إستقصاء الإعتبار- الجزء 4
التجميع متون حديثية
الکاتب الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404





قوله :

كتاب الصلاة‌



باب المسنون من الصلاة في اليوم والليلة.

قوله :

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، ومحمد بن الحسن ، عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس بن عبد الرحمن ، قال : حدثني إسماعيل بن سعد الأشعري القمي قال : قلت للرضاعليه‌السلام : كم الصلاة من ركعة؟ قال : « إحدى وخمسون ركعة ».

وعنه ، عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة ، عن فضيل ابن يسار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « الفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة منها ركعتان ( بعد العشاء(١) جالسا )(٢) تعدّان بركعة [ وهو قائم ، الفريضة منها سبع عشرة ركعة ](٣) والنافلة أربع وثلاثون ركعة ».

وبهذا الاسناد عن الفضيل بن يسار ، والفضل بن عبد الملك ، وبكير قالوا : سمعنا أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢١٨ / ٧٧٢ العتمة.

(٢) في « فض » : جالساً بعد العشاء.

(٣) ما بين المعقوفين أضفناه من الاستبصار ١ : ٢١٨ / ٧٧٢.


من التطوّع مِثْلَي الفريضة ، ويصوم من التطوّع مِثْلَي الفريضة ».

وبهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع(١) ، عن حنان (٢) قال : سأل عمرو بن حريث أبا عبد الله عليه‌السلام وأنا جالس ، فقال : أخبرني جعلت فداك عن صلاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : « كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي ثماني ركعات بعد (٣) الزوال ، وأربعاً الاولى ، وثمانٍ (٤) بعدها ، وأربعاً العصر ، وثلاثاً المغرب ، وأربعاً بعد المغرب ، والعشاء الآخرة أربعاً ، وثمانٍ (٥) صلاة الليل ، وثلاثاً الوتر ، وركعتي الفجر ، وصلاة الغداة ركعتين » قلت : جعلت فداك وإن كنت أقوى على أكثر من هذا يعذّبني الله على كثرة الصلاة؟ فقال : « لا ولكن يعذّب على ترك السنّة ».

السند‌ :

في الأول : فيه محمد بن عيسى عن يونس ، وقد تقدّم أنّه مستثنى من رواية محمد بن عيسى ما يرويه عن يونس ، كما حكاه الصدوق عن محمد بن الحسن بن الوليد(٦) .

فإنّ قلت : كيف يستثني محمد بن الحسن ما ذكر وهذه الرواية قد رواها محمد بن الحسن بن الوليد ؛ لأنّ الراوي مع علي بن الحسين بن‌

__________________

(١) في « رض » : ابن الربيع.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢١٨ / ٧٧٤ و « د » زيادة : بن سدير.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢١٨ / ٧٧٤ لا يوجد : بعد.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢١٨ / ٧٧٤ : وثماني.

(٥) في الاستبصار ١ : ٢١٨ / ٧٧٤ : وثماني.

(٦) راجع ص ٥٣.


بابويه هو ابن الوليد ، والحال أنّ من جملة [ الرواة(١) ] محمد بن عيسى عن يونس؟

قلت : المنقول عن محمد بن الحسن ( أنّه قال : )(٢) ما تفرّد به محمد ابن عيسى ، وحينئذ(٣) رواية محمد بن الحسن عنه هنا قرينة على أنّ محمد ابن عيسى لم يتفرد بالرواية.

أو يقال : لا يلزم من الرواية العمل ، والظاهر من كلامه في الاستثناء لأجل العمل ، لأنّه قال : ما انفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه.

فإنّ قلت : مقتضى(٤) قوله : ما تفرد(٥) به محمد بن عيسى ، أنّ ما يرويه غيره معه تقبل روايته ، وفي هذا المقام قد روى غيره مضمون ما رواه ، فينبغي الاعتماد على ما يرويه.

قلت : الأمر كما ذكرت ، إلاّ أنّ الفائدة في الاعتماد على قوله مع رواية غيره منتفية بالنسبة إلى المتأخّرين(٦) ، نعم عند المتقدّمين الذين لا يعملون بخبر الواحد إلاّ مع القرائن المسوغة للعمل به كما قدمناه(٧) في أول الكتاب يظهر الفائدة هنا ؛ فإنّ خبر محمد بن عيسى إذا روى مضمونه غيره حصل ممّا رواه غيره ما يفيد الاعتماد ، إن حصل من رواية غيره معه كما‌

__________________

(١) في النسخ : الرواية ، غيرناها لاستقامة المعنى.

(٢) ما بين القوسين ليس في « فض ».

(٣) ليست في « رض ».

(٤) في « فض » و « رض » : يقتضي.

(٥) في « فض » و « رض » : انفرد.

(٦) في « فض » زيادة : إلاّ على ما قدمناه من اعتماد الشيخ. وفي « د » مشطوبة.

(٧) راجع ص ٣٣.


نحن فيه ما يفيد الاعتماد ، ولا يبعد أن يكون رواية محمد بن الحسن هذه الرواية ( مع كون فيها من ذكر )(١) لاعتماده(٢) على القرائن ، فليتأملّ.

وأمّا إسماعيل بن سعد فهو ثقة.

والثاني : حسن كما قدّمناه(٣) .

والثالث : كذلك ، أمّا الفضل بن عبد الملك فهو أبو العباس البقباق الثقة. وبكير مشترك(٤) ، ولا يبعد أن يكون ابن أعين عند الإطلاق ، وقال العلامة : أنّه مشكور(٥) . وروى الكشي بطريق معتبر أنّ الصادقعليه‌السلام قال فيه بعد موته : « لقد أنزله الله بين رسوله وأمير المؤمنينعليه‌السلام »(٦) .

وما قد يظن من دلالته على التوثيق محلّ تأمّل ؛ لأنّ التوثيق يراد به العدالة والضبط ، والخبر غاية ما يدل على صلاحه وتقواه ، وهذان لا يلزمهما ما ذكرناه من تعريف الثقة ، لما اشتهر من قولهم : ترجو شفاعة من لا تقبل شهادته.

والرابع : فيه حنان وهو مشترك بين ابن سدير الصيرفي الواقفي موثّقاً على ما قاله الشيخ(٧) ، وبين ابن أبي معاوية القُبّي المذكور مهملاً في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٨) . ولا يبعد أن يكون الصيرفي ؛ لأنّه‌

__________________

(١) كذا في النسخ ولعل الأولى : مع كون من ذكر فيها.

(٢) في « رض » زيادة : فيه.

(٣) من جهة إبراهيم بن هاشم ، راجع ص ٣٦.

(٤) راجع هداية المحدثين : ٢٦.

(٥) خلاصة العلامة : ٢٨.

(٦) رجال الكشي ٢ : ٤١٩ / ٣١٥.

(٧) رجال الطوسي : ٣٤٦ / ٥ ، والفهرست : ٦٤ / ٢٤٤.

(٨) رجال الطوسي : ١٨٠ / ٢٦٤.


المعروف عند الإطلاق ، وفيه ما فيه. وأمّا عمرو بن حريث فهو مشترك بين ثقة ومهمل(١) ، وإن كان لا يضرّ بالحال هنا كما لا يخفى.

المتن :

في الأول : كما ترى يدل على أنّ النفل والفرض ما ذكر ، أمّا تفصيل النفل ففي الثاني ليس إلاّ من جهة أنّ الوتيرة من الراتبة ، وكون النفل أربعاً وثلاثين مشترك.

والثالث : يدل على أنّ النافلة أربع وثلاثون ، وما تضمنه من جهة الصوم فكأنّ الوجه فيه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يصوم شعبان ( وبقية الأشهر غير شهر رمضان يصوم فيها الثلاثة الأيّام وهو شهر مع شعبان )(٢) فيكون ضعف شهر رمضان.

والرابع : يدل مفصّلاً على أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يصلّي بعد الزوال ثماني ركعات ، أمّا كونها للظهر كما هو مذكور في كلام من رأينا كلامه فلا.

ثم إنّ الخبر تضمّن عدم ذكر الركعتين من جلوس بعد العشاء ، فالعدد(٣) المستفاد من غيره ناقص ، فلا أدري ما وجه عدم تعرض الشيخ ( لذكر ذلك )(٤) .

وما تضمنه آخر الخبر من قوله : « ولكن يعذّب على ترك السنّة » يحتمل أن يراد به أنّ الإكثار لا يعذّب عليه ، إنّما يعذّب على كون الإكثار‌

__________________

(١) راجع هداية المحدثين : ٢١٩.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٣) في « د » : والعدد.

(٤) بدل ما بين القوسين ، في « رض » : لذلك.


بقصد السنّة ، بمعنى أنّ الموظف هذا الزائد مع الأصل ، ولعلّ هذا الوجه له قرب من ظاهر الرواية.

وما ذكره بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله من أنّ ترك النافلة بالمرّة معصية ؛ لما فيه من التهاون بأمر الدين ، كما ذكره الأصحاب من أنّ أهل البلد لو أصرّوا على ترك الأذان قوتلوا(١) . لا يخلو من وجه أيضاً.

وما تضمنه الخبر : من أنّ الوتر اسم للثلاثة. هو مفاد كثير من الأخبار ، فما ذكره الشيخ في المصباح من استحباب قراءة التوحيد ثلاثاً في الوتر يعني المفردة(٢) محلّ تأمّل.

هذا ، وينقل عن ابن الجنيد أنّه قال : تصلّي قبل الظهر ثمان ركعات وثمان ركعات بعدها ، منها ركعتان نافلة العصر(٣) . ولم نقف على مستنده.

وما احتمله شيخناقدس‌سره من الاستدلال له برواية سليمان بن خالد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر ، وستّ ركعات بعد الظهر ، وركعتان قبل العصر »(٤) لا وجه له ، كما صرّح بهقدس‌سره أيضاً(٥) .

وما تضمنه الخبر الأخير من سقوط الركعتين بعد العشاء موجود في بعض الأخبار أيضاً.

وفي الفقيه : وأمّا الركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس فإنّهما تعدّان‌

__________________

(١) البهائي في الحبل المتين : ١٣٣.

(٢) مصباح المتهجد : ١٣٣.

(٣) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٣٣١.

(٤) التهذيب ٢ : ٥ / ٨ ، الوسائل ٤ : ٥١ أبواب أعداد الفرائض ونوافلها. ب ١٣ ح ١٦.

(٥) مدارك الأحكام ٣ : ١٣.


بركعة ، فإنّ أصاب الرجل حدث قبل أن يدرك آخر الليل ويصلّي الوتر يكون قد بات على الوتر ، وإن أدرك آخر الليل صلّى الوتر بعد صلاة الليل ، وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتنّ إلاّ بوتر » وصلاة الليل ثمان ركعات ، والشفع ركعتان ، [ والوتر ركعة(١) ] وركعتا الفجر ، فهذه أحد وخمسون ركعة ، ومن أدرك آخر الليل وصلّى الوتر مع صلاة الليل لم يعدّ الركعتين من جلوس بعد العشاء شيئاً ، وكانت الصلاة في اليوم والليلة خمسين ركعة(٢) . انتهى.

وكأنّ مراده بما ذكره الجمع بين ما دلّ على الخمسين والأحد والخمسين ، ولا يخفى عليك الحال(٣) في كلامه ، ومأخذه لم نقف عليه ، وقد ذكرنا في حاشية الفقيه ما لا بدّ منه.

وذكر بعض محقّقي المتأخّرينرحمه‌الله أنّ ما دلّ على الخمسين يقتضي عدم تأكّد الوتيرة(٤) ، وفي رواية الحلبي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام هل قبل العشاء الآخرة وبعدها شي‌ء؟ فقال : « لا ، غير أنّي أُصلّي بعدها ركعتين ولست أحسبهما من صلاة الليل »(٥) .

ولا يخفى إجمال قولهعليه‌السلام : « ولست أحسبهما من صلاة الليل » فيحتمل أن يراد عدم الاحتساب من نوافل الليل المرتّبة فيه الشاملة لنافلة المغرب فيكون فعلهما استحباباً من غير كونهما من الرواتب ، ويحتمل أن يراد من نوافل الليل المرتّبة آخره ، وما نقلناه عن الصدوق يقتضي‌

__________________

(١) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

(٢) الفقيه ١ : ١٢٨.

(٣) في « فض » و « رض » : الإجمال.

(٤) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٥.

(٥) التهذيب ٢ : ١٠ / ١٩ ، الوسائل ٤ : ٩٣ أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب ٢٧ ح ١.


الاحتساب من صلاة الليل في الجملة ، ( ولكن )(١) الرواية معدودة من الحسن ، والله تعالى أعلم بالحال.

قوله :

فأما ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن علي ابن بنت إلياس ، عن عبد الله بن سنان قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « لا تصلّ أقلّ من أربع وأربعين » قال : ورأيته يصلّي بعد العتمة أربع ركعات.

فليس في هذا الخبر نهي عما زاد على الأربع والأربعين ، وإنّما نهىعليه‌السلام أن ينقص عنها ، ولا يمتنع أن يحثّ على هذه الأربع والأربعين لتأكّدها ويحثّ على ما عداها بحديث آخر ، وقد قدّمنا من الأحاديث ما يتضمّن ذلك.

وأمّا ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى ، عن يحيى بن حبيب قال : سألت الرضاعليه‌السلام عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى الله عزّ وجلّ من الصلاة ، قال : « ستّ وأربعون ركعة فرائضه ونوافله » قلت : هذه رواية زرارة ، قال : « أَوَترى أحداً كان أصدع بالحق منه ».

فهذا الخبر ليس فيه نفي ما زاد على هذه الصلاة ، وإنّما سأله السائل عن أفضل ما يتقرّب به العباد فذكر هذه الستة وأربعين ، وأفردها(٢) بالذكر لما كان ما يزيد عليها ( من الصلاة ) (٣) دونها في‌

__________________

(١) في « فض » و « رض » : لكن.

(٢) في « رض » : وإفرادها.

(٣) ما بين القوسين ليس في « فض ».


الفضل.

والذي يدل على ما ذكرناه من أنّه إنّما(١) أراد تأكّد فضل هذه الستة وأربعين ركعة :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن شعيب ، عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن التطوّع بالليل والنهار ، فقال : « الذي يستحبّ أن لا ينقص عنه ثماني ركعات عند زوال الشمس ، وبعد الظهر ركعتان ، وقبل العصر ركعتان ، وبعد المغرب ركعتان ، وقبل العتمة ركعتان ، وفي السحر ثماني ركعات ، ثم يوتر ، والوتر ثلاث ركعات مفصولة ، ثم ركعتان قبل صلاة الفجر ، وأحبّ صلاة الليل إليهم آخر الليل ».

فبيّن في هذا الخبر أنّ هذه الستة وأربعين ركعة ممّا يستحب أنّ لا يقصر منها(٢) ، وأنّ ما عداها ليس بمشارك لها في الاستحباب ، وأمّا ما عدا هذين الخبرين من الأخبار التي يتضمّن نقصان الخمسين ركعة فالأصل فيها كلّها زرارة ، وإن تكرّرت بأسانيد مختلفة ، وقد استوفينا ما يتعلق بهذا الباب في كتاب تهذيب الأحكام وبيّنّا الوجه فيها ، فمن أراد الوقوف على جميعها رجع إليه (٣) .

السند‌ :

في الأول : معدود من الحسن بالحسن ، لكن لا يخلو من تأمّل وقد‌

__________________

(١) ليست في « رض ».

(٢) في المصدر : عنها.

(٣) التهذيب ٢ : ٣ باب المسنون من الصلوات.


قدّمنا وجهه(١) .

والثاني : فيه يحيى بن حبيب وهو مجهول الحال ، إذ لم نجده مذكوراً في الرجال.

والثالث : فيه أبو بصير وقد تكرّر القول فيه(٢) ، وأنّ الظاهر هنا أنّه الضعيف ، على ما يستفاد من معتبر الأخبار ، وإن وثّقه الشيخ(٣) .

المتن :

في الأول : كما ترى ظاهر في النهي عن صلاة أقلّ من أربع وأربعين ، فإذا خرجت الفرائض منها بقيت النوافل سبعة وعشرين ، وأما تفصيلها فغير معلوم. وقوله : فرأيته يصلّي بعد العتمة أربع ركعات. يزيد الإجمال.

وما قاله الشهيد في النفلية : من أنّ السبعة والعشرين بإسقاط الوتيرة وست من نافلة العصر(٤) . لم أقف على مأخذه.

وهذه الرواية المبحوث عنها تضمنت صلاة أربع بعد العتمة ، ولا يدرى أهي من الرواتب أم من غيرها ، وكأنّ الظاهر أنّها من غيرها ؛ لدلالة أكثر الأخبار على ذلك.

وفي رواية زرارة : « ثمان ركعات إذا زالت الشمس ، وركعتين بعد الظهر ، وركعتين قبل العصر ، وتصلّي بعد المغرب ركعتين ، وبعد ما‌

__________________

(١) راجع ص ٢٨٦.

(٢) راجع ص ٥١.

(٣) عدّة الأُصول ١ : ٣٨٤ ، ٣٨٠.

(٤) النفلية : ٢.


ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر ومنها ركعتا الفجر ، فتلك سبع وعشرون ركعة سوى الفريضة ».

وهذه الرواية مروية صحيحاً في التهذيب(١) ، وربما صلحت لتقييد إطلاق الرواية المبحوث عنها لولا ما ذكرناه من الأربع بعد العتمة ، إلاّ أن يقال : إنّ الأربع من غير الرواتب. واحتمال أن يراد بالعتمة المغرب بعيد ، بل لا وجه له.

وما ذكره الشيخ في توجيه الخبر لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ الحثّ على المذكور لتأكّده إن أُريد به أنّ له فضلاً فالحثّ عليه غير ظاهر الوجه ، بل الحثّ ينبغي على الأفضل ، وإن أُريد به أنّه أفضل ففيه أنّ الزائد كيف يكون مفضولاً مع أنّ خير الأعمال أحمزها.

وقول الشيخ : ويحثّ على ما عداها بحديث آخر. إن أراد به الحثّ لكونها أفضل نافى ما قاله ، ولو لا تصريحه فيما يأتي لأمكن توجيه كلامه بإرادة الفضل لا الأفضليّة.

والثاني : لا يخفى ظهوره في أنّ أفضل ما يتقرّب به العباد الستّ والأربعون ، وما ذكره الشيخ من أنّ الخبر ليس فيه نفي ما زاد على هذه الصلاة مسلّم ، لكن السؤال عن الأفضل يقتضي أنّ الأقل أفضل ، والإشكال فيه قد قدّمناه.

ويمكن التوجيه بأنّ الأكثر وإن اشتمل على مزيّة ، إلاّ أنّه لا مانع من كون الأقل أفضل ، وحينئذ يخصّ حديث : « خير الأعمال أحمزها »(٢) .

وأمّا ما استدل به من الخبر الثالث فلا يخلو من غرابة ؛ لأنّ مفاده أنّه‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٧ / ١٣ ، الوسائل ٤ : ٥٩ أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب ١٤ ح ١.

(٢) مجمع البحرين ٤ : ١٦ ( حمز ). وفيه : أفضل ، بدل : خير.


يستحب أن لا يقصر عن القدر المذكور ، كما صرّح به الشيخ في التوجيه ، لأنّ القدر أفضل من الزائد الذي هو المطلوب في الاستدلال.

وقول الشيخ : إنّ ما عداه ليس بمشارك له في الاستحباب. فيه أنّ مفاد الرواية أنّ النافلة تسعة وعشرون ، والمستفاد من السابق سبعة وعشرون ، وحينئذ عدم المشاركة في الاستحباب إن أُريد به أنّ التسعة والعشرين أفضل وعدم المشاركة في الزيادة ، ففيه أنّ المطلوب كون القدر أفضل من الزائد لا الناقص ، كما قرره أوّلاً ، وإن أراد المقرّر أوّلاً لزم التهافت في كلامه ، وإن أراد استحباب أن لا يقصر عن القدر ، ففيه ما هو أظهر من أن يبيّن.

وذكر الشهيدرحمه‌الله في النفليّة أنّ ما ورد بالتسع والعشرين يحتمل أن يكون بإسقاط الوتيرة مع أربع العصر(١) . ولا يخفى عليك أنّه إن أراد بما ورد الرواية المبحوث عنها فكان ينبغي أن يؤتى بمدلولها ، أمّا الاقتصار على سقوط الأربع من العصر مع الوتيرة ففيه نوع إبهام ؛ لأنّ بقيّة النوافل على ترتيبها ، والحال في الرواية ما ترى.

وما تضمّنه الخبر من كون الوتر مفصولة هو المعروف بين الأصحاب(٢) الذين رأينا كلامهم ، ويدلُّ عليه أخبار أُخر(٣) معتبرة ، وفي بعضها(٤) التخيير بين الفصل والوصل ، وسيجي‌ء الكلام في ذلك إن شاء الله‌

__________________

(١) النفلية : ٢.

(٢) منهم المحقق في المعتبر ٢ : ١٥ ، والشهيد الأول في الذكرى : ١١٤ ، والأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٣٧.

(٣) التهذيب ٢ : ٥ / ٨ ، الوسائل ٤ : ٥١ أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب ١٣ ح ١٦.

(٤) التهذيب ٢ : ١٢٩ / ٤٩٤ ، الوسائل ٤ : ٦٦ أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب ١٥ ح ١٦.


تعالى.

أمّا ما ذكره الشيخ : من أنّ ما عدا هذين الخبرين ، إلى آخره. فالأولى أن نقول : ما عدا هذه الأخبار كما في التهذيب(١) .

بقي شي‌ء وهو أنّ من الأخبار السابقة ما دلّ على أنّ الوتيرة من جلوس ، وقد روى في التهذيب ما يدل على فعل الصادقعليه‌السلام لهما قائماً ؛ لأنّه قالعليه‌السلام : « كان أبي يصلّيهما وهو قاعد وأنا أُصلّيهما وأنا قائم »(٢) وقد ذكرت ما لا بدّ منه في حاشية التهذيب ، لكن الشيخ لمّا لم يتعرض هنا للخبر كانت الإحالة على ما ذكرناه أولى.

وما قاله بعض المتأخّرين في احتمال ترجيح القيام مع الخبر ؛ لحصول المشقة ، ولأنّ الأصل في الصلاة القيام ، ولصحيح حمّاد الدال على أنّ من صلّى وهو جالس إذا قرأ ثم قام فركع حسبت له صلاة القائم(٣) ، وغيرها من الأخبار الدالة على أفضليّة صلاة القائم(٤) (٥) . ففيه أنّ هذا يتوجّه(٦) في غير الموظّف ، على أنّ الخبر المتضمن للقيام لا يخلو صحّته من تأمّل ، كما ذكرناه في الحاشية ، والله أعلم بالحال.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ١٢٨ و ١٢٩.

(٢) التهذيب ٢ : ٤ / ٥ ، الوسائل ٤ : ٤٨ أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب ١٣ ح ٩.

(٣) في « رض » : القيام.

(٤) في « رض » : القيام.

(٥) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٦.

(٦) في « رض » : متوجه.


قوله :

أبواب الصلاة في السفر‌

باب فرائض السفر‌

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سُوَيد ، عن عبد الله ابن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شي‌ء إلاّ المغرب ثلاث ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمد بن أبي عمير ، عن محمد بن إسحاق بن عمّار قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن(١) امرأة كانت معنا في السفر فكانت تصلّي المغرب ذاهبة وجائية ركعتين ، قال : « ليس عليها قضاء ».

فلا ينافي الخبر الأوّل ؛ لأنّ هذا خبر شاذّ ، ومن المعلوم المجمع عليه الذي لا يدخل فيه شك أنّ صلاة المغرب في السفر لا تقصّر ، وأنّ من قصّرها كان عليه القضاء ، فهذا الخبر متروك بالإجماع.

السند‌ :

في الأول : ليس فيه ارتياب بعد ما قدّمناه في ابن الوليد ( وابن أبان )(٢) (٣) .

__________________

(١) ليست في « رض ».

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٣) راجع ص ٢٥ و ٢٧.


والثاني : فيه محمد بن إسحاق بن عمّار ، وقد قال النجاشي : إنّه ثقة عين(١) . إلاّ أنّ العلاّمة نقل عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه أنّه قال : إنّه واقفي(٢) . والشيخ ذكره مهملاً في رجال الرضاعليه‌السلام من كتابه ، [ و(٣) ] في الفهرست(٤) .

المتن :

في الأول : ظاهر الدلالة على أنّ المقصورات ليس بعدها شي‌ء ، وهذا يتناول الوتيرة ، بل نقل عن ابن إدريس أنّه ادّعى الإجماع على سقوطها في السفر(٥) ، ويؤيّد هذا الخبر أخبار أُخر بمضمونه.

وينقل عن الشيخ في النهاية أنّه قال بجواز فعلها(٦) ، والصدوق روى عن الفضل بن شاذان عن الرضاعليه‌السلام قال : « إنّما صارت العشاء مقصورة وليس تترك ركعتاها لأنّها زيادة في الخمسين تطوّعاً ليتمّ بها بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوّع »(٧) .

وقوّى(٨) الشهيد هذا القول على ما يحكى عنه قائلاً : إنّ هذا الخبر خاصّ ومعلّل ، وما تقدّم خال منهما ، إلاّ أن ينعقد الإجماع على خلافه(٩) انتهى.

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٦١ / ٩٦٨.

(٢) خلاصة العلامة : ١٥٨ / ١٢٣.

(٣) ما بين المعقوفين ليس في النسخ ، أضفناه لاستقامة العبارة.

(٤) رجال الطوسي : و ٣٨٨ / ٢٣ ، والفهرست : ١٤٩ / ٦٣١ و ١٥٣ / ٦٦٧.

(٥) السرائر ١ : ١٩٤.

(٦) النهاية : ٥٧.

(٧) الفقيه ١ : ٢٩٠ / ١٣٢٠ ، الوسائل ٤ : ٩٥ أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب ٢٩ ح ٣ بتفاوت يسير.

(٨) في « رض » : وبه قوّى.

(٩) الذكرى : ١١٣.


ولا يخفى أنّ طريق الخبر وإن كان فيه عبد الواحد بن عبدوس ، وعلي بن محمد بن قتيبة ، وهما غير موثّقين إلاّ أنّ رواية الصدوق لها مزية ظاهرة كما كرّرنا القول فيه ، على أنّ شيخنا أيّده الله في كتاب الرجال ذكر أنّ علي بن محمد بن قتيبة معتمد(١) ، وذكر أنّ الشيخ في الفهرست ذكر طريقاً إلى الفضل عن محمد بن علي بن الحسين(٢) . فيكون للصدوق طريق آخر معتبر ، وإن كان في هذا نوع كلام ذكرناه في محلّه.

مضافاً إلى أنّ في طريق الفهرست : علي بن محمد القتيبي ، والاعتماد عليه محلّ تأمّل ؛ لأنّ الذي في النجاشي(٣) أنّ الكشي اعتمد عليه ، ومثل هذا غير خفيّ الحال ، إلاّ أنّ فيه تأييداً لرواية الصدوق.

ولا يخفى أنّ الأخبار الدالّة على أنّه ليس قبل المقصورة ولا بعدها شي‌ء ظاهرة في نفي الراتبة ، وقد أسلفنا(٤) أنّ في بعض الأخبار ما يدل على أنّها ليست من الراتبة ، وظاهر خبر الفضل قد يعطي ذلك أيضاً ؛ لأنّ قوله : « زيادة في الخمسين تطوعاً » لا يثمر فائدة إلاّ بهذا المعنى ، ولولاه لكانت(٥) النوافل كلّها باقية في السفر إلاّ بتوجيه لا يخلو من إشكال ، لكن بعد دعوى الإجماع يشكل الحال ، وإن كان في الحقيقة مثل هذا الإجماع محل كلام بعد ذكر الصدوق الرواية(٦) وقول الشيخ في النهاية(٧) .

__________________

(١) منهج المقال : ٢٣٨.

(٢) الفهرست : ١٢٤ / ٥٥٢.

(٣) رجال النجاشي : ٢٥٩ / ٦٧٨.

(٤) في ص ١٠٦٣.

(٥) في « رض » : كانت.

(٦) المتقدمة في ص ١٠٦٩.

(٧) النهاية : ٥٧ ، وقد تقدم في ص ١٠٦٩.


وأمّا الثاني : فذكر الشيخ له في هذا المقام كأنّه بسبب أنّ الخبر الأوّل دلّ على أنّ المغرب ثلاث ، ومفاد الثاني عدم القضاء مع عدم فعلها ثلاثاً ، وأنت خبير بأنّ الخبر الثاني مفاده عدم القضاء ، والقضاء عند المحققين إنّما هو بأمر جديد ، فلو فرض أنّ فعل المغرب على الوجه المذكور باطل لا مانع من عدم وجوب القضاء إلاّ ما ذكره الشيخ من الإجماع ، وعلى هذا فكان الأولى أن يذكر في قضاء الصلوات ، والأمر سهل.

وفي فوائد شيخنا أيّده الله على الكتاب ما هذا لفظه : ربما احتمل أن يكون السؤال بعد أن توفّت على هذا الاعتقاد ولم يظهر لها في حياتها غير ذلك ، أو أنّها كانت على مذهب مخالف الحق فلا يقبل القضاء منها ومع الإيمان يسقط. انتهى فليتأملّ.

قوله :

باب نوافل الصلاة في السفر بالنهار.

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن محمد بن الحسن الصفار ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب وعلي ابن الحكم جميعاً ، عن أبي يحيى الخيّاط(١) قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن صلاة النافلة بالنهار في السفر ، فقال : « يا بنيّ لو صلحت(٢) النافلة في السفر تمّت الفريضة ».

وبهذا الاسناد عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن أشيم ، عن صفوان بن يحيى قال : سألت الرضاعليه‌السلام عن التطوّع بالنهار‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٢١ / ٧٨٠ : الحناط.

(٢) الإستبصار ١ : ٢٢١ / ٧٨٠ في « د » : صليت ، وفي نسخة : لو صلّى.


وأنا في السفر ، قال : « لا ، ولكن تقضي صلاة الليل بالنهار وأنت ( في السفر )(١) » فقلت : جعلت فداك صلاة النهار التي أُصلّيها في الحضر أقضيها بالنهار في السفر؟ فقال : « أمّا أنا فلا أقضيها ».

وأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمد بن أبي عمير ، عن معاوية بن عمّار قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أقضي صلاة النهار بالليل في السفر ( قال : « نعم » فقال له )(٢) إسماعيل بن جابر : أقضي صلاة النهار بالليل في السفر؟ فقال : « لا » فقال : إنّك قلت نعم ، فقال : « إنّ ذلك يطيق وأنت لا تطيق ».

وما رواه الحسن بن محبوب ، عن حنّان بن سدير ، عن سدير قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « كان أبي يقضي في السفر نوافل النهار بالليل ولا يتم صلاة فريضة ».

فالوجه في هذين الخبرين أحد شيئين ، أحدهما : أن يكون محمولاً على رفع الحرج لمن يصلّي بالليل ما فاته بالنهار ، وإن لم يكن ذلك مستحبّاً ، يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن الحسين بن عثمان ، عن ابن مسكان ، عن عمر بن حنظلة قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : جعلت فداك إنّي سألتك عن قضاء صلاة النهار بالليل في السفر ، فقلت : لا تقضيها ، وسألك أصحابنا ، فقلت : اقضوا ، فقال لي : « أفأقول لهم : لا تصلّوا ، وإني أكره أن أقول لهم لا تصلّوا ، والله ما ذاك عليهم ».

__________________

(١) في « د » : بالسفر.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٢١ / ٧٨٢ بدل ما بين القوسين : فقال له : نعم قال


والوجه الآخر أن يكون الخبران توجّها إلى من فاتته صلاة النوافل في الحضر بأن يكون قد دخل عليه وقتها قبل أن يخرج ولم يصلّها فكان عليه قضاؤها فيما بعد ، يدل على ذلك :

ما رواه أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن عمرو(١) بن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار بن موسى ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سئل عن الرجل إذا زالت الشمس وهو في منزله ثم يخرج في سفر قال : « يبدأ بالزوال فيصلّيها ثم يصلّي الاولى بتقصير ركعتين ، لأنّه خرج من منزله قبل أن تحضر الاولى » وسئل فإن خرج بعد ما حضرت الاولى ، قال : « يصلّي الأُولى أربع ركعات ، ثم يصلّي بعد النوافل ثمان ركعات ، لأنّه خرج من منزله بعد ما حضرت الأُولى ، فإذا حضرت العصر صلّى العصر بتقصير وهي ركعتان ، لأنّه خرج في السفر قبل أن يحضر العصر ».

السند‌ :

في الأول : فيه أبو يحيى الخيّاط وهو مذكور في النجاشي(٢) والفهرست مهملاً(٣) ، وفي الفهرست أنّ الراوي عنه الحسن بن محبوب(٤) .

والثاني : فيه علي بن أشيم وهو علي بن أحمد بن أشيم ، وقد قال‌

__________________

(١) في « رض » : عمر.

(٢) رجال النجاشي : ٤٥٦ / ١٢٣٦ وفيه : أبو يحيى الحناط.

(٣) الفهرست : ١٨٩ / ٨٤٥ وفيه : أبو يحيى الحناط.

(٤) الفهرست : ١٨٩ / ٨٤٥.


الشيخ في رجال الرضاعليه‌السلام من كتابه : إنّه مجهول(١) . والعلاّمة ذكر ذلك ، وزاد أن أشيم بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الياء المثناة تحت(٢) . وابن داود ضبطه بغير هذا(٣) ، والأمر سهل.

والثالث : لا ارتياب فيه.

والرابع : فيه حنان ، وقد تقدّم(٤) عن قريب ، وسدير فيه كلام ، والمرجع إلى عدم ثبوت ما يعتدّ به في شأنه.

والخامس : فيه عمر بن حنظلة ولم نعلم من حاله ما يفيد توثيقاً ولا مدحاً يعتدّ به ، وما قاله جدّيقدس‌سره في الدراية : من أنّ الأصحاب لم ينصّوا عليه بتوثيق ولا مدح وأنّه عرف توثيقه(٥) . هو أعلم بمأخذه ، وقد رأينا له في أوائل الخلاصة أنّ وجه توثيق عمر بن حنظلة قولهعليه‌السلام في حديث في المواقيت : « إنّه يعني عمر بن حنظلة لا يكذب علينا » وهذا الحديث ضعيف ، وعلى تقدير الصحة فالتوثيق أمر آخر.

ووجدت له في الروضة حاشية على عمر بن حنظلة حاصلها : أنّ التوثيق من الخبر ، ثم ضرب على ذلك وجعل عوضها لفظ : من محلّ آخر. والظاهر من هذا أنّ الخبر ليس هو المأخذ ، وذلك غير بعيد ؛ لأنّ هذا أمر لا يختلج في بال آحاد الناس فكيف مثله ، وما كتبه في الخلاصة كأنه في أول الأمر.

والسادس : فيه أنّ الطريق إلى أحمد بن الحسن غير مذكور في‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٨٢ / ٢٦.

(٢) خلاصة العلامة : ٢٣٢ / ٥.

(٣) رجال ابن داود : ٢٥٩ / ٣٢٩.

(٤) في ص ١٠٦٢.

(٥) الدراية : ٤٤.


المشيخة ، وأحمد ومن معه قد تكرّر القول فيهم.

المتن :

في الأول : ظاهر في نفي النوافل المرتّبة في السفر نهاراً.

والثاني : كذلك ، وما تضمّنه من جواز قضاء صلاة الليل محتمل لأن يراد به صلاة الليل المعلومة ، واحتمال ما يتناول نافلة المغرب ممكن على بُعدٍ ، وربما يقرب احتمال صلاة الليل لما فات حضراً أيضاً.

أمّا قوله : صلاة النهار ، إلى آخره. فهو محتمل احتمالاً ظاهراً لأنّ يراد قضاء ما فاته حضراً من نوافل النهار ، ويحتمل على بُعدٍ أن يراد بالقضاء الفعل ويراد بالتي يصلّيها في الحضر النوافل الراتبة.

والجواب على الأوّل يفيد عدم فعلهعليه‌السلام للقضاء ، وهو إمّا للمرجوحيّة كما يستفاد من جوهر اللفظ ، وإمّا للمنع مطلقا فلا يكون مشروعاً ، وفيه ما لا يخفى ، وربما يؤيّد الاحتمال الثاني ما في الخبر الأوّل من ظاهر السؤال ، ولا يخفى عليك الحال.

وأمّا الثالث : فربما كان فيه دلالة على مشروعية قضاء صلاة النهار ليلاً في السفر ، ولو حمل على قضاء صلاة النهار الفائتة في الحضر كان خلاف الظاهر.

والرابع : فيه تأييد لما قلناه في الثالث ، وما قاله الشيخ : من رفع الحرج وإن لم يكن مستحباً. لا يخلو من غرابة ؛ فإنّ العبادة كيف تكون غير مستحبّة ولا واجبة.

وما قاله شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب : من أنّه كان الأولى أن يقول : وإن لم يتأكّد استحبابه. لا يخلو من وجه ، إلاّ أنّ ظاهر خبر سُدير الاستمرار‌


من الإمامعليه‌السلام على القضاء ، فلو لم يكن مؤكّداً ما وقع ذلك إلاّ بنوع من التوجيه مكلف(١) .

وما ذكره الشيخ من الخبر الدال على مدّعاه فيه دلالة على أن العبادة سائغة بقصد القضاء ، وإذا ساغت كانت مستحبة ، لكن قولهعليه‌السلام : « والله ما ذاك عليهم » مجمل المرام(٢) ، والظاهر منه ما ذاك عليهم بموظّف ، وذلك ينافي الاستحباب ، ولو حمل على أنّ ما ذاك عليهم بموظّف مؤكّداً لكان الجواب منهعليه‌السلام بهذا النحو ، وليس كذلك.

وأمّا الوجه الآخر فهو من الغرابة بمكان ؛ لأنّ الكلام في قضاء نوافل النهار بالليل ؛ وأين هذا من مدلول الخبر؟ كما يعلم بأيسر نظر.

وفي كلام بعض المتأخّرين ما يعطي احتمال كون ترك النافلة في السفر رخصة لا عزيمة(٣) . ولا يخلو من وجه ، وربما حمل على التقيّة ما دلّ على الفعل ، وقد ذكرنا في حاشية التهذيب كلاماً على ما وجّه به الشيخ الأخبار هناك ، فمن أراده وقف عليه.

قوله :

باب مقدار المسافة التي يجب فيها التقصير.

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ( عن أبيه ) (٤) عن محمد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن محمد ، عن‌

__________________

(١) ليست في « رض » ، وفي « فض » : متكلّف.

(٢) في « رض » : الأمر.

(٣) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٨.

(٤) ما بين القوسين ليس في « رض ».


الحسين ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة قال : سألته عن المسافر في كم يقصّر الصلاة؟ فقال : « في مسيرة يوم ، وذلك بريدان ، وهما ثمانية فراسخ ، ومن سافر قصّر الصلاة وأفطر إلاّ أن يكون رجلاً مشيّعاً لسلطان جائر ، أو خرج إلى صيد ، أو إلى قرية له ( يكون مسيره )(١) يوم يبيت إلى أهله لا يقصّر ولا يفطر »(٢) .

وأخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الصفّار ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول في التقصير في الصلاة قال : « بريد في بريد أربع وعشرون ميلا ».

أخبرني أحمد بن عبدون ، عن علي بن محمد بن الزبير ، عن علي بن الحسن بن فضال ، عن عبد الرحمن بن أبي نجران ، عن صفوان بن يحيى ، عن عيص بن القاسم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « في التقصير حدّه أربعة وعشرون ميلاً ».

الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي بصير قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : في كم يقصر الرجل؟ قال : « في بياض يوم (٣) وبريدين ».

السند‌ :

في الأول : موثّق على ما قدّمناه(٤) ، والحسين هو ابن سعيد والحسن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٢٢ / ٧٨٦ : تكون مسيرة.

(٢) في « د » : يفطره.

(٣) ليست في « د ».

(٤) راجع ص ١٢٤ و ٧٨.


أخوه ، لأنّ الحسين يروي عن زرعة بواسطة أخيه.

والثاني : فيه عبد الله بن يحيى الكاهلي وقد قدّمنا أيضاً القول فيه(١) ، وأن(٢) النجاشي قال : إنّه(٣) كان وجهاً عند أبي الحسنعليه‌السلام (٤) ، والرجال الباقون معروفو الحال أيضاً بما أسلفناه.

والثالث : كذلك.

والرابع : فيه أبو بصير.

المتن :

في الأول : يدل على أنّ التقصير في مسيرة يوم وذلك بريدان ، وهو يقتضي بظاهره أن يكون مسيرة اليوم يشترط فيه البريدان ، والذي عليه الأصحاب الذين رأينا كلامهم اعتبار أحد الأمرين ، والرواية الأخيرة(٥) صريحة فيه ، وكذلك(٦) في صحيحتي أبي أيوب وابن يقطين ، ويمكن أن يحمل قوله : « وذلك بريدان » على ما يوافق ما ذكرناه ، بأن تكون الإشارة إلى أنّ التقصير في مسيرة يوم هو التقصير في البريدين ، بمعنى أنّهما واحد في سبب وجوب التقصير.

وما ذكره بعض الأصحاب من أنّ المسافة لو اعتبرت بهما واختلفا فهل يعتبر التقدير ( بأحدهما ، أو تقدّم المسير لأنّه أضبط؟ قد يظن من‌

__________________

(١) راجع ص ٨٢٠.

(٢) ليست في « رض ».

(٣) ليست في « د ».

(٤) رجال النجاشي : ٢٢١ / ٥٨٠.

(٥) في « رض » : الأُخرى.

(٦) في « رض » زيادة : ما يأتي.


هذه الرواية لو صلحت للاعتماد نوع دلالة على ترجيح التقدير )(١) على السير ، كما ينقل عن الشهيدرحمه‌الله في الذكرى أنّ كلامه يلوح منه ترجيح التقدير(٢) ، وربما وجّه ما احتمله بأنّ التقدير تحقيق لا تقريب ، لكن لا يخفى أنّ الرواية بظاهرها تفيد لزوم اعتبار التقدير.

والمذكور في كلام من ذكرناه أنّه لو اعتبرت المسافة بهما واختلف ، وحينئذ فالخبر في جهة أُخرى كما لا يخفى.

ثم إنّ مسير اليوم قيل : إنّ المراد به يوم الصوم(٣) ، كما يدل عليه الخبر الرابع وخبر أبي أيوب الآتي ، حيث قالعليه‌السلام فيهما : « بياض يوم »(٤) واعتبر المحقق(٥) والعلاّمة(٦) مسير الإبل السير العام ، وربما كان الوجه فيه أنّه الغالب فيحمل عليه الإطلاق.

وفي رواية للكاهلي معدودة من الحسن عن الصادقعليه‌السلام قال : « كان أبي يقول : لم يوضع التقصير على البغلة السفواء والدابّة الناجية وإنّما وضع على سير القطار »(٧) وفي الصحاح : بغلة سفواء بالسين المهملة : سريعة(٨) ، والناجية : الناقة السريعة(٩) .

وفي رواية لعبد الرحمن بن الحجاج قلت له : في كم أدنى ما يقصر‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) حكاه عنه في المدارك ٤ : ٤٣٢ ، وهو في الذكرى : ٢٥٧.

(٣) قال به صاحب المدارك ٤ : ٤٣٠.

(٤) الاستبصار ١ : ٢٢٥ / ٨٠٢.

(٥) المعتبر ٢ : ٤٦٧.

(٦) التذكرة ٤ : ٣٧١.

(٧) الفقيه ١ : ٢٧٩ / ١٢٦٩ ، الوسائل ٨ : ٤٥٢ أبواب صلاة المسافر ب ١ ح ٣.

(٨) الصحاح ٦ : ٢٣٧٨ ( سفى ).

(٩) الصحاح ٦ : ٢٥٠١ ( نجا ).


فيه الصلاة؟ فقال : « جرت السنة ببياض(١) يوم » فقلت له : إنّ بياض اليوم يختلف فيسير الرجل خمسة عشر فرسخاً في يوم ويسير الآخر أربعة فراسخ خمسة فراسخ في يوم ، فقال : « أمّا إنّه ليس إلى ذلك ينظر ، أما رأيت سير هذه الأثقال من مكة والمدينة؟ » ثم أومأ بيده إلى أربعة وعشرين ميلاً تكون ثمانية فراسخ(٢) .

وهذه الرواية كما ترى لها دلالة على نحو المبحوث عنها ، والتوجيه فيها لو صحّت ممكن.

وقد اعتبر جدّيقدس‌سره اعتدال الوقت والمكان والسير(٣) ، والنصوص المعتبرة مطلقة بالنسبة إلى المكان ، نعم ربما كان في رواية ابن الحجاج نوع إيماء.

وما تضمنه الرواية المبحوث عنها من قولهعليه‌السلام : « ومن سافر قصّر الصلاة وأفطر » لا بدّ من تخصيصه بالنسبة إلى الصوم إذا خرج بعد الزوال ، على القول به ، بل وعلى قول آخر أيضاً كما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى في الصوم.

وما ذكر فيه من تشييع السلطان الجائر ظاهره الإطلاق ، فيشمل من اضطر إلى ذلك وغيره ، إلاّ أنّ في بعض الأخبار في الفقيه عن عمّار بن مروان وهو صحيح عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول : « من سافر قصّر وأفطر ، إلاّ أن يكون رجلاً سفره إلى صيد ، أو في معصية الله ، أو‌

__________________

(١) في النسخ : بياض ، وما أثبتناه من التهذيب ٤ : ٢٢٢ / ٦٤٩.

(٢) التهذيب ٤ : ٢٢٢ / ٦٤٩ بتفاوت ، الوسائل ٨ : ٤٥٥ أبواب صلاة المسافر ب ١ ح ١٥.

(٣) الروضة البهية ١ : ٣٦٩.


رسولاً لمن يعصي الله » الحديث(١) . ولعل من يعمل بالموثق يقيّد الخبر المبحوث عنه بهذا الخبر.

وما تضمنه من إطلاق السفر إلى الصيد ( سيأتي الكلام فيه في بابه إن شاء الله ، غير أنّا نذكر هنا ما لا بدّ منه فنقول : إنّ الخبر مقيّد بغير الصيد للقوت على ما رأيناه ، من غير فرق بين الواجب وغيره عند الأصحاب )(٢) له وللعيال.

أمّا لو كان للتجارة ففيه خلاف ، والمنقول عن السيّد المرتضى إلحاقه بالصيد للقوت للإباحة(٣) . بل قيل : إنّه قد يكون راجحاً(٤) . وينقل عن الشيخ القول بأنّه يقصر صومه ويتم صلاته(٥) ، وتبعه(٦) على ذلك بعض(٧) .

وفي المعتبر : نحن نطالبه بدلالة الفرق ، ونقول : إن كان مباحاً قصّر فيهما ، وإن لم يكن أتمّ فيهما(٨) .

واختار شيخناقدس‌سره قول المرتضى بمساواة الصوم للصلاة(٩) ، واستدل بالإباحة وبصحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا قصّرت‌

__________________

(١) الفقيه ٢ : ٩٢ / ٤٠٩ ، الوسائل ٨ : ٤٧٦ أبواب صلاة المسافر ب ٨ ح ٣.

(٢) ما بين القوسين في « رض » هكذا : له ولعياله مقيّد بغير الصيد للقوت على ما رأيناه من غير فرق بين الوجوب وغيره سيأتي الكلام فيه في بابه إن شاء الله ، غير أنا نذكر هنا ما لا بد منه فنقول : إن الخبر عند الأصحاب.

(٣) حكاه عنه في إيضاح الفوائد ١ : ١٦٣ ، والمدارك ٤ : ٤٤٨.

(٤) كما في مدارك الأحكام ٤ : ٤٤٨.

(٥) المبسوط ١ : ١٣٦ ، والنهاية : ١٢٢.

(٦) ليست في « د ».

(٧) كابن إدريس في السرائر ١ : ٣٢٧.

(٨) المعتبر ٢ : ٤٧١.

(٩) مدارك الاحكام ٤ : ٤٤٨.


أفطرت ، وإذا أفطرت قصّرت »(١) .

وفي نظري القاصر إمكان أن يقال : إنّ الإباحة محلّ تأمّل ؛ لأنّ صحيح عمّار بن مروان المتقدّم تضمن جعل الصيد قسيماً للمعصية ، والظاهر من ذلك أنّ الصيد وإن كان مباحاً لا تقصير فيه ، وحينئذ كون الإباحة تقتضي التقصير إن كان بالإجماع أمكن تقييد الخبر ، لكن الخلاف في صيد التجارة موجود ، إلاّ أن يقال : إنّ القائل بعدم القصر مطلقاً غير موجود ، بل الشيخ قائل بالتفصيل.

وقد ذكر العلاّمة في المختلف استدلال الشيخ على التفصيل بأخبار(٢) لا تفيد ما قاله الشيخ إلاّ بتكلّف مستغنى عنه بضعف الأخبار عند من لا يعمل بالموثّق.

وما تضمّنه الخبر من قوله : « أو إلى قرية له » إلى آخره. يراد به أنّ القرية لو كان إذا سافر إليها رجع ليلته إلى أهله لا يقصّر ولا يفطر على ما هو الظاهر من العبارة ، وحينئذ لا يبعد دلالتها على أنّ مريد الرجوع من الأربعة فراسخ لا يتعيّن عليه التقصير ، كما قاله البعض(٣) ، بل دلالتها على أنّ من رجع كذلك.

والظاهر من قوله : « يبيت إلى أهله » رجوعه قبل الليل ، لكن لا يخفى أنّ تقييدها بغير الثمانية فراسخ لا بدّ منه ، وغير بعيد اختصاصها بمسير اليوم ذهاباً وإياباً من غير نظر إلى المقدار سواء(٤) كان ثمانية أو أربعة ، وحينئذ‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٨٠ / ١٢٧٠ ، التهذيب ٣ : ٢٢٠ / ٥٥١.

(٢) المختلف ٢ : ٥٢٤.

(٣) المختلف ٢ : ٥٢٦.

(٤) في « رض » : وسواء.


فيها دلالة على أنّ بياض اليوم يعتبر ذهاباً فقط ، فليتأمّل.

وأمّا الثاني : فظاهر في أنّ المسافة أربعة وعشرون ميلاً ، فيكون الفرسخ ثلاثة أميال. وكذلك الثالث.

وقد ذكر شيخناقدس‌سره اتفاق العلماء على أنّ الفرسخ ثلاثة أميال ، وأمّا الميل فلم نقف في الأخبار على تقديره ، سوى ما رواه الصدوق مرسلاً عن الصادقعليه‌السلام أنّه ألف وخمسمائة ذراع(١) ، وهو متروك بين المعروفين من الأصحاب ، بل ادّعى عليه الإجماع ، وذكر من رأينا كلامه من الأصحاب أنّ الميل أربعة آلاف ذراع ، والذراع أربعة وعشرون إصبعا(٢) .

وفي المنتهى أنّه المشهور(٣) ، وروى أنّه ثلاثة آلاف وخمسمائة ، والرواية في الكافي(٤) على ما ذكره بعض المتأخّرين(٥) ، وسيأتي كلام أهل اللغة(٦) .

وقدّر بعض الأصحاب الإصبع بسبع شعيرات عرضا(٧) وقيل : ستّ(٨) . والشعير من أوسطه ، وقدّرت بسبع شعرات من شعر البِرذَوْن(٩) . وقال جدّيقدس‌سره : إنّ الشعيرات يعتبر متلاصقات بالسطح الأكبر(١٠) .

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٨٦ / ١٣٠٣ ، الوسائل ٨ : ٤٦١ أبواب صلاة المسافر ب ٢ ح ١٦.

(٢) مدارك الاحكام ٤ : ٤٢٩ ، بتفاوت.

(٣) المنتهى ١ : ٣٩٠.

(٤) الكافي ٣ : ٤٣٢ / ٣.

(٥) مجمع الفائدة ٣ : ٣٦٦.

(٦) في ص ١٠٨٠.

(٧) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٦٦.

(٨) نقله في الذكرى ص ٢٥٩ ومجمع الفائدة ٣ : ٢٦٦ وروض الجنان ٣٨٣.

(٩) قال به الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٦٦.

(١٠) روض الجنان : ٣٨٣.


وما تضمّنه الخبر الرابع قد قدّمنا الكلام فيه(١) بما يغني عن الإعادة.

اللغة‌ :

قال في الصحاح : الميل منتهى مدّ البصر من الأرض(٢) .

وفي القاموس : الميل قدر مدّ البصر ، ومنار ( يُبنى للمسافر )(٣) ، ومسافة من الأرض متراخية بلا حدٍّ ، أو مائة ألف إصبع إلاّ أربعة آلاف إصبع(٤) . وفي القاموس : البريد : الرسول ، وفرسخان ، و(٥) واثنى عشر ميلا(٦) . وفي المعتبر استدل على مقدار الميل بأنّ المسافة تعتبر بمسير اليوم ، وهو مناسب لذلك ، وكذا الوضع اللغوي وهو مدّ البصر من الأرض(٧) . وفي الشرائع يظهر منه التوقف لأنّه قال : والميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذي طوله أربعة(٨) وعشرون إصبعاً تعويلاً على المشهور بين الناس ، أو مدّ البصر من الأرض(٩) . والله تعالى أعلم بالأُمور.

قوله :

فأمّا ما رواه علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن‌

__________________

(١) راجع ص ١٠٧٦.

(٢) الصحاح ٥ : ١٨٢٣ ( ميل ).

(٣) بدل ما بين القوسين في النسخ : ينبئ المسافر ، وما أثبتناه من المصدر.

(٤) القاموس المحيط ٤ : ٥٤ ( مال ).

(٥) في القاموس : أو.

(٦) القاموس المحيط ١ : ٢٨٧ ( البرد ).

(٧) المعتبر ٢ : ٤٦٥.

(٨) في الشرائع : أربع.

(٩) الشرائع ١ : ١٣٢.


جميل ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « التقصير في بريد ، والبريد أربعة فراسخ ».

وعنه ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي(١) أيوب قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أدنى ما يقصّر فيه المسافر؟ فقال : « بريد ».

فلا تنافي بين هذين الخبرين والخبرين الأوّلين ؛ لأنّ الوجه فيهما أنّ المسافر إذا أراد الرجوع من يومه وجب عليه التقصير في أربعة فراسخ.

والذي يدل على ذلك :

ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة عن معاوية بن وهب قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أدنى ما يقصّر فيه الصلاة؟ فقال : « بريد ذاهباً وبريد جائياً ».

على أنّ الذي أقوله في ذلك : إنّه يجب التقصير إذا كانت المسافة ثمانية فراسخ ، وإذا كان أربعة كان بالخيار في ذلك إن شاء أتمّ وإن شاء قصّر.

والذي يدل على ذلك ـ أعني جواز التقصير في أربعة فراسخ ـ : ما رواه أحمد بن محمد ، عن ( محمد بن أبي عمير ، عن عبد الله ابن بكير قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن القادسية أخرج إليها أُتِمّ أم أُقصّر؟ )(٢) قال : « وكم هي؟ » قلت : هي التي رأيت ، قال : « قصّر ».

سعد ، عن أحمد ، عن الحسين ، عن فضالة ، عن حمّاد بن عثمان ، عن أبي أُسامة زيد الشحّام قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٢٣ / ٧٩١ لا يوجد : أبي.

(٢) ما بين القوسين ساقط من « رض ».


« يقصّر الرجل الصلاة في مسيرة اثني عشر ميلاً ».

عنه ، عن أبي جعفر ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن معاوية ابن عمّار قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام في كم أُقصّر الصلاة؟ فقال : « في بريد ، ألا ترى أهل مكّة إذا خرجوا إلى عرفات كان عليهم التقصير ».

عنه ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن جعفر بن بشير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن محمّد بن النعمان ، عن إسماعيل بن الفضل قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن التقصير؟ فقال : « في أربعة فراسخ ».

عنه ، عن محمد بن الحسين ، عن معاوية بن حكيم ، عن أبي مالك الحضرمي ، عن أبي الجارود قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام في كم التقصير؟ قال : « في بريد ».

وعنه ، عن محمد بن الحسين ، عن معاوية بن حكيم ، عن سليمان بن محمد الخثعمي ، عن إسحاق بن عمّار قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : في كم التقصير؟ قال : « في بريد ، ويحهم كأنّهم لم يحجّوا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقصّروا ».

عنه ، عن أبي جعفر ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن أبيه علي بن يقطين قال : سألت أبا الحسن(١) عليه‌السلام عن الرجل يخرج في سفره (٢) وهو مسيرة يوم قال : « يجب عليه التقصير إذا كان مسيرة يوم وإن كان يدور في عمله ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٢٥ / ٧٩٩ يوجد : الأول.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٢٥ / ٧٩٩ : السفر.


السند‌

في الأول : حسن. وكذا الثاني. والثالث صحيح.

والرابع : فيه ابن بكير وقد قدّمنا القول فيه(١) بأنّه فطحي على قول الشيخ(٢) .

والخامس : صحيح ، والحسين فيه ابن سعيد.

والسادس : موثّق بالحسن بن علي بن فضال ، وإن كان فيه ما فيه كما يعلم من ملاحظة الرجال(٣) .

والسابع : فيه محمد بن النعمان ولا يبعد أن يكون الأحول مؤمن الطاق الثقة ، إلاّ أنّ غيره في حيّز الإمكان ، إمّا إسماعيل ابن الفضل فهو ابن يعقوب الثقة الجليل.

والثامن : فيه معاوية بن حكيم وقد تقدّم القول فيه(٤) بأنه فطحي على قول الكشي(٥) ، وأبو مالك الحضرمي اسمه الضحّاك ثقة في النجاشي(٦) .

والتاسع : فيه مع معاوية بن حكيم سليمان بن محمّد الخثعمي ، وهو مجهول الحال غير مذكور فيما وجدت من كتب الرجال.

__________________

(١) راجع ص ٨٩.

(٢) الفهرست : ١٠٦ / ٤٥٢.

(٣) راجع رجال الكشي ٢ : ٨٠١ / ٩٩٣ ، ورجال النجاشي : ٣٤ / ٧٢ ، والفهرست : ٤٧ / ١٥٣.

(٤) راجع ص ١٠٨.

(٥) رجال الكشي ٢ : ٦٣٥ / ٦٣٩.

(٦) رجال النجاشي : ٢٠٥.


المتن :

في الأول : ظاهر في تعيّن القصر في بريد. والثاني : دال على أنّ أدنى ما يقصّر فيه المسافر بريد ، وقول الشيخ : إنّه لا تنافي بينهما وبين الخبرين. كان الأولى فيه أن يقول : وبين الأخبار. وحمل الشيخ على إرادة الرجوع محلّ تأمّل ، وقد تبعه عليه جماعة من المتأخّرين(١) ، ووجه التأمّل أنّ ما استدل به على الجمع غير واضح الدلالة ؛ إذ ليس في خبر معاوية ما يدل على أنّ إرادة الرجوع يوجب التقصير ، ولا على أنّ الرجوع في اليوم ، بل ربما يستفاد منها أنّه لو رجع بالفعل تحقّقت الثمانية.

وما اعتبره الشيخ من نيّة الرجوع في غاية الإشكال بتقدير أن يتفق عدم الرجوع مع نيّته ، أو الرجوع مع عدم نيّته ، أو حصول النية ابتداءً وعدمها في الأثناء ، أو نحو ذلك ، فإذا لم يتم الدليل على هذا يشكل الحكم في جميع الأفراد ، على أنّ رواية معاوية محتملة لإرادة أنّ البريد ذهاباً يوجب التقصير ، وكذلك البريد جائياً ؛ لأنّ السؤال عن الأدنى ، فلو اعتبر الذهاب والإياب بَعُدَ عن الأدنى إلاّ بتوجيه أنّ الثمانية ذهاباً أعلى ، وفيه أنّ المساواة تحصل أيضاً ، ولعلّ التوجيه ممكن في الأدنى بغير ما ذكر.

وفي التهذيب استدل أيضاً بخبر لمحمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : سألته عن التقصير ، قال : « في بريد » قلت : بريد ، قال : « إنّه إذا ذهب بريداً ورجع بريداً شغل يومه »(٢) .

__________________

(١) منهم المحقق في المعتبر ٢ : ٤٦٧ ، والعلامة في المنتهى ١ : ٣٩٠ ، والشهيد الأول في البيان : ٢٥٩.

(٢) التهذيب ٤ : ٢٢٤ / ٦٥٨ ، الوسائل ٨ : ٤٥٩ أبواب صلاة المسافر ب ٢ ح ٩.


وهذا الخبر كما ترى صريح في الدلالة على الرجوع بالفعل لا نيّة الرجوع ، ومن هنا يعلم ما في كلام المتأخّرين من النظر.

وممّا يبعّد حمل الشيخ رواية معاوية بن عمّار المتضمنة لتوبيخ أهل مكّة على الإتمام بعرفات ، إذ الظاهر كون الخروج للحجّ ، كما يدل عليه رواية إسحاق بن عمّار الآتية هنا.

نعم روى الصدوق في الصحيح عن جميل بن دراج ، عن زرارة بن أعين قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن التقصير قال : « بريد ذاهباً وبريد جائياً(١) ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أتى ذباباً قصّر ، وذباب على بريد ، وإنّما فعل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ »(٢) .

وهذه الرواية ربما تدل على الرجوع لكن لا تقييد فيها باليوم ، فليتأمّل. وما ذكره الشيخ من التخيير لا يخلو من وجه ، وما تضمّنته رواية معاوية بن عمّار من توبيخ أهل مكة يحمل على كونهم قصدوا الحج ، وهذا وإن كان لا يخلو من تأمّل أيضاً نظراً إلى أنّه خلاف ظاهر الأخبار ، إلاّ أنه وجه للجمع ، وقد ذكرت ما لا بدّ منه في معاهد التنبيه على نكت من لا يحضره الفقيه.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ظاهر كلام الشيخ هنا أنّ التخيير في الأربعة مطلقا سواءً قصد الرجوع أم لا ، وفي التهذيب ذكر نحو ما هنا(٣) .

والعلاّمة نقل في المختلف عن الشيخ التخيير مع عدم قصد الرجوع‌

__________________

(١) في المصدر : بريد ذاهب وبريد جائي.

(٢) الفقيه ١ : ٢٨٧ / ١٣٠٤ ، الوسائل ٨ : ٤٦١ أبواب صلاة المسافر ب ٢ ح ١٤ و ١٥.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٠٨.


في قصر الصلاة فقط ، وعن المفيد التخيير في الصلاة والصوم إذا لم يُرد الرجوع ، وعن المرتضى إيجاب(١) الإتمام في الصلاة والصوم ، قال : وهو اختيار ابن إدريس.

وعن ابن أبي عقيل أنّه قال : كل سفر كان مبلغه بريدين وهو ثمانية فراسخ أو بريد ذاهباً وجائياً وهو أربعة فراسخ في يوم واحد وما دون عشرة أيّام فعلى من سافر عند آل الرسولعليهم‌السلام أن يصلّي ركعتين.

وعن سلاّر أنّه قال : إن كانت المسافة أربعة فراسخ وكان راجعاً من يومه قصّر واجباً ، وإن كان من غده فهو مخيّر في القصر والتمام(٢) ، وهو قول ابن بابويه(٣) .

ولا يخفى أنّ ابن بابويه في الفقيه يفهم منه القول بالتخيير على تقدير عدم إرادة الرجوع ليومه ، والتقصير بتقدير إرادة الرجوع من يومه ، فإنّه ذكر أنّ السفر إذا كان أربعة فراسخ وأراد الرجوع من يومه فالتقصير عليه واجب ، ومتى لم يُرد الرجوع من يومه فهو بالخيار إن شاء أتمّ وإن شاء قصّر(٤) .

وهذا لا يدل على ما نقله العلاّمة إلاّ بتكلّف ما ذكره بعض أفاضل المتأخّرينرحمه‌الله من احتمال أن يراد بقوله : لغده. عدم الإرادة في ذلك اليوم مطلقا ، فيصير مذهب الصدوق وسلاّر والمفيد واحداً(٥) .

ولا يخفى أنّ القائل بالوجوب الحتمي في الأربعة مع عدم قصد‌

__________________

(١) ليست في « رض ».

(٢) في « رض » : والإتمام.

(٣) المختلف ٢ : ٥٢٦.

(٤) الفقيه ١ : ٢٨٦.

(٥) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٦١.


الرجوع ليومه ، بل التخيير مطلقاً على التوجيه غير معلوم.

هذا والأخبار التي استدل بها الشيخ على جواز التقصير في الأربع(١) أوّلها كما ترى يدل على الأمر بالقصر ، والأمر وإن كان حقيقة في العيني إلاّ أنّ الشيخ كأنّه اعتبر إرادة التخييري منه بالقرينة ، وهي الأخبار السابقة ، فلا يتوجه عليه أنّ الخبر كيف يدل على الجواز مع الأمر ، وإن كان الحقّ ورود ما ذكر على الشيخ ؛ إذ لا ينحصر الوجه في الجواز على وجه التخيير على الإطلاق ليكون الخبر دالاًّ على الجواز.

وما عساه يقال : من أنّ الخبر إذا دلّ على الجواز الحاصل في ضمن الأمر جزماً فالاحتياج إلى الفصل وهو جواز الترك في الجملة لأجل المعارض ، ولولاه لكان الفصل وهو عدم جواز الترك متعيّناً. ففيه أنّ الأمر إذا كان حقيقة في الوجوب العيني فالفصل معه ، ويجوز أن يكون الوجوب العيني حاصلاً في الثمانية والأربعة ، غاية الأمر أنّ ( الحكمة غير ظاهرة )(٢) .

أمّا ثاني الأخبار : فإنّه تضمّن الجملة الخبرية ، وكونها في معنى الأمر يتوقف على العلم بما أسلفنا القول فيه(٣) ، من أنّ العدول من الأمر إلى الجملة الخبرية لو عُلِم كانت الجملة الخبرية في معنى الأمر ، لكن يجوز أن يكون العدول لبيان عدم وجوب الفعل ، وفي ظنّي أنّ هذا الوجه يصلح للاعتماد عليه في الأخبار الواردة بلفظ الخبر توجيهاً لاحتمال عدم وجوب ما تضمّنته إذا فرض وجود المعارض ، ومن ذلك ما نحن فيه.

وما ذكره علماء المعاني : من أنّ البلغاء يأتون بالخبر إذا أرادوا الأمر‌

__________________

(١) في « رض » : الأربعة.

(٢) في « رض » : الحكم غير ظاهر.

(٣) راجع ص ١٠٥٠.


لزيادة الحثّ على الفعل ، حقّ فيما إذا انحصر الوجه فيه.

فإنّ قلت : ما ذكرته من الاحتمال يقتضي أن يكون القصر في الأربعة مستحباً ، والقائلون بالتخيير لم يصرّحوا به.

قلت : إنّما ذكرت الاحتمال لدفع ما يظن من أنّ الجملة الخبرية إذا كانت بمعنى الأمر يتعيّن كونها للوجوب العيني ، واحتمال الاستحباب إذا لم يصرّحوا به لا يضرّ بحال التوجيه ، ولو فرض أنّه مضرّ يقال : إنّ العدول عن الأمر لإرادة الوجوب التخييري. على أنّ الاتفاق على كون الأمر للوجوب العيني غير معلوم ، فقد صرّح بعض المتأخّرين بأنّ الأمر يستعمل فيهما ، وإن كان محلّ مناقشة ؛ لما يظهر من الأدلّة الأُصولية على الوجوب العيني ، غاية الأمر أنّ الأخبار لا بدّ فيها من إبداء(١) هذا التوجيه ، فليكن ملحوظاً بعين العناية ، فإنّ له في غير هذا المقام أيضاً نوع غاية.

وأمّا ثالث الأخبار : فدلالة قولهعليه‌السلام : « عليهم التقصير » على التحتّم ظاهرة لولا المعارض ، وإن كان احتمال غير التحتّم لا مانع منه من جهة اللفظ.

أمّا الخامس : ففيه دلالة على أصل القصر. وكذلك السادس.

أمّا السابع : فلا دخل له بمراد الشيخ على ما يقتضيه ظاهره ، لأنّ قوله : « يجب عليه التقصير إذا كان مسيرة يوم » يدلّ بمفهومه على عدم الوجوب فيما دونه ، أمّا الجواز فأمر آخر يتوقف على الدليل.

ولا يبعد أن يكون مقصود الشيخ أنّ المفهوم إذا دلّ على عدم الوجوب والأخبار الأُخر دلّت على الأقلّ من مسيرة اليوم حملنا الخبر‌

__________________

(١) في « رض » : أداء.


على(١) القصر بالنظر إلى المفهوم ، وأنت خبير بما في هذا من النظر.

فإنّ قلت : ما المراد بقولهعليه‌السلام : « وإن كان يدور في عمله »؟

قلت : لعلّ المراد أنّ مسيرة اليوم لا يشترط فيه أن يكون في غير متعلّقات المسافر من الأعمال في الضياع ونحوها ، بل لو كان فيما بينها تحقّق الوجوب. ولا يخفى أنّ ظاهر لفظ « يدور » يأبى هذا ، إلاّ أنّ الضرورة تدعو إلى ما ذكرناه.

واحتمال أن يراد : عدم اشتراط كون السفر ذهاباً محضاً بأن يكون المقصد ليس فيه اعوجاج ، ويراد بالعمل الأغراض ، وحينئذ فائدة الكلام عدم اشتراط كون السفر مستقيماً. ففيه : أنّه بعيد جدّاً عن ظاهر الخبر.

واحتمال أن يراد : عدم اشتراط كون السفر خالياً عن ( المواضع المملوكة )(٢) للإنسان مع عدم الاستيطان الموجب للإتمام ، ويراد بمسير اليوم في جميعها لأنّ بين كل موضع مسافة. لا يخلو من بُعد أيضاً ، كما أنّ احتمال أن يراد : أنّ مسير اليوم يوجب التقصير وإن كان المسافر يقطعه في أيّام. كذلك ، لكن يمكن توجيهه على وجه يقرّبه ، فليتأمّل.

وفي المختلف استدل على لزوم الإتمام إذا لم يرجع ليومه بالأخبار المتضمّنة لثمانية فراسخ ، وزاد عليها أنّ في البريدين قد شغل يومه فحصلت المشقة فوجب القصر ، بخلاف الأربعة ، وبالاحتياط ، وأنّ المكلّف قبل الخروج إلى ما دون الثمانية يجب عليه الإتمام فكذا بعده عملاً بالاستصحاب ، ثم ذكر حجّة الشيخ بالأخبار(٣) الدالة على الأربعة ، وأجاب‌

__________________

(١) في « رض » : زيادة : جواز.

(٢) في « رض » : الموضع المملوك.

(٣) في « رض » : في الاخبار.


بأنّ المراد بها إذا أراد الرجوع من يومه ، قال : لما فيه من الجمع بين الأخبار وبين مطابقته للمسير في يوم بريدين أو بياض يوم ، وقد علّق التقصير عليهما ، ولرواية معاوية بن وهب الصحيحة(١) السابقة في كلامنا(٢) .

ثم قال العلاّمة : قال الشيخ : المراد بذلك التخيير بين الإتمام والقصر. وليس بمعتمد ؛ لأنّ في بعض الأحاديث إنكار الإتمام ، ولو كان التخيير سائغاً لما وقع الإنكار منه لقولهعليه‌السلام : « ويلهم » أو « ويحهم » « وأيّ سفر أشدّ منه » وهذا اللفظ إنّما يكون على التوبيخ والتقريع على الفعل المأتيّ به ، ولو كان سائغاً لم يصح منهعليه‌السلام . انتهى ملخّصاً(٣) .

وفي نظري القاصر أنّ فيه تأمّلاً من وجوه :

الأوّل : ما ذكره من المشقّة لا وجه له عندنا في إثبات الحكم إذا لم يقع العلّة منصوصة ، والاحتياط لا يصلح دليلاً عنده كما يعترض على الشيخ في استدلاله به ، على أنّ الاحتياط في الجمع بين القصر والتمام(٤) في الأربعة لا في ترك القصر في الأربعة.

الثاني : ما قاله : من أنّ المكلّف قبل الخروج ، إلى آخره. فيه : أنّ فرض المسافر القصر لإطلاق الآية(٥) إلاّ ما خرج بالدليل وهو ما دون الأربعة ، نعم الحاضر فرضه التمام.

ويمكن الجواب عن هذا بأنّ الآية مفروضة في الخوف ، ومعه لا يتم المطلوب.

__________________

(١) المختلف ٢ : ٥٢٧.

(٢) راجع ص ١٠٨٠.

(٣) المختلف ٢ : ٥٢٨.

(٤) في « رض » : والإتمام.

(٥) النساء : ١٠١.


وفيه : أنّ معتبر الأخبار قد فسّرت فيه الآية بمطلق السفر كما في صحيح زرارة ومحمّد بن مسلم في الفقيه قالا ، قلنا لأبي جعفرعليه‌السلام : ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي وكم هي؟ فقال : « إنّ الله عزّ وجلّ يقول( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ) (١) فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر » الحديث(٢) .

وهو كما ترى يدل على أنّ الآية يراد بها مطلق السفر ، فإذا خرج ما دون الأربع بقي ما عداه ، وما ورد في الأخبار من الثمانية يعارضه الأربعة ، فالأصل قد زال.

ويمكن الجواب بأنّ تفسير الآية من الخبر غير صريح في عدم شرط الخوف ، ومعه يتم التوجيه ، ويؤيّد هذا ما رواه الصدوق في تفسير الآية أيضاً في الصحيح من أنّه تقصير ثانٍ يجعل الثنتين واحدة مع الخوف.

وما ذكره الوالدقدس‌سره : من احتمال أن يراد بالتقصير ما يشمل تقصير السفر من غير خوف ومعه جمعاً بين الخبرين المفسِّرين للآية. لا يخلو من وجه ، وبه يندفع الجواب ، إلاّ أنّ باب المقال واسع.

ويمكن أن يقال : إنّ غرض العلاّمة كون الذمة [ متيقّنة(٣) ] الاشتغال بالتمام ما لم يتحقق القصر ، وفي الأربعة لم يتحقق ؛ لاحتمال أخبارها بسبب المعارض ما لا ينافي التمام. وفيه : أنّ الأصل إذا زال لم يمكن الاستدلال به إلاّ أن يقال : إنّ زواله مطلقا ممنوع ، فليتأمّل.

__________________

(١) النساء : ١٠١.

(٢) الفقيه ١ : ٢٧٨ / ١٢٦٦ ، الوسائل ٨ : ٥١٧ أبواب صلاة المسافر ب ٢٢ ح ٢.

(٣) في النسخ : منتفية ، والظاهر ما أثبتناه.


الثالث : ما ذكره في جواب الشيخ ، فيه أنّ تعيّن إرادة الرجوع ليومه لا وجه له ، وما ذكره في توجيه الإرادة : من مشابهة البريدين والبياض. فيه أنّ الذي ذكره في الجواب إرادة الرجوع لا نفس الرجوع ، والمطابق المساواة وأنّ البريدين والبياض نفس الرجوع ، ومن العجب أنّه في أوّل المسألة ذكر الرجوع ، وفي الجواب ذكر إرادة الرجوع ، والفرق بين الأمرين واضح.

الرابع : ما قاله : من أنّ قول الشيخ غير معتمد لإنكار التمام(١) . فيه أنّ الأخبار المستدل بها الشيخ فيها ما يدل على عدم إمكان الرجوع ، فإنّ الظاهر من الإنكار على أهل مكة في الحج ، وقد تقدّم في بعض الأخبار المذكورة من الشيخ تصريح بذلك ، فلا وجه لعدم ذكر العلاّمة لها ، على أنّ النهي عن التمام محتمل لأنّ يكون لاعتقاد التحتّم ، وهو سبب التوبيخ ، فليتأمّل.

اللغة‌ :

قال في القاموس : القادسيّة قرية قريب الكوفة مرّ بها إبراهيمعليه‌السلام ، فوجد عجوزاً فغسلت رأسه فقال : « قدّست من أرض » فسمّيت القادسية(٢) .

قوله :

فأمّا ما رواه أحمد بن محمد ، عن ابن أبي نصر ، عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال : سألته عن الرجل يريد السفر في كم التقصير (٣) ؟ فقال : « في ثلاثة بُرُد ».

__________________

(١) في « رض » : الإتمام.

(٢) القاموس المحيط ٢ : ٢٤٨ ( القدس ).

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٢٥ / ٨٠٠ : يقصر.


فهذا الخبر موافق للعامة ولسنا نعمل به.

وأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي جميلة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا بأس للمسافر أن يتم في السفر مسيرة يومين ».

فهذا الخبر أيضاً موافق للعامة ولسنا نعمل به ؛ لأنّ الذي يجب فيه التقصير القدر الذي ذكرناه ، سواء كان مسيرة يومين أو أقلّ أو أكثر ، ويجوز أن يكون الخبر محمولاً على من يسير في اليومين أقلّ ممّا يجب فيه التقصير ، فحينئذ يجب عليه التمام.

والذي يكشف عمّا ذكرناه :

ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيوب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن التقصير ، فقال : « في بريدين أو بياض يوم ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى ، عن عبد الله بن أبي خلف ، عن يحيى بن هاشم ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري قال : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا سافر فرسخاً قصّر الصلاة.

محمد بن الحسن الصفّار ، عن محمد بن عيسى ، عن عمرو بن سعيد قال : كتب إليه جعفر بن أحمد(١) يسأله عن السفر وفي كم التقصير؟ فكتب بخطّه ـ وأنا أعرفه ـ : « قد كان أمير المؤمنين عليه‌السلام إذا سافر وخرج في سفر قصّر في فرسخ » ثم أعاد عليه من قابل المسألة (٢) فكتب إليه : « في عشرة أيّام ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٢٦ / ٨٠٤ : محمد.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٢٦ / ٨٠٤ زيادة : إليه.


( فالوجه في هذين الخبرين من قوله : « قصّر في فرسخ » وما جرى مجراهما من الأخبار هو أنّ المسافة إذا كانت ) (١) على الحدّ الذي يجب فيه التقصير فصاعداً فسار المسافر يوماً أو أكثر منه ، أو فرسخاً أو أقلّ منه أو أكثر (٢) ، عليه التقصير ؛ لأنّ المسافة حصلت على الحدّ الذي يجب فيه التقصير ، وليس الاعتبار بما يسير الإنسان ، بل الاعتبار بالمسافة المقصودة وإن لم يسرها في دفعة واحدة.

السند :‌

في الأوّل : لا ارتياب في صحّته بعد ما قدّمناه(٣) .

والثاني : فيه أبو جميلة وأبو بصير وقد كرّرنا ذكرهما(٤) .

والثالث : صحيح.

والرابع : فيه عبد الله بن أبي خلف وقد ذكره الشيخ(٥) مهملاً في ترجمة ابنه سعد ، وقال : أنّ أحمد بن محمد بن عيسى روى عنه.

ويحيى بن هشام وثّقه النجاشي(٦) .

وأمّا [ أبو(٧) ] هارون العبدي فالذي وقفت عليه من كتب العامة أنّ‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٢٦ / ٨٠٤ : يجب.

(٣) راجع ص ٦٦ ، ١٣٠.

(٤) راجع ص ٥١ ، ٥٥١.

(٥) كذا في النسخ ، ولكنا لم نعثر عليه في كتب الشيخ وما نسب اليه موجود في النجاشي : ١٧٧ / ٤٦٧.

(٦) رجال النجاشي : ٤٤٥ / ١٢٠٣.

(٧) في النسخ : ابن ، والصواب ما أثبتناه.


اسمه عمارة بن جوين وأنّه شيعي(١) .

وأبو سعيد الخدري ذكر الكشي فيه أحاديث يدل بعضها على أنّه كان مستقيماً(٢) . وفي التهذيب روى الشيخ في باب تلقين المحتضرين بطريق فيه عبد الله بن المغيرة وقد قدّمنا ما يقتضي ترجيح كونه غير واقفي(٣) أنّ أبا سعيد كان مستقيماً(٤) . والرواية في الكشي أيضاً من جملة ما أشرنا إليه(٥) . وفي كتاب البرقي في الرجال عدّه من الأصفياء من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام .

والخامس : فيه عمرو بن سعيد ، ولا يبعد أن يكون المدائني الذي وثّقه النجاشي(٦) من غير ذكر الوقف ، كما في الكشي(٧) . وإنّما قلنا ذلك لأنّ في الرجال عمرو بن سعيد بن هلال من أصحاب الصادقعليه‌السلام مهملاً في كتاب الشيخ(٨) ، والمدائني من أصحاب الرضاعليه‌السلام كما ذكره النجاشي ، ورواية محمد بن عيسى عنه هي المقرّبة لما قلناه : لأنّ ابن عيسى من أصحاب الرضاعليه‌السلام والهادي والعسكريعليهما‌السلام في كتاب الشيخ(٩) ، وابن هلال من أصحاب الصادقعليه‌السلام ، وفي رجال الباقرعليه‌السلام عمرو بن سعيد أيضاً(١٠) ، فلو‌

__________________

(١) لسان الميزان ٧ : ٤٨٧ / ٥٧٠٦.

(٢) رجال الكشي ١ : ٢٠١ / ٨٣.

(٣) في ص ٩٩.

(٤) التهذيب ١ : ٤٦٥ / ١٥٢١ ، الوسائل ٢ : ٤٦٤ أبواب الاحتضار ب ٤٠ ح ٥.

(٥) رجال الكشي ١ : ٢٠١ / ٨٣.

(٦) رجال النجاشي : ٢٨٧ / ٧٦٧.

(٧) رجال الكشي ٢ : ٨٦٩ / ١١٣٧.

(٨) رجال الطوسي : ٢٤٧ / ٣٨٨.

(٩) رجال الطوسي : ٣٩٣ / ٧٦ ، ٤٢٢ / ١٠ ، ٤٣٥ / ٣.

(١٠) رجال الطوسي : ١٢٩ / ٢٣ ، ٢٤٧ / ٣٨٨.


فرض المغايرة لابن هلال اتحد فيه الكلام ، واحتمال البقاء إلى زمن الرضاعليه‌السلام في حيّز الإمكان ، إلاّ أنّ المدعى القرب ، فليتأمّل.

المتن :

في الأوّل : ما ذكره الشيخ فيه من موافقة العامّة هو أعلم به ، فإنّ المنقول عن الحنفية القول بأربعة وعشرين فرسخاً(١) ، والشافعية ستّة عشر فرسخاً(٢) ، وكذلك عن مالك(٣) وأحمد(٤) ، والبريد قد قدّمنا عن القاموس أنّه فرسخان أو أربعة(٥) ، وما قاله شيخنا المحقّق أيّده الله في فوائد الكتاب : من أنّه لا يبعد أن يكون قد سأل عن رجل معيّن فأجابهعليه‌السلام على مذهبه. لا يخلو من تأمّل على ما نقلناه من أقوال العامة.

وما ذكره بعض أفاضل المتأخّرينرحمه‌الله من أنّ العمل بمنطوق الرواية ممكن دون مفهومها(٦) . كأنّه يريد به أنّ التقصير في الثلاثة لا يخالف ما دلّ على المقدار المذكور في الأخبار ، بل إنّما ينافيه مفهومها ، حيث إنّه يقتضي عدم القصر فيما دون الثلاثة ، ولا يخفى أنّ ظاهر السؤال تحديد مقدار ما يوجب القصر ، ولعلّ احتمال كون البريد أقلّ مما نقلناه عن القاموس ممكن وإن بَعُد.

والثاني : ما قاله الشيخ فيه من الموافقة للعامّة كأنّه من جهة أنّ بعض‌

__________________

(١) حكاه ابن قدامة في الشرح الكبير ( المغني ٢ ) : ٩٤.

(٢) حكاه الشربيني في مغني المحتاج ١ : ٢٦٦.

(٣) حكاه القرطبي في بداية المجتهد ١ : ١٦٧.

(٤) حكاه ابن قدامة في المغني ٢ : ٩١.

(٥) القاموس المحيط ١ : ٢٨٧ ( البرد ) وتقدم في ص ١٠٨٠.

(٦) مجمع الفائدة ٣ : ٣٦٥.


العامّة قائل بأنّ التقصير رخصة فيجوز الإتمام. وقوله : يجوز أن يكون الخبر محمولاً على من يسير في اليومين أقلّ ممّا يجب فيه التقصير فحينئذ يجب عليه التمام. فيه : أنّ ظاهر الرواية نفي البأس عن التمام لا وجوبه إلاّ أن يقال : إنّ التأويل لا ينافيه الخروج عن الظاهر ، ولو لا هذا لكان التقييد باليومين خالياً من الفائدة.

وبالجملة فالحمل الأوّل أولى ، وما قاله شيخنا المحقق أيّده الله في فوائد الكتاب : من احتمال وقوع التمام اتّقاءً ووقع مع هؤلاء ولم يكن يعلم فصلّى معهم ظانّاً فلا يجب القضاء أو لا يأثم. ممكن أيضاً.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ قول الشيخ : والذي يكشف عما ذكرناه. الظاهر أنّ مراده بما ذكره من اعتبار المقدار بالثمانية فراسخ ، والحال أنّ ما دون الثمانية قد ذهب إلى التخيير فيه لا إلى تعيّن التمام(١) ، والاحتياج إلى ذكر الأخبار في الثمانية لا وجه له بعد ما قدّم جملة(٢) كافية.

ولو حمل كلامه على أنّ مراده مما ذكره عدم الالتفات إلى اليومين من حيث هما ، بل إلى المقدار أمكن ، إلاّ أنّه يبقى عليه أنّ الحصر في البريدين والبياض مع وجود أخبار الأربعة لا وجه له ، بل ينبغي ذكر ما يدلّ على أنّ الاعتبار بما ورد في الأخبار السابقة ليشمل ما دلّ على الثمانية والأربعة ، ولعلّ مراده أنّ الخبر المستدل به تضمّن بياض اليوم ، فلا يكون لليومين مدخل في القصر ، والأمر سهل.

والثالث : كما ترى ظاهر في أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقصّر في الفرسخ ، لا على أنّ المسافة فرسخ.

__________________

(١) في « رض » : الإتمام.

(٢) في « رض » : حمله.


والرابع : صدره كالثالث في الظهور ، أمّا عجزه فالظاهر منه خلاف(١) الظاهر ، واحتمال شيخنا أيّده الله أن يكون المراد في إقامة عشرة أيّام أي فيما إذا كان مقيماً عشرة أيّام. لا يخلو من إجمال ؛ إذ السؤال يقتضي الاستفهام عن التقصير بحسب المقدار ، لا عن محلّ الخروج إلى التقصير.

واحتمال أن يعود إلى الخروج إلى التقصير يفيد أن يكون السؤال أوّلاً عنه أيضاً ، كما يقتضيه لفظ إعادة السؤال ، والجواب حينئذ بأنّ التقصير في فرسخ كان بعد الإقامة عشرة أيّام يوجب كون التقصير في الفرسخ المذكور أوّلاً مقيّداً بما ذكر ثانياً ، والإطلاق في مثله لا يناسبه التقييد بعد سنةٍ إلاّ أن يتكلّف التوجيه.

واحتمال أن يراد بعشرة أيّام أنّهعليه‌السلام كان يقصّر في عشرة أيّام ثم ينوي الإقامة أو يرجع إلى محلّه ممكن ، إلاّ أنّ التقصير في فرسخ لا يناسبه إلاّ بتقدير أن يراد في الجواب الثاني بيان منتهى التقصير الذي لا ينبغي أكثر منه ، وفي الأوّل مبدإ التقصير الذي لا ينبغي التقصير قبله ، وفيه ما لا يخفى.

وما قاله الشيخ يتم في صدر الرواية دون عجزها ، وأظن أنّ الشيخ لم يخطر بباله منافاة آخرها ظنّاً أنّ المراد ما قلناه أو ما يناسبه.

قوله :

ولا ينافي هذا التأويل :

ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار بن‌

__________________

(١) في « فض » زيادة : ذلك ، وهي في « د » مشطوبة.


موسى ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن الرجل يخرج في حاجة مسير(١) خمسة فراسخ أو ستّة فراسخ ، فيأتي قرية ينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أو ستّة فراسخ لا يجوز ذلك ، ثم ينزل في ذلك الموضع؟ قال : « لا يكون مسافراً حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتمّ الصلاة ».

لأنّ هذه الرواية مقصورة على من خرج من منزله من غير نيّة السفر ، فتمادى به المسير إلى أن يصير مسافراً من غير قصد ، فإنّه يلزمه التمام(٢) ، وإن زادت المسافة على ما لو قصده لوجب عليه فيها التقصير ، وإنّما يلزمه التمام لأنّه لم يقصد سفراً مقداره مقدار ما يجب فيه التقصير.

والذي يعضد هذا التأويل :

ما رواه الصفّار عن إبراهيم بن هاشم ، عن رجل ، عن صفوان قال : سألت الرضاعليه‌السلام عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلاً على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان وهي أربعة فراسخ من بغداد أيفطر إذا أراد الرجوع ويقصّر؟ قال : « لا يفطر ولا يقصّر ، لأنّه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ ، إنّما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق ، فتمادى به السير إلى الموضع الذي بلغه ، ولو أنّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهباً وجائياً لكان عليه أن ينوي من الليل سفراً والإفطار ، فإنّ هو أصبح ولم ينو السفر فبدا له من بعد أن أصبح في السفر قصّر ولم يفطر ليومه ذاك ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٢٦ / ٨٠٥ : فيسير.

(٢) في « رض » : الإتمام.


السند‌ :

في الأوّل موثق على ما تقدّم(١) . والثاني مرسل.

المتن :

في الأوّل : ما قاله الشيخ متوجه فيه. وما تضمنه من قوله : « حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ » يراد به حتى يقصد ثمانية فراسخ ؛ لأنّ مسير الثمانية قد تضمّن السؤال حكمها ، والجواب نفي كونه مسافراً ، فلا بدّ أن يراد من الكلام الثاني ما قلناه.

والثاني : كما ترى ظاهر الدلالة على ما قاله الشيخ ، لكنه يدل على أن الرجوع من الأربعة فراسخ لا يقتضي التقصير ، وقد صرّح الشيخ سابقاً بالتخيير(٢) ، وكان عليه أن يذكر الوجه فيه.

ثم إنّ آخر الحديث صريح في أنّ إرادة الرجوع تقتضي التقصير لا مجرّد الأربع فراسخ ، لكن لا يخفى أنّه لا صراحة بالرجوع ليومه ، والعجب من عدم تعرض الشيخ له سابقاً.

فإنّ قلت : هذا الخبر لا ينافي التخيير إذا لم يُرد الرجوع ؛ لدلالة مطلق الأخبار السابقة عليه جمعاً بين الأخبار ، غاية الأمر أنّ هذا الخبر يدل على أنّ إرادة الرجوع تقتضي لزوم التقصير ، والشيخ قال بالتخيير مطلقاً في هذا الكتاب ، فالخبر مناف له ، وإمكان التوجيه بأنّه لا يقصّر على سبيل التحتّم لا ينكر.

__________________

(١) راجع ص : ١٢٠ و ٢٧٥.

(٢) الاستبصار ١ : ٢٢٤ ، وقد تقدم في ص ١٠٨٥.


قلت : هذا الخبر لا يقبل التوجيه بما لا ينافي التخيير ؛ لأنّه قال فيه : « لا يقصّر ولا يفطر » والإفطار منفيّ عند المعروفين من متأخّري الأصحاب في الأربعة ، وإن كان فيه كلام ، لأنّ العلاّمة نقل عن المفيد التخيير في الصوم(١) أيضاً ، إلاّ أنّ الإلزام للشيخ بهذا الخبر ومن تابعه لا محيد عنه ، ومن لم يعمل به فهو في راحة من التوجيه ، وما تضمّنه من نيّة السفر لأجل الإفطار سيأتي القول فيه إن شاء الله في بابه.

فإنّ قلت : الخبر إذا كان ضعيفاً بالإرسال والأوّل بالتوثيق والإجمال فاعتماد الأصحاب على اشتراط قصد المسافة بأيّ شي‌ء هو؟.

قلت : قد ادعى العلاّمة في المنتهى الإجماع على هذا الشرط فيما نقله بعض الأصحاب(٢) ، أمّا استدلال البعض بأنّ المسافة معتبرة ولا يتحقق إلاّ بالقصد أو الفعل ، والثاني ليس بشرط ، فيكون الاعتبار بالقصد(٣) . فلا يخفى ما في الاستدلال ، والأولى أن يقال : والثاني ليس بشرط إجماعاً ، كما ذكره شيخناقدس‌سره (٤) وإن كان إثبات الإجماع محلّ كلام ، وكذلك الانحصار ، نعم الخبر مؤيّد لدعوى الإجماع.

وقد صرّح بعض الأصحاب بأنّه يكفي القصد تبعاً كالعبد والولد والزوجة ، لكن يشترط أن يعلم قصد المتبوع الموجب للقصر وعدم العزم على العود بتقدير الفرصة(٥) .

ولا يخفى أنّ اشتراط العلم بالقصد إن أُريد به مجرّد العلم من دون‌

__________________

(١) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٥٢٦ ، وهو في المقنعة : ٣٤٩.

(٢) المنتهى ١ : ٣٩٠ ، ونقله عنه في مجمع الفائدة ٣ : ٣٦٩.

(٣) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٦٩.

(٤) مدارك الاحكام ٤ : ٤٣٩.

(٥) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٧٠.


قصد السفر إلى ما قصده المتبوع من المسافة أمكن الفرق بين التابع والمتبوع ، وإن أُريد قصد السفر إلى المسافة مع المتبوع فهذا لا يقتضي كونه فرعاً ؛ إذ لو كان كذلك لكان من رافق غيره لخوف الطريق يكون سفره تبعاً لا أصالةً ، بل يلزم أنّ كل ما ينضم إلى المسافر من أسباب السفر يوجب التبعية ، إلاّ أن يقال بالفرق من جهة زيادة اللزوم ، وفيه ما لا يخفى ، غير أنّ أثر هذا هيّن بعد ثبوت الحكم من إجماع ونحوه ، ولم أقف الآن من الأدلّة إلاّ على إطلاق الأخبار ، ولا يخفى عليك الحال من جهة الفرق المذكور ، ولعلّ هذا لا إشكال فيه لعدم تحقق خلاف في البين ، إنّما الإشكال لو توقّع العبد العتق إمّا بوعد من سيّده أو أمارة تفيد ظن الوقوع أو توقعت المرأة الطلاق كذلك.

ونقل جدّيقدس‌سره في شرح الإرشاد عن العلاّمة أنّه قال : لو جوّزت المرأة الطلاق والعبد العتق وعزما على الرجوع متى حصلا فلا ترخص ، وقيّده الشهيد بحصول أمارة لذلك ويمكن أن يقال : إنّ أصل الاستيلاء لا يخرج عنه بالاحتمال البعيد(١) . والله تعالى أعلم.

قوله :

والذي رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسن بن علي (٢) ابن فضّال ، عن عمرو بن سعيد المدائني ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار بن موسى الساباطي قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل يخرج في حاجة له وهو لا يريد السفر فمضى في ذلك فتمادى به‌

__________________

(١) روض الجنان : ٣٨٥.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٢٧ / ٨٠٧ لا يوجد : بن علي.


المضيّ حتى يمضي به ثمانية فراسخ كيف يصنع في صلاته؟ قال : « يقصّر ولا يتم الصلاة حتى يرجع إلى منزله ».

فالوجه فيه أنّه يجب عليه التقصير بعد قطعه ثمانية فراسخ إلى أن يرجع إلى منزله ، لأنّه قد صار مسافراً وإن لم يكن قصد في الأوّل ذلك ، والرواية الأُولى إنّما تضمّنت وجوب التمام(١) في مدّة مضيّه القدر الذي ذكرناه ، وليسا متنافيين على هذا الوجه.

السند‌ :

موثّق كما لا يخفى(٢) .

المتن :

ما ذكره الشيخ فيه محلّ تأمّل ، وما ذكره شيخنا المحقّق أيّده الله في فوائد الكتاب : من أنّ المراد يقصّر في رجوعه ، أو من الموضع إذا قصد قبله البلوغ إلى الموضع مع الرجوع ثمانية فراسخ. محلّ بحث بالنظر إلى الوجه الثاني ؛ لأنّ ضميمة الإياب إلى الذهاب متوقّفة على الدليل ، ولا أعلم الآن موافقاً للشيخ على ما ذكره ، وقد يمكن توجيه كلام الشيخ بإرادة الشروع في الرجوع ، إلاّ أنّ الظاهر خلافه.

بقي في المقام أُمور :

الأوّل : لا ريب أنّ العلم بالمسافة بالاعتبارين السابقين يقتضي‌

__________________

(١) في « رض » : الإتمام.

(٢) بأحمد بن الحسن بن علي بن فضّال ومصدّق بن صدقة.


وجوب التقصير ، وألحق بعض الشياع وشهادة الشاهدين(١) ، وجزم شيخناقدس‌سره به(٢) .

وقد يقال : إنّ الشياع إذا لم يفد العلم فمن أين مأخذ الاكتفاء به؟

والالتفات إلى ما ذكره جدّيقدس‌سره : من أنّ الظن الحاصل بالشياع أقوى من الظن الحاصل بشهادة الشاهدين(٣) .

فيه أوّلاً : أنّ شهادة الشاهدين في هذا المقام يتوقف ثبوت الحكم بها على الإطلاق على الدليل ؛ إذ المعلوم أنّها من وظائف الحاكم الشرعي إلاّ ما خرج بالدليل كالهلال.

وثانياً : أنّ شهادة الشاهدين غير معلّلة بالظن ليكون الظن الحاصل من الشياع أقوى فيجب اتباعه ، بل يجوز كونها تعبّداً ، ومن ثَمّ لم يحكموا بالشياع دائماً بل خصّوه بمواضع ، كما يعلم من كتب المتأخّرين.

وما قاله بعض المتأخّرينرحمه‌الله من أنّ الظاهر أنّ البيّنة الشرعية هنا لا تحتاج إلى حكم الحاكم ؛ لأنها حجّة شرعيّة في أعظم منها ، والأصل عدم اعتبار انضمامه ، ولأنّه قد يتعسّر أو يتعذّر ، فلا يناط به ، مثل الهلال وو دخول الوقت(٤) .

ففي نظري القاصر أنّه محلّ بحث أمّا أوّلاً : فلأنّ كون البيّنة حجّة شرعيّة في جميع الأحكام موضع البحث فكيف يجعل دليلاً؟ ولو انعقد الإجماع لم يحتج إلى ما قاله ، والأخبار لم نقف على ما يدل على ذلك‌

__________________

(١) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٦٧.

(٢) مدارك الاحكام ٤ : ٤٣٣.

(٣) روض الجنان : ٣٨٤.

(٤) مجمع الفائدة والبرهان ٣ : ٣٦٨.


منها ، وحينئذ انحصر الدليل فيما ذكره ، وهو عين المصادرة.

وأمّا ثانياً : فلأنّ الثبوت في الأعظم إن كان معلّلاً بما يقتضي الجريان في غيره ليكون من مفهوم الموافقة ، ففيه ما أسلفناه في مفهوم الموافقة من أنّه لا وجه لاعتبار الأولويّة ؛ إذ الاعتبار لوجود العلّة سواء كانت في المساوي أو غيره ، وإن كانت العلّة مفقودة فلا فائدة في الاستدلال بمفهوم الموافقة.

وأمّا ثالثاً : ( فلأنّ الأصل لا وجه له مع عدم ثبوت المأخذ ، ومعه لا حاجة للأصل إن كان عامّاً ، وإن كان خاصّاً )(١) فانتفاء الأصل جليٌّ.

وأمّا رابعاً : فالتعسّر لا وجه له بعد إمكان فعل العبادة تماماً ، وبالجملة لم أقف على دليل ما ذكر ، والعجب من جزم شيخناقدس‌سره بما نقلناه عنه(٢) من دون ذكر الدليل.

الثاني : على تقدير الثبوت بالبيّنة لو تعارضت البيّنات على وجه لا يمكن الجمع بأن تشهد بالاعتبار ولم يحصل المرجّح احتمل ترجيح التمام للأصل. وفيه ما قدّمناه من ظاهر الخبر المفسِّر للآية المخرج عن الأصل(٣) .

وقد يقال : إنّ تعارض البيّنتين ينتفي ، إذ الفرض رجحان بيّنة القصر ، ( بالخبر وقد )(٤) فرض أوّلاً عدم المرجّح به ، والجواب ممكن بأنّ المنفي المرجّح الخاصّ المقرّر.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) راجع ص ١٠٩٨.

(٣) راجع ص ١٠٨٨.

(٤) في « رض » و « د » : والخبر قد.


ونقل شيخناقدس‌سره عن المعتبر أنّ فيه الأخذ بالمُثبِتة والقصر ، واستوجهه مع الإطلاق ، قالقدس‌سره : أمّا لو كان النفي منضمّاً إلى الإثبات كدعوى الاعتبار وتبيّن القصور ، فالمتّجه تقديم بيّنة النفي ؛ لاعتضادها بأصالة التمام(١) .

وفي نظري القاصر أنّه محلّ تأمّل ؛ لأنّ الاعتبار قد يكون من الجانبين ، فالترجيح غير ظاهر الوجه على الإطلاق في صورة عدم الإطلاق ، وعلى تقدير أن يراد بالإطلاق من غير اعتبار فوجه تقديم المثبتة غير ظاهر ، واحتمال كون العلّة تقديم بيّنة(٢) الخارج وهو المثبت ، فيه : أنّ أصالة التمام آتية فيه ، فتكون مرجّحة لغيره ، فلا يقدّم المثبت ، فليتأمّل في ذلك.

الثالث : قال بعض الأصحاب(٣) الظاهر عدم وجوب الاعتبار مع تعارض البيّنات ، للأصل ، وتساقط البيّنات بالتعارض مع أصالة البراءة ، ويحتمل الوجوب ؛ لأنّه مما يتوقف عليه الواجب كما قيل في رؤية هلال شهر رمضان والعيد والوقت(٤) .

ولا يخفى عليك أنّ الوجوب للتوقّف فرع الوجوب ، وأصالة التمام تنفيه ، والفرق بين المذكورات وبين ما نحن فيه ممكن بالعسر وبلزوم خروج الوقت ، إلاّ أن يقال بلزوم تأخير العبادة إلى ضيق الوقت ، والحق أنّ أصالة التمام يتوقف الخروج عنها على العلم الشرعي بالمسافة ، وتحصيله‌

__________________

(١) مدارك الأحكام ٤ : ٤٣٣ ، وقد قال به المحقّق في المعتبر ٢ : ٤٦٧.

(٢) ليست في « رض ».

(٣) في « رض » زيادة : إن.

(٤) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٦٨.


غير واجب في المشروط ، إذ هو المفروض.

واحتمال أن يقال : إنّ التمام مشروط بعدم السفر إلى المسافة فلا بدّ من العلم بالشرط ، ( يمكن دفعه بأنّ التمام غير مشروط ، بل المشروط القصر ، فليتأمّل.

الرابع : لو حصل العلم بالمسافة )(١) في أثنائها احتمل وجوب القصر إذا كان القصد إلى المحل الذي هو مسافة بعد العلم ؛ لتحقّق القصد إلى المسافة. وفيه أنّ الظاهر من قصد المسافة كونه مع العلم بها ، بل تحقّق القصد من دون العلم ربما يدّعى نفيه.

فما ذكره بعض الأصحاب : من ترجيح القصر لانكشاف المسافة المقصودة(٢) . محلّ تأمّل ، أمّا لو كان الباقي مسافة من حين العلم فلا ارتياب في القصر ، لكن هل يجب القصر في محل العلم أو لا بدّ من السير إلى مثل(٣) محلّ الترخص كما في البلد؟ احتمالان ، ولا يبعد أن يرجّح الأوّل بأنّ ما تضمّن خفاء الأذان والجدران لا يتناول هذا ، وإطلاق القصر في المسافة لا مقيّد له.

ولو بلغ الصبي في أثناء المسافة احتمل فيه انضمام السابق إلى اللاحق.

وفيه : أنّ التكليف إنّما حصل في الأثناء ، ويحتمل اعتبار المسافة بعد التكليف ، والفرق بينه وبين ما تقدّم لا يخلو من خفاء ، وإن ادّعى بعض ظهوره(٤) .

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٦٨.

(٣) ليست في « رض ».

(٤) مجمع الفائدة ٣ : ٣٦٩.


قوله :

باب المسافر يخرج فرسخاً أو فرسخين ويقصّر في

الصلاة ثم يبدو له عن الخروج.

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الصفّار ، عن محمّد بن عيسى ، عن سليمان بن حفص المروزي قال ، قال الفقيهعليه‌السلام : « التقصير(١) في الصلاة بريدان أو بريد ذاهباً وجائياً ، والبريد ستّة أميال وهو فرسخان ، والتقصير في أربعة فراسخ ، فإذا خرج الإنسان(٢) من منزله يريد اثني عشر ميلاً وكان(٣) أربعة فراسخ ثم بلغ فرسخين ونيّته الرجوع أو فرسخين آخرين قصَّر ، وإن رجع عما نوى عند بلوغ فرسخين وأراد المقام فعليه التمام(٤) ، وإن كان قصَّر ثم رجع عن نيّته أعاد الصلاة ».

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد ابن أبي نصر ، عن الحسين(٥) بن موسى ، عن زرارة قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام ، عن الرجل يخرج في سفر يريده فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا وانصرفوا فانصرف (٦) بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج ما يصنع في الصلاة التي كان‌

__________________

(١) في « د » : القصر.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٢٧ / ٨٠٨ : الرجل.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٢٧ / ٨٠٨ زيادة : ذلك.

(٤) في « د » : الإتمام.

(٥) في « رض » ونسخة في « د » الحسن ، وكذا في التهذيب ٤ : ٢٢٧ / ٦٦٥.

(٦) في « د » : فصرف.


صلاّها ركعتين؟ قال : « تمّت صلاته ولا يعيد ».

فالوجه في هذا الخبر أحد شيئين :

أحدهما : أنّه إذا كان الوقت قد مضى لم يكن عليه الإعادة ، وإنّما يلزم الإعادة ما دام الوقت باقياً. والثاني : أنّه وإن لم يقض له الخروج لم يرجع عن نية السّفر ، ومتى كان كذلك لم يكن عليه الإعادة ، بل كان عليه تقصير ما بينه وبين ثلاثين يوماً ، على ما بيّنّاه في كتابنا الكبير.

السند‌ :

في الأوّل : فيه سليمان بن حفص المروزي ولم أَرَه في الرجال ، نعم في رجال الهاديعليه‌السلام : سليمان بن حفصويه من كتاب الشيخ(١) .

والثاني : كما ترى فيه الحسين بن موسى ، وفي الرجال ذكر الحسين ابن موسى في أصحاب الرضاعليه‌السلام من كتاب الشيخ مهملاً(٢) ، وفي رجال الكاظمعليه‌السلام : الحسين بن موسى واقفي(٣) ، وفي رجال الصادقعليه‌السلام : الحسين بن موسى الأسدي الخياط كوفي(٤) ، وفيهم أيضاً الحسين بن موسى الهمداني مهملاً(٥) .

وفي فوائد شيخنا المحقق أيّده الله على الكتاب : في بعض النسخ‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٤١٥ / ٢ ، وذكره في أصحاب الرضاعليه‌السلام بعنوان : سليمان المروزي ٣٧٨ / ٧.

(٢) رجال الطوسي : ٣٧٣ / ٢٤.

(٣) رجال الطوسي : ٣٤٨ / ٢٥.

(٤) رجال الطوسي : ١٧٠ / ٧٧. وفيه : الحنّاط.

(٥) رجال الطوسي : ١٧٠ / ٧٨.


عن الحسن ، والظاهر أنّه على التقديرين ابن موسى الحنّاط(١) ، والحسين منسوب إلى الوقف من غير توثيق. انتهى.

وما ذكره : من أنّه ابن موسى الحنّاط(٢) على التقديرين. مبني على ظن الاتّحاد ، والذي في كتاب الشيخ الحسن بن موسى الحنّاط والحسن بن موسى الأزدي وكلاهما من أصحاب الصادقعليه‌السلام (٣) .

ثم قوله ـ سلّمه الله ـ : والحسين منسوب إلى الوقف. يقتضي التغاير كما لا يخفى ، والأمر سهل.

المتن :

في الأوّل : تضمّن أنّ البريد فرسخان وقد تقدّم نقله عن القاموس(٤) ، إلاّ أنّ الأخبار السابقة إنّما دلّت على أنّه أربعة فراسخ ، فالمعارضة(٥) حاصلة ، وتفسير البريد بالستة أميال يدلّ على أنّ الفرسخ هنا هو الفرسخ السابق في الأخبار ، واحتمال أن يراد بالفرسخ ما يساوي فرسخين غير تامّ ، واحتمال أن يراد بالميل غير الميل الوارد في الأخبار السابقة كالفرسخ في غاية البعد.

لكن قد يدّعى أنّ فيه تتميم الرواية وإن بَعُد. وفيه وجود الفرق بينه وبين الفرسخ ؛ فإنّ الفرسخ نقل شيخنا ـ أيّده الله ـ : أنّه موجود بقدر(٦)

__________________

(١) في « رض » : الخيّاط.

(٢) في « رض » : الخيّاط.

(٣) رجال الطوسي : ١٦٨ / ٤١ ، ٤٢.

(٤) القاموس المحيط ١ : ٢٨٧ ، وقد تقدم في ص ١٠٨٠.

(٥) في « د » : والمعارضة.

(٦) في « د » : تقدر ، وفي « رض » : يعد.


الفرسخين الشرعيين في خراسان ، بخلاف الميل.

إلاّ أن يقال : إنّ الخروج عن الشرعي في الفرسخ يقتضي جواز الخروج في الميل.

وما تضمنته الرواية من قوله : « بريد ذاهباً وجائياً » محتمل لأنّ يراد بريد ذاهباً ، وبريد جائياً ؛ ولأنّ يراد بريد في الذهاب والإياب ؛ لكن على الأوّل إن أُريد بالبريد ما فسّر بالفرسخين لزم أن من أراد الفرسخين ذهاباً وإياباً لزمه التقصير ولا أعلم القائل به. وعلى الثاني فالأمر أشدّ إشكالاً.

وقوله : « والتقصير في أربعة فراسخ » لا يخلو من منافرة لقوله : « بريدان أو بريد ذاهباً وجائياً » لأنّ البريدين إن أُريد بهما أربعة فراسخ تعيّن إرادة الاحتمال الثاني ، وقد عرفت إشكاله. وإن أُريد بالبريد الأربعة فراسخ أشكل قوله : « والبريد فرسخان » وما ذكره شيخنا أيّده الله من أنّه لا يبعد أن يكون قوله : « والبريد » من كلام الرّاوي ، ولا يخفى عليك الحال.

ثمّ العجب من الشيخ ، حيث لم يذكر ما في الخبر من المخالفة لما سبق منه ؛ فإنّ ظاهره تارة اعتبار الرجوع وتارة عدم اعتباره ، لكن لا دلالة له على الرجوع في اليوم.

وقوله في الخبر : « ثم بلغ فرسخين ونيّته الرجوع » محتمل لأنّ يراد أنّ نيّته الرجوع في الأثناء لا يوجب الرجوع إلى التمام ، ولا يخلو من إشكال ؛ لأنّ الظاهر من بعض الأصحاب اعتبار استمرار القصد(١) ، وجزم به شيخناقدس‌سره (٢) والوالدقدس‌سره والرواية لا تصلح حجة عليهم ، إلاّ أنّ الدليل عليه لا أعلمه الآن في كلام الأصحاب ، وما نذكره في الخبر الآتي لم يذكره‌

__________________

(١) كالمحقق في الشرائع ١ : ١٣٥ ، والعلاّمة في التذكرة ٤ : ٣٨٢.

(٢) مدارك الاحكام ٤ : ٤٨٠.


الأصحاب لمخالفته لما حكموا به ، كما تعلمه من ملاحظته وما نذكره ، والإجماع مشكل الإثبات هنا ، إلاّ أن يقال : إنّ قصد الثّمانية هو سبب القصر ، فإذا انتفى بقصد عدمها انتفى السبب لا بعدم قصدها ، فإنّ الذهول قد يحصل ، والرجوع معه إلى التمام مشكل.

أمّا التردّد فقد جزم شيخناقدس‌سره بأنّه موجب الرجوع إلى التمام(١) . والشهيد في الذكرى ذكر استمرار القصد(٢) . والأمر كما ترى من جهة الرواية.

وما تضمّنه الخبر من قوله : « رجع عمّا نوى وأراد المقام فعليه الإتمام » صريح في أنّ نيّة الإقامة في أثناء الأربعة توجب التمام ، لكن فيه أنّ الرجوع عمّا نوى كيف يجامع نيّة المقام لولا ما قدّمناه من دلالتها على عدم تأثير نيّة الرجوع في القصر.

وما تضمّنه من إعادة الصلاة قد وجدت في زيادات الصلاة من التهذيب في باب الصلاة في السفينة ما يدل عليه ، وهو ما رواه الشيخ ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي ولاّد قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إني كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة وهو من الكوفة على نحو(٣) عشرين فرسخاً في الماء فسرت يومي ذلك أُقصّر الصلاة ثمّ بدا لي في الليل الرجوع إلى الكوفة فلم أدر أُصلّي في رجوعي بتقصير أم بتمام ، وكيف كان ينبغي أنّ أصنع؟ فقال(٤) : « إن كنت‌

__________________

(١) مدارك الاحكام ٤ : ٤٨١.

(٢) الذكرى : ٢٥٦.

(٣) في « د » زيادة : من.

(٤) في « رض » : قال.


سرت في يومك الذي خرجت فيه بريداً كان عليك حين رجعت أن تصلّي بالتقصير لأنّك كنت مسافراً إلى أن تسير إلى منزلك » قال : « وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريداً فإنّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل تَزُمُّ من مكانك ذلك ، لأنّك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتى رجعت ، فوجب عليك قضاء ما قصّرت ، وعليك إذا رجعت أن تتم الصلاة حتى تصير إلى منزلك »(١) .

وهذا الحديث صحيح ، وفيه دلالة على قضاء الصلاة وتعيّن القصر في الأربع ، وربما دلّ على أنّ الرجوع عن نيّة السفر يقتضي التمام(٢) ، لأنّ قوله : « من قبل تَزُمّ » يدلّ على أنّه بعد ذلك لا يفضي ما فعل ، ولا وجه لعدم القضاء مع كونه قصراً ، فتعيّن أن يكون تماماً ، والظاهر أنّ معنى تزمّ : تعزم(٣) ، ويؤيّده وجود نسخة تؤمّ بمعنى تقصد(٤) ، غاية الأمر أنّ في الخبر ما يقضي نوع شك وهو قوله : « لأنّك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير » فإنّ هذه تقتضي أنّ التقصير لا يجوز إلاّ بعد الأربع ، والأمر كما ترى واضح الإشكال.

وما تضمّنه من قوله : « وعليك إذا رجعت أنّ تتم الصلاة » ربما يدل على اعتبار الرجوع بالفعل لا نيّته ، وحينئذ يمكن حمل ما دلّ على العزم على الرجوع ، وقد يمكن أن يقال : إنّ مراده بقولهعليه‌السلام : « إذا رجعت » إرادة الرجوع ، لما تقدم من ظهور إرادة العزم. وفيه أنّ تأويل الأوّل ليس أولى‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٩٨ / ٩٠٩ وفيه : أن تريم ، بدل : تزم ، الوسائل ٨ : ٤٦٩ أبواب صلاة المسافر ب ٥ ح ١ وفيه : تؤمّ ، بدل : تزم.

(٢) في « رض » : الإتمام.

(٣) لم نعثر في كتب اللغة على هذا المعنى.

(٤) في « د » : القصد.


من تأويل الثاني.

والعجب من مشايخنا وشيخنا الشهيد5 أنّهم لم يذكروا هذا الخبر في الاستدلال لقضاء الصلاة ، وإنّما اقتصروا على رواية المروزي(١) ، وردّها شيخناقدس‌سره بالضعف ، ثم قال : ولو صحّت لكانت محمولة على الاستحباب(٢) . وكذلك في الاستدلال للتمام إذا نوى الرجوع مع أنّه محتمل لذلك احتمالاً ظاهراً كما قدّمناه ، هذا.

وأمّا الثاني : فقد عرفت حال سنده إلاّ أنّه في الفقيه مروي في الصحيح(٣) ، ومع معارضة الخبر السابق عن التهذيب فالحمل على الاستحباب ممكن.

أمّا ما قاله الشيخ : من الحمل على خارج الوقت. فلا يخلو من تأمّل مع إمكان الاستحباب ، وعدم تعرض الشيخ للخبر الذي ذكره في التهذيب غريب. والله تعالى أعلم بالحقائق.

قوله :

باب الذي يسافر إلى ضيعته أو غيرها(٤) .

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد ابن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن أبان بن عثمان ، عن إسماعيل بن الفضل قال : سألت‌

__________________

(١) الذكرى : ٢٥٦.

(٢) مدارك الاحكام ٤ : ٤٤٠.

(٣) الفقيه ١ : ٢٨١ / ١٢٧٢ ، الوسائل ٨ : ٥٢١ أبواب صلاة المسافر ب ٢٣ ح ١.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٢٨ : أو يمرّ بها.


أبا عبد اللهعليه‌السلام ، عن رجل سافر من أرض إلى أرض وإنّما ينزل قراه وضيعته قال : « إذا نزلت قراك وضيعتك(١) فأتم الصلاة ، فإذا كنت في غير أرضك فقصّر ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمد بن عيسى ، عن عمران بن محمد قال : قلت لأبي جعفر الثانيعليه‌السلام : جعلت فداك إنّ لي ضيعة على خمسة عشر ميلاً خمسة فراسخ ، فربما خرجت إليها وأُقيم فيها ثلاثة أيّام أو خمسة أيّام أو سبعة أيّام فأُتمّ الصلاة أم أُقصّر؟ فقال : « قصّر في الطريق وأُتمّ في الضيعة »

وعنه ، عن علي بن إسحاق بن سعد ، عن موسى بن الخزرج قال : قلت لأبي الحسنعليه‌السلام : أخرج إلى ضيعتي ومن منزلي إليها اثنا عشر فرسخا أُتمّ الصلاة أم أُقصّر؟ قال : « أتمّ ».

عنه ، عن محمّد بن سهل ، عن أبيه قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام ، عن رجل يسير إلى ضيعته على بريدين أو ثلاثة وممرّه على ضياع بني عمّه أيقصّر ويفطر أم يتمّ ويصوم؟ قال : « لا يقصّر ولا يفطر ».

محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن ( عمرو بن سعيد المدائني )(٢) عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار بن موسى ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في رجل يخرج في سفر فيمرّ بقرية له أو دار فينزل فيها ، قال : « يتمّ الصلاة ولو لم يكن له إلاّ نخلة واحدة ولا يقصّر ، وليصم إن حضره الصوم وهو فيها ».

قال محمد بن الحسن : ما تضمّن هذه الأخبار من الأمر‌

__________________

(١) في « رض » : أو ضيعتك.

(٢) بدل ما بين القوسين ، في « رض » : عمر بن سعيد المديني.


بالإتمام (١) في ضيعة الإنسان يحتمل وجوهاً ، منها : أنّه يلزمه التمام إذا عزم على المقام عشرة أيّام.

السند‌ :

في الأوّل : ليس فيه ارتياب بعد ما قدّمناه وذكرنا توثيق إسماعيل بن الفضل فيما تقدم أيضاً(٢) .

والثاني : فيه عمران بن محمد وهو الأشعري وقد وثّقه الشيخ في رجال الرضاعليه‌السلام من كتابه(٣) . والنجاشي لم يوثّقه(٤) ، وكذا الشيخ في الفهرست(٥) .

والثالث : فيه علي بن إسحاق بن سعد ، والشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمةعليهم‌السلام ذكر : علي بن إسحاق بن سعد الأشعري وأنّ الراوي عنه البرقي(٦) .

والنجاشي قال : علي بن إسحاق بن عبد الله بن سعد الأشعري ثقة(٧) . وهو ما ذكره الشيخ ؛ لأنّ النجاشي ذكر أنّ الراوي عنه أحمد بن محمّد البرقي. وأمّا موسى بن الخزرج فلم أقف عليه في الرجال.

والرابع : فيه محمّد بن سهل وهو ابن اليسع ، لأنّه من أصحاب الرضا‌

__________________

(١) في « د » : بالتمام.

(٢) راجع ص ١٠٨٢.

(٣) رجال الطوسي : ٣٨١ / ٢١.

(٤) رجال النجاشي : ٢٩٢ / ٧٨٩.

(٥) الفهرست : ١١٩ / ٥٢٦.

(٦) رجال الطوسي : ٤٨٦ / ٥٦.

(٧) رجال النجاشي : ٢٧٩ / ٧٣٩.


والجوادعليهما‌السلام (١) ، وفي الرجال محمد بن سهل مكرر(٢) لكن من أصحاب الصادقعليه‌السلام في كتاب الشيخ(٣) .

ثمّ إنّ محمّد بن سهل غير ثقة ، وأبوه ثقة مرّتين في النجاشي(٤) . لكن لا يخفى أنّ ضمير « عنه » يرجع إلى محمد بن علي بن محبوب وهو مذكور في كتاب الشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام (٥) ، فروايته عن محمد بن سهل الذي هو راوٍ عن الجوادعليه‌السلام قد يستبعد ، إلاّ أنّه في حيّز الإمكان ، والشيخ فيما تقدم ذكر علي بن إسحاق في رجال من لم يرو مع أنّ الراوي عنه أحمد البرقي ، وهو مذكور في رجال الجواد والهاديعليهما‌السلام من كتاب الشيخ(٦) . وبالجملة فاصطلاح الشيخ مجمل المرام.

والخامس : موثّق كما تقدّم(٧) .

المتن :

في الأوّل : وإن كان مطلقاً في الإتمام في القرى ، إلاّ أنّه سيأتي ما يقيّده ممّا يدلّ على الاستيطان ، وما ذكره الشيخ في الوجه الأوّل من إقامة عشرة أيّام لا يتمّ في هذا الخبر ؛ لأنّه تضمّن القصر في غير أرضه ، والإقامة‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٦٧ / ٩٩٦.

(٢) في « د » : مكررا.

(٣) رجال الطوسي : ٢٨٩ / ١٤٧ ١٥٠ ، ٣٨٨ / ٢٥.

(٤) كذا نقله عنه ابن داود في رجاله : ١٠٨ ، ٢٠٨ ولكن الموجود فيه التوثيق مرّة واحدة. راجع رجال النجاشي : ١٨٦ / ٤٩٤.

(٥) رجال الطوسي : ٤٩٤ / ١٨.

(٦) رجال الطوسي : ٣٩٨ / ٨ و ٤١٠ / ١٦.

(٧) راجع ج ١ : ٧٩ و ١٦٨.


لا فرق فيها بين أرضه وغيرها ، كما لا يخفى.

والثاني : فيه دلالة على التقصير في الأربع ، فلو(١) قيل بالتخيير يحمل الخبر على الجواز. وما قد يظنّ من أنّ ظاهر الأمر يقتضي التعيين فذكرنا مثله سابقاً ، ولا مانع من كون السائل فهم التخيير بسبب ذكر الخمسة فراسخ في السؤال. أمّا حمل الشيخ على نيّة الإقامة فهو مع بُعده عن الظاهر لا يفي بدفع ما يدلّ عليه الخبر من التقصير فيما دون الثمانية حتماً ، فكان الأولى من الشيخ الالتفات إلى هذا ، فليتأمّل.

وأمّا الثالث : فالأولى فيه ما قاله شيخنا أيّده الله من أنّ الأمر بالإتمام يراد به في الضيعة وإن احتاج إلى تقييد الضيعة بالاستيطان ، ولو حمل على الإتمام في الطريق لكون الأربعة تقتضي التخيير ، ويجوز أن يكونعليه‌السلام رأى المصلحة في أمره بالإتمام كما رأى المصلحة في السابق في الأمر بالقصر ، إلاّ أنّ الخروج من مضايقة كون الأمر للوجوب العيني يقتضي الحمل الأوّل ، وقد توجّه الثاني بأنّ الاحتياج إلى التقييد يساوي الاحتياج إلى صرف الأمر عن ظاهره.

والرابع : يمكن حمله على إرادة عدم التقصير والإفطار في الضيعة ، أو أنّه على سبيل الإنكار كما ذكره شيخنا أيّده الله أمّا حمل الشيخ ففي غاية البعد كما في الثالث.

والخامس : لا يكاد يحوم التوجيه حول ما قاله الشيخ : من إرادة إقامة عشرة أيّام بعد قوله : « ولو لم يكن له إلاّ نخلة واحدة » وظاهر النهي عن التقصير والأمر بالصيام ، وقد استند إلى هذه الرواية القائلون بمجرّد الملك في لزوم التمام وإن لم يكن منزلاً ، والأمر كما ترى.

__________________

(١) في « رض » : ولو.


قوله :

والذي يدلّ على ذلك :

ما رواه سعد بن عبد الله ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن إسماعيل بن مرّار ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « من أتى ضيعته(١) ثمّ لم يرد المقام عشرة أيّام قصّر ، وإن أراد المقام عشرة أيّام أتم الصلاة ».

عنه ، عن إبراهيم ، عن البرقي ، عن سليمان بن جعفر الجعفري ، عن موسى بن حمزة بن بزيع قال : قلت لأبي الحسنعليه‌السلام : جعلت فداك إن لي ضيعة دون بغداد فأخرج من الكوفة أُريد بغداد فأُقيم في تلك الضيعة أُقصّر أو أُتمّ؟ فقال : « إن لم تنو المقام عشرة أيّام فقصّر ».

والوجه الثاني : أن تكون الأخبار محمولة على من يمرّ بمنزل له كان قد استوطنه ستّة أشهر فصاعداً فحينئذ يجب عليه التمام ، يدلّ على ذلك :

ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي نصر ، عن حمّاد بن عثمان ، عن علي بن يقطين قال : قلت لأبي الحسن الأوّلعليه‌السلام : الرجل يتّخذ المنزل فيمرّ به أيتمّ أم يقصّر؟ قال : « كلّ منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل وليس لك أن تتمّ فيه ».

عنه ، عن أيوب بن نوح ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٣٠ / ٨١٥ : ضيعة.


عثمان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : في الرجل يسافر فيمرّ بالمنزل له في الطريق أيتمّ الصلاة أم يقصّر؟ قال : « يقصّر ، إنّما هو المنزل الذي يوطنه(١) ».

عنه ، عن أيوب ، عن صفوان بن يحيى ، عن سعد ابن أبي خلف قال : سأل علي بن يقطين أبا الحسن الأوّلعليه‌السلام عن الدار يكون للرجل بمصر أو الضيعة فيمرّ بها؟ قال : « إن كان ممّا قد سكنه أتمّ فيه الصلاة ، وإن كان ممّا لم يسكنه فليقصّر ».

عنه ، عن أيّوب ، عن أبي طالب ، عن ابن أبي نصر ، عن حمّاد ابن عثمان ، عن علي بن يقطين قال : قلت لأبي الحسن الأوّلعليه‌السلام : إنّ لي ضياعاً ومنازل بين القرية والقريتين(٢) الفرسخين والثلاثة فقال : « كلّ منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير ».

عنه ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال : سألته عن الرجل يقصّر في ضيعته؟ فقال : « لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيّام ، إلاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه » فقلت : ما الاستيطان؟ فقال : « أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستّة أشهر ، فإذا كان كذلك يتمّ فيها متى يدخلها ».

السند‌ :

في الأوّل : فيه إسماعيل بن مرّار ، وهو في الظاهر مجهول الحال وإن كان مذكوراً في الرجال(٣) ، والراوي عنه إبراهيم بن هاشم ، وربما يستفاد‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٣٠ / ٨١٨ : توطّنه.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٣٠ / ٨٢٠ زيادة : الفرسخ و.

(٣) رجال الطوسي : ٤٤٧ / ٥٣.


من رواية إبراهيم عنه نوع مدح ؛ لما يظهر من القول في إبراهيم أنّه أوّل من نشر حديث الكوفيين بقم ، وأنّ أهل قم كانوا يُخرِجُون الراوي لمجرّد توهّم الريب فيه ، فلو كان إسماعيل فيه ارتياب لما روى عنه إبراهيم ، وفيه نظر إلاّ أنّه قابل للتوجيه ، ومن ثمَّ قلنا : في الظاهر أنه مجهول ، فتأمّل.

والثاني : فيه البرقي والظاهر أنّه محمد وقد تقدّم الكلام فيه(١) ، وسليمان بن جعفر ثقة في الرجال(٢) ، أمّا موسى بن حمزة بن بزيع فغير مذكور فيما رأيت.

والثالث : لا ارتياب فيه ، وكذلك الرابع والخامس.

والسادس : فيه أبو طالب وهو مشترك بين الثقة وغيره(٣) ، وقد يقرب احتمال عبد الله بن الصلت لولا أنّ الراوي عنه أحمد بن أبي عبد الله البرقي ، والراوي عن أبي طالب البصري المذكور مهملاً البرقي أيضاً ، على أنّ في الرجال أبا طالب الشغراني والراوي عنه محمد البرقي(٤) وهو بصري أيضاً ، فاحتمال اتحاده مع السابق ممكن لولا اختلاف الراوي عنه ، وهو مهمل ولا يخفى قرب مرتبة أيّوب بن نوح منه.

وأمّا السابع : ففيه أحمد بن الحسن في النسخة التي وجدتها ، وفي نسخة أحمد بن الحسين ، وهو في التهذيب(٥) ، وأحمد بن الحسن على ما هنا مشترك ، وعلى تقدير الحسين كذلك(٦) ، إلاّ أنّ شيخناقدس‌سره قال في فوائد‌

__________________

(١) في ص ٦٨.

(٢) وثقه النجاشي في رجاله : ١٨٢ / ٤٨٣ ، والشيخ في الفهرست : ٧٨ / ٣١٨ ، وفي الرجال : ٣٥١ / ١٠ ، ٣٧٧ / ١.

(٣) هداية المحدثين : ٢٨٦.

(٤) رجال النجاشي : ٤٥٩ / ١٢٥٥ ، والفهرست : ١٨٧ / ٨٤١ ، وفيهما : الشعراني.

(٥) التهذيب ٣ : ٢١٣ / ٥٢٠.

(٦) راجع هداية المحدثين : ١٧٠ ، ١٧١.


الكتاب : إنّ الظاهر كون أحمد بن الحسين هو ابن عمر بن يزيد وقد وثّقه النجاشي(١) . فتكون الرواية صحيحة ، وشيخنا أيّده الله قال في فوائده : إنّه إمّا ابن عمر بن يزيد أو ابن الحسين بن سعيد ، وعلى كلّ حال فالرواية في الفقيه مروية بطريق صحيح(٢) .

المتن :

في الأوّل : كما ترى لا يدلّ على مطلوب الشيخ ، ولا يبعد أن يكون لفظ « ضيعته » في الخبر غلط ، وإنّما هي ضيعةً(٣) ، لكن النسخة التي رأيتها ما ذكرته ، وعلى تقدير ذلك يشكل الخبر بأنّ ما دلّ على إقامة ستّة أشهر ينافيه إطلاق الرواية ، ولو قيّد بعدم الإقامة ستّة أشهر رجع إلى ملاحظة الوجه الثاني ، لا أنّه مستقل كما لا يخفى.

والثاني : ما قلناه آتٍ فيه ، على أنّ الحمل المذكور يقتضي أنّ مسير الأربعة فراسخ يوجب التقصير حتماً ؛ لأنّهعليه‌السلام حينئذ جعل التقصير ما لم ينو مقام عشرة أيّام ، ولو كان التخيير محتملاً لما تعيّن التمام ، واحتمال إرادة الرجوع ينافيه ظاهر الأخبار ، وبالجملة فالشيخ لو ترك هذا الوجه كان أسْلَم له من محاذير لا تخفى على من تأمّل الأخبار ولاحظها بعين الاعتبار.

وأمّا الثالث : فالظاهر منه الاستيطان في الحال وما يقاربه كما نفصّله فيما بعد عند ذكر خبر ابن بزيع ، والظاهر من كلام الشيخ في الوجه الثاني اعتبار الماضي ، فالخبر لا يدل على مطلوبه. وهكذا الرابع.

__________________

(١) رجال النجاشي : ٨٣ / ٢٠٠.

(٢) الفقيه ١ : ٢٨٨ / ١٣١٠.

(٣) كما في المطبوع من الاستبصار ، راجع ص ٧١.


أمّا الخامس : فله دلالة على ما قاله الشيخ من جهة صدره وإن كان عجزه يقتضي خلاف ذلك.

والسادس : مثل ما عدا الخامس.

والسابع : كما ترى يدل على نحو غير الخامس ، لكن الوالدقدس‌سره وشيخناقدس‌سره ظنا منه الدلالة على إقامة كلّ سنة ستة أشهر(١) وقد ظنا أيضاً أنّ كلام الصدوق في الفقيه يدلّ على ذلك(٢) .

وفي نظري القاصر أنّه محل نظر :

أمّا أوّلاً : فلأنّ خبر سعد بن أبي خلف دلّ على الماضي ، وخبر محمد بن إسماعيل يقتضي الفعل الواقع فيه إمّا الحال أو الاستقبال ، وحينئذ لا بدّ من التجوّز في خبر سعد بإرادة ما تضمّنه خبر محمد بن إسماعيل ، أو التجوّز في خبر محمد بن إسماعيل بإرادة ما في خبر سعد ؛ إذ(٣) التنافي واقع.

أو يجمع بينهما بإرادة ما يقرب من الحال في خبر سعد ، ويراد في خبر محمد بن إسماعيل بالحال وما قاربه من الماضي ، لكن إرادة الحال المحض والاستقبال من خبر سعد موقوفة على القرينة ، وإرادة الماضي من خبر محمد بن إسماعيل كذلك ، وكذلك تقدير إرادة ما يقرب من الحال ، والقرينة منتفية في الجميع بالنسبة إلينا ، وجعل أحد الخبرين قرينة في الآخر موقوف على العلم ليترجّح أحد الأمرين أو الأُمور ، وحيث لا قرينة فيمكن ادّعاء العمل بكلّ من الخبرين لعدم الترجيح.

__________________

(١) مدارك الأحكام ٤ : ٤٤٤.

(٢) الفقيه ١ : ٢٨٨.

(٣) في « رض » : إذا.


ولا يضرّ بحال السائلين من حيث الإجمال ؛ لاحتمال علم كلّ واحد بالقرينة ولم تصل إلينا ، وحينئذ فالعمل يجوز بكلّ منهما ، فيكتفى بالإقامة الماضية والإقامة في الحال ، أمّا الاستقبال فالظاهر أنّه منتف ، إذ لا وجه للإقامة المستقبلة في التمام قبلها إلاّ بقصد الإقامة ، وانتفاء تأثيره كأنّه واضح ؛ إذ لا قائل به ، فلم يبق إلاّ ما ذكرناه.

ولو قطع النظر عن رواية سعد ، وكان الالتفات إلى رواية محمّد بن إسماعيل كما وقع للوالدقدس‌سره وشيخناقدس‌سره فالظاهر أنّه لا بدّ من التزام عدم تأثير الماضي من الإقامة بل يعتبر الحال ، وحينئذ لا وجه لاعتبار كلّ سنة ، إذ الظاهر منه أنّه لو مضى سنة أو أكثر خالية من الإقامة لا يتم والحال أنّ ظاهر الخبر اعتبار الحال ، فالتعبير بكل سنة غير واضح الوجه.

نعم ربما يدّعى دخول ما قرب من الحال ، كأن يقيم نصف السنة الأخير مثلاً ثمّ يسافر في أول السنة الثانية ، فإنّ الأُولى بالنسبة إلى الثانية وإن كانت ماضية إلاّ أنّها قريبة من الحال ، بخلاف ما إذا أقام نصف سنة من الاولى في أوّلها ثم سافر نصف سنة ورجع في أول الثانية ، أو أقام نصف سنة ثم سافر وبقي مسافراً ، أو أقام في غير الضيعة سنة ثم رجع فإنه يبعد دخوله في الخبر ، وإن كان للمناقشة في صدق الحال مجال ، إلاّ أنّ بالتكلّف يمكن ادّعاء الدخول في الخبر ، وعلى كل حال لا وجه لاعتبار كل سنة.

ولو نظرنا إلى الجمع بين الخبرين فيراد الإقامة في الماضي والحال ، وردّ الإشكال في أنّ الماضي والحال لا يشترط اجتماعهما ، بل لو فرض حصول الإقامة في سنة ماضية ثمّ وقع الفصل بين الماضية والسنة الثانية وتحقّقت الإقامة في السنة الثالثة مثلاً يصدق الإقامة ستةً في الماضي والحال ، وإرادة الاتصال غير مستفادة من الخبرين.


على أنّ الجمع بين الخبرين يقتضي الألغاز في كلّ منهما ، وإشكاله واضح ، إلاّ أن يقال : إنّ القرينة كانت لكلّ من الروايتين بما يزيل الألغاز.

وفيه : أنّ مع فرض عدم(١) القرينة بالنسبة إلينا إذا وجب العمل بالخبرين كان احتمال(٢) اتصال الماضي بالحال وعدمه محتملاً ، فلا وجه لترجيح الاتصال إذ لا مرجّح له.

على أنّه قد يبحث في العمل مع الإجمال إذا لم يبيّن فيقال : إنّ التقصير فرض المسافر ما لم يحصل مقتضى الإتمام من الشارع ، والإقامة ستّة أشهر مجملة في الأخبار بعد ما قررناه ، فكيف يحكم بشي‌ء من دون البيان؟.

فإنّ قلت : العمل بالمجمل إذا علم منه شي‌ء ما لا ريب فيه ، إنّما الإشكال في العمل بالمجمل في جميع احتمالاته.

قلت : النزاع في تحقّق شي‌ء من المجمل ؛ لأنّ الإقامة ستّة أشهر إمّا ماضية أو في الحال ، فإذا لم يعلم أحدهما كيف يعمل بالماضي؟.

نعم يخطر في البال إمكان أن يقال : إنّ الإقامة ستّة أشهر في كلّ سنة من الماضي إلى الحال الذي دخل فيه المسافر إلى البلد أو الموضع ، يتحقق فيها الإتمام ؛ لأنّ المراد في الخبرين إذا كان إمّا في الماضي أو الحال فإذا حصل الماضي والحال فلا ريب في وجوب التمام ، بخلاف ما إذا حصل في أحدهما وهذا يصلح وجهاً لما قاله مشايخنا5 (٣) وإن لم يكن ملحوظاً لهم ، لأنّ الوالدقدس‌سره قال : إنّ الإقامة كلّ سنة تلوح من النص. وعنى به خبر ابن بزيع ، والنص له ظهور في الحال لا في كلّ سنة.

__________________

(١) ساقط من « رض ».

(٢) كذا في النسخ ، والأنسب : اعتبار.

(٣) راجع ص ١١١٢.


وشيخناقدس‌سره قال في المدارك : إنّ الأصحاب استندوا إلى رواية ابن بزيع في اعتبار الإقامة في الملك ستّة أشهر ، وهي غير دالة على ما ذكروه ، بل المتبادر منها اعتبار إقامة ستّة أشهر في كلّ سنة(١) .

وأنت إذا تأمّلت ما حرّرناه بعين العناية ترى أنّ ما قالاه محلّ تأمّل.

وقد يمكن بالعناية أن توجّه دلالة الرواية من حيثيّة أُخرى ، وهو أنّ المراد بكلّ سنةٍ : كلّ سنةٍ يدخل فيها إلى البلد ، بمعنى أنّ محلّ الإقامة إن دخله في سنة الإقامة ستّة أشهر وجب التمام ، وإن دخله في غيرها لزمه التقصير ، فيراد بكلّ سنةٍ كلّ ما دخل ، وهذا يقتضي أنّه لو اختلفت السنة مسمّى الاختلاف يتعيّن التقصير ، كما لو سافر بعد ستّة أشهر من النصف الثاني من السنة ، والحال أنّ الظاهر من اعتبار الحال دخول مثل هذا في وجوب التمام.

على أنّ قطع النظر عن رواية سعد لا وجه له ، سيّما وهي صحيحة عند شيخناقدس‌سره أمّا الوالدقدس‌سره فربما يطعن فيها باعتبار أُصوله ، وإن كان في الظن أنّه لا ارتياب في صحّتها ؛ إذ رجالها موثّقون بالاثنين(٢) ؛ ولو قطعنا النظر عن رواية سعد أمكن أن يلتفت إلى ما وجّهناه ، وإن كان بعدُ لا يخلو من تأمّل.

وأمّا ثانياً : فما يُظنّ من الصدوق أنّه يَعْتَبِر كلّ سنة في الإقامة غير ظاهر الوجه ، لأنّ عبارته بعد نقل رواية إسماعيل بن الفضل : قال مصنف هذا الكتاب : يعني : بذلك إذا أراد المقام في قراه وأرضه عشرة ، ومتى لم يرد المقام بها عشرة قصّر ، إلاّ أن يكون له بها منزل يكون فيه في السنة ستّة أشهر ، فإذا كان كذلك أتمّ متى دخلها ، وتصديق ذلك ما رواه محمد بن‌

__________________

(١) مدارك الأحكام ٤ : ٤٤٤.

(٢) كذا ، ولعلّ المراد توثيق النجاشي والشيخ.


إسماعيل ، وذكر الرواية(١) .

وهذه العبارة محتملة لأنّ يريد بالسنة التي دخل فيها إلى البلد بعد الإقامة لا كلّ سنة ، ( ولو لم يكن ظاهره )(٢) فاحتمال ما ذكرناه موجود ، ومعه لا يتمّ إطلاق القول من الوالدقدس‌سره بأنّ ظاهر البعض يعني به الصدوق اعتبار إقامتها في كلّ سنة ، وكذلك قول شيخناقدس‌سره : وبهذا يعني إقامة كلّ سنةٍ صرّح ابن بابويه فيمن لا يحضره الفقيه.

والعجب من الوالدقدس‌سره أنّه قال : إنّ قول الصدوق هو الذي يلوح من النص ، والحال أنّ الذي يصرّح به النص اعتبار الحال أو الاستقبال كما سبق. والعجب أيضاً من شيخنا أنّه ادّعى صراحة النص.

وبالجملة : فما ذكرناه في هذا المقام لم أرَ من حام حول الحقيقة من الأعلام فينبغي ملاحظته بالتأمّل التام.

ويبقى هنا أُمور :

الأوّل : قال بعض محقّقي المتأخّرينرحمه‌الله : الظاهر عدم اشتراط الملك للإتمام في بلده الذي هو منشؤه ومستوطنه مدة عمره(٣) . وكأنّه يعني بما ذكره على القول باشتراط الملك كما صرّح به بعض الأصحاب كالمحقّق في الشرائع حيث قال : الثالث أن لا يقطع السفر بإقامة في أثنائه ، فلو عزم على مسافة وفي طريقه ملك له قد استوطنه ستّة أشهر ( أتمّ في طريقه وفي ملكه )(٤) وكذا لو نوى الإقامة في بعض المسافة(٥) .

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٨٨.

(٢) كذا في النسخ ، والظاهر : ولو لم تكن ظاهرة.

(٣) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٧٥.

(٤) ما بين القوسين أثبتناه من المصدر.

(٥) الشرائع ١ : ١٣٣.


وهذه العبارة ذكر شيخناقدس‌سره في شرحها : أنّ المراد بالإقامة في الأوّل الإقامة الشرعية المتحقّقة بنيّة العشرة والوصول إلى الوطن ، والإقامة الثانية هي إقامة العشرة. ثمّ قال شيخناقدس‌سره : ولو جعل الشرط عدم قطع السفر بنيّة إقامة العشرة والوصول إلى وطنه كان أظهر(١) . انتهى.

ولا يخفى أنّه لو أراد المحقّق الوطن مطلقاً لدخل فيه البلد التي يتّخذها الإنسان دار إقامة على الدوام ، واعتبار الإقامة فيها ستّة أشهر محلّ تأمّل.

وقد ذكر الشهيد في الذكرى : أنّ الأقرب اشتراط الاستيطان ستة أشهر في البلد المذكور(٢) . وهو يدلّ على أنّ الخلاف موجود.

والعلاّمة مع جماعة صرّحوا بأنّ البلد المتّخذ دار إقامة ملحق بالمنزل المستوطن ستّة أشهر كما نقله شيخناقدس‌سره (٣) والإلحاق كما ترى محتمل لأنّ يراد به في اعتبار إقامة ستّة أشهر أو أنّه ملحق به في الإتمام وإن لم يقم ، وإن أمكن دعوى ظهور الأوّل.

والعجب من شيخناقدس‌سره أنّه قال بعد ذكر الإلحاق : ولا بأس به ؛ لخروج المسافر عن كونه مسافراً بالوصول إليها عرفاً. ثم نقل عن الذكرى ما ذكرناه ، ثم قال : وهو غير بعيد ؛ لأنّ الاستيطان على هذا الوجه إذا كان معتبراً مع وجود الملك فمع عدمه أولى(٤) .

وأنت خبير بأنّ الدليل الأوّل وهو الخروج عن كونه مسافراً ينافي الدليل الثاني ؛ لأنّ الثاني مقتضاه تحقّق السفر ليحتاج إلى اعتبار الإقامة.

__________________

(١) مدارك الأحكام ٤ : ٤٤١.

(٢) الذكرى : ٢٥٧.

(٣) مدارك الاحكام ٤ : ٤٤٥.

(٤) مدارك الاحكام ٤ : ٤٤٥.


وعلى كل حالٍ فللبحث في اعتبار الستة الأشهر(١) في البلد المتّخذ للإقامة على الدوام مجال واسع.

وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ عبارة المحقّق على تقدير الحمل المذكور سابقاً بأن يراد بالوطن ما يعمّ البلد المتّخذ للإقامة يلزم أنّ ما قاله فيما بعد : والوطن الذي يُتمّ فيه هو كلّ موضع له فيه ملك قد استوطنه ستة أشهُر(٢) . يفيد أنّ البلد المتّخذ للإقامة على الدوام إذا لم يكن فيه ملك لا يجب فيه الإتمام وإن أقام ستّة أشهُر ، والحال لا يخلو من إشكال ؛ لأنّ ظاهر بعض الأخبار المعتبرة اعتبار(٣) المنزل ، وهو أعمّ من الملك.

ولو حملت الأخبار الدالة على الملك على غير البلد المتّخذ للإقامة على الدوام أمكن الجمع بينها وبين ما دلّ على أنّ الوصول إلى الضياع يوجب الإتمام مطلقا ، وقد تقدّمت جملة من الأخبار ، وسيأتي بعض منها ، وباقيها في غير الكتاب.

وفي الظن أنّ هذا الوجه غير بعيد ، وحينئذ يراد بالإلحاق في كلام البعض هذا المعنى ، فلا يعتبر إقامة الستّة ، لكن لم أرَ الآن من صرّح به ، بل ظاهر من رأينا كلامه اعتبار الملك في المنزل.

ولو أراد المحقّق بيان الوطن الوارد في الأخبار المتوقف على الإقامة ستة أشهر لا مطلق الوطن لزم الإخلال بترك بعض الأفراد ، فالظاهر منه العموم لكلّ وطن ، والإشكال فيه واقع كما ذكرناه.

__________________

(١) كذا في النسخ ، والأنسب : أشهُر.

(٢) الشرائع ١ : ١٣٣.

(٣) ليست في « د ».


ومن تأمّل الأخبار حقّ التأمّل يعلم أنّ الجمع بهذا الوجه ممكن ، ويتفرع على هذا مثل الولد إذا لم يكن له ملك ، فإنّ لزوم الإقامة في كلّ سنة أو في سنة مشكل ، وعدم الاعتبار كذلك.

ويمكن تأييد أخبار الإقامة ستة أشهر مضافاً إلى ما دلّ على الملك بالأخبار الدالة على أنّ المسافر يقصّر ما لم ينو مقام عشرة أيّام فإنّها عامّة ، فإذا خرج منها صاحب الملك والإقامة بقي ما عداه ، والأخبار الواردة مجملة ، فالإتمام في الضيعة لا يخلو من إجمال ، ويؤيّده أيضاً استصحاب القصر. وقد يقال : إنّ هذا معارض مع ما تقدّم من عدم صدق السفر بأنّ التمام هو الأصل ، والأخبار الواردة بأنّ المسافر يتمّ في أهله ، فليتأمّل.

وفي الروضة قال جدّيقدس‌سره عند قول الشهيدرحمه‌الله : وأن لا يقطع السفر بمروره على منزله : وهو ملكه من العقار الذي قد استوطنه أو بلده التي لا يخرج عن حدودها الشرعية ستّة أشهر فصاعداً بنيّة الإقامة الموجبة للتمام متوالية أو متفرقة أو منوي الإقامة على الدوام مع استيطانه المدّة وإن لم يكن له ملك(١) .

وهذه العبارة قد تكلّمنا فيها في حاشية الكتاب بما لا مزيد عليه ، والمقصود هنا أنّ قوله أخيراً : وإن لم يكن له ملك ، يدلّ على أنّ اعتبار الملك على الإطلاق ليس موضع وفاق.

وفي كلام بعض محقّقي المتأخّرين نحو ما قلناه(٢) . وحينئذ تحصل التقوية للاحتمال الذي قدّمناه ، وإن اختص كلام جدّيقدس‌سره باشتراط الاستيطان المدّة ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

__________________

(١) الروضة البهية ١ : ٣٧٢.

(٢) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٧٦.


الثاني : قال بعض المحقّقين نحو ما قاله جدّيقدس‌سره في الروضة من عدم اشتراط التوالي(١) . لكن لم يذكر الدليل ، ولعلّه لإطلاق الأخبار ، لكن اشتراط جدّيقدس‌سره نيّة الإقامة محلّ كلام ، لأنّه لو اتفق التردّد ثلاثين يوماً(٢) يمكن ادّعاء تحقّق الإقامة ، إلاّ أن يقال : إنّ المتبادر من الإقامة نيّة الإقامة ، كما ادّعاه البعض(٣) .

ثم الأشهُر لا يخلو من إشكال في الهلاليّة والعدديّة على الإطلاق والتفصيل بالابتداء في الهلال وعدمه ، ولهذا نظائر في الفقه يعلمها من تتبّع الفروع ، إلاّ أنّ الدليل محلّ بحث ، فليتأمّل.

الثالث : قد علمت حكم الملك ، لكن لو زال الملك قال بعض الأصحاب : زال الحكم المعلّق به ؛ لأنّ ظاهر الأخبار يقتضي ذلك(٤) .

وأنت خبير بأنّ هذا على الإطلاق مشكل ؛ لأنّ زوال الملك قد يكون مع الاستيطان ( ستّة أشهُر ، وقد يكون مع بقاء الاستيطان )(٥) بقصد الدوام ، والزوال حينئذ إن كان بالاتفاق أشكل ما قدّمناه من الخلاف في الجملة ، وإن كان المراد زوال الملك مع زوال الاستيطان فله وجه ، غير أنّ ظاهر أصحابنا المتأخّرين الاكتفاء بإقامة الستّة الأشهر ولو مرّة فزوال الملك إذا اقتضى الزوال ينبغي زوال الاستيطان كذلك ؛ لأنّ النّص تضمّن الاستيطان في الملك ستّة أشهر ، فالفارق بين الملك والاستيطان غير واضح.

وقد ذكر شيخنا بعد عبارة المحقّق المتضمّنة لأنّ الوطن كلّ موضع له‌

__________________

(١) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٧٦.

(٢) ليست في « د » و « فض ».

(٣) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٧٦.

(٤) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٧٦.

(٥) ما بين القوسين ساقط من « رض ».


فيه ملك قد استوطنه ستّة أشهر : أنّ إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في الملك بين المنزل وغيره ، قال : وبهذا التعميم جزم العلاّمة ومن تأخّر عنه ، وصرّحوا بالاكتفاء بالشجرة الواحدة ، واستدلوا عليه بالرواية السابقة لعمّار(١) .

ولا يخفى أنّ رواية عمّار دالةٌ على أنّ مجرّد الملك كاف ، وعبارة المحقق تضمّنت أنّه لا بدّ من الاستيطان ستة أشهر في الملك(٢) ، فالعجب من عدم تعرّضه ؛ لأنّ الرواية غير وافية بالاستدلال ، بل اقتصر على ردّها بالضعف ، ثمّ(٣) قال : والأصحّ اعتبار المنزل(٤) ، ثم لم يبيّن المنزل أهو المملوك أم غيره وإن كان الظاهر منه كونه مملوكاً بقرينة المقام ، لكن الاستدلال منه برواية ابن بزيع على الملك محلّ تأمّل(٥) كما قدّمناه ، وبالجملة فالإجمال في مثل هذه المواضع ممّا لا ينبغي.

قوله :

فأمّا ما رواه أحمد بن محمد ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الله بن بكير ، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : الرجل له الضياع بعضها قريب من بعض فيخرج فيطوف فيها أيتمّ أم يقصر؟ قال : « يُتِمّ ».

فليس في هذا الخبر ما ينافي ما قدّمناه ، لأنّه ليس فيه ذكر مقدار‌

__________________

(١) مدارك الأحكام ٤ : ٤٤٣.

(٢) الشرائع ١ : ١٣٣.

(٣) ليست في « رض ».

(٤) مدارك الاحكام ٤ : ٤٤٣.

(٥) مدارك الاحكام ٤ : ٤٤٣.


المسافة التي يخرج فيها ، وإذا لم يكن ذلك فيه احتمل أن يكون المراد به إذا كان الضيعة قريبة إليه فلا يجب عليه حينئذ التقصير.

فامّا ما رواه محمد بن يعقوب ، عن محمد بن الحسن وغيره ، عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال : سألت الرضاعليه‌السلام ، عن الرجل يخرج إلى ضيعته فيقيم اليوم واليومين والثلاثة أيقصّر أم يتم؟ قال : « يتمّ الصلاة كلّما أتى ضيعة من ضياعه ».

فالوجه في هذا الخبر ما قدّمناه في الأخبار الأوّلة سواء

السند‌ :

في الأوّل : فيه عبد الله بن بكير وقد تقدّم القول فيه مفصّلاً(١) ، والحاصل أنّ الشيخ في الفهرست قال : إنّه فطحيٌّ ثقة(٢) . والنجاشي لم يذكر الأمرين(٣) . وأمّا عبد الرحمن بن الحجاج ففيه كلام قدّمناه(٤) أيضاً ، إلاّ أنّ المعروف بين المتأخّرين الجزم بصحّة حديثه إذا خلا من الموانع(٥) في غيره.

والثاني : فيه سهل بن زياد وقد تكرّر ذكره(٦) ، ومحمد بن الحسن فيه هو الصفار على ما ذكره شيخنا المحقق أيّده الله مشافهة.

__________________

(١) راجع ص ٨٩.

(٢) الفهرست : ١٠٦ / ٤٥٢.

(٣) رجال النجاشي : ٢٢٢ / ٥٨١.

(٤) في ص ٦٤٥ و ٧٣٣.

(٥) في « رض » زيادة : غيره.

(٦) راجع ص ٩٥.


المتن :

في الأوّل : ما ذكره الشيخ فيه بعيد جدّاً ؛ لأنّ ظاهر كلامه أنّ المسافة من محلّ الخروج إلى الضياع غير محقّقة فيحمل الخبر على عدم المسافة ، وأنت خبير بأنّ سؤال مثل عبد الرحمن عن الضياع التي لم يكن منها إلى محلّ الخروج مسافة غير معقول ، بل الظاهر من السؤال أنّ الطريق إلى الضياع مسافة ، غير أنّ صاحبها لا يستقرّ في ضيعة بل يطوف في جميعها.

والجواب حينئذ بأنّه : « يتمّ » قابل لموافقة ما تقدّم من الحمل على إقامة العشرة في كلّ قرية وإن كان البُعد السابق هنا أشدّ ، ولا يبعد أن يحمل الخبر على تقدير حمل الشيخ على إقامة العشرة ، بأنّ تكون الإقامة في مجموع الضياع ، إلاّ أنّ الظاهر من أخبار إقامة العشرة أنّها في موضع معيّن مخصوص.

وقد صرّح العلاّمة في المنتهى بأنّ المسافر لو عزم على إقامة طويلة في رستاق ينتقل(١) من قرية إلى قرية(٢) ولم يعزم على الإقامة في واحد منها المدّة التي يبطل حكم السفر فيها لم يبطل حكم سفره ؛ لأنّه لم ينو الإقامة في بلد بعينه ، فكان كالمتنقّل في سفره من منزل إلى منزل(٣) .

وهذا الكلام من العلاّمة وإن أمكن الدخل فيه بأنّ في بعض أخبار إقامة العشرة ما لفظه : « إذا دخلت أرضاً فأيْقنت أن لك بها مقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة » الحديث(٤) . ولا دلالة فيه على التعيين من كلّ وجه. نعم في‌

__________________

(١) في « رض » : فانتقل.

(٢) في « رض » زيادة : أخرى.

(٣) المنتهى ١ : ٣٩٨.

(٤) التهذيب ٣ : ٢١٩ / ٥٤٦ ، الوسائل ٨ : ٥٠٠ أبواب صلاة المسافر ب ١٥ ح ٩.


بعضها : « إذا أتيت بلداً »(١) وهو بظاهره يقتضي الاتحاد في البلد ، وإن أمكن أن يقال : إنّ اعتبار البلد غير منحصر ، للتصريح بأنّ نيّة الإقامة في البادية كافية في كلام البعض نظراً إلى العموم ، ولي فيه تأمّل من حيث إن العموم قابل للتخصيص بالبلد ، وعلى تقدير عدم التخصيص يحتمل أن يراد ما يشبه البلد من التعيّن في الجملة ، كما يجي‌ء بيان ما لا بدّ منه إن شاء الله.

على أنّ كلام العلاّمة ظاهره لا يخلو من شي‌ء ؛ لأنّ أوّل الكلام يقتضي التعيّن ، وقوله أخيراً : فكان كالمتنقّل في سفره من منزل إلى منزل. يدلّ على عدم التعيّن.

وإذا عرفت هذا فالشيخ له أن يردّ الاحتمال الذي قلناه بأنّ إقامة العشرة إنّما هي في البلد وما يشبهها في التعيين بخلاف مثل المتقاربة ، فمن ثمَّ لم يذكر ما تقدّم من أحد الوجهين.

وربما يقال : إنّ الحديث الذي أشرنا إليه من قولهعليه‌السلام : « إذا دخلت أرضاً » يتناول الضياع القريبة ، وقد سمعت ما فيه من جهة المعارض واحتمال دفعه ، وهذا على سبيل المماشاة مع الشيخ ، وإلاّ فقد قدّمنا ما في الحمل على إقامة العشرة ، واحتمال إقامة الستة أشهُر هنا أشدّ بُعداً كما لا يخفى.

ولو حمل الخبر على عدم صدق السفر بالدوران في الضياع كما ذكره بعض الأصحاب : من أنّ المسافر لو قطع المسافة في شهرين أو ثلاثة لا يقصّر لأنّه لا يسمّى مسافراً. كان ممكناً ، لكنّ البُعد فيه غير خفيّ ، مضافاً إلى أنّه يقتضي أنّ السؤال عن غير ما ذكرناه أوّلاً من جهة كونه مسافراً في‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٢١ / ٥٥٢.


مسافة ثمّ وصل إلى ضياعه بل تكون المسافة من جملتها الضياع ، وظاهر السؤال خلاف هذا ، فليتأمّل.

وأمّا ما ذكره الشيخ في الثاني فالكلام فيه قد سبق في الوجهين بما يغني عن الإعادة.

قوله :

باب المسافر ينزل على بعض أهله‌

أخبرني الشيخ ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن أبان بن عثمان ، عن الفضل بن عبد الملك قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن المسافر ينزل على بعض أهله يوماً أو ليلة؟ قال : « يقصّر الصلاة ».

فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن داود بن الحصين ، عن فضل البقباق ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن المسافر ينزل على بعض أهله يوماً أو ليلةً أو ثلاثاً؟ قال : « ما أُحبّ أن يقصّر الصلاة ».

فالوجه في هذه الرواية ضرب من الاستحباب حسب ما صرّح به(١) .

السند‌ :

في الأوّل قد تقدّم مراراً.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٣٢ : فيه.


والثاني : فيه داود بن الحصين وقد قال النجاشي : إنّه كوفيٌ ثقة روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام وإنّه كان يصحب أبا العباس البقباق(١) . والشيخ قال : إنّه واقفي في أصحاب الكاظمعليه‌السلام من كتابه(٢) . وجماعة من المتأخّرين قالوا : إنّه لا منافاة بين توثيق النجاشي وكونه واقفياً ؛ إذ الجمع ممكن(٣) .

وقد أسلفنا ما يدفع هذا ؛ لأنّ ترك النجاشي ذكر الوقف دليل على نفيه ، إذ ليس من عادته عدم ذكر أصحاب الوقف ونحوهم ، فالترك في مثل هذا أوضح شاهد على نفيه ، غاية الأمر يبقى التعارض بين نفي الوقف من النجاشي وإثباته من الشيخ ، وللنجاشي مزيّة توجب ترجيح العدم ، لا ما قاله البعض : من أنّ الجرح مقدّم على التعديل ؛ لاحتمال اطّلاع الجارح على ما لم يطّلع عليه المعدّل(٤) . فإنّ هذا بتقدير تمامه لا يتمّ في مثل النجاشي ، كما يعلم من تثبّته وتفتيشه زائداً على غيره.

وإنّما قلنا بتقدير تمامه لإمكان الدخل فيما ذكر من حيث إنّ الإخبار بالتزكية إن كان يكفي فيه مجرّد الظاهر من غير تفتيش على غيره فهو موقوف على الإثبات بالدليل.

واحتمال الاعتماد على ظواهر الآثار الدالة على الاكتفاء بمجرد الظاهر ، فيه ما فيه.

على أنّ الاكتفاء بالظاهر في العدالة لا معنى له ؛ إذ لو أُريد به مجرّد عدم علم الفسق دخل فيه المجهول ، والخلاف فيه واقع ، فلا يمكن‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٥٩ / ٤٢١.

(٢) رجال الطوسي : ٣٤٩.

(٣) منهم الجزائري في حاوي الأقوال ٣ : ٢٠٣.

(٤) قال به المحقق في معارج الأصول : ١٥٠.


الاستدلال به ، وإن أُريد به عدم اعتبار البواطن بل يكفي المعاشرة الظاهريّة المطلعة على حصول الملكة ، فاطّلاع الجارح على الفسق ( يقال فيه كما في العدالة ؛ لأنّ )(١) المعاشرة الظاهرية إذا علم منها الملكة بَعُد معها اطّلاع الجارح على الفسق مع المعاشرة الظاهريّة ، فالفرق لا وجه له.

نعم يمكن أن يقال : بجواز اطّلاع الجارح على أمر زائد عن الظاهر وإن لم يطّلع على الباطن ، أو اتفق الاطّلاع على الباطن.

وفيه : أنّ الاطّلاع على الباطن يكاد أن يلحق بالممتنعات ، والاطّلاع على الظاهر زيادة على المعدّل يمكن فرضه في غير الشيخ والنجاشي ، فليتأمّل.

أمّا ما قيل : من اعتبار ذكر السبب في الجارح دون المعدّل(٢) . فهو وإن كان مشهوراً إلاّ أنّه محلّ بحث ؛ لأنّ ما قيل في المعدّل : من أنّ أسباب التعديل كثيرة يصعب ذكرها لأنّه يحوج إلى أن يقال : لم يفعل كذا ولم يفعل كذا ، وهو شاق ، بخلاف الجارح ، فإنّه لا بدّ من البيان ؛ لاختلاف الناس فيما يوجبه باعتبار الكبيرة وتفسيرها(٣) .

ففيه : أنّ هذا آتٍ بعينه في التعديل كما لا يخفى ، إذ التعديل تابع ، فالاختلاف في أسباب الجرح راجع إلى الاختلاف في التعديل.

نعم ينبغي أن يعلم أن لمعرفة مذهب الجارح والمعدّل مدخلاً في الحكم ، فلو كان المخبِر بالعدالة والمخبِر بالفسق يرجعان إلى اعتقاد واحد أو بتقليد مجتهد متحد(٤) ، أو غيره مع الاتفاق في الفتوى(٥) . ولو احتمل‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « د » : مع.

(٢) قال به العلاّمة في مبادئ الأصول : ٢١٣.

(٣) كما في الدراية : ٧٠.

(٤) كذا ، والأولى : واحد.

(٥) في « د » زيادة : وأما بالاتفاق في الفتوى.


الاختلاف فالعمل بقول المعدِّل أو الجارح لا يخلو من نظر ، وأثر هذا بالنسبة إلى الشيخ والنجاشي له فائدة مهمّة في أُصول الحديث ، فإنّ المقرّر في الدراية أنّه مع العلم بالاتفاق يكتفى بالإطلاق(١) ، والعلم هنا غير حاصل ، وبدونه فالترجيح لا وجه له ، وحينئذ يرجع الأمر إلى مجرّد الإخبار.

ويبقى ترجيح النجاشي من حيث زيادة السبب في المواد التي يقع فيها القدح وعدمه من الكشي وغيره(٢) ، فإنّ الشيخ غالباً ما يعتمد على الكشي ، وقد يقع الاستناد في القدح إلى خبر يوهمه أو نحو ذلك ، على أنّ الذي يقتضيه النظر أنّ مرجع قول النجاشي والشيخ إلى الاجتهاد في التعديل والجرح ، وتقليدهما في هذا لا وجه له من المجتهد ، ومن غيره على تقدير عدم جواز تقليد الميت ، وعلى تقدير جواز التقليد أيّ فرق بين تقليدهم في هذا وتقليد مثل الصدوق في حكمه بصحّة الخبر؟ بل أيّ فرق بين تقليدهم وبين التقليد في الحكم بصحّة الحديث ، كما لو قال العلاّمة : روى فلان في الصحيح ، مع كون بعض الرجال غير مصرّح بتوثيقه في كتب الرجال؟ بل أيّ فرق بين التقليد في الفروع وفي الجرح والتعديل؟!

فإنّ قلت : الفرق هو الإجماع في الفروع بخلاف الجرح ، وأمّا قول الصدوق فيمكن أن يوجّه عدم الاعتماد عليه بالإجماع أيضاً ، أمّا قول العلاّمة فمع الإجماع يمكن ردّ ما قاله بشدّة ما وقع له من الأوهام في الرجال كما يعلمه من تتبّع الخلاصة.

وأوْضَحُهُ : ما وقع في حمزة بن بزيع حيث قال : إنّه من ثقات‌

__________________

(١) الدراية : ٧١.

(٢) في « رض » : في غيره.


الأصحاب(١) . والحال أنّه لم يذكر توثيقه أحد من الرجال المعروفين الذين اعتمد عليهم العلاّمة كما يعرف من الخلاصة ، فإنّه لا يخرج فيها غالباً عن الموجود الآن من كتب الرجال.

ووجه الوهم في حمزة أنّ النجاشي قال في ترجمة محمّد بن إسماعيل بن بزيع : إنّ ولد بزيع بيت منهم : حمزة بن بزيع ، وذكر بعد هذا أنّه كان من صالحي هذه الطائفة وثقاتهم(٢) . ومراده بهذا محمّد لا حمزة ، كما لا يخفى ، ومثل هذا كثير.

قلت : الإجماع في الفروع يمكن تسليمه ، أمّا في قول الصدوق فلا ، وكذلك العلاّمة ؛ لاعتماد بعض المتأخّرين عنه على تصحيح ما ذكره بالوصف في كتبه ، وأمّا الأوهام [ فضررها(٣) ] بالحال مشكلة ؛ إذ المرجع إلى الظن وهو يخطئ ويصيب ، إلاّ أن يقال : إنّ الخطأ متفاوت قلّة وكثرة.

والحقّ أنّ العلاّمةرحمه‌الله اعتمد في الرجال على كتاب ابن طاوس من دون تفتيش على الأُصول للرجال الموجودة في زمانه ، ومثل هذا الاعتماد مشكل ، بخلاف مثل الصدوق ؛ فإنّ الذي يظهر من حاله زيادة الاحتياط ، وكذلك النجاشي ، إلاّ أنّ الاعتماد على القول مع كونه اجتهاديّاً يتوقّف على الدليل.

وقد يمكن الاستدلال بما ذكروه من مفهوم آية( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ ) وإن أمكن الدخل فيها بأنّ الظاهر من الآية الإخبار بغير الفتوى ، والجرح والتعديل مرجعه إلى الفتوى.

__________________

(١) خلاصة العلاّمة : ٥٤.

(٢) رجال النجاشي : ٣٣٠ / ٨٩٣.

(٣) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : فضرورتها ، ولعلّ الأنسب ما أثبتناه.


وربما يقال : إنّها عامّة ، فإذا خرج التقليد ( في الفروع ، نفي ما عداه. وفيه ما فيه.

ولا يخفى أنّ الخروج عن الاتفاق بين من رأينا كلامهم على قبول الجرح والتعديل )(١) من مثل النجاشي غير ممكن بعد العمل بخبر الواحد ، وإنّما ذكرنا ما ذكرناه لبيان أنّ الغفلة عن تحقيق هذا غير لائقة.

وقد أشار جدّيقدس‌سره في شرح البداية إلى الإشكال بنوع آخر وهو : أنّ الاعتماد الآن في الجرح والتعديل على الكتب المصنّفة ، وقلّ ما يتعرّضون فيها لذكر السبب ، بل يقتصرون على قولهم : فلان ضعيف ، ونحوه(٢) .

وأنت خبير بأنّ ما قالهقدس‌سره لا يخلو من نظر ؛ لأنّ أكثر ما يقولون : إنّ الرجل فطحيٌّ وواقفيٌّ ، ولفظ « ضعيف » وإن وجد لكن ليس أكثريّاً ، فإن أراد بنحوه مثل واقفيّ فغير خفيّ أنّ السبب مبيّن ، وإن أراد غير ذلك فهو مجمل.

ثمّ إنّ الوقف ونحوه ليس من الأسباب التي تخفى على مثل النجاشي ليقال باحتمال أنّ الشيخ اطّلع على ما لم يطّلع عليه ، إذ مرجع هذا إلى كتب المتقدّمين والاطّلاع واحد إن لم يُرجَّح النجاشي ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا كلَّه فاعلم أنّه يمكن أن يستفاد مما قدّمناه(٣) في أوّل الكتاب قبول بعض الروايات الضعيفة نظراً إلى أنّ الشيخ أخذها من كتب معتمدة واستند إليها قرائن(٤) تفيد العمل بها ، فلا يقصر هذا عن تعديله‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط من « رض ».

(٢) الدراية : ٧٢.

(٣) ص ٤٢.

(٤) كذا ، ولعلّ الأولى : بقرائن.


للرجال.

فإنّ قلت : ما وجه التقييد ببعض الروايات الضعيفة؟

قلت : الوجه فيه أنّ بعضها إذا حصل له المعارض لا يتمّ العمل به.

وإذا تمهّد ما قلناه فلنعد إلى ما نحن بصدده ، فالفضل البقباق في الثاني هو أبو العباس الفضل بن عبد الملك ، والمذكور في الأوّل وهو الفضل بن عبد الملك بعينه الثاني ، إذ ليس في الرجال غيره ، وحينئذ فالروايتان باعتبار سؤاله مرّتين على الظاهر ، مع احتمال اختلاف الرواة عنه في كيفيّة الجواب ، واحتمال الجواب بالأمرين معاً ، فينبغي تأَمّل ذلك.

المتن :

في الخبرين ما ذكره الشيخ من الحمل على الاستحباب ، أظنّ أنّ مراده به استحباب نيّة الإقامة عشرة أيّام ، ولو أراد الشيخ استحباب التمام من دون الإقامة كان واضح الإشكال ، ويقرب أن يراد(١) : ما أُحبّ أن يقصّر ليلةً أو ليلتين أو ثلاثة بل ينبغي تخفيف الإقامة إن لم ينو المقام عشرة ، فيكون المراد من الشيخ استحباب ترك تقصير(٢) المدّة المذكورة بأنّ يرجع إلى وطنه أو ينوي الإقامة ، لكن لا يخفى أنّ هذا في مثل الليلة واليوم بعيد ، فلعلّ المراد في جميع ما ذكر.

ولو أردنا استحباب الإقامة عشرة قد يشكل بأنّ الحال قد لا يقتضي ذلك لاختلاف الأغراض ، ومن هنا يعلم أنّ ما ذكره شيخناقدس‌سره من أنّه لا وجه لما ذكره الشيخ بل الأولى أنّ يحمل على نيّة إقامة عشرة أيّام ، محلّ تأمّل ، والأمر سهل.

__________________

(١) في « رض » : أراد.

(٢) في « رض » : لتقصير.


قوله :

باب من يجب عليهم التمام في السفر.

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن محمد بن الحسن الصفار ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن إسماعيل بن أبي زياد ، عن جعفر ، عن أبيهعليهما‌السلام قال : « سبعة لا يقصّرون الصلاة : الجابي يدور في جبايته ، والأمير الذي يدور في إمارته ، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق ، والراعي ، والبدوي الذي يطلب مواضع القطر ومنبت الشجر ، والرجل الذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا ، والمحارب الذي يقطع السبيل ».

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن أبي المعزى ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال : « ليس على الملاّحين في سفرهم تقصير ولا على المكارين ولا على الجمّالين ».

أحمد بن محمد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة قال : قال أبو جعفرعليه‌السلام : « أربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو في حضر : المكاري والكرىّ ، والراعي ، والاشتقان لأنّه عملهم ».

عليّ بن إبراهيم ( عن محمد )(١) بن عيسى ، عن يونس ، عن إسحاق بن عمّار قال : سألته عن الملاّحين والأعراب هل عليهم تقصير؟ قال : « لا ، بيوتهم معهم ».

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط من « د ».


السند‌

في الأوّل : فيه إسماعيل بن أبي زياد وهو يقال للسكوني المكرّر ذكره(١) ، ويقال لابن أبي زياد السلَمي الثقة في النجاشي(٢) ، لكنّ المتكرّر رواية السكوني بهذه الصورة أعني عن جعفر عن أبيه كما هي عادة أهل الخلاف ، وقد يتّفق رواية الثقة بهذه الصورة ، وممّا قد يؤكّد كونه السكوني أنّ الصدوق في الفقيه نقل الرواية عن إسماعيل بن أبي زياد(٣) ، وفي المشيخة ذكر الطريق إلى السكوني(٤) ، لكن لا يخفى احتمال كون الطريق إلى ابن أبي زياد غير مذكور ، وفيه بُعد.

ثمّ إنّ في التهذيب : عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن عيسى عن عبد الله بن المغيرة(٥) .

والثاني : كما ترى أحمد بن محمد بن عيسى ، وفي التهذيب أحمد عن محمد بن عيسى ، عن أبي المعزى(٦) ، وأبو المعزى اسمه : حميد بن المثنى ثقة ثقة في النجاشي(٧) . والشيخ وثّقه أيضاً مرّة في الفهرست(٨) . ومما يؤيّد صحّة ما في التهذيب أنّ الراوي عن أبي المعزى في الرجال‌

__________________

(١) راجع ص ١٤١.

(٢) رجال النجاشي : ٢٧ / ٥١.

(٣) الفقيه ١ : ٢٨٢ / ١٢٨٢.

(٤) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٥٥.

(٥) التهذيب ٣ : ٢١٤ / ٥٢٤ ، الوسائل ٨ : ٤٨٦ أبواب صلاة المسافر ب ١١ ح ٩.

(٦) التهذيب ٣ : ٢١٤ / ٥٢٥ ، الوسائل ٨ : ٤٨٦ أبواب صلاة المسافر ب ١١ ح ٨.

(٧) رجال النجاشي : ١٣٣ / ٣٤٠.

(٨) الفهرست : ٦٠ / ٢٢٦.


صفوان ، وابن أبي عمير في الفهرست(١) . وفي النجاشي فضالة(٢) وعلي بن الحكم على احتمال ، فمرتبته فيها نوع بُعد عن أحمد بن محمد بن عيسى.

والثالث : لا ارتياب فيه.

المتن :

في الأوّل : ظاهر(٣) في أنّ الجابي لا يقصّر الصلاة إذا دار في جبايته ، فلو انتقل إلى غيرها لم يلحقه الحكم ، وكذلك الأمير والتاجر ، إلاّ أنّ الاختصاص في التاجر من سوق إلى سوق غير معلوم ، وأمّا الراعي والبدوي فالوصفان لا يبعد أن يرجع إليهما ، ويجوز إرجاع كلّ وصف إلى واحد ، وعلى كلّ حال يمكن فيهما ما قدّمناه.

وقد صرّح بعض الأصحاب بنحو هذا الاحتمال في الأخبار الآتية الدالة على أنّ المكاري والجمّال إذا جدّ بهما السير يقصّران ، حيث قال : يحتمل أنّ المكاري والجمّال إذا أنشآ سفراً غير صنعتهما(٤) . وإن كان في كلامه تأمّل نذكره إن شاء الله(٥) فيما يأتي(٦) .

ولعلّ المراد في قوله : « والمحارب الذي يقطع السبيل » القصد إلى قطع السبيل ، وهذه الرواية وإن كان في ظاهر الحال ثمرة الكلام فيها غير ظاهرة بعد ما قلناه في السند ، إلاّ أنّ رواية الصدوق لها تقتضي المزيّة كما‌

__________________

(١) الفهرست : ٦٠ / ٢٢٦.

(٢) رجال النجاشي : ١٣٣ / ٣٤٠.

(٣) في « د » : ظهور.

(٤) الذكرى : ٢٥٨.

(٥) في « رض » زيادة : تعالى.

(٦) في ص ١١٣٩.


قدّمناه(١) ، وفي الفقيه : « والذي يطلب مواضع القطر »(٢) وكأنّ ما هنا أظهر ، مع احتمال توجيه ما في الفقيه.

وأمّا الثاني : فهو كما ترى دالّ على أنّ المذكورين ليس عليهم التقصير في سفرهم ، لكن لا يبعد أن يكون المراد بسفرهم السفر المخصوص ، فلو سافر الملاّح في غير صنعته والمكاري والجمّال كذلك لم يلزمه الحكم.

فإن قلت : القيد إنّما هو للملاّحين فمن أين شموله للباقين؟

قلت : المتبادر في مثل هذا أن يكون للجميع ، والاكتفاء بذكر القيد أوّلاً عن إعادته.

وفي الكافي ذكر الرواية ، عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن صفوان بن يحيى ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال : « ليس على الملاّحين في سفينتهم تقصير ، ولا على المكاري والجمّال »(٣) وهذه الرواية كما ترى تدل على اختصاص الملاّحين بالسفينة ، بل على اختصاصهم(٤) بسفينتهم ، إلاّ أنّ الظاهر عدم اعتبار الاختصاص الثاني.

ثمّ إنّ المكاري والجمّال فيها غير مقيّدين إلاّ بأنّ يقدّر فيهما نحو ما في الملاّحين ، فهي وإن كانت بالنسبة إلى الملاّحين لها نوع تخصيص ، إلاّ أنّها بالنسبة إلى غيرهم لا يخلو من إجمال.

وأمّا الثالث : فلفظ « قد » فيه كأنّ المراد بها التحقيق لورودها لذلك(٥)

__________________

(١) راجع ص ١١٢٩.

(٢) الفقيه ١ : ٢٨٢ / ١٢٨٢ ، وفيه : والبدوي الذي يطلب مواضع القطر.

(٣) الكافي ٣ : ٤٣٧ / ٢ ، الوسائل ٨ : ٤٨٥ أبواب صلاة المسافر ب ١١ ح ٤.

(٤) في « د » : الاختصاص.

(٥) في « د » : كذلك.


في المضارع ، وفي الفقيه غير موجود(١) ، ثمّ إنّه واضح الدلالة من حيث التعليل بأنّه عملهم على أنّ من كان السفر عمله وجب عليه التمام ، لا مطلق كثرة السفر ، كما هو مذكور في كلام المتأخّرين ، وعرّفوا كثير السفر بأنّه الذي يسافر إلى المسافة ثلاث سفرات لا يتخلل بينها حكم الإتمام ولا يقيم عشرة أيّام في بلده مطلقا وفي غيره مع النيّة. فإنّ استفادة ما قالوه من الأخبار محلّ تأمّل.

غاية الأمر أنّ التعليل في الخبر المذكور لا يخلو من إجمال ؛ لأنّه إن أُريد بالعمل المداومة على السفر أشكل بمداومة من لم يتّصف بالأوصاف المذكورة في الأخبار ، مع أنّ ظاهر الخبرين وغيرهما نوع اختصاص يمكن معه ادّعاء أنّ العلّة خاصّة بالمذكورين ، ولا ينافي ذكر الأربعة اختصاص خبر محمّد بن مسلم بثلاثة بعضها موافق ، وبعضها زائد ؛ لأنّ خبر ابن مسلم لا حصر فيه ، وذكر الأربعة محتمل لأنّ يكون لا للحصر.

وإن أُريد بالعمل تكرّر السفر وإن لم يكن مستداماً(٢) أمكن توجيه ما قاله المتأخّرون ، لولا ما يظهر من الأخبار أنّ لصدق الوصف في البعض مدخلاً وإن لم يتكرّر السفر ، إلاّ أن يقال : إنّ التكرّر إذا استفيد من الخبر المعلّل يقيّد به الخبر المطلق. وفيه : أنّ التقييد يقتضي ملاحظة الأمرين من الوصف والتكرّر والمتأخّرون لم يقيّدوا.

ومن هنا يعلم أنّ ما قاله شيخناقدس‌سره بعد ذكر الرواية المعلّلة : إنّه يستفاد منها أنّ كلّ من كان السفر عمله يجب عليه الإتمام ، وينبغي أن يكون المرجع في ذلك إلى العرف(٣) . محلّ نظر.

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٨١ / ١٢٧٦.

(٢) في « د » زيادة : ما.

(٣) مدارك الأحكام ٤ : ٤٥٠.


وما ينقل عن ابن إدريس أنّه قال : يتحقق الكثرة بثلاث دفعات ، وأنّ صاحب الصنعة من المكارين والملاّحين يجب عليهم الإتمام بنفس خروجهم إلى السفر ؛ لأنّ صنعتهم تقوم مقام تكرّر من لا صنعة له ممّن سفره أكثر من حضره(١) . فله نوع وجه ، غير أنّ ما قاله : من تكرّر من لا صنعة له. موقوف على الدليل ، ويستفاد من قوله أنّ المراد بالعمل في الخبر الصنعة.

وفي المختلف استقرب العلاّمة تعليق الإتمام في ذي الصنعة وغيره ممّن جعل السفر عادته بالدفعة الثانية إذا لم يتخلّل إقامة عشرة أيّام(٢) . ولا يخفى أنّه مجرّد دعوى.

ومن عجيب ما اتّفق له أنّه نقل أوّلاً عن الشيخ في النهاية أنّه قال : لا يجوز التقصير للملاّح ، والمكاري ، والراعي ، والبدوي ، والذي يدور في جبايته ، والذي يدور في إمارته ، إلى أنّ قال ـ يعني الشيخ ـ : ومن كان سفره أكثر من حضره ، وهؤلاء كلّهم لا يجوز لهم التقصير ما لم يكن لهم في بلدهم مقام عشرة أيّام ، فإن كان في بلدهم مقام عشرة أيّام وجب عليهم التقصير.

ثمّ قال العلاّمة : وأضاف الشيخ عليّ بن بابويه الاشتقان(٣) .

إلى أن قال : وقال الشيخ في الجمل : ومن يلزمه الصوم في السفر عشرة ، وذكرهم ـ إلى أن قال ـ : ومن كان سفره أكثر من حضره ، وحدّه أن لا يقيم في بلده عشرة أيّام ، والمكاري ، والملاّح ، والبدوي ، والذي يدور في إمارته ، والذي يدور في تجارته. وهذا يشعر بأنّ كلّ واحد من هذه‌

__________________

(١) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٥٣٢ ، وهو في السرائر ١ : ٣٣٩ ، ٣٤٠.

(٢) المختلف ٢ : ٥٣٢.

(٣) المختلف ٢ : ٥٢٩.


الأقسام أصل برأسه ، ولم يجعل كون السفر أكثر من الحضر ضابطاً.

إلى أن قال : وقال المرتضى : من كان سفره أكثر من حضره كالملاّحين والجمّالين ومن جرى مجراهم لا تقصير عليهم ، فجعل الضابط كون السفر أكثر من الحضر ، ولم يذكر ابن أبي عقيل هؤلاء أجمع ، بل عمّم وجوب التقصير على المسافر ، لنا : ما رواه إسماعيل بن أبي زياد ، وذكر الرواية الاولى.

ثمّ قال : وإسماعيل ابن أبي زياد ، إن كان هو السكوني فهو عامي ، وإن كان هو السلَمي ، فالحديث صحيحٌ. ثمّ ذكر صحيحة ابن مسلم وصحيح زرارة ـ إلى أن قال ـ : والضابط الذي ذكرناه من المقام عشرة أيّام [ جيّد ] شامل للجميع(١) .

ووجه التعجب أُمور :

الأوّل : الظاهر من استدلاله أنّه [ اختار(٢) ] قول الشيخ في النهاية المذكور أوّلاً ، والأخبار ليس فيها مقام عشرة أيّام ، فقوله : والضابط الذي ذكرناه لا ندري(٣) أين هو؟.

الثاني : أنّ الأخبار لا تدلّ على كثرة السفر مطلقاً ، بل مع الصنعة على ما فصّلناه.

الثالث : ما نقله عن الشيخ في الجمل يقتضي كما قاله أنّ الأقسام أصل ، وشرط عدم إقامة العشرة إنّما هو لمن كان سفره أكثر من حضره ،

__________________

(١) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٥٢٩ ٥٣٠ ، وهو في النهاية : ١٢٢ ، والجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : ٢١٥ ، وبدل ما بين المعقوفين في النسخ : حينئذ ، وما أثبتناه من المصدر هو الأنسب.

(٢) في النسخ : أخبار ، والظاهر ما أثبتناه.

(٣) في « رض » : لا يدري.


ودفع هذا بالأخبار لا وجه له ، بل هي مؤيّدة في الجملة.

الرابع : أنّ الاستدلال برواية إسماعيل ثمّ الترديد أخيراً غير لائق ؛ لأنّ الخبر مع الاشتراك ضعيف ، فأيّ وجه للابتداء به مع الترديد؟.

وعلى كلّ حال فحيث قد علمت من الأقوال للمتقدّمين أنّ ليس فيها إقامة العشرة في غير البلد مع النيّة فإطلاق المتأخّرين غير محرّر الدليل ، وما سيأتي من احتمال الاستدلال لهم بالخبر سنوضّح الحال فيه إن شاء الله تعالى.

وما تضمّنه الرابع من قوله : « بيوتهم معهم » يدلّ على أنّ الأعراب إذا تفرّدوا(١) عن بيوتهم في سفر لا يلحقهم الحكم ، وحينئذ فيه تأييد لما أسلفناه(٢) ، فليتأمّل.

اللغة‌

قال شيخنا ـ أيّده الله ـ : الجابي العامل الذي يجمع الصدقات. وقال الشهيد في الذكرى : الاشتقان ، أمين البيدر(٣) ، وفي المختلف : الكريّ هو المكاري ، وقيل : إنّه من أسماء الأضداد يكون بمعنى المكاري والمكتري(٤) .

وفي فوائد شيخناقدس‌سره : الكريّ المكتري ، ويقال : على المكاري ، والحمل على الأول أولى ؛ لأنّ العطف يُؤذن بالمغايرة.

__________________

(١) في « رض » : انفردوا.

(٢) راجع ص ١١٣٣.

(٣) الذكرى : ٢٥٨.

(٤) المختلف ٢ : ٥٢٩.


ولا يخفى أنّ الظاهر من كلام المختلف غير ما ذكره شيخناقدس‌سره لأنّ الضدّ يراد به المكتري ( والمكتري لا يكون السفر عمله فكيف يحمل عليه؟ بل مراده بالمكتري من يكري نفسه كما فهمته منهقدس‌سره ولو حمل المكتري )(١) على أنّه عمله كان بعيداً. وفي القاموس : الكريّ كغنيّ : المكاري. وفيه : الأعراب سكّان البادية(٢) .

قوله :

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين ابن سعيد ، عن فضالة ، عن العلاء بن رزين ، عن محمّد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال : « المكاري والجمّال إذا جدّ بهما السير(٣) فليقصّرا ».

عنه ، عن أحمد ، عن الحسين ، عن فضالة ، عن أبان بن عثمان ، عن الفضل بن عبد الملك قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن المكارين الذين يختلفون؟ فقال : « إذا جدّوا السير فليقصّروا ».

فالوجه في هذين الخبرين ما ذكره محمّد بن يعقوب الكلينيرحمه‌الله قال : هذا محمول على من يجعل المنزلين منزلاً فيقصّر في الطريق ، ويتمّ في المنزل ، والذي يكشف عمّا ذكرناه :

ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن عمران بن محمد بن عمران الأشعري ، عن بعض أصحابنا رفعه(٤) إلى أبي عبد الله عليه‌السلام

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط من « رض ».

(٢) القاموس المحيط ٤ : ٣٨٥ ( كري ) و ١ : ١٠٦ ( العرب ).

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٣٣ / ٨٣٠ : السفر.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٣٣ / ٨٣٢ : يرفعه.


قال : « الجمّال والمكاري إذا جدّ بهما السير فليقصّرا فيما بين المنزلين ويتمّا في المنزل ».

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن خالد الطيالسي ، عن سيف بن عميرة ، عن إسحاق بن عمّار قال : سألت أبا إبراهيمعليه‌السلام عن الذين يكرون الدواب يختلفون كلّ أيّام(١) أعليهم التقصير إذا كانوا في سفر؟ قال : « نعم ».

عنه ، عن أبي جعفر ، عن أبيه ومحمد بن خالد البرقي ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن إسحاق بن عمّار ، عن أبي إبراهيمعليه‌السلام قال : سألته عن المكارين الذين يكرون الدواب يختلفون كلّ أيّام كلّما جاءهم شي‌ء اختلفوا فقال : « عليهم التقصير إذا سافروا ».

عنه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن محمّد بن جزك قال : كتبت إلى أبي الحسن الثالثعليه‌السلام : أنّ لي جِمالاً ولي قوّاماً(٢) عليها ولست أخرج فيها إلاّ في طريق مكّة لرغبتي في الحجّ أو في الندرة إلى بعض المواضع فماذا(٣) يجب عليَّ إذا أنا خرجت معهم أن أعمل ، أيجب عليَّ التقصير في الصلاة والصيام في السفر أو التمام؟ فوقّععليه‌السلام : « إذا كنت لا تلزمها ولا تخرج معها في كلّ سفر إلاّ إلى مكّة فعليك تقصير وإفطار ».

فالوجه في هذه الأخبار أنّ التمام إنّما يجب على هؤلاء إذا كان مقامهم خمسة أيّام فما دونها ، فأمّا إذا كان أكثر من ذلك فحكمهم حكم سائر النّاس من وجوب التقصير عليهم والإفطار.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٣٣ / ٨٣٣ : الأيام.

(٢) في النسخ : قوام ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٢٣٤ / ٨٣٥.

(٣) في النسخ : فما ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٢٣٤ / ٨٣٥.


السند‌ :

في الأوّل : لا ارتياب في صحّته.

والثاني : على ما قدّمناه(١) في أبان بن عثمان من أنّ العامل بالموثّق يلزمه أن يكون موثّقاً إلاّ بتقدير ثبوت اعتبار الإيمان في الجارح ، ومن لم يعمل به فهو صحيح عنده ؛ لأنّ الجارح له عليّ بن الحسن بن فضّال وهو فطحيّ ثقة ، والإجماع على تصحيح ما يصحّ عن أبان كما نقله الكشي ـ(٢) ربما يفيد العمل بهذا الموثّق من الأخبار ، لا على أنّه صحيح بالمعنى المصطلح عليه ، فلو سمّي بالصّحة من حيث العمل كان جائزاً بالقرينة ، وقد قدّمنا(٣) تفصيل ذلك ، والإعادة ليكون على ذُكر. وأحمد هو ابن محمد بن عيسى ، والحسين : ابن سعيد.

والثالث : فيه عمران بن محمّد ، وهو ثقة في رجال الرضاعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٤) فقط ، وإرساله مع كونه مرفوعاً واضح.

والرابع : فيه محمد بن خالد الطيالسي وهو مذكور في الفهرست مهملا(٥) . وكذلك في النجاشي(٦) . وقد اتفق للشيخ أنّه ذكر في من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام من كتابه محمّد بن خالد الطيالسي ، ثم فيهم محمد بن خالد الطيالسي ، وفي رجال الكاظمعليه‌السلام محمّد بن خالد الطيالسي(٧) . ولو لا‌

__________________

(١) في ص ١٣٠.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٦٧٣ / ٧٠٥.

(٣) راجع ص ٤١.

(٤) رجال الطوسي : ٣٨١ / ٢١.

(٥) الفهرست : ١٤٩ / ٦٣٤.

(٦) رجال النجاشي : ٣٤٠ / ٩١٠.

(٧) رجال الطوسي : ٣٦٠ / ٢٦ ، ٤٩٣ / ١١ ، ٤٩٩ / ٥٤.


أنّ الرواة عنه في الجميع متحدوا المرتبة لظنّ التعدّد ، فإنّ الراوي عنه في الفهرست محمّد بن علي بن محبوب(١) ، وفي الرجال فيمن لم يرو(٢) سعد ابن عبد الله مرةً وحميد في الأُخرى(٣) ، والنجاشي ذكر أنّ الراوي عنه حميد(٤) .

ومن هنا يعلم أنّ الشيخ يكرّر الرجل بمجرّد رؤيته بوصف مغاير للوصف الآخر ، أو لكون الراوي عنه غير الراوي ( عن الآخر )(٥) كما يعرف من مراجعة كتابه في الرجال حتى أنّه يظنّ اشتراك من ليس بمشترك ، ورُدّ كثير من الروايات بذلك ، حيث يذكر الرجل الثقة غير موثّق فيتوهّم المغايرة والاشتراك ، وللمارسة في هذا أثر بيّن يطّلع به على اتحاد كثيرٍ ممّن يظنّ تعدّده ، وقد نبّه الوالدقدس‌سره في المنتقى على جملة من ذلك ، ولو لا أنّه أغنانا عن بيانه لذكرناه. وأمّا سيف بن عميرة وإسحاق فقد كرّرنا ذكرهما(٦) .

والخامس : فيه أبو جعفر وهو أحمد بن محمد بن عيسى على ما نقلناه سابقاً عن العلاّمة في الخلاصة من أنّه قال : إنّ الشيخ إذا روى عن سعد عن أبي جعفر فهو أحمد(٧) . وذكرنا أنّ في الكافي حديثاً فيه : سعد ابن عبد الله عن أبي جعفر غير أحمد بن محمد. ولكنّ الظاهر من تتبّع روايات الشيخ أنّ مراده ما قال العلاّمة سيّما في مثل هذه الرواية.

__________________

(١) الفهرست : ١٤٩ / ٦٣٤.

(٢) في المصدر زيادة : علي بن الحسن بن فضال و.

(٣) رجال الطوسي : ٤٩٣ / ١١ و ٤٩٩ / ٥٤.

(٤) رجال النجاشي : ٣٤٠ / ٩١٠.

(٥) ما بين القوسين ليس في « د ».

(٦) راجع ص ١٩١ و ١٤٦.

(٧) خلاصة العلاّمة : ٢٧١ ، الفائدة الثانية.


وأمّا أبوه وهو محمّد بن عيسى الأشعري فقد أسلفنا(١) أنّه غير معلوم التوثيق ، إلاّ أن يكون ما قالوه فيه من : أنّه وجه الأشاعرة وشيخ القميّين(٢) . يقتضيه ، مضافاً إلى ما أسلفناه عن أهل قم من أنّهم كانوا يخرجون من يتّهمونه بالرواية عن الضعفاء ، وضميمة محمّد بن خالد إليه إنّما تفيد لو خلا محمد بن خالد من الكلام ، وقد سلف ما فيه(٣) .

وعبد الله بن المغيرة قد وثّقه النجاشي مكرّراً(٤) ، والكشي روى بسند فيه الشاذاني وابن فضال : أنّه كان واقفيّاً ورجع(٥) . ولا يخفى عليك الحال. وقد تقدّم مع إسحاق بن عمّار أيضاً القول مفصّلاً(٦) .

والسادس : فيه محمّد بن جزك وهو ثقة في رجال الهاديعليه‌السلام من كتاب الشيخ موصوفاً بالجمّال(٧) .

المتن :

ما قاله الشيخرحمه‌الله في الأوّل والثاني نقلاً عن الثقة الجليل محمد بن يعقوب جيّد لو ثبت دليله ، والرواية المستدلّ بها غير دالّة على ما ذكره صريحاً بتقدير صحّة السند ، إلاّ أن يُحْمَل التقصير الوارد في الخبرين على الطريق ، والإطلاق في مثلهما لا مانع من تقييده كما في سائر الإطلاقات ،

__________________

(١) راجع ص ٥٣.

(٢) كما في رجال النجاشي : ٣٣٨ / ٩٠٥ ، ورجال ابن داود : ١٨١ / ١٤٧٦ ، وخلاصة العلاّمة : ١٥٤ / ٨٣.

(٣) راجع ص ١١٣٧.

(٤) رجال النجاشي : ٢١٥ / ٥٦١.

(٥) رجال الكشي ٢ : ٨٥٧ / ١١١٠.

(٦) راجع ص ١٠٤ و ١٤٦ و ٩٩.

(٧) رجال الطوسي : ٤٢٢ / ٧.


ولزوم الألغاز الذي يذكره شيخناقدس‌سره كثيراً في مثل هذا ، يدفعه ما أسلفناه من جواز البيان للراوي وقت الحاجة.

نعم قد يشكل الحال بأنّ الراوي إذا بيّن له ذلك فكيف يجوز الإطلاق منه.

ويمكن الجواب بأنّه يجوز أن يكون الراوي ذكر ذلك في كتب الأُصول لكن لمّا تفرّقت الأخبار ، واضمحلّت الأُصول من أهل الضلال حصل في الأحكام مثل هذا الاختلال ، ومن هنا يعلم أنّ ما قاله شيخناقدس‌سره : من أنّ الرواية مع ضعف سندها غير دالة على ما اعتبراه(١) . محلّ تأمّل.

أمّا حمل الشهيد في الذكرى للخبرين على ما إذا أنشأ المكاري والجمّال سفراً غير صنعتهما قالرحمه‌الله : ويكون المراد بجدّ السير أن يكون مسيرهما متّصلاً كالحجّ والأسفار التي لا تصدق عليها صنعة(٢) .

ففيه : أنّ الاحتمال ممكن كما أسلفناه(٣) من ظاهر التعليل في الأخبار السابقة ، إلاّ أنّ لفظ : « جدّ بهما السير » لا يطابق ما ذكره ؛ إذ مجرّد الخروج عن الصنعة يقتضي عدم لزوم الحكم التابع لها ، والفرق بين الأسفار المتّصلة وغيرها إنّما يصلح لو كان السفر في الصنعة ليصير وجهاً آخر للجمع ، ويراد حينئذ أنّ المكاري والجمّال إنّما يتمّان في السفر المعتاد ، أمّا لو خرجا عنه وحصلت المشقّة أمكن جواز القصر. وهذا يرجع إلى قول محمّد بن يعقوب لولا أنّه اعتبر الإتمام في المنزل ، وربما كان اعتبار الإتمام في المنزل لزوال المشقّة ، وعلى كل حال فكلام الشهيدرحمه‌الله لا يخلو من‌

__________________

(١) مدارك الأحكام ٤ : ٤٥٥.

(٢) الذكرى : ٢٥٨.

(٣) راجع ص : ١١٣٠.


تشويش ، فقول شيخناقدس‌سره بعد نقل كلامه : إنّه قريب(١) . غريب.

وللشهيدرحمه‌الله احتمال آخر في الذكرى ، وهو أنّ المكارين يتمّون ما داموا متردّدين في أقلّ من المسافة أو في مسافة غير مقصودة ، فإذا قصدوا مسافةً قصّروا ، قالرحمه‌الله : ولكن هذا لا يختص بالمكاري والجمّال بل كلّ مسافر ، ولعلّ ذلك مستند ابن أبي عقيل على ما نقل عنه حيث عمّم وجوب القصر على كلّ مسافرٍ ولم يستثن أحداً(٢) . انتهى.

ولا يذهب عليك أنّ ذكر مثل هذا الاحتمال لا يليق في كتب الاستدلال ، ونسبة الاستناد إلى ابن أبي عقيل كذلك.

وفي المختلف قال العلاّمة بعد نقل كلام الشيخ : والأقرب عندي حمل الحديثين على أنّهما إذا أقاما عشرة أيّام قصّرا(٣) .

ولا يخفى أنّ هذا أغرب من قول الشهيد ؛ لأنّ صريح الروايتين : إذا جدّ بهما السير ، والإقامة ضدّ ذلك.

وفي شرح الإرشاد حملهما جدّيقدس‌سره على ما إذا قصد المكاري والجمّال المسافة قبل تحقّق الكثرة(٤) . وبُعْده ظاهرٌ ، ولعلّ احتمال الحمل على الظاهر من الخبرين وهو التقصير مع الجدّ في السير لحصول المشقّة ممكن ، إن لم يثبت ما قاله أمين الإسلام محمّد بن يعقوب(٥) . والله تعالى أعلم.

وأمّا الأخبار الأُخر فما ذكره الشيخ في توجيهها غير واضح‌ :

__________________

(١) مدارك الأحكام ٤ : ٤٥٦.

(٢) الذكرى : ٢٥٨.

(٣) المختلف ٢ : ٥٣١.

(٤) روض الجنان : ٣٩٠.

(٥) الكافي ٣ : ٤٣٧.


أمّا أوّلاً : فلأنّ الخبر الأخير يدلّ على أنّ صاحب الجِمال إذا لم يكن مداوماً على السفر يلزمه التقصير ، وقول الشيخ : إنّ التمام إنّما يجب على هؤلاء إذا أقاموا خمسة فما دونها ، فأمّا إذا كان أكثر من ذلك فحكمهم التقصير. غير مفاد الرواية ؛ لأنّ مفادها ظاهراً أنّه إذا لم يخرج في كلّ سفر إلاّ إلى مكة فعليه القصر ، والمفهوم من هذا أنّه لو داوم على السفر لزمه الإتمام(١) وإرادة السفر في كلّ وقت من الأوقات بعيدة ، بل يقرب السفر المعتاد ، والحمل على أنّه أقام عشرة بعيد ، بل الظاهر نفيه ( من الخبر )(٢) .

وأمّا غيره من الأخبار السابقة فيمكن دعوى إطلاقها فتقيد بغيرها إن ثبت ، وستسمع الكلام في الأخبار التي استدلّ بها الشيخ.

وأمّا ثانياً : فلأنّ قوله : إذا كان مقامهم خمسة فما دونها ، ثمّ قوله : وأمّا إذا كان أكثر من ذلك. يوهم أنّ إقامة ستّة أيّام فما فوقها يوجب التقصير ، والأخبار تفيد خلاف ذلك كما يجي‌ء إن شاء الله ومراده بما فوقها : العشرة ، لكن العبارة لا يخفى حالها.

ثمّ إنّ روايتي إسحاق بن عمّار ربما يلوح منهما عدم المداومة على السفر ؛ لأنّ قوله في الثانية : كلّما جاءهم شي‌ء اختلفوا ، يدلّ على أنّ سفرهم موقوف ، وكذلك في الأُولى لقوله : يختلفون كلّ أيّام.

وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبر الأخير ، وهو خبر محمّد بن جزك فيه تأييد للتعليل المستفاد من الخبر السابق في قوله : « لأنّه عملهم » ويستفاد منه أيضاً أنّ الجمّال ليس هو صاحب الجِمال ، بل من يكري الجِمال ويسافر معها ، وربما يدّعى عدم لزوم كون الجمال للكراء كما يظهر من الرواية.

__________________

(١) في « د » : التمام.

(٢) ما بين القوسين ليس في « د ».


وبهذا يندفع إمكان أنّ يستدل لابن أبي عقيل على تقصير المسافر مطلقا بعموم أخبار التقصير ، والمخصّص إنّما يعمل عمله مع عدم المعارض ، وهذه الأخبار المبحوث عنها معارضة.

وحاصل الاندفاع أنّ الأخبار المعارضة قابلة للتأويل بما قدّمناه من الاحتمال إلاّ أن يقال : إنّ التأويل محلّ كلام ، فلا يخرج عن العموم ، وفيه ما فيه.

أمّا ما قاله بعض محقّقي المتأخّرينرحمه‌الله في الاستدلال لابن أبي عقيل بالعمومات ، وأنّ الأخبار الدالة على الإتمام يمكن توجيهها باحتمال أن يكون الوجه في إتمام الاشتقان لأنّ فعله معصية ، فلا يكون السفر سائغاً ، وفي المكاري ونحوه عدم القصد إلى مسافة معيّنة ، وفي الملاّح ما ذكر في الخبر من أنّ بيته معه فلا يكون مسافراً ، وحينئذ يمكن أن يوجّه قول ابن أبي عقيل القائل بالقصر على كلّ واحد ، بما ذكر(١) ، ولا يخفى عليك الحال فإنّ هذه التّوجيهات لا تصلح في مقام الاستدلال.

قوله :

يدلّ على ذلك :

ما رواه سعد بن عبد الله ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن إسماعيل بن مرّار ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « المكاري إن لم يستقر في منزله إلاّ خمسة أيّام وأقلّ قصّر في سفره بالنهار وأتمّ بالليل وعليه صوم شهر رمضان ، وإن كان‌

__________________

(١) مجمع الفائدة ٣ : ٣٩١.


له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيّام وأكثر قصّر في سفره وأفطر ».

محمد بن أحمد بن يحيى ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن إسماعيل ابن مرّار ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن بعض رجاله قال : سألته عن حدّ المكاري الذي يصوم ويتمّ ، قال : « أيّما مُكارٍ أقام في منزله أو البلد الذي يدخله أقلّ من عشرة أيّام وجب عليه الصيام والتمام أبداً ، وإن كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيّام فعليه التقصير والإفطار ».

الصفّار ، عن الحسن بن علي ، عن أحمد بن هلال ، عن أبي سعيد الخراساني قال : دخل رجلان على أبي الحسن الرضاعليه‌السلام بخراسان فسألاه عن التقصير فقال لأحدهما : « وجب عليك التقصير لأنّك قصدتني » وقال للآخر : « وجب عليك التمام لأنّك قصدت السلطان ».

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن الحسين بن عثمان ، عن إسماعيل بن جابر قال : استأذنت أبا عبد اللهعليه‌السلام ونحن نصوم رمضان لنلقى وليداً بالأعوص فقال : « تلقّه وأفطر ».

فالوجه في هذا الخبر حال التقية والخوف دون حال الاختيار.

السند :‌

في الأوّل : فيه إسماعيل بن مرّار ، وقد تقدّم(١) .

__________________

(١) في ص ١١١٠.


والثاني : فيه مع إسماعيل الإرسال.

والثالث : فيه أحمد بن هلال ، وقد تقدّم تضعيفه عن الشيخ(١) ، والحسن بن علي كأنّه ابن فضّال ، وأبو سعيد الخراساني ذكره الشيخ في كتابه من رجال الرضاعليه‌السلام وأنّه مجهول(٢) .

والرابع : فيه إسماعيل بن جابر ، وهو الجعفي ، وقد تقدّم فيه القول مفصّلاً(٣) ، والحاصل أنّ فيه كلاماً ، والشيخ وثّقه في رجال الباقرعليه‌السلام من كتابه(٤) .

المتن :

في الأوّل : كما ترى واضح الدلالة على أنّ المكاري إذا لم يستقرّ في منزله إلاّ خمسة أيّام وأقلّ قصّر في سفره بالنهار وأتمّ بالليل وصام ، وإن كان له مقام عشرة أيّام وأكثر قصّر وأفطر ، والشيخ قال في وجه الجمع : إنّ الإقامة خمسة فما دونها توجب الإتمام مطلقاً ، وإن كان أكثر وجب التقصير.

وقد بيّنا فيما تقدّم(٥) أنّ الأكثر يتناول ما فوق الخمسة ودون العشرة ، وكأنّ مراد الشيخ بالأكثر مدلول الرواية ، ويريد بالتمام في الليل كالرواية ، وهي وإن كانت هنا كما ترى ضعيفة ، إلاّ أنّ الصدوق رواها بطريق صحيح وفي متنها زيادة ، فإنّه قال فيها : « المكاري إذا لم يستقرّ في منزله إلاّ خمسة أيّام أو أقلّ قصّر في سفره بالنهار وأتمّ صلاته بالليل ، وعليه صوم شهر‌

__________________

(١) راجع ص ١٥٤.

(٢) رجال الطوسي : ٣٩٧ / ١٨.

(٣) في ص ٧٠١.

(٤) رجال الطوسي : ١٠٥ / ١٨.

(٥) راجع ص ١١٤٠.


رمضان ، فإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيّام أو أكثر وينصرف إلى منزله ويكون له مقام عشرة أيّام أو أكثر قصّر في سفره وأفطر »(١) .

ومقتضى الرواية اعتبار الأمرين في العشرة ، والقائل بها غير الصدوق ليس بمعلوم ، والقدح بذلك لا وجه له.

ومن العجب قول العلاّمة في المنتهى بعد نقله عن الشيخ أنّ هؤلاء السبعة يعني بهم ما ذكرهم من المكاري ونحوه إنّما يتمّون إذا لم يكن لهم في بلدهم مقام عشرة أيّام : لما رواه عبد الله بن سنان ، وذكر الرواية ثمّ قال : وهذه الرواية مع سلامتها تدلّ على المكاري خاصة(٢) . ولا يخفى عليك أنّ عدم الدلالة ليس من هذه الجهة فقط.

ونقل عن الشيخ في المنتهى أنّه قال : ولو أقاموا خمسة لزمهم التقصير في الصلاة والإتمام [ في الصوم(٣) ] لهذه الرواية(٤) . ولا يخفى عليك الحال.

وأغرب من ذلك أنّه في المختلف نقل عن الشيخ في النهاية والمبسوط أنّه قال : لو كان لهم إقامة خمسة أيّام في بلدهم قصّروا بالنهار وتمّموا الصلاة بالليل ، واختاره ابن البراج وابن حمزة ، ومنعه ابن إدريس وأوجب التمام مطلقاً ، [ وهو الأقوى(٥) ] لنا : أنّ حكم السفر ينقطع بنيّة إقامة العشرة ، فدلّ على أنّ إقامة هذا العدد يخرج المسافر عن السفر ، ويوجب‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٨١ / ١٢٧٨ ، الوسائل ٨ : ٤٨٩ أبواب صلاة المسافر ب ١٢ ح ٥.

(٢) المنتهى ١ : ٣٩٣.

(٣) أثبتناه من المصدر.

(٤) المنتهى ١ : ٣٩٣.

(٥) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر لاستقامة المتن.


له حكم المقيم ، فإذا أنشأ أحدهم سفراً بعد إقامة هذه المدّة وجب عليه التقصير ، لدخوله تحت اسم المسافر. احتجّ بما رواه عبد الله بن سنان ـ وذكر الرواية ثمّ قال ـ : والجواب الحمل على تقصير النافلة ، بمعنى أنّه تسقط عنه نوافل النهار(١) . انتهى.

ولا يخفى عليك أنّ الغرابة من وجوه :

الأوّل : أنّ مدلول الرواية غير ما قاله الشيخ.

الثاني : أنّ الرواية لم يذكر حال سندها ، وعدم التتبّع لمظانّ الرواية غير لائق.

الثالث : أنّ الرواية خاصّة بالمكاري كما ذكره في المنتهى(٢) .

الرابع : جوابه عنها بالنوافل إمّا أن يكون لصحّتها ، فالعدول عن ظاهرها لا وجه له ، وإن كان لعدم الصحة فالطرح أولى من الحمل البعيد ، إلاّ أنّه يمكن لهذا نوع تسديد.

الخامس : استدلاله بأنّ الإقامة عشرة تقطع السفر. إن أُريد بها قطع سفر من فرضه التقصير فمسلّم ، وإن أُريد قطع سفر من فرضه التمام فهو أوّل المدّعى ، كيف والخلاف موجود ، فإنّه نقل عن المرتضى التقصير مطلقاً من غير شرط(٣) .

السادس : قوله : وإذا أنشأ أحدهم سفراً بعد إقامة هذه المدّة وجب عليه التقصير. محض القياس أو مصادرة على المطلوب.

فإن قلت : الأخبار الدالة على أنّ إقامة العشرة قاطعة للسفر عامة‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٥٣١.

(٢) المنتهى ١ : ٣٩٣.

(٣) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٥٣٠ ، وهو في الانتصار : ٥٣.


للمكاري وغيره ، فإذا ثبت فيه قطع السفر تحقّق المطلوب.

قلت : لا معنى لشمولها للمكاري ونحوه ؛ إذ لا قطع للسفر بالنسبة إليه كما هو واضح ، على أنّ اللازم من كلام العلاّمة أنّ وصوله ( الى بلده )(١) بمجرّده كاف من دون الإقامة ، لانقطاع السفر بالوصول ، وهو لا يقول به ، بل صرّح بأنّ المكاري لو خرج ثانياً من دون إقامة عشرة خرج مُتمِّماً ، هذا.

ولا يبعد أن يكون الشيخ فهم من قوله في الرواية : « خمسة أيّام وأقلّ » على أنّ المراد خمسة أيّام ومعها أقلّ من خمسة لا معها خمسة لتكون عشرة ، فيصدق على من أقام ستّة وسبعة وهكذا ، وحينئذ يراد بالأكثر العشرة فما فوقها ، وهذا التوجيه ممكن في رواية الشيخ.

أمّا رواية الصدوق ، فلا يخفى عدم تماميّتها ، وغير بعيد أن تكون رواية الصدوق بالواو دون أو ، لكن النسخ الآن متّفقة على ما نقلناه.

أمّا ما في رواية الصدوق من قوله : « وينصرف » إلى آخره(٢) . فواضح الدلالة على اعتبار الأمرين ، لكن يمكن أن يكون الواو بمعنى أو ، ويوجّه بأنّ مقتضى الرواية بيان الأمرين : إقامة الخمسة أو ما دونها وإقامة العشرة ، فلو كانت العشرة معتبرة في البلد وغيرها لزم خلوّ الرواية من القسم الثالث وهو إقامة العشرة في البلد خاصّة أو في غيرها خاصّة.

وفيه نظر ؛ لأنّ الظاهر من الرواية بيان حالتي الاختلاف في القصر نهاراً والإتْمام ليلاً والقصر مطلقاً ، وهذا لا يتوقف على بيان الوجه الثالث ؛ إذ يجوز أن يكون الثالث البقاء على حكم المكاري من التمام مطلقاً ، نعم لو ثبت عدم القائل بمضمونها أمكن أن يكون الوجه ما قلناه ، لضرورة عدم‌

__________________

(١) في « د » : لبلده.

(٢) راجع ص ١١٧ ١١٨.


القائل ، فليتأملّ.

وأمّا الثاني : فهو واضح الدلالة على غير مطلوب الشيخ ؛ لأنّ مقتضاه أنّ إقامة ما دون العشرة توجب الصيام والتمام ، والخبر الأوّل دالّ على أنّ الخمسة فما دونها تقتضي التقصير نهاراً والإتمام ليلاً ، وتوجيه الشيخ مقتضاه وجوب الإتمام إذا تحقّقت إقامة خمسة أيّام فما دونها.

ثمّ إنّ مفاد الرواية المبحوث عنها اعتبار إقامة أكثر من عشرة ، والأولى مفادها العشرة.

ثمّ إنّ الروايتين كما ترى ظاهرتان في اعتبار إقامة العشرة والأكثر ، وقد ألحق الشهيد في الدروس العشرة الحاصلة بعد التردّد ثلاثين(١) . ولا أعلم وجهه.

أمّا إلحاق المحقّق(٢) والعلاّمة(٣) ومن تابعهما(٤) العشرة المنويّة في غير البلد فقد احتمل شيخناقدس‌سره أن يكون استنادهم إلى رواية يونس المذكورة(٥) .

وأنت خبير بأنّ رواية ابن سنان أيضاً متناولة ، إلاّ أن يدّعى ظهور البلد في بلد المكاري ونحوه.

وفيه : أنّ ظاهر رواية الصدوق أنّ البلد غير بلد المكاري ، وعلى كلّ حال ، فالخبران عرفت حالهما ، وعلى توجيه العلاّمة في المختلف يمكن دعوى عدم الفرق بين بلده وغيرها بل يدخل فيه كلّ ما يقطع السفر ، لكن‌

__________________

(١) الدروس ١ : ٢١٢.

(٢) المختصر النافع : ٥١.

(٣) القواعد ١ : ٥٠.

(٤) كالشهيد الثاني في الروضة البهية ١ : ٣٧٣.

(٥) مدارك الاحكام ٤ : ٤٥٣.


قد علمت حال التوجيه.

أمّا ما اعتبره جماعة من عدم اشتراط التوالي في العشرة. فممكن لو ثبت الحكم ، إلاّ أن يقال : إنّ ما تضمّن العشرة في البلد تضمّن العشرة المنويّة ، ولا ريب في اعتبار التوالي في العشرة المنوية ، فيبعد عدم اعتبارها في عشرة البلد ، إلاّ أن يقال : إنّ التوالي في المنوية إن أُريد به حال النيّة فمسلّم ، ولا ينفع ولا يضرّ ، ولو أُريد به ما يتناول السفر في أثنائها مع العود إلى نيّة الإقامة بحيث يتمّ عشرة فلا فرق.

نعم لا يخفى أنّ المكاري ونحوه إذا كان فرضه التمام فنيّة إقامة العشرة متوالية لا فائدة فيها ، ولو دلّ عليها دليل أمكن أن يقال بالتسليم تعبّداً ، لكنّ النص إن عمل به يتضمّن مطلق الإقامة عشرة.

وما ذكره البعض في إقامة العشرة لغير المكاري وأنّ الحكم فيه مثله(١) .

ففيه : أنّ الحكم في غير المكاري لا يخلو من تأمّل في نظري القاصر ؛ لأنّ قصد المسافة في الأثناء إذا كان بعد صلاة الفريضة التامة لا يُؤثّر ، نعم الخروج إلى المسافة ربما يؤثّر لكن عدم اشتراط التوالي مع هذا الشرط يفيد نوع إشكال يرجع إلى أنّ الخروج إلى ما دون المسافة في العشرة والرجوع إلى محلّ الإقامة يتوقّف على نيّة الإقامة ثانياً في الجملة ، والاحتياج إلى نيّة الإقامة ثانياً إنّما هو لتحقّق قصد المسافة.

وما ذكره جدّيقدس‌سره من الفرق بين مقابلة المحلّ الذي خرج إليه من موضع الإقامة لمقصده بعد الخروج من المحل وعدمها ، فينوي الإقامة في الأوّل دون الثاني(٢) . محلّ تأمّل ، إلاّ أن يقال بعدم تحقّق السفر إذا كان غير‌

__________________

(١) كالمحقق في الشرائع ١ : ١٣٤ ، والمعتبر ٢ : ٤٧٣.

(٢) مسالك الافهام ج ١ : ٥٠.


مقابل. ويشكل باستلزامه عدم تحقّق السفر في المسافة المعوجة.

ولو قيل : إنّ عدم التوالي مخصوص بإقامة العشرة في البلد فقصد السفر إلى المسافة لا دليل على اعتباره ، نعم لو خرج إلى المسافة أمكن أن يقال بعدم تحقق إقامة العشرة.

وفيه : أنّه يدفع عدم الاشتراط في التوالي ، ومن هذا التحرير الذي خطر في البال يظهر أنّ ما قاله شيخناقدس‌سره : من أنّ جماعة من المتأخّرين ذكروا أنّه لا يشترط في العشرة التوالي ، نعم يشترط عدم تخلّل قصد المسافة في أثنائها ، وهو حسن(١) . محل بحث ، والإحاطة بما قلناه تنبئ عن وجه التأمّل ، مضافاً إلى أنّ اعتبار جميع ذلك في المكاري غير ظاهر الوجه ، والله تعالى أعلم.

إذا عرفت هذا فما تضمّنه خبر أبي سعيد لا دخل له بمراد الشيخ من التوجيه ، وكأنّه كلام مستقل لبيان أنّ قصد المعصية بالسفر توجب التمام ، لكن على هذا ينبغي أن يكون له باب مفرد ، ولعلّ الشيخ أراد بعنوان الباب من يجب عليهم التمام بأيّ وجه كان ، ومن جملتهم من قصد بسفره المعصية ، وقد ذكر المحقّق في الشرائع من شروط القصر أن يكون السفر سائغاً واجباً كحجّة الإسلام ، أو مندوباً كزيارة النبيعليه‌السلام ، أو مباحاً كالأسفار للمتاجر ، ولو كان معصية لم يقصّر كاتباع الجائر(٢) .

ونقل شيخناقدس‌سره عن المعتبر دعوى الإجماع على ذلك(٣) .

وفي المنتهى : ويشترط في الترخّص كون السفر سائغاً واجباً كحجّة‌

__________________

(١) مدارك الاحكام ٤ : ٤٥٣.

(٢) الشرائع ١ : ١٣٣.

(٣) مدارك الاحكام ٤ : ٤٤٥ ، وهو في المعتبر ٢ : ٤٧٠.


الإسلام ، أو مندوباً كالزيارات ، أو مباحاً كالتجارات ، ذهب إليه علماؤنا ، وهو قول أكثر أهل العلم(١) .

وقد قدّمنا خبراً عن الصدوق في الصيد يرويه عن عمّار بن مروان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول : « من سافر قصّر وأفطر إلاّ أن يكون رجلاً سفره إلى صيدٍ أو في معصية الله أو رسولاً لمن يعصي الله أو طلب عدوّ وشحناء وسعاية أو ضررٍ على قوم مسلمين »(٢) .

وهذه الرواية نقلها شيخناقدس‌سره (٣) لكن لم أرها الآن في الفقيه في باب التقصير ، وعلى ما نقله فهي صحيحة ، ورواية الشيخ لها مؤيّدة مع رواية أُخرى رواها الشيخ في الصيد معلّلة بأنّ سفر الصيد ليس بمسير حق(٤) .

ثمّ إنّ إطلاق النص وكلام الأصحاب الذين رأينا كلامهم يقتضي عدم الفرق في السفر المحرّم بين ما كانت غايته معصية كقاصد قطع الطريق بسفره ، والمرأة والعبد القاصدين النشوز والإباق ، أو كان نفس السفر معصية كالفارّ من الزحف ، والهارب من غريمه مع القدرة على الوفاء ، وتارك الجمعة بعد وجوبها ، كما ذكره شيخناقدس‌سره (٥) وإن كان في تحقّق الفرق بين نفس السفر وغايته نوع تأمّل.

والذي يظهر من الأخبار ، وكلام بعض الأصحاب : أنّ من كان عاصياً بسفره بمعنى عدم جواز السفر يلزمه التمام(٦) . وما قاله جدّيقدس‌سره في مثال‌

__________________

(١) المنتهى ١ : ٣٩٢.

(٢) الفقيه ٢ : ٩٢ / ٤٠٩ ، الوسائل ٨ : ٤٧٦ أبواب صلاة المسافر ب ٨ ح ٣.

(٣) مدارك الاحكام ٤ : ٤٤٥.

(٤) الاستبصار ١ : ٢٣٦ / ٨٤١.

(٥) مدارك الاحكام ٤ : ٤٤٦.

(٦) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٧٨.


السفر المحرّم مع كون الغاية محلّلة وعدمها في شرح الإرشاد(١) . لا يخلو أيضاً من إجمال.

وقد أطالقدس‌سره الكلام إلى أنّ قال : وإدخال هذه الأفراد يقتضي المنع من ترخّص كلّ تارك للواجب بسفره ؛ لاشتراكهما في العلّة الموجبة لعدم الترخّص ، إذ الغاية مباحة كما هو المفروض ، وإنّما عرض العصيان بسبب ترك الواجب ، فلا فرق حينئذ بين استلزام [ سفر(٢) ] التجارة ترك الجمعة ونحوه وبين استلزامه ترك غيرها كتعلّم العلم الواجب عيناً أو كفايةً ، بل الوجوب في هذا أقوى ، وهذا يقتضي عدم الترخّص إلاّ لأوحديّ الناس ، لكنّ الموجود من النصوص في ذلك لا يدلّ على إدخال هذا القسم ، ولا على مطلق العاصي وإنّما دلّ على السفر الذي غايته معصية(٣) .

واعترض عليه بعض محقّقي المتأخّرينرحمه‌الله بأنّه لو سلّم عدم الفرق فلا نسلّم عدم تحقّق الترخّص إلاّ لأوحديّ الناس ؛ لأنّه ليس الواجب على الناس تحصيل جميع الواجبات التي ذكروها بالدليل ، أو التقليد على الوجه الذي ذكره البعض ، ومنهم جدّيقدس‌سره (٤) على الظاهر ؛ لاستلزامه المحال أو المشقّة المنفيّة عقلاً ونقلاً ، واستلزام تعطيل العبادات والأحكام ، بل ليس عليهم في الفروع إلاّ ما وصل إليهم وجوب تعلّمه ، وأطال الكلام ـ إلى أنّ قال ـ : وإن أراد بما ذكره وجوب الاجتهاد عيناً فهو أبعد ؛ لأنّ تكليف عجوز لا تكاد تفهم البديهيّات محال ظاهر(٥) . انتهى ملخّصاً.

__________________

(١) روض الجنان : ٣٨٨.

(٢) بدل ما بين المعقوفتين في النسخ : سعي ، وما أثبتناه من المصدر هو الأنسب.

(٣) روض الجنان : ٣٨٨.

(٤) في النسخ زيادة : أمّا.

(٥) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٧٩.


ولقائل أن يقول : إنّ الاعتراض لا يخلو من وجه في الجملة إلاّ أنّ تسليم كون السفر معصيةً يتناول ما غايته معصية ( وابتداؤه معصية )(١) يستلزم عدم جواز ترخّص غالب الناس إلاّ الأوحدي كما قاله جدّيقدس‌سره فإنّ الواجبات المتّفق عليها غالب الناس يسافرون من دون تعلّمها ، فالقول بأنّ الأمر بالشي‌ء يستلزم النهي عن ضدّه كما هو مذهب المعترض يقتضي لزوم الإشكال لكثير من الناس ، إلاّ أن يكون معهم في السفر من يعلّمهم الواجب.

وما ذكره جدّيقدس‌سره من اختصاص السفر الذي غايته معصية يشكل بخبر عمّار بن مروان ؛ إذ ظاهره يتناول الغاية وغيرها ، فليتأمّل.

وأمّا ما ذكره الشيخ في الخبر المنافي من الحمل على التقيّة فقد ذكر شيخنا المحقّق أيّده الله أنّ له وجهين :

أحدهما : أنّه إذا قصد السلطان تقيّة منه ودفعاً لضرورة يقصّر.

والثاني : أنّه إذا قصد السلطان فكان عليه الإتمام لكن يخاف من ظهور ذلك لأهل الخلاف. انتهى. والوجهان حسنان ، لكن الوليد غير معروف ليعلم منه الحكم.

اللغة‌

قال في القاموس : بنو ولادة بطن ويسمّوا(٢) وليداً(٣) . وفي القاموس : الأعوص بالصاد المهملة موضع قرب المدينة(٤) .

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) كذا في النسخ ، وفي المصدر : وسمّوا.

(٣) القاموس المحيط ١ : ٣٦٠.

(٤) القاموس المحيط ٢ : ٣٢١.


قوله :

باب المتصيّد يجب عليه التمام أم التقصير؟

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد ابن يعقوب ، عن عدّة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن أسباط ، عن ابن بكير قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يتصيّد اليوم واليومين والثلاثة أيقصر الصلاة؟ قال : « لا إلاّ أن يشيّع الرجل أخاه في الدين ، وإنّ(١) التصيّد مسير باطل لا تقصّر الصلاة فيه » وقال : « يقصّر إذا شيّع أخاه ».

أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن عبيد بن زرارة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يخرج إلى الصيد أيقصّر أو يتمّ؟ قال : « يتمّ لأنّه ليس بمسير حقّ ».

محمد بن علي بن محبوب(٢) ، عن الحسن بن علي ، عن عباس ابن عامر ، عن أبان بن عثمان ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : سألته عمّن يخرج من أهله بالصقورة والبزاة والكلاب ( يتنزّه الليلتين والثلاثة ) (٣) هل يقصّر من صلاته أم لا يقصّر؟ قال (٤) : « إنّما خرج في لهوٍ لا يقصّر » (٥) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٣٥ / ٨٤٠ : فإن.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٣٦ / ٨٤٢ زيادة : عن الحسن بن علي بن محبوب.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٣٦ / ٨٤٢ بدل ما بين القوسين : يتنزه الليلة والليلتين والثلاث.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٣٦ / ٨٤٢ : فقال.

(٥) في « د » : لا يقصره.


فأمّا(١) ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن محمد بن الحسين ، عن صفوان ، عن عبد الله قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يتصيّد فقال : « إن كان يدور حوله فلا يقصّر ( وإن تجاوز )(٢) الوقت فليقصّر ».

عنه ، عن العباس بن معروف ، عن الحسن بن محبوب ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « ليس على صاحب الصيد تقصيرٌ ثلاثة أيّام ، فإذا جاز الثلاثة لزمه ».

فالوجه في هذين الخبرين أنّ من كان صيده ( لقوته وقوت عياله لزمه التقصير ، ومن كان صيده )(٣) للهو والبطر فلا يجوز له التقصير على ما بيّناه ، والذي يدلّ على ذلك :

ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى ، عن عمران بن محمد بن عمران القمي ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ، قلت : الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين يقصّر أو يتم؟ فقال : « إن خرج لقوته وقوت عياله فليقصّر ، وإن خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة ».

فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد السيّاري ، عن بعض أهل العسكر قال : خرج عن أبي الحسنعليه‌السلام أنّ : « صاحب الصيد يقصّر ما دام على الجادّة ، فإذا عدل عن الجادّة أتمّ ، فإذا رجع إليها قصّر ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٣٦ / ٨٤٣ : وأمّا.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٣٦ / ٨٤٣ بدل ما بين القوسين : وإن كان يجاوز.

(٣) ما بين القوسين ساقط من « رض ».


فهذا خبر ضعيف ، وراويه السيّاري ، قال (١) أبو جعفر ابن بابويه في فهرسته حين ذكر كتاب النوادر : واستثني (٢) منه ما رواه السيّاري ، وقال : لا أعمل به ولا افتي به لضعفه. وما هذا (٣) حكمه لا يعترض به الأخبار التي قدّمناها ، ولو سلّم لجاز أن يكون الوجه فيه أنّ من كان على الجادّة لا لقصد الصيد ( يلزمه التقصير ، فإذا عدل عنها إلى الصيد يلزمه التمام ، ولو كان وقت كونه على الجادة قصد (٤) الصيد ) (٥) ما (٦) اختلف الحال في وجوب التمام عليه إن كان صيده لهواً (٧) ، والتقصير إن كان صيده طلباً للقوت.

السند‌ :

في الأول : فيه سهل بن زياد وقد تكرّر القول فيه(٨) .

والثاني : موثّق على ما يظن من أنّ ابن فضّال هو الحسن ، واحتمال غيره من أولاد فضّال غير الموثّقين بعيد ، ومن ثمّ في المنتهى وصفها بالموثّق(٩) .

والثالث : فيه الحسن بن علي ، وقال شيخنا أيّده الله في فوائد‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٣٧ / ٨٤٦ : وقال.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٣٧ / ٨٤٦ : استثنى.

(٣) في النسخ : وما ذا ، وما أثبتناه من الإستبصار ١ : ٢٣٧ / ٨٤٦.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٣٧ / ٨٤٦ : قصده.

(٥) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٦) في الاستبصار ١ : ٢٣٧ / ٨٤٦ : لما.

(٧) في « رض » : اللهو.

(٨) راجع ص ٩٥.

(٩) المنتهى ١ : ٣٩٢.


الكتاب : كأنّه ابن علي بن عبد الله بن المغيرة الكوفي. والذي يظهر أنّه متعيّن ؛ لأنّ الشيخ في الفهرست قال : إنّ الراوي عنه محمد بن علي بن محبوب(١) . والرجل ثقة في النجاشي(٢) . وأبان قد قدّمنا القول فيه عن قريب وبعيد(٣) .

والرابع : فيه عبد الله الراوي عن الإمامعليه‌السلام ، وهو مشترك(٤) ، واحتمال ابن سنان والكاهلي يختلج قربه ، لكن غيرهما في حيّز الإمكان. وفي المختلف قال العلاّمة : وما رواه عبد الله في الصحيح(٥) . وكأنّه علم الحال.

والخامس : فيه مع أبي بصير الإرسال.

والسادس : فيه الإرسال.

والسابع : فيه السيّاري مع الإرسال.

المتن :

في الأول : مطلق في عدم تقصير المسافر للصيد ، وقد قدّمنا خبر عمّار بن مروان الدال بإطلاقه على أنّ من سافر إلى الصيد لا يقصّر ، وذكرنا أنّ جعل معصية الله قسيماً للصيد يدلّ على أنّ الصيد وإن لم يكن معصية يقتضي عدم التقصير ، وحينئذ يصير خبر ابن بكير مؤيِّداً لخبر عمّار(٦) .

__________________

(١) الفهرست : ٥٠ / ١٦٦.

(٢) رجال النجاشي : ٦٢ / ١٤٧.

(٣) راجع ص ١٣٠.

(٤) انظر هداية المحدثين : ٩٩ ١٠٧ و ٢٠٨.

(٥) المختلف ١ : ٥٢٢.

(٦) راجع ص ١١٤٨.


وما قاله شيخناقدس‌سره : من أنّ السفر للقوت لا ريب في التقصير فيه(١) . قد قدّمنا القول فيه(٢) مفصّلاً فيما مضى ، خوفاً من عدم مساعدة الزمان إلى الوصول إلى هذا المكان ، والحاصل أنّ الإجماع إن انعقد على أنّ المتصيّد للقوت يلزمه التقصير فلا كلام ، وإلاّ فإطلاق رواية عمّار يحتاج إلى ما يثبت به تقييده ، والأخبار التي تصلح لذلك لا يخلو من قصور في السند سوى رواية زرارة ، والجواب فيها لا يخلو من إجمال كما نذكره.

وأمّا الرواية المبحوث عنها فلا يخفى أنّه قد يستبعد إطلاقها ، لأنّ كل الصيد ليس بمسير باطل ، إذ منه ما هو واجب إذا اضطرّ الإنسان إليه للقوت. ويدفعه جواز التقييد بالدليل.

والثاني : كالأول ، وقد تقدّم القول فيه(٣) من جهة التعليل ؛ إذ قد يستفاد منه التمام في كل مسير غير حق.

وأمّا الثالث : فالظاهر منه أنّ الخروج إلى الصيد لهو وإن كان للقوت ، ولا مانع من كون الشارع جعل السعي في القوت من غير الصيد لحكمةٍ لا نعلمها.

والرابع : ظاهر في الإطلاق ، ولو صحّ لأمكن أن يقيّد بغير اللهو فله تقييد وفيه إطلاق.

والخامس : لا يكاد يحوم حوله التوجيه ، ولو صحّ لأمكن القول بظاهره ، ويخصّ به غيره إن لم ينعقد الإجماع على خلافه ، وما قاله الشيخ في توجيهه غريب ؛ لأنّ صريح الخبر الفرق بين الثلاثة أيّام وتجاوزها ،

__________________

(١) مدارك الاحكام ٤ : ٤٤٨.

(٢) راجع ص ١١٤٩.

(٣) راجع ص ١١٤٩.


وقول الشيخ : إنّ من كان صيده لقوت العيال وقوته لزمه التقصير ، إلى آخره(١) . لا يوافق الخبر.

والاستدلال لما ذكره بالسادس(٢) له وجه ، لكن لا يتمّ في الخبرين ؛ للاحتياج في الثاني إلى قيد كون التقصير في الثلاثة.

وأمّا خبر السيّاري فتوجيه الشيخ له غير موافق للخبر ، ولا له ارتباط تامّ كما لا يخفى ، ويختلج في البال أن يراد بالجادّة : الحق ، يعني(٣) إن كان القصد بالصيد الموافقة للشارع قصّر ، وإن عدل عن ذلك بقصد اللهو أتمّ ، والعدول عن الصريح إلى هذه الكناية ربما كان الوجه فيه ملاحظة الحكّام كما يعرف من طريقتهمعليهم‌السلام ، ولا يبعد أن يكون الوجه في إطلاق بعض الأخبار بأنّ المسير للصيد مسير باطل ونحوه باعتبار الغالب(٤) ، فإنّ القصد إلى القوت في غاية الندرة.

وفي المختلف نقل عن الشيخ في النهاية أنّه لو كان الصيد للتجارة وجب عليه القصر في الصوم ، والتمام في الصلاة ، قال العلاّمة : وهو اختيار المفيد ، وعلي بن بابويه ، وابن البراج ، وابن حمزة ، وابن إدريس ، وقال ابن إدريس : روى أصحابنا بأجمعهم أنّه يتمّ الصلاة ويفطر الصوم ، وكلّ سفر وجب التقصير في الصوم وجب تقصير الصلاة فيه. إلاّ هذه المسألة فحسب ، للإجماع عليها. ثم نقل عن الشيخ في المبسوط أنّه قال : وإن كان للتجارة دون الحاجة روى أصحابنا أنّه يتمّ الصلاة ويفطر ، وأوجب السيّد‌

__________________

(١) راجع ص ١١٥٢.

(٢) راجع ص ١١٥٢.

(٣) في « د » : بمعنى.

(٤) الكافي ٣ : ٤٣٧ / ٤ و ٤٣٨ / ٨ ، التهذيب ٣ : ٢١٧ / ٥٣٦ ، ٥٣٧ ، الوسائل ٨ : ٤٧٩ أبواب صلاة المسافر ب ٩ ح ٤ وص ٤٨٠ ح ٧.


المرتضى وابن أبي عقيل وسلاّر التقصير على من كان سفره طاعةً أو مباحاً ، ولم يفصّلوا الصيد وغيره(١) . انتهى.

ولا يخفى عليك ما في دعوى الإجماع ، وقد قدّمنا ما حكاه العلاّمة في احتجاج الشيخ إجمالاً ، وبيّنا عدم دلالة الأخبار على تفصيله(٢) .

واستدل شيخناقدس‌سره على المساواة بصحيح معاوية بن وهب حيث قال فيه : « إذا قصّرت أفطرت وإذا أفطرت قصّرت »(٣) .

وقد يمكن الدخل في هذا الخبر بأنّ الخلاف في « إذا » إنّها للعموم أم لا ، فالاستدلال بها على المساواة مصادرة ، وفيه تأمّل ، إلاّ أنّ الحق احتياج الفرق إلى الدليل.

وللعلاّمة في احتجاجه على وجوب التقصير مطلقاً كلام طويل(٤) غير خال من النظر ، لولا الخروج عمّا نحن بصدده لنقلناه ، وبالجملة فالأخبار قد علمت حالها وكذلك الأقوال ، والله تعالى أعلم بالحال.

اللغة‌

قال في القاموس : شيّع فلاناً(٥) خرج معه(٦) . وفيه : البطر النشاط‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٥٢١ ، وهو في النهاية : ١٢٢ ، المقنعة : ٣٤٩ ، وقد حكاه عن ابن بابويه الفاضل الآبي في كشف الرموز ١ : ٢٢١ ، المهذب ١ : ١٠٦ ، الوسيلة : ١٠٩ ، السرائر ١ : ٣٢٧.

(٢) راجع ص ١١٤٤.

(٣) مدارك الأحكام ٤ : ٤٤٨.

(٤) المختلف ٢ : ٥٢٤.

(٥) في « رض » زيادة : إذا.

(٦) القاموس المحيط ٣ : ٤٩.


وقلّة احتمال النعمة والحيرة والطغيان بالنعمة(١) . وفيه : الفُضُول(٢) بالضم المشتغل بما لا يعنيه(٣) . وفي فوائد شيخنا أيّده الله على الكتاب : الفضول هو اتّباع الهوى كاللهو والبطر. وفي ظنّي وجود الفضول بمعنى الزيادة في أشعار العرب. ( وفي القاموس )(٤) : الجادّة معظم الطريق(٥) .

قوله :

باب المسافر يدخل بلداً لا يدري ( ما مقامه فيها )(٦) .

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال ، قلت له : أرأيت من قدِم بلدة إلى متى ينبغي أن يكون مقصّراً أو متى ينبغي له أن يتم؟ فقال : « إذا دخلت أرضاً فأيقنت أنّ لك بها(٧) مقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة ، وإن لم تدر ما مقامك بها تقول غداً أخرج أو بعد غدٍ فقصّر ما بينك وبين أن يمضي شهر ، فإذا تمّ لك شهر فأتمّ الصلاة وإن أردت أن تخرج من ساعتك ».

محمد بن علي بن محبوب ، عن عبد الصمد بن محمد ، عن حنّان ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « إذا دخلت البلد فقلت‌

__________________

(١) القاموس المحيط ١ : ٣٨٨.

(٢) في المصدر : الفضوليّ.

(٣) القاموس المحيط ٤ : ٣٢.

(٤) بدل ما بين القوسين في « رض » : وفيه.

(٥) القاموس المحيط ١ : ٢٩٢.

(٦) في الاستبصار ١ : ٢٣٧ بدل ما بين القوسين : كم مقامه فيه.

(٧) في « د » : فيها.


اليوم أخرج أو غداً أخرج واستتمت شهراً فأتمّ ».

علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيّوب قال : سأل محمد بن مسلم أبا عبد اللهعليه‌السلام وأنا أسمع عن المسافر إن حدّث نفسه بإقامة عشرة أيّام ، قال : « فليتمّ الصلاة ، وإن لم يدر ما يقيم يوماً أو أكثر فليَعُدّ ثلاثين يوماً ثم ليتمّ وإن كان أقام يوماً أو صلاة واحدة » فقال ( له محمد بن مسلم : بلغني أنّك قلت خمساً؟ قال : « قد قلت ذلك » قال أبو أيّوب ، فقلت أنا : جعلت فداك يكون أقل من خمس؟ فقال : )(١) « لا ».

قال محمّد بن الحسن : ما يتضمّن هذا الخبر من الأمر بالإتمام لمن يريد المقام(٢) خمسة أيّام يحتمل شيئين ، أحدهما : أن يكون محمولاً على الاستحباب. والثاني أن يكون مخصوصاً بمن كان بمكة أو بالمدينة(٣) .

والذي يدل على ذلك :

ما رواه ( محمّد بن علي بن محبوب ، عن علي بن السندي ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن )(٤) محمد بن مسلم قال : سألته عن المسافر يقدم الأرض قال (٥) : « إن حدّثته نفسه أن يقيم عشراً فليتمّ ، وإن قال : اليوم أخرج ( أو غداً أخرج ) (٦) ولا يدري فليقصّر ما بينه‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) في « رض » : الإقامة.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٣٨ / ٨٤٩ : المدينة.

(٤) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٥) في الاستبصار ١ : ٢٣٨ / ٨٥٠ : فقال.

(٦) ما بين القوسين ليس في « رض ».


وبين شهر ، فإن مضى شهر فليتمّ ، ولا يتمّ في أقلّ من عشرة إلاّ بمكة والمدينة ( وإن أقام بمكة والمدينة ) (١) ( خمسة أيّام ) (٢) فليتمّ ».

السند‌ :

في الأول : لا ارتياب فيه بعد ما قدّمناه.

والثاني : فيه عبد الصمد بن محمّد ، وهو ابن عبيد الله الأشعري ، لأنّه الراوي عن حنّان كما ذكره النجاشي ( في [ ابنه الحسن(٣) ] وليس فيه مدح ولا توثيق(٤) .

والشيخ ذكر في رجال الهاديعليه‌السلام عبد الصمد بن محمد القمي مهملاً(٥) . ولا يبعد أن )(٦) يكون واحداً ؛ لأنّ حنان عمّر عمراً طويلاً كما ذكره شيخنا أيّده الله في كتاب الرجال(٧) .

وفيه حنّان وأبوه سدير ، والأوّل وثّقه الشيخ في الفهرست(٨) ، وفي رجال الكاظمعليه‌السلام من كتابه قال : إنّه واقفي(٩) . والنجاشي لم يذكر الوقف ولا وثّقه(١٠) . والثاني غير معلوم الحال.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٣٨ / ٨٥٠ بدل ما بين القوسين : خمساً.

(٣) بدل ما بين المعقوفين في « د » : أبيه الحسين ، وفي « فض » : ابنه الحسين ، والصواب ما أثبتناه.

(٤) رجال النجاشي : ٦٢ / ١٤٦.

(٥) رجال الطوسي : ٤١٩ / ٢٩.

(٦) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٧) منهج المقال : ١٩٤.

(٨) الفهرست : ٦٤ / ٢٤٤.

(٩) رجال الطوسي : ٣٤٦ / ٥.

(١٠) رجال النجاشي : ١٤٦ / ٣٧٨.


وما وقع للعلاّمة بعد نقل خبر رواه الكشي في شأن سدير : من أنّ سند الخبر معتبر يدل على علوّ المرتبة(١) (٢) . موهوم عند التحقيق ، كما نبّه عليه الوالدقدس‌سره وشيخنا أيّده الله في كتاب الرجال(٣) .

والحاصل أنّ المذكور في رواية الكشي « شديد » بالشين المعجمة والدال المهملة أخيراً لا « سدير » وأصل الوهم من الكشي(٤) .

والثالث : حسن.

والرابع : فيه علي بن السندي وهو مجهول الحال ، وما اتفق في بعض نسخ الكشي في علي بن إسماعيل من قوله : نصر بن الصباح قال : علي بن إسماعيل ثقة [ وهو(٥) ] علي بن السندي ، فلقّب إسماعيل بالسندي(٦) . موهوم على ما حقّقه شيخنا أيّده الله(٧) بل الظاهر أنّ لفظة « ثقة » تصحيف « يقال »(٨) والعلاّمة جعله علي بن السدي(٩) (١٠) ، وتحقيق الحال في كتاب الشيخ أيّده الله.

المتن :

في الأول : يدل بظاهره على أنّ الموجب للتمام من إقامة العشرة‌

__________________

(١) في « د » : الرتبة.

(٢) خلاصة العلاّمة : ٨٥ / ٣.

(٣) منهج المقال : ١٥٧ ١٥٨.

(٤) في نسخة من رجال الكشي ( طبع جامعة مشهد ) : ٥٥٥ / ١٠٤٩.

(٥) ليست في النسخ ، أثبتناها من المصدر.

(٦) في نسخة من رجال الكشي ( طبع جامعة مشهد ) : ٥٩٨ / ١١١٩.

(٧) منهج المقال : ٢٣٠.

(٨) لوجود المشابهة بين ( ثقة ) و ( يق ).

(٩) في « رض » : السري.

(١٠) خلاصة العلاّمة : ٩٦ / ٢٨.


يشترط فيه اليقين ، ولم أعلم القائل به ، ويمكن أن يقال : إنّ المراد باليقين فيه عدم التردّد فيشمل الظن واليقين ، كما ينبّه عليه قوله : « وإن لم تدر ما مقامك » إلى آخره. مضافاً إلى دلالة غيره من الأخبار كالثالث حيث وقع الجواب فيه عن المسافر إن حدّث نفسه ، وكذلك الرابع.

وفي بعض الأخبار المعتبرة : « إذا أتيت بلدة فأزمعت المقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة »(١) وفي القاموس ما يفيد أنّ الزمع : العزم(٢) .

وما تضمّنه الخبر الأوّل من الشهر يتناول الهلالي لو حصل التردّد في أوّله وإن كان ناقصاً ، ونقل عن العلاّمة في التذكرة أنّه لم يعتبر الهلالي ، بل الثلاثين ؛ لأنّ الشهر مجمل وما ورد بالثلاثين مبيّن(٣) . وأراد بما تضمّن الثلاثين مثل الثالث ، لكن لو صحّ ما تضمّن الثلاثين فله وجه ، وإلاّ فالأمر كما ترى.

ومن هنا يعلم أنّ ما قاله شيخناقدس‌سره : من أنّ كلام العلاّمة لا بأس به(٤) . مع أنّه لم يذكر إلاّ حسنة أبي أيوب ، محل تأمّلٍ ؛ لعدم عمله بالحسن.

وما ذكرناه في الهلالي من كون التردّد في أوّله هو المذكور في كلام البعض في هذه المسألة(٥) ، ولعلّ الوجه فيه أنّ احتمال الهلالي مع كون التردّد في الأثناء لا وجه له ، والمذكور في غير هذا الموضع من الخلاف إنّما هو مع(٦) تعدّد الأشهُر ، وإن كان في البين تأمّل لا يخفى وجهه.

واحتمل بعض المتأخّرين التخيير جمعاً بين ما تضمّن الشهر‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٢١ / ٥٥٢ ، الوسائل ٨ : ٤٩٩ أبواب صلاة المسافر ب ١٥ ح ٤.

(٢) القاموس المحيط ٣ : ٣٦.

(٣) التذكرة ٤ : ٣٨٩.

(٤) مدارك الاحكام ٤ : ٤٦٣.

(٥) التذكرة ٤ : ٣٨٩.

(٦) ليست في « رض ».


والثلاثين(١) .

ثم إنّ الخبر الأوّل لا يخفى أنّ ظاهره اعتبار نيّة الإقامة بعد دخول الأرض التي في عزمه على الإقامة فيها ، وكذلك الثاني ؛ لتضمّنه الدخول إلى البلد ، أمّا الثالث : فهو وإن احتمل النيّة من خارج إلاّ أنّ احتمال موافقة غيره ليس ببعيد منه ، والأخير كالأولين ، فما ذكره بعض : من أنّ الأخبار متناولة لنيّة إقامة العشرة قبل الوصول وبعده محلّ تأمّل(٢) .

وفي رواية منصور بن حازم التي أشرنا إليها سابقاً من أنّها معتبرة دلالة على أنّه إذا دخل بلدة(٣) ، وإرادة الإرادة بعيدة عنها ، ولو احتمل أن يراد بالأرض في الأخبار الواردة بقوله : « إذا دخلت أرضاً »(٤) ما يتناول البُعد عن نفس المنزل وقربه فيتمّ المطلوب. أشكل بأنّ المتبادر من دخول الأرض محلّ الإقامة.

ومن هنا يعلم أنّ ما ذكره شيخناقدس‌سره من الخلاف في أنّه هل ينقطع السفر على تقدير سبق النيّة على الوصول بمشاهدة الجدران أو سماع الأذان ، أم يتوقف على الوصول إلى المحل؟ واختياره الوصول إلى البلد ؛ لأنّه قبل الوصول مسافر فيلزمه حكمه(٥) . محل تأمّل ؛ لأنّه كان ينبغي تحرير الدلالة ثم ذكر الخلاف.

وقد يمكن تسديد التوجيه في شمول بعض الأخبار لما قبل الوصول ، إلاّ أنّه لا يخلو من تكلّف ، والاحتياط مطلوب إذا أمكن.

__________________

(١) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٤٠٦.

(٢) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٤٠٦.

(٣) راجع ص ١١٥٨.

(٤) الوسائل ٨ : ٤٩٨ أبواب صلاة المسافر ب ١٥ ح ٣ وص ٥٠٠ ح ٩.

(٥) مدارك الاحكام ٤ : ٤٦١.


ولا يخفى توجّه الإشكال في العشرة والثلاثين إذا كانت منكسرة كما في غيرها من موارد الخلاف ، والاعتبار يقتضي أن نصفَي اليومين لا يقال له يوم. هذا.

وقد اتفق لجدّيقدس‌سره هنا كلام في شرح الإرشاد(١) ذكرته في حاشية الروضة مفصّلاً ، وإجمال القول فيه هنا أنّ الخلاف واقع في اشتراط التوالي في العشرة وعدمه ، على معنى أنّه هل يشترط في حال نيّة إقامة العشرة قصد عدم الخروج إلى محل الترخّص أم لا؟ فالبعض اشترط ذلك(٢) ، وإليه ذهب شيخناقدس‌سره (٣) لأنّه المتبادر من النص ، وكأنّ الوجه في التبادر أنّ الأخبار المتضمّنة لإقامة العشرة تفيد الإقامة في نفس الموضع ولوازمه التي يسمع فيها الأذان وترى الجدران(٤) .

وقد يقال : إنّ هذا يمكن توجيهه فيما تضمّن البلد ، أمّا بعض الأخبار المتضمنة للأرض(٥) فالتوجيه بعيد ، بل الظاهر الإطلاق منها(٦) ، على أنّ البلد كذلك ؛ إذ الخارج عنها وإن سمع منها الأذان يتوقّف حكمه على الدليل ، إلاّ أن يقال : إنّه إجماعي لكن محلّ الترخّص محلّ البحث.

وما قاله جدّيقدس‌سره في بعض فوائده على ما حكاه عنه شيخناقدس‌سره ولم يحضرني الآن : من أنّه بعد أنّ صرّح باشتراط التوالي قال : وما يوجد في‌

__________________

(١) روض الجنان : ٣٩٩.

(٢) كالشهيد الأول في البيان : ٢٦٦.

(٣) مدارك الاحكام ٤ : ٤٦٠.

(٤) الكافي ٣ : ٤٣٥ / ١ و ٤٣٦ / ٣ ، التهذيب ٣ : ٢٢٠ / ٥٤٩ ، ٥٥١ و ٢٢١ / ٥٥٢ ، ٥٥٣ ، الوسائل ٨ : ٤٩٨ أبواب صلاة المسافر ب ١٥ ح ٣ ، ٤.

(٥) المتقدمة في ص ١١٥٩.

(٦) في « رض » : فيها.


بعض القيود من أنّ الخروج إلى خارج الحدود مع العود إلى موضع الإقامة ليومه أو ليلته لا يؤثّر في نيّة الإقامة وإن لم ينو عشرة مستأنفة ، لا حقيقة له ، ولم نقف عليه مسنداً(١) إلى أحد من المعتبرين الذين تعتبر فتواهم ، فيجب الحكم باطراحه ، حتى لو كان ذلك في نيّته من أول الإقامة بحيث صاحبت هذه النيّة نيّة إقامة العشرة لم(٢) يعتدّ بنيّة الإقامة وكان باقياً على القصر ، لعدم الجزم بإقامة العشرة المتوالية ، فإنّ الخروج إلى ما يوجب الخفاء يقطعها ، ونيّته في ابتدائها تبطلها(٣) .

محل بحث في نظري القاصر ، لأنّ أوّل كلامهقدس‌سره يدل على أنّ مجرّد الخروج إلى محل الترخّص يبطل نيّة الإقامة ، لأنّه(٤) قال : حتى لو كان ذلك في نيّته. وغير خفي أنّه لو لم يكن في النيّة الخروج لا ارتياب في أنّ الخروج بعد ذلك لا يبطل نيّة الإقامة مطلقاً عنده ، والرسالة المفردة له في هذا كاشفة عن حقيقة الحال ، فقوله : لم نقف عليه مسنداً(٥) . غريب ، وممّا يؤيّد ما ذكرناه قوله أخيراً : فإنّ الخروج إلى ما يوجب الخفاء يقطعها ، ونيّته في ابتدائها تبطلها.

والعجب من شيخناقدس‌سره أنّه قال بعد نقل كلامه : وهو جيّد(٦) . مع أنّه صرّح بأنّ نيّة الإقامة تقطع السفر المتقدّم ، وعلى هذا فيفتقر المكلّف في عوده إلى التقصير بعد الصلاة على التمام إلى قصد مسافة جديدة يشرع فيها‌

__________________

(١) في « رض » : مستنداً.

(٢) في « رض » : لا.

(٣) مدارك الاحكام ٤ : ٤٦٠ ، بتفاوت يسير ، رسائل الشهيد الثاني : ١٩٠.

(٤) ليست في « رض ».

(٥) في « رض » : مستنداً.

(٦) مدارك الاحكام ٤ : ٤٦٠ ، ٤٦١.


القصر(١) .

وأنت خبير بمنافاة هذا لما استجوده من كلام جدّيقدس‌سره ولو حملنا قول جدّيقدس‌سره على الخروج لمحلّ الترخّص قبل الصلاة يصير وجهاً ثالثاً لا تعرّض فيه لكلامه ، والإطلاق في مثله من شيخناقدس‌سره وجدّيقدس‌سره غير لائق ، ولا وجدت عليه موافقاً ، على أنّ قول شيخناقدس‌سره : بعد الصلاة. محلّ بحثٍ أيضاً ؛ لأنّ الخروج إلى محل الترخّص من دون قصد مسافة قبل الصلاة لو أوجب القصر ( لكان لقصد )(٢) المسافة ، والحال أنّه قد يقصد العود إلى محل الإقامة ثم السفر ، والذهاب حكمه غير الإياب في غير محل الإقامة ( أمّا محل الإقامة )(٣) فيحتاج إلى دليل ، فإن كان الدليل تحقّق السفر فإذا خرج حال الإقامة بالأخبار بقي ما عداه إذا خرج عنها أمكن أن يقال : إذا انقطع السفر بنيّة الإقامة يتوقف الحكم بالتقصير على الدليل ، وما دلّ على الصلاة إنّما هو فيما إذا قصد المسافة لا مجرّد الخروج.

وشيخناقدس‌سره لا يقول به أيضاً ، وإن كان في خبر أبي ولاّد الآتي(٤) نوع دلالة على مجرّد الخروج ، إلاّ أنّ جدّيقدس‌سره في شرح الإرشاد فيما أظن ذكر أنّ أبا ولاّد كان من أهل الكوفة ( فخروجه من المدينة كان بقصد الكوفة )(٥) لا مجرّد الخروج ، كما ستعلمه من الرواية(٦) ، وإن كان في هذا نوع تأمّل ، إلاّ أنّ المقصود من عدم القول به حاصل ، فليتأمّل هذا فإنه مهمّ ، وقد قدّمنا في كلام العلاّمة من الإقامة في الرستاق ما يغني عن‌

__________________

(١) مدارك الاحكام ٤ : ٤٦٠ ، ٤٦١.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٤) في ص ١١٦٤.

(٥) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٦) روض الجنان : ٣٩٤.


الإعادة ، وسيأتي إن شاء الله بقيّة المباحث المتعلّقة بإقامة العشرة في الباب الآتي.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما ذكره الشيخ في الخبر الدالّ على إقامة الخمسة لا يخلو من وجه ، وإن بَعُد عن الظاهر.

وما اعترض به عليه شيخنا أيّده الله في فوائده على الكتاب : من أنّ استحباب الإتمام لإقامة خمس مطلقاً لا مقتضي له إلاّ بعض القياسات المردودة ، ووجوب الإتمام بها يعني الخمسة فيهما يعني في مكة والمدينة لا يتوجه ؛ لمخالفة الروايات ، فالذي ينبغي : الحمل على تأكّد الاستحباب فيهما يعني مكة والمدينة.

لا يخلو من وجه في جهة مكة والمدينة ، أمّا القياسات فلا أعلم وجهها ، على أنّ في مكة والمدينة لا مانع من حمل الشيخ ؛ لدلالة الأخبار على ما يقتضي التخيير جمعاً ، وإن كان فيها من جهة الأسانيد كلام ، وكذلك من غيرها أيضاً ، لكن المماشاة مع الشيخ يقتضي أن يكون حمله على وجوب التمام في الموضعين حتماً مع إقامة الخمسة متوجّهاً.

أمّا ما قاله شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب : من أنّ هذه الرواية يعني رواية أبي أيوب لا تدلّ صريحاً على الإتمام بنيّة الخمسة ، بل ولا ظاهراً ؛ إذ من المحتمل عود الإشارة بذلك إلى ما ذكره أوّلاً من إقامة العشرة ، ولو كانت صريحة لوجب حملها على التقيّة ؛ لأنّ ذلك قول جمع من العامّة.

فمحلّ تأمّل ؛ لأنّ الظاهر من الرواية خلاف ما ذكره من حيث إنّ قول أبي أيوب : يكون أقلّ من خمس ، فقالعليه‌السلام : « لا » يدل على أنّ أبا أيوب‌


فهم عود الإشارة إلى الخمسة ، والإمامعليه‌السلام أقرّه على ذلك كما لا يخفى.

ثم ما ذكره من التقيّة هو أعلم به ، فإنّ الذي وقفت عليه من كلام بعضهم أقلّ من خمسة(١) ، هذا.

والمنقول عن ابن الجنيد القول بوجوب الإتمام إذا نوى خمسة(٢) . والعلاّمة في المنتهى ادّعى الإجماع على أنّ نيّة إقامة ما دون العشرة لا توجب التمام كما نقل عنه(٣) . ولا يخفى أنّ خبر أبي أيوب لو صحّ أو عمل بالحسن فالتخيير في إقامة الخمسة ممكن ، والإجماع من العلاّمة محلّ كلام.

قوله :

باب المسافر يقدم البلد

ويعزم على المقام عشرة أيّام ثم يبدو له.

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أبي جعفر ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي ولاّد الحنّاط قال ، قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : إنّي كنت نويت حين دخلت المدينة أن أُقيم بها عشرة أيّام وأُتمّ (٤) الصلاة ، ثم بدا لي بعدُ أن [ لا ] (٥) أُقيم‌

__________________

(١) منهم ابن قدامة في المغني ٢ : ١٣٣ ، والجزيري في الفقه على المذاهب الأربعة ١ : ٤٧٩.

(٢) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٥٣٦.

(٣) المنتهي ١ : ٣٩٦ ، وحكاه عنه في المدارك ٤ : ٤٦٢.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٣٨ / ٨٥١ : فأتم.

(٥) ما بين المعقوفين أثبتناه من التهذيب ٣ : ٢٢١ / ٥٥٣.


بها فما(١) ترى لي(٢) أُتمّ أم أُقصّر؟ فقال : « إن كنت دخلت المدينة صلّيت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصّر حتى تخرج منها ، وإن(٣) كنت حين دخلتها على نيّتك التمام فلم تصلّ فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتّى بدا لك أن لا تقيم فأنت في تلك الحال بالخيار إن شئت فانو المقام عشراً وأتمّ وإن لم تنو المقام فقصّر ما بينك وبين شهر ، فإذا مضى لك شهر فأتمّ الصلاة ».

فأمّا ما رواه سعد ، عن أبي جعفر ، عن محمد بن خالد البرقي ، عن حمزة بن عبد الله الجعفري قال : لما أن نفرت من منى نويت المقام بمكة فأتممت الصلاة ، ثم جاءني خبر من المنزل فلم أجد بدّاً من المصير إلى المنزل ولم أدر أُتمّ أم(٤) أُقصّر ، وأبو الحسنعليه‌السلام يومئذٍ بمكة ، فأتيته فقصصت عليه القصّة فقال : « ارجع إلى التقصير ».

فالوجه في هذا الخبر أنّه إنّما أمره بالرجوع إلى التقصير لأنّه لم يكن بعد صلّى(٥) شيئاً من الصلوات الفرائض ، فلمّا تغيّرت نيّته كان فرضه التقصير حسب ما فصّله في الخبر الأول ، ويكون قول السائل : وكنت أتممت. محمولاً على النوافل دون الفرائض ، لأنّ الذي يراعى فيه أن يكون صلّى صلاة واحدة فريضة على التمام ، فحينئذٍ يجب عليه التمام بقيّة مقامه على ما بيّن في الخبر الأول.

__________________

(١) في « رض » زيادة : التي.

(٢) ليست في « رض ».

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٣٨ / ٨٥١ : فإن.

(٤) في « رض » : أو.

(٥) في الاستبصار ١ : ٢٣٩ / ٨٥٢ : صلى بعد.


السند‌ :

في الأول : لا ارتياب فيه ، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن عيسى على ما تقدّم(١) .

والثاني : فيه حمزة بن عبد الله الجعفري وهو غير مذكور فيما رأيت ، والبرقي تقدّم القول فيه(٢) .

المتن :

في الأول : يدل على أنّ من بدا له عدم الإقامة [ قبل(٣) ] الصلاة المذكورة يلزمه التقصير ما لم ينو مقام عشرة غير الاولى ، وقد أسلفنا القول في أنّ مجرّد الخروج إلى غير المسافة ما حكمه(٤) ، وذكرنا ما قاله جدّيقدس‌سره في توجيه هذا الخبر ، وقد ذكرته في حاشية الروضة(٥) ، والحاصل أنه لا يبعد أن يكون قوله : ثم بدا لي. يريد به المسافة ، ولو حمل على أنّه بدا له الخروج مطلقاً ، فالمنافاة حاصلة لما يستفاد من الأخبار الدالّة على أنّ نية إقامة العشرة قاطعة للسفر ، فيحتاج العود إلى التقصير بمجرّد الخروج إلى الدليل.

وهذه الرواية لما كانت غير صريحة بسبب احتمال إرادة الخروج إلى‌

__________________

(١) في ص ٦٦.

(٢) في ص ٣٢.

(٣) في النسخ : بعد ، والظاهر ما أثبتناه.

(٤) راجع ص ١١٦٠ ١١٦٢.

(٥) راجع ص ١١٦٠.


الكوفة لأنّ الراوي كوفيٌّ كما قالهقدس‌سره في شرح الإرشاد(١) أمكن أن يقال : بعدم الخروج عن ما دلّ على انقطاع السفر بنيّة إقامة العشرة ، وإن كان ما ذكرهقدس‌سره محلّ تأمّل ؛ لاحتمال قطع النظر عن الكوفة وقصد غيرها ممّا ليس بمسافة.

والذي يظهر لي من كلامهقدس‌سره وجود الخلاف في المسألة مع عدم الصلاة ، لأنّه قال : ويحتمل اشتراط المسافة بعد ذلك لإطلاق النص والفتوى بأنّ نيّة الإقامة تقطع السفر فيبطل حكم ما سبق ، كما لو وصل إلى وطنه ، وبما قلناه(٢) أفتى الشهيد في البيان(٣) .

وهذا الكلام كما ترى صريح في تحقق الخلاف ، غير أنّ ما ذكره من إطلاق النص والفتوى محلّ بحث ؛ لأنّ من النصوص خبر أبي ولاّد ، وإطلاقه ينافي ما ذكره ، والفتوى كذلك.

وبالجملة فالمقام لا يخلو من إشكال ، وما وجدت من تعرّض لتحقيقه من المتأخّرين ، وكلام جدّيقدس‌سره فيه لا يخلو من اضطراب بالنسبة إلى ما قدّمناه عن قريب(٤) وهذا الكلام.

وأمّا ما تضمّنه الخبر من صلاة فريضة واحدة بتمام فالظاهر منه إرادة التمام فيما يقصّر في السفر ، وقد يدّعى إرادة تمام الفريضة بمعنى الفراغ منها فلا يكفي الدخول في ركوع الثالثة ، وفيه تأمّل ؛ لأنّ الظاهر من التمام ما قابل القصر ، وقد ذكرت في حاشية الفقيه احتمال أن يقال : بأنّ ظاهر الرواية كون صلاة الفريضة بتمام يوجب ما ذكر ، لا نيّة الإقامة والصلاة ،

__________________

(١) روض الجنان : ٣٩٤.

(٢) في المصدر : اخترناه.

(٣) روض الجنان : ٣٩٤ ، وهو في البيان : ٢٦١.

(٤) راجع ص ١١٦٢.


( فلو نوى )(١) في الأثناء دخل في الرواية ، وكذا لو تقدّمت نيّة الإقامة ثم صلّى.

ومن هنا يعلم أنّ ما قاله شيخناقدس‌سره من أنّ الحكم في الرواية وقع معلّقاً على من صلّى فرضاً تماماً بعد نيّة الإقامة(٢) . محلّ تأمّل على الإطلاق ، والتسديد بما قلناه.

ويستفاد من الخبر اعتبار صلاة الفريضة ، فلا يكفي النافلة المختصة بالفريضة المقصورة ، كما أنّه يستفاد اعتبار فعل الفريضة ، فلو اتفق عدم فعلها حتى مضى(٣) الوقت فلا تأثير لثبوتها ( في الذمّة )(٤) وينقل عن العلاّمة في التذكرة أنّه يبقى على التمام والحال هذه ؛ لاستقرار الفائت في الذمّة(٥) . وفيه ما لا يخفى.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العلاّمة في جملة من كتبه ألحق الشروع في الصوم بالصلاة بشرط كون الصوم مشروطاً بالحضور(٦) . وجدّيقدس‌سره في شرح الإرشاد قوّى ذلك ، واحتجّ عليه بوجوه(٧) لا يخلو من طول ، واعترض عليه شيخناقدس‌سره في المدارك(٨) ، وقد أوضحت الحال في المقام في حاشية الروضة.

والذي لا بدّ من ذكره هنا على سبيل الإجمال أنّ حاصل استدلال جدّيقدس‌سره بأنّه لو فرض أنّ هذا الصائم لو سافر بعد الزوال فإمّا أن يجب‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : فلو صلى ونوى.

(٢) مدارك الاحكام ٤ : ٤٦٦.

(٣) في « رض » : خرج.

(٤) بدل ما بين القوسين في « رض » : بالذمة.

(٥) نقله عنه في مدارك الاحكام ٤ : ٤٦٤ ، وهو في التذكرة ٤ : ٤٠٧ ، ٤٠٨.

(٦) التذكرة ٤ : ٤١٠ ، والقواعد ١ : ٥٠ ، والتحرير ١ : ٥٦.

(٧) روض الجنان : ٣٩٥.

(٨) مدارك الاحكام ٤ : ٤٦٥.


عليه الإفطار أو إتمام الصوم ، لا سبيل إلى الأوّل للأخبار الصحيحة(١) الدالة على المضي في الصوم الشاملة بإطلاقها أو عمومها لهذا الفرد ، فتعيّن(٢) الثاني ، وحينئذٍ فإمّا أن يحكم بانقطاع نيّة الإقامة وهو غير جائز إجماعاً ، إلاّ ما استثني من الصوم المنذور في الجملة ، فثبت الآخر ، وهو عدم انقطاع نيّة الإقامة ( سواء سافر بالفعل أو لم يسافر ، إذ لا مدخل للسفر في صحة الصوم وتحقّق الإقامة )(٣) فإذا لم يسافر بقي على التمام.

والاعتراض أوّلاً : بأنّا لا نسلم إتمام الصوم والحال هذه ، وما أشار إليه من الأخبار غير صريحة فيه ولا ظاهرة ، إذ المتبادر منها تعليق الحكم بمن(٤) سافر من موضع لزمه فيه الإتمام ، وليس هذا منه ، فإنّه موضع النزاع.

وثانياً : على تقدير تسليم وجوب الإتمام لا نسلّم اقتضاء ذلك عدم انقطاع نيّة الإقامة ، واستلزام ذلك وقوع الصوم سفراً لا محذور فيه ؛ لوقوع بعضه في حال الإقامة ، ولأنّه لا دليل على امتناع ذلك.

وما قد يقال : من أنّه يلزم ذلك بعكس نقيض قولهعليه‌السلام : « إذا قصّرت أفطرت » يجاب عنه بأنّ هذا على تقدير تسليم عمومه يخصّ بالخبر المبحوث عنه الدال على أنّه مع عدم صلاة الفريضة يرجع إلى التقصير(٥) . انتهى.

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٠ : ١٨٥ أبواب من يصح منه الصوم ب ٥.

(٢) في « رض » : فيتعين.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٤) في « د » : لمن.

(٥) مدارك الاحكام ٤ : ٤٦٥.


وهذا الاعتراض قد وجدته الآن لبعض محقّقي المتأخّرينرحمه‌الله (١) وقد كنت ذكرت في الحاشية أنّ في نظري القاصر أبحاثاً في المقام :

الأوّل : ما ذكره من أنّ الروايات المتضمّنة لوجوب المضيّ غير صريحة ولا ظاهرة يشكل بأنّهقدس‌سره ذكر في كتاب الصوم ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا سافر الرجل في شهر رمضان إلى أن قال : فإذا دخل أرضاً قبل طلوع الفجر وهو يريد الإقامة فعليه صوم ذلك اليوم »(٢) دلّ الخبر على أنّ إرادة الإقامة توجب الصوم ، فجواز الإفطار بالرجوع يحتاج إلى دليل ، ومنطوق قولهعليه‌السلام : « إذا قصّرت أفطرت » مع ظاهر الخبر الدال على الصلاة يشكل بأنّ تخصيصه بغير الصوم ليس بأولى من تخصيص حديث « إذا قصّرت أفطرت » به كما خصّصوه بمواضع.

واحتمال أنّ يقال : إنّ حديث ابن مسلم شامل لما قبل الزوال. لا يضرّ بالحال ؛ إذ لا مانع من تخصيصه ، وبقيّة ما قد يتوجّه في المقام مذكور في الحاشية.

الثاني : قوله : لوقوع بعضه في حال الإقامة ولأنّه ، إلى آخره. يشكل بأنّ الظاهر من قوله : ولأنّه ، المغايرة لما قاله من وقوع البعض في حال الإقامة ، وكون الوقوع كافياً في الصحّة إن أُريد به مجرّد الاحتمال نظراً إلى الاكتفاء به في المنع فله وجه ، إلاّ أنّه لا يقول به بل يحكم بالإفطار ، ووقوع البعض من الصوم لو أثّر في الصحة لاحتاج إلى الدليل ، وقد اعترف بأنّ الأخبار الدالّة على البقاء في الصوم لا تتناوله ، ولو نظرنا إلى الأخبار الدالّة‌

__________________

(١) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٤١٣ ٤١٤.

(٢) التهذيب ٤ : ٢٢٩ / ٦٧٢ ، الوسائل ١٠ : ١٨٥ أبواب من يصحّ منه الصوم ب ٥ ح ١.


على البقاء على الصوم بعد الزوال وأنها متناولة نافى ما نفاه أوّلاً ، والأخبار قد نقلناها مفصّلة وسيأتي إن شاء الله.

الثالث : ما ذكره : من أنّ العموم مخصوص على تقدير تسليم العموم. فيه أوّلاً : أنّه قد صرّح بعمومه في سفر الصيد ردّاً على الشيخ كما أسلفناه ، وأشرنا إلى أنّ إفادة « إذا » العموم محلّ تأمّلٍ(١) ، وظاهر كلامه هنا التوقف ، فلا يتم الاستدلال هناك. وثانياً : أن كلاًّ من الروايتين قابل للتخصيص ، والترجيح(٢) لا بدّ له من مرجّح ، هذا مجمل ما ذكرته في الحاشية.

ثم إنّي لمّا وجدت الآن كلام من أشرنا إليه رأيته زاد في الاعتراض فإنّه قال : لو سلّمنا بقاء الحكم السابق ( في هذا اليوم في الصوم لدليل لا يستلزم البقاء )(٣) في باقي الأزمنة [ في(٤) ] غيره أيضاً ، على أنّ فرض السفر ثم القياس عليه [ عدمه(٥) ] يعدّ لغواً ؛ إذ يكفي أن يقال : لا شكّ أنّه يجب عليه إتمام الصوم إذا صام صحيحاً مطلقاً ، إلاّ ما استثني وما نحن فيه ليس منه ؛ للآية(٦) والأخبار(٧) .

نعم يمكن حينئذٍ أن يقال : إذا وجب الصوم وجب إتمام الصلاة في هذا اليوم لعكس نقيض ما في الخبر الصحيح ، فسقط المنع ، وإذا وجب الإتمام في هذا اليوم وجب في الثاني ما دام باقياً ؛ لعدم الواسطة. ويمكن‌

__________________

(١) راجع ص ١١٥٥.

(٢) في « د » : الترجح.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٤) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

(٥) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

(٦) محمّد ( ص ) : ٣٣.

(٧) راجع ص ١٤٣.


دفعه بمنع كليّة الأصل ، وسند المنع قصر الصلاة مع وجوب إتمام الصوم لمن خرج بعد الزوال(١) . انتهى.

ولقائل أن يوجّه كلام جدّيقدس‌سره بما قدّمناه من دلالة بعض الأخبار(٢) .

وما قيل : من أنّ ذكر السفر لغو(٣) . فيه أنّ فرض السفر محتاج إليه في الاستدلال من حيث إنّه إذا لم يصلّ الفرض فهو مسافر ويلزمه حكم السفر من الإفطار ، وحينئذٍ يتوجه المحذور الذي قاله جدّيقدس‌سره وعكس النقيض في الخبر لا يدفع ما قاله المعترض ، لجواز تخصيصه بتقدير العموم.

والعجب أنّه قال في منع العموم : بأنّ « إذا » مهملة وإن فهم منها العموم عرفاً(٤) . والحال أنّ الثبوت في العرف يقتضي أنّها كذلك لغةً ، لأصالة عدم النقل ، كما في كثير من مسائل الأُصول ، إلاّ أن يقال : إنّ أهل اللغة صرّحوا بالإهمال. وفيه ما فيه.

وإذا تمهّد هذا فاعلم أنّ الخبر المبحوث عنه فيه دلالة على عدم تعيّن التمام في المدينة. وما قد يظن من تناوله لمن صلّى واحدة بالتمام ناسياً لنيّة الإقامة أو لكونه مسافراً ، أو صلّى تماماً لشرف البقعة ، محلّ تأمّل.

وأمّا الخبر الثاني : فما ذكره الشيخ في توجيهه لا يخلو من بُعد ، لكن لا بدّ منه. واحتمال أن يراد بقوله : فأتممت الصلاة. أي نويت إقامة توجب الإتمام بعيد أيضاً ، كما أنّ احتمال أن يكون الإتمام بمكة لا تنافي‌

__________________

(١) مجمع الفائدة ٣ : ٤١٤ ، بتفاوت يسير.

(٢) راجع ص ١١٦٨.

(٣) كما في مجمع الفائدة ٣ : ٤١٤.

(٤) أي الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٤١٤.


التقصير لاحتمال كون منزله مسافة من(١) مكة ، بعيد أيضاً من حيث إنّ الظاهر من الرواية الرجوع إلى التقصير في مكة ، لكن احتمال أن يراد بالرجوع نفس التقصير بعد الخروج لا بُعد فيه ، وضرورة الجمع لا تأبى هذا. أمّا احتمال كون الإتمام بمكة لا يؤثّر بخلاف غيرها من حيث إنّ مكة يجوز فيها التمام تخييراً. ففيه أنّ المدينة نحوها ، وقد تضمّن خبر أبي ولاّد اتحاد المدينة مع غيرها من البلاد ، واختصاص مكة على(٢) المدينة محلّ تأمّل.

واحتمل شيخنا أيّده الله في فوائد الكتاب الحمل على إقامة الخمسة ويكون الإتمام على وجه الاستحباب ، وهو لا يوجب لزوم الإتمام. ولا يخلو من وجه ، لكن لو قلنا بوجوب الإتمام بإقامة الخمسة لا مانع أيضاً من كون الإتمام لا يوجب عدم القصر بعد الرجوع ؛ لأنّ ما دلّ على الوجوب(٣) وهو خبر أبي ولاّد تضمّن إقامة العشرة ، فليتأمّل.

قوله :

باب المسافر يدخل عليه الوقت فلا يصلّي حتى يدخل إلى أهله ، والمقيم يدخل عليه الوقت فلا يصلّي حتى يخرج.

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أبي جعفر ، عن عليّ بن حديد ، والحسين ابن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن محمد بن مسلم‌

__________________

(١) في « رض » : عن.

(٢) في « فض » و « د » : عن.

(٣) في « فض » و « د » : الرجوع.


قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل يدخل من سفره وقد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق؟ قال(١) : « يصلّي ركعتين ، وإن خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصلّ أربعاً ».

محمد بن يعقوب ، عن معلّى بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء قال : سمعت الرضاعليه‌السلام يقول : « إذا زالت الشمس وأنت في المصر وأنت تريد السفر فأتمّ ، فإذا خرجت بعد الزوال فقصّر العصر ».

أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن داود بن فرقد ، عن بشير النبّال قال : خرجت مع أبي عبد اللهعليه‌السلام حتى أتينا (٢) الشجرة فقال لي أبو عبد الله عليه‌السلام : « يا نبّال » قلت : لبيك ، قال : « إنّه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلّي أربعاً غيري وغيرك ، إنّه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج ».

السند‌ :

في الأول : فيه محمد بن قولويه وقد قدّمنا القول فيه(٣) ، وعليّ بن حديد لا يضرّ بالحال كما هو واضح ، وأبو جعفر أحمد بن محمد ابن عيسى كما أسلفناه(٤) .

والثاني : فيه معلّى بن محمد وهو ضعيف ، ولا يخفى أنّ محمد بن يعقوب إنّما يروي عنه بواسطة الحسين بن محمد الأشعري ، لكن الشيخ ترك الواسطة إمّا للعلم بها ، وإمّا للغفلة عن عادة الكليني من البناء على‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٣٩ / ٨٥٣ : فقال.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٤٠ / ٨٥٥ ، زيادة : مسجد.

(٣) في ص ٨١.

(٤) في ص ٦٨ ٢٦.


الاسناد السابق ، فإنّه كثيراً ما يفعل هذا في الكافي اعتماداً على السند السابق ، بل قد يترك أكثر من واسطة(١) .

والوالدقدس‌سره جزم بأنّ الشيخ لم يتنبّه لهذا. وأظنّه بعيداً ، بل الظاهر أنّ الترك للمعلوميّة. وأمّا الوشّاء فقد كرّرنا القول فيه(٢) .

وأمّا الثالث : ففيه ابن فضّال وبشير النبّال ، أمّا الأوّل : فاحتمال كونه الحسن له قرب ، واحتمال غيره من وُلد فضّال في حيّز الإمكان ، والحسن قد قدّمنا القول فيه(٣) ، أمّا غيره ففيهم من ليس بموثّق مع كونه فطحيّاً. وأما الثاني : فهو مذكور مهملاً في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٤) .

المتن :

في الأول : وإن كان ظاهره فعل الصلاة في الحضر اثنتين إذا شرع في السفر(٥) وقد دخل الوقت ، و(٦) فعلها أربعاً في السفر إذا خرج بعد دخول الوقت في الحضر ، لكن بعد وجود المعارض يمكن الحمل على فعل الأربع والإثنتين قبل الخروج وقبل الدخول ، وإن كان بعيداً عن الظاهر ، مع الاحتمال الذي يأتي من التخيير ، وربما يؤيّد ما قلناه الثاني ، فإن قولهعليه‌السلام : « وأنت تريد السفر فأتم » يدل على أنّ التمام قبل الخروج وإن احتمل التمام بعد الخروج كما ظنّه الشيخ.

وأمّا الثالث : ففيه ظهور أنّ الاعتبار في حال الخروج بوقت‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٢٤ / ٥٦٢.

(٢) راجع ص ١١١.

(٣) راجع ص ٣٨٠ ، ١١٥٣.

(٤) رجال الطوسي : ١٥٦ / ١٧.

(٥) كذا في النسخ ، والظاهر ان المراد القدوم من السفر.

(٦) في النسخ زيادة : على ، حذفناها لاستقامة العبارة.


الوجوب ، لكن مع وجود المعارض وصلاحيّته للاعتماد يمكن توجيهه بالتخيير ، وإن كان لفظ الوجوب على الإطلاق يأباه ، إلاّ أنّ المعارض يقتضي العدول عن ظاهره.

قوله :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن إسماعيل بن جابر قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : يدخل(١) وقت الصلاة وأنا في السفر فلا أُصلّي حتى أدخل أهلي؟ فقال : « صلّ وأتمّ الصلاة » قلت : فدخل عليّ وقت الصلاة وأنا في أهلي أُريد السفر فلا أُصلّي حتى أخرج؟ فقال : « فصلّ وقصّر فإن لم تفعل فقد خالفت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ».

فلا ينافي ما قدّمناه من الأخبار ، لأنّ الوجه في الجمع بينهما أنّ من دخل من سفره وكان الوقت باقياً بمقدار ما يتمّ صلاته كان عليه التمام ، وإن خاف الفوت كان عليه التقصير ، وكذلك من خرج إلى السفر وخاف الوقت أن ينقضي قَصَّرَ وإن كان عليه الوقت تَمَّمَ ، والذي يدل على ذلك :

ما رواه سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن إسحاق بن عمّار قال : سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة ، فقال : « إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتمم (٢) ، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصّر ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٤٠ / ٨٥٦ زيادة : عليّ.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٤٠ / ٨٥٧ ، فليتم.


عنه ، عن محمد بن الحسين ، ( عن الحكم بن مسكين )(١) عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة ، فقال : « إن كان لا يخاف خروج الوقت فليتمّ(٢) ، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصّر ».

ويحتمل أن يكون الإتمام توجه(٣) إلى من دخل عليه الوقت وهو مسافر فدخل أهله ، على وجه الاستحباب ، دون الفرض والإيجاب. يدل على ذلك :

ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن محمد بن عبد الحميد ، عن سيف بن عميرة ، عن منصور بن حازم قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « إذا كان (٤) في سفر فدخل وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله ، فسار حتى يدخل أهله ، فإن شاء قصّر وإن شاء أتمّ وإن أتمَّ أحبّ إليّ ».

السند‌ :

في الأول : فيه إسماعيل بن جابر وهو الجعفي ، وقد قدّمنا أنّ فيه كلاماً(٥) .

والثاني : ليس فيه إلاّ إسحاق بن عمّار ، وهو موثّق بسببه عند المتأخّرين ، وقد أسلفنا القول فيه من حيث إنّ النجاشي لم يذكر القدح فيه‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) في « د » : فليتمم.

(٣) في « فض » و « رض » : يتوجه.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٤١ / ٨٥٩ زيادة : الرجل.

(٥) راجع ص ٧٠١.


من جهة المذهب(١) .

والثالث : فيه الحكم بن مسكين وهو مجهول الحال ، لكنه مذكور في الرجال(٢) ، وفيه أيضاً الإرسال.

والرابع : فيه محمد بن عبد الحميد ، وقد قدّمنا ما قاله جدّيقدس‌سره فيه من احتمال التوثيق لأبيه من عبارة النجاشي(٣) ، وكذلك بقية الرجال قد مضى القول فيها.

المتن :

في الأول : محتمل لأنّ يكون قولهعليه‌السلام : « فإن لم تفعل فقد خالفت » إلى آخره. عائداً إلى الصورة الثانية ، أو إلى الصورتين ، ومع الاحتمال لا يتمّ ما قيل : من أنّ الرواية مشتملة على التأكيد فيقدّم على غيرها مطلقاً مع التعارض(٤) . على أنّا قدّمنا احتمالاً في الأخبار السابقة ربما يضعف معه عن المعارضة. لا ما قاله شيخناقدس‌سره من أنّ رواية ابن مسلم غير صريحة ، وإن(٥) كانت صريحة لأمكن الجمع بينها وبين الروايات بالتخيير بين القصر والتمام(٦) (٧) . لأنّ الحمل لا يتوقف على الصراحة بل الظهور كاف.

والحمل على التخيير مع التأكيد في رواية إسماعيل إذا عاد إلى الأخير‌

__________________

(١) راجع ص ١٤٦.

(٢) ذكره النجاشي في رجاله : ١٣٦ / ٣٥٠ ، والشيخ في رجاله : ١٨٥ / ٣٤٢ ، وفي الفهرست : ٦٢ / ٢٣٧ بعنوان : الحكم الأعمى.

(٣) راجع ص ١٥١.

(٤) كما في مجمع الفائدة ٣ : ٤٣٧.

(٥) في « رض » : ولو.

(٦) في « رض » : والإتمام.

(٧) مدارك الأحكام ٤ : ٤٧٨.


مشكل إلاّ بتقدير إرادة عدم الفعل على وجه التعيين ، ولو عاد إلى الصورتين كذلك ، وفي المعتبر أنّ رواية إسماعيل بن جابر أشهر في العمل(١) .

أمّا حمل الشيخ فله وجه لو دلّ عليه دليل ، وما ذكره من الروايتين خاصّ بمن يقدم من سفره.

اللهم إلاّ أن يقال : إنّ الجمع بين الأخبار بما ذكره للتعارض ، وإن لم يوجد ما يدل عليه من كل وجه ، والروايتان مؤيّدتان ( للجمع.

وفيه )(٢) أنّ الجمع لا ينحصر فيما ذكر ، بل التخيير ممكن كما ذكره الشيخ ، وإن كان كلامه يقتضي الانحصار(٣) فيمن قدم من السفر.

والتعبير بالاستحباب دون الفرض والإيجاب يريد به كون التمام أحد الفردين الواجبين ، وإنّما كان مستحباً لكونه أكمل الفردين ، والمقرّر في كلام بعض الأصحاب أنّ الوجوب التخييري لا ينافي الاستحباب العيني(٤) .

ولشيخناقدس‌سره إشكال في مثل هذا المستحب من حيث إنّ الواجب لا يجوز تركه إلاّ إلى بدل ، بخلاف المستحب فإنّه يجوز تركه مطلقاً ، والحال أنّ هذا المستحب لا يجوز تركه إلاّ إلى بدل ، فلا يكون المستحب المقرّر في الأُصول.

وقد ذكرت الجواب عنه في محل آخر ، والحاصل أنّ المستحب هو الفرد الكامل ، وهو لا بدل له ، إنّما البدل لأصل الواجب ، وحينئذ يتم الاستحباب الأُصولي.

وإذا عرفت هذا فلنعد إلى مقصود الشيخ فنقول : إنّ كلامه ظاهر في‌

__________________

(١) المعتبر ٢ : ٤٨٠.

(٢) بدل ما بين القوسين في « د » : بالجمع فيه.

(٣) في « رض » : الاختصاص.

(٤) كالمحقق في المعتبر ٢ : ٤٨٠ و ٦٧٣.


أنّ التخيير ليس في الفردين ، فحينئذ لو سافر بعد دخول الوقت لا يكون الإتمام أفضل ، لكن هو مخيّر بينهما على حدٍّ سواء لم يظهر من كلامه ذلك ، إلاّ أنّ الجمع بين الأخبار بالتخيير مطلقاً محتمل ، وقد يستفاد من خبر إسماعيل على تقدير عود التأكيد إليهما أو إلى الأخير استحباب اختيار القصر ، أمّا استفادة استحباب التمام في القدوم منها فموقوف على الجزم بعود التأكيد إليهما.

وظاهر الشيخ كما ترى استفادة الاستحباب من رواية إسماعيل ، وكأنّه ليس من حيث التأكيد ، بل من حيث إنّ فعل الأربع لا يساوي فعل الثنتين(١) ، إذ ( خير الأعمال أحمزها )(٢) ، وغير خفي أنّ هذا يستلزم استحباب الأربع بعد الخروج ، إلاّ أن يقال : إنّ ظاهر التأكيد يعارضه. أما استدلال الشيخ بالرواية الأخيرة على الاستحباب فلا يخلو من تأمّل لولا ما قلناه.

وفي فوائد شيخناقدس‌سره على الكتاب هذه الرواية يعني رواية إسماعيل ابن جابر صحيحة واضحة الدلالة على أنّ الاعتبار في التقصير والإتمام بحال الأداء ، فيتعيّن العمل بها ، [ ويؤيّدها(٣) ] عموم ما دلّ على أنّ فرض المقيم الإتمام والمسافر القصر(٤) . وفي فوائد شيخنا ـ أيّده الله ـ : وأيضاً في الصحيح عن عيص بن القاسم قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر ثم يدخل بيته قبل أن يصلّيها(٥) ؟ قال‌

__________________

(١) في « رض » : الاثنين.

(٢) مأخوذ من حديث نبوي معروف رواه ابن عباس عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله راجع النهاية لابن الأثير ١ : ٤٤٠ ( حمز ).

(٣) في النسخ : ويؤيد بها ، والظاهر ما أثبتناه.

(٤) الوسائل ٨ : ٤٩٨ أبواب صلاة المسافر ب ١٥.

(٥) في « رض » : يصلي.


« يصلّيها أربعاً »(١) وأيضاً في الصحيح عن العلاء مثله(٢) .

وفي فوائده أيضاً على روايتي إسحاق والحَكَم ما هذه صورته : يحتمل أن يكون المراد في هاتين الروايتين أنّ الذي دخل عليه وقت الصلاة وهو يريد القدوم من سفره إن كان لا يخاف فوت الوقت بتركها حتى يصلّي في البيت تماماً صلّى تماماً ، وإن كان يخاف الفوت يصلّي ركعتين قبل أن يدخل. انتهى.

ولا يخفى عليك الحال ، وفي المسألة أقوال للأصحاب ذكرناها في غير هذا الموضع.

قوله :

باب من تمم في السفر.

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين ، عن صفوان بن يحيى ، عن عيص بن القاسم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن رجل صلّى وهو مسافر فأتمّ الصلاة ، قال : « إن كان في وقت فليُعِد ، وإن كان الوقت قد مضى فلا ».

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين ، عن علي ابن النعمان ، عن سويد القَلاّء ، عن أبي أيوب ، عن ابي بصير قال : سألته عن الرجل ينسى فيصلّي في السفر أربع ركعات؟ قال : « إن ذكر في ذلك اليوم فليُعِد ، وإن لم يذكر حتى يمضي ذلك اليوم فلا إعادة‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ١٦٢ / ٣٥٢ ، الوسائل ٨ : ٥١٣ أبواب صلاة المسافر ب ٢١ ح ٤.

(٢) التهذيب ٣ : ١٦٤ / ٣٥٤ ، الوسائل ٨ : ٥١٤ أبواب صلاة المسافر ب ٢١ ح ٨.


عليه ».

فما يتضمّن(١) هذا الخبر من الأمر بالإعادة بعد انقضاء الوقت في ذلك اليوم محمول على ضرب من الاستحباب ، وما تضمّن الخبر الأوّل من القضاء ما دام في (٢) الوقت على الفرض والإيجاب ، ولا تنافي بينهما على حال.

السند :‌

في الأول : ليس فيه ارتياب بعد ما قدّمناه في محمد بن قولويه(٣) .

والثاني : فيه أبو بصير ، أمّا سويد القلاّء فالنجاشي قال : إنّه ثقة ذكر ذلك أبو العباس في الرجال(٤) . وقد قدّمنا أنّ جدّيقدس‌سره توقف في ثبوت التوثيق في مثل هذا ؛ لأنّ أبا العباس محتمل لابن نوح وابن عقدة ، والثاني حاله معلوم ، وكان شيخنا أيّده الله يقول : إن الظاهر أنّه ابن نوح لأنّه شيخ النجاشي ، وابن عقدة بينه وبين النجاشي وسائط. وما قاله غير بعيد ، غير أنّ في ابن نوح كلاماً كما(٥) يعلم من الرجال(٦) وإن كان الحق أنّه لا يضرّ بالحال ، وما قدّمناه مفصّلاً في المقام في أول الكتاب لا ينبغي الغفلة عنه.

المتن :

لا تخفى دلالته في الأول على الإعادة في الوقت دون خارجه ، لكنه‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٤١ / ٨٦١ : تضمن.

(٢) ليست في النسخ ، أثبتناها من الاستبصار ١ : ٢٤١ / ٨٦١.

(٣) راجع ج ١ : ١١٥.

(٤) رجال النجاشي : ١٩١ / ٥١٠.

(٥) ليست في « رض ».

(٦) راجع الفهرست : ٣٧ / ١٠٧ ، ورجال ابن داود : ٤٠ / ١٠١ ، ومنهج المقال : ٤٧.


مطلق يتناول الجاهل والناسي.

والثاني : على تقدير العمل به لا مانع من أن يخص بالناسي ، ويبقى الأول فيما عداه ، كما هو شأن المطلق والمقيّد في الجملة ، لكن ينافي هذا رواية محمد بن مسلم الصحيحة الدالة على أنّ من لم تقرأ عليه آية التقصير ولم تفسَّر له لا يعيد إذا أتمّ في السفر(١) ، إلاّ أن يقال : إنّ ذلك في الجاهل بأصل التقصير ، والخبر(٢) يحمل على الجاهل بالحكم وهو البطلان. وفيه تأمّل يظهر مما قدّمناه في الخبر.

ويمكن أن يقال : إنّ الثاني تضمّن اليوم ، ولو حمل على بياض النهار دلّ على ما أفاده الأول ؛ لأنّ صلاة السفر أربعاً إنّما هي في الظهرين ، فإن(٣) ذكر في اليوم أعاد ، وإن مضى الوقت فلا إعادة ، ولو حمل على ما يعمّ الليل توجّهت المعارضة في الجملة. وما عساه يقال : من أنّ الإجمال في اليوم بتقدير البياض واقع. فجوابه غير خفي.

أمّا ما قاله شيخناقدس‌سره : من أنّ الحمل على بياض النهار يقتضي الإخلال بذكر العشاء(٤) . ففيه أنّه يمكن استفادة حكمها من الرواية ، لدلالتها على بقاء(٥) الوقت وعدمه.

وينبغي أن يعلم أنّه وقع في كلام بعض الأصحاب أنّ من أتمّ عامداً‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٧٨ / ١٢٦٦ ، التهذيب ٣ : ٢٢٦ / ٥٧١ ، الوسائل ٨ : ٥٠٦ أبواب صلاة المسافر ب ١٧ ح ٤.

(٢) في « رض » : وهذا الخبر.

(٣) في « رض » : فإذا.

(٤) مدارك الاحكام ٤ : ٤٧٥.

(٥) ليست في « رض ».


عالماً أعاد ، وإن كان جاهلاً بالتقصير فلا إعادة عليه وإن كان الوقت باقياً ، واستدل على الجاهل بالخبر المتقدّم عن زرارة ومحمد بن مسلم الذي أشرنا إليه عن قريب وتقدّم مفصّلاً ، ومضمونه : أنّ من صلّى أربعاً في السفر إن كان قرئت عليه آية(١) التقصير وفسّرت له فصلّى أربعاً أعاد ، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه(٢) .

ولا يخفى أنّ دلالتها على الجاهل بالتقصير من حيث قوله : « إن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها » والظاهر من هذا جاهل أصل وجوب التقصير ، أمّا العالم به والجاهل كون الفعل الواقع على غير القصر باطلاً إمّا أن يكون داخلاً في العالم أو هو(٣) قسم آخر ، وغير بعيد أن يستفاد من قوله : « إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسّرت له » فإنّ التفسير يتناول البطلان مع فعل التمام.

اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّ المتبادر من التفسير هو كون الصلاة مقصورة على سبيل الوجوب ، وعلى هذا فالجاهل ( بالبطلان داخل في العالم ، ولو فرض خروجه أمكن أن يقال : إنّ رواية العيص بن القاسم تدل على إعادة هذا الجاهل )(٤) إذ تخصيصها بخبر محمد بن مسلم وزرارة لا بدّ منه ، فلم يبق إلاّ هذا الجاهل والناسي ، لكن الناسي يمكن أن يستدل لإعادته بما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبد الله الحلبي قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : صلّيت الظهر أربع‌

__________________

(١) في « رض » : اي.

(٢) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٤٢٩ ، والخبر قد تقدّم ذكره في ص ١١٧٨.

(٣) ليست في « رض ».

(٤) ما بين القوسين ليس في « رض ».


ركعات وأنا في سفر؟ قال : « أعِد »(١) .

ووجه الدلالة أنّ مثل الحلبي لا يتصور في حقّه العمد والجهل ، فيتعيّن النسيان ، إلاّ أن يقال : إنّ فعله كان في حال الجهل ، والسؤال متأخّر ، وفيه بُعد من حيث عدم ذكر ذلك في السؤال.

ومن هنا يعلم أنّ قول شيخناقدس‌سره بعد النقل عن أبي الصلاح أنّه قال بإعادة الجاهل في الوقت : وربما كان مستنده صحيحة العيص ، وذكر الرواية ، ثم قال : وهي غير صريحة في الجاهل ، فيمكن حملها على الناسي(٢) . محلّ تأمّل :

أمّا أولاً : فلأنّ خبر محمد بن مسلم وزرارة قد تضمّن عدم إعادة الجاهل ( وذكرهقدس‌سره دليلاً على ذلك(٣) ، وحينئذ لا بدّ من حمل صحيحة العيص على غير الجاهل بل إمّا على الناسي كما قاله ، أو على الجاهل )(٤) الخاص الذي احتملناه ، وإن كان كلام أبي الصلاح في مطلق الجاهل.

وأمّا ثانياً : فلأنّ الناسي قد علمت دلالة صحيح الحلبي على إعادته ، ويمكن أن تحمل الإعادة في صحيح الحلبي على الاستحباب في الناسي والجاهل بتقديره لمعارضة ، مضافاً إلى تضمّنها الإعادة مطلقاً وهو قرينة الاستحباب ، إلاّ أن يقال : بانصراف الإعادة إلى الوقت ، وفيه ما فيه.

والعجب من شيخناقدس‌سره إذ ذكر في الناسي أنّهم استدلوا بصحيحة العيص على حكمه ، وأورد على ذلك أنّها غير صريحة في الناسي(٥) . وقد‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ١٤ / ٣٣ ، الوسائل ٨ : ٥٠٧ أبواب صلاة المسافر ب ١٧ ح ٦.

(٢) مدارك الاحكام ٤ : ٤٧٢ ، بتفاوت يسير.

(٣) مدارك الاحكام ٤ : ٤٧٢.

(٤) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٥) مدارك الاحكام ٤ : ٤٧٢.


ذكرت جميع هذا في حاشية التهذيب.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه ينقل عن بعض أنّه قال : يعلم من صحيحة محمد بن مسلم الدالة على أنّ من صلّى في السفر أربعاً إن كان قرئت عليه آية التقصير ، إلى آخره. أنّ مجرّد الفراغ من التشهّد لا يكفي للخروج من الصلاة عند من يقول باستحباب التسليم ، بل لا بد معه من نيّة الخروج أو فعل ما به يحصل الخروج(١) .

ويمكن الجواب بأنّ الرواية تدلّ على أنّ قصد عدم الخروج هو المبطل ، ولئن نوزع في ذلك فلا أقلّ من الاحتمال.

فإن قلت : مقتضى الرواية العلم ، ومعه كيف يتصور قصد عدم الخروج؟

قلت : تصوّره لا مانع منه ، بل هو في حيّز الإمكان ، غاية الأمر أنّ الظاهر البطلان من أول الأمر لا من الزيادة بعد التسليم ، فالقول بأنّ في الرواية ما يدلّ على ما ذكر لا وجه له ، فأظنّ أنّ جدّيقدس‌سره في شرح الإرشاد ذكر هذا(٢) ، وهو غريب.

قوله :

باب من يقدم من السفر إلى متى يجوز له التقصير؟

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن محمد بن الحسن الصفار ، عن عبد الله بن عامر ، عن عبد الرحمن بن أبي نجران ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن التقصير‌

__________________

(١) روض الجنان : ٣٩٧ ، ونقله عنه في مجمع الفائدة ٣ : ٤٣١.

(٢) روض الجنان : ٢٨٠ و ٣٩٧.


قال : « إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصّر ، وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن إسحاق بن عمّار ، عن أبي إبراهيمعليه‌السلام قال : سألته عن الرجل يكون مسافراً ثم يقدم فيدخل بيوت مكّة أيتمّ الصلاة أم يكون مقصّراً حتى يدخل أهله؟ قال : « بل يكون مقصّراً حتى يدخل أهله ».

عنه ، عن صفوان بن يحيى ، عن عيص بن القاسم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا يزال(١) المسافر مقصّراً(٢) حتى يدخل بيته ».

فلا تنافي بين هذين الخبرين والخبر الأوّل ؛ لأنّ قوله : لا يزال المسافر مقصّراً حتى يدخل أهله أو بيته. يكون مطابقاً لما ذكرناه(٣) في الخبر الأول من أنّه إذا خفي عليه الأذان قصّر ، بأن يكون حدّ دخوله إلى أهله غيبوبة الأذان عنه ، ويكون قوله : فيدخل بيوت مكة. يجوز أن يكون المراد به ما قرب من مكّة وإن كان بحيث لا يسمع من يحصل فيها الأذان ؛ لأنّه ليس من شرائط (٤) الأذان الإجهار الشديد (٥) الذي يسمع من كان خارج البلد على بُعد ، وعلى هذا الوجه لا تنافي بين الأخبار.

__________________

(١) في « رض » : لا زال.

(٢) في « رض » : يقصّر.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٤٢ / ٨٦٤ : ذكره.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٤٢ / ٨٦٤ : شروط.

(٥) ليست في « رض ».


السند‌

في الأوّل : ليس فيه ارتياب بعد ما قدّمناه ، وعبد الله بن عامر ثقة ، وما في رجال الشيخ من أصحاب الصادقعليه‌السلام ليس في هذه المرتبة ، فلا يضرّ بالحال إهماله(١) ، كما أنّ كون الراوي عن عبد الله بن عامر الثقة الحسين بن محمد لا يفيد الانحصار مع الاتحاد في مرتبة الصفار.

والثاني : فيه إسحاق بن عمّار وقد كرّرنا ذكره(٢) .

والثالث : واضح.

المتن :

في الأول : ظاهر الدلالة على اعتبار سماع الأذان في التقصير والإتمام ، ودلالته بالإطلاق على التقصير والإتمام لمن دخل قبل الوقت وبعده ، وكذلك من خرج ، إلاّ أنّ تقييده بالأخبار السابقة ممكن ، فالاستدلال به فيما تقدم لا يخفى ما فيه ، لكنه مؤيّد.

وأمّا الخبران الآخران فتأويل الشيخ لهما بعيد عن الظاهر جدّاً ، وعبارته أيضاً لا تخلو من تشويش ، والأظهر أن يقول : مطابقاً لما ذكر في الخبر الأول من قوله : « وإذا قدمت من سفرك مثل ذلك » إذ المفهوم منه أنّك إذا بلغت موضعاً تسمع فيه الأذان ، كما ذكره شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب.

وفي فوائد شيخنا أيّده الله أيضاً ما هذه صورته : في روايات متعدّدة أنّ أهل مكة إذا رجعوا إلى مكة للطواف والسعي إن دخلوا بيوتهم تمّموا وإلاّ قصّروا. وربما استفيد من ذلك أنّه مع قصد الرجوع يعتبر دخول‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٢٢٧ / ٨٠.

(٢) راجع ج ١ : ٢٥٥.


بيته ، ومع انتهاء السفر وعدم بقاء تعلق وإرادة رجوع(١) يكفي الحصول فيما بعد محلّ الترخّص ، وفي الموثّق عن ابن بكير قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يكون بالبصرة وهو من أهل الكوفة له بها دار ومنزل فيمرّ بالكوفة وإنّما هو مجتاز لا يريد المقام إلاّ بقدر ما يتجهّز يوماً أو يومين؟ قال : « يتمّ في جانب المصر ويقصّر » قلت : فإن دخل أهله؟ قال : « عليه التمام »(٢) فليتأمّل. انتهى كلامه أيّده الله.

وينقل عن المرتضىرضي‌الله‌عنه والشيخ علي بن بابويه ، وابن الجنيد القول بأنّ المسافر يجب عليه التقصير في العود حتى يدخل بيته(٣) . ولا يخفى صراحة رواية العيص فيه ، وأمّا رواية إسحاق فلها ظهور.

وجواب العلاّمة في المختلف : بأنّ المراد بها الوصول إلى سماع الأذان ورؤية الجدران ؛ لأنّ من وصل إلى هذا الموضع يخرج عن حكم المسافر فيكون بمنزلة من دخل بيته(٤) . غريب ؛ فإنّ اعتبار الجدران غير مدلول عليه في الخبرين ، إلاّ أن يحمل قوله : يدخل أهله ويدخل بيته. في الروايتين على ذلك ، ولا وجه له.

وما استدل به على اعتبار أحدهما : من أنّ حدّ ابتداء السفر أحدهما فيكون هو(٥) نهايته ؛ إذ الأقرب لا يعدّ قاصده مسافراً كما في الابتداء ،

__________________

(١) في « رض » : الرجوع.

(٢) الكافي ٣ : ٤٣٥ / ٢ ، التهذيب ٣ : ٢٢٠ / ٥٥٠ ، الوسائل ٨ : ٤٧٤ أبواب صلاة المسافر ب ٧ ح ٢.

(٣) حكاه عن المرتضى في المعتبر ٢ : ٤٧٤ ، وعن علي بن بابويه وابن الجنيد في المختلف ٢ : ٥٣٥.

(٤) المختلف ٢ : ٥٣٥.

(٥) ليست في « رض ».


وبحديث عبد الله بن سنان ، وأشار به إلى الخبر الأول(١) .

يمكن أن يقال عليه : إنّ خبر ابن سنان إنّما تضمن الأذان وعدم صدق السفر ، وهو(٢) معارض بالخبر الصحيح الدال على دخول المنزل ، وما دلّ على سماع الأذان يمكن حمله على ما يوافق خبر العيص إمّا بالتخيير أو الاستحباب.

ولو اعترض بعدم القائل بهذين الوجهين. أمكن دفعه بعدم معلوميّة الإجماع على نفيهما ، وذلك كاف.

نعم ما عساه يقال : إنّ تأويل خبر العيص بإرادة سماع الأذان ، والتعبير عن هذا بدخول البيت لا بُعد فيه. يمكن دفعه بأنّه إنّما يتمّ لو انحصر الوجه فيه ، على أنّا لو تنزّلنا إلى إمكان التأويل فالقول برؤية الجدران لا وجه له ، واعتباره في الخروج للدليل لا يقتضي أنّ العلّة عدم صدق السفر بدونه.

وقد نقل عن علي بن بابويه أنّه قال : إذا خرجت من منزلك فقصّر إلى أن تعود إليه(٣) . وقد رواه ابنه مرسلاً عن الصادقعليه‌السلام (٤) ، وأجاب عنه العلاّمة بأنّه مرسل لا حجّة فيه(٥) .

ولا يخفى عليك الحال من جهة الإرسال بعد ما قدّمناه ، والمقصود هنا بيان أنّ العلّة غير مسلّمة أعني عدم تحقق السفر مع رؤية الجدران عند الجميع.

__________________

(١) المختلف ٢ : ٥٣٥.

(٢) ليست في « رض ».

(٣) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٥٣٤ بتفاوت يسير.

(٤) الفقيه ١ : ٢٧٩ / ١٢٦٨.

(٥) المختلف ٢ : ٥٣٤.


ومن ثمّ ذهب المحقّق في الشرائع إلى الاكتفاء في العود بسماع الأذان(١) ، ولو كان خفاء الجدران المذكورة في الذهاب شرطاً في تحقق السفر لكان معتبراً في الإياب ، وما قيل من التلازم بينهما(٢) محلّ كلام.

والخبران المعتبران الدالّ أحدهما على التواري من البيوت في الذهاب والآخر على عدم سماع الأذان ، وإن اختلف الأصحاب في الحكم بهما ، فقيل باعتبار الجمع بينهما فيشترط الخفاء وعدم السماع(٣) ، وقيل بالتخيير(٤) ، إلاّ أنّ الأوّل لا يخلو من إشكال ، لا من حيث إنّ الشرطين لو كانا معتبرين معاً لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة كما ذكره بعض محقّقي المتأخّرين(٥) رحمه‌الله لأنّ تأخير البيان عن السائلين غير معلوم ، ولو كان كذلك لما أمكن حمل مطلق على مقيّد ، وعامّ على خاصّ ، ومجمل على مبيّن ، بل لأنّ الظاهر في مثل هذا التعبير الاكتفاء بأحد الأمرين إذ الجمع(٦) يقتضي تقديراً في كل منهما والأصل عدمه ، وإن أمكن الدخل في هذا وادّعاء التلازم بين الأمرين والاكتفاء بأحدهما لذلك ، إلاّ أنّ هذا يستلزم القول به في الإياب على تقدير اعتبار الأذان دون دخول البيت ، ولعلّه أخفّ من تكلّف القول بعدم تحقق السفر بدون ذلك ، وبالجملة فمجال القول واسع ، والملخّص ما ذكرناه.

__________________

(١) الشرائع ١ : ١٣٤.

(٢) لم نعثر عليه.

(٣) كما في التنقيح الرائع ١ : ٢٩٠.

(٤) كما في المدارك ٤ : ٤٥٩.

(٥) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٩٨.

(٦) في « د » : أن الجمع ، وفي « رض » : أو الجمع.


بقي شي‌ء وهو أنّ خبر إسحاق ( بن عمار )(١) محتمل لأنّ يراد بالأهل : المحلّة ، كما ذكره الأصحاب(٢) في البلد المتّسع ، ويحتمل أن يراد بالتقصير فيه جواز الصلاة قصراً إذا دخل الوقت وهو مسافر ، وكذلك خبر العيص.

ويحتمل خبر إسحاق أن يراد به السؤال عن الداخل لمكة من غير أهلها هل يلزمه التمام؟ والجواب حينئذ بنفي زوال التقصير وإن جاز التمام إلى أن يدخل أهله ، إلاّ أنّه لا يخفى أنّ نيّة الإقامة تخرج ، ويمكن تكلّف الدخول.

هذا وللأصحاب فروع في هذه المسألة ، منها : أنّ المراد بالصوت : المعتدل ، والجدران كذلك.

ومنها : أنّ المعتبر جدران البلد والقرية مع الصغر ، وإلاّ فالمحلّة.

ومنها : أنّ المراد الخفاء الحقيقي بحيث لا يسمع الأذان أصلاً ولا يرى صورة(٣) الجدران ، لا شبحها.

ومنها : أنّ الاعتبار في بيوت الأعراب الأذان فقط(٤) . وللكلام في المقام مجال.

نعم ينبغي أن يعلم أنّ ما دلّ على خفاء الجدران في الخروج يدل على اعتبار تواري الإنسان من البيوت لا تواري البيوت عنه ، كما أوضحناه في حاشية التهذيب.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) منهم الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٤٠٢.

(٣) ليست في « رض ».

(٤) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٤٠٢ بتفاوت يسير.


قوله :

باب المريض يصلّي في محمله إذا كان مسافراً أو على دابّته.

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، ( عن محمد )(١) بن إسماعيل بن بزيع ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا يصلّي على الدابّة الفريضة إلاّ مريض يستقبل به القبلة وتجزؤه فاتحة الكتاب ويضع وجهه في الفريضة على ما أمكنه من شي‌ء ويومئ في النافلة إيماءً ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمد ، عن علي بن أحمد بن أشيم ، عن منصور بن حازم قال : سأل أحمد بن النعمان فقال : أُصلّي في محملي وأنا مريض؟ قال : فقال : « أمّا النافلة فنعم ، وأمّا الفريضة فلا » وذكر أحمد شدّة وجعه ، فقال : « أنا كنت شديد المرض فكنت آمرهم إذا حضرت الصلاة يقيموني فأحتمل بفراشي فأُوضع وأُصلّي ثم احتمل بفراشي فأُوضع في محملي ».

فهذه الرواية محمولة على ضرب من الاستحباب ، أو حال تمكن(٢) فيها من الحطّ إلى الأرض ، وإنّما تجوز الصلاة في المحمل إذا لم يقدر على النزول على حال ، يدل على ذلك:

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) في « رض » والاستبصار ١ : ٢٤٣ / ٨٦٦ : يتمكن.


ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن هلال ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن سنان قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : أيصلّي الرجل شيئاً من المفروض راكباً؟ فقال : « لا إلاّ من ضرورة ».

السند‌ :

في الأول : فيه ثعلبة بن ميمون ، والمذكور فيه في النجاشي : أنّه كان وجهاً في أصحابنا قارئاً فقيهاً نحوياً لغويّاً راويةً وكان حسن العمل كثير العبادة والزهد(١) . وفي الكشي عن حمدويه ، عن محمد بن عيسى ، أنّه ثقة(٢) . والرجال الباقون كرّرنا القول فيهم.

والثاني : فيه علي بن أحمد بن أشيم ، وقد ذكر الشيخ في رجال الرضاعليه‌السلام أنّه مجهول(٣) .

والثالث : فيه أحمد بن هلال ، وقد بالغ الشيخ في تضعيفه في هذا الكتاب كما قدّمناه عنه(٤) .

المتن :

في الأول : واضح الدلالة على أنّه لا يصلّي على الدابّة إلاّ مريض ، غاية الأمر أنّ المرض متفاوت.

وقولهعليه‌السلام : « وتجزؤه فاتحة الكتاب » يدل بالمفهوم الوصفي على أنّ‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١١٧ / ٣٠٢.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٧١١ / ٧٧٦.

(٣) رجال الطوسي : ٣٨٢ / ٢٦.

(٤) في ص ١٥٤.


غير المريض لا تجزؤه ، إلاّ أنّ في دلالة مفهوم الوصف على النفي(١) عمّا عداه تأمّلاً حرّرنا وجهه في الأُصول وغيرها سيّما في حاشية التهذيب ، والحاصل أنّ ما ذكرناه في هذا الكتاب من دلالة المنافاة بين المطلق والمقيد المقتضية لحملة عليه يؤيّد العمل بمفهوم الوصف ، إن ثبت الاتفاق على هذه المسألة من جهة المنافاة في المقيّد ، وأمّا ما ذكره الشيخ هنا من حمل الخبر المعارض على الاستحباب فممكن(٢) .

وقوله في الثاني : فقال : « أنا كنت » الظاهر أنّه الإمامعليه‌السلام لو صحّ الخبر ، ويحتمل أن يكون من أحمد ، لكنه بعيد ، أمّا حمل الشيخ على الحالة التي لا يقدر على النزول مستدلاًّ بالخبر الأخير ، ففيه : أنّ الخبر تضمن الضرورة لا عدم القدرة على النزول ، وغير خفيّ أنّ الضرورة أعمّ من الشديدة وغيرها ، وقد روى الشيخ في التهذيب عن سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الفريضة في المحمل في يوم وحل ومطر »(٣) وربما كان في هذا الخبر دلالة على اعتبار حصول المشقّة الشديدة ، لا التعذّر بالكلّيّة.

وفي صحيحة الحميري على ما ذكره شيخناقدس‌سره في المدارك قال : كتبت إلى أبي الحسنعليه‌السلام : روى جعلني الله فداك مواليك عن آبائك أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى الفريضة على الراحلة(٤) في يوم مطر ، ويصيبنا المطر‌

__________________

(١) في « رض » : النهي.

(٢) في « رض » : فيمكن.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٣٢ / ٦٠٢ ، الوسائل ٤ : ٣٢٧ أبواب القبلة ب ١٤ ح ٩.

(٤) في « رض » : راحلته.


ونحن في محاملنا أو على دوابّنا نصلّي الفريضة(١) إن شاء الله؟ فوقّع(٢) : « يجوز ذلك مع الضرورة الشديدة »(٣) .

أمّا ما تضمنه الخبر المبحوث عنه من ذكر الفريضة فقد يدّعى شمولها لليومية وغيرها ، أمّا شمولها لما وجب بالعارض فمحلّ تأمّل ، لأنّ العموم في مثل هذا إنّما هو من المقام ، والانصراف إلى غير اليومية إنّما هو بالتكلّف ، أمّا غيرهما فإنّه في غاية البُعد ، وفي الذكرى صرّح الشهيد بالتعميم للجميع(٤) ، وفي رواية ما يدل على جواز فعل المنذورة على الراحلة(٥) ، إلاّ أنّ في سندها كلاماً.

وما تضمنه الخبر الأول من الإيماء في النوافل ، الظاهر أنّ المراد به للمريض ، وفي المنتهى : يجوز للمريض أن يصلّي بالإيماء النوافل وإن تمكّن من الإتيان بكمال الركوع والسجود ؛ لأنّ التشديد فيها ليس كالتشديد في الفرائض(٦) (٧) .

__________________

(١) في « رض » : الفرائض.

(٢) في « رض » : فرجع.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٣١ / ٦٠٠ ، مدارك الاحكام ٣ : ١٤٠ بتفاوت يسير ، الوسائل ٤ : ٣٢٦ أبواب القبلة ب ١٤ ح ٥.

(٤) الذكرى : ١٦٧.

(٥) التهذيب ٣ : ٢٣١ / ٥٩٦ ، الوسائل ٤ : ٣٢٦ أبواب القبلة ب ١٤ ح ٦.

(٦) في « فض » زيادة : وسيأتي إن شاء الله تمام تحقيق القول في هذه المسألة والله ولي التوفيق.

(٧) المنتهى ١ : ٤٠٧.


قوله :

أبواب المواقيت.

باب من صلّى في غير الوقت.

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن عدّة من أصحابنا ، عن محمد ابن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن سلمة بن الخطاب ، عن يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « من صلّى في غير الوقت فلا صلاة له ».

فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، ( عن أحمد بن محمد )(١) عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبيد الله الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا صلّيت في السفر شيئاً من الصلاة في غير وقتها فلا يضرّ ».

فالوجه في هذا الخبر أن يكون ذلك إشارة إلى من يصلّي في غير وقتها(٢) يعني بعد خروج الوقت فلا يضرّه (٣) ، لأنّه يكون قاضياً ، فأمّا قبل دخول الوقت فلا يجوز مسافراً كان أو حاضراً.

السند‌ :

في الأول : قد تقدّم من المصنف في أول الكتاب في باب وجوب‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٤٤ / ٨٦٩ لا يوجد : عن أحمد بن محمد.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٤٤ / ٨٦٩ : الوقت.

(٣) في « فض » : فلا يضر.


الترتيب في أعضاء الوضوء ذكر العدّة(١) ، وفيها مَن ( لا ارتياب )(٢) فيه ، ونبّهنا فيما سبق على احتمال اطّراد البيان في كل عدّة في باب سؤر ما لا يؤكل لحمه(٣) ، وما نحن فيه كذلك ، ولا يبعد الظهور وانتفاء احتمال الاختصاص.

وسلمة بن الخطّاب قال النجاشي : إنّه كان ضعيفاً في الحديث(٤) . وفي الفهرست ذكره مهملاً(٥) . وفي الخلاصة نقل كلام النجاشي ، وحكى عن ابن الغضائري أنّه ضعّفه(٦) . وفي كتاب ابن طاوس ذكر في ترجمة المفضّل بن عمر بعد نقل حديث : أنّ في الطريق سلمة بن الخطّاب وهو واقفي(٧) . وأظنّ أنّه وهم ؛ لأنّ في الرجال سلمة بن حيّان(٨) واقفي ، ذكره الشيخ في رجال الكاظمعليه‌السلام من كتابه(٩) .

وأمّا يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد فقد قال النجاشي : ابن إبراهيم ابن أبي البلاد ، واسم أبي البلاد يحيى ، مولى بني عبد الله بن عطفان(١٠) ثقة هو ( وأبوه )(١١) ، أحد القراء(١٢) .

__________________

(١) الاستبصار ١ : ٧٣ / ٢٢٣.

(٢) في « رض » و « د » : الارتياب.

(٣) راجع ص ١٤٣.

(٤) رجال النجاشي : ١٨٧ / ٤٩٨.

(٥) الفهرست : ٧٩ / ٣٢٤.

(٦) خلاصة العلاّمة : ٢٢٧ / ٤.

(٧) التحرير الطاووسي : ٥٤٤.

(٨) في « د » و « فض » حنّان.

(٩) رجال الطوسي : ٣٥٠ / ١.

(١٠) في رجال النجاشي : غطفان بالغين المعجمة.

(١١) في « رض » : أبوه.

(١٢) رجال النجاشي : ٤٤٥ / ١٢٠٥.


وأبو بصير تكرّر القول فيه(١) .

والثاني : فيه محمّد بن عيسى الأشعري ، ومضى فيه القول من أنّه غير معلوم التوثيق(٢) . وغيره معلوم كالطريق إلى محمد بن أحمد بن يحيى.

المتن :

في الأول : ظاهر الدلالة على أنّ من صلّى في غير الوقت لا صلاة له ، ( وفي نظري القاصر أنّه ربما )(٣) يدّعى ظهوره في وقوع الصلاة جميعها(٤) خارج الوقت ، إلاّ أن يدّعى أنّ الوقت هو المحدود شرعاً ، وغيره يتحقق بالخروج(٥) عن جميع الحدود أو بعضها ، والاحتياج إلى فتح هذا الباب لأنّ العلاّمة في المختلف استدل بهذه الرواية على إعادة الظانّ دخول الوقت إذا صلّى ثم تبيّن دخول الوقت في الأثناء ، موجِّهاً لذلك بأنّ الرواية ليس فيها تقييد للصلاة بالكاملة ، ومن ابتدأ في الصلاة في غير الوقت يقال : إنّه صلّى في غير الوقت ، سواء دخل الوقت وهو مشتغل فيها أو لا ، لأنّه فعل يقع في زمان ، فيصدق في كل آن من آنائه أنّه فاعل له(٦) (٧) .

وأنت خبير بما يتوجّه على كلامهرحمه‌الله أمّا على توجيهنا فقد يندفع المحذور من حيث إنّ غير الوقت يتحقّق بالإخلال ببعض الحدّ ، وقول‌

__________________

(١) راجع ص ٥١ ، ٩٢.

(٢) راجع ص ١٤٧.

(٣) ما بين القوسين ليس في « فض ».

(٤) في « فض » زيادة : في.

(٥) في « رض » : الخروج.

(٦) في « د » : به.

(٧) المختلف ٢ : ٦٨ بتفاوت يسير.


العلاّمة : إنّه لا تقييد في الرواية بالصلاة الكاملة. عدول عن الظاهر ، على أنّ الرواية لا وجه للاستدلال بها من العلاّمة مع الطريق المذكور.

ولو رام قائل أن يوجّه البطلان بتقدير عدم صلاحيّة الرواية للاستدلال بما ذكره العلاّمة بعد الرواية من أنّه مأمور بإيقاع الصلاة في وقتها إجماعاً ، ولم يمتثل الأمر ، فيبقى في العهدة ؛ وبأنّ الصلاة قبل دخول الوقت منهيٌ ، عنها ، والنهي يدل على الفساد(١) .

فقد يقال عليه : أوّلاً : إنّ العلاّمة فرض الاستدلال في صورة الظانّ لدخول الوقت ثم ذكر الأدلّة ، وغير خفيّ أنّ الإجماع على إيقاع الصلاة في وقتها إن أُريد به الوقت المعلوم لا المظنون فالإجماع منتفٍ ؛ إذ نقل العلاّمة عن جماعة من علمائنا كالشيخين وابن البرّاج وابن إدريس وسلاّر القول بصحة الصلاة إن دخل الوقت وهو فيها(٢) .

ولو أراد أنّ الوقت المعلوم متفق عليه والمظنون مختلف فيه ، فإذا فعل في المظنون على الوجه المذكور يبقى في العهدة ، ففيه : أنّ الكلام لا يدل عليه ، وبتقدير الدلالة فهو مدخول بأنّ الإجماع على حالة العلم إن أُريد به الاختصاص على معنى حصول الإجماع على اعتبار العلم دون الظن ، ففيه وقوع الخلاف في الاختصاص كما سبق ، وإن أُريد بالإجماع على العلم من حيث إنّ المكتفي بالظنّ قائل به ، ففيه : أنّ تحقق الإجماع في مثل هذا محلّ بحثٍ ؛ لأنّ بعض القائلين بالظن لا يقولون بخصوص العلم ، وكثيراً ما يقع مثل هذه الدعوى في كلام الأصحاب ، ولم أرَ من نبّه على ما ذكرناه ، فليتأمّل.

__________________

(١) المختلف ٢ : ٦٨.

(٢) المختلف ٢ : ٦٨.


أمّا(١) قوله : إنّ النهي يدل على الفساد ، وقوله بعد ما نقلناه عنه من أنّ الظن لا يصلح علّة لتوجه(٢) الأمر : وإلاّ لما بقي فرق بين دخول الوقت قبل الفراغ وبعده ، فله وجه لو استند القائل بالظن إلى أنّ العلّة هي الظن ، أمّا لو استند إلى غيره فيمكن أن يدّعى خروج الصورة المذكورة وهي ما إذا وقعت الصلاة خارج الوقت بتمامها بالإجماع ، وقد نقل عن الشيخ الاستدلال بما رواه إسماعيل بن رباح(٣) ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا صلّيت وأنت ترى أنّك في وقت ولم يدخل الوقت فدخل الوقت وأنت في الصلاة فقد أجزأت عنك »(٤) .

وأجاب العلاّمة عنها بضعف السند(٥) ، وغير خفيّ دلالة الاستدلال على تقدير(٦) تمامه على الاكتفاء بالظن في الدخول في العبادة ، فقوله : إنّ الظن لا يصلح(٧) . إنّما يتمّ مع ورود الدليل ، فكان الأولى أن يذكر في الدليل ضعف الاعتماد على الظن.

( ومن العجب )(٨) أنّه نقل عن الشيخ أيضاً الاستدلال بأنّه مأمور بالدخول في الصلاة عند الظن ، إذ مع الاشتباه لا يصح التكليف بالعلم ، لاستحالة تكليف ما لا يطاق ، فيتحقّق الإجزاء. وأجاب بأنّ الإجزاء انّما‌

__________________

(١) ليست في « رض ».

(٢) في « د » و « رض » : لتوجيه.

(٣) في « د » : رياح.

(٤) كما في المعتبر ٢ : ٦٣ ، والمختلف ٢ : ٦٩ ، والرواية في : التهذيب ٢ : ٣٥ / ١١٠ ، الوسائل ٤ : ٢٠٦ أبواب المواقيت ب ٢٥ ح ١.

(٥) المختلف ٢ : ٦٩.

(٦) في « د » : بتقدير.

(٧) المختلف ٢ : ٦٨.

(٨) بدل ما بين القوسين في « رض » : والعجب.


يتحقق مع استمرار سببه وهو الظن ، فإذا ظهر كذبه انتفى ويبقى في عهدة الأمر ، كما لو فرغ من العبادة قبل الدخول(١) .

وأنت خبير بأنّ في الجواب اعترافاً بصحّة الدخول في العبادة بالظن ، مع أنّه قدّم كون الظن لا يصلح لتوجه(٢) الأمر ، ولو أراد الظن في صورة تعذّر العلم كما يقتضيه دليل الشيخ فالجواب غير مسلّم بعد الموافقة على توجه(٣) الأمر ، ودعوى أنّ تبيّن الكذب يوجب الإعادة تتوقف على الدليل ؛ إذ الأمر يقتضي الإجزاء ، إلاّ أن يقال : إن الأمر مقيّد بالظن ومع انتفائه ينتفي الأمر فلا يجزي الفعل ، وفيه بحث ، إلاّ أنّه قابل للتوجيه.

غير أنّ الاعتراض على العلاّمة لا يندفع ؛ لأنه(٤) موافق على الظن في الجملة ، فكان عليه تحقيق الفرق ، وبيان وجه البطلان غير ما ذكره ، ولا يذهب عليك أنّ احتجاج الشيخ مخصوص من جهة الاعتبار ، والرواية عامّة في الاكتفاء بالظن ، فهو لا يخلو من اضطراب.

واحتجاج بعض المتأخّرين للاكتفاء بالظن في الوقت بما دلّ على أنّ المؤذّنين أُمناء ، وبما دل على اعتبار عدالة المؤذّن(٥) ، مدخول باحتمال أن يكون الوجه في ذلك بالنسبة إلى المضطرّ.

نعم في بعض الأخبار المعتبرة ما يدل على تقليد المخالفين في الوقت ؛ لعلمهم به(٦) ، وحينئذ لا يخلو من دلالة على الاكتفاء بالظن ، وقد‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٦٩ بتفاوت يسير.

(٢) في « رض » : لتوجيه.

(٣) في « رض » : توجيه.

(٤) ليست في « رض ».

(٥) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٥٢ ، وانظر المنتهى ١ : ٢١٣.

(٦) الفقيه ١ : ١٨٩ / ٨٩٩ ، التهذيب ٢ : ٢٨٤ / ١١٣٦ ، الوسائل ٥ : ٣٧٨ أبواب الأذان والإقامة ب ٣ ح ١.


ذكرت ذلك في موضع آخر.

أمّا الاكتفاء بالعدلين على وجه الشهادة فقد اعتمد عليه بعض الأصحاب ؛ لأنّهما حجّة شرعيّة(١) . وفيه كلام أشرنا إليه فيما تقدّم من أنّ كون الشاهدين حجّة شرعيّة موقوف على الدليل من إجماع ونحوه ، وتحقق الإجماع هنا محلّ بحث.

أمّا اكتفاء البعض بالأمارات الدالّة على دخول الوقت كالديكة والصنعة(٢) ، فمحل كلام ، إلاّ أنّ الشيخ روى في التهذيب في زيادات الصلاة عن علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ( عن أبي عبد الله الفراء )(٣) عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قال(٤) له رجل من أصحابنا : ربما اشتبه الوقت علينا(٥) في يوم الغيم؟ فقال : « تعرف هذه الطيور التي عندكم بالعراق يقال لها الديكة؟ » قلت : نعم ، قال : « إذا ارتفعت أصواتها وتجاوبت فقد زالت الشمس » وقال : « فصلّه »(٦) .

وهذا الحديث ليس فيه اشتباه يقدح في حسنه إلاّ من جهة أبي عبد الله الفرّاء ، وفي الظن أنّه سليم الفرّاء ؛ لأنّ ابن أبي عمير روى عنه في الرجال ، غير أنّه لم يذكر كنيته بأبي عبد الله(٧) . وجهالة الرجل السائل‌

__________________

(١) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٥٢.

(٢) منهم الكركي في جامع المقاصد ٢ : ٢٩ ، والشهيد الثاني في روض الجنان : ١٨٦.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٤) في « د » : قلت.

(٥) في « رض » : عليه.

(٦) التهذيب ٢ : ٢٥٥ / ١٠١٠ ، الوسائل ٤ : ١٧١ أبواب المواقيت ب ١٤ ح ٥.

(٧) كما في رجال النجاشي : ١٩٣ / ٥١٦ ، وخلاصة العلاّمة : ٨٤ / ٢ ، وفي الفهرست : ١٨٧ : أبو عبد الله الفرّاء روى عنه ابن أبي عمير.


لا يضرّ ؛ لأنّ الظاهر من الرواية سماع الفرّاء ذلك منه ، على أنّ الصدوق رواها في الفقيه(١) ومزيتها ظاهرة كما كرّرنا القول فيه(٢) .

وسيأتي حديث عن ابن بكير عن أبيه أنّه صلّى في يوم غيم فانجلت الشمس فرآه صلّى حين زال النهار ، فقال له الإمامعليه‌السلام : « لا تعد »(٣) وفيه دلالة على جواز الصلاة مع الظن ، إلاّ أن يحمل على ما سنذكره من زوال النهار لا زوال الشمس ، على معنى مضيّ وقت الفضيلة ، وإن كان الظاهر غير هذا ، وسيأتي تفصيل القول إن شاء الله فيه.

ويمكن الاكتفاء بالواحد العدل إذا أخبر ، لا لكونه شهادة ليحتاج(٤) إثبات الاكتفاء فيها بالواحد إلى دليل ولم يعلم ، والاكتفاء به في موارد خاصّة لا يفيد التعميم ، بل لدخوله في مفهوم آية( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ ) (٥) .

وما ذكره بعض فضلاء المتأخّرينرحمه‌الله من احتمال الاكتفاء به وإن كان غير عدل لأنّه معتبر في الجملة(٦) . لا أعلم وجهه إلاّ من جهة الاكتفاء به في الشرع في مثل إخبار الزوج للمرأة في أحكام الحيض عن المفتي ، ومترجم القاضي ، ونحو ذلك ، ولا يخفى أنّه من الإجماع ، لا من حيث إفادته الظنّ ، ولو سلّم أنّه من جهة الظن فهو خاصّ.

وكذلك حصول الظن للمجتهد من الأخبار ، فإنّ ظنّ المجتهد موقوف على الإجماع إلاّ أن يثبت الاكتفاء بالظنّ.

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٤٣ / ٦٦٨.

(٢) في ص ٤٨ ، ٧٤٥ ، ١٠٧٠.

(٣) الاستبصار ١ : ٢٥٢ / ٩٠٣.

(٤) في « د » : فيحتاج.

(٥) الحجرات : ٦.

(٦) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٥٣.


إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبر الذي رواه الشيخ عن إسماعيل بن رباح(١) قد ذكر في التهذيب عن محمد بن علي بن محبوب ، عن يعقوب ابن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن إسماعيل بن رباح(٢) (٣) . وليس في الطريق من يتوقّف فيه إلاّ إسماعيل بن رباح(٤) ، فإنّ الشيخرحمه‌الله ذكر في رجال الصادقعليه‌السلام من كتابه إسماعيل بن رباح(٥) مهملاً(٦) .

ومن العجب قول العلاّمة في المختلف بعد ذكر الرواية : إنّ في طريقها إسماعيل بن رباح(٧) ولا يحضرني الآن حاله ، فإن كان ثقة فهي صحيحة ويتعيّن العمل بمضمونها ، وإلاّ فلا(٨) . ولا يخفى عليك أنّ الإفتاء بالإعادة منه في المسألة مع تضمّن الرواية عدمها وعدم الفحص عن رجالها غير لائق ، وهو أعلم بالحال.

بقي شي‌ء وهو أنّ الصدوق روى في الفقيه بطريقه الصحيح عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال : « لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة : الطهور والوقت والقبلة » الحديث(٩) . وظاهره أنّ الإخلال بالوقت يوجب الإعادة ، وهو يتناول ما نحن فيه ، فعلى تقدير الاكتفاء بالظنّ في الدخول لو تبيّن عدم الدخول في الوقت يمكن أن يضمّ هذا الخبر إلى ما قدّمناه من(١٠)

__________________

(١ و ٢) في « د » : رياح.

(٣) التهذيب ٢ : ٣٥ / ١١٠ ، الوسائل ٤ : ٢٠٦ أبواب المواقيت ب ٢٥ ح ١.

(٤) في « د » : رياح.

(٥) في « د » : رياح.

(٦) رجال الطوسي : ١٥٤ / ٢٤٥.

(٧) في « د » : رياح.

(٨) المختلف ٢ : ٦٩.

(٩) الفقيه ١ : ٢٢٥ / ٩٩١ ، الوسائل ٤ : ٣١٢ أبواب القبلة ب ٩ ح ١ وج ٦ : ٣١٣ أبواب الركوع ب ١٠ ح ٥.

(١٠) في « فض » زيادة : مشروط.


التوجيه ، وربما يستفاد من الرواية المذكورة(١) حكم الناسي والجاهل ، والله أعلم.

وإذا تمهّد(٢) هذا فالرواية الثانية غير خفيّة الدلالة على أنّ المراد غير وقت الفضيلة ، وما قاله الشيخ غير تامّ أمّا أوّلاً : فلمخالفة الظاهر. وأمّا ثانياً : فلأنّ القضاء لا وجه لاختصاصه بالسفر ، فيصير ذكره كاللغو ، وعلى تقدير قول الشيخ بوقت الاختيار والاضطرار يحمل التأخير عن وقت الاختيار ( إلى غيره بالنسبة إلى الحاضر.

وقول شيخنا المحقق أيّده الله في فوائد الكتاب : ربما احتمل الحمل على غير وقت الفضيلة والاختيار )(٣) لأنّ السفر بمنزلة العذر. لا يخلو من شي‌ء ؛ لأنّ العذر لا يوافق مدلول الرواية على الإطلاق ، إذ الظاهر منها اختصاص المسافر بالحكم ، لا لكون العذر علّة ، إلاّ أن يقال : إنّ عذر السفر علّة ، لا مطلق العذر الذي من جملته السفر ، كما يقوله الشيخ في الوقتين(٤) لكل صلاة.

قوله :

باب أنّ لكل صلاة وقتين.

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد ابن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس‌

__________________

(١) ليست في « د ».

(٢) في « رض » : عرفت.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٤) في « د » و « رض » زيادة : لا.


ابن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن سنان قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « لكل صلاة وقتان ، وأول(١) الوقت أفضله ، وليس لأحدٍ أن يجعل آخر الوقتين وقتاً إلاّ في علّة من غير عذر »(٢) .

محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، عن معاوية بن عمّار ، أو(٣) ابن وهب قال : قال أبو عبد الله عليه‌السلام : « لكل صلاة وقتان وأول الوقت أفضله » (٤) .

السند‌ :

في الأول : فيه محمد بن عيسى عن يونس ، وقد قدّمنا فيه(٥) القول من أنّ ابن بابويه نقل عن ابن الوليد فيما حكاه النجاشي عنه أنّه قال : ما تفرّد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه(٦) ، والشيخ ضعّفه(٧) ، وكأنّه لهذا الوجه ، وفيه كلام ، لا(٨) لما ذكره البعض(٩) ( من احتمال )(١٠) كون الردّ للإرسال ، لا لضعف محمد بن عيسى ، فإنّ الإرسال‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٤٤ / ٨٧٠ : فأول.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٤٤ / ٨٧٠ : في عذر من غير علة.

(٣) في « فض » : و.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٤٤ / ٨٧١ : أفضلهما.

(٥) ليست في « رض ».

(٦) راجع ص ٥٤.

(٧) الفهرست : ١٤٠ / ٦٠١.

(٨) ليست في « رض ».

(٩) كابن داود في رجاله : ٢٧٥ / ٤٧٤.

(١٠) بدل ما بين القوسين في « رض » : لاحتمال.


في مثله يوجب القدح ، لأنّه نوع تدليس ، إلاّ أن يقال : بجواز الرواية بالإجازة من دون التصريح بلفظ « إجازةً » كما هو مذهب البعض(١) ، وفيه : أنّ الاستثناء لا وجه له ، بل الظاهر من الرد ( ما يكون )(٢) وجهه غير الإرسال ، إلاّ أنّ استفادة الضعف من الردّ محلّ تأمّلٍ.

فإن قلت : إنّ الشيخ في الفهرست قد ذكر استثناء ابن بابويه له من نوادر الحكمة ، وظاهر(٣) هذا أنّ مراده ما قاله ابن بابويه عن ابن الوليد من ردّ ما يتفرّد به ، فتكون الرواية هنا غير متفردة وإلاّ لما ذكرها الشيخ ، وحينئذ لا مانع من قبولها(٤) .

قلت : قد قدّمنا ما في كلام الشيخ(٥) ، وعلى تقديره لا ندري وجه التأييد الموجب للقبول ، ليكون الحكم بالصحة منا(٦) على وجه شرعي ، وإن أمكن إجراء التوجيه السابق منّا في هذا الخبر لقبول توثيق الشيخ(٧) ونحوه مع أنّه اجتهاد ، أمّا ما قاله الشيخ في الفهرست : من أنّ محمد بن عيسى كان يذهب مذهب الغلو(٨) . فهو محكي بلفظ « قيل » والقائل غير معلوم ، وقد روى الشيخ في التهذيب الرواية بهذا السند(٩) ، وفي متنه مغايرة يأتي بيانها.

__________________

(١) كالشهيد الثاني في الدراية : ٩٤.

(٢) في « رض » : أن يكون.

(٣) في « د » : فظاهر.

(٤) الفهرست : ١٤٠ / ٦٠١.

(٥) راجع ص ٥٤ ٥٩.

(٦) في « رض » : هنا.

(٧) كذا في النسخ ، والظاهر انه خطأ والصواب النجاشي.

(٨) الفهرست : ١٤١.

(٩) التهذيب ٢ : ٣٩ / ١٢٤ ، الوسائل ٤ : ١٢٢ أبواب المواقيت ب ٣ ح ١٣.


وقد وصف بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله الرواية بالصحة(١) ، ولا أدري الوجه إلاّ ما قدّمته ، أو أنّها من غير كتابي الشيخ.

والثاني : ليس فيه ارتياب ، غير أنّ العلاّمة في الخلاصة قال في ترجمة معاوية بن عمّار : روى معاوية عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسىعليهما‌السلام ومات سنة خمس وسبعين ومائة ، قال الكشي : إنّه كان يبيع السابري وعاش مائة وخمساً وسبعين سنة(٢) . انتهى. ولا يبعد أن يكون ما حكاه عن الكشي من الأغلاط الواقعة فيه ، وإنّما هو مات سنة خمس وسبعين ومائة كما قاله العلاّمة ، وقبله النجاشي(٣) .

ويؤيّد ما قلناه : أنّه لم يسمع مثل هذا العمر لمن تأخّر عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ولو كان لنقلت أحواله ؛ إذ هو حينئذ موجود من زمن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى زمن موسىعليه‌السلام .

وما نقله في الخلاصة عن العقيقي أنّه قال : إنّ معاوية بن عمّار كان ضعيف العقل مأموناً في حديثه(٤) . لا اعتبار به.

المتن :

في الأول : تضمن قولهعليه‌السلام : « إلاّ في علّة من غير عذر » وفي التهذيب : « إلاّ في عذر من غير علّة »(٥) والذي يظهر لي من هذه العبارة الموجودة هنا احتمال أن يكون قوله : « من غير عذر » كالبدل من قوله : « إلاّ‌

__________________

(١) البهائي في الحبل المتين : ١٣٤.

(٢) الخلاصة : ١٦٦ / ١.

(٣) رجال النجاشي : ٤١١ / ١٠٩٦.

(٤) الخلاصة : ١٦٦ / ١.

(٥) التهذيب ٢ : ٤٠.


من علّة » فكأنّه قال : أن يجعل آخر الوقتين وقتاً من غير عذر ، والفائدة التنبيه على أنّ العلّة يتبادر منها المرض ، فأُريد إزاحة الاحتمال بإرادة غير العذر الأعم من المرض.

وأمّا عبارة التهذيب فالظاهر منها أنّ التأخير في العلّة التي هي المرض ونحوه غير العذر ، وحينئذ ربما يتأيّد احتمال أن يراد بما هنا هذا(١) المعنى بتقدير وجود الرواية بكلا العبارتين ، وإن كان الوهم في التعبير من النقل أشكل التعيين.

وقد نقل العلاّمة والمحقّق في المختلف والمعتبر(٢) الرواية في احتجاج الشيخ للقول بأنّ الوقتين في الخبر ونحوه للمختار والمعذور ، بعد أنّ نقل ذلك عن الشيخين وابن أبي عقيل وأبي الصلاح وابن البراج في المختلف ، وحكى متن الرواية بصورة ما في هذا الكتاب. وغير خفيّ أنّ دلالتها على مدّعى الشيخ بالمتن المخصوص لا يخلو من خفاءٍ ؛ إذ المنقول عن الشيخ في المبسوط أنّه فسّر العذر بالسفر والمطر والمرض وشغل يضرّ تركه بدينه أو دنياه(٣) ، والرواية كما ترى ظاهرة في خلاف هذا.

والعجب من العلاّمة أنّه أجاب عن الاحتجاج بالرواية بالقول بالموجب ، فإنّا قد بيّنا أنّ لكل صلاة وقتين ، لكن الأوّل وقت الفضيلة ، وحديثكم يدل على ما قلناه ؛ لقولهعليه‌السلام : « وأول الوقت أفضله » فإنّ « افعل »(٤) يقتضي المشاركة ( في المعنى )(٥) .

__________________

(١) في « د » : هو.

(٢) المختلف ٢ : ٣٢ ، والمعتبر ٢ : ٣٤ ، ٤٦.

(٣) المبسوط ١ : ٧٢.

(٤) في « رض » : فعل ، وفي « فض » و « د » : أفضل فعل. وما أثبتناه من المصدر ، وفي نسخة منه : أفضل.

(٥) ما بين القوسين ليس في « رض ».


لا يقال : قولهعليه‌السلام : « وليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتاً إلاّ في علّة من غير عذر » يقتضي المنع من جعل آخر الوقت وقتاً لغير عذر. لأنّا نقول : لا نسلّم أنّه يدل على المنع ، بل على نفي الجواز الذي لا كراهية فيه جمعاً بين الأدلّة(١) . انتهى.

وفي نظري القاصر بعد ظهور وجه التعجّب(٢) من حيث عدم التعرّض(٣) لما في الخبر أنّ الجواب من جهة قوله : إنّ أفعل التفضيل يقتضي المشاركة. لا يخلو من تأمّل ، لا لما ذكره بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله من أنّ اقتضاء اسم التفضيل المشاركة إنّما يقتضي كون الوقت الثاني وقتاً مفضولاً ، ويجوز أن تكون الصلاة في آخر الوقت لعذر أنقص فضلاً من الواقعة في أوّله(٤) . فإنّ هذا الكلام وإن كان لا يخلو من وجه ، إلاّ أنّه يمكن أن يقال عليه إنّ تفضيل أول الوقت للمختار على المضطرّ على الإطلاق لا يوافق الحكمة ، فإنّ من يتعذّر عليه فعل الصلاة في الأول لمرضٍ لا يمكن معه الفعل كيف يليق أن يقال : إنّ فعل الصحيح في الأولّ أكثر ثواباً ، والحال أنّه لا مشاركة في الأول للمريض ، والمشاركة في مجرّد الفضل من حيث إنّ الصلاة إذا صحّت لا تخلو من الفضل مسلّم ، إلاّ أنّ مقام التفضيل يقتضي نوع قدرة كما لا يخفى.

بل لأنّ الخبر يحتمل أن يراد فيه بكون أول الوقت أفضل بالنسبة إلى ثانية في الوقت الأوّل للمختار على تقدير القول به ، والوقت الأول من‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣٢ بتفاوت يسير.

(٢) في « فض » : العجب.

(٣) في « رض » : التعريض.

(٤) البهائي في الحبل المتين : ١٣٥ بتفاوت يسير.


الثاني للمعذور أفضل من ثانيه ، ويكون قوله : « وليس لأحد » إلى آخره ، بياناً للوقتين ( بالنسبة إلى المختار والمعذور. ويحتمل أن يكون المراد آخر الوقتين من كل من الوقتين ، بأنّ يراد بالأوّل أول الوقت )(١) وثانيه ما بعده ، فتكون الفضيلة في الأول والعذر في الثاني من الأول لعدم الفضيلة ، لكن الاحتمال الأول له وجه وجيه ، وبهذا يندفع قول العلاّمة بمشاركة الأفضليّة على الإطلاق.

فإن قلت : قد ورد في التيمّم حديث يقتضي أنّ من تيمّم في أرض لا ماء فيها لا يعود إلى الأرض التي توبق دينه(٢) ، مع أنّ التيمّم إذا صحّ كان فيه الثواب فكيف توبق الدين؟ وهل هذا إلاّ دليل على تحقّق الفضل مع الكراهة؟.

قلت : قد ذكر هذا بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله مؤيّداً لما قاله من احتمال المشاركة في الفضل وإن كان مفضولاً(٣) ، إلاّ أنّه ربما يقال : إنّ مفاد الخبر الذي نحن فيه مغاير لذاك(٤) ، لأنّ ذاك في مقام إمكان التحرّز ، وهذا الخبر مورده عام يتناول ما لا يمكن التحرّز فيه ، نعم يمكن أن يقال في دفع منافاة الحكمة(٥) : بأنّ ما دلّ على أفضليّة الصلاة مثلاً في الأماكن الشريفة متناول لمن لم يمكنه الوصول إليها ، إلاّ أن يقال : إنّ الأفضليّة فيها بالنسبة إلى الشخص ، على معنى أنّ من يتوصّل إليها صلاته‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) الكافي ٣ : ٦٧ / ١ ، التهذيب ١ : ١٩١ / ٥٥٣ ، الوسائل ٣ : ٣٥٥ أبواب التيمم ب ٩ ح ٩.

(٣) حبل المتين : ١٣٥.

(٤) في « فض » و « رض » : لذلك.

(٥) في « فض » و « رض » : الحكم.


فيها أفضل من صلاته في غيرها ، وفيه أنّه خلاف الظاهر من إطلاق التفضيل ، وبالجملة منافاة الحكمة(١) محلّ كلام ، فتأمّل.

وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبر الثاني كالأول بالنسبة إلى المعنى الذي احتملناه ، لكن جماعة من المتأخّرين قالوا : بأنّ الأوّل للفضيلة والثاني للإجزاء(٢) ، واختاره الوالدقدس‌سره (٣) وشيخناقدس‌سره (٤) لظاهر الخبرين وغيرهما ، مضافاً إلى بعض الاعتبارات مثل إطلاق الآية(٥) الدالّة على الامتداد للمعذور والمختار ، وفي خبر معتبر أنّ أوّل الوقتين أفضلهما ، واحتمال ما ذكرناه سابقاً فيه بعيد ، بل الظاهر منه أنّ الأوّل من الوقتين أفضل من الثاني لا من ثانيه.

وقد روى الشيخ فيما يأتي عن الحسين بن سعيد ، عن النضر وفضالة ، عن ابن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لكل صلاة وقتان وأول الوقتين أفضلهما ، ووقت صلاة الفجر حين ينشقّ الفجر إلى أن يتجلّل الصبح السماء ، ولا ينبغي تأخير ذلك عمداً لأنّه(٦) وقت من شغل أو نسي أو سها أو نام ، ووقت المغرب حين تجبّ الشمس إلى أن تشتبك النجوم ، وليس لأحدٍ أن يجعل آخر الوقتين وقتاً إلاّ من عذر أو علّة »(٧) وهذا نحو ما قدّمناه من الخبر المعتبر في الدلالة.

__________________

(١) في « رض » : الحكم.

(٢) منهم المحقق في المعتبر ٢ : ٢٦ ، والعلاّمة في المختلف ٢ : ٣١.

(٣) منتقى الجمان ١ : ٤١١.

(٤) مدارك الأحكام ٣ : ٣٢.

(٥) الإسراء : ٧٨.

(٦) في المصدر : ولكنه.

(٧) الاستبصار ١ : ٢٧٦ / ١٠٠٣.


وفي نظري القاصر أنّه أوضح في الاحتجاج للشيخ من الخبر المبحوث عنه ؛ لأنّ الظاهر من آخره العود إلى الوقتين الأوّلين في الخبر ، ومن ثمّ ذكرته هنا ، وسيأتي إن شاء الله بقيّة القول فيه في محلّه ، والله تعالى أعلم بالحقائق.

قوله :

فأمّا ما رواه محمد بن عليّ بن محبوب ، عن محمد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن أديم بن الحرّ قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « إنّ جبرئيل أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالصلوات كلّها فجعل لكلّ صلاةٍ وقتين إلاّ المغرب ، فإنّه جعل لها وقتاً واحداً ».

عليّ بن مهزيار ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن زيد الشحّام قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن وقت المغرب فقال : « إنّ جبرئيلعليه‌السلام أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لكلّ صلاةٍ بوقتين غير صلاة المغرب فإنّ وقتها واحد ، ووقتها وجوبها ».

فلا تنافي بين هذين الخبرين والخبرين الأوّلين ؛ لأنّ الوجه في الجمع بينهما أنّ وقت المغرب مضيَّق ليس بين أوّله وآخره من السعة مثل ما بين أوّل الوقت وآخره في سائر الصلوات على ما نبيّنه فيما بعد إن شاء الله ، ولم يرد أنّ لها وقتاً واحداً لا يجوز أن يتقدّم ولا يتأخّر(١) ، وليس لأحدٍ أن يقول في الجمع بين هذه الأخبار بأن يخص (٢) صلاة‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٤٥ / ٨٧٣ ولا أن يتأخر.

(٢) في « د » : تختص ، وفي « فض » : يختص ، وفي « رض » : تخصيص ، وما أثبتناه من الإستبصار ١ : ٢٤٥ / ٨٧٣.


المغرب من بين سائر الصلوات ويقول : إنّ لكلّ صلاةٍ وقتين إلاّ المغرب ؛ لأنّ هاهنا أخباراً مفصّلة أوردناها في كتابنا الكبير تتضمّن ذكر صلاة المغرب وأنّ لها وقتين أوّلاً وآخراً ، وربما ذكرنا منها شيئاً فيما بعد إن عرض ما يقتضي ذلك ، وإذا كان الأمر على ذلك لم يمكن هذا الوجه. ولم يسغ غير ما قلناه .

السند‌ :

في الأوّل : ليس فيه ارتياب ، نعم اتفق في الخلاصة أنّ العلاّمة قال في ترجمة أُديم بن الحُرّ : إنّه صاحبُ أبي عبد اللهعليه‌السلام يروي نيفاً وأربعين حديثاً عنهعليه‌السلام كوفيٌ ثقة(١) . والنجاشي قال : إنّه كوفي ثقة له أصل(٢) . ولم ينقل ما ذكره العلاّمة مع أنّه كثير التتبع له(٣) . وفي الكشي قال نصر بن الصباح : أبو الحرّ اسمه أُديم وهو حذّاء صاحب أبي عبد اللهعليه‌السلام يروي نيفاً وأربعين حديثاً عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٤) انتهى. ونصر بن الصباح ضعيف ، فالاعتماد على ما نقل لا وجه له ، ولعلّ العلاّمة نقل ذلك من غير الكشي.

والثاني : فيه حريز ، ولم نر من مشايخنا التوقف فيه وقد قدّمت فيه قولاً مجملاً(٥) غير أنّا نذكر هنا ما لا بدّ منه مفصّلاً ليكون زيادة فائدة :

والحاصل أنّ النجاشي ذكره من غير توثيق وقال : قيل : روى عن‌

__________________

(١) خلاصة العلاّمة : ٢٤ / ١٠.

(٢) رجال النجاشي : ١٠٦ / ٢٦٧.

(٣) كذا في النسخ ، ولعل المراد أنّ العلاّمة مع كثرة اتّباعه للنجاشي ذكر ما لم يذكره النجاشي.

(٤) رجال الكشي ٢ : ٦٣٦ / ٦٤٥.

(٥) راجع ص ٣٨.


أبي عبد اللهعليه‌السلام . وقال يونس : لم يسمع من أبي عبد الله إلاّ حديثين. وقيل : روى عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام . ولم يثبت ذاك ، وكان ممّن شهر السيف في قتال الخوارج بسجستان في حياة أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وروى : أنّه جفاه وحجبه عنه(١) . انتهى.

والشيخ في الفهرست قال : ابن عبد الله السجستاني ثقة(٢) .

وفي الخلاصة قال العلاّمة بعد نقل كلام النجاشي : وهذا لا يقتضي الطعن ؛ لعدم العلم بتعديل الراوي للجفاء ، وروى الكشي أنّ أبا عبد اللهعليه‌السلام حجبه عنه ، وفي طريقه محمّد بن عيسى وفيه قول ، مع أنّ الحجب لا يستلزم الجرح ؛ لعدم العلم بالسرّ فيه(٣) . انتهى.

والرواية التي حكاها عن الكشي رواها عن حمدويه ومحمّد قالا : حدّثنا محمد بن عيسى ، عن صفوان ، عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال : سأل أبو العباس فضل البقباق لحريز الإذن على أبي عبد اللهعليه‌السلام فلم يأذن له ، فعاوده فلم يأذن له فقال : أيّ شي‌ء للرجل أنّ يبلغ في عقوبة غلامه؟ قال : قال : « على قدر ذنوبه » قال : والله لقد عاقبت حريزاً بأعظم ممّا صنع قال : « ويحك إنّي فعلت ذلك أنّ حريزاً جرّد السيف ، ثمّ قال : « أمّا والله لو كان حذيفة بن منصور لما عاودني فيه بعد أنّ قلت : [ لا(٤) ] انتهى(٥) .

والطعن بمحمد بن عيسى غير ظاهر الوجه بعد ما قدّمنا فيه(٦) ،

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٤٤ / ٣٧٥.

(٢) الفهرست : ٦٢ / ٢٣٩.

(٣) خلاصة العلاّمة : ٦٣ / ٤.

(٤) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

(٥) رجال الكشي ٢ : ٦٢٧ / ٦١٥.

(٦) راجع ص ٥٣.


والعجب أنّ العلاّمة في الخلاصة قال في ترجمة محمّد بن عيسى : والأقوى عندي قبول روايته(١) . ثمّ يتوقف هنا فيه.

وعبد الرحمن بن الحجّاج الراوي فيه نوع كلام أيضاً تقدّم(٢) ، فإن كان مجرّد القول يقتضي الطعن في الرواية ، فلا وجه للاقتصار على محمد ابن عيسى.

أمّا ما ذكره العلاّمة من أنّ الحجب لا يستلزم الجرح. فله وجه لو كان النجاشي وثّقه ، وأمّا توثيق الشيخ(٣) ففيه نوع تأمّل ، من جهة تثبّت النجاشي في هذه الموارد.

وربما يمكن أن يقال : إنّ الخبر وإن كان ظاهراً في القدح بسبب الذنب المصرّح به ، بل ربما قدح في أبي العباس أيضا لجرأته على الإمامعليه‌السلام ، إلاّ أنّ التوجيه في الرجلين ممكن ، أمّا في حريز فلاحتمال أن يكون الحجب تقيّةً عليه ، وإن كان ما فعله(٤) سائغاً في نفسه ، كما ورد في شأن زرارة ، وعدم إعلام الإمامعليه‌السلام بذلك لمصلحة هو أعلم بها. وأمّا من جهة أبي العباس فلاحتمال كون الإدلال أوجب ما قاله.

وقولهعليه‌السلام : « لو كان حذيفة » إلى آخره. قد وجّهه شيخنا أيّده الله في فوائد الرجال بوجه حسن يعلمه من راجعة.

أمّا ما نقله النجاشي عن يونس : من أنّ حريزاً لم يسمع من أبي عبد اللهعليه‌السلام إلاّ حديثين(٥) . فهو غريب ؛ لأنّ روايته عنه في كتب الحديث‌

__________________

(١) الخلاصة : ١٤٢.

(٢) في ص ٦٤٥ و ٧٣٣.

(٣) راجع ص ١٢٠٢.

(٤) في « فض » زيادة : من شهر السيف ، وهي في « د » مشطوبة.

(٥) رجال النجاشي : ١٤٤ / ٣٧٥.


أكثر من ذلك ، فقد روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (١) عدم نجاسة الماء إلاّ بالتغيّر(٢) ، وروى في عقاب تارك الصلاة(٣) ، وفي أبواب الحج روى أيضاً بكثرة(٤) ، والظاهر أنّ الأصل في حكاية النجاشي ما رواه الكشّي ، عن محمد بن مسعود ، عن محمد بن نصير ، قال : حدّثني محمّد بن قيس ، عن يونس قال : لم يسمع حريز بن عبد الله عن أبي عبد اللهعليه‌السلام إلاّ حديثاً أو حديثين(٥) . والحال ما ترى.

المتن :

في الخبرين ما ذكره الشيخ ، فيه(٦) لا يخلو من وجه ، وقد ذكر شيخنا المحقّق أيّده الله في فوائد الكتاب أنّ محصّل كلام الشيخ حينئذ أنّه ليس بين أوّل وقت الفضيلة وآخره من المغرب من السعة مثل ما بين أوّل وقت الفضيلة وآخره من غيرها ، وهو كذلك كما سيأتي. انتهى.

ولا يخفى أنّ الأولى بيان الوقتين للمختار والمعذور ، لأنّه مذهب الشيخ.

ثمّ إنّ دلالة الروايتين على الوقت الواحد للمغرب وإن كان ظاهره على إرادة غير ما وجّهه الشيخ ، إلاّ أنّ باب التأويل يقتضي الدخول في خلاف الظاهر ، وللوالدقدس‌سره توجيه في المنتقى(٧) لكن لم يحضرني الآن عبارته ،

__________________

(١) في « فض » زيادة : في.

(٢) التهذيب ١ : ٢١٦ / ٦٢٥ ، الاستبصار ١ : ١٢ / ١٩.

(٣) الكافي ٣ : ٢٦٩ / ٧.

(٤) التهذيب ٥ : ٤٣ / ١٢٨.

(٥) رجال الكشي ٢ : ٦٨٠ / ٧١٦.

(٦) ليست في « رض ».

(٧) منتقى الجمان ١ : ٤١٠.


والمحصّل(١) احتمال أن يراد بالوقتين والوقت لمجي‌ء جبرئيل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لما يأتي في بعض الأخبار أنّ جبرئيلعليه‌السلام أتى في أوّل وقت الظهر ثمّ أتى في الثاني ، وهكذا في العصر ، بخلاف المغرب فإنّه أتى في وقت واحد بالوقتين(٢) . وهذا التوجيه وإن قرّبه ذاك الخبر ، إلاّ أنّ سياق هذين الخبرين يأباه.

وربما يقال : إنّ المراد بالوقتين في هاتين الروايتين غير(٣) الوقتين المذكورين في غيرهما ، بل يراد بالوقتين في كلّ من الوقتين السابقين في الأخبار على ما بيّناه سابقاً ، والمعنى حينئذٍ أنّ كلاّ من الوقتين إمّا للفضيلة والإجزاء ، أو للمختار والمضطر له وقتان أوّل وثانٍ إلاّ المغرب ، فإنّ وقتها الأوّل لا أفضليّة لأوّله على ثانيه ، على معنى : أنّ وقت الفضيلة أو الاختيار ، الوجوب.

فإنّ قلت : لا ريب على تقدير الوقتين للمغرب ( في الامتداد )(٤) عن الوجوب ، فالثاني بالنسبة إلى الوجوب إن ساوى الأوّل لم يتحقق أنّ وقت الوجوب هو وقت الفضيلة والمختار فقط ، وإن لم يساوه تحقّقت المشاركة لغيرها من الصلوات.

قلت : لعلّ المراد في المغرب أنّ التحديد الواقع في الظهر من القدم ، والقدمين ، والسبحة ليس في المغرب ، وهكذا العصر ، والعشاء ، والصبح كما سيأتي في الأخبار(٥) ، وعلى هذا ففعل المغرب بعد أوّل وقت الوجوب لا يوصف بنحو ما يوصف غيرها بعد مضي المقادير ، وهذان الخبران حينئذ ربما يؤيّدان ما سبق منّا من بيان المعنى في قولهمعليهم‌السلام : وأوّل‌

__________________

(١) في « رض » : والحاصل.

(٢) راجع ص : ١٢٦٨.

(٣) في « د » : عين.

(٤) بدل ما بين القوسين في « فض » : من امتداد.

(٥) يأتي في ص ١٢١٧.


الوقت أفضله ، فليتأمّل.

أمّا ما أشار إليه الشيخ من الأخبار فسيأتي(١) إن شاء الله ، ونذكر ما لا بدّ منه فيها هذا ، والموجود في النسخة(٢) التي نقلت منها ما ترى من قوله : لأنّ الوجه في الجمع بينهما ، بإثبات الميم ، والظاهر حذفه ، لكن التوجيه ممكن على بعدٍ.

قوله :

باب أوّل وقت الظهر والعصر.

أخبرني أحمد بن عبدون ، عن أبي طالب الأنباري ، عن حميد ابن زياد ، عن الحسن بن محمّد بن سماعة قال : حدّثني محمّد بن أبي حمزة ، عن معاوية بن عمّار ، عن الصباح بن سيّابة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين ».

عنه ، عن محمد بن أبي حمزة ، عن سفيان بن السمط ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين ».

عنه ، عن محمّد بن زياد ، عن منصور بن يونس ، عن العبد الصالحعليه‌السلام قال : سمعته يقول : « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين ».

عنه ، عن محمّد بن أبي حمزة ، عن ابن مسكان ، عن مالك الجهني قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن وقت الظهر ، فقال : « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين ».

__________________

(١) يأتي في ص ٢١٥.

(٢) في « رض » : النسخ.


عنه ، عن معاوية بن وهب قال : سألته عن رجل صلّى الظهر حين زالت الشمس قال : « لا بأس به ».

عنه ، عن عبد الله بن جبلة ، عن علاء ، عن محمّد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام في الرجل يريد الحاجة حين تزول الشمس هل يصلّي الأُولى حينئذ قال : « لا بأس به ».

الحسين بن سعيد ، عن عليّ بن مهزيار ، عن فضالة بن أيّوب ، عن عمر بن أبان ، عن سعيد بن الحسن قال : قال أبو جعفرعليه‌السلام : « أوّل الوقت زوال الشمس وهو وقت الله الأوّل وهو أفضلهما ».

الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن عروة ، عن عبيد بن زرارة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن وقت الظهر والعصر فقال : « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر جميعاً ، إلاّ أنّ هذه قبل هذه ، ثمّ أنت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس ».

أحمد بن محمد ، عن عليّ بن الحكم ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علّة ».

سعد بن عبد الله ، عن يعقوب بن يزيد ، عن الحسن بن عليّ الوشّاء ، عن أحمد بن عمر ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال : سألته عن وقت الظهر والعصر ، فقال : « وقت الظهر إذا زالت (١) الشمس إلى أن يذهب الظل قامة ، ووقت العصر قامة ونصف إلى قامتين ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٤٧ / ٨٨٣ : زاغت.


السند‌ :

في الأوّل : أحمد بن عبدون ، وقد قدّمنا فيه القول(١) بما حاصله أنّ النجاشي قال : إنّه شيخنا المعروف بابن عبدون ـ إلى أن قال بعد ذكر الكتب ـ : أخبرنا بسائرها ، وكان قويّاً في الأدب(٢) .

والشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام من كتابه قال : إنّه كثير السماع والرواية سمعنا منه وأجاز لنا جميع ما رواه(٣) .

والعلاّمة قد صحّح طرق المصنف في الكتابين إلى أبي طالب وأحمد فيها(٤) .

وبالجملة : فالرجل من المشايخ ، وعدم التصريح بالتوثيق على ما فهمته من الوالدقدس‌سره (٥) إنّما هو لأنّ عادة المصنّفين في الرجال عدم توثيق شيوخهم.

وأمّا أبو طالب الأنباري فاسمه : عبد الله(٦) بن أبي زيد أحمد بن يعقوب ، وقد قال النجاشي : إنّه ثقة في الحديث عالم به كان قديماً من الواقفة(٧) .

وفي الفهرست : عبد الله بن أحمد بن أبي زيد ، ولم يوثّقه وقال‌

__________________

(١) في ص ٤٧٤.

(٢) رجال النجاشي : ٨٧ / ٢١١‌

(٣) رجال الطوسي : ٤٥٠ / ٦٩.

(٤) خلاصة العلاّمة : ٢٧٦.

(٥) منتقى الجمان ١ : ٣٩.

(٦) في رجال النجاشي : عبيد الله.

(٧) رجال النجاشي : ٢٣٢ / ٦١٧.


قيل : إنّه كان من الناووسيّة(١) . وفي موضع ممّن لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام من كتابه : عبد الله بن أبي زيد الأنباري روى عنه ابن حاشر ، ضعيف(٢) . وذكره في موضع آخر بلفظ عبد الله بن أحمد بن عبيد الله ، من غير تعرّض للتضعيف ، وذكر أنّ الراوي عنه أحمد بن عبدون(٣) .

والعلاّمة في الخلاصة ذكر في القسم الأوّل : عبد الله بن أبي زيد أحمد ابن يعقوب بن نصر الأنباري ، كذا قاله النجاشي ، وقال الشيخ : عبد الله بن أحمد بن أبي زيد ، والظاهر أنّ لفظة ابن بعد أحمد زيادة من الناسخ ، يكنّى أبا طالب ثقة في الحديث عالم(٤) كان قديماً من الواقفة ، ثمّ حكى عن الشيخ القول بأنّه من الناووسيّة(٥) .

وفي القسم الثاني قال : عبد الله ابن أبي زيد الأنباري(٦) ، روى عنه ابن حاشر ضعيف.

ولا يخفى عليك أنّ التعدد منشؤه ذكر الشيخ له متعدّداً ، ومثل هذا من الشيخ كثير ، إلاّ أنّ القرائن هنا على الاتحاد واضحة ، وكأنّ ما في النسخة التي رأيناها من تصغير عبد الله ليس في نسخة العلاّمة.

ثمّ إنّ ما قاله النجاشي : من أنّه كان من الواقفة ، مقتضاه الجزم ، وحينئذ لا تعرف روايته هل هي قبل الرجوع أو بعده؟.

فإنّ قلت : قد قال النجاشي ـ بعد قوله : كان قديماً من الواقفة ـ : قال‌

__________________

(١) الفهرست : ١٠٣ / ٤٣٤.

(٢) رجال الطوسي : ٤٨٦ / ٦١.

(٣) رجال الطوسي : ٤٨١ / ٣١.

(٤) في الخلاصة زيادة : به.

(٥) الخلاصة : ١٠٦ / ٢٣.

(٦) الخلاصة : ٢٣٦ / ١٣ وفيه : الأنصاري ، بدل : الأنباري.


أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله : قال أبو غالب الزراري : كنت أعرف أبا طالب أكثر عمره واقفا مختلطاً بالواقفة ثم عاد إلى الإمامة وجفاه أصحابنا. وهذا الكلام يقتضي أنّ القول بالوقف من غير النجاشي.

قلت : الذي يظهر من النجاشي الجزم بالوقف والرجوع ، ولا يبعد اعتماده في ذلك على قول الحسين بن عبيد الله وهو ابن الغضائري ، وأبو غالب الزراري ، قد وثّقه النجاشي(١) في جعفر بن محمد بن مالك ، لكن ثبوت الوقف يوجب ما قدّمناه من التوقف.

وما ذكره الشيخ من الضعف وإنّ أيّده كلام أبي غالب ، إلاّ أنّ توثيق النجاشي ربما يمكن الجمع بينه وبين كلام أبي غالب بالوقف وكونه ثقة ، ويمكن حمل التوثيق على التأخر عن الوقف فيكون بعد الرجوع ، وتضعيف الشيخ حينئذ لما قبل ذلك ، إلاّ أنّ الجزم بكلّ من الأمرين مشكل ، ( فالتوقف بحاله )(٢) .

وما قد يقال : إنّ الزراري متقدّم على الشيخ فشهادته بالرجوع سابقة فترجّح على كلام الشيخ.

ففيه : أنّ توثيق النجاشي مع القول بالوقف هو موجب التوقف ، لا من جهة الشيخ وقول الزراري ، فليتأمّل.

وأمّا حميد بن زياد فقد قدّمنا القول فيه(٣) في هذا الخبر ، والحسن ابن محمّد بن سماعة أسلفنا حاله مفصّلاً(٤) مع محمد بن أبي حمزة ومن‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٢٢ / ٣١٣.

(٢) ما بين القوسين أثبتناه من « فض ».

(٣) في ج ٣ : ٣٦١.

(٤) في ج ٣ : ٣٦٣.


معه(١) .

والثاني : فيه مع من ذكر سفيان بن السمط ، وهو مجهول الحال ؛ لذكره في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ مهملاً(٢) .

والثالث : فيه محمّد بن زياد وهو مشترك(٣) ، ومنصور بن يونس وهو بزرج وقد وثّقه النجاشي من غير ذكر الوقف(٤) . والشيخ ذكره في رجال الكاظمعليه‌السلام من كتابه وقال : إنّه واقفي(٥) . وقد قدّمنا القول في مثل هذا(٦) . وفي الكشي نقل ما يقتضي الوقف بطريق فيه جهالة(٧) ، فليتأمّل.

والرابع : فيه مع من تقدّم مالك الجهني وهو مجهول الحال ، وفي أسانيد الفقيه : عن أبي محمّد مالك بن أعين الجهني ، وهو عربي كوفي وليس هو من آل سُنسُن(٨) .

والعجب من العلاّمة في الخلاصة أنّه قال : مالك بن أعين روى الكشي عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن الحسين بن علي بن يقطين أنّ مالك بن أعين ليس من هذا الأمر في شي‌ء ، وقال علي بن أحمد العقيقي ، عن أبيه ، عن أحمد بن الحسن ، عن أشياخه : إنّه كان مخالفاً(٩) .

وقد ذكرنا أيضاً في ترجمة قعنب بن أعين أخي حمران نقلاً عن‌

__________________

(١) راجع ص ١٠٤.

(٢) رجال الطوسي : ٢١٣ / ١٦٤.

(٣) راجع هداية المحدثين : ٢٣٧.

(٤) رجال النجاشي : ٤١٣ / ١١٠٠.

(٥) رجال الطوسي : ٣٦٠ / ٢١.

(٦) راجع ص ٥٩٥.

(٧) رجال الكشي ٢ : ٧٦٨.

(٨) الفقيه ٤ : ٣١ من المشيخة.

(٩) الخلاصة : ٢٦١ / ٧ ، وفيه : عن الحسن بن علي بن يقطين.


الكشي ، عن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن علي بن يقطين أنّهما يعني قعنب ومالك بن أعين ليسا من هذا الأمر في شي‌ء ، وروى عن علي بن أحمد العقيقي ، عن أبيه ، عن أحمد بن الحسن ، عن أشياخه أنّ قعنب بن أعين كان مخالفاً(١) . انتهى.

والذي في الكشي : حدّثني محمد بن عيسى بن عبيد ، عن الحسن ابن علي بن يقطين قال : كان [ لهم غير زرارة وإخوته(٢) ] أخوان ليسا في شي‌ء من هذا الأمر : مالك وقعنب ، قال علي بن الحسن بن فضّال : قعنب ابن أعين أخو حمران مرجئ(٣) . والشيخ في رجال الكاظم(٤) عليه‌السلام قال : مالك بن أعين الجهني.

والذي يقتضيه كلام الكشي أنّ ابن أعين الجُهَني غير مالك بن أعين الأوّل ؛ لأنه قال عقيب ترجمة مالك بن أعين الجهني : حمدويه بن نصير قال : سمعت علي بن محمّد بن فيروزان القمي يقول : [ مالك(٥) ] بن أعين الجُهَني هو ابن أعين وليس من إخوة زرارة ، وهو بصري(٦) . مضافاً إلى ما نقلناه من أسانيد الفقيه ، فالاضطراب في المقام هو الموجب للتعجّب ، فإنّ جعل العلاّمة له ابن أعين أخا حمران يقتضي أنّه من ولد سُنسُن ، والصدوق‌

__________________

(١) الخلاصة : ٢٤٨ / ١.

(٢) ما بين المعقوفين أثبتناه من رجال الكشي.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٤٢٠ / ٣١٧ ، ٣١٨.

(٤) كذا في النسخ ، ولعلّ الظاهر : الباقر والصادقعليهما‌السلام : حيث إنّ الشيخ ذكره في أصحاب الباقرعليه‌السلام : ١٣٥ / ١١ ، وفي أصحاب الصادقعليه‌السلام ، وقال : الكوفي ، مات في حياة أبي عبد الله : ٣٠٨ / ٤٥٦.

(٥) أثبتناه من رجال الكشي.

(٦) رجال الكشي ٢ : ٤٧٨ / ٣٨٨.


قد نفاه ، وكذلك كلام الكشي ، وكون قعنب بن أعين لا يقتضي أنّه أخو حمران كما ظنّه العلاّمة ، وعلى كلّ حال هو غير معلوم إلاّ من ذكر الشيخ له في رجال الكاظم(١) عليه‌السلام من كتابه.

والخامس : فيه من تقدّم.

والسادس : فيه مع المتقدّم عبد الله بن جبلة وهو واقفي ثقة.

والسابع : فيه سعيد بن الحسن ولم أقف عليه الآن في الرجال(٢) . وأمّا عمر بن أبان فلا يبعد أن يكون الكلبي الثقة.

والثامن : فيه القاسم بن عروة ، ولم أقف على ما يقتضي المدح فيه فضلاً عن التوثيق ، وما قاله ابن داود نقلاً عن الكشي : أنّه ممدوح(٣) . لم نجده في الكشي ، وعبيد بن زرارة ثقة بغير ارتياب.

والتاسع : فيه عبد الله بن بكير وقد تقدّم القول فيه مفصّلاً(٤) من أنّ الشيخ قال : إنّه فطحي ثقة. والنجاشي وثّقه ولم يذكر الوقف. أمّا علي بن الحكم ، فهو الثقة بتقدير الاشتراك ؛ لرواية أحمد بن محمد بن عيسى عنه ، كما يستفاد من الرجال(٥) .

والعاشر : فيه الحسن بن علي الوشّاء وقد تقدّم(٦) . وأحمد بن عمر يحتمل أن يكون الحَلاّل ، ويحتمل ابن أبي شعبة ، وكلّ منهما ثقة ، إلاّ أنّ‌

__________________

(١) مرّ توضيحه آنفاً.

(٢) ذكره الشيخ في أصحاب الصادقعليه‌السلام : ٢٠٤ / ٢٦.

(٣) رجال ابن داود : ١٥٣ / ١٢١٤ ، ولعله استفاد المدح من ذكر الكشي إيّاه في عداد مشايخ الفضل بن شاذان ، راجع رجال الكشي ٢ : ٨٢١ / ١٠٢٩.

(٤) في ص ٨٩.

(٥) راجع الفهرست : ٨٧ / ٣٦٦.

(٦) في ص ١١١.


الحَلاّل ذكره الشيخ في رجال الرضاعليه‌السلام من كتابه قائلاً : ثقةٌ ردي‌ء الأصل(١) .

والعلاّمة قال في الخلاصة : فعندي توقّف في قبول روايته ، لقوله يعني الشيخ هذا(٢) . وكأنّ وجه التوقف أنّ رداءة الأصل معناها رداءة الكتاب المسمّى بالأصل ، ويحتمل أن يكون الحديث منه. وقد ظَنّ بعض المتأخّرين أنّ رداءة الأصل لا يقتضي التوقف(٣) . وفيه ما فيه. أمّا توهّم توقف العلاّمة من أنّ معنى رداءة الأصل غير ما ذكرناه فلا وجه له ، كما أنّ ما ذكره الشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام من كتابه حيث قال : أحمد بن عمر الحلاّل روى عنه محمد بن عيسى اليقطيني(٤) . لا يقتضي التعدد ، مع ذكره في رجال الرضاعليه‌السلام كما يعرف من مراجعة كتاب الشيخ.

المتن :

في الأربعة الأُول له ظهور في الدلالة على قول الصدوق باشتراك الوقت من أوّله بين الفرضين(٥) ، لكن الطرق غير سليمة ، وقد روى في الفقيه حديث مالك الجهني(٦) ، وله مزيّة ظاهرة بما قدّمنا القول فيه. وروى خبراً عن زرارة بطريقه عنه وهو صحيح عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال : « إذا زالت الشمس دخل الوقتان : الظهر والعصر ، فإذا غابت الشمس دخل‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٦٨ / ١٩.

(٢) الخلاصة : ١٤ / ٤.

(٣) كابن داود في رجاله : ٤١ / ١٠٦.

(٤) رجال الطوسي : ٤٤٧ / ٥١.

(٥) المقنع : ٢٧.

(٦) الفقيه ١ : ١٣٩ / ٦٤٦.


الوقتان : المغرب وعشاء الآخرة »(١) والأخبار حينئذ تؤيّد ما رواه.

وقد احتج العلاّمة في المختلف على القول باختصاص الظهر من الزوال بمقدار أدائها بما حاصله يرجع إلى أنّه إذا انتفى الاشتراك تعيّن الاختصاص ، وعلّل نفي الاشتراك باستلزامه المحال من حيث امتناع التكليف بالعبادتين معاً حين الزوال ، وأطال فيه المقال(٢) .

واعترضه الوالدقدس‌سره أوّلاً : بأنّه منقوض بالوقت الذي بعد مضيّ مقدار الأربع. وهذا أورده العلاّمة على نفسه في الاحتجاج ، وأجاب عنه بما هو واضح الردّ لمن تأمّله ، فاكتفاء الوالدقدس‌سره بذكر النقض محلّ تأمّل.

وثانياً : بأنّ ما ذكره من امتناع التكليف بالعبادتين إن أراد به التكليف مطلقاً أي مع الذكر والنسيان فالمنع متوجّه إليه. وقول العلاّمة في التوجيه : بأنّه لا خلاف في أنّ الظهر مرادة بعينها حين الزوال. فيه : أنّ هذا مع الذكر لا مطلقا كما هو واضح ، فقوله بعد هذا : ثبت المطلوب. لا وجه له. وإن أراد مع العلم لم يتمّ المطلوب ، وقد أوضحت الحال في حاشية الروضة.

واحتجّ شيخناقدس‌سره على الاختصاص بما هذا لفظه : لنا على اختصاص الظهر ، أنّه لا معنى لوقت الفريضة إلاّ ما جاز إيقاعها فيه ولو على بعض الوجوه ، ولا ريب أنّ إيقاع العصر على سبيل العمد ممتنع ، وكذا مع النسيان على الأظهر ؛ لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه ، وانتفاء ما يدلّ على الصحة مع المخالفة.

ثمّ أيّد ذلك بروايات منها : رواية داود بن فرقد ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٤٠ / ٦٤٨ ، الوسائل ٤ : ١٢٥ أبواب المواقيت ب ٤ ح ١.

(٢) المختلف ٢ : ٣٤.


يمضي مقدار ما صلّى أربع ركعات ، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر »(١) .

إلى أن قال : وقد ورد في عدّة أخبار اشتراك الوقت من أوّله بين الفرضين كصحيحة زرارة(٢) . وذكر الرواية السابقة عن الفقيه ، وصحيحة عبيد بن زرارة ، وذكر الرواية الآتي بيانها.

وفي نظري القاصر أنّه محلّ بحث :أمّا أوّلاً : فلأنّ قوله : لا معنى لوقت الفريضة ، إلى آخره. فيه : أنّ ما دلّ على الاشتراك يقتضي إيقاع الفرضين على بعض الوجوه ، فلا يتم مطلوبه.

وأمّا ثانياً : فلأنّ قوله : على الأظهر. غير طريقة الاستدلال ، وبتقدير تمامه فقوله : لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه. فيه : أنّ ما دلّ على الاشتراك من الخبر الصحيح يقتضي تحقّق الإتيان بالمأمور به ، مضافاً إلى ظاهر الآية(٣) المتناول للمدّعى ، ويُؤيّد الظاهر تفسير الآية في الخبر المعتبر بما يقتضي الاشتراك(٤) .

وأمّا ثالثاً : فوصف خبر عبيد بن زرارة بالصحة غير ظاهر بعد ما قدّمناه من حال القاسم بن عروة(٥) ، نعم رواها الصدوق وفي الطريق إليه الحكم بن مسكين وهو مجهول الحال ، ورواية الصدوق لها وإن اقتضت المزيّة كما أسلفناه(٦) ، إلاّ أنّه خلاف المصطلح في الصحيح ، وعدم التفاتهقدس‌سره

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٢٥ / ٧٠ ، الوسائل ٤ : ١٢٧ أبواب المواقيت ب ٧٤٤.

(٢) مدارك الأحكام ٣ : ٣٦.

(٣) الإسراء : ٧٨.

(٤) التهذيب ٢ : ٢٥ / ٧٢ ، الاستبصار ١ : ٢٦١ / ٩٣٨.

(٥) في ص ١٢١١.

(٦) في ص ١٢٠٩.


إلى ما ذكرناه كما يعلم من عادته ، هذا.

وأمّا الوالدقدس‌سره فله توجيه لنفي دلالة الأخبار على الاشتراك من أوّل الوقت ، حاصله : أنّه لا شكّ أنّ إسناد الدخول إلى الوقتين ليس على حقيقته ؛ لظهور أنّ الداخل عند الزوال ليس بوقتين بل وقت واحد ، إمّا مشترك أو مختص ، فالكلام يحتمل أمرين :

أحدهما : أن يراد بالوقتين الوقت المشترك ، فيكون استعارة ، وجهة الشبه هي : أنّ الوقت المشترك لمّا كان محلاًّ للتعدّد فكأنّه متعدّد ، وعلى هذا فالإسناد حقيقي ، والمجاز لغويّ ، ودلالته على اشتراك الوقت الأوّل ظاهرة.

ويضعّف بأنّه يقتضي نوع قصور في الدلالة ؛ إذ الظاهر جواز إيقاع كلّ من الصلاتين مطلقاً ، وهو خلاف الإجماع فيجب أن يختص ، فلا تكون دلالته مستقلة ، بل لا بدّ من ضميمة أمرٍ آخر.

والثاني : أن يراد بالوقتين معناه الحقيقي من غير تجوّز ويكون المجاز في الإسناد ، فإنّ الوقتين لتلازمهما شُبِّه دخولهما بدخول الوقت الأوّل ، واعترض على نفسه بأنّه يرد عليه ما يرد على الأوّل ، وأجاب بأنّه معلوم ضرورة. انتهى(١) (٢) .

وفي نظري القاصر أنّه محلّ بحث :أمّا أوّلاً : فلأنّ نفي الحقيقة من الوقتين غير ظاهر ، إذ الوقت ما صحّ فعل العبادة فيه أعمّ من كونه في جميع الحالات أو في الجملة كما يعلم من الأخبار في دخول الوقت المشترك وغيره ، وحينئذ لا مانع من صدق دخول الوقتين.

__________________

(١) في « رض » زيادة : ملخصاً.

(٢) منتقى الجمان ١ : ٤٠٦.


وأمّا ثانياً : فعلى تقدير تسليم الاستعارة لا مانع من خروج حالة العلم لدليل. وما قاله من جواب الاعتراض يقال نحوه في الأوّل.

وأمّا ثالثاً : فلأنّ العلاقة بتقدير الاشتراك ظاهرة بخلاف غيرها ، وقد أوضحت الحال في حاشية الروضة.

وإذا عرفت حقيقة الأمر فالخبر الخامس كما ترى يدلّ على جواز صلاة الظهر حين الزوال ، وهذا لا خلاف فيه ، بل يفهم من المنتهى أنّه لا خلاف فيه بين المسلمين(١) .

والسادس : كذلك ، والتقييد فيه بما يقتضي الضرورة من كلام السائل لا يفيد شيئاً إلاّ أنّ الأخبار الآتية تدلّ على أنّه وقت الإجزاء كما يصرّح به الشيخ وسيأتي بيان ما لا بدّ منه في ذلك إن شاء الله.

وأمّا السابع : فهو وإن دلّ على الوقت الأفضل المخالف بظاهره لما يدلّ على أنّ الأفضل هو ما بعد القدم أو القدمين أو النافلة ، إلاّ أنّ تأويله على وجه يوافق غيره ممكن بتقييد إطلاقه وإنّ ظنّ صراحته ، لكن المعارض يوجب التأويل.

والثامن : ربما تظنّ دلالته على اختصاص الظهر من قوله : « إلاّ أنّ هذه قبل هذه » كما ذكره بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله ـ ( حيث قال )(٢) إنّ ما تضمّنه كثير من الأحاديث من دخول الوقتين من أوّل الزوال لا ينافي ما هو المشهور بين الأصحاب من اختصاص الظهر من أوّل الوقت بمقدار أدائها ؛ إذ المراد بدخول الوقتين دخولهما موزّعين على الصلاتين‌

__________________

(١) المنتهى ١ : ١٩٨.

(٢) بدل ما بين القوسين في « رض » : قال ، وفي « فض » : في الحبل المتين حيث قال.


كما يشعر به قوله في الحديث الأوّل يعني خبر عبيد بن زرارة(١) . انتهى.

وفيه : أنّ حمله على حالة العلم ممكن ، وليس الحمل على التوزيع بأولى من الحمل على العلم في هذا الخبر ، وإبقاء غيره على غير العلم.

فإنّ قلت : قولهعليه‌السلام : « ثمّ أنت في وقت منهما جميعاً حتّى تغيب الشمس » يقتضي أنّ الأوّل ليس كذلك ، ولو حمل على العلم لزم أن يكون جميعه كذلك ، والحال أنّ ما بعد الأوّل لا يكون مشتركاً على تقدير العلم.

قلت : لا مانع من حمل الحديث على أنّ حالة العلم إذا اقتضت تقديم الظهر ، لا يلزم من ذلك نفي المشترك فيما بعد للناسي ، وهذا وإن بَعُدَ إلاّ أنّ ضرورة الجمع يقتضيه ، كما ينبّه عليه قول الصدوق بالاشتراك من الأوّل(٢) مع ذكره لهذه الرواية(٣) ، والمحقّق في المعتبر قال ـ على ما نقل عنه بعد الرواية ـ : إنّ المراد [ بها(٤) ] الاشتراك بعد الاختصاص لتضمّن الخبر قوله : « إلاّ أنّ هذه قبل هذه »(٥) .

وأنت خبير بأنّ المعنى الذي قلناه محتمل ، فالترجيح يحتاج إلى دليل مع إطلاق الآية(٦) ، وخروج حالة العلم من الآية لا يضرّ بقاءها على الإطلاق فيما عدا حالة العلم.

أمّا ما ذكره بعض محقّقي المتأخّرينرحمه‌الله في شرح الإرشاد لتأييد عدم الاختصاص : من أنّ عدم ضبط الوقت المختص بالنسبة إلى الأشخاص‌

__________________

(١) البهائي في الحبل المتين : ١٣٩.

(٢) المقنع : ٢٧.

(٣) الفقيه ١ : ١٣٩ / ٦٤٧.

(٤) في النسخ : بهما ، والظاهر ما أثبتناه.

(٥) المعتبر ٢ : ٣٥.

(٦) وهي قوله تعالى( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) الإسراء : ٧٨.


والأحوال ينافي الشريعة السمحة السهلة(١) : فله وجه ، إلاّ أنّ أمره سهل.

وبالجملة فالمقام واسع البحث والملخّص ما ذكرناه ، غير أنّه يبقى في الحديث شي‌ء ، وهو أنّ قوله « حتى تغيب الشمس » كالصريح في عدم اختصاص العصر ، والقائل باختصاص الظهر قائل باختصاص العصر ، فالتأويل في آخره لا بدّ منه ، وعلى ما قلناه من احتمال إرادة العالم في أوّله وغيره في قوله : « ثمّ أنت في الوقت » فالتأييد بما تضمّنه آخره ظاهر ؛ لأنّ الاشتراك حينئذ يتحقّق إلى غياب الشمس ، بخلاف القول بالاختصاص ، ولو حمل على أنّ المراد في وقت منهما على تقدير العلم فإشكاله واضح ، والتقييد من خارج يقتضي عدم ظهوره في المطلوب إثباته من اختصاص الظهر في الأوّل ، فليتأمّل.

وأمّا التاسع : فدلالته على جواز فعل الظهر والعصر من أوّل الزوال ظاهرةٌ ، غير أنّ ما دلّ على أفضلية التأخير من الأخبار الآتية توجب حمل الخبر على بيان الجواز.

فإنّ قلت : بيان الجواز إنّما يتمّ لو كان في البين احتمال تعيّن التأخير.

قلت : الاحتمال موجود من الأخبار الدالة على التأخير كما تسمعه فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وقوله في الخبر : « من غير علّة » كأنّ المراد به من غير ضرورة سوى بيان الجواز.

وأمّا العاشر : فدلالته على أنّ وقت الظهر من الزوال ظاهرة. وأمّا‌

__________________

(١) مجمع الفائدة ٢ : ١٣.


العصر فيحتمل أن يراد أنّ ابتداء وقتها بعد القامة ، ويحتمل أن يكون من الزوال فيشترك مع الظهر في الأوّل ويفارقها بالزيادة.

ويشكل الثاني بأنّ القائل بالاشتراك من الأوّل لم يفرّق بما تضمّنته الرواية.

ويمكن الجواب بأنّ المراد بيان الفضيلة وهو لا ينافي الاشتراك ، ولا يخفى أنّ ذكر الرواية هنا لمناسبة وقت الظهر من الزوال وإن كان فيها ما يقتضي المخالفة بالنسبة إلى الآخر.

قوله :

فأمّا ما رواه الحسن بن محمد بن سماعة ، عن عليّ بن النعمان وابن رباط ، عن سعيد الأعرج ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن وقت الظهر أهو إذا زالت الشمس؟ فقال : « بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلاّ في السفر أو يوم الجمعة فإنّ وقتها إذا زالت الشمس ».

عنه ، عن صفوان ، عن ابن مسكان ، عن إسماعيل بن عبد الخالق قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن وقت الظهر ، فقال : « بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلاّ في يوم الجمعة أو في السفر فإنّ وقتها حين تزول الشمس ».

عنه ، عن محمّد بن أبي حمزة وحسين بن هاشم وابن رباط وصفوان بن يحيى كلّهم عن يعقوب بن شعيب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن وقت الظهر ، فقال : « إذا كان الفي‌ء ذراعاً ».

عنه ، عن الحسين بن هاشم ، عن ابن مسكان ، عن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « وقت الظهر على ذراع ».


الحسين بن سعيد ، عن محمد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (١) قال : سألته ، عن وقت الظهر فقال : « ذراع من زوال الشمس ، ووقت العصر ذراع من وقت الظهر ، فذلك أربعة أقدام من زوال الشمس ».

الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عيسى ابن منصور(٢) قال : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : « إذا زالت الشمس وصلّيت(٣) سبحتك فقد دخل وقت الظهر ».

عنه ، عن أحمد بن محمّد قال : سألته عن وقت الظهر والعصر ، فكتب : « قامة للظهر وقامة للعصر ».

سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن محمّد بن عبد الجبار ، عن الحسن بن عليّ بن فضّال ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم يجبني ، فلمّا أن كان بعد ذلك قال لعمرو بن سعيد بن هلال : « إنّ زرارة سألني عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم أُخبره فحرجت من ذلك ، فاقرأه منّي السلام وقل له : إذا كان ظلّك مثلَك فصلّ الظهر ، وإذا كان ظلّك مثليك فصلّ العصر ».

الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز بن عبد الله ، عن الفضيل بن يسار وزرارة بن أعين وبكير بن أعين ومحمّد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي قالوا(٤) : قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما‌السلام :

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٤٨ / ٨٨٨ : عن أبي جعفرعليه‌السلام .

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٤٨ / ٨٨٩ : عن عيسى بن أبي منصور.

(٣) في « فض » والاستبصار ١ : ٢٤٨ / ٨٨٩ : فصليت.

(٤) في النسخ : قال ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٢٤٨ / ٨٩٢.


« وقت الظهر بعد الزوال قدمان ، ووقت العصر بعد ذلك قدمان ، وهذا أوّل الوقت إلى أن يمضي أربعة أقدام للعصر ».

قال محمد بن الحسن : الوجه في الجمع بين هذه الأخبار والأخبار الأوّلة هو أنّ ما تضمّنت من لفظ القدم والذراع والقامة إنّما ذكر لمكان النافلة ؛ لأنّه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاة ، إلاّ أنّه يستحب أن يبدأ بالسبحة أوّلاً إلى أن يصير الفي‌ء على قدمين ، فإذا صار كذلك فقد فات وقت النافلة ويضيق وقت الفريضة ، فجعلت هذه المقادير التي هي الذراع والقامة والقدمين لمكان النافلة ، لا أنّها ليست وقتاً للفريضة.

السند‌ :

في الأوّل : فيه أنّ الطريق إلى الحسن بن محمد بن سماعة في المشيخة(١) فيه أبو طالب الأنباري وحميد بن زياد ، أمّا أحمد بن عبدون فقد تقدّم(٢) أنّه من الشيوخ.

وفي الفهرست(٣) ذكر طريقين إلى كتبه ورواياته جميعاً ، الأوّل ما في المشيخة ، والثاني عن ابن عبدون(٤) عن الحسن بن علي بن فضّال.

وأمّا الحسن بن سماعة فقد تقدّم(٥) أيضا. وعليّ بن النعمان ثقة في‌

__________________

(١) الاستبصار ٤ : ٣٢٨.

(٢) في ص ٤٧٤.

(٣) الفهرست : ٥١ / ١٨٢.

(٤) في المصدر زيادة : عن علي بن محمد بن الزبير.

(٥) في ص ٩٧٦.


النجاشي(١) . وابن رباط علي بن الحسن بن رباط الثقة ( لأنّ النجاشيّ(٢) ذكر في طريقه إلى عليّ بن الحسن ، الحسن بن محمد بن سماعة )(٣) (٤) .

وأمّا سعيد الأعرج فالكلام(٥) تقدّم فيه(٦) ، والحاصل أنّ في الرجال على ما في النجاشي : سعيد بن عبد الرحمن الأعرج ثقة روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ذكره ابن عقدة وابن نوح(٧) . والشيخ في الفهرست قال : سعيد الأعرج(٨) ، وفي كتاب الرجال كذلك من غير توثيق(٩) ، والاعتبار يقتضي الاتحاد ، إلاّ أنّ العلاّمة في المختلف في باب الأطعمة في مسألة ما لو وقع الدم في قِدرٍ يغلي ، قال : إنّ سعيد الأعرج لا أعرف حاله(١٠) ، وكأنّه ظنّ المغايرة لسعيد بن عبد الرحمن ، وفيه ما فيه ، كما يعلم من كتاب شيخنا أيّده الله في الرجال(١١) .

والثاني : فيه من تقدّم ، وباقي الرجال ليس فيه ارتياب إلاّ من جهة ابن مسكان ، والظاهر انتفاؤه وأنّه الثقة كما قدّمناه(١٢) .

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٧٤ / ٧١٩.

(٢) رجال النجاشي : ٢٥١ / ٦٥٩.

(٣) ما بين القوسين ساقط من « فض ».

(٤) في « رض » زيادة : لا يضر الاشتراك.

(٥) في « رض » : فأظن الكلام.

(٦) راجع ص ١١١.

(٧) رجال النجاشي : ١٨١ / ٤٧٧.

(٨) الفهرست : ٧٧ / ٣١٣.

(٩) رجال الطوسي : ٢٠٤ / ٢٤.

(١٠) المختلف ٨ : ٣٤٧.

(١١) منهج المقال : ١٦٢.

(١٢) في ص ١٢١.


والثالث : فيه من تقدّم ، وحسين بن هاشم ذكرنا فيما سبق حاله مفصّلاً ، وعدم الفائدة في المقام يوجب عدم الإعادة.

ويعقوب بن شعيب ثقة على ما في النجاشي ، لكن قال : ثقة روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، ذكره ابن سعيد وابن نوح ، له كتاب(١) . والظاهر أنّ ابن سعيد هو ابن عقدة ، والتوثيق إن رجع إليهما ففيه نوع كلام ذكرنا وجهه في محلّ آخر من حيث إنّ ابن نوح قد يحصل الشك فيه كما يعلم من الرجال ، ولا يبعد الرجوع في الرجلين إلى الرواية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، لكن ابن نوح يمكن دفع الشك فيه.

والرابع : فيه من تقدّم.

والخامس : فيه محمد بن سنان(٢) .

والسادس : فيه عيسى بن أبي منصور(٣) ، والذي في الرجال عيسى ابن أبي منصور على ما في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ مهملاً(٤) .

وفي الخلاصة في القسم الأوّل : عيسى بن أبي منصور شَلَقان بالشين المعجمة والقاف والنون ، واسم أبي منصور صُبَيْحٌ ، قال ابن بابويه : وكنية عيسى أبو صالح.

روى الكشّي عن محمد بن عيسى قال : كتب إليّ أبو محمد الفضل ابن شاذان يذكر عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن سعيد‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤٥٠ / ١٢١٦.

(٢) وتقدم الكلام فيه في ص ٨٥ ، ٨٦.

(٣) كذا في النسخ ، والظاهر عيسى بن منصور ، كما تقدم في ص ٢٠٧.

(٤) رجال الطوسي : ٢٥٧ / ٥٥٨.


ابن يسار ، عن عبد الله بن أبي يعفور أنّ الصادقعليه‌السلام قال في عيسى : « من أحبّ أن يرى رجلاً من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا ».

وعن الصادقعليه‌السلام : « أنّه خيار في الدنيا وخيار في الآخرة ».

وروى أبو جعفر ابن بابويه ، عن محمد بن الحسن بن الوليد ، عن محمد بن الحسن الصفّار ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن عبد الله بن سنان ، عن ابن أبي يعفور قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام إذ أقبل عيسى بن أبي منصور فقال(١) : « إذا أردت أن تنظر إلى خيار في الدنيا وخيار في الآخرة فلتنظر إليه » وهذا الطريق حسن.

قال أبو عمرو الكشي : سألت حمدويه بن نصير عن عيسى فقال : خيّر فاضل هو المعروف بشَلَقان وهو ابن أبي منصور ، واسم أبي منصور صبيح. وقال النجاشي : عيسى بن صبيح العرزمي عربيّ صليب ثقة روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٢) . انتهى.

وفي فوائد جدّيقدس‌سره على الخلاصة : حسنه ليس بالمعنى المصطلح ؛ لأنّ في الطريق إبراهيم بن عبد الحميد ، وسيأتي أنّه واقفي وإن كان ثقة كما ذكره الشيخ فالطريق قويّ ، وإلاّ فضعيف(٣) . انتهى.

وفي أسانيد الفقيه : عيسى بن أبي منصور(٤) . والذي في النجاشي كما نقله(٥) ، وقد ذكره العلاّمة مرّةً أُخرى بلفظ النجاشي وقال العلاّمة : قد تقدّم‌

__________________

(١) في الخلاصة زيادة : له.

(٢) الخلاصة : ١٢٢.

(٣) فوائد الشهيد على الخلاصة : ٢٠.

(٤) الفقيه ٤ : ( شرح المشيخة ) : ٨٦.

(٥) رجال النجاشي : ٢٩٦ / ٨٠٤.


ذكره(١) . وأورد عليه جدّيقدس‌سره في فوائد الكتاب بأنّه إن كان عيسى بن صبيح هذا هو الأوّل كما يدلّ عليه قوله : وقد تقدّم ، فلا وجه لذكره مرّة أُخرى ، وإن كان غير السابق كما ذكره ابن داود والشيخ الطوسي فلا وجه لنقله عن النجاشي سابقاً ما نقله ؛ لأنّ عيسى بن صبيح العرزمي على هذا غير عيسى السابق(٢) . انتهى. والأمر كما قال.

وفي رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ : عيسى بن صبيح العرزمي. مع ما تقدّم عنه من ذكر عيسى بن أبي منصور(٣) ، لكن الشيخ كثيراً ما يذكر الرجل الواحد مكرراً ، فالاعتماد على التعدّد من كتاب الشيخ كما يفهم من ابن داود حيث قال : إنّ الشيخ قد بيّن اختلافهما ـ(٤) محلّ كلام.

وفي قرب الإسناد للحميري بعد أن قال : حدّثني محمد بن عيسى ، ما صورته : محمد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا أسرّك أن تنظر إلى خيار في الدنيا وخيار في الآخرة فانظر إلى هذا الشيخ » يعني عيسى بن أبي منصور(٥) . والطريق فيه إبراهيم.

وعلى كل حال فالموجود في عيسى بن أبي منصور على وجه يصلح للاعتماد هو المدح من حمدويه ، وأمّا التوثيق من النجاشي(٦) فهو موقوف على اتحاد عيسى بن صبيح مع عيسى بن أبي منصور.

والسابع : لا ارتياب فيه ، وأحمد بن محمد هو ابن أبي نصر على‌

__________________

(١) الخلاصة : ١٢٣ / ٦.

(٢) فوائد الشهيد على الخلاصة : ٢٠.

(٣) رجال الطوسي : ٢٥٧ / ٥٥٨ ، ٢٥٨ / ٥٦٦.

(٤) رجال ابن داود : ١٤٨ / ١١٦٢.

(٥) قرب الاسناد : ٩.

(٦) رجال النجاشي : ٢٩٦ / ٨٠٤.


الظاهر من الممارسة ، والإضمار لا يقدح فيه كما قرّره الوالدقدس‌سره من أنّ عادة الرواة كانت في الأُصول أن يبتدؤوا باسم الإمام الذي أخذوا عنه ثمّ يضمرون بعد ذلك في سائر الأخبار عنهعليه‌السلام (١) .

والثامن : موثّق إلاّ أنّ عمر بن سعيد بن هلال غير موجود فيما وقفت عليه من الرجال ، نعم فيهم : عمرو بن سعيد بن هلال وهو مجهول ؛ إذ لم يذكره إلاّ الشيخ في رجال الصادقعليه‌السلام من كتابه بمجرّد وصف الكوفي الثقفي(٢) . وظنّ العلاّمة في المختلف أنّه المدائني الفطحي. والمحقّق كذلك. والظاهر أنّه وهم ؛ لأنّ المدائني من أصحاب الرضاعليه‌السلام ، وقد تبع العلاّمة في هذا الوهم بعض محقّقي المعاصرين ( سلّمه الله )(٣) فعدّ الخبر في الموثّق(٤) .

وقد يستبعد رواية أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمّد بن عبد الجبّار ؛ لأنّ أحمد أعلى مرتبةً من محمد ، حيث إنّ أحمد من رجال الرضاعليه‌السلام ، إلاّ أنّ أحمد مذكور في رجال الهاديعليه‌السلام أيضاً ، ومحمّد من رجاله أيضاً ، فلا مانع من روايته عنه.

والتاسع : لا ارتياب فيه بعد ما قدّمناه في حريز بن عبد الله(٥) .

المتن :

في الجميع ما ذكره الشيخ فيه من الحمل على مكان النافلة في القدم‌

__________________

(١) منتقى الجمان ١ : ٣٩.

(٢) رجال الطوسي : ٢٤٧ / ٣٨٨.

(٣) بدل ما بين القوسين في « فض » : في الحبل المتين.

(٤) البهائي في الحبل المتين : ١٣٦.

(٥) راجع ص ٣٨.


والذراع والقامة ، لا يخلو من نظر ، وبيان وجهه يتوقف على ذكر مفاد الأخبار مفصّلاً :

أمّا الأوّل : فهو دالّ بظاهره على أنّ الظهر وقتها بعد قدم ؛ وهذا محمول بتقدير القول بأنّ الأوّل للفضيلة والثاني للإجزاء على أنّ أوّل وقت الفضيلة القدم ، واللازم منه أن يكون ما قبله أمّا للنافلة أو للإجزاء ، فيكون للظهر وقتان للإجزاء : الأوّل : ما قبل القدم. والثاني : الآتي بيانه إن شاء الله.

وبتقدير حمل الوقت الأوّل على المختار يحتمل أن يكون ما قبل القدم للنافلة ، ويحتمل أن يكون للفضيلة بالنسبة إلى المختار ، لكن ما تضمّن من معتبر الأخبار أنّ الوقت بعد النافلة طالت أو قصرت يحتاج إلى تقييده بالقدم على تقدير حمل ما تضمّن القدم على وقت النافلة كما قاله الشيخ ، وحينئذ يصير حاصل الخبر : أنّ وقت النافلة التي بعدها الفريضة(١) مقيّد بالقدم ، وما دلّ على فعل النافلة وأنّ الفرض بعدها على الإطلاق يقيّد به.

وفي التهذيب حمل الشيخ ما دلّ على النافلة بالنسبة إلى المتنفّل(٢) . والمفهوم منه أنّ من لم يتنفّل فأوّل الوقت له على كلّ تقدير ، وإشكاله بالنسبة إلى إطلاق القدم في هذا الخبر واضحٌ ، بل لا بدّ من ملاحظة ما دلّ على النافلة بأن يحمل على من فعلها ، فإطلاق دلالة الخبر على ما ذكره الشيخ مشكلٌ.

__________________

(١) في « فض » زيادة : إما على الفضل وما قبله على الاجزاء. ، وهي مشطوبة في « د ».

(٢) التهذيب ٢ : ٢٤٥.


وسيأتي من الشيخ هنا ما يدلّ على تقييد النافلة بما لا يتجاوز الذراع والقامة والقدمين ، وما دون ذلك يكون مجزياً ، ونحن إن شاء الله نذكر فيما بعد ما قد يتوجه عليه ، إلاّ أنّ المقصود هنا بيان أنّ الخبر محتاج إلى مزيد تقييد.

وما عساه يتوجه على الشيخ فيما يأتي من دلالة كلامه على الإجزاء فيما قبل القدم مع أنّه يقول : بأنّ الأوّل للمختار. يمكن دفعه بعدم المانع من القول بكون الأوّل للمختار مع أنّ ما قبل للإجزاء ، على معنى أنّ ما بعد القدم مثلاً للفضل في المختار ، وتفصيل القول يأتي إن شاء الله.

وما تضمّنه الخبر من قوله : « أو نحو ذلك » محتملٌ لأنّ يراد به ما يتناول القدمين ، أو مقدار النافلة إذا قصرت ، أو هما معاً.

وقوله : « إلاّ في السفر أو يوم الجمعة » يدلّ على أنّه إذا زالت الشمس يوم الجمعة فالفضيلة للظهر في أوّل الزوال ، أو فضيلة المختار في أول الزوال ، لكن في أخبار نافلة الجمعة ما يقتضي فعل بعضها بعد الزوال فيحتاج الجمع إلى نوع توجيه ، ولعلّ المراد أنّه في يوم الجمعة إذا صُلِّيَتِ النافلةُ قبلُ فُعِلَتِ الركعتان بعد الزوال كما تضمّنه بعض الروايات في نافلة الجمعة ، وإن لم تفعل النافلة فأوّل الزوال كما تضمّنه هذا الخبر.

أو يحمل ما دلّ على فعل الركعتين على الجواز كما قاله الوالدقدس‌سره ( في الرسالة )(١) : من أنّ الشمس إذا زالت تركت النافلة. لكن لم أقف على دليل هذا فيما لو صلّى البعض.

وسيأتي إن شاء الله ما يدلّ على أنّه بعد القدمين لا نافلة ، وهذا الخبر المبحوث عنه وإن دلّ بمقتضى قول الشيخ على أنّ القدم وقت النافلة إلاّ أنّ‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « فض ».


ما دلّ على القدمين يقتضي عدم الانحصار في القدم ، والجمع ممكن ببيان أقلّ الوقت للنافلة ، ولو حمل على مقدار الفعل بحسب طول النافلة وقِصَرِها أمكن ، إلاّ أنّ إطلاق الخبر لا يقتضيه ، ولعلّ الجمع بين الأخبار يوجبه.

وأمّا الثاني : فهو كالأوّل أوّلاً وآخراً.

والثالث : تضمّن الذراع وهو قدمان ، ولا بدّ من حمله بتقدير إرادة وقت النافلة على ما قدّمناه(١) بعد دلالة الأخبار الأوّلة ، وكذلك الرابع والخامس.

وأمّا السادس : فظاهر الدلالة على اعتبار السبحة وهي النافلة المتناول فعلها لزيادة الفي‌ء عن قدمين ونقصانه عن القدم ، فيحتاج الجمع بينه وبين ما دلّ على القدم والقدمين إلى توجيه زائدٍ على ما قدّمناه ، وإطلاق الشيخ الحمل على وقت النافلة في الجمع لا يخلو من إشكال.

ولا يبعد أن يقيّد إطلاق هذا بما دلّ على القدم ، فتكون الفضيلة في فعل الظهر بعد القدم وإن تمّت النافلة قبله ، وعلى تقدير القول بأنّ الأوّل للمختار كذلك ، وعلى ما يأتي من الشيخ أنّ ما قبل القدم إجزاء يشكل بأنّ هذا الخبر يقتضي أنّ ما بعد النافلة لا يكون إجزاءً ، فالتقييد كأنّه لا بدّ منه ، أو يحمل الإجزاء على أنّه إضافي ، وربما كان في الخبر دلالةٌ على إرادة وقت الفضيلة حيث قال : « فقد دخل وقت الظهر » إذ لو كان وقت النافلة لمن صلّى النافلة كما في التهذيب(٢) لم يتمّ الإطلاق ، وإن كان باب التوجيه واسعاً.

__________________

(١) في ص ١٢٢٣.

(٢) التهذيب ٢ : ١٩.


والسابع : كما ترى صريحٌ في القامة ، وسيأتي من الشيخ حمل القامة على الذراع ، وستسمع ما فيه ، مع إمكان حمل هذا الخبر على منتهى وقت الفضيلة ، إمّا الكاملة أو غيرها ، كما سيأتي إن شاء الله ، أو يقيّد بالثامن وهو الدال على فعل الظهر في القيظ.

وحمل الثامن على الذراع بتقدير كون القامة ذراعاً غير واضح بعد قوله : « مثلك » و « مثليك » وإذا كان كذلك فحمله على وقت النافلة واضح الإشكال بالنسبة إلى الشيخ ، حيث جعل القامة ذراعاً ، فيصير وقت النافلة ذلك ، ولو حمل على أنّ وقت النافلة يمتدّ إلى المثل وهو نهاية الوقت أمكن ، إلاّ أنّ صريح بعض الأخبار وسيأتي أنّ بعد القدمين لا نافلة ، إلاّ أن يحمل على عدم التلبس بها ، كما نذكره إن شاء الله.

وما قاله بعض : من امتداد النافلة بامتداد الفريضة كما يستفاد من إطلاق بعض الأخبار المعتبرة من أنّ النافلة ثمان قبل الظهر(١) .

ففيه : أنّ المقيِّد موجودٌ ، إلاّ أن يحمل المقيِّد على الأفضليّة ، والجواز حينئذ بما دلّ على فعل النافلة قبل الظهر مطلقاً ، كما يحمل ما دلّ على القامة على الجواز من دون تكلّف ما ذكره الشيخ من جعل القامة ذراعاً في الخبر الدالّ على القامة ، وما دلّ على المثل لا مجال للقول فيه ، كما لا يخفى ، ولو حمل الخبر الثامن على ظاهره من القيظ أمكن أن يقال : بأنّ النافلة في القيظ تابعة للظهر ، ولا مانع منه ، إلاّ أنّ الكلام في توجيه الشيخ ، وإذا عرفت حقيقة ما قلناه تعلم ما في قول الشيخ.

بقي في المقام شي‌ء ، وهو أنّ العلاّمة في المنتهى قال : الذراع‌

__________________

(١) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ١٦.


قدمان ، والقدم اثنا عشر إصبعاً ، فالذراع أربعة وعشرون إصبعاً ، والقدم سُبْع الشخص. كما في اصطلاح أهل الهيئة.

قوله :

والذي يدلّ على هذا التفصيل ، ما رواه الحسن بن محمّد بن سماعة ، عن ابن مسكان ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « أتدري لِمَ جعل الذراع والذراعان(١) ؟ » قلت : لِمَ؟ قال : « لمكان الفريضة ، لك أن تتنفّل من زوال الشمس إلى أنّ تبلغ ذراعاً ، فإذا بلغتْ ذراعاً بدأتَ بالفريضة وتركتَ النافلة ».

وعنه ، عن الميثمي ، عن أبان ، عن إسماعيل الجعفي ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « أتدري لِمَ جُعِلَ الذراع والذراعان؟ » قال ، قلت : لِمَ؟ قال : « لمكان الفريضة » قال : « لئلاّ يؤخذ من وقت هذه ويدخل في وقت هذه ».

وعنه ، عن جعفر بن مثنّى العطّار ، عن حسين بن عثمان الرواسي ، عن سماعة بن مهران قال : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : « إذا زالت الشمس فصلّ ثمان ركعات ثمّ صلّ الفريضة أربعاً ، فإذا فرغت من سبحتك قصرت أو طوّلت فصلّ العصر ».

عنه ، عن صفوان بن يحيى ، عن الحرث بن المغيرة ، عن عمر ابن حنظلة قال : كنت أقيس الشمس عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فقال : « يا عمر ألا أُنبّئك بأبين من هذا؟ » قال ، قلت : بلى جعلت فداك ، قال : « إذا زالت الشمس فقد وقع الظهر إلاّ أنّ بين يديها سبحة وذلك‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٤٩ / ٨٩٣ : والذراعين.


إليك فإن أنت خفّفت سبحتك فحين تفرغ من سبحتك وإن طوّلت فحين تفرغ من سبحتك ».

عنه ، عن عبد الله بن جبلة ، عن ذريح المحاربي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سأل أبا عبد الله أُناس وأنا حاضر فقال : « إذا زالت الشمس فهو وقت لا يحبسك منها(١) إلاّ سبحتك تطيلها أو تقصّرها » فقال بعض القوم : إنّا نصلّي الأُولى إذا كانت على قدمين والعصر على أربعة أقدام فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « النصف من ذلك أحبّ إليّ ».

سعد بن عبد الله ، عن موسى بن الحسن ، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي ، عن صفوان بن يحيى ، عن الحرث بن المغيرة النصري(٢) وعمر بن حنظلة ومنصور بن حازم قالوا : كنّا نقيس الشمس بالمدينة بالذراع فقال لنا أبو عبد اللهعليه‌السلام : « الا أُنبّئكم بأبين من هذا؟ » قالوا(٣) بلى جعلنا الله فداك ، قال : « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر إلاّ أنّ بين يديها سبحة وذلك إليك فإنّ أنت خفّفت فحين تفرغ من سبحتك وإن أنت طوّلت فحين تفرغ من سبحتك ».

الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن زرارة(٤) ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : سألته عن وقت الظهر قال : « ذراع من زوال الشمس ، ووقت العصر ذراع من وقت الظهر فذلك أربعة أقدام من زوال الشمس » وقال زرارة ، قال لي أبو جعفر عليه‌السلام حين‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٤٩ / ٨٩٧ لا توجد : منها.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٥٠ / ٨٩٨ : عن الحارث بن المغيرة النضري.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٥٠ / ٨٩٨ زيادة : قلنا.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٥٠ / ٨٩٩ : عن زرارة بن أعين.


سألته عن ذلك : « إنّ حائط مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان قامة فكان إذا مضى من فيئه ذراع صلّى الظهر ، فإذا مضى من فيئه ذراعان صلّى العصر » ثمّ قال : « أتدري لمَ جعل الذراع والذراعان؟ » قلت : لِمَ جعل ذلك؟ قال : « لمكان الفريضة فإنّ لك أنّ تتنفل من زوال الشمس إلى أن يمضي الفي‌ء ذراعاً ، فإذا بلغ فيئك من الزوال بدأت بالفريضة وتركت النافلة » قال ابن مسكان : وحدّثني بالذراع والذراعين : سليمان ابن خالد وأبو بصير المرادي وحسين صاحب القلانس (١) وابن أبي يعفور ومن لا أُحصيه منهم.

السند :‌

في الأوّل : فيه من تقدّم(٢) إلى الحسن بن محمد بن سماعة وهو نفسه فيه كلام تقدّم أيضا(٣) . وابن مسكان كذلك ، والحاصل أنّه إذا روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، أو عن الحلبي ، فهو عبد الله ، وكذلك عن سليمان بن خالد على الظاهر كما يفهم من النجاشي(٤) ، وأمّا عن غير هؤلاء فيحتمل الاشتراك وادعاء تبادر عبد الله ، وقد تقدّم عن السرائر كلام في رواية رواها ابن إدريس فيها : حسين بن عثمان عن ابن مسكان ، ثمّ قال ابن إدريس : واسم ابن مسكان الحسن(٥) وهو ابن أخي جابر الجعفي(٦) . انتهى.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥٠ / ٨٩٩ : القلانسي.

(٢) راجع ص ١٢٠٧ ١٢٠٩.

(٣) في ص ٩٧٦.

(٤) رجال النجاشي : ١٨٣ / ٤٨٤.

(٥) في « فض » زيادة : بن مسكان.

(٦) مستطرفات السرائر : ٩٨ / ١٨.


وهو غريب ؛ إذ لم ير في الروايات هذا الاسم ، نعم في الخلاصة : الحسين بن مسكان ، ونقل عن ابن الغضائري أنّه قال : لا أعرفه إلاّ أنّ جعفر ابن محمد بن مالك روى عنه أحاديث فاسدة(١) . وغير خفيّ أنّ جعفراً هذا لم يكن في زمن أحد من الأئمّةعليهم‌السلام ، والحسين بن عثمان في رجال الصادقعليه‌السلام ، وقد قدّمنا هذا والإعادة لبعده ، ولا يظنّ أنّ الاشتراك الذي أشرنا إليه بسبب ما ذكره العلاّمة ، بل لأنّ في الرجال علي بن مسكان(٢) .

والثاني : فيه مع ما تقدّم(٣) الميثمي ، وهو يقال : لأحمد بن الحسن ، كما في أسانيد الفقيه(٤) ، ويجي‌ء لأحمد بن أبي ميثم ، ولعليّ بن إسماعيل ، لكنّ المراد هنا(٥) أحمد بن الحسن ؛ لأنّ النجاشي قال : حدّثنا عنه الحسن بن محمد بن سماعة(٦) . واحمد بن الحسن واقفيّ ثقة في النجاشي(٧) .

وأمّا أبان وإسماعيل فلا يخلو أمرهما من التباس ، وقد يظنّ أنّ أبان هو ابن عثمان ، وإسماعيل ابن جابر الجعفي ؛ لما سيأتي في خبر الأذان من أنّ إسماعيل بن جابر رواه كما في النجاشي(٨) ، والراوي عنه فيه أبان بن عثمان ، لكن احتمال الغير موجودٌ.

__________________

(١) الخلاصة : ٢١٧ / ١٣.

(٢) لم نعثر عليه في كتب الرجال ، ولعلّه سهو والصواب محمد بن مسكان ، راجع رجال الطوسي : ٣٠٢ / ٣٥٠ ، أو علي بن عبد الله بن مسكان ، راجع رجال النجاشي : ٢٦٧ / ٦٩٤.

(٣) راجع ص ١٢٠٧ ١٢٠٩.

(٤) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ١٣١.

(٥) في « رض » زيادة : على الظاهر.

(٦) رجال النجاشي : ٧٤ / ١٧٩.

(٧) رجال النجاشي : ٧٤ / ١٧٩.

(٨) رجال النجاشي : ٣٢ / ٧١.


والثالث : فيه مع ما تقدّم(١) جعفر بن المثنى العطّار ، وهو ثقة في النجاشي(٢) . والحسين بن عثمان وسماعة تكرّر القول فيهما(٣) .

والرابع : فيه مع المتقدّم عمر بن حنظلة ، وقد أسلفنا الكلام فيه(٤) : من أنّ توثيق جدّيقدس‌سره له في الدراية(٥) محلّ تأمّل. والحرث بن المغيرة ثقة مكرّراً في النجاشي(٦) .

والخامس : فيه مع المتقدم ابن جبلة ، ومضى أيضا(٧) . وذريح ثقة لا ارتياب فيه.

والسادس : فيه الحسن بن الحسين اللؤلؤي وفيه كلام تقدّم(٨) .

والحاصل أنّ النجاشي وثّقه(٩) . والشيخ نقل عن ابن بابويه تضعيفه(١٠) ، ولا يبعد أن يكون ظنّ التضعيف من استثنائه من رواية محمّد ابن أحمد بن يحيى عنه ، وقد يقال : إنّ هذا لا يقتضي التضعيف ؛ لاحتمال استثنائه لغير الضعف.

و(١١) فيه نوع تأمّل ؛ لما يظهر من النجاشي نقلاً عن ابن نوح أنّه قال‌

__________________

(١) في ص ١٢٠٧ ١٢٠٩.

(٢) رجال النجاشي : ١٢١ / ٣٠٩.

(٣) راجع ص ١٣١ ، ٧٨.

(٤) راجع ص ٤٠٥.

(٥) الدراية : ٤٤.

(٦) رجال النجاشي : ١٣٩ / ٣٦١.

(٧) في ص ٨٩٤.

(٨) في ص ٤٤٢.

(٩) رجال النجاشي : ٤٠ / ٨٣.

(١٠) رجال الطوسي : ٤٦٩ / ٤٥.

(١١) في « فض » زيادة : لي.


ـ بعد ذكر ما قاله محمّد بن الحسن بن الوليد في استثناء رواية محمّد بن أحمد بن يحيى عن الحسن بن الحسين ـ : وقد أصاب شيخنا محمّد بن الحسن بن الوليد ( في ذلك كلّه )(١) ، وتبعه أبو جعفر ابن بابويه ، إلاّ في محمد بن عيسى ، ولا أدري ما رابه فيه؟ لأنّه كان على ظاهر العدالة(٢) . انتهى.

وهذا يقتضي أنّ ابن نوح فهم من الاستثناء التضعيف ، إلاّ أن يقال : إنّ ابن نوح ظنّ كما ظنّ الشيخ ، واحتمال غير الضعف موجود ، والحقّ أنّ كلام ابن نوح لا يقتضي فهم القدح فيه بالتضعيف ، بل حاصله أنّه لا يدري وجه الاستثناء مع أنّ محمّد بن عيسى على ظاهر العدالة ، وإن كانت العبارة من ابن نوح تعطي الاحتمال ، وقد قدّمنا(٣) جملة من هذا والإعادة لبعد العهد.

والسابع : فيه محمّد بن سنان ، وما وقع فيه من قوله ، قال زرارة : قال ابن مسكان ، يحتمل أن يكون القائل محمد بن سنان.

المتن :

في الأوّل : كما يُحتمل ما ذكره الشيخ من الدلالة على وقت النافلة يحتمل أن يكون المراد بيان اختصاص وقت الفضيلة بما بعد الذراع للظهر ، والذراعين للعصر ، فلا يتعيّن الوقت للنافلة حتى لو أخّرها عن ذلك كانت في غير وقتها ، وحينئذ فالمطلوب تحصيل الفضيلة في الفرض والنفل ، فلو‌

__________________

(١) ما بين القوسين أثبتناه من المصدر.

(٢) رجال النجاشي : ٣٤٨ / ٩٣٩ ، بتفاوت يسير.

(٣) في ج١ : ٧٦.


تأخّرت النافلة كانت في وقتها لا على وجه الفضل ، كالفرض ، إلاّ أنّ احتمال الشيخ ربما قرّبه الظاهر ، وربما بعّده ما دلّ على امتداد النافلة بامتداد الفريضة ، إلاّ على ما قدّمناه(١) من احتمال تقييد ما دلّ على الامتداد بمثل هذا الخبر. وفيه : أنّ الخبر إذا لم يكن صريحا لا يصلح للتقييد.

ويمكن الجواب بأنّ مؤيدات هذا الخبر موجودة ، مضافاً إلى أنّه مروي في الصحيح عن زرارة في الفقيه ، وفيه : « لمكان النافلة »(٢) بدل قوله هنا : « لمكان الفريضة » ودلالة ما في الفقيه على مدّعى الشيخ أوضح ؛ لاحتمال إرادة مكان الفريضة على هذه الرواية بالنسبة إلى الفضيلة ، والمعنى إنّ التأخّر عن القدمين لمكان تحصيل فضيلة الفريضة.

وعلى تقدير ما في الفقيه وإن أمكن الاحتمال ، إلاّ أنّ الظهور على ما هنا ربما يدّعى.

وما عساه يقال : إنّ الظهور لا يتمّ مع تقدير الفضيلة ، يمكن الجواب عنه : بأنّ الكلام لولا تقدير الفضيلة ونحوها لا يفهم منه شي‌ء يعتدّ به ، وعلى(٣) هذا وإن كان في البين تقدير لكنه في حكم المذكور ، على أنّه يحتمل أن يراد بمكان الفريضة أنّ الإتيان بالنافلة في وقتها أو وقت كمالها يقتضي تتميم الفريضة كما في بعض الأخبار المعتبرة من أنّ الصلاة لا تقبل منها إلاّ ما وقع فيه الإقبال بالقلب ، والنوافل متمّمة لذلك الخلل(٤) ، إلاّ أنّ الخبر الوارد بهذا غير خاص بالأداء بل ظاهرة الشمول لمطلق فعل النوافل‌

__________________

(١) في ص ٢٢٦.

(٢) الفقيه ١ : ١٤٠ / ٦٥٣ ، الوسائل ٤ : ١٤١ أبواب المواقيت ب ٨ ح ٣ ، ٤.

(٣) في « رض » و « فض » : فهو.

(٤) الوسائل ٥ : ٤٧٦ أبواب أفعال الصلاة ب ٣.


الراتبة ، وبالجملة فما في الفقيه أوضح.

ثمّ إنّ الخبر كما ترى يدلّ على القدمين والأربعة ، وما يدلّ على السبحة طالت أو قصرت يحتاج إلى الجمع بينه وبين هذا الخبر كما قدّمناه(١) عن قريب.

وما تضمّنه الخبر من قوله : « تركت النافلة » يحتمل الحمل على ما إذا لم يصلّ المصلّي شيئاً ؛ لما يظهر من كلام من رأينا كلامه دعوى الاتفاق(٢) على الإتمام لو أتى بركعة منها وإن تعدّى الوقت ، مضافاً إلى رواية في هذا الحكم غير سليمة(٣) الإسناد.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله قال : وما تضمّنته الأحاديث من التأخير إلى الذراع والذراعين والقدمين والأربعة مستحب لمن يصلّي النافلة(٤) . ولا يخفى عليك أنّ هذا ( تبع للشيخ )(٥) في التهذيب كما قدّمنا(٦) إليه الإشارة ، لكن هذا الخبر المبحوث عنه بتقدير رواية الفقيه يدلّ على مكان النافلة لا تحقّق فعل النافلة ، ويؤيّده قوله : « تركت النافلة » على ما قدّمناه من إرادة عدم فعلها ، وغير هذا من الأخبار يدلّ على ذلك(٧) .

وأمّا الثاني : فهو قريب من الأوّل ، إلاّ أنّ قوله : « لئلاّ يؤخذ من وقت‌

__________________

(١) في ص ١٢٢٤.

(٢) كالمحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ١٩.

(٣) التهذيب ٢ : ٢٧٣ / ١٠٨٦ ، الوسائل ٤ : ٢٤٥ ب ٤٠ ح ١.

(٤) البهائي في الحبل المتين : ١٣٩.

(٥) بدل ما بين القوسين في « رض » : اتّبع الشيخ.

(٦) في ص ١٢٢٤.

(٧) الوسائل ٤ : ١٤٠ أبواب المواقيت ب ٨.


هذه فيدخل في وقت هذه » ربما كان ظاهراً في إرادة وقت النافلة ، والمراد تمييز كلّ من وقتي الفريضة للفضيلة والنافلة إمّا للفضيلة أو لغيرها ، ودلالته على عدم اعتبار فعل النافلة ظاهرة.

والثالث : كما ترى يدلّ على أنّ الفراغ من النافلة يقتضي دخول الفريضة ، والوقت حينئذ فيه الاحتمالات السابقة للفريضة ، ولا يخفى تناوله لزيادة فعل النافلة على القدمين للظهر ، والأربعة للعصر ، والقامة والقامتين على تقدير أن يراد بالقامة ما ذكره الشيخ من أنّها الذراع. وعلى تقدير إرادة مثل الشاخص كما يدلّ عليه الرواية السابقة صريحاً ، ويتناول فعلها فيما دون القدم.

وعلى هذين التقديرين يلزم أن يكون ذكر القامة والقدم مخصوصاً بما إذا انتهت النافلة إليهما ، واللازم من كلام الشيخ انتهاء وقت النافلة ودخول وقت الفريضة بالفراغ ، والظاهر من التقدير خلافه ، والجمع غير منحصر فيما ذكره الشيخ ؛ لاحتمال إرادة دخول وقت الفريضة على جميع التقادير لكن تتفاوت الفضيلة في الفرض والنافلة ، وحينئذ لا يتعيّن ما قاله الشيخ ، واحتمال ادعاء ظهور ما قاله الشيخ في الجمع غير معلوم ، على أنّ الظاهر من الشيخ حصر وقت النافلة للظهر في القدمين والعصر في الأربعة ، والخبر المبحوث عنه يتناول غيره ، وهو ما بعد الأربعة وما قبل القدم.

فإنّ أجاب الشيخ بخروج ما بعد القدمين أمكن أن يقال : إنّ المخرج إن كان من الأخبار فالخبر المبحوث عنه يتناول المخرج ، وإن كان بالإجماع فالقول بامتداد وقت النافلة بوقت الفريضة موجود ، إلاّ أن يقال بأنّ المراد بالامتداد بوقت الفريضة هو هذا الامتداد لا مُطلقا ، وفيه ما فيه.

وبالجملة فالجمع بما ذكره الشيخ محلّ تأمّل.


والرابع كالثالث في الكلام أوّلاً وآخراً.

والخامس : ربما دلّ على أنّ الاعتبار بالقدم للظهر والاثنين للعصر إن جعل النصف عبارة عن ذلك ، وإنّ جعل النصف كناية عن نصف الستّة فتكون للظهر ثلاثة وللعصر ثلاثة نافى البعض الدال على اختصاص الظهر بالقدمين والعصر بالأربعة ، ولو حمل على الأوّل لضرورة الجمع أمكن أن يقال : إنّ الحمل على فعل السبحة لا ينافي الزيادة على القدمين والأربعة ، لكن قولهعليه‌السلام : « أحبّ إليّ » يدلّ على رجحان القدر المذكور ، فيؤيّد احتمال أن يكون اختلاف المقادير في الأخبار لبيان اختلاف الكمال ، لا لمجرد فعل النافلة طولاً وقصراً ، وحينئذ لا يتمّ الاستدلال به على أنّ الاعتبار بفعل النافلة على الإطلاق.

فإنّ قلت : قولهعليه‌السلام أوّلاً : « لا يحبسك منها إلاّ سبحتك » يدلّ على مدّعى الشيخ.

قلت : لا وجه لعدم الالتفات إلى آخر الرواية الدال على ما قلناه ، ولو حمل على أنّ المراد يُجزئ فعل النافلة في النصف أفاد مطلوبنا من عدم الدلالة على فعل النافلة على الإطلاق.

والسادس : ذكر شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب أنّه مروي في الكافي بطريق صحيح ، وهو واضح المتن ، ويستفاد منها وجه الجمع بين الروايات. انتهى.

ولا يخفى أنّ الوضوح إن أُريد به الدلالة على أنّ ما ورد في غيره من الأخبار بالمقادير محمول على السبحة ، ففيه : أنّ خبر زرارة الأوّل صحيح في الفقيه(١) ، وهو صريح في ترك النافلة بعد القدمين ، ومضمون هذا الخبر‌

__________________

(١) راجع ص ٢٣٣.


هو الامتداد إذا طالت السبحة ، وإن زاد الوقت على قدمين فلا بدّ من التقييد ، وحينئذ لا وضوح.

وإن أُريد بالوضوح دخول وقت الفريضة بالفراغ مطلقاً ، لا يكون في الخبر جمع بين جميع الأخبار ، على أنّهقدس‌سره لم يقل بأنّ القامة هي الذراع ، كما يقوله الشيخ ، فما دلّ على القامة يقتضي خروج الوقت بعد القامة ، فلا بدّ من تقييد هذا الخبر بما لم يزد على القامة ، إلاّ أنّ ما دلّ على القامة في هذه الأخبار غير صالح عنده للمستند.

وفيه : أنّ ما تقدّم في الأخبار السابقة على هذه الأخبار وهو رواية أحمد بن عمر دالّ على القامة ، وهو صحيح عنده ، وإن كان في صحّته نوع تأمّل أشرنا إليه سابقاً(١) .

وما ذكرناه في حاشية التهذيب من احتمال تصحيح الخبر لأنّ أحمد ابن عمر إذا كان ثقة في نفسه إلاّ أنّه ردي‌ء الأصل ، يمكن أن يدّعى صحّة ما رواه إلاّ إذا علم أنّه من أصله.

ففيه : أنّ احتمال كونه من الأصل كافٍ في عدم التصحيح.

إلاّ أن يقال : إنّ رداءة الأصل غير معلومة المعنى ؛ لاحتمال أن يراد بالرداءة عدم استقامة الترتيب ، أو جمعه للصحيح والضعيف ، بل الاحتمال الثاني ربما كان له ظهور ، وعلى تقدير غيره لا يضرّ بحال صحّة الحديث ، بل وعلى تقدير الاحتمال الآخر كذلك ؛ لأنّ الرواية في الأصل إذا كانت عن الإمامعليه‌السلام بغير واسطة وكان الطريق إليه صحيحاً لا وجه لردّ الرواية مع‌

__________________

(١) في ص ٢٠٧.


ضعف الأصل.

ولو أُريد برداءة الأصل عدم الاعتماد عليه لانتفاء القرائن الموجبة للاعتماد كما هي عادة المتقدّمين في العمل بالأُصول ، أمكن أن يقال : إنّ هذا لا يضرّ بحال الصحة عند المتأخّرين المكتفين بمجرّد الخبر المتّصف راويه ومن روى عنه بالصفة الموجبة للصّحة.

هذا كلّه على تقدير الاعتماد على الوشّاء في كون روايته صحيحة بالنسبة إليه ، وحاله لا يزيد على كونه ممدوحاً كما قدّمناه(١) .

وإذا عرفت هذا فخبر أحمد بن عمر دالّ على القامة ، وبتقدير حملها على ظاهرها يحتاج ما دلّ على السبحة على الإطلاق إلى تقييد ، فلا يتمّ الحكم بأنّه جامع بين الأخبار ، وسيأتي أيضاً من الأخبار ما يوجب التقييد.

والسابع : تفهم دلالته ممّا تقدّم(٢) أوّلاً وآخراً ، وسيأتي من الشيخ بعض الأخبار الدالّة على كون النافلة بعد القدمين أو بعد الأربعة أقدام قضاءً ، أمّا عند غير الشيخ المتوقف عمله على الصحيح فلا يحتاج إلى مشقّة الجمع.

بقي في المقام شيئان :

الأوّل : سيأتي حديث أوضح دلالةً عَلى مدّعى الشيخ ، وهو خبر محمّد بن أحمد بن يحيى ، وسيأتي إن شاء الله الكلام فيه.

وروى في زيادات الصلاة من التهذيب عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن زرارة قال ، قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : بين الظهر والعصر حدّ معروف؟ قال : ( لا )(٣) .

__________________

(١) في ص ١١١.

(٢) من ص ١٢٣٠ ١٢٣٤.

(٣) التهذيب ٢ : ٢٥٥ / ١٠١٣ ، الوسائل ٤ : ١٢٦ أبواب المواقيت ب ٤ ح ٤.


وهذا الخبر مع صحّته ربما يؤيّد أنّ الاعتبار بفعل النافلة ، ولمّا كانت متفاوتة بالطول والقصر لم يكن بين الظهر والعصر حدّ معروف ، ولو كان ما دلّ على القدم والقدمين والأربعة والقامة محمولاً على ظاهره من دون الحمل على فعل النافلة طالت أو قصرت لكان الحدّ بين الظهر والعصر موجوداً ، فكان الأولى من الشيخ ذكر هذا الخبر هنا.

وما ذكره بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله من احتمال أن يكون المراد دخول وقتيهما معاً بالزوال كما تضمّنته الأخبار(١) . لا يخلو من تأمّل في نظري القاصر :

أمّا أوّلاً : فلأنّ فيه اعترافاً باشتراك الوقت من أوّله بين الظهرين وقد تقدّم منه ما قدّمناه عنه(٢) ، من قوله : إنّ ما تضمنه كثير من الأحاديث من دخول الوقتين بأوّل الزوال لا ينافي ما هو المشهور من اختصاص الظهر من أوّل الوقت ؛ إذ المراد بدخول الوقتين دخولهما موزَّعين ، كما يشعر به قولهعليه‌السلام في حديث عبيد بن زرارة : « إلاّ أنّ هذه قبل هذه »(٣) وحديث آخر عنه(٤) مثله(٥) .

وأمّا ثانيا : فلأنّا إذا قلنا بالاختصاص لا مانع من عدم الحدّ نظراً إلى أنّ وقت الاختصاص تابع لفعل الظهر طولاً وقصراً ، فلا حاجة إلى التعبير بدخول وقتيهما بالزوال.

ويمكن الجواب : بأنّ الغرض من دخول وقتيهما أعمّ من‌

__________________

(١) البهائي في الحبل المتين : ١٣٩.

(٢) راجع ص ١٢١٣.

(٣) التهذيب ٢ : ٢٦ / ٧٣ و ١٠٩ / ٥١ ، وسائل الشيعة ٤ : ١٣٠ أبواب المواقيت ب ٤ ح ٢١.

(٤) التهذيب ٢ : ٢٤ / ٦٨ ، وسائل الشيعة ٤ : ١٢٦ أبواب المواقيت ب ٤ ح ٥.

(٥) الحبل المتين : ١٣٩ وهو في الذكرى ٢ : ٣٢٩.


الاختصاص والاشتراك ، أو يراد الاختصاص بالتقريب الذي ذكرناه ، إلاّ أنّ الإجمال في مثل هذه المقامات ليس في محلّه ، وما نقله عن الشهيد في الذكرى : من أنّ نفي الحدّ يؤيّد أنّ التوقيت للنافلة ، وقوله سلّمه الله أنّه لا بأس(١) . واضح ، ومعه لا وجه للاحتمال الأوّل.

لكن ما قاله الشهيدرحمه‌الله من التأييد ، قد يشكل باحتمال أن يراد نفي الحدّ من حيث إنّ مراتب الفضل غير منحصرة في حدٍّ ، بل السبحة والقدم والقدمان والقامة للظهر يقتضي عدم الحدّ المعروف ، فعلى تقدير أن نقول بعدم الجمع بما قاله الشيخ : من أنّ التقادير المذكورة للنافلة. يمكن ادعاء التأييد ، إلاّ أنّ الحقّ تساوي الاحتمالين ، والتأييد لأحد الأمرين يحتاج إلى مرجّح ، وبهذا يندفع ترجيح جمع الشيخ بالخبر المذكور.

الثاني : تضمّنت الأخبار أنّ الفي‌ء ما يحدث من ظلّ الشاخص بعد الزوال ، وهو مشتقّ من فاء إذا رجع ، ولا يخفى أنّ قولهعليه‌السلام : « إذا بلغ فيئك ذراعاً » صريح في أنّ النسبة إلى الشخص ، لا إلى الظل الأوّل الباقي ، وهذا كما يدفع القول بالمماثلة بين الظلّ الزائد والأصل ، يدفع التوجيه الآتي من الشيخ في أنّ المراد بالقامة الذراع ، وإنّما قدّمناه هنا لاقتضاء الحديث ذلك.

اللغة‌ :

قال في الصحاح : السبحة التطوّع من الذكر والصلاة ، تقول : قضيت سبحتي(٢) .

__________________

(١) الحبل المتين : ١٣٩ وهو في الذكرى ٢ : ٣٢٩.

(٢) الصحاح ١ : ٣٧٢ ( سبح ).


قوله :

فإنّ قيل : كيف يمكنكم العمل على هذه الأخبار مع اختلاف ألفاظها وتضادّ معانيها ؛ لأنّ بعضها يتضمّن ذكر القامة ، وبعضها ذكر الذراع ، وبعضها ذكر القدم ، وهذه مقادير مختلفة؟!

قلنا : هذه الألفاظ وإن كانت مختلفةً فالمعنى غير مختلف ؛ لأنّ القامة عبارة عن الذراع على ما نبيّنه فيما بعد ، فهما عبارتان عن شي‌ء واحد ، وذكر القدمين يطابقهما ، وما ورد في بعض الأخبار من ذكر القدم يكون لمن خفَّف نوافله ؛ لأنّ المعتبر في ذلك مقدار ما تصلّى فيه النوافل قلّ ذلك أم كثر ، غير أنّه لا يتجاوز بذلك مقدار الذراع أو القامة أو القدمين ، وما دون ذلك يكون مجزياً.

والذي يدلّ على ذلك : ما قدّمناه من الأخبار من قوله لعمر بن حنظلة ومنصور بن حازم والحرث بن المغيرة وغيرهم : « إنّ ذلك إليك إن شئت طوّلت وإن شئت قصّرت فحين تفرغ من نوافلك تصلّي الفريضة ».

والذي يدلّ على أنّ القامة عبارة عن الذراع والقدمين :

ما رواه علي بن الحسن الطاطري ، عن محمّد بن زياد ، عن علي بن حنظلة قال ، قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : « القامة والقامتين الذراع والذراعين في كتاب عليّعليه‌السلام ».

عنه ، عن عليّ بن زياد ، عن عليّ بن أبي حمزة قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « القامة هي الذراع ».

عنه ، عن محمّد بن زياد ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن‌


أبي عبد الله عليه‌السلام قال : قال له أبو بصير : كم القامة؟ قال ، فقال له : « ذراع ، إنّ قامة رحل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كانت ذراعاً ».

السند‌ :

في الأوّل : علي بن الحسن الطاطري ، وهو من وجوه الواقفة ثقة في النجاشي(١) ، والطريق إليه فيه جهالة. ومحمّد بن زياد فيه اشتراك(٢) . وعلي ابن حنظلة مجهول لذكره في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ مهملاً(٣) .

والثاني : لا يخلو من خلل على ما أظنّ ، والظاهر عن علي بن رباط ومحمّد بن زياد ، أو أنّ لفظ علي سهو وهو محمّد.

وفي فوائد شيخنا المحقّق أيّده الله على الكتاب علي بن الحسن الطاطري روى عن عليّ بن رباط ومحمّد بن زياد أيضاً كما يأتيان ، حتى قد شاع أن يقال : الطاطري عنهما. انتهى.

والذي أظنّ أنّ المروي عن الطاطري عنهما يراد به درست ومحمد ابن أبي حمزة ؛ فإنّ الشيخ في هذا الكتاب(٤) ، والتهذيب في كتاب الحجّ روى عن موسى بن القاسم ، عن علي الجرمي ، عن محمّد بن أبي حمزة ودرست(٥) . ثمّ قال في موضع آخر ـ وهو باب من رمى صيداً فكسر يده من هذا الكتاب ـ : موسى بن القاسم ، عن الطاطري ، عن محمد ودرست(٦) . وفي موضع آخر : عن علي بن الحسن الجرمي ، عن محمد‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٥٤ / ٦٦٧.

(٢) راجع هداية المحدثين : ٢٣٧.

(٣) رجال الطوسي : ٢٤١ / ٢٩٦.

(٤) الاستبصار ٢ : ٢٠٥ / ٧٠٠.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٥٨ / ١٢٤٥.

(٦) الاستبصار ٢ : ٢٠٥ / ٧٠٠.


ودرست(١) . وفي باب الطواف : موسى بن القاسم ، عن الجرمي ، عنهما(٢) .

أمّا ما قاله شيخنا أيّده الله فلم أقف عليه الآن ، وفي بعض فوائده أيّده الله أيضاً في رواية علي بن الحسن الطاطري عن علي بن زياد أو علي ابن رباط نظر انتهى.

وعلى كلّ حال : السند ليس بصالح للتعب في تصحيحه.

المتن :

ما ذكره الشيخ من دلالته على مدعاه محلّ تأمّل :

أمّا أوّلاً : فلأنّ بعض الأخبار المتقدّمة صريحٌ في نفيه كما قدّمناه(٣) ، وما قالهرحمه‌الله من حمل القامة على الذراع لا ينفي الاختلاف ؛ لأنّ ما وجّه به القدم يقال في القامة بتقدير كونها غير الذراع.

وقوله : لا يتجاوز مقدار الذراع. محلّ كلام ، وادّعاؤه دلالة قولهعليه‌السلام لعمر بن حنظلة ومن معه على مطلوبه محلّ تأمّل ، كما ذكره شيخنا المحقق سلّمه الله في فوائد الكتاب.

أمّا قوله : وما دون ذلك يكون مجزياً ( فلا يخلو من إجمال ، وقد أسلفنا احتمال إرادة كون فعل الفرض قبل الوقت المذكور مجزيا(٤) )(٥) وذكرنا ما لا بدّ منه ، غير أنّه ينبغي أن يعلم هنا أنّ الإجزاء لمّا لم يكن مذهباً للشيخ ، وإن أمكن توجيهه بما يوافقه على نحو ما تقدّم ، إلاّ أنّه يمكن أن‌

__________________

(١) الاستبصار ٢ : ٢٣٥ / ٨١٦.

(٢) الإستبصار ٢ : ٢١٩ / ٧٥٤.

(٣) راجع ص ١٢١٣.

(٤) في « فض » زيادة : كما أنّه وقت فضيلة.

(٥) ما بين القوسين ساقط من « رض ».


يريد هنا أنّه مع عدم تجاوز المقادير يكون الفعل مجزياً ، ومع التجاوز لا يجزي على أن يكون أدّى الفعل على جهة الموافقة للشارع بناءً على اعتقاد الشيخ.

ومن هنا يعلم أنّ ما يظنّ من موافقة الشيخ للوالدقدس‌سره حيث كان يقول : إنّ للظهر وقتي أجزاء. محلّ تأمّل. والذي قدّمناه بناءً على الاحتمال من ظاهر كلام الشيخ. وبالجملة فالتأمّل في كلام الشيخ يعلم وجهه ممّا ذكرناه عن قريب ، وقد ذكرنا في حاشية التهذيب أيضاً ما لا بدّ منه في المقام وهو الموجب هنا لتلخيص الكلام.

ثمّ إنّ ما تضمّنه الأوّل من قوله : والقامتين والذراعين ، كأنّه على سبيل الحكاية ، وفي الظنّ احتمال أنّ المراد وجود كلّ من المذكورات في كتاب عليّ ، فيكون من العطف بحذف حرفه ( وقد ذكر بعض العامّة في شرح الحديث )(١) أنّ حرف العطف يسقط في الجمل بكثرة ، مثل : كيف أصبحت ، كيف أمسيت ، وأمّا في المفردات فهو أضعف. ولعلّ مراده بالضعف القلّة ، على أنّ أخبارنا غير معلومة النقل باللفظ ، وإن كان الظاهر في مثل هذا الخبر النقل باللفظ ؛ إذ هو مقتضى الحكاية.

فإنّ قلت : ما معنى الحكاية هنا؟.

قلت : كأنّ السابق على الكلام منهعليه‌السلام ما وقع بهذا اللفظ ؛ لاقتضاء التركيب إيّاه ، فلمّا أراد الإخبارعليه‌السلام أتى بذلك اللفظ ، وهو في أخبارنا موجود النظير ، هذا.

ولا يخفى أنّ الخبر الأخير الدال على أنّ قامة رحل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط من « فض » وبدله في « رض » : وقيل.


كانت ذراعاً لا يدلّ على حصر القامة في الذراع ، على أنّ المعنى فيه لا يخلو من إجمال.

اللغة‌ :

قال في القاموس : الرحل مركب البعير وما يستصحبه من الأثاث(١) . انتهى. وقد صحَّف بعض اللفظ فجعله بالخاء المعجمة.

قوله :

فأمّا ما رواه الحسن بن محمد بن سماعة ، عن عبد الله بن جبلة ، عن ابن بكير ، عن أبيه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ، قلت له : إنّي صلّيت الظهر في يوم غيْمٍ فانجلت فوجدتُني ( صلّيت حين الزوال )(٢) قال ، فقال : « لا تُعِد ولا تَعُد ».

فالوجه في هذا الخبر أنّه إنّما نهاه عن(٣) المعاودة إلى مثله لأنّ ذلك فعل من لا يصلّي النوافل ، وليس ينبغي الاستمرار على ترك النوافل ، وإنّما يسوغ ذلك عند الأعذار والعلل.

والذي يدلّ على ذلك :

ما رواه الحسن بن محمد ( بن سماعة )(٤) ، عن أحمد بن أبي بشير ، عن معاوية بن ميسرة قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : إذا زالت‌

__________________

(١) القاموس المحيط ٣ : ٣٩٤ ( الرحل ).

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٥٢ / ٩٠٣ ، ونسخة في « د » : قد صلّيت حين زال النهار.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٥٢ / ٩٠٣ : من.

(٤) ما بين القوسين ليس في الاستبصار ١ : ٢٥٢ / ٩٠٤.


الشمس في طول النهار ، للرجل أن يصلّي الظهر والعصر؟ قال : « نعم وأنا أُحبّ أن يفعل ذلك في كلّ يوم ».

عنه ، عن محمد بن زياد ، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي ، عن زرارة قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أصوم فلا أقيل حتى (١) تزول الشمس ، فإذا زالت الشمس صلّيت نوافلي ثمّ صلّيت الظهر ثمّ صلّيت نوافلي ثمّ صلّيت العصر ثمّ نُمْتُ ، وذلك قبل أن يصلّي الناس ، فقال : « يا زرارة إذا زالت الشمس فقد دخل الوقت ، ولكنّي أكره لك أنّ تتخذه وقتاً دائماً ».

السند‌ :

في الأوّل : فيه الطريق إلى الحسن بن سماعة ، وهو نفسه(٢) ، وقد تقدّم ما فيهما(٣) . وكذلك عبد الله بن جبلة(٤) . وابن بكير مضى القول فيه مفصّلاً(٥) ، وأمّا بكير أبوه فأظنّ تقدّمه ، والحاصل أنّ العلاّمة قال في ترجمته : إنّه مشكورٌ مات على الاستقامة ، روى الكشي عن حمدويه عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير والفضل وإبراهيم بن محمّد الأشعري أنّ الصادقعليه‌السلام قال فيه بعد موته : « لقد أنزله الله بين رسوله وبين أمير المؤمنينعليهما‌السلام »(٦) .

والشيخ ذكره في رجال الباقرعليه‌السلام من كتابه من غير ما يدلّ على‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥٢ / ٩٠٥ : حين.

(٢) في « د » و « رض » : ثقة.

(٣) في ص ٩٧٦.

(٤) في ص ٨٩٤.

(٥) في ص ٨٩.

(٦) خلاصة العلاّمة : ٢٨ / ٤.


المدح والتوثيق ، وكذلك في أصحاب الصادقعليه‌السلام (١) .

والمنقول عن الكشي في الخلاصة موجود فيه ، لكن السند عن ابن أبي عمير عن الفضل وإبراهيم ابني محمد الأشعري(٢) (٣) . وعلى كلّ حالٍ الحديث صحيحٌ ، إلاّ أنّ استفادة التوثيق محلّ كلامٍ ؛ لأنّ المقرّر في معنى التوثيق أمرٌ وراء الصلاح والتقوى ، كما يُعلم من الدراية بل المدح قد يمكن توجيهه.

والثاني : فيه من تقدّم. وأمّا أحمد بن أبي بشير فهو كما ترى في النسخة التي نقلت منها ، والموجود في الرجال أحمد بن أبي بشر بغير ياء(٤) ، وفي النجاشي أنّه ثقة(٥) . وفي الفهرست كذلك(٦) ، والراوي عنه فيهما ابن سماعة ( وأمّا معاوية بن ميسرة فقد مضى(٧) .

والثالث : فيه مع من تقدم محمد بن زياد المتقدم قبله(٨) . )(٩) وأمّا عبد الله بن يحيى الكاهلي فأظنّ أنّه قد تقدّم(١٠) ، والحاصل أنّ النجاشي قال : إنّه كان وجهاً عند أبي الحسنعليه‌السلام ووصّى به علي بن يقطين فقال :

__________________

(١) رجال الطوسي : ١٠٩ / ١٧ و ١٥٧ / ٤٣.

(٢) في « رض » و « فض » : الأشعريين.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٤١٩.

(٤) رجال النجاشي : ٧٥ / ١٨١ ، الفهرست : ٢٠ / ٥٤.

(٥) رجال النجاشي : ٧٥ / ١٨١.

(٦) الفهرست : ٢٠ / ٥٤.

(٧) في ص ٣٩٣.

(٨) راجع ص ٢٠٤.

(٩) ما بين القوسين متأخر في النسخ عن القول في عبد الله بن يحيى الكاهلي ، وما أثبتناه هو الأنسب بسياق العبارة.

(١٠) في ج٣ : ١٢١.


« أضمن لي الكاهلي وعياله أضمن لك الجنّة »(١) والعلاّمة في الخلاصة ذكر نحو ذلك ، وزاد : فلم يزل عليّ بن يقطين يُجْري لهم الطعام والدراهم ، إلى آخره(٢) .

وفي فوائد جدّيقدس‌سره : في الكشي في طريق الوصيّة : محمد بن عيسى ، وحاله معلوم ، ( وأمّا النجاشي فذكرها )(٣) بغير سند(٤) . انتهى.

والذي في الكشي حدثني حمدويه بن نصير قال : حدّثني محمد بن عيسى قال : زعم ابن أخي الكاهلي أنّ أبا الحسنعليه‌السلام قال لعلي بن يقطين‌ « اضمن لي الكاهلي وعياله أضمن لك الجنّة » فزعم ابن أخيه أنّ علياً لم يزل يُجري عليهم الطعام والدراهم ، إلى آخره(٥) .

وغير خفي أنّ الطريق مشتمل على ابن أخي الكاهلي ولم نعلمه الآن ، فاقتصار جدّيقدس‌سره على محمد بن عيسى غير واضح الوجه بتقدير اطلاعه على ابن أخي الكاهلي ، على أنّ محمد بن عيسى في الظن أنّه لا وجه للتوقّف فيه ، واعتماد النجاشي إن كان على هذه الرواية فهو شهادة بتوثيق ابن أخي الكاهلي ، إلاّ أنّ ذلك غير معلوم.

والعلاّمة في المختلف وصف بعض روايات فيها الكاهلي بالصحّة(٦) ، والأمر كما ترى.

__________________

(١١) رجال النجاشي : ٢٢١ / ٥٨٠.

(٢) الخلاصة : ١٠٨ / ٣١.

(٣) بدل ما بين القوسين في « رض » : وأنّ النجاشي قد ذكرها.

(٤) فوائد الشهيد على الخلاصة : ١٨.

(٥) رجال الكشي ٢ : ٧٠٤ / ٧٤٩ و ٧٤٥ / ٨٤١.

(٦) المختلف ١ : ٢٢٧.


المتن :

في الأوّل (١) يحتمل أن يكون الوجه في قولهعليه‌السلام : « لا تعد » إشارة إلى أنّ الصلاة مع الغيم مبنية على ظن دخول الوقت واعتبار العلم أولى ، ويحتمل أن يكون الوجه وقوع الصلاة في غير وقت الفضيلة على القول به ، ويحتمل أن يكون المراد بزوال النهار غير زوال الشمس بل ذهاب أكثر النهار بحيث وقعت الصلاة بعد المثل ونحوه.

أمّا ما ذكره الشيخ : من أنّ ذلك فعل من لا يصلّي النوافل.ففيه أوّلاً : أنّ فعل النوافل على تقدير جواز اتباع الظنّ في الوقت لا مانع منه ، كما صحّ فعل الفريضة بالظنّ ، ولا صراحة في الرواية على عدم فعل النوافل. واحتمال فعل النوافل واتفاق كونها قبل الوقت فيكون صلّى بغير نوافل ، خلاف ظاهر السؤال والجواب.

وأمّا ثانياً : فلأنّ الشيخ في التهذيب صرّح بأنّ ما دلّ على التأخير إلى القدم محمول على من يصلّي النوافل(٢) .

ويمكن أن يقال : إنّ غرض الشيخ هنا لا ينافي ما قاله في التهذيب ؛ لأنّ المراد عدم الاستمرار على ترك النافلة ، لا عدم فعل الصلاة في أول الوقت ، أو أنّ فعل الصلاة في أوّل الوقت إذا اقتضى ترك النافلة كان مرجوحاً من هذه الجهة.

وفيه : أنّ الخبر لا يدلّ على الاستمرار بوجه.

__________________

(١) في « فض » زيادة : كما ترى.

(٢) التهذيب ٢ : ١٩ و ٢٠.


ثمّ إنّ قوله : وإنّما يسوغ ذلك ، إلى آخره. محتمل لأنّ يريد أنّ الاستمرار على ترك النوافل إنّما يسوغ لذوي الأعذار والعلل ، ويحتمل أن يريد به أنّ الصلاة في أوّل الزوال إنّما يسوغ لذوي الأعذار والعلل.

والفرق بين هذا وما قبله أنّ الأوّل : يراد به أنّ وقت المختار وإن كان من أوّل الزوال إلاّ أنّه بعد النافلة ، والفعل من دونها إنّما يجوز لذوي الأعذار ، فيكون إطلاق أنّ الأوّل للمختار مقيّداً بما بعد النافلة جمعاً بين الأخبار.

وأمّا الثاني : فالمراد فيه أنّ ترك النافلة إنّما هو سائغ لذوي الأعذار والعلل ، وحينئذ يصير ما ذكره هنا غير ما ذكره في التهذيب من أنّ الأخبار الدالة على المقادير لمن يصلّي النوافل ، أو يريد بما ذكره في التهذيب بيان من يصلّي النوافل غير المعذور.

وقد يحتمل كلامه في التهذيب إرادة من يسوغ له فعل النوافل احترازاً عن المسافر ( لأنّ تعبيره وإن كان فيه )(١) ما يدلّ على صلاة النوافل بالفعل ، حيث(٢) قال : والذي يدلّ على أنّ هذه الأوقات خاصة بمن صلّى النوافل ما رواه سعد ، وذكر رواية الحارث وعمر بن حنظلة ومنصور بن حازم السابقة(٣) ، و [ لكن(٤) ] هي(٥) دالّة على الأعمّ من الفعل ، وتقدّم منه في التهذيب ما يدلّ على أنّ الأخبار واردة فيمن يصلّي(٦) ، ولفظ « من يصلّي » ‌

__________________

(١) في « فض » : لأنه وإن كان في تعبيره.

(٢) في « فض » : لأنّه.

(٣) التهذيب ٢ : ٢٢.

(٤) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.

(٥) في « رض » : وهذه الروايات.

(٦) التهذيب ٢ : ١٩.


أقرب من قوله : « صلّى ». وعلى كلّ حال لا يخفى ظهور الاحتمال الأوّل من الاحتمالات المذكورة في عبارة الكتاب.

وأمّا الثاني : فدلالته على مطلوبه موقوفة على بيان معنى الخبر ، والظاهر منه أنّ السؤال وقع عن الصلاة في أوّل الزوال في النهار الطويل ، والجواب يدلّ على رجحان الفعل في كلّ يوم سواء كان طويلاً أو قصيراً.

وفي فوائد شيخنا المحقّق أيّده الله على الكتاب ما هذا لفظه : أي إذا زالت في النهار الطويل فللرجل فعل ذلك ، وإذا زالت في جميع الأيّام كأيّام السنة فله ذلك أي بنوافلهما وآدابهما وكأنّ الشيخ أراد أحدهما ، وإذا زالت فللرجل أن يصلّيهما كذلك في طول النهار أي من الزوال إلى الغروب وأنا أُحبّ أن يفعل ذلك كلّ يوم ، أي على مقتضى ذلك كلّ يوم فلا تفوته النافلة. انتهى.

ولا يخفى بُعد استفادة ما ذكره من الخبر ، لكن على مقتضى استدلال الشيخ لا بدّ من الحمل على بعض ما قاله سلّمه الله والظاهر أنّه لولا تقدير فعل النوافل لما بقي للحديث وجه يُعْتدّ به.

فإنّ قلت : يجوز أن تكون الرواية : وما أحبّ أن يفعل ، فصحّف بما ترىقلت : لا وجه لاحتمال التصحيف وإنّ قرّبه ظاهر استدلال الشيخ.

وأمّا الثالث : فدلالته على خلاف مطلوب الشيخ ظاهرة ؛ لأنّ مراده إن كان الاستدلال على أنّ ترك النوافل على الاستمرار لا ينبغي ، فالخبر ظاهرٌ في خلافه ، وإن كان مراده الاستدلال على أنّ الصلاة في أوّل الوقت فعل من لا يصلّي النوافل ، فالخبر تضمّن فعل النافلة ، وقولهعليه‌السلام : « ولكنّي‌


أكره لك » إلى آخره. ظاهرٌ في أنّ هذا الفعل وهو فعل النوافل في أوّل الزوال ثمّ الصلاة ثمّ فعل النوافل على أثر ذلك لا ينبغي فعله دائماً ، وأين هذا من مطلوب الشيخ؟.

وفي فوائد شيخنا أيّده الله على الكتاب : كأنّ كراهية ذلك لأنّه يقتضي الانفراد عن الناس ، ولعلّ الاجتماع معهم أفضل تقيّةً أو مطلقاً ، وأيضاً يقتضي نوع عجلة كما لا يخفى. انتهى. ولا يخفى عليك الحال ، وبالجملة فالدلالة على مطلوب الشيخ غير واضحة.

وربما يحتمل أن يكون المراد بقولهعليه‌السلام : « ولكنّي أكره » إلى آخره. أنّ جعل الوقت بعد النافلة دائماً لا ينبغي ، بل ينبغي إمّا فعل النافلة أو الصبر إلى القدم أو القدمين ، فيؤيّد إرادة اختلاف الفضل في المقادير ، لا أنّ الاعتبار بفعل النافلة ثمّ الفريضة بعدها كما جمع به الشيخ ومن تابعه.

وقد يحتمل إرادة كراهة النوم بعد الظهر ، إلاّ أنّ التعبير بالوقت ظاهرٌ في خلافه ، والظاهر أنّ ملاحظة التقيّة لا وجه لها.

ويحتمل أن يكون الجواب تضمّن بيان دخول الوقت من أوّل الزوال ، ولكن لا ينبغي أن يصلّي في أوّله دائماً ، بل مع الضرورة ، وحينئذ لا تعلّق له بخصوص السؤال ، فليتأمّل.

قوله :

فإنّ قيل : قد ذكرتم أنّه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الفرض ، ثمّ قلتم : البدأة (١) بالنوافل أفضل ، وهذا ينافي ما ورد (٢) في‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥٢ / ٩٠٥ : البداية.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٥٢ / ٩٠٥ : ما روي.


الأخبار : أنّه لا تطوّع في وقت فريضةٍ.

روى ذلك : الحسن بن محمد بن سماعة ، عن عبد الله بن جبلة ، عن علاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « قال لي رجل من أهل المدينة : يا أبا جعفر مالي لا أراك تتطوّع بين الأذان والإقامة كما يصنع الناس؟ » قال : « قلت(١) : إنّا إذا أردنا أن نتطوّع كان تطوّعنا في غير وقت فريضة ، فإذا دخلت الفريضة فلا تطوّع ».

عنه ، عن صالح بن خالد ، عن عبيس بن هشام ، عن ثابت ، عن زياد بن أبي غياث ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول : « إذا حضرت المكتوبة فابدأ بها ولا يضرّك أن تترك ما قبلها من النافلة ».

وما قدّمتموه من الأخبار أيضاً : من(٢) أنّ أوّل الوقت أفضل ، يؤكّد هذه الأخبار ، فكيف تجمعون بينها؟.

قلنا : أمّا الذي تضمّن الأخبار التي قدّمناها من أنّ الصلاة في أوّل الوقت أفضل ، فهي محمولة على الوقت الذي يلي وقت النافلة ؛ لأنّ النوافل إنّما يجوز تقديمها إلى أن يمضي مقدار قدمين أو ذراع ، فإذا مضى ذلك فلا يجوز الاشتغال بالنوافل بل ينبغي أن يبدأ بالفرض ، ويكون ذلك الوقت أفضل من الوقت الذي بعده ، وهو وقت المضطر وأصحاب الأعذار ، وقد بيّنا فيما تقدّم ما يدلّ على ذلك واستوفيناه في كتابنا الكبير.

__________________

(١) في « رض » زيادة : له.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٥٣ / ٩٠٧ لا توجد : من.


السند‌ :

في الأوّل : قد تقدّم فيه ما يُغني عن الإعادة.

والثاني : فيه مع ما تقدّم صالح بن خالد ، والذي وقفت عليه الآن في الرجال صالح بن خالد القمّاط في النجاشي(١) والفهرست مهملاً(٢) ، وصالح بن خالد المحاملي أبو شعيب في النجاشي مهملاً(٣) أيضاً ، ولا يبعد كونه المحاملي ؛ لما يأتي في زياد بن أبي غياث.

أمّا عبيس بن هشام ، فهو ثقة في النجاشي(٤) . وفي إيضاح الاشتباه : عُبيس بالعين المهملة مصغراً بعدها باء موحّدة ثمّ ياء مثنّاة تحت وبعدها سين مهملة واصلة العبّاس(٥) . انتهى ملخصا.

وثابت هو ابن جرير المذكور مهملاً في النجاشي(٦) ؛ لأنّ الراوي عنه في الكتاب عبيس بن هشام ، والشيخ ذكر في أصحاب الصادقعليه‌السلام ثابت مولى جرير مهملاً(٧) . والظاهر أنّه المذكور.

وأمّا زياد بن أبي غياث فقد ذكر النجاشي أنّه ثقة سليم(٨) . والشيخ ذكره في الفهرست مهملاً(٩) .

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٠١ / ٥٣٦.

(٢) الفهرست : ٨٥ / ٣٥٤.

(٣) رجال النجاشي : ٢٠١ / ٥٣٥.

(٤) رجال النجاشي : ٢٨٠ / ٧٤١.

(٥) إيضاح الاشتباه : ٢١٠.

(٦) رجال النجاشي : ١١٧ / ٢٩٩.

(٧) رجال الطوسي : ١٦١ / ١٧.

(٨) رجال النجاشي : ١٧١ / ٤٥٢.

(٩) الفهرست : ٧٣ / ٢٩٥.


ثمّ إنّ كلاًّ منهما ذكر أنّ الراوي عنه صالح بن خالد المحاملي عن ثابت بن شريح ، وقد تقدّم أنّ الراوي عن ثابت بن جرير عُبَيْس في النجاشي ، وحينئذ لا يبعد أنّ قول الشيخ : ثابت مولى جرير. أقرب إلى الاعتبار ، فابن شريح مولى جرير ، إلاّ أنّ احتمال كون الراوي عن زياد ثابت ابن شريح وثابت بن جرير أيضاً لا مانع منه ، كما أنّ احتمال صالح بن خالد لغير المحاملي كذلك ؛ لأنّ رواية المحاملي عن ثابت لا عن عبيس ، لكن في التهذيب روى حديثاً ثاني(١) عن صالح بن خالد وعيسى(٢) بن هشام عن ثابت عن زياد(٣) . ومعه يقوى بعض ما ذكرناه فليتأمّل.

المتن :

في الأوّل : لا يخلو من إجمال ، والذي أظنّه أنّ المراد به عدم التطوّع في وقت الفضيلة وهو ما بعد المقادير السابقة في الأخبار ، لأنّهعليه‌السلام انّما يفعل الفرض غالباً في وقت فضيلته ، وعلى هذا يحمل ما دلّ على أنّه لا تطوّع في وقت الفريضة ؛ إذ من المعلوم وقوع النوافل في وقت الفرائض ، لكن وقت الفضيلة من خصوصيّاته عدم التطوّع فيه ، كما يدلّ عليه بعض الأخبار السابقة ، وما رواه الشيخ في زيادات الصلاة من التهذيب عن الحسن بن محمّد ، عن صالح بن خالد وعيسى بن هشام ، عن ثابت عن زياد بن أبي غياث ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول : « إذا حضرت المكتوبة فابدأ بها فلا يضرّك أن تترك ما قبلها من النافلة »(٤) .

__________________

(١) كذا في النسخ ، والأنسب : ثانياً.

(٢) في المصدر : عبيس.

(٣) التهذيب ٢ : ٢٤٧ / ٩٨٤ ، الوسائل ٤ : ٢٢٧ أبواب المواقيت ب ٣٥ ح ٤.

(٤) التهذيب ٢ : ٢٤٧ / ٩٨٤ وفيه : عبيس بن هشام ، الوسائل ٤ : ٢٢٧ أبواب المواقيت ب ٣٥ ح ٤.


وهذه الرواية الظاهر أنّ عيسى فيها تصحيف عبيس كما تقدّم الكلام فيه(١) ، وإن كان عيسى بن هشام موجوداً في الرجال(٢) ، مع احتمال عيسى ، وعبيس يكون تصحيفاً ، فلا ينبغي الغفلة عن هذا في الأسانيد.

وعلى كلّ حالٍ فهذا الخبر له دلالة على ما أشرنا إليه من إرادة وقت الفضيلة ؛ لأنّ حضور المكتوبة لو أُريد به دخول الوقت ولو من الأوّل يستبعد الإخبار من الإمام بجواز ترك النافلة ، لأنّ المستحب لا ريب في جواز تركه ، بل(٣) إذا أُريد وقت الفضيلة كان للكلام وجه.

واحتمال أن يقال : إنّ الخبر لو أُريد به وقت الفضيلة دلّ على جواز فعل النافلة وما دلّ على أنّه لا تطوّع في وقت فريضة ، ولو حمل على وقت الفضيلة اقتضى المنع ، فيكون الفعل تشريعاً ، يمكن دفعه بأنّ احتمال إرادة الفضل في ترك النافلة ممكن أيضاً.

وروى أيضاً في الزيادات عن معاوية بن عمّار ، عن نجيّة قال : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : تُدركني الصلاة فأبدأُ بالنافلة؟ قال : فقال : « لا ، ابدأ بالفريضة واقض النافلة »(٤) . وهذا يؤيّد ما قلناه ، غاية الأمر أنّ ما دلّ على إتمام النافلة بتقدير الشروع فيها يقيّد هذا الإطلاق.

ولا يخفى أنّ الكلام مبنيّ على ظاهر الأخبار ، وإلاّ فقد روى في الصحيح عن عمر بن يزيد في الفقيه أنّه سأل أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرواية التي يروون أنّه لا ينبغي أن يتطوّع في وقت فريضة ما حدّ الوقت؟ قال : « إذا أخذ المقيم » فقال : إنّ الناس يختلفون في الإقامة قال : « الإقامة التي‌

__________________

(١) راجع ص ١٢٤٧.

(٢) انظر رجال النجاشي : ٢٩٧ / ٨٠٨.

(٣) ليست في « د » و « رض ».

(٤) التهذيب ٢ : ٢٤٧ / ٩٨٣ ، الوسائل ٤ : ٢٢٧ أبواب المواقيت ب ٣٥ ح ٥.


تصلّي معهم »(١) .

وهذه الرواية وإنّ أمكن الدخل فيها من جهة احتمال التقيّة كما يشعر به بعض ألفاظها إذا تأمّلها المتأمّل ، إلاّ أنّ تأويلها على وجه يوافق مذهبنا ممكن ، بأن يراد بالإقامة الواقعة في وقت الفضيلة ، جمعاً بين الأخبار ، وأمّا الخبر المبحوث عنه فلو حُمِلَ على التقيّة أمكن أيضاً ويكون القائل من أهل المدينة مخالفاً فألزمهعليه‌السلام بمذهبه.

وفي فوائد شيخنا المحقّق أيّده الله على الكتاب : المراد بوقت الفريضة في هذه الرواية الوقت المختص بالفريضة ، وأمّا رواية زياد بن أبي غياث فالظاهر أنّ المراد منه إذا حضرت الفريضة ، بأن حضرت الجماعة وتهيّأت للاشتغال بها فلا بأس بالابتداء بها وإنّ لم تكن قد صلّيت النافلة ، وإن كان الأولى حينئذ قضاء النافلة ، مع احتمال أن يراد دخول الوقت المختص كالأوّل. انتهى. ولا يخفى عليك(٢) حقيقة الحال.

وأمّا الثاني : فقد قدّمنا فيه كلاماً يغني عن الإعادة ، وما ذكره الشيخ لا يخلو من تأمّل :

أمّا أوّلاً : فما ذكره : من الحمل على الوقت الذي يلي وقت النافلة معلّلاً بأنّ النوافل إنّما يجوز تقديمها إلى أن يمضي مقدار القدمين أو الذراع. ينافي ما قدّمه من الجمع بين الأخبار بحملها على فعل النافلة طالت أو قصرت ؛ لأنّ اعتبار مضيّ القدمين يقتضي أنّ الفراغ من النافلة ليس هو الوقت الأفضل للفريضة.

وأمّا ثانياً : فما ذكره : من أنّه لا يجوز الاشتغال بالنوافل. يقتضي‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٥٢ / ١١٣٦ ، الوسائل ٤ : ٢٢٨ أبواب المواقيت ب ٣٥ ح ٩.

(٢) ليست في « رض » و « فض ».


عدم الفرق بين الشروع فيها في وقتها وعدمه.

ويمكن الجواب عن الوجهين بما لا ينافي ما تقدّم منه وهو ضيق العبارة ، لكن دلالة قوله على الأفضليّة بعد القدمين ، ظاهرة في أنّه وإنّ قال بأنّ الأوّل للمختار ، لكن الأفضل له التأخير إلى ما ذكر ، وغير خفيّ أنّ حمل الأخبار الدالة على أنّ أوّل الوقت أفضل ، إذا أُريد به بعد المقدار لا يتم احتمال أنّ وقت المختار أفضل من وقت المعذور كما أطلقه البعض.

وقوله : فيكون ذلك الوقت أفضل من الوقت الذي بعده ، إلى آخره. وإن دلّ على أنّ الأفضليّة بالنسبة إلى المعذور ، لا ينافي ما قلناه : من أنّ الشيخ لا يطلق أنّ وقت المختار أفضل. غاية الأمر أنّه يتوجّه عليه أنّ الأفضليّة لا تنحصر بالنسبة إلى المعذور ، بل يتحقّق بالنسبة إلى ما قبل القدمين أيضاً.

وبالجملة فالمقام واسع البحث والملخّص ما ذكرناه.

وينبغي أن يعلم أنّ الظاهر من الخبرين سيّما الثاني الاختصاص بالراتبة المؤدّاة ، واحتمال الفائتة الراتبة ممكن على بُعد ، وسيأتي إن شاء الله الكلام في الراتبة وغيرها.

قوله :

( ويزيد ذلك بياناً )(١) :

ما رواه الحسن بن محمد بن سماعة ، عن وهيب بن حفص ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « الصلاة في الحضر ثماني ركعات إذا زالت الشمس ما بينك وبين أن يذهب ثلثا القامة ، فإذا ذهب ثلثا القامة بدأت بالفريضة ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥٣ / ٩٠٧ بدل ما بين القوسين : ويزيده بياناً.


عنه ، عن ابن جبلة ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « الصلاة في الحضر ثماني ركعات إذا زالت الشمس ما بينك وبين أن يذهب ثلثا القامة ، فإذا ذهب ثلثا القامة بدأت بالفريضة ».

عنه ، عن حسين بن هاشم ، عن ابن مسكان ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي الظهر على ذراع والعصر على نحو ذلك ».

فإنّ قيل : الأخبار التي تضمّنت أنّ أوّل الوقت أفضل ، عامّة وليس فيها تخصيص للوقت الذي ذكرتموه فمن أين قلتم ذلك؟ وهلاّ حملتموها على العموم؟.

قلنا(١) : حملنا ذلك على ما قلناه(٢) لئلاّ تتناقض الأخبار وقد ورد بشرحها أيضاً آثار :

روى الحسن بن محمد بن سماعة ، عن الميثمي ، عن معاوية بن وهب ، عن عبيد بن زرارة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن أفضل وقت الظهر ، قال : « ذراع بعد الزوال » قال : قلت : في الشتاء والصيف سواء؟ قال : « نعم ».

الحسين بن سعيد ، عن عبد الله بن محمد قال : كتبت إليه : جعلت فداك روى أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام أنّهما قالا : « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلاّ أنّ بين يديها سبحة إن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥٤ / ٩١٠ : قيل له.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٥٤ / ٩١٠ : ما قلنا.


شئتَ طوّلت وإن شئت قصّرت » وروى بعض مواليك عنهما عليهما‌السلام أنّ « وقت الظهر على قدمين من الزوال ، ووقت العصر على أربعة أقدام من الزوال ، فإنّ صلّيت قبل ذلك لم يجزك » وبعضهم يقول : يجوز ذلك ولكن الفضل في انتظار القدمين والأربعة أقدام وقد أحببت جعلت فداك أنّ أعرف موضع الفضل في الوقت ، فكتب عليه‌السلام : « القدمان والأربعة أقدام صواب جميعاً ».

السند‌ :

في الجميع قد تقدّم ما يغني عن الإعادة ، غير أنّ عبد الله بن محمّد الراوي في الأخير مشترك(١) ، ويحتمل أن يكون الحضيني الثقة ؛ لأنّه أهوازيّ كالحسين بن سعيد ، إلاّ أنّ غيره في حيّز الإمكان.

المتن :

في الأوّل : لا يخفى دلالته على ما يخالف ما سبق ؛ لأنّ الأخبار المتقدّمة دلّت على القدم والقدمين للظهر ، وثلثا القامة بتقدير ما ذكره الشيخ من الاتّحاد مع الذراع يكون قدماً وثلثاً ، وليس في الأخبار ما يقتضي ذلك على ما تقدّم من الشيخ ، ولو حملت على ظاهرها كان الثلثان قدمين وثلثي قدم ، ولم يتقدم ما يدلّ عليه بخصوصه.

نعم ما تقدّم من رواية سعيد الأعرج ، حيث قال فيها عن وقت الظهر : « بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك » ربما يدلّ على ما نحن فيه في‌

__________________

(١) أنظر هداية المحدثين : ٢٠٦.


الجملة ، وحينئذ فاستدلال الشيخ هنا بهذه الرواية مع السكوت عن بيان حقيقة الحال لا وجه له ، وعلى تقدير اعتبار فعل السبحة طالت أو قصرت يمكن حمل الخبر على مقتضاه ، غاية الأمر أنّ ما دلّ على ترك النافلة بعد القدمين يحتاج إلى الحمل على الأكمليّة ، وهذا الخبر على الجواز إلى الزائد عن القدمين ، وبعد ذلك لا تسوغ النافلة.

ولو قيل : إنّ(١) في الخبر دلالةً على أنّ المقادير السابقة لا تقتضي إلاّ الأفضليّة لا عدم تسويغ فعل النافلة بعدها لما تضمنه هذا الخبر ، أمكن ، إلاّ أنّ ما دلّ على المقادير أصرح دلالةً والبعض أوضح سنداً.

فإن قلت : ما المراد بقوله في الحضر ثماني ركعات؟.

قلت : الظاهر أنّ المراد النافلة.

وفي فوائد شيخنا المحقق أيّده الله على الكتاب : يجوز أن يراد بها العصر مع نافلتها ، وجاز أن يراد الظهر والعصر مجرّد الفرضين ، لكن ما بعده يعني الخبر الآتي كالنص في النافلة. انتهى.

وقد يقال : إنّ قولهعليه‌السلام في آخر الحديث : « بدأت بالفريضة » قرينة على إرادة النافلة ، إلاّ أن يقال بجواز إرادة الفرضين أوّلاً ثمّ بيان البدأة بالفرض ، وفيه ما فيه.

والثاني : كالأوّل.

والثالث : كما ترى يدلّ على أنّ العصر تصلّى على نحو الظهر ، والظاهر من النحو ما قارب الذراع ، وحينئذ ما دلّ على الأربعة أقدام يحمل على الأفضليّة ، ولو حمل النحو على المثل وهو الذراع أمكن ، إلاّ أنّ الشيخ‌

__________________

(١) زيادة من « فض ».


روى في زيادات الصلاة من التهذيب بطريقه عن الحسن بن محمّد بن سماعة ، عن محمد بن أبي حمزة وحسين بن هاشم وعلي بن رباط وصفوان بن يحيى ، عن يعقوب بن شعيب قال : سألته عن صلاة الظهر ، فقال : « إذا كان الفي‌ء ذراعاً » قلت : ذراعاً من أيّ شي‌ءٍ؟ قال : « ذراعاً من فيئك » قلت : فالعصر؟ قال : « الشطر من ذلك » قلت : هذا شبرٌ قال : « أو ليس شبر كثيراً »(١) .

وهذا الخبر يدل على أنّ المراد بالنحو غير المثل ، وتقدّم أيضاً في خبر أنّ للعصر النصف من ذلك ، والنصف يقتضي عدم اعتبار المقدار المذكور في الخبر وهو القدمان للظهر والأربعة للعصر ، ويؤيّد ما نحن بصدده ، هذا.

وما ذكره الشيخ من السؤال والجواب فقد تكرّر مضمونه منه ، والحديث الذي قال : إنّه يشرح ما وجّه به الأخبار مثله كثير ، غير أنّ ما تضمّنه من أنّ الشتاء والصيف سواء ربما يشعر بأنّ ما تقدّم في خبر معاوية ابن ميسرة حيث وقع السؤال عن طول النهار ، والجواب بأنّه يجب ذلك في كلّ يوم ، يراد به عدم الفرق بين الشتاء والصيف ، على معنى أنّ فعل الفريضة بعد النافلة أو القدمين أولى ، سواء كان في الشتاء أو الصيف ، فلا تختص تلك الرواية بالنافلة كما مضى.

وأمّا الخبر الأخير فالظاهر من الجواب فيه لا يطابق مطلوب الشيخ ؛ إذ مقتضاه : أنّ القدمين للظهر والأربعة للعصر صواب ، لا فعل السبحة طالت أو قصرت كما تضمنه بعض السؤال ، ومقصود الشيخ السابق في الجمع‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٢٥١ / ٩٩٦ ، الوسائل ٤ : ١٤٥ أبواب المواقيت ب ٨ ح ١٨.


كون جميع الأخبار متحدة في المآل.

ولا يبعد أن يقال : إن ظاهر السؤال ( في الخبر )(١) ، عن الوقت الأفضل هل هو بعد السبحة أو بعد القدمين؟ وحينئذ قولهعليه‌السلام في الجواب : « القدمان والأربعة صواب » يراد به أنّ الأفضل ما ذكر ، لا أنّ غيره خطاء ، ليكون ما دلّ على السبحة غير صحيح النقل ، أو محمول على التقية بتقدير الصحة.

وقول السائل : فإن صلّيت قبل ذلك لم يجزك. يحتمل أن يراد به لم يحصل به فضيلة الصبر إلى الأربعة وإن صلّى النوافل قبل الفرض.

وقوله : بعضهم يقول : يجوز ذلك ولكن الفضل ، إلى آخره. وإن دلّ بظاهره على عدم الفضل فيما قبل القدمين أصلاً إلاّ أنّه قابل للتأويل بإرادة الأفضل ، وعلى هذا فالخبر وإن لم يوافق الشيخ من جهة لكن يوافقه من اخرى :

أمّا جهة الموافقة فلأنّ الشيخ له أن يقول : بأنّ ما دلّ على السبحة لا ينافي ما دلّ على القدمين ؛ لاختلاف مراتب الفضل ، لكن ما قبل السبحة وقت إجزاء. وإن كان قد مضى منه ما يقتضي أنّ الاعتبار في الفضل بالسبحة مطلقاً.

وأمّا جهة المخالفة فلأنّ الخبر يدلّ على أنّ القدمين صواب دون غيرهما من المقادير ، وتأويل هذا بما يوافقه وإن أمكن بالحمل على الأفضليّة ، إلاّ أنّ الظاهر من السؤال أنّ انتظار القدمين وإن فرغ من السبحة صوابٌ ، وحينئذ يحمل ما دلّ على السبحة بإطلاقه على المقيّد بالقدمين ، فليتأمّل.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « د ».


وفي فوائد شيخنا أيّده الله على الكتاب : كأنّه يريد أنّ اعتبار القدمين والأربعة مع السابق صواب جميعاً ، فسقط اعتبار ذلك على وجه لا يجزي قبل ذلك. انتهى. وأنت خبير بالحال.

قوله :

ولا ينافي هذا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن محمد بن أحمد بن يحيى قال : كتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسنعليه‌السلام : رُوِيَ عن آبائك القدم والقدمين والأربع والقامة والقامتين وظلّ مثلك والذراع والذراعين ، فكتبعليه‌السلام : « لا القدم ولا(١) القدمين ، إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر وبين يديها سبحة وهي ثماني ركعات إن شئت طوّلت وإن شئت قصّرت ثمّ صلّ الظهر ، فإذا فرغت كان بين الظهر والعصر سبحة وهي ثماني ركعات إن شئت طوّلت وإن شئت قصّرت ثمّ صلّ العصر ».

لأنّه إنّما نفى القدم والقدمين حتى لا يظنّ أنّ ذلك لا يجوز غيره ؛ لأنّ ما ورد في ذلك فعلى جهة الأفضل ورد دون الوجوب ، يبيّن ما قلناه :

ما رواه سعد بن عبد الله ، عن موسى بن جعفر(٢) ، عن محمد بن عبد الجبّار ، عن ميمون بن يوسف النخاس (٣) ، عن محمّد بن الفرج قال : كتبت أسأل عن أوقات الصلاة ، فأجاب : « إذا زالت الشمس‌

__________________

(١) أثبتناها من الاستبصار ١ : ٢٥٥ / ٩١٣.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٥٥ / ٩١٤ : جعفر بن موسى.

(٣) في « فض » : النّحاس.


فصلّ سبحتك وأُحبّ أن يكون فراغك من الفريضة والشمس على قدمين ، ثم صلّ سبحتك وأُحبّ أن يكون فراغك من العصر والشمس على أربعة أقدام ، فإن عجّل بك أمرٌ فابدأ بالفريضتين واقض بعدهما النوافل فإذا طلع الفجر فصلّ الفريضة ثم اقض بعدُ ما شئت ».

السند‌ :

في الأوّل : لا ارتياب فيه إلاّ من جهة المكاتبة ، ولا وجه للتوقف فيها إلاّ من حيث احتمال الاشتباه في الخطّ ، ويدفعه أنّ العدل الضابط كما هو الشرط في قبول الرواية لا يَردّ قوله الاحتمال البعيد.

والثاني فيه : موسى بن جعفر ، وهو مهمل في الرجال أو ضعيف(١) .

فإن قلت : الموجود في الرجال موسى بن جعفر بن أبي كثير ، وهو من أصحاب الصادقعليه‌السلام في كتاب الشيخ مهملاً(٢) ، ولا وجه لاحتماله هنا بعد رواية سعد عنه ؛ وموسى بن جعفر البغدادي مذكور في رجال من لم يرو عن الأئمةعليهم‌السلام من كتاب الشيخ مهملاً(٣) أيضاً ، لكن يروي عنه محمد ابن أحمد بن يحيى ، وهو بعيد عن سعد ؛ وموسى بن جعفر الكمنداني الضعيف الحديث في النجاشي(٤) يروي عنه محمد بن يحيى ، عن محمد ابن أحمد بن أبي قتادة ، وهو بعيد عن سعد أيضاً.

قلت : ليست رواية سعد ببعيدة [ عن(٥) ] الأخيرين ، فتأمّل.

__________________

(١) راجع رجال النجاشي : ٤٠٦ / ١٠٧٦ و ١٠٧٧.

(٢) رجال الطوسي : ٣٠٨ / ٤٥٠.

(٣) رجال الطوسي : ٥١٤ / ١٢٦.

(٤) رجال النجاشي : ٤٠٦ / ١٠٧٧. وفيه : الكُمَيْذاني.

(٥) في النسخ : على ، والصحيح ما أثبتناه.


وميمون بن يوسف لم أقف عليه الآن في الرجال. أمّا محمّد بن الفرج فهو ثقة من أصحاب الرضاعليه‌السلام في كتاب الشيخ(١) وأصحاب موسىعليه‌السلام في النجاشي(٢) ، وفي رجال الجوادعليه‌السلام من كتاب الشيخ مذكور مهملاً(٣) .

المتن :

في الأوّل ظاهر المخالفة لما تقدّم من الشيخ في الجمع بين الأخبار.

وجوابه عنه : بأنّه نفى القدمين حتى لا يظنّ أنّ ذلك لا يجوز ، إلى آخره.فيه : أنّه لا وجه لاختصاص نفي القدمين والحال أنّ السائل ذكر غير القدم والقدمين. ثمّ إنّ السائل ذكر القامة وظلّ مثلك ، فلو اتحدا مع القدمين والذراع لما خفي على السائل ، وعلى تقدير الخفاء ينبغي للإمام أن ينبّهه على الاتحاد ، إلاّ أنّ جواب هذا سهل.

نعم ما تضمّنه من ذكر السبحة مع نفي القدم والقدمين يدلّ على أنّ المراد ليس نفي ظنّ أنّ غيره لا يجوز ، فإنّ بيان الوقت من أوّل الزوال كاف ، فعلم أنّ ذكر السبحة لبيان أنّ الأفضل الفعل بعدها مطلقاً وإن طالت أو قصرت ، وعلى هذا ينافي ما دلّ على نفي النافلة بعد القدمين وعلى نفي ما دلّ على القدمين وغيرهما.

وللوالدقدس‌سره كلام في الحديث حاصله أنّ نفي القدم والقدمين في الرواية إنّما هو لدخول فضيلة الظهر دائماً وفي كلّ حال ، حيث ورد في الأخبار أنّ وقت الظهر بعد القدم والقدمين والذراع ، والعصر بعد الأربعة‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٨٧ / ٩.

(٢) رجال النجاشي : ٣٧١ / ١٠١٤.

(٣) رجال الطوسي : ٤٠٥ / ٢.


والذراعين ، فالخبر إنّما تضمّن نفي كون الوقت لا يدخل إلاّ بعد أحدهما ، وحكمعليه‌السلام أنّ الوقت زوال الشمس ، فلا ينافي ما دلّ على أنّ القدم والقدمين آخر وقت النافلة انتهى. وهذا لا يبعد استفادته من كلام الشيخ هنا.

وفي نظري القاصر أنّه محلّ تأمّل ؛ لأنّه وإنّ احتمل ما ذكر إلاّ أنّ احتمال غيره أظهر ، وهو أن يراد نفي توقيت الفضيلة بالقدم والقدمين ، بل إنّما هو بالسبحة ، إذ لو كان الغرض بيان دفع توهّم توقّف دخول وقت الظهر على القدم والقدمين لاكتفىعليه‌السلام بذكر الزوال.

ولو أرادعليه‌السلام كما هو الظاهر بيان الأول ووقت الفضيلة دلّ على المطلوب من اعتبار السبحة لا غير ، فالمنافاة لخبر القدم والقدمين باقية ، على أنّ الاقتصار على نفي القدم والقدمين لا يوافق التوجيه الأوّل ولا الثاني إلاّ بتقدير إرادة القدم والقدمين وما ذكر معهما في السؤال ، وقد أوضحت هذا في حاشية الروضة.

والحاصل : أنّه لا يبعد أن يستفاد من هذا الخبر أنّ الاعتبار بالسبحة ، وما ورد من التقادير إنما هو بسبب النافلة لا لذات المقادير ، إلاّ أنّ في بعض الأخبار السابقة وغيرها ما يقتضي مدخليّة المقادير في الجملة.

وقد يحتمل هذا الخبر التقيّة في الجواب(١) ؛ لما يظهر من كلام بعض أهل الخلاف فإنّه قال : من لم يشتغل بعد دخول الوقت إلاّ بما يتعلق بالصلاة فهو مدرك لفضيلة أوّل الوقت. ولا ريب أنّ السبحة عندهم من متعلّقات الصلاة ، وعلى هذا فنفي القدم والقدمين للاقتصار في التقيّة على أقلّ ما تندفع به ، ومن هنا يتوجّه إمكان دفع بعض ما تقدّم من الأخبار.

__________________

(١) المنتقى ١ : ٤٠٢.


وما تضمّنه السؤال من ثماني ركعات لا ينافي ما قلناه ؛ لأنّ في مذهبهم ذلك ، وإجمالهعليه‌السلام في الجواب أبلغ في التقيّة ؛ لأنّ مراتب النافلة عندهم متعدّدة ، نعم ما تضمّنه من فعل السبحة بعد الظهر ثمّ صلاة العصر ربما ينافي مذهبهم المنقول في(١) أنّ فضيلة العصر إلى المثلين ، إلاّ أنّ التوجيه ممكن(٢) بأنّ مرادهم بيان الآخر ؛ لأنّ في صحاح أحاديثهم على ما وجدته في شرح مسلم أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يصلّي الهَجير التي تدعى الأُولى حين تَدحض الشمس ويصلّي العصر ، قال في الشرح : حين تدحض الشمس أي تزول(٣) . وظاهر اللفظ يقتضي صلاته عند الزوال ، ولا بدّ من تأويله.

ثمّ ذكر الخلاف ـ إلى أن قال ـ : ومنهم من قال ـ وهو الأعدل ـ : إنّه إذا اشتغل بأسباب الصلاة عقيب دخول الوقت لم يشتغل بعد دخول الوقت ، إلى آخر ما قدّمناه.

وهذا ظاهر الدلالة على الحمل السابق ، وأظنّ أنّه أقرب الاحتمالات ، ويؤيّده ما يأتي في خبر سالم مولى أبي خديجة من قولهعليه‌السلام : « لو صلّوا في وقت واحد لعُرفوا فأُخذوا برقابهم »(٤) فإنّه يدلّ على أنّ التوقيت لو اتحد كان من خصائص الشيعة ، وحينئذ اعتبار القدم والقدمين لو أُخذ مطّرداً لزم ما ذكر ، والله تعالى أعلم بالحقائق.

وأمّا الثاني : فدلالته على اعتبار ملاحظة السبحة والقدمين في الظهر ،

__________________

(١) في « رض » : من.

(٢) في « رض » : يمكن.

(٣) شرح النووي في حاشية إرشاد الساري ٣ : ٣٠٠ و ٣٢٨.

(٤) التهذيب ٢ : ٢٥٢ / ١٠٠٠ ، الوسائل ٤ : ١٣٧ أبواب المواقيت ب ٧ ح ٣.


والسبحة والأربعة في العصر واضحة ، وربما كان فيه ما لا يوافق الشيخ في دعواه السابقة : من أنّ الاعتبار بالسبحة على الإطلاق. إلاّ أنّ التوجيه ممكن لو صلحت الرواية للاعتماد.

وما تضمّنته من قوله : « فإن عجّل بك أمرٌ » إلى آخره. فيحتمل أن يكون المراد به : أنّك إذا صلّيت الفرضين قبل الوقت المذكور في الرواية فاقض النافلة بعدهما ، على أن يراد بالقضاء فعل الشي‌ء في وقته ، إذ هو مستعمل في الأخبار ، لبعد خروج وقت النوافل بفعل الفرضين أوّل الوقت ، إلاّ أنّ الظاهر من تقديم الصلاتين عدم المندوحة لفعل النوافل قبلهما ، والفعل بعدهما مع الوقت يقتضي وجود المندوحة ، وهو نوع تنافر ، إلاّ أن يقال : بإمكان الضرورة أوّلاً ثمّ زوالها. وفيه : أنّه خلاف مدلول الرواية ، وحينئذ يحتمل أن يراد بالقضاء فعل النافلة في غير وقتها ، والبعديّة في الرواية وإن اقتضت نوعاً من القرب إلاّ أنّ ضرورة ما قدّمناه يقتضي الحمل على ما ذكرناه.

وفي بعض الأخبار في زيادات الصلاة من التهذيب ما يدلّ على القضاء(١) . لكنه من جهة السند غير سليم ، وقد تقدّم(٢) ، ومن ثمّ كان الوالدقدس‌سره يتوقّف في اعتقاد القضاء ، وذكرنا الوجه فيه أيضاً في محلّ آخر.

وما تضمّنه الخبر من ذكر طلوع الفجر يدلّ على أنّ ركعتي الفجر لا يسوغ فعلها بعد طلوع الفجر الثاني ، وسيأتي(٣) إن شاء الله الكلام في ذلك.

والقول في القضاء هنا كما في الأوّل ، إلاّ أنّ الظاهر من قوله : هنا‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٢٤٧ / ٩٨٣ و ٢٧٥ / ١٠٩٢.

(٢) في ص ١٢٤٨.

(٣) في ص ١٣٦١.


« اقض بعدُ ما شئت » كما يحتمل ما ذكرناه يحتمل أن يراد أنّ نافلة الظهرين لو تأخّرت أو غيرها لا يفعل بعد طلوع الفجر ، بل يبدأ بالفريضة ثمّ يقضي بعدها ما فات من النوافل ، وربما قرّب هذا قوله : « ما شئت » إلاّ أنّ احتمال ركعتي الفجر لا يندفع بهذا اللفظ.

قوله :

فأمّا ما تضمّنت الأخبار التي قدّمناها : من أنّه لا تطوّع في وقت الفريضة. محمولة(١) على أنّه لا تطوّع في وقت فريضة تضيق وقتها ، أو في وقت فريضة لم يَسُغ(٢) فعل النافلة فيه ، على ما بيّناه من أنّه إذا مضى من الزوال قدمان أو قدم ونصف ، فلا نافلة ، فينبغي(٣) أن يبدأ بالفريضة ، وعلى هذا لا تنافي بين الأخبار.

ويزيد ذلك بياناً :

ما رواه الحسين(٤) بن محمد ، عن ابن رباط ، عن ابن مسكان ، عن زرارة قال : سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : « كان حائط مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قامة فإذا مضى من فيئه ذراع صلّى الظهر ، وإذا مضى من فيئه ذراعان صلّى العصر » ثمّ قال : « أتدري لم جعل الذراع والذراعان؟ » قلت : لا قال : « لأجل (٥) الفريضة ، إذا دخل وقت الذراع والذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة ».

__________________

(١) في الإستبصار ١ : ٢٥٥ / ٩١٤ : فمحمولة.

(٢) في نسخة من الاستبصار ١ : ٢٥٥ / ٩١٤ : لم يسع ، وفي اخرى : لا يسوغ.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٥٥ / ٩١٤ : وينبغي.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٥٥ / ٩١٥ : الحسن.

(٥) في الاستبصار ١ : ٢٥٥ / ٩١٥ : من أجل.


عنه ، عن الحسن بن عديس ، عن إسحاق بن عمّار ، عن إسماعيل الجعفي ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا كان في‌ء الجدار ذراعاً صلّى الظهر فإذا كان ذراعين صلّى العصر » قلت : الجدران تختلف منها قصير ومنها طويل قال : « إنّ جدار مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يومئذ قامة ، وإنّما جعل الذراع والذراعان لئلاّ يكون تطوّع في وقت فريضة ».

عنه ، عن عُبيس ، عن حمّاد ، عن محمّد بن حكيم قال : سمعت العبد الصالحعليه‌السلام وهو يقول : « إنّ أوّل وقت الظهر زوال الشمس وآخر وقتها قامة من الزوال ، وأوّل وقت العصر قامة ، وآخر وقتها قامتان » قلت : في الشتاء ، والصيف سواء؟ قال : « نعم ».

السند‌ :

في الأوّل(١) : الحسين بن محمّد ، وهو في كثير من النسخ ، وفي بعض النسخ الحسن بن محمد ، والظاهر أنّه الصواب ، وهو ابن سماعة ؛ لروايته عن ابن رباط وهو علىٌّ فيما تقدّم(٢) ، إلاّ أنّ شيخنا أيّده الله توقّف في رواية الحسن عن عليّ بن رباط كما نقلناه عنه سابقاً ، والآن لم يظهر لي وجهه إلاّ من حيث كون عليّ بن الحسن بن رباط من أصحاب الرضاعليه‌السلام على ما نقله النجاشي(٣) عن الكشّي ، والحسن بن محمد بن سماعة من أصحاب الكاظمعليه‌السلام في كتاب الشيخ(٤) .

__________________

(١) في « فض » زيادة : كما ترى.

(٢) في ص ٤١٤.

(٣) رجال النجاشي : ٢٥١ / ٦٥٩.

(٤) رجال الطوسي : ٣٤٨ / ٢٤.


والمذكور في وفاة الحسن بن سماعة أنّها في سنة ثلاث وستين ومائتين والرضاعليه‌السلام توفّي على قول الشيخرحمه‌الله سنة ثلاث ومائتين وعمرهعليه‌السلام خمس وخمسون سنة(١) ، فليتأمّل.

وأما الحسين بن محمّد على تقدير ما نقلناه(٢) فغير معلوم الحال. وقد وثّق النجاشي ابن رباط المذكور إن كان عليّاً(٣) .

والثاني : فيه : الحسن بن عديس وهو مذكور مهملاً في رجال الرضاعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٤) . وأمّا إسماعيل الجعفي فقد تقدّم القول في أنّ فيه اشتراكاً وكلاماً(٥) ، والآن وجدت زيادة اشتراك فيه(٦) غير من تقدّم لكنه في أصحاب الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ مهملاً(٧) ، وهو إسماعيل بن حازم الجعفي.

وأمّا الثالث : فقد تقدّم(٨) القول في عبيس. أمّا محمّد بن حكيم فالذي في رجال الشيخرحمه‌الله من أصحاب الكاظمعليه‌السلام محمّد بن حكيم مهملاً(٩) . والعلاّمة قال في الخلاصة : محمّد بن حكيم النخعي يروي(١٠) عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهما‌السلام ، يكنّى أبا جعفر له كتاب يرويه‌

__________________

(١) التهذيب ٦ : ٨٣.

(٢) في « رض » : ما قلناه.

(٣) رجال النجاشي : ٢٥١ / ٦٥٩.

(٤) رجال الطوسي : ٣٧٤ / ٤٣.

(٥) راجع ص ٧٠١.

(٦) في « فض » زيادة : لرجلٍ.

(٧) رجال الطوسي : ١٤٧ / ٩٧.

(٨) في ص ١٢٤٨.

(٩) رجال الطوسي : ٣٥٨ / ٢.

(١٠) في « فض » : روى.


جعفر بن محمد بن حكيم ، روى الكشّي أنّ أبا الحسن كان يرضى كلامه عند أصحاب الكلام(١) .

والذي في كتاب الكشّي : حمدويه قال : حدثني يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن محمّد بن حكيم قال : ذكر لأبي الحسنعليه‌السلام أصحاب الكلام فقال : « أمّا ابن حكيم فدعوه » وروى حديثاً آخر في طريقه محمّد بن عيسى عن يونس أنّ أبا الحسن كان يأمر محمّد بن حكيم أن يجالس أهل المدينة في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأن يكلّمهم(٢) ويخاصمهم(٣) .

وأنت خبير بأنّ هذين الخبرين لا يثبتان ما يقتضي إدخاله في القسم الأوّل من الخلاصة ، والحال أنّه مذكور فيه.

المتن :

في الأوّل : على مقتضى قول الشيخ السابق : من أنّ القامة ذراع. يقتضي أنّ مدلول الخبر اعتبار المثل للظهر والمثلين للعصر ، والمطلوب من الشيخ بيان القدمين أو القدم ونصف ، فلا أدري الوجه في غفلتهرحمه‌الله عن مثل هذا إلاّ بوجه تكلّفه ظاهرٌ ، فتركه أولى.

وما تضمّنه الخبر من قوله : « لأجل الفريضة » ثمّ ذكر ترك النافلة يقتضي أنّ ما تقدّم من الأخبار الدالة على أنّ القدمين لمكان الفريضة يراد به لأجل البدأة بالفريضة.

__________________

(١) الخلاصة : ١٥١ / ٦٥ بتفاوت يسير.

(٢) في « فض » : يعلمهم.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٧٤٦ / ٨٤٣ و ٨٤٤.


والثاني : أوضح دلالةً على ما قلناه أولاً وثانياً.

والثالث : كالأوّل والثاني في الأوّل ، أعني الدلالة على أن القامة غير الذراع ؛ إذ آخر وقت الظهر لا يكون ذراعاً إلاّ بتقدير آخر وقت الفضيلة ، وفيه ما لا يخفى.

إذا عرفت هذا ، فما قاله الشيخ أوّل الكلام : من حمل ما دلّ على أنّه لا تطوّع في وقت فريضة على الوقت المضيّق. إن(١) أراد به ما بعد السبحة والقدم وغيرهما كما دلّت الأخبار ، فلا بدّ أن يحمل التطوّع في بعضها على غير الراتبة المؤدّاة ؛ إذ لا معنى لعدم فعل النافلة بعد السبحة إلاّ بما قلناه. ولو أراد بالأخبار ما دلّ على غير السبحة اعتماداً على المعلوميّة ، ففيه ما فيه ، على أنّ ما دلّ على نفي التطوّع قد قدّمنا فيه الكلام من جهة أُخرى.

وقوله : أو في وقت فريضة لم يسع فعل النافلة. فيه : إن أراد به أنّه لا بدّ من زمان يسع فعل تمام النافلة من القدم وغيره من المقادير ، وإلاّ لا يسوغ فعل النافلة ، ففيه : أنّه قد روى ما يدلّ على أنه لو صلّى منها ركعة أتمّها ، فكان عليه أن يذكر ذلك.

وإن أراد أنّه لو علم الإنسان بعدم السعة لا يسوغ له النافلة ، ولو لم يعلم وتلبّس بها بركعة [ أتمّها(٢) ] كما هو مدلول رواية عمّار الساباطي(٣) بتقدير الجمع بينها وبين ما دلّ على أنّه لا تطوّع ، لكان عليه أيضاً البيان ، على أنّ الظاهر من الوجه الثاني الاختصاص بالراتبة المؤدّاة ، وما دلّ على‌

__________________

(١) في « رض » : إذا.

(٢) ما بين المعقوفين أضفناه لاقتضاء السياق.

(٣) التهذيب ٢ : ٢٦٢ / ١٠٤٤ ، الوسائل ٤ : ٢١٧ أبواب المواقيت ب ٣٠ ح ٣.


النهي عن التّطوع بعضه في حكم العامّ ، وما ذكرهقدس‌سره من القدم ونصف لم يمض صريحاً ، إلاّ أنّه قابل للتوجيه ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما ذكره الشيخ من أنّه لا تطوّع في وقت فريضة للأخبار المتقدّمة ، فيه : أنّ معارض تلك الأخبار موجودٌ :

أمّا على تقدير العموم في تلك ، فمكاتبة محمد بن يحيى بن حبيب فيها نوع من العموم ، ومتنها : قال : كتبت إلى أبي الحسن الرضاعليه‌السلام تكون عليَّ الصلاة النافلة متى أقضيها؟ فكتبعليه‌السلام : « في أيّ ساعة شئت من ليل أو نهار »(١) .

والخبر السابق عن الفقيه قد سمعته(٢) .

وفي بعض الأخبار ما يدلّ على قضاء صلوات في كلّ وقت ، وعدّ منها الفائت ، وهو أعم من النفل والفرض ، وما دلّ بعمومه على فعل الصلوات المرغّب فيها مثل : ما بين المغرب والعشاء وهي الغفيلة ، وغيرها من الصلوات ممّا لا يكاد يُعَدّ.

وفي بعض الأخبار المعتبرة في الكافي : أنّ الظهر إنّما أُخّرت ذراعاً من أجل صلاة الأوّابين(٣) . وهي نافلة الزوال. وفيه نوع دلالة على الاختصاص ، فإجمال الشيخرحمه‌الله في هذا المقام لا وجه له ، وسيأتي إن شاء الله ما لا بدّ منه في باب النوافل لمن عليه فريضة.

__________________

(١) الكافي ٣ : ٤٥٤ / ١٧ ، التهذيب ٢ : ٢٧٢ / ١٠٨٣ ، الوسائل ٤ : ٢٤٠ أبواب المواقيت ب ٣٩ ح ٣.

(٢) راجع ص ١٢٤٩.

(٣) الكافي ٣ : ٢٨٩ / ٥.


قوله :

فإن قيل : نراكم قد رتبتم الأوقات بعضها على بعض ، وجعلتم لبعضها على بعض فضلاً ، وقد روي أنّ ذلك كلّه سواء :

روى(١) الحسن بن محمّد بن سماعة ، عن علي بن شجرة ، عن عبيد ابن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ، قلت له : يكون أصحابنا في المكان مجتمعين ، فيقوم بعضهم يصلّي الظهر ، وبعضهم يصلّي العصر ، قال : « كل(٢) واسع ».

عنه ، عن أحمد بن أبي بشر ، عن حمّاد بن أبي طلحة قال : حدّثني زرارة بن أعين قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : الرجلان يصلّيان في وقت واحد وأحدهما يعجّل العصر والآخر يؤخّر الظهر ، قال : « لا بأس ».

عنه ، عن ابن رباط ، عن ابن أُذينة ، عن محمّد بن مسلم قال : ربما دخلت على أبي جعفرعليه‌السلام وقد صلّيت الظهر والعصر ، فيقول : « صلّيتَ الظهر؟ » فأقول : نعم والعصر ، فيقول : « ما صلّيت الظهر » فيقوم مترسّلاً غير مستعجل فيغتسل أو يتوضّأ ثمّ يصلّي الظهر ثمّ يصلّي العصر ، وربما دخلت عليه ولم أُصلّ الظهر فيقول : «(٣) صلّيت الظهر؟ » فأقول : لا ، فيقول : « قد صلّيت الظهر والعصر ».

قيل له : ليس في هذه الأخبار ما ينافي ما قدّمناه ؛ لأنّ قولهعليه‌السلام

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥٦ / ٩١٨ : وروى.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٥٦ / ٩١٨ زيادة : ذلك.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٥٦ / ٩٢٠ زيادة : قد.


« كلّ ذلك واسعٌ » محمولٌ على أنّ ذلك كلّه جائز قد سوّغته الشريعة ، وإن كان لبعضها فضلٌ على بعض ، وليس في الخبر أنّ ذلك كلّه واسعٌ متساوٍ في الفضل ، ويحتمل أن يكون سوّغ ذلك لهم لضرب من المصلحة والتقيّة.

يدلّ على ذلك :

ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم البجلي ، عن سالم مولى أبي خديجة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سأله إنسان وأنا حاضر فقال : ربما دخلت المسجد وبعض أصحابنا يصلّون العصر وبعضهم يصلّون الظهر؟ فقال : « أنا أمرتهم بهذا ، لو صلّوا في وقت (١) لعرفوا فأُخذوا برقابهم ».

السند‌ :

في الأوّل : فيه من تقدّم ، وعلي بن شجرة ثقة في النجاشي(٢) وفي الفهرست مذكور مهملاً(٣) ، وكذا في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٤) . وفي بعض كتب الرجال للمتأخّرين : ابن أبي شجرة(٥) ، والظاهر أنّه سهو.

والثاني : فيه من تقدّم ، مع أحمد بن أبي بشر ، وقد قدّمنا أنّ في‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥٧ / ٩٢١ زيادة : واحد.

(٢) رجال النجاشي : ٢٧٥ / ٧٢٠.

(٣) الفهرست : ٩٤ / ٣٩١.

(٤) رجال الطوسي : ٢٦٧ / ٧٢٣.

(٥) حكاه عن نسخة من رجال ابن داود في معجم رجال الحديث ١٢ : ٦٠ / ٨١٩٩.


الرجال : أحمد بن أبي بشر بغير ياء واقفي(١) ، وفي بعض النسخ : أحمد ابن بشير ، والظاهر أنّه غلط ؛ لأنّ ابن بشير وإن كان موجوداً في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ مهملاً(٢) ، وأحمد بن بشير البرقي روى عنه أحمد بن محمّد بن يحيى(٣) في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام من كتاب الشيخ(٤) ، وهو ضعيف ، إلاّ أنّ في النجاشي ذكر الطريق إلى كتاب حمّاد بن أبي طلحة والراوي عنه أحمد بن أبي بشر(٥) .

إما حمّاد بن أبي طلحة ففي النجاشي أنّه ثقة(٦) . وفي رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ مهمل(٧) (٨) .

والثالث : فيه من تقدّم ، وابن رباط أيضاً مضى فيه القول(٩) . وأمّا ابن أُذينة فقد سبق أنّ الظاهر كونه عمر بن محمّد بن عبد الرحمن بن أُذينة(١٠) ، كما في النجاشي قائلاً : إنّه شيخ أصحابنا البصريّين ووجههم(١١) . والشيخ قال في رجال الصادق والكاظمعليهما‌السلام : عمر بن أُذينة ثقة(١٢) . وظنّ بعض المتأخّرين التعدّد(١٣) لا وجه له ؛ لأنّ النجاشي قال في آخر الطريق إلى عمر‌

__________________

(١) انظر رجال النجاشي : ٧٥ / ١٨١ ، والفهرست : ٢٠ / ٥٤. وتقدم في ص ١٢٤١.

(٢) رجال الطوسي : ١٤٢ / ٢.

(٣) في « د » و « فض » : محمد بن أحمد بن يحيى.

(٤) رجال الطوسي : ٤٤٧ / ٥٥.

(٥) رجال النجاشي : ١٤٤ / ٣٧٢.

(٦) رجال النجاشي : ١٤٤ / ٣٧٢.

(٧) في « رض » : مهملاً.

(٨) رجال الطوسي : ١٨٢ / ٢٨٨.

(٩) في ص ١٢٦١.

(١٠) في ص ١٢٠٩.

(١١) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥٢.

(١٢) رجال الطوسي : ٢٥٣ / ٤٨٢ و ٣٥٣ / ٨.

(١٣) كابن داود في رجاله : ١٤٤ / ١١١١ و ١٤٦ / ١١٣١.


ابن محمد : عن عمر بن أُذينة(١) . فقول جدّي(٢) قدس‌سره : أنّ وجه وهم التعدّد ذكر الشيخ في كتابيه(٣) عمر بن أُذينة ، والنجاشي والكشّي عمر بن محمد(٤) ، لا وجه [ له ] بعد ما ذكرناه عن النجاشي ، وكلّ هذا قدّمناه(٥) والإعادة لبُعد العهد.

والرابع : ليس فيه ارتياب إلاّ من جهة سالم مولى أبي خديجة فلم أره الآن في الرجال ، وفي التهذيب سالم أبي خديجة(٦) ، والظاهر أنّه الصحيح ، وقدّمنا(٧) فيه القول(٨) بما يغني عن الإعادة. أمّا عبد الرحمن بن أبي هاشم فالموجود في الرجال وإن كان عبد الرحمن بن محمد بن أبي هاشم الثقة في النجاشي(٩) ، إلاّ أنّ في الفهرست : عبد الرحمن بن أبي هاشم(١٠) ، والظاهر الاتّحاد كما يعرف بالممارسة للرجال ، فلا يتوهّم أنّ عدم توثيق الشيخ لما ذكره يقتضي التعدّد فيضرّ بالحال ، فليتدبّر.

المتن :

في الأوّل : ما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من وجه بالنسبة إلى الأوّل من‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥٢.

(٢) فوائد الشهيد على الخلاصة : ٢٠.

(٣) في « د » : كتابه.

(٤) رجال الكشي ٢ : ٦٢٦ / ٦١٢.

(٥) في ص ٢٠٩.

(٦) التهذيب ٢ : ٢٥٢ / ١٠٠٠ ، الوسائل ٤ : ١٣٧ أبواب المواقيت ب ٧ ح ٣.

(٧) في « رض » : وقد قدمنا.

(٨) في ص ٢١٨.

(٩) رجال النجاشي : ٢٣٦ / ٦٢٣.

(١٠) الفهرست : ١٠٩ / ٤٦٦.


الاحتمالين ، والاحتمال الثاني كذلك ، إلاّ أنّه يرجّح ما أسلفناه(١) في خبر محمّد بن أحمد بن يحيى من التقيّة ، ويتأيّد احتمال التقيّة في تخالف أخبارنا ، وأنّ ما دلّ على السبحة قريب من مذهب أهل الخلاف فنفي القدمين لذلك ، والخبر الدال على الاحتمال ظاهر في المراد.

واحتمال أن يقال : إنّ الظاهر من قولهعليه‌السلام لو أمرتهم أن يصلّوا في وقت واحد ، إلى آخره. يدلّ على أنّ عندنا لا تعدّد في الوقت مع أنّ أخبارنا قد تضمّنت التعدد بالمقادير.

يمكن الجواب عنه : بأنّ المراد بالوقت الواحد الوقت الأفضل ، غاية الأمر أنّه غير متشخّص لاختلاف الأخبار ، وإن كان ادّعاء كونه القدمين ممكناً ؛ لما يظهر من معتبر الأخبار الدالّة على ترك النافلة بعد القدمين أنّ للقدمين الأفضليّة ، إلاّ أنّ ما يدلّ على الأقلّ موجود أيضاً بل والأكثر.

نعم ربما كان في الخبر دلالة على أنّ ما ورد بالسبحة للتقيّة ؛ إذ لو وافق مذهبنا لوافق مذهبهم ويندفع الخوف حينئذ ، وغير خفيّ أنّ قولهعليه‌السلام : « لو صلّوا في وقت واحد » يدلّ على أنّ عندنا لا تعدّد في الوقت بخلاف ما عندهم ، وعلى هذا فحمل الشيخ الأخبار المختلفة على فعل السبحة طولاً وقِصَراً مع ذكره الاحتمال هنا واستشهاده بالرواية لا يخلو من تأمّل.

ويمكن أن يقال في التوجيه : إنّ ما يفعل من الاختلاف في الصلاة وإن حصل فيه الفضل واندفع به الخوف إلاّ أنّ الأفضل لولا الخوف فعل الصلاة في وقت وهو أحد المذكورات في الأخبار ، لكن لا يخفى أنّ هذا غير فعل السبحة ، إذ لو كان هو من جملة المراد لكان من جملة الأفضل‌

__________________

(١) في ص ١٢٥٧.


والحال أنّه مختلف ، لا أنّه وقت واحد.

إلاّ أن يقال : إنّ المراد بالواحد ما يشمل فعل السبحة ، ويراد بالوحدة الإضافة إلى ما ورد في الأخبار من القدم والقدمين والقامة ، فليتأمّل.

وبالجملة : هذا النحو من التوجيه يتأيّد به عدم رجحان حمل الأخبار على السبحة ، إمّا ترجيح القدمين فممكن نظراً إلى بعض ما قدّمناه ، مضافاً إلى تخصيص الإمامعليه‌السلام نفي القدمين في خبر محمّد بن أحمد بن يحيى من حيث احتمال النفي لكونه محلّ الاعتراض من المخالفين ، والموجود في كلام بعضهم أنّ نهاية الفضيلة إلى المثل في الظهر(١) ، فيجوز أن يكون ذكر المثل في أخبارنا لإيهام المشاركة لهم في الجملة ، وإن كان ظاهر المثل عندنا كون الفعل بعده.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما ذكره الشيخ من الاحتمال الأوّل في الخبر الثاني لا يخلو من تأمّل ، لأنّ الإمامعليه‌السلام معلوم أنّه لا يؤخّر الفرض عن فضيلته إلاّ لضرورة ، وظاهر الخبر إذا حمل على الجواز يبعد عن عادة الأئمّةعليهم‌السلام .

ويمكن الجواب : بأنّ تأخير الإمامعليه‌السلام وإن كان لضرورة إلاّ أنّ الدلالة على الجواز حاصلة ؛ وقول الشيخ : وإن كان لبعضها فضل على بعض. ربما أشعر بأنّ الخبر الثاني يمكن حمله على جواز التأخير مع حصول الفضل وكذلك التقديم ، إلاّ أنّه لا يخفى أنّ ملاحظة الأفضل مطلوبة للأئمّةعليهم‌السلام لولا الضرورة ، ولعلّ التقية في الأخبار بمثل هذا من محمّد بن‌

__________________

(١) شرح النووي في حاشية إرشاد الساري ٣ : ٢٨٨.


مسلم يقتضي جواز التأخير والتقديم مع كون الأفضل غيرهما ، فينبغي التأمّل في هذا كلّه فإنّي لا أعلم أحداً أوضح المقام ، والله وليّ التوفيق.

قوله :

فأمّا ما رواه الحسين بن محمد ، عن محمد بن أبي حمزة ، عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « أتى جبرئيل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمواقيت الصلاة ، فأتاه حين إذا(١) زالت الشمس فأمره فصلّى الظهر ، ثمّ أتاه حين زاد الظل قامة فأمره فصلّى العصر ، ثمّ أتاه حين غربت الشمس فأمره فصلّى المغرب ، ثمّ أتاه حين سقط الشفق فأمره فصلّى العشاء ، ثمّ أتاه حين طلع الفجر فأمره فصلّى الصبح ، ثمّ أتاه في الغد حين زاد في الظل قامة فأمره فصلّى الظهر ، ثمّ أتاه حين زاد في الظل قامتان فأمره فصلّى العصر ، ثمّ أتاه حين غربت الشمس فأمره فصلّى المغرب ، ثمّ أتاه حين ذهب ثُلْثُ الليل فأمره فصلّى العشاء ، ثمّ أتاه حين نُوّر الصبح فأمره فصلّى الصبح ، ثمّ قال : ما بينهما وقت ».

وعنه ، عن أحمد بن أبي بشير ، عن معاوية بن ميسرة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « أتى جبرئيل » وذكر مثله : إلاّ أنّه قال بدل القامة والقامتين : ذراع(٢) وذراعين.

عنه ، عن ابن رباط ، عن مفضّل بن عمر قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « نزل جبرئيل عليه‌السلام على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله » وساق الحديث مثل الأوّل‌

__________________

(١) ليست في الاستبصار ١ : ٢٥٧ / ٩٢٢.

(٢) في النسخ : ذراعاً ، وما أثبتناه من الاستبصار هو الأنسب.


وذكر بدل القامة والقامتين : قدمين وأربعة أقدام.

وليس(١) لأحد أن يقول : إنّ هذه الأخبار تُنبئ أنّ أوّل الوقت والآخر سواء ، لأنّه قال : « ما بينهما وقت » لأنّه لا يمتنع أن يجعل ما بين الوقتين وقتاً وإن كان الأوّل أفضل منه.

والذي يدلّ على ذلك :

ما رواه الحسن بن محمّد بن سماعة ، عن عبد الله بن جبلة ، عن ذريح ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « أتى جبرئيل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فأعلمه مواقيت الصلاة (٢) ، فقال : صلّ الفجر حين ينشقّ الفجر ، وصلّ الأُولى إذا زالت الشمس ، وصلّ العصر بعدها ، وصلّ المغرب إذا سقط القرص ، وصلّ العتمة إذا غاب الشفق ، ثمّ أتاه جبرئيل من الغد فقال : أسْفِر بالفجر فأسفَر ، ثُمَّ أخّر الظهر حتى (٣) كان الوقت الذي صلّى فيه العصر ، وصلّ (٤) العصر بعدها (٥) ، وصلِّ المغرب قبل سقوط الشفق ، وصلّ العتمة حين (٦) يذهب (٧) ثلث اللّيل ، ثمّ قال : ما بين هذين الوقتين وقت وأوّل الوقت أفضله » ثمّ قال : « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لولا أنّي أكره أن أشُقّ على أُمّتي لأخّرتها إلى نصف اللّيل ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥٧ / ٩٢٤ : فليس.

(٢) في « د » : الصلوات.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٥٨ / ٩٢٥ : حين.

(٤) في المصادر : وصلّى. وكذا في الموردين التاليين.

(٥) في الاستبصار ١ : ٢٥٨ / ٩٢٥ : بُعيدها.

(٦) في « فض » و « رض » : حتى.

(٧) في الاستبصار ١ : ٢٥٨ / ٩٢٥ : ذهب.


السند‌ :

في الأوّل : فيه الحسين بن محمّد على ما وجدت من بعض النسخ ، وفي نسخة الحسن ، وكأنّه الظاهر ، وهو ابن سماعة ، وفي التهذيب : الحسن بن محمّد(١) ، وهو يؤيّد ما قلناه(٢) . أما محمّد بن أبي حمزة فقد تقدّم القول(٣) فيه ، والحاصل أنّ ابن أبي حمزة الثمالي ثقة في النجاشي(٤) ، وفي الرجال من هو مهمل في أصحاب الصادقعليه‌السلام من رجال الشيخ(٥) ، وإرادته بعيدة كما لا يخفى ، ولم أر من مشايخنا من توقّف في مثل هذا.

والثاني : تقدّم بعينه(٦) .

والثالث : فيه من تقدّم(٧) ، والمفضّل بن عمر في النجاشي أنّه فاسد المذهب مضطرب الرواية لا يعبأ به(٨) .

وما ذكره العلاّمة : من أنّ الكشي أورد فيه أحاديث في المدح والثناء عليه ، وأحاديث في الذم والبراءة(٩) منه. فيه : أنّ أحاديث المدح ضعيفة ،

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٢٥٢ / ١٠٠١.

(٢) راجع ص ١٢٦١.

(٣) في ص ١٠٤.

(٤) رجال النجاشي : ٣٥٨ / ٩٦١ ، وليس فيه توثيقه ، ولكن وثّقه الكشي في رجاله ٢ : ٧٠٧ / ٧٦١.

(٥) رجال الطوسي : ٣٢٢ / ٦٧٥.

(٦) راجع ص ٢٣٧.

(٧) راجع ص ٢٦٠.

(٨) رجال النجاشي : ٤١٦ / ١١١٢.

(٩) خلاصة العلاّمة : ٢٥٨ / ١.


وأحاديث الذم منها :

ما رواه عن حمدويه بن نصير ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن الحكم وحمّاد بن عثمان ، عن إسماعيل بن جابر قال ، قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « ائت المفضّل ، وقل له : يا كافر : يا مشرك : ما تريد إلى ابني؟ تريد أن تقتله؟ ».

ومنها : رواية أُخرى عن الحسين بن الحسن بن بندار(١) ، وفيه : عدم ثبوت مدحه فضلاً عن غيره ، وباقي الرجال لا ارتياب فيهم ، وفي الرواية ذمّ عظيم.

والرابع (٢) : تقدّم الكلام فيه بعينه(٣) .

المتن :

في الأوّل : يدلّ على فعل الظهر حين الزوال أوّلاً ، والعصر بعد القامة كذلك ، والمغرب حين الغروب مع بقية ما ذكر ، ويدلّ على فعل الظهر ثانياً بعد القامة والعصر بعد القامتين مع ما ذكر في الرواية ، إلى أن قال : « ما بينهما وقت ».

والثاني : على ما قاله الشيخ تضمّن الذراع والذراعين.

والثالث : تضمّن القدمين والأربعة.

وما ذكره الشيخ في الجمع : من أنّه لا يمتنع أن يجعل ما بين الوقتين وقتاً وإن كان الأوّل أفضل منه ، يتوجّه عليه أنّ ظاهر الروايات حينئذ أنّ أوّلَ‌

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٦١٤.

(٢) في النسخ : والثالث. والصواب ما أثبتناه.

(٣) راجع ص ٢٢٢.


الزوال أفضل ممّا بعد القامة ، فإن جعلت القامة هي الذراع كما قاله الشيخ يصير ما بعد الذراع ليس بأفضل بل الأفضل أوّل الزوال ، ولو أُريد بالقامة ما هو معروف فكذلك ، والحال أنّه قد تقدّم ما ينافي هذا ، مضافاً إلى أنّ ما تضمّن من هذه الأخبار غير القامة يفيد الإشكال.

ولو أراد الشيخ بالأوّل ما دلّ عليه الرواية في آخرها حيث قال : « ما بينهما وقت » وإتيان الشيخ بقوله : لا يمتنع أن يجعل ما بين الوقتين ، قرينةٌ على ذلك ، توجّه عليه أنّ مقتضى الرواية أنّ ما بين الوقتين وهما أوّل الزوال إلى المقادير وقت ، لا أنّ في البين وقتين ، بل الظاهر من الرواية أنّ ما بين الوقتين غير خارج ، بل هو وقت ملحق بالأوّل ، وحينئذ قول الشيخ : وإن كان الأوّل أفضل. غير واف بالجواب ، بل ربما يضرّ بالحال.

ويمكن التوجيه بأنّ الرواية وإن دلّت على الوقتين وكون ما بينهما كذلك ، إلاّ أنّه إذا ورد في الأخبار أنّ لكلّ صلاةٍ وقتين وأوّل الوقتين(١) أفضل لا ينافي هذه الرواية ، فيقال : إنّ الوقتين في الرواية مجملٌ ، وإن وقع فيه إجمال فقد فسّره غيره.

غاية الأمر أنّ ما استدلّ به من الخبر الرابع يدلّ على أنّ أوّل الوقت أفضله ، وهو ظاهر في أنّ كلا من الوقتين ( أوّله أفضله ، لا أنّ )(٢) أوّل الوقتين أفضل من الثاني ، ولو أراد الشيخ هذا من قوله : وإن كان الأوّل أفضل ، نافى ما سبق منه ، كما أنّه لو أراد أنّ ما بينهما من الوقت أوّله أفضله إشارة إلى ما دلّ على القدم ونحوه من السبحة ويكون أوّلاً بالنسبة إلى القامة ، ورد عليه أنه لا يقول بأنّ القامة هي المتعارفة ، اللهم إلاّ أن يقول : إنّ‌

__________________

(١) في « رض » : الوقت.

(٢) بدل ما بين القوسين في « رض » : أوله أفضل إلاّ أن ، وفي « د » : أوله أفضله لأن.


ما بين السبحة إلى القدمين يقال : إنّه أوّل ، وفيه أنّه خروج عن المعلوم منه ، وبالجملة فالتوجيه ممكن والعبارة مجملة.

إذا عرفت هذا فاعلم : أنّ الخبر الأوّل قد ذكرنا سابقاً أنّ الوالدقدس‌سره جعله دالاًّ على أنّ المراد بالوقتين مجي‌ء(١) جبرئيل حيث لم يأت في المغرب إلاّ في وقت واحد(٢) ، ولا يخفى أنّ الخبر دالّ على مجيئه في المغرب في وقتين إلاّ أنّ وقت الصلاة واحد.

واحتملقدس‌سره في المقام النسخ وأوضح الحال فيه في المنتقى(٣) ، وربما يؤيّده ظاهر الرواية إلاّ أنّ فيه ما فيه. وما يتضمّن الأخبار من مواقيت غير الظهر سيأتي إن شاء الله القول فيه.

بقي شي‌ء وهو : أنّ ظاهر الخبر الأخير وجوب التأسّي ؛ لأنّ قولهعليه‌السلام : « لولا أن أشُقّ على أُمّتي » يدلّ على أنّ تأخيرهعليه‌السلام يقتضي الوجوب عليهم بسبب فعله ، لكن الخبر غير سليم السند ، وربما يقال : إنّ قولهعليه‌السلام قرينة الوجوب. وفيه ما فيه. أمّا دلالته على استحباب تأخير العشاء إلى النصف ممكنة ، لأنّ الظاهر من السياق ذلك.

وما عساه يقال : من أنّ ظاهره التأخير إلى النصف ، بمعنى فعلها بعد النصف ولا وجه للاستحباب حينئذ.

يمكن الجواب عنه : بأنّ الظاهر التأخير إلى النصف ، أي تأخير الوقت إلى النصف على أن يكون الفعل قريباً منه.

وما عساه يقال : إنّ هذا خلاف الظاهر من السياق ، بل على تقدير‌

__________________

(١) في « فض » و « رض » : لمجي‌ء ، وفي « د » : بمجي‌ء ، والظاهر ما أثبتناه.

(٢) في ص ١٢٠٤.

(٣) منتقى الجمان ١ : ٤١١.


عدم إرادة الفعل بعد النصف يراد الفعل فيما قرب من النصف على سبيل الوجوب المضيّق تحقيقاً للمشقّة المنفيّة ، إذ الاتساع إلى النصف لا مشقّة فيه.

يمكن الجواب عنه : بأنّ المدّعى ظهور نفي الوجوب فيما قرب من النصف فيكون الأفضل ما قرب حيث انتفى الوجوب. ويحتمل أن يستفاد أنّ النصف منتهى الوقت الأفضل. وفيه ما لا يخفى.

وقد ذكر العلاّمة ( في المختلف )(١) في حديث : « ولو لا أنّي أخاف أن أشقّ على أُمّتي لأخّرت العتمة إلى ثلث الليل »(٢) : أنه دالّ على أفضليّة التأخير إلى الثلث.

وغير خفيّ توجّه عدم الدلالة لولا ما قرّرناه ، ولو حمل الخبر المذكور على منتهى الوقت الأفضل على نحو الخبر المبحوث عنه أمكن ، غير أنّ المناقشة في الدلالة على الفضل والأفضل من نفي الوجوب لا يخلو من وجه لولا احتمال دلالة السياق ، والإجمال من جهة لفظ : إلى نصف وإلى ثلث ، لا يخلو من إشكال.

وعلى كلّ حال ربما يقال : إنّ هذا الخبر ينافي مطلوب الشيخ كما لا يخفى.

فإن قلت : ما وجه الاستحباب؟ مع أنّ رفع الوجوب لا يستلزم الاستحباب بل الجواز.

قلت : قد أشرنا إلى أنّ الدلالة من جوهر الكلام ؛ لأنّ رفع الوجوب هنا لا وجه له ، بل عدم الوجوب من الأصل مرادٌ ، فلا جنس موجود يحتاج إلى فصل على نحو ما قرّر في رفع الوجوب في الأُصول.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « فض ».

(٢) المختلف ٢ : ٥٠.


قوله :

باب آخر وقت الظهر والعصر.

أخبرني الشيخرحمه‌الله ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الصفّار ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن إبراهيم الكرخي قال : سألت أبا الحسن موسىعليه‌السلام متى يدخل وقت الظهر؟ قال : « إذا زالت الشمس » فقلت متى يخرج وقتها؟ فقال : « من بعد ما يمضي من زوالها أربعة أقدام إنّ أوّل وقت الظهر ضيّق » قلت : فمتى يدخل وقت العصر؟ فقال : « إنّ آخر وقت الظهر هو أوّل وقت العصر » فقلت : متى يخرج وقت العصر؟ فقال : « وقت العصر إلى أن تغرب الشمس ، وذلك من علّة وهو تضييع » فقلت له : لو أنّ رجلاً صلّى الظهر بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام لكان(١) عندك غير مؤدٍّ لها؟ فقال : « إن كان تعمّد ذلك ليخالف السنّة والوقت لم يقبل منه ، كما لو أنّ رجلاً أخّر العصر إلى قرب(٢) أن تغرب الشمس متعمّداً من غير علّة لم يقبل منه ، إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد وقّت للصلوات المفروضات أوقاتاً وحدّ لها حدوداً في سُنّةٍ للناس ، فمن رغب عن ( سننه الموجبات كمن )(٣) رغب عن فرائض الله عزّ وجلّ ».

محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن العبيدي ، عن سليمان بن جعفر‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥٨ / ٩٢٦ : أكان.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٥٨ / ٩٢٦ : قريب.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٥٨ / ٩٢٦ بدل ما بين القوسين : سنة من سننه الموجبات مثل من


قال : قال الفقيهعليه‌السلام : « آخر وقت العصر ستة أقدام ونصف ».

الحسن بن محمد بن سماعة ، عن ابن مسكان ، عن سليمان بن خالد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « العصر على ذراعين فمن تركها حتّى تصير على ستّة أقدام فذلك المضيّع ».

عنه ، عن جعفر ، عن مثنّى ، عن منصور بن حازم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « صلّ العصر على أربعة أقدام » قال المثنّى : قال لي أبو بصير : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : « صلّ العصر يوم الجمعة على ستّة أقدام ».

عنه ، عن حسين بن هاشم ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « إنّ الموتور أهله وماله من ضيّع صلاة العصر » قلت : وما الموتور؟ قال : « لا يكون له أهل ولا مال في الجنّة » قلت : وما تضييعها؟ قال : « يدعها حتّى تصفرّ وتغيب ».

سعد بن عبد الله ، عن يعقوب بن يزيد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن أحمد بن عمر(١) ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال : سألته عن وقت الظهر والعصر؟ فقال : « وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن يذهب الظل قامة ، ووقت العصر قامة ونصف إلى قامتين ».

محمّد بن يعقوب ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن يزيد بن خليفة قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّ عمر ابن حنظلة أتانا عنك بوقت ، فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : « إذاً لا يكذب علينا » فقلت : ذَكَرَ أنّك قلت (٢) : « إنّ أوّل صلاةٍ افترضها الله على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله الظهر ، وهو قول الله عزّ وجلّ ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) فإذا‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥٩ / ٩٣١ : أحمد بن محمد.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٦٠ / ٩٣٢ تقول.


زالت الشمس لم يمنعك إلاّ سبحتك ، ثمّ لا تزال في وقت إلى أن يصير الظل قامة وهو آخر الوقت ، فإذا صار الظل قامة دخل وقت العصر فلم تزل في وقت العصر حتّى يصير الظل قامتين ، وذلك المساء ، قال : « صدق ».

السند‌ :

في الأوّل : فيه إبراهيم الكرخي ، والذي وقفت عليه في الرجال إبراهيم بن أبي زياد الكرخي في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ مهملاً(١) . وفي الفقيه روى الصدوق عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم الكرخي(٢) ، والمرتبة هنا واحدة.

والثاني : العبيدي فيه محمّد بن عيسى. أمّا سليمان بن جعفر ، ففي الرجال سليمان بن جعفر الجعفري ، والراوي عنه في النجاشي عبد الله بن محمّد ابن عيسى(٣) ، وفي الفهرست أحمد بن أبي عبد الله البرقي ، وهو ثقة(٤) ، إلاّ أنّ احتمال كونه ابن حفص ، وجعفر وقع سهواً ممكنٌ ، وقد جزم شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب أنّ الصواب : ابن حفص ، وهو المروزي ، والمراد بالفقيه العسكريعليه‌السلام ، كما وقع التصريح به في مثل هذا السند بعينه في عدّة روايات. انتهى.

والثالث : فيه الحسن بن سماعة ومن روى عنه في الطريق إليه وقد‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ١٥٤ / ٢٣٩.

(٢) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٦١.

(٣) رجال النجاشي : ١٨٣ / ٤٨٣.

(٤) الفهرست : ٧٨ / ٣١٨.


تقدّم(١) ، كابن مسكان إذا روى عن سليمان بن خالد ، وسليمان أيضاً مضى ، والحاصل أنّ احتمال التوقف فيه من جهة ما نقل عنه أنّه خرج مع زيد وتاب ، والوقت للتوبة غير معلوم أنّه قبل الرواية أو بعدها ، لا يخلو من وجه ، إلاّ أنّ احتمال التقيّة في إظهار التوبة ممكنٌ جمعاً بين ما دلّ على جلالته(٢) .

والرابع : جعفر فيه هو ابن محمّد بن سماعة أخو الحسن ؛ لأنّ النجاشي ذكر في الطريق إليه الحسن بن محمّد عن أخيه(٣) . إمّا المثنّى ، فيقال لجماعة(٤) غير أنّ من الجملة مثنّى بن راشد ذكره النجاشيّ مهملاً(٥) ، والطريق إليه الحسن بن محمّد بن سماعة ، ولا يبعد أن يكون هو المراد وإن توسّط الأخ ، أو أن الأصل وجعفر ، و « عن » وقعت سهواً ، غير أنّ باب الاحتمال لغيره واسع.

والخامس : ( معلوم الحال.

والسادس : ) ) فيه أحمد بن عمر وقد تقدّم(٧) ما فيه عن قريب ، وفي فوائد شيخناقدس‌سره أحمد بن عمر هذا ابن أبي شعبة الحلبي وهو ثقة ، أو الحلاّل وقد وثّقه الشيخ في كتاب الرجال ، فالحديث صحيح. انتهى.

وقد سبق(٨) منّا ما يقتضي المناقشة في الصحة ؛ لأنّ الشيخ قال : إنّه ردي‌ء الأصل ، ولم يعلم أنّ الحديث من غير أصله ، إلاّ أن يقال : إنّ نقل‌

__________________

(١) في ص ٥٤٦.

(٢) في « فض » زيادة : وقد أوضحنا القول فيه سابقاً.

(٣) رجال النجاشي : ١١٩ / ٣٠٥.

(٤) انظر : هداية المحدثين : ١٣٦.

(٥) رجال النجاشي : ٤١٤ / ١١٠٥.

(٦) ما بين القوسين ليس في « د » و « رض ».

(٧) في : ١٢١١.

(٨) في : ١٢١١.


الشيخ القائل ذلك مع اعتماده على الرواية ظاهراً يقتضي أنّ المرويّ إمّا من غير أصله أو من أصله على وجه لا يكون فيه ارتياب ، وفي البين كلام.

والسابع : فيه محمد بن عيسى عن يونس ، وقد مضى(١) . ويزيد بن خليفة ، وقد قيل : إنّه واقفيّ(٢) ، ومع هذا غير موثّق ولا فيه مدح.

وعمر بن حنظلة قد مضى فيه القول(٣) ، كما تقدّم أنّ اعتماد جدّيقدس‌سره على هذه الرواية في توثيق عمر بن حنظلة لا وجه له(٤) ، بل على تقدير صحّتها إنما يفيد صدقه لا توثيقه ، والتوثيق أمر زائد على الصدق.

المتن :

في الأوّل : ذكر العلاّمة في المختلف أنّ الشيخ احتجّ به في الخلاف على نحو ما حكاه عنه في المبسوط من أنّه قال فيه : إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر ، ويختص به مقدار ما يصلّى منه أربع ركعات ، ثمّ يشترك الوقت بعده بينه وبين العصر إلى أن يصير ظلّ كلّ شي‌ءٍ مثله ، ثمّ قال الشيخ : وروى حتّى يصير الظل أربعة أقدام وهو أربعة أسباع الشخص المنتصب ، ثمّ يختص بعد ذلك بوقت العصر إلى أن يصير ظلّ كلّ شي‌ءٍ مثليه ، فإذا صار ذلك ، فقد فات وقت العصر ، هذا وقت الاختيار.

وأمّا وقت الضرورة فهما مشتركان فيه إلى أن يبقى من النهار مقدار ما يصلّى فيه أربع ركعات ، فإذا صار كذلك اختص بوقت العصر إلى أن تغرب‌

__________________

(١) في ص ٥٣.

(٢) قال به الشيخ في الرجال : ٣٦٤ / ١٥ ، والعلاّمة في الخلاصة : ٢٦٥ / ١.

(٣) في ص ٤٠٥.

(٤) في ص ٤٠٥.


الشمس ، ومن أصحابنا من قال : إنّ هذا وقت الاختيار إلاّ أنّ الأوّل أفضل.

ثمّ قال العلاّمة : وأفتى في الخلاف بمثل ذلك ، وكذلك في الجمل ـ إلى أن قال ـ : وللشيخ في التهذيب قولٌ آخر ، وهو أنّ آخر وقت الظهر أربعة أقدام وهي أربعة أسباع الشخص ـ إلى أن قال ـ : احتجّ الشيخ في الخلاف على ما ادّعاه من آخر وقت الظهر إذا صار ظلّ كلّ شي‌ء مثله ، بالإجماع على أنّه وقت للظهر ، وليس على ما زاد عليه دليل فلا يكون وقتاً عملاً بالاحتياط(١) .

وبما رواه زرارة ، وذكر الرواية السابقة في الباب السابق(٢) المتضمّنة ( لأنّه سأل )(٣) عن وقت الظهر في القيظ ، وتضمّن الجواب فيها أنّه إذا كان ظلّك مثلك فصلّ الظهر ، وإذا كان ظلّك مثليك فصلّ العصر ؛ وبرواية أحمد ابن عمر المروية هنا ؛ وبرواية أحمد بن محمّد قال : سألته عن وقت الظهر والعصر ، فقال : « قامة للظهر وقامتين للعصر » ثمّ قال العلاّمة : واحتجّ على الأقدام بما رواه إبراهيم الكرخي ، وذكر الرواية المبحوث عنها(٤) .

وأجاب العلاّمة عن الحديث الأوّل : بأنّه لا دلالة فيه على أنّ آخر الوقت ما ذكره ، بل لو استدلّ به على ضدّه لكان أقرب ؛ لأنّ أمره بالصلاة في ذلك الوقت يدلّ على أنّه ليس آخره ، وعن الأحاديث الأُخر : بأنّ ذلك تحديد لأجل النافلة وللوقت الأفضل لا للإجزاء ، جمعاً بين الأدلّة ، وأيّد‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣٦ ، الخلاف ١ : ٢٥٧ ، الجمل والعقود ( رسائل العشر ) : ١٧٤ ، التهذيب ١ : ٣٩١.

(٢) في ص ١٢١٨.

(٣) ما بين القوسين كذا في النسخ ، والأنسب : للسؤال.

(٤) المختلف ٢ : ٣٧.


هذا برواية محمد بن أحمد بن يحيى السابقة(١) ، ورواية زرارة السابقة(٢) الدالّة على أنّ حائط مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان قامة ، إلى آخره.

قال : وهذه الأحاديث تدلّ على استحباب تأخير الظهر عن الزوال قدر قامة(٣) . انتهى.

وفي نظري القاصر أنّ فيه بحثاً من وجوه :

الأوّل : استدلال الشيخ بالإجماع إن أراد به أنّ فعل الظهر في الوقت الذي يصير فيه الظلّ مثله جائز بالاتّفاق ، وبعده لا وفاق.

ففيه : أنّ عدم الوفاق لا يصيّر الحكم إجماعيّاً على نفي الفعل فيما بعد.

وإن أراد أنّه لا دليل على جواز الفعلفيما بعد.

ففيه : أنّ الدليل موجود كما سيأتي(٤) من الأخبار وما تقدّم أيضاً ، وقوله : لا يكون وقتاً عملاً بالاحتياط. خروجٌ عن الإجماع ، وكون الاحتياط دليلاً على الإطلاق ظاهر الإشكال ، وحينئذ عدم التفات العلاّمة للجواب عن هذا لا وجه له.

الثاني : إنّ الخبر الأوّل ظاهرٌ في أنّ الظهر تصلّى في القيظ بعد المثل ، وهذا نوعٌ من الضرورة ، وظاهر كلام الشيخ في وقت الاختيار ، وجواب العلاّمة كما ترى يدلّ على أنّ الخبر يفيد أنّ ما بعد المثل وقت للظهر على الإطلاق ، وليس كذلك.

__________________

(١) في ص ١٢٥٤.

(٢) في ص ١٢٢٨.

(٣) المختلف ٢ : ٤١ و ٤٢.

(٤) في ص ١٢٨٠.


وقوله : لو استدل به على ضدّه لكان أقرب. فيه : أنّ استدلاله إن كان لمجموع ما ذكره الداخل فيه وقت الاضطرار فالحديث لا ينافيه ، ولو صرّح بإرادة وقت الاختيار كان متوجّهاً ، إلاّ أنّ التوجيه غير بعيد عن مثل كلام الشيخ ، فإنّه لا يغفل عن هذا الشي‌ء الواضح.

ثمّ يتوجّه عليه أنّه إذا حمل في الكتابين القامة على الذراع لم يتمّ استدلاله بالخبر على القامة للمضطرّ ، وقد قدّمنا القول في ذلك(١) ، وهكذا القول في الخبرين الآخرين ، وما ذكره العلاّمة فيهما متوجّه ، لكن كان عليه التنبيه على مخالفة الاستدلال بالخبرين لما في الكتابين.

الثالث : الاحتجاج بالخبر المبحوث عنه على الأقدام الظاهر أنّ المراد به ما ذكره في التهذيب ، والذي وجدته فيه هو ذكر الرواية في الاستدلال على أنّ الأوقات المذكورة في الأخبار المفيدة التوسعة للضرورة ، ولو أراد في الخلاف بما قاله من نحو المبسوط ، فالرواية لا تدل على ذلك ، فالإجمال في الاستدلال غير لائق.

وعلى كلّ حال فالخبر المبحوث عنه(٢) يدل على أنّ وقت الظهر إلى أربعة أقدام ، فإن حمل على وقت الفضيلة والنافلة كما ذكره العلاّمة ففيه : أنّ ظاهر الخبر من قوله : « إنّ وقت الظهر ضيّق » لا يناسب ذلك ، لأنّ الضيق إن أُريد به للنافلة فالسعة أظهر ، ولو أُريد أنّ وقت الفضيلة ضيّق فكذلك.

ثمّ إنّ الأخبار الأُخر التي أدخلها في الجواب أوسع ؛ لأن القامة غير خفيّة الاتساع ، والمنافاة بينها وبين الخبر المبحوث عنه غير خفيّة ، وحينئذ يمكن حمل الخبر على التقيّة ؛ لأن جعل أوّل الوقت الزوال يناسب ذلك ،

__________________

(١) في ص ١٢٧١.

(٢) في « فض » زيادة : كما ترى.


لصراحة الأخبار السابقة في خلافه.

ويمكن أن يكون قولهعليه‌السلام في الجواب : « إن كان تعمّد ذلك ليخالف السنّة والوقت لم يقبل منه » أمارة التقيّة أيضاً ؛ إذ لو حمل على ظاهره من الموافقة لمذهب الشيعة ، ففيه : أنّ اعتقاد المخالفة يقتضي الخروج عن الإيمان بأيّ وجه كان لا بخصوص هذا الفعل ، بل لو صلّى في أوّل الوقت بهذا الاعتقاد كذلك ، وحينئذ فاستدلال الشيخ به محلّ تأمّل.

وما تضمّنه آخر الحديث من قوله : « فمن رغب عن سننه الموجبات » إلى آخره. لعلّ المراد به من ترك ما ثبت بالسنّة على وجه الوجوب كمن ترك الواجب بالقرآن. وفي التهذيب : « فمن رغب عن سنّة من سننه الموجَبات »(١) وعلى التقديرين فالموجَبات بالفتح اسم مفعول أي : ما أوجبه الله هذا.

وأمّا الثالث (٢) : فمخالفته للأوّل ظاهرة ؛ لأنّ مفاده أنّ العصر تصلّى على أربعة أقدام وهي الذراعان ، فمن تركها إلى ستّة أقدام فهو تضييع ، والخبر الأوّل دلّ على أنّ التأخير إلى قرب غيبوبة الشمس تضييع ، ولعلّ التوجيه بأنّ التضييع له مراتب ممكن.

والرابع (٣) : كما ترى يدلّ على أنّ صلاة العصر يوم الجمعة على ستّة أقدام ، وفي الأخبار ما يقتضي أنّ فعل العصر يوم الجمعة في وقت الظهر في غيره من الأيّام ، وحينئذٍ فالخبر يقتضي فعل الظهر بعد الستّة ، وعدم تعرض الشيخ لهذا لا وجه له.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٢٦ / ٧٤ ، الوسائل ٤ : ١٤٩ أبواب المواقيت ب ٨ ح ٣٢.

(٢) في النسخ : الثاني ، والصواب ما أثبتناه ، والخبر الثاني مغفول عن شرحه.

(٣) في النسخ : والثالث ، والصواب ما أثبتناه.


والخامس : لا يخلو متنه من إجمال ؛ لأنّ معنى الموتور غير متّضح ، فإنّ فقدان المال في الجنّة لا يضرّ بالحال ، حيث إنّ من لوازمها الفوز بما تشتهي النفس ، والمؤاخذة فيها غير واضحة الوجه ، وهكذا الانقطاع عن الأهل.

وهذا مذكور في الفقيه(١) أيضاً بالإجمال.

وفي محاسن البرقي في باب عقاب من أخّر العصر روى بسنده عن أبي سلام العبدي(٢) قال : دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام فقلت له ما تقول في رجل يؤخّر الصلاة متعمّداً؟ قال : « يأتي هذا يوم القيامة موتور أهله وماله » قال : فقلت جعلت فداك : وإن كان من أهل الجنّة؟ قال : « نعم » قلت : فما منزلته في الجنّة موتور أهله وماله؟ قال : « يتضيّف أهلها ليس له فيها منزل »(٣) وربما يستفاد من هذا معنى أظهر من الأوّل بعد التأمّل فيه ، وذكر أيضاً رواية أبي بصير(٤) بنوع مخالفة لا يتّضح بها المعنى ، والله تعالى أعلم بمقاصد أوليائه.

وأمّا السادس : فظاهر الدلالة على أنّ آخر وقت الظهر قامة ، وعلى مختار الشيخ من اتحاد القامة والذراع يخالف الخبر الأوّل الدالّ على أربعة أقدام ، وكذلك غيره أيضاً ، كما يخالف في العصر ، على أنّه يحتمل أن يراد انتهاء الوقت إلى القامة كما هو الظاهر ، ويحتمل غيره لما تقدّم في الباب السابق(٥) ، ولا أدري الوجه في عدم تعرّض الشيخ لمثل هذا الاختلاف.

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٤١ / ٦٥٤ ، الوسائل ٤ : ١٥٣ أبواب المواقيت ب ٩ ح ٧.

(٢) في « فض » : العبيدي.

(٣) المحاسن : ٨٣ / ١٧.

(٤) المحاسن : ٨٣ / ١٨.

(٥) في ص ١٢٧٠.


والسابع : متنه أظهر من أن يبيّن ما فيه من المخالفة ، فلا ينبغي أن يغفل عن هذا كلّه.

قوله :

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن الحسن ابن علي بن فضّال ، عن عليّ بن يعقوب الهاشمي ، عن مروان بن مسلم ، عن عبيد بن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا تفوت الصلاة من أراد الصلاة ، لا تفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس ، ولا صلاة الليل حتى يطلع الفجر ، ولا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس ».

سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسين ابن سعيد ، عن القاسم بن عروة ، عن عبيد بن زرارة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام : عن وقت الظهر والعصر فقال : « إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر جميعاً إلاّ أنّ هذه قبل هذه ، ثمّ أنت في وقت منهما جميعاً حتى تغيب الشمس ».

الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيّوب ، عن موسى بن بكر ، عن زرارة قال : قال أبو جعفرعليه‌السلام : « أحبّ الوقت إلى الله عزّ وجلّ أوّله حين يدخل وقت الصلاة فصلّ الفريضة ، فإن لم تفعل فإنّك في وقت منها حتى تغيب الشمس ».

سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى وموسى بن جعفر ، عن أبي جعفر ، عن أبي طالب عبد الله بن الصلت ، عن الحسن ابن عليّ بن فضّال ، عن داود بن أبي يزيد وهو داود بن فرقد ، عن‌


بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات ، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات ، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر ، وبقي وقت العصر حتى تغيب الشمس ».

سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن عبد الله بن محمد الحجّال ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن معمر بن يحيى قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : « وقت العصر إلى غروب الشمس ».

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن الضحّاك بن يزيد ، عن عبيد بن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قوله عزّ وجلّ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) قال : « إنّ الله تعالى افترض أربع صلوات أوّل وقتها زوال الشمس إلى انتصاف الليل منها : صلاتان أوّل وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروب الشمس إلاّ أنّ هذه قبل هذه ».

فالوجه في الجمع بين هذه الأخبار أن نحملها على صاحب الأعذار والأعلال التي لا يتمكن معها من الصلاة في أوّل الوقت ، وقد بيّن ذلك أبو الحسنعليه‌السلام في رواية إبراهيم الكرخي عنه حين قال : « وذلك من علّة وهو تضييع » وقدّمنا أيضاً أنّه لا يجوز أن يجعل آخر الوقتين وقتاً إلاّ من علّة.

ويزيد ذلك بياناً :

ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن إسماعيل بن سهل ، عن حمّاد ، عن ربعي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إنّا لنقدّم ونؤخّر ،


وليس كما يقال : من أخطأ الوقت (١) فقد هلك ، وإنّما الرخصة للناسي والمريض والمدنف والمسافر والنائم في تأخيرها ».

السند‌ :

في الأوّل : أحمد بن الحسن وقد قدّمنا القول فيه(٢) بأنّه ثقةٌ واقفيٌّ في النجاشي ؛ والفهرست ، وعليّ بن يعقوب لم أقف عليه في الرجال. أمّا مروان بن مسلم فهو ثقةٌ والراوي عنه في النجاشي علي بن يعقوب الهاشمي(٣) ، ومن هنا يعلم أنّ ما في الخلاصة : من أنّ مروان بن موسى كوفي ثقة(٤) . وقول جدّيقدس‌سره في فوائدها : وفي كتاب ابن داود : مروان بن مسلم كوفيّ ثقة(٥) ، لم يذكره غيره ، وفي كتاب النجاشي ابن موسى كما ذكره المصنّف. لا يخلو من تأمّل بعد ما ذكرناه ، والموجب لما قاله جدّيقدس‌سره على ما أظنّ كتاب ابن طاوس وفيه أوهام كثيرة تبعه العلاّمة عليها.

والثاني : فيه القاسم بن عروة ، وقد تقدّم القول فيه(٦) من عدم الوقوف على ما يقتضي مدحه فضلاً عن التوثيق ، غير أنّه ينبغي أن يعلم أنّ الصدوق قد تقدّم أنّه رواها عن عبيد بن زرارة ، وفي الطريق الحكم بن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٦٢ / ٩٣٩ : وقت الصلاة.

(٢) في ص ١٢٠ ، وفيها أنه فطحيّ ، وهو الصواب ، راجع رجال النجاشي : ٨٠ / ١٩٤ ، والفهرست : ٢٤ / ٦٢.

(٣) رجال النجاشي : ٤١٩ / ١١٢٠.

(٤) خلاصة العلاّمة : ١٧٣ / ١٩.

(٥) رجال ابن داود : ١٨٨ / ١٥٤٧.

(٦) راجع ص ٣١٩.


مسكين ، وهو مجهول(١) .

إلاّ أنّ شيخنا المحقّق أيّده الله ذكر ما يقتضي إدخاله في الطريق المستخرج لتصحيح بعض طرق الفقيه ، وقد مضى في الجزء الأوّل ، وهذه صورة كلامه أيّده الله في كتاب الرجال في طرق الفقيه : وإلى عبيد بن زرارة فيه الحكم بن مسكين ولم يوثّق ، لكن في النجاشي : أخبرنا عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن عبد الله بن جعفر ، عن ابن أبي الخطاب ومحمّد بن عبد الجبّار وأحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد ابن إسماعيل بن بزيع ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبيد. وفي الفهرست : عبد الله بن جعفر ، أخبرنا برواياته أبو عبد الله ، عن محمّد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ومحمّد بن الحسن عنه. وأيضاً أخبرنا ابن أبي جيد ، عن ابن الوليد ، عنه. ولا يخفى ما في هذا من صحّة طريق المصنّف إلى عبيد(٢) . انتهى.

وحاصل المرام أنّ النجاشي قد ذكر في طريقه عبد الله بن جعفر وهو الحميري(٣) ، والشيخ ذكر في الطريق إلى جميع روايات عبد الله ، محمّد بن علي بن الحسين(٤) ، فيكون للصدوق طريق صحيح إلى عبيد بن زرارة ، وهو المذكور في النجاشي.

وقد يقال عليه : إنّ عبارة الفهرست تضمّنت جميع روايات عبد الله ، وكون ما ذكره النجاشي من جملة رواياته موقوف على الصحة ، والعدّة غير‌

__________________

(١) راجع ص ٣٧٢.

(٢) منهج المقال : ٤١٢.

(٣) رجال النجاشي : ٢٣٣ / ٦١٨.

(٤) الفهرست : ١٠٢ / ٤٢٩.


معلومة الحال ، والظاهر أنّ من العدّة الحسين بن عبيد الله ، لكن لم يحضرني الآن ما يدلّ على وجه يرفع الارتياب ، والحكم بالظاهر من حيث إنّ مرتبة النجاشي والشيخ واحدة ، ورواية الشيخ(١) والنجاشي(٢) عن أحمد بن محمد ابن يحيى بواسطة الحسين بن عبيد الله ، وعلى تقدير الشك في ذلك ربما لا يضرّ بالحال أيضاً ؛ لأنّ المعلوم أنّ هذا من روايات عبد الله بن جعفر وإن لم يكن صحيحاً إذ حكاية النجاشي تقتضي ذلك.

ومن هنا يندفع ما قدّمناه من إمكان أن يقال على الطريق المذكور من أنّ ضعف بعض رجال الطريق يقتضي عدم العلم بدخول الرجل في عموم الروايات ، فليتأمّل ، ولا يبعد أن يكون تصحيح بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله الخبر من هذه الجهة(٣) وقد رأيت مثله مذكوراً لبعض محقّقي المتأخّرين(٤) رحمه‌الله وهو استخراج حسن.

والثالث : فيه موسى بن بكر وهو واقفيّ مهمل في الرجال(٥) .

والرابع : أفاد شيخنا المحقّق سلّمه الله أنّ الظاهر أنّ موسى بن جعفر عطف على أحمد ، فإنّ سعداً روى عن موسى بن جعفر كما روى عن أحمد ، وموسى بن جعفر أيضاً روى عن أحمد كأحمد عن عبد الله بن الصلت عن الحسن كما يأتي ، وكذا أحمد عن الحسن بن عليّ بن فضّال وهو كثير. انتهى. وقد تقدّم القول في موسى بن جعفر(٦) . وأبو جعفر على‌

__________________

(١) مشيخة التهذيب ( التهذيب ١٠ ) : ٣٤.

(٢) رجال النجاشي : ٣٥٣ / ٩٤٦.

(٣) البهائي في الحبل المتين : ١٣٦.

(٤) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ١٨.

(٥) انظر رجال الطوسي : ٣٥٩ / ٩.

(٦) راجع ص ٢٩٢.


ما ذكره شيخنا : أحمد بن محمد بن عيسى ، وغيره كأحمد بن محمّد بن أبي نصر وإن احتمل ، إلاّ أنّ الرجحان يظهر بالمراجعة. وعبد الله بن الصلت ثقة في النجاشي(١) وغيره(٢) .

وما تضمّنه من أنّ داود بن فرقد هو ابن أبي يزيد إمّا أن يكون من الشيخ أو من أحد الرواة ، وعلى كلّ حال قد يخالف ما في الرجال ، فإنّ النجاشي ذكر داود بن فرقد قائلاً : أنه مولى آل أبي السمال الأسدي النصري ، وفرقد يكنّى أبا يزيد كوفيّ ثقة روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، إلى آخره. وذكر في الطريق إلى كتابه صفوان وإبراهيم بن أبي السمال وغيرهما(٣) . وذكر داود بن أبي يزيد الكوفي العطّار مولى ثقة روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام وعن أبي الحسن أيضاً ، له كتاب يرويه عنه جماعة منهم عليّ بن الحسن الطاطري(٤) . والحكم بالاتحاد مع ما وقع من النجاشي بعيدٌ عن طريقته.

وأمّا الشيخ فقد ذكر في الفهرست ابن أبي يزيد ، والراوي لكتابة القاسم بن إسماعيل والحجّال(٥) . وذكر أيضاً ابن فرقد وأنّ الراوي لكتابة صفوان(٦) . وفي رجال الصادقعليه‌السلام من كتابه ذكر ابن فرقد أبي يزيد الأسدي مولى آل أبي سمال(٧) . وفيهم أيضاً داود بن أبي يزيد مهملاً(٨) ،

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢١٧ / ٥٦٤.

(٢) كما في رجال الطوسي : ٣٨٠ / ١٣.

(٣) رجال النجاشي : ١٥٨ / ٤١٨.

(٤) رجال النجاشي : ١٥٨ / ٤١٧.

(٥) الفهرست : ٦٩ / ٢٧٧.

(٦) الفهرست : ٦٨ / ٢٧٤.

(٧) رجال الطوسي : ١٨٩ / ٤.

(٨) رجال الطوسي : ١٨٩ / ٥.


وفي رجال الكاظمعليه‌السلام داود بن فرقد ثقة(١) .

وبالجملة : فالاتحاد ظاهر من جمع(٢) الأوصاف في كتاب الشيخ ، وذكر رواية الحجّال عنه يقتضي أنّ الموجود في الروايات واحد ، لا(٣) أنّ الاتفاق وقع في مشاركة الكنية ، وفيه تأمّل يعرف من ملاحظة النجاشي ، والأمر سهل في المقام ، وفي السند الإرسال أيضاً.

والخامس : فيه ثعلبة بن ميمون ، والظاهر أنّ حاله لا يزيد على المدح ، إلاّ أنّ العلاّمة في المختلف حكم بصحّة الرواية(٤) ، ولا يبعد توجيه الصحة ( من جهة ثعلبة )(٥) كما مضى(٦) (٧) . وأمّا معمر بن يحيى فهو الثقة ؛ لرواية ثعلبة عنه ، وفي الإيضاح أنه بفتح الميم وإسكان العين وتخفيف الميم(٨) .

السادس : ليس فيه ارتياب إلاّ في الضحّاك ، لكن قال شيخناقدس‌سره إنّ الظاهر كونه أبا مالك الحضرمي وهو ثقة(٩) . وما قاله غير بعيد.

والسابع : فيه إسماعيل بن سهل ، وهو ضعيف.

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٤٩ / ٢.

(٢) في « رض » : جميع.

(٣) في « رض » : إلاّ.

(٤) المختلف ٢ : ٣٨.

(٥) بدل ما بين القوسين في « رض » : بثعلبة.

(٦) في ص ٢٩٨.

(٧) في « د » زيادة : الوجه.

(٨) إيضاح الاشتباه : ٣٠٣ / ٧١٥.

(٩) مدارك الاحكام ٣ : ٣٩.


المتن :

فيما عدا الأخير ما ذكره الشيخ فيه من الحمل على تقدير الاعتماد على جميع الأخبار ليس بأولى من الحمل على الفضيلة والإجزاء ، إلاّ من جهة خبر إبراهيم الكرخي ، وقد قدّمنا(١) فيه احتمال التقيّة ، كما قدّمنا(٢) في الخبر الدال على أنّه لا يجوز أن يجعل آخر الوقتين وقتاً إلاّ من علّة ما لا بدّ منه ، والإتيان بلفظ « لا يجوز »(٣) تبعاً للشيخ.

وما تضمّنه خبر زرارة من قوله : « حين يدخل وقت الصلاة فصلّ » لا ينافي ما دلّ على التأخير ؛ لإمكان حمل الدخول على ما بعد المقادير السابقة ، وخبر داود بن فرقد يدلّ على الاختصاص والاشتراك لو صحّ ، وخبر عبيد بن زرارة ظاهر الدلالة على الاشتراك من الأوّل ونفي ما ذكر الشيخ من الجمع ، إلاّ أنّ التأويل لو صحّ المعارض أقرب إليه من غيره ، لأنّه لا يخرج عن المطلق وغيره عن المقيد ، والخبر المؤيّد لما قاله الشيخ ربما كان فيه دفع لما يقوله أهل الخلاف ، ومع ذلك لا يأبى(٤) الحمل على الفضيلة.

وفي فوائد شيخناقدس‌سره (٥) على الكتاب : قد عرفت أنّ أكثر ما تضمّن انتهاء الوقت قبل الغروب ضعيف السند ، والصحيح منها ما تضمّن اعتبار القامة والقامتين ، والأجود في الجمع حملها على وقت الفضيلة وحمل هذه‌

__________________

(١) في ص ١٢٧٥.

(٢) في ص ١٢٨٢.

(٣) في « رض » زيادة : فيها.

(٤) في « فض » : لا يأتي.

(٥) بدل ما بين القوسين في « فض » : أيده الله.


الروايات على وقت الإجزاء ، لأنّ ذلك أقرب إلى إطلاق الآية الشريفة(١) ، ولقول الصادقعليه‌السلام في صحيحة ابن سنان : « لكلّ صلاة وقتان وأوّل الوقتين أفضلهما ». انتهى.

وقد يقال : إنّ ما ذكره من أنّ الصحيح ما تضمّن اعتبار القامة ، فيه : أنّ من الصحيح أيضاً رواية الفضلاء السابقة(٢) ، وفيها : « وقت الظهر قدمان ، ووقت العصر بعد ذلك قدمان ، وهذا أوّل وقت إلى أن يمضي أربعة أقدام للعصر » فإنّ هذا الخبر يدلّ على أنّ أوّل الفضيلة بعد القدمين لكلّ منهما.

وقولهعليه‌السلام : « وهذا أوّل وقت إلى أن يمضي أربعة أقدام للعصر » وإن احتمل أمرين :

أحدهما : أن تعود الإشارة إلى القدمين للعصر ، ويصير المعنى : ما بعد القدمين المنضمّين إلى قدمي الظهر أوّل وقت للعصر إلى أن يمضي أربعة أقدام ، فيكون للعصر ثمانية من أوّل الزوال على(٣) تقدير حمل الأوّل فيها على الفضل.

وثانيهما : أن تعود الإشارة إلى الوقت المشتمل على الوقتين بإرادة أحدهما ، لا هما أوّل وقت للفرضين إلى أن يمضي أربعة أقدام حال كونها للعصر ، أو إلى وقت العصر ، وحينئذ يكون للظهر ستّة أقدام وللعصر أربعة ، إلاّ أنّ المخالفة حاصلة للخبر الموصوف من شيخناقدس‌سره بالصحة(٤) ، وهو خبر أحمد بن عمر الدال على أنّ وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن‌

__________________

(١) الإسراء : ٧٨.

(٢) راجع ص ١٢١٨.

(٣) في « د » و « فض » : وعلى.

(٤) مدارك الاحكام ٣ : ٤١.


يذهب الظل قامة ، ووقت العصر قامة ونصف إلى قامتين. فإطلاق أنّ الصحيح ما دلّ على القامة وحمله على وقت الفضيلة على الإجمال محلّ تأمّل.

واحتمال أن يقال : إنّ صحيح الفضلاء يمكن فيه احتمال ثالث وهو أن « هذا » إشارة إلى الأربعة وهي وقت للظهر أوّل ، وقوله : « إلى أن يمضي » يراد به أربعة بعدها للعصر ، فيه(١) ما لا يخفى.

وبالجملة : لا بدّ أيضاً من ملاحظة خبر محمّد بن أحمد بن يحيى الصحيح ، لتضمّنه نفي القامة وغيرها كما هو سياق الجواب وإن اختصّ بالقدمين ، وحينئذ فالأولى من شيخناقدس‌سره كان عدم الإطلاق ، ولعلّه لضيق المقام.

ثمّ إنّ الأقربيّة إلى إطلاق الآية متوجهة ، أمّا دلالة الخبر المتضمّن لأنّ الأوّل أفضل ، ففيها تأمّل سبق وجهه.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العلاّمة في المختلف نقل مذاهب العلماء غير ما سبق نقله عن الشيخ ، فعن المفيد : أنّ وقت الظهر بعد زوال الشمس إلى أن يرجع الفي‌ء بُسبعي الشاخص(٢) ، ثمّ قال : واحتجّ بما رواه زرارة في الصحيح عن الباقرعليه‌السلام قال : سألته عن وقت الظهر فقال : « ذراع من زوال الشمس ، ووقت العصر ذراع من وقت الظهر ، فذلك أربعة أقدام من زوال الشمس » وبما رواه في الصحيح [ عن(٣) ] الفضيل. وذكر رواية الفضلاء المتضمّنة لأنّ وقت الظهر بعد الزوال قدمان ووقت العصر بعد ذلك قدمان‌

__________________

(١) في « د » و « رض » : وفيه.

(٢) المختلف ٢ : ٣٧.

(٣) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.


وهذا أوّل الوقت إلى أن يمضي أربعة أقدام(١) .

وأجاب عن الروايتين في جملة الروايات السابقة في احتجاج الشيخ : بأنّ ذلك تحديد لأجل النافلة والوقت الأفضل لا الإجزاء(٢) . ولا يخفى أنّ رواية زرارة متنها مضى في هذا الكتاب ، إلاّ أنّ في السند محمّد بن سنان ، لكن في الفقيه مروية عن زرارة ، والطريق صحيح وفيها بعد المتن المذكور :

ثمّ قال : « إنّ حائط مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان قامة فكان إذا مضى منه ذراع صلّى الظهر ، وإذا مضى منه ذراعان صلّى العصر » ثمّ قال : « أتدري لِمَ جعل الذراع والذراعان؟ » قلت : لِمَ جعل ذلك؟ قال : « لمكان النافلة ، لك أن تتنفّل من زوال الشمس إلى أن يمضي ذراع ، فإذا بلغ فيئُك ذراعاً بدأت بالفريضة وتركت النافلة ، وإذا بلغ فيئك ذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة »(٣) .

وقد تقدّم القول في هذا(٤) ، وإنّما أعدناه لأنّ الاستدلال به غريب من حيث إنّ المدعى أنّ الوقت من الزوال إلى أن يرجع الفي‌ء سُبْعَيْن ، والخبر يفيد أنّ الوقت بعد السبْعَيْن.

وجواب العلاّمة بالحمل على النافلة ، فيه اعتراف بدلالة الرواية على المدّعى ، ثمّ حمل الرواية على النافلة جمعاً ، وهي صريحة في النافلة ورواية الفضلاء صريحة في ذلك أيضاً ، وأظنّ أنّ الاحتجاج بعيد عن المفيد.

ثمّ إنّ العلاّمة نقل عن ابن أبي عقيل أنّ أوّل وقت الظهر زوال‌

__________________

(١ و ٢) المختلف ٢ : ٤١.

(٣) الفقيه ١ : ١٤٠ / ٦٥٣.

(٤) تقدم في ص ١٢٣٥.


الشمس إلى أن ينتهي الظلّ ذراعاً واحداً أو قدمين من ظلّ قامته بعد الزوال ، فإن جاوز ذلك فقد دخل الوقت الآخر(١) ، قال العلاّمة : مع أنّه يعني ابن أبي عقيل حكم أنّ الوقت الآخر لذوي الأعذار ، فإن أخّر المختار الصلاة من غير عذر إلى آخر الوقت فقد ضيّع صلاته وبطل عمله ، وكان عند آل محمّد إذ صلاّها في آخر وقتها قاضياً لا مؤدّياً للفرض في وقته(٢) ، ثمّ قال العلاّمة : واحتجّ بحديث زرارة عن الباقرعليه‌السلام وقد ذكرناه في احتجاج المفيد(٣) .

وأنت خبير بدلالة الرواية على خلافه إن كانت هي المذكورة ، ثمّ ذكر أيضاً في الاحتجاج ما رواه محمّد بن حكيم قال : سمعت العبد الصالحعليه‌السلام يقول : « أوّل وقت الظهر زوال الشمس وآخر وقتها قامة من الزوال » وقد روى عليّ بن أبي حمزة قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « القامة هي الذراع » وقال له أبو بصير : كم القامة؟ فقال : « ذراع ».

ثمّ أجاب العلاّمة عن هاتين في جملة ما تقدّم بالحمل على النافلة أو الأفضل ، ولا يخفى أنّ فيه اعترافاً بأنّ القامة هي الذراع ، والخبران الدالاّن على ذلك حالهما غير خفيّة ، فلا أدري الوجه في عدم التفات العلاّمة إلى وهن هذه الاستدلالات ، والأخبار المذكورة قد تقدّمت في الباب السابق(٤) وإنّما أخّرنا الكلام فيها من هذا الوجه لمناسبة آخر الوقت.

وقد نقل العلاّمة أيضاً : أنّ آخر وقت العصر غروب الشمس ، ذهب‌

__________________

(١) في « رض » : الأخير.

(٢) المختلف ٢ : ٣٧.

(٣) المختلف ٢ : ٤١.

(٤) في ص ١٢٦٨.


إليه المرتضى في الجمل ، وهو اختيار ابن الجنيد وابن إدريس وابن زهرة ، وقال المفيد : يمتدّ وقتها إلى أن تتغيّر لون الشمس باصفرارها للغروب ، وللمضطرّ والناسي إلى غروبها ، وقال الشيخ في الخلاف : وآخره إذا صار ظلّ كلّ شي‌ء مثليه.

وقال في المبسوط : آخره إذا صار ظلّ كلّ شي‌ء مثليه ، فإذا صار كذلك فقد فات وقت العصر ، هذا وقت الاختيار ، فأمّا وقت الضرورة فهما مشتركان فيه إلى أن يبقى من النهار مقدار ما يصلّى فيه أربع ركعات ، فإذا صار كذلك اختصّ بوقت العصر إلى أن تغرب الشمس ، واختاره ابن البراج وابن حمزة وأبو الصلاح ـ إلى أن قال العلاّمة ـ : احتجّ الشيخ بما تقدّم من الروايات ، وقد سبق الجواب عنها أنّ ذلك للفضيلة ، لا للإجزاء.

واحتجّ المفيد بما رواه سليمان بن جعفر في الصحيح قال : قال الفقيه : « آخر وقت العصر ستّة أقدام ونصف » وهو إشارة إلى الاصفرار ؛ لأنّ الظل آخر النهار يقسّم سبعة أقدام.

والجواب المراد بذلك وقت الفضيلة جمعاً بين الأخبار.(١) انتهى ملخّصاً.

ولا يخفى أنّ دلالة الأخبار الأوّلة على مدّعى الشيخ غير وافية ، وأمّا الأخير : ففيه العبيدي ، والعلاّمة حاله فيه مضطربة في المختلف ، أمّا سليمان بن جعفر فظاهره أنه جازم بكونه الجعفري ، وقد قدّمنا فيه الاحتمال وبُعده ، وقول شيخناقدس‌سره : إنّه ابن حفص على الظاهر(٢) ، وبالجملة‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٤٢ ٤٣ ، وهو في السرائر ١ : ١٩٥ ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٥٦ ، المقنعة : ٩٣ ، الخلاف ١ : ٢٥٩ ، المبسوط ١ : ٧٢ ، المهذب ١ : ٦٩ ، الكافي في الفقه : ١٣٧ ، المراسم : ٦٢.

(٢) في ص ١٢٧٥.


فالمقام من مزالّ الأقدام وبالله الاعتصام.

بقي شي‌ء ، وهو : أنّ ما تضمّنه الخبر الأخير من قوله : « وإنّما الرخصة » إلى آخره. محتمل لأن يكون من مقول يقال ، ويحتمل أن يكون من الإمامعليه‌السلام ، والفرق واضح ، وثمرته كذلك.

اللغة‌ :

قال في القاموس : الدنف محركةً المرض اللازم ، ودَنِفَ المرض كفرح ثقل وأدنفه المرض فهو مدنِف ومدنَف(١) .

قوله :

باب وقت المغرب والعشاء الآخرة.

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن موسى بن جعفر البغدادي ، عن الحسن بن عليّ الوشّاء ، عن عبد الله بن سنان ، عن عمرو بن أبي نصر قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول في المغرب : « إذا توارى القرص كان وقت الصلاة والإفطار ».

عنه ، عن أحمد بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن القاسم مولى أبي أيّوب ، عن عبيد بن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا غربت الشمس دخل (٢) وقت الصلاتين إلى نصف الليل إلاّ أنّ هذه قبل هذه ، وإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلاّ أنّ‌

__________________

(١) القاموس المحيط ٣ : ١٤٦ ( الدنف ).

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٦٢ / ٩٤١ : في المغرب إذا توارى القرص كان.


هذه قبل هذه ».

أحمد بن محمد ، عن عليّ بن الحكم ، عمّن حدّثه ، عن أحدهماعليه‌السلام أنّه سئل عن وقت المغرب فقال : « إذا غاب كرسيّها » قلت : وما كرسيّها؟ قال : « قرصها » قلت : متى يغيب قرصها قال : « إذا نظرت إليه فلم تره ».

عنه ، عن محمّد بن أبي الصهبان ، عن عبد الرحمن بن حمّاد ، عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي أُسامة الشحّام قال : قال رجل لأبي عبد اللهعليه‌السلام أُؤخّر المغرب حتّى تستبين النجوم قال ، فقال : « خطّابيّة ، إنّ جبرئيلعليه‌السلام نزل بها على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله حين سقط القرص ».

الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن عبد الله بن سنان قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها ».

سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى وموسى بن جعفر ، عن أبي جعفر ، عن أبي طالب عبد الله بن الصلت ، عن الحسن ابن عليّ بن فضّال ، عن داود بن أبي يزيد وهو داود بن فرقد عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب حتّى يمضي مقدار ما يصلّي المصلّي ثلاث ركعات ، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة حتّى يبقى من انتصاف الليل مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات ، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت المغرب وبقي وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف الليل ».


الحسن بن محمّد بن سماعة ، عن الميثمي ، عن أبان ، عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي المغرب حين تغيب الشمس حتى يغيب حاجبها ».

عنه ، عن سليمان بن داود ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « وقت المغرب حين تغيب الشمس ».

عنه ، عن محمّد بن زياد ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « وقت المغرب من حين تغيب الشمس إلى أن تشتبك النجوم ».

عنه ، عن عبد الله بن جبلة ، عن ذريح عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : « إنّ جبرئيلعليه‌السلام أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في الوقت الثاني في المغرب قبل سقوط الشفق ».

عنه ، عن صفوان بن يحيى ، عن إسماعيل بن جابر ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن وقت المغرب قال : « ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق ».

السند‌ :

في الأوّل : فيه موسى بن جعفر البغدادي وقد تقدّم(١) أنّه مهمل في الرجال. وعمرو بن أبي نصر ثقة ، وغيرهما تقدّم القول فيه(٢) .

والثاني : فيه القاسم مولى أبي أيّوب ، وهو في الرجال : القاسم بن‌

__________________

(١) في ص ٢٩٢ ، ١٢٥٦.

(٢) كمحمد بن علي بن محبوب في ص ٤٤ ، الحسن بن علي الوشاء في ص ١١١ ، عبد الله بن سنان في ص ١٥٤.


عروة مولى أبي أيّوب ، والراوي عنه في النجاشي الحسين بن سعيد عن النضر(١) ، وفي الفهرست الحسين بن سعيد عنه(٢) .

والذي في الأخبار كما في الفهرست على ما وقفت عليه ، إلاّ في هذا الموضع ، فإنّ الراوي كما ترى ابن أبي نصر ، وعلى كلّ حال قد قدّمنا عن ابن داود أنّه نسب مدحه إلى الكشّي على ما حكاه بعض محقّقي المتأخّرين(٣) رحمه‌الله .

والذي في الكشّي : القاسم بن عروة مولى لبني أيّوب(٤) الخوزي وزير أبي جعفر المنصور(٥) .

والمنقول عنه حكاية كلام ابن داود قال : إنّ كون القاسم وزير أبي جعفر المنصور أقرب إلى الذم من المدح(٦) .

وأنت خبير بأنّ قول الكشّي محتمل لأن يكون الوزير أيّوب لا القاسم ، بل هو الظاهر من كتاب الشيخ ؛ لأنّه ذكر القاسم بن عروة في رجال الصادقعليه‌السلام قائلاً : أنّه مولى أبي أيّوب ، وكان أبو أيّوب من موالي المنصور(٧) . وإنّما قلنا : الظاهر لأنّ كلام الشيخ أيضاً مخالف للكشّي كما لا يخفى ، إلاّ أنّ فيه دلالةً على أنّ المتعلّق بالمنصور ليس القاسم ، وبالجملة فالأمر غير مهمّ إلاّ أنّ المقصود بيان الحال.

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣١٤ / ٨٦٠.

(٢) الفهرست : ١٢٧ / ٥٦٦.

(٣) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢١.

(٤) في المصدر : أبي أيّوب.

(٥) رجال الكشي ٢ : ٦٧٠ / ٦٩٥.

(٦) مجمع الفائدة ٢ : ٢١.

(٧) رجال الطوسي : ٢٧٦ / ٥١.


وقد ذكر الشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام : القاسم بن عروة روى عنه البرقي أحمد(١) ، فليتأمّل.

والثالث : فيه الإرسال ، وعليّ بن الحكم هو الثقة بتقدير الاشتراك ؛ لما قدّمناه(٢) من رواية أحمد بن محمّد عنه.

والرابع : فيه عبد الرحمن بن حمّاد ، وهو مهمل في الفهرست(٣) .

ولا يخفى ما في مرجع الضمير في « عنه » من مخالفة الاصطلاح للشيخ ؛ لأنّ رواية أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن ابي الصهبان لا وجه لها ، بل الراوي عنه محمّد بن يحيى العطّار وأحمد بن إدريس ونحوهما ، والظاهر أنّ الضمير راجع إلى محمّد بن عليّ بن محبوب ؛ لرجوع الضمير الأوّل إليه ، ووقوع رواية أحمد في الأثناء لا يبعد أن يكون من الكافي ، كما هي عادة محمّد بن يعقوب في البناء على الإسناد السابق ، كما نبّهنا عليه سابقاً.

وأمّا إبراهيم بن عبد الحميد ومن معه فقد مضى ما يكشف الحال.

والخامس : لا ارتياب في صحّته كما مضى(٤) .

والسادس : تقدّم(٥) بعينه عن قريب.

والسابع : مضى أيضاً مثله غير بعيد ، وبيّنا أنّ الميثمي وإن كان مشتركاً إلاّ أنّ المراد به هنا أحمد بن الحسن ، لرواية الحسن بن محمّد بن‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٤٩٠ / ٨.

(٢) في ص ١٨٠.

(٣) الفهرست : ١٠٩ / ٤٦٥.

(٤) أي الحسين بن سعيد ص ٤٩ ، النضر بن سويد ص ١٣٨ ، عبد الله بن سنان ص ١٥٤.

(٥) في ص ١٢٨٤.


سماعة عنه كما في النجاشي(١) . وأبان قدّمنا(٢) أيضاً أنّه ابن عثمان ؛ لما يظهر من النجاشي(٣) .

والوجه فيه أنّه قال في السند إليه : حدّثنا الحسن بن محمّد بن سماعة قال : حدّثنا أحمد بن الحسن الميثمي بكتابه عن الرجال ، وعن أبان بن عثمان. وهذه العبارة محتملة لأن يكون المراد : حدّثنا بكتابه عن الرجال الشيوخ ، وعن أبان بن عثمان بالخصوص ، ويحتمل أن يكون « وعن أبان » راجعاً إلى الحسن بن سماعة أنّه أخبر عن الحسن وعن أبان ، لكنّ الأوّل له ظهور ، وإن كان في قوله : عن الرجال. نوع إجمال ، إلاّ أنّ احتمال إرادة الشيوخ أيضاً له ظهورٌ.

وممّا يؤيّد الأوّل : وجود الرواية عن أبان في مواضع منها ما نحن فيه ، واحتمال أن يقال بعدم تعيّن أبان لابن عثمان ليفيد المطلوب ، يدفعه الظاهر.

ومن العجب ما اتّفق للعلاّمة في أحمد بن الحسن أنّه قال : واقفيٌ ، قال النجاشي : وهو على كلّ حال(٤) ثقة صحيح الحديث معتمد عليه. وعندي فيه توقف(٥) . والحال أنّه في حميد بن زياد حَكَمَ بقبول قوله إذا خلا عن المعارض ونحوه(٦) .

وقول النجاشي في أحمد بن الحسن : إنّه صحيح الحديث معتمدٌ ،

__________________

(١) رجال النجاشي : ٧٤ / ١٧٩.

(٢) في ص ١٣٠.

(٣) رجال النجاشي : ٧٤ / ١٧٩.

(٤) في الخلاصة : كل وجه.

(٥) خلاصة العلاّمة : ٢٠١.

(٦) خلاصة العلاّمة : ٥٩.


أقرب للقبول من الخالي عن مثل هذا ، على أنّ كلام النجاشي لا يعطي الوقف في نظري القاصر ، بل يحتمل أن يكون أراد عدم التصريح بالردّ لقول من قال ، ويؤيّد هذا عدم التصريح منه بتوثيق الحسن بن موسى(١) ، فليتأمّل.

فإن قلت : الخشّاب ليس في الكشي(٢) ، فمن أين حكم النجاشي بأنّه الخشّاب؟

قلت : هو أعلم بالحال ، ولعلّ الخشّاب في نسخة الكشّي عند النجاشي ، والموجود الآن خال منها.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ إسماعيل بن الفضل الهاشمي ذكر العلاّمة أنّه ثقة رُوِيَ عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال : « إنّه كهل من كهولنا وسيّد من ساداتنا » وكفاه بهذا شرفاً مع صحّة الرواية(٣) .

وذكر شيخنا أيّده الله في كتاب الرجال أنّ الذي في الكشي : محمّد بن مسعود قال : حدّثني عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال أنّ إسماعيل بن الفضل كان من ولد نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، وكان ثقة من أهل البصرة ، وأمّا سند الرواية المذكورة في الخلاصة فلم أطّلع الآن عليه(٤) . انتهى.

والأمر كما قال ، إلاّ أنّ العلاّمة كلامه لا يقتضي صحّة الرواية ، بل يحتمل أن يريد لو صحّت الرواية ، نعم اقتصار العلاّمة على كونه من‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤٢ / ٨٥.

(٢) انظر رجال الكشي ٢ : ٧٦٨ / ٨٩٠.

(٣) خلاصة العلاّمة : ٧ / ١.

(٤) منهج المقال : ٥٨. وهو في رجال الكشي ٢ : ٤٨٢ / ٣٩٣.


أصحاب الباقر كما يعلم من الخلاصة(١) لا وجه له ، فإنّه روى عن الصادقعليه‌السلام في هذه الرواية ، والشيخ ذكره في رجال الإمامينعليهما‌السلام من كتابه ، قائلاً في رجال الباقرعليه‌السلام : إنّه ثقة من أهل البصرة(٢) . وقد يظنّ أنّ هذا من الكشّي للرواية ، إلاّ أنّ احتمال غيره ممكن ، والله أعلم.

والثامن : فيه سليمان بن داود ، وهو مشترك بين مهملين(٣) ، ومن قال النجاشي : إنه غير متحقّق بنا ، وهو ثقة(٤) . وغيره معلوم الحال.

والتاسع : فيه محمّد بن زياد ، وقد مضى أنه مشترك(٥) .

والعاشر : فيه ابن جبلة.

والحادي عشر : فيه ابن سماعة الراجع إليه الضمير في الظاهر ، فليتأمّل.

المتن :

من المهمّ قبل القول فيه ذكر الأقوال المنقولة في المسألة ، فعن السيّد المرتضى في الجمل : إذا غربت الشمس دخل وقت المغرب ، فإذا مضى مقدار ثلاث ركعات دخل وقتُ العشاء الآخرة ، واشتركت الصلاتان في الوقت إلى أن يبقى لانتصاف الليل مقدار أربع ركعات ، فيخرج وقت المغرب ويختص ذلك المقدار للعشاء الآخرة(٦) ، واختاره ابن الجنيد(٧) ،

__________________

(١) خلاصة العلاّمة : ٧ / ١.

(٢) رجال الطوسي : ١٠٥ / ١٧ ، ١٤٧ / ٨٨.

(٣) رجال الطوسي : ٢٠٨ / ٩٦ ، ٣٧٨ / ٦.

(٤) رجال النجاشي : ١٨٤ / ٤٨٨.

(٥) راجع ص ٢٠٤.

(٦) حكاه عنهما في المختلف ٢ : ٤٤.

(٧) حكاه عنهما في المختلف ٢ : ٤٤.


وابن زهرة(١) ، وابن إدريس(٢) .

وعن المفيد : آخر وقتها غيبوبة الشفق ، وهو الحمرة في المغرب ، والمسافر عند المغرب في سعة من تأخيرها إلى ربع الليل(٣) . وبه قال الشيخ في النهاية(٤) ، وفي المبسوط قال : آخره غيبوبة الشفق للمختار ، وللمضطر إلى ربع الليل(٥) . وفي الخلاف غيبوبة الشفق(٦) ، وأطلق. وبه قال ابن البرّاج(٧) .

وعن المرتضى قول آخر : إنّ آخر وقتها غيبوبة الشفق(٨) . وعن ابن أبي عقيل : أوّل الوقت سقوط القرص ، وعلامته أن يسودّ أُفُق السماء من المشرق ، وذلك إقبال الليل وتقوية للظلمة في الجوّ واشتباك النجوم ، فإن جاوز ذلك بأقلّ قليل حتى يغيب الشفق فقد دخل في الوقت الأخير(٩) .

وعن ابن بابويه : وقت المغرب لمن كان في طلب المنزل في سفر إلى ربع الليل ، وكذا للمفيض من عرفات(١٠) .

وعن سلاّر : يمتدّ وقت العشاء الأوّل إلى أن يبقى لغياب الشفق الأحمر مقدار ثلاث ركعات(١١) . وعن أبي الصلاح : آخر وقت الإجزاء‌

__________________

(١) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٥٦.

(٢) السرائر ١ : ١٩٥.

(٣) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٤٤ ، وهو في المقنعة : ٩٣.

(٤) النهاية : ٥٩.

(٥) المبسوط ١ : ٧٤ ٧٥.

(٦) الخلاف ١ : ٢٦١.

(٧) المهذب ١ : ٦٩.

(٨) المسائل الناصرية ( الجوامع الفقهية ) : ١٩٣.

(٩) نقله عنه في المختلف ٢ : ٤٤.

(١٠) الفقيه ١ : ١٤١.

(١١) المراسم : ٦٢.


ذهاب الحمرة من المغرب ، وآخر وقت المضطرّ ربع الليل(١) .

إذا عرفت هذافالأوّل : يدلّ على أنّ القرص إذا توارى كان وقت الصلاة ، وغير خفيّ إطلاق التواري ، إلاّ أنّ المتبادر التواري عن الأُفق الحسّي ، والمنقول عن السيّد كما ترى أوّلاً غروب الشمس(٢) ، وقد يدّعى إرادة التواري عن الأُفق الحسّي ، واحتمال غيره ممكن ، والمصرّح به من المنقولة أقوالهم منتف ، لكنّ المنقول من بعض المتأخّرين عن الشيخ القول بغيبوبة القرص(٣) . والذي ذكرته من المختلف.

وفي الحبل المتين : أنّ ذلك مذهب الشيخ في المبسوط والاستبصار وابن الجنيد ، والمرتضى في بعض كتبه ، وابن بابويه في علل الشرائع(٤) . والذي سمعته من قول ابن الجنيد على ما حكاه في المختلف لا يعطي ذلك إلاّ على ما احتملناه ، ولعلّ ابن الجنيد والسيّد صرّحا في كتبهما بما نقل ، وأمّا الاستبصار فالأخبار المبدوء بها إن كانت مذهباً فالخبر المبحوث عنه كما ذكرناه له دلالةٌ.

وأما الثاني : فقد تضمّن الغروب ، والظاهر أنّ الشيخ فهم منه غيبوبة القرص لما يدلّ عليه كلامه في المعارض ، إلاّ أنّ فيه ما ستسمعه إن شاء الله.

والثالث : ظاهر الدلالة على المطلوب ، وهو متناول لمطلق الأُفق.

والرابع : كذلك.

__________________

(١) الكافي في الفقه : ١٣٧.

(٢) راجع ص ٣١٩.

(٣) كالمنتهى ١ : ٢٠٣.

(٤) الحبل المتين : ١٤٢ ، المبسوط ١ : ٧٤ ، الاستبصار ١ : ٢٦٥ ، حكاه عنه في المختلف ١ : ٤٤ ، حكاه عن السيد في الجمل في المختلف ١ : ٤٤.


والخامس : نحوه.

والسادس : فيه الغيبوبة وله دلالةٌ على قول السيّد المرتضى(١) أوّلاً.

والسابع : فيه غيبوبة الشمس إلاّ أنّ قوله : « حتى يغيب حاجبها » غير واضح المعنى ، ويحتمل أن يكون لفظ « حتى » مصحّفاً وإنّما هو « حين » ويراد بالحاجب المانع من مشاهدة الأُفق من غيم ونحوه ، ويحتمل أن يكون « حتى » صحيحة ، والمراد بالحاجب الشعاع.

وقد نقل بعض المخالفين في شرح حديثهم عن مالك أنّه قال : وقت المغرب يدخل بغيبوبة الشمس وشعاعها المستولي عليها. وفيه دلالة على رجحان الاحتمال ، إلاّ أنّ عمل الشيخ بمقتضى الأخبار المذكورة على هذا التقدير يفيد اعتبار غيبوبة القرص مع الشعاع.

وما تضمّن من الأخبار غيبوبة الكرسي والقرص يقتضي عدم اعتبار غيبوبة الشعاع ، إلاّ أن يحمل المطلق على المقيّد ، فإطلاق بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله غيبوبة القرص في أنّه مذهب الشيخ في الاستبصار(٢) لا يخفى ما فيه بعد ما قلناه ، ولم أقف الآن على مصرّح بهذا.

وما يأتي من الحديث المتضمّن لصعود أبي قبيس ورؤية الشمس ربما يدلّ على مطلق غيبوبة القرص ، إذ من المستبعد غيبوبة الشعاع مع بقاء القرص خلف جبل أبي قبيس ، إلاّ أنّ باب الاحتمال واسع.

والثامن : تضمّن غيبوبة الشمس ، وقد سمعت القول(٣) في ذلك.

والتاسع : كما ترى تضمّن الابتداء والغاية في الوقت ، وحمله على‌

__________________

(١) راجع ص ١٢٩٥.

(٢) البهائي في الحبل المتين : ١٤٢.

(٣) في ص ١٢٩٦.


نهاية الفضيلة ممكن ، إلاّ أنّه لا يوافق مذهب الشيخ الآتي بيانه : من أنّ آخر الأوّل وقت الاختيار إلى غيبوبة الشفق. ولا مذهب غيره : من أنّ آخر وقت الفضيلة غيبوبة الشفق ، إلاّ أنّ الأقوال التي سمعتها ليس فيها القول بوقت الفضيلة ، بل في كلام أبي الصلاح آخر وقت الإجزاء ذهاب الحمرة ، وآخر وقت المضطر ربع الليل(١) . وظاهرٌ أنّ مراده بالإجزاء الاختيار ، وسيأتي من شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب الحمل على الاستحباب. ومضى في فوائد شيخنا أيّده الله في باب أنّ لكلّ صلاة وقتين ذكر وقت الفضيلة(٢) ، وسيأتي من الشيخ تصريح بأنّه يقول في هذا الكتاب بزوال الحمرة في الغيبوبة ، حيث قال بعد ذكر خبرين : إنّهما لا ينافيان ما اعتبرناه في غيبوبة الشمس من زوال الحمرة ؛ لأنّه لا يمتنع أن يكون قد زالت الحمرة عنها وإن كانت الشمس باقيةً خلف الجبل ، لأنّها تغرب عن قوم وتطلع على آخرين ، وهذا كما ترى يوجب تقييد هذه الأخبار الواردة في الغيبة على الإطلاق.

فالعجب من بعض محقّقي المعاصرين حيث نسب إلى الشيخ في الكتاب القول بسقوط القرص على الإطلاق(٣) .

وبالجملة : فالعمل بمجرّد هذه الأخبار من دون التفات إلى منتهى الأحاديث معلوم الانتفاء ، على أنّ معلوميّة إفتاء الشيخ في الكتاب محلّ تأمّل كما يظهر لمن تتبّعه.

إذا عرفت هذا فالخبر المبحوث عنه كما يحتمل ما قدّمناه يحتمل أن يراد أنّ أوّل الاختيار أوّل الفضيلة ممتدّاً إلى اشتباك النجوم ، وحينئذ‌

__________________

(١) الكافي في الفقه : ١٣٧.

(٢) في ص ١٢٤٩.

(٣) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢١.


لا ينافي ما دلّ على منتهى الفضيلة أو الاختيار إلى أزيد من ذلك ، أو يحمل اشتباك النجوم على ذهاب الشفق ، وفيه ما فيه.

والعاشر (١) : ظاهرُ الدلالة على أنّ وقتي المغرب قبل الشفق ، والشيخ غير قائل على ما يظهر ممّا يأتي ، والقائل بأنّ الأوّل للفضيلة والثاني للإجزاء لا أظنّه يقول بهذا ، ويمكن حمل الثاني على ثاني الفضيلة(٢) على معنى تفاوت الفضيلة ، وحينئذ يكون الإجزاء بعد الشفق ، ولم أرَ من صرّح به ، وعلى كلّ حال إطلاق أنّ الشيخ قائل بالأخبار المذكورة مشكل.

والحادي عشر (٣) : تضمّن الغروب ، الاّ أنّ ما يفيده من انحصار الوقت ينافي العاشر(٤) في الجملة ، والحمل على منتهى الفضل ممكن ، بخلاف ما يقوله الشيخ : من وقت الاختيار وأنّ المحدود وقت واحد والعاشر(٥) تضمّن وقتين.

ويمكن التوجيه بعدم المانع من قول الشيخ : بأنّ الأوّل وقت المختار ويتفاوت في الفضل ، كما مضى نحوه في وقتي الظهرين ، فليتأمّل في ذلك كلّه فإنه حريّ بالتأمّل التام على تقدير العمل بجميع الأخبار في المقام.

بقي شيئان ،أحدهما : أنّ ما تضمّنه الثاني من دخول الوقتين الكلام فيه بالنسبة إلى الاشتراك من الأوّل وعدمه كما تقدّم في الظهرين ، إلاّ أنّ المعارض هنا وهو السادس يقتضي صرف الثاني إلى نفي الاشتراك من الأوّل عند من يعمل بالخبرين(٦) .

__________________

(١) في النسخ : التاسع ، والصواب ما أثبتناه.

(٢) في « فض » : الفريضة.

(٣) في النسخ : العاشر ، والصواب ما أثبتناه.

(٤) في النسخ : التاسع ، والصواب ما أثبتناه.

(٥) في النسخ : التاسع ، والصواب ما أثبتناه.

(٦) في « فض » زيادة : ومن لم يعمل بهما له الاستدلال بالآية الشريفة المفسَّرة بالخبر المعتبر وهو خبر زرارة الصحيح في الفقيه.


وثانيهما : أنّ الرابع تضمّن أنّ من أخّر الصلاة إلى أن تستبين النجوم كان خطّابيّاً ، والحال أنّ التأخير أعمّ من قصد الموافقة لأبي الخطّاب في كونه وقتاً أم لا ، والإشكال واضحٌ ، ولعلّ المراد تهويل التأخير ، أو أنهعليه‌السلام فهم من السائل اعتقاد التأخير ، والظاهر من الجواب الثاني. والخطّابية منسوبة إلى محمّد بن أبي زينب(١) أبي الخطّاب عليه ما يستحقه.

قوله :

فأمّا ما رواه الحسن بن سماعة ، عن صفوان بن يحيى ، عن يعقوب بن شعيب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن وقت المغرب قال : قال لي : « مسّوا بالمغرب قليلاً فإنّ الشمس تغيب عندكم قبل أن تغيب [ من ](٢) عندنا ».

عنه ، عن سليمان بن داود ، عن عبد الله بن الصباح قال : كتبتُ إلى العبد الصالحعليه‌السلام يتوارى القرص ويقبل الليل ثمّ يزيد الليل ارتفاعا وتستتر عنّا الشمس وترتفع فوق الليل ( حمرة ويؤذّن عندنا المؤذّنون أفأُصلّي حينئذ وأُفطر إن كنت صائماً ، أو أنتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الليل؟ )(٣) فكتب إليَّ : « أرى لك أن تنتظر [ حتى تذهب(٤) ] الحمرة وتأخذ بالحائطة لدينك ».

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن عليّ بن الصلت ، عن بكر بن‌

__________________

(١) في « فض » : أبي وهب.

(٢) ما بين المعقوفين أضفناه من الاستبصار ١ : ٢٦٤ / ٩٥١.

(٣) ما بين القوسين ساقط من « فض ».

(٤) ما بين المعقوفين أضفناه من الإستبصار ١ : ٢٦٤ / ٩٥٢.


محمّد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سأله سائل عن وقت المغرب ، فقال(١) : « إنّ الله ( عزّ وجلّ )(٢) يقول في كتابه لإبراهيمعليه‌السلام ( فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً )(٣) فهذا أوّل الوقت ، وآخر ذلك غيبوبة الشفق ، وأوّل وقت العشاء ذهاب الحمرة ، وآخر وقتها إلى غسق الليل نصف الليل ».

سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبي همام إسماعيل ابن همام قال : رأيت الرضاعليه‌السلام وكنّا عنده لم نصلّ المغرب حتى ظهرت النجوم ثمّ قام فصلّى بنا على باب دار ابن أبي محمود.

عنه ، عن أحمد بن محمّد ، عن داود الصرمي قال : كنت عند أبي الحسن الثالثعليه‌السلام يوماً فجلس يتحدّث(٤) حتى غابت الشمس ثمّ دعا بشمع وهو جالس يتحدّث ، فلمّا خرجت من البيت نظرت وقد غاب الشفق قبل أن يصلّي المغرب ، ثمّ دعا بالماء وتوضّأ وصلّى.

فالوجه(٥) في هذه الأخبار أحد شيئين : أحدهما أن يكون إنّما أمَرهم أن يمسّوا بالمغرب قليلاً ويحتاطوا ليتيقّن بذلك سقوط الشمس ؛ لأن حدّها غيبوبة الحمرة من(٦) ناحية المشرق لا غيبوبتها عن العين ، يدلّ على ذلك :

ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٦٤ / ٩٥٣ : قال.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٦٤ / ٩٥٣ : تعالى.

(٣) الأنعام : ٧٦.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٦٤ / ٩٥٥ : يحدّث.

(٥) في الاستبصار ١ : ٢٦٤ / ٩٥٥ زيادة : الأول.

(٦) في الاستبصار ١ : ٢٦٤ / ٩٥٥ : عن.


محمّد ، عن محمّد بن خالد والحسين بن سعيد ، عن القاسم بن عروة ، عن بريد بن معاوية ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني من المشرق فقد غابت الشمس من شرق الأرض ومن غربها ».

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن أبي عمير ، عن القاسم بن عروة ، عن بريد بن معاوية قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : « إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني من ناحية المشرق فقد غابت الشمس من شرق الأرض ومن غربها ».

عنه ، عن علي بن سيف ، عن محمّد بن عليّ قال : صحبت الرضاعليه‌السلام في السفر فرأيته يصلّي المغرب إذا أقبلت الفحمة من المشرق يعني السواد.

عنه ، عن عليّ بن أحمد بن أشيم ، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول : « وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق ، وتدري كيف ذلك؟ » قلت : لا ، قال : « لانّ المشرق مطلّ على المغرب هكذا ورفع يمينه فوق يساره فاذا غابت من ها هنا ذهبت الحمرة من ها هنا ».

محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن أحمد بن الحسن ، عن عليّ بن يعقوب ، عن مروان بن مسلم ، عن عمّار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إنّما أمَرت أبا الخطّاب أن يصلّي المغرب حين تغيب الحمرة من مطلع الشمس ، فجعله هو الحمرة التي من قبل المغرب ، فكان يصلّي حين يغيب الشفق ».


السند‌ :

في الأوّل : الحسن بن سماعة ، وقد تقدّم القول فيه مفصّلاً(١) من أنّ العلاّمة قال في الحسن بن محمّد بن سماعة : أبوه من ولد سماعة بن مهران(٢) .

والكشي قال : حدّثني حمدويه ، عن الحسن بن موسى قال : كان ابن سماعة واقفيّاً ، وذكر أنّ محمّد بن سماعة ليس من ولد سماعة بن مهران ، له ابن يقال له : الحسن بن سماعة واقفي(٣) . وهذا وإن اقتضى المغايرة للحسن بن محمّد بن سماعة ، إلاّ أنّ التحقيق الذي قدّمناه يغني عن الإعادة.

وفي كتاب شيخنا المحقّق في الرجال : الحسن بن سماعة بن مهران واقفي ، وليس بالحسن بن محمّد بن سماعة كما يأتي في موضعه(٤) . وأشار بما يأتي إلى ما نقله في الحسن بن محمّد بن سماعة من كلام الكشي ، وإذا راجعت ما مضى يتضح الحال ، غير أنّ المغايرة يقتضي أن يكون ما ذكره الشيخ في طرق الكتاب إلى الحسن بن محمّد بن سماعة(٥) لم يدخل فيه مثل الرواية عن الحسن بن سماعة ، إلاّ أن يقال : إنّ الحسن ابن سماعة هنا يراد به ابن محمّد بن سماعة ، وهو لا ينافي تلك المغايرة ، فليتأمّل.

__________________

(١) في ص ٩٧٦.

(٢) رجال العلاّمة : ٢١٢ / ٢ ، وفيه : وليس محمد بن سماعة أبوه من ولد سماعة بن مهران.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٧٦٨ / ٨٩٤.

(٤) منهج المقال : ١٠٠ ، ١٠٧.

(٥) انظر الاستبصار ٤ : ٣٢٨.


ويعقوب بن شعيب مضى عن قريب(١) ، غير أنّ في الرجال : يعقوب ابن شعيب الأزرق من رجال الباقرعليه‌السلام في كتاب الشيخ مهملاً(٢) . ولا سبيل إلى احتماله هنا بعد الرواية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، نعم في الفهرست أنّ الراوي عن يعقوب بن شعيب بن ميثم الثقة : الحسن بن سماعة(٣) ، والراوي عن الحسن : حميد ، وفي الخبر كما ترى صفوان هو الراوي عنه ، ولا بُعد فيه ، لكن في النجاشي الراوي عنه محمد بن أبي عمير(٤) ، والأمر سهلٌ.

والثاني : فيه سليمان بن داود ، وقد تقدّم أنّه مشترك(٥) . أمّا عبد الله بن الصباح فلم أقف عليه في الرجال ، وفي التهذيب : عبد الله بن وضّاح(٦) . وهو ثقة ، والظاهر أنّه الصواب.

والثالث : فيه علي بن الصلت ، وهو مهمل في النجاشي(٧) والفهرست(٨) .

إلاّ أني رأيت في كتاب الحجّ من التهذيب رواية عن عليّ بن الريان ابن الصلت(٩) ، وفيه أيضاً : عن عليّ بن الصلت(١٠) ، فيحتمل الاتحاد ،

__________________

(١) في ص ١٢١٩.

(٢) رجال الطوسي : ١٤٠ / ١٥.

(٣) الفهرست : ١٨٠ / ٧٩٥.

(٤) رجال النجاشي : ٤٥٠ / ١٢١٦.

(٥) راجع ص ١٢٩٥.

(٦) التهذيب ٢ : ٢٥٩ / ١٠٣١.

(٧) رجال النجاشي : ٢٧٩ / ٧٣٥.

(٨) الفهرست : ٩٦ / ٤٠٦.

(٩) التهذيب ٥ : ٢٠٩ / ٧٠١.

(١٠) التهذيب ٥ : ١٨١ / ٦٠٥.


ويكون ثقة ، والراوي عن ابن الريان : عليّ بن إبراهيم في النجاشي(١) والفهرست(٢) . وعن ابن الصلت في الفهرست : أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه(٣) . والمرتبة غير بعيدة ، إلاّ أنّ باب الاحتمال واسعٌ ، والنجاشي محقّق ، وذكر الرجلين قرينة التعدّد.

وأمّا بكر بن محمّد فهو مشترك(٤) ، إلاّ أنّ الظاهر كونه بكر بن محمّد الأزدي الثقة في النجاشي(٥) ؛ لأنّ الصدوق رواها عن بكر بن محمّد(٦) ، وفي الطرق ذكر الطريق إلى بكر بن محمد الأزدي(٧) . والظاهر إرادة الأزدي في أصل الكتاب عند الإطلاق ، وما قاله بعض محقّقي المتأخّرينرحمه‌الله : من تعيّن كونه الأزدي لأنّ غيره لم يرو عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٨) . ففيه : أنّ من أصحاب الصادقعليه‌السلام بكر بن محمّد العبدي مهملاً في كتاب الشيخ(٩) .

والرابع : لا ارتياب فيه.

والخامس : فيه داود الصرمي ، والموجود في كتاب الشيخ من رجال علي بن الحسينعليهما‌السلام داود الصرمي مهملاً(١٠) . والرواية كما ترى عن أبي الحسن الثالثعليه‌السلام ، وفي النجاشي داود بن مافِنَّة الصرمي ، وروى عن‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٧٨ / ٧٣١.

(٢) الفهرست : ٩٠ / ٣٧٦.

(٣) الفهرست : ٩٦ / ٤٠٦.

(٤) انظر هداية المحدثين : ٢٥.

(٥) رجال النجاشي : ١٠٨ / ٢٧٣.

(٦) الفقيه ١ : ١٤١ / ٦٥٧.

(٧) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٣٣.

(٨) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢٢.

(٩) رجال الطوسي : ١٥٦ / ٣٠.

(١٠) رجال الطوسي : ٨٨ / ١.


الرضاعليه‌السلام ، وبقي إلى أيّام أبي الحسن صاحب العسكرعليه‌السلام (١) . وحينئذ تعيّن أنّه المذكور ، وهو مهمل أيضاً.

والسادس : فيه القاسم بن عروة ، وقد تقدّم القول فيه(٢) .

وحكى بعض محقّقي المتأخّرينرحمه‌الله أنّ العلاّمة وصف بعض الأحاديث الذي هو فيها بالصحة(٣) . وفيه ما فيه. ومحمّد بن خالد هو البرقي لرواية أحمد بن محمّد بن عيسى عنه كما يستفاد من الرجال(٤) .

والسابع : فيه القاسم بن عروة.

والثامن : فيه عليّ بن سيف ، والمذكور في الرجال عليّ بن سيف بن عميرة ثقة في النجاشي(٥) . وفي رجال الرضاعليه‌السلام من كتاب الشيخ مهملاً(٦) . ومحمّد بن عليّ فيه اشتراك(٧) .

والتاسع : فيه عليّ بن أحمد بن أشيم ، وهو مجهول الحال على ما صرّح به في الرجال(٨) .

والعاشر : فيه أحمد بن الحسن وفيه اشتراك(٩) ، إلاّ أنّ ابن فضّال كأنّه قريب ؛ لأنّ الراوي عنه الصفّار وهو في مرتبة ابن محبوب ، مضافاً إلى روايته عن عمّار الساباطي بكثيرٍ ، وإن كانت الوسائط مختلفة ، لكن‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٦١ / ٤٢٥.

(٢) في ص ٣١٩.

(٣) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢٢ ، وهو في المختلف ٢ : ٦٠.

(٤) انظر الفهرست : ١٤٨ / ٦٢٨.

(٥) رجال النجاشي : ٢٧٨ / ٧٢٩.

(٦) رجال الطوسي : ٣٨٢ / ٣١.

(٧) انظر هداية المحدثين : ٢٤٤.

(٨) راجع خلاصة العلاّمة : ٢٣٢ / ٥.

(٩) انظر هداية المحدثين : ١٧٠.


الاحتمال واسع الباب. وعليّ بن يعقوب مجهول.

المتن :

في الأوّل : ربما يستفاد منه اعتبار غيبوبة الحمرة ، والحمل على الاستحباب ممكن ؛ لوجود المعارض الآتي والسابق الدال على غيبوبة القرص ؛ واحتمال تقييد ما دلّ على غيبوبة القرص بذهاب الحمرة له وجه عند من يعمل بالخبر المبحوث عنه ونحوه.

وتوجيه الشيخ للأمر في هذا الخبر لا يخلو من نوع قصور عبارةً ومراداً ؛ لأنّ قوله : أحدهما أن يكون إنّما أمرهم أن يمسّوا بالمغرب قليلاً أو يحتاطوا(١) ليتيقّن بذلك سقوط الشمس ، لأنّ حدّها غيبوبة الحمرة. يقتضي التردّد ، ويفيد أنّ الأمر إمّا للوجوب أو للاحتياط ، والحال أنّ الأمر للوجوب عند المحققين.

ولو احتُمل أن يكون في الحديث للاستحباب بقرينة السياق لم يتمّ مطلوب الشيخ من الحكم بأنّ الغيبوبة حدّ لا غيبوبة الشمس عن العين ، على أنّ يعقوب بن شعيب كوفّي على ما في كتاب الشيخ(٢) ، والصادقعليه‌السلام مدني ، والاختلاف بين الكوفة والمدينة في الأُفق تبعد ملاحظته من الشارع ، فالظاهر أنّ اعتبار الاستحباب له وجه.

وينقل عن الشهيد في الذكرى أنّه حمل الأخبار المتضمّنة للتوقيت بغيبوبة القرص على ذهاب الحمرة ، حملاً للمطلق على المقيّد(٣) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٦٥ : ويحتاطوا.

(٢) رجال الطوسي : ٣٣٦ / ٥٣.

(٣) الذكرى : ١٢٠.


ولا يخلو من وجهٍ لو تكافأت الأخبار ، والذي سنده خالٍ من الارتياب في هذا الباب غير صريح في التوقيت بغيبوبة الحمرة ، وهو الرابع ، لاحتماله الضرورة بوجه لا يعلمه الراوي.

والثاني : كما ترى يدلّ على أنّهعليه‌السلام أراد الاحتياط ، وهو دليل على أنّ اعتبار ذهاب الحمرة للاستحباب ، على أنّ مقتضى الخبر حصول الليل وهو السواد في الأُفق ، وتكون الحمرة فوقه ، والخبر التاسع يعطي الاكتفاء بمجرد ظهور السواد في الأفق ، الاّ أن يحمل ذاك على هذا لو صحّ السندان.

وما اعتبره جدّي(١) قدس‌سره وغيره(٢) فيما أظنّ من وصول الحمرة إلى قمّة الرأس يدلّ عليه رواية غير نقيّة السند رواها الشيخ في التهذيب(٣) ، وقد يدلّ عليه هذا الخبر من حيث قوله : « ذهاب الحمرة » والأمر كما ترى ، وصريح الخبر المبحوث عنه أنّ ما ذكر فيه على سبيل الاحتياط.

والثالث : ظاهر في أنّ رؤية الكوكب أوّل الوقت ، ولا يبعد كونه دالاًّ على غيبوبة الحمرة بالكناية.

وقوله : « إنّ الله يقول في كتابه لإبراهيم » لا يخلو من خفاء ؛ إذ الظاهر يقول حكايةً لإبراهيم أو عن إبراهيم ، والخبر موصوفٌ بالصحة في المختلف والحبل المتين(٤) ، والذي هنا قد سمعت القول في سنده ، وفي الفقيه طريقه إلى بكر بن محمد الأزدي فيه : إبراهيم بن هاشم(٥) .

__________________

(١) الروضة البهية ١ : ١٧٨ ، المسالك ١ : ٢٠.

(٢) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢٣.

(٣) التهذيب ٤ : ١٨٥ / ٥١٦ ، الوسائل ٤ : ١٧٣ أبواب المواقيت ب ١٦ ح ٤.

(٤) المختلف ٢ : ٤٧ ، الحبل المتين : ١٤١.

(٥) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٣٣.


والخبر دالّ على انتهاء وقت المغرب بغيبوبة الشفق ، وهو يتناول المختار وغيره ، كما هو المنقول عن الشيخ في الخلاف(١) ، وقد مضى في آخر الباب السابق خبر عبيد بن زرارة المعتبر الدال على وقتي الظهرين(٢) ، فإنّ في التهذيب(٣) فيه زيادةً تركها الشيخ في هذا الكتاب ، وهي : « ومنها صلاتان أوّل وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل ، إلاّ أنّ هذه قبل هذه » وحينئذ يحمل هذا الخبر المبحوث عنه على آخر وقت الفضيلة.

وقد يقال : إنّ خبر عبيد بن زرارة لا يخرج عن الإجمال وغيره عن البيان.

وفيه : وجود كثير من الأخبار المؤيّدة لخبر عبيد بن زرارة ، كما سيجي‌ء إن شاء الله.

وفي التهذيب : روي عن الحسن بن محمّد بن سماعة ، عن صفوان ابن يحيى ، عن إسماعيل بن جابر ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن وقت المغرب ، قال : « ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق »(٤) وقد وصفه بعض محقّقي المتأخّرين سلّمه الله بالصحة(٥) ، ولعلّه من غير الموضع الذي ذكرته ، فإنّ هذا في زيادات التهذيب.

وفي المختلف ذكر في احتجاج الشيخ والسيّد المرتضى للقول بأنّ آخر وقت المغرب غيبوبة الشفق : ورواية إسماعيل بن جابر ، وبقوله‌

__________________

(١) الخلاف ١ : ٢٦١.

(٢) في ص ١٢٨٢.

(٣) التهذيب ٢ : ٢٥ / ٧٢ ، الوسائل ٤ : ١٥٧ أبواب المواقيت ب ١٠ ح ٤.

(٤) التهذيب ٢ : ٢٥٨ / ١٠٢٩ ، الوسائل ٤ : ١٨٢ أبواب المواقيت ب ١٦ ح ٢٩.

(٥) الحبل المتين : ١٤١.


تعالى( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (١) قال العلاّمة : وقال السيد المرتضى ، قيل في الدلوك : إنّه الزوال ، وقيل : إنّه الغروب ، وهو عليهما جميعاً يحصل الوقت للمغرب ممتدّاً إلى غسق الليل ، والغَسَق : اجتماع الظلمة.

وأجاب العلاّمة عن الاحتجاج بالآية : بأنّ الغَسَق هو نصف الليل ، لرواية عبيد بن زرارة وما رواه بكر بن محمد في الصحيح ، وعن الرواية بأنّها محمولة على الفضيلة ، وهذا يقتضي قوله بالفضيلة.

ومن الغريب أنه(٢) ذكر : أنّ الغَسَق الانتصاف للرواية ، وفي أوّل استدلاله على مختاره من امتداد العشاء إلى الانتصاف بالآية قال : إنّ في بعض الأقوال : غَسَق الليل انتصافه(٣) . ولم يذكر رواية عبيد بن زرارة للدلالة على ذلك ، وغير خفي أنّ بعض الأقوال لا يصلح حجةً لولا الرواية ، ولعلّ مراده بالبعض الرواية لكن مقام الاستدلال لا يليق به ما ذكره.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ التتمّة التي نقلناها في خبر عبيد بن زرارة ذكر بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله أنّها دالّة على امتداد وقت المغرب إلى أن يبقى لانتصاف الليل مقدار أربع ركعات ، كما هو مذهب السيّد وابن الجنيد وابن إدريس والمتأخّرين ، قال : والجار في قوله : « إلى انتصاف الليل » متعلّق بمحذوف سوى المحذوف الذي يتعلّق به الجار في قوله : « من غروب الشمس » والتقدير : ويمتدّ إلى انتصاف الليل.

وممّا يؤيّد ما دلّ عليه هذا الحديث ما رواه داود بن فرقد ، وذكر‌

__________________

(١) الإسراء : ٧٨.

(٢) في « فض » زيادة : كما ترى.

(٣) المختلف ٢ : ٤٦.


الخبر السابق في هذا الباب(١) . انتهى.

وقد يقال : إنّه يستفاد منه اختصاص المغرب من الأوّل بمقدار أدائها ، كما هو قول السيّد المرتضى(٢) ، وجماعة من المتأخّرين(٣) ، فلا وجه للاقتصار على حكم العشاء ، إلاّ أن يدّعى احتمال الاستثناء فيها للانتصاف ، وفيه ما فيه.

وربما يقال : إنّه إذا ثبت الاختصاص في العشاء ثبت في المغرب ؛ إذ لا قائل بالفصل ، بل قيل على ما أظنّ : إنّ الاشتراك والاختصاص في الظهرين يقتضي الاشتراك في العشاءين والاختصاص(٤) . ولكن فيه ما فيه.

فإن قلت : إن كان وجه الدلالة على الاختصاص من قوله : « إلاّ أنّ هذه قبل هذه » ففيه : أنّه قد تقدّم في الظهرين قبل هذا ، وقد وجّهت الاشتراك من الأوّل وحمل ما دلّ على التقديم على النسيان ، فكذا هنا.

قلت : الفرق أنّ في الظهرين ورد ما دلّ على دخول الوقتين إذا زالت الشمس بخلاف العشاءين.

نعم يمكن أن يقال : إنّه إذا ثبت الاشتراك مطلقاً في الظهرين بما ذكر في التوجيه سابقاً ثبت في العشاءين ؛ لعدم القائل بالفرق ، إلاّ أنّ ثبوت الإجماع مشكلٌ ، وما دلّ على أنّ هذه قبل هذه في العشاءين يحتاج تقييده بغير الناسي إلى دليل ، ورواية زرارة الصحيحة في الفقيه الدالة على أنّ الله تعالى فرض أربع صلوات فيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل(٥) ، ربما‌

__________________

(١) البهائي في الحبل المتين : ١٤٣.

(٢) رسائل السيد المرتضى ١ : ٢٧٤.

(٣) كالعلاّمة في التحرير ١ : ٢٧ ، الشهيد الأول في الدروس ١ : ١٣٩.

(٤) كذا في النسخ ، والأنسب : الاشتراك والاختصاص في العشائين.

(٥) الفقيه ١ : ١٢٤ / ٦٠٠ ، الوسائل ٤ : ١٠ أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب ٢ ح ١.


يقتضي الاشتراك من الأوّل ، وورودها في تفسير الآية يدلّ على أنّ الآية كذلك ، إلاّ أنّه ربما يقال : إنّ الرواية والآية من قبيل المجمل ، ورواية عبيد ابن زرارة مبيّنة بأنّ هذه قبل هذه في العشاءين ، والحمل على غير الناسي يتوقّف على المعارض الدال عليه ، وسيأتي القول في المعارض.

واحتمال أن يقال : إنّ الآية والرواية من قبيل العموم فيقتصر في تخصيصها على غير الناسي ويبقى ما عداه.

يدفعه أنّ رواية عبيد أيضاً عامّة ، إلاّ أن يقال : إنّ التكليف لغير العالم محلّ الإشكال ، فالحكم ببطلان صلاة العشاء نسياناً في وقت المغرب المختص يحتاج إلى دليل مع إطلاق الآية.

وفيه : أنّ العبادة موقوفة على حكم الشارع ، فالصحة لا بدّ لها من دليل ، على أنّ ما تقدّم(١) في باب أن لكلّ صلاة وقتين من خبر زيد الشحّام يدلّ على اختصاص المغرب من أوّل الوقت ، لقولهعليه‌السلام : « ووقتها وجوبها » إلاّ أن يقال : إنّ وقتها في الجملة وجوبها ، كما في غيرها من الأخبار.

وفي نظري القاصر أنّ رواية زرارة لا تخلو من دلالة على اختصاص الظهر والمغرب والعشاء ؛ لأنّ صورتها : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : أخبرني عمّا فرض الله تعالى ، قال : « خمس صلوات في الليل والنهار » قلت : سمّاهنّ الله وبيّنهنّ في كتابه؟ فقال : « نعم ، قال الله عزّ وجلّ لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) ودلوكها زوالها ، ففيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات سمّاهن وبيّنهن ووقّتهن ، وغَسَق الليل‌

__________________

(١) في ص ١٢٠١.


انتصافه ، ثم قال( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) (١) فهذه الخامسة ، وقال في ذلك( أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ) وطرفاه المغرب والغداة( وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ) (٢) هي صلاة العشاء الآخرة » الحديث(٣) .

ووجه الدلالة : أنّ الظاهر من الرواية كون الأمر بالصلوات في الأوقات المذكورة ، وما دلّ على الاشتراك من الأخبار في الظهرين ، لا ينافي الاختصاص ؛ لجواز إرادة ما بعد الاختصاص ، فالحمل على الاشتراك من الأوّل وإن أمكن ، إلاّ أنّ ظاهر الخبر خلافه ، على أنّ ما دلّ على أنّ هذه قبل هذه يؤيّد إرادة غير وقت الاختصاص ، لأنّه قد علم من خبر زرارة القبليّة ، فلا بدّ أن يراد فيما بعد الاختصاص.

فإن قلت : يحتمل أن يُراد بيان مدلول خبر زرارة على معنى أنّ هذه قبل هذه في الاختصاص ، فيكون تأكيداً لمدلول الآية والرواية.

قلت : التأسيس أولى من التأكيد ، كما قرر في الأُصول ، وما دلّ على دخول الوقتين من الأوّل في الظهر محتمل لإرادة دخول الوقتين مجازاً أو استعارةً ، بسبب القرب بين الوقت المشترك والمختصّ كما مضى.

وممّا يؤيّد الاختصاص ذكر الصبح في خبر زرارة ، ومن هنا يعلم أنّ ما نقله بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله عن بعض الأصحاب : من الاستدلال على امتداد وقت المغرب إلى مقدار أربع من العشاء برواية زرارة(٤) . لا يخلو من وجه ، واعتراضه عليه : بأنّه لا يلزم من كون ما بين‌

__________________

(١) الإسراء : ٧٨.

(٢) هود : ١١٤.

(٣) التهذيب ٢ : ٢٤١ / ٩٥٤ ، الوسائل ٤ : ١٠ أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب ٢ ح ١.

(٤) البهائي في الحبل المتين : ١٤٣.


الزوال إلى نصف الليل ظرفاً لأربع صلوات إحداها المغرب امتداد الوقت إلى ذلك الحد. محلّ بحث إن كان استدلال القائل بنحو ما قلناه ، وإن كان استدلاله بمجرّد كون الوقت من الزوال إلى النصف فللاعتراض وجه.

هذا كلّه على تقدير عدم الالتفات إلى ما دلّ على دخول الوقتين في العشاءين من حين الغروب ، وهو خبر زرارة في التهذيب الواقع في طريقه الحكم بن مسكين ، وهو مجهول ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « إذا زالت الشمس » إلى أن قال : « فإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة »(١) فإنّ هذا الخبر على تقدير العمل به يقال نحو ما قيل في الظهرين من إمكان الجمع بينه وبين ما دلّ على أنّ هذه قبل هذه للعالم ؛ لكنّ السند قد سمعته.

وفي الحبل المتين نقل عن عبيد بن زرارة نحو المتن على ما رأيت من النسخة(٢) ، ولم أقف على الخبر في كتب(٣) الحديث ، وأظنّه من الكافي(٤) وعدّه من الصحاح(٥) . وقد يتعجب من ذكره مع القول بأنّ خبر عبيد بن زرارة ناطق باختصاص العشاء بأربع من آخر النصف ؛ لقولهعليه‌السلام : « الاّ أنّ هذه قبل هذه » والحال أنّ احتمال الاختصاص بالعالم قائم ؛ لمعارضة ما دلّ على دخول الوقتين.

وما ذكره في وقت الظهرين : من أنّ المراد بدخول الوقتين موزّعاً ؛ لدلالة قولهعليه‌السلام في خبر عبيد : « إلاّ أنّ هذه قبل هذه » فيه ما قدّمناه من‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ١٩ / ٥٤ ، الوسائل ٤ : ١٢٥ أبواب المواقيت ب ٤ ح ١.

(٢) الحبل المتين : ١٤١.

(٣) في « فض » : كتاب.

(٤) الكافي ٣ : ٢٧٦ / ٥ ، الوسائل ٤ : ١٣٠ أبواب المواقيت ب ٤ ح ٢١.

(٥) في « فض » : وقد عدّه من الصحاح ، وفي « رض » : وعدّة من الصحابة.


الاحتياج إلى ترجيح هذا الوجه على إرادة العالم ، مع إمكان رجحانه بأنّه أقرب إلى ظاهر دخول الوقتين ، وإمكان حمل خبر عبيد على العالم ، إلاّ أنّ التسديد ممكن ، غير أنّ موجب الكلام هو احتياج المقام إلى زيادة بيان ، والله تعالى أعلم بالحال هذا.

والرابع : قد مضى فيه القول(١) .

وأمّا الخامس : فكالرابع ، وتوجيه الشيخ لا يتمّ فيهما.

واستدلاله بالسادس غير ظاهر الوجه ؛ لأنّ مفاده كون غيبوبة الحمرة تقتضي غيبوبة الشمس من شرق الأرض وغربها ، وهذا لا يدلّ على أنّ وقت المغرب ذلك ، فلا ينافي ما دلّ على أنّ وقت المغرب غيبوبة القرص ولا يؤيد اعتبار غيبوبة الحمرة.

وكذلك السابع.

والثامن : من يدلّ على حال السفر والتأخير فيه إلى أزيد من هذا موجودٌ في الأخبار كما سيأتي(٢) .

والتاسع : قد مضى فيه القول(٣) .

والعاشر : كما ترى صريحٌ في أنّ أبا الخطّاب كان يصلّي المغرب إذا غاب الشفق ، وحينئذ فمذهبه يكون هذا ، والخبر السابق المتضمّن للسؤال عن تأخير المغرب لاشتباك النجوم ، فقالعليه‌السلام في الجواب : « خطّابيّة » يدلّ على أنّ مذهب أبي الخطّاب غير مدلول الخبر المبحوث عنه ، وقد قدّمنا فيه احتمالين ، ولا يبعد زيادة احتمال آخر ، وهو أن يكون الغرض منهعليه‌السلام

__________________

(١) في ص ١٣٠٥.

(٢) في ص ١٣١٨.

(٣) في ص ١٣٠٥.


أنّكم تريدون المخالفة كما فعل أبو الخطّاب في التأخير للشفق ، وحينئذٍ يدلّ ذاك الخبر على أنّ التأخير لاشتباك النجوم على وجه كونه وقتاً غير جائز ، بل احتمال الفصل(١) ممكن ، وعليه يحمل الأمر في هذا الخبر المبحوث عنه ، فتأمّل.

قوله :

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن أبي أُسامة أو غيره قال : صعدت مرّةً جبل أبي قبيس والناس يصلّون المغرب ، فرأيت الشمس لم تغرب(٢) ، إنّما توارت خلف الجبل عن الناس ، فلقيت أبا عبد اللهعليه‌السلام يصلّي فأخبرته بذلك ، فقال لي : « ولمَ فعلتَ ذلك؟ بئس ما صنعت ، إنّما نصلّيها إذا لم نَرَها خلف جبل(٣) ، غابت أو غارت ما لم يتجلّلها سحابٌ أو ظلمة تظلّها(٤) ، وإنّما عليك مشرقك ومغربك ، وليس على الناس أن يبحثوا ».

عنه ، عن موسى بن الحسن ، عن أحمد بن هلال ، عن محمد بن أبي عمير ، عن جعفر بن عثمان ، عن سماعة بن مهران قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام في المغرب : إنّا ربما صلّينا ونحن نخاف أن تكون الشمس خلف الجبل ، وقد سترنا منها الجبل ، قال : فقال : « ليس‌

__________________

(١) في « رض » : الفضل.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٦٦ / ٩٦١ : لم تغب.

(٣) كذا في النسخ ، وفي الاستبصار ١ : ٢٦٦ / ٩٦١ : فوق الجبل.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٦٦ / ٩٦١ : تظلمها.


عليك صعود الجبل ».

فلا تنافي بين هذين الخبرين وبين ما اعتبرناه في غيبوبة الشمس من زوال الحمرة من ناحية المشرق ؛ لأنّه لا يمتنع أن يكون قد زالت الحمرة عنها وإن كانت الشمس باقية خلف الجبل ، لأنّها تغرب عن قوم وتطلع على آخرين ، وإنّما نهى عن تتبعها وصعود الجبل لرؤيتها لأنّ ذلك غير واجب ، بل الواجب عليه مراعاة مشرقه ومغربه مع زوال اللبس والأعذار.

السند‌ :

في الأوّل : ليس فيه إلاّ الإرسال بعد ما قدّمناه في حريز وغيره(١) ، لكن في الفقيه عن أبي أُسامة فقط(٢) ، ولا يبعد أن يكون « أو » هنا سهواً وإنّما هو الواو.

ثمّ إنّ الطريق في الفقيه إلى أبي أُسامة ضعيف بأبي جميلة(٣) ، لكن على الطريق السابق لشيخنا المحقّق أيّده الله يمكن تصحيح الرواية ؛ لأنّ النجاشي روى كتاب زيد الشّحام عن صفوان(٤) ، وذكر في صفوان : أنّ جميع رواياته أخبره بها جماعة ، عن محمّد بن علي بن الحسين ، عن محمّد بن الحسن ، عن محمّد بن الحسن الصفار وسعد ومحمد بن يحيى وأحمد بن إدريس ، عن محمّد بن الحسين ، عن يعقوب بن يزيد ، عن‌

__________________

(١) في ص ٣٨.

(٢) الفقيه ١ : ١٤٢ / ٦٦١ ، الوسائل ٤ : ١٩٨ أبواب المواقيت ب ٢٠ ح ٢.

(٣) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ١١.

(٤) رجال النجاشي : ١٧٥ / ٤٦٢.


صفوان(١) ، وحينئذ يكون لمحمّد بن عليّ بن الحسين طريق صحيح إلى زيد. وقد قدّمنا الكلام في احتمال المناقشة في هذا.

ويزيد الأمر إشكالاً بأنّ الجماعة المذكورين في السند غير معلومي الحال ، إلاّ أنّ الجواب ممكنٌ بما أسلفناه : من أنّ إخبار النجاشي بأنّ هذا من جملة الروايات كاف ، وإن أمكن أن يقال ـ بتقدير ثبوت الحكم من النجاشي ـ : إنّ الجزم بكون الرواية من زيد غير معلوم إذا كان الراوي وهو أبو جميلة ضعيفاً كما قدّمنا هذا أيضاً(٢) ، إلاّ أنّه يمكن أن يقال : إنّ مشيخة الفقيه إذا علم أنّها من الصدوق فقد تحقّق أنّ من جملة روايات زيد ما ذكر ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فعلى تقدير الإشكال يحتمل أن يحكم بصحّة الخبر من هنا ، نظراً إلى أنّ عدم وجود لفظ « أو غيره » في الفقيه يُنبئ عن انتفائه ، أو كون الواو عُوّض « أو » فإذا كان الطريق هنا إلى أبي أُسامة خالياً من الارتياب ثمّ المطلوب ، إلاّ أن يقال : إنّ الراوي إذا كان أبا جميلة وهو غير مأمون فيجوز تركه لفظ « أو غيره » ولا يتمّ المراد. وفيه أنّ مثل الصدوق إذا نقل الرواية من دون لفظ « أو غيره » يحصل الوثوق بانتفائه لا من مجرّد نقل أبي جميلة ، مضافاً إلى ما كرّرنا القول فيه من رواية الصدوق(٣) .

والثاني : فيه موسى بن الحسن ، والظاهر أنّه ابن عامر الثقة ؛ لأنّ‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٩٧ / ٥٢٤.

(٢) في ص ٥٥١.

(٣) في ص ١٢١١.


الراوي عنه في النجاشي الحميري عن أبيه(١) ، والظاهر من الحميري هنا محمّد بن عبد الله بن جعفر ، فيكون الراوي عن موسى بن الحسن عبد الله ابن جعفر وهو في مرتبة سعد ، وفي الرجال موسى بن الحسن من أصحاب الكاظمعليه‌السلام في كتاب الشيخ مهملاً(٢) ، وموسى بن الحسن النوبختي ، ولا أعلم مرتبته ، إذ لم يذكر في الرجال ذلك ، وهو لا يزيد على الإهمال ، والأمر سهل بعد أحمد بن هلال ، فإنّا قدّمنا تضعيف الشيخ له(٣) .

وأمّا جعفر بن عثمان فهو ابن شريك لرواية ؛ ابن أبي عمير عنه في النجاشي ، وهو مهمل فيه(٤) . وفي الفهرست ذكر جعفر بن عثمان صاحب أبي بصير مهملاً ، والراوي عنه محمّد البرقي(٥) . وقال شيخنا ـ أيّده الله ـ : إنّ الظاهر أنّه غير هذا مع احتمال الاتحاد(٦) . والأمر كما قال.

وسماعة بن مهران مضى القول فيه(٧) : من أنّ النجاشي وثّقه مرّتين ولم يذكر الوقف(٨) ، والشيخ ذكره(٩) ، لكنّ الصدوق في الفقيه صرّح بأنّه واقفي(١٠) ، فيتأيّد قول الشيخ ، فتدبّر.

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤٠٦ / ١٠٧٨.

(٢) رجال الطوسي : ٣٦١ / ٣٥.

(٣) في ص ١٥٤.

(٤) رجال النجاشي : ١٢٤ / ٣٢٠.

(٥) الفهرست : ٤٤ / ١٤٠.

(٦) منهج المقال : ٨٣.

(٧) في ص ٧٨.

(٨) رجال النجاشي : ١٩٣ / ٥١٧.

(٩) رجال الطوسي : ٣٥١ / ٤.

(١٠) الفقيه ٢ : ٧٥ / ٣٢٨.


المتن :

في الأوّل : لا يخفى ظهوره في خلاف ما قاله الشيخ ، وقد قدّمنا فيه القول بالعرض ، وما تضمنه من إطلاق القول في أنه إذا لم تُرَ الشمس جازت الصلاة لا بدّله من التقييد بما في الرواية وغيره ، لكن دلالته على الأُفق الحسّي على الإطلاق ظاهرة ، وقولهعليه‌السلام : « ما لم يتجلّلها سحابٌ أو ظلمة » واضح.

وينقل عن السيّد المرتضى القول بأنّ الغروب يعلم باستتار القرص وغيبته عن العين مع انتفاء الحائل.

وهذا كما لا يخفى محتمل لأن يراد بالحائل ما تضمّنته الرواية ، ويحتمل أن يراد به الحائل عن الأُفق الحسّي لأكثر البلاد ، فإنّ بعضها يشتمل على جبال شاهقة يحصل بها تواري القرص بمجرّد الميل عن وقت العصر ، بل وقبله أيضاً ، إلاّ أنّ الرواية المبحوث عنها تضمّنت عدم الفرق بين ما إذا غابت خلف الجبل أو غارت ؛ لأنّ قولهعليه‌السلام : « خلف جبل » معمولٌ لقوله : « غارت أو غابت » والمعنى حينئذ : غابت خلف جبل أو غارت خلفه ، واحتمال تعلّقه بقوله : « نَرَها » لا وجه له كما لا يخفى.

ولا يبعد أن يحمل ما دلّ على غيبوبة الحمرة ونحوها على الاستحباب ، من حيث إنّ انضباط الآفاق عَسِرٌ ، كما يدلّ عليه قولهعليه‌السلام في بعض الأخبار : « وتأخذ بالحائطة لدينك »(١) .

فإن قلت : كيف يقولونعليهم‌السلام لأصحابهم باتّباع الاحتياط بعد السؤال عن الأحكام منهمعليهم‌السلام وهم معدن الوحي؟.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٢٥٩ / ١٠٣١ ، الإستبصار ١ : ٢٦٤ / ٩٥٢ ، الوسائل ٤ : ١٧٦ أبواب المواقيت ب ١٦ ح ١٤.


قلت : لا يبعد ممّا ذكرناه توجيهُ الاحتياط حينئذ ؛ لأنّ عدم انضباط الآفاق يقتضي عدم ثبوت قاعدة كليّة منهمعليهم‌السلام وإن كانوا عالمين بالأحكام ، فيكون غيبوبة القرص هي أوّل الوقت ، إلاّ أنّ الأُفق يتفاوت ، فالاحتياط في الصبر إلى مضيّ الحمرة ، وما دلّ عليه الخبر المبحوث عنه : من إطلاق أنّ عدم الرؤية يقتضي جواز الصلاة. وإن كان ظاهراً في أنّ مجرّد ما قالهعليه‌السلام كاف ، إلاّ أنّ احتمال أن يراد أنّ عليك مشرقك ومغربك بالنسبة إليك لا إلى كلّ أحد ، فالتفحص عن إبطال صلاة الغير لا وجه له ، وإن كان الظاهر من الرواية الإطلاق وغيرها من الأخبار مبيّناً ، والمقام المتضمّن لسؤال زيد الشحّام ربما اقتضى الجواب بهذه الصورة.

وقد ذكر بعض أهل الخلاف(١) بعد حديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ( أنّه )(٢) قال في وقت المغرب : « والشمس إذا وجبت » إلى آخره. أنّ الوجوب السقوط ، ويستدل به على أنّ سقوط قرصها يدخل به الوقت ، والأماكن يختلف فما كان منها فيه حائل بين الرائي وبين قرص الشمس لم يكتف بغيبوبة القرص عن العين ، ويستدل على غروبها بطلوع الليل من المشرق.

وعلى هذا لا يتوجّه أنّ احتمال التقيّة في الجواب لا وجه له ؛ لإمكان أن يقال : إنّ التقيّة من جهة عدم العلم بتفصيل الوقت من السائل ، وسيأتي(٣) ما ينبئ عن الاحتمال الذي ذكرناه من عدم الانضباط للآفاق في رواية شهاب بن عبد ربّه(٤) ، وإن كان للشيخ فيها تفسير آخر لا يوافق ما‌

__________________

(١) كابن حجر في فتح الباري ٢ : ٣٣.

(٢) ما بين القوسين أثبتناه من « رض ».

(٣) في « فض » زيادة : في بعض الاخبار.

(٤) في ص ١٣٢٦.


قلناه كما ستسمعه(١) .

وأمّا الثاني : فالكلام فيه كالأوّل(٢) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الصدوق روى في الفقيه مرسلاً عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال : « ملعون ملعون من أخّر المغرب طلباً لفضلها » وقيل له : إنّ أهل العراق يؤخّرون المغرب حتى تشتبك النجوم ، فقال : « هذا من عمل عدوّ الله أبي الخطّاب »(٣) .

وهذا الخبر وإن كان مرسلاً لكن له مؤيَّدٌ وهي رواية الصدوق في الكتاب ، وفيه دلالةٌ على الذم الشديد لمن يؤخّر المغرب طلباً للفضل ، فلو حمل ما دلّ على التأخير على الاستحباب احتياطاً كما قلناه كان طلباً للفضل ، وحينئذ قد يشكل الحمل.

ويمكن الجواب : بأنّ المراد بطلب الفضل اعتقاد أنّ وقت الفضيلة التأخير ، لا أنّ التأخير للاستحباب بسبب اختلاف الآفاق ، وحينئذ ينبغي أن يكون اعتقاد الفضل في غيبوبة القرص والتأخير لما ذكره فليتأمّل.

أمّا ما تضمنه خبر الصدوق من قوله : « هذا من عمل عدوّ الله » ففيه منافاة ما تقدّم(٤) من أنّ أبا الخطّاب جعل الوقت ذهاب الشفق إلاّ أن يحمل‌

__________________

(١) في ص ١٣٢٧.

(٢) في « فض » زيادة : وما ذكره الشيخ من أن الشمس تطلع على قوم آخرين لا يخلو من غرابة ، لأن الكلام في غيبوبة الشمس عن الأفق الحسيّ ثم رؤيتها في الأفق الحسيّ بسبب العلو عن المحل ، والطلوع على قوم آخرين إنّما يتحقق بعد نزولها عن الأفق الحقيقي إلاّ أن يؤوّل كلامه بإرادة أشرافها على قوم آخرين ، أو طلوعها بمعنى انتفاء الظلمة عن آخرين بسبب الحيلولة ، والأمر سهل. انتهى. وهذه الزيادة مشطوبة في « د ».

(٣) الفقيه ١ : ١٤٢ / ٦٦٠ ، الوسائل ٤ : ١٨٨ أبواب المواقيت ب ١٨ ح ٦ و ٧.

(٤) في ص ١٣١١.


اشتباك النجوم على ذهاب الشفق.

اللغة :

قال في القاموس : الغور الدخول في الشي‌ء ، وذهاب الماء في الأرض ، وغارت الشمس غاراً وغوراً(١) )(٢) .

قوله :

والوجه الثاني في الأخبار التي قدّمناها أن تكون مخصوصة بصاحب الأعذار ومن له حاجة لا بدّ منها ، يدلّ على ذلك :

ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن عمرو بن سعيد المدائني ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار بن موسى الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن صلاة المغرب إذا حضرت هل يجوز أن تؤخّر(٣) ساعة؟ قال : « لا بأس ، إن كان صائماً أفطر وإن كانت له حاجة قضاها ثمّ صلّى ».

عنه ، عن محمّد بن الحسن ، عن محمد بن عبد الحميد ، عن محمّد ابن عمر بن يزيد ، عن محمّد بن عذافر ، عن عمر بن يزيد قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن وقت المغرب ، فقال : « إذا كان أرفق بك وأمكن لك في صلاتك وكنت في حوائجك فلك أن تؤخّرها إلى ربع الليل » قال : قال لي هذا وهو شاهد في بلده.

__________________

(١) القاموس المحيط ٢ : ١٠٨ ( الغَوْر ، ) وفيه :. وغارت الشمس غياراً وغؤوراً ، وغوّرت غربت.

(٢) ما بين القوسين ساقط من « فض ».

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٦٧ / ٩٦٣ : يؤخّرها.


محمّد بن يعقوب ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن يزيد بن خليفة قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت قال : فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « إذاً لا يكذب علينا » قلت : قال : وقت المغرب إذا غاب القرص إلاّ أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا جدّ به السير أخّر المغرب ويجمع بينها وبين العشاء الآخرة ، فقال : « صدق » وقال : « وقت العشاء ( حين تغيب الشمس )(١) إلى ثلث الليل ، ووقت الفجر حين يبدو ( إلى أن )(٢) يضي‌ء ».

أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن يحيى ، عن طلحة بن زيد ، عن جعفر ، عن أبيهعليهما‌السلام « أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان في الليلة المَطيرَة يؤخّر(٣) المغرب ويعجّل بالعشاء فيصلّيهما جميعاً ويقول : من لا يَرحَم لا يُرحَم ».

عنه ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن أبيه قال : سألتهعليه‌السلام عن الرجل تدركه صلاة المغرب في الطريق أيؤخّرها إلى أن يغيب الشفق؟ قال : « لا بأس بذلك في السفر ، أمّا في الحضر فدون ذلك شيئاً ».

فهذه الأخبار كلّها دالّة على أنّ هذه الأوقات لأصحاب الأعذار ، لأنّها مقيّدة بالموانع من السفر والمطر والحوائج وما جرى مجراها(٤) .

ويزيد ذلك بياناً :‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٦٧ / ٩٦٥ و « فض » : حين يغيب الشفق.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٦٧ / ٩٦٥ ونسخة في « د » : حتّى.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٦٧ / ٩٦٦ زيادة : من.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٦٧ / ٩٦٧ : وما يجري مجراه ، وفي « فض » : وما يجري مجراها.


ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن سعيد بن جناح ، عن بعض أصحابنا ، عن الرضاعليه‌السلام قال : « إنّ أبا الخطّاب كان أفسد عامّة أهل الكوفة ، وكانوا لا يصلّون المغرب حتى يغيب الشفق ، وإنّما ذلك للمسافر والخائف ولصاحب الحاجة ».

عنه ، عن الحسن بن عليّ بن فضّال ، عن جميل بن درّاج ، قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : ما تقول في الرجل يصلّي المغرب بعد ما يسقط(١) الشفق؟ فقال : « لعلّةٍ لا بأس » قلت : فالرجل يصلّي العشاء الآخرة قبل أن يسقط الشفق؟ قال : « لعلّةٍ لا بأس ».

محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن العباس بن معروف ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن ذريح قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّ أُناساً من أصحاب أبي الخطّاب يمسّون بالمغرب حتى تشتبك النجوم قال : « أبرأ إلى الله ممّن فعل ذلك متعمّداً ».

السند‌ :

في الأوّل : معلوم ممّا تقدّم(٢) أنّه موثّق.

والثاني : فيه محمّد بن عمر بن يزيد ، وهو مهمل في النجاشي(٣) ، والفهرست(٤) ، ورجال الرضاعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٥) . ومحمّد بن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٦٨ / ٩٦٩ زيادة : من ، والأنسب ما في النسخ.

(٢) أي أحمد بن الحسن بن علي بن فضال : ص ١٢٠ ومصدق بن صدقة : ص ١١٤ وعمار بن موسى : ص ٢٧٥.

(٣) رجال النجاشي : ٣٦٤ / ٩٨١.

(٤) الفهرست : ١٤٠ / ٥٩٦.

(٥) رجال الطوسي : ٣٩١ / ٥٣.


عبد الحميد ، فيه كلام تقدّم(١) . وفي عمر بن يزيد كلام أوضحناه في هذا الكتاب سابقاً(٢) .

والحاصل : أنّ في الرجال عمر بن محمّد بن يزيد ثقة في النجاشي(٣) ؛ وفي الفهرست : عمر بن يزيد ثقة له كتاب(٤) . وفي رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ : عمر بن يزيد بيّاع السابري كوفي ، ثمّ في رجال الكاظمعليه‌السلام : عمر بن يزيد بيّاع السابري ثقة ، وفي رجال الصادقعليه‌السلام أيضاً : عمر ابن يزيد الثقفي(٥) . والاتّحاد لا يبعد ؛ لأنّ الشيخ في الفهرست ذكر في الطريق إلى عمر بن يزيد : محمّد بن عبد الحميد ، عن محمد بن عمر بن يزيد ، عن الحسين بن عمر بن يزيد ، عن عمر بن يزيد(٦) .

والنجاشي ذكر في الطريق إلى عمر بن محمّد بن يزيد : محمد بن عبد الحميد عنه ، وفي طريق آخر : محمد بن عذافر عنه(٧) ، وهذا قرينة الاتّحاد ، إلاّ أنّ ما وقع في النجاشي من رواية محمّد بن عبد الحميد عنه بلا واسطة ، وفي الفهرست من الوسائط قد يستبعد ، ولعلّه قابل للتوجيه.

وأمّا الثقفي فاتّحاده ممكن مع عمر بن محمّد ؛ لأنّ النجاشي صرّح‌

__________________

(١) في ص ١٥١.

(٢) في ص ١٩٤.

(٣) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥١.

(٤) الفهرست : ١١٣ / ٤٩١.

(٥) رجال الطوسي : ٢٥١ / ٤٥٠ ، ٣٥٣ / ٧ ، ٢٥١ / ٤٥٧.

(٦) الفهرست : ١١٣ / ٤٩١.

(٧) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥١.


بأنّ عمر بن محمد مولى ثقيف(١) . والكشّي صرّح بأنّ عمر بن يزيد ( بيّاع )(٢) السابري مولى ثقيف(٣) .

وعلى كلّ حال رواية محمّد بن عذافر هنا قرينة على أنّه عمر بن يزيد كما في النجاشي(٤) . وأمّا محمّد بن عمر بن يزيد فظاهر أنّه ليس المتكلَّم فيه أباً له ، كما أوضحناه في معاهد التنبيه أيضاً.

والثالث : فيه محمّد بن عيسى عن يونس مع يزيد بن خليفة ، وقد تقدم(٥) أنّ يزيد بن خليفة واقفي مهمل.

والرابع : فيه محمّد بن يحيى ، ولا يبعد أن يكون الخثعمي أو الخزّاز ، بل احتمال الاتحاد ممكن ، وقد تقدّم(٦) النقل عن الشيخ في هذا الكتاب أنّ محمّد بن يحيى الخثعمي عامّي(٧) .

وطلحة بن زيد مصرّح في الرجال بأنّه عامّي(٨) ، وقول الشيخ في الفهرست : إنّ كتابه معتمد(٩) . لا يفيد بتقدير السلامة عن غيره من الموانع للصحة ؛ لعدم العلم بأنّ الخبر من كتابه ، ونقل العلاّمة عن الشيخ القول بأنّه بتري(١٠) .

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥١.

(٢) ما بين القوسين أثبتناه من المصدر.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٦٢٣ / ٦٠٥.

(٤) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥١.

(٥) في ص ١٢٧٦.

(٦) في ص ٧١٩.

(٧) في « فض » زيادة : في الجزء الأول.

(٨) راجع رجال النجاشي : ٢٠٧ / ٥٥٠ ، ورجال ابن داود : ٢٥١ / ٢٤٤.

(٩) الفهرست : ٨٦ / ٣٦٢.

(١٠) خلاصة العلاّمة : ٢٣١ / ١.


والخامس : لا ارتياب في صحّته.

والسادس : فيه سعيد بن جناح ، وفي النجاشي : سعيد بن جناح ـ إلى أن قال ـ : وأخوه أبو عامر روى عن أبي الحسن والرضاعليهما‌السلام ، وكانا ثقتين(١) . والراوي عنه فيه أحمد بن محمد بن عيسى ، وفيه أيضاً : سعيد ابن جناح ( مجهول )(٢) الأزدي مولاهم بغداديّ روى عن الرضاعليه‌السلام له كتابٌ ـ إلى أن قال ـ : روى عنه عبد الله بن محمد بن خالد(٣) . واحتمال الاتّحاد بعيدٌ من النجاشي وإن قرّبه وصف البغداديّ ، فإنّ الأوّل قال فيه : إنّه نشأ ببغداد ، ومات بها ، مولى الأزد.

وبالجملة فالأمر في الرجل لا يخلو من التباس بالنسبة إلى النجاشي ، ووصف الجهالة نقله شيخنا أيّده الله في كتابه الأوسط ، أمّا الكبير فلم يوجد فيه ، والآن لم يحضرني كتاب النجاشي ، وعلى كل حال في هذه الرواية هو الثقة ؛ لرواية أحمد بن محمّد بن عيسى عنه ، لكن فيه الإرسال.

والسابع : فيه الحسن بن علي بن فضّال ، وهو مشهور الحال(٤) .

والثامن : لا ارتياب في رجاله.

المتن :

في الأوّل : فيه جواز التأخير ساعةً للصائم ولذي الحاجة ، وهي‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٩١ / ٥١٢.

(٢) ليست في المصدر.

(٣) رجال النجاشي : ١٨٢ / ٤٨١.

(٤) من أنه كان ثقة فطحيّاً فرجع وقال بالحق ، انظر رجال الكشي ٢ : ٨٠١ ، ٨٣٧ ، ورجال النجاشي : ٣٤ / ٧٢ ، والفهرست : ٤٧ / ١٥٣ ، ووثقه الشيخ في رجاله ( ٣٧١ / ٢ ) ولم يذكر كونه فطحياً.


متناولة للضرورية(١) وغيرها ، لكن فيه نوع تقييد بقضاء الحاجة ساعة ؛ لأنّ السؤال وقع عن تأخيرها ساعةً ، إلاّ أن يقال : إنّ السؤال تضمّن الساعة ، والجواب تضمّن قضاء الحاجة وإن كان الوقت لقضائها أكثر من ساعة ، والفطور محتمل لذلك أيضاً ، إلاّ أن يُدّعى إرادة مجرّد الفطور ، لأنّ الوقت قد يطول فيه بالاعتبار ، والشيخ جعل الحاجة مقيّدة بما لا بدّ منه مستدلاًّ بالخبر ، ودلالته غير ظاهرة.

والثاني : فيه دلالة على التأخير إلى ربع الليل معلّلاً بما إذا كان التأخير أرفق(٢) بك وأمكن ، وربما يستفاد من العلّة الشمول للحوائج الضروريّة وغيرها(٣) ، ويؤيّده ما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن محمّد بن يونس وعليّ الصيرفي ، عن عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أكون في جانب المصر فيحضر المغرب وأنا أُريد المنزل فإن أخّرت الصلاة حتى أُصلّي في المنزل كان أمكن لي وأدركني المساء أفأُصلّي(٤) في بعض المساجد؟ قال : فقال : « صلّ في منزلك »(٥) .

وهذا الخبر ربما يحتمل أن يكون صحيح الإسناد ؛ لأنّ محمّد بن يونس لا يبعد أن يكون الثقة بقرينة رواية ابن أبي عمير عنه ، كما يفهم من الكشّي(٦) ، غير أنّك ستسمع القول في احتمال كون الثقة غير‌

__________________

(١) في « رض » : للضّرورة.

(٢) في « رض » و « د » : أوفق.

(٣) في « فض » زيادة : أيضاً.

(٤) في النسخ : فأُصلّي ، وما أثبتناه من المصدر.

(٥) التهذيب ٢ : ٣١ / ٩٢ ، الوسائل ٤ : ١٩٧ أبواب المواقيت ب ١٩ ح ١٤.

(٦) رجال الكشي ٢ : ٨٥٠.


ابن عبد الرحمن ، واحتمال غيره وهو المذكور في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ(١) ممكن على بُعدٍ ، مع أنّ شيخنا أيّده الله احتمل في كتاب الرجال الاتحاد في الكل(٢) .

وقد ينظّر فيه : بأنّ محمّد بن يونس بن عبد الرحمن الثقة ذكره الشيخ في رجال الجوادعليه‌السلام قائلاً : إنّه لحق الرضاعليه‌السلام (٣) . وظاهر هذا أنّ لحقوق الرضاعليه‌السلام هو الغاية ، فكيف يكون من أصحاب الصادقعليه‌السلام ؟.

فإن قلت : إنّ الشيخ أيضاً قال في أصحاب الكاظمعليه‌السلام : محمّد بن يونس ثقة(٤) . فلو كان غرضه الغاية لم يتم ما قاله.

قلت : قد يُدّعى المغايرة بين محمّد بن يونس بن عبد الرحمن المذكور في أصحاب الرضاعليه‌السلام من كتاب الشيخ وبين محمّد بن يونس المذكور في أصحاب الكاظمعليه‌السلام ، لما ذكره الشيخ(٥) من قوله : أدرك الرضاعليه‌السلام . إلاّ أنّ الاعتماد على المغايرة من كلام الشيخ مشكل ، ولعلّ هذا هو السرّ في قول شيخنا ـ أيّده الله ـ : مع احتمال(٦) الاتحاد في الكل(٧) .

فإن قلت : الغاية كما يحتمل أن يراد بها عدم إدراك غير الرضاعليه‌السلام

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٠٤ / ٣٨٧.

(٢) منهج المقال : ٣٣٠.

(٣) رجال الطوسي : ٤٠٦ / ١٤ و ٣٩٠ / ٤٧.

(٤) رجال الطوسي : ٣٥٩ / ١٧.

(٥) رجال الطوسي : ٤٠٦ / ١٤.

(٦) في « فض » و « رض » : باحتمال.

(٧) منهج المقال : ٣٣٠.


يحتمل أن يراد بها غاية من أدرك من الأئمّةعليهم‌السلام الرضاعليه‌السلام ، على معنى أنّه أدرك غيره وانتهى إلى الرضاعليه‌السلام ، بل ربما كان هذا هو الظاهر.

قلت : سياق الكلام يقتضي ظهور الأوّل.

فإن قلت : ما الذي يستفاد من الكشي في كون محمد بن يونس هو الثقة لرواية محمّد بن أبي عمير؟.

قلت : ذكر الكشّي حديثاً أنّ محمّد بن أبي عمير لمّا ضُرب مائة سوط ليُسمّي الشيعة ، قال : فلمّا بلغ الضرب مائة كدت أن اسمّي ، فسمعت نداء محمد بن يونس بن عبد الرحمن يقول : يا محمد بن أبي عمير اذكر وقوفك بين يدي الله(١) . وهذا يدلّ على اختلاطه معه.

فإن قلت : محمّد بن أبي عمير أدرك من الأئمةعليهم‌السلام ثلاثة : أبا إبراهيم موسىعليه‌السلام ولم يرو عنه ، وروى عن أبي الحسن الرضا والجوادعليهما‌السلام على ما في الفهرست(٢) في بعض النسخ من ذكر الجوادعليه‌السلام ، والنجاشي ذكر أنّه روى عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام والرضاعليه‌السلام (٣) ، ومحمّد بن يونس بن عبد الرحمن حينئذ ينبغي أن يكون في مرتبته أو أعلى منه ، بأن يكون من رجال الصادقعليه‌السلام ، والحال أنّ محمد بن يونس بن عبد الرحمن مذكور في رجال الجواد والرضاعليهما‌السلام غير موثّق ، بل الثقة في رجال الكاظمعليه‌السلام ، فكيف يُحْكم بصحّة الخبر المبحوث عنه.

قلت : لِما ذَكَرْتَ وجهٌ والحكم بالصحّة مشكل ، إلاّ أنّ بعض محقّقي‌

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٨٥٥ / ١١٠٥ وفيه : موقفك.

(٢) الفهرست : ١٤٢ / ٦٠٧.

(٣) رجال النجاشي : ٣٢٦ / ٨٨٧.


المعاصرين سلّمه الله ـ(١) حكم بصحته(٢) والظاهر أنّ الوجه فيه الإجماع على تصحيح ما يصحّ عن ابن أبي عمير ، وفيه ما فيه ، كما تقدّم(٣) وجهه مفصّلاً في أوّل الكتاب : من أنّ الإجماع على تصحيح ما يصحّ عن الرجل لو كان المراد به أنّ جميع ما يرويه صحيحٌ ، لزم أن يكون التوقف في مراسيل ابن أبي عمير لا وجه له ، وقد قدّمنا(٤) أنّ الشيخ توقّف فيها ، ولو كانت الصحة من حيث إنّه لا يروي إلاّ عن ثقة ، ففيه أنّ ذلك بتقدير تمامه مع الإرسال ، أمّا بدونه فلا ؛ إذ قد يروي عن ضعيف بلا ريب ، فتأمّل.

ثمّ إنّ هذا الحديث ظاهرُ التأييد لما قلناه : من احتمال عدم الاختصاص بالسفر ، ولا يبعد أن يكون عدم الصلاة في المساجد لبُعد خلوّها من التقيّة ، ويراد حينئذ بالأمكنيّة الخلاص من التقيّة ، فالقول بأنّه يمكن أن يستنبط من الخبر أنّ الصلاة في المنزل باجتماع البال ومزيد الإقبال أفضل من الصلاة في المسجد إذ لم يتيسّر فيه ذلك ، كما ذكره من أشرنا إليه(٥) ، محلّ تأمّل.

وممّا يؤيّد ما قلناه ما رواه الشيخ في التهذيب بسند فيه القاسم بن محمّد الجوهري ، عن عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أكون مع هؤلاء وأنصرف من عندهم عند المغرب فأمُرّ بالمساجد فأُقيمت الصلاة ، فإذا أنا نزلت أُصلّي معهم لم أستمكن(٦) من الأذان ولا من الإقامة وافتتاح‌

__________________

(١) في « فض » زيادة : ( الحبل المتين ).

(٢) الحبل المتين : ١٤١.

(٣) في ص ٤٠ ٤٣.

(٤) في ص ٤٣.

(٥) أي البهائي في الحبل المتين : ١٤٣.

(٦) في المصدر : لم أتمكّن.


الصلاة ، فقال : « ائت منزلك وانزع ثيابك وإن أردت أن تتوضّأ فتوضّأ وصلّ فإنّك في وقت إلى ربع الليل »(١) ووجه التأييد ظاهر سيّما مع كون الراوي واحداً.

إذا عرفت هذا فالخبر المبحوث عنه كما ترى يدلّ على التأخير إلى ربع الليل مع كونه في حوائجه ، فلو كان في حاجة غيره يحتمل المشاركة من حيث إنّ الظاهر كون العلّة الرفق والتمكّن.

وقول الراوي : قال لي هذا وهو شاهد في بلده أي حاضر ، وكأنّه يريد به أنّ هذا لا يخصّ السفر ، لكن غير خفّي أنّ حضورهعليه‌السلام لا يخصّ بالحضور ، ولو كان بالسفر لا يخصّ بالسفر ، ولعلّ قول السائل حكاية الحال ، ويحتمل أن يريد الراوي عدم المنافاة لما دلّ على أنّ السفر لا يراعى فيه الأوقات ولا اعتبار التمكن المذكور.

والثالث : فيه إطلاق تأخير المغرب إذا جدّ السير.

والرابع : كذلك.

والخامس : ظاهر الدلالة على أنّ في السفر تؤخّر المغرب إلى غيبوبة الشفق ، لكن الفعل هل هو بعدها بلا فصل أم تؤخّر؟ فهو مطلق.

والظاهر من الجواب الإشارة إلى من أدركه المغرب في الطريق ، فمن سافر بعد المغرب يحتمل اللحوق به من حيث السفر ، ويحتمل الفرق.

وقوله : « وأمّا في الحضر » إلى آخره. فقد قيل : إنّ « دون » بمعنى قبل ، وشيئاً منصوب بنزع الخافض ، وتنوينه للتقليل(٢) ، فتأمّل.

وأمّا الخبران اللذان ادعى الشيخ أنّهما يزيدان ما ذكره بياناً فالأول كما‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٠ / ٩١ ، الوسائل ٤ : ١٩٦ أبواب المواقيت ب ١٩ ح ١١.

(٢) كما في الحبل المتين : ١٤٣.


ترى يدل على أنّ صاحب الحاجة مطلقا له التأخير إلى غيبوبة الشفق ، والمسافر فيه مطلق ، ولا يبعد تبادر كون السفر عذراً منه ، والشيخ قال في الوجه : إنّ التأخير لصاحب الأعذار ، والظاهر أنّ مراده بالأعذار ما يشمل المسافر كما تقدّم نقله عن المبسوط : من أنّ العذر أربعة : السفر ، والمطر ، والمرض ، وشغل يضّر(١) تركه بدينه أو دنياه(٢) . إلاّ أنّ استفادة ما قاله من الشغل محلّ تأمّل.

ثم إنّ السفر قد يدّعى تبادر إرادة ما يوجب القصر ، مع احتمال الإطلاق.

فإن قلت : الخبر المبحوث عنه تضمّن قضيّة أبي الخطّاب ، والمستفاد ممّا سبق أنّ أبا الخطاب كان يعيّن التأخير إلى غيبوبة الشفق ، واللازم من هذا أن يستفاد من الخبر تعيّن التأخير للمسافر والخائف وصاحب الحاجة ، ولا قائل به.

قلت : لا يبعد أن تكون الإشارة في الخبر إلى جواز التأخير ، وإن كان ما ذكر عن أبي الخطاب يقتضي ما ذكرت ، وحينئذ حاصل الخبر أنّ أبا الخطّاب فعل ما فعل في مقام الإنكار لفعله ، حيث إنّهعليه‌السلام سوّغ التأخير في السفر ، فجعله أبو الخطّاب وقتاً متعيّناً.

فإن قلت : إنّ الشيخ قد ذكر قبل هذين الخبرين أنّ الأخبار دالة على أصحاب الأعذار ، لأنّها مقيّدة بالموانع كالسفر ، فدلّ على أنّ مراده أوّلاً في ذكر الأعذار السفر على الإطلاق.

قلت : لما ذكرت وجه ، إلاّ أنّ قوله : من الموانع من السفر ، إلى‌

__________________

(١) في « د » : مضرّ.

(٢) المبسوط ١ : ٧٢.


آخره. ربما يدلّ على تحقق الموانع من التقديم الحاصل بعضها من السفر ، ولا يبعد توجيه العبارة على وجه يؤيّد ما ذكرت.

وأمّا الثاني : فقد تضمّن العلّة وهي بظاهرها شاملة للضرورية وغيرها.

والثالث : ظاهره غير موافق لمطلوب الشيخ ، إلاّ بأن يحمل قوله : « متعمّداً » على الفعل لغير عذر ، والبراءة من فعل ذلك لغير عذر مع جواز الفعل بظاهر الأخبار السابقة لا يخلو من إشكال ، وحينئذ لا يبعد أن يكون المراد بالتعمّد قصد الوقت بالتأخير ، على أنّه لا بدّ منه لمناسبة ما ذكر عن أصحاب أبي الخطّاب.

وربما كان في الخبر دلالة على أنّ اشتباك النجوم كناية عن ذهاب الشفق ؛ لأنّه السابق عن أبي الخطّاب في بعض الأخبار(١) ، فقول بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ : إنّ اشتباك النجوم كناية عن ذهاب الحمرة المشرقيّة(٢) ، لحديث لعبد الله بن سنان معدود من الصحيح ، ومتنه : « وقت المغرب من حين تغيب الشمس إلى أن تشتبك النجوم »(٣) محل بحث ، بل الظاهر من الخبر انتهاء وقت الفضيلة أو الاختيار إلى ذهاب الشفق ، فليتأمّل.

قوله :

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن محمّد بن حكيم ، عن شهاب بن عبد ربّه قال ،

__________________

(١) راجع ص ١٣١٨.

(٢) البهائي في الحبل المتين : ١٤٣.

(٣) التهذيب ٢ : ٣٩ / ١٢٣ ، الإستبصار ١ : ٢٧٦ / ١٠٠٣ ، الوسائل ٤ : ١٨٩ أبواب المواقيت ب ١٨ ح ١٠.


قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « يا شهاب إنّي أُحبّ إذا صلّيت المغرب أن أرى كوكباً في السماء ».

فوجه الاستحباب في هذا الخبر أن يتأنّى الإنسان في صلاته ويصلّيها على تُؤدَة(١) ، فإنّه إذا فعل ذلك يكون فراغه منها(٢) عند ظهور الكواكب(٣) ، ويحتمل أيضاً أن يكون مخصوصاً بمن يكون في موضع لا ويُمكنه اعتبار سقوط الحمرة من المشرق ، بأن يكون بين الحيطان العالية أو الجبال الشاهقة ، فإنّ من هذه صفته ينبغي أن يستظهر في ذلك بمراعاة الكواكب ، يدلّ على ذلك :

ما رواه سهل بن زياد ، عن عليّ بن الريّان قال : كتبت إليهعليه‌السلام : الرجل يكون في الدار تمنعه(٤) حيطانها النظر إلى حمرة المغرب ، ومعرفة مغيب الشفق ، ووقت صلاة العشاء الآخرة ، متى يصلّيها وكيف يصنع؟ فوقّععليه‌السلام : « يصلّيها إذا كان على هذه الصفة عند قصر النجوم ، والمغرب عند اشتباكها وبياض مغيب الشمس ».

وقد قدّمنا أنّ آخر وقت المغرب غيبوبة الشفق الذي هو الحمرة من ناحية المغرب ، وما تضمّن بعض الأخبار أنّه ممتدّ إلى ربع الليل محمول على أصحاب الأعذار ، وأوردنا في ذلك الأخبار.

__________________

(١) التؤدَة بفتح الهمزة وسكونها الرزانة والتأنّي ، القاموس المحيط ١ : ٣٥٥ ( وَأَد ).

(٢) ليست في « فض ».

(٣) في « فض » و « رض » : الكوكب.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٦٩ / ٩٧٢ ، و « فض » : يمنعه.


ويزيد ذلك بياناً :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن موسى بن بكر ، عن زرارة قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يصلّي من النهار شيئاً حتى تزول الشمس ، فإذا زالت قدر نصف إصبع صلّى ثماني ركعات ، فإذا فاء الفي‌ء ذراعاً صلى الظهر ، ثم صلّى بعد الظهر ركعتين ، ويصلّي قبل وقت العصر ركعتين ، فإذا فاء الفي‌ء ذراعين صلّى العصر ، وصلّى المغرب حين تغيب الشمس ، فإذا غاب الشفق دخل وقت العشاء ، وآخر وقت المغرب إياب الشفق ، فإذا آب الشفق دخل وقت العشاء ، وآخر وقت العشاء ثلث الليل ، وكان لا يصلّي بعد العشاء حتى ينتصف الليل ، ثم يصلّي ثلاث عشرة ركعة منها الوتر ومنها ركعتا الفجر قبل الغداة ، فإذا طلع الفجر وأضاء صلّى الغداة ».

السند‌ :

في الأوّل : محمّد بن حكيم ، والذي في الرجال محمّد بن حكيم الخثعمي ذكره النجاشي مهملاً(١) .

وفي الفهرست : محمّد بن حكيم له كتاب ، وذكر أنّ الراوي عنه محمّد بن أبي عمير ، عن الحسن بن محبوب(٢)

وفي رجال الكاظمعليه‌السلام من كتاب الشيخ محمّد بن حكيم(٣) ، وفي‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٥٧ / ٩٥٧.

(٢) الفهرست : ١٤٩ / ٦٣٣ و ١٥٣ / ٦٦٦.

(٣) رجال الطوسي : ٣٥٨ / ٢.


رجال الصادقعليه‌السلام محمّد بن حكيم الخثعمي مهملاً ، وفيهم أيضاً محمّد ابن حكيم الساباطي مهملاً(١) .

وفي الخلاصة : محمّد بن حكيم روى الكشي أنّ أبا الحسنعليه‌السلام كان يرضى كلامه عند ذكر أصحاب الكلام(٢) .

والذي في الكشي : حمدويه قال : حدّثني يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير ، عن محمّد بن حكيم قال : ذكر لأبي الحسنعليه‌السلام أصحاب الكلام فقال : « أمّا ابن حكيم فدعوه ».

وروى عن حمدويه(٣) ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس(٤) قال : كان أبو الحسنعليه‌السلام يأمر محمّد بن حكيم أنْ يجالس أهل المدينة في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأن يكلّمهم ويخاصمهم ـ إلى أن قال ـ : فإذا انصرف إليه قال له : « ما قلتَ لهم وما قالوا لك؟ » ويرضى بذلك منه(٥) .

وروى بسند آخر فيه مجاهيل مثله(٦) .

ولا يخفى أنّ الحديثين غير سليمَي الطريق(٧) ، والأوّل شهادة لنفسه ولا يدلّ على ما ذكره العلاّمة ، فاقتصاره على ما رواه الكشي من دون تعرّض لحقيقة الحال لا يخلو من غرابة.

__________________

(١) رجال الطوسي : ٢٨٥ / ٧٩ و ٧٨.

(٢) الخلاصة : ١٥١ / ٦٥.

(٣) في « د » : وروى حمدويه.

(٤) في الكشي زيادة : عن حمّاد.

(٥) رجال الكشي ٢ : ٧٤٦ / ٨٤٣ و ٨٤٤ ، بتفاوت يسير.

(٦) رجال الكشي ٢ : ٧٤٦ / ٨٤٥.

(٧) لوجود محمّد بن حكيم نفسه في طريق الأوّل ، ورواية محمد بن عيسى عن يونس وهي من مستثنيات ابن الوليد من كتاب نوادر الحكمة في الثاني.


وأنت خبير بأنّ رواية ابن أبي عمير عنه في الكشي قرينة على أنّه المذكور هنا وحاله غير خفيّة ، وما في الفهرست من واسطة ابن محبوب(١) لا يضرّ ، فالظاهر اتحاده مع من في الكشّي مع احتمال اتحاده مع الباقين ، والأمر سهلٌ.

وأمّا شهاب بن عبد ربّه فقد وثّقه النجاشي في إسماعيل بن عبد الخالق(٢) . وفي الخلاصة : شهاب بن عبد ربّه ، قال أبو عمرو الكشّي : شهاب ، وعبد الرحيم ، وعبد الخالق ، ووهب ولد عبد ربّه من موالي بني أسد من صلحاء الموالي ، وقد بيّنّا ما يتعلق بمدحه وذمّه في كتابنا الكبير(٣) . انتهى.

وفي فوائد جدّيقدس‌سره على الخلاصة : طرق الذم ضعيفة ، والاعتماد على كلام الكشّي السابق الموجب لإدخاله في الحسن(٤) . انتهى.

ولا يخفى أنّ اعتمادهقدس‌سره على المدح لعدم وجود النجاشي عنده.

والثاني : فيه سهل بن زياد ، وقد تقدّم(٥) فيه ما يغني عن الإعادة. وأمّا عليّ بن الريّان فهو ثقة في النجاشي(٦) .

والثالث : فيه موسى بن بكر ، وقد ذكر الشيخ في رجال الكاظمعليه‌السلام أنّ موسى بن بكر الواسطيّ كوفي واقفي(٧) . والنجاشي ذكر موسى بن بكر‌

__________________

(١) الفهرست : ١٤٩ / ٦٣٣.

(٢) رجال النجاشي : ٢٧ / ٥٠ و ١٩٦ / ٥٢٣.

(٣) الخلاصة : ٨٧ / ٢ بتفاوت يسير.

(٤) فوائد الشهيد على الخلاصة : ١٥.

(٥) في ص ٩٥.

(٦) رجال النجاشي : ٢٧٨ / ٧٣١.

(٧) رجال الطوسي : ٣٥٩ / ٩.


الواسطيّ روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهما‌السلام من غير ذكر الوقف(١) . والظاهر اتحاده مع من ذكره الشيخ بالوقف ، واختصاصه بالكاظمعليه‌السلام لا ينافي قول النجاشي : روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهما‌السلام ؛ لأنّ الشيخ ذكر في رجال الصادقعليه‌السلام موسى بن بكر الواسطي(٢) . وعلى كلّ حالٍ الرجل كما ترى.

والنضر على الظاهر من تكرّر الأخبار في رواية الحسين عنه أنّه ابن سويد ، مع وجود الحسين في الطريق إلى النضر بن سُويد في الرجال(٣) .

المتن :

في الأوّل كما ترى ، وإن كان ظاهره أنّهعليه‌السلام يُحبّ أن يَرى بعد الصلاة كوكباً ، إلاّ أنّ الحمل على إرادة الصلاة وتكون رؤية الكوكب كناية عن ذهاب الحمرة كما سبق في الأخبار الدالّة على ذلك ممكن ، وبُعده من اللفظ يقرّبه أنّ الشيخ قائل باعتبار ذهاب الحمرة في الوجه الأوّل ، ورؤية الكوكب بعد الصلاة إذا ذهبت الحمرة تحصل وإن لم تكن الصلاة على تُؤدَة وهي التأنّي كما قاله الشيخ ، إنّما هذا التوجيه يناسب دخول الوقت بمجرّد سقوط القرص مطلقاً.

والوجه الثاني من توجيهي الشيخ لا يخفى ما فيه ؛ لأنّ الجبال الشاهقة ينافي ذكرها ما تقدّم منه من ذهاب الحمرة ، بل إنّما يناسب غيبوبة‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٠٨١.

(٢) رجال الطوسي : ٣٠٧ / ٤٤١.

(٣) الفهرست : ١٧١.


القرص عن العين ، كما أشرنا إليه سابقاً(١) .

نعم فيه تأييد لما قدّمناه(٢) من احتمال ما دلّ على الاحتياط في التأخير لاختلاف الآفاق ، والشيخ قد صرّح سابقاً(٣) بأنّ الشمس إذا غابت عن قوم تطلع على آخرين ، وما ذكر هنا لا يناسبه إلاّ بتقدير ما قلناه ، فكان عليه أن يشير إليه ؛ وما قاله : من الحيطان العالية. أبعد ؛ فإنّ إمكان رؤية الأُفق ظاهر إلاّ إذا فرض التعذّر ، وظاهر الخبر المبحوث عنه الإطلاق ، فلو حمل على التأخّر للاحتياط على الإطلاق أمكن ، والله أعلم.

وأمّا الثاني : فالاستدلال به لا يخلو من نظر ؛ لأنّ مقتضى السؤال فيه عمّن تمنعه الحيطان عن النظر إلى حمرة المغرب ومغيب الشفق ووقت صلاة العشاء ، والظاهر من حمرة المغرب الحمرة التي هي علامة المغرب.

والجواب كما ترى ظاهره أنّه يصلّي العشاء عند قصر النجوم ، لمناسبة قوله : « والمغرب » وقد فسّر في التهذيب قصر النجوم ببيانها(٤) .

وغير خفّي أنّ قوله : « والمغرب عند اشتباكها وبياض مغيب الشمس » يقتضي أنّ الاشتباك أقلّ من قصرها ، وبياض المغيب لا يناسبه ، والتأويل بأنّ المراد بالبيان الظهور التام ، والاشتباك مجرّد الظهور كما قد يفهم من بعض الأخبار السابقة يشكل في بياض مغيب الشمس ، وغير بعيد أن يكون المراد أنّه يصلّي العشاء والمغرب عند قصر النجوم واشتباكها وبياض مغيب الشمس لأجل الضرورة ، وحينئذ يدلّ الخبر على أنّه مع الضرورة‌

__________________

(١) في ص ١٣١٦.

(٢) في ص ١٣١٥.

(٣) في ص ١٣١٢.

(٤) التهذيب ٢ : ٢٦١.


المذكورة يجوز تأخير المغرب إلى ذهاب الشفق المغربي ، وأين هذا من رؤية الكوكب؟.

ويمكن الجواب : بأنّه إذا جاز التأخير للقدر(١) المذكور جاز إلى غيره من الأقلّ بطريق أولى فيتمّ المطلوب ، إلاّ أنّه لا يخفى ما بين كلام الشيخ أوّلاً وثانياً من التفاوت في معنى الخبر الأوّل ؛ إذ على الأوّل تكون رؤية الكوكب بعد الفراغ ، وعلى الثاني تكون الصلاة بعد رؤية الكوكب ، فليتأمّل.

ثم إنّ الخبر المبحوث عنه فيه احتمال أن يكون المراد بقصر النجوم ظهورها التام ، والاشتباك مجرّد الظهور كما سبق ، ويكون قوله : « وبياض مغيب الشمس » ( مراداً به )(٢) زوالُ آثار الشمس بعد غيابها من الحمرة ، لا البياض الحاصل بعد زوال الحمرة المغربيّة ، فيدلّ الخبر على أنّ مع عدم التمكن من الحمرة المشرقية يقوم مقامها البياض في مغيب الشمس ، وعلى هذا يتمّ المراد في الرواية ، لكنها صريحة في أنّ الصلاة بعد الاشتباك وبياض مغيب الشمس ، لا مجرّد رؤية الكوكب كما هو مطلوب الشيخ ، إلاّ من جهة الأولوية.

وما قاله الشيخ : من أنّ ما ورد من الأخبار الدالة على بقاء وقت المغرب إلى ربع الليل محمول على ذوي الأعذار. لا يخلو في ترجيحه على الحمل على انتهاء الفضيلة من تأمّل ، إلاّ أنّ ما سبق(٣) في أوّل باب أن لكلّ صلاة وقتين ، من قولهعليه‌السلام : « وليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين‌

__________________

(١) في « د » و « رض » : للعذر.

(٢) ما بين القوسين ليس في « فض ».

(٣) في ص ١١٩٥.


وقتاً إلاّ في علّة من غير عذر » شامل للمغرب.

وفيه : بتقدير سلامة السند أنّ ما دلّ على بقاء وقت المغرب إلى نصف الليل يدلّ على أنّ الوقت الثاني بعد الربع من الليل(١) ، ولو حمل الثاني على بعد ذهاب الشفق لزم أنّ للمغرب ثلاث أوقات ، فهي خارجة من الخبر بسبب حصر الوقتين ، إلاّ أن يقال : إنّ الوقتين ذهاب الشفق والنصف ، وأمّا الربع فهو من قبيل ما ورد في الظهرين من الاختلاف ، ويراد به اختلاف الفضل بالنسبة إلى الوقتين. وفيه ما فيه ، وسيأتي إن شاء الله توضيح المقال بنقل الأقوال.

وما نقله الشيخ : من الخبر الثالث(٢) الذي يزيد ما ذكره بياناً. فيه : أنّ الخبر يخالف ما تقدّم ( في الظهرين والعشاء والمغرب منه(٣) )(٤) وحمله على الفضيلة في الظهرين يقتضي كون جميعه كذلك ، فيدلّ على أنّ آخر وقت فضيلة المغرب إياب الشفق كما تضمّنته الرواية.

اللغة‌ :

قال في الصحاح : الشفق بقيّة ضوء الشمس وحمرتها في أوّل الليل إلى قريب من العتمة ، وقال الخليل : الشفق الحمرة من غروب الشمس إلى وقت عشاء الآخرة ، فإذا ذهب قيل : غاب الشفق(٥) . وفي القاموس : آبت الشمس غابت(٦) .

__________________

(١) في « د » ونسخة في « رض » : من الأوّل.

(٢) في « رض » : الثاني.

(٣) لفظة : منه ، ليست في « رض ».

(٤) ما بين القوسين ليس في « فض ».

(٥) الصحاح ٤ : ١٥٠١ ، ( شفق ).

(٦) القاموس المحيط ١ : ٣٩ ، ( الأوب ).


قوله :

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن أديم بن الحرّ قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « إنّ جبرئيلعليه‌السلام أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالصلوات كلّها ، فجعل لكلّ صلاة وقتين ، إلاّ المغرب فإنّه جعل لها وقتاً واحداً ».

علي بن مهزيار ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن زيد الشحّام قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن وقت المغرب ، فقال : « إنّ جبرئيل أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لكلّ صلاة بوقتين ( إلاّ المغرب )(١) فإنّ وقتها واحد ووقتها وجوبها ».

فلا تنافي بين هذين الخبرين وبين ما قدّمناه من الأخبار في أنّ لهذه الصلاة وقتين أوّلاً وآخراً ، وأنّ أوّلها غيبوبة الشمس وآخرها غيبوبة الشفق ؛ لأنّ الوجه في هذين الخبرين ما ذكرناه فيما تقدّم ، وهو الإخبار عن قرب ما بين الوقتين ، وأنّه ليس بينهما من الاتساع ما بين الوقتين في سائر الصلوات ، ولو أنّ إنساناً تأنّى في صلاته وصلاّها على تُؤدة لكان فراغه منها عند غيبوبة الشفق ، فكأنّ الوقتين وقت واحد ، لضيق ما بينهما.

والذي يدل على ذلك أيضاً :

ما رواه سهل بن زياد ، عن إسماعيل بن مهران قال : كتبت إلى الرضاعليه‌السلام : ذكر أصحابنا أنه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٧٠ / ٩٧٥ بدل ما بين القوسين : غير صلاة المغرب.


والعصر ، وإذا غربت دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة إلاّ أنّ هذه قبل هذه في السفر والحضر ، وأنّ وقت المغرب إلى ربع الليل ، فكتب : « كذلك الوقت ، غير أنّ وقت المغرب ضيّق ، وأنّ آخر وقتها ذهاب الحمرة ومصيرها إلى البياض في أُفق المغرب ».

السند‌ :

في الأوّل والثاني تقدّم(١) الكلام فيه في باب أنّ لكل صلاة وقتين.

وأمّا الثالث : ففيه سهل بن زياد ، والقول فيه قد تكرّر(٢) ، وإسماعيل ابن مهران قد وثّقه النجاشي(٣) والشيخ(٤) ، وذكر العلاّمة في الخلاصة : أنّ الشيخ أبا الحسين أحمد بن الحسين بن عبيد الله الغضائري قال : إنّ إسماعيل بن مهران ليس حديثه بالنقيّ يضطرب تارة ويصلح اخرى ، وروى عن الضعفاء كثيراً ، ويجوز أن يخرّج شاهداً ، والأقوى عندي الاعتماد على روايته ؛ لشهادة الشيخ أبي جعفر الطوسي والنجاشي له بالثقة. انتهى(٥) .

ولا يخفى أنّ في كلام العلاّمة دلالة على أنّ ابن الغضائري المذكور تضعيفه للرجال في الخلاصة وغيرها هو أحمد بن الحسين لا الحسين كما ظنّه جدّيقدس‌سره وقد نبّهنا على ذلك(٦) مفصلاً(٧) ، وذكرنا ما يقتضي اعتماد‌

__________________

(١) في ص ١٢٠٢.

(٢) راجع ص ٩٥.

(٣) رجال النجاشي : ٢٦ / ٤٩.

(٤) الفهرست : ١١ / ٣٢.

(٥) الخلاصة : ٨ / ٦ ، بتفاوت يسير.

(٦) في ص ٦٢.

(٧) في « رض » : ملخصاً.


العلاّمة على قوله ، فقول بعض مشايخنا : إنّه غير معلوم. محلّ تأمّل ، مع الاعتماد على توثيق العلاّمة لبعض الرجال.

ثم إنّ هذا المقام ربما كان عدم توقّف العلاّمة بسبب تعدّد الموثّق ، وإن كان الجارح ربما يظنّ تقديمه ، وقد أوضحنا(١) في هذا الكتاب وفي حاشية التهذيب حقيقة الحال.

المتن :

في الخبرين أيضاً تقدّم القول فيه ، وما قاله الشيخرحمه‌الله : هنا من أنّ الوقتين للمغرب وقت واحد باعتبار ما ذكره ؛ لا يخفى ما فيه :

أمّا أوّلاً : فلابتنائه على أنّ آخر وقت المغرب غيبوبة الشفق ، وقد تقدّم من الأخبار ما يدل على أنّ آخر وقتها أوسع من ذلك ، كرواية عبيد بن زرارة(٢) المعتبرة الدالة على أنّ انتصاف الليل آخر وقت لأربع صلوات ، وصحيح زرارة المتقدّم ذكره منّا عن الصدوق ، الدال على أنّ من زوال الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات ، وغسق الليل انتصافه(٣) .

وتقدّم من الشيخ رواية عمر بن يزيد الدالة على التأخير إلى ربع الليل في السفر(٤) .

وكذلك تقدّم(٥) منّا رواية ابن أبي عمير عن محمّد بن يونس ، الدالة‌

__________________

(١) في ص ٦٢.

(٢) التهذيب ٢ : ٢٧ / ٧٨ ، الإستبصار ١ : ٢٦١ / ٩٣٨ ، الوسائل ٤ : ١٨١ أبواب المواقيت ب ١٦ ح ٢٤.

(٣) في ص ١٣٠٨.

(٤) راجع ص ١٣١٧.

(٥) في ص ١٣٢١.


على تأخير المغرب إلى المنزل ، وهو يتناول ما بعد الشفق.

وفي التهذيب روى عن أحمد بن محمّد ، عن جعفر بن بشير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن محمّد بن عليّ الحلبي ، عن عبيد الله الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا بأس أن يؤخّر المغرب في السفر حتى يغيب الشفق ولا بأس بأن يعجّل العتمة في السفر قبل أن يغيب الشفق »(١) .

ومعارضة مثل هذه الأخبار بخبر إسماعيل بن جابر المعتبر السابق الدال على أنّ ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق وقت المغرب(٢) ، وبخبر زرارة والفضيل المعدود في الصحيح في الحبل المتين(٣) قالا : قال أبو جعفرعليه‌السلام : « إنّ لكلّ صلاةٍ وقتين إلاّ المغرب فإنّ وقتها وجوبها ووقت فوتها غيبوبة الشفق »(٤) ورواية بكر بن محمّد الدالّة على أنّ أوّل وقت العشاء ذهاب الحمرة(٥) .

يمكن أن يجاب عنها بما ذكره العلاّمة من الحمل على وقت الفضيلة(٦) .

إلاّ أنّه ربما يقال : إنّ الأخبار الأوّلة مطلقة وهذه مقيدة ، فلا وجه للحمل على الفضيلة.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٥ / ١٠٨ ، الوسائل ٤ : ٢٠٢ أبواب المواقيت ب ٢٢ ح ١.

(٢) في ص ١٣٠٦.

(٣) الحبل المتين : ١٣٤.

(٤) الكافي ٣ : ٢٨٠ / ٩ ، الوسائل ٤ : ١٨٧ أبواب المواقيت ب ١٨ ح ٢ ، وفيهما بتفاوت يسير.

(٥) الفقيه ١ : ١٤١ / ٦٥٧ ، التهذيب ٢ : ٣٠ / ٨٨ ، الإستبصار ١ : ٢٦٤ / ٩٥٣ ، الوسائل ٤ : ١٧٤ أبواب المواقيت ب ١٦ ح ٦.

(٦) المختلف ٢ : ٤٧.


وفيه : أنّ إطلاق تلك الأخبار غير معلوم كما يعلم من ملاحظتها ، لا سيّما خبر عبيد بن زرارة ، فإنّ قوله : « إلاّ أن هذه قبل هذه » له ظهور في شمول الوقت ، إذ لم يقيّد إلاّ بالقبليّة ، والاحتمال السابق(١) منّا في توجيه الاختصاص للعشاء ربما لا يدفع الظهور ، وقد تقدّم ما يؤيّد هذا في خبر داود بن فرقد(٢) ، وإن كان غير سليم السند(٣) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الشيخ قد تقدّم عنه أنّه قائل في الخلاف : إنّ آخر وقت المغرب غيبوبة الشفق(٤) ، كما حكاه العلاّمة في المختلف(٥) ، ولم يذكر مذهبه في هذا الكتاب ، بل قال في المختلف : إنّ أوّل وقت المغرب غيبوبة القرص ، وإليه ذهب الشيخ في الاستبصار(٦) . وقد قدّمنا(٧) أنّ كلام الشيخ هنا صريح في خلافه ، وبعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله تبع العلاّمة في النقل(٨) .

ثم إنّ العلاّمة حكى عن الشيخ في المبسوط : أنّ آخر الوقت غيبوبة الشفق للمختار ، وللمضطر إلى ربع الليل(٩) ، وقد قدّمنا(١٠) هذا أيضاً ، والذي يقتضيه كلامه في هذا المقام أنّ غيبوبة الشفق آخر وقت المغرب للمختار‌

__________________

(١) في ص ١٣٠٧.

(٢) في ص ١٣٠٧.

(٣) في « فض » زيادة : وغيره أيضاً. وهي مشطوبة في « د ».

(٤) في ص ١٢٩٦ ، الخلاف ١ : ٢٦١.

(٥) المختلف ٢ : ٤٤.

(٦) المختلف ٢ : ٥٩.

(٧) في ص ١٣٣٣.

(٨) البهائي في الحبل المتين : ١٤٢.

(٩) المختلف ٢ : ٤٤ ، وهو في المبسوط ١ : ٧٥.

(١٠) في ص ١٢٩٦.


والمضطرّ ، كما يُنبئ عنه قوله : ولو أنّ إنساناً تأنّى ، إلى آخره. وغير خفيّ أنّ من الأخبار المذكورة من الشيخ ما يدلّ على الامتداد إلى ربع الليل للمسافر ، بل إلى الأكثر ، فلو حمل الشيخ الوقتين على المختار والمضطر دون الفضيلة ، لا مجال لحصر الوقتين إلى الشفق.

وبالجملة فاعتبار مذهب الشيخ من هذا الكتاب مشكل ، بل الظاهر أنّه يذكر مجرّد الاحتمال ، وغير بعيد أن يقال : إنّ المراد بالوقتين لغير المغرب ، والوقت لها هو الفضيلة ، غير أنّ الفضيلة محتملة لأن يراد أنّ الأوّل أفضل من الثاني ، وغير ذلك ، كما سبق بيانه في الظهرين.

وفي المغرب يحتمل أن يراد بالوقت الواحد : أنّ الأوّل لا ينسب إلى ما بعده كالظهرين ، حيث إنّ التفاوت فيهما بالفضل واقع بالسبحة أو القدم أو القدمين ، بخلاف المغرب فإنّ الأفضل الأوّل إمّا غيبوبة القرص أو الحمرة ، أو يقال : إنّ للظهرين(١) وقتين : إجزاء وفضيلة غير الإجزاء المشهور بين الأصحاب وهو الآخر ، بل الإجزاء من أوّل الزوال إلى القدم أو القدمين ، بخلاف المغرب فإنّ أوّل الوقت هو وقت الفضيلة ، كما ينبّه عليه قولهعليه‌السلام : « ووقتها وجوبها ».

فإن قلت : كيف يتحقّق الأفضل بالنسبة إلى الإجزاء ، بل كيف يتحقّق في المغرب الأفضل ، والحال أنّ الوقت إمّا مستمرّ إلى غيبوبة الشفق أو إلى ما دونه ، أو غير مستمرّ بل مقدار الفعل ، وعلى التقادير لا يقال : أفضل ، إلاّ بالإضافة؟.

قلت : لا يبعد أن يكون الوقت في المغرب أفضل بالنظر إلى أنّ‌

__________________

(١) في « فض » : للظهر.


الحكم في ذوات الوقتين من الفرائض قد وقع بوصف الأوّل بالأفضل ، ولمّا ظنّ مشاركة المغرب لدخولها في العموم لحقها الحكم بالأفضل ، والحال أنّ ما دلّ على الوقتين في بعضه استثناء المغرب ، فالدخول غير واضح ، وحينئذ لا مانع من وصف جميع وقتها بالفضيلة.

غير أنّ ما يشعر به بعض الأخبار من أنّ تأخيرها يقتضي المرجوحيّة ، فيلزم كون الأوّل أفضل.

يمكن الجواب عنه : بأنّ الأفضلية ليست بالنسبة إلى وقتين من الشارع ، بل لأنّ التأخير عن المحثوث عليه يقتضي المرجوحيّة ، فلنا أن نقول : الأوّل أفضل بالنسبة إلى سائر الوقت ، والأمر سهل.

نعم يبقى الكلام فيما دلّ على التأخير للمسافر ، وما دلّ بإطلاقه على الامتداد لأكثر من ذلك ، فيمكن حمله على ذوي الأعذار بنحو غير ما قاله الشيخ ، وممّا يشعر بما ذكرناه الخبر الثالث ، إذا أعطاه المتأمّل حق النظر.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يبقى من تتمّة وقت المغرب شي‌ء لا بدّ من التنبيه عليه ، وهو : أنّ العلاّمة في المختلف نقل عن المبسوط أنّ علامة غيبوبة الشمس هو أنّه إذا رأى السماء والآفاق مصحيّة ولا حائل بينه وبينها ورآها قد غابت عن العين علم غروبها ، وفي أصحابنا من قال : يراعى زوال الحمرة من جانب المشرق ، وهو الأحوط ، فأمّا على القول الأوّل فإذا غابت الشمس عن البصر ورأى ضوءها على جبل يقابلها أو مكان عال مثل منارة إسكندريّة وشبهها فإنّه يصلّي ، ولا يلزمه حكم طلوعها بحيث لو طلعت [ لزمه القضاء(١) ] ، وعلى الرواية الأُخرى لا يجوز حتى تغيب في كلّ‌

__________________

(١) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر لاستقامة المتن.


موضع ، وهو الأحوط(١) . انتهى.

وهذا الكلام كما ترى يدفع الكلام السابق من الشيخ هنا في قوله : بين الحيطان العالية والجبال الشاهقة ، وقوله في الموضع الآخر : تطلع على آخرين. وقد يمكن التسديد ، إلاّ أنّ الضرورة إليه غير داعية.

وينقل عن ابن الجنيد القول بأنّ غيبوبة الشمس إنّما هي بيقين ذهاب القرص عن النظر(٢) . وقد سمعت القول فيما تقدّم(٣) من الأخبار الدالة على القولين ، والاحتياط مطلوب.

قوله :

فأمّا وقت العشاء الآخرة فهو سقوط الحمرة من المغرب حسب ما ذكرناه ، وآخره ثلث الليل أو نصف الليل ، ويكون ذلك للضرورة وعند الأعذار ، وقد تضمّن ذلك كثير من الأخبار التي قدّمناها ، لأنّ أكثرها تضمّن ذكر وقت الصلاتين.

ويزيد ذلك بياناً :

ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن عبد الله بن الحجّال ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن عمران بن علي الحلبي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام متى تجب العتمة؟ قال : « إذا غاب الشفق ، والشفق الحمرة » فقال عبد الله (٤) : أصلحك الله إنّه يبقى‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٥٩ ، وهو في المبسوط ١ : ٧٤.

(٢) نقله عنه في المختلف ٢ : ٥٩.

(٣) في ص ١٣١٢.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٧١ / ٩٧٧ : عبيد الله.


بعد ذهاب الحمرة ضوء شديد معترض ، فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « إنّ الشفق إنّما هو الحمرة ، وليس الضوء من الشفق »(١) .

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن أبي طالب عبد الله بن الصلت ، عن الحسن بن عليّ بن فضّال ، عن الحسن بن عطيّة ، عن زرارة قال : سألت أبا جعفر وأبا عبد اللهعليهما‌السلام عن الرجل يصلّي العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق ، فقال : « لا بأس به ».

الحسن بن علي بن فضّال ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن عبد الله(٢) وعمران ابني عليّ الحلبيَّين قالا : كنّا نختصم في الطريق في الصلاة صلاة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق ، وكان منّا من يضيق بذلك صدره ، فدخلنا على أبي عبد اللهعليه‌السلام فسألناه عن صلاة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق ، فقال : « لا بأس بذلك » قلنا(٣) : وأيّ شي‌ء الشفق؟ قال : « الحمرة ».

وبهذا الإسناد ، عن الحسن بن عليّ ، عن إسحاق البُطَيحيّ قال : رأيت أبا عبد اللهعليه‌السلام صلّى العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق ثم ارتحل.

أحمد بن محمد ، عن عليّ بن الحكم ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « صلّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علّة ، وصلّى بهم‌

__________________

(١) الحديث في « رض » هكذا : إذا غاب الشفق والشفق الحمرة ، وليس الضوء من الشفق.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٧١ / ٩٧٩ : عبيد الله.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٧١ / ٩٧٩ : فقلنا.


المغرب والعشاء الآخرة قبل(١) الشفق من غير علّة في جماعة ، وإنّما فعل ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليتّسع الوقت على أُمّته ».

سعد بن عبد الله عن محمّد بن الحسين ، عن موسى بن عمر ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن إسحاق بن عمّار قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام : نجمع بين المغرب والعشاء في الحضر قبل أن يغيب الشفق من غير علّة ، قال : « لا بأس ».

فالوجه في هذه الأخبار أن يحمل ما كان(٢) منها مقيّداً بجواز الجمع بينهما من غير علّة وعدم عذر على ضرب من الرخصة والجواز ، وإن كان الأفضل والأولى ما قدّمناه ، وما كان منها خالية من ذلك أن نحملها على حال السفر وغيره من الأعذار.

السند‌ :

في الأوّل : قد تقدّم مثله في عبد الله بن الحجّال وثعلبة بن ميمون(٣) من توثيق عبد الله ومدح ثعلبة في النجاشي(٤) ، وتوثيقه من رواية الكشي عن حمدويه عن محمّد بن عيسى ، وقد يحتمل أن يكون التوثيق من الكشي ، لأنّه قال في ترجمته : ذكر حمدويه عن محمّد بن عيسى أن ثعلبة بن ميمون مولى محمّد بن قيس الأنصاري ، وهو ثقة خيّر فاضل مقدّم معلوم في العلماء والفقهاء(٥) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٧١ / ٩٨١ زيادة : سقوط.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٧٢ / ٩٨٢ : أن تحمل على ما كان منها.

(٣) في ص ١٢٨٥ ، ١٣٨٧ ، ١٣٤٠.

(٤) رجال النجاشي : ١١٧ / ٣٠٢.

(٥) رجال الكشي ٢ : ٧١١ / ٧٧٦.


ووجه الاحتمال أنّ قوله : وهو إلى آخره. يمكن أن يكون من الكشّي ، والمنقول عن حمدويه إنّما هو كونه مولى ، إلاّ أنّ الظاهر خلافه ، وعلى تقدير عدم الظهور فالاحتمال غير كاف ، فليتأمّل.

وأمّا عمران بن علي ، فهو ثقة جليل.

والثاني : فيه(١) الحسن بن فضّال ، وهو معلوم الحال.

والحسن بن عطيّة ، قال النجاشي : الحسن بن عطيّة الحنّاط(٢) كوفّي مولى ثقة وأخواه أيضاً محمّد وعلي كلّهم رووا عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وهو الحسن بن عطيّة الدغشي المحاربي أبو ناب ، ومن ولده عليّ بن إبراهيم بن الحسن روى عن أبيه عن جدّه ، ما رأيت أحداً من أصحابنا ذكر له تصنيفاً(٣) .

وفي الفهرست : الحسن بن عطية الحنّاط له كتاب ، وذكر أنّ الراوي عنه حميد ، عن أحمد بن ميثم(٤) . وفي رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ : الحسن بن عطيّة المحاربي الدغشي أبو ناب الكوفي ، ثمّ(٥) ، الحسن بن عطيّة الحنّاط الكوفيّ. ثم في آخر الباب : الحسن بن عطيّة أبو ناب الدغشي أخو مالك وعلي. وفي باب الحسين من الكتاب : الحسين بن عطيّة الحنّاط السلميّ الكوفي. ثم الحسين بن عطيّة الدغشيّ المحاربيّ الكوفيّ. وفي باب علي : علي بن عطيّة السلمي مولاهم الحنّاط(٦) .

__________________

(١) في « فض » : وأمّا الثاني ففيه.

(٢) في « فض » في جميع الموارد : الخيّاط.

(٣) رجال النجاشي : ٤٦ / ٩٣.

(٤) الفهرست : ٥١ / ١٧٧.

(٥) ليس في « رض » و « د ».

(٦) رجال الطوسي : ١٦٧ / ٢٠ و ٢١ ، ١٨٢ / ٢٩٧ ، ١٦٩ / ٧١ ، ١٧٠ / ٧٩ ، ٢٤٣ / ٣١٧.


وقد يستفاد من مجموع كلام الشيخ التغاير ، وأنّ الحسن بن عطيّة أخا علي غير الحسن بن عطيّة الحنّاط ، لأنّ ذكره في علي أنّه ابن عطيّة السلميّ مولاهم ، يدلّ على أنّ الحسن أخاه ابن عطيّة السلميّ ؛ والحسن بن عطيّة الدغشيّ المحاربيّ على ما قاله النجاشي غير السلميّ ، إلاّ أنّ الظاهر الاعتماد على النجاشي من الاتحاد ، واضطراب الشيخ في مثل هذه المقامات كثير ، وفي ذكر الحسين والحسن أكبر شاهد على ما قلناه ، لأن النجاشي لم يذكر الحسين بن عطية.

وفي الظنّ أنّ قول الشيخ في كتاب الرجال : الحسن بن عطيّة الحنّاط(١) ليس المراد به التعدد ، بل المراد أنّ الحسن بن عطيّة المحاربي هو الحسن بن عطيّة الحنّاط كما قاله النجاشي(٢) ولا يبعد أن يكون الشيخ أخذه من كتب المتقدّمين بصورته ، والنجاشي فهم الاتحاد ، والشيخ ظنّ التعدد أو فهمه أيضاً ، إلاّ أنّ ذكره مرّة أُخرى في آخر الباب(٣) ، لا وجه له ، غير أنّ تكرار الاسم كثير في كتابه.

وفي الكشي : ما روي في أبي ناب الدغشي : الحسن بن عطيّة وأخويه علي ومالك ابني عطيّة ، قال محمّد بن مسعود : سألت علي بن الحسن عن أبي ناب الدغشي قال : هو الحسن بن عطيّة وعليّ بن عطيّة ومالك بن عطيّة إخوة كوفيّون ، وليسوا بالأحمسية ، فإنّ في الحديث مالك الأحمسي ، والأحمس بطن من بجيلة(٤) . انتهى.

__________________

(١) رجال الطوسي : ١٦٧ / ٢١.

(٢) رجال النجاشي : ٤٦ / ٩٣.

(٣) رجال الطوسي : ١٨٢ / ٢٩٧.

(٤) رجال الكشي ٢ : ٦٦٣ / ٦٨٤.


وفي مالك بن عطيّة قال : إنّه الأحمسي ولم يذكر مالك بن عطيّة غيره ، كما لم يذكره في إخوة الحسن ، والشيخ في رجال الصادقعليه‌السلام ذكر مالك الأحمسي(١) ، ولم يذكر أخا الحسن ، فالظاهر أنّ مالكاً ليس من الإخوة ، أو ليس من المشهورين ، وعلى كلّ حال فما ذكره ابن داود من التعدّد وتوثيقهما نقلاً عن الشيخ(٢) ، غريب.

أمّا ما يقتضيه كلام النجاشي من قوله : وأخواه أيضاً محمّد وعليّ ، إلى آخره. من التوثيق للجميع فهو ظاهر ، واحتمال أن يعود للرواية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام بعيد ، فلا يتوجه على العلاّمة وشيخنا أيّده الله الإشكال في توثيقهما(٣) وفي نقل التوثيق فيهما عن النجاشي.

ومن عجيب الواقع أنّ العلاّمة في الخلاصة وثّق عليّ بن عطيّة كما سمعت ، وفي محمّد بن عطيّة قال : محمد بن عطيّة الحنّاط أخو الحسن وجعفر روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وهو ضعيف(٤) .

والحال أنّ النجاشي قد سمعت كلامه في التوثيق لعلي ومحمّد(٥) ، وحينئذ لا وجه لتوثيق علي وتضعيف محمّد ، والظاهر أنّ التضعيف وهم ؛ لأنّ النجاشي قال في محمّد بن عطيّة نحو ما ذكر العلاّمة ، ثم قال : روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام وهو صغير(٦) ؛ فصحّف الصغير بالضعيف.

ثم إنّ ذكر جعفر في محمّد يدلّ على أنّ من إخوة الحسن : جعفراً ،

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٠٨ / ٤٥٧.

(٢) رجال ابن داود : ٧٤ / ٤٣٢ و ٤٣٣.

(٣) الخلاصة : ٤٢ ، منهج المقال : ١٠١.

(٤) الخلاصة : ١٠٣ / ٧٢ و ٢٥٥ / ٤٩.

(٥) راجع ص ١٣٤٢.

(٦) رجال النجاشي : ٣٥٦ / ٩٥٢.


ولم يتقدّم في الحسن من النجاشي ، فكأنّه لعدم كونه ثقة ، إلاّ أنّ ذكره مع محمّد والحال أنّ علياً أعلى منه غير ظاهر الوجه ، والأمر سهلٌ.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ قول النجاشي : ما رأيت أحداً من أصحابنا ذكر له تصنيفا(١) . ينافي ما قاله الشيخ : من أنّ له كتاباً(٢) . واحتمال أن يعود قول النجاشي لعليّ بن إبراهيم بن الحسن بعيد ، إذ المقام مقام الحسن ، فليتدبّر.

والثالث : فيه الحسن بن علي بن فضّال وقد تقدّم مع ثعلبة بن ميمون(٣) . وقول الشيخ : الحسن بن علي بناءً على الإسناد السابق ، كما هي عادة الكليني ، وقد ظنّ الوالدقدس‌سره أنّ الشيخ غفل عن قاعدة الكليني في مواضع(٤) ، ولا يبعد أن يكون غير غافل ، وإنّما اعتمد على المعلوميّة ، كما يؤيّده الواقع هنا.

فإن قلت : ما وجه تأييده؟ واحتمال كون الحسن بن عليّ بن فضّال الواقع في السابق بمقتضى البناء يعارضه احتمال إسناد آخر عن الحسن بالطريق إليه.

قلت : قد ذكر الشيخ في التهذيب الحديثين قائلاً في الثاني : وما رواه بهذا الإسناد عن الحسن بن عليّ بن فضّال(٥) . وهذا يؤيّد أنّه أراد الاختصار والبناء على السابق.

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤٦ / ٩٣.

(٢) الفهرست : ٥١ / ١٧٧.

(٣) راجع ص ٢٩٨ ، ١٣٤٠ ، ١٣٤١ ، ٧٣٧.

(٤) منتقى الجمان ١ : ٢٤.

(٥) التهذيب ٢ : ٣٤ / ١٠٥.


وفي السند كما ترى عبد الله فيما رأيت من النسخ ، وفي التهذيب عبيد الله(١) ، وهو الموجود في الرجال(٢) ، وعلى كل حال عبيد الله وعمران ثقتان.

والرابع : يؤيّد ما قلناه ، إلاّ أنّ إعادة السند بالإشارة غير ظاهر الوجه إلاّ من جهة التنبيه على البناء ، وفيه : إسحاق البُطيحي ولم أقف عليه الآن في الرجال.

والخامس : لا خفاء فيه بعد ما كرّرنا القول فيه من أحوال رجاله(٣) .

والسادس : فيه موسى بن عمر ، والموجود في الرجال : موسى بن عمر بن يزيد الصيقل يروي عنه سعد بن عبد الله في النجاشي(٤) ، ومحمّد ابن عليّ بن محبوب في الفهرست(٥) ، وهو مهمل فيهما ، والرواية هنا تضمّنت رواية سعد عن محمّد بن الحسين ، ولا يبعد أن يكون هو الرجل ، والواسطة غير مانعة ، إلاّ أنّ في الرجال أيضاً موسى بن عمر الحضيني من أصحاب الهاديعليه‌السلام في كتاب الشيخ(٦) ، والمرتبة قريبة(٧) ، والأمر سهل للاشتراك في الإهمال ، ولا يخفى حال بقيّة الرجال.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٤ / ١٠٥.

(٢) راجع رجال النجاشي : ٢٣٠ / ٦١٢ ، رجال الطوسي : ٢٢٩ / ١٠٤ ، رجال ابن داود : ١٢٥ / ٩٢٢ ، خلاصة العلاّمة : ١١٢ / ٢.

(٣) أي أحمد بن محمّد : ص ٦٨ وعلي بن الحكم : ص ١٨٠ وعبد الله بن بكير : ص ٨٩ وزرارة : ص ٣٩.

(٤) رجال النجاشي : ٤٠٥ / ١٠٧٥.

(٥) الفهرست : ١٦٣ / ٧٠٩.

(٦) رجال الطوسي : ٤٢٣ / ٢٠.

(٧) وفي الرجال أيضاً موسى بن عمر بن بزيع ، من أصحاب الجواد والهاديعليهما‌السلام ، وهو ثقة راجع رجال النجاشي : ٤٠٩ / ١٠٨٩ ، رجال الطوسي : ٤٠٥ / ١١ ، ٤٢٣ / ٢١ ، الفهرست : ١٦٤ / ٧١٥ ، وخلاصة العلاّمة : ١٦٥ / ٢.


المتن :

من المهم قبل الكلام فيه ذكر المنقول من أقوال العلماء في وقت العشاء ، فعن السيّد المرتضى(١) وابن الجنيد(٢) وأبي الصلاح(٣) وغيرهم(٤) : أنّ أوّل الوقت إذا مضى من الغروب ثلاث ركعات ، فيشترك الوقت بينها وبين المغرب إلى أن يبقى لانتصاف الليل مقدار أداء العشاء فيختص بها.

وعن الشيخين : أوّل وقتها غيبوبة الشفق ، وهو الحمرة المغربية(٥) . وهو اختيار ابن أبي عقيل(٦) وسلاّر(٧) ، وقد تقدّم من الأخبار ما يدلّ على الاختصاص بأربع من النصف ، وكذلك ما يدلّ على دخول الوقتين من الغروب ، وخبر داود بن فرقد المفصّل(٨) ، وكذلك تقدّم في رواية بكر بن محمّد ما يدل على أنّ أوّل الوقت للعشاء ذهاب الحمرة وآخره غسق الليل وهو نصفه(٩) .

ونقل العلاّمة عن الشيخين الاستدلال مع الأخبار بأنّ الإجماع واقع على أنّ ما بعد الشفق وقت العشاء ، ولا إجماع على ما قبله ، فوجب‌

__________________

(١) رسائل الشريف المرتضى ١ : ٢٧٤.

(٢) نقله عنه في المختلف ٢ : ٤٧.

(٣) الكافي في الفقه : ١٣٧.

(٤) كالمحقق في المعتبر ٢ : ٤٢ ، والعلاّمة في المختلف ٢ : ٤٧.

(٥) المفيد في المقنعة : ٩٣ ، والشيخ في النهاية : ٥٩ ، والمبسوط ١ : ٧٥ ، حكاه عنهما في المختلف ٢ : ٤٧.

(٦) نقله عنه في المختلف ٢ : ٤٧.

(٧) المراسم : ٦٢.

(٨) في ص ١٢٩١.

(٩) في ص ١٣٠٠.


الاحتياط ، وبأنّها عبادة موقّتة فلا بدّ لها من ابتداء مضبوط ، وإلاّ لزم تكليف ما لا يطاق ، وأداء المغرب غير منضبط فلا يناط به.

وأجاب العلاّمة عن الأخبار المستدلّ بها ، وهي ما أشرنا إليه ، ورواية زرارة عن الباقرعليه‌السلام ، قال : « إذا غاب الشفق دخل وقت العشاء الآخرة »(١) بالحمل على الفضيلة ، ولما رواه زرارة(٢) في الصحيح عن الباقر والصادقعليهما‌السلام ، وذكر الرواية الآتية ، وفي الصحيح عن عبيد الله(٣) وعمران(٤) ، وذكر الخبر ، وفي الموثق عن زرارة(٥) ، وذكر الخبر ، وفي الصحيح عن إسحاق بن عمار(٦) ، وذكر الخبر.

ثم أجاب عن الإجماع بأنّ ما قاله لا يثبت المطلوب ؛ لأنّ عدم دليل معيّن لا يقتضي عدم الحكم ، ولا نسلّم عدم الانضباط(٧) . انتهى.

ورواية زرارة التي جعلها من الصحيح هي الثانية ، وغير خفيّ أنّ طريقها هنا وفي التهذيب مشتمل على الحسن بن علي بن فضّال(٨) ، وهو فطحيّ غير أنّه رجع ، كما في النجاشي(٩) ، ولم يعلم الرواية قبل أو بعد ، ولا أظنّ أنّ العلاّمة ينفي كونه فطحيّا ثم رجع.

واحتمال الصحة للإجماع المنقول في الكشي على تصحيح ما يصحّ‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٢٦٢ / ١٠٤٥ ، الوسائل ٤ : ١٥٦ أبواب المواقيت ب ١٠ ح ٣.

(٢) التهذيب ٢ : ٣٤ / ١٠٤ ، الوسائل ٤ : ٢٠٣ أبواب المواقيت ب ٢٢ ح ٥.

(٣) في « د » و « رض » : عبد الله.

(٤) التهذيب ٢ : ٣٤ / ١٠٥ ، الوسائل ٤ : ٢٠٣ أبواب المواقيت ب ٢٢ ح ٦.

(٥) التهذيب ٢ : ٢٦٣ / ١٠٤٦ ، الوسائل ٤ : ٢٢٢ أبواب المواقيت ب ٣٢ ح ٨.

(٦) التهذيب ٢ : ٢٦٣ / ١٠٤٧ ، الوسائل ٤ : ٢٢٣ أبواب المواقيت ب ٣٢ ح ١٠.

(٧) المختلف ٢ : ٤٨ و ٤٩.

(٨) التهذيب ٢ : ٣٤ / ١٠٤.

(٩) رجال النجاشي : ٣٤ / ٧٢.


عنه ؛ فيه : أنّ الذي وجدته في الكشّي نقلاً عن بعض : أنّ الحسن بن علي من جملة من أجمع على تصحيح ما يصح عنه(١) . والبعض غير معلوم ، ولعلّ الرواية من غير الكتابين ، أو من(٢) غير ما وقفت عليه في التهذيب ، وقد وصفها بالصحة بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله ـ(٣) .

ورواية عبيد هي الثالثة ، وطريقها كما ترى ، وفي التهذيب فيه الحسن ابن علي بن فضّال(٤) .

ثم إنّ الخبر ربما يدل على التقديم في السفر ؛ لأنّ قول السائل كنّا نختصم في الطريق يعطي ذلك ، إلاّ أنّه ربما يقال : إنّ الطريق لا تقتضي السفر ، أو إنّ الاختصام في الطريق فاتفق السؤال عن الحكم ، لكن لا يخفى أنّ الاحتمال كاف إذا كان له ظهور.

ورواية زرارة هي الخامسة ، ووصفها بالموثق قد يشكل بالإجماع على تصحيح ما يصح عن عبد الله بن بكير ، بل هذا أولى من ابن فضّال ؛ لتصريح الكشي بالإجماع فيه(٥) .

ثم إنّ دلالة الرواية مطلقة في فعل الصلاة وإن قيّدت بغير العلة ، ولا مانع من تقييدها بالسفر للعارض ، أو المراد بنفي العلة نفي المرض لا مطلق العذر.

ورواية إسحاق هي السادسة ، وصحتها إنْ كانت إضافية إلى إسحاق ،

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٨٣٠ / ١٠٥٠.

(٢) ليست في « فض ».

(٣) البهائي في الحبل المتين : ١٤٢. وقد عدّه فيه من الموثقات لا لصحاح.

(٤) التهذيب ٢ : ٣٤ / ١٠٥.

(٥) رجال الكشي ٢ : ٦٧٣ / ٧٠٥.


ففيها أنّ موسى بن عمر مهمل كما قدمناه(١) ، وإن كانت الصحة حقيقة ، فالحكم مخالف لما صرّح به في الخلاصة من التوقف فيما يرويه(٢) ، وإن كان احتمال صحة حديثه لو خلا من الموانع غيره ، لا يخلو من وجه لما قررناه من رجحان قول النجاشي.

ثم الأحاديث المذكورة على تقدير صحتها فالخبر الأوّل أيضاً صحيح ؛ لأنّ ثعلبة بن ميمون موجود في هذه الأخبار ، وقد دلّ على أنّ العتمة تجب إذا غاب الشفق ، وخبر بكر بن محمّد قد وصفه بالصحة(٣) ، وهو دال على أنّ وقت العشاء ذهاب الحمرة ، ولهذين الخبرين مؤيّدات كما لتلك مؤيّدات ، والحمل على الفضيلة ليس بأولى من الحمل على الاختيار والاضطرار على وجه يكون غير العلّة من الأعذار ، لتضمن البعض نفي العلّة ، وحينئذ فقول العلاّمة : إنّ الإجماع ، إلى آخره(٤) . قد يتوجّه عليه أنّ غير الإجماع من الأدلة قد يعارض ، والترجيح لأحد الحملين محلّ تأمّل ، والذمّة مشغولة بالعبادة ، والاقتصار على المجمع عليه لبراءة الذمّة به متعيّن.

والحق أن يقال : إنّ دلالة الأخبار على الفضيلة أظهر ، كما يعلم من تدبّرها ومساق أكثرها ، مضافاً إلى تضمّن بعضها نفي العلّة ولا قائل فيما نعلم بالفرق بين العلّة والعذر ، ويؤيّد ذلك ظاهر الآية وتفسيرها في خبر زرارة السابق من الفقيه(٥) ، فتأمّل.

__________________

(١) في ص ١٣٤٤.

(٢) الخلاصة : ٢٠٠ / ١.

(٣) المختلف ٢ : ٤٧.

(٤) راجع ص ١٣٤٥ وهو في المختلف ٢ : ٤٩.

(٥) راجع ص ١٣٠٨.


إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يبقى من الأخبار المبحوث عنها الخبر الأوّل ، ودلالته غير خفيّة ، وتأويله بالفضيلة عرفت القول فيه(١) ، وما تضمّنه من قوله : فقال عبيد الله. كأنّه أخو عمران الحلبي كما يأتي في الرواية الأُخرى.

والرابع : كما ترى ، وإن أمكن ادّعاء ظهوره في السفر لقوله : ثم ارتحل. إلاّ أنّه يحتمل أن يكونعليه‌السلام صلّى في الحضر ثم ارتحل ، وقد يدّعى أنّ هذا من قسم الضرورة ، حيث إنّ الخروج بعد دخول الوقت يوجب القصر أو التمام ، واحتمال أن يكون الاحتياط لغير الأئمّةعليهم‌السلام يمكن أن يقال بتقدير تسليمه : أنّه لإفادة التعليم للغير ، فليتدبّر.

ثم إنّ ما ذكره الشيخ أوّلاً : من أنّ كثيراً من الأخبار تضمّن ذهاب الحمرة في وقت العشاء. قد علمت الحال فيه(٢) .

وما قاله : من الحمل على الضرورة والأعذار(٣) . ظاهر في تأخير العشاء إلى الثلث والنصف ، والحمل على الضرورة والأعذار يقتضي ( أن يقدّم )(٤) ما يدلّ على انتهاء وقت الاختيار ، وإلاّ فالظاهر منه أنّ بعد الثلث والنصف يكون لذوي الأعذار ، وهو مشكلٌ في النصف ، ولعلّ المراد أنّ ما دلّ على الثلث لذوي الأعذار ويكون الآخر النصف(٥) ، وفيه ما فيه ، إلاّ أنّه سيأتي(٦) ما يؤيّد إرادته في قوله : وأمّا آخر وقت العشاء.

__________________

(١) راجع ص ١٣٣٦.

(٢) راجع ص ١٣٣٥ و ١٣٣٨.

(٣) راجع ص ١٣٣٨.

(٤) بدل ما بين القوسين في « رض » و « فض » : تقدّم.

(٥) ليست في « رض » ، وهي مشطوبة في « د ».

(٦) في ص ٣٧٢.


وما ذكره ثانياً : من الحمل على الرخصة والجواز(١) . يدلّ على إرادة الفضيلة والإجزاء ، فكان الأولى ذكر قوله في المختلف بتقدير الاعتماد على الاستبصار ، كما تقدّم(٢) نقل بعض أقواله.

قوله :

والذي يدلّ على جواز ذلك في حال السفر وحال الضرورة :

ما رواه علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا بأس بأن يعجّل عشاء الآخرة في السفر قبل أن يغيب الشفق ».

أحمد بن محمّد ، عن جعفر بن بشير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن محمّد بن علي الحلبي ، عن عبيد الله الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا بأس بأن يؤخّر المغرب في السفر حتى يغيب الشفق ، ولا بأس بأن يعجّل العتمة في السفر قبل أن يغيب الشفق ».

الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن ابن مسكان ، عن أبي عبيدة قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا كانت ليلة مظلمة أو مطر صلّى المغرب ثم مكث قدر ما يتنفّل الناس ، ثم أقام مؤذّنه ثم صلّى العشاء الآخرة وانصرفوا ».

وأمّا آخر وقت العشاء الآخرة فقد بيّنّا أيضاً أنّه إلى ثلث الليل ، وأقصاه إلى نصف الليل(٣) ، وذلك عند الضرورة والعوارض من العلل‌

__________________

(١) راجع ص ١٣٤٠.

(٢) في ص ١٣٤٥.

(٣) راجع ص ١٣٣٨.


والمهمّات ، وقد أوردنا في ذلك الأخبار ، ويزيد ذلك بياناً :

ما رواه الحسن بن محمّد بن سماعة ، عن محمّد بن زياد ، عن هارون بن خارجة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لولا أنّي أخاف أن أشُقّ على أُمّتي لأخّرت العتمة إلى ثلث الليل ، وأنت في رخصة إلى نصف الليل وهو غسق الليل ، فإذا مضى الغسق نادى ملكان : من رقد عن الصلاة المكتوبة بعد نصف الليل فلا رقدت عيناه ».

عنه ، عن صفوان ، عن معلّى أبي عثمان(١) ، عن معلّى بن خنيس ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « آخر وقت العتمة نصف الليل ».

عنه ، عن الحسين بن هاشم ، عن ابن مسكان ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « العتمة إلى ثلث الليل وإلى(٢) نصف الليل ، وذلك التضييع ».

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن الحسن بن عليّ بن فضّال ، عن عليّ بن يعقوب الهاشمي ، عن مروان بن مسلم ، عن عبيد بن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا يفوت الصلاة من أراد الصلاة ، لا تفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس ، ولا صلاة الليل حتى يطلع الفجر ، ولا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس ».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على ضرب من الرخصة لمن دامت علّته أو ضرورته إلى تأخير الصلاة ولا يكون متمكّناً من‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٧٣ / ٩٨٧ : معلى بن عثمان.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٧٣ / ٩٨٨ : أو إلى.


الصلاة ، فحينئذ لا يفوت وقته إلى طلوع الفجر ، فأمّا مع عدم ذلك فلا يجوز ذلك على ما بيّناه ، على أنّه يمكن أن يكون قوله : « ولا صلاة الليل حتى يطلع الفجر » إشارة إلى النوافل دون الفرائض.

السند‌ :

في الأوّل : حسن.

والثاني : صحيح على ما قدّمناه.

والثالث : كذلك في الطريق إلى الحسين بن سعيد وابن مسكان ، وأبو عبيدة زياد بن عيسى أو ابن رجاء ثقة بلا ارتياب.

والرابع : فيه ابن سماعة ومن في الطريق إليه ، واشتراك(١) محمّد بن زياد.

وأمّا هارون بن خارجة فالظاهر أنّه الثقة في النجاشي(٢) ، إلاّ أنّ الراوي عنه ابن سماعة بغير واسطة في الفهرست(٣) ، واحتمال أن يكون ما في الفهرست غيره ، لأنّه قال : هارون بن خارجة له كتاب ، بعيد ، وكون الرواية المبحوث عنها وقعت رواية ابن سماعة بواسطة لعلّه لا يضرّ بالحال.

وفي الرجال هارون بن خارجة الأنصاري مهملاً من أصحاب الصادقعليه‌السلام في كتاب الشيخ(٤) . والظاهر أنّه ليس هذا إلاّ أنّ باب الاحتمال‌

__________________

(١) راجع هداية المحدثين : ٢٣٧.

(٢) رجال النجاشي : ٤٣٧ / ١١٧٦.

(٣) الفهرست : ١٧٦ / ٧٦٥.

(٤) رجال الطوسي : ٣٢٨ / ٤.


واسع. وفي رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ : هارون بن خارجة الصيرفي مولى كوفيّ وأخوه مراد صيرفيّ(١) . وهو المذكور أوّلاً ، لأنّ النجاشي قال : أخوه مراد(٢) .

وأبو بصير تكرر القول فيه(٣) .

والخامس : فيه مع المتقدّم معلّى أبي عثمان ، وهو ثقةٌ في النجاشي(٤) والراوي عنه محمّد بن زياد. والمعلّى بن خنيس مضى فيه القول مفصّلاً(٥) بما يغني عن الإعادة.

والسادس : فيه من تقدّم(٦) ، والحسين بن هاشم هو الحسين بن أبي سعيد المكاري ، لأنّ أبا سعيد اسمه هاشم ، وقد ذكر النجاشي : أنه كان وجهاً في الواقفة وكان ثقةً في حديثه ، والراوي عنه في النجاشي الحسن بن محمّد بن سماعة(٧) .

والسابع : فيه أحمد بن الحسن بن فضّال ، وتقدّم القول فيه(٨) . وعليّ بن يعقوب الهاشمي مجهول الحال ؛ إذ لم أقف عليه في الرجال ، ومروان بن مسلم ثقة في النجاشي يروي عنه عليّ بن يعقوب الهاشميّ وقد تقدّم(٩) .

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٢٨ / ٢.

(٢) رجال النجاشي : ٤٣٧ / ١١٧٦.

(٣) راجع ص ٥١ و ٩٢.

(٤) رجال النجاشي : ٤١٧ / ١١١٥.

(٥) في ص ٨٧٧.

(٦) راجع ص ٣١٣.

(٧) رجال النجاشي : ٣٨ / ٧٨.

(٨) في ص ١٢٠.

(٩) في ص ١٢٨٢.


المتن :

من المهمّ قبل الكلام فيه ذكر المنقول من أقوال العلماء ، فعن المرتضى(١) وابن الجنيد(٢) وسلاّر(٣) وابن زهرة(٤) وابن إدريس : أنّ آخر وقت العشاء نصف الليل(٥) ، وعن المفيد : أنّ آخره ثلث الليل(٦) ، وهو قول الشيخ في النهاية والاقتصاد والجمل والخلاف(٧) ، وفي المبسوط : آخره ثلث الليل للمختار ونصف الليل للمضطر(٨) ، وعن ابن أبي عقيل : أنّ أوّل الوقت مغيب الشفق ، فإذا جاوز ذلك حتى دخل ربع الليل فقد دخل في الوقت الأخير ، وقد روي إلى نصف الليل(٩) ، ونقل عن المبسوط أنّه حكى قولاً لأصحابنا : أنّ آخره للمضطر إلى طلوع الفجر(١٠) .

إذا عرفت هذا فما مضى من الأخبار قد دلّ بعضها على النصف ، وهي رواية بكر بن محمّد ، ورواية زرارة المنقولة عن الفقيه ، ورواية عبيد ابن زرارة السابقة الواقع في طريقها الضحّاك بن يزيد ؛ وبعضها على الثلث ،

__________________

(١) رسائل الشريف المرتضى ١ : ٢٧٤.

(٢) نقله عنه في المختلف ٢ : ٤٩.

(٣) المراسم : ٦٢.

(٤) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٥٦.

(٥) السرائر ١ : ١٩٥.

(٦) المقنعة : ٩٣.

(٧) النهاية : ٥٩ ، الاقتصاد : ٢٥٦ ، الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : ١٧٤ ، الخلاف ١ : ٢٦٤.

(٨) المبسوط ١ : ٧٥.

(٩) نقله عنه في المختلف ٢ : ٥٠.

(١٠) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٥٠ ، وهو في المبسوط ١ : ٧٥.


كرواية يزيد بن خليفة ؛ وبعضها على الربع ، كرواية عمر بن يزيد(١) ، لكنها مقيّدة في الجملة.

والخبر الأوّل المبحوث عنه إنّما يدلّ على أنّه لا بأس بتعجيل العشاء في السفر قبل أن يغيب الشفق ، وفيه إشعار بأنّ التعجيل في الحضر به بأس ، والحمل على الكراهة في الحضر ممكن للمعارض السابق.

والثاني : يدلّ على جواز تأخير المغرب في السفر حتى يغيب الشفق ، وتعجيل العشاء قبل أن يغيب الشفق.

والثالث : يدلّ على أنّه في المطر تقدّم العشاء أو تؤخّر المغرب ، وإن كان الظاهر منه تقديم العشاء ، واحتمال التعيّن بسبب ذكر فعل النوافل موقوف على أنّ وقت نوافل المغرب لا يمتدّ بامتدادها ، وللبحث فيه مجال كما ستسمعه إن شاء الله.

وقد روى الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن سنان في باب الأذان عن الصادقعليه‌السلام : « أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين ، وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من غير علّة بأذان وإقامتين »(٢) . وفيه دلالة إمّا على دخول وقت العشاء قبل ذهاب الشفق ، أو أنّ وقت المغرب يمتدّ إلى ذهابه ، واحتمال وقوع كلّ واحدة في وقتها بأن يكون آخر الاولى وأوّل الثانية بعيد عن ظاهر قوله : « من غير علّة ».

وروى في باب المواقيت عن محمّد بن يحيى الخثعمي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي المغرب ويصلّي معه حيّ من الأنصار يقال لهم بنو سلمة منازلهم على نصف ميل ، فيصلّون معه ثم‌

__________________

(١) تقدمت الروايات في ص ١٣٠٠ ، ١٣٠٨ ، ١٢٨٢ ، ١٣١٧.

(٢) الفقيه ١ : ١٨٦ / ٨٨٦ ، الوسائل ٤ : ٢٢٠ أبواب المواقيت ب ٣٢ ح ١.


ينصرفون إلى منازلهم وهم يرون مواضع سهامهم »(١) وفيه دلالة على جواز تقديم العشاء قبل ذهاب الشفق كما لا يخفى.

وربما كان في هذه الأخبار دلالة على نفي الفضيلة في تأخير العشاء عن غيبوبة الشفق ؛ لأنّ الظاهر من ذكر عدم العلّة الجواز مطلقا ، إلاّ أن يُحمل الفعل منهعليه‌السلام على بيان الجواز ، وفيه أنّ خبر محمّد بن يحيى يقتضي المداومة بسبب لفظ « كان » وعلى كلّ حال القول بعدم دخول وقت العشاء إلاّ بعد ذهاب الشفق في بعض الأخبار(٢) ما ينفيه.

ثم ما تضمّنه الخبر المبحوث عنه من قوله : « ثم أقام مؤذّنه » يدلّ على جواز الإقامة من غير الإمام ، ويدلّ عليه خبر معتبر أيضاً ، كما سيجي‌ء في بابه(٣) ، وكان الوالدقدس‌سره يتوقّف في ذلك.

وقوله : « ثم مكث قدر ما يتنفّل الناس » لا يدلّ على أنّهعليه‌السلام لم يكن يتنفّل ، بل الظاهر من المكث عدم اشتغاله بصلاة العشاء ، والتعبير بقدر ما يتنفّل الناس ، لعلّه لاحتمال دخول من لم يلحق المغرب معهعليه‌السلام .

والرابع : كما ترى ذكره الشيخ لزيادة بيان أنّ آخر وقت العشاء إلى ثلث الليل وأقصاه إلى النصف ، وهذا على تقدير القول به يصير مغايراً لما نقل عنه في المبسوط أنّ آخره ثلث الليل للمختار والنصف للمضطر(٤) ، لاحتمال كلامه هنا أنّ الثلث والنصف للمضطر لكن بتفاوت بالفضل ، لأنّ قوله : وذلك ، ظاهر العود إلى الثلث ، والعود إليهما حينئذ بطريق أولى ، ولو‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٤٢ / ٦٥٩ ، الوسائل ٤ : ١٨٨ أبواب المواقيت ب ١٨ ح ٥.

(٢) الوسائل ٤ : ٢٠٢ أبواب المواقيت ب ٢٢.

(٣) في ص ١٥١٠.

(٤) المبسوط ١ : ٧٥.


عاد ذلك إلى النصف بَعُدَ عن اللفظ ، ولا يبعد أن تكون العبارة مجملة وتفصيلها ما في المبسوط.

وقد نقل في المختلف عنه الاحتجاج بالإجماع على أنّ الثلث وقت ، والخلاف في الزائد ، ولا دليل عليه ، وبرواية يزيد بن خليفة السابقة(١) ، وبرواية زرارة عن الباقرعليه‌السلام حيث قال فيها : « وآخر وقت العشاء ثلث الليل »(٢) وبأنّ المبادرة والمسارعة إلى فعل الخير تحصل بذلك فيدخل تحت قوله( وَسارِعُوا ) (٣) وأجاب العلاّمة بأنّ الإجماع لا يقتضي نفي ما عداه ، وعن الأخبار بأنّها للفضيلة على تقدير سلامة السند(٤) ، والأمر كما قال.

( ثم إنّ الخبر المبحوث عنه يدلّ على أنّهعليه‌السلام لولا أن يشقّ على أُمّته لأخّر ) إلى ثلث الليل ، والظاهر أنّ مرادهعليه‌السلام بالتأخير وجوب التأخير ، فإذا انتفى وجوب التأخير ربما دلّ على استحباب التأخير ، وحينئذ يدل على أن الثلث آخر الفضيلة ، ولو حمل الثلث على الاختيار كما هو ظاهر الشيخ يبعد الدلالة ؛ لأنّ الثلث إذا كانت غايته لا يكون بعدُ الفعل مستحبّاً ، نعم )(٥) .

قولهعليه‌السلام : « وأنت في رخصة إلى نصف الليل » يدلّ على أنّ التأخير عن الثلث رخصة ، ويمكن أن يقال : لمّا كان الظاهر من النصف التأخير إليه كان في الثلث كذلك فيتمّ المطلوب من أنّ آخر وقت المختار الثلث ، إلاّ على احتمال أن يقال بعدم لزوم حكم النصف للثلث إذا خرج بالإجماع.

__________________

(١) راجع ص ١٣١٧.

(٢) التهذيب ٢ : ٢٦٢ / ١٠٤٥ ، الوسائل ٤ : ١٥٦ أبواب المواقيت ب ١٠ ح ٣.

(٣) آل عمران : ١٣٣.

(٤) المختلف ٢ : ٥١ ، وهو في الخلاف ١ : ٢٦٥.

(٥) ما بين القوسين مشطوب في « د » وليس في « رض ».


وقد ذكر بعض علماء المخالفين في الحديث حيث نقل عندهم بنحوٍ آخر أنّ قوله : « لولا أن أشقّ » إلى آخره. فيه دليلٌ على أنّ المطلوب تأخيرها لولا المشقة(١) . انتهى.

وربما يقال : إنّ استحباب التأخير من هذا اللفظ محلّ تأمّل ؛ والأمر سهل بعد وجود ما دلّ على الامتداد ، مثل ما ورد في معتبر الأخبار : « أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أخّر ليلةً من الليالي العشاء الآخرة ما شاء الله ، فجاء عمر ودقّ الباب فقال : يا رسول الله نام النساء نام الصبيان ، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : الله ليس لكم أن تؤذوني ولا تأمرني ، إنّما عليكم أن تسمعوا وتطيعوا »(٢) . وأنّ ظاهر هذا الخبر رجحان التأخير ، إلاّ أن يدّعى أنّ التأخير لبيان الجواز ، وفيه ما فيه ، وقد مضى أيضاً في خبر ذريح في آخر باب أوّل وقت الظهر والعصر نحو هذا(٣) .

والخامس : مطلق في آخر وقت العتمة ، فالتأييد لقول الشيخ بالتفصيل غير ظاهر ، ولعلّ مراده مطلق الامتداد إلى النصف والثلث.

والسادس : ربما دلّ إطلاقه على التساوي.

أمّا السابع : فقد تقدّم ، وحمل الشيخ له على ضرب من الرخصة يريد بها حال الضرورة.

وفي معتبر الاخبار ما يدلّ على الاستمرار إلى الفجر للنائم والناسي(٤) ، وحينئذ يقيّد إطلاق هذا الخبر به.

__________________

(١) كابن حجر في فتح الباري ٢ : ٣٩.

(٢) التهذيب ٢ : ٢٨ / ٨١ ، الوسائل ٤ : ١٩٩ أبواب المواقيت ب ٢١ ح ١.

(٣) راجع ص ١٢٦٩.

(٤) الوسائل ٤ : ٢٨٨ أبواب المواقيت ب ٦٢ ح ٣ و ٤.


والخبر رواه الشيخ في زيادات التهذيب عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن ابن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إن نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب والعشاء الآخرة فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما ، وإن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء ، وإن استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس »(١) .

وهذا الحديث سيأتي روايته من المصنف عن ابن مسكان ، وإنّما نقلناه عن التهذيب لاحتمال ابن مسكان دون ابن سنان ، وإن كان الظاهر تساويهما ، وسيأتي إنشاء الله الكلام في هذا مفصّلاً(٢) .

قوله :

باب وقت صلاة الفجر.

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن علي بن حديد وعبد الرحمن بن أبي نجران ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ابن عبد الله ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي ركعتي الصبح وهي الفجر إذا اعترض الفجر وأضاء حسناً ».

عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن يزيد ابن خليفة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « وقت الفجر حين يبدو حتى يضي‌ء ».

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٢٧٠ / ١٠٧٦ ، وفي الوسائل ٤ : ٢٨٨ أبواب المواقيت ب ٦٢ ح ٤ ، بتفاوت.

(٢) في ص ١٤٠٦.


الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : رجل صلّى الفجر حين طلع الفجر ، فقال : « لا بأس ».

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : رجل صلّى الفجر حين طلع الفجر فقال : « لا بأس ».

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن الحصين ابن أبي الحصين ، قال : كتبت إلى أبي جعفرعليه‌السلام : جعلت فداك ، اختلف موالوك في صلاة الفجر ، فمنهم من يصلّي إذا طلع الفجر الأوّل المستطيل في السماء ، ومنهم من يصلّي إذا اعترض في أسفل الأرض واستبان ، ولست أعرف أفضل الوقتين فأُصلّي فيه ، فإن رأيت يا مولاي جعلني الله فداك أن تعلّمني أفضل الوقتين وتحدّ لي كيف أصنع مع القمر والفجر لا يُبيّن حتّى يحمرّ ويصبح ، وكيف أصنع مع القمر ، وما حدّ ذلك في السفر والحضر؟ فعلت إنشاء الله ، فكتب بخطه : « الفجر يرحمك الله الخيط الأبيض ، وليس هو الأبيض صعداً ، ولا تصلّ في سفر ولا حضر حتى تتبيّنه رحمك الله فإنّ الله لم يجعل خلقه في شبهة من هذا ، فقال ( كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) (١) فَالخَيْط الأبيض هو الفجر الذي يحرم به الأكل والشرب في الصيام ، وكذلك هو الذي يوجب الصلاة ».

__________________

(١) البقرة : ١٨٧.


أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن عبد الرحمن بن سالم ، عن إسحاق بن عمّار ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أخبرني عن أفضل المواقيت في صلاة الفجر ، قال : « مع طلوع الفجر ، إنّ الله يقول( إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) (١) يعني صلاة الفجر تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ، فإذا صلّى العبد صلاة الصبح مع طلوع الفجر أُثبتت له مرّتين تثبته ملائكة الليل وملائكة النهار ».

محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسين ، عن فضالة ، عن هشام بن الهذيل ، عن أبي الحسن الماضيعليه‌السلام قال : سألته عن وقت صلاة الفجر فقال : « حين يعترض الفجر فتراه مثل نهر سُورى ».

عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عليّ بن عطيّة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « الصبح هو الذي إذا رأيته معترضاً (٢) كأنّه بياض نهر سُورى ».

السند‌ :

في الأوّل : قد تقدّم(٣) أنّه لا ارتياب في صحّته فيما نعلمه من مشايخنا ، وقد يتوقّف في محمّد بن قولويه ؛ إذ لم نَرَ توثيقه صريحاً ، فإنّ العلاّمة قال في الخلاصة : إنّه من خيار أصحاب سعد(٤) .

__________________

(١) الإسراء : ٧٨.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٧٥ / ٩٩٧ : يعترض.

(٣) في ص ٣٨ ، ٣٩ ، ٤٦ ، ٦٨ ، ٨١.

(٤) الخلاصة : ١٦٤ / ١٨١.


وسبقه إلى ذلك النجاشي(١) . والشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام قال : محمّد بن قولويه الجمّال والد أبي القاسم جعفر بن محمّد يروي عن سعد بن عبد الله وغيره(٢) . وغير خفي أنّ كونه من أصحاب سعد لا يفيد التوثيق.

وابن طاوس في كتاب الرجال الذي جمعه قال ـ بعد ذكر طريق محمّد بن قولويه وعلي بن الريّان ومحمّد بن عبد الله بن زرارة ـ : إنّه لم يستثبت حال محمّد بن عبد الله ، وباقي الرّجال موثوقون(٣) (٤) . وهذا كما ترى يدلّ على توثيق محمّد بن قولويه ، وربما يعتمد على توثيق ابن طاوس ، إلاّ أنّ في البين كلاماً ، وقد تقدّم القول في جميع هذا(٥) ، والإعادة لبعد العهد.

ثم إنّ اشتمال السند على رواية عليّ بن حديد وعبد الرحمن بن أبي نجران ، كان الوالدقدس‌سره يقول : إنه شاهد على أنّ ما يقع في الأسانيد من رواية عليّ بن حديد عن عبد الرحمن سهو ، وأنّ الواو واقعة موقع « عن » وقد قدّمنا(٦) في بعض الأسانيد الكلام في هذا ، غير أنّ الاعتماد على ذلك مشكلٌ.

والثاني : فيه محمّد بن عيسى عن يونس ، ويزيد بن خليفة ، وقد مضى القول فيهما غير بعيد(٧) .

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٧٨ / ٤٦٧.

(٢) رجال الطوسي : ٤٩٤ / ٢٢.

(٣) في « رض » : موثّقون.

(٤) التحرير الطاووسي : ١٣٤.

(٥) راجع ص ٨١.

(٦) في ص ٩٦٠.

(٧) راجع ص ٥٤ ، ١٢٧٦.


والثالث : صحيح على ما تقدّم(١) .

والرابع : هو الموجود فيما رأيناه من النسخ ، والتغاير(٢) في السند بأحمد ، والمتن واحد.

والخامس : ليس فيه ارتياب إلاّ من جهة الحصين بن أبي الحصين ، فإنه مجول الحال ، إذ لم نقف عليه في الرجال.

والسادس : فيه أنّ الطريق إلى أحمد بن محمّد بن أبي نصر غير مذكور في المشيخة. وعبد الرحمن بن سالم هو الأشلّ المذكور مهملاً في النجاشي(٣) ، ورجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٤) ، والعلاّمة في الخلاصة قال : إنّه ضعيف(٥) . وإسحاق معلوم الحال.

والسابع : فيه هشام بن الهذيل ، وهو مجهول الحال ، لعدم ذكره في الرجال على ما رأيناه.

والثامن : لا ارتياب فيه إلاّ من جهة عليّ بن عطيّة ، فإن النجاشي وثّق علي بن عطيّة مع أخيه الحسن كما قدّمنا(٦) ، وذكرنا أنّ احتمال عدم التوثيق من العبارة مدفوع.

والشيخ في الفهرست قال : عليّ بن عطيّة له كتاب ، وذكر أنّ الراوي عنه ابن أبي عمير(٧) ، والراوي هنا ابن أبي عمير ، ولم يذكر‌

__________________

(١) في ص ٧٢٠.

(٢) أي التغاير بين الثالث والرابع.

(٣) رجال النجاشي : ٢٣٧ / ٦٢٩.

(٤) رجال الطوسي : ٢٦٦ / ٧١١.

(٥) خلاصة العلاّمة : ٢٣٩ / ٧.

(٦) في ص ١٣٤١ ١٣٤٣.

(٧) الفهرست : ٩٧ / ٤١٠.


الشيخ أنّه ثقة ، والاتحاد مظنون ، فيكون ثقة ، إلاّ أنّ الشيخ في رجال الصادقعليه‌السلام من كتابه ذكر عليّ بن عطيّة العوفي ، وعليّ بن عطيّة السلمي(١) . والوصف بالسلمي لا يوافق الحسن بن عطيّة أخا عليّ بن عطيّة ، لأنّه الدغشي مع وصف آخر غير السلمي كما مضى(٢) ، وحينئذ يحصل الاشتباه ، إلاّ أنّ الشيخ له اضطراب في أمثال هذا بخلاف النجاشي ، فليتأمّل.

المتن :

لا بدّ قبل الكلام فيه من ذكر أقوال الأصحاب المنقول في وقت الصبح ، فعن السيّد المرتضى ، وابن الجنيد ، والمفيد ، وسلاّر ، وغيرهم : أنّ آخره طلوع الشمس(٣) .

وعن ابن أبي عقيل : آخره للمختار طلوع الحمرة المشرقيّة ، وللمضطر طلوع الشمس. وهو اختيار ابن حمزة(٤) .

وعن الشيخ قولان ، أحدهما : أنّ آخره طلوع الشمس ، والثاني كقول ابن أبي عقيل.

قال العلاّمة : وهو اختياره في المبسوط والخلاف(٥) .

ولا يخفى أنّ الظاهر من هذا النقل أنّه لا خلاف في الأوّل ، وفي الفقيه : ووقت الفجر حين يعترض الفجر ويضي‌ء حسناً ويتجلّل الصبح‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٢٦٧ / ٧٢٥ و ٢٤٣ / ٣١٧.

(٢) في ص ١٣٤١.

(٣) حكاه عنهم في المختلف ٢ : ٥٢ ، وهو في المقنعة : ٩٤ ، والمراسم : ٦٢.

(٤) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٥٢ ، وهو في الوسيلة : ٨٣.

(٥) المختلف ٢ : ٥٢ ، وهو في المبسوط ١ : ٧٥ ، الخلاف ١ : ٢٦٧.


السماء وكان كالقباطي ، أو مثل نهر سُورى. وهذا كما ترى يعطي أنّ أوّل طلوع الفجر ليس وقتاً ، إلاّ أنّه قال بعد ذلك : ومن صلّى الغداة في أوّل وقتها أُثبتت له مرّتين ، ومن صلاّها في آخر وقتها أُثبتت له مرّة واحدة ، قال الله عزّ وجلّ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) (١) يعني أنّه تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار(٢) . انتهى.

وهذا يدلّ على أنّ لها وقتين أو وقتاً له أوّل وآخر غير طلوع الشمس ، وحينئذ لا بدّ من حمل قوله : ووقت الفجر. على منتهى الفضيلة ليوافق قوله : ومن صلّى الغداة في أوّل وقتها ، إلى آخره ؛ إذ لو حمل على أنّه أوّل الفضيلة لم يوافق ما ذكره من الصلاة في آخر وقتها ، إذ لم يعلم الآخر ، ويخالف ما ذكره من إثباتها مرّتين ، لأنّ هذا مدلول رواية إسحاق المتضمّنة لأنّ الوقت مع طلوع الفجر ، إلاّ أن يحمل الإضاءة حسناً والتجلّل على هذا ، وهو في غاية البعد ، ولو سلّم قربه لم يعلم الآخر أيضاً ، ولو أراد بالآخر طلوع الحمرة كما نقل عن ابن أبي عقيل(٣) ، أو الإسفار كما تضمّنه بعض الأخبار(٤) ، فالمقام لا يدلّ عليه ، بل ذكر تجلّل الصبح السماء ينافي كون الآخِر الإسفار والحمرة إلاّ بتكلّف ، والاعتماد على المعلومية ممكن.

كما أنّ قول السيّد المرتضى ومن تابعه : بأنّ الآخر طلوع الشمس(٥) .

__________________

(١) الإسراء : ٧٨.

(٢) الفقيه ١ : ١٤٣ / ٦٦٤.

(٣) نقله في المختلف ٢ : ٥٢.

(٤) التهذيب ٢ : ٣٤٠ / ١٤٠٩ ، الوسائل ٤ : ٢٦٦ أبواب المواقيت ب ٥١ ح ١.

(٥) المتقدم في ص ١٣٥٩.


مع دلالة الأخبار على أنّ لكلّ صلاة وقتين(١) لا يخلو من إجمال ، لكن السيّد ربما لا يعمل بالأخبار ، أمّا العلاّمة حيث اختار مذهب السيد ومن تابعه واستدل بما تسمعه ، وأجاب عن حجة الشيخ بالحمل على الاستحباب والفضيلة(٢) ، فيتوجه عليه أنّ في الأخبار التي في حجّة الشيخ ما يوجب الإشكال في الاستحباب كما نذكره إن شاء الله.

وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبر الأوّل ظاهر في أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يصلّي الصبح إذا اعترض الفجر وأضاء حسناً ، وهذا بعض مدلول عبارة الفقيه(٣) ، ولا ريب أنّ الإضاءة الحسنة تقتضي عدم كون الصلاة مع الفجر في أوّل طلوعه ، وبعض الأخبار تدلّ على الثاني ، ولو حمل على أنّ الإضاءة الحسنة هي طلوعه معترضاً احترازاً عن الفجر الكاذب ، بَعُدَ عن اللفظ ، لكن بسبب المعارض لا بأس به.

وفي الظّن أنّ قول الصدوق : ويتجلّل الصبح السماء(٤) . يحتمل أن يريد به انتهاء الأول ، ويكون مبدأ الأوّل الإضاءة حسناً في أوّل الطلوع ، لما يأتي(٥) في الخبر المتضمن للتجلّل من أنّ ظاهره أنّ التجلّل آخِر ، وعلى هذا التوجيه لا يتوجّه على الشيخ أنّ هذا الخبر المبحوث عنه ينبغي أن يكون من قبيل المعارض ، فليتأمّل.

والثاني : لا بدّ من حمل قوله : « ويضي‌ء » على نحو السابق ، ليطابق مراد الشيخ ، وإن كان احتمال كون الفضيلة بعد الإضاءة لا من حين الطلوع داخلاً في حيّز الإمكان ، وقد روى الصدوق في كتاب الصوم بطريقه‌

__________________

(١) الوسائل ٤ : ١٢٥ أبواب المواقيت ب ٢٦.

(٢) المختلف ٢ : ٥٣.

(٣) الفقيه ١ : ١٤٣.

(٤) الفقيه ١ : ١٤٣.

(٥) في ص ١٣٦٤.


الحسن ، عن عاصم بن حميد ، عن ليث المرادي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام ، فقلت : متى يحرم الطعام؟ إلى آخر الرواية(١) الآتية من الشيخ(٢) ، وهي تفيد أنّ إضاءة الفجر أوّل طلوعه كما يقتضيه حكم الصائم ، فيندفع به بعض ما احتملناه ويؤيّد بعضا ، ومخالفته لما سبق منه محتاجة إلى مزيد توجيه ، فليتأمّل.

والثالث : له ظهور في أنّ الصلاة حين طلوع الفجر ليست من فعل الفرض وقت الفضيلة ، وحينئذ يستفاد منه أنّ الفضيلة بعد الإضاءة ، إلاّ أنّ الخبر الآتي الدال على إثبات الصلاة مرّتين قد ينافيه ، ولا يبعد أن يحمل الآتي على وجه لا ينافي(٣) ما دلّ على الإضاءة ، إلاّ أنّ في البين لا بدّ من الاختلاف(٤) في الأخبار كما يعلم من ملاحظتها أجمع.

والرابع : كالثالث.

والخامس : يدلّ على مجرّد ظهور الفجر ، وما تضمّنه السؤال فيه من قوله : إنّ بعض مواليك يصلّي إذا طلع الفجر المستطيل. الظاهر أنّ المراد به المستطيل في العرض من غير أن تشرق الأرض به ، وقوله : إذا اعترض في أسفل الأرض. يريد به إضاءة الأرض ، والجواب حينئذ يدلّ على مجرّد الظهور ، لكن لا يخفى أنّ فيه منافاة لما تضمن الإضاءة الحسنة إلاّ بتكلّف ، ولو حمل المستطيل على الفجر الأوّل ، والمعترض في أسفل الأرض على الثاني ويراد بأسفل الأرض الأُفق ، يبعّد بأنّ فعل الصبح في الفجر الأوّل‌

__________________

(١) الفقيه ٢ : ٨١ / ٣٦١ ، الوسائل ٤ : ٢٠٩ أبواب المواقيت ب ٢٧ ح ١.

(٢) في ص ١٣٦٣.

(٣) في « د » لا ينافيه.

(٤) في « رض » اختلاف.


معلوم من المذهب ، إلاّ أن يقرب بوقوعه من الجاهل.

والسادس : كما ترى يدلّ على أنّ الأفضل فعل الصبح مع طلوع الفجر ، لأنّ السؤال عنه ، وقد قدّمنا(١) أنّ الصدوق أتى بمدلول الرواية ، وظاهرها يخالف عبارته أوّلاً إلاّ بالتأويل ، وكذلك الشيخ بالنسبة إلى الخبر الأوّل.

( وفي الفقيه في باب علّة التقصير ذكر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أقرّ الفجر على ما فُرِضَتْ بمكّة لتعجيل عروج ملائكة الليل إلى السماء وتعجيل نزول ملائكة النهار إلى الأرض ، وكانت ملائكة النهار وملائكة الليل تشهدون مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلاة الفجر ، فلذلك قال الله تعالى( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) (٢) يشهده المسلمون ويشهده ملائكة النهار وملائكة الليل(٣) . وهذا يدلّ على أنّ الصبح وإن تأخّرت عن أوّل الفجر يشهدها المذكورون ، وحينئذ يمكن حمل ما دل على المعيّة ونحوها على ما دلّ على الإضاءة والتجلّل ، وهذا الكلام رواية سعيد بن المسيّب ، إلاّ أنّ نقل الصدوق لها المزية ، فتأمّل )(٤) .

والسابع : يدلّ على الإضاءة إلاّ بالتأويل السابق.

وفي القاموس : سورى كطوبى : بلدة بالعراق ، وموضع من أعمال بغداد ، وقد يُمدّ(٥) .

والثامن : كالسابع.

__________________

(١) في ص ١٣٦٠.

(٢) الإسراء : ٧٨.

(٣) الفقيه ١ : ٢٩١ / ١٣٢١ ، الوسائل ٤ : ٥١ أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب ١٣ ح ١٩.

(٤) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « رض ».

(٥) القاموس المحيط ٢ : ٥٥.


قوله :

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن موسى بن بكر ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « وقت صلاة الغداة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ».

وما رواه سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب وعبد الله بن محمّد بن عيسى ، عن عمرو بن عثمان ، عن أبي جميلة المفضّل بن صالح ، عن سعد بن ظريف(١) ، عن الأصبغ بن نباته قال : قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : « من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة تامّة ».

فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على صاحب الأعذار ومن له حاجة ضروريّة تمنعه من الصلاة في أوّل الوقت ، حسب ما قدّمناه في غيره من الصلوات.

يدلّ على ذلك :

ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : « في الرجل إذا غلبته عينه أو عاقه أمر أن يصلّي المكتوبة من الفجر ما بين أن يطلع الفجر إلى أن تطلع الشمس ، وذلك في المكتوبة خاصة ، فإن صلّى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتمّ وقد جازت صلاته ».

__________________

(١) في « د » و « رض » والاستبصار ١ : ٢٧٥ / ٩٩٩ : طريف.


وروى محمّد بن يعقوب ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « وقت الفجر حين ينشقّ إلى أن يتجلّل الصبح السماء ، ولا ينبغي تأخير ذلك عمداً ، لكنه(١) وقت لمن شغل أو نسي أو نام ».

الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي بصير المكفوف قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام : عن الصائم متى يحرم عليه الطعام؟ فقال : « إذا كان الفجر كالقبطيّة البيضاء » قلت : فمتى تحلّ الصلاة؟ فقال : « إذا كان كذلك » قلت(٢) : ألست في وقت من تلك الساعة إلى أن تطلع الشمس؟ فقال : « لا إنما نعدّها صلاة الصبيان » ثم قال : « إنه لم يكن يحمد الرجل أنْ يصلّي في المسجد ثم يرجع فينبّه أهله وصبيانه ».

وروى الحسين بن سعيد ، عن النضر وفضالة ، عن ابن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لكل صلاة وقتان ، وأوّل الوقتين أفضلهما ، ووقت الفجر (٣) حين ينشقّ الفجر إلى أن يتجلّل الصبح السماء ، ولا ينبغي تأخير ذلك عمداً ، ولكنه وقت من شغل أو نسي أو سها أو نام ، ووقت المغرب حين تجب (٤) الشمس إلى أن تشتبك النجوم ، وليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتاً إلاّ من عذر أو علّة ».

__________________

(١) في « د » و « رض » : ولكنّه.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٧٦ / ١٠٠٢ : فقلت.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٧٦ / ١٠٠٣ : ووقت صلاة الفجر.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٧٦ / ١٠٠٣ : تحجب.


السند‌ :

في الأوّل : فيه موسى بن بكر ، وقد تقدّم(١) عن قريب أنّه مهمل في الرجال. وأمّا عبد الله بن المغيرة فقد مضى(٢) أيضاً أنّ فيه قولاً [ للكشي(٣) ] بالوقف ، والنجاشي لم يذكره بالوقف بل وثّقه مرّتين(٤) ، وفي الرجال عبد الله بن المغيرة مهملاً في رجال الصادقعليه‌السلام (٥) ، وغير خفيّ أنّ المذكور هنا لا يحتمله ، والراوي عن عبد الله بن المغيرة الثقة أيوب بن نوح ، والمرتبة مع أحمد بن محمد بن عيسى واحدة.

والثاني : فيه أبو جميلة ، وقد ضعّف في الخلاصة(٦) ، والشيخ ذكره مهملاً في الفهرست وكتاب الرجال(٧) . وأمّا عمرو بن عثمان ، فهو الثقة على الظاهر ؛ لأنّ الراوي عنه من في مرتبة محمّد بن الحسين وعبد الله بن محمّد ، وأمّا غيره ممن سمّي بهذا الاسم فمن أصحاب الصادقعليه‌السلام في كتاب الشيخ(٨) والمرتبة بعيدة. والأصبغ بن نباته فقد قيل : إنّه من خواصّ أمير المؤمنينعليه‌السلام (٩) .

__________________

(١) في ص ١٣٢٩.

(٢) في ص ٩٩.

(٣) في النسخ : للشيخ ، والصواب ما أثبتناه.

(٤) رجال النجاشي : ٢١٥ / ٥٦١.

(٥) لم نعثر على ذكره في رجال الصادقعليه‌السلام ، لكنه ذكر في أصحاب الكاظم والرضاعليهما‌السلام ، راجع رجال الطوسي : ٣٥٥ / ٢١ ، ٣٥٦ / ٣٢ ، ٣٧٩ / ٤.

(٦) الخلاصة : ٢٥٨ / ٢.

(٧) الفهرست : ١٧٠ / ٧٤٣ ، رجال الطوسي : ٣١٥ / ٥٦٥.

(٨) رجال الطوسي : ٢٤٧ / ٣٨٦.

(٩) كما في الفهرست : ٣٧.


والثالث : معلوم الحال ، لتكرره في المقال.

والرابع : حسن.

والخامس : فيه أبو بصير المكفوف ، وقد قدّمنا(١) ما يدلّ من الأخبار الواردة في هذا الكتاب على خروجه عن الدين أو ما قاربه ، وفي الفقيه رواها عن ليث المرادي ، وهو الثقة(٢) الذي لا ريب فيه ، وأمّا المكفوف فهو يحيى بن القاسم ، وحينئذ لا يخلو الأمر من إشكال ، إلاّ أنّ الاعتماد ربما كان على الفقيه ، وإن كان في البين توقف من احتمال التصرف بسبب الاجتهاد أو من سهو القلم.

والسادس : لا ارتياب فيه على ما أظنّ ، لأنّ النضر هو بن سُوَيْد كما تقدّم(٣) ، وابن سنان الراوي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام عبد الله كما قدّمناه(٤) مفصّلاً.

المتن :

في الأوّلين استدلّ به العلاّمة على القول بأنّ آخر وقت الصبح طلوع الشمس ، وبالرواية السابقة عن عبيد بن زرارة حيث قال فيها : « ولا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس » ثم إنّه نقل احتجاج الشيخ برواية الحلبي وهي الرابعة ، ورواية أبي بصير الخامسة ، قال العلاّمة : وحمل يعني الشيخ الخبرين على صاحب العذر ، والجواب : أنّه ليس أولى من الحمل على‌

__________________

(١) في ص ٨٩٢.

(٢) الفقيه ٢ : ٨١ / ٣٦١ ، الوسائل ٤ : ٢٠٩ أبواب المواقيت ب ٢٧ ح ١.

(٣) في ص ١٩٧.

(٤) في ص ٦٤٣.


الاستحباب والفضل ، ويدلّ عليه قوله : « ولا ينبغي تأخير ذلك » ولو كان حراماً لقال : ولا يجوز ، أو : لا يحلّ. انتهى(١) .

ولا يخفى أنّ الاستدلال بالأخبار الضعيفة محلّ بحث ، وخبر الحلبي سنده فيه إبراهيم ، وكثيراً ما يوصفه بالصحة.

وحمله على الاستحباب بدلالة لفظ(٢) ، « لا ينبغي » يشكل أوّلاً : بأنّ « لا ينبغي » لا يمتنع حملها على التحريم ؛ لاستعمالها في ذلك بكثرة في أخبارنا.

وثانياً : بتقدير التجوّز فالأخبار الكثيرة الدالة على فعل الصبح فيما دون ذلك ظاهرة في انتهاء الوقت ، وفيها نوع دلالة على الاختيار ، وكان الأولى التنبيه على رجحان الأفضليّة من غير لفظ « لا ينبغي » لذكره الأخبار الضعيفة.

وقد اقتفى شيخناقدس‌سره أثر العلاّمة في دلالة لفظ « لا ينبغي » واعترض على استدلال الشيخ للقول بأنّ آخر وقت المختار الإسفار برواية الحلبي(٣) ، بأنّ جعل ما بعد الإسفار وقتاً لمن شغل يقتضي عدم فوت وقت الاختيار ، فإنّ الشغل أعم من الضروري ، واستدلّ على اعتبار طلوع الشمس بأصالة عدم تضيّق الوقت ، وبالأخبار المذكورة المبحوث عنها.

ثم قال : ويمكن أن يستدلّ بصحيح عليّ بن يقطين قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الرجل لا يصلّي الغداة حتى تسفر وتظهر الحمرة ولم يركع ركعتي الفجر ، أيركعهما أو يؤخّرهما؟ قال : « يؤخّرهما »(٤) وجه‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٥٣.

(٢) في « رض » : لفظة.

(٣) التهذيب ٢ : ٣٨ / ١٢١ ، الوسائل ٤ : ٢٠٧ أبواب المواقيت ب ٢٦ ح ١.

(٤) التهذيب ٢ : ٣٤٠ / ١٤٠٩ ، الوسائل ٤ : ٢٦٧ أبواب المواقيت ب ٥١ ح ١.


الدلالة أنّ ظاهر الخبر امتداد الوقت إلى ما بعد الإسفار وظهور الحمرة وكلّ من قال بذلك قال بامتداده إلى طلوع الشمس(١) . انتهى.

وقد ذكرت ما فيه مفصّلاً في حواشي الروضة وحاشية التهذيب.

والذي يقال هنا أوّلاً : أنّ ما ذكره من أنّ الشغل أعمّ من الضروري ، فيه : أنّ ظاهر قوله : « لا ينبغي تأخير ذلك عمداً » يشعر بالضروري.

وثانياً : أنّ الأصل يخرج عنه بظواهر الأخبار ، والأخبار الضعيفة ليست حجة ، والموثّق منها عنده كذلك.

وثالثاً : أنّ صحيح علي بن يقطين لا صراحة فيه بالجواز ، بل يجوز أن يراد فيه السؤال عمّن أخّر الصلاة عمداً ، وإن أثم ، هل يفعل الركعتين أم لا؟ والإطلاق في السؤال لا يفيد العموم ، والجواب ليس فيه ما يقتضي الجواز كما هو واضح ، على أنّ احتمال القضاء غير ممتنع في الرواية على تقدير القول بخروج الوقت ، لكن لم أر الآن من صرّح بخروج وقت المختار ويصير الفرض قضاء ، ويحتمل أن يكون على نحو غيره من أوقات المضطر والمختار في الجملة ، وإن كان بعض الأصحاب صرّح بالقضاء في غير هذا الموضع.

وربما يقال : إنّ ما دلّ على فعل الصبح إذا صار الفجر كالقبطيّة البيضاء والإضاءة الحسنة تتناول الإسفار ؛ لأنّه قد يحصل بما ذكر ، فينبغي القول به ، إلاّ أن يقال ما قدّمناه : من أنّ الإضاءة يراد بها أوّل الفجر جمعاً بين الأخبار ، ويؤيّده خبر أبي بصير(٢) .

__________________

(١) مدارك الاحكام ٣ : ٦٢ ٦٤.

(٢) التهذيب ٢ : ٣٩ / ١٢٢ ، الوسائل ٤ : ٢١٣ أبواب المواقيت ب ٢٨ ح ٢.

ونقدّم في ص ١٣٦٣.


إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الحديث الثالث يدلّ على أنّ وقت المضطر في الجملة من أوّل الفجر إلى طلوع الشمس ، وظاهر الحال أنّ ذكر طلوع الفجر لا دخل له بالضرورة ، لأنّه وقت فضيلة على ما مضى.

ويمكن الجواب : بأنّ وقت المضطر ممتدّ من أوّل الاختيار إلى آخر الاضطرار.

وفيه : أنّ ذكر وقت الاختيار للمضطرّ غير ظاهر الوجه ، ولعلّ المراد أنّ الإنسان لمّا كان له حالتان : حالة اختيار وحالة اضطرار ، أرادعليه‌السلام أن يبيّن أنّ وقت الإنسان ممتدّ إلى طلوع الشمس من أوّل الفجر ، وإن كان قد يختلف الأشخاص بالاختيار والاضطرار ، فليتأمّل.

ويحتمل أن يراد بما بين طلوع الفجر بيان الامتداد في الأثناء ، لا من الأوّل ، وفيه نوع بُعد ، إلاّ أنّه قابل للتوجيه ، هذا بالنسبة إلى قول الشيخ بوقتي الاختيار والاضطرار ، ولو قيل بوقتي الفضيلة والإجزاء أمكن أن يقال : إنّ المضطر إذا فعل في وقت الإجزاء كان له وقت فضيلة ، وحينئذ يكون الخبر مفاده أنّ الفضيلة لمن ذكر ممتدّة إلى طلوع الشمس ، لكن لا على وجه التأخير عمداً ، بل لو انتبه من النوم أو عاقه أمر وزال العائق شرع في الصلاة ، ومن هنا يندفع ما يتوجّه على الشيخ في استدلاله بالخبر المبحوث عنه.

والرابع : كما ترى ظاهر في أنّ وقت الصبح حين ينشقّ الفجر إلى أن يتجلّل الصبح السماء ، فإن حمل على الفضيلة كان أوّل الفضيلة الانشقاق ، وفيه : أنّ بعض الأخبار دالة(١) على الإضاءة الحسنة ونحو ذلك إلاّ بالحمل السابق.

__________________

(١) في « فض » : دال.


والحقّ أنّه مع رفع الأخبار الضعيفة من البين يمكن الجمع بين هذا الخبر وبين الأوّل بحمل الانشقاق على الإضاءة ، والتجلّل يراد به الإسفار كما يأتي(١) من معناه ، أو يراد بالغاية لأوّل الوقت(٢) ويراد بالتجلل الإضاءة ، وحينئذ يكون قبل الإضاءة ليس للفضيلة بل من قبيل وقت الإجزاء ، إلاّ أنّك قد سمعت(٣) عبارة الفقيه المتضمّنة لرواية إسحاق بن عمّار ، واعتماده أكبر شاهد على صحّتها ، وحينئذ يفيد أنّ أوّل الفجر من وقت الفضيلة ، إلاّ أن يحمل قوله في الرواية : مع طلوع الفجر ، على الإضاءة ، ولا بُعد في بقاء ملائكة الليل إلى ذلك الوقت.

والخامس : ربما كان له ظهور في أنّ المراد مجرّد طلوع الفجر من الأفق كما ينبّه عليه ذكر الإفطار ؛ إذ الإجماع كأنّه واقع على أنّ أوّل الصوم مجرّد الطلوع.

وما تضمّنه من قوله : قلت : ألست في وقت ، إلى آخره. ربما(٤) يدلّ بظاهره على أنّ وقت الصبح غير وقت الصوم ؛ لأنّ قولهعليه‌السلام في الجواب : « إنّما نعدّها صلاة الصبيان » يقتضي أن يكونعليه‌السلام فهم من السائل أنّ غرضه فعل الصبح بعد الإسفار ، كما يدلّ عليه بعض الأخبار السابقة والخبر الثاني(٥) صريحاً(٦) : من أنّ آخر وقت الفضيلة أن يتجلّل الصبح السماء.

__________________

(١) في ص ١٣٧١.

(٢) كذا في النسخ ، والأنسب : أول الوقت.

(٣) في ص ١٣٦٠.

(٤) في « رض » : إنّما.

(٥) وهو خبر الحلبي المتقدم في ص ١٣٦٣.

(٦) في « فض » : صريح.


ويمكن الجواب : بأنّ المراد من السائل أنّ امتداد الفضيلة هل هو من أوّل الفجر إلى طلوع الشمس أم لا؟ والجواب : بأنّ ذلك إشارة إلى أنّ النهاية صلاة الصبيان ، لا جميع ما ذكر من الأوّل إلى طلوع الشمس.

وما تضمّنه من قوله : ثم قال : « إنه لم يكن يحمد » إلى آخره. يحتمل أن يكون المراد فيه أنّ الصلاة في أول الوقت أولى للإنسان وعياله ، فلو بكّر إلى المسجد وصلّى في أوّل الوقت ثم رجع إلى منزله فينبّه عياله لأجل الصلاة لم يكن فعله محموداً ؛ لأنّ صلاتهم وقعت في غير الفضيلة ، وإن كان ذكر الصبيان في الرواية يقتضي نوع مخالفة ، لقولهعليه‌السلام فيها : « إنما نعدّها صلاة الصبيان » لأنّه دالّ على أنّ التأخير لطلوع(١) الشمس وقت للصبيان ، إلاّ أنّه يمكن أن يوجّه بأنّ صلاة الصبيان وإن اتسع وقتها إلاّ أنّ الأولى تقديمها بالنسبة إليهم في وقتهم ، فلا يرد عدم الفرق بينهم وبين غيرهم.

ويحتمل أن يكون المراد بقوله : « نعدّها » إلى آخره. أنّ ثوابها ناقص كصلاة الصبيان.

على أنّ الخبر يحتمل معنىً آخر بالنسبة إلى قوله : « لم يكن يحمد » إلى آخره. وهو أنّ وقت الصبيان وإن تأخّر إلاّ أنّه لا ينبغي للإنسان أنْ يترك تنبيههم من النوم قبل أن يخرج إلى المسجد ؛ لأنّ رجوعه من المسجد إليهم مذموم من حيث إنّ البقاء في التعقيب إلى طلوع الشمس محمود في الأخبار ، إلاّ أن يقال : إنّ التعقيب غير مخصوص بالمسجد. وفيه : أنّ كمال التعقيب في المسجد لا ريب فيه ، وهو كاف في عدم الحمد.

__________________

(١) في « رض » : إلى طلوع.


والسادس : ظاهر الدلالة على أنّ وقت صلاة الفجر حين ينشقّ إلى أن يتجلّل الصبح السماء ، غير أنّه ربما يستفاد منه أنّ هذا مبدأ وقت الفضيلة ومنتهاه ، فيكون في قوّة قوله : والوقت الأوّل للصبح كذا وآخره كذا ، كما ينبّه عليه قوله : « ولا ينبغي تأخير ذلك عمداً » إلى آخره.

ويحتمل أن يراد بالوقتين : الاختيار والاضطرار ، أو الفضيلة والإجزاء ، ويراد بالأوّل من كلّ منهما كما سبق ، وحينئذ قوله : « ووقت الفجر » يريد به أنّ أوّله أفضل من آخره ، وكان الأوّل له نوع ظهور.

وما تضمّنه من ذكر وقت المغرب له دلالة على أنّ للمغرب وقتين بنحو ما ذكر في الصبح ، والأوّل حينئذ إلى اشتباك النجوم وهو الأفضل ، غير أنه لا يخفى دلالة بعض الأخبار السابقة على أنّ اشتباك النجوم أوّل الوقت ، ويمكن التوجيه بأن يراد بالاشتباك غير غيبوبة الحمرة المشرقية بل المغربية ، ولا مانع من استعمال الاشتباك في معنيين كما يستفاد من الأخبار السابقة(١) .

ويحتمل أن يراد وقت فضيلتها من غيبوبة القرص إلى اشتباك النجوم على معنى ابتداء الفضيلة لا انتهائها ، وحينئذ يصير مثله في الصبح ، ويراد أنّ ابتداء فضيلة الصبح من الانشقاق إلى أن يتجلّل الصبح السماء ، كما أنّ ابتداء فضيلة المغرب من غيبوبة القرص إلى اشتباك النجوم ، وهذا يؤيّد إرادة الفضيلة من الوقت الأوّل والإجزاء من الثاني ، إلاّ أنّ اللازم منه أنّ فعل المغرب بعد الاشتباك يكون إجزاءً ، ولعلّه لا مانع منه ، فيكون للمغرب إجزاءان ، أحدهما هذا والآخر بعد غيبوبة الشفق ، كما أنّ للظهر إجراءين ،

__________________

(١) راجع ص ١٢٩٢.


أحدهما قبل القدم والآخر بعد المثل ونحوه ، وعلى هذا فالصبح كذلك ، مع نوع بُعد في التوجيه.

وحاصل الأمر في الصبح أنّ أوّل الفضيلة من الانشقاق إلى أن يتجلّل الصبح السماء ، وبعد التجلّل إجزاء إلى الإسفار ، وبعد الإسفار إجزاء إلى طلوع الشمس ، وفيه ما لا يخفى.

وفي الظن أنّ هذا الخبر مع صحته أوضح دلالة على قول الشيخ ومن تابعه على أنّ الوقتين للمختار والمضطر ، غير أنّه ليس بصريح في أنّ للصبح والمغرب وقتين ، من حيث احتمال قوله : ووقت الصبح ووقت المغرب ، لكن(١) لا يخفى أنّ العموم فيه لا مخصِّص له ، إذ احتمال إرادة الوقتين للجميع قابل للتوجيه.

ولا يبعد أن يراد بالوقتين : الفضيلة والأفضل ، إلاّ الصبح والمغرب ، فلا يكون لهما ذلك ، بل الوقت الأول أفضل. والآخر وإن كان فيه فضل إلاّ أنّه لا ينسب إلى الآخر بل في ذاته كما سبق عن قريب نحوه ، وهذا الخبر له نوع دلالة ؛ لأنّ الظاهر من قوله : « ولا ينبغي تأخير ذلك عمداً ولكنه وقت » يراد به الوقت الأوّل المشتمل على ذي الفضل والأفضل ، والمعنى حينئذ أنّه لا ينبغي أن يؤخّر عن الأفضل إلاّ مع الضرورة ، وقوله : « وليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين » يراد به الوقت الثاني.

ولا يخفى أنّ هذا لا يرجّح قول الشيخ ؛ لإمكان جريانه على القول بأنّ الأوّل للفضل والثاني للإجزاء ، وقد ذكرت في حاشية التهذيب بعد حديث يدل على أنّ للصلاة أكثر من وقتين كلاماً يؤيّد ما ذكرت هنا ، ولو لا إرادة الاختصار والاستغناء بما قلناه لنقلناه.

__________________

(١) ليست في « فض » ، وفي « رض » : ولكن.


اللغة :

قال في الصحاح : القبطية ثياب بيض رقاق من كتان يتخذ بمصر ، والجمع قباطيّ(١) . وفي الحبل المتين : تجلّل الصبح السماء بالجيم بمعنى انتشاره فيها وشمول ضوئه لها(٢) . ولا يخفى أنّ إطلاق التفسير مشكل بعد ما قرّرناه. وفي القاموس : وجبت الشمس : غابت(٣) .

قوله(٤) :

باب وقت نوافل النهار.

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي محمّد الحسن بن حمزة العلويرحمه‌الله عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة ، عن عدّة أنّهم سمعوا أبا جعفرعليه‌السلام يقول : « كان أمير المؤمنينعليه‌السلام لا يصلّي من النهار حتى تزول الشمس ولا من الليل بعد ما يصلّي العشاء حتى ينتصف الليل ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن علي بن السندي ، عن محمّد ابن أبي عمير ، عن جميل بن درّاج ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « كان علي عليه‌السلام لا يصلّي من الليل شيئاً إذا صلّى العتمة حتى ينتصف الليل ، ولا يصلّي من النهار حتى تزول الشمس ».

__________________

(١) الصحاح ٣ : ١١٥١ ( قبط ).

(٢) الحبل المتين : ١٤٤.

(٣) القاموس المحيط ١ : ١٤١ ( وجب ).

(٤) في « رض » : قال.


فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبي أيوب ، عن إسماعيل بن جابر قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّي أشتغل ، قال : « فاصنع كما نصنع ، صلّ ستّ ركعات إذا كانت الشمس في مثل موضعها من صلاة العصر يعني ارتفاع الضحى الأكبر واعتدّ بها من الزوال ».

وعنه ، عن عمّار بن المبارك ، عن ظريف بن ناصح ، عن القاسم ابن الوليد الغسّاني ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلت له : جعلت فداك صلاة النهار صلاة النوافل في كم هي؟ قال : « ستّ عشرة ، أيّ ساعات النهار شئت أن تصلّيها صلّيتها ، إلاّ أنّك إذا صلّيتها في مواقيتها أفضل ».

عنه ، عن علي بن الحكم ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قال لي : « صلاة النهار ستّ عشرة ركعة أيّ النهار شئت ، إن شئت في أوّله وإن شئت في وسطه وإن شئت في آخره ».

عنه ، عن علي بن الحكم ، عن سيف(١) ، عن عبد الأعلى قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن نافلة النهار ، قال : « ستّ عشرة ركعة متى ما نشطت ، إنّ علي بن الحسينعليه‌السلام كانت له ساعات من النهار يصلّي فيها ، فإذا شغله ضيعة أو سلطان قضاها ، إنّما النافلة مثل الهدية متى ما اتي بها قبلت ».

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن عمرو بن عثمان ، عن محمّد بن عذافر ، قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « صلاة‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٧٨ / ١٠٠٩ : سيف بن عميرة.


التطوع بمنزلة الهدية متى ما اتي بها قبلت ، فقدّم منها ما شئت وأخّر منها ما شئت ».

فالوجه في هذه الأخبار أن نحملها على ضرب من الرخصة لمن علم أنّه إن لم يقدّمها اشتغل عنها ولم يتمكن من قضائها ، يدلّ على ذلك :

ما رواه الحسين بن محمّد ، عن عبد الله بن عامر ، عن علي بن مهزيار ، عن الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن يزيد بن ضمرة(١) الليثي ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام (٢) ، عن الرجل يشتغل عن الزوال أيعجّل من أول النهار؟ قال : « نعم ، إذا علم أنّه يشتغل فيعجّلها (٣) في صدر النهار كلّها ».

السند‌ :

في الأوّل : فيه الحسن بن حمزة العلوي ، وفي النجاشي : أنّه كان من أجلاّء هذه الطائفة وفقهائها ، ولقيه شيوخنا في سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة(٤) . وفي الفهرست : أنّه كان فاضلاً أديباً عارفاً فقيهاً(٥) . وفي رجال من لم يرو عنهمعليهم‌السلام من كتاب الشيخ : أنّه زاهد عالم أديب فاضل روى عنه التلعكبري ، وكان سماعه أوّلاً سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة(٦) .

__________________

(١) في « رض » و « فض » : حمزة.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٧٨ / ١٠١١ : عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام .

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٧٨ / ١٠١١ : فيتعجّلها.

(٤) رجال النجاشي : ٦٤ / ١٥٠.

(٥) الفهرست : ٥٢ / ١٨٤.

(٦) رجال الطوسي : ٤٦٥ / ٢٤. وفيه : الحسن بن محمد بن حمزة.


وفي الخلاصة ذكر مدحه نحو ما في النجاشي ، وقال : إنّ التلعكبري كان سماعه منه أوّلاً سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وله منه إجازة ، ثم نقل عن الشيخ أنّه قال : أخبرنا عنه(١) جماعة منهم الحسين بن عبيد الله وأحمد ابن عبدون ومحمّد بن محمّد بن النعمان ، وكان سماعهم منه سنة أربع وستين ](٢) وثلاثمائة ، وقال النجاشي : إنّه مات سنة ثمان [ وخمسين(٣) وثلاثمائة ، وهذا لا يجامع قول الشيخ الطوسي(٤) .

وفي فوائد جدّيقدس‌سره : ما نقله المصنف عن الشيخ وجدناه بخط ابن طاوس ، وفي كتاب الرجال للشيخ بنسخة معتبرة : أنّ سماعة منه سنة أربع وخمسين وثلاثمائة ، وفي كتاب الفهرست : أنّه كان سنة ستّ وخمسين ، وعليهما يرتفع التناقض. انتهى.

والذي في الفهرست : أخبرنا برواياته جماعة من أصحابنا ـ إلى أنْ قال ـ : سماعاً منه وإجازةً في سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة(٥) . ولا ريب في انتفاء التناقض.

وابن داود تبع العلاّمة في الوهم(٦) وعلى كل حال : الرجل جليل القدر ، وعدم التصريح بالتوثيق كأنّه لا يضرّ بالحال ؛ لأنّ عادة المتقدمين عدم ذكر التوثيق للشيوخ ، نعم في الحديث إرسال.

__________________

(١) ليست في « رض » والمصدر.

(٢) في رجال الطوسي : أربع وخمسين وثلاثمائة ، وفي الفهرست : ست وخمسين وثلاثمائة.

(٣) في النسخ : وستين ، والصواب ما أثبتناه.

(٤) خلاصة العلاّمة : ٣٩ / ٨.

(٥) الفهرست : ٥٢ ، بتفاوت يسير.

(٦) رجال ابن داود : ٧٧ / ٤٥٧.


والثاني : فيه علي بن السندي وهو غير معلوم الحال ، وقد قدّمنا القول فيه كالعلوي(١) ، والإعادة فيه لبُعد العهد ، أما علي بن السندي فالمتقدّم يغني عن الإعادة لعدم الفائدة التامة فيه.

والثالث : ليس فيه الارتياب(٢) إلاّ من جهة أبي أيوب ، والظاهر أنّه الخزاز إبراهيم بن عثمان أو ابن عيسى ، وفي الرجال : أبو أيوب الأنباري يروي عنه البرقي(٣) ؛ والمراد به أحمد ؛ لأنّ النجاشي صرّح به(٤) ، والمرتبة تأباه. وفي النجاشي : أبو أيوب المدني والراوي عنه علي بن محمّد ماجيلويه(٥) ، والمرتبة بعيدة أيضاً ، بل احتمل شيخنا أيّده الله في كتاب الرجال أن يكون الأنباري(٦) ، وفيه : أنّه بعيد عن النجاشي بعد ذكره الأنباري.

وبالجملة : لا يبعد انتفاء الشك في أبي أيوب ، والراوي عن الخزّاز الحسن بن محبوب في النجاشي(٧) ، وهي مرتبة علي بن الحكم ، وما في الفهرست من أنّ الراوي عنه محمّد بن أبي عمير وصفوان(٨) كذلك.

وأمّا إسماعيل بن جابر فهو الجعفي ، وقد تقدم الكلام(٩) ، فيه.

__________________

(١) في ص ٢٥٧. وص ٢٤٢.

(٢) في « رض » : ارتياب.

(٣) راجع رجال الطوسي : ٥١٩ / ٩ ، الفهرست : ١٨٦ / ٨٢٣ ، رجال النجاشي : ٤٥٧ / ١٢٤٦.

(٤) لم نعثر على هذا التصريح في رجال النجاشي ، ولكنه موجود في رجال الطوسي والفهرست.

(٥) رجال النجاشي : ٤٥٥ / ١٢٣٢.

(٦) منهج المقال : ٣٨٣.

(٧) رجال النجاشي : ٢٠ / ٢٥.

(٨) الفهرست : ٨ / ١٣.

(٩) في ص ٧٠١.


والرابع : فيه عمّار بن المبارك ، وهو مجهول الحال ؛ لعدم الوقوف عليه في الرجال. والقاسم بن الوليد الغسّاني كذلك ، بل في الرجال ابن الوليد العماري مهملاً في النجاشي(١) ورجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٢) ، أمّا ظريف بن ناصح ، فالذي يقتضيه النظر في الرجال أنّه مشترك بين ثقة ومهمل في رجال الباقرعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٣) ، واحتمال الاتحاد ممكن ، إلاّ أنّه لا فائدة فيه هنا.

والخامس : فيه الإرسال.

والسادس : سيف فيه هو ابن عميرة على الظاهر من رواية علي بن الحكم عنه كما في الفهرست(٤) .

أمّا عبد الأعلى فهو مولى آل سام ؛ لرواية سيف عنه في الكشي ، والرواية عن حمدويه ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد ، عن علي بن أسباط ، عن سيف ، عن عبد الأعلى قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّ الناس يعيبون عليّ بالكلام وأنا أُكلّم الناس ، فقال : « أما مثلك من يقع ثم يطير »(٥) .

وهذه الرواية على تقدير سلامة السند لا تفيد ؛ لأنّها شهادة لنفسه ولا مدح فيها يعتدّ به ، وكونه مولى آل سام ليس في الرواية إلاّ أنّ الكشي ذكره في العنوان ، فقول ابن داود : إنّه ممدوح نقلاً عن الكشي(٦) ، لا وجه له.

والسابع : فيه عمرو بن عثمان ، والظاهر أنّه الثقة ، لبُعد مرتبة غيره.

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣١٣ / ٨٥٥.

(٢) رجال الطوسي : ٢٧٣ / ٣.

(٣) رجال الطوسي : ١٢٧ / ١.

(٤) الفهرست : ٧٨ / ٣٢٣.

(٥) رجال الكشي ٢ : ٦١٠ / ٥٧٨ وفيه زيادة : فنعم ، وأما من يقع ثم لا يطير فلا.

(٦) رجال ابن داود : ١٢٧ / ٩٣٣.


ومحمّد بن عذافر ثقة ، إلاّ أنّ الراوي عنه في النجاشي عمر(١) بن عثمان(٢) ، والظاهر أنّه غلط.

والثامن : فيه يزيد بن ضمرة وهو مجهول الحال ؛ لعدم الوقوف عليه في الرجال.

المتن :

في الأوّل وإن كان ظاهره عدم صلاة شي‌ء من النوافل مطلقاً ، إلاّ أنّ إرادة نوافل النهار الراتبة كأنّه معلومة ، ودلالته على نفي الوتيرة حينئذ تنتفي ؛ لدلالة بعض الأخبار(٣) على أنّها من غير الرواتب ، فلا يظن من دلالة « كان » على المداومة انتفاؤها مطلقا ، والخبر ظاهر الدلالة على أنّ صلاة ، بعد النصف ، والإجمال في الصلاة بعد الزوال مفصّل في الأخبار السابقة.

وقد نقل العلاّمة في المختلف أقوال العلماء في وقت نافلة الظهر ونافلة العصر ، فعن الشيخ في النهاية : أنّ نوافل الظهر من الزوال إلى القدمين(٤) ، وعن المبسوط : إلى [ أن يبقى إلى آخر الوقت(٥) ] مقدار ما يصلّى فيه فريضة الظهر(٦) ، وعن ابن إدريس : إذا صار ظل كل شي‌ء مثله‌

__________________

(١) في « رض » : عمرو.

(٢) رجال النجاشي : ٣٥٩ / ٩٦٦ وفيه : عمرو بن عثمان.

(٣) الوسائل ٤ : ٥٩ أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب ١٤.

(٤) المختلف ٢ : ٥٤ ، وهو في النهاية : ٦٠.

(٥) في « د » و « رض » : أن يصير الفي‌ء آخر الوقت ، وفي « فض » : أن يعتبر الفي‌ء إلى آخر الوقت ، والصواب ما أثبتناه من المصدر.

(٦) المبسوط ١ : ٧٦.


خرج وقت النافلة(١) ، وعن الشيخ في النهاية : أنّ نافلة العصر بعد الفراغ من الظهر إلى أربعة أقدام(٢) ، وفي الجمل : إلى أن يصير الفي‌ء مثليه(٣) ، وعن ابن الجنيد إلى أربعة أقدام أو ذراعين(٤) .

وقد تقدّم من الأخبار ما يدل على الأقوال في الجملة(٥) ، وذكرنا سابقاً(٦) احتمال بعض الأصحاب للامتداد بوقت الفريضة ، وإمكان المناقشة فيه بحمل المطلق على المقيّد ، وفي هذه الأخبار ما يؤيّده ، وحمل تلك الأخبار على الفضيلة كالفريضة ممكن ، والاحتياط مطلوب.

والثاني : كالأوّل.

أما الثالث : وما بعده فما ذكره الشيخ من الوجه فيها لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ اعتبار عدم التمكن من القضاء لا يدل عليه شي‌ء منها ، والخبر الذي استدل به كذلك ، بل خبر عبد الأعلى يدلّ على خلافه ، وخبر محمّد ابن عذافر لا يخلو من إطلاق ، إلاّ أنّ الشيخ حمله على الراتبة ، ولعلّ عمومه يتناول مراد الشيخ.

وما عساه يقال : إنّه مطلق وما تقدّم من الأخبار في مواقيت الفرائض مقيّد ، والمقيد يحكم على المطلق ، يمكن الجواب عنه : بأنّه ما دلّت عليه الأخبار لا يتعين تقييده لهذا الإطلاق ، بل يجوز أن يكون لبيان الأفضل ، كما يدل عليه الخبر الرابع.

__________________

(١) السرائر ١ : ١٩٩.

(٢) النهاية : ٦٠.

(٣) الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : ١٧٤.

(٤) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٥٥.

(٥) في ص ١٢١٧.

(٦) في ص ١٢٢٥.


هذا على تقدير العمل بهذه الأخبار ، ولو اعتمد على الصحيح أمكن أن يوجّه حمل المطلق الدال على فعل النوافل قبل الفرائض على المقيد الدال على فعلها في المقادير السابقة ، كما مضى التنبيه عليه.

ولا يخفى دلالة بعض هذه الأخبار على نوافل النهار ، والمطلق منها كالخبر المبحوث عنه يمكن تقييده بها ، أمّا نوافل المغرب ، فالحكم فيها محلّ تأمّل ، وما دلّ على فعلها بعد الفريضة يتناول فعلها بعد الفريضة على الإطلاق ، والقول بخروج وقتها بذهاب الشفق لم أقف الآن على دليل يصلح للاعتماد عليه.

وما ذكره المحقّق في المعتبر ـ على ما نقل عنه ـ : من أنّ عند ذهاب الحمرة يقع الاشتغال بالعشاء ، وقد ورد المنع من النافلة في وقت فريضة ، وما بين وقت المغرب وذهاب الحمرة وقت يستحب فيه تأخير العشاء ، فكان الإقبال فيه على النافلة حسنا(١) . قد ذكرت ما فيه في حاشية الروضة.

والحاصل أنّ المنع من النافلة في وقت الفريضة على تقدير عمومه لا يتناول النوافل الراتبة في الأوقات ؛ لاستثنائها بالأخبار الواردة فيها بإطلاقها أو خصوصها ؛ ومن ثَمَّ اعترض عليه الشهيد في الذكرى : بأنّ وقت العشاء يدخل بالفراغ من المغرب(٢) .

والأمر كما قال ، إلاّ أنّ قوله بعد ذلك : إلاّ أن يقال : إنّ ذلك وقت يستحب تأخير العشاء عنه. لا وجه له ؛ فإنّ استحباب تأخير الفرض لو اقتضى خروج وقت النافلة لورد في نافلة الظهرين ، ولا قائل به فيما أعلم ، ولعلّ الأولى ما قاله في الذكرى والدروس : من أنّه لو قيل بامتداد النافلة‌

__________________

(١) حكاه عنه في المدارك ٣ : ٧٤ ، وهو في المعتبر ٢ : ٥٣.

(٢) الذكرى : ١٢٠.


بوقت المغرب كان حسناً(١) . وليس ببعيد ، وادّعاء العلاّمة في المنتهى الإجماع على الانتهاء بذهاب الحمرة(٢) . غريب ، والمستفاد من الأخبار الاتساع ، سيّما الخبر الوارد في الجمع بين الصلاتين في المزدلفة وأنّهعليه‌السلام ركع بينهما.

بقي شي‌ء وهو : أنّ الصدوق روى في باب نوادر الصلاة عن زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال : « ما صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الضحى قطّ » قال فقلت : ألم تخبرني أنّه كان يصلّي في صدر النهار أربع ركعات؟ قال : « بلى إنّه كان يجعلها من الثمان التي بعد الظهر »(٣) وهذا الخبر واضح الدلالة على جواز تقديم بعض النوافل ، وقوله : « التي بعد الظهر » كأنّ المراد به بعد الزوال ، وتكون من نافلة الظهر ، ويحتمل كونها نافلة العصر ويراد(٤) بالظهر فعل الظهر ، لكن في بعض الأخبار السابقة ما يؤيّد الأوّل.

قوله(٥) :

باب أول وقت نوافل الليل.

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر ابن أُذينة ، عن فضيل ، عن أحدهما عليهما‌السلام : « أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يصلّي بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة ».

__________________

(١) الذكرى : ١٢٤ ، الدروس ١ : ١٤١.

(٢) المنتهى ١ : ٢٠٧.

(٣) الفقيه ١ : ٣٥٨ / ١٥٦٧ ، الوسائل ٤ : ٢٣٤ أبواب المواقيت ب ٣٧ ح ١٠.

(٤) في « رض » : فيراد.

(٥) في « رض » : قال.


عنه ، عن صفوان ، عن ابن بكير ، عن عبد الحميد الطائي ، عن محمّد ابن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا صلّى العشاء الآخرة آوى إلى فراشه فلا يصلّي شيئاً(١) إلاّ بعد انتصاف الليل ، لا في شهر رمضان ولا في غيره ».

فأمّا ما رواه عبد الله بن مسكان ، عن ليث المرادي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الصلاة في الصيف في الليالي القصار ، صلاة الليل في أول الليل ، فقال : « نعم نِعْمَ ما رأيت ونِعْمَ ما صنعت ».

فهذا الخبر يحتمل شيئين.

أحدهما : أن يكون رخصة للمسافر.

والثاني : أن يكون رخصة لمن يشقّ عليه القيام آخر الليل ، ولا يتمكن من القضاء ، فإنّه يجوز له حينئذ تقديمها في أوّل الليل.

يدل على ذلك :

ما رواه حمّاد بن عيسى ، عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلت : إنّ رجلاً من مواليك من صلحائهم شكا إليّ ما يلقي من النوم ، فقال : إنّي أُريد القيام لصلاة الليل فيغلبني النوم حتّى أُصبح ، فربما قضيت صلاتي الشهر المتتابع والشهرين أصبر على ثقله ، قال : « قرّة عين والله » ولم يرخّص له في الصلاة في أوّل الليل ، وقال : « القضاء بالنهار أفضل » قلت : فإنّ من نسائنا أبكاراً ، الجارية تحبّ الخير وأهله ، وتحرص على الصلاة فيغلبها النوم ، حتى ربما (٢) قضت وربما ضعفت عن قضائه وهي تقوى عليه أوّل الليل فرخّص لهنّ في‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٧٩ / ١٠١٣ زيادة : من النوافل.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٧٩ / ١٠١٥ : حتى تصبح فربما.


الصلاة أول الليل إذا ضعفن وضيّعن القضاء.

عنه ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن محمّد بن مسلم قال : سألته عن الرجل لا يستيقظ في آخر الليل حتى يمضي لذلك العشر والخمس عشرة فيصلّي أول الليل أحبّ إليك أم يقضي؟ قال : « لا بل يقضي أحبّ إليّ ، إنّي أكره أن يتخذ ذلك خلقاً » وكان زرارة يقول : كيف يقضي صلاة لم يدخل وقتها إنّما وقتها بعد نصف الليل.

فأمّا الذي يدل على جواز ذلك للمسافر :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن الحلبي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن صلاة الليل والوتر في أول الليل في السفر إذا تخوّفت البرد أو كانت علّة ، فقال : « لا بأس ، أنا أفعل إذا تخوّفت ».

عنه ، عن النضر ، عن موسى بن بكر ، عن عليّ بن سعيد قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن صلاة الليل والوتر في السفر في أول الليل إذا لم يستطيع أن يصلّي في آخره ، قال : « نعم ».

السند‌ :

في الأول : لا ارتياب فيه بعد ما قدّمناه(١) .

والثاني : ضمير « عنه » فيه يرجع إلى الحسين بن سعيد ، وابن بكير قد تقدم مكرراً فيه القول(٢) .

أمّا عبد الحميد الطائي وهو ابن عوّاض فقد وثّقه الشيخ في رجال‌

__________________

(١) في ص ٢٦ و ٢٧ و ٤٩ و ٧٢ و ٢٠٩.

(٢) في ص ٤٩ و ٨٩.


الكاظمعليه‌السلام من كتابه قائلاً : إنّه من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام (١) . والعلاّمة في الخلاصة قال : إنّه من أصحاب أبي الحسن موسىعليه‌السلام (٢) . وهو غريب ، فإنّه مذكور أيضاً في رجال الباقرعليه‌السلام والصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٣) ، وفي التهذيب في باب الأحداث الموجبة للطهارة حديث عن عبد الحميد بن عوّاض ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٤) .

والثالث : فيه أنّ الطريق إلى عبد الله بن مسكان غير مذكور في المشيخة ، وفي الفقيه رواه عن عبد الله بن مسكان والطريق إليه صحيح ، وستسمع الزيادة في متنه(٥) .

والرابع : فيه أنّ الطريق إلى حمّاد غير مذكور في المشيخة أيضاً ، والصدوق رواه عن معاوية بن وهب(٦) ، والطريق صحيح ، إلاّ أنّ فيه محمّد ابن علي ماجيلويه ، وفيه نوع تأمّل ذكرناه في موضعه.

والخامس : فيه محمّد بن سنان ، مع عدم الطريق إلى حمّاد الراجع إليه الضمير ، وقد يستغرب رواية حمّاد بن عيسى عن محمّد بن سنان ؛ إذ لم أعهده ، لكن المرتبة لا تأباه.

والسادس : فيه محمّد بن سنان.

والسابع : فيه موسى بن بكر ، وقد تقدم(٧) عن قريب. وعلي بن‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٥٣ / ٦.

(٢) الخلاصة : ١١٦.

(٣) رجال الطوسي : ١٢٨ / ١٨ و ٢٣٥ / ٢٠٢.

(٤) التهذيب ١ : ٦ / ٣.

(٥) الفقيه ١ : ٣٠٢ / ١٣٨٢ ، الوسائل ٤ : ٢٤٩ أبواب المواقيت ب ٤٤ ح ١. وفي ص ١٣٨٣.

(٦) الفقيه ١ : ٣٠٢ / ١٣٨١ ، الوسائل ٤ : ٢٥٥ أبواب المواقيت ب ٤٥ ح ١ و ٢.

(٧) في ص ١٣٢٩.


سعيد مشترك(١) بين مهملين.

المتن :

في الأول : ظاهر في أنّ فعل صلاة الليل بعد النصف ، وربما دلّ على الدوام بلفظ « كان » كما ذكروه ، كما يدل على فعل الوتر مع ركعتي الفجر كذلك ، وكأنّ الشيخ استفاد كون ما ذكر أوّل الوقت ممّا قلناه ، وإلاّ فهو غير دالّ على الحصر ، وغير خفي أنّ احتمال المداومة على الأفضل يقتضي عدم تعيّن(٢) الوقت.

وفي المختلف نقل عن الشيخ أنّه لا يجوز تقديم صلاة الليل في أوّله إلاّ لمسافر يخاف فوتها أو شابّ يمنعه آخر الليل من القيام رطوبة رأسه ، ولا يتخذ ذلك عادة ، والقضاء أفضل ، وعن ابن أبي عقيل لا صلاة عند آل الرسول الاّ بعد دخول وقتها ، فمن صلّى صلاة فرض أو سنّة قبل دخول وقتها فعليه الإعادة ساهياً كان أو متعمّداً في أيّ وقت كان ، إلاّ سنن الليل في السفر ، فإنّه جائز أن يصلّيها أوّل الليل بعد العشاء الآخرة ، وعن ابن إدريس المنع من التقديم لهذين ، واختاره العلاّمة واستدل بالرابع(٣) .

ولا يخفي عليك أنّ ما دلّ على المسافر وغيره في الليالي القصار لا ارتياب فيه ، فالاقتصار على الرواية من دون الالتفات إلى غيرها غريب ، وستسمع القول في المسافر إنشاء الله تعالى.

والثاني : ظاهر الدلالة على نفي الوتيرة ، إلاّ أنّ ما دلّ على فعلها‌

__________________

(١) انظر رجال الطوسي : ٢٤٣ / ٣٢١ و ٣٥٦ / ٤٥.

(٢) في « رض » : تعيين.

(٣) المختلف ٢ : ٦٩ ، وهو في النهاية : ٦٠ ، والسرائر ١ : ٢٠٣.


موجود ، والحمل(١) على نفي الراتبة ممكن ، لولا قوله : « لا في شهر رمضان ولا في غيره » فإنّ نفي نافلة شهر رمضان يقتضي العموم.

وقد روى الصدوق مرسلاً أنّ أبا جعفرعليه‌السلام قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يصلّي من النهار شيئاً حتى تزول الشمس ، فإذا زالت صلّى ثماني ركعات ـ إلى أن قال ـ : فإن فاء الفي‌ء ذراعاً صلّى الظهر أربعاً وصلّى بعد الظهر ركعتين ثم صلّى ركعتين أُخراوين ، ثم صلّى العصر أربعاً إذا فاء الفي‌ء ذراعاً ، ثم لا يصلّي بعد العصر شيئاً حتى تؤوب الشمس ـ إلى أن قال ـ : ثم لا يصلّي شيئاً حتّى يسقط الشفق فإذا سقط الشفق صلّى العشاء ، ثم آوى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى فراشه ولم يصلّ شيئاً »(٢) الحديث.

وفيه دلالة على نفي الوتيرة ، وإرساله قد كرّرنا القول فيه.

والثالث : كما ترى ظاهر الدلالة على فعل صلاة الليل في أول الليل في الليالي القصار ، إلاّ أنّ الصدوق في الفقيه زاد فيه بعد قوله : « نِعْمَ ما صنعت » يعني في السفر ، قال : وسألته(٣) عن الرجل يخاف الجنابة في السفر والبرد فيعجّل صلاة الليل والوتر في أول الليل؟ قال : « نعم »(٤) ولا يخفى أنّ بعد هذه الزيادة لا وجه لحمل الشيخ على غير السفر ، إلاّ أن تكون الزيادة غير موثوق بها ، لاحتمال كونها من بعض الرواة لظن المنافاة ، وفيه ما هو غني عن البيان ، إلاّ أن يقال : إنّ ذكر الليالي القصار يدل على‌

__________________

(١) في « فض » و « رض » : فالحمل.

(٢) الفقيه ١ : ١٤٦ / ٦٧٨ ، الوسائل ٤ : ٦٠ أبواب المواقيت ب ١٠ ح ٣ ، وفيهما بتفاوت يسير.

(٣) في « د » وقد سألته.

(٤) الفقيه ١ : ٣٠٢ / ١٣٨٣ ، الوسائل ٤ : ٢٤٩ أبواب المواقيت ب ٤٤ ح ١ وص ١٨٣ ح ١٠ ، وفيهما بتفاوت يسير.


ما يعمّ السفر ، وفيه : أنّه إذا ما تحقّق خصوص السفر فلا وجه للاحتمال ، فتأمّل.

والرابع : واضح الدلالة على أنّ القضاء أفضل ، وما تضمنه آخره من الرخصة إذا حصل الضعف عن القضاء ، يدل على ما ذكره الشيخ ، وقد نقل في المختلف احتجاج الشيخ(١) به على ما سبق نقله عن الشيخ ، وأنّه وجّه الاستدلال به أنّ الترخّص للمرأة مستلزم لغيرها من المسافر والشاب للاشتراك في العذر ، وأجاب العلاّمة بأنّ الرواية لا تدل على المطلوب ؛ لاختصاصها بمن لا يتمكن من الانتباه والقضاء(٢) .

ولا يخفى أنّ المنقول عن الشيخ فيه أنّ القضاء أفضل(٣) ، والرواية تدل على ذلك مع زيادة خوف تضييع القضاء.

والجواب بما ذكره مع قوله بمنع التقديم مطلقا ، لا وجه له ، نعم في الرواية نوع تأمّل بالنسبة إلى ما عمّم الشيخ ، وله في التهذيب كلام ذكرنا ما فيه في حاشيته.

وأمّا الخامس : ففيه دلالة على جواز التقديم لكن لا يكون عادة ، واحتمال عود الإشارة في قولهعليه‌السلام : « إنّي أكره » إلى آخره. إلى غير ما ذكرناه لا وجه له ، وما تضمنه من قول زرارة محتمل لأن يكون من محمّد ابن مسلم ومن غيره ، ولا يخلو قوله من إجمال ؛ إذ مقتضاه أنّ زرارة ظنّ أنّ التقديم قضاء ، أو أنّه أراد بالقضاء مطلق الفعل ، وعلى كل حال فالوجه فيه بعد ورود الأخبار بخلافه في الجملة غير ظاهر.

__________________

(١) في « د » و « رض » : الاحتجاج للشيخ.

(٢) المختلف ٢ : ٧٠.

(٣) كما في المختلف ٢ : ٧٠ ، وهو في النهاية : ٦١.


والسادس : كما ترى واضح الدلالة لو صحّ السند ، وكذلك السابع.

وفي المقام أخبار أُخر وفيها دلالة على تأكّد القضاء(١) ، وبعضها معدود من الصحيح ، وهو ما رواه أبان بن تغلب قال : خرجت مع أبي عبد اللهعليه‌السلام فيما بين مكة والمدينة وكان يقول : « أمّا أنتم فشباب تؤخّرون ، وأمّا أنا فشيخ اعجّل » فكان يصلّي صلاة الليل أوّل الليل(٢) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما ذكرناه في الخبر الأوّل من احتمال حمل التأخير إلى النصف في صلاة الليل على الأفضل يتأيّد بإطلاق بعض الأخبار السالفة في الباب السابق أن التطوع بمنزلة الهدية(٣) ، ودلالة هذه الأخبار المبحوث عنها وغيرها أيضاً على التقديم في الجملة غير خفّية.

وفي التهذيب روى الشيخ ، عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن عيسى قال : كتبت إليه أسأله : يا سيّدي روي عن جدّك أنّه قال : « لا بأس أن يصلّي الرجل صلاة الليل في أول الليل » فكتب : « في أيّ وقت صلّى فهو جائز إنشاء الله »(٤) .

وروى بطريق فيه جعفر بن عثمان ، عن سماعة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا بأس بصلاة الليل من أول الليل ، إلاّ أنّ أفضل ذلك إذا انتصف الليل »(٥) .

وفي هذين الخبرين من التأييد لما قلناه ما لا يخفى ، فليتأمّل.

__________________

(١) انظر الوسائل ٤ : ٢٥٥ أبواب المواقيت ب ٤٥.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٢٧ / ٥٧٩ ، الوسائل ٤ : ٢٥٤ أبواب المواقيت ب ٤٤ ح ١٨.

(٣) راجع ص ١٣٧٣.

(٤) التهذيب ٢ : ٣٣٧ / ١٣٩٣ ، الوسائل ٤ : ٢٥٣ أبواب المواقيت ب ٤٤ ح ١٤.

(٥) التهذيب ٢ : ٣٣٧ / ١٣٩٤ ، الوسائل ٤ : ٢٥٢ أبواب المواقيت ب ٤٤ ح ٩.


قوله(١) :

باب آخر وقت صلاة الليل.

محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن الحجّال ، عن عبد الله بن الوليد الكندي ، عن إسماعيل بن جابر أو عبد الله بن سنان قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّي أقوم في آخر الليل وأخاف الصبح قال : « اقرأ الحمد واعجل اعجل ».

عنه ، عن الحسين بن محمّد ، عن عبد الله بن عامر ، عن علي بن مهزيار ، عن فضالة بن أيوب ، عن القاسم بن بريد العجلي ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : سألته عن الرجل يقوم آخر الليل وهو يخشى أن يفجأه الصبح أيبدأ بالوتر أو يصلي الصلاة على وجهها حتّى يكون الوتر آخر ذلك؟ قال : « بل يبدأ بالوتر » وقال : « أنا كنت فاعلاً ذلك ».

الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حمّاد ، عن إسماعيل بن جابر قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أُوتر بعد ما يطلع الفجر؟ قال : « لا »(٢) .

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن البرقي ، عن المرزبان بن عمران ، عن عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أقوم وقد طلع الفجر فإنْ أنا بدأتُ بالفجر صلّيتها في أول وقتها ، وإنْ بدأت بصلاة الليل والوتر صلّيت الفجر في وقت هؤلاء ، فقال‌ :

__________________

(١) في « رض » : قال.

(٢) في نسخة من الاستبصار ١ : ٢٨١ / ١٠٢١ : لا بأس.


« ابدأ بصلاة الليل والوتر ولا تجعل ذلك عادة ».

عنه ، عن محمّد بن الحسين ، عن عمّار بن المبارك ، عن محمّد ابن عذافر ، عن إسحاق بن عمّار قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أقوم وقد طلع الفجر ولم أُصلّ صلاة الليل ، فقال : « صلّ صلاة الليل وأوتر وصلّ ركعتي الفجر ».

فهذان الخبران وردا رخصة في جواز تأخير صلاة الغداة عن أوّل وقتها ؛ لأن ذلك يجوز عند الأعذار على ما قدّمناه ، ومن جملة الأعذار قضاء صلاة الليل ، إلاّ أنّ الأفضل ما قدّمناه.

والذي يدل على هذه الرخصة أيضاً :

ما رواه الصفار ، عن يعقوب بن يزيد ، عن عمرو بن عثمان ومحمّد بن عمر بن يزيد ، عن محمّد بن عذافر ، عن عمر بن يزيد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن صلاة الليل والوتر بعد طلوع الفجر ، فقال : « صلّها بعد الفجر حتى تكون في وقت تصلّى الغداة في آخر وقتها ، ولا تعمّد ذلك في كلّ ليلة » وقال : « أوتر أيضاً بعد فراغك منها ».

السند‌ :

في الأول : فيه الحجّال ، وهو يقال لعبد الله بن محمّد الثقة ، وفي الخلاصة ما ظاهره الحصر فيه(١) ، وأظنّ وجوده لغيره إلاّ أنّ الإطلاق كأنّه ينصرف إليه ، والراوي عن عبد الله : الحسن بن علي بن المغيرة في‌

__________________

(١) الخلاصة : ١٠٥ / ١٨.


الرجال(١) ، ومرتبته مع محمّد بن الحسين الراوي عنه هنا قريبة ، أمّا عبد الله ابن الوليد الكندي فهو مذكور مهملاً في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب البرقي ؛ وإسماعيل بن جابر مضى القول فيه(٢) .

والثاني : لا ارتياب في رجاله لما تقدّم(٣) ، سوى القاسم بن بريد ، وهو ثقة ؛ وبُرَيْد بالباء الموحّدة والراء المهملة ، والراوي عنه في الرجال فضالة(٤) ، فلا يتوهم اشتباه الأب.

والثالث : فيه إسماعيل بن جابر وقد مضى(٥) .

والرابع : فيه البرقي ، والظاهر أنّه محمّد ، وقد مضى القول فيه(٦) ، واحتمال أحمد ممكن ؛ لأنّ مرتبتهما واحدة ، إلاّ أنّ رواية أحمد بن محمّد ابن عيسى عنه كأنّها بعيدة ؛ والمرزبان بن عمران غير معلوم الحال بما يزيد عن الإهمال ، والخبر المذكور في الكشي(٧) لا يفيد فيه مدحاً كما يعلم من مراجعته.

والخامس (٨) : فيه عمّار بن المبارك السابق(٩) عن قريب.

والسادس (١٠) : فيه محمّد بن عمر بن يزيد ، وتقدم أنه مهمل في‌

__________________

(١) انظر رجال النجاشي : ٢٢٦ / ٥٩٥.

(٢) في ص ٧٠١.

(٣) في ص ٩٤٢ ، ٩٤٣ ، ١٠٢٢.

(٤) انظر رجال النجاشي : ٣١٣ / ٨٥٧.

(٥) في ص ٧٠١.

(٦) في ص ٦٨.

(٧) رجال الكشي ٢ : ٧٩٤ / ٩٧٠.

(٨) في النسخ : الرابع ، والصواب ما أثبتناه.

(٩) في ص ١٣٧٥.

(١٠) في النسخ : الخامس ، والصواب ما أثبتناه.


الرجال(١) .

المتن :

في الأول : يحتمل أن يراد بالعجلة فيه عدم قراءة السورة ، ويحتمل إرادة قراءة الحمد من غير ترسّل(٢) .

والثاني : ينبغي(٣) أن يكون في مقام المنافي ، لتضمّنه البدأة بالوتر وترك الصلاة لما تضمنه السؤال ، والجمع بالتخيير ممكن ، أو يقال : إنّ مفاد الأوُلى تقديم الصلاة بالعجلة ، والثانية تضمّن السؤال فيها الصلاة على وجهها ، وإرادة الترسّل والسورة منها غير مستبعدة وإنْ كان احتمال أن يراد بوجهها وقوع الوتر بعدها ، لا يخلو من وجه ، إلاّ أنّ الظاهر يؤيّد الاحتمال الأول.

وعلى هذا يرجح(٤) فعل الوتر وحده على الصلاة بالوجه المذكور ، ويبقى ترجيح الصلاة بالعجلة مسكوتاً عنه ، فيفهم من الاولى ، وفيه : أنه يرجع إلى التخيير ، ودعوى الرجحان غير ظاهرة.

فإن قلت : قولهعليه‌السلام : « بل يبدأ بالوتر » يدلّ على أنّ من ظنّ طلوع الصبح في أثناء صلاته يبدأ بالوتر ، أمّا الدلالة على الاكتفاء به لو طلع الصبح ، أو ضميمة صلاة الليل لو لم يطلع لانكشاف فساد الظنّ ، فهو غير مدلول عليه بالرواية ، وحينئذ ما الحكم فيه؟.

__________________

(١) في ص ١٣١٩.

(٢) في « رض » : ترتيل.

(٣) في « فض » : والثاني كما ترى ينبغي.

(٤) في « رض » : يترجح.


قلت : الرواية لا يخلو من إجمال من جهة ما ذكرت ، ولا يبعد استفادة الاكتفاء بالوتر ، وقضاء صلاة الليل بعد ذلك لو طلع الفجر أو إتمامها ، وعلى تقدير عدم الطلوع يحتمل الاكتفاء به والإعادة ، وقد ذكر بعض محقّقي المتأخرينرحمه‌الله أنّه : يدل على الاقتصار في فعل الوتر مخففاً من دون صلاة الليل ، ثم القضاء إذا خاف عدم الإدراك ، بعضُ الأخبار(١) ، وكأنّه يريد هذا الخبر ، ودلالته كما ترى مجملة.

وفي التهذيب روى الشيخ ، عن الحسن بن محبوب ، عن معاوية بن وهب قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « أما يرضى أحدكم أن يقوم قبل الصبح ويوتر ويصلّي ركعتي الفجر ويكتب له بصلاة الليل »(٢) وهذا الخبر مع صحته يدل على الاكتفاء بالوتر مع ركعتي الفجر عن صلاة الليل ، وما يقتضيه ظاهره من التناول للتعمد يدفعه ظواهر الأخبار غيره.

والثالث (٣) : يدلّ على النهي بعد ما يطلع الفجر ، واحتمال حمله على اتخاذه عادة أو خروج وقت فضيلة الصبح ممكن ، والظاهر أنّ المراد بالفجر فيه الثاني ؛ للتبادر ودلالة بعض الأخبار على أنه أحبّ أوقات الوتر الفجر الأول(٤) ، ويحتمل أن يراد بالوتر في الخبر فعله منفرداً ، أمّا لو كان بعد صلاة الليل وطلع الفجر فالظاهر ممّا يأتي خلافه.

والرابع : ظاهر الدلالة على جواز صلاة الليل بعد الفجر لكن لا تكون عادة ، ولا يخفى أنّ في السؤال دلالةً على أنّ وقت الأسفار لأهل الخلاف ،

__________________

(١) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٣٧.

(٢) التهذيب ٢ : ٣٣٧ / ١٣٩١ ، الوسائل ٤ : ٢٥٨ أبواب المواقيت ب ٤٦ ح ٣.

(٣) في « فض » زيادة : كما ترى.

(٤) التهذيب ٢ : ٣٣٩ / ١٤٠١ ، الوسائل ٤ : ٢٧٢ أبواب المواقيت ب ٥٤ ح ٤.


كما هو معلوم من مذهب الحنفي(١) ، فيحتمل التقية فيما دلّ على ذلك.

والخامس : واضح الدلالة على مدلول الرابع ، وزيادة أنّ ركعتي الفجر لا يخرج وقتها بطلوع الفجر إلى مقدار صلاة الليل والوتر ، وستسمع الكلام(٢) في ذلك ، واحتمال الاختصاص بمن صلّى صلاة الليل بعيد ، ولا أظن به قائلاً ، لكن الخبر لا يخفى حاله ، وعلى الشيخ يتوجه الإشكال لما يأتي إن شاء الله.

وما قاله الشيخ : من الحمل على ذوي الأعذار وأنّ من جملتها قضاء صلاة الليل ، محلّ تأمّل :

أمّا أوّلاً : فلأنّ الأعذار المنقولة عنه في غير الصبح ليس فيها هذا ، واختصاص الصبح غير ظاهر إلاّ من الرواية ، واحتمال كون وقت الفضيلة في الصبح لمن فعل صلاة الليل بعدها ممكن ، إلاّ أن يقال : إنّ حمل الوقتين على الاختيار والاضطرار يقتضي ما قاله الشيخ ، وفيه : أنّ وقت الاختيار لا مانع من كون الفضيلة فيه متفاوتاً.

وأمّا ثانياً : فلأنّ فعل صلاة الليل قضاءً غير معلوم من الرواية ، بل ربما كان فعل ركعتي الفجر قرينة الأداء ، فليتأمّل.

والسادس : المستدل به لا يدل على آخر الوقت للمعذور ، بل فيه احتمال إرادة آخر وقت الفضيلة ، والنهي عن التعمد لأنّ الفعل في الوقت الأفضل أولى. وقوله : « وأوتر » بعدها ، لا ينفي فعل ركعتي الفجر صريحاً فلا ينافي الخبر الخامس.

__________________

(١) انظر الأشباه والنظائر : ١٧١.

(٢) في « فض » و « رض » : القول.


قوله(١) :

باب من صلّى أربع ركعات من صلاة الليل فطلع عليه الفجر.

الحسين(٢) بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى(٣) ، عن أبيه ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن علي بن الحكم ، عن أبي الفضل النحوي ، عن أبي جعفر الأحول محمّد بن النعمان قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « إذا صلّيت أنت(٤) أربع ركعات من صلاة الليل قبل طلوع الفجر فأتمّ الصلاة طلع(٥) أو لم يطلع ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن يعقوب البزّاز قال : قلت له : أقوم قبل الفجر بقليل فأُصلّي أربع ركعات ثم أتخوف أن ينفجر الفجر أبدأ بالوتر أو أُتمّ الركعات؟ قال : « لا بل أوتر وأخّر الركعات حتى تقضيها في صدر النهار ».

فالوجه في هذه الرواية أن نحملها على الفضل ؛ لأنّ الفضل أن يصلّي الفريضة في أول الوقت ، والرواية الاولى رخصة على ما بيّناه قبل هذا.

__________________

(١) في « رض » : قال.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٨٢ / ١٠٢٥ : أخبرني الحسين.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٨٢ / ١٠٢٥ : عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن يحيى.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٨٢ / ١٠٢٥ : إذا أنت صليت.

(٥) في نسخة من الإستبصار ١ : ٢٨٢ / ١٠٢٥ زيادة : الفجر.


السند‌ :

في الأوّل : فيه أبو الفضل النحوي ولم أقف عليه في الرجال ؛ وعلي ابن الحكم هنا هو ابن الزبير مولى النخع ؛ لأنّ الراوي عنه محمّد بن إسماعيل ، وقد قدّمنا(١) احتمال الاتحاد مع الثقة ، لأنّ النخعي لم يوثّق ، وعلي بن الحكم الكوفي وثّقه النجاشي(٢) ، والراوي عنه أحمد بن محمّد ابن عيسى ، والعلاّمة ذكر الأنباري(٣) ، واحتمال الاتحاد ربما يوجّه بما أسلفناه(٤) .

والحاصل أنّ عدم ذكر النجاشي للأنباري قد يدل على أنّه النخعي ، والعلاّمة لم يذكر النخعي ، والنجاشي ذكر في ترجمة أبي شعيب المحاملي أنه مولى عليّ بن الحكم بن الزبير الأنباري(٥) ، والحال أنّه لم يذكره ، فيبعد تركه مع ذكره في أبي شعيب ، غير أنّ باب الاحتمال واسع.

فإن قلت : محمّد بن إسماعيل المذكور في الرواية والراوي عن علي ابن الحكم واحد ، لكن تعيّنه غير معلوم.

قلت : الظاهر أنّه ابن بزيع ؛ لأنّ محمّد بن أحمد بن يحيى في مرتبة من يروي عنه ، وإن كان احتمال غيره في حيّز الإمكان.

والثاني : فيه محمّد بن سنان ، وقد تكرّر القول فيه(٦) ، ويعقوب‌

__________________

(١) في ص ١٨٠.

(٢) كذا في النسخ ، والظاهر أن الصحيح : وثّقه الشيخ ، لأن علي بن الحكم الكوفي غير مذكور في رجال النجاشي ، وإنّما وثّقه الشيخ في الفهرست : ٨٧ / ٣٦٦.

(٣) خلاصة العلاّمة : ٩٨ / ٣٣.

(٤) في ص ١٨٠.

(٥) رجال النجاشي : ٤٥٦ / ١٢٤٠.

(٦) في ص ٨٥.


البزّاز الظاهر أنّه يعقوب الأحمر المذكور في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ ، لأنّ الشيخ قال : روى عنه ابن مسكان(١) ، ويعقوب الأحمر الظاهر أنه ابن سالم الأحمر المذكور في رجال الصادقعليه‌السلام ، وهما مهملان في كتاب الشيخ(٢) ، إلاّ أنّ النجاشي وثّق ابن سالم الأحمر على ما نقله ابن طاوس في كتابه ، وتبعه العلاّمة في الخلاصة على ما أظن(٣) .

وقد ذكر العلاّمة(٤) والنجاشي في المنقول أنّه : أخو أسباط بن سالم(٥) ، والشيخ ذكر في رجال الصادقعليه‌السلام يعقوب بن سالم أخا أسباط أيضا(٦) ، لكن الشيخ له نظائر في الكتاب فيذكر الاسم متعدّداً بمجرد الاختلاف في الوصف.

ثم إنّ ابن مسكان الراوي فيه اشتراك بين الحسن(٧) بن مسكان ومحمّد بن مسكان وعبد الله الثقة ، واحتمال تبادر عبد الله قد قدّمناه(٨) ، وفي هذا المقام هو عبد الله ؛ لرواية محمّد بن سنان ، وأثر هذا هيّن هنا ، وإنّما ذكرناه لبيان الواقع.

المتن :

في الأول (٩) : ظاهر الدلالة على أنّ من صلّى أربع ركعات من صلاة‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٣٧ / ٦٦.

(٢) رجال الطوسي : ٣٣٦ / ٥٤.

(٣) خلاصة العلاّمة : ١٨٦ / ٢.

(٤) خلاصة العلاّمة : ١٨٦.

(٥) رجال النجاشي : ٤٤٩ / ١٢١٢.

(٦) رجال الطوسي : ٣٣٧ / ٦٥.

(٧) في « د » : الحسين.

(٨) في ص ١٢١.

(٩) في « فض » زيادة : كما ترى ، وهي مشطوبة في « د ».


الليل وطلع الفجر يتمّ ، والإتمام محتمل لصلاة الليل وحدها أو هي مع الوتر ، ولا يبعد إرادة الثاني ، لإطلاق صلاة الليل على المجموع ، وتقيّدها في بعض الأخبار بالثمان لذكر الوتر بسبب الخصوصيات.

والظاهر من الأربع الإتمام ؛ وفي تحقّقه بالتسليم ، أو بالسجدة الأخيرة من الركعة الثانية من الرابعة ، تامّة أو بمجرّد السجدة وإن لم يرفع ، احتمالات(١) ، لكن المصرّح به في كلام جدّيقدس‌سره في مسائل الشك : أنّ إتمام الركعة يتحقّق بالسجدة الأخيرة وإن لم يرفع منها(٢) .

ولا يخفى أنّ مدلول الخبر إذا صلّى أربع ركعات ، أمّا لو انتبه وظنّ أنّ الوقت لا يسع إلاّ الأربع هل له أن يصلّيها ليزاحم بها الصبح أم لا؟ فالذي يقتضيه ظاهر ما دلّ على الجواز بعد الفجر بجميع الصلاة ولا تكون عادةً ، يدل على أنّ مثل هذه الصورة بطريق أولى ، ( بل يستفاد الحكم المذكور في الرواية من ذلك الظاهر )(٣) على تقدير عدم العمل بهذا الخبر ، واللازم(٤) من هذا التقييد بعدم الاعتياد.

وما أشرنا إليه في مفهوم الموافقة في هذا الكتاب من الإشكال يقتضي التوقف في مثل هذا الاستدلال ؛ لاحتمال اختصاص [ الحكم بالانتباه(٥) ] بعد الصبح دون غيره ، إلاّ أنّه يحصل الاستيناس في المقام بالخبر ، على أنّ بعض الأخبار الدالة على سعة وقت النافلة(٦) يؤيّد الحكم في الجملة.

__________________

(١) في « رض » : وإن لم يرفع رأسه ، احتمالات كثيرة.

(٢) المسالك ١ : ٤١ ، روض الجنان : ٣٥١.

(٣) بدل ما بين القوسين في « فض » : بل يستفاد الحكم في الرواية ذلك على الظاهر.

(٤) في « رض » : اللازم.

(٥) في النسخ : حكم الانتباه ، والصحيح ما أثبتناه.

(٦) انظر الوسائل ٤ : ٢٢٦ أبواب المواقيت ب ٣٥.


والثاني : واضح الدلالة على البدأة بالوتر وتأخير الركعات حتى يقضيها في صدر النهار ، وهذا لا يدل على ما نقلناه عن بعض الأصحاب ، لأنّه قال : فَعَل الوتر مخفّفاً(١) ، والخبر لا يتضمن ذلك.

ولا يخفى أنّ هذا لا ينافي ما قدّمناه من احتمال الاجتزاء بالوتر على تقدير الابتداء به في خبر محمد بن مسلم في الباب السابق(٢) ، لأنّ هذا الخبر مورده فعل الوتر بعد أن صلّى أربعاً بخلاف ذلك ، ولا يظن الأولوية بعد وجود الخبر هذا على تقدير العمل به.

وما يقال : من أنّ أخبار السنن تتسامح فيها ؛ لحديث : « من بلغه شي‌ء من الثواب على عمل » الحديث(٣) . ففي نظري القاصر أنّ الظاهر من الخبر هو أن يبلغ الإنسان شي‌ء من الثواب على عمل ، لا نفس العمل الذي فيه الثواب ليدخل المستحب ، حيث إنّ من لوازمه الثواب ، فإنّ هذا وإن احتمل ، إلاّ أنّ ما قلناه قد يدّعى ظهوره ، وينبّه عليه أنّهم لم يستدلوا به في الواجب ، إذا ثبت بخبر ضعيف ، مع أنّ الثواب فيه حاصل.

ولو قيل : إنّ ثواب الواجب مقرون بكونه واجباً ، فإذا لم يثبت لا يكون واجباً فلا ثواب.

قلت : فكذا المستحب.

واحتمال أن يقال : إنّ فعل الواجب بقصد مطلق الثواب للخبر الضعيف لا مانع منه.

فيه : أنّ فعل المستحب إن كان لمطلق الثواب لا ثواب المستحب ،

__________________

(١) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٣٧.

(٢) راجع ص ١٣٨٥.

(٣) ثواب الأعمال : ١٦٢ ، الوسائل ١ : ٨٠ أبواب مقدمة العبادات ب ١٨ ح ١.


فالواجب ما ذكر فيه مسلّم ، لكن ظاهر كلام الأصحاب القائلين بالخبر خلاف هذا.

ولو قيل : إنّه تسامح(١) في إطلاق المستحب.

أمكن الجواب بأنّ هذا نوع آخر من الأحكام ، والمقصود بيان حكم المستحب منها.

ولو قيل : إنّ ثواب المستحب يتحقق بأيّ وجه كان ، فلا مانع من إطلاق المستحب.

أمكن أن يقال : إنّ الواجب حينئذ إذا كان خبره ضعيفاً وعملنا به لمطلق الثواب كان مستحباً ، ولا أعلم القائل به(٢) في الواجب مطلقا ، والخبر يتناوله على تقدير ما قاله القائل به ، أمّا على تقدير ما قلناه فالفرق منتفٍ ؛ لأنّ من بلغه الثواب في واجب أو غيره فعمله بقصد ذلك الثواب حصل له.

وما قد يقال (٣) : من أنّ في خبر : « من بلغه » دلالةً على جواز قصد الثواب في الفعل.

له وجه ، إلاّ أنّ الظاهر كون محل الخلاف القصد في أوّل العبادة ، وقد يمكن تمشّي الحكم لما قبلها ، إلاّ أنّ تأثيره في بطلان العبادة إذا وقع قبلها غير ظاهر الوجه ، والمنقول بطلان العبادة بقصد الثواب ، وهذا البحث بالعارض لتعلّقه بما نحن فيه.

إذا عرفت هذا فما ذكره الشيخ في الرواية المبحوث عنها من الحمل على الفضل والرواية الاولى على الرخصة. فيه : أنّ المتقدم منه جواز‌

__________________

(١) في « رض » : يتسامح.

(٢) في « فض » : بالخبر.

(٣) في « فض » و « رض » : وما يقال.


التأخير لذوي الأعذار ، ومن جملة الأعذار : قضاء صلاة الليل ، وحينئذ يكون وقته وقت المعذور ، وحمل هذا الخبر على الفضل ينافي ذلك ، لأنّ وقت المعذور بالنسبة إليه فيه الفضل فلا وجه للجمع حينئذ.

ويمكن أن يقال : إنّ العذر مرجعه إلى الشارع ، فلمّا ورد منه التأخير إلى الوقت الثاني في الصبح وفعل صلاة الليل حكمنا بكونه عذراً ، بخلاف هذه الصورة ؛ إذ قد حكم الشارع بالتأخير لبقيّة النافلة ، فلا يكون عذراً ، ولا يخفى عليك أنّ عبارة الشيخ لا يساعد على هذا إلاّ بتكلّف ، ولعلّ الحمل على التخيير ممكن بتقدير العمل بالأخبار ، فليتأمّل.

قوله :

باب وقت ركعتي الفجر.

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد ابن يعقوب ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن زرارة قال : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : الركعتان اللتان قبل الغداة أين موضعهما؟ قال : « قبل طلوع الفجر ، فإذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة ».

عنه ، عن عليّ بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن عليّ بن مهزيار قال : قرأت في كتاب رجل إلى أبي جعفرعليه‌السلام : الركعتان اللتان قبل صلاة الفجر من صلاة الليل هي أم من صلاة النهار ، وفي أيّ وقت أُصلّيهما؟ فكتب بخطّه : « احشوهما في صلاة الليل حشواً ».

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر‌


قال سألت الرضاعليه‌السلام عن ركعتي الفجر ، فقال : « احشوا بهما(١) صلاة الليل ».

الحسين بن سعيد ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلت : ركعتا الفجر من صلاة الليل هي؟ قال : « نعم ».

وعنه ، عن النضر ، عن هشام بن سالم ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال : « قبل الفجر ، إنّهما من صلاة الليل ، ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل ، أتريد أن تقايس؟ لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تطوّع(٢) ؟ إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة ».

عنه ، عن النضر ، عن هشام ، عن سليمان بن خالد قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الركعتين قبل الفجر؟ قال : « تركعهما حين تنّور الغداة إنّهما قبل الغداة ».

وعنه ، عن حمّاد بن عيسى ، عن مخلد بن حمزة بن بيض ، عن محمّد بن مسلم قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن أول وقت ركعتي الفجر فقال : « سدس الليل الباقي ».

سعد ، عن أحمد بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال : قلت لأبي الحسنعليه‌السلام : ركعتي الفجر أُصلّيهما قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال : قال (٣) أبو جعفر عليه‌السلام : « احش بهما (٤) صلاة الليل وصلّهما‌

__________________

(١) في « فض » احش بهما.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٨٣ / ١٠٣١ : تتطوع.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٨٣ / ١٠٣٤ : قال : فقال.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٨٣ / ١٠٣٤ : احشوا بهما.


قبل الفجر ».

السند‌ :

في الأوّل لا ارتياب فيه ، وهو حسن.

والثاني : فيه سهل بن زياد ، وقد تكرّر(١) ، وعليّ بن محمّد هو علاّن الكليني الثقة ، والضمير في « عنه » لمحمّد بن يعقوب.

والثالث : لا ارتياب في صحته بعد ما قدّمناه(٢) .

والرابع : فيه زرعة ، وهو واقفي ثقة ؛ والحسن هو ابن سعيد ، وأبو بصير تكرر القول فيه(٣) كابن مسكان(٤) .

والخامس : فيه النضر وقد مضى(٥) أنه ابن سويد ؛ وهشام بن سالم لا ارتياب فيه كما يعلم من كتاب شيخنا أيّده الله في الرجال(٦) .

والسادس : هشام فيه ابن سالم كما لا يخفى ، وسليمان بن خالد تقدّم فيه القول مفصّلاً(٧) .

والسابع : فيه مخلد ، وفي التهذيب : محمّد بن أبي حمزة بن بيض(٨) ، وعلى كل حال فهو مجهول الحال ؛ إذ لم أقف عليهما في الرجال.

__________________

(١) راجع ص ٩٥.

(٢) في ص ١٣٠.

(٣) راجع ص ٥١.

(٤) راجع ص ١٢١.

(٥) في ص ١٣٨.

(٦) منهج المقال : ٣٦٦.

(٧) في ص ٢٧٤.

(٨) التهذيب ٢ : ١٣٣ / ٥١٥.


والثامن : لا ارتياب في صحته.

المتن :

لا بدّ قبل الكلام فيه من ذكر الأقوال المنقولة في المقام ، فعن السيّد المرتضىرضي‌الله‌عنه : أنّ وقت ركعتي الفجر عند طلوع الفجر الأوّل(١) .

وعن الشيخ في النهاية : أنّه عند الفراغ من صلاة الليل ، وإن كان قبل طلوع الفجر(٢) . وهو اختيار ابن البراج(٣) .

وعن الشيخ في المبسوط : أنّه بعد الفراغ من صلاة الليل بعد أن يكون طلع الفجر الأول(٤) .

وعن ابن الجنيد : أنّ الوقت لصلاة الليل والوتر والركعتين من حين انتصاف الليل على الترتيب إلى طلوع الفجر الأول ، ولا يستحب صلاة الركعتين قبل سدس الليل من آخره(٥) .

إذا عرفت هذا فالمنقول في المختلف عن الشيخ الاستدلال [ بالخامس والثامن(٦) (٧) ] وغير خفي أنّ مفاد [ الخامس(٨) ] كونهما من صلاة الليل وعدم جواز فعل الركعتين بعد دخول وقت الفريضة ، فإن كان احتجاج الشيخ لقوله في النهاية فهو دالّ عليه ، ويفيد استدلاله امتداد وقتهما بعد الفجر‌

__________________

(١) نقله عنه في المختلف ٢ : ٥٦.

(٢) النهاية : ٦١.

(٣) المهذب ١ : ٧٠.

(٤) المبسوط ١ : ٧٦.

(٥) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٥٧.

(٦) في النسخ : بالسادس والثالث ، والظاهر ما أثبتناه كما في المختلف.

(٧) المختلف ٢ : ٥٧.

(٨) في النسخ : السادس ، والظاهر ما أثبتناه.


الأوّل إلى الثاني ، ويكون قوله : وإن كان قبل طلوع الفجر. يريد به الأوّل ، ويحتمل الثاني ، وحينئذ قوله في المبسوط مخالف باعتبار تقيّده بطلوع الأوّل.

[ والثامن(١) ] : مطلق في كونهما من صلاة الليل ، ومن جملة أحكام صلاة الليل جواز فعلها بعد طلوع الفجر الثاني في الجملة ، إلاّ أن يقيّد الخبر [ بالخامس(٢) ] ويخصّ جواز فعل صلاة الليل بغير الركعتين ، والحال أنّه تقدم من الأخبار ما يدل على فعل الركعتين بعد الفجر(٣) ، فالاحتجاج لا يخلو من إجمال ، كما في المنقول من قوله ، وستسمع كلامه في هذا الكتاب ، وينقل أنّ المشهور امتدادهما إلى طلوع الحمرة ، وسيأتي ما قد يظنّ منه الاستدلال للمشهور.

ثم إنّ الخبر الأول : كما ترى ظاهر في أنّ فعلهما قبل الفجر الثاني لقوله : « فإذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة ».

والثاني : صورته في النسخ التي وقفت عليها كما نقلته(٤) ، وفي التهذيب : « احشهما(٥) في صلاة الليل حشواً »(٦) وكأنّ ما هنا تصحيف ، ودلالته ظاهرة على إدخالهما في صلاة الليل ، وربما يلزم من ذلك أنّ أحكام صلاة الليل لازمة لهما ، وقد تقدم [ أنّ(٧) ] من جملة أحكامها جواز الفعل بعد الفجر ، إلاّ أن يقال(٨) ما سبق من التخصيص ، وفيه ما فيه ؛

__________________

(١) في النسخ : والثالث ، والصواب ما أثبتناه.

(٢) في النسخ : بالسادس ، والظاهر ما أثبتناه.

(٣) راجع ص ٤٣٧.

(٤) في ص ٤٤٨.

(٥) في « رض » والتهذيب : احشوهما.

(٦) التهذيب ٢ : ١٣٢ / ٥١٠ ، الوسائل ٤ : ٢٦٥ أبواب المواقيت ب ٥٠ ح ٨.

(٧) ما بين المعقوفين أثبتناه لاستقامة العبارة.

(٨) في « رض » زيادة : بعد.


لجواز الحمل على أفضلية الفعل قبل الفجر وإن جاز بعده ، لدلالة المفصّل من الأخبار الآتية.

والثالث : كالثاني ، وقد تقدّم بعض القول فيه في استدلال الشيخ المنقول(١) .

والرابع : كالثالث والثاني ، إلاّ أنّ دلالته ليست كدلالتهما ، من حيث إنّ في الأمر بالحشو مبالغةً غير خفيّة.

والخامس : فيه بعد ما قدّمناه(٢) أنّ قولهعليه‌السلام : « أتريد أن تقايس » لا يخلو من نوع إجمال.

وقد ذكر بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله أنّ قوله : « تقايس » بالبناء للمفعول ، أي [ أتريد أن(٣) ] يُستدلّ لك بالقياس؟ ويجوز قراءته بالبناء للفاعل ، أي تريد أن تستدل أنت بالقياس؟ قال : ولعلّهعليه‌السلام لمّا علم أنّ زرارة كثيراً ما يبحث مع المخالفين أراد أن يعلّمه طريق إلزامهم ، أو الغرض(٤) تنبيه زرارة على اتحاد حكم المسألتين وتمثيل مسألة لم يكن يعرفها بمسألة هو عالم بها ، ومثل ذلك قد يسمّى مقايسة(٥) . انتهى ملخّصاً.

وفي نظري القاصر أنّ الاحتمال الثاني لا وجه له ؛ لأنّه سلّمه الله ذكر في الكتاب خبراً معدوداً من الصحيح عن زرارة ، ومتنه : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : أُصلّي نافلةً وعليّ فريضة أو في وقت فريضة؟ قال : « لا ،

__________________

(١) في ص ١٣٩٧.

(٢) في ص ١٣٩٧.

(٣) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

(٤) في النسخ : والغرض ، وما أثبتناه من المصدر.

(٥) البهائي في الحبل المتين : ١٤٨.


إنه لا يصلّى نافلة في وقت فريضة ، أرأيت : لو كان عليك من شهر رمضان أكان لك أنْ تتطوّع حتى تقضيه؟ » قال : قلت : لا ، قال : « فكذلك الصلاة » قال : فقايسني وما كان يقايسني(١) . وهذا الخبر كالصريح في الاحتمال الأول إلاّ أن يحمل قوله : قايسني ، على تعليم القياس. وفيه : أنه خلاف الظاهر.

ولا يخفي أنّ الظاهر في المقام عدم الجامع ؛ فإنّ قياس القضاء على الأداء ليس فيه إلزام المخالف ، إلاّ أن يكون في مذهبهم نحو هذا ، وربما يقال : إنّ وجه القياس اتساع وقت قضاء الصوم ، فكلّ(٢) الزمان ، وقت ، ولمّا كان وقتاً لم يجز التطوع فكذلك الصلاة ، وإن اختلف الوقت في السعة والضيق.

على أنّه يمكن ادعاء أنّ المراد بقوله في الخبر المبحوث عنه : « لو كان عليك » الأداء ، والتعبير بهذا عن الأداء لا بعد فيه ، ولا ريب أنّ في وقت الأداء لا يقع التطوع بالصوم ، بخلاف القضاء ؛ فإنّ السيّد المرتضى قائل بجوازه(٣) ، والعلاّمة في بعض كتبه(٤) ، وحينئذ لا بدّ للقائل بالجواز العامل بالأخبار من هذا التأويل ، والخبر الذي نقلناه الدال على القياس وإن تضمن القضاء إلاّ أنّ استعماله في الإتيان بالفعل شائع في الأخبار ، وقد ذكرنا وجهاً آخر في الخبر في حاشية التهذيب لتوجيه القياس ، إلاّ أنّه متكلّف.

إذا عرفت هذا فالخبر المبحوث عنه له ظهور في منع الفعل بعد طلوع الفجر الثاني ، بل وعلى عدم فعل صلاة الليل كذلك سواء اتخذه عادةً أم لا ، تلبّس بأربع أم لا ، سيّما والأدلة على منع صوم النافلة لمن عليه صوم‌

__________________

(١) حبل المتين : ١٥٠.

(٢) في « فض » : وكل.

(٣) رسائل الشريف المرتضى ٢ : ٣٦٥.

(٤) القواعد ١ : ٦٨.


شهر رمضان قويّة ، كما ذكرناه في معاهد التنبيه على كتاب من لا يحضره الفقيه ؛ لكن بتقدير التأويل في الخبر يزيد الإشكال ؛ لأنّ صوم التطوع في شهر رمضان مقطوع بنفيه ، فالتشبيه به يقتضي المنع من فعل النافلة في وقت الفريضة ، والحال أنّ معتبر الأخبار قد دلّ على الجواز في الجملة(١) .

ومن هنا يمكن أن يقال بتعيّن الوجه الآخر في قولهعليه‌السلام : « أتريد أن تقايس؟ » لأنّ إلزام أهل الخلاف ممكن بالوجه المذكور سيّما على ما احتملناه ، واللازم من التوجيه أن يحمل الأمر فيه بترك النافلة خوفاً من أهل الخلاف ، وربما يتوجه أن يقال : إنّه بالبناء للمفعول والمقايس له أهل الخلاف ، والمعنى : تريد فعل النافلة عندهم حتى يقع منهم القياس الملزم لك في مذهبهم؟.

وقوله في الخبر الآخر : فقايسني ، إلى آخره. يراد به أنه علّمني قياسهم ، وفي الظن أنّ هذا لا بدّ منه في توجيه الحديث ، وعليه فلا يعارض ما دلّ على جواز فعل صلاة الليل وركعتي الفجر بعده كما سيأتي(٢) .

وما يدلّ عليه كلام الشيخ الآتي(٣) من أنّ أكثر العامّة قائلون بجواز فعل الركعتين بعد الفجر ، ربما يجاب عنه بأنّه قال : إنّ نفراً يسيراً منهم وافقنا فلعلّ التقيّة له ، إلاّ أنّ ما يأتي من الخبر الدال على التقية ينافيه ، ولعل عدم صحّته يسهّل الخطب وإن كان في البين كلام.

والسادس : وإن كان ظاهره المنافاة لما قبله وكان حقّه أن يذكر في المنافي ، إلاّ أنّ الظاهر أنّ الشيخ فهم من قوله : « تركعهما » الإنكار‌

__________________

(١) انظر الوسائل ٤ : ٢٢٦ أبواب المواقيت ب ٣٥.

(٢) في ص ١٤٠٣.

(٣) في ص ١٤٠٤.


على فعلهما حين التنوير بقرينة قوله : « إنّهما قبل الغداة » وهذا وإنْ احتمل إلاّ أنّ احتمال أنْ يراد الإخبار عن فعلهما حين التنوير وهو وقت الغداة ، وقوله : « إنّهما » علّة للجواز ، كأنّه قال : وقتهما قبل الغداة ، وإذا كان وقتهما ممتدّاً للتنوير فهما قبلهما. ولا يخفى أنّ وجود المعارض كما سيأتي يقتضي هذا الحمل ولو ظنّ بعده ، أمّا على تقدير العمل بما دلّ على المنع يتعيّن الأوّل ، لكن الشيخ لا يمنع على الإطلاق كما نذكره إن شاء الله.

وأمّا السابع : فهو في حيّز الإجمال ؛ لأنّ السؤال عن أوّل الوقت إن أُريد به أوّل وقت الفضل فالجواب بأنّ الأوّل السدس الباقي يقتضي أنّ من أول السدس إلى آخره وقت فضيلة الركعتين ، والحال أنّ الشيخ قد روى فيما يأتي ما يدلّ على رجحان الفعل بعد الفجر ، إلاّ أن يحمل الآتي على التقيّة ، ولا يخفى أنّه يبقى ما دلّ على أنّه يحشو بهما صلاة الليل مخالفاً لهذا الخبر ، إلاّ أن يخصّ هذا بغير من صلّى صلاة الليل أو يقيّد به ، وفيه ما فيه.

وفي بعض الأخبار ما يدل على أنّ أحبّ ساعات الوتر الفجر الأوّل(١) ، وفي بعضها : أنّ في الليل ساعةً يستجاب فيها الدعاء ، وهي : إذا مضى النصف إلى الثلث الباقي(٢) . ويمكن توجيه الجمع بأنّ استجابة الدعاء لا يختص بالوتر ، بل يجوز أن يكون وقت الوتر أفضل من حيثيّة أُخرى.

وما ذكره بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ : من أنّ المراد أنّ الساعة ما بين النصف الأول والثلث الأخير وهي السدس الرابع ؛ لتضمن صحيحة أُخرى لراوي المذكورة(٣) أنّ الساعة إذا مضى نصف الليل في‌

__________________

(١) انظر الوسائل ٤ : ٢٧٢ أبواب المواقيت ب ٥٤ ح ٤.

(٢) انظر الوسائل ٧ : ٦٩ أبواب الدعاء ب ٢٦.

(٣) وهو عمر بن يزيد.


السدس الأول من النصف الثاني(١) . لا يخلو من وجه ، إلاّ أنّه قد ذكر رواية بعد الرواية الاولى : أنّ أحبّ ساعات الوتر إليهعليه‌السلام الفجر الأول ، وأفضل ساعات الليل الثلث الباقي ، وغير خفيّ أنّ هذه الرواية تنافي التوجيه المذكور ومحتاجة إلى ( وجه بيان )(٢) كون الوتر ليس في الساعة المذكورة.

ويحتمل أنْ يقال : إنّ « الى » بمعنى « مع » وقوله : الباقي ، خبر مبتداءٍ محذوفٍ أي هي الباقي ، والمعنى : إذا مضى النصف مع الثلث فالساعة الباقي ، إلاّ أنّ الخبر المذكور في التأييد لا يوافق هذا إلاّ بتكلّف إرادة السدس الأول إذا بدئ بالآخر(٣) ، وفيه ما لا يخفى ، مضافاً إلى خبر آخر غير سليم الإسناد صريح في نفيه ، إلاّ أنّ ضرورة الجمع بين الخبر المبحوث عنه ربما يقتضي التكلّف ، والحقّ أنّ الخبر لا حاجة إلى التزام الجمع المذكور فيه ؛ لاحتمال أن يكون وقت الوتر غير الوقت المذكور في الأخبار الأُخر ، أو يقال : إنّ الخبر المبحوث عنه يراد بالسدس الباقي فيه : بعد خروج النصف ، وفيه ما فيه.

وعلى كل حال فالأخبار في وقت الوتر مختلفة ، ولا مانع من اختلاف وقت الفضيلة ، هذا.

وإن أراد السائل أوّل وقت الإجزاء أشكل بأنّ ما دلّ على الفراغ من صلاة الليل يدل على الإجزاء بعده ، إلاّ أن يحمل على أنه لا يجزئ إلاّ في السدس ، وفيه : أنّه غير معلوم القائل به.

وأمّا الثامن : فهو ظاهر الدلالة على فعلهما قبل الفجر لكن الفجر‌

__________________

(١) البهائي في الحبل المتين : ١٤٨.

(٢) كذا في النسخ ، والأنسب : بيان وجه.

(٣) في « رض » : الأخير.


محتمل للأول والثاني ، وربما يدّعى تبادر الثاني ، مضافاً إلى ما دل على المنع بعد الفجر ، وقد يخصّ بما إذا صلّى الركعتين منفردتين أو مع صلاة الليل ويقيّد بغير ما يصير عادة ، فليتأمّل.

قوله :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حمّاد بن عثمان ، عن محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : « صلّ ركعتي الفجر قبل الفجر وبعده وعنده ».

عنه ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن ابن أبي يعفور. ومحمّد بن أبي عمير ، عن محمّد بن حمران ، عن ابن أبي يعفور قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن ركعتي الفجر متى أصلّيهما؟ فقال : « قبل الفجر ومعه وبعده ».

وعنه ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « صلّهما مع الفجر وقبله وبعده ».

ابن مسكان ، عن يعقوب بن سالم البزّاز قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « صلّهما بعد الفجر واقرأ فيهما في الاولى(١) : قل يا أيّها الكافرون ، وفي الثانية : قل هو الله أحد ».

( ابن مسكان )(٢) ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة ، عن محمّد ابن مسلم قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن ركعتي الفجر ، فقال : « صلّهما قبل الفجر ومع الفجر وبعد الفجر ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٨٤ / ١٠٣٨ : الأول.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٨٤ / ١٠٣٩ بدل ما بين القوسين : عنه.


عنه ، عن صفوان ، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « صلّهما بعد ما يطلع الفجر ».

فالوجه في هذه الأخبار أحد شيئين : أحدهما : أن يكون ذلك رخصة لمن يصلّيهما في أول ما يبدأ الفجر استظهاراً ليتبيّن وقت الفريضة على اليقين.

يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن إسحاق بن عمار ، عمن أخبره ، عنهعليه‌السلام قال : « صلّ ركعتين(١) ما بينك وبين أن يكون الضوء بحذاء رأسك ، فإذا كان بعد ذلك فابدأ بالفجر ».

وعنه(٢) ، عن القاسم بن محمّد ، عن الحسين بن أبي العلاء قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : الرجل يقوم وقد نوّر بالغداة ، قال : « فليصلّ السجدتين اللتين قبل الغداة ثم ليصلّ الغداة ».

والوجه الآخر أن تكون محمولة على ضرب من التقية ؛ لأنّ ذلك مذهب أكثر العامة وليس يوافقنا عليه إلاّ نفر يسير ، والذي يدلّ على ذلك :

ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن عليّ بن الحكم ، عن عليّ ابن أبي حمزة ، عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : متى أُصلّي ركعتي الفجر؟ قال : فقال لي : « بعد طلوع الفجر » قلت له : إنّ أبا جعفر عليه‌السلام أمرني أن أُصلّيهما قبل طلوع الفجر ، فقال : « يا أبا‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٨٤ / ١٠٤١ : الركعتين.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٨٥ / ١٠٤٢ : عنه.


محمّد! إنّ الشيعة أتوا أبي مسترشدين فأفتاهم بمُرّ الحق ، وأتوني شكّاكاً فأفتيتهم بالتقية ».

فأمّا ما رواه ابن ابي عمير ، عن حمّاد بن عثمان قال : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : « ربما صلّيتهما وعليّ ليل فإن قمت ولم يطلع الفجر أعدتهما ».

وما رواه صفوان ، عن ابن بكير ، عن زرارة قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : « إنّي لأُصلّي صلاة الليل وأفرغ من صلاتي وأُصلّي الركعتين وأنام(١) ما شاء الله قبل أن يطلع الفجر ، فإن استيقظت عند الفجر أعدتهما ».

فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على من يصلّي الركعتين قبل الفجر الأول ، فإنّه يستحب له أن يعيدهما ما لم يطلع الفجر الثاني وليس ذلك بواجب.

السند‌ :

في الأول : لا ريب في صحّته بعد ما قدمناه(٢) .

والثاني : صحيح أيضاً بالطريق الأول ؛ لاشتماله على طريقين إلى ابن أبي يعفور من الحسين بن سعيد ، أوّلهما : عن صفوان عن العلاء عن ابن أبي يعفور. والثاني : عن ابن أبي عمير ، عن محمّد بن حمران ، عن ابن أبي يعفور.

وفي الثاني محمّد بن حمران ، وهو ابن أعين ، لرواية ابن أبي عمير‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٨٥ / ١٠٤٥ : فأنام.

(٢) في ص ٧٧٨.


عنه كما في الفهرست(١) ، واحتمال عطف محمّد بن أبي عمير على العلاء يبعّده أنّ رواية صفوان عن ابن أبي عمير غير معهودة ، أمّا رواية الحسين ابن سعيد عن ابن أبي عمير فموجودة بكثرة.

والثالث : فيه محمّد بن سنان.

والرابع : فيه عدم الطريق إلى ابن مسكان ، وإن كان في الظاهر بناه على السابق ، كما هي عادة الكليني في الكافي ؛ أمّا يعقوب بن سالم البزّاز فبهذا الوصف لم أقف عليه في الرجال.

والخامس : فيه جهالة الطريق إلى ابن مسكان(٢) ، ثمّ إنّ في الطريق إلى عبد الله بن مسكان في الفهرست ابن أبي عمير(٣) وهنا بالعكس إن كان ابن مسكان عبد الله ، كما يستفاد من الإطلاق على الاحتمال كما قدّمناه(٤) .

وربما يدّعى عدم المانع من رواية كل منهما عن الآخر ، إلاّ أنّ الحقّ قرب احتمال غير عبد الله ، فليتأمّل.

والسادس : ضمير « عنه » يرجع إلى الحسين بن سعيد على الظاهر ، ولا يخفى تشويش الأحاديث في الترتيب.

والذي في التهذيب(٥) في أوّل الأحاديث المنافية ما رواه الحسين بن سعيد ، وذكر الحديث ، ثم قال : وروى عن صفوان ـ إلى أن قال ـ : وعنه ،

__________________

(١) الفهرست : ١٤٨ / ٦٢٦.

(٢) في « فض » زيادة : إلاّ على ما سبَق.

(٣) لم نعثر عليه في نسخة الفهرست الموجودة لدينا ، ولكن نقله في معجم رجال الحديث ١٠ : ٣٢٤ هكذا : قال الشيخ في النسخة المخطوطة : عبد الله بن مسكان ثقة له كتاب رويناه بالإسناد الأول عن ابن أبي عمير و.

(٤) في ص ١٢١.

(٥) التهذيب ٢ : ١٣٣ / ٥١٨ و ١٣٤ / ٥١٩ ٥٢٣.


عن ابن سنان ـ إلى أن قال ـ : وبهذا الإسناد ، عن ابن مسكان ، عن يعقوب ابن سالم ـ إلى أن قال ـ : وعنه ، عن ابن أبي عمير ـ إلى أن قال ـ : وعنه ، عن صفوان وابن أبي عمير ، عن عبد الرحمن بن الحجاج.

ولا يخفى سلامة هذه الأحاديث في الجملة ، لكن ينبغي أن يعلم أنّ في البين خللاً ؛ لأنّ قول الشيخ في التهذيب : وعنه عن ابن أبي عمير ، بعد قوله : وبهذا الإسناد ، يوهم أنّ الضمير لمحمّد بن سنان ، والظاهر أنّه راجع إلى الحسين بن سعيد ، وكذا ضمير عنه ، عن صفوان. وإنّما أتى بضمير « عنه » في قوله : عن ابن أبي عمير ، مع أنّه قال قبل هذا : وبهذا الإسناد ، إشارةً إلى أنّ الرواية عن ابن مسكان ليست من الحسين بن سعيد ، بل من الحسين بن سعيد عن محمّد بن سنان عن ابن مسكان ، وهي طريقة البناء على الإسناد السابق للكليني كما قدّمنا فيه القول(١) عن قريب.

وكأنّ الشيخ فهم هذا فأراد البيان بالفرق بين الطريقين بأنّ الأول مبنيّ على رواية محمد بن سنان ، والثاني راجع إلى الحسين بن سعيد ، وفي هذا الكتاب اشتبه الحال عليه ، هذا ما يخطر بالبال ، وعليه فقوله هنا : ابن مسكان في قوة قوله : عن الحسين بن سعيد عن محمّد بن سنان عن ابن مسكان ، وهكذا قوله : ابن مسكان ثانياً في قوّة الإعادة السابقة ، وهذه طريقة الكليني كما نبّهنا عليه سابقا.

وقوله في التهذيب : وبهذا الإسناد عن ابن مسكان أوضح شاهد على ما قلناه ؛ لأنّ عدوله عن الإتيان بلفظ « عنه » للتنبيه على أنّ الراوي عن ابن مسكان ليس هو الحسين بن سعيد ، لكن الخلل هنا في قوله : ابن مسكان‌

__________________

(١) راجع ص ١٤٠٥.


عن ابن أبي عمير ، فإنّ الصواب : عنه عن ابن أبي عمير ليرجع إلى الحسين ابن سعيد كما في التهذيب وكما في قوله هنا : عنه عن صفوان ، فليتأمّل هذا ، فإنّ له أثراً في مواضع من روايات الشيخ ، وقد نبّه الوالدقدس‌سره في المنتقى على مواضع من ذلك ، إلاّ أنّ في هذا المحلّ لا أدري كلامه فيه إذ لم يحضرني الكتاب(١) .

والسابع : فيه محمّد بن سنان مع الإرسال.

والثامن : فيه القاسم بن محمّد وهو الجوهري ، وقد مضى القول فيه مكرّراً ، كالحسين بن أبي العلاء(٢) ، من أنّ الذي وقفت عليه في الرجال ما قيل فيه : أوجه أخويه(٣) . وما نقل عن ابن طاوس في البشرى أنّه وثّقه(٤) ، وأظنّ أنّ وجه التوثيق من حيث إنّ أحد أخويه ثقة فيكون ثقة من حيث إنّه أوجه من الثقة ، وغير خفيّ أنّ الأوجه لا يدلّ على التوثيق ؛ لاحتماله الوجاهة في أمر آخر ، ولو لا ما ذكره جدّيقدس‌سره من أن الوجاهة تقتضي المدح ، لأمكن النظر فيه ، وإن كان ما ذكره جدّيقدس‌سره لا يدفع النظر من حيث هو ، بل لاحتمال كونه اتفاقياً إذ لم ينقل الخلاف.

التاسع : فيه علي بن أبي حمزة وأبو بصير ، وحالهما تكرّر بيانه(٥) ، وقد نقلنا عن(٦) هذا الكتاب فيما مضى أنّ فيه حديثاً يدلّ على ما يقتضي القدح في أبي بصير بما يوجب الخروج عن الدين.

__________________

(١) في « فض » زيادة : حالة الاشتغال بهذا التأليف.

(٢) في ص ١٢٩ و ١٠٩.

(٣) كما في رجال النجاشي : ٥٢ / ١١٧ ، ورجال ابن داود : ٧٩ / ٤٦٨.

(٤) نقله ابن داود في رجاله : ٧٩ / ٤٦٨.

(٥) راجع ص ٥١ ، ٩٢ ، ١٩١.

(٦) كذا في النسخ ، والأنسب : في.


والعاشر : فيه أنّ الطريق إلى ابن أبي عمير في المشيخة غير سليم من النظر ، وعدّه حسناً في كلام بعض(١) غير واضحٍ.

والحادي عشر : فيه أنّ الطريق إلى صفوان غير مذكور في المشيخة ، إلاّ أنّه يمكن من الفهرست تصحيح الطريق إليه إن كان ابن يحيى ؛ لأنّه ذكر الطريق إلى رواياته جميعاً وهو صحيح ، غير أنّه يمكن أن يقال : إنّ الطريق إلى رواياته موقوف على كون هذا الخبر من رواياته ، والحال أنّ الطريق إليه غير معلوم.

ويمكن الجواب : بأنّ نقل الشيخ الرواية يفيد كونها من رواياته وإن لم يعلم الطريق ، نعم في الفهرست أنّ له كتباً مثل كتب الحسين بن سعيد ومسائل ـ إلى أن قال ـ : وروايات أخبرنا بجميعها جماعة عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه(٢) . والجميع يحتمل العود إلى الروايات خاصة ، أو إليها مع الكتب والمسائل ، وعلى الأوّل يتوقّف دخول ما نحن فيه على أن يكون من الروايات لا من الكتب.

والحقّ أنّ الظاهر إرادة الجميع من الكتب والمسائل والروايات ، ولا ينافي هذا ما ذكره النجاشي في الطريق إلى كتبه : من أنّ الراوي عنه محمّد ابن الحسين بن أبي الخطاب(٣) ، والشيخ ذكر أنّ الراوي عنه للجميع يعقوب بن يزيد والحسين بن سعيد(٤) ؛ لإمكان تعدّد الراوي كما لا يخفى ، ومن هنا يندفع ما يتوجّه على شيخنا المحقق أيّده الله في تصحيحه‌

__________________

(١) مجمع الرجال ٧ : ٢١٥.

(٢) الفهرست : ٨٣ / ٣٤٦.

(٣) رجال النجاشي : ١٩٨ / ٥٢٤.

(٤) الفهرست : ٨٣ / ٣٤٦.


طريق الصدوق بسبب صفوان كما مضى ، فليتأمّل.

المتن :

في الأوّل والثاني والثالث ربما(١) استدل به للمشهور من أنّ آخر الوقت لركعتي الفجر طلوع الحمرة ؛ لأنّ البعديّة تستمر إلى طلوع الحمرة ، فإذا خرج ما بعدها بالإجماع بقي الباقي.

وكذلك الرابع والخامس.

وقد يقال : إنّ ما دلّ على نفي البَعْدِيّة كرواية زرارة السابقة(٢) يقتضي حمل الفجر في هذه الأخبار على الأوّل ، وكونه خلاف الظاهر لا ضير فيه بسبب الجمع ، واحتمال حمل رواية زرارة على الأفضلية وإبقاء هذه الأخبار على ظاهرها من إرادة الفجر الثاني ينافيه صراحة رواية زرارة في المنع للتنظير بالصوم.

وقد نقل عن الشيخ أنه حمل الفجر على الأوّل في هذه الأخبار(٣) وقد ذكره في التهذيب على سبيل الاحتمال(٤) ، ووجهه ظاهر بعد ما قلناه ؛ واعترض بعض مشايخنا عليه بمخالفة الظاهر(٥) ، وقد علمت إمكان دفعه ، غير أنّ الاحتمال السابق في رواية زرارة ربما يستفاد منه عدم المعارضة.

أمّا ما تضمنه خبر زرارة من كونهما من صلاة الليل وقد دلّ على جواز فعل صلاة الليل بعد الفجر بعض الأخبار في الجملة ، فلا يضرّ بحال‌

__________________

(١) في « رض » : إنما.

(٢) في ص ١٣٩٥.

(٣) حكاه عنه في روض الجنان : ١٨٢ ، وهو في المبسوط ١ : ٧٦.

(٤) التهذيب ٢ : ١٣٤.

(٥) كصاحب المدارك ٣ : ٨٥.


الرواية ؛ إذ لا مانع من التخصيص بغير من صلّى صلاة الليل على تقدير دلالتها على المنع ، أو يقال : إنّ فعل صلاة الليل جائز دون ركعتي الفجر ، كما يدلّ عليه صحيح أحمد بن محمّد بن أبي نصر السابق(١) ، حيث قال فيه : « احش(٢) بهما صلاة الليل وصلّهما قبل الفجر » إلاّ أنّ في بعض الأخبار تصريحاً بفعل صلاة الليل مع ركعتي الفجر بعد الفجر ، وهو خبر إسحاق بن عمار السابق(٣) في آخر الباب الذي قبل هذا ، غير أنّ السند غير سليم.

والسادس : حينئذ يحمل على الأول.

وربما استدل شيخناقدس‌سره على اعتبار الحمرة بما رواه عليّ بن يقطين في الصحيح(٤) على ما نقلته في حاشية الروضة ولم أقف الآن عليه قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الرجل لا يصلّي الغداة(٥) حتى تسفر وتظهر الحمرة ولم يركع ركعتي الفجر أيركعهما أو يؤخّرهما؟ قال : « يؤخّرهما »(٦) دلّ الحديث على اعتبار الحمرة في عدم فعلهما بعدها ، ولا يخفى أنّ الحمرة وقعت من السائل فلا يفيد تقييداً ، بل المنع من فعلهما بعد الفجر متناول لهذه الصورة ، والجواب عن بعض الأفراد لا يفيد تخصيصاً ، فليتأمّل.

والعجب من شيخناقدس‌سره أنه قال : والمعتمد جواز تقديمهما بعد صلاة الليل وإن كان تأخيرهما إلى أن يطلع الفجر الأوّل أفضل ، ثم استدل على‌

__________________

(١) راجع ص ١٣٩٦.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٨٣ / ١٠٣٤ : احشوا.

(٣) راجع ص ١٣٨٦.

(٤) المدارك ٣ : ٨٦.

(٥) في النسخ : الرجل يصلي الغداة ، وما أثبتناه من التهذيب.

(٦) التهذيب ٢ : ٣٤٠ / ١٤٠٩ ، الوسائل ٤ : ٢٦٦ أبواب المواقيت ب ٥١ ح ١.


جواز التقديم بصحيح أحمد بن محمّد بن أبي نصر المتضمّن لقوله : « احش بهما صلاة الليل » وصحيح ابن أبي يعفور الدال على الجواز قبل الفجر ومعه وبعده ، وصحيح محمّد بن مسلم ، وخبر زرارة الدال على أنّهما قبل الفجر فإذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة ، ثم قال : ويدلّ على أنّ الأفضل تأخيرهما صحيح عبد الرحمن بن الحجاج وهو السادس ، قالقدس‌سره : وإنّما حملنا الفجر على الأوّل ليناسب الأخبار السابقة(١) .

وأنت خبير بأنّ الجواز إن أراد به الإباحة فلا وجه له في العبادة والأمر في الأخبار(٢) ينافيه ، وإن أراد تساوي الرجحان في التقديم والتأخير لدلالة بعض الأخبار على جواز الفعل قبل وبعد(٣) ، فيشكل بأنّه لا يقول به ، بل يقول بأفضليّة التأخير إلى أن يطلع الفجر الأول ، مع أنّ رواية زرارة الدالة على أنّ موضعهما قبل طلوع الفجر فإذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة ، لا يمكن حمل الفجر فيها على الأول ، فإطلاق حمل الفجر في الجميع على الأول لا يتمّ ، وإن أرادقدس‌سره ما عداها فالبيان لا بدّ منه ، إلاّ أنّ هذا قابل للتسديد بسبب المعلومية ، وإن كان ما ذكره من الفضل لدلالة صحيح عبد الرحمن حيث قال فيه : « صلّهما بعد ما يطلع الفجر » يشكل بأنهقدس‌سره قال بعد ما نقلناه عنه : ولعلّ هذه الرواية مستند الشيخ والمرتضى في جعلهما ذلك الوقت ، والجواب : المعارضة بالأخبار المستفيضة المتضمّنة للأمر بفعلهما مع صلاة الليل من غير تقييد بطلوع الفجر الأول ، مع إمكان القدح فيها بعدم وضوح مرجع الضمير(٤) . انتهى.

__________________

(١) المدارك ٣ : ٨٤.

(٢) راجع ص ١٣٩٥.

(٣) راجع ص ١٤٠٢.

(٤) المدارك ٣ : ٨٥.


ولا يخفى عليك الحال بعد ما قررناه في السند(١) ، وعلى تقدير القدح كيف يدل على الأفضلية؟

والعجب أيضاً من الوالدقدس‌سره أنّه في الرسالة قال : أوّل وقتهما الفراغ من صلاة الليل وهو الأفضل ، مع أنّ حكم من لم يصلّ يصير متروكاً بالكلية ، وإطلاق الأفضليّة أيضاً يشكل بما دلّ على تقديم ركعتي الفجر على الفجر ، وعلى صلاة الليل بعد الفجر في الجملة.

وفي كلام بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله ما حاصله : أنّ ما تضمنته الأخبار الدالة على صلاة ركعتي الفجر قبله وبعده وعنده ، يراد به الأوّل ؛ لدلالة بعض الأخبار على أنّه يُحشى بهما صلاة الليل ، إذ المراد صلاتها في وقتها. انتهى(٢) .

وأنت خبير بأنّ وقتها غير منحصر فيما قبل الفجر ؛ لما نقله من خبر سليمان بن خالد المعدود من الصحاح الدال على فعل صلاة الليل مع ركعتي الفجر بعد طلوعه ، فالإطلاق لا يخلو من غرابة ، وبالجملة فالمقام من مزالّ الأقدام.

والسابع : كما ترى صريح في جواز فعل الركعتين إذا صار الضوء بحذاء رأسك ، وهذا يدلّ على جواز التأخير بعد الفجر بزمان طويل بعد التنوير ، فاستدلال الشيخ به على الاستظهار لتبيّن الصبح غريب.

والثامن : كذلك.

أمّا التاسع : فالاستدلال به على التقيّة مجمل ، وقد فصّل في التهذيب فقال : إنّ المراد بالفجر : الثاني ، لأنّ عند مخالفينا أنّ هاتين الركعتين‌

__________________

(١) في ص ١٤٠٥.

(٢) البهائي في الحبل المتين : ١٤٨.


لا يصلّيان إلاّ بعد طلوع الفجر الثاني(١) ، ولا يخفى أنّ ظاهر كلام الشيخ يدل على عدم اتفاقهم ، وفي التهذيب يدل على الاتفاق ، وقد قدّمنا(٢) احتمال كون هذا لا ينافي احتمال التقية في خبر زرارة ، لجواز كون القليل منهم يتّقى ، إلاّ أنّه بعيد.

ثم العجب من الشيخ في التهذيب أنّه حمل ما دلّ على فعلهما قبلُ وبعدُ على الأوّل ، مستدلاًّ بالثامن والتاسع على الفجر الأوّل ، قائلاً : إنّ قوله في الثامن : « بحذاءِ رأسك » يدلّ عليه ، وكذلك قوله في التاسع : « وقد نوّر » لأنّ الفجر الثاني لا يكون كذلك(٣) ، وهنا كما ترى جعلهما من المنافي ، ولم يتعرض للاحتمال المذكور في التهذيب مع ادعائه الظهور في إرادة الأوّل.

وفي التهذيب قال بعد الاستشهاد بالخبرين : ويحتمل أن تكون هذه الأخبار وردت للتقية(٤) . وظاهر لفظ : الأخبار ، الشمول ، واحتمال الرجوع إلى ما دلّ على فعلهما قبلُ وبعدُ لا وجه له ، ولو رجع إلى الخبرين لم يتم الاستدلال بهما على إرادة الفجر الأوّل من الأخبار الدالة على فعلهما قبله وبعده.

ثم إنّه في التهذيب احتمل في الأخبار الدالة على فعلهما قبله وبعده أن تكون متوجهة إلى من لم يدرك حشوهما في صلاة الليل(٥) ، وهذا وجه لا بأس به ، وكان(٦) الأولى ذكره هنا ، وإن كان لا بد فيه من زيادة تقييد ، كما‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ١٣٥.

(٢) في ص ١٤٠٠.

(٣) التهذيب ٢ : ١٣٥.

(٤) التهذيب ٢ : ١٣٥.

(٥) التهذيب ٢ : ١٣٤.

(٦) في « د » : فكان.


يفهم ممّا قدمناه(١) من احتمال فعلهما قبل الفجر بتقدير التلبّس بأربع من صلاة الليل.

ولا يخفى ما في خبر أبي بصير من التخليط كما هو منقول عنه(٢) من أنّه كان مخلّطا لأنّ الظاهر من الخبر أنّ جوابهعليه‌السلام له لكونه من الشكّاك ، واحتمال أن يراد السؤال عن جوابهعليه‌السلام لغيره بالصلاة بعد الفجر لا يناسب ظاهر السؤال عن فعله ، وقد يمكن التسديد ، إلاّ أنّ الراوي لا يستحق ذلك ، فليتأمّل.

وأمّا العاشر : فقولهعليه‌السلام فيه : « فإن قمت » هو الموجود فيما وقفت عليه من النسخ ، وكذا في التهذيب(٣) ، وكأنّ المراد بالقيام النظر في الفجر ، واحتمال أن يكون تصحيف « نمت » كما يدلّ عليه الحادي عشر ممكنٌ إلاّ أنّ ذكر النوم فيه لا يدل على أنّه سبب الإعادة ، لاحتمال أن يكون سببها فعلهما قبل الفجر.

ولا يخفى أنّ فعلهما قبل الفجر منهعليه‌السلام يدل على الجواز ، أمّا الأفضلية فقد يستفاد كونها قريب الفجر ، وترك فعل الأفضل منهعليه‌السلام إمّا لبيان عدم تعيّن الوقت ، أو لأنّ النوم ربما يستمرّ إلى خروج الوقت ، ولعل الأوّل أولى ، لولا أنّ السياق لا يوافقه ، وأمّا الثاني فهو في الحادي عشر له وجه دون العاشر.

وقد يحتمل أن يقال : إنّ في الخبر(٤) دلالة على أنّ فعلهما مع صلاة‌

__________________

(١) في ص ١٤٠٩.

(٢) انظر رجال الكشي ١ : ٤٠٤ / ٢٩٦.

(٣) التهذيب ٢ : ١٣٥.

(٤) في « فض » : في الخبرين.


الليل لا يقتضي الأفضليّة ، كما يدلّ عليه الإطلاق في الأخبار.

ثم إنّ العاشر بظاهره يفيد الإعادة قبل الفجر والحادي عشر يفيد العنديّة ، ولعلّه لا يضرّ بالحال ، غير أنّ الخبرين لو صحّا أمكن إبداء الإشكال في إطلاق التوقيت بصلاة الليل في الدلالة على الأفضليّة ، كما سبق نقله عن الوالدقدس‌سره في الرسالة ، حيث قال : بعد صلاة الليل وهو الأفضل(١) ، هذا.

والشيخ كما ترى حمل الفجر فيهما على الأول ولم يتقدم منه ذكر الفجر الأول في التوقيت ، نعم هو في التهذيب(٢) ، وعلى تقدير ما ذكره فإطلاق قوله : قبل الفجر الأول ، ثم قوله : يستحب(٣) أن يعيدهما ما لم يطلع الثاني ، لا يخلو من شي‌ء ؛ لأنّ إطلاق الأوّل يفيد أنّ الاستحباب للإعادة مقيد بالقبليّة للأوّل ، وقوله : ما لم يطلع الثاني ، يدلّ على الاستحباب وإن فعل مع الأوّل ، إلاّ أنّ العبارة قابلة للتسديد ، وأمّا الروايتان فبعيد عنهما ما قاله.

وما ذكره شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب : من أنّ هاتين الروايتين يعني الأخيرتين إنّما تضمنتا الأمر بإعادة ركعتي الفجر الواقعتين ليلاً إذا نام المتنفّل بعدهما ، فلا يتم الاستدلال بهما على استحباب الإعادة مطلقا ؛ فيه : أنّه مبني على أنّ نسخته « نمت » أو أنّه فهم من « قمت » إرادة النوم ، فتأمّل.

ويبقى في المقام شي‌ء ، وهو أنّ الشيخ روى في التهذيب في باب الأذان عن الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن ابن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام

__________________

(١) راجع ص ١٤١١.

(٢) التهذيب ٢ : ١٣٤.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٨٥ / ١٠٤٥ : يستحب له.


قال : قلت له : إنّ لنا مؤذّناً يؤذّن بليل ، فقال : « أما إنّ ذلك ينفع الجيران لقيامهم(١) ، وأمّا السنّة فإنّه ينادى مع طلوع الفجر ، ولا يكون بين الأذان والإقامة إلاّ الركعتان »(٢) .

وهذا الحديث صحيحٌ على ما تقدّم بيانه(٣) ، وفيه نوع دلالة على امتداد وقت ركعتي الفجر لِما بعد الفجر الثاني ؛ لأنّ الظاهر من الركعتين هما ، ولو أُريد بهما ما يستحب الفصل به بين الأذان والإقامة بعيد عن التعريف ، إلاّ بأن يراد بالتعريف الركعتان اللتان أُمر بهما للفصل.

وقد ينظّر في هذا بأنّ ما دلّ على الركعتين على الإطلاق محل كلام من جهة السند فيما أظنّ ، وما دلّ على الخصوص بالظهرين والصبح يشكل التعلّق به هنا ، أمّا الظهران فلأنّ احتمال الخصوص يقتضي عدم تعين دلالة التعريف عليه ، وأمّا الصبح فلعدم الصراحة في كونهما غير ركعتي الفجر ، إلاّ أنّ الاحتمالات المذكورة توجب عدم صلاحيّة الخبر المبحوث عنه للاستدلال ، وإن لم يتعين أحدها.

وبالجملة لا يتم الاستدلال على جواز تأخير ركعتي الفجر إلاّ مع انتفاء الاحتمالات ، فحينئذ يشكل دلالته(٤) .

اللغة‌ :

احشوا بالحاء المهملة والشين المعجمة من حشا القطن في الشي‌ء‌

__________________

(١) في المصدر زيادة : إلى الصلاة.

(٢) التهذيب ٢ : ٥٣ / ١٧٧ ، الوسائل ٥ : ٣٩٠ أبواب الأذان والإقامة ب ٨ ح ٧.

(٣) في ص ٤٩ ، ١٣٨ ، ١٥٤.

(٤) في « فض » زيادة : والعجب من عدم تعرض بعض محققي المعاصرين سلمه الله للكلام فيه بعد ذكره سوى ما هو ظاهر منه فتأمل. وهي مشطوبة في « د ».


جعله فيه ، كذا في الحبل المتين(١) . ولا يخفى أنّ الظاهر من الأخبار فعلهما بعد صلاة الليل ، فالحشو غير ظاهر بالنسبة إلى صلاة الليل ، فكأنّ المراد إدخالهما في وقت صلاة الليل بتقدير فعلهما بعدها ، إلاّ أنّ في الأخبار كونهما من صلاة الليل كما تقدم ، فلعلّ المراد بذلك فعلهما في وقتها ، ويجوز أن يراد الحقيقة على تقدير فعلهما معها ، ومع(٢) الإطلاق فاحتمال كونهما منها ولو انفردتا عنها لا يخلو من إشكال ، والفائدة تظهر في النذر وشبهه ، ولم أرَ من ذكر ذلك من الأصحاب ، فينبغي تأمّله.

قوله :

باب(٣) من فاتته صلاة فريضة هل يجوز له أن يتنفّل أم لا؟.

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور ، أو نسي صلوات (٤) لم يصلّها ، أو نام عنها ، فقال : « يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار ، فإذا دخل وقت صلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي قد حضرت ، وهذه أحقّ بوقتها فليصلّها ، فإذا قضاها فليصلّ ما قد فاته ممّا قد مضى ، ولا يتطوع بركعة حتى يقضي‌

__________________

(١) الحبل المتين : ١٤٨.

(٢) في « رض » : امّا مع.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٨٦ و « رض » زيادة : وقت.

(٤) في « رض » و « فض » : صلاة.


الفريضة »(١) .

سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن الحسين ، عن صفوان بن يحيى ، عن يعقوب بن شعيب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قال : سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس أيصلّي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تنبسط الشمس؟ فقال : « يصلّي حين يستيقظ » قلت : يوتر أو يصلّي الركعتين(٢) ؟ قال : « بل يبدأ بالفريضة ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حسين بن عثمان ، عن سماعة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن رجل نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس ، فقال : « يصلي الركعتين ثم يصلّي الغداة ».

عنه ، عن النضر بن سويد ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتى آذاه حرّ الشمس ثم استيقظ فركع ركعتين ثم صلّى الصبح ، وقال : يا بلال مالك؟ فقال بلال : أرقدني الذي أرقدك يا رسول الله » قال : « وكره المقام وقال : نمتم بوادي شيطان ».

فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على من يريد أن يصلّي بقوم وينتظر اجتماعهم جاز له حينئذ أن يبدأ [ بركعتي ](٣) النافلة كما فعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأمّا إذا كان وحده فلا يجوز له ذلك على حال.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٨٦ / ١٠٤٦ زيادة : كلّها.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٨٦ / ١٠٤٧ : ركعتين.

(٣) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : بركعة. وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٢٨٦ / ١٠٤٩ ، هو الأنسب.


السند‌ :

في الأوّل : لا ارتياب فيه على ما تقدّم(١) من القول في أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد ، وابن أبان في أول الكتاب وغيره ، وكذا في عمر بن أُذينة(٢) .

والثاني : لا ريب فيه بعد ما مضى أيضا(٣) .

والثالث : كذلك بالنسبة إلى عدم الصحة(٤) .

والرابع : صحيح كما مضى أيضا(٥) .

المتن :

في الأول مشتمل على أحكام لا يخلو من إجمال :

الأوّل : من فاتته صلاة بغير طهور أو بنسيان يقضيها في أيّ ساعة ، ودلالته على وجوب القضاء على الفور إذا ذَكَرَ من حيث إنّ الجملة الخبرية في معنى الأمر ، وقد تقدّم فيه القول من جهة أنّ دلالة الجملة الخبرية على معنى الأمر لكونها أبلغ من الأمر ، كما صرّح به العلماء ، وإن كان فيه كلام أسلفناه.

والحاصل أنّ المقرر كون البلغاء يعدلون عن الأمر إلى الخبر للدلالة على أنّ الأمر المطلوب كأنّه واقع حثّا على فعله.

__________________

(١) في ص ٢٥ و ٢٧.

(٢) راجع ص ٢٠٩.

(٣) راجع ص ٤٦ ، ١٠٤ ، ١١٤ ، ١٢١٩.

(٤) راجع ص ٤٩ ، ٥١ ، ٧٨ ، ١٣١ ، ٧٢٠.

(٥) راجع ص ١٣٨ و ١٥٤.


وقد يتوجه عليه : أنّه إنّما يتم لو علم أنّ العدول سببه ذلك على وجه الحصر ، وقد ذكر علماء المعاني ما يقتضي عدم الانحصار ، وعلى تقدير الانحصار فهو متوقف على العلم بالعدول.

ولعلّ الجواب عن الثاني ممكن بأنّ الظاهر من بيان الأحكام إرادة الطلب ، أمّا الأوّل فلا يبعد أن يدّعى تبادره في الأحكام ، إلاّ أنّا قدّمنا في هذا الكتاب احتمال أن يكون العدول عن الأمر لكونه حقيقةً في الوجوب ، فإذا عدل عنه احتمل أن يكون لإرادة الاستحباب.

وما عساه يقال : إنّ فيه مخالفة لكون الأمر وما في معناه للوجوب على القول به.

يمكن الجواب عنه : بأنّ المناقشة حاصلة في اتحاد الأمر والجملة الخبرية في الدلالة على الوجوب ، لما ذكرناه من الاحتمال ، وادعاء أنّ أدلة وجوب المأمور به تأتي في ما هو في معناه محلّ كلام.

ثم إنّ الفور إذا لم يدلّ عليه الأمر لوقوع الخلاف فيه وإمكان الدخل في أدلّته ، كما ذكر في الأُصول ، وإن كان يختلج في الخاطر دلالته بسبب أنّ الأمر موضوع للحال ، كما هو إجماعي عند النحاة ، وإجماعهم حجة كما قرر ، وذكرت هذا في حواشي المعالم ، إلاّ أنّ فيه نوع كلام ليس هذا محلّه ، غير أنّ الخبر المبحوث عنه فيه دلالة على الفورية بقوله : « في أيّ ساعة » إلاّ أن يقال : إنّ « إذا » قد اختلف في دلالتها على العموم ، فقيل : إنّها دالّة(١) ، وقيل : مهملة(٢) ، وبتقدير الخلاف لا يتم المطلوب ؛ لاحتمال عدم العموم ، ويراد بكلّ ساعة بعض آناء الذكر التي يجب فيها القضاء.

__________________

(١) حكاه في تمهيد القواعد : ٣٨٢.

(٢) انظر تمهيد القواعد للشهيد الثاني : ٣٨١.


وتفصيل الأمر أنّ القضاء إذا وجب في وقت من أوقات الذكر فذلك الوقت لا يتعيّن فيه زمان للقضاء ، بل يجوز في جميع أجزائه ، والفائدة في قوله : « أيّ ساعةٍ » الاحتراز(١) عن تخيّل الكراهة أو التحريم في بعض الأوقات الواردة في الأخبار كحال طلوع الشمس وبعد العصر.

ولا يخفى أنّ المقام يدلّ على عموم « إذا » كما ذكر في المفرد المحلّى إذا وقع في كلام الشارع ، فإنّه وإنْ لم يفد العموم وضعاً ، يفيده بسبب أنّ ما عداه لا يليق بالحكمة ، وهنا يقال كذلك ؛ إذ لو أُريد وقت معيّن من غير بيان نافى الحكمة ، أو غير معيّن فكذلك ، وحينئذ يكون للعموم.

ويمكن أن يقال : بجواز إرادة وقت غير معيّن على نحو النكرة ، إلاّ أنْ يدّعى أنّ مثله يقال في المفرد المحلّى ، وفيه إمكان الفرق ، إلاّ أنّه سيأتي(٢) بعض القول في هذا عند ذكر أدلّة بعض العلماء في الباب الآتي ، وحينئذ فالخبر لا يصلح بنفسه للاستدلال على المضايقة.

فإن قلت : أيّ فائدة لعدم كون « إذا » للعموم؟ والحال أنّه إذا تحقق الذكر في وقت ما وجب ، وهو المطلوب.

قلت : إذا لم يفد العموم في وقت الذكر ، لا يتم المطلوب ، من حيث إنّ وقت الذكر قد يتسع ، فإذا أفاد لفظ « إذا » فعل الفائت في آن من آناء الذكر جاز التأخير ، والمطلوب الوجوب في أوّل المراتب ، فتأمّل.

فالعجب من بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله أنّه أطلق استفادة المضائقة من الخبر وعدم التوسعة(٣) . فينبغي التأمّل فيما قلناه لوجود الفائدة‌

__________________

(١) في « فض » و « رض » : للاحتراز.

(٢) في ص ١٤٢٩.

(٣) البهائي في الحبل المتين : ١٥١.


في عدم صراحته في الدلالة بعد ذكر ما لا بدّ منه في الباب الآتي(١) .

الثاني من أحكام الخبر : أنّ من صلّى بغير طهور أو نسي صلوات يقضيها إذا ذكرها ، في ظاهره يتناول اليوميّة وغيرها ، فإذا خرج ما لا يجب قضاؤه بالإجماع والأخبار بقي ما عداه ، وحينئذ يمكن الاستدلال به على بعض ما هو محلّ الخلاف ، كصلاة الكسوف إذا علم به ونسي وإن احترق بعض القرص ، فإنّ القائل بوجوب القضاء احتجّ بهذا الخبر مع غيره.

واعترض عليه شيخناقدس‌سره بأنّ أخبار قضاء الفوائت لا عموم لها ، ولهذا لم يحتجّ بها الأصحاب على وجوب القضاء مع انتفاء العلم(٢) .

وقد يقال : إنّ نفي العموم عن هذا الخبر محلّ بحث ، وعدم الاستدلال به مع انتفاء العلم لعدم دخوله في الخبر ، وعدم صيغة العموم في الخبر غير مسلّم ، فإنّ ترك الاستفصال دليل العموم.

الثالث من الأحكام : أنّ من فاته شي‌ء من الصلاة وشرع في فعلها قضاءً ولم يتمّها له الإتمام ما لم يتخوّف ذهاب وقت الحاضرة.

وإجمال هذا لا ريب فيه ، من حيث إنّ فوات وقت الحاضرة أمّا وقت الفضيلة أو وقت الإجزاء ، ومع الإجمال لا يمكن الاستدلال به على المنع من فعل الفائتة إذا خاف فوت الفضيلة ، إلاّ أن يقال : إنّ فيه إطلاقاً يتناول وقت الفضيلة ، فيصير من قبيل العموم ، ولا يخلو من وجه.

إلاّ أنّه ربما يعارض بأنّ ما تضمنه صدره : من لزوم القضاء في أيّ ساعة ذكر ، صريح في اللزوم على تقدير دلالته ، وإذا حصل الإجمال في وقت الصلاة الحاضرة بقي مدلول صدره إلى أن يعلم المانع.

__________________

(١) في ص ١٤٢٨.

(٢) المدارك ٤ : ١٣٦.


وفيه : أنّ بعد دخول الوقت قد علم المانع إجمالاً ، فلم يبق الخطاب بالوجوب معلوم التعلّق ، ومع عدم العلم لا مانع من فعل الحاضرة ، مضافاً إلى أنّ الحكم المجمل في وجوب العمل به من دون البيان محلّ تأمّل.

وقد يقال : إنّ المجمل إذا لم يبيّن فهو من قبيل العموم ، إذ لو أُريد غيره لَنافى الحكمة.

وفيه : أنّه يجوز كون عدم البيان بالنسبة إلينا ، أمّا لو لم يقع بيان أصلاً فيحتمل كونه لإرادة العموم ، وما نحن فيه لم يعلم عدم البيان كما سيأتي(١) من الأخبار في القضاء ، وحينئذ يجوز حصول البيان للسائل ، وبهذا يندفع ما قد يظنّ إجماله بالنسبة إلينا ، إلاّ أن يقال : إنّه يجب على الراوي بيان ما فيه البيان ، ويشكل بجواز ذكر البيان ولم ينقل إلينا ، إلاّ أنّ ما نحن فيه سيأتي(٢) ما قد يصلح للبيان.

وما يقتضيه الخبر : من أنّه يتم ما قد فاته ما لم يتخوّف على تقدير وقت الفضيلة يتناول ما إذا شرع في القضاء على تقدير الاتحاد ولم يتم الفائت ، أو شرع مع التعدد وأتم الفرض ولم يشرع في آخر ، أو شرع في آخر ولم يتمه ، وعلى تقدير التلبس وهو في أثناء الفرض إذا خاف فوت الفضيلة يشكل قطع الصلاة ، وعلى تقدير الإجزاء قد يشكل بإمكان إدراك ركعة من الوقت بتقدير الإتمام ، ولا يبعد أن يدّعى تبادر عدم التلبس بالفريضة ، كما يدلّ عليه جوهر قوله : « فليقض » وبالجملة فالإجمال ربما يدّعى فيه ، والظهور كذلك.

الرابع من الأحكام : أنّ من فاته شي‌ء لا يتطوّع بركعة حتى يقضي‌

__________________

(١) في ص ١٤٤٠.

(٢) في ص ١٤٤٠.


الفريضة ، والإجمال فيه أيضا بالنسبة إلى هذا الحكم ، لكن الشيخ كما ترى جعل العنوان : من فاتته فريضة هل يتنفّل أم لا؟ وعليه فالشيخ كأنّه فهم ظهور القضاء في الفائت ، ويختلج في الخاطر أنّ قوله : « حتى يقضي » يحتمل إرادة قضاء الحاضرة بمعنى فعلها ، وقضاء الفائتة على معنى أنّه لا يتطوّع وعليه الفائتة ، لكن يمكن ادعاء رجحان ما احتملناه من حيث إنّ قوله : « فإذا قضاها فليصلّ » يراد به فعل الصلاة ، وحينئذ يكون قوله : « حتى يقضي » بمعنى الفعل على نهج واحد.

وعلى تقدير الحمل على قضاء الفائتة يدلّ الخبر على المنع من التطوع سواء كانت الفائتة متحدة أو متعددة ، وسيأتي(١) ما قد يدلّ على عدم الوجوب في المتعددة بل وفي المتحدة ، وحينئذ فالأمر بالقضاء في الخبر لا يمكن حمله على الوجوب مطلقاً ، بل إمّا على الاستحباب ، أو على الوجوب والاستحباب على وجه يسوغ التجوّز معه ، فالنهي عن التطوع كذلك ، فلا يدلّ على التحريم. إلاّ أنّ يقال : إنّ المعارض لما اقتضى حمل الأمر على ما ذكر لا يلزم مثله في النهي ولا معارض ، ويشكل بوجود المعارض في التطوع كما يأتي(٢) . هذا ما خطر في البال فينبغي التأمّل فيه.

وأمّا الثاني : فله ظهور في عدم فعل الوتر وركعتي الفجر ، وأمّا المنع في غيرهما على الإطلاق كما هو مدلول الأوّل وإطلاق العنوان فمشكل ، وعدم القائل بالفرق فيه ما ستسمعه ، ( ولو تمّ فالثالث )(٣) يدلّ على جواز‌

__________________

(١) في ص ١٤٣٨.

(٢) في ص ١٤٣٨.

(٣) بدل ما بين القوسين في « فض » ولو تمّ الخبر والثالث ، وفي « د » : ولو تمّ والثالث ، وتقدّم في ص ٤٥٥ عدم صحّة الخبر الثالث من حيث السند.


فعل الركعتين ، ومع التعارض يمكن الحمل على الاستحباب ، وإنْ أشكل بالرابع ، فإنّ فعلهعليه‌السلام خلاف المستحب بعيد ، وبيان الجواز أبعد في مقام الاستحباب ، وحمل الشيخ على انتظار الاجتماع غير واضح رجحانه على الاستحباب.

وعلى تقدير التساوي أو الرجحان فالخبر الأوّل لا يكون النهي فيه مفيداً للتحريم على الإطلاق ، بل إمّا للكراهة أو للأعم من التحريم والكراهة ، وعلى التقديرين فهو متجوز فيه(١) ، ومعه لا تبقى دلالته على تحريم التطوع ظاهرة ، إلاّ أن يقال : إنّه للتحريم إلاّ ما خرج بالدليل ، وفيه : أنّ الكلام في الاستدلال بمجرد النهي ؛ إذ لنا أن نقول : إنّ الدليل كما دلّ على فعل الراتبة قبل القضاء مطلقاً أو ركعتي الفجر كذلك يدلّ على جواز غيرها أو غير ركعتي الفجر.

ففي الخبر الصحيح السابق عن عمر بن يزيد فيما رواه الصدوق أنّه سأل عن الرواية التي تضمّنت أنّه لا ينبغي التطوع في وقت الفريضة ، فأجابهعليه‌السلام : « ما بين الأذان والإقامة » فلو كان مطلق الوقت موجباً لما حصرعليه‌السلام ، إلاّ أن يقال : إنّ الجواب عن مادّة خاصّةٍ ، وفيه ما فيه ، لكن الخبر قدّمنا فيه احتمالاً آخر يدفع الاستدلال ، كما تقدّم(٢) أيضا إطلاق بعض الأخبار.

وفي صحيح بعض الأخبار دلالة على أنّ خمس صلوات يصلّى في كلّ وقت ، وهو شامل للفريضة والنافلة ، وقد ذكرنا في حواشي الروضة ما لا بدّ منه أيضاً.

__________________

(١) في « فض » و « رض » : متجوّز به.

(٢) في ص ١٤١٥.


وقد يقال : إنّ الأخبار المطلقة تقيّد بهذه.

وفيه : أنّ صراحة بعض هذه الأخبار في فعل ركعتي الفجر وعدم صراحة الاولى في التحريم يوجب عدم بقاء المطلق ، وبتقديره عدم إرادة التحريم.

ثم إنّ الأخبار الواردة بالصلوات المستحبات على الإطلاق ، بل بعضها في وقت الفريضة كصلاة جعفر الدال بعضها على جعلها من النوافل الراتبة كما تضمّنه الخبر الصحيح ، ولا يبعد احتمال منع النافلة إذا تضيّق وقت الفضيلة كما يشعر به بعض الأخبار المعتبرة وغيرها ، وحينئذ يحمل الخبر الأوّل على هذا.

ولبعض محقّقي المتأخّرينرحمه‌الله كلام في المقام ، وهو أنّه ذكر من الأدلة على [ عدم(١) ] جواز فعل النافلة لمن عليه فريضة : خبر زرارة المتقدّم المتضمّن لصلاة ركعتي الفجر بعده المشتمل على ذكر القياس ، ثم قال : والظاهر منها هو المنع من النافلة وقت الفريضة بحيث يخرجها عن وقتها [ ولا يشمل الفوائت(٢) ] ، إذ لا يقال : دخل عليك وقت الفريضة ، لأنّ وقتها دائم. انتهى(٣) .

وحاصل مرامه أنّ المتبادر من الرواية على تقدير البناء على ظاهرها من المنع فيما إذا دخل عليك وقت الفريضة ، ومن كان عليه فريضة لا يقال : دخل عليك الوقت ؛ لأنّ وقت القضاء مستمرّ ، وحينئذ على تقدير المنع فالحكم يقيّد بغير ما في ذمّة الإنسان من الفوائت ، وهذا الكلام جيّد ،

__________________

(١) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ ، أثبتناه من المصدر.

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ ، أثبتناه من المصدر.

(٣) مجمع الفائدة ٢ : ٤٤.


ولا يتوجه عليه أنّ القضاء وإن كان موسّعاً بتقدير القول به إلاّ أنّ من موانعه الحاضرة إذا خاف فوتها قطعاً ، فإذا زال هذا المانع وهو خوف الفوات صحّ أنْ يقال دخل وقت القضاء ؛ لإمكان أنْ يقال : إنّ تبادر دخول الوقت في مثل هذا محلّ كلام.

وما عساه يقال في التنظير بالصوم المسمّى قياساً قد سمعت ما فيه ، ولا يبعد أن يكون إشارة إلى الأفضلية ؛ لدلالة الأخبار على جواز نافلة الفجر بعده في الجملة ، ولو لا دلالة بعض الأخبار في الصوم ( على المنع من التطوع )(١) لأمكن أن يستدلّ بالرواية على جوازه من حيث الإذن في صلاة ركعتي الفجر المقتضية للحمل على الأفضليّة في الصلاة فكذا في الصوم ، إذ من المستبعد قياس الأفضليّة على المتعيّن وجوباً ، وربما يقال : إنّ ما دلّ على المنع من صوم النافلة محمول على الأفضل ، إلاّ أنّ الإجماع قد ادعي على أنّ من عليه من شهر رمضان شي‌ء لا يتطوّع ، والله تعالى أعلم.

قوله :

باب من فاتته صلاة فريضة فدخل

عليه وقت صلاة فريضة أُخرى(٢) .

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد ابن يعقوب ، عن عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير قال : سألته عن رجل نسي الظهر حتى دخل وقت العصر ، قال : « يبدأ بالظهر ، وكذلك الصلوات‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط من « د » و « رض ».

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٨٧ : وقت صلاة أُخرى فريضة.


تبدأ بالتي نسيت ، إلاّ أن تخاف أن يخرج وقت الصلاة فتبدأ بالتي أنت في وقتها ثم تقضي التي نسيت ».

الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن عروة ، عن عبيد بن زرارة ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أُخرى فإن كنت تعلم أنّك إن صلّيت(١) التي فاتتك(٢) كنت من الأُخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك ، فإنّ الله عز وجل يقول( أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) (٣) وإن كنت تعلم أنّك إن صلّيت التي فاتتك فاتتك التي بعدها(٤) فابدأ بالتي أنت في وقتها واقض الأُخرى ».

الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان ، عن الحلبي(٥) قال : سألته عن رجل نسي أن يصلّي الاولى حتى صلّى العصر ، قال : « فليجعل صلاته التي صلّى الاولى ثم يستأنف العصر » قال : قلت : فإن نسي الأُولى والعصر جميعاً ثم ذكر ذلك عند غروب الشمس؟ فقال : « إن كان في وقت لا يخاف فوت إحداهما فليصلّ الظهر ثم ليصلّ العصر ، وإن خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر ولا يؤخّرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعاً ، ولكن يصلّي العصر فيما قد بقي من وقتها ثم ليصلّ الاولى بعد ذلك على أثرها ».

عنه ، عن فضالة ، عن ابن مسكان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إن نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب والعشاء الآخرة فإن استيقظ‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٨٧ / ١٠٥١ : إذا صليت.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٨٧ / ١٠٥١ : التي قد فاتتك.

(٣) طه : ١٤.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٨٧ / ١٠٥١ : بعدها أيضاً.

(٥) في نسخة من الاستبصار ١ : ٢٨٧ / ١٠٥٢ : عن أبي عبد الله.


قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما ، وإن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة ، وإن استيقظ بعد الفجر(١) فليصلِّ الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس ».

عنه ، عن حمّاد ، عن شعيب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إن نام رجل (٢) ولم يصلّ صلاة المغرب والعشاء الآخرة أو نسي فإن (٣) استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما ، وإن خشي أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة ، وإن استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصلِّ الفجر ثم المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس ، وإن (٤) خاف أن تطلع الشمس فتفوته إحدى الصلاتين فليصلِّ المغرب ويدع العشاء الآخرة حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها ثمّ ليصلّها ».

السند‌ :

في الأوّل : فيه سهل بن زياد ومحمّد بن سنان وأبو بصير وقد قدّمنا القول فيهم(٥) ، كما قدّمنا(٦) أنّ العدّة الراوية عن سهل فيها الثقة ، لكنه غير نافع.

والثاني : فيه القاسم بن عروة ، وقد مضى(٧) .

والثالث : فيه ابن سنان وهو محمّد ، كما قدّمناه(٨) ، وأنّ احتمال عبد الله منتف ، وما وقع في بعض الطرق من ذكر عبد الله بعد الحسين نبّه‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٨٨ / ١٠٥٣ زيادة : فليبدأ.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٨٨ / ١٠٥٤ : الرجل.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٨٨ / ١٠٥٤ : فإذا.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٨٨ / ١٠٥٤ : فإن.

(٥) في ج ١ : ٧٠ ، ١٢١ ، ١٣٤.

(٦) في ج ١ : ١٣٤ ، ١٣٥ ، ١٤٢.

(٧) في ج ١ : ٤٣٩.

(٨) في ص ١٢١.


الوالدقدس‌سره على أنّه سهو(١) ، ولا يبعد أن يكون عبد الله هو أخو محمّد لا عبد الله بن سنان ، وإن اشتركا في اسم الأب ؛ إذ ليس محمّد أخا عبد الله ، كما يعلم من الرجال ، وبالجملة فاحتمال عبد الله الثقة لا وجه له ، والتفصيل أزيد من هذا قد سبق.

والرابع : فيه أنّ الشيخ رواها عن ابن سنان في التهذيب(٢) بدل ابن مسكان كما تقدم(٣) ، وعلى تقدير ابن سنان هو عبد الله فهي صحيحة ، وأمّا ابن مسكان ففيه احتمال ، وإن أمكن ادعاء ظهور عبد الله لما يأتي(٤) ، إلاّ أنّ روايته عن أبي عبد الله ربما يشكل بما ذكره النجاشي نقلاً عن الكشي(٥) ، فيقرب(٦) إلى الصواب ابن سنان.

وما ذكره شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب : من أنّ الشيخ رواها بنحو ما ذكرناه في التهذيب وأنّه الصواب. إن أراد بوجه الصواب الرواية عن أبي عبد الله ، ففيه : أنّ رواية ابن مسكان عن أبي عبد الله موجودة بكثرة كما قدمناه(٧) ، وكلام الكشي المحكي في النجاشي محلّ تأمّل ، وإن كان لأنّ ابن سنان روى عنه فضالة دون ابن مسكان فالموجود في الرجال رواية غير فضالة عنهما ، بل ابن أبي عمير روى عنهما وغيره ، فالصواب محلّ كلام ،

__________________

(١) منتقى الجمان ١ : ٣٦.

(٢) التهذيب ٢ : ٢٧٠ / ١٠٧٦.

(٣) في ص ١٤٢٥.

(٤) في « فض » و « رض » : مما يأتي.

(٥) وهو ما رواه الكشي انّه لم يسمع من أبي عبد اللهعليه‌السلام إلاّ حديث : ( من أدرك المشعر فقد أدرك الحج ) رجال الكشي ٢ : ٦٨٠ / ٧١٦ ، ولم نعثر على النقل في النجاشي : ٢١٤ / ٥٥٩ ، ولعل المصنف أخذه من الخلاصة : ١٠٦ / ٢٢.

(٦) في « فض » : فيتأيد ، وهي مشطوبة في « د » ولكن في هامشها : فيقرب.

(٧) في ص ١٢٠ ، ١٤٧.


إلاّ أنّه سيأتي(١) عن قريب رواية فضالة عن عبد الله بن مسكان وربما حصل الظنّ بأنّ الحكم مطّرد ، فليتأمّل.

والخامس : فيه أبو بصير ، والظاهر أنّه الضعيف لرواية شعيب عنه وقد قدّمنا(٢) وجه ضعفه عن قريب مجملاً ، وبعيدٍ مفصّلاً.

المتن :

في الأوّل لا يخفى ظهوره في أنّ المراد ( بالفائتة غير المقضيّة )(٣) ، والعنوان من الشيخ ربما يقتضي بظاهره خلافه ، إلاّ أنه لا مانع من إرادة العموم في العنوان.

ثم إنّ الخبر قد يدلّ على ما يشمل القضاء بقوله : « وكذلك الصلوات » إلاّ أنّ احتمال إرادة غير الظهر من المغرب والعشاء المؤدّاتين ربما يدّعى ظهوره ، والفائدة تظهر في الدلالة على الفائتة مع الاتحاد إذا خرج وقتها هل يجب فعلها قبل الحاضرة أم لا؟ وعلى تقدير حمل الخبر على الحاضرتين تنتفي الدلالة المطلوبة ، وما تضمّنه من خوف خروج الوقت يراد به وقت الإجزاء.

نعم قد يحصل الظن بخروج الوقت فيصلّي الحاضرة ثم يظهر اتساعه ، فاحتمال العدول بها إلى السابقة ، أو صحّتها لكونها في المشترك ، أو يفرق بين المشترك في نفس الأمر مع أنّه في الظن وقت اختصاص ، أو أنّ المشترك على تقدير وقوع ركعة إنّما يجزئ مع عدم قصد الاختصاص ،

__________________

(١) في ص ١٤٤١.

(٢) في ص ١٤٠٧.

(٣) ما بين القوسين كذا في النسخ ، والأنسب : بالمنسية غير الفائتة.


احتمالات ، والخبر مجمل.

وقوله : « ثم تقضي التي نسيت » لا تدلّ على تعيّن القضاء قبل المغرب ؛ لأنّ دلالة : « ثم » على الترتيب محتمل لترتبها على العصر ، ويحتمل غير ذلك ، وستسمع القول في غيرها من الأدلّة إنشاء الله تعالى.

وأمّا الثاني : فلا يبعد أن يراد بالفائتة نحو ما في الأول ، ويراد فواتها عن وقتها الأوّل ، وقوله : « كنت من الأُخرى في وقت » ربما يدلّ على الوقت في الجملة ولو بإدراك ركعة منه ، والتنكير يشعر به ، وهذا الاحتمال في الأول أيضاً ، لكنه موقوف على ثبوت دليل : أنّ إدراك الركعة كاف على الإطلاق ، وفيه نوع تأمّل ذكرناه في محلّ آخر.

والحاصل أنّ ظاهر الخبر الاكتفاء بوقت ما ، والإجمال فيه حاصل إلاّ بتقدير ادعاء الشمول للبعض والجميع ، والأوّل كما ترى ظاهره كذلك ؛ لأنّ وقت الصلاة يتناول البعض والجميع ، وفي نظري القاصر أنّ احتمال إرادة الفائتة غير الخارج وقتها يستفاد منه احتمال كون الآية الشريفة مراداً بها أنّ الصلاة مأمور بها في وقتها والوقت حاصلٌ ، أو أنّ الأمر بالصلاة مطلق ما دام الوقت ، والفرق بين الأمرين يظهر بالتأمّل.

وعلى هذا ، فقوله سبحانه( لِذِكْرِي ) محتملٌ أن يراد به ليكون ذاكراً لي ، ويحتمل أن يكون ذكر الآية لا من حيث الأمر ، بل من حيث إنّ العلّة الذكر ، وذكره على كلّ حال مأمور به ، فيدخل فيه هذه الحال.

وما ذكره بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله من أنّه ورد في بعض الأحاديث المعتبرة في تفسير قوله عز وجل( وَأَقِمِ الصَّلاةَ


لِذِكْرِي ) أي ذكر صلاتي(١) ، وأشار بأنّ هذا مستفاد من خبر زرارة الحسن عنده. ففيه : أنّ استفادة ما ذكره محلّ تأمّل ، كما أنّ وصفه بالحسن كذلك ؛ لوجود القاسم بن عروة وقد تقدّم ما يدلّ على حاله بما لا يفيد مدحاً(٢) .

وعلى كلّ حال فقد نقل عن السيّد المرتضى أنّه قال بالمضايقة في القضاء(٣) ، كما ذكرناه في حواشي التهذيب ، وكذلك غيره(٤) أيضاً ، واحتمل الاستدلال على ذلك بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله بأنّ الأمر بالشي‌ء يستلزم عدم الأمر بضده(٥) ، وقد ذكرنا ما فيه في الحاشية ، والحاصل أنّ الضدّيّة إنّما تتحقق مع القول بالتضيق وهو أصل المدعى ، وقد ذكر شيخناقدس‌سره هذا الدليل(٦) ، والكلام فيهما واحد.

فإن قلت : الضديّة تتحقّق في الموسّع بالنسبة إلى الفعل وإنْ كان الواجب موسّعاً ، وحاصل الأمر أنّ الموسّع لو جاز فعله مع جواز فعل الواجب الآخر لزم اجتماع الضدّين.

قلت : المصرّح به في كلام بعض الأصحاب اشتراط الضيق في التضاد(٧) ، وما ذكرت من الاحتمال في الموسّع قد يتوجّه عليه أنّ التضاد في الفعل لا يتعين انتفاؤه بترك القضاء ، بل يتحقق بترك أحد الواجبين إمّا القضاء أو المؤدّاة ، فلا وجه لاختصاص المنع بالقضاء.

__________________

(١) البهائي في الحبل المتين : ١٥١.

(٢) في ص ٣١٩.

(٣) حكاه عنه في المعتبر ٢ : ٤٠٨ ، وهو في رسائل المرتضى ٢ : ٣٦٤.

(٤) كالحلّي في السرائر ١ : ٢٧٢.

(٥) البهائي في الحبل المتين : ١٥١.

(٦) المدارك ٤ : ٣٠١.

(٧) كما في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٢٦.


والحق أنّ الاعتبار يشهد بأنّ النهي عن الضد أو عدم الأمر بالضد وإنْ كان لا يتحقّق إلاّ بخصوص الفعل ، إلاّ أنّ ما نذكره فيما بعد من الإشكال في ذلك يلزم منه توجّه أحد الأمرين إلى الفعل ، لكن الترجيح للقضاء على صاحبة الوقت لا وجه له ، إذ الفعل كما اعتبر في القضاء يعتبر في الأداء ، وأمّا التعبير من شيخنا المعاصر سلّمه الله بقوله : عدم الأمر بضده ، فالغرض منه : الإشارة إلى أنّ ما قاله أهل الأُصول من الخلاف في استلزام الأمر بالشي‌ء النهي عن ضدّه غير واضح بما بيّنه في الزبدة(١) ، وأنّ الذي ينبغي أن يقال : عدم الأمر بضدّه.

وقد يناقش في هذا بأنّ الضد المبحوث عنه هو الضد الخاص ، وهو الأمر الوجودي ، والمحقّقون على أنّ المأمور به الماهيّة والفرد وجود له(٢) لأنّه لا يتم إلاّ به ، فالضد غير مأمور به عندهم ، وحينئذ لا فائدة في قولنا : الأمر بالشي‌ء يستلزم عدم الأمر ، لأنّ عدم الأمر حاصل قبل الأمر بالشي‌ء ، واحتمال أن يقال : إنّ الضد قد يكون كلّياً إضافيّاً فيتحقق الأمر به ويتم المراد ، يمكن أن يجاب عنه : بأنّه خروج عن محل النزاع وهو الضد الخاص.

فإن قلت : قد صرّح الأُصوليون بأنّ الأمر بالشي‌ء يستلزم النهي عن ضدّه العام(٣) ، وحينئذ فيه دلالة على تحقّق الضد في الكلّي.

قلت : قد ذكر بعضهم أنّ للضد العام معنىً يرجع إلى الأمر الوجودي ، كما نقلناه في حواشي المعالم ، وإنْ أشكل الحال في قولهم‌

__________________

(١) زبدة الأصول : ٨٢.

(٢) في « د » و « رض » : والفرد وجوبه ، وفي « فض » : وجود به ، والظاهر ما أثبتناه.

(٣) كما في مبادي الأصول : ١١٢ ، ومعالم الأصول : ٦٣.


الأمر بالشي‌ء ، بورود ما قلناه عليه ، إلاّ أنّ المطلوب هنا في الإيراد بالنسبة إلى محل النزاع.

وبالجملة : يخطر في البال أنّ قولهم : الأمر بالشي‌ء يستلزم النهي عن ضدّه ، لا يخلو من إشكال على تقدير أن يكون الأمر إنّما هو بالماهيّة ، لأنّ الأمر بالشي‌ء في قوّة الأمر بالماهيّة والضد الخاص للماهيّة وهو الأمر الوجودي ، غير واضح ، ولو أُريد بالضد الخاص الكلّي الإضافي لزم التهافت ، كما لو أُريد بالأمر بالشي‌ء الفرد لزم اختيار مذهب القائل بأنّ المأمور به الفرد الغير المعيّن ، وهو مزيّف.

وما يتوجّه على قولهم : من أنّ الأمر بالماهيّة يستلزم أن يكون الفرد مقدمة الواجب ، لا أنّه الواجب ، والحال أنّ العبادة الواجبة توصف بأنّها مأمور بها ، ومن ثَمَّ إذا وقعت على غير وجهها يقال : إنّ فاعلها لم يأت بالمأمور به ، وحينئذ يحتاج الجمع بين هذه الأُمور إلى مزيد نظر ، ومحلّه غير هذا ، وإنّما ذكرناه بالعرض ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ في الآية احتمالات في كلام المفسّرين.

والعجب من شيخناقدس‌سره أنّه أجاب عن الآية بعد نقل استدلال العلاّمة بها للمضايقة باحتمالها لأُمور(١) ولم ينقل هذا الخبر ، والضعف فيه لو منع ذكره لمنع ذكر قول المفسِّرين.

ثم إنّ الخبر على تقدير أن يراد بالفائتة ما خرج وقتها بالكلّية ، يحتمل أن يكون ذكر الآية لأنّ الأمر بإقامة الصلاة لذكر الله ، وهو يتناول الأداء والقضاء ، وهذان الاحتمالان وإنْ بَعُدا ، ليسا بأبعد ممّا ذكره المفسِّرون‌

__________________

(١) المدارك ٤ : ٣٠٢.


من احتمال ذكرى إيّاها في الكتب ونحو ذلك ، هذا.

وما تضمّنه الخبر من قوله : « إنْ كنت تعلم » إلى آخره. ربما يدلّ على اعتبار العلم ، ولعلّ المراد به ما يشمل الظن ، كما أنّ الفوات فيه محتمل لفوات جميع الوقت أو بعضه كما مضى ، وقوله : « واقض الأُخرى » على الاحتمال الأوّل يراد به فعل الأُخرى ، وعلى الثاني ظاهر ، ولا يخفى أنّ فوات الثانية بفعلها يشكل في صورة فوات البعض دون البعض ، كما لو علم أنّه إذا قضى الفائتة أدرك ركعة(١) ، وعلى تقدير إرادة القضاء الحقيقي ربما(٢) يتناول هذه الصورة ، ولا أعلم الآن القائل به.

وأمّا الثالث : فصدره كما ترى ظاهر في المؤدّاتين ، لكن فيه تقييد بآخر الوقت ، وغير خفي أنّ العصر إذا كانت في المشترك يشكل قوله : يجعلها الاولى ، وعلى تقدير الوقوع في المختص فجعلها الاولى محتمل ، لكنه مخالف لإطلاق بطلان العصر.

وما تضمّنه من قوله : « لا يخاف فوت إحداهما » يراد به الظهر والعصر ، وهو ظاهر في بقاء الوقت ، لدلالة البدأة بالعصر ، والأمر بصلاة الظهر على أثرها له دلالة على تعيّن فعلها قبل المغرب ، فيدلّ على القول بالمضايقة في الفائتة المتحدة.

والرابع : قد تقدّم(٣) أنّ له دلالةً على امتداد وقتي المغرب والعشاء لمن ذكر في الرواية إلى الفجر ، وهو منقول عن المحقّق في المعتبر(٤) ،

__________________

(١) في « ش » : الركعة.

(٢) في « رض » : إنّما.

(٣) في ص ١٣٥٤.

(٤) المعتبر ٢ : ٤٠٩.


واحتمال أن يقال : إنّهما غير صريحتين في الأداء فيجوز إرادة القضاء ولو على وجه الاستحباب كما ينبّه عليه ذكر فعلهما بعد الصبح ، مع دلالة بعض الأخبار على الاستحباب مع التعدد يدفعه ذكر البدأة بالعشاء على تقدير عدم إمكان فعلهما ، إذ القضاء يقتضي تقديم المغرب.

أمّا دلالة الرواية على الاختصاص بالعشاء فظاهرة ، غير أنّه يظهر منها المخالفة لحكم اختصاص النصف ، لأنّ من اتسع الوقت له لِفِعْل خمس ركعات يفعل الفرضين ، والخبر يعطي أنّ الخوف من فوت إحداهما يقتضي البدأة بالعشاء ، لكن لا يخفى أنّ ما دلّ على أنّ إدراك الركعة كافٍ ، يتحقق به إدراكهما بتقدير إدراك الخمس.

ثم إنّ الخبر ظاهر في أنّ الفائتة مع التعدد لا يجب تقديمها على الحاضرة مع السعة ، لدلالته على أنّ المغرب والعشاء يفعلهما قبل طلوع الشمس ، وهو يدل على اتساع الوقت ، ويستفاد منه أنّ المراد بخوف الفوات فوات وقت الفضيلة للصبح ، وهذا ربما يشمل المتحدة المشترط في تقديمها عدم خوف الفوات ، إلاّ أن يدّعى أنّ ما لا يجب تقديمه يكفي فيه خوف فوت الفضيلة بخلاف ما يجب ، وستسمع(١) إن شاء الله الكلام في المتحدة.

وأمّا الخامس : فكالرابع ، وفيهما دلالة على كراهة القضاء حين طلوع الشمس وبقاء شعاعها ، ولا يخفى أنّ ما سبق من رواية زرارة في الباب السابق(٢) الدالة على جواز القضاء في أيّ وقت ينفي الكراهة ، والجمع بينه وبين هذين بحمل الجواز على نفي التحريم وهذين على الكراهة ، لكن‌

__________________

(١) في ص ١٤٣٦.

(٢) في ص ١٤١٧.


الأول وهو الصحيح بالنسبة إلى ما بعد طلوع الشمس لا يدلّ على النهي ، وأمّا الثاني فالأمر بترك العشاء يدلّ على ما ذكر ، لكن سنده قد علمته.

قوله :

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال ، عن عمرو بن سعيد المدائني ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار بن موسى الساباطي(١) ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن رجل(٢) تفوته المغرب حتى تحضر العتمة ، قال(٣) : « إنْ حضرت العتمة وذكر أنّ عليه صلاة المغرب فإنْ أحبّ أن يبدأ بالمغرب بدأ ، وإنْ أحبّ بدأ بالعتمة ثم صلّى المغرب بعدها ».

فهذا خبر شاذّ مخالف للأخبار كلّها ؛ لأنّ العمل على ما قدّمناه من أنّه إذا كان الوقت واسعاً ينبغي أن يبدأ بالفائتة ، وإنْ كان الوقت ضيِّقا(٤) بدأ بالحاضرة ، وليس هنا(٥) وقت يكون الإنسان فيه مخيّراً ، ويمكن أنْ يحمل الخبر على الجواز ، والأخبار الأوّلة على الفضل والاستحباب.

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن العبّاس ، عن إسماعيل ابن همام ، عن أبي الحسنعليه‌السلام أنّه قال : في الرجل يؤخّر الظهر حتى يدخل وقت العصر : « فإنّه يبدأ بالعصر ثم يصلّي الظهر ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٨٨ / ١٠٥٥ : عن عمار الساباطي.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٨٨ / ١٠٥٥ : الرجل.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٨٨ / ١٠٥٥ : فقال.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٨٨ / ١٠٥٥ : مضيقاً.

(٥) في الاستبصار ١ : ٢٨٨ / ١٠٥٥ : ههنا.


فالوجه في هذا الخبر هو أنّه إذا تضيّق وقت العصر بدأ به ، ثم صلّى الظهر على ما فصّلناه.

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن علي بن خالد ، عن أحمد بن الحسن بن علي(١) ، عن عمرو بن سعيد المدائني ، عن مصدّق ابن صدقة ، عن عمّار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتى تطلع الشمس وهو في سفر كيف يصنع؟ أيجوز له أن يقضي بالنهار؟ قال : « لا يقضي صلاة النافلة(٢) ولا فريضة بالنهار ، ولا يجوز له ولا يثبت له ، ولكن يؤخّرها فيقضيها بالليل ».

فهذا خبرٌ شاذّ لا يعارض به الأخبار التي قدّمناها مع مطابقتها لظاهر الكتاب وإجماع الأُمّة.

السند‌ :

في الأوّل : معلوم الحال بعد ما تكرر فيه المقال(٣) .

والثاني : صحيح على الظاهر أنّ العباس فيه ابن معروف لما(٤) تكرّر في الأسانيد ، وقد قدّمنا(٥) في أول الكتاب جزم الوالدقدس‌سره بذلك ، ويحتمل ابن عامر لأنّ سعداً يروي عنه في الرجال(٦) ، والمرتبة قريبة مع ابن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٨٩ / ١٠٥٧ زيادة : بن فضال.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٨٩ / ١٠٥٧ : نافلة.

(٣) راجع ص ١١٤.

(٤) في « رض » : كما.

(٥) في ص ٤٥.

(٦) انظر رجال النجاشي : ٢٨١ / ٧٤٤.


محبوب ، واحتمال غيرهما في حيّز الإمكان ، إلاّ أنّ الظن حاصل بالمقدّم.

والثالث : فيه عليّ بن خالد ، وفي إرشاد المفيد ذكر علي بن خالد وأنه كان زيديّاً ورجع لما رأى من كرامات أبي جعفر الثانيعليه‌السلام (١) ، ولا يبعد أن يكون هو المذكور.

المتن :

في الأوّل : يحتمل أن يراد بالمغرب فيه غير مغرب تلك الليلة التي حضرت العتمة فيها ، ويكون السؤال بسبب احتمال تقدّم المغرب على العشاء أداءً وقضاءً ، ولو حملت على مغرب الليلة خالف الإجماع ، والشيخ كما ترى كلامه لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ المفهوم من الخبر فائتة الليلة وحمل الخبر على الجواز لا وجه له ، ولو حمل على أنّ الفائتة من غير الليلة كما ذكرناه فالأخبار السابقة دالة على الوجوب.

وقد نقل العلاّمة في المختلف عن الشيخ القول بالمضايقة ، وهو وجوب ترتيب الفائتة على الحاضرة ما لم يتضيّق وقت الحاضرة ، قال : وقد صرّح في المبسوط بأنّه إذا علم أنّ عليه قضاءً وادّى فريضة الوقت فإنّه لا يجزؤه(٢) .

والظاهر أنّ الوجوب على الفور كما يقتضيه كلام المبسوط ، وينقل عن سلاّر القول بالفوريّة أيضاً(٣) ، وعن السيّد المرتضى وابن إدريس المنع من الاشتغال بغير القضاء في الوقت المتّسع ، ومنعا من التكسب بالمباح‌

__________________

(١) إرشاد المفيد ٢ : ٢٩١.

(٢) المختلف ٢ : ٤٣٥ ، وهو في المبسوط ١ : ١٢٧.

(٣) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٤٣٦ وهو في المراسم : ٩٠.


وأكل ما يزيد على ما يمسك الرمق(١) .

ونقل أيضاً في المختلف القول بالتوسعة وأنّ الأوْلى تقديم الفائتة عن بعض المتقدمين(٢) ، وعن أبي جعفر ابن بابويه التوسعة أيضا(٣) ، ولم ينقل عن الشيخ التوسعة ، وكلامه في هذا المقام يفيده على تقدير أنّ ما يذكره هنا يكون مذهباً ، كما ينقل عنه في مواضع منها ما تقدم في المواقيت.

وللعلاّمة تفصيل في المسألة ، وهو أنّ الفائتة إنْ ذكرها في يوم الفوات وجب تقديمها على الحاضرة ما لم يتضيّق وقت الحاضرة سواء اتحدت أو تعدّدت ، وإنْ لم يذكر حتى يمضي ذلك اليوم جاز له فعل الحاضرة ، واستدل على ذلك بأخبار ، منها خبر زرارة المتقدم فيه البحث(٤) ، وقد عرفت أنّ دلالته لا تخلو من إجمال.

وما استدل به العلاّمة أوضحت القول فيه في رسالة مفردة في الظن أنّه لا مزيد عليه.

واستدل شيخناقدس‌سره (٥) على وجوب تقديم المتحدة بصحيح صفوان ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال : سألته عن رجل نسي الظهر حتى غربت الشمس وقد كان صلّى العصر ، فقال : « كان أبو جعفرعليه‌السلام أو كان أبيعليه‌السلام يقول : إن أمكنه أن يصلّيها قبل أن تفوته المغرب بدأ بها ، وإلاّ صلّى المغرب ثم‌

__________________

(١) حكاه عنهما في المختلف ٢ : ٤٣٧ ، وهو في المسائل الرسية ( رسائل المرتضى ٢ ) : ٣٦٥ ، وفي السرائر ١ : ٢٧٤.

(٢) المختلف ٢ : ٤٣٧.

(٣) المختلف ٢ : ٤٣٦ ، وهو في الفقيه ١ : ٢٣٢ ، ٢٣٣.

(٤) في ص ٤٨٨ ٤٩٢.

(٥) المدارك ٤ : ٢٩٩.


صلاّها »(١) .

ولا يخفى أنّ دلالة هذه الرواية على الوجوب محلّ كلام ، بل الظاهر من سياقها الندب ، والوجه فيه : أنّ قوله : « إن أمكنه » يُشعر بعدم التحتّم ، وما عساه يقال : إنّ الوجوب فرع الإمكان أيضاً ، يمكن الجواب عنه بأنّ الإمكان وإن كان شرطاً عقلاً إلاّ أنّ الإتيان به في الرواية محتمل لأن يراد به القدرة المعتبرة في وجوب الفعل ، ويحتمل أن يراد به الأعم.

ولو نوقش بأنّ الظاهر إرادة القدرة فقوله : « وإلاّ صلّى المغرب ثم صلاّها » يدلّ على لزوم صلاتها بعد المغرب ، فإن كان اعتماد شيخناقدس‌سره على المضائقة مع الاتحاد حتى في فعلها بعد الفريضة فالمعهود منه خلافه ، بل الفورية لا يقول بها على الإطلاق ، وإذا لم يكن كذلك دلّ الخبر على الاستحباب في الفعل بعد الحاضرة ، ومعه يقرب الاستحباب في البدأة ، هذا كلّه على تقدير صحّة خبر صفوان.

والذي وقفت عليه في التهذيب ما رواه عن محمّد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان(٢) ، والطريق إليه عن محمد بن يعقوب ، عن محمد بن إسماعيل(٣) ، وقد قدّمنا القول(٤) في محمّد بن إسماعيل ، والحاصل أنّه من الشيوخ فلا يبعد أن يكون من قبيل أحمد بن محمد بن يحيى وابن الوليد.

ثم إنّ الوالدقدس‌سره كان يختار الاستحباب في المتحدة والمتعدّدة ، والوجه فيه يظهر ممّا نقرّره وقرّرناه ، إلاّ أنّ اعتماد شيخناقدس‌سره على‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ٢٩٣ / ٦ ، التهذيب ٢ : ٢٦٩ / ١٠٧٣ ، الوسائل ٤ : ٢٨٩ أبواب المواقيت ب ٦٢ ح ٧.

(٢) التهذيب ٢ : ٢٦٩ / ١٠٧٣.

(٣) مشيخة التهذيب ( التهذيب ١٠ ) : ٤٧ ٥٠.

(٤) في ص ١٨٦ و ٢٤٧.


الاستحباب في المتعددة(١) لرواية ابن سنان المتقدمة عن التهذيب(٢) ، وفي هذا الكتاب عن ابن مسكان الدالة على فعل الصبح قبل المغرب والعشاء.

وفي المختلف استدلّ العلاّمة على وجوب تقديم فائتة اليوم وإن تعدّدت بما رواه زرارة في الصحيح عن الباقرعليه‌السلام (٣) ، والرواية على ما وقفت عليها في التهذيب فيها إبراهيم بن هاشم ومحمّد بن إسماعيل عن الفضل ، وهي مروية عن محمّد بن يعقوب(٤) ، وقد سمعت القول في محمد بن إسماعيل(٥) ، وفي الحبل المتين مروية في الصحيح(٦) ، وشيخنا أيضاً وصفها بالصحة(٧) ، ومتن الرواية قال : « إذا نسيت صلاة أو صلّيتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدأ باوليهن(٨) فأذّن لها وأقم ثم صلّها ثم صلّ ما بعدها بإقامة إقامة لكل صلاة ، قال : وقال أبو جعفرعليه‌السلام : « وإنْ كنت قد صلّيت الظهر وقد فاتتك الغداة فذكرتها فصلّ أيّ ساعةٍ ذكرتها ولو بعد العصر ومتى ما ذكرت صلاة فاتتك صلّيتها » وقال : « إن نسيت الظهر حتى صلّيت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صلّ العصر فإنّما هي أربع مكان أربع ، وإنْ ذكرت أنّك لم تصلّ الاولى وأنت في صلاة العصر وقد صلّيت منها ركعتين فصلّ‌

__________________

(١) المدارك ٤ : ٢٩٩.

(٢) راجع ص ١٤٢٦.

(٣) المختلف ٤ : ٤٣٨.

(٤) التهذيب ٣ : ١٥٨ / ٣٤٠.

(٥) راجع ص ١٨٦ ، ٢٤٧ ، ١٤٣٦.

(٦) الحبل المتين : ١٤٩.

(٧) المدارك ٤ : ٣٠٠.

(٨) في التهذيب : بأوّلهن.


الركعتين الباقيتين وقم فصلِّ العصر ، وإنْ كنت ذكرت أنّك لم تصلّ العصر حتى دخل وقت المغرب ولم تخف فوتها فصلِّ العصر ثم صلِّ المغرب ، وإنْ كنت قد صلّيت المغرب فقم فصلِّ العصر ، وإنْ كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين ثم ذكرت العصر فانوها العصر ثم سلّم ثم صلِّ المغرب ، وإن كنت قد صليت العشاء الآخرة ونسيت المغرب فقم فصلِّ المغرب ، وإنْ كنت ذكرتها وقد صليت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثم سلّم ثم قم فصلّ العشاء الآخرة ، وإنْ كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صلّيت الفجر فصلِّ العشاء الآخرة ، وإنْ كنت ذكرتها وأنت في ركعة أو في الثانية من الغداة فانوها العشاء ثمّ قم فصلّ الغداة وأذّن وأقم ، وإن كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعاً فابدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة ، ابدأ بالمغرب ثم صلّ العشاء ، وإنْ خفت أن تفوتك الغداة إن بدأت بهما فابدأ بالمغرب ثم بالغداة ثم صلّ العشاء ، وإن خشيت أن تفوتك صلاة الغداة إن بدأت بالمغرب فصلّ الغداة ثم صلّ المغرب والعشاء ابدأ باوليهما لأنّهما جميعاً قضاء أيّهما ذكرت فلا تصلّهما إلاّ بعد شعاع الشمس » قال : قلت : لم ذاك؟. قال : « لأنّك لست تخاف فوته »(١) .

وهذا الخبر أجاب عنه شيخناقدس‌سره بالحمل في المتعددة على الاستحباب ، لمعارضة خبر ابن سنان(٢) ، والوالدقدس‌سره كان يقول ـ بتقدير العمل به ـ : إنّ حمل بعضه على الاستحباب يقتضي حمل جميع أوامره على الاستحباب ؛ إذ من المستبعد اختلاف الخبر الواحد في الأوامر ، وقد يقال : إنّ بعض الأوامر فيه للوجوب قطعاً وهو حال ذكر الفائتة المتحدة مع فوات‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ١٥٨ / ٣٤٠ ، الوسائل ٤ : ٢٩٠ أبواب المواقيت ب ٦٣ ح ١.

(٢) المدارك ٤ : ٣٠٢.


وقتها في الجملة لا صيرورتها قضاءً ، فإمّا أن يحمل كلها على الوجوب ، ويشكل بمعارضة خبر ابن سنان ، وإن حملت كلّها على الندب خالفت الإجماع ، فلا بدّ من التزام عدم المانع من اختلاف الخبر ، وحينئذ يقال : إنّ الأمر للوجوب إلاّ ما خرج بسبب المعارض ، هذا على تقدير العمل بالأخبار.

ثم إنّ خبر زرارة المتقدم(١) ربما كان أولى بالاستدلال لشيخناقدس‌سره من خبر صفوان ، لما سمعت فيه ، واشتمال خبر زرارة على الحسين بن الحسن بن أبان لا أظنّ أنّ شيخنا يتوقف فيه ، وبتقدير التوقف ففي الزيادات قد رواه الشيخ عن زرارة والطريق فيه إبراهيم بن هاشم ، وقد حكم بصحة الطريق الذي هو فيه ، والخبر المذكور لزرارة الطويل يدل على المتحدة بسبب الأمر كما ذكرناه ، غير أنّ العدول من العصر والعشاء إلى ما قبلهما على تقدير الوقوع في المشترك غير ظاهر الوجه ، والحمل على المختص خلاف الظاهر ، وربما كان قوله : « وإنّما هي أربع مكان أربع » صريح المنافاة للاشتراك.

ثم إنّ حديث زرارة كما ترى يدلّ على ترتيب الفائتة مع التعدد على معنى أنّ المغرب قبل العشاء ، لقوله : « ابدأ باوليهما » يعني المغرب والعشاء ، وقد ذكر شيخناقدس‌سره في الاستدلال بها على الترتيب(٢) قوله : « وكان عليك صلوات فابدأ باوليهنّ فأذّن لها وأقم وصلّ ما بعدها بإقامة إقامة »(٣) .

__________________

(١) في ص ١٤١٥.

(٢) في النسخ زيادة : أنّ ، حذفناها لاستقامة العبارة.

(٣) المدارك ٤ : ٢٩٦.


ولا يخفى أنّ ما ذكرناه أوضح ، لاحتمال قوله : ابدأ باوليهنّ ثمّ صلّ ما بعدها كيف كان ، لكن لا يخفى أنّ الدلالة على الوجوب إنّما يتم بعد ما قرّرناه من أنّ خروج بعض الرواية للاستحباب لا يضرّ بحال باقي الأوامر الدالة على الوجوب ، ولا يخفى أنّ البحث الذي في لفظ « إذا » في الخبر السابق لا يتمشّى هذا الخبر ، لدلالته بغير « إذا » كما يعرف بالملاحظة.

والصدوق في الفقيه روى بطريقه الصحيح عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال : « أربع صلوات يصلّيها الرجل في كل ساعة : صلاة فاتتك فمتى ما ذكرتها أدّيتها » الحديث(١) . ودلالته بلفظ « متى » أوضح من « إذا » الواقعة في بعض الأخبار السابقة ، كما أنّ الاستدلال به على المضائقة له وجه لولا بعض الاحتمالات.

فإن قلت : ما الفرق بين « متى » و « إذا » مع أنّ الظاهر الاتحاد؟

قلت : لما تقدم من احتمال « إذا » الإهمال ، ويمكن أن يقال في « إذا » إنّ العموم فيها على تقديره لآناء الذكر ، على معنى أنّ أوقات الذكر ما دام حاصلاً يجب فعلها فيه ، لا أنّ كل ما حصل الذكر يجب ، وفيه : أنّ الفرق في هذا(٢) لا يخلو من تأمّل ، وأمّا لفظ « متى » فالعموم فيه إذا خلا من الارتياب احتمل إرادة ما ذكرناه في « إذا » وقد يرجّح إرادة جميع الأزمان أنّ الظاهر إرادة نفي الكراهة في الأوقات المذكورة في الأخبار والرد على العامّة.

وربما يقال : إذا كان الغرض نفي الأوقات المكروهة والردّ لا يدلّ على الفوريّة.

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٧٨ / ١٢٦٥ ، الوسائل ٤ : ٢٤٠ أبواب المواقيت ب ٣٩ ح ١.

(٢) في « فض » و « رض » : مع هذا.


وفيه : أنّه لا منافاة بين الفورية وما ذكر ، والحق أنّ العموم لوقت الذكر لا يقتضي الفوريّة ؛ لأنّ الحاصل أنّ وقت الذكر هو وقت القضاء ، فإن كان الذكر باقياً كان وقت القضاء متّسعاً فلا يفيد الفوريّة المطلوبة للقائل بها ، هذا إذا أُريد عموم آناء وقت الذكر ، ولو أُريد كل وقت ذكر فالأمر أوسع ، فينبغي تأمّل هذا كلّه فإني لم أقف على تحريره في كلام الأصحاب ، والله سبحانه أعلم بالصواب.

وأمّا الثاني : فما ذكره الشيخ فيه متوجه ، وكذلك الثالث(١) .

قوله :

باب وقت قضاء ما فات من النوافل.

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن محمّد بن بزيع العدوي ، عن أبي الحسن عبد الله بن عون الشامي قال : حدّثني عبد الله ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قضاء صلاة الليل والوتر ، تفوت الرجل أيقضيها بعد صلاة الفجر أو بعد(٢) العصر؟ قال(٣) : « لا بأس بذلك ».

عنه ، عن موسى بن جعفر ، عن أبي جعفر ، عن محمّد بن عبد الجبّار ، عن ميمون ، عن محمّد بن فرج(٤) قال : كتبتُ إلى العبد‌

__________________

(١) في النسخ : الرابع ، والصواب ما أثبتناه.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٨٩ / ١٠٥٨ : وبعد.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٨٩ / ١٠٥٨ : فقال.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٨٩ / ١٠٥٩ : عن محمد بن فرح.


الصالحعليه‌السلام أسأله عن مسائل ، فكتب إليّ : « وصلّ بعد العصر من النوافل ما شئت ، وصلّ بعد الغداة من النوافل ما شئت ».

محمد بن أحمد بن يحيى ، عن إبراهيم ، عن محمّد بن عمر الزيّات ، عن جميل بن دراج قال : سألت أبا الحسن الأوّلعليه‌السلام عن قضاء صلاة الليل بعد الفجر إلى طلوع الشمس ، قال : « نعم ، وبعد العصر إلى الليل(١) من سرّ آل محمّد المخزون ».

أحمد بن محمد ، عن عليّ بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن سليمان بن هارون قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن قضاء ( صلاة الليل )(٢) بعد العصر ، قال : « فاقضها متى ما شئت ».

الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيّوب ، عن الحسين بن أبي العلاء ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « اقض صلاة النهار أيّ ساعة شئت ، من ليل أو نهار كلّ ذلك سواء ».

عنه ، عن فضالة ، عن عبد الله بن مسكان ، عن ابن أبي يعفور قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « صلاة النهار يجوز قضاؤها في(٣) أيّ ساعة شئت ، من ليل أو نهار ».

أحمد بن محمد ، عن عليّ بن سيف ، عن حسّان بن مهران قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قضاء النوافل ، قال : « ما بين طلوع الشمس إلى غروبها ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٩٠ / ١٠٦٠ زيادة : فهو.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩٠ / ١٠٦١ بدل ما بين القوسين : الصلاة.

(٣) ليست في الاستبصار ١ : ٢٩٠ / ١٠٦٣.


السند‌ :

في الأول : فيه بعد ما تقدم(١) محمّد بن بزيع العدوي ، وهو مجهول الحال ؛ لعدم الوقوف عليه في الرجال ، وعبد الله بن عون الشامي موجود في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ لكن الشبامي(٢) ، وفي نسخة : ابن عوف ، والظاهر أنّه تصحيف ، وعلى كل حال هو مهمل.

والثاني : ضمير « عنه » يحتمل رجوعه إلى سعد ، وقد قدّمنا في باب آخر وقت الظهر كلاماً عن شيخنا ـ أيّده الله ـ أنّه قال ـ بعد السند الراوي فيه هناك سعد ، عن أحمد بن محمد بن عيسى وموسى بن جعفر ، عن أبي جعفر ـ : إنّ الظاهر عطف موسى بن جعفر على أحمد ، فإنّ سعداً روى عن موسى بن جعفر كما روى عن أحمد ، وموسى بن جعفر روى عن أحمد(٣) .

وذكرنا سابقا(٤) احتمال أبي جعفر لابن أبي نصر ، والذي هنا كما ترى يقتضي رواية سعد عن أحمد بن محمد بن عيسى ، بتقدير كونه المكنّى بأبي جعفر بواسطة ، ولا بُعد فيه ، نعم البُعد في رواية سعد عن محمد بن عبد الجبّار بواسطتين ، وفي الرجال أنّ سعداً يروي عن محمد بغير واسطة ، فيحتمل أن يكون « عن » الواقعة قبل محمّد عوض الواو ، كما هو واقع من الشيخ كثيراً ، ويحتمل عدم ذلك ، كما يحتمل سقوط الواو قبل‌

__________________

(١) في ص ٤٦ ، ٨١.

(٢) رجال الطوسي : ٢٢٥ / ٣٢.

(٣) في ص ١٢٨٤.

(٤) في ص ١٢٨٤.


« عن » ويكون قوله : عن محمد بن عبد الجبار معطوفاً [ على موسى بن جعفر فيكون سعد(١) ] راوياً عن موسى وعن محمّد.

أمّا احتمال رجوع ضمير « عنه » لمحمّد بن الحسين بن أبي الخطاب ( فيدفعه الممارسة للرجال )(٢) (٣) .

وأمّا ميمون فغير معلوم ، والذي في الرجال لا يحتمله بسبب المرتبة مع الإهمال ، ومحمّد بن الفرج ثقة.

والثالث : فيه إبراهيم ، وهو مشترك(٤) ، ومحمد بن عمر الزيّات ثقة على الظاهر من كونه محمّد بن عمرو بن سعيد الذي وثّقه النجاشي(٥) ، غير أنّ الشيخ ذكر محمّد بن عمر الزيّات في الفهرست مهملاً(٦) ، فتأمّل.

و[ الرابع : فيه(٧) ] سليمان بن هارون مجهول الحال ، لذكره مهملاً في أصحاب الصادق والباقرعليهما‌السلام من كتاب الشيخ(٨) .

[ والخامس (٩) ] : غير خفيّ بعد ما قدّمناه سيّما في الحسين بن‌

__________________

(١) في النسخ : على سعد فيكون ، والصواب ما أثبتناه.

(٢) في « فض » : فيدفعه الثاني بالممارسة للرجال يرجع الى سعد ، وفي « د » : فيدفعه الممارسة للرجال يرجع الى سعد ، وفي « رض » : فيدفعه الثاني كذا لممارسة الرجال يرجع الى سعد. والظاهر ما أثبتناه.

(٣) في « فض » زيادة : لما تقدّم من رواية سعد عن احمد بن محمد وموسى بن جعفر عن ابي جعفر وذكرنا هناك الحال ، وهي في « د » مشطوبة.

(٤) انظر هداية المحدثين : ٩.

(٥) رجال النجاشي : ٣٦٩ / ١٠٠١.

(٦) الفهرست : ١٥٤ / ٦٨٥ وفيه : محمد بن عمرو الزيات.

(٧) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المعنى.

(٨) رجال الطوسي : ١٢٤ / ١٢ و ٢٠٧ / ٧٨ و ٧٩.

(٩) في النسخ : والرابع ، والصواب ما أثبتناه.


أبي العلاء عن قريب(١) .

[والسادس (٢) : ] : أيضاً معلوم ، وفيه دلالة على أن ابن مسكان المتقدّم(٣) غير بعيد هو عبد الله ؛ لأن الراوي عنه فضالة أيضاً ، لكن باب الاحتمال واسع ، والظهور لا ينكر.

والسابع (٤) : فيه علي بن سيف ، وهو ابن عميرة ثقة ، وحسّان بن مهران كذلك ، وهو أخو صفوان.

المتن :

في الجميع ظاهر الدلالة على عدم تعيّن وقت لقضاء النوافل ، ويدلُّ على جواز فعل النافلة في وقت الفريضة ، وحينئذ يؤيّد ما سبق ، وقد قدّمنا(٥) بعض هذه الأخبار في ذاك المقام ، ولا يخفى أنّ خبر الحسين بن أبي العلاء يتناول الفرائض والنوافل ، كما أنّ خبر سليمان بن هارون يتناولها ، إلاّ أن يقال : إنّ المتبادر نوافل الليل ونوافل النهار.

وقد تقدم(٦) في بعض الأخبار المعتبرة ما يدل على تأخير القضاء في الفريضة لذهاب شعاع الشمس ، بل ظاهر خبر زرارة المنقول عن التهذيب النهي عن الفعل قبل ذلك ، لأنّه قال : « لا تصلّهما إلاّ بعد شعاع الشمس »(٧)

__________________

(١) راجع ص ١٤٠٧.

(٢) في النسخ : والخامس ، والصواب ما أثبتناه.

(٣) في ص ١٤٢٦.

(٤) في النسخ : والسادس ، والصواب ما أثبتناه.

(٥) في ص ١٤٤٠.

(٦) في ص ١٤٢٥.

(٧) التهذيب ٣ : ١٥٨ / ٣٤٠.


واللازم للعامل بالخبر حمله على الظاهر من الأمر ؛ إذ المعارض(١) لا يقاومه أعني خبر الحسين وإن نظرنا إلى ما تقدّم من الأخبار الدالة على القضاء في أيّ ساعة ذكر يمكن أن يقال : إنّه عام مخصوص بهذا الخبر.

وما تضمّنه خبر زرارة الطويل بعد قولهعليه‌السلام : « بعد شعاع الشمس » قلت : لم ذاك؟ قال : « لأنّك لست تخاف فوته » وجّهه بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله بأنّ السائل أراد بيان وجه التأخير عن الشعاع ، والجواب تضمّن أنّ كلاًّ من ذينك الفرضين لمّا كان قضاءً لم يخف فوت وقته ، فلا تجب المبادرة إليه في ذلك الوقت المكروه ، ففيه نوع إشعار بتوسعة القضاء(٢) . انتهى.

وقد يقال : إنّ السؤال كما يحتمل ما ذكر يحتمل أن يكون عن وجه فعل المغرب والعشاء معاً بعد الصبح وقبل الصبح ، وإن أمكنه فعل المغرب فقط فعلها وأخّر العشاء ، والحال أنّهما إذا كانا جميعاً قضاءً كما قالهعليه‌السلام فإمّا أن يؤخّرا أو يقدّما ، والجواب حينئذ بالفرق بسبب خوف فوات الصبح ، فمن ثَمَّ فرّق بينهما ، بخلاف ما إذا فعل الصبح ، فإنّ فعلهما لا مانع منه ، وعلى هذا لا يتعلق السؤال بالتأخير عن الشعاع.

وربما يرجّح هذا بأنّ الجواب عن التأخير لو كان لأجل الكراهة لما حسن الجواب بما ذكر ، أمّا أوّلاً : فلأنّ الضمير في « فوته » إن عاد لوقت القضاء لزم أنّ ما تقدّم من الفوات يراد به القضاء ، وليس كذلك.

وأمّا ثانياً : فلأنّ تقديم القضاء ليس لخوف(٣) فواته على تقدير التعدد‌

__________________

(١) في « فض » و « د » : إذا المعارض.

(٢) البهائي في الحبل المتين : ١٥٢.

(٣) في « فض » و « رض » : بخوف.


إلاّ على مذهب من يقول بالوجوب مطلقاً ، وعليه أيضاً لا يتمّ ، لأنه لا قائل بالخروج بل الفورية أمر آخر ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يمكن إبقاء دلالة خبر زرارة على ظاهره من إطلاق التأخير في الفريضة ، ويخصّ خبر الحسين بالنافلة ، أو يكون خبر الحسين ونحوه لبيان الجواز مطلقاً والآخر على الكراهة ، لدلالة بعض الأخبار المعتبرة(١) على كراهة الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها.

وما عساه يقال : إنّ ذلك الخبر اتي به بلفظ : « إنّما يكره الصلاة » وهي تستعمل في الأخبار بمعنى التحريم.

يمكن الجواب عنه بأنّ الكراهة مشتركة بين التحريم وغيره في الأخبار ، ومع الاشتراك أصالة عدم التحريم لا معارض لها ، إلاّ أن يقال : إنّ خبر زرارة ظاهرة المنع ، وهو كاف ، والمشهور الكراهة ، ولكن الخلاف ظاهر في متعلّقها.

وينقل عن المفيد إطلاق عدم جواز قضاء النوافل والابتداء بها عند طلوع الشمس وغروبها ، وأنّه لو زار بعض المشاهد عند طلوعها أو غروبها أخّر الصلاة(٢) .

وفي المختلف نقل أقوالاً(٣) في المقام يطول بشرحها الكلام ، غير أنّه حكى عن السيّد المرتضى أنّه قال : ممّا انفردت به الإماميّة كراهة صلاة الضحى ، وأنّ التنفّل بالصلاة بعد طلوع الشمس إلى وقت زوالها محرّم إلاّ في يوم الجمعة(٤) . وأنّه قال في المسائل الناصرية حيث قال الناصر‌

__________________

(١) انظر الوسائل ٤ : ٢٣٤ أبواب المواقيت ب ٣٨.

(٢) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٧٥ ، وهو في المقنعة : ١٤٤ و ٢١٢.

(٣) المختلف ٢ : ٧٥.

(٤) الانتصار : ٥٠.


لا بأس بقضاء الفرائض عند طلوع الشمس وعند استوائها وعند غروبها ـ : هذا صحيح عندنا ، وعندنا أنّه يجوز أن يصلّي في الأوقات المنهيّ عنها كل صلاة لها سبب متقدّم وإنّما لا يجوز أن يبتدأ فيها بالنوافل(١) .

ثم إنّ العلاّمة اختار ما نقله عن الشيخ من القول بكراهة ابتداء النوافل في الأوقات الخمسة دون القضاء ، واستدلّ عليه بأصالة عدم الكراهة ، وبخبر جميل وهو [ الثالث(٢) ] وبخبر ابن أبي يعفور وهو [ السادس(٣) (٤) ] ولا يخفى أنّ الخبر [ الثالث(٥) ] تضمّن نفي البأس إلى طلوع الشمس ، مع أنّ الشيخ عدّ في قوله من الأوقات المكروهة عند طلوع الشمس.

ويمكن الجواب بأنّ السؤال تضمّن ما قبل طلوع الشمس ، فإذا أتى الجواب بالجواز بقي ما بعد الطلوع كالمسكوت عنه ، فإذا دلّ خبر ابن أبي يعفور على الجواز مطلقاً أفاد المطلوب.

وفيه : أنّ خبر ابن أبي يعفور خاص بنوافل النهار ، فبقي نوافل الليل في حكم المسكوت عنه.

ويمكن الجواب : بأنّ الأصل المتقدّم لعدم الكراهة يبقى على حكمه في القضاء بعد طلوع الشمس ما لم يثبت المانع كراهةً أو تحريماً ، والحق إنّ إجمال الاستدلال غير لائق.

وما عساه يتوجه علينا من أنّ قولنا في أوّل الباب : إنّ جميع الأخبار دالة على عدم تعيّن وقت لقضاء النوافل يوجب الإجمال ؛ لأنّ بعضها لا يفيد ذلك كما ذكر.

__________________

(١) المسائل الناصرية ( الجوامع الفقهية ) : ١٩٤.

(٢) في النسخ : الرابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) في النسخ : السابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٤) المختلف : ٧٦.

(٥) في النسخ : الرابع ، والصحيح ما أثبتناه.


يجاب عنه : بأنّ الجميع من حيث هو يفيد لا كل واحد.

ولا يخفى أنّ الخبر [ السابع(١) ] دلالته على قول العلاّمة أوضح ، لأنّه صحيح ، والخبر الأول المستدل به فيه جهالة إبراهيم مع ما سمعته.

قوله :

فأمّا ما رواه الطاطري ، عن محمد بن أبي حمزة وعليّ بن رباط ، عن ابن مسكان ، عن محمّد الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إنّ الشمس تطلع بين قرني الشيطان وتغرب بين قرني الشيطان » وقال : « لا صلاة بعد العصر حتى تصلّي المغرب ».

عنه ، عن محمّد بن سكين(٢) ، عن معاوية بن عمّار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا صلاة بعد العصر حتى تصلّي المغرب ، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ».

فالوجه في هذه الأخبار وما جانسها أحد شيئين :

أحدهما : أن تكون محمولة على التقية لأنّها موافقة لمذاهب العامة.

والثاني : أن تكون محمولة على كراهة ابتداء النوافل في هذين الوقتين وإن لم يكن ذلك محظوراً ، لأنّه قد وردت(٣) رخصة في جواز الابتداء بالنوافل في هذين الوقتين ، روى ذلك :

أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه(٤) قال : قال لي

__________________

(١) في النسخ : الثامن ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩٠ / ١٠٦٦ و « فض » و « د » : مسكين.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٩٠ / ١٠٦٦ : رويت

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٩١ / ١٠٦٧ زيادة :رحمه‌الله .


جماعة من مشايخنا عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي ، وورد عليه فيما ورد من جواب مسائله عن محمد بن عثمان العمريرحمه‌الله : وأمّا ما سألت عنه من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فإن كان كما يقول الناس : إنّ الشمس تطلع بين قرني الشيطان وتغرب بين قرني الشيطان فما أرغم أنف الشيطان بشي‌ءٍ أفضل من الصلاة فصلّها وأُرغم الشيطان(١) .

والذي يدلّ على هذا التفصيل الذي ذكرناه :

ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن عيسى ، عن أبي الحسن عليّ بن بلال قال : كتبت إليه في قضاء النافلة من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ومن بعد العصر إلى أن تغيب الشمس فكتب : « لا يجوز ذلك إلاّ للمقتضي فأمّا لغيره فلا ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن سعد بن إسماعيل ، عن أبيه إسماعيل بن عيسى قال : سألت الرضاعليه‌السلام عن الرجل يصلّي الاولى ثم يتنفّل فيدركه وقت العصر من قبل أن يفرغ من نافلته فيبطئ بالعصر بعد نافلته أو يصلّيها بعد العصر أو يؤخّرها حتى يصلّيها في وقت آخر(٢) ؟ قال : « يصلّي العصر ويقضي نافلته في يوم آخر ».

فالوجه في هذا الخبر أنّه إذا صلّى في آخر وقته فيكون قد قارب غيبوبة الشمس وذلك وقت يكره فيه الصلاة على ما بيّناه ، وذلك أيضاً محمول على ما ذكرناه من الاستحباب.

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن البرقي ، عن سعد بن سعد ،

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٩١ / ١٠٦٧ : وارغم أنف الشيطان.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩١ / ١٠٦٩ : في آخر وقت.


عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال : سألته عن الرجل يكون في بيته وهو يصلّي وهو يرى أنّ عليه ليلاً(١) ثم يدخل عليه الآخر من الباب ، فقال : قد أصبحت ، هل يصلّي الوتر أم لا؟ أو يعيد شيئاً من صلاته(٢) ؟ قال : « يعيد إن صلاّها مصبحاً ».

فالوجه في هذا الخبر أنّه إنّما أوجب عليه الإعادة إن(٣) صلاّها مصبحاً ، لأنه إذا أصبح يكون قد تضيّق وقت الفريضة ، فلا يجوز أن يصلّي نافلة ، فإذا صلاّها كان عليه إعادتها ، لأنه صلاّها في غير وقتها على ما بيّناه ،

ويبيّن ذلك :

ما رواه أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي بكر(٤) ، عن جعفر بن محمّدعليه‌السلام قال : « إذا دخل وقت صلاة فريضة فلا تطوع ».

فأمّا كيفية القضاء فقد أفردنا له باباً بعد(٥) هذا الباب.

السند‌ :

في الأول الطاطري ، وهو عليّ بن الحسن الثقة الواقفي المتقدم(٦) ذكره. ومحمّد بن أبي حمزة تقدّم(٧) أنّه يقال : للثمالي وغيره ، إلاّ أنّ‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٩٢ / ١٠٧٠ : الليل.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩٢ / ١٠٧٠ : من صلاة الليل.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٩٢ / ١٠٧٠ : إذا.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٩٢ / ١٠٧١ : عن أبي بكر الحضرمي

(٥) في الاستبصار ١ : ٢٩٢ / ١٠٧١ : عقيب.

(٦) في ص ١٢٣٨.

(٧) في ص ١٠٤.


الظاهر عند الإطلاق الثمالي الثقة على ما نعهده من مشايخنا(١) ، وفي هذا المقام احتمال غيره المذكور في رجال الصادقعليه‌السلام في غاية البعد. وأمّا علي بن رباط فلا يزيد حاله عن الإهمال بتقدير مغايرته لعلي بن الحسن بن رباط ، ومع الاتحاد فهو ثقة.

فإن قلت : لا وجه للاتحاد ، فإنّ الكشي نقل عن نصر بن الصباح : أنّ علي بن رباط أخو الحسن بن رباط ، فعلي بن الحسن بن رباط حينئذ يكون ابن أخي علي بن رباط(٢) .

قلت : الأمر كما ذكرت إلاّ أنّ نصر بن الصباح لا يعتمد عليه ، فلا أقلّ من الاحتمال.

والثاني : فيه محمّد بن سكين ، وهو ثقة في النجاشي ، إلاّ أنّه قال فيه : روى أبوه عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٣) ، وفي التهذيب في باب التيمم روايات عن محمّد بن سكين وغيره عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٤) ، فما أدري الوجه في حصر الرواية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في أبيه ، ولو أُريد عدم الحصر لم تظهر الفائدة ، واحتمال الإرسال في الروايات مستبعد ، فليتأمّل.

وفي بعض النسخ : ابن مسكين وكأنّه تصحيف.

والثالث : أبو الحسين فيه في الرجال إنّه ثقة صحيح الحديث ، إلاّ أنّه كان يقول بالجبر والتشبيه(٥) . ومعنى هذا لا يخلو من إجمال ، كما قدّمناه في غيره ممّن قيل فيه مثله(٦) .

__________________

(١) كما في منهج المقال : ٢٧٥.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٦٦٣ / ٦٨٥.

(٣) رجال النجاشي : ٣٦١ / ٩٦٩.

(٤) التهذيب ١ : ١٨٤ / ٥٢٩ ، الوسائل ٣ : ٣٤٦ أبواب التيمم ب ٥ ح ١.

(٥) انظر رجال النجاشي : ٣٧٣ / ١٠٢٠.

(٦) في ص ٢٥٩.


ثم إنّ الرجل يروي عنه الصدوق بواسطة جماعة من مشايخه(١) .

وفي النجاشي قال : إنّه يقال له : محمّد بن أبي عبد الله كان ثقة صحيح الحديث ، إلاّ أنّه روى عن الضعفاء وكان يقول بالجبر والتشبيه ، وكان أبوه وجهاً روى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى(٢) .

والظاهر أنّ ضمير « عنه » لأبيه ، لا لمحمّد ؛ لأنّ النجاشي قال بعد ذلك له كتاب الجبر ، وذكر أنّ الراوي له الحسن بن حمزة ، وهذا وإن كان لا يقتضي الحصر في الحسن ، إلاّ أنّ رواية أحمد بن محمّد بن عيسى عن محمّد بن جعفر بعيدة.

لا سيّما وقد ذكر شيخنا أيّده الله أنّ المذكور في العِدّة وهو محمّد ابن أبي عبد الله هو الأسدي(٣) ، فكيف يروي عنه محمّد بن يعقوب بغير واسطة ، والحال أنّ أحمد بن محمّد بن عيسى يروي عنه محمّد بن يعقوب بواسطة أو واسطتين ، أمّا رواية الحسن بن حمزة وهو العلوي عنه فقريبة ، وبها يستبعد رواية أحمد بن محمد بن عيسى عنه ؛ لأنّ الحسن بن حمزة من شيوخ المفيد ونحوه ، وإن روى عنه التلعكبري أيضاً ، فروايته عن محمّد بن جعفر لا بُعد فيها ، أما أحمد بن محمّد بن عيسى إذا اتفق في الرواية عن محمّد بن جعفر مع الحسن بن حمزة كان في غاية البعد ، فليتأمّل.

والرابع : كما ترى فيه رواية محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن عيسى ، وقد استثني من رواية محمّد بن أحمد بن يحيى لكن في الاستثناء قيّدوه بالإسناد المنقطع ، وقد قدّمنا(٤) أنّه غير ظاهر المعنى ، أمّا علي بن‌

__________________

(١) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٧٦.

(٢) رجال النجاشي : ٣٧٣ / ١٠٢٠.

(٣) منهج المقال : ٤٠١.

(٤) في ص ٩١.


بلال فهو ثقة.

والخامس : فيه سعد بن إسماعيل وأبوه وهما مجهولا الحال ، إذ لم أقف عليهما في الرجال.

والسادس : معلوم مما تقدّم(١) ، وسعد بن سعد هو الأشعري الثقة في النجاشي(٢) ، وذكر أنّ الراوي عنه محمّد بن خالد.

والسابع : أبو بكر فيه على الظاهر هو الحضرمي ، لأنّه كثير الرواية عنه في كتب الحديث وحاله لا يزيد على الإهمال كما تقدّم(٣) .

المتن :

في الأول : نقل العلاّمة في المختلف أنّه حجة المخالف(٤) ، وإجمال المخالف غير خفي على من راجع كلامه في نقل الأقوال ، وأجاب عنه بالوجه الثاني من وجهي الشيخ ، وهو الحمل على الابتداء جمعاً بين الأخبار ، ولا يخفى أنّه غير تامّ ؛ لأنّ انحصار الجمع فيه لا وجه له بعد إمكان الحمل على التقيّة ، والتعليل فيه شامل للمبتدإ به وغيره الفرض والنفل ، وحينئذ لا يخصّص الجمع إلاّ بمخصّص.

وما قاله الشيخ من كراهة ابتداء النوافل في هذين الوقتين له وجه من جهة الحصر في الوقتين ، إلاّ أنّ العلاّمة في المختلف جعل مختاره الكراهة في الأوقات الخمسة كما قاله الشيخ(٥) ، والذي نقله عن الشيخ بعد طلوع‌

__________________

(١) في ص ٦٨.

(٢) رجال النجاشي : ١٧٩ / ٤٧٠.

(٣) في ص ٤٣٠.

(٤) المختلف ٢ : ٧٦.

(٥) المختلف ٢ : ٧٦.


الفجر إلى طلوع الشمس ، وبعد العصر إلى الغروب ، وعند طلوع الشمس ، وعند قيامها ، وعند غروبها(١) . فالعجب من العلاّمة حيث ذهب(٢) إلى شي‌ء ولم يذكر دليله تامّاً.

وينقل عن المنتهى أنّه حكى الإجماع على أنّ النهي الوارد في الأخبار لا يتناول الفرائض(٣) ، وقد سبق في رواية الصدوق الصحيحة عن زرارة ما يدلّ على قضاء الفرائض متى ذكرها(٤) ، وأمّا النوافل فقد قال الشيخ في النهاية بشمول الحكم لجميعها أداءً وقضاءً(٥) ، وما ذكره الشيخ هنا : من أنّه قد رويت رخصة ، إلى آخره. لا يخلو من غرابة ؛ لأنّ الخبر المستدل به صريح في الرجحان الدافع للكراهة ، فكيف تتمّ إرادة الرخصة منه مع قوله : « فصلّها وأرغم الشيطان » والخبر غير خاص بالابتداء بالنوافل ، بل شامل للفرائض والنوافل ، المبتدأة وغيرها.

وخبر علي بن بلال المستدل به على التفصيل لا يدلّ عليه ؛ لأنّ مطلوب الشيخ كراهة المبتدأة دون ذوات الأسباب ، والجواب تضمّن أنّه لا يجوز إلاّ للمقتضي ، والمقتضي يحتمل أن يراد به السبب لكن لا يطابق السؤال ، لأنّ مورده قضاء النوافل ، والقضاء معدود من الأسباب ، كما يحكى عن الشيخ في المبسوط ، أنّ فيه : فإن كانت نافلةً لها سبب مثل قضاء النوافل أو صلاة زيارة أو تحية مسجد أو صلاة إحرام أو طواف نافلة(٦) .

__________________

(١) المختلف ٢ : ٧٤.

(٢) في « رض » و « فض » : يذهب.

(٣) المنتهى ١ : ٢١٥.

(٤) راجع ص ١٤٣٢ و ١٤٣٣.

(٥) النهاية : ٦٢.

(٦) المبسوط ١ : ٧٦.


إلاّ أن يقال : إنّ الجواب أفاد العموم فيدخل المسئول عنه ، على أنّه يحتمل أن يراد بالقضاء في السؤال الفعل ، ويحتمل أن يراد بالمقتضي معنىً آخر لا يخفى على من تدبّر الرواية ، هذا.

وقد فسّر طلوع الشمس بين قرني شيطان بأنّ الشيطان يدني رأسه من الشمس في هذين الوقتين ؛ لأنّ الذين يعبدون الشمس يسجدون لها فيكونون ساجدين له(١) ، واحتمل الوالدقدس‌سره أن يكون كناية عن قبح الوقت ، كما قاله بعض المفسّرين في قوله تعالى( طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ) (٢) وله وجه ، وفي الظن أنّ الحمل على التقية أقرب المحامل.

فقد رأيت في صحيح مسلم أخباراً كثيرة دالة على النهي عن الصلاة في الأوقات المذكورة في كلام الأصحاب ، وخصوصاً ما روى فيه أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس ، وروى أيضاً طلوع الشمس بين قرني الشيطان(٣) ، وفي الخبر السابق ما يدل على أنّ القائل بهذا من أهل الخلاف ، وبالجملة من اطّلع على أخبارهم لا يكاد يختلجه الشك في أنّ بعض أخبارنا محمول على التقية ، ورأيت أيضاً كثيراً من أخبار المواقيت للصلوات مرويّة عندهم على وجه يخالف أخبارنا.

وقد صرح بعض شرّاح حديثهم : بأنّ قولهعليه‌السلام : « بعد الصبح » يراد به بعد صلاة الصبح ، وكذا بعد العصر ؛ لأنّ الأوقات المكروهة على قسمين ، منها : ما يتعلق الكراهة فيه بالفعل فلو تأخّر الفعل لم تكره الصلاة‌

__________________

(١) كما في النهاية لابن الأثير ٤ : ٥٢ ( قرن ) ، الحبل المتين : ١٥٥.

(٢) الصافات : ٦٥.

(٣) صحيح مسلم ١ : ٤٢٧ / ١٧٣.


قبله ، وإن تقدم كرهت ، ومنها : ما يتعلق بالوقت كطلوع الشمس إلى الارتفاع(١) . وفي كلام بعض الأصحاب أيضاً مذكور بنوع إجمال(٢) .

وأمّا خبر إسماعيل بن عيسى فما ذكره الشيخ في توجيهه لا يخلو من نظر :

أمّا الأول : فلأنّ المتقدم منه في النوافل المبتدأة ، والقضاء من ذوي الأسباب كما تقدم(٣) .

والثاني : فلأنّ التلبّس بصلاة الليل قد سبق ما يدل على الإتمام بعد الفجر للجميع ، وما استدل به من النهي عن التطوع مخصوص بما مضى ، فالعجب منهرحمه‌الله .

ولا يبعد حمل الأوّل على التقية أو على الإنكار ، والمعنى كيف يصلّي العصر ويقضي نافلتها في يوم آخر؟!.

والثاني : لا يخلو من اعتبار وحمله على استحباب الإعادة ممكن.

قوله :

باب كيفيّة قضاء (٤) النوافل والوتر.

علي بن مهزيار ، عن الحسن ، عن النضر ، عن هشام بن سالم وفضالة ، عن أبان جميعاً عن سليمان بن خالد قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن قضاء الوتر بعد الظهر؟ فقال : « اقضه وتراً أبداً كما فاتك » قلت‌

__________________

(١) كالقسطلاني في إرشاد الساري ١ : ٥٠٨.

(٢) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٤٩.

(٣) في ص ١٤٥٢.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٩٢ زيادة : صلاة.


وتران في ليلة؟ قال : « نعم ، أليس أحدهما قضاءً ».

عنه ، عن الحسن بن علي ، عن علي بن النعمان ، عن محمّد بن سنان وفضالة ، عن الحسين جميعاً عن ابن مسكان ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قضاء الوتر ، قال : « اقضه وتراً أبداً ».

عنه ، عن الحسن ، عن أحمد بن محمّد ، عن جميل بن دراج ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : سألته عن الوتر يفوت الرجل ، قال : « يقضيه(١) وتراً أبداً ».

عنه ، عن أحمد بن محمّد ، عن عبد الله بن المغيرة ، قال : سألت أبا إبراهيمعليه‌السلام عن الرجل يفوته الوتر ، قال : « يقضيه وتراً أبداً ».

عنه ، عن الحسن ، عن فضالة ، عن حمّاد بن عثمان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلت : أُصبح عن الوتر إلى الليل كيف أقضي؟ قال : « مثلاً بمثل ».

السند‌ :

في الأول : لا يبعد أن يكون الحسن فيه ابن سعيد ، لما يأتي مفصلاً ، وفضالة معطوف على النضر حينئذ ، واحتمال غيره بعيد ، كاحتمال الحسن لغير ابن سعيد ، وأبان وسليمان مضى القول فيهما(٢) كغيرهما من المذكورين.

والثاني : فيه الحسن بن علي ، وهو محتمل لابن فضّال والوشّاء على قرب وغيرهما على بعد ، وربما يؤكّد كون الحسن الأول هو الثاني ، لكن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٩٢ / ١٠٧٤ : يقضي.

(٢) في ص ١٣٠ و ٢٧٤.


في الظن أنه موهوم وإنما هو عن علي. وفي بعض النسخ كما ذكرت ، عن الحسن ، عن علي بن النعمان ، لكن على ظاهر النسخة ربما يحصل التأييد. وفضالة على الظاهر من الممارسة عطفه على علي بن النعمان ، والتأييد حينئذ لكون الحسن ، ابن سعيد ، والنسخة موهومة كما تعرف بالمراجعة للرجال ، والحسين هو ابن عثمان.

والبواقي معروفو الحال ، لكن الأخير يؤيّد أنّ الحسن هو ابن سعيد لروايته عن فضالة.

المتن :

في الأخبار كلّها واضح ، غير أنّ الأوّل يدل على أنّ فعل وترين أداءً في ليلة غير مشروع ، وقد يستفاد منه أنّ فاعل الوتر من دون صلاة الليل على مقتضى الأخبار السابقة لو انكشف اتساع الليل لصلاته مع الوتر لا يشرع له فعل الوتر معها ثانياً ، إلاّ أن يقال : إنّ الإنكار في الخبر فحوى كلام السائل ، وفيه : أنّ التقرير من الإمام(١) عليه‌السلام يحقّقه ، نعم قد يقال : إنّه لنفي الكراهة ، وفيه ما فيه.

وأمّا الأخير فهو صريح في أنّ التأخير إلى الليل ( لا يقتضي قضاء الوتر إلاّ وتراً )(٢) ، فينافي صريحاً ما يأتي من الشيخ في توجيه الأخبار الآتية بما بعد الزوال.

__________________

(١) في « فض » : الكاظم.

(٢) في « فض » : يقتضي قضاء الوتر وتراً.


قوله :

فأمّا ما رواه عليّ بن مهزيار ، عن الحسن ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة ، عن زرارة ، عن الفضيل قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : « يقضيه من النهار ما لم تزل الشمس وتراً فإذا زالت الشمس فمثنى مثنى ».

عنه ، عن الحسن ، عن فضالة ، عن حسين بن عثمان ، عن سماعة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « الوتر ثلاث ركعات إلى زوال الشمس فإذا زالت فأربع ركعات ».

عنه ، عن الحسن ، عن محمّد بن زياد ، عن كردويه الهمداني قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن قضاء الوتر ، فقال : « ما كان بعد الزوال فهو شفع ركعتين ركعتين ».

فالوجه في هذه الأخبار أحد شيئين ، أحدهما : أن نحملها على من يريد قضاء الوتر جالساً ، فهو ينبغي أن يصلّي بدل كل ركعة ركعتين على جهة الأفضل وإن كان لو صلّى بدل كل ركعة ركعة جالساً لم يكن عليه شي‌ء.

يدلّ على ذلك.

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن عبد الله بن(١) بحر ، عن حريز ، عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجل يكسل أو يضعف فيصلّي التطوع جالساً ، قال : « يضعّف ركعتين بركعة ».

__________________

(١) في « رض » زيادة : يحيى.


عنه ، عن فضالة ، عن حسين ، عن ابن مسكان ، عن الحسن بن زياد الصيقل قال : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : « إذا صلّى الرجل جالساً وهو يستطيع القيام فليضعّف ».

والذي يدل على أنّه يجوز(١) أن يقضيه وتراً وإن قضى(٢) بعد الظهر :

ما رواه أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن علي بن يقطين قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الرجل يفوته الوتر من الليل ، قال : « يقضيه وتراً متى ما ذكر وإن زالت الشمس ».

السند‌ :

في الأول : فيه الحسن ، والظاهر أنّه ابن سعيد : لما يظهر من الخلاصة أنه الذي أوصل علي بن مهزيار وإسحاق بن إبراهيم إلى الرضاعليه‌السلام ، ثم أوصل بعد إسحاق علي بن الريّان ، وكان سبب معرفة هؤلاء الثلاثة بهذا الأمر ، ومنه سمعوا الحديث وبه عرفوا(٣) . انتهى.

واحتمال أن يكون ضمير « منه » عائداً إلى الرضاعليه‌السلام بعيد بعد قوله : وبه عرفوا.

وما في الكشي الذي وقفت عليه الآن من كتاب شيخنا المحقق ـ سلّمه الله(٤) ـ : من أن الحسن بن سعيد مولى أيضاً إسحاق بن إبراهيم‌

__________________

(١) في الإستبصار ١ : ٢٩٣ / ١٠٨١ زيادة : له.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩٣ / ١٠٨١ : قضاه.

(٣) الخلاصة : ٣٩ / ٣.

(٤) في « رض » : أيده الله.


الحضيني وعلي بن الريان(١) بعد إسحاق إلى الرضاعليه‌السلام وكان سبب معرفتهم لهذا الأمر ومنه سمعوا الحديث ، إلى آخره(٢) . فالضاهر أنّه مغلوط.

وفي الاختيار للشيخ من كتاب الكشي : وكان الحسين توالى أيضاً ، إلى آخره(٣) . والحال فيه ما سمعته.

والذي في الخلاصة واضح.

وما قد يقال : إنّ ما في الكشي بتقدير التصحيف وعدمه يدل على أنّ علي بن مهزيار في الخلاصة موهوم وإنّما هو علي بن الريان ، لعدم ذكر علي بن مهزيار في الكشي.

فالجواب عنه : أنّ ظاهر عبارة الكشي نقصان رجل آخر ، فالظاهر أنّ ما نقل العلاّمة دليل على أنّ المتروك علي بن مهزيار ، ويؤيّده ما ذكره الشيخ في رجال الرضاعليه‌السلام من كتابه : أنّ الحسن بن سعيد هو الذي أوصل علي بن مهزيار وإسحاق بن إبراهيم الحضيني إلى الرضاعليه‌السلام (٤) .

وإن أمكن أن يقال : إنّ الشيخ لا يخلو كلامه من احتمال أن يكون قوله : علي بن مهزيار. سبق قلم ، وإنّما هو علي بن الريان ، لأنّ نقله من الكشي ، والذي فيه قد سمعته. ويدلُّ على ذلك أنّ الشيخ قال : حتى جرت الخدمة على أيديهما. وتثنية الضمير ينبئ عن انتفاء الثالث. وفيه نوع تأمّل لاحتمال ذكر الرجلين لا للاختصاص.

__________________

(١) في « فض » زيادة : بن ط.

(٢) منهج المقال : ١٠٠.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٨٢٧ / ١٠٤١ ، والموجود فيه : وكان الحسن بن سعيد هو الّذي أوصل.

(٤) رجال الطوسي : ٣٧١ / ٤.


( وفي الظن )(١) أنّ العلاّمة أراد الجمع بين قول الكشي : علي بن الريان ، وقول الشيخ : علي بن مهزيار ، فجعلهم ثلاثة ، وذلك غير بعيد لولا أنّ الكشي قال : وكان سبب معرفتهم. وإن احتمل كون المراد مَن ذكره فقط.

وبالجملة فالذي حكمنا به أوّلاً من الظهور اعتماداً على ظاهر كلام العلاّمة ، والمقام لا يخلو من ارتياب بالنسبة إلى ما ذكرناه من كلام الكشي والشيخ.

مضافاً إلى عدم ذكر علي بن مهزيار في الطرق إلى الحسن. وإن أمكن أن يقال : بعدم ضرورة هذا ؛ إذ لم يذكر علي بن الريان وإسحاق في الطرق أيضاً.

وعلى تقدير التوقف من جهة ما ذكرناه فالخبر الآتي عن الحسن عن فضالة ربما يؤيّد ظهور كون الحسن ، ابن سعيد ؛ لروايته عن فضالة بكثرة ، مضافاً إلى التصريح بذلك في الرجال(٢) .

وأمّا الثاني : ففيه الحسين بن عثمان ، وسماعة ، وقد مضى القول فيهما مع أبي بصير(٣) .

والثالث : فيه محمّد بن زياد ، وقد مضى(٤) أنّه مشترك ؛ وفي الظن احتمال كونه ابن أبي عمير ، لأنّ اسم أبيه زياد ، وسيأتي(٥) إن شاء الله في خبر محمّد بن زياد عن حمّاد ، وهو قرينة على كونه ابن أبي عمير كما سنوضحه هناك.

__________________

(١) في « فض » : وقد يظن.

(٢) انظر رجال النجاشي : ٣١١ / ٨٥٠.

(٣) في ص ١٣١ و ٧٨ و ٥١.

(٤) في ص ٢٠٤.

(٥) في ص ١٤٧٨.


وممّا يؤيد ما ذكر هنا رواية الحسن سابقاً عن ابن أبي عمير.

والعجب من شيخنا أيّده الله أنّه لم يذكر في كتابه محمد بن زياد أعني ابن أبي عمير ولعلّ العذر عدم ذكر أصحاب الرجال السابقين له.

وأمّا كردويه فمضى أنّه مجهول الحال(١) ؛ وما قاله الشهيدرحمه‌الله من أنّه لقب مسمع كردين ، قدّمنا(٢) أنّا لم نعلم مأخذه.

والرابع : فيه عبد الله بن بحر ، وقد ذكر العلاّمة في الخلاصة : أنه روى عن أبي بصير ، والرجل ضعيف مرتفع القول(٣) . قال شيخنا أيّده الله في كتابه : وزاد ابن داود أنّه في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام ، ولم أجده لكنه الظاهر(٤) . انتهى.

ولا أعلم وجه الظهور إلاّ من حيث إنّ العلاّمة يرجع إلى كتاب الشيخ أو النجاشي ، وهو منتف عن الثاني فيكون من كتاب الشيخ ، فذكر ابن داود(٥) قرينة على ذلك ؛ وإن كان في روايته عن أبي بصير ما ينافي القول بأنّه ممن لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام ، إلاّ أنّ للشيخ اصطلاحاً في هذا على تقدير وجوده في كتابه.

والخامس : فيه الحسن بن زياد الصيقل وحاله لا يزيد على الإهمال ، وظن بعض الأصحاب أنّه العطّار الثقة(٦) ، لا أعلم وجهه.

والسادس : واضح الصحة.

__________________

(١) في ج ١ : ٢٨٣.

(٢) في ج ١ : ٢٨٣.

(٣) الخلاصة : ٢٣٨ / ٣٤.

(٤) منهج المقال : ٢٠٠.

(٥) رجال ابن داود : ٢٥٣ / ٢٦٤.

(٦) انظر هداية المحدثين : ٣٩.


المتن :

في الأول : محتمل لأن يراد بقوله : « مثنى مثنى » الإشارة إلى أنّ بعد زوال الشمس لا يكون القضاء بل تصلى نوافل الزوال ؛ والإجمال خفي الوجه عنا وربما يعلمه السائل. وما ذكره الشيخ من الوجه لا وجه له ؛ إذ الصلاة جالساً لا يختص حكمها بما بعد الزوال كما هو واضح ؛ ولو لم ينعقد الإجماع أمكن العمل بالتخيير في قضاء الوتر.

والثاني : ربما كان له ظهور في الوتر ، لكن احتمال أن يراد بالأربع الفرض والإتيان بالأربع إشارة إلى دخول الفريضة في حيّز الإمكان. واحتمال الشيخ فيه ـ مع ما تقدم ـ : أنّ الوتر اسم للثلاث فالأربع زيادة ركعة فقط ، والجلوس في قول الشيخ يصير مجمل المرام ، بل ربما يضر بحال الظاهر من الرواية.

والرواية الاولى المستدل بها لا تدل على خصوص قضاء الوتر بعد الزوال إذ هو المطلوب. والثانية تدل على أنّ من استطاع القيام يضعّف فهي خاصة في خاص.

وأمّا الخبر الأخير : فهو واضح الدلالة على قضاء الوتر وتراً ، مع دلالته على جواز القضاء بعد الزوال الموجب لتخصيص المنع من فعل التطوع بعد دخول وقت الفريضة بغير قضاء الوتر على تقدير العمل بالظواهر الدالة على المنع من التطوع على الإطلاق ، وقد قدّمنا فيه الكلام.

وما عساه يقال : من أنّ هذا الخبر ينافي الاحتمال الذي قدمناه في الخبر الأول.

يمكن الجواب عنه : بحمل الخبر الأول على أفضلية الترك وهذا‌


الخبر على الجواز.

قوله(١) :

والوجه الثاني في الأخبار المتقدمة أن تكون متوجهاً إلى من يتهاون بالصلاة ويتعمد تركها على طريق التغليظ عليه ، يدل على ذلك :

ما رواه علي بن مهزيار ، عن الحسن ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة قال : إذا فاتك وتر من ليلتك فمتى ما قضيته ( من الغد قبل الزوال قضيته وتراً ، ومتى ما قضيته ليلاً قضيته وتراً ، ومتى ما قضيته نهاراً بعد ذلك اليوم قضيته )(٢) شفعاً تضيف إليه أُخرى حتى يكون شفعاً ، قال : قلت(٣) : ولِم جعل الشفع؟ قال : عقوبةً لتضيعه(٤) الوتر.

فأمّا ما يدل على أنّه إذا صلّى جالساً جاز له ركعة بركعة :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمّد ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قلت له : إنّا نتحدّث نقول : من صلّى وهو جالس من غير علة كانت صلاته ركعتين بركعة وسجدتين بسجدة ، فقال : « ليس هو هكذا (٥) هي تامّة لكم ».

__________________

(١) في « رض » : قال.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٩٤ / ١٠٨٣ زيادة : له.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٩٤ / ١٠٨٣ : لتضييعه.

(٥) في « د » : ليس كذلك هي. ، وفي « رض » و « فض » : ليس كذا هي. ، وما أثبتناه من الإستبصار ١ : ٢٩٤ / ١٠٨٤.


السند‌ :

في الأول : واضح بعد ما قدّمناه ، وربما يظهر من الرجال رواية الحسن بن علي بن فضال عن حمّاد فيحتمل إرادته هنا كما في السابق ؛ وفي الروايات لا تحضرني الآن رواية فيها الحسن بن علي عن حمّاد ، والذي في الرجال أيضاً فيه نوع تأمّل.

والثاني : رجاله معروفون بما كرّرنا القول فيه في القاسم بن محمّد الجوهري وعلي بن أبي حمزة البطائني وأبي بصير(١) .

المتن :

في الأول ظاهر في أنّ الوتر إذا قضي من الغد قبل الزوال يقضى وتراً ، وإن قضي ليلاً أو نهاراً بعد ذلك اليوم يقضى شفعاً ؛ والظاهر من القضاء ليلاً وقوعه في الليلة المستقبلة ، ومن النهار بعد ذلك اليوم الذي عبّر عنه بالغد ، فلا يدل على مطلوب الشيخ من أنه لو قضي بعد الزوال كان شفعاً ؛ وقد أوضحت الحال في ذلك في حواشي التهذيب ، لأنّ الشيخ بسط القول هناك كما هنا.

وأما الثاني : فالظاهر منه أنّ فعل الركعتين جالساً تامّة في أداء الوظيفة ، والمعارضة بها لما دل على التضعيف لا وجه له(٢) ، لعدم تعرض الشيخ لها ؛ ولعلّ الجمع ممكن على تقدير العمل بالأخبار بحمل التضعيف على الأفضل ، وقد روى الصدوق في الفقيه بطريق إذا انضمّ إليه ما قررناه‌

__________________

(١) في ص ١٢٩ ، ٢٠٧ ، ٥١.

(٢) ليست في « فض » و « رض ».


يقاوم الصحيح جواز صلاة النوافل جالساً من غير علّة(١) .

وفي التهذيب أخبار معتبرة دالة على أنّ من صلّى جالساً فقام بعد القراءة ثم ركع عن قيام حسب له بصلاة القائم(٢) . وفيها دلالة على أفضلية صلاة القائم ، فلا بد حينئذٍ من حمل التمام في هذا الخبر المبحوث عنه وما رواه الصدوق على تحقق الوظيفة. والله تعالى أعلم بالحقائق.

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٣٨ / ١٠٤٧.

(٢) التهذيب ٢ : ١٧٠ / ٦٧٥ و ٦٧٦.


فهرس الموضوعات

كتاب الصلاة‌ ٥

باب المسنون من الصلاة في اليوم والليلة ٧

السند‌ :٨

المتن :١١

السند‌ :١٥

المتن :١٦

أبواب الصلاة في السفر‌٢٠

باب فرائض السفر‌٢٠

المتن :٢١

باب نوافل الصلاة في السفر بالنهار ٢٣

السند‌ :٢٥

المتن :٢٧

باب مقدار المسافة التي يجب فيها التقصير ٢٨

المتن :٣٠

اللغة‌ :٣٦

السند‌ ٣٩

المتن :٤٠

باب المسافر يخرج فرسخاً أو فرسخين ويقصّر في ٦٤

الصلاة ثم يبدو له عن الخروج ٦٤

باب الذي يسافر إلى ضيعته أو غيرها(٤) ٧٠

باب المسافر ينزل على بعض أهله‌٩٢

باب من يجب عليهم التمام في السفر ٩٩


باب المتصيّد يجب عليه التمام أم التقصير؟١٢٧

باب المسافر يدخل بلداً لا يدري ( ما مقامه فيها )(٦) ١٣٤

باب المسافر يقدم البلد ١٤٤

ويعزم على المقام عشرة أيّام ثم يبدو له ١٤٤

باب المسافر يدخل عليه الوقت فلا يصلّي حتى يدخل إلى أهله ، والمقيم يدخل عليه الوقت فلا يصلّي حتى يخرج ١٥٣

باب من تمم في السفر ١٦١

باب من يقدم من السفر إلى متى يجوز له التقصير؟١٦٦

أبواب المواقيت ١٧٧

باب من صلّى في غير الوقت ١٧٧

باب أنّ لكل صلاة وقتين ١٨٦

باب أوّل وقت الظهر والعصر ٢٠٠

باب آخر وقت الظهر والعصر ٢٨٩

باب وقت المغرب والعشاء الآخرة ٣١٢

باب وقت صلاة الفجر ٣٩٨

باب وقت نوافل النهار ٤١٩

باب أول وقت نوافل الليل ٤٢٨

باب آخر وقت صلاة الليل ٤٣٦

باب وقت ركعتي الفجر ٤٤٨

باب من فاتته صلاة فريضة فدخل ٤٨٣

عليه وقت صلاة فريضة أُخرى(٢) ٤٨٣

باب وقت قضاء ما فات من النوافل ٥٠٣

قوله :٥١٩

باب كيفيّة قضاء(٤) النوافل والوتر ٥١٩

السند‌ :٥٢٠

المتن :٥٢٩