كان فيه نوع تأمّل ، بل ربما كان الظاهر الاستئناف ، غير أنّ الأخبار لمّا تظافرت على اشتراط التيمم بدخول الوقت ، بل الإجماع المدعى من بعض أيضا كان اعتبار العطف في الآية على الوضوء له ظهور وإن أمكن أن يناقش في ذلك ، وعلى تقدير الاستئناف لا يضر بحال الاستدلال أيضا ، لأن الإطلاق
__________________
(١) قال به الكركي في جامع المقاصد ١ : ٣٣ ، والشهيد الثاني في روض الجنان : ٥١.
(٢) في « رض » : يراد.
(٣) في « رض » زيادة : فيه.
(٤) الذكرى : ٢٣.
كاف في جواز التيمم أيّ وقت شاء ، فإذا أخرج الدليل ما قبل الوقت بقي ما بعده.
والأخبار الدالة على التأخير(١) لما كان معارضها وهو الدال على التوسعة موجود فالإطلاق لا يقيد إلاّ بما خلا عن المعارض ، على أنّ التعارض يمكن الجمع فيه بوجه لا ينافي الإطلاق وهو الاستحباب في التأخير ، إمّا التضيق مطلقاً فالمخالفة فيه للإطلاق تقتضي أن يقيد به إذا خلا عن المعارض بلا ريب ، إلاّ أن يقال : إنّ ما دل على التأخير ظاهر ، وما دل على التوسعة مجمل فلا يقاومه ، وفيه : أنّ ترك الاستفصال من الإمامعليهالسلام في الجواب يصيّر السؤال ظاهراً في العموم ، والتأويل في المعارض مع التساوي في الظهور بالاستحباب له نوع رجحان إذ لا يخرج به العموم عن حقيقته بخلاف ما إذا أُريد وجوب التأخير مطلقاً ، وحمل ما ظاهره للعموم على ظن الضيق ثم يظهر خلافه ، فإنّ هذا يخرج العموم عن حقيقته ، والتفصيل برجاء زوال العذر وعدمه كذلك.
إلاّ أن يقال : إنّ ترك الاستفصال في جواب السؤال إنّما يكون ظاهراً في العموم إذا لم تتعارض الأخبار ، أمّا مع تعارضها فيجوز أن يكون السائل عالماً بحقيقة الحال فلا يفيد عدم الاستفصال عموم السؤال ، كما يظهر من تتبع مظانّ حمل العام على الخاص والمطلق على المقيد من الأخبار ، فليتأمل في هذا ؛ فإنّي لم أر من حام حول تحقيقه ، وسيأتي إن شاء الله تتمّة الكلام في بقية الأقوال(٢) ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
بقي في المقام أشياء :
__________________
(١) الوسائل ٣ : ٣٨٥ أبواب التيمم ب ٢٢.
(٢) في ص ٧٩٩ ٨٠٢.
الأوّل : قول الشيخ : لأن وقت التيمم هو آخر الوقت على ما ذكرناه في كتابنا الكبير(١) . لا يخلو من غرابة في الظاهر ، لأنّه يأتي باب أنّ التيمم لا يجب إلاّ في آخر الوقت عن قريب.
وقوله : وقد تقدم من الأخبار ما يدل على ذلك. يريد به خبر زرارة ، ولا يخفى أنّ ظاهر الخبر الطلب وهو يشعر بإمكان وجود الماء فلا يدل على التأخير مع عدم الإمكان(٢) ، والمذكور منه في التهذيب يقتضي اعتبار التأخير مطلقا.
ثم إنّ الخبر المشار إليه اقتضى وجوب الطلب بظاهره ، والآية الكريمة اقتضت بظاهرها أنّ عدم الوجدان كاف في [ التيمّم(٣) ] ، وحينئذ يمكن تقييد الإطلاق في الآية بالخبر إن صلح لذلك ، وإن كان في تقييد الإطلاق بالأخبار نوع كلام ذكرته في حاشية التهذيب.
والذي يقال هنا : إنّ الخبر الدال على التأخير إذا حمل على الاستحباب لم يكن الطلب واجباً ما دام في الوقت ، ويشكل الحال بأنّ ظاهر الآية وإن كان عدم الوجدان دون الطلب ، إلاّ أنّ العلاّمة في المختلف قال : إنّه لا يثبت كون الإنسان غير واجد إلاّ بعد الطلب ، لجواز أن يكون الماء بقربه ولا يعلمه ، ولهذا لم يعدّ من لم يطلب الرقبة في كفّارة الظهار غير واجد ولم يبح له الصوم حتى يطلب(٤) . وهذا الكلام له نوع وجه. وعليه فالخبر لا يقيد إطلاق الآية بل يفيد مدلولها على وجه أوضح.
__________________
(١) راجع ص ٧٥٩.
(٢) راجع ص ٧٥٢.
(٣) في النسخ : الوضوء ، والظاهر ما أثبتناه.
(٤) المختلف ١ : ٢٥٥ بتفاوت يسير.
وقد يقال : إنّ ظاهر الخبر إذا لم يجد الماء فليطلب ، وهذا يدل على أنّ الطلب زائد.
وفي نظري القاصر إمكان توجيه الاستحباب بأنّ المطلوب منه كون الطلب ما دام في الوقت غير واجب ، لأنّ مطلق الطلب غير واجب ، أمّا من يقول بالتضيق مطلقا كالشيخ ، فالخبر يحتاج بالنسبة إلى الآية ليكون مقيداً أو مخصصا إلى نوع تأمّل لا ينبغي الغفلة عنه.
الثاني : ذكر بعض محققي المتأخرينقدسسره إنّ من الأدلة على التوسعة في التيمم مطلقا الأخبار الدالة على أفضلية أوّل الوقت أو تعينه.
وقولهمعليهمالسلام : « رب الماء ورب الصعيد واحد »(١) .
والخبر الصحيح الدال على أنّ المتيمم إذا أصاب وقد دخل في الصلاة ينصرف ما لم يركع ، فإن كان قد ركع مضى في صلاته ، فإنّ التيمم هو أحد الطهورين(٢) . قال : ومن المعلوم أنّ هذا الحكم لا يتم الاّ مع سعة الوقت.
وكذلك الأخبار الصحيحة الدالة على أنّ الرجل يصلّي صلاة الليل والنهار بتيمم واحد(٣) .
وصحيح حماد : قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل لا يجد الماء يتيمم لكل صلاة؟ فقال : « لا ، هو بمنزلة الماء »(٤) وغير ذلك من الأخبار.
ثم قالقدسسره : ولأنّ وجوب تأخير التيمم إلى آخر الوقت إنّما هو
__________________
(١) انظر الوسائل ٣ : ٣٨٦ أبواب التيمم ب ٢٣ ح ٦.
(٢) الوسائل ٣ : ٣٨١ أبواب التيمم ب ٢١ ح ١.
(٣) الوسائل ٣ : ٣٧٩ أبواب التيمم ب ٢٠ ح ١.
(٤) الوسائل ٣ : ٣٧٩ أبواب التيمم ب ٢٠ ح ٣.
لوقوع الصلاة في آخره على ما هو الظاهر ، ويدلُّ عليه الخبر الدال على التأخير حيث قال : « فليتيمّم وليصلّ في آخر الوقت »(١) فيكون الأمر سهلا ، إذ يجوز للإنسان أن يصلّي النوافل دائماً فيجوز أن يتيمم في أوّل الوقت بل قبل الوقت للنافلة أو صلاة نذر ثم يدخل الوقت فيصلّي دائماً متيمّماً ، وحينئذ يصير تأخير التيمم من الشارع إلى آخر الوقت عبثا(٢) . انتهى ملخصا. وهو كلام لا بأس به في مقام التأييد ، إلاّ أنّه لا يخلو من مناقشة على تقدير إرادة الاستقلال بالاستدلال.
الثالث : من مؤيّدات الحمل على الاستحباب فيما دل على التأخير ما سيأتي في رواية محمد بن حمران من قولهعليهالسلام : « واعلم أنّه ليس ينبغي لأحد أن يتيمم إلاّ في آخر الوقت »(٣) فإنّ لفظ « لا ينبغي » له ظهور في الاستحباب. وجعل شيخناقدسسره خبر محمد بن حمران صحيحا(٤) ، وسنذكر حال سنده هنا إن شاء الله.
قوله :
باب الجنب إذا تيمم وصلّى هل تجب عليه الإعادة أم لا؟
أخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن العيص قال : سألت أبا عبد الله عليهالسلام عن رجل يأتي الماء وهو جنب
__________________
(١) الوسائل ٣ : ٣٨٤ أبواب التيمم ب ٢٢ ح ٢.
(٢) مجمع الفائدة ١ : ٢٢٣ ٢٢٤.
(٣) الاستبصار ١ : ١٦٦ / ٥٧٥ ، ويأتي في ص ٩٨.
(٤) المدارك ١ : ٢١٠.
وقد صلّى قال : « يغتسل ولا يعيد الصلاة ».
وبهذا الاسناد عن الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجل أجنب فتيمم بالصعيد وصلّى ثم وجد الماء فقال : « لا يعيد إنّ ربّ الماء ربّ الصعيد فقد فعل أحد الطهورين ».
عنه ، عن النضر ، عن ابن سنان قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول « إذا لم يجد الرجل طهوراً وكان جنباً فليمسح من الأرض وليصلِّ ، فإذا وجد الماء فليغتسل وقد أجزأته صلاته التي صلّى ».
السند :
في الأوّل ليس فيه ارتياب ، غير أنّه اتفق للعلاّمة بسبب العيص شيء لا بأس بالتنبيه عليه ، وهو أنّ العيص قد صرح النجاشي والعلاّمة تبعاً بأنّه ابن أُخت سليمان بن خالد(١) ، ثم إنّ العلاّمة ذكر في الخلاصة الحكم بن عيص ، وهذا لم يذكره أحد من أصحاب الرجال ، وفي الخلاصة بعد قوله : الحكم بن عيص ، قال : روى الكشي عن محمد بن الحسن الرازي ، عن إسماعيل بن محمد بن موسى ، عن الحكم بن عيص ابن خالة سليمان بن خالد قال لأبي عبد اللهعليهالسلام : إنّه يعرف هذا الأمر(٢) ، انتهى.
ولا يخفى بأيسر نظر أنّ الحديث في الكشي مغلوط ، وأنّ الصواب : عن الحكم عن عيص أنّ خاله سليمان ، لأنّه قد علم أنّ خاله سليمان ، لا أن الحكم بن عيص ابن خالة سليمان ، ولا العيص ابن خالة سليمان أيضاً ،
__________________
(١) رجال النجاشي : ٣٠٢ / ٨٢٤ ، الخلاصة : ١٣١ / ١٧.
(٢) الخلاصة : ٦٠ / ١.
وعلى تقدير البناء على الموجود فالرواية متهافتة المتن ، بخلاف ما إذا كان الكلام بما ذكر ، وهو أنّ خاله قال لأبي عبد اللهعليهالسلام : إنّ العيص يعرف هذا الأمر ، فلا ينبغي الغفلة عن هذا وأمثاله.
والثاني : لا خفاء فيه أيضا بعد ما كرّرنا القول سابقا.
والثالث : فيه النضر ، والظن على أنّه ابن سويد لا يعتريه شوب شك بعد الممارسة للأخبار وكتب الرجال.
المتن :
في الأخبار الثلاثة صريح الدلالة على إجزاء الصلاة الواقعة بالتيمم وهي شاملة لعدم الإعادة في الوقت وخارجه ، وما دل من الأخبار السابقة على أنّ من وجد الماء في الوقت لا يلزمه الإعادة ظاهر التأييد لهذه الأخبار ، وقد أسلفنا استدلال بعض الأصحاب بظواهر بعض هذه الأخبار على توسعة وقت التيمم من حيث التعليل بأنّ ربّ الماء ربّ الصعيد فقد فعل أحد الطهورين(١) .
أمّا ما تضمنه خبر يعقوب بن يقطين(٢) من الإعادة في الوقت فأقرب شيء إلى حمله الاستحباب فيما أظنه.
وقد اتفق للعلاّمة أنّه استدل بخبر يعقوب بن يقطين على وجوب التأخير مع رجاء زوال العذر بعد أن مهّد له ما هذه صورته : الثاني : لو جاز التيمّم في أوّل الوقت والصلاة به لما وجب عليه إعادتها بعد وجود الماء ، والتالي باطل فالمقدم مثله ؛ ثم بيّن الشرطية بأنّ الأمر يقتضي الإجزاء
__________________
(١) راجع ص ٧٦٤ ، ٧٦٥.
(٢) المتقدم في ص ٧٥٥.
وبطلان الثاني برواية يعقوب(١) .
وأنت خبير بأنّ الأخبار الدالة على عدم الإعادة مطلقا تقتضي حمل خبر يعقوب على الاستحباب فيما يظهر ، ولا أقل من الاحتمال ، فالحكم من العلاّمة بأنه يقتضي الوجوب من غير التفات إلى المعارض لا يخلو من غرابة.
وقد ذكرت في حواشي المختلف غير ذلك ممّا يزيد في الإيراد على استدلاله بالخبر.
ولا يخفى اشتمال الخبر الثالث على الأرض ، وما تضمن الصعيد وهو الثاني لا يفيد حكماً ، لأنّه من كلام السائل ، ولا إشكال في صحة التيمم بالصعيد ، ولا حصر في الخبر من جهة تقرير الإمام ، على أنّ التقرير في المقام غير ظاهر ، بل هو سؤال عن فرد من الأفراد ، وكثيراً ما يغفل عن ذلك وهو من المهمات ، فليتأمّل فيه حق التأمّل.
قال :
فأما ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عمن رواه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سألته عن رجل أصابته جنابة في ليلة باردة ويخاف على نفسه التلف إن اغتسل قال : « يتيمم فإذا أمن البرد اغتسل وأعاد الصلاة ».
ورواه أيضا عن سعد و(٢) محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ،
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٥٤ بتفاوت يسير.
(٢) في الاستبصار ١ : ١٦١ / ٥٦٠ : ورواه أيضا سعد عن ، وهو موافق للتهذيب ١ : ١٩٦ / ٥٦٨.
عن جعفر بن بشير ، عن عبد الله بن سنان أو غيره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام مثل ذلك.
فأوّل ما فيه أنّه خبر مرسل منقطع الإسناد ، لأنّ جعفر بن بشير في الرواية الأُولى قال : عمن رواه. وفي الرواية الثانية قال : عن عبد الله بن سنان أو غيره فأورده وهو شاك ، وما يجري هذا المجرى لا يجب العمل به ، ولو صحّ الخبر على ما فيه لكان محمولاً على من أجنب نفسه مختاراً لأنّ من كان كذلك ففرضة الغسل على كل حال ، فإذا لم يتمكن تيمم وصلّى ثم أعاد إذا تمكن من استعماله.
السند :
في الخبرين مرسل ، ورجاله المذكورون لا ارتياب فيهم كما قدّمناه ، غير أنّ سند الثاني لا يخلو من تشويش في النسخ التي رأيتها ، ففي البعض ما نقلته ، ولفظ عن سعد لا وجه له ، إذ لا يوجد في غير هذا الموضع على ما أظن رواية محمد بن أحمد بن يحيى عن سعد ، بل المذكور في رجال الشيخ أنّ سعداً يروي عنه(١) ، واحتمال رواية كل منهما من الآخر في غاية البعد ، فالظاهر أنّ لفظ « عن » زائدة.
ثم في النسخة كما ترى : ومحمد بن الحسين. وهو يؤيّد أن يكون الراوي عن سعد محمد بن أحمد بن يحيى لأنّه يروي عن محمد بن الحسين في الخبر الأوّل ، لكن الحال ما سمعته ، وفي بعض النسخ : ورواه عن سعد محمد بن الحسين. وهو أيضا كالأول في الإشكال.
__________________
(١) رجال الطوسي : ٤٩٣ / ١٢.
وما ذكره العلاّمة في الخلاصة من أنّ محمد بن الحسين من رجال الجوادعليهالسلام (١) ، المفيد بحسب ظاهره الاختصاص بهعليهالسلام ، وسعد لم يدرك الجوادعليهالسلام على ما في الرجال غير محتاج إليه ، فإنّ الممارسة تنفي ذلك ، وما قاله العلاّمة محل كلام ، لأن الشيخرحمهالله ذكر محمد بن الحسين في رجال العسكريعليهالسلام من كتابه(٢) ، والعلاّمة كأنّه لم يتتبّع كتاب الشيخ ؛ وقد ذكر النجاشي أنّ سعداً لقي أبا محمدعليهالسلام ، لكن قال : رأيت أصحابنا يضعّفون لقاءه لأبي محمد ويقولون : هذه حكاية موضوعة عليه. والله أعلم(٣) . انتهى.
ولا يخفى أنّ كلام النجاشي ظاهره الجزم باللقاء والتوقف في قول بعض الأصحاب ، إلاّ أنّ هذا لا فائدة له بعد ما قدمناه ، ولا يذهب عليك الإجمال في حكاية النجاشي عن بعض الأصحاب ، فإنّ الظاهر من الكلام أوّلاً حكاية تضعيف اللقاء ، وثانيا كون الحكاية موضوعة ، فإن كان سبب تضعيف اللقاء كون الحكاية موضوعة فلا وجه له ، إذ لا يلزم من كون الحكاية موضوعة تضعيف اللقاء ، إلاّ إذا كان اللقاء منحصراً في الحكاية ، وظاهر المقام خلافه ؛ وإن كان قول بعض الأصحاب مشتملاً على أمرين : تضعيف اللقاء ، وكون الحكاية موضوعة ، فالتعبير من النجاشي بقوله : ويقولون : هذه حكاية موضوعة عليه. غير لائق ، لأنّ الإشارة ظاهرة في خلاف هذا ، والمعهود من النجاشي سلامة التعبير عن المراد.
فإن قلت : على تقدير تعدد المحكي أيّ حكاية هي؟ قلت : في كتاب كمال الدين للصدوق ذكر رواية في طريقها جهالة تضمّنت أنّ
__________________
(١) الخلاصة : ١٤١ / ١٩.
(٢) رجال الطوسي : ٤٣٥ / ٨.
(٣) رجال النجاشي : ١٧٧ / ٤٦٧.
العسكريعليهالسلام كان يكتب والقائمعليهالسلام يشغله عن الكتابة ويقبض على أصابعه وكان يلهيه بتدحرج رمانة ذهب كانت بين يديه(١) . وجعل بعض هذا من أمارات الوضع ، وغير ذلك أيضا ممّا تضمّنته الرواية ، ولا يخفى عليك الحال.
وبالجملة : فالظاهر في السند أن يقال : ورواه سعد عن محمد بن الحسين.
المتن :
ما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من نظر ، أمّا أوّلاً : فما ذكره من أنّ جعفر ابن بشير قال تارة عمّن رواه ، وأُخرى عن عبد الله بن سنان أو غيره ، فيكون شاكّاً ، وذلك يقتضي عدم العمل بالخبر. ففيه : أنّ هذا لا وجه لردّ الخبر به إن كان مأخوذاً من الأُصول ( المعتمدة )(٢) كما يستفاد من كلام الشيخ وغيره ، وإن كانت الرواية إنّما يعمل بها لصحة الاسناد المتعارف عند المتأخّرين فالإرسال كاف ، ولا ريب أنّ الثاني منتف عند المتقدمين ، فتعيّن الأوّل وقد عرفت حاله(٣) .
ثم إنّ الشك من الراوي لا يوجب ردّ روايته ، وعدّه من الاضطراب محل كلام.
وأمّا ثانياً : فلأن ما ذكره من أنّ متعمّد الجنابة يغتسل على كل حال ، وأنّه إذا لم يتمكن يتيمم ويصلّي(٤) ثم يغتسل ويعيد الصلاة ، إن أراد الغسل
__________________
(١) كمال الدين : ٤٥٤ / ٢١.
(٢) بدل ما بين القوسين في « فض » : قطعاً ، وساقط عن « د ».
(٣) راجع ص ٧٦٩.
(٤) ليست في « فض ».
مع حصول الضرورة فبُعده ظاهر ، وقوله : إذا لم يتمكن ، يقتضي بإطلاقه وجوب التيمم مع عدم التمكّن ، وعدم التمكّن من أفراده حصول الضرورة ، وغاية التوجيه في هذا أن يكون مراده بالغسل على كل حال جميع الحالات حتى حالة الضرورة القليلة ، ويراد بقوله : فإن لم يتمكن الخوف على النفس ، وما استدل به من الأخبار ستسمع القول فيه.
والعلاّمة في المختلف قال : متعمّد الجنابة إذا خشي على نفسه التلف باستعماله الماء تيمم وصلّى ، قال الشيخ : ويعيد الصلاة إذا وجد الماء(١) . وظاهر هذا الكلام أنّه فهم من مراد الشيخ خوف التلف ، وحينئذ يتم التوجيه.
وحكى العلاّمة عن الشيخ أنّه احتجّ على قوله برواية جعفر بن بشير عن ابن سنان أو غيره ، وذكر الرواية المبحوث عنها ، وكأنّ الاحتجاج في غير هذا الكتاب ، أمّا الذي فيه فما تراه ، وقد أجاب عنه العلاّمة بأنه مجهول الراوي فلا يكون حجة(٢) .
وأنت خبير بأنّ الحديث تضمن أصابه الجنابة وهي أعم من التعمد والاحتلام ونحوه.
ثم إنّ خوف التلف من كلام الراوي فلا يقيد به الجواب كما نبّهنا عليه فيما تقدم ، والحمل على الاستحباب ممكن ، أمّا ما نقل عن الشيخ من الاستدلال بأنّه مفرط بتعمّد الجنابة فوجب عليه إعادة الصلاة(٣) فجوابه ظاهر بعد تأمّل أخبار التيمم.
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٧٧ ، بتفاوت يسير.
(٢) المختلف ١ : ٢٧٩.
(٣) المختلف ١ : ٢٧٩.
( وممّا ذكره العلاّمة في الاستدلال )(١) ما رواه الصدوق عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله مرسلا أنّه قيل له : إنّ فلانا أصابته جنابة وهو مجدور فغسّلوه فمات ، فقال : « قتلوه ، ألا سألوا؟ ألا يمّموه؟ إنّ شفاء العيّ(٢) السؤال »(٣) حيث أطلقعليهالسلام تسويغ التيمم من غير تفصيل(٤) . ففيه تأمّل ، لاحتمال إرادتهعليهالسلام أنّ مع خوف التلف لا يسوغ الغسل ، كما يدل عليه سوق الحديث.
أمّا الإطلاق في قضية أبي ذر من قولهعليهالسلام : « يكفيك الصعيد عشر سنين »(٥) فله وجه.
لكن الأوضح الاستدلال بالأخبار الدالة على عدم إعادة الصلاة على الجنب المتيمم(٦) ، واحتمال أن يقال : إنّها مطلقة وغيرها من الأخبار مقيد ، فيه : أنّ الأخبار قابلة للحمل على الاستحباب كما يأتي ، ومعه لا يتعين حمل الشيخ ، مضافا إلى إطلاق الآية في قوله تعالى( وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (٧) وأمّا الأخبار الآتية فالكلام فيها إذا سمعته يندفع به احتمال الشيخ ، فليتأمّل.
__________________
(١) ما بين القوسين ساقط من « فض ».
(٢) العِيّ : بكسر العين وتشديد الياء : التحيّر في الكلام والمراد هنا الجهل ، مجمع البحرين ١ : ٣١١ ( عيا ).
(٣) الفقيه ١ : ٥٩ / ٢١٨ ، الوسائل ٣ : ٣٤٦ أبواب التيمم ب ٥ ح ٢.
(٤) المختلف ١ : ٢٧٧.
(٥) الفقيه ١ : ٥٩ / ٢٢١ ، التهذيب ١ : ١٩٤ / ٥٦١ ، الوسائل ٣ : ٣٦٩ أبواب التيمم ب ١٤ ح ١٢.
(٦) الوسائل ٣ : ٣٦٦ أبواب التيمم ب ١٤.
(٧) الحج : ٧٨.
قال :
والذي يدل على أنّ من هذه صفته فرضه الغسل على كل حال :
ما أخبرني به الشيخرحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم رفعه قال : « إن أجنب فعليه أنّ يغتسل على ما كان منه ، وإن احتلم تيمّم ».
وبهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب ، عن عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن أحمد رفعه عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سألته عن مجدور أصابته جنابة قال : « إن كان أجنب [ هو(١) ] فليغتسل وإن كان احتلم فليتيمم ».
أخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن هشام بن سالم ، عن سليمان بن خالد ؛ وحماد بن عيسى ، عن شعيب ، عن أبي بصير ؛ وفضالة ، عن حسين بن عثمان ، عن ابن مسكان ، عن عبد الله بن سليمان جميعاً عن أبي عبد الله عليهالسلام أنّه سئل عن رجل كان في أرض باردة فيخاف إن هو اغتسل أن يصيبه عنت من الغسل كيف يصنع؟ قال : « يغتسل وإن أصابه ما أصابه » قال : وذكر أنّه كان وجعاً شديد الوجع وأصابته جنابة وهو في مكان بارد وكانت ليلة شديدة الريح باردة فدعوت الغلمة فقلت لهم : « احملوني واغسلوني فقالوا : إنّا نخاف عليك ، فقلت : ليس بدّ فحملوني
__________________
(١) أثبتناه من الاستبصار ١ : ١٦٢ / ٥٦٢.
ووضعوني على خشبات ثم صبّوا عليّ الماء فغسّلوني ».
وبهذا الاسناد عن الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجل تصيبه الجنابة في أرض باردة ولا يجد الماء وعسى أن يكون الماء جامداً قال : « يغتسل على ما كان » حدّثه أنّه فعل ذلك فمرض شهراً من البرد قال : « اغتسل على ما كان فإنّه لا بدّ من الغسل » وذكر أبو عبد الله عليهالسلام أنّه اضطرّ إلى ذلك وهو مريض فأتوه (١) به مسخناً فاغتسل به وقال : « لا بدّ من الغسل ».
السند :
في الأوّل : مرفوع.
والثاني : فيه مع ذلك علي بن أحمد والظاهر أنّه ابن أشيم كما تكرر في الأخبار ، وهو غير معلوم الحال ، واحتمال غيره ليس بنافع ، أمّا عدم ذكر الإمامعليهالسلام فيه(٢) صريحا ففي قدحه نظر قدمنا وجهه.
والثالث (٣) : قد اشتمل على ثلاث طرق من الحسين بن سعيد :
الأوّل : عن النضر ، عن هشام بن سالم ، عن سليمان بن خالد.
والثاني : عن حماد بن عيسى ، عن شعيب ، عن أبي بصير.
والثالث : عن فضالة ، عن حسين بن عثمان ، عن ابن مسكان ، عن عبد الله بن سليمان.
__________________
(١) كذا ، وفي الاستبصار ١ : ١٦٣ / ٥٦٤ : فأتوا.
(٢) أي في الحديث الأوّل.
(٣) في هامش « فض » زيادة : فيه رواية الحسين عن حماد بن عيسى بناء على ظاهره.
وأوّل الطرق : قد قدمنا فيه ما يزيل الارتياب(١) .
وكذلك في الثاني ، إلاّ أنّ الضعف فيه قريب بسبب رواية شعيب عن أبي بصير ، فإنّ شعيب هو العقرقوفي إذا روى عن أبي بصير فهو المخلط كما يستفاد من بعض الأخبار ، وقدّمنا فيه القول كما يعرف من ممارسة الرجال.
وأمّا الثالث : فرجاله ثقات سوى عبد الله بن سليمان ، فإنّ الموجود في الرجال على ما رأيت في النجاشي عبد الله بن سليمان الصيرفي روى عن جعفر بن محمد له أصل(٢) . وغير النجاشي لم يذكره حتى العلاّمة في الخلاصة مع تبعه للنجاشي في ذكر الرجال ، وحال الرجل كما ترى لا يزيد على الإهمال.
والرابع : لا ارتياب فيه بعد ما قدمناه(٣) .
المتن :
في الأوّل : ظاهر في أنّ المجنب يغتسل والمحتلم يتيمم ، لكن إطلاقه من جهة الغسل مقيّد بعدم الخوف على النفس عند الشيخ.
وكذلك الثاني .
والثالث : يدل على فعل الغسل وإن حصل مشقّة لكن لا تقييد فيه بكون الرجل أجنب أو احتلم ، ولعل الشيخ يقيّده بغيره كما أنّ تقييد المشقّة فيه بما لا يبلغ هلاك النفس لا بدّ منه.
__________________
(١) راجع ص : ٥٦.
(٢) رجال النجاشي : ٢٢٥ / ٥٩٢.
(٣) في ص : ٥٦.
وقولهعليهالسلام : « وإن أصابه ما أصابه » يراد به حينئذ ما أصابه من المشقّة ، ثم الظاهر من قوله : وذكر. ، أنّ الإمامعليهالسلام وقع له ذلك وفعل ما فعل ، ولا يخفى أنّه لا يلائم قول الشيخ في الحمل ، لأن تعمّد الجنابة من الإمامعليهالسلام مع عدم الماء ربما يقطع بنفيه ، نظراً إلى ما تقدم من الخبر الدال على أنّ التيمّم في الجملة يوبق الدين ولا أقل من المرجوحية ، وإمكان فعل المرجوح لبيان الجواز له وجه فيدفع به الثاني(١) .
ويحتمل أن يكون الفاعل : الراوي ، وحينئذ يندفع المحذور عن الشيخ ، إلاّ أنّه بعيد عن الظاهر ، كما أنّ احتمال كونهعليهالسلام أجنب متعمّداً مع وجود الماء ثم تعذّر لا يلائم قول الشيخ.
وغير بعيد أن يحمل ما دل على الغسل على الاستحباب بمعنى استحباب الغسل وإن حصل نوع مشقّة وكذلك إعادة الصلاة ، لكن لا يخفى دلالة الخبر الثالث على جواز التولية مع الضرورة إن كان من فعل الإمامعليهالسلام ، هذا.
وربما يحتمل أن يراد بالاغتسال مع الجنابة وإن حصل مشقّة إذا كان تعمّد الجنابة مع العلم بعدم الماء ، إلاّ أنّ قصة الإمامعليهالسلام لا تلائمه بل هي مؤيّدة للاستحباب.
وأمّا الخبر الرابع : فهو ظاهر الإطلاق في المتعمّد وغيره ، وقوله : حدّثه ، الظاهر أنّه من الراوي ، والمعنى أنّه أخبر الإمامعليهالسلام بأنه فعل الغسل مرة على الوجه المذكور فمرض.
ويحتمل أن يكون الإمامعليهالسلام حدّث محمد بن مسلم أنّه فعل ذلك ، ولا ينافي قوله ، قال : « اغتسل على ما كان » لاحتمال أن يكون إعادة
__________________
(١) في « فض » ما يمكن أن يقرأ : التالي.
للجواب ، إلاّ أنّ الظاهر الأوّل ، وقوله : وذكر أبو عبد الله. يؤيّد ذلك ، إلاّ أنّه يوجب نوع شك بسبب المخالفة للسابق ، لأنّ الظاهر من الأوّل خلاف هذا ، كما أنّ فيه تأييداً لأن يكون قوله في الخبر السابق : وذكر أنّه كان وجعاً شديداً. ليس من الإمامعليهالسلام إلاّ أن تكون الواقعة متكررة.
وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ المفيد قال في المقنعة : وإن أجنب نفسه مختاراً وجب عليه الغسل وإن خاف منه على نفسه(١) . والشيخ في التهذيب ذكر الروايات دليلاً على قوله(٢) . وأنت خبير بما في الاستدلال بعد ملاحظة ما قدمناه.
والعلاّمة في المختلف بعد أن نقل عن المفيد ما نقلناه قال : احتج(٣) ، وذكر الروايات ، وأظنّ أنّ الحجّة أخذها من التهذيب ، وأجاب عنها بضعف الإسناد ، والصحيح منها حمله على المشقّة اليسيرة.
والجواب لا يخلو من وجه.
وممّا يؤيّد استحباب إعادة الصلاة ما رواه الصدوق صحيحاً عن عبد الله بن سنان : أنّه سأل أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل تصيبه الجنابة في الليلة الباردة ويخاف على نفسه التلف إن اغتسل ، فقال : « يتيمّم ويصلّي(٤) ، فإذا أمن البرد اغتسل وأعاد الصلاة »(٥) .
ووجه التأييد ظاهر ، ( إلاّ أن يقال : إنّه لا مانع من وجوب الإعادة
__________________
(١) المقنعة : ٦٠ بتفاوت يسير.
(٢) التهذيب ١ : ١٩٧ / ٥٧٣ ، ١٩٨ / ٥٧٤ ٥٧٦ ، الوسائل ٣ : ٣٧٣ أبواب التيمم ب ١٧ ح ١ ٣ و ٤.
(٣) المختلف ١ : ٢٧٧.
(٤) في « فض » : تيمّم فصلّى.
(٥) الفقيه ١ : ٦٠ / ٢٢٤.
للدليل ، وفيه ما فيه ، لأنّ الأمر يقتضي الإجزاء ، فالإعادة على الاستحباب ، فاحتمال صحة الصلاة واضح )(١) .
أمّا على قول المفيد فالخبر لا يمكنه العمل به ، من حيث إنّ ظاهر قوله عدم جواز التيمم ، على أنّ الخبر مطلق في المتعمّد وغيره ، إلاّ أن يقيّد بغيره ، ولو أتى الشيخ بهذا مع الأخبار كان أولى.
اللغة :
قال في القاموس : العَنَت محركة ، الفساد والإثم والهلاك ودخول المشقّة على الإنسان(٢) . وزاد ابن الأثير في النهاية الغلط والخطاء(٣) . ولا يخفى احتمال الحديث للهلاك والمشقّة فلا يتم مطلوب الشيخ.
قوله :
باب المتيمم يجوز أن يصلي بتيممه صلوات كثيرة أم لا؟
أخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة قال ، قلت : لأبي جعفرعليهالسلام أيصلّي الرجل بتيمّم واحد صلاة الليل والنهار كلها؟ فقال : « نعم ما لم يحدث أو يصيب الماء ».
وبهذا الاسناد عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حماد بن
__________________
(١) في « فض » بتفاوت.
(٢) القاموس المحيط ١ : ١٥٩.
(٣) النهاية لابن الأثير ٣ : ٣٠٦.
عثمان قال : سألت أبا عبد الله عن رجل لا يجد الماء أيتيمم لكل صلاة؟ فقال : « لا ، هو بمنزلة الماء ».
وأخبرني(١) الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن محمد بن علي بن محبوب ، عن العباس ، عن أبي همام ، عن محمد بن سعيد بن غزوان ، عن السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه عليهمالسلام قال : « لا بأس بأن يصلّي صلاة الليل والنهار بتيمّم واحد ما لم يحدث أو يصيب الماء ».
السند :
في الأوّل واضح بعد تكرر البيان.
وكذا الثاني ، لكن فيه دلالة على رواية الحسين بن سعيد بواسطة عن حماد بن عثمان.
و(٢) في كتب الرجال قد يظن منه التعدد ، لأن النجاشي قال : حماد بن عثمان الفزاري كان يسكن عرزم فنسب إليها ، وأخوه عبد الله ثقتان ، رويا عن أبي عبد اللهعليهالسلام (٣) .
والشيخ في الفهرست قال : حماد بن عثمان الناب(٤) ثقة جليل القدر له كتاب(٥) .
وفي رجال الصادقعليهالسلام من كتابه : حماد بن عثمان ذو الناب مولى
__________________
(١) في « رض » و « د » زيادة : الشيخ.
(٢) في « فض » : ثم حماد بن عثمان في.
(٣) رجال النجاشي : ١٤٣ / ٣٧١.
(٤) في « فض » : النساب.
(٥) الفهرست : ٦٠ / ٢٣٠.
غني كوفي. وفي رجال الكاظمعليهالسلام : حماد بن عثمان لقبه الناب(١) مولى الأزدي له كتاب. وفي رجال الرضاعليهالسلام : حماد بن عثمان الناب(٢) من أصحاب أبي عبد اللهعليهالسلام (٣) .
والعلاّمة في الخلاصة أتى بعبارة النجاشي(٤) .
وفي الإيضاح قال : الفزاري العَرْزَمي بفتح العين المهملة وإسكان الراء وفتح الزاي(٥) .
وفي الكشي : حمدويه قال : سمعت أشياخي يذكرون أنّ حماداً وجعفراً والحسين بني عثمان بن زياد الرواسي وحماد يلقب بالناب(٦) كلهم ثقات فاضلون خيار ، حماد بن عثمان مولى غني مات سنة تسعين ومائة بالكوفة(٧) انتهى. ولم يذكر في الإخوة عبد الله المذكور في النجاشي ، وهذا من جملة الأسباب لظن التعدد ، والوالدقدسسره كان جازما بالاتحاد(٨) .
وشيخنا المحقق أيّده الله في كتاب الرجال احتمل الاتحاد(٩) ، وربما يقرّبه ذكر النجاشي لشخص واحد ، والشيخ كثيراً ما يكرّر اسم الرجل الواحد على حسب ما يجده في المأخوذ منه بوصف مغاير للوصف الآخر وإن أمكن الاجتماع في شخص واحد نظراً إلى أنّ وضع الأوصاف تابع
__________________
(١) في « فض » : النساب.
(٢) في « فض » : النساب.
(٣) رجال الطوسي : ١٧٣ / ١٣٩ ، ٣٤٦ / ٢ ، ٣٧١ / ١.
(٤) خلاصة العلاّمة : ٥٦ / ٤.
(٥) إيضاح الاشتباه : ١٦٤ / ٢٣٣.
(٦) في « فض » : النساب.
(٧) رجال الكشي ٢ : ٦٧٠ / ٦٩٤.
(٨) منتقى الجمان ١ : ٣٨.
(٩) لم نعثر في منهج المقال على هذا الاحتمال ، ولكن نقله الوحيد البهبهاني في تعليقته عليه عن جدّه ص ١٢٤.
لاختلاف الأحوال.
وما وقع في الكشي من قوله : حماد بن عثمان. لا يخلو من شيء ، وكأنّ الواو سقط من النسخة ، إلاّ أنّ ذكر مولى غني يشعر بالمغايرة لما سبق ، وقوله : عن حمدويه. ربما يظن أنّه لا يفيد التوثيق.
وقد يوجّه لو احتيج إليه بأنّ الظاهر من الأشياخ الجميع ، وفيهم من هو ثقة كما لا يخفى على الممارس للطرق في الكشي وغيره.
وإنّما قلنا : لو احتيج إليه ؛ لأن الإجماع مدعى على تصحيح ما يصح عن حماد في الكشي(١) ، مضافا إلى توثيق الشيخ إن كان حماد الناب غير العَرْزَمي ، وإن اتحدا فالنجاشي كلامه كاف ، هذا.
ولا يخفى أنّ الإجماع المنقول في حماد بن عثمان في حيّز الإجمال على تقدير التعدد ، وحينئذ فالأمر لا يخلو من إشكال ، فتأمّل.
وأمّا الثالث : ففيه السكوني وحاله قد قدّمناه(٢) مع الشهرة المغنية عن الذكر ؛ ومحمد بن سعيد بن غزوان مذكور في النجاشي مهملا(٣) ؛ وأبو همام هو إسماعيل بن همام الثقة.
المتن :
في الأوّل ربما يظهر منه إرادة صلاة النهار والليل الفرائض أو ما يعم النوافل ، أمّا احتمال إرادة نوافل الليل مع صلاة الصبح ونحوها فبعيد عن الظاهر ، وعلى كل حال في الخبر دلالة على أنّ تأخير الصلاة إنّما هو مع
__________________
(١) رجال الكشي ٢ : ٦٧٣ / ٧٠٥.
(٢) في ص ١٤١.
(٣) رجال النجاشي : ٣٧٢ / ١٠١٧.
التيمّم المبتدأ ( لتأخيره أيضاً )(١) .
والثاني أوضح دلالة ؛ لأنّ قوله : إنّما « هو بمنزلة الماء » يدل على أنّ ما ثبت للماء يثبت له ، إلاّ ما خرج بالدليل.
والثالث كالأول في الدلالة.
ولا يخفى على من لاحظ الأخبار المبحوث عنها وغيرها ، مما دلّ على تأخير التيمم والصلاة أنّه لا مانع من وجوب(٢) تأخير الصلاة والتيمم على تقديره إذا كان مبتدءاً وتقديم الصلاة بدونه ، واحتمال أن تكون العلّة في تأخير الصلاة احتمال وجود الماء ، والعلّة موجودة في صورة الاستدامة ، يدفعه أنّه يجوز أن يكون لحصول التيمم مدخل في نفي احتمال وجود الماء ، وقد قدّمنا عن بعض محققي المتأخّرين كلاماً في تأييد مثل هذه الأخبار لتوسعة التيمم(٣) ، ونقول هنا أنّ قوله : إنّما هو بمنزلة الماء. مؤيّد قويّ.
فإن قلت : الأخبار لا تدل على جواز الفعل في أوّل الوقت ، بل إنّما تدل على جواز فعل صلاة الليل والنهار بتيمم واحد ، وعلى تقدير ظاهر الدلالة فالخبر الدال بقوله : وليصلّ في آخر الوقت. فيه احتمال أن يقال : إنّه دالّ على تأخير التيمم والصلاة ، فإذا انتفى الأوّل بقي الآخر.
قلت : دلالة الأخبار على الإطلاق غير خفية ، والخبر السابق له ظهور في أنّ المبتدئ بالتيمم يؤخّر الصلاة لا مطلق المتيمّم ، فلا وجه لتقييد أحدهما بالآخر.
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « د ».
(٢) ليست في « رض ».
(٣) راجع ص : ٧٦٤ ، ٧٦٥.
وفي المختلف نقل عن الشيخ في المبسوط أنّه قال : لو تيمم لنافلة في غير وقت فريضة أو لقضاء فريضة في غير وقت حاضرة جاز ذلك ، فإذا دخل وقت الفريضة جاز له أن يصلّي بذلك التيمم ؛ وهو يشعر بجواز الصلاة في أوّل وقتها ، وفيه نظر ، أقربه وجوب التأخير إلى آخر الوقت إن كان العذر مما يمكن زواله ، لنا أنّ المقتضي لوجوب التأخير عند ابتداء التيمم موجود عند استصحابه فيجب التأخير عملاً بالمقتضي ، وبيان اتحاد العلّة أنّ التيمم إنّما أوجبناه في آخر الوقت لجواز إصابة الماء(١) .
ثم قال : لا يقال : لا نسلّم أنّ المقتضي هو ما ذكرتم ، بل وجوب الطلب ، وهذا المعنى غير متحقق في صورة النزاع ، لأنّه لا يجب تعدد الطلب بتعدد الصلاة إجماعا ، وإذا انتفى المقتضي انتفى الحكم قضاءً للعلّية.
سلّمنا أنّ المقتضي ليس هو وجوب الطلب لكن لِمَ قلتم : إنّ المقتضي هنا هو ما ذكرتم ، بل ها هنا سبب آخر وهو أنّ الصلاة مشروطة بالطهارة ، والتيمم لا يجوز فعله ابتداءً في أوّل الوقت للحديث الصحيح ، وإذا لم يجز فعله ابتداءً في أوّل الوقت وجب تأخير الصلاة لفوات شرطها وهو الطهارة ، أمّا مع سبق التيمم السابق على الوقت فإنّه غير مشروط بآخر الوقت إجماعاً ، لوقوعه قبل الوقت على وجه الصحة فصحّت الصلاة في أوّل الوقت.
لأنّا نجيب عن الأوّل : بمنع كون الطلب علّة لجواز التأخير ، وإلاّ لزم أحد الأمرين : وهو إمّا خرق الإجماع أو خروج العلّة عن كونها علّة ، واللازم بقسميه باطل فالملزوم مثله.
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٨٨ ، بتفاوت يسير.
بيان الشرطية : أنّ الطلب إمّا أن يجب في جميع أجزاء الوقت الموسّع إلى أن يضيق وقته أو لا يجب ، فإن كان الأوّل لزم خرق الإجماع وهو أحد الأمرين ، إذ لا قائل بوجوب استيعاب وقت السعة للطلب ، ولقائل أن يمنع ذلك ، ووجوب السعي في الطلب غلوة سهم وسهمين لا يدل على انتفاء مطلق الطلب الذي يحصل بالانتظار له.
والثاني : يلزم منه الأمر الثاني ، لأنّه إذا انتفى وجوب الطلب قبل تضيق الوقت لم يجب التأخير ، وإلاّ لوجد المعلول من دون العلّة ، فتخرج عن كونها علّة.
وعن الثاني : أنّ المانع من جواز التيمم في أوّل الوقت إيقاع الصلاة بطهارة اضطرارية لا عدم إيقاعه في أوّل الوقت لذاته ، ولا شك أنّ هذا ثابت في صورة النزاع ، وبالجملة فالمسألة مشكلة حيث لم نجد فيها نصا عن الأئمةعليهمالسلام ، وقول الجماعة إنّه يصلي بالتيمم الواحد صلوات الليل والنهار لا يعطي مطلوب الشيخرحمهالله ـ ، انتهى كلامه(١) .
ولقائل أن يقول : أوّلاً : إنّ ما ذكره من أنّ المقتضي لوجوب التأخير عند ابتداء التيمم موجود عند استصحابه ، فيه : أنّ المقتضي لم يذكر دليله ، وإنّما هو مجرّد دعوى ، فكيف يجعل دليلا ، والتوجيه بأنّا إنّما أوجبنا التيمم في آخر الوقت بجواز إصابة الماء لا يصلح للإثبات ، بل العلة مستنبطة ، ومن ثم ذهب بعض الأصحاب إلى المضايقة وإن حصل اليأس من الماء(٢) ، ولو سلّم أنّ المقتضي ما ذكره لكن يجوز أنّ هذا المقتضي إنّما هو لإيجاد التيمم لا لاستمراره.
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٨٨.
(٢) انظر السرائر ١ : ١٤٠.
فإن قلت : الدليل على أنّ المقتضي ما ذكر هو العلم الضروري بأنّ العلّة جواز إصابة الماء.
قلت : هذا العلم في ابتداء التيمم لو تم لا يلزم مثله في الاستمرار ، فليتأمّل.
وثانيا : ما ذكره في الاعتراض من أنّه مع سبق التيمم السابق على الوقت فإنّه غير مشروط بآخر الوقت إجماعا. فيه : أنّ المراد بالتيمم السابق إن كان المجدد سابقا فلا ريب أنّه تابع في الوقوع(١) للخلاف ، وإن كان المستمر فلا دخل له بل هو غير ما الكلام فيه ، واشتراط التأخير في المستصحب من قبيل اللغو كما يعرف بأدنى تأمّل.
فإن قلت : محصّل الإيراد أيّ شيء هو؟.
قلت : حاصله أنّ ما ادّعيته من المقتضي وهو جواز إصابة الماء غير مسلّم ، بل المقتضي وجوب الطلب ، ومع التيمم السابق لا يجب الطلب ، إذ لا يجب الطلب للصلوات المتعددة إجماعاً ، وإذا انتفى المقتضي ينتفي الحكم ، ولو سلّم أنّ المقتضي ليس هو وجوب الطلب ، فهنا سبب آخر غير ما ذكره المصنف من المقتضي ، وهو أنّ الصلاة مشروطة بالطهارة ، والتيمم لا يجوز فعله ابتداءً في أوّل الوقت للخبر ، فوجب تأخير الصلاة لفوات شرطها وهو الطهارة ، ومع سبق التيمم يتحقق الشرط فتجب الصلاة.
وأنت خبير بأنّ السؤال يتوجه عليه أوّلا : أنّ قوله : لا يجب تعدد الطلب بتعدد الصلاة إجماعا ، إمّا أن يريد بالطلب ما هو معروف من الغلوة والغلوتين أو غير ذلك ، فإن كان الأوّل فما ذكره من عدم الوجوب يمكن تسليمه.
__________________
(١) في « فض » : الوقت.
وأمّا الثاني فالقائل به ربما كان موجوداً ، لأن الذي يظهر من المحقّق العمل بمضمون الخبر السابق الدال على أنّه يطلب ما دام في الوقت بناءً على ما فهمه منه(١) . والظاهر أنّ فهم ذلك له وجه على ما خطر في بالي الآن ، وإن سبق احتمال في معناه ، لكن الكلام في الرجحان ، وحينئذ فالطلب له معنيان.
وما أجاب به العلاّمة أوّلاً بناه على إرادة الطلب غلوة سهم أو سهمين ، ثم تفطن لاحتمال إرادة معنىً آخر ، لكن كان عليه أن يذكر أن الإجماع المذكور ليس عامّاً في كل طلب وإلاّ لما تم المطلوب.
أمّا عبارته في توجيه الثاني فلا تخلو من شيء على ما وجدته في النسخ لكن المعنى غير خفي.
وأمّا جوابه عن الثاني ففيه : أنّ المانع غير مسلم الثبوت بل يجوز أن يكون المانع إيقاع الصلاة بطهارة اضطرارية ابتداء لا استدامة ، وهذه واسطة بين كونه لذاته وما ذكر.
وأمّا(٢) ثالثا فما ذكره من عدم وجود النص ، فيه : أنّ النصوص المبحوث عنها صالحة للاستدلال ، مضافا إلى بعض الاعتبارات التي قدّمناها ، وعدم اقتضاء قول الجماعة مطلوب الشيخ ليس بواضح ، بل قولهم يتناول ما ذكره من حيث الإطلاق ، فليتدبّر.
قال :
فأما ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن العباس ، عن أبي همام ، عن الرضا عليهالسلام قال : « يتيمم لكل صلاة حتى يجد الماء ».
__________________
(١) المعتبر ١ : ٣٨٢.
(٢) ليست في « رض ».
ورواه أيضا محمد بن أحمد بن يحيى ، عن العباس ، عن أبي همام ، عن محمد بن سعيد بن غزوان ، عن السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائهعليهمالسلام قال : « لا يتمتع بالتيمم إلاّ صلاة واحدة ونافلتها ».
فأوّل ما في هذا الخبر أنّه واحد ، ومع ذلك تختلف ألفاظه والراوي واحد ، لأنّ أبا همام في رواية محمد بن علي بن محبوب رواه عن الرضاعليهالسلام بلا واسطة ، وفي رواية محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن سعيد بن غزوان عن السكوني عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، والحكم واحد ، وهذا يضعف الاحتجاج به ، على أنّ راوي هذا الخبر بهذا الاسناد بعينه روى مثل ما ذكرناه ، وهي رواية محمد بن علي بن محبوب ، عن العباس ، عن أبي همام ، عن محمد بن سعيد بن غزوان ، عن السكوني عن جعفرعليهالسلام وقد قدمناها ، فعلم بذلك أنّ ما تضمنه هذا الخبر سهو من الراوي ، ويمكن مع تسليم الخبر أن نحمله على من يكون تمكن من استعمال الماء فيما بعد فلم يتوضّأ فلا يجوز له أن يستبيح بالتيمم المتقدم أكثر من صلاة واحدة ، وعليه أن يستأنف التيمم لما يستقبل من الصلاة.
والذي يدل على ذلك :
ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة قال : قلت لأبي جعفرعليهالسلام : يصلّي الرجل بتيمم واحد صلاة الليل والنهار كلها ، قال : « نعم ما لم يحدث أو يصيب ماء » قلت : فإن أصاب الماء ورجا أن يقدر على ماء آخر وظن أنّه يقدر عليه فلمّا أراده تعسّر ذلك عليه ، قال : « ينقض ذلك تيممه وعليه أن يعيد التيمم ».
على أنّه يمكن حمله على ضرب من الاستحباب مثل تجديد الوضوء لكل صلاة وأنّه إسباغ.
السند :
في الخبرين الأولين واضح ممّا قدّمناه ، وكذلك الثالث والرابع.
المتن :
ما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من تأمّل أمّا أوّلاً : فقوله : ورواه أيضا محمد بن أحمد بن يحيى. غير واضح ، لأنّ المتن متغاير ، ومفاد الثاني زيادة النافلة.
وأمّا ثانياً : فقوله : إنّ اختلاف الألفاظ مع اتحاد الراوي يضعف الاحتجاج. فيه : أنّ الراوي غير متحد ، لأنّ أبا همام روى كل حكم عن إمام ، وكونه روى(١) ما ذكره الشيخ لا يضر بالحال ، غاية الأمر أنّ الجمع لا بد منه ، وبالجملة فضرورة ما ذكره بالاحتجاج محل كلام.
وأمّا ثالثاً : فما ذكره من الجمع لا ينبغي إبداؤه في كتب الحديث لأنّه أمر معلوم ، فوقوع مثله من الإمامعليهالسلام من قبيل ما لا فائدة فيه ، مع أنّ ذكر النافلة أيضاً لا وجه له ، كما أنّ الاختصاص بوجود الماء كذلك ، والخبر الذي استدل به لا يفيد فائدة جديدة.
وأمّا رابعاً : فالحمل على الاستحباب وإن أمكن إلاّ أنّ إثباته بمجرّد الاحتمال لا وجه له ، بل ينبغي ذكر ما يدل عليه ، وقوله : إنّ تجديد الوضوء
__________________
(١) ليست في « رض ».
إسباغ ، غير معروف من تفسير الإسباغ ، ولعل هذا لا يضر بالحال.
وربما يقال في توجيه الخبر الأوّل أنّ المراد به كون التيمم لا يختص باليومية ، بل هو سائغ لكل صلاة من اليومية وغيرها.
وأمّا الخبر الثاني : فالاعتماد عليه يوجب الإشكال بالنسبة إلى الشيخ في اعتبار التأخير ، إذ مقتضاه أنّ التيمم جائز للفرض والنافلة ، والشيخ إن أراد بالتأخير ما يتناول الفرض والنفل ، أمكن توجيه كلامه ، لكن لم أقف الآن على مصرح به ، وكون هذا مذهبا للشيخ في الكتاب غير معلوم كما نبّهنا عليه ، وعلى كل حال في الخبر دلالة على التوسعة في الجملة إن صح ، والحمل على الاستحباب قابل للتوجيه في الخبر الثاني ، أمّا الأوّل فالوجه الذي ذكرناه ربما ساوى احتمال الاستحباب ، فليتأمّل.
ثم إنّ الخبر الأخير ظاهره أنّ مجرّد إصابة الماء تنقض التيمم وإن لم تستمرّ القدرة على استعماله بمقدار الطهارة ، ويحتمل أن يقيد من خارج بما دل على أنّ التكليف فرع القدرة.
ولا يشكل بأنّه لو توقف على مضي الزمان لزم عدم الحكم بإبطال الصلاة مع وجود الماء في الأثناء على التفصيل الآتي ، لإمكان أن يقال نحو ما قلناه هنا.
إلاّ أنّ الحق لزوم الإشكال في مثل هذا باحتمال وجوب الوضوء أو نقض التيمم مراعى ، وفيه : أنّ المراعاة تقتضي عدم الوجوب في أوّل الأمر مع دلالة بعض الأخبار على خلافه ، ولعلّ من لم يعتبر الوجه فالأمر عنده سهل.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما ذكره بعض محقّقي المعاصرين أيده الله بعد النقل عن بعض أنّه مال إلى عدم الانتقاض إلاّ بمضيّ ذلك المقدار ،
مستدلاً بامتناع التكليف بعبادة في وقت لا يسعها ، من أنّ فيه نظراً ، إذ لقائل أن يقول : لا ملازمة بين عدم تكليف المتيمم باستعمال الماء وبين بقاء تيممه من غير إيجاب تيمم آخر عليه ، بل الظاهر أن يكون نفس وجدان الماء المظنون بقاؤه ذلك المقدار استصحاباً للحال ناقضاً فيجب به تيمّم آخر إذا لم يبق ذلك المقدار بطروّ انعدام عليه أو سبق آخر إليه(١) .
لا يخلو من وجه لولا إمكان أن يقال : إنّ الملازمة لا يمكن نفيها مطلقا بالنسبة إلى الماء ، إذ لو أصاب الماء المتيمم وهو لا يقدر شرعاً على استعماله كما في صورة الدخول في الصلاة ثم يجد الماء على التفصيل الآتي ينبغي انتقاض التيمم حينئذ ، والحال أنّه ليس كذلك.
ويمكن الجواب بأنّ المراد عدم الملازمة ما لم يقم الدليل على خلافه ، والاعتماد في ترك البيان على عدم الخفاء.
ثم الإضراب الواقع لا دليل عليه ، بل النص مطلق في أنّ مجرّد إصابة الماء موجبة للتيمم ، فاعتبار الظن إن كان للملازمة المذكورة من القائل فهو اعتراف بعد النظر ، واحتمال إرادة القائل للعلم بعيد ، فليتأمّل.
( بقي شيء وهو أنّ الذي وقفت عليه ممّا سمعته تضمن وجدان الماء ، أمّا لو حصل ظن زوال العذر الموجب للتيمم فهل هو كوجدان الماء؟ أم يخص الحكم بمورد الدليل ، ويبقى ما عداه على حكم التيمم إلى أن يحصل العلم ، احتمالان ، ولعلّ الثاني له رجحان )(٢)
__________________
(١) الشيخ البهائي في الحبل المتين : ٩٤.
(٢) ما بين القوسين ليس في « فض ».
قال :
باب وجوب الطلب
أخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه عن عليعليهمالسلام أنّه قال : « يطلب الماء في السفر إن كانت الحزونة فغلوة ، وإن كانت سهولة فغلوتين لا يطلب أكثر من ذلك ».
فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن الحسن بن موسى الخشاب ، عن علي بن أسباط ، عن علي بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ، قلت له : أتيمّم وأُصلّي ثم أجد الماء وقد بقي عليّ وقت ، فقال : « لا تعد الصلاة فإنّ ربّ الماء هو ربّ الصعيد » فقال له داود بن كثير الرقي : أفأطلب الماء يميناً وشمالاً؟ فقال : « لا تطلب لا يميناً ولا شمالاً ولا في بئر ، إن وجدته على الطريق فتوضّأ وإن لم تجده فامض ».
فالوجه في هذا الخبر حال الخوف والضرورة ، فأمّا مع ارتفاع الأعذار فلا بد من الطلب حسبما تضمنه الخبر الأوّل.
السند :
في الأوّل : معلوم الحال في أنّه لا يصلح سنداً لإثبات حكم عند غير الشيخ.
أمّا الثاني : فكذلك ، إلاّ أن علي بن سالم مجهول الحال ؛ والحسن
ابن موسى الخشاب قدّمنا القول فيه(١) ، ولا يبعد ثبوت مدحه ؛ وداود بن كثير قال النجاشي : إنّه ضعيف جدّا(٢) ، والشيخ قال في رجال الكاظم من كتابه : إنّه ثقة(٣) ، والعلاّمة في الخلاصة اتفق له فيه اضطراب ، لأنّه بعد نقل قول الشيخ والنجاشي وابن الغضائري الدال كلامه صريحا على أنّه فاسد المذهب ضعيف الرواية لا يلتفت إليه [ قال(٤) ] وعندي في أمره توقف ، والأقوى قبول روايته لقول الشيخ الطوسيرحمهالله وقول الكشي أيضا(٥) .
وأنت خبير بأن قول النجاشي مقدم على قول الشيخ كما قدّمنا فيه القول(٦) ، على أنّه قد انضم إلى قول النجاشي قول ابن الغضائري ، والظاهر من العلاّمة الاعتماد عليه كما قدّمناه في أوّل الكتاب ، وقول العلاّمة : وعندي في أمره توقف ، ثم قوله : والأقوى ، غريب ، واحتمال أن يكون القول بالتوقف من ابن الغضائري ، لا وجه له بعد قوله : لا يلتفت إليه.
نعم في طرق الفقيه ما صورته : وروى عن الصادقعليهالسلام أنّه قال : « أنزلوا داود الرقي مني بمنزلة المقداد من رسول اللهصلىاللهعليهوآله »(٧) وهذا ربما يدل على اعتماده عليه ، وأنّ الرواية مقبولة عنده إن كان ما ذكره في المشيخة داخلاً فيما قاله في أوّل الكتاب. والعلاّمة نقل عن الصدوق ذلك(٨) ، فربما كان دافعاً لبعض ما يرد عليه.
__________________
(١) في ص : ٢١٤.
(٢) رجال النجاشي : ١٥٦ / ٤١٠.
(٣) رجال الطوسي : ٣٤٩ / ١.
(٤) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.
(٥) خلاصة العلاّمة : ٦٧ / ١.
(٦) في ص ٤٣٧.
(٧) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٩٥.
(٨) خلاصة العلاّمة : ٦٨ / ١.
أمّا رواية الكشي فهي مرسلة مع ضعف آخر في إحدى الروايتين(١) .
( وهذا البحث وإن كان قليل الفائدة في الحديث بحصول الضعف بغيره )(٢) إلاّ أنّ له نفعاً في غير هذا الموضع.
فإن قلت : قوله : فقال له داود بن كثير. من الرواية ، فيكون الحاكي عنه علي بن سالم ، أم لا بل هو من الشيخ فيكون رواية أُخرى مرسلة؟ أو هو من علي بن أسباط؟
قلت : قد روى الشيخ الرواية في التهذيب بنحو ما هنا في موضع(٣) ، وفي آخر روى عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن داود الرقي قال ، قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : أكون في السفر وتحضر الصلاة وليس معي ماء ويقال إنّ الماء قريب فأطلب ، إلى آخر ما نقله الشيخ هنا(٤) .
وأنت خبير إذا تأمّلت الروايتين بقيام احتمال المغايرة لما قاله داود في هذه الرواية مع احتمال آخر فليتدبّر.
المتن :
ظاهره كما ترى طلب الماء في السفر القدر المذكور ولو في جهة من الجهات ، إلاّ أنّ الشيخ في التهذيب بعد قول المفيد : ومن فقد الماء فلا يتيمم حتى يدخل وقت الصلاة ثم يطلبه أمامه وعن يمينه وعن شماله مقدار رمية سهمين من كل جهة إن كانت الأرض سهلة ، وإن كانت حزنة
__________________
(١) رجال الكشي ٢ : ٧٠٤ / ٧٥٠.
(٢) ما بين القوسين ليس في « رض » و « د ».
(٣) التهذيب ١ : ٢٠٢ / ٥٨٧.
(٤) التهذيب ١ : ١٨٥ / ٥٣٦.
طلبه في كل جهة مقدار رمية سهم ، قال : قد مضى فيما تقدم ما يدل على وجوب الطلب للماء على قدر رمية سهمين مع زوال الخوف ، ويؤكّد ذلك ما رواه محمد بن الحسن الصفار وذكر رواية السكوني(١) .
والذي تقدم منه رواية رواها عن محمد بن يعقوب ، عن الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن حماد بن عثمان ، عن يعقوب بن سالم قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل لا يكون معه ماء والماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين أو نحو ذلك قال : « لا آمره أن يغرّر بنفسه فيعترض له لصّ أو سبع »(٢) .
قال الشيخ في التهذيب : وهذا الخبر يدل على أنّه متى لم يخف من لصّ أو سبع وجب عليه الطلب وإن كان على مقدار غلوتين(٣) . ولا يخفى عليك حال هذه الدلالة.
ثم الظاهر من الرواية وجود الماء ، فعلى تقدير تسليم الدلالة نقول : مع وجود الماء يجب لا مع احتمال الماء ، وبتقدير التسليم ( من أين )(٤) اعتبار كل جانب؟.
وفي الشرائع قال المحقق : ويجب عنده الطلب فيضرب غلوة سهمين في كل جهة من جهات الأربع إن كانت الأرض سهلة وغلوة سهم إن كانت حزنة(٥) .
قال شيخناقدسسره في المدارك : أجمع علماؤنا وأكثر العامة على أن من كان عذره عدم الماء لا يسوغ له التيمم إلاّ بعد الطلب إذا أمّل الإصابة
__________________
(١) التهذيب ١ : ٢٠٢ / ٥٨٦ ، الوسائل ٣ : ٣٤١ أبواب التيمم ب ١ ح ٢.
(٢) التهذيب ١ : ١٨٤ / ٥٢٨ ، الوسائل ٣ : ٣٤٢ أبواب التيمم ب ٢ ح ٢.
(٣) التهذيب ١ : ١٨٤.
(٤) في « رض » بدل ما بين القوسين ما يمكن أن يقرأ : لا يفيد ، وفي « د » يحتمل.
(٥) الشرائع ١ : ٤٦.
وكان في الوقت سعة ، حكى ذلك المصنف في المعتبر ، والعلاّمة في المنتهى ، ويدلُّ على ذلك ظاهر قوله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) (١) ، وما رواه الشيخ في الحسن عن زرارة ، وذكر الرواية ( الآتية ، وقد مضت أيضاً )(٢) وعن السكوني ، وذكر الرواية الاولى ، إلى أن قال ما حاصله : واختلف الأصحاب في كيفية الطلب وحدّه ، فقال في المبسوط : والطلب واجب قبل تضيق الوقت في رحله وعن يمينه وعن يساره وسائر جوانبه رمية سهم أو سهمين إذا لم يكن خوف ، وكذلك قال في النهاية ، ولم يفرّق بين السهولة والحزونة ، ثم حكى عبارة المفيد السابقة عنه.
وقال ابن إدريس : وحدّ ما وردت به الروايات ، وتواتر به النقل في طلبه إذا كانت الأرض سهلة غلوة سهمين ، وإذا كانت حزنة فغلوة سهم. ولم يقدّره السيد المرتضى في الجمل ، ولا الشيخ في الخلاف.
قال شيخناقدسسره : ولم أقف في الروايات على ما يعطي هذا التحديد سوى رواية السكوني وهي ضعيفة كما اعترف به المصنف في المعتبر ، فإنّه قال : والتقدير بالغلوة والغلوتين رواية السكوني وهي ضعيفة ، غير أنّ الجماعة عملوا بها ، والوجه أنّه يطلب من كل جهة يرجو فيها الإصابة ولا يكلف التباعد بما يشق ، ورواية زرارة تدل على أنّه يطلب دائما ما دام في الوقت حتى يخشى الفوات(٣) . انتهى ملخصا.
وفي نظري القاصر أنّ في المقام أُموراً
__________________
(١) المائدة : ٦.
(٢) تأتي في ص ٨٧ ، ومضت في ص ٣٦ ، وبدل ما بين القوسين في « فض » و « رض » : الثانية ، وتأتي أيضاً في الباب الآتي.
(٣) مدارك الأحكام ٢ : ١٧٨.
الأوّل : ما ذكره من دعوى الإجماع قد قدّمنا(١) أنّه من قبيل الخبر المرسل ، ووجه ذلك أن تحقق الإجماع في مثل زمن المحقّق والعلاّمة ممّا يعدّ(٢) من المحالات العادية ، وكيف لا يكون كذلك والمحقق يتكلم على الشيخ في دعواه الإجماع ، وزمان الشيخ أقرب إلى تحقق الإجماع من زمان المحقق ، وإن كان الحق بُعد الإجماع في الموضعين ، وعلى هذا فالإجماع المدّعى من المحقّق والعلاّمة لا بد من حمله على كونه منقولاً عن المتقدّمين ، فلا يخرج عن الإرسال.
الثاني : ما استدل عليه من الآية شيخناقدسسره (٣) قد ذكره العلاّمة في المختلف(٤) ، وربما يشكل بأنّ الطلب يرجع فيه إلى العرف ، إذ الروايات المظنون دلالتها قد عرفت حالها ، وقول السيد المرتضى في الجمل(٥) لعله يرجع إلى هذا بنوع من الاعتبار ، وإذا رجع الأمر إلى العرف فهو غير مضبوط ، وإناطة التكليف به لا يخلو من إشكال.
والخبر الدال على أنّه يطلب ما دام في الوقت قد تكلمنا عليه سابقا(٦) ، وأنّ احتمال حمله على الاستحباب ممكن ، غير أنّ الشيخ قد يتوجه عليه أنّ الطلب في الخبر مطلق وخبر السكوني مقيد فليحمل عليه ، والحال لا يخلو من إشكال ، لتضمن رواية السكوني القدر المعين ، وتضمن رواية زرارة ما دام في الوقت ، وغير بعيد ما وجّهنا به رواية زرارة من أنّ المراد
__________________
(١) في ص ٥٦٦.
(٢) في « فض » : فما بعد.
(٣) مدارك الأحكام ٢ : ١٧٩.
(٤) المختلف ١ : ٢٥٥.
(٥) جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى ٣ ) : ٢٥.
(٦) راجع ص ٧٥٢.
بقوله : ما دام في الوقت. بيان وقت الطلب ، لا أنّ الطلب دائما كما قاله المحقق ، غاية الأمر أنّ كيفية الطلب مجملة والعرف لا يخلو من اضطراب.
وبالجملة : فقرائن الاستحباب غير خفية في خبر زرارة على تقدير إرادة دوام الطلب ، إذ لا يدل دليل على ذلك من الأخبار المنقولة ، وحينئذ يكون الأمر بتأخير التيمم كذلك ، لبُعد التغاير بين أمرين في خبر واحد ، وإن أمكن فتح باب المقال في هذا.
الثالث : ما قاله شيخناقدسسره : من دلالة رواية السكوني(١) . غريب ، فإن دلالتها على ما ذكر غير واضحة كما قدمناه.
وقول المحقق : غير أنّ الجماعة عملوا عليها(٢) . أغرب ، فإن الجماعة إن أُريد بهم جميع القائلين بالتحديد ، فالأقوال كلها لا توافق الرواية ، وإن أُريد بالجماعة غير ذلك فلا يظهر له معنى ، على أنّ عمل الجماعة له تأييد عنده للعمل بالرواية الضعيفة كما يعلم من مواضع في المعتبر ، وما أجمله من الوجه أيضاً لا يخلو من غرابة.
إذا تمهّد هذا كلّه فاعلم أنّ ما ذكره الشيخ من الجمع لو ذكر ما يدل عليه من رواية داود الرقي المذكورة في التهذيب ، من قوله : « إنّي أخاف عليك التخلف عن أصحابك فتضل ويأكلك السبع »(٣) وكذلك رواية يعقوب بن سالم(٤) السابقة ، وإن كان في الظن عدم الدلالة على مطلوب الشيخ ، إلاّ أنّ الحكم بالنسبة إلى ما فهمه ربما يتم ذكر الحديثين للدلالة على الجمع.
__________________
(١) راجع ص ٧٩٠.
(٢) المعتبر ١ : ٣٩٣.
(٣) التهذيب ١ : ١٨٥ / ٥٣٦ ، الوسائل ٣ : ٣٤٢ أبواب التيمم ب ٢ ح ١.
(٤) المتقدمة في ص ٧٩٠.
فإن قلت : ما وجه التوقف في دلالة الروايتين؟.
قلت : الوجه في الاولى أنّ ظاهرها كون مجرد خوف التخلف عن الأصحاب فيضل أو يأكله السبُع يقتضي عدم لزوم الطلب ، وهذا الكلام من الإمامعليهالسلام كما ترى يقتضي بإطلاقه أنّ مجرّد الاحتمال كاف في سقوط الطلب ، ولولاه لكان على الإمام أن يقول له : إن خفت فلا تطلب ، وإلاّ فاطلب ، والثانية كذلك ، بل هي أظهر دلالة على ما قلناه.
ومن هنا يعلم أنّ ما قاله شيخناقدسسره بعد ذكر روايتي داود ويعقوب : من أنّ الجواب عنهما أولاً بضعف السند ، وثانياً بالقول بالموجب ، لأنّ مقتضاهما سقوط الطلب مع الخوف على النفس والمال ونحن نقول به(١) . محل تأمّل يظهر وجهه ممّا قررناه.
اللغة :
قال في القاموس : الحَزْن : ما غلظ من الأرض كالحَزْنة(٢) . وقال ابن الأثير في النهاية : الغلوة قدر رمية سهم(٣) .
ويبقى في المقام أُمور لا بأس بالتنبيه عليها :
الأوّل : ظاهر الأخبار أنّ الطلب مع فقدان الماء ، أمّا لو كان عذر المتيمم غير فقدان الماء فوجوب الطلب عليه منتف ، وحينئذ وجوب التأخير عليه على تقدير القول به لا يمكن استفادته من الأخبار السابقة ولا اللاحقة ، والآية الشريفة دالة بظاهرها على أنّ من كان على سفر ولم يجد ماءً تيمم ، أمّا المرض فلا وجه لاعتبار عدم الماء فيه ، إلاّ أنّ يراد بعدم
__________________
(١) مدارك الأحكام ٢ : ١٨٠.
(٢) القاموس المحيط ٤ : ٢١٥.
(٣) النهاية لابن الأثير ٣ : ٣٨٣.
الوجدان عدم القدرة على الاستعمال فيراد باللفظ الحقيقة والمجاز أو عموم المجاز ، وفيه ما فيه ، ولا يبعد أن يخص القيد بالمسافر ويبقى المريض على الإطلاق ، ويتوقف وجوب التأخير عليه على الدليل.
ثم إنّ وجوب الطلب في الأخبار وظاهر الآية على المسافر ، أمّا غيره فوجوب الطلب عليه بالمعنى المذكور في كلام الأصحاب لم أقف على دليله الصالح للإثبات ، ولو لا ظن عدم القائل بهذا التفصيل لأمكن إبداؤه ، لكن لا أقل من ذكر الاحتمال ، فينبغي التأمّل فيما ذكرناه ، فإنّي لم أجده في كلام أحد الآن ، والله تعالى أعلم بحقائق الأُمور.
الثاني : قيل لو تيقن وجود الماء لزمه السعي إليه ما دام الوقت باقيا والمكنة حاصلة ، سواء كان قريباً أم بعيداً ، وسواء استلزم السعي فوات مطلوب إذا لم يكن مضراً بحاله أم لا ، لقدرته على الماء(١) . واختار هذا شيخناقدسسره (٢) .
وقال المحقق في المعتبر : من تكرر خروجه من مصره كالحطّاب والحشّاش لو حضرته الصلاة ولا ماء ، فإن أمكنه العود ولمّا يفت مطلوبه عاد ، ولو تيمم لم يجزئه ، ولو لم يمكنه إلاّ بفوات مطلوبه ففي التيمم تردد أشبهه الجواز دفعاً للضرر(٣) .
وربما يمكن المناقشة في الكلامين ، والاحتياط مطلوب.
أمّا ما قاله جماعة : من أنّ الطلب إنّما يجب مع احتمال الوجود ، فإن تيقن العدم انتفى الطلب لانتفاء الفائدة ، ولو غلب على ظنه لم يسقط لجواز
__________________
(١) المنتهى ١ : ١٣٩.
(٢) مدارك الأحكام ٢ : ١٨٢.
(٣) المعتبر ١ : ٣٦٥.
كذب الظن(١) ؛ فله وجه ، إنّما الكلام في ثبوت الأصل.
الثالث : قال المحقق في الشرائع : ولو أخلّ بالطلب حتى ضاق الوقت أخطأ وصح تيممه وصلاته على الأظهر(٢) .
وفي المختلف قال العلاّمة نقلاً عن الشيخ : لو تيمم قبل الطلب مع التمكن منه لم يعتد بذلك التيمم. وهذا الكلام على إطلاقه مشكل ، وتقرير البحث أن نقول : إنّ تيمم قبل آخر الوقت بطل ، لعدم الشرط وهو تضيق الوقت ، وإنّ تيمم في آخر الوقت ولم يكن قد طلب الماء ففي بطلان تيممه نظر ، والأقوى عندي صحته بل وجوبه ؛ لأنّه حينئذ مأمور بالصلاة ، إذ بدون فعلها لا يخرج عن العهدة ، ومأمور بالتيمم ؛ لتعذر الماء عليه حينئذ ، وسقوط الطلب عنه لتضيق الوقت ووجوب صرفه إلى الصلاة ، وإذا تقرر أنّه مأمور بالصلاة بالتيمم فإذا فعلهما وجب أن يخرج عن العهدة(٣) .
ثم اعترض بمنع الأمر بالتيمم مطلقا ، لأنّ الآية مشروطة بعدم الوجدان المشروط بالطلب ، والمشروط بالمشروط بالشيء مشروط بذلك الشيء ، والشرط وهو الطلب لم يوجد فينتفي المشروط.
وأجاب بمنع كون الطلب شرطاً مطلقاً ، بل مع السعة.
واعترض بأنّه يلزم على هذا أنّ من ترك المضي إلى الماء مع قربه منه والتمكن من استعماله إلى أن ضاق الوقت بحيث لو سارع فاته الوقت عامداً من غير ضرورة ، أن يجب عليه التيمم والصلاة ، ويسقط عنه القضاء ، لأنّ الدليل الذي ذكرتموه آت هنا ، فيقال : لا يجوز إسقاط الصلاة عن هذا المكلّف ، لوجود الشرائط ، وإذا كان مأموراً بفعلها مع الطهارة المائية لزم
__________________
(١) منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد ١ : ٤٦٦ ، وصاحب المدارك ٢ : ١٨٢.
(٢) شرائع الإسلام ١ : ٤٦.
(٣) المختلف ١ : ٢٨٥.
تكليف ما لا يطاق ، إذ التقدير تضيّق الوقت ، وإن كان مكلّفاً بالإتيان بها مع البدل لزم الإجزاء.
وأجاب بوجهين :
الأوّل : أنّه يلزم ذلك ويكون معاقبا على ترك الطهارة المائية مع قدرته وتزول عنه بالتوبة.
والثاني : المنع من كونه مكلفا بما لا يطاق لو قيل باستصحاب حكم التكليف السابق عليه في أوّل الوقت مع تمكنه(١) . انتهى ملخصا.
وفي نظري القاصر أنّه محل نظر :
أمّا أوّلاً : فلأنّ الأمر بالتيمم مطلقا أوّل المدّعى ، وكون الطلب مشروطاً بالسعة كذلك ، والآية الشريفة قد ذكر في تفسيرها ما يدل على أنّ الطلب مراد فيها ، فلا يتحقق الشرط حينئذ.
نعم قد قدّمنا احتمالاً في خبر زرارة الدال على أنّه يطلب ما دام في الوقت فإن خاف أن يفوته فليتيمم ، وهو أن يكون قوله : « فإن خاف » راجعا إلى الطلب ، أي إنّما يطلب مع عدم خوف الفوت وبدونه لا يطلب ، وبهذا الاحتمال قد يندفع عن العلاّمة النظر ، لكن عدم تعرضه لذلك غريب.
فإن قلت : غير هذا الاحتمال في الخبر ليس بواضح ، بل الظاهر هو هذا الاحتمال.
قلت : الاحتمال الآخر المساوي لما ذكرناه هو أنّه يطلب إلى أن يخاف الفوت لا ترك الطلب من أوّل الأمر.
وأمّا ثانياً : فلأنّ الطلب مع تحقق دليله يتوقف سقوطه على الدليل.
وأمّا ثالثاً : فما قاله في جواب الاعتراض الأوّل من منع كون الطلب
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٨٥.
شرطاً مطلقاً. لا وجه له ، لأن المانع وإن كان يكفيه هذا في دفع الاستدلال إلاّ أنّ مقصود العلاّمة إثبات الحكم.
وأمّا رابعاً : فما ذكره في جواب الاعتراض الثاني ففيه :
أمّا في الوجه الأوّل : فلأنّ عقوبته على ترك الطهارة المائية لا تفيد عدم جواز التيمم مطلقا ، بل قبل الضيق على حد من أخلّ بالطلب فإنّه معاقب أيضا ، لكن بعد التضيق يحتمل عدم العقاب على أدائه فالجواب الجواب.
وأمّا الوجه الثاني : فالتكليف بما لا يطاق لا مخلص عنه ، واستصحاب حكم التكليف لا يسمن ولا يغني من جوع ، فإن قلت : ما مراده باستصحاب حكم التكليف؟ قلت : كان غرضه أنّه لما كان مأموراً بالوضوء قبل التضيق بقي الأمر مستصحبا.
وأنت خبير بأنّ هذا بعينه آت فيما تقدم ، فإنّ الوضوء مأمور به ولا ينتقل إلى التيمم إلاّ مع الطلب وعدم الوجدان على ما قرره ، نعم يمكن أن يقال : إنّ الأمر بالوضوء فرع الإمكان ، والإمكان موقوف على الطلب فلا يجب قبله. وجوابه أظهر من أن يخفى.
قال :
باب أنّ التيمم لا يجب إلاّ في آخر الوقت
أخبرني الشيخ رحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد ابن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن
صفوان ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم(١) قال : سمعته يقول : « إذا لم تجد ماءً وأردت التيمم أخّرِ التيمم إلى آخر الوقت فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض ».
وبهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة ، عن زرارة ، عن أحدهماعليهماالسلام قال : « إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصلِّ في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضّأ لما يستقبل ».
ولا ينافي هذا الخبر ما أوردناه من الأخبار في باب إعادة الصلاة المتضمنة لمن صلّى ثم وجد الماء والوقت باق لا تجب عليه الإعادة ، بأن يقال : لو كان الوجوب متعلقا بآخر الوقت لكان عليه الإعادة ، لأنّا قد بينّا الوجه في(٢) الأخبار ، وقد قلنا إنّ الوجوب تعلّق بآخر الوقت ولا يجوز غيره ، وحملنا قوله : والوقت باق ، على أن يكون متعلقاً بحال الصلاة دون وجود الماء ، وعلى هذا لا تعارض بين هذه الأخبار وبينها على حال ، وما تضمنه خبر علي بن سالم في الباب الأوّل من قول السائل أتيمم وأُصلّي ثم أجد الماء وقد بقي عليّ وقت ، فقال : « لا تعد الصلاة » ويكون تقديره أتيمم وأُصلّي وقد بقي عليَّ وقت يعني مقدار ما ( يصلّي ) (٣) الصلاة ويخرج الوقت.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٦٥ / ٥٧٣ زيادة : عن أبي عبد اللهعليهالسلام .
(٢) في الاستبصار ١ : ١٦٦ زيادة : تلك.
(٣) في الاستبصار ١ : ١٦٦ : يصلّي فيه فيصلّي.
السند :
في الأوّل لا ارتياب فيه.
والثاني قد تقدم القول فيه مفصلاً.
المتن :
في الأوّل وإن دل بظاهره على وجوب التأخير إلاّ أنّ احتمال الاستحباب فيه قائم نظراً إلى ما أسلفناه.
والوالدقدسسره كان يقول : إنّ الخبر يعمل بمقتضاه من وجوب التأخير ، لكن مع رجاء وجود الماء كما يشعر به قوله : « فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض » وحينئذ لا يدل على وجوب التأخير مطلقا(١) .
وكذلك شيخناقدسسره ذكر ذلك في فوائده على هذا الكتاب قائلاً : إنّ هاتين الروايتين إنّما تدلان على وجوب التأخير إذا كان العذر عدم الماء وكان وجوده ممكناً كما يدل عليه قوله في الأُولى : « فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض » فإنّه يقتضي عدم الجزم بفوات الماء وفي الرواية الثانية « فليطلب الماء ما دام في الوقت » فإنّ الطلب يؤذن بإمكان الظفر. انتهى ملخصا.
وفي نظري القاصر أنّ الرواية الأُولى كما تحتمل ما قاله الوالد وشيخنا(٢) ٠ تحتمل أن يراد أنّ الماء إذا تحقق فواته فالتراب موجود ، ولا وجه للتقديم.
__________________
(١) منتقى الجمان ١ : ٣٥٥.
(٢) ليست في « رض ».
وأمّا الرواية الثانية : فالطلب يؤذن بالإمكان إلاّ أنّ قرائن الاستحباب فيها ظاهرة بعد ملاحظة ما قدّمناه.
ثم قولهعليهالسلام في الثانية : « إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب » يدل على أنّ عدم الوجدان يتحقق بعدم الطلب ، فلا يتم ما ذكروه في الآية من أنّ ظاهرها الدلالة على الطلب ، إلاّ أن يقال : إنّ عدم الوجدان له حالات ، فمع الإطلاق يراد به ما يتناول الطلب ، ومع ذكر الطلب بعده يراد به معنى آخر ، وهذا لا ينافي دلالة الآية كما تدل عليه الرواية الأُولى بعد تقييدها بغيرها ممّا دل على الطلب.
وينبغي أن يعلم أنّ العلاّمة في المختلف اختار التفصيل الذي ذهب إليه ابن الجنيد ، وهو على ما نقله العلاّمة عنه وجوب الطلب مع الطمع في وجوده ، والرجاء للسلامة على كل أحد إلى آخر الوقت ( مقدار رمية سهم في الحزنة ، وفي الأرض المستوية(١) رميتا سهم ، فإن وقع اليقين بفوته إلى آخر الوقت )(٢) أو ما غلب الظن كان تيممه وصلاته في أوّل الوقت أحب(٣) .
وهذا القول إذا تأمّله المتأمّل يفيد أمراً زائداً على التفصيل المذكور في كلام البعض ، واختاره ( الوالد(٤) قدسسره وشيخناقدسسره في غير فوائد الكتاب )(٥) (٦) والأمر سهل.
__________________
(١) في « فض » : المسنونة.
(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٣) المختلف ١ : ٢٥٣.
(٤) منتقى الجمان ١ : ٣٥٥.
(٥) بدل ما بين القوسين في « رض » : الوالد وشيخناقدسسره في فوائد الكتاب.
(٦) مدارك الأحكام ٢ : ١٨١.
غير أنّ العلاّمة استدل على وجوب التأخير مع إمكان وجود الماء أوّلاً بهاتين الروايتين.
وثانياً : بأنّه لو جاز التيمم في أوّل الوقت والصلاة به لما وجب عليه الإعادة بعد وجود الماء في الوقت ، ثم بيّن وجه الملازمة وبطلان التالي المستلزم لبطلان المقدم ، أمّا الأوّل : فإنّ الأمر يقتضي الإجزاء ، وأمّا الثاني : فلخبر يعقوب بن يقطين السابق.
وثالثاً : إنّ طلب الماء إن كان واجباً وجب التيمم في آخر الوقت ، لكن المقدم حق فالتالي مثله ، وبيان الشرطية أنّ الطلب إنّما يجب بعد دخول الوقت ، وإذا وجب الطلب بعد الوقت سقط وجوب الصلاة في أوّل الوقت للتضادّ.
وبيان صدق المقدّم الإجماع ، وقوله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) (١) ولا يثبت عدم الوجدان إلاّ بعد الطلب.
ثم اعترض على نفسه بأنّ وجوب الطلب بعد الوقت لا يستلزم وجوب التأخير إلى آخر الوقت. وأجاب بأنّه لو لم يلزم ذلك لزم خرق الإجماع ، إذ الناس بين قائل بوجوب التأخير إلى آخر الوقت ، وبجواز الصلاة في أوّل الوقت.
ورابعاً : إنّ الله تعالى أوجب الطهارة المائية ، وجعل التيمم بدلاً عند الفقدان ، وإنّما يعلم الفقدان عند التضيق ، إذ قبله يجوز وجود الماء ، ومع الجهل بالشرط لا يثبت العلم بالمشروط يعني جواز التيمم.
ثم قالرحمهالله : وأمّا تسويغ التيمم في أوّل الوقت مع العلم بانتفاء
__________________
(١) المائدة : ٦.
الماء في جميع الوقت فلأنّ المقتضي موجود ، وهو الأمر بإيقاع الصلاة في أوّل وقتها ، والمانع وهو إمكان وجود الماء مفقود ، فيثبت الحكم(١) . انتهى كلامه ملخصا.
وفي نظري القاصر أنّه محل تأمّل ، أمّا الأوّل : فلما قدّمناه في الروايتين من إمكان الحمل على الاستحباب وظهور أماراته.
وأمّا الثاني : فما قاله من وجوب الإعادة يتم لو كان الوجوب متحققا ، والحال أنّ احتمال الاستحباب في الإعادة قائم ، لوجود المعارض ، وقد قدّمنا ذلك أيضاً ، والعجب منهرحمهالله أنّه إذا كان يوافق على مضمون صحيح يعقوب الدال على عدم الإعادة بعد الوقت فكيف يحكم بوجوب الإعادة على تقدير عدم جواز التيمم ، ويخص ذلك بالوقت.
وأمّا الثالث : فما ذكره من الإجماع المركب لو تم لا يثبت مدّعاه ، إذ غايته عدم اجتماع الطلب والصلاة ، والقائل بوجوب الطلب مجموع الوقت منتف كما صرح به.
نعم احتمل كون الطلب المستمر خاصا ، وقول ابن الجنيد لا يدل عليه وقد اختاره ، فالدليل لا ينطبق على المدعى إلاّ بتقدير أن يوجد جواب الاعتراض في جملة الدليل ، ويخرج به عن ظاهر قول ابن الجنيد.
وأمّا الرابع : فما قاله من الأدلة على جواز التقديم مع اليأس يعارضه ، فإن الأمر بإيقاع الصلاة في أوّل الوقت موجود على وجه يتناول واجد الماء وفاقده في أوّل الوقت ، فقوله : إنما يعلم شرط الانتقال إلى البدل عند التضيق. محل البحث ، إذ هو في كل آن من آناء الزمان بعد
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٥٣.
دخول الوقت مخاطب بالصلاة أمّا بالوضوء إن وجد الماء أو بالتيمم مع فقده ، وما دل على الطلب يجوز أن يحمل على ذلك ، سوى الخبر المتضمن لقوله : « ما دام في الوقت » وإذا رجعنا إلى الخبر لا حاجة إلى هذا الدليل ، والله سبحانه الهادي إلى سواء السبيل.
إذا عرفت هذا فما قاله الشيخ في دفع التنافي قد تقدّم القول فيه بما يغني عن الإعادة.
قوله :
باب من دخل في الصلاة بتيمم ثم وجد الماء.
أخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي ، قال : حدثني محمد بن سماعة ، عن محمد بن حمران ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ، قلت له : رجل تيمم ثم دخل في الصلاة وقد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثم يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة قال : « يمضي في الصلاة ، واعلم أنّه ليس ينبغي لأحد أن يتيمم إلاّ في آخر الوقت ».
فأمّا ما رواه محمد بن يعقوب ، عن الحسين بن محمد ، عن معلّى بن محمد ، عن الوشاء ، عن أبان بن عثمان ، عن عبد الله بن عاصم ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل لا يجد الماء فيتيمم ويقوم في الصلاة فجاء الغلام فقال : هو ذا الماء؟ فقال : « إن كان لم يركع فلينصرف وليتوضّأ ، وإن كان ركع فليمض في صلاته ».
ورواه الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، عن أبان بن
عثمان ، عن عبد الله بن عاصم مثله.
ورواه محمد بن علي بن محبوب ، عن الحسن بن الحسين(١) اللؤلؤي ، عن جعفر بن بشير ، عن عبد الله بن عاصم مثله.
فالأصل في هذه الروايات الثلاثة واحد وهو عبد الله بن عاصم ، ويمكن أن يكون الوجه في هذا الخبر ضرب من الاستحباب دون الفرض والإيجاب ، ويمكن أيضا أن يكون الوجه فيه أنّه يجب عليه الانصراف إذا كان دخل في الصلاة في أوّل الوقت ، لأنا قد بيّنا أنّه لا يجوز التيمم إلاّ في آخر الوقت فلذلك وجب عليه الانصراف.
السند :
في الأوّل : قد تكرر القول في رجاله سوى محمد بن سماعة ، والنجاشي ذكر ما هذا لفظه : محمد بن سماعة بن موسى ـ إلى أن قال ـ : والد الحسن وإبراهيم وجعفر ، وجدّ معلى بن الحسن ، وكان ثقة في أصحابنا وجها(٢) . وهذا وإن أوهم أنّ التوثيق لمعلّى إلاّ أنّ الاعتبار ينفيه كما ذكرناه في مواضع.
وقد اتفق للعلاّمة في الخلاصة أنّه ذكر الحسن بن محمد بن سماعة الكندي الواقفي ، ثم قال : وليس محمد بن سماعة أبوه من ولد سماعة بن مهران(٣) .
وأصل هذا الكلام من الكشي بهذه الصورة : حدثني حمدويه ، عن
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٦٧ / ٥٧٨ : الحسين بن الحسن.
(٢) رجال النجاشي : ٣٢٩ / ٨٩٠.
(٣) خلاصة العلاّمة : ٢١٢ / ٢.
الحسن بن موسى ، قال : كان ابن سماعة واقفيا ، وذكر أنّ محمد بن سماعة ليس من ولد سماعة بن مهران ، له ابن يقال له : الحسن بن سماعة واقفي(١) .
وأنت خبير بأنّ الكلام لا يخلو من إجمال ، إذ الظاهر منه أنّ الذاكر الحسن بن موسى الخشاب ، لكن قوله : له ابن يقال له الحسن بن سماعة ، محتمل لأن يعود ضمير « له » لسماعة بن مهران فيكون له ابن واقفي ، وهذا غير المذكور في النجاشي وأنّه واقفي(٢) ، ويحتمل أن يعود الضمير لمحمد ابن سماعة. غير أنّ ابن مهران(٣) وهو الواقفي يقال له الحسن بن سماعة ، لا الحسن بن محمد بن سماعة دائماً ، فأراد الحسن بن موسى التنبيه على ذلك ، وهذا هو الظاهر ، إلاّ أنّ نقل العلاّمة له ليس على ما ينبغي حينئذ ، بل المهم بيان أنّه يقال له الحسن بن سماعة والحسن بن محمد بن سماعة ، فالرجل واحد واقفي.
وفي السند أيضا محمد بن حمران ، وفي كتب الرجال اثنان ، أحدهما ثقة وهو النهدي ذكره النجاشي(٤) ، والآخر مهمل(٥) ، إلاّ أنّ الظاهر مع التعدد إرادة الأوّل ، لما يظهر من المحقق في المعتبر أنّه حكم بصحة رواية محمد بن حمران غير أنّه اتفق له ما يقتضي تعديل عبد الله بن عاصم(٦) ، ولم أقف على ذلك في الرجال لكن في كلامه نوع احتمال كما سنذكره إن
__________________
(١) رجال الكشي ٢ : ٧٦٨ / ٨٩٤.
(٢) رجال النجاشي : ٤٠ / ٨٤.
(٣) المراد به هو ابن سماعة بن مهران.
(٤) رجال النجاشي : ٣٥٩ / ٩٦٥.
(٥) راجع منهج المقال : ٢٩٤.
(٦) المعتبر ١ : ٤٠٠.
شاء الله.
وأمّا الثاني : فالطرق كلها غير سليمة ، فالأوّل : بالمعلى ، وعبد الله سمعت ما فيه ، والوشاء قدمنا فيه الكلام(١) .
والثاني : فيه القاسم بن محمد الجوهري وقدّمنا حاله(٢) .
والثالث : فيه عبد الله بن عاصم ؛ أمّا الحسن ابن الحسين اللؤلؤي فليس القدح فيه إلاّ ممّا نقله الشيخ عن ابن بابويه من تضعيفه(٣) ، وأظنه أخذ ذلك من استثنائه من رواية محمد بن أحمد بن يحيى ، والاستثناء لا يدل على الضعف ، والنجاشي قد وثّقه(٤) .
والعجب أنّ شيخناقدسسره قال في المدارك : إنّ الرواية مروية في التهذيب(٥) بثلاث طرق أقربها إلى الصحة ما رواه عن محمد بن علي بن محبوب وذكر الطريق ، ثم قال : وفي الحسن بن الحسين اللؤلؤي توقف وإن وثّقه النجاشي لقول الشيخ : إنّ ابن بابويه ضعفه(٦) ، والحال أنّ عبد الله بن عاصم لم نر توثيقه ولا مدحه في الرجال ، سوى ما سنذكره عن المحقّق.
المتن :
في الأوّل : كما ترى يدل على أنّ مجرّد الدخول في الصلاة كاف في
__________________
(١) في ص ١١١.
(٢) في ص ١٢٩.
(٣) رجال الطوسي : ٤٦٩ / ٤٥.
(٤) رجال النجاشي : ٤٠ / ٨٣.
(٥) التهذيب ١ : ٢٠٤ / ٥٩١ ٥٩٣ ، الوسائل ٣ : ٣٨١ أبواب التيمم ب ٢١ ح ٢.
(٦) مدارك الأحكام ٢ : ٢٤٦.
المضي ، وله نوع دلالة على عدم اعتبار ضيق الوقت في جواز التيمم كما يعرف بالتأمّل في مضمونه ، كما أنّ في قوله : وقد كان طلب الماء ثم يؤتى إلى آخره ، دلالة على أنّ الطلب يكفي فيه ما أمكن من الوقت.
وقوله : « واعلم » إلى آخره ، قد بينا فيما سبق تأييده للاستحباب.
ثم إنّ الخبر حجة من قال بأنّ الدخول في الصلاة ولو بتكبيرة الإحرام يقتضي الاستمرار في الصلاة بتيمم كما حكاه بعض الأصحاب ، غير أنّ من جملة القائلين السيد المرتضى(١) ، وابن إدريس(٢) واعتمادهم على الأصل في الاستدلال كما نقل أيضاً على الإجمال.
والثاني : ينقل عن الشيخ العمل بمضمونه في النهاية ، وكذلك عن ابن أبي عقيل وابن بابويه والمرتضى في شرح الرسالة(٣) ، والشيخ كما ترى هنا ذكر فيه الحمل على الاستحباب أوّلاً ، وكأنّ مراده أنّ الرجوع قبل الركوع مستحب وبعده يتعين المضيّ.
وقد يشكل بأنّ الظاهر من الرواية الأُولى وجوب المضي بعد الدخول في الصلاة ، فلو حملت الثانية على الاستحباب لا يتم الوجوب في الاولى ، بل يراد استحباب المضي وإن كان القطع أرجح ، وظاهر كلام الشيخ يأبى هذا ، إلاّ أنّه قابل للتسديد.
وأمّا الوجه الثاني فلا ينبغي ذكره في المقام ، لأنّ الدخول إذا كان في أوّل الوقت وجب القطع سواء كان الوجدان قبل الركوع أو بعده ، والحال أنّ الرواية تضمنت التفصيل.
__________________
(١) حكاه عن مسائل خلافه في السرائر ١ : ١٤٠ ، والمختلف ١ : ٢٧٥.
(٢) السرائر ١ : ١٤٠.
(٣) نقله عنهم في المدارك ٢ : ٢٤٥ ، وهو في النهاية : ٤٨ والفقيه ١ : ٥٨ والمقنع : ٩.
وفي المعتبر : رواية ابن حمران أرجح من وجوه : منها : أنّه أشهر في العلم والعدالة من عبد الله بن عاصم والأعدل مقدم ؛ ومنها : أنّه أخفّ وأيسر ، واليسر مراد الله ، ومنها : أنّ مع العمل برواية محمد يمكن العمل برواية عبد الله بالتنزيل على الاستحباب ، ولو عمل بروايته لم يكن لرواية محمد محمل(١) . انتهى.
ولا يخفى دلالة الكلام بظاهره على عدالة عبد الله بن عاصم ، وكأنّ شيخناقدسسره [ لذلك(٢) ] قال : إنّ الرواية أقرب إلى الصحة(٣) .
أمّا ما قاله : من أنّ مع العمل برواية محمد ، إلى آخره. ففي نظري القاصر أنّه محل تأمّل ، لأنّا إذا عملنا برواية عبد الله يمكننا أن نحمل رواية محمد على استحباب المضيّ ، لكن القطع أكمل ، على أنّ العمل برواية محمد لا يخلو من إجمال ، فإن أُريد به العمل بظاهرها من وجوب المضي لم يتم استحباب القطع قبل الركوع ، وإن حملت على استحباب المضي بعد الدخول اتحد القول.
نعم يؤيّد رواية محمد الأصل.
وذكر شيخناقدسسره أنّ من مؤيّداتها ما رواه الشيخ في الصحيح ، عن زرارة ومحمد بن مسلم قال ، قلت له : رجل لم يصب الماء وسيأتي عن قريب إن شاء الله قالقدسسره : فإنّ التعليل في آخرها يدل على وجوب المضي في الصلاة مع الدخول فيها ولو بتكبيرة الإحرام(٤) . وستسمع إن
__________________
(١) المعتبر ١ : ٤٠٠.
(٢) في النسخ : كذلك ، والظاهر ما أثبتناه.
(٣) مدارك الأحكام ٢ : ٢٤٦.
(٤) مدارك الأحكام ٢ : ٢٤٦.
شاء الله الكلام على هذه الرواية.
والعجب من العلاّمة في المختلف أنّه قال في هذه المسألة في باب التيمم ـ بعد أن نقل عن ابن أبي عقيل ما يقتضي الفرق بين الوجدان قبل الركوع وبعده ـ : ونحن قد تردّدنا في كتاب التحرير في هذين الاحتمالين ، وجه النقض أنّه متمكن عقلاً من استعمال الماء ، ومنع الشرع من [ إبطال ](١) الصلاة لا يخرجه عن التمكّن العقلي ، فإنّ التمكن صفة حقيقية لا تتغير بالأمر الشرعي والنهي ، والحكم معلق على التمكن ؛ ووجه عدمه أنّه غير متمكن من استعمال الماء شرعاً ، فإنّ الشرع نهاه عن إبطال الصلاة ، فنقول حينئذ : تيمّمه إمّا أن ينتقض أو لا ، والأوّل باطل ، وإلاّ وجب عليه الإعادة من رأس ، والثاني هو المطلوب ، وبالجملة نحن في هذه المسألة من المتوقّفين(٢) . انتهى.
وأنت خبير بما في الكلام ممّا يغني عن توضيحه.
ونقل عن المنتهى أنّ فيه الجواب عن روايتي زرارة الآتية وعبد الله ابن عاصم بالحمل على الاستحباب ، أو على أنّ المراد بالدخول في الصلاة الشروع في المقدمات كالأذان ، وبقوله : « ما لم يركع » ما لم يتلبّس بالصلاة ، وبقوله : « وإن كان ركع » الدخول فيها(٣) .
ولا يخفى ما في الجواب ، وإمكان حمل المطلق من الدخول على المقيد لا ريب فيه ، ورواية زرارة سيأتي أنّها لا تنافي رواية ابن عاصم.
__________________
(١) في النسخ : إكمال ، وما أثبتناه من المصدر.
(٢) المختلف ١ : ٢٨٨ وهو في التحرير ١ : ٢٢.
(٣) نقله عنه في المدارك ٢ : ٢٤٧ وهو في المنتهى ١ : ١٥٥.
قال :
فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن علي بن السندي ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال : سألته عن رجل صلّى ركعة على تيمّم ثم جاء رجل ومعه قربتان من ماء ، قال : « يقطع الصلاة ويتوضّأ ثم يبني على واحدة ».
فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على من إذا صلّى ركعة وأحدث ما ينقض الوضوء ساهياً وجب عليه أن يتوضّأ ويبني ، ولو كان لم يحدث لما وجب عليه الانصراف ، بل كان عليه أن يمضي في صلاته ، ولا يمكن أن يقال : في هذا الخبر ما قلناه في غيره من أنّه إنما يجب عليه الوضوء ، لأنّه قد دخل فيها قبل آخر الوقت ، لأنّه لو كان كذلك لما جاز له البناء ووجب عليه الاستئناف.
والذي يدل على جواز ما قلناه إذا أحدث ساهياً :
ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة ومحمد بن مسلم قال ، قلت له : في رجل لم يصب الماء وحضرت الصلاة فتيمم وصلّى ركعتين ثم أصاب الماء ، أينقض الركعتين أو يقطعهما ويتوضّأ ثم يصلّي؟ قال : « لا ، ولكنّه يمضي في صلاته ولا ينقضهما لمكان أنّه دخلها وهو على طهر وتيمم » قال : زرارة فقلت : له دخلها وهو متيمم فصلّى ركعة وأحدث فأصاب ماءً؟ قال : « يخرج ويتوضّأ ويبني على ما مضى من صلاته التي صلّى بالتيمم ».
السند :
في الأوّل فيه علي بن السندي ، وهو مجهول الحال ( وفي بعض نسخ الكشي علي بن السدي وهو الذي يقال له علي بن إسماعيل(١) واشتبه أمره على العلاّمة كما قدّمناه )(٢) .
والثاني لا ارتياب فيه.
المتن :
في الأوّل : ظاهر الدلالة على البناء على الواحدة بعد الوضوء ، فلو فرض انعقاد الإجماع على نفي مضمونه أمكن أن يقال : إنّ لفظ البناء قد يجوّز فيه بإرادة فعل الواحدة ثانياً.
أمّا حمل الشيخ ففيه : أوّلاً : أنّ الخبر تضمن أنّه يقطع الصلاة فلو كان أحدث لما احتاج إلى قوله : « يقطع الصلاة ».
وثانياً : أنّ قيد النسيان ليس في الخبر الذي استدل به ، ولو وجّه بأنّ العمد لا يتصور فيه البناء(٣) أمكن أن يقال : إنّ الواسطة(٤) موجودة وهي النسيان.
ولا يبعد توجيه الأوّل بأنّ القطع يحمل على وجه لا ينافي ما ذكرناه.
أمّا ما قد يقال من أنّ الخبر الذي استدل به تضمن ما ينافي ما قدّمه من اعتبار الدخول في الصلاة أو الركوع ؛ ففيه : أنّ الخبر لا ينافي ذلك ، لأنّ
__________________
(١) رجال الكشي ٢ : ٨٦٠ / ١١١٩.
(٢) ما بين القوسين ليس في « د ». راجع ج ١ : ٣٣١ وج ٢ : ٢٢٤.
(٣) في « فض » زيادة : لدعوا.
(٤) في « رض » و « د » زيادة : معه.
من صلّى ركعتين فقد تحقق منه الركوع والدخول ، وذكره في كلام السائل لا يدل على التخصيص كما نبّهنا عليه مراراً ، ولا ريب في دلالة التعليل على أنّ مجرد الدخول في الصلاة كاف ، فيؤيد ما دل على الاكتفاء به وهي رواية محمد بن حمران ، وقد روى الشيخ عن زرارة نحو ما رواه هنا أيضاً(١) .
وأجاب العلاّمة في المختلف عن الروايتين بحمل الركعة على الصلاة إطلاقاً لاسم الجزء على الكل ، قال ، وقوله : « يخرج ويتوضّأ ثم يبني على ما مضى من صلاته » إشارة إلى الاجتزاء بتلك الصلاة السابقة على وجدان الماء(٢) ، وأنت خبير بما في الجواب من التكلف.
وفي المعتبر قال المحقق ـ بعد نقله عن الشيخين القول بالبناء ـ : وما قالاه حسن ، لأن الإجماع على أنّ الحدث عمداً يبطل الصلاة ، فيخرج من إطلاق الرواية ، ويتعيّن حملها على غير صورة العمد ، لأنّ الإجماع لا تصادمه الرواية ، ولا بأس بالعمل بها على الوجه الذي ذكره الشيخان فإنّها رواية مشهورة(٣) . انتهى.
ولا يخفى عليك أنّه يتوجه عليه أنّ الإجماع كيف يتحقق في المقام حتى يقول : إنّ الرواية لا تصادمه ، وكيف يتكلم على دعوى الشيخ الإجماع ، ولعلّ المحقق عنده فرق بين المواضع ، وهو أعلم بالحال.
قال :
فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن موسى بن سعدان ، عن الحسين بن أبي العلاء ، عن المثنى ، عن
__________________
(١) التهذيب ١ : ٢٠٣ / ٥٨٩ ، الوسائل ٣ : ٣٦٦ أبواب التيمم ب ١٤ ح ٣.
(٢) المختلف ١ : ٢٨٢.
(٣) المعتبر ١ : ٤٠٧ وهو في المقنعة : ٦١ والنهاية : ٤٨.
الحسن(١) الصيقل قال ، قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : رجل تيمم ثم قام فصلّى فمرّ به نهر وقد صلّى ركعة ، قال : « فليغتسل ويستقبل الصلاة » فقلت له : إنّه قد صلّى صلاته كلها ، قال : « لا يعيدها ».
فهذا الخبر يمكن حمله على أنّه كان قد دخل في الصلاة قبل آخر الوقت فوجب عليه أن يستأنف على ما قلناه ، ويحتمل أيضاً أن يكون محمولا على ضرب من الاستحباب.
السند :
فيه موسى بن سعدان ، والنجاشي ذكر موسى بن سعدان الحناط(٢) ، وأنّه ضعيف في مذهبه غلوّ(٣) ؛ والشيخ في الفهرست ذكره مهملا(٤) .
وأمّا الحسين بن أبي العلاء فقد قدمنا فيه قولا(٥) ، والحاصل أنّ النجاشي قال : الحسين بن أبي العلاء الخفاف أبو علي الأعور مولى بني أسد ، ذكر ذلك ابن عقدة ـ إلى أن قال ـ : وقال أحمد بن الحسينرحمهالله : هو مولى بني عامر وأخواه علي وعبد الحميد ، روى الجميع عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، وكان الحسين أوجههم(٦) .
وقد استفاد بعض توثيق الرجل من قول النجاشي : وكان الحسين أوجههم. لأنّ عبد الحميد ثقة ، والأوجه من الثقة يكون ثقة(٧) ؛ ولا يخلو
__________________
(١) في « فض » و « د » : الحسين.
(٢) في « فض » : الخياط.
(٣) رجال النجاشي : ٤٠٤ / ١٠٧٢.
(٤) الفهرست : ١٦٢ / ٧٠٣.
(٥) في ص ١٠٩.
(٦) رجال النجاشي : ٥٢ / ١١٧.
(٧) منهج المقال : ١١٠.
من تأمّل ، لأنّ الوجاهة لا تلازم الثقة(١) . أمّا احتمال أن يقال : إنّ القول بأنّ الحسين أوجههم يحتمل أن يكون من أحمد بن الحسين وهو ابن الغضائري وحاله غير معلوم ، ففيه : أنّ الظاهر من كلام النجاشي في ذكر قول أحمد إرادة أنّه ليس مولى بني أسد كما قاله ابن عقدة.
وقد حكى ابن داود في كتابه ما هذه صورته : وقد حكى سيدنا جمال الدينرحمهالله في البشرى تزكيته(٢) . ولا يخفى عليك حقيقة الحال.
أمّا المثنى ففيه اشتراك(٣) .
و [ الحسن(٤) ] الصيقل فيه جهالة.
المتن :
ما ذكره الشيخ فيه أوّلاً لا يتم ، لأنّ آخره يدل على أنّه لو وجد الماء بعد الفراغ لا يعيد ، فلو حمل على أنّه تيمم في أوّل الوقت كان اللازم الإعادة مطلقا.
وما ذكره ثانياً من الاستحباب غير واضح ، لأنّ الاستحباب إن أُريد به استحباب القطع بعد صلاة الركعة فالأخبار السابقة قد تضمن بعضها المضي بعد الركوع ، والشيخ فيما تقدم حمل الخبر على الاستحباب ، والظاهر منه الاستحباب فيما قبل الركوع ، وعلى مقتضى كلامه هنا أنّ القطع بعد الركوع أيضاً مستحب ، ولا يخلو من غرابة ، إلاّ أنّ التوجيه ممكن عند الشيخ ،
__________________
(١) في « رض » و « د » زيادة : ألا ترى أنّه قال : أوجه أخويه ، وفيهما غير ثقة.
(٢) رجال ابن داود : ٧٩ / ٤٦٨.
(٣) هداية المحدثين : ١٣٦.
(٤) في النسخ : الحسين ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ١٦٨ / ٥٨١.
وبالجملة فكلام الشيخ في الجمع لا يخلو من اضطراب ، والله تعالى أعلم بالصواب.
باب الرجل تصيب ثوبه الجنابة
ولا يجد الماء لغسله وليس معه غيره
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن محمد بن علي بن محبوب ، عن أحمد ، عن الحسين ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة ، قال : سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض فأجنب وليس عليه إلاّ ثوب فأجنب فيه وليس يجد الماء قال : « يتيمم ويصلي عريانا قائما يومئ إيماءً ».
فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن محمد بن عبد الحميد ، عن سيف بن عميرة ، عن منصور بن حازم ، قال : حدّثني محمد بن علي الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة وليس عليه إلاّ ثوب واحد وأصاب ثوبه مني ، قال : « يتيمم ويطرح ثوبه ويجلس مجتمعا فيصلّي فيومئ إيماءً ».
فالوجه في الجمع بين الخبرين أنّه إذا كان بحيث لا يرى أحد عورته صلّى قائماً ، وإذا لم يكن كذلك صلّى من قعود ، وقد روى الخبر الأوّل محمد بن يعقوب بإسناده وقد ذكرناه في كتابنا الكبير فقال : « يصلّي قاعداً » وعلى هذه الرواية لا تعارض بينهما على حال.
السند :
في الأوّل موثق على ما تقدم ، وأحمد فيه : ابن محمد بن عيسى ، والحسين : ابن سعيد ، والحسن : أخوه ، لأنّه يروي عن زرعة بواسطته ، والإضمار فيه لا يضرّ بالحال لو سلم من غيره كما سبق بيانه.
والثاني لا ارتياب فيه إلاّ من جهة محمد بن عبد الحميد ، فقد كرّرنا فيه ما حاصله أنّ النجاشي قال : محمد بن عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر ، روى عبد الحميد عن أبي الحسن موسى ، وكان ثقة من أصحابنا الكوفيين له كتاب نوادر(١) .
وقد توقف جدّيقدسسره في توثيق محمد من هذه العبارة لاحتمالها توثيق الأب(٢) ، ووافقه على ذلك شيخناقدسسره في فوائد الكتاب ، فقال : إنّ الرواية قاصرة السند بمحمد بن عبد الحميد فإنّ في توثيقه توقفاً.
والظن الغالب أنّ التوثيق لمحمد ، لأنّ العنوان له وإنّما ذكر الأب بالعارض ، ويؤيّده قوله : له كتب ، وقد سبق عن قريب ذكر هذا الاحتمال في محمد بن سماعة(٣) وإن كان الظن انتفاءه ، إلاّ أنّ شيخناقدسسره غير مرتاب في صحة تلك الرواية(٤) ، والعلّة واحدة ، وبالجملة فوقوع هذا من النجاشي كثير ، وقد أوضحت الحال فيه في مواضع.
وأمّا سيف بن عميرة فلا ارتياب فيه ، وقول محمد بن شهرآشوب :
__________________
(١) رجال النجاشي : ٣٣٩ / ٩٠٦.
(٢) حواشي الشهيد الثاني على الخلاصة : ٢٢.
(٣) في ص ٨٠٣.
(٤) المدارك ٢ : ٢٤٥.
إنّه واقفي(١) ، لا يثبت حكماً مع عدم معلومية حال الجارح.
المتن :
في الأوّل ظاهر الدلالة على الصلاة عرياناً ( قائماً بالإيماء )(٢) ، والثاني : موافق له في نزع الثوب والإيماء ومخالف له من جهة الجلوس على رواية الشيخ ، وما أشار إليه من رواية محمد بن يعقوب فقد رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن يعقوب ، عن جماعة ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن أخيه الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة ، وذكر المتن بمغايرة سهلة ، إلى أن قال : « ويصلّي عرياناً قاعداً ويومئ »(٣) .
وما قاله الشيخ في الجمع بين الخبرين لم يذكر ما يدل عليه ، وبدونه قد يتوجه احتمال التخيير بين القيام والجلوس على تقدير عدم الرواية ، على أنّ عدم تعرضه لبيان عدم الالتفات إلى رواية الكليني غير ظاهر الوجه.
وقد روى في زيادات الصلاة من التهذيب ما يدل على التفصيل الذي ذكره ، فالعجب من عدم تعرّضه له ، وهو : ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن مسكان ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : في الرجل يخرج عريانا فتدركه الصلاة ، قال : « يصلّي عرياناً قائماً إن لم يره أحد ، فإن رآه أحد صلّى جالساً »(٤) .
__________________
(١) معالم العلماء : ٥٦.
(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٣) التهذيب ٢ : ٢٢٣ / ٨٨١ ، الوسائل ٣ : ٤٨٦ أبواب النجاسات ب ٤٦ ح ١.
(٤) التهذيب ٢ : ٣٦٥ / ١٥١٦ ، الوسائل ٤ : ٤٤٩ أبواب لباس المصلي ب ٥٠ ح ٣.
ولا يخفى حال سند الحديث ، فإثبات تعيّن القيام مع الأمن من المطّلع مشكل بعد صحة رواية محمد(١) الحلبي.
ويؤيّدها ما رواه الشيخ في زيادات الصلاة من التهذيب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة قال ، قلت لأبي جعفرعليهالسلام : رجل خرج من سفينة عرياناً أو سلب ثيابه ولم يجد شيئاً يصلّي فيه ، فقال : « يصلّي إيماءً ، وإن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها ، وإن كان رجلاً وضع يده على سوأته ثم يجلسان فيومئان إيماءً ، ولا يركعان ولا يسجدان » الحديث(٢) . ونحوه ( من الأخبار )(٣) .
وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ المنقول عن الشيخ القول بأنّ من ليس معه إلاّ ثوب واحد نجس وتعذّر تطهيره ينزعه ويصلّي عرياناً مومئاً(٤) ، وأنّه استدل بهاتين الروايتين. وينقل عن ابن الجنيد أنّ الصلاة في الثوب أحبّ إليه من الصلاة عرياناً(٥) . وعن المعتبر والمنتهى التخيير من غير ترجيح(٦) .
وفي المختلف : لو كان معه ثوب واحد وأصابه نجاسة ولم يتمكّن من غسله نزعه وصلّى عرياناً ، فإن لم يتمكن من نزعه صلّى فيه ، فاذا وجد الماء غسله ، وهل يعيد الصلاة أم لا؟ قال الشيخ يعيد ، إلى آخره(٧) .
__________________
(١) لفظة : محمد ، ليست في « رض ».
(٢) التهذيب ٢ : ٣٦٤ / ١٥١٢ ، الوسائل ٤ : ٤٤٩ أبواب لباس المصلي ب ٥٠ ح ٦.
(٣) في « فض » و « د » : أيضاً من أخبار.
(٤) نقله عنه في المنتهى ١ : ١٨٢ وهو في المبسوط ١ : ٣٨ ، والخلاف ١ : ٣٩٨ ، والنهاية : ٥٥.
(٥) نقله عنه في المختلف ١ : ٣٣٠.
(٦) نقله عنهما في المدارك ٢ : ٣٦٠ وهو في المعتبر ١ : ٤٤٥ ، والمنتهى ١ : ١٨٢.
(٧) المختلف ١ : ٣٢٨.
وهذا الكلام يعطي أنّ الخلاف في إعادة الصلاة ، لكنّه نقل بعد هذا ما ذهب إليه في المنتهى من التخيير.
قال :
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، عن أبان بن عثمان ، عن محمد الحلبي ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره قال : « يصلّي فيه إذا اضطرّ إليه ».
وقد روى علي بن جعفر ، عن أخيه [ موسىعليهالسلام (١) ] قال : سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فأصاب ثوباً نصفه دم أو كلّه ، يصلّي فيه أو يصلي عرياناً ، فقال : « إن وجد ماءً غسله ، وإن لم يجد [ ماءً(٢) ] صلّى فيه ولم يصلّ عرياناً ».
وروى سعد بن عبد الله ، عن أبي جعفر ، عن علي بن الحكم ، قال ، سألته عن الرجل يجنب في ثوب وليس معه غيره ولم يقدر على غسله ، قال : « يصلّي فيه ».
فلا تنافي بين هذه الأخبار وبين الأخبار الأولة ، لأنا نحمل هذه الأخبار على حال لا يمكن نزع الثوب فيها من ضرورة ، ومع ذلك إذا تمكّن من غسل الثوب غسله وأعاد الصلاة ، يدل على ذلك :
ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار
__________________
(١) ما بين المعقوفين أثبتناه من الاستبصار ١ : ١٦٩ / ٥٨٥.
(٢) زيادة من الاستبصار ١ : ١٦٩ / ٥٨٥.
الساباطي ، عن أبي عبد الله عليهالسلام : أنّه سئل عن رجل ليس عليه إلاّ ثوب ولا يحل له الصلاة فيه وليس يجد ماءً يغسله كيف يصنع؟ قال : « يتيمم ويصلي فإذا أصاب ماءً غسله وأعاد الصلاة ».
السند :
في الأوّل القاسم بن محمد وقد تكرر فيه القول بأنّه الجوهري(١) ، لأن الراوي عنه الحسين بن سعيد في رجال الشيخ فيمن لم يرو(٢) ، والحاصل أنّ الرجل مذكور مهملاً في النجاشي(٣) . والشيخ قال : إنّه واقفي في رجال الكاظمعليهالسلام من كتابه(٤) ، مع أنّه ذكره في من لم يرو مهملا ، وربما يعطي ذلك التعدد ، وأنّ الواقفي غير من يروي عنه الحسين ، إلاّ أنّ الاعتبار في كتاب الشيخ لا يساعد على هذا بل ينفيه ، وحال الشيخ في الرجال لا يخلو من غرابة.
وفي الكشي قال نصر بن الصباح : القاسم بن محمد الجوهري لم يلق أبا عبد الله وهو مثل ابن أبي غراب قالوا : إنّه كان واقفيا(٥) . ونصر بن الصباح ضعيف في الرجال(٦) ، وعلى تقدير الاعتماد عليه فالقائلون بالوقف غير معلومين ، ولعلّ الشيخ استفاد ما قاله من موضع آخر ، والإهمال فيه غير بعيد لما سمعته من كلام النجاشي ، والعلاّمة في الخلاصة جزم بأنّه
__________________
(١) راجع ص ١٢٩ ، ٣٩٦ ، ٢٠٧ ، ٥٣١.
(٢) رجال الطوسي : ٤٩٠ / ٥.
(٣) رجال النجاشي : ٣١٥ / ٨٦٢.
(٤) رجال الطوسي : ٣٥٨ / ١.
(٥) رجال الكشي ٢ : ٧٤٨ / ٨٥٣.
(٦) راجع رجال النجاشي : ٤٢٨ / ١١٤٩ ، ورجال ابن داود : ٢٨٢ / ٥٣٢.
واقفي لم يلق أبا عبد الله(١) ، وهو أعلم بالحال.
والثاني : لا ارتياب فيه ، لأنّ طريق الشيخ إلى علي بن جعفر في المشيخة عن الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن العمركي ، عن علي بن جعفر(٢) . والعجب من شيخنا في فوائد الكتاب أنّه قال : رواية علي بن جعفر وإن كانت مرسلة هنا لكنها مروية في الفقيه بطريق صحيح.
والثالث : لا ارتياب فيه أيضاً ، لأنّ أبا جعفر هو أحمد بن محمد بن عيسى ، وعلي بن الحكم هو الثقة بتقدير الاشتراك لرواية أحمد عنه كما في النجاشي(٣) .
فإن قلت : ما وجه الاعتماد على كون أبا جعفر هو أحمد بن محمد ، فإنّ رواية سعد عن أبي جعفر غيره موجودة ، ففي الكافي في باب مولد الصادقعليهالسلام سعد بن عبد الله ، عن أبي جعفر محمد بن عمرو بن سعيد(٤) .
قلت : قد صرّح العلاّمة في فوائد الخلاصة بما ذكرناه(٥) ، والاعتبار والتتبع في كلام الشيخ يفيد الظن بذلك ، وما ذكرته عن الكافي يوجب الريب في كلام غير الشيخ ، على أنّ ما وقع في الكافي لا يخلو من شيء ذكرته في حاشية التهذيب.
ثم إنّ في سند الرواية هنا نوع نقص ، لأنّ الشيخ رواها في التهذيب
__________________
(١) الخلاصة : ٢٤٧ / ١.
(٢) مشيخة الاستبصار ( الاستبصار ٤ ) : ٣٤٠.
(٣) رجال النجاشي : ٢٧٤ / ٧١٨.
(٤) الكافي ١ : ٤٧٥ / ٨.
(٥) الخلاصة : ٢٧١ ، الفائدة الثانية.
عن علي بن الحكم ، عن أبان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، عن أبي عبد الله قال : سألته.(١) ، والنسخ التي رأيتها اشتملت على ما كتبته(٢) .
والرابع : موثق تكرّر فيه القول.
المتن :
ما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من بُعد بالنسبة إلى الثاني ، أمّا الأوّل فهو صريح في الاضطرار ، إلاّ أنّه مجمل في محلّه ، إذ يحتمل الاضطرار إليه في اللبس لبرد ونحوه ، أو اضطرّ إليه لعدم وجود غيره ، والشيخ كما ترى حمله على الاضطرار إلى اللبس ، وسيأتي من الشيخ في باب عرق الجنب نقل الرواية بطريق لا ريب فيه(٣) .
ومتنه : قال ، قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : رجل أجنب في ثوبه ولم يكن معه ثوب غيره قال : « يصلّي فيه فإذا وجد ماءً غسله »(٤) .
وغير بعيد أن يكون محمد الحلبي نقل الأمرين ، إذ من المستبعد ( اختلاف المتن )(٥) بمثل هذا ، فما قاله شيخناقدسسره في فوائد الكتاب : من أنّ الشيخ أورد رواية الحلبي في باب عرق الجنب بسند صحيح ومتنها أوضح ممّا نقله هنا. لا يخلو من شيء.
ثم إنّ مدلول صحيح علي بن جعفر النهي عن الصلاة عارياً ، وبتقدير الحمل على الضرورة فالنهي على حقيقته ، أمّا على تقدير العمل بظاهره
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٢٢٤ / ٨٨٥ ، الوسائل ٣ : ٤٨٥ أبواب النجاسات ب ٤٥ ح ٦.
(٢) في « فض » : كتبه.
(٣) يأتي في ص ٢٨٦ ٢٨٨.
(٤) التهذيب ١ : ٢٧١ / ٧٩٩ ، الوسائل ٣ : ٤٤٧ أبواب النجاسات ب ٢٧ ح ١١.
(٥) في « رض » : خلاف الأمرين.
نظراً إلى عدم صحة المعارض إن لم يثبت توثيق محمد بن عبد الحميد ، فالنهي محمول على غير ظاهره ، إذ الإجماع مدعى على جواز الصلاة عارياً(١) ، وإن كان في مثل هذا الإجماع كلام.
فإن قلت : كيف يدّعى الإجماع والمنقول عن ابن الجنيد لا يوافق ذلك(٢) .
قلت : الظاهر أنّ مراد ابن الجنيد بكون الصلاة فيه أحب إليه : الاستحباب ، فلا ينافي جواز الصلاة عارياً وإن احتمل أن يريد بالأحب الفتوى بالتعين. هذا.
وللشيخ في التهذيب بعد نقل الأخبار المذكورة كلام في الجمع لا يخلو من غرابة ، والحاصل منه أنّه جعل وجه الجمع إمّا الحمل على صلاة الجنازة أو على دم السمك في خبر علي بن جعفر(٣) ، ومثل هذا لا ينبغي ذكره في كتب الحديث.
ولعلّ الأولى من الشيخ هنا ، أن يذكر خبر محمد بن علي الحلبي دليلاً على الجمع الذي ذكره ، لأن الظاهر من الضرورة ذلك.
وأمّا إعادة الصلاة فالخبر الذي ذكره دليلاً لو صلح للاعتماد أمكن حمله على مورده من إعادة المتيمم ، وظاهر الشيخ كما ترى إعادة المتيمم وغيره ممّن صلّى في النجس ، وكأنّه لما اعتمد على الأخبار الدالة على عدم إعادة المتيمم ( من حيث هو )(٤) إلاّ في بعض الصور ، والنص مطلق ، فلا بدّ
__________________
(١) الخلاف ١ : ٣٩٨.
(٢) راجع ص ٨١٤.
(٣) التهذيب ٢ : ٢٢٤.
(٤) ما بين القوسين ليس في « رض » و « د ».
من حمل الإعادة على جهة نجاسة الثوب.
وربما يقال : إنّ الإعادة على الاستحباب في المتيمم ، لمعارضة الأخبار فلا ينحصر الأمر في النجاسة ( أو على الاستحباب من جهة النجاسة )(١) لكن هذا لا يخلو من إشكال ، لأنّ الكلام بتقدير العمل بالخبر ، ومعه لا معارض له يقتضي الاستحباب. وكون الأمر يقتضي الإجزاء وقد وجد الأمر بالصلاة فيه بل النهي عن الصلاة عارياً لا ينافي ثبوت الإعادة بدليل آخر.
وما قاله في المختلف ـ من الاستدلال لعدم الإعادة بأنّه أتى بالمأمور به على وجهه ـ(٢) لا ريب فيه إذا لم نعمل بالرواية.
والحق أنّ الرواية الثانية عن علي بن جعفر فيها دلالة على عدم وجوب إعادة الصلاة حيث لم يذكر بعد وجود الماء إلاّ غسل الثوب ، فلو كانت الإعادة واجبة لتعيّن ذكرها ، وحينئذ فحمل خبر عمّار على الاستحباب واضح ، والعلاّمة في المختلف تكلّف في الاستدلال على سقوط الإعادة بعد ما نقلناه ، لا حاجة إلى نقله.
قوله :
باب كيفية التيمم
أخبرني الشيخ رحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد الله عليهالسلام أنّه سُئل عن التيمم
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٢) المختلف ١ : ٣٢٨.
فتلا هذه الآية :( وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) (١) وقال :( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) (٢) امسح على كفيك من حيث موضع القطع ، وقال تعالى( وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) (٣) ».
وبهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى(٤) ، عن محمد بن الحسين ، عن صفوان ، عن الكاهلي ، قال : سألته عن التيمم ، قال : فضرب بيده على البساط فمسح بها وجهه ثم مسح كفّيه إحداهما على ظهر الأُخرى.
الحسين بن سعيد ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، قال : سألت أبا جعفرعليهالسلام عن التيمم ، فضرب بيديه الأرض ثم رفعهما فنفضهما ثم مسح بهما جبهته وكفّيه مرّة واحدة.
أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن داود بن النعمان ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن التيمم فقال : « إنّ عماراً أصابته جنابة فتمعّك (٥) كما تتمعّك الدابّة ، فقال له رسول الله صلىاللهعليهوآله وهو يهزأ به يا عمار تمعّكت كما تتمعّك الدابّة » فقلنا له : فكيف التيمم؟ فوضع يديه على الأرض ثم رفعهما فمسح وجهه ويديه فوق الكفّ قليلا.
السند :
في الأوّل : واضح الحال بالإرسال ، والإجماع المنقول في الكشي
__________________
(١) المائدة : ٣٨.
(٢) المائدة : ٦.
(٣) مريم : ٦٤.
(٤) في الاستبصار ١ : ١٧٠ / ٥٨٩ : عيسى.
(٥) تمعك : أي جعل يتمرغ في التراب مجمع البحرين ٥ : ٢٨٨ ( معك ).
على تصحيح ما يصح عن حماد(١) بتقدير الاعتماد على إبراهيم بن هاشم قد تكلّمنا عليه في أوّل الكتاب(٢) .
والثاني : فيه الكاهلي وبسببه يدخل في الحسن ، لأنّ المعروف منه عند الإطلاق عبد الله بن يحيى كما ذكر في الرجال(٣) ، وقد قال النجاشي : إنّه كان وجهاً عند أبي الحسنعليهالسلام . وهذه اللفظة من ألفاظ الحسن في اصطلاح المتأخّرين ، وزاد في النجاشي أنّ أبا الحسنعليهالسلام وصلّى به علي ابن يقطين فقال : « أضمن لي الكاهلي وعياله أضمن لك الجنة »(٤) .
والعلاّمة في الخلاصة نقل عبارة النجاشي ، وزاد فيها : فلم يزل علي بن يقطين يجري لهم الطعام والدراهم وجميع النفقات مستغنين حتى مات الكاهلي ، ثم قال العلاّمة : ولم أجد ما ينافي مدحه(٥) .
والزيادة المذكورة من العلاّمة مروية مع الأصل في الكشي عن حمدويه بن نصير ، قال : حدثني محمد بن عيسى ، قال : زعم ( ابن أخي )(٦) الكاهلي أنّ أبا الحسنعليهالسلام قال لعلي بن يقطين : « اضمن لي الكاهلي وعياله أضمن لك الجنة » فزعم ابن أخيه أنّ عليّاً لم يزل يجري عليهم(٧) .
__________________
(١) رجال الكشي ٢ : ٦٧٣ / ٧٠٥.
(٢) راجع ص ٣١.
(٣) كما في رجال الكشي ٢ : ٧٠٤ / ٧٤٩ ، ورجال ابن داود : ١٢٥ / ٩١٨ ، والخلاصة : ١٠٨ / ٣١.
(٤) رجال النجاشي : ٢٢١ / ٥٨٠.
(٥) الخلاصة : ١٠٩.
(٦) ما بين القوسين ليس في المصدر.
(٧) رجال الكشي ٢ : ٧٤٥ / ٨٤١.
ولا يخفى اشتمال السند على ابن أخيه وهو غير معلوم الحال ، ولعلّ النجاشي علم حاله أو أخذها من غير السند.
أمّا العلاّمة فأمره مضطرب ، وربما يصف بعض روايات فيها الكاهلي بالصحة في المختلف(١) ، إلاّ أن يريد الصحة الإضافية ، والموجود فيها الكاهلي في غير الأخير من الرواة لا أعلمه الآن.
والثالث : موثق.
والرابع : فيه داود بن النعمان ، والعلاّمة في الخلاصة قال فيه : ثقة عين(٢) ، قال الكشي : عن حمدويه عن أشياخه أنّه خير فاضل(٣) .
والمعهود من العلاّمة أنّه كثيراً ما ينقل عبارة النجاشي ، ولم نجد في النسخ الموجودة الآن لفظ « ثقة » بل قال : داود بن النعمان أخو علي بن النعمان ، وداود الأكبر روى عن أبي الحسن موسى ، وقيل : أبي عبد الله(٤) .
ولو لا نقله كلام الكشي لأمكن أن يكون استفاد التوثيق من قوله : خير فاضل ، فقد عدّ بعض أهل الدراية من ألفاظ التعديل هذين اللفظين(٥) ، وإن كان فيه كلاما.
وإسناد ذلك إلى أشياخ حمدويه لا يضر لأنّ الإضافة فيهم تفيد العموم وفيهم من هو ثقة لولا ما قدمناه.
وبالجملة : فالمكتفون بتعديل العلاّمة جازمون بصحة الخبر ، فليتأمّل.
__________________
(١) المختلف ٢ : ٥٢٧.
(٢) الخلاصة : ٦٩ / ٦.
(٣) رجال الكشي ٢ : ٨٧٠ / ١١٤١.
(٤) رجال النجاشي : ١٥٩ / ٤١٩.
(٥) منهم الشهيد الثاني في الدراية : ٧٧.
المتن :
في الأوّل : كما ترى يدل بظاهره على أنّ المسح في التيمم من موضع القطع ، والمعروف بين الأصحاب أنّ القطع من الأصابع ، على أنّ ظاهر الرواية أيضاً أنّ المسح على الكفّ من حيث موضع القطع ، وظاهر الآية أنّ اليد اسم للأصابع في السرقة ، فالكلام غير منتظم على ما أفهمه ، وقد يمكن التوجيه بأنّ الكفّ تعمّ الأصابع بنوع توجيه ، فإذا ثبت مسح الأصابع سهل الأمر ، إلاّ أنّ هذا غير معروف بين المتأخّرين.
نعم نقل ابن إدريس عن بعض الأصحاب أنّ المسح من أصول الأصابع إلى رُؤوسها(١) ، وفي الخبر دلالة عليه لولا الإرسال ، والعجب من الشيخ حيث لم يتعرض للحديث ، مع أنّ ظاهره المنافاة في الجملة ، ولكن غير العامل به في راحة من تكلّف التوجيه.
أمّا قوله( وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) (٢) فالظاهر أنّ الإتيان به لبيان أنّ جميع الأحكام مذكورة في القرآن ، فكما أنّ اليد المذكورة في التيمم مجملة يظن منها الإحالة على يد الوضوء فتمسح من المرافق ، محتملة لأن تكون محالة على يد السرقة ، غاية الأمر أنّ الاحتمال أيضاً يوجب الإجمال ، والبيان موكول لأهله أصحاب العصمةعليهمالسلام ، فأراد الإمام إن كان ذلك من قوله التنبيه على أنّ اليد لها إطلاقات ، فلا تتعين إرادة اليد المذكورة في الوضوء.
وقد يحتمل الخبر أن يكون المراد به أنّ اليد تستعمل في معان ، ففي
__________________
(١) السرائر ١ : ١٣٧.
(٢) مريم : ٦٤.
الوضوء إلى المرافق ، وفي السرقة إلى الكفّ ، وفى التيمم نفس الكف ، فيكونعليهالسلام أراد تفسير اليد المذكورة في القرآن ، فيد التيمم غير يد السرقة وغير يد الوضوء ، ولعلّ هذا الاحتمال لا بعد فيه إذا تأمّل المتأمّل الرواية ، إلاّ أنّ المعروف من المسح في التيمم من الزند ، وظاهر الرواية البدأة من موضع القطع ، فالمخالفة موجودة في الرواية على كل حال.
والثاني : قد تضمن ضرب يدهعليهالسلام على البساط وفيه دلالة على قول من اعتبر الضرب دون الوضع ، ولا يشكل الحال في الضرب على البساط وليس بأرض ، لاحتمال أن يكون هذا للتعليم لا لكونه عبادة ، ولا يضر وقوع صورة العبادة على غير وجهها بتقدير الاعتماد على الحديث ، واحتمال أن يقال : إنّ البساط لا يخلو من غبار ، غير نافع ؛ لأنّهعليهالسلام لم يكن في حالة تسوِّغ له التيمم ، مضافاً إلى اشتراط الغبار بما تقدم ، وبالجملة فهذا لا وجه له.
وما تضمنه من اعتبار مسح الوجه أحد الأقوال للأصحاب(١) ، إلاّ أنّه بمعارضة ما دل على الجبهة حُمل على الاستحباب(٢) ، وقد يقال : إنّ المناسب التخيير لمقام التعليم ، فتأمّل.
فإن قلت : الحامل لِما دل على الوجه على الاستحباب لا بدّ من قوله بأنّه أفضل الفردين الواجبين ، وهو معنى التخيير الذي ذكرته.
قلت : الفرق بينهما أنّ اعتبار الجبهة فقط يقتضي قصد الوجوب بمسحها ، وبقية الوجه مستحبة محضة ، هذا على احتمال الاستحباب ، وأمّا على التخيير فجميع الوجه يقصد به أنّه فرد الواجب لكنّه الأكمل ، وهذا
__________________
(١) حكاه عن علي بن بابويه في المختلف ١ : ٢٦٧.
(٢) مدارك الأحكام ٢ : ٢٢١.
الفرق وإن كان محلّ تأمّل إلاّ أنّ له نوع وجه.
وقد اتفق لشيخناقدسسره في المدارك أنّه بعد ذكر الروايات الدالة على مسح الوجه ، قال : وبهذه الروايات أخذ علي ابن بابويه ، ويمكن الجواب بالحمل على الاستحباب ، أو على أنّ المراد بالوجه مسح بعضه ، قال في المعتبر : والجواب الحق العمل بالخبرين ، فيكون مخيّراً بين مسح الوجه وبعضه(١) . انتهى.
وأنت خبير بأن هذا الكلام من شيخناقدسسره لا يخلو من إجمال ؛ لأن الاستحباب إن كان هو ما ذكره المحقِّق في المعتبر من التخيير(٢) ، ففيه مع كونه خلاف الظاهر احتمال الفرق ، وإن كان غيره ففيه أنّ الاستحباب في مسح الوجه لا بدّ من بيانه بأيّ معنى ، فإنّ استحباب جميع الوجه من أوّل الأمر هو أحد فردي المخير ، ومسح الوجه بعد مسح الجبهة بقصد الوجوب والباقي بقصد الاستحباب موقوف على الدليل ، وأين ما يدل على هذا التفصيل؟ والحق أنّ التخيير أقرب إلى الاعتبار.
وأمّا ما قيل : من أنّ ما دل على مسح الجبينين يحمل على الاستحباب(٣) ، كالخبر الآتي في الباب الذي بعد هذا ، نظراً إلى ما دل على الجبهة كالخبر المبحوث عنه.
ففي نظري القاصر أنّه غير تامّ ؛ لأنّ الاستحباب في هذا المقام لا وجه له ، إذ الفرد الكامل لا يتحقق من حيث إنّ الجبينين لا يتناولان الجبهة ، بخلاف الوجه ، واستحباب غير الفرد الكامل لا معنى له ، إذ لم يتحقق
__________________
(١) المدارك ٢ : ٢٢١.
(٢) المعتبر ١ : ٣٨٦.
(٣) روض الجنان : ١٢٦.
واجب يكون غيره مستحباً معه في الخبر الدال على الجبينين كما ستسمعه ، فالأولى أن يقال بالتخيير في الجمع.
فإن قلت : يجوز أن يكون مسح الجبينين فرداً كاملاً وإن لم يدخل فيه الجبهة.
قلت : لا ريب في الجواز إنّ تحقق ما يدل على كماله ، والكلام فيه ، وبالجملة فالمقام من مزالّ الأقدام.
فإن قلت : ما أشرت إليه من دلالة الخبر على الضرب له شواهد من الأخبار ، كما أنّ ما دل على الوضع موجود كما يأتي في خبر داود فكيف التوفيق؟.
قلت : قد ذكر شيخناقدسسره في المدارك بعد ذكر ما دل على الضرب ما هذا لفظه : ولا ينافي ذلك ما ورد في بعض الأخبار المتضمنة لوصف تيمم النبيصلىاللهعليهوآله ، من أنّه أهوى بيديه إلى الأرض فوضعهما على الصعيد ، لأنّ الفعل
المثبت لا عموم له كما حُقّق في محله ، ولو ثبت إفادته العموم لوجب حمله على الخاص جمعاً بين الأدلة(١) . انتهى.
وقد ذكرت ما يتوجه على الجواب في موضع آخر ، والحاصل أنّ عدم عموم الفعل المثبت في هذا المقام إن أُريد به الاختصاص بالنبيصلىاللهعليهوآله فهو معلوم الانتفاء ، ولا دخل له بعدم العموم على تقدير الاختصاص ، وإن أُريد به أنّه لا يعم الأوقات فالإشكال بحاله ، ولو أُريد أنّ التأسّي لا يجب فهو أمر آخر.
وبالجملة فإلى الآن لم أفهم حقيقة هذا الكلام ، على أنّه سيأتي في
__________________
(١) المدارك ٢ : ٢١٨.
خبر داود بن النعمان أنّ الإمامعليهالسلام وضع يده(١) ، والاقتصار على فعل النبي وأنّه فعل مثبت لا وجه له ، إلاّ أن يقال : إنّ فعل الإمامعليهالسلام كذلك ، وفي الظن أنّ فعلهعليهالسلام دليل على الجواز ، فإن لم يثبت وجوب التأسي فهو مستحب ، والمنافاة لما دل على تعيّن الضرب حاصلة.
نعم يظهر من كثير من الأخبار إطلاق الضرب على الوضع كما في حديث اغتسال النبيصلىاللهعليهوآله ( مع بعض نسائه(٢) ، أمّا اكتفاء الشهيدرحمهالله بمسمى الوضع وإن [ لم ] يكن معه اعتماد ، لحصول الغرض بقصد الصعيد(٣) )(٤) . لا يخلو من بُعد بعد دلالة الأخبار على الضرب ، وهو الوضع المشتمل على الاعتماد كما قيل(٥) ، وإن كان في البين تأمّل ؛ لعدم ثبوت ما ذكر ، ووجود الوضع في بعض الأخبار ، والاحتياط مطلوب.
وما تضمنه الخبر من قوله : « ثم مسح كفّيه إحداهما على ظهر الأُخرى » قد يدل على أنّ المسح ببطن الكفّ على ظهر الأُخرى لأنّه المتبادر وإن احتمل غيره ، والظاهر أنّ المراد من الرواية بطن كل كفّ على ظهر الأُخرى وإن احتمل غيره أيضا ، قيل : إنّ ظاهر كلامهم أنّ ذلك مجمع عليه من(٦) أنّ محل المسح في الكفّين ظهورهما لا بطونهما(٧) .
ولا يخفى عدم منافاته لعلوق شيء من التراب كما يدل عليه خبر
__________________
(١) يأتي في ص ٨٣٥.
(٢) الفقيه ١ : ٢٣ / ٧٢ ، الوسائل ٢ : ٢٤٣ أبواب الجنابة ب ٣٢ ح ٤.
(٣) الذكرى : ١٠٨.
(٤) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٥) قال به في المدارك ٢ : ٢١٧.
(٦) في النسخ زيادة : على.
(٧) قال به في المدارك ٢ : ٢٢٦.
زرارة المتقدم في باب الوضوء. فما قاله شيخناقدسسره من [ أنّ ] استحباب النفض يدل على عدم اشتراط علوق شيء من التراب(١) . محل بحث.
( ومن هنا يعلم أنّ قول شيخناقدسسره : إنّ رواية الكاهلي تدل على مسح الظهور ، لا البطون(٢) . محل كلام.
وما تضمنه الخبر الثالث من النفض على الاستحباب في المشهور ، بل ظاهر المنتهى أنّه إجماعي(٣) )(٤) .
ودلالة الخبر على الجبهة ظاهرة ، وهي على ما ذكره الأصحاب الذين رأينا كلامهم من قصاص شعر الرأس إلى طرف الأنف(٥) ، واعتبار الأعلى يمكن توجيهه بأنّ الأخبار تضمنت الجبهة والجبينين والوجه ، فإدخال الأنف بخصوصه لا وجه له.
ونقل شيخناقدسسره عن الشهيد في الذكرى أنّه قال بعد أن فسّر الجبهة : وهذا القدر متفق عليه بين الأصحاب ، وأوجب الصدوق في الفقيه مسح الجبينين والحاجبين أيضاً ، وقال أبوه بمسح الوجه بأجمعه(٦) . انتهى.
ولا أدري تمام كلام الشهيد ما هو ، وعلى كل حال لا يخلو من خلل بعد ما قدمناه من التخيير ، فإنّه قول منقول ، إلاّ أن يقال : إنّ التخيير لا ينافي
__________________
(١) المدارك ٢ : ٢١٨.
(٢) المدارك ٢ : ٢٢٦.
(٣) المنتهى ١ : ١٤٧.
(٤) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٥) منهم العلاّمة في التذكرة ٢ : ١٩٠ ، والشهيد الأول في الدروس ١ : ١٣٢ ، وصاحب المدارك ٢ : ٢١٩.
(٦) المدارك ٢ : ٢١٩ وهو في الذكرى : ١٠٨ ، والفقيه ١ : ٥٧ وحكاه عن والد الصدوق في المختلف ١ : ٢٦٧.
الاتفاق على وجوب مسح الجبهة فيراد بوجوب مسحها إمّا منفردة أو مع غيرها ، وعلى تقدير الانفراد إما لتعيّنها أو لكونها أحد الفردين ، وفيه ما فيه.
ولا يخفى أنّ إطلاق الخبر في مسح الجبهة باليدين ومسح الكفّين من دون تقيد بالبطن يمكن تقييده بغيره في الكفّين.
وما تضمنه الخبر الرابع من قصة عمار كثيراً ما كنت أتفكر في وجهه ، إذ العمل من مثل عمار بالحكم الشرعي من دون اجتهاد أو نقل لا يخلو من غرابة ، وقد وجدت بعض أهل الخلاف ذكر ذلك في شرح أحاديثهم ، ووجّهه أنّه عمل بالقياس(١) ، لكن الاستهزاء به يضرب وجوه العاملين بالقياس ، ولهم في التسديد كلام ذكرته في معاهد التنبيه على نكت من لا يحضره الفقيه ، أمّا عند الأصحاب بعد نفيهم القياس لا بد من توجيه قصة عمار ، ولم أر ذلك في كلام أحد.
ولا يخفى دلالة ظاهر الرواية على أنّ التيمم بدلاً من الجنابة يكفي فيه ضربة واحدة ، وقد اتفق للعلاّمة في المختلف كلام في هذه الرواية أراد به نفي دلالتها على الضربة الواحدة في التيمم بدلاً عن الغسل ، لكنّه نقلها على ما رواه زرارة ، ومتنها عن الباقرعليهالسلام : وقد ذكر التيمم وما صنع عمار ، فوضع أبو جعفرعليهالسلام كفّيه على الأرض ثم مسح وجهه وكفّيه ولم يمسح الذراعين بشيء(٢) .
وقد ذكرت ذلك مفصلاً في محل آخر ، وحاصل كلامه أنّ الإمامعليهالسلام بيّن كيفيّة التيمّم ومسحه وحدّ أعضائه ، كما يدل عليه سياق الرواية من
__________________
(١) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ١ : ٣٧٠ ، ٣٧١ ، عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ٤ : ١٩.
(٢) الوسائل ٣ : ٣٥٩ أبواب التيمّم ب ١١ ح ٥.
قوله : ولم يمسح الذراعين بشيء ، وإذا سيق لهذا وجب بيانه خاصّة وأهمل عدد الضربات ، ومع ذلك فليس في الحديث أنّه اقتصر على ضربة واحدة أو ضربتين ، ولا دلالة فيه على أنّ التيمم الذي وصفه بدل من الوضوء أو الغسل ، وذكر قصة عمار لا تدل على إرادة بيان أنّه بدل من الغسل ، لاحتمال ذكر القصة ثم سُئل عن كيفية التيمم مطلقا أو الذي هو بدل من الوضوء(١) . انتهى.
وأنت خبير بما في هذا الكلام من التعسف ، وليت شعري لم لا يتتبّع الرواية ( ليعلم كيفية نقلها في البعض كما في رواية داود المبحوث عنها ، [ نعم احتمال(٢) ] ، إرادة السؤال عن مطلق التيمم )(٣) ممكن لكن يضر بحال مطلوبه من التعدد في التيمم بدلاً من الغسل.
وبالجملة : فإنكار دلالة الرواية على أنّ الواجب ضربة واحدة في التيمم بدلا من الغسل لا يخرج عن ربقة المجازفة.
وما تضمنه الخبر من مسح اليد فوق الكف قليلاً عليه اعتماد جماعة من الأصحاب ، وقد عبّروا بمسح اليد من الزند(٤) وهو بفتح الزاي مَوصِل الكفّ في الذراع ، وقد تقدم القول في المنقول من ابن إدريس(٥) ، وسيأتي غيره أيضاً ، هذا.
والمعروف في كلام من رأينا كلامه من الأصحاب ، أنّ الضرب
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٧٣.
(٢) ما بين المعقوفين أثبتناه لاستقامة العبارة.
(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٤) منهم الصدوق في الفقيه ١ : ٥٧ والعلاّمة في المختلف ١ : ٢٧٣ ، وصاحب المدارك ٢ : ٢٢٢.
(٥) في ص ٨٢٢.
باليدين معاً(١) ، بل ادّعى شيخناقدسسره أنّه إجماعي(٢) ، والروايات المبحوث عنها كما ترى فيها : فضرب بيده ، ووضع يده ، وفي غيرها من الأخبار كما يأتي : تضرب كفيك ، وضرب بيده ، ويمكن الجمع بتقدير الإجماع بأن يحمل المطلق على المقيد.
أمّا توجيه بعض الأفاضل للضرب باليدين بأن النية لما كانت مقارنة للضرب فلا بد من الضرب بهما لأنّ المتأخّرة لم تقع لها النيّة(٣) . ففيه ما لا يخفى.
قال :
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال : سألته كيف التيمم؟ فوضع يده على الأرض فمسح بها وجهه وذراعيه إلى المرفقين.
فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على ضرب من التقية لأنّه موافق لمذاهب العامة ، وقد قيل في تأويله : إنّ المراد به الحكم لا الفعل لأنّه إذا مسح ظاهر الكف فكأنّه غسل ذراعيه في الوضوء ، فيحصل له بمسح الكفّين في التيمم حكم غسل الذراعين في الوضوء.
السند :
في الخبر واضح بعد ما قدّمناه.
__________________
(١) منهم الشهيدان في الذكرى : ١٠٧ وروض الجنان : ١٢٤ والأردبيلي في مجمع الفائدة ١ : ٢٢٨.
(٢) المدارك ٢ : ٢١٧.
(٣) الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ١ : ٢٢٨.
المتن :
كما ترى ظاهر الدلالة على مسح الذراعين ، والحمل على ما قاله الشيخ من التقية له وجه وجيه ، أمّا المنقول ففي غاية البعد.
ثم العجب من الشيخ في اقتصاره على هذا الخبر من جهة المنافاة ، مع أنّه سيأتي في الباب الذي بعد هذا ما يخالف الأخبار.
وفي المعتبر : الحق عندي أنّ مسح ظاهر الكفين لازم ، ولو مسح الذراعين جاز أيضاً عملاً بالأخبار كلها ، لكن الكفّين على الوجوب ، وما زاد على الجواز لأنّه أخذ بالمتيقن(١) . انتهى.
وأراد بالجواز الاستحباب ، ولا يخلو من إشكال في معنى الاستحباب ، لأنّه إن أراد كما هو الظاهر من كلامه أنّ الزائد عن الكف مستحب(٢) بمعناه الأُصولي ، ففيه أنّ القصد لو وقع من أوّل الشروع لا يتم فيه الاستحباب ، وإن وقع بعد مسح الكف أمكن ، لكن لا يوافق مدلول الأخبار ، ولا ينطبق على قول ابن بابويه على أنّ المسح من المرفقين(٣) ، مضافاً إلى أنّ مدلول الرواية المبحوث عنها إلى المرفقين ، اللهم إلاّ أن يقال : إنّ الغاية للممسوح.
وإن أراد بالمستحب أفضل الفردين فيكون الإنسان مخيراً لم يوافق الأخذ بالمتيقن إلاّ على تكلف.
وبالجملة : فالأخذ بالمتيقن محل كلام ، وسيأتي إن شاء الله في الباب الآتي تتمّة القول في هذا.
__________________
(١) المعتبر ١ : ٣٨٧.
(٢) في « فض » زيادة : فيكون المستحب.
(٣) حكاه عن علي بن بابويه في المختلف ١ : ٢٦٧.
قوله :
باب عدد المرات في التيمم
أخبرني الشيخرحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، وعلي بن محمد ، عن سهل بن زياد جميعاً ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن ابن بكير ، عن زرارة قال : سألت أبا جعفرعليهالسلام عن التيمم(١) ؟ فضرب بيديه الأرض ثم رفعهما فنفضهما ثم مسح بهما جبينه(٢) وكفّيه مرّة واحدة.
وأخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبي عبد الله ٧ أنّه وصف التيمم فضرب بيديه على الأرض ثم رفعهما فنفضهما ثم مسح على جبينه وكفّيه مرّة واحدة.
وبهذا الإسناد ، عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن عروة ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام في التيمم قال : « تضرب بكفّيك الأرض ثم تنفضهما وتمسح (٣) وجهك ويديك ».
السند :
في الأوّل : معدود من الموثق نظراً إلى ابن بكير ، وقد قدّمنا فيه أنّ
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٧١ / ٥٩٣ زيادة : قال :.
(٢) في « رض » : جبهته.
(٣) في الاستبصار ١ : ١٧١ / ٥٩٥ زيادة : بهما.
النجاشي لم يذكر توثيقه ولا أنّه فطحي(١) . والشيخ وثّقه قائلاً إنّه فطحي(٢) . والذي يظهر على تقدير التدبر في أحوال النجاشي عدم ثبوت الفطحية ، وأمّا التوثيق فهو مقارن الفطحية في كلام الشيخ ، فثبوته من دون كونه فطحيا مشكل ، والكشي قد ذكر في موضعٍ الإجماع على تصحيح ما يصح عنه(٣) ، وذكر أنّه فطحي في موضعٍ آخر عن محمد بن مسعود(٤) ، فالارتياب في أنّه فطحي حاصل ، والاعتماد على تصحيح ما يصح عنه محتمل.
أمّا اشتمال السند على إبراهيم بن هاشم الممدوح فلا يضر بحال وصف السند بالموثق ، على ما يظهر من تعريف الموثق ، وإنّ كان فيه نوع كلام ، وقد أشرت إليه في موضع آخر.
والذي يمكن أنّ يقال هنا : إنّ الموثق قد عُرّف بأنّه ما دخل في طريقه مَن ليس بإمامي لكنه منصوص على توثيقه ، ولم يشتمل باقي الطريق على ضعف من جهة أُخرى ، وغير خفي أنّ عدم الاشتمال على الضعف وإنّ احتمل أنّ يراد به الضعف المقابل للثلاثة أعني الصحيح والحسن والموثق ، لكنه يحتمل أنّ يراد به غير الصحيح لإطلاق الضعيف عليه ، لكن الظاهر من الضعيف الأوّل ، وأنت خبير بأنّ العامل بالموثق لو عمل بالحسن كلّياً(٥) اندفع ما أشرنا إليه ، وإلاّ فهو باق ، والأمر في هذا سهل.
ثم إنّ علي بن محمد معطوف على علي بن إبراهيم ، وقوله : جميعاً ، يرجع لسهل وإبراهيم بن هاشم. وعلي بن محمد هو علان على الظاهر.
__________________
(١) رجال النجاشي : ٢٢٢ / ٥٨١.
(٢) الفهرست : ١٠٦ / ٤٥٢ وراجع ص ١٢٠ و ٣١٩.
(٣) رجال الكشي ٢ : ٦٧٣ / ٧٠٥.
(٤) رجال الكشي ٢ : ٦٣٥ / ٦٣٩.
(٥) في « رض » : كلاهما.
والثاني : فيه عمرو بن أبي المقدام ، وقال النجاشي : عمرو بن أبي المقدام ثابت بن هرمز ـ إلى أنّ قال ـ : روى عن علي بن الحسين وأبي جعفر وأبي عبد اللهعليهمالسلام له كتاب لطيف(١) .
والعلاّمة في القسم الأوّل من الخلاصة قال : عمرو بن أبي المقدام روى الكشي بإسناد متصل إلى أبي العرندس عن رجل من قريش أنّ الصادقعليهالسلام قال عنه : هذا أمير الحاج ، وهذه الرواية من المرجحات ، ولعلّ الذي وثقه ابن الغضائري ونقل عن أصحابنا تضعيفه هو هذا(٢) . انتهى.
وفي فوائد جدّيقدسسره على الخلاصة : حيث كان السند مرسلاً مجهول حال بعض الرواة يشكل إثبات الترجيح به مع أنّ في إثبات الترجيح بما ذكر نظر(٣) . انتهى.
والذي في الكشي الآن : حدثني حمدويه بن نصير قال : حدثني محمد بن الحسين ، عن أحمد بن الحسين(٤) الميثمي ، عن أبي العرندس الكندي ، عن رجل من قريش ، قال : كنّا بفناء الكعبة وأبو عبد اللهعليهالسلام قاعد ، فقيل له : ما أكثر الحاج ، قال : « ما أقل الحاج » فمرّ عمرو بن أبي المقدام فقال : « هذا من الحاج »(٥) .
وأنت خبير بأنّ ما في الخلاصة لا يبعد أنّ يكون تصحيفاً ، ولو صح طريق الخبر ربما أفاد مدحاً ما.
__________________
(١) رجال النجاشي : ٢٩٠ / ٧٧٧.
(٢) الخلاصة : ١٢٠ / ٢.
(٣) حواشي الشهيد الثاني على الخلاصة : ٢٠.
(٤) في رجال الكشي ٢ : ٦٩٠ / ٧٣٨ : الحسن.
(٥) رجال الكشي ٢ : ٦٩٠ / ٧٣٨.
ثم إنّ العلاّمة في القسم الثاني من الخلاصة ذكر ما هذا لفظه : عمر بن ثابت بن هرمز(١) أبو المقدام ـ إلى أنّ قال ـ : روى عن علي بن الحسين وأبي جعفر وأبي عبد اللهعليهمالسلام ضعيف جدّاً قاله ابن الغضائري(٢) .
وذكر في الفائدة الاولى من الخلاصة : عمر بن ثابت هو عمر بن أبي المقدام(٣) .
ولا يخفى دلالة ما في القسم الثاني على أنّ أبا المقدام كنية عمر.
والشيخ في رجال الصادقعليهالسلام من كتابه قال : عمر بن أبي المقدام كوفي واسم أبي المقدام ثابت(٤) .
وبالجملة فالعلاّمة وقع في كلامه تخليط ، والأمر سهل ، غير أنا ذكرنا ما ذكرناه لتعلم حقيقة الحال في تفاوت المصنفات في الرجال.
والثالث : فيه القاسم بن عروة ولم أطّلع من حاله على غير الإهمال إن لم يفد كونه وزير أبي جعفر المنصور ـ كما في الكشي ـ(٥) نوع إشكال.
المتن :
في الأخبار الثلاثة دال بظاهره على وحدة الضربات في التيمم الشامل لما كان بدلاً عن الغسل أو الوضوء نظراً إلى ترك الاستفصال ، والأوّل والثاني كما ترى دالاّن على مسح الجبينين وقد قدمنا ما في ذلك من القول.
__________________
(١) الخلاصة : ٢٤١ / ١٠ : هرم.
(٢) الخلاصة : ٢٤١ / ١٠.
(٣) الخلاصة : ٢٧٠ / ٢٩ ، ولكن فيه : عمرو بن ثابت هو عمر بن أبي المقدام.
(٤) رجال الطوسي : ٢٤٧ / ٣٨٠ ، وفيه : عمرو بن أبي المقدام ثابت بن هرمز العجلي مولاهم كوفي تابعي.
(٥) رجال الكشي ٢ : ٦٧٠ / ٦٩٥.
وأمّا الثالث فمقتضاه مسح الوجه ، ويمكن أنّ يقال فيه : إنّ اليدين مطلقتان فكما قُيدتا بالكفّين كذلك يقيّد الوجه ، إلاّ أنّ الخبر قد سمعت حال سنده.
ولا يخفى عليك أنّ الأخبار المعتمدة في البابين الدالة على الوحدة في الضرب منحصرة في خبر داود بن النعمان عند من يختص عمله بالصحيح ، ولكن الخبر خاص بالغُسل كما قدّمنا الكلام فيه ، وفي التهذيب رواه أيضا في الصحيح عن زرارة(١) ، وفي الفقيه رواه أيضا(٢) ، وحينئذ فالوحدة في التيمم عن الوضوء لم تكن في خبر صحيح ، ورواية الكاهلي السابقة قد عرفت أنّها حسنة(٣) ، وستجيء فائدة ما قلناه عن قريب إنشاء الله.
قال :
وأمّا ما رواه الحسين بن سعيد(٤) ، عن ابن مسكان ، عن ليث المرادي عن أبي عبد اللهعليهالسلام في التيمم قال : « تضرب بكفيك على الأرض مرتين ثم تنفضهما وتمسح بهما وجهك وذراعيك ».
وروى سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد(٥) ، عن إسماعيل بن همام الكندي ، عن الرضا عليهالسلام قال : « التيمم ضربة للوجه وضربة للكفّين ».
__________________
(١) التهذيب ١ : ٢١٢ / ٦١٥.
(٢) الفقيه ١ : ٥٧ / ٢١٢.
(٣) في ص ٨١٩ و ٨٧٠.
(٤) في التهذيب ١ : ٢٠٩ / ٦٠٨ زيادة : عن ابن سنان.
(٥) في الاستبصار ١ : ١٧١ / ٣٩٧ زيادة : بن عيسى.
الحسين بن سعيد ، عن صفوان بن يحيى ، عن العلاء ، عن محمد ، عن أحدهماعليهماالسلام قال : سألته عن التيمم فقال : « مرّتين(١) للوجه واليدين ».
فالوجه في الجمع بين هذه الأخبار أنّ ما تضمنت من الضربة الواحدة تكون مخصوصة بالطهارة الصغرى ، وما تضمنت من الضربتين بالطهارة الكبرى لئلاّ تتناقض الأخبار.
والذي يدل على هذا التفصيل :
ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : قلت له كيف التيمم؟ قال : « هو ضرب واحد للوضوء ، والغسل(٢) من الجنابة تضرب بيدك مرّتين ثم تنفضهما نفضة للوجه ومرّة لليدين ومتى أصبت الماء فعليك الغسل إنّ كنت جنباً والوضوء إنّ لم تكن جنبا ».
الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة ، عن(٣) ابن مسلم قال : سألت أبا عبد الله عليهالسلام عن التيمم ، فضرب بكفّيه الأرض ثم مسح بهما وجهه ، ثم ضرب بشماله الأرض فمسح بها مرفقه إلى أطراف الأصابع واحدة على ظهرها وواحدة على بطنها ، ثم ضرب بيمينه الأرض ثم صنع بشماله كما صنع بيمينه ، ثم قال : « هذا التيمم على ما كان فيه الغسل ، وفي الوضوء الوجه واليدين إلى المرفقين وأُلقي ما كان عليه مسح الرأس والقدمين فلا يؤمم بالصعيد ».
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٧٢ / ٥٩٨ زيادة : مرتين.
(٢) في الاستبصار ١ : ١٧٢ / ٥٩٩ : وللغسل.
(٣) في الاستبصار ١ : ١٧٢ / ٦٠٠ زيادة : محمد.
فما تضمن هذا الحديث من أنّه مسح من المرفق إلى أطراف الأصابع واحدة على بطنها وواحدة على ظهرها فمحمول على ما قدّمناه من التقية أو الحكم حسب ما مضى في تأويل خبر سماعة ، والذي تضمنه من التفريق بين ضربة اليمين والشمال في مسح اليدين لا يوجب أنّ تكون الضربات ثلاثاً ؛ لأنّ المراعى في كل واحدة من الضربتين أن يكون باليدين معاً فإذا فرّق في واحدة من الضربتين بين اليدين لم يكن مخالفاً لذلك.
فأمّا خبر داود بن النعمان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام المتضمن لقصة عمار لا يوجب أنّ يكتفى في الغسل من الجنابة بضربة واحدة ، من حيث [ إنّه (١) ] قال فيه : إنّه وضع يديه على الأرض ثم رفعهما فمسح بهما وجهه ويديه فوق الكف قليلا ، لأنه إنّما أخبر عن كيفية الفعل في التيمم ولم يقل إنّه فعل ذلك بضربة أو ضربتين ، وإذا احتمل ذلك حملنا الخبر على ما ورد في الأخبار المفصّلة التي أوردناها.
السند :
في الأوّل لا يخلو من اختلال ، لأنّ في التهذيب رواه عن الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان(٢) ، وهو الموافق للممارسة ، لأنّ ابن مسكان لا يروي عنه الحسين بغير واسطة ، وهي محمد بن سنان ، فالرواية ضعيفة ، وتوهم أنّ ابن سنان ليس بمحمد لا يفيد إنّ لم يتحقق كونه عبد الله ، والحق تعين كونه محمداً كما كررنا فيه القول(٣) .
__________________
(١) أثبتناه من الاستبصار.
(٢) التهذيب ١ : ٢٠٩ / ٦٠٨.
(٣) راجع ص ٨٥ و ٨٦ و ٦٤٣.
والثاني ليس في صحته ارتياب ، وكذلك الثالث ، والعلاء هو ابن رزين : ومحمد هو ابن مسلم كما يعلم بالممارسة ، والرابع كذلك ، ومثله الخامس.
المتن :
في الأوّل له ظهور في تعدد الضرب ، لكن ربما لاح منه أنّ التعدد في أول الضرب بأن يضرب كل كفّ مرّة أو بالكفّين مرّتين أوّلاً ، إلاّ أنّ الشيخ لم يفهم منه إلاّ الضرب مرّتين مرّة للوجه وأُخرى لليدين ، وذلك غير بعيد الاستفادة منه كما ينبّه عليه الحديث الرابع ، حيث قال فيه : « تضرب بيدك مرّتين ثم تنفضهما نفضة للوجه ومرّة لليدين ».
والثاني مع صحته على التعدد مطلقا ، أعني في التيمم عن الوضوء والغسل ، وكذلك الثالث ، إلاّ أنّ فيه نوع إجمال في المرّتين ، ويدفعه تبادر الضربتين.
وما قاله الشيخ في وجه الجمع لا يخلو من نظر :
أمّا أوّلاً : فلأنّ التناقض لا ينحصر دفعه فيما ذكره ، بل يحصل بحمل التعدد على الاستحباب.
وأمّا ثانياً : فالرواية التي استدل بها في الأوّل إنّما يتم إثبات مطلوبه بها لو جعل قوله : ضرب واحد ، بمعنى ضربة واحدة ويكون الغسل ابتداء كلام ، أمّا لو جعل الغسل معطوفاً على الوضوء ويراد بالضرب الواحد النوع كما هو الظاهر من الرواية ، ولا أقل من احتماله فلا يتم الاستدلال بها ، بل
تكون دالّة على المرّتين فيهما كما ذكره جماعة من محقّقي المتأخرين(١) .
وأمّا ثالثاً : فما ذكره من رواية ابن مسلم بعد تصريحه بحملها على التقية في بعض مدلولاتها لا يخلو من غرابة ؛ لأنّ الرواية إذا تضمنت التقية في بعضها خرجت عن الصلاحية لإثبات المطلوب ، وما عساه يقال : من أنّه لا يلزم من خروج البعض خروج الجميع ، فجوابه أنّ خروج البعض على تقدير تسليم أنّه لا يستلزم خروج الجميع إما لمخالفة حكمه الإجماع ، أو أخبار أُخر ، فإن كان الأوّل يقال : الإجماع إذا أحوج إلى الحمل على التقية والمدعى مركب في المعنى ، وحينئذ تنتفي الدلالة بفوات الجزء ، والاستدلال بالبعض الآخر على إثبات بعض المطلوب لا يفيد ، فليتأمّل.
أمّا ما قاله شيخناقدسسره في فوائد الكتاب : من أنّ رواية محمد بن مسلم لا دلالة فيها على هذا التفصيل بوجه. ففيه نظر واضح.
وما قاله أيضاً : من أنّ الأجود في الجميع هو حمل ما تضمن المرّتين على الاستحباب ؛ لأنّ المرّة الواحدة قد وردت في تيمم الجنابة في عدّة روايات ، ولأنّ الاقتصار في الجواب على ذكر أحد الفردين عند السؤال عن التيمم المتناول لهما فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة وأنّه غير جائز ، لكن أخبار المرّة لا تخلو من قصور في السند والدلالة ، وكان اعتبار المرّتين فيهما معا أولى وأحوط.
لا يخلو من نظر في فكري الفاترأمّا أوّلا : فما ذكره من أنّ المرّة الواحدة قد وردت في تيمم الجنابة في عدة روايات إنّ أراد به الروايات المتضمنة لقضية عمار ، فهو حق لكن الروايات بعضها تضمن السؤال عن
__________________
(١) انظر المدارك ٢ : ٢٣٢ وحبل المتين : ٨٦.
التيمم بعد ذكر قصة عمار كما في رواية داود ، وبعضها وهو رواية زرارة تضمّن أنّه سمع أبا جعفرعليهالسلام يقول : وذكر التيمم وما صنع عمار فوضع أبو جعفر كفّيه في الأرض ثم مسح وجهه وكفّيه.
وأنت خبير بأنّ مضمون رواية داود السؤال عن التيمم وهو محتمِل لتيمم الجنابة فقط ولمطلق التيمم ، ومضمون رواية زرارة موقوف في تشخيص المراد فيه على العلم بأنّهعليهالسلام أراد بيان التيمم عن الجنابة ، والحال أنّ اللفظ محتمل لأنّ يكون ذكر قضية عمار في معرض بيان مطلق التيمم ، وليس هذا كما قاله الشيخ فيما يأتي والعلاّمة في المختلف كما سبق نقله عنه ليتوجه علينا أنّ فيه اعترافاً بما أنكرناه عليه(١) .
وحينئذ فقول شيخناقدسسره : إنّ المرّة وردت في تيمم الجنابة في عدة روايات ، ظاهره الاختصاص بالجنابة ، ومشرب الاختصاص لا يخلو عن شوب ، نعم لا يبعد دعوى الظهور.
وأمّا ثانيا : فما قال : من أنّ الاقتصار في الجواب على ذكر أحد الفردين. يريد به أنّ حمل أخبار التعدد على الغسل يقتضي أنّ الجواب الواقع في السؤال عن التيمم مطلقا جواب عن أحد الفردين مع السؤال عنهما من دون بيان.
ولا يخفى أنّ لقائل أنّ يقول : إنّ هذا آت في كل مطلق ومقيد كما سبق فيه القول مراراً ، ولعل الجواب بالفرق بين جواب السؤال وغيره ممكن.
وأمّا ثالثاً : فما قاله : من أنّ أخبار المرّة لا تخلو من قصور. إن أراد به أخبار المرّة في التيمم عن الوضوء. ( ففيه : أنّ التيمم عن
__________________
(١) راجع ص ٨٢٦.
الوضوء )(١) لم يقع له ذكر في هذه الأخبار ، وإنّ أراد به التيمم(٢) عن الغسل ، ففيه : أنّ خبر داود بن النعمان صحيح عنده ، وإنّ أراد أخبار المرّة على الإطلاق فهو حق ، لكن أخبار التعدد إثبات الحكم بها على سبيل الوجوب مشكل ، لدلالة خبر داود على عدم وجوب المرّتين في الغسل ، واللازم حينئذ وجوب المرّتين في الوضوء والاستحباب في الغسل ، ولا يخفى عليك الحال.
وقد سلك شيخنا المحقّق ميرزا محمد أيّده الله في فوائده على الكتاب مسلك شيخناقدسسره وزاد أنّ المرّة تطابق ظاهر القرآن ، وأيّد ذلك بروايات رواها الشيخ في التهذيب :
أوّلها : عن علي بن الحسن بن فضال ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار بن موسى ( عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سئل عن التيمم من الوضوء ومن الجنابة ومن الحيض للنساء سواء؟ قال : « نعم »(٣) )(٤) .
وثانيها : ما رواه الشيخ ، عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن عمرو ابن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار بن موسى الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سألته عن التيمم من الوضوء والجنابة ومن الحيض سواء؟ فقال : « نعم »(٥) .
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٢) لفظة : التيمم ، ليست في « رض ».
(٣) التهذيب ١ : ١٦٢ / ٤٦٥ ، الوسائل ٣ : ٣٦٢ أبواب التيمم ب ١٢ ح ٦.
(٤) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٥) التهذيب ١ : ٢١٢ / ٦١٧ ، الوسائل ٣ : ٣٦٢ أبواب التيمم ب ١٢ ح ٦.
وثالثها : ما رواه الشيخ عن أبي القاسم ، عن محمد بن محبوب ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن عثمان بن عيسى ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير قال : وسألته عن تيمم الحائض والجنب سواء إذا لم يجدا ماءً قال : « نعم »(١) انتهى.
وفي نظري القاصر أنّ المطابقة لظاهر القرآن إنّ أُريد بها أنّ ظاهره الاكتفاء بالمرة فقط ، فلا يخفى ما فيه ، وإنّ أُريد أنّ ظاهره تحقق التيمم بالمرّة والمرّتين نظراً إلى الإطلاق فهو حق ، لكن اللازم أنّ المتيمم لو أتى بالضربتين في بدل الوضوء بقصد كونها أحد أفراد المطلق تكون واجبة ، وكذلك في الغسل ، والظاهر من كلام شيخنا أيّده الله خلاف ذلك ، ولعلّ المانع من ذلك منتف ، وهذا كثيراً ما يخطر في البال ، فيقال : إنّ ظاهر الآية الإتيان بكل ما يتحقق به مطابقة الآية ، إلاّ ما خرج بالدليل من الإجماع ونحوه ، كنفي الزائد عن المرّتين.
ومن هنا يتجه أنّ يقال أيضاً : إنّ الأخبار وإنّ كانت مختلفة إلاّ أنّ كلاًّ منها مطابق لإطلاق القرآن ، فيجوز أنّ يكون الإخبار من الإمامعليهالسلام بالتعدد لذلك ، وحينئذ يكون المراد بالاستحباب على هذا التقدير أحد فردي الواجب إنّ قصد أنّ مجموع الضربتين هو الواجب ، ولو قصد أنّ الواجب هو الضرب الواحد كان الثاني مستحباً بالمعنى الأُصولي ، لكن إثباته لا يخلو من إشكال ؛ لما عرفت ، وإنّ أمكن تسديد ما قيل في وجوه ترجيحه.
ولعلّ الأولى أنّ يقال في الاستدلال : إنّ إطلاق القرآن لا يخرج عنه إلى التقييد إلاّ بما تحقق كالأخبار الخالية عن المعارض ، وفي المقام قد
__________________
(١) التهذيب ١ : ٢١٢ / ٦١٦ ، الوسائل ٣ : ٣٦٣ أبواب التيمم ب ١٢ ح ٧.
تعارضت الأخبار ، فالإطلاق باق على ما هو عليه.
وما عساه يقال : من أنّ الأخبار وإنّ تعارضت إلاّ أنّ تقيد الآية حاصل ، غاية الأمر أنّ التقييد بماذا هو؟ فهذا أمر آخر. فيدفعه أنّ الإجمال في المقيّد لا يخرج عن وصفه ما يخلص عن شوب الاحتمال والاحتمال قائم بالاستحباب ، والفرق بين الوضوء والغسل ، فليتأمّل.
وأمّا الأخبار التي ذكرها شيخنا أيّده الله ففيها نوع احتمال بإرادة المساواة في تسويغ التيمم ، على معنى أنّ التيمم يسوغ لكل ما ذكر على السواء وإنّ كان الظاهر خلاف ذلك ، ومقام التأييد واسع الباب ، وعليك بإنعام النظر في هذا المقام ، فإنّي لا أعلم أحداً حام حوله سوى ما نقلته.
والآن قد وجدت بعد ما خطر بالبال كلاماً مجملاً لمولانا المحقِّق أحمد الأردبيليقدسسره وفيه إشارة إلى احتمال الوجوب التخييري(١) ، فالحمد لله على موافقة مثل هذا الماهر لما اختلج في الخاطر.
وإذا عرفت جميع ما ذكرناه فاعلم أنّه تبقى في خبر ابن مسلم نكتة ذكرها بعض محققي المتأخّرين ، وهي أنّ قوله : « هذا التيمم على ما كان فيه الغسل » يراد به الغسل بفتح الغين المعجمة أي غسل الوضوء(٢) ، والمراد أن التيمم المأمور به على ما فيه الغسل في الوضوء ، فيكون الواو في قوله : وفي الوضوء زائدة كما نبّه على ذلك قوله : « وألقى ما كان عليه مسح الرأس ». فإنّ هذا من أوضح الشواهد على وقوع التصحيف ومثله في الأخبار كثير.
وأمّا ما ذكره الشيخ في خبر داود ففيه ما قدمناه عند نقل كلام العلاّمة
__________________
(١) مجمع الفائدة والبرهان ١ : ٢٣١.
(٢) وهو الشيخ البهائي في الحبل المتين : ٨٧.
في المختلف(١) ، فإنّه تبع الشيخ وزاد عليه ، والكلام في الأوّل يغني عن الإعادة في الآخر.
وعلى هذا انقطع الكلام في الجزء الأوّل من استقصاء الاعتبار لشرح الاستبصار ، ويتلوه إن شاء الله في الجزء الثاني أبواب تطهير الثياب ، والله المسئول أنّ يوفق لإكماله بجاه محمد وآله ، وقد اتفق بتوفيق الله تأليف ما تيسّر ابتداء وانتهاء في مشهد سيد الشهداء وخامس أصحاب العباء عليه وعلى جدّه وأبيه وأُمه وأخيه والتسعة من ذراريه أفضل الصلوات وكان الفراغ منه يوم الخميس السابع عشر من شهر جمادى الاولى من شهور السنة الخامسة والعشرين بعد الألف الهجرية على مشرفها أكمل التحية ، والحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين. ورحمة الله وبركاته.
__________________
(١) راجع ص ٨٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم(١)
الحمد لله على آلائه ، والصلاة على أشرف أنبيائه وأكرم أحبّائه.
قوله(٢) ـ قدس الله روحه ـ :
أبواب تطهير الثياب والبدن من النجاسات.
باب بول الصبي
أخبرني الحسن بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد عن أبيه ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه أنّ عليّاً عليهالسلام قال : « لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أنّ تطعم ، لأنّ لبنها يخرج من مثانة أُمّها ، ولبن
__________________
(١) في « فض » زيادة : وبه نستعين الاستعانة وعليه التكلان ، وفي « رض » زيادة : وبه نستعين.
(٢) في « رض » : قال.
الغلام لا يغسل منه الثوب ولا بوله قبل أنّ يطعم ، لأنّ لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين ».
السند :
قد قدّمنا فيه القول بما يغني عن الإعادة ، غير أنّ النوفلي المذكور فيه ، هو الحسين بن يزيد ، وقد قال النجاشي : إنّه كان شاعراً أديباً وسكن الري ومات بها ، وقال قوم من القميين : إنّه غلا في آخر عمره ، والله أعلم ، وما رأينا له رواية تدل على هذا(١) .
والعلاّمة في الخلاصة بعد نقل ما ذكره النجاشي قال : وأنا عندي توقف في روايته بمجرّد ما نقل عن القميين ، وعدم الظفر بتعديل الأصحاب له(٢) . انتهى.
وأنت خبير بأنّ التوقف لا وجه له بعد ردّ(٣) رواية المجهول ، كما قرّر في الأُصول.
وأمّا السكوني : فقد ذكرنا فيما سبق فيه الكلام(٤) ، ونريد هنا تفصيل ما ذكره المحقق في المسائل العزّية(٥) ، وإنّ قدّمنا القول في ذلك إلاّ أنّ بُعد العهد ربما يقتضي إعادة ما سبق.
والحاصل : أنّ المحقِّق ذكر في المسائل حديثاً عن السكوني في أنّ الماء يطهِّر ولا يطهَّر ، وذكر أنّهم قدحوا في السكوني بأنه عامي ، وأجاب
__________________
(١) رجال النجاشي : ٣٨ / ٧٧.
(٢) الخلاصة : ٢١٧ / ٩ وفيه : وأمّا عندي.
(٣) ليست في « د ».
(٤) راجع ص ١٤١.
(٥) لم تطبع بعد.
بأنَّه وإنّ كان عاميا فهو من ثقات الرواة ، ونقل عن الشيخرحمهالله في مواضع من كتبه أنّه قال : الإمامية مجمعة على العمل بما يرويه السكوني وعمّار ومن ماثلهما من الثقات ، ولم يقدح بالمذهب في الرواية مع اشتهار الصدق ، وكتب جماعتنا مملوءة من الفتاوي المستندة إلى نقله ، فلتكن هذه كذلك. انتهى.
ولا يخفى عليك أنّ الظاهر من الكلام توثيق السكوني ، ولم نجد ذلك في كلام غيره.
وما نقله عن الشيخ فيه احتمال ينافي التوثيق ، وهو أنّ يراد بمن ماثله في مخالفة المذهب الحق ، وقوله : من الثقات ، يعود للماثل(١) .
ولا يذهب عليك بُعد هذا الاحتمال ، إلاّ أنّ عدم توثيقه في كتب الرجال يؤيّده ، وكلام المحقِّق بعد لا يخلو من نظر أيضا ، فإنّ الإجماع على العمل بما يرويه الرجل لا يقتضي توثيقه كما هو واضح ، ولتفصيل القول محل آخر.
المتن :
نقل العلاّمة في المختلف عن ابن الجنيد أنّه قال : بول البالغ وغير البالغ نجس إلاّ أنّ يكون غير البالغ صبياً ذكراً ، فإنّ بوله ولبنه ما لم يأكل اللحم ليس بنجس ، وأنّه احتج بهذه الرواية ، وحكى عنه أيضاً ، أنّ الظاهر من كلامه غَسل الثوب من لبن الجارية وجوباً ، وذكر الرواية ، وحملها العلاّمة على الاستحباب في اللبن.
__________________
(١) في « ش » : للماثل.
وأجاب عن الأوّل : بنحو ما ذكره الشيخ فيما يأتي.
وزاد العلاّمة في النقل عن ابن الجنيد أنّه احتج أيضاً لما ذهب إليه في بول غير البالغ ، بأنّه لو كان نجساً لوجب غَسله كبول البالغ ، ولم يكتف بالصّب كغيره من الأبوال.
وأجاب العلاّمة بالمنع من المشاركة في كيفيّة الإزالة ؛ فإنّ النجاسات تتفاوت وتقبل الشدة والضعف ، فجاز أنّ يكون بول الرضيع ضعيف النجاسة فاكتفي فيه بالصّب ، دون بول البالغ(١) انتهى.
وفي نظري القاصر أنّ جميع ما ذكره العلاّمة لا يخلو من نظر :
أمّا أوّلاً : فلأنّ الاحتجاج بالرواية على ما نقله عن ابن الجنيد لا وجه له ، إذ لا دلالة لها على مدّعاه ، لأنّ موردها بول الصبي قبل ان يطعم ، وأين هذا من المدعي؟! فكان الأولى ردّ الرواية من هذا الوجه.
وأما ثانياً : فما ذكره في جواب الاحتجاج ثانياً لا وجه له ، لأنّ الصبّ إن كان لمطلق الصبي الشامل لمدعي ابن الجنيد فالجواب من العلاّمة بأنّ بول الرضيع ضعيف النجاسة غير تام ، إذ هو أخص من المدعى ، وبالجملة فالمقام غير محرّر كغيره من مباحثه.
وأما ثالثاً : فما أجاب به عن حجة ابن الجنيد في اللبن من الحمل على الاستحباب فيه تقوية لقوله بأنّ البول طاهر ؛ فإنّ الغَسل في الخبر إذا كان مستحباً في بعض مدلولاته وواجباً في بعض مع ظاهر الاتحاد بعيد عن موافقة الحكمة.
ثم إنّ الرواية ردّها العلاّمة وغيره ممّن تأخّر عنه(٢) بضعف الاسناد ،
__________________
(١) المختلف ١ : ٣٠١.
(٢) المختلف ١ : ٣٠١ والمدرك ٢ : ٢٦٣.
وقد عرفت وجهه ، إلاّ أنّ الصدوق في الفقيه نقل الرواية(١) ولها مزية بنقله(٢) ظاهرة كما أسلفنا القول فيه ، من أنّه لا يبعد أنّ يكون أقوى من توثيق. النجاشي والشيخ ، إذ مرجع توثيقهما إلى الاجتهاد ، وشهادة الصدوق بصحة ما في كتابه لا ريب في كونها أقوى.
وما عساه يتوجه من أنّ قبول قول الصدوق تقليد ، ولا كلام فيه.
جوابه يعلم من اعتبار توثيق أصحاب الرجال الذين لم يعاصروا الرواة. وبالجملة : فللكلام مجال واسع في أمثال هذه الرواية ، ممّا نقله الصدوق ، ويحكى عن أبيه أنّه رواها أيضاً(٣) .
اللغة :
قال في القاموس : مَثَنَهُ يَمْثِنُهُ ويَمْثُنُه أصاب مثانته وهي موضع الولد ، أو موضع البول. والعضد ما بين المرفق إلى الكتف. والمنكب مجتمع رأس الكتف والعضد(٤) .
قوله(٥) :
فأما ما رواه محمد بن يعقوب ، عن علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي ، قال : سألت أبا عبد الله عليهالسلام ، عن بول الصبي قال : « تصبّ عليه الماء ، فإنّ كان قد أكل فاغسله غَسلاً ،
__________________
(١) الفقيه ١ : ٤٠ / ١٥٧ ، الوسائل ٣ : ٣٩٨ أبواب النجاسات ب ٣ ح ٤.
(٢) في « رض » : ينقلها.
(٣) حكاه عنه في المختلف ١ : ٣٠٢.
(٤) القاموس المحيط ١ : ١٢٩ ( نكب ) وص ٣٢٦ ( العضد ) وج ٤ : ٢٧٢ ( مثن ).
(٥) في « رض » : قال.
والغلام والجارية شرع سواء ».
فلا ينافي الخبر الأوّل ؛ لأنّ الخبر الأوّل إنّما نفى غسل الثوب منه كما يغسل من بول الرجل أو بوله بعد أنّ يأكل الطعام ، ولم ينف أنّ بصبّ الماء عليه ، وليس كذلك حكم بول الجارية ، لأنّ بولها لا بد من غسله ، ويكون قولهعليهالسلام : « الغلام والجارية شرع سواء (١) » معناه بعد أكل الطعام.
السند :
حسن بإبراهيم كما قدّمنا القول فيه(٢) .
المتن :
ظاهر في أنّ الصبي قبل أنّ يأكل يكتفي بصبّ الماء على بوله ، وبعد الأكل يغسل.
وقد استدل بعض من قال بالعصر في ما يقبله كالمحقّق ( في المعتبر )(٣) بأنّ الغَسل إنّما يتحقق في الثوب ونحوه بالعصر ، وبدونه يكون صبّاً(٤) .
والعلاّمة في المنتهى استدل على اعتبار العصر برواية أبي العباس المعدودة من الصحيح ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال : « إنّ أصاب ثوبك من
__________________
(١) في « فض » سوى.
(٢) في ص ٣٦.
(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٤) المعتبر ١ : ٤٣٥.
الكلب رطوبة فاغسله ، وإنّ مسّه جافّاً فاصبب عليه الماء(١) »(٢) .
وفي نظري القاصر أنّ استدلاله بهذه الرواية المبحوث عنها أولى ؛ لاحتمال رواية أبي العباس أنّ يراد بالصبّ الرشّ ، لتصريح الأصحاب ومنهم العلاّمة(٣) بأنّ الرشّ هو الذي يفعل والحال هذه ، وبتقدير إرادة الرشّ لا يتم مطلوبه من أنّ الغَسل لا يتحقق إلاّ بالعصر ؛ لأنّ عدم الرشّ يتم بالصبّ كما هو واضح.
والرواية المبحوث عنها وجه الأولوية فيها أنّهعليهالسلام جعل حكم ما قبل الأكل صبّاً ، والمفروض نجاسة البول فلا يحتمل إرادة الرشّ ، ومفارقة الحكم بعد الأكل يقتضي أنّ يراد بالغَسل غير ذلك ، فيمكن إتمام الاستدلال على تقدير العمل بالرواية حينئذ ، وإن أمكن أنّ يقال بتحقق المغايرة بين الصبّ والغَسل بكثرة الماء في الغَسل دون الصبّ.
فان قلت : لِمَ لا يحمل الصبّ في الرواية على الرشّ لئلاّ يخالف مدلول الرواية الأُولى ، فيكون البول طاهراً غاية الأمر أنّ الرشّ تعبّد كما في حكم الكلب؟.
قلت : لو ثبت الحكم بطهارة البول أمكن التوجيه وكان أقرب من توجيه الشيخ ، إلاّ أنّ للكلام فيه مجالاً(٤) من حيث إطباق الأصحاب فيما يظهر منهم ما عدا ابن الجنيد على النجاسة(٥) وإنّ كان(٦) ظاهر الصدوق
__________________
(١) التهذيب ١ : ٢٦١ / ٧٥٩ ، الوسائل ٣ : ٤١٤ أبواب النجاسات ب ١٢ ح ١.
(٢) المنتهى ١ : ١٧٥.
(٣) المنتهى ١ : ١٧٧.
(٤) في « فض » : محلا.
(٥) راجع المختلف ١ : ٣٠١.
(٦) لفظة : كان ، ليست في « رض ».
العمل بالرواية ، والحال فيها ما قدمناه(١) ، وتناول الأخبار الواردة في البول لبول الرضيع محل كلام ، هذا.
وما ادّعاه البعض من دخول العصر في مفهوم الغَسل(٢) ، فقد نوقش بأنّ اللازم من ذلك لزوم العصر في غير القليل ، وهو منتف إجماعاً.
ولا يخفى عليك أنّ الجواب عن المناقشة سهل ؛ فإنّ الإجماع إن تحقق فهو المخصِّص ، وإلاّ فالاطراد ممكن ، وقد صرح الصدوق في الفقيه بالعصر إذا غسل الثوب في الراكد(٣) الشامل للكرّ فما زاد ، والناقص عن الكرّ ، وحينئذ لا استغراب في الإلزام.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الظاهر من الرواية مساواة الغلام والجارية في الغَسل بعد الأكل والصبّ قبله ، والشيخ كما ترى حمل المساواة على ما بعد الأكل لمعارضة خبر السكوني ، واعترضه شيخناقدسسره في فوائد الكتاب : بأنّ المستفاد من الرواية تساوي بول الغلام والجارية في الحكمين معاً ، وتخصيصه بما بعد أكل الطعام تعويلاً على رواية السكوني لا يخفى ما فيه. انتهى.
وأنت خبير بعد ما قدّمناه من نقل الرواية في الفقيه(٤) إنّها لا تقصر عن غيرها ، وحينئذ لا محيد عن تأويل الشيخ ، غاية الأمر إمكان أنّ يقال على الشيخ.
أوّلاً : ما ذكره من أنّ الخبر لا ينفي الصبّ ، مسلّم ، إلاّ أنّ ظاهر الخبر
__________________
(١) ص ٨٤٣.
(٢) هو المحقق في المعتبر ١ : ٤٣٥.
(٣) الفقيه ١ : ٤٠.
(٤) راجع ص ٨٤٣.
الأوّل الطهارة بقرينة ذكر البول مع اللبن ، والحال أنَّ لبن الغلام لا ريب في طهارته ، والمشاركة للبن الجارية ( مع بولها في الغَسل غير منقول عن الشيخ القول به ، بل هو منقول عن ابن الجنيد في المختلف(١) ، فإنّ كان الشيخ )(٢) مصرّحاً بالطهارة في غير الكتاب أمكن أنّ يكون العلاّمة فهم منه عدم القول بموافقة ابن الجنيد ، وإنْ كان محل بحث ؛ لأنّ العلاّمة كثيراً ما ينقل مذهب الشيخ في الاستبصار ، وإنّ كان في نظري القاصر أنّ اعتماد الشيخ في الكتاب عند ما يذكره في كل محل لا يخلو من تأمّل ، كما يعلم من ممارسة الكتاب ، ويظهر أيضاً من الأصحاب ، فإنّ في الكتاب احتمالات لم ينقل القول بها في الكتب المعدة بخلاف(٣) الأصحاب ، لكن التعجب من العلاّمة في المختلف واقع ، حيث لم ينقل في اللبن إلاّ قول ابن الجنيد ، مع أن الشيخ ( ظاهره القول به على ما يعهد من العلاّمة في نقل أقوال الشيخ في الاستبصار.
وأمّا ثانياً : فما ذكره الشيخ )(٤) من أنّ بول الجارية لا بدّ من غسله ، إنْ كان استناده(٥) فيه إلى رواية السكوني ففيه : أنّ اقتران اللبن فيه مع البول يقتضي حمل الغَسل على الاستحباب ، إلاّ أنّ يقول الشيخ بوجوب غَسل اللبن ، وقد عرفت الحال فيه.
ولو حمل الغَسل في البول على الوجوب وفي اللبن على الاستحباب أشكل بمعارضة ما دل على المساواة بين الجارية والصبي الظاهر منه
__________________
(١) المختلف ١ : ٣٠١ و ٣٠٢.
(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٣) كذا في النسخ ، ولعل الأنسب : لخلاف.
(٤) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٥) في « رض » استناد.
المساواة في الأمرين أعني قبل الأكل وبعده ، وحينئذ يحمل الغَسل على الاستحباب ، ويؤيّده اللبن ليتوافق نظم الخبر ، وحمل الشيخ التسوية فيما بعد الأكل يتوقف على عدم الاحتمال في خبر السكوني ، وقد سمعت القول فيه.
ويمكن الجواب عن الأوّل : بأنّ استحباب الغَسل لا يقتضي طهارة البول ، بل يقال بالنجاسة والاكتفاء في زوالها بالصب(١) ، ويستحب الغَسل ، وهو بزيادة الماء أو العصر ونحو ذلك ، وحينئذ فالمشاركة في الاستحباب بين اللبن والبول حاصلة في الجملة ، ويتم مطلوب الشيخ ، ولو نوزع في هذا أمكن أنّ يقال بجواز إرادة ما يعم الوجوب والاستحباب من الغَسل ، ووجود مثله كثير في الأخبار.
وعن الثاني : بأنّ غَسل بول الجارية مشهور كما نقله البعض(٢) ، كما أنّ الاكتفاء بالصبّ في بول الصبي كذلك(٣) ، بل ادّعى بعض عدم العلم بالخلاف فيه(٤) ، وفي الخلاف نقل الشيخ إجماع الفرقة في بول الصبي على ما حكاه شيخناقدسسره (٥) .
ويحكى عن علي بن بابويه : أنّه ساوى بين بول الصبي والصبيّة في الغَسل(٦) ، وربما أمكن الاستدلال بالرواية المبحوث عنها من حيث التسوية ظاهراً ، وما أجاب به المحقق في المعتبر : من حمل التسوية على التنجيس ،
__________________
(١) لفظة : بالصب ، ليست في « رض ».
(٢) كصاحب المدارك : ٢ : ٣٣٣.
(٣) كما في المنتهى ١ : ١٧٦.
(٤) كما في المدارك ٢ : ٣٣٢.
(٥) الخلاف ١ : ٤٨٤ و ٤٨٥.
(٦) حكاه عنه في المعتبر ١ : ٤٣٧.
بمعنى أنّهما سواء في التنجيس لا في كيفية الإزالة ، بعيد(١) ، وسيأتي في الرواية الدالة على العصر بعد الصبّ التنبيه على احتمال المساواة كما ظنه بعض من أنّ الفرق بين الغَسل والصب بالعصر وعدمه(٢) .
وإذا تمهد هذا كلّه فما تضمنته الرواية من قوله : « فإنّ كان قد أكل » قيل : المراد به الأكل المستند إلى شهوته وإرادته(٣) .
وفي المعتبر : المعتبر أن يطعم ما يكون غذاءً له(٤) ، ولا عبرة بما يلعق دواءً ومن الغذاء في الندرة ، ولا تصغ إلى من يُعلّق الحكم بالحولين ، بل(٥) هو مجازف ، بل لو استقل بالغذاء قبل الحولين تعلق ببوله وجوب الغسل(٦) ، انتهى.
وفي كلام جماعة من المتأخّرين بول الرضيع(٧) ، وقد عرفت مدلول الخبر ، والله أعلم.
اللغة :
قال في القاموس : الناسُ في هذا شَرْعٌ ويُحَرَّكُ أي سواء(٨) . وفي النهاية : أنتم شرع سواء وهو مصدر بفتح الراء وسكونها يستوي فيه الواحد
__________________
(١) المعتبر ١ : ٤٣٧.
(٢) انظر مجمع الفائدة والبرهان ١ : ٣٣٧.
(٣) قال به العلاّمة في المنتهى ١ : ١٧٦ ، وصاحب المدارك ٢ : ٣٣٤.
(٤) لفظة : له ، ليست في « فض » و « رض ».
(٥) في المصدر : فإنّه.
(٦) المعتبر ١ : ٤٣٦.
(٧) منهم الفاضلان في الشرائع ١ : ٥٤ ، والإرشاد ١ : ٢٣٩ ، والشهيد في البيان : ٩٥.
(٨) القاموس المحيط ٣ : ٤٥ ( الشريعة ).
والمؤنّث والاثنان والجمع(١) .
قوله :
ويدلُّ على ذلك أيضاً ما رواه أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن الحسين بن أبي العلاء ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الصبي يبول على الثوب؟ قال : « تصبّ عليه الماء قليلاً ثم تعصر ».
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال : سألته عن بول الصبي يصيب الثوب؟ فقال « اغسله » قلت : فان لم أجد مكانه؟ قال : « اغسل الثوب كلّه » فلا ينافي ما قدّمناه ، لأنّه يحتمل أنْ يكون المراد بقوله : « اغسله » صبّ عليه الماء ، ويجوز أنّ يكون أراد بول من أكل الطعام.
السند :
في الأوّل والثاني قد كرّرنا القول فيه.
وعلي بن الحكم وإنّ ظن اشتراكه(٢) ، إلاّ أنّ رواية أحمد بن محمد بن عيسى يعيّن كونه الثقة كما يعرف من النجاشي.
والحسين بن أبي العلاء غير معلوم التوثيق إلاّ بما نقله ابن داود عن ابن طاوس في البشرى(٣) ، وكونه أوجه أخويه كما في كتب الرجال(٤) مع
__________________
(١) النهاية لابن الأثير ٢ : ٤٦١ ( شرع ). وفيه : يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنّث.
(٢) راجع هداية المحدثين : ٢١٦.
(٣) رجال ابن داود : ٧٩.
(٤) راجع رجال النجاشي : ٥٢ / ١١٧ ، منهج المقال : ١١٠.
أن أحدهما ثقة(١) لا يقتضي التوثيق بعد التأمّل.
وعثمان بن عيسى لا أعلم توثيقه ، وقد ذكرت فيما تقدم الوجه فيه(٢) .
المتن :
في الأوّل : ظاهر في الصبّ والعصر ، فيندفع ما ذكره البعض من الفرق بين الصبّ والغَسل بالعصر(٣) ، إلاّ أن يحمل العصر على الاستحباب لا لتوقف تحقق التطهير عليه ليكون غَسلاً ، وفيه : أنّ الفرق غير منحصر فيما ذكره كما نبهنا(٤) عليه فيما سبق.
والثاني : صريح في الغَسل ، ولا منافاة فيه للأوّل على تقدير أن يكون الغسل بالصب والعصر ، والشيخرحمهالله كأنّه أراد عدم منافاته لما قدّمه في الخبر الأوّل ، أعني رواية السكوني الدالة على أنّه لا يغسل منه الثوب(٥) .
فإنّ قلت : جواب الشيخ عن ذلك باحتمال إرادة الصب من الغَسل لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ ما تقدم منه من الأخبار الدالة على الصب ليس إلاّ رواية الحلبي ، ورواية الحسين الدالة على العصر تقتضي تقييدها إمّا بكون الماء كثيراً في رواية الحلبي فلا تكون حاجة إلى العصر لأنّ رواية الحسين تضمنت قلّة الماء ، أو لأنّ العصر مستحب ، وكلا الأمرين يوجب عدم
__________________
(١) رجال النجاشي : ٢٤٦ / ٦٤٧.
(٢) راجع ج ١ : ٧١.
(٣) راجع ص : ١٥٠.
(٤) في « فض » : ههنا.
(٥) راجع ص : ١٤٧.
تماميّة توجيه الشيخ.
أما الأوّل : فلأنّ كثرة الماء تقتضي تحقق الغَسل والحال أنّهعليهالسلام جعل الغَسل مع الأكل فلا بد أنّ يراد بالصب مع(١) قلّة الماء ، ومعه لا بدّ من العصر كما تضمنته رواية الحسين.
وأما الثاني : فلأنّ استحباب العصر يتوقف على ثبوت المعارض ولم يتقدم إلاّ رواية الحلبي وفيها الاحتمال الأوّل أعني إرادة الكثرة من الماء.
قلت : إنّ ما ذكر(٢) مندفع عن الشيخ لأنّ الصب إذا دل عليه خبر الحلبي بالإطلاق تعيّن حمل العصر على الاستحباب ، أمّا من يقول بأنّ الفرق بين الغَسل والصب يتحقق بكثرة الماء وقلّته فالإشكال عليه وارد لو عمل بالأخبار ، ومن توقف عمله على الصحيح فهو في(٣) راحة من هذا كله.
أمّا ما ذكره الشيخرحمهالله من الحمل على إرادة بول من أكل الطعام فله وجه ، إلاّ أنّ الحمل على الاستحباب أوجه.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ في المقام أُموراً لا بد من التنبيه عليها.
الأوّل : قد عرفت ممّا ذكرناه سابقاً عن البعض أنّ الفرق بين الغَسل والصب لا يتم الاّ بالعصر(٤) ، وهذا إنّما يتم فيما يمكن فيه العصر ، أمّا البدن ونحوه فالحكم فيه مشكل حينئذ ، والشيخ كما ترى ذكر الأخبار هنا ولم يتعرض لشيء من ذلك والحال أنَّ مدلول رواية الحسين بن أبي العلاء
__________________
(١) لفظة : مع ، ليست في « رض ».
(٢) في « د » : ذكره.
(٣) لفظة : في ، ليست في « رض ».
(٤) راجع ص ٨٤٧.
الثوب إذا اصابه البول وكذلك رواية سماعة ، ورواية الحلبي شاملة للثوب وغيره ، ورواية السكوني تضمنت نفي الغَسل عن الثوب.
فلو نظرنا الى ظاهر ما ذكره الشيخ وغيره من الفرق بين الصب والغَسل يحتاج في رواية الحلبي إلى أنّ نبيّن الوجه في المغايرة ، وهي بما ذكر من العصر وعدمه منتفية في البدن ، فإمّا أنّ يقال : إنّ الغَسل يحتاج إلى كثرة الماء بخلاف الصبّ ، أو نقول بالدلك(١) ، كما ذكره العلاّمة في النهاية والتحرير(٢) .
إلاّ أنّ دليله على الدلك مدخول ، فإنّه استدل برواية عمار الساباطي الواردة في الإناء الذي يشرب فيه الخمر ، فإنّهعليهالسلام قال : « لا يجزؤه الصب حتى يدلكه »(٣) .
ووجه الدخل أنّ في الرواية احتمال كون الدلك لذهاب أجزاء(٤) الخمر ، ولو فرض في البول وجود أجزاء أمكن القول به ، لا مطلقاً.
وفي رواية الحسين بن أبي العلاء ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سألته عن البول يُصيب الجسد؟ قال : « صبّ عليه الماء مرّتين »(٥) ومثلها رواية لأبي إسحاق النحوي(٦) .
وأنت خبير بأنّ الظاهر من الروايتين الاكتفاء بالصبّ في البدن ، فالفرق المحتمل غير واضح.
__________________
(١) في « فض » : لدلك.
(٢) نهاية الإحكام ١ : ٢٧٨ ، تحرير الأحكام ١ : ٢٤.
(٣) التهذيب ١ : ٢٨٣ / ٨٣٠ ، الوسائل ٣ : ٤٩٤ أبواب النجاسات ب ٥١ ح ١.
(٤) في « رض » : آخر.
(٥) الكافي ٣ : ٥٥ / ١ ، الوسائل ٣ : ٣٩٥ أبواب النجاسات ب ١ ح ٤.
(٦) التهذيب ١ : ٢٤٩ / ٧١٦ ، الوسائل ٣ : ٣٩٥ أبواب النجاسات ب ١ ح ٣.
والمحققرحمهالله جعل غَسل الثوب من البول مرّتين غَسلاً ، وفي البدن صبّاً ، وجعل وجه الفرق أنّ الغَسل يتضمن العصر والصب لا عصر معه ، قال : وأمّا الفرق بين الثوب والبدن فلأنّ البول يلاقي ظاهر البدن ، ولا يرسب فيه ، فيكفي صبّ الماء ؛ لأنّه يزيل ما على ظاهره ، وليس كذلك الثوب ، لأنّ النجاسة ترسخ فيه فلا تزول إلاّ بالعصر(١) .
وأنت خبير بأنّ للمناقشة فيه مجالاً ، وما قاله من المرّتين في الثوب هو المشهور في غير بول الرضيع(٢) ، بل ظاهر كلامه في المعتبر أنّه لا خلاف فيه(٣) ، وقد صرح الشهيد في البيان بأنّ الخلاف متحقق بين الأصحاب فاكتفى بعض بالمرّة(٤) .
وبالجملة فالإشكال في تحقق الفرق بين الصبّ والغَسل واقع ، والله تعالى أعلم بالحال.
الثاني : ظاهر رواية سماعة لزوم غسل الثوب كله إذا لم يجد مكانه ، وغير خفيّ أنّ الحكم مقيّد بما إذا لم يُعلم انتفاء النجاسة في جانب.
وقوله : فإن لم أجد مكانه ، معلوم أنّ المراد به العلم بالإصابة مع جهل المكان ، والخبر وإنّ لم يكن معتبراً إلاّ أنّ الشيخ في التهذيب روى بطريق حسن في باب تطهير الثياب ما يدل على مضمونه في المني ، ونحو ذلك أخبار صحاح(٥) .
والمحقق في المعتبر استدل على الحكم حيث إنّ ظاهر الأخبار
__________________
(١) المعتبر ١ : ٤٣٥.
(٢) انظر الحبل المتين : ٩٥.
(٣) المعتبر ١ : ٤٣٥.
(٤) البيان : ٩٣.
(٥) التهذيب ١ : ٢٥١ ، ٢٥٢.
غَسل ما يقع فيه الاشتباه بأنّ النجاسة موجودة على اليقين ، ولا يحصل اليقين بزوالها إلاّ بغَسل جميع ما وقع فيه الاشتباه(١) .
واعترض عليه بأنّ يقين(٢) النجاسة يرتفع بغَسل جزء ممّا وقع فيه الاشتباه وإنّ لم يحصل القطع بغَسل ذلك المحل بعينه(٣) .
وفي نظري القاصر أنّ هذا الاعتراض لا وجه له بعد ورود معتبر الأخبار بغَسل الثوب كله ، وقد أوضحت الحال في حاشية التهذيب بما حاصله : أنّا نمنع ارتفاع يقين(٤) النجاسة بما ذكر ، لأنّه لا معنى للنجاسة إلاّ المنع من العبادة بسبب وصول العين النجسة(٥) إلى الثوب على وجه خاص ، فزوال المنع يتوقف على إباحة الشارع ما منع منه ، ولم يعلم إلاّ بغَسله كلّه ، وعدم يقين بقاء العين بعد غَسل جزء لا يستلزم زوال المنع.
فإنّ قلت : الدليل الدال على أنّ النجاسة لا بدّ فيها من العلم موجود وبتقدير غَسل الجزء يزول اليقين(٦) ، فيزول المنع.
قلت : قد تقدم منّا جواب هذا بما يغني عن الإعادة تفصيلاً ، والإجمال أنّ يقين(٧) النجاسة لا يرفعه إلاّ ما أعدّه الشارع ، والمعدّ هنا غَسل ما يحصل فيه الاشتباه ، وحصول النجاسة حينئذ بالظن لا يضرّ ، لأنّ الممنوع منه على ما يستفاد من الأدلة عدم الاعتبار بظن النجاسة ابتداءً ، وبالجملة
__________________
(١) المعتبر ١ : ٤٣٨.
(٢) في « فض » و « رض » : تعين.
(٣) كما في المدارك ٢ : ٣٣٤.
(٤) في « فض » و « رض » : تعين.
(٥) في « فض » : النجاسة.
(٦) في « فض » : التعين.
(٧) في « فض » « رض » : تعين.
لا تعارض بين ما دل على العلم وبين ما نحن فيه.
فإنّ قلت : مقتضى الرواية المروية(١) في التهذيب(٢) أنّ غَسل الثوب كله أحسن ، والمطلوب وجوب الغَسل لا حسنة ، إذ الأكملية لا ريب فيها.
قلت : الأمر كما ذكرت إلاّ أنّ غيره من الأخبار أصرح منه ، وإنّ أردت تحقيق الحال فارجع إلى ما ذكرناه ثَمّ.
الثالث : ربما يستفاد من خبر الحسين بن أبي العلاء أنّ العصر لكون البول استنقع في الثوب كما يشعر به قوله : الصبي يبول على الثوب. وقد ذكر الشهيدرحمهالله في الذكرى : أنّ العلّة في العصر وجوب إخراج النجاسة(٣) . لكن لا يخفى أنّ الوجه المذكور يقتضي عدم لزوم العصر إذا علم انتفاء دخول شيء من النجاسة في بطن الثوب ، والمدعى الوجوب مطلقاً ، والخبر المذكور لا يصلح للاعتماد عليه في إثبات الحكم ؛ لوجوه : أظهرها أنّ إطلاق الصب في الأخبار موجود مع قيام احتمال دخول النجاسة.
وما ذكره العلاّمة في التذكرة والنهاية(٤) : من أنّ وجه العصر نجاسة الغُسالة. ففيه : أنّ نجاسة الغسالة لا تختص بنجاسة دون نجاسة فيبقى العصر في نجاسة البول مطلقاً. ولا يقول به.
أمّا ما اعترض عليه به من أنّ اللازم من التوجيه الاكتفاء بما يحصل به الإزالة وإنّ كان بمجرّد الجفاف ، فلا يتعين العصر(٥) . ففيه نظر ؛ لأنّ الظن
__________________
(١) لفظة : المروية ، ليست في « رض ».
(٢) التهذيب ١ : ٢٥٢ / ٧٢٨ ، الوسائل ٣ : ٤٢٤ أبواب النجاسات ب ١٦ ح ٤.
(٣) الذكرى : ١٤.
(٤) التذكرة ١ : ٨٠ ، نهاية الإحكام ١ : ٢٧٧.
(٥) كما في المدارك ٢ : ٣٢٦.
حاصل بانفصال النجاسة مع العصر دون الجفاف.
وما ذكره شيخناقدسسره : من أنّ هذا يعني الظن المذكور مجرّد دعوى خلية عن الدليل(١) . محل بحث.
نعم الأولى أنّ يقال : إنّ نجاسة الغُسالة على تقدير القول بها بعد الانفصال سواء كان بالعصر أو غيره ، فما يتخلف في الثوب لا يحكم بنجاسته كما تدل عليه الأدلة العامة المنبئة عن طهارته بالغَسل بصبّ الماء على المحل ، إلاّ أنّ في ثبوت ما يصلح للاستدلال بالاكتفاء بالصبّ على الإطلاق تأمّلاً ، فلا ينبغي الغفلة عن هذا كلّه.
اللغة :
قال في القاموس : عَصَرَ العِنَبَ ونحوَه يَعْصِرُه فهو مَعْصورٌ وعَصير ، واعْتَصَرَهُ اسْتَخْرَجَ ما فيه(٢) .
وعرّفه جدّيقدسسره بأنّه كبس الثوب بالمعتاد لإخراج الماء المغسول به(٣) . وأنت خبير بالمغايرة بين المعنى اللغوي والتفسير المذكور ، فتدبّر.
قوله :
باب المذي يصيب الثوب والجسد.
أخبرني الشيخ رحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسن بن سعيد ، عن ابن أبي
__________________
(١) المدارك ٢ : ٣٢٦.
(٢) القاموس المحيط ٢ : ٩٣ ( العصر ).
(٣) الروضة البهية ١ : ٦١.
عمير ، عن غير واحد من أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « ليس في المذي من الشهوة ، ولا من الإنعاظ ، ولا من القُبلة ، ولا من مسّ الفرج ، ولا من المضاجعة وضوء ، ولا يغسل منه الثوب ولا الجسد ».
فأمّا ما رواه أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن الحسين بن أبي العلاء قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن المذي يصيب الثوب؟ قال : « إن عرفت مكانه فاغسله وإنّ خفي مكانه عليك فاغسل الثوب كله ».
عنه ، عن علي ، عن الحسين بن أبي العلاء قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن المذي يصيب الثوب فيلتزق به؟ قال : « يغسله ولا يتوضّأ ».
فالوجه في قوله : « يغسله » ضرب من الاستحباب ، وقد استوفينا ما يتعلق بهذا الباب في الكتاب الكبير ، وفيما ذكرناه ها هنا وفيما تقدم من الكتاب كفاية إنّ شاء الله ، وقد روى هذا الراوي بعينه ما ذكرناه.
روى أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن الحسين بن أبي العلاء قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن المذي يصيب الثوب؟ قال : « لا بأس به » فلما رددنا عليه قال : « ينضحه ».
السند :
في الأوّل معروف الحال ممّا تقدم(١) ، ومال بعض مشايخنا إلى عدّه من الصحيح(٢) ، وإنّ لم نقل بقبول مراسيل ابن أبي عمير ؛ لأنّ قوله : عن
__________________
(١) راجع ص ٥٤٣.
(٢) كصاحب المدارك ١ : ١٥٢.
غير واحد ، يفيد ذلك. ولا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ غير الواحد إذا لم يحصل فيهم الوصف المعتبر في القبول لا يفيد.
وكذلك حال الثاني ، غير أنّ علي بن الحكم قد أسلفنا أنّ الراوي عنه إذا كان أحمد بن محمد بن عيسى فهو الثقة(١) بتقدير الاشتراك.
ومرادنا بتقدير الاشتراك أنّ احتمال الاتحاد له نوع وجه ؛ لأنّ علي بن الحكم الكوفي الثقة ذكره الشيخ في الفهرست(٢) ، والنجاشي ذكر علي بن الحكم بن الزبير النخعي غير موثق(٣) . والكشي ذكر علي بن الحكم الأنباري(٤) ، فالعلاّمة ظن التعدد(٥) وكذلك ابن داود(٦) .
وربما كان الوجه في ذلك أنّ الكشي نقل عن حمدويه ، عن محمد بن عيسى : أنّ علي بن الحكم هو ابن أخت داود بن النعمان بيّاع الأنماط ، وهو نسيب بني الزبير الصيارفة ، وعلي بن الحكم تلميذ ابن أبي عمير(٧) . ولا يبعد أنّ يكون الضمير في « وهو نسيب بني الزبير » عائداً إلى داود بن النعمان كما ينبه عليه ذكر علي بن الحكم ثانياً ، فلا يتوهم التعدد.
وممّا يؤيّد عدم التعدد أنّ الشيخ ذكر الكوفي خاصّة ، والنجاشي النخعي خاصّة ، والكشي الأنباري خاصّة ، ولا مانع من اتصاف الرجل الواحد بأوصاف ، غير أنّ مجال الاحتمال واسع ، أمّا ما اتفق للعلاّمة وابن
__________________
(١) راجع ص ٨٤٧.
(٢) الفهرست : ٨٧ / ٣٦٦.
(٣) رجال النجاشي : ٢٧٤ / ٧١٨.
(٤) رجال الكشي ٢ : ٨٤٠ / ١٠٧٩.
(٥) خلاصة العلاّمة : ٩٣ / ١٤ و ٩٨ / ٣٣.
(٦) رجال ابن داود : ١٣٨ / ١٠٤٤ ١٠٤٦.
(٧) رجال الكشي ٢ : ٨٤٠ / ١٠٧٩.
داود من الاختلاف فأمره سهل كما لا يخفى.
والثالث كالثاني.
والرابع ليس فيه إلاّ الحسين بن أبي العلاء ممّا يوجب التوقف في الصحة على ما قدّمناه(١) .
المتن :
في الأوّل ظاهر الدلالة على طهارة المذي سواء حصل من الشهوة أو الإنعاظ أو القُبلة أو المسّ أو المضاجعة ، بقرينة قولهعليهالسلام أخيراً : « ولا يغسل منه الثوب » وقد قدّمنا النقل عن العلاّمة في ما سبق أنّه استدل بهذا الخبر على نفي الوضوء بمسّ الفرج(٢) ، وبيّنا ما ذكرناه هنا.
والعجب من بعض المحقّقين سلّمه الله أنّه قال : قولهعليهالسلام : « ولا من الإنعاظ » إمّا معطوف على قوله : « من الشهوة » أو على قوله : « في المذي » وعلى الأوّل يكون الكلام مقصوراً على ذكر عدم النقض بالمذي وحده سواء كان من الشهوة أو من الإنعاظ أو ما عطف عليه ، وعلى الثاني يكون الغرض عدم النقض بشيء من الأُمور الخمسة ، قال ـ سلّمه الله ـ : وبهذا يظهر عدم صلاحيته للاستدلال على عدم النقض بمسّ الفرج ، فاستدلال العلاّمة وغيره على ذلك محل كلام(٣) ، انتهى.
وأنت خبير بأنّ ما ذكرناه من دلالة آخر الحديث لا ارتياب فيها واحتمال غيره خلاف الظاهر ، بل خلاف الصريح ، على أنّ العطف على
__________________
(١) في ص ١٥٠.
(٢) راجع ص ٣٩٤ ٣٩٩.
(٣) البهائي في الحبل المتين : ٣١.
قوله : « في المذي » يوجب سماجة(١) اللفظ كما هو واضح.
والخبر الثاني والثالث نقل العلاّمة في المختلف عن ابن الجنيد أنّه احتج بهما على نجاسة المذي بعد أن نقل عنه أنّه قال : ما كان من المذي ناقضاً لطهارة الإنسان غُسل منه الثوب والجسد ، ولو غُسل من جميعه كان أحوط(٢) . قال العلاّمة : وجَعَل المذي الناقض ما خرج عقيب شهوة لا ما كان )(٣) من الخلقة.
وأجاب العلاّمة عن الحديثين بالمنع من صحة السند أوّلاً ، وبالحمل على الاستحباب ثانياً.
وزاد في الحجّة أيضاً أنّ المذي خارج من أحد السبيلين فكان نجساً كالبول. وأجاب بما هذا لفظه : الجواب عن القياس بالفرق بما افترق به الأصل والفرع وإلاّ لاتّحدا وهو ينافي القياس ، على أنّ القياس عندنا باطل(٤) .
واعترض الوالدقدسسره على الحجّة بالخبرين أنّهما لا يناسبان قول ابن الجنيد ؛ لأنّه خصّ بالناقض ، وجعل الغَسل من الجميع أحوط ، قالقدسسره : وهذا يعني تخصيص قول ابن الجنيد وإنّ كان في موضع النظر من حيث إنّ المعروف من المذي ما كان عقيب الشهوة ، وقد فسّر به الناقض الذي جعله مناطاً لوجوب الغَسل ، إلاّ أنّه بعد فرضه صدق الاسم عليه وعلى غيره لا يناسبه التمسك بالحديثين ، قالقدسسره : وأمّا القياس على
__________________
(١) سَمج كَكَرُمَ سَماجَة قبُحَ ، القاموس المحيط ١ : ٢٠١ ( سمج ).
(٢) المختلف ١ : ٣٠٤.
(٣) بدل ما بين القوسين في « د » : إلاّ ما كان ، وفي « رض » : لا ما خرج.
(٤) المختلف ١ : ٣٠٥.
البول فلأنه يقتضي نجاسة الجميع والتفصيل ينافيه.(١) . انتهى.
وفي نظري القاصر أنّ لابن الجنيد أنّ يقول في دفع الاعتراض : أما الأوّل فبأنّ ما دل على النقض تضمن التخصيص بما كان عن شهوة ، وهو خبر علي بن يقطين المعدود في الصحيح حيث قالعليهالسلام فيه عن المذي : « إنّ كان عن شهوة نقض »(٢) .
والمناقشة بأنّ المعروف في المذي ما كان عقيب الشهوة ، يدفعها الخبر المبحوث عنه فإنّه ذكر المذي من الشهوة وغيرها ، وفي خبر لعلي بن يقطين أنّ المذي من شهوة وغير شهوة منه الوضوء(٣) . وهذا وإنّ كان مخالفاً لقول ابن الجنيد ، إلاّ أنّه يدفع المناقشة ، ولابن الجنيد أنّ يوجّه ذلك ، وإن كان الحق اندفاع ما قاله من النقض بما ذكرناه في موضعه ، غاية الأمر أنّ ما ذكره الوالدقدسسره لا يخلو من غرابة.
ثم الاعتراض بعدم دلالة الخبرين على التفصيل له وجه إلاّ أنّ النظر الى الأخبار الدالة على النقض والدالة على الغَسل يوجب التقييد ، والاكتفاء بالإجمال اعتماداً على الظهور غير عزيز الوجود ، ومثل هذا القياس على البول.
وقد أجاب العلاّمة بضعف الخبرين(٤) ، إمّا للحسين بن أبي العلاء ، أو لاشتراك علي بن الحكم على ما ظنه ، فلا صراحة في كلامه على عدم توثيق الحسين بن أبي العلاء.
__________________
(١) معالم الفقه : ٢١٠.
(٢) التهذيب ١ : ١٩ / ٤٥ ، الوسائل ١ : ٢٧٩ أبواب نواقض الوضوء ب ١٢ ح ١١.
(٣) التهذيب ١ : ٢١ / ٥٣ ، الإستبصار ١ : ٩٥ / ٣٠٦ ، الوسائل ١ : ٢٨١ أبواب نواقض الوضوء ب ١٢ ١٦ ، وفي الجميع : يعقوب بن يقطين بدل علي بن يقطين.
(٤) راجع ص ٨٥٣.
وقد اعترض الوالدقدسسره على جواب العلاّمة عن الحجّة الأُخرى بأنّ محاولته إبداء الفارق يشعر بكونه جواباً على طريق التنزل والتسليم ، لا سيما بقرينة قوله : على أنّ القياس. فإنّه ارتقاء من الأدنى يعني تجويز القياس إلى منع العمل ، به واعتبار الفرق الذي ذكره يقتضي نفي القياس رأساً ؛ إذ ما من قياس إلاّ يتأتّى فيه هذا الفرق ، ولو حمل على جعله وجهاً لإبطال أصل القياس لم يبق لقوله « على » معنىً ، هذا(١) . انتهى ملخصاً.
ولا يخفى وجاهته ، غير ان في نظري القاصر يمكن تكلّف الجواب بأنّ مراده أوّلاً بيان بطلان القياس على مذهب الخصم ، فلو رام دفع الجواب بأنّ الفرق بين الفرع والأصل لا يقتضي عدم صحة القياس يقال : إنّه عندنا باطل بالإجماع ، ويكون لفظة : عندنا ، دالاًّ على الإجماع ، والترقي من الأدنى إلى الأعلى ممكن بأنّ يقال : إنّ المراد ابطال القياس بوجهين : أدنى ، وهو لزوم عدم الفرق ، وأعلى وهو الإجماع ، ووجه كون الأوّل أدنى إمكان الدخل فيه بخلاف الثاني.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العلاّمة قال في الاحتجاج للطهارة : لنا : الإجماع من الإمامية على طهارته ، وخلاف ابن الجنيد غير معتدٍّ به ، فإنّ الشيخرحمهالله لمّا ذكره في الفهرست وأثنى عليه قال : إلاّ أنّ أصحابنا تركوا خلافه لأنّه كان يقول بالقياس(٢) . انتهى.
ولقائل أنّ يقول : العجب منهرحمهالله أوّلاً : أنّ الإجماع لا يشترط فيه جميع الأعصار ليحتاج إلى الطعن في ابن الجنيد ، وثانياً : أنّه لو كان معتمداً لما ضرّ على تقدير اعتبار الجميع لمعلومية النسب ، وثالثاً أنّه في إيضاح
__________________
(١) معلم الفقه : ٢١١.
(٢) المختلف ١ : ٣٠٤ ، وهو في الفهرست : ١٣٤ / ٥٩٠.
الاشتباه قال في ترجمة ابن الجنيد ما هذا لفظه ـ بعد نقل كلام لصفي الدين ابن معد يتضمن المدح لبعض مصنفات ابن الجنيد ـ : وأقول : وقع إليّ من مصنفات الشيخ المعظم الشأن كتاب الأحمدي في الفقه المحمدي ، وهو مختصر هذا الكتاب ، جيّد ، يدل على فضل هذا الرجل وكماله وبلوغه الغاية القصوى في الفقه وجودة نظره ، وأنا ذكرت خلافه وأقواله في كتاب مختلف الشيعة(١) . انتهى.
وأنت خبير بأنّ هذا الكلام مناف لما قاله في المختلف.
وربما يمكن الجواب عن الأوّل : بأنّ الإجماع وإن لم يعتبر فيه جميع الأعصار إلاّ أنّه إذا اتفقت فيه جميع الأعصار كان أولى بالاستدلال.
وعن الثاني : بأنّ معلومية النسب وإن كانت غير قادحة في الإجماع عنده إلاّ أنّه إذا انضمّ إليها ما يزيد الدليل قوة كان أحرى بالقبول ، على أنّ في عدم القدح بالمعلوم نوع كلام ، لاحتمال وجود المشارك كما ذكره بعض مشايخنا(٢) ، وإن كان فيه نظر ؛ لأنّ المفروض انحصار المخالف في المعلوم ، والاحتمال البعيد لا يقدح ، غير أنّ تحقق الإجماع الحقيقي على تقدير الإمكان في بعض الأزمان في غاية البعد ، هذا.
وما ذكره الشيخ من الحمل على الاستحباب ظاهر الوجاهة ، وقد يحتمل التقية لولا نفي الوضوء في الخبر الثالث.
بقي فيه شيء وهو أنّ قوله : قال : « ينضحه » كما يحتمل أنّ يكون من الإمامعليهالسلام حين ردّد عليه الحسين أبي العلاء يحتمل أنّ يكون من الحسين والرادّ عليه علي بن الحكم ، ووجه الرّد أنّهم رووا عنه أنّه سمع
__________________
(١) إيضاح الاشتباه : ٢٩١.
(٢) لم نعثر عليه في المدارك والحبل المتين.
خلاف ذلك ، فقال عوض لا بأس به » « ينضحه » لكن لا يخفى بُعد هذا ، فتأمّل.
اللغة :
قد قدّمنا تفسير المذي عن بعض(١) ، والإنعاظ قال في القاموس : إنّه قيام الذكر(٢) . وفيه أيضاً : نضح البيت ينضحه : رشّه(٣) .
قوله :
باب المقدار الذي يجب إزالته من الدم وما لا يجب
أخبرني الشيخرحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد ابن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز ، عن محمد بن مسلم قال : قلت له : الدم يكون في الثوب عليّ وأنا في الصلاة ، قال : « إنّ رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصلّ ، فإنّ لم يكن عليك غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم [ وإنّ كان أقل(٤) ] من ذلك فليس بشيء رأيته أو لم تره ، فاذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم وضيّعت غَسله وصلّيت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صلّيت فيه ».
وأخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ،
__________________
(١) راجع ص ٨٥٣.
(٢) القاموس المحيط ٢ : ٤١٤ ( نعظ ).
(٣) القاموس المحيط ١ : ٢٦٢ ( نضح ).
(٤) ما بين المعقوفين أثبتناه من الاستبصار ١ : ١٧٥ / ٦٠٩.
عن أبيه ، عن محمد بن علي بن محبوب ، عن الحسين بن الحسن ، عن جعفر بن بشير ، عن إسماعيل الجعفي ، عن أبي جعفرعليهالسلام (١) قال في الدم يكون في الثوب : « إن كان أقلّ من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة ، وإن كان أكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسله حتى صلّى فليعد صلاته ، وإن لم يكن رآه حتى صلّى فلا يعيد الصلاة ».
وأخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الصفار(٢) ، عن علي بن الحكم ، عن زياد بن أبي الحلال ، عن عبد الله بن أبي يعفور قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : ما تقول في دم البراغيث؟ قال : « ليس به بأس » قال ، قلت : إنّه يكثر ، قال : « وإن كثر » قال : قلت : فالرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى(٣) أن يغسله فيصلّي ثم يذكر بعد ما صلّى أيعيد صلاته؟ قال : « يغسله ولا يعيد صلاته إلاّ أن يكون مقدار الدرهم مجتمعاً فيغسله ويعيد الصلاة ».
أخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أبي جعفر ، عن علي بن حديد ، عن جميل بن درّاج ، عن بعض أصحابنا ، عن ابي جعفر وأبي عبد الله عليهماالسلام أنّهما قالا : « لا بأس بأن يصلّي الرجل في الثوب وفيه الدم متفرقاً شبه النضح ، فإن كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن مجتمعاً قدر الدرهم ».
__________________
(١) في « د » : أبي عبد اللهعليهالسلام .
(٢) في الاستبصار ١ : ١٧٦ / ٦١١ زيادة : عن أحمد بن محمد.
(٣) في الاستبصار ١ : ١٧٦ / ٦١١ : فنسي.
السند :
في الأوّل : لا ارتياب فيه على ما قدّمناه ، وحمّاد هو ابن عيسى كما صرّح به الصدوق في الفقيه حيث قال في إسناده إلى وصية أمير المؤمنينعليهالسلام لابنه محمد بن الحنفية : عن علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، ويغلط أكثر الناس فيجعلون مكان حماد بن عيسى : حمّاد بن عثمان ، وإبراهيم بن هاشم لم يلق حمّاد بن عثمان(١) . والعلاّمة في الخلاصة ذكر ذلك تبعاً(٢) . وما قد يظن من ( إمكان ذلك للتصريح في )(٣) كتب الرجال حيث ذكر إبراهيم وحمّاد بن عثمان في أصحاب الرضا(٤) ، يدفعه أنّ اللقاء أمر آخر كما لا يخفى.
والثاني : فيه الحسين بن الحسن على ما وقفت عليه من النسخ ، ولا يبعد كونه ابن أبان ، وقد أسلفنا بيان حاله(٥) .
وفي فوائد شيخنا المحقق أيّده الله على الكتاب ما هذا لفظه : قيل : لعلّ الصواب : الحسن بن الحسين ، وهو اللؤلؤي ؛ لما تقدم في باب من دخل في الصلاة بتيمم من رواية محمد بن علي بن محبوب ، عنه ، عن جعفر بن بشير. وفيه نظر ، وكأنّ الحسين هو ابن الحسن بن أبان والحديث صحيح ، أو هو ابن الحسن الفارسي المذكور مهملاً. انتهى كلامه أيّده الله.
وكأنّ وجه النظر أنّه لا يلزم من تلك الرواية كونه مطّرداً ، وهو كذلك ،
__________________
(١) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ١٢٥.
(٢) الخلاصة : ٥٦ / ٢.
(٣) ما بين القوسين ليس في « د ».
(٤) راجع رجال الطوسي : ٣٦٩ / ٣٠ و ٣٧١ / ١.
(٥) في ص ٢٧.
إلاّ أنّ الظن يقرب إلى ترجيح ما ذكره القائل لولا اتفاق النسخ ، وبالجملة فللكلام مجال في صحة الحديث بالنسبة إلى الرجل المبحوث عنه بعد وجود من ذكر مهملاً.
وأمّا إسماعيل الجعفي فهو وإنّ كان مشتركاً بين ابن جابر وبين ابن عبد الرحمن المذكور في رجال الباقر والصادقعليهماالسلام من كتاب الشيخ : إنّه كان فقيهاً(١) . إلاّ أنّ الظاهر كونه ابن جابر وقد وقع فيه نوع اضطراب ؛ لأن النجاشي ذكره من غير توثيق(٢) ، والعلاّمة وثّقه(٣) .
والذي وجدناه في كتاب الشيخ من رجال الباقرعليهالسلام إسماعيل بن جابر الخثعمي وقال إنّه ثقة ممدوح(٤) . والعلاّمة قال بعد لفظ ثقة : ممدوح ، وهو قرينة على أنّ الأخذ من كلام الشيخ ، فيكون الخثعمي في النسخ ، وممّا يؤيّد ذلك أنّ النجاشي قال في : إنّه روى حديث الأذان(٥) ، والحديث في كتابي(٦) الشيخ بلفظ الجُعفي.
وفي رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ : الخثعمي أيضاً من غير توثيق(٧) .
والثالث : فيه أنّ الصواب رواية الصفار ، عن أحمد بن محمد ، عن
__________________
(١) رجال الطوسي : ١٠٤ / ١٥ و ١٤٧ / ٨٤.
(٢) رجال النجاشي : ٣٢ / ٧١.
(٣) خلاصة العلاّمة : ٨ / ٢.
(٤) رجال الطوسي : ١٠٥ / ١٨.
(٥) رجال النجاشي : ٣٢ / ٧١.
(٦) في « د » و « رض » : كتاب. والحديث موجود في التهذيب ٢ : ٥٩ / ٢٠٨ ، والاستبصار ١ : ٣٠٥ / ١١٣٢.
(٧) رجال الطوسي : ١٤٧ / ٩٣.
علي بن الحكم ، كما في التهذيب(١) . وزياد بن أبي الحلال وعبد الله حالهما في الجلالة غني عن المقال.
والرابع : ضعيف بعلي بن حديد والإرسال ، وأبو جعفر هو أحمد بن محمد بن عيسى على ما ذكره العلاّمة في الخلاصة(٢) ، والاعتبار يساعده ، إلاّ أنّا قدّمنا ما يوجب نوع ريب في ذلك ، وأمره سهل(٣) .
والعجب من العلاّمةرحمهالله في الخلاصة أنّه قال في ترجمة إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي الذي أشرنا إلى احتماله سابقاً ما هذا لفظه : إسماعيل ابن عبد الرحمن الجُعفي الكوفي تابعي من أصحاب أبي عبد الله الصادق سمع من أبي الطفيل مات في حياة أبي عبد اللهعليهالسلام وكان فقيهاً وروى عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام ، ونقل ابن عقدة أنّ الصادقعليهالسلام ترحّم عليه ، وحكي عن ابن نمير أنّه قال : إنّه ثقة ، وبالجملة إنّ حديثه اعتمد عليه(٤) . انتهى.
وأنت خبير بأنّ ما ذكره لا يصلح للاعتماد إلاّ أن يكون له وجه آخر مخفي ، ومثل هذا يوجب التعجب.
المتن :
في الأوّل : يدل صدره على أنّ الدم إذا رئي في الثوب في أثناء الصلاة وكان على المصلّي ثوب غير الذي فيه الدم فليطرح الثوب وليصلّ ،
__________________
(١) التهذيب ١ : ٢٥٥ / ٧٤٠ ، الوسائل ٣ : ٤٣٥ أبواب النجاسات ب ٢٣ ح ١.
(٢) الخلاصة : ٢٧١.
(٣) في « د » زيادة : حاصل ما ذكرناه أنّ العلاّمة في فوائد الخلاصة جزم بأنّ ما يذكره الشيخ وغيره عن سعد بن عبد الله عن أبي جعفر ، فالمراد بأبي جعفر أحمد بن محمد بن عيسى والحال أنّ في الكافي في تاريخ مولد النبيصلىاللهعليهوآله سعد بن عبد الله عن أبي جعفر محمد بن عمرو بن سعيد ، نعم الشيخ صرّح بأنه أحمد بن محمد في التهذيب في كتاب الطهارة في سؤر الكلب ، فتأمل.
(٤) الخلاصة : ٨ / ٣.
وإن لم يكن غيره فليمض في الصلاة ، وقوله : « ما لم يزد » هكذا فيما وقفت عليه ، لكنه في التهذيب : « وما لم يزد »(١) والمعنى على ما في التهذيب أوضح ، لكن الظاهر ارتباطه بالسابق أيضاً على معنى أنّ وجوب الطرح إنّما هو إذا زاد على مقدار الدرهم.
وقد يشكل الارتباط بأنّ الزيادة إنّما ذكرت لما بعدها من جهة الفرق بين الرؤية وعدمها. ويمكن أن يقال : إنّه لا منافاة فيجتمع الأحكام.
وأنت خبير بأنّ الإطلاق في صدره يشمل ما لو استلزم الطرح فعلاً كثيراً وعدمه ، وبعض المتأخّرين قيّد الحكم بغير الفعل الكثير(٢) .
ثم إنّ الإطلاق في المضيّ يتناول الضرورة وعدمها ، وفيه أيضاً كلام ذكرناه في محلّه.
ثم إنّ ما يقتضيه هذه العبارة من قوله : « ما لم يزد » من دون الواو لو كان مرتبطاً بما قبله إمّا بالإعادة ، أو بالمضي في الصلاة ، أو بالطرح والصلاة لم يبق لقوله : « فليس بشيء رأيته أو لم تره » مناسبة كما لا يخفى ، بل يضر بحال ما تقدم ؛ لأنّه إذا كان ليس بشيء فلا وجه لبعض ما تقدّم إلاّ بالحمل على الاستحباب في بعض ، ويلزم نوع اضطراب في المتن.
ولا يخفى دلالة عجز الخبر على اعتبار كون الدم أكثر من درهم ، لكن يدل على أنّ الدم رئي لتكون الصلاة وقعت نسياناً أو جهلاً على احتمال لا يخلو من تأمّل ، والرؤية المذكورة لا تخلو من شمول بحسب الإطلاق لما قبل الصلاة أو في أثنائها ، وقد يظن ظهور تضييع الغَسل بما
__________________
(١) التهذيب ١ : ٢٥٤ / ٧٣٦ ، الوسائل ٣ : ٤٣١ أبواب النجاسات ب ٢٠ ح ٦ وفيه : ما لم يزد.
(٢) كما في المدارك ٢ : ٣٥٣.
قبل الصلاة كما يعرف بالتأمّل ، كما يظهر منه وجه التأمل في تناول الجاهل ، وإن أمكن أن يكون من أسباب التضييع عدم السؤال عن حكمه.
وأنت خبير بأنّ الظاهر أيضاً من التضييع ينافي النسيان ، ولعل التوجيه غير عسر.
والخبر الثاني : له تأييد لما تضمنه العجز ، والكلام في الرؤية فيه كالأوّل ، إلاّ أنّ له ظهوراً أزيد من الأوّل في الدلالة على ما قبل الصلاة ، واحتمال أنّ يقال بصراحته ، لما يفهم من قوله : « حتى صلّى » يدفعه التأمّل الصادق.
وقد نقل العلاّمة(١) والمحقّق(٢) في المعتبر الإجماع على وجوب إزالة ما زاد على الدرهم ، كما ادّعيا الإجماع على أنّ الأقل من الدرهم لا تجب إزالته ، وإنّما الخلاف في مقدار الدرهم ، فذهب البعض إلى عدم العفو عنه(٣) ، وينقل عن السيّد المرتضى وسلاّر عدم وجوب الإزالة(٤) .
والخبر الثالث : كما ترى يدل على اعتبار مقدار الدرهم مجتمعاً.
وقيل في توجيه دلالته : إنّه لو كان العفو عن مقدار الدرهم حاصلاً لما وجب إعادة الصلاة مع النسيان(٥) .
والخبران الأوّلان يدلان على اعتبار الزيادة ، والمفهوم منهما العفو عن المساوي ، إلاّ أنّ بعض القائلين بالعفو عن المساوي قال : إنّه لا يعارض الخبران(٦) الخبر الثالث لاعتضاد الخبرين بأصالة البراءة ، والقائلون بعدم العفو
__________________
(١) التذكرة ١ : ٧٣ والمختلف ١ : ٣١٩.
(٢) المعتبر ١ : ٤٢٩.
(٣) اختاره في المختلف ١ : ٣١٩.
(٤) نقله عنهما في المختلف ١ : ٣١٨ ، وهو في الانتصار : ١٣ ، والمراسم : ٥٥.
(٥) قال به العلاّمة في المختلف ١ : ٣١٩ ، وصاحب المدارك ٢ : ٣١٢.
(٦) في « فض » زيادة : مفهوم.
عن المساوي أيّدوا الخبرين بالأخبار المطلقة الدالة على إزالة الدم كيف كان ، خرج ما وقع الاتفاق عليه ، وهو الناقص ، فبقي الباقي ، وللكلام في المقام مجال وقد بسطنا القول فيه في حاشية الروضة غير أنّا نذكر هنا ما لا بدّ منه.
( فنقول : لا ريب في تعارض خبري محمد بن مسلم وابن أبي يعفور عند من يعمل بالحسن على ما ذكره من رأينا كلامه )(١) من الأصحاب(٢) أمّا خبر الجعفي فالعمل به غير واضح الوجه ، ومع التعارض فالأولى الاعتماد على أنّ ذكر الزيادة في خبر ابن مسلم تنبيه على أن اتفاق كون الدم بمقدار الدرهم بعيد ، والغالب فيه الزيادة والنقصان ، ويؤيّد ذلك ما في رواية إسماعيل الجعفي من ذكر الأقل والأكثر من دون ذكر المساوي ، وعلى هذا فالمفهوم الحاصل من رواية محمّد بن مسلم يقيد برواية ابن أبي يعفور ، كما أنَّ مفهوم الشرط الأوّل في رواية الجعفي يقيّد الثاني فيها.
وإنّ لم يعمل بالحسن فخبر ابن ابي يعفور لا معارض له ، نعم فيه نوع إجمال وسنذكره إنّ شاء الله.
وفي نظري القاصر أنّ المفهوم في خبر محمد بن مسلم وإنّ ذكره والديقدسسره (٣) أيضاً لا يخلو من تأمّل ؛ لاحتماله أمرين : أحدهما عدم الرؤية وهو أكثر من مقدار الدرهم ، وثانيهما الرؤية وهو مساوٍ ، وخبر ابن أبي يعفور تضمن النسيان ، وهو مخصوص بالرؤية ، إذ النسيان لا يكون إلاّ معها ، فإطلاق تقييد كل من الروايتين بالأخرى محل بحث يظهر بمزيد
__________________
(١) ما بين القوسين ساقط من « رض ».
(٢) معالم الفقه : ٢٩٣ ٢٩٤.
(٣) معالم الفقه : ٢٩٣ ٢٩٤.
التأمّل وجهه ، هذا.
وقد اتفق للعلاّمة في المختلف الاحتجاج برواية إسماعيل الجعفي للقول بمساواة الدرهم للزائد عنه ، واقتصر منها على الشرط الأول(١) ، وهو غريب.
وفي المنتهى ذكرها في حجة مساواته للناقص(٢) ، ولا يخلو من تأمّل ؛ لأنّه وإن استفيد من الشرط الثاني إلاّ أنّ معارضة من الشرط الأول موجود في الرواية.
وقد أجاب العلاّمة عن خبر محمد بن مسلم بأنّه لم يسنده إلى إمام قال : وعدالته وإنّ كانت تقتضي الإخبار عن الإمام إلاّ أنّ ما ذكرناه يعني حديث ابن أبي يعفور لا لبس فيه(٣) .
وأنت خبير بأنّ مثل هذا الإضمار لا يضر في الاخبار لا سيّما من مثل محمد بن مسلم ، كما أوضحه الوالدقدسسره (٤) وأشرنا إلى ذلك في موضعه(٥) .
وللشهيدرحمهالله في الذكرى كلام على خبر ابن أبي يعفور(٦) ، وأجاب عنه الوالدقدسسره (٧) ولي في الجواب بحث وقد ذكرت جميع ذلك في حاشية التهذيب.
__________________
(١) المختلف ١ : ٣١٩.
(٢) المنتهى ١ : ١٧٢.
(٣) المختلف ١ : ٣٢٠.
(٤) راجع ص ٨٥٩.
(٥) راجع ص ٨١٢.
(٦) الذكرى : ١٦.
(٧) معالم الفقه : ٢٩٣ ٢٩٤.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبر الأخير تضمن السؤال عن الدم المتفرق ، والجواب منهعليهالسلام كما ترى يدل على أنّه لا بأس به ما لم يكن مجتمعاً قدر الدرهم ، وهو مؤيّد لعدم العفو عن مقدار الدرهم المجتمع.
والأصحاب مختلفون في الدم المتفرّق إذا كان لا يبلغ كل موضع منه قدر الدرهم ، فذهب سلاّر(١) من المتقدّمين وأكثر المتأخرين(٢) إلى أنّ حكمه حكم المجتمع فيجب إزالته إنّ بلغ المجموع على تقدير الاجتماع قدر الدرهم ، وإلاّ فلا.
ونقل عن ظاهر الشيخ في النهاية عدم وجوب الإزالة مطلقاً إلاّ أن يتفاحش(٣) . وحكى الوالدقدسسره عن ظاهر المحقّق في المعتبر وفاق الشيخ في النهاية ، واحتج لعدم وجوب الإزالة وإنّ بلغ ( الدم )(٤) الدرهم لو جمع بقولهعليهالسلام في خبر عبد الله بن أبي يعفور : « إلاّ أنّ يكون مقدار الدرهم مجتمعاً »(٥) .
وأجاب العلاّمة عن ذلك بأنّ الحديث كما يحتمل أنّ يكون قوله فيه : « مجتمعاً » خبراً بعد خبر لـ « يكون » فيدل على أنّ الاجتماع شرط في وجوب الإزالة يحتمل كونه حالاً مقدّرة فيصير المعنى إلاّ أنّ يكون مقدار الدرهم لو كان مجتمعاً(٦) .
__________________
(١) المراسم : ٥٥.
(٢) كالعلاّمة في المختلف ١ : ٣٢٠.
(٣) النهاية : ٥١.
(٤) زيادة من « رض ».
(٥) معالم الفقه : ٢٩٥ ، ٢٩٦ وهو في المعتبر ١ : ٤٣٠.
(٦) المختلف ١ : ٣٢٢.
وناقش بعض المتأخرين العلاّمة في الجواب بأنّ الحال المقدّرة هي التي زمانها غير زمان عاملها كالمثال المشهور من قولهم : مررت برجل معه صقر صائداً به غداً ، والزمان فيما نحن فيه متّحد ، فبتقدير كونه حالاً يكون من قبيل المحققة لا المقدّرة(١) .
وفي نظري القاصر أنّ المقام لا يخلو من إجمال ، وقد اتفق للوالدقدسسره وشيخناقدسسره فيه نوع اضطراب ، والحال قد فصّلتها في حاشية الروضة غير أنّي أذكر هنا ما لا بدّ منه.
فاعلم أنّ الظاهر من خبر ابن أبي يعفور مطابقة الجواب للسؤال ، ولمّا كان السؤال عن المتفرق من الدم فالجواب في قوّة أنّ الدم المتفرق إذا كان مقدار الدرهم مجتمعاً فيه البأس.
واحتمال الحال المقدرة كما ذكره العلاّمة نوع وجه بالنسبة إلى كون المورد الدم المتفرق.
والاعتراض عليه بأنّ الزمان متحد لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ المعترض إنّ أراد باتحاد الزمان زمان تقدير المتفرق مجتمعاً فإنّه واحد ، ففيه : أنّ هذا يستلزم عدم تحقق الحال المقدرة إلاّ بتكلّف ، على أنّ احتمال كونه خبراً بعد خبر له وجه أيضاً ، وفيه تأييد لما ذكرناه ؛ إذ هو في قوّة أنّ الدم المتفرق إذا كان مقدار الدرهم أو كان الدم مجتمعاً فيه البأس.
وفي النظر أنّ في هذا بحثاً ؛ لأنّ الجواب لا يصير مفيداً ، إذ حاصل الجواب أنّ المتفرّق إذا كان مقدار الدرهم به البأس ، لكن مقدار الدرهم مع التفرق إمّا أنّ يراد به كل قطعة منه أو المجموع بتقدير الاجتماع.
__________________
(١) انظر جامع المقاصد ١ : ١٧٢ ، ومعالم الفقه : ٢٩٦.
ثم إنّ قوله : « مجتمعاً » على تقدير كونه خبراً كما هو المفروض يصير مجملاً أيضاً ، إذ يحتمل أنّ يراد عدم العفو عنه مطلقاً أو مقدار الدرهم أو أزيد.
ولعلّ الجواب عن هذا ممكن ، بأنّ يقال : خرج الأقل بالإجماع ، ومقدار الدرهم يكتفى في الاستدلال له بذكر الدرهم في الخبر الأوّل.
وقد ينظر في هذا بأنّ مقدار الدرهم في المتفرق لا يدل على المجتمع ، إلاّ أنّ يقال : إنّ تركه في المجتمع دليل الاتحاد.
وفيه : أنّ هذا إنّما يتم لو انحصر الاحتمال والحال ما ترى ، على أنّ في النظر عدم مطابقة هذا لكونه خبراً بعد خبر لـ « يكون » إذ الاسم مختلف ، ومعه كيف يكون خبراً بعد خبر ، الاّ أنّ يجوز مثل هذا في العربيّة ، ولا أعلمه الآن ، فينبغي التأمّل فيه.
وإذا عرفت هذا فلا يخفى عليك حينئذ أنّه لا تعارض بين رواية محمد بن مسلم ورواية ابن ابي يعفور ، لأنّ المورد مختلف على بعض الاحتمالات ، وذلك كافٍ ، فإطلاق التعارض في كلام مشايخنا5 محلّ بحث.
وكذلك ما اعترض به شيخناقدسسره في المدارك على جواب العلاّمة : بأنّ تقدير الاجتماع هنا لا يدل عليه اللفظ ، ولو كانت الحال هنا مقدرة لكان الحديث مختصاً بما قدر فيه الاجتماع لا بما حقّق ، وهو خلاف الظاهر ، ولو جعل « مجتمعاً » حالاً محقّقة أفادت اشتراط الاجتماع أيضاً ؛ إذ يصير المعنى : إلاّ أنّ يكون الدم مقدار الدرهم حال كونه مجتمعاً ، وكيف
كان فدلالة الرواية على المطلوب واضحة(١) . انتهى.
وحاصل البحث في هذاأوّلاً : أنّ ما ذكره من كون تقدير الاجتماع لا يدل عليه اللفظ محل كلام ؛ لأنّ السؤال صريح في الدم المفرق ، والمطابقة للسؤال يقتضي ذلك ، والظهور واضح ، غاية الأمر أنّ الاحتمال(٢) الذي أسلفناه ممكن لكن لا ينافي الظهور.
وثانياً : أنّ قوله : ولو جعل مجتمعاً حالاً ، إلى آخره ، محل نظر أيضاً ؛ لأنّ الدلالة على المعنيين معاً أعني المجتمع والمتفرق المسئول عنه بعيد التصور إلاّ على ما قدّمنا(٣) ، وظاهر كلامهقدسسره غير ما ذكرناه.
وثالثاً : أنّ قوله : دلالة الرواية على المطلوب واضحة ، غريب بعد ما قلناه. ( هذا كله فإني لا أعلم أحداً حام حول هذا المبحث )(٤) .
ويبقى الكلام فيما خطر بالبال على مشايخنا ٠ في بيان مراد المحقّق من الاستدلال برواية ابن أبي يعفور كما أشرنا إليه سابقاً(٥) ، ففي المدارك بعد نقل الاحتجاج عن المحقق ( بالرواية )(٦) لعدم وجوب الإزالة إلاّ مع التفاحش ، قال : وهو حسن لكن لا دلالة في الرواية على ما اعتبره من القيد(٧) ، وأجاب العلاّمة في المختلف(٨) ، وذكر ما قدّمناه عن العلاّمة
__________________
(١) المدارك ٢ : ٣١٩.
(٢) في « فض » الإجمال.
(٣) راجع ص ٨٦٠.
(٤) ما بين القوسين ليس في « د » ، وفي « رض » : لا أعلم أحداً حام حول هذا المبحث.
(٥) راجع ص ٨٦٠.
(٦) بدل ما بين القوسين في « فض » : جاعلاً الدليل من الرواية.
(٧) المدارك ٢ : ٣١٩
(٨) مختلف الشيعة ١ : ٣٢٢.
وتنظّر فيه بما سبق بيانه(١) .
وهذا كلّه إذا تأمّله المتأمّل يعطي أنّ مراد المحقق الاستدلال لعدم وجوب إزالة المتفرّق مطلقاً إلاّ أن يتفاحش ، سواء كان درهماً بتقدير الاجتماع أو أكثر ، إلاّ أن يتفاحش ، لأنّ العلاّمة فهم أن يكون مراده الاجتماع المحقّق في مقدار الدرهم ، فيكون المفرّق مطلقاً ثابتاً له حكم العفو ، وإلاّ لما حسن الجواب باحتمال الحال المقدرة ، وعلى هذا فهو منافٍ لما صرّح به شيخناقدسسره قبل ذلك بأنّ محل الخلاف ما إذا كان بحيث لو جمع بلغ الدرهم ، على أنّه نقل القول بالعفو مطلقاً إلاّ مع التفاحش ، ولو كان غرض المحقّق هذا أعني كونه لو جمع بلغ الدرهم فلا وجه لاعتراض العلاّمة ، لموافقة المحقّق عليه.
والوالدقدسسره في المعالم نقل احتجاج المحقق كما أسلفناه(٢) ولم يذكر اعتبار التفاحش عنه في الدليل ، بل(٣) إنّما نبّه على أنّه وإن بلغ الدرهم لو جمع ، ولم يفهم منه المنع من الزائد عن الدرهم ، لكن الرواية كما علمت إذا صارت مطلقة في المتفرق أفادت العفو مطلقاً ، فالمنع من الزائد عن الدرهم يحتاج إلى الوقوف على ما يقتضي المنع منه في المتفرق ، وللكلام في المقام تتمّة تطلب ممّا أشرنا إليه أوّلاً والله ولي التوفيق.
بقي في المقام شيء وهو أنّ الأخبار المذكورة خاصة بالثوب إذا كان فيه الدم ، لكن نقل الإجماع على مساواة البدن له في بعض الأحكام المذكورة(٤) .
__________________
(١) في ص : ١٨٢.
(٢) في ص : ١٨١.
(٣) ليست في « رض ».
(٤) نقله في معالم الفقه : ٣١٢.
اللغة :
قدّمنا عن القاموس أنّ النضح الرشّ(١) .
قوله(٢) :
فأمّا ما رواه معاوية بن حكيم ، عن ابن المغيرة ، عن مثنى بن عبد السلام ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : قلت له : إني حككت جلدي فخرج منه دم فقال : « ان اجتمع قدر حمصة فاغسله وإلاّ فلا ».
فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على ضرب من الاستحباب دون الإيجاب ، ولا ينافي في ذلك :
ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى ، عن أبي عبد الله البرقي ، عن إسماعيل الجعفي قال : رأيت أبا جعفرعليهالسلام يصلّي والدم يسيل(٣) من ساقيه(٤) .
لأنّ هذا الخبر محمول على ما يشق التحرّز منه من الجراحات اللازمة والدماميل التي لا يمكن معها الاحتراز.
السند :
في الأوّل : فيه معاوية(٥) ، وقد قدّمنا نقل كونه فطحياً عن الكشي(٦) ،
__________________
(١) راجع ص : ١٧٣.
(٢) في « رض » : قال.
(٣) في « فض » يسأل.
(٤) في « فض » و « رض » : ساقه.
(٥) في « فض » زيادة : بن حكيم.
(٦) رجال الكشي ٢ : ٦٣٥ / ٦٣٩ ، وراجع ج ١ : ٤٤٥.
وظاهر المتأخرين عنه من مصنّفي الرجال عدم الالتفات إلى ذلك ، بل النجاشي وثّقه ساكتاً على التوثيق(١) ، وسيأتي إنّ شاء الله في كتاب الطلاق من هذا الكتاب كلام الشيخ في مسألة عدّة الآئسة والصغيرة أنّ الذي اختاره الشيخ مذهب معاوية بن حكيم من متقدّمي فقهاء أصحابنا(٢) ، وهذا لفظ الشيخ ، وهو كما ترى ظاهر في عدم كون الرجل فطحياً.
وما قد يقال : إنّهرحمهالله ذكر أيضاً قريباً من هذه المسألة مسألة أُخرى وقال فيها : إنّه مذهب الحسن بن محمد بن سماعة وهو(٣) من الواقفة : يمكن الجواب عنه بتكلّف ، إلاّ أنّ العبارة في معاوية بن حكيم أظهر دلالة في كونه غير فطحي.
وأمّا ابن المغيرة فهو عبد الله ، والنجاشي قال : إنّه ثقة ثقة لا يعدل به أحد من جلالته ودينه وورعه(٤) ، والشيخ ذكره من غير توثيق في رجال الصادق والكاظمعليهماالسلام (٥) ، والعلاّمة حكى عن الكشي أنّه قال : روى أنّه كان واقفياً ثم رجع(٦) .
والذي وقفت عليه من كتاب الكشي صورته : وجدت بخط أبي عبد الله بن محمد الشاذاني قال العبيدي محمد بن عيسى : حدثني الحسن بن علي بن فضال ، قال : قال عبد الله بن المغيرة : كنت واقفاً فحججت على
__________________
(١) رجال النجاشي : ٤١٢ / ١٠٩٨.
(٢) الاستبصار ٣ : ٣٣٨.
(٣) الاستبصار ٣ : ٣٢٨.
(٤) رجال النجاشي : ٢١٥ / ٥١٦.
(٥) رجال الطوسي : ٣٥٥ / ٢١ ، ٣٥٦ / ٣٢ ، ٣٧٩ / ٤ ، في أصحاب الكاظم والرضاعليهماالسلام ولم يذكره في أصحاب الصادقعليهالسلام .
(٦) خلاصة العلاّمة : ١٠٩ / ٣٤.
تلك الحالة(١) ، وذكر الرواية الدالة على رجوعه. والرواية ضعيفة ، وتصرّف العلاّمة لا يخفى ما فيه.
وأمّا مثنّى بن عبد السلام فالنجاشي اقتصر على أنّ له كتاباً(٢) ، والعلاّمة عدّه في القسم الأوّل ناقلاً عن الكشي ، عن محمد بن مسعود ، عن علي بن الحسن ، أنّه كوفي حنّاط(٣) لا بأس به(٤) . ولا يخفى عليك الحال.
والثاني معروف ممّا قدمناه سابقاً.
المتن :
في الأوّل ظاهر الصدوق في الفقيه العمل بمضمونه ، إلاّ أنّه قيّده بأن لا يكون دم حيض(٥) ، وحكى الوالدقدسسره ذلك عن والده أيضاً في الرسالة ، وذكر الوالدقدسسره أنّ هذا الخبر لو كان صحيحاً لكان حجة فيما ذهب إليه الصدوق ، لكنه غير صحيح(٦) . وأنت خبير بإمكان أنّ يقال نحو ما قدّمناه في اعتماد الصدوق ، إلاّ أنّ ما قاله الصدوق أزيد من مدلول الرواية كما لا يخفى.
إذا عرفت هذا فالذي يظهر من الشيخ حيث حمل الخبر على الاستحباب أنّه ظن وروده في الصلاة على معنى عدم جواز الصلاة فيه إذا
__________________
(١) رجال الكشي ٢ : ٨٥٧ / ١١١٠.
(٢) رجال النجاشي : ٤١٥ / ١١٠٧.
(٣) في « رض » و « فض » : خياط.
(٤) خلاصة العلاّمة : ١٦٨ / ١.
(٥) الفقيه ١ : ٤٢ / ١٦٥.
(٦) معالم الفقه : ٤١٩.
اجتمع قدر حمصة واستحباب إزالته ، أمّا لو كان الحديث مورده الطهارة وعدمها فالاستحباب لا وجه له إلاّ على تكلّفٍ تركه أولى من ذكره.
ولو أردنا الجمع بينه وبين ما دلّ على نجاسة الدم مطلقاً أمكن توجيه ما ذكره الشيخ وإن بعد ، إلاّ أنّ الذي يظهر من العلاّمة في المختلف أن دليل نجاسة الدم وغيره قليلاً وكثيراً العمومات ، وذكر خبراً في البول ، وهو صحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال : سألت أبا إبراهيمعليهالسلام عن رجل يبول في الليل فيحسب أنّ البول اصابه فلا يستيقن إلى أنّ قالعليهالسلام : « يغسل ما استبان أنّه أصابه » الحديث(١) . ثم نقل عن المرتضىرضياللهعنه ما يقتضي أن البول إذا ترشش عند الاستنجاء كرؤوس الإبر يعفى عنه(٢) .
ولا يخفى عليك أنّ العمومات قابلة للتخصيص بتقدير وجودها في الدم ، إلاّ أنّه لا خروج عن المشهور.
ثم إنّ الثاني كما ترى غير صريح في كون الإمامعليهالسلام عالماً بالدم ليحتاج إلى حمل الشيخ ، ولو كان عالماً لا دلالة في الرواية على كونه درهماً أو أقلّ أو أكثر ، ويجوز كونه أقل ، وحمل الشيخ ممكن أيضاً ، إلاّ أنّ في التقييد بما لا يمكن معه الاحتراز كلاماً يأتي إنّ شاء الله تعالى.
قوله :
والذي يدلّ على ذلك : ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة وصفوان ، عن العلاء بن رزين ، عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال : سألته عن الرجل يخرج به القروح ولا تزال تُدمي كيف يصلّي؟
__________________
(١) التهذيب ١ : ٤٢١ / ١٣٣٤ ، الوسائل ٣ : ٤٦٦ أبواب النجاسات ب ٣٧ ح ٢.
(٢) حكاه عنه في المختلف ١ : ٣٣١ ، وهو في رسائل الشريف المرتضى ١ : ٢٨٨.
قال : « يصلّي وإن كانت الدماء تسيل ».
وروى أحمد بن محمد ، عن معاوية بن حكيم ، عن معلّى أبي(١) عثمان ، عن أبي بصير قال : دخلت على أبي جعفرعليهالسلام وهو يصلّي فقال لي قائدي : إنّ في ثوبه دماً. فلمّا انصرف قلت له : إنّ قائدي أخبرني أنّ بثوبك دماً ، فقال : « إنّ بي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ ».
وما رواه محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال : سألته عن الرجل به القروح أو الجروح(٢) فلا يستطيع أن يربطه ولا يغسل دمه؟ قال : « يصلّي ولا يغسل ثوبه كل يوم إلاّ مرّة ، فإنه لا يستطيع أنّ يغسل ثوبه كل ساعة » فهذا الخبر أيضاً (٣) محمول على الاستحباب ، وقد استوفينا ما يتعلق بهذا الباب في كتابنا الكبير ، فمن أراده وقف عليه من هناك (٤) .
السند :
في الأوّل : لا ارتياب في صحّته ، غير أنّه ينبغي أنّ يعلم أنّ الشيخ في الفهرست قال : العلاء بن رزين القلاء ثقة جليل القدر له كتاب وهو أربع نسخ ، منها رواية الحسن بن محبوب ، ومنها رواية محمد بن خالد
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٧٧ / ٦١٦ : معلى بن عثمان ، وفي التهذيب ١ : ٢٥٨ / ٧٤٧ : معلى أبي عثمان.
(٢) في الاستبصار ١ : ١٧٧ / ٦١٧ : القرح أو الجرح.
(٣) ليست في « فض » و « رض » ، أثبتناه من « نش » والاستبصار ١ : ١٧٧.
(٤) في المصدر زيادة : إنشاء الله.
الطيالسي ، ومنها رواية محمد بن أبي الصهبان ، ومنها رواية الحسن بن علي بن فضال. انتهى(١) .
وأنت خبير بأنّ محمد بن أبي الصهبان إنّ كان يروي كتاب العلاء عنه ففيه أنّ محمداً من أصحاب الهاديعليهالسلام والعلاء من أصحاب أبي عبد اللهعليهالسلام ، وإنّ كان يرويه بواسطة فهو خلاف المتعارف عند الإطلاق.
أمّا ما وقع في النجاشي نقلاً عن البعض : من أنّ الحسين لم يلق فضالة وانّ أخاه الحسن تفرّد به. فلا يثبت حكماً(٢) ، وعلى تقدير ثبوته لا يضّر في هذا السند مع وجود صفوان.
والثاني : فيه أبو بصير الضرير بقرينة ذكر القائد ، وقد أسلفنا القول فيه(٣) . وأمّا المعلّى فهو ابن عثمان ، وقد وثّقه النجاشي ، ونقل أنه ابن يزيد في قول(٤) .
والثالث : فيه عثمان بن عيسى وقد تقدّم ذكره مفصّلاً(٥) . وسماعة أيضاً تقدّم(٦) ، والإضمار فيه لا يضرّ بالحال لو خلا ممّا ذكر.
المتن :
في الأوّل ظاهر الدلالة على جواز الصلاة لصاحب القروح وإنّ كانت الدماء تسيل ، ويستفاد منه جواز الصلاة مع عدم السيلان ؛ لأنّ المفهوم من
__________________
(١) الفهرست : ١١٢ / ٤٨٨.
(٢) رجال النجاشي ٥٨ / ١٣٧.
(٣) راجع ص ٥١ و ٩٢.
(٤) رجال النجاشي : ٤١٧ / ١١١٥ وفيه : معلّى بن عثمان أبو عثمان ، وقيل : ابن زيد الأحول.
(٥) راجع ص ٥٠.
(٦) راجع ص ٧٨.
هذا التركيب كون المفهوم أولى بالحكم كما قاله الوالدقدسسره .
أمّا ما قيل : من أنّه يستفاد من قوله : لا تزال تدمي ، أنّ الحكم مفروض فيما هو مستمرّ الجريان. ففيه أولاً : أنّ هذا من كلام السائل فلا يفيد حكماً ، وثانياً : أنَّ معنى : لا تزال تدمي ، ليس هو الاستمرار في كل حين ، بل الظاهر أنّ المراد تكرر خروج الدم ولو حيناً بعد حين ، كما يقال : فلان لا يزال يتردّد إلى محل كذا(١) .
وقد روى الشيخ في التهذيب صحيحاً عن ليث المرادي قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : الرجل يكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوءة دماً وقيحاً وثيابه بمنزلة جلده؟ قال : « يصلّي في ثيابه ولا شيء عليه ولا يغسلها »(٢) .
وروى في الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي؟ فقال : « دعه فلا يضرّك أنّ لا تغسله »(٣) .
وقد ذكر شيخناقدسسره بعد جملة من الأخبار ـ منها ما ذكر ـ : أنَّه يستفاد من إطلاق الروايات العفو عن هذا الدم في الثوب ( والبدن سواء شقّت إزالته أم لا ، وسواء كان له فترة ينقطع فيها بقدر الصلاة أم لا ، وأنّه لا يجب إبدال الثوب )(٤) ولا تخفيف النجاسة ، ولا عصب موضع الدم بحيث يمنع من الخروج(٥) .
__________________
(١) معالم الفقه : ٢٨٨.
(٢) التهذيب ١ : ٣٤٩ / ١٠٢٩ ، الوسائل ٣ : ٤٣٤ أبواب النجاسات ب ٢٢ ح ٥.
(٣) التهذيب ١ : ٢٥٩ / ٧٥١ ، الوسائل ٣ : ٤٣٥ أبواب النجاسات ب ٢٢ ح ٦.
(٤) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٥) المدارك ٢ : ٣١٠.
وربما يقال : إنّ في الدلالة على بعض ما ذكر تأمّلاً ؛ إذ الصالح من الأخبار للاستدلال ما ذكرناه ، والباقي غير صالح بأبي بصير ( وعثمان بن عيسى )(١) .
وذكر المحقّق الشيخ علي في بعض مصنفاته أنّ الشيخ نقل الإجماع على عدم وجوب عصب الجرح وتقليل الدم ، بل يصلّي كيف كان وإنّ سال وتفاحش إلى أنّ يبرأ(٢) . انتهى.
وللمتأخّرين عن الشيخ اختلاف في حدّ العفو ، فمنهم من جعله البرء(٣) ، ومنهم من جعله الانقطاع ، وذكر الوالدقدسسره أنّهم بين مطلق له يعني للانقطاع ومقيّد بكونه في زمان يتسع لأداء الفريضة ، فالإطلاق للعلاّمة والشهيد في غير الذكرى(٤) ، والتقييد للمحقق في المعتبر والشهيد في الذكرى(٥) ، انتهى. وأنت إذا تأمّلت الأخبار لا يخفى عليك حقيقة الحال.
والثاني : صريح الدلالة على اعتبار البرء لو صحّ.
والثالث : فيه دلالة على الغَسل في اليوم مرة ، لكن جماعة من الأصحاب قالوا باستحباب ذلك(٦) ، والعلاّمة في المنتهى احتجّ للاستحباب
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٢) قال به في شرح الألفيّة ( رسائل المحقق الكركي ٣ ) : ٢٣٢.
(٣) كالشهيد الثاني في الروضة ١ : ٥٠ ، والأردبيلي في مجمع الفائدة ١ : ٣١٨. وصاحب المدارك ٢ : ٣٠٩.
(٤) نهاية الإحكام ١ : ٢٨٥ ، المنتهى ١ : ١٧٢ ، الدروس ١ : ١٢٦ والبيان : ٩٥.
(٥) المعتبر ١ : ٤٢٩ والذكرى : ١٦.
(٦) كالعلاّمة في تحرير الاحكام ١ : ٢٤ ، وصاحب معالم الفقه : ٢٨٩ وصاحب المدارك ٢ : ٣١١.
مع الرواية بأنّ فيه تطهيراً غير مشقّ فكان مطلوباً(١) .
وأنت خبير بأنّ إثبات الاستحباب بالخبر يتوقف على ثبوت قاعدة التساهل في أخبار السنن ، أما الوجه الآخر فلا يثبت الاستحباب كما هو واضح.
وفي المنتهى : لو تعدّى الدم عن محل الضرورة في الثوب أو البدن بأن لمس بالسليم من بدنه دم الجرح أو بالطاهر من ثوبه فالأقرب عدم الترخّص فيه(٢) .
وقال الوالدقدسسره : إنّه حسن(٣) .
وفي نظري القاصر أنّه محل بحث على الإطلاق بعد ملاحظة الأخبار ، إلاّ أنّ يريد الوالدقدسسره بالأحسنية استحباب الإزالة ، وهو خلاف الظاهر من العبارة
اللغة :
قال في القاموس : الدُّمَّل كسُكَّر وصُرَد الخُراجُ ، الجمع دماميل(٤) .
وفيه أيضاً : برأ المريض يَبْرأ ويَبْرُؤ بُراً بالضم(٥) نقه. وفيه : نَقِهَ من مرضه صح(٦) . وفيه أيضاً : القَرْحُ ويضم : عَضُّ السِّلاح ونحوه ممّا يخرج بالبدن(٧) . وفيه رَبَطه يربِطه ويَربطُه : شدّه(٨) .
__________________
(١) المنتهى ١ : ١٧٢.
(٢) المنتهى ١ : ١٧٢.
(٣) معالم الفقه : ٢٨٩.
(٤) القاموس المحيط ٣ : ٣٨٨ ( الدّمال ).
(٥) القاموس المحيط ١ : ٨ ( برأ ).
(٦) القاموس المحيط ٤ : ٢٩٦ ( نَقِه ).
(٧) القاموس المحيط ١ : ٢٥٠ ( القرح ).
(٨) القاموس المحيط ٢ : ٣٧٤ ( رَبَطه ).
قولهرحمهالله :
باب ذرق الدجاج
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن محمد بن أحمد ( بن يحيى )(١) عن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن وهب بن وهب ، عن جعفر ، عن أبيهعليهماالسلام أنَّه قال : « لا بأس بخرء الدجاج والحمام يصيب الثوب ».
فأمّا ما رواه محمد بن احمد بن يحيى ، عن محمد بن عيسى ، عن فارس قال : كتب اليه رجل يسأله عن ذرق الدجاج يجوز الصلاة فيه؟ فكتب : « لا ».
فالوجه في هذه الرواية أنّه لا تجوز الصلاة فيه إذا كان الدجاج جلاّلا ، ويجوز أيضاً أن يكون محمولاً على ضرب من الاستحباب ، أو محمولاً على التقية ؛ لأنّ ذلك مذهب كثير من العامّة.
السند :
في الأوّل فيه محمد بن عيسى الأشعري المعبّر عنه بأبيه بعد أبي جعفر ، وهو أحمد بن محمد بن عيسى ، وقد قدّمنا فيه القول(٢) ، والحاصل أنّ توثيقه غير معلوم ؛ إذ النجاشي قال : إنّه شيخ القميّين وجه الأشاعرة(٣) . والعلاّمة عدّه في القسم الأوّل ، وذكر عبارة [ النجاشي(٤) ] وفي فوائد
__________________
(١) ليست في « نش ».
(٢) في ص ١٤٧.
(٣) رجال النجاشي : ٨١ / ١٩٨.
(٤) خلاصة العلاّمة : ١٣ ، وبدل ما بين المعقوفين في النسخ : الكشي ، والظاهر ما أثبتناه.
جديقدسسره على الخلاصة أنّ هذه العبارة لا تدل صريحاً على توثيقه ، نعم قد يظهر منها ذلك ، مع أنّ المصنف يصف(١) الروايات التي هو فيها بالصحة. انتهى.
ولا يخفى أنّ ظهور التوثيق غير واضح ، ووصف الصحة في رواياته من العلاّمة(٢) وغيره(٣) كذلك ، إلاّ أنّ للعلاّمةرحمهالله في الرجال كثرة أوهام يبعد زيادة بُعدٍ معها الاعتماد ، بخلاف مثل الصدوق ، فإنّ احتمال الاعتماد قد يوجه كما أسلفناه(٤) .
على أنّ في السند أيضاً وهب بن وهب ، وهو أبو البختري ، وقد قال النجاشي : إنّه كان كذّابا(٥) وفي الفهرست للشيخ : إنّه عاميّ المذهب ضعيف(٦) . وفي الفقيه بعد ذكر حديث في طريقه وهب بن وهب قال ، قال مصنف هذا الكتاب : جاء هذا الحديث هكذا في رواية وهب بن وهب ، وهو ضعيف(٧) . وسيأتي ان شاء الله في هذا الكتاب أيضاً ما صورته : وهب بن وهب عامي متروك العمل فيما يختص بروايته(٨) .
والثاني : فيه فارس ، والظاهر أنّه ابن حاتم ، وقد ذكره الشيخ في رجال الهاديعليهالسلام من كتابه ، وقال : إنّه غال ملعون(٩) . والكشي أورد فيه
__________________
(١) في « رض » : وصف.
(٢) المختلف ١ : ٩٥. وفي الصحيح عن زيد الشحّام.
(٣) المدارك ١ : ٢١٩. في الصحيح عن زرارة وأخيه بكير.
(٤) راجع ص ٤٨.
(٥) رجال النجاشي : ٤٣٠ / ١١٥٥.
(٦) الفهرست : ١٧٣ / ٧٥٧.
(٧) الفقيه ٤ : ٢٥ / ٥٨.
(٨) راجع التهذيب ١ : ٣١ وج ٩ : ٧٦ ، والاستبصار ١ : ٤٨. ولم نعثر على غيرهما.
(٩) رجال الطوسي : ٤٢٠ / ٣.
من الذمّ ما لا حاجة إلى ذكره(١) .
وإنّما قلنا : الظاهر ؛ لوجود من هو بالاسم غير أنّي لم أعلم مرتبته ، والوالدقدسسره جزم بأنّه فارس بن حاتم(٢) (٣) .
المتن :
في الأوّل ظاهره الدلالة على الطهارة ، وضعفه يؤيّد بالأصل وعموم رواية لعمار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « كلّ ما أُكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه »(٤) .
وفي المعتبر بعد ذكر الروايتين والتنبيه على ضعفهما(٥) بما أشرنا إليه الدال على ما جزم به الوالدقدسسره وغيره من مشايخنا قال المحقّق على ما نقله الوالدقدسسره : إنّ المرجع إلى الأصل وهو الطهارة.
ولو قيل : الدجاج لا يتوقّى النجاسة ، فرجيعه مستحيل عنها فيكون نجساً.
قلنا : بتقدير أنّ يكون ذلك محضاً ، يكون التنجيس ثابتاً ، أما إذا كان يمزج علفه فإنّه يستحيل إمّا عنهما أو عن أحدهما ، فلا يتحقق الاستحالة عن النجاسة ؛ إذ لو حكم بغلبة النجاسة لسرى التحريم إلى لحمها ، ولمّا حصل الإجماع على حلّها مع الإرسال بطل الحكم بغلبة النجاسة على رجيعها(٦) انتهى.
__________________
(١) رجال الكشي ٢ : ٨٠٥ / ٩٩٩ و ٨٠٦ / ١٠٠٣ و ١٠٠٤.
(٢) معالم الفقه : ٢٠٦.
(٣) في « فض » زيادة : وكذلك العلاّمة في المختلف.
(٤) التهذيب ١ : ٢٦٦ / ٧٨١ ، الوسائل ٣ : ٤٠٩ أبواب النجاسات ب ٩ ح ١٢.
(٥) المعتبر ١ : ٤١٣.
(٦) فعالم الفقه : ٢٠٧.
ولا يخفى عليك حال هذا الكلام.
وفي المختلف قال العلاّمة ، ذرق الدجاج الجلاّل نجس إجماعاً ، وفي غير الجلاّل قولان ، أحدهما الطهارة ـ إلى أنّ قال ـ : وأمّا الشيخان فإنهما استثنيا ذرق الدجاج من الحكم بطهارته من جميع(١) ما يؤكل لحمه ، وهو يدل على حكمهما(٢) بالتنجيس ، إلاّ أنّ الشيخ ذهب إلى طهارته في الاستبصار ـ إلى أنّ قال ـ : احتج المانعون بما رواه فارس في الحسن ، وذكر الرواية ، ثم أجاب عنها : بأنّ السائل لم يذكر المسئول فجاز أن يكون غير الإمام ، ويحتمل كون الألف واللام للعهد ، ويراد به الجلاّل ، كاحتمال إرادة الجنس(٣) . انتهى.
وفي نظري القاصر أنّ العلاّمة لم يجعل فارس المذكور ابن حاتم ؛ إذ قد صرح في الخلاصة بأنّه غال ملعون(٤) ، بل ظنّ أنّه فارس بن سليمان الذي قال النجاشي : إنّه شيخ من أصحابنا كثير الأدب(٥) ، وذكره في الخلاصة في القسم الأوّل بعين عبارة النجاشي(٦) . لكن لا أعلم الوجه في تعيّن كونه ابن سليمان ، وقد أسلفنا أنّ مرتبته غير معلومة ، إذ لم يذكر في أصحاب أحد من الأئمّةعليهمالسلام ، نعم ذكر النجاشي أنّه أخذ عن محمد بن بحر الرهني(٧) ، وذكر النجاشي : أنّ لمحمد كتاباً يرويه أحمد بن علي بن
__________________
(١) في المصدر : رجيع.
(٢) في المصدر : حكمها.
(٣) المختلف ١ : ٢٩٧ وهو في المقنعة : ٦٨ والمبسوط ١ : ١٢.
(٤) الخلاصة : ٢٤٧ / ٢.
(٥) رجال النجاشي : ٣١٠ / ٨٤٩.
(٦) الخلاصة : ١٣٣ / ٣.
(٧) رجال النجاشي : ٣١٠ / ٨٤٩.
نوح أبو العباس(١) . وهذا متأخّر كما لا يخفى.
وما قاله العلاّمة : أنّه يجوز أنّ يكون المسئول غير الإمام. لا وجه له ، كما أسلفنا الإشارة إلى ذلك(٢) .
أمّا الحمل على الجلاّل نظراً إلى المعارض الدالّ على الطهارة كما ذكره الشيخ فلا يخلو من وجه.
اللغة :
قال في القاموس : الخُرء بالضم : العذرة(٣) وفيه أيضاً : ذرق الطائرُ يَذْرُقُ ويَذْرِقُ زرق ، وقال : زرق الطائر يزرق ذرق(٤) . ولا يخفى دلالة الخبر وكلام القاموس أنّ العذرة تقال لغير الإنسان ، اللهم إلاّ أنّ يقال : إن العذرة مع الإطلاق للإنسان والخرء لغيره ، وفيه تأمّل يظهر ممّا كتبناه على الروضة.
قولهرحمهالله :
باب أبوال الدوابّ والبغال والحمير
أخبرني الشيخ ; عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز ، عن محمد بن مسلم ، قال : سألت أبا عبد الله ٧ عن ألبان الإبل
__________________
(١) رجال النجاشي : ٣٨٤ / ١٠٤٤ ، وفيه : أبو العباس أحمد بن علي بن العباس بن نوح.
(٢) راجع ص ٥١.
(٣) القاموس المحيط ١ : ١٤ ( خَرِئ ).
(٤) القاموس المحيط ٣ : ٢٤١ ( ذرق ) ، وص ٢٤٨ ( الزرَقُ ).
والبقر والغنم وأبوالها ولحومها؟ فقال : « لا تتوضأ منه ، وإنّ أصابك منه شيء أو ثوباً لك فلا تغسله إلاّ أنّ تتنظّف » قال : وسألته عن أبوال الدواب والبغال والحمير؟ فقال : « اغسلها ، فإنّ لم تعلم مكانها فاغسل الثوب كله ، فإنّ شككت فانضحه ».
أحمد بن محمد ، عن البرقي ، عن أبان ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « لا بأس بروث الحمير ، واغسل أبوالها ».
الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حسين بن عثمان ، عن ابن مسكان ، عن الحلبي ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن أبوال الخيل والبغال؟ قال : « اغسل ما أصابك منه ».
محمد بن يعقوب ، عن الحسين بن محمد ، عن معلى ( بن محمد )(١) عن الوشاء ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي مريم ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : ما تقول في أبوال الدواب وأرواثها قال : « أمّا أبوالها فاغسل إنّ أصابك ، وأمّا أرواثها فهي أكثر من ذلك ».
الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن أبان بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يمسّه بعض(٢) أبوال البهائم أيغسله أم لا؟ قال : « يغسل بول الفرس والحمار والبغل ، وأما الشاة وكلّ ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله ».
محمد بن أحمد بن يحيى ، عن السندي بن محمد ، عن يونس ابن يعقوب ، عن عبد الأعلى بن أعين ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٧٨ / ٦٢٣.
(٢) ليست في « فض ».
أبوال الحمير(١) والبغال؟ قال : « اغسل ثوبك » قال : قلت فأرواثها قال : « هو أكبر من ذلك ».
قال محمد بن الحسن : هذه الأخبار كلّها محمولة على ضرب من الكراهة.
السند :
في الأوّل : حسن بلا ريب ، كما تقدم(٢) .
والثاني : فيه البرقي ، وقد تكرّر القول فيه ( منّا )(٣) في هذا الكتاب(٤) وغيره ، وأبان لا ريب في صحة حديثه لو خلا من الموانع في غيره عند من لا يعمل بالموثق ؛ إذ الجارح له ثقة غير إمامي ، والإجماع على تصحيح ما يصحّ عن أبان كما في الكشي(٥) لا يخرج حديثه عن كونه موثّقاً ، غاية الأمر أنّ يوصف حديثه بالصحة على غير الاصطلاح.
فإنّ قلت : أبان مشترك فكيف يحكم بأنّه ابن عثمان؟
قلت : الأمر كما ذكرت ، إلاّ أنّ الظاهر في إطلاق مثله أنّ يكون ابن عثمان.
وقد اتفق للوالدقدسسره في المعالم أنّه قال : إنّ هذا الخبر لا يقصر عن الأخبار التي تظن صحتها في روايات التنجيس ، والتشبّث في تضعيفه
__________________
(١) في بعض نسخ الاستبصار ١ : ١٧٩ / ٦٢٥ : الخمر.
(٢) من جهة إبراهيم بن هاشم : راجع ص ٣٦ ، ٣٣٩.
(٣) في « رض » : هنا.
(٤) راجع ص ٦٨.
(٥) رجال الكشي ٢ : ٦٧٣ / ٧٠٥.
باشتمال طريقه على البرقي وأبان لا يتجه عند من يحكم بصحّة شيء من أخبار النجاسة إلى أنّ قال وأما من جهة أبان فلأنّ القرائن قائمة على أنّه ابن عثمان ، وهو أحد الجماعة الذين حكى الكشي الإجماع على تصحيح ما يصح عنهم ، وما جرح به لم يثبت ؛ لأنّ الأصل فيه علي بن الحسن بن فضّال ، والمتقرّر في كلام الأصحاب أنّه من جملة الفطحية ، فلو قُبل طعنه في أبان لم يتجه المنع من قبول رواية أبان ؛ إذ ليس القدح إلاّ بفساد المذهب ، وهو مشترك بين الجارح والمجروح ، وقد اتضح بهذا وجه ثبوت التعارض بين الأخبار(١) . انتهى كلامهقدسسره .
وفي نظري القاصر أنّه محل تأمّل ؛ لأنّ الظاهر من قوله : إنّ الخبر المتضمن لنفي البأس يعني الخبر المذكور لا يقصر عن الأخبار التي تظن صحتها ، كون الخبر صحيحاً ، فإنّ أراد المصطلح عليه كما هو المتعارف من الإطلاق في مثله ، ففيه أنّ العامل بالموثّق لا بدّ أنّ يكون الخبر عنده موثّقاً ؛ لما قدّمناه من لزوم القول بخبر علي بن فضّال في كون أبان فطحياً(٢) ومن لا يعمل بذلك فالخبر عنده صحيح على الاصطلاح ، فإطلاق الصحة لا يخفى ما فيه.
وإنّ أراد بالصحة غير المصطلح عليه كان استعمالاً للفظ في غير وضعه من غير قرينة.
ومن هنا يعلم أنّ ما في الحبل المتين من وصف الخبر المذكور بالصحة(٣) مع عمل مؤلّفة سلّمه الله بالموثّق لا يخلو من خلط في
__________________
(١) معالم الفقه ٢٠٤ و ٢٠٥.
(٢) راجع ص ١٣٠.
(٣) الحبل المتين : ٩٤.
الاصطلاح بغيره.
ويمكن الجواب من جهة الوالدقدسسره أنّ مراده كون القائلين بالنجاسة وصفوا أخباراً بالصحة وفيها أبان ، والحال في الخبر أنّه مشتمل على أبان ، لكن لا يخفى عليك أنّهم إذا لم يلتفتوا إلى ما ذكرناه كان على الوالدقدسسره أنّ يبيّن ذلك.
والثالث : فيه الحسين بن عثمان ، و(١) المذكور في النجاشي : الحسين ابن عثمان الأحمسي البجلي ، كوفي ثقة ، ذكره أبو العباس في رجال أبي عبد الله(٢) . وفيه أيضاً : الحسين بن عثمان بن شريك بن عدي العامري الوحيدي ثقة ، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهماالسلام ، ذكره أصحابنا في رجال أبي عبد الله ، له كتاب يختلف الرواة فيه ، فمنها ما رواه ابن أبي عمير(٣) .
والشيخرحمهالله في الفهرست ذكر الأحمسي من غير توثيق(٤) ، وكذلك في رجال الصادقعليهالسلام من كتابه(٥) ، وذكر العامري أيضاً في رجال الصادقعليهالسلام من غير توثيق(٦) .
والكشي قال في الحسين ، ( بن عثمان )(٧) بن زياد الرواسي ، عن حمدويه ، عن أشياخه ، أنّه ثقة خير فاضل(٨) . وهذا الرجل في ظاهر الحال
__________________
(١) في « فض » زيادة قدّمنا فيه كلاماً في الجزء الأوّل ونذكر هنا ما لا بد منه ، لبعد العهد زيادة الفائدة والحاصل أنّ.
(٢) رجال النجاشي : ٥٤ / ١٢٢.
(٣) رجال النجاشي : ٥٣ / ١١٩ ، وفيه : له كتاب تختلف الرواية فيه.
(٤) الفهرست : ٥٦ / ٢٠٣.
(٥) رجال الطوسي : ١٨٣ / ٣٠٥.
(٦) رجال الطوسي : ١٦٩ / ٦٣.
(٧) ما بين القوسين أثبتناه من المصدر.
(٨) رجال الكشي ٢ : ٦٧٠ / ٦٩٤.
أنّه غير الأوّلين ، والذي في الكشي ما ذكرته.
لكن قال الوالدقدسسره : إنّ الحسين بن عثمان مشترك بين رجلين وثّقهما النجاشي ، وحكى الكشي توثيق أحدهما عن حمدويه عن أشياخه ، مع أنّ عبارة الاختيار توهم مغايرة المحكي بتوثيقه(١) لهما ، وهذه الحكاية لا تخرجه عند التحقيق عن عداد من عرفت عدالته بتزكية الواحد(٢) . انتهى كلامهقدسسره .
وفي نظري القاصر أنّه محلّ تأمّل ؛ لأنّ ما ذكرناه عن الكشي يقتضي المغايرة ، فيكونون ثلاثة ، وهذه عبارة الكشي : حمدويه قال : سمعت أشياخي يذكرون أنّ حماداً وجعفراً والحسين بني عثمان بن زياد الرواسي ، وحمّاد يلقّب بالناب ، كلّهم ثقات(٣) .
والعلاّمة في الخلاصة ذكر الحسين بن عثمان بن شريك ، ثم قال : قال الكشي عن حمدويه ، عن أشياخه أنّ الحسين بن عثمان خيّر فاضل ، ثقة(٤) .
والظاهر من العلاّمة أنّه ظن كون الرواسي هو العامري ، أو أنّ لفظ الرواسي لم يكن في نسخة الكشي التي عنده.
وقول الوالدقدسسره : إنّ الكشي حكى توثيق أحدهما. يقتضي أنّ ما وقف عليه من الأخبار للكشي ليس فيه الرواسي ، إلاّ أنّ قوله : إنّ عبارة الاختيار توهم المغايرة يدلّ على أنّ لفظ الرواسي موجود في الاختيار ، معه فالوهم غير ظاهر الوجه ، إلاّ أنّ يكون اعتمدقدسسره على قرائن تدلّ على
__________________
(١) في المصدر : توثيقه.
(٢) معالم الفقه : ٢٠٣ ٢٠٤.
(٣) رجال الكشي ٢ : ٦٧٠ / ٦٩٤.
(٤) خلاصة العلاّمة : ٥١ / ١٥.
تعدد الوصف لأحد الرجلين ، ولا أعلم الآن حقيقة الحال ، ونسخة الاختيار لم تحضرني.
ثم إنّ ما ذكرهقدسسره : من أنّ هذه الحكاية لا تخرجه ، إلى آخره ، يريد به المشي على أُصوله من اعتبار تزكية الاثنين ، والوجه في عدم الخروج بالحكاية عن تزكية الواحد لا يخلو من أحد أمرين :
أحدهما : أنّ يكون المذكور في الكشي أحد الرجلين الموثّقين من النجاشي فقط ، والكشي توثيقه لا يفيد ؛ لأنّه يرجع إلى شيوخ حمدويه ، وحالتهم غير معلومة ، فيكون التوثيق من النجاشي خاصة.
وثانيهما : أنّ يكون المذكور غير الاثنين ، والتوثيق حينئذ ليس إلاّ من الكشي وإن كان راجعاً إلى شيوخ حمدويه ، إلاّ أنّ ظاهر الإضافة في أشياخه يفيد العموم وفيهم من هو ثقة كما يعلم من الفهرست ، وحينئذ لا يخرج الرجل عن توثيق الواحد.
وفي نظري القاصر أنّ كلا الأمرين لا يخلو من شيء.
أمّا الأول : فلأنّ كونه أحد الرجلين من غير تعيين(١) يقتضي عدم صحة الخبر عنده وإن أفاد كلام الكشي التوثيق ؛ إذ عدم تعيين(٢) الموثق بالاثنين كاف في عدم الصحة ، وظاهر الكلام يعطي أنّ المانع من الصحة كون الرجل من الذين عرفت عدالتهم بتزكية الواحد ، فليتأمّل.
وأمّا الثاني : فلأنّ الثالث إذا تحقق وقلنا بدلالة الإضافة على العموم وكان في الأشياخ من هو ثقة ، فلا ريب أنّها لا يخرجه عن كونه مزكّى بالواحد ، فالاحتياج إلى قوله : عند التحقيق ، لا وجه له ، على أنّه بعد ذكر
__________________
(١) في « رض » و « د » تعيّن.
(٢) في « فض » و « رض » : تعيّن.
إيهام العبارة للمغايرة لا وجه لكون الرجل غير الأوّلين.
وبالجملة : فالرجل على ما في الكشي محتمل لثلاثة ، والثلاثة لا يبعد توثيقهم ؛ لما أشرنا إليه من الإضافة ، على أنّ الذي يستفاد من النجاشي أن الراوي عن الرجلين ابن أبي عمير(١) فيحتمل الاتحاد ، والله أعلم.
والرابع : فيه معلّى بن محمد ، وهو البصري ، لما صرح به الشيخ في رجال من لم يرو عن احمد من الأئمّةعليهمالسلام أنّ الراوي عنه الحسين بن محمد(٢) وكذلك النجاشي ، وهذا الرجل قال النجاشي : إنّه مضطرب الحديث والمذهب(٣) . والوشاء قد قدّمنا القول فيه(٤) . وأبو مريم اسمه عبد الغفار ، وقد وثّقه النجاشي(٥) .
والخامس : واضح الحال بعد ما أسلفناه من المقال.
والسادس : فيه عبد الأعلى بن أعين ، وهو مهمل في رجال الصادقعليهالسلام . من كتاب الشيخ(٦) . أمّا يونس بن يعقوب فقد قال النجاشي : إنّه قال بعبد الله ورجع ، وكان يتوكّل لأبي الحسنعليهالسلام ، إلى أنّ قال : وكان حظيّا عندهم موثقاً(٧) . والشيخرحمهالله وثّقه في رجال الكاظمعليهالسلام من كتابه(٨) .
ولا يخفى أنّ عبارة النجاشي من قوله : وكان موثقاً عندهم. إذا دلّت
__________________
(١) راجع ص ٨٧١.
(٢) رجال الطوسي : ٥١٥ / ١٣٢.
(٣) رجال النجاشي : ٤١٨ / ١١١٧.
(٤) في ص ١١١.
(٥) رجال النجاشي : ٢٤٦ / ٦٤٩.
(٦) رجال الطوسي : ٢٣٨ / ٢٣٩.
(٧) رجال النجاشي : ٤٤٦ / ١٢٠٧.
(٨) رجال الطوسي : ٣٦٣ / ٤.
على التوثيق المعتبر في الرواية أفادت توثيق النجاشي للرجل ، لكن فيها نوع احتمال ، ولعلّ توثيق الشيخ هو المعتبر.
غير أنّ قول العلاّمة في الخلاصة بعد نقل الفطحية عن ابن بابويه ، والكشي في روايته عن حمدويه عن بعض أصحابه : والذي أعتمد عليه قبول روايته(١) . محل تأمّل ؛ لأنّ الرجوع لا يعلم قبل الرواية أو بعدها ، والعلاّمة لا يعمل بالموثق كما يظهر من المختلف.
أمّا ما قاله العلاّمة بعد ذلك : وروى الكشي أحاديث حسنة تدل على حسن عقيدة هذا الرجل(٢) . ففيه : أنّ الأحاديث التي في الكشي ليس فيها صحيح ولا حسن ، ولعلّ مراده بالحسن معنى آخر غير المصطلح عليه.
المتن :
في الأول : استدل به القائلون بالنجاسة مطلقاً(٣) ، أعني البول والروث ، وهي كما ترى خاصة بالبول.
والثاني : ذكره الوالدقدسسره في الاستدلال للطهارة في الروث والبول ، موجّهاً للاستدلال به أنّ مقتضاه نفي البأس عن الروث ، فيكون الأمر بغَسل البول للاستحباب ؛ إذ لا قائل بالفصل فيما يظهر(٤) . انتهى.
ويشكل ما قاله من عدم القائل بالفصل ، بأنّ العلاّمة في المنتهى ، إنما نقل الخلاف في بول الدواب(٥) ، والظاهر من ذلك وجود القائل بالفصل.
أمّا الثالث : فهو مذكور في أدلة القائلين بالنجاسة مطلقاً على ما حكاه
__________________
(١) الخلاصة : ١٨٥ / ٢.
(٢) الخلاصة : ١٨٥ / ٢.
(٣) انظر المختلف ١ : ٣٠٠ ، ومعالم الفقه : ٢٠١.
(٤) معالم الفقه : ٢٠١.
(٥) المنتهى ١ : ١٦٠.
الوالدقدسسره (١) ، والحال ما ترى.
والرابع : مذكور في كلام الوالدقدسسره لتأييد القول بالطهارة(٢) على نحو ما ذكره في خبر الحلبي. أمّا قولهعليهالسلام : « وأمّا أرواثها فهي أكثر من ذلك » فسيجيء بيانه.
([ والسادس (٣) ] : مذكور في حجّة الطهارة مطلقاً في كلام الوالدقدسسره (٤) أيضاً )(٥) وكذلك ذكره المحقق في المعتبر قائلاً : يعني أنّ كثرتها يمنع التكليف بإزالتها(٦) .
وهذا يعطي أنّ : « أكثر » بالثاء المثلثة ، واحتمال أن يراد أكثر نجاسة قائم ، بخلاف رواية أبي مريم(٧) فإنّ سياقها يعطي ما ذكره المحقّق فكان متوجهاً ، وما في بعض النسخ من لفظ أكبر بالباء الموحدة فقد يمكن توجيهه بما لا ينافي ذلك ، لكن لا يخفى أنّه لا بد من ضميمة عدم القائل بالفصل ، ليلزم من طهارة الروث طهارة البول ، وقد سمعت ما قدّمناه عن المنتهى(٨)
، وغير بعيد أن يكون ما في المنتهى قصور عبارة ؛ لأنّهرحمهالله في المختلف بعد الرواية الثانية قال : ونفي البأس عن الروث يقتضي طهارته ، ويلزم من ذلك طهارة البول ؛ لعدم القائل بالفرق(٩) .
اللهم إلاّ أن يقال : إنّ عدم القائل بالفرق في الطهارة لا يستلزم عدم
__________________
(١) معالم الفقه : ٢٠١.
(٢) معالم الفقه : ٢٠٢.
(٣) في « رض » و « د » : والخامس ، والصواب ما أثبتناه بقرينة ما ذكر بعده.
(٤) معالم الفقه : ٢٠١.
(٥) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٦) المعتبر ١ : ٤١٤.
(٧) راجع ص : ٢٠١.
(٨) راجع ص : ٢٠٨.
(٩) المختلف ١ : ٣٠١.
القائل بالفرق في النجاسة. وفيه : أنّ المنافاة لإطلاق المنتهى حاصلة ، فتأمّل.
بقي شيء وهو أنّه تقدّم في أوّل الكتاب خبر صحيح تضمّن السؤال عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ، والجواب تضمّن أنّ الماء إذا كان قدر كرّ لا ينجسه شيء. وهو يفيد بسبب التقرير نجاسة أبوال الدواب ، ولم أر من تعرض له في الاستدلال هنا ، وقد نبّهنا على ذلك في أوّل الكتاب(١) .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ القائلين بالطهارة استدلوا بالأصل مع الأخبار المذكورة(٢) .
وقد يقال : إنّ الأصل قد علم المخرج عنه من الأخبار فكيف يتم الاستدلال؟
ويمكن الجواب بأنّ الأصل لا يخرج عنه إلاّ بالأخبار السليمة من التعارض وهو موجود ، فإن من الأخبار ما هو صحيح من الطرفين في الجملة ، وتوجيه دفع التعارض ممكن بالاستحباب فيعمل الأصل عمله والأخبار كذلك.
وقد يشكل الحال بأنّ الأصل إذ علم من مجموع الأخبار الخروج عنه انتفى عمله.
وفيه : أنّ هذا أوّل البحث بعد تحقق التعارض.
أمّا الاستدلال على الطهارة بالعمومات الدالة على طهارة بول ما يؤكل
__________________
(١) راجع ص ٢٥ و ٣٠.
(٢) كالمحقق في المعتبر ١ : ٤١٤ ، وصاحب معالم الفقه : ٢٠٠ و ٢٠١.
لحمه ، ففيه : أنّ الخاص مقدّم كما ذكر بعض محقّقي المتأخرين(١) .
وربما يقال : إنّ الخاص لا يعلم تخصيصه مع التعارض والحال ما رأيت.
ويمكن الجواب بأنّ البول لا تعارض في أخباره ، فالتخصيص لا مانع منه ، إلاّ أنّ يقال : إنّ في بعض الاخبار ما يفيد المعارضة ، وهو ما رواه الصدوق في الفقيه عن أبيه ، عن محمد بن يحيى العطار ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن صفوان بن يحيى ومحمد بن أبي عمير ، عن أبي الأغرّ النخّاس أنَّه سأل أبا عبد اللهعليهالسلام فقال : إنّي أُعالج الدواب فربما خرجت بالليل وقد بالت وراثت فتضرب إحداها بيدها أو برجلها فينضح على ثوبي فقال : « لا بأس به »(٢) .
وأبو الأغرّ وإنّ كان مجهول الحال ، إلاّ أنّ رواية الصدوق لها توجب المزية الظاهرة كما قدّمناه(٣) ، مضافاً الى رواية الثقتين(٤) عنه ، وقد قيل في مدحهما(٥) ما يشعر بالقبول في الجملة ، وحينئذ [ نقول(٦) ] في جهة البول أنّ الأخبار متعارضة فلا يخرج عن الأصل ، غير أنّ الاحتياط مطلوب.
ومن غريب ما وقع للعلاّمة في المختلف أنّه استدل للطهارة في جملة أشياء بأنّ طهارة أبوال الإبل مثلاً مع نجاسة هذه الأبوال ممّا لا يجتمعان ، والأول ثابت فينتفي الثاني ، ووجه المنافاة أنّ كون الحيوان
__________________
(١) الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ١ : ٣٠١.
(٢) الفقيه ١ : ٤١ / ١٦٤ ، الوسائل ٣ : ٤٠٧ أبواب النجاسات ب ٩ ح ٢.
(٣) راجع ص ٤٨.
(٤) وهما صفوان بن يحيى ومحمد بن أبي عمير.
(٥) معالم الفقه : ٢٠٤ ، منهج المقال : ٣٨٣.
(٦) في النسخ : يقول ، والظاهر ما أثبتناه.
مأكول اللحم إمّا أنّ يقتضي طهارة رجيعه أو لا ، وعلى كلا التقديرين يلزم التنافي ، أما على الأوّل فلوجود المشترك في صورة النزاع ، وأمّا على الثاني فلأنّه يلزم نجاسة أبوال الإبل عملاً بالعموم الدال على نجاسة البول مطلقاً السالم عن معارضة كون الحيوان مأكولاً عادة ، وأما ثبوت الأول فبالإجماع(١) . انتهى.
وأنت إذا لاحظت الكلام بأيسر نظر ترى أنّه منحرف عن جادة التحقيق ، بل لا ينبغي صدور مثله عن مثله لكن في المختلف له نظائر.
وأغرب منه ما وقع منه في المنتهى بعد ذكر رواية لابن سنان تتضمن الأمر بغَسل الثوب من أبوال ما لا يؤكل لحمه ، أنّ لقائل أن يقول : إنّ رواية ابن سنان غير مصرحة بالتنجيس ، أقصى ما في الباب أنّه أمر بالغَسل ، وهو غير دال على النجاسة إلاّ من حيث المفهوم ، والمنطوق أقوى(٢) . انتهى. ولا يخفى عليك الحال.
بقي شيء في المقام وهو أنّ الخبر الأول تضمّن جميع الألبان والبول واللحم في السؤال ، والجواب كما ترى تضمّن النهي عن الوضوء ، وغير بعيد أنّ يراد بالوضوء غَسل اليدين ، واستعماله في هذا غير عزيز ، وربما كان ذكر عدم غَسل الثوب قرينة على ذلك ، واحتمال الوضوء الحقيقي لا وجه له ، والأعم منه ومن غَسل اليدين بعيد ، فتأمّل.
اللغة :
قد تقدّم تفسير النضح عن القاموس بأنه الرشّ(٣) ، لكن في الحبل
__________________
(١) المختلف ١ : ٣٠٠.
(٢) المنتهى ١ : ١٦٠.
(٣) راجع ص ٨٥٥.
المتين أنّ ظاهر كلام العلاّمة في النهاية يعطي أنّ الرشّ أخص من النضح ، لأنّه قال : مراتب(١) إيراد الماء ثلاث : النضح المجرد ومع الغلبة ، ومع الجريان ، ولا حاجة في الرشّ إلى الدرجة الثالثة قطعاً ، وهل يحتاج إلى الثانية؟ الأقرب ذلك ، ويفرّق بين الرشّ والغَسل بالسيلان والتقاطر(٢) . انتهى. وهو أعلم بوجه ما قاله.
قوله :
والذي يدل على ذلك : ما أوردناه في كتابنا الكبير ، وفيما تقدم أيضاً من هذا الكتاب أنّ ما يؤكل لحمه لا بأس ببوله وروثه ، وإذا كانت هذه الأشياء غير محرّمة اللحوم لم تكن أرواثها وأبوالها محرّماً.
ويدلُّ على ذلك أيضاً : ما رواه أحمد بن محمد ، عن محمد بن خالد ، عن القاسم بن عروة ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أحدهماعليهماالسلام في أبوال الدواب يصيب الثوب فكرهه ، فقلت : أليس لحومها حلالاً؟ قال : « بلى ولكن ليس ممّا جعلها الله للأكل ».
فجاء هذا الخبر مفسّراً للأخبار كلّها(٣) ومصرّحاً بكراهة ما تضمنته.
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، قال : سألته عن بول السنّور والكلب والحمار والفرس ، فقال : « كأبوال الإنسان ».
__________________
(١) ليست في النسخ : أثبتناه من المصدر.
(٢) الحبل المتين : ٩٦.
(٣) في المصدر زيادة : جلياً.
فالوجه في هذا الخبر أنّ نحمل قوله : « كأبوال الإنسان » على أنّه راجع إلى بول السنّور والكلب ؛ لأنّهما ممّا لا يؤكل لحمهما ، ويجوز أن يكون الوجه في هذه الأحاديث أيضاً ضرباً من التقية لأنّها موافقة لمذاهب [ بعض(١) ] العامة.
والذي يدل أيضاً على أنّها خرجت مخرج ( الكراهيّة للتقيّة )(٢) :
ما رواه محمد [ بن أحمد(٣) ] بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن الحكم بن مسكين ، عن إسحاق بن عمار ، عن المعلّى بن خنيس وعبد الله بن أبي يعفور قالا : كنّا في جنازة وقدّامنا حمار فبال فجاءت الريح ببوله حتى صكّت وجوهنا وثيابنا فدخلنا على أبي عبد الله ٧ فأخبرناه فقال : « ليس عليكم بأس ».
السند :
في الأول : فيه القاسم بن عروة ولم يذكر النجاشي فيه بعد النسب سوى أنّه روى عن أبي عبد اللهعليهالسلام له كتاب(٤) . وفي الفهرست قال الشيخ : القاسم بن عروة له كتاب(٥) . وفي رجال الصادقعليهالسلام من كتابه كذلك(٦) مع زيادة لا فائدة فيها.
__________________
(١) ليست في النسخ : أثبتناه من الإستبصار ١ : ١٨٠.
(٢) ما بين القوسين في « فض » : الكراهية وللتقية ، وفي « د » : الكراهة أو التقية ، وفي « رض » : الكراهية أو للتقية ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ١٨٠.
(٣) ما بين المعقوفين أثبتناه من الاستبصار ١ : ١٨٠ / ٦٢٨.
(٤) رجال النجاشي : ٣١٤ / ٨٦٠.
(٥) الفهرست : ١٢٧ / ٥٦٦.
(٦) رجال الطوسي : ٢٧٦ / ٥١.
وابن بكير قدّمنا ذكره مفصّلاً(١) ، والحاصل أنّ النجاشي ذكره من غير توثيق ولا مدح(٢) ، والشيخ في الفهرست قال : إنّه فطحي إلاّ أنّه ثقة(٣) ، وقد كرّرنا القول في أنّ عدم ذكر النجاشي في أمثال الرجل المذكور كونه فطحياً دليل على انتفائه عنده(٤) ؛ إذ من البعيد اطّلاع الشيخ على ما لم يطّلع عليه النجاشي ، مع اتحاد [ العصر(٥) ] وشدة ممارسة النجاشي للرجال وعدم سلوكه سبيل الاستعجال.
والثاني : غير خفي الحال.
والثالث : فيه الحكم بن مسكين وهو مجهول. وإسحاق بن عمار ثقة في النجاشي(٦) . والشيخ قال : إنّه فطحي في الفهرست(٧) . ووثّقة فيه وفي رجال الكاظمعليهالسلام (٨) ، وقد سمعت القول من جهة عدم ذكر النجاشي لكونه فطحياً.
فإن قلت : النجاشي قال في آخر كلامه : ذكر ذلك أحمد بن محمد بن سعيد في رجاله(٩) . وأحمد هو(١٠) ابن عقدة الزيدي المشهور فلا يفيد
__________________
(١) منها في ج ١ ص ١٢١ ، ص ٨٩ ، ولكن نسب إلى النجاشي هناك ما نسبه إلى الشيخ في الفهرست هنا ، فراجع.
(٢) رجال النجاشي : ٢٢٢ / ٥٨١.
(٣) الفهرست : ١٠٦ / ٤٥٢.
(٤) في ص ٧٩.
(٥) في النسخ : القصر ، والظاهر ما أثبتناه.
(٦) رجال النجاشي : ٧١ / ١٦٩.
(٧) الفهرست : ١٥ / ٥٢.
(٨) رجال الطوسي : ٣٤٢ / ٣.
(٩) رجال النجاشي : ٧١ / ١٦٩.
(١٠) ليست في « د ».
التوثيق ، وبتقدير احتمال عود الإشارة إلى روايته عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهماالسلام ؛ لأنّه ذكر هذا قبل الإشارة ، فلا أقل من احتمال غيره ، وهو كافٍ في عدم الصلاحيّة للتوثيق.
قلت : الاحتمال الأوّل بعيد وإنّ قرّبه الإشارة للبعيد ، على أنّ توثيق الشيخ موجود.
فإن قلت : إثبات توثيق النجاشي له فائدة ، وهو تعارض الجرح والتعديل ، فالجارح وإنّ كان مقدماً في الجملة على ما فصل في موضعه(١) إلاّ أنّ مثل النجاشي له رجحان يوجب تقديم تعديله على جرح الشيخ كما ذكر أيضاً في محله(٢) ، وحينئذ فاذا ثبت توثيق النجاشي أمكن أنّ يقال بأنّ إسحاق إمامي ثقة ، وبدون ثبوت التوثيق لا يثبت ذلك فلا يكون خبره صحيحاً إذا خلا من الموانع غيره.
قلت : لما ذكرت وجه ، إلاّ أنّ ظهور احتمال العود إلى الأخير كافٍ في الجواب ، على أنّه يمكن أن يقال : إنّ قول الشيخ بالفطحية وعدم ذكر النجاشي لها من قبيل التعارض في الجملة ، فترجيح النجاشي من هذه الجهة على حاله ، وتوثيق الشيخ لا معارض له ؛ إذ الفطحية تجامعه تارة وتنفك عنه اخرى ، اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ كلام الشيخ في حكم المركب فكان حكمه بالتوثيق مع كونه فطحياً ، فليتأمّل.
وفي الطريق المعلى بن خنيس ، وفيه كلام ، إلاّ أنَّه لا يضر بحال الرواية لو سلمت من غيره كما لا يخفى(٣) .
__________________
(١) كما قال به الشهيد الثاني في الدراية : ٧٣.
(٢) راجع ص ٧٩.
(٣) لأنّ الرواية رواها عبد الله بن أبي يعفور أيضاً وهو ممن وثقه النجاشي مرتين ، راجع رجال النجاشي : ٣١٣ / ٥٥٦.
ثم إنّ المعلى بن خنيس قال النجاشي : إنّه ضعيف جدّاً لا يعوّل عليه(١) ، والعلاّمة في الخلاصة نقل عن الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة بغير اسناد : أنّه كان من قوّام أبي عبد اللهعليهالسلام وكان محموداً عنده ومضى على منهاجه. وهذا يقتضي وصفه بالعدالة(٢) .
وفي نظري القاصر أنّ كلام الشيخ لا يقتضي الوصف بالعدالة ، أمّا من جهة كونه من القوّام فلأنّ الوكالة لا تفيد العدالة ، إلاّ إذا تعلّقت بمشروط بها ، وذلك غير معلوم.
وكونه محموداً عنده لم يعلم أنَّه من أي جهة ، وربما يكون من حيث قضاء مآربهعليهالسلام على الوجه الأكمل ، وهذا أمر آخر.
ثم قوله : بغير إسناد. إنّ أراد به أنّه على سبيل الجزم من الشيخ فكان ينبغي بيان التعارض بينه وبين تضعيف النجاشي ، وإن كان الشيخ ذكر ما يشعر بالرواية فاقتضاء كلامه التعديل لا وجه له.
وغير بعيد أنّ غرض العلاّمة التنبيه على رجحان جانب الجرح ؛ لأنّه ذكره عن النجاشي وابن الغضائري(٣) ، وقد روى الكليني في الروضة من الكافي عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن ابي عمير ، عن الوليد بن صبيح ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : دخلت عليه يوماً فالقى ( عليّ ثيابه )(٤) وقال : « يا وليد ردّها على مطاويها » فقمت بين يديه ، فقال أبو عبد اللهعليهالسلام : « رحم الله المعلّى بن خنيس » ثم قال : « أُفٍّ للدنيا إنّما الدنيا دار بلاء سلّط الله فيها عدوّه على وليّه »(٥) .
__________________
(١) رجال النجاشي : ٤١٧ / ١١١٤.
(٢) الخلاصة : ٢٥٩ / ١.
(٣) الخلاصة : ٢٥٩ / ١.
(٤) ما بين القوسين في المصدر : إليّ ثياباً.
(٥) الكافي ٨ : ٣٠٤ / ٤٦٩ ، بتفاوت في المتن.
وهذا الحديث ربما دل على مدح في الجملة ، وفي كتاب الدين من التهذيب حديث حسن أيضا ربما يفيد نوع مدح(١) والله أعلم بالحال.
المتن :
في الأوّل حمل الشيخ فيه الكراهة على معناها الأُصولي ، ولا يخلو من تأمّل ؛ لوجود استعمالها في التحريم كما في كثير من الأخبار ، وللشيخ في ذلك اضطراب يعلمه من تصفّح كتبه.
ثم لفظه : كرهه ، إمّا أنّ تقرأ بالتضعيف على معنى أنّه جعله مكروهاً ، وحينئذ يصير مشتركاً بين التحريم والكراهة الأُصولية كما يستفاد من الأخبار ، وإمّا بغير التضعيف على معنى أنّه نفر منه ، والاشتراك أيضاً محتمل من النفرة ، وعلى كل حال فقول الشيخ : جاء الخبر مصرّحاً بالكراهة صحيح ، أمّا تفسير معنى الكراهة منه فمحل كلام ، غاية الأمر أنّه إذا نظر الى تعارض الأخبار أمكن حمل الكراهة على معناها الأُصولي.
وما قاله الشيخرحمهالله : من أنّه أورد في الكتاب الكبير(٢) وفيما تقدم أنّ ما يؤكل لحمه لا بأس ببوله وروثه. صحيح أيضاً ، إلاّ أنّ الأخبار لو صحّت لكانت قابلة للتخصيص ، كما أوضحنا الحال فيه سابقاً(٣) ، ونقول هنا : إنّ ما دل على النجاسة ناقل ، وما دلّ على الطهارة مقرّر للأصل ، وعند التعارض يرجّح(٤) الناقل ، مضافاً إلى أنّ أخبار النجاسة أكثر ، بل ربما كانت
__________________
(١) التهذيب ٦ : ١٨٦ / ٣٨٦ ، الوسائل ١٨ : ٣٣٥ أبواب الدين والقرض ب ٩ ح ١.
(٢) التهذيب ١ : ٢٤٧ / ٧١١ ، الوسائل ٣ : ٤٠٩ أبواب النجاسات ب ٩ ح ٩.
(٣) راجع ص ٨٧٤.
(٤) في « د » : يترجح.
أصحّ ، كما يعرف بمراجعتها ، إلاّ أنّه محل كلام بعد ما ذكرناه من رواية الصدوق(١) ، ويؤيدّها أنّ الثقة الجليل محمد بن يعقوب رواها أيضاً(٢) .
وقد ذكر الوالدقدسسره في المعالم بعد ما قدّمناه عنه سابقاً(٣) من توجيهه لصحّة خبر الحلبي الدال على نفي البأس عن روث الحمير ما هذا لفظه : وقد علمت أنّ المشي على طريقهم في تصحيح الأخبار مقتضٍ لصحّة الخبر المذكور ، واللازم من الأمرين يعني صحة الخبر وعدم القائل بالفصل ثبوت الطهارة ، وتبقى الأخبار الأُخر عاضدة ، وقد أشار المحقّق في المعتبر إلى خلو الأخبار عن نجاسة الروث ، فقال بعد نقل جملة من الروايات فخلّص من هذا تطابق أخبارنا على طهارة الروث وتصادمها على البول ، فيقضى بالكراهة(٤) عملاً بالروايتين ، ولأنّ تعارض النقل يثمر الطهارة لوجهين ، أحدهما : أنّ الأصل الطهارة فيكون طرفها أرجح ، الثاني : ما روى عن أبي عبد اللهعليهالسلام : « كل شيء نظيف حتى تعلم أنّه قذر »(٥) انتهى(٦) .
وأنت خبير بعد ما ذكرناه من ترجيح الناقل على المقرّر يشكل ما ذكره الوالدقدسسره والمحقّق ، إلاّ أنّ يقال : إنّ أخبار النجاسة غير صريحة في ذلك ، بل بعضها المقترن بالروث قرينة الاستحباب فيه موجودة ، نظراً إلى ما تقدم من عدم القائل بالفصل ، فإذا حكم بطهارة الروث في الخبر ومعه
__________________
(١) المتقدمة في ص ٨٧٤.
(٢) الكافي ٣ : ٥٨ / ١٠ ، الوسائل ٣ : ٤٠٧ أبواب النجاسات ب ٩ ح ٢.
(٣) راجع ص ٨٧٣.
(٤) في المصدر : بالكراهية.
(٥) التهذيب ١ : ٢٨٤ / ٨٣٢ ، الوسائل ٣ : ٤٦٧ أبواب النجاسات ب ٣٧ ح ٤.
(٦) معالم الفقه : ٢٠٥.
الأمر بغَسل البول كان للاستحباب ، والبعض الخالي من الاقتران لا بدّ حينئذ من حمله على الاستحباب كالمقترن ، إذ يبعد الحكم في بعض دون بعض ، وإذا لم تكن الأخبار صريحة فترجيح الناقل يتوقف على ذلك.
ويمكن أنّ يجاب عن هذا بأنّ إثبات عدم القائل بالفصل عسر ، بل هو من قبيل الإجماع الذي يدّعى من المتأخّرين ، هذا.
والعجب من بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله أنّه ذكر ترجيح الناقل على المقرّر في خبرين ، أحدهما دالّ على الأمر بغَسل الثوب من بول ما لا يؤكل لحمه ، والآخر دالّ على أنّ كل شيء يطير لا بأس بخرئه وبوله(١) ، والحال أنّه ذكر في مسألة أبوال الدواب أنّ أخبار النجاسة ربما حملت على الاستحباب لاعتضادها بالأصل وعمل الأكثر ، ثم قال : والمسألة محل توقف(٢) .
والوجه في التعجب أنّ هذا المحل أولى بذكر المقرّر والناقل ؛ لأنّ أحد ذينك الخبرين رواية أبي بصير ، فليس الاعتناء به أولى من غيره ، ولا يبعد أنّ يكون عمل الأكثر كما ذكر مع الأصل مؤيداً قويّاً ، إلاّ أنّ الكلام في ثبوت الأكثرية ، وبالجملة فالمقام واسع الباب ، والله سبحانه الهادي إلى الصواب.
ثم إنّ ما تضمنه الأوّل من قوله : « ولكن ليس ممّا جعلها الله للأكل » لا يخلو من إجمال ، ولعلّ المراد أنّ المأكول الخالي بوله وروثه من الريب ما أعدّه الله للأكل ، بمعنى أنّ خلقه للأكل بالذات ، والاستعمال في غير الأكل بالعرض ؛ أمّا ما كان خلقه بالذات للاستعمال كالخيل والبغال والحمير ،
__________________
(١) الحبل المتين : ٩٦.
(٢) الحبل المتين : ٩٥.
وأكله بالعرض ، فبوله محلّ ارتياب إمّا بتحريم أو كراهة ، وربما دل على حكم المذكورات قوله تعالى( وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً ) (١) وهذا على سبيل الاحتمال ، والله سبحانه أعلم بمقاصد أوليائه ، وقد صرّح بعض الأصحاب بأنَّ المراد بما يؤكل لحمه ما كان بحسب العادة(٢) .
وأمّا الثاني : فما ذكره الشيخ فيه لا وجه له ، بل كان تركه أولى ، والحمل على التقيّة واضح الحُسن ، وربما كان في الجواب نوع ميل عن الكذب ، لأنّ أبوال المذكورات كأبوال الإنسان في الصورة لا في الحكم.
أمّا ما قاله الشيخ في الثالث فواضح.
اللغة :
قال في القاموس : صكَّهُ : ضربه شديداً(٣) .
قوله :
باب الرجل يصلّي في ثوب فيه نجاسة قبل أنّ يعلم.
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن حفص بن غياث ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن علي عليهمالسلام قال : « ما أُبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم ».
__________________
(١) النحل : ٨.
(٢) الحبل المتين : ٩٥.
(٣) القاموس المحيط ٣ : ٣٢٠ ( صَكَّه ).
علي بن مهزيار ، عن فضالة ، عن أبان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يصلّي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنّور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال : « إن كان لم يعلم فلا يعيد ».
عنه ، عن صفوان ، عن العيص بن القاسم ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام ، عن رجل صلّى في ثوب رجل أيّاماً ثم إنّ صاحب الثوب أخبره أنّه لا يصلّى فيه ، قال : « لا يعيد شيئاً من صلاته ».
السند :
في الأول معلوم ممّا كرّرناه ، وقد مضى أيضاً عن قريب أنّ أبا جعفر أحمد بن محمد بن عيسى(١) ، وأمّا حفص بن غياث فقد ذكر النجاشي أنّه ولي القضاء ببغداد لهارون ثم ولاّه قضاء الكوفة(٢) . والشيخ قال في الفهرست : إنّه عاميّ المذهب وله كتاب معتمد(٣) . وفائدة ما ذكره الشيخ من الكتاب المعتمد إنّما يظهر لو علم أنّ الخبر من كتابه ، وأنّى يعلم هذا؟!.
والثاني لا ريب فيه ؛ إذ الطريق إلى علي بن مهزيار كذلك.
والثالث كالثاني.
المتن :
في الأول : له دلالة على عدم اعتبار الظن في النجاسة ، إذ المتبادر من
__________________
(١) راجع ص ٨٥٧.
(٢) رجال النجاشي : ١٣٤ / ٣٤٦.
(٣) الفهرست : ٦١ / ٢٣٢.
العلم غير الظن ، واحتمال إرادة العلم الشرعي المتناول للظن على تقدير ظهوره يمكن القول به ، بل الظاهر أنّ الظن الشرعي لا ارتياب فيه ؛ إذ النجاسات غالبها ثابتة بالظن الشرعي عند المجتهد.
أمّا ما ينقل عن أبي الصلاح : من أنّ النجاسة تحصل بالظنّ مطلقاً(١) . فالذي يقتضيه نظري القاصر أنّ مراده بالظنّ : الشرعي ؛ لأنّ المنقول في احتجاجه لما قاله بأنّ الشرعيات كلّها ظنية ، وأنّ العمل بالمرجوح مع قيام الراجح باطل(٢) . ولا يخفى دلالة أوّل الدليل على ما ذكرناه ، وأمّا الثاني فهو قابل للردّ إلى الأوّل.
واحتمال إرادته كل ظن إذا كان في نفسه راجحاً فما قابلة مرجوح ، فلو حصل ظن النجاسة ترجحت وكانت الطهارة مرجوحة.
فيه : أنّ الطهارة لا تصير مرجوحة بمجرّد ظن النجاسة ، بل الطهارة إن كانت مستصحبة فظنها يساوي غيرها ، وكلامه في الرجحان.
اللهُمَّ إلاّ أنّ يقال : إنّ من جملة الصور المتناول لها إطلاقه ما لو كان ظن النجاسة أرجح عند المكلف من ذلك الاستصحاب للطهارة.
وفيه : أنّ كلامه كما سمعت في الظن الشرعي ، والاستصحاب إن فرض أنّه شرعي كما هو ظاهر مراده فالرجحان محلّ كلام ، إلاّ أنّ يكون دليل النجاسة أقوى ، وهذا حكم آخر.
ومن هنا يعلم أنّ ما أجاب به المتأخّرون(٣) عن حجّته من المنع من العمل بمطلق الظن شرعاً ، وثبوته في مواضع مخصوصة لدليل خاص
__________________
(١) حكاه عنه في المختلف ١ : ٣٢٢ ، وهو في الكافي في الفقه : ١٤٠.
(٢) حكاه عنه في المختلف ١ : ٣٢٢.
(٣) كالمحقق الثاني في جامع المقاصد ١ : ١٥٣.
لا يقتضي التعدية إلاّ بالقياس محل بحث ؛ لأنّ حاصل دليله أنّ الظن الشرعي معمول به في النجاسة ، لا أنّ كل ظن يعمل به شرعاً.
والعجب من الوالدقدسسره أنّه ذكر الجواب على ما ذكره غيره ولم يتوجه لتحقيق الحال(١) .
والحاصل أنّ إطلاق بعض الأصحاب اعتبار العلم في النجاسة(٢) لا وجه له إنّ أراد اليقين ؛ لأنّ المجتهد لا يحصل له اليقين في أغلب المسائل ، بل الظنّ ، وإذا اكتفي بالظنّ علم أنّ اعتبار العلم الحقيقي مطلقاً غير معتبر في النجاسة ، وإذا رجع إلى الشرعي علم أنّ المراد ما يتناول الظن.
وفي النظر أنّ الأولى أنّ يقال في الجواب : إنّ عمل المجتهد بالظنّ مرجع دليله الإجماع ، وما عداه يتوقف على الدليل ، فالظنّ الحاصل لغيره يتوقف على الدليل ، فإذا ورد في مثل الخبر المذكور اعتبار العلم حملناه على ظاهره ، ويخص بما عدا ظن المجتهد ، على انَّ المراد بالعلم ما يشمل الظن لو سلّمت يقال : إنّ المراد العلم أو ظن المجتهد ، لا مطلق الظن.
ومن هذا التوجيه يعلم أنّ ما قيل في ثبوت النجاسة إذا شهد بها عدلان(٣) ، محل نظر ؛ لأنّ شهادة العدلين إنّ كانت عند الحاكم أمكن الثبوت ، وأمّا عند غيره فالقبول مشكل ؛ إذ لا دليل على قبولها لغير الحاكم في النجاسة من نص ، والإجماع منتف لوجود الخلاف على ما يظهر من المنتهى ، فإنّه قال : لو أخبر عدل بنجاسة الماء لم يجب القبول ، أمّا لو شهد
__________________
(١) معالم الفقه : ١٦٣.
(٢) مجمع الفائدة والبرهان ١ : ٣٤٧.
(٣) قال به المحقق في المعتبر ١ : ٥٤.
عدلان فالأولى القبول(١) . وهذا الكلام يقتضي الخلاف في العدلين ، وقد احتج لقبول العدلين بأنّ شهادتهما معتبرة في نظر الشارع.
وأنت خبير بورود النظر الذي ذكرناه على الاحتجاج ؛ فإنّ اعتبار الشاهدين في نظر الشارع موقوف على الدليل من إجماع ونحوه ، وبعد تصريحه بالخلاف لا إجماع ، والأخبار لم أقف عليها.
وفي المنتهى ايضاً : لو أخبر العدل بنجاسة إنائه فالوجه القبول ، ولو أخبر الفاسق بنجاسة إنائه فالوجه القبول أيضاً(٢) .
وفي التذكرة قال : لو استند الظن إلى سبب كقول العدل فهو كالمتيقّن ، وإلاّ فلا(٣) . ولا يبعد أنّ يكون مراده في التذكرة بالعدل إذا أخبر بنجاسة مائه ، إذ من المستبعد الحكم بقوله في نجاسة الماء بمجرد قول العدل وإنّ أثمر الظنّ ؛ لأنّ الظنّ المعتبر هو الشرعي على ما يظهر من كلام أبي الصلاح ، وهو القائل بالظن(٤) ، وعلى تقدير كون العلاّمة اختار مطلق الظن فالإشكال واضح بالنسبة إلى الدليل.
ومن هنا يظهر أنّ ما نقل عن ابن البرّاج : من عدم قبول العدلين(٥) . له وجه ، ولا يتوجه عليه أنّ قبول العدلين إذا شهدا عند المجتهد لا ينبغي الارتياب فيه ؛ لإمكان الجواب بأنّ قبول شهادة الشاهدين للمجتهد موقوف على الدليل ، والإجماع على قبول شهادة الشاهدين في الماء النجس محلّ كلام ، اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ المخالف منحصر في ابن البراج فلا يضرّ
__________________
(١) المنتهى ١ : ٩.
(٢) المنتهى ١ : ١٠.
(٣) التذكرة ١ : ٩٠.
(٤) راجع ص ٨٨١.
(٥) نقله عنه في المعتبر ١ : ٥٤ ، وهو في جواهر الفقه ( الجوامع الفقهية ) : ٤٧٢.
الإجماع ، وفيه ما فيه.
والعجب من المحقّق في المعتبر أنّه جزم بعدم القبول مع إخبار العدل ، وحكى عن ابن البرّاج قوله ، ثم قال : والأظهر : القبول ؛ لثبوت الأحكام بشهادتهما عند الشارع [ كما(١) ] لو اشتراه وادعى المشتري نجاسته قبل العقد ، فلو شهد شاهدان لساغ الردّ ، وهو مبنيّ على ثبوت العيب(٢) . انتهى.
ووجه التعجب أنّه يتوجه عليه في نظري القاصر :
أوّلاً : أنّ المدّعى ثبوت النجاسة بالشاهدين مطلقاً ، وظاهر الدليل الثبوت عند الشارع ، فهو أخصّ من المدعى.
وثانياً : أنّ الثبوت عند الشارع على تقدير تحقق الدليل عليه يقال به ، لكن تعديته(٣) لكل شخص قياس.
وثالثاً : أنّ ما استدل به من ثبوت العيب ربما يناقش فيه بأنّ ثبوت الخيار يقتضي عدم ثبوت النجاسة ؛ إذ لو تحققت بطل البيع إلاّ فيما يمكن تطهيره ، والإطلاق لا يناسبه.
ومن هنا يظهر أنّ ما قاله الوالدقدسسره بعد كلام المحقق : من أنّه لا بأس به. غريب منه ، مضافاً إلى ما قاله بعد النقل عن بعض الأصحاب أنه شرط في قبول العدلين تبيّن السبب المقتضي للنجاسة ؛ لوقوع الخلاف فيه(٤) إلاّ أنّ يعلم الوفاق فيكتفى بالإطلاق : إنّ هذا الاشتراط حسن ووجهه
__________________
(١) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(٢) المعتبر ١ : ٥٤.
(٣) في « فض » : تمشيه.
(٤) ليست في « د ».
ظاهر(١) .
إذا عرفت هذا كلّه فالذي يظهر من العلاّمة في النهاية توجيه قبول العدل الواحد بأنّ الشهادة في الأُمور المتعلقة بالعبادة كالرواية ، والواحد فيها مقبول ، فكذا فيما يشبهها(٢) .
ولا يخفى عليك حال هذا الكلام من حيث دلالة ظاهره على القياس على الرواية ، ولا وجه له ، ولا يبعد أنّ يكون مقصوده أنّ ثبوت قول الواحد ليس من حيث الشهادة بل من حيث الإخبار ، فيدخل في مفهوم آية( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ ) (٣) وعلى هذا يكون قوله : فيما يشبهها. يريد به كونه خبراً لا شهادة ( ولا يخلو من وجه ، غير أنّ في البين إجمالاً بالنسبة إلى الفرق بين الإخبار والشهادة )(٤) فينبغي التأمّل في جميع ما ذكرناه فإنّه حريّ بالتأمّل التام.
وما عساه يقال : من أنّ الخبر إذا لم ( يسلم سنده )(٥) من موجبات الردّ لا فائدة فيما يتفرع عليه. يمكن الجواب عنه بأنّ الصدوق قد روى هذا الخبر مرسلاً عن عليعليهالسلام (٦) ، وروى مضمونه من الدلالة على العلم بالنجاسة مرسلاً عن الصادقعليهالسلام (٧) . وقد قدّمنا حال مراسيله(٨) ، مضافاً
__________________
(١) معالم الفقه : ١٦٣.
(٢) نهاية الإحكام ١ : ٢٥٢.
(٣) الحجرات : ٦.
(٤) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٥) بدل ما بين القوسين في « فض » : يعلم سنده ، وفي « رض » يسلم يشده.
(٦) الفقيه ١ : ٤٢ / ١٦٦ ، الوسائل ٣ : ٤٦٧ أبواب النجاسات ب ٣٧ ح ٥.
(٧) الفقيه ١ : ٦ / ١ ، الوسائل ١ : ١٣٣ أبواب الماء المطلق ب ١ ح ٢.
(٨) راجع ص ٤٨ ، ٨٧٥.
الى بعض الاعتبارات المذكورة في محل آخر ، هذا.
والثاني : كما ترى يدل على أنّ من لم يعلم بالنجاسة لا إعادة عليه ، أمّا كون [ عدم(١) ] العلم مراداً به ما يشمل عدم العلم بالحكم فمحل كلام ، والحاصل أنّ عدم العلم بالنجاسة إمّا أنّ يراد به عدم العلم بحصول النجاسة في الثوب مع علمه بالنجاسة ما هي ، وإمّا أنّ يراد عدم العلم بأنّ المذكورات نجسة مع علمه بالنجاسة إجمالاً ، وإمّا أنّ يراد عدم العلم بالنجاسة أصلاً ، وتبادر الأوّل ممكن ، وإنّ ظهر من بعض الأخبار ما تسمعه.
ثم إنّ العلم المذكور كما يحتمل ما ذكرناه يحتمل أنّ يراد به ما قابل الظن ، ويتناول الأقسام المذكورة.
وممّا يدل من الأخبار على أنّ الجاهل في الجملة معذور ما رواه الشيخ في باب النكاح بطريق صحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج ، عن أبي إبراهيمعليهالسلام قال : سألته عن الرجل يتزوّج المرأة في عدّتها بجهالة أهي ممّن لا تحل له أبداً؟ فقال : « لا ، أمّا إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدّتها وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك » قال : قلت : فأيّ الجهالتين أعذر ، الجهالة بأنّ ذلك حرام عليه ، أم بجهالته أنّها في عدّة؟ قال : « إحدى الجهالتين أهون من الأُخرى : الجهالة بأنّ الله تعالى حرّم ذلك عليه ، وذلك أنّه لا يقدر على الاحتياط معها »(٢) الحديث.
__________________
(١) ما بين المعقوفين أثبتناه لاستقامة المعنى.
(٢) التهذيب ٧ : ٣٠٦ / ١٢٧٤ وفيه : عن أبي عبد اللهعليهالسلام وبتفاوت يسير في المتن ، الوسائل ١٤ : ٣٤٥ أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها ب ١٧ ح ٤.
وروى الصدوق في كتاب الصلاة من الفقيه حديثاً(١) عن زرارة ومحمد بن مسلم وفيه قالا : قلنا : فمن صلّى في السفر أربعاً أيعيد أم لا؟ فقال : « إنّ كان قد(٢) قرئت عليه آية التقصير وفسّرت له أعاد ، وإنّ لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة »(٣) .
والذي يقتضيه النظر في هذين الخبرين أنّ عدم العلم بالمنع من الشارع يوجب العذر ، أمّا لو علم المنع وجهل ما يتعلق به فلا عذر ، وما تضمنه الخبر المبحوث عنه على تقدير حمل العلم على ما قابل الجهل يحتمل أنّ يخصّ بعدم العلم بمنع الشارع ، وقد اتفق للمتأخرين نوع إجمال في الفرق بين جاهل الأصل وجاهل الحكم(٤) (٥) .
والذي يستفاد من الخبر الذي ذكره الشيخ في النكاح(٦) أنّ ما يمكن معه الاحتياط لا يعذر صاحبه ، لكنّ الحال في هذا لا يخلو من إجمال ، فإن الاحتياط لمن لا يعلم(٧) التحريم في خصوص ما ذكر في الرواية ممكن لمن علم إجمالاً بأنّ الله قد حلّل وحرّم ، فالسؤال عن الحلال والحرام قبل الفعل على سبيل الاحتياط ممكن ، غاية الأمر أنّ الاحتياط يتفاوت بالقرب والبعد ، ولعلّ هذا هو المراد في الرواية ، فيراد بما يمكن فيه الاحتياط على
__________________
(١) في « فض » زيادة : صحيحاً.
(٢) ليست في « د ».
(٣) الفقيه ١ : ٢٧٨ / ١٢٦٦ ، الوسائل ٨ : ٥٠٦ أبواب صلاة المسافر ب ١٧ ح ٤.
(٤) انظر جامع المقاصد ٢ : ٨٧. والمدارك ٢ : ٣٤٤ ٣٤٩ ، وحبل المتين : ٩٥ و ١٧٣ و ١٧٤.
(٥) في « فض » زيادة : واختلاف في حكمهما.
(٦) في « رض » و « نش » زيادة : إجمال.
(٧) في « فض » و « رض » : لم يعلم.
وجه قريب ، ولو لا هذا لم يكن أحد من الجهّال معذوراً بعد أن علم أنّه مكلّف والحال أنّ الرواية تفيد خلاف ذلك.
وكلام بعض الأصحاب الذين رأينا كلامهم تارة يعطي عدم عذر الجاهل بالحكم الشرعي إذا علم الأصل ، كالمكان المغصوب إذا علم غصبه وجهل حكمه ، وتارةً يعطي ما يخالف هذا كما يعلمه من تتبّع كلامهم(١) ، والخبران اللذان ذكرناهما ربما يفيدان عذر الجاهل بنوع آخر.
والخبر المنقول عن الفقيه قد تكلّمنا فيه في موضعه من حيث دلالته(٢) على أنّ الآية إذا لم تفسّر له لا إعادة عليه ، والظاهر من هذا التركيب احتمالات : أحدها أنّ جاهل الحكم معذور كجاهل الأصل ، على أنّ يراد بالأصل أصل الوجوب ، والتفسير يراد به ما يلزم الوجوب من البطلان ، ولو لا خوف الخروج عمّا نحن بصدده لذكرت جميع الاحتمالات ، والمقصود هنا التنبيه على أنّ الأصحاب(٣) يقنعون في أمثال هذه المباحث بالقليل ويكتفون في المطالب المهمة اتّكالاً على قول بعض المتقدّمين بأيسر دليل ، والله سبحانه الهادي إلى سواء السبيل.
إذا عرفت هذا كلّه فاعلم أنّ المحقّق في المعتبر صرّح فيما حكاه شيخناقدسسره بأنّ من علم بالنجاسة وصلّى ذاكراً لها وجب عليه الإعادة في الوقت وخارجه ، قال المحقّق : وهو إجماع من جعل طهارة الثوب والبدن شرطاً(٤) . وإطلاق كلام جماعة يقتضي عدم الفرق في العالم بالنجاسة بين
__________________
(١) مجمع الفائدة والبرهان ١ : ٣٤٢ ٣٤٧.
(٢) في « فض » و « رض » : النسخ : دلالة.
(٣) في « فض » و « رض » زيادة : كثيراً ما.
(٤) حكاه عنه في المدارك ٢ : ٣٤٤ ، وهو في المعتبر ١ : ٤٤١.
[ العالم(١) ] بالحكم الشرعي والجاهل به ، والعلاّمة في المنتهى صرح بأنّ جاهل الحكم عامد ؛ لأنّ العلم ليس شرطاً للتكليف(٢) ، واعترض عليه بقبح تكليف الغافل.
وفيه نظر يعرف ممّا قدّمناه من أنّ قبح تكليف الغافل مطلقاً يدفعه بعض الأخبار.
أمّا ما قاله شيخناقدسسره : من أنّ الحق أنّهم إن أرادوا بكون الجاهل عامداً أنّه مثله في وجوب الإعادة في الوقت مع الإخلال بالعبادة فهو حقّ ؛ لعدم حصول الامتثال المقتضي لبقاء المكلّف تحت العهدة ، وإن أرادوا أنّه كالعامد في الإعادة في الوقت وخارجه فهو مشكل ؛ لأنّ القضاء فرض مستأنف(٣) .
ففي(٤) نظري القاصر أنّه محلّ بحث :
أمّا أوّلاً : فلأنّ وجوب الإعادة في الوقت بسبب عدم الامتثال موضع نظر ؛ لما قرره هو وغيره من قبح تكليف الغافل ، وإذا لم يكن مكلّفاً بما جهله(٥) فالمكلّف فيه(٦) قد فعله ، ولو اعتبرنا المأمور به غيره أشكل بجاهل أصل النجاسة على المعروف ، وبما تضمّنه الخبران اللذان نقلناهما في الجاهل(٧) ، وحينئذ يمكن القول بأنّه أتى بالمأمور به.
ومن ثم حكى شيخنا الشهيدرحمهالله عن السيّد الرضيقدسسره أنّه سأل
__________________
(١) في النسخ : العلم ، وما أثبتناه من المصدر.
(٢) حكاه عنه في المدارك ٢ : ٣٤٤ ، وهو في المنتهى ١ : ٢٩٩.
(٣) المدارك ٢ : ٣٤٤.
(٤) في « د » : وفي.
(٥) في « فض » : جعل.
(٦) كذا في النسخ ولعل الأولى : به.
(٧) راجع ص ٨٨٤.
أخاه ( السيّد المرتضىرضياللهعنه عن مسألة من كان جاهلاً بالتقصير )(١) فصلّى أربعاً حيث قيل : إنّه لا يعيد مطلقاً ، فقال : إنّ الإجماع منعقد على أنّ من صلّى صلاة لا يعلم أحكامها فهي غير مجزئة ، والجهل بأعداد الركعات جهل بأحكامها ، فأجابه السيّد المرتضى بجواز تغيّر الحكم الشرعي بسبب الجهل(٢) .
وكان مراده بالجواب احتمال كون الجاهل مكلّفاً بالأربع ، وما قاله السيّد بعد ما نقلناه من أنّه وإن كان الجاهل غير معذور لا يخلو من خفاء ، ولعل مراده أنّه مقصّر في عدم التعلّم ، وهذا أمر آخر ، وبالجملة فالحكم بعدم الامتثال موضع نظر.
وأمّا ثانياً : فما قاله : من أنّ القضاء فرض مستأنف. مسلّم ، لكن الإجماع المدّعى يتناوله بسبب الإطلاق ، وكذلك إطلاق بعض الأخبار(٣) ، إلاّ أنّ يقال : إنّ الإجماع مقيّد والأخبار متعارضة ، وفيه : أنّهقدسسره كان عليه بيان هذا كلّه لأنّه مهم ، فليتدبّر ، هذا.
وفي الحديث كما ترى دلالة على إطلاق العذرة على غير فضلة الإنسان ، فما ورد في نجاسة العذرة يتناول غير الإنسان كما ذكره بعض الأصحاب(٤) ، والوالدقدسسره له كلام في هذا(٥) وقد ذكرنا ما فيه في حاشية الروضة ، ويمكن أنّ يقال : إنّ الخبر لا يدل على إطلاق العذرة من دون قيد.
ثم إنّ الخبر بإطلاقه يتناول عدم الإعادة في الوقت وخارجه إنّ لم تحمل الإعادة على الوقت كما هو المعروف من معناها العرفي للأُصوليين ،
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٢) الذكرى : ٢٥٩.
(٣) راجع الوسائل ٨ : ٢٥٣ أبواب قضاء الصّلوات ب ١.
(٤) لم نعثر عليه.
(٥) معالم الفقه : ١٩٧.
إلاّ أنّ المستفاد من الأخبار غير ذلك ، كما يعلم بالتتبّع.
والخبر الثالث : كما ترى يدل على عدم الإعادة وإنّ أخبر صاحب الثوب ، والوجه في عدم الإعادة محتمل لأمرين :
أحدهما : عدم العلم(١) أوّلاً كما يستفاد في الجملة من الخبرين.
وثانيهما : أنّ يكون الوجه عدم ثبوت النجاسة من إخبار صاحب الثوب وبعض الأصحاب وإنّ فهم منه عدم(٢) قبول قول صاحب اليد ، إلاّ أنّه محل تأمّل لأنّ الإخبار إنّما يفيد الظن ، والاكتفاء به محل بحث ، والإقرار إنّما يفيد في حق نفسه ، وإخبار البائع بنجاسة الشيء الذي باعه ربما يقال : إنّه يثمر الخيار للمشتري ، وحينئذ يدل على قبول قوله. وفيه عدم معلومية ثبوت الخيار ، وبتقديره يجوز أنّ يكون لحصول النفرة من المبيع ، مضافاً إلى ما قدمناه في شهادة الشاهدين بالنجاسة(٣) .
ولا يشكل الحال هنا بأنّ المخبر إذا قبل قوله في حق نفسه لزم الحكم بنجاسته لو باشره ، وحينئذ لا يجوز لنا مباشرة الرجل من غير طهارة ، والحال أنّه راجع إلى قوله ، وهو غير مقبول. لإمكان الجواب بأنه لا مانع من الالتزام ، فينبغي التأمّل التامّ.
اللغة :
قال في القاموس : العذرة فناء الدار وأرْدأ ما يخرج من الطعام(٤) . وقد تقدم منه أنّ الخُرء هو العذرة ، وسمعت ما أشرنا إليه(٥) .
__________________
(١) في « رض » زيادة : بالنجاسة.
(٢) ليست في « فض » و « رض ».
(٣) راجع ص ٨٨٢.
(٤) القاموس المحيط ٢ : ٨٩.
(٥) راجع ص ٨٦٩.
قوله :
فأما ما رواه محمد بن يعقوب ، عن علي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن عبد الكريم بن عمرو ، عن الحسن بن زياد قال : سُئل أبو عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يبول فيصيب بعض فخذه نكتة من بوله فيصلّي ثم يذكر بعد(١) أنّه لم يغسله؟ قال : « يغسله ويعيد صلاته ».
وما رواه أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن ابن مسكان قال : بعثت بمسألة(٢) إلى أبي عبد اللهعليهالسلام مع إبراهيم بن ميمون قلت : تسأله عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله فيصلّي ويذكر بعد ذلك أنّه لم يغسلها؟ قال : « يغسلها ويعيد الصلاة »(٣) .
علي بن إبراهيم ( عن أبيه )(٤) ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليهالسلام في رجل (٥) صلّى في ثوب فيه نكتة جنابة ركعتين ثم علم ، قال « عليه أنّ يبتدئ بالصلاة » (٦) قال : وسألته عن رجل يصلّي وفي ثوبه جنابة أو دم حتى فرغ من صلاته ثم علم ، قال : « قد (٧) مضت صلاته ولا شيء عليه ».
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٨١ / ٦٣٢ زيادة : ذلك.
(٢) في الاستبصار ١ : ١٨١ / ٦٣٣ : مسألة.
(٣) في الاستبصار ١ : ١٨١ / ٦٣٣ : صلاته.
(٤) ما بين القوسين ليس في الاستبصار.
(٥) في « رض » : الرجل.
(٦) في التهذيب ٢ : ٣٦٠ / ١٤٨٩ ، والاستبصار ١ : ١٨١ / ٦٣٤ : الصلاة.
(٧) ليست في « رض » و « فض ».
سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين ، عن ابن أبي عمير ، عن وهب بن عبد ربه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم بها صاحبه فيصلي فيه ثم يعلم بعد(١) قال : « يعيد(٢) إذا لم يكن علم ».
فلا تنافي بين هذه الأخبار والأخبار الأوّلة ؛ لأنّ الوجه في الجمع بينها(٣) أنّه إذا علم الإنسان حصول النجاسة في الثوب ففرّط في غَسله ثم نسي حتى صلّى وجب عليه الإعادة لتفريطه ، وإنّ لم يعلم أصلاً إلاّ بعد فراغه من الصلاة لم تلزمه الإعادة ، وعلى هذا دلّت أكثر الروايات التي ذكرناها في الكتاب الكبير ، وقد ذكرنا طرفاً منها في باب أحكام الدماء بهذا التفصيل ، منها : رواية محمد بن مسلم وإسماعيل الجعفي وابن أبي يعفور وجميل ، عن بعض أصحابنا.
السند :
في الأوّل : سهل بن زياد ، وقال النجاشي : إنّه كان ضعيفاً في الحديث ـ إلى ان قال ـ : ذكر ذلك أحمد بن علي بن نوح وأحمد بن الحسين(٤) . والشيخ في الفهرست قال : إنّه ضعيف(٥) . وفي رجال الهاديعليهالسلام من كتابه قال : إنّه ثقة(٦) . والعلاّمة ذكر في الخلاصة قول الشيخ بالتوثيق وقول
__________________
(١) في التهذيب ٢ : ٣٦٠ / ١٤٩١ ، والاستبصار ١ : ١٨١ / ٦٣٥ زيادة : ذلك.
(٢) في التهذيب ٢ : ٣٦٠ / ١٤٩١ ، والاستبصار ١ : ١٨١ / ٦٣٥ : لا يعيد.
(٣) في « د » : بينهما.
(٤) رجال النجاشي : ١٨٥ / ٤٩٠.
(٥) الفهرست : ٨٠ / ٣٢٩.
(٦) رجال الطوسي : ٤١٦ / ٤.
النجاشي إلى قوله : وأحمد بن الحسين ، وزاد ما هذه صورته : وقال ابن الغضائري : إنّه كان ضعيفاً جدّاً فاسد الرواية والمذهب(١) . وهذا الكلام من العلاّمة ربما يتوهم منه ان أحمد بن الحسين غير ابن الغضائري ، لأنّه قال : وقال ابن الغضائري. وقد قدّمنا في هذا الكتاب أنّه ابن الغضائري(٢) لوجوه ترفع الارتياب.
ويبقى هذا الإبهام لا بد من دفعه ، والحاصل أنّ قول العلاّمة : وقال ابن الغضائري. لا يدل على المغايرة ؛ لأنّ ذكر أحمد بن الحسين من كلام النجاشي ذكره بتمامه ، ثم أراد العلاّمة بيان عبارة ابن الغضائري ؛ إذ النجاشي اختصرها ، فما ذكره جدّيقدسسره من أنّ ابن الغضائري هو الحسين بن عبيد الله(٣) . لا وجه له ، وليس في هذا الكلام تأييد له.
وأمّا ما يقتضيه كلام النجاشي من أنّه كان ضعيفاً في الحديث ، وقول الشيخ : إنّه ثقة ، قد يمكن الجمع بينهما بأنّ يكون المراد بضعفه في الحديث روايته عن الضعفاء كما ذكرناه عن مشايخنا في البرقي حيث قال فيه النجاشي : إنّه كان ضعيفاً في الحديث. والشيخ وثّقه ، أنّه لا تنافي بين قول الشيخ وقول النجاشي ؛ لاحتمال أنّ يريد بالضعف روايته عن الضعفاء(٤) . و
هذا وإنّ كان محلّ تأمّل كما ذكرناه في مواضع(٥) ، إلاّ أنّه بعينه يأتي في سهل ابن زياد.
ويمكن الجواب بالفرق بين المقامين من حيث إنّ الشيخ قد صرّح
__________________
(١) خلاصة العلاّمة : ٢٢٨ / ٢.
(٢) راجع ص ٦١.
(٣) راجع ص ٦٢.
(٤) راجع ص ٦٨.
(٥) راجع ص ٦٨.
بتضعيفه.
وفيه : أنّ تضعيف الشيخ من تصريحه بالتوثيق أولى بالحمل الذي قدّمناه ، فيراد بضعفه بالنسبة إلى من روى عنه ، لكن لا يخفى أنّ الشيخ مضطرب الرأي في الرجال.
وربما كان في عبارة النجاشي بعد ذكره أنّه كان ضعيفاً في الحديث دلالة على غير المعنى الذي احتملناه ، لأنّه قال : غير معتمد فيه. ولا يخفى إمكان حمل هذا على أنّ سهل بن زياد غير معتمد في الحديث عن الغير ، لكنه بعيد عن الظاهر ، وبالجملة فالرجل محلّ كلام.
أمّا ما قاله شيخناقدسسره : من أنّه عامي ، في مواضع من المدارك(١) فلم أقف على وجهه ، هذا وقد قدّمنا كلاماً في سهل(٢) ، والإعادة هنا لزيادة الفائدة.
وعلي بن محمد ( الواقع فيه )(٣) الراوي عن سهل هو المعروف بعلاّن الثقة ، في النجاشي(٤) . أمّا عبد الكريم فهو ابن عمر الملقّب كرّام ، وهو ثقة واقفي(٥) . والحسين بن زياد مجهول الحال ، وفي نسخة : الحسن بن زياد ، وفيه اشتراك في الرجال(٦) على وجه لا يعلم فيه حقيقة الحال.
والثاني : فيه محمد بن سنان وقد قدّمنا فيه ما يغني عن البيان(٧) .
__________________
(١) المدارك ١ : ١١١ و ٤ : ١٥٦ و ٧ : ٤٢٤.
(٢) راجع ص ٩٥.
(٣) ما بين القوسين ليس في « فض » و « رض ».
(٤) رجال النجاشي : ٢٦٠ / ٦٨٢.
(٥) انظر رجال النجاشي : ٢٤٥ / ٦٤٥ وفيه : عبد الكريم بن عمرو.
(٦) هداية المحدثين : ١٨٨.
(٧) راجع ص ٨٥.
وابن مسكان هو عبد الله ، لرواية ابن سنان عنه كما في النجاشي(١) . وإبراهيم ابن ميمون مجهول الحال.
والثالث : فيه محمد بن عيسى ، عن يونس ، وقد سبق القول(٢) في استثنائه من الموجب لردّ روايته إذا كانت بهذا الوجه عند المتأخّرين ، وإن كان فيه كلام تقدّم بيانه ، والفائدة هنا منتفية ( بأبي بصير )(٣) (٤) .
والرابع : ليس فيه ارتياب ، ووهب بن عبد ربه صرح النجاشي بتوثيقه مع إسماعيل بن عبد الخالق(٥) .
المتن :
في الأول : كما ترى صريح في إعادة الصلاة ، والظاهر منه الشمول للوقت وخارجه ، كما أنّ الظاهر منه أيضاً النسيان ، حيث قال : ثم يذكر. واحتمال غيره بعيد ، بل لا وجه له.
والثاني : كالأوّل فيما ذكرناه.
والثالث : فيه دلالة على أنّ من علم بنجاسة الجنابة في أثناء الصلاة يقطع الصلاة ، سواء كان قبل الصلاة عالماً بها(٦) ونسي ، أو علم في الأثناء ،
__________________
(١) رجال النجاشي : ٢١٤ / ٥٥٩.
(٢) راجع ص ٥٣.
(٣) ما بين القوسين ليس في « رض » ، وفي « فض » : بعد أبي بصير.
(٤) في « فض » زيادة : وما اتفق من رواية على بن إبراهيم عن محمد بن عيسى هو في النسخة التي وقفت عليها ولا مانع منه. وهذه العبارة في « د » مشطوبة.
(٥) رجال النجاشي : ٢٧ / ٥٠ ، ٤٣٠ / ١١٥٦.
(٦) ليست في « رض ».
كما يدل على أنّه لو علم بعد الفراغ بنجاسة الجنابة والدم مضت صلاته ، ولا يخفى أنّ ترك الاستفصال يفيد عموم المقال.
فإن قلت : من أين دلالة(١) الرواية على الأثناء والحال أنّه يجوز أن يكون صلّى ركعتين صلاة تامّة؟
قلت : الظاهر من قوله « يبتدئ الصلاة » ما ذكرناه ، ولو تكلّف ذكر احتمال آخر كان آخرها مخالف لأولها.
والرابع : ظاهر الدلالة على الإعادة مع عدم العلم السابق إذا علم بعد ، وربما يستبعد الحكم في الرواية من حيث إنّ مفهومها [ عدم(٢) ] الإعادة إذا علم علماً سابقاً على الصلاة والحال أنّ معتبر الأخبار دل على(٣) الإعادة على الناسي ، حتى أنّ شيخناقدسسره قال : لا يبعد أنّ يكون الأصل : لا يعيد ، فتوهّم الراوي وأسقط حرف النفي(٤) .
وفي نظري القاصر أنّه لا حاجة إلى ما ذكره ، لأنّ المفهوم إذا تحققت معارضة المنطوق له لا يعمل عمله ، وفائدة ذكر الشرط لا تنحصر في النفي عما عداه كما لا يخفى.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ظاهر أوّل الأخبار الأُول أنّه لا يحكم بالنجاسة إلاّ مع العلم ، ومع عدم العلم لا يحكم بها ، وهذا لا ينافي شيئاً من الأخبار المبحوث عنها ؛ لأنّه قد فرض فيها العلم ، إلاّ أنّ يقال : إنّ مقتضى الرواية أنّ العلم إذا حصل يحكم بالنجاسة ، وإذا ثبتت النجاسة لزمها بطلان الصلاة
__________________
(١) في « فض » زيادة : صدر.
(٢) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المتن.
(٣) في النسخ زيادة : عدم.
(٤) المدارك ٢ : ٣٥٠.
لما ثبت من الأخبار الدالة على اشتراط الطهارة ، وفيه ما لا يخفي.
وأمّا ثاني الأخبار الأُول فيدل على أنّه لا يعيد إذا لم يعلم ، والظاهر منه أنّه إذا لم يعلم أصلاً ، فيفيد مفهومه أنّه إذا انتفى العلم بالكلية عليه الإعادة وانتفاء العلم بالكلية يتحقق بالعلم في الأثناء وقبل الصلاة وبعدها ، وعلى هذا يمكن فيه المنافاة ، ولذلك(١) يتناول الوقت وخارجه ، ومن هنا يعلم أنّ إطلاق بعض محقّقي المعاصرين(٢) سلّمه الله دلالة هذا الخبر على الجاهل(٣) محلّ تأمّل.
فإن قلت : ما وجه استفادة انتفاء العلم بالكلّية؟
قلت : من حيث إنّ الجملة الفعلية في حكم النكرة ، والنفي موجود ، وإن كان في هذا نوع بحث ، إلاّ أنّ ظاهر من رأينا كلامه في مثله الجزم بالعموم ، وقد صرّحوا به في بحث البئر حيث قالعليهالسلام : « ماء البئر واسع لا يفسده شيء »(٤) هذا(٥) .
ولا يخفى أنّ أوّل هذه الأخبار يفيد الإعادة مع العلم السابق إذا نسي وذكر بعد ، والبعديّة تتناول بعد الصلاة بتمامها أو بعد أنّ صلّى ( منها شيئاً )(٦) فالمنافاة من هذا الوجه.
وثالث الأُول دلالته مجملة كما قدّمناه(٧) .
__________________
(١) في « د » : وكذلك.
(٢) في « فض » : المتأخرين.
(٣) البهائي في الحبل المتين : ٩٥.
(٤) الكافي ٣ : ٥ / ٢ ، التهذيب ١ : ٤٠٩ / ١٢٨٧ ، الوسائل ١ : ١٧٠ أبواب الماء المطلق ب ١٤ ح ١.
(٥) منهم البهائي في الحبل المتين : ١١٧ ، وصاحب المدارك ١ : ٥٥.
(٦) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٧) راجع ص ٨٨٧.
والثاني من الأخبار المنافية عند الشيخ يدل على ( النسيان كما قدمناه(١) أيضاً ، ففيه المنافاة لثاني الأُول من حيث إطلاق عدم الإعادة على )(٢) من لم يعلم ، وفيه أنّ المتبادر من عدم العلم : الجهالة ، لا النسيان ، وإن كان باب الاحتمال واسعاً.
والثالث من الأخبار المنافية يدل على أنّ العلم في الأثناء يقتضي الإعادة ، وثاني الأُول يدل على عدم الإعادة مع عدم العلم ، فهو قابل للتخصيص بغير الأثناء غاية الأمر أنّ فيه احتمال ( أنّ يكون ناسياً ثم علم في الأثناء ، وهذا لا ينافي ثاني الأول ، لجواز التخصيص أيضاً )(٣) .
ورابع الأخبار المنافية واضح المنافاة ، والحمل على الاستحباب محتمل.
أمّا ما قاله الشيخرحمهالله من الحمل على ما إذا علم الإنسان وفرّط ، وإنّ لم يعلم أصلاً إلاّ بعد فراغه لم تلزمه الإعادة(٤) ، ففيه أوّلاً أنّه لا يدفع تنافي الجميع ؛ إذ بعضها فيه ذكر الأثناء ، وبعضها تضمّن النسيان ، وبعضها شامل للجهل.
وقوله : إنّ الأخبار المذكورة في باب أحكام الدماء يدل على التفصيل(٥) . غريب ؛ فإنّ رواية محمد بن مسلم في الجملة تدل على أن الناسي يعيد مع تضييع(٦) الغَسل ، لكن مفهومها شامل لما إذا لم يره ولما إذا رآه ولم يضيّع غَسله ، بل تعذّر عليه ، ومقتضى تفصيله هنا أنّه إذا لم يعلم
__________________
(١) راجع ص ٨٨٩.
(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٤) راجع ص ٨٨٨.
(٥) راجع ص ٨٨٨.
(٦) في « رض » : ما يضيع.
أصلاً لا إعادة عليه فالتفصيل مخلّ ببعض الأفراد.
وخبر إسماعيل الجعفي يدل على أنّه إذا لم يكن رآه لا يعيد ، وإنّ رآه يعيد ، فإطلاق الإعادة فيه قابل للتقييد بخبر ابن مسلم الدال على التضييع.
وأمّا خبر ابن أبي يعفور فله نوع إطلاق أيضاً ، وهو قابل للتقييد. وأمّا خبر جميل فهو من حيّز الإجمال وإنّ أمكن بيانه ، إلاّ أنّه لا يصلح للدلالة على تفصيل الشيخ رحمه الله تعالى(١) .
اللغة :
قال في القاموس : النكتة بالضم : النقطة ، الجمع : نكات(٢) .
قوله(٣) :
ويزيد ذلك بياناً :
ما رواه علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن عبد الله بن سنان ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجل(٤) أصاب ثوبه جنابة أو دم ، قال : « إنّ كان علم أنّه أصاب ثوبه جنابة(٥) قبل أنّ يصلّي ثم صلّى فيه ولم يغسله فعليه أنّ يعيد ما صلّى ، وإن كان يرى أنّه أصابه شيء فنظر فلم ير شيئاً أجزأه أنّ ينضحه بالماء ».
وروى الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، عن أبي بصير ، عن
__________________
(١) راجع ص ٨٥٥ ٨٦٠.
(٢) القاموس المحيط ١ : ١٦٥.
(٣) في « رض » : الرجل.
(٤) في « رض » : قال.
(٥) في الاستبصار ١ : ١٨٢ / ٦٣٦ زيادة : أو دم.
أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إنّ أصاب ثوب الرجل الدم فصلّى(١) فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه ، وإن هو(٢) علم قبل أنّ يصلّي فنسي وصلّى فيه فعليه الإعادة ».
عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى أنّ يغسله حتى يصلّي ، قال : « يُعيد صلاته كي يهتمّ بالشيء إذا كان في ثوبه ، عقوبة لنسيانه ».
السند :
في الأوّل : حسن علي الظاهر كما تقدّم الوجه فيه(٣) .
والثاني : فيه ابن سنان ، وهو محمد على ما يظهر من التتبع ، وقد أسلفنا الكلام في دفع ما وقع للمحقق ( واعتراض الشهيدرحمهالله (٤) )(٥) وبالجملة فالسند ضعيف بالاحتمال.
مضافاً إلى أبي بصير ، فإنّه لا يخلو من إشكال(٦) وإنّ كان في الظن أنّ مثل هذا السند الراوي فيه أبو بصير عن أبي عبد الله لا يحتمل المجهول ، بل إمّا الإمامي ( الثقة(٧) أو )(٨) المخلط الوارد فيه الذم في معتبر الأخبار كما
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٨٢ / ٦٣٧ : فيصلي.
(٢) ليست في الاستبصار ١ : ١٨٢ / ٦٣٧.
(٣) من جهة إبراهيم بن هاشم كما تقدم في ص ٨٧٠ ، راجع ص ٣٦ ، ٣٣٩.
(٤) راجع ص ٨٥ ، ٨٦.
(٥) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٦) لأنّه مشترك بين الثقة وغيره ، هداية المحدثين : ٢٧٢.
(٧) في « د » زيادة : النقه.
(٨) ما بين القوسين ليس في « رض ».
قدّمناه(١) ، وسيأتي إنّ شاء الله في هذا الكتاب أيضاً في باب النكاح.
والثالث : فيه عثمان بن عيسى ، وقد كرّرنا القول فيه بأنّه ضعيف(٢) .
المتن :
في الأول لا دلالة فيه على تفصيل الشيخ ، بل إنّما يدلّ على أنّ الناسي عليه الإعادة ، ومع ظن إصابة النجاسة أو توهّمها ولم ير بعد النظر ينضح الثوب ، وهذا أمر خارج عن التفصيل.
والثاني : دال على الناسي من غير فرق بين من قصّر في غسله أم(٣) لا ، وتقييده بما إذا قصّر لما يستفاد من بعض الأخبار(٤) ليس بأولى من الحمل على الاستحباب ، لما يأتي في الخبر الصحيح عن العلاء من عدم إعادة الناسي(٥) ، وغيره أيضاً من الأخبار(٦) .
واحتمال الحمل على عدم إعادة الناسي خارج الوقت ، فيبقى ما دل على الإعادة وارداً في الوقت ، يشكل أوّلاً : بأنّ تفصيل الشيخ لم يتناول هذا.
وعلى تقدير توجيهه من غير نظر إلى مقالة الشيخ ، يمكن أنّ يقال : إنّ الحكم بهذا التفصيل يتوقف على ما يدل عليه ، إلاّ أنّ يقال : إنّ وجه الجمع لا يحتاج إلى دليل. وفيه : أنّ مع تعدّد الاحتمالات يحتاج الترجيح إلى الدليل ، فالاعتراض على الشيخ متوجه ، على أنّه يمكن من التعليل في
__________________
(١) راجع ص ٥١ ، ٩٢.
(٢) راجع ص ٥٠.
(٣) في « فض » و « رض » : أو.
(٤) التهذيب ١ : ٢٥٤ / ٧٣٦ ، الوسائل ٣ : ٤٣١ أبواب النجاسات ب ٢٠ ح ٦.
(٥) التهذيب ١ : ٤٢٣ / ١٣٤٥ ، الوسائل ٣ : ٣٨٠ أبواب النجاسات ب ٤٢ ح ٣.
(٦) التهذيب ٢ : ٣٦٠ / ١٤٨٩ ، الوسائل ٣ : ٤٧٤ أبواب النجاسات ب ٤٠ ح ٢.
خبر العلاء استفادة ما يتناول الوقت وخارجه ، ويؤيد الاستحباب ، وما يأتي منه في خبر العلاء ستسمعه إنّ شاء الله تعالى.
والثالث : ظاهر التعليل فيه وإن أفاد بعض ما فصّله الشيخ ، إلاّ أنّه لا ينافي الاستحباب مع تحقق المعارض ، وذكر العقوبة لا يدل على الوجوب ؛ لأنّ العقوبة منتفية عن الناسي ببعض الأخبار المعتبرة(١) ، والاعتبار العقلي المؤيد له ، فلا بد من حمل العقوبة على ما يقتضي الاستحباب ، فيؤيّد الحمل عليه فليتأمّل.
اللغة :
قال في القاموس : همّه الأمر همّاً حزنه كأهمّه فاهتَمّ ، ثم قال : والهَمّة بالفتح ما هُمّ به من أمر ليفعل(٢) .
قوله(٣) :
فأمّا ما رواه محمد بن الحسن الصفار ، عن محمد بن الحسين ، عن وهب (٤) بن حفص ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليهالسلام ، قال : سألته عن رجل صلّى وفي ثوبه بول أو جنابة ، فقال : « علم به أو لم يعلم فعليه الإعادة إعادة الصلاة إذا علم ».
__________________
(١) الفقيه ١ : ٣٦ / ١٣٢ ، الخصال : ٤١٧ / ٩ ، الوسائل ٨ : ٢٤٩ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ٣٠ ح ٢.
(٢) القاموس المحيط ٤ : ١٩٤.
(٣) في « رض » : قال.
(٤) في الاستبصار ١ : ١٨٢ / ٦٣٩ : وهيب.
فالوجه في قوله : « علم به أو لم يعلم » أنّ يكون المراد به(١) في حال قيامه إلى الصلاة بعد أنّ يكون سبقه العلم ؛ لأنّه متى تقدّم العلم بحصول النجاسة ثمّ نسي كان عليه الإعادة على ما بيّناه.
ويزيد ذلك بياناً :
ما رواه محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن الحسن بن علي بن عبد الله(٢) ، عن عبد الله بن جبلة ، عن سعد(٣) ، عن ميمون(٤) الصقيل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال : قلت له رجل أصابته جنابة بالليل فاغتسل فلمّا أصبح نظر فإذا في ثوبه جنابة ، فقال : « الحمد لله الذي لم يدع شيئاً إلاّ وله حدّ ، إنّ كان حين قام نظر فلم ير شيئاً فلا إعادة عليه ، وإن كان حين قام لم ينظر فعليه الإعادة ».
الحسين بن سعيد ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة ، قال : قلت أصاب ثوبي دم رعاف أو شيء من مني فعلّمت أثره إلى أنّ أُصيب له الماء فأصبت وحضرت الصلاة ونسيت أنّ بثوبي شيئاً وصلّيت ثم إنّي ذكرت بعد ذلك ، قال : « تعيد الصلاة وتغسله ».
قلت : فإن لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنّه قد أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلمّا صلّيت وجدته ، قال : « تغسله وتعيد الصلاة ».
قلت : فإن ظننت أنّه قد أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئاً ثم صلّيت فرأيت فيه ، قال : « تغسله ولا تعيد الصلاة ».
__________________
(١) ليست في « فض ».
(٢) في الاستبصار ١ : ١٨٢ / ٦٤٠ : عبيد الله.
(٣) في الاستبصار ١ : ١٨٢ / ٦٤٠ : سيف.
(٤) في الاستبصار ١ : ١٨٢ / ٦٤٠ : منصور.
قلت : ولِمَ ذاك؟ قال : « لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أنّ تنقض اليقين بالشك أبداً »(١) .
قلت : فإنّي قد علمت أنّه أصابه ولم أدر أين هو فأغسله؟ قال : « تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارته ».
قلت : فهل عليّ إنّ شككت في أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه ، فقال : « لا(٢) ولكنّك إنّما تريد أنّ تُذهب الشك الذي وقع في نفسك ».
قلت : إن(٣) رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة ، قال : « تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع فيه ثم رأيته ، وإنّ لم تشك ثم رأيته رطباً قطعت وغسلته ثم بنيت على الصلاة ، لأنّك لا تدري لعله شيء أُوقع عليك فليس ينبغي أنّ تنقض اليقين بالشك ».
السند :
في الأول : فيه وهب بن حفص على ما وجدته ، والذي في الرجال وهيب مصغّراً(٤) ، والشيخ في الفهرست ذكر أنّ الراوي عنه محمد بن الحسين(٥) ، والرجل واقفي ثقة(٦) ، وأبو بصير تكرر القول فيه(٧) .
__________________
(١) ليست في « فض » و « رض ».
(٢) ليست في « فض ».
(٣) في الإستبصار ١ : ١٨٣ / ٦٤١ : فإن.
(٤) راجع رجال النجاشي : ٤٣١ / ١١٥٩ ، رجال الطوسي : ٣٢٨ / ٢٧.
(٥) الفهرست : ١٧٣ / ٧٥٨.
(٦) رجال النجاشي : ٤٣١ / ١١٥٩.
(٧) راجع ص ٥١ ، ٩٢ ، ٨٩٢.
والثاني : فيه عبد الله بن جبلة وهو واقفي ثقة(١) ، وميمون الصيقل مجهول الحال إذ لم أجده في الرجال. أمّا الحسن بن علي بن عبد الله فهو ابن المغيرة الثقة(٢) . وأمّا سعد فهو مشترك(٣) .
والثالث : ليس في شأن رجاله ارتياب.
المتن :
في الأول : كما ترى لا يخلو من إجمال ، فالشيخ حمله على أنّ المراد علم به حين القيام للصلاة أو لم يعلم مع سبق العلم على ذلك ليكون الرجل ناسياً ، أمّا لو حمل على أنّ المراد علم سابقاً أو لم يعلم ليدخل فيه الجاهل لنا في ما دلّ على عدم إعادة الجاهل ، ولا يخفي أنّه يتوجه على الشيخ أنّ الجاهل وإنّ سبق منه عدم الإعادة عليه إلاّ أنّه قائل في المبسوط علي ما نقل بإعادة الجاهل في الوقت(٤) .
ورواية وهب بن عبد ربه السابقة تدل بإطلاقها على الإعادة إذا علم ، سواء كان ناسياً أو جاهلاً ، وحمله في التهذيب الرواية ـ على أنّه إذا لم يعلم في حال الصلاة ولكن سبقه العلم ليكون ناسياً ـ(٥) في غاية البعد ، والحمل على الاستحباب ممكن في رواية وهب ، فليكن في هذه الرواية على الاستحباب ، ولا يشكل الحال بتضمنها الناسي أيضاً في قوله : « علم أو لم يعلم » لإمكان القول بالاستحباب في الناسي أيضاً كما سبقت إليه
__________________
(١) النجاشي : ٢١٦ / ٥٦٣.
(٢) وثقه النجاشي في رجاله : ٦٢ / ١٤٧.
(٣) انظر هداية المحدثين : ٧٠.
(٤) نقله عنه في المدارك ٢ : ٣٤٨ ، وهو في المبسوط ١ : ٣٨.
(٥) التهذيب ٢ : ٣٦٠ / ١٤٩١.
الإشارة(١) .
وما ذكره العلاّمة في المختلف : من أنّ الجاهل يعيد في الوقت فقط مستدلاًّ برواية حفص بن غياث المذكورة أول الباب من قولهعليهالسلام : « ما أُبالي أبول أصابني أو(٢) ماء إذا لم أعلم » معلّلاً بأنّ المساواة تنفي الإعادة خارج الوقت كما في الماء(٣) .
لا يخلو من غرابة في نظري القاصر ؛ لأنّ مقتضى الرواية عدم العلم ، فإن حمل على الجهل بالنجاسة بمعنى عدم العلم بكون الشيء نجساً كما هو الظاهر من قوله : « أو ماء » فيكون الغرض بيان الطهارة ، فإعادة الصلاة وعدمها إذا علم بعدُ لا دخل لها في الرواية ، وإنّ حمل على أنّ المراد بيان حال الصلاة لزم أنّ يكون المراد بعدم المبالاة عدم الإعادة مطلقاً كالماء ، والحال أنّ العلاّمة قائل بالإعادة في الوقت ، والتشبيه بالماء في شيء دون شيء لا يخفى ما فيه ، على أنّ الظاهر من الرواية أنّ المراد إذا لم أعلم أصلاً ، أما لو علم بعد الوقت فالنجاسة لا ريب فيها ، وحينئذ فذكر الماء غير لائق على الإطلاق ، وبالجملة فالاستدلال بالحديث مبني على ما ذكره الشيخ.
وأعجب من ذلك استدلاله أيضاً برواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله السابقة حيث قال فيهاعليهالسلام : « فإن كان لم يعلم فلا يعيد »(٤) ، ووجّه الاستدلال بأنّا إنّما حملناها على عدم الإعادة مع خروج الوقت لما رواه
__________________
(١) راجع ص ٨٩٠.
(٢) في « د » و « فض » : أم.
(٣) المختلف ١ : ٧٩.
(٤) راجع ص ٨٨٠.
أبو بصير ، وذكر الرواية السابقة المتضمنة لأنّه إذا علم بالنجاسة في الأثناء يبتدئ الصلاة(١) ، ثم ذكر رواية وهب بن عبد ربه السابقة أيضاً حيث قال فيها : « يعيد إذا لم يكن علم »(٢) قالرحمهالله فنقول : هذان الحديثان ولا على الإعادة ، والأوّلان على عدمها ، والتنافي محال فلا بدّ من حمل أحدهما على عين والآخر على أخرى ، وإيجاب الإعادة مع خروج الوقت وعدمها مع بقائه غير معقول ، فتعيّن العكس ، ولأنّه في الوقت لم يأت بالمأمور به وهو الصلاة في ثوب طاهر ، فيبقى في عهدة التكليف ، وبعد الوقت خرج عن العهدة ، لأنّ القضاء شرع جديد(٣) . انتهى.
وأنت خبير بما يتوجّه على هذا الكلام ،أمّا أوّلاً : فلأنّ رواية أبي بصير تضمنت الإعادة لو علم في الأثناء ، وأيّ ملازمة بين هذا والعلم بعده؟ وأظن أنّ الذي حداه على ما ذكره ما ينقل عن الشيخ في المبسوط(٤) أنّه احتجّ للإعادة في الوقت على الجاهل بأنه لو علم في أثناء الصلاة وجب عليه الإعادة فكذا ( إذا علم في الوقت. وهذا من الشيخ أيضاً غريب.
وأمّا ثانياً : فما ذكره من أنّ التنافي محال. صحيح ، ولكن لا )(٥) ينحصر دفعه فيما قاله بل الاستحباب ممكن.
وأمّا ثالثاً : فقوله : إنّه لم يأت بالمأمور به. محلّ تأمّل ؛ لأنّ الامتثال ظاهراً يقتضي الإجزاء.
وما قيل : من أنّ الذمّة مشغولة بيقين ولم يعلم خلوصها إلاّ بالإعادة.
__________________
(١) راجع ص : ٢٣٤.
(٢) راجع ص : ٢٣٥.
(٣) المختلف ١ : ٧٩.
(٤) نقله عنه في المنتهى ١ : ١٨٤ ، ولم نعثر عليه في المبسوط.
(٥) ما بين القوسين ليس في « رض ».
ففيه : أنّ اشتغال الذمّة إنّ أُريد به قبل هذه الصلاة الواقعة فمسلّم ، والمدّعى بعد وقوعها ، والمنع من يقين اشتغال الذمّة لا يمكن دفعه ، فليتأمّل.
وقول العلاّمةرحمهالله : إنّ القضاء بأمر جديد مسلّم ، لكن ليت شعري كيف غفل عن وروده عليه في الناسي ، فإنّه ذهب في الكتاب إلى وجوب الإعادة عليه في الوقت وخارجه ، واستدلاله على إعادة الناسي بالأخبار ، فيه أنّها متعارضة ، مع أنّه ذكر في جملة الاحتجاج عدم الإتيان بالمأمور به ، وبالجملة فالمقام واسع الباب والله الموفق للصواب.
ثم الثاني : كما ترى يدلّ على التفصيل بالنظر وعدمه ، والشيخ لا يعتبر هذا في التفصيل السابق ، وعلى تقدير الحمل على الاستحباب يسهل الخطب.
وقوله عليهالسلام : « الحمد لله » إلى آخره ، كأنّه يريد به الشكر على علمه بحدود الأشياء ، ويحتمل أنّ يريد الشكر على بيان الحدود للناس.
وأمّا الثالث : فدلالته على مطلوب الشيخ لا يتم إلاّ بذكر ما اشتمل عليه الخبر من الأحكام وهي ستة :
الأوّل : ما تضمنه صدره من أنّه علّم الأثر إلى أنّ يصيب الماء ، يدل على أنّ الماء غير موجود فلا تقصير ، والجواب تضمن الإعادة ، والشيخ فيما تقدم قيّد إعادة الناسي بالتفريط ، فلا دلالة على مطلوبه من هذه الجهة.
الثاني : مفاد الخبر أنّه إذا لم يكن رأى موضع المني مع علم الإصابة عليه الإعادة ، وهذا مع عدم النسيان واضح الوجه ، أمّا مع النسيان ففيه إطلاق الإعادة سواء كان قصّر في غَسله أم لا ، والشيخ قد مضى تقييده(١) ،
__________________
(١) راجع ص ٨٨٨.
فلا يدل على مطلوبه ، اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ ما تضمنه أوّل الخبر ملحوظ في ثانيه وهو اعتبار النسيان وعدم الماء ، وهذا وإن بَعُد إلاّ أنّ اعتبار النسيان لا بدّ منه في الخبر ، كما لا يخفى.
الثالث : مفاد الخبر أنّه لو ظنّ الإصابة ونظر فلم ير شيئاً ثم صلّى ورآى عدم الإعادة ؛ لأنّ الشك لا يرفع اليقين ، وهذا كما ترى يدل على عدم الاعتداد بالظنّ في النجاسة ، ولا ينافي ما قدّمناه ؛ لأنّا بيّنا أنّ مطلق الظن غير كافٍ(١) .
وفي الخبر دلالة على أنّ عدم اعتبار الظن لسبق اليقين ، وهو لا ينفي الاعتداد به مع سبق ظنّ الطهارة على تقدير إقامة الدليل على ظنّ النجاسة ، كما لا يخفى.
غير أنّ في نظري القاصر إمكان أنّ يقال : إنّ اليقين السابق يصير ظنا الآن ؛ إذ مرجعه إلى الاستصحاب وهو ظني ، وإذا تعارض الظنان(٢) خفي الوجه في ترجيح الأوّل على الثاني وإطلاق اليقين على الأوّل في الرواية.
ويمكن أنّ يقال : إنّ اليقين وإنّ صار ظنا الآن ، إلاّ أنّ سبق اليقين لا ريب فيه ، والظنّ الآن للطهارة مع ظن النجاسة يصير شكّاً ، إذ هو مع تساوي الظنين ، وإذا صار شكاً لا يعارض اليقين السابق ، وهذا هو السرّ في الظاهر لقولهعليهالسلام : « ثم شككت » ولو لا ما قلناه لم يكن الشك حاصلاً ، بل الظنّ.
فإن قلت : لو فرض أنّ ظن النجاسة أرجح من ظن البقاء على الطهارة ينبغي على ما ذكرت تقديمه على ظن الطهارة لأنّ الشك إنّما هو
__________________
(١) راجع ص ٨٨١ ٨٨٢.
(٢) في « د » : الظنيان.
مع(١) التساوي.
قلت : الأمر كما ذكرت إلاّ أنّهعليهالسلام لما قال : « ثم شككت » كأنّه علم من زرارة تساوي الظنين ، وحينئذ يمكن القول بترجيح النجاسة إذا رجح ظنّها ودل عليه دليل كما أسلفناه(٢) ، والخبر حينئذ لا ينافيه بهذا التوجيه.
ويمكن أيضاً أنّ يقال : إنّ اليقين إذا لم يعارضه يقين مثله لا يلتفت إلى المعارض ، وتسميته شكّاً لا مانع منه ؛ لأنّ اصطلاح المتأخّرين لا يقتضي المشاركة لزمن الأئمةعليهمالسلام ، فينبغي التأمّل في هذا ، فإنّي لم أجد من فصّل ذلك.
والعجب من عدم ذكر الوالدقدسسره الرواية في حجة عدم الاكتفاء بالظنّ في النجاسة ، ولكن(٣) الاحتمال الذي قدّمناه من الاختصاص في الرواية يصلح لدفع التعجب ، لكن لم يذكرهقدسسره على ما رأيت ولا غيره.
ومن هنا يعلم أنّ ما في الحبل المتين : من أنّه ربما استفيد من الحديث أنّ ظن النجاسة لا يقوم مقام العلم ، وأنّ الظن قد يطلق عليه اسم الشك ، وليس بشيء ؛ لأنّ قول زرارة : فنظرت فلم أر شيئاً. يعطي تغير ذلك الظن ، وقوله : « ثم شككت » ينبئ عن انقلاب ذلك الظن شكاً(٤) . محلّ بحث :
أمّا أوّلاً : فلأنّ مفاد الرواية أنّ زرارة نظر فلم يرَ شيئاً ، وهذا كما يجوز أنّ يكون حصل منه الشك في النجاسة أو ظنّ عدمها ، ومع الاحتمال
__________________
(١) ليس في « فض ».
(٢) راجع ص ٨٨١ ٨٨٢.
(٣) ليست في « رض » وفي « فض » : لكن.
(٤) الحبل المتين : ١٧٤.
فحمل الشك من الإمام على ما ذكره موقوف على العلم بانقلاب ظن زرارة شكّاً ، وهو مشكل ، على أنّ الظاهر من عدم الرؤية انتفاء الشك.
فإن قلت : قول الإمام : « ثم شككت » يدل على شكّ زرارة وهو المطلوب.
قلت : لا ريب أنّه يدل على شكّه ، أمّا كونه بأيّ نوع فلا ، والمعارضة بأنّ دلالته على كون الظنّ شكاً موقوف على العلم بذلك ، ومع قيام احتمال غيره وهو ما ذكره المُورد من انقلاب ظنه لا يحصل العلم ، يمكن الجواب عنها بأنّ قولهعليهالسلام : « لأنك كنت على يقين ثم شككت » والحال أنّه لم يتعقب اليقين إلاّ الظن.
فإن قلت : الظنّ وإنّ تعقّب إلاّ أنّ الشك لما تعقّبه صدق تعقب الشك لليقين.
قلت : لو تم ما ذكرت يبقى حكم الظن خارجاً عن الرواية لو خلا من الشك ، والظاهر من الرواية بيان أنّ اليقين لا يرفعه إلاّ اليقين ، ولو كان يرفعه الظن لذكر في مقام جواب السؤال.
إلاّ أنّ يقال : إنّ السؤال إنّما تضمن الشك ، والجواب وقع مطابقاً.
وفيه أنّ الظاهر من السؤال هو الظن ، وإنّما أتىعليهالسلام بالشك ، فالظاهر مطابقة السؤال فيصير الظنّ ممّا يطلق عليه الشك على الوجه الذي قررناه لا مطلقاً.
والحق أنّ باب الاحتمال واسع ، والجزم بكل من الطرفين مشكل ، إلاّ أنّا ندعي الظهور ، فتأمّل.
وأمّا ثانياً : فلأنّ الجواب يقتضي الاعتراف بقول المعترض في قيام الظن مقام العلم على الإطلاق ، والحال أنّ الخبر بتقدير تسليم الدلالة يدل
على عدم قيام الظن مقام العلم إذا سبقه العلم ، لا مطلقاً كما لا يخفى.
الرابع : يستفاد من الرواية الاكتفاء بغَسل الناحية التي أصابها المني ، وقد تقدّم من الأخبار هنا ما يدل على غَسل الثوب كلّه مع الاشتباه(١) ، وفي التهذيب روى الشيخ أيضاً ما يدل على ذلك(٢) ، ولعلّ الجمع ممكن بحمل غَسل الثوب على الاشتباه فيه كله.
ولا يتوجه علينا أنّ هذا الخبر مناف لما أسلفناه من دفع كلام البعض حيث قال : إنّ غَسل البعض من المشتبه يزيل يقين النجاسة ، فأجبنا عنه بأنّ يقين النجاسة لا يزول بعد أمر الشارع بغَسل كل المشتبه(٣) .
وهذا الخبر لا ينافي ما قلناه لأنّهعليهالسلام أوجب غَسل الناحية ، ومعلوم أنّ قدر المني قد يكون أقلّ ممّا غسل ، غاية الأمر أنّ الناحية في هذا الخبر مجملة وبيانها من غيره الدال على غَسل موضع الاشتباه ، وحينئذ ما تيقن خلوّه لا يغسل ، والمشتبه يغسل ، وهو المعبَّر عنه في هذا الخبر بالناحية.
وقولهعليهالسلام : « حتى تكون على يقين من طهارتك » في نظري القاصر يدل على أنّ النجاسة إذا تحققت لا بد في رفعها من اليقين ، وكثيراً ما يعترض على الشيخ حيث يستدل بالاحتياط موجّهاً له بأنّ اليقين يحصل به ، فيقال : بأنّ اليقين يحصل بما أعدّه الشارع ، وأنت خبير بأنّ ما أعدّه الشارع قد عارضه هذا الحديث ، ويمكن الجواب بأنّ المراد باليقين هنا ما يتناول الظن ، كما يدل عليه التأمّل في الأحكام الشرعية.
فإن قلت : لو أُريد بالخبر ما يعم الظن لم يتم الحكم ؛ لأنّهعليهالسلام
__________________
(١) راجع ص ٨٤٧ و ٨٥١ و ٨٦٩.
(٢) التهذيب ١ : ٢٥٢ / ٧٢٧ ٧٢٩.
(٣) راجع ص ٨٤٩ ٨٥٠.
جعل غَسل الناحية موجب اليقين ، فلو كان أعم من الظن لما وجب غَسل جميع الناحية ، بل لو غسل البعض قد يحصل الظن بالطهارة.
قلت : الظاهر عدم تحقق الظن ، بل يزول يقين النجاسة ، وهو أعم من ظن الطهارة فليتأمّل.
فإن قلت : إذا حمل اليقين هنا على ما يشمل الظن ففي الأوّل كذلك ، ويشكل الحال من جهات.
قلت : وإنّ أشكل الأمر إلاّ أنّه قابل للتوجيه.
الخامس : ما تضمنه الحديث من قوله : إنّ رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة قال : « تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع فيه ثم رأيته » فيه احتمالان :
أحدهما : أنّ يكون الكلام مرتبطاً بما تضمنه أوّل الخبر من نسيان النجاسة ، وحينئذ يدلّ على أنّ الناسي إذا ذكر في الأثناء يقطع الصلاة ، لكن لا يخفى أنّ قوله : « إنّ شككت » لو جعل من إتمام الكلام يشكل بأنّه على تقدير النسيان لا وجه للشك.
( وقد يظهر هذا )(١) من شيخناقدسسره حيث استدل على أنّ الناسي إذا ذكر في الأثناء يقطع الصلاة بالخبر المذكور ( هذا ، لكنه )(٢) أجمل العبارة فإنّه ذكر أول الرواية ثم قال : ولحديث طويل إلى أنّ قالعليهالسلام : « تنقض الصلاة »(٣) وهذا كما ترى قد يظن منه أنّه جعل « وتعيد » كلاماً مستأنفاً ، وستسمع الكلام فيه.
__________________
(١) بدل ما بين القوسين في « فض » : والذي يظهر.
(٢) بدل ما بين القوسين في « فض » : لكن.
(٣) المدارك ٢ : ٣٥١.
وثانيهما : أنّ يكون منقطعاً عن الأول لكنه يراد به مع العلم والشك في الموضع ، إذ لو أُريد مجرّد الشك من دون علم الإصابة أشكل الفرق في الرواية بين ما ذكر في آخرها وبين هذه المسألة كما تنبّه عليه.
ويمكن أنّ يوجه إرادة الشك مع عدم العلم بالإصابة ، ولا يضر خفاء الحكمة.
وربما يستدل به على أنّه مع العلم بالإصابة والنسيان يجب القطع بطريق أولى ، ويكون هو مقصود شيخناقدسسره وإنّ أوهمت العبارة خلافه.
وفيه : أنّ مفهوم الموافقة محلّ بحث كما قدّمناه ، وبتقدير تمامه فهو موقوف على العلّة.
ثم إنّ المفهوم من الرواية على هذا الاحتمال يدل على أنّه لو لم يشكّ أوّلاً ثم رآه لا ينقض الصلاة ، وعدم الشك متحقق(١) بظن العدم والجهل بالنجاسة.
السادس : مقتضى قوله : « وإنّ لم تشك » الى آخره ، أنّ احتمال التجدّد كاف في الحكم المذكور مطلقاً ، والحال أنّه قد يعلم الانتفاء كذلك ، ولعل المراد إذا تحقق الاحتمال ولم يعارضه أرجح منه.
ثم إنّ هذا الحكم كما ترى صريح في الانقطاع عن السابق أعني حكم اللباس الموجود فيه النجاسة مع الشك في الإصابة. وإبداء احتمال(٢) في المقام لا وجه له ، نعم قد يستفاد من الحديث أنّ المني لو وجد رطباً واحتمل التجدد من غير الواجد يحكم بكونه منيّاً ، وحينئذ فيه دلالة على اعتبار الأوصاف الخارجة(٣) للمنيّ كما ذكره الأصحاب الذين رأينا كلامهم ،
__________________
(١) في « فض » و « رض » : يتحقق.
(٢) في « رض » الاحتمال.
(٣) في « فض » : الخارجية.
وقد قدّمنا في أوّل الكتاب كلاماً في هذا واسعاً(١) ، لكن ينبغي أنّ يعلم أن ليس في هذا الخبر حينئذ منافاة لما تقدّم في أول الباب من قولهعليهالسلام : « لا أُبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم »(٢) لأنّ الظاهر من الخبر حصول العلم ، وبالجملة فالظاهر أنّ هذا الحكم لا يخلو من إشكال ، والله تعالى أعلم بالحال.
بقي شيء في المقام وهو أنّ في الحبل المتين ما هذا صورته : واعلم أنّ بعض الأصحاب جعل ما تضمنه الحديث من قول زرارة : إنّ رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة ، وقولهعليهالسلام في جوابه : « تنقض الصلاة » دالاّ على أنّ من علم النجاسة في ثوبه ثم نسيها ورآها في أثناء الصلاة فإنّه يقطع الصلاة ، وهو مبني على أنّ هذا القول من زرارة مندرج تحت قوله في أول الحديث : أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره ، إلى قوله : ونسيت ، وأنّ قولهعليهالسلام : « تنقض الصلاة » منقطع عن قوله : « وتعيد إذا شككت » إلى آخره ، وهو كما ترى ، ( فإن الظاهر أنّ )(٣) هذا القول من زرارة غير مندرج تحت كلامه ذاك ولا منخرط في سلكه ، و(٤) أنّ قولهعليهالسلام : « تنقض الصلاة » غير منقطع عن قوله : « وتعيد إذا شككت » بل هو مرتبط به ، وظنّي أنّ هذا القول من زرارة إنّ جعل مرتبطاً بما قبله فليجعل مرتبطاً بقوله : فهل عليّ إنّ شككت. فكأنّه قال : إذا شككت قبل الصلاة في إصابته ثوبي ثم رأيته فيه وأنا في الصلاة فما الحكم؟ فأجابهعليهالسلام بأنّه إذا سبق شكك في
__________________
(١) راجع ص ٤٦٨.
(٢) راجع ص ٨٨٠ ٨٨١.
(٣) في المصدر بدل ما بين القوسين : فان من تأمل هذا الحديث لا يرتاب في أنّ ، والموجود جعل نسخة في الهامش.
(٤) في المصدر زيادة : لا في.
موضع من الثوب أنّه أصابه نجاسة ثم رأيتها وأنت في الصلاة فانقض الصلاة وأعدها ، وإنّ لم يكن سبق منك شك في إصابة النجاسة(١) ثم رأيتها على وجه يحتمل تجدده قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت(٢) . انتهى المراد منه.
وفي نظري القاصر أنّه محلّ تأمّل :
أمّا أوّلاً : فما ذكر(٣) من أنّه مبني على الانتظام في سلك أوّل الكلام ، ففيه : أنّه لا ملازمة ، وإنّما وقع ما قاله في عبارة القائل وهو شيخناقدسسره اختصاراً(٤) ، وقد يمكن القول بما نقل من دون الارتباط ؛ لأنّ الظاهر من الرواية عدم انقطاع لفظ « وتعيد » عن لفظ « تنقض الصلاة » وحينئذ فالشك في موضعه ينبئ عن العلم بالنجاسة والشك في الموضع ثم الصلاة ناسياً ، إذ العمد معلوم الانتفاء ، ولو كان المراد الشك في الإصابة وعدمها لنا في قوله السابق : هل عليّ إنّ شككت ، إلى آخره. فإنّ الجواب حينئذ ينبغي أن يكون ببيان لزوم قطع الصلاة إذا رأيته في الأثناء ، لا إطلاق النفي في الجواب ، وحينئذ فالظاهر الدلالة على النسيان.
وأمّا ثانياً : فما ذكر(٥) من أنّ الارتباط بما قبله يقتضي الارتباط بقوله : فهل عليّ إلى آخره. إنّ أُريد به أنّ الارتباط بالأمرين معاً كان حاصل السؤال أنّي لو نسيت بعد أنّ علمت إصابته ثوبي وشككت في موضعه ، والحال أن تتمّة الكلام من قوله : فكأنه قال : إذا شككت قبل الصلاة في
__________________
(١) في الحبل المتين زيادة : وكنت خالي الذهن من ذلك.
(٢) الحبل المتين : ١٧٤.
(٣) في « رض » : ذكره.
(٤) المدارك ٢ : ٣٥١.
(٥) في « رض » : ذكره.
إصابته ثوبي. وهذه الصورة لا تعين فيها كما لا يخفى ، وإنّ جعل الارتباط بالأول مجرّد ذكر الثوب فغير مرتبط.
وأمّا ثالثاً : فقولهعليهالسلام : « وإنّ لم تشك ثم رأيته رطباً » لو عاد إلى ما سبق لما كان فرق بين الرطوبة وعدمها ؛ لاحتمال التجدّد في الجميع ، ولعلّ قولهعليهالسلام : « وإنّ لم تشك » مستأنف ، والمراد نفي الشكّ أصلاً.
والحق أنّ الاستدلال بالخبر غير تامّ مع قيام الاحتمال بل الاحتمالات ، والله وليّ التوفيق.
قوله(١) :
فأما ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن العلاء ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشيء ينجّسه فينسى أنّ يغسله فيصلّي فيه ثم يذكر أنّه لم يكن غسله أيعيد الصلاة؟ قال : « لا يعيد ، قد مضت الصلاة وكتبت له ».
فلا ينافي في التفصيل الذي ذكرناه ؛ لأنّ الوجه في هذا الخبر أن نحمله على أنّ يكون قد مضى وقت الصلاة ، لأنّه متى نسي غَسل النجاسة عن الثوب إنّما يلزمه إعادتها ما دام في الوقت ، فإذا مضى الوقت فلا إعادة عليه ، وقد مضى ذلك في رواية أبي بصير.
والذي يدل على التفصيل الذي ذكرناه :
ما أخبرني به الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن
__________________
(١) في « رض » : قال.
الصفار ، عن أحمد بن محمد وعبد الله بن محمد ، عن علي بن مهزيار قال : كتب إليه سليمان (١) بن رشيد يخبره أنّه بال في ظلمة الليل وأنّه أصاب كفه بَرد نقطة من البول لم يشك أنّه أصابه ولم يره وأنّه مسحه بخرقة ثم نسي أنّ يغسله وتمسّح بدهن فمسح به كفّيه ووجهه ورأسه ثم توضّأ وضوء الصلاة وصلّى (٢) ؟ فأجابه (٣) بجواب قرأته بخطّه : « أمّا ما توهّمت ممّا أصاب يدك فليس بشيء إلاّ ما تحقق (٤) ، فإنّ تحقّقت ذلك كنت حقيقاً أن تعيد الصلوات التي كنت (٥) صلّيتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها ، وما فات وقتها فلا إعادة عليك لها ، من قِبَلِ أنّ الرجل إذا كان ثوبه نجساً لم يعد الصلاة إلاّ ما كان في وقت ، فإذا كان جنباً أو صلّى على غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته فإنّ (٦) الثوب خلاف الجسد ، فاعمل على ذلك إنّ شاء الله تعالى ».
السند :
في الأوّل : لا ارتياب في صحّته ، وما قاله المحقق في المعتبر من أنّها حسنة(٧) . يريد به غير المعنى المصطلح عليه ، لما ذكرناه من عدم
__________________
(١) في نسخة من الاستبصار ١ : ١٨٤ / ٦٤٣ : سلمان.
(٢) في الاستبصار ١ : ١٨٤ / ٦٤٣ : فصلّى.
(٣) في « فض » و « رض » : فأجاب.
(٤) في النسخ : تحق ، وما أثبتناه من الإستبصار ١ : ١٨٤ / ٦٣٤.
(٥) ليست في « د » و « رض ».
(٦) في الاستبصار ١ : ١٨٤ / ٦٤٣ : لأنّ.
(٧) المعتبر ١ : ٤٤١.
الارتياب ، ظنّي أنّ غرضه بالحسن مطابقتها للأُصول ، وإنّ أتى بعد العبارة بقوله : والأُصول تطابقها. لاحتمال أنّ يكون(١) لبيان الحسن ، ومن هنا يظهر أنّ ما قاله بعض الأصحاب من أنّ هذه الرواية حسنة لا تعارض الصحيح(٢) . غريب ، ومنشأ ذلك عدم مراجعة أُصول الحديث.
ثم إنّ السند في التهذيب هكذا : محمد بن علي بن محبوب وسعد ابن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، والأمر سهل(٣) .
والثاني : أيضاً لا ريب في سنده ، وعبد الله بن محمد الواقع فيه لا يبعد أنّ يكون أخا أحمد بن محمد بن عيسى الملقّب ببنان على ما في الكشي ، حيث قال : وعبد الله بن محمد بن عيسى الملقّب ببنان أخو أحمد ابن محمد بن عيسى(٤) . والرجل مجهول الحال ، لكن لا يضرّ في الرواية ، وفي التهذيب في آخر زكاة الفطرة حديث في سنده عن بنان بن محمد عن أخيه عبد الله بن محمد(٥) .
أمّا احتمال القدح بالإضمار فلا شيء بعد قوله : بخطه ، بل ولو لم يقل ذلك أيضاً ، وكونها مكاتبة لا أعلم وجه التوقف فيها ، وجهالة سليمان لا ضرر فيها.
__________________
(١) في « فض » زيادة : عنه.
(٢) انظر روض الجنان : ١٦٩.
(٣) لا يخفى أنّ الشيخرحمهالله أورد الرواية في موضعين من التهذيب ، الأوّل في ج ١ : ٤٢٣ / ١٣٤٥ وفي سندها لا يوجد سعد بن عبد الله ، والثاني في ج ٢ : ٣٦٠ / ١٤٩٢ وفي سندها لا يوجد محمد بن علي بن محبوب. فلم يجمع فيما رأينا من نسخ التهذيب بين محمد بن علي وسعد بن عبد الله ، ولعلّ نسخة المصنف كانت مشتملة على الجمع ، ويحتمل أنّه جمع بين السندين.
(٤) رجال الكشي ٢ : ٧٩٩ / ٩٨٩.
(٥) التهذيب ٤ : ٩١ / ٢٦٦.
المتن :
في الأوّل كما ترى يدل بإطلاقه على عدم إعادة الناسي ، وقيل : إنّه يستفاد من التعليل أيضاً العموم للوقت وخارجه(١) . وفيه تأمّل.
ويظهر من المحقّق الميل إلى العمل بها ، فإنّه قال بعد ما سبق نقله عنه كما حكاه شيخناقدسسره : والأُصول تطابقها ؛ لأنّه صلّى صلاة مشروعة مأموراً بها فيسقط الفرض بها ، ويؤيّد ذلك قولهعليهالسلام : « غفر لأُمّتي الخطاء والنسيان »(٢) .
ولا يخفى عليك دلالة كلام المحقق على أنّ الصلاة المأتيّ بها مشروعة ، ولا معنى للمشروع إلاّ ما وافق الشارع ، وهذا بعينه يأتي في الجاهل ، فقول شيخناقدسسره في الجاهل : إنّه لم يأت بالمأمور به(٣) . كما سبق نقله ، محل بحث ، ولو لا تأييد المحقق بالرواية المتضمّنة للناسي في الغفران لأمكن أنّ يقال : إنّ كونها مشروعة بسبب الخبر ، وإنّ كان في نظري القاصر أنّ الخبر لا يدل على عدم الإعادة ، بل الظاهر منه عدم المؤاخذة ، وعلى تقدير منع الظهور فلا أقلّ من الاحتمال ، وهو كاف في دفع الاستدلال ، والأخبار الدالة(٤) على الإعادة يحتمل فيها الحمل على الاستحباب.
أمّا حمل الشيخ فموقوف على أمرين :
__________________
(١) الحبل المتين : ١٧٤.
(٢) مدارك الأحكام ٢ : ٣٤٦ ، وهو في المعتبر ١ : ٤٤١.
(٣) راجع ص ٨٨٦.
(٤) الوسائل ٣ : ٤٧٩ أبواب النجاسات ب ٤٢.
أحدهما : ثبوت دلالة الروايتين عليه.
وثانيهما : على تقدير عدم دلالة الروايتين ترجيح الحمل المذكور مع احتمال الاستحباب.
والأمران مشكلان :
أمّا الأوّل : فلأنّ رواية أبي بصير إنّ عَنى بها روايته المتضمنة لقولهعليهالسلام : « علم أو لم يعلم » فهي غير صريحة في المطلوب ، وتوجيه الشيخ لها لا ينفي احتمال غيره ، وقد ذكر شيخنا المحقّق(١) ميرزا محمد أيّده الله تعالى احتمال أنّ يكون المراد بقولهعليهالسلام أخيراً في الرواية : « إذا علم » العلم في أثناء الصلاة كما يدل عليه رواية أبي بصير السابقة ، ومع الاحتمال لا يتم المطلوب ، اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ احتمال الشيخ له ظهور. وفيه ما فيه ، على أنّ اللازم من الرواية إذا قيّد الناسي بالإعادة في الوقت أنّ يبقى الجاهل الذي تضمّنته أيضاً عليه الإعادة مطلقاً لإطلاقها في الجاهل ، والحال أنّه قد تقدّم منه أنّ الجاهل لا يعيد على الإطلاق.
وأمّا الثاني : فعدم ترجيحه ظاهر ؛ إذ هو من غير مرجّح ، بل الظاهر رجحان الاستحباب كما يستفاد ممّا قرّرناه.
وإنّ عنى الشيخ رواية أبي بصير السابقة من حيث إطلاقها المتناول للناسي(٢) وغيره ، ففيه : أنّ موردها العلم في الأثناء ، ولا ملازمة للإعادة بعد الإتمام ، كما لا يخفى.
وأمّا الرواية الثانية الذي ادعى الشيخ دلالتها على التفصيل فالكلام فيها يتوقف على بيان ما ذكره المتأخّرون(٣) من الإشكالات فيها وهي ثلاثة :
__________________
(١) في « ش » : مشطوبة.
(٢) في « رض » : للنسيان.
(٣) منهم شيخنا البهائي في الحبل المتين : ١٧٥.
الأوّل : أنّ حكمهعليهالسلام بعدم قضاء ما فات وقته من الصلوات التي صلاّهنّ بذلك الوضوء يقتضي صحته ، وهو يقتضي عدم اشتراط طهارة أعضاء الوضوء ، وما قاله بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ : من احتمال التزام ذلك في إزالة الخبث ورفع الحدث بورود ماء واحد ، فإنّ الاستدلال على بطلان الوضوء محل كلام(١) . لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ التزام هذا يقتضي صحة الوضوء وتكون الإعادة إنّما هي من جهة(٢) نجاسة الثوب ، وهذا مشترك بين الوضوءات ، فكيف يقال بالتخصيص بذاك الوضوء بعينه ، ولو أُريد إبطال الأوّل وصحة الباقي لما ذكر فالفرق لا وجه له.
ثم إنّ الدليل على عدم التداخل إذا اعتبر من حيث إنّ الأصل عدم تداخل الأسباب لم يكن فيه شوب الريب ، وجواز التداخل في بعض الأفراد بدليل لا يقتضي التداخل مطلقاً.
ويمكن الجواب عن الإشكال بأنّ المراد بالوضوء بعينه الوضوء بالماء النجس سواء كان الأوّل أو غيره ، وتكون الإعادة مختصة بالوقت من حيث الثوب ، كما ذكره مشايخنا في توجيه الرواية(٣) وإنّ لم يتوجهوا إلى الإشكالات ، وقد يحصل الإشكال في قولهم هذا أعني كون الإعادة من حيث الثوب فإنّ اللازم التعمية في الجواب الموجبة للإخلال بالحكمة ، ولعل الجواب باحتمال علم السائل من جهة أُخرى ولو ممّا تضمنته آخر الرواية على احتمال سنبيّنه إنّ شاء الله.
__________________
(١) الحبل المتين : ١٧٥.
(٢) ليست في « د ».
(٣) منهم صاحب مدارك الأحكام ٢ : ٣٤٨.
الثاني : أنّ اليد الماسحة للرأس تنجس بنجاسة(١) الرأس ؛ إذ الفرض كونه نجساً ، وإذا كانت نجسة فكيف يصح المسح بالنجس من البلل.
ويمكن الجواب عن هذا باحتمال عدم استيعاب الدهن الرأس.
وفيه : تعمية الجواب المنافي للحكمة ، إلاّ أنّ يكونعليهالسلام أطّلع على ذلك كما قيل(٢) وفيه ما فيه.
الثالث : قولهعليهالسلام : « ذلك الوضوء بعينه » فإنّه يقتضي أنّ الوضوء لو تعدد لا تقضى الصلاة ، والحال ما ترى.
ويمكن الجواب بما قدّمناه من إرادة الوضوء بالماء النجس ، وفيه ما فيه.
والعجب من قول شيخناقدسسره : إنّ الرواية ضعيفة من حيث السند بجهالة الكاتب(٣) . فإنّ علي بن مهزيار أخبر عن خطّ الإمامعليهالسلام ، اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ الضمير في خطه راجع إلى سليمان ، وفيه ما فيه.
أمّا ما قالهقدسسره من احتمال أنّ يكون قوله : « فإنّ تحققت ذلك » محمولاً على وصول الماء لغير موضع الوضوء ، فلا ينبغي أنّ يذكر في الرواية.
وفي نظري القاصر أنّ قولهعليهالسلام : « من قِبَل أنّ الرجل إذا كان ثوبه نجساً لم يعد الصلاة إلاّ ما كان في وقت ؛ وإذا كان جنباً أو صلّى على غير وضوء » إلى آخره ، محتمل لأنّ يكونعليهالسلام بيّن حكمين : ( حكم الثوب وحكم الوضوء على سبيل الإجمال ، فإنّ تطرّقت النجاسة إلى الثوب كان
__________________
(١) في « رض » : بمماسة ، وفي « فض » : لممارسة.
(٢) قال بن البهائي في الحبل المتين : ١٧٥.
(٣) مدارك الأحكام ١ : ٣٤٨.
حكمه ما ذكر ، وإنّ )(١) تطرّقت إلى الوضوء كان الحكم ما ذكر ، وحينئذٍ فقوله : « من قِبل » أي من حيث نجاسة الثوب كذا ومن الجنابة كذا ، غاية الأمر أنّه يبقى تخصيص الوضوء غير ظاهر الوجه ، واحتمال إرادة الوضوء بالماء النجس لا مانع منه ، وعلى هذا يمكن توجيه الرواية في الجملة.
ويمكن على بُعدٍ أنّ يراد بالوضوء الاستنجاء ، واستعماله في الأخبار موجود ، ويراد بعينه ما دام أثره موجوداً من دون طهارة.
أمّا قولهعليهالسلام : « لأنّ الثوب خلاف الجسد » فلا يبعد أنّ يراد به أنّ نجاسة الثوب العينية بخلاف نجاسة البدن الحكمية ، ولو أُريد بالبدن نجاسته العينية لم يكن له مناسبة لما تقدم من ذكر الفرق بين الثوب النجس والوضوء والغَسل ، غاية الأمر أنّه تبقى نجاسة الجسد مسكوتاً عنها ، وغير بعيد استفادتها من الرواية حيث جعل قسيم(٢) الثوب النجس النجاسة الحكمية.
وإذا عرفت هذا كلّه فاعلم أنّ استدلال الشيخرحمهالله بالرواية على ما ذكره من التفصيل بعد هذا الإجمال وعدم سلامتها من تطرّق الإشكال لا يخلو من غرابة.
ثم إنّ ما تقدم من الشيخ في حكم الجاهل جعله مفروضاً في الثوب(٣) ، والأخبار المذكورة أكثرها في الثوب(٤) ، وإنّما ورد في الجسد رواية إبراهيم بن ميمون السابقة ، والأخبار الواردة في باب الدم كذلك(٥) ،
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٢) في « فض » و « رض » : قسم.
(٣) في ص : ٩٠١.
(٤) الوسائل ٣ : ٤٢٨ أبواب النجاسات ب ١٩ وص ٤٧٩ ب ٤٢.
(٥) الوسائل ٣ : ٤٢٩ أبواب النجاسات ب ٢٠ وص ٤٣٢ ب ٢١ وص ٤٣٥ ب ٢٣.
والوالدقدسسره نقل في الدم باعتبار المقدار : أنّ الإجماع مدعى على عدم الفرق بين الثوب والبدن(١) ، أمّا من جهة إعادة الصلاة فالإجماع لم نعلمه الآن ، والخبر المبحوث عنه مجمل الدلالة ، والله سبحانه أعلم بحقائق الأُمور.
قوله :
باب عرق الجنب والحائض يصيب الثوب
أخبرني الشيخرحمهالله ـ ، عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة ، عن أبي أُسامة ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الجنب يعرق في ثوبه أو يغتسل ، فيعانق امرأته ويضاجعها وهي حائض أو جنب فيصيب جسده من عرقها! قال : « هذا كلّه ليس بشيء ».
وبهذا الاسناد ، عن محمد بن يعقوب ، عن عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، عن علي بن أبي حمزة ، قال : سئل أبو عبد اللهعليهالسلام وأنا حاضر عن رجل أجنب في ثوبه ، فيعرق فيه؟ قال : « لا أرى به بأساً » قال : إنّه يعرق ، حتى أنّه لو شاء أنّ يعصره لعصره قال : فقطّب أبو عبد اللهعليهالسلام وقال : « إنّ أبيتم فشيء من ماء فانضحه به ».
وبهذا الاسناد ، عن محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، ( عن ابن بكير )(٢) ، عن حمزة بن حمران ، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال : « لا يجنب الثوب الرجل
__________________
(١) معالم الفقه : ٢٨٦.
(٢) في الاستبصار ١ : ١٨٥ / ٦٤٦ : عن بكير.
ولا يجنب الرجل الثوب ».
وأخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن حمّاد ، عن شعيب ، عن أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن القميص يعرق فيه الرجل وهو جنب ، حتى يبتلّ(١) القميص ، فقال : « لا بأس ، وإنّ أحبَّ أنّ يرشّه بالماء فليفعل ».
عنه ، عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن المنبه [ بن عبد الله(٢) ] عن الحسين بن علوان الكلبي ، عن عمرو بن خالد ، عن زيد بن علي ، عن أبيه ، عن جده ، عن عليعليهمالسلام ، قال : « سألت رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن الجنب والحائض يعرقان في الثوب حتى يلصق عليهما فقال : إنّ الحيض والجنابة حيث جعلهما الله عزّ وجلّ ليس من العرق ، فلا يغسلان ثوبهما ».
وبهذا الاسناد ، عن سعد ، عن أحمد بن محمد ، عن العباس بن معروف ، عن علي بن مهزيار ، عن حماد بن عيسى وفضالة بن أيوب ، عن معاوية بن عمار ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الحائض تعرق في ثيابها ، أتصلّي فيها قبل أنّ تغسلها؟ فقال : « نعم لا بأس ».
السند :
في الأوّل حسن ، وابن أُذينة فيه هو عمر بن أُذينة ، وقد وثّقه الشيخ(٣) . والنجاشي ذكر عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن أُذينة ، وقال :
__________________
(١) في « فض » و « رض » : يبلّ.
(٢) ما بين المعقوفين أثبتناه من الاستبصار ١ : ١٨٥ / ٦٤٨.
(٣) في الرجال : ٣٥٣ / ٨ ، والفهرست : ١١٣ / ٤٩٢.
إنّه شيخ أصحابنا البصريين ووجههم(١) . وقد تخيل ابن داود أنّ ما ذكر النجاشي غير ما ذكره الشيخ(٢) : وهو غريب ؛ لأنّ النجاشي ذكر في الطريق إليه بلفظ عمر بن أُذينة(٣) ، فدل على أنّه ينسب إلى الجدّ تارة وإلى الأب اخرى.
وأبو أُسامة هو زيد الشحام بن يونس ، أو ابن موسى على ما ذكره النجاشي ولم يوثقه(٤) ، لكن الشيخ وثقه في الفهرست(٥) ؛ والعلاّمة في الخلاصة ذكر نحو ما قاله النجاشي في الأب ووثقه(٦) ، وفي قسم الضعفاء ذكر زيد بن موسى وقال : إنّه واقفي(٧) . ولا ريب أنّ هذا غيره ، وقد ذكره الشيخ في رجال الكاظمعليهالسلام قائلاً : إنّه واقفي(٨) .
والثاني : فيه القاسم بن محمد الجوهري ، وهو واقفي غير موثّق فيما رأيناه من كتب المتقدّمين(٩) ، وابن داود نقل عن الشيخ أنّه ذكر القاسم بن محمد في رجال الكاظمعليهالسلام وأنّه واقفي ، وذكر القاسم بن محمد في من لم يرو عن الأئمةعليهمالسلام والراوي عنه الحسين بن سعيد(١٠) . والأمر كما قال في كتاب الشيخ(١١) ، إلاّ أنّ الظاهر الاتّحاد ، وما فعله الشيخ له نظائر في كتابه.
__________________
(١) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥٢.
(٢) رجال ابن داود : ١٤٦ / ١١٣١ وص ١٤٤ / ١١١١.
(٣) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥٢.
(٤) رجال النجاشي : ١٧٥ / ٤٦٢.
(٥) الفهرست : ٧١ / ٢٨٨.
(٦) الخلاصة : ٧٣ / ٣.
(٧) الخلاصة : ٢٢٢ / ٣.
(٨) رجال الطوسي : ٣٥٠ / ٨.
(٩) منهم الكشي في رجاله ٢ : ٧٤٨ / ٨٥٣ ، والشيخ في رجاله : ٣٥٨ / ١.
(١٠) رجال ابن داود : ١٥٤ / ١٢١٩.
(١١) رجال الطوسي : ٣٥٨ / ١ و ٤٩٠ / ٥.
أمّا قول ابن داود : إنّ الظاهر كونه غيره ، والأخير ثقة. فلا ندري مأخذ التوثيق ، واحتمل شيخنا المحقق مئزرا محمد أيّده الله أنّ يكون مأخذه رواية الحسين بن سعيد عنه(١) ، وهو محتمل على تخيل ابن داود ، لا في اعتقاد شيخنا أيّده الله.
وعلي بن أبي حمزة هو البطائني الواقفي ، للتصريح في الفهرست برواية القاسم بن محمد الجوهري عنه(٢) .
والثالث : فيه حمزة بن حمران ، وهو مهمل في الرجال(٣) ، وباقي رجاله غير مشتبه الحال لما كرّرنا القول فيه ، وما ذكرناه وإنّ شارك هذا في التقدّم إلاّ أنّ بُعد العهد يوجب ذلك فيما هو مهم.
والرابع : فيه أبو بصير وهو الضرير الوارد فيه الذم بقرينة رواية شعيب عنه الثقة ، وهو ابن أُخت أبي بصير يحيى بن القاسم.
والخامس : فيه المنبه ، وهو ابن عبد الله المكنّى أبا الجوزاء ، وقد قال النجاشي : إنّه صحيح الحديث(٤) . والذي صرّح به جدّيقدسسره في الدراية : أنّه دال على التوثيق(٥) . وفي نظري القاصر أنّه محل نظر ؛ لأن هذا معناه في كلام المتقدّمين غير ما اصطلح عليه المتأخّرون في تعريف الصحيح بأنّه : ما اتصل إلى المعصوم بنقل الإمامي الثقة ، ليكون وصفه بأنّه
__________________
(١) منهج المقال : ٢٦٥.
(٢) ذكره الشيخ في الفهرست : ٩٦ / ٤٠٨ ولم يذكر رواية القاسم عنه ولكنّه نص عليه في كتاب الرجال عند ذكر القاسم بن محمد الجوهري في أصحاب الصادقعليهالسلام : ٢٧٦ / ٤٩.
(٣) راجع رجال النجاشي : ١٤٠ / ٣٦٥.
(٤) انظر النجاشي : ٤٢١ / ١١٢٩ ، ورجال الطوسي : ١١٨ / ٤٦ و ١٧٧ / ٢٠٧.
(٥) الدراية : ٧٦.
صحيح الحديث دالاًّ على ثقته(١) ، ويعرف هذا بملاحظة كتب الرجال ، والعجب منهقدسسره أنّه في عبد السلام بن صالح الهروي جوّز كونه عاميّاً ثقة ، مع أنّه موصوف في النجاشي بأنه : ثقة صحيح الحديث(٢) . واللازم من صحة الحديث كونه إماميّاً ؛ لأنّ تعريف الصحيح يقتضي ذلك.
وبالجملة : فدلالة(٣) اللفظ على التوثيق فضلاً عن كونه إماميّاً محل تأمل ، غاية الأمر أنّ معناه في كلام المتقدّمين مجمل ، فإنّ إرادة كون حديثه صحيحاً بمعنى أنّه معتمد لظهور قرائن على ذلك وإنّ كان في نفسه ليس بثقة ممكنة ، إلاّ أنّ الجمع بين كون الرجل ثقة صحيح الحديث قد يخفى فائدته.
والذي يقتضيه النظر أنّ الصحّة عند المتقدّمين لا يكفي فيها مجرّد كون الرجل ثقة ، بل لا بدّ من انضمام القرائن إلى قوله ، كما يعلم من الشيخ(٤) وغيره(٥) .
نعم يبقى الإشكال في الفرق بين قولهم : له كتاب معتمد أو أصل معتمد ؛ وبين صحيح الحديث وغير بعيد أنّ يكون وجه الفرق اختصاص كتابه أو أصله بالاعتماد ، دون كل ما يرويه حتى في غير الكتاب ، بخلاف صحيح الحديث فإنّه يدل على الاطّراد.
وأنت خبير بأنّ هذا يرجع إلى التوثيق ، فأيّ فائدة في الجمع بينه وبين صحيح الحديث؟ واحتمال التأكيد ينافي ما قدّمناه من الفرق.
__________________
(١) كما في الدراية : ١٩ ، ومنتقى الجمان ١ : ١٢.
(٢) رجال النجاشي : ٢٤٥ / ٦٤٣ ، وانظر حواشي الشهيد الثاني على الخلاصة : ١٩.
(٣) في « فض » : فالإشكال في دلالة.
(٤) العدة ١ : ٣٦٧.
(٥) كصاحب منتقى الجمان ١ : ١٤.
ويمكن الجواب : بأنّ صحيح الحديث وإنّ دلّ على صحّة حديثه ، لكنه أعم من التوثيق ، إذ يجوز كونه ضعيفاً مع أنّ حديثه صحيح ، أو ثقةً عاميّاً مع صحّة حديثه.
وفيه : أنّ هذا يوجب الالتباس. لكن الحق أنّه لا يضر بالحال إلاّ عند المتأخرين.
وبالجملة : فالاعتماد على كون الرجل ثقة إماميّاً بسبب هذا الوصف محلّ تأمّل.
وما قد يظن من كلام الصدوق في الفقيه في صلاة الغدير ـ : من أنّ راوي الرواية لم يوثّقه شيخه محمد بن الحسن بن الوليد فلا تكون صحيحة(١) ـ أنّه دال على موافقة المتأخرين فقد ذكرنا ما فيه في حواشيه ، فمن أراده وقف عليه ، وذكرنا أيضاً في أوّل هذا الكتاب نوعاً من الجواب(٢) .
وأمّا الحسين بن علوان : فإنّه عامي غير موثق ، والكشي نقل عن البعض أنّه كان مستوراً(٣) .
وعمرو بن خالد : على ما في الكشي أنّه عامي(٤) . والنجاشي اقتصر على أنه روى عن زيد(٥) . وفي رجال الشيخ : أنّه بتري في أصحاب الباقرعليهالسلام (٦) .
والسادس : ليس فيه ارتياب.
__________________
(١) الفقيه ٢ : ٥٥.
(٢) في ص ٢٦.
(٣) رجال الكشي ٢ : ٦٨٧ / ٧٣٣.
(٤) رجال الكشي ٢ : ٦٨٧ / ٧٣٣.
(٥) رجال النجاشي : ٢٨٨ / ٧٧١.
(٦) رجال الطوسي : ١٣١ / ٦٩.
المتن :
في الأوّل : كما ترى لا يخلو من تشويش في العبارة ، لأنّ الظاهر منه طهارة عرق الجنب والحائض ؛ وفي المعتبر : الحائض والنفساء والمستحاضة والجنب من حلال إذا خلا الثوب من عين النجاسة فلا بأس بعرقهم إجماعاً(١) .
والثاني : أوضح دلالة أيضاً ، والأمر بالنضح كأنّه لزوال النفرة.
والثالث : لا يخلو معناه من إجمال ، والذي يظهر منه أنّ الجنب إذا لم يصب ثوبه مني لا يلزمه غَسله ، كما أنّ الثوب لو أصابه مني من خارج لا يلزم الرجل الغُسل إذا لبسه.
فإن قلت : على ظاهر قوله : « ولا يجنب الرجل الثوب » أنّ الثوب لا يغسل وإن وصل إليه المني ، وهو واضح الانتفاء.
قلت : لا يبعد أن يكون المراد عدم غَسل جميع الثوب كما في غُسل الرجل ، بل موضع النجاسة ، كما أنّ الثوب لو كان نجساً وأصاب الرجل لا يغسل جميع بدنه.
لكن إذا كان الحديث وارداً بهذا المعنى لا يتمّ الاستدلال به من جهة العرق ، لأنّ المتبادر منه على تقدير العرق أن يكون من حيث كون الرجل جنباً بمعنى النجاسة الحدثية لا يؤثّر في الثوب ، والحال أنّ من جهة قوله : « لا يجنب الثوب الرجل » لا يتم الحكم من جهة العرق كما لا يخفى ، لكن الشيخ ذكره في مقام عرق الجنب كما ترى ، ولعلّه استفاد
__________________
(١) المعتبر ١ : ٤١٥.
ذلك من بعضه نظراً إلى الإطلاق ، فليتأمّل.
والرابع : يدل على الطهارة أيضاً في عرق الرجل(١) ، واستحباب الرش بقوله : « إنّ أحب » ويستفاد من الحديث الدال على النضح وهذا الحديث اتحادهما ، وقد سبق النقل عن العلاّمة ما يفيد المغايرة ، والأمر سهل في مقام الاستحباب.
والخامس : كما ترى يدل على الطهارة ، من حيث قوله : « فلا يغسلان ثوبهما ».
أمّا قوله : « حيث جعلهما » فمحتمل لأنّ يكون المراد به أنّه سبحانه جعلهما سببين للغسل ، وغسل الثوب منهما ليس من جهة العرق ، بل من جهة أُخرى وهي الدم المعلوم والمني.
ويحتمل أنّ يراد : أنّ دم الحيض والمني حيث خلقهما الله ليس من العرق ليكون خروجه متصلاً بهما. ويدفع هذا الاحتمال عدم تماميته في الجنابة. ولعلّ المطلوب من العبارة وإنّ كان مجملاً إلاّ أنّ قوله : « فلا يغسلان ثوبهما » يفسّره.
والسادس : واضح الدلالة.
اللغة :
قال في الصحاح : قَطَّبَ وجهه تقطيباً : عَبَسَ(٢) . وفي القاموس : قَطَبَ يَقْطِبُ : زَوَى ما بين عينيه وكَلَحَ ، كقَطَّبَ(٣) .
__________________
(١) كذا في « فض » و « رض » وفي « د » : الجنب الرجل ، والظاهر : الرجل الجنب.
(٢) الصحاح ١ : ٢٠٤ ( قطب ).
(٣) القاموس ١ : ١٢٢ ( قطب ).
قوله(١) :
فأما ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن إسحاق بن عمّار ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : المرأة الحائض تعرق في ثوبها قال : « تغسله » قلت : فإن(٢) كان دون الدِّرع إزار ، فإنّما يصيب العرق ما دون الإزار قال : « لا تغسله ».
فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على أنّه إذا كان هناك شيء من النجاسة ، لأنّ(٣) الغالب من الحائض أن يكون فيما دون المئزر لا يخلو من نجاسة ، فلأجل ذلك وجب عليها غَسل الثوب.
يدل على ذلك :
ما رواه سعد ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار بن موسى الساباطي ، قال : سئل أبو عبد اللهعليهالسلام عن الحائض تعرق في ثوب تلبسه ، فقال : « ليس عليها شيء إلاّ أن يصيب شيء من مائها أو غير ذلك من القذر ، فتغسل ذلك الموضع الذي أصابه بعينه ».
وروى علي بن الحسن بن فضال ، عن محمد بن علي ، عن الحسن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن سَورة بن كليب قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن المرأة الحائض ، أتغسل ثيابها التي لبستها في طمثها؟ قال : « تغسل ما أصاب ثيابها من الدم ، وتدع ما سوى
__________________
(١) في « رض » : قال.
(٢) في « فض » و « رض » : وإنّ.
(٣) في الاستبصار ١ : ١٨٦ زيادة : في.
ذلك » قلت له : وقد عرقت فيها ، قال : « إنّ العرق ليس من الحيض ».
السند :
في الأوّل : موثق بإسحاق على ما قاله الأصحاب ، وقد تقدّم القول فيه(١) .
والثاني : موثق أيضاً ، وربما يشكل الحال في بعض الرجال ، وبيان مجمل الأمر : أنّ أحمد بن الحسن على ما وجدته في كتب الرجال من المتقدمين ، ما قاله الشيخ في الفهرست : إنّه كان فطحياً ، غير أنّه ثقة(٢) . والكشي قال : سألت أبا النضر محمد بن مسعود عن جماعة هو منهم ، فذكر أنّ أحمد بن الحسن كان فطحياً(٣) . والنجاشي ذكر : أنّه يقال : إنه كان فطحياً وكان ثقة في الحديث(٤) . وأنت خبير بعد ما قدّمناه من ترجيح النجاشي : أنّ ظاهر كلامه يعطي عدم كونه فطحياً.
ويمكن أنّ يقال : إنّ أصل كلام الشيخ قول الكشي عن محمد بن مسعود ، والنجاشي صرّح بأنّ محمد بن مسعود كان في الأصل عاميّ المذهب ثم تبصّر(٥) ، والقول المذكور عنه لا يعلم قبل رجوعه أو بعده ، وكون محمد بن مسعود ثقة غير معلوم التقدّم على الرجوع ليقبل قوله مطلقاً.
__________________
(١) في ص : ١٤٦.
(٢) الفهرست : ٢٤ / ٦٢.
(٣) رجال الكشي ٢ : ٨١٢ / ١٠١٤.
(٤) رجال النجاشي : ٨٠ / ١٩٤.
(٥) رجال النجاشي : ٣٥٠ / ٩٤٤.
اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ الشيخ اعتمد على ما قاله من غير الكشي ، أو أنه علم أنّ ذلك بعد رجوعه ، على أنّ قول النجاشي محتمل لأنّ يكون التوثيق من مقول القول ، وكونه خلاف الظاهر محلّ كلام.
وأمّا عمار الساباطي : فالنجاشي لم يذكر أنّه فطحي(١) ، والشيخ قال ذلك(٢) ؛ وقد سمعت الكلام في مثله(٣) ، وبالجملة فالمقام محلّ إشكال.
والثالث : فيه : أنّ الطريق إلى علي بن الحسن فيه : علي بن محمد بن الزبير وأحمد بن عبدون ، وقد تقدم أنّ في علي بن محمد كلاماً(٤) . أمّا أحمد بن عبدون فهو من الشيوخ كغيره.
وعلي بن الحسن مشهور.
وسورة بن كليب : مشترك بين مهمل مذكور في رجال الصادقعليهالسلام ، وآخر في الحكم كالأوّل(٥) .
ومحمد بن علي : لا يبعد أنّ يكون ابن محبوب ، لروايته عن الحسن بن محبوب كما يعرفه المتتبّع ، إلاّ أنّ غيره في حيّز الإمكان.
المتن :
في الأوّل : غير خفيّ احتمال ما ذكره الشيخ ، لكن عبارته في التوجيه كعبارة الحديث في الإجمال ، بل ربما يظنّ في البين الاختلال ؛ لأنّ قوله : فإنّ كان دون الدِّرع إزار. يريد به المئزر كما ذكره الشيخ. والدرع
__________________
(١) رجال النجاشي : ٢٩٠ / ٧٧٩.
(٢) الفهرست : ١١٧ / ٥١٥.
(٣) في ص ٢٧٥.
(٤) راجع ص ١٠٣.
(٥) راجع رجال الطوسي : ٢١٦ / ٢١٨ ، ٢٢٠.
على ما يفهم من القاموس القميص(١) . لكن قوله : إنّما يصيب العرق ما دون الإزار. على ما قلناه يقتضي بأنّ يقال : ما دون الدِّرع.
ولعلّ المراد : أنّ العرق يصيب ما دون الإزار ، فعدم إصابته للدرع حينئذ أظهر ، ويراد بما دون الإزار من الخرق ، والأمر سهل بعد وضوح الغرض.
والثاني : ظاهر الدلالة كالثالث.
قوله(٢) :
فأما(٣) ما رواه علي بن الحسن ، عن محمد بن عبد الحميد ، عن أبي جميلة المفضل بن صالح الأسدي النخاس(٤) ، عن زيد الشحام ، عن أبي عبد الله ٧ قال : « إذا لبست المرأة الطامث ثوباً فكان عليها حتى تطهر فلا تصلي فيه حتى تغسله ، فإنّ كان(٥) يكون عليها ثوبان صلّت في الأعلى منهما ؛ وإنّ لم يكن لها غير ثوب فلتغتسل(٦) حين تطمث ثم تلبسه ، فإذا طهرت صلّت فيه وإنّ لم تغسله ».
فيحتمل هذا الخبر ما قلناه في الخبر الأوّل ، ويحتمل أيضاً أنّ يكون محمولاً على الاستحباب ، وما تضمنه من قوله : « تغتسل حين
__________________
(١) القاموس المحيط ٣ : ٢٠.
(٢) في « رض » : قال.
(٣) في الاستبصار ١ : ١٨٧ / ٦٥٣ وأمّا.
(٤) في الاستبصار ١ : ١٨٧ / ٦٥٣ : النحاس.
(٥) ليست في « د » و « رض ».
(٦) في الاستبصار ١ : ١٨٧ / ٦٥٣ والتهذيب ١ : ٢٧١ / ٧٩٧ : فلتغسله.
تطمث ثم تلبسه ، فإذا طهرت صلّت فيه وإنّ لم تغسله » يدلّ على أنّ نفس الحيض لا ينجّس العرق ، لأنّه لو كان كذلك لما اختلف الحال بالاغتسال قبله.
والذي يدل على أنّ هذا محمول على الاستحباب :
ما أخبرني به أحمد بن عبدون ، عن علي بن محمد بن الزبير ، عن علي بن الحسن بن فضال ، عن أيوب بن نوح ، عن محمد بن أبي حمزة ، عن علي بن يقطين ، عن أبي الحسنعليهالسلام قال : سألته عن الحائض تعرق في ثوبها ، قال : « إنّ كان ثوباً تلزمه فلا أُحبّ أنّ تصلّي فيه حتى تغسله ».
السند :
في الأوّل : فيه ما تقدّمت إليه الإشارة من الطريق إلى علي بن الحسن وإليه(١) .
ومحمّد بن عبد الحميد هو ابن سالم العطّار ، وتقدم فيه القول(٢) .
فإنّ قلت : من أين حصل الجزم بكون محمد بن عبد الحميد هو العطار ، وفي الرجال غيره أيضاً؟
قلت : الموجود في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهمالسلام : محمد بن عبد الحميد روى عنه ابن الوليد(٣) ، وهذا متأخّر ؛ بخلاف العطار فإن الراوي عنه عبد الله بن جعفر وهو الحميري ، وغير خفيّ أنّ مرتبته مرتبة
__________________
(١) في ص ٩١٣.
(٢) في ص ١٥١.
(٣) رجال الطوسي : ٤٩٢ / ٦.
أيوب بن نوح.
وأبو جميلة مذكور مهملاً في الفهرست(١) ، ورجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ(٢) . والعلاّمة قال : إنّه ضعيف كذّاب(٣) . وهو أعلم بالمأخذ.
والثاني : تقدّمت أحوال رجاله.
ومحمد بن أبي حمزة فيه : هو ابن الثمالي على الظاهر ، واحتمال غيره المذكور في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ مهملاً(٤) بعيد.
وما قد يقال : من أنّ الراوي عن الثقة ابن أبي عمير كما صرّح به النجاشي(٥) والشيخ(٦) ، والراوي هنا أيوب بن نوح وهو متأخّر ، لأنّه من أصحاب الهاديعليهالسلام والعسكريعليهالسلام .
جوابه : أنّ النجاشي ذكر أنّ أيوب روى عن أصحاب أبي عبد اللهعليهالسلام (٧) ، ومحمد بن أبي حمزة من أصحابهعليهالسلام . إلاّ أنّي متأمّل في مثل هذا الأمر ؛ لأنّ اللازم منه أنّ يكون محمد بن أبي حمزة أدرك الهاديعليهالسلام ، فيكون أدرك أربعة من الأئمةعليهمالسلام ، ولم يذكر ذلك في الرجال ، بل في كتاب الشيخ : أنّه من أصحاب الصادقعليهالسلام لا غيره(٨) .
__________________
(١) الفهرست : ١٧٠ / ٧٤٣.
(٢) رجال الطوسي : ٣٣٩ / ٩.
(٣) خلاصة العلاّمة : ٢٥٨ / ٢ ( مفضّل ) ، ولعل مأخذه قول ابن الغضائري فيه : ضعيف كذّاب يضع الحديث. ( مجمع الرجال ٦ : ١٢٢ ) وعدّه النجاشي : ( ١٢٨ / ٣٣٢ ) ممّن غُمز فيهم وضُعّفوا.
(٤) رجال الطوسي : ٣٢٢ / ٦٧٥.
(٥) رجال النجاشي : ٣٥٨ / ٩٦١.
(٦) الفهرست : ١٤٨ / ٦٣٠.
(٧) رجال النجاشي : ١٠٢ / ٢٥٤.
(٨) رجال الطوسي : ٣٢٢ / ٦٧٥.
ثم إنّ توثيقه ليس إلاّ من الكشي بهذه الصورة : سألت حمدويه بن نصير ، عن علي بن أبي حمزة الثمالي والحسين بن أبي حمزة ومحمد أخويه(١) ، فقال : كلّهم ثقات فاضلون(٢) .
وحمدويه متأخّر عن هؤلاء ، لكنه ثقة مقبول القول ، غير أنّه وقع في البين بالنسبة إلى أنّ المخبَر عنه من حمدويه هو الثمالي نوع إشكال ، وهو أنّ النجاشي قال نقلاً عن محمد بن عمر الجعابيّ : إنّ أسماء(٣) ولد أبي حمزة : نوح ومنصور وحمزة ، قتلوا مع زيد(٤) .
وهذا بظاهره يدل على أنّ محمداً والحسين وعلياً ليسوا من ولد أبي حمزة الثمالي(٥) .
والذي يظهر من عبارة النجاشي كما ترى أنّها حكاية عن الغير ، ويحتمل أنّ لا يكون راضياً بها ؛ وما قاله في الخلاصة نقلاً عنه : أنّه قال : أسماء ولد أبي حمزة(٦) ، غريب على أنّ قول الجعابي في الأولاد الذين قتلوا مع زيد لا جميع الأولاد ، وفي هذا تأمّل ، إذ هو خلاف الظاهر.
والحق أنّ النجاشي غير قائل بالمنقول ؛ لأنّه قال في الحسين بن حمزة الليثي : ( الحسين بن حمزة الليثي )(٧) ابن بنت أبي حمزة الثمالي ثقة ؛ ـ إلى أنّ قال ـ : وخاله محمد بن أبي حمزة ذكره أصحاب كتب
__________________
(١) في المصدر زيادة : وابنه.
(٢) رجال الكشي ٢ : ٧٠٧ / ٧٦١.
(٣) ليست في « فض ».
(٤) رجال النجاشي : ١١٥ / ٢٩٦.
(٥) في « د » زيادة : يكون الوهم وقع في الكشي ، وفي « رض » : لكون الوهم.
(٦) الخلاصة : ٥١.
(٧) ما بين القوسين ليس في « فض ».
الرجال(١) . وهو صريح في أنّ محمد بن أبي حمزة موجود ، غاية الأمر أنّ اللبس في الحسين وعلي ابني أبي حمزة ، فإنّ النجاشي لم يذكر إلاّ الحسين ابن حمزة الليثي ، وعلي بن أبي حمزة لم يذكره ؛ وغير بعيد أن يكون الحسين بن حمزة الليثي نسب إلى جدّه لأُمه.
أمّا ما وقع في الخلاصة فهو غريب ، لأنّه قال بعد نقل كلام النجاشي ـ الذي أشرنا إلى أنّه موهوم ؛ لأنّه أسنده إليه ، وإنّما هو نقل عن غيره ـ : ولم يذكر ـ يعني النجاشي ـ الحسين من عداد أولاده. وقال ابن عقدة : حسين بن بنت أبي حمزة الثمالي خال محمد بن أبي حمزة ، وأن الحسين ابن أبي حمزة ابن ابنة الحسين بن أبي حمزة الثمالي ، وأن الحسين بن حمزة الليثي الكوفي هو ابن بنت أبي حمزة الثمالي. وقال النجاشي أيضاً الحسين بن حمزة الليثي ؛ وذكر كلامه ـ إلى أنّ قال ـ : وأسقط « أبي » بين الحسين وحمزة ، وبالجملة هذا الرجل عندي مقبول الرواية ، ويجوز أنّ يكون ابن ابنة(٢) أبي حمزة ، وغلب عليه النسب إلى أبي حمزة(٣) . انتهى.
ولا يخفى عليك أنّ كلام ابن عقدة مخلوط ، وأنّ قوله خال محمد غلط ، بل خاله محمد كما في النجاشي(٤) ، ولفظ الحسين بعد قوله : ابن ابنة الحسين ؛ غلط أيضاً ، والمراد أنّ الحسين بن(٥) حمزة هو ابن بنت أبي حمزة الثمالي ، ومحمد خاله ؛ والحسين الذي يقال له ابن أبي حمزة
__________________
(١) رجال النجاشي : ٥٤ / ١٢١.
(٢) في « رض » : ابنته.
(٣) الخلاصة : ٥١ بتفاوت يسير.
(٤) رجال النجاشي : ٥٤ / ١٢١.
(٥) في « فض » زيادة : أبي.
هو ابن حمزة ، لكن لما كان ابن ابنة أبي حمزة نسب إليه.
ومن هنا يعلم أنّ قول جدّيقدسسره في فوائد الخلاصة ـ : إن كلام ابن عقدة يدل على وجود الحسين بن أبي حمزة الثمالي وإن شاركه غيره في الاسم. وقول النجاشي : إنّ الحسين بن حمزة الليثي هو ابن بنت أبي حمزة. لا ينافي كون أبي حمزة له ولد اسمه الحسين ، فظهر أنّ جميع ما ذكره ـ يعني العلاّمة ـ لا يظهر له فائدة ولا منافاة لقوله : ويجوز.
محلّ بحث ،أمّا أولاً : فلأنّ كلام النجاشي في الحسين بن حمزة صريح في أنّ خاله محمد بن أبي حمزة(١) ، ولو كان له خال يقال له الحسين لكان أحق بالذكر ، لكونه موثقاً في كلام حمدويه ، فلا أقل من ذكره مع محمد.
وأمّا ثانياً : فلأنّ كلام ابن عقدة لا يفيد التعدّد ، بل إنّما وقع الوهم من الزيادة والنقصان اللذين ذكرناهما(٢) مع زيادة ذكر الحسين مرّة ثالثة فكأنّه قال : الحسين بن حمزة الليثي يقال له « حسين بن بنت أبي حمزة » و « حسين بن أبي حمزة » و « حسين بن حمزة الليثي » ، والكل صحيح. ففي الأوّل : نسب لُامّه ، وفي الثاني : لجدّه لُامّه ، وفي الثالث لأبيه.
نعم يبقى الكلام في علي بن أبي حمزة الثمالي ، فإنّ عدم ذكر النجاشي له يشعر بعدم تحققه. والله أعلم بالحال.
المتن :
في الأوّل : كما ترى(٣) لا يخلو من تشويش ، والحاصل من معناه : أنّ
__________________
(١) رجال النجاشي : ٥٤ / ١٢١.
(٢) في « رض » : ذكرهما.
(٣) في « د » مشطوبة.
الحائض إذا لبست ثوباً واحداً إلى حين تطهر ، وكان لها أثواب فلا تصلّي فيه حتى تغسله ، لأنّ الغالب عدم خلوّه من إصابة النجاسة ، وإن تعدّد عليها صلّت في الأعلى ، لبُعده عن النجاسة ، وإنّ لم يكن لها إلاّ ثوب واحد فإنّه يكفيها أنّ تغسل بدنها حين الطمث ثم تلبسه ، فإذا طهرت صلّت فيه وإنّ لم تغسله.
وقول الشيخ : فيحتمل ما قلناه في الخبر الأوّل. يريد به أنّ الأمر بغَسل الثوب في أوّل الرواية لعدم خلوّها من النجاسة ، لا من جهة العرق. وقوله : إنّه محمول على الاستحباب. واضح ، إلاّ أنّه لا وجه لعدم ذكره في الأوّل أيضاً ، بل الأوّل أولى ؛ لأنّ الاستحباب في هذا يقتضي الغَسل في الصورة الأخيرة أيضاً.
والثاني : ظاهر في الاستحباب من قوله : « لا أُحب » أمّا قوله : « ثوباً تلزمه » فلعلّ المراد به ما ذكر في الخبر الأوّل ، أعني الثوب المستمر عليها إلى حين الطهر ، ويحتمل أنّ يراد الثوب الملاصق للجسم ، وهو المراد في الأوّل بقوله : « صلّت في الأعلى ».
وعلى كل حال فالحكم قد عرفت أنّ عليه الإجماع مدعى بالنسبة إلى العرق ، وأمّا غيره فبحسب النجاسات ، وأحكام إزالتها تابعة لها.
اللغة :
قال في القاموس : طمثت كنصر وسمِع حاضت ، والطمث المسّ والدنَسَ(١) .
__________________
(١) القاموس المحيط ١ : ١٧٦.
قوله(١) :
فأما ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن ابن محبوب ، عن أبان بن عثمان ، عن محمد الحلبي قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : رجل أجنب في ثوبه ولم يكن معه ثوب غيره؟ قال : « يصلّي فيه ، وإذا وجد الماء(٢) غسله ».
فهذا الخبر يحتمل شيئين ، أحدهما : وهو الأشبه أن يكون أصاب الثوب نجاسة من المني ، فحينئذ يصلّي فيه إذا لم يجد غيره ولا يمكنه نزعه ، وكان عليه الإعادة على ما بيّنّاه فيما مضى. ويحتمل أن يكون المراد إذا أصابته الجنابة من حرام وعرق فيه ، فإنّه يصلّي فيه ، فإذا وجد الماء غسله.
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الثوب يجنب فيه الرجل ويعرق فيه ، فقال : « أمّا أنا فلا أُحب أن أنام فيه ، وإن كان الشتاء فلا بأس به(٣) ما لم يعرق فيه ».
فالوجه في هذا الخبر ضرب من الكراهية وهو صريح فيه. ويمكن أن يكون محمولاً على أنّه إذا كانت الجنابة من حرام.
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة قال : سألته عن الرجل يجنب في ثوبه ، أيتجفف فيه من غسله؟
__________________
(١) في « رض » : قال.
(٢) في الاستبصار ١ : ١٨٧ / ٦٥٥ : ماءً.
(٣) ليست في الاستبصار ١ : ١٨٨ / ٦٥٦ ، والتهذيب ١ : ٤٢١ / ١٣٣١.
قال : « نعم ، لا بأس به ، إلاّ أنّ تكون النطفة فيه رطبة ، فإنّ كانت جافّة فلا بأس ».
فالوجه فيما تضمنه هذا الخبر من جواز التنشف بالثوب إذا كان المني يابساً محمول على أنّه إذا لم يتنشف بالموضع الذي يكون فيه المني ، لأنّه لو تنشف بذلك الموضع ، لتعدي النجاسة إليه(١) .
السند :
في الأوّل : لا ارتياب في صحته ، لأنّ الطريق إلى سعد صحيح ، وهو : عن المفيد ، عن محمد بن علي بن بابويه ، عن أبيه ، عنه. وله طريق آخر : عن ابن قولويه ، عن أبيه. وفي الأب كلام قد تقدم(٢) .
وأبو جعفر أحمد بن محمد بن عيسى على ما ذكره العلاّمة في فوائد الخلاصة(٣) ، والاعتبار يساعد عليه لولا شيء ما قدّمناه(٤) .
وعلي بن الحكم هو الثقة بقرينة رواية أحمد بن محمد بن عيسى عنه(٥) على تقديره ، والإضمار فيه غير مضر كما كرّرنا القول فيه(٦) .
والثاني : فيه النضر ، وهو على الظاهر ابن سويد ، لما يستفاد من الرجال والأخبار(٧) .
__________________
(١) في الإستبصار ١ : ١٨٨ زيادة : إذا ابتلّ.
(٢) في ص ٨١.
(٣) الخلاصة : ٢٧١.
(٤) في ص ١٢١.
(٥) راجع ص ١٨٠.
(٦) راجع ص ٥١ ، ولا يخفى أنّه ليس في السند المبحوث عنه عنوان أبي جعفر وعلي ابن الحكم ، ولبس فيه إضمار أيضاً.
(٧) بقرينة رواية الحسين بن سعيد عنه ، راجع الفهرست : ١٧١ / ٧٦٠. والاستبصار ١ : ١٥٩ / ٥٤٩.
وأبو بصير : كرّرنا ذكره(١) ، غير أنّ شيخناقدسسره كان يرجّح كون عاصم بن حميد إذا روى عن أبي بصير فهو ليث المرادي ، والوالدقدسسره كان يتوقف في ذلك ، لوجدانه رواية عاصم عن يحيى فيما أظن منه سماعاً.
والثالث : لا ارتياب في صحته ، والإضمار غير قادح.
المتن :
في الأوّل : ظاهر الدلالة ، بل صريح في أنّ المني إذا أصاب الثوب ولم يكن مع الإنسان غيره ولم يقدر على الغَسل يصلّي فيه ، غاية الأمر أنّ التقييد بالضرورة مذكور في كلام بعض الأصحاب(٢) ، وعليه يدل بعض الأخبار ، كما تقدم ذلك كلّه مفصلاً(٣) .
والعجب أنّ الشيخ ذكره سابقاً في باب الرجل يصيب ثوبه الجنابة(٤) ، وهنا ذكر احتمال الجنابة من حرام وعرق فيه ، والخبر عن هذا الاحتمال بمراحل.
وفي التهذيب قال : لا يجوز أنّ يكون المراد بهذا الخبر إلاّ من عرق في الثوب من جنابة إذا كانت من حرام. قالرحمهالله لأنّا قد بيّنا أنّ نفس الجنابة لا تتعدى إلى الثوب ، وذكرنا أيضاً أنّ عرق الجنب لا ينجس الثوب ، فلم يبق معنىً يحمل عليه الخبر إلاّ عرق الجنابة من حرام(٥) . انتهى.
__________________
(١) راجع ص ٥١ و ٩٢.
(٢) منهم الأردبيلي في مجمع الفائدة ١ : ٣٥١.
(٣) راجع : ص ٩١٠.
(٤) راجع : ص ٨١١.
(٥) التهذيب ١ : ٢٧١ ، بتفاوت يسير.
ولا يخفى عليك أنّ الاستدلال بمثل هذا الخبر موضع التعجب.
والثاني : أيضاً كذلك ، بل هو بمعزل عن احتمال الجنابة من حرام ؛ لأنّ قولهعليهالسلام : « أمّا أنا فلا أُحبّ أنّ أنام فيه » يأبى ذلك ، إلاّ على احتمال متكلّف ، وهو أنّ يراد كون غيره لو أجنب من حرام لا ينام فيهعليهالسلام بتقدير لبسه.
وما قالهرحمهالله من صراحته في الكراهة. لا يعتريه شوب الارتياب. والظاهر أنّ وجه الكراهة بُعد خلوّ الثوب من النجاسة.
وينبغي أنّ يعلم أنّ القول بنجاسة عرق المجنب من حرام محكي في المختلف عن الشيخين وابن البراج(١) . وفي رسالة علي بن بابويه : وإن كانت يعني الجنابة من حرام فحرام الصلاة فيه. يعني من جهة العرق ؛ لتقدم ذكره. وكذلك عبارة ولده في الفقيه(٢) . وفي الظن أن العبارتين لا صراحة فيهما بالنجاسة.
نعم عبارة المفيد في المقنعة ربما كانت ظاهرة ، لأنّه قال : لا يجب غَسل الثوب من عرق الجنب إلاّ أنّ تكون الجنابة من حرام(٣) . وإنّما قلنا : الظاهر منها ذلك ؛ لاحتمال القول بوجوب الغَسل لإزالة العرق لأجل الصلاة ، حيث لا تصح الصلاة فيه.
وابن الجنيد في المختصر الأحمدي قال : عرق الحائض لا ينجّس الثوب ، وكذلك عرق الجنب من حلال ، فإنّ كان أجنب من حرام غَسَل
__________________
(١) المختلف ١ : ٣٠٢ ، وهو في المقنعة : ٧١ ، وفي النهاية : ٥٣ ، وفي المهذب ١ : ٥١.
(٢) الفقيه ١ : ٤٠.
(٣) المقنعة : ٧١.
الثوب. وهذا الكلام ربما يقال بصراحته في النجاسة ، إلاّ أنّ فيه نوع تأمّل.
والشيخ في الخلاف قال : عرق الجنب من حرام حرام الصلاة فيه(١) . وفي النهاية : إلاّ أنّ تكون الجنابة من حرام ، فإنّه يجب غَسل الثوب(٢) .
واحتج في الخلاف : بالإجماع والاحتياط والأخبار(٣) ، محيلاً لها على كتابي الحديث. والحال ما ترى من جهة الأخبار ، فإنّ في الكتابين مستنده هذين الحديثين(٤) ، وكلام الشيخ في التهذيب قد سمعته مع قوله هنا ، وقد ذكر احتمال إصابة الثوب النجاسة في التهذيب(٥) . وبالجملة ، فالأمر لا يخلو من غرابة بالنسبة إلى الشيخ ، حيث تعرض للاستدلال بالأخبار.
وأمّا الإجماع فلا يمكن الاطّلاع فيه على الحقيقة بعد ما يوجد خلاف نفسه فيه ، كما يعلم من مراجعة ما ذكره جدّيقدسسره في بعض فوائده.
غير أنّ هذه المسألة لم نقف للمتقدمين على قول بالطهارة ، نعم ابن إدريس وسلاّر نقل عنهما(٦) ذلك ، وجمهور المتأخرين على الطهارة(٧) . وهو غريب منهم مع معهوديّة اتباع الشيخ غالباً ، وعدم نقل مخالف من
__________________
(١) الخلاف ١ : ٤٨٣ بتفاوت يسير.
(٢) النهاية : ٥٣ بتفاوت يسير.
(٣) الخلاف ١ : ٤٨٣.
(٤) التهذيب ١ : ٢٧١ / ٧٩٩ و ٤٢١ / ١٣٣١ ، الاستبصار ١ : ١٨٧ / ٦٥٥ و ١٨٨ / ٦٥٦ ، الوسائل ٣ : ٤٤٧ أبواب النجاسات ب ٢٧ ح ١٠ ، ١١.
(٥) التهذيب ١ : ٢٧١.
(٦) حكاه عنهما في المختلف ١ : ٣٠٣ ، وهو في السرائر ١ : ١٨١ ، والمراسم : ٥٦.
(٧) منهم المحقق الحلي في الشرائع ١ : ٥٣ ، والكركي في جامع المقاصد ١ : ١٦٥ ، وصاحب المدارك ١ : ٢٩٩.
المتقدّمين على الشيخ ليكون القدح في الإجماع حاصلاً على احتمال ، بل العلاّمة في المختلف قال : إنّ الطهارة اختيار سلاّر وابن إدريس وهو المعتمد ، واحتج بالأصل والأخبار الدالة على طهارة عرق الجنب من غير تفصيل ، وبأنّ المجنب من حرام ليس بنجس ، فلا يكون عرقه نجسا ، ثم ذكر حجّة الشيخين بالأخبار ولم يتعرض للإجماع المذكور في الخلاف(١) .
وفي الذكرى قال الشهيدرحمهالله بعد حكايته عن المبسوط أنّه نسب الحكم إلى رواية الأصحاب : ولعلّه ما رواه محمّد بن همام بإسناده إلى إدريس بن همام(٢) الكفرثوثي إنّه كان يقول بالوقف فدخل إلى سرّ من رأى في عهد أبي الحسنعليهالسلام وأراد أن يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب ، أيصلّى فيه؟ فبينما هو قائم في طاق باب لانتظارهعليهالسلام حرّكه أبو الحسنعليهالسلام بمقرعته ، وقال مبتدئاً : « إن كان من حلال فصَلِّ ، وإن كان من حرام فلا تصلِّ فيه »(٣) ثم قالرحمهالله : وروى الكليني بإسناده إلى الرضاعليهالسلام في الحمام « يغتسل فيه الجنب من الحرام »(٤) وعن أبي الحسنعليهالسلام : « لا يغتسل من غسالته ، فإنّه يغتسل فيه من الزنا »(٥) انتهى(٦) .
__________________
(١) المختلف ١ : ٣٠٣.
(٢) كذا في النسخ ، وفي الوسائل : إدريس بن يزداد ، وفي الذكرى : إدريس بن زياد الكفرتوثي ، وهو الصواب ، راجع رجال النجاشي : ١٠٣ / ٢٥٧ ، والفهرست : ٣٩ / ١١٤ ، ورجال ابن داود : ٣٩ / ٩٤٨.
(٣) الوسائل ٣ : ٤٤٧ ، أبواب النجاسات ب ٢٧ ح ١٢.
(٤) الكافي ٦ : ٥٠٣ / ٣٨.
(٥) الكافي ٦ : ٤٩٨ / ١٠.
(٦) الذكرى : ١٤ ، بتفاوت يسير.
وهذه الروايات كما ترى ربما دلت في الجملة سيّما الاولى ، لكن الطرق في الأخيرتين غير سليمة ، والأولى لم نقف على أصلها ، والاحتمال الذي أسلفناه من إمكان تحريم الصلاة من دون النجاسة(١) قائم هنا.
ولا يبعد أن يوجه عند القائل بالموثق : بأنّ دلالة رواية ابن بكير الموثقة الدالة على أنّ ما لا يؤكل لحمه لا يصلّى في شيء منه تتناول عرق الإنسان(٢) ، ولمّا خرج عرق الإنسان بالإجماع ، ينبغي الاقتصار على مورده ، وهو غير المجنب من حرام ؛ لوقوع الخلاف فيه ، فيعمل الخبر عمله فيما عداه.
إلاّ أنّ يقال : إنّ الإجماع إنّما خرجنا عنه في المجنب من حرام إذا كان نجساً لا مع الطهارة ، إذ(٣) لم يعلم فيه الخلاف.
ويمكن الجواب : بعدم صراحة القول بالنجاسة في كلام بعض من تقدم(٤) ، فينبغي تأمّل هذا ، فإنّي لم أقف على من نبّه عليه من العاملين بالموثق.
ثم إنّ الثالث من الأخبار كما ترى يدل بظاهره على التجفف بالثوب إذا لم تكن النطفة رطبة ، والحال فيه لا يخلو من خفاء ؛ لأنّ ما ذكره الشيخ في توجيهه له وجه في الجملة ، إلاّ أنّ الإجمال باق من حيث إنّ موضع المني إذا لم ينشف به فلا فرق بين الرطب واليابس.
__________________
(١) ص : ٢٨٩ ٢٩٠.
(٢) التهذيب ٢ : ٢٠٩ / ٨١٨ ، الوسائل ٤ : ٣٤٥ أبواب لباس المصلي ب ٢ ح ١.
(٣) في « فض » و « رض » : إذا.
(٤) راجع ص : ٢٨٩.
واحتمال أنّ يراد أنّ التنشف بالثوب إذا لم يعلم بإصابة الجنابة له لا بأس به إذا كانت يابسة ، بمعنى عدم العلم بها لكونها يابسة ، واليبس حينئذ هو سبب عدم العلم ، بخلاف ما إذا كانت رطبة ، فإنّها تتحقق.
غير تام ؛ لأنّ عدم العلم بإصابة النجاسة يقتضي جواز التنشف به ، والرطوبة المذكورة إنّ كانت تعلم قبل التنشف فلا فرق ، وإنّ كانت بعد فكذلك ، إلاّ أنّ يحصل العلم بإصابتها ، ومع اليبوسة على تقدير علمها كذلك.
اللهم إلاّ أنّ يقال : على تقدير اليبوسة إذا وقع التنشف بالثوب وبقيت اليبوسة فالعلم حاصل بعدم الإصابة ، بخلافه مع الرطوبة ؛ لاحتمال الإصابة من حيث الاشتراك في الرطوبة. وأظنّ أنّ هذا الوجه لا يخلو من وجاهة ، غير أنّه يقتضي حمل الخبر على الاستحباب ، من حيث إن مجرّد الاحتمال لا يحكم بالتنجيس به ، فليتأمّل.
قوله :
باب بول الخشاف
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن موسى بن عمر ، عن يحيى بن عمر ، عن داود الرقّي قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن بول الخشاف(١) ، يصيب ثوبي فأطلبه ولا أجده ، قال : « اغسل ثوبك ».
فأما ما رواه أحمد بن محمد ، عن محمد بن يحيى ، عن غياث ،
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٨٨ / ٦٥٨ : الخشاشيف.
عن جعفر ، عن أبيهعليهماالسلام قال : « لا بأس بدم البراغيث والبقّ ، وبول الخشاشيف ».
فالوجه في هذه الرواية أنّ نحملها على ضرب من التقية ؛ لأنّها مخالفة لأُصول المذهب ، لأنّا قد بيّنا أنّ كل ما لا يؤكل لحمه لا تجوز الصلاة في بوله ، والخشّاف ممّا لا يؤكل لحمه ، فلا تجوز الصلاة في بوله. والرواية الاولى تؤكّد هذه الأُصول بصريحها.
السند :
في الأوّل : فيه موسى بن عمر ، وهو مشترك(١) بين ثقة ومهملين.
ويحيى بن عمر مجهول.
أمّا داود الرقّي : ففيه كلام ؛ لأنّ النجاشي ضعّفه(٢) ، والشيخ وثّقه(٣) ، لكن لا يخفى بعد ما كرّرنا القول فيه حقيقة الحال ، غير أنّ في إرشاد المفيد : أنّه من خاصة أبي الحسن موسىعليهالسلام وثقاته(٤) . والصدوق في طريق الفقيه قال : روي عن الصادقعليهالسلام أنّه قال : « انزلوا داود الرقي منّي بمنزلة المقداد من رسول اللهصلىاللهعليهوآله »(٥) إلاّ أنّ قوله : وروى. يشعر بعدم الثبوت ، ويمكن أنّ يقال : إنّ الصدوق يستعمل هذه اللفظة في كتابه مع ضمانة صحة ما فيه ، إلاّ أنّ يقال : إنّ ما في الطرق خارج عن الكتاب.
ومن هنا يعلم أنّ ما اعترض به جدّيقدسسره على العلاّمة في قوله
__________________
(١) هداية المحدثين : ٢٦٢.
(٢) رجال النجاشي : ١٥٦ / ٤١٠.
(٣) رجال الطوسي : ٣٤٩ / ١.
(٤) إرشاد المفيد ٢ : ٢٤٨.
(٥) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٩٥ بتفاوت يسير.
بعد ما نقل كلام النجاشي بأنّه ضعيف جدّاً ، وقول الشيخ إنّه ثقة : والأقوى قبول قوله ، لقول الشيخ(١) من أنّ الجرح مقدَّم ، فكيف يرجح قول الشيخ(٢) ؟ لا يخلو من وجاهة من حيث لم يتعرض العلاّمة لما نقلناه.
والحقّ أنّ للنجاشي الرجحان ، لوجود الاحتمال في عبارة الصدوق ، وكلام المفيد غير معلوم المراد من عبارته ، فإنّه كثيراً ما يوثّق من ليس له أهليّة التوثيق ، أو يقال : إنّ توثيقه متقدّم على الضعف كما في محمد بن سنان ، وفي هذا شيء قدمناه(٣) في محمد بن سنان من جهة بُعد عدم وقوف المفيد على الضعف وإطلاق التوثيق ، فليتأمّل.
والثاني : فيه محمد بن يحيى ، وهو إمّا الخثعمي ، وقد صرح الشيخ بأنّه عامي في هذا الكتاب ، وكونه ثقة صرّح به النجاشي(٤) . وإمّا الخزّاز ، وهو ثقة ، وما قد يقال : إنّ كثرة الرواية عن غياث من الخثعمي تؤيّد تعيّنه. محلّ تأمّل ؛ إذ الكثرة غير معلومة ، فإنّ التصريح بالخثعمي في الأكثر عَسِر الإثبات ، والإطلاق لا يفيد ما ذكر كما لا يخفى.
فإن قلت : قد ذكر الشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهمالسلام غياث بن إبراهيم روى عنه محمد بن يحيى الخزّاز(٥) . وظاهر هذا الكلام الاختصاص بالخزاز.
قلت : الاختصاص غير معلوم ، كما يعرف من عبارة(٦) الشيخ في
__________________
(١) الخلاصة : ٦٧ / ١.
(٢) حواشي الشهيد الثاني على الخلاصة : ١١.
(٣) راجع ص ٨٥.
(٤) رجال النجاشي : ٣٥٩ / ٩٦٣.
(٥) رجال الطوسي : ٤٨٨ / ٢.
(٦) في « فض » و « رض » : عادة.
كثير من الرجال ، ووجود الخثعمي راوياً عن غياث لا شبهة فيه في الأخبار(١) .
ومن هنا يعلم أنّ ما ذكره شيخناقدسسره في بعض فوائده على الكتاب : من أنّ الرواية معتبرة الإسناد ؛ لأنّ محمد بن يحيى الذي يروي عن غياث هو الخثمعي ، كما وقع التصريح به في عدّة روايات ، أو الخزّاز كما ورد في بعض آخر ، وكلاهما ثقة ، وأمّا غياث فهو ابن إبراهيم الأسدي ، وقد وثّقه النجاشي والعلاّمة ، لكن قال العلاّمة : إنّه كان بُترياً ، والظاهر أنّ الأصل في ذلك ما نقله الكشي ، عن حمدويه ، عن بعض أشياخه : أنه كان كذلك. لكن الجارح مجهول ، فلا يعتدّ بجرحه.
محلّ بحث ؛ لأنّ الشيخ قد صرّح بكونه بترياً كما نقلناه عنه(٢) . ولا يبعد أن يكون قول الشيخ مستنداً إلى ما قاله الكشي أيضاً ، إلاّ أنّ الجزم به غير معلوم ، ولم أقف الآن على ما نقله شيخناقدسسره عن الكشي ، فإنّ شيخنا أيّده الله في كتاب الرجال لم ينقل عن الكشي ذلك(٣) ، وفي فوائده على الكتاب ما يقتضي عدم وقوفه على ذلك ، فإنّه قال بعد ما اعترض به شيخناقدسسره : فيه أنّ الشيخ في رجاله حكم بكونه بُتريا ، ورواية الكشي على ما نقله يعني شيخنا إنّ لم تؤيّد ذلك وتقوّيه فلا تقدح فيه. انتهى.
__________________
(١) الكافي ٤ : ٦٩ / ١ ، التهذيب ٦ : ٢٥٦ / ٦٧١ ، الوسائل ١٠ : ٣١٩ أبواب أحكام شهر رمضان ب ١٩ ح ١.
(٢) رجال الطوسي : ١٣٢ / ١.
(٣) منهج المقال : ٢٥٧.
المتن :
في الأوّل : كما ترى يدل على غَسل الثوب من بول الخشاشيف.
والثاني : على نفي البأس ، فالحمل على الاستحباب ممكن في الجمع.
وما قاله الشيخ : من أنّه قد بيّن أنّ كل ما لا يؤكل لحمه لا تجوز الصلاة في بوله. محل كلام ، فإنّه إنّ استند في هذه الكلية إلى ما رواه في الحسن عن عبد الله بن سنان قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه »(١) . ففيه : أنّها معارضة بما رواه في التهذيب عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن جميل بن دراج ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « كل شيء يطير فلا بأس بخرئه وبوله »(٢) .
وإنّ استند إلى موثقة ابن بكير الدالة على أنّ كل شيء لا يؤكل لحمه فلا يصلّي في شيء منه(٣) . ففيه : أنّ عدم الصلاة فيه أعم من النجاسة ، على أنّ المنقول عن الشيخ في المبسوط : أنّ أبوال الطيور كلّها طاهرة ، أُكِل لحمها أم لم يُؤكل ، إلاّ الخشّاف(٤) . فالكليّة المذكورة غير سليمة عنده.
إلاّ أنّ يقال : إنّ الكلية إذا ثبتت يخرج منها ما خرج بالدليل ، فيبقى الباقي ومنه الخشاف. وفيه : أنّ مع تعارض الأخبار في الخشاف لا يتحقق
__________________
(١) التهذيب ١ : ٢٦٤ / ٧٧٠ ، الوسائل ٣ : ٤٠٥ أبواب النجاسات ب ٨ ح ٢.
(٢) التهذيب ١ : ٢٦٦ / ٧٧٩ ، الوسائل ٣ : ٤١٢ أبواب النجاسات ب ١٠ ح ١.
(٣) التهذيب ٢ : ٢٠٩ / ٨١٨ ، الوسائل ٤ : ٣٤٥ أبواب لباس المصلي ب ٢ ح ١.
(٤) حكاه عنه في المختلف ١ : ٢٩٨ ، وهو في المبسوط ١ : ٣٩.
الحكم بخروجه كما لا يخفى.
والعجب من ادعاء العلاّمة(١) والمحقّق إجماع علماء الإسلام على نجاسة بول وروث ما لا يؤكل لحمه(٢) ، مع أنّ فضلة الطير الخلاف فيها منقول. ولعل الوجه في عدم استثناء الطير أنّ مرادهما في غيره ، بقرينة ذكر خلاف بعض العامة بعد نقل الإجماع في طهارة أبوال البهائم ، ونقل قول الشيخ في المبسوط.
والصدوق في الفقيه ظاهره القول بالطهارة ، لأنّه قال : ولا بأس بخرء ما طار وبوله(٣) . وينقل عن ابن أبي عقيل نحو ذلك(٤) . ويحتمل أنّ يكون الإجماع لا يضرّ فيه مثل هذا ، لمعلوميّة النسب كما احتمله الوالدقدسسره (٥) . وفيه من البُعد ما لا يخفى.
ثم إنّ المحقق احتج على مساواة الطير لغيره مع الإجماع بأنّ : ما دل على نجاسة العذرة ممّا لا يؤكل لحمه يتناوله ، لأنّ الخرء والعذرة مترادفان. قال : و ( الاستناد إلى )(٦) رواية أبي بصير وإنّ كانت حسنة إلاّ أنّ العامل بها من الأصحاب قليل(٧) .
واعترض الوالدقدسسره على الاحتجاج : بأنّ الإجماع إنّ ثبت فهو الحجة على الطير وغيره ، وإنّ خصّ بغير الطير فأين الأدلّة العامة على
__________________
(١) المنتهى ١ : ١٥٩ ، ١٦٠.
(٢) المعتبر ١ : ٤١٠.
(٣) الفقيه ١ : ٤١.
(٤) حكاه عنه في المختلف ١ : ٢٩٨.
(٥) معالم الفقه : ١٩٧.
(٦) ما بين القوسين ليس في المصدر.
(٧) المعتبر ١ : ٤١١.
نجاسة العذرة ممّا لا يؤكل لحمه؟ والحال أنّا لم نقف إلاّ على حسنة ابن سنان ، وهي واردة في البول ، ولم يذكرها هو يعني المحقق في بحثه ، بل اقتصر على الإجماع ، فلا ندري لفظ العذرة أين وقع معلّقاً عليه الحكم ، ليضطر إلى بيان مرادفة الخرء له؟ ثم تعجّب من المحقق(١) .
وفي نظري القاصر أنّ كلام الوالدقدسسره على الإطلاق محل تعجّب ؛ فإنّ العذرة قد وقع الحكم معلقاً بها في بعض الأخبار ، وقد نقلهقدسسره قريب هذا المبحث ، وهو صحيح موسى بن القاسم ، عن علي بن محمد قال : سألته عن الفأرة والدجاجة والحمام وأشباهها ، تطأ العذرة ثم تطأ الثوب(٢) (٣) . ( وغير ذلك من أخبار ذكرتها في حاشية الروضة ، وإذا تحقق تعليق الحكم على العذرة وكانت مرادفة للخرء أمكن إثبات المطلوب. ويمكن إثبات المرادفة بما قدّمناه عن القاموس )(٤) من أنّها أردأ ما يخرج من الطعام ، فإنّه شامل للطير وغيره(٥) .
وما قاله شيخناقدسسره في الاعتراض على المحقق أيضاً ـ : من أنّ العذرة ليست مرادفة للخرء ، بل الظاهر اختصاصها بفضلة الإنسان ، كما دل عليه العرف ونص أهل اللغة ، قال الجوهري(٦) : العذرة أصلها فناء الدار ،
__________________
(١) معالم الفقه : ١٩٧ بتفاوت يسير.
(٢) التهذيب ١ : ٤٢٤ / ١٣٤٧ ، قرب الإسناد : ٨٩ ، الوسائل ٣ : ٤٦٧ أبواب النجاسات ب ٣٧ ح ٣.
(٣) معالم الفقه : ١٩٦.
(٤) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٥) القاموس المحيط ٢ : ٨٩.
(٦) في « فض » : الهروي.
وسميت عذرة الناس بها لأنّها كانت تلقى في الأفنية(١) (٢) ففي نظري القاصر : أنّه لا يخلو من تأمّل :
أمّا أولاً : فلوجود بعض الأخبار الدالة على إطلاقها على غير الإنسان ، ففي صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يصلّي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنّور أو كلب(٣) .
اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ العذرة هنا مقيّدة ، ويجوز التجوّز بقرينة ، والمدعى الإطلاق.
وفيه : أنّ الأصل في الإطلاق الحقيقة ، إلاّ أنّ تسبق الحقيقة بشيء ثم يستعمل اللفظ في غيره ، فيكون أعم من الحقيقة والمجاز ، كما حققناه في الأُصول ، وفيما نحن فيه لم نعلم أنّ الأصل هو عذرة الإنسان ليكون في غيرها مجازاً ، لأنّه خير من الاشتراك ، فليتأمّل.
وأمّا ثانياً : فلأنّ كلام الجوهري(٤) يعارضه كلام القاموس ، والجمع ممكن ، بأنّ يراد أصل استعمال العذرة فيما ذكر ، ثم صارت تطلق على الجميع.
أمّا ما قد يقال : إنّ العذرة في الرواية قد استعملت في عذرة الإنسان وهي حقيقة ، فلو كانت مجازاً في غيره لكان استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، وهو غير جائز.
ففيه : أنّ اللفظ لم يستعمل في حقيقته ومجازه ، بل هنا ألفاظ مقدّرة
__________________
(١) الصحاح ٢ : ٧٣٨ ( عذر ).
(٢) مدارك الأحكام ٢ : ٢٦٠ ، بتفاوت يسير.
(٣) الكافي ٣ : ٤٠٦ / ١١ ، التهذيب ٢ : ٣٥٩ / ١٤٨٧ ، الإستبصار ١ : ١٨٠ / ٦٣٠ ، الوسائل ٣ : ٤٧٥ أبواب النجاسات ب ٤٠ ح ٥.
(٤) في « فض » : الهروي.
يراد بكل واحد معنى ، فكان التقدير عذرة من إنسان أو عذرة من سنّور.
اللهم إلاّ أنّ يقال : بأنّ المعطوف في قوة إعادة المعطوف عليه. وفيه بحث ، إلاّ أنّ الأمر سهل ، على أنّ استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه على سبيل المجاز لا مانع منه.
وإذا علمت مجمل الأمر فالذي يمكن أنّ يقال : إنّ أصالة الطهارة لا يخرج عنها إلاّ بالأدلّة الخالية من المعارض ، والأخبار كما ترى(١) ، وكذلك كلام أهل اللغة(٢) . وإطلاق الأخبار في العذرة ربما يقال : إنه ينصرف إلى الفرد الشائع ، ومقيدها ليس فيه تصريح بالطير. على أن الروايتين في الخشاف قد علمت حال إسناديهما ، واختصاصهما بالبول ظاهر ، وعدم القائل بالفرق عَسِر التحقيق ، فالخروج عن الأصل لا يخلو من إشكال.
أمّا ما قاله العلاّمة في المختلف ـ بعد نقله عن الشيخ في المبسوط طهارة ذرق الطيور وبولها إلاّ الخشّاف ، وعن ابن أبي عقيل الإطلاق في الطهارة ، وكذلك عن ابن بابويه ـ : والمشهور نجاسة [ رجيع(٣) ] ما لا يؤكل لحمه من الطيور وغيرها ، وهو المعتمد ، لنا ما رواه الشيخ في الحسن عن عبد الله بن سنان(٤) وذكر الرواية ولأنّ الذمّة مشغولة بالصلاة قطعاً ، ولا تبرأ بأدائها قطعاً مع ملاقاة الثوب والبدن لهذه الأبوال ، فتبقى في عهدة التكليف(٥) .
ففي نظري القاصر أنّه محلّ تأمّل ؛ لأنّ شغل الذمّة بيقين لو توقّف
__________________
(١) راجع ص ٩٢٤ ، ٩٢٦.
(٢) راجع ص ٩٢٨.
(٣) في النسخ : جميع ، وما أثبتناه من المصدر.
(٤) التهذيب ١ : ٢٦٤ / ٧٧٠ ، الوسائل ٣ : ٤٠٥ أبواب النجاسات ب ٨ ح ٢.
(٥) المختلف ١ : ٢٩٩.
على اليقين لم يمكن العمل بشيء من الظنون الشرعية ، والحال أنّه لا يقول به ، بل كثيراً ما يعترض على الشيخ في الكتاب حيث ينقل عنه الاستدلال بمثل ما قاله : بأنّ اليقين يزول بما أعدّه الشارع ، فكيف هنا يستدلّ بضدّ ما أجاب عنه؟!.
على أنّ العبادة بعد وقوعها في الثوب الذي حصل فيه شيء من المذكورات(١) لا يعلم بقاؤها في الذمّة بيقين ، كما يصرح به العلاّمة في المختلف(٢) ، وسيأتي في موضع من الكتاب إنّ شاء الله.
اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ المكلف قبل الصلاة لا يسوغ له فعلها في الثوب المتصل بشيء من المذكور للدليل ، فإذا فعلت لم تكن مجزئة ، فلا تتحقق البراءة. وفيه ما لا يخفى.
والحق أنّ اعتبار اليقين لا وجه له.
وما ذكره العلاّمة أيضاً بعد نقل احتجاج الشيخ في المبسوط برواية أبي بصير السالفة من أنّها مخصوصة بغير الخشاف إجماعاً ، فتختصّ بما شاركه في العلّة وهو عدم كونه مأكولا(٣) غريب ، فإنّ العلّة غير منصوصة على تقدير ثبوت الإجماع ، والحال أنّ الخلاف أظهر من الشمس.
وأغرب من ذلك جوابه عن استدلال الشيخ أيضاً بأصالة الطهارة بأن الأصل يعارض بالاحتياط(٤) ، فإنّه قد تكلم في الكتاب على الشيخ في دليل الاحتياط بما لا يحصى كثرة.
وبالجملة فالاضطراب في كلام العلاّمة في هذا المقام وأشباهه يوجب زيادة التعجّب ، والله تعالى وليّ التوفيق.
__________________
(١) في « د » و « فض » : المذكور.
(٢) المختلف ٢ : ١٠٢.
(٣) المختلف ١ : ٢٩٩.
(٤) المختلف ١ : ٢٩٩.
قوله :
باب الخمر يصيب الثوب والنبيذ المسكر
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « لا تصلّ في بيت فيه خمر ولا(١) مسكر ، لأنّ الملائكة لا تدخله ، ولا تصلّ في ثوب أصابه خمراً أو مسكر حتى تغسل ».
وأخبرني الشيخرحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد ابن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن بعض من رواه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله إن عرفت موضعه ، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه ، فإنّ صلّيت فيه فأعد صلاتك ».
وبهذا الإسناد عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن خيران الخادم ، قال : كتبت إلى الرجل أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير ، ( أُصلّي )(٢) فيه أو لا؟ فإنّ أصحابنا قد اختلفوا فيه ، فكتب : « لا تصلّ (٣) فيه ، فإنّه رجس ».
__________________
(١) ليست في « فض ».
(٢) في الاستبصار ١ : ١٨٩ / ٦٦٢ ، والتهذيب ١ : ٢٧٩ / ٨١٩ : أيصلّى.
(٣) في الاستبصار ١ : ١٨٩ / ٦٦٢ : لا يصلّى.
السند :
في الأوّل : موثّق على ما تقدم(١) .
والثاني : فيه مع الإرسال رواية محمد بن عيسى عن يونس ، وقد قدمنا القول فيه مفصلاً(٢) .
والثالث : فيه سهل بن زياد ، أمّا خيران فقد وثّقه الشيخ في رجال أبي الحسن الثالثعليهالسلام (٣) .
المتن :
في الأوّل : ظاهر الدلالة على أنّه لا يصلّى في ثوب أصابه الخمر والمسكر حتى يغسل ، وهو أعم من النجاسة ، بل ربما كان احتمال عدمها له ظهور بعد قوله : « ولا مسكر » لأنّ المسكر يتناول الطاهر منه ، كالحشيشة إذا عرض لها الميعان ، إلاّ أنّ يقال : إنّ المراد بالمسكر النبيذ ، كما يدل عليه الثاني.
ودلالة الثاني أيضاً كذلك ، فالدلالة منه غير مفيدة.
والثالث : ربما دل على النجاسة ، لأنّ اقتران الخمر مع لحم الخنزير في السؤال ليس المراد به الاجتماع ، إذ لا معنى لاختلاف الأصحاب في ذلك ، بل المراد كل واحد منهما ، وقولهعليهالسلام في الجواب : « إنّه رجس » يشعر بالنجاسة ، وإنّ كان فيه ما فيه ، كما تعلمه في معنى الرجس إنّ شاء الله تعالى.
__________________
(١) من جهة أحمد بن الحسن بن علي وعمار الساباطي ، راجع ص ١٢٠ و ٢٧٥.
(٢) راجع ص ٥٤.
(٣) رجال الطوسي : ٤١٤ / ١.
ويحكى عن السيّد المرتضى أنّه قال : لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلاّ ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم(١) ، وعن الشيخ أيضاً أنّه قال : الخمر نجسة بلا خلاف(٢) .
وعبارة الصدوق في المقنع والفقيه : لا بأس بالصلاة في ثوب أصابه خمر ، لأنّ الله حرّم شربها ، ولم يحرّم الصلاة في ثوب أصابته(٣) . وظاهر هذه العبارة الطهارة ، واحتمال إرادة جواز الصلاة مع النجاسة بعيد ، لكنه في حيّز الإمكان.
وعبارة ابن أبي عقيل على ما يحكى عنه أصرح ، فإنّه قال : من أصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غَسلهما ؛ لأنّ الله تعالى إنما حرّمهما تعبّداً ، لا لأنّهما نجسان(٤) .
وفي الذكرى نسب إلى الجعفي مشاركة المذكورين ، واستدل أيضاً مع الأخبار المذكورة بأخبار تشاركها في عدم سلامة السند أو عدم الصراحة(٥) ، كما سيأتي إنّ شاء الله تعالى ذكرها.
وما قاله بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ : من أنّ الخبر الأوّل كالصريح في النجاسة(٦) . هو أعلم بوجهه. وقوله : إنّ جريان النهيين فيه على وتيرة واحدة غير لازم. مسلّم ، لو ثبت نجاسة الخمر من خارج.
__________________
(١) حكاه عنه في المختلف ١ : ٣١١ ، وهو في الناصريات ( الجوامع الفقهية ) : ١٨١.
(٢) المبسوط ١ : ٣٦ ، وحكاه عنه في المختلف ١ : ٣١١.
(٣) المقنع : ٢٥ بتفاوت يسير ، والفقيه ١ : ٤٣.
(٤) المختلف ١ : ٣١٠.
(٥) الذكرى : ١٣.
(٦) البهائي في الحبل المتين : ١٠٢ بتفاوت يسير.
أمّا قوله : إنّ النهي الأوّل محمول على التحريم عند الصدوق ، فعدم الجريان على وتيرة واحدة حاصل على قوله بجواز الصلاة في ثوب أصابه الخمر.
ففيه أوّلاً : أنّ الصدوق يستعمل عدم الجواز في الكراهة وغيرها ، فالجزم بأنه قائل بتحريم الصلاة في بيت فيه الخمر مشكل.
على أنّ الخبر المذكور غير معلوم أنّه يعمل به ، فلا يلزمه المحذور ، وقد صرّح في الفقيه : بأنه لا يجوز الصلاة في بيت فيه خمر محصور في آنية(١) . والظاهر منه الاختصاص ، فالخبر لو عمل به له أنّ يحمله على الكراهة في مطلق وجود الخمر في البيت ، ويكون قرينة على الاستحباب في غَسل الثوب. ولو حمل على المقيد الذي استند إليه ، فحمل كلامه على ظاهره من التحريم غير لازم ، بل يكون قوله في الخمر قرينة على إرادة الكراهة من عدم الجواز ، وذلك غير عزيز في كلامه كما يعرف بالمراجعة.
قوله :
فأما ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي بكر الحضرمي قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : أصاب ثوبي نبيذ أُصلّي فيه؟ قال : « نعم » قلت له : قطرة من نبيذ قطرت في حبّ أشرب منه؟ قال : « نعم ، إنّ أصل النبيذ حلال ، وإنّ أصل الخمر حرام ».
عنه ، عن ( أحمد عن البرقي )(٢) ، عن محمد بن أبي عمير ، عن
__________________
(١) الفقيه ١ : ١٥٩.
(٢) كذا في النسخ ، وفي الاستبصار ١ : ١٨٩ / ٦٦٤ : أحمد البرقي ، وفي التهذيب ١ : ٢٨٠ / ٨٢٢ : أحمد عن أبي عبد الله البرقي.
الحسن بن أبي سارة قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : إذا أصاب ثوبي شيء من الخمر ، أُصلّي فيه قبل أنّ أغسله؟ قال : « لا بأس ، إنّ الثوب لا يسكر ».
وروى سعد ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن عبد الله بن بكير قال : سأل رجل أبا عبد اللهعليهالسلام وأنا عنده عن المسكر والنبيذ يصيب الثوب ، قال : « لا بأس ».
وبهذا الإسناد عن عبد الله بن بكير ، عن صالح بن سيابة ، عن الحسن بن أبي سارة قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : إنّا نخالط اليهود والنصارى والمجوس ، وندخل عليهم وهم يأكلون ويشربون ، فيمرّ ساقيهم فيصبّ على ثيابي الخمر ، قال : « لا بأس ، إلاّ أنّ تشتهي تغسله »(١) .
سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسن(٢) ، عن أيوب بن نوح ، عن صفوان ، عن حماد بن عثمان ، قال حدّثني الحسن(٣) بن موسى الحنّاط قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يشرب الخمر ، ثم يمجّه من فيه فيصيب ثوبي؟ قال(٤) : « لا بأس ».
فالوجه في هذه الأخبار كلّها : أنّ نحملها على ضرب من التقية ، لأنّها موافقة ( لمذهب كثير )(٥) من العامّة.
وإنّما قلنا ذلك لأنّ الأخبار الأوّلة مطابقة لظاهر القرآن ، قال الله
__________________
(١) في التهذيب ١ : ٢٨٠ / ٨٢٤ : لا بأس به ، إلاّ أنّ تشتهي أنّ تغسله لأثره.
(٢) في النسخ : الحسين ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ١٩٠ / ٦٦٧.
(٣) كذا في النسخ ، وفي الاستبصار ١ : ١٩٠ / ٦٦٧ : الحسين.
(٤) في الاستبصار ١ : ١٩٠ / ٦٦٧ : فقال.
(٥) في الاستبصار ١ : ١٩٠ : لمذاهب كثيرة.
تعالى ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ ) (١) فحكم على الخمر بالرجاسة ، وقد روي عنهم : أنّهم قالوا : « إذا جاءكم عنّا حديثان فأعرضوهما على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالفه فاطرحوه » (٢) وهذه الأخبار مخالفة لظاهر القرآن ، فينبغي أنّ يكون العمل على غيرها.
السند :
في الأوّل : فيه أبو بكر الحضرمي ، وهو غير معلوم الحال من توثيق أو مدح. أمّا قول شيخناقدسسره : إنّه غير معلوم الإيمان. فلا وجه له.
والثاني : كما ترى فيه أحمد عن البرقي ، وفي التهذيب عنه عن البرقي(٣) وهو الصواب ؛ لأنّ أحمد الراوي عن البرقي والراوي عنه أحمد بن محمد تبن عيسى مستغرب. واحتمال كون أحمد هو ابن محمد البرقي ، والبرقي هو الأب بعيد. نعم في بعض النسخ عن أحمد البرقي ، وما في التهذيب هو الأوضح.
والحسن بن أبي سارة لم يوثقه سوى العلاّمة في الخلاصة(٤) . وفي النجاشي في ترجمة محمد بن الحسن بن أبي سارة ما قد يستفاد التوثيق ، لأنّه قال : محمد بن الحسن بن أبي سارة أبو جعفر مولى الأنصار ، يعرف بالرواسي ، أصله كوفي سكن هو وأبوه قَبله النيل ، روى هو وأبوه عن أبي
__________________
(١) المائدة : ٩٠.
(٢) الوسائل ٢٧ : ١١٨ ، أبواب صفات القاضي ب ٩ ح ٢٩.
(٣) التهذيب ١ : ٢٨٠ / ٨٢٢.
(٤) الخلاصة : ٤٤ / ٤٨.
جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام ، وابن عم محمد بن الحسن معاذ بن مسلم بن أبي سارة ، وهم أهل بيت فضل وأدب ، وعلى معاذ ومحمد فقِه الكسائي علم العرب ، والكسائي والفرّاء يحكون عنه كثيراً : قال أبو جعفر الرواسي ومحمد بن الحسن ، وهم ثقات لا يطعن عليهم بشيء ، ولمحمّد هذا كتاب.(١) .
ووجه استفادة التوثيق من قوله : وهم ثقات. فإنّ الظاهر كونه من النجاشي ، ولا يبعد أنّ يستفاد منه توثيق معاذ بن مسلم أيضاً ، فالعلاّمة في الخلاصة وثّقه(٢) ، والظاهر أنّ المأخذ هذا ، ولم يتعرض شيخنا أيّده الله في كتاب الرجال لذلك ، وهو غريب.
فإنّ قلت : قول النجاشي : قال أبو جعفر الرواسي ومحمد بن الحسن. ما المراد به؟
قلت : الذي أفهمه أنّ المقصود به بيان كيفية ما يحكون عنه أعني الكسائي والفراء في كتبهم ، فيقولون : قال أبو جعفر الرواسي تارةً ، وقال محمد بن الحسن اخرى.
أمّا احتمال أنّ يكون قوله : قال أبو جعفر. حكاية عن بعض مصنّفي كتب الرجال ، ومقول القول : وهم ثقات ، فلا يفيد التوثيق ، لجهالة أبي جعفر.
فيدفعه أوّلاً : أنّ ( النجاشي صرّح بأنّ الرواسي محمد بن )(٣) الحسن ، فلو رجع الرواسي ، إلى أبي جعفر بقي قوله : ومحمد بن الحسن لا معنى له.
__________________
(١) رجال النجاشي : ٣٢٤ / ٨٨٣ بتفاوت يسير.
(٢) الخلاصة : ١٧١ / ١٢.
(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».
فإنّ قلت : يحتمل أنّ يكون المقصود ذكر ما قاله أبو جعفر الرواسي من ضميمة محمد بن الحسن إلى الكسائي والفراء ، أي : ومحمد بن الحسن يحكي في كتابه أيضاً كالكسائي والفراء.
قلت : هذا لا وجه له عند التأمّل ( في كنه العبارة )(١) .
( وأمّا ثانياً ) (٢) : فلأنّ العبارة من النجاشي لا يحتمل هذا التعقيد ، كما يعرف من ملاحظة كتابه.
فإنّ قلت : في بعض نسخ النجاشي : قال أبو جعفر الرواسي محمد بن الحسن. بغير واو ، وهذا ربما يدل ظاهراً على أنّ أبا جعفر من مصنّفي الرجال. ولا يبعد كونه ابن بابويه ، ومقول قوله : إنّ الرواسي محمد بن الحسن على معنى أنّ هذا لقبه ، وحينئذ يحتمل أنّ يكون التوثيق من مقولة ، وحيث لا يتعين كونه ابن بابويه لا يحكم بالتوثيق.
قلت : هذه النسخة بتقدير صحتها لا تنافي ما ذكرناه ؛ لاحتمال أن يكون ما يحكي في كتبهم بهذه الصورة : قال أبو جعفر الرواسي محمد بن الحسن. ويؤيّده أنّ الشيخ ( في كتاب الرجال قال : محمد بن الحسن )(٣) أبو جعفر الرواسي(٤) . وما ذكرته من احتمال كونه ابن بابويه في غاية البعد ، كاحتمال غيره أيضاً ، فليتأمّل جميع ما ذكرناه.
والثالث : موثّق كما قدمناه(٥) .
والرابع : فيه صالح بن سيابة ، وهو مجهول الحال ، لعدم ذكره في
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٣) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٤) رجال الطوسي : ٢٨٤ / ٦٢.
(٥) من جهة الحسن بن علي بن فضال وعبد الله بن بكير راجع ص ٨٩.
الرجال على ما وجدت.
والخامس : فيه الحسن بن موسى الحناط(١) ، وهو مذكور في الرجال مهملاً(٢) .
المتن :
في الأوّل : مجمل في الخمر ، بل دلالته على طهارة النبيذ لها ظهور ، أمّا ما تضمّنه من شرب الماء في الحبّ إذا وقع فيه النبيذ فلا يخلو من إشكال ، اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ تفرّق الأجزاء في الماء يزيل التحريم. وفيه ما لا يخفى ، وعدم صحة الحديث يسهل الخطب.
وربما يحتمل أنّ يراد بالنبيذ الماء الذي يوضع فيه التمر ، كما مضى في أوّل الكتاب(٣) . إلاّ أنّ التعليل فيه بعيد الظهور حينئذٍ.
وقد يظنّ أنّ المعنى في التعليل على تقدير إرادة النبيذ حقيقة يمكن بيانه : بأنّ الوجه في طهارة النبيذ أنّ أصله من التمر ، وعصير التمر ليس مثل عصير العنب ، فقوله : « وإنّما أصل الخمر حرام » يريد به على احتمال أنّ أصله من العصير ، وهو حرام إذا غلا واشتدّ بخلاف النبيذ.
لكن لا يخفى أنّ الحكم بطهارة النبيذ الحقيقي ، وجواز شرب الماء الواقع فيه مثل الحُبّ واضح الإشكال ، إلاّ أنّ الخبر لو صحّ أمكن الالتزام ، مع عدم تحقق الإجماع المنافي له.
ولعلّ الوجه في ذكر الشيخ له ظنّ المنافاة في النبيذ ، وإلاّ فهو في
__________________
(١) في « فض » : الخيّاط.
(٢) رجال الطوسي : ١٦٨ / ٤١.
(٣) راجع ص : ٩٨.
الخمر مجمل ، فيحتمل أنّ يكون التعليل لعدم المنع من شرب الماء إذا وقع فيه نبيذ ، لا إذا وقع خمر. والنجاسة حينئذٍ مسكوت عنها.
ويحتمل أنّ يكون الحكم من جهة النجاسة ، فليتأمل.
والثاني : ظاهر في طهارة الخمر.
والثالث : ظاهرة الحكم في إصابة الثوب ، إلاّ أنّه يستبعد السؤال عن ذلك ، فالظاهر أنّ السؤال من حيث الصلاة.
والرابع : لا يخلو من غرابة ؛ لأنّ الخمر بتقدير طهارتها الذاتية لا تنتفي نجاستها العارضية ، والخبر كما ترى ينفي الأمرين. إلاّ أنّ يقال : بطهارة أهل الكتاب حتى المجوس ، أو عدم العلم بالمباشرة كافٍ في الطهارة.
والخامس : قد يدل على أنّه لا بأس بإصابة الخمر لا الطهارة ( إلاّ أنّ يقال كما قيل في الرابع ، واحتمال كون الطهارة من حيث عدم العلم ببقائه في الفم بعيد ، فإنّ الظاهر )(١) من السؤال تحقق كونه خمراً.
إذا عرفت هذا ، فما قاله الشيخ : من الحمل على التقية من حيث موافقته لمذهب كثير من العامة. محلّ تأمّل في الجميع ، كما يعرف ممّا قرّرناه.
مضافاً إلى ما ينقل عن السيّد : من إجماع المسلمين ، إلاّ من شذّ من العامة(٢) .
وقوله : إنّ الأخبار الأوّلة مطابقة لظاهر القرآن. يتوجه عليه أنّه مبني
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٢) حكاه عنه في المختلف ١ : ٣١١ ، وهو في الناصريات ( الجوامع الفقهية ) : ١٨١.
على أنّ الرجس هو النجس ، والمستفاد من اللغة أنّ له معاني غير النجس(١) .
ويمكن الجواب : بأنّ ظاهر كلامه في التهذيب أنّ الرجس هو النجس بالإجماع(٢) . وهذا الكلام وإنّ أمكن الدخل فيه في نظري القاصر بأنّ الإجماع على كون الرجس هو النجس إنّ أراد به الرجس في الآية فالخلاف الواقع في الخمر ينافي ذلك ، وإنّ أُريد أنّ الرجس يستعمل بمعنى النجس إجماعاً فغير نافع كما لا يخفى.
فإنّ قلت : الإجماع لا يضرّ به مخالفة معلومي النسب.
قلت : إذا لم يضرّ لا حاجة إلى تكلّف القول في الآية ، بل الإجماع على نجاسة الخمر كافٍ ، والرجس إذا جاز استعماله في النجس كفى أيضاً وإنّ لم يكن ( بالإجماع.
ومن هنا يعلم أنّ ما ذكره بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله من أن الرجس وإنّ كان )(٣) يطلق على غير النجس أيضاً ، إلاّ أنّ الشيخ في التهذيب نقل الإجماع على أنّه هنا بمعنى النجس ، ويؤيّده مكاتبة خيران الخادم ، وذكر الرواية السابقة المتضمنة لأنّه رجس ـ إلى أنّ قال ـ : وحينئذ فإمّا أنّ يكون خبر بقيّة المتعاطفات في الآية محذوفاً ، أو يكون « رجس » هو الخبر عن الكل من قبيل عموم المشترك أو عموم المجاز(٤) . انتهى. [ محل تأمل(٥) ].
__________________
(١) انظر ص ٩٤٠.
(٢) التهذيب ١ : ٢٧٨.
(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٤) البهائي في الحبل المتين : ١٠٢.
(٥) ما بين المعقوفين أثبتناه لاستقامة المعنى.
ووجه التأمّل :أمّا أولاً : فلما قدّمناه من جهة الإجماع.
وأمّا ثانياً : فلأنّ الخبر المذكور تأييده لقول الشيخ غير واضح ؛ ( لأنّ إرادة النجس من الخبر إنّما هو بقرينة ذكر لحم الخنزير معه ، والكلام فيه حينئذ كالآية إشكالاً وجواباً ، على أنّ الخبر )(١) محتمل لأنّ يكون قوله : الخمر أو لحم الخنزير ، على سبيل الشك من الراوي ، مع احتمال إرادة أحدهما ، والقرينة موجودة حينئذ.
وأمّا ثالثاً : فلأنّ الإجماع إذا وقع على أنّ الرجس في الآية بمعنى النجس كيف يتم ( عموم المشترك أو )(٢) عموم المجاز ، فليتأمّل.
والعجب من قوله سلّمه الله أخيراً : والحقّ أنّ الأحاديث المؤذنة بالنجاسة أكثر ، والضعيف منها منجبر بالشهرة وعمل جماهير الأصحاب ، هذا إنّ تنزّلنا ولم نقل بدلالة كلام السيّد والشيخ قدّس الله سرّهما على الإجماع ، وأمّا إذا قلنا بذلك كما فهمه العلاّمة طاب ثراه من كلاميهما ، وشيخنا في الذكرى من كلام السيّد فلا بحث(٣) . انتهى.
ووجه التعجب : أنّ كلام الشيخ في التهذيب كما ذكره صريح في الإجماع ، فأيّ حاجة إلى فهم العلاّمة والشهيدرحمهالله هذا؟!.
وفي المختلف ذكر في الاستدلال للنجاسة وجوهاً ،أحدها : الإجماع على ذلك ، ونقل قول السيّد والشيخ في الخمر ، قال : وكل مسكر عندنا حكمه حكم الخمر ، وألحق أصحابنا الفقّاع بذلك ، وقول السيد المرتضى والشيخ حجّة(٤) ، فإنّه إجماع منقول بقولهما ، وهما صادقان ، فيغلب على
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٢) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٣) الحبل المتين : ١٠٣.
(٤) في « فض » زيادة : في ذلك.
الظنّ ثبوته ، والإجماع كما يكون حجّة إذا نقل متواتراً ، فكذا إذا نقل آحاداً.
الثاني : قوله تعالى ، وذكر الآية. ثم قال : والاستدلال بها من وجهين : الأوّل : أنّ الرجس هو النجس. الثاني : قوله( فَاجْتَنِبُوهُ ) وهو يدل على اجتنابه وعدم مباشرته على الإطلاق ، ولا نعني بالنجس إلاّ ذلك ، ثم ذكر الأخبار وغيرها ممّاقدّمنا نظيره عنه : من اشتغال الذمّة بيقين فلا يزول إلاّ بيقين(١) .
وأنت إذا تأملت الحجّة ، ترى فيها تأمّلاً من وجوهٍ :
الأوّل : ما ذكره من الإجماع لا يخفى حاله ، وقد كرّرنا ذكره في هذا الكتاب(٢) ، غاية الأمر أنّ الإجماع من مثل السيّد له مزية في الجملة ، لكن الحقّ أنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد لا يخرج عن الخبر ، فالدليل على العمل بالخبر هو دليله.
وقول العلاّمة : إنّ الإجماع إذا نقل متواتراً كان حجة فكذا إذا نقل آحاداً(٣) . إنّ أراد به أنّ الإجماع إذا نقل متواتراً صار إجماعاً حقيقياً بمعنى العلم بدخول المعصوم ففيه : أنّ التواتر في نقله أعم من تواتره كما لا يخفى. وإنّ أراد أنّ نقل الإجماع مع عدم العلم بقول المعصوم بل ظن قوله ، فهو في الحقيقة خبر متواتر ، والإجماع مخبر به. فغير خفي أنّ النقل لا يصيّره إجماعاً ، بل هو خبر كما قدّمناه. وإنّ أراد أنّ النقل تواتراً على وجه يثبت به الإجماع حقيقة. ففيه : أنّ وجود مثل هذا في غاية البُعد عن الوصول إليه.
__________________
(١) المختلف ١ : ٣١١ بتفاوت يسير.
(٢) راجع ص ٤١.
(٣) المختلف ١ : ٣١١.
والحق : أنّ الإجماع المنقول من مثل السيّد لا يبعد أنّ يكون خبراً مسنداً ، أمّا الإجماع المذكور في كلام العلاّمة ونحوه فهو خبر مرسل ؛ إذ العقل قاضٍ بالتعذّر بل الامتناع في زمان من ذكرناه ، فلا بد أنّ يكون منقولاً عن غيره ، فإذا لم يبيّن الناقل كان خبراً مرسلاً ، فليتأمّل.
وأمّا ثانياً : فالآية إنّ ثبت كون الرجس فيها هو النجس كان ما ذكره أوّلاً حقاً ، وإلاّ فهو محلّ تأمّل ، لما يستفاد من كلام أهل اللغة أنّ له معاني(١) . على أنّه وقع في الآية خبراً عن الجميع بتقدير مضاف ، أي تعاطي الخمر والميسر على احتمال ، وعليه لا يستقيم إرادة النجس. واحتمال كونه خبراً عن الخمر ، وخبر المعطوفات محذوف ؛ يشكل بأن المحذوف ينبغي اتحاده معنىً مع المذكور ليكون دالاًّ عليه. وقد ينظر في هذا بأنّ الظاهر من كلام أهل العربية عدم الاشتراط ، ويحتمل ما أشرنا إليه من النقل سابقاً.
وفي بعض كلام أهل اللغة : أنّ الرجس المأثم ، أو العمل المستقذر الذي تعاف عنه العقول(٢) ، كما قاله بعض المفسرين(٣) . ومع الاحتمالات لا يتم الاستدلال بالآية ، ويمكن تكلّف الجواب عن البعض ، إلاّ أن الضرورة غير داعية ، فإنّ سلوك سبيل الاحتياط أولى.
وأمّا ثالثاً : فالاستدلال بقوله( فَاجْتَنِبُوهُ ) موقوف على تحقيق مرجع الضمير ، فقيل : إنّه راجع إلى المضاف المحذوف ، أي التعاطي وما
__________________
(١) منهم الجوهري في الصحاح ٣ : ٩٣٣ ، والفيروزآبادي في القاموس المحيط ٢ : ٢٢٦ ، وابن منظور في لسان العرب ٦ : ٩٤.
(٢) كالفيروزآبادي في القاموس المحيط ٢ : ٢٢٧.
(٣) تفسير أبي السعود ٣ : ٧٥ ، وتفسير البيضاوي ٢ : ١٦٧.
أشبهه(١) . وقيل : إلى عمل الشيطان(٢) . وقيل : إلى الرجس(٣) . والترجيح مشكل ، فالاستدلال الموقوف عليه كذلك ، والله أعلم بالحال.
اللغة :
مجّ الرجل الشراب من فيه ، إذا لفظه ورمى به(٤) .
قوله :
والذي يدل على أنّ هذه الأخبار خرجت مخرج التقية :
ما أخبرني به الشيخ رحمهالله عن جعفر بن محمد ، عن محمد بن يعقوب ، عن الحسين بن محمد ، عن عبد الله بن عامر ، عن علي بن مهزيار. ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن مهزيار. وعلي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن مهزيار قال : قرأت في كتابٍ كتبه عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن عليهالسلام : جعلت فداك ، روى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهماالسلام في الخمر يصيب الثوب (٥) ، أنّهما قالا : « لا بأس أنّ يصلى فيه إنّما حرم شربها » وروى غير زرارة عن أبي عبد الله عليهالسلام أنّه قال : « إذا أصاب ثوبك خمر
__________________
(١) قال به الزمخشري في تفسير الكشاف ١ : ٦٧٥ ، والفخر الرازي في التفسير الكبير ١٢ : ٨٠.
(٢) قال به الشيخ في التبيان ٤ : ١٨.
(٣) قال به ابن كثير في تفسيره ٢ : ١٥٤.
(٤) الصحاح ١ : ٣٤٠.
(٥) في الاستبصار ١ : ١٩١ / ٦٦٩ : الثوب والرجل ، وفي الكافي ٣ : ٤٠٧ ، والتهذيب ١ : ٢٨١ / ٨٢٦ : ثوب الرجل.
أو نبيذ يعني المسكر فاغسله إنّ عرفت موضعه ، وإنّ لم تعرف موضعه ( فاغسل الثوب )(١) كله ؛ فإنّ صلّيت فيه فأعد صلاتك » فأعلمني ما آخذ به؟ فوقّع بخطّهعليهالسلام وقرأته « خذ بقول أبي عبد اللهعليهالسلام ».
فأمره بالأخذ بقول أبي عبد اللهعليهالسلام الذي يتضمن التحريم ، والعدول عن قوله مع قول أبي جعفرعليهالسلام الذي يتضمن الإباحة. فدلّ على أنّ ذلك خرج مخرج التقية ، لأنّه لو لم يكن كذلك لكان الأخذ بقولهما معاً أولى. على أنّ الأخبار الأخيرة التي أوردناها ليس في شيء منها أنّه لا بأس بالصلاة في الثياب التي يصيبها الخمر ، وإنّما سئل عن ثوب يصيبه الخمر فقال : « لا بأس به » ويجوز أنّ يكون نفي الحظر عن لبسها والتمتع بها وإنّ لم تجز الصلاة فيها.
فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن العباس بن معروف وعبد الله بن الصلت ، عن صفوان بن يحيى ، عن إسحاق بن عمّار ، عن عبد الحميد بن أبي الديلم ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام (٢) : رجل يشرب الخمر ، فبصق ( على ثوبي )(٣) من بصاقه. فقال : « ليس بشيء ».
فهذا الخبر ليس فيه شبهة ؛ لأنّه إنّما سأله عن بصاق شارب الخمر فقال : لا بأس به ، والبصاق ليس بنجس وإنّما النجس الخمر.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٩١ / ٦٦٩ : فاغسل ، وفي الكافي ٣ : ٤٠٧ ، والتهذيب ١ : ٢٨١ / ٨٢٦ : فاغسله.
(٢) في « رض » والمصدر : عن رجل.
(٣) في التهذيب ١ : ٢٨٢ / ٨٢٧ بدل ما بين القوسين : فأصاب ثوبي.
السند :
في الأوّل : مشتمل على ثلاثة طرق(١) ، أحدها : عن الحسين بن محمد ، عن عبد الله بن عامر ، عن علي بن مهزيار. وثانيهما : عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن مهزيار. وثالثها : عن علي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن مهزيار.
والحسين بن محمّد في الأوّل هو الأشعري الثقة ، غير أنّه وقع فيه شيء ما لا بأس بالتنبيه عليه ، وهو أنّ في كتاب الشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمةعليهمالسلام : الحسين بن أحمد بن عامر الأشعري يروي عن عمّه عبد الله ابن عامر ، عن ابن أبي عمير ، روى عنه الكليني(٢) . والنجاشي قال : الحسين بن محمّد بن عمران بن أبي بكر الأشعري القمي أبو عبد الله ثقة ، له كتاب النوادر ـ إلى أنّ قال ـ : عن محمد بن يعقوب ، عن الحسين(٣) . وقال في عبد الله بن عامر بن عمران بن أبي عمر الأشعري : أبو محمّد ثقة(٤) .
وأنت إذا تأملت هذا ترى أنّ الظاهر كون أحمد سهواً في كلام الشيخ. وأمّا عامر فالصواب فيه عمران ، ولكن نسبته إلى الجد الأعلى في النجاشي وفي غيره إلى الأدنى ، وكذلك جعل النجاشي ابن أبي بكر في عمران ، وفي عمه ابن أبي عمر ، لا يخلو من غلط في أحد اللفظين ، أو أنّ كلاًّ منهما جَدّ أعلى ، هذا.
__________________
(١) في فض زيادة : عن محمد بن يعقوب.
(٢) رجال الطوسي : ٤٦٩ / ٤١.
(٣) رجال النجاشي : ٦٦ / ١٥٦.
(٤) رجال النجاشي : ٢١٨ / ٥٧٠.
والثاني : لا ارتياب فيه كالأول.
وأمّا الثالث : ففيه سهل بن زياد ، وقد تقدم فيه القول مراراً (١). وعلي بن محمد الراوي عن سهل هو المسمى بعلاّن الرازي الثقة.
والسند الثاني : فيه إسحاق بن عمار ، وقد تقدم القول فيه(٢) .
وعبد الحميد بن أبي الديلم نقل العلاّمة عن ابن الغضائري تضعيفه(٣) . والشيخ ذكره مهملا(٤) .
أمّا عبد الله بن الصلت ، فهو ثقة بلا ارتياب ، وإنّ لم يكن له مدخل في صحة(٥) الرواية.
المتن :
في الأوّل : كما ترى يدل على العمل بقول أبي عبد اللهعليهالسلام في غَسل الثوب وإعادة الصلاة ، والشيخرحمهالله جعله دالاًّ على أنّ قول الإمامينعليهماالسلام محمول على التقية ، وهو مسلّم بتقدير ثبوت التنجيس للخمر من خارج ، أمّا من نفس الخبر فالاستدلال به على النجاسة مشكل ؛ لاحتمال الاستحباب في الغَسل والإعادة ، فادّعاء بعض المحقّقين المعاصرين سلّمه الله صراحته في النجاسة(٦) محلّ تأمّل ؛ إلاّ أنّ يقال : إنّ الاستحباب خلاف الظاهر. لكن الكلام في الصراحة.
__________________
(١) راجع ص ٩٥.
(٢) راجع ص ١٤٦.
(٣) خلاصة العلاّمة : ٢٤٥ / ١٩.
(٤) رجال الطوسي : ٢٣٥ / ٢٠٣.
(٥) ليست في « د ».
(٦) البهائي في الحبل المتين : ١٠٢.
ولا يخفى أنّ بناء ما قلناه على أنّ الخبر يشعر بعدم الكذب في الرواية الاولى من المذكورين في الرواية ، وإذا صحّت وقع التعارض ، ومعه فالصراحة غير واضحة ، إلاّ من جهة الأمر بالغَسل ، وقد سمعت الاحتمال. نعم لو دلّت الرواية على عدم صحّة المروي عنهماعليهماالسلام أمكن الصراحة ، والحمل على التقية قد تقدّم فيه الكلام(١) . إلاّ أنّ يقال : إنّ المراد تقية الحكّام في زمانهمعليهمالسلام ، فليتأمّل.
ومن هنا يعلم أنّ ما قاله الوالدقدسسره من : أنّه لا ريب أنّ فيما تضمنه هذا الخبر من الأمر بالأخذ بقول أبي عبد اللهعليهالسلام بعد ما تقرر في السؤال دلالة على أنّ الحكم في ذلك هو النجاسة ، وأنّ الطهارة لا تعويل عليها(٢) .
محلّ تأمّل ، والوجه غير خفي ، مضافاً إلى أنّ ما رواه الصدوق له مزيّة عندهقدسسره وإنّ كان مرسلاً ، والاعتبار يفيد ذلك كما قدّمناه ، مع أصالة الطهارة.
إلاّ أنّ الحقّ : كون اتباع أكثر العلماء أولى وأحوط ، وإذا انضمّ إلى ذلك بعض الأخبار ازداد الحكم بالنجاسة قوةً.
على أنّ في بعض الأخبار غير المذكورة ما يدل على النجاسة من حيث تقرير الإمامعليهالسلام للسائل ، وهو مذكور في الحبل المتين معدوداً من الصحيح(٣) .
فمن ذلك : ما رواه عبد الله بن سنان قال : سئل أبو عبد اللهعليهالسلام وأنا حاضر : إني أُعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنّه يشرب الخمر ويأكل لحم
__________________
(١) راجع ص ٩٣٧.
(٢) معالم الفقه : ٢٣٩ بتفاوت يسير.
(٣) الحبل المتين : ١٠٠.
الخنزير ، فيردّ عليّ ، فأغسله قبل أنّ أُصلّي فيه؟ فقال أبو عبد اللهعليهالسلام : « صلّ فيه ولا تغسله من أجل ذلك ، فإنك أعرته إياه وهو طاهر ، ولم تستيقن نجاسته ، فلا بأس أنّ تصلّي فيه حتى تستيقن أنّه نجّسه »(١) .
وإنّما قلنا بتأييد مثل هذا الخبر مع أنّ ظاهر التقرير يفيد النجاسة كما هو مقرّر في الأُصول ؛ لاحتمال أنّ يكون السكوت عن حكم عدم نجاسة الخمر لمصلحة ، وكون التقرير دليلاً على الإطلاق في محلّ المناقشة ، إلاّ أنّ يكون الحكم إجماعياً ، وإثباته عَسِر.
ولو تمّ الاطّراد في التقرير أمكن الاستدلال على نجاسة أبوال الدواب بالخبر الوارد في ( أوّل الكتاب ، من قول السائل عن الماء تبول فيه الدوابّ وتلغ فيه الكلاب(٢) .(٣) مع أنّهم لم يذكروه على ما رأيت )(٤) في الأدلّة.
أمّا ما قد يقال : من أنّ ذكر الخمر لكونه نجساً بمباشرتهم لا لذاته. فيمكن أنّ يدفع بأنّه لا خصوصية للخمر ، بل مباشرة الماء ونحوه أكثر وأظهر.
وبالجملة : فإنّ لم يوجد المعارض الصالح فالاستدلال بمثل ما ذكرناه ممكن ، أمّا مع وجوده فالتأويل لا مانع منه.
وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما قاله الشيخ من أنّ الأخبار لا دلالة فيها على الطهارة محلّ تأمّل في بعضها ، كما لا يخفى. أمّا ما ذكره في توجيه
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٣٦١ / ١٤٩٥ ، الإستبصار ١ : ٣٩٢ / ١٤٩٧ ، الوسائل ٣ : ٥٢١ أبواب النجاسات ب ٧٤ ح ١ ، بتفاوت يسير.
(٢) راجع ص ٢٦.
(٣) في « فض » زيادة : فإنّهعليهالسلام قال : « إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه » والتقرير فيه موجود ، وفي « د » مشطوبة.
(٤) ما بين القوسين ليس في « رض ».
الخبر الأخير فهو جيّد مع تحقق النجاسة ، والله تعالى أعلم بحقائق الأُمور.
اللغة :
قال في القاموس : البُصاق كغُراب ، والبُساق والبُزاق : ماء الفم إذا خرج منه ، وما دام فيه فريق(١) .
قوله :
باب الثوب يصيب جسد الميت من الإنسان وغيره.
أخبرني الشيخ ; عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد الله ٧ قال : سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت ، فقال : « يغسل ما أصاب الثوب ».
فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن محمد ، عن موسى بن القاسم وأبي قتادة ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسىعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت ، هل تصلح الصلاة فيه قبل أنّ يغسله؟ قال : « ليس عليه غَسله ، وليصلّ فيه ولا بأس ».
فالوجه في هذا الخبر أنّ نحمله على أنّه إذا أتى على ذلك سنة وصار عظماً ، فإنّه لا يجب غسل الثوب منه.
يدلّ على ذلك :
__________________
(١) القاموس المحيط ٣ : ٢٢١.
ما رواه محمد ( بن أحمد )(١) بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن صفوان ، عن عبد الوهاب ، عن محمد بن أبي حمزة ، عن هشام بن سالم ، عن إسماعيل الجعفي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال : سألته عن مسّ عظم الميت؟ فقال : « إذا جاز سنة فليس به بأس ».
فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن العمركي ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسى(٢) عليهماالسلام ، قال(٣) : سألته عن الرجل وقع ثوبه على كلب ميت. قال : « ينضحه بالماء ويصلّي فيه فلا بأس ».
فهذا الخبر بيّن(٤) أنّ حكم الكلب حياً وميتاً سواء في نضح الماء على الثوب الذي أصابه إذا كان جافّاً ، والخبر الأوّل يكون مخصوصاً بجسد الآدمي ، فلا تنافي بينهما على حال.
السند :
في الأوّل : حسن بلا ارتياب(٥) .
والثاني : صحيح.
والثالث : فيه عبد الوهّاب ، وهو مشترك بين مهملين في الرجال(٦) .
ومحمد بن أبي حمزة قدّمنا القول فيه(٧) .
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في الاستبصار ١ : ١٩٢ / ٦٧٣.
(٢) في الاستبصار ١ : ١٩٢ / ٦٧٤ زيادة : بن جعفر.
(٣) ليست في الاستبصار ١ : ١٩٢ / ٦٧٤.
(٤) في الاستبصار ١ : ١٩٢ : يبيّن.
(٥) من جهة إبراهيم بن هاشم ، راجع ص ٣٦.
(٦) منهج المقال : ص ٢١٦.
(٧) راجع ص ١٠٤.
وكذلك في إسماعيل الجعفي في أول هذا الجزء(١) ، والحاصل : أنه مشترك بين ابن جابر الجعفي وبين ابن عبد الرحمن(٢) ؛ وفي ابن جابر كلام سبق(٣) ، أمّا ابن عبد الرحمن فضعيف.
والرابع : صحيح ؛ لأنّ في الطرق المذكورة للشيخ في فهرست الكتاب إلى محمد بن أحمد بن يحيى ما هو موصوف بالصحة في كلام المتأخرين(٤) . وقد قدّمنا ما لا بد منه في ذلك من جهة الاعتماد على الشيوخ الذين لم ينص على توثيقهم في كتب الرجال(٥) .
المتن :
في الأوّل : كما ترى فيه الميت ، وربما يدعى انصرافه إلى ميت الآدمي ، وقد ذكره بعض الأصحاب في الحجة لميت الآدمي(٦) ، والشيخ في آخر الباب كلامه يعطي ذلك(٧) ، إلاّ أنّه حمله لأجل ظن المعارض على ما يظهر منه. وربما يحتمل كونه متناولاً لغير الآدمي ، نظراً إلى ظاهر اللفظ ، والمعارض ستسمع الكلام فيه(٨) .
وعلى كل حال : فالذي يخطر في البال اختصاصه بالنجاسة المتعدّية ،
__________________
(١) راجع ص ٧٠١.
(٢) هداية المحدثين : ١٨.
(٣) في ص ٧٠١.
(٤) كالعلاّمة في خلاصته : ٢٧٦.
(٥) راجع ص ٧٢.
(٦) المحقق الحلي في المعتبر ١ : ٣٤٩.
(٧) الاستبصار ١ : ١٩٢ ، وتقدّم في ص ٣٠٧.
(٨) في ص ٩٥٠.
لأنّ قوله : « ما أصاب الثوب » ( لا وجه له إلاّ كون الثوب مفعولا ، و « ما » إمّا نكرة وإمّا موصولة ، والمعنى : يغسل شيئاً أصاب الثوب )(١) أو الشيء الذي أصاب الثوب ، وغير خفيّ أنّ مع الجفاف لا إصابة.
وحينئذٍ يمكن ادعاء أنّ الرواية بتقدير تناولها للآدمي وغيره ، أو كونها مخصوصة بالآدمي مخصوصة بالرطوبة.
فما قاله الوالدقدسسره بعد ذكر القول عن العلاّمة في المنتهى أنّه قال : لو مسّه يعني ميّت الآدمي رطباً ينجس نجاسة عينية ، ولو مسّه يابساً فالوجه أن النجاسة حكمية ، فلو لاقى ببدنه بعد ملاقاته للميت رطباً لم يؤثّر في تنجيسه ؛ لعدم دليل التنجيس ، وثبوت الأصل(٢) : وناقشه بعض الأصحاب بأنّ النصوص دلت على وجوب غَسل الملاقي مع الرطوبة ، وهو كما ترى(٣) . محل بحث ؛ لأنّ المناقشة في محلها بعد ما ذكرناه في النص وغيره.
ومن الروايات التي وقفنا عليها رواية إبراهيم بن ميمون ، وهي الواردة في ميّت الآدمي حيث قال فيها : « إنّ لم يغسل الميت فاغسل ما أصاب ثوبك منه »(٤) وهي ضعيفة قابلة لما قلناه في الأُولى.
وأمّا الأخبار الواردة في الفأرة إذا وقعت في السمن الذائب والزيت(٥) فاختصاصها بالرطوبة ظاهر ، وحينئذ فإطلاق الوالدقدسسره ردّ المناقشة بما
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٢) المنتهى ١ : ١٢٧.
(٣) معالم الفقه : ٢٧٩ بتفاوت.
(٤) الكافي ٣ : ٦١ / ٥ ، التهذيب ١ : ٢٧٦ / ٨١١ ، الوسائل ٣ : ٤٦١ أبواب النجاسات ب ٣٤ ح ١.
(٥) الوسائل ٢٤ : ١٩٤ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٤٣.
ذكره مع أنّه إنّما نقل في الميتة ما ذكرناه(١) غريب.
وأعجب منه قول شيخناقدسسره في المدارك بعد نقل روايتي الحلبي وإبراهيم بن ميمون : وإطلاق الروايتين يقتضي تعدّي نجاسته مع الرطوبة واليبوسة(٢) .
أمّا ما قاله العلاّمة فهو في الحقيقة غير ظاهر الوجه ؛ لأنّ النجاسة الحكمية وغيرها تابعة للدليل ، والأصل الذي ذكره واضح ، فالخروج عنه بغير دليل غريب.
واستدلاله أيضاً مع الأصل بقولهعليهالسلام : « كل يابس ذكي »(٣) كذلك ؛ فإنّ إثبات الحكمية بهذا لا وجه له ، ونفي النجاسة العينية لا يقتضي ثبوت الحكمية إنّ كان الدليل غير عامّ ، فما ندري الوجه فيما قاله.
وينقل عن ابن إدريس قول في المسألة(٤) ، وقد تكلّم عليه المحقق في المعتبر بما لا مزيد عليه(٥) ، ولو لا خوف الخروج عما نحن بصدده لنقلناه ، هذا.
وينقل عن بعض الأصحاب القول بأنّ نجاسة الميت لا تتعدّى إلاّ مع الرطوبة(٦) . وقد علمت دلالة الخبر عليه.
هذا إذا عمل بالحسن ، وإلاّ فالعمدة الإجماع ، وهو منقول مع
__________________
(١) معالم الفقه : ٢٢٣.
(٢) مدارك الأحكام ٢ : ٢٧٠.
(٣) التهذيب ١ : ٤٩ / ١٤١ ، الوسائل ١ : ٣٥١ أبواب أحكام الخلوة ب ٣١ ح ٥.
(٤) حكاه عنه في المعتبر ١ : ٣٤٩ ، وهو في السرائر ١ : ١٦٣.
(٥) المعتبر ١ : ٣٤٩ ، ٣٥٠.
(٦) نقله صاحب معالم الفقه : ٢٧٦ ، وصاحب مدارك الأحكام ٢ : ٢٧٠ ، وهو في جامع المقاصد ١ : ١٧٤.
الرطوبة ، ومع عدمها فقد سمعت الخلاف فيها في الآدمي ، وأمّا غيره فمع الرطوبة لا خلاف فيه كما نقل ، ومع اليبوسة فالذي يظهر من الأصحاب الخلاف في ذلك(١) ، بل ظاهر شيخناقدسسره عدم تحقق الخلاف ، لأنه قال : ينبغي القطع بعدم تعدّي النجاسة مع اليبوسة ، اقتصاراً فيما خالف الأصل على موضع الوفاق ، مع أنّه نقل عن العلاّمة في المنتهى الجزم بوجوب غَسل اليد بمسّ الميتة مع الرطوبة واليبوسة. إلى أن قال : ثمّ استقرب يعني العلاّمة كون النجاسة مع اليبوسة حكمية ، فلو لامَسَ رطباً لم يحكم بتنجيسه(٢) .
وهذا الكلام يعطي أنّ المخالف في اليبوسة العلاّمة ، والمفهوم من ما استقر به القول بالنجاسة على نحو خاص لا الطهارة.
والوالدقدسسره نقل الخلاف في التأثير مع اليبوسة في غير الآدمي ، وأن جماعة من المتأخّرين قالوا بعدم التأثير ، ثم نقل عن العلاّمة ما يقتضي القول في ميت الآدمي(٣) كما سبق عن المنتهى(٤) . ولم يحضرني الآن المنتهى لأعلم حقيقة الحال ، إلاّ أنّ ما نقله الوالدقدسسره عن المتأخّرين ربما يشكل به ما قاله شيخناقدسسره من الاقتصار على موضع الوفاق ؛ لأنّ خلاف المتأخرين لا يضرّ بالحال. ويمكن الجواب عن هذا بأنّ خلاف
__________________
(١) منهم الشيخ في المبسوط ١ : ٣٨ ، والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ١ : ٣٠٨ ، وصاحب معالم الفقه : ٢٧٦.
(٢) مدارك الأحكام ٢ : ٢٦٩.
(٣) معالم الفقه : ٢٧٦.
(٤) في ص : ٣٢٦ ٣٢٧.
المتأخّرين يقتضي عدم الإجماع ، وفيه ما فيه.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ شيخناقدسسره ذكر أنّ الحكم المتعلق بالميت إنّما يكون بعد البرَد وقبل الغُسل ، لطهارته بالغَسل ، وعدم تحقق انتقال الروح قبل البرد ، ويدلُّ عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « مسّ الميت عند موته وبعد غَسله ليس به بأس »(١) (٢) انتهى.
وفي نظري القاصر أنّ هذا محل بحث ؛ لأنّ الظاهر من الرواية نفي البأس من جهة الغُسل ، لا غَسل العضو ، ولو سلّم الاحتمال فالخبر الدال على غَسل ما أصاب الثوب يقتضي تقييد هذا الخبر بالغُسل. وعدم تحقق الموت محلّ كلام ، ولعلّ الأولى أنّ يقال : إنّ نجاسة الميت يقتصر فيها على موضع الوفاق ، ومع الحرارة لا وفاق ، إنّ تمّ في الأمرين ما ذكر.
أمّا ما وقع لبعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله من الاستدلال على نجاسة الميتة بما رواه الحلبي عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، أنّه قال : « لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة ، إنّ الصوف ليس فيه روح »(٣) (٤) فلا يخلو من غرابة ؛ لأنّ مفاد الرواية أنّ ما فيه الروح لا يصلّى فيه ، وعدم الصلاة أعم من النجاسة كما لا يخفى. وفي بعض الأخبار الحسنة ما يمكن الاستدلال به على نجاسة الميتة لو عمل بالحسن ، وقد ذكرناه مفصلاً في حاشية الروضة.
وأمّا الثاني : فالظاهر منه الملاقاة للشعر ، واحتمال طهارة شعر الميتة
__________________
(١) الفقيه ١ : ٨٧ / ٤٠٣ ، التهذيب ١ : ٤٣٠ / ١٣٧٠ ، الوسائل ٣ : ٢٩٥ أبواب غسل المس ب ٣ ح ١.
(٢) مدارك الأحكام ٢ : ٢٧١ بتفاوت يسير.
(٣) التهذيب ٢ : ٣٦٨ / ١٥٣٠ ، الوسائل ٣ : ٣٣٣ أبواب لباس المصلي ب ٥٦ ح ١.
(٤) كالبهائي في الحبل المتين : ١٠١.
مع الاتصال ممكن ، إلاّ أنّي لا أعلم القائل به ، غير أنّ لشيخناقدسسره في فوائد الكتاب كلاماً يدل على تحقق القول بذلك ، فإنّه قال : بل الأقرب حمله على ما إذا وقعت الملاقاة بشعر الحمار ، أو كانت الملاقاة مع اليبوسة. وعلى كل حال فاحتمال اليبوسة ممكن في الجميع.
وما قاله الشيخ في غاية البُعد ، والاستدلال عليه بالخبر المذكور غريب ، على أنّ في الخبر المستدل به شيئاً ربما لا يخفى على من تدبّره ، وبتقدير تسليم الدلالة فالعظم لا وجه لتأثيره على الإطلاق.
وأمّا الخبر الأخير : فكلام الشيخ فيه لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ نضح الثوب إذا اقتضى أنّ يكون لمسّه بيبوسة كما قاله فاقتضاء هذا حمل الخبر الأوّل على الآدمي يقتضي حمل الخبر الثاني على غير ما قاله فيه ، بل على الإصابة بيبوسة ، ومفارقة الكلب بالنضح لا مانع منها ، فليتأمّل.
بقي في المقام شيء ، وهو أنّ الخلاف واقع في الرشّ من إصابة الكلب يابساً ، فقيل : بالوجوب ، وهو مذهب الشيخ في النهاية(١) . وقيل بالاستحباب(٢) . والوارد في هذا الخبر النضح ، فإن قلنا بالترادف فالحال واحد ، وإن قيل بالمغايرة أمكن الفرق بين حالتي الحياة والموت في الكلب. إلاّ أن يقال : إن كلام الشيخ في الوجوب ظاهر في الحيّ ، والقول المحكي بالوجوب فيه أيضاً ، وبعد الموت غير معلوم القول به ، وكلام الشيخ هنا ربما يعطي المساواة مطلقاً ، والله تعالى أعلم بالحال.
__________________
(١) النهاية : ٥٢.
(٢) قال به المحقق الحلّي في المعتبر ١ : ٤٣٩.
قوله :
باب الأرض والبواري والحصر
يصيبها البول وتجفّفها الشمس
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي ابن فضال ، عن عمرو بن سعيد المدائني ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سئل عن الشمس هل تطهّر الأرض؟ قال : « إذا كان الموضع قذراً من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ، ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة ، وإن أصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطباً فلا يجوز الصلاة عليه حتى ييبس ، وإن كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصلّ على ذلك الموضع(١) ، وإنّ كان غير الشمس أصابه حتى ييبس فإنّه لا يجوز ذلك ».
وبهذا الإسناد عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن العمركي ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفرعليهماالسلام ، قال : سألته عن البواري يصيبها البول ، هل تصلح الصلاة عليها إذا جفّت من غير أن تغسل؟ قال : «(٢) لا بأس ».
وأخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد ابن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٩٣ / ٦٧٥ لا توجد : الموضع.
(٢) في الاستبصار ١ : ١٩٣ / ٦٧٦ زيادة : نعم.
عثمان بن عبد الله ، عن أبي بكر ، عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال : « يا أبا بكر : ما(١) أشرقت عليه الشمس فقد طهر ».
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال : سألته عن الأرض والسطح يصيبه البول أومأ(٢) أشبهه ، هل تطهّره الشمس من غير ماء؟ قال : « كيف تطهّر من غير ماء؟ ».
فالوجه في هذا الخبر أنّه لا يطهر من غير ماء ما دام رطباً ، وإنما يحكم بطهارته إذا جفّفته الشمس.
السند :
في الأوّل : موثّق على ما قدمناه(٣) .
والثاني : صحيح كذلك.
والثالث : ( فيه عثمان بن عبد الله كما هنا ، وفي التهذيب عثمان بن عبد الملك ، وابن عبد الله مذكور في رجال الصادقعليهالسلام )(٤) من كتاب الشيخ مهملاً(٥) . وابن عبد الملك مجهول.
وأبو بكر كأنه الحضرمي ، وفي المعتبر جزم بأنه الحضرمي(٦) ، وقد قدّمنا(٧) أنّه غير ثقة ولا ممدوح.
والرابع : صحيح.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٩٣ / ٦٧٦ زيادة : كلّ.
(٢) في « فض » و « رض » : وما.
(٣) راجع ص ١٢٠ و ٢٧٥.
(٤) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٥) رجال الطوسي : ٢٦٠ / ٦٠٢.
(٦) المعتبر ١ : ٤٤٦.
(٧) في ص ٤٣٠.
المتن :
في الأوّل : لا يخلو من إشكال من وجوه :
الأوّل : شموله لكلّ موضع ، والمنقول عن الشيخ في المبسوط أنّه قال نحو ما قال المفيد(١) ، وعبارة المفيد : الأرض إذا وقع عليها البول ، ثم طلعت عليها الشمس فجفّفتها ، طهرت بذلك ، وكذا القول في الحصير(٢) .
ونقل عنه في الخلاف أنّه قال : الأرض إذا أصابتها نجاسة مثل البول وما أشبهه وطلعت عليها الشمس ، أو هبت عليها الريح حتى زالت عين النجاسة طهرت(٣) . وقال في موضع آخر منه ـ بعد الحكم بطهارة الأرض بتجفيف الشمس لها من نجاسة البول ـ : وكذا الكلام في الحصر والبواري(٤) .
وفي المنتهى نقل عن الشيخ الاحتجاج بإجماع الفرقة ، ورواية عمّار مع رواية علي بن جعفر الآتية(٥) . وأنت خبير بأنّ الرواية تفيد العموم. وقد قال العلاّمة في المنتهى بعد نقله عن المبسوط الاختصاص بالبول : إنّه جيّد ؛ لأنّ الرواية الصحيحة إنما تضمنت البول ، والتعدية بغير دليل لا تجوز ، قال : ورواية عمار وإنّ دلت على التعميم ، إلاّ أنّها لضعف سندها لم يعوّل عليها(٦) .
__________________
(١) المبسوط ١ : ٩٣.
(٢) المقنعة : ٧١.
(٣) حكاه عنه في المختلف ١ : ٣٢٣ ، وهو في الخلاف ١ : ٢١٨.
(٤) الخلاف ١ : ٤٩٥.
(٥) المنتهى ١ : ١٧٧ ، وليس فيه الاحتجاج بالإجماع ، ولكنه موجود في المعتبر ١ : ٤٤٦.
(٦) المنتهى ١ : ١٧٨.
ولا يخفى عليك حينئذٍ أنّ الظاهر من الشيخ هنا التعويل على الرواية ، لكن الحق أنّ هذا الكتاب لا يمكن الاعتماد على مذهب الشيخ فيه.
الثاني : ظاهر الرواية أنّ مجرّد إصابة الشمس [ ثم اليُبس(١) ] بعد ذلك كافٍ ، والذي يقتضيه ما رواه الصدوق صحيحاً عن زرارة اعتبار تجفيف الشمس ، حيث قال فيها : سألت أبا جعفرعليهالسلام عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي أُصلّي فيه. فقال : « إذا جفّفته الشمس فصلّ عليه فهو طاهر »(٢) وهذه الرواية قد يستفاد منها التعميم لغير الأرض.
الثالث : ظاهر الرواية جواز الصلاة على الموضع ، واستفادة الطهارة منها موقوفة على عدم جواز السجود على المحل المنجّس ، وهو محلّ كلام فقد نقل القول بجوازه(٣) .
وقد أشار المحقق في المعتبر إلى هذا ، فإنّه بعد نقل احتجاج الشيخ بالروايات في الخلاف ، قال : إنّ في استدلاله بالروايات إشكالاً ؛ لأنّ غايتها الدلالة على جواز الصلاة عليها ، ونحن فلا نشترط طهارة موضع الصلاة ، بل نكتفي باشتراط طهارة موضع الجبهة ، قال : ويمكن أنّ يقال : الإذن في الصلاة عليها مطلقاً دليل جواز السجود عليها ، والسجود يشترط طهارة محله.
ثم أطال الكلام في الاستدلال ، مع أنّه قال في المعتبر نقلاً عن الراوندي وصاحب الوسيلة : أنّهما ذهبا إلى أنّ الأرض والبواري والحصر إذا
__________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط من « رض » وفي « د » : ثمّ يبس ، والأولى ما أثبتناه.
(٢) الفقيه ١ : ١٥٧ / ٧٣٢ ، الوسائل ٣ : ٤٥١ أبواب النجاسات ب ٢٩ ح ١.
(٣) المبسوط ١ : ٣٨.
أصابها البول وجفّفتها الشمس لا تطهّر بذلك ، ولكن يجوز السجود عليها ، ثم قال المحقّق : وهو جيد(١) .
وهذا يقتضي المخالفة لما نقلناه من استدلاله ، فكأنّه رجوع عن القول.
والعلاّمة في المختلف نقل عن الراوندي أنّه يلوح من كلامه ذلك ، قال : وكان شيخنا أبو القاسم يختار ذلك(٢) .
ثم إنّ العلاّمة اختار أنّ الأرض والحصر والبواري إذا أصابها بول وشبهه من النجاسات المائعة ثم جفّفتها الشمس طهرت ، واحتج برواية عمّار(٣) إلى قوله : « فالصلاة على الموضع جائزة » ثم قال : وجه الاستدلال أنّ نقول : إنّ السؤال عن الطهارة ، فلو لم يكن في الجواب ما يفهم منه السائل لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وهو محال ، لكن الجواب الذي وقع لا يناسب النجاسة فدل على الطهارة ، وأيضاً ما رواه أبو بكر وذكر الرواية وبأنّ المقتضي للتنجيس الأجزاء التي عدمت بإسخان الشمس ، فيزول الحكم ؛ ثم إنّه نقل الاحتجاج عن القائلين بالبقاء على النجاسة بالاستصحاب ، وأجاب بأنّ الاستصحاب ثابت مع بقاء الأجزاء النجسة لا مع عدمها(٤) .
والمحقق في المعتبر ذكر نحو ما قاله العلاّمة ، من أنّ الشمس من شأنها الإسخان ، والسخونة تلطف الأجزاء الرطبة وتصعدها ، فإذا ذهب أثر
__________________
(١) المعتبر ١ : ٤٤٦.
(٢) المختلف ١ : ٣٢٤.
(٣) في « رض » زيادة : الساباطي.
(٤) المختلف ١ : ٣٢٤.
النجاسة دل على مفارقتها(١) .
وهذا الكلام ربما ينكر عليه بأنّ الطهارة مرجعها إلى حكم الشارع لا إلى زوال الأعيان ، كما اعترفا به في مواضع.
نعم ربما وجّه الوالدقدسسره الاستدلال في المسألة : بأنّ الدال على تنجيس البول ونحوه للأرض هو الإجماع ؛ لأنّ الأخبار خاصة بالثوب والبدن ونحوهما ، وإذا كان الإجماع هو الدليل فإذا انتفى الإجماع بعد تجفيف الشمس انتفت النجاسة(٢) . وأطالقدسسره الكلام في هذا.
وفي نظري القاصر أنّ فيه بحثاً ، وقد ذكرته في محل آخر ، والحاصل : أنّ الإجماع لو انحصر الأمر فيه كما ذكره يقال : إنّ الإجماع أفاد حدوث النجاسة لا استمرارها ، بل الاستمرار حصل من عدم حكم الشارع بالمطهّر ، فزوال الإجماع لا يفيد الطهارة بل يفيد زوال الحدوث ، ولا ريب أنّ الحدوث إذا انتفت علّته انتفى معلولها ، وهو الحدوث ، لا مطلق النجاسة.
فإن قلت : الحدوث اعتباري والعلّة لا تؤثّر فيه ، كما صرّح به الشارح الجديد للتجريد ، حيث قال في الأصل سلطان المحققين : والحدوث اعتباري. فقال في الشرح : لا تأثير للفاعل فيه ، بل إنما يؤثّر الفاعل في الماهية(٣) .
قلت : مرادنا بالحدوث وجود أصل التنجيس ، أمّا استمراره فله علّة أُخرى.
__________________
(١) المعتبر ١ : ٤٤٦.
(٢) معالم الفقه : ٣٩٧.
(٣) شرح التجريد للقوشجي : ٣٤٥.
وما عساه يقال : إنّ زوال أصل التنجيس لا معنى له ، فإن النجاسة كما أنّها باقية أصل وجودها كذلك.
يمكن الجواب عنه بجواز أنّ يقال : إنّ وجود التنجيس مختلف باختلاف العلل وإنّ توافق الحكم ، غاية الأمر أنّ بقاء النجاسة لا بُدّ له من علّة كما هو شأن الممكن ، والمستفاد من قواعد الأصحاب أنّ الطهارة لا بُدّ لها من علّة ، وبدونها فأصالة بقاء النجاسة هي العلّة اصطلاحاً ، وقد يعبّر عنها بالعدم ، فيقال : إنّ الطهارة موقوفة على الدليل ، وبدونه فالنجاسة باقية ، وعلى هذا لا يتوجه في المقام أنّ العدم لا يصلح علّة.
ويمكن أنّ يقال في نظير المسألة : قولهم لا بُدّ في شهادة الشاهدين من القطع ، مع أنّ الشاهدين على الماضي لا يحصل لهم القطع لاحقاً ، لكن الشارع حكم بالبقاء ما لم يعلم المسقط ، فعدم العلم بالمسقط علّة الحكم بالبقاء.
ولو نوقش في هذا أمكن أنّ يقال : إنّ النجاسة تثبت بوجود الأعيان على الإطلاق ما لم يحصل من الشارع المزيل ، ولم يعلم المزيل ، فالاستمرار ( حصل من ذلك.
فإن قلت : إذا كان الإجماع هو العلّة فالتقييد بوجود الأعيان حاصل ، فأين الإطلاق؟
قلت : الإجماع ليس على النجاسة مع وجود الأعيان ، ألا ترى أنّ بعض القائل بالنجاسة قائل بالاستمرار )(١) وإنّ ذهبت الأعيان.
(إلاّ أنّ يقال : إنّ هذا القائل يقول بوجود الأعيان(٢) ، ) وإنّ زاد على
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».
ذلك البقاء بعد زوالها ، وذلك كافٍ في المطلوب.
وفيه : أنّ دخول مثل هذا في الإجماع مع وجود الأعيان محلّ تأمّل ، وكثيراً ما يغفل عنه في دعوى الإجماع على بعض المسائل ، وسيأتي في الكتاب شيء من ذلك ، والحق أنّ المقام قابل للبحث.
وما عساه يقال : إنّ علل الشرع معرّفات ، فلا دخل فيها للوازم العلل الحقيقية.
يمكن الجواب بأنّ كون علل الشرع معرّفات لا ينفي الحكم بأن زوالها موجب لزوال الحكم الشرعي ، بل الظاهر من التدبّر في الكلام المذكور في العلل الحقيقية الاتحاد مع الشرعية في بعض المواد ومنها ما نحن فيه ، ومنها عدم اجتماعها على معلول واحد. فما قيل : من أنّ العلل الشرعية(١) يجوز اجتماعها على معلول واحد. محلّ تأمّل ؛ إذ اللازم من الاجتماع وقوع العبث من الحكيم ، كما يعرف بالتأمّل الصادق ، [ فلو ](٢) حصل انتفت فائدة بقائه ، فليتأمّل.
ثم إنّ ما ذكره العلاّمة(٣) والمحقق(٤) يقال فيه كذلك ، ولعلّ الأولى أن يقال : إنّ إطلاق الصلاة مع احتمال المباشرة برطوبة يفيد الطهارة من حيث قيامه.
وما ذكره العلاّمة(٥) بعد هذا أيضاً لا يخلو من وجه ، إلاّ أنّ يقال : إن السائل ( له قدرة على استنباط المراد من كلام الإمامعليهالسلام ، والإجمال إنما
__________________
(١) في « فض » : الشرع.
(٢) أضفناه لاستقامة المعنى.
(٣) المختلف ١ : ٣٢٤.
(٤) المعتبر ١ : ٤٤٦.
(٥) المختلف ١ : ٣٢٤.
هو بالنسبة إلينا ، وتأخير البيان )(١) غير معلوم ، على أنّ تأخير البيان عن السائل لم يعلم أيضاً إلاّ من جهة عدم وصوله إلينا ، وهذا لا يضرّ بالحال ، وبهذا يتوجه دلالة بعض ما يأتي من الأخبار على الطهارة في الجملة.
الرابع : مقتضى الرواية أنّ الشمس لو أصابت المحل ولم ييبس ، ثم يبس بعد ذلك جازت الصلاة عليه ، وهو صريح في عدم اعتبار تجفيف الشمس ، فلو فرض أنّ الكلام الأوّل فيه احتمال تجفيف الشمس ، فهذا يدل على خلافه. وقد سبق ما فيه(٢) .
الخامس : ذكر شيخنارضياللهعنه أنّه ربما كان في آخر الرواية إشعار ببقاء المحل على النجاسة(٣) . وفيه تأمّل ؛ لأنّ الظاهر عود الكلام إلى الصورة التي قبله ، وهو ما إذا جفّ بعد إصابة الشمس ، وحينئذٍ ربما دل على أنّ حكم ما قبله الطهارة ، ولو عاد قوله : « وإنّ كانت رجلك » إلى آخره ، إلى جميع ما تقدم كان ما قاله شيخناقدسسره متّجهاً ، لكن ما ذكرناه قد يدّعى ظهوره.
السادس : مقتضى قوله : « وإنّ كان غير الشمس أصابه » إلى آخره ، أن المتقدّم حكم إصابة الشمس ، والحال أنّ من جملة الأفراد السابقة ما أصابته الشمس وهو رطب ثم يبس ، وقد جوّز الصلاة عليه ، وظاهر الكلام أنّه لو يبس بغير الشمس لا يصلّى عليه ، ففي الكلامين تدافع.
ويمكن الجواب عنه : بأنّ الأخير يراد به التجفيف من دون الشمس أصلاً ، والذي قبله لما أصابته الشمس وإنّ لم تجفّفه. وحينئذٍ تصير الأقسام
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٢) في ص ٩٥٣.
(٣) مدارك الاحكام ١ : ٣٦٤.
ثلاثة : تجفيف الشمس ، وإصابة الشمس ثم حصول التجفيف بعدها ، والتجفيف من دونها أصلا.
ولو لا قصور الرواية سنداً أمكن أنّ يوسع الكلام زيادة على ما قلناه ، والغرض أنّ استدلال الشيخ بها محل كلام.
والثاني : كما ترى يدل على الصلاة ، وعدم الاستفصال عن الرطوبة وعدمها ربما يقتضي الطهارة ، مضافاً إلى صحيح زرارة السابق(١) .
وما قد يقال : إنّ خبر زرارة يفيد الطهارة ، أمّا إرادة الشرعية منها فموقوفة على ثبوت الحقيقة الشرعية ، وأنّى لنا إثباتها.
يمكن الجواب عنه : بأنّ إرادة النظافة هنا بعيدة عن المساق ، فلو لم تكن الحقيقة الشرعية ثابتة فالمجاز ممكن ، وقرينته المقام.
ومن هنا يعلم أنّ ما قاله شيخناقدسسره في فوائد الكتاب : من أن الروايتين الأوّلتين إنما تدلاّن على جواز السجود ، لا على الطهارة. محل بحث.
أمّا ما قاله : من عدم دلالة الرواية الثانية على اعتبار الجفاف بالشمس. فيمكن الجواب عنه : بأنّ الإجماع خصّص الحكم ، والرواية وإنّ كانت مطلقة إلاّ أنّ السؤال عن الجفاف المعتبر.
والثالث : وإنّ كان فيه إطلاق ربما يقتضي ردّه مع ضعف السند ، إلاّ أنّه يمكن توجيهه بالتخصيص من خارج.
وأمّا الرابع : فما ذكره الشيخ فيه أحد الوجوه المحتملة ، لكن بعيد عن الظاهر ، واحتمال إرادة : من غير ماء تجفّف النجاسة ، لا يخلو من قرب.
__________________
(١) المتقدّم في ص ٩٥٣.
أمّا احتمال كون قوله : « كيف » كلاماً مستقلا ، وقوله : « تطهّر من غير ماء » مستأنفاً ، والمعنى : كيف لا يطهّر؟ بل يطهّر من غير ماء ، بعيد كما لا يخفى ، هذا.
وللمتأخرين في هذه المسألة تفريعات كلّها مبنيّة على تحقيق الأصل ، وقد عرفت مجمل الأمر ، والله سبحانه وليّ التوفيق.
قوله :
أبواب الجنائز
باب الرجل يموت وهو جنب
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أبي محمّد الحسن(١) بن حمزة العلوي ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن الحسين بن سعيد ، عن علي ، عن أبي إبراهيمعليهالسلام قال : سألته عن الميت يموت وهو جنب ، قال : «(٢) غسل واحد ».
أحمد بن محمّد ، عن علي بن حديد وعبد الرحمن ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة قال : قلت لأبي جعفرعليهالسلام : رجل (٣) مات وهو جنب ، كيف يغسل؟ [ و (٤) ] ما يجزؤه من الماء؟ قال : « يغسّل غسلاً واحداً يجزئ ذلك للجنابة ولغسل الميت ، لأنّهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة ».
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٩٤ / ٦٧٩ : الحسين ، وهو خطأ راجع رجال النجاشي : ٦٤ / ١٥٠ ، والفهرست : ٥٢ / ١٨٤.
(٢) في الاستبصار ١ : ١٩٤ / ٦٧٩ زيادة : عليه.
(٣) في الاستبصار ١ : ١٩٤ / ٦٨٠ : ميّت ، وفي « د » و « فض » : رجل ميّت.
(٤) أثبتناه من الاستبصار ١ : ١٩٤ / ٦٨٠.
علي بن مهزيار ، عن الحسين بن سعيد ، عن علي بن النعمان ، عن ابن مسكان ، عن المثنّى ، عن أبي بصير ، عن أحدهما عليهماالسلام في الجنب إذا مات ، قال : « ليس عليه إلاّ غسلة واحدة ».
السند :
في الأوّل : الحسن بن حمزة العلوي وهو الطبري المعروف بالمرعشي.
وقال النجاشي : إنّه كان من أجلاّء هذه الطائفة وفقهائها ، قدم بغداد ولقيه شيوخنا في سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة ، ومات في سنة ثماني وخمسين وثلاثمائة(١) .
وفي الفهرست قال الشيخ : إنّه كان فاضلاً أديباً عارفاً فقيهاً زاهداً ورعاً ، ـ إلى أنّ قال ـ : أخبرنا بجميع رواياته جماعة ، منهم الشيخ أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان ، والحسين بن عبيد الله ـ إلى أنّ قال ـ : سماعاً منه وإجازةً في سنة ست وخمسين وثلاثمائة(٢) .
وفي رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهمالسلام من كتاب الشيخ : الحسن بن محمّد ابن حمزة ـ إلى أنّ قال ـ : روى عنه التلعكبري ، وكان سماعه منه أوّلاً سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ، وله منه إجازة لجميع كتبه ورواياته ، أخبرنا جماعة منهم الحسين بن عبيد الله ـ إلى أنّ قال ـ : وكان سماعهم سنة أربع وخمسين وثلاثمائة(٣) .
__________________
(١) رجال النجاشي : ٦٤ / ١٥٠.
(٢) الفهرست : ٥٢ / ١٨٤.
(٣) رجال الطوسي : ٤٦٥ / ٢٤.
والعلاّمة في الخلاصة حكى كلام الشيخ في الكتابين وكلام النجاشي ، قال : وهذا لا يجامع قول الشيخ الطوسي(١) . ولا يخفى أنّه لا منافاة ؛ للفرق بين السماع والموت.
وابن داود مشى على وهم العلاّمة فحكم بالتنافي(٢) ، والحال ما ترى.
أمّا علي الراوي عنه الحسين بن سعيد فلا يبعد أنّ يكون علي بن النعمان ؛ للتصريح به في الخبر الثالث وغيره من روايات الكتاب(٣) ، إلاّ أنه يروي عن غيره أيضاً من المسمّى بهذا الاسم ، ففي باب تلبية المحرم بالحج : الحسين بن سعيد عن علي بن الصلت(٤) ، وهو مذكور في الفهرست(٥) والنجاشي(٦) بما لا يفيد توثيقاً ولا مدحاً ، وربما يروي عن غير من ذكر ، كعلي بن أبي حمزة.
واستبعاد كونه ابن النعمان بروايته عن أبي إبراهيم ، ولم يذكر علي بن النعمان في رجال الكاظمعليهالسلام ؛ يدفعه أنّه لا تصريح في الرجال بما ينافيه ، بل قال النجاشي : إنّه روى عن الرضاعليهالسلام (٧) . وذلك لا يفيد الانحصار كما يعلم من أصحاب الرجال ، إلاّ أنّ الفائدة مع عدم الجزم به قليلة.
والثاني : فيه عبد الرحمن ، وربما يظن أنّه ابن أبي نجران ، لوقوع ذلك في الروايات ، وسيأتي عن قريب في باب غسل الميت رواية عن
__________________
(١) الخلاصة : ٤٠.
(٢) رجال ابن داود : ٧٧.
(٣) في « فض » زيادة : وسيأتي في مبحث الأموات مكرّراً أيضاً دحلا ( كذا ) عن غيره.
(٤) الاستبصار ٢ : ٢٥١ / ٨٨١.
(٥) الفهرست : ٩٦ / ٤٠٦.
(٦) رجال النجاشي : ٢٧٩ / ٧٣٥.
(٧) رجال النجاشي : ٢٧٤ / ٧١٩.
الشيخ في التهذيب يرويها زرارة عن علي بن حديد وابن أبي نجران.
وتأتي أيضاً رواية عن علي بن حديد عن عبد الرحمن بن أبي نجران في باب الأموات(١) . والوالدقدسسره جزم بأنّ لفظ « عن » سهو ، وإنّما هو وعبد الرحمن(٢) . وبالجملة في الظن أنّ هذا كثير الوقوع ، إلاّ أنّ غيره في حيّز الإمكان.
والثالث : فيه المثنّى ، وهو مشترك(٣) . وابن مسكان فيه احتمال الاشتراك(٤) . وأبو بصير كرّرنا القول فيه(٥) .
المتن :
في الأوّل : ذكره العلاّمة في المختلف حجة لسلاّر بعد ما نقل عنه القول بأنّ الميت يجب غسله مرة بالقراح والباقي مستحبّ ووجّه الاستدلال بأنّه إذا ثبت الواحد مع الجنابة فمع عدمها أولى(٦) .
ولا يخلو من غرابة في أوّل النظر.
وقد أجاب العلاّمة عن ذلك : بأنّ المراد عدم وجوب غُسلين أحدهما للجنابة والآخر للميت ، وليس بدالّ على صورة النزاع ؛ لأنّ غُسل الميت عندنا واحد ، إلاّ أنّه اشتمل على ثلاثة أغسال(٧) .
__________________
(١) انظر ص ٤١٣.
(٢) منتقى الجمان ١ : ٢٤٥.
(٣) هداية المحدثين : ١٣٦.
(٤) هداية المحدثين : ١٠٤.
(٥) في ج ١ : ٧٣ ، ٣٠.
(٦) المختلف ١ : ٢٢٣.
(٧) المختلف ١ : ٢٢٤.
وهذا الجواب أيضاً غريب ؛ لأنّ مقتضى الاستدلال كون غُسل الميت مع الجنابة واحداً فكذا مع عدمها بالطريق الأولى ؛ والجواب يقتضي الاعتراف بالغُسل الواحد ، لكن الواحد يراد به من دون غُسل آخر للجنابة ، لا كونه واحداً مركّباً ، إذ لو كان ثلاثة أغسال تتحقق الوحدة على معنى عدم الاحتياج إلى غُسل آخر للجنابة.
فالأولى أنّ يبيّن المراد بالواحد في الرواية ، فإن أُريد به غُسل الميت المتضمن للصورة المخصوصة لا يتم الاستدلال على الاكتفاء بالمرّة بالقراح ، وإنّ أُريد بالواحد الغُسل بالقراح أمكن توجيه الاستدلال بالأولوية.
لكن الجواب حينئذٍ ينبغي أنّ يكون بأنّ المتبادر من الواحد غُسل الميت على الهيئة المخصوصة في غيره من الاخبار. غير أنّ احتمال إرادة غُسل واحد إمّا الجنابة أو غُسل الميت ، ولمّا كان غسل الجنابة ليس فيه ما في غُسل الميت دلّ الخبر حينئذٍ على عدم اشتراط الخليط ، فيحتمل ادعاء أنه غير واجب. ويجاب بجواز الاختصاص بحال الجنابة ، إلاّ أنّ الحق تبادر إرادة غُسل الميت.
والثاني : كالأوّل في الاحتمال ، وقولهعليهالسلام فيه : « لأنّهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة » وإنّ كان لا يخلو من إجمال من حيث احتمال إرادة غسل ثالث يجزئ عن الجنابة والموت ، إلاّ أنّ احتمال إرادة الاكتفاء بالغسل الواحد له تبادر على ما يظن من الروايتين.
ولو رام قائل أنّ يقول : إنّ الإجزاء عن الجنابة لا يتصوّر إلاّ في ماء القراح ؛ لأنّ غيره ربما لا يتحقق معه الماء المطلق ، سيّما وقد قدّر بعض الأصحاب السدر برطل ، وبعضهم برطل ونصف.
فالجواب عنه : أن اعتبار بقاء الماء على إطلاقه معروف بين الأصحاب.
نعم ذكر الشهيد في الذكرى : أنّ المفيد قدّر السدر برطل ، وابن البراج برطل ونصف ، واتفق الأصحاب على ترغيته ، وهما يوهمان الإضافة ويكون المطهّر هو القراح(١) . انتهى.
وهذا غير خفي أنّه لا يقتضي القول ، بل مجرّد الإيهام ، على أنه يمكن أنّ يقال ـ بتقدير كونه غُسلاً واحداً ـ : إنّ الغسلين الأولين مقدمتان للطهارة فلا مانع من الإضافة ، أمّا لو قيل : إنهما ثلاثة أغسال ، أمكن التوقف ؛ وإنّ أمكن أنّ يقال : إنّه لا مانع من كون الماء مضافاً والمطهّر المجموع. إلاّ أنّ الظاهر من بعض الأخبار حيث قيل فيه : بماء وسدر بقاء الماء على الإطلاق(٢) .
والثالث : ربما كان فيه دلالة على كون الغُسل واحداً ؛ لأنّ الغسلة الواحدة إمّا أنّ يراد بها غُسل الميت ، أو ثالثة غُسل الميت ؛ فإنّ أُريد الأوّل أفاد المطلوب ، وإنّ أريد الثاني يضرّ بالحال ، ولعل سلاّر لو استدل به أمكن التوجيه ، لكن السند كما ترى ، والمتن لا يخلو من إجمال.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ للأصحاب كاملاً في تداخل الأغسال ، وتفصيلاً قد أوضحناه في محل آخر(٣) ، والذي يليق ذكره هنا ما ذكروه في التداخل مع كون الأغسال كلّها واجبة ، وحاصل الأمر أنّ البعض ذكر ما أشرنا إليه ولم يذكر غسل الميت مع الجنابة(٤) ، ووجّه التداخل بأن المطلوب رفع الحدث أو الاستباحة وهو شيء واحد. وأنت خبير بأنّ هذا
__________________
(١) الذكرى : ٤٥.
(٢) الوسائل ٢ : ٤٧٩ أبواب غُسل الميت ب ٢.
(٣) راجع ص ٦٨٤ ٦٩٢.
(٤) راجع ص : ٦٨٥.
لا يتم فيما نحن فيه ، لكن الأصحاب لما ضويقوا باعتبار اشتراطهم نيّة الرفع أو الاستباحة ( التجأوا إلى تكلّف التوجيه في صحة التداخل.
ثم إنّ بعضهم قال : إنّ لم نكتف بالقربة بل أوجبنا الرفع أو الاستباحة )(١) فإن نوى أحدهما فلا يخلو : إمّا أنّ لا يعيّن رفع أحد الأحداث أو يعيّن ؛ فإن كان الأوّل فالعلاّمة على التداخل(٢) ، وإنّ كان الثاني : فإن كان معها غسل الجنابة وساوَيْنا بينها وبينه في عدم الوضوء ، أو لم يكن معها ، كفى نيته عن الباقي. وإنّ كان معها واشترطنا الوضوء فيها ، فإن كان المعيّن الجنابة أجزأ عن غيره على المشهور. وإنّ كان غيره فخلاف. والمحقق في المعتبر مال إلى الأخير محتجاً بأنّه غُسل صحيح نوى به الاستباحة(٣) . والعلاّمة في النهاية قوّى عدم الإجزاء محتجاً بأنّ رفع الأدون لا يستلزم رفع الأعلى(٤) .
ولا يخفى عليك أنّ ما نحن فيه يقع فيه الإشكال من جهة الوضوء إن قلنا بوجوبه مع غُسل الميت ، وحينئذٍ يحتمل سقوطه باعتبار الجنابة ، ويحتمل عدمه لاحتمال الاكتفاء بغُسل الميت عنه ، لا لكونه مقصود الدخول فيه ، فإذا ثبت الوضوء مع غُسل الميت بقي وجوبه ، ويحتمل البناء على التداخل في جميع أغسال الميت أو في القراح ، والأخبار كما ترى لا دلالة فيها على شيء من ذلك.
أمّا ما قد يقال : إنّ الأخبار لا تدل على بقاء غُسل الجنابة بعد
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٢) نهاية الاحكام ١ : ١١٢.
(٣) المعتبر ١ : ٣٦١.
(٤) نهاية الاحكام ١ : ١١٢.
الموت ، بل الظاهر منها الاكتفاء بغُسل واحد ، وهو أعمّ من التداخل الدال على بقاء غُسل الجنابة ، وعدمه الدال على عدم الوجوب ، بل الظاهر من قولهعليهالسلام : « حرمتان اجتمعتا في حرمة » الأوّل. فلا يخلو من وجه ، إلاّ أن للكلام في المقام مجالاً ، والله تعالى أعلم.
قوله :
فأما ما رواه إبراهيم بن هاشم ، عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان بن يحيى ، عن عيص ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سألته عن رجل مات وهو جنب ، قال : « يغسّل غسلة واحدة بماء ، ثم يغسّل بعد ذلك ».
وروى علي بن محمّد ، عن أبي القاسم سعيد بن محمّد الكوفي ، عن محمّد بن أبي حمزة ، عن عيص ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : الرجل يموت وهو جنب ، قال : « يغسّل من الجنابة ، ثم يغسّل بعد غُسل الميت ».
عنه ، عن محمّد بن خالد ، عن عبد الله بن المغيرة قال : أخبرني بعض أصحابنا ، عن عيص ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، عن أبيهعليهالسلام قال : « إذا مات الميت فخُذ في جهازه وعجّله ، وإذا مات الميت وهو جنب غسّل غُسلاً واحداً ، ثم يغسّل بعد ذلك ».
فلا تنافي بين هذه الأخبار وبين الأخبار الأوّلة ؛ لأنّ هذه الروايات أوّل ما فيها أنّ الأصل فيها كلّها عيص بن القاسم ، وهو واحد ، ولا يجوز أن يعارض بواحد جماعة كثيرة ؛ لما بيّناه في غير موضع. ولو صحّ لاحتمل أنّ تكون محمولة على ضرب من
الاستحباب دون الفرض والإيجاب.
على أنّه يمكن أن يكون الوجه في هذه الأخبار أنّ الأمر بالغُسل بعد غُسل الميت غُسلَ الجنابة إنّما توجّه إلى غاسله ، فكأنه قيل له : ينبغي أن يغسّل الميت غُسل الجنابة ثم تغتسل أنت. فيكون ذلك غلطاً من الراوي أو الناسخ ؛ وقد روى ما ذكرناه هذا الراوي بعينه :
أخبرني الشيخرحمهالله عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن محمّد بن أحمد بن علي ، عن عبد الله بن الصلت ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن عيص بن القاسم ، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال : « إذا مات الميت وهو جنب غسّل غُسلاً واحداً ، ثم اغتسل بعد ذلك ».
السند :
في الأوّل : ليس فيه ريب إلاّ من جهة عدم الطريق إلى إبراهيم بن هاشم في المشيخة ، وطريقه في الفهرست إليه مقيد بكتبه(١) ، ولم يعلم أنّ هذا الخبر من كتبه. واحتمال تصحيح الطريق من طريقه إلى ابنه علي من حيث إنّ الظاهر كون الابن روى جميع روايات الأب لا يخفى حاله.
وأمّا عيص فهو ابن القاسم ، كما صرَّح به الشيخ فيما يأتي.
والثاني : فيه علي بن محمّد ، وهو مشترك(٢) ، من دون الطريق إليه ليعرف مرتبته.
__________________
(١) الفهرست : ٤.
(٢) هداية المحدثين : ٢١٨.
وسعيد بن محمّد الكوفي غير مذكور في الرجال.
ومحمّد بن أبي حمزة قدّمنا فيه القول(١) ؛ وفي الرجال أيضاً محمّد بن أبي حمزة التيملي مهمل(٢) .
والثالث : فيه جهالة المروي عنه الراجع إليه ضمير عنه. وكذلك محمّد بن خالد لاشتراكه(٣) مع الإرسال.
والرابع : فيه محمّد بن أحمد بن علي ، ولا يبعد أنّ يكون محمّد بن أحمد ابن أبي قتادة علي بن حفص ؛ لأنّ الراوي عنه محمّد بن يحيى العطّار ، وهو ثقة في النجاشي(٤) . واحتمال غيره ممّا هو مذكور في كتاب ابن داود نقلاً من كتاب الشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهمالسلام (٥) أظنّه بعيداً.
المتن :
في الجميع ما عدا الأخير لا يخلو ما ذكره الشيخ فيه من نظر :
أمّا أولاً : فلما ذكرهرحمهالله من أنّه لا يطعن في السند إلاّ بعد عدم وجه الجمع ، والوجه هنا ممكن.
وأمّا ثانياً : فلأنّ السهو من الراوي في مثل هذا مشكل بالنسبة إلى كون الرجل ثقة ؛ اللهم إلاّ أنّ يكون السهو نادراً. وسهو الناسخ أبعد ؛ لأنّ مقتضى الأوّل : أنّ يغسّل الميت بماء أوّلاً ثم يغسّل ، فلو حمل الغُسل الثاني
__________________
(١) في ص ٩٤٥.
(٢) رجال الطوسي : ٣٠٦ / ٤١٧.
(٣) هداية المحدثين : ٢٣٧.
(٤) رجال النجاشي : ٣٣٧ / ٩٠٢.
(٥) رجال ابن داود : ١٦١.
على غُسل المغسّل أمكن ، أمّا غُسل الميت بماء فقط فهو خلاف مدلول الأخبار ؛ اللهم إلاّ إلاّ أنّ يقال : إنّ الغرض بيان غُسله بالماء المطلق ، وترك ما معه من الضميمة للعلم به ، وربما كان هذا أولى في الاستدلال لسلاّر لو صحّ.
وأمّا الثاني : فالسهو فيه من الناسخ بعيد جدّاً ، وظاهره المنافاة.
وكذلك الثالث ، إلاّ أنّه قريب للتأويل ، ولعلّ الأولى الحمل على الاستحباب.
وما قاله شيخنا أيّده الله تعالى في فوائد الكتاب : من أنّ الأوضح الحمل على أنّه يغسّل أوّلاً من أثر الجنابة مثل المني ونحوه ؛ ممكن وإنّ بعُد ، إلاّ أنّه أقرب من محمل الشيخ على السهو.
أمّا ما ذكره الشيخ من دلالة الرواية الأخيرة فلا يدلّ على أنّ ما وقع سهو كما لا يخفى ، بل يؤكّد الاستحباب.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ مورد الأخبار موت الجنب ، أمّا غيره فالحائض والنفساء قد ورد في بعض الأخبار أنّهما يغسّلان مثل غُسل الطاهرة.
ثم قالعليهالسلام : « وكذلك الجنب إنّما يغسّل غُسلاً واحداً فقط » وفيه دلالة على أنّ المراد بالغُسل الواحد غسل الأموات. وهو مروي في التهذيب عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام (١) .
__________________
(١) التهذيب ١ : ٤٣٢ / ١٣٨٢ ، الوسائل ٢ : ٥٤٠ أبواب غسل الميت ب ٣١ ح ٢.
ولا يبعد أنّ يكون الحديث مأخوذاً من الفقيه ، وما تضمنه من الجنب محتمل لأنّ يكون من كلام الصدوق ، لأنّه قال في آخره : وكذلك الجنب إنّما يغسّل غُسلاً واحداً(١) . والموجود في النسخة التي وقفت عليها وقوع فاصل بين هذه العبارة وما قبلها ؛ إلاّ أنّ الشيخ نقله من جملة الحديث من غير فاصلة.
وأمّا غير من ذكر فاحتمال الاتحاد في الحكم ممكن ؛ لظاهر التعليل في الخبر السابق عن زرارة(٢) . ويحتمل العدم ؛ لاحتمال التعليل الاختصاص ، ولا يخلو من بُعد. وقد وصف خبر زرارة بالصحة في كلام بعض محقّقي المعاصرين(٣) سلّمه الله وكأنّه لما أشرنا إليه سابقاً(٤) .
قوله :
باب حدّ الماء الذي يغسّل به الميت.
أخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الصفار ، قال : كتبت إلى أبي محمّدعليهالسلام ، كم حدّ الماء الذي يغسّل به الميت؟ كما ورد(٥) أنّ الجنب يغتسل بستّة أرطال والحائض بتسعة أرطال ، فهل للميت حدّ من الماء الذي يغسّل به؟ فوقّععليهالسلام : « حدّ غسل الميت أنّ يغسّل حتّى يطهر إنّ شاء الله تعالى ».
فأمّا ما رواه علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن
__________________
(١) الفقيه ١ : ٩٣ / ٤٢٥.
(٢) المتقدم في ص ٩٥٨.
(٣) كالبهائي في الحبل المتين : ٦٠. ووصفه بالحسن لا بالصحة.
(٤) راجع ص : ٩٦٢.
(٥) في الاستبصار ١ : ١٩٥ / ٦٨٦ : رووا.
حفص ابن البختري ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعلي (١) : إذا أنا مِتُّ فاغسلني بسبع قِرَب من بئر غرس ».
وما رواه سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن فضيل سُكَّرة قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : جعلت فداك ، هل للماء حدّ محدود؟ قال : « إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لعليعليهالسلام : إذا أنا مِتّ فاستق لي ستّ قِرَب من بئر غرس فاغسلني وكفّنّي ».
فلا تنافي بين هذين الخبرين والخبر الأوّل ؛ لأنّهما محمولان على ضرب من الاستحباب ، لأنّ الفضل في غُسل الميت أنّ يستعمل الماء كثيراً واسعاً ولا يضيّق الماء فيه ، وإنّ كان لو اقتصر على القدر الذي يطهره أجزأه ما يتناوله اسم الغسل.
السند :
في الأوّل : لا ارتياب فيه كما قدّمناه.
والثاني : كذلك عند المتأخرين ، غير أنّه ربما يحصل نوع شك في حفص ابن البختري ، لأنّ النجاشي وثّقه قائلاً بعد التوثيق : روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهماالسلام ، ذكره أبو العباس ، وإنّما كان بينه وبين آل أعيَن نبوة(٢) فغمزوا عليه بلعب الشطرنج(٣) .
ولا يخفى أنّ أبا العباس مشترك بين ابن نوح وابن عقدة(٤) ، وابن
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٩٦ / ٦٨٧ ، والتهذيب ١ : ٤٣٥ / ١٣٩٨ زيادة :عليهالسلام : يا علي.
(٢) النبوة : النفرة ، المصباح المنير : ٥٩١ ( نَبَا ).
(٣) رجال النجاشي : ١٣٤ / ٣٤٤.
(٤) هداية المحدثين : ٢٨٨.
عقدة لا يصلح لإثبات توثيقه ، لكن شيخنا المحقّق ميرزا محمّد أيّده الله كان يرجّح أنّه ابن نوح. وهو غير بعيد ، إلاّ أنّ ابن نوح فيه كلام يعرف من مراجعته ، ورجوعه لا يفيد ؛ إذ لم يعلم كون التوثيق بعده. ولعلّ الإشارة في ذلك إلى روايته عن أبي عبد الله وأبي الحسن ، لا إلى التوثيق ، لكن إشارة البعيد تنافيه ( وقد تقدّم القول فيه مفصّلاً(١) )(٢) .
والثالث : فيه سهل.
وفضيل سُكّرة مهمل في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ(٣) .
المتن :
في الأوّل : لا يخفى ظهوره في الدلالة على أنّ ماء غُسل الميت ليس له حدّ.
والأخبار الباقية ما ذكره الشيخ فيها لا وجه له ؛ لأنّ السؤال في الأوّل تضمّن أنّ غُسل الميت هل له حدّ كما في الجنب؟ والجواب تضمّن أنّ حدّ غُسل الميت الطهارة ؛ وهو يقتضي أنّ ما في الجنب والحائض ليس في الميت ، والزيادة في الجنب والحائض على الاستحباب محمولة ، فلو حمل ما في الأخبار على الاستحباب ساوى غيره في الاستحباب ، وإنّ تفاوت الاستحباب في المقدار ، والظاهر من الخبر الأوّل نفي الحدّ مطلقاً.
ولعلّ الأولى أنّ يقال : إنّ المنفي من الأوّل غير صحيح ، والمفهوم لو تمّت دلالته يراد به نفي ما ذكر للجنب والحائض لا مطلقاً.
__________________
(١) راجع ص ٦١.
(٢) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٣) رجال الطوسي : ٢٧٢ / ٢٧.
على أنّ ما ورد في قضيّة النبيصلىاللهعليهوآله يشكل بما رواه الشيخ في التهذيب عن الصفار ، عن محمّد بن عيسى ، عن القاسم الصيقل قال : كتبت إليه : جعلت فداك ، هل اغتسل أمير المؤمنينعليهالسلام حين غسّل رسول اللهصلىاللهعليهوآله عند موته؟ فأجابه : « النبيصلىاللهعليهوآله طاهر مطهّر ، ولكن أمير المؤمنينعليهالسلام فعل وجرت به السنّة »(١) .
فإنّ هذا الحديث كما ترى يدل على خلاف ما ذكره الشيخ من التأويل ؛ إلاّ أنّ يقال : إنّه لتعليم الناس ؛ وحينئذٍ يكون المستحب في غُسل الميت زيادة الماء القدر المذكور في الرواية ، لا مطلق الكثرة كما قاله الشيخ ، على أنّ خصوص بئر غرس ربما كان له نوع مدخلية.
اللغة :
غرس : بالغين المعجمة والراء المهملة نصّ عليه في القاموس ، وقال : بئر غرس في المدينة ، ومنه الحديث : « غرس من عيون الجنة »(٢) كذا قاله شيخنا أيّده الله في فوائد الكتاب. وفيه دلالة على خصوصية بئر غرس كما لا يخفى.
قوله :
باب جواز غسل الرجل امرأته والمرأة زوجها.
أخبرني الشيخ رحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن
__________________
(١) التهذيب ١ : ٤٦٩ / ١٥٤١ ، الوسائل ٣ : ٢٩١ أبواب غسل المس ب ١ ح ٧ وفيهما بتفاوت يسير.
(٢) القاموس المحيط ٢ : ٢٤٣.
محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد(١) ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، أنّه سئل عن الرجل يموت وليس عنده من يغسّله إلاّ النساء ، قال : « تغسّله امرأته أو ذو قرابة إنّ كانت له ، وتصبّ النساء عليه الماء صبّاً ، وفي المرأة إذا ماتت يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسّلها ».
وبهذا الاسناد ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم قال : سألته عن الرجل يغسّل امرأته؟ قال : « نعم من وراء الثوب ».
أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن الحسين بن عثمان ، عن سماعة قال : سألته عن المرأة إذا ماتت ، قال : « يدخل زوجها يده تحت قميصها ويغسّلها إلى المرافق ».
سهل بن زياد ، عن علي بن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في المرأة إذا ماتت وليس معها امرأة تغسّلها ، قال : « يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسّلها إلى المرافق ».
الحسين بن سعيد ، عن علي بن النعمان ، عن أبي الصباح الكناني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في الرجل يموت في السفر في أرض ليس معه إلاّ النساء ، قال : « يدفن ولا يغسّل ؛ والمرأة تكون مع الرجل بتلك المنزلة تدفن ولا تغسّل ، إلاّ أنّ يكون زوجها معها ؛ فإن كان زوجها معها غسّلها من فوق الدرع ويسكب الماء عليها سكباً ،
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ١٩٦ / ٦٨٩ زيادة : بن عثمان.
ولا ينظر إلى عورتها ، وتغسله امرأته إنّ مات ؛ والمرأة إنّ ماتت ليست بمنزلة الرجل ، المرأة أسوأ منظراً إذا ماتت ».
سهل بن زياد ، عن ابن أبي نصر ، عن داود بن سرحان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام مثله.
قال محمّد بن الحسن : هذه الأخبار كلها دالّة على أنّه ينبغي له أن يغسّلها من فوق الثياب ؛ وأمّا المرأة فإنّ الأولى أيضاً أنّ تغسّل الرجل من فوق الثياب.
السند :
في الأوّل : حسن.
والثاني : صحيح.
والثالث : موثّق على ما قدمناه في الحسين بن عثمان(١) .
والرابع : فيه سهل بن زياد.
والخامس : صحيح.
والسادس : فيه سهل بن زياد.
وداود بن سرحان(٢) وثّقه النجاشي(٣) ، إلاّ أنّ في كلامه احتمال أنّ يكون التوثيق من ابن نوح ، وقد قدّمنا في ابن نوح أنّ فيه كلاماً(٤) .
والحق أنّ يقال : إنّ ما ذكر في ابن نوح إنّما حكاه الشيخ في
__________________
(١) في ص ١٣١.
(٢) في النسخ : علي بن النعمان ، والصواب ما أثبتناه.
(٣) رجال النجاشي : ١٥٩ / ٤٢٠.
(٤) راجع ص ٩٦٨.
الفهرست بلفظ : وحكي عنه مذاهب فاسدة في الأُصول مثل القول بالرؤية(١) . ولا يخفى أنّ الحاكي غير معروف ، والنجاشي ليس ممن يشتبه عليه الحال ، وقد أثنى عليه تمام الثناء في كتاب الرجال(٢) .
المتن :
في الأوّل : كما ترى يدل على أنّ الزوجة تغسّل الرجل أو القرابة ، أمّا الزوجة فيغسّل الزوج لها بإدخال يده تحت القميص. وما تضمنه السؤال من قوله : ليس عنده إلاّ النساء. لا يدل على الاختصاص بحال الضرورة ، لأنّ السؤال عن بعض الأفراد لا يفيد تخصيصها كما لا يخفى.
فإن قلت : إذا تضمّن السؤال أمراً خاصاً فالظاهر من الجواب مطابقته ، ودعوى الجواز مطلقاً يحتاج إلى دليل.
قلت : نحن لا ندعي الجواز مطلقاً بهذه الرواية ، بل من إطلاق بعض آخر ، على معنى أنّه لا يتوهم أنّ إطلاق البعض يقيد بهذا الخبر ، وإنّما يقيد المطلق إذا نافاه ، أمّا إذا ذكر بعض أفراده فلا منافاة ، وما نحن فيه من هذا القبيل ؛ لأنّ بعض أفراد المطلق ما ذكر في السؤال.
فإن قلت : هذا آتٍ في كل مطلق ومقيّد.
قلت : قد قدّمنا في هذا الكتاب كلاماً في أنّ المقيد إنّما ينافي المطلق إذا قلنا بأنّ مفهوم الوصف حجة ، ليدلّ وصف المقيد على النفي عما عداه المنافي للمطلق الدالّ على الجواز ، بخلاف ما إذا سئل عن بعض أفراد المطلق فإنّ الجواب عنه لا يفيد إثبات وصف دالّ على النفي عما عداه وإنّ
__________________
(١) الفهرست : ٣٧ / ١٠٧.
(٢) رجال النجاشي : ٨٦ / ٢٠٩.
اختص الجواب بالسؤال ، فينبغي التأمّل في هذا ، فإنّي لم أقف عليه في كلام الأُصوليين ، مع أنّ القائل بعدم حجية مفهوم الوصف قائل بحمل المطلق على المقيد بسبب التنافي ، هذا.
والموجود في النسخ : « وتصبّ النساء عليه الماء » والظاهر عود الضمير إلى الميت ؛ وفي الفقيه : « وتصبّ النساء عليها الماء »(١) وكأنّه أظهر.
والثاني : وإنّ كان فيه إطلاق التغسيل من وراء الثياب المتناول للغسل من فوقها إلاّ أنّه يمكن حمله على المقيّد السابق الدالّ على إدخال يده تحت القميص.
أمّا الثالث : ففيه تقييد أيضاً إلاّ أنّه مصرّح بغسل اليدين إلى المرافق ، وهو غير مدلول الأولين ، فيمكن حمل إطلاقهما على هذا المقيّد عند من يعمل بهذا الخبر كالشيخ.
ولا يبعد أنّ يكون الشيخ فهم من قوله : « المرافق » إرادة مرافق الغاسل ، على معنى يدخل يده إلى المرافق ؛ ويكون المراد باليد ما يتناول اليدين بنوع من التوجيه. ولو لا هذا لكان الخبر من قسم المنافي للأوّلين كما لا يخفى. وهكذا القول في الرابع.
والخامس : كما ترى يدل على أنّ سقوط التغسيل مع عدم من ذكر ، وسيأتي ما ينافيه ، ونتكلم فيه إنّ شاء الله تعالى.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ مدلول هذه الأخبار ما ذكره الشيخ من تغسيل المرأة من وراء الثياب ، لكن ظاهر كلام الشيخ أنّ ذلك ليس على سبيل
__________________
(١) الفقيه ١ : ٩٤ / ٤٣٤ ، الوسائل ٢ : ٥١٩ أبواب غسل الميت ب ٢٠ ح ٩.
التعيّن ؛ لأنّه قال : وأمّا المرأة فإنّ الأولى أيضاً. ولفظ « ينبغي » ربما يدل أيضاً.
وسيأتي من الشيخ ما يقتضي التعيّن ( في جانب الرجل عن قريب ، ويأتي )(١) كلام يدل على التقييد بعدم النساء إذا ماتت المرأة وعدم الرجال إذا مات الرجل ، وستسمع القول فيه(٢) .
والمنقول عن السيّد المرتضى(٣) وجماعة منهم الشيخ في الخلاف : جواز تغسيل كلّ من الزوجين الآخر مجرّداً مع وجود المحارم وعدمهم(٤) .
قوله :
والذي يدل على ذلك :
ما رواه حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمّد الكِنْدي ، عن غير واحدٍ ، عن أبان بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يموت وليس عنده من يغسّله إلاّ النساء ، هل تغسّله النساء؟ فقال : « تغسّله امرأته أو ذات محرم ، وتصبّ عليه(٥) النساء الماء صبّاً من فوق الثياب ».
سعد بن عبد الله ، عن أبي جعفر ، عن الحسن بن علي الوشّاء ، عن عبد الله بن سنان قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : « إذا مات
__________________
(١) بدل ما بين القوسين في « د » و « رض » : عن قريب ، ويأتي في جانب الرجل.
(٢) في ص : ٣٦٧ ٣٧٠.
(٣) حكاه عنه في الذكرى : ٣٨.
(٤) الخلاف ١ : ٦٩٨.
(٥) في الاستبصار ١ : ١٩٨ / ٦٩٥ : عليها.
الرجل مع النساء غسّلته امرأته ، فإن لم تكن معه امرأته غسّلته أولاهنّ به وتلفّ على يديها خرقة ».
ولا ينافي ذلك : ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في الرجل يموت وليس معه إلاّ النساء ، قال : « تغسّله امرأته ، لأنّها منه في عدّة ، وإذا ماتت لم يغسّلها لأنه ليس منها في عدة ».
لأنّ الوجه في قولهعليهالسلام : « إذا ماتت لم يغسّلها » أي مجرّدة من ثيابها ؛ لأنّا إنّما نجوّز أنّ يغسّلها من تحت الثياب ، وعلى هذا دلّ أكثر الروايات المتقدمة ، ويكون الفرق بين الرجل والمرأة في ذلك أنّ المرأة يجوز لها أنّ تغسل الرجل مجرداً ، وإنّ كان الأفضل والأولى أنّ تستره ثم تغسله ؛ وليس كذلك الرجل ، لأنّه لا يجوز له أنّ يغسّلها إلاّ من وراء الثياب.
السند :
في الأوّل : فيه حميد بن زياد ، وهو ثقة واقفي على ما ذكره النجاشي(١) ، والشيخ لم يذكر الوقف وذكر التوثيق(٢) . ورجحان النجاشي هنا واضح على قواعد بعض الأصحاب من ترجيح الجارح(٣) ، غير أن العلاّمة قال في الخلاصة بعد نقل كلامي الشيخ والنجاشي : والوجه عندي أنّ روايته مقبولة إذا خلت عن المعارض(٤) .
__________________
(١) رجال النجاشي : ١٣٢ / ٣٣٩.
(٢) الفهرست : ٦٠ / ٢٢٨.
(٣) كالشهيد الثاني في الدراية : ٧٣.
(٤) الخلاصة : ٥٩ / ٢.
وفي حواشي جدّيقدسسره على الخلاصة : إنّ أراد بالمعارض ما يتناول أصالة البراءة فالكلام جيّد ، إلاّ أنّ العمل والحال هذه يكون بالأصل لا بالخبر ؛ وإنّ أراد بالمعارض النقل دون أصالة البراءة فمشكل ؛ لأنّ الخروج عن أصالة البراءة برواية الواقفي غير معهود من مذهبه وإنّ كان موثقاً. انتهى.
وفي نظري القاصر أنّ ما قاله جدّيقدسسره محلّ تأمّل ، لأنّ ظاهر قول العلاّمة : إذا خلا عن المعارض. لا يقبل إرادة أصالة البراءة ؛ لأن معارضة أصالة البراءة لا يتمّ إلاّ إذا دلّ الخبر على خلافها ، فكيف يقول حينئذٍ : إنّ العمل بالأصالة لا بالخبر.
ولعلّهقدسسره فهم من العلاّمة أنّ مراده بالخلوّ عن معارضة أصالة البراءة موافقة أصالة البراءة ؛ لأنّ خلوّ الخبر عن معارضة أصالة البراءة يقتضي موافقة أصالة البراءة.
وهذا وإنّ أمكن توجيهه إلاّ أنّه يمكن أنّ يقال : إنّ الخلوّ عن معارضة الأصالة لا يقتضي موافقتها ، كما لو فرض تحقّق اشتغال الذمّة بحكم ثم ورد الخبر في زوال ذلك الحكم ، فإنّ الخبر حينئذٍ غير معارض بأصالة البراءة ولا موافق لها.
وتوضيح هذا يتحقق بمثالٍ ، وهو ما لو علم نجاسة الثوب بشيء من النجاسات ، ( ثم ورد الخبر بأنّ طهره يتحقق بالغَسل بالماء مرّة ، فأصالة البراءة لا توافقه لتحقق اشتغال الذمّة بالنجاسة )(١) .
اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ أصالة البراءة من الزائد عن المرّة موجودة فهي
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « فض ».
موافقة له.
وفيه : أنّ هذا إنّما يتمّ على تقدير ورود المرّتين وتعارض الخبرين ، والمدعى أعمّ.
نعم لو ورد الخبر بالمرّتين ، وغيره بالمرّة. أمكن موافقته لأصالة البراءة ، نظراً إلى أنّ الزيادة عن المرّة الأصل عدم التكليف بها.
وفيه نوع تأمّل ؛ لأنّ الفرض تحقق اشتغال الذمّة بالنجاسة على الإطلاق ، فلا وجه لكون الزائد عن المرّة خلاف الأصل.
اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ فعل المرّة أزال يقين(١) النجاسة ، والذمّة إنما كانت مشغولة بما يخرج عن الأصل باليقين ، ومع انتفائه يزول اشتغال الذمّة ويرجع إلى الأصل.
وفيه نظر ؛ لأنّ زوال النجاسة موقوف على ما أعدّه الشارع ، والفرض تعارض الخبرين ، وقد قدّمنا نحو هذا فيما سبق.
وقول جدّيقدسسره على تقدير إرادة المعارض النقلي أيضاً لا يخلو من تأمّل ، لا لما ذكره من جهة العلاّمة ، بل لما أشرنا إليه فليتأمّل ، هذا كلّه فإنّه حري بالتأمّل التامّ.
ثم ما ذكره العلاّمة يتوجه عليه أنّ ترك قبول قول النجاشي غريب بعد اشتهار تقديم قول الجارح على المعدِّل ، واعتبار التوقف على بيان السبب لا يقتضي تقديم قول الشيخ لاشتراك العلّة ، على أنّ الخلوّ عن المعارض لا دخل له بالترجيح ، وهو أعلم بمراده.
وأمّا الحسن بن محمّد الكِنْدي فهو الحسن بن محمّد بن سماعة
__________________
(١) في « فض » و « رض » : تعين.
الواقفي الثقة ؛ لأنّ الراوي عنه حميد بن زياد في الرجال على ما في النجاشي(١) والفهرست(٢) ، والإرسال في السند غير خفي.
والثاني : حسنُ بالوشّاء ، على تقدير دلالة ما قالوه : من أنّه من الوجوه. على المدح(٣) .
والثالث : لا ارتياب في صحته كما قدّمناه.
المتن :
في الأوّل : يدل على ما ذكره الشيخ من تغسيل المرأة للرجل من وراء الثياب إنّ جعل قوله : « من وراء الثياب » متعلقاً بقوله : « تغسّله امرأته » أمّا لو جعل متعلقاً بـ « تصبّ عليه النساء » فلا يدل ، لكن الظاهر ما فهمه الشيخ ، إلاّ أنّ الاحتمال ممكن.
وما تضمّنه من ذكر ذات المحرم يراد بها على ما ذكره الأصحاب من حرم نكاحه مؤبّداً بنسب أو رضاع أو مصاهرة(٤) . واحترز بقيد التأبيد عن أُخت الزوجة وبنت غير المدخول بها.
ونقل بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله عن الشهيد في شرح الإرشاد : أنّه قال : إنّ توقف حلّ نكاحهما على مفارقة الأُخت والأُم لو اقتضى دخولهما في المحارم لزم كون نساء العالم محارم للمتزوّج أربعاً.
__________________
(١) رجال النجاشي : ٤٠ / ٨٤.
(٢) الفهرست : ٥١ / ١٨٢.
(٣) كما في رجال النجاشي : ٣٩ / ٨٠ ، والفهرست : ٥٤ / ١٩٢ ، وخلاصة العلاّمة : ٤١ / ١٦.
(٤) منهم الشهيد الأوّل في الدروس ١ : ١٠٣ ، والشهيد الثاني في الروضة البهية ١ : ١٢٥ ، والبهائي في الحبل المتين : ٦٣.
وناقشه الناقل بعدم تحريم النكاح المنقطع على ذي الأربع ، قال : ولو قال ـ يعني الشهيد ـ : لزم كون ذوات الأزواج محارم للأجانب كان ، أولى(١) . انتهى.
وفي نظري القاصر أنّ كلام الشهيد ( لا وجه له ، لأنّ غرض من فسّر المحارم الانحصار في النسب والرضاع والمصاهرة ، ولو لا هذا لدخل فيه الملاعنة والمطلقة تسعاً والموطؤة في العدّة )(٢) لكن لما كانت أُخت الزوجة من توابع المصاهرة وذكروها بخصوصها وعلى هذا فالاعتراض بذي الزوجات الأربع إنّما يتم إذا فسّر المحرم : بمن لو فارق من عنده حلّت له ، أو بمن تحرم عليه ما دامت عنده الزوجة أمكن أنّ يقال : لولا قيد الدوام دخل ما ذكر ، لكن غير خفي عدم الدخول في التعريف ؛ لأنّ الظاهر كون المانع هو الزوجة الرابعة ، والحال أنّ ذوات الأزواج داخلات في نساء العالم ، ولا يحصل الحلّ بمجرد المفارقة ، بل بمفارقتين منه ومن الزوج الآخر.
وبالجملة : فالكلام لا يخلو من غرابة من مثل الشهيدرحمهالله .
وأعجب منه مناقشة الناقل لكلامه سلّمه الله فإنّ في المناقشة اعترافاً بالإيراد ، وقد عرفت الحال. وما قاله : من أنّ الأولى إلى آخره فيه ما قدّمناه ، فليتدّبر كلّه.
أمّا الثاني : فلا أعلم وجه الدلالة فيه على المطلوب ، ولعلّ ذلك من قوله : « وتلفّ على يديها خرقة » لكن غير خفي أنّ مثل هذا لا يصدق عليه
__________________
(١) حكاه في الحبل المتين : ٦٣ ، وهو في روض الجنان : ٩٧.
(٢) بدل ما بين القوسين في « فض » : والاعتراض محل بحث اما الأوّل فلأنّ نساء العالم لا وجه.
من وراء الثياب ، مضافاً إلى ظهور العود إلى غير الزوجة.
وأمّا الثالث : فدفع المنافاة فيه بما ذكره الشيخ بعيد عن ظاهر التعليل ، لكنه وجه للجمع في الجملة.
وما ذكره الشيخ : من أنّ الرجل لا يجوز له أنّ يغسّلها إلاّ من وراء الثياب. ينافي ما قدّمناه من دلالة كلامه على الأولوية سابقاً(١) ، إلاّ أنّ التسديد ممكن.
والرواية المذكورة أوّل الباب ظاهرها ينافي هذه الرواية ؛ لتضمّنها إدخال يده تحت القميص ، ومقتضى هذه أنّه ليس منها في عدّة ، وهو يدل على عدم الجواز. نعم الرواية الثانية على تقدير الحمل على غسل يديها لا تنافي هذه الرواية ، لأنّ المنفي في هذه التغسيل التامّ. وكذلك الثالثة. هذا.
وفي الرواية الأخيرة كما ترى دلالة على أنّ المرأة لو خرجت من العدة ليس لها أنّ تغسّله ، والمفهوم هنا ربما يدّعى صراحته من حيث إنّ الظاهر كون ما ذكر علّة ، وإذا انتفت انتفى معلولها.
إلاّ أنّ يقال بأنّ فرض بقاء الميت إلى انقضاء العدة بعيد ، والتعليل إنّما هو للفرد المعروف لا لإخراج غيره ؛ مضافاً إلى ما يظهر من جدّيقدسسره في الروضة أنّ الحكم بجواز تغسيل المرأة للرجل وإنّ خرجت العدّة إجماعي ، حيث قال : ولا يقدح انقضاء العدّة في جواز التغسيل عندنا ، بل لو تزوجت جاز لها تغسيله وإن بَعُد الفرض(٢) . وذكر نحو ذلك الشهيدرحمهالله (٣) .
وربما يمكن حمل الخبر على التغسيل من دون الثياب ، وتكون العلّة
__________________
(١) راجع ص ٩٧٣.
(٢) الروضة البهية ١ : ١٢٤.
(٣) الذكرى : ٤٠.
كذلك لا لمطلق التغسيل ، كما ينبّه عليه حكم عدم تغسيل الرجل ، فإنّ جوازه لا ريب فيه من الأخبار ، وحينئذٍ لا بُدّ من حمله على إرادة ما وراء الثياب.
وحينئذٍ يكون آخر الخبر مؤيّداً لأنّ تكون العلّة في أوّله غير مستعملة فيما ينافي ما قلناه ، والأمر سهل بعد ما سمعته من كلام جدّيقدسسره .
أمّا ما قالهقدسسره من أنّها لو تزوّجت جاز لها تغسيله. فهو محلّ تأمّل إنّ لم يكن إجماعيّاً. واحتمال ادّعاء صدق الزوجة لا يخفى ما فيه.
قوله :
فأما ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، عن عبد الله بن سنان قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل أيصلح له أنّ ينظر إلى امرأته حين تموت؟ أو يغسّلها إنّ لم يكن عندها من يغسّلها؟ وعن المرأة هل تنظر إلى مثل ذلك من زوجها حين يموت؟ قال : « لا بأس بذلك ، إنّما يفعل ذلك أهل المرأة كراهية أنّ ينظر زوجها إلى شيء يكرهونه منها ».
أبو علي الأشعري ، عن محمّد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن منصور قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يخرج في السفر ومعه امرأته ، [ تموت(١) ] يغسّلها؟ قال : « نعم وأُمّه وأُخته ونحو هذا يلقي على عورتها خرقة ».
علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ،
__________________
(١) ليس في النسخ ، أثبتناها من الاستبصار ١ : ١٩٩ / ٦٩٩.
عن محمّد بن مسلم قال : سألته عن الرجل يغسل امرأته؟ قال : « نعم ، إنما يمنعها أهلها تعصّباً ».
أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمّد الجوهري ، عن علي ، عن أبي بصير قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : « يغسّل الزوج امرأته في السفر والمرأة زوجها في السفر إذا لم يكن معهم(١) رجل ».
فهذه الأخبار وإنّ كانت مطلقة في جواز غسل الرجل المرأة والمرأة الرجل فإنّا نقيّدها بالأخبار التي قدّمناها ؛ لأنّ الحكم الواحد إذا ورد مقيداً ومطلقاً فلا خلاف أنّه ينبغي أنّ يحمل المطلق على المقيد ، على أنّ هذا الحكم أيضاً إنّما يسوغ مع عدم النساء إذا ماتت المرأة ، وعدم الرجال إذا مات الرجل ، والذي يدل على ذلك ما رويناه من الأخبار المتقدمة.
السند :
فيما عدا الأخير لا ارتياب فيه.
والأخير واضح الضعف بما قدمناه(٢) .
أمّا صفوان فهو ابن يحيى كما وقع التصريح به في الكافي(٣) . ومنصور هو ابن حازم بغير ارتياب ؛ لرواية صفوان عنه في الرجال(٤) .
__________________
(١) في « رض » : معهما.
(٢) من جهة القاسم بن محمّد الجوهري وعلي ، راجع ص ١٢٩.
(٣) الكافي ٣ : ١٥٨ / ٨.
(٤) كما في رجال الكشي ٢ : ٧١٨ / ٧٩٥ ، والفهرست : ١٦٤ / ٧١٨.
المتن :
في الأوّل : لا يخفى صراحته في جواز النظر من كل من الزوجين إلى الآخر بعد الموت.
والثاني : صريح في التغسيل بدون ثوب بل بستر العورة فقط ، وينقل عن الشهيد في الذكرى(١) والعلاّمة(٢) قبله : أنّهما جعلاه دليلاً على التغسيل من وراء الثياب ، ولا أعلم وجهه.
ثم قولهعليهالسلام فيه : « ونحو هذا » محتمل للنصب على المفعولية فيكون معطوفاً على ما قبله ؛ ويحتمل الرفع على الابتداء والخبر « يلقي » وعلى الأوّل جملة « يلقي » مستأنفة ، والإشارة على الأوّل للمحرم ، وعلى الثاني كذلك.
والثالث : كالأوّل من جهة الزوجة إذا ماتت.
والرابع : فيه إطلاق التغسيل المتناول فوقية الثوب وعدمها.
وما ذكره الشيخ من حمل مطلق هذه الأخبار على المقيد لا يخلو من تأمّل ، أمّا أوّلاً : فلأنّ بعض هذه الأخبار صريح في الاكتفاء بستر العورة في المرأة ، وكلام الشيخ سابقاً(٣) يعطي عدم جواز التغسيل إلاّ من فوق الثياب.
وقولهقدسسره : إنّ الحكم الواحد إذا ورد مقيداً ومطلقاً ، إلى آخره. صحيح ، لكن المطلوب في هذه الأخبار ليس مطلقاً ، بل البعض صريح كما ذكرناه ، والبعض كالصريح من حيث التعليل ، والحمل على الاستحباب في
__________________
(١) الذكرى : ٣٩.
(٢) المختلف ١ : ٢٤٦.
(٣) راجع ص ٩٧٤.
الساتر ممكن بعد صراحة بعض هذه الأخبار ، واختلاف مدلولات الأخبار الأُول. والتعليل في بعض ما تقدم بالعدّة وعدمها لا يفيد تأسيس الحكم ، لما تضمّنه بعض الأخبار من التغسيل فوق الدرع مع مشاهدة الوجه ونحوه ، وبعضها ورد بالقميص ، والأمر فيه كذلك.
أمّا ما قاله الشيخ من : أنّ الحكم إنّما يسوغ ، إلى آخره. ففيه أنّ الأخبار المتقدمة لا تفيد التقييد إلاّ من حيث كلام السائل ، وقد قدّمنا فيه قولاً(١) .
نعم خبر أبي بصير المذكور هنا وقع التقييد فيه من الإمامعليهالسلام ، في بعض الصور ، أمّا رواية أبي الصباح السابقة فربما كان فيها تقييد من الإمامعليهالسلام ، وعلى هذا فما قاله شيخناقدسسره في فوائد الكتاب من انه ليس في الأخبار المتقدمة ما يدل على اعتبار هذا القيد. محل بحث ، لولا ما فصّلناه سابقاً وإجمال رواية أبي الصباح.
أمّا ما قاله بعض محقّقي المتأخرينرحمهالله من أنّ حمل المطلق على المقيد يتوقف على تحقق المنافاة ، وعدم العمل بالمطلق على إطلاقه مع العمل بالمقيد(٢) . فله وجه ، إلاّ أنّه لا يخلو من إجمال.
قوله :
ويزيد ذلك بيانا :
ما رواه أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن سنان ، عن أبي خالد ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « لا يغسّل الرجل المرأة إلاّ
__________________
(١) في ص ٩٧١.
(٢) كالأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ١ : ١٧٨.
أنّ لا توجد امرأة ».
ولا ينافي ذلك : ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن أبي نصر ، عن عبد الرحمن بن سالم ، عن مفضّل بن عمر ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : جعلت فداك ، من غسّل فاطمةعليهاالسلام ؟ قال : « ذاك أمير المؤمنينعليهالسلام » قال : فكأنّي استعظمت ذلك من قوله ، قال : « فكأنّك ضقت ممّا أخبرتك به؟ » قلت : فقد كان ذلك جعلت فداك ، قال : « لا تضيقنّ ، فإنّها صدّيقة لم يكن يغسّلها إلاّ صدّيق ، أمّا علمت أنّ مريم لم يغسّلها إلاّ عيسى ».
وما رواهأحمد بن يحيى ، الحسن بن موسى الخشّاب ، عن غياث بن كلوب ، عن إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيه : « أنّ علي بن الحسين أوصى أنّ تغسّله أُمّله إذا مات ، فغسّلته ».
لأنّ الوجه في هذين الخبرين أنّ نقصرهما عليهماعليهماالسلام خاصة ، ويكون الوجه في ذلك ما تضمنه الخبر من أنّه لم يكن هناك من يجوز أن يباشر فاطمة عليهاالسلام (١) وكذلك القول في الخبر الثاني ؛ وإلاّ فالأصل ما ذكرناه.
السند :
في الأوّل : فيه محمّد بن سنان ، وقد قدّمنا القول فيه مفصلاً(٢) .
وأبو خالد هو القمّاط ؛ لرواية محمّد بن سنان عنه كما في الفهرست ،
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٢٠٠ : ومريمعليهماالسلام .
(٢) في ص ٨٥.
ونقل فيه عن ابن عقدة : أنّ اسمه كَنْكَر(١) . والعلاّمة قال : أبو خالد القمّاط اسمه يزيد(٢) . والشيخ في رجال الصادقعليهالسلام من كتابه قال : خالد بن يزيد يكنى أبا خالد القماط(٣) . والظاهر منه أنّ المكنى خالد ، وعلى ما ذكره العلاّمة يكون المكنى يزيد.
والنجاشي قال : يزيد أبو خالد القماط مولى ، إلى آخره(٤) . وهذه العبارة محتملة لأنّ يكون قوله : أبو خالد. لأجل بيان يزيد ، فكأنّه قال : يزيد الذي هو أب لخالد القماط مولى ، إلى آخره ، فلا يكون المقصود بيان الكنية. ويحتمل إرادة بيان الكنية. وعلى كل حال فالأمر سهل في هذا المقام ، وأظنّ أنّي قدّمت أيضاً في هذا بعض الكلام(٥) .
وأمّا أبو حمزة ففيه اشتراك(٦) .
والثاني : فيه عبد الرحمن بن سالم ، والموجود في الرجال واحد وهو الأشلّ ضعيف(٧) .
والمفضل بن عمر ضعيف(٨) .
والثالث : فيه الحسن بن موسى الخشّاب ، وقد قال النجاشي : إنّه من وجوه أصحابنا مشهور كثير العلم(٩) .
__________________
(١) الفهرست : ١٨٤ / ٨١٦.
(٢) خلاصة العلاّمة : ٢٦٩ / ٥.
(٣) رجال الطوسي : ١٨٩ / ٧١.
(٤) رجال النجاشي : ٤٥٢.
(٥) راجع ص ٦٣.
(٦) هداية المحدثين : ٢٨٠.
(٧) ضعّفه العلاّمة في الخلاصة : ٢٣٩ / ٧.
(٨) رجال النجاشي : ٤١٦ / ١١١٢.
(٩) رجال النجاشي : ٤٢ / ٨٥.
وغياث بن كلوب مهمل في الرجال ، وقد ذكره الشيخ في الفهرست(١) ، والنجاشي ، وذكر أنّ الراوي عنه الحسن بن موسى الخشّاب(٢) . ثم إنّ الشيخ في من لم يرو عن الأئمةعليهمالسلام من كتابه قال : غياث بن كلوب بن فَيْهس روى عنه الصفار(٣) ؛ فتأمّل.
المتن :
في الأوّل : كما ترى وإنّ كان فيه إطلاق ، إلاّ أنّه لا بُعد في تقييده بغير الزوج ؛ وعلى تقدير بقائه على الإطلاق يحمل على الاستحباب. والعلاّمة في المختلف ذكر الرواية دليلاً للشيخ ، وأجاب بضعف السند والحمل على الاستحباب أو على الرجل الأجنبي ، ويكون الاستثناء إشارة إلى ما روي أنّه يغسّل من الأجنبية وجهها وكفّيها(٤) . انتهى.
ولا يخفى ما في قوله أخيراً من البُعد عن ظاهر الرواية ، إلاّ أنّ يقال : إنّما بَعد الاستثناء مجمل فيفسّره ما دلّ على ما ذكره ؛ ولو حمل التغسيل على غسل الوجه واليدين فالبُعد أظهر.
والثاني : لا وجه لذكره في قسم المنافي كما لا يخفى ، وكذلك الثالث ؛ وتأويل الشيخ ما فيه أظهر من أنّ يبيّن.
إذا عرفت هذا فاعلم : أنّ الأخبار في هذا الباب والباب الآتي لا يخلو من دلالة على نوع اختصاص في غسل الميت ببعض الناس ، وقد روى
__________________
(١) الفهرست : ١٢٣ / ٥٥٠.
(٢) رجال النجاشي : ٣٠٥ / ٨٣٤.
(٣) رجال الطوسي : ٤٨٩ / ٣.
(٤) المختلف ١ : ٢٤٦.
الصدوق في الفقيه مرسلاً عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال : « يغسّل الميت أولى الناس به أو من يأمره الوليّ »(١) .
وهذا الخبر وإنّ كان مرسلاً إلاّ أنّ له مزيّة ظاهرة كما قدّمنا فيها القول(٢) ، غاية الأمر أنّ معنى الوليّ في كلام الأصحاب لا يخلو من إشكال ، والذي يمكن اعتباره من تفسيره : من كان أمسّ بالميت رحماً وأشدّهم به علاقة.
ثم إنّ المستفاد من كلام بعض الأصحاب(٣) عدم جواز الغُسل بدون الإذن ، إلاّ إذا لم يكن له صلاحية ، ودليله مع الخبر المذكور قوله تعالى( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) (٤) .
وفي الاستدلال بالآية تأمّل ظاهر ؛ أمّا الخبر فله نوع وجه ، لكن الأخبار كما قدّمنا إليه الإشارة فيها دلالة على أنّ الأولوية لا تفيد الوجوب.
ويفهم من المنتهى : أنّه حمل حديث أمير المؤمنينعليهالسلام على الاستحباب(٥) .
والمحقّق في الشرائع قال : إنّ الزوج أولى بالمرأة من كل أحد في أحكامها كلّها(٦) .
وذكر شيخناقدسسره أنّ المستند موثّقة إسحاق بن عمّار ، حيث قالعليهالسلام : « الزوج أحق بالمرأة حتى يضعها في قبرها »(٧) ونقل عن المعتبر : أنّ
__________________
(١) الفقيه ١ : ٨٦ / ٣٩٤ ، الوسائل ٢ : ٥٣٥ أبواب غسل الميت ب ٢٦ ح ٢.
(٢) راجع ص ٤٨ ، ٧٤٥.
(٣) كالشهيد الثاني في روض الجنان : ٩٦ ، والمسالك ١ : ١٢.
(٤) الأنفال : ٧٥.
(٥) المنتهى ١ : ٤٢٨.
(٦) شرائع الإسلام ١ : ٣٧.
(٧) الكافي ٣ : ١٩٤ / ٦ ، التهذيب ١ : ٣٢٥ / ٩٤٩ ، الوسائل ٣ : ١١٦ ، أبواب صلاة الجنازة ب ٢٤ ح ٣.
مضمون الرواية متفق عليه(١) .
ولا يخفى أنّ خبر حفص بن البختري المروي من الشيخ في زيادات صلاة الأموات عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حفص بن البختري ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في المرأة تموت ومعها أخوها وزوجها ، أيّهما أحقّ بالصلاة عليها؟ قال : « أخوها أحقّ بالصلاة عليها »(٢) وجواب الشيخ عن هذه بالحمل على التقية ممكن إنّ تمّ الإجماع. لكن يبقى أنّ ما ذكره متأخّروا الأصحاب : من أنّ التغسيل واجب كفائي(٣) . على الإطلاق لا يخلو من إشكال.
وقد ذكر بعض المتأخرين أنّ الأولياء لو كانوا رجالاً ونساءً فالرجال أولى(٤) . وهذا الإطلاق لا يخفى منافاته للواجب الكفائي ، بل صرّح بعض من حيث اشتراط المماثلة في الغُسل بأنّه لو كان الميت امرأة لا يمكن الوليّ الذكر مباشرة تغسيلها أذن للمماثل ، فلا يصح فعله بدون ذلك(٥) .
وبعض قال : إنّ ذلك مخصوص بالرجل ، أمّا النساء فالنساء أولى بغسلهن(٦) .
__________________
(١) نقله عنه في المدارك ٢ : ٦٠ ، وهو في المعتبر ١ : ٢٦٤.
(٢) التهذيب ٣ : ٢٠٥ / ٤٨٦ ، الوسائل ٣ : ١١٦ أبواب صلاة الجنازة ب ٢٤ ح ٤ ، وفيهما : أيّهما يصلي عليها.
(٣) منهم العلاّمة في المنتهى ١ : ٤٢٧ ، وتحرير الاحكام ١ : ١٧ ، والشهيد الأوّل في الدروس ١ : ١٠٣ ، والكركي في جامع المقاصد ١ : ٣٥٦.
(٤) المحقق الحلي في الشرائع ١ : ٣٧.
(٥) منهم الشهيد الثاني في روض الجنان : ٩٦ ، والروضة البهية ١ : ١٢٣ ، وصاحب المدارك ٢ : ٦٠.
(٦) نقله في روض الجنان : ٩٦.
وردّه جدّيقدسسره بعدم ثبوت مستنده(١) .
وفيه نوع تأمّل يعرف وجهه من ملاحظة ما دلّ على الأولوية ، فإنّه الخبر السابق(٢) ، ورواية رواها غياث بن إبراهيم أنّ عليّاًعليهالسلام قال : « يغسّل الميت أولى الناس به »(٣) . والتخصيص بغيرهما من الأخبار الدالة على المماثلة ممكن ؛ غاية الأمر وقوع الإجمال ، وغير خفي أنّه مضرّ بالاستدلال.
ثم ما أشرنا إليه من جهة الواجب الكفائي قد ذكر جدّيقدسسره أنّه لا منافاة بين إذن الولي وبينه في المسالك مقتصراً عليه(٤) ؛ وفي الصلاة على الميت ذكر في شرح الإرشاد ما يقتضي أنّ المتوقف الجماعة لا أصل الصلاة ، لأجل تحقق الوجوب الكفائي(٥) .
وأنت خبير بأنّ العلّة في الغُسل والصلاة واحدة.
وفي نظري القاصر أنّ توقّف الفعل على الإذن لا يضرّ بحال أصل الوجوب ، نعم لو توقف الوجوب على الإذن تحققت المنافاة ؛ ويوضح هذا الواجب العيني فإنّ فعله موقوف على الشروط لا وجوبه إذا كانت واجباً مطلقاً ؛ وقد أوضحت هذا في حاشية الروضة ، وفي الإجمال هنا كفاية.
وبالجملة : فالأصحاب لا يخلو كلامهم من اضطراب ، والأخبار ربما كانت كذلك.
أمّا ما يفهم من جدّيقدسسره من الإجماع في صلاة الميت على توقف الجماعة على الإذن ، لا أصل الصلاة. ففيه كلام أيضاً كما يعلم من
__________________
(١) روض الجنان : ٩٦.
(٢) المتقدم في ص : ٣٧٤.
(٣) التهذيب ١ : ٤٣١ / ١٣٧٦ ، الوسائل ٢ : ٥٣٥ أبواب غسل الميت ب ٢٦ ح ١.
(٤) المسالك ١ : ١٢.
(٥) روض الجنان : ٣١١.
مراجعة أقوال المتقدّمين.
بقي في المقام شيء وهو أنّ جدّيقدسسره قال في الروضة ـ عند قول المصنف : ويجب المساواة في الرجولية والأُنوثية في غير الزوجين ـ : فالزوج بالولاية ، والزوجة معها أو بإذن الولي(١) . وهذه العبارة كما ترى لا تخلو من إجمال.
والذي يقتضيه النظر أنّ الوجه في قوله : والزوجة معها. إرادة أنّ استفادة ولاية الزوجة من الأخبار غير واضحة ؛ إذ الأصل في ولاية الزوج الرواية المتقدّمة(٢) التي ادّعى الاتفاق على مضمونها المحقق في المعتبر(٣) ؛ وأمّا الزوجة فلم نقف على دليل في كلام من رأينا كلامه من المتأخرين.
وما نقل عن المحقق الشيخ عليرحمهالله أنّه قال : بثبوت ولاية الزوجة في الصلاة على الميت ، لأنّ الزوج يطلق على المرأة(٤) . غريب ، فإنّ مورد النص هناك وهنا أحقّ بامرأته.
وإذا عرفت هذا فقول جدّيقدسسره : والزوجة معها. ظاهره أنّ الزوجة لها التغسيل مع جعلها وليّه ، بأنّ يوصى إليها الميت ، وإن لم يجعلها وليّه اعتبر إذن الوليّ. وغير خفي إمكان أن يناقش في هذا بأنّ الوصاية إليها بالتغسيل موقوف على ثبوته ، وإذا ثبت فلها التغسيل بوصاية وغيرها.
ولو أراد الوصاية بالولاية ليدخل في الخبر الدال على أنّه يغسّل الميت أولى الناس به أو يأمر من يحبّ أشكل بأنّ الظاهر من الوليّ
__________________
(١) الروضة البهية ١ : ١٢٣.
(٢) في ص : ٣٧٤.
(٣) المعتبر ١ : ٢٦٤.
(٤) لم نعثر عليه ، ولكن حكاه في روض الجنان عن بعض الأصحاب ص ٣١١.
ما قدّمناه(١) لا من جهة الوصاية ، واللازم من ذلك جواز الوصاية بالتغسيل للأجنبية.
إلاّ أنّ يقال : إنّ مرادهقدسسره اتباع مدلول الأخبار الدالة على جواز التغسيل مع الخبر الدالّ على أنّ المغسِّل الوليّ أو من يأمره. وفيه : أنّ الأمر إذا رجع إلى هذا لنا أن نقول : إنّ للزوجة اختصاصاً من حيث هي ، ولو كان التفاته إلى ما رواه الشيخ من الوصية لأُمّ الولد من علي بن الحسينعليهماالسلام فدفعه أظهر من أنّ يخفى ، فليتأمّل في ذلك كله.
قوله :
باب الرجل يموت في السفر وليس معه رجل ولا امرأته
ولا واحدة من ذوات أرحامه ، والمرأة كذلك تموت وليس
معها امرأة ولا زوج ولا واحد(٢) من ذوي أرحامها
ومعها رجال غرباء
أخبرني الشيخ رحمهالله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الصفّار ، عن أحمد بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن عبد الرحمن بن سالم ، عن مفضّل بن عمر قال : قلت لأبي عبد الله عليهالسلام : جعلت فداك ، ما تقول في المرأة تكون في السفر مع الرجال ليس فيهم لها ذو رحم ولا معهم امرأة فتموت المرأة ، ما يصنع بها؟ قال : « يغسل منها ما أوجب الله عليها التيمم ولا يمسّ ولا يكشف شيء من محاسنها التي أمر الله بسترها » فقلت : فكيف يصنع بها؟ قال : « يغسل بطن كفّيها ثم يغسل وجهها ».
__________________
(١) في ص : ٣٧٤.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢٠٠ : أحد.
عنه عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين(١) ، عن أبيه ، عن محمّد بن أحمد بن علي ، عن عبد الله بن الصلت ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سئل عن الرجل يغسّل امرأته؟ قال : « نعم من وراء الثوب ، لا ينظر إلى شعرها ولا إلى شيء منها ، والمرأة تغسّل زوجها لأنّها إذا مات كانت في عدة منه ، وإذا ماتت هي فقد انقضت عدّتها ». وعن المرأة تموت في السفر وليس معها ذو محرم ولا نساء ، قال : « تدفن كما هي بثيابها » وعن الرجل يموت وليس معه ذو محرم ولا رجال ، قال : « يدفن كما هو في ثيابه ».
علي بن الحسين ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن محمّد بن مروان ، عن ابن أبي يعفور قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : الرجل يموت في السفر مع النساء ليس معهن رجل ، كيف يصنعن به؟ قال : « يلفّفنه لفّاً في ثيابه ويدفنه ولا يغسّلنه ».
الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري قال : سألته عن امرأة ماتت مع رجال ، قال : « تُلفّ وتدفن ولا تُغسَّلُ ».
الحسين بن سعيد ، عن علي بن النعمان ، عن أبي الصباح الكناني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : قال في الرجل يموت في السفر في أرض ليس معه إلاّ النساء ، قال : « يُدفن ولا يُغسّل ، والمرأة تكون
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٢٠٠ / ٧٠٦ : الحسن.
مع الرجال بتلك المنزلة تُدفن ولا تُغسّل ».
سهل بن زياد ، عن ابن أبي نصر ، عن داود بن سرحان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام مثله.
السند :
في الأوّل : فيه عبد الرحمن بن سالم ، وقد قدّمنا أنّه ضعيف في الرجال(١) . والمفضل بن عمر كذلك(٢) .
والثاني : أيضاً تقدم مثله في باب من يموت وهو جنب ، وذكرنا احتمال أنّ يراد بمحمّد بن أحمد بن علي : ابن أبي قتادة(٣) . وبقية رجاله معروفو الحالِ.
والثالث : فيه محمّد بن مروان ، وهو مشترك بين من يقتضي عدم صحة الحديث به وبين غيره(٤) .
والرابع : لا ارتياب فيه. والخامس كذلك.
والسادس : واضح الضعف(٥) .
المتن :
في الأوّل : كما ترى واضح الدلالة على أنّ المرأة إذا لم يكن معها من ذكر يغسّل منها ما أوجب الله عليه التيمم ولا يمسّ ولا يكشف شيء
__________________
(١) راجع ص ٩٨٣.
(٢) راجع ص ٩٨٣.
(٣) في ص ٩٦٥.
(٤) هداية المحدثين : ٢٥٢.
(٥) بسهل بن زياد ، راجع رجال النجاشي : ١٨٥ / ٤٩٠ ، والفهرست : ٨٠ / ٣٢٩.
من محاسنها التي أمر الله بستره.
لكن قوله : « ولا يمسّ » إمّا أنّ يكون منقطعاً عن قوله : « ولا يكشف » ويراد حينئذٍ أنّ ما يغسّل لا يمسّ بل يصبّ عليه الماء. وإمّا أنّ يراد لا يمسّ ولا يكشف ما ذكر ، ويراد بلا يمس لا يغسّل ، ويحتمل أنّ يراد بالمسّ : الأعم من ذلك ، ويحتمل إرادة المباشرة بخرقة ونحوها.
ثم إنّ ما أمر الله بستره قد يظن أنّ من جملته الوجه ، والوارد في تفسير قوله تعالى( إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها ) (١) بأنّه الوجه والكفّان(٢) ربما يؤيّد هذا ، إلاّ أنّه لا يخلو من إجمال.
وما تضمّنه من غَسل بطن الكفّين والوجه يدل على أنّ التيمم بجميع الوجه ، فيؤيّد ما سبق(٣) في التيمم من بعض الأخبار ، والحمل على الاستحباب.
ثم لو صحّ هذا الخبر فهو مشكل كما لا يخفى ، وسيأتي هذا الخبر في الباب مرّة أُخرى(٤) ، وفيه : « ثم يغسّل ظهر كفّيها » بعد قوله : « ثم يغسّل وجهها ».
والثاني : ظاهر الدلالة على عدم جواز النظر إلى الشعر ولا إلى شيء منها ؛ وقد تقدّم فيه الكلام.
ثم دلالته على مخالفة الأوّل غير خفية ، ولعلّ وجه الجمع أنّ المراد في هذا الخبر عدم التغسيل والتكفين فلا ينافي غَسل مواضع التيمم ، أو
__________________
(١) النور : ٣١.
(٢) أورده الشيخ في التبيان ٧ : ٤٢٩.
(٣) راجع ص ٨٢٩.
(٤) في ص ٩٩٤.
يحمل السابق على الاستحباب ، ولا وجه لعدم تعرض الشيخ لبيان هذا هنا.
والثالث كالثاني ، وفيه دلالة من قوله : « ولا يغسّلنه » على ما احتملناه.
والرابع كذلك. والخامس نحوه.
إذا عرفت هذا ، فاعلم أنّ ظاهر بعض الأخبار المذكورة سقوط التيمم أيضاً ؛ ونقل عن الشيخ في النهاية والخلاف والمبسوط(١) التصريح بسقوط التيمم. وفي المعتبر جزم به المحقق على ما نقل معلّلاً بأنّ مانع الغسل مانع التيمم وإنّ كان الاطّلاع مع التيمم أقلّ لكن النظر محرَّم قليله وكثيره(٢) . انتهى.
وسيأتي خبر يتضمن التيمم إلاّ أنّه لا يصلح للإثبات عند من لا يعمل بالخبر ، كما ستسمع القول فيه إنشاء الله تعالى ، وإنّما ذكرناه هنا إجمالاً لأنّ ظاهر الأخبار نفيه وإنّ أمكن إبداء احتمال إلاّ أنّه قليل الفائدة بعد ما نقلناه.
قوله :
فأما ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أبي الجوزاء المنبِّه بن عبد الله ، عن الحسين بن علوان ، عن عمرو بن خالد ، عن زيد بن علي ، عن أبيه ، عن آبائه (٣) عليهمالسلام قال : إذا مات الرجل في السفر مع النساء ليس فيهن امرأته ولا ذو محرم من نسائه ، قال : « يؤزرنه إلى الركبتين ويصببن عليه الماء صبّاً ، ولا ينظرن إلى عورته ولا يلمسنه بأيديهن ( ولا يطهرنه ) (٤) وإذا كان معه نساء ذوات محرم يؤزرنه ويصببن عليه
__________________
(١) النهاية : ٤٢ ، ٤٣ ، الخلاف ١ : ٦٩٨ ، المبسوط ١ : ١٧٥.
(٢) المعتبر ١ : ٣٢٥.
(٣) في الاستبصار ١ : ٢٠١ / ٧١١ زيادة : عن علي.
(٤) في الاستبصار ١ : ٢٠٢ ، والتهذيب ١ : ٤٤٢ : ويطهرنه.
الماء صباً ، ويمسسن جسده ولا يمسسن فرجه ».
علي بن الحسين ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن سالم ، عن أحمد بن النضر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام في الرجل مات ومعه نسوة وليس معهن رجل قال : « يصببن الماء من خلف الثوب ، ويلففنه في أكفانه من تحت الستر ، ويصلّين عليه صفّاً ، ويدخلنه قبره » والمرأة تموت مع الرجال ليس معهم امرأة قال : « يصبّون الماء من خلف الثوب ، ويلفّونها في أكفانها ، ويصلّون ويدفنون ».
فلا تنافي بين هذين الخبرين والأخبار التي قدمناها ؛ لأنّا نحملهما على ضرب من الاستحباب دون الوجوب ، وإنّما منعنا من أنّ تغسل المرأة الرجل إذا باشرت جسمه ، فأمّا إذا كانت تصبّ الماء عليه فليس به بأس ، وفيه فضل.
السند :
في الأوّل : المنبِّه بالنون قبل الباء الموحّدة ، وقد قدّمنا ما فيه مفصلاً(١) .
والحسين بن علوان عامي.
وعمرو بن خالد هو الواسطي ، لأنّه روى عن زيد كما ذكره النجاشي(٢) . والكشي قال : إنّه من رجال العامة في جملة آخرين على ما نقله شيخنا أيّده الله في الرجال(٣) . وفي رجال الشيخ عمر بغير واو ،
__________________
(١) راجع ص : ٩٠٨.
(٢) رجال النجاشي : ٥٢ / ١١٦ و ٢٨٨ / ٧٧١.
(٣) منهج المقال : ٢٤٧.
ولعلّه ، سقط من الناسخ ؛ وقال : إنّه بتري(١) .
والثاني : فيه أنّ طريقه إلى علي بن الحسين غير مذكور في المشيخة ، لكن الجواب عن هذا ممكن بأنّه صرّح في الفهرست : بأنّ جميع رواياته أخبره بها المفيد والحسين بن عبيد الله ، عن محمّد بن علي بن الحسين عن أبيه(٢) .
نعم فيه محمّد بن سالم وهو مشترك(٣) .
وأحمد بن النضر ثقة في النجاشي(٤) .
وعمرو بن شمر ضعيف(٥) .
وجابر هو ابن يزيد الجعفي ؛ لأنّ عمرو بن شمر الراوي عنه. وذكر النجاشي في ترجمته : أنّه روى عنه جماعة غمز فيهم وضعّفوا ، منهم عمرو ابن شمر ، ولم يوثقه ، بل قال : إنّه كان في نفسه مختلطاً(٦) .
والعلاّمة في الخلاصة نقل كلام النجاشي ، وحكى عن ابن الغضائري أنّه قال : جابر بن يزيد الجعفي الكوفي ثقة في نفسه ، ولكن جُلّ من روى عنه ضعيف ، فممّن أكثر عنه من الضعفاء عمرو بن شمر ، إلى أنّ قال ابن الغضائري : وأرى الترك لما روى هؤلاء عنه ، والوقف في الباقي إلاّ ما خرج شاهداً ـ ثم قال العلاّمة ـ : والأقوى عندي التوقف فيما يرويه هؤلاء عنه ، كما قال الشيخ ابن الغضائري(٧) . انتهى.
__________________
(١) الفهرست : ١١٥ / ٤٩٩.
(٢) الفهرست : ٩٣ / ٣٨٢.
(٣) هداية المحدثين : ٢٣٨.
(٤) رجال النجاشي : ٩٨ / ٢٤٤.
(٥) رجال النجاشي : ٢٨٧ / ٧٦٥.
(٦) رجال النجاشي : ١٢٨ / ٣٣٢.
(٧) خلاصة العلاّمة : ٣٥ / ٢.
ولا يخفى عليك أنّ ما قاله ابن الغضائري ترك ما روى هؤلاء عنه ، والتوقف في الباقي لا التوقف فيما روى هؤلاء ، ثم التوقف لا وجه له إلاّ أن يريد بالتوقف الردّ ، فإنّه يستعمل بهذا المعنى ، والأمر كما ترى.
المتن :
في الأوّل : ظاهر في أنّ النساء الأجانب يغسّلن الميت مع فعل ما ذكر ، وكذلك إذا كان معه محارم لكن يمسسن جسده. أمّا قوله : « ولا يطهرنه » فهو في بعض النسخ(١) ، وفي بعض النسخ « ويطهرنه » بغير لا(٢) .
(والثاني : كما ترى لا يخلو من إجمال )(٣) ؛ لأنّ الثوب الذي يصبّ الماء من خلفه محتمل لأنّ يراد المئزر المذكور في الخبر الأوّل ، ويحتمل إرادة الثوب الكامل. وقوله : « ويلففنه في أكفانه من تحت الستر » يحتمل أن يراد بالستر ما يستر جميع البدن بحيث لا يشاهدنه.
وما ذكره الشيخ في وجه الجمع لا يخلو من تأمّل :
أمّا أولاً : فلإجمال المنافي لبيان الجمع ؛ لأنّ قوله : نحملهما على ضرب من الاستحباب. إنّ أراد به أنّ التغسيل مستحب على الوجه الذي تضمنته الروايتان ، ففيه : أنّ إحداهما تضمنت الغسل مع المئزر ، وما تقدم من الأخبار تضمنت بعضها النهي عن الغسل ، ولا أقلّ من الحمل على الكراهة ، فكيف يكون مستحبّاً على الإطلاق إذا لم يباشر الجسم كل من
__________________
(١) في « فض » زيادة : ويمكن أنّ يقرأ بالظاء المعجمة والمهملة ، أمّا المعجمة فيراد بعدم الإظهار عدم كشف المئزر ، وأمّا بالمهملة فيراد لا يلمسنه بأيديهن ، ولا يطهّرنه بالأيدي بل بالصبّ. وهي في « د » مشطوبة.
(٢) في « فض » زيادة : وفيها الاحتمالان. وفي « د » مشطوبة.
(٣) ما بين القوسين ساقط من « رض ».
الرجل والمرأة ، ولو حمل النهي على التحريم مع المباشرة ، وحمل الاستحباب هنا مع عدمها ، ففيه : أنّ بعض ما تقدّم دلّ على عدم كشف شيء ممّا أمر الله بستره ، فلا بدّ من حمل هذين الخبرين على كون الغسل مع الساتر ، لكن الخبر الأوّل منهما يدل على الاكتفاء بالمئزر ، فالاستحباب على الإطلاق لا وجه له.
وأمّا ثانياً : فلأنّ حصر المانع في المباشرة غير ظاهر الوجه بعد ما ذكرناه ، ولو أراد بالمباشرة ما يتناول النظر فالخبران لا يدلان على ذلك ، بل الأوّل يدل على خلافه ، وبالجملة فالمقام غير محرّر ، لكن من يتوقف عمله على الصحيح في راحة من تكلّف التوجيه.
وأمّا ثالثاً : فلأنّ الظاهر من قوله الآتي أنّ يكون أوّل الكلام في المرأة إذا غسّلت الرجل ، والرواية الثانية تضمّنت الرجل والمرأة ، ومقتضى حمل الروايتين على الاستحباب فيهما ، وقد عرفت الحال.
والظاهر أنّ مراده بالكلام الأخير بيان زيادة حكم للمرأة ، كما ينبّه عليه قوله : أيضاً ، فيتأكد ما ذكرناه من الإجمال.
قوله :
وأمّا المرأة ، فقد روي أيضاً أنّه يجوز للرجال أنّ يغسّلوا منها ما كان يجوز لهم النظر إليه من محاسنها الوجه واليدين ، يدل على ذلك :
ما رواه الحسين بن سعيد ، عن علي بن النعمان ، عن داود بن فرقد ، قال : مضى صاحب لنا يسأل أبا عبد اللهعليهالسلام عن المرأة تموت مع رجال ليس فيهم ذو محرم ، هل يغسّلونها وعليها ثيابها؟ فقال : « إذن يدخل ذلك عليهم ، ولكن يغسلون كفّيها ».
أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن عبد الرحمن بن سالم ، عن المفضّل بن عمر ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : جعلت فداك ، ما تقول في المرأة تكون في السفر مع الرجال ، ليس فيهم ذو محرم لها ولا معهم امرأة ، فتموت المرأة ، فما يصنع بها؟ قال : « يغسل منها ما أوجب الله عليه التيمم ، ولا يمسّ ولا يكشف لها شيء من محاسنها التي أمر الله بسترها » فقلت له كيف يصنع بها؟ قال : « يغسل بطن كفّيها ، ثم يغسل وجهها ، ثم يغسل ظهر كفّيها ».
سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب ، عن محمّد بن أسلم الجبلي ، عن عبد الرحمن بن سالم ، وعلي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن المرأة(١) ماتت في سفر ، وليس معها نساء ولا ذو محرم ، قال : « يغسل منها موضع الوضوء ، ويصلّى عليها وتُدفن ».
علي بن الحسين ، عن محمّد بن أحمد بن علي ، عن عبد الله بن الصلت ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال : سئل عن المرأة تموت وليس معها محرم ، قال : « يغسل كفّيها ».
والوجه في هذه الأخبار : أنّ نحملها على ضرب من الاستحباب ، والأصل ما قدمناه من أنّها تدفن ولا تغسل على حالٍ.
__________________
(١) في التهذيب ١ : ٤٤٣ / ١٤٣٠ والاستبصار ١ : ٢٠٣ / ٧١٥ : امرأة.
السند :
في الأوّل : قدمنا القول فيه عن قريب ، وكذا الثاني.
والثالث : فيه محمّد بن أسلم الجبلي ، وقد ذكره النجاشي مهملاً(١) . ونقل عن ابن الغضائري أنّه قال : إنّه يقال : كان غالياً فاسد الحديث(٢) . أمّا الشيخ فقد اتفق أنّه ذكر في رجال الباقرعليهالسلام : محمّد بن أسلم الجبلي(٣) ، وفي رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهمالسلام : محمد بن أسلم الجبلي روى عنه محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب(٤) . وفي الفهرست ذكره مهملاً ، وأنّ الراوي عنه محمّد بن الحسين(٥) . وفي رجال الرضاعليهالسلام من كتابه ذكره أيضاً(٦) . ولا يخلو من غرابة ، لكن من الشيخ مثل هذا غير عزيز الوجود.
واحتمل شيخنا أيّده الله في كتاب الرجال : أنّ يكون اشتبه على الشيخ الحال ، فظنّ أنّ أبا جعفر الذي هو من رجاله الأوّل فعدّه من أصحابه ، وإنما هو من أصحاب الثانيعليهالسلام (٧) . ولا يخلو من وجه. أمّا عدّه فيمن لم يروِ فغير واضح الوجه.
وأمّا عبد الرحمن بن سالم فقد تقدم(٨) . وعلي ابن أبي حمزة وأبو
__________________
(١) رجال النجاشي : ٣٦٨ / ٩٩٩.
(٢) نقله عنه في منهج المقال : ٢٨٣.
(٣) رجال الطوسي : ١٣٦ / ٣٢.
(٤) رجال الطوسي : ٥١٠ / ١٠٣.
(٥) الفهرست : ١٣٠ / ٥٧٦.
(٦) رجال الطوسي : ٣٨٧ / ١٤.
(٧) منهج المقال : ٢٨٣.
(٨) في ص ٩٨٣.
بصير غير خفيّ الحال.
والرابع كذلك ؛ لتقدم الذكر عن قريب في المحتاج إلى البيان ، وغيره مضى أيضاً.
المتن :
لا يخفى دلالة الأوّل على الاختصاص بغَسل الكفّين ، وكأنّ الشيخ أراد بقولهأوّلاً : الوجه واليدين. أحدهما ، أو أنّه ضمّ غَسل الوجه إلى ما تضمّنته هذه الرواية ، وفيه ما فيه.
ثمّ قولهعليهالسلام : « إذن يدخل عليهم » لا يبعد أن يراد منه أنّ هذا الفعل يحصل بسببه أمر خَطِر من حيث احتمال النظر إلى ما لا يحلّ ، أو أنّ أهلها يكرهون ذلك ، ويحتمل ( أن يكون المراد )(١) أنّ مثل هذا يصير ويتفق.
وأمّا الثاني : فقد تقدم فيه القول ، وأشرنا إلى ما فيه من الزيادة عن السابق منه(٢) ، ولعلّ الوجه في غَسل باطن الكفّين أوّلاً : أنّه محل الضرب على التراب ، وغسلِ الظَّهر : لأنّه محل المسح في التيمم. ثم إنّ تقييد الخبر الأوّل بهذا قد سمعتَ احتماله ، والتخيير ممكن.
والثالث : كما ترى دالّ على غَسل موضع الوضوء ، وهو مغاير للأوّلين ، وحمل المطلق عليه في غاية البُعد ، وكذلك كلام الشيخ.
والرابع كالأوّل. وما قاله الشيخ من الحمل على الاستحباب ، له وجه ، بالنظر إلى أنّ اختلاف الأخبار في الكيفيّة دليل على عدم اللزوم ، لا من حيث معارضة الأخبار السابقة ؛ لأنّ ما تضمّنته الأخبار السابقة دلّ على
__________________
(١) بدل ما بين القوسين في « د » : أن يراد.
(٢) راجع ص : ٣٨٠.
النهي عن التغسيل في البعض ، والبعض دالّ على أنّه يدفن بالثياب ، وكلّ من الأمرين لا ينافي ما دلّت عليه هذه الأخبار ، إلاّ من حيث دلالة ما تقدّم على أنّ الواجب ما ذكر فيها ، وأنت خبير بأنّ حمل المطلق على المقيّد لا مانع منه ، ولعلّ الشيخ ناظر إلى ما قلناه من أمارة الاستحباب في اختلاف مدلول هذه الأخبار.
قوله :
ويزيد ذلك بياناً :
ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي ، عن أبي جميلة ، عن زيد الشحّام ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن امرأة ماتت وهي في موضع ليس معهم امرأة غيرها ، قال : « إنّ لم يكن فيهم لها زوج ولا ذو رحم(١) دفنوها بثيابها ولا يغسلونها ، وإنّ كان معهم زوجها أو ذو رحم لها فليغسلها من غير أنّ ينظر إلى عورتها » قال : وسألته عن رجل مات في السفر مع النساء(٢) ليس معهن رجل ، فقال : « إنّ لم يكن له(٣) فيهنّ امرأة فليدفن بثيابه ولا يغسل ، وإنّ كان له فيهن امرأة فليغسل في قميص ، من غير أنّ ينظر إلى عورته ».
سعد بن عبد الله ، عن أبي الجوزاء ، عن الحسين بن علوان ، عن عمرو بن خالد ، عن زيد بن علي ، عن آبائه ، عن عليعليهالسلام ، قال
__________________
(١) في التهذيب ١ : ٤٤٣ / ١٤٣٢ والاستبصار ١ : ٢٠٣ / ٧١٧ زيادة : لها.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢٠٣ / ٧١٧ : نساء.
(٣) ليست في « د ».
« أتى رسولَ الله صلىاللهعليهوآله نفرٌ ، فقالوا : إنّ امرأة توفّيت معنا ، وليس معها ذو محرم ، فقال : كيف صنعتم بها؟ فقالوا : صببنا عليها الماء (١) صبّاً ، فقال : أمّا وجدتم ( من أهل الكتاب من ) (٢) تغسلها؟ فقالوا : لا ، فقال : أفلا تمّمتُموها ».
السند :
في الأوّل : فيه أبو جميلة المفضل بن صالح ، وقد كرّرنا القول فيه(٣) . وأمّا الحسن بن علي : فهو ابن فضال ؛ لأنّه الراوي عنه في الفهرست(٤) .
والثاني : تقدم ذكر رجاله.
المتن :
لا يخفى صراحته في الأوّل على جواز تغسيل الزوج والرحم من غير النظر إلى العورة على الإطلاق ، فهو مناف لتفصيل الشيخ ، إلاّ أن نحمله على المقيّد.
وأمّا دلالته على دفن الميت بغير غُسل من دون وجود المذكورين فظاهرة ، لكن لا يزيد استحباب ما ذكر بياناً ، إلاّ من حيث عدم التعرض لغَسل اليدين والوجه ، وقد قدّمنا(٥) أنّ هذا لا ينافي حمل المطلق على
__________________
(١) في « رض » : صببنا الماء عليها.
(٢) في التهذيب ١ : ٤٤٤ / ١٤٣٣ والاستبصار ١ : ٢٠٣ / ٧١٨ بدل ما بين القوسين : امرأة من أهل الكتاب.
(٣) راجع ص ٥٥١.
(٤) الفهرست : ٤٧ / ١٥٣.
(٥) في ص ٩٩٦.
المقيد ، ولو أراد الشيخ بزيادة البيان على نفي التغسيل فالأخبار السابقة مثلها بسبب النهي عن التغسيل.
وما تضمّنه آخر الرواية من قوله : « إنّ لم يكن له فيهن امرأة » محتمل لأنّ يكون المرأة زوجة ، أو ذات محرم.
والتغسيل في القميص محتمل لأنّ يحمل عليه مطلق صدرها في قوله : « من غير أنّ ينظر إلى عورتها » ويحتمل إبقاء الصدر على حاله وجواز التغسيل مع ستر العورة.
وبالجملة : فالخبر من مؤيّدات جواز التغسيل من الزوج والمرأة من غير شرط الضرورة ؛ لأنّ المفروض فيه وجود المماثلة.
وأمّا الثاني : فدلالته على مطلوب الشيخ غير ظاهرة ، بل على ضد مطلوبه أظهر ؛ لأنّ مفاده التيمم ، والشيخ لم يذكره. ولا يبعد أنّ يكون الشيخ فهم من التيمم غَسل موضع التيمم ، ولو لا هذا لم يكن للرواية مناسبة.
وما تضمنته من تغسيل امرأة من أهل الكتاب قد ذكره بعض الأصحاب(١) ، والمحقق في المعتبر توقف فيه(٢) ، وهو في محلّه ، مع أنه في الشرائع تابع البعض(٣) .
والشيخ في التهذيب روى عن عمّار بن موسى ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال ، قلت : فإن مات رجل مسلم ، وليس معه رجل مسلم ، ولا امرأة مسلمة من ذوي قرابته ، ومعه رجال نصارى ، ونساء مسلمات ليس بينه وبينهن
__________________
(١) منهم المفيد في المقنعة : ٨٦ ، والشيخ في المبسوط ١ : ١٧٦ ، والعلاّمة في المنتهى ١ : ٣٧.
(٢) المعتبر ١ : ٣٢٦.
(٣) شرائع الإسلام ١ : ٣٧.
قرابة ؛ قال : « يغتسل النصارى ثم يغسّلونه فقد اضطرّ » وعن المرأة المسلمة تموت وليس معها امرأة مسلمة ولا رجل مسلم من ذوي قرابتها ، ومعها نصرانية ورجال مسلمون ، قال : « تغتسل النصرانية ثم تغسّلها »(١) .
ولا يخفى عليك الحال في إثبات الحكم بمثل هاتين الروايتين.
وينقل عن بعض الأصحاب : أنّه علّل عدم صحة تغسيل الكافر والكافرة بافتقار الغُسل إلى النية ، والكافر لا تقع منه القربة(٢) .
قال شيخناقدسسره : والحقّ أنّه متى ثبتت نجاسة الذمّي ، أو توقف الغُسل على النية تعيّن المصير إلى ما قاله في المعتبر ، ولو نوزع فيهما أمكن إثبات هذا الحكم بالعمومات(٣) . انتهى.
ولا يخفى عليك أنّ العمومات الدالة على تغسيل من ذكر بعيدة الحصول ، والله أعلم بالحقائق.
قوله :
فأما ما رواه علي بن الحسين ، عن محمّد بن أحمد بن علي ، عن عبد الله بن الصلت ، عن ابن بنت إلياس ، عن عبد الله بن سنان ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : « المرأة إذا ماتت مع الرجال فلم يجدوا امرأة تغسّلها ، غسّلها بعض الرجال من وراء الثياب ، ويستحب أنّ يلفّ على يديه خرقة ».
فهذا الخبر يحتمل وجهين :
__________________
(١) التهذيب ١ : ٣٤٠ / ٩٩٧ ، الوسائل ٢ : ٥١٥ أبواب غسل الميت ب ١٩ ح ١.
(٢) كالمحقق في المعتبر ١ : ٣٢٦ ، والأردبيلي في مجمع الفائدة ١ : ١٨٠.
(٣) مدارك الاحكام ٢ : ٦٥.
أحدهما : أنّ يكون ذلك الرجل زوجها ، فإنّه يجوز له(١) أنّ يغسّلها على ما قدّمناه من وراء الثياب ، أو واحد من ذوي أرحامها. ويؤكّد ذلك :
ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجل مات ، وليس عنده إلاّ نساء ، قال : « تغسّله امرأة ذات محرم منه ، وتصبّ النساء عليه الماء ، ولا يخلع ثوبه ؛ وإنّ كانت امرأة ماتت مع رجال ، وليس معها امرأة ولا محرم لها ، فلتُدفن كما هي في ثيابها ، وإن(٢) كان معها ذو محرم لها غسّلها من فوق ثيابها ».
والوجه الثاني : أنّ يكون ذلك محمولاً(٣) على أنّهم يغسّلونها بصبّ الماء عليها ، كما ذكرناه في غسلهن للرجل ، لأنّ ذلك قد روي ، وإنّ كان كل ذلك محمولاً على الاستحباب ، والأصل ما قدّمناه من وجوب دفنهما(٤) من غير غُسل.
وروى ما ذكرناه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن الحسن بن علي بن خُرّزاد ، عن الحسن بن راشد ، عن علي بن إسماعيل ، عن أبي سعيد ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : « إذا ماتت المرأة مع قوم ليس لها فيهم محرم ، يصبّون الماء عليها صباً » ورجل مات مع نسوة ليس فيهنّ له محرم ، فقال أبو حنيفة : يصببن الماء عليه صباً ، فقال
__________________
(١) ليست في النسخ ، أثبتناها من الاستبصار ١ : ٢٠٤ / ٧١٩.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢٠٤ / ٧٢٠ : فإن.
(٣) في « رض » زيادة : على الاستحباب.
(٤) في « رض » : دفنها.
أبو عبد اللهعليهالسلام : « بل يحلّ لهن أنّ يمسسن منه ما كان يحلّ لهن أنّ ينظرن إليه منه وهو حيّ ، فإذا بلغن الموضع الذي لا يحلّ لهن النظر إليه ولا مسّه وهو حيّ صببن الماء عليه صبّاً ».
فما تضمن هذا الخبر من جواز غُسل المرأة للرجل المواضع التي كان يحلّ لها النظر إليها وهو حي محمول على الاستحباب ، والأصل ما ذكرناه.
السند :
في الأوّل : قد قدّمنا بيانه. وابن بنت إلياس هو الحسن بن علي الوشّاء ، لكن قد يتأمّل في روايته عن عبد الله بن سنان ، من حيث إن عبد الله من رجال الصادقعليهالسلام . وقيل : إنّه روى عن أبي الحسن موسىعليهالسلام (١) . وقال النجاشي : إنّه لم يثبت(٢) . والوشّاء من رجال الرضاعليهالسلام والهادي على ما ذكره الشيخ في رجالهعليهالسلام (٣) . ولا يخفى أنّ مقتضى الرواية عن ابن سنان إدراك الوشّاء لخمسة من الأئمةعليهمالسلام أو أربعة ، ولم ينقل ذلك ، ولعلّ عدم رواية ابن سنان عن أبي الحسن موسىعليهالسلام لا يدل على عدم إدراكه له ، فليتأمّل.
والثاني : فيه عثمان بن عيسى.
والثالث : فيه الحسن بن علي بن خُرّزاد وهو مهمل في النجاشي(٤) ،
__________________
(١) كما حكاه في رجال النجاشي : ٢١٤ / ٥٥٨.
(٢) رجال النجاشي : ٢١٤ / ٥٥٨.
(٣) رجال الطوسي : ٣٧١ / ٥ و ٤١٢ / ٢.
(٤) رجال النجاشي : ٤٤ / ٨٧.
وفي رجال الهاديعليهالسلام من كتاب الشيخ(١) . وذكره في من لم يرو عن الأئمةعليهمالسلام أيضاً ، وقال : إنّه من أهل كش ؛ وفي الجميع مذكور بلفظ الحسن بن خرزاد(٢) . والعلاّمة قال : إنّ خرزاذ بالخاء المعجمة المضمومة ، والراء المشددة ، والزاي والذال المعجمة بعد الألف كثير الحديث. وقيل : إنّه غلا في آخر عمره(٣) .
وأمّا الحسن بن راشد : ففيه اشتراك(٤) ، إلاّ أنّ الذي حققه شيخنا أيّده الله في كتاب الرجال : أنّ الراوي عن الصادق والكاظمعليهماالسلام ضعيف ، وعن الجواد والهادي(٥) ثقة(٦) . ولا يبعد أنّ يكون هنا من رجال الهاديعليهالسلام ، حيث روى عنه الحسن بن خرزاد ، وهو من رجال الهاديعليهالسلام ؛ إلاّ أنّ باب الاحتمال واسع.
وعلي بن إسماعيل يقال لجماعة(٧) ، غير أنّه لا يبعد كونه الميثمي ، والفائدة معدومة في تعيّنه ؛ لعدم توثيقه ومدحه. ويحتمل ابن عامر ، لكنّ الأوّل من أصحاب الرضاعليهالسلام ، والثاني من أصحاب الكاظمعليهالسلام ؛ والمرتبة قريبة في الرجلين من الحسن بن راشد ، لكن في الميثمي أقرب بتقدير ما قدّمناه في الحسن بن راشد.
وأمّا أبو سعيد الراوي عن أبي عبد اللهعليهالسلام فغير معلوم الحال.
__________________
(١) رجال الطوسي : ٤١٣ / ٢٠.
(٢) رجال الطوسي : ٤٦٣ / ١٠.
(٣) خلاصة العلاّمة : ٢١٤ / ١١.
(٤) انظر هداية المحدثين : ١٨٨.
(٥) ليست في « رض ».
(٦) منهج المقال : ٩٨.
(٧) انظر هداية المحدثين : ٢١١.
المتن :
في الأوّل : ما ذكره الشيخ فيه أوّلاً واضح البُعد ، والوجه الثاني غير تام ؛ لصراحته في استحباب لفّ الخرقة على اليدين ، وذلك لا وجه له مع الصب ، إلاّ أنّ يقال : إنّ الخرقة لِمَسّ اليدين والوجه ، وفيه ما فيه.
والثاني : لا يخلو من ركاكة في التأدية غير خفية ، وكذلك فيه نوع إجمال ، ودلالته على مطلوب الشيخ بعيدة ، كما أنّ إطلاقه الحمل على الاستحباب غير واضح المراد.
وعلى تقدير العمل بالأخبار كلّها لا مانع من الحمل على جواز التغسيل بالصبّ ، وبدونه مع الخرقة وإنّ كان ما تقدم من غَسل الكفّين أو موضع التيمم أو الوضوء أفضل ؛ والله تعالى أعلم بحقائق الأُمور.
قوله :
باب كيفية غسل الميت
أخبرني الشيخ رحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن محمد بن أبي عمير ، عن إبراهيم الخزّاز ، عن عثمان النوّاء ، قال : قلت لأبي عبد الله عليهالسلام : إنّي اغسّل الموتى ، قال : « وتحسن؟ » (١) قال : قلت : إنّي أغسّل! قال : « إذا غسلت الميت فارفق به ، ولا تعصره ، ولا تقربنّ شيئاً من مسامعه الكافور (٢) ».
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٢٠٥ / ٧٢٢ : أو تحسن.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢٠٥ / ٧٢٢ : بكافور.
الحسن بن محبوب ، عن أبي أيوب ، عن حمران بن أعين ، قال : قال أبو عبد الله عليهالسلام : « إذا غسّلتم الميت منكم فارفقوا به ، ولا تعصروه ، ولا تغمزوا له مفصلاً ، ولا تقربوا أُذنيه شيئاً من الكافور ، ثم خذوا عِمامته فانشروها مثنية على رأسه ، واطرح طرفها (١) من خلفه ، وابرز جبهته » قلت : فالحنوط كيف أصنع به؟ قال : « يوضع في منخره وموضع سجوده ومفاصله » قلت : فالكفن؟ فقال : « يؤخذ خرقة فيشدّ بها سفليه ، ويضم فخذيه بها ليضمّ ما هناك ؛ وما يصنع من القطن أفضل ؛ ثم يكفن بقميص ولفافة وبرد يجمع فيه الكفن ».
السند :
في الأوّل : ليس فيه خفاء بعد ما أسلفناه ، غير أنّ عثمان النوّاء مذكور مهملاً في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ(٢) وإبراهيم الخزّاز هو أبو أيوب الخزّاز ؛ وقد اختلف في أبيه ، فقيل : عيسى(٣) ؛ وقيل : عثمان(٤) . وفي الفهرست : إنّ الراوي عنه ابن أبي عمير وصفوان(٥) .
والثاني : فيه حمران بن أعين ، وقد عدّه الشيخ من المحمودين في كتاب الغيبة(٦) ؛ وفيه كلام.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٢٠٥ / ٧٢٣ : طرفيها.
(٢) رجال الطوسي : ٢٥٩ / ٥٩٥.
(٣) كما في رجال النجاشي : ٢٠ / ٢٥.
(٤) كما في رجال النجاشي : ٢٠ / ٢٥ ، ورجال ابن داود : ٣٢ / ٢٧.
(٥) الفهرست : ٨ / ١٣.
(٦) كتاب الغيبة : ٢٠٩.
المتن :
كما ترى في الأوّل : يدل النهي فيه على أنّه لا يقربنّ شيئاً من مسامعه الكافور ، وقد صرّح جماعة من المتأخرين : بأنّ ذلك مكروه(١) .
والثاني : يدل على ذلك أيضاً.
وفي رواية يونس : « ولا تجعل في منخريه ولا في بصره ومسامعه ولا وجهه قطناً ولا كافوراً »(٢) .
وفي خبر لعبد الرحمن بن أبي عبد الله(٣) معدود من الصحيح ، قال : قال : « لا تجعل في مسامع الميت حنوطاً »(٤) .
وردّ شيخناقدسسره الروايات بالضعف والقطع(٥) . وقد ينظر في القطع بأنّ مثل عبد الرحمن بن أبي عبد الله لا تتصور روايته عن غير المعصوم ، وقد اعترف بهقدسسره في مواضع.
وفي عبارة الصدوق في الفقيه : ويجعل الكافور على بصره وأنفه وفي مسامعه(٦) .
ويدلُّ على ذلك : رواية عبد الله بن سنان الصحيحة ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : كيف يصنع بالحنوط؟ قال : « يصنع في فمه ومسامعه وآثار
__________________
(١) كالمحقق في المعتبر ١ : ٢٩٠.
(٢) التهذيب ١ : ٣٠٦ / ٨٨٨ ، الوسائل ٣ : ٣٢ أبواب التكفين ب ١٤ ح ٣.
(٣) في « د » و « رض » زيادة : بن سليمان.
(٤) التهذيب ١ : ٣٠٨ / ٨٩٣ ، الوسائل ٣ : ٣٧ أبواب التكفين ب ١٦ ح ٤.
(٥) مدارك الأحكام ٢ : ١١٥.
(٦) الفقيه ١ : ٩١.
السجود من وجهه ويديه »(١) وروى سماعة نحو ذلك(٢) .
ونقل عن المحقق في المعتبر : أنّه حمل الروايات الأوّل على الكراهة ، وهاتين على الجواز(٣) . ولا يخفى بُعده ، لأنّ الأمر إمّا للوجوب أو للاستحباب ؛ وربما يحتمل الحمل على التقية فيما دل على الجواز ؛ لتصريح بعض أهل الخلاف بذلك(٤) .
والعجب من العلاّمة في المختلف ، حيث إنّه نقل عن الشيخ : القول بالكراهة ، وأنّه احتج بما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله ؛ ثم قال : وقول ابن بابويه لا بأس به عندي(٥) . مع أنّه لم يتعرض لوجه الجمع ، ولا يبعد أنّ يكون رواية عبد الرحمن مردودة عنده بالقطع ، وقد عرفت ما فيه ؛ على أنّهرحمهالله يكتفي في إثبات الكراهة بالضعيف ، ولعل المعارض اقتضى نفي الكراهة ، ( هذا.
وما )(٦) تضمّنه أوّل الخبر الأوّل من قوله « وتحسن » استفهام ، بحذف الأداة ، وهو سائغ(٧) .
وقوله : إنّي اغسّل ، يريد به في الظاهر أنّي اغسّل على حسب الإمكان ، كما هو متعارف في المحاورات.
أمّا ما تضمنه من قوله : « فارفق به ولا تعصره » فهو محتمل لأنّ يراد
__________________
(١) التهذيب ١ : ٣٠٧ / ٨٩١ ، الوسائل ٣ : ٣٧ أبواب التكفين ب ١٦ ح ٣.
(٢) التهذيب ١ : ٤٣٥ / ١٣٩٩ ، الوسائل ٣ : ٣٥ أبواب التكفين ب ١٥ ح ٢.
(٣) المعتبر ١ : ٢٩١.
(٤) كالشافعي في الأُم ١ : ٢٦٥.
(٥) المختلف ١ : ٢٤٧ ٢٤٨.
(٦) بدل ما بين القوسين في « رض » : هنا ، وأمّا ما.
(٧) في « فض » : شائع.
بالرفق : عدم العنف. ويحتمل أنّ يراد عدم العصر ، فيكون قوله : « ولا تعصره » تفسيراً له.
وما تضمنه الثاني من قوله : « ولا تغمزوا له مفصلاً » ينافيه ما في خبر الكاهلي من قولهعليهالسلام : « ثم تلين أصابعه »(١) ولعلّ المراد من الغمز : المبالغة في التليين ، أو المراد بعد الغُسل ، كما قاله الشيخ في التهذيب بعد خبر طلحة بن زيد ، الدال على نحو هذا الخبر(٢) .
ونقل شيخناقدسسره عن المعتبر : دعوى الإجماع على استحباب تليين الأصابع ؛ ثم قال : وقيل بالمنع ؛ لقولهعليهالسلام في رواية طلحة بن زيد : « ولا تغمزوا له مفصلا »(٣) .
وما تضمنه من كيفية العمامة يخالف ما رواه يونس عنهمعليهمالسلام ، قال : « ثم يعمّم ، ويؤخذ(٤) وسط العمامة فتثنّى على رأسه بالتدوير ، ثم يلقى فضل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن ، ويمدّ على صدره »(٥) .
وفي رواية معاوية بن وهب « وعمامة يعتمّ بها ، ويلقى فضلها على وجهه »(٦) .
وفي رواية عثمان النوّاء الاولى في التهذيب زيادة عمّا هنا ، وهي : « إذا عمّمته فلا تعمّمه عمة الأعرابي » قلت : كيف أصنع؟ قال : « خذ
__________________
(١) التهذيب ١ : ٢٩٨ / ٨٧٣ ، الوسائل ٢ : ٤٨١ أبواب غسل الميت ب ٢ ح ٥.
(٢) التهذيب ١ : ٣٢٣ / ٩٤١ ، الوسائل ٢ : ٥٠٠ أبواب غسل الميت ب ١١ ح ٤.
(٣) مدارك الأحكام ٢ : ٨٩.
(٤) في المصدر : يؤخذ.
(٥) الكافي ٣ : ١٤٣ / ١ ، التهذيب ١ : ٣٠٦ / ٨٨٨ ، الوسائل ٣ : ٣٢ أبواب التكفين ب ١٤ ح ٣.
(٦) التهذيب ١ : ٢٩٣ / ٨٥٨ ، الوسائل ٣ : ١٠ أبواب التكفين ب ٢ ح ١٣.
العمامة من وسطها وانشرها على رأسه ، ثم ردّها إلى خلفه واطرح طرفيها »(١) .
وفي رواية عبد الله بن سنان « وعمامة يعصب بها رأسه ويردّ فضلها على رجليه »(٢) .
ولا يخفى أنّ مقام الاستحباب عند المتأخرين واسع الباب(٣) .
وما تضمنه من وضع الكافور في المنخر لعلّ المراد به على المنخر ، وقد صرح الشيخ في التهذيب باستعمال « في » بمعنى « على » في الخبر الوارد بوضع الكافور في الفم(٤) ؛ وسيأتي هنا.
ولم يتعرض لما ذكره المفيد في الإرغام(٥) ؛ ولعلّه يستفاد من رواية الحلبي ( فيما رواه الشيخ عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي )(٦) قال : « إذا أردت أنّ تحنط الميت فاعمد إلى الكافور ، فامسح به آثار السجود منه » الحديث(٧) .
والمفيدرحمهالله ذكر ذلك أيضاً ، فإنّه قال : ويضع منه على طرف أنفه الذي كان يرغم به في سجوده(٨) . والصدوق في الفقيه عبارته تدل على ذلك أيضاً(٩) .
__________________
(١) التهذيب ١ : ٣١٠ / ٨٩٩ ، الوسائل ٣ : ٣٦ أبواب التكفين ب ١٦ ح ٢.
(٢) التهذيب ١ : ٣٠٨ / ٨٩٤ ، الوسائل ٣ : ٨ أبواب التكفين ب ٢ ح ٨.
(٣) كالمحقق في المعتبر ١ : ٢٨٣ ، وصاحب المدارك ٢ : ١٠٣.
(٤) التهذيب ١ : ٣٠٨.
(٥) المقنعة : ٧٨.
(٦) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٧) التهذيب ١ : ٣٠٧ / ٨٩٠ ، الوسائل ٣ : ٣٢ أبواب التكفين ب ١٤ ح ١.
(٨) المقنعة : ٧٨.
(٩) الفقيه ١ : ٩١.
وقوله في الرواية : « وموضع سجوده » يراد به جميع المساجد. وأما المفاصل فمدلول حسنة الحلبي السابق صدرها(١) ذلك أيضاً.
وما تضمنه من قوله : « تؤخذ خرقة » إلى آخره ، هي المسماة بالخامسة ، وهي مستحبة عند من رأينا كلامه(٢) ؛ وفي رواية عبد الله بن سنان فيما رواه الشيخ قال : « الميت يكفن في ثلاثة سوى العمامة والخرقة يشدّ بها وركيه لكيلا يبدو منه شيء ، والخرقة والعمامة لا بدّ منها »(٣) .
وفي رواية يونس قال : « واحش القطن في دبره لئلاّ يخرج منه شيء ، وخذ خرقة طويلة عرضها شبر فشدّها من حقويه وضمّ فخذيه ضماً شديداً ولفّها في فخذيه ، ثم أخرج رأسها من تحت رجليه إلى الجانب الأيمن واغمزها في الموضع الذي لففت فيه الخرقة ، وتكون الخرقة طويلة تلفّ فخذيه من حقويه إلى ركبتيه لفّاً شديداً »(٤) . وفي عبارات بعض المتأخرين : أنّ طول الخرقة ثلاث أذرع.
وقوله في الحديث : « وما يصنع من القطن أفضل » لعلّ المراد به أنّ الخرقة المذكورة من القطن أفضل ، ويحتمل أنّ ما يصنع من وضع القطن مع الخرقة أفضل ، وفي رواية عبد الله الكاهلي « ثم أذفره بالخرقة يكون تحتها القطن »(٥) .
ثم ما تضمنه الخبر من أنّ الكفن قميص ولفّافة وبرد ، ربما يصلح
__________________
(١) في ص ٣٨٠.
(٢) كصاحب المدارك ٢ : ١٠٢.
(٣) التهذيب ١ : ٢٩٣ / ٨٥٦ ، الوسائل ٣ : ٩ ، أبواب التكفين ب ٢ ح ١٢.
(٤) التهذيب ١ : ٣٠١ / ٨٧٧ ، الوسائل ٢ : ٤٨١ أبواب غسل الميت ب ٢ ح ٣.
(٥) التهذيب ١ : ٢٩٨ / ٨٧٣ ، الوسائل ٢ : ٤٨٢ أبواب غسل الميت ب ٢ ح ٥.
دليلاً لما ذكره المتأخرون من أنّه مئزر وقميص وإزار(١) ، على أنّ يكون اللفافة هي المئزر ، والبرد : الإزار. فما قاله شيخناقدسسره من أنّه لم يقف في الروايات على ما يدل على المئزر بعد أنّ نقل عن الشيخين وأتباعهما أنّهم جعلوه أحد الأثواب الثلاثة(٢) ؛ محلّ تأمل.
نعم في بعض الروايات ما يدل على الثوبين الشاملين مع القميص ففي حسنة الحلبي عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « كتب أبي في وصيته أنّ أُكفّنه بثلاثة أثواب ، أحدها رداء له حبرة كان يصلّي فيه يوم الجمعة ، وثوب آخر وقميص » الحديث(٣) .
وفي بعض آخر ثلاثة أثواب ، كرواية أبي مريم المعدودة في الصحيح قال سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول : « كفّن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في ثلاثة أثواب ، برد أحمر حبرة وثوبين صحاريين أبيضين »(٤) .
وصحيحة زرارة على ما يظهر من التهذيب قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : العمامة من الكفن؟ قال : « لا إنّما الكفن المفروض ثلاثة أثواب تام لا أقلّ منه توارى [ فيه ] جسده كلّه ، فما زاد فهو سنّة إلى أنّ يبلغ خمسة » الحديث(٥) .
وهو كما نقلناه في كثير من نسخ التهذيب ، ويحكى عن المحقق
__________________
(١) كما في الذكرى : ٤٦.
(٢) مدارك الأحكام ٢ : ٩٤.
(٣) التهذيب ١ : ٢٩٣ / ٨٥٧ وفيه : إنّي أُكفّنه. ، الوسائل ٣ : ٩ ، أبواب التكفين ب ٢ ح ١٠.
(٤) التهذيب ١ : ٢٩٦ / ٨٦٩ ، الوسائل ٣ : ٧ ، أبواب التكفين ب ٢ ح ٣ وفيهما : أبيضين صحاريين.
(٥) التهذيب ١ : ٢٩٢ / ٨٥٤ ، الوسائل ٣ : ٦ ، أبواب التكفين ب ٢ ح ١ ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
والعلاّمة أنّهما نقلاه كذلك(١) . وفي بعض النسخ « ثلاثة أثواب وثوب تام لا أقل منه » وحمله الشهيد في الذكرى على التقية أو على أنّه من باب عطف الخاص على العام(٢) . واستبعده شيخناقدسسره (٣) .
وفي نظري القاصر أنّه غير تامّ من جهة الخاص والعام ؛ لأنّ الأعداد ليست داخلة في العام.
فإنّ قلت : قد ذكر بعض المفسّرين(٤) في قوله تعالى( إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) (٥) أنّه من عطف الخاص ، يعني والشمس والقمر على العام وهو أحد عشر كوكباً(٦) .
قلت : الكلام عليهما واحد كما هو واضح ، هذا.
والمنقول عن سلاّر أنّه اقتصر في الكفن على ثوب واحد(٧) ؛ واحتج له في الذكرى بهذه الرواية. واعترض عليه بأنه إنّما يتم الاستدلال لو كانت « الواو » بمعنى « أو » ليفيد التخيير بين الأثواب الثلاثة والثوب التام(٨) . وهذا الاعتراض كما ترى يتوقف على كون سلاّر قائلاً بالتخيير.
وبعض محققي المتأخرينرحمهالله قال : إنّ مرجع ضمير « منه » و « فيه »(٩) لا يخلو من إجمال ؛ وكذلك لفظ « تام » فيحتمل أنّ يكون خبر
__________________
(١) كما في المدارك ٢ : ٩٣.
(٢) الذكرى : ٤٦.
(٣) مدارك الأحكام ٢ : ٩٣.
(٤) لم نعثر عليه.
(٥) يوسف : ٤.
(٦) ليست في « د » و « فض ».
(٧) حكاه عنه في الذكرى : ٤٦ ، وهو في المراسم : ٤٧.
(٨) كما في المدارك ٢ : ٩٣.
(٩) في « فض » : منه فيه.
مبتداء محذوف ، أي هذا الكفن تام ، أو أنّ المفروض : هذا التام لا أقلّ منه(١) .
ونقل بعض الأصحاب أنّ في بعض نسخ التهذيب « أو ثوب تام »(٢) .
وفي الكافي روى في الحسن عن زرارة ومحمد بن مسلم قالا : قلنا لأبي جعفرعليهالسلام : العمامة للميت من الكفن؟ قال : « لا ، إنّما الكفن المفروض ثلاثة أثواب وثوب تام لا أقل منه »(٣) .
ولا يبعد أنّ يقال : باحتمال أنّ الثوب التام تفسير لأحد الأثواب ، كما ذكره بعض المتأخرينرحمهالله واحتمل أيضاً أنّ يكون الثوب التام حال الضرورة(٤) .
إذا عرفت هذا ، فاعلم أنّه ربما يستفاد من الأخبار التخيير بين الثلاثة أثواب وبين الاثنين والقميص ، ولا يخفى عليك مخالفتها المشهور بين المتأخرين : وينقل عن ابن الجنيد القول بالتخيير المذكور(٥) . والله أعلم بالحال.
اللغة :
قال في القاموس : الرفق بالكسر اللطف(٦) . وفيه : غمزه بيده يغمزه شبه نخسه(٧) .
__________________
(١) الأردبيلي في مجمع الفائدة ١ : ١٩٠.
(٢) البهائي في الحبل المتين : ٦٦.
(٣) الكافي ٣ : ١٤٤ / ٥ ، الوسائل ٣ : ٦ ، أبواب التكفين ب ٢ ح ٢. وفي « فض » : أو ثوب تام ، كما في نسخة من الكافي.
(٤) الأردبيلي في مجمع الفائدة ١ : ١٩٠.
(٥) حكاه عنه في الذكرى : ٤٦.
(٦) القاموس المحيط ٣ : ٢٤٤ ( الرفق ).
(٧) القاموس المحيط ٢ : ١٩٢ ( غمزه ).
قوله :
فأما ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبان ؛ والحسين بن سعيد عن فضالة ، عن ابن مسكان جميعاً عن أبي العباس ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سألته عن غسل الميت ، فقال : « أقعده واغمز بطنه غمزاً رفيقاً ثم طهّره من غمز البطن ، ثم تضجعه ، ثم تغسله فتبدأ بميامنه ، وتغسله بالماء والحُرُض(١) ، ثم بماءٍ وكافور ، ثم تغسله بالماء القراح ، واجعله في أكفانه ».
قال محمد بن الحسن(٢) : ما تضمن هذا الخبر من قوله : « أقعده » موافق للعامة ولسنا نعمل به. وأمّا قوله : « اغمزه » يجوز(٣) أنّ يكون إشارة إلى ما يمسح على بطنه في الغسلتين الأوّلتين دون الثالثة على ما شرحناه في كتابنا الكبير.
وأمّا ما رواه علي بن الحسين ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمد ابن الحسين بن أبي الخطاب ؛ وأحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن أبيه ، عن علي بن عقبة ؛ وذبيان(٤) بن حكيم ، عن موسى بن أكيل النميري ، عن العلاء بن سيّابة ، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال : « لا بأس أنّ تجعل الميت بين رجليك ، وأنّ تقوم من فوقه وتغسله ، إذا (٥) قلبته
__________________
(١) الحُرُض : الأسنان القاموس المحيط ٢ : ٣٣٩.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢٠٦ / ٧٢٤ زيادة :رحمهالله .
(٣) في الاستبصار ١ : ٢٠٦ / ٧٢٤ : فيجوز.
(٤) الإستبصار ١ : ٢٠٦ / ٧٢٥ في نسخة : دينار.
(٥) في الاستبصار ١ : ٢٠٦ / ٧٢٥ : فإذا.
يميناً وشمالاً تضبطه برجليك(١) كي لا يسقط لوجهه »(٢) .
فالوجه في قولهعليهالسلام : « لا بأس أنّ تجعله بين رجليك » محمول على الجواز ورفع الحظر ؛ لأنّ المسنون والأفضل أنّ يقف من جانب الميت ، ولا يركبه حسب ما شرحناه في الكتاب الكبير.
السند :
في الأوّل : لا بُعد في صحته ؛ لأنّ علي بن الحكم هو الثقة بتقدير الاشتراك(٣) لرواية أحمد بن محمد بن عيسى عنه.
وأبان : قد قدّمنا(٤) في شأنه كلاماً على أنّه لا يضر بالحال هنا.
وابن مسكان : على الظاهر عبد الله.
وأبو العباس : الفضل بن عبد الملك ، لأنّه المعروف في الإطلاق ، والمذكور في الكنى راوياً عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، إلاّ أنّ باب الاحتمال واسع.
والحسين بن سعيد فيه إمّا معطوف على أحمد بن محمد بن عيسى فيكون بطريق الشيخ(٥) إلى كل منهما ؛ وإمّا معطوف على علي بن الحكم ، والراوي عنه أحمد بن محمد ؛ ولا يضر بالحال.
والثاني : فيه علي بن عقبة ثقة بتقدير أنّ يكون هو علي بن عقبة بن خالد الأسدي الذي ذكره النجاشي موثقاً(٦) ؛ أو يتحد مع علي بن عقبة الذي
__________________
(١) في « د » : برجلك.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢٠٦ / ٧٢٥ : بوجهه.
(٣) انظر هداية المحدثين : ٢١٦.
(٤) في ص ١٣٠.
(٥) مشيخة التهذيب ( التهذيب ١٠ ) : ٦٣.
(٦) رجال النجاشي : ٢٧١ / ٧١٠.
ذكره الشيخ مهملاً(١) ، كما هو الظاهر ؛ لأنّ الشيخ ذكره في رجال الصادقعليهالسلام مرّتين ، في أحدهما قال : الأسدي ، وفي الأُخرى قال : علي بن عقبة(٢) . والمعروف من عادة الشيخ تكرار الرجل بمجرد اختلاف ما.
والنجاشي لم يذكر إلاّ من قدّمناه.
وفي الفهرست ذكر الشيخ علي بن عقبة ، وأنّ الراوي عنه الحسن بن علي بن فضّال(٣) .
وذبيان بن حكيم مهمل في الرجال(٤) ، إلاّ أنّه لا يضرّ بالحال لو سلم من غيره ، فإنّ العلاء بن سيّابة مهمل في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ(٥) . والراوي عن علي بن عقبة كما سمعته من الفهرست الحسن بن علي بن فضال(٦) ، فيكون أحمد بن الحسن ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب راويين عن الحسن بن علي بن فضال عن علي.
واحتمال أنّ يكون محمد بن الحسين راوياً عن علي ممكن ؛ لأنّ الرواية عن علي من الحسن غير منحصرة فيه ، فإنّ النجاشي ذكر أنّ الراوي عنه غيره(٧) ؛ لكن الجزم مشكل ، والفائدة هنا بعد العلاء بن سيّابة منتفية كما لا يخفى ، إلاّ أنّا ذكرنا ما(٨) هنا بياناً للواقع.
__________________
(١) رجال الطوسي : ٢٤٢ / ٣٠٣ ، والفهرست : ٩٠ / ٣٧٥.
(٢) رجال الطوسي : ٢٤٢ / ٣٠٣.
(٣) الفهرست : ٩٠ / ٣٧٥.
(٤) انظر رجال النجاشي : ١٠٦ / ٢٦٨ ، ومنهج المقال : ١٣٧.
(٥) رجال الطوسي : ٢٤٥ / ٣٥٠.
(٦) الفهرست : ٩٠ / ٣٧٥.
(٧) رجال النجاشي : ٢٧١ / ٧١٠.
(٨) في « فض » : هذا.
المتن :
في الأوّل : كما ترى يدل على غمز البطن ، والخبر السابق ورد النهي فيه عن غمز المفاصل ، فلا منافاة محوجة إلى ما قاله الشيخ ، مضافاً إلى أنّ الظاهر من الخبر أنّ الغمز قبل التغسيل ، فحمله على الغسلتين الأوّلتين غريب من حيث الرواية ؛ والذي ذكره في التهذيب لم أقف عليه الآن ، غير أنّ ( في بعض رواياته ما يدل على أنّ غمز البطن قبل الغسل. وخبر عثمان النوّاء وإنّ دلّ النهي فيه على مطلق العصر )(١) إلاّ أنّه قابل للتقييد بغيره.
وذكر شيخناقدسسره عند قول المحقق في الشرائع : ويمسح بطنه في الغسلتين ؛ الأوّلتين. أنّ هذا مستفاد من رواية الكاهلي ويونس(٢) (٣) . مع أنّ رواية الكاهلي لا تخلو دلالتها على ذلك من نظر ، أمّا أوّلاً : فلإجمالها كما يعلمه(٤) من راجعها. وأمّا ثانياً : فلتضمّن صدرها الأمر بمسح البطن مسحاً رفيقاً ، وفي آخرها قال : « وإيّاك أن تقعده أو تغمز بطنه » والظاهر من الأخير العود للجميع ، لأنّ الإقعاد مطلقاً مكروه عند الشيخ ومن تابعه ، وحينئذٍ يبعد أنّ يكون النهي عن الغمز في الغسلة الأخيرة ؛ وإذا عاد إلى الجميع أمكن أنّ يقال : إنّ المستحب المسح الرفيق ، والغمز المنهي عنه ما كان أشد منه.
ورواية يونس أيضاً لا تخلو دلالتها من تأمّل إلاّ أنّ الأمر سهل.
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٢) المتقدمتين في ص : ١٠٠٥ ، ١٠٠٦.
(٣) مدارك الأحكام ٢ : ٩٠.
(٤) في « د » : يعلمها.
وما ذكره الشيخ من أنّ الإقعاد موافق للعامة يشكل بأنّه لا وجه لحمل بعض الخبر على التقية وبعضه على غيرها ؛ لكن نقل عن الشيخ في الخلاف دعوى الإجماع على كراهة الإقعاد(١) ؛ وعن المحقق في المعتبر الميل إلى العمل بما دل على الإقعاد ، لأنّه قال : إنّ العمل بهذه الأخبار ليس بعيداً ، ولا معنى لتنزيلها على التقية ، لكن ( لا بأس أنّ يعمل بما ذكره الشيخ(٢) .
ولا يخفى عليك أنّ تعارض الأخبار لا بد له من وجه للجمع ، والحمل على التقية )(٣) لا بأس به لولا ما ذكرناه.
ولا مانع من كون جميع ما ذكر للتقية ، وربما ينبه عليه ما تضمنه الرواية من التغسيل أوّلاً بالماء والحُرُض ، فإنّه خلاف مدلول الأخبار المتضمنة للسدر.
والثاني : ما قاله الشيخ فيه من الحمل على التقية في الأوّل ممكن في الثاني.
اللغة :
قال في القاموس : القَراح كسَحاب الماء لا يخالطه ثفل من سويق وغيره(٤) .
ولا يخفى أنّ الظاهر من الحديث أنّ القراح الخالي من الخليط
__________________
(١) الخلاف ١ : ٦٩٣.
(٢) المعتبر ١ : ٢٧٨.
(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٤) القاموس المحيط ١ : ٢٥١.
مطلقاً ؛ فما ذكره جدّيقدسسره من أنّ القَراح : الخالص من الخليط ، بمعنى كونه غير معتبر فيه ، لا أنّ سلبه عنه معتبر ، وإنّما المعتبر كونه ماءً مطلقاً(١) محل نظر ؛ لأنّ الماء المطلق يتحقق في كل من الغسلات عنده وعند غيره سوى ما قدّمناه عن الشهيدرحمهالله (٢) ، وحينئذٍ لا بد من تمييز الماء القَراح عن غيره بخلوصه من الخليط مطلقاً.
قوله(٣) :
باب تقديم الوضوء على غسل الميت
أخبرني الشيخ رحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن أحمد بن يحيى (٤) ، عن أيوب بن نوح ، عن المُسلي ، عن عبد (٥) الله بن عبيد قال : سألت أبا عبد الله عليهالسلام عن غسل الميت ، قال : « يطرح عليه خرقة ، ثم يغسل فرجه ويوضّأ وضوء الصلاة ، ثم يغسل رأسه بالسدر والأُشنان ، ثم الماء والكافور ، ثم بالماء القراح ويطرح (٦) فيه سبع ورقات ( من ورق السدر ) (٧) صحاح في الماء ».
__________________
(١) الروضة البهية ١ : ١٢٢.
(٢) في ص ٦٢.
(٣) في « رض » : قال.
(٤) في « فض » : الحسن.
(٥) في الاستبصار ١ : ٢٠٦ / ٧٢٦ : عبيد.
(٦) في « فض » والتهذيب ١ : ٣٠٢ / ٨٧٨ : بالماء القراح يطرح.
(٧) ما بين القوسين ليس في التهذيب ١ : ٣٠٢ / ٨٧٨ وفي الاستبصار ١ : ٢٠٧ / ٧٢٦ موجود بعد كلمة : صحاح.
عنه(١) ، عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد ، عن أبي جعفر ، عن علي بن حديد ، عن عبد الرحمن بن أبي نجران ؛ والحسين بن سعيد ، عن حمّاد ، عن حريز قال : أخبرني أبو عبد اللهعليهالسلام قال : « الميت يبدأ(٢) بفرجه ، ثم يوضّأ(٣) وضوء الصلاة » وذكر الحديث.
وأخبرني الحسين بن عبيد الله(٤) ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمد بن أحمد بن يحيى (٥) المعاذي ، عن محمد بن عبد الحميد ، عن محمد بن حفص (٦) ، عن حفص بن غياث ، عن ليث ، عن عبد الملك ، عن (٧) أبي بشير ، عن حفصة بنت بشير (٨) ، عن أُمّ سليمان ، عن أُمّ أنس بن مالك ، إنّ رسول صلىاللهعليهوآله قال : « إذا توفّيت المرأة فأرادوا أنّ يغسلوها فليبدأوا ببطنها فليمسح (٩) مسحاً رفيقاً إنّ لم تكن حبلى ، فإنّ كانت حبلى فلا تحرّكيها (١٠) ؛ فإذا أردت غسلها
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٢٠٧ / ٧٢٧ : وعنه.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢٠٧ / ٧٢٧ : تبدأ.
(٣) في الاستبصار ١ : ٢٠٧ / ٧٢٧ : توضأ.
(٤) في « فض » و « رض » : عبد الله.
(٥) في التهذيب ١ : ٣٠٢ / ٨٨٠ والاستبصار ١ : ٢٠٧ / ٧٢٨ زيادة : عن محمد بن يحيى.
(٦) في « رض » : جعفر.
(٧) في النسخ : بن ، والظاهر ان الصحيح ما أثبتناه كما في التهذيب ١ : ٣٠٢ / ٨٨٠ والاستبصار ١ : ٢٠٧ / ٧٢٨.
(٨) كذا في النسخ ، والصحيح كما في التهذيب ١ : ٣٠٢ / ٨٨٠ والاستبصار ١ : ٢٠٧ / ٧٢٨ : بنت سيرين.
(٩) كذا وفي الاستبصار ١ : ٢٠٧ / ٧٢٨ : فلتمسح.
(١٠) في النسخ : فلا تحرّكها.
فابدئى(١) بسفليها فألقي على عورتها ثوباً ستيراً ، ثم خذي كُرسفة فاغسليها ، ثم ادخلي يدك من تحت الثوب فاغسليها بكرسف ثلاث مرّات ، فأحسني مسحها قبل أنّ توضّئيها ، ثم وضّئيها بماء فيه سدر » وذكر الحديث.
وأخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن أحمد بن رزق الغمشاني ، عن معاوية بن عمّار قال أمرني أبو عبد اللهعليهالسلام أنّ أعصر(٢) بطنه ، ثم أُوضّيه بالأُشنان ، ثم أغسل رأسه بالسدر ولحيته ، ثم أفيض على جسده منه ثم أدلك به جسده ، ثم أُفيض عليه ثلاثاً ، ثم أغسله بالماء القَراح ، ثم أُفيض عليه الماء بالكافور وبالماء القَراح وأطرح فيه سبع ورقات سدر.
علي بن محمد القاساني ، عن بعض أصحابه ، عن الوّشاء ، عن أبي خيثمة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إنّ أبي أمرني أنّ أغسله إذا توفّي ، وقال لي : اكتب يا بنيّ ؛ ثم قال : إنّهم يأمرونك بخلاف ما تصنع فقل لهم : هذا كتاب أبي ولست أعدو قوله ؛ ثم قال : تبدأ فتغسل يديه ، ثم توضّئه وضوء الصلاة ، ثم تأخذ سدراً » وذكر الحديث.
السند :
في الأوّل : فيه المُسلي ، وهو يقال لمحمد بن عبد الله المُسلي وربيع
__________________
(١) في « د » و « رض » والتهذيب ١ : ٣٠٢ / ٨٨٠ : فابدأ.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢٠٧ / ٧٢٩ : أغمز.
ابن محمد المُسلي وعمرو بن عبد الحكم المُسلي ، ويقال لغيرهم أيضاً(١) .
لكن محمد بن عبد الله : يروي عنه حميد ، وهو ثقة كما ذكره النجاشي(٢) ؛ وأيوب بن نوح كما ترى يروي عنه هنا ، ومرتبة أيوب تبعد عن حميد.
وأمّا ربيع : فإنّ الراوي عنه العباس بن عامر كما في النجاشي(٣) والفهرست(٤) ، والعباس يروي عنه أيوب بن نوح كما ذكره الشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمةعليهمالسلام (٥) ، فتبعد رواية أيوب عن المُسلي بغير واسطة إلاّ أنّه في حيّز الإمكان ، والربيع : غير موثق ولا ممدوح.
وعمرو بن عبد الحكم : مذكور مهملاً في أصحاب الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ(٦) .
وأمّا عبد الله بن عبيد : فهو مشترك(٧) بين مهملين.
والثاني : كما ترى مشتمل على سندين ؛ ثانيهما : لا ارتياب في صحته. والأوّل : فيه علي بن حديد ، وقد تقدم تضعيفه عن الشيخ في هذا الكتاب(٨) . والوالدقدسسره كان كثيراً ما يقول : إنّ الظاهر في مثله
__________________
(١) منهم إسماعيل بن علي المسلي وبحر المسلي ، رجال الطوسي : ١٤٨ / ١١٢ ، و ١٥٨ / ٦٦.
(٢) رجال النجاشي : ٣٤٣ / ٩٢٣.
(٣) رجال النجاشي : ١٦٤ / ٤٣٣.
(٤) الفهرست : ٧٠ / ٢٨٠.
(٥) رجال الطوسي : ٤٨٧ / ٦٥.
(٦) رجال الطوسي : ٢٤٧ / ٣٩٦.
(٧) رجال الطوسي : ٢٢٥ / ٣٣ و ٢٢٦ / ٥٦.
(٨) راجع ص ٤٦.
« وعبد الرحمن بن أبي نجران » لا « عن عبد الرحمن » لأنّ الروايات الواردة في هذا النحو كثيرة(١) .
والأمر كما قال من جهة الكثرة ، إلاّ أنّه لا مانع من الرواية تارة عن الشخص وتارة معه ؛ وفي التهذيب روى الشيخ الخبر كما هنا(٢) .
فإنّ قلت : الحسين بن سعيد عطف على مَن؟
قلت : يحتمل العطف على علي بن حديد احتمالاً ظاهراً.
ويحتمل أنّ يكون ابتداء سند ، والطريق إلى الحسين ما يذكره الشيخ في المشيخة(٣) ؛ ويدفعه أنّ اللازم رواية ابن أبي نجران عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، والحال أنّ المذكور كونه من أصحاب الرضا والجوادعليهماالسلام ، مضافاً إلى أنه ينبغي أنّ يقال : قالا.
ولا يخفى عليك أنّ هذا الوجه يقرب ما ذكرناه(٤) عن الوالدقدسسره لأنّ عبد الرحمن إذا كان الراوي عنه علي بن حديد يكون عبد الرحمن وحريز مشتركين في الرواية عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، والحال ما ذكرناه.
والثالث : فيه محمد بن أحمد بن يحيى المعاذي على ما رأيناه من النسخ والظاهر أنّ أحمد زائد ؛ لأنّ المذكور في الرجال محمد بن يحيى المعاذي(٥) ، وقد ذكر العلاّمة في الخلاصة : أنّه ضعيف(٦) . وأظن أنّ أصل
__________________
(١) منتقى الجمان ١ : ٢٦ ، ٢٤٥.
(٢) التهذيب ١ : ٣٠٢ / ٨٧٩.
(٣) مشيخة التهذيب ( التهذيب ١٠ ) : ٦٣.
(٤) منتقى الجمان ١ : ٢٦ ، ٢٤٥.
(٥) انظر رجال الطوسي : ٤٣٥ / ١١.
(٦) خلاصة العلاّمة : ٢٥٤ / ٣٢.
ذلك ما نقله النجاشي في محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري من : أنّه من المستثنين الذين يروي عنهم محمد بن أحمد(١) . وغير خفي أنّ هذا لا يوجب الضعف.
والشيخ ذكره في رجال العسكريعليهالسلام مهملاً(٢) ، لكن على ما فهمه الشيخ في محمد بن عيسى(٣) من الاستثناء ينبغي وصفه بالضعف ، وفيه ما فيه.
وأمّا محمد بن عبد الحميد فهو العطّار على الظاهر ، وقد قدّمنا فيه القول(٤) .
ومحمد بن حفص هو ابن غياث ، ويروي عن أبيه كما ذكره الشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمةعليهمالسلام لكن بنوع إبهام(٥) ، لأنّه قال : روى عنه محمد بن الوليد الخزّاز ، وروى عنه محمد بن الحسن الصفار والحميري وسعد(٦) . وغير خفي بعد الممارسة أنّ الضمير في « وروى عنه » راجع إلى محمد بن الوليد ؛ لكن في بادئ النظر يتوهم خلافه ويظن أنّ محمد بن عبد الحميد لا يروي عن محمد بن حفص فيكون غير من ذكرناه. وربما يزاد احتمال كون محمد بن حفص مجهولاً غير المذكور ، وإنّ كان المذكور مجهولاً أيضاً ؛ لوجوده مهملاً.
__________________
(١) رجال النجاشي : ٣٤٨ / ٩٣٩.
(٢) رجال الطوسي : ٤٣٥ / ١١.
(٣) الفهرست : ١٤٠.
(٤) راجع ص ١٥١.
(٥) في « رض » و « فض » : إيهام.
(٦) رجال الطوسي : ٤٩٢ / ١٠.
وأمّا حفص بن غياث فقد تقدم(١) .
وليث مشترك(٢) . وعبد الملك غير مذكور كغيره.
والرابع : لا ارتياب في صحته.
والخامس : فيه علي بن محمد القاشاني مع عدم الطريق إليه ؛ وقد نقل العلاّمة عن الشيخ أنّه قال : إنّه من أصحاب أبي جعفر الثاني الجوادعليهالسلام ، ـ ثم قال يعني الشيخ ـ : علي بن شيرة بالشين المعجمة المكسورة والياء الساكنة المنقطة تحتها نقطتين والراء ثقة من أصحاب الجوادعليهالسلام ، ثم قال العلاّمة : والذي يظهر لنا أنّهما واحد ؛ لأنّ النجاشي قال : علي بن محمد بن شيرة القاشاني(٣) . انتهى.
ولا يخفى قصور عبارة العلاّمة على من لاحظ كتاب الشيخ الموجود الآن ؛ لأنّ الشيخ قال في رجال الهاديعليهالسلام : علي بن شيرة ثقة ؛ علي بن محمد القاشاني ضعيف إصبهاني ، إلى آخره(٤) . ولعلّ العلاّمة وجد في نسخة ما ذكره ، إلاّ أنّ القصور من جهة إبهام الضبط وأنّه من الشيخ واقع.
وربما يظن أنّ قول الشيخ : علي بن شيرة ثقة. وقع فيه تصحيف من الكاتب ، وإنّما هو « يق » والمعنى : أنّ علي بن شيرة يقال له علي بن محمد القاشاني ، ( ولا يبعّد هذا أنّ كلام النجاشي يقتضي عدم ضعفه ؛ لأنّ الشيخ ربّما اعتمد على ما نقل النجاشي )(٥) عن أحمد بن محمد بن عيسى : أنّه
__________________
(١) في ج ١ : ٢٠٧.
(٢) انظر هداية المحدثين : ١٣٦.
(٣) خلاصة العلاّمة : ٢٣٢ / ٦.
(٤) رجال الطوسي : ٤١٧ / ٩.
(٥) ما بين القوسين ليس في « رض ».
غمز عليه ، وذكر أنّه سمع منه مذاهب منكرة(١) .
لكن في ذكر الرجل مرة بالتوثيق وأُخرى بالتضعيف على ما سمعت من النسخة يقتضي أنّ الشيخ لم يتثبّت في شأن الرجل ، والعمدة على قول النجاشي ؛ غير أنّ ما ذكره بعد قوله : غمز عليه أحمد من : أنّه ليس في كتبه ما يدل على ذلك : لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ عدم الوجدان في كتبه لا يدل على نفي ما قاله أحمد بن محمد بن عيسى ، لأنّ الظاهر منه أنّه سمع أحمد. واحتمال « سُمع » بالمجهول بعيد.
وما ذكره النجاشي من : أنّ علي بن أحمد بن شيرة كان فقيهاً مكثراً من الحديث فاضلا(٢) يقتضي المدح كما لا يخفى. أمّا التخالف بين كونه ابن أحمد وبين قول الشيخ ابن محمد فأمره سهل. هذا ، وفي السند الإرسال مع جهالة أبي خيثمة.
المتن :
في الأوّل : له دلالة على الوضوء المعروف بحسب الظاهر من قوله : « وضوء الصلاة » وما يوجد في الأخبار من إطلاق الوضوء على غَسل اليدين والاستنجاء بعيد الإرادة هنا من حيث قوله : « وضوء الصلاة » إلاّ أنّ يتكلف التوجيه ؛ ولا يبعد نفي التكلّف بعد تحقق المعارض ، لكن ستسمع الكلام فيه.
أمّا الدلالة من الرواية على الوجوب فقد تنكر من عدم الإتيان بمقتضاه من الأمر ، وهو الظاهر من العلاّمة في المختلف ، فإنّه استدل بهذه
__________________
(١) رجال النجاشي : ٢٥٥ / ٦٦٩ وفيه : علي بن محمد بن شيرة.
(٢) رجال النجاشي : ٢٥٥ / ٦٦٩ وفيه : علي بن محمد بن شيرة.
على الاستحباب ، وبالثاني حيث قالعليهالسلام فيه : « ثم توضّأ وضوء الصلاة » وكذلك استدل بالرابع(١) .
ولا وجه للاستدلال إلاّ عدم دلالة مثل هذا اللفظ على الوجوب ؛ وأضاف إلى ذلك أيضاً رواية ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان أو غيره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « في كل غسل وضوء إلاّ الجنابة »(٢) وكأنّ الوجه في الاستدلال بهذا ما ذكره في الجواب عن احتجاج أبي الصلاح حيث نقل عنه : القول بالوجوب(٣) ، وأنّه احتجّ به بأنّ الخبر كما يحتمل الوجوب يحتمل الاستحباب(٤) . وحينئذٍ يكون وجه الاحتجاج به من العلاّمة عدم الصراحة في الوجوب ، فلا يحكم به ، والاستحباب يتعيّن.
ولا يخفى ما في الاستدلال كله من النظر ، أمّا الأخبار ما عدا خبر ابن أبي عمير فلأنّ الجملة الخبرية في أمثالها بمعنى الأمر ، وهو للوجوب عنده ؛ إلاّ أنّ يقال : إنّ دلالة الأمر على الوجوب مسلّمة ، وكذا فيما يقوم مقام الأمر إذا علم ذلك ، والعلم هنا غير معلوم. وفيه : أنّ هذا لو تمّ انتفى كثير من الاستدلال بغير الأمر إنّ لم يدعى الجميع.
وأمّا خبر ابن أبي عمير : فالظاهر منه الوجوب كما يستفاد من جوهرة.
وقد اتفق للمحقق في المعتبر أنّه قال في الخبر(٥) نحو ما قاله العلاّمة
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٢٢.
(٢) التهذيب ١ : ١٤٣ / ٤٠٣ ، الوسائل ٢ : ٢٤٨ أبواب الجنابة ب ٣٥ ح ٢.
(٣) المختلف ١ : ٢٢١ ، وهو في الكافي في الفقه : ١٣٤.
(٤) المختلف ١ : ٢٢٣.
(٥) المعتبر ١ : ٢٦٧.
من احتماله الاستحباب.
واعترض عليه شيخناقدسسره بأنّه مناف لاستدلاله به على وجوب الوضوء في غسل الحيض ونحوه(١) .
والذي ذكره المحقق في توجيه الاستدلال بهذا الخبر في الوضوء مع غسل الحيض ونحوه هو : أنّه لا يلزم من كون الوضوء في الغسل أن يكون واجباً ، بل من الجائز أنّ يكون غسل الجنابة لا يجوز فعل الوضوء فيه ، وغيره يجوز ، ولا يلزم من الجواز الوجوب(٢) . وقد تبعه على هذا جدّيقدسسره في شرح الإرشاد(٣) .
وفي نظري القاصر أنّ هذا مستغرب من المحقّق ؛ لأنّ احتمال الجواز في مثل هذا لو أثّر انتفى الاستدلال بكثير من الأخبار ، كما قدّمناه ؛ وكون الجواز أعم من الوجوب مسلّم على تقدير وقوع الجواز في الخبر لاحتماله ؛ وغير بعيد أنّ يكون غرض المحقق بذكر الجواز الإشارة إلى أنّ غسل الجنابة لمّا لم يجز معه الوضوء علم أنّ المراد بالوضوء في غيره الجواز ، فكأنّهعليهالسلام قال : كل غسل فيه الوضوء جائز إلاّ(٤) غسل الجنابة فلا يجوز.
ولا يخفى عليك أنّ لقائلٍ أنّ يقول : إنّ ما دل على الوضوء مع غسل الجنابة يمكن حمله على الاستحباب كما ذهب إليه الشيخ(٥) فلا يتم مطلوب المحقق ؛ إلاّ أن يقال : إنّ ما دل على الوضوء محمول على التقية بل هو صريح فيها ، ولا عبرة بقول الشيخ. وفيه : أنّ مقام الاستدلال غير هذا ،
__________________
(١) مدارك الأحكام ٢ : ٨٣.
(٢) المعتبر ١ : ٢٦٧.
(٣) روض الجنان : ١٠١.
(٤) في « فض » زيادة : في.
(٥) التهذيب ١ : ١٤٠.
فتأمّل.
نعم الأولى أنّ يقال : إنّ ظاهرها وإنّ أفاد الوجوب إلاّ أنّ الأخبار المظنون انتفاء الوضوء منها يدل على أنّ المراد من الخبر استحباب الوضوء ، لكن لا يخفى أنّ هذا يضرّ بحال الاستدلال بالخبر على وجوب الوضوء في الأغسال غير الجنابة.
فما وقع في كلام بعض من الاستدلال به على أنّ غير الجنابة من الأغسال يجب فيه الوضوء ، ثم في بحث الأموات قال : إنّ هذا الخبر يعني خبر ابن أبي عمير معارض بعدّة أخبار دلت على عدم الوضوء فضلاً عن وجوبه. لا يخلو من تنافر.
إلاّ أنّ يقال : إنّ الاستدلال به في وجوب الوضوء نظراً إلى ظاهر اللفظ ، وفي غسل الميت خصّصته(١) الأخبار.
وفيه : أنّ تخصيصه يقتضي عدم إرادة الوجوب منه إلاّ بتكلف يستغنى عنه.
وما أجيب به عن الخبر من أنّه مرسل لا يخلو من وجه ، كما أشرنا إليه في أول الكتاب ، وقد وجدت الآن للشيخ في هذا الكتاب في آخر باب العتق ردّ حديث رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابه بالإرسال(٢) .
أمّا الاستدلال على عدم الوضوء في غسل الأموات بتشبيهه في بعض الأخبار بالجنابة فقد أجاب عنه العلاّمة في المختلف : بمنع المماثلة من كل وجه ، وإلاّ لزم الاتّحاد ونفي المماثلة ، وكل حكم يؤدّي ثبوته إلى نفيه يكون محالاً ، وإذا وجب حملها على البعض لا يتمّ الاستدلال ، لأنّا نمنع
__________________
(١) في « د » : خصته.
(٢) انظر الإستبصار ٤ : ٢٧.
من مماثلتها في إسقاط الوضوء(١) . انتهى.
ويتوجه عليه أنّه صرّح في باب الجمعة من المختلف بتحريم الكلام على من يسمع الخطبة ؛ للخبر الدال على أنّ الخطبتين صلاة ، فقال بعد أنّ وجّه أنّ المراد كونهما مثل الصلاة : وإنّما يتم المماثلة لو عمت المساواة في جميع الأحكام إلاّ ما يعلم انتفاؤه عنه ؛ إذ لو اكتفي بالتساوي من بعض الوجوه لم يكن للتخصيص بالخطبتين فائدة ؛ لأن كل شيء يشارك كل شيء في بعض الاعتبارات ولو في صحة المعلومية(٢) . وغير خفي دلالة هذا الكلام على ما يخالف قوله السابق.
والأولى في الجواب ما ذكره بعض المحقّقين من أنّ المماثلة إضافية ، فما لم يعلم جهة المماثلة لا يمكن الاستدلال على العموم ولا الخصوص ، على أنّه سيأتي إنشاء الله تمام الكلام في الأخبار المعارضة.
وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما تضمنه الخبر المبحوث عنه من قوله : « يطرح فيه سبع ورقات » لا يبعد أنّ يعود إلى قوله : « يغسل رأسه بالسدر » كما يستفاد من كلام من رأينا كلامه من الأصحاب حيث نقل القول بمقدار سبع ورقات في ماء السدر.
واحتمال أنّ يراد كون السبع ورقات في الماء القراح له ظهور من اللفظ كما في الخبر الرابع ؛ ولعلّ جدّيقدسسره فهم ذلك كما نقلناه عنه سابقاً عند ذكر كلام القاموس(٣) ، لكن هذا غير معهود فيما وجدته الآن من كلام الأصحاب.
__________________
(١) المختلف ١ : ٢٢٣.
(٢) المختلف ٢ : ٢٣٣.
(٣) في : ١٠١١.
والثاني : كما ترى كالأول ، وقد أشرنا إليه سابقاً(١) .
والثالث : فيه دلالة على أنّ مسح البطن قبل الغسل ؛ وما تضمنه من وضع السدر في ماء الوضوء ،(٢) يستفاد منه الاستحباب لو صلح لذلك.
وأمّا الرابع : فقد اختلف متنه هنا وفي التهذيب ؛ أمّا هنا فدلالته على العصر أوّلاً ثم الوضوء بالأُشنان ثانياً. وفي التهذيب أمرني أبو عبد اللهعليهالسلام أنّ أعصر بطنه ثم أُوضّيه ، ثم أغسله بالأُشنان ، ثم أغسل رأسه(٣) . وعلى ما هنا يحتمل أنّ يراد بالوضوء التنظيف لا وضوء الصلاة ، لكن ما في التهذيب له ظهور في الوضوء الشرعي مع احتمالٍ ما لغيره.
والكلام في قوله : « وأطرح فيه سبع ورقات » قد قدّمنا ما فيه.
وما تضمنه من الغسل بالقراح في الأثناء ؛ مدلول بعض الأخبار غيره أيضاً.
وأمّا الخامس : فالأمر فيه لا يخلو من إجمال ؛ ولا يبعد أنّ يكون قوله : « إنهم يأمرونك » إشارة إلى أهل الخلاف ؛ إلاّ أنّ قوله : « هذا كتاب أبي » خفيّ المرام ، إلاّ أنّ يراد دفعهم بعدم مخالفة الوصية ، وهم أعلم بالحقائق.
اللغة :
قال في القاموس : الأُشنان بالضم والكسر معروف(٤) . وفيه
__________________
(١) في ١٠١٦.
(٢) في « فض » زيادة : ربما.
(٣) التهذيب ١ : ٣٠٣ / ٨٨٢ ، الوسائل ٢ : ٤٨٤ أبواب غسل الميت ب ٢ ح ٨.
(٤) القاموس المحيط ٤ : ١٩٨ ( الأُشنة ).
الكرسف كعصفر القطن(١) .
قوله :
فأما ما رواه الحسين بن سعيد ، عن يعقوب بن يقطين قال : سألت العبد الصالحعليهالسلام عن غُسل(٢) الميت ، أفيه وضوء الصلاة أم لا؟ فقال : « غُسل الميت تبدأ بمرافقه فيغسل(٣) بالحُرض ، ثم يغسل(٤) وجهه ورأسه بالسدر ثم يفاض عليه الماء ثلاث مرّات ، ولا يغسل إلاّ في قميص يدخل رجل يده ويصبّ الماء من فوقه ، ويجعل في الماء شيء من سدر وشيء من كافور ، ولا يعصر بطنه إلاّ أنّ يخاف شيئاً قريباً فيمسح به رفيقاً من غير أنّ يعصر ، ثم يغسل الذي غسّل يده قبل أنّ يكفنه إلى المنكبين ثلاث مرّات ، ثم إذا كفّنه اغتسل ».
فلا ينافي الأخبار الأُولى ؛ لأنّ الذي تضمن الخبر بيان غسل الميت ولم يحتج إلى بيان شرح الوضوء ، لأنّ ذلك معلوم ، ولم يعدل عن شرحه لأنّه غير واجب ، بل لما قدمناه.
وأمّا ما روي من الأخبار في : أنّ غُسل الميت مثل غُسل الجنب سواء ، فإذا كان غُسل الجنب ليس فيه وضوء فكذلك غُسل الميت ، فيعارضها الأخبار التي رويت في أنّ كل غُسل فيه الوضوء إلاّ الغُسل من الجنابة ، وإذا كان غُسل الميت غير غُسل الجنابة يجب أنّ يثبت فيه
__________________
(١) القاموس المحيط ٣ : ١٩٥ ( كرسف ).
(٢) في الاستبصار ١ : ٢٠٨ / ٧٣١ لا يوجد : غسل.
(٣) في الاستبصار ١ : ٢٠٨ / ٧٣١ : فتغسلها.
(٤) في الاستبصار ١ : ٢٠٨ / ٧٣١ لا يوجد : يغسل.
الوضوء ؛ على أنّ الوجه في قولهم : غسل الميت مثل الجنابة ، هو بيان كيفية الغسل ومراعاة الترتيب فيه ؛ لأنّهما على حدّ واحد وإنّ كان في أحدهما وضوء وليس في الآخر وضوء ، كما أنّ غُسل الحيض مثل غُسل الجنابة وإنّ كان فيه وضوء على ما بيّناه ، وليس في غُسل الجنابة.
روى ما ذكرناه علي بن الحسين ، عن عبد الله بن جعفر ، عن إبراهيم بن مهزيار ، عن أخيه علي بن مهزيار ، عن فضالة بن أيوب ، عن القاسم بن بريد(١) ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « غُسل الميت مثل غُسل الجنب ، وإنّ كان كثير الشعر(٢) فزد عليه(٣) ثلاث مرّات ».
والذي يعارضه ما رواه محمد بن الحسن الصفار ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، أو غيره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « في كل غُسل وضوء إلاّ غُسل(٤) الجنابة ».
والوجه في الجمع بينهما ما قدّمناه.
السند :
في الأوّل : لا ارتياب في صحّته.
والثاني : وإنّ كان الطريق إلى علي بن الحسين غير مذكور في
__________________
(١) في « رض » : يزيد.
(٢) في « فض » : السفر.
(٣) في الاستبصار ١ : ٢٠٨ / ٧٣٢ زيادة : الماء.
(٤) في الاستبصار ١ : ٢٠٩ / ٧٣٣ لا يوجد : غسل.
المشيخة ، إلاّ أنّ الشيخ في الفهرست ذكر الطريق إلى جميع كتبه ورواياته من غير ارتياب فيه(١) .
وعبد الله بن جعفر هو الحميري الثقة الجليل.
أمّا إبراهيم بن مهزيار ففي توثيقه كلام ، وأمّا ما قاله شيخنا أيّده الله في كتاب الرجال : من أنّه يستفاد من تصحيح العلاّمة طريق الصدوق إلى بحر السقّاء توثيقه(٢) . موضع نظر.
والثالث : فيه الإرسال ، وقد قدّمنا القول في مراسيل ابن أبي عمير في أول الكتاب مفصلاً(٣) ، وفي المبحث(٤) السابق مجملاً ، والمقصود بإعادته فيما قرب دفع ما يظن أنّ مراسيل ابن أبي عمير متّفق على قبولها ، والحال أنّ الشيخ قد سمعت ما نقلناه عنه(٥) .
المتن :
في الأوّل : ما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من إجمال ؛ إذ الظاهر منه أنّ مورد الخبر بيان الغُسل لا الوضوء ، والحال أنّ السائل سأل عن الوضوء فكيف يكون الجواب خالياً عنه لو كان واجباً إنّ كان السؤال عن الوجوب والندب؟! وإنّ كان السؤال عن غيرهما لكان الخلوّ عن جواب السائل لا بدّ له من نكتة.
وقول الشيخ : إنّه لم يحتج إلى بيان شرح الوضوء ؛ لأنّ ذلك معلوم.
__________________
(١) الفهرست : ٩٣ / ٣٨٢.
(٢) منهج المقال : ٢٨.
(٣) راجع ص ٧٢.
(٤) في « رض » : البحث.
(٥) راجع ص ٧٣.
غريب ؛ لأنّ السؤال عنه ، فكيف يكون معلوماً؟!
وقوله : لم يعدل عنه لأنّه غير واجب ، بل لما قدّمناه. إنّ أراد بما قدّمه هو كونه معلوماً لزم ما ذكرناه ، وإنّ أراد لكونه مذكوراً في الأخبار الأُخر فالسائل لا يُعلم علمه بالأخبار أوّلاً.
وفي نظري القاصر أنّه لا يبعد أنّ يكون السؤال عن دخول الوضوء في غُسل الميت على أنّ يكون جزءاً منه ، لا عن وجوبه واستحبابه ، والجواب حينئذٍ يطابق السؤال ، على معنى أنّه وافٍ به ؛ لأنّهعليهالسلام قال : « غُسل الميت تبدأ بمرافقه » إلى آخره فكأنه قال : ليس الوضوء جزءاً ، بل الغُسل كذا وكذا.
على أنّ في الخبر احتمالاً وهو أنّ يكون المبدوّ به الوضوء ، وهو غَسل المرافق ، وإطلاق الوضوء على هذا مستعمل ، إلاّ أنّ ما في الأخبار من وضوء الصلاة يأبى هذا إلاّ بتكلّف.
ومن هنا يعلم أنّ ما قاله شيخناقدسسره في فوائد الكتاب : من أنّ هذه الرواية صحيحة السند وهي كالصريحة في عدم وجوب الوضوء ؛ لأن السؤال فيها عن غُسل الميت أفيه وضوء أم لا؟ فأجابعليهالسلام بذكر كيفيّة الغُسل وما يستحب فعله قبل الشروع ، إلى أنّ ذكر التكفين ، فلا يكون واجباً ، وإلاّ لوجب ذكره في جواب السؤال.
محلّ بحث أمّا أوّلاً : فلما قلناه.
وأمّا ثانياً : فلأنّ قولهقدسسره : وما يستحب فعله. يقتضي أنّ الوضوء لا يستحب أيضاً ؛ لأنّ ما ذكرهعليهالسلام من المستحبات(١) قبل الشروع ينبغي أنّ
__________________
(١) في « فض » : الاستحباب.
ينفي الوضوء استحباباً ، كما أنّ عدم ذكر الوضوء في الواجبات ينفيه وجوباً ، والحال أنّهقدسسره قائل بالاستحباب فما هو الجواب فهو الجواب.
إذا عرفت هذا فالذي يقتضيه ظاهر الحديث هو غَسل الوجه والرأس بالسدر ، ثم يفاض عليه الماء ثلاث مرّات ، ولم يذكر الكافور.
والذي يستفاد من خبر معاوية بن عمّار السابق أنّ إفاضة الماء ثلاث مرّات على السدر ، ثم غسله بالماء القراح ، ثم ماء الكافور.
وقولهعليهالسلام في الخبر المبحوث عنه : « ويجعل في الماء شيء من سدر وشيء من كافور » إنّ أُريد به الغسلة الثانية فالسدر غير معروف كونه موضوعاً مع الكافور.
وقولهعليهالسلام : « ولا يعصر بطنه » في الظاهر يعود إلى الغسلة الثانية إن جعلنا الماء الذي فيه السدر والكافور هو ماء الثانية ، والحال أنّ الشيخ جعل العصر في الغسلتين ، وإنّ جعلنا قوله : « ولا يعصر » راجعاً لجميع(١) الحالات فالإشكال واضح ، على أنّ ظاهر الخبر أنّ مع الخوف لا يُعصر مطلقاً.
فإنّ قلت : هذا الخبر لا يخلو من إجمال ، لكن غيره ممّا دلّ على التفصيل موجود ، فأيّ حاجة إلى ما ذكرت؟
قلت : الذي يقتضيه التأمّل في أخبار التغسيل أنّها لا تخلو من إجمال ، ألا ترى إلى ما رواه ابن مسكان ممّا هو معدود في الصحيح عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سألته عن غسل الميت ، فقال : « اغسله بماء وسدر ، ثم اغسله على أثر ذلك غسلة اخرى بماء وكافور وذريرة إنّ كانت واغسله
__________________
(١) في « د » و « فض » : بجميع.
ثالثاً(١) بالقراح » قلت : أغسله ثلاث غسلات لجسده كلّه؟ قال : « نعم »(٢) الحديث.
وغير خفيّ أنّ ظاهره وجوب الذريرة(٣) ولا قائل به فيما أظن(٤) ، ولا أقلّ من الاستحباب ، ولم يذكره أيضاً من رأينا كلامه من الأصحاب.
ثم إنّ ما هو مشهور بين المتأخّرين من الترتيب بين الأعضاء في كلّ غَسلة لا تخلو استفادته من الروايات من خفاء ، نعم في الرواية الآتية من أنّه كغُسل الجنابة احتمال الاستفادة ، وإنّ كان فيها نوع إجمال ؛ لأن التشبيه يحتمل أنّ يكون لمجموع الغُسل ، ويحتمل للقراح ، ويحتمل التشبيه باعتبار الماء ، كما يستفاد من قولهعليهالسلام : « وإنّ كان كثير الشعر فزد عليه ثلاث مرّات ».
وفي حسنة الحلبي عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إذا أردت غُسل الميت فاجعل بينك وبينه ثوباً يستر عورته إمّا قميصاً أو غيره ، ثم تبدأ بكفّيه وتغسل رأسه ثلاث مرّات بالسدر ، ثم سائر جسده ، وابدأ بشقّه الأيمن » إلى أنّ قال : « فإذا فرغت من غَسله بالسدر فاغسله مرّة أُخرى بماء وكافور وشيء من حنوطه ، ثم اغسله بماء بحت(٥) غسله أُخرى »(٦) .
وهذه الرواية كما ترى وإنّ كان(٧) فيها نوع من الترتيب ، إلاّ أنّها
__________________
(١) في التهذيب ١ : ١٠٨ / ٢٨٢ : الثالثة.
(٢) الكافي ٣ : ١٩٣ / ٢ ، التهذيب ١ : ١٠٨ / ٢٨٢ ، الوسائل ٢ : ٤٧٩ أبواب غسل الميت ب ٢ ح ١.
(٣) الذريرة : فتات من قصب الطيب لسان العرب ٤ : ٣٠٣.
(٤) في « فض » : أمكن.
(٥) في « رض » خالص.
(٦) الكافي ٣ : ١٣٩ / ١ بتفاوت يسير ، الوسائل ٢ : ٤٨٠ أبواب غسل الميت ب ٢ ح ٢.
(٧) ليست في « فض ».
لا تخرج عن حيّز الإجمال ؛ لأنّ قوله : « تغسل رأسه ثلاث مرّات بالسدر ثم سائر جسده » ظاهر في أنّ الترتيب بين الرأس والبدن فقط ، لا بين الأيمن من الجانبين والأيسر ، وقوله : « وابدأ بالشقّ الأيمن » كما يحتمل أنّ يكون في البدن فيفيد الترتيب في الجانبين يحتمل أنّ يراد في الرأس ، لأنّ البدأة في الغسل به.
وعلى تقدير الشمول فالدلالة على ترتيب جميع الجانب غير ظاهرة.
ولو قلنا إنّه(١) كغُسل الجنابة في تقديم الرأس على الجسد كما هو مدلول الأخبار في الجنابة ، ففيه : أنّ الإجماع قد ادّعاه الشيخ على الترتيب ( المقرّر عند المتأخرين )(٢) في الجنابة ، والظاهر منه وممّن تابعه مشاركة غُسل الميت له على الإطلاق ، ولا يبعد استفادة الترتيب في الجانبين من قوله : « وابدأ بالشقّ الأيمن » بنوع من التوجيه.
غير أنّ العجب من شيخناقدسسره أنّه عند قول المحقّق في الشرائع : ثم يغسل بالسدر يبدأ برأسه ثم بجانبه الأيمن ثم الأيسر. قال : مذهب الأصحاب خلا سلاّر أنّه يجب تغسيل الميت ثلاث غسلات بماء السدر ثم بالكافور(٣) ثم بالماء القراح ، وحجّتهم الأخبار المستفيضة عن أئمة الهدى صلوات الله عليهم ، ثم ذكر حسنة الحلبي وصحيح ابن مسكان ـ إلى أنّ قال ـ : والأظهر وجوب الترتيب في الغسلات وبينها ، وقول ابن حمزة باستحباب الترتيب بينها ضعيف(٤) . انتهى.
__________________
(١) في « رض » زيادة : يغسل.
(٢) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٣) في « رض » : بماء الكافور.
(٤) مدارك الأحكام ٢ : ٧٨.
ووجه التعجّب يظهر ممّا قرّرناه في الخبرين ، وما نقله عن ابن حمزة قد حكى في المختلف أنّ كلامه يشعر بأنّ الترتيب بين هذه الأغسال غير واجب(١) .
ثم إنّ العلاّمة استدل بالأحاديث على الترتيب ، وذكر منها حسنة الحلبي(٢) فقط.
وبالجملة : فالمشهور لا خروج عنه ، إلاّ أنّ الكلام في إجمال الأخبار مع عدم الالتفات إلى البيان ، هذا.
وما ذكره الشيخرحمهالله في الخبر المتضمّن لأنّ غُسل الميت مثل غُسل الجنب فقد تكلّمنا فيه سابقاً(٣) حيث إنّ العلاّمة تعرّض للكلام فيه.
ونقول هنا : إنّ ما ذكره الشيخ : من معارضة ما دلّ على أنّ كل غُسل فيه الوضوء ، إلى آخره. فيه : أنّ المغايرة وإنّ حصلت ، إلاّ أنّ التخصيص غير ممنوع منه ، وحينئذ يجوز أنّ يكون كل غُسل من أغسال المكلّفين بقرينة ذكر غُسل الجنابة ، ولو سلّم التناول لغير ما ذكر ظاهراً ، فإذا دلّ الدليل على عدم الوضوء في غُسل الميت فأيّ مانع منه؟ ولو سلّم عدم الدليل على نفي الوضوء لكن وجوبه لا دليل عليه.
فإنّ قال : إنّ دليل الوجوب من ظاهر قوله : « كل غُسل فيه الوضوء » فإنّ الجملة الخبرية تفيد ذلك إذا كانت بمعنى الأمر.
أمكن أنّ يقال : إنّ كونها بمعنى الأمر موقوف على العلم بأنّ
__________________
(١) المختلف : ٢٢٥.
(٢) المختلف : ٢٢٥.
(٣) راجع ص ١٠٢١.
الإمامعليهالسلام عدل عن الأمر إلى الخبر لبيان أن(١) الطلب على الوجه الأبلغ كما هو مقرّر في فنّ البلاغة ، والعلم بهذا عزيز الحصول.
ولو قال : إنّ مثلهمعليهمالسلام لا يعدلون في الخطاب إلى الجملة الخبرية إلاّ لما ذكر.
أمكن الجواب بأنه يجوز أنّ يكون العدول لدفع إرادة توهّم الوجوب من الأمر ، حيث إنّه حقيقة فيه أو مشترك بينه وبين الندب ، فالعدول قرينة الندب.
وهذا الوجه لم نذكره سابقاً في توجيه كلام المحقق ، وإنّما أخّرنا إلى هنا لبيان مرام الشيخ ، حيث إنّه يقول باستحباب الوضوء في غُسل الجنابة ، فاللازم عليه أنّ يحمل الخبر(٢) على أنّ كل غُسل فيه الوضوء واجب إلاّ غُسل الجنابة فليس بواجب.
لكن لا يخفى أنّ الاستثناء يتحقّق إذا كان الوضوء مستحباً في غُسل الجنابة ، فلا يتم المطلوب.
وما ذكره : من أنّ المراد بالمماثلة بيان الكيفيّة. غير واضح الدليل ، بل الظاهر من الخبر خلافه كما قدّمناه(٣) ، ولو قلنا بعدم الظهور فالمماثلة في حيّز الإجمال.
ولو قال الشيخ : إنّ المتبادر المماثلة في نفس الغُسل ، والوضوء خارج.
أمكن أنّ يقال : إنّ نفس الغُسل يتحقق المماثلة فيه من غير جهة الترتيب.
__________________
(١) ليس في « رض ».
(٢) ليس في « رض ».
(٣) راجع ص ١٠٢٧.
ولو قال : إنّ الأخبار الدالة على عدم مقدار معيّن للماء في الأموات تدلّ على نفي المماثلة في ذلك.
أمكن أنّ يقال : إنّ المماثلة في كون الماء مطلقاً ، أو في كونه مفتقراً إلى النية ، أو إلى إزالة النجاسة أوّلاً عن بدنه من النجاسات الخبثيّة ، وإذا قام الاحتمال كفى في إبطال الاستدلال.
وما ذكره الشيخ في غُسل الحيض مسلّم ، إلاّ أنّه لا يدل على الحصر في الكيفية.
وإذا تمهّد هذا فالخبر الدال على المماثلة ربما استفيد منه الاكتفاء بالارتماس في غُسل الميت ، وعليه جماعة من المتأخّرين(١) .
وأجاب عنه شيخناقدسسره بضعف السند ، والخروج به عن الأخبار المستفيضة الواردة في كيفيّة الغُسل مشكل(٢) . ولا يخفى عليك بعد ما قرّرناه من الإجمال قوة الإشكال.
وفي المدارك قالقدسسره في غُسل الحيض عند قول المحقّق : وكيفيّته مثل غُسل الجنابة : هذا مذهب العلماء كافّة ، ويدلُّ عليه مضافاً إلى الإطلاقات خصوص موثّقة الحلبي عن الصادقعليهالسلام قال : « غُسل الجنابة والحيض واحد » انتهى كلامه(٣) .
ولا يخفى أنّ هذا الخبر لا يخلو من إجمال ؛ إذ من الجائز أنّ يراد التداخل لو اجتمعا ، ويجوز إرادة المماثلة في الكيفيّة الترتيبيّة ، أمّا الشمول
__________________
(١) منهم العلاّمة في القواعد ١ : ١٨ ، والشهيد الأوّل في الذكرى : ٤٥ ، والكركي في جامع المقاصد ١ : ٣٧٨ والشهيد الثاني في المسالك ١ : ١٢.
(٢) مدارك الأحكام ٢ : ٨١.
(٣) مدارك الأحكام ٢ : ٣٥٧.
للارتماس منه محلّ كلام لولا دعوى الاتفاق ، أمّا الإطلاقات فتناولها للارتماس مشكل ، ولعلّ عدم القائل بالمنع يسهّل الخطب.
اللغة :
قال في القاموس : فاض الماء يفيض فيضاً كَثُرَ ، ثم قال : وأفاض الماء على نفسه أفرغه(١) ، وفيه أيضاً الحُرض بضمّة وبضمّتين(٢) الأُشنان(٣) .
قوله :
باب تجمير الكفن
أخبرني الشيخرحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « لا تجمّر الكفن ».
وبهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب ، عن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد الكوفي ، عن ابن جمهور ، عن أبيه ، عن محمّد بن سنان ، عن المفضّل بن عمر قال : حدّثنا(٤) عبد الله بن عبد الرحمن ، عن حريز ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال ، قال أمير المؤمنين عليهالسلام : « لا تجمّروا الأكفان ولا تمسّوا (٥) موتاكم بالطيب إلاّ بالكافور ، فإنّ الميت بمنزلة المُحرِم ».
__________________
(١) القاموس المحيط ٢ : ٣٥٣ ( فاض ).
(٢) في « رض » : وضمتين.
(٣) القاموس المحيط ٢ : ٣٣٩ ( الحرض ).
(٤) في « ش » والاستبصار ١ : ٢٠٩ / ٧٣٥ : وحدّثنا.
(٥) في الاستبصار ١ : ٢٠٩ / ٧٣٥ : ولا تمسحوا.
وبهذا الاسناد عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني(١) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إنّ النبيصلىاللهعليهوآله نهى أنّ تتبع جنازة بمجمرة ».
الحسن بن محبوب ، عن أبي حمزة(٢) قال ، قال أبو جعفرعليهالسلام : « لا تقرّبوا موتاكم النار » يعني الدخنة.
فأمّا ما رواه أحمد بن محمد ، عن الحسن بن علي بن بنت إلياس ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « لا بأس بدخنة كفن الميت ، وينبغي للمرء المسلم أنّ يدخن ثيابه إنّ كان يقدر ».
وما رواه غياث بن إبراهيم ، عن أبي عبد الله ، عن أبيهعليهماالسلام : « إنّه كان يجمّر الميت بالعود فيه المسك(٣) وربما(٤) جعل على النعش الحنوط ، وربما لم يجعله ، وكان يكره أنّ يتبع الميت بالمجمرة ».
فالوجه في هذين الخبرين أنّ نحملهما على ضرب من التقية ( لأنّهما موافقان لمذاهب(٥) العامة ) (٦) .
السند :
في الأوّل : فيه الإرسال.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٢٠٩ / ٧٣٦ : والسكوني.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢٠٩ / ٧٣٧ : ابن أبي حمزة.
(٣) في « فض » : المشك.
(٤) في الاستبصار ١ : ٢١٠ / ٧٣٩ : فربما.
(٥) في « رض » : لمذهب.
(٦) ما بين القوسين ليس في « فض ».
والثاني : فيه أحمد بن محمد الكوفي وهو البرقي ، وقد قدّمنا فيه القول(١) ، والعدّة التي تروي عنه كذلك ، والحاصل أنّ العلاّمة في الخلاصة نقل عن محمد بن يعقوب أنّه قال : كلما كان في كتابي عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد فهم : علي بن إبراهيم ، وعلي بن محمد(٢) ، وذكر غيرهما.
فإنّ قلت : من أين أنّ أحمد بن محمد الكوفي هو ابن خالد والحال أنّ في الرجال أحمد بن محمد الكوفي غيره موجود وأحمد وإنّ كان كوفياً إلاّ أنّ الإطلاق عليه غير معروف؟
قلت : القرينة باعتبار ذكر العدّة دالّة على أنّه ابن خالد ، وما ذكر في الرجال بلفظ أحمد بن محمد الكوفي بعيد المرتبة ؛ لأنّه من رجال الكاظمعليهالسلام (٣) ، وغيره وإنّ أمكن إلاّ أنّ قرب الاحتمال ربما لا ينكر.
وأمّا ابن جمهور فالذي وقفت عليه في الرجال محمد بن جمهور ، وذكر النجاشي أنّه ضعيف في الحديث فاسد المذهب(٤) . وذكره الشيخ أيضاً في رجال الرضاعليهالسلام من كتابه(٥) . والراوي عنه في النجاشي أحمد بن الحسين بن سعيد ، وابنه الحسن(٦) .
وفي الفهرست : محمد بن الحسن بن جمهور ، وهو المذكور أوّلاً ؛ لأن الشيخ قال : إنّ الراوي عنه أحمد بن الحسين ، وقال بعد الرواية : عن
__________________
(١) في ص ٣٢.
(٢) خلاصة العلاّمة : ٢٧٢.
(٣) راجع رجال الطوسي : ٣٤٣ / ١٧.
(٤) رجال النجاشي : ٣٣٧ / ٩٠١.
(٥) رجال الطوسي : ٣٨٧ / ١٧.
(٦) رجال النجاشي : ٣٣٧ / ٩٠١.
محمد بن جمهور(١) .
وأمّا جمهور أبوه فغير معلوم الحال ؛ لأنّ في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ جمهور بن أحمر مهملاً(٢) .
ومحمد بن سنان والمفضّل قد تقدّم فيهما(٣) .
وعبد الرحمن بن عبد الله(٤) مجهول ، والموجود في رجال الحسينعليهالسلام من كتاب الشيخ(٥) .
والثالث : فيه النوفلي والسكوني وقد تقدّما(٦) .
والرابع : لا يخلو من ارتياب في صحّته بعد ما قدّمناه(٧) من جهة رواية ابن محبوب عن أبي حمزة وهو الثمالي.
والخامس : فيه الحسن بن علي الذي يقال له الوشّاء ، وهو معدود من الممدوحين عند بعض(٨) .
والسادس : فيه مع عدم الطريق إليه(٩) في المشيخة واختصاص
__________________
(١) الفهرست : ١٤٦ / ٦١٥.
(٢) رجال الطوسي : ١٦٤ / ٦٦.
(٣) في ص ٨٥ و ٩٨٣.
(٤) كذا في النسخ ولعله سهو من قلمه الشريف فإنّ المذكور في سند الحديث عبد الله بن عبد الرحمن كما تقدم عنه حين نقله في ص ٤١٢ وهو موجود في كتب الرجال أيضاً راجع رجال النجاشي : ٢١٧ / ٥٦٦ ، ٢٢٠ / ٥٧٥ ، ٢٢١ / ٥٧٩ ، ورجال الشيخ : ٢٢٤ / ٢٨ و ٢٢٥ / ٣٩.
(٥) رجال الطوسي : ٧٧ / ٢١.
(٦) في ص ١٤١.
(٧) راجع ص ٤٧١ ، ٤٧٣.
(٨) كالنجاشي في رجاله : ٣٩ / ٨٠.
(٩) يعني إلى غياث بن إبراهيم.
الطريق في الفهرست بكتابه(١) ما قدّمناه في بيان حاله من أنّ العلاّمة قال : إنّه بتري ثقة(٢) . ونقل شيخنا ذلك عن الكشي عن حمدويه عن بعض أشياخه.
المتن :
لا يخفى دلالة الأوّل على أنّه لا يجمر الكفن.
والثاني : على أنّه لا يجمّر الكفن ولا يمسّ الميت بالطيب(٣) غير الكافور.
والثالث : تضمن أنّه نهى عن أنّ تتبع الجنازة بمجمرة.
والرابع : تضمّن النهي عن قرب الميت الدخنة.
والخامس : تضمّن نفي البأس عن دخنة كفن الميت.
والسادس : فيه أنّ الباقرعليهالسلام كان يجمّر الميت بالعود فيه المسك(٤) ، وتضمّن أيضاً أنّهعليهالسلام كان يكره أنّ يتبع الميت بمجمرة.
والشيخ كما ترى حمل الخبرين على التقية ، وغير خفيّ أنّ الخبر الأخير تضمّن التجمير بالعود فيه المسك(٥) ، فيمكن أنّ يخص ما دلّ على عدم مسّ الميت بالطيب والدخنة بغير العود.
وما تضمّنه آخر الحديث من كراهته أنّ يتبع الميت بمجمرة موافق لما تضمّن النهي عن الأتباع بمجمرة ، فالحمل على التقية فيه غير لازم.
__________________
(١) الفهرست : ١٢٣ / ٥٤٩.
(٢) خلاصة العلاّمة : ٢٤٥ / ١.
(٣) في « د » : الطيب.
(٤) في « فض » : المشك.
(٥) في « فض » : المشك.
وأمّا خبر ابن سنان فيمكن أنّ يخصّ بغير العود مع ما معه من المسك ، إلاّ أنّ ظاهر التعليل في خبر ابن مسلم يقتضي الشمول لكل طيب ويتناول العود وغيره فكأنّ(١) الشيخ نظر إلى ذلك ، ومن يتوقف عمله على الخبر الصحيح له أنّ يقول : إنّ خبر أبي حمزة تضمّن الدخنة بالنار لا مطلق الطيب ، وحينئذ لا بدّ له من حمل ما ينافيه على التقيّة أو على بيان الجواز.
وفي المختلف قال : إنّ المشهور كراهية أن يجعل مع الكافور مسك(٢) ، واستدل برواية محمد بن مسلم ، وحكى عن الصدوق أنّه استحب المسك(٣) ، وأنّه روى مرسلاً أنّ النبيصلىاللهعليهوآله حنّط بمثقال مسك(٤) ، سوى الكافور ، ثم قال : يعني الصدوق وسُئل أبو الحسن الثالثعليهالسلام هل يقرب إلى الميت المسك والبخور؟ قال : « نعم »(٥) وأجاب العلاّمة عن الروايتين بالإرسال(٦) ، ولا يخفى أنّ مرسلة ابن أبي عمير أقوى من رواية محمد بن مسلم عند الاعتبار الذي قدّمناه ، فاستناد العلاّمة في الكراهة إلى رواية محمد وردّ روايتي الصدوق بالإرسال محلّ تأمّل.
اللغة :
قال في القاموس : المِجْمَر كمنْبَر الذي يوضع فيه الجمر بالدخنة
__________________
(١) في « د » : وكان.
(٢) في « فض » : مشك.
(٣) في « فض » : المشك.
(٤) الفقيه ١ : ٩٣ / ٤٢٢.
(٥) الفقيه ١ : ٩٣ / ٤٢٦.
(٦) المختلف ١ : ٢٤٩.
ويؤنّث كالمجمرة(١) ، وذكر في الدُّخْنَة : أنها كُدْرَةٌ في سواد ـ إلى أنّ قال ـ : والذريرة(٢) تدخن بها البيوت(٣) (٤) .
قوله :
باب أنّ الكفن لا يكون إلاّ قطناً
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمد بن أحمد بن يحيى(٥) ، عن أحمد بن الحسن بن علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار بن موسى ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « الكفن يكون برداً ، فإنّ لم يكن برداً فاجعله كلّه قطناً ، فإنّ لم يكن(٦) عمامة قطن فاجعل العمامة سابريّاً ».
محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم ، عن أبي خديجة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « الكتان كان(٧) لبني إسرائيل يكفنون به ، والقطن لُامّة محمّدصلىاللهعليهوآله ».
ولا ينافي هذا الخبر : ما رواه سهل بن زياد ، عن محمد بن
__________________
(١) القاموس المحيط ١ : ٤٠٧ ( الجمرة ).
(٢) في المصدر : وذريرة.
(٣) في « فض » : البيت.
(٤) القاموس المحيط ٤ : ٢٢٣ ( الدخن ).
(٥) في « رض » : محمد بن يحيى ، وفي « فض » : محمد بن أحمد بن الحسن ، وفي « د » : محمد بن أحمد يحيى ، وما أثبتناه من التهذيب ١ : ٢٩٦ / ٨٧٠ ، والاستبصار ١ : ٢١٠ / ٧٤٠.
(٦) في التهذيب ١ : ٢٩٦ / ٨٧٠ ، والاستبصار ١ : ٢١٠ / ٧٤٠ : تجد.
(٧) ليست في « فض ».
عمرو بن سعيد ، عن يونس بن يعقوب ، عن أبي الحسن الأوّلعليهالسلام قال : سمعته يقول : « أنا كفّنت أبي في ثوبين شطويّين كان يُحرِم فيهما ، وفي قميص من قمصه ، وفي عمامة كانت لعلي بن الحسينعليهماالسلام ، وفي برد اشتريت بأربعين ديناراً ، لو كان اليوم لساوى أربعمائة دينار ».
لأنّ الوجه في هذا الخبر الحال الذي لا يقدر فيها على القطن ، على أنه حكاية فعل ، ويجوز أنّ يكون ذلك يختصّ بهمعليهمالسلام ولم يقل فيه : ينبغي أنّ تفعلوا أنتم ، وإذا لم يكن فيه لم يجب المصير إليه.
فأمّا ما رواه محمد بن الحسين(١) ، عن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سعيد ، عن إسماعيل بن أبي زياد ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن عليعليهالسلام قال : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : نعم الكفن الحلّة ونعم الأُضحية الكبش الأقرن ».
فالوجه(٢) في هذا الخبر أنّ نحمله على ضرب من التقية ؛ لأنّه موافق لمذاهب العامة ، والخبر الذي قدّمناه مطابق للأخبار التي أوردناها في شرح غُسل الميت في كتابنا الكبير.
فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن راشد ، قال : سألته عن ثياب تعمل بالبصرة على عمل القصب اليماني من قز وقطن ، هل يصلح أنّ يكفّن فيها الموتى؟ قال : « إنّ كان القطن أكثر من القزّ فلا بأس ».
فلا ينافي ما قدّمناه ؛ لأنّا إنّما نمنع من الثياب التي لا تجوز الصلاة فيها وإنّ كان القطن الخالص أفضل ، وهذه الرواية محمولة
__________________
(١) في « رض » : الحسن.
(٢) في « د » و « فض » : والوجه.
على الجواز دون الفضل ، والذي يدل على أنّ الكتان مكروه زائداً على ما مضى :
ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن يعقوب بن يزيد ، عن عدّة من أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « لا يكفّن الميت في كتان » (١) .
السند :
في الأوّل : موثق كما تقدم(٢) القول(٣) فيه مكرّراً.
والثاني : فيه أبو خديجة(٤) المفضّل بن صالح ، وقد تقدّم أنّ الشيخ ذكره مهملاً في كتابه(٥) (٦) . والعلاّمة قال : إنّه ضعيف(٧) .
إمّا عبد الرحمن ففي الفهرست مذكور أنّ له كتاباً يرويه القاسم بن محمد الجعفي ، ورواه ابن أبي حمزة(٨) . والنجاشي ذكر عبد الرحمن بن محمد بن أبي هاشم ووثّقه مرّتين ، وقال : إنّ كتابه يرويه القاسم بن محمد
__________________
(١) في « فض » : الكتان.
(٢) راجع ص ١٢٠ و ٢٧٥ و ٢٦٠.
(٣) ليست في « فض ».
(٤) الظاهر أنّ أبا خديجة هو كنية سالم بن مُكرم بن عبد الله ، وقد وثقه النجاشي مرتين : ١٨٨ / ٥٠١ ، وكذا الشيخ قد وثقه على ما نقله عنه في الخلاصة : ٢٢٧ وإن كان ضعّفه في الفهرست : ٧٩ / ٣٢٧ ، وأمّا المفضّل بن صالح يكنّى بأبي جميلة ، راجع رجال الشيخ : ٣١٥ / ٥٦٥ ، والفهرست : ١٧٠ / ٧٥٣.
(٥) في « د » و « فض » : كتابيه.
(٦) راجع ص ٥٥١.
(٧) خلاصة العلاّمة : ٢٥٨ / ٢.
(٨) الفهرست : ١٠٩ / ٤٦٦.
ابن حسين بن حازم عنه(١) .
والثالث : فيه سهل وقد تكرّر ذكره(٢) .
وأمّا محمد بن عمرو بن سعيد فهو ابن الزيّات الثقة في النجاشي(٣) . ويونس بن يعقوب قدّمنا ذكره(٤) وأنّه كان فطحيّاً ورجع وكان ثقة على ما ذكره النجاشي(٥) .
والرابع : فيه أنّ الطريق إلى محمد بن الحسين غير مذكور في المشيخة ، ومحمد بن سعيد(٦) فيه اشتراك(٧) .
وإسماعيل بن أبي زياد لا يبعد أنّ يكون هو السكوني ؛ لظاهر الرواية عن عليعليهالسلام مع احتمال غيره ، بل يتفق لغيره الرواية بهذه الصورة فيما أظن ، والفائدة مع الاشتراك وغيره منتفية لولا وجه ما.
والخامس : فيه الحسن بن راشد ، وهو مشترك في مثل هذا السند بين الضعيف والثقة(٨) .
والسادس : فيه الإرسال.
اللغة :
قال في القاموس : البُرد بالضم ثوب مخطّط(٩) . وفيه : السابري ثوب رقيق
__________________
(١) رجال النجاشي : ٢٣٦ / ٦٢٣.
(٢) راجع ص ٩٥.
(٣) رجال النجاشي : ٣٦٩ / ١٠٠١.
(٤) راجع ص : ١٥١.
(٥) رجال النجاشي : ٤٤٦ / ١٢٠٧.
(٦) في « فض » لفظة : فيه. مكررة.
(٧) راجع هداية المحدثين : ٢٣٨.
(٨) راجع هداية المحدثين : ١٨٨.
(٩) القاموس المحيط ١ : ٢٨٦ ( البرد ).
جيّد(١) . ونقل عنه أنّ الشطاة قرية بمصر(٢) . وعن النهاية : الحُلّة واحدة الحلل وهي برود اليمن ، ولا تسمّى حُلّة إلاّ أنّ تكون ثوبين من جنس واحد(٣) . وفي القاموس : الحُلّة بالضم إزار ورداء برد أو غيره ، ولا تكون حُلّة إلاّ من ثوبين أو ثوب له بطانة(٤) . وفيه : القَصَب محرّكةً ثياب ناعمة من كتان(٥) . وفي المعتبر : القَصَب ضرب من برود اليمن ، سُمّي بذلك لأنّه يُصبغ بالقَصَب وهو نبت باليمن(٦) .
المتن :
في الأوّل : كما ترى يدل على أنّ الكفن يكون بُرداً ، فإنّ لم يكن فاجعله كلّه قطناً ( وقد سمعت قول القاموس في البرد ، وقد يستفاد من ظاهر الخبر أنّ البُرد ليس قطناً )(٧) أو أنّه مخلوط بغيره ، فالدلالة على مطلوب الشيخ خفيّة بالنسبة إلينا.
أمّا الثاني : فظاهر الدلالة.
وأمّا الثالث : فبتقدير كون الثوبين كتّاناً كما يستفاد من غالب الثياب بمصر يحتمل أنّ يكون الوجه في الرجحان من جهة الإحرام فيهما ، وما قاله الشيخ بُعده ظاهر بعد دلالة رواية أبي خديجة.
__________________
(١) القاموس المحيط ٢ : ٤٥ ( السبر ).
(٢) القاموس المحيط ٤ : ٣٥٠ ( شطاة ).
(٣) النهاية لابن الأثير ١ : ٤٣٢ ( حلل ).
(٤) القاموس ٣ : ٣٧٠ ( حلَّ ).
(٥) القاموس المحيط ١ : ١٢١ ( القصب ).
(٦) المعتبر ١ : ٢٨١.
(٧) ما بين القوسين ليس في « رض ».
والرابع : ما ذكره الشيخ فيه متوجه بتقدير كون الحُلّة من غير القطن أو منه على ما ذكر.
والخامس : ما قاله الشيخ فيه لا يخلو من غرابة ؛ لأنّ ذكره في مقام المنافاة لما دلّ على أنّ القطن أفضل حال كونه محضاً ، والجواب عنه : بأنّا نمنع من الثياب التي لا تجوز الصلاة فيها. خروج عن المقام ؛ لأن ظاهر العنوان أنّ الكفن لا يكون إلاّ قطناً ، وإرادة استحباب القطن الخالص من هذا الكلام وإنّ كانت ممكنة إلاّ أنّه لم يأت بدليل على أنّ القطن الخالص أفضل ، لتصير هذه الرواية محمولة على الجواز ، بل الظاهر من رواية يعقوب بن يزيد نفي الكتّان ، ومن رواية أبي خديجة أنّ القطن لُامّة محمّدعليهالسلام دون الكتّان ، والتسديد لكلام الشيخ غير بعيد ، والأمر سهل.
وفي عبارة الصدوق في الفقيه : ولا(١) يجوز أنّ يكفّن الميت في كتّان ولا إبريشم(٢) .
وفي المعتبر : أنّ عدم التكفين بالحرير ثابت بإجماعنا ، على ما حكاه شيخناقدسسره لكنه قال : ويدلُّ عليه رواية الحسن بن راشد ، وذكر الرواية موجّهاً للاستدلال بها أنّهعليهالسلام شرط في دفع البأس أنّ يكون القطن أكثر ، فعلم منه أنّه لو كان القزّ صرفاً لم يجز(٣) .
ولا يخفى عليك أنّ مفاد الرواية وجود البأس مع المساواة وغلبة القزّ أيضاً ، لكن الرواية لمّا كانت ضعيفة اكتفى فيها بالتأييد لدعوى الإجماع ، غير أنّ عبارة المحقق في الشرائع وقعت بأنه لا يجوز التكفين بالحرير(٤) .
__________________
(١) في « رض » : لا.
(٢) الفقيه ١ : ٨٩.
(٣) مدارك الأحكام ٢ : ٩٥.
(٤) الشرائع ١ : ٣٩.
ونقلقدسسره في الشرح الإجماع عن المعتبر بالحكم المستفاد من العبارة ، والظاهر من العبارة مطلق الحرير ، إلاّ أنّ نقله عن المعتبر تفسير القَصَب اليماني يدل على أنّ المحقق ذكر الرواية ، فربما كان الغرض الحرير المحض.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المستفاد من كثير من الأخبار اعتبار الثوب في الكفن ، وقد وقع الخلاف في الجلد فمنعه بعض(١) ؛ لأنّ الثوب لا يصدق عليه.
واحتمل بعض الصدق ، قال : ومن ثمّ جوّزوه في الكفّارة(٢) .
واعترض على هذا بما ورد من قلع الجلد عن الشهيد(٣) ، وفيه تأمّل ظاهر ، لأنّ القلع لا ينحصر وجهه فيما ذكر.
ومن هنا يعلم أنّ ما اعترض به جدّي(٤) قدسسره على الشهيدرحمهالله في تقديمه(٥) الجلد على النجس والحرير حال الضرورة مستدلاًّ عن الشهيد بأنّ ما دلّ على النهي عن النجس بالمنطوق ، وعن الجلد بمفهوم ما يدل على قلعه ، والمنطوق أولى من المفهوم : بأنّ مفهوم الموافقة أقوى من المنطوق فيقدّم(٦) .
غريب ؛ لأنّ مفهوم الموافقة مع ما فيه من الإشكال الذي أسلفناه يتوقف على العلّة ، وكونها في المسكوت عنه أولى ، والحال أنّ في هذا
__________________
(١) كالشهيد الأوّل في الذكرى : ٤٦.
(٢) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ١ : ١٩٢.
(٣) لم نعثر عليه.
(٤) ليست في « فض ».
(٥) في « رض » : تقديم.
(٦) روض الجنان : ١٠٣.
المقام لا علّة ولا أولويّة ، وعلى تقدير مفهوم الموافقة فقوّته على المنطوق محلّ تأمّل ، وأظن وجهه غير خفيّ إلاّ في بعض الصور على سبيل الاحتمال.
وما ذكرناه يتوجه على الشهيدرحمهالله أيضاً ، إلاّ أنّ مشي جديقدسسره على ما قاله مع ظن الوضوح هو الموجب للغرابة.
قوله :
باب موضع الكافور من الميت
أخبرني الشيخرحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إذا أردت أنّ تحنّط الميت فاعمد إلى الكافور فامسح به آثار السجود منه ومفاصله كلّها ورأسه ولحيته وعلى صدره من الحنوط » وقال : « الحنوط للرجل والمرأة سواء » قال : « وأكره أنّ يتبع بمجمرة ».
علي بن محمّد ، عن أيوب بن نوح ، عن ابن مسكان ، عن الكاهلي وحسين بن المختار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « يوضع الكافور من الميت على موضع المساجد وعلى اللبّة وباطن القدمين وموضع الشراك من القدمين وعلى الركبتين والراحتين والجبهة واللبّة ».
وروى فضالة ، عن أبان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال(١) : « لا تجعل في مسامع الميت حنوطاً ».
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٢١٢ / ٧٤٨ لفظة : قال. مكررة.
فأمّا ما رواه علي بن الحسين ، عن محمّد بن أحمد بن علي ، عن عبد الله بن الصلت ، عن النضر بن سويد ، عن عبد الله بن سنان قال ، قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : كيف أصنع بالحنوط؟ قال : « تضع في فمه ومسامعه وآثار السجود من وجهه ويديه وركبتيه ».
فالوجه في هذا الخبر أنّ نحمل قوله : « في مسامعه » على معنى « على » لأنّ حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض ، قال الله تعالى( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) (١) وإنّما أراد على جذوع النخل ، وإنّما فعلنا ذلك ليوافق الأخبار الأوّلة ويوافق(٢) ما أوردناه في شرح تكفين الميّت في كتابنا الكبير(٣) ولا يخالفه.
فأمّا ما رواه علي بن محمد ، عن محمد بن خالد ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام قالا(٤) : « إذا جففت الميت عمدت إلى الكافور فمسحت به آثار السجود ومفاصله كلها ، واجعل في فيه ومسامعه ورأسه ولحيته من الحنوط ، وعلى فرجه وصدره »(٥) وقال : « حنوط الرجل والمرأة سواء ».
فالوجه فيه أيضاً ما قدّمناه في الخبر الأوّل سواء.
__________________
(١) طه : ٧١.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢١٢ : ويطابق.
(٣) التهذيب ١ : ٢٨٥.
(٤) في الاستبصار ١ : ٢١٣ / ٧٥٠ : قال.
(٥) في الاستبصار ١ : ٢١٣ / ٧٥٠ : صدره وفرجه.
السند :
في الأوّل : حسن(١) .
والثاني : علي بن محمد فيه غير معلوم ، مع عدم الطريق إليه في المشيخة ، واحتمال علاّن بعيد بالنسبة إلى روايته عن أيوب كما لا يخفى.
وأمّا ابن مسكان فهو عبد الله على الظاهر ، ورواية أيوب بن نوح عنه لا بُعد فيها ؛ لرواية من هو في مرتبة أيوب عنه مثل محمد بن الحسين بن أبي الخطاب وإبراهيم بن هاشم.
وأمّا الكاهلي فهو عبد الله بن يحيى ، وله مدح في الرجال(٢) .
وحسين بن المختار واقفيٌ في كتاب الشيخ(٣) . وفي إرشاد المفيد ما يفيد توثيقه(٤) ، لكن الاعتماد عليه مشكل ، كما يعلم من مراجعة الكتاب في التوثيق الموجود فيه لجماعة اختص بهم من دون كتب الرجال ، بل وقع التصريح بضعفهم من غيره على وجه يقرب من الاتفاق ، ولعلّ مراده بالتوثيق معنى آخر ، ومعه لا يتم المطلوب في هذا الفن ( على أنّ إثبات الكتاب للمفيد مشكل أيضاً كما ذكره الوالدقدسسره )(٥) وقد أشرنا إلى ذلك فيما سبق من هذا الكتاب.
والثالث : فيه أنّ الطريق إلى فضالة غير مذكور في المشيخة ، وفي
__________________
(١) راجع ص ٣٦.
(٢) كما في رجال النجاشي : ٢٢١ / ٥٨٠.
(٣) رجال الطوسي : ٣٤٦ / ٣.
(٤) إرشاد المفيد ٢ : ٢٤٨.
(٥) ما بين القوسين ليس في « رض » وفي « د » مشطوب.
الفهرست اختص الطريق بكتابه(١) .
ثم إنّ رواية فضالة عن عبد الرحمن بواسطة أبان لا مانع منه ، وإنّ تقدّم من الشيخ رواية فضالة عن عبد الرحمن بغير واسطة أبان في باب الرجل يموت في السفر(٢) ، ويأتي أيضاً ، فما قاله شيخنا أيّده الله في فوائد الكتاب : إنّه تقدم رواية فضالة عن عبد الرحمن بغير واسطة أبان ويأتي أيضاً. إنّ أراد به مجرّد البيان فهو حق ، وإنّ أُريد غيره ففيه تأمّل.
والرابع : فيه محمد بن أحمد بن علي وقد قدّمنا احتمال كونه ابن أبي قتادة.
وفي فوائد شيخنا أيّده الله هنا ما هذا لفظه : محمد بن أحمد كأنّه محمد ابن أبي قتادة علي بن محمد بن حفص. انتهى.
وقد يحتمل الغير كما لا يخفى على من راجع ما ذكره أصحاب الرجال أيضاً ، وبقيّة رجال السند لا يحتاج إلى البيان(٣) .
والخامس : فيه علي بن محمد السابق على ما يظن ، واحتمال التغاير ممكن ، لكن الفائدة منتفية.
المتن :
في(٤) الجميع كما ترى يدل على أنّ وضع الحنوط غير مختصّ بما قيّده جماعة من الأصحاب أعني المساجد(٥) ، وما قاله المفيد من إضافة
__________________
(١) الفهرست : ١٢٦ / ٥٦٠.
(٢) الاستبصار ١ : ٢٠١ / ٧٠٨ ، راجع ص ٣٥٨ ٣٧٥.
(٣) في « رض » : بيان.
(٤) ليست في « فض ».
(٥) منهم العلاّمة في القواعد ١ : ١٨ ، والشهيد الأوّل في اللمعة ١ : ١٣٣.
طرف الأنف كما سبق الإشارة إلى ذلك(١) . والصدوق أضاف السمع والبصر والفم والمغابن وهي الآباط وأُصول الأفخاذ(٢) . والأخبار بعضها يدل على ما قاله في الجملة.
وذكر شيخناقدسسره رواية عبد الله بن سنان واصفاً لها بالصحة(٣) ، ولعلّها من غير كتابي الشيخ ، أو أنّه اعتمد على كون محمد بن أحمد هو ابن أبي قتادة ، ولا يخفى عليك الحال بعد وجود الاحتمال.
هذا وقد ذكر جدّيقدسسره في شرح الإرشاد ـ عند قول العلاّمة : وأنّ تمسح مساجده بالكافور ـ : أنّ الإجماع واقع على ما ( ذكر )(٤) (٥) . ولعلّ مراده بالإجماع أنّ القدر المذكور متفق عليه ، إمّا للاختصاص ، أو لكونه في ضمن غيره ، وإلاّ فالخلاف موجود ، أو أنّه اعتمد على ما نقل عن الشيخ في الخلاف أنّه ادّعى إجماع الفرقة على المساجد(٦) ، والأمر كما ترى.
ومن غريب ما وقع أنّ العلاّمة في المختلف قال : مسألة : قال الشيخ في الخلاف : لا يترك على أنف الميت ولا اذنُه ولا عينه ولا فيه شيء من الكافور والقطن ، واستدل عليه بالإجماع.
وقال ابن أبي عقيل : يجعل على مواضع السجود منه كافوراً مسحوقاً ، وعدّ الأنف من جملة مواضع السجود.
__________________
(١) راجع ص ٣٨٠.
(٢) الفقيه ١ : ٩١.
(٣) مدارك الأحكام ٢ : ٩٦.
(٤) بدل ما بين القوسين في « رض » : ذكره المصنف في النص ، وفي « د » : ذكر في النص.
(٥) روض الجنان : ١٠٤.
(٦) الخلاف ١ : ٧٠٤.
وقال المفيد : يضع منه على ظهر أنفه الذي كان يرغم به لربّه في سجوده.
لنا : ما رواه يونس عن رجاله ، وذكر الرواية إلى قولهعليهالسلام : « ثم اعمد إلى ( كافور مسحوق )(١) وضعه على جبهته موضع سجوده وامسح بالكافور على جميع مغابنه من اليدين والرجلين ومن وسط راحتيه » وذكر تمام الحديث إلى قوله : « ولا تجعل في منخريه ولا في بصره ولا في مسامعه ولا وجهه قطناً ولا كافوراً »(٢) .
ثم ذكر احتجاج المفيد بما رواه الحلبي في الحسن عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، وذكر الرواية الاولى ، ثم قال : وهو يعمّ المواضع التي يجب عليها السجود ويستحب.
ثم أجاب العلاّمة بأنّ آثار السجود إنّما يفهم منها عند الإطلاق المساجد السبعة(٣) .
ولا يخفى عليك أنّ خبر يونس إنّما تضمن النهي عن جعل الحنوط في المنخر ، وكلام الشيخ في الخلاف يقتضي أنّ لا يترك على الأنف(٤) ، وقد تقدم(٥) من الشيخ في باب كيفيّة غُسل الميت رواية حمران ، وفيها قلت : والحنوط كيف أصنع(٦) به؟ قال : « يوضع في منخره وموضع
__________________
(١) في « رض » : الكافور مسحوقاً.
(٢) تقدم في ص ٣٧٧.
(٣) المختلف ١ : ٢٢٨.
(٤) في « فض » : المنخر.
(٥) تقدم في ص ٣٧٦.
(٦) في « فض » : يصنع.
سجوده » وذكرنا فيما سبق(١) أنّه لا يبعد أنّ يكون « في » بمعنى « على » كما صرح به الشيخ هنا من جواز استعمالها ، وأنت خبير بأنّ ما ذكرناه يتأيّد بما تضمّنه خبر يونس بسبب المعارضة.
ودعوى الشيخ الإجماع على ما نقله العلاّمة عنه على أنّه لا يترك على الأنف ، لو حملنا كلامه على ظاهره لأدّى إلى المنافاة لقول المفيد وهو شيخه ، فكيف يدعي الإجماع على خلافه ، ومثل هذا لا ينبغي الغفلة في الاستدلال عنه مع تعارض الأخبار وغيرها.
ثم إنّ رواية يونس تضمنت وضع الحنوط على الجبهة من مواضع السجود فقط وجميع المغابن من اليدين والرجلين ومن وسط راحتيه ، فإنّ أراد العلاّمة بقوله : لنا ، الاستدلال على عدم الوضع على الأنف وما معه ، أمكن التوجيه في دفع ما يقال عليه : من أنّ الرواية على خلاف ما عليه المعروفون من الأصحاب(٢) ومن اعتبار المساجد السبعة ، لكن الرواية الأخيرة هنا(٣) تنافي ما رواه يونس ؛ لتضمّنها وضع الحنوط في فيه ومسامعه.
وما ذكره الشيخ في تأويلها : من أنّ « في » بمعنى « على » واضح الدلالة على أنّ الوضع على الفم فكيف يقول في الخلاف لا يترك على فيه(٤) ؟ وهل هذا إلاّ تنافٍ في كلاميه؟ فكيف يستدل العلاّمة بالخبر مع عدم الالتفات إلى المعارض وما في كلامي الشيخ؟!
__________________
(١) راجع ص : ١٠٠٥.
(٢) منهم المحقق في الشرائع ١ : ٣٩ ، والشهيد الأوّل في الذكرى : ٤٦.
(٣) ليست في « د ».
(٤) الخلاف ١ : ٧٠٣.
وبالجملة : فاختلاف الأخبار في الحنوط ربما يؤذن بالاستحباب ، لكن وجوب الحنوط على المساجد قد سمعت القول فيه(١) ، ووجدت في كلام بعض أهل الخلاف(٢) ما يقتضي حمل ما دلّ على وضع الحنوط في الفم والأنف على التقية.
وفي المعتبر قال ـ بعد أنّ ذكر اختلاف الأخبار في مقدار كافور الحنوط ـ : وفي الروايات كلّها ضعف ، فإذاً الواجب الاقتصار على ما يحصل به الامتثال ، ويحمل ذلك يعني ما في الأخبار على الفضيلة(٣) .
ولما ذكرهرحمهالله وجه ، وعلى هذا فأقلّ الفضل في مثقال ، ثمّ ما فوقه إلى ثلاثة عشر وثُلث ، كما هو المشهور من تقسيمهصلىاللهعليهوآله الأربعين بينه وبين علي وفاطمةعليهمالسلام .
وللأصحاب خلاف أيضاً في مشاركة الغُسل للحنوط في المقادير ، فنفاها جماعة ؛ لمرفوعة علي بن إبراهيم قال : « السنّة في الحنوط ثلاثة عشر درهماً وثُلث أكثره »(٤) والاحتياط سهل في المقام.
اللغة :
قال في القاموس : اللَّبَب ، المنحر كاللَّبَّة وموضع القلادة من الصدر(٥) . وفيه : الحنوط كصبور وكتاب : كلّ طيبٍ يُخلَط للميت(٦) . وفيه
__________________
(١) راجع ص ١٠٤٠ و ١٠٤١.
(٢) كالشافعي في الأُم ١ : ٢٦٥.
(٣) المعتبر ١ : ٢٨١.
(٤) الكافي ٣ : ١٥١ / ٤ ، التهذيب ١ : ٢٩٠ / ٨٤٥ ، الوسائل ٣ : ١٣ ، أبواب التكفين ب ٣ ح ١.
(٥) القاموس المحيط ١ : ١٣١ ( ألبَّ ).
(٦) القاموس المحيط ٢ : ٣٦٨ ( الحنطة ).
عمد للشيء : قصده(١) .
قوله :
باب السنّة في حلّ الأزرار عند نزول القبر
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن محمد بن عبد الله المسمعي ، عن إسماعيل بن يسار(٢) الواسطي ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي بكر الحضرمي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « لا تنزل القبر وعليك عمامة ولا قلنسوة ولا رداء ولا حذاء وحلّ أزرارك » قال : قلت : فالخفّ؟ قال : « لا بأس بالخفّ في وقت الضرورة والتقية وليجهد(٣) في ذلك جهده ».
فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن يعقوب بن يزيد ، عن إبراهيم بن عقبة ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال : رأيت أبا الحسنعليهالسلام دخل القبر ولم يحلّ أزراره.
فالوجه في هذا الخبر رفع الحظر عمّن لم يحلّ أزراره ؛ لأنّ فعل ذلك من المسنونات دون الواجبات.
السند :
في الأوّل : فيه محمد بن عبد الله المسمعي ولم أقف عليه في
__________________
(١) القاموس المحيط ١ : ٣٢٩ ( العمود ).
(٢) في الاستبصار ١ : ٢١٣ / ٧٥١ : بشار.
(٣) في الاستبصار ١ : ٢١٣ / ٧٥١ : فليجتهد وفي « رض » ولتجهد.
الرجال ، وأمّا إسماعيل بن يسار ففي الرجال ابن يسار الهاشمي ، لا الواسطي ، ولا يبعد أنّ يكون واحداً ؛ لأنّ الهاشمي ذكره النجاشي(١) ، والشيخ ذكر ابن يسار البصري(٢) والموجود في النسخ بالنون ، وأظن أنه بالباء الموحدة والشين المعجمة وواسط من نواحي البصرة ، وعلى كل حال فالرجل غير ثقة ولا ممدوح ، بل الهاشمي قال النجاشي : ذكره أصحابنا بالضعف(٣) . ومع الاتحاد لا تخفى الحقيقة ، وغير المذكورين تقدّم القول فيهما(٤) .
والثاني : فيه إبراهيم بن عقبة ، وهو مذكور مهملاً في رجال الهاديعليهالسلام من كتاب الشيخ(٥) .
المتن :
في الخبرين ظاهر ، وما ذكره الشيخ : من أنّ فعلهعليهالسلام لرفع الحظر. له وجه ، ويحتمل أن يكون لخوف ضرر على البدن ، وقد روى الشيخ في التهذيب عن سيف بن عميرة رواية أُخرى قال فيها ، قلت : فالخفّ؟ قال : « لا بأس بالخفّ فإنّ في خلع الخفّ شناعة »(٦) .
__________________
(١) رجال النجاشي : ٢٩ / ٥٨.
(٢) رجال الطوسي : ١٥٣ / ٢٣٢.
(٣) رجال النجاشي : ٢٩ / ٥٨.
(٤) وهما سيف بن عميرة وأبي بكر الحضرمي : راجع ج ١ : ٢٦٤ وج ٢ : ٢٨٣.
(٥) رجال الطوسي : ٤٠٩ / ٧.
(٦) التهذيب ١ : ٣١٣ / ٩١٠ ، الوسائل ٣ : ١٧١ أبواب الدفن ب ١٨ ح ٥.
قوله :
باب المقتول شهيداً بين الصفَّين
أخبرني الشيخرحمهالله عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن أبيه ، عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن موسى بن جعفر ، عن علي بن سعيد ، عن عبيد الله(١) بن الدهقان ، عن أبي خالد قال : « اغسل كل الموتى الغريق وأكيل السّبُع وكل شيء ، إلاّ ما قتل بين الصفَّين ، فإنّ كان به رمق غسّل وإلاّ فلا ».
عنه ، عن سعد بن عبد الله ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة ، عن حمّاد(٢) ، عن(٣) جعفر ، عن أبيه : « إنّ علياًعليهالسلام لم يغسّل عمّار بن ياسر ولا هاشم بن عتبة المِرقال ، ودفنهما في ثيابهما ولم يصلِّ عليهما ».
قال محمّد بن الحسن : قول الراوي : « ولم يصلِّ عليهما » وَهْمٌ من الراوي ؛ لأنّ الصلاة لا تسقط على الميت على كل حال ، يدل على ذلك :
ما رواه محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى(٤) ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن الحسين بن عثمان ، عن ابن مسكان ، عن أبان بن تغلب ، قال : سألت أبا عبد الله عليهالسلام عن الذي
__________________
(١) في « رض » : عبد الله.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢١٤ / ٧٥٤ : عن مصدق بن صدقة ، عن عمار.
(٣) في « فض » زيادة : أبي.
(٤) في « رض » زيادة : عن أحمد بن محمد بن يحيى.
يقتل في سبيل الله أيغسّل ويكفّن ويحنّط ويصلّى عليه؟ فقال(١) (٢) : « إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله صلّى على حمزة وكفّنه(٣) لأنّه كان جُرِّد ».
وبهذا الإسناد عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز ، عن إسماعيل بن جابر وزرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال ، قلت له : كيف رأيت الشهيد يدفن بدمائه؟ قال : « نعم في ثيابه بدمائه ولا يغسّل ولا يحنّط ويدفن كما هو ».
وبهذا الإسناد عن محمد بن يعقوب ، عن حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمد ، عن غير واحد ، عن أبان ، عن أبي مريم قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : « الشهيد إذا كان به رمق غُسّل وكُفّن وحُنّط وصلّى عليه ، وإن لم يكن به رمق دفن في أثوابه ».
فأمّا ما رواه محمد ( بن أحمد )(٤) بن يحيى ، عن أبي جعفر ، عن أبي الجوزاء ، عن الحسين بن علوان ، عن عمرو(٥) بن خالد ، عن زيد بن علي ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن عليعليهمالسلام قال : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إذا مات الشهيد من يومه أو من الغد فواروه في ثيابه ، فإن بقي أياماً حتى تتغيّر جراحته غُسّل ».
فهذا خبر موافق للعامة ( لا نعمل به )(٦) لأنّا بيّنّا أنّ القتيل إذا
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٢١٤ / ٧٥٥ : قال.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢١٤ / ٧٥٥ زيادة : يدفن كما هو في ثيابه إلاّ أن يكون به رمق ثم مات فإنّه يغسّل ويكفّن ويحنّط.
(٣) ليست في « فض ».
(٤) ما بين القوسين ليس في « رض » و « د ».
(٥) في « رض » : عمر.
(٦) ما بين القوسين ليس في « رض ».
لم يمت في المعركة وجب غُسله تغيّر أو لم يتغيّر ، وينبغي أن يكون العمل عليه ، وهو موافق لما ذكرناه أيضاً في كتابنا الكبير (١) (٢) .
السند :
في الأوّل : فيه موسى بن جعفر ، والظاهر أنّه البغدادي ( لأنّ الراوي عنه في الفهرست محمد بن أحمد بن يحيى(٣) ، وفي فوائد شيخنا أيّده الله على الكتاب : كأنّه البغدادي )(٤) المهمل. وظاهر الكلام التوقّف في ذلك ، ولعلّ الوجه أنّ المرتبة لا تأبى غيره ، والأمر كذلك ، إلاّ أنّ ما نقلناه عن الفهرست(٥) يقتضي الظهور. وأمّا علي بن سعيد فهو مشترك(٦) بين مهملين. وعبيد الله بن الدهقان ضعيف(٧) .
والثاني : ضمير « عنه » فيه يرجع لعلي بن الحسين بن بابويه. وهارون بن المسلم قال النجاشي : إنّه ثقة وكان له مذهب في الجبر والتشبيه(٨) . ( ولا يخلو هذا من إجمال ، فإنّ احتمال أن يراد له مذهب في نفي الجبر بعيد )(٩) وإرادة القول بالجبر والتشبيه يقتضي عدم صحّة العقيدة ، والله تعالى أعلم بالحال.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٢١٥ / ٧٥٨ زيادة : واستوفيناه.
(٢) التهذيب ١ : ٣٣٢ / ٩٧٤.
(٣) الفهرست : ١٦٢ / ٧٠٧.
(٤) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٥) الفهرست : ١٦٢.
(٦) راجع رجال الطوسي : ٢٤٣ / ٣٢١ ، ٢٦٨ / ٧٢٩ ، ٣٥٦ / ٤٥ ، ٣٨٤ / ٥٨.
(٧) ضعّفه النجاشي في رجاله : ٢٣١ / ٦١٤.
(٨) رجال النجاشي : ٤٣٨ / ١١٨٠.
(٩) بدل ما بين القوسين ، في « فض » : والتشبيه بعيد.
ومسعدة بن صدقة ذكره النجاشي مهملاً(١) . والكشي قال : إنّه بتري(٢) . والشيخ في رجال الباقرعليهالسلام من كتابه قال : إنّه عامي )(٣) ؛ وفي الفهرست ذكره مهملاً(٤) .
والثالث : ليس فيه ارتياب بعد ما قدّمناه. وكذلك الرابع.
والخامس : فيه حميد بن زياد وقد تقدّم(٥) ؛ والحسن بن محمد هو ابن سماعة وقد ذكرناه سابقاً أيضاً(٦) ؛ وفيه الإرسال ؛ وأبو مريم هو الأنصاري الثقة ، واسمه عبد الغفار.
والسادس : فيه أبو الجوزاء وقد سبق(٧) أنّ اسمه المنبّه بن عبد الله ، وكذلك بقيّة الرجال.
المتن :
في الأوّل : ظاهر الدلالة على أنّ من قتل بين الصفَّين لا يغسّل ، وإنّ كان به رمق غُسّل.
وأمّا الثاني : فما قاله الشيخ فيه من الوهم وإنّ بَعُدَ إلاّ أنّه لا بدّ منه ، لما يفهم من ظاهر الأصحاب أنّه لا قائل بمضمونها.
وما ذكره الشيخ من دلالة الرواية الثالثة على ما قاله محلّ تأمّل ؛ لأن
__________________
(١) رجال النجاشي : ٤١٥ / ١١٠٨.
(٢) رجال الكشي ٢ : ٦٨٧ / ٧٣٣.
(٣) رجال الطوسي : ١٣٧ / ٤٠.
(٤) الفهرست : ١٦٧ / ٧٣٢.
(٥) في ص ٩٧٤.
(٦) راجع ص ٩٧٦.
(٧) في ص ٩٠٨.
التعليل بكونه جُرِّدَ محتمل لأنّ يكون للتكفين والصلاة ، إلاّ أنّ الظاهر ما قاله الشيخرحمهالله .
ثم إنّ متن الرواية في الكافي والتهذيب قال : « يدفن كما هو في ثيابه إلاّ أنّ يكون به رمق ثم مات فإنّه يغسّل ويكفّن ويحنّط ويصلّى عليه ، إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله » إلى آخره(١) . وما ذكرناه آت فيه أيضاً.
ولا يخفى أنّ مدلول هذه الرواية والأولى أنّه إذا أُدرك(٢) وبه رمق يغسّل ، فما ذكره من رأينا كلامه وأوّلهم الشيخ(٣) من أنّه إذا مات في المعركة لا يغسّل. محلّ تأمّل ، إلاّ أنّ شيخناقدسسره في المدارك قال عند قول المحقق : والشهيد الذي قتل بين يدي الإمام ومات في المعركة لا يغسّل ، إلى آخره : هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب ، بل قال في المعتبر : إنّه إجماع أهل العلم(٤) .
والعجب أنّه بعد ذلك أورد الإشكال في الروايات(٥) ولم ينبّه على جهة عدم الخلاف.
وفي فوائده على هذا الكتاب قال : ليس فيما رواه الشيخ من الروايات ما يدل على هذا الحكم يعني قوله : إذا لم يمت في المعركة وإنّما المستفاد منها أنّ الشهيد إذا لم يدركه المسلمون وبه رمق غسّل. انتهى ، فتأمّل.
__________________
(١) الكافي ٣ : ٢١٠ / ١ ، التهذيب ١ : ٣٣٢ / ٩٧٣ ، الوسائل ٢ : ٥٠٩ أبواب غسل الميت ب ١٤ ح ٧.
(٢) في « فض » : أدركت.
(٣) المبسوط ١ : ١٨١.
(٤) مدارك الأحكام ٢ : ٧٠.
(٥) في « فض » و « د » : الرواية.
والرابع : كما ترى وإنّ دلّ بظاهره على عدم الصلاة إلاّ أنّ احتمال إرادة(١) الدفن بالثياب لا من جهة الصلاة أظهر ، مضافاً إلى غيره من الروايات الدالة على الصلاة.
أمّا الخامس : فله ظهور في عدم الصلاة من حيث قوله : « كفّن وحنّط وصلّى عليه » ثم قوله : « وإنّ لم يكن به رمق دفن في أثوابه » إلاّ أنّ تأويله غير بعيد ، بل ربما يدّعى عدم الظهور أيضاً ، وفيه كما ترى دلالة على ما قلناه سابقاً(٢) .
وأمّا السادس : فما قاله الشيخ في توجيهه متوجّه ، ولا دلالة فيه على ما قاله من(٣) قدّمناه كما لا يخفى.
إذا عرفت هذا فما تضمّنته الأخبار من الثياب(٤) ربما يدل على ما يصدق عليه الثياب فمثل الخفّ والفرو غير معلوم الصدق ، والمنقول عن الشيخ في الخلاف أنّه قال : لا ينزع عنه إلاّ الجلود(٥) وفي المبسوط : يدفن جميع ما عليه إلاّ الخفّين(٦) . وفي المقنعة عن المفيد : ينزع عنه السراويل والفرو والقلنسوة إذا لم يصبها دم ، فإن أصابها دم دفنت معه(٧) . وهو رواية عمرو بن خالد ، ولا يخفى عليك أنّ المناط صدق الثوب.
وفي رواية الحلبي دلالة على دفن ما أصابه الدم من ثيابه(٨) ،
__________________
(١) زيادة من « رض ».
(٢) في ص ١٠٤٦.
(٣) في « رض » زيادة : ما.
(٤) في « د » : التأييد ، وفي « فض » : الثواب.
(٥) حكاه عنها في المختلف ١ : ٢٣٨ ، ٢٣٩ ، وهو في الخلاف ١ : ٧١٠ ، والمبسوط ١ : ١٨١ ، والمقنعة : ٨٤.
(٦) حكاه عنها في المختلف ١ : ٢٣٨ ، ٢٣٩ ، وهو في الخلاف ١ : ٧١٠ ، والمبسوط ١ : ١٨١ ، والمقنعة : ٨٤.
(٧) حكاه عنها في المختلف ١ : ٢٣٨ ، ٢٣٩ ، وهو في الخلاف ١ : ٧١٠ ، والمبسوط ١ : ١٨١ ، والمقنعة : ٨٤.
(٨) لم نعثر عليه.
ويحتمل أنّ يراد كل ما أصابه الدم ولو بقرينة المقام إنّ لم يتحقق صدق الثوب ، ولا يخلو من إشكال.
اللغة :
قال في القاموس : الرَّمَق مُحرَّكة : بقيّة الحياة(١) .
قوله :
باب الميت يموت في المركب
أخبرني الشيخرحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد بن يعقوب ، عن حميد بن زياد ، عن غير واحد ، عن أبان ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال : في الرجل يموت مع القوم في البحر فقال : « يغسّل ويكفّن ويصلّى عليه ويثقل ويرمى به في البحر ».
وبهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب ، عن عدّة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد رفعه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : إذا مات الرجل في السفينة ولم يقدر على الشط قال : « يكفّن ويحنّط في ثوب ويصلّى عليه ويلقى في الماء ».
وعنه ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن أبيه ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن خالد البرقي ، عن أبي البختري وهب بن وهب القرشي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « قال أمير المؤمنين عليهالسلام : إذا مات الميت في البحر غُسِّل وكُفِّن وحُنِّط وصُلّي
__________________
(١) القاموس المحيط ٣ : ٢٤٥.
عليه ثم يوثق في رجليه حجر ويرمى به(١) في البحر ».
فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين ، عن صفوان ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أيوب بن الحرّ قال : سُئل أبو عبد اللهعليهالسلام عن رجل مات وهو في السفينة في البحر كيف يُصنع به؟ قال : « يوضع في خابية ويوكى رأسها ويطرح في الماء ».
فالوجه في هذه الرواية أنّ نحملها على ضرب من الاستحباب عند التمكن من ذلك ، والروايات الأوّلة على تعذّر ذلك ودفع(٢) الحظر.
السند :
في الأوّل : فيه إرسال ، وحميد بن زياد تقدّم القول بأنه واقفي(٣) .
والثاني : فيه سهل بن زياد ، وهو مرفوع أيضاً.
والثالث : فيه أبو البختري وقال النجاشي : إنّه كان كذّاباً(٤) ، وفي الفقيه في باب الحدود قال في خبر : إنّه جاء عن وهب بن وهب وهو ضعيف(٥) . وقد قدّمنا ذلك كله(٦) ، والوصف بالقرشي مذكور في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ(٧) . والراوي عنه هنا كما ترى محمد بن
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٢١٥ / ٧٦١ لا توجد : به.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢١٥ / ٧٦١ : ورفع.
(٣) في ص ٩٧٤.
(٤) رجال النجاشي : ٤٣٠ / ١١٥٥.
(٥) الفقيه ٤ : ٢٥.
(٦) في ص ١٦٧.
(٧) رجال الطوسي : ٣٢٧ / ١٩.
خالد ، وفي الفهرست أنّ الراوي لكتابة أحمد بن أبي عبد الله(١) . ولعلّه لا مانع من رواية الأب والابن.
وأمّا محمد بن قولويه فقد قدّمنا أنّ مشايخنا لا يتوقفون في توثيقه(٢) ، ولا يخلو من شيء.
والرابع : لا ارتياب في صحّته.
المتن :
لا يخفى دلالة الأوّل بإطلاقه على عدم اعتبار الاستقبال حال الرمي في البحر ، وكذلك على عدم اعتبار تعذّر الشطّ كما يستفاد من مفهوم الشرط في الثاني ، إلاّ أنّ تقييد الإطلاق من المقيد أعني مفهوم الشرط ممكن.
أمّا الاستقبال فقد ذكره جدّيقدسسره (٣) وقبله الشهيد(٤) ، وينقل أيضاً عن ابن الجنيد(٥) ؛ لأنه دفن حيث يحصل به مقصود الدفن ، والظاهر أنّ مرادهم(٦) إضجاعه على جانبه الأيمن مستقبل القبلة ، كما في المدفون في الأرض.
والأخبار كما ترى معتبرها يدل على الوضع في الخابية والطرح في الماء ، من غير تقييد بالاستقبال ، والاحتياط مطلوب.
__________________
(١) الفهرست : ١٧٣ / ٧٥٧.
(٢) راجع ص ٨١.
(٣) المسالك ١ : ١٥.
(٤) الذكرى : ٦٤.
(٥) حكاه عنه في الذكرى : ٦٤.
(٦) في « د » و « رض » زيادة : من.
وما ذكره الشيخ في الجمع بين الأخبار تضمّن أمرين : أحدهما : تعذّر الخابية في الأخبار الأُول ، وثانيهما : دفع الحظر في رميه مثقلاً ، فيكون الوضع في خابية مستحباً.
ولا يخفى عليك أنّ الحمل على الاستحباب لا مقتضي له ؛ إذ لا معارض(١) لذلك(٢) إلاّ ما دلّ على رميه مثقلاً ، فإذا حمل على التعذّر كان واجباً على ظاهر الأخبار ، من حيث إنّ الجملة الخبرية في(٣) معنى الأمر ، وإنّ كان فيه كلام تقدّم ، إلاّ أنّ ذكر التكفين وغيره قرينة الوجوب هنا.
ولعلّ مراد الشيخ أنّ إطلاق الأخبار في الرمي مثقلاً يعطي عدم اشتراط غيره ، والمقيّد لا ينافيه ليحمل عليه. وفيه نظر واضح ؛ لأنّ المنافاة قد يتحقق بالخابية حين لا يصير مثقلاً.
( والحق أنّ كون الأخبار من قبيل المطلق والمقيّد لا يخلو من إجمال ، و(٤) أنّ الحكم من الشيخ بالاستحباب على الإطلاق مشكل )(٥) وعلى تقدير اختصاص العمل بالصحيح يسهل الخطب.
اللغة :
قال في القاموس : الوِكاء ، كَكِساء رباط القربة وغيرها وقد وكاها وأوكاها وكلّ ما شدّ رأسه من وعاء ونحوه وكاء(٦) ، والخابية من خبأت
__________________
(١) في « فض » زيادة : يقتضي.
(٢) في « رض » : ذلك.
(٣) ليست في « فض ».
(٤) في « فض » زيادة : إلاّ.
(٥) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٦) القاموس المحيط ٤ : ٤٠٤ ( الوكاء ).
الشيء إذا سترته وهي الحُبّ(١) ، وكان حقّها الهمزة لكن العرب تركوا همزتها كما نقله بعض الأصحاب(٢) .
قوله :
باب تربيع الجنازة
أخبرني الشيخرحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد ابن يعقوب ، عن علي ، عن أبيه ، عن ابن ( فضال ، عن )(٣) علي بن عقبة ، عن موسى بن أكيل ، عن العلاء بن سيّابة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « تبدأ في حمل السرير من الجانب الأيمن ثم تمرّ عليه من خلفه إلى الجانب الآخر(٤) حتى ترجع إلى المقدّم كذلك دوران الرحى ».
علي ، عن أبيه ، عن غير واحد ، عن يونس ، عن علي بن يقطين ، عن أبي الحسن موسىعليهالسلام قال : سمعته يقول : « السنّة في حمل الجنازة أن تستقبل جانب السرير بشقّك الأيمن فتلزم الأيسر بكفّك الأيمن ثم تمرّ عليه إلى الجانب الرابع مما يلي يسارك ».
أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن علي بن حديد ، عن سيف بن عميرة ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « السنّة أن تحمل السرير من جوانبه الأربع وما كان بعد ذلك من حمل فهو تطوّع ».
__________________
(١) القاموس المحيط ١ : ١٣ ( خباه ).
(٢) الحبل المتين : ٧٢.
(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٤) في الاستبصار ١ : ٢١٦ / ٧٦٣ زيادة : ثم تمر.
فأمّا ما رواه علي بن الحسين ، عن علي بن موسى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين قال : كتبت إليه أسأله عن سرير الميت يحمل إله جانب يبدأ به في الحمل من جوانبه الأربع أو ما خفّ على الرجل يحمل من أيّ الجوانب شاء؟ فكتب : « من أيّها شاء ».
فالوجه في هذه الرواية رفع الحظر عن حمل الجنائز من أيّ جوانبها شاء ، لأنّ الذي قدّمناه من المسنون دون الفرض.
السند :
في الأوّل : فيه ابن فضال وقد تكرّر القول فيه(١) ، وعلي بن عقبة لا يبعد أنّ يكون هو علي بن عقبة بن خالد الذي وثّقه النجاشي مرّتين(٢) ، لأنّ(٣) علي بن عقبة المذكور في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ مهملاً(٤) غيره ، والذي في الفهرست مذكور مهملاً وأنّ الراوي عنه الحسن بن علي ابن فضال(٥) كأنّه(٦) هو ابن(٧) عقبة بن خالد ، فيدفع الإشكال من جهة علي ابن عقبة ، وقد قدّمنا فيه الكلام أيضاً(٨) والإعادة لكون الراوي هنا الحسن ابن علي الموهم لكونه المذكور في الفهرست مهملاً(٩) ، وإنّ كان
__________________
(١) راجع ص ١٠٤.
(٢) رجال النجاشي : ٢٧١ / ٧١٠.
(٣) في « ش » و « فض » : لا أنّ.
(٤) رجال الطوسي : ٢٤٢ / ٣٠٣.
(٥) الفهرست : ٩٠ / ٣٧٥.
(٦) في « فض » : فإنّه.
(٧) ليست في « د » و « رض ».
(٨) راجع ص ١٠٠٩.
(٩) الفهرست : ٩٠ / ٣٧٥.
في البين كلام.
وأمّا موسى بن أكيل فهو ثقة في النجاشي(١) . والعلاء بن سيابة مهمل في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ(٢) .
والثاني : فيه مع الإرسال يونس ، والظاهر أنّه ابن عبد الرحمن ، لأنّه مولى علي بن يقطين ، وفيه نوع كلام.
والثالث : فيه علي بن حديد وقد تكرّر القول فيه(٣) من أنّ الشيخ ضعّفه في هذا الكتاب.
والرابع : فيه علي بن موسى وهو غير مذكور في الرجال على ما رأيت ، وعلي بن الحسين مشترك(٤) ولا يبعد كونه ابن بابويه ، والحسين هو ابن سعيد صرّح به في الفقيه ، كما صرّح بأنّ المكتوب إليه الرضاعليهالسلام (٥) .
المتن :
في الأوّل : يحتمل أنّ يراد بالجانب الأيمن جانب الميت وهو يسار السرير ، وقوله : « تمرّ عليه من خلفه » يراد به خلف الميت لو كان جالسا(٦) ؛ ويحتمل أنّ يراد بالأيمن جانب السرير ، وهو أيسر الميت ، ويراد بالجانب الآخر المؤخّر فيحمل بمؤخّر السرير الأيسر ويمرّ عليه إلى
__________________
(١) رجال النجاشي : ٤٠٨ / ١٠٨٦.
(٢) رجال الطوسي : ٢٤٥ / ٣٥٠.
(٣) راجع ص ٤٦.
(٤) هداية المحدثين : ٢١٥.
(٥) الفقيه ١ : ١٠٠.
(٦) في هامش « د » زيادة : بنوع من التقريب.
مقدّمه ، كما نقل عن الشيخ في المبسوط والنهاية وادعى عليه الإجماع(١) ، وفي الخلاف نقل عنه أنّه قال بالاحتمال الأوّل ، وعبارته : يحمل بميامنه مقدّم السرير الأيسر ثم يدور حوله حتى يرجع إلى المقدّم(٢) .
وقيل : إنّ الشيخ في النهاية والمبسوط استدل بالرواية الأُولى على ما ذكره ، وبرواية الفضل بن يونس عن الكاظمعليهالسلام حيث قال : « فإنّ لم يكن يتقى فيه فإنّ تربيع الجنازة الذي جرت به السنّة أنّ يبدأ باليد اليمنى ثم بالرجل اليمنى ثم بالرجل اليسرى ثم باليد اليسرى حتى يدور حولها »(٣) .
وفي نظري القاصر أنّ ما نقل عن الشيخ في النهاية والمبسوط من ( التفسير لا توافقه )(٤) رواية الفضل بن يونس ؛ لأنّ مقتضى ما قاله أنّ يبدأ بمقدّم السرير الأيمن ، ومقدم السرير الأيمن على يسار الميت ، ومفاد رواية الفضل أنّ يبدأ باليد اليمنى ، والظاهر منها يد الميت ، وهي يسار السرير ، وينبه(٥) على كونها يد الميت قوله : « ثم بالرجل اليسرى » نعم ما ذكره في الخلاف يوافق رواية الفضل ، لكن المنقول عن الخلاف أنّه استدل برواية علي بن يقطين وهي الثانية(٦) .
ولا يخفى غموض(٧) دلالتها على ما قاله ( نظراً الى ما يأتي(٨) من
__________________
(١) المبسوط ١ : ١٨٣ ، والنهاية : ٣٧ ، وحكاه عنهما في الذكرى : ٥١.
(٢) الخلاف ١ : ٧١٨ ، وحكاه عنه في الذكرى : ٥١.
(٣) حكاه صاحب المدارك ٢ : ١٢٦ ، الكافي ٣ : ١٦٨ / ٣ ، التهذيب ١ : ٤٥٢ ، الوسائل ٣ : ١٥٦ أبواب الدفن ب ٨ ح ٣.
(٤) بدل ما بين القوسين في « رض » : التعبير لا يوافق.
(٥) في « رض » : ونبه.
(٦) حكاه عنه في الذكرى : ٥١.
(٧) في « فض » : عدم.
(٨) في « رض » : قاله.
الاحتمال )(١) .
وما ذكره الشهيدرحمهالله من أنّ خبر علي بن يقطين يمكن حمله على التربيع المشهور ، لأنّ الشيخ ادعى عليه الإجماع ، فكيف يخالف دعواه؟ ولأنّه قال في الخلاف : يدور دور الرحى ، كما في الرواية(٢) . وهو لا يتصور إلاّ على البدأة بمقدّم السرير الأيمن والختم بمقدّمه الأيسر ، والإضافة هنا قد تتعاكس(٣) .
ففيه : أنّ الرواية تضمّنت أنّ تستقبل السرير بكتفك الأيمن وتلزم الأيسر بكفك(٤) الأيمن ، وكيف تتم الموافقة لما ادعى عليه الشيخ الإجماع من البدأة بمقدّم السرير الأيمن ؛ إذ البدأة به إذا كانت بالأيمن من الشخص كيف يلزم الأيسر بكفه الأيمن؟ ، والحال أنّ الخبر تضمّن ذلك ، وحينئذ لا بدّ من حمل جانب السرير على الأيسر ليحمل بالكتف الأيمن ، والكفّ الأيمن يلزم الأيسر ، أي أيسر السرير ، والمراد بلزومه رفع الكف والقبض على يد السرير.
واحتمال أنّ يقال : إنّ الحمل المذكور يتصوّر بإدخال الرأس بين يدي السرير ويراد بالأيسر أيسر الميت. فيه : أنّه خلاف المتعارف. ويشكل بأنّ عدم التعارف لا يضرّ بالحال كما لا يخفى.
ولا يخفى أنّ الظاهر من ذكر الروايتين هنا كون الشيخ ظن أنّ مآلهما واحد ، والحال ما سمعته.
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٢) الخلاف ١ : ٧١٨.
(٣) الذكرى : ٥١.
(٤) في « د » : بكتفك.
ثم إنّ الدور على تقدير البدأة بأيسر السرير لا يتم إلاّ بتقدير أنّ يقال : إنّ الغرض منه ليس تمام الدور ، بل كونه على اليمين ، كما هو شأن دور الرحى ، وفيه ما فيه.
هذا وفي المنتهى قال العلاّمة : التربيع المستحب عندنا أنّ يبدأ الحامل بمقدّم السرير الأيمن ، ثم ( يمرّ معه )(١) ويدور من خلفه إلى الجانب الأيسر فيأخذ ( رجله اليسرى )(٢) ويمرّ معه إلى أنّ يرجع إلى المقدّم كذلك دور الرحى ، قال : وحاصل ما ذكرناه أنّ يبدأ فيضع قائمة السرير التي تلي اليد اليمنى للميت فيضعها على كتفه الأيسر ، ثم ينتقل فيضع القائمة التي تلي [ رجله اليمنى على كتفه الأيسر ، ثم ينتقل فيضع القائمة التي تلي رجله اليسرى على كتفه الأيمن ثم ينتقل فيضع القائمة التي تلي يده اليسرى على كتفه الأيمن(٣) ] انتهى(٤) . ولا يخفى عليك الحال.
وذكر جدّيقدسسره أنّ أفضل هيئاته أنّ يبدأ بمقدّم السرير الأيمن وهو الذي يلي يسار الميت فيحمله بكتفه الأيمن ، ثم ينتقل إلى مؤخّر السرير الأيمن فيحمله أيضاً بكتفه الأيمن ، ثم ينتقل إلى مؤخر الأيسر فيحمله بكتفه الأيسر ، ثم ينتقل إلى مقدّمه الأيسر فيحمله بكتفه الأيسر(٥) . انتهى. ( وفيه ما لا يخفى )(٦) .
__________________
(١) في المنتهى : يربعه.
(٢) ما بين القوسين أثبتناه من المصدر.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في النسخ هكذا : رجله اليسرى على كتفه الأيمن ثم ينتقل فيضع القائمة التي تلي يده اليسرى على كتفه الأيمن. وما أثبتناه من المصدر.
(٤) المنتهى ١ : ٤٤٤.
(٥) روض الجنان : ٣١٤.
(٦) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(١) إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبر الثالث لا يظهر في بادئ النظر وجه عدم ذكره في جملة ما ينافي الخبرين الأوّلين ؛ لأنّ ظاهره(٢) الحمل من الجوانب الأربع كيف اتفق.
وفي نظري القاصر أنّ الشيخ فهم منه أنّ قوله : « وما كان بعد ذلك من حمل فهو تطوّع » يراد به أنّ الأفضل هو الحمل بالكيفية السابقة في الخبرين ، والحمل من الجوانب الأربع يتحقق به أصل الاستحباب ، وحينئذ يراد بقوله بعد ذلك الكيفية الزائدة على أصل الكيفية بحمل الأربع كيف اتفق ، ولعلّ هذا المعنى أولى من الحمل على أنّ تحقق حمل الجوانب الأربع يحصل به الاستحباب ، فلو كرّر ذلك بعد كان تطوّعاً ، لأنّ مساق الخبر يأبى عن هذا المعنى.
أمّا(٣) ما قاله جدّيقدسسره في شرح الإرشاد من استحباب حمل السرير بأربعة رجال في معنى التربيع قائلاً : وهو أولى من الحمل بين العمودين كما استحبّه العامّة ، قال الباقرعليهالسلام : « السنّة أنّ يحمل السرير من جوانبه الأربع وما كان بعد ذلك فهو تطوّع »(٤) ففيه : أنّ المتبادر من الخبر التربيع بالنسبة إلى كل شخص.
__________________
(١) في « فض » زيادة : وقد يظن أنه غير موافق لدور الرحى. ثم إن رواية يونس تضمنت يمين الميت كما قدمناه ، وربما كان الحمل على الأيمن بتقدير البدأة بيمين الميت أخف وأقل مشقة من الدخول بين يدي السرير ، وعلى هذا فمن جانب رجل الميت وهو الجانب الأيسر أخف وكذا من جانب يده اليسرى وقد يستفاد من رواية علي بن يقطين ذلك. وهذه الزيادة في « د » مشطوبة.
(٢) في « د » : ظاهر.
(٣) في « فض » : وأما.
(٤) روض الجنان : ٣١٤.
وفي الروضة ذكر التربيع وهو الحمل بأربعة رجال ثم ذكر التناوب وقال : إنّ الأفضل البدأة بأيمن السرير.(١)
وفيه : أنّ التناوب على ظاهر كلامهقدسسره مرتبة ثانية ، والثالثة الكيفيّة المذكورة ، والمستفاد من الأخبار انتفاء الأوّل على ما أظن ، والتناوب مرتبة واحدة ، لكن اختلاف أنظار الفقهاء فيها أوجب التغاير ، ولو أراد بالتناوب حمل الإنسان بأربع جوانب كيف اتفق كما هو مفاد بعض الأخبار السابقة(٢) بَعُدَ عن اللفظ ، وإرادة التناوب في الأربعة غير مستفادة من الأخبار ، فليتأمّل وما قاله الشيخ في وجه الجمع بين رواية الحسين وما تقدّم لا يخلو من بُعد ؛ لأنّ ظاهر السؤال عن البدأة بأيّ جانب كان في الفضل لا في الوجوب ، لكن ضرورة الجمع تقتضي ما قاله الشيخ.
وربما احتمل أنّ يكون المراد في خبر الحسين أنّ المستحب يتحقق بأيّ جانب شاء ، والأكمليّة أمر آخر ، وكأنّهعليهالسلام ذكر أصل الاستحباب في الجواب على معنى أنّ المستحب يتحقق به ويجوز أنّ يكون ترك الصورة الأُخرى للتقية ، كما يظهر من رواية الفضل بن يونس ، فليتأمّل.
قوله :
باب النهي عن تجصيص القبر وتطيينه
أخبرني الشيخ رحمهالله عن أبي جعفر محمد (٣) بن علي ، عن أبيه ، عن محمد ابن يحيى ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ،
__________________
(١) الروضة البهية ١ : ١٤٠.
(٢) راجع ص ١٠٥١.
(٣) في الاستبصار ١ : ٢١٧ / ٧٦٧.
عن علي بن أسباط ، عن علي بن جعفر قال : سألت أبا الحسن موسىعليهالسلام عن البناء على القبر(١) والجلوس عليه هل يصلح؟ قال : « لا يصلح البناء عليه ولا الجلوس ولا تجصيصه ولا تطيينه ».
فأمّا ما رواه سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن يونس بن يعقوب ، قال : لمّا رجع أبو الحسن موسىعليهالسلام من بغداد ومضى إلى المدينة ماتت ابنة له بفيد ، فدفنها وأمر بعض مواليه أنّ يجصّص قبرها ويكتب على لوح اسمها ويجعله في القبر.
فالوجه في هذه الرواية رفع الحظر عن فعل ذلك وضرب من الرخصة ؛ لأنّ الرواية الأُولى وردت مورد الكراهة دون الحظر.
السند :
في الأوّل : ليس فيه(٢) بعد محمد بن قولويه على ما مضى(٣) (٤) إلاّ علي بن أسباط فقد قال النجاشي : إنّه ثقة وكان فطحياً ثم رجع(٥) . ولم يعلم أن(٦) الروايات قبل الرجوع أو بعده ، إلاّ ما رواه عن الرضاعليهالسلام ، فقد قال النجاشي : إنّه روى عنهعليهالسلام قبل ذلك(٧) . وظاهر هذا الكلام أنّ روايته عن الرضاعليهالسلام قبل الرجوع ، وقد قدّمنا فيه القول مفصلا(٨) .
__________________
(١) في « فض » : القبور.
(٢) ليست في فض.
(٣) في ص ٨١.
(٤) في « فض » زيادة : فيه.
(٥) رجال النجاشي : ٢٥٢ / ٦٦٣.
(٦) ليست في « فض ».
(٧) رجال النجاشي : ٢٥٢ / ٦٦٣.
(٨) راجع ص ١٠٩.
والثاني : فيه سهل بن زياد ويونس بن يعقوب وقد تكرّرا في الذكر(١) .
المتن :
في الأوّل : ما تضمّنه من جهة التجصيص قيل : إنه إجماعي(٢) . ثم إنّ إطلاق النص يقتضي عدم الفرق بين وقوع التجصيص ابتداءً أو بعد الاندراس ، وينقل عن الشيخ أنّه قال : لا بأس بالتجصيص ابتداءً وإنّما المكروه بعد الاندراس للخبر الثاني(٣) ، لكن في هذا الكتاب جعل وجه الجمع دفع الحظر وبيان الرخصة ، ولا يخلو من بُعد.
واحتمل بعض الأصحاب حمل ما دلّ على عدم الكراهة على قبور الصلحاء والعلماء والذريّة الطاهرة لحصول الثواب بزيارتهم(٤) . ولا يخلو أيضاً من بُعد ؛ إذ كل مؤمن يحصل الثواب بزيارته ، على أنّ علامة القبر لا تنحصر في التجصيص وما ذكر معه.
وأمّا البناء فأحتمل بعضهم أنّ يكون المراد به البناء على نفس القبر بحيث يصير داخل الحائط ونحوه ، وعلّل بأنّ حرمة الميت كحرمة الحيّ ، وأيّده بذكر الجلوس على القبر ، وحمل أيضاً التطيين على كونه من طين غير القبر ، كما ورد في بعض الأخبار من قولهعليهالسلام : « لا تطيّنوا القبر من غير طينه »(٥) هذا ، وقد استثنى من ذلك قبور الأئمّةعليهمالسلام لتعظيم
__________________
(١) راجع ص ٩٥ و ١٥١.
(٢) كما في المنتهى ١ : ٤٦٣ ، والمدارك ٢ : ١٤٩.
(٣) حكاه عنه في المعتبر ١ : ٣٠٥.
(٤) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٥٠٠.
(٥) الكافي ٣ : ٢٠١ / ١ ، الوسائل ٣ : ٢٠٢ أبواب الدفن ب ٣٦ ح ٢.
شعائر الله(١) .
وفي المنتهى حمل النهي عن البناء في المواضع المسبلة ، لأنّ فيها تضييقاً على الناس ، قال : وأمّا في الأملاك فلا بأس به(٢) . والأمر كما ترى لكن الأخبار غير سليمة ، والأصل لا يخرج عنه بمثلها.
اللغة :
قال في الصحاح : فيد ، منزل بطريق مكة(٣) .
قوله :
باب كيفية التعزية
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن عدّة من أصحابنا ، عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه. ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعاً عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن الحكم قال : رأيت موسى بن جعفرعليهالسلام يعزّي قبل الدفن وبعده.
فأما ما رواه ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه(٤) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : قال : « التعزية لأهل المصيبة بعد ما يدفن ».
فالوجه في هذه الرواية أنّ نحملها على الفضل والاستحباب.
__________________
(١) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٥٠١.
(٢) المنتهى ١ : ٤٦٤.
(٣) الصحاح ٢ : ٥٢١ ( فيد ).
(٤) في « رض » : أصحابنا.
السند :
في الأوّل : صحيح ؛ لأنّ العدّة قد تقدّمت(١) ، وفيها من لا ارتياب فيه.
والثاني : فيه أنّ الطريق إلى ابن أبي عمير غير سليم في المشيخة(٢) ، ويمكن أنّ يستفاد صحّته من الفهرست ، لأنّه ذكر الطريق إلى جميع كتبه ورواياته(٣) ، غير أنّ فيه الإرسال وقد قدّمنا القول فيه(٤) ، وأنّ الشيخ حكم بردّ بعض مراسيله في باب العتق من هذا الكتاب(٥) ، فلا يكون الاتفاق واقعاً على قبولها ، وبدون ذلك لا يتم الحكم بالقبول كما حرّر في الأُصول.
في الأوّل ( كما ترى )(٦) محتمل لأنّ تكون الرواية في ميت واحد مرّتين قبل وبعد ، ولأنّ يكون في ميت قبل وآخر بعد.
وما ذكره الشيخ من الحمل لا يتم على الوجهين ،أمّا الأوّل : فلأنّ الفضل إذا كان بعد فإذا حصل معه الفعل قبل لا يكون أقلّ فضلاً.
وأمّا الثاني : فلأنّ فعلهعليهالسلام قبل إمّا أنّ يكون لبيان الجواز ولا وجه له في الأفعال المستحبة ، وإمّا أنّ يكون لتحقق الاستحباب فيه وإنّ كان بعد
__________________
(١) في ص ٣٤٧.
(٢) الاستبصار ٤ : ٣٣٣.
(٣) الفهرست : ١٤٢ / ٦٠٧.
(٤) راجع ص ٧٢.
(٥) الاستبصار ٤ : ٢٧.
(٦) ليست في « رض ».
أفضل ، وفيه أنّه لا يلائم قول الشيخ على الفضل والاستحباب ، بل ينبغي أنّ يقال : على الأفضلية ، وعلى كل حال فترك الإمامعليهالسلام الأفضل محلّ تأمّل ، ولعلّهعليهالسلام رأى المصلحة في التعزية قبل ، فكان لها رجحان بالعارض ، وإنّ كان الأصل فيها بعد المصيبة.
ولو حمل ما دلّ على التعزية قبل وبعد في ميت واحد على الأفضلية أمكن ، وفي بعض الأخبار قال : « ليس التعزية إلاّ عند القبر »(١) .
وذكر جدّيقدسسره أنّ التعزية تَفعِلة من العزاء وهو الصبر ، والمراد بها الحمل على الصبر والتسلّي(٢) عن المصاب بإسناد الأمر إلى الله تعالى وحكمته ، والتذكير بما وعد الله على الصبر(٣) ، وقد روي عن رسولصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « التعزية تورث الجنّة »(٤) .
__________________
(١) التهذيب ١ : ٤٦٣ / ١٥١١ ، الكافي ٣ : ٢٠٣ / ١ ، الوسائل ٣ : ٢١٦ أبواب الدفن ب ٤٨ ح ٢.
(٢) في المصدر : والتسلية.
(٣) الروضة البهية ١ : ١٤٩.
(٤) ثواب الاعمال : ١٩٨.
فهرس الموضوعات
أبواب التيمم ٥
باب أنّ الدقيق لا يجوز التيمم به٥
المتن :١٠
باب التيمم في الأرض الوحلة والطين والماء١٦
باب الرجل يكون(١) في أرض غطاها الثلج ٢٨
باب وجوب الطلب ٨١
باب أنّ التيمم لا يجب إلاّ في آخر الوقت ٩٢
باب من دخل في الصلاة بتيمم ثم وجد الماء ٩٨
باب الرجل تصيب ثوبه الجنابة١١٠
ولا يجد الماء لغسله وليس معه غيره١١٠
باب كيفية التيمم١١٩
باب عدد المرات في التيمم١٣٣
بسم الله الرحمن الرحيم١٤٧
الحمد لله على آلائه ، والصلاة على أشرف أنبيائه وأكرم أحبّائه ١٤٧
أبواب تطهير الثياب والبدن من النجاسات ١٤٧
باب بول الصبي ١٤٧
باب المذي يصيب الثوب والجسد ١٦٥
باب المقدار الذي يجب إزالته من الدم وما لا يجب ١٧٣
باب ذرق الدجاج ١٩٦
باب أبوال الدوابّ والبغال والحمير ٢٠٠
باب الرجل يصلّي في ثوب فيه نجاسة قبل أنّ يعلم ٢٢١
باب عرق الجنب والحائض يصيب الثوب ٢٦٨
باب بول الخشاف ٢٩٣
باب الخمر يصيب الثوب والنبيذ المسكر٣٠٣
والذي يدل على أنّ هذه الأخبار خرجت مخرج التقية :٣١٧
باب الثوب يصيب جسد الميت من الإنسان وغيره ٣٢٣
باب الأرض والبواري والحصر٣٣١
يصيبها البول وتجفّفها الشمس ٣٣١
أبواب الجنائز٣٤١
باب الرجل يموت وهو جنب ٣٤١
باب حدّ الماء الذي يغسّل به الميت ٣٥٢
باب جواز غسل الرجل امرأته والمرأة زوجها ٣٥٥
باب الرجل يموت في السفر وليس معه رجل ولا امرأته٣٧٨
ولا واحدة من ذوات أرحامه ، والمرأة كذلك تموت وليس ٣٧٨
معها امرأة ولا زوج ولا واحد من ذوي أرحامها٣٧٨
ومعها رجال غرباء٣٧٨
باب كيفية غسل الميت ٣٩٧
باب تقديم الوضوء على غسل الميت ٤١٢
باب تجمير الكفن ٤٣٥
باب أنّ الكفن لا يكون إلاّ قطناً٤٤١
باب موضع الكافور من الميت ٤٤٨
باب السنّة في حلّ الأزرار عند نزول القبر ٤٥٦
باب المقتول شهيداً بين الصفَّين ٤٥٨
باب الميت يموت في المركب ٤٦٤
باب تربيع الجنازة٤٦٨
باب النهي عن تجصيص القبر وتطيينه٤٧٥
باب كيفية التعزية٤٧٨
المتن :٤٧٩
فهرس الموضوعات ٤٨١