إستقصاء الإعتبار- الجزء 7
التجميع مكتبة القرآن الكريم
الکاتب الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404





قوله :

أ بواب الجمعة وأحكامها‌

باب تقديم النوافل يوم الجمعة قبل الزوال‌

محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى وغيره ، عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال : قال أبو الحسنعليه‌السلام : « الصلاة النافلة يوم الجمعة ست ركعات صدر النهار ، وست ركعات عند ارتفاعه ، وركعتان إذا زالت الشمس ، ثم صلّ الفريضة ، ثم صلّ بعدها ستّ ركعات ».

الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن الحسين بن المختار ، عن علي بن عبد العزيز ، عن مراد بن خارجة قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « أمّا أنا فإذا كان يوم الجمعة وكانت الشمس من المشرق مقدارها من المغرب في وقت صلاة العصر صلّيت ست ركعات ، فإذا ارتفع النهار صلّيت ست ركعات ، فإذا زاغت الشمس أو‌


زالت صلّيت ركعتين ، ثم صلّيت الظهر ، ثم صلّيت بعدها ستاً ».

عنه ، عن يعقوب بن يقطين ، عن العبد الصالحعليه‌السلام ، قال : سألته عن التطوع في يوم الجمعة؟ ( قال : « إذا أردت أن تتطوع يوم الجمعة )(١) في غير ( سفر صلّيت ست ركعات ارتفاع النهار ، وست ركعات قبل نصف النهار ، وركعتين إذا زالت الشمس قبل الجمعة ، و )(٢) ست ركعات بعد الجمعة ».

وقد رُوي أنّه يجوز أن يصلّي مثل ما يصلّي سائر الأيّام ، روى ذلك : الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن هشام بن سالم ، عن سليمان ابن خالد قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : النافلة يوم الجمعة ، قال : « ست ركعات قبل زوال الشمس ، وركعتان عند زوالها ، والقراءة في الأُولى بالجمعة والثانية بالمنافقين ، وبعد الفريضة ثمان ركعات ».

قال ( محمّد بن الحسن : والأخذ بالروايات الأوّلة أفضل ، يدل على ذلك أيضاً :

ما رواه أحمد بن محمّد ، عن أحمد بن )(٣) محمّد بن أبي نصر ، قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن التطوع يوم الجمعة؟ قال : « ست ركعات في صدر النهار ، وست ركعات قبل الزوال ، وركعتان إذا زالت الشمس (٤) ، وست ركعات بعد الجمعة ، فذلك عشرون ركعة سوى الفريضة ».

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) ليست في النسخ ، أثبتناها من الاستبصار ١ : ٤١٠ / ١٥٦٩.


السند : ‌

في الأوّل : فيه سهل بن زياد ، وقد تقدم تضعيفه من الرجال(١) .

والثاني : فيه الحسين بن المختار ، وقد قال الشيخ في رجال الكاظمعليه‌السلام من كتابه : إنّه واقفي(٢) ، والنجاشي ذكره مهملاً(٣) ، وفي إرشاد المفيد : إنّه من خاصة الكاظمعليه‌السلام وثقاته(٤) ، وحكى العلاّمة عن ابن عقدة ، عن علي ابن الحسن توثيقه(٥) ، والحال لا يخفى.

أمّا علي بن عبد العزيز فهو مشترك بين جماعة مشتركين في الإهمال(٦) . ومراد بن خارجة مذكور في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ مهملاً(٧) .

والثالث : لا ارتياب فيه بعد ما تقدم(٨) ، ويعقوب بن يقطين ثقة.

والرابع : كالثالث بعد ملاحظة ما سبق في سليمان بن خالد(٩) . والنضر هو ابن سويد.

والخامس : صحيح أيضاً.

__________________

(١) راجع ج ١ ص ١٢٩ ، ج ٣ ص ٢٢٢.

(٢) رجال الطوسي : ٣٤٦ / ٣.

(٣) رجال النجاشي : ٥٤ / ١٢٣.

(٤) الإرشاد ٢ : ٢٤٨.

(٥) انظر خلاصة العلاّمة : ٢١٥ / ١.

(٦) انظر رجال الطوسي : ٢٤٢ / ٢٩٩ ، ٣٠٤ و ٢٤٣ / ٣١٨ ، ٣٢٤ و ٢٦٨ / ٧٣٣.

(٧) رجال الطوسي : ٣١٩ / ٦٣٦.

(٨) راجع ج ١ ص ٦٩.

(٩) راجع ج ١ ص ٣٥١.


المتن :

في الأوّل : كما ترى تضمن صلاة ست ركعات صدر النهار ، والمراد بصدر النهار غير واضح ؛ إذ يحتمل أن يراد به ما تضمنه الثاني من كون الشمس من المشرق مقدارها من المغرب في وقت العصر ، ويراد بالست ركعات عند الارتفاع ما بعد ذلك كما يقتضيه الثاني أيضاً ، ويحتمل ( أن يراد )(١) بالصدر انبساط الشمس لا حين الطلوع ، ويراد بالارتفاع الوصول إلى موضع العصر ، ويحتمل أن يراد بالارتفاع ما قبل الزوال بحيث يقرب منه كما في الثالث ، ولا يبعد ظهور الاحتمال الأوّل ؛ لما يأتي في خبر سعد ابن سعد من قوله : « ست ركعات بكرة »(٢) وغير بعيد أن يراد بالبكرة بعد طلوع الشمس كما ذكره بعض المحققين(٣) ، وقد يناقش في ذلك إلاّ أنّ مقام الاستحباب واسع الباب.

وما تضمنه الخبر من قوله : « وركعتان إذا زالت » يقتضي فعلهما بعد ، وظاهر خبر سليمان أنّهما عند الزوال ، ولعل الأمر سهل ، وسيأتي في بعض الأخبار ما يقتضي القبلية(٤) .

ثم الفريضة المذكورة محتملة للظهر والجمعة ، وعلى التقديرين فعل الست بعدها ربما ينافي استحباب الجمع يوم الجمعة ، إلاّ أن يقال : إنّ النافلة لا تنافي الجمع(٥) ، فيسقط الأذان مع فعلها للجمع(٦) ، وسيأتي في‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٢) انظر ص : ١١.

(٣) كما في مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٣٢.

(٤) انظر ص : ١٤.

(٥) في « رض » : إلاّ أن يقال الجمعة لا ينافي الجمع.

(٦) في « م » : فيسقط الأذان مع هذا الجمع.


بعض الأخبار فعل جميع النافلة بعد الفريضة(١) ، وهو أبلغ في منافاة الجمع لسقوط الأذان ، ولم أر من أوضح المقام سوى ما يأتي من قول ابن أبي عقيل في الجملة(٢) . وقد يحتمل أن يراد بعد وقت الفريضة ، وفيه ما فيه.

أمّا الثاني : فقد يستفاد منه أنّ التأخير لأنْ تصير الشمس من المشرق مقدارها من المغرب فراراً من الوقت المكروه ، فيؤيد حمل الصدر في الأوّل عليه ، وفيه : أنّ الكراهة محلّ تأمّل كما أسلفناه ، وما يدل على فعل الست بكرة يؤيد ذلك. وفي الخبر تصريح بالظهر ، والكلام في فعل الستّ بعدها كالأوّل.

والثالث : واضح الدلالة ، وفيه صراحة بسقوط النافلة سفراً.

أمّا ما تضمنه الرابع ، فالاستدلال به من الشيخ لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ الظاهر من مطلب الشيخ أنّ نافلة الجمعة ست عشرة ركعة [ كسائر(٣) ] الأيّام ، وإن احتمل كلامه كون الستّ عشرة على ترتيبها سائر الأيّام ، بل في التهذيب صرح بهذا(٤) . والخبر كما ترى بظاهره يدل على فعل ست قبل الزوال ، ثم فعل الركعتين عند الزوال ، وظاهر ذكر القراءة أنّ الركعتين هي الجمعة ، وإذا كان بعدها الثماني لا يكون كسائر الأيّام ، للنقصان ، وكأنّ الشيخ فهم أنّ ذكر القراءة ليس براجع للركعتين ، وهو غير بعيد ، وتؤيده الأخبار الدالة على أنّ الركعتين من النافلة.

__________________

(١) في ص ١١.

(٢) انظر ص : ١٨.

(٣) في النسخ : لسائر ، والصحيح ما أثبتناه.

(٤) التهذيب ٣ : ١١ / ٣٧.


والخامس : صريح في ذلك ، وما يقتضيه بعض الأخبار من فعل الجمعة إذا زالت الشمس لا ينافي هذا كما سيأتي القول فيه إن شاء الله(١) .

وقول الشيخ : يدل على ذلك ، يريد الاستدلال على أنّ العشرين أفضل ، وإلاّ فالتفضيل(٢) في الأخبار مختلف كما هو واضح.

وحكى العلاّمة في المختلف عن السيّد المرتضى أنّه قال : يصلّي عند انبساط الشمس ستّ ركعات ، فإذا اتضح النهار وارتفعت الشمس صلّى ستّاً ، فإذا زالت صلّى ركعتين ، فإذا صلّى الظهر صلّى بعدها ستاً(٣) . وعن الشيخ في النهاية أنّه قال : ويقدِّم نوافل الجمعة كلها قبل الزوال ، هذا هو الأفضل يوم الجمعة خاصة ، وإن صلّى ستّ ركعات عند انبساط الشمس ، وستّاً عند ارتفاعها ، وركعتين عند الزوال ، وستاً بين الظهر والعصر لم يكن أيضاً به بأس(٤) . ولا يخفى ما في الجمع بين هذا واستحباب الجمع من الإشكال ، وستأتي بقية الأقوال إن شاء الله تعالى.

قوله :

والذي أعمل عليه وأُفتي به أنّ تقديم النوافل كلها يوم الجمعة على ما قبل الزوال أفضل ، يدل على ذلك :

ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن أبيه علي بن‌

__________________

(١) في ص ١٧.

(٢) في « فض » : فالتفصيل.

(٣) المختلف ٢ : ٢٥٧.

(٤) المختلف ٢ : ٢٥٨ ، وهو في النهاية : ١٠٤.


يقطين قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن النافلة التي تصلّى يوم الجمعة أقبلها(١) أفضل أو بعدها؟ قال : « قبل الصلاة ».

أحمد بن محمّد ، عن البرقي ، عن سعد بن سعد الأشعري ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، قال : سألته عن الصلاة يوم الجمعة كم ركعة هي قبل الزوال؟ قال : « ست ركعات بكرة ، وست بعد ، ذلك ، اثنتا عشرة ركعة ، وست بعد ذلك ، ثماني عشرة ركعة ، ( وركعتان بعد الزوال ، فهذه عشرون ركعة ، وركعتان بعد العصر ، فهذه ثنتان وعشرون ركعة )(٢) ».

وأيضاً فإنّه إذا وردت الروايات الأوّلة بجواز تقديم النوافل في صدر النهار فالعمل بها أولى وأفضل ؛ لأنّ الإنسان لا يأمن من الاخترام ، فيكون قد تعجّل ما له فيه ثواب وفضل.

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن علي ابن النعمان ، عن إسحاق بن عمّار ، عن عقبة بن مصعب قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام ، فقلت : أيّما أفضل أُقدّم الركعات يوم الجمعة ، أو أُصلّيها بعد الفريضة؟ قال : « لا ، بل تصلّيها بعد الفريضة ».

وما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن سليمان بن خالد قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أُقدّم يوم الجمعة شيئاً من ركعات؟ قال : « نعم ست ركعات » قلت : فأيّهما أفضل ، أُقدّم الركعات يوم الجمعة أو أُصلّيها بعد الفريضة؟ قال : « تصلّيها بعد الفريضة أفضل ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤١١ / ١٥٧٠ : قبل الجمعة.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


فلا ينافي هذان الخبران ما قدّمناه ، وقلنا : إنّه هو الأفضل ؛ لأنّ الوجه فيهما أن نحملهما على أنّه إذا زالت الشمس فتأخير النوافل أفضل من تقديمها ، وإنّما يكون التقديم أفضل ما لم تزل الشمس ويدخل وقت الفريضة ، فإنّه إذا زالت ينبغي أن يبدأ بالفرض في هذا اليوم دون النوافل.

السند :‌

في الأوّل : واضح الصحة.

والثاني : فيه البرقي ، والظاهر أنّه محمّد وفيه كلام مضى(١) .

والثالث : فيه عقبة بن مصعب ، وهو مجهول الحال ؛ إذ لم أقف عليه في الرجال ، وقد يظن أنّه عنبسة بن مصعب فصحّف. ومحمّد بن إسماعيل هو ابن بزيع في الظاهر من الممارسة. أمّا إسحاق بن عمّار فقد قدّمنا القول فيه(٢) من أنّ الشيخ قال : إنّه فطحي. دون النجاشي فإنّه وثّقه من دون ذكر كونه فطحياً.

والرابع : فيه محمّد بن سنان.

المتن :

في الأوّل : لا يخفى دلالته على أنّ النافلة قبل الصلاة أفضل ،

__________________

(١) في ج ١ ص ٩٣ ٩٤ ، ج ٢ ص ٤٠١.

(٢) في ج ١ ص ٢٤١ ، ج ٣ ص ٢٠٣ ٢٠٤.


ومدّعى الشيخ أفضلية فعلها قبل الزوال ، فكأنّه ـرحمه‌الله فهم من الأخبار الدالة على أنّها إذا زالت الشمس تصلّى الجمعة ، كون النافلة قبل الزوال أفضل ، وفيه ما سيأتي(١) في الأخبار.

وأمّا الثاني : فلا دلالة له على مطلوب الشيخ من أنّ تقديم النوافل كلها قبل الزوال أفضل ، وقوله : وأيضاً ، إلى آخره. لا يخلو من غرابة كما يعرف بأيسر نظر.

أمّا ما ذكره في الثالث والرابع ففيه نظر ، أمّا أوّلاً : فلأنّ الأوّل أفاد أنّ فعل الركعات بعد الفريضة ، بعد السؤال عن الأفضل ، فلو حمل على أنّه إذا زالت الشمس فالتأخير أفضل ، لا يخلو إمّا أن يريد أنّ فعل العشرين بعد الفريضة أفضل ، أو فعل ما هو موظف(٢) بعدها في الأخبار ، فإنْ أُريد ( الأول فعليه الإثبات ، وما يأتي من الأخبار لا يدل عليه كما ستسمعه(٣) ، وإنْ أُريد )(٤) الثاني فكذلك ، على أنّ الركعات في الخبر محتملة لأنْ يراد بها الستة لا جميع النافلة ، ومعه لا ينافي غيره من الأخبار سوى خبر علي ابن يقطين ، ويمكن أن يحمل على أنّ فعل العشرين قبل الفريضة أفضل ، لكن فعل الستّة بعد الفريضة أفضل من فعلها قبلها ، وهذا لا ينافي كون العشرين قبل أفضل. وما دل على التفضيل بتقدير العمل به يمكن الجمع بينه وبين خبر علي بن يقطين بحمل التفضيل على أقل المراتب للفضل ، لكن أقل المراتب له مراتب ، فالتأخير للستة أفضل من تقديمها على الفريضة ، فليتأمّل.

وأمّا الثاني : فهو كما ترى يحتمل أن يراد بالركعات الستة ، لتقدم‌

__________________

(١) في ص : ١٧.

(٢) في « رض » : يوسف.

(٣) في ص ١٧.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


ذكرها.

وما عساه يقال : إنّ الستة المذكورة لو أُريد تأخيرها لزم انحصار النافلة في الستّة ، ودفعه غير خفي ، فلا بُدّ أن يراد من التأخير للجميع فتتم المنافاة.

يمكن الجواب عنه : بأنّ المراد كون الستّ ركعات المتقدّمة تأخيرها أفضل ، لكن لا ينافي كون معها ضميمة ، غاية الأمر أنّها غير معلومة لنا ، ومطلوب الشيخ تأخير العشرين ، ولا دلالة في الخبر عليه ، بل الخبر في حيّز الإجمال.

ولو استبعد ما قلناه أمكن أن يقال : إنّ الركعات في الخبر محتملة لغير المقدم منها وهو الستة التي تفعل بعدها ، ومع الاحتمال لا يتم المطلوب ، أمّا توجيه الشيخ ففيه ما لا يخفى بعد ما قدمناه.

قوله :

والذي يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن عبد الرحمن بن عجلان قال : قال أبو جعفرعليه‌السلام : « إذا كنت شاكّاً في الزوال فصلّ الركعتين ، فإذا استيقنت الزوال فصلّ الفريضة ».

عنه ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن ابن أبي عمير ؛ وفضالة ، عن حسين ، عن ابن أبي عمير قال : حدّثني أنّه سأله عن‌


الركعتين اللتين عند الزوال يوم الجمعة ، قال : فقال له(١) : « أمّا أنا فإذا زالت الشمس بدأت بالفريضة ».

عنه ، عن فضالة ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « ( لا صلاة )(٢) نصف النهار إلاّ يوم الجمعة ».

وعنه ، عن صفوان ، عن ابن مسكان ، عن إسماعيل بن عبد الخالق قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن وقت الظهر؟ فقال : « بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك ، إلاّ في يوم الجمعة أو في السفر ، فإنّ وقتها حين تزول الشمس ».

ولا ينافي هذا الخبر :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن عبد الله بن بكير ، عن أبي بصير قال : دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام في يوم جمعة وقد صلّيت الجمعة والعصر فوجدته قد باهى يعني من الباه أي جامع فخرج إليّ في ملحفته ، ثم دعا جاريته فأمرها أن(٣) تضع له ماءً تصبّه عليه ، فقلت له : أصلحك الله ما اغتسلت؟ فقال : « ما اغتسلت بعد ولا صلّيت » فقلت له : قد صلّيت الظهر والعصر جميعاً ، قال : « لا بأس ».

لأنّه لا يمتنع أن يكونعليه‌السلام إنّما أخّر الظهر عن وقت الزوال لعذر كان به ، وإنّما تجب عند الزوال إذا لم يمنع مانع من الموانع ، ويدلُّ على جواز تقديم النوافل أيضاً‌ :

__________________

(١) ليس في الاستبصار ١ : ٤١٢ / ١٥٧٥.

(٢) في « رض » و « م » : الصلاة.

(٣) ليست في النسخ ، أثبتناها من التهذيب ٣ : ١٣ / ٤٧ والاستبصار ١ : ٤١٢ / ١٥٧٨.


ما رواه الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن موسى بن بكر ، عن زرارة ، عن عمر بن حنظلة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « صلاة التطوع يوم الجمعة إن شئت من أوّل النهار ، وما تريد أن تصلّيه بعد الجمعة فإن شئت عجّلته وصلّيته من أوّل النهار أيّ النهار شئت قبل أن تزول الشمس ».

أحمد بن محمّد ، عن الحسين ، عن النضر ، عن محمّد بن أبي حمزة ، عن سعيد الأعرج قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن صلاة النافلة يوم الجمعة؟ فقال : « ست عشرة ركعة قبل العصر » (١) قال : « وكان علي عليه‌السلام يقول : ما زاد فهو خير » وقال : « إن شاء رجل أن يجعل منها ست ركعات في صدر النهار ، وست ركعات في نصف النهار ، ويصلّي الظهر ويصلّي معها (٢) أربعة ، ثم يصلّي العصر ».

السند :‌

في الأوّل : فيه مع محمّد بن سنان عبد الرحمن بن عجلان ، وهو مجهول الحال ؛ لعدم الوقوف عليه في الرجال.

والثاني : فيه نوع إشكال ؛ لأنّ الذي نقلته في نسخة ، وفي اخرى عن ابن مسكان ، عن أبي عمر ؛ وفضالة ، عن حسين ، عن أبي عمر ، وفي التهذيب عن ابن مسكان ، عن ابن أبي عمير ؛ وفضالة ، عن حسين ، عن أبي عمر(٣) . وعلى كل حال فضالة معطوف على محمّد بن سنان ؛ لرواية‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤١٣ / ١٥٨٠ زيادة : ثمّ.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤١٣ / ١٥٨٠ : منها.

(٣) التهذيب ٣ : ١٢ / ٤٠ ، وفيه في المورد الثاني أيضاً : ابن أبي عمير.


الحسين بن سعيد عنهما ، أمّا رواية ابن مسكان عن ابن أبي عمير فالممارسة تنفيها. وأبو عمر مجهول. وحسين هو ابن عثمان.

والثالث : واضح الصحة كالرابع ، وابن مسكان عبد الله ؛ لرواية صفوان عنه على ما في الفهرست(١) .

[والخامس (٢) ] : فيه أبو بصير.

[والسادس (٣) ] : فيه موسى بن بكر وعمر بن حنظلة ، وقد مضى أنّ الأوّل واقفي(٤) ، والثاني غير معلوم المدح فضلاً عن التوثيق(٥) ، وقول جدّيقدس‌سره : هو ثقة ، تقدم دفعه(٦) .

[والسابع (٧) ] : موصوف بالصحة في كلام جماعة(٨) ، وغير بعيد ذلك. أمّا احتمال محمّد بن أبي حمزة المهمل في كتاب الشيخ(٩) فبعيد كاحتمال سعيد الأعرج ، وقد سبق تفصيل القول فيهما(١٠) .

المتن :

في الأوّل : لا تظهر دلالته على مطلوب الشيخ من الجمع بين الأخبار بحمل ما تضمن التقديم على ما إذا لم تزل الشمس ، والتأخير على ما إذا‌

__________________

(١) الفهرست : ١٩٦ / ٤٢٣ ( طبع جامعة مشهد ).

(٢) في النسخ : الرابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) في النسخ : الخامس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٤) راجع ج ٤ ص ٢٩٠ ، ٣٤٨ ، ٣٩١ ، ج ٦ ص ١١٤ ، ١٥٥ ، ١٥٥ ، ٢٧٥.

(٥) راجع ج ٢ ص ٥٥ ، ج ٤ ص ٢٥ ، ٢٨٠.

(٦) راجع ج ٢ ص ٥٥ ، ج ٤ ص ٢٥ ، ٢٨٠.

(٧) في النسخ السادس والصحيح ما أثبتناه.

(٨) منتقى الجمان ٢ : ١١٢.

(٩) رجال الطوسي : ٣٠٦ / ٤١٧.

(١٠) راجع ج ١ ص ١٤٩ ، ج ٣ ص ٣٣١ ، ج ٤ ص ٢٠٩ ، ج ٥ ص ٥٧ ، ٢٦٢.


زالت ؛ لأنّ الخبر دالّ على أنّ الشمس إذا زالت تصلّى الفريضة وتترك الركعتان ، وأين هذا من فعل النافلة جميعها بعد ، بل الركعتان أيضاً لا دلالة في الخبر على فعلهما بعد ، على أنّ في الخبر ما ينافي ما مضى(١) من فعل الركعتين بعد الزوال.

والثاني : ظاهر في أنّ الشمس إذا زالت تصلّى الفريضة ، أمّا أنّ فعل النافلة بعدها أفضل فلا ، وربما كان في الخبر دلالة على حكم الركعتين فقط لتضمن السؤال ذلك.

أمّا الثالث : فعن الدلالة بمعزل ؛ لتضمنه نفي الصلاة نصف النهار ، إلاّ يوم الجمعة ، وأين هذا من المطلوب؟ والرابع كذلك.

أمّا الخامس : فمنافاته إنّما تتم إذا تعين الوقت يوم الجمعة أوّل الزوال ، بل هو محمول على الفضل ، ومع احتمال العذر يزول الاشتباه ، وأظن أنّ رائحة الوضع عليه لائحة ، فيؤيّد كون الراوي هو المطعون فيه.

أمّا السادس : فدلالته على الجواز واضحة ، لكن الشيخ بصدد بيان الأفضل.

والسابع : كما ترى يدل على فعل الست عشرة قبل العصر ، وقد قدّمنا الإشكال فيه بالنسبة إلى استحباب الجمع(٢) ، وما تضمنه من جعل الست في نصف النهار قد ينافي ما سبق ، ولعلّ المراد ما قرب من النصف والكلام في الأربع بعد الظهر كما مضى ، وحكى العلاّمة في المختلف عن ابن أبي عقيل ما يقتضي أنّ الإمام إذا خاف تأخير العصر عن وقت الظهر في سائر الأيّام صلّى العصر بعد الفراغ من الجمعة ، ثم يتنفل بعدها بستّ‌

__________________

(١) في ص ٨.

(٢) في ص : ٨.


ركعات ، هكذا روي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه كان ربما يجمع بين صلاة الجمعة والعصر ويصلّي يوم الجمعة بعد طلوع الشمس وبعد العصر(١) ، انتهى. وفي هذا الكلام دلالة على ما أشرنا إليه.

ونقل عن الشيخ في المبسوط أنّه قال : وإن فصل بين الفرضين بست ركعات على ما ورد به بعض الروايات والباقي على ما بينّاه أيضاً جائز ، وإن أخّر جميع النوافل إلى ما بعد العصر جاز(٢) انتهى. وفيه دلالة على الفصل بين الفرضين لا الوقتين كما احتملناه ، وقد ذكرت في معاهد التنبيه ما لا بد منه.

قوله :

باب القراءة في الجمعة‌

الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن أبي أيوب ، عن محمّد بن مسلم ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : القراءة في الصلاة فيها شي‌ء موقت؟ قال(٣) : « لا ، إلاّ في الجمعة يقرأ فيها بالجمعة والمنافقين ».

عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي بصير ، قال : قال : « اقرأ في ليلة الجمعة الجمعة وسبّح اسم ربك الأعلى ، وفي الفجر سورة الجمعة وقل هو الله أحد ، وفي الجمعة سورة الجمعة والمنافقين ».

محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن جميل ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال‌ :

__________________

(١) المختلف ٢ : ٢٥٩.

(٢) المبسوط ١ : ١٥٠ ، حكاه عنه في المختلف ٢ : ٢٥٨.

(٣) في التهذيب ٣ : ٦ / ١٤ : قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام .


« إنّ الله أكرم بالجمعة المؤمنين فسنّها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشارةً لهم ، والمنافقين توبيخاً للمنافقين ، ولا ينبغي تركها ، فمن تركها متعمداً فلا صلاة له ».

الحسين بن سعيد ، عن الحسين بن عبد الملك الأحول ، عن أبيه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « من لم يقرأ في الجمعة بالجمعة والمنافقين فلا جمعة له ».

قال محمّد بن الحسن : هذه الأخبار كلّها محمولة على شدّة الاستحباب والتغليظ في تركه دون أن تكون قراءة هاتين السورتين شرطاً في صحة الصلاة ، والذي يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز وربعي ، رفعاه إلى أبي جعفرعليه‌السلام قال : « إذا كانت ليلة الجمعة يستحب أن يقرأ في العتمة سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون ، وفي صلاة الصبح مثل ذلك ، وفي صلاة الجمعة مثل ذلك ، وفي صلاة العصر مثل ذلك ».

وروى محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن أبيه علي بن يقطين ، قال : سألت أبا الحسن الأوّلعليه‌السلام : الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمداً؟ قال : « لا بأس بذلك ».

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن سهل الأشعري ، عن أبيه قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير الجمعة متعمداً؟ قال : « لا بأس ».


السند :‌

في الأوّل : ليس فيه ارتياب بعد ما قدمناه(١) . وأبو أيوب هو إبراهيم ابن زياد ، أو ابن عثمان ، أو ابن عيسى الثقة.

والثاني : فيه عثمان بن عيسى وأبو بصير ( وقد مضى(٢) فيهما ما يغني عن الإعادة )(٣) .

والثالث : حسن ، وما قيل من أنّ عبد الله بن المغيرة كان واقفاً(٤) يعرف دفعه مما سبق(٥) .

والرابع : فيه الحسين بن عبد الملك ، وهو مجهول الحال ؛ إذ لم أقف عليه في الرجال ، وأبوه الظاهر أنّه ابن عمرو الأحول ، لوجوده في الرجال بالوصف(٦) ، وحاله لا يزيد على الإهمال.

والخامس : فيه أنّه مرفوع.

والسادس : صحيح.

والسابع : فيه محمّد بن سهل ، وهو مهمل في الرجال(٧) .

__________________

(١) في طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد ، راجع ج ١ ص ٦٩ ، ٤١٤ ، ج ٣ ص ٢٤.

(٢) راجع ج ١ ص ٧٢ ، ٣٦٣ ، ج ٢ ص ٩٠ ، ٢١٠ ، ٣٨٩ ، ج ٣ ص ١٥٠ ، ٢٣٠ ، ج ٤ ص ١٦ ، ٣٩٢ ، ج ٥ ص ١٦٨ ، ج ٦ ص ٣٩ ، ٤٦.

(٣) ما بين القوسين أثبتناه من « م ».

(٤) رجال الكشي ٢ : ٨٥٧ / ١١١٠.

(٥) راجع ج ١ ص ١٣٣ ١٣٤.

(٦) انظر رجال الكشي ٢ : ٦٨٧ / ٧٣٠.

(٧) انظر رجال النجاشي : ٣٦٧ / ٩٩٦ ، الفهرست : ١٤٧ / ٦٢٠.


المتن :

في الأوّل : ربما يستفاد منه وجوب قراءة السورتين في الجمعة ، لأنّ السؤال تضمن أنّ الصلاة هل فيها شي‌ء موقت؟ فإمّا أن يراد بالتوقيت الاستحباب أو الوجوب ، فإن أُريد الأوّل يشكل بأنّ نفي توقيت الاستحباب إلاّ في الجمعة يقتضي ردّ ما دلّ على توظيف بعض السور في الصلوات ، ومع وجوده لا بدّ من حمل هذا الخبر على إرادة الثاني.

فإن قلت : ما دلّ على توقيت غير الجمعة ليس بسليم الإسناد ، فلا يعارض هذا الخبر بتقدير الاحتمال.

قلت : قد نقل الصدوق في الفقيه ما يقتضي التوقيت في غير الجمعة(١) ، وهو مؤيّد لغيره مما ورد في غيره ، على أنّ الكلام مع الشيخ والأخبار عنده غير مردودة ، فكان ينبغي أن يتعرض لما ذكرناه.

وقد اتفق في التهذيب أنّه روى عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبي أيوب الخزّاز ، عن محمّد بن مسلم قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : القراءة في الصلاة فيها شي‌ء موقت؟ قال : « لا ، إلاّ الجمعة تقرأ الجمعة والمنافقين » قلت له : فأيّ السور تقرأ في الصلاة؟ قال : « أمّا الظهر والعشاء يقرأ فيهما سواء ، والعصر والمغرب سواء ، وأمّا الغداة فأطول ، وأمّا الظهر والعشاء الآخرة فسبّح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها ونحوها ، وأمّا العصر والمغرب فإذا جاء نصر الله وألهاكم التكاثر ونحوها ، وأمّا الغداة فعمّ يتساءلون وهل أتاك حديث الغاشية ولا أُقسم بيوم‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٠١.


القيامة وهل أتى على الإنسان حين من الدهر »(١) .

وروى في الزيادات من التهذيب الخبر المذكور هنا(٢) .

والظاهر أنّ الروايتين متحدتان ، لكن السند فيه الاختلاف ، والزيادة التي في الأوّل لا يخفى أنّها تؤيد ما قلناه من احتمال إرادة الوجوب من التوقيت ، لأنّ ذكر الصلوات والسور نوع من التوقيت ، فلو أُريد في الأوّل الاستحباب لم يتم النافي(٣) إلاّ أن يقال : إنّ المنفي أوّلاً التوقيت على الاستحباب ، لكن(٤) على وجهٍ لا يساويه غيره ، والتوقيت الثاني لمجرد الاستحباب ، أو أن الأول فيه تعين الاستحباب والثاني فيه عدم التعين ، ويراد بالتعين تعين السورتين ، وبالعدم عدم تعين سورة كما يقتضيه ظاهر الخبر من قوله : « ونحوها ».

ولا يذهب عليك أنّ التوجيه المذكور كأنّه لا بُدّ منه ؛ إذ لم ينقل القول بالوجوب في صلاة الجمعة ، بل الموجود في المختلف النقل عن الصدوق في ظهر يوم الجمعة ، وكذلك عن أبي الصلاح ، بل ظاهر العلاّمة في الاستدلال الإجماع على الأولوية في الجمعة(٥) . وقد يظن أنّ مراد الصدوق بظهر الجمعة ما يتناول الجمعة ؛ لأنّ الجمعة ظهر في الحقيقة ، والأخبار في بعضها ما يدل على ذلك ، وسيأتي في باب الجهر في القراءة عن قريب(٦) ، لكن لا يخفى أنّ الخبر بتقدير دلالته على الوجوب لا يتناول‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٩٥ / ٣٥٤ ، الوسائل ٦ : ١١٧ أبواب القراءة في الصلاة ب ٤٨ ح ٢. بتفاوت يسير.

(٢) التهذيب ٣ : ٦ / ١٥ ، الوسائل ٦ : ١١٨ أبواب القراءة في الصلاة ب ٤٩ ج ١.

(٣) في « فض » : الثاني ، وفي « رض » : التنافي.

(٤) في « م » زيادة : لا.

(٥) المختلف ٢ : ١٧٦.

(٦) في ص : ٣١.


الظهر ، إلاّ بتقدير إطلاق كل منهما على الأُخرى.

وأمّا الثاني : فظاهر الأمر فيه وجوب قراءة الجمعة والمنافقين في الجمعة ، إلاّ أنّ الأمر في غير الجمعة للاستحباب ، فربما كان قرينةً على المساواة فيه ، إلاّ أن يقال بعدم استلزام خروج البعض خروج الجميع ، وفيه : أنّ استعمال الأمر في الاستحباب أولى من استعماله في الحقيقة والمجاز ، لكن الخبر مع ضعف سنده لا يصلح لمشقة التعب فيه ، غير أنّ الشيخرحمه‌الله لا يخلو ذكره له في الأخبار الأوّلة من غرابة.

وما تضمنه الخبر المبحوث عنه من ليلة الجمعة يتناول المغرب والعشاء.

والثالث : كما ترى متنه لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ الضمير في قوله : « فمن تركها » يحتمل العود إلى كل واحدة من السورتين ، ويحتمل العود إلى المنافقين ، وربما يؤيد الثاني أنّي لم أقف على ما يقتضي جواز ترك المنافقين كما ننبّه عليه من احتمال عدم القائل بالفرق.

ثم إنّ الترك لكل من السورتين أو المنافقين محتمل للجمعة والظهر ، وقد يدّعى ظهور الجمعة ، وفيه ما فيه.

فإن قلت : يجوز أن يراد أنّ الله أكرم بصلاة الجمعة المؤمنين ، والضمير في : « فسنّها » للسورة من قبيل الاستخدام كما قاله بعض في عبارة بعض متأخري الأصحاب ، حيث قال : وتصلّى الجمعة بها والمنافقين(١) .

قلت : الظاهر من الرواية خلاف هذا.

وفي التهذيب حمل قوله : « لا صلاة له » أوّلاً : على أنّ الترك بغير‌

__________________

(١) الروضة ١ : ٢٦٤.


اعتقاد أنّ في قراءتهما فضلاً. وثانياً : كما ذكره هنا(١) . وظاهر الأوّل الحمل على البطلان حقيقةً باعتقاد عدم الفضل ، بل صرّح بعد ذكر خبر الأحول بالبطلان ( إذا اعتقد أنّه ليس في قراءتهما فضل(٢) ، وبين كلامه أوّلاً وآخراً نوع منافرة ، لأنّ الأوّل اقتضى البطلان )(٣) بسبب اعتقاد نفي الفضل الكثير ، والثاني البطلان بمجرد نفي الفضل. وقد يناقش في البطلان على التقديرين ، إلاّ أن يقال : إنّ نفي الفضل يقتضي الخروج عن الدين ، وفيه ما فيه. ولعلّ عدم التعرض هنا للوجه أولى ممّا في التهذيب.

(وأمّا الرابع : فهو ظاهر في الجمعة ، وما ذكره الشيخ في الأخبار من الحمل على شدة الاستحباب لا يخلو من وجه بعد ملاحظة ما قدّمناه وما سنذكره )(٤) .

وأمّا ما استدل به من الخامس فقد يقال عليه : إنّ الظاهر من الرواية استحباب السورتين ، أمّا استحباب كل واحدة فلا ، ويجوز أنّ تكون سورة المنافقين واجبة ؛ إذ لا دليل على استحبابها بعد إطلاق الأخبار بوجوبها.

والسادس : إنّما يدل على جواز ترك سورة الجمعة كالسابع ، والحقّ أنّ عدم القائل بالفصل يدفع هذا ، مضافاً إلى ما سبق من العلاّمة في المختلف(٥) ، ( وفي المختلف )(٦) أيضاً أنّ الصدوق احتجّ بالثالث على‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٦ / ١٦.

(٢) التهذيب ٣ : ٧.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) ما بين القوسين كان في النسخ مقدماً على قوله : وفي التهذيب. والأنسب كما أثبتناه.

(٥) في ص ٢٠٧٥.

(٦) ما بين القوسين ليس في « فض ».


مدعاه ( ونقل المتن بلفظ : و )(١) سنّهما وتركهما(٢) ، لكن في الكتاب والتهذيب كما نقلته ، ولا يخفى أنّ الاستدلال به إن تمّ ظاهر الدلالة على أنّ مراده بالظهر الجمعة أو هما ، ونقل العلاّمة من الأدلة له الاحتياط(٣) ، والأمر فيه ما ترى.

وقد اتفق لشيخناقدس‌سره في المدارك أنّه قال بعد ذكر الخبر الأوّل : والأمر المستفاد من الجملة الخبرية محمول على الاستحباب كما تدل عليه صحيحة علي بن يقطين وذكر السادس ، وصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٤) الآتية(٥) . وغير خفي إفادتها الجواز مع العجلة كإفادة الأولى الاختصاص بالجمعة ، فلا بدّ من ضميمة عدم الفارق ، والإجمال في مثل هذا غير لائق.

قوله :

فأمّا ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن معاوية بن عمّار ، عن عمر بن يزيد قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « من صلّى الجمعة بغير الجمعة والمنافقين أعاد الصلاة في سفر أو حضر ».

فالوجه في هذا الخبر الترغيب في أن يجعل ما صلّى بغير الجمعة والمنافقين من جملة النوافل ويستأنف الصلاة ، ليلحق فضل‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « م » : والضمير أتى به.

(٢) المختلف ٢ : ١٧٧.

(٣) انظر المختلف ٢ : ١٧٧.

(٤) في ص : ٢٧.

(٥) مدارك الأحكام ٣ : ٣٦٧.


هاتين السورتين ، يبيّن ما ذكرناه :

ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن يونس ، عن صباح بن صبيح : قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : رجل أراد أن يصلّي الجمعة فقرأ بقل هو الله أحد ، قال : « يتمها ركعتين ثم يستأنف ».

والذي يدلّ على ما قلناه :

ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبي الفضل ، عن صفوان بن يحيى ، عن جميل ، عن علي بن يقطين قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الجمعة في السفر ما أقرأ فيها(١) ؟ قال : « اقرأ فيها(٢) بقل هو الله أحد ».

فأجاز في هذا الخبر قراءة قل هو الله أحد ، وفي الخبر أنّه يعيد سواء كان في سفر أو حضر ، فلو كان المراد غير ما ذكرناه من الترغيب لما جوّز له في(٣) ذلك.

سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن الحسين ، عن صفوان ، عن عبد الله ابن سنان(٤) ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سمعته يقول في صلاة الجمعة : « لا بأس بأن تقرأ فيها بغير الجمعة والمنافقين إذا كنت مستعجلاً ».

أحمد بن محمّد ، عن معاوية بن حكيم ، عن أبان ، عن يحيى‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤١٥ / ١٥٩٠ : فيهما.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤١٥ / ١٥٩٠ : فيهما.

(٣) ليس في الاستبصار ١ : ٤١٥ / ١٥٩٠.

(٤) في « رض » : مسكان.


الأزرق بيّاع السابري قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام قلت : رجل صلّى الجمعة فقرأ سبّح اسم ربك الأعلى وقل هو الله أحد ، قال : « أجزأه » (١) .

السند :

في الأوّل : حسن على ما قدّمناه في عمر بن يزيد(٢) .

والثاني : فيه يونس ، وفيه نوع اشتراك(٣) ، وغير بعيد كونه ابن عبد الرحمن أو ابن يعقوب ، لكن الثاني يروي عنه أحمد بن محمّد بن عيسى بواسطة ابن أبي عمير ، وانتفاؤها ممكن ، والأوّل قد يبعده ما نقل من قدح أحمد في يونس ، لكن قد نقل أنّه رجع عنه ، وبالجملة الجزم في المقام مشكل. أمّا صباح بن صبيح فهو ثقة.

والثالث : فيه أبو الفضل ، ولا يبعد أنّه العباس بن عامر ، وهو يروي عن صفوان في بعض الطرق ، وفي فوائد شيخناقدس‌سره على الكتاب أنّ حاله غير معلوم ، لكن ابن بابويه أوردها في كتابه بطريق صحيح عن صفوان بن يحيى ، عن علي بن يقطين(٤) ، انتهى. وما ذكره من جهة عدم المعلومية واضح ، لقيام الاحتمال ، أمّا احتمال دعوى الظهور فممكن ، وأمّا وصف الطريق بالصحة في الفقيه ففيه : أنّ إبراهيم بن هاشم في الطريق ، إلاّ أنّ شيخناقدس‌سره مضطرب الرأي في إبراهيم ، نعم شيخنا المحقّق في كتاب‌

__________________

(١) في « فض » و « م » : اقرأ.

(٢) في راجع ج ١ ص ٢٥٣ ٢٥٤.

(٣) انظر هداية المحدّثين : ١٦٥.

(٤) الفقيه ١ : ٢٦٨ / ١٢٢٤.


الرجال ذكر ما يمكن استفادة تصحيح الطريق منه(١) ، وقد مضى(٢) نوع كلام في ما استخرجه في الكتاب سلّمه الله.

والرابع : صحيح.

والخامس : فيه معاوية بن حكيم وقد تكرر القول فيه(٣) . وأمّا أبان ففيه نوع اشتراك(٤) . ويحيى الأزرق بعنوان بيّاع السابري لم أقف عليه في الرجال ، نعم فيهم يحيى الأزرق من رجال الصادق والكاظمعليهما‌السلام في كتاب الشيخ(٥) ، ويحيى بن عبد الرحمن الأزرق في رجال الصادقعليه‌السلام ، وهو مهمل(٦) ، لكن النجاشي وثّق ابن عبد الرحمن(٧) ، فليتأمّل.

المتن :

في الأوّل : ما قاله الشيخ فيه لا يخلو من بعد ، لكن بعد ما تقدّم منّا القول في حقيقة الحال يظهر ما في البين من المقال. ثم إنّ ما فهمه الشيخ من جعل الصلاة نافلة قد يقال ليس بأولى من استحباب الإعادة للحوق الفضيلة ، وفيه : بُعد صحة الصلاة مع استحباب الإعادة ، ويدفعه أنّ الصحة إذا كانت تقتضي أقلية الثواب لا بعد في استحباب الإعادة ، إلاّ أن يقال : إنّ الدليل لو عيّن هذا الوجه فلا مانع منه ، إلاّ أنّ الاحتمال المذكور من الشيخ‌

__________________

(١) انظر منهج المقال : ٢٩.

(٢) في ص : ٣٦.

(٣) راجع ج ١ ص ١٤٦ ، ج ٢ ص ٦٥ ، ج ٣ ص ١٧٧.

(٤) انظر هداية المحدثين : ٦ / ١.

(٥) رجال الطوسي : ٣٣٤ / ٣٠ ، ٣٦٣ / ٢.

(٦) رجال الطوسي ٣٣٣ / ٥.

(٧) رجال النجاشي : ٤٤٤ / ١٢٠٠.


قائم ، وفيه إمكان دعوى رجحان الاحتمال الآخر.

وقد يقال : إنّ الحديث يدلّ على إطلاق الجمعة على الظهر ؛ إذ السفر لا تقع فيه الجمعة ، وحينئذٍ يدل على ما مضى(١) في توجيه قول الصدوق ، ويمكن دفعه : بأنّ منع الجمعة في السفر مطلقاً محل كلام.

أمّا ما عساه يقال : من أنّ المعروف في مثل هذه المسألة العدول إلى السورتين ، فقد ذكرنا ما فيه مفصلاً في معاهد التنبيه. ولعلّ المراد أنّ من صلّى ففرغ من صلاته كان حكمه ما ذكر ، أو يقال بالتخيير بين العدول على تقدير العلم في الأثناء وجعلها نافلة.

فإن قلت : جعلها نافلة بعد الفراغ أو الأعم منه ومن(٢) الأثناء.

قلت : مراد الشيخ مجمل ، وكذلك الرواية بتقديره.

أمّا الثاني : فالبيان فيه أيضاً غير واضح ؛ لأنّ الظاهر الاختصاص بالعالم في الأثناء ، وصراحته في عدم العدول ينافي غيره من الأخبار.

وأمّا الثالث : فهو ظاهر في صحة الجمعة سفراً بقل هو الله أحد ، واحتمال الجمعة للظهر قد مضى(٣) ، والمنقول في المختلف عن الصدوق القول بجواز قراءة غير الجمعة والمنافقين في السفر والمرض(٤) ، وعلى تقدير الصحة ربما كان الدال على الجواز محمولاً على استحباب الإعادة ، والشيخ كما ترى ظاهره الاستدلال على جعل الأُولى نافلة.

__________________

(١) في ص : ٢٣.

(٢) في « م » : وفي.

(٣) في ص ٢٣.

(٤) المختلف ٢ : ١٧٦ ، وهو في الفقيه ١ : ٢٠١.


ونقل في المختلف عن الشيخ وجماعة القول بالعدول عن نيّة الفرض إلى النفل للناسي ، وأنّ ابن إدريس منع من ذلك ، ثم استدل العلاّمة برواية صباح بن صبيح ، ونقل عن ابن إدريس الاحتجاج بالنهي عن إبطال العمل ، وأجاب بأنّ النقل إلى التطوّع ليس إبطالاً للعمل(١) .

ولا يخفى ما في احتجاج ( العلاّمة لضعف الرواية ، والعدول حكم شرعي.

وأمّا احتجاج ابن إدريس فله وجه ؛ لأنّ النقل )(٢) إلى النفل إبطال للفرض ، إلاّ أن يقال عليه : إنّ المتبادر من الإبطال تركه بالكلية ، والحق أنّ النقل متوقف على الدليل ، والآية(٣) مؤيّدة ؛ وإن كان فيها نوع كلام من حيث احتمال إرادة الإبطال بالكفر ، لأنّه المبطل جميع الأعمال كما ذكره البعض(٤) .

وقد يقال : إنّ عموم الأعمال بالنسبة إلى جميع الأشخاص لا إلى كل شخص ليحتاج إلى ما يبطل جميع أعماله وهو الكفر ، فليتأمّل.

والرابع : ظاهر في جواز القراءة بغيرهما مع العجلة ، لكن العجلة غير منضبطة ، فربما كان فيها من هذه الجهة دلالة على عدم اللزوم ، مضافاً إلى ما سبق.

وأمّا الخامس : فلا يخفى ما في متنه.

__________________

(١) المختلف ٢ : ١٧٧ ، وهو في النهاية : ١٠٦ ، المبسوط ١ : ١٥١ ، المهذب ١ : ١٠٣ ، الجامع للشرائع : ٨١.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : ٣٣.

(٤) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٢٤٦.


قوله :

باب الجهر بالقراءة لمن صلّى منفرداً أو كان مسافراً.

محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن القراءة يوم الجمعة ، إذا صلّيت وحدي أربعاً أجهر بالقراءة؟ فقال : « نعم ».

سعد ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن جعفر بن بشير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عمران الحلبي قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول وسئل عن الرجل يصلّي الجمعة أربع ركعات ، يجهر فيها بالقراءة؟ فقال : « نعم ، والقنوت في الثانية ».

الحسين بن سعيد ، عن علي بن النعمان ، عن عبد الله بن مسكان ، عن حريز بن عبد الله ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : قال لنا : « صلّوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة ، واجهروا بالقراءة » فقلت : إنّه منكر علينا الجهر بها في السفر. فقال : « اجهروا ».

عنه ، عن فضالة ، عن الحسين بن عبد الله الأرّجاني ، عن محمّد ابن مروان قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن صلاة الظهر يوم الجمعة ، كيف نصلّيها في السفر؟ فقال : « تصلّيها في السفر ركعتين ، والقراءة فيها جهر ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الجماعة يوم الجمعة في السفر ، فقال : « تصنعون كما تصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر ، ولا يجهر الإمام‌


فيها بالقراءة ، إنّما يجهر إذا كانت خطبة ».

عنه ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم قال : سألته عن صلاة الجمعة في السفر ، فقال : « تصنعون كما تصنعون في الظهر ، فلا يجهر الإمام فيها بالقراءة ، إنّما يجهر إذا كانت خطبة ».

فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على التقية والخوف ، يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن عبد الله بن بكير قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قوم في قرية ليس لهم من يجمع بهم ، أيصلّون الظهر يوم الجمعة في جماعة؟ قال : « نعم إذا لم يخافوا ».

السند :

في الأوّل : حسن.

والثاني : ( ليس فيه ارتياب يوقف الصحة إلاّ اشتراك )(١) حمّاد بن عثمان على ما ظنّه بعض(٢) ، وقد قدّمنا فيه القول(٣) . والذي ينبغي أن يقال هنا : إنّ الظاهر كونه حمّاد بن عثمان الثقة بتقدير الاشتراك ؛ لأنّ الصدوق رواها عن حمّاد بن عثمان(٤) ؛ وذكر في المشيخة الطريق إليه والراوي عنه ابن أبي عمير(٥) . والشيخ ذكر في الطريق إلى حمّاد بن عثمان الثقة ابن‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : فيه ارتياب توقف الصحّة لاشتراك ، وفي « م » ليس فيه ارتياب بوقت الصحة لاشتراك.

(٢) انظر حاوي الأقوال : ٣٢١ ٣٢٣ / ٢١٥.

(٣) راجع ج ٣ ص ٦٤ ٦٦.

(٤) الفقيه ١ : ٢٦٩ / ١٢٣١.

(٥) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٤٨.


أبي عمير(١) ، وحينئذٍ يرتفع الريب.

والثالث (٢) : واضح بعد ملاحظة ما سبق في رجاله(٣) .

أمّا الرابع : ففيه الحسين بن عبد الله الأرجاني ، وهو مهمل في رجال الباقرعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٤) . أمّا محمّد بن مروان فهو مشترك(٥) .

والخامس : واضح كالثالث.

والسادس : مثله كالسابع.

المتن :

في الأوّل : ظاهر في أنّ من صلّى وحده الظهر يوم الجمعة يجهر فيها بالقراءة.

والثاني : شامل لمن صلّى جماعة وفرادى.

والثالث : ظاهر في الجهر إذا صلّيت جماعة.

والرابع : مطلق كالثاني.

أمّا الخامس : فهو خاص بالجماعة في نفي الجهر كالسادس. والحمل على التقية كما ذكره الشيخ يخالفه الثالث ، ولا يدل عليه السابع في ظاهر الحال. وربما يوجّه الدلالة بأنّ الخوف لا يتحقق إلاّ إذا جهر بالقراءة ؛ إذ الصلاة جماعة من دونها لا إنكار فيها. وقد يقال : إنّ الخوف من عدم‌

__________________

(١) الفهرست : ٦٠ / ٢٣٠.

(٢) في « فض » و « م » زيادة : صحيح.

(٣) راجع ج ١ ص ٥٦ ، ١٦٢ ، ١٩٦ ، ج ٢ ص ٢٣ ، ج ٤ ص ١٨٧ ، ٢٠٩ ، والطريق إلى الحسين بن سعيد تقدّم في ج ١ ص ٦٩ ، ٤١٤ ، ج ٣ ص ٢٤.

(٤) رجال الطوسي : ١١٥ / ٢٣.

(٥) هداية المحدثين : ٢٥٢.


صلاة الجمعة ، فإذا صلّوا الظهر جماعة وعلم بعض أهل الخلاف بذلك فقد علم عدم فعل الجمعة. وعلى هذا لا دلالة له على مطلوب الشيخ.

أمّا منافاة الثالث للتقية فظاهرة ؛ ويمكن أن يدفع المنافاة بأنّ السفر مظنّة سقوط الجمعة ؛ والجهر بالقراءة عندهم جائز في الصلاة على ما مضى من الشيخ(١) في حمل ما تضمن التخيير بين الجهر والإخفات على التقية.

ولا يخفى بُعد التوجيه من حيث اشتراك العلّة ، إذ لم أجد في كلامهم سقوطها سفراً.

ولعلّ الحمل على رجحان الإخفات للإمام له وجه ؛ وحينئذٍ ربما يمكن رجحان الجهر للمنفرد من حيث سلامة ما دل على جهرة خصوصاً أو إطلاقاً من المعارض. وقول الصدوق بعد رواية عمران الحلبي : إنّها رخصة(٢) . ( قد ذكرت فيما مضى من باب الصلاة(٣) أنّ في الرخصة نوع إجمال ، والحال هنا كذلك ، فليراجع ما تقدم )(٤) .

فإن قلت : قولهعليه‌السلام : « إنّما يجهر إذا كانت خطبة » يدل على أنّ مع عدم الخطبة لا جهر ، وهو يتناول المنفرد وغيره.

قلت : ظاهر الكلام أنّ فاعل الجهر الإمام فلا يدل على المنفرد ، واحتمال البناء للمجهول يشكل باحتمال المعلوم ، وهو كافٍ في عدم تحقق المعارض.

أمّا ما يقال : من أنّ أدلة الإخفات في الظهر تقتضي العموم ليوم‌

__________________

(١) في ص ١٥٥٠.

(٢) الفقيه ١ : ٢٦٩.

(٣) في « فض » زيادة : إلى ، وفي « رض » زيادة : في.

(٤) بدل ما بين القوسين في « م » : وقد ذكرتُ في معاهد التنبيه أنّ فيه إجمالاً بالنسبة إلى معنى الرخصة.


الجمعة.

ففيه : أنّ الذي وقفت عليه من الأدلة : الآية الشريفة ، وهي قوله تعالى( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها ) (١) والخبر المتضمن لأنّ من جهر فيما لا ينبغي الجهر فيه أو أخفى إلى آخره أعاد الصلاة(٢) ، والاحتياط بحصول يقين البراءة بالجهر في موضعه والإخفات في موضعه ، والشهرة.

وغير خفي حال هذه الأدلة فيما نحن فيه ، أمّا الآية : فظاهرها لا يخلو من إجمال كما يعلم من التفاسير ، وقد نقل الصدوق فيها كلاماً يقتضي أنّ المراد بها الجهر الوسط(٣) .

وأمّا الرواية : فلتوقفها على العلم بما يجهر فيه وما لا يجهر فهو أصل المدعى.

وأمّا الاحتياط : فالعامل بالأخبار قد يظن أنّ الاحتياط في الجهر للمنفرد ، بسبب عدم المعارض لما دل على الجهر ، وخلاف ابن إدريس(٤) المنقول في المختلف(٥) ( والمعتبر من قوله : يتعين الإخفات. فيه : أنّه لا يعمل بالأخبار فربما أدّاه الدليل إلى ما قاله.

والذي في المختلف )(٦) نقلاً عن السيد المرتضى في المصباح أنّه‌

__________________

(١) الإسراء : ١١٠.

(٢) التهذيب ٢ : ١٦٢ / ٦٣٥ ، الإستبصار ١ : ٣١٣ / ١١٦٣ ، الوسائل ٦ : ٨٦ أبواب القراءة ب ٢٦.

(٣) الفقيه ١ : ٢٠٢.

(٤) السرائر ١ : ٢٩٨.

(٥) المختلف ٢ : ١٧٨.

(٦) ما بين القوسين ليس في « م ».


قال : والمنفرد بصلاة الظهر يوم الجمعة قد روي أنّه يجهر بالقراءة استحباباً ، وروى أنّ الجهر إنّما يستحب لمن صلاّها مقصورة بخطبة أو صلاّها أربعاً في جماعة ، ولا جهر على المنفرد. وقال ابن إدريس : وهذا الثاني هو الذي يقوى في نفسي واعتقده وأُفتي به ؛ لأنّ شغل الذمّة بواجب أو ندب يحتاج إلى دليل شرعي لأصالة براءة الذمّة ، والرواية مختلفة ، فوجب الرجوع إلى الأصل ، لأنّ الاحتياط يقتضي ذلك ، لأنّ تارك الجهر تصح صلاته إجماعاً وليس كذلك الجاهر بالقراءة ؛ وما رواه ابن أبي عمير عن جميل وذكر الرواية الخامسة وما رواه محمّد بن مسلم وذكر الرواية السادسة.

وأجاب العلاّمة : بأنّ شغل الذمّة بالمندوب كما هو منافٍ للأصل كذلك شغلها بوجوب الإخفات ، بل هذا زائد في التكليف ؛ والروايتان تنافيان دعواه ؛ لاختصاصهما بالجماعة ، ومعارضتان برواية الحلبي الحسنة وذكر الاولى ورواية عمران الحلبي وذكر الثانية والثالثة والرابعة ـ(١) .

ولا يذهب عليك وجاهة كلام العلاّمة ، إلاّ أنّ قوله في معارضة الروايات محل تأمّل لاختلاف المورد.

ثم الظاهر من كلام ابن إدريس في الرجوع إلى الأصل يقتضي أنّ الأصل في الظهر الإخفات ، فإن أراد يوم الجمعة فالأصل محل تأمّل ، وغيره واضح الاندفاع. ثم قوله : إنّ تارك الجهر تصح صلاته إجماعاً. إن أراد به على وجه لزوم الإخفات فالكلام فيه له مجال ، إلاّ أنّ الشهرة في الإخفات على ما قيل فلو فعل لا على وجه اللزوم ربما كان أحوط ، وفي البين‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ١٧٨ ، وهو في السرائر ١ : ٢٩٨.


شي‌ء.

وينبغي أن يعلم أنّ الخبر الثاني صريح في صدق الجمعة على الظهر ، وكذلك غيره.

ثم إنّ الأخبار ربما تدل على عدم وجوب الجهر والإخفات في الصلوات ، إلاّ أن يقال بالاختصاص. فليتأمّل.

قوله :

باب القنوت في صلاة الجمعة.

الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حسين ، عن أبي أيوب إبراهيم بن عيسى ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام . وصفوان عن أبي أيّوب قال : حدثني سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « القنوت يوم الجمعة في الركعة الأُولى ».

عنه ، عن فضالة ، عن أبان ، عن إسماعيل الجعفي ، عن عمر بن حنظلة قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : القنوت يوم الجمعة؟ فقال : « أنت رسولي إليهم في هذا ، إذا صلّيتم في جماعة ففي الركعة الأُولى ، وإذا صلّيتم وحداناً ففي الركعة الثانية ».

عنه ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن أبي بصير قال : « القنوت في الركعة الأُولى قبل الركوع ».

علي بن مهزيار ، عن فضالة بن أيوب ، عن معاوية بن عمار قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « في قنوت الجمعة إذا كان إماماً قنت في الركعة الأُولى ، وإن كان يصلّي أربعاً ففي الركعة الثانية قبل الركوع ».


فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن جميل بن صالح ، عن عبد الملك بن عمرو قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : قنوت الجمعة في الركعة الأُولى قبل الركوع وفي الثانية بعده؟(١) فقال لي : « لا قبل ولا بعد ».

سعد بن عبد الله ، عن جعفر بن بشير ، عن داود بن الحصين قال : سمعت معمّر بن أبي رئاب يسأل أبا عبد اللهعليه‌السلام وأنا حاضر عن القنوت في الجمعة ، فقال : « ليس فيها قنوت ».

فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على حال التقية ، والذي يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيوب ، عن أبي بصير : قال : سأل عبد الحميد أبا عبد اللهعليه‌السلام وأنا عنده عن القنوت في يوم الجمعة ، فقال : « في الركعة الثانية » فقال له : قد حدّثنا بعض أصحابك (٢) أنّك قلت : في الركعة الأُولى ، فقال : « في الأخيرة » وكان عنده ناس كثير ، فلمّا رأى غفلة منهم قال : « يا أبا محمّد في الأُولى والأخيرة » قال : قلت : جعلت فداك قبل الركوع أو بعده؟ قال : « كل القنوت قبل الركوع إلاّ الجمعة ، فإنّ الركعة الأُولى القنوت فيها قبل الركوع ، والأخيرة بعد الركوع ».

السند :

في الأوّل : واضح الحال بعد ما كرّرنا في رجاله من المقال(٣) .

__________________

(١) في « فض » و « م » : بعد.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤١٨ / ١٦٠٦ : بعض أصحابنا.

(٣) في ص : ٤٠ ، ٢٨٩ ، ٢٧٤ ، ٢٠٧٣.


وصفوان فيه معطوف على فضالة. وحسين فيه هو ابن عثمان ، وفيه دلالة على أنّ أبا أيوب الخزاز إبراهيم بن عيسى ، وفي الرجال قيل : ابن عثمان(١) . وقيل : ابن زياد(٢) . وقيل : ابن عيسى(٣) .

والثاني : فيه إسماعيل الجعفي ، وقد قدّمنا(٤) أنّه لا يبعد في مثله أن يكون إسماعيل بن جابر لا ابن عبد الرحمن ، لقول النجاشي : إنّه روى خبر الأذان(٥) . وخبر الأذان الراوي عنه فيه أبان بن عثمان. وفي إسماعيل كلام تقدم.

وعمر بن حنظلة : لا نعلم مأخذ توثيقه من جدّيقدس‌سره في شرح الدراية(٦) ، واعتماده على حديث الوقت لا يخلو من غرابة. وقد مضى القول فيه مستوفى(٧) .

والثالث : فيه أبو بصير.

[والخامس (٨) ] : فيه عبد الملك بن عمرو ، ولم يعلم مدحه فضلاً عن التوثيق.

[والسادس (٩) ] : فيه داود بن الحصين ، وهو ثقة في النجاشي(١٠) ؛

__________________

(١) الفهرست : ٨ / ١٣ ، رجال النجاش : ٢٠ / ٢٥.

(٢) رجال الطوسي : ١٤٦ / ٧٩.

(٣) رجال العلاّمة : ٥ / ١٣.

(٤) راجع ج ٢ ص ٤٠٠ ، ج ٣ ص ١٦٦ ، ج ٤ ص ٢٦١ ، ج ٥ ص ٢٩٧ ، ج ٦ ص ١١٤.

(٥) رجال النجاشي : ٣٢ / ٧١.

(٦) الدراية : ٤٤.

(٧) راجع ج ٢ ص ٥٥ ، ج ٤ ص ٢٥ ، ٢٨٠.

(٨) في النسخ : والرابع ، والصحيح ما أثبتناه ، وأما الرابع فقد ترك البحث عنه هنا ، ولكن السند تقدم في ص ٩١٠ أنّه ليس فيه ارتياب.

(٩) في النسخ : والخامس ، والصحيح ما أثبتناه.

(١٠) جال النجاشي : ١٥٩ / ٤٢١.


والشيخ قال : إنّه واقفي في رجال الكاظمعليه‌السلام من كتابه(١) وقد تكرر القول في مثل هذا(٢) . أمّا معمر بن رئاب فلم أره في رجال الأصحاب ؛ لكن في صحيح مسلم يروي عن عبد الرزاق بن همام(٣) ، فالظاهر أنّه منهم. وفي التهذيب رواه : عن سعد ، عن محمّد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير(٤) . وهو الصواب.

[والسابع (٥) ] : فيه أبو بصير.

المتن :

في الأول : يدل على أنّ القنوت يوم الجمعة في الأُولى ؛ وربما شمل الظهر ، ويقرب استبعاده أنّ الصدوق روى في الفقيه : أنّ من صلّى وحده يوم الجمعة فعليه قنوت واحد قبل الركوع في الركعة الأُولى. وقد ردّ الرواية بتفرد حريز بها عن زرارة(٦) . وتضمنت أيضاً أنّ في الجمعة قنوتين ، وقد قدّمنا ذلك. لكن الظاهر من الرواية هنا صلاة الجمعة ، ولا يبعد عدم دلالتها على الحصر بعد دلالة غيرها على أنّ في الجمعة قنوتين. وحينئذٍ ربما كانت الفائدة في ذكر القنوت في الركعة الأُولى فقط التنبيه على مغايرة غيرها ؛ ( وإنْ حصلت المغايرة في الثانية أيضاً بالبَعدية للركوع ، إلاّ أنّ وجود القنوت بعده في الجملة ولو قضاءً كافٍ ؛ فليتأمّل )(٧) .

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٤٩ / ٥.

(٢) في ج ٤ ص ٨٩.

(٣) صحيح مسلم ١ : ٢١٢ / ٢١ ، وفيه : عبد الرزاق بن همام عن معمر.

(٤) التهذيب ٣ : ١٧ / ٦١.

(٥) في النسخ : والسادس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٦) الفقيه ١ : ٢٦٦ / ١٢١٧.

(٧) ما بين القوسين ليس في « م ».


وأمّا الثاني : فالظاهر منه اعتبار الجماعة في كون القنوت في الأُولى سواء كانت ظهراً أو جمعةً ؛ ويبعده ما سبق. وحينئذٍ فالمراد صلاة الجمعة ، إلاّ أنّ مقابلة الوحدان غير واضحة الوجه ، إذ الظهر لو صلّيت جماعة فا(١) المشهور كذلك ، والأولى لو حملت على ما يشمل الظهر تناولت فعل الظهر فرادى ، إلاّ أنّه يمكن تخصيصها. والحاصل أنّ عدم معلومية القائل يسهل الخطب ، ويوجب نوع تعجب في الأخبار ، ولعلّ ضيق المجال بسبب أهل الخلاف هو الموجب لهذا.

والثالث : يظهر القول فيه من غيره.

أمّا الرابع : فظاهر الدلالة على أنّ صلاة الجمعة فيها القنوت في الأُولى ، وغيرها في الثانية قبل الركوع جماعةً وفرادى ؛ فيخصّ به عموم غيره أو يقيد إطلاقه. لكنه لا يأبى الجمع بينه وبين ما دلّ على القنوتين في الجمعة ؛ لاحتمال إرادة الفرق في الجملة ، وهو حاصل ، وقد قدّمنا فيما مضى(٢) ما يمكن استفادة القنوتين في الجمعة منه.

والخامس : ما ذكره الشيخ فيه من التقية له وجه وجيه [كالسادس (٣) ].

أمّا الاستدلال على التقية [ بالسابع(٤) ] ففيه نظر ؛ إلاّ أن يحمل على ما ذكره بعض أهل الخلاف : من جواز القنوت في جميع الصلوات عند‌

__________________

(١) في « م » و « فض » : في.

(٢) في ص ١٦٨٦.

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من « فض » وفي « م » و « رض » : كالخامس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٤) في النسخ : بالسادس ، والصحيح ما أثبتناه.


الشدائد(١) . وفي المتن كلام أنهيته فيما مضى من باب القنوت(٢) ، ولا يخفى على من راجع الخبر سابقاً ما في التغاير بين ما هنا وهناك الموجب لنوع تعجّب ، والله أعلم بالحقائق.

قوله :

باب العدد الذي يجب عليهم الجمعة.

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن العباس ، عن حماد بن عيسى ، عن ربعي ، عن عمر بن يزيد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلّوا في جماعة ».

عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن الحكم بن مسكين ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين ، ولا تجب على أقلّ منهم ، الإمام وقاضيه والمدعي حقاً والمدعى عليه والشاهدان والذي يضرب الحدود بين يدي الإمام ».

علي بن مهزيار ، عن فضالة ، عن أبان بن عثمان ، عن العباس(٣) ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « أدنى ما يجزئ في الجمعة سبعة أو خمسة أدناه ».

__________________

(١) المغني والشرح الكبير ١ : ٨٢٣.

(٢) في ص ١٦٨٠.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤١٩ / ١٦٠٩ : عن أبي العباس.


قال محمّد بن الحسن : ليس بين هذين الخبرين تناقض ؛ لأنّ الفرض يتعلق بالعدد(١) إذا كانوا سبعة ، أمّا إذا كان العدد خمساً كان ذلك مستحباً مندوباً إليه ولم يكن فرضاً واجباً ، وإن نقص عن الخمسة فلا ينعقد الجمعة أصلاً. والذي يدلّ على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن منصور بن حازم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زاد ، فإن كانوا أقلّ من خمسة فلا جمعة لهم ، والجمعة واجبة على كل أحد لا يعذر الناس فيها ، إلاّ خمسة : المرأة والمملوك والمسافر والمريض والصبي ».

عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن ابن مسكان ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا تكون الجمعة ما لم يكن القوم خمسة ».

علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة ، عن زرارة قال : كان أبو جعفرعليه‌السلام يقول : « لا تكون الخطبة والجمعة وصلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهطٍ الإمام وأربعة ».

السند :

في الأوّل : قد تقدم الكلام في أحمد بن محمّد بن يحيى في أوّل الكتاب(٢) وأنّ التوقف فيه غير معلوم من مشايخنا الذي عاصرناهم بل وغيرهم من مشايخهم(٣) . والعباس فيه ابن معروف ، فالخبر معدود من الصحيح.

__________________

(١) في النسخ زيادة : الذي.

(٢) راجع ج ١ ص ٩١ ٩٢.

(٣) في « م » زيادة : ومن قاربهم.


والثاني : ليس فيه إلاّ الحكم بن مسكين بعد من علم ، فإنّه مهمل في الرجال(١) . ومحمّد بن الحسين هو ابن أبي الخطاب.

والثالث : ليس فيه من يتوقف في شأنه إلاّ العبّاس كما يعرف من الرجال(٢) ؛ لكن في التهذيب عن أبي العباس(٣) ، والظاهر أنّه الصواب.

والرابع : صحيح على ما مضى(٤) .

والخامس : ضعيف(٥) .

والسادس : حسن(٦) .

المتن :

في الأوّل : قد استدل به ( جديقدس‌سره في جملة ما سنذكره )(٧) على وجوب الجمعة من غير حضور إمام الأصل أو من نصبه(٨) ، وعليها اعتمد شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب وغيرها ، وأضاف إليها موافقة لجديقدس‌سره صحيح محمّد بن مسلم الآتي(٩) وكذلك صحيح الفضل بن عبد الملك‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٣٦ / ٣٥٠.

(٢) رجال النجاشي : ٢٨٠.

(٣) التهذيب ٣ : ٢١ / ٧٦.

(٤) راجع ج ١ : ١٤٧ ، ١٥٢ وج ٦ : ٥٠.

(٥) بعثمان بن عيسى ، فإنه واقفي مذموم ، انظر رجال النجاشي : ٣٠٠ / ٨١٧ ، وتقدم في ج ١ : ٧١ و ٣٩١ ، وج ٢ : ٤٢٣ ، وج ٣ : ١٥٩ ، ٢٤٤ وج ٥ : ١٧٤ وج ٦ : ٣٩.

(٦) بإبراهيم بن هاشم المعبّر عنه بأبيه.

(٧) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».

(٨) روض الجنان : ٢٩٠.

(٩) في ص : ٥١.


الآتي(١) وفي نظري القاصر أنّ فيه تأمّلاً لتضمن الروايات الإذن من الإمامعليه‌السلام ولا إشكال معها.

وما عساه يقال : إنّ أحكامهمعليهم‌السلام لا يختص بزمنهم لما هو معلوم.

يمكن الجواب عنه : بأنّ هذا في غير ما يقرب بالوكالة ، وقد وقع النزاع بين الأصحاب في المنصوبين من الأئمّةعليهم‌السلام للقضاء بعد موت الإمام الناصب لهم ، والخلاف مذكور في باب القضاء.

واحتمال الاعتماد على عدم الفرق بين المأذون وسائر الأحكام. فيه أوّلاً : أنّه ينبغي التنبيه عليه وذكر دليله. وثانياً : أنّ جريان أحكام الأئمةعليهم‌السلام على من بعدهم ( غير الأحكام الشرعية )(٢) إذا لم يكن إجماعياً ، فإثبات الاستمرار موقوف على النص ولم يعلم ، وقد ذكرت هذا في موضع من الأُصول عند استدلال بعض محققي المعاصرين سلمه الله بالمقبولة المشهورة على ثبوت التحري.

ولعلّ الأولى الاستدلال في المقام بالرابع من حيث قولهعليه‌السلام : « والجمعة واجبة على كل أحد ».

وما عساه يقال : من احتمال تعلق هذا بقولهعليه‌السلام : « يجمع القوم » إلى آخره. فإنّ هذا إذنٌ ، فكأنّهعليه‌السلام قال بعد الإذن : والجمعة واجبة. فيه(٣) بُعد.

وربما كان أظهر منه ما رواه الصدوق في الفقيه بلفظ : قال أبو جعفرعليه‌السلام لزرارة بن أعين : « إنّما فرض الله عزّ وجلّ على الناس من الجمعة إلى‌

__________________

(١) في ص : ٥٢.

(٢) بدل ما بين القوسين في « م » : غير التحليل والتحريم.

(٣) في النسخ : وفيه ، والأنسب ما أثبتناه.


الجمعة خمساً وثلاثين صلاة ؛ فيها صلاة واحدة فرضها الله عزّ وجلّ في جماعة وهي الجمعة »(١) الحديث. والطريق إلى زرارة صحيح.

وروى أيضاً بلفظ : قال زرارة : قلت له : على من تجب الجمعة؟ قال : « تجب على سبعة نفر من المسلمين ، ولا جمعة لأقلّ من خمسة »(٢) الحديث. ويؤيدهما بعض الأخبار المطلقة.

وما استدل به لاعتبار الإمام أو من نصبه سنتكلم فيه ، غير أنّ في البين كلاماً من جهة خبر الواحد ذكرته في محل آخر(٣) ؛ وأظن عدم التصريح به أولى.

أمّا الاستدلال بالآية الشريفة(٤) فقد اعتمد عليه شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب ، وقبله جدّيقدس‌سره (٥) ولجدي فيها كلام في الرسالة(٦) بعضه محل تأمّل.

ويمكن أن يقال : إنّ خطابها من خطاب المشافهة ، وهو مخصوص بالموجودين حال الخطاب كما هو رأي المحققين(٧) ، والتعدّي بالإجماع ، فلا يتم في موضع النزاع.

ويمكن الجواب : بأنّ الإجماع على أنّ الأمر للموجودين شامل لنا ، والأمر في الآية موجود فيكفي. وفيه : أنّ الأمر للموجودين مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ،

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٦٦ / ١٢١٧ ، الوسائل ٧ : ٢٩٥ أبواب صلاة الجمعة وآدابها ب ١ ح ١.

(٢) الفقيه ١ : ٢٦٧ / ١٢١٨ ، الوسائل ٧ : ٣٠٤ أبواب صلاة الجمعة وآدابها ب ٢ ح ٤.

(٣) راجع ج ١ ص ٢١ ٢٧.

(٤) الجمعة : ٩.

(٥) روض الجنان : ٢٩٠.

(٦) رسائل الشهيد : ٥١.

(٧) معالم الأصول : ١١٢ ، المستصفى ٢ : ٨٣ ، المحصول ١ : ٣٩٣.


واللازم وجوب الجمعة معه ولا كلام فيه ؛ إلاّ أن يقال : إنّ ضميمة الخصوصيات في الأمر كحضر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لو كان شرطاً لم يتم الحكم بوجوب شي‌ء من أوامر القرآن ، لكونهعليه‌السلام داخلاً. وفيه : أنّ ما خرج بالإجماع عدم اشتراطه فيه لا إشكال فيه بخلاف محل النزاع.

وربما يقال : إنّ دعوى مدخليتهعليه‌السلام متوقفة على الدليل ، بل الأمر مطلق.

وفيه : أنّ الظاهر ( احتياج عدم المدخلية )(١) إلى الدليل ، فليتأمّل.

وأمّا الثاني : فقد استدل به بعض المشترطين للإمام أو قاضيه. وضعف السند فيها يمنع من العمل بها على ما ذكره شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب وفي نظري القاصر أنّ هذا يدفعه ذكر الصدوق لمتنها في الفقيه(٢) .

ولعلّ الأولى أنْ يقال : إنّ من المعلوم عدم اشتراط جميع من ذكره فيها في الجمعة ، وإذا لم يشترط فهو قرينة على أنّ المراد اجتماع هذا العدد.

وما عساه يقال : من أنّه لا يلزم من عدم اشتراط البعض بالإجماع عدم اشتراط المختلف فيه.

يمكن الجواب عنه : بأنّ الخبر إذا لم يكن صريحاً ، ومعارضه الدالّ على الإطلاق موجود فلا يتم الاستدلال.

وقد يشكل بأنّ المعارض لا يخرج عن الإطلاق ، وهذا مقيد. وفيه : أنّ المقيد غير صريح ، ومعه فالخروج عن الإطلاق مشكل. والحقّ أنّ جعل الخبر مناط الاستدلال محل تأمّل.

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : عدم احتياج المدخلية.

(٢) الفقيه ١ : ٢٦٧ / ١٢٢٢.


أمّا ما ينقل من دعوى الإجماع على انتفاء العيني حال الغيبة ففيه : أنّ الإجماع لا يخرج عن كونه خبراً مرسلاً ، لأنّ مدعية على ما حكاه جديقدس‌سره في الرسالة(١) : المحقق في المعتبر حيث قال : السلطان العادل أو نائبه شرط وجوب الجمعة ، وهو قول علمائنا(٢) . وكذلك العلاّمة في التذكرة حيث قال : يشترط في وجوب الجمعة السلطان ونائبه عند علمائنا أجمع(٣) . وتبعهما على ذلك بعض المتأخّرين عنهما(٤) وقد ذكر جديقدس‌سره في الرسالة ما يقتضي اختصاص الحكم بحال حضورهعليه‌السلام (٥) .

والوجه فيما قلناه من أنّ هذا الإجماع كالخبر المرسل لأن تحقّقه في زمن مدعية يكاد أن يلحق بالممتنعات العادية ، فلا بُدّ أن يحمل مرادهم على أنّه ثبت عندهم بنقل العدل ، ولمّا لم يعلم الناقل كان الإخبار به كالمرسل.

وما عساه يقال : إنّ هذا يوجب سوء الظن في الناقلين ؛ إذ الظاهر من إطلاقهم العلم بدخول المعصوم ، والحال خلافه.

يمكن الجواب عنه : بالاعتماد منهم على معلومية عدم تحققهم الإجماع إلاّ من جهة الإخبار ، وإذا رجع الأمر إلى الخبر المرسل فالأخبار الواردة في الجمعة على الإطلاق لها نوع ترجيحٍ ؛ إلاّ أن يقال : إنّ كثرة المدعين للإجماع مرجحة. وفيه نظر بيّن ، يعلم وجهه من مراجعة الرسالة.

وقد ذكر العلاّمة في المنتهى : أنّه لو لم يكن الإمام ظاهراً هل يجوز‌

__________________

(١) رسائل الشهيد : ٧٠.

(٢) المعتبر ٢ : ٢٧٩.

(٣) التذكرة ٤ : ١٤٤.

(٤) جامع المقاصد ٢ : ٣٧١.

(٥) رسائل الشهيد : ٧٢.


فعل الجمعة؟ قال الشيخ في النهاية : يجوز إذا أمنوا الضرر وتمكّنوا من الخطبة. وذكر في الخلاف : أنّه لا يجوز. وهو اختيار المرتضى وابن إدريس وسلاّر ؛ وهو الأقوى عندي. لنا ما تقدم من اشتراط الإمام أو نائبه ، فمع الغيبة تجب الظهر لفوات الشرط(١) . انتهى. وهذا لا يخلو من غرابة منه كما يعلم من الرسالة(٢) .

أمّا ما ادعاه البعض(٣) من اشتراط الفقيه حال الغيبة ، وإلاّ لم تشرع ؛ فأدلته مدخولة كما يعرف ممّا أشرنا إليه.

وما ذكره الشيخ في دفع التناقض بين الخبرين من حمل الخمسة على الاستحباب. يريد به : أنّ مع السبعة وجوب الجمعة عيناً ، ومع الخمسة تخييراً ، فتكون الجمعة أفضل الفردين ، وهو المعبّر عنه بالاستحباب. وهذا محلّ تأمّل ؛ لعدم صلاحية ما يدل عليه ، أمّا الأخبار فلأنّ الجمع لا ينحصر فيما ذكر ، بل يجوز أن يحمل ما دلّ على الخمسة على الأقلّ فضيلة والسبعة على الأكمل.

وما عساه يقال : إنّ كون الخمسة أقل فضيلة ، إن أُريد به أنّ مع عدم وجود السبعة يكون ثواب الخمسة أقل منها على تقدير وجودها فهو غير مناسب للحكمة ، وإن كان مع وجود السبعة فلا معنى له.

يمكن الجواب عنه : بنحو ما قدّمناه في موضع من الكتاب ، من جواز تفضيل بعض العبادات وإن لم يمكن(٤) غيرها.

__________________

(١) المنتهى ١ : ٣٣٦.

(٢) رسائل الشهيد : ٧٤.

(٣) جامع المقاصد ٢ : ٣٧٩.

(٤) في « م » و « رض » : لم يكن.


وما يقال : من أنّ الاستحباب في مثل هذا إن أُريد به بمعناه الأُصولي فلا يتم ؛ لأنّ المستحب ما يجوز تركه لا إلى بدل ، وهذا ليس كذلك ؛ وإن أُريد غيره فإثباته لا بُدّ له من دليل.

يمكن الجواب عنه : بأنّ الكامل لا بدل له ، فيتحقق المعنى الأُصولي ، وقد أوضحنا الحال في محل آخر.

ثم إنّ ما ذكره الشيخ من التخييري في [ الخمسة(١) ] والعيني في السبعة جمعاً يقتضي تحقق التخييري والعيني حال حضور الإمامعليه‌السلام ؛ إذ الأخبار يفيد ذلك حينئذٍ ، والقول بالتخييري حال الحضور لا أعلم الآن القول به ، وعلى تقدير الاعتماد على أنّ الشيخ قائل بذلك هنا فهو لازم.

ولا يذهب عليك أنّ المستفاد من الأخبار هو العيني ؛ وما يقال : إنّ الأمر لا يختص بالعيني. فيه : أنّه خلاف(٢) المستفاد من الأُصول. أمّا دعوى الإجماع على انتفاء العيني حال الغيبة فالكلام فيها كما سبق.

وقد نقل عن جدّيقدس‌سره أنّه أجاب في شرح الإرشاد بعدم تكافؤ أخبار الخمسة والسبعة ، بل أخبار الخمسة أصحّ(٣) ؛ فلا وجه للحمل من الشيخ. وغير خفي اندفاعه بعد ما ذكرناه من روايات الصدوق ، وعذرهقدس‌سره عدم وجود من لا يحضره الفقيه عنده ؛ وروايات الشيخ كأنّه نظر منها إلى ما هنا من اشتراك العباس(٤) ، وما قيل في أبان بن عثمان(٥) ؛ والحال أنّ دفع القول في أبان واضح ، والعباس على ما في التهذيب(٦) سهو. لكن‌

__________________

(١) في النسخ : الجمعة ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) ليس في « م ».

(٣) روض الجنان : ٢٨٥.

(٤) هداية المحدثين : ٨٩.

(٥) رجال النجاشي : ١٣.

(٦) التهذيب ٣ : ٢١ / ٧٦.


لا يخفى أنّ رواية أبي العباس لا إشعار فيها بأنّ الخمسة تفيد الوجوب تخييراً والسبعة عيناً كما ذكره بعض الأصحاب(١) .

إذا عرفت هذا فاعلم : أنّ المشي مع ظاهر الأخبار المطلقة يقتضي الوجوب عيناً لولا ما أشرنا إليه سابقاً من نوع شك لنا في العمل بخبر الواحد ؛ وحينئذٍ فاشتراط الإمام أو نائبه ، أو أنّ الشرط مخصوص بحال الحضور أو يشمل الغيبة ، أو أنّ المراد بالنائب الخاص أو العام الشامل للفقيه حال الغيبة ، أو الوجوب على تقديره عيني أو تخييري يتوقف على الأدلة المقيّدة للأخبار. والدخل فيما ذكروه يعلم من الرسالة الشريفة لجدي(٢) قدس‌سره وإن كان في بعض المباحث فيها لنا نوع كلام ، وإنّما اختصرنا هنا اكتفاءً بغير هذا المحل ممّا كتبناه في المقام.

وما تضمنه الخبر الأخير من قوله : « الإمام وأربعة » لا يدل على إمام الأصل ، بل احتمال إمام الجماعة ربما يدعى ظهوره ، والتعريف لا ينفيه ، بجواز أن يكون للدلالة على الإمام الجامع للشرائط المذكورة في كلام الأصحاب.

قوله :

باب القوم يكونون في قرية

هل يجوز لهم أن يجمعوا أو لا.

الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم ، عن أحدهما عليهما‌السلام ، قال : سألته عن أُناس في قرية هل يصلّون الجمعة ( جماعة؟ قال : « يصلّون ) (٣) أربعاً إذا لم يكن من يخطب ».

__________________

(١) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٣٣٨.

(٢) رسائل الشهيد : ٥١.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».


عنه ، عن فضالة ، عن أبان بن عثمان ، عن الفضل بن عبد الملك ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « إذا كان قوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات ، فإذا كان لهم من يخطب لهم جمعوا إذا كانوا خمسة نفر ، وإنما جُعلت ركعتين لمكان الخطبتين ».

عنه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن زرارة قال : حثّنا أبو عبد اللهعليه‌السلام على صلاة الجمعة حتى ظننت أنّه يريد أن نأتيه ، فقلت : نغدو عليك؟ فقال : « لا(١) ، إنّما عنيت عندكم ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن العبّاس ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن ابن بكير قال : حدّثني زرارة ، عن عبد الملك ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « مثلك يهلك ولم يصلّ فريضة فرضها الله عليك »(٢) قال : قلت : كيف أصنع؟ قال(٣) : « صلّوا جماعة ، يعني صلاة الجمعة ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، ( عن محمّد )(٤) بن يحيى ، عن طلحة بن زيد ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن عليعليه‌السلام قال : « لا جمعة إلاّ في مصر يقام فيه الحدود ».

فالوجه في هذا الخبر التقية ؛ لأنّه موافق لمذاهب كثير من العامة ، وكذلك :

ما رواه محمّد بن أحمد ( بن يحيى )(٥) ، عن أبي جعفر ، عن‌

__________________

(١) لفظة : لا ، ليست في النسخ ، أثبتناها من الاستبصار ١ : ٤٢٠ / ١٦١٥ ، والتهذيب ٣ : ٢٣٩ / ٦٣٥.

(٢) لفظة : عليك ، ليست في الاستبصار ١ : ٤٢٠ / ١٦١٦. والتهذيب ٣ : ٢٣٩ / ٦٣٨.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٢٠ / ١٦١٦ زيادة : قال.

(٤) ما بين القوسين ليس في « رض » و « م ».

(٥) ما بين القوسين ليس في « رض ».


أبيه ، عن حفص بن غياث ، عن جعفر ، عن أبيهعليهما‌السلام قال : « ليس على أهل القرى جمعة ، ولا خروج في العيدين ».

فالوجه فيه أيضاً التقية ، ويجوز أن يكون عنى من بعدت قريته عن البلد أكثر من فرسخين ، ولم يكن فيهم العدد الذي يجب عليهم الجمعة ، ولا حصلت فيهم شرائطهم(١) .

السند :

في الأوّل : لا ارتياب فيه.

والثاني : كذلك على ما قدّمناه في أبان(٢) ، والفضل ثقة ، والظاهر من كثرة رواية أبان بن عثمان عن الفضل أنّ السابق في الخبر أبو العباس الفضل ابن عبد الملك ، لا العباس كما في النسخة التي نقلت منها.

والثالث : صحيح.

والرابع : فيه عبد الملك وهو مشترك(٣) ، ولا يبعد أن يكون ابن أعين ، وحاله لا يقتضي إدخال حديثه في الموثق ، وقد وصفه في المختلف به(٤) ، وكأنه استفاد ما ذكرناه من ابن أعين ، ( لما يظهر من الرجال في الجملة(٥) ، أو أنّه غير ابن أعين ، ولا أدري وجهه. أمّا وصف الخبر بالموثق من حيث ابن أعين )(٦) فقد يظن أنّ العلاّمة استفاد مدحه من زيارة الصادقعليه‌السلام

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٢٠ / ١٦١٨ : الشرائط.

(٢) راجع ج ١ : ١٨٣ ، وج ٢ : ١٧٧ ، وج ٣ : ٢٠٢.

(٣) كما في هداية المحدثين : ١٠٧.

(٤) المختلف ٢ : ٢٥٢.

(٥) رجال الكشي ١ : ٤٠٩.

(٦) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


قبره ، كما حكاه الصدوق في مشيخة الفقيه(١) ، وفيه ما لا يخفى.

والخامس : محمّد بن يحيى فيه لا يبعد كونه الخثعمي ، لظن وجوده مصرحاً في بعض الأسانيد ، مع ( مناسبته بالرواية )(٢) عن طلحة المذكور كونه عاميّاً.

والسادس : أبو جعفر فيه أحمد بن محمّد بن عيسى ، وقد تقدم القول في أبيه(٣) ، وحفص بن غياث كذلك(٤) .

المتن :

في الأوّل : مضى القول فيه بما يغني عن الإعادة(٥) ، وما يقتضيه ظاهره من قوله : « إذا لم يكن من يخطب » أنّ وجود من يخطب على الإطلاق يقتضي عدم الصلاة أربعاً ، جوابه واضح إذا ثبت المقيّد ، غاية الأمر أنّ بعض ما ذكره من رأينا كلامه من الشروط قد يتوقف فيه ، والإجماع وإن ادّعي على اشتراط الإيمان والبلوغ والعقل والعدالة وطهارة المولد والذكورة ، إلاّ أنّ ثبوت مثل هذا الإجماع محل كلام ، وبتقدير ثبوته فالأيمان قد ذكر فيه البعض اشتراط كونه عن دليل(٦) ، ولعلّ المراد به ما يحصل الاطمئنان للنفس به بأيّ طريقٍ كان.

وأمّا العدالة فالمذكور في تعريفها : أنّها ملكة راسخة في النفس تبعث على ملازمة التقوى والمروءة. قيل : ويتحقق التقوى بمجانبة الكبائر ، وهي‌

__________________

(١) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٩٧.

(٢) في « فض » مناسبة ما لروايته.

(٣) راجع ج ١ ص ١٩٦.

(٤) راجع ج ١ ص ١٩٦.

(٥) في ص : ٤٥.

(٦) كالشهيد الثاني في روض الجنان : ٢٨٩.


ما توعد عليها بالنار في الكتاب أو السنّة ، وعدم الإصرار على الصغيرة فعلاً أو حكماً ، وهو فعلها مع قصد ذلك مرّةً أُخرى. وقيل : عدم الندامة والتوبة(١) .

وقد فُسّرت المروءة بأنّها ملكة تبعث على مجانبة ما يؤذن بخسّة النفس ودناءة الهمّة من المباحات والمكروهات وصغار المحرّمات مع عدم الإصرار ، كسرقة لقمة ، وتطفيف الميزان بحبة ، والأكل في السوق والمجامع ، وأمثال ذلك(٢) . والاستدلال على هذا لا يخلو من إشكال ، ( وسيجي‌ء(٣) تفصيل الحال )(٤) .

( ولا يخفى أنّ ما عرّفنا به العدالة مأخوذ من كلام بعض الأصحاب وفيه نوع كلام ، إلاّ أنّه أولى من تعريف جديقدس‌سره في الروضة في باب صلاة الجماعة ، من أنها ملكة نفسانية باعثة على ملازمة التقوى ، التي هي القيام بالواجبات وترك المنهيات الكبيرة مطلقاً والصغيرة مع الإصرار عليها(٥) . ووجه الأولوية أنّه لا وجه لذكر الإصرار وعدمه في التروك كما لا يخفى )(٦) . وإطلاق النص ربما يساعد على نفي غير ما قام عليه الدليل السالم من الريب(٧) .

__________________

(١) كما في مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٣٥١.

(٢) انظر روض الجنان : ٢٨٩ ، مجمع الفائدة ٢ : ٣٥١.

(٣) في ص : ١٦٠ و ١٤٥.

(٤) ما بين القوسين ليس في « م » ، وفي « فض » مكتوب بعد قوله : والمجامع ، والأولى ما أثبتناه من « رض ».

(٥) الروضة البهية ١ : ٣٧٨.

(٦) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٧) في « فض » زيادة : ظاهره.


وأمّا الثاني : ففيه دلالة على أنّه إذا كان لهم من يخطب جمعوا صريحة(١) ، كما أنّ دلالته على إطلاق الجمعة على الظهر كذلك ، واحتمال إرادة : صلّوا ما يقوم مقام الجمعة. بعيد.

الثالث : ربما استأنس به بعض الأصحاب(٢) في إفادته الوجوب التخييري ، من حيث قوله : حثّنا ؛ إذ العيني لا يناسبه ذلك.

وأجاب عنه جديقدس‌سره في الرسالة : بأنّ زرارة قد روى ما يدل على العيني ، وأراد به ما رواه الشيخ في التهذيب عنه ، من قولهعليه‌السلام : « فرض الله على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمساً وثلاثين صلاة » الحديث(٣) .

ثم قالقدس‌سره ما ملخصه : والذي يظهر أنّ السرّ في التهاون بصلاة الجمعة يعني الموجب للحثّ ما عهده من قاعدة المذهب أنّهم لا يقتدون بالمخالف والفاسق ، والجمعة إنّما تقع غالباً من أئمّة أهل الخلاف ، وخصوصاً في المدن المعتبرة ، وزرارة من الكوفة ، وهي أشهر مدن الإسلام ، وإمام الجماعة فيها مخالف ، فكان يتهاون لهذا الوجه(٤) ، انتهى.

وقد يقال : إنّه يجوز كون الحثّ على فعلها تقيةً معهم ، لكون زرارة مشهوراً عند أهل الخلاف ، وربّما يؤيد هذا أنّ إقامة الجمعة على مذهب أهل الحق من زرارة يخالف الأمر بالتقية ، سيّما بما ذكره في مثل الكوفة.

ثم إنّ رواية زرارة ( المتضمنة لقولهعليه‌السلام )(٥) إنّ الله فرض كذا وكذا مع روايته الحثّ ، لو [ حملتا(٦) ] على التخيير لا تضاد ، لجواز الفرض‌

__________________

(١) ليست في « رض » و « فض ».

(٢) حكاه الشهيد الثاني في الرسائل : ٥٩.

(٣) التهذيب ٣ : ٢١ / ٧٧.

(٤) رسائل الشهيد الثاني : ٦٠ بتفاوت يسير.

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٦) في النسخ : حمل ، والأولى ما أثبتناه.


تخييراً في بعض الصلوات المذكورة ، إلاّ أن يقال : إنّ سياق الخبر تساوي الصلوات في الوجوب عيناً ، وفيه : احتمال الفرض عيناً بالشروط.

ولعلّ الأولى أن يقال في إلزام المستدل بالرواية على التخييري ـ : إنّ مع وجود الإمامعليه‌السلام وأمره كيف يتصور التخييري؟ وربما يجاب عن هذا : بأنّ كلام الشيخ صريح في التخييري حال الحضور كما سبق.

وفيه : أنّ كلام الشيخ بتقدير الاعتماد عليه يفيد التخيير في العدد الخاص(١) لا مطلقاً ، فليتأمّل.

وممّا قد يؤيد ما ذكرناه من احتمال فعل الجمعة تقيةً من زرارة آخر الرواية.

وأمّا الرابع : فقد ذكره من أشرنا إليه في الاستيناس للتخييري ، وكلام جديقدس‌سره فيهما واحد(٢) .

وأمّا الخبران الأخيران فالتقية فيهما متوجهة ، وأمّا غيرها فأظن أنّ تركه أولى ، لأنّ(٣) فقدان الشرائط لا فرق فيه بين القرية وغيرها.

قوله :

باب سقوط الجمعة عمن كان على رأس أكثر من فرسخين‌

علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن ابن مسلم قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الجمعة ، فقال : « تجب على من‌

__________________

(١) في « رض » : في العدد الحاصل. ، وفي « م » : وفي العدد إذ الخاص.

(٢) في ص : ٥٧.

(٣) في النسخ : ان ، والصحيح ما أثبتناه.


كان منها على رأس فرسخين ، فإن زاد على ذلك فليس عليه شي‌ء ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن علي بن السندي ، عن محمّد ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن زرارة ومحمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين ».

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة(١) ، عن زرارة قال : قال أبو جعفرعليه‌السلام : « الجمعة واجبة على من إذا صلّى الغداة في أهله أدرك الجمعة ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّما يصلّي العصر في وقت الظهر في سائر الأيام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رجعوا إلى رحالهم قبل الليل ، وذلك سنّة إلى يوم القيامة ».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على ضرب من الاستحباب دون الفرض والإيجاب ؛ لأنّ الفرض متعلق بمن كان على رأس فرسخين.

السند :

في الأوّل : حسن.

والثاني : فيه علي بن السندي ، وقد قدّمنا(٢) فيه كلاماً يغني عن الإعادة.

والثالث : صحيح.

المتن :

في الأوّل : ظاهر في أنّ من كان على رأس فرسخين عليه حضور‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٢١ / ١٦٢١ : عن عمر بن أُذينة.

(٢) في ج ١ ص ٣٣١.


الجمعة واجب ، وإن زاد لا يجب عليه ذلك.

والثاني : يدل على وجوب الحضور على من كان على فرسخين. وقد تضمنت رواية زرارة في الفقيه والتهذيب سقوط الجمعة عمّن كان على رأس فرسخين(١) ، فعدم التعرض من الشيخ لدفع التنافي غريب ، ولعلّ ما دلّ على الفرسخين محمول على الزيادة ، لكن نقل العلاّمة في المختلف الخلاف بين الأصحاب ، فقال : من كان على رأس أزيد من فرسخين لم يجب عليه الحضور إلى الجمعة ، فإن تمّ عنده العدد وجب عليه إقامتها عنده والحضور ، وإلاّ فلا ، ومن كان على رأس فرسخين فما دون وجب عليه الحضور إن لم يتم عنده العدد ، وإلاّ وجب عليه أحد الأمرين ، إمّا الحضور أو إقامتها عنده ، هذا هو المشهور ، وذهب إليه الشيخان ، والسيّد المرتضى ، وأبو الصلاح ، وسلاّر ، وابن إدريس ، وقال الشيخ أبو جعفر بن بابويه في المقنع : وضعها الله عن تسعة إلى أن قال ـ : ومن كان على رأس فرسخين ، ورواه في كتاب من لا يحضره الفقيه ، وهو قول ابن حمزة.

ثم إنّ العلاّمة استدل على الأوّل وهو مختاره بعموم الأمر المتناول لمن كان بينه وبينها قدر فرسخين ، ولزوم المشقّة مع إيجابها على من زاد ، وأصالة براءة الذمّة ، وبالخبرين المبحوث عنهما ، وزاد ما تركه أولى من ذكره ، ثم نقل احتجاج ابن بابويه برواية زرارة ، وبأنّ فيه مشقّة ، وأجاب بأنّ زرارة قد روى وجوبها على من كان على رأس فرسخين ، فيحتمل أن يكون الراوي عنه قد سها عن لفظة « أزيد » ومطلق المشقّة غير معتبر إجماعاً ؛ لعدم انفكاك التكليف عنها. انتهى(٢) .

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٦٦ / ١٢١٧ ، التهذيب ٣ : ٢١ / ٧٧.

(٢) المختلف ٢ : ٢٤١.


ولا يذهب عليك أنّه يتوجه على العلاّمةأولاً : أنّ عموم الأمر إنْ أراد به الآية فهي ظاهرة فيمن يسمع النداء ، وإنْ أُريد به الأخبار الدالة على الجمعة ففيه أنّها لا تخرج عن الإطلاق ، وما دلّ على السقوط مقيّد ، والآية بتقدير احتمال شمولها كذلك.

فإن قلت : إنّ الأخبار مع تعارضها لا تقيّد المطلق الدال على الوجوب.

قلت : التعارض إنّما يتم فيه ما ذكرت بتقدير المساواة ، ورواية زرارة في الفقيه صحيحة ، والروايتان هنا إحداهما حسنة والأُخرى ضعيفة ، واحتمال الوهم الذي ذكره في غاية البُعد ، سيّما بعد ما قلناه.

ولعلّ الأولى أن يقال : إنّ رواية زرارة في الفقيه محمولة على ما زاد ؛ إذ الاتفاق على رأس الفرسخ نادر ، هذا على تقدير التكافؤ.

وثانياً : أنّ ما ذكره في الجواب عن حجة ابن بابويه من المشقّة يتوجه عليه في استدلاله لما زاد بالمشقّة ؛ وأصالة براءة الذمّة يشكل بما ذكره من إطلاق الأوامر ، إلاّ أن يقال بخروج ما زاد بالإجماع ، وفيه : أنّه خروج عن الاستدلال مع وجود القول الآتي لابن أبي عقيل.

وأمّا الثالث : فقد نقل العلاّمة عن ابن أبي عقيل القول بمضمونه والاستدلال به ، وأجاب عن ذلك بالحمل على الاستحباب(١) . وربما يشكل الحمل على الاستحباب بأنّ ما دلّ على السقوط فيما زاد لا يخرج عن الإطلاق ، والخبر المبحوث عنه مقيد على تقدير تكافؤ الخبرين ، مضافاً إلى ما ذكره من عموم الأمر. ويمكن الجواب بأنّ احتمال الاستحباب أقرب إلى‌

__________________

(١) انظر المختلف ٢ : ٢٤٣.


الجمع ، فليتأمّل.

أمّا ما تضمنه الخبر من قوله : « وذلك سنّة » كأنّ المراد [ به أنّ ](١) الجمع بين الصلاتين سنّة ، وإن كان في الأصل فعلهعليه‌السلام ( لما ذكر )(٢) ، واحتمال إرادة وجوب الحضور على النحو المذكور مع ما معه من الجمع بعيد.

قوله :

باب من لم يدرك الخطبتين

علي بن إبراهيم ( عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حماد [ بن عثمان ](٣) ، عن الحلبي ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عمّن لم يدرك الخطبة يوم الجمعة ، فقال : « يصلّي ركعتين ، فإن فاتته الصلاة ولم يدركها فليصلّ أربعاً » وقال : « إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة ، فإن أنت أدركته بعد ما ركع فهي الظهر أربع ».

الحسين بن سعيد ، عن القاسم ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي بصير وأبي العباس الفضل بن عبد الملك ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا أدرك الرجل ركعةً فقد أدرك الجمعة ، وإن فاتته فليصلّ أربعاً ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن ابن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « الجمعة لا تكون إلاّ لمن أدرك الخطبتين ».

__________________

(١) ما بين المعقوفين في « م » : به ، وفي « رض » و « فض » : أن به ، والظاهر ما أثبتناه.

(٢) بدل ما بين القوسين في « فض » : لما ذكر من هنا ، وفي « رض » : لما زاد.

(٣) ما بين المعقوفين ليس في النسخ ، أثبتناه من الكافي ٣ : ٤٢٧ / ١ ، التهذيب ٣ : ٢٤٣ / ٦٥٦ ، الاستبصار ١ : ٤٢١ / ١٦٢٢.


فالوجه في هذا الخبر أنّه لا تكون فاضلة كاملة إلاّ لمن أدرك الخطبتين ، ولم يرد بذلك نفي الإجزاء حسب ما فصّله في الخبرين الأوّلين ، ويزيد ذلك بياناً :

ما رواه أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن عبد الرحمن العرزمي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « إذا أدركت الإمام يوم الجمعة وقد سبقك بركعة فأضف إليها ركعة أُخرى واجهر فيها ، فإن أدركته وهو يتشهد فصلّ أربعاً ».

السند :

في الأوّل : حسن.

والثاني ) (١) : فيه القاسم ، وهو ابن محمّد الجوهري الواقفي المكرر ذكره(٢) .

والثالث : صحيح ، لأنّ ابن سنان عبد الله على ما قدّمنا فيه القول(٣) .

والرابع : فيه عبد الرحمن العرزمي ، وهو مذكور بالاسم والوصف في الفهرست مهملاً(٤) ، والنجاشي ذكر عبد الرحمن بن محمّد الرزمي ووثّقه(٥) ، واحتمال المغايرة يدفعه أنّ النجاشي قال : الفزاري ، والشيخ في رجال الصادقعليه‌السلام من كتابه قال : عبد الرحمن بن محمّد الفزاري‌

__________________

(١) من عبارة : عن أبيه ، في ص ٦١ إلى هنا ساقط عن « م ».

(٢) راجع ج ١ ص ١٧٣ ، ٢٧٠ ، ج ٢ ص ١١٦ ، ١٩٩ ، ج ٣ ص ١٠٧ ، ٢٥٦.

(٣) راجع ج ٢ ص ٣٣٤.

(٤) الفهرست : ١٠٨ / ٤٦١.

(٥) رجال النجاشي : ٢٣٧ / ٦٢٨.


العرزمي(١) . أمّا ما ذكره جدّيقدس‌سره في فوائد الخلاصة من أنّ النجاشي لم يذكر الرزمي(٢) فهو اعتماد منه على كتاب ابن طاوس ، نقلاً عن النجاشي ، وكأنّه ترك اللفظ ، أو هو في نسخة ، والموجود الآن من نسخ النجاشي ما ذكرناه.

أمّا علي بن الحكم فقد كرّرنا القول(٣) في أنّه الثقة بتقدير الاشتراك ، لرواية أحمد بن محمّد عنه في الفهرست(٤) .

المتن :

في الأوّل : ظاهر في أنّ من لم يدرك الخطبة يصلّي ركعتين ، والمراد صلاتهما بالشرائط. وما تضمنه من أنّ الفوات يوجب الصلاة أربعاً في حيّز الإجمال ، وتفصيله بقوله : « إذا أدركت » إلى آخره. لكن يبقى فيه نوع خفاء من وجهين :

أحدهما : أنّه سيأتي(٥) في باب الجماعة أخبار دالة على أنّ من لم يدرك تكبير الركوع لا يدرك الركعة ، وهو يتناول الجمعة ، فعدم التفات الشيخ إلى ذلك لا وجه له ، إلاّ احتمال اعتماده على ما سيجي‌ء ، وفيه ما فيه ، لكن الحكم عند بعض الأصحاب الكراهة(٦) ، بمعنى أنّ الأولى عدم الدخول بعد التكبيرة. ويشكل في الجمعة بأنّ وجوبها لا يوافقه أولوية عدم‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٢٣٢ / ١٤٢.

(٢) حواشي الشهيد الثاني على الخلاصة : ١٩.

(٣) راجع ج ٢ ص ١٤ ، ٣٤٠ ، ج ٣ ص ١٠٨ ، ٢٧٢.

(٤) الفهرست : ٨٧ / ٣٦٦.

(٥) في ص ١٨٨.

(٦) كالأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٣٦٥.


الدخول ، ولعلّ احتمال تخصيص تلك الأخبار بغير الجمعة أقرب للاعتبار.

وثانيهما : أنّ قوله : « فهي الظهر أربع » محتمل لأمرين ،أحدهما : أن يصلّي الظهر مع الإمام جماعة ويتمها أربعاً ، إمّا بالاكتفاء بالركعة الداخل فيها بعد الركوع فيتم الثلاث بعد ، أو بعدم الاكتفاء بها فيتمها أربعاً ، لكن يحتمل الاستئناف وعدمه على الخلاف الواقع في ذلك ، ويحتمل عدم شمول الخلاف للجمعة إذا دخل في الظهر معها على هذا الوجه.

وثانيهما : أن يصلّي الظهر بالانفراد ولا يدخل مع الإمام ، وربما يظن أنّ هذا هو الظاهر ( من سياق الخبر ، وفيه : أنّ الظاهر )(١) من قوله : « فهي الظهر » أنّ الصلاة الواقعة بإدراكه بعد ما ركع ، إلاّ أن يقال : إنّ الضمير في « هي » يعود إلى الواجبة ، والإدراك أعم من الدخول ، فيجوز أن يراد به هنا مشاهدته وقد ركع ، وفيه : أنّه إذا كان أعم فيتناول الدخول ويتم المطلوب.

والحقّ أنّ الإجمال يقتضي عدم الصلاحية للاستدلال ، ومن هنا لا يحتاج إلى تفريع أنّ الدخول بعد الركوع إذا اقتضى كونها ظهراً هل هو بمجرد ذلك ، أو بالعدول على تقدير علمه بعد الدخول مع الإمام بعد الركوع.

وأمّا الثاني : فقد يظن أنّه مناف للأوّل ؛ لتضمنه أنّ إدراك الركعة يقتضي إدراك الجمعة ، والحال أنّ في معتبر الأخبار(٢) ما يدل على إدراك الركعة بإدراك الإمام راكعاً.

وقد يجاب بأنّ إدراك ركعة الجمعة غير إدراك ركعة غيرها ، لتصريح الخبر الأوّل به ، وحينئذٍ ما ذكره بعض الأصحاب : من أنّ المسألة مبنية على أنّ إدراك الجماعة بماذا يكون(٣) ؛ محل تأمّل ، كما أوضحناه في معاهد‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٢) انظر التهذيب ٣ : ٤٣ / ١٥٢ ، ١٥٣ ، ١٥٤.

(٣) انظر مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٣٦٤.


التنبيه ، وعلى هذا فالجمعة مختصة بمدلول الخبر الأوّل ، والثاني مجمل ، والأول فصّله.

وقوله : « فليصلّ أربعاً » قد يدل على ترجيح بعض الاحتمالات السابقة ، وفيه ما فيه.

وأمّا الثالث : فما ذكره الشيخ فيه من الحمل على الكمال لا ريب فيه.

والرابع : كما ترى يدل بمفهوم الشرط فيه أعني قوله : « فإن أدركته » إلى آخره على أنّ عدم إدراك الإمام وهو يتشهد لا يقتضي الصلاة أربعاً ، فينافي ما تقدم ، لكن الجواب عنه غير خفي من حيث إنّ المفهوم إذا عارضه المنطوق ينتفي عمله ، والفائدة في ذكر الشرط لا ينحصر في النفي عما عداه ، وربما دلّ قوله : « فصلّ أربعاً » على الانفراد ، وفيه ما قدمناه(١) .

وما تضمنه الخبر من الأمر بالجهر ظاهر في تعيّنه ، بناءً على أنّ الأمر للوجوب ، والمعارض له في الجمعة لا أعلمه ، إلاّ خبر علي بن جعفر الصحيح السابق عن أخيهعليه‌السلام ، المتضمن للسؤال عن الرجل يصلّي الفريضة ما يجهر فيه بالقراءة ، هل يجوز عليه أن لا يجهر؟ فأجابعليه‌السلام : « إن شاء جهر وإن شاء لم يفعل »(٢) وقد تقدّم فيه القول مفصلاً(٣) . والأخبار الواردة بالجهر في الجمعة غير هذا موجودة ، وتقدم بعضها(٤) .

بقي شي‌ء ، وهو أنّ تعريف الإمام في الخبر الأخير قد يظن منه الدلالة على إمام الأصل ، والحق أنّه محل تأمّل ، وقد مضى مثله.

__________________

(١) في ص ٦٤.

(٢) انظر ص : ١٥٥٠.

(٣) في ص : ١٥٥٣.

(٤) في ص ٣١ ٣٢.


قوله :

أبواب الجماعة وأحكامها‌

باب الصلاة خلف المجذوم والأبرص

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن عدّة من أصحابنا ، عن محمّد ابن يعقوب ، عن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين ابن سعيد ، عن فضالة ، عن الحسين بن عثمان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « خمسة لا يؤمّون الناس على كل حال ، المجذوم ، والأبرص ، والمجنون ، وولد الزنا ، والأعرابي ».

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد ابن إسماعيل بن بزيع ، عن ظريف بن ناصح ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن عبد الله بن يزيد قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن المجذوم والأبرص يؤمّان المسلمين؟ قال : « نعم » قلت : هل يبتلي الله بهما المؤمن؟ قال : « نعم ، وهل كتب البلاء إلاّ على المؤمن ».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على حال الضرورة التي لا يوجد فيها من يصلح للإمامة إلاّ من هذه صفته ، ويجوز أن يكون المعنى فيه الجواز وإن كان(١) الفضل في القسم الأوّل.

السند :

في الأوّل : فيه العدّة التي يروي عنها الحسين بن عبيد الله ، وقد تقدم‌

__________________

(١) ليست في النسخ ، أثبتناها من الاستبصار ١ : ٤٢٢ / ١٦٢٧.


في باب ترتيب الوضوء تفصيلها من الشيخ(١) ، وفيها من هو ثقة ، وذكرنا سابقاً(٢) احتمال اطرادها.

وأمّا العدّة التي يروي عنها محمّد بن يعقوب ، عن أحمد بن محمّد ، فقد تقدّم تفصيلها أيضاً بما حاصله أنّ التي يروي عنها محمّد بن يعقوب ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، فيهم الثقة ، على ما حكاه العلاّمة في الخلاصة(٣) . والظاهر من أحمد بن محمّد هنا هو ابن عيسى ، واحتمال أحمد بن محمّد بن خالد مدفوع بممارسة كتب الرجال ، وعلى تقديره ففي العدّة من هو ثقة.

وأمّا ابن عثمان وابن مسكان فقد مضى(٤) من القول فيهما ما يغني عن البيان كأبي بصير.

والثاني : ليس فيه ارتياب ، إلاّ من جهة عبد الله بن يزيد ، فهو مشترك بين مهملين في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٥) . أمّا ثعلبة بن ميمون فقدّمنا أنّ في الرجال غير الكشي ما يقتضي مدحه(٦) ، وفي الكشيّ ما يقتضي توثيقه(٧) ، إمّا منه أو من محمّد بن عيسى بن عبيد.

المتن :

في الأول : ظاهر الدلالة على أنّ من ذكر فيه لا يؤمّون على كل‌

__________________

(١) راجع ج ١ ص ٤٣٧.

(٢) راجع ج ٦ ص ٢٧.

(٣) الخلاصة : ٢٧١.

(٤) راجع ج ١ ص ١٦٢ ، ١٧٦ ، ١٩٦ ، ج ٢ ص ٢٣.

(٥) رجال الطوسي : ٢٢٦ / ٦١ ، ٦٢.

(٦) راجع ج ١ ص ٣٧٩ ، ج ٤ ص ١٦٧ ، ٢٩١.

(٧) رجال الكشي ٢ : ٧١١ / ٧٧٦.


حال ، وتناول « كلّ حال » للضرورة بحيث يوجد غيرهم أو لم يوجد ظاهر ، فيندفع به ما ذكره الشيخ في الثاني ، مضافاً إلى أنّ المجنون لا يؤمّ في جميع الأحوال ، واحتمال أنّ يقال : إنّ المجنون غير المطبق لا مانع من إمامته في حال الإفاقة ، على تقدير عدم وجود غيره ، فيتم توجيه الشيخ. يمكن دفعه بأنّ احتمال طروء الجنون في الأثناء لا مانع من كونه موجباً للمنع على الإطلاق.

أمّا الأعرابي فإطلاق المنع من إمامته على كل حال ، قيل : إنّ الشيخ وجماعة قائلون به على وجه التحريم(١) ، وبعض الأصحاب قيّد إمامته بالمهاجر كراهة(٢) ، وبعض قال بالكراهة على الإطلاق(٣) ، والمحقق في المعتبر قال : الذي نختاره أنّه إن كان ممن لا يعرف محاسن الإسلام ولا وصفها فالأمر كما ذكروه ، وإن كان وصل إليه ما يكفيه اعتماده ويدين به ولم يكن ممن تلزمه المهاجرة وجوباً جاز أن يؤمّ ؛ لقولهعليه‌السلام : « يؤمّكم أقرؤكم »(٤) . وقول الصادقعليه‌السلام : « لا يتقدم أحدكم الرجل في منزله ولا في سلطانه »(٥) انتهى(٦) .

ولا يخفى أنّ مقتضى كلامه كون النهي على حقيقته ؛ لعدم اتصاف الأعرابي بالشروط المعتبرة. ويشكل بأنّ الخبر إن عمل به دلّ على اعتبار‌

__________________

(١) انظر المدارك ٤ : ٣٧٠.

(٢) كالعلاّمة في الإرشاد ١ : ٢٧٢ ، والتبصرة : ٣٩.

(٣) كما في الجامع للشرائع : ٩٧.

(٤) الفقيه ١ : ١٨٥ / ٨٨٠ ، الوسائل ٥ : ٤١٠ أبواب الأذان والإقامة ب ١٦ ح ٣.

(٥) الكافي ٣ : ٣٧٦ الصلاة ب ٥٦ ح ٥ ، التهذيب ٣ : ٣١ / ١١٣ ، علل الشرائع : ٣٢٦ / ٢ ، الوسائل ٨ : ٣٥١ أبواب صلاة الجماعة ب ٢٨ ح ١ ، بتفاوت يسير.

(٦) المعتبر ٢ : ٤٤٣.


وصف الأعرابي كما دلّ على وصف غيره من المذكورين معه ، ولو اعتبر عدم حصول الشروط لزم القول بإمامة من ذكر إذا حصلت الشروط ، وظاهر النص خلافه ، سيّما بعد ذكر المجنون ، ولو لم يعمل بالخبر فالأمر واضح.

والعجب من تفصيل المحقق واستدلاله ، أمّا الأوّل : فلأنّ المحاسن إن أراد بها شروط الجماعة فالذي ينبغي ذكر الشرائط إجمالاً لا الإتيان بما ذكر ، وإن أراد غير الشروط فالمناسب هو الكراهة. وقوله : الأمر ما ذكروه ، مجمل ؛ إذ المذكور الكراهة والتحريم ، ثم إنّ القسم الثاني في كلامه يقتضي إرادة التحريم.

وأمّا الثاني : فهو خاص كما لا يخفى.

وقد نقل العلاّمة في المختلف أقوال الأصحاب ، فعن الشيخ في الخلاف أنّه قال : سبعة لا يؤمّون الناس على كل حال ، وعدّ منها : المجذوم ، والأبرص ، والمجنون ، وولد الزنا ، والأعرابي بالمهاجرين. قال العلاّمة : ولم يذكر كراهةً ولا تحريماً.

وعن المبسوط : لا يجوز أن يؤمّ ولد الزنا والأعرابي المهاجرين ، ثم قال يعني الشيخ بعد تجويز إمامة الأعمى : ولا يؤمّ الأبرص ، ولا المجنون ، ولا المجذوم.

ونقل عن الصدوق أنّه قال : لا بأس أن يؤمّ الأعرابي المهاجرين(١) ، وعن أبي الصلاح عدم انعقاد الجماعة بغير السليم من الجنون والجذام والبرص ، ثم نقل عنه المنع من إمامة الأعرابي بالمهاجرين ، لا لغيرهم(٢) .

واختار العلاّمة الكراهة في الجميع ؛ لقولهعليه‌السلام : « يؤمّكم أقرؤكم » ‌

__________________

(١) في المصدر : وقال الصدوق :. ولا يؤم الأعرابي المهاجرين.

(٢) نقله العلاّمة عن ابن البراج لا عن أبي الصلاح.


وللرواية الثانية المذكورة هنا ، ثم نقل الاحتجاج برواية أبي بصير ، واصفاً لها بالصحة ، وأجاب بالحمل على الكراهة في البعض(١) .

ولا يخفى على من تدبر كلامه ما فيه ؛ ثم إنّ التقييد بالمهاجرين موجود في بعض الأخبار الحسنة في الكافي كما تسمعه.

والثاني : كما ترى ظاهر في جواز إمامة الأجذم والأبرص ، لكن السند قد سمعته ، والخبران متكافئان من جهته ، والذي في الكافي بطريق حسن بإبراهيم بن هاشم ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال : « قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : لا يصلّينّ أحدكم خلف المجذوم ، والأبرص ، والمجنون ، والمحدود ، وولد الزنا ، والأعرابي لا يؤمّ المهاجرين »(٢) .

والصدوق في الفقيه روى عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « خمسة لا يؤمون الناس ، ولا يصلّون بهم صلاة فريضة في جماعة : الأبرص ، والمجذوم ، وولد الزنا ، والأعرابي حتى يهاجر ، والمحدود » قال الصدوق : وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ونقل رواية الكليني(٣) وغير بعيد أن تكون بالسند الأوّل ، لكن على تقدير الإرسال لها مزيّة كما قدّمناه(٤) ، والرواية الاولى كذلك.

ثم إنّ دلالة خبر الكليني على الاختصاص بإمامة الأعرابي بالمهاجرين ظاهرة ، ورواية الصدوق ظاهرة في الإطلاق ، فيمكن تقييدها على تقدير العمل بالحسن ، وقد صرّح شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب بأنّ رواية زرارة‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٤٨٣.

(٢) الكافي ٣ : ٣٧٥ الصلاة ب ٥٦ ح ٤ ، الوسائل ٨ : ٣٢٥ أبواب صلاة الجماعة ب ١٥ ح ٦.

(٣) الفقيه ١ : ٢٤٧ / ١١٠٥ و ١١٠٦ ، الوسائل ٨ : ٣٢٤ أبواب صلاة الجماعة ب ١٥ ح ٣.

(٤) في ص : ٢٠٢٥.


لا تقصر عن الصحيح ، وبمضمونها روايات كثيرة ، فيجب الأخذ بظاهر النهي ، وهو التحريم ، لعدم صحة سند المعارض. وقد يقال : إنّهقدس‌سره استحسن في المدارك تفصيل المحقق في الأعرابي(١) . وخبر زرارة متضمن النهي في الأعرابي ، واللازم منه القول بالمنع ، وحينئذٍ بين الأمرين تنافٍ.

ثم إنّ رواية زرارة تضمنت المحدود ، وقد صرّح الأصحاب غير أبي الصلاح على ما نقل بجواز إمامته بعد التوبة على كراهة(٢) ، فالاعتماد على رواية زرارة من حيث الإطلاق لا يخلو من إشكال ، ويمكن أن يقال : إنّ عموم أخبار الجماعة إنّما تخصها الأخبار السالمة من المعارض ، والسلامة محل كلام ، إلاّ أنّ الاحتياط مطلوب.

فإن قلت : ما وجه التوقف ( في العمل بالحسن ، مع أنّ مفهوم آية( إِنْ جاءَكُمْ ) (٣) يقتضي العمل به ؛ إذ لا فسق يوجب التثبت في الممدوح؟

قلت : وجه التوقف )(٤) أنّ ظاهر الآية اعتبار انتفاء وصف الفسق ، والممدوح لا يظن انتفاء وصف الفسق فيه ، إذ لا يتحقق الظن إلاّ بظن العدالة ، وبدون الظن لا انتفاء.

فان قلت : لا ريب أنّ المدح يقتضي نفي وصف الفسق وإن لم يثبت العدالة.

قلت : الكلام في هذا مبني على ثبوت الواسطة بين الفسق والعدالة ،

__________________

(١) المدارك ٤ : ٣٧١.

(٢) منهم المحقق في المعتبر ٢ : ٤٤٢.

(٣) الحجرات : ٦.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


وتحقيقه في الأُصول ، والحاصل هنا ما ذكرناه ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما ذكره شيخناقدس‌سره من ضعف روايات الشيخ المعارضة(١) ، قد يشكل ( بما قدمناه في أوّل الكتاب من )(٢) أنّ الشيخ قد صرّح بأنّ الروايات المنقولة منه مأخوذة من كتبٍ عليها المعوّل وإليها المرجع ، وظاهر كلامه في مواضع من هذا الكتاب أنّه لا يكتفي بمجرد الخبر بل لا بد معه من القرائن ، وحينئذٍ لا يقصر عن توثيق الرجل في كتابه ، والحال أنهم يكتفون بتوثيقه ، فليكن الحال في الأخبار كذلك ، ولا أقلّ من المساواة للحسن ، وحينئذٍ يمكن ادّعاء تعارض الأخبار على وجه تبقى العمومات على أصلها ، إلاّ أن يقال : إنّ العمومات يكفي في بقائها احتمال الكراهة في المعارض.

وما عساه يقال : إنّ ظاهر النهي التحريم ، يمكن الجواب عنه بأنّ وجود ما عليه الأكثر من الكراهة في بعض ما اشتملت عليه يؤيّد احتمال الكراهة ، مضافاً إلى أنّ استعمال النهي في الكراهة إن لم يكن أغلب فهو مساوٍ ، ومن هنا يعلم حقيقة الحال ، فليتأمّل.

اللغة‌ :

قال في الصحاح : الأعرابي هو المنسوب إلى الأعراب ، وهم سكّان البادية(٣) . وفي القاموس : العُرب بالضم وبالتحريك خلاف العجم ، وهم سكّان الأمصار ، أو عام ، والأعراب منهم سكّان البادية(٤) . وذكر جدّيقدس‌سره

__________________

(١) انظر المدارك ٤ : ٣٦٩.

(٢) ما بين القوسين أثبتناه من « م ».

(٣) صحاح اللغة ١ : ١٧٨.

(٤) القاموس المحيط ١ : ١٠٦.


في الروضة أنّ المهاجر هو المدني المقابل للأعرابي ، أو المهاجر حقيقةً من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام(١) . وفي المقام كلام ، إلاّ أنّ الأمر سهل.

بقي شيئان ، الأول : ما تضمّنه الخبر الثاني من قوله : « وهل كُتب البلاء إلاّ على المؤمن » ظاهر الدلالة على الحصر ، وظاهر الآثار خلافه ، ولعلّ المراد بالبلاء : الموجب لزيادة الثواب.

الثاني : ما ذكره الشيخ من أنّه يجوز أن يكون ( المعنى فيه الجواز ، لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ الجواز في المقام لا وجه له ؛ إذ الجماعة لا تكون إلاّ راجحة ، ولا يبعد أن يكون )(٢) المراد تفاوت الفضل ، والعبارة عن هذا قاصرة.

قوله :

باب الصلاة خلف العبد.

الحسين بن سعيد ، عن صفوان وفضالة ، عن العلاء عن محمّد ابن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام ، أنّه سُئل عن العبد يؤمّ القوم إذا رضوا به ، وكان أكثرهم قرآناً؟ قال : « لا بأس »(٣) .

عنه ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن العبد يؤمّ القوم إذا رضوا به ، وكان أكثرهم قرآنا؟ قال : « لا بأس به ».

عنه ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة ، قال : سألته عن‌

__________________

(١) انظر الروضة البهية ١ : ٣٨٦.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) في الإستبصار ١ : ٤٢٣ / ١٦٢٨ زيادة : به.


المملوك يؤمّ الناس؟ قال : « لا ، إلاّ أن يكون هو أفقههم وأعلمهم ».

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أبي إسحاق ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن علي :عليهم‌السلام ، أنّه قال : « لا يؤمّ العبد إلاّ أهله ».

فمحمول على الفضل والاستحباب ، وإن كان يحوز أن يؤمّ أهله وغير أهله.

السند : ‌

في الأوّل : لا ارتياب في صحته بعد ما قدّمناه(١) .

والثاني : كذلك.

والثالث : موثق ، والحسن فيه أخو الحسين بن سعيد ، والإضمار قد قدّمنا(٢) أنّه لا يضر بالحال.

والرابع : معروف بالنوفلي والسكوني ، وأبو إسحاق على الظاهر إبراهيم بن هاشم ؛ لأنّه الراوي عن النوفلي في الرجال(٣) والأخبار(٤) ، وكنيته أبو إسحاق ، ولم يذكره أصحاب الرجال في الكنى مع ذكر غيره المكنّى بذلك ، ولا يستبعد رواية محمّد بن أحمد بن يحيى عنه من يمارس الرجال.

وما عساه يقال : إنّ الظاهر لا ينبغي الإتيان به ، بل ينبغي‌

__________________

(١) راجع ج ١ ص ١٤١ ، ١٤٦ ، ج ٣ ، ١٨١.

(٢) راجع ج ١ ص ٧٢.

(٣) كما في رجال النجاشي : ٣٨ / ٧٧ ، ١٦ / ١٨.

(٤) الاستبصار ٣ : ٥٧ / ١٨٤.


الجزم.

يمكن الجواب عنه باحتمال رواية غير إبراهيم ( والمشارك في الكنية موجود )(١) والرواية في الرجال لا تقتضي الانحصار. ثم إنّ اسم النوفلي الحسين بن يزيد.

المتن :

في الأوّل والثاني : يدلّ على نفي البأس عن إمامة العبد إذا كان أكثر قرآنا ، لكنه من كلام السائل ، وقد قدّمنا أنّ مثل هذا لا يفيد تخصيصاً ، غاية الأمر أنّ إمامته مع المساواة للمأمومين في القرآن تحتاج إلى دليل ، ولعلّ استفادتها من بعض العمومات غير بعيدة.

والثالث : يدل على أنّه لا يؤمّ ( إلاّ إذا كان أفقه وأقرأ )(٢) ولا يبعد أن يخص على تقدير العمل به العمومات ، لكن المنقول في المختلف من أقوال العلماء عن الشيخ في النهاية والمبسوط : أنّه لا يجوز أن يؤمّ العبد الأحرار ، ويجوز أنْ يؤمّ العبد بمواليه إنْ كان أقرأهم للقرآن ، وهو اختيار ابن البرّاج ، وفي الخلاف : يجوز إذا كان من أهلها ، وأطلق. ثم قال يعني الشيخ وروى في بعض رواياتنا أنّ العبد لا يؤمّ إلاّ مولاه ولعلّه أراد به الثالث(٣) ونقل العلاّمة أنّه استدلّ بعموم الأخبار الواردة في فضل الجماعة ، وقولهعليه‌السلام : « يؤمّكم أقرؤكم » ولم يفصّل. وقال الصدوق في المقنع : ولا يؤمّ العبد إلاّ أهله ، رواية مرسلة عن عليعليه‌السلام . وقال ابن‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « م » : المشارك في الكنية.

(٢) بدل ما بين القوسين في « رض » : إذا كان وافرا ، وفي الرواية : أفقههم وأعلمهم.

(٣) كذا في النسخ ، ولعل الصواب : الرابع.


الجنيد : لا بأس بإمامة الأعمى والعبد إذا كانا بالوصف الذي يوجب التقدم. وكذا قال ابن إدريس ، وجعله أبو الصلاح مكروهاً(١) ، انتهى.

ولا يخفى عليك أنّه ليس في الأقوال ما يقتضي الاختصاص بكونه أقرأ وأفقه في غير الموالي ، ( أمّا الموالي )(٢) فقول الشيخ الأوّل يفيد ذلك ، والخبر المبحوث عنه هنا لا يدلّ على ذلك.

ثم إنّ العلاّمة اختار الجواز مطلقاً ، لكن الحُرّ أولى منه إذا شاركه في الصفات ، مستدلاً بقولهعليه‌السلام : « يؤمّكم أقرؤكم » وصحيح محمّد بن مسلم الثاني ، وحكى احتجاج المخالف برواية السكوني ، وأجاب بالمنع من صحة السند ، والحمل على الاستحباب(٣) .

وأنت خبير بأنّ حديث « يؤمّكم أقرؤكم » يدل على أنّ العبد إذا كان أقرأ يؤمّ ، وكذلك صحيح محمّد بن مسلم ، وحينئذٍ لا بُدّ في إتمام المطلوب من زيادة على ذلك ، وقد ذكر ما لا ينبغي نقله هنا.

وأمّا خبر : « يؤمّكم أقرؤكم » فلم أقف عليه ، نعم روى الشيخ في التهذيب بطريق فيه سهل بن زياد ، عن أبي عبيدة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن القوم من أصحابنا يجتمعون فتحضر الصلاة ، فيقول بعضهم لبعض : تقدّمْ يا فلان ، فقال : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : يتقدّم القوم أقرؤهم للقرآن » الحديث(٤) . وغير خفي أنّه لا يصلح للاستدلال.

فإنْ قلت : العموم الذي ذكرته أوّلاً من أنّه يمكن تخصيصه ما هو؟.

__________________

(١) المختلف ٢ : ٤٨١.

(٢) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٣) المختلف ٢ : ٤٨٢.

(٤) التهذيب ٣ : ٣١ / ١١٣ ، الوسائل ٨ : ٣٥١ أبواب صلاة الجماعة ب ٢٨ ح ١.


قلت : ما دلّ على فضيلة الجماعة على صلاة المنفرد(١) ، وبعض الأخبار المروية في التهذيب(٢) ، وفي ما يأتي في باب القراءة خلف من يُقتدى به(٣) ، فإنّ لها عموماً في الجملة ، لكن التخصيص واضح الوجه لو علم الموافق على ما ذكرناه.

وقد روى الكليني ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : قلت له الصلاة خلف العبد ، قال : « لا بأس به إذا كان فقيهاً ، ولم يكن هناك أفقه منه »(٤) الحديث. وهو كما ترى يدلّ على أنّ العبد يصلّي إماماً إذا لم يكن أفقه منه ، والخبر الثالث هنا يوافقه مع زيادة « الأعلم » وحينئذٍ يُنفى(٥) حكم الأقرأ في الخبر الثاني.

وقد ذكر جدّيقدس‌سره في الروضة أنّ المراد بالأقرإ الأجود أداءً وإتقاناً للقراءة ، ومعرفة أحكامها ومحاسنها ، وإنْ كان أقلّ حفظاً(٦) .

وللأصحاب كلام في تقديم الأفقه على الأقرأ أو عكسه(٧) ، والمهم هنا ما ذكرناه.

نعم ينبغي أنْ يعلم أنّ ما تضمنه الخبران الأوّلان من قوله(٨) : إذا رضوا به. مجمل المرام ، وعلى المعروف بين الأصحاب بل ادعي عليه‌

__________________

(١) الوسائل ٨ : ٣٠٨ أبواب صلاة الجماعة ب ٩.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٤ ب ٢.

(٣) انظر ص ١٠٨ ١١٠.

(٤) الكافي ٣ : ٣٧٥ الصلاة ب ٥٦ ح ٤ ، الوسائل ٨ : ٣٢٥ أبواب صلاة الجماعة ب ١٦ ح ١.

(٥) في « رض » و « فض » : يبقى.

(٦) الروضة البهية ١ : ٣٩١.

(٧) انظر المبسوط ١ : ١٥٧ ، الجامع للشرائع : ٩٩ ، المنتهى ١ : ٣٧٥.

(٨) في النسخ : قوله :عليه‌السلام ، والصواب زيادة التحيّة ؛ القائل هو السائل.


الإجماع اشتراط العدالة في إمام الجماعة(١) ، وحينئذٍ يحتمل إرادة ذلك ، وسيأتي(٢) إن شاء الله القول عند ذكر بعض الأخبار المحتملة لنحو ما هنا.

ثم إنّ الخبر الأخير قد رواه الشيخ في التهذيب بزيادة : ولا يجوز للصبي أن يؤمّ بالقوم قبل بلوغه ، ومتى فعل ذلك كانت صلاتهم فاسدة(٣) . والإشارة في قوله : ذلك ، محتملة للعود إلى الصبي ، ويحتمل له وللعبد إذا أمّ غير أهله ، ولا يتم بها تأويل الشيخ ، لكن الظاهر العود إلى الصبي.

فإنّ قلت : قوله في الزيادة : كانت صلاتهم ، إلى آخره. راجع إلى الصبي مع القوم ، أو القوم فقط؟

قلت : لا يبعد إرادة القوم فقط ، لا لأنّ عبادة الصبي لا توصف بالفساد لإمكان المناقشة في هذا ، كما حرّرناه في موضع آخر ، وسيأتي إن شاء الله(٤) بل لأنّ بطلان صلاة الإمام مع اختلال بعض الشرائط كالبلوغ في المثال محل تأمّل ، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا ما يدلّ عليه.

فإن قلت : ظاهر ما ذكرت التوقف في الصحة ، وهذا كأنّه لا وجه له ؛ إذ البطلان لصلاة الإمام غير محتمل ، إذ لا مقتضي له.

قلت : ربما يدّعى احتمال البطلان من حيث قصد الإمامة مع كونها غير صحيحة ، فالصلاة الصحيحة وهي التي تفعل على الانفراد غير مقصودة ، وغيرها ليس بصحيح ، ومثل هذا لو اتّفق أنّ الإمام فاسق ونحوه مع علمه بذلك ونيّة الإمامة ، وأظنّ أنّي رأيت مثل ما ذكرته للشهيدرحمه‌الله

__________________

(١) انظر المنتهى ١ : ٣٧٠.

(٢) في ص ١٣٥.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٩ / ١٠٢ ، والظاهر أنّ هذه الزيادة من الشيخرحمه‌الله لا من الرواية.

(٤) في ص ٨١.


لكن لم يحضرني الآن محله ، وللكلام فيه مجال.

إذا عرفت هذا فما ذكره الشيخ من الحمل على الفضل والاستحباب كأنّه يريد به كراهة إمامة العبد لغير أهله ؛ إذ الجواز في الجماعة لا وجه له ، بل يكون أقلّ فضلاً ، على نحو ما قدّمناه في الباب السابق.

فإنْ قلت : عبارته لا تدلّ على الكراهة ، بل تدلّ على أنّ الفضل في إمامته لأهله ، ولغيرهم يجوز الحمل على الإباحة الشرعية لا الكراهة.

قلت : الإباحة الشرعية لا تخلو من تأمّل ؛ لأنّ تساوي طرفي الفعل والترك في الثواب غير معقول ، لعدم مناسبته حكمة الشارع ، وإذا ترجّح الفعل لم يتحقق التساوي ، وقد أوضحت القول في محلٍ آخر ، والحاصل أنّه يمكن ادّعاء تحقق الثواب في الترك بقصد الامتثال ، إلاّ أنّ المساواة للفعل محل تأمّل.

فإنْ قلت : المباح لا أمر فيه ، والثواب فرع الطلب.

قلت : الثواب فرع امتثال مراد الشارع سواء وجّه الحكم بالأمر والنهي أو بغيرهما. وما قد يفهم من كلام بعض في الأُصول : أنّ المباح الشرعي قسيم الاقتضاء ، فلا يكون مأموراً به. يدفعه ما ذكرناه ، فليتأمّل.

فإنْ قلت : من أين الدلالة على الكراهة مع انتفاء الإباحة الشرعية في كلام الشيخ؟.

قلت : لأنّ المعروف بين الأصحاب أنّ الأقلّ ثواباً مكروه العبادة ، والمفروض هنا ذلك.

أمّا ما ظنه بعض أفاضل المتأخرينرحمه‌الله من أنّ اللازم من كون الأقلّ ثواباً مكروهاً كراهة مثل الصلاة في البيت ، لأنّها أقلّ ثواباً من المسجد ، بل المسجد أيضاً متفاوت.


فجوابه : أنّ المراد ما نهى الشارع عنه يراد به الأقلّ ثواباً ، لا أنّ كل ما هو أقلّ ثواباً مكروه.

فإنْ قلت : أيّ نهي فيما نحن فيه عن إمامة العبد لغير أهله؟.

قلت : يستفاد من ظاهر الخبر ، إلاّ أنّ الحال ما عرفت في أوّل الكلام ، فلا ينبغي الغفلة عنه. وما عساه يقال : إنّ الأهل لا ينحصر في الموالي. يمكن دفعه بتقدير عدم القائل ، فليتأمّل.

قوله :

باب الصلاة خلف الصبي قبل أنْ يبلغ الحلم.

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن الحسن بن موسى الخشّاب ، عن غياث ابن كلوب ، عن إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيهعليهما‌السلام : « أنّ علياًعليه‌السلام كان يقول : لا بأس أنْ يؤذّن الغلام قبل أنْ يحتلم ، ولا يؤمّ حتى يحتلم ، فإنْ أمّ جازت صلاته وفسدت صلاة من خلفه ».

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، ( عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن يحيى )(١) ، عن طلحة بن زيد(٢) ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن علي : قال : « لا بأس أن يؤذّن الغلام الذي لم يحتلم ، وأنْ يؤمّ ».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على من كان كاملاً للعقل وإنْ لم يبلغ الحلم ، والخبر الأوّل على من لم يحصل فيه شرائط التكليف قبل بلوغ الحُلُم ، ليتلاءم الخبران.

__________________

(١) في « رض » و « م » : عن أحمد بن محمّد بن يحيى.

(٢) في « فض » : طلحة بن يزيد.


السند :‌

في الخبرين كرّرنا القول في أحوال رجاله(١) . والحاصل أنّهما ضعيفان ؛ لأنّ غياث بن كلوب في الأوّل مهمل في الرجال(٢) . والثاني فيه طلحة بن زيد ، وفي الرجال أنّه عاميّ(٣) ، وقيل بتري(٤) . ومحمّد بن يحيى الراوي فيه اشتراك(٥) .

فإنْ قلت : قد ذكر الشيخ في الفهرست أنّ كتاب طلحة معتمد(٦) ، والظاهر من الشيخ هنا النقل من كتابه ؛ لأنّ الشيخ لا يعمل بالخبر المجرد عن القرائن ، فما المانع من قبول الخبر؟

قلت : قد قدّمنا كلاماً في مثل هذا. والحاصل أنّ نقل الشيخ هنا لم يعلم من كتاب طلحة ، واعتماد الشيخ على القرائن لا ريب فيه ، إلاّ أنّ في مساواة مثل هذا للتوثيق منه في الرجال محل كلام ، فليتأمّل.

المتن :

في الأوّل : ظاهر في نفي البأس عن أذان الغلام قبل أنْ يحتلم ، والنهي عن إمامته حتى يحتلم ، لكن النهي يتناول ائتمام مثله به والبالغ ، والظاهر من قوله : « فإنْ أمّ » إلى آخره. يتناول مثله وغيره ، ودلالة الفساد‌

__________________

(١) راجع ج ١ ص ٢٧٩ ، ج ٢ ص ٣٥٢ ، ج ٤ ص ٣٣٧.

(٢) انظر رجال النجاشي : ٣٠٥ / ٨٣٢ ، الفهرست : ١٢٣ / ٥٥٠.

(٣) انظر رجال النجاشي : ٢٠٧ / ٥٥٠ ، الفهرست : ٨٦ / ٣٦٢.

(٤) كما في رجال الطوسي : ١٢٦ / ٣.

(٥) انظر هداية المحدثين : ٢٥٨.

(٦) الفهرست : ٨٦ / ٣٦٢.


على بلوغ من خلفه محل تأمّل. وما عساه يقال إنّ التعبير بقوله : « جازت صلاته » دون « صحّت » يدلّ على أنّ عبادته لا توصف بالصحّة ، وحينئذٍ يدلّ ذكر الفساد على البالغ ؛ محل تأمّل أيضاً.

والحاصل أنّ منع كون عبادة الصبي شرعية محل بحث ، كما أنّ عدم اتصافها بالصحّة والفساد كذلك.

فإنْ قلت : قد صرّح البعض بأنّ الصحّة والبطلان من خطاب الوضع ، فلا يدلّ على ما ذكرت من إرادة البالغ.

قلت : الذي صرّح بما ذكرت جدّيقدس‌سره في الروضة ، وأظنّ أنّه غير تام ، وقد أوضحت الحال في حواشي الروضة.

وحاصل الأمر أنّه ذكر في الروضة في كتاب الصوم عند قول الشهيدرحمه‌الله : وفي الصحّة التمييز. ويعلم منه أنّ صوم المميز صحيح ، فيكون شرعياً ، وبه صرّح في الدروس ، ويمكن الفرق بأنّ الصحّة من أحكام الوضع فلا يقتضي الشرعية ، انتهى(١) .

وقد يقال : إنْ أراد بكون الصحّة من أحكام الوضع أنّ الشارع لم يحكم بها ، وإنّما الحاكم بها العقل ، كما ذكره ابن الحاجب. ففيه : أنّ هذا لا يقتضي كون الصحة ليست من الأحكام الشرعية ؛ إذ لا مانع من كونها من الأحكام الشرعية بواسطة العقل ، على معنى أنّ العقل حاكم بأنّ ما وافق أمر الشارع فهو صحيح.

وإنْ أراد أنّ الصحّة لا تتوقف على توقيف الشارع عليها ، بمعنى أنّه لا يحتاج إلى تنصيصه على الصحّة ، فلزوم كون الصحّة تقتضي أنّ الحكم‌

__________________

(١) الروضة البهية ٢ : ١٠١.


وضعي لا شرعي ؛ غير واضح ، كيف وقد صرّح هو وغيره بأنّ الحكم الوضعي من أقسام الحكم الشرعي. نعم هو قسيم الاقتضاء ، غاية الأمر أنّه يمكن أنْ يقال : إنّ موافقة الأمر متوقفة على تناول الأمر من الشارع له ، وقد صرّح بعض الأصحاب بأنّ عبادة الصبي تمرينية(١) ، لعدم تناول الأمر له بناءً على أنّ التكليف مشروط بالبلوغ.

وقد يقال : إنّ التكليف بالواجبات أو المحرّمات مسلّم التوقف على البلوغ ، أمّا غيرها فهو أوّل البحث ، وحديث رفع القلم(٢) يؤيد انتفاء الأمر بالواجبات ، والنهي عن المحرّمات.

ويمكن الجواب : بأنّ تناول الأوامر والمناهي على وجه الاستحباب والكراهة يشكل إثباته بالنسبة إلى المميز ، وفيه ما فيه ، لكن المنقول عن أكثر الأصحاب المنع من إمامة المميز ؛ لعدم كون عبادته شرعية ، فلا يكون داخلاً في الإمام المكلّف بالجماعة ، مضافاً إلى أنّه إذا عَلم عدم عقابه فلا يؤمن من الإخلال بشرط ، وللرواية الاولى(٣) . وقد سبق في رواية السكوني على ما في التهذيب ما يدلّ على ذلك أيضاً(٤) ، وبعض الأصحاب ذهب إلى أنّ عبادته شرعية(٥) ، فيدخل تحت تكليفه ، وتجويز الإخلال بالشرط يدفعه الظن الموجب للاعتماد كالبالغ.

وفي الكافي روى عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن غياث بن إبراهيم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا بأس بالغلام‌

__________________

(١) كما في المسالك ١ : ٧٠ ، المختلف ٢ : ٤٨١ و ٣ : ٣٥٢ الروضة ، البهية ٢ : ١٠٢.

(٢) انظر الخصال : ٩٣ / ٤٠ ، الوسائل ١ : ٤٥ أبواب مقدمة العبادات ب ٤ ح ١١.

(٣) مجمع الفائدة والبرهان ٣ : ٢٤٤.

(٤) التهذيب ٣ : ٢٩ / ١٠٢.

(٥) كما في الشرائع ١ : ١٨٨ ، الدروس ١ : ٢٦٨ ، مجمع الفائدة والبرهان ٣ : ٢٤٦.


الذي لم يبلغ الحلم أنْ يؤمّ القوم وأنْ يؤذّن »(١) والخبر الثاني من الباب يؤيد ذلك ، وحملُ الشيخ المذكور هنا يريد به حصول البلوغ بغير الحلم ، فيحمل ما دلّ على الجواز على ذلك ، وما دلّ على المنع يحمل على غير ذلك ، وهو مَن لم يبلغ أصلاً.

ولا يخفى أنّ الحمل على الكراهة في حيّز المنع ؛ لأنّ التصريح بفساد صلاة من خلفه يأبى الكراهة ، وكذلك الخبر السابق مع زيادة التهذيب(٢) ، ولو حمل الفساد على استحباب الإعادة ازداد البعد ، فما ذكره بعض الأصحاب من إمكان الجمع بالكراهة(٣) ؛ محل تأمّل ، كحمله بعض أخبار المنع على عدم شروط الإمامة أو بعضها.

هذا على تقدير الاعتماد على الأخبار ، أو الاعتماد على التوجيه المنقول ، وتصير الأخبار مؤيدة ، وإلاّ أمكن أنْ يقال : ما ذكره شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب من أنّ الرواية مطابقة لمقتضى الأصل من وجوب القراءة على المصلّي إذا لم يعلم المسقط ، ولم يعلم مع الائتمام بغير البالغ.

وما عساه يقال : إنّ عموم أخبار الجماعة تتناول الصبي المميز ؛ محل بحث ، وفي المعتبر بعد نقل تأويل الشيخ قال : وليس هذا التأويل بجيّد ؛ لتوارد الروايتين على صفةٍ واحدة ، مع تنافي الحكم ، لكنّ الأولى العمل برواية إسحاق ؛ لعدالته ، وضعف طلحة ، ولأنّ ذلك أظهر في الفتوى بين الأصحاب ، وهو نوع من رجحان(٤) ، انتهى.

__________________

(١) الكافي ٣ : ٣٧٦ الصلاة ب ٥٦ ح ٦ ، الوسائل ٨ : ٣٢١. أبواب صلاة الجماعة ب ١٤ ح ٣.

(٢) راجع ص : ٧٣ ، ٧٧.

(٣) مجمع الفائدة والبرهان ٣ : ٢٤٥.

(٤) المعتبر ٢ : ٤٣٦.


وقد يقال : إنّ ما ذكره من مورد الروايتين يمكن توجيهه وإنْ أمكن المناقشة بعدم المانع من حمل الاحتلام في الأُولى على البلوغ ، وفي الثانية على حصول المني ، إلاّ أنّ البعد غير خفي.

أمّا ما قاله من عدالة إسحاق ، ففيه : أنّ الضعف غير منحصر في إسحاق ، بل غياث بن كلوب غير موثّق ولا ممدوح ، إلاّ أنّ يقال : بأنّه مجهول الحال فلا يحكم بضعفه ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العلاّمة في المختلف نقل عن الشيخ في المبسوط والخلاف أنّه جوّز كون المراهق المميِّز العاقل إماماً في الفرائض ، وحكى عن غير الشيخ أيضاً في الجملة ، ثم احتجّ العلاّمة لما ذهب إليه من المنع بأنّه ليس من أهل التكليف ، ولا يقع منه الفعل على وجه الطاعة ، لأنّها موافقة الأمر ، والصبي ليس مأموراً إجماعاً ، وبأنّ العدالة شرط إجماعاً ، وهي غير متحققة في الصبي ، لأنّها هيئة قائمة بالنفس تبعث على ملازمة الطاعات والانتهاء عن المحرّمات ، وكلّ ذلك فرع التكليف ، وذكر غير ذلك ممّا قدّمناه.

ثمّ نقل احتجاج الشيخ بإجماع الفرقة ، وأنّهم لا يختلفون في أنّ مَن هذه صفته تلزمه الصلاة ، وأيضاً قولهعليه‌السلام : « مُرُوهُم بالصلاة لسبع » يدلّ على أنّ صلاتهم شرعية ، ولأنّه جاز أنْ يكون مؤذّناً فجاز أنْ يكون إماماً ، ولِما رواه طلحة وذكر الرواية الثانية.

ثمّ أجاب العلاّمة بمنع الإجماع على تكليف غير البالغ ، بل لو قيل بالضد كان أولى ، وأمر الولي بأمرهم ليس أمراً لهم ، ومشروعية صلاتهم إنْ عنى بها أنّها مطلوبة للتمرين فهو مسلّم ، أمّا لاستحقاق الثواب فلا ، والرواية ضعيفة ، ومتأوّلة بالغلام الذي بلغ بالسنين ولم يحتلم(١) ، انتهى.

__________________

(١) المختلف ٢ : ٤٨٠.


ولقائل أنْ يقول : إنّ احتجاجه محل تأمّل ، أمّا أولاً : فما ذكره من أنّ الصبي ليس مأموراً إجماعاً ، فيه : أنّ الأمر بالأمر بالشي‌ء الخلاف واقع فيه ، فقد قيل : إنّه أمر بذلك الشي‌ء(١) ، وقيل : لا(٢) ، واستدلال الشيخ بقولهعليه‌السلام : « مُرُوهُم » يدلّ على اختياره ذلك ، فأين الإجماع؟ إلاّ أنْ يقال : إنّ الخلاف بين الأُصوليين ، أمّا الأصحاب فلا ، وفيه : أنّ الخلاف في أنّ عبادة الصبي شرعية أو تمرينية موجود ، والبناء على المسألة الأُصولية مذكور.

وأمّا ثانياً : فلأنّ العدالة إنْ كانت إجماعية حتى في الصبي ( فلا بُدّ أنْ يراد بها فيه معنىً غير المعنى في البالغ ، وإنْ أُريد بها في غير الصبي )(٣) فلا يتمّ الدليل ، كما هو ظاهر. وقوله : إنّ ملازمة الطاعات ( والانتهاء عن المحرّمات فرع التكليف ، يدفعه أنّه لا مانع من إرادة الطاعات )(٤) والانتهاء عن المحرّمات بالنسبة إلى المكلّف بها.

وأمّا جوابه عن احتجاج الشيخ ففيه مع ما ذكرناه ـ : أنّ نفي استحقاق الثواب محل بحث ؛ إذ ليس بإجماعي ، ومعه لا مانع من الاستحقاق ، فليتأمّل.

اللغة‌ :

قال في القاموس : الحُلْم بالضم والاحتلام الجماع في النوم ، والاسم الحُلُم كعُنُق(٥) .

__________________

(١) المستصفى من علم الأصول ٢ : ١٣ ، المدارك ٦ : ٤٢.

(٢) الإحكام في أُصول الأحكام للآمدي ٢ : ٤٠٢.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٥) القاموس المحيط ٤ : ١٠٠.


قوله :

باب أنّ المتيمم لا يصلّي بالمتوضّئين.

أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن محبوب ، عن عبّاد بن صهيب قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « لا يصلّي المتيمم بقومٍ متوضّئين ».

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن بنان بن محمّد ، عن أبيه ، عن ابن المغيرة ، عن السكوني ، عن جعفر ، عن أبيهعليهما‌السلام قال : « لا يؤمّ صاحب التيمم المتوضّئين ، ولا يؤمّ صاحب الفالج الأصحّاء ».

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن عبد الحميد ، عن أبي جميلة ، عن أبي أُسامة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، في الرجل يجنب وليس معه ماء وهو إمام القوم ، قال : « نعم ، يتيمم ويؤمّهم ».

سعد ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ابن أيّوب ، عن عبد الله بن بكير قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجلٍ أجنب ثم تيمم فأمّنا ونحن على طهور ، فقال : « لا بأس به ».

عنه ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن محمّد ابن أبي عمير ، عن حمزة بن حمران(١) وجميل بن دراج قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : إمام قوم أصابته جنابة في سفر (٢) وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل ، أيتوضّأ بعضهم ويصلّي بهم؟ قال : « لا ، ولكن‌

__________________

(١) في الكافي ٣ : ٦٦ / ٣ والفقيه ١ : ٦٠ / ٢٢٣ والتهذيب ٣ : ١٦٧ / ٣٦٥ والوسائل ٨ : ٣٢٧ أبواب صلاة الجماعة ب ١٧ ح ١ : عن محمّد بن حمران.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٢٥ / ١٦٣٨ : السفر.


يتيمم الجنب ويصلّي بهم ، فإنّ الله جعل التراب طهوراً ».

عنه ، عن أبي جعفر ، ( عن أبيه )(١) ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن عبد الله بن بكير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلت : رجل أمّ قوماً وهو جنب وقد تيمم وهم على طهور ، فقال : « لا بأس ».

فالوجه في هذه الأخبار والجمع بينها وبين الخبر الأوّل أنْ نحمل الخبر الأوّل على الفضل ، وهذه على الجواز ، لئلاّ تتناقض الأخبار.

السند :‌

في الأوّل : ليس في رجاله ارتياب بعد ما قدّمناه مكرّراً(٢) ، إلاّ في عبّاد بن صُهيب ، فإنّ النجاشي قال : عبّاد بن صُهيب أبو بكر التميمي الكُليبي اليربوعي ، بصري ثقة ، روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وذكر أنّ الراوي عنه كتابه هارون بن مسلم(٣) . والشيخ في الفهرست ذكره مهملاً ، والراوي عنه كتابه الحسن بن محبوب(٤) ، والعلاّمة في الخلاصة قال : عبّاد بن صُهيب بتري قاله الكشّي ، ثم نقل عبارة النجاشي(٥) . وحكى جدّيقدس‌سره في فوائد الخلاصة عن الإيضاح الجزم بأنّه ثقة(٦) ، انتهى.

والذي في الكشي على سبيل الجزم أنّه عاميّ(٧) ، ونقل في موضع‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) راجع ج ٢ ص ١٣١ ١٣٣.

(٣) رجال النجاشي : ٢٩٣ / ٧٩١.

(٤) الفهرست : ١٢٠ / ٥٣١.

(٥) الخلاصة : ٢٤٣ / ٢.

(٦) حواشي الشهيد الثاني على الخلاصة : ١١٥ ، الإيضاح : ٢٣٢ / ٤٤٤.

(٧) رجال الكشي ٢ : ٦٩٠ / ٧٣٧.


آخر عن نصر أنّ عبّاداً بتري(١) ، ونصر صرّح العلاّمة بأنّه غالٍ(٢) ، وكذلك الكشّي(٣) ، فالظاهر أنّ لفظ بتري سهو قلم.

ثم إنّ ترجيح النجاشي في توثيقه قد قدّمنا القول فيه(٤) . وقولهم : إنّ الجارح مقدّم على المعدّل على الإطلاق(٥) ؛ محل تأمّل. كما أنّ قولهم بإمكان الجمع بين قول الجارح والمعدّل في مثل هذا(٦) ، فيكون عاميّاً ثقة ؛ محل بحث ؛ لِما يعلم من النجاشي أنّه لا يترك ذكر فساد المذهب في كتابه.

والثاني : فيه بنان بن محمّد ، وهو أخو أحمد بن محمّد بن عيسى على ما في الكشّي نقلاً عن نصر بن الصباح(٧) ، وعلى كل حال لا يزيد على الإهمال ، وأبوه محمّد بن عيسى تقدّم أنّه غير معلوم التوثيق(٨) ، وأمّا المدح فله وجه. وابن المغيرة تقدّم(٩) ، ويأتي بيانه في الجملة. والسكوني تكرّر القول فيه(١٠) .

والثالث : فيه أبو جميلة وهو المفضّل بن صالح ، وقد ذكره الشيخ في الفهرست مهملاً(١١) ، والعلاّمة قال : إنّه ضعيف(١٢) . ومحمّد بن‌

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٦٩٠.

(٢) خلاصة العلاّمة : ٢٦٢ / ٢.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٦١٣ / ٥٨٤.

(٤) راجع ج ١ ص ١٠٨ ١١١ ، ج ٦ ص ٣٦٩.

(٥) قاله الشهيد الثاني في الدراية : ٧٣.

(٦) انظر حاوي الأقوال ٣ : ٢١٩ / ١١٦٨.

(٧) رجال الكشي : ٢ : ٧٩٩ / ٩٨٩.

(٨) يأتي ص ٩٠.

(٩) راجع ج ١ ص ٥٩ ، ج ٣ ص ١٧ ، ١٧٨ ، ج ٤ ص ١٠٧ ، ٣٩٢.

(١٠) راجع ج ١ ص ١٨٨ ، ج ٢ ص ١٠٩ ، ٣٩٧ ، ج ٣ ص ١٤٠ ، ٤٢٠ ، ج ٤ ص ٩٦.

(١١) الفهرست : ١٧٠ / ٧٤٣.

(١٢) انظر خلاصة العلاّمة : ٢٥٨ / ٢.


عبد الحميد كرّرنا القول فيه في الكتاب من أنّ كلام النجاشي فيه(١) محتمل لتوثيقه احتمالاً لا يبعد ظهوره ، أو لأبيه على بُعد. وكذلك مضى القول(٢) في أبي أُسامة زيد الشحّام.

والرابع : فيه عبد الله بن بكير ، وقد مضى فيه القول(٣) ، والحاصل أنّ الشيخ قال : إنّه فطحي ثقة(٤) ، والنجاشي لم يذكر الأمرين(٥) ، وفي الكشّي : إنّه ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه(٦) . فليتأمّل.

والخامس : واضح الرجال ، ولا يضرّ حمزة بن حمران بالحال ، حيث لا يزيد وصفه عن الإهمال.

والسادس : فيه محمّد بن عيسى الأشعري المعبر عنه بأبيه ، وقد مضى(٧) عدم ثبوت توثيقه ، بل المدح فيه له وجه. وعبد الله بن المغيرة مضى أنّه ثقة ثقة في النجاشي(٨) ، والكشّي قال : إنّه ممن أجمع العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه(٩) ، والرواية في الكشّي بأنّه كان واقفياً ثم رجع ، تقدّم القول فيها(١٠) . وعبد الله بن بكير مضى عن قريب وبعيد.

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٣٩ / ٩٠٦.

(٢) راجع ج ١ : ٢٩٣.

(٣) راجع ج ١ : ١٢٥ ، ٣٨٩ وج ٣ : ١٨.

(٤) الفهرست : ١٠٦ / ٤٥٢.

(٥) رجال النجاشي : ٢٢٢ / ٥٨١.

(٦) رجال الكشي ٢ : ٦٧٣ / ٧٠٥.

(٧) راجع ج ١ : ٣٥٥ ، ٣٧١ وج ٢ : ٢٥٥ وج ٣ : ١٧ ، ١٩٦ وج ٥ : ٦٩.

(٨) في ج ١ : ١٣٩ ، وهو في رجال النجاشي : ٢١٥ / ٥٦١.

(٩) رجال الكشي ٢ : ٨٣٠ / ١٠٥٠.

(١٠) في ج ١ : ١٣٩ ، وهو في رجال الكشي ٢ : ٨٥٧.


المتن :

في الأوّل : واضح ، وبتقدير العمل فالحمل على الكراهة ممكن لو لا ما في خبر جميل من النهي الدال على مرجوحية صلاة المتوضّئ ، وقد يمكن تكلّف التوجيه ، وسيأتي نوع احتمال.

وأمّا الثاني : فالكلام فيه كالأوّل ، إلاّ أنّ فيه احتمال رجحان المنع من حيث النهي عن إمامة صاحب الفالج الأصحّاء ، والحال ما سمعت ، ولولاه أمكن بعض المقال.

والثالث : ربما دلّ بظاهره على جواز التيمم في أوّل الوقت ، إلاّ أنْ يقال بتأخير صلاة المأمومين تبعاً له ويكون من قبيل العذر ، وفيه ما فيه.

والرابع : كالثالث.

والخامس : عرفت القول فيه ، وربما كان السفر يفيد الرخصة في التأخير.

فإنْ قلت : ظاهر الخبر أنّ الماء مع الجنب ولا يكفيه للغسل ، ولعلّ السؤال عن وضوء أحدهم بمائه ويصلّي بهم ، فالنهي حينئذٍ عن هذا ، فلا يدلّ على النهي عن إمامة المتوضّئ.

قلت : لا دلالة في الرواية على الوضوء بمائه كما لا يخفى ، والصدوق رواها عن جميل ، وفيها : ومعهم ماء يتوضّؤن(١) به(٢) وهو صريح في نفي ما ذكر.

والسادس : واضح الدلالة.

__________________

(١) في « م » و « رض » : ومعها يتوضئون.

(٢) الفقيه ١ : ٢٥٠ / ١١٢٤.


ثمّ إنّ حمل الشيخ يتضح المراد فيه بما قدّمناه سابقاً ، ويظهر منه إرادة الكراهة من العنوان ، وفي المنتهى : أنّه لا يعرف خلافاً في الكراهة ، إلاّ ما حكي عن محمّد بن الحسن الشيباني من المنع ، هكذا نقله شيخناقدس‌سره (١) وفي المختلف حكى عن السيّد المرتضىرضي‌الله‌عنه أنّه قال : لا تجوز الصلاة خلف الفسّاق ، ولا يؤمّ بالناس الأغلف ، وولد الزنا إلى أنْ قال ـ : ولا المتيمم المتوضّئين(٢) . والظاهر من هذا المنع ، فليتأمّل.

وفي مدارك شيخناقدس‌سره بعد رواية عبّاد بن صُهيب ورواية السكوني ، قال : وفي الروايتين ضعف من حيث السند ، ولو لا تخيّل الإجماع على هذا الحكم لأمكن القول بجواز الإمامة على هذا الوجه من غير كراهة ، للأصل ، وما رواه الشيخ وابن بابويه في الصحيح عن جميل بن درّاج(٣) وذكر الرواية. ولا يخفى عليك الحال في ضعف رواية عبّاد والإجماع ، وقد حكى بعض محققي المتأخّرينرحمه‌الله عن الشيخ(٤) أنّه نقل عن بعض الأصحاب تحريم صلاة المتيمم بالمتوضّئين(٥) ، ولا يبعد أنْ يكون هو السيّد المرتضى ، فقول العلاّمة في المنتهى(٦) من أعجب الأُمور ، وقد نقله هذا الفاضل عنه.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما تضمنه خبر جميل من إمام القوم وغيره أيضاً ربما يستفاد منه أنّ الإمام الراتب لقوم يرجّح على غيره ، ويكون النهي‌

__________________

(١) المدارك ٤ : ٣٧١ ، وهو في المنتهي ١ : ٣٧٣.

(٢) المختلف ٢ : ٤٨٣.

(٣) المدارك ٤ : ٣٧٢.

(٤) في المصدر : الشارح.

(٥) مجمع الفائدة والبرهان ٣ : ٢٦٨.

(٦) المنتهى ١ : ٣٧٣.


عن صلاة المتوضّئ لأجل ما ذكر ، إلاّ أنّ الموجود في عبارات من رأينا كلامه في ترجيح الراتب بمعنى آخر(١) .

وما تضمنه الخبر من التعليل فيه دلالة على جواز التيمم مع سعة الوقت ، مضافاً إلى ما تقدم ، فليتأمّل.

قوله :

باب المسافر يصلّي خلف المقيم‌

أحمد بن محمّد ، عن ( الحسن بن الحسين )(٢) اللؤلؤي ، عن الحسن بن علي بن فضّال ، عن أبي المغراء حميد بن المثنى ، عن عمران ، عن محمّد بن علي ، أنّه سأل أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل المسافر إذا دخل في الصلاة مع المقيمين؟ قال : « فليصلّ صلاته ثمّ يسلّم ويجعل الأخيرتين سبحة ».

الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن المسافر يصلّي خلف المقيم؟ قال : « يصلّي ركعتين ويمضي حيث شاء ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، عن الحسين بن عثمان ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أبي بصير قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « لا يصلّي المسافر مع المقيم ، فإنْ صلّى فلينصرف‌

__________________

(١) انظر المدارك ٤ : ٣٥٦.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٢٥ / ١٦٤٠ : الحسين بن الحسن ، وفي « م » : الحسين ، وفي « رض » : الحسين بن الحسين ، والصحيح ما أثبتناه من « فض » انظر رجال النجاشي : ٤٠ / ٨٣ ، ورجال الطوسي : ٤٦٩ / ٤٥.


في الركعتين ».

سعد بن عبد الله ، عن أبي جعفر ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن داود بن الحصين ، عن أبي العبّاس الفضل بن عبد الملك ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا يؤمّ الحضري المسافر ولا المسافر الحضري ، فإن ابتلي بشي‌ء من ذلك فأمّ قوماً حاضرين ، فإذا أتمّ الركعتين سلّم ثم أخذ بيد بعضهم فقدّمه فأمّهم ، وإذا صلّى المسافر خلف قوم حُضور فليتمّ صلاته ركعتين ويسلّم ، وإنْ صلّى معهم الظهر فليجعل الأوّلتين الظهر ، والأخيرتين العصر ».

فالوجه في هذين الخبرين ضرب من الكراهة دون الحظر حسب ما فصّلعليه‌السلام من أحكامه.

السند :‌

في الأوّل : فيه الحسن بن الحسين اللؤلؤي ، وقد قدّمنا القول فيه مفصّلاً(١) ، والحاصل أنّ النجاشي قال : إنّه ثقة في ترجمته(٢) . وفي ترجمة محمّد بن أحمد بن يحيى قال : كان محمّد بن الحسن بن الوليد يستثني من رواية محمّد بن أحمد بن يحيى ما يرويه عن جماعة ، منهم ما ينفرد به الحسن بن الحسين اللؤلؤي : ثمّ قال ، قال أبو العباس بن نوح : وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمّد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه ، وتبعه أبو جعفر ابن بابويه ، إلاّ في محمّد بن عيسى بن عُبيد ، فلا أدري ما رابه ، لأنّه كان على ظاهر العدالة والثقة(٣) .

__________________

(١) راجع ج ٢ ص ٢٦٢.

(٢) رجال النجاشي : ٤٠ / ٨٣.

(٣) رجال النجاشي : ٣٤٨ / ٩٣٩.


وقد قدّمنا(١) ما في هذا الكلام تفصيلاً ، والإجمال لبعد العهد أنّ صريح كلام ابن الوليد فيما ينفرد به الحسن بن الحسين ، وغير خفي أنّ المتقدمين لا يعملون بالخبر المجرّد عن القرائن كما يظهر منهم ، وما قد يظنّ من خلافه قد أجبنا عنه فيما سبق(٢) ، وحينئذٍ فتخصيص(٣) ما ينفرد به الحسن لا وجه له ظاهراً ، بل كلّ من انفرد بالرواية لا يعمل بروايته.

ولعلّ الوجه احتياج مثل هذه الرواية إلى زيادة القرائن ، لكن قول أبي العباس : وقد أصاب شيخنا ، إلى آخره. يشكل بأنّه فهم منه إرادة الضعف في المذكورين ، كما ينبئ عنه قوله في محمّد بن عيسى : إنّه كان على ظاهر العدالة والثقة ، ولا يبعد أنْ يكون غرضه أنّ الاحتياج إلى زيادة القرائن غير واضح ، بل هو كغيره من العدول ، فيتمّ الكلام في الجملة.

وبهذا يندفع ما عساه يقال على النجاشي من أنّ توثيقه للحسن بن الحسين في ترجمته ، ثم نقله الاستثناء وكلام أبي العباس ، يقتضي التوقف فيه ، وحاصل الاندفاع واضح ممّا قرّرناه.

ومن هنا يندفع ما قاله الشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام : إنّ الحسن بن الحسين اللؤلؤي يروي عنه محمّد بن أحمد بن يحيى ، ضعّفه ابن بابويه(٤) . فإنّ التضعيف إنّما هو من الاستثناء ، والاستثناء لا يفيد ذلك.

فإنْ قلت : لا مانع من إرادة الشيخ بالتضعيف عدم قبول ما ينفرد به ؛

__________________

(١) راجع ج ١ ص ١٢٤ ، ج ٢ ص ٢٦٢.

(٢) راجع ج ١ ص ١٣ ١٦.

(٣) ليست في « رض » و « م ».

(٤) رجال الطوسي : ٤٦٩ / ٤٥.


لأنّ الظاهر من الشيخ العمل بالخبر المحتفّ بالقرائن(١) ، والضعيف عند المتأخّرين بمعنى عدم كونه ثقةً أو ممدوحاً(٢) ، لا يضرّ بحال الشيخ ، فجاز أنْ يكون ثقةً عند المتأخرين من جهة ، وضعيفاً عند المتقدمين من جهة ، وقول أبي العباس قابل للتأويل المتقدّم ، بحيث لا يفيد التضعيف عند المتأخرين.

قلت : لما ذكرت وجه ، وبسببه قد يندفع بعض التعارض الواقع بين توثيق النجاشي وتضعيف الشيخ ، إلاّ أنّ هذا يحتاج إلى مزيد فكر في الفرق بين الأمرين.

وبهذا يندفع قول العلاّمة في الخلاصة في ترجمة الحسن بن الحسين : إنّ النجاشي قال إنّه ثقة ، وابن بابويه ضعّفه(٣) . فإنّ ما ذكرناه يقتضي عدم المنافاة ، وعلى ما يقتضيه كلام بعض الأصحاب من تقديم الجارح في مثل هذا(٤) يكون الجارح مقدّماً ، والحال أنّه لا يبعد الجزم بتوثيقه وإنْ قلنا بتقديم الجارح ، فينبغي تأمّل هذا ، فإنّي لم أر تحريره في كلام متأخّري الأصحاب.

ومن هنا يعلم أنّ قول جدّيقدس‌سره في شرح البداية : إنّ من ألفاظ الجرح قولهم : فلان ضعيف(٥) ؛ محلّ تأمّل ؛ لأنّ الضعف في كلام المتقدمين محتمل لأنْ يريدوا به الضعف مقابل الثقة ، ولأنْ يريدوا به عدم قبول روايته منفرداً.

__________________

(١) انظر الاستبصار ١ : ٣ ، عدة الأُصول : ٣٣٧.

(٢) انظر الدراية : ٢٤.

(٣) الخلاصة : ٤٠ / ١١.

(٤) الدراية : ٧٣.

(٥) الدراية : ٧٢.


وفي نظري القاصر أنّ رواية محمّد بن عيسى عن يونس من قبيل الثاني ، فلا مانع من قبول رواية محمّد بن عيسى ؛ لأنّ ضعفه من جهة ، وثقته من جهة كما تقدّم في أوّل الكتاب(١) .

وأمّا بقية الرجال فقد تكرر القول فيهم. وعمران في الظن أنّه الحلبي ، ومحمّد بن علي أخوه ، وهما ثقتان ، إلاّ أنّ غيرهما في حيّز الإمكان.

والثاني : واضح الحال ، وحمّاد بن عثمان بتقدير الاشتراك(٢) هو الثقة بقرينة رواية ابن أبي عمير عنه كما في الفهرست(٣) ، والاحتمال البعيد لا يقدح.

والثالث : ليس فيه من يتوقف فيه ، إلاّ الراوي عن الإمامعليه‌السلام .

والرابع : فيه داود بن الحصين ، والنجاشي وثّقه(٤) ، والشيخ قال : إنّه واقفي في رجال الكاظمعليه‌السلام (٥) ، وكذلك ينقل عن ابن عُقدة(٦) ، واحتمل شيخناقدس‌سره أنّ يكون الأصل ابن عقدة(٧) ، وحاله لا يخفى ، والحق ما أسلفناه في أمثال هذا(٨) ، فتأمّل.

__________________

(١) في ص ٥٤.

(٢) هداية المحدثين : ١٩٦.

(٣) الفهرست : ٦٠ / ٢٣٠.

(٤) رجال النجاشي : ١٥٩ / ٤٢١.

(٥) رجال الطوسي : ٣٤٩ / ٥.

(٦) حكاه عنه في منهج المقال : ١٣٤.

(٧) المدارك ٤ : ٣٦٥.

(٨) راجع ص ٨٩.


المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على جواز صلاة المسافر مع المقيم ، أمّا قوله : « ويجعل الأخيرتين سبحة » فلا يخلو من إجمال ؛ إذ يحتمل أنْ يراد بالسبحة فعل الفرض نافلة على سبيل الإعادة ، وهذا يتمّ إذا جوّزنا إعادة من صلّى جماعةً مأموماً ، ولو قلنا بالمنع احتمل أنْ يراد الإعادة لغير ما صلاّهُ جماعةً ، لكن هذا موقوف على ثبوت إعادة ما صلاّهُ الإنسان فرادى سابقاً على فعل الجماعة ، وفي الظنّ أنّه لا مانع منه ، نظراً إلى إطلاقهم استحباب إعادة المنفرد ، وخصوص هذا الفرع لم أجده في كلام الأصحاب ، وربما ينظر في تناول الأخبار له ، والتسديد ممكن ، ويحتمل وجه آخر لعلّه بالترك أولى.

والثاني : واضح الدلالة.

[والثالث (١) ] : يتعيّن فيه حمل النهي على الكراهة.

[والرابع (٢) ] : يدلّ على الكراهة في الجملة ، وهو صريح في الحكمين ، والشيخ كما ترى جعله دالاًّ على الكراهة ، واللاّزم منه القول بالكراهة في الأمرين ، والعنوان خاص. وما تضمّنه من تقديم أحد القوم ليتمّ الصلاة لا أعلم القول بتعيّنه الآن.

ثم دلالته على صلاة العصر مع من يصلّي الظهر ظاهرة ، إلاّ أنْ يخصّ بمورده إذا ثبت المنافي. وقد روى الشيخ في باب الزيادات من الصلاة في باب السفر ، عن أحمد بن محمّد ، عن العباس بن معروف ، عن صفوان بن‌

__________________

(١) في « فض » و « م » : والرابع ، وفي « رض » : والثالث والرابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) في « النسخ » : والخامس ، والصحيح ما أثبتناه.


يحيى ، عن عبد الله بن مسكان ومحمّد بن النعمان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا دخل المسافر مع أقوام حاضرين في صلاتهم ، فإنْ كانت الاولى فليجعل الفريضة في الركعتين الأوّلتين ، ( وإنْ كانت العصر فليجعل الأوّلتين نافلة والأخيرتين فريضة »(١) .

وهذا الخبر كما ترى يدلّ على أنّ المسافر إذا دخل مع الحاضرين في العصر ، يجعل الأوّلتين )(٢) نافلة والأخيرتين فريضة ، فالفريضة له إمّا أنْ تكون الظهر أو العصر ، فإنْ كانت الظهر دلّ الخبر على جواز(٣) فعل الظهر مع العصر في الأخيرتين ، وفعل الأوّلتين نافلة ، وغير خفيّ الإجمال في النافلة ، والاحتمال السابق يجري هنا. وإنْ كانت العصر أمكن جعل الأوّلتين للظهر نافلة ، ويحتمل على بُعد أنْ يراد بجعل الأولتين نافلة عدم الاقتداء فيهما ، كما لا يجوز في النافلة ، وعلى هذا يحتمل أنْ يراد في الخبر الأوّل من المبحوث عنه كذلك ، وهذا غير ما أشرنا إليه.

ويحتمل في الخبر المنقول عن التهذيب نوع من التوجيه ، لكن المقصود هنا من نقله مع ما أشرنا إليه أنّ عدم تعرض الشيخ له غير واضح الوجه ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المنقول في المقام من أقوال العلماء عن سلاّر كراهة ائتمام الحاضر خلف المسافر ، ثمّ قال : الإمام والمأموم خمسة أقسام ، حاضر بحاضر ، ومسافر بمسافر إلى أنْ قال ـ : ومسافر يأتمّ بحاضر ، وهو يسلّم في اثنتين ولا يتبع الإمام ، إلاّ في صلاة المغرب ، وأمّا‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٢٦ / ٥٧٣ ، الوسائل ٨ : ٣٢٩ أبواب صلاة الجماعة ب ١٨ ح ٤.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) ليست في « رض » و « م ».


الحاضر خلف المسافر فقد بيّنا أنّه مكروه. وعن المفيد ، والمرتضى ، والشيخ في الخلاف ، وأبي الصلاح ، كراهة ائتمام المسافر بالحاضر كالعكس ، وعن علي ابن بابويه عدم الجواز فيهما ، وعن ابنه في المقنع : عدم جواز المسافر خلف المقيم ، هكذا نقل في المختلف(١) .

وحكى شيخناقدس‌سره عن المعتبر والمنتهى أنّ فيهما ما يقتضي بظاهره أنّ كراهة ائتمام الحاضر بالمسافر موضع وفاق ، ثم نقل قول علي بن بابويه(٢) ؛ وهو غريب ، والله تعالى أعلم بالحال.

قوله :

باب المرأة تؤمّ النساء.

الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى(٣) ، عن سماعة بن مهران قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن المرأة تؤمّ النساء؟ فقال : « لا بأس به ».

سعد ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي بن فضّال ، عن عبد الله بن بكير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، في الرجل يؤمّ المرأة ، قال : « نعم تكون خلفه » وعن المرأة تؤمّ النساء ، قال : « نعم تقوم وسطاً بينهن ولا تتقدمهن ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان ، عن سليمان بن خالد قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٤٨٨.

(٢) المدارك ٤ : ٣٦٤.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٢٦ / ١٦٤٤ : عثمان بن عيسى.


المرأة تؤمّ النساء؟ فقال : « إذا كنّ جميعاً أمّتهنّ في النافلة ، وأمّا المكتوبة فلا ، ولا تتقدمهن ، ولكن تقوم وسطاً بينهن ».

وما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن عبد الحميد ، عن الحسن بن الجهم ، عن ابن مسكان ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « تؤمّ المرأة النساء في الصلاة وتقوم وسطاً فيهن ، ويقمن عن يمينها وشمالها ، تؤمّهن في النافلة ، ولا تؤمّهن في المكتوبة ».

فالوجه في هذين الخبرين أحد شيئين ، أحدهما : أنْ نحمل الأخبار المطلقة الأوّلة على هذه المفصّلة ، فكان ما ورد ( من جواز )(١) أنّ المرأة تؤمّ النساء إنّما يكون ذلك في صلاة النوافل حسب ما فصّلوه في الأخبار الأخيرة. والثاني : أنْ نحملها على ضرب من الكراهية دون الحظر ، وكذلك :

ما رواه محمّد بن ( مسعود العيّاشي ، عن أبي العبّاس بن المغيرة ، قال : حدّثنا الفضل بن شاذان ، عن ابن )(٢) أبي عمير ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال قلت : المرأة تؤمّ النساء؟ قال : « لا ، إلاّ على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها ، تقوم وسطاً معهن(٣) في الصف فتكبّر ويكبّرن ».

فالوجه في هذا الخبر أيضاً ضرب من الاستحباب دون الإيجاب.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في النسخ ، أثبتناه من الاستبصار ١ : ٤٢٧ / ١٦٤٧.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) في النسخ : منهن ، وما أثبتناه موافق للتهذيب ٣ : ٢٦٨ / ٧٦٦ والاستبصار ١ : ٤٢٧ / ١٦٤٨ وكذا الفقيه ١ : ٢٥٩ / ١١٧٧ والوسائل ٨ : ٣٣٤ أبواب صلاة الجماعة ب ٢٠ ح ٣.


السند :‌

في الأوّل : كما ترى رواية الحسين بن سعيد عن حمّاد ، وفي التهذيب عن عثمان بن عيسى(١) ، وكل محتمل ، وفي المختلف عدّه من الموثّق(٢) ، وهو لا يقتضي تعيّن حمّاد عنده ؛ لعدّه رواية عثمان من الموثق ، وقد وجدت الآن كلاماً للشيخ في كتاب العدّة في الأُصول يقتضي توثيق عثمان بن عيسى(٣) ، وما قدّمته(٤) في هذا الكتاب مكرّراً من عدم الوقوف على توثيقه مبني على ما وقفت عليه من كتب الرجال.

والثاني : فيه الإرسال.

والثالث : كما ترى في النسخ التي وقفت عليها ، وفي الكافي : عن ابن سنان ، عن سليمان بن خالد(٥) ، وأفاد شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب أنّه الصواب ، ولعلّ الوجه أنّ الكليني أثبت في النقل ، وفيه احتمال السهو من القلم ، بل هو الظاهر ؛ لأنّ الراوي عن سليمان بن خالد في النجاشي عبد الله ابن مسكان(٦) ، والأمر سهل بعد ابن سنان ، لاشتراكه على تقدير الرواية عن سليمان ، وظهور كونه محمّداً على تقدير روايته عن ابن مسكان ، لأنّه الراوي عنه في الرجال(٧) وغيرها.

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٣١ / ١١١.

(٢) المختلف ٢ : ٤٨٦.

(٣) عدة الأصول : ٣٨١.

(٤) راجع ج ١ ص ٧٠ ، ٣٦٣ ، ج ٣ ص ٢٣٠ ، ج ٦ ص ٣٩.

(٥) الكافي ٣ : ٣٧٦ الصلاة ب ٥٧ ح ٢.

(٦) رجال النجاشي : ١٨٣ / ٤٨٤.

(٧) رجال النجاشي : ٢١٤ / ٥٥٩.


وما عساه يقال : من أنّ رواية فضالة عن محمّد بن سنان مستبعدة ؛ لأنّ الراوي عنه في الرجال محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب(١) ، فعلى تقدير رواية الكليني يقرب أنْ يكون عبد الله.

يمكن دفعه : بأنّ محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب من رجال الجواد والهادي والعسكريعليهم‌السلام ، ومحمّد بن سنان من رجال الجواد والرضا والكاظمعليه‌السلام .

فإنْ قلت : الراوي عن عبد الله بن سنان ابن أبي عمير ، وهو في مرتبة فضالة ، ومحمّد بن الحسين متأخر ، فكيف يحتمل ما ذكرت؟

قلت : إذا لاحظت ما قلناه يتّضح الاحتمال ، إلاّ أنّ الحق بُعده ، فليتأمّل.

والرابع : فيه محمّد بن عبد الحميد ، وهو لا يخلو من اشتباه ، وأنّ احتمال كونه ابن سالم العطّار المتقدّم فيه الكلام عن قريب وبعيد(٢) يُبعّده رواية محمّد بن علي بن محبوب عنه ، لأنّ محمّد بن عبد الحميد مذكور في أصحاب الرضا والهاديعليهما‌السلام من كتاب الشيخ(٣) ( ، ومحمّد بن علي بن محبوب من رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام من كتابه(٤) ، إلاّ أنّ الالتفات إلى إجمال مطلب الشيخ )(٥) في الكتاب يرفع الاستبعاد.

والذي يمكن أنْ يقال هنا : إنّه لا مانع من لقاء ابن محبوب‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٢٨ / ٨٨٨.

(٢) راجع ج ١ ص ٢٠٠ ، وص ٩٠ من هذا الجزء.

(٣) رجال الطوسي : ٣٨٧ / ١٠ و ٤٣٥ / ١٠ في أصحاب الرضا والعسكريعليهما‌السلام و ٤٩٢ / ٦ فيمن لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام ، ولم يذكره في أصحاب الهاديعليه‌السلام .

(٤) رجال الطوسي : ٤٩٤ / ١٨.

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


للإمامعليه‌السلام ولم يرو عنه ؛ لتصريح الشيخ في الكتاب في ترجمة أحمد بن إدريس حيث ذكره في رجال العسكريعليه‌السلام قائلاً : إنّه أدركه ولم يرو عنه(١) ، وذكر أحمد بن إدريس في رجال من لم يرو أيضاً(٢) ، والحاصل أنّ تعيّن كون محمّد بن عبد الحميد هو العطّار مشكل ، ففي الرجال غيره موجود في المرتبة.

أمّا الحسن بن الجهم فهو ثقة في النجاشي(٣) .

فإنْ قلت : الحسن بن الجهم من أصحاب أبي الحسن موسى والرضاعليهما‌السلام ، والراوي عنه في الرجال الحسن(٤) بن علي بن فضّال ونحوه(٥) ، فالمناسب كون الراوي عنه هنا محمّد بن عبد الحميد العطّار ، لأنّ الموجود في الرجال أيضاً محمّد بن عبد الحميد روى عنه ابن الوليد في رجال من لم يرو من كتاب الشيخ مهملاً(٦) ، وهذا لا يوافق مرتبته.

قلت : ابن الوليد الراوي عن المذكور كأنّه محمّد بن الحسن ، ومرتبته لا توافق محمّد بن علي بن محبوب.

قلت : لما ذكرت نوع وجه ، إلاّ أنّ محمّد بن الحسن بن الوليد مذكور في رجال من لم يرو(٧) كابن محبوب ، غاية الأمر أنّ ابن محبوب يروي عنه محمّد بن يحيى(٨) وأحمد بن إدريس ، ومحمّد بن الحسن بن‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٤٢٨ / ١٦.

(٢) رجال الطوسي : ٤٤٤ / ٣٧.

(٣) رجال النجاشي : ٥٠ / ١٠٩.

(٤) في « فض » : الحسين.

(٥) رجال النجاشي : ٥٠ / ١٠٩.

(٦) رجال الطوسي : ٤٩٢ / ٦.

(٧) رجال الطوسي : ٤٩٥ / ٢٣.

(٨) في « فض » : محمّد بن الحسن.


الوليد يروي عن سعد والصفّار ، فهو أقرب مرتبةً من ابن محبوب ، فيقرب توجيه انتفاء احتمال(١) محمّد بن عبد الحميد ( المذكور ، لا أنّ )(٢) الاحتمال منتفٍ جزماً ؛ فليتأمّل.

والخامس : فيه محمّد بن مسعود العيّاشي ، والطريق إليه غير مذكور في المشيخة ، وفي الفهرست ذكر طريقاً إلى جميع كتبه ورواياته(٣) ، إلاّ أنّه غير سليم ، وهو قد وثّقه النجاشي(٤) ، إلاّ أنّ فيه نوع كلام تقدّم بيانه. وأمّا أبو العبّاس فهو مجهول الحال ؛ إذ لم أقف على ما يعيّنه الآن في الرجال ، وفي التهذيب كما هنا(٥) .

المتن :

في الأخبار ما عدا الأخير واضح ، وما ذكره الشيخ من الجمع كذلك ، إلاّ أنّ الثاني ربما يقرب من حيث إنّ أكثر الأصحاب على الجواز(٦) ، والقول بالمنع عن الائتمام في الفرائض دون النوافل إنّما هو منقول عن ابن الجنيد(٧) ، والسيّد المرتضى فقط(٨) .

والعلاّمة في المختلف قال : إنّ قول السيّد لا بأس به ؛ لصحّة الأخبار‌

__________________

(١) ليست في « م ».

(٢) بدل ما بين القوسين في « م » : لأنّ. ، وفي « رض » : المذكور ، إلاّ أنّ.

(٣) الفهرست : ١٣٦ / ٥٩٣.

(٤) رجال النجاشي : ٣٥٠ / ٩٤٤.

(٥) التهذيب ٣ : ٢٦٨ / ٧٦٦.

(٦) حكاه عنهم في المختلف ٢ : ٤٨٦.

(٧) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٤٨٦.

(٨) حكاه عنه في السرائر ١ : ٢٨١ ، المختلف ٢ : ٤٨٦.


الدالّة عليه ، وضعف الحديثين الأوّلين مع احتمالهما للتفصيل(١) . وعنى بهما الخبرين الأوّلين من المبحوث عنها ، ومقتضى كلامه صحّة خبر سليمان بن خالد وخبر الحلبي ، وقد سمعت القول في سنديهما. وفي التهذيب روى خبر سليمان ، عن ابن سنان ، عن سليمان(٢) ، كما في الكافي ، وقد عرفت الحال(٣) .

ونقل شيخناقدس‌سره في المدارك خبراً عن الشيخ واصفاً له بالصحّة ، عن علي بن جعفر ، أنّه سأل أخاه موسىعليه‌السلام عن المرأة تؤمّ النساء ما حدّ رفع صوتها بالقراءة والتكبير؟ قال : « قدر ما يُسمع » ولم أقف الآن عليه ، لكنّه في الفقيه موجود(٤) ، وهو مؤيّد للخبرين الأوّلين وحكى عن المحقق في المعتبر أنّه أجاب عن خبري سليمان بن خالد والحلبي بأنّهما نادران فلا عمل عليهما ، واعترض عليه : بأنّ القائل بمضمونهما موجود(٥) . وهو كذلك ، إلاّ أنّ الظاهر من المحقق موافقة الأكثر.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الصدوق روى في الفقيه عن هشام بن سالم ، أنّه سأل أبا عبد اللهعليه‌السلام عن المرأة تؤمّ النساء؟ قال : « تؤمّهن في النافلة ، فأمّا في المكتوبة فلا ، ولا تتقدمهن ولكن تقوم وسطهن »(٦) وظاهر الصدوق العمل به ، فيشارك القائلين ، لكنّه روى حديث علي بن جعفر السابق ، فكأنّه يحمله على مدلول خبر هشام ، وفيه نوع بعد لا يخفى.

__________________

(١) المختلف ٢ : ٤٨٧.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٦٩ / ٧٦٨.

(٣) انظر ص ١٠٢.

(٤) الفقيه ١ : ٢٦٣ / ١٢٠١ ، وهو في التهذيب ٣ : ٢٦٧ / ٧٦١.

(٥) المدارك ٤ : ٣٥٣ ، وهو في المعتبر ٢ : ٤٢٧.

(٦) الفقيه ١ : ٢٥٩ / ١١٧٦ ، الوسائل ٨ : ٣٣٣ أبواب صلاة الجماعة ب ٢٠ ح ١.


ولا يبعد العمل بالخبرين بحمل النبي على الكراهة. وخبر هشام صحيح.

وأمّا الخبر الأخير الذي رواه الشيخ فقد رواه الصدوق عن زرارة(١) ، وطريقه في المشيخة إليه صحيح(٢) ، فيستغنى به عن الطريق هنا ، غير أنّه ينبغي أنْ يعلم أنّ الشيخ في التهذيب روى قبل الرواية المذكورة روايةً عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن العباس ، عن ابن المغيرة(٣) ، فلا يبعد أنْ يكون وقع نوع سهو في السند الثاني ، لكن الجزم مشكل.

وعلى كل حال فتوجيه الشيخ للخبر لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ ظاهر قوله : وكذلك ، الإشارة إلى الحمل على الكراهة في الأخبار الدالّة على المنع في المكتوبة.

وقوله أخيراً : فالوجه في هذا الخبر أيضاً ضرب من الاستحباب ، يفيد أنّه يستحبّ لها أنْ لا تؤمّ أحداً من النساء في النافلة والمكتوبة إلاّ على الميت ، وحينئذٍ يفيد الخبر نوع مخالفة لما سبق منه.

ويمكن التوجيه بأنّ المراد بالإشارة بيان الحاجة إلى الجمع مع مخالفة الخبر المذكور لما سبق ، وحاصل الجمع أنْ يحمل الخبر المذكور على استحباب عدم فعل الجماعة مطلقاً إلاّ على الميت ، أو يقال : إنّ الظاهر من الخبر نفي الإمامة في المكتوبة بقرينة ذكر الميت ، ولعلّ هذا أوجه.

فإنْ قلت : يجوز أنْ يكون مراد الشيخ بالاستحباب استحباب صلاتها على الميت دون الوجوب ، والوجه في الاستحباب أمّا للولاية ، أو لكون صلاتها جماعةً على الميت كغيرها في الاستحباب.

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٥٩ / ١١٧٧.

(٢) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٩ ، خلاصة العلاّمة : ٢٧٧.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٦٨ / ٧٦٤.


قلت : الظاهر من الشيخ إرادة الجمع بين الأخبار ، وعلى هذا الوجه يبعد الإرادة ، وإنْ أمكن التقريب لكنه متكلف.

فإنْ قلت : إذا لم يلتفت إلى جهة الجمع هل في الخبر دلالة على أنّ المرأة إذا كانت وليّة للميت يتعيّن صلاتها عليه أم لا؟

قلت : في الدلالة على التعيّن تأمّل ، والقائل به غير معلوم ، وسيأتي إن شاء الله القول في باب أحكام الأموات ، غير أنّه محتمل أنْ يراد بالأولى هنا معنى غير ولاية أحكام الميت المقررة عند الأصحاب ، فليتأمّل.

بقي شي‌ء لا بُدّ من التنبيه عليه ، وهو أنّ العلاّمة في التذكرة على ما نقل عنه قال : إنّ إمامة المرأة بالنساء جائزة ( عند علمائنا )(١) أجمع(٢) ، مع أنّه في المختلف نقل خلاف ذلك(٣) ، ولعلّ مراده الإجماع بعد من ذكره ، لكن عدم البيان موجب للغرابة ، ومثل هذا كثير الوقوع ، والله تعالى أعلم بالحقائق.

قوله :

باب القراءة خلف من يقتدى به.

محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ( عن محمّد بن الحسين. ومحمّد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعاً عن صفوان بن يحيى ) (٤) عن عبد الرحمن بن الحجاج قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٢) حكاه عنه في المدارك ٤ : ٣٥١ ، وهو في التذكرة ٤ : ٢٣٦.

(٣) المختلف ٢ : ٤٨٦.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


الصلاة خلف الإمام ، أقرأ خلفه؟ فقال : « أمّا التي لا يجهر فيها بالقراءة فإنّ ذلك جُعل إليه فلا تقرأ خلفه ؛ وأمّا الصلاة التي يجهر فيها فإنّما أُمر بالجهر لينصت من خلفه ، فإنْ سمعت فأنصت وإنْ لم تسمع فاقرأ ».

عنه ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا صلّيت خلف إمام تأتمّ به فلا تقرأ خلفه سمعت قراءته أو لم تسمع ، إلاّ أنْ تكون صلاة يجهر فيها ولم تسمع فاقرأ ».

وعنه ، عن علي ، عن أبيه ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال : « إذا كنت خلف إمام تأتمّ به فأنصت وسبّح في نفسك ».

عنه ، عن علي ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن قتيبة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا كنت صلّيت خلف إمام ترضى(١) به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك ، وإنْ كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ ».

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن يونس بن يعقوب قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الصلاة خلف من أرتضي به ، ( أقرأ خلف )(٢) ؟ فقال : « من رضيت به فلا تقرأ خلفه ».

الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن هشام بن سالم ، عن سليمان بن خالد ؛ وعلي بن النعمان ، عن عبد الله بن مسكان ، عن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٢٨ / ١٦٥٠ : ترتضي.

(٢) أثبتناه من الاستبصار ١ : ٤٢٨ / ١٦٥٣.


سليمان بن خالد. قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أيقرأ الرجل في الأُولى والعصر خلف الإمام وهو لا يعلم أنّه يقرأ؟ فقال : « لا ينبغي له أنْ يقرأ ، يكله إلى الإمام ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا صلّيت خلف إمام تأتمّ به فلا تقرأ خلفه ، سمعت قراءته أو لم تسمع ».

فلا ينافي ما قدمناه : من أنّه متى لم تسمع القراءة فيما يجهر فيه بالقراءة فإنّه يقرأ ، لأنّه يجوز أنْ يكون الراوي روى بعض الحديث ، لأنّا قد قدّمنا في رواية علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن الحلبي هذا الخبر بعينه ، وزاد : « إلاّ أنْ تكون صلاة يجهر فيها ولم تسمع فاقرأ » فإذا كان هذا(١) من تمام الخبر فقد وافق باقي الأخبار. ويجوز أيضاً أنْ يكون المراد بذلك إذا سمع القراءة لكنه يسمعها خفية لا يتميز له مثل الهمهمة ، فإنّ ذلك يجزئه أيضاً. والذي يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد(٢) ، عن زرعة ، عن سماعة قال : سألته عن الرجل يؤمّ الناس فيسمعون صوته ولا يفهمون ما يقول؟ فقال : « إذا سمع صوته فهو يجزئه ، وإذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه ».

وقد روي أنه مخيّر فيما لا يسمع بين أنْ يقرأ وأنْ لا يقرأ ، والأحوط ما قدّمناه ، روى ذلك :

سعد بن عبد الله ، عن أبي جعفر ، عن الحسن بن علي بن‌

__________________

(١) أثبتناه من الاستبصار ١ : ٤٢٩ / ١٦٥٥.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٢٩ / ١٦٥٦ زيادة : عن الحسن.


يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن أبيه علي بن يقطين قال : سألت أبا الحسن (١) عليه‌السلام عن الرجل يصلّي خلف إمام يقتدى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلا يسمع القراءة ، قال : « لا بأس إنْ صمت وإنْ قرأ ».

السند :‌

في الأوّل : صحيح على تقدير سلامة عبد الرحمن بن الحجاج من الكلام ، وقد مضى مفصلاً(٢) . ومحمّد بن الحسين هو ابن أبي الخطاب. ومحمّد بن إسماعيل فيه معطوف على محمّد بن يحيى ، فيكون الفضل ومحمّد بن الحسين راويين عن صفوان ، والارتياب في محمّد بن إسماعيل هنا مدفوع بتقديره.

والثاني : حسن كالثالث ، بتقدير نفي الارتياب في حريز.

والرابع : فيه قتيبة ، ولم يتقدم بيانه وهو ثقة. وابن المغيرة مضى عن قريب وبعيد(٣) ، فهو حسن.

والخامس : موثق.

والسادس : معروف الرجال بما تكرر من المقال(٤) . وعلي بن النعمان فيه على الظاهر معطوف على النضر ، ويحتمل العطف على الحسين ابن سعيد ، فيكون بطريق الشيخ إليه ، ولمّا لم يكن في المشيخة رجع إلى‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٢٩ / ١٦٥٧ زيادة : الأوّل.

(٢) راجع ج ٢ ص ٣٣٦ ، ج ٣ ص ١٤.

(٣) راجع ص ٨٩ ، ٩٠.

(٤) في ص ٤٩ ، ١٢١ ، ١٣٨ ، ٢٧٤ ، ٣٦٧ ، ٥٦٩.


الإرسال ، إذ الطريق في الفهرست خاص بكتابه. وإنّما قلت : على الظاهر. لاستبعاد الرواية عن علي بن النعمان بغير الطريق إلى الحسين.

فإن قلت : الراوي عن علي بن النعمان في النجاشي محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب(١) ، وفي الفهرست أحمد بن أبي عبد الله(٢) ، فكيف يروي عنه هنا الحسين بن سعيد؟

قلت : لا مانع من ذلك ، فإنّ علي بن النعمان روى عن الرضاعليه‌السلام في النجاشي(٣) ، والحسين بن سعيد من رجالهعليه‌السلام .

نعم قد يتخيل أنّ رواية محمّد بن الحسين عنه مستبعدة ؛ لأنّه مذكور في رجال الجواد والهادي والعسكريعليهم‌السلام ؛ واللازم من روايته عن علي ابن النعمان أنْ يكون من أصحاب الرضاعليه‌السلام ، أو أنْ يكون علي بن النعمان من أصحاب الجوادعليه‌السلام أيضاً. وهكذا القول في رواية أحمد بن أبي عبد الله عن علي بن النعمان ، فإنّ أحمد مذكور في رجال الجواد والهاديعليهما‌السلام .

ويمكن الجواب عن ذلك : بأنّ الذي ذكره النجاشي روايته عن الرضاعليه‌السلام ، لا أنّه إنما لقي الرضاعليه‌السلام فقط ، فيجوز لقاؤه للجوادعليه‌السلام ولم يرو عنه.

فإنْ قلت : الحسين بن سعيد مذكور في رجال الجواد أيضاً ، فلا مانع من روايته عن علي بن النعمان كأحمد بن أبي عبد الله ومحمّد بن الحسين.

قلت : الإشكال من حيث إنّ علي بن النعمان لم يذكر في رجال‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٧٤ / ٧١٩.

(٢) الفهرست : ٩٦ / ٤٠٥.

(٣) رجال النجاشي : ٢٧٤ / ٧١٩.


الجوادعليه‌السلام ، وما ذكرت لا يدفعه.

إذا عرفت هذا ، فاعلم أنّ النجاشي قال في علي بن النعمان : روى عن الرضاعليه‌السلام ، وأخوه داود أعلى منه ، وابنه الحسن بن علي وابنه أحمد رويا الحديث : وكان علي ثقة وجهاً ، إلى آخره(١) .

وقد يظن أنّ قوله : وكان علي. يدل على أنّ ما ذكره في محمّد بن عبد الحميد من أنّه ابن سالم العطار أبو جعفر روى عبد الحميد عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام ، وكان ثقة ، إلى آخره(٢) . يرجع إلى توثيق محمّد لا إلى عبد الحميد كما ظنه جدّيقدس‌سره (٣) ووجه الدلالة يتضح بالملاحظة لطريقة النجاشي.

واحتمال أنْ يقال : إنّ التصريح في علي بن النعمان بالذكر يدل على أنّ الإطلاق لا يكون كذلك. يمكن دفعه : بأنّ التصريح ربما كان قرينة على ما قلناه ؛ وقد قدمنا القول في هذا(٤) ، وإنّما أعدناه لما لا يخفى.

وممّا يتعلق بالمقام فائدة لا بأس بالتنبيه عليها ، وهي أنّ ما ذكره النجاشي من : أنّ داود أعلى منه على ما يظهر أنّ المراد علوّ السنّ ، لأنّه قال في ترجمة داود : أخو علي بن النعمان ، وداود الأكبر روى عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام (٥) .

وهذا صريح بأنّ غرضه بالعلوّ في ترجمة علي بن النعمان ما ذكرناه ، حيث إنّ علي بن النعمان روى عن الرضاعليه‌السلام فيما قاله النجاشي ، فأراد‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٧٤ / ٧١٩.

(٢) رجال النجاشي : ٣٣٩ / ٩٠٦.

(٣) راجع ج ١ ص ٢٠٠.

(٤) راجع ص : ٣٦٧.

(٥) رجال النجاشي : ١٥٩ / ٤١٩.


بيان رواية داود عن أبي الحسنعليه‌السلام لكبره.

والعلاّمة في الخلاصة وثّق داود(١) ؛ وفي الظن أنّ مرجعه تخيل أنّ علي بن النعمان إذا كان ثقة فالأعلى منه ثقة بطريق أولى ، والحال ما سمعت ، مضافاً إلى التنصيص من النجاشي على « علي » بإعادة اسمه بعد لفظ « كان » الدال على الاختصاص.

فإنْ قلت : النجاشي قد وثّق الحسن ( بن علي بن النعمان(٢) ، فعلم منه أن ليس المراد في ترجمة « علي » الاختصاص.

قلت : في توثيق الحسن منه تأمّل ؛ لأنّه قال : [ الحسن(٣) ] بن علي ابن النعمان )(٤) مولى بني هاشم أبو علي بن النعمان الأعلم ثقة(٥) . وهذا قد يدعى ظهوره في توثيق الأب ، ولا أقلّ من الاحتمال ، فلا يتم ما ذكرت ، كما أنّ توثيق النجاشي للحسن إنْ كان مأخذه هذا محل بحث ، فينبغي تأمّل جميع ما ذكرناه.

والسابع : واضح الحال لما كررناه(٦) من المقال(٧) .

[والثامن (٨) ] : موثّق ، والحسن فيه ابن سعيد.

[والتاسع (٩) ] : واضح.

__________________

(١) الخلاصة : ٦٩ / ٦.

(٢) رجال النجاشي : ٤٠ / ٨١.

(٣) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٥) رجال النجاشي : ٤٠ / ٨١.

(٦) راجع ج ١ ص ١٩٦ ، ٢٥٧ ، ج ٣ ص ٦٤.

(٧) في النسخ زيادة : كالثامن.

(٨) في النسخ : والتاسع ، والصواب ما أثبتناه.

(٩) في النسخ : والعاشر ، والصواب ما أثبتناه.


ووجود رواية أبي جعفر وهو أحمد بن محمّد بن عيسى على ما مضى(١) عن الحسن بن علي بن يقطين يدل على أنّ ما في كثير من الأخبار السابقة والآتية من رواية أحمد بن محمّد عن الحسن بن علي محتمل لإرادة ابن يقطين وابن فضال(٢) ، وقد سبق في الخامس ابن فضال فهو محتمل أيضاً مع الإطلاق ، وقد قدّمنا في مواضع احتمال الحسن بن علي الوشّاء(٣) ، والأمر سهل غير أنّ المقصود بيان حقيقة الأمر.

المتن :

لا بُدّ قبل الكلام فيه من مقدمة ، وهي : أنّ هذه المسألة اختلفت فيها آراء الأصحاب اختلافاً لم يشاركها غيرها من مسائل أبواب الكتاب ، فلا جرم كان البحث فيها حريّا بالإطناب ، إلاّ أنّ اتباع المقصود يقتضي الاقتصار على ما يظن أنّه أقرب إلى الصواب.

والمنقول من الأقوال في المسألة القول بسقوط القراءة وجوباً في أوّلتي الجهرية إذا سمع ولو همهمة(٤) . بل قيل : إنّ هذا إجماعي(٥) . وفي المنتهى : يسقط وجوب القراءة عن المأموم ، وهو مذهب علماء أهل البيتعليهم‌السلام (٦) . لكن هل السقوط على وجه الوجوب بحيث تحرم القراءة؟ قولان ، أحدهما : التحريم ، ذهب إليه جماعة(٧) . والثاني : الكراهة ، ذهب‌

__________________

(١) راجع ج ٣ ص ١٠٨ ، ١٦٧.

(٢) كذا في النسخ ، والظاهر زيادة : وابن فضّال.

(٣) في « م » زيادة : ربما يظن انتفاؤه لندوره.

(٤) قاله العلاّمة في المختلف ٢ : ٥٠٤.

(٥) الخلاف ١ : ٣٣٩ ، المعتبر ٢ : ٤٢٠ ، المنتهى ١ : ٣٧٨ ، التذكرة ١ : ١٨٤.

(٦) المنتهى ١ : ٣٧٨.

(٧) المقنع : ٣٦ ، المبسوط ١ : ١٥٨ ، النهاية : ١١٣ ، الوسيلة : ١٠٦ ، المختلف ٢ : ٥٠٤ ، مجمع الفائدة والبرهان ٣ : ٢٩٧ ، المدارك ٤ : ٣٢٣ ، الذخيرة : ٣٩٦.


إليه جماعة أيضاً(١) .

وحكى في المختلف عن الشيخ في النهاية أنّه قال : إذا تقدم من هو بشرائط الإمامة فلا تقرأنّ خلفه جهرية كانت أو إخفاتية ، بل تسبّح مع نفسك وتحمد الله ، فإنْ كانت جهرية فأنصت للقراءة ، فإنْ خفي عليك قراءة الإمام قرأت لنفسك ، وإنْ سمعت مثل الهمهمة من قراءة الإمام جاز لك إلاّ تقرأ ، وأنت مخيّر في القراءة ؛ ويستحب أنْ يقرأ الحمد وحدها فيما لا يجهر الإمام فيها بالقراءة(٢) .

وقال المرتضى : لا يقرأ المأموم خلف الموثوق به في الأوّلتين في جميع الصلوات من ذوات الجهر والإخفات ، إلاّ أنْ تكون صلاة جهر لم يسمع فيها المأموم قراءة الإمام فيقرأ كل واحد لنفسه ؛ وهذه أشهر الروايات. وروى أنّه لا يقرأ فيما جهر فيه الإمام وتلزمه القراءة فيما تخافت فيه الإمام. وروى أنّه بالخيار فيما خافت فيه. والآخرتان فالأفضل أنْ يقرأ المأموم أو يسبّح فيهما ؛ وروى ليس عليه ذلك(٣) .

وقال سلاّر في قسم المندوب : وأنْ لا يقرأ المأموم خلف الإمام ، وروى أنّ ترك القراءة في صلاة الجهر خلف الإمام واجب ؛ والأثبت الأوّل(٤) .

وجعل ابن حمزة الإنصات إلى قراءة الإمام إذا سمعها واجباً(٥) .

وقال ابن إدريس : اختلفت الرواية في القراءة خلف الإمام الموثوق‌

__________________

(١) المراسم : ٨٧ ، الشرائع ١ : ١٢٣ ، المعتبر ٢ : ٤٢٠ ، الدروس ١ : ٢٢٢.

(٢) النهاية : ١١٣.

(٣) جمل العلم والعمل : ٧٠.

(٤) المراسم : ٨٧.

(٥) الوسيلة : ١٠٦.


به ، فروي أنّه لا قراءة على المأموم في جميع الركعات والصلوات ، سواء كانت جهرية أو إخفاتية وهي أظهر الروايات. إلى آخر ما ذكره(١) .

وقال أبو الصلاح : ولا يقرأ خلفه في الأوّلتين من كل صلاة ولا في الغداة ، إلاّ أنْ يكون بحيث لا يسمع قراءته ولا صوته فيما يجهر فيه فيقرأ ؛ وهو في الأخيرتين من الرباعيات وثالثة المغرب بالخيار بين القراءة والتسبيح ، والقراءة أفضل(٢) . انتهى ما نقله العلاّمة(٣) ؛ وقد تركنا قول الصدوق المنقول ؛ لعدم صحة العبارة فيما وقفت عليه ، لكن في الفقيه روى ما سنذكره إنْ شاء الله تعالى(٤) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبر الأوّل : ظاهره النهي عن القراءة خلف الإمام في غير الجهرية ، وأمّا الجهرية فمع السماع الأمر بالإنصات ومع عدمه الأمر بالقراءة ، وعلى تقدير حمل الأمر على الوجوب والنهي على التحريم يفيد تحريم القراءة في الإخفاتية ، ووجوب الإنصات مع السماع في الجهرية ، ووجوب القراءة مع عدم السماع.

والثاني : يدل على تحريم القراءة في الإخفاتية ووجوبها في الجهرية إذا لم يسمع.

والثالث : يدل على وجوب الإنصات والتسبيح في النفس ؛ وربما دل الأمر بالإنصات على الجهرية فيخص بها ، أو يعمّ فيحمل الإنصات على وجهٍ لا يخفى.

__________________

(١) السرائر ١ : ٢٨٤.

(٢) الكافي في الفقه : ١٤٤.

(٣) المختلف ٢ : ٥٠١.

(٤) في ص ١١٩.


والرابع : يدل على القراءة وجوباً في الجهرية مع عدم السماع أصلاً ، وعلى تحريم القراءة مع سماع الهمهمة. والظاهر أنّ سماع الهمهمة في الجهرية لسياق الخبر ، واحتمال العموم لتحقق الهمهمة في الإخفاتية بعيد بل لا وجه له.

والخامس : ظاهر الدلالة على تحريم القراءة مطلقاً.

والسادس : ربما يدل بظاهره على كراهة القراءة في الإخفاتية مع عدم العلم بالقراءة ، إلاّ أنّ استعمال « لا ينبغي » في التحريم موجود. ويمكن القول بالاشتراك فلا يدل ، غير أنّ المعارض في المقام ستسمعه فلا حاجة إلى تكلف القول.

والسابع : كما ترى لا يخرج عن الإطلاق ، وغيره مقيِّد ، وكان الأولى من الشيخ الالتفات إلى هذا.

وما قاله من رواية بعض الحديث محل تأمّل ؛ لأنّ كون الراوي متحداً لا يدل على اتحاد الحديث ؛ ويجوز أن يكون روى الإطلاق والتقييد.

وما قاله الشيخ ثانياً ، فيه : أنّ الخبر إن بقي من دون اعتبار الزيادة فلا بُدّ من تقييده بالجهرية ، وإذا رجع إلى التقييد لم يحتج إلى تكلف الوجهين. ولو أراد الشيخ إبقاءه على الإطلاق لتناول الإخفاتية يشكل بعدم موافقة ما سبق من بعض الأخبار ، والخبر المستدل به له نوع إطلاق ، إلاّ أنْ يقال : إنّ الصوت لا يطلق على الإخفات. وفيه تأمّل.

والخبر الأخير يدلّ على التخيير في الجهرية ، فلا يتم إرادة الإطلاق.

وإذا تمهّد ما ذكرناه في مدلول الأخبار فاعلم : أنّ الخبر الأوّل يدلّ على أنّ الأمر بالجهر لإنصات من خلفه ، والأمر إنْ أراد بهعليه‌السلام أمر الشارع أفاد حصول الأمر بالجهر فيفيد الوجوب ، وحينئذٍ ربما يدل على تعيين‌


الجهر في الجهرية ، ويحمل ما دلّ على التخيير على التقية كما مضى ، ويمكن أنْ يقال : إنّ التخيير لا ينافي الأمر بالجهر ؛ لأنّ الواجب المخيّر مأمور بكل من فرديه ؛ إلاّ أنْ يقال : إنّ الأمر حقيقة في العيني مع الإطلاق ، والفرض الإطلاق هنا. وفيه : أنّ ما دلّ على التخيير يقيّده.

وإنْ أرادعليه‌السلام بالأمر قوله تعالى( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ) (١) كما يدل عليه ما رواه في التهذيب بطريق فيه جهالة ، والمقصود منه أنّه قال : « فإذا جهر فأنصت ، قال الله تعالى( وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) » الحديث(٢) . أمكن أنْ يقال : إنّ الآية على تقدير ظاهرها لو كانت للوجوب لزم القول بالإطلاق ، وهو غير معلوم ؛ ولو حملت على الخصوص في الإمام والصلاة الجهرية لظاهر الخبر لزم وجوب الإنصات فيها.

ويمكن أنْ يقال : إنّ خبر التهذيب وإنْ ضعف إلاّ أنّ الخبر المبحوث عنه يؤيّده.

وفيه : أنّ هذا الخبر غير صريح في أنّ الأمر في الآية ، نعم روى الصدوق عن زرارة وطريقه صحيح عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « وإنْ كنت خلف إمام فلا تقرأنّ شيئاً في الأوّلتين وأنصت لقراءته ، ولا تقرأنّ شيئاً في الأخيرتين ، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول للمؤمنين( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ ) يعني في الفريضة خلف الإمام( فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (٣) .

وهذا الكلام يحتمل أنْ يكون من رواية زرارة ، والتفسير منه لعلمه‌

__________________

(١) الأعراف : ٢٠٤.

(٢) التهذيب ٣ : ٣٣ / ١٢٠.

(٣) الفقيه ١ : ٢٥٦ / ١١٦٠ ، الوسائل ٨ : ٣٥٥ أبواب صلاة الجماعة ب ٣١ ح ٣.


من الإمامعليه‌السلام . وحينئذٍ يدلّ على أنّ المراد بالأمر في الآية بخصوص الإمام في الفريضة فيتمّ ما تقدم منّا. واحتمال أنْ يكون من الصدوق بعد رواية زرارة ، وأوّله « ولا تقرأنّ » يمكن الاكتفاء به في تصحيح خبر التهذيب لما كرّرنا القول فيه.

وممّا يؤيد كونه من خبر زرارة أنّه روى عنه في أوّل كتاب الصلاة(١) ما يفيد النهي عن القراءة في الأخيرتين.

فإنْ قلت : لا يمكن إرادة الأمر في الآية من الخبر ؛ لأنّهعليه‌السلام قال : « إنّما أمر بالجهر لينصت » إلى آخره. والآية تضمنت الأمر بالإنصات لا الجهر.

قلت : المقصود أنّ الخبر يدل على أنّا مأمورون بالجهر بسبب الأمر بالإنصات ؛ وحاصل المراد أنّه تعالى لمّا أمرنا بالإنصات حال قراءة الإمام ، ولمّا كان وجوب الإنصات مستلزماً لوجوب الجهر كان الجهر مأموراً به من حيث الآية.

فإنْ قلت : يلزم ممّا ذكرت الدور ؛ لأنّ الأمر بالجهر يتوقف على الأمر بالإنصات والحال أنّ الأمر بالإنصات موقوف على الأمر بالجهر.

قلت : الأمر بالجهر لازم للأمر بالإنصات ، غاية الأمر أنّ الوجوب قد يلزم منه نوع توقف من كل منهما ، وجوابه غير خفي. نعم سيأتي في بعض الأخبار ما يدلّ على عموم الآية ، وستسمع القول في ذلك إن شاء الله تعالى.

إذا عرفت هذا : فالخبر المبحوث عنه بتقدير الوجوب لذاته لا يمنع‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٢٨ / ٦٠٥.


من العدول للمعارض كما ستسمعه. والتأويل في الآية لا مانع منه ، بل ربما كان الأمر فيها للاستحباب عموماً ومن جملته الفريضة بالنسبة إلى الإمام كما يعرف بالتأمّل.

ثم إنّ الخبر تضمن أنّه مع عدم السماع يقرأ ؛ وهو يتناول عدم سماع القراءة أصلاً وعدم سماع القراءة من غير همهمة ، لكن ما يأتي يقيّده.

والثاني : كما ترى يدل على الصلاة التي يجهر فيها ، وهذا أعم من تعين الجهر وعدمه ، فلا يدلّ على تعينه وهو محتاج إلى التقييد كالأوّل.

والثالث : دالّ على الإنصات والتسبيح في النفس ، فإنْ حمل على مدلول الأخبار الأُول وهو الإنصات مع السماع دلّ على أنّ الإنصات في الأخبار الأُول يراد به عدم القراءة ، فلا ينافي التسبيح ، لكن لا بُدّ من الجمع بين الإنصات والتسبيح في النفس ، وحينئذٍ فالإنصات إمّا أنْ يراد به تدبّر المعاني أو مجرد السماع.

وإنْ حمل الخبر على الإطلاق ( من وجه بمعنى جواز الإنصات والتسبيح حتى في الجهرية مع السماع وحينئذٍ يكون الإنسان مخيراً بين القراءة وبين ما ذكر أمكن ؛ إلاّ أنّ إطلاق هذا الخبر محتاج إلى تقييد ، فإنّ مدلول ما سبق )(١) أنّ مع عدم السماع في الجهرية القراءة ، إلاّ أنْ يقال بالتخيير بين القراءة والإنصات والتسبيح ؛ وغير بعيد احتمال التخيير ، وعلى هذا فالأمر في الأوّل ليس على حقيقته ، بل إمّا للاستحباب أو للفرد الكامل ؛ وحينئذٍ يستبعد حمل النهي على التحريم بل لا بُدّ من تقييد للأوّل من حيث النهي.

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


والرابع : كما ترى يدل على أنّ سماع الهمهمة كافٍ ، وبقية ما قلناه فيما عدا الثالث يأتي فيه.

والخامس : وإنْ دل على النهي عن القراءة مطلقاً إلاّ أنّه يمكن حمله على المقيد إمّا بالحمل على الجهرية أو على عدم رجحان القراءة فلا ينافي غيره ، ولقد(١) كان على الشيخ ذكر هذا في مقام المعارض.

والسادس : واضح الحال بما قررناه سابقاً(٢) ؛ والحاصل أنّ دلالته على الكراهة محتمل احتمالاً ظاهراً. أمّا احتمال إرادة عدم علمه بقراءة الإمام على معنى أنّ المأموم لا يتيقن أنّ الإمام قرأ أو نسي القراءة فبعيد بل لا وجه له.

وأمّا السابع : فقد مضى فيه القول(٣) . وبقية الأخبار غير خفية المعاني.

ومن هنا يعلم أنّ ما اختاره شيخناقدس‌سره من تحريم القراءة على المأموم مطلقاً ، إلاّ إذا كانت الصلاة جهرية ولم يسمع ولا همهمة فإنّه يستحب له القراءة(٤) . محل تأمّل.

نعم روى الصدوق عن زرارة ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال : « كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول : من قرأ خلف إمام يأتمّ به فمات بعث على غير الفطرة »(٥) ويمكن أنْ يحمل على القراءة بوجه التعيّن. والظاهر أنّ الصدوق يحمله على نحو ما قلناه ، لأنّه نقل بعض‌

__________________

(١) في « م » : ولكن.

(٢) في ص ١١٧ ١١٨.

(٣) في ص ١١٨.

(٤) المدارك ٤ : ٣٢٣.

(٥) الفقيه ١ : ٢٥٥ / ١١٥٥ ، الوسائل ٨ : ٣٥٦ أبواب صلاة الجماعة ب ٣١ ح ٤.


الأخبار المذكورة هنا ، وروى خبر الحلبي الحسن هنا في الصحيح(١) .

والشيخ روى في زيادات الصلاة من التهذيب خبر أمير المؤمنينعليه‌السلام (٢) . وهو صحيح. وأمّا طريق الصدوق فقد يتوقف فيه ؛ لأنّه ذكر الطريق إلى زرارة وحده ومحمّد بن مسلم وحده ، ومع الاجتماع لا يعلم الطريق لاحتمال اختصاص الطريق بالاتّحاد لما يعلم من مشيخته ، وقد قدّمنا هذا(٣) ، فليتأمّل.

اللغة‌ :

قال في القاموس : الهمهمة : الكلام الخفي ، وتنويم المرأة الطفل بصوتها ، وتردد الزئير في الصدر من الهمّ ، ونحو أصوات البقر(٤) . ولا يخفى أنّ احتمال الأوّل بعيد من المراد لكن في حيز الإمكان. وقد روى الشيخ في التهذيب في الموثق عن سماعة ما يقتضي أنّ سماع الصوت مع عدم فقه ما يقوله يجزئ عن القراءة خلف الإمام(٥) . فتأمّل.

قوله :

باب وجوب القراءة خلف من لا يقتدي به.

محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن الحلبي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٥٥ / ١١٥٦ ، الوسائل ٨ : ٣٥٥ أبواب صلاة الجماعة ب ٣١ ح ١.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٦٩ / ٧٧٠.

(٣) في ص ٢١٤٠.

(٤) القاموس المحيط ٤ : ١٩٤.

(٥) التهذيب ٣ : ٣٤ / ١٢٣ ، الوسائل ٨ : ٣٥٨ أبواب صلاة الجماعة ب ٣١ ح ١٠.


قال : « إذا صلّيت خلف إمام لا يقتدى به فاقرأ خلفه ، سمعت قراءته أو لم تسمع ».

سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن الحسن بن موسى الخشّاب ، عن علي بن أسباط ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد الله وأبي جعفرعليهما‌السلام في الرجل يكون خلف إمام لا يقتدى به ، فسبقه الإمام بالقراءة ، قال : « إن كان قد قرأ أُمّ الكتاب أجزأ ويقطع ويركع ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن عبد الله بن بكير ، عن أبيه بكير بن أعين قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الناصب يؤمّنا ، ما تقول في الصلاة معه؟ فقال : « أمّا إذا هو جهر فأنصت للقرآن واسمع ، ثم أركع واسجد أنت لنفسك ».

الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن معاوية بن وهب ، عن ابي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يؤمّ القوم وأنت لا ترضى به في صلاة تجهر فيها بالقراءة ، فقال : « إذا سمعت كتاب الله يتلى فأنصت له » قلت : فإنّه يشهد عليّ بالشرك! قال : « إن عصى الله فأطع الله » فرددت عليه فأبى أنْ يرخّص لي ، قال : قلت له : فأُصلّي إذاً(١) في بيتي ثم أخرج إليه ، فقال : « أنت وذاك ».

فالوجه في هذين الخبرين حال التقية والخوف ، لأنّه إذا كانت الحال كذلك جاز للإنسان أنْ يقرأ فيما بينه وبين نفسه ولا يرفع صوته ، يدل على ذلك ‌ :

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٣٠ / ١٦٦١ زيادة : أنا.


ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي عمير ، عن محمّد بن إسحاق ومحمّد بن أبي حمزة ، عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « يجزئك إذا كنت معهم القراءة مثل حديث النفس ».

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن أبيه علي بن يقطين قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الرجل يصلّي خلف من لا يقتدى بصلاته والإمام يجهر بالقراءة ، قال : « اقرأ لنفسك وإنْ لم تسمع نفسك فلا بأس ».

السند :‌

في الأوّل : حسن.

والثاني : مرسل ، وعلي بن أسباط مضى القول فيه مفصلاً(١) .

والثالث : فيه بكير بن أعين ، وقد مضى ما يقتضي أنّ الكشي روى فيه خبراً معتبراً : أنّ أبا عبد اللهعليه‌السلام قال لمّا بلغه وفاته : لقد أنزله الله بين رسوله وبين أمير المؤمنينعليهما‌السلام (٢) . وهذا ربما يفيد المدح ، إلاّ أنّه موقوف على أن يراد بالمدح في الرجال ما يتناول مثل هذا.

وقد ينظر في ذلك ؛ لأنّ المدح بالنسبة إلى الرواية يقتضي نوع صلاح بالنسبة إلى الإخبار ، وقد صرّح الأصحاب في بحث الشهادة : أنّ من حصلت له الولاية لا يلزم قبول شهادته ؛ لتوقفها على تحقق شرط عدم كثرة السهو وإن كان الشخص متصفاً بالعدالة ؛ ومن ثَم قيل : نرجو شفاعة من‌

__________________

(١) راجع ج ١ ص ١٤٧.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٤١٩ / ٣١٥.


لا تقبل شهادته. وعلى هذا فما ورد في شأن بكير لا يدلّ على المدح المعتبر.

فإنْ قلت : من أين اعتبار ما ذكرت في المدح ولم يصرّحوا به؟

قلت : ربما يلوح ذلك من ذكره في الرواة ؛ لأنّ الخبر الحسن عند التأمّل به يقتضي ذلك ، إذ لا يخرج عن مشابهة الشهادة ؛ إلاّ أنْ يقال : إنّ هذا نوع من الإخبار ، فلا يتم ما قلناه ، وفي البين كلام. ( ومن هنا يعلم أنّ قول العلاّمة : بكير بن أعين مشكور(١) ، فيه ما فيه )(٢) .

وما عساه يقال : من أنّ عبد الله بن بكير ممن أجمع على تصحيح ما يصح عنه(٣) ، فلا يضرّ الاحتمال في أبيه.

يمكن الجواب عنه : بما أسلفناه. في معنى الإجماع المذكور في أوّل الكتاب مفصّلاً(٤) ، والحاصل أنّ المعنى في هذا لو كان كما ظن لكان الشيخ أعلم به ، وقد ردّ بعض أخبار فيها من أجمع على تصحيح ما يصح عنه بالإرسال ، فعلم أنّ مرادهم بالإجماع قبول روايات الرجل من دون القرائن.

فإنْ قلت : ردّ الشيخ بالإرسال لا يقتضي ما ذكرت ، لأنّ مقصوده به عدم ثبوت القرائن على الصحة فاكتفى بذكر الإرسال. والذي يؤيد هذا أنّ الخبر لو لم يكن مرسلاً لا يعمل به الشيخ ، فعلم أنّ الإرسال لا يؤثّر من حيث هو وإنما أتى به ( لما ذكرناه.

قلت : هذا الوجه قد قدّمت مثله في أوّل الكتاب ، ولم أر من نبّه )(٥)

__________________

(١) خلاصة العلاّمة : ٢٨.

(٢) ما بين القوسين أثبتناه من « م ».

(٣) رجال الكشي ٢ : ٦٧٣.

(٤) راجع ج ١ ص ٥٩ ٦٢.

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».


عليه ؛ إلاّ أنّه لا يضر بما قلناه ، إذ المقصود منه عدم استفادة المعنى الذي فهمه بعض الأصحاب من : أنّ الإجماع على تصحيح ما يصح عن الرجل يفيد أنّ الطريق إذا صح إليه كفى(١) . والحال أنّ ردّ الشيخ الخبر بالإرسال مع الوصف المذكور يأباه ، فليتأمّل.

فإن قلت : على تقدير مدح بكير فالخبر حسن أو موثق.

قلت : الظاهر من تعريف الموثق شموله ، لكن اللازم من هذا أنّ العامل بالموثق عامل بالحسن ، ولا أعلم ذلك. وبعض محققي المعاصرين عرّف الموثق بما لا يقتضي دخول مثل هذا فيه(٢) ، مع عدّه الخبر في الموثق(٣) . وفيه ما فيه.

أمّا ما قد يقال : من أنّ اللازم من ثبوت الإجماع وصف الخبر بالصحيح.

فيمكن دفعه : بأنّ الصحيح عند المتقدمين له معنى آخر فليتأمّل.

والرابع : صحيح على ما تقدم(٤) .

والخامس : فيه محمّد بن إسحاق ، وهو ابن عمار ؛ لرواية محمّد بن أبي عمير عنه في الفهرست(٥) ؛ وفي النجاشي ثقة عين(٦) . والعلاّمة نقل‌

__________________

(١) ج ١ ص ٥٩ ٦٢.

(٢) البهائي في الحبل المتين : ٥ ، زبدة الأصول : ٦٢. ولكنه ذكر في المسألة في حاشية مشرق الشمسين : ٢٦ ، ثم قال : فإن رجّحنا الحسن على الموثق كما هو الأظهر فموثق ، وإن عكسنا فحسن.

(٣) لم نعثر على عدّه هذا الخبر من الموثق ، ولكنه ذكر في باب موجبات الوضوء خبراً رواه عبد الله بن بكير عن أبيه بكير بن أعين ، وعدّه من الموثق. الحبل المتين : ٣٦.

(٤) راجع ج ١ ص ٦٩ ، ج ٦ ص ١٩١ ، ١٩١ ، ٤٠٧.

(٥) الفهرست : ١٤٩ / ٦٣١.

(٦) رجال النجاشي : ٣٦١ / ٩٦٨.


عن ابن بابويه : أنّه واقفي(١) .

ومحمّد بن أبي حمزة هو الثقة بغير ارتياب فلا يضر وقف غيره لو خلا من الإرسال. والوجه في الجزم بابن أبي حمزة رواية ابن أبي عمير عنه في الفهرست(٢) .

وما عساه يقال : إنّ ابن أبي عمير داخل في المجمع على تصحيح ما يصح عنهم(٣) .

جوابه يعلم مما تقدم عن قريب ، ونزيد الحال هنا وضوحاً بأنّ الإجماع على التصحيح لو تم فيه المعنى السابق لما كان لقول بعض الأصحاب : إنّه لا يروي إلاّ عن ثقة فائدة(٤) . إذ لو روى عن ضعيف لا يضر بالحال.

والعجب من بعض محققي المعاصرين سلّمه الله أنّه فهم المعنى السابق في الإجماع ، وحكم بقبول مراسيل ابن أبي عمير في الأُصول ذاكراً روايته عن الثقة(٥) . فليتأمّل.

والسادس : واضح الصحة بعد ما كرّرناه(٦) في رجاله.

المتن :

في الأوّل : يحتمل أنْ يراد بالإمام فيه من أهل الخلاف لتصريح كثير‌

__________________

(١) خلاصة العلاّمة : ١٥٨ / ١٢٣.

(٢) الفهرست : ١٤٨ / ٦٣٠.

(٣) انظر رجال الكشي ٢ : ٨٣٠ / ١٠٥٠.

(٤) الدراية : ٤٩.

(٥) الحبل المتين : ٥ ، مشرق الشمسين : ٣٥ ٣٠ ، زبدة الأصول : ٦٣.

(٦) راجع ج ١ ص ١٤١ ، ١٧٥ ، ج ٦ ص ٣٤٦.


من الأخبار به ؛ ويحتمل إرادة ما يعم المؤمن غير الجامع للشرائط على احتمال تقيته خوفاً منه ، وكذلك الثاني.

وما عساه يقال : إنّ تقية المؤمن من أين جوازها؟.

يمكن أن يجاب عنه : بأنّ الكليني روى في باب التقية أخباراً يقتضي بإطلاقها التناول لما ذكر ، فمن ذلك :

ما رواه عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حمّاد ، عن ربعي ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « التقية في كل ضرورة ، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به »(١) .

وروى عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة ، عن إسماعيل الجعفي ومعمر بن يحيى بن سام ومحمّد بن مسلم وزرارة قالوا : سمعنا أبا جعفرعليه‌السلام يقول : « التقية في كل شي‌ء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه الله له »(٢) .

وما قد يقال : من أنّ التقية عند الإطلاق تنصرف إلى المعروف وهو تقية المخالف ، وحينئذٍ يفيد الخبران اشتراط الضرورة.

يمكن الجواب عنه : بمنع التقييد من السياق ، مضافاً إلى أنّ ما دل على تقية العامّة في الصلاة قريب التنصيص ، والمعارض وهو ما ذكر فيه احتمال إرادة عدم اختصاص التقية بالمخالف بل هي في كل ما يضطر إليه الإنسان ، فلا يتم التخصيص.

( ثم إنّ دلالته على ما ذكرناه من حيث ظهور الشمول ، والأخبار الواردة في هذا الباب لا تقتضي تخصيص )(٣) الأوّلين.

__________________

(١) الكافي ٢ : ٢١٩ الايمان والكفر ب ٩٧ ح ١٣.

(٢) الكافي ٢ : ٢٢٠ الايمان والكفر ب ٩٧ ح ١٨.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


ثم إنّ الثاني المبحوث عنه : الظاهر أنّ فاعل « قرأ » فيه للرجل المأموم ؛ والقطع كناية عن عدم قراءة السورة أمّا كاملة أو بعضها. واحتمال أن يعود للإمام والمعنى أنّ الإمام إنْ كان قرأ الفاتحة أجزأ المأموم فيقطع قراءته إن كان قرأ بعيد ، بل لا وجه له إلاّ بغاية التكلف ؛ ولا يخفى أنّ الخبر لا يدلّ على وجوب السورة ولا على عدمه.

والثالث : كما ترى ظاهر الدلالة على الناصب ، وأنّه إذا جهر يجب الإنصات والسماع. وقوله : « واركع » كأنّ المراد به الإتيان بالأفعال والأقوال بقصد الانفراد ، وحينئذٍ يدل على الاكتفاء بقراءة الإمام ظاهراً(١) .

والرابع : الكلام فيه كالأوّل والثاني من جهة الإمام ، وظاهره لزوم الإنصات لقراءة الإمام ، وحينئذٍ ينافي ما تقدم من أنّ الآية الخطاب فيها للمؤمنين خلف الإمام في الفريضة ، والوجه في ذلك أنّ مقتضى هذا الخبر الشمول لصلاة المخالف ، وصدق الإمام عليه محل كلام ؛ ويمكن أنْ يقال في الجمع : بأنّه لا مانع من صدق الإمام ظاهراً ؛ أمّا صدق الفريضة فبالنسبة إلى المأموم ، ويجوز بالنسبة إلى الإمام أيضاً.

نعم في ظاهر الخبر المبحوث عنه ما يفيد العموم من حيث قوله : « إذا سمعت كتاب الله » إلى آخره. ولعلّ المراد الخصوص ، واستعمال « إذا » في العموم دائماً محل تأمّل. أو يقال : إنّه لا مانع من العموم في الآية ، والخبر السابق بنوع من التوجيه تقدّم(٢) . وحمل الشيخ لهما على القراءة في نفسه لا يخلو من بُعد ، إلاّ أنّه وجه للجمع إنْ ثبت عدم القائل بالإنصات من دون قراءة.

__________________

(١) ليس في « م ».

(٢) في ص ١١٩.


والخامس المستدل به : ربما دل على أنّ القراءة ليست حقيقة على معنى القراءة خفية ، إلاّ أنّ حمله على ما قاله ممكن لولا أنّ ما قيده في التقية لا يدلّ عليه الخبران ، على أنّ الظاهر من الخبر الرابع استبعاد عدم القراءة أصلاً ، فلولا أنّه فهم ذلك لما كان له وجه. أو يقال : إنّ الخبر يدل بسبب الاستبعاد على وجوب الجهر. إلاّ أنّ مثل هذا لا يصلح للاستدلال ، لا بالنسبة إلى السند ، فإنّه واضح ، بل من جهة الاستبعاد إذ لا يعلم وجهه لاحتمال إرادة القراءة على الوجه الأكمل وهو الجهر.

والسادس : صريح في أنّ القراءة ليست إخفاتية فيؤيّد ما ذكرناه في الخامس ؛ أو يقال : إنّ الإخفاتية لا يشترط فيها إسماع النفس كما قاله الأصحاب(١) ، أو أنّ سماع القراءة مفسرة غير معتبر بل يكفي السماع في الجملة ، لكن الإنصات المأمور به في الخامس ربما يتحقق مع الإخفات. وغير بعيد الحمل على التقية في الخبرين ، كما يعلم من مذهب بعض أهل الخلاف(٢) ، إلاّ أنّ بعضهم قائل بالقراءة(٣) . والترجيح محل تأمّل.

قوله :

فأمّا ما رواه سعد ، عن موسى بن الحسين والحسن بن علي ، عن أحمد بن هلال ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن أحمد بن عائذ قال : قلت لأبي الحسن عليه‌السلام : إنّي أدخل مع هؤلاء في صلاة المغرب فيعجّلوني إلى ما أنْ أُؤذّن وأُقيم فلا أقرأ شيئاً حتى إذا ركعوا‌

__________________

(١) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٢٢٦ ، روض الجنان : ٢٦٥.

(٢) حكاه عن أبي حنيفة في بداية المجتهد ١ : ١٥٤.

(٣) حكاه عن الشافعي في بداية المجتهد ١ : ١٥٤.


فأركع معهم ، أفيجزئني ذلك؟ قال : « نعم ».

فالوجه في قوله : « لا أقرأ » محمول على ما زاد على الحمد ، لأنّ قراءة الحمد لا بُدّ منها ، يدلّ على ذلك أنّ أحمد بن محمّد بن أبي نصر راوي الحديث روى هذه القصّة بعينها ، وقال : إنّي لا أتمكّن من قراءة ما زاد على الحمد ، فقال له : « نعم ».

روى ذلك : سعد ، عن موسى بن الحسين والحسن بن علي ، ( عن أحمد بن هلال )(١) ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قال : قلت له : إنّي أدخل مع هؤلاء في صلاة المغرب فيعجّلوني إلى ما أنْ أُؤذّن وأُقيم فلا أقرأ إلاّ الحمد حتى يركع ، أيجزئني ذلك؟ قال : « نعم يجزئك الحمد وحدها ».

ويحتمل أنْ يكون الخبر مخصوصاً بحال التقية ، فإنّ ذلك يجوز إذا أتى بالركوع والسجود.

روى ذلك : الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن الحصين ، عن محمّد بن الفضيل ، عن إسحاق بن عمّار قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّي أدخل المسجد فأجد الإمام قد ركع وقد ركع القوم ، فلا يمكنني أنْ أُؤذّن وأُقيم وأُكبّر ، فقال لي : « فإذا كان ذلك (٢) فادخل معهم واعتدّ بها ، فإنّها من أفضل ركعاتك » قال إسحاق : فلمّا سمعت أذان المغرب وأنا على بابي قاعد قلت للغلام : انظر أُقيمت الصلاة؟ فجاءني فقال : نعم ، فقمت مبادراً فدخلت المسجد فرأيت (٣) الناس قد ركعوا فركعت‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٣١ / ١٦٦٦ : وإذا كان كذلك.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٣١ / ١٦٦٦ : فوجدتُ.


مع أوّل صف أدركت ، فاعتددت بها ، ثمّ صلّيت بعد الانصراف أربع ركعات ، ثم انصرفت وإذا خمسة أو ستة من جيراني قد قاموا إليّ من المخزوميّين والأُمويين ، ثم قالوا : يا أبا هاشم جزاك الله عن نفسك خيراً فقد والله رأينا خلاف ما ظننا بك وما قيل لنا ، فقلت : وأيّ شي‌ء ذلك؟ قالوا : اتّبعناك حين قمت إلى الصلاة ونحن نرى أنّك لا تقتدي (١) بالصلاة معنا ، فقد وجدناك قد اعتددت بالصلاة معنا وصلّيت بصلاتنا ( فرضي الله عنك وجزاك ) (٢) خيراً ، قال ؛ فقلت لهم : سبحان الله لمثلي (٣) يقال هذا؟! قال : فعلمت أنّ أبا عبد الله عليه‌السلام لم يأمرني إلاّ وهو يخاف عليّ هذا وشبهه.

السند :‌

في الأوّل : كما ترى فيه موسى بن الحسين فيما رأيت من النسخ الآن ، وفي التهذيب موسى بن الحسن(٤) ، والظاهر أنّه الصواب ، وقد قدّمنا القول في موسى بن الحسن من أنّه مشترك(٥) ، ولا يبعد كونه الثقة ، إلاّ أنّ الفائدة هنا منتفية بعد أحمد بن هلال المضعّف من الشيخ في هذا الكتاب(٦) ، واشتراك الحسن بن علي(٧) ، وربما يدّعى ظهور ابن فضّال ؛

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٣١ / ١٦٦٦ : لا تعتد.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٣٢ / ١٦٦٦ : رضي الله عنك وجزاك الله.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٣٢ / ١٦٦٦ : المِثلي.

(٤) التهذيب ٣ : ٣٧ / ١٣١.

(٥) راجع ج ١ ص ٢٩٥ وج ٦ ص ٣٨٥.

(٦) الاستبصار ٣ : ٢٨ / ٩٠.

(٧) هداية المحدثين : ١٩٠.


لما قد يظهر من الرجال في ترجمة أحمد بن محمّد بن أبي نصر(١) ، إلاّ أنّ في البين احتمالاً. وأمّا أحمد بن عائذ فهو ثقة.

والثاني : هو الأوّل.

والثالث : فيه محمّد بن الحصين ، ومحمّد بن الفضيل ، وهما مشتركان(٢) ، وإسحاق بن عمّار تكرّر القول فيه(٣) .

المتن :

في الأوّلين : ما ذكره الشيخ فيه أوّلاً قد يشكل بجواز رواية ابن أبي نصر السؤالين ، إلاّ أنّ البعد فيه غير خفي. أمّا ما قاله ثانياً فقد يظنّ أنّه يقتضي عدم تعرضه فيما سبق للتقية ، والحال أنّه ذكرها ، وجوابه أنّ المراد تقية خاصة ، لكن استدلاله بالخبر الأخير قد يشكل بجواز كون الواقعة خاصة لدفع الضرر عن إسحاق. ويمكن الجواب : بأنّ الظاهر العموم في الجواب وإنّما الواقع أحد الجزئيات.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ شيخناقدس‌سره قال في المدارك عند قول المحقق : ولو كان الإمام ممّن لا يقتدى به وجبت القراءة ـ : لا ريب في وجوب القراءة ؛ لانتفاء القدوة ، وكونه منفرداً في نفس الأمر وإنْ تابعه ظاهراً ، ولا يجب الجهر بها في الجهرية قطعاً ؛ للأصل ، وصحيحة علي بن يقطين وذكر الرواية السابقة ثم قال : ويجزئه الفاتحة مع تعذّر قراءة السورة إجماعاً ، ولو ركع الإمام قبل إكمال الفاتحة قيل : قرأ في ركوعه ،

__________________

(١) رجال النجاشي : ٧٥ / ١٨٠.

(٢) هداية المحدثين : ٢٣٥ ، ٢٤٩.

(٣) راجع ج ١ ص ٢٤١ ، ج ٣ ص ٢٠٣.


وقيل : تسقط القراءة ، وبه قطع الشيخ في التهذيب ، واستدلّ بما رواه إسحاق بن عمّار وذكر الرواية المبحوث عنها ثم قال : وهي وإنْ كانت واضحة المتن لكنّها قاصرة من حيث السند(١) . انتهى.

ولا يخفى عليك أنّ خبر معاوية بن وهب السابق ينافي الجزم بوجوب القراءة على الإطلاق ، وخبر الحلبي الأوّل على تقدير العمل به يقتضي التخيير في القراءة وعدمها جمعاً ، أو يحمل على القراءة في النفس(٢) ، وعدم التعرض للأخبار غير واضح الوجه ، وخبر علي بن يقطين قد سمعت القول فيه من اقتضائه ثبوت واسطة بين الجهر والإخفات ، فإنْ أرادقدس‌سره وجوب القراءة على نحو قراءة الصلاة فالرواية لا تدلّ على ذلك ، وغيرها لم يذكره. ثم إنّ رواية إسحاق وضوح متنها مع ما قدّمناه محل تأمّل ، والله تعالى أعلم.

إذا تقرّر هذا كلّه فليعلم أنّه بقي في المقام شي‌ء ، وهو أنّك قد سمعت من الأخبار سابقاً ما يقتضي الصلاة خلف المرضي(٣) ، والمذكور في كلام المتأخّرين العدالة ، وقد سبق في الجمعة تعريفها(٤) إجمالاً ، والمهم ( هنا بيان القول تفصيلاً ، فاعلم أنّ المنقول عن بعض الأصحاب المتأخّرين دعوى )(٥) الإجماع على اشتراط العدالة في صلاة الجماعة(٦) ، وعن ابن الجنيد أنّه ذهب إلى أنّ كل المسلمين على العدالة إلى أنْ يظهر‌

__________________

(١) المدارك ٤ : ٣٢٥.

(٢) في « فض » و « م » زيادة : خبر الحلبي.

(٣) تقدّم في ص : ١٠٩.

(٤) في ص : ٥٥.

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٦) انظر المنتهى ١ : ٣٧٠.


ما يزيلها(١) ، وذهب آخرون إلى جواز التعويل على حسن الظاهر(٢) ، والكلام هنا في مواضع :

الأوّل : قد سمعت أنّ الإجماع منقول على اشتراط العدالة ، وأظنّ أنّه من العلاّمة(٣) والمحقق(٤) ، وقد قدّمنا أنّ الإجماع من المتأخّرين من قبيل الخبر المرسل ؛ لأنّ تحقق الإجماع في زمن المذكورين وأشباههم يكاد أنْ يلحق بالممتنعات العادية ، فلا بُدّ أنْ يكون على سبيل النقل ، وحيث لم يبيّن الأصل فهو مرسل ، وتخيل أنّه لا يكون إلاّ عن ثقة في ( الاكتفاء به ليكون خبراً مسنداً ؛ محل بحث ذكرناه في أوّل الكتاب(٥) ، وبتقدير كون الإجماع من )(٦) المتقدّمين للبحث فيه مجال ، كما يصرّح بنفيه العلاّمة والمحقّق.

ثمّ إنّ وجود الخلاف في هذه المسألة يحقق البحث ، والدليل من سوى الإجماع المنقول مشكل التحقق ؛ لأنّ الأخبار التي وقفت عليها ما سبق في هذا الكتاب ، وهو صحيح محمّد بن مسلم في باب الصلاة خلف العبد ، حيث قال فيه : عن العبد يؤمّ القوم إذا رضوا به أنّه لا بأس به ، وكذلك صحيحه الآخر(٧) .

__________________

(١) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٥١٣.

(٢) كما في المبسوط ٨ : ٢١٧ ، الشرائع ٣ : ٢١ ، القواعد ٢ : ٦٤ ، مجمع الفائدة ٢ : ٣٥٤ ، المدارك ٤ : ٦٦ و ٣٤٧.

(٣) في المنتهى ١ : ٣٧٠.

(٤) في المعتبر ٢ : ٣٠٦.

(٥) راجع ج ٢ ص ٢٤٠.

(٦) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٧) راجع ص ٧٣.


وفي باب القراءة خلف من يقتدى به حسن قتيبة ، حيث قال فيه : « خلف إمام ترضى به »(١) ، وموثق يونس بن يعقوب ، حيث قال فيه : « من رضيت به »(٢) .

وفي التهذيب روى عن سعد بن عبد الله ، عن يعقوب بن يزيد ، عن عمرو بن عثمان ومحمّد بن يزيد ، عن محمّد بن عذافر ، عن عمر بن يزيد قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن إمامٍ لا بأس به في جميع أمره عارف ، غير أنّه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما(٣) ، أقرأ خلفه؟ قال : « لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقّاً قاطعاً »(٤) .

وروى أيضاً بطريق غير سليم عن أبي ذر قال : إنّ إمامك شفيعك إلى الله ، فلا تجعل شفيعك سفيهاً ولا فاسقاً(٥) .

وروى بطريق فيه الإرسال عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « لا تصلّ خلف الغالي وإنْ كان يقول بقولك ، والمجهول ، والمجاهر بالفسق وإنْ كان مقتصداً »(٦) .

وروى بطريق فيه جهالة عن سعد بن إسماعيل ، عن أبيه قال : قلت للرضاعليه‌السلام : رجل يقارف الذنوب وهو عارف بهذا الأمر ، أُصلّي خلفه؟ قال : « لا »(٧) .

__________________

(١) راجع ص : ١٠٩.

(٢) راجع ص : ١٠٩.

(٣) في « رض » : يغلظه ، وفي « فض » : يغيظه ، وفي « م » : يغيظ ، وما أثبتناه من التهذيب ٣ : ٣٠ / ١٠٦.

(٤) التهذيب ٣ : ٣٠ / ١٠٦ ، الوسائل ٨ : ٣١٣ أبواب صلاة الجماعة ب ١١ ح ١.

(٥) التهذيب ٣ : ٣٠ / ١٠٧ ، الوسائل ٨ : ٣١٤ أبواب صلاة الجماعة ب ١١ ح ٢.

(٦) التهذيب ٣ : ٣١ / ١٠٩ ، الوسائل ٨ : ٣١٠ أبواب صلاة الجماعة ب ١٠ ح ٦.

(٧) التهذيب ٣ : ٣١ / ١١٠ ، الوسائل ٨ : ٣١٦ أبواب صلاة الجماعة ب ١١ ح ١٠.


وتقدّم عنه نقل رواية عنه بطريق فيه سهل بن زياد ، عن أبي عبيدة ، تضمنت أنّه يتقدّم القوم أقرؤهم(١) .

وروى أيضاً بطريق فيه مجاهيل وابن عقدة ، تضمّن السؤال عن القراءة خلف الإمام ، فقال : « إذا كنت خلف إمام تولاّه وتثق به فإنّه يجزيك قراءته »(٢) .

وروى عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن ابن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إنْ كنت خلف الإمام في صلاةٍ لا تجهر فيها بالقراءة حتى تفرغ وكان الرجل مأموناً على القرآن فلا تقرأ خلفه » الحديث(٣) .

وروى في الزيادات عن سهل بن زياد ، عن علي بن مهزيار ، عن أبي علي بن راشد قال : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : إنّ مواليك اختلفوا ، فأُصلّي خلفهم جميعاً؟ فقال : « لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه(٤) »(٥) .

وروى هذا الحديث محمّد بن يعقوب ، عن علي بن محمّد ، عن سهل ، بزيادة في المتن(٦) ، لا يفيد نقلها ، وقدّمنا عنه رواية حسنة في الصلاة خلف العبد ، وفيها : « لا بأس به إذا كان فقيهاً ، ولم يكن هناك أفقه منه » وفيها قال : قلت : أُصلّي خلف الأعمى؟ قال : « نعم إذا كان له من يسدّده وكان أفضلهم »(٧) .

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٣١ / ١١٣ ، الوسائل ٨ : ٣٥١ أبواب صلاة الجماعة ب ٢٨ ح ١.

(٢) التهذيب ٣ : ٣٣ / ١٢٠.

(٣) التهذيب ٣ : ٣٥ / ١٢٤ ، الوسائل ٨ : ٣٥٧ أبواب صلاة الجماعة ب ٣١ ح ٩.

(٤) في التهذيب ٣ : ٢٦٦ / ٧٥٥ زيادة : وأمانته.

(٥) التهذيب ٣ : ٢٦٦ / ٧٥٥ ، الوسائل ٨ : ٣١٥ أبواب صلاة الجماعة ب ١١ ح ٨.

(٦) الكافي ٣ : ٣٧٤ الصلاة ب ٥٥ ح ٥.

(٧) الكافي ٣ : ٣٧٥ الصلاة ب ٥٦ ح ٤ ، الوسائل ٨ : ٣٢٥ أبواب صلاة الجماعة ب ١٦ ح ١ ، الوسائل ٨ : ٣٣٩ أبواب صلاة الجماعة ب ٢١ ح ٥.


ونقل الصدوق في الفقيه عن أبيه أنّه قال في رسالته : لا تصلّ خلف أحد ، إلاّ خلف رجلين ، أحدهما من تثق بدينه وورعه ، وآخر تتّقي سيفه وسطوته وشناعته على الدين ، إلى آخره(١) . وهذا يقتضي عمله بقول أبيه ، وهو مضمون بعض الأخبار في الجملة.

وروى عن إسماعيل الجعفي ، أنّه قال لأبي جعفرعليه‌السلام : رجل يحبّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ولا يتبرّأ من عدوّه ، ويقول هو أحبّ إليّ ممن خالفه ، قال : « هذا مخلط وهو عدو فلا تصلّ وراءه ، ولا كرامة ، إلاّ أن تتّقيه »(٢) وطريقه إلى إسماعيل فيه كلام كإسماعيل ، إلاّ أنّ رواية الصدوق لها مزيّة كما سبق(٣) ، ورواه الشيخ(٤) بطريق خال من الارتياب الذي في طريق الصدوق ، إلاّ في إسماعيل ، وفيه ابن مسكان ، وأظنّ أنّ أمره هيّن ، وعلى كل حال فهو مؤيّد لرواية الصدوق.

وروى الصدوق أيضاً خبر عمر بن يزيد(٥) ، وليس في طريقه ارتياب. وروى الخبر السابق عن الشيخ المتضمن للمجهول والمغالي مرسلاً ، بهذه الصورة : وقال الصادقعليه‌السلام : « ثلاثة لا تصلّى خلفهم ، المجهول والمغالي ، وإنْ كان يقول بقولك »(٦) إلى آخره. ومزيّته ظاهرة. وروى خبر سعد بن إسماعيل(٧) السابق من الشيخ.

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٤٩.

(٢) الفقيه ١ : ٢٤٩ / ١١١٨ ، الوسائل ٨ : ٣٠٩ أبواب صلاة الجماعة ب ١٠ ح ٣.

(٣) في ص : ٥٨ ، ١٩٨٩ ، ١٩٩٩.

(٤) التهذيب ٣ : ٢٨ / ٩٧.

(٥) الفقيه ١ : ٢٤٨ / ١١١٤.

(٦) الفقيه ١ : ٢٤٨ / ١١١١ ، الوسائل ٨ : ٣١٥ أبواب صلاة الجماعة ب ١١ ح ٤ وفيهما : الغالي ، بدل : المغالي.

(٧) الفقيه ١ : ٢٤٩ / ١١١٦.


وبالجملة : فالظن حاصل بأنّ الأخبار المرويّة في الفقيه لا تقصر عن الصحيح كما قدّمنا وجهه(١) .

وروى الصدوق عن محمّد بن علي الحلبي ، عن الصادقعليه‌السلام ، أنّه قال : « لا تصلّ خلف من يشهد عليك بالكفر ، ولا خلف من شهدت عليه بالكفر »(٢) . وروى عدم جواز الصلاة خلف من وقف على الإمام(٣) ، ومن قال بالجسم(٤) .

وإذا عرفت هذا فاعلم أنّه يستفاد من معتبر الأخبار أنّ غير المؤمن لا يصلّى خلفه.

وكذلك فاعل الذنب لا يصلّى خلفه ؛ لدلالة خبر سعد عليه صريحاً ، حيث قال فيه : يقارف الذنب ، وفي القاموس ما يقتضي أنّ مقارفة الذنب اكتسابه(٥) ، والظاهر من الذنب الجنس الشامل للصغائر والكبائر.

وكذلك المجهول المستفاد من قول الصادقعليه‌السلام مع المغالي. وما تضمنه من اعتبار المجاهرة بالفسق يقتضي أنّ الذي فسقه مخفي لا يضر بالحال ، ولعلّ المراد به عدم ظهوره للمصلّي معه غالباً ، أمّا الاستدلال به على العدالة ففيه ما تعلم من تعاريفها إن شاء الله ، لكن الجمع بينه وبين من يقارف الذنب لا يخلو من إشكال ، إلاّ أنْ يحمل على المجاهرة بالفسق.

وما تضمنه خبر عمر بن يزيد من أنّ إسماع الكلام الغليظ لا يضر بالحال ينافي مقارفة الذنب ، لتحريم ذلك ، وذكر العقوق والقطيعة المراد‌

__________________

(١) ج ٣ ص ٢٧ ٢٩.

(٢) الفقيه ١ : ٢٤٩ / ١١١٥.

(٣) الفقيه ١ : ٢٤٨ / ١١١٣.

(٤) الفقيه ١ : ٢٤٨ / ١١١٢.

(٥) القاموس المحيط ٣ : ١٩٠.


بها في الظاهر قطيعة الرحم ربما يدلّ على تخصيص الذنب بالكبيرة ، وتخصيص الأمرين يحتمل أنْ يكون وجهه مورد السؤال ، فإنّ القريب إلى السؤال من الكبائر الأمران.

ويمكن أنْ يقال : إذا ثبت في بعض الكبائر الحكم ثبت في الجميع ؛ لعدم القائل بالفصل ، بل المقصود الأهمّ أنّ مقارفة الذنب ليس على وجه العموم ، لخبر عمر بن يزيد ، ويمكن أنْ يراد بالذنب : المشهور وهو الكبائر ، وعلى هذا يحتمل أنْ يراد بالمجاهر بالفسق فاعل الكبائر ، ويحتمل أنْ يراد به المخالف ، والعدول عنه إلى نكتة لا تخفى.

وما عساه يقال : إنّ المجهول لا وجه للمنع فيه إلاّ الفسق ؛ سيعلم الجواب عنه إن شاء الله.

وممّا حرّرناه يعلم أنّ احتمال إرادة من هو بالوصف الحاصل من الأخبار غير المرضي ، والمرضي في الأخبار الأُخر ، وكذا الموثوق به ، والدلالة على العدالة بالإطلاق محل بحث ، إلاّ أنْ يقال : إنّ الآية الواردة في الشهادة بقوله تعالى( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ ) (١) / مع آية( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ ) (٢) تدلّ على أنّ المرضي هو العدل ، وفيه ما لا يخفى.

الموضع الثاني : على تقدير اعتبار العدالة فحقيقتها الشرعية غير معلومة ، وقد سبق في تعريفها في باب الجمعة بأنّها ملكة نفسانية باعثة على ملازمة التقوى ، التي هي القيام بالواجبات وترك المنهيات الكبيرة مطلقاً والصغيرة مع الإصرار عليها ، وملازمة المروءة(٣) .

__________________

(١) البقرة : ٢٨٢.

(٢) الطلاق : ٢.

(٣) تقدّم في ص ٥٥.


وهذا التعريف ذكره في الروضة في باب الجماعة(١) ، وغير خفي المطالبة بالدليل على اعتبار الملكة والقيام بالواجبات وما ذكر معهما ، سيّما اعتبار ملازمة المروءة ، والإجماع على التعريف مشكل التحقق ، وقد صرّح العلاّمة في المختلف في مسألة عدم جواز إمامة الصبي بتعريفها بنحو مغاير لما ذكره جدّيقدس‌سره حيث قال : إنّها هيئة قائمة بالنفس تقتضي البعث على ملازمة الطاعات والانتهاء عن المحرّمات(٢) . وغير خفي وجه المغايرة ، إلاّ أنْ يقال : إنّ غرض العلاّمة بالتعريف بيان انتفاء التكليف عن الصبي فاكتفى ببعض اللوازم. وفيه : أنّ المغايرة في الجملة حاصلة ، ولو سلّم فقد صرّح جدّيقدس‌سره في الروضة في باب الزكاة أنّ المروءة غير معتبرة(٣) فيها على ما صرّح به الشهيد في شرح الإرشاد(٤) . وفي كتاب الشهادات للأصحاب زيادة عن شروط العدالة في غيرها(٥) .

وبالجملة : فتحقيق العدالة شرعاً منتفٍ ، وفي اللغة على ما يقتضيه كلام البعض هي الاستقامة وعدم الميل(٦) . وفائدة هذا التعريف فرع وقوعها في كلام الشارع في صلاة الجماعة على وجهٍ يعتمد عليه.

نعم ورد تفسيرها في بعض الأخبار ، وهو ما رواه الصدوق في الفقيه بلفظ : وروى عن عبد الله بن أبي يعفور قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : بِمَ‌

__________________

(١) الروضة ١ : ٣٧٨.

(٢) المختلف ٢ : ٤٨٠.

(٣) في النسخ : مفسّرة ، وما أثبتناه من المصدر.

(٤) الروضة ٢ : ٥١ ، وانظر غاية المراد ١ : ٢٦١.

(٥) انظر المقنعة : ٧٢٥ ، النهاية : ٣٢٥ ، المبسوط ٨ : ٢١٧ ، الكافي في الفقه : ٤٣٥ ، المهذب ٢ : ٥٥٦ ، المختلف ٨ : ٤٩٨.

(٦) المدارك ٤ : ٦٧.


تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال : « أنْ يعرفوه بالستر والعفاف وكفّ البطن والفرج واليد واللسان ، ويعرف(١) باجتناب الكبائر التي أوعد الله عزّ وجلّ عليها النار من شرب الخمور والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك ، والدلالة على ذلك كلّه أنْ يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه وتفتيش ما وراء ذلك ، ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته في الناس ، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين ، وأنْ لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلاّهم ، إلاّ من علّة ، فإذا كان كذلك لازماً لمصلاّه عند حضور الصلوات الخمس ، فإذا سُئل عنه في قبيلته ومحلّته قالوا : ما رأينا منه إلاّ خيراً مواظباً على الصلوات متعاهداً لأوقاتها في مصلاّه ، فإنّ ذلك تجوز شهادته وعدالته بين المسلمين ، وذلك أنّ الصلاة ستر وكفّارة للذنوب ، وليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي إذا كان لا يحضر مصلاّه ويتعاهد جماعة المسلمين ، وإنّما جعل(٢) الجماعة والاجتماع ( إلى الصلاة )(٣) لكي يعرف من يصلّي ممّن لا يصلّي ، ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممّن يضيع ، ولو لا ذلك لم يمكن لأحد(٤) أنْ يشهد على آخر بصلاح ، لأنّ مَن لا يصلّي(٥) لا صلاح له بين المسلمين ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هَمّ بأنْ يحرق قوماً في منازلهم ، لتركهم الحضور لجماعة‌

__________________

(١) في المصدر : وتعرف.

(٢) في « رض » و « م » : حصل.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٤) في « فض » : لم يمكن أحد ، وفي « رض » : لم يكن لأحد.

(٥) في « رض » : لم يصلي. ، وفي « رض » لم يصل.


المسلمين ، وقد كان فيهم مَن يصلّي في بيته فلم يقبل منه ذلك ، وكيف تقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممّن(١) جرى الحكم من الله عزّ وجلّ ومن رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله »(٢) الحديث(٣) .

وسيأتي في الكتاب ، لكن طريق الفقيه أقرب إلى الاعتبار ، وإنْ كان في الطريق نوع ارتياب يدفعه ما أسلفناه.

فإنْ قلت : ما وجه الارتياب في طريق الصدوق إلى عبد الله؟.

قلت : من جهة أنّه قال : روي عن عبد الله ، وقد قدّمنا أنّ في دخول هذا في المشيخة تأمّلاً ؛ لأنّ الظاهر منها ما رواه عن الشخص ، ولفظ « روي » يقتضي المغايرة ، إلاّ أنّه قابل للتوجيه.

وفي الطريق محمّد بن خالد البرقي وأحمد ابنه ، أمّا أحمد بن محمّد ابن يحيى العطّار فقد قدّمنا عدم التوقف فيه من مشايخنا ، وغيره أيضاً(٤) ، إلاّ أنّ في البين كلاماً مضى(٥) ، وتسديد الرواية برواية الصدوق تكرّر.

ثم إنّ الخبر كما ترى يدل على أنّ العدالة فيمن تعتبر شهادته يشترط فيها الستر والعفاف وكفّ البطن والفرج واجتناب الكبائر.

ولا يبعد أنْ يراد بالستر ستر العيوب ؛ لما يظهر من قوله : « ساتراً لجميع عيوبه » غير أنّ ستر العيوب في حيّز الإجمال ، وغير بعيد أنْ يتناول ستر العيوب إخفاء الذنوب إمّا بالتوبة عنها أو بوقوعها نادراً ، ويراد بها‌

__________________

(١) في النسخ : فمن ، وما أثبتناه موافق للفقيه ٣ : ٢٤ / ٦٥ ، الوسائل ٢٧ : ٣٩١ أبواب الشهادات ب ٤١ ح ١.

(٢) إنّ ذيل الحديث في الفقيه هكذا : فيه الحرق في جوف بيته بالنّار ، وقد كان يقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا صلاة لمن لا يصلّي في المسجد مع المسلمين إلاّ من عِلّة.

(٣) الفقيه ٣ : ٢٤ / ٦٥ ، الوسائل ٢٧ : ٣٩١ أبواب الشهادات ب ٤١ ح ١.

(٤) راجع ١ ص ٩١ ٩٢.

(٥) راجع ١ ص ٩١ ٩٢.


الصغائر فلا يكون مصرّاً عليها.

ويحتمل أنْ يراد بالمتجاهر بالفسق في الخبر السابق(١) مقابل الساتر لذنوبه ، إلاّ أنّ الجزم بإرادة هذا مشكل ، فلا يتم الاستدلال به على قولهم في تعريف العدالة عدم الإصرار على الصغائر(٢) ، ولو نظرنا إلى أنّ الإصرار يوجب عدّها كبيرة لدلالة بعض الأخبار(٣) ، أمكن دخولها في الكبائر المذكورة في الحديث ، وما ظنّه بعض من دلالة الخبر على حصر الكبائر ؛ محلّ بحث ؛ لأنّ قوله : « وغير ذلك » يدل على أنّ المذكور بعضها ، وسيأتي في خبر عبد العظيم ما يدلّ على الزيادة(٤) ، وكذلك في غيره(٥) ، وحينئذٍ فالخبر لا يدلّ على الحصر ، واحتمال أنْ يراد ب « غير ذلك » الإشارة إلى ما يعتبر في العدالة ، وكأنّه قال : اجتناب الكبائر وما تقدّم وغير ما ذكر.

وقوله : « والدلالة » إلى آخره. يراد به أنّ الدالّ على اجتناب ما ذكر وغيره ما قاله فيه ، ما أشرنا إليه من دلالة بعض الأخبار على الزيادة ، فلا مانع من إرادة غير ما ذكر من الكبائر وغيرها ، أو لكون الغير كبائر أو غيرها.

ثم إنّ ستر العيوب ربما يتناول مع ما ذكر أو على الانفراد منافيات المروءة ، لكن تناولها لجميع ما ذكروه محلّ تأمّل ، بل ربما يخصّ بما يعدّ عيباً بالنسبة إليه ، وستسمع القول في ذلك ، لكن الاستدلال بالخبر على اعتبار عدم فعل منافيات المروءة يتوقف على العلم بإرادته من الخبر ، وهو‌

__________________

(١) تقدم في ص ١٣٧.

(٢) المختلف ٨ : ٥٠١ ، المبسوط ٨ : ٢١٧ ، الروضة ١ : ٣٧٩.

(٣) انظر الكافي ٢ : ٢٨٨ باب الإصرار على الذنب.

(٤) في ص ١٤٧.

(٥) انظر ص ١٥٢.


مشكل ، مضافاً إلى إثبات أنّ عدالة الصلاة متّحدة مع عدالة الشهادة ، ولا يخلو من إشكال.

وما تضمّنه من كفّ البطن والفرج واليد ظاهر الإجمال ، وفي الأخبار ما يدلّ على هذا في الجملة ، كما يفهم من رواياتٍ في الكافي(١) ، إلاّ أنّ اعتبار هذا في العدالة لا أعرف الآن القائل به.

واعتبار المواظبة على الصلوات ظاهر الخبر دخوله في العدالة ، وكذلك حضور الجماعة ، ويمكن بتكلفٍ إدراجه فيما ذكروه من تعريف العدالة ، غير أنّه يمكن أنْ يقال : إنّ حضور الجماعة كما يكون بالائتمام يكون بصلاته إماماً ، فالمواظبة لا تدلّ على اعتباره في الإمام على أنْ تكون عدالته متوقفة على الملكة بجواز أنْ يكون يصلّي جماعة من دون حصول الملكة ، نعم ربما تستفاد الملكة من جوهر الرواية ، حيث قال فيها : « فإذا سُئل عنه في قبيلته » إلى آخره.

وما عساه يقال : إنّ الظاهر من الرواية إنّما هو صلاته مؤتمّاً لا إماماً ، بقرينة ذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ يمكن دفعه : بأنّه لا منافاة ؛ لجواز(٢) ذكر قصّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لأحد الأفراد ، وبالجملة فاستفادة الملكة جزماً واستفادة التعريف للعدالة من الرواية لا تخلو من تكلّف.

الموضع الثالث : قد عرفت ممّا قرّرناه في رواية عبد الله بن أبي يعفور أنّ الكبائر غير محصورة فيها ، وللعلماء اختلاف فيها ، فقيل : إنّها كلّ ذنب توعّد الله عليه بالعقاب في الكتاب العزيز(٣) . وقيل : كلّ ذنب‌

__________________

(١) الكافي ٢ : ٢٧٦ باب الكبائر.

(٢) في « فض » : بجواز.

(٣) حكاه البهائي في الأربعين : ٣٨٠.


رتّب عليه الشارع حدّا ، أو صرّح فيه بالوعيد(١) . وقيل : كلّ معصية تؤذن بقلّة اكتراث فاعلها بالدين(٢) . وقيل : كلّ ذنب علم حرمته بدليل قاطع(٣) . وقيل : كلّ ما توعّد عليه توعّداً شديداً في الكتاب والسنّة(٤) . وقيل : الذنوب كلّها كبائر ، لكن قد يطلق الصغير والكبير بالإضافة ، وهو محكي عن الشيخ أبي علي الطبرسي(٥) ، بل قيل : إنّه أضافه إلى أصحابنا(٦) . وقيل : إنّها سبع : الشرك بالله ، وقتل النفس التي حرّم الله ، وقذف المحصنة ، وأكل مال اليتيم ، والزنا ، والفرار من الزحف ، وعقوق الوالدين(٧) .

( والأخبار في المقام مختلفة )(٨) ، وقد روى الصدوق في باب معرفة الكبائر التي أوعد الله عليها النار ما يدلّ على أنّ الخبر السابق(٩) عنه لا يراد فيه الحصر ، إلاّ بتكلّف أنْ يراد في عدالة الشاهد الاكتفاء ببعضها ، وهو ما ذكر فيها ، ولا أعلم القائل بذلك.

والذي رواه عن أبي عبد اللهعليه‌السلام بطريق غير سليم ، لولا ما قدّمناه : « أنّ الكبائر سبع فينا أُنزلت ومنّا استحلّت ، فأوّلها : الشرك بالله العظيم ، وقتل النفس التي حرّم الله ، وأكل مال اليتيم ، وعقوق الوالدين ، وقذف‌

__________________

(١) قال به أبو السعود في تفسيره ٢ : ١٧١.

(٢) الإرشاد لإمام الحرمين عبد الملك الجويني : ٣٢٩.

(٣) حكاه أبو السعود في تفسيره ٢ : ١٧١.

(٤) حكاه ابن كثير في تفسيره ١ : ٧٦٩.

(٥) حكاه عنه في المسالك ٢ : ٤٠٢ ، وهو في مجمع البيان ٢ : ٣٨.

(٦) حكاه عنه في الروضة ٣ : ١٢٩ ، وهو في مجمع البيان ٢ : ٣٨.

(٧) حكاه أبو السعود في تفسيره ٢ : ١٧١.

(٨) ما بين القوسين ليس في « فض ».

(٩) راجع ص ١٤٢.


المحصنة ، والفرار من الزحف ، وإنكار حقّنا » الحديث(١) .

والحصر في السبعة على ما يظهر من الرواية أوّلها وآخرها(٢) إضافي بالنسبة إليهمعليهم‌السلام ، ومنه يعلم أنّ إطلاق بعض الروايات وربما كان خبر عبد الله بن أبي يعفور منه يراد به المقيّد.

وروى الصدوق(٣) عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني ، عن أبي جعفر محمّد بن علي الرضاعليهم‌السلام ، عن أبيهعليه‌السلام قال : « سمعت أبي موسىعليه‌السلام ابن جعفرعليه‌السلام يقول : دخل عمرو بن عبيد البصري على أبي عبد اللهعليه‌السلام فلمّا سلّم وجلس تلا هذه الآية( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ* ) (٤) ثم أمسك ، فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : ما أسكتك؟ قال : أُحبّ أنْ أعرف الكبائر من كتاب الله عزّ وجلّ ، قال : نعم يا عمرو أكبر الكبائر الشرك بالله ، يقول الله تبارك وتعالى( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ* ) (٥) ويقول الله عزّ وجلّ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) (٦) .

وبعده اليأس من رَوْح الله ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ يقول( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) (٧) .

ثم الأمن من مكر الله ؛ لأنّ الله تعالى يقول( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ

__________________

(١) الفقيه ٣ : ٣٦٦ / ١٧٤٥.

(٢) في « م » : وربما آخرها.

(٣) ليست في « رض ».

(٤) الشورى : ٣٧.

(٥) النساء : ٤٨ و ١١٦.

(٦) المائدة : ٧٢.

(٧) يوسف : ٨٧.


الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) (١) .

ومنها عقوق الوالدين ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ جعل العاق جبّاراً شقيّاً في قوله تعالى( وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا ) (٢) .

وقتل النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ يقول( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها ) إلى آخر الآية(٣) .

وقذف المحصنات ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ يقول( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (٤) .

وأكل مال اليتيم ظلماً ، لقول الله عزّ وجلّ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) (٥) .

والفرار من الزحف ؛ لأنّ الله عزّ وجل يقول( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (٦) .

وأكل الربا ؛ لأنّ الله تعالى يقول( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ) (٧) ويقول الله عزّ وجلّ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

__________________

(١) الأعراف : ٩٩.

(٢) مريم : ٣٢.

(٣) النساء : ٩٣.

(٤) النّور : ٢٣.

(٥) النساء : ٩.

(٦) الأنفال : ١٦.

(٧) البقرة : ٢٧٥.


فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) (١) .

والسحر ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ يقول( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) (٢) .

والزنا ؛ لأنّ الله تعالى يقول( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً إِلاّ مَنْ تابَ ) الآية(٣) .

واليمين الغموس ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ يقول( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ) الآية(٤) .

والغلول ، قال الله تعالى( وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) (٥) .

ومنع الزكاة المفروضة ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ يقول( يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ) (٦) .

وشهادة الزور ، وكتمان الشهادة ، لأنّ الله عزّ وجلّ يقول( وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) (٧) .

وشرب الخمر ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ عدل بها عبادة الأوثان(٨) .

__________________

(١) البقرة : ٢٧٨ و ٢٧٩.

(٢) البقرة : ١٠٢.

(٣) الفرقان : ٦٨ ٧٠.

(٤) آل عمران : ٧٧.

(٥) آل عمران : ١٦١.

(٦) التوبة : ٣٥.

(٧) البقرة : ٢٨٣.

(٨) المائدة : ٩٠.


وترك الصلاة متعمداً أو شيئاً ممّا فرض الله عزّ وجلّ ؛ لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : من ترك الصلاة متعمداً فقد برئ من ذمّة الله عزّ وجلّ وذمّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ونقض العهد وقطيعة الرحم ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ يقول( أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ ) (١) (٢) فخرج عمرو بن عبيد وله صراخ من بكائه ، وهو يقول : هلك من قال برأيه(٣) »(٤) .

وهذا الخبر كما ترى يدلّ من حيث ذكر الآيات وقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في تارك الصلاة على أنّ الكبائر ما وعد الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالنار على فعلها ، وقد روى الصدوق عن أحمد بن النضر ، عن عبّاد ، عن كثير النواء ، قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن الكبائر ، فقال : « كلّ ما وعد(٥) الله عليه النار »(٦) والخبر وإنْ كان طريقه غير سليم إلاّ أنّ رواية الصدوق توجب مزيّته.

وقد روى محمّد بن يعقوب بطريقٍ فيه أبو جميلة وابن فضّال ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، في قول الله عزّ وجلّ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ) (٧) قال : « الكبائر التي أوجب الله عليها النار »(٨) . وهذا الخبر كما يحتمل أنْ يراد به تفسير الكبائر على الإطلاق فيؤيد رواية الصدوق ، يحتمل الرجوع إلى‌

__________________

(١) الرعد : ٢٥.

(٢) في الفقيه ٣ : ٣٦٧ / ١٧٤٦ والوسائل ١٥ : ٣١٨ أبواب جهاد النفس وما يناسبه ب ٤٦ ح ٢ زيادة : قال.

(٣) في المصدر زيادة : ونازعكم في الفضل والعلم.

(٤) الفقيه ٣ : ٣٦٧ / ١٧٤٦ ، الوسائل ١٥ : ٣١٨ أبواب جهاد النفس وما يناسبه ب ٤٦ ح ٢.

(٥) في الفقيه ٣ : ٣٧٣ / ١٧٥٨ : أوعد.

(٦) الفقيه ٣ : ٣٧٣ / ١٧٥٨.

(٧) النساء : ٣١.

(٨) الكافي ٢ : ٢٧٦ الايمان والكفر ب ١١٢ ح ١.


الكبائر في الآية ، وسنبيّن الوجه في هذا فيما بعد(١) .

وروى محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الرحمن بن الحجّاج ، عن عبيد بن زرارة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الكبائر ، قال : « هنّ في كتاب عليعليه‌السلام سبع : الكفر بالله ، وقتل النفس ، وعقوق الوالدين ، وأكل الربا بعد البيّنة ، وأكل مال اليتيم ظلماً ، والفرار من الزحف ، والتعرّب بعد الهجرة » قال : قلت : فهذا أكبر المعاصي؟ قال : « نعم » قلت : أكل درهم من مال اليتيم ظلماً أكبر أَم ترك الصلاة؟ قال : « ترك الصلاة » قلت : فما عدد ترك الصلاة في الكبائر؟ قال : « أي شي‌ء أوّل ما قلت لك؟ » قال : قلت : الكفر ، قال : « فإنّ تارك الصلاة كافر يعني من غير علّة »(٢) .

ولا يخفى عليك أنّ ظاهر هذا الخبر منافٍ لما تقدّم من الأخبار الدالّة على أزيد ممّا ذكر ، والذي يمكن أنْ يوجّه الجمع بما فصّله أبو عبد اللهعليه‌السلام في رواية عبد الرحمن بن كثير السابقة عن الصدوق(٣) ، بعد ما قدّمناه منها من أنّ السبع فينا أُنزلت ، إلى آخره. حيث قالعليه‌السلام : « فأمّا الشرك بالله العظيم فقد أنزل(٤) فينا ما أنزل ، وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فينا ما قال ، فكذّبوا الله وكذّبوا رسوله وأشركوا بالله ؛ وأمّا قتل النفس التي حرّم الله فقد قتلوا الحسينعليه‌السلام وأصحابه ؛ وأمّا أكل مال اليتيم فقد ذهبوا بفيئنا الذي جعله الله لنا فأعطوه غيرنا ؛ وأمّا العقوق فقد أنزل الله تبارك وتعالى في كتابه ، فقال( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ) (٥) فعقّوا‌

__________________

(١) في ص : ١٥٥.

(٢) الكافي ٢ : ٢٧٨ الإيمان والكفر ب ١١٢ ح ٨.

(٣) في ص ١٤٧.

(٤) في المصدر : فقد أنزل الله فينا.

(٥) الأحزاب : ٦.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذريته وعقّوا أُمّهم خديجة(١) في ذريّتها ؛ وأمّا قذف المحصنة فقد قذفوا فاطمة ( سلام الله عليها )(٢) ؛ وأمّا الفرار من الزحف فقد أعطوا أمير المؤمنينعليه‌السلام بيعتهم طائعين غير مكرهين ففرّوا عنه وخذلوه ؛ وأمّا إنكار حقّنا فهذا ممّا لا يتنازعون فيه »(٣) .

فإنْ قلت : هذا الخبر مغاير لخبر عبيد بن زرارة ، فلا يمكن الجمع.

قلت : المقصود من الجمع أنّ الكبائر تقال بالتفاوت ، فالسبع في كتاب عليعليه‌السلام يجوز أنْ تكون بنحو السبع في خبر الصدوق ، فلا يفيد الخبران الحصر ليقع التنافي ، ومن هنا يمكن أنْ يقال بأنّ جميع الذنوب كبائر ، وإنّما يقال صغائر بالإضافة ، ويؤيده ما تقدّم من أنّها ما أوعد الله عليها النار ورسوله(٤) ، وظاهر بعض الآيات بعمومها التوعد بدخول النار على العصيان وتعدّي الحدود ، وكذلك الأخبار ، كما يعلم من الكافي(٥) وغيره(٦) ، وقد روى الصدوق(٧) أيضاً ما يقتضي الزيادة على ما في خبر عبد العظيم وغيره.

فإنْ قلت : خبر عبد العظيم تضمّن السؤال عن معرفة الكبائر من كتاب الله عزّ وجلّ ولم يذكر فيه آية على شهادة الزور ، ثم إنّه ذكرعليه‌السلام غير الصلاة من الفروض ولم يذكر إلاّ قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهو خلاف السؤال.

قلت : لا يبعد أنْ يكون ترك شهادة الزور لعدم ورود آية فيها تغليظ‌

__________________

(١) في النسخ : فاطمة ، والصواب ما أثبتناه من الفقيه ٣ : ٣٦٧ / ١٧٤٥.

(٢) في الفقيه ٣ : ٣٦٧ / ١٧٤٥ يوجد : على منابرهم.

(٣) الفقيه ٣ : ٣٦٧ / ١٧٤٥ بتفاوتٍ يسير.

(٤) في ص ١٥١.

(٥) الكافي ٢ : ٢٧٦ الايمان والكفر ب الكبائر.

(٦) ثواب الاعمال وعقاب الاعمال : ٢٣٣ عقاب من أتى الكبائر.

(٧) الفقيه ٣ : ٣٦٦ باب معرفة الكبائر التي أوعد الله عزّ وجلّ عليها النار.


الإثم ، وأمّا أصل الحكم فمذكور في قوله( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) (١) هكذا ذكر الوالدقدس‌سره وفيه نوع تأمّل ، إلاّ أنّه قابل للتسديد. وأمّا من جهة الصلاة ونحوها فيجوز أنْ يكونعليه‌السلام أراد بقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بيان الاتحاد مع قول الله عزّ وجلّ ، أو أنّ(٢) قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أشدّ تغليظاً بحسب فهم السائل.

ثم إنّ التعميم للفروض قد سبق التنبيه عليه ، غير أنّ الفروض يحتمل أنْ يراد بها ما ثبت من القرآن ، ويحتمل إرادة الواجبات ، فالاستدلال من هذه الجهة على أنّ الذنوب كلّها كبائر مشكل ، وقد روى محمّد بن يعقوب عن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب قال : كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسنعليه‌السلام يسأله عن الكبائر كم هي وما هي؟ فكتب : « الكبائر مَن اجتنب ما أوعد الله عليها النار كفّر عنه سيئاته إذا كان مؤمناً ، والسبع(٣) الموجبات : قتل النفس الحرام ، وعقوق الوالدين ، وأكل الربا ، والتعرّب بعد الهجرة ، وقذف المحصنة ، وأكل مال اليتيم ، والفرار بعد الزحف »(٤) .

وربما يظن من هذا الخبر نفي القول بأنّ الذنوب كلّها كبائر ، وقد يقال : إنّ ما ورد في الأخبار من الزيادة على هذا يكاد أنْ يعلم وقوعه ، وتأويل هذا الخبر بما سبق ممكن ، بأنْ يقال : إنّ المذكورات لا يغفر لصاحبها لخروجه عن الإيمان كما يلوح من خبر الصدوق ، وإنْ كان في‌

__________________

(١) الفرقان : ٧٢.

(٢) في « رض » و « م » : وأنّ.

(٣) ليست في « رض » و « م » ، وفي « فض » : الشفع ، وما أثبتناه موافق للكافي ٢ : ٢٧٦ / ٢ والوسائل ١٥ : ٣١٨ أبواب جهاد النفس وما يناسبه ب ٤٦ ح ١.

(٤) الكافي ٢ : ٢٧٦ الإيمان والكفر ب ١١٢ ح ٢ ، الوسائل ١٥ : ٣١٨ أبواب جهاد النفس وما يناسبه ب ٤٦ ح ١ ، وفيهما : والفرار من الزحف.


هذا زيادة ليست في ذلك ونقيصة ؛ ولئن نوقش في هذا يقال : إنّ معنى كون الصغائر مغفورة لمن اجتنب الكبائر هو أنّ من عنّ له أمران منها ودَعته نفسه إليهما فانتهى عن [ أكبرهما(١) ] فاعلاً لأصغرهما فإنّه يكفّر عنه ما ارتكبه بما استحقه من الثواب.

فإنْ قلت : هذا قد قيل في تفسير الآية على تقدير القول بأنّ الجميع كبائر ، أمّا في الخبر فلا يتم ؛ لأنّ مقتضاه أنّ من اجتنب السبع كفّر عنه سيئاته ، ولا قائل بهذا.

قلت : يمكن أنْ يوجّه الخبر بالنسبة إلى السبع على نحو غيرها(٢) ، لكن في الظنّ أنّ قولهعليه‌السلام : « والسبع الموجبات » إلى آخره. يمكن [ للقائل(٣) ] بأنّ الجميع كبائر أن يوجّه إرادة ما يوجب الخروج عن الإيمان منها بقرينة رواية الصدوق.

( فإنْ قلت : على تقدير رواية الصدوق يصير حاصل الآية أنّ مَن اجتنب ما يخرج عن الإيمان يكفّر عنه سيئاته ، والحال أنّ السيئات لا تكفّر بمجرد الإيمان.

قلت : لا يبعد أنْ يراد التكفير مع التوبة ، والفائدة حينئذٍ أنّ المخالف لو فعل السيئات وتاب عنها لا يكفّر عنه ، بخلاف المؤمن ، ولا بعد في تخصيص الحكم بما دلّ على التوبة ، ولئن استبعد أمكن العمل بالظاهر ؛ لما رواه الكليني في الكافي من أخبارٍ دالّة على ذلك(٤) ، وكذلك روى البرقي‌

__________________

(١) في « رض » و « فض » : أكثرهما ، وفي « م » : كونهما ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) في « م » : غيره.

(٣) في النسخ : القائل ، والأنسب ما أثبتناه.

(٤) الكافي ١ : ١٨٣ / ٨.


في المحاسن في باب الشفاعة(١) ، ولو لا خوف شي‌ءٍ ما لنقلتها.

فإنْ قلت : قد روى الصدوق في كتاب التوحيد في باب الأمر والنهي ، عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيرضي‌الله‌عنه قال : حدّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن محمّد بن أبي عمير قال : سمعت موسى ابن جعفرعليهما‌السلام يقول : « لا يخلّد الله في النار إلاّ أهل الكفر والجحود وأهل الضلال والشرك ، ومن اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يُسأل عن الصغائر ، قال الله تبارك وتعالى( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ) (٢) .

قال : فقلت له : يا ابن رسول الله فالشفاعة لِمَن تجب من المذنبين؟ قال : « حدّثنا أبي ، عن آبائه ، عن عليعليهم‌السلام قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي ، فأمّا المحسنون منهم فما عليهم من سبيل ».

قال ابن أبي عمير : فقلت له : يا ابن رسول الله كيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر والله تعالى ذِكْره يقول( وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى ) (٣) ومن ارتكب الكبائر لا يكون مرتضى؟ فقال : « يا أبا أحمد ما مِن مؤمنٍ يرتكب ذنباً إلاّ ساءه ذلك وندم عليه ، وقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : كفى بالندم توبةً ، وقالعليه‌السلام : من سَرّته حسنته وساءته سيّئته فهو مؤمن ، فمن لم يندم على ذنبٍ يرتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة وكان ظالماً ، والله تعالى يقول( ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ) (٤) .

__________________

(١) المحاسن : ١٨٤ ب ٤٥.

(٢) النساء : ٣١.

(٣) الأنبياء : ٢٨.

(٤) غافر : ١٨.


فقلت له : يا ابن رسول الله وكيف لا يكون مؤمناً من لم يندم على ذنبٍ يرتكبه؟ فقال : « يا أبا أحمد ما مِن أحدٍ يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أنّه سيعاقب عليها إلاّ ندم على ما ارتكب ، ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشّفاعة ، ومتى لم يندم عليها كان مصرّاً والمصرّ لا يغفر له ، لأنّه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب ، ولو كان مؤمناً بالعقوبة لندم ، وقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار » الحديث(١) .

وهو مع اعتبار سنده لتوثيق العلاّمة أحمد بن زياد(٢) ، وجلالة إبراهيم بن هاشم يدلّ على أنّ من اجتنب الكبائر لا يُسأل عن(٣) )(٤) ( الصغائر ، للآية ، وحينئذٍ لا يوافق ما ذكرت من جهة رواية الصدوق ، لأنّ الكبائر على تقدير إرادة [ السبعة(٥) ] المخرجة عن الإيمان لا يناسبه عدم الحساب على الصغائر ، بل ينبغي عدم الحساب على الكبائر غير السبعة أيضاً ، وما تضمّنه من أنّ الشفاعة لأهل الكبائر وإنْ دلّ على ما ذكرت إلاّ أنّ في ذكر الأُمّة ما ينافي الاعتبار للأُمّة.

قلت : أمّا دلالة الحديث على ما ذكرت ففيها تأمّل ؛ إذ لا مانع من تسمية ما عدا السبعة صغائر وإنْ كانت كبائر ، ودلالته من جهة الشفاعة واضحة ، [ وليس ] في الآثار ما يدلّ على اختصاصها [ بالسبعة(٦) ] ، نعم في الحديث دلالة على أنّ مجرد الندم كافٍ كما يأتي فيه كلام(٧) . كما أنّ فيه‌

__________________

(١) التوحيد : ٤٠٧ / ٦.

(٢) خلاصة العلاّمة : ١٩ / ٣٧.

(٣) في « رض » زيادة : كذا في النسخة.

(٤) من عبارة : فإن قلت على تقدير ، في ص ١٥٥ إلى هنا ساقط عن « فض ».

(٥) في « م » : الستة ، والصحيح ما أثبتناه.

(٦) موضع ما بين المعقوفين كان بياضاً في « م » والمناسب ما أثبتناه.

(٧) في ص ١٦٣.


دلالة على أنّ معنى قولهم : « لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار » هو أنّ الإصرار يوجب عدم الإيمان ، لا أنّه كبيرة ، والمعروف في كلام الأصحاب الثاني ، إلاّ أنْ يحمل على عدم الإيمان الكامل نفي الإيمان مع فعل بعض الكبائر على ذلك ، هذا ولم أقف على حديث متيقنة الاسناد دالّ على أنّه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار إلاّ هذا الخبر ولا يخفى ظهوره في الانتفاء لمجرد الندم ، فليتأمّل )(١) .

فإنْ قلت : خبر ابن محبوب تضمن أنّ من اجتنب ما أُوعد عليه النار كفّر عنه سيئاته ، وغير خفي أنّ الذنوب إذا كانت كلّها كبائر فالكلام في الرواية لا(٢) يتمّ ؛ لأنّ من اجتنب جميع ما أوعد الله عليه النار لا تكون عليه سيئات ، وحينئذٍ لا معنى لتكفير السيئات.

قلت : لعل بعض السيئات يكون عقابها بغير النار ؛ إذ(٣) قد يقال : إنّ وعد النار ليس على جميع السيئات ، بل العقاب على بعض المنهيات مستحق ، وهو أعمّ من النار ، وفيه نوع تأمّل.

ولحق أنّ الخبر له دلالة على نفي كون جميع الذنوب كبائر ، إلاّ أنّه محتاج إلى الجمع بينه وبين ما دلّ على الزيادة ، وروى الكليني بطريق ليس فيه ارتياب ، إلاّ من محمّد بن عيسى ، عن يونس(٤) ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول : « الكبائر سبع : قتل النفس متعمداً ، وقذف المحصنة ، والفرار من الزحف ( والتعرّب بعد الهجرة )(٥) وأكل مال‌

__________________

(١) من عبارة : الصغائر ، في ص ١٥٧ إلى هنا ، أثبتناه من « م ».

(٢) في « م » : لم.

(٣) في « م » : أو ، وفي « رض » : و.

(٤) في الكافي ٢ : ٢٧٧ / ٣ زيادة : عن عبد الله بن مسكان.

(٥) بدل ما بين القوسين في « رض » : والتغرب.


اليتيم ظلماً ، وأكل الربا بعد البيّنة ، وكلّ ما أوجب الله عليه النار »(١) .

والكلام في هذا الخبر كالسابق ، ويزيد دلالة على التعميم المنافي للحصر في السبعة ، والذي أظنّ أنّ ما قدّمناه(٢) يصلح للجمع ، وأمّا الاستدلال بآية( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) الآية فما قدّمناه في الجواب(٣) قد ينظر فيه ، إلاّ أنّ الاتفاق منقول على أنّ الصغائر مغفورة لمن اجتنب الكبائر ، والتوجيه ممكن التسديد.

وما(٤) أورده بعض(٥) من أنّ اللازم من جعل الذنوب كلّها كبائر أنْ يخرج العدل بفعل الصغيرة ؛ ولا قائل به.

يمكن الجواب عنه : بأن الإنسان إذا عنّ له أمران فكفّ عن الأكبر ولم يصرّ على الأصغر لا يخرج عن العدالة ، نعم يمكن أنْ يقال إنّ ما في الأخبار الدالّة على أنّه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار(٦) ينافي كون الذنوب كلّها كبائر ؛ والجواب ما تقدّم(٧) .

وبالجملة : فالمقام واسع البحث ، والمحصّل ما ذكرناه ، غير أنّه ينبغي أنْ يعلم أنّ ما تقدّم(٨) من بعض الأخبار عن الكافي والفقيه يدلّ على أنّ الآية يمكن أنْ يراد بها أنّ(٩) الكبائر الواردة في حق الأئمّةعليهم‌السلام إذا‌

__________________

(١) الكافي ٢ : ٢٧٧ الايمان والكفر ب ١١٢ ح ٣.

(٢) في ص ١٥٢ ١٥٤.

(٣) في ص ١٥٨.

(٤) في « م » : لما.

(٥) المسالك ٢ : ٤٠٢.

(٦) الكافي ٢ : ٢٨٨ الايمان والكفر ب ١١٤ ح ١.

(٧) في ص ١٥٧.

(٨) تقدّم في ص ١٤٧ ، ٥١٢.

(٩) في النسخ زيادة : اجتناب ، حذفناها لاستقامة العبارة.


اجتنبت ترجى الغفران من الله لغيرها من الذنوب ، وحينئذٍ لا يتمّ إطلاق ما ذكرناه في الآية ، وقد مشينا في الجواب على قول الأصحاب ، والاحتمال في تفسيرها بعد خبر الكليني الدال على الآية وتفسير الكبائر السبع في رواية الصدوق لا يخلو من وجه ، لولا نوع اختلاف في السبعة ، وفي الظن أنّ هذا الوجه أقرب إلى الاعتبار ؛ إذ الأخبار الدالّة على السبعة والأخبار الدالّة على الأزيد لا بُدّ من الجمع بينها ، وهذا وجه للجمع ، وبه يتّضح أنّ الكبائر لا تنحصر في السبعة ، وأنّ الآية لا تحتاج إلى ما ذكرنا ؛ فليتأمّل هذا فإنّي لم أر من حقّقه.

الموضع الرابع : قد تقدّم(١) في تعريف العدالة منافيات المروءة ، ونقلنا عن المختلف عدم ذكر هذا(٢) ، لكنه في تهذيب الأُصول ذكر ذلك ، وقد قدّمنا(٣) عدم وضوح الدليل على اعتبارها ، كما قدّمنا في باب الجمعة جملةً من معناها(٤) ، وفي كلام بعض أنّ صاحب المروءة هو الذي يصون نفسه عن الأدناس ولا يبيّنها(٥) عند الناس ، أو الذي يحترز عمّا يسخر به ويضحك منه ، أو الذي يسلك سلوك أمثاله في زمانه ومكانه ، ( فمن ترك المروءة لبس ما لا يليق بأمثاله ، )(٦) [ كلبس(٧) ] الفقيه لباس الجندي ويتردد به في البلاد ، ولبس التاجر ثوب الحمّالين(٨) ، ومنه المشي في الأسواق‌

__________________

(١) في ص : ١٤١.

(٢) راجع ص ١٤١ ، وهو المختلف ٢ : ٤٨٠.

(٣) في ص ١٤٥.

(٤) في ص ٥٥.

(٥) في رض : وما يشبهها ، وهي غير واضحة في « فض » و « م » ، وما أثبتناه موافق للمصدر.

(٦) ما بين القوسين ليس في النسخ ، أثبتناه من المصدر.

(٧) في النسخ : كلباس ، والأولى ما أثبتناه.

(٨) في « فض » و « م » : الجمّالين.


والمجامع مكشوف الرأس والبدن إذا لم يكن أهل المجلس كذلك ، ومنه مدّ الرجلين في مجالس الناس ، والأكل في الأسواق ، إلاّ أنْ يكون الشخص سوقياً أو بدوياً أو قروياً أو يكون عادة تلك البلد ذلك ، ومنه أنْ يقبّل زوجته أو أمَته بين الناس ، أو يحكي ما يجري بينه وبينهما في الخلوة ، أو يكثر من الحكايات المضحكة ، أو يخرج من حسن العشرة التي هي مطلوبة عقلاً وعادةً مع أهله وإخوانه وجيرانه ومخالطيه ومعامليه ، كأن يضايق في المطعم القليل ، ويأكل وحده نفيس الأطعمة ويطعم غيره أقلّ ما يجزئ شرعاً ، ولا يلتفت إلى الجيران بإطعامٍ وماءٍ ، ونحو ذلك مضايقتهم في الأُمور المشتركة ، ومنه أن يباشر نقل الماء والنار والأطعمة إلى البيت ليشحّ عن دفع الأُجرة ، أمّا لو كان لكسر نفسه فلا(١) .

وقد ذكر جدّيقدس‌سره في الروضة : أنّه لا يقدح فعل السنن وإن استهجنها العامّة وهجرها الناس ، كالكحل والحنّاء والحنك في بعض البلاد ، وإنّما العبرة بغير الراجح شرعاً(٢) . انتهى. ولا يخفى أنّ الرجحان الشرعي وعدمه إذا علما فلا إشكال.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ فعل منافيات المروءة إذا أخلّ بالعدالة إمّا لكونه جزءاً منها أو شرطاً هل يحتاج إلى الندم بعد وقوعها ، والإصرار عليها كالإصرار على الصغائر فتصير كبيرة أم لا؟ لم أقف على مصرّحٍ بشي‌ءٍ من ذلك ، ( وظاهر تعريف العدالة )(٣) أنْ تكون كالصغائر ، وكونها كبيرة مع الإصرار محل تأمّل.

__________________

(١) المسالك ٢ : ٤٠٢ بتفاوت.

(٢) الروضة ٣ : ١٣٠.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».


وقد ذكر بعض الأصحاب أنّ الإصرار على الصغيرة إمّا بالفعل ، أو بالحكم ، فالأوّل كالمواظبة على نوع أو أنواع من الصغائر ، والثاني كالعزم على فعلها ثانياً بعد وقوعه وإن لم يفعل(١) . وادّعى بعض أنّ هذا هو الظاهر(٢) ، لكن في جهة منافيات المروءة لم يذكروا ما لا بُدّ منه ، ( والأخبار الواردة في الإصرار ستسمع حالها(٣) )(٤) .

ولعلّ عدم الخلاف يسهّل الخطب ، لكن مع حصول الإصرار أو منافيات المروءة أو فعل الكبيرة هل تنتفي العدالة التي هي الملكة على ما قالوه(٥) ، أو تبقى الملكة لكن المانع حصل لها ، أو بعض ما ذكر يقتضي زوالها والبعض مانع ، فالأوّل كالكبيرة والإصرار ، والثاني كمنافيات المروءة؟ لم أجد في كلام الأصحاب تصريحاً بالحال ، غير أنّ الذي يمكن أن يقال : إنّ الملكة بتقدير حصولها يبعد زوالها بفعل الكبيرة ، فإمّا أن يقال بحصول المانع مع بقاء الملكة في الجملة ، أو يقال بزوالها للاتصاف بالفسق ؛ إذ لا واسطة هنا ، وتظهر الفائدة لو حصلت التوبة ، هل تعود الملكة لانتفاء المانع ، أو يتوقف على تحصيل ملكة بعد ذلك؟ لم أقف على ما يقتضي توضيح المقام.

نعم في كلام بعض الأصحاب أنّه لا خلاف في زوالها بارتكاب الكبيرة ، وكذلك بالإصرار على الصغيرة(٦) ؛ لأنّها كبيرة عندهم ، والظاهر‌

__________________

(١) القواعد والفوائد ١ : ٢٢٧.

(٢) مجمع الفائدة والبرهان ١٢ : ٣٢٠.

(٣) في ص : ٢١٨٦.

(٤) بدل ما بين القوسين في « م » : والاخبار الواردة في الإصرار غير سليمة.

(٥) الروضة البهية ١ : ٣٧٨ ، معالم الأُصول : ٢٠١ ، مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٣٥١.

(٦) المسالك ٢ : ٤٠١.


أنّها تعود بالتوبة والعمل الصالح ، مع احتمال الاكتفاء بالتوبة ، وهي الندامة ، والعزم على عدم الفعل لكونه قبيحاً ، ( لما سبق(١) من خبر الصدوق في كتاب التوحيد )(٢) ، وللوالدقدس‌سره كلام في جواب المسائل المدنية يمكن أن يستخرج منه ما يصلح في المقام ، وسنذكره فيما يأتي إن شاء الله تعالى(٣) .

الموضع الخامس : في ما تُعرف به العدالة ، وفي خبر عبد الله بن أبي يعفور(٤) ما يدلّ على معرفتها بنوعٍ من الشياع ، حيث قالعليه‌السلام فيها : « فإذا سُئل عنه في قبيلته ومحلّته قالوا ما نعلم منه إلاّ خيراً » وفي كلام بعض الأصحاب ثبوتها بالاستفاضة(٥) ، بل قيل إنّه مشهور(٦) . فإنْ كان الالتفات في ذلك إلى الخبر أمكن توجيهه ، ولو نظر إلى ما ذكره جدّيقدس‌سره في دليل قبول الاستفاضة : من أنّ الظن الحاصل بها أقوى من شهادة العدلين فكانت أولى(٧) ؛ أمكن المناقشة بأنّ شهادة الشاهدين غير معلّلة بالظنّ ، فيجوز كون القبول تعبّداً.

ويؤيد هذا أنّ الشاهد الواحد لو كان الظنّ الحاصل به أقوى من الاثنين لزم الاكتفاء به ، ولا يقولون بذلك ، واحتمال خروجه بالإجماع له وجه ، إلاّ أنّ مقام المجيب يكفيه الاحتمال ، على أنّ مفهوم الموافقة فيه كلام تقدّم بيانه.

__________________

(١) راجع ص : ١٥٦.

(٢) ما بين القوسين أثبتناه من « م ».

(٣) في ص : ٢١٨٦ ٢١٨٧.

(٤) تقدّم في ص ١٤٢.

(٥) مجمع الفائدة والبرهان ٣ : ٢٥٤.

(٦) لم نعثر عليه.

(٧) المسالك ٢ : ٣٥٤.


ومن العجب أنّ ظاهر جدّي(١) قدس‌سره وجماعة(٢) اختصاص الاستفاضة بأشياء ، ولو كان الدليل ما ذكره لما كان حصل الفرق بين المواد.

وما عساه يقال : إنّ الاختصاص يجوز أن يكون الوجه فيه الإجماع على نفي ما عداها.

يمكن الجواب عنه : بأنّ الدليل حينئذٍ وهو مفهوم الموافقة لا وجه له ، إلاّ أن يقال إنّ الإجماع على ما عدا المذكورات الثابتة بالاستفاضة لمّا حصل بقي حكم المذكورات لا بالإجماع عليها ، بل بأنّ الظنّ فيها أقوى ، وفيه : ما تقدّم من الإشكال ، فإذا انتفى دليل المفهوم ولا إجماع على المذكورات لا يتمّ الاستدلال ، على أنّ قبول العدالة بالاستفاضة غير مذكور في جملة ما يثبت بالاستفاضة في عبارة البعض.

وعلى تقدير اعتبار الاستفاضة فقد صرّح جدّيقدس‌سره في الروضة : بأنّها استفعال من الفيض ، وهو الظهور والكثرة ، والمراد بها هنا يعني في بحث الشهادة شياع الخبر إلى حدٍّ يفيد السامع الظن الغالب المقارب للعلم ، ولا تنحصر في عدد ، ( بل يختلف باختلاف المخبرين )(٣) ، نعم يعتبر أن يزيدوا عن عدد الشهود ، ليحصل الفرق بين خبر العدل وغيره(٤) ، انتهى.

وفي نظري القاصر أنّ الفرق يحصل وإن لم يزيدوا ؛ لأنّ اعتبار الشاهدين يقتضي ثبوت الحكم بهما من حيث كونها شهادة ، والاستفاضة‌

__________________

(١) في الروضة البهية ٣ : ١٣٥.

(٢) الشرائع ٤ : ٧٠ ، والشهيد في اللمعة ( الروضة ٣ ) : ١٣٥.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) الروضة البهية ٣ : ١٣٥.


من حيث كونها استفاضة ، وحينئذٍ اعتبار وصف العدالة في الشاهدين يحتمل أن يكون من جهة أنّ الحكم بهما يتوقف على الحاكم ، بخلاف الاستفاضة فإنّها لا تتوقف على حكم الحاكم ، فإذا أخبر اثنان عدلان فلهما جهتان ، أحدهما : جهة الشهادة فلا يحكم بهما ( إلاّ الحاكم وثانيهما جهة الاستفاضة فلا تتوقف ، وحينئذٍ تكون الاستفاضة أعمّ.

فإن قلت : تكون )(١) من أين توقف الشهادة على الحكم دون غيرها؟

قلت : لأنّ دليل قبول شهادة الشاهدين الإجماع ، وتحقّقه في القبول عند غير الحاكم محلّ تأمّل ، وقبولهما في بعض المسائل عند غيره بالدليل لا يقتضي القبول في غيرها.

وما عساه يقال : إنا إذا رأينا في المسائل ما يثبت عند غير الحاكم وفيها ما يثبت عنده عدم علمنا توقف شهادة الشاهدين على الحكم على الإطلاق ، فيحتاج دعوى توقف شهادة الشاهدين على الحاكم إلاّ ما خرج بالدليل إلى إثبات.

يمكن الجواب عنه : بأنّ المطلوب ثبوت شهادة الشاهدين عند غير الحاكم فيما نحن فيه ، ومع عدم ثبوت ( إطلاق القبول )(٢) لا يتمّ المطلوب كما لا يخفى على المتأمّل.

وهذا الذي ذكرهقدس‌سره في بحث الشهادة وإن اقتضى التخصيص كما نبّه عليه بقوله : هنا ، إلاّ أنّ الإشكال لا يندفع ؛ لأنّ ما نحن فيه ثبوت العدالة بالاستفاضة متوقف على الدليل ، ولعلّ الخبر له دلالة مع تأييد الشهرة‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


المنقولة ، أمّا ثبوتها بالشاهدين عند غير الحاكم فقد علمت ما فيه ، نعم يمكن أن يقال بثبوتها بإخبار العدل ؛ لعموم آية( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ ) (١) وإشكال الوالدقدس‌سره ( في الآية )(٢) قد قدّمنا القول فيه(٣) .

وأمّا ثبوت العدالة بالمعاشرة الباطنة فهو مذكور في كلام البعض(٤) ، إلاّ أنّ ذكر الباطنة لا يخلو من خفاء ؛ لأنّ الاطلاع على البواطن بعيد التحقق ، إلاّ أن يراد به حصول الظن الغالب ، والتعبير بالباطن ( لإرادة أنّ )(٥) مجرد الاطلاع على الظاهر لا يكفي ، وله نوع وجه.

لكن لا يخفى أنّ هذا في جانب الإصرار على الصغيرة ومنافيات المروءة في غاية الإشكال ، والالتفات إلى الملكة المذكورة يزيد الإشكال ، ولو نظرنا إلى ظاهر خبر ابن أبي يعفور أمكن الاكتفاء بما دون الملكة.

والذي ذكره الوالدقدس‌سره فيما أشرنا إليه هو أنّ المراد بالملكة الصفة المستقرة زماناً تباين باعتباره الأعراض السريعة الزوال ، فهي ما من شأنها زجر النفس ومنعها من فعل الكبائر والإصرار على الصغائر وفعل ما ينافي المروءة ، ولمّا كانت هذه الصفات ممّا لا تدرك بالحسّ وإنّما تعلم بالآثار الصادرة عنها اعتُبر في معرفتها حصول العشرة والملازمة التي يتكرر فيها صدور الآثار الظاهرة عن تلك الحالة الباطنة ، بحيث يعلم بالعادة(٦) أنّ مثلها لا يصدر إلاّ عن الملكة.

__________________

(١) الحجرات : آية ٦.

(٢) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٣) في ص ٢١٨٣.

(٤) روض الجنان : ٣٦٤.

(٥) بدل ما بين القوسين في « رض » و « م » ، لأنّ إرادة.

(٦) في « م » : بالإعادة.


قالقدس‌سره : واستبعاد بعض الأصحاب إمكان تحصيل العلم من حيث إنّ الأُمور الباطنة لا يعلمها إلاّ الله ؛ في غاية الضعف ، كيف والاستدلال بالأثر المحسوس على المؤثر المعقول أجلى ظهوراً وأكثر وقوعاً من أن يحتاج إلى مثال.

وربما قرب(١) قرب هذا الاستبعاد ببعد العلم بعدم مفارقة الكبائر ، بناءً على عمومها لكلّ ما وقع التوعد عليه بخصوصه في الكتاب والسنّة ، فإنّها إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبعين وسبعة ، كما يروى في بعض الأخبار.

ويدفعه ضعف البناء ، فإنّ المروي في الأخبار المعتمدة تخصيص الكبائر بما وعد الله عليه بالنار ، فروى الكليني في الصحيح عن ابن محبوب وذكر الرواية السابقة إلى أن قال : وروى في الحسن عن عبيد بن زرارة وذكر الرواية السابقة أيضاً ثم قال : هذا مع أنّ الملكة التي اعتبرناها لم يقع فيها أن لا يقع معها كبيرة ، وإنّما اعتبرنا فيها أن يكون من شأنها المنع ، بمعنى أنّ الكبيرة إذا خطرت بالبال أخذت تلك الملكة بالمدافعة ، ولا ريب أنّ من حصلت له هذه الحالة تكون طبيعته(٢) مقهورة مع الملكة.

وعلى القول بعموم الكبائر لو قدّر غلبة الطبيعة في بعض الأحيان ، إمّا لنوع غفلة تضعف بها الملكة ، أو لمزيد القرب من المعصية ، إذ في جملة الكبائر بالمعنى العام ما هو بهذه المثابة ، كبعض أنواع الغيبة ؛ فلا شك أن النفس بعد قضائها الوطر تعود إلى طاعة الملكة ( وتستشعر(٣) الندم‌

__________________

(١) في « م » : فرض.

(٢) في « م » : طبيعة.

(٣) في « فض » : ويستقر.


والتأسف ، وهو معنى التوبة المسقطة لحكم الكبيرة فأثر الملكة )(١) على هذا التقدير إمّا عدم صدور الكبيرة إذا قلنا بتخصيصها ، أو المبادرة على أثرها بالتوبة لو قيل بالعموم ، ولا إشكال في ذلك بالنظر إلى المعنى العرفي للفسق ، فإنه غير صادق على من هذا شأنه. وكذا إن قلنا بثبوت الحقيقة الشرعية ، وأنّ المعنى العرفي له شرعي ، كما يشهد به حديث ابن أبي يعفور الوارد بتفسير العدالة. انتهى كلامهقدس‌سره .

ولقائل أن يقول أوّلاً : إنّ العلم إن أراد به العلم الحقيقي فهو من قبيل المحالات العادية بالنسبة إلى الاطّلاع على البواطن ، ومن ثمّ قال السيّد المرتضىرضي‌الله‌عنه فيما نقل عنه في مقام ردّ الاستدلال على الإجماع بقوله تعالى( وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) (٢) : إنّ الآية تدلّ على وجوب اتّباع من عُلم إيمانه ، وإنّما يتحقق ذلك في المعصوم(٣) . وحينئذٍ فاستبعاد من ذكر متوجه.

وإنْ أرادقدس‌سره بالعلم الظن الغالب والاطّلاع على الباطن به ؛ لا يكاد يتحقق ، سيّما بعد الاختلاف في الكبائر والإصرار على الصغائر ومنافيات المروءة. وإن أراد بالباطن معنى آخر ، وهو البعيد عن مطلق الظن ، فالكلام لا يساعد عليه.

وأمّا ثانياً : فما ذكره من دلالة الأخبار على التخصيص ، فيه : أنّ عدم الالتفات إلى معارضها لا وجه له ، كما أوضحناه سابقاً ، ومع التعارض الموجب لزيادة الارتياب في الكبائر وغيرها كيف يحصل الظن الغالب بل‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) النّساء : ١١٥.

(٣) الذريعة إلى أصول الشريعة ٢ : ٦٠٨.


مطلق الظن لحصول الملكة المانعة من اجتناب الجميع.

وأما ثالثاً : فقوله : إنّ الملكة لا تمنع أن تقع ، إلى آخره. فيه : أنّ تقدير الوقوع إمّا أن يوجب زوال الملكة ، أولا ، بل هو مانع من القبول ، فإن أوجب الزوال لتحقق الفسق حينئذٍ لم يكف مجرد التوبة ، بل لا بدّ من رجوع الملكة ، وقد صرّح بأنّ التوبة كافية ، وإن لم توجب الزوال بأن يكون ما فعل مانعاً من القبول لزم حصول الواسطة بين الفسق والعدالة ، وهو لا يقول به ، والوجه في ذلك : أنّ عدم القبول إنّما هو لحصول الفسق ، أو لعدم تحقق شرط(١) العدالة ، والحال أنّه لم يقل بالواسطة ، وإذا لم يقل بها لزم حصول الفسق ، وزوال الفسق لا يكون بمجرّد التوبة ، بل بتحصيل الملكة ، ولو نظرنا إلى عدم حصول الشرط لزم الواسطة ، وهي عدم القبول ، لا للفسق ، بل لحصول المانع ، فيصير القبول موقوفاً على العدالة ، وعدم القبول إمّا للفسق ، أو لعدم شرط العدالة ، ولا يقول به.

ويمكن أن يقال : إنّه لا مانع من الاتفاق بالفسق على معنى عدم العدالة ، أمّا لفقد الملكة ، أو لفقد شرطها ، أو لحصول المانع.

وفيه : أنّ اللازم من هذا حصول الواسطة.

إلاّ أن يقال : إنّ الواسطة المنفية بين العدل والفسق على الإطلاق ، وحينئذٍ لا مانع من كون الفسق له معنيان ، أحدهما : عدم الملكة ، وثانيهما : حصولها مع وجود المانع ، وهذا ربما يقول به ، كما في الشخص إذا كان أوّل البلوغ قبل أن يفعل شيئاً من ( الكبائر و )(٢) منافيات العدالة ، فإنّه يصدق عليه أنّه فاسق ، بمعنى أنّه ليس بعدل قد حصّل الملكة ، مع أنّه‌

__________________

(١) في « م » : صدق.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض » و « م ».


ليس بفاسق قد فعل موجب الفسق من الخروج عن الطاعة.

وفيه : أنّ الفرق حاصل بين ما نحن فيه وبين من ذكر ، فعلى تقدير القول بذلك يلزم تكثّر الواسطة ، على أنّ الظاهر من آخر الكلام منهقدس‌سره أنّ صدق الفسق على من هذا شأنه محلّ تأمّل.

وأمّا رابعاً : فما ذكره من أنّ التوبة معناها ما ذكر ، فيه : أنّ التوبة إن أُريد بها نفي العقاب على الكبيرة إذا تاب عنها فمسلّم ، إلاّ أنّ عود الملكة يحتاج إلى إثبات أنّ فعل الكبيرة إنّما كان مانعاً فلمّا زال رجعت ، والحال أنّه يحتمل أن يكون شرطاً أو جزءاً ، وحينئذٍ يحتاج إلى تحصيل الملكة ، ولا مانع من عدم العقاب مع عدم الملكة ، كما في المثال السابق بالشخص حين البلوغ.

وأما خامساً : فما ذكره في خبر ابن أبي يعفور لا يخلو من إجمال ، والذي يفهم من الخبر أنّ المانع من القبول ظهور ضد ما ذكر في الرواية ، وحينئذٍ يحتمل انتفاء المجموع ، أو البعض ، وعلى التقديرين فالرواية تدلّ على خلاف ما اعتبره في العدالة ، إلاّ بتكلّفٍ غير خفي.

بقي شي‌ء ، وهو أنّ الشيخ روى في التهذيب ، عن محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه(١) ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، في قومٍ خرجوا من خراسان أو بعض الجبال وكان يؤمّهم رجل فلمّا قدموا(٢) إلى الكوفة علموا أنّه يهودي ، قال : « لا يعيدون » الحديث(٣) ، وفيه دلالة على عدم اعتبار العشرة(٤) الباطنة كما‌

__________________

(١) في التهذيب ٣ : ٤٠ / ١٤١ : أصحابنا.

(٢) في التهذيب ٣ : ٤٠ / ١٤١ : صاروا.

(٣) التهذيب ٣ : ٤٠ / ١٤١ ، الوسائل ٨ : ٣٧٤ أبواب صلاة الجماعة ب ٣٧ ح ١.

(٤) في « فض » : الفسق.


لا يخفى.

وما عساه يقال : إنّ الخبر غير صحيح ؛ يمكن الجواب عنه : بأنّ الصدوق رواه عن نوادر ابن أبي عمير(١) ، والطريق إلى ابن أبي عمير لا ريب فيه ، واحتمال اختصاص طريق الرواية من غير النوادر ؛ بعيد ، وعلى كل حال مزيّتها(٢) غير خفية.

فإن قلت : كيف يروي الشيخ عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه ، والصدوق لم يذكر الإرسال ، بل قال في نوادر ابن أبي عمير : إنّ الصادقعليه‌السلام ، إلى آخره.

قلت : يحتمل أن يكون الصدوق ذكر ما(٣) في نوادر ابن أبي عمير من غير ذكر الإرسال وإن كان في النوادر عن بعض الأصحاب اعتماداً على صحّة أخبار ابن أبي عمير عن الصادقعليه‌السلام ، وإن كان بواسطة بعض الأصحاب.

وما عساه يقال : إنّ هذا يستلزم الحكم بصحة مراسيل ابن أبي عمير ، وقد تقدّم التوقف في هذا(٤) ، ومثل الصدوق كلامه حجّة على ما مضى أيضاً ، فيصلح مستنداً لقبول مراسيل ابن أبي عمير.

يمكن الجواب عنه : بجواز ظن(٥) الصحة لا للإرسال بل لقرائن‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٦٣ / ١٢٠٠.

(٢) في « م » و « رض » : مرتبتها.

(٣) في « رض » : ذكرها.

(٤) راجع ج ١ ص ١٠٢.

(٥) ليست في « فض ».


أُخر ، وفيه : أنّه يرجع الى الاجتهاد ، والتقليد فيه مشكل ، ولعلّ الشيخ نقله من غير النوادر ، وقد يشكل الحال بأنّ الإرسال يقتضي نوع قدح في ذكر الرواية في النوادر من غير إرسال. وبالجملة فالأمر لا يخلو من تأمّل ، لولا ما كرّرنا القول فيه من جهة الصدوق(١) ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا كلّه فاعلم أنّ ما سبق(٢) نقله عن البعض من الاكتفاء في الإمام بحسن الظاهر لعسر الاطّلاع على البواطن ، إن أُريد اعتبار العدالة ظاهراً فغير خفي أنّ مقابلته للقول بالعدالة غير واضح ، بل ينبغي أن يقال إنّ العدالة قيل باعتبار الاطّلاع على الباطن فيها ، وقيل بالظاهر.

وإن أُريد به الاكتفاء بظاهر حال المسلم من العدالة على معنى أنّ من لم يعلم فسقه تصحّ الصلاة خلفه [ فالدليل(٣) ] عليه لم أقف على نقله ، غير أنّ المذكور في كلام بعض في باب الشهادات أنّه يكفي في الشاهد الإيمان مع عدم ظهور الفسق ، وعلّل بأنّ الظاهر من حال المسلم عدم الإخلال بالطاعات وعدم فعل المنهيات(٤) ، والقائلون بالملكة أجابوا عن ذلك بأنّها وجودية فالأصل عدمها ، مضافاً إلى أنّ الناس فيهم من يجتنب ما ذكر ومن لا يجتنب ، بل الأكثر عدم الاجتناب ، فالظاهر لا وجه له.

والحقّ أنّ الملكة إن اعتبرت على وجه الشرطية فلا بدّ من العلم بها ، والأصل عدمها ، وإن لم تعتبر فالمستفاد من سابق بعض الأخبار ( عدم الصلاة خلف المجهول ، والجهالة محتملة لأن يراد بها عدم معلومية كونه‌

__________________

(١) راجع ص ١٣٨.

(٢) في « ص » : ١٣٥ ، وانظر المدارك ٤ : ٦٦ ، ٣٤٧.

(٣) في النسخ : والدليل ، والأولى ما أثبتناه.

(٤) الإشراف ( مصنّفات المفيد ٩ ) : ٢٥ ، الخلاف ٦ : ٢١٧ ، المسالك ٢ : ٣٦١.


مؤمناً أو غيره ، أو عدم معلومية فسقه من عدالته ، إلاّ أنّ ظاهر اللفظ التناول للجميع ، وما ورد في بعض الأخبار السابقة من المتجاهر بالفسق وإن اقتضى أنّ المجهول غير تابع إلاّ أنّ فيه إجمالاً )(١) .

وبالجملة : فالمشهور لا خروج عنه ، وإنّما أطنبنا القول في هذه المسألة زيادةً على المعتاد ، لأنّها من مهمات المسائل ، والمتأخرون من الأصحاب اكتفوا فيها بقليل من الدلائل ، فعليك بإنعام النظر فيما ذكرته ، والله وليّ التوفيق.

قوله :

باب من صلّى بقوم على غير وضوء‌

أحمد بن محمّد ، عن الحسن ( بن علي )(٢) بن فضّال ، عن عبد الله بن بكير والحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن عبد الله بن بكير ، قال : سأل حمزة بن حمران أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجلٍ أمّنا في السفر وهو جنب وقد علم ونحن لا نعلم؟ قال : « لا بأس ».

الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يؤمّ القوم وهو على غير طهر فلا يعلم حتى تنقضي صلاته؟ فقال : « يعيد ، ولا يعيد من صلّى خلفه وإن أعلمهم أنّه على غير طهر ».

عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن عبد الله بن مسكان ، عن عبد الله ابن أبي يعفور قال : سئل أبو عبد اللهعليه‌السلام عن رجل أمّ قوماً وهو على‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « فض » : ما سمعته الأخبار ، وفي « رض » : ما سمعته.

(٢) ما بين القوسين ليس في « م ».


غير وضوء؟ فقال : « ليس عليهم إعادة ، وعليه هو أن يعيد ».

عنه ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : سألته عن قومٍ صلّى بهم إمامهم وهو على غير طهر ، تجوز صلاتهم أم يعيدونها؟ فقال : « لا إعادة عليهم ، تمّت صلاتهم وعليه هو الإعادة ، وليس عليه أن يُعلمهم ، هذا عنه موضوع ».

فأمّا ما رواه علي بن الحكم ، عن عبد الرحمن العرزمي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « صلّى عليعليه‌السلام بالناس على غير طهر وكانت الظهر ، فخرج مناديه أنّ أمير المؤمنين صلّى على غير طهر فأعيدوا وليبلّغ الشاهد الغائب ».

فهذا خبرٌ شاذ مخالف للأحاديث ، وما هذا حكمه لا يعمل عليه ، وقد تضمّن أيضاً من الفساد ما يقدح في صحّته ، وهو أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام صلّى بالناس على غير وضوء وقد آمَنَنا(١) من ذلك دلالة عصمتهعليه‌السلام.

وذكر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه قال : سمعت جماعة من مشايخنا يقولون : ليس عليهم إعادة شي‌ءٍ ممّا جهر فيه ، وعليهم إعادة ما صلّى بهم ممّا لم يجهر فيه.

السند :‌

في الأوّل : موثق على ما تقدّم في عبد الله بن بكير(٢) ، ثم إنّ الحسين‌

__________________

(١) في « رض » و « فض » : آمنا ، وفي « م » آمني ، وما أثبتناه موافق للإستبصار ١ : ٤٣٣ / ١٦٧١ ، والتهذيب ٣ : ٤٠ / ١٤٠.

(٢) في ص : ٩٠.


ابن سعيد محتمل للعطف على الحسن بن علي بن فضّال ، فيكون الراوي عنه أحمد بن محمّد بن عيسى بسند الشيخ إليه ، ويحتمل أن يكون سنداً آخر بطريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد ، وعلى كل حال فهو موثّق.

والثاني : صحيح على ما مضى(١) .

والثالث : فيه عثمان بن عيسى وقد تكرر(٢) .

والرابع : صحيح على ما تقرّر في رجاله(٣) .

والخامس : فيه أنّ الطريق إلى علي بن الحكم غير مذكور في المشيخة ، وفي الفهرست ما لا يفيد تعيّناً(٤) . وعبد الرحمن العرزمي قد تقدّم غير بعيد(٥) ، وفي التهذيب رواه عن عبد الرحمن العرزمي ، عن أبيه(٦) ، والأب مجهول ، ولا يبعد أن يكون سقوطه هنا سهواً من الشيخ أو الناسخ.

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على أنّه لا بأس بصلاة المأمومين خلف الإمام إذا كان جنباً مع عدم علمهم ، إلاّ أنّ قوله : وقد علم ؛ محتمل لأن يراد به علمه قبل ثم نسيانه حال الصلاة ، ويحتمل علمه حال الصلاة وصلّى بهم ، واقتضاء هذا فسقه الموجب للإعادة عند بعض(٧) يمكن توجيهه عند‌

__________________

(١) راجع ص ٧٤.

(٢) راجع ص : ١٠٢.

(٣) راجع ج ١ ص ٥٦ ، ج ٦ ص ١٩١.

(٤) الفهرست : ٨٧ / ٣٦٦.

(٥) في ص ٦٢.

(٦) التهذيب ٣ : ٤٠ / ١٤٠.

(٧) حكاه في السرائر ١ : ٢٨٢ عن السيد المرتضى.


القائل بتقدير العمل به بالحمل على الاحتمال الأوّل ، أو على الجهل(١) ، وفي هذا بعد غير خفي ، أمّا على القول بعدم الإعادة مع الفسق لا إشكال ، واحتمال أنْ يراد بعلمه بعد ، لا وجه له بعد قوله : ونحن لا نعلم.

والثاني : واضح الدلالة ومتناول للجنب وغيره.

والثالث : مثله ، إلاّ أنّه خاص.

والرابع : كالثاني ، وفيه دلالة على أنّه ليس على الإمام الإعلام.

والخامس : ما ذكره الشيخ فيه من الشذوذ ينافي ما نقله عن الصدوق ؛ لأنّ الجماعة من مشايخه إذا قالوا بإعادة ما لم يجهر فيه والخبر وارد في الظهر فلا شذوذ إن أراد به عدم القائل ، وإن أراد به من جهة منافاة العصمة أغنى عنه قوله : وقد تضمّن ، إلى آخره.

إلاّ أن يقال : إنّ قوله وقد تضمّن ، يدلّ على أنّ غرضه بالشذوذ هذا ، فيكون في قوة التعليل.

وفيه : أنّ ظاهر قوله : شاذ مخالف ، كون الشذوذ من جهة أُخرى ، ويمكن أن يجعل الشذوذ من مخالفة الأحاديث لا من جهة عدم القائل.

وعلى كل حال فالذي نقله عن الصدوق قد ذكره في الفقيه بعد رواية محمّد بن أبي عمير السابقة المتضمنة للرجل الذي صلّى بالقوم ثم ظهر أنّه يهودي(٢) ، فيحتمل أن يخص(٣) الحكم به ، إلاّ أنّ الشيخ أعرف بالحال ، وربما يندفع عنه ما ذكرناه من جهة الشذوذ إذا عاد المسموع للقوم الذي ظهر أنّ إمامهم يهودي أو نصراني.

__________________

(١) في « م » الجهر.

(٢) الفقيه ١ : ٢٦٣ / ١٢٠٠ ، الوسائل ٨ : ٣٧٤ أبواب صلاة الجماعة ب ٣٧ ح ١.

(٣) في « رض » : يختص.


وما عساه يقال : إنّ مع ظهور كونه يهودياً أو نصرانياً يتحقق عدم الطهارة ، فيتمّ مطلوب الشيخ.

يمكن الجواب عنه : بجواز اختصاص الحكم بمورده ، وهو فقدان الطهارة وما معها ، وقد ذكر الصدوق بعد ما سمعته ما هذه صورته : والحديث المفسّر [ يحكم(١) ] على المجمل ؛ والظاهر منه أنّ ما سمعه من مشايخه مفصّل ، والخبر مجمل ، فيحمل على عدم الإعادة في الصلاة الجهرية.

وغير خفي أنّ السماع من مشايخه وإن كان ظاهره الفتوى والمغايرة للحديث إلاّ أنّ الحمل على أنّ السماع بطريق الرواية لا مانع منه ، أو على أنّ قولهم لا بُدّ له من مستند إلى نص.

وما عساه يقال : إنّ الثاني لا يصلح للاعتماد لجواز الاجتهاد.

يمكن الجواب عنه : بجواز علمه بالاجتهاد على وجهٍ يرجع إلى الخبر.

والعجب من شيخناقدس‌سره في المدارك أنّه قال عند قول المحقّقرحمه‌الله إذا ثبت أنّ الإمام فاسق أو كافر أو على غير طهارة لم تبطل صلاة المؤتم ، ولو كان عالماً أعاد ـ : أمّا أنّه يجب على المأموم الإعادة إذا كان عالماً ، إلى آخره. فلا ريب فيه ؛ لأنّه صلّى صلاةً منهياً عنها فكانت فاسدةً ، وأمّا أنه لا يجب عليه الإعادة إذا تبيّن ذلك بعد الصلاة فهو أشهر القولين في المسألة وأظهرهما ، ونقل عن المرتضىرضي‌الله‌عنه وابن الجنيد أنّهما أوجبا الإعادة ، وحكى ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه عن جماعةٍ من مشايخه‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٦٣ / ١٢٠٠ ، وما بين المعقوفين في النسخ : يحمل ، وما أثبتناه من المصدر هو الأنسب.


أنّه سمعهم يقولون ، إلى آخره(١) . انتهى. والحال ما سمعت.

وحكى في المختلف عن ابن بابويه في المقنع أنّه قال فيه : لو خرج قوم من خراسان أو بعض الجبال وكان يؤمّهم رجل ، فلمّا صاروا إلى الكوفة أُخبروا بأنّه يهودي فليس عليهم إعادة شي‌ءٍ من الصلوات التي جهر فيها بالقراءة ، وعليهم إعادة الصلوات التي صلّى ولم يجهر بالقراءة(٢) .

وغير خفي أنّ هذا صريح في أنّ ما قاله الصدوق بعد الرواية من تتمّتها ، وقوله : والحديث المفسّر ؛ حينئذٍ يكون صريحاً فيما قلناه ، وهذا يرجّح الاحتمال السابق ، وقد وقفت على كلام المختلف بعد ما كتبته ، فالتعجب من الشيخ ومن قدّمناه يزيد من هذا الكلام ، ويوجب فائدة أُخرى ، وهو الحكم من الصدوق بصحّة ما نقله في المقنع(٣) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العلاّمة احتجّ بالخبر الأوّل واصفاً له بالصحّة على مطلوبه من عدم الإعادة بتقدير تبيّن الكفر أو الفسق ، بعد أن قدّم عليها أنّها صلاة مأمور بها ، وذكر أيضاً رواية ابن أبي عمير في الحسن عن بعض أصحابه وهذه قدّمناها عن قريب عن الشيخ ، كما نقلها العلاّمة عن الصدوق من غير إرسال واعترض على نفسه : بأنّ عبد الله بن بكير فطحي ، ومورد الرواية غير محلّ النزاع ، ثم أجاب بأنّ ابن بكير وإن كان فطحياً إلاّ أنّ المشايخ وثّقوه ، وأنّ الكشّي قال في موضع : إنّه ممّن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه ، ثم قال : والفرق بين الجنب والكافر ضعيف(٤) .

__________________

(١) المدارك ٤ : ٣٧٢.

(٢) المختلف ٢ : ٤٩٩ ، وهو في المقنع : ٣٥.

(٣) المقنع : ٣٥.

(٤) المختلف ٢ : ٤٩٧.


وأنت خبير بأنّ توثيق ابن بكير لا يوجب صحّة ( الخبر ، والإجماع على التصحيح إنّما هو على اصطلاح المتقدمين ، وذكر الصحيح منه خلط للاصطلاح. وخبر ابن أبي عمير )(١) قد سمعت حاله من الفقيه(٢) ، والفرق بين الجنب والكافر بعد نقل الصدوق ظاهر ، فالعجب من هؤلاء الفضلاء كيف يغفلون عن هذه الأُمور ، والله تعالى أعلم بالحال.

قوله :

باب الإمام إذا أحدث فيقدّم(٣) من

فاتته ركعة أو ركعتان لإتمام الصلاة.

محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن ابن أبي عمير ، عن معاوية بن عمّار ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل يأتي المسجد وهم في الصلاة وقد سبقه الإمام بركعة أو أكثر فيعتلّ الإمام فيأخذ بيده ( ويكون أدنى القوم إليه ) (٤) فيقدّمه؟ فقال : « يتمّ الصلاة بالقوم ثم يجلس حتى إذا فرغوا من التشهد أومأ بيده إليهم عن اليمين والشمال ، فكأنّ الذي أومأ إليهم بيده التسليم (٥) وانقضاء صلاتهم وأتمّ هو ما كان قد فاته أو ما بقي‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « م » : الأخبار والإجماع على ابن أبي بكير ، وعبارة : وذكر الصحيح ، ساقطة عن « رض ».

(٢) راجع ص ١٧٠ ١٧١.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٣٣ : فقدّم.

(٤) ما بين القوسين ليس في النسخ ، أثبتناه من التهذيب ٣ : ٤١ / ١٤٤ ، والاستبصار ١ : ٤٣٣ / ١٦٧٢.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٣٣ / ١٦٧٢ : وكأنّ الذي أومى بيده إليهم هو التشهد.


عليه ».

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن العبّاس بن معروف ، ( عن ابن سنان )(١) ، عن طلحة بن زيد ، عن جعفر ، عن أبيهعليهما‌السلام قال : « سألته عن رجلٍ أمّ قوماً وأصابه رعاف بعد ما صلّى ركعة أو ركعتين فقدّم ( من صلّى )(٢) من قد فاته ركعة أو ركعتان؟ قال : يتمّ بهم الصلاة ثم يقدّم رجلا فيسلّم بهم ويقوم هو فيتمّ بقية صلاته ».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على ضرب من الاستحباب وإن كان الإيماء يكفيه(٣) حسب ما تضمّنه الخبر الأوّل.

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي ، عن الحكم بن مسكين ، عن معاوية بن شريح قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « إذا أحدث الإمام وهو في الصلاة لا ينبغي أن يقدّم(٤) إلاّ من شهد الإقامة ».

فالوجه في هذا الخبر ضرب من الاستحباب ، ولأجل ذلك قال : « لا ينبغي » ولم يقل : لا يجوز ، وذلك صريح بالكراهية.

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن هشام بن سالم ، عن سليمان بن خالد قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يؤمّ القوم فيحدث فيقدّم رجلاً قد سبق بركعة ، كيف يصنع؟ قال : « لا يقدّم من سبق بركعة ، ولكن يأخذ بيد غيره فيقدّمه ».

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٣٤ : يكفي.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٣٤ / ١٦٧٤ : يتقدّم.


فهذا الخبر وإن كان ظاهره النهي فنحن نحمله على ضرب من الكراهية ، بدلالة ما تقدّم من الأخبار.

السند :‌

في الأوّل : قد تكرّر القول فيه بما يغني عن الإعادة من جهة محمّد ابن إسماعيل(١) ، وأمّا غيره فلا ارتياب فيه على ما مضى أيضاً(٢) .

والثاني : فيه ابن سنان وطلحة بن زيد ، والأوّل هو محمّد ؛ لروايته عن طلحة في النجاشي ، وقد مضى القول فيه مفصّلاً(٣) ، والحاصل أنّه ضعيف. وطلحة بن زيد قيل : عامي(٤) ، وقيل : بتري(٥) .

والثالث : فيه الحكم بن مسكين ، وهو مجهول الحال ، لذكره في الرجال بما لا يزيد عن الإهمال(٦) . وأحمد بن الحسن هو ابن فضّال ، وهو فطحي ثقة ، ومعاوية بن شريح مضى فيه القول(٧) ، وهو مهمل في الرجال ، سواء كان ابن ميسرة أو غيره.

والرابع : واضح الحال بعد ما قدّمناه في سليمان بن خالد(٨) . والنضر هو ابن سويد الثقة.

__________________

(١) راجع ج ١ ص ٤٦ ، ٥٢ ، ج ٢ ص ٧٥.

(٢) راجع ج ١ ص ٩٩ ، ج ٤ ص ١٨١ ، ج ٦ ص ٢٨.

(٣) راجع ج ١ ص ١١٧ ١١٨.

(٤) رجال النجاشي : ٢٠٧ / ٥٥٠.

(٥) رجال الطوسي : ١٢٦ / ٣.

(٦) رجال النجاشي : ١٣٦ / ٣٥٠.

(٧) راجع ج ٣ ص ٢٩.

(٨) راجع ج ١ ص ٣٥١ ، ج ٢ ص ٢١٧.


المتن :

في الأوّل : واضح الدلالة على جواز إمامة المسبوق ، وفيه دلالة على جلوسه لأجل تشهّد المأمومين ، لكن إن كان في الثلاثية فجلوسه لتشهّده الأوّل إن أدرك الثانية من المغرب ، وإن أدرك الثالثة فالجلوس لتشهّد المأمومين إن كان تقديمه في الركعة(١) ، وإن كان في أثناء تشهّد الإمام [ فالجلوس(٢) ] بقدر إتمام تشهدهم. وإن كان في الرباعية وأدرك الثانية [ فالجلوس(٣) ] لأجل تشهّدهم ، وإن كان في الثالثة فلأجل تشهّده الأوّل وتشهدهم الثاني ، ولا يبعد أن يكون الظاهر من الجلوس الزائد عن تشهده ، فيخصّ بما يقتضي ذلك.

فإن قلت : ربما يستفاد من ظاهر الخبر وجوب الإتمام ووجوب الجلوس المذكور ؛ لأنّ الجملة الخبرية في مثل هذا بمعنى الأمر.

قلت : قد قدّمنا في هذا الكتاب في إفادة الجمل الخبرية الوجوب بما حاصله : أنّ ما ذكره علماء المعاني من أنّ العدول عن الأمر لإفادة الحثّ على الفعل غير منحصر في هذا ، بل له فوائد اخرى ، ونقول هنا : إنّ إفادة الوجوب تتوقف على ثبوت وجوب إتمام الإمام صلاة الجماعة ، على معنى عدم جواز الانفراد اختياراً ، والذي وقفت عليه في كلام متأخري الأصحاب تصريح المحقّق في [ الشرائع(٤) ] بجواز مفارقته إذا نوى الانفراد(٥) ، وحكى‌

__________________

(١) في « رض » زيادة : الاولى.

(٢) في النسخ : والجلوس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) في النسخ : والجلوس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٤) في النسخ : الرابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٥) الشرائع ١ : ١٢٥ و ١٢٦.


شيخناقدس‌سره عن العلاّمة في النهاية نقل الإجماع على الجواز ، وعن الشيخ في المبسوط القول بأنّ من فارق الإمام لغير عذر بطلت صلاته(١) . وقد أشبعت القول في المسألة في حواشي الروضة ، وسيأتي هنا إن شاء الله بعض القول في ذلك في باب من رفع رأسه قبل الإمام.

وأمّا حكم نيّة الانفراد للإمام جوازاً أو منعاً فلم أقف على مصرّح بالحكم الآن ، سوى أنّ المحقّق في الشرائع قال : وكذا لو عرض للإمام ضرورة جاز أن يستنيب ، ولو فعل ذلك اختياراً جاز أيضاً(٢) .

وذكر شيخناقدس‌سره أنّ المحقق ردّ بقوله : ولو فعل ذلك اختياراً يعني المبطل اختياراً جاز أيضاً ، على أبي حنيفة ، حيث منع من استخلاف الإمام إذا تعمّد فعل المبطل ، وأوجب على المأمومين الإتمام فرادى(٣) . وكأنّهقدس‌سره وقف على ما يقتضي مراد المحقق ، ولولاه أمكن أن يقال : إنّ مراده لو استناب من غير ضرورة جاز ، على معنى جواز الاستنابة اختياراً ، بأن ينوي انفراده ويستنيب غيره ، إلاّ أنّ هذا يقتضي عدم الفائدة ظاهراً في استنابة غيره ، بل إذا جاز نيّة الانفراد جاز استنابة غيره وعدمها ، بأن ينفرد المأمومون أو يستنيبوا أحداً.

إلاّ أن يقال : إنّ كلام المحقّق لمّا كان بصدد استنابة الإمام ذكر ما قاله ؛ وممّا يدفع هذا : أنّ الإمام لو فعل المبطل اختياراً فقد يحصل به الفسق ، وقد ذكر المحقّق مسألة ما لو علم المأموم في الأثناء فسق الإمام ، ونقل القول بالاستئناف واختار الانفراد(٤) ، وحينئذٍ لا مجال لاحتمال ما ذكرناه إلاّ‌

__________________

(١) المدارك ٤ : ٣٧٧.

(٢) الشرائع ١ : ١٢٥.

(٣) المدارك ٤ : ٣٦٤.

(٤) الشرائع ١ : ١٢٥.


بتكلّفٍ مستغنى عنه ، وقد ذكرت ذلك مفصّلاً في حواشي المدارك.

وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ جواز مفارقة الإمام بنيّة الانفراد حيث لم أقف على القائل بها لا يمكن الحكم بالجواز ، وإن أمكن أن يقال نحو ما ذكروه في مفارقة المأموم بنيّة الانفراد من أنّ الجماعة ليست واجبة ابتداءً فكذا استدامةً ، وبأنّ الائتمام يفيد الفضيلة فتبطل بفواته دون الصحّة ، فإنّ هذين الدليلين يجريان في الإمام.

وما أجاب به شيخناقدس‌سره عن الأوّل : بأنّه لا يلزم من عدم الوجوب ابتداءً عدمه استدامةً ، وعن الثاني : بأنّ نيّة الائتمام كما تفيد الفضيلة تفيد الصحّة على هذا الوجه ، فيجب فواتها بنيّة الانفراد إلى أن يأتي بوجه آخر معلوم الصحّة(١) ؛ قد أجبنا عنه في حواشي الروضة ، والذي يقال هنا في الجواب : إنّ قوله : لا يلزم من عدم الوجوب ابتداءً عدمه استدامةً ، إنّما يتمّ إذا كان الغرض مجرد الجواب ، لأنّه مانع ، لكن لمّا كان مختاره عدم الجواز فلا يتمّ الجواب ، إلاّ أن يقال : إنّ دليله على العدم غير ما ذكره كما يعلم من مراجعة الكتاب.

والحقّ أنّ المستدل لو أراد أنّ الأصل استمرار عدم الوجوب أمكن توجيه كلامه ، غير أنّ لنا كلاماً في هذا ، والحاصل منه أنّ الصلاة هيئة مركبة من جنس وفصل هو الجماعة ، وبانعدام الفصل تنعدم حصّته ، والفصل الآخر وهو الانفراد معه حصّة أُخرى ، إلاّ أنّ هذا مبني على تحقيق الأمر في الجنس والفصل كما يعلم من موضعه.

وما قالهقدس‌سره في جواب الثاني يرجع القول فيه كالأوّل من حيث‌

__________________

(١) المدارك : ٣٧٨.


الجنس والفصل.

وإذا تمهّد هذا فالحكم في الإمام إنّما يتمشى على نحو المأموم فيما إذا قصد الإمامة وجوباً في صورة وجوب الصلاة جماعة كالجمعة على قولٍ(١) ، واستحباباً على قول آخر ، فإنّه يقال : إنّ الصلاة هيئة مركبة من المجموع كما تقدّم(٢) ، إلاّ أنّه لا يخفى لزوم بطلان الصلاة لو قارنت بعض القصود ثم تركت ، كما لو قصد الإمام الانفراد ثم قصد الجماعة في الأثناء ، ولا قائل به.

نعم في الظنّ نوع احتمال لبعض الأصحاب في صلاة الإمام جماعةً مع علمه بفسق نفسه ، ولا أعلم الآن أنّه على وجه الجزم أو مجرّد الاحتمال كما سبق نقله إجمالاً(٣) ، وعلى كل حال فانفراد الإمام اختياراً لا أعلم المصرّح بمنعه ولا بجوازه ، فالخبر المبحوث عنه يحتمل الجملة الخبرية فيه أن تكون بمعنى الأمر وجوباً فيفيد لزوم الإتمام بالقوم إلاّ مع الضرورة ، والجلوس يحتمل نحوه.

وقد سمعت القول في أنّي لم أقف الآن على المصرّح به ، غير أنّ في الفقيه ما هذه صورته : فإن قدّم مسبوقاً بركعة فإنّ عبد الله بن سنان روى عنه ، قال : « إذا أتمّ صلاته بهم فليومئ إليهم يميناً وشمالاً فلينصرفوا ثم ليكمل هو ما فاته من صلاته »(٤) .

وهذه الرواية صحيحة ، والضمير في « عنه » للصادقعليه‌السلام لتقدّم‌

__________________

(١) الروضة ١ : ٣٨٢.

(٢) في ص ١٨٤.

(٣) في ص ١٧٥.

(٤) الفقيه ١ : ٢٦٢ / ١١٩٣ ، الوسائل ٨ : ٣٧٧ أبواب صلاة الجماعة ب ٤٠ ح ١.


ذكره ، وليس فيها ذكر الجلوس ، فربما أيّد حمل الأمر بالجلوس في الخبر المبحوث عنه على الاستحباب.

ويمكن أن يقال : إنّ خبر ابن سنان مجمل والخبر المبحوث عنه مفصّل ، أو يقال : إنّ قوله : « إذا أتمّ صلاته بهم » يدلّ على الجلوس ويكون الإيماء بعده ، كما ينبّه عليه قوله : « فلينصرفوا » لأنّ الانصراف عقيب الإيماء يدلّ على سبق التشهّد ، والحال أنّ الانصراف بعد الإيماء فيكون الجلوس حاصلاً ، ويمكن أن يقال : إنّ الانصراف يراد به إكمال صلاتهم بالتشهد ، وفيه بُعد ، والحقّ أنّ خبر ابن سنان مجمل كالخبر المبحوث عنه ؛ لما ذكرناه من تفاوت حال المسبوق.

ثم إنّ الخبر المبحوث عنه مجمل من جهة الجلوس على تقدير إرادة الزائد ، فإن كان المراد به مجرّد الجلوس من دون تشهّد ، كما هو الظاهر من قوله : « حتى إذا فرغوا من تشهدهم » دلّ على أنّ الواجب أو المستحب مجرّد الجلوس من دون الذكر ، وإن كان المراد به مع الذكر ، بأن يحمل تشهّدهم على المجموع منه ومنهم أمكن لزوم الذكر أو استحبابه.

والعجب من عدم تعرّض شيخناقدس‌سره للخبر مع ذكره في الاستدلال على جواز استنابة المسبوق(١) ، وكذلك بعض محقّقي المتأخرينرحمه‌الله في شرح الإرشاد(٢) .

وربما يستفاد من الخبر المبحوث عنه أنّ الإمام يسلّم على اليمين والشمال ؛ لأنّ الإيماء منه مقام التسليم كما هو ظاهر الخبر ، ويحتمل أن يكون الإيماء من الإمام إشارةً إلى أنّهم يسلّمون على اليمين والشمال ،

__________________

(١) المدارك ٤ : ٣٦٧.

(٢) مجمع الفائدة ٣ : ٣٢٤.


فيفيد تسليم المأمومين كذلك(١) .

وقولهعليه‌السلام : « فكأنّ الذي أومأ إليهم » إلى آخره ، محتمل لأن يراد أنّ الإيماء منه تسليم ، أي إيذان بالانصراف ، ويحتمل أن يراد أنّ الإيماء يراد به التسليم ، بمعنى أنّ الإشارة باليد لأجل وقوع تسليم منهم ، وربما يرجّح هذا قوله : « وانقضاء صلاتهم » إلاّ أن يقال : إنّ الإيماء منه تسليم فتنقضي صلاتهم به ، وحينئذٍ يدلّ على عدم وجوب التسليم ، كما ذكره بعض محقّقي المتأخرينرحمه‌الله (٢) وفيه : أنّ احتمال غيره ممّا ذكرناه موجود.

وأما ما تضمّنه من قوله : « أو بقي عليه » ترديد من الراوي في أي اللّفظين وقع من الإمامعليه‌السلام ، هذا.

وأمّا الثاني : فدلالته(٣) لا تخلو من إجمال ؛ لأنّ التسليم بهم إمّا أن يراد به مع جلوسه المستفاد من الأوّل ، أو مع عدمه بأن يتمّ من غير جلوس ويشير إلى من تشهّد معهم بأن يسلّم أو لا. وقول الشيخ : إنّه محمول على الاستحباب ، كالخبر في الإجمال ، لما ذكرناه. واحتمال الفرق بين الرعاف وغيره يدفعه : أنّ الأوّل فيه العلّة وهي أعم من الرعاف ، إلاّ أن يقال بانصراف العلّة إلى المرض ، كما سيأتي في اللغة.

والثالث : ما قاله الشيخ متوجّه فيه ، إلاّ أنّ لفظ « لا ينبغي » يستعمل في غير الكراهة في الأخبار ، والصراحة محلّ كلام ، نعم الظهور ربما يدّعى.

والرابع : محمل(٤) الكراهة فيه واضح.

__________________

(١) في « فض » زيادة : يدل عليه بعض الاخبار في التشهد حيث قال.

(٢) مجمع الفائدة ٣ : ٢٦٠.

(٣) في « رض » و « م » زيادة :عليه‌السلام .

(٤) في « رض » : محلّ.


اللغة :

قال في القاموس : العِلّة بالكسر المرض علّ يعلّ واعتلّ وأعلّه الله فهو مُعَلّ وعليل ولا تقل معلول(١) .

قوله :

باب من لم يلحق تكبيرة الركوع‌

الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ، عن محمّد ابن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : قال : لي : « إذا(٢) لم تدرك القوم قبل أنْ يكبّر الإمام للركعة فلا تدخل(٣) معهم في تلك الركعة ».

عنه ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « لا تعتدّ بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الإمام ».

عنه ، عن النضر ، عن عاصم ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « إذا أدركت التكبيرة قبل أنْ يركع الإمام فقد أدركت الصلاة ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن هشام ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال : « في الرجل إذا أدرك الإمام وهو راكع فكبّر الرجل وهو مقيم صلبه ثم ركع قبل أنْ يرفع الإمام رأسه‌

__________________

(١) القاموس المحيط ٤ : ٢١.

(٢) في التهذيب ٣ : ٤٣ / ١٤٩ ، والاستبصار ١ : ٤٣٤ / ١٦٧٦ : إن.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٣٤ / ١٦٧٦ : فلا تدخلنّ.


فقد أدرك الركعة ».

وما رواه محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا أدركت الإمام وقد ركع فكبّرت وركعت قبل أنْ يرفع رأسه فقد أدركت الركعة ، فإنْ رفع الإمام رأسه قبل أنْ تركع فقد فاتتك ».

فالوجه في هذين الخبرين أنْ نحمل قوله : « إذا أدركت الإمام وهو راكع » وفي الخبر الأخير(١) : « وقد ركع » على اللحوق به في الصفّ الذي لا ينبغي التأخير عنه مع الإمكان وإنْ كان قد أدرك تكبيرة الركوع قبل ذلك المكان ، لأنّ من سمع الإمام يكبّر للركوع وبينه وبينه مسافة يجوز له أنْ يكبّر ويركع حيث انتهى به المكان ثم يمشي في ركوعه إنْ شاء حتى يلحق به ، أو يسجد في مكانه ، فإذا فرغ من سجدتيه ( لحق به )(٢) أيّ ذلك شاء فعل ، ومتى حملنا هذين الخبرين على هذا الوجه لم تتناقض الأخبار ، والذي يدلّ على جواز ما ذكرناه :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن محمّد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام ، أنّه سُئل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف أن تفوته الركعة؟ فقال : « يركع قبل أنْ يبلغ القوم ويمشي وهو راكع حتى يبلغهم ».

محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن عبد الله بن محمّد ابن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبان ، عن عبد الرحمن بن‌

__________________

(١) ساقط عن « م » و « رض » وفي « فض » : الآخر ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٤٣٥.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».


أبي عبد الله (١) ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « إذا دخلت المسجد والإمام راكع وظننت أنّك إنْ مشيت إليه رفع رأسه قبل أنْ تدركه فكبِّر واركع ، فإذا ( رفع رأسه فاسجد مكانك ، فإنْ قام فالحق بالصف ، وإن جلس فاجلس مكانك ، فإذا ) (٢) قام فالحق بالصف ».

السند :‌

في الثلاثة الأُول : واضح بما كرّرنا القول فيه(٣) . وجميل هو ابن درّاج في التهذيب(٤) . والنضر في الثالث ابن سويد. وعاصم فيه اشتراك(٥) ، وربما يظن أنّه ابن حميد عند الإطلاق.

والرابع : كالأوّلين ، وهشام هو ابن سالم في التهذيب(٦) .

والخامس : حسن.

والسادس : صحيح على ما تقدّم(٧) .

والسابع : فيه عبد الله بن محمّد ، وحاله في الرجال لا يزيد عن الإهمال(٨) . وأبان في الظنّ أنّه ابن عثمان لتكرّر روايته عن عبد الرحمن ،

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٣٦ / ١٦٨٢ زيادة : البصري.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) راجع ج ١ ص ٦٩ ، ٩٩ ، ٤١٤ ، ج ٢ ص ٢٥٧ ، ج ٣ ص ٢٦٦ ، ج ٦ ص ٦ ، ٧٤ من هذا الجزء.

(٤) التهذيب ٣ : ٤٣ / ١٤٩.

(٥) هداية المحدثين : ٨٧.

(٦) التهذيب ٣ : ٤٣ / ١٥٢.

(٧) تقدم في ص ١٧٥.

(٨) هو عبد الله بن محمد بن عيسى الملقّب ببنان أخو أحمد بن محمد بن عيسى. رجال الكشي ٢ : ٧٩٦ ، ٧٩٩ ، رجال النجاشي : ٣٢٨ / ٨٨٨.


حتى في الكافي في هذه الأبواب ورد مفسّراً بابن عثمان في غير هذا الخبر(١) ، وفي الفقيه مرويّاً صحيحاً(٢) .

المتن :

في الأوّل : ظاهر في النهي عن الدخول في الركعة إذا لم يدرك التكبير.

والثاني : ظاهر في عدم الاعتداد بالركعة ، وربما يستفاد منه عدم الدخول ، ويحتمل الدخول مع عدم الاعتداد ، إلاّ أنّ إجماله يمكن تفصيله من الأوّل ، أو يقال : إنّ جواز الدخول من دون الاعتداد موقوف على الدليل ، والأخبار من حيث الإجمال لا تصلح للاستدلال ، هذا على تقدير العمل بظاهر النهي ، لكن ستسمع القول بعد المعارض(٣) .

والثالث : يدلّ بمنطوقه على أنّ إدراك التكبيرة يقتضي إدراك الصلاة ، وبمفهومه عدم الإدراك ، إلاّ أنّ المفهوم مع المعارض لا يعمل به ، إمّا مطلقاً ، أو في الجملة. واحتمال أنْ يراد بالتكبيرة تكبيرة الإحرام من المأموم ، على معنى أنّك إذا لم تكبّر تكبيرة الإحرام قبل ركوعه لم تدرك الصلاة ؛ خلاف الظاهر من اللفظ ، وبتقديره فالأوّلان ظاهران في اعتبار تكبيرة الركوع ، فلو حمل هذا على ما ذكر لزم أنّه لو لم يدرك تكبيرة الركوع لكن كبّر للإحرام قبل أنْ يركع الإمام أجزأه ما في الأوّلين ، إلاّ أنْ يقال : إنّ هذا على تقدير القول بالمنع مسلّم ، أمّا على القول بالكراهة فلا ،

__________________

(١) الكافي ٣ : ٣٨١ / ٤.

(٢) الفقيه ١ : ٢٥٤ / ٥٨ ، وانظر مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ١١.

(٣) في ص ١٩٥.


وفيه ما فيه.

والرابع : كما ترى ظاهر في إدراك الركعة بالتكبير حال الانتصاب والركوع قبل رفع الإمام رأسه ، والمفهوم منه أنّه لو اختلّ أحد المذكورات لا تدرك الصلاة ، لكن التكبير يحتمل أنْ يراد به تكبيرة الإحرام ، ويحتمل تكبير الركوع ، وربما يؤيّد الثاني ظاهر قوله : « ثم ركع » إمّا إقامة الصلب فلا تصلح مؤيّداً ، وعلى هذا فالتكبير على المشهور من استحبابه. ربما يقال : إنّ عدمه لا يؤثّر ، إلاّ أنْ يدّعى اختصاص الجماعة بما ذكر وإنْ كان التكبير مستحباً ، لكن لا أعلم القائل بذلك.

وأمّا على القول بالوجوب فإشكال(١) ، يتوقف القول فيه على العلم بمراد القائل بالوجوب.

وأمّا إقامة الصلب لو انتفت أمكن القول فيها كالتكبير ، ونفي القول مثله.

والحقّ أنّ الخبر الخامس يدلّ بظاهره على أنّ الرفع مع عدم الركوع معه موجب لفوت الصلاة فيقيِّد الأوّل ، وإنْ كان فيه إطلاق من جهة عدم ذكر التكبير والانتصاب فيقيّده الأوّل ، غير أنّه يبقى نوع إجمالٍ في الخامس ، ولعلّ الأمر سهل.

ثم إنّ الرفع من الإمام كأنّ المراد به الأخذ في الرفع على المعروف ، لكن الأخذ في الرفع إنْ كان في محلّ الركوع بحيث لا يزيد عنه فالأمر واضح ، أمّا لو زاد في الانخفاض طلباً لنوعٍ من الكمال المستفاد من بعض الأخبار احتمل اغتفار الارتفاع إذا لم يرتفع عن حدّ الركوع ، نظراً إلى تحقّق‌

__________________

(١) في « رض » و « م » : فالإشكال.


الركوع معه ، ويحتمل عدمه ، نظراً إلى إطلاق النص ، والاحتياط مطلوب.

أمّا تناول الخبر لِما إذا شاركه في الذكر وعدم المشاركة أصلاً أو في الواجب [ فظاهر(١) ] من الإطلاق.

وقد ذكر جدّيقدس‌سره أنّه لو شكّ في الإدراك لم يعتدّ بالركعة(٢) . وقد يقال : إنّ الشرط في الخبر كما ذكر للإدراك ذكر أيضاً بالمفهوم لعدم الإدراك ، فالترجيح يحتاج إلى مرجّح.

فإنْ قلت : المرجّح هو كون الرواية صريحة في الإدراك المعلوم منه أنّه الشرط ، فلا بُدّ من العلم به ، ومع عدم العلم لا يحصل الشرط ، وعدم الاعتداد ليس مشروطاً بعدم الإدراك ، بل بعدم العلم ، والفرق واضح.

قلت : لِما ذكرت وجه ، إلاّ أنّ العلم غير مأخوذ في اللفظ ، وقد يمكن اعتباره من خارج ، والحق التكلّف في الجواب.

أمّا ما عساه يقال : إنّ الفائدة منتفية ؛ لأنّ الأمرين إذا تساويا بالنسبة إلى الشرطين تساقطا ، ويبقى التكليف بالعبادة ( موجوداً ، فيأتي بما يزيله.

فيمكن الجواب عنه : بأنّ النهي عن إبطال العمل )(٣) موجود ، إلاّ أنّه يمكن أنْ يقال : إنّ العمل غير متحقق ليدخل في النهي ، وفيه : أنّ الدخول في الصلاة متحقق ، غاية الأمر أنّ الإتمام وعدمه موقوفان على الشروط ، إلاّ أنْ يقال : إنّ الجماعة لا يتحقق الدخول فيها إلاّ بتحقق الشرط ، وهو إدراك الإمام ، ومع عدم العلم لا تتحقق الجماعة فتبطل ، وهذا ليس من قسم المنهي عنه ، إذ لا إبطال ، بل هي في نفسها باطلة ، على أنّ في آية(٤) النهي‌

__________________

(١) في النسخ : وظاهر ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) الروضة ١ : ٣٧٨ ، المسالك ١ : ٤٣.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٤) محمّد : ٣٣.


عن إبطال العمل كلاماً ، من حيث إنّ ظاهرها إبطال جميع الأعمال ، وهذا لا يتحقّق إلاّ بالكفر نعوذ بالله منه وحينئذٍ ترجع إلى النهي عنه ؛ هكذا قيل ، وقد تقّدم في الآية كلام منّا غير بعيد.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العلاّمة في المختلف نقل عن الشيخ في النهاية أنّه قال : من لحق تكبيرة الركوع فقد أدرك تلك الركعة ، فإنْ لم يلحقها فقد فاتته ، وبه قال ابن البرّاج ، وقال السيّد المرتضى : لو أدركه راكعاً فقد أدرك تلك الركعة واختاره ابن إدريس وإنْ لم يدرك تكبيرة الركوع ، وبه قال ابن الجنيد ، وهو الأقوى. ثمّ استدلّ بأنّ تكبيرة الركوع مستحبة ، فلا تكون شرطاً للإدراك ، وبرواية سليمان بن خالد واصفاً لها بالصحّة ، ( وبحسنة الحلبي.

ثم نقل احتجاج الشيخ بالأخبار الثلاثة الأُول واصفاً لها بالصحّة )(١) ، وهو يقتضي تعيّن عاصم ، وأنّه تأوّل الخبرين الدالين على الإدراك بنحو ما ذكره الشيخ هنا مع تأييده بخبر محمّد بن مسلم السادس ، وزاد على ذلك أعني الشيخ أنّه بفوات أوّل الركوع يكون قد فاته الواجب من الركوع ، وإدراكه بعد قضاء الواجب وهو في(٢) حالة الندب ، فيكون كإدراكه بعد الانتصاب. وأجاب العلاّمة : بأنّ المراد بإدراك تكبيرة الركوع إدراك الركوع ، لأنّه الظاهر ، ويمنع فوت الركوع بفوات أوّله(٣) . انتهى ملخّصاً.

ولقائلٍ أنْ يقول : إنّ ظاهر الأخبار خلاف ما قاله ، والأولى الحمل على كراهة الدخول إذا لم يدرك التكبير ، لكن يمكن أنْ يقال : إنّ هذا في‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) ليست في النسخ ، أثبتناها من المصدر.

(٣) المختلف ٢ : ٥٠٤.


الركعة الأخيرة يتعارض الفرار من الكراهة وفوات الجماعة ، ( وربما ترجّح الجماعة )(١) ، أو تحمل الأخبار على غير الأخيرة ، وحينئذٍ ما قاله شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب : من أنّ الأجود حمل النهي الوارد في خبر محمّد بن مسلم يعني الخبر الأوّل على الكراهة ؛ محلّ تأمّل على الإطلاق ، إلاّ أنْ يقال : إنّ كراهة الجماعة يراد بها الأقلّ ثواباً ، فلا يكون الترك أولى ، إلاّ إذا أمكن الفعل بدون الكراهة ، فإذا انتفى انتفت الكراهة ، وفي البين كلام.

فإنْ قلت : مقتضى الخبر الثاني عدم الاعتداد بالركعة ، ولا يلزم منه عدم الاعتداد بالصلاة ، فيجوز أنْ تتحقق الجماعة من دون الاعتداد بالركعة ، كما في إدراك الإمام بعد رفعه من السجود ، أو بعد رفعه من الركوع.

(قلت : قد نقل عن العلاّمة شيخناقدس‌سره التوقف في هذا الحكم أعني الدخول بعد الرفع من الركوع )(٢) لرواية محمّد بن مسلم أعني الاولى من الباب ثم قال : وهو في محلّه ، لا لما ذكره من النهي في الرواية عن الدخول فإنّه محمول على الكراهة ، بل لعدم ثبوت التعبّد بذلك(٣) ، انتهى.

وقد يقال : إنّ قولهعليه‌السلام في الخبر الثاني « لا تعتدّ بالركعة » دون الصلاة يشعر بأنّ الدخول مشروع ، وكذلك الأخبار الدالّ مفهومها على عدم إدراك الركعة إذا لم يدرك التكبير ، وقد روى الشيخ في التهذيب ، عن محمّد ابن أحمد بن يحيى ، عن ابن أبي نصر ، عن عاصم ، عن محمّد بن مسلم قال : قلت له : متى يكون يدرك الصلاة مع الإمام؟ قال : « إذا أدرك الإمام وهو في السجدة الأخيرة من صلاته فهو مدرك لفضل الصلاة مع الإمام »(٤) .

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٣) المدارك ٤ : ٣٨٥.

(٤) التهذيب ٣ : ٥٧ / ١٩٧ ، الوسائل ٨ : ٣٩٢ أبواب صلاة الجماعة ب ٤٩ ح ١.


وهذه الرواية موصوفة بالصحّة من شيخناقدس‌سره (١) إلاّ أنّ في الطريق عاصماً ، ولا يبعد كونه ابن حميد.

وربما كانت دالّة على إدراك الركعة بعد الرفع من الركوع فتؤيد ما يشعر به الخبر السابق ، إلاّ أنْ يقال : إنّ ظاهر الرواية في السجدة الأخيرة.

وروى الشيخ في زيادات الصلاة من التهذيب ، عن أحمد بن الحسن ابن علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجلٍ أدرك الإمام وهو جالس بعد الركعتين؟ قال : « يفتتح الصلاة ولا يقعد مع الإمام حتى يقوم »(٢) وفيه دلالة غير خفيّة ، ولعلّ ضعفه بسبب عدم الطريق(٣) إلى أحمد ، ولا يضرّ في إثبات السنّة ، وإنْ كان في البين كلام.

وروى الصدوق في الفقيه ، عن عبد الله بن المغيرة قال : كان منصور ابن حازم يقول : إذا أتيت الإمام وهو جالس قد صلّى ركعتين فكبّر ثم اجلس(٤) . وهذا الحديث من المؤيدات ، إلاّ أنّ في الظاهر منه أنّه ليس عن الإمامعليه‌السلام ، ( وفيه من البعد ما لا يخفى ، بل الظاهر أنّها رواية من غير ذكر الإمامعليه‌السلام )(٥) ، والطريق إلى عبد الله بن المغيرة فيه حسن ، وآخر فيه كلام ، لكن رواية الصدوق لا يخفى حالها.

إذا تمهّد هذا كلّه فاعلم أنّ ما ذكره الشيخ في تأويل الخبرين في غاية البعد عن ظاهرهما ، وقوله : إذا حملناهما على هذا الوجه لم تتناقض الأخبار.

__________________

(١) المدارك ٤ : ٣٨٦.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٧٤ / ٧٩٣ ، الوسائل ٨ : ٣٩٣ أبواب صلاة الجماعة ب ٤٩ ح ٤.

(٣) في « فض » : السابق.

(٤) الفقيه ١ : ٢٦٠ / ١١٨٤ ، وفيه زيادة : فإذا قمت فكبّر.

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


يدلّ على انحصار الجمع فيما قاله ، والحال أنّ الكراهة أقرب المسالك.

وما قاله : من اللحوق في الصفّ الذي لا ينبغي ، إلى آخره. كأنّ المراد به اشتراط تكبيرة في موضعٍ لا يبعد عن الإمام أو المأمومين بما يزيد عن القدر المعتبر على الخلاف فيه.

وعبارة الشيخ لا تخلو من إجمال ؛ لأنّ قوله : وإنْ كان أدرك تكبيرة الركوع قبل ، إلى آخره. يدلّ على أنّ محلّ الركوع غير محلّ السماع ، والتسديد ممكن لو ثبت(١) الدليل على اعتبار المقدار في هذه الصورة ، والخبران المذكوران لا يدلاّن على ذلك إلاّ(٢) من حيث ذكر المسجد ، واحتمال اغتفار(٣) البعد بما يزيد عن مقدار التخطّي عند الشيخ ، وإلاّ ففي بعض الأخبار المعتبرة اعتبار مقدار التخطّي ومسقط الجسد(٤) ، إلاّ أنّ ظاهر الخبر في الصفوف ، فيجوز خروج ما تضمّنه الخبران عن ذلك ، فيجوز التكبير وإنْ بعُد ، لكن في المسجد ، وفي ما وقفت عليه من كلام الأصحاب نوع إجمال.

ثم إنّ الرواية الأخيرة رواها الصدوق بلفظ : وروى عن عبد الرحمن ابن أبي عبد الله(٥) ، والطريق إليه صحيح ، وقد قدّمنا(٦) ما يقال في مثل هذا ، وروى عن الحلبي(٧) الرواية الحسنة هنا(٨) ، وطريقه صحيح.

__________________

(١) في « فض » ما يمكن أن يقرأ : بيّنا.

(٢) في « رض » : الأمر.

(٣) في « فض » : اعتبار.

(٤) الوسائل ٨ : ٤١٠ أبواب صلاة الجماعة ب ٦٢.

(٥) الفقيه ١ : ٢٥٤ / ١١٤٨.

(٦) في ص : ١٤٤.

(٧) في النسخ : زيادة : و، حذفناها لاستقامة العبارة.

(٨) الفقيه ١ : ٢٥٤ / ١١٤٩.


ثم إنّ دلالة الخبرين الأخيرين واضحة ، ويتفرع منهما أحكام غير خفيّة.

نعم ينبغي أنْ يعلم أنّ الشيخ روى في التهذيب ، عن الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن معاوية بن وهب قال : رأيت أبا عبد اللهعليه‌السلام يوماً وقد دخل المسجد الحرام لصلاة العصر ، فلمّا كان دون الصفوف ركعوا فركع ثم سجد السجدتين ثم قام يمضي(١) حتى لحق بالصفوف(٢) . وهذا الحديث غير خفي أنّه ينادي بالتقية ، لأنّهعليه‌السلام لم يكن يصلّي مأموماً مع من يوثق ( به في المسجد الحرام ، وحينئذٍ يمكن حمل الأخبار الدالّة على ذلك على التقية ، إلاّ أنّي لا أعلم من توقّف )(٣) من الأصحاب في الحكم ، والله تعالى أعلم بحقائق الأُمور.

قوله :

باب من فاتته مع الإمام ركعة أو ركعتان.

الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة (٤) ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « إذا أدرك الرجل بعض الصلاة وفاته بعض خلف إمام يحتسب بالصلاة خلفه جعل (٥) ما أدرك أوّل صلاته ، إنْ أدرك من الظهر أو العصر أو العشاء ركعتين (٦) وفاتته ركعتان قرأ في‌

__________________

(١) في التهذيب : فمضى.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٨١ / ٨٢٩.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) في « فض » و « م » : عن ابن أذينة.

(٥) في التهذيب ٣ : ٤٥ / ١٥٨ ، والاستبصار ١ : ٤٣٦ / ١٦٨٣ زيادة : أوّل.

(٦) في الاستبصار ١ : ٤٣٦ / ١٦٨٣ : الركعتين.


كلّ ركعةٍ ممّا أدرك خلف الإمام في نفسه بأُمّ الكتاب وسورة ، فإنْ لم يدرك السورة تامّةً أجزأته أُمّ الكتاب ، فإذا سلّم الإمام قام فصلّى ركعتين لا يقرأ فيهما ، لأنّ الصلاة إنما يقرأ فيها في الأوّلتين في كلّ ركعةٍ بأُمّ الكتاب وسورة ، وفي الأخيرتين لا يقرأ فيهما إنّما هو تسبيح وتكبير وتهليل ودعاء وليس فيهما قراءة ، فإنْ أدرك ركعةً قرأ فيها خلف الإمام ، فإذا سلّم الإمام(١) قام فقرأ بأُمّ الكتاب وسورة ثم قعد فتشهّد ثم قام فصلّى ركعتين ليس فيهما قراءة ».

محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن صفوان ، عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يدرك الركعة الثانية من الصلاة مع الإمام وهي له الاولى ، كيف يصنع إذا جلس الإمام(٢) ؟ قال : « يتجافى ولا يتمكّن من القعود ، فإذا كانت الثالثة للإمام وهي له الثانية فليلبث(٣) قليلاً إذا قام الإمام بقدر ما يتشهد ثم يلحق الإمام » قال : وسألته عن الرجل(٤) الذي يدرك الركعتين الأخيرتين من الصلاة كيف يصنع بالقراءة؟ فقال : « اقرأ فيهما فإنّهما لك الأوّلتان(٥) ، ولا تجعل أوّل صلاتك آخرها ».

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن يحيى ، عن طلحة بن‌

__________________

(١) ليست في النسخ ، أثبتناها من الاستبصار ١ : ٤٣٦ / ١٦٨٣ ، والتهذيب ٣ : ٤٥ / ١٥٨ ، والوسائل ٥ : ٤٤٥ أبواب صلاة الجماعة ب ٤٧ ح ٤.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٣٧ / ١٦٨٤ يوجد : للتشهد.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٣٧ / ١٦٨٤ : فيلبث.

(٤) ليس في الاستبصار ١ : ٤٣٧ / ١٦٨٤.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٣٧ / ١٦٨٤ : فإنها لك الأوليان.


زيد ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن علي عليهم‌السلام قال : « يجعل الرجل ما أدرك مع الإمام أوّل صلاته » ( قال جعفر : ) (١) « وليس نقول كما يقول الحمقى ».

السند :‌

في الجميع واضح بما كرّرناه من القول في رجاله ، فالأوّل : صحيح. والثاني : كذلك بتقدير دفع الارتياب في عبد الرحمن ، ومحمّد بن الحسين هو ابن أبي الخطّاب. والثالث : ضعيف.

المتن :

في الأوّل : واضح الدلالة على القراءة بالحمد وسورة في كلّ ركعةٍ ممّا أدرك خلف الإمام في غير الأوّلتين إنْ أمكن قراءة السورتين ، وإلاّ اجتزأ بالحمد ، لكن حكم من لم يتمكن من الحمد تامّةً مسكوت عنه في الرواية ، أو أنّه لا يجزئه إلاّ الفاتحة ، فإذا لم يتمكن من إتمامها لا يسقط الفرض عنه ، لدلالة إجزاء الفاتحة من جوهر الكلام ، إلاّ أنّ في الدلالة نوع تأمّل.

ثمّ إنّ دلالته على رجحان التسبيح ظاهرة مع دعوى الاتفاق على التخيير كما سبق عن المختلف(٢) ، واحتمال اختصاص هذه المسألة بالحكم المذكور ، فيه : أنّ الظاهر من قولهعليه‌السلام : « لأنّ الصلاة إنّما يقرأ فيها » إلى آخره. العموم ، نعم حكم القراءة خلف الإمام في الصورة المذكورة ينقل فيه الخلاف عن المنتهى ، حيث قال العلاّمة : الأقرب عندي أنّ القراءة‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في النسخ ، أثبتناه من التهذيب ٣ : ٤٦ / ١٦١ ، والاستبصار ١ : ٤٣٧ / ١٦٨٥ ، والوسائل ٨ : ٣٨٩ أبواب صلاة الجماعة ب ٤٧ ح ٦.

(٢) في ج ٥ ص ١٨٠.


مستحبة ، ونقل عن بعض علمائنا الوجوب ، لئلاّ تخلو الصلاة عن قراءة ، إذ هو مخيّر في التسبيح في الأخيرتين ، ثم قال : وليس بشي‌ء ، فإنْ احتجّ بحديث زرارة وعبد الرحمن حملنا الأمر فيهما على الندب ، لما ثبت من عدم وجوب القراءة على المأموم(١) ، انتهى.

واعترضه شيخناقدس‌سره بأنّ ما تضمّن سقوط القراءة بإطلاقه لا ينافي هذين الخبرين المفصّلين ، وإنْ كان ما ذكره من الحمل لا يخلو من قرب ؛ لأنّ النهي عن القراءة في الأخيرتين للكراهة قطعاً ، وكذا الأمر بالتجافي في الثانية محمول على الاستحباب ، ومع اشتمال الرواية على استعمال الأمر في الندب والنهي في الكراهة يضعف الاستدلال بما وقع من الأوامر والنواهي على الحقيقة ، مع أنّ مقتضى الرواية القراءة في النفس ، وهو لا يدلّ صريحاً على وجوب التلفّظ(٢) ، انتهى كلامهقدس‌سره ملخّصاً.

ولقائل أنْ يقول : إنّ ما دلّ على سقوط القراءة عن المأموم وعدمه في غاية الاختلاف ، ومعه كيف يقيَّد الإطلاق بهذين الخبرين؟ ثم ما قالهقدس‌سره من أنّ النهي عن القراءة في الأخيرتين للكراهة قطعاً يشكل بأنّه يرجّح القراءة للإمام ، وإذا حملت الرواية على الكراهة بالنسبة إلى السؤال عن المصلّي خلف الإمام إذا لحق الأخيرتين يلزم أنْ يكون قولهعليه‌السلام في الرواية : « لأنّ الصلاة إنّما يقرأ فيها في الأوّلتين » عائداً إلى الصلاة المسئول عنها ، والحال أنّ الحصر لا يتمّ ، لتحقّق القراءة بما ذكر في غيرها ، ولو حمل الحصر على الإضافي بالنسبة إلى الأخيرتين المذكورتين في السؤال لزم اختصاص التسبيح المذكور فيها بالمسؤول عنه ، وحينئذٍ يلزم احتمال‌

__________________

(١) المنتهى ١ : ٣٨٤.

(٢) المدارك ٤ : ٣٨٣. بتفاوتٍ يسير.


كراهة القراءة بهذه الصورة ، والحال أنّه قائل بالكراهة للمنفرد مطلقاً ، وحينئذٍ لا بُدّ من حمل الخبر على الإطلاق فيفيد ترجيح التسبيح كذلك ، وقد قدّمنا القول مفصّلاً(١) .

وذكر بعض محققي المتأخّرينرحمه‌الله أنّ في الخبر الأوّل دلالة على وجوب السورة من جهات ، أحدها : من قوله : « قرأ في كلّ ركعة » وثانيها : من قوله : « إنّ الصلاة إنّما يقرأ فيها » إلى آخره. وثالثها : من قوله في آخرها : « فإذا سلّم قام فقرأ » إلى آخره(٢) .

ولا يخفى أنّه يتوجه عليه ما ذكره شيخنا من أنّ النهي للكراهة ، فإنّه يقتضي عدم تمامية الاستدلال.

فإنْ قلت : كون النهي للكراهة يقتضي عدم الوثوق بأنّ غيره من النهي للتحريم ، لا أنّ الأمر للاستحباب ، والحال أنّ أوامر الرواية لا مقتضي لحملها على الاستحباب ، فتبقى على حقيقتها ويتمّ المطلوب.

قلت : بل الأمر فيها كذلك ، من حيث إنّ من جملة الأوامر القراءة خلف الإمام في نفسه في الجهرية ، إذ(٣) من جملة ما ذكر العشاء ، ووجوب القراءة في الجهرية خلف الإمام على الإطلاق غير معلوم القائل ، والمستدل بما ذكر ينفيه ، والإخفاتية أمرها أظهر ، بل صرّح المستدل بالتحريم ، إلاّ أنْ يقال بتخصيص هذه المسألة ، وبتقديره فالتسليم لا يقول المستدل بوجوبه ، وقد تضمّنت الرواية اقتران التسليم بقراءة السورة.

وما عساه يقال : إنّ الفاتحة مقترنة أيضاً ، ولا ريب في وجوبها.

يمكن الجواب عنه : بأنّ ما خرج بالإجماع لا يضرّ بالحال ،

__________________

(١) في ج ٥ ص ١٨٥ ١٨٦.

(٢) مجمع الفائدة ٣ : ٣٢٥.

(٣) في « رض » و « م » : أو.


والحاصل أنّ الاعتماد على ظاهر الأمر مشكل بعد ما سمعته ، نعم في قولهعليه‌السلام : « أجزأته أُمّ الكتاب » نوع دلالة على ( وجوب السورة )(١) فلو ذكره المستدل كان أولى ، ويمكن الجواب بأنّ استعمال الإجزاء في ترك الأكمل موجود بكثرة.

فإنْ قلت : ظاهر قولهعليه‌السلام : « وفي الأخيرتين لا يقرأ فيهما » بعد قوله : « إنّما يقرأ فيها في الأوّلتين » إلى آخره. أنّ المنفي قراءة الحمد وسورة ، وهذا لا ينافي قراءة الحمد وحدها في الأخيرتين ، فلا يدلّ الخبر على كراهة القراءة في الأخيرتين.

قلت : وجه الدلالة من حيث قوله : « إنّما هو تسبيح » إلى آخره. نعم ربما يقال : إنّ قول شيخناقدس‌سره بدلالة النهي على الكراهة يشكل باحتمال النهي عن قراءة الحمد وسورة فيكون للتحريم ، والحصر في التسبيح إنّما ذكر لبيان اختصاص الأخيرتين بما ذكر دون الأوّلتين ، فهو إضافي بالنسبة إلى الأوّلتين ، وقولهعليه‌السلام : « وليس فيهما قراءة » محتمل لقراءة الحمد وسورة ، وعلى هذا فلا دلالة في النهي على الكراهة ليساعد على عدم الوثوق في الاستدلال بالخبر لردّ احتجاج القائل به ، وهذا لا يضرّ بما قدّمناه من جهة ( عدم صلاحيته للاستدلال على )(٢) وجوب السورة ، لأنّ مناط توجيهنا من جهة الأمر فيه الحاصل من الجملة الخبرية.

وقد يقال في توجيه النهي بسبب إرادة الكراهة : إنّ توجيهنا خلاف الظاهر.

فإنْ قلت : يحتمل حمل النهي على الحقيقة بإرادة عدم القراءة على‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : الوجوب.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


وجه التعيّن ، وذكر التسبيح لبيان أنّه ينبغي كونه ملحوظاً على أنّه أحد الفردين للواجب ، وحينئذٍ لا يتمّ القول بأنّ النهي للكراهة.

قلت : ولما ذكرت وجه أيضاً ، إلاّ أنّه خلاف الظاهر ، هذا.

ولا يخفى صراحة الخبر في ضميمة الدعاء إلى التسبيح فيندفع به تخيل عدم مشروعيته ، بل احتمال وجوبه على تقدير التسبيح له وجه ، وقد مضى القول في ذلك(١) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الصدوق في الفقيه روى الرواية الأُولى(٢) ، وظاهره العمل بها ، فما نقله العلاّمة(٣) لعلّ مراده به الصدوق ، ويحتمل الشيخ ، لاعتماد العلاّمة على قول الشيخ في الاستبصار.

ثم إنّ ما تضمّنه الخبر الثاني من التجافي ( قد سمعت قول شيخناقدس‌سره أنّه مستحب(٤) ، ولعلّ الوجه فيه عدم القول بالوجوب ؛ ثم إنّ التجافي )(٥) لا ينافي ما دلّ على التشهد للمسبوق في غير محلّه ، وربما يستفاد من قوله : « فليلبث قليلاً بقدر ما يتشهد » أنّ زيادة المستحبات في تشهده غير مشروعة ، بل ربما تنافي المتابعة ، إلاّ أنْ يقال : إنّ التشهّد يشمل مستحباته ، أو يقال : إنّ الأمر غير معلوم الوجوب ، لما مضى.

وما تضمّنه من قوله : « ولا تجعل أوّل صلاتك آخرها » محتمل لأُمور ، أظهرها ما يأتي(٦) من الشيخ.

__________________

(١) في ج ٥ ص ١٨٦ ١٨٨.

(٢) الفقيه ١ : ٢٥٦ / ١١٦٢.

(٣) في ص ٢٠١.

(٤) تقدّم في ص ٢٠١.

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٦) في ص ٢٠٦ ، ٢٠٧.


والثالث من الأخبار مثل الثاني في جعل ما أدرك أوّل صلاته ، أمّا دلالته على القراءة فلا ، وكأنّ الشيخ نظر إلى أنّه يقيَّد بغيره.

اللغة‌ :

قال في القاموس : جَفَا جفاءً وتجافى لم يلزم مكانه(١) . وقال : حَمُقَ ككَرُمَ وغَنِمَ حُمقاً بالضمّ وبضمتين وكسَكْرَى وسَكارى ، إلى أنْ قال : قليل العقل(٢) .

قوله :

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن يعقوب بن يزيد ، عن مروك ابن عبيد ، عن أحمد بن النضر ، عن رجلٍ ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : قال لي : « أيّ شي‌ء يقول هؤلاء في الرجل إذا فاتته مع الإمام ركعتان؟ » قال : يقولون يقرأ في الركعتين بالحمد وسورة ، فقال : « هذا يقلب صلاته فيجعل أوّلها آخرها » قلت : كيف يصنع؟ قال : « يقرأ بفاتحة الكتاب في كلّ ركعة ».

فليس ينافي هذا الخبر ما قدّمناه من الأخبار ؛ لأنّ قوله : يقرأ الحمد وحدها في الركعتين يعني في الركعتين الفائتتين لا في اللتين أدركهما ، لأنّ اللتين أدركهما ( يقرأ فيهما بالحمد وسورة ، ولأجل ذلك ردّ على من قال : يقرأ بالحمد وسورة ، بأن « هذا )(٣) يقلب صلاته » ‌

__________________

(١) القاموس المحيط ٤ : ٣١٤.

(٢) القاموس المحيط ٣ : ٢٣١.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


لأنّ في العامّة من يقول : إنّه يقرأ الحمد وسورة فيما فاته ، لأنّ اللتين فاتتاه هما الأوّلتان فيحتاج أنْ يقضيهما ، ولذلك قال في رواية طلحة ابن زيد : « وليس نقول كما يقول الحمقى ».

فأمّا رواه الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن معاوية ابن وهب قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يدرك آخر صلاة الإمام وهي أوّل صلاة الرجل فلا يمهله حتى يقرأ فيقضي القراءة في آخر صلاته؟ قال « نعم ».

قوله : يقضي القراءة في آخر صلاته ؛ تجوّز ، وإنّما أراد به ما يختصّ آخر الصلاة من قراءة الحمد دون أنْ يكون أراد به قضاء قراءة ما يختص الركعة الأُولى والثانية.

السند :‌

في الأوّل : فيه مروك بن عبيد ، ولم نرَ توثيقه إلاّ من الكشّي نقلاً عن محمّد بن مسعود ، عن علي بن الحسن(١) ، وقد قدّمنا أنّ في ابن مسعود نوع كلام(٢) ، ( لكن لم أسمع )(٣) من مشايخنا التوقف فيه. وعلي بن الحسن هو ابن فضّال ، وظاهر الخبر رواية محمّد بن مسعود ، عن علي بن الحسن ، وفي النجاشي : إنّه سمع أصحاب علي بن الحسن(٤) ، والظاهر منه أنّه لم يرو عنه بغير واسطة ، فيكون مرسلاً ( وقد تقدّم(٥) في أوّل الكتاب‌

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٨٣٥ / ١٠٦٣.

(٢) في ص ١٠٥.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٤) رجال النجاشي : ٣٥٠ / ٩٤٤.

(٥) في ج ٥ ص ١٠٧.


رواية محمّد بن مسعود ، عن علي بن الحسن بغير واسطة ، والقول واحد )(١) ، ثم في السند المبحوث عنه الإرسال أيضاً.

والثاني : صحيح على ما مضى مفصّلاً(٢) .

المتن :

في الأوّل : وإنْ كان ظاهره قراءة الحمد في كلّ ركعة المتناول لما أدركه مع الإمام وما أتى به بعد إلاّ أنّه يمكن حمله على كلّ ركعة من الباقي في المسألة المذكورة في الخبر ، والظاهر أنّ هذا غرض الشيخ ، إلاّ أنّ قوله(٣) : قوله. يقرأ الحمد وحدها في الركعتين ، لا يخلو من خلل ، وقول الشيخ : إنّ الذي أدركهما يقرأ فيهما بالحمد وسورة ، بناءً على الأخبار السابقة ، وقد يحتمل حمل الخبر على ظاهره من قراءة الحمد في كلّ ركعة من الأربع بناءً على استحباب السورة ، أو لأنّ(٤) المقصود بيان ما فيه الاشتراك بين الأربع ، ويبقى حكم السورة من جهةٍ أُخرى ، ولا يخفى ما في هذا من مخالفة الظاهر.

ثمّ إنّ قلب الصلاة قد قدّمنا احتماله لأُمور ، لكن الظاهر من نقل الشيخ عن بعض العامّة إرادة ما قالوه.

والثاني : ما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من بعد ، واحتمال التقية كأنّه أقرب ، والله تعالى أعلم.

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) راجع ج ١ ص ٦٩ ، ج ٦ ص ١٩١ ، ٤٠٧.

(٣) ليست في « رض » و « م ».

(٤) في « رض » : ولأنّ.


اللغة :

قال في القاموس : استمهله استنظره ، وأمهله أنظره(١) .

قوله :

باب من رفع رأسه من الركوع قبل الإمام.

سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن سهل الأشعري ، عن أبيه ، عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قال : سألته عمّن ركع مع إمامٍ يقتدى به ثم رفع رأسه قبل الإمام؟ قال : « يعيد ركوعه معه ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن غياث بن إبراهيم قال : سُئل أبو عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الإمام ، أيعود فيركع(٢) إذا أبطأ الإمام ويرفع رأسه معه(٣) ؟ قال : « لا ».

فالوجه في هذا الخبر أحد شيئين ، أحدهما : أنْ يكون مصلّياً خلف من لا يقتدى به ، فإنّه لا يجوز أنْ يعود ( في الركوع(٤) ، لأنّه يصير زيادة في الصلاة. والثاني : أنْ يكون فعل ذلك عامداً ، فإنّه لا يجوز أنْ يعود ) (٥) أيضاً إلى الركوع ، وإنّما ينبغي أنْ يعود إذا رفع‌

__________________

(١) القاموس المحيط ٤ : ٥٤.

(٢) في « رض » : فيرجع.

(٣) ليست في النسخ ، أثبتناها من التهذيب ٣ : ٤٧ / ١٦٤ ، والاستبصار ١ : ٤٣٨ / ١٦٨٩.

(٤) في « رض » : أن يعود أيضاً إلى الركوع.

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


رأسه ساهياً ، ليكون رفع رأسه مع رفع رأس الإمام.

السند :‌

في الأوّل : فيه محمّد بن سهل ، وهو مهمل في الرجال(١) ، إمّا أبوه فهو ثقة.

والثاني : فيه غياث بن إبراهيم ، وقد مضى أنّه بتري عن الشيخ(٢) ، لكنه ثقة في النجاشي من دون ذكر أنه بتري(٣) ، وتكرّر القول منّا في أمثال هذا من أنّ النجاشي له ترجيح(٤) ، لا ما ذكره جماعة من إمكان الجمع بين الثقة وكونه بترياً.

ومحمّد بن عيسى الأشعري المعبّر عنه بأبيه قدّمنا أنّا لم نعلم توثيقه(٥) ، بل ورد فيه ما يقتضي المدح على تقدير ما ذكروه من ألفاظ المدح.

وما عساه يقال : إنّ عبد الله بن المغيرة قد نقل الإجماع على تصحيح ما يصحّ عنه في الكشّي(٦) . قد قدّمنا ما يقتضي الجواب عنه(٧) بتقدير توثيق محمّد بن عيسى.

فإنْ قلت : على تقدير ما فهمه البعض من الإجماع على تصحيح‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٦٧ / ٩٩٦.

(٢) في ص : ٩٢٥.

(٣) رجال النجاشي : ٣٠٥ / ٨٣٣.

(٤) راجع ج ١ ص ١٠٨ ، ح ٤ ص ٨٩.

(٥) راجع ج ١ ص ٣٣١ ، ٣٤٥ ، ج ٢ ص ٢٣١ ، ج ٣ ص ١٦.

(٦) رجال الكشي ٢ : ٨٣٠ / ١٠٥٠.

(٧) راجع ج ١ ص ٥٩.


ما يصحّ عن الرجل ، هل يكون الحديث موثّقاً بتقدير مدح محمّد بن عيسى؟

قلت : قد مضى عن بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله أنّ الخبر يوصف بالموثق(١) مع أنّه أخذ في تعريف الموثّق ما يقتضي خروجه ، لكنه علّل ما ذكره بأنّ الحديث يوصف بأحسن الوصفين. وفيه تأمّل ، إلاّ أنّ الأمر سهل إذا كان كلّ من عمل بالموثّق عمل بالحسن.

وما قدّمناه عن العلاّمة في المختلف من وصف بعض روايات من أجمع على تصحيح ما يصحّ عنهم بالصحّة مع كونه على خلاف المذهب ؛ أجبنا(٢) عنه فيما مضى من أنّه خلط للاصطلاح المتأخر بالمتقدم(٣) ، لكن اللازم منه أنْ يوصف هذا بالحسن على تقدير ما فهمه البعض من معنى الإجماع ، والإشكال فيه ظاهر بالنسبة إلى تعريف الحسن ، وبالجملة فالارتياب حاصل في وصف الخبر ، فليتأمّل.

أمّا ما نقله شيخنا في باب بول الخشّاف في غياث عن الكشّي ، ونقله عن حمدويه ، عن بعض أشياخه ، وأنّ البعض غير معلوم ، وأنّ الظاهر أخذ الشيخ وصف كونه بترياً من الكشّي(٤) ، ففيه : أنّه في نهاية البعد عن الشيخ ، على أنّا لم نقف في الكشّي الآن على ما ذكرهقدس‌سره وهو أعلم ، وفي الكافي روى الخبر عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن غياث بن إبراهيم ، إلى آخره(٥) .

__________________

(١) راجع ص ١٢٦ ، ١٢٧.

(٢) في « م » : أُجيب.

(٣) راجع ص ١٧٨ ، ١٧٩.

(٤) المدارك ٦ : ١٠٦ بتفاوت.

(٥) الكافي ٣ : ٣٨٤ الصلاة ب ٦١ ح ١٤.


المتن :

لا بُدّ قبل الكلام فيه من نقل ما وقفت عليه من الأخبار غير ما ذكره الشيخ هنا ، وكذلك نقل الأقوال المنقولة في المقام ، فاعلم أنّ الشيخ روى في التهذيب ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين بن علي بن يقطين في نسخة ، وفي اخرى بعد الحسين : عن علي بن يقطين ، ولعلّها الصواب لكثرة الوقوع قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الرجل يركع مع الإمام يقتدي به ثم يرفع رأسه قبل الإمام؟ قال : « يعيد ركوعه معه »(١) .

عنه ، عن البرقي ، عن ابن فضّال قال : كتبت إلى أبي الحسن الرضاعليه‌السلام في رجلٍ كان خلف إمام يأتمّ به فركع قبل أنْ يركع الإمام وهو يظنّ أنّ الإمام قد ركع ، فلمّا ركع رآه لم يركع ، رفع رأسه ثم أعاد الركوع مع الإمام ، أيفسد ذلك عليه صلاته ، أم تجوز تلك الركعة؟ فكتب : « يتمّ صلاته ولا يفسد بما صنع صلاته ».

وهذه الرواية رواها الشيخ مع الاولى في زيادات الصلاة(٢) ، وروى الخبر الثاني من المبحوث عنهما في غير الزيادات ، لكن من غير لفظ « أبيه » بعد أحمد بن محمّد بن عيسى(٣) .

وروى أيضاً عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد ابن سنان ، عن حمّاد بن عثمان وخلف بن حمّاد ، عن ربعي بن عبد الله ،

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٧٧ / ٨١٠ ، الوسائل ٨ : ٣٩١ أبواب صلاة الجماعة ب ٤٨ ح ٣.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٧٧ / ٨١١ ، الوسائل ٨ : ٣٩١ أبواب صلاة الجماعة ب ٤٨ ح ٤.

(٣) التهذيب ٣ : ٤٧ / ١٦٤.


عن ابن أبي الجارود(١) والفضيل بن يسار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قالا : سألناه عن رجلٍ صلّى مع إمام يأتمّ به فرفع رأسه من السجود قبل أنْ يرفع الإمام رأسه من السجود؟ قال : « فليسجد »(٢) .

والسند كما ترى في النسخة التي وقفت عليها ، وهي معتبرة ، وغير خفي أنّ الصواب ابن الجارود بدل ( عن ) ولفظ « أبي » سهو ، كما يعرف من الرجال(٣) .

ثم إنّ الحديث غير واضح الصحّة ؛ لاحتمال عطف خلف بن حمّاد على حمّاد بن عثمان فيكون في السند محمّد بن سنان ، وحاله تكرّر القول فيها(٤) ، واحتمال العطف على محمّد بن سنان يتوقف على المرجّح ، ولا أعلمه ؛ لأنّ في الرجال يروي عن خلف بن حمّاد أحمد بن محمّد بن عيسى وأحمد بن أبي عبد الله ، عن محمّد بن خالد البرقي ، عنه(٥) .

وهذا كما ترى يحتمل أنْ يكون الراوي عن خلف أحمد بن محمّد ابن عيسى ، وأحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عنه ، ويحتمل اشتراك أحمد ابن محمّد بن عيسى وأحمد بن أبي عبد الله في أبيه ، لكن الفائدة منتفية مع عدم الجزم برواية أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن خلف ؛ ولو فرض جميع ما احتملناه لا مانع من رواية أحمد بن محمّد بن عيسى عن خلف بواسطة ابن سنان ، فوصف شيخناقدس‌سره الرواية بالصحّة في المدارك(٦) لا أعلم‌

__________________

(١) في المصدر : عن ربعي ، عن عبد الله بن الجارود.

(٢) التهذيب ٣ : ٤٨ / ١٦٥ ، الوسائل ٨ : ٣٩٠ أبواب صلاة الجماعة ب ٤٨ ح ١.

(٣) رجال النجاشي : ١٦٧ / ٤٤١ ، رجال الطوسي : ١٩٤ / ٣٩.

(٤) في ص ٨٥.

(٥) الفهرست : ٦٧ / ٢٦٢.

(٦) المدارك ٤ : ٣٢٨.


وجهه ، إلاّ ممّا سنذكره.

وقد رواه الصدوق في الفقيه عن الفضيل بن يسار(١) ، وفي الطريق كلام إلاّ أنّ مزيّة الرواية حينئذٍ ظاهرة ، ولو لا أنّ شيخناقدس‌سره قال : صحيحة ربعي والفضيل لأمكن أنْ يكون اعتمد على طريق الصدوق ؛ وحكى بعض محقّقي المتأخرينرحمه‌الله في شرح الإرشاد أنّ العلاّمة في المنتهى قال : ما رواه محمّد بن سنان والفضيل ، وعلى هذا تكون الرواية صحيحة(٢) ؛ إلاّ أنّ احتمال ظنّ العلاّمة أنّ الفضيل معطوف على محمّد بن سنان ممكن ، وغير خفي عدم تماميته ؛ لأنّ محمّد بن سنان روى عن حمّاد بن عثمان ، كما في التهذيب(٣) ، فكان ينبغي ما رواه حمّاد بن عثمان والفضيل ، لا محمّد بن سنان والفضيل ، ولو كان مأخذ العلاّمة غير التهذيب أمكن توجيه صحّة الحديث ، وبالجملة فالاشتباه حاصل ، وربما يظنّ قرب عطف خلف على محمّد.

وقد روى الشيخ في الزيادات ، عن سعد ، عن أبي جعفر ، عن الحسن بن علي بن فضّال قال : كتبت إلى الرضاعليه‌السلام (٤) ، وذكر المتن السابق عنه ، وهذا السند ربما كان أسلم من ذاك ، بسبب البرقي ، وإنْ اشتركا في الحسن بن علي بن فضّال.

وروى أيضاً في الزيادات بسند غير سليم يتضمن إعادة السجود(٥) ، هذا.

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٥٨ / ١١٧٣.

(٢) مجمع الفائدة ٣ : ٣٠٩.

(٣) التهذيب ٣ : ٤٨ / ١٦٥.

(٤) التهذيب ٣ : ٢٨٠ / ٨٢٣.

(٥) التهذيب ٣ : ٢٨٠ / ٨٢٤.


وأمّا الأقوال في المسألة : فقيل : إنّ المشهور كون المأموم إذا رفع رأسه قبل الإمام يستمر مع العمد على سبيل الوجوب(١) ؛ بل قال شيخناقدس‌سره إنّه لا يعلم فيه مخالفاً صريحاً ، نعم قال المفيد في المقنعة : ومن صلّى مع إمامٍ يأتمّ به فرفع رأسه قبل الإمام فليعد إلى الركوع حتى يرفع رأسه معه ، وكذلك إذا رفع رأسه من السجود قبل الإمام فليعد إلى سجوده ، ليكون ارتفاعه عنه مع الإمام ؛ وإطلاق كلامه يقتضي عدم الفرق بين العامد والناسي(٢) . انتهى.

وأمّا مع النسيان فقد قيل : إنّ المشهور الإعادة على سبيل الوجوب أيضاً(٣) .

وينقل [ على(٤) ] الحكم الأوّل يعني الاستمرار مع العمد الاستدلال بالخبر الثاني من الخبرين المبحوث عنهما ، وبأنّه لو عاد إلى الركوع أو السجود يكون قد زاد ما ليس من الصلاة ، وهو مبطل ؛ إذ لا عذر.

واعترض عليه شيخناقدس‌سره بضعف الرواية ، وعدم دلالتها على العمد ، وبأنّ الفعل المتقدم وقع منهياً عنه ، لترتّب الإثم إجماعاً ، فلا [ يبرئ ] الذمّة ، وإعادته تستلزم زيادة الواجب ، وهو مبطل ، فيحتمل بطلان الصلاة لذلك ، ويحتمل وجوب الإعادة ، كما في الناسي إنْ لم يثبت البطلان ، لإطلاق الروايات المتضمنة للإعادة(٥) . انتهى.

وفي نظري القاصر : أنّ فيه تأمّلاً ،أمّا أوّلاً : فلأنّ الخبر الموثق إذا‌

__________________

(١) روض الجنان : ٣٧٤.

(٢) المدارك ٤ : ٣٢٧.

(٣) المدارك ٤ : ٣٢٨.

(٤) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.

(٥) المدارك ٤ : ٣٢٨.


انضمّ إليه الشهرة بل عدم علم المخالف لا يقصر عن الصحيح ، كما يشهد به التأمّل في رجال الصحيح ممّا فيهم من التعارض في الجرح غالباً ، أو المعارض من الأخبار ، إذ قلّ ما يسلم من ذلك خبر.

وأمّا ثانياً : فلأنّ عدم دلالة الخبر على العمد إنْ أُريد به خصوصاً فمسلّم ولا يضرّ ؛ إذ الإطلاق كافٍ عند المعروفين من الأصحاب.

وأمّا ثالثاً : فلأنّ النهي عن الفعل إنما يتحقق إذا قلنا : إنّ الأمر بالشي‌ء يستلزم النهي عن ضدّه ، وهو لا يقول به ؛ والوجه في ذلك أنّ الواجب المتابعة ، وإذا لم يتابع حصل النهي عن عدمها ، والفعل وهو الرفع في المثال من قبيل الضدّ الخاص.

وترتّب الإثم بالإجماع إنْ أُريد به على عدم المتابعة لا يفيد ، وإنْ أُريد على نفس الرفع فلا إجماع ؛ إذ القائل بعدم الاستلزام لا يقول به هنا ، ولو فرض أنّه وقع الإثم في عبارة بعض أمكن أنْ يتوجّه عليه ما قلناه.

وما قاله جدّيقدس‌سره في الروضة : من أنّ عدم البطلان مع العمد لكون النهي ليس عن جزء الصلاة ، بل عن المتابعة ، وهي خارجة(١) ؛ قد أوردنا عليه في حواشيها ما لا بُدّ منه مفصّلاً.

والحاصل أنّ المتابعة إنْ أراد بكونها خارجة عن مطلق الصلاة فلا نسلّم ذلك ، بل هي جزء من صلاة الجماعة ، واللازم من هذا أنْ تكون صلاة الجماعة منهيّاً عنها ، لتعلّق النهي بجزئها ، ويلزم بطلان الجماعة.

ويحتمل بطلان الصلاة ؛ لما أشرنا إليه سابقاً من أنّ جنس الصلاة لا يتقوّم إلاّ بفصل ، فإذا فات الفصل وهو الجماعة أمكن بطلان الجنس‌

__________________

(١) الروضة البهية ١ : ٣٨٥.


الذي مع الفصل. ويحتمل الصحّة ؛ لقيام فصل آخر عوضه وهو الانفراد ، لكن لمّا لم يكن الانفراد مقصوداً احتمل البطلان ، لعدم تقوّم الجنس بدون فصل ، إلاّ أنْ يقال : إنّ جنس الصلاة لا بُدّ له من فصل ، إمّا الانفراد أو الجماعة ، فإذا انتفت الجماعة خلفها الانفراد ، وفيه : أنّ الانفراد يتوقّف على القصد ؛ نعم لو كان صيرورة الصلاة فرادى من غير قصد ممكناً توجّه الاحتمال ، ولا أعلم القائل بهذا ، ومن هنا يتّجه أنْ يقال بالبطلان لهذا الوجه ، ولم أرَ من ذكره من الأصحاب.

أمّا ما تخيّله بعض الأفاضلرحمه‌الله من أنّ المفارقة في الأثناء إذا جازت على قولٍ لما سبق من بعض أدلّته في هذا الكتاب عن قريب(١) فلا وجه للإثم مع العمد إذا رفع قبل الإمام ؛ فيدفعه : أنّ كلام القوم في الإثم مع بقاء القدوة قصداً ، ولهذا قال في المعتبر : تجب متابعة الإمام في أفعال الصلاة ، وعليه اتفاق العلماء(٢) ؛ مع أنّه هو(٣) وغيره(٤) نقل جواز الانفراد ، بل نُقل عن العلاّمة في النهاية دعوى الإجماع(٥) ، غاية الأمر أنّه يمكن أنْ يقال على القول بعدم وجوب استمرار الجماعة : لو(٦) تعمّد الإنسان المفارقة لا الانفراد مع قصد الجماعة لا وجه للإثم ، وقد ادُّعي الإجماع على الإثم فيدخل فيه القائل بجواز الانفراد.

وقد يجاب : بأنّ العبادة كيفية متلقاة من الشارع ، فإذا فعلها الإنسان‌

__________________

(١) راجع ص ١٨٥ ١٨٢.

(٢) المعتبر ٢ : ٤٢١.

(٣) المعتبر ٢ : ٤٤٨.

(٤) روض الجنان : ٣٧٨.

(٥) حكاه عنه في روض الجنان : ٣٧٨ ، نهاية الإحكام ٢ : ١٢٨.

(٦) في « م » : ولو.


على غير وجهها مع قصد كونها من الشارع أثِمَ وإنْ كانت مستحبة ، كما في كثير من النظائر.

وفي النظر القاصر : أنّ هذا ربما يستلزم النهي عن نفس الفعل ، كما لو فرض أنّ الإنسان صلّى النافلة بغير وضوء مع اعتقاد المشروعية ، فإنّ النهي يتوجّه إلى الصلاة.

ومثل هذا يقال فيمن رفع قبل الإمام بقصد الجماعة التي جزؤها المتابعة أو جزؤها عدم الانفراد ، فإنّ الرفع مثلاً من الركوع كيفية متلقاة من الشارع ، إمّا بأنْ يؤتى بها بقصد الجماعة متابعاً ، أو بقصد الانفراد ، فإذا أتى بها مع قصد الجماعة من دون المتابعة لا تكون مجزية ، للنهي ، وحينئذٍ يتمّ كون الفعل منهياً عنه ، والتفات شيخناقدس‌سره إلى هذا لا أظنّه ؛ لعدم سماعه منه حال الاشتغال عليه في البحث المذكور.

ومنه يعلم ما في كلام جدّيقدس‌سره في الروضة من قوله : إنّ المتابعة خارجة عن الصلاة(١) ؛ وهذا غير ما ذكرناه سابقاً(٢) ، وربما يرجع بنوعٍ من الاعتبار إلى بعضه.

وما عساه يقال : إنّ فعل غير المشروع أيّ نهي ورد عنه؟ بل غاية الأمر أنّ الفعل باطل ؛ لعدم موافقة الأمر ، والإثم إنّما هو على اعتقاد مشروعية ما ليس بمشروع ، على أنّ الإثم على الاعتقاد يحتاج إلى دليل.

يمكن الجواب عنه : بأنّ الظاهر عدم الخلاف في تحقق النهي ، وعدم الإثم على الاعتقاد إنما هو إذا لم يفعل الشي‌ء المعتقد.

ويشكل : بأنّ ما دلّ على عدم المؤاخذة على الاعتقاد يتناوله ،

__________________

(١) راجع ص ٢١٥.

(٢) في ص ٢١٥ ٢١٦.


وما يدلّ عليه بعض الآيات من المؤاخذة مخصوص بالإيمان.

وفيه : أنّ التخصيص موقوف على الدليل ، وقد وجدت في الكافي حديثاً بطريق حسن عن بكير تضمّن أنّ من همّ بسيّئةٍ لم تكتب عليه ، فإنْ عملها كتبت عليه سيّئة(١) . وهذا يدلّ على أنّ العقوبة على الفعل دون العزم ، فتأمّل.

فإنْ قلت : ما وجه ما ذكرته بقولك : أو جزؤها عدم الانفراد؟

قلت : لأجل دخول الحالة التي لم يفعل فيها المتابعة ولم يقصد الانفراد مع صحّة الجماعة عند المعروفين.

وما عساه يقال : إنّ العدم لا يكون جزءاً.

يمكن الجواب عنه : بأنّ العدم في الأحكام الشرعية قد يذكر ويراد به ما يرجع إلى الوجود ، وهنا قد يعبّر عن العدم بالحالة التي لم يقصد فيها الانفراد ، ولهذا في الفقه نظائر يطول بذكرها لسان المقال ، فينبغي التأمّل التام فيما ذكر على حسب مقتضى الحال.

وإذا عرفت هذا فاعلم أنّه يمكن أنْ يؤيَّد خبر غياث بالأصل ؛ لأنّ الأصل الصحّة بعد تحققها قبل فعل ما فعل ، وما دلّ من الأخبار المعتبرة كصحيح علي بن يقطين المنقول من التهذيب(٢) ، وغيره كالخبر الأوّل من المبحوث عنهما يحمل على جواز الرجوع ( إنْ لم يثبت الإجماع على استمرار العامد وجوباً ، أمّا ما ذكره الشيخ من حمل ما دلّ على الرجوع )(٣) على الساهي فيحتاج إلى ترجيح بعد ما ذكرناه من الحمل.

__________________

(١) الكافي ٢ : ٤٤٠ الايمان والكفر ب ١٩٣ ح ١ ، وفيه : عن ابن بكير.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٧٧ / ٨١٠.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


فإنْ قلت : الأصل الذي ذكرته غير تام ؛ لأنّ العبادة متلقّاة من الشارع ، والمعروف في الجماعة المتابعة ، فأصالة صحّة الصلاة جماعةً موقوفة على المتابعة ، فإذا زالت زال الأصل.

قلت : المتابعة المعروفة من الشارع شرطاً للصحّة مرجعها إلى الإجماع المدّعى من المحقّق في المعتبر على ما نقل عنه ، مع روايةٍ رواها عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : « إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتمّ به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا سجد فاسجدوا »(١) (٢) .

وغير خفي أنّ الإجماع تحقّقه في ما نحن فيه على وجه الشرطية في الصحّة غير معلوم ، كيف وقد جزم الأكثرون بالاستمرار وصحّة الصلاة جماعةً ، والخبر المروي لا يدلّ على ما نحن فيه ، بل إنما يدلّ على المتابعة إذا ركع ، وإذا سجد الإمام ، أمّا بقية الأفعال فترجع إلى الإجماع ، وقد سمعت القول فيه ، وسيجي‌ء(٣) التنبيه على ما يصلح(٤) في الجملة للدلالة على وجوب المتابعة ، وكلامنا هنا على ما ذكره القوم.

فإنْ قلت : الإجماع أيضاً وقع على إثم من رفع عمداً ، واللازم منه البطلان فترتفع أصالة الصحّة.

قلت : لزوم البطلان أوّل المدّعى ، كيف وقد قال بالصحّة من قال بالإثم.

فإنْ قلت : القائل بالصحّة والإثم جعل متعلق الإثم خارجاً عن‌

__________________

(١) سنن ابن ماجة ١ : ٣٩٢ / ١٢٣٨.

(٢) المعتبر ٢ : ٤٢١.

(٣) في ص : ٢٢٢.

(٤) في « م » : يصحّ.


العبادة ، وهو المتابعة.

قلت : قد تقدّم منّا إلزام هذا القائل بأنّ المتابعة جزء الصلاة جماعة(١) ، فلا بُدّ من التعلّق في الجمع بغير هذا الوجه ، ولزوم اجتماع صحّة الجماعة والإثم لا مفرّ منه ، ومحذور اجتماع إرادة الشارع وعدم الإرادة واقع على تقدير عدم البطلان وبقاء الجماعة ، أمّا على تقدير بطلان الجماعة ( وصيرورتها فرادى فالتغاير حاصل.

وغاية ما يظنّ من الجواب أنْ يقال : إنّ الصلاة جماعةً )(٢) مختلفة الأحوال ، فعلى(٣) تقدير المتابعة في جميع الأفعال(٤) هي صحيحة ، وعلى تقدير الرفع قبل الإمام تبطل الجماعة السابقة على الرفع ، لقطع المتابعة ، وصحّة الصلاة جماعةً بعد هذا لإنشاء المتابعة اللاحقة ، حيث إن قصد الجماعة موجود مع الرفع ، فكأنّ الرافع مستأنف للجماعة بعد قطعها وإنْ لم يكن قصده الاستئناف.

وبهذا التوجيه قد يدفع الأصل الذي أيّدنا به الخبر ، فيرتفع الاعتماد على الأصل ، ويرجع إلى الخبر مع الشهرة ، لكن لا بدّ من ملاحظة التوجية للحكم بصحّة الصلاة جماعةً مع الإثم.

ويبقى الكلام في حمل الشيخ الخبر الثاني على الساهي ، وترجيحه على ما ذكرناه بشهرة وجوب الاستمرار له وجه ، غير أنّ كلام الشيخ لا يخلو من غرابة ؛ فإنّ الرفع ليس بركن ، وزيادة الركن وغيره عمداً توجب‌

__________________

(١) ص ٢١٥.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) في « م » : فعليه.

(٤) في « فض » : الأحوال.


البطلان ، فقوله : لا يجوز أن يعود إلى الركوع وإنّما يعود الساهي ، خفي الوجه ، ولو أراد أنّ الساهي لو رفع ثم عاد ساهياً ، فالخبر الأوّل مقتضاه أنّه يعود بعد علمه كما هو واضح.

ولا يبعد أن يكون مراده أنّ تحقق زيادة الركوع لا يتمّ إلاّ إذا رفع عمداً ، أمّا إذا رفع ساهياً فلا ؛ وكأنّ الوجه فيه تخيّل أنّ ركوع المأموم يتمّ برفعه رأسه مع رأس الإمام سواء ، فإذا تعمّد الرفع تحققت المغايرة ، وإذا سها ثم عاد فكأنّه لا رفع ، فلم تتحقّق الزيادة ؛ ولا يخفى ما فيه ، لكن في الظنّ أنّه قريب إلى مراد الشيخ ، وإن قلّت الفائدة ، هذا(١) .

وقد سمعت سابقاً أنّ وجوب العود مشهور(٢) ، واستدلّ عليه بعض المتأخّرين بصحيحة علي بن يقطين السابقة ، وبالراوية الاولى المبحوث عنهما(٣) ، ووجه الاستدلال ما قاله الشيخ في التهذيب من الحمل على الناسي(٤) جمعاً بين رواية غياث وبين ما ذكر ، وهنا كما ترى ذكر الساهي ( بوجهٍ غير ظاهر )(٥) ، والظاهر اتحاد المآل.

ونوقش ( في هذا )(٦) الاستدلال بأنّ الروايات غير متكافئة ، ولا دلالة فيها على الجمع ، ولا في غيرها أيضاً.

ولا يخفى وجاهة المناقشة ، لكن على تقدير اختصاص العمل بالصحيح يمكن أن يقال : إنّ خبر علي بن يقطين دال على إعادة الركوع ،

__________________

(١) في « م » و « رض » : هنا.

(٢) في ص ٢١٤.

(٣) المدارك ٤ : ٣٢٨.

(٤) التهذيب ٣ : ٤٧ / ١٦٤.

(٥) ما بين القوسين ساقط هنا عن « م » وموجود بعد قوله : على الناسي.

(٦) ما بين القوسين ليس في « م ».


وعدم الاستفصال فيه يفيد عموم الجواب ، فإذا خرج العامد بالإجماع إنّ تمّ بقي ما عداه على حكم الرجوع.

وفي الظن أنّ في خبر علي بن يقطين دلالة على وجوب المتابعة في الجملة ، فكان ذكره في الاستدلال أولى ، ولم أجد من ذكره.

أمّا ما دلّ على الرفع من السجود وهو خبر الفضيل فقد عرفت حال سنده ، واحتمال عدم الرجوع مع العمد والرجوع مع النسيان فيه لا وجه له ؛ إذ المعارض وهو رواية غياث مختلف المورد ، فذكره في الاستدلال للناسي مع خبر علي بن يقطين وخبر سهل الأوّل ، ثم ذكره حمل الشيخ للأخبار على الناسي جمعاً بينها وبين رواية غياث لا أرى(١) له وجهاً ؛ وقد نقل شيخناقدس‌سره ما ذكرناه عن الشيخ ومن تأخّر عنه(٢) ، والحال ما سمعت.

وعلى تقدير عدم الالتفات إلى رواية غياث لاختصاصها بما يغاير خبر الفضيل يحتمل الفرق بين السجدة والركوع ، ومع الفرق يحتمل عدم جواز البقاء في السجدة ، لاعتبار الرواية برواية الصدوق والشهرة.

أمّا الرواية التي نقلناها عن التهذيب برواية الحسن بن علي بن فضّال(٣) فقد استدلّ بها شيخناقدس‌سره على رجوع من هوى إلى الركوع قبل الإمام ، قائلاً : إنّها لا تقصر عن الصحيح(٤) . ولي فيه كلام ذكرته مفصّلاً في حواشي الروضة ، والحاصل أنّ غاية ما تدلّ عليه حكم من ظنّ أنّ الإمام‌

__________________

(١) في « م » : لا أعرف.

(٢) المدارك ٤ : ٣٢٩.

(٣) راجع ص : ٢١١ و ٢١٣.

(٤) المدارك ٤ : ٣٣٠.


ركع ، وهذا غير الناسي ، وبتقدير تمامه فمضمونه عود الشخص للركوع ثانياً من غير سؤال عن الحكم وعلم به ، فهو من قبيل الجاهل لو رجع ، وأين الدلالة من الخبر على وجوب رجوع الناسي ، بل والجاهل؟ فليتأمّل.

قوله :

باب من يصلّي(١) خلف من يقتدى به العصر

قبل أن يصلّي الظهر.

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن سليم الفرّاء قال : سألته عن الرجل يكون مؤذّن قوم وإمامهم فيكون في طريق مكّة وغير ذلك فيصلّي بهم العصر في وقتها فيدخل الرجل الذي لا يعرف فيرى أنّها الاولى ، أفتجزئه أنّها العصر؟ قال : « لا ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عثمان قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل يؤمّ بقوم فيصلّي العصر وهي لهم الظهر؟ قال : « أجزأت عنه وأجزأت عنهم »(٢) .

فلا ينافي الخبر الأوّل ؛ لأنّ الوجه فيه أن نحمله على من لا يقتدي بصلاة الإمام وينوي لنفسه الظهر ، فإنّ صلاته جائزة وإن كان للإمام العصر ، ( والخبر الأوّل يتناول من يقتدي بصلاته ويعقدها بها ، فإذا كانت صلاة الإمام العصر )(٣) ولم ينو الذي صلّى خلفه لنفسه الظهر بطلت صلاة العصر (٤) ، لأنّه لم يصلّ بعد الظهر ، ولا تصحّ صلاة‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٣٩ : صلّى.

(٢) بدل ما بين القوسين في الاستبصار ١ : ٤٣٩ / ١٦٩١ : أجزأت عنهم وأجزأت عنه.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٣٩ / ١٦٩١ زيادة : له.


العصر لمن لم يصلّ الظهر ( إذا لم يتضيّق وقته ) (١) على ما بيّناه.

السند :‌

في الأوّل : مضى القول في رجاله(٢) ، إلاّ سُلَيم الفرّاء ، وهو ثقة في النجاشي(٣) ، وفي الإيضاح : سُليم بضمّ السين والياء بعد اللاّم(٤) .

والثاني : واضح بعد ما تكرّر القول في رجاله(٥) .

المتن :

في الأوّل : ظاهر في أنّ السؤال عمّن صلّى مع من يصلّي العصر ظانّاً أنّها الظهر ، وقوله : أفتجزئه أنّها العصر؟ ربما كان ظاهراً في أنّ المراد أتجزئه مع كونها العصر؟ والجواب حينئذٍ يتضمّن عدم الإجزاء ، لعلة(٦) ظنّه أنها الظهر ، فيكون البطلان بسبب الظن ، أمّا صلاة الرجل فيمكن أن تكون الظهر أو العصر والعنوان للباب كما ترى لصلاة العصر قبل أن يصلّي الظهر ، وهو شامل لمن صلّى ظانّاً أنّها الظهر ، ولمن علم أو ظنّ أنّها العصر.

والثاني : تضمّن أنّ صلاة العصر خلف من يصلّي الظهر تجزئ ، فلا مخالفة للخبر الأوّل ، لعدم حصول الظنّ السابق.

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في الاستبصار ١ : ٤٣٩ / ١٦٩١ : إلاّ إذا تضيّق وقتها.

(٢) راجع ج ١ ص ١٧٥ ، ١٩٦ ، ٢٣٥ ، ٣٢٣ ، ج ٣ ص ١٥٧.

(٣) رجال النجاشي : ١٩٣ / ٥١٦.

(٤) إيضاح الاشتباه ١٩٩.

(٥) راجع ج ١ ص ٦٩ ، ج ٣ ص ٦٤.

(٦) ساقط عن « فض » و « م » وفي « رض » : ولعله ، والظاهر ما أثبتناه.


ولو حمل الخبر الأوّل على أنّ المراد أتجزئه صلاته على أن تكون العصر ، وحينئذٍ يكون البطلان من جهة عدم فعل الظهر قبل العصر ، أمكن ، فيوافق العنوان ، لأنّه متضمن لصلاة العصر قبل الظهر ، إلاّ أنّ الرجل المصلّي ( لم يُعلم كونه يصلّي الظهر أو العصر ، إلاّ أن يدّعى أنّ قوله : أنّها الاولى ، يشعر بأنّه يصلّي )(١) الاولى ، وحينئذٍ يجوز أن يكون السؤال عن إجزاء صلاته عصراً ، نظراً إلى أنّ صلاة الإمام عصراً وإن لم يكن صلّى الظهر. نظراً إلى أنّ صلاة الإمام العصر.

والجواب بعدم الإجزاء يحتمل أنّ العلّة فيه عدم تقدّم الظهر ، فيصير موافقاً للعنوان ، إلاّ أنّ فيه عدم انحصار المعنى فيما ذكر ؛ لجواز أن يراد في السؤال أنّ اعتقاد الاولى مع كونها خلافه يفيد الصّحة أم لا؟ سواء كانت صلاة الرجل ظهراً أو عصراً ، فقول شيخناقدس‌سره ( في فوائد الكتاب )(٢) إنّ الروايتين ليس فيهما دلالة على أنّ المأموم يصلّي العصر قبل الظهر فعنوان الباب غير جيد ؛ محلّ تأمّل ، نعم لو قال : إنّ الرواية الأُولى غير صريحة كان متوجهاً.

أمّا ما قالهقدس‌سره في الفوائد أيضاً : إنّه لا منافاة بين الخبرين ، لا لما ذكره الشيخ ، بل لأنّ مقتضى الثاني جواز الائتمام في صلاة الظهر بمن يصلّي العصر ، ومقتضى الاولى أنّ من ائتمّ في الصلاة الأُولى وهي الظهر بمن يصلّي العصر لا تجزئه على أنّها العصر ، والأمر كذلك ، فإنّها إنما تجزئه عن الأُولى التي نواها ، كما تضمنته الرواية الأُخرى.

ففيه تأمّل أيضاً ؛ لأنّ عدم الإجزاء في الرواية يتناول عدم الإجزاء.

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».

(٢) ما بين القوسين ليس في « فض ».


عن الاولى لمن صلّى الأُولى ، لأنّ قوله : أفتجزئه ، أنها محتملة لإرادة الإجزاء مع كونها العصر ورأى أنّها الظهر ، فإذا وقع الجواب بعدم الإجزاء ( احتمل عدم الإجزاء )(١) عن الأُولى ، إلاّ أنّ يقال : إنّ الظاهر لا تجزئه على أنّها العصر ؛ وفيه : أنّ هذا لو تمّ لدل على العنوان ، وهو صلاة العصر قبل الظهر ، وإجزاؤها عن الاولى لا ينافي عدم إجزائها عن العصر ، لعدم فعل الظهر.

فإن قلت : إذا نوى فعل الظهر خلف إمام يصلّي العصر ظانّاً أنّها الظهر ، فقد تعارض قصد الصلاة خلف الإمام صلاة مطلقة وصلاة مقيّدة في اعتقاده بأنّها الظهر ، فلِم لا يرجّح جانب البطلان ، لأنّ الصلاة المقيّدة باعتقاده غير حاصلة ، فلا يصح الائتمام ، واللازم منه بطلان صلاته من غير نظر إلى الرواية ، لأنّ فيها احتمالين.

قلت : لما ذكرت وجه ، إلاّ أنّ بطلان الصلاة بمثل هذا الاعتقاد محلّ كلام.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما ذكره الشيخ في الخبر الثاني من أنّه محمول على من لا يقتدي به ، يدلّ على أنّ من يقتدي به لا يصحّ أن يصلّي الظهر خلفه إذا كان يصلّي العصر ، وهذا غير معلوم القائل به ، بل في صلاة العصر خلف من يصلّي الظهر قول للصدوق منقول(٢) ، وعلى تقدير عدم القائل فلو ترك الشيخ قيد من لا يقتدي به كان أولى ، وقوله في الخبر [ الأوّل(٣) ] : أنه يتناول ، إلى آخره يدلّ على ما وجّهنا به كلامه ، نعم فيه ما سبق من عدم التعيّن.

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٢) الفقيه ١ : ٢٦٠ / ١١٨٣.

(٣) في النسخ : الثاني ، والصحيح ما أثبتناه.


قوله :

باب أنّ(١) الإمام إذا سلّم ينبغي له أن لا يبرح

من مكانه حتى يتمّ من خلفه ما فاته من صلاته.

أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن إسماعيل بن عبد الخالق قال : سمعته يقول : « لا ينبغي للإمام أن يقوم إذا صلّى حتى يقضي كلّ من صلّى(٢) خلفه ما فاته من الصلاة ».

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمرو ابن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن رجلٍ سها خلف إمام بعد ما افتتح بالصلاة(٣) ولم يقل شيئاً ولم يكبّر ولم يسبّح ولم يتشهّد حتى يسلّم؟ فقال : « جازت صلاته ، وليس عليه إذا سها خلف الإمام سجدتا السهو ، لأنّ الإمام ضامن لصلاة من خلفه ».

فالوجه في هذا الخبر أحد شيئين ، أحدهما : أنّه يضمن القراءة لا غير ، يدلّ على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن الحسن(٤) ، عن زرعة ، عن سماعة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، أنّه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام؟ فقال : « لا ، إنّ الإمام ضامن للقراءة ، وليس يضمن الإمام‌

__________________

(١) ليست في الاستبصار ١ : ٤٣٩.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٣٩ / ١٦٩٢ لا يوجد : صلّى.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٣٩ / ١٦٩٣ : الصلاة.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٤٠ / ١٦٩٤ لا يوجد : عن الحسن.


صلاة الذين خلفه ، إنّما يضمن القراءة ».

والوجه الثاني أن يكون المراد بنفي الضمان إتمام الصلاة ، لأنّه ( لا يأمن من الحدث )(١) ، يدلّ على ذلك :

ما رواه جميل ، عن زرارة ، عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال سألته عن رجلٍ صلّى بقومٍ ركعتين ثم أخبرهم أنّه ليس على وضوء؟ فقال : « يتمّ القوم صلاتهم ، فإنّه ليس على الإمام ضمان ».

السند :‌

في الأوّل : صحيح على ما مضى(٢) .

والثاني : موثق ، وأحمد بن الحسن هو ابن فضّال ، وعمّار ابن موسى الساباطي.

والثالث : موثق أيضاً ، والحسن أخو الحسين.

والرابع : فيه أنّ الطريق إلى جميل غير مذكور في المشيخة ، لكن الصدوق سيأتي(٣) أنّه رواه عن جميل ، فهو صحيح.

المتن :

في الأوّل : ظاهر في أنّه ينبغي للإمام أن لا يبرح من مكانه حتى يقضي المأموم ما فاته من الصلاة ، والظاهر من القضاء الإتيان بالفعل على‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » و « م » : لا يأمن الحديث ، وفي « فض » : لا يؤمن الحدث ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٤٤٠ / ١٦٩٤.

(٢) تقدّم في ، ج ٦ ص ٣٨٦.

(٣) في ص : ٢٢٤٢.


معنى فعل ما سبقه الإمام به ، ولو أُريد به القضاء حقيقةً ربما(١) يتناول كلّ ما فات إلاّ ما خرج بالدليل كالقراءة والأذكار في الركوع والسجود ، وحينئذٍ يدلّ على قضاء التشهد وقضاء أبعاضه حتى الصلاة على النبي وآلهعليهم‌السلام بتقدير الوجوب ، إلاّ أنّ تبادر ما ذكرناه ربما يدّعى.

وعلى تقدير إرادة القضاء على وجه يعمّ الأوّل بنوع من التجوّز يحتمل أن يناقش في دلالته على وجوب قضاء كلّ ما فات ؛ لأنّ مفاد الرواية استحباب عدم الانتقال ( من الإمام )(٢) حتى يقضي ما فاته المأموم ، أمّا لزوم قضاء كلّ ما فاته فأمر آخر.

وربما يدّعى أنّ « ما » تحتمل الموصولية فتعمّ ، أو غيرها فلا تعمّ ، لكن الظاهر من السياق العموم.

وعلى تقدير ما قلناه من الدلالة على الاستحباب المذكور يصير قضاء ما فات موقوفاً على الدليل ، وفي الظنّ أنّ عدم تعرّض من رأينا كلامه من الأصحاب للاستدلال على قضاء بعض الأجزاء بالخبر لما ذكرناه.

وأمّا الثاني : فمنافاته للأوّل لعلّ الوجه فيها دلالته على عدم قضاء ما فاته خلف الإمام ممّا ذكر وانتفاء سجدتي السهو عن المأموم ، وأنت خبير بعد ما قلناه في الخبر الأوّل بانتفاء المنافاة.

مضافاً إلى أنّ احتمال المنافاة يمكن دفعه : بأنّ مفاد هذا الخبر صحّة الصلاة مع نسيان القراءة والتسبيح والتكبير والتشهد ، والخبر الأوّل يدلّ على قضاء ما فاته ، فيدلّ على أنّ الصلاة صحيحة ، وإنّما يقضي ما فاته على تقدير القضاء الحقيقي ، وعلى تقدير الإتمام فلا إشكال ، وحينئذٍ إذا دلّ‌

__________________

(١) في « فض » : بما.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».


الخبر الأوّل على قضاء كلّ ما فات فيخص ما ذكر في الرواية ، غاية الأمر أنّ التكبير فيها إن أُريد به تكبيرة الإحرام فإشكاله ظاهر ، بل يخص بغيرها ، وأمّا التشهد فقضاؤه مضى القول فيه(١) ، فتخصيصه ممكن.

ولو حمل الخبر على أنّ الضمان للسهو بمعنى عدم لزوم سجدتي السهو للمأموم على تقدير سهوه ، بل إنّما يجب عليه قضاء ما فاته ممّا يجب قضاؤه من دون سجدتي السهو في موجبهما فلا منافاة للخبر الأوّل من هذه الجهة ، ولا يبعد ادّعاء ظهور ضمان الإمام في هذا ، لكن الشيخ كما ترى خصّ الخبر بضمان القراءة للخبر الثالث ، وغير خفي أنّ مفاده حصر الضمان في القراءة ، والخبر الثاني كالصريح في نفي سجدتي السهو ، معلّلاً بأنّ الإمام ضامن ، فلا بدّ أن يتناول الضمان نفي سجدتي السهو ، والخبر الثالث يحمل حصره على الإضافي ، على معنى أنّه إنّما يضمن قراءة المأموم لا غيرها من الركوع والسجود والأذكار ، أمّا إذا سها عن بعض ما يجب قضاؤه فلا يضمن ، وعلى هذا فالوجه الأوّل غير تام.

وأمّا الوجه الثاني : فلا يكاد يظهر له معنى يليق في مقام جواب السؤال عمّن نسي ما ذكر في الخبر الموجّه ، نعم لو وقع في خبر : إنّ الإمام ضامن لصلاة من خلفه. أمكن أن يقال في معناه الوجه الأوّل في الجملة ؛ وأمّا الثاني فمعناه خفي كمطابقته ؛ إذ ظاهر الكلام أنّ الإمام ينبغي إتمام صلاته ، لأنّه لا يأمن الحدث ، ولا يذهب عليك بعده عن المعنى ، إلاّ بتقدير أن يراد أنّ الإمام لا يلزمه فعل ما أخلّ به المأموم بعد الصلاة ، أو في الأثناء ، أو الصبر إلى أن يأتي المأموم بما فاته على سبيل اللزوم ، بل إنّما‌

__________________

(١) راجع ج ٦ ص ١٠٦.


عليه الإتمام فقط ، والتعبير بأنّه لا يأمن الحدث غير واضح المرام.

والخبر المستدل به عليه وهو الرابع يدلّ على أنّ الإمام بعد إخباره بالحدث انتفى ضمانه لصلاتهم ، بل عليهم إتمامها ، وحينئذٍ يحتمل أن يكون مراد الشيخ أنّ الحدث إذا أوجب عدم الضمان بمعنى سقوطه وإتمام المأموم صلاته كما في الخبر ، فالخبر الدالّ على نفي الضمان نحمله على النفي إذا حصل الحدث ، فكأنّه قال : ليس على الإمام ضمان في جميع الصلاة ، إذ لا يأمن الحدث ، ( فقول الشيخ : المراد بنفي الضمان إتمام الصلاة ، يريد به أنّه ليس عليه إتمام الصلاة لجواز الحدث ، فعبّر بنفي الضمان عن عدم لزوم الإتمام ، والخبر المستدلّ به أفاد سقوط الضمان بعد الحدث )(١) ، فعُلم أنّ الإمام لا يضمن مطلقاً إتمام الصلاة ، وهذا وإن كان لا يخلو من تكلّف إلاّ أنّ فيه توجيهاً لكلام الشيخ في الجملة.

ويبقى عليه أنّ الوجه الثاني ينبغي أن يرجع إلى الخبر الأوّل من المنافي ، والحال أنّ الخبر تضمّن ضمان الإمام لا نفيه ، والمتضمّن للنفي الخبر المستدلّ به على الوجه الأوّل ، فالخلل لا يظهر ( لي إصلاحه ، ولا يبعد )(٢) أن يكون في البين سهو قلم ، وإن لم يكن فالتسديد في غاية التكلّف.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الصدوق في الفقيه ذكر رواية عمّار الساباطي(٣) ، ثم نقل روايةً عن محمّد بن سهل ، عن الرضاعليه‌السلام أنّه قال‌ :

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) بدل ما بين القوسين في « م » : لا صراحة ولا.

(٣) الفقيه ١ : ٢٦٤ / ١٢٠٤ ، الوسائل ٨ : ٢٥٠ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ٢٤ ح ٥.


« الإمام يحمل أوهام من خلفه ، إلاّ تكبيرة الافتتاح »(١) ثم قال : والذي رواه أبو بصير عن الصادقعليه‌السلام حين قال له : أيضمن الإمام الصلاة؟ فقال « لا ، ليس بضامن »(٢) ليس بخلاف خبر عمّار وخبر الرضاعليه‌السلام ؛ لأنّ الإمام ضامن لصلاة من خلفه متى سها عن شي‌ءٍ منها غير تكبيرة الافتتاح ، وليس بضامن لما يتركه المأموم متعمداً ، ووجه آخر ، وهو : أنّه ليس على الإمام ضمان لإتمام الصلاة بالقوم ، فربما حدث به حدث قبل أن يتمّها ، أو يذكر أنّه على غير طهر ، وتصديق ذلك ما رواه جميل(٣) ، وذكر الرواية الأخيرة.

ولا يخفى أنّ الشيخ أراد ما ذكره الصدوق لكن التشويش حصل من نقل الأخبار في الكتاب ، بخلاف أخبار الصدوق ، واستدلال الشيخ برواية جميل قرينة على أنّ الشيخ أخذه من الفقيه ، والطريق إلى جميل تقدّم صحته(٤) ، وما ذكره الصدوق : من أنّ الإمام ضامن متى سها ؛ لا يخلو من إجمال ، ولعلّ المراد أنّه ضامن سجود السهو لا مطلق ما يوجبه ، مع احتمال لغير هذا.

وأمّا استثناء تكبيرة الإحرام فالمراد به على الظاهر إذا سها عنها المأموم لا يضمنها الإمام ، لا عدم ضمان سجود السهو ، ليدلّ على أنّ السهو عنها يوجبه ولا يضمنه الإمام ، لكن هذا يقتضي المغايرة بين الاستثناء والمستثنى منه ، فلا بدّ من الحمل على موجب السجود ، والحال لا يخفى.

وقد ذكر شيخناقدس‌سره أنّ المأموم يجب عليه سجود السهو مع الإمام إذا‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٦٤ / ١٢٠٥ ، الوسائل ٦ : ١٥ أبواب تكبيرة الإحرام ب ٢ ح ١٢.

(٢) الفقيه ١ : ٢٦٤ / ١٢٠٦ ، الوسائل ٨ : ٣٥٣ أبواب صلاة الجماعة ب ٣٠ ح ٢.

(٣) الفقيه ١ : ٢٦٤ / ١٢٠٧ ، الوسائل ٨ : ٣٧١ أبواب صلاة الجماعة ب ٣٦ ح ٢.

(٤) في ٢٢٨.


اشتركا في السهو ، ولو انفرد أحدهما بالسبب اختصّ به الوجوب ، أمّا وجوب السجود عليهما فظاهر ، لاشتراكهما في الموجب ، وأمّا وجوب السجود على المنفرد فلأصالة عدم تعلّق الوجوب بمن لم يعرض له السبب ، وفي المسألة قولان آخران ، أحدهما : أنّه لا سجود على المأموم مطلقاً وإن عرض له السبب ، ذهب إليه الشيخ في الخلاف ، وادّعى عليه الإجماع ، واستدلّ عليه بما رواه عن عمّار الساباطي وذكر الرواية السابقة ثم أجابقدس‌سره بالطعن في السند(١) . وغير خفي أنّ رواية الصدوق لها توجب المزيّة.

بقي شي‌ء ، وهو أنّ شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب قال : لا يخفى ما في هذا الباب من التشويش مع أنّ الخبر الثاني غير منافٍ للأوّل بوجه(٢) ، فلا وجه لإيراده في مقابله ، انتهى. وقد عرفت وجه المنافاة ، فتأمّل.

قوله :

باب صلاة الجماعة في السفينة.

أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، قال حدّثني عنبسة ، عن إبراهيم بن ميمون (٣) أنّه سأل أبا عبد الله عليه‌السلام عن الصلاة في جماعة في سفينة (٤) ؟ فقال « لا بأس ».

__________________

(١) المدارك ٤ : ٢٨٠ بتفاوت يسير.

(٢) ليست في « رض ».

(٣) في التهذيب ٣ : ٢٩٧ / ٩٠٢ : حدَّثني عيينة عن إبراهيم. ، وفي الاستبصار ١ : ٤٤٠ / ١٦٩٦ : حدّثني عتبة عن إبراهيم. ، وفي الوسائل ٥ : ٤٧٥ أبواب صلاة الجماعة ب ٧٣ ح ١ : عن عيينة ( عنبسة ) عن إبراهيم.

(٤) في الإستبصار ١ : ٤٤٠ / ١٦٩٦ : في السفينة.


محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن أحمد العلوي ، عن العمركي البوفكي(١) ، عن علي بن جعفر ، عن موسى بن جعفرعليهما‌السلام ، قال : سألته عن قوم صلّوا جماعة في سفينة أين يقوم الإمام ، وإن كان معهم نساء كيف يصنعون ، أقياماً يصلّون أم جلوساً؟ قال : « يصلّون قياماً ، فإن لم يقدروا على القيام صلّوا جلوساً ويقوم الإمام أمامهم والنساء خلفهم ، وإن ماجت السفينة قعدن النساء وصلّى الرجال ، ولا بأس أن تكون النساء بحيالهم ».

فأما ما رواه سهل بن زياد ، عن أبي هاشم الجعفري قال : كنت مع أبي الحسنعليه‌السلام في السفينة في دجلة فحضرت الصلاة ، فقلت : جُعلت فداك نصلّي في جماعة؟ فقال : « لا تصلّ في بطن وادٍ جماعة ».

فالوجه في هذا الخبر ضربٌ من الكراهية ، أو حال الضرورة التي لا يتمكن فيها من الصلاة جماعة.

السند :‌

في الأوّل : أحمد بن محمّد فيه ابن عيسى ، وأبوه مضى القول فيه مكرّراً(٢) ؛ كعبد الله بن المغيرة(٣) . وعنبسة مشترك(٤) . وإبراهيم بن ميمون مجهول الحال.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٤٠ / ١٦٩٧ : عن العمركي النوفلي ، وفي « م » : عن العمركي ، عن النوفلي.

(٢) ج ١ ص ١٩٦ ، ٢٥٣ ، ٣٣١ ، ج ٢ ص ٥٦ ، ٢٣١ ، ج ٤ ص ١٠٦.

(٣) ج ١ ص ٥٩ ، ج ٤ ص ١٠٧ ، ٣٩٢.

(٤) انظر هداية المحدّثين : ١٢٥.


والثاني : فيه محمّد بن أحمد العلوي ، وهو مذكور في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام من كتاب الشيخ من غير توثيق ولا مدح(١) ، وغيره معلوم الحال.

والثالث : فيه سهل بن زياد ، والطريق إليه مذكور في المشيخة(٢) ، لكن لا يفيد. وأبو هاشم من أجلاّء الطائفة وثقاتهم.

المتن :

في الأول : ظاهر الدلالة.

والثاني : لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ قوله : « وإن ماجت » إلى آخره. يحتمل أنْ يراد بقعود النساء عدم صلاتهن قعوداً ، ( ويحتمل صلاتهن قعوداً )(٣) ، ولعلّ الوجه الأوّل له قرب ؛ لأنّ الخبر تضمّن كما ترى الصلاة قياماً مع الإمكان وجلوساً مع عدمه ، وهو شامل للنساء والرجال.

وقوله : « ويقوم الإمام » يحتمل أنْ يراد به قيام الصلاة وإنْ كانت من جلوس ، ويحتمل أنْ يكون لبيان الصلاة مع إمكان القيام ، وحينئذٍ فذكر موج السفينة يحتمل أنْ يكون لبيان حال أوّل الصلاة مع حصول الموج ، وعلى كل حال فصلاة النساء بعيدة عن الظاهر بعد قوله : « وصلّى الرجال » بل ينبغي : وقام الرجال.

وقوله : « ولا بأس أن تكون النساء بحيالهم » محتمل لأنْ يراد به أنّ جلوسهن من غير صلاة بحيال الرجال لا يضرّ ، ويحتمل لأنْ يراد حال‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٥٠٦ / ٨٣.

(٢) الإستبصار ٤ : ٣١٦.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».


الصلاة ، وعلى تقدير المنع يكون من جهة الضرورة ما ذكر ، وقد يرجِّح احتمال قعودهن في حال الصلاة بعض ألفاظ الخبر.

ثم إنّ إطلاق الخبرين قد يقيَّد بما يأتي في باب الصلاة في السفينة إنشاء الله(١) .

وأمّا الثالث : فما ذكره الشيخ فيه من الكراهة له وجه ، أمّا الضرورة فبعيدة.

ثم إنّ الوادي محتمل لأنْ يكون السؤال حال كون السفينة في وادٍ ممّا تجري فيه دجلة ، ويحتمل على بُعدٍ أنْ يراد به السفينة ، لأنّها شبيهة بالوادي ، وكراهة الصلاة في الوادي حينئذٍ تتناول مثل السفينة ، أمّا تخصيص الجماعة فكأنّه للسؤال عنها ، ويحتمل الاختصاص ، ويحتمل أن يراد بالوادي ما بين طرفي الشط.

وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ شيخناقدس‌سره في المدارك وصف روايةً لعلي ابن جعفر في هذا الباب بالصحّة(٢) ، ومتنها موافق لما رأيته في زيادات الصلاة من التهذيب(٣) ، إلاّ أنّ في الطريق محمّد بن أحمد العلوي ، وكأنّه اعتمد على عدّ طريقه صحيحاً ، ولعل الوجه تصحيح العلاّمة بعض الطرق المشتملة عليه.

ثم إنّ متن الرواية : قال سألته عن قومٍ صلّوا جماعةً في سفينة ، أين يقوم الإمام ، وإنْ كان معهم نساء كيف يصنعون؟ إلى أنْ قال : « وإنْ ضاقت السفينة » إلى آخره. ولا يبعد أنْ يكون ما هنا تصحيفاً وعلى ما في التهذيب‌

__________________

(١) انظر ص : ٣٠٨.

(٢) المدارك ٤ : ٣٨٠.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٩٦ / ٩٠٠.


يعيّن المعنى السابق.

وروى الشيخ في التهذيب الرواية عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن أحمد العلوي(١) ، وهنا كما ترى عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، والأمر سهل.

ثم إنّ في التهذيب رواية صحيحة(٢) عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن العبّاس ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن يعقوب بن شعيب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا بأس بالصلاة جماعة في السفينة »(٣) .

وبالجملة فالحكم لم نقف على خلافٍ فيه.

قوله :

باب بئر الغائط يُتخذ مسجداً.

محمّد بن علي بن محبوب ( عن العبّاس )(٤) ، عن صفوان ، عن القاسم بن محمّد ، عن سليمان مولى طربال ، عن عبيد بن زرارة قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « الأرض كلّها مسجد ، إلاّ بئر غائط ، أو مقبرة ، أو حمّام ».

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن الحسن بن علي بن فضّال ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن محمّد بن مضارب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا بأس بأنْ يُجعل على العذرة‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٩٦ / ٨٩٨.

(٢) ليست في « رض ».

(٣) التهذيب ٣ : ٢٩٦ / ٨٩٩ ، الوسائل ٨ : ٤٢٨ أبواب صلاة الجماعة ب ٧٣ ح ٢.

(٤) ما بين القوسين ليس في « رض ».


مسجداً ».

فلا ينافي الخبر الأوّل ؛ لأنّ الوجه في الجمع بينهما أنّه إنّما يجوز أنْ يُجعل مسجداً إذا طُمّ بالتراب وانقطعت رائحته ، يدلّ على ذلك :

ما رواه سهل بن زياد ، عن ابن أبي نصر ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي الجارود قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن المكان يكون حشّا ثم ينظّف ويجعل مسجداً؟ قال : « يطرح عليه من التراب حتى يواريه فهو أطهر ».

سعد ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة الربعي ، عن جعفر بن محمّدعليه‌السلام ، قال : سُئل أيصلح مكان الحشّ أنْ يُتخذ مسجداً؟ فقال : « إذا القي عليه ( من التراب )(١) ما يواري ذلك ويقطع(٢) ريحه فلا بأس ، وذلك لأنّ التراب يطهّره ، وبه مضت السنّة ».

سعد ، عن أبي جعفر ، عن أبيه ( عن عبد الله بن المغيرة )(٣) عن عبد الله بن سنان ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن المكان يكون حشّا زماناً فينظف ويُتخذ مسجداً؟ فقال : « ألقِ عليه من التراب حتى يتوارى ، فإنّ ذلك يطهّره إن شاء الله ».

السند :‌

في الأوّل : فيه القاسم بن محمّد وهو مشترك(٤) . وسليمان مولى‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٤١ / ١٧٠٢ : أو يقطع.

(٣) ما بين القوسين ليس في الاستبصار ١ : ٤٤٢ / ١٧٠٣.

(٤) رجال الطوسي : ٤٩٠ / ٥ و ٧.


طربال مهمل في الرجال(١) ، لكن في الرواية عنه محمّد بن القاسم ، عن عبّاد بن يعقوب ، فقد يظن الاشتباه ، ودفعه غير خفي.

والثاني : فيه محمّد بن مضارب ، وهو مهمل في رجال الشيخ(٢) ، وباقي رجاله لا يخفى حالهم بعد ما قدّمناه(٣) .

والثالث : فيه سهل بن زياد ، وأبو الجارود زياد بن المنذر وهو زيدي على ما قاله الشيخ في الفهرست.(٤)

والرابع : فيه هارون بن مسلم ، وهو ثقة في النجاشي(٥) ، وكان له مذهب في الجبر والتشبيه ، وقد قدّمنا أنّ معنى هذا الكلام غير ظاهر(٦) .

وأمّا مسعدة بن صدقة الربعي فالذي وقفت عليه في الفهرست ما هذه صورته : مسعدة بن صدقة له كتاب. مسعدة بن زياد له كتاب. مسعدة بن اليسع له كتاب. مسعدة بن الفرج الربعي له كتاب ، أخبرنا بذلك إلى أنْ قال ـ : عن هارون بن مسلم عنهم(٧) . ولا يخفى أنّ الربعي ليس وصفاً لابن صدقة في الفهرست.

وفي النجاشي : ( مسعدة بن صدقة العبدي إلى أنْ قال ـ : حدّثنا هارون بن مسلم عنه(٨) .

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٨٥ / ٤٨٩.

(٢) رجال الطوسي : ٣٠٠ / ٣٢٢.

(٣) راجع ج ١ ص ٣٧٩ ، ج ٤ ص ٣٨ ، ١٢٤ ، ١٦٧ ، ٢٩١ ، ٣٦١ ، ج ٥ ص ١٢٤.

(٤) الفهرست : ٧٢.

(٥) رجال النجاشي : ٤٣٨.

(٦) راجع ج ١ ص ٣٣٥ ، ج ٣ ص ٤٣٥.

(٧) الفهرست : ١٦٧ / ٧٣٢ ، ٧٣٣ ، ٧٣٤ ، ٧٣٥.

(٨) رجال النجاشي : ٤١٥ / ١١٠٨.


ثم إنّ مسعدة بن صدقة )(١) قال الشيخ في رجال الباقرعليه‌السلام : إنّه عامي(٢) . والكشي فيه أنّه بتري(٣) . فليتأمّل.

[والخامس (٤) ] : فيه محمّد بن عيسى الأشعري المعبّر عنه بأبيه ، وقد قدّمنا القول فيه(٥) كغيره.

المتن :

في الأخبار كلّها لا يخلو من إجمال ، أمّا الأوّل : فما تضمّنه : من أنّ الأرض كلّها مسجد ؛ إنْ أُريد به أنّ الصلاة في كلّ أرض كالصلاة في المسجد إلاّ ما ذكر ، ففيه ما لا يخفى ؛ وإنْ أُريد بالمسجد موضع السجود كما قيل(٦) في قولهعليه‌السلام : « جعلت لي الأرض مسجداً »(٧) أي موضع سجود ، فلا يختصّ به موضع دون موضع ، ففيه : أنّه وإنْ أمكن لا يوافق مقصود الشيخ فيما يظهر ، إلاّ أنْ يريد ما ذكرناه ، والعنوان مبهم ، وقد صرّح بعض أهل اللغة بأنّ موضع السجود يقال له مسجد بالكسر(٨) .

ثم إنّ ظاهر النص حيث استثنى الحمّام والمقبرة أنّ المراد بالمسجد فيه المكان ، فيحتمل أنْ يراد بالمسجد المكان لا موضع السجود ،

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٢) رجال الطوسي : ١٣٧ / ٤٠.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٦٨٧ / ٧٣٣.

(٤) في النسخ : الرابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٥) راجع ص ٢٣٤.

(٦) ليست في « رض ».

(٧) الفقيه ١ : ١٥٥ / ٧٢٤. الوسائل ٣ : ٣٥٠ أبواب التيمم ب ٧ ح ٢.

(٨) انظر المصباح المنير : ٢٦٦.


إلاّ أنْ يقال : إنّ موضع السجود لا يدلّ على ما ينافي الاستثناء.

والثاني : كما ترى مجمل أيضاً ، بل فيه زيادة إجمال ، ولعلّ احتمال موضع السجود فيه أظهر ، ويراد به ما قاله الشيخ.

أمّا الثالث : المستدلّ به ، فاستفادة انقطاع الريح منه محلّ تأمّل ، نعم الرابع يدلّ على ذلك.

اللغة‌ :

قال في القاموس : المسجد معروف ويفتح جيمه ، والمَفْعَل من باب نصر بفتح العين اسماً كان أو مصدراً ، إلاّ أحرفاً ، كمسجد ومطلع ومشرق ومسقط ومفرق ومسكن ومنسك إلى أنْ قال ـ : ألزموها كسر العين ، والفتح جائز ، وما كان من باب جلس فالموضع بالكسر والمصدر بالفتح(١) . وقال : المِحَشّ : مجتمع العذرة ؛ والحشُّ مثلّثة المخرج ، لأنّهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين(٢) .

قوله :

باب كراهية أنْ يبصق في المسجد.

أحمد بن محمّد ، ( عن محمّد ) (٣) بن يحيى ، عن غياث بن إبراهيم ، عن جعفر ، عن أبيه : « إنّ علياً عليه‌السلام قال : البصاق (٤) في‌

__________________

(١) القاموس المحيط ١ : ٣١٠.

(٢) القاموس المحيط ٢ : ٢٧٩ ، بتفاوت يسير.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض » و « م ».

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٤٢ / ١٧٠٤ : البزاق.


المسجد خطيئة وكفّارته دفنه ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن موسى ابن يسار ، عن علي بن جعفر السكوني ، عن إسماعيل بن مسلم الشعيري ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه : ، قال : « من وقّر بنخامته المسجد لقي الله يوم القيامة ضاحكاً قد اعطي كتابه بيمينه ».

عنه ، عن أبي إسحاق النهاوندي ، عن البرقي ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الله بن سنان قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « من تنخّم(١) في المسجد ثم ردّها في جوفه لم تمرّ بداء في جوفه إلاّ أبرأته ».

الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن مهران ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : قلت له : الرجل يكون في المسجد في الصلاة فيريد أنْ يبصق ، فقال : « عن يساره ، وإنْ كان في غير صلاة فلا يبزق حذاء القبلة ، ويبزق عن يمينه وشماله »(٢) .

فأمّا ما رواه علي بن مهزيار قال : رأيت أبا جعفر الثانيعليه‌السلام تفل في المسجد الحرام فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود ولم يدفنه.

سعد ، عن أبي جعفر(٣) ، عن العبّاس بن معروف ، عن صفوان ، عن القاسم بن محمّد ، عن سليمان مولى طربال ، عن عبيد بن زرارة قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : كان أبو جعفرعليه‌السلام يصلّي في المسجد فيبصق أمامه وعن يمينه وعن شماله وخلفه وعلى الحصى ولا يغطّيه.

فالوجه في هذه الأخبار الجواز ورفع الحظر وإنْ كان الفضل فيما تقدّم من الأخبار.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٤٢ / ١٧٠٦ : تنخّع.

(٢) في « رض » : أو شماله.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٤٣ / ١٧٠٩ : عن جعفر.


السند :‌

في الأوّل : معروف مما تكرّر وتقدّم عن قريب(١) .

والثاني : فيه موسى بن يسار ، وهو مجهول الحال ، إذ لم أقف عليه في الرجال ، وعلي بن جعفر السكوني كذلك. وإسماعيل بن مسلم هو ابن أبي زياد المكرر ذكره(٢) .

والثالث : فيه أبو إسحاق النهاوندي ، واسمه إبراهيم بن إسحاق ، ضعيف الحديث على ما في النجاشي(٣) . والبرقي ومن معه معلومو الحال بما مضى من المقال(٤) .

والرابع : فيه محمّد بن مهران ، وهو مجهول الحال ؛ لعدم الوقوف عليه في الرجال.

والخامس : صحيح ؛ لأنّ الطريق إلى علي بن مهزيار في المشيخة لا ارتياب فيه(٥) .

والسادس : تقدّم القول في رجاله عن قريب(٦) .

المتن :

في الأوّل : ظاهر في إطلاق الخطيئة على المكروه ؛ إذ المعروف الكراهة.

__________________

(١) راجع ج ٥ ص ٢٧٠ ، ج ٦ ص ٣٠٦.

(٢) راجع ج ١ ص ١٨٨ ، ج ٢ ص ١٠٩ ، ٣٩٧ ، ج ٣ ص ١٤٠ ، ٤٢٠ ، ج ٤ ص ٩٦.

(٣) رجال النجاشي : ١٩ / ٢١.

(٤) راجع ج ١ ص ٩٣ ، ج ٢ ص ٣٣٤.

(٥) مشيخة الاستبصار ( الاستبصار ٤ ) : ٣٣٨.

(٦) في ص ٢٣٨ ٢٣٩.


والثاني : واضح.

والثالث : فيه دلالة على جواز ابتلاع النخامة إذا خرجت إلى فضاء الفم لو صحّ الخبر ، لكن الأصل يساعده.

والرابع (١) لا يبعد أنْ يكون المراد باليسار فيه جهة يساره من غير التفات ، لكن قد يُستبعد هذا ، ولعلّ الخبر لو صحّ يمكن استثناء الالتفات يسيراً منه في هذه الحال ، ويؤيده النهي فيه عن البزاق حذاء القبلة لغير المصلّي.

ثم إنّ البزاق لا يخفى تحقّقه بإخراج الفضلة بشي‌ء ، فالاحتياج إلى اليسار كأنّه لو اتّفق رميها من الفم. وقد يشكل باستلزام خروج نحو اللفظين. ويمكن الجواب عنه بما تقدّم في باب الكلام في الصلاة ، والخبر كما ترى.

أمّا الخبران الآخران فما قاله الشيخ فيهما له وجه ، غير أنّ بيان الجواز فيما هو معروف مستبعد ، كما أشرنا إليه في الكتاب. والخبر الأخير لا يدلّ على أنّ ما فعلهعليه‌السلام في حال الصلاة كما لا يخفى.

اللغة‌ :

قال في القاموس : البزاق كغراب معروف(٢) . وقال : التوقير التبجيل(٣) . وقال : [ والنخامة بالضم النخاعة ، ونخم كفرح نخماً ويحرّك ، وتنخّم : دفع بشي‌ءٍ من صدره أو أنفه(٤) (٥) ].

__________________

(١) في « فض » زيادة : الظاهر.

(٢) القاموس المحيط ٣ : ٢٢٠.

(٣) القاموس المحيط ٢ : ١٦١.

(٤) القاموس المحيط ٤ : ١٨١.

(٥) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : نخم ينخم نخماً ونخيماً تنحنح. والصحيح ما أثبتناه من المصدر.


قوله :

أبواب الصلاة في العيدين‌

باب أنّ صلاة العيدين فريضة.

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن عبد الحميد ، عن أبي جميلة ، عن أبي أُسامة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن التكبير في العيدين؟ قال : « سبع وخمس » وقال : « صلاة العيدين فريضة »(١).

الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « صلاة العيدين فريضة ، وصلاة الكسوف فريضة »(٢) .

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أبي جعفر ، عن علي بن حديد وعبد الرحمن بن أبي نجران ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة قال : قال أبو جعفرعليه‌السلام : « صلاة العيدين مع الإمام سنّة ، وليس قبلها ولا بعدها صلاة ذلك اليوم إلى الزوال ».

فالوجه في هذه الرواية أن نحمل قوله : إنّها سنّة مع الإمام. أنّ فرضها علم من جهة السنّة دون أنْ يكون ذلك غير واجب ، وقد استوفينا ذلك في كتابنا الكبير ( ونفرد باباً )(٣) أنّه لا تجب إلاّ عند حضور الإمام.

__________________

(١) في التهذيب ٣ : ١٢٧ / ٢٦٩ زيادة : وصلاة الكسوف فريضة.

(٢) في التهذيب ٣ : ١٢٧ / ٢٧٠ لا يوجد : وصلاة الكسوف فريضة.

(٣) بدل ما بين القوسين في النسخ : وتفردها ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٤٤٤.


السند :‌

في الأوّل : فيه أبو جميلة ، وهو المفضّل بن صالح ، وقد ضعّفه العلاّمة في الخلاصة(١) ، والشيخ في الكتابين لا يزيد كلامه في شأنه على الإهمال(٢) . أمّا محمّد بن عبد الحميد فقد تكرّر القول فيه(٣) كأبي جميلة أيضاً(٤) ، والإعادة فيه لأمرٍ ما. والطريق إلى محمّد بن أحمد بن يحيى تكرّر أيضاً(٥) .

والثاني : واضح الصحّة بعد ما قدّمناه في الطريق إلى الحسين بن سعيد(٦) . وجميل هو ابن درّاج ، صرّح به في الفقيه ، وطريقه إليه صحيح(٧) ، وستأتي الزيادة في متنه ، إمّا من كلام الصدوق أو جميل.

والثالث : واضح ايضاً بعد ما أسلفناه في حريز(٨) ، وقدّمنا(٩) أيضاً أنّ الوالدقدس‌سره كان يقول : إنّ مثل هذا السند حيث وقع فيه علي بن حديد وعبد الرحمن شاهد على أنّ ما يقع في بعض الأسانيد من رواية علي بن حديد عن عبد الرحمن سهو من قلم الشيخ ، وللبحث فيه مجال.

__________________

(١) خلاصة العلاّمة : ٢٥٨ / ٢.

(٢) رجال الطوسي : ٣١٥ / ٥٦٥ ، الفهرست : ١٧٠.

(٣) راجع ج ١ ص ٢٠٠ ، ج ٣ ص ١٠٣ ، ٢٦٥.

(٤) راجع ج ٢ ص ٢٢٤ ، ٣٠٦ ، ٣٦٣ ، ج ٣ ص ٢٦٦ ، ج ٤ ص ٣٩٢.

(٥) راجع ج ١ ص ٩٩ ج ٣ ص ٣٠٧ ، ج ٥ ص ١٧٥.

(٦) راجع ج ١ ص ٦٩ ، ٤١٤ ، ج ٣ ص ٢٤.

(٧) الفقيه ١ : ٣٢٠ / ١٤٥٧ ، خلاصة العلاّمة : ٢٧٧.

(٨) راجع ج ١ ص ٥٦ ، ج ٤ ص ١٨٧ ١٩٠.

(٩) راجع ج ٣ ص ٣٢٦.


المتن :

في الأوّل : دالّ على أنّ تكبيرات العيدين سبع وخمس ، وستسمع القول في المعارض إن شاء الله ، أمّا دلالته على أنّ صلاة العيدين فريضة [ فظاهرة(١) ] كالثاني ، وزاد الصدوق في متن الثاني : يعني أنّهما من صغار الفرائض ، وصغار الفرائض سنن ، لرواية حريز عن زرارة ، وذكر الرواية الثالثة ، وقال بعدها : ووجوب العيد إنّما هو مع إمامٍ عادل(٢) .

وهذه الزيادة تنبئ عن كونها ( من كلام الصدوق تجرّد رواية الشيخ عنها ، أمّا الزيادة في الثاني فيحتمل كونها )(٣) من الصدوق أيضاً ؛ لعين ما ذكرناه في الثالث ، إذ لو كانت من جميل لذكرها الشيخ ، لكن جزم الصدوق بأنّ الإمامعليه‌السلام عنى ما ذكره قد ينظر فيه : بأنّ المعلومية محلّ تأمّل ، لاحتمال خبر حريز التقية ، لتصريح بعضهم بأنّها سنّة مؤكدة(٤) ، وذكر الإمام لا يدلّ على أنّه المعصوم ، لجواز إرادة إمام الجماعة ؛ وربما يدفع بأنّ تعريف الإمام يقتضي الإمام المعصوم. ويشكل بوجود الإمام تنكراً(٥) في كثير من الأخبار ، ولا بعد أنْ يدّعى أنّ التنكير لا ينافي إرادة المعصوم كما سنذكره إنْ شاء الله.

أمّا التقية فموقوفة على العلم بالاتفاق على كونها سنّة ، أو الاتّقاء لمن يقول بذلك.

__________________

(١) في النسخ : وظاهره ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) الفقيه ١ : ٣٢٠.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) مغني المحتاج ١ : ٣١٠.

(٥) في « فض » و « م » : منكر.


ثمّ ما ذكره الصدوق حينئذٍ قد ذكرنا في معاهد التنبيه احتمال إرادته من الصغار : الواجبات بالسنّة ، وكأنّ الوجه في ذلك الإضافة إلى ما ثبت بالقرآن.

أمّا ما قد يقال : من أنّ المعلوم عدم الثبوت من القرآن في العيدين فيتحقق إرادة الواجب من السنّة. فيمكن أنْ يجاب عنه : بجواز العلم من القرآن ، لكن الأئمّةعليهم‌السلام وأهل البيت أدرى بما فيه.

وأمّا احتمال الدخول في الصلاة المأمور بها على الإطلاق فالحكم به(١) مشكل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما تضمّنه الخبر الثالث من كون صلاة العيد ليس قبلها ولا بعدها صلاة ربما يصلح مستنداً لما ينقل عن أبي الصلاح(٢) ، وابن البرّاج(٣) ، وابن حمزة(٤) ، من أنّه(٥) لا يجوز التنفل قبل العيد وبعدها ، وما ينقل عن أبي الصلاح أنّه لا يجوز التطوع ولا القضاء قبلها ولا بعدها(٦) .

وقد نقل العلاّمة في المختلف أنّ المشهور كراهة التنفل قبل وبعد ، واستدلّ بأصالة الإباحة. ثم نقل الاحتجاج بصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد اللهعليه‌السلام الآتي في باب من يصلّي وحده ، وأجاب بأنّه لا يدلّ على التحريم(٧) .

__________________

(١) في « رض » : فيه.

(٢) الكافي في الفقه : ١٥٥.

(٣) المهذب ١ : ١٢٣.

(٤) الوسيلة : ١١١.

(٥) في « م » و « رض » : فإنّه.

(٦) الكافي في الفقه : ١٥٥.

(٧) المختلف ٢ : ٢٧٨.


وهذا الجواب لا يخلو من نظر ؛ لأنّ ظاهر النفي التحريم ، بل لا يبعد أنْ يكون أبلغ من النهي كما لا يخفى ، والخبر المبحوث عنه كذلك.

أمّا قول أبي الصلاح الثاني فقد قال العلاّمة : إنّ عبارته رديئة ؛ لأنّها(١) توهم المنع من قضاء الفرائض ، إذ قضاء النوافل داخل تحت التطوع ، فإنْ قصد بالتطوع ابتداء النوافل ، وبالقضاء ما يختص بقضاء النوافل ، فهو حق في الكراهة ، وإن قصد المنع من قضاء الفرائض فليس كذلك ، وتصير المسألة خلافية ، لنا عموم الأمر بالقضاء ، وقولهعليه‌السلام : « من فاتته صلاة فريضة فوقتها حين يذكرها »(٢) فإنْ احتجّ بما رواه زرارة في الحسن عن الباقرعليه‌السلام : « وليس قبلها ولا بعدها صلاة » أجبنا : بأنّ المراد بذلك النوافل جمعاً بين الأدلة ، وما أظنّه يريد سوى ما قصدناه(٣) ، انتهى.

وفي نظري القاصر : أنّ الكلام محلّ تأمّل ؛ لأنّ ما دلّ على القضاء إذا كان مطلقاً لا مانع من تقييده ، كما قُيّد بأوقات الفرائض على ما سبق.

وما عساه يقال : إنّ الإطلاق من الجهتين ، فكما يجوز تقييد إطلاق ( القضاء بغير الوقت الذي قبل صلاة العيد وبعدها إلى الزوال ، كذلك يقيّد إطلاق )(٤) المنع من الصلاة قبل وبعد بغير قضاء الفرائض ، فترجيح الأوّل لا بُدّ له من مرجّح ليقال : إنّ الخبر يدلّ على قول أبي الصلاح.

يمكن الجواب عنه : بأنّ الكلام على ترجيح ما ذكره العلاّمة من أنّ‌

__________________

(١) في « رض » و « م » : لأنّه.

(٢) في المصدر : من فاتته صلاة فريضة فليقضها ( فليصلّها ) حين يذكرها ، ولم نعثر على كلا النّصّين في المصادر ، نعم في المعتبر ٢ : ٤٠٦ : من فاتته صلاة فوقتها حين يذكرها.

(٣) المختلف ٢ : ٢٨٠.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


المراد النوافل ، ولو رجعنا إلى ما ذكر يمكن أنْ يقال : ( إنّ الإطلاق من كلّ من الجانبين ، والتقييد ممكن ، فيتعارضان ، ولا سبيل إلى الترجيح ، إلاّ بأنْ يقال : )(١) إنّ إطلاق قضاء الفرائض مقيّد قطعاً ، وإطلاق خبر صلاتي العيد غير مقيّد ، والمقيّد لا يقاوم غير المقيّد ؛ وفيه نوع تأمّل يرجع حاصله إلى أنّ المطلق ( إذا قُيّد لا يخرج عن الإطلاق فيما عدا محل القيد كالعام ، إلاّ أنْ يقال : إنّه وإنْ رجع إلاّ أنّه لا يساوي المطلق )(٢) الباقي على حقيقته.

وقد يقال : إنّ خبر العيدين مقيّد بغير مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كما ذكروه ، إلاّ أنّ في البين توقفاً ؛ لعدم العلم بصحّة الخبر الوارد بذلك ، كما يعرف من مراجعته ، نعم هو مؤيد بالشهرة ، وفي ذلك بحث.

أمّا ما قد يقال : إنّ خبر العيدين محتمل لأنْ يراد بنفي الصلاة قبلهما وبعدهما على وجه التوظيف ، كما في الصلاة اليومية. فيمكن دفعه : بأنّ ظهور هذا محلّ تأمّل.

وإذا تمهّد هذا فاعلم أنّ ما ذكره الشيخ من أنّ فرض العيدين ثبت بالسنّة ، قد مضى القول فيه(٣) . وقوله : إنّ العيدين تفرّدا بعدم الوجوب إلاّ عند حضور الإمام على ما ذكره في الكتاب الكبير ؛ هو المشهور بين الأصحاب فيما قيل(٤) ، بل في المنتهى ادّعى اتفاق الأصحاب على اشتراط السلطان العادل أو من نصبه(٥) ، واحتجّ بما سيأتي من خبر زرارة(٦) ،

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « م » : مضطرب عبارةً ومعنى.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) في ص ٢٤٩.

(٤) انظر مجمع الفائدة ٢ : ٣٩٧.

(٥) المنتهى ١ : ٣١٧.

(٦) في ص ٢٥٢.


وستسمع إنشاء الله القول فيه(١) ، وأمّا الإجماع فقد قدّمنا(٢) أنّه من قبيل الخبر المرسل ، وحينئذ يحتاج إلى الترجيح مع التعارض ، وتحقيقه يتمّ بذكر الأخبار.

وأمّا قول الصدوق : ووجوب العيد إنّما هو مع إمام عادل(٣) ، فظاهره ما هو المشهور ، واحتمال غيره بعيد كما لا يخفى.

قوله :

باب أنّه(٤) لا تجب صلاة العيدين إلاّ مع الإمام.

محمّد بن يعقوب ، عن الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن حمّاد بن عثمان ، عن معمر بن يحيى ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « لا صلاة يوم الفطر والأضحى إلاّ مع إمام(٥) ».

الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « من لم يصلّ مع الإمام في جماعةٍ ( يوم العيد )(٦) فلا صلاة له ولا قضاء عليه ».

عنه ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سألته عن الصلاة يوم الفطر والأضحى؟ قال‌

__________________

(١) في ص ٢٥٨.

(٢) في ص ١٣٥.

(٣) الفقيه ١ : ٣٢٠.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٤٤ لا توجد : أنه.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٤٤ / ١٧١٣ : الإمام.

(٦) ما بين القوسين ليس في النسخ ، أثبتناه من الاستبصار ١ : ٤٤٤ / ١٧١٤ ، والتهذيب ٣ : ١٢٨ / ٢٧٣.


« ليس صلاة إلاّ مع إمام ».

فأمّا ما رواه علي بن حاتم ، عن الحسن بن علي ، عن أبيه ، عن فضالة ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل وليتطيب ( بما وجد )(١) ، وليصلّ(٢) وحده كما يصلّي في الجماعة ».

عنه ، عن الحسن ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي قال : سُئل أبو عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل لا يخرج يوم الفطر والأضحى ، أعليه صلاة وحده؟(٣) فقال : « نعم ».

عنه ، عن محمّد بن جعفر قال : حدّثني(٤) عبد الله بن محمّد ومحمّد بن الوليد ، عن يونس بن يعقوب ، عن منصور(٥) ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « مرض أبي يوم الأضحى فصلّى في بيته ركعتين ثم ضحّى ».

فالوجه في هذه الأخبار(٦) أنْ نحملها على ضربٍ من الاستحباب ؛ لأنّ هذه الصلاة مع الإمام فرض ، وعلى الانفراد سنّة مؤكدة ، والذي يدلّ على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ،

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في النسخ : في العيدين ، وما أثبتناه من التهذيب ٣ : ١٣٦ / ٢٩٧ ، والاستبصار ١ : ٤٤٤ / ١٧١٦.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٤٤ / ١٧١٦ : ويصلّي.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٤٤ / ١٧١٧ زيادة : قال.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٤٤ / ١٧١٨ : حدّثنا.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٤٥ / ١٧١٨ زيادة : ابن حازم.

(٦) في النسخ : الرواية ، والصحيح ما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٤٤٥ / ١٧١٨.


عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا صلاة في العيدين إلاّ مع إمام ، وإنْ صلّيت وحدك فلا بأس ».

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن خالد ، عن سيف بن عميرة ، عن إسحاق بن عمّار ، قال حدّثني أبو قيس ، عن جعفر بن محمّدعليهما‌السلام ، قال : « إنما الصلاة يوم العيد على من خرج إلى الجبّانة(١) ، ومن لم يخرج فليس عليه صلاة ».

فلا ينافي ما قدّمناه ؛ لأنّ معنى قوله : « فليس عليه صلاة » فرضاً كما يكون مع الخروج إلى الجبّانة ، وكذلك :

ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن يزيد بن إسحاق شعر ، عن هارون بن حمزة الغنوي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « الخروج يوم الفطر ويوم الأضحى إلى الجبّانة حسن لمن استطاع الخروج إليها » فقلت(٢) : إنْ كان مريضاً لا يستطيع أنْ يخرج ، أيصلّي في بيته؟ قال : « لا ».

فالوجه فيه أيضاً ما قلناه ، أنه ليس عليه ذلك فرضاً واجباً ، وإنّما هو(٣) على جهة الفضل (٤) والاستحباب.

السند :‌

في الأوّل : فيه معلّى بن محمّد ، وفي النجاشي : إنّه مضطرب‌

__________________

(١) الجبان والجبّانة : الصحراء ، وتسمّى بهما المقابر ؛ لأنها تكون في الصحراء. انظر النهاية لابن الأثير ١ : ٢٣٦.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٤٥ / ١٨٢١ زيادة : أرأيت.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٤٦ زيادة : عليه.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٤٦ : الندب.


الحديث والمذهب(١) . والوشّاء هو الحسن بن علي بن بنت الياس ، وقد تقدّم ما قد يستفاد منه المدح(٢) ، وما اتفق فيه في حديث الخمس ( من التهذيب احتمال القدح تقدّم(٣) احتمال دفعه )(٤) ، وبقية الرجال معلومو الحال ، سوى أنّ معمر بن يحيى فيه اشتراك بين مهمل وثقة(٥) ، ولا يبعد قرب الثقة مع الإطلاق ، لكن الفائدة منتفية هنا ، وهو بفتح الميم وسكون العين وتخفيف الميم في الإيضاح(٦) .

والثاني : واضح الصحّة(٧) على ما تقدم في عمر بن أُذينة(٨) ، لأنّ الراوي عنه في الرجال ابن أبي عمير(٩) ، والشيخ وثّقه(١٠) ، والنجاشي ذكر فيه ما يقتضي المدح(١١) ، وتوهّم التغاير من النجاشي حيث قال : عمر بن محمّد بن عبد الرحمن بن أُذينة ، يدفعه ما قاله في السند من لفظ عمر بن أُذينة.

والثالث : كذلك.

والرابع : فيه علي بن حاتم ، وقد قال النجاشي : إنّه ثقة في نفسه ،

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤١٨ / ١١١٧.

(٢) راجع ج ١ ص ١٥٠.

(٣) راجع ج ١ ص ١٥٠ ، وهو في التهذيب ٤ : ١٥٠.

(٤) بدل ما بين القوسين في « فض » : تقدم احتمال من احتمال القدح دفعه ، وفي « م » : تقدم احتمال القدح من التهذيب دفعه.

(٥) هداية المحدثين : ٢٦١.

(٦) إيضاح الاشتباه : ٣٠٣.

(٧) ليست في « فض ».

(٨) راجع ج ١ ص ٢٧٣.

(٩) انظر رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥٢.

(١٠) رجال الطوسي : ٣٥٣ / ٨.

(١١) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥٢.


لكنه أكثر الرواية عن الضعفاء(١) . وذكرنا في أول الكتاب بيان حقيقة الحال في مثل هذا ، والطريق إليه في المشيخة فيه جهالة(٢) . والحسن بن علي الراوي عنه علي بن حاتم محتمل لابن عبد الله بن المغيرة ، ولغيره ، وقد يظن قرب احتمال ابن المغيرة ، وقد رواها الصدوق ، عن جعفر بن بشير ، عن عبد الله بن سنان(٣) ، فلا ارتياب في السند.

[ والخامس : كالرابع.

والسادس (٤) ] : فيه مع ما تقدّم في الطريق إلى علي بن حاتم محمّد ابن جعفر ، وهو محتمل لابن بطّة ؛ لما يظهر من ممارسة الرجال ، إلاّ أنّ غيره في حيّز الإمكان ، وفي التهذيب عن عمر بن جعفر ، في نسخة معتبرة(٥) ، وهو مجهول الحال ؛ إذ ليس في كتب الرجال على ما وقفت عليه.

ثمّ إنّ هنا كما ترى عبد الله بن محمّد ومحمّد بن الوليد ، وفي التهذيب : عبد الله بن محمّد ، عن محمّد بن الوليد ؛ ومحمّد بن الوليد هو الخزّاز ، لروايته عن يونس بن يعقوب ، وقد وثّقه النجاشي(٦) ، وقال الكشي : إنّه فطحي(٧) ، وأنت خبير بالحال بعد ما كرّرنا القول فيه(٨) . أمّا‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٦٣ / ٦٨٨.

(٢) الاستبصار ٤ : ٣٣٥.

(٣) الفقيه ١ : ٣٢٠ / ١٤٦٣.

(٤) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : والرابع كالثالث. والخامس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٥) التهذيب ٣ : ١٣٦ / ٣٠٠.

(٦) رجال النجاشي : ٣٤٥ / ٩٣١.

(٧) رجال الكشي ٢ : ٨٣٥ / ١٠٦٢.

(٨) ج ١ ص ١٠٨ ١١١ ، ترجمة سماعة ، ج ٤ ص ٨٩ ، ترجمة داود بن الحصين ، ج ٦ ص ٣٦٩ ، ترجمة منصور بن يونس.


عبد الله فمشترك(١) . ويونس بن يعقوب مضى القول فيه مفصّلاً(٢) . ومنصور هو ابن حازم ، صرّح به في الفقيه(٣) ، والطريق إليه فيه(٤) مشتمل على محمّد بن علي ماجيلويه وهو معتبر على ما مضى(٥) ، وفيه محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن أحمد ولا يبعد كونه الأشعري ، عن محمّد ابن عبد الحميد(٦) ، وقد تقدّم(٧) .

ثم إنّ الشيخ في التهذيب اتفق له هنا ما يقتضي التعجب ، فإنّه روى أوّلاً عن علي بن حاتم ، كما هنا ، وبعد الرواية قال : وروى محمّد بن علي ابن محبوب ، عن أحمد بن محمّد ، وذكر رواية ، ثم قال : وعنه ، عن الحسن ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، وذكر الرواية ، ثم قال : وعنه عن عمر ابن جعفر ، إلى أنْ قال : وعنه ، عن أحمد بن محمّد بن موسى ، إلى آخره(٨) وهنا كما ترى ، فليتأمّل.

[والسابع (٩) ] : فيه عثمان بن عيسى وقد تقدّم القول فيه(١٠) ، لكنه في الفقيه مروي عن سماعة(١١) ، وطريقه حينئذٍ موثق.

__________________

(١) هداية المحدّثين : ٩٩.

(٢) راجع ج ١ ص ٢٠١ ، ٣٤٢ ، ج ٢ ص ٢٩٤ ، ج ٣ ص ٤١٩.

(٣) الفقيه ١ : ٣٢٠ / ١٤٦٢.

(٤) ليست في « رض » و « م ».

(٥) في ص : ١٣٧٦ و ١٣٨١.

(٦) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٢٢.

(٧) راجع ج ١ ص ٢٠٠ ، ج ٣ ص ١٠٣ ، ٢٦٥.

(٨) التهذيب ٣ : ١٣٦.

(٩) في النسخ : الرابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(١٠) راجع ج ١ ص ٧٠ ٧٢.

(١١) الفقيه ١ : ٣٢٠ / ١٤٥٩.


[والثامن (١) ] : فيه محمّد بن خالد ، وهو الطيالسي ؛ لرواية محمّد بن علي بن محبوب لكتابة في الفهرست(٢) ، وروايته عن سيف في الرجال أيضاً(٣) ، وحاله لا يزيد على الإهمال. وسيف وإسحاق تكرّر القول فيهما(٤) . أمّا أبو قيس ففي رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ مهملاً(٥) .

[والتاسع (٦) ] : ليس فيه التوقف إلاّ من جهة يزيد بن إسحاق ، فإنّي لم أجد توثيقه في الرجال ، نعم وثّقه جدّيقدس‌سره في شرح البداية(٧) ، ولا أعلم مأخذه ، إلاّ من تصحيح العلاّمة طريق الصدوق إلى هارون بن حمزة(٨) ، وهو فيه ، وتقدم منّا كلام في مثل هذا(٩) .

المتن :

في الأول : أيّد به شيخناقدس‌سره عدم إفادة الأخبار إرادة إمام الوقتعليه‌السلام ، نظراً إلى التنكير(١٠) ، وقد يناقِش في هذا معتبر إمام الأصلعليه‌السلام بأنّ التنكير يجوز أنْ يكون وجهه التقية ؛ إذ التعريف موجب للارتياب ، على أنّ التعريف قد وجد في معتبر الأخبار المذكورة ، فترجيح الاستشهاد بخبر‌

__________________

(١) في النسخ : والخامس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) الفهرست : ١٤٩ / ٦٣٤.

(٣) رجال النجاشي : ١٨٩ / ٥٠٤.

(٤) راجع ج ١ ص ٢٤١ ، ٢٤٩ ، ج ٣ ص ١٠٤ ، ٢٠٣.

(٥) رجال الطوسي : ٣٤٠ / ٣٤.

(٦) في النسخ : والسادس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٧) الدراية : ١٣١.

(٨) خلاصة العلاّمة : ٢٧٩.

(٩) راجع ج ١ ص ١٨٢ ١٨٣ ، ج ٢ ص ٢٣٧.

(١٠) المدارك ٤ : ٩٤.


التنكير مع احتماله ما قلناه محلّ كلام ، ( نعم )(١) قد تكرر في الأخبار التنكير ، والقول واحد.

والثاني : يدلّ بظاهره على أنّ من لم يصلّ مع الإمام في جماعة لا صلاة له. وغير خفي أنّ التعريف لو دلّ على إمام الوقت لأفاد اشتراطه وانتفاء الصلاة بدونه مطلقاً ، لكن المنقول في كلام المتأخّرين استحباب فعلها بدون ظهوره(٢) ، وبعض الأخبار تدلّ على ذلك في الجملة كما سنذكره.

ولو حمل على الأعمّ أفاد اشتراط الجماعة في صلاة العيد وجوباً واستحباباً ، لكن تعيّن الجماعة لا أعلم القائل به ، وظاهر بعض الأخبار ينفيه(٣) .

ولو حمل الخبر على حال حضورهعليه‌السلام لأنّ الكلام منهعليه‌السلام ( يدل على ذلك فهو موقوف على ثبوت إرادة الإمام المعصومعليه‌السلام )(٤) ، وأنّ من لم يصلّ معه لا يشرع له الصلاة ؛ والقائل كأنه منتفٍ ، غير أنّ معتبر الإمام المعصومعليه‌السلام قد يُشكل عليه الحال في مثل هذه الأخبار ، فإنّ مثلهمعليهم‌السلام كيف يقع منه هذا ، والحال أنّهم كانوا يدفعون عن أنفسهم محض التهمة.

وفي الظن أنّ هذا الوجه أولى في دفع الاستدلال بتعريف الإمام إنْ لم يثبت الإجماع ، إلاّ أنْ يقال : كلامهمعليهم‌السلام كان مع من يؤمن نقله ، كزرارة ، وغير خفي أنّ هذا ربما يستلزم ما قدّمناه من الاحتمال ، لولا عدم‌

__________________

(١) في « رض » و « م » : و.

(٢) المعتبر ٢ : ٣٠٩ ، المختلف ٢ : ٢٧٥ ، المدارك ٤ : ٩٨.

(٣) الوسائل ٧ : ٤٢٤ أبواب صلاة العيد ب ٣.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


القائل فيما نعلم.

والثالث : ( كالأوّل في التنكير ، والكلام الكلام.

والرابع : لا يخفى احتمال جماعة الناس فيه أهل الخلاف )(١) كاحتمال الصلاة جماعةً على الإطلاق ، وعلى الأوّل يحتمل أنْ يراد بالوحدة انفراده عن جماعتهم ، فلا ينافي صلاة الجماعة أيضاً ، إلاّ أنّ قوله : « كما يصلّي في الجماعة » قد ينافيه ، إلاّ أنْ يقال : إنّ المراد كون صلاته بالانفراد عن جماعة الناس مثل صلاتهم صورة من الخطبة وغيرها ؛ وفيه نوع بعد. أمّا على الثاني فأراد بالانفراد ظاهره ، ويراد بالتشبيه في كيفية الصلاة.

والخامس : مثله ، ولفظ « عليه » ربما يعطي اللزوم ، لكن دفعه سهل.

والسادس : واضح الدلالة من جهة ، مجملها من اخرى ، فالاستدلال به على فعل العيد على الانفراد استحباباً للتأسي ممكن ، لولا احتمال صلاته جماعةً بأهلهعليهم‌السلام ، أو(٢) أصحابه. وأمّا من جهة الكيفية فالإجمال واضح.

وما ذكره الشيخ بعد هذه الأخبار لا يخلو من غرابة بالنسبة إلى السادس كما لا يخفى.

وفي فوائد شيخناقدس‌سره على الكتاب أنّه ليس ( في شي‌ء )(٣) من الأخبار التي أوردها الشيخ دلالة على اعتبار حضور إمام الوقتعليه‌السلام ، وإنّما المستفاد منها(٤) ( وجود إمامٍ يؤمّ القوم ، كما يستفاد )(٥) من تنكير الإمام ، ووجود لفظ الجماعة في بعضها ، ومقابلة ذلك بصلاة(٦) المنفرد في بعضٍ‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) في « رض » : و.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٤) ليست في « فض » و « رض ».

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٦) في « رض » : لصلاة.


آخر ، لكن هذا الشرط وهو حضور الإمام ، أو نائبه مقطوع به في كلام الأصحاب ، وظاهرهم أنّه موضع وفاق ، واستدلّ عليه في المنتهى بهذه الروايات ؛ وقد عرفت أنّها قاصرة الدلالة على المطلوب ، مع أنّ اللازم من ذلك اعتبار حضورهعليه‌السلام ، وهم لا يقولون به ، وبالجملة : فوجوب هذه الصلاة ثابت بالأخبار ، كصحيحة جميل وغيرها ، وكونه مقيّداً بحضور الإمام أو نائبه يتوقف على دليلٍ ( صالحٍ للتقييد ، وهو منتفٍ ، إلاّ أنّ الأصحاب قاطعون بذلك واتّباعهم من غير دليل )(١) مشكل ، إلاّ أنْ يكون الحكم إجماعياً بحيث يعلم دخول قول المعصومعليه‌السلام في أقوال المجمعين ، وذلك ممّا يقطع هنا بعدمه ، انتهى كلامهقدس‌سره .

ولقائلٍ أنْ يقول : إنّ ما ذكره من إطلاق بعض الأخبار مسلّم ، وهو خبر جميل الصحيح السابق في أوّل الباب(٢) . أمّا ما دلّ على الإمام ففيه ما قدّمناه(٣) .

وقولهقدس‌سره : إنّ الإجماع لا بدّ فيه من العلم بقول المعصوم ، إنْ أراد به ما يعمّ الإجماع المنقول بخبر الواحد ففيه نظر واضح ؛ لأنّ الإجماع المنقول عنده حجّة ، غاية الأمر أنّه من قبيل الخبر ، أو دليل الخبر دليله ، وقد قدّمنا أنّه لا يبعد أنْ يكون الإجماع من مثل العلاّمة والمحقق من قبيل الخبر المرسل ، إذ من المعلوم تعذّر اطلاعهما على الإجماع. نعم ربما يقبل خبرهما ، لحصول العلم الشرعي عندهما من المدّعى بغير واسطة ، أو بواسطة ، وعدم التصريح بالمنقول عنه لا يضر بالحال ، لعدم الاتفاق على‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) راجع ص ٢٤٥.

(٣) في ص ٢٤٧.


منعه ، وحينئذٍ يرجع إلى الخبر عمّن يعتقد صحّة قوله ، فعلى تقدير القبول إذا تعارض مع بعض الأخبار المعتبرة الدالّة على أنّ صلاة العيدين فريضة يمكن أنْ يقال بتقديم ما دلّ على الإطلاق ؛ لسلامة سنده ، ويمكن أنْ يقيّد إطلاقه.

وربما يقال : إنّ في خبر جميل ذكر الكسوف مع العيدين قرينة على الإطلاق ، والأخبار المتضمنة للإمام معرّفاً أو منكَّراً لا تخرج عن الإجمال ، أو احتمال مراعاة أهل الخلاف في الجملة ممكن.

وما قاله جدّيقدس‌سره في شرح الإرشاد : من أنّه لا مدخل للفقيه حال الغيبة في ظاهر الأصحاب وإنْ كان [ ما(١) ] في الجمعة من الدليل قد يتمشّى هنا ، إلاّ أنّه يحتاج إلى القائل ، ولعلّ السرّ في عدم وجوبها حال الغيبة مطلقاً بخلاف الجمعة أنّ الوجوب الثابت في الجمعة إنّما هو التخييري ، أمّا العيني فهو منتفٍ بالإجماع ، والتخييري في العيدين غير متصور ؛ إذ ليس معها فرد آخر ، فلو وجبت لوجبت عيناً ، وهو خلاف الإجماع(٢) .

محلّ تأمّل ،أمّا أولاً : فما ذكره من تمشّي الدليل إنْ أراد به أنّ الفقيه منصوب من قبل الإمامعليه‌السلام عموماً فكان كالنائب ؛ ففيه : أنّ دليل كونه منصوباً الإجماع ، وهو منتفٍ في موضع النزاع. واحتمال الاستدلال بمقبول عمر بن حنظلة ، فيه ، أنّ مقبوليته غير معلومة على الإطلاق ليستدل به في موضع الخلاف. ولا أدري الآن معنى كونه مقبولاً ، فإنْ أُريد الصحّة أشكل بعدم معلومية الاتفاق ، وإنْ أُريد العمل بمضمونه أشكل بمحلّ الخلاف ، كما نحن فيه وغيره ، ولو تمّ ذلك أمكن المناقشة ( في دلالته )(٣) ، لتضمّنه‌

__________________

(١) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر لاستقامة المتن.

(٢) روض الجنان : ٢٩٩.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».


نصّ الصادقعليه‌السلام على نصب من تضمّنه ، فيكون كالوكيل ، فيُعزل بموت الإمامعليه‌السلام ، وحينئذٍ لا يتمّ في زمن الغيبة.

وإنْ نوقش في هذا بأنّ أحكامهمعليهم‌السلام لا تتغير ؛ أمكن الجواب : بأنّ هذا في الأحكام الشرعية لا ريب فيه ، بخلاف المنصوب ، والخلاف فيه مذكور في باب القضاء.

وبالجملة : فقولهقدس‌سره : إنّه يتمشّى ، محل بحث.

وأمّا ثانياً : فلأنّ الوجوب التخييري في الجمعة لا يوافقه كلامه في الرسالة ، إلاّ أنْ يكون رجع عنه.

وأمّا ثالثاً : فلأنّ الإجماع في العيدين لا ينبغي الغفلة عن معارضته بما أشرنا إليه ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخلاف قد وقع في صلاة العيدين مع عدم حضور الإمامعليه‌السلام ، ففي المختلف نقل عن المفيد أنّه قال : هذه الصلاة فرض على من لزمته الجمعة على شرط حضور الإمام ، سنّة على الانفراد مع عدم حضور الإمام ، ثم قال يعني المفيد ـ : ومن فاتته صلاة العيد جماعةً صلاّها وحده كما يصلّي في الجماعة ندباً مستحباً.

وقال الشيخ في المبسوط : متى تأخّر عن الحضور ( لعارض ، صلاّها في المنزل منفرداً )(١) سنّةً وفضيلةً ، ثم قال يعني الشيخ ـ : ومن لا تجب عليه صلاة العيد من المسافر والعبد وغيرهما يجوز لهما إقامتها منفردين سنّةً.

وقال المرتضى في المسائل الناصرية : وهما سنّة ، تصلّى على الانفراد عند فقد الإمام واختلال بعض الشرائط.

وقال أبو الصلاح : فإنْ اختلّ شرط من شرائط العيد سقط فرض(٢)

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : صلاّها منفرداً.

(٢) ليست في النسخ ، أضفناها من المصدر.


الصلاة ، وقبح الجمع فيها مع الاختلال ، وكان كلّ مكلّفٍ مندوباً إلى هذه الصلاة في منزله ، والإصحار بها أفضل.

قال القطب الراوندي : من أصحابنا من ينكر الجماعة في صلاة العيد سنّة بلا خطبتين.

وقال ابن إدريس : معنى قول أصحابنا : على الانفراد ، ليس المراد بذلك أنْ يصلّي كلّ واحد منهم منفرداً ، بل الجماعة أيضاً عند انفرادها من دون الشرائط مستحبة مسنونة ، قال : ويشتبه على بعض المتفقهة هذا الموضع ، بأنْ يقول على الانفراد أراد مستحبة إذا صلّى كلّ واحد وحده ، لأنّها مع انتفاء الشرائط نافلة ، ولا جماعة في النافلة ؛ وهو قلّة تأمّل ، بل مقصودهم ما ذكرناه من انفرادها عن الشرائط(١) .

قال العلاّمة : وتأويل ابن إدريس بعيد ، مع أنّه روى النهي(٢) عمّار بن موسى ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : قلت له : هل يؤمّ الرجل بأهله في صلاة العيدين في السطح أو بيت؟ قال : « لا يؤمّ بهن ولا يخرجن(٣) »(٤) ولو كانت الجماعة مستحبة لاستُحبّت هنا ؛ إذ المستحب في حق الرجل مستحب في حق المرأة ، إلاّ ما خرج بالدليل ، إلاّ أنّ قول أصحابنا في زماننا الجمع فيها ، قال القطب الراوندي : جمهور الإمامية يصلّون هاتين الصلاتين‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٢٧٤ ، وهو في المقنعة : ١٩٤ و ٢٠٠ ، وفي المبسوط ١ : ١٦٩ و ١٧١ ، وفي المسائل الناصرية ( الجوامع الفقهية ) : ٢٣٩ ، وفي الكافي في الفقه : ١٥٤ ، وفي السرائر ١ : ٣١٥.

(٢) في « رض » زيادة : عن.

(٣) في « فض » : لا يؤمّ بهم ولا يخرجن ، وفي « رض » : لا يؤم بهم ولا يخرجهن ، وفي « م » : لا يؤمهم ولا يخرجن ، وما أثبتناه موافق للتهذيب والمختلف والوسائل.

(٤) التهذيب ٣ : ٢٨٩ / ٨٧٢ ، الوسائل ٧ : ٤٧١ أبواب صلاة العيد ب ٢٨ ح ٢.


جماعةً وعملهم حجّة ، انتهى(١) .

وإنّما نقلناه بطوله لأنّ بعض محقّقي المتأخّرين نقل عن ظاهر المنتهى عدم النزاع في الجماعة ، حيث ما نقل إلاّ خلاف بعض العامّة في جوازها فرادى إلى أن قال ـ : إنّ الشهرة وأدلّة الجماعة مطلقاً والترغيب فيها [ خصوصاً في مثل العيد ] مع عدم النصّ والإجماع الواقع على عدم جوازها في النافلة ، وظاهر الأخبار يدلّ عليها ، ويؤيده ظاهر المنتهى من عدم النزاع ، وإن نقل المحقق الثاني يعني الشيخ عليرحمه‌الله في حاشية الشرائع الخلاف في جواز الجماعة(٢) . انتهى.

ولا يذهب عليك أنّ ما نقله المحقق الثاني قد حكاه العلاّمة نفسه في المختلف كما سمعت ، لكن قول العلاّمة أخيراً : ( إنّ قول أصحابنا في زماننا ،(٣) يشعر بالإجماع المتأخر ، وفيه : أنّ احتمال إرادة المعروفين من الأصحاب )(٤) لا جميع العلماء في زمانه ، لتعذّر الاطّلاع ، بل امتناعه ؛ وقول القطب الراوندي كذلك. وإذا لم يتحقق الإجماع فالأخبار قد دلّ معتبرها على صلاة الإنسان وحده ، والحمل على أنّ الوحدة يراد بها الانفراد عن الشرائط كما قاله ابن إدريس من البعد بمكان.

وقد قدّمنا أنّ الصدوق روى خبر عبد الله بن سنان ، عن جعفر بن ( بشير ، عن عبد الله بن سنان ، وطريقه إليه لا ارتياب فيه(٥) ، وهو ظاهر في‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٢٧٥.

(٢) انظر مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٣٩٧ ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

(٣) في « رض » زيادة : قد.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».

(٥) راجع ص ٢٥٥.


صلاة الإنسان )(١) وحده إذا لم يشهد جماعة من الناس ، وقد أوضحنا الكلام في هذا في كتاب معاهد التنبيه على نكت من لا يحضره الفقيه.

والحاصل أنّ خبر زرارة الصحيح الدالّ على أنّ من لم يصلّ مع الإمام في جماعة فلا صلاة له ، ربما يقتضي حمل حديث : « من لم يشهد جماعة من الناس » على صلاة الفرض ، وفيه : بتقدير عدم انحصار الإمام في إمام الأصل جواز حمل الأحاديث الدالّة على أنّه لا صلاة إلاّ مع الإمام على الصلاة الكاملة ، سواء كانت فرضاً أو نفلاً ، فالفرض مع اجتماع الشرائط ، والنفل مع عدمها ، ولا يشكل بثبوت الصلاة منفرداً ؛ لإمكان الجواب بأنّ الكمال مع الجماعة أزيد.

نعم ربّما يدّعى أنّ نفي الصلاة المفروضة إلاّ مع الإمام أوضح ، وحينئذٍ تدلّ الأخبار على أن الصلاة المفروضة لا تكون إلاّ مع إمام أو الإمام ، وأمّا النفل فلا ، فينفى الدلالة على جواز الجماعة مع عدم اجتماع الشرائط ، فيتّضح(٢) القول بتعيّن الانفراد.

وقد يحمل خبر : « من لم يصلّ مع الإمام فلا صلاة له » على أنّه مع وجود الإمام وصلاته متمكناً إذا لم يحضرها الإنسان مختاراً فلا صلاة له منفرداً وجماعةً ، إلاّ أنّ القائل بهذا غير معلوم كما سبق(٣) .

أمّا ما قاله شيخناقدس‌سره في المدارك من أنّ المستفاد من النصوص المستفيضة أنّها إنّما تصلّى على الانفراد(٤) ؛ ففيه تأمّل يظهر ممّا قرّرناه ـ

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) في « فض » : ويتضح. ، وفي « م » : ويتعيّن.

(٣) في ص ٢٥٨.

(٤) المدارك ٤ : ٩٩.


غير خفي ، وبُعد وصول الأخبار إلى حدّ الاستفاضة.

وكذلك ما ذكرهقدس‌سره من أنّ المستفاد من النصوص المستفيضة أنّها تصلّى على الانفراد مع تعذّر الجماعة ، أو عدم اجتماع العدد(١) ؛ محلّ تأمّل ، والوجه فيه يعلم من الكتاب المشار إليه ، والله تعالى أعلم بالحقائق.

ويبقى الكلام في السابع والثامن ، وكلام الشيخ فيهما واضح.

اللغة‌ :

قال في القاموس : الجبّان والجبّانة مشدّدتين ـ : المقبرة والصحراء والمنبت الكريم و(٢) الأرض المستوية في ارتفاع(٣) .

قوله :

باب من يصلّي(٤) وحده كم يصلي؟

الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « صلاة العيد ركعتان بلا أذان ولا إقامة ،(٥) ليس قبلهما ولا بعدهما شي‌ء ».

محمّد بن يعقوب ، عن علي ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن معاوية بن عمّار قال : سألته عن صلاة العيدين ، فقال : « ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شي‌ء ».

__________________

(١) المدارك ٤ : ٩٩.

(٢) في المصدر : أو.

(٣) القاموس المحيط ٤ : ٢١٠.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٤٦ : صلّى.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٤٦ / ١٧٢٢ زيادة : و.


سعد ، عن موسى بن الحسن ، عن معاوية بن حكيم ، عن عبد الله ابن المغيرة قال : حدّثني بعض أصحابنا قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن صلاة الفطر والأضحى ، قال : « صلّهما ركعتين في جماعة وغير جماعة ، وكبّر سبعاً وخمساً ».

فأمّا ما رواه أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن أبي البختري ، عن جعفر عن أبيه عن علي : قال : « من فاتته(١) العيد فليصلّ أربعاً ».

فالوجه في الرواية التخيير ، لأنّ من صلّى وحده كان مخيّراً بين أن يصلى ركعتين على ترتيب صلاة العيدين وبين أن يصلي أربعاً كيف ما شاء ؛ وإنْ كان الفضل في صلاة الركعتين على ترتيب صلاة العيد.

السند :‌

في الأوّل : ليس فيه ارتياب بعد ملاحظة ما كرّرنا القول فيه(٢) .

والثاني : علي فيه لا يبعد أنْ يكون ابن إبراهيم ، لرواية علي بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى بكثرة في الكافي(٣) . لكن الشيخ في التهذيب رواه عن علي بن محمّد(٤) ، فيكون علاّن الثقة. والذي وجدته في الكافي علي عن محمّد بن عيسى(٥) . ولعلّ الأمر سهل. ومحمّد بن عيسى عن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٤٦ / ١٧٢٥ ، والتهذيب ٣ : ١٣٥ / ٢٩٥ زيادة : صلاة.

(٢) في ص ٤٩ ، ١٥٤ ، ٢٨٩.

(٣) الكافي ٣ : ١٦ / ١ ، ١٧ / ٥ ، ١٩ / ١٧ ، ٢١ / ١ ، ٢٤ / ١ و ٣.

(٤) التهذيب ٣ : ١٢٩ / ٢٧٨.

(٥) الكافي ٣ : ٤٦٠ الصلاة ب ٩٣ ح ٣.


يونس مضى القول فيه(١) ممّا حاصله : احتمال ضعف محمّد بن عيسى إذا روى عن يونس ، على اصطلاح المتقدّمين من احتياج الخبر إلى زيادة القرائن ، وهو لا ينافي توثيق النجاشي(٢) .

والثالث : فيه موسى بن الحسن ، وقد قدمنا مكرراً حاله كمعاوية بن حكيم(٣) ، والفائدة في إعادة البيان بعد الإرسال منتفية. واحتمال المعنى الذي فهمه البعض من الإجماع على تصحيح ما يصح عن عبد الله بن المغيرة(٤) يتوقف على ثبوت توثيق معاوية بن حكيم من دون القدح بكونه فطحياً ، والذي يقول بالمعنى المشار إليه يحكم بالجمع بين كونه ثقة وفطحياً ، لعدم منافاة توثيق النجاشي(٥) له مع عدم ذكر الفطحية ، لما ذكره الكشي : من أنّه فطحي(٦) .

وقد قدّمنا(٧) في مثل هذا أنّ من المستبعد اطلاع النجاشي على كونه فطحياً مع عدم ذكره ؛ إذ ليس من شأنه عدم ذكر مخالفة المذهب في الرجال ، كما أنّ اطلاع الكشي على ما لم يطلع عليه النجاشي أشدّ بُعداً ، والعمدة عند القائلين بالجمع هو جواز اطلاع الجارح على ما لم يطلع عليه المعدِّل فيقدّم(٨) عليه مع التعارض ، وما نحن فيه واضح المنافاة لما ذكروه ، فليتأمّل.

__________________

(١) راجع ج ١ : ٧٦ وج ٤ : ٨ ، ١٨٧.

(٢) رجال النجاشي : ٣٣٣ / ٨٩٦.

(٣) راجع ج ١ : ١٥٢ ، ٣١٥ ، ٣٧٦ ، وج ٢ : ٧٢ وج ٣ : ١٨٧ وج ٥ : ٢٤٩.

(٤) رجال الكشي ٢ : ٨٣٠ / ١٠٥٠.

(٥) رجال النجاشي : ٤١٢ / ١٠٩٨.

(٦) رجال الكشي ٢ : ٨٣٥ / ١٠٦٢.

(٧) راجع ج ١ : ١١٠ وج ٤ : ٩٣ وج ٦ : ٣٧٢.

(٨) في « رض » و « م » : في تقديمه.


والرابع : أحمد بن أبي عبد الله فيه البرقي ؛ وأبوه معلوم حينئذٍ والقول في حقيقة حالهما تكرر(١) . ثمّ إنّ الطريق إلى أحمد في المشيخة واضح الصحّة(٢) .

وأمّا أبو البختري فهو وهب بن وهب ، وقد قال الشيخ : إنّه ضعيف(٣) . والنجاشي : إنّه كذّاب(٤) . لكن لا يخفى أنّ الشيخ وغيره من المتقدمين لا يلتفتون إلى الراوي بل إلى مأخذ الرواية من الأُصول والكتب المعتمدة والقرائن الدالة على الصحة ، والعجب من شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب ، حيث قال : إنّ الرواية ضعيفة جدّاً ، فإنّ راويها وهو أبو البختري كان كذّاباً قاضياً عاميا ، فالعجب من تعلّق الشيخ بروايته في إثبات هذا الحكم.

المتن :

في الأخبار الثلاثة الأُول ظاهر الدلالة ، وما تضمنه من نفي الصلاة قبل وبعد في الأوّلين قد قدّمنا فيه القول(٥) ، والثالث يدل على جواز فعل العيدين جماعة وعلى الانفراد ، وأنّ التكبير سبعاً وخمساً ، غاية الأمر أنّ الإجمال واقع فيه من جهة التكبير ، وستسمع القول في ذلك إن شاء الله.

وما تضمنه [ الأوّل(٦) ] من نفي الأذان والإقامة ظاهر في نفي المشروعية فيختص العموم أو يقيّد الإطلاق ؛ وغير بعيد إرادة الأذان‌

__________________

(١) راجع ج ١ ص ٤٧ ، ٩٣ ، ج ٢ ص ٤٠١.

(٢) مشيخة الاستبصار ( الاستبصار ٤ ) : ٣١٤.

(٣) الفهرست : ١٧٣ ، ٧٦٧.

(٤) رجال النجاشي : ٤٣٠ / ١١٥٥.

(٥) في ص ٢٤٨ ٢٥٠.

(٦) ما بين المعقوفين في النسخ : الثاني ، والصواب ما أثبتناه.


والإقامة المعلومين في اليومية ، فلا ينافي ما روي أنّه ينادي : « الصلاة » ثلاث مرّات.

ويؤيد هذا أنّ الشيخ روى في التهذيب في الزيادات عن إسماعيل بن جابر ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : قلت له : أرأيت صلاة العيدين هل فيهما أذان وإقامة؟ قال : « ليس فيهما أذان ولا إقامة ، ولكن ينادى : الصلاة ، ثلاث مرّات. وليس فيهما منبر ، المنبر لا يحوّل من موضعه ، ولكن يصنع للإمام شي‌ء شبه المنبر من طين ، فيقوم عليه فيخطب الناس ثم ينزل »(١) .

ووجه التأييد ظاهر ، غير أنّه يمكن أنْ يقال : إنّ ظاهر قوله : « وليس فيهما منبر » يدل بمعونة عدم معلومية تحريم المنبر على ( أنّ تحريم الأذان والإقامة غير معلومٍ. ولعلّ جواب هذا سهل. نعم ربما يقال : إنّ الشيخ قد )(٢) روى في التهذيب أيضاً عن محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن زرارة قال : قال أبو جعفرعليه‌السلام : « ليس في يوم الفطر والأضحى أذان ولا إقامة ، أذانهما طلوع الشمس ، إذا طلعت خرجوا » الحديث(٣) .

وهو يدل على أنّ ما تضمنه الخبر المبحوث عنه وغيره من نفي الأذان والإقامة يمكن أن يراد به على تقدير إرادة نفي أذان اليومية وإقامتها أنّ ما تضمنه الخبر الآخر من قوله : « الصلاة ثلاثاً » ليس بأذان ، بل إمّا أنْ يكون إقامة ، وحينئذٍ الأذان طلوع الشمس كما في الخبر المذكور ؛ أو‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٩٠ / ٨٧٣ ، الوسائل ٧ : ٤٢٨ أبواب صلاة العيد ب ٧ ح ١.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».

(٣) التهذيب ٣ : ١٢٩ / ٢٧٦ ، الوسائل ٧ : ٤٢٩ أبواب صلاة العيد ب ٧ ج ٥.


يقال : إنّ النداء أذان ، فيكون حين الطلوع للإخبار به.

وفي الذكرى : إنّ هذا النداء ليعلم الناس بالخروج إلى المصلّى(١) . وكأنّه فهم هذا ممّا ذكرناه ، ويشكل بدلالة الخبر على انحصار الأذان في طلوع الشمس. وينقل عن أبي الصلاح أنّ محل النداء بالصلاة بعد القيام إلى الصلاة(٢) ؛ ولا يبعد ذلك إلاّ أنّ في البين توقفاً ، ولم أر من حرّر المقام.

فإنْ قلت : رواية إسماعيل غير صحيحة ؛ لأنّ الشيخ في التهذيب لم يذكر طريقه إلى إسماعيل بن جابر ، وفي الفهرست لم يذكر إلاّ الطريق إلى كتابه(٣) ، فلا يفيد لعدم العلم بكونها من الكتاب ؛ وإسماعيل بن جابر فيه كلام.

قلت : قد ذكر الرواية الصدوق عن إسماعيل بن جابر(٤) ؛ وطريقه إليه وإن كان فيه ابن المتوكل ومحمّد بن عيسى إلاّ أنّ إيداعها الفقيه يوجب المزية كما كرّرنا القول فيه(٥) ، على أنّ محمّد بن عيسى قدّمنا احتمال قبول روايته(٦) ، وابن المتوكل معتبر عند مشايخنا(٧) ؛ والعلاّمة حكم بصحة طريق اشتمل عليه(٨) .

__________________

(١) الذكرى ٤ : ١٧٢.

(٢) الكافي في الفقه : ١٥٣.

(٣) الفهرست : ١٥ / ٤٩.

(٤) الفقيه ١ : ٣٢٢ / ١٤٧٣.

(٥) في ص ١٢١١.

(٦) تقدم في ص ٩٠.

(٧) خلاصة العلاّمة : ١٤٩ / ٥٨ ، رجال ابن داود : ١٨٥ ، وانظر فلاح السائل : ١٥٨.

(٨) وهو طريق الصدوق إلى الحسن بن محبوب وثعلبة بن ميمون ، الخلاصة : ٢٧٨ ، ٢٨١.


إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما تضمنه الخبر الرابع من الصلاة أربعاً قد نقل في المختلف الاحتجاج به بعد أن حكى عن ابن الجنيد أنّه قال : تصلّى العيد مع الشرائط ركعتين ومع اختلالها أربعاً ؛ وبه قال علي بن بابويه. وقال الشيخ في التهذيب : من فاتته الصلاة يوم العيد لا يجب عليه القضاء ، ويجوز له أنْ يصلّي إنْ شاء ركعتين وإن شاء أربعاً من غير أنْ يقصد بها القضاء(١) .

ثم إنّ العلاّمة اختار المشهور من استحباب صلاتها ركعتين كما يصلّي مع الشرائط ، واحتج بالأخبار المبحوث عنها ، ثم قال : احتج بما رواه أبو البختري ، وذكر الحديث.

والظاهر منه أنّ الاحتجاج للشيخ في التهذيب ، والذي وجدته فيه ما ذكره من كلامه ، ورواية أبي البختري ذكرها في جملة روايات(٢) .

وقد أجاب العلاّمة عن الرواية بالضعف ، وغير خفي عدم مطابقتها لقول الشيخ في التهذيب ، والظاهر عود الاحتجاج لابن الجنيد ؛ لأنّه ذكر مع الرواية ما يناسب المشهور عنه من العمل بالقياس ، وبالجملة فهو دليل في غاية الغرابة ، بل لا ينبغي أن يذكر في كتب الاستدلال ، ومن ثَمّ [ لم ننقله(٣) ] هذا ؛ وما ذكره الشيخ هنا من التخيير لم ينقله العلاّمة في المختلف ، وهو غريب ؛ فإنّه ينقل في الكتاب أقوال الشيخ في الاستبصار.

وعلى كل حال ينبغي أن يعلم أنّ الصدوق في آخر أبواب الصوم ذكر خبراً يقتضي فعل صلاة العيد بعده إذا ثبت الهلال يوم العيد بعد الزوال.

__________________

(١) المختلف ٢ : ٢٧٧.

(٢) التهذيب ٣ : ١٣٥.

(٣) في النسخ : لم ينقله ، والظاهر ما أثبتناه.


وقد أوضحت الحال فيه في معاهد التنبيه ، فمن أراده وقف عليه.

قوله :

باب سقوط صلاة العيدين عن المسافر.

أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن سنان ، عن حمّاد ( بن عثمان وخلف بن حمّاد )(١) ، عن ربعي بن عبد الله والفضيل بن يسار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « ليس في السفر جمعة ولا فطر ولا أضحى ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن سعد بن سعد الأشعري ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، قال : سألته عن المسافر إلى مكة وغيرها ، هل عليه صلاة العيدين الفطر والأضحى؟ قال : « نعم(٢) ».

فالوجه في هذا الخبر ضرب من الاستحباب دون الفرض والإيجاب.

السند :

في الأوّل : قد تقدّم الكلام فيه عن قريب ، حيث نقلنا رواية غير هذه عن التهذيب بهذا الإسناد ؛ وبينا احتمال عطف خلف بن حماد على محمّد بن سنان فتكون صحيحة ، وعلى حمّاد فلا تكون صحيحة ، وذكرنا حكم العلاّمة بصحتها في المنتهى(٣) .

والثاني : لا ريب فيه.

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « فض » و « م ».

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٤٧ / ١٧٢٧ ، والتهذيب ٣ : ٢٨٨ / ٨٦٧ زيادة : إلاّ بمنى يوم النحر.

(٣) راجع ص ٢١١ ٢١٣.


المتن :

في الأوّل : على تقدير العمل به أفاد مشاركة الجمعة للعيدين ؛ وإطلاق نفي الجمعة عن المسافر لا يخلو من تقييد عند جماعة من الأصحاب(١) ، بل قد نقل الإجماع على أنّ المسافر لو فعل الجمعة جاز وأجزأته عن الظهر(٢) ، لكن في الإجماع تأمّل ؛ لعدم معلومية الناقل ، ووجود أخبار معتبرة دالة على السقوط عنه(٣) .

والثاني : ظاهر الدلالة على جواز العيدين في السفر ، والشيخ كما ترى حملها على الاستحباب ، فإنْ كان مراده أنّ اجتماع الشرائط من حضور الإمامعليه‌السلام كما هو مذهب الشيخ(٤) وغيره(٥) وباقي الشروط غير الإقامة يقتضي استحباب العيدين ، فهو موقوف على دليل اشتراط الإقامة في وجوب العيدين ، والذي وقفت عليه ما نقل عن المنتهى من دعوى الإجماع ، حيث قال : إنّما يجب العيدان بشرائط الجمعة بلا خلاف بين أصحابنا إلاّ الخطبة ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله صلاّها مع الشرائط(٦) وقال : « صلّوا كما رأيتموني أُصلّي ». وقال : الذكورة والعقل والحرّية والحضر شروط فيها ولا نعرف فيه خلافاً(٧) . ولا يخفى عليك الحال.

__________________

(١) الخلاف ١ : ٦١٠ ، السرائر ١ : ٢٩٣ ، المعتبر ٢ : ٢٩٢.

(٢) الذكرى ٤ : ١١٧ ، انظر المدارك ٤ : ٥٣.

(٣) الوسائل ٧ : ٢٩٥ أبواب صلاة الجمعة وآدابها ب ١.

(٤) التهذيب ٣ : ١٣٥.

(٥) المختلف ٢ : ٢٧٥.

(٦) في المصدر : شرائط الجمعة.

(٧) المنتهى ١ : ٣٤٢.


وإنْ كان مراد الشيخ أنّ الصلاة في السفر مستحبة مع عدم حضور الإمامعليه‌السلام فكان ينبغي بيانه ، ولعلّ اعتماد الشيخ على المعلومية اقتضى الإطلاق ، وقد تقدم في خبر جميل الصحيح أنّ صلاة العيدين فريضة ، والتقييد موقوف على الثبوت ، فليتأمّل.

وينبغي أنْ يعلم أنّ الصدوق روى خبر سعد وزاد فيه : « إلاّ بمنى يوم النحر »(١) ولا أدري الوجه في ترك الشيخ ذلك(٢) .

قوله :

باب عدد التكبيرات في صلاة العيد.

الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي الصباح قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن التكبير في العيدين ، قال « اثنتا عشرة تكبيرة ، سبع في الأُولى وخمس في الأخيرة ».

عنه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن التكبير في العيدين ، قال : « سبع وخمس ».

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين(٣) ، عن يزيد بن إسحاق شعر ، عن هارون بن حمزة الغنوي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سألته عن التكبير (٤) في الفطر والأضحى ،

__________________

(١) الفقيه ١ : ٣٢٣ / ١٤٨١.

(٢) الزيادة موجودة في التهذيب والاستبصار كما قدّمناه في ص ٢٧٣.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٤٧ / ١٧٣٠ : الحسن.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٤٧ / ١٧٣٠ زيادة : في العيدين ، قال : « سبع وخمس ». عنه ، عن هارون بن حمزة الغنوي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن التكبير.


فقال : « خمس وأربع ، ولا(١) يضرك إذا انصرفت على وتر ».

وما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة ، عن زرارة : أنّ عبد الملك بن أعين سأل أبا جعفرعليه‌السلام عن الصلاة في العيدين ، فقال : « الصلاة فيهما سواء ، يكبّر الإمام تكبيرة الصلاة تاماً كما يصنع في الفريضة ، ثم يزيد في الركعة الأُولى ثلاث تكبيرات وفي الأخيرة(٢) ثلاثاً سوى تكبيرة الصلاة والركوع والسجود ؛ وإنْ شاء ثلاثاً وخمساً ، وإنْ شاء خمساً وسبعاً بعد أنْ يلحق ذلك إلى وتر ».

فالوجه في هاتين الروايتين التقية ؛ لأنّهما موافقتان لمذاهب كثير من العامة ولسنا نعمل به ، وإجماع الطائفة المحقة على ما قدّمناه

السند :

في الأوّل : فيه محمّد بن الفضيل وهو مشترك(٣) ، والصدوق في الفقيه رواه عن محمّد بن الفضيل(٤) ولم يذكر الطريق إليه ، لكن قد كرّرنا القول في رواياته(٥) .

والثاني : لا ريب فيه ؛ وجميل هو ابن دراج ؛ لرواية ابن أبي عمير عنه في الفهرست(٦) . وفي التهذيب عن ابن أبي عمير وفضالة عن جميل(٧) ، والأمر سهل.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٤٧ / ١٧٣١ ، والتهذيب ٣ : ٢٨٦ / ٨٥٤ : فلا.

(٢) في الإستبصار ١ : ٤٤٧ / ١٧٣٢ ، والتهذيب ٣ : ١٣٤ / ٢٩٦ : الأُخرى.

(٣) هداية المحدثين : ٢٤٩.

(٤) الفقيه ١ : ٣٢٤ / ١٤٨٥.

(٥) راجع ص ٦٦٩.

(٦) الفهرست : ٤٤ / ١٤٣.

(٧) التهذيب ٣ : ١٢٧ / ٢٧٠.


والثالث : محمّد بن الحسين فيه ابن أبي الخطاب ، ورجاله تقدم القول فيهم عن قريب وبعيد(١) ، ( والحاصل أنّ يزيد بن إسحاق لا أعلم توثيقه إلاّ من جدّيقدس‌سره في شرح البداية(٢) ، وكأنّه من تصحيح العلاّمة بعض الطريق إلى هارون بن حمزة(٣) )(٤) .

والرابع : لا ارتياب في رجاله إنْ كان زرارة سمع الإمامعليه‌السلام ، كما هو الظاهر من قوله : فقال ، إلى آخره. ويحتمل أنْ يكون الراوي عبد الملك لقول الإمامعليه‌السلام ؛ ولا يخفى بُعده عن الظاهر ، وعبد الملك فيه كلام يعرف ممّا قدّمناه.

المتن :

لا بُدّ قبل الكلام فيه من مقدمة ، وهي أنّ العلاّمة في المختلف قال : لا خلاف في عدد التكبير الزائد ، وأنّه تسع تكبيرات خمس في الأُولى وأربع في الثانية ؛ لكن الخلاف في وضعه ، فالشيخ على أنّه في الأُولى بعد القراءة يكبّر خمس تكبيرات ، ويقنت خمس مرّات عقيب كل تكبيرة قنتة ، ثم يكبّر تكبير الركوع ويركع ؛ وفي الثانية بعد القراءة يكبّر أربع تكبيرات ، يقنت عقيب كل تكبيرة ، ثم يكبّر الخامسة للركوع ؛ وذهب إليه ابن أبي عقيل وابن الجنيد وابن حمزة وابن إدريس. وقال المفيد : يكبّر في الأُولى سبع تكبيرات مع تكبيرة الافتتاح والركوع ، ويقنت خمس مرّات ؛ فإذا نهض إلى الثانية كبّر وقرأ ، ثم كبّر أربع تكبيرات يركع في الرابعة ،

__________________

(١) راجع ج ١ ص ١٨٢ ١٨٣ ، ج ٢ ص ٢٣٧.

(٢) الدراية : ١٣١.

(٣) خلاصة العلاّمة : ٢٧٩.

(٤) ما بين القوسين أثبتناه من « م ».


ويقنت ثلاث مرّات ؛ وهو اختيار المرتضى وابن بابويه وأبي الصلاح وابن البرّاج وسلاّر(١) . هذا كلامه.

ونقل بعض محقّقي المتأخّرينرحمه‌الله عن المنتهى أنّ فيه نقلاً عن ابن بابويه وابن أبي عقيل : أنّ التكبيرات الزائدة سبع. وعن المفيد : أنّ في الثانية ثلاثاً(٢) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبرين الأوّلين ظاهران في أنّ التكبير سبع وخمس ، والأوّل صريح في أنّ السبع في الأُولى والخمس في الأخيرة ، غير أنّ موضع كل غير مفصَّل.

والثالث : كما ترى يدل صدره على الخمس والأربع ؛ وهذا لا ينافي مدلول الأوّلين بجواز إرادة التكبير الزائد ، وهو خمس في الأُولى وأربع في الثانية على ما يقتضيه بعض الأخبار ، لكن قوله : « ولا يضرك إذا انصرفت على وتر » فيه منافاة لما سبق ، من حيث تناوله للأقل من خمسة وأربعة والأكثر.

والرابع : ظاهر المنافاة للأوّلين ، ومفصِّل لإطلاق الثالث.

وما ذكره الشيخ من إجماع الطائفة على ما قدّمه لا يخلو من إجمال ؛ إذ يحتمل أنْ يراد به إجماع الطائفة على أنّ التكبيرات اثنا عشر ؛ والخلاف السابق عن المنتهى ينافيه ، ويوافقه كلام المختلف. ويحتمل أنْ يراد الإجماع على نفي ما تضمنه الخبران ؛ إذ الخلاف السابق لا يتناوله الخبران ؛ لكن العبارة يساعد على الاحتمال الأوّل ، فيحتاج تطبيق ما ذكره في المنتهى‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٢٦٨ ، وهو في النهاية : ١٣٥ ، والمبسوط ١ : ١٧٠ ، وفي الوسيلة : ١١١ ، وفي السرائر ١ : ٣١٦ ، ٣١٧ ، وفي المقنعة : ١٩٤ ، ١٩٥ ، وفي جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى ٣ ) : ٤٥ ، وفي الفقيه ١ : ٣٢٤ ، المقنع : ٤٦ ، وفي الكافي في الفقه : ١٥٣ ، ١٥٤ ، وفي المهذب ١ : ١٢٢ ، وفي المراسم : ٧٨.

(٢) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٤٠٢ ، وهو في المنتهي ١ : ٣٤٠.


إلى مراجعة ما نقله عن المذكورين ، ولم يحضرني الآن كلامهم.

وفي التهذيب ذكر الخبر الثاني في مقام الاستدلال على أنّ التكبيرات الزائدة مستحبة ، لأنّه قال بعد عبارة لا أدري أنّها منه أو من المفيد : ومن أخل بالتكبيرات السبع لم يكن مأثوماً ، إلاّ أنّه يكون تاركاً سنّةً ومهمِلاً فضيلةً ، يدل على ذلك ما رواه الحسين بن سعيد إلى آخر الرواية ثم قال : ألا ترى أنّه جوّز الاقتصار على الثلاث تكبيرات وعلى الخمس تكبيرات ، وهذا يدل على أنّ الإخلال بها لا يضر بالصلاة(١) . وكلامه هنا غير خفي أنّه ينافي ما ذكره في التهذيب إلاّ بوجه متكلف.

ومن العجب أنّ العلاّمة في المختلف نقل عن الشيخ في التهذيب أنّه قال : من أخلّ بالتكبيرات السبع(٢) إلى آخر ما ذكره الشيخ ثم نقل احتجاجه بالرواية ، ثم أجاب بأنّ زيادة الثلاث لا تنافي زيادة الأكثر(٣) .

وغير خفي أنّه إنْ أراد بما ذكره أنّ ما دلّ على الزيادة لا ينافي الخبر المذكور ، ففيه : أنّ الخبر مصرِّح بالتخيير بين الثلاث وما زاد ، وما دلّ على السبع والخمس يدل على التعين(٤) فالمنافاة حاصلة.

وإنْ أراد أنّ الرواية لا تدلّ على أنّ التكبير الزائد مستحب مطلقاً ، بل على أنّ ما فوق الثلاث مستحب ، وكلام الشيخ يدلّ على أنّ مطلق التكبير الزائد مستحب ، والرواية لا تدلّ على مطلوبه. ففيه : أنّ العلاّمة اختار وجوب التسع ؛ لأنّ أوّل الكلام يقتضيه ، حيث قال بعد ما سمعته من عبارة التهذيب ، ثم نقل كلام غيره ـ : وأختاره(٥) . والجواب لا يطابق مدّعاه‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ١٣٤.

(٢) في « فض » و « رض » : التسع.

(٣) المختلف ٢ : ٢٦٩.

(٤) في « رض » : التعيين.

(٥) المختلف ٢ : ٢٦٩ ، وفيه. وهو الأقرب.


إنْ أراد ما ذكرناه ، هذا على تقدير ما نقله من عبارة التهذيب ، والذي رأيته ما سمعته من لفظ « سبع » في نسخةٍ معتبرة.

وبالجملة : فالأمر لا يخلو من اضطراب ، ولو لا تخيّل مخالفة الإجماع لأمكن احتمال التخيير في الواجب أو(١) الاستحباب في التكبير ، فليتأمّل.

ويبقى في المقام تتمّة القول في ما قدّمناه من الأقوال(٢) ، وسيتّضح بعض ما لا بُدّ منه في الباب الآتي إن شاء الله.

قوله :

باب كيفية التكبير في صلاة(٣) العيدين.

محمّد بن يعقوب ، عن علي ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن معاوية ، قال : سألته(٤) عن صلاة العيدين؟ فقال : « ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شي‌ء ، وليس فيهما أذان ولا إقامة ، يكبّر فيهما اثنتي عشرة تكبيرة ، يبدأ فيكبّر فيفتتح الصلاة ، ثم يقرأ فاتحة الكتاب ، ثم يقرأ والشمس وضحاها ، ثم يكبّر خمس تكبيرات ، ثم يكبّر ويركع ، فيكون قد ركع بالسابعة ، ويسجد سجدتين ، ثم يقوم ويقرأ فاتحة الكتاب وهل أتاك حديث الغاشية ، ثم يكبّر أربع تكبيرات ويسجد سجدتين ويتشهد »(٥) .

عنه ، عن علي ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن علي بن‌

__________________

(١) في « م » : و.

(٢) في ص ٢٧٧ ٢٧٨.

(٣) ليست في « رض » و « م ».

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٤٨ / ١٧٣٣ : سألتُ.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٤٨ / ١٧٣٣ يوجد : ويسلّم ، قال : وكذلك صنع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . ( زيادة من الكافي ) وتمام الحديث في الكافي ٣ : ٤٦٠.


أبي حمزة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، في صلاة العيدين قال : « يكبّر ، ثم يقرأ ، ثم يكبّر خمساً ، ويقنت بين كل تكبيرتين ، ثم يكبّر السابعة ويركع بها ، ثم يسجد ، ثم يقوم في الثانية فيقرأ ، ثم يكبّر أربعاً(١) ويركع بها ».

الحسين بن سعيد ، عن محمّد ( بن سنان ، عن )(٢) ابن مسكان ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، في صلاة العيدين قال : « كبّر ستّ تكبيرات واركع بالسابعة ، ثم قم في الثانية فاقرأ ، ثم كبّر أربعاً واركع بالخامسة ».

الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن شُعيب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « التكبير في الفطر والأضحى اثنتا عشرة تكبيرة ، تكبّر في الأُولى واحدة وتقرأ(٣) ، ثم تكبّر بعد القراءة خمس تكبيرات ، والسابعة تركع بها ، ثم تقوم في الثانية فتقرأ ، ثم تكبّر أربعاً ، والخامسة تركع بها ».

عنه ، عن يعقوب بن يقطين قال : سألت العبد الصالحعليه‌السلام عن التكبير في العيدين ، أقبل القراءة أو بعدها ، وكم عدد التكبير في الأُولى وفي الثانية والدعاء بينهما (٤) ، وهل فيهما قنوت أم لا؟ فقال : « تكبير العيدين للصلاة قبل الخطبة ، يكبّر تكبيرة يفتتح بها الصلاة ، ثم يقرأ ويكبّر خمساً ( ويدعو بينهما ) (٥) ثم يكبّر أخرى ويركع بها ، فذلك‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٤٨ / ١٧٣٤ ، والكافي ٣ : ٤٦٠ / ٥ زيادة : فيقنت بين كلِّ تكبيرتين ، ثمّ يكبّر.

(٢) ما بين القوسين ليس في الاستبصار ١ : ٤٤٨ / ١٧٣٥.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٤٩ / ١٧٣٦ : ثمَّ تقرأ.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٤٩ / ١٧٣٧ : بهما.

(٥) ما بين القوسين ليس في « م ».


سبع تكبيرات بالذي افتتح بها ، ثم يكبّر في الثانية خمساً يقوم فيقرأ ، ثم يكبّر أربعاً ويدعو بينهن ، ، ثم يركع بالتكبيرة الخامسة ».

عنه ، عن أحمد بن عبد الله القروي ، عن أبان بن عثمان ، عن إسماعيل الجعفي(١) ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، في صلاة العيدين قال : « يكبّر واحدة يفتتح بها الصلاة ، ثم يقرأ أُمّ الكتاب وسورة ، ثم يكبّر خمساً يقنت بينهن ، ثم يكبّر واحدة ويركع بها ، ثم يقوم فيقرأ أُمّ الكتاب(٢) وسورة ، يقرأ في الأُولى سبّح اسم ربك الأعلى وفي الثانية والشمس وضحاها ، ثم يكبّر أربعاً ويقنت بينهن ، ثم يركع بالخامسة ».

عنه ، عن عبد الله بن بحر ، عن حريز بن عبد الله ، عن محمّد بن مسلم قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن التكبير في الفطر والأضحى فقال : « ابدأ فكبّر تكبيرة ، ثم تقرأ ، ثم تكبّر بعد القراءة خمس تكبيرات ، ثم تركع بالسابعة ، ثم تقوم فتقرأ ، ثم تكبّر أربع تكبيرات ، ثم تركع بالخامسة ».

السند :‌

في الأوّل : علي فيه قد تقدم(٣) أنّ كونه ابن إبراهيم غير بعيد ، لكثرة رواياته عن محمّد بن عيسى في الكافي ، إلاّ أنّ الشيخ في التهذيب رواه عن علي بن محمّد(٤) ، ( وهو علاّن ، وفي الكافي : علي ، عن محمّد )(٥) بن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٤٩ / ١٧٣٨ : الجبلي.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٤٩ / ١٧٣٨ : القرآن.

(٣) في ص ٢٦٧.

(٤) التهذيب ٣ : ١٢٩ / ٢٧٨ ، الوسائل ٧ : ٤٣٤ أبواب صلاة العيد ب ١٠ ح ٢.

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


عيسى(١) ، والأمر سهل. ومحمّد بن عيسى عن يونس تكرّرا. ومعاوية تقدّم من الشيخ أنّه ابن عمّار(٢) ، لأنّ الرواية واحدة في الكافي ، والشيخ جعل بعضها فيما تقدّم عن قريب(٣) ، ثم ذكرها هنا بتمامها ، وفي الكافي عن معاوية كما هنا ، وفي المختلف وصفها بالصحّة(٤) ، وهو غريب منه.

والثاني : كالأوّل بالنسبة إلى علي ومحمّد بن عيسى عن يونس ، وعلي بن أبي حمزة محتمل للثمالي الثقة والبطائني الضعيف.

( والثالث : فيه )(٥) محمّد بن سنان ، وقد قدّمنا من حاله ما يغني عن إعادة البيان.

والرابع : فيه أبو بصير.

والخامس : صحيح.

والسادس : فيه أحمد بن عبد الله القروي ، وهو مجهول الحال ، إذ لم أقف عليه في الرجال ، وفي هذا دليل على أنّ ما سبق في الكتاب مكرّراً من رواية الحسين بن سعيد عن القروي هو أحمد بن عبد الله ، وتقدّم في بعض النسخ الهروي ، وذكرنا احتماله عبد السلام(٦) ، والظاهر انتفاؤه بما هنا.

وإسماعيل الجعفي تكرّر القول فيه(٧) ، لكن رواية أبان بن عثمان هنا‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ٤٦٠ / ٣ وفيه أيضاً : علي بن محمّد ، عن محمّد بن عيسى.

(٢) راجع ص ٢٦٧.

(٣) في ص ٢٦٧.

(٤) المختلف ٢ : ٢٦٨.

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٦) راجع ج ٥ : ١٥٥ وج ٦ : ١١٦.

(٧) راجع ج ٢ : ٤٣٥ وج ٣ : ١٧٦ وج ٤ : ٢٧٢ وج ٥ : ٣٠٦ وج ٦ : ١١٦.


ربما [ تدلّ(١) ] على أنّ ما في الروايات من أبان عن إسماعيل الجعفي يراد به ابن عثمان ، وقد تقدّم في باب الأذان ما يدلّ على أنّه ابن جابر الجعفي ، لا ابن عبد الرحمن ، لأنّ الراوي عنه هناك أبان بن عثمان(٢) . وفي بعض النسخ : الجبلي ، بدل : الجعفي ، وهو غلط على ما ذكرناه.

والسابع : فيه عبد الله بن بحر ، وهو لا يزيد على الإهمال(٣) .

المتن :

في الجميع دليل المشهور ، لكن الثاني في الكافي فيه بعد قوله : « ثم يكبّر أربعاً » : « يقنت بين كل تكبيرتين ثم يكبّر ويركع بها »(٤) والدلالة حينئذٍ واضحة.

وما تضمّنه الخامس من قوله : والدعاء بينهما وهل فيهما قنوت أم لا؟ محتمل لأنْ يكون السؤال عن الدعاء وعن القنوت ( مراداً به رفع اليدين ؛ لاستعماله فيه كما مضى في باب القنوت(٥) ، ويحتمل أن يكون السؤال عن القنوت ) ،(٦) وهو الدعاء وما يشمل الدعاء والرفع ، والجواب كما ترى تضمّن الدعاء فقط ، فعلى تقدير السؤال على الاحتمال الأوّل يصير الجواب خالياً عنه ، فربما يقرب احتمال إرادة الدعاء من القنوت ،

__________________

(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : دل دليل. غيّرناه لاستقامة المتن.

(٢) راجع ج ٥ ص ٦٦.

(٣) رجال ابن داود : ٢٥٣ / ٢٦٤ ، الخلاصة : ٢٣٨ / ٣٤ ، نقد الرجال : ١٩٤ ، وفي الجميع : أنّه ضعيف مرتفع القول.

(٤) الكافي ٣ : ٤٦٠ / ٥.

(٥) راجع ج ٥ ص ٢٩٨.

(٦) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


ليكون الجواب عنه ، مع احتمال التنبيه(١) في الجواب على أنّ الدعاء هو(٢) المطلوب لا غير ، وإطلاق الخبر الأوّل في عدم ذكر الدعاء فيه ربما يحمل على المقيّد ، وهو الثاني والخامس ، لكن الثاني فيه القنوت ، وحينئذٍ لا يبعد إرادة الدعاء مع رفع اليدين.

والسادس : دلّ على القنوت أيضاً.

وقد نقل العلاّمة في المختلف الخلاف في القنوت ، فعن الشيخ أنّه مستحب من ظاهر كلامه في غير الخلاف ، وفيه : أنّه نصّ على الاستحباب. وعن المرتضى أنّه قال : انفردت الإمامية بإيجاب القنوت بين كلّ تكبيرتين من تكبيرات العيد ، وهو الظاهر من كلام أبي الصلاح. قال العلاّمة : وهو الأقرب ، ( واستدلّ بقولهعليه‌السلام : « صلّوا كما رأيتموني أُصلّي »(٣) وبما رواه يعقوب بن يقطين )(٤) ، وذكر الخامس قائلاً : والأمر للوجوب ؛ وبرواية إسماعيل وهو السادس.

ونَقَل عن الشيخ الاستدلال باستحباب التكبير على أنّ استحباب القنوت التابع له أولى بأصالة براءة الذمّة ؛ وأجاب العلاّمة بمنع استحباب التكبير ، وأنّ الأصل قد يخالف مع الدليل(٥) .

ولا يخفى عليك أنّ ما دلّ على كيفية صلاة العيد بعد السؤال عنها إذا كان خالياً عن الدعاء كخبر معاوية المعدود عنده في الصحيح ، حيث‌

__________________

(١) في « فض » و « م » : البيّنة.

(٢) ليست في « م » ، وفي « فض » : هذا.

(٣) عوالي اللئالي ١ : ١٩٨ / ٨.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٥) المختلف ٢ : ٢٧٠ ، وهو في الخلاف ١ : ٦٦١ ، وفي الانتصار : ٥٧ ، وفي الكافي في الفقه : ١٥٣.


استدلّ به على أنّ التكبيرات تسع زائدة بعد القراءة(١) يدلّ على أنّ الدعاء ( غير واجب )(٢) ، وإلاّ لذكر في مقام التعليم ، إلاّ أنْ يقال : إنّ إطلاقه مقيّد بغيره ، كما أشرنا إليه(٣) ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير معلوم ، وفيه نوع كلام ، إلاّ أنّ اقتصاره على ما ذكره في الاستدلال غير لائق.

وأمّا الخبر المذكور من قولهعليه‌السلام : « صلّوا » فلم أقف عليه مسنداً(٤) .

وما ذكره السيّد المرتضىرضي‌الله‌عنه من انفراد الإمامية محتمل لأنْ يراد عدم المشارك لهم في القول بالوجوب من العامّة ، كاحتمال إرادة الإجماع ، وإنْ قرّب الأوّل مخالفة الشيخ للسيّد مع قرب عهده منه ، إلاّ أنّ مخالفة الشيخ لدعوى السيّد الإجماع صريحاً موجودة.

وبالجملة : فالأخبار المطلقة في عدم الدعاء غير قليلة(٥) .

ومن هنا يعلم أنّ القول بتعيّن الدعاء المخصوص كما ينقل عن ظاهر أبي الصلاح(٦) محلّ تأمّل ، وفي بعض الأخبار المعتبرة(٧) ما يدفعه.

وما تضمّنه بعض الأخبار من إجمال القنوت بين التكبيرات(٨) سهل الجواب.

أمّا دلالة الأخبار على عدم تعيّن السورتين [ فكأنّها(٩) ] ظاهرة ، لكن‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٢٦٨.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) في ص ٢٨٥.

(٤) في « م » : مستنداً.

(٥) انظر الوسائل ٧ : ٤٣٣ أبواب صلاة العيد ب ١٠.

(٦) الكافي في الفقه : ١٥٤ ، حكاه عنه في المختلف ٢ : ٢٧١.

(٧) راجع الوسائل ٧ : ٤٦٧ أبواب صلاة العيد ب ٢٦.

(٨) راجع الوسائل ٧ : ٤٦٧ أبواب صلاة العيد ب ٢٦.

(٩) في النسخ : وكأنّها ، والأنسب ما أثبتناه.


المنقول عن العلاّمة في المنتهى دعوى الإجماع على وجوب السورة(١) .

ونقل في المختلف الأقوال في السورتين ، فعن الشيخ في المبسوط والنهاية : الحمد والأعلى في الأُولى ، والحمد والشمس في الثانية ، وهو قول ابن بابويه في المقنع ومن لا يحضره الفقيه ، وابن إدريس ، وابن حمزة ؛ وفي الخلاف : الحمد والشمس في الأُولى ، والحمد والغاشية في الثانية ، وهو قول المفيد ، والمرتضى ، وأبي الصلاح ، وابن البرّاج ، وابن زهرة ؛ ونقل غير ذلك ، إلى أنْ قال : والخلاف ليس في الإجزاء ؛ إذ لا خلاف في انّ الواجب سورة مع الحمد أيّها كانت من هذه أو غيرها ، وإنما الخلاف في الاستحباب ، والأقرب ما ذهب إليه في الخلاف.

لنا : ما رواه جميل في الصحيح ، عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته ما يقرأ فيهما؟ قال : « والشمس وضحاها وهل أتاك حديث الغاشية وأشباههما »(٢) وفي الصحيح عن معاوية ، وذكر الخبر الأوّل من المبحوث عنه ؛ ثم نقل عن الشيخ الاحتجاج برواية إسماعيل الجعفي ، وهي السادسة ، ورواية لأبي الصباح الكناني ، وأجاب بعد سلامة السند بأنّهما يدلاّن على الجواز ، ونحن نقول به(٣) .

ولا يذهب عليك أنّ الرواية التي استدلّ بها أوّلاً تضمّنت أشباه‌

__________________

(١) المنتهى ١ : ٣٤٠ ، حكاه عنه في مجمع الفائدة ٢ : ٣٩٨.

(٢) التهذيب ٣ : ١٢٧ / ٢٧٠.

(٣) المختلف ٢ : ٢٦٧ ، وهو في المبسوط ١ : ١٧٠ ، وفي النهاية : ١٣٥ ، وفي الفقيه ١ : ٣٢٤ ، وفي السرائر ١ : ٣١٧ ، وفي الوسيلة : ١١١ ، وفي الخلاف ١ : ٦٦٢ ، وفي المقنعة : ١٩٤ ، ١٩٥ ، وفي جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى ٣ ) : ٤٤ ، وفي الكافي في الفقه : ١٥٣ ، ١٥٤ ، وفي المهذّب ١ : ١٢٢ ، وفي الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٤٩٩ ٥٠٠.


السورتين فلا يتمّ مطلوبه ، ولعل الأمر في الاستحباب سهل.

قوله :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن عبد الله ابن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « التكبير في العيدين في الأُولى سبع قبل القراءة ، وفي الأخيرة(١) خمس بعد القراءة ».

وما رواه أحمد بن محمّد(٢) ، عن إسماعيل بن سعد(٣) الأشعري ، عن الرضاعليه‌السلام ، قال : سألته عن التكبير في العيدين؟ قال : « التكبير في الأُولى سبع تكبيرات قبل القراءة ، وفي الأُخرى خمس تكبيرات بعد القراءة(٤) ».

الحسين بن سعيد ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة قال : سألته عن الصلاة يوم الفطر؟ فقال : « ركعتين بغير أذان ولا إقامة ، وينبغي للإمام أنْ يصلّي قبل الخطبة والتكبير في الركعة الأُولى يكبّر ستّاً ، ثم يقرأ ، ثم يكبّر السابعة ، ثم يركع بها فتلك سبع تكبيرات ، ثم يقوم إلى الثانية فيقرأ ، فإذا فرغ من القراءة كبّر أربعاً ، ثم يكبّر الخامسة ويركع بها ».

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي الصباح قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن التكبير في العيدين؟

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٥٠ / ١٧٤٠ : الآخرة.

(٢) في « رض » : محمّد بن أحمد.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٥٠ / ١٧٤١ : سعدان.

(٤) في « م » لا توجد عبارة : بعد القراءة.


فقال : « اثنتا عشرة ، سبع في الأُولى ، وخمس في الأخيرة ، فإذا قمت في الصلاة فكبّر واحدة [ و ](١) تقول : أشهد أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله » ( إلى آخر الخبر )(٢) .

محمّد بن علي بن محبوب ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، في صلاة العيدين قال : « تصل القراءة بالقراءة » وقال : « تبدأ بالتكبير في الاولى ، ثم تقرأ ، ثم تركع بالسابعة ».

الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ؛ وحمّاد بن عثمان ، عن عبيد الله الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام مثله.

فالوجه في هذه الأخبار أنْ نحملها على ضربٍ من التقيّة ، لأنّها موافقة لمذاهب بعض العامّة.

السند :‌

في الأوّل : صحيح على ما تكرّر القول فيه(٣) .

وكذلك الثاني ؛ لأنّ إسماعيل بن سعد ثقة.

والثالث : موثق.

والرابع : فيه محمّد بن الفضيل ، وهو مشترك بين ثقة وغيره(٤) .

__________________

(١) ما بين المعقوفين أثبتناه من الاستبصار ١ : ٤٥٠ / ١٧٤٣.

(٢) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٣) راجع ج ١ ص ٦٩ ، ١٨٥ ، ج ٢ ص ٣٣٤.

(٤) هداية المحدثين : ٢٤٩.


والخامس : لا ارتياب فيه ، إلاّ من هشام بن الحكم ، ويدفعه مراجعة كتاب شيخنا في الرجال(١) .

والسادس : خالٍ من الارتياب ، فإنّ حمّاد بن عثمان معطوف على هشام ؛ لأنّ ابن أبي عمير يروي عن حمّاد بن عثمان في الرجال ، ورواية الحسين بن سعيد عن حمّاد بن عيسى بكثرة.

المتن :

في الأخبار ما ذكره الشيخ فيه من الحمل على التقية قد يستبعد في بعضها الدال على كيفية الدعاء ، إلاّ أنّ الشيخ أعلم بالحال. وفي المعتبر : إنّ تأويل الشيخ ليس بحسن(٢) ؛ فإنّ ابن بابويه ذكر ذلك في كتابه بعد أنْ ذكر في خطبته أنّه لا يودعه إلاّ ما هو حجّة له(٣) ، قال المحقّق : فالأولى أنْ يقال : فيه روايتان أشهرهما بين الأصحاب ما قاله الشيخ(٤) ، انتهى.

وفي نظري القاصر : أنّ ما ذكره المحقّق محلّ تأمّل ، ذكرت وجهه في معاهد التنبيه. والحاصل أنّه إنْ عنى بقول ابن بابويه في الفقيه حيث نقل رواية أبي الصباح المنقول هنا بعضها(٥) ، فيشكل بأنّ الصدوق صرّح قبل ذلك بأنّه يبدأ بالتكبير فيكبّر واحدة ، ثم يقرأ الحمد وسبّح اسم ربك الأعلى ، ثم يكبّر خمساً يقنت بين كل تكبيرتين ، ثم يركع بالسابعة ويسجد سجدتين ، فإذا نهض إلى الثانية كبّر وقرأ الحمد والشمس وضحاها ، ثم كبّر‌

__________________

(١) منهج المقال : ٣٥٩.

(٢) في « فض » : بحق.

(٣) ليست في « رض » و « م ».

(٤) المعتبر ٢ : ٣١٣.

(٥) الفقيه ١ : ٣٢٤ / ١٤٨٥ ، الوسائل ٧ : ٤٦٩ أبواب صلاة العيد ب ٢٦ ح ٥.


تمام أربع تكبيرات مع تكبيرة القيام ، ثم ركع بالخامسة(١) .

وغير خفي مخالفة هذا المدلول رواية أبي الصباح ؛ فإنّ فيها التكبير في الأُولى أوّلاً على الظاهر منها ثم القراءة ، وفي آخرها : « وتقول في الثانية ـ : الله أكبر ، أشهد أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، اللهم أنت أهل الكبرياء والعظمة ، تتمّه كلّه كما قلت أوّل التكبير ، يكون هذا القول في كلّ تكبيرة حتى تتمّ خمس تكبيرات ».

هذا ، وقد صرّح بما سمعته سابقاً ، وحينئذٍ فلا بُدّ من قوله إمّا بالتخيير بين ما ذكره أوّلاً ومضمون هذه الرواية ، أو يحمل هذه الرواية على أنّ المراد كيفية التكبير والدعاء لا على الترتيب المذكور فيها ، وفي آخر بيان كيفية التكبير في الاولى من الرواية : ويقرأ الحمد والشمس وضحاها(٢) ويركع في السابعة ، والواو لا يفيد الترتيب ، و « ثم » الواقعة في أوّلها محتملة للترتيب على القيام المشتمل على القراءة ، وينبّه على ما قلناه تحقيق الصدوق ، وغفلته عن مثل هذا الأمر الظاهر منتفية.

ثم إنّ قول المحقق : إنّ ابن بابويه قائل بما ذكره ، لا يضرّ بحمل الشيخ ؛ لأنّ غرضه الجمع بين الأخبار ، لا أنّ قوله يفيد الإجماع على نفي العمل بها ، ليتوجه عليه أنّ القائل موجود.

وكلام الصدوق في تقديم تكبيرة للقيام في الثانية لم أقف على مستنده. وينقل عن ابن الجنيد القول بمضمون بعض هذه الأخبار(٣) .

وما تضمّنه بعضها من وصل القراءة بالقراءة يراد به تقديم التكبير في‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٣٢٤ / ١٤٨٤.

(٢) في الرواية : وتقرأ الحمد وسبّح اسم ربّك الأعلى.

(٣) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٢٦٦.


الاولى على القراءة ، وتأخيره في الثانية ، فتكون القراءة متّصلة بالقراءة من دون فصل التكبير ، وعلى كلّ حال فالمشهور ما تقدّم(١) .

قوله :

باب الغسل يوم العيدين

الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى(٢) ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « غسل يوم الفطر ويوم الأضحى سنّة لا أُحب تركها ».

فأمّا ما رواه محمّد ( بن علي )(٣) بن محبوب ، عن أحمد بن الحسن بن(٤) علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل ينسى أنْ يغتسل يوم العيد حتى صلّى؟ قال : « إنْ كان في وقت فعليه أنْ يغتسل ويعيد الصلاة ، فإنْ مضى الوقت فقد جازت صلاته ».

فالوجه في هذا الخبر ضرب من الاستحباب ؛ لأنّا قد بيّنا أنّ غسل العيدين سنّة ، وقد استوفينا ذلك في باب الأغسال في كتابنا الكبير ، وقد بيّنا أيضاً أنّ من فاتته صلاة العيدين لا قضاء عليه ، وإنّما يستحبّ له أنْ يصلّي منفرداً.

السند :‌

في الأوّل : كما ترى لا يخلو من خلل ؛ لأنّ عثمان بن عيسى‌

__________________

(١) في ص ٢٨٤.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٥١ / ١٧٤٦ زيادة : عن سماعة.

(٣) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٤) في « م » : عن.


لا يروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، بل هو من رجال الكاظم والرضاعليهما‌السلام ، وفي كتاب الطهارة ما يفيد روايته عن سماعة(١) .

والثاني : موثق.

المتن :

في الأوّل : واضح ، وفي كلام بعض الأصحاب دعوى الإجماع على استحباب غسل العيدين(٢) ، وقد مضى القول في ذلك في غسل الجمعة(٣) .

والثاني : ما ذكره الشيخ فيه من الاستحباب ، إنْ أراد به استحباب غسل العيدين فلا فائدة فيه ، إذ المعارضة من حيث إعادة الصلاة ، ( والحمل على استحباب إعادة الصلاة )(٤) لا يوافقه قوله : قد بيّنا أن غسل العيدين سنّة ؛ إلاّ أنْ يقال : إنّه إذا كان سنّة فلا وجه لوجوب إعادة الصلاة ، فتعيَّن حمل الإعادة على الاستحباب ، وفيه ما فيه.

أمّا قوله : وقد بيّنا أنّ من فاتته صلاة العيدين ، إلى آخره. فلا يخلو من غرابة ؛ لأنّ فوات صلاة العيدين هنا غير متحقق ، ولو تمّ فالقضاء مع خروج الوقت ، وظاهر الرواية اعتبار الوقت.

وبالجملة : فالالتفات إلى مثل هذا الخبر يقتضي الحمل على استحباب الإعادة.

__________________

(١) راجع ح ١ ص ٦٩.

(٢) انظر المعتبر ١ : ٣٥٦ ، مجمع الفائدة والبرهان ١ : ٧٥ و ٧٦.

(٣) راجع ج ٢ ص ١١٧ ١١٨.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


قوله :

باب صلاة الاستسقاء هل(١) تُقدّم الخطبة فيها أو تُؤخّر؟

الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن موسى بن بكر ، أو عبد الله ابن المغيرة ، عن طلحة بن زيد ، عن أبي عبد الله ، عن أبيهعليهما‌السلام : « أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى الاستسقاء ركعتين ، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة وكبّر سبعاً وخمساً وجهر بالقراءة ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن أبان ، عن إسحاق بن عمّار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة ، ويكبّر في الأُولى سبعاً وفي الأُخرى خمساً ».

فهذه الرواية شاذّة مخالفة لإجماع الطائفة المحقّة ؛ لأنّ عملها على الرواية الأُولى ، لمطابقتها للأخبار التي رويت في أنّ صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيد ، روى ذلك :

محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، ( عن أبيه )(٢) ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سألته عن صلاة الاستسقاء؟ قال : « مثل صلاة العيدين ».

السند :‌

في الأوّل : فيه موسى بن بكر ، وهو واقفي في رجال الكاظمعليه‌السلام

__________________

(١) ليست في « رض ».

(٢) ما بين القوسين ليست في « م ».


من كتاب الشيخ(١) . وعبد الله بن المغيرة وقد تكرّر القول فيه(٢) ، كطلحة بن زيد(٣) ، من أنّه عامّي أو بتري.

والثاني : فيه أبان ، ولا يبعد كونه ابن عثمان ، إلاّ أنّ غيره في حيّز الإمكان. وإسحاق بن عمّار مضى القول فيه مراراً(٤) .

والثالث : حسن على ما تقدّم عن قريب(٥) .

المتن :

في الأوّل : واضح.

والثاني : ما ذكره الشيخ فيه كافٍ.

وظاهر الخبر الثالث المماثلة ، وهي محتملة للكيفية فلا يتناول الخطبة ؛ ومحتملة لما يشمل الخطبة ، لكن يبقى شروط العيد المذكورة في باب صلاته هل يُعتبر في الاستسقاء بعضها أم كلّها ؛ لم أقف الآن على تفصيلٍ في المقام ، سوى ما نذكره.

ثم إنّ من تتمّة الثالث : « يقرأ فيهما ويكبّر فيهما ، يخرج الإمام فيبرز إلى مكانٍ نظيف في سكينةٍ ووقارٍ وخشوعٍ ومسألة ، ويبرز معه الناس فيحمد الله ويمجّده ويثني عليه ويجتهد في الدعاء ويكثر من التسبيح والتهليل والتكبير ، ويصلّي مثل صلاة العيدين ركعتين في دعاءٍ ومسألةٍ واجتهاد ».

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٥٩ / ٩.

(٢) راجع ج ١ ص ٥٩ ، ١٣٣ ج ٣ ص ١٧ ، ١٧٨ ج ٤ ص ١٠٧ ، ٣٩٢.

(٣) راجع ج ٤ ص ٣٣٧ ، وص ٨١ ، ١٨١ ، من هذا الجزء.

(٤) راجع ج ١ : ٢٤١ ، ج ٣ ص ٢٠٣.

(٥) راجع ص ٢٩٠.


قوله :

أبواب صلاة الكسوف

باب عدد ركعات صلاة الكسوف

أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، قال : سألته عن صلاة الكسوف؟ فقال : « عشر ركعات وأربع(١) سجدات ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن الحسن بن علي ، عن علي بن يعقوب الهاشمي ، عن مروان بن مسلم ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « صلاة الكسوف عشر ركعات وأربع سجدات ، كسوف الشمس أشدّ على الناس والبهائم ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن خالد البرقي ، عن أبي البختري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : « أنّ عليّاًعليه‌السلام صلّى في ( كسوف الشمس )(٢) ركعتين في أربع سجدات وأربع ركعات ، قام فقرأ ، ثم ركع ( ، ثم رفع رأسه فقرأ ، ثم ركع )(٣) ، ثم قام فدعا مثل ركعتين ، ثم سجد سجدتين ، ثم قام ففعل مثل ما فعل في الاولى في قراءته وقيامه وركوعه وسجوده سواء ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن بنان بن محمّد ، عن المحسن‌

__________________

(١) في « رض » و « م » : في أربع.

(٢) بدل ما بين القوسين في الاستبصار ١ : ٤٥٢ / ١٧٥٣ : صلاة الكسوف.

(٣) ما بين القوسين ليس في النسخ ، أثبتناه من التهذيب ٣ : ٢٩١ / ٨٧٩ ، والاستبصار ١ : ٤٥٢ / ١٧٥٣.


ابن أحمد ، عن يونس بن يعقوب قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « انكسف القمر فخرج أبي وخرجتُ معه إلى المسجد الحرام فصلّى ثمان ركعات كما يصلّي ركعة وسجدتين ».

فهذان الخبران موافقان لمذاهب العامّة ، والعمل على الخبرين الأوّلين ؛ لأنّهما موافقان للأخبار التي تتضمن تفصيل صلاة الكسوف ، وقد أوردناها في كتابنا الكبير ، وعليها عمل العصابة بأجمعها.

السند :‌

في الأوّل : فيه علي بن أبي حمزة وهو البطائني ؛ لروايته عن أبي بصير ، وحالهما قد تكرّر بما يغني عن الإعادة(١) . كما قدّمنا أنّ علي بن الحكم بتقدير اشتراكه هو الثقة هنا بقرينة رواية أحمد بن محمّد عنه(٢) ، لما يستفاد من الرجال.

والثاني : فيه أحمد بن الحسن هو ابن فضّال الثقة الفطحي. وعلي ابن يعقوب مجهول الحال ؛ إذ لم أقف عليه في الرجال ، إلاّ في الطريق إلى مروان بن مسلم في النجاشي(٣) . ومروان بن مسلم ثقة.

والثالث : فيه أبو البختري ، وفي الرجال : إنّه كان عاميّاً(٤) .

والرابع : فيه المحسن بن أحمد ، وحاله لا يزيد على الإهمال ، كبنان‌

__________________

(١) راجع ج ١ ص ٧٢ ، ١٧٣ ، ٢٥٠ ، ج ٢ ص ٩٠ ، ١١٧ ، ٢١٠ ، ج ٤ ص ١٦ ، ٣٩٢ ، ج ٦ ص ٤٦ ، ١٧٩.

(٢) راجع ج ٢ ص ١٤ ، ٣٤٠ ، ج ٣ ص ١٠٨ ، ٢٧٢.

(٣) رجال النجاشي : ٤١٩ / ١١٢٠.

(٤) الفهرست : ١٧٣ / ٧٥٧ ، خلاصة العلاّمة : ٢٦٢ / ١.


ابن محمّد ، لكن في الكشي عن نصر بن الصباح ، إلى أنْ قال : إنّ اسمه عبد الله بن محمّد ، وأنّه أخو أحمد بن محمّد بن عيسى(١) . وفي التهذيب في آخر زكاة الفطرة : عن بنان بن محمّد ، عن أخيه عبد الله بن محمّد(٢) ؛ وهذا يقتضي المغايرة لعبد الله ، وأنّه أخ ثالث لأحمد بن محمّد ، فليتأمّل.

وأمّا يونس بن يعقوب فمضى القول فيه مفصّلاً(٣) .

المتن :

في الأوّلين واضح ، والأخبار الكثيرة تؤيدهما(٤) ، بل ربما بلغت إلى ما يقرب من التواتر ، وفيهما دلالة على إطلاق الركعة على الركوع ، فيؤيّد بعض الأخبار الواردة في السهو ، كما يعلم من مراجعتها.

وأمّا الخبران الآخران فما قاله الشيخ فيهما واضح ، والإجمال في عبارة الأوّل يستغنى عن بيانه بما ذكره الشيخ ، غير أنّ قوله : « في قراءته وقيامه وركوعه وسجوده سواء » محتمل لأنْ يرجع التسوية بين الركعتين في الأفعال ، ويحتمل التسوية إلى ما ذكره أصحابنا في مستحبات صلاة الكسوف ، والأمر واضح.

قوله :

باب من فاتته صلاة الكسوف هل عليه قضاء أم لا؟

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن‌

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٧٩٩ / ٩٨٩.

(٢) التهذيب ٤ : ٩١ / ٢٦٦.

(٣) راجع ج ١ ص ٢٠١ ، ٣٤٢ ، ج ٢ ص ٢٩٤ ، ج ٣ ص ٤١٩.

(٤) راجع الوسائل ٧ : ٤٩٢ أبواب صلاة الكسوف والآيات ب ٧.


محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن الحسن ، عن عبيد(١) ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « انكسفت الشمس وأنا في الحمّام فعلمت بعد ما خرجت فلم أقض ».

عنه ، عن أحمد ، عن(٢) موسى بن القاسم وأبي قتادة ، عن علي ابن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفرعليهما‌السلام ، قال : سألته عن صلاة الكسوف هل على من تركها قضاء؟ قال : « إذا فاتتك فليس عليك قضاء ».

وروى محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن عبيد الله الحلبي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن صلاة الكسوف تُقضى(٣) إذا فاتتنا؟ قال : « ليس فيها قضاء » وقد كان في أيدينا أنها تُقضى.

قال محمّد بن الحسن : الوجه في هذه الأخبار أنْ يحمل سقوط القضاء إذا لم يحترق القرص كلّه ، فأمّا إذا احترق كلّه فلا بُدّ من القضاء ، يدلّ على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حمّاد ، عن حريز ، عمّن أخبره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل أنْ يصلّي فليغتسل من غد وليقض الصلاة ، فإنْ لم يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلاّ القضاء بغير غسل ».

الحسين بن سعيد ، عن حمّاد ، عن حريز(٤) ، عن زرارة ومحمّد (٥) ،

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٥٣ / ١٧٥٥ زيادة : بن زرارة.

(٢) في « رض » و « م » : بن.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٥٣ / ١٧٥٧ : نقضي.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٥٤ / ١٧٥٩ لا يوجد : عن حريز.

(٥) في « م » لا يوجد : ومحمّد.


عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « إذا انكسفت الشمس كلّها واحترقت ولم تعلم و (١) علمت بعد ذلك فعليك القضاء ، وإنْ لم تحترق كلّها فليس عليك قضاء ».

ولا ينافي هذا التفصيل :

ما رواه عمّار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال : « إنْ لم تعلم حتى يذهب الكسوف ثم علمت بعد ذلك فليس عليك صلاة الكسوف ، فإنْ أعلمك أحد وأنت نائم فعلمت ثم غلبتك عينيك فلم تصلّ فعليك قضاؤها ».

لأنّ الوجه في هذه الرواية(٢) أنْ نحملها على أنّه إذا احترق بعض (٣) القرص وأُعلم بذلك فلم يصلّ كان عليه القضاء ، وإنْ لم يعلم أصلاً لم يلزمه القضاء ، وأمّا إذا احترق القرص كلّه كان عليه القضاء على كلّ حال علم أو لم يعلم ، وإنْ كان علم كان عليه الغسل أيضاً مع القضاء حسب ما فصّلناه فيما تقدّم.

السند :‌

في الأوّل : أحمد بن محمّد فيه ابن يحيى ؛ لما قدّمناه في أوّل الكتاب من أنّ الحسين بن عبيد الله يروي عنه بالتتبّع في هذا الكتاب والتهذيب(٤) ، وقدّمنا أيضاً حاله(٥) . وأحمد بن الحسن هو ابن علي بن‌

__________________

(١) في الإستبصار ١ : ٤٥٤ / ١٧٥٩ يوجد : وقد.

(٢) في « رض » و « م » : الروايات.

(٣) ليست في « رض ».

(٤ و ٥) راجع ج ١ ص ٤٠ ، ٦٤ ، ٩٢.


فضّال ، صرّح به في التهذيب(١) ، كما صرّح بأنّ عبيد ابن زرارة(٢) ، وفي بعض نسخ هذا الكتاب : عن أبيه(٣) زرارة ؛ وقد تقدّم عن قريب القول في أحمد بن الحسن(٤) ، وعبيد بن زرارة ثقة ثقة.

والثاني : ضمير « عنه » فيه يرجع لمحمّد بن علي بن محبوب ، وأحمد هو ابن الحسن على ما يقتضيه مراجعة التهذيب في الزيادات ؛ لأنّه قال في ابتداء السند : محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن الحسن بن علي ، إلى آخره. ثم قال : عنه ، عن الحسن بن علي الكوفي ، إلى أنْ قال : عنه ، عن أحمد بن الحسن(٥) ، عن عبيد بن زرارة ، ثم قال : عنه ، عن أحمد ، عن(٦) موسى بن القاسم ، إلى آخره(٧) . ولو لا هذا لأمكن أنْ يقال : بأن ضمير « عنه » يرجع لمحمّد بن يحيى المعبّر عنه بأبيه في الأوّل ؛ لأنّه الراوي عن أحمد بن محمّد بن عيسى مع غيره أيضاً في الرجال(٨) ، وأحمد حينئذٍ ابن عيسى ، فالخبر صحيح على ما قدّمناه في أحمد بن محمّد بن يحيى(٩) ، إلاّ أنّ ما وقع في التهذيب يدفع ما ذكرناه ، فوصف الرواية [ بالصحّة(١٠) ] في مدارك شيخناقدس‌سره ناقلاً لها عن الشيخ(١١) محلّ‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٩١ / ٨٧٦.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٩٢ / ٨٨٣.

(٣) في « فض » زيادة : عن.

(٤) راجع ص ١٨١ ، ٢٩٨.

(٥) في التهذيب ٣ : ٢٩٢ / ٨٨٣ : الحسين.

(٦) في « رض » : بن.

(٧) التهذيب ٣ : ٢٩٢ / ٨٨١ و ٨٨٢ ، ٨٨٣ ، ٨٨٤.

(٨) رجال النجاشي : ٨١ / ١٩٨ ، الفهرست : ٢٥ / ٦٥.

(٩) تقدم في ص ٣٠١.

(١٠) في النسخ : الصحّة ، والأنسب ما أثبتناه.

(١١) مدارك الأحكام ٤ : ١٣٦.


تأمّل ، وقد سبقه بعض محققي المتأخّرينرحمه‌الله إلى ذلك في شرح الإرشاد ، لكن لم يسندها إلى الشيخ(١) . وفي الكافي لم أقف عليها ، وفي المختلف وصفها بالصحّة(٢) ، فالظاهر أنّ الأصل ما ذكره العلاّمة.

فإنْ قلت : يجوز أنْ يكون إسناد هذا الكتاب غير ما في التهذيب ، وهو صحيح على ما تقدّم.

قلت : مع وجود التصريح في التهذيب لا يتمّ الحكم بالصحّة إلاّ بتكلفٍ غير خفي.

والثالث : فيه محمّد بن سنان وقد تكرّر من حاله ما يغني عن البيان(٣) ، مضافاً إلى عدم الطريق إليه.

والرابع : فيه الإرسال.

والخامس : واضح ، ومحمّد هو ابن مسلم ، صرّح به في التهذيب(٤) .

والسادس : فيه عدم الطريق إلى عمّار هنا ، إلاّ أنّه في التهذيب مسند ، وفيه : علي بن خالد(٥) ، ولم يعلم من حاله في الرجال ما يقتضي إدخال السند في الموثّق ؛ لأنّ بقية الرجال متّصفون بصفته لولاه.

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على عدم قضائهعليه‌السلام ، أمّا كيفية الانكساف‌

__________________

(١) الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٤٢٠.

(٢) المختلف ٢ : ٢٩٦.

(٣) راجع ج ١ ص ١١٧ ، ج ٢ ص ٣٣٤ ، ج ٥ ص ٥١.

(٤) التهذيب ٣ : ١٥٧ / ٣٣٩.

(٥) التهذيب ٣ : ٢٩١ / ٨٧٦.


فغير معلومة.

والثاني : ربما يدّعى ظهوره على تقدير العمل به في أنّ فوات صلاة الكسوف لا يقتضي القضاء ، سواء استوعب الاحتراق أم لا ، أمّا تناوله للعالم وغيره فقد يتوقف فيه من حيث إنّ الجواب تضمّن الصلاة إذا فاتت ، وربما كان فيه دلالة على عدم العلم ؛ إذ معه يصير الفوات من الإنسان لا منها ، إلاّ أنْ يقال بصدق الفوات على التقديرين ، ويؤيده أنّ السؤال عمّن ترك. وقد يشكل هذا بجواز أنْ يكون الإمامعليه‌السلام أراد بيان أنّ الترك موجب للقضاء دون الفوات.

والحقّ أنّ في المقام كلاماً ، لكن الاستدلال بالخبر من شيخناقدس‌سره ( وقبله جماعة على ما حكاه في المختلف(١) على عدم وجوب القضاء على الناسي ما لم يستوعب الاحتراق ؛ محلّ تأمّل ، وقد زاد في توجيه الاستدلال به شيخناقدس‌سره )(٢) بأنّ الرواية دلّت على سقوط القضاء مع الفوات مطلقاً ، خرج من ذلك ما إذا استوعب الاحتراق ، فإنّه يجب القضاء بالنصوص الصحيحة فيبقى الباقي(٣) .

ولا يخفى على من راجع كلامه أنّ النصوص الصحيحة لم يتقدّم منها إلاّ خبر زرارة ومحمّد بن مسلم الآتي فيه الكلام ، وخبر آخر من الفقيه لم يوصف بالصحّة ، لكن كرّرنا القول في مثله ، ولا أعلم من شيخناقدس‌سره الجزم بالصحّة في هذا ، والخبر عن محمّد بن مسلم والفضيل بن يسار أنّهما قالا : قلنا لأبي جعفرعليه‌السلام : أتقضى صلاة الكسوف ، ومن أصبح فعلم‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٢٩٢.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) المدارك ٤ : ١٣٦.


ومن أمسى فعلم؟ قال : « إنْ كان القرصان احترقا كلّهما قضيت ، وإنْ كان إنّما احترق بعضهما فليس عليك قضاؤه »(١) ودلالة الخبرين على الناسي غير واضحة كما سنقرره(٢) .

وإذا عرفت هذا مجملاً فالثالث لو صحّ يدلّ على عدم القضاء مطلقاً ، نظراً إلى عدم الاستفصال. وقوله : وقد كان في أيدينا. على الظاهر من كلام الراوي عن الإمامعليه‌السلام أو غيره ، والمراد به أنّه كان في الظنّ القضاء لولا الجواب بعدمه.

والرابع : يدلّ على أنّ من علم عليه القضاء مع الغسل سواء احترق القرص كلّه أو بعضه ، والشيخ كما ترى استدلّ به على احتراق الجميع ، والوجه في ذلك حينئذٍ أنّ بعض الأخبار المعتبرة دلّ على الغسل مع احتراق القرص كلّه ، وهو ما رواه في أوّل التهذيب عن الشيخ ، عن أحمد ابن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن محمّد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال : « الغسل في سبعة عشر موطناً » وساق الحديث إلى أنْ قال : « وغسل الكسوف إذا احترق القرص كلّه فاغتسل »(٣) .

وظاهر الأمر الوجوب مع احتراقه كلّه ، إلاّ أنّ الخبر اشتمل على مستحبات وواجبات ، فالاستدلال به على الوجوب محلّ كلام.

ولو أمكن توجيه الوجوب بأنّ الأمر بالغسل لم يقع في الخبر إلاّ‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٣٤٦ / ١٥٣٢ ، الوسائل ٧ : ٤٩٩ أبواب صلاة الكسوف والآيات ب ١٠ ح ١ ؛ بتفاوت يسير.

(٢) انظر ص ٣٠٦ ، ٣٠٥.

(٣) التهذيب ١ : ١١٤ / ٣٠٢ ، الوسائل ٣ : ٣٠٧ أبواب الأغسال المسنونة ب ١ ح ١١.


بغسل الكسوف فهو قرينة الوجوب لظاهر الأمر ، توجّه على الشيخ أنّه قال في أوّل التهذيب أيضاً عند قول المفيد : وغسل قاضي صلاة الكسوف لتركه إيّاها متعمداً سنّة ـ : يدلّ على ذلك ما أخبرني به الشيخ ؛ وذكر رواية حريز المبحوث عنها هنا(١) ، وظاهر كلام المفيد العموم والرواية كذلك.

وبالجملة : فاستدلال الشيخ على مطلوبه بالرواية محلّ بحث.

ثم إنّ قوله في الرواية : « فإنْ لم يستيقظ ولم يعلم » إلى آخره. وإنْ احتمل مفهومه أمرين إلاّ أنّ أحدهما ظاهر الانتفاء ، وعلى كلّ حال يدلّ على القضاء بغير غسل مع عدم العلم ، سواء استوعب أم لا.

والخامس : واضح الدلالة على أنّ احتراق جميع القرص يوجب القضاء مع العلم فيما بعد ، وعدمه حال الاحتراق. وربما دلّ على عدم القضاء على الناسي ؛ لإفادته عدم العلم ثم العلم.

وربما يدلّ أيضاً على عدم وجوب الغسل مع الاحتراق ، فيؤيد كون الأمر في السابق للاستحباب ، إلاّ أنْ يقال : إنّ المقصود هنا بيان القضاء ، أو يقال : إنّ ذلك الخبر يحمل على العلم ، وتوضيح الحال في الغسل ذكرناه في محلّ آخر(٢) .

ثمّ إنّ حكم الناسي في القضاء مع الاستيعاب قد يستفاد من الخبر بمفهوم الموافقة ، وفيه نوع تأمّل يظهر ممّا قدمناه في مطلق مفهوم الموافقة.

وما تضمّنه الخبر المبحوث عنه من قوله : « وإنْ لم تحترق كلّها » محتمل لأنْ يعود لأوّل الكلام ، والمعنى أنّك إذا لم تعلم وعلمت وكان‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ١١٧ / ٣٠٩ ، الوسائل ٧ : ٥٠٠ أبواب صلاة الكسوف والآيات ب ١٠ ح ٥.

(٢) في ص : ٤٣٩.


احترق بعض القرص فلا قضاء ؛ ويحتمل أنْ يكون مستأنفاً ، والمعنى أنّ مع احتراق بعضه لا قضاء مطلقاً ، علمت أو لم تعلم ، فالاستدلال به على أنّ من علم عليه القضاء مطلقاً محلّ تأمّل يُعرف ممّا قررناه.

أمّا الاستدلال على وجوب قضاء الناسي والعالم المفرّط بصحيح زرارة السابق في المواقيت منّا ، حيث قال فيه : « أربع صلوات يصلّيها الرجل في كل ساعة : صلاة فاتتك فمتى ذكرتها أدّيتها »(١) وصحيح آخر لزرارة تقدّم في الكتاب وذكرنا وجه صحّته عند بعض فيمن نسي صلاة أو نام عنها يقضيها إذا ذكرها(٢) ؛ فقد أُورد عليه بأنّه لا عموم في الخبرين ، وفيه نوع تأمّل ؛ لأنّ مثل هذه الألفاظ لا تقصر عن العموم ، لا من حيث الصيغة بل من حيث منافاة الحكم لو أُريد غير العموم في الأوّل ، وترك الاستفصال في الثاني ، إلاّ أنْ يدّعى تبادر اليومية(٣) ، أو يقال : إنّ الأوّل تضمّن الفوات ، وقد قدّمنا احتمال عدم تناوله للعامد والناسي ، فليتأمّل.

( والاستدلال على [ الناسي(٤) ] والعالم المفرط )(٥) بخبري حريز وعمّار قد عرفت حاله(٦) .

ومن هنا يعلم أنّ ما نقله شيخناقدس‌سره عن الشيخ من عدم القضاء على الناسي ما لم يستوعب الاحتراق وأنّ فيه قوة ؛ ونقله عن السيّد المرتضىرضي‌الله‌عنه القول بعدم وجوب القضاء مطلقاً إلاّ مع الاستيعاب وأنّ فيه رجحاناً ،

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٧٨ / ١٢٦٥ ، الوسائل ٨ : ٢٥٦ أبواب قضاء الصلاة ب ٢ ح ١.

(٢) راجع ج ٤ ص ٤٥٣.

(٣) في « فض » زيادة : على النّاسي والعالم المفرط والاستدلال.

(٤) في « رض » و « م » : الثاني ، والصحيح ما أثبتناه.

(٥) ما بين القوسين ليس في « فض ».

(٦) راجع ص ٣٠٥.


واستدلاله بالأصل ، وخبر علي بن جعفر(١) ؛ محلّ كلام يعلم تفصيله من الإجمال ، والله تعالى أعلم بالحال.

وللعلاّمةرحمه‌الله في المختلف كلام في المسألة يعرف غرابته من راجعه(٢) .

وينبغي أنْ يعلم أنّ الأخبار بعضها مختصّ بالشمس وبعضها بالقمر(٣) ، إلاّ أنّ خبر الصدوق شامل لهما(٤) ، والظاهر عدم القائل بالفرق في المقام ، فيسهل الخطب.

بقي شي‌ء ، وهو أنّ قولهعليه‌السلام في خبر عمّار : « وإنْ أعلمك أحد » إلى آخره. قد يظنّ منه أنّ إخبار الواحد يفيد العلم الموجب للقضاء وإنْ لم يكن عدلاً.

ويمكن الجواب عنه : بأنّ المراد حصول العلم من إخباره ولو بقرائن ، أو حصول العلم الشرعي بقوله لو كان عدلاً ، لا من حيث الشهادة بل من حيث الإخبار ، والأمر سهل بعد معرفة الرواية.

اللغة‌ :

قال في القاموس : كسف الشمس والقمر كسوفاً احتجبا كانكسفا ، والله إيّاهما حجبهما ، والأحسن في القمر خَسَفَ ، وفي الشمس كَسَفتْ(٥) .

__________________

(١) المدارك ٤ : ١٣٦.

(٢) المختلف ٢ : ٢٩٣.

(٣) انظر الوسائل ٧ : ٤٩٩ أبواب صلاة الكسوف والآيات ب ١٠.

(٤) الفقيه ١ : ٣٤٦ / ١٥٣٢ ، الوسائل ٧ : ٤٩٩ أبواب صلاة الكسوف والآيات ب ١٠ ح ١.

(٥) القاموس المحيط ٣ : ١٩٦.


وفي الصحاح جعل انكسفت الشمس من كلام العامّة(١) ، وفيه : أنّ الأخبار موجودة فيها بكثرة خلاف ما قاله. وفي القاموس : الكَسَل : التثاقل عن الشي‌ء والفتور فيه كسِلَ كفَرِحَ [ فهو(٢) ] كسِلٌ وكسلان(٣) .

قوله :

باب الصلاة في السفينة

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، ( عن محمّد )(٤) بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حمّاد بن عيسى ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام وقد سُئل عن الصلاة في السفينة يقول : « إنْ استطعتم أنْ تخرجوا إلى الجُدد فاخرجوا ، فإنْ لم تقدروا فصلّوا قياماً ، فإنْ لم تستطيعوا فصلّوا قعوداً وتحرّوا القبلة ».

الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمّد الجوهري ، عن ابن أبي حمزة ، عن علي بن إبراهيم قال : سألته عن الصلاة في السفينة؟ فقال : « يصلّي وهو جالس إذا لم يمكنه القيام في السفينة ، ولا يصلّي في السفينة وهو يقدر على الشط » وقال : « يصلّي في السفينة ويحوّل وجهه إلى القبلة ، ثم يصلّي كيف ما دارت ».

محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن يزيد بن إسحاق ، عن هارون بن حمزة الغنوي ، عن‌

__________________

(١) الصحاح ٤ : ١٤٢١.

(٢) ليست في النسخ ، أضفناها من المصدر.

(٣) القاموس المحيط ٤ : ٤٥.

(٤) ما بين القوسين ليس في « م ».


أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الصلاة في السفينة؟ فقال : « إذا كانت محملة ثقيلة إذا قمت(١) فيها فلم تتحرك فصلّ قائماً ، وإنْ كانت خفيفة تُكفأ فصلّ قاعداً ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن أبيه علي بن يقطين ، عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قال : سألته عن السفينة لم يقدر صاحبها على القيام أيصلّي فيها وهو جالس يومئ أو يسجد؟ قال : « يقوم وإنْ حنا ظهره ».

فهذه الرواية محمولة على من يتمكن من أنْ يصلّي منحني الظهر وإنْ لم يقدر على القيام تامّاً ، وذلك جائز على الترتيب الذي فصّل فيما تقدم من الأخبار ، ويؤكد ذلك أيضاً :

ما رواه أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي عمير ، عن غير واحد من أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « الصلاة في السفينة إيماء ».

السند :‌

في الأوّل : حسن.

والثاني : فيه القاسم بن محمّد الجوهري ، وقد مضى أنّه واقفي(٢) . وابن أبي حمزة هو علي البطائني المكرّر القول فيه بالضعف(٣) .

وأمّا علي بن إبراهيم ( فهو في النسخ التي وقفت عليها ، وكذلك في‌

__________________

(١) في النسخ : أقمت ، وما أثبتناه موافق للإستبصار ١ : ٤٥٥ / ١٧٦٣ ، الكافي ٣ : ٤٤٢ / ٤ ، والفقيه ١ : ٢٩٢ / ١٣٢٩.

(٢) راجع ج ١ : ١٨٢ ، ٢٨٦ وج ٢ : ١٣٠ ، ٢٢٠ وج ٣ : ١١٥.

(٣) راجع ج ١ : ١٨٣ ، ٢٦٥ وج ٢ : ١٣٠.


التهذيب(١) ، واحتماله لعلي بن إبراهيم )(٢) بن هاشم منتف.

نعم في الرجال : علي بن إبراهيم الهمداني من أصحاب الهاديعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٣) ، ولا وجه لرواية علي بن أبي حمزة عنه ؛ لأنّه من أصحاب أبي الحسن موسىعليه‌السلام والصادقعليه‌السلام .

وفي الرجال أيضاً : علي بن إبراهيم الجوّاني من أصحاب الرضاعليه‌السلام فيما يظهر من الخلاصة ، إلاّ أنّه لا يعيّن اختصاصه به(٤) عليه‌السلام ، حيث قال : إنّه خرج مع أبي الحسنعليه‌السلام إلى خراسان(٥) ؛ ويجوز تقدّمه عليه مع إدراكه لهعليه‌السلام ، إلاّ أنّ الظاهر انتفاؤه في المقام.

وفي الرجال من أصحاب الهاديعليه‌السلام علي بن إبراهيم غير الأوّل في كتاب الشيخ(٦) ، وقد سمعت ما يدفع احتماله.

وفي الرجال : علي بن إبراهيم بن يعلى(٧) ، وهو غير معلوم المرتبة لكنّه مجهول الحال.

وفيهم أيضاً : علي بن إبراهيم الخيّاط ، وهو متأخّر ؛ لرواية حميد عنه(٨) .

وبالجملة : فالأمر ملتبس ، إلاّ أنّ الضرورة إلى الحقيقة غير داعية ؛

__________________

(١) التهذيب ٣ : ١٧٠.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) رجال الطوسي : ٤١٨ / ١٩.

(٤) ليست في « م ».

(٥) خلاصة العلاّمة : ٩٧ / ٣١.

(٦) رجال الطوسي : ٤٢٠ / ٣٣.

(٧) الفهرست : ٩٧ / ٤١٣.

(٨) رجال الطوسي : ٤٨٠ / ٢١.


وغير بعيد أنّ في البين سهواً ، والأصل : عن ابن أبي حمزة ، عن أبي إبراهيمعليه‌السلام ، ( والله أعلم )(١) .

والثالث : تكرّر القول فيه عن قريب وبعيد بالنسبة إلى يزيد بن إسحاق(٢) ، أمّا غيره فلا ارتياب فيه. ومحمّد بن الحسين هو ابن أبي الخطّاب.

والرابع : واضح الصحّة.

والخامس : فيه الإرسال ، وقد قدّمنا القول في مراسيل ابن أبي عمير غير مرّة(٣) . وتخيّل أنّ مثل هذا الإرسال لا يضرّ بالحال على تقدير التوقف في مراسيل بن أبي عمير ، نظراً إلى قوله : عن غير واحدٍ. يدفعه أنّ غير الواحد مع عدم التوثيق والمدح لا يفيد حكماً.

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على أنّ استطاعة الخروج إلى الجُدد توجبه ، وبدونها فالصلاة على حسب الإمكان من القعود والقيام.

وقولهعليه‌السلام : « وتحرّوا القبلة » لا يخلو من إجمال ؛ إذ يحتمل أنْ يراد فعل الصلاة إلى القبلة بكلّ ما أمكن مع الصلاة في السفينة قياماً وقعوداً ، بحيث لو دارت السفينة عن جهة القبلة وجب الانحراف إليها.

ويحتمل أنْ يراد بتحرّي القبلة أوّل الصلاة ؛ لما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسين ، عن فضالة ، عن معاوية بن عمّار قال : سألت‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليست في « م ».

(٢) راجع ج ١ ص ١٨٢ ، ج ٢ ص ٢٣٧ ، وص ٢٥٧ ، ٢٧٧ من هذا الجزء.

(٣) راجع ج ١ ص ٩٩ ، ج ٢ ص ٢٥٧ ، ج ٣ ص ٤٠٤.


أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الصلاة في السفينة؟ فقال : « تستقبل القبلة بوجهك ثم تصلّي كيف دارت ، تصلّي قائماً ، فإنْ لم تستطع فجالساً » الحديث(١) .

ولا يبعد إرادة المعنى الأوّل من الخبر المبحوث عنه ، وحمل خبر معاوية على وجهٍ لا ينافيه ، بأنْ يراد بالوجه مقاديم البدن كما هو المعروف ، بل وربما دلّت عليه الآية(٢) ، ويراد بقوله : « كيف دارت » الصلاة إلى القبلة كيف دارت بالانحراف.

ويؤيده أنّ الشيخ روى في التهذيب أيضاً عن علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : إنّه سُئل عن الصلاة في السفينة؟ فقال : « يستقبل القبلة ، فإذا دارت فاستطاع أنْ يتوجه إلى القبلة فليفعل ، وإلاّ فليصلّ حيث توجّهت به »(٣) .

وروى أيضاً في الموثق عن يونس بن يعقوب قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الصلاة المكتوبة في السفينة وهي تأخذ شرقاً وغرباً؟ فقال : « استقبل القبلة ثم كبّر ثم اتبع السفينة ودُر معها حيث دارت بك »(٤) .

وروى الصدوق بطريقه الصحيح عن عبيد الله الحلبي أنّه سأل أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الصلاة في السفينة؟ فقال : « يستقبل القبلة ويصفّ رجليه ، فإذا دارت واستطاع أنْ يتوجه إلى القبلة ، وإلاّ فليصلّ حيث توجهت به » الحديث(٥) . ودلالته على ما ذكرناه ظاهرة.

ثم إنّ ما تضمّنه الخبر المبحوث عنه من اعتبار استطاعة الخروج‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٩٥ / ٨٩٥ ، الوسائل ٥ : ٥٠٦ أبواب القيام ب ١٤ ح ٨.

(٢) البقرة : ١٤٤.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٩٧ / ٩٠٣ ، الوسائل ٤ : ٣٢٢ أبواب القبلة ب ١٣ ح ١٣.

(٤) التهذيب ٣ : ٢٩٧ / ٩٠٤ ، الوسائل ٤ : ٣٢١ أبواب القبلة ب ١٣ ح ٦.

(٥) الفقيه ١ : ٢٩١ / ١٣٢٢ ، الوسائل ٤ : ٣٢٠ أبواب القبلة ب ١٣ ح ١.


وعدمها يعطي أنّ الصلاة في السفينة مشروطة بالاضطرار ، وينقل عن بعض جواز الصلاة اختياراً(١) ؛ وبعضهم لم يذكر الاختيار ؛ واستدلّ بعض المتأخّرين على الجواز مع الاختيار بما رواه الصدوق بطريقه الصحيح عن جميل بن درّاج(٢) ، حيث قال فيه : تكون السفينة قريبة من الجُدّة فأخرج وأُصلّي ، قال : « صلّ فيها أما ترضى بصلاة نوحٍعليه‌السلام ؟ »(٣) .

وفي الذكرى : إنّ الأقرب المنع إلاّ لضرورة ، لأنّ القرار ركن في القيام ، وحركة السفينة تمنع من ذلك ، وقد أُجيب عن هذا بأنّ الحركة بالنسبة إلى المصلّي عرضية وهو ساكن(٤) ؛ وله وجه.

وفي الحبل المتين : إنّ الأصحّ جواز الفريضة اختياراً بشرط الأمن من الانحراف عن القبلة وعدم الحركة المخلّة بالطمأنينة ، وعليه يحمل الحديث الثاني يعني به خبر الحلبي وهو مختار المحقق الشيخ علي ، وأمّا أصل الحركة الحاصلة من سير السفينة فهي غير مخلّة بالطمأنينة ، وإنّما المخلّ بها الحركات الحاصلة عند تلاطم الأمواج والرياح(٥) .

انتهى المراد منه ، وقد ذكرناه مفصّلاً في معاهد التنبيه على كتاب من لا يحضره الفقيه ، والحاصل أنّ دلالة معتبر الأخبار على شرطية الاستقبال المقرّر في غير صلاة السفينة محلّ تأمّل.

__________________

(١) كابن بابويه وابن حمزة والعلاّمة ، حكاه عنهم في الذكرى ٣ : ١٩٠ ، وهو في المقنع : ٣٧ ، الهداية : ٣٥ ، الوسيلة : ١١٥ ، نهاية الإحكام ١ : ٤٠٦ ، التذكرة ٣ : ٣٤.

(٢) انظر المدارك ٣ : ١٤٤.

(٣) الفقيه ١ : ٢٩١ / ١٣٢٣ ، الوسائل ٤ : ٣٢٠ أبواب القبلة ب ١٣ ح ٣ ، وفيهما : الجُدّ ، وهما بمعنى واحد.

(٤) الذكرى ٣ : ١٩١.

(٥) الحبل المتين : ١٦٦.


أمّا جواز الصلاة اختياراً فدلالة خبر جميل عليه لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ المعلوم من صلاة نوح أنّها مع الاضطرار ، والجواب يفيد نفي ذلك ، وحينئذٍ لا بُدّ من توجيه الجواب على وجهٍ يطابق السؤال.

وربما يقال : إنّ الغرض من ذكر صلاة نوح أنّ اعتبار الاستقرار لو شرط لأمكن أنْ يطلب نوحعليه‌السلام استقرار الأمواج ولم يطلب ، بل صلّى فيها مع عدم الاستقرار فيجوز لغيره.

وفيه : أنّ ظاهر السؤال عن السفينة مع إمكان الخروج ، والاستقرار مع عدم إمكان الخروج أمر آخر ، وطلب الاستقرار غير معلوم كعدمه. ولا يبعد أنْ يكون السؤال عن السفينة حال استقرارها أيرجّح الصلاة فيها على الخروج أم لا؟ وحينئذٍ الجواب يطابق هذا ، من حيث إنّ نوحاً أوقع الصلاة في السفينة ، فالتأسّي به مطلوب ، وعلى هذا لا يدلّ الخبر إلاّ على فعل الصلاة في السفينة من حيث هي. والحقّ أنّ في البين كلاماً.

وأمّا اشتراط عدم الحركة من الأمواج ففي الأخبار ما ينافي هذا ، وقد تقدم في باب صلاة الجماعة في السفينة بعضها(١) .

وقد روى الشيخ في التهذيب عن الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير عن ، أبي أيّوب قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّا ابتلينا وكنّا في السفينة فأمسينا ولم نقدر على مكانٍ نخرج فيه ، فقال أصحاب السفينة : ليس نصلّي يومنا(٢) ما دمنا نطمع في الخروج ، فقال : « إنّ أبي كان يقول : تلك صلاة نوحعليه‌السلام ، أما ترضى أنْ تصلّي صلاة نوحٍعليه‌السلام ؟ » فقلت : بلى جعلت فداك ، قال : « فلا يضيقنّ صدرك ، فإنّ نوحاً قد صلّى في السفينة » ‌

__________________

(١) في ص ٢٣٤.

(٢) ليست في « رض » و « م ».


قال : قلت : قائماً أو قاعداً؟ قال : « بلى قائماً » قال : قلت : فإنّي ربما استقبلت القبلة فدارت السفينة؟ قال : « تحرّ القبلة جهدك »(١) .

وهذا الخبر كما ترى يدلّ بظاهره(٢) على أنّ صلاة نوحٍ كانت حال الاضطرار ، بقرينة السؤال ، وإنْ احتمل عموم الجواب ، لكنّه بعيد.

وفيه دلالة على أنّ القبلة تعتبر في حال الضرورة بما أمكن ، فيمكن أنْ يقال : إنّ حالة الاختيار يعتبر فيها عدم الانحراف عن القبلة ، فيقيّد به خبر جميل وغيره ، كالخبر المبحوث عنه ، إلاّ أنّ الحق احتمال(٣) عدم ثبوت ضرر الانحراف في السفينة. وأخبار القبلة في غير صلاة السفينة(٤) لا تدفع هذه الأخبار ، والإجماع منتفٍ في موضع النزاع ، فليتأمّل.

وأمّا الثاني : فظاهر التأييد للأوّل في أنّه لا يصلّي في السفينة مع القدرة على الشط ، وربما دلّ مع الأوّل أنّ مع القدرة لا يصلّي في السفينة وإنْ كانت غير سائرة وأمن من تحرّكها ، إلاّ أنّ الظاهر من الروايتين حالة سير السفينة ، كما يعلم من ملاحظة الروايتين.

والثالث : لا يخلو من إجمال ؛ لاحتماله الصلاة في السفينة حال سيرها ، كاحتمال حال العدم ، وربما كان في ذكر الثقل والخفّة تأييد للثاني ، لكن توجيه الأوّل أيضاً ممكن.

أمّا الرابع : فربما دلّ على عدم اشتراط القدرة على الخروج(٥) ، نظراً إلى عدم الاستفصال في جواب السؤال ، إلاّ أنّه يمكن أنْ يقال : إنّ مثل علي‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ١٧٠ / ٣٧٦ ، الوسائل ٥ : ٥٠٦ أبواب القيام ب ١٤ ح ٩.

(٢) ليست في « رض ».

(٣) ليست في « م ».

(٤) انظر الوسائل ٤ : أبواب القبلة ب ١ ، ب ٩ ، ب ١٠ وب ١١.

(٥) في « رض » و « م » زيادة : وعدمها.


ابن يقطين ربما كان عالماً بأحكام الصلاة في السفينة من جهة الاشتراط ، وإنّما سؤاله عن الصلاة في حال الجلوس بالإيماء أو السجود ، وحينئذٍ فالعموم في الجواب غير حاصل كما لا يخفى.

وقول الشيخ : على الترتيب الذي فُصّل ؛ يحتمل أنْ يريد به الاستطاعة للخروج وعدمها ؛ ويحتمل أنْ يريد به الصلاة من قيام مع القدرة ، ومن جلوسٍ حال عدمها ، ويريد بما قاله حينئذٍ أنّ ما دلّ على القيام يراد به التامّ أو ما قاربه ؛ وفيه : أنّ دلالة الأخبار على مثل الانحناء محلّ تأمّل.

وما قالهقدس‌سره من تأكيد الخامس غير واضح ، إلاّ بتقدير أنْ يكون المراد من الإيماء في الرواية عدم فعل الصلاة تامّةً ، بل يأتي المكلّف بها مهما استطاع ، وحينئذٍ يدلّ على جواز الانحناء ، وفيه ما فيه.

ويحتمل أنْ يراد بالتأكيد الدلالة على ترتيب الصلاة في السفينة وأنّها ليست على حدّ غيرها ، فإذا أفاد الخبر الإيماء وغيره القيام والقعود أفاد مجموع الأخبار أنّ الصلاة على حسب الإمكان.

اللغة‌ :

قال في القاموس : الجدّ شاطئ النهر ، الجمع جُدُد كسُرُر ، وقال : الجَدَد محرّكة : ما استرقّ من الرمل(١) . وقال : أكفأ : مال وقلب(٢) . وعلى هذا فقولهعليه‌السلام : « إنْ كانت خفيفة تُكفأ » بالهمزة وضمّ حرف المضارعة ، أي تميل ، وكتابتها بالألف هي الموجودة فيما رأيت.

__________________

(١) القاموس المحيط ١ : ٢٩١.

(٢) القاموس المحيط ١ : ٢٧.


قوله :

باب صلاة الخوف

محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن صلاة الخوف ، قال : « يقوم الإمام وتجي‌ء طائفة من أصحابه فيقومون ( خلفه ، وطائفة بإزاء العدوّ ، فيصلّي بهم الإمام ركعة ، ثم يقوم فيقومون )(١) معه فيمثل قائماً ويصلّون هم الركعة الثانية ، ثم يسلّم بعضهم على بعض ، ثم ينصرفون فيقومون(٢) في مقام أصحابهم ويجي‌ء الآخرون فيقومون خلف الإمام فيصلّي بهم الركعة الثانية ، ثم يجلس الإمام ثم يقومون هم فيصلّون ركعة أخرى ثم يسلّم عليهم فينصرفون بتسليمة » قال : « وفي المغرب مثل ذلك يقوم الإمام وتجي‌ء طائفة فيقومون خلفه ، ثم يصلّي بهم ركعة ، ثم يقوم ويقومون ، فيمثل الإمام قائماً ويصلّون الركعتين ويتشهدون ويسلّم بعضهم على بعض ، ثم ينصرفون فيقومون في موقف أصحابهم ويجي‌ء الآخرون فيقومون خلف الإمام فيصلّي بهم ركعة يقرأ فيها ، ثم يجلس فيتشهد ، ثم يقوم ويقومون معه فيصلّي بهم ركعة أُخرى ، ثم يجلس ويقومون فيتمّون ركعة أُخرى ، ثم يسلّم عليهم ».

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة(٣) ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام أنّه‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « رض » و « م ».

(٢) في « رض » و « فض » : فيقفون.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٥٦ / ١٧٦٧ : عن عمر بن أُذينة.


قال : « إذا كان صلاة المغرب في الخوف فرّقهم فرقتين ، فيصلّي بفرقة ركعتين ، ثم يجلس بهم ، ثم أشار إليهم بيده فقام كلّ إنسان منهم فيصلّي ركعة ، ثم سلّموا وقاموا مقام أصحابهم ، وجاءت الطائفة الأُخرى فكبّروا ودخلوا في الصلاة وقام الإمام فصلّى بهم ركعة ، ثم سلّم ، ثم قام كلّ رجل منهم فصلّى ركعة فشفعها بالتي صلّى مع الإمام ، ثم قام فصلّى ركعة ليس فيها قراءة ، فتمّت للإمام ثلاث ركعات وللأوّلين ركعتان في جماعة وللآخرين واحدة(١) ، فصار للأوّلين التكبير وافتتاح الصلاة ، وللآخرين التسليم ».

وروى هذا الحديث الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة ، عن زرارة وفضيل ومحمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام .

والوجه في هذه الرواية ومطابقتها للرواية الأُخرى أنْ نحملها على التخيير ، وأنّ الإنسان مخيّر في العمل بكلّ واحدٍ منهما ، وإنْ كان العمل على الرواية الأُولى أظهر ، وقد روى زرارة راوي هذا الحديث مثل الخبر الأوّل.

روى سعد ، عن أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن أبان بن عثمان ، عن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « صلاة الخوف المغرب يصلّي بالأوّلين ركعة ويقضون ركعتين ، ويصلّي بالآخرين ركعتين ويقضون ركعة ».

السند :‌

في الأوّل : حسن.

والثاني : صحيح ، وابن أُذينة هو عمر بن أُذينة على ما قدّمنا القول‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٥٦ / ١٧٦٧ : وحدانا.


فيه مفصّلاً(١) .

والثالث : كذلك ، ويتّضح منه أنّ ابن أُذينة : عُمَر ، إنْ اعتري نوع شك من الرجال ، وإنْ كان في الظنّ نفي الاحتمال.

والرابع : موثق أو صحيح على ما قدّمناه في أبان من أنّ العامل بالموثق يلزمه [ عدّ(٢) ] خبره من الموثق ، ومن لا يعمل به فهو صحيح ، والإجماع على تصحيح ما يصحّ عن أبان لا يفيد الصحّة بالنسبة إلى المتأخّرين(٣) .

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة ، غير أنّ بعض الأصحاب ذكر أنّ الفرقة الأُولى تنوي الانفراد وجوباً(٤) ، وظاهر الرواية محتمل لأنْ تكون الجماعة الأُولى إنّما صلّت واحدة بنيّة [ الجماعة ](٥) فلا حاجة إلى نيّة الانفراد ؛ ويحتمل نيّة الجماعة(٦) المطلقة فيتّجه احتمال نيّة الانفراد ؛ وقد يُحتمل عدم نيّة الانفراد ، لأنّ الجماعة المطلقة تحققت ( فلا حاجة إلى النيّة ، نعم لو قُصدت الجماعة في مجموع الصلاة احتمل لزوم نيّة الانفراد )(٧) . ويشكل بعدم معلومية صحّة الصلاة حينئذٍ ؛ إذ القصد فعل الركعة فقط ، ولا بُعد في‌

__________________

(١) راجع ج ١ : ٢٨٩ وج ٢ : ١٦١ وج ٣ : ٣٩.

(٢) ليست في « رض » و « م » ، وفي « فض » : عند ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) راجع ج ١ : ١٨٣ وج ٢ : ١٧٧ وج ٣ : ٢٠٢.

(٤) انظر الشرائع ١ : ١٣٠.

(٥) في النسخ : الوحدة ، والظاهر ما أثبتناه.

(٦) في « م » : الانفراد.

(٧) ما بين القوسين ليس في « م ».


اختصاص هذه الصلاة بما ذكر فتخالف غيرها ؛ إذ مشروعية قصد البعض في غيرها على الإطلاق محلّ تأمّل يُعرف من ملاحظة أحكام الجماعة.

ومن هنا يعلم أنّ ما اعترض به شيخناقدس‌سره على المحقق حيث قال : إنّ ما ذكره يعني المحقق من وجوب نية الانفراد إنّما يتمّ مع إطلاق نيّة الاقتداء ، أمّا إذا تعلقت بالركعة الأُولى خاصةً فلا حاجة إلى ذلك ، لانقضاء ما تعلق به الائتمام(١) ؛ محل نظر.

على أنّ نيّة الاقتداء بالركعة تقتضي الانفصال بتحققها ، والذي عليه المعروفون تمام الركعة بالسجدة الأخيرة منها ، إمّا بتمام الذكر أو مع الرفع(٢) ، وظاهر الرواية كما ترى الانفصال عنه بعد القيام ، ( نعم في خبرٍ آخر(٣) ما يؤذن بعدم القيام معه )(٤) ، لكن هذا أصرح في المنافاة لما ذكره.

ومن العجب أنّهقدس‌سره قال عند قول المحقق أيضاً : فتحصل المخالفة ، بمعنى ( صلاة الخوف لغيرها ، في ثلاثة أشياء : انفراد المؤتم ، إلى آخره ـ : لا يخفى أنّ انفراد المؤتم إنّما تحصل به )(٥) المخالفة على قول الشيخ من المنع من المفارقة في حال الاختيار ، أمّا إنْ سوّغناها مطلقاً كما هو المشهور فلا تتحقق المخالفة لصلاة المختار ، اللهم إلاّ أنْ يقال بوجوب الانفراد هنا فتحصل المخالفة(٦) .

__________________

(١) المدارك ٤ : ٤١٦.

(٢) انظر الذكرى ٤ : ٨٠ ، روض الجنان : ٣٥١ ، المدارك ٤ : ٢٥٧.

(٣) انظر تفسير العياشي ١ : ٢٧٢ / ٢٥٧ ، الوسائل ٨ : ٤٣٨ أبواب صلاة الخوف والمطاردة ب ٢ ح ٨.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٦) المدارك ٤ : ٤١٦.


وأنت خبير بأنّ ما ذكره من انفصال الاقتداء بالركعة يقتضي عدم فائدة قوله : أمّا إنْ سوغناها ؛ إلاّ بتكلف إرادة المماشاة مع المحقق ، وعلى تقدير تمامه فالمفارقة هنا اضطرارية لا اختيارية إنْ كان الاقتداء في مجموع الصلاة ، وإنْ كان في الركعة اندفع ما ذكره ، بل وجوب الانفراد المذكور في توجيه المخالفة لا وجه له بعد ما قلناه ، فليتأمّل.

فإنْ قلت : قولهعليه‌السلام في الخبر المبحوث عنه : « فيصلّي بهم الإمام ركعة » يقتضي قصد الإمام الركعة بهم ، فلو فرض قصدهم الأكثر تخالف القصدان ، ويشكل صحّة الصلاة ، وحينئذٍ يتعين قصد الركعة.

قلت : لا دلالة في الرواية على القصد ، وبتقديره فالحكم بقصدهم الركعة أو مطلق الجماعة يتوقف على الدليل ، لا أنّ مجرد الرواية تدلّ على ذلك ، لكن قصد مطلق الجماعة ربما لا ينافي قصد الإمام الركعة أو(١) قصده المطلق أيضاً.

وبالجملة : فاستفادة القصد من الرواية وعدمه غير واضحة.

وما تضمّنه الخبر من قوله : « ثم يسلّم بعضهم على بعض » قد يُظن منه قصدهم بالسلام ما ذكر ، وذلك غير معلوم القائل الآن فيما وقفت عليه من كلام الأصحاب.

أمّا ما تضمّنه من قوله : « ثم يسلّم عليهم » فقد يُظنّ منه بقاء القدوة مع قيام(٢) الفرقة الثانية للإتمام(٣) وإنْ استقلّوا بالقراءة ، بل صرّح البعض بذلك ، واحتجّ له بقولهعليه‌السلام في الخبر الثاني : « وللآخرين التسليم »(٤) وهو‌

__________________

(١) في « م » : و.

(٢) في « م » : بقاء.

(٣) في « رض » : للائتمام.

(٤) المختلف ٢ : ٤٧٤.


وهم ؛ للتصريح في الخبر بتسليم الإمام قبل إتمامهم ، ولعلّ المراد بكون التسليم لهم وقوعه بحضورهم.

نعم الخبر المبحوث عنه فيه نوع دلالة ، والخبر الآخر لا يعارضه ؛ لاختلاف المورد ، إلاّ أنّ الفارق لا أعلمه ، وقد ذكروا الفائدة في الائتمام بسقوط السهو مع حفظ الإمام.

وفي الشرائع جعل من أقسام المخالفة إمامة القاعد بالقائم(١) . واعترض عليه شيخناقدس‌سره بأنّه إنّما يتمّ إذا قلنا ببقاء القدوة ، والذي صرّح بذلك العلاّمة في المختلف محتجّاً بما قدّمناه ، وردّه بالضعف المشار إليه(٢) .

وأنت خبير بأنّ الإيراد على المحقّق لا يتمّ على الإطلاق إلاّ بعد إثبات عدم الفرق بين الثنائية والثلاثية ، وظاهر المحقّق أنّ المخالفة في الثنائية ؛ لأنّه ذكر بعد ذلك الثلاثية(٣) .

فإنْ قلت : الخبر المبحوث عنه تضمّن المغرب أيضاً وأنّه يسلّم عليهم ، فإذا دلّ الخبر الآخر على عدم انتظارهم بالتسليم في المغرب لا بُدّ منن حمل الخبر الأوّل على الجواز في الثنائية أيضاً ، إذ من المستبعد اختلاف الخبر الواحد.

قلت : لعلّ المحقّق يقول : إنّ المعارض في المغرب لا يقتضي شمول الحكم لغيره ، على أنّه يمكن أنْ يقال : إنّ المقام مقام استحباب ، فجاز بقاء الإمام في المغرب ليسلّم بهم ، وجاز انصرافه بالتسليم قبل ، لكن‌

__________________

(١) الشرائع ١ : ١٣٠.

(٢) انظر المدارك ٤ : ٤١٧.

(٣) انظر الشرائع ١ : ١٣٠.


على تقدير البقاء يتحقق ائتمام القائم بالقاعد. ويمكن أنْ يقال أيضاً : إنّ الصلاة الأُولى للمغرب كيفية خاصة مغايرة للثانية في الخبر الآخر فيجوز اختصاصها ، فليتأمّل.

وأمّا الثاني : فلا يخفى أنّ ظاهره مفارقة الفرقة الأُولى بعد التشهد ، حيث قال : « ثم يجلس بهم » فإنّ الظاهر من الجلوس التشهد ، لكن قيامه في ظاهر الخبر بعد قيامهم ، غير أنّ لحوق الثانية غير معلومٍ كونه في حال جلوسه أو بعد قيامه ، ولا يبعد كونه قبل قيامه ، من حيث قوله : « فكبّروا ودخلوا وقام الإمام ».

وتظهر فائدة ما ذكرناه عند ملاحظة ما قاله جدّيقدس‌سره في الروضة ردّاً على بعض العامّة في ترجيح صلاة ركعتين بالأُولى على العكس(١) ، وإنْ كان الحقّ أنّ كلامه محلّ تأمّل يعرف وجهه من حواشي الروضة. وقد سبقه الشهيد في الذكرى إلى ما قاله(٢) ، والإلزام مشترك ، ولو لا أنّ ذكره قليل الثمرة لنقلناه هنا ، فمن أراده فليراجعه هناك.

أمّا ما قاله الشيخ من أنّ العمل على الرواية الأُولى أظهر فقد قيل : إنّ الوجه فيه فوز الثانية بالقراءة المتعينة وبما يوازي فضيلة تكبيرة الإحرام وهو الركعتان ، وقيل : إنّ علياًعليه‌السلام صلّى الصورة الأُولى(٣) ؛ والتأسّي به مرجّح.

بقي شي‌ء ، وهو أنّ الخبر الثاني لا يخلو من دلالة على وجوب التسليم ، حيث جعله مقابلاً لتكبير الافتتاح ، ووقوعه قبل إتمام المأموم لا يضر بالحال ، كما لو قدّم الإمام تكبيرة الافتتاح على المأموم ، ولعلّ القائل‌

__________________

(١) الروضة ١ : ٣٦٥.

(٢) الذكرى ٤ : ٣٤٧.

(٣) التذكرة ٤ : ٤٢٩ ٤٣٠ ، الذكرى ٤ : ٣٤٨ ، الروضة البهية ١ : ٣٦٥.


بالاستحباب يحمله على أنّه لمّا كان ختام الصلاة صَدَق الاشتراك في أنّ الفرقة الأُولى أدركت الافتتاح والثانية الاختتام ، وفيه : أنّ الاستحباب يقتضي جواز الترك ، فلا يتمّ الاشتراك على الإطلاق. ويمكن أنْ يقال : إنّ الاشتراك في الجملة كافٍ. ولم أر الآن من ذكر هذا في أدلّة وجوب السلام.

والعجب من بعض محققي المعاصرين سلّمه الله أنّه ذكر الخبر في أدلّة وجوب التسليم ، من حيث قوله : « ثم سلّموا » قال سلّمه الله ـ : إنّ الخبر بمعنى الأمر ، ثم قال : إنّ دلالته أبلغ من غيره ؛ لأنّ أمرهم بالتسليم في ذلك الوقت المناسب للتخفيف ظاهر [ في المراد ](١) ، انتهى.

وغير خفي أنّ ما ذكرناه في الرواية أظهر وأبعد عن احتمال أنْ يقال : إنّ فعل الجماعة مستحب فلا بعد في الأمر بالتسليم ، مضافاً إلى غير ذلك ، فليتأمّل.

قوله :

باب صلاة المُغمى عليه

علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حفص بن البختري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سمعته يقول في المغمى عليه ، قال : « ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر ».

عنه ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن إبراهيم الخزّاز أبي أيّوب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل أُغمي عليه أيّاماً لم يصلّ ، ثم أفاق ، أيصلّي ما فاته؟ قال : « لا شي‌ء عليه ».

__________________

(١) البهائي في الحبل المتين : ٢٥٥ ، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.


أحمد بن محمّد ، عن علي بن حديد ، عن مرازم قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن المريض لا يقدر على الصلاة؟ قال : فقال : « كلّ ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر ».

عنه ، عن الحجّال ، عن ثعلبة(١) ، عن معمر بن عمر قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن المريض يقضي الصلاة إذا أُغمي عليه؟ قال : « لا ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن علي بن محمّد بن سليمان قال : كتبت إلى الفقيه أبي الحسن العسكريعليه‌السلام أسأله عن المُغمى عليه يوماً أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتبعليه‌السلام : « لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة ».

سعد ، عن أيّوب بن نوح قال : كتبت إلى أبي الحسن الثالثعليه‌السلام أسأله عن المُغمى عليه يوماً أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب : « لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة قال : سألته عن المريض يُغمى عليه؟ قال : « إذا جاز ثلاثة أيّام فليس عليه قضاء ، فإذا أُغمي عليه ثلاثة أيّام فعليه قضاء الصلاة فيهن ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن حفص ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن المُغمى عليه؟ قال : فقال : « يقضي صلاة يوم ».

عنه ، عن محمّد بن عبد الجبّار ، عن محمّد بن سنان ، عن العلاء‌

__________________

(١) في « رض » زيادة : بن ميمون.


ابن الفضيل قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يُغمى عليه يوماً إلى الليل ثم يفيق؟ قال : « إنْ أفاق قبل غروب الشمس فعليه قضاء يومه هذا ، وإنْ أُغمي عليه أيّاماً ذوات عدد فليس عليه أنْ يقضي إلاّ آخر أيّامه إذا أفاق ، قبل غروب الشمس ، ( وإلاّ فليس )(١) عليه قضاء ».

فالوجه في هذه الأخبار أنْ نحملها على ضربٍ من الاستحباب ؛ لأنّ الأوّلة(٢) محمولة على أنّه لا يجب عليه قضاء ما فاته في حال الإغماء ، وهذه محمولة على الترغيب في قضاء ما فاته.

السند :‌

في الأوّل : حسن بتقدير سلامة حفص بن البختري ، وقد قدّمنا في أوّل الكتاب(٣) ، والحاصل أنّ النجاشي وثّقه قائلاً : روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهما‌السلام ، ذكره أبو العبّاس ، وإنّما كان بينه وبين آل أعيَن نَبوَة فغمزوا عليه بلعب الشطرنج ، إلى آخره(٤) .

وأبو العبّاس المذكور يحتمل ابن عقدة وابن نوح ، والأوّل مشهور الحال بالزيدية(٥) ، غير أنّه لا يبعد كون الذكر للرواية عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهما‌السلام لا للتوثيق. وأمّا الغمز عليه ففيه تأمّل قدّمنا وجهه‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » و « م » : قال : وليس ، وفي « فض » : قال : قال : وليس ، وما أثبتناه موافق للتهذيب ٣ : ٣٠٣ / ٩٣١ ، والاستبصار ١ : ٤٥٨ / ١٧٧٨.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٥٨ / ١٧٧٨ و « م » : الأدلّة.

(٣) راجع ج ١ ص ٢٢١.

(٤) رجال النجاشي : ١٣٤ / ٣٤٤.

(٥) انظر رجال النجاشي : ٩٤ / ٢٣٣ ، الفهرست : ٢٨ / ٧٦ ، وخلاصة العلاّمة : ٢٠٣ / ١٣.


مفصّلاً(١) ، ولم أقف على جازمٍ بضعفه سوى المحقّق في المعتبر(٢) .

والثاني : ضمير « عنه » يرجع إلى علي بن إبراهيم ، لروايته عن محمّد ابن عيسى في الكافي بكثرة(٣) ، وخصوصاً في هذه الرواية ، فإنها مروية عن علي بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، إلى آخره(٤) . وأمّا رواية محمّد بن عيسى ( عن يونس )(٥) فقد تكرّر القول فيها بما يغني عن الإعادة(٦) . وإبراهيم الخزّاز لا ارتياب فيه.

والثالث : فيه علي بن حديد ، وقد ضعّفه الشيخ في هذا الكتاب(٧) . ومرازم وثّقه النجاشي(٨) ، وفي الخلاصة أنّه بضم الميم(٩) .

والرابع : ضمير « عنه » فيه يرجع لأحمد بن محمّد ، ولا يضرّ بالحال عدم روايته عنه في الرجال. أمّا ثعلبة فهو ابن ميمون ، لرواية الحجّال عنه ، وقد قدّمنا حاله مفصّلاً(١٠) . ومعمر بن عمر مذكور في رجال الشيخ مهملاً(١١) ، وفي فوائد شيخناقدس‌سره على الكتاب أنّه غير مذكور في كتب الرجال ، ثم احتمل كونه ابن يحيى فصُحّف ؛ لأنّ ثعلبة بن ميمون يروي‌

__________________

(١) راجع ج ١ ص ٢٢١ ٢٢٣.

(٢) المعتبر ٢ : ٣٩٥.

(٣) الكافي ٣ : ٤٠١ / ١٧ ، ٤٠٥ / ٤ و ٦.

(٤) الكافي ٣ : ٤١٢ / ٣.

(٥) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٦) راجع ج ١ ص ٧٥ ٨٢ ، ج ٤ ص ٨ ١٠ ، ١٧٩ ١٨١ ، ج ٥ ص ١٣٤ ١٣٦.

(٧) الاستبصار ١ : ٤٠.

(٨) رجال النجاشي : ٤٢٤ / ١١٣٨.

(٩) خلاصة العلاّمة : ١٧٠ / ٧.

(١٠) راجع ج ١ ص ٣٧٩ ، ج ٤ ص ١٦٧ ، ٢٩١ ، ٣٦١.

(١١) رجال الطوسي : ٣١٦ / ٥٧٥.


عنه في النجاشي(١) ، وله وجه ، إلاّ أنّ في التهذيب والكافي ابن عمر(٢) ، والاتفاق(٣) على التصحيف في غاية البُعد ، فليتأمّل.

والخامس : فيه علي بن محمّد بن سليمان ، وهو مجهول الحال ؛ إذ لم أقف عليه في الرجال ، وقد يحتمل أن يكون « ابن » موضع « عن » ، فإنّ في الرجال : علي بن محمّد المنقري يروي عنه محمّد بن علي بن محبوب(٤) ، وحينئذٍ سليمان يكون ابن حفص المروزي ؛ لروايته بهذه الصورة كثيراً ، وهو مجهول الحال ، فالفائدة منتفية.

والسادس : واضح الصحّة ، ورواه الصدوق في الفقيه عن أيّوب بن نوح(٥) ، وهو واضح الصحّة أيضاً.

والسابع : موثّق ، والحسن أخو الحسين.

والثامن : معلوم الحال ممّا تقدّم عن حفص ، لأنّه ابن البختري ؛ لرواية ابن أبي عمير عنه.

والتاسع : فيه محمّد بن سنان ، وهو غني عن البيان. والعلاء بن الفضيل ثقة.

المتن :

في [ الثاني ](٦) : ظاهر في أنّ المُغمى عليه أيّاماً ولم يصلّ ثم أفاق‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤٢٥ / ١١٤١.

(٢) التهذيب ٣ : ٣٠٣ / ٩٢٦ ، الكافي ٣ : ٤١٢ / ٢.

(٣) في « فض » : وإلاّ بقاؤه.

(٤) رجال النجاشي : ٢٥٧ / ٦٧٤ ، الفهرست : ٩٧ / ٤١١.

(٥) الفقيه ١ : ٢٣٧ / ١٠٤١.

(٦) في النسخ : الأوّل ، والصحيح ما أثبتناه ، وأما الحديث الأوّل فليس له تعليقة حول متنه ولعله لاتحاده مع الثالث.


لا قضاء عليه ، وهو يتناول الإفاقة في وقت ما للصلاة وعدمه ، وستستمع من الأخبار ما يمكن تقييده به.

[ والثالث(١) ] : واضح الدلالة على عدم وجوب الصلاة عليه ، أمّا(٢) القضاء فدلالته على نفيه محتملة ، والظاهر منه عدم القدرة على الصلاة بجميع مراتبها.

[ والرابع : ظاهر كالخامس(٣) ] ( غير أنّ حكم الصوم سيأتي في بابه إن شاء الله ما لا بُدّ منه.

[ والسادس : كالخامس )(٤) .

والسابع(٥) ] : فيه تفصيل من وجه ، وإطلاق من جهة الإفاقة في وقتٍ وعدمها.

[ والثامن(٦) ] : مثله في الإطلاق.

[ والتاسع(٧) ] : مفصّل في صدره ، غير أنّ الإفاقة قبل الغروب تتناول ما يتّسع الصلاة وعدمه بالنسبة إلى ذات الوقت ولمّا خرج وقتها.

وأمّا عجزه ففي حيّز الإجمال ، من حيث إفادته قضاء آخر أيّامه إنْ أفاق قبل الغروب ثم نفي القضاء ، ( ولعلّ المراد نفي القضاء لباقي الأيّام ،

__________________

(١) في النسخ : والثاني ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) في « فض » : لا.

(٣) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : والثالث ظاهر كالرابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٥) بدل ما بين المعقوفين في « رض » و « فض » : والخامس كالرابع. والسادس ، وفي « م » : والسادس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٦) في النسخ : والسابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٧) في النسخ : والثامن ، والصحيح ما أثبتناه.


ويحتمل عدم لزوم القضاء )(١) وقضاء آخر الأيّام على الاستحباب.

ومن هنا يعلم أنّ إطلاق الشيخ الحمل على الاستحباب في المُغمى عليه ، ثم عدم التعرّض للمريض محلّ تأمّل ، إلاّ أنْ يقال : إنّ المرض إذا لم يحصل معه الإغماء يجب به القضاء ، وفيه احتمال تعذّر الصلاة بغير الإغماء. أمّا ما قيّده الشيخ فيما يأتي ستسمع الكلام فيه. وفي الفقيه ما يقتضي الحمل على الاستحباب في قضاء المُغمى عليه في الجملة(٢) .

اللغة‌ :

قال في القاموس : الغَلبة بفتح الغين القهر(٣) .

قوله :

فأمّا الصلاة التي يفيق في وقتها فإنّه يلزمه قضاؤها على كلّ حال ، يدلّ على ذلك :

ما رواه أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن أبي بصير ، عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سألته عن المريض يُغمى عليه ثم يفيق كيف يقضي صلاته؟ قال : « يقضي الصلاة التي أدرك وقتها ».

سعد ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن عبيد الله الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن المريض هل‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) الفقيه ١ : ٢٣٧.

(٣) القاموس المحيط ١ : ١١٦.


يقضي الصلاة إذا أُغمي عليه؟ قال : « لا ، إلاّ الصلاة التي أفاق فيها ».

الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن حفص ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « يقضى الصلاة التي أفاق فيها ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن ابن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « كلّ ما تركته من صلاتك لمرضٍ أُغمي عليك فيه فاقضه إذا أفقت ».

عنه ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يُغمى عليه ثم يفيق؟ قال : « يقضي ما فاته ، يؤذّن في الأُولى ويقيم في البقية ».

عنه ، عن صفوان ، عن منصور بن حازم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (١) قال : « يقضيها كلّها ، إنّ أمر الصلاة شديد ».

عنه ، عن عبد الله بن محمّد قال : كتبت إليه : جُعلت فداك روي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في المريض يُغمى عليه أيّاماً(٢) ، فقال بعضهم : يقضي صلاة يومه الذي أفاق فيه ، وقال بعضهم : يقضي صلاة ثلاثة أيّام ويدع ما سوى ذلك ، وقال بعضهم : إنّه لا قضاء عليه ، فكتب : « يقضي صلاة اليوم الذي يفيق فيه ».

فالوجه في هذه الأخبار ما ذكرناه(٣) من الاستحباب والندب دون الفرض والإيجاب.

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن شعيب ، عن أبي بصير ، عن‌

__________________

(١) هنا في التهذيب والاستبصار زيادة أشار إليها في ص : ٣٣٣.

(٢) ليست في « رض ».

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٥٩ / ١٧٨٦ زيادة : أوّلاً.


أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يُغمى عليه نهاراً(١) ثم يفيق قبل غروب الشمس؟ فقال : « يصلّي الظهر و(٢) العصر ، ومن الليل إذا أفاق قبل الصبح قضى صلاة الليل ».

فهذا الخبر موافق لما قدّمناه من أنّه يجب عليه قضاء الصلاة التي يفيق في وقتها ، وهذا الوقت هو آخر وقت المضطر ، فيجب عليه(٣) القضاء.

السند :‌

في الأوّل : فيه أبو بصير ، وقد قدّمنا حاله بما يغني عن الإعادة(٤) .

والثاني : صحيح ، وحمّاد في النسخة التي نقلت منها ، وفي اخرى ساقطة ، وفي التهذيب موجود بزيادة : ابن عثمان(٥) ، فالساقط سهو.

والثالث : معلوم ممّا تقدم في حفص ، ( إذ هو )(٦) ابن البختري ، لرواية ابن أبي عمير عنه(٧) .

والرابع : صحيح على الظاهر من أنّ ابن سنان عبد الله على ما قدّمنا القول فيه مفصّلاً من أنّ محمداً لا يروي عن أبي عبد الله(٨) ؛ نعم في‌

__________________

(١) ليست في « م ».

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٦٠ / ١٧٨٧ : أو.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٦٠ / ١٧٨٧ : حينئذٍ.

(٤) راجع ج ١ ص ٧٢ ج ٢ ص ٩٠ ٩٤ ، ٢١٠ ، ج ٤ ص ١٦ ، ٣٩٢.

(٥) التهذيب ٣ : ٣٠٤ / ٩٣٣ ، الوسائل ٨ : ٢٥٨ أبواب قضاء الصلوات ب ٣ ح ١.

(٦) ما بين القوسين ليس في « رض » و « م ».

(٧) راجع ص ٣٢٦.

(٨) راجع ج ٢ ص ٣٣٤ ٣٣٦.


الرجال : محمّد بن سنان أخو عبد الله(١) ، إلاّ أنّ روايته في غاية الندرة ، بل لا أعلم وقوعها الآن ، لكن يعلم من هذا أنّ ردّ بعض الأصحاب احتمال محمّد بن سنان بأنّه لم يرو عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ( محلّ تأمّل ؛ لأنّ أخا عبد الله من أصحاب الصادقعليه‌السلام في كتاب الشيخ(٢) ، أمّا محمّد بن سنان غير أخي عبد الله )(٣) ، فليس من رواة الصادقعليه‌السلام .

والخامس : صحيح كالسادس على ما قدّمنا في الطريق إلى الحسين ابن سعيد وغيره(٤) . لكن ينبغي أنْ يُعلم أنّ في التهذيب متن رواية منصور : عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ( في المُغمى عليه ، قال : « يقضي كلّ ما فاته »(٥) . ثم بعدها : عنه ، عن ابن أبي عمير ، عن رفاعة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام )(٦) قال : سألته عن المُغمى عليه شهراً ما يقضي من الصلاة؟ قال : « يقضيها(٧) ، إنّ أمر الصلاة شديد »(٨) . ولا يبعد أنْ يكون ما هنا سهو قلم من الشيخ أو غيره ، وسند التهذيب صحيح أيضاً.

والسابع : فيه عبد الله بن محمّد ، وهو مشترك(٩) .

__________________

(١) رجال الطوسي : ٢٨٨ / ١٢٩.

(٢) رجال الطوسي : ٢٨٨ / ١٢٩.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) راجع ج ١ ص ٦٩ ، ٤١٤ ، ج ٣ ص ٢٤.

(٥) التهذيب ٣ : ٣٠٥ / ٩٣٧ و ٩٣٨ ، الوسائل ٨ : ٢٦٥ أبواب قضاء الصلوات ب ٤ ح ٣ و ٤.

(٦) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٧) في التهذيب ٣ : ٣٠٥ / ٩٣٨ ، والاستبصار ١ : ٤٥٩ / ١٧٨٥ زيادة : كلّها.

(٨) التهذيب ٣ : ٣٠٥ / ٩٣٧ و ٩٣٨ ، الوسائل ٨ : ٢٦٥ أبواب قضاء الصلوات ب ٤ ح ٣ و ٤ ، وفي الاستبصار كما نقله عن التهذيب عيناً ، فالظاهر أنّ الإشكال كان في النسخة التي اعتمد عليها المؤلف.

(٩) انظر هداية المحدثين : ٢٠٦.


والثامن : فيه أبو بصير.

المتن :

في الأوّل : دالّ على قضاء الصلاة التي أدرك وقتها ، وغير خفي أنّ إدراك الوقت تابع لتحقيق الوقت السابق في بحث المواقيت ، ولمّا كان في آخر الوقت مذكور الاكتفاء بركعة في إدراك الوقت فهو داخل في الرواية ، وفي الأخبار السابقة ما يدلّ على أنّ من أفاق قبل الغروب عليه قضاء يومه ، فقول الشيخ هنا : إنّ الصلاة التي يفيق في وقتها يلزمه قضاؤها ؛ يقتضي انحصار القضاء واجباً في الفريضة ، وحينئذٍ ما دلّ على قضاء اليوم الذي أفاق فيه قبل الغروب لا يتمّ إطلاق الاستحباب فيه ، بل إمّا بعضه واجب أو كلّه ، على تقدير عدم إدراك ركعة من الوقت.

وأمّا الثاني : فالظاهر منه نحو الأوّل. وكذلك الثالث. وبهذا يتّضح أنّ إطلاق الشيخ لا يخلو من تأمّل.

والرابع : كما ترى لو حُمل على ما قاله الشيخ من الاستحباب لزم أنْ يخصّ الإفاقة بعد خروج الوقت.

وأمّا الخامس : فكذلك. وما تضمّنه من الأذان للأُولى والإقامة في البقية يقتضي بظاهره(١) أنّ القضاء يكفي فيه أذانٌ واحد ، سواء جمع أم لا ، إلاّ أنْ يُحمل على الجمع بقرينة الأخبار الدالّة على سقوط الأذان ثانياً مع الجمع(٢) . وفيه : إمكان التخصيص بغير القضاء.

__________________

(١) ليست في « م ».

(٢) انظر التهذيب ٣ : ١٥٩ / ٣٤٢ و ٣٠٤ / ٩٣٦ ، الوسائل ٨ : ٢٥٤ أبواب قضاء الصلوات ب ١ ح ٣ و ٢٧٠ ب ٨ ح ١.


فإنْ قلت : ظاهر الخبر الأذان للأُولى من دون إقامة ، ثم الإقامة للبواقي.

قلت : الظاهر ما ذكرت ، إلاّ أنّ في خبر لزرارة معتبر ما يدلّ على أنّه يؤذّن للأُولى ويقيم ، ثمّ يصلّي ما بعدها بإقامة إقامة(١) .

وينبغي أنْ يُعلم أنّ العلاّمة في المنتهى على ما نقل عنه قال : لو أذّن لكلّ واحدة كان أفضل ، واستدلّ بحديث : « من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته »(٢) قال : وقد كان حكم الفائتة تقديم الأذان عليها فكذا القضاء(٣) .

واعترضه بعض محققي المعاصرين سلّمه الله بأنّه يقتضي كون الأمر في حديث زرارة بما هو خلاف الأفضل(٤) ؛ وعنى سلّمه الله بخبر زرارة ما أشرنا إليه ، فإنّه تضمّن الأمر بصلاة ما بعد الأُولى بإقامة إقامة.

وقد يقال : إنّ الأمر بخلاف الأفضل لا مانع منه إذا كان في المأمور به فضل كما في كثير من النظائر ، ومنه الأمر بالتسبيحة الواحدة في الأخيرتين ، فالفائدة بيان جواز الاقتصار على المأمور به.

ولعلّ الأولى في الجواب : أنّ ما دلّ على قضاء الصلاة كما فاتت يفيد أنّ الفائتة إذا لم يتحقق فيها مقتضي سقوط الأذان ثانياً يمكن تتميم الدليل فيه كما لو فرّق القضاء ، أمّا لو جمع فالسقوط هو حكم الفائتة ، على أنّ حديث : « من فاتته فريضة » لا يخرج عن الإطلاق أو العموم ، وخبر زرارة مقيّد أو خاص ، نعم ما دلّ على سقوط الأذان ثانياً مع الجمع قد‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ٢٩١ الصلاة ب ١٢ ح ١ ، التهذيب ٣ : ١٥٨ / ٣٤٠ ، الوسائل ٤ : ٢٩٠ أبواب المواقيت ب ٦٣ ح ١.

(٢) انظر غوالي اللئالي ٢ : ٥٤ / ١٤٣.

(٣) المنتهى ١ : ٢٦٠ ، حكاه عنه في الحبل المتين : ٢٠٥.

(٤) البهائي في الحبل المتين : ٢٠٦.


يصلح للتقيد ، لكن الحال ما سمعته ، فتأمّل.

والسادس : على ما في الكتاب مجمل ، وعلى ما في التهذيب كما سمعته(١) يقتضي القضاء لجميع ما فات ، والحمل على الاستحباب كما قاله الشيخ على الإطلاق مشكل ؛ لِما تقدّم(٢) . وخبر رفاعة في التهذيب كذلك.

وأمّا السابع : فما تضمّنه من قوله : فقال بعضهم ؛ يراد به صورة ما روي ، والمعنى أنّ الرواية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام مختلفة فروى البعض كذا ، وروى البعض كذا ، والجواب كما ترى يدلّ على قضاء اليوم الذي يفيق فيه ، وحمله على الاستحباب كما قاله الشيخ واضح الإشكال ؛ لدخول الإفاقة في الوقت ولو في الجملة.

والثامن : ظاهر في أنّ الإفاقة قبل الغروب توجب فعل الصلاة لا قضاءها ، وكذلك قبل الصبح ؛ لما ذكره الشيخ من أنّه وقت المضطرّ ، فلا حاجة إلى الحمل على القضاء ؛ نعم لا بُدّ من الحمل على سعة الوقت للأداء بالنحو المقرّر في المواقيت ، ولا يخفى ما في كلام الشيخ من النظر حينئذٍ ، فليتأمّل.

ولا يبعد في بعض الأخبار حمل القضاء على الفعل كما ذكرناه في الأخير ، بل الخبر الأخير ممّا سبق ربما كان ظاهراً في هذا المعنى ، حيث قال : « إنْ أفاق قبل غروب الشمس فعليه قضاء يومه »(٣) .

وبالجملة : فالأخبار لا تخلو من اضطراب ( والحمل على الاستحباب‌

__________________

(١) راجع ص : ٣٣٣.

(٢) في ص ٣٣٤.

(٣) راجع ص ٣٢٦.


لا يخلو من إشكالٍ كما قررناه(١) )(٢) وحمل المطلق على المقيّد لا يتمّ على الإطلاق. أمّا حمل بعض الأصحاب على اختلاف حال الإغماء ، فإذا كان بسبب الإنسان فعليه القضاء ، وإلاّ فلا ، أو على إغماءٍ يزيل العقل وعدمه(٣) ؛ فمن البعد بمكان ، والله تعالى أعلم بالحال.

قوله :

باب الزيادات في شهر رمضان‌

الحسين بن سعيد ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة ، قال : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : « صلّ في ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين من رمضان في كل واحدة منهما إنْ قويت على ذلك مائة ركعة سوى الثلاث عشرة ركعة ».

علي بن الحسن بن فضّال ، عن محمّد بن خالد ، عن سيف بن عميرة ، عن إسحاق بن عمّار ، عن جابر بن عبد الله قال : إنّ أبا عبد اللهعليه‌السلام قال له : « إنّ أصحابنا هؤلاء أبَوا أنْ يزيدوا في صلاتهم في شهر رمضان ، وقد زاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في صلاته في شهر رمضان ».

عنه ، عن محمّد بن علي ، ( عن علي )(٤) بن النعمان ، عن منصور بن حازم ، عن أبي بصير ، أنّه سأل أبا عبد الله عليه‌السلام : أيزيد الرجل في الصلاة في شهر رمضان؟ فقال : « نعم إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(١) في ص ٣٣٦.

(٢) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٣) مجمع الفائدة والبرهان ٣ : ٢٠٩.

(٤) ما بين القوسين ليس في « فض ».


قد زاد في رمضان في الصلاة ».

عنه ، عن إسماعيل بن مهران ، عن الحسين بن الحسن المروزي ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن الجعفري ، أنّه سمع العبد الصالحعليه‌السلام يقول : « في ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين مائة ركعة ، [ يقرأ ](١) في كلّ ركعة قل هو الله أحد عشر مرّات ».

محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ابن عبيد ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن أبي العبّاس البقباق وعبيد ابن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يزيد في صلاته في شهر رمضان ، إذا صلّى العتمة صلّى بعدها ، يقوم الناس خلفه فيدخل ويدعهم ، ثم يخرج أيضاً فيجيؤون فيقومون خلفه فيدخل ويدعهم ، ( ثم يخرج أيضاً فيجيؤون فيقومون خلفه فيدخل ويدعهم )(٢) مراراً » قال : « وقال : لا يُصلّى بعد العتمة في غير شهر رمضان ».

علي بن حاتم ، عن حُمَيد بن زياد قال : حدّثنا عبيد الله بن أحمد النهيكي(٣) ، عن علي بن الحسن ، عن محمّد بن زياد ، عن أبي خديجة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا جاء (٤) شهر رمضان زاد في الصلاة ، وأنا أزيد فزيدوا ».

__________________

(١) ليست في النسخ ، أثبتناها من التهذيب ٣ : ٦١ / ٢١٠ ، والاستبصار ١ : ٤٦١ / ١٧٩١.

(٢) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٣) في « فض » : عبيد الله النهيكي ، في « م » : عبد الله النهيكي ، في « رض » : عبد الله الشهينكي ، وفي التهذيب ٣ : ٦٠ / ٢٠٤ : عبد الله بن أحمد النهيكي ، والصواب ما أثبتناه ؛ وهو موافق لما في الاستبصار ١ : ٤٦١ / ١٧٩٣.

(٤) في الإستبصار ١ : ٤٦١ / ١٧٣٩ : دخل.


عنه ، عن محمّد بن جعفر المؤدّب ، قال : حدّثنا محمّد بن الحسن الصفّار ، عن محمّد بن الحسين ، عن النضر بن شُعيب ، عن جميل بن صالح ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إنْ استطعت أنْ تصلّي في شهر رمضان وغيره في اليوم والليلة ألف ركعة فافعل ، فإنّ علياًعليه‌السلام كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة ».

علي بن الحسن بن فضّال ، عن إسماعيل بن مهران ، عن الحسين بن الحسن المروزي ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن محمّد ابن يحيى قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فسُئل : هل يُزاد في شهر رمضان في صلاة النوافل؟ فقال : « نعم قد كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يزيد بعد العتمة في مصلاّه فيكثر (١) وكانوا (٢) يجتمعون خلفه ليصلّوا بصلاته ، فإذا كثروا (٣) خلفه تركهم ودخل ( منزله ، فإذا تفرّق الناس عاد إلى مصلاّه فصلّى كما كان يصلّي ، فإذا كثر (٤) الناس خلفه تركهم ودخل ) (٥) وكان يصنع ذلك مراراً ».

السند :‌

في الأوّل : موثق كما تكرر القول فيه(٦) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٦٢ / ١٧٩٥ ، و « فض » : فيكبّر ، وفي « م » : فكبّر ، وفي « رض » : فيكبّروا ؛ والصحيح ما أثبتناه ، وهو موافق للتهذيب ٣ : ٦٠ / ٢٠٥ ، والوسائل ٥ : ١٧٤ أبواب نافلة شهر رمضان ب ٢ ح ٣.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٦٢ / ١٧٩٥ : وكان النّاس.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٦٢ / ١٧٨٥ وجميع النسخ : كبّروا. ، والصحيح ما أثبتناه ، وهو موافق للتهذيب ٣ : ٦٠ / ٢٠٥ ، والوسائل ٥ : ١٧٤ أبواب نافلة شهر رمضان ب ٢ ح ٣.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٦٢ / ١٧٩٥ : كبّر.

(٥) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٦) راجع ج ١ ص ١٠٨ ١١١ ، ١٦٥ ، ٣٣٢.


( والثاني : فيه )(١) علي بن الحسن ( بن فضّال ، وقد تكرّر ذكره فيما ذكرناه من المقال(٢) ، والطريق إليه فيه علي بن محمّد بن الزبير ، وقد مضى القول فيه مفصّلاً(٣) . ومحمّد بن خالد هو الطيالسي في الظاهر ؛ لأنّ علي ابن الحسن )(٤) يروي عنه على ما ذكره الشيخ في من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام (٥) ، وحال محمّد بن خالد لا يزيد على الإهمال. وأمّا سيف بن عميرة وإسحاق فتكرّر القول فيهما(٦) .

وجابر بن عبد الله الراوي عن الصادقعليه‌السلام لم أقف عليه في الرجال ، وفي فوائد شيخناقدس‌سره على الكتاب : لعلّ الصواب عن جابر أبي عبد الله ، فإنّ أبا عبد الله كنية جابر بن يزيد ، وهو من رجال الباقر والصادقعليهما‌السلام ، انتهى. ولا يخلو من وجه ، إلاّ أنّ في التهذيب عن صابر بن عبد الله في نسخة معتبرة عليها الاعتماد ، حيث قوبلت بنسخة جدّيقدس‌سره المصححة من أصل الشيخ(٧) . ( وفي الرجال صابر بن عبد الله من أصحاب الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ )(٨) لكنه مهمل(٩) .

والثالث : فيه محمّد بن علي ولا يبعد كونه ابن محبوب ، إلاّ أنّ غيره‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٢) راجع ١ ص ١٤٠ ، ج ٢ ص ١٦٠.

(٣) راجع ج ١ ص ١٣٩ ، ج ٢ ص ١٣٤.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٥) رجال الطوسي : ٤٩٣ / ١١.

(٦) راجع ج ١ ص ٢٤١ ، ٢٤٩ ، ج ٣ ص ١٠٤ ، ٢٠٣.

(٧) التهذيب ٣ : ٦٠ / ٢٠٦.

(٨) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٩) انظر رجال الطوسي : ٢٢٠ / ٣٤.


في حيّز الإمكان. وعلي بن النعمان تكرّر القول فيه(١) كمنصور بن حازم(٢) في علوّ الشأن. وأبو بصير يغني ما سبق فيه عن الإعادة(٣) .

والرابع : فيه إسماعيل بن مهران ، وهو ثقة في النجاشي(٤) ، والراوي عنه علي بن الحسن بن فضّال. أمّا الحسين بن الحسن المروزي فلم أقف عليه في الرجال. ويونس بن عبد الرحمن معلوم الحال. والجعفري ( هو سليمان بن جعفر الثقة في النجاشي(٥) والفهرست(٦) . والعبد الصالح يقال لموسى بن جعفر )(٧) عليهما‌السلام ، وهو من أصحابه.

والخامس : واضح الحال بعد ما تقدّم في محمّد بن عيسى عن يونس من المقال(٨) .

والسادس : فيه أنّ الطريق إلى علي بن حاتم مشتمل على الحسين ابن علي بن شيبان فيما وقفت عليه من النسخ ، وهو غير معلوم الحال ، ولا يبعد أنْ يكون هو ابن سفيان البزوفري الثقة فصُحّف ؛ لأنّ الراوي عنه أحمد بن عبدون في الرجال(٩) ، وفي المشيخة : الراوي عن ابن شيبان ابن عبدون(١٠) ، أمّا علي بن حاتم ففي النجاشي إنّه ثقة في نفسه يروي عن‌

__________________

(١) راجع ج ٤ ص ٢٠٩.

(٢) راجع ج ٦ ص ٥٠ ٥١.

(٣) راجع ج ١ ص ٧٢ ، ج ٢ ص ٩٠ ٢١٠ ح ٤ ص ١٦ ، ٣٩٢.

(٤) رجال النجاشي : ٢٦ / ٤٩.

(٥) رجال النجاشي : ١٨٢ / ٤٨٣.

(٦) الفهرست : ٧٨ / ٣١٨.

(٧) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٨) راجع ج ١ ص ٧٥ ٨٢ ، ج ٤ ص ٨ ١٠ ، ١٧٩ ١٨١ ، ج ٥ ص ١٣٤ ١٣٦.

(٩) الفهرست : ٥٧ / ٢٠٩ ، رجال الطوسي : ٤٦٦ / ٢٧ ، رجال النجاشي : ٦٨ / ١٦٢.

(١٠) مشيخة التهذيب ١٠ : ٨١.


الضعفاء(١) . وحميد بن زياد تقدّم القول فيه(٢) كعلي بن حاتم(٣) ، وإنّما أعدناه لما ذكرناه.

وممّا يؤيد كون السابق ابن سفيان أنّ في الطريق إلى حميد : ابن سفيان ، ولا بعد في روايته عنه بواسطة علي بن حاتم على تقديره.

وأمّا النَّهيكي فهو ثقة في النجاشي(٤) . وعلي بن الحسن لا يبعد كونه الطاطري ؛ لروايته عن محمّد بن زياد بكثرة ، واحتمال غيره ممكن. ومحمّد بن زياد قد قدّمنا احتمال كونه ابن أبي عمير(٥) ، وفي المقام قد يؤيده رواية ابن نَهيك عن ابن أبي عمير في الرجال(٦) ، والواسطة لا تضرّ بالحال ، إلاّ أنّ باب الاحتمال واسع.

وأبو خديجة يقال لسالم ابن مُكرَم ، وهو ثقة في النجاشي(٧) ، والشيخ اضطرب قوله فيه(٨) . ولا يخفى حقيقة الأمر على من راجع الرجال ؛ ويقال لغيره أيضاً ، والأمر سهل هنا.

والسابع : فيه محمّد بن جعفر المؤدّب ، والظاهر أنّه ابن بطة ؛ لما يأتي التصريح به في هذا الباب ، وفيه كلام يأتي(٩) ؛ ويقال لغيره في الرجال‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٦٣ / ٦٨٨.

(٢) راجع ج ٣ ص ٣٤٢ ٣٤٤ ، ٤٣٩.

(٣) راجع ج ٥ ص ٢٥ ٢٧.

(٤) رجال النجاشي : ٢٣٢ / ٦١٥.

(٥) في ص : ٢٣٨.

(٦) انظر رجال النجاشي : ٣٢٦ / ٨٨٧ ، الفهرست : ١٤٢ / ٦٠٧.

(٧) رجال النجاشي : ١٨٨ / ٥٠١.

(٨) الفهرست : ٧٩ / ٣٢٧ ، رجال الطوسي : ٢٠٩ / ١١٦ و ١٢٥ / ٢٤.

(٩) انظر ص : ٣٦٠.


أيضاً(١) ، وحاله لا يزيد على أنّه حسن العلم بالعربية والحديث. والنضر بن شعيب مجهول الحال ؛ إذ لم نقف عليه في الرجال ، وتوهّم أنّه ابن سويد لا التفات إليه.

وبقية الرجال لا ارتياب في شأنهم ، سوى أنّ جميل بن صالح قال النجاشي : إنّه ثقة وجه روى عن أبي عبد الله ( وأبي الحسنعليهما‌السلام )(٢) ذكره أبو العبّاس(٣) . وقد كرّرنا القول في مثل هذا من احتمال أبي العبّاس لابن عقدة ، وظهور احتمال رجوع الذكر للرواية عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهما‌السلام لا للتوثيق(٤) ؛ والشيخ لم يوثقه(٥) ، والعلاّمة في الخلاصة قال كالنجاشي(٦) ، فليتأمّل.

والثامن : معلوم ممّا تقدّم في رجاله(٧) ، سوى محمّد بن يحيى ، وهو مشترك بين الخزّاز الثقة وغيره(٨) .

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على صلاة مائة ركعة في الليلتين سوى الثلاث عشرة المراد بها صلاة الليل مع ركعتي الفجر ، ( لما يأتي(٩)

__________________

(١) انظر رجال النجاشي : ٣٧٣ / ١٠٢٠ و ٣٧٦ / ١٠٢٥ ، هداية المحدثين : ٢٣١.

(٢) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٣) رجال النجاشي : ١٢٧ / ٣٢٩.

(٤) راجع ج ١ ص ٨٤ ، ٢٢١ ، وص ٣٢٧ من هذا الجزء.

(٥) رجال الطوسي : ١٦٣ / ٤٠ ، الفهرست : ٤٤ / ١٤٤.

(٦) انظر خلاصة العلاّمة : ٣٤ / ٢.

(٧) راجع ص ٣٤١.

(٨) انظر هداية المحدثين : ٢٥٨.

(٩) في ص ٣٤٦ ، ٣٥٤.


مفصّلاً )(١) ، وربما كان في تخصيصها من دون ذكر نوافل المغرب والوتيرة دلالة على كونها بعد العشاء والوتيرة ، والمذكور في كلام بعض جعل الوتيرة آخر ما يصلّيه الإنسان(٢) .

وأمّا ما تضمّنه خبر سماعة الآتي(٣) من فعل الثلاثين في العشر الأخيرة كلّ ليلة قد ينافي هذا الخبر ، من حيث إنّ ما بعد العشاء من الثلاثين لا يوافقه قوله هنا : « مائة سوى الثلاث عشرة » إذ الظاهر حينئذٍ سوى الثلاث عشرة مع غيرها من الموظّف بعد العشاء ، ولا يبعد أنْ يوجّه بأنّ المائة بعد الموظّف على نحو ما قلناه في الوتيرة ، وعلى هذا لا مانع من فعل الوتيرة بعد الموظّف لا بعد الجميع على تقدير ثبوت تأخيرها عن الموظّف أيضاً ، لكن الآن لم أقف على دليله إلاّ مما سيأتي على احتمال(٤) .

فإنْ قلت : ظاهر الخبر المبحوث عنه انتفاء غير المائة في الليلتين ، فما وجه ما ذكرته؟.

قلت : الظاهر ما ذكرت ، لكن ما قلناه على تقدير ثبوت الزائد ، وستسمع القول في ذلك إن شاء الله(٥) .

والثاني : فيه إطلاق الزيادة ، وسيأتي ما هو مقيّد في الجملة فيمكن حمل المطلق على المقيّد.

والثالث : كذلك.

والرابع : واضح الدلالة على المائتين في الليلتين بالقراءة المذكورة ،

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٢) انظر المبسوط ١ : ٧٦ و ١٣٣ ، والنهاية : ٦٠ و ١١٩.

(٣) في ص ٣٤٦.

(٤) في ص ٣٥٣.

(٥) في ص ٣٥٤.


أمّا دلالته على وقتهما فمجملة ، وتفصيلها من غيرها.

والخامس : فيه دلالة على الزيادة في الجملة ، لكن النهي عن الصلاة بعد العتمة في غير شهر رمضان يحتمل أنْ يراد به الموظّف فيه ، أمّا إرادة مطلق الصلاة فلا أظنّ قائلاً بها فيما عدا الوتيرة.

والسادس : في الإجمال كغيره.

أمّا السابع : فظاهر الدلالة على ما يغاير المعروف ، ولعلّ مراد الشيخ به الدلالة على مشروعية زيادة الصلاة في شهر رمضان ، لكن ذكر غيره لا يوافق ما ذكرناه.

والثامن : له دلالة على الزيادة في الجملة.

قوله :

عنه ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : كان ممّا (١) يصنع في شهر رمضان كان يتنفّل في كلّ ليلة ( ويزيد على صلاته التي كان يصلّيها قبل ذلك منذ أوّل ليلة إلى تمام عشرين ليلة ، في كلّ ليلة عشرين ركعة ، ثمان ركعات منها بعد المغرب ، واثنتي عشرة ركعة في كلّ ليلة (٢) )(٣) بعد العشاء الآخرة ، ويصلّي في العشر الأواخر في كلّ ليلة ثلاثين ركعة ، اثنتي عشرة ركعة منها بعد المغرب وثماني عشرة ركعة بعد العشاء الآخرة ويدعو ويجتهد اجتهاداً شديداً ، وكان يصلّي في ليلة إحدى وعشرين‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٦٢ / ١٧٩٦ : ممّا كان.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٦٢ / ١٧٩٦ لا يوجد : ركعة في كلّ ليلة.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


مائة ركعة ، ويصلّي في ليلة ثلاث وعشرين مائة ركعة ويجتهد فيهما.

الحسين بن سعيد ، عن ( الحسن )(١) عن زرعة ، عن سماعة بن مهران ، قال : سألته عن رمضان كم يُصلّى فيه؟ فقال : « كما يُصلّى في غيره ، إلاّ أنّ لرمضان على سائر الشهور من الفضل ما ينبغي للعبد أنْ يزيد في تطوعه ، فإنْ أحبّ وقوي على ذلك أنْ يزيد في أوّل ليلة من الشهر إلى عشرين ليلة ، كلّ ليلة عشرين ركعة سوى ما كان يصلّي قبل ذلك من هذه العشرين ، اثنتي عشرة ركعة بين المغرب والعتمة ، وثماني ركعات بعد العتمة ، ثم يصلّي صلاة الليل التي كان يصلّي قبل ذلك ، ثماني ركعات والوتر ثلاث ركعات ، ركعتين يسلّم فيهما ، ثم يقوم فيصلّي واحدة يقنت فيها فهذا الوتر ، ثم يصلّي ركعتي الفجر حين ينشقّ الفجر ، وهذه ثلاث عشرة ركعة ، فإذا بقي من رمضان عشر ليالٍ فليصلّ ثلاثين ركعة في كلّ ليلة سوى هذه الثلاث عشرة ركعة ، يصلّي بين المغرب والعشاء اثنتين وعشرين ركعة ، وثماني ركعات بعد العتمة ، ثم يصلّي بعد صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة كما وصفت ، وفي ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين يصلّي في كلّ واحدة منهما إذا قوي على ذلك مائة ركعة سوى هذه الثلاث عشرة ركعة(٢) ، وليسهر فيهما حتى يصبح ، فإنّ ذلك يستحب أنْ يكون في صلاةٍ ودعاءٍ وتضرّع ، فإنّه يُرجى أنْ تكون ليلة القدر في إحداهما ».

الحسين بن سعيد ، عن القاسم ، عن علي بن أبي حمزة ، قال : دخلنا على أبي عبد اللهعليه‌السلام فقال له أبو بصير : ما تقول في الصلاة في‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) ليست في النسخ ، أثبتناها من التهذيب ٣ : ٦٣ / ٢١٤ ، والاستبصار ١ : ٤٦٢ / ١٧٩٧.


رمضان؟ ( فقال : « إنّ لرمضان لحرمةً وحقّاً لا يشبهه شي‌ء من الشهور ، صلّ ما استطعت في رمضان )(١) تطوّعاً بالليل والنهار ، وإنْ استطعت في كلّ يوم ألف ركعة فصلّ ، إنّ علياًعليه‌السلام كان في آخر عمره(٢) يصلّي في كلّ يوم وليلة ألف ركعة ، ( وصلّ يا أبا محمّد زيادة(٣) رمضان » فقال : كم جعلت فداك؟ فقال : « في عشرين ليلة )(٤) تمضي في كلّ ليلة عشرين ركعة ، ثماني ركعات قبل العتمة ، واثنتي عشرة بعدها سوى ما كنت تصلّي قبل ذلك ، فإذا دخل العشر الأواخر فصلّ ثلاثين ركعة كلّ ليلة ، ثماني ركعات قبل العتمة واثنتين وعشرين بعد العتمة سوى ما كنت تصلّي(٥) قبل ذلك ».

محمّد بن يعقوب ، عن علي بن محمّد ، عن محمّد بن أحمد بن مطهّر(٦) ، أنّه كتب إلى أبي محمّد عليه‌السلام يخبره بما جاءت الرواية أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ما كان يصلّي في شهر رمضان وغيره من الليالي سوى ثلاث عشرة ركعة ، منها الوتر وركعتي الفجر ، فكتب : « فضّ الله فاه ، صلّى (٧) في شهر رمضان في عشرين ليلة ، كلّ ليلة عشرين ركعة ، ثماني بعد المغرب ، واثنتي عشرة ركعة بعد العشاء الآخرة ، واغتسل ليلة سبع عشرة ، وليلة تسع عشرة ، وليلة إحدى وعشرين ، وليلة ثلاث‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) في « رض » : عشرة.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٦٣ / ١٧٩٨ زيادة : في.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٦٣ / ١٧٩٨ : تفعل.

(٦) في « رض » : عن أحمد بن محمّد بن مطهّر.

(٧) في الاستبصار ١ : ٤٦٣ / ١٧٩٩ : صلّ.


وعشرين (١) وصلّى (٢) فيهما مائة ركعة ، يقرأ في كلّ ركعة فاتحة الكتاب مرّة وقل هو الله أحد عشر مرّات ، وصلّ (٣) إلى آخر الشهر كلّ ليلة ثلاثين ركعة على ما فسّرت ».

السند :‌

في الأوّل : فيه مع ما تقدّم هارون بن مسلم وهو ثقة ، إلاّ أنّ له مذهباً في الجبر والتشبيه ، وقد قدّمنا أنّ معنى هذا غير واضح(٤) ؛ إذ يحتمل القدح في عقيدته ، ويحتمل عدمه على بعد ، بأنْ يراد المذهب في نفيهما على وجهٍ خاص. ومسعدة بن صدقة حاله لا يزيد على الإهمال في النجاشي(٥) .

والثاني : موثق ، ولا يبعد اتحاده مع الخبر المذكور في أوّل [ الباب](٦) على أنْ يكون ملخّصاً من هذا ؛ لأنّ الصدوق قال في الفقيه : وممّن روى الزيادة في التطوّع في شهر رمضان زرعة ، عن سماعة ، وهما واقفيان ، قال : سألته ، إلى آخره. ثم قال الصدوق : إنّما أوردت هذا الخبر في هذا الباب مع عدولي عنه وتركي لاستعماله ، ليعلم الناظر في كتابي كيف‌

__________________

(١) في التهذيب ٣ : ٦٨ / ٢٢٢ ، والاستبصار ١ : ٤٦٣ / ١٧٩٩ يوجد : وصلّ فيهما ثلاثين ركعة ، اثنتي عشرة ركعة بعد المغرب ، وثمان شعرة ركعة بعد العشاء الآخرة.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٦٣ / ١٧٩٩ : وصلّ.

(٣) في « رض » و « م » : صلّى ، والصحيح ما أثبتناه كما سيجي‌ء التصريح به منهرحمه‌الله في ص : ٣٥٤.

(٤) راجع ج ١ ص ٣٣٥ ، ج ٣ ص ٤٣٥.

(٥) رجال النجاشي : ٤١٥ / ١١٠٨.

(٦) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : الكتاب ، والظاهر ما أثبتناه.


يروي ومن رواه ، وليعلم من اعتقادي فيه أني لا أرى بأساً باستعماله(١) ، انتهى.

وقد ذكرت في معاهد التنبيه ما لا بُدّ منه في المقام ، والحاصل أنّه ينبغي أنْ يُعلم أنّ ذكر الوقف من الصدوق قد يُستغرب في الظاهر ؛ لأنّ الأخبار المودعة في الفقيه أكثرها عن سماعة وزرعة ، فإنْ كان اعتماده كما هو الظاهر منه ومن المتقدمين على القرائن المقتضية لصحّة الخبر ، فلا وجه لذكر الوقف ، بل لو فرض عدم الوقف ولم ينضمّ إلى الخبر ما يوجب صحّته فهو مردود. وإنْ كان اعتماده على الأسانيد وصحّتها على اصطلاح المتأخرين فالموجود بخلاف ذلك ، كما يعلم من مراجعة الكتاب وأسانيده.

ثم إنّ الشيخ المعلوم منه في الكتابين اعتماده على القرائن في العمل بالخبر ، وقد أورد هذه الرواية مع غيرها ، فإنْ لم يكن على ذلك من القرائن ما يوجب الصحّة خالف طريقته ، وإنْ وجدت نافى قول الصدوق.

والذي يخطر في البال أنّ القرائن التي اعتمد عليها الشيخ لم يكتف بها الصدوق أو لم تحصل له ؛ إذ مرجعها إلى الوجدان ، ولا مانع من حصولها لبعضٍ دون بعض ، غاية الأمر استبعاد حصول القرائن للمتأخر مثل الشيخ ولم تحصل للمتقدم كالصدوق.

ثم إنّ ذكر الوقف في الفقيه كأنّ الوجه فيه بيان الاحتياج إلى زيادة القرائن ، بخلاف ما إذا كان الرجل خالياً من الوقف ( وشبهه )(٢) فإنّ القرائن المطلوبة حينئذٍ تكثر ، وقد نبّهنا على هذا في أوّل الكتاب(٣) وغيره.

__________________

(١) الفقيه ٢ : ٨٨ / ٣٩٧.

(٢) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٣) في ص : ٣٣.


فإنْ قلت : قد ذكر الصدوق ما ينافي ما ذكرت وغير ما قدّمته في أوّل الكتاب ، وهو أنّه في كتاب الحج في باب الطواف ذكر حديثين ، أحدهما متّصل والآخر مرسل ، ثم قال : إنّ الثاني لا أعمل به ؛ لأنه مرسل(١) . ولو كان التفاته إلى القرائن لما توجّه الردّ بالإرسال والقبول بعدمه.

قلت : والجواب عن هذا يعلم ممّا ذكرناه ؛ لأنّ التنبيه على إرساله كذكر الوقف في سماعه ونحوه من إرادة زيادة القرائن. ومن هنا يتّضح المعنى الذي ذكرناه في قولهم : فلان أجمع على تصحيح ما يصحّ عنه ، من دون الاكتفاء بتوثيقه ، كما أسلفناه مفصّلاً(٢) .

وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ ظاهر اقتصار الصدوق على الرواية المذكورة يشعر باتحادها مع الاولى ، وإنْ أمكن أنْ يقال : إنّ التعدد مع اتحاد الراوي اقتضى اقتصار الصدوق على أحدهما.

[والثالث:] (٣) فيه القاسم ، وهو ابن محمّد الجوهري ، وقد تكرّر القول في حقيقته(٤) ، كعلي بن أبي حمزة(٥) . وفي الخبر دلالة على أنّ أبا بصير يقال له أيضاً : أبو محمّد ، كما يفهم من الكشّي(٦) ، فيندفع احتمال السهو في الكنية ، لكن رواية ابن أبي حمزة عن أبي بصير قرينة على أنّه المطعون فيه في معتبر الأخبار كما قدّمناه ، فيفيد الخبر الكنية الأُخرى للمطعون فيه فقط ، فليتأمّل.

__________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٤١ / ١١٥٣ ١١٥٥.

(٢) راجع ج ١ ص ٥٩ ٦٢.

(٣) في النسخ : الثاني ، والصحيح ما أثبتناه.

(٤) راجع ج ١ ص ١٧٣٠ ، ٢٧٠ ، ج ٢ ص ١١٦ ، ١٩٩ ، ج ٣ ص ١٠٧ ، ٢٥٦.

(٥) راجع ج ١ ص ١٧٣ ، ٢٥٠ ، ج ٢ ص ١١٧.

(٦) رجال الكشي ١ : ٤٠٤ / ٢٩٦.


[ والرابع (١) ] : علي بن محمّد فيه علاّن الثقة. أمّا محمّد بن أحمد بن مطهّر(٢) فهو مهمل في رجال الهادي والعسكريعليهما‌السلام من كتاب الشيخ(٣) ، وفي الفقيه في باب دفع الحج إلى من يخرج فيها روى عن سعد بن عبد الله ، عن موسى بن الحسن ، عن أبي علي أحمد بن محمّد بن مطهّر ، قال : كتبت إلى أبي محمّدعليه‌السلام ، الحديث(٤) . وهنا كما ترى تضمّن الكتابة إلى أبي محمّدعليه‌السلام أيضاً والراوي عنه علي بن محمّد.

وفي مشيخة الفقيه : وما كان فيه عن أحمد بن محمّد بن مطهّر صاحب أبي محمّدعليه‌السلام فقد رويته عن أبي ومحمّد بن الحسن ، عن سعد ابن عبد الله وعبد الله بن جعفر جميعاً ، عن أحمد بن محمّد بن مطهّر(٥) .

وقد يظنّ أنّ ما في رجال الشيخ من محمّد بن أحمد موهوم ، وإنّما هو أحمد بن محمّد ، لكن وجود السند يؤيد صحّته ، إلاّ أنْ يكون السهو وقع من السند فأثبته الشيخ في الرجال محمّد بن أحمد ، واحتمال المغايرة ليكونا رجلين يدفعه الاتفاق في أصل الفقيه والمشيخة ، لكن قد يتعجب من كون السند في الفقيه رواية سعد بواسطة موسى بن الحسن وفي المشيخة بدونه ؛ ويدفعه عدم المانع من رواية سعد بواسطةٍ تارةً وبدونها اخرى ، على أنّ الذي يقتضيه النظر أنّ الصدوق في المشيخة ذكر الطريق إلى ما رواه عن أحمد بن محمّد بن مطهر في الكتاب ابتداءً ، والسند الذي نقلناه في كتاب الحج أتى به عن سعد تامّاً ، لبيان المغايرة للسند الذي في‌

__________________

(١) في النسخ : الثالث ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) في « رض » : أحمد بن محمّد بن مطهّر.

(٣) رجال الطوسي : ٤٢٢ / ١٣ ، ٤٣٥ / ١.

(٤) الفقيه ٢ : ٢٦٠ / ١٢٦٦.

(٥) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ١١٩.


المشيخة ، هذا.

وممّا يؤيد الاتحاد رواية علي بن محمّد وسعد عنه ، وكونه صاحب أبي محمّدعليه‌السلام ، إلاّ أنّ الشيخ ( في التهذيب )(١) روى عن علي بن حاتم ، عن علي بن سليمان ، قال : حدثنا علي بن أبي خليس ، قال : حدّثني أحمد ابن محمّد بن مطهّر ، قال : كتبت إلى أبي محمّدعليه‌السلام أنّ رجلاً روى عن آبائك ، إلى آخره(٢) . ثم روى عن محمّد بن يعقوب الرواية التي هنا عن محمّد بن أحمد(٣) بن مطهّر(٤) .

وهذا ربما يقتضي المغايرة ؛ لأنّ رواية أحمد بن محمّد بن مطهّر الاولى بعيدة المرتبة عن اتحاده مع محمّد بن أحمد بن مطهّر في الثانية الراوي [ عنه](٥) علي بن محمّد علاّن ، لكن لا يخفى أنّ الرواية عن أبي محمّدعليه‌السلام يؤيد الاتحاد ، والوسائط الكثيرة لا تضرّ بالحال مع قرب المرتبة ؛ لأنّ رجال الاولى قريبو المرتبة ، إلاّ علي بن أبي خليس ، فإنّه ليس فيما وقفت عليه في الرجال ، غير أنّ رواية علي بن سليمان عنه يدلّ على قرب مرتبته ؛ لأنّ علي بن سليمان هو ابن الجهم المذكور أنّ له اتصالاً بصاحب الأمرعليه‌السلام ، لرواية علي بن حاتم عنه ، وحينئذٍ فعلي بن أبي خليس في المرتبة.

وبالجملة : فالأمر لا يخلو من غرابة ، وإنّما أوضحت القول فيه مع عدم اعتبار الرجل المبحوث عنه ، لفائدة التنبيه لمثل هذا في الرجال.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٢) التهذيب ٣ : ٦٨ / ٢٢١.

(٣) في « رض » : أحمد بن محمّد.

(٤) التهذيب ٣ : ٦٨ / ٢٢٢.

(٥) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.


وما تضمّنه الخبر من الدعاء باللفظ المخصوص يشعر بالذم إنْ عاد الضمير إليه ، وإنْ عاد إلى من روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فلا ذمّ بالنسبة إلى محمّد.

المتن :

في الأوّل : يدلّ على فعل الثمان بعد المغرب ، والباقي بعد العشاء ، واحتمال استفادة تأخير الوتيرة عن الزائدة لقوله : بعد العشاء ، محلّ تأمّل ؛ لأنّ الخبر تضمن بعد المغرب وبعد العشاء ، وسيأتي في خبرٍ آخر ما يقتضي التفصيل وأنّ فعل الزائدة بعد النافلتين. ثم إنّ الظاهر من المغرب والعشاء فعل الصلاتين سواء وقعتا في أوّله أو آخره.

وما تضمنه من كيفية فعل الثلاثين واضح بعد الكلام الأوّل ، أمّا فعل المائتين في الليلتين فالظاهر أنّه بعد الثلاثين بترتيبها ، واحتمال غيره بعيد.

والثاني : كما ترى تضمن عكس الأوّل في فعل العشرين ، فالتخيير في الجمع بينهما واضح الوجه. وأمّا الثلاثون في العشر الأخيرة فالخبر الأوّل تضمن فعل اثنتي عشرة بعد المغرب والباقي بعد العشاء ، وهذا الخبر تضمن خلاف ذلك ، والتخيير أيضاً طريق الجمع.

وما تضمنه من أنّ الوتر ثلاث يدفع ما ظنّه الشيخرحمه‌الله في بعض كتبه من أنّه اسم للواحدة(١) . وفيه أيضاً دلالة على القنوت في المفردة فقط ، كما يدلّ عليه معتبر بعض الأخبار في التهذيب(٢) ، وقد مضى القول فيه(٣) .

__________________

(١) انظر الخلاف ١ : ٥٣٦ ، المبسوط ١ : ٧١ ، الاقتصاد : ٢٥٦.

(٢) التهذيب ٣ : ٦٣ / ٢١٤.

(٣) في ص : ١٧٣٩.


أمّا دلالته على بقاء(١) ركعتي الفجر إلى أن ينشق الفجر فلها ظهور ، واحتمال إرادة الفجر الأوّل بعيد. وما تضمنه من قوله : « مائة ركعة سوى هذه الثلاث عشرة » قد قدّمنا فيه القول في الخبر الأوّل في أوّل الباب(٢) فلا ينبغي الغفلة عنه.

والثالث : يدل على أنّ صلاة كلّ يوم وليلة ألف ركعة في شهر رمضان مرغب فيها. واحتمال إرادة كل يوم وليلة من شهر رمضان وغيره بعيد عن ظاهر الخبر ، لكن فيما تقدم ما يدل على ذلك. وما تضمنه في كيفية فعل الثلاثين يقتضي أنّ التخيير فيها على ثلاث مراتب ، أوّلها : فعل اثنتي عشرة بعد المغرب وثماني عشرة بعد العشاء ، وثانيها : فعل اثنتين وعشرين بعد المغرب وثماني ركعات بعد العشاء ، وثالثها : فعل ثماني ركعات بعد المغرب واثنتين وعشرين بعد العشاء كما لا يخفى ، والأمر سهل إذا ثبت الأصل.

والرابع : كما ترى بلفظ « صلّى » في النسخة التي نقلت منها ، والظاهر منه العود إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي نسخة « صلّ » بالأمر ، وعلى النسخة الأُولى « اغتسل » على صيغة الماضي ، وعلى الثانية أمر ، ولفظ « صلّى » الثانية كالأُولى ، وأمّا الثالثة فالنسخ متّفقة على الأمر ولعلّه قرينة على الجميع.

ثم الضمير في قوله : « وصلّ فيهما » يعود إلى ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين لما تقدم في خبر الجعفري(٣) .

__________________

(١) في « فض » زيادة : وقت.

(٢) في ص : ٣٤٣.

(٣) راجع ص : ٣٣٨.


اللغة :

قال في القاموس : الفضّ الكسر بالتفرقة(١) .

قوله :

علي بن حاتم ، عن الحسن بن علي ، عن أبيه قال : كتب رجل إلى أبي جعفرعليه‌السلام يسأله عن صلاة نوافل شهر رمضان وعن الزيادة فيها ، فكتبعليه‌السلام (٢) كتاباً قرأته بخطه : « صلّ في أوّل(٣) شهر رمضان في عشرين ليلة عشرين ركعة ، صلّ منها ما بين المغرب والعتمة ثماني ركعات وبعد العشاء اثنتي عشرة ركعة ، وفي العشر الأواخر ثمان ركعات بين المغرب والعتمة ، واثنتين وعشرين ركعة بعد العتمة ، إلاّ في ليلة إحدى وعشرين ( وثلاث وعشرين )(٤) فإنّ المائة تجزئك إن شاء الله ، وذلك سوى الخمسين ، وأكثر من قراءة إنّا أنزلناه ».

عنه ، عن أحمد بن علي ، قال حدّثني محمّد بن أبي الصهبان ، عن محمّد بن سليمان قال : إنّ عدة من أصحابنا أجمعوا على هذا الحديث ، منهم يونس بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله ؛ وصباح الحذّاء عن إسحاق بن عمّار ، عن أبي الحسن ؛ وسماعة بن مهران ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال محمّد بن سليمان :

__________________

(١) القاموس المحيط ٢ : ٣٥٢.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٦٤ / ١٨٠٠ زيادة : إليه.

(٣) في « رض » : أوائل.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


وسألت الرضا عليه‌السلام عن هذا الحديث فأخبرني به ، وقال هؤلاء : ( سألناه جميعاً ) (١) عن الصلاة في شهر رمضان كيف هي وكيف فعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقالوا جميعاً : « إنّه لمّا دخلت أوّل ليلة من شهر رمضان صلّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المغرب ، ثم صلّى أربع ركعات التي كان يصلّيهن (٢) في كلّ ليلة ، ثم صلّى ثماني ركعات ، فلمّا صلّى العشاء الآخرة وصلّى الركعتين اللتين كان يصلّيهما بعد العشاء الآخرة وهو جالس في كلّ ليلة (٣) ، فصلّى اثنتي عشرة ركعة ، ثمّ دخل بيته ، فلمّا رأى ذلك الناس ونظروا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد زاد في الصلاة حين دخل شهر رمضان سألوه عن ذلك فأخبرهم أنّ هذه الصلاة صلّيتها لفضل شهر رمضان على الشهور ، فلمّا كان من الليل قام يصلّي فاصطفّ الناس خلفه ، فانصرف إليهم فقال : أيّها الناس ، إنّ هذه الصلاة نافلة ، ولن يجمع (٤) للنافلة ، فليصلّ كل رجل منكم وحده وليقل ما علّمه [ الله ] (٥) من كتابه ، واعلموا أنّه لا جماعة في نافلة ، فافترق الناس وصلّى كل واحد منهم على حياله لنفسه ، فلمّا كان في ليلة تسع عشرة من شهر رمضان اغتسل حين غابت الشمس ، وصلّى المغرب بغسل ، فلما صلّى المغرب وصلى أربع ركعات التي كان يصلّيها فيما مضى في كل ليلة بعد المغرب دخل إلى بيته ، فلمّا أقام‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في التهذيب ٣ : ٦٤ / ٢١٧ ، والاستبصار ١ : ٤٦٤ / ١٨٠١ : جميعاً سألنا ؛ ولعلّه هو الأنسب.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٦٤ / ١٨٠١ زيادة : بعد المغرب.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٦٤ / ١٨٠١ زيادة : قام.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٦٤ / ١٨٠١ : يجتمع.

(٥) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.


بلال لصلاة العشاء الآخرة خرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فصلّى بالناس ، فلما صلّى ( الركعتين )(١) وهو جالس كما كان يصلّي كل ليلة ، ثم قام فصلّى مائة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد عشر مرّات ، فلمّا فرغ من ذلك صلّى صلاته التي كان يصلّي(٢) كل ليلة في آخر الليل ، فلمّا كانت(٣) ليلة عشرين في شهر رمضان فعل ما(٤) كان يفعل قبل ذلك من الليالي في شهر رمضان ، فصلى ثماني ركعات بعد المغرب واثنتي عشرة ركعة بعد العشاء الآخرة ، فلمّا كانت ليلة إحدى وعشرين اغتسل حين غابت الشمس وصلّى فيها مثل ما فعله في ليلة تسع عشرة ، فلمّا كان في ليلة اثنتين وعشرين زاد في صلاته فصلّى ثماني ركعات بعد المغرب واثنتين وعشرين ركعة بعد العشاء الآخرة ، فلمّا كانت ليلة ثلاث وعشرين اغتسل أيضاً كما اغتسل في(٥) ليلة إحدى وعشرين ثم فعل مثل ذلك » قالوا : فسألوه عن صلاة الخمسين ما حالها في شهر رمضان؟ فقال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي هذه الصلاة ويصلّي صلاة الخمسين على ما كان يصلّي في غير شهر رمضان ولا ينقص منها شيئاً ».

علي بن حاتم ، عن محمّد بن جعفر(٦) بن بطة القمي ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن سنان ، عن المفضل بن عمر ، عن‌

__________________

(١) في الإستبصار ١ : ٤٦٤ / ١٨٠١ ركعتين.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٦٤ / ١٨٠١ زيادة : في.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٦٤ / ١٨٠١ : كان.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٦٤ / ١٨٠١ : كما.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٦٤ / ١٨٠١ زيادة : ليلة تسع عشرة وكما اغتسل في.

(٦) في الاستبصار ١ : ٤٦٦ / ١٨٠٢ زيادة : عن أحمد.


أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال : « يصلّى في شهر رمضان زيادة ألف ركعة » قال : قلت : ومن يقدر على ذلك؟ قال : « ليس حيث تذهب ، أليس تصلّي في شهر رمضان زيادة ألف ركعة ، في تسع عشرة منه في كل ليلة عشرين ركعة ، وفي ليلة تسع عشرة مائة ركعة ، وفي ليلة إحدى وعشرين مائة ركعة ، وفي ليلة ثلاث وعشرين مائة ركعة ، وتصلّي في ثمان ليال منه في العشر الأواخر ثلاثين ركعة ، فهذه تسعمائة وعشرون ركعة » قال : قلت : جعلني الله فداك فرّجت عنّي لقد كان ضاق بي الأمر ، فلمّا أتيت بالتفسير فرّجت عنّي فكيف تمام ألف ركعة؟ قال : « تصلّي في كل يوم جمعة في شهر رمضان أربع ركعات لأمير المؤمنينعليه‌السلام وتصلّي ركعتين لابنة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتصلّي بعد الركعتين أربع ركعات لجعفر الطيار ، وتصلّي ليلة الجمعة في العشر الأواخر لأمير المؤمنينعليه‌السلام عشرين ركعة ، وتصلّي في عشية الجمعة ليلة السبت عشرين ركعة لابنة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم(١) اسمع وعه وعلّم ثقات إخوانك(٢) » وساق الحديث.

إبراهيم بن(٣) إسحاق الأحمري النهاوندي ، عن محمّد بن الحسين وعمرو بن عثمان ومحمّد بن خالد وعبد الله بن الصلت ومحمّد ابن عيسى وجماعة أيضاً عن محمّد بن سنان قال : قال الرضا عليه‌السلام : « كان أبي يزيد في العشر الأواخر في شهر رمضان في كل ليلة عشرين ركعة ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٦٦ / ١٨٠٢ زيادة : قال.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٦٦ / ١٨٠٢ زيادة : المؤمنين.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٦٦ / ١٨٠٣ زيادة : أبي.


السند :‌

في الأوّل : فيه الحسن بن علي ، وهو غير معلوم لاشتراكه(١) ، وفي كلام بعض المتأخرين : إنّه ابن يقطين ؛ لرواية علي بن حاتم عنه في النجاشي(٢) . والذي وقفت عليه في النجاشي روايته عنه بوسائط(٣) .

والثاني : فيه أحمد بن علي وهو الفائدي(٤) الثقة ؛ لرواية علي بن حاتم عنه في الرجال(٥) . ومحمّد بن سليمان لا يبعد كونه الديلمي الضعيف.

ثم إنّ ما تضمّنه السند من قوله : قال ، الظاهر أنّ القائل محمّد بن سليمان والحاكي محمّد بن أبي الصهبان ، والإشارة بهذا الحديث في الظاهر لما يأتي من المتن ، واحتمال العود لما مضى بعيد ، لكن المذكور تضمّن طرقاً ، فالأول : عن يونس بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام . والثاني : عن صباح الحذّاء ، عن إسحاق بن عمار ، ( عن أبي الحسنعليه‌السلام )(٦) والثالث : سماعة بن مهران ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .

ثمّ إنّ محمّد بن سليمان روى الحديث عن الرضاعليه‌السلام وقوله : فقال هؤلاء جميعاً : سألناه ؛ يقتضي العود إلى الرضاعليه‌السلام ، والحال أنّ ما تقدم‌

__________________

(١) هداية المحدثين : ١٩٠.

(٢) انظر مجمع الفائدة والبرهان ٣ : ٢٤.

(٣) رجال النجاشي : ٤٥ / ٩١.

(٤) في « رض » : العائدي.

(٥) رجال النجاشي : ٩٥ / ٢٣٧.

(٦) ما بين القوسين ساقط عن « رض » وبدله في « فض » و « م » : عن الحسن ، والصواب ما أثبتناه.


يفيد كونه عن أبي عبد الله في البعض. وعبد الله بن سنان لم يذكر في أصحاب الرضاعليه‌السلام ليكون سألهعليه‌السلام أيضاً ، وكذلك إسحاق بن عمار ، لم يذكر في أصحاب الرضاعليه‌السلام ، وسماعة بن مهران كذلك. وعلى هذا فيمكن عود الضمير في « سألناه » إلى كلّ إمام ، وفيه ما لا يخفى.

والثالث : فيه محمّد بن جعفر بن بطة ، وقد قدّمنا احتماله(١) سابقاً بقرينة : ذكره هنا ، وقد ذكر النجاشي أنّه كان كبير المنزلة بقم ، كثير الأدب والعلم والفضل ، يتساهل في الحديث. ونقل عن ابن الوليد أنّه قال : كان محمّد بن جعفر ضعيفاً مخلطاً(٢) . وأمّا محمّد بن الحسين ، فالظاهر أنّه ابن أبي الخطاب لروايته عن ابن سنان في الرجال(٣) . وأمّا المفضل بن عمر ، فهو ضعيف.

والرابع : فيه إبراهيم بن إسحاق ، وهو ضعيف أيضاً. ومحمّد بن سنان معلوم الحال ، ( ولا حاجة حينئذٍ إلى النظر )(٤) في طريق الشيخ إلى إبراهيم في المشيخة وغيرها.

المتن :

في الأوّل : واضح الدلالة ، وهو صريح في الاكتفاء بالمائتين في الليلتين ، والخمسون المذكورة فيه يراد بها الفرائض والنوافل المرتبة في اليوم والليلة ، وفيه دلالة إمّا على سقوط الوتيرة أو على عدّها من المائتين.

__________________

(١) راجع ص ٣٤٢.

(٢) رجال النجاشي : ٣٧٢ / ١٠١٩.

(٣) رجال النجاشي : ٣٢٨ / ٨٨٨.

(٤) بدل ما بين القوسين في « رض » و « م » : ولا وجه حينئذٍ.


وما تضمّنه من قوله : « وأكثر من قراءة إنّا أنزلناه » إمّا أنْ يراد به في الصلاة ، أو فيها وعلى الانفراد ، أو على الانفراد.

والثاني : واضح الدلالة على أنّ فعل الزيادة بعد نافلة المغرب والوتيرة ، كما أنّ فيه دلالة على أنّ المائة ركعة في ليلة تسع عشرة بعد الوتيرة ، وكذلك في ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين ، وحينئذٍ يقيّد غيره وهو الأوّل ، ولا يبعد أنْ يكون ذكر الخمسين فيه لأنّها الكاملة المبحوث عنها ، أو لأنّ الوتيرة ليست من الرواتب.

وفي الخبر المبحوث عنه دلالة على وقت الغسل في الليالي المذكورة.

والثالث : لا خفاء في دلالته إلاّ من جهة قوله : « وتصلّي ليلة الجمعة في العشر الأواخر » فإنّ جدّيقدس‌سره في الروضة فهم منها الجمعة الأخيرة(١) ، وفيه تأمّل غير خفي.

وقوله : « وتصلّي في عشية » محتمل لأنْ يراد عشية الجمعة الواقعة في العشر الأخير احتمالاً ربما كان ظاهراً ، ويحتمل غيرها ، فقول جدّيقدس‌سره أيضاً في الروضة : يصلّي آخر سبت(٢) ؛ محلّ تأمّل. وقد ذكرنا وجهه في حواشي الروضة ، هذا.

وفي التهذيب زيادة في آخر الرواية بعد قوله : « إخوانك » : « هذه الأربع والركعتين ، فإنّهما أفضل الصلوات بعد الفرائض ، فمن صلاّها في شهر رمضان أو غيره انفتل وليس بينه وبين الله عزّ وجلّ من ذنب » ثم قال : « يا مفضل بن عمر تقرأ في هذه الصلوات كلّها أعني صلاة شهر رمضان الزيادة فيها بالحمد وقل هو الله أحد ، إنْ شئت مرّة ، وإنْ شئت ثلاثاً ، وإنْ‌

__________________

(١) الروضة ١ : ٣٢١.

(٢) الروضة ١ : ٣٢١.


شئت خمساً ، وإنْ شئت سبعاً ، وإنْ شئت عشراً ، فأمّا صلاة أمير المؤمنينعليه‌السلام فإنّه يقرأ فيها بالحمد في كلّ ركعة وخمسين مرّة قل هو الله أحد ، ويقرأ في صلاة ابنة محمّدعليهما‌السلام في أوّل ركعة بالحمد وإنّا أنزلناه في ليلة القدر مائة مرة ، وفي الركعة الثانية بالحمد وقل هو الله أحمد مائة مرة » الحديث(١) .

وفيه دلالة على أنّ الخبر السابق الدال على الإكثار من إنّا أنزلناه محمول على غير الصلاة إنْ عملنا بالجميع.

وأمّا دلالة هذا الخبر على صلاة أمير المؤمنينعليه‌السلام بالكيفية المذكورة فهي موقوفة على الصحة ، والصدوق في الفقيه قال : باب الصلاة التي يسميّها الناس صلاة فاطمة ويسمّونها صلاة الأوّابين. روى عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « من توضّأ فأسبغ الوضوء وافتتح الصلاة يصلّي أربع ركعات يفصل بينهن بتسليمة يقرأ في كلّ ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد خمسين مرّة انفتل حين ينفتل وليس بينه وبين الله عزّ وجلّ ذنب إلاّ غفره له ».

وأمّا محمّد بن مسعود العياشي ، فقد روى في كتابه عن عبد الله بن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل بن السماك ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام ابن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « من صلّى أربع ركعات فقرأ في كلّ ركعة بخمسين مرّة قل هو الله أحد كانت صلاة فاطمة ( سلام الله عليها ). وهي صلاة الأوّابين ».

وكان شيخنا محمّد بن الحسن بن الوليد يروي هذه الصلاة وثوابها ويقول : إنّي لا أعرفها بصلاة فاطمة ، وأمّا أهل الكوفة فإنّهم يعرفونها بصلاة‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٦٦ / ٢١٨ ، الوسائل ٨ : ٢٨ أبواب نافلة شهر رمضان ب ٧ ح ١.


فاطمة(١) . ( ولا يبعد أنْ يكون عليعليه‌السلام فعلها مع فاطمة ( سلام الله عليها ) فصحّ الإسناد إليهماعليهما‌السلام )(٢) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ استفادة ما ذكره الأصحاب الذين رأينا كلامهم من صلاة ألف ركعة في شهر رمضان بغير ما في رواية المفضل(٣) لا يخلو من تأمّل ، فقول الشهيدرحمه‌الله في الذكرى : إنّ الألف رواها جميل بن صالح ، وعلي بن أبي حمزة ، وإسحاق بن عمّار ، وسماعة بن مهران(٤) لا يخلو من غرابة ؛ لاختلاف مدلول الأخبار وعدم المطابقة لمراده ، إلاّ أن يدعى أنّه يستفاد من مجموعها ما ذكره ، وفيه نظر بيّن لمن تأمّل الأخبار.

وأمّا الرابع : فهو أوضح من أن يبيّن ، والله تعالى أعلم بالحال.

قوله :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن ابن مسكان ، عن الحلبي قال : سألته عن الصلاة في شهر رمضان ، فقال : « ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الصبح بعد الفجر ، كذلك كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنا كذلك أُصلّي ، ولو كان خيراً لم يتركه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ».

عنه ، عن حمّاد ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن ابن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الصلاة في شهر رمضان ، قال : « ثلاث‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٣٥٦ / ١٥٥٩ و ١٥٦٠ و ١٥٦١ ، الوسائل ٨ : ١١٢ أبواب بقية الصلوات المندوبة ب ١٠ ح ١ و ٢ و ٣.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) انظر الكافي في الفقه : ١٥٩ ، المعتبر ٢ : ٣٦٨.

(٤) الذكرى : ٢٥٤.


عشرة ركعة منها الوتر و(١) ركعتان قبل صلاة الفجر ، كذلك كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي ، ولو كان فضلاً كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اعمل(٢) وأحقّ ».

علي بن الحسن بن فضال ، عن محمّد بن عبيد الله الحلبي والعباس بن عامر الثقفي جميعاً عن عبد الله بن بكير ، عن عبد الحميد الطائي ، عن محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا صلّى العشاء الآخرة آوى إلى فراشه ، لا يصلّي شيئاً إلاّ بعد انتصاف الليل ، لا في شهر(٣) رمضان ولا في غيره ».

فالوجه في هذه الأخبار وما جرى مجراها أنّه لم يكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي صلاة النافلة جماعة في شهر رمضان ، ولو كان فيه خير لما تركه ، ولم يرد أنّه لا يجوز أن يصلّى على الانفراد حسب ما ذهب إليه قوم ، والذي يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة وابن مسلم والفضيل ، قالوا : سألناهما عن الصلاة في

شهر(٤) رمضان نافلة بالليل جماعة فقالا : « إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله ثم يخرج من آخر الليل إلى المسجد ، فيقوم فيصلّي ، فخرج من أوّل ليلة من شهر رمضان ليصلّي كما كان يصلّي فاصطف الناس خلفه فهرب منهم إلى بيته و (٥) تركهم ففعلوا ثلاث‌

__________________

(١) ليس في الاستبصار ١ : ٤٦٧ / ١٨٠٥.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٦٧ / ١٨٠٥ زيادة : به.

(٣) ليس في الاستبصار ١ : ٤٦٧ / ١٨٠٦.

(٤) ليس في الاستبصار ١ : ٤٦٧ / ١٨٠٦.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٦٧ / ١٨٠٧ : فَ.


ليال ، فقام في اليوم الرابع على منبره ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال(١) أيها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان في النافلة جماعة بدعة ، وصلاة الضحى بدعة ، ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل ، ولا تصلّوا صلاة الضحى فإنّ ذلك معصية ، ألا وإنّ كلّ بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار ، ثم نزل وهو يقول : قليل في سنّة خير من عمل(٢) كثير في بدعة ».

أ لا ترى أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) أنكر الاجتماع فيها (٤) ولم ينكر نفس الصلاة ، ولو كان نفس الصلاة منكراً بدعة لأنكره كما أنكر الاجتماع فيها ، وقد استوفينا ما يتعلق بهذا الباب في كتابنا الكبير ، فمن أراد الوقوف عليه وقف عليه من هناك.

السند :‌

في الأوّل : واضح الحال بما كررناه في رجاله من المقال(٥) ، والإضمار فيه لا يضر ؛ لما قدمناه ، وبتقدير الشك فالصدوق في الفقيه صرّح بأنّ المسئول أبو عبد اللهعليه‌السلام (٦) .

والثاني : كالأوّل ، والريب في عبد الله بن المغيرة مضى دفعه(٧) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٦٧ / ١٨٠٧ زيادة : يا.

(٢) ليس في الاستبصار ١ : ٤٦٧ / ١٨٠٧.

(٣) في « رض » و « فض » زيادة : لما ، وفي الاستبصار ١ : ٤٦٨ زيادة : لمّا أنكر. وما أثبتناه من « م » هو الأنسب.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٦٧ / ١٨٠٧ زيادة : فنهى عنه.

(٥) راجع ج ١ ص ٦٩ ، ١٤١ ، ١٤٦ ، ٦٢ ، ١٩٦ ، ٢٥٧ ، ج ٢ ص ٢٣.

(٦) الفقيه ٢ : ٨٨ / ٣٩٥.

(٧) راجع ج ١ ص ١٣٣ ١٣٤ ، ج ٣ ص ١٧ ١٨.


والثالث : فيه علي بن الحسن والطريق إليه وقد مضيا(١) . ومحمّد بن عبيد الله الحلبي لم أقف عليه الآن في الرجال ، وفي النجاشي ذكر آل أبي شعبة وأنّ جميعهم ثقات(٢) ؛ فيحتمل دخوله فيهم. وعبد الحميد الطائي ثقة ، وغيره معلوم الحال.

والرابع : لا ارتياب فيه على ما قدّمناه(٣) .

المتن :

في الجميع ما ذكره الشيخ فيه وإن بعد لا بُدّ منه عند العامل بالأخبار من الطرفين ، أمّا جواب العلاّمة في المختلف عن بعض الروايات بجواز كون السؤال عن النوافل الراتبة هل تزاد أم لا؟ لا عن مطلق النافلة ، فمن البُعد بمكان ، لكن نقل عن ابن الجنيد أنّه قال : وقد روي عن أهل البيتعليهم‌السلام زيادة في صلاة الليل على ما كان يصلّيها الإنسان في غيره أربع ركعات(٤) . وهذا قد يقرّب جواب العلاّمة.

ونقل في المختلف عن سلاّر دعوى الإجماع على استحباب ألف ركعة زائدة عن نوافل الشهر ، وعن ابن بابويه أنّه قال : لا نافلة زيادة فيه على غيره(٥) . والذي تقدم من عبارته في الفقيه لا يعطي المنع رأساً. وحكى العلاّمة نوع اختلاف في الترتيب(٦) ، والأخبار قد سمعت القول فيها.

__________________

(١) راجع ج ١ ص ١٤٠ ، ج ٢ ص ١٦٠ ، ٣٦٢ ، ج ٣ ص ٤٠٣.

(٢) رجال النجاشي : ٢٣٠ / ٦١٢.

(٣) راجع ج ١ ص ٥٦ ، ٦٩ ، ج ٤ ص ١٨٧ ١٩٠ ، ج ٦ ص ١٩١.

(٤) المختلف ٢ : ٣٤٦.

(٥) المختلف ٢ : ٣٤٥.

(٦) المختلف ٢ : ٣٤٦.


قوله :

أبواب الصلاة على الأموات‌

باب وجوب الصلاة على كلّ ميّت مسلم

مقتولاً كان أو ميتاً حتف أنفه شهيداً كان أو غيره‌

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر ابن سويد ، عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : قلت له : شارب الخمر والزاني والسارق يصلّى عليهم إذا ماتوا؟ فقال : « نعم ».

سعد ، عن أيوب بن نوح ، عن الحسن بن محبوب ، عن إبراهيم ابن مهزم ، عن طلحة بن زيد ، عن أبي عبد الله ، عن أبيهعليهما‌السلام (١) قال : « صلّ على من مات من أهل القبلة ، وحسابه على الله ».

عنه ، عن أحمد بن الحسن بن علي ، عن أبي همام إسماعيل بن همام ، عن محمّد بن سعيد بن غزوان(٢) السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه : ، قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : صلّوا على المرجوم من أُمّتي ، وعلى القتّال نفسه من أُمّتي ، لا تَدَعُوا أحداً من أُمّتي بلا صلاة ».

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه : « إنّ علياًعليه‌السلام لم يغسّل عمار بن ياسر ولا هاشم بن عتبة وهو المرقال ، دفنهما ( في‌

__________________

(١) في « م » : عن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن آبائهعليهم‌السلام ، في « فض » : عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وما أثبتناه موافق للتهذيب ٣ : ٣٢٨ / ١٠٢٥ ، والاستبصار ١ : ٤٦٨ / ١٨٠٩ و « رض ».

(٢) في التهذيب ٣ : ٣٢٨ / ١٠٢٦ ، والاستبصار ١ : ٤٦٨ / ١٨١٠ زيادة : عن.


ثيابهما )(١) بدمائهما ، ولم يصلّ عليهما ».

فما تضمّن هذا الخبر من أنّه لم يصلّ عليهما وهم من الراوي ، لأنّا قد بيّنا وجوب الصلاة على كلّ ميت ، وهذه المسألة إجماع من الفرقة المحقّة ، وقد ذكرنا في أحكام الشهداء ما فيه كفاية في كتابنا الكبير ؛ ويجوز أنْ يكون الوجه فيه حكاية ما يرويه بعض العامّة عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فكأنّه عليه‌السلام قال : إنّهم يروون عن علي عليه‌السلام أنّه لم يصلّ عليهما ، وذلك خلاف الحقّ كما بيّنّاه.

السند :‌

في الأوّل : لا ارتياب في صحّته بناءً على ما قدّمناه في رجاله(٢) .

والثاني : فيه إبراهيم بن مهزم ، وهو ثقة في النجاشي(٣) ؛ وفي الخلاصة : ابن مهزم بفتح الزاي(٤) . إمّا طلحة بن زيد فقد تقدّم عن قريبٍ وبعيد أنّه عامّي أو بتري ، لذكر الشيخ الأمرين(٥) ؛ وفي الفهرست : إنّ كتابه معتمد(٦) . وهذا وإنْ لم يثمر فائدةً لعدم العلم بكون الخبر من الكتاب ، إلاّ أنّه ربما يقال : إنّ الشيخ يبعد منه نقل الخبر من غير الكتاب مع ما يظهر من كلام الشيخ في مواضع من مصنفاته ، وقد يشكل الحال هنا بما نذكره في المتن إن شاء الله.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في الاستبصار ١ : ٤٦٩ / ١٨١١.

(٢) راجع ج ١ ص ٦٩ ، ١٨٥ ، وص ٢٩٠ ، من هذا الجزء.

(٣) رجال النجاشي : ٢٢ / ٣١.

(٤) خلاصة العلاّمة : ٦ / ١٩.

(٥) تقدّم في ج ٤ ص ٣٣٧ ، وص ٨١ ، ١٨١ ، ٢٩٥ من هذا الجزء.

(٦) الفهرست : ٨٦ / ٣٦٢.


والثالث : كما ترى فيه السكوني وصفاً لمحمّد بن سعيد على ما وقفت عليه من النسخ ، والظاهر أنّه سهو ، والصواب ما في التهذيب من قوله : عن السكوني(١) ، وقد تكرّر فيه القول(٢) . ومحمّد بن سعيد مهمل في الرجال(٣) .

والرابع : رجاله تكرّر القول فيهم عن قريبٍ وبعيد(٤) ، والحاصل أنّ مسعدة بن صدقة عامّي على ما قاله الشيخ.

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على أنّه يصلّى على شارب الخمر والزاني والسارق ، وترك الاستفصال من الإمامعليه‌السلام في كونهم مؤمنين أو غيرهم يفيد العموم ، كما هو مقرّر في الأُصول ، إلاّ أنْ يدّعى أنّ السائل المؤمن يبعد سؤاله عن المخالف ، وعموم الجواب تابع لمورد السؤال ؛ إذ ليس فيه صيغة العموم ، بل من ترك الاستفصال.

ومع الاحتمال الذي ذكرناه ينبغي العموم ، إلاّ أنّ المنقول عن العلاّمة في المنتهى دعوى الإجماع على أنّ الصلاة تجب على الميت البالغ من المسلمين ، والمراد بالمسلم هنا كلّ مظهر للشهادتين ما لم يظهر منه خلافه بإنكار ما علم بالضرورة ثبوته من الدين(٥) . وهذه العبارة أعني بيان المراد ـ

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٣٢٨ / ١٠٢٦.

(٢) راجع ج ١ ص ١٨٨ ، ج ٢ ص ١٠٩ ، ٣٩٧ ، ج ٣ ص ١٤٠ ، ٤٢٠ ، ج ٤ ص ٩٦.

(٣) رجال النجاشي : ٣٧٢ / ١٠١٧.

(٤) راجع ج ١ ص ٣٣٥ ، ج ٣ ص ٤٣٥ ، وص ٣٤٨ من هذا الجزء.

(٥) نقله عنه في مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٤٢٥ ، وهو في المنتهى ١ : ٤٤٧ ؛ مع تفاوت يسير.


لا أدري من الناقل أو من العلاّمة. وقد احتجّ البعض على العموم بصحيح هشام(١) ، وفيه ما قدّمناه.

وفي المقنعة قال المفيد : ولا يجوز لأحدٍ من أهل الإيمان أنْ يغسّل مخالفاً للحقّ في الولاية ، ولا يصلّي عليه ، إلاّ أنْ تدعوه ضرورة إلى ذلك من جهة التقية فيغسّله تغسيل أهل الخلاف(٢) .

وفي التهذيب قال الشيخ : إنّ الوجه فيه أنّ المخالف لأهل الحقّ كافر ، فيجب أنْ يكون حكمه حكم الكفّار ، إلاّ ما خرج بالدليل ، وإذا كان غسل الكافر لا يجوز فيجب أنْ يكون غسل المخالف غير جائز. وأمّا الصلاة عليه فتكون على حدّ ما كان يصلّي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّةعليهم‌السلام على المنافقين ، وسنبين فيما بعد كيفية الصلاة(٣) ، انتهى.

ولا يخفى أنّ ظاهر ( كلام الشيخ )(٤) بقاء حكم الصلاة في آخر كلامه ، غاية الأمر أنّ وجوب الصلاة مسكوت عنه ، وأوّل الكلام يقتضي أنّه كافر وصحّة الصلاة على الكافر منتفية ، فالتأمّل في قوله حاصل.

وفي المختلف نقل عن ابن إدريس وأبي الصلاح أيضاً المنع من وجوب الصلاة على غير المؤمن ، قال العلاّمة : وأوجبها الشيخ(٥) . وأنت خبير بأنّ الشيخ في التهذيب كلامه لا يخلو من نظر ، وفي الكتاب كما ترى يدلّ العنوان على كلّ ميت ، والخبر الأوّل له دلالة على ما قدّمناه.

والثاني : ظاهر الدلالة ، فعلى تقدير الاعتماد على أنّ الشيخ يذكر‌

__________________

(١) مجمع الفائدة ٢ : ٤٢٥.

(٢) المقنعة : ٨٥.

(٣) التهذيب ١ : ٣٣٥.

(٤) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٥) المختلف ٢ : ٣٠٧.


مختاره هنا فهو قائل بالوجوب ، أمّا نفي الوجوب من المفيد كما في المختلف(١) ومن معه ، فهو محتمل لأنْ يراد التحريم كما تقتضيه عبارة الشيخ في التهذيب ، أو أنّ المراد بنفي الوجوب عدم اللزوم ، بل يجوز التغسيل. ويشكل بأنّ الجواز في مثل الغسل مشكل ، والاستحباب [ كذلك ](٢) إلاّ أنّ العجب في المقام من دعوى العلاّمة الإجماع مع نقله في المختلف الخلاف(٣) . [ و ](٤) في المدارك قال شيخناقدس‌سره : إنّ الإجماع إنّما انعقد على وجوب الصلاة على المؤمن(٥) . والأمر كما قال بالنسبة إلى كلام المختلف ، إلاّ أنّ احتمال انعقاد الإجماع في زمن العلاّمة حيث ادّعاه في المنتهى(٦) لا بُدّ من دفعه. والحقّ ما قدّمناه من أنّ الإجماع بعيد التحقق.

والثالث : كما ترى يؤيد الأوّلين لو صحّ. أمّا الثاني : فيمكن ادّعاء كون الشيخ أخذه من كتاب طلحة ، فلا يقصر عن توثيق الشيخ للرجال ، وفيه تأمّل قدّمنا وجهه(٧) .

أمّا ما تضمّنه الرابع : فما ذكره الشيخ فيه له وجه ، إلاّ أنّ(٨) دعوى الإجماع على ما هو الظاهر من كلامه توافق العلاّمة في المنتهى ، وتخالف المختلف.

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣٠٧.

(٢) في النسخ : لذلك ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) ادّعى العلاّمة الإجماع في المنتهى ١ : ٤٤٧ ، ونقل الخلاف في المختلف ٢ : ٣٠٧.

(٤) ما بين المعقوفين أثبتناه لاستقامة العبارة.

(٥) المدارك ٤ : ١٥١.

(٦) المنتهى ١ : ٤٤٧.

(٧) في ص ٨١.

(٨) في زيادة : يقال.


وقد يقال : إنّ غرض الشيخ بالإجماع على الصلاة على الشهيد ، فيراد بهذه المسألة خصوص الشهيد ؛ وهذا وإنْ كان متكلفاً إلاّ أنّ الخلاف إذا كان منقولاً لا تتمّ دعوى الإجماع ( إلاّ بإرادة معنى آخر له.

أمّا كلام المفيد فربما فهم الشيخ منه عدم المنع من الصلاة ، ولولاه لما كان لدعوى الإجماع )(١) معنى ، كما أنّ ما ذكره في باب الصلاة على الأموات من الأخبار الدالّة على الصلاة على المنافق بعد عبارة المفيد كذلك.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العبارة السابقة المتضمّنة لإنكار ما عُلم بالضرورة لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ الضرورة أمّا أنْ يراد بها الأولوية أو مطلق الضرورة ، فإنْ كان الأوّل فإطلاق كفر بعض الناس محلّ كلام ، وإنْ أُريد مطلق الضرورة فيشكل باستلزامه كفر من لا يقولون بكفره. وقد احتمل بعض محققي الأصحابرحمه‌الله أنْ يراد بالضروري ما يعرفه الأكثر من المسلمين ، أو يراد بالضروري عند المنكر بأن يعلم ذلك منه. وللكلام في المقام مجال واسع.

قوله :

باب وقت الصلاة على الأموات(٢)

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن سالم ، عن أحمد بن النضر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر قال : قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : إذا‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٦٩ : الميت.


حضرت الصلاة على الجنازة في وقت مكتوبة فبأيّهما أبدأ؟ فقال : « عجّل الميت إلى قبره ، إلاّ أنْ تخاف فوت(١) وقت الفريضة ، ولا تنتظر بالصلاة على الجنازة طلوع الشمس ولا غروبها ».

محمّد بن يعقوب ، عن حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمّد ابن سماعة ، عن غير واحد ، عن أبان ، عن محمّد بن مسلم قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام هل يمنعك شي‌ء من ( هذه الساعات )(٢) عن الصلاة على الجنائز؟ فقال : « لا ».

أبو علي الأشعري ، عن محمّد بن عبد الجبّار ، عن صفوان بن يحيى ، عن العلاء بن رزين ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : « يصلّى على الجنازة في كلّ ساعة ، إنّها ليست بصلاة ركوع وسجود(٣) ، وإنّما تكره الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها التي فيها الخشوع والركوع والسجود ، لأنّها تغرب بين قرني شيطان وتطلع بين قرني شيطان ».

أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان(٤) ، عن عبيد الله الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا بأس بالصلاة على الجنائز حين تغرب(٥) الشمس وحين تطلع ، إنّما هو استغفار ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمّد ، عن أبان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « تكره الصلاة‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٦٩ / ١٨١٢ : تخاف أن يفوت.

(٢) بدل ما بين القوسين في « م » : هذا.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٧٠ / ١٨١٤ : ولا سجود.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٧٠ / ١٨١٥ : حمّاد بن عيسى.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٧٠ / ١٨١٥ : تغيب.


على الجنائز حين تغرب(١) الشمس وحين تطلع ».

فهذا الخبر صريح بالكراهية دون الحظر ، ويمكن أنْ يكون الوجه فيه التقية ، لأنّه مذهب العامّة.

السند :‌

في الأوّل : فيه محمّد بن سالم ، وهو مشترك(٢) . وأحمد بن النضر ثقة. وعمرو بن شمر مع جابر مضى القول فيهما مفصّلاً(٣) .

والثاني : فيه مع الإرسال حميد بن زياد وابن سماعة ، فالأوّل واقفي ثقة في النجاشي(٤) ، والثاني كذلك(٥) .

والثالث : واضح الصحّة بعد ما قدّمناه(٦) .

[ والخامس :(٧) ] فيه القاسم بن محمّد وهو الجوهري ، وقد تكرّر القول فيه(٨) . أمّا أبان فلا يبعد كونه ابن عثمان ؛ لتصريح الشيخ فيما يأتي في باب ترتيب الجنائز في مثل هذا السند بابن عثمان ، إلاّ أنّ غيره في حيّز الإمكان ، والفائدة في الترجيح مستغنى عنها هنا.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٧٠ / ١٨١٦ : تصفرّ.

(٢) هداية المحدثين : ٢٣٨.

(٣) راجع ج ١ ص ١٨٥ ١٨٦ ، ج ٢ ص ٢٨ ٢٩ ، ج ٣ ص ٣٦٣ ٣٦٤.

(٤) رجال النجاشي : ١٣٢ / ٣٣٩.

(٥) رجال النجاشي : ٤٠ / ٨٤.

(٦) راجع ج ١ ص ١٤٦ ، ج ٣ ص ١٨١.

(٧) في النسخ : والرابع ، والصحيح ما أثبتناه ، ولم يبحث في سند الخبر الرابع.

(٨) راجع ج ١ ص ١٧٣ ، ٢٧٠ ، ج ٢ ص ١١٦ ، ١١٩ ، ج ٣ ص ١٠٧ ، ٢٥٦.


المتن :

في الأوّل : لا يخلو من إجمال بالنسبة إلى خوف فوات وقت الفريضة ؛ لاحتمال وقت الفضيلة وغيره ، إلاّ أنّه ربما يدّعى رجحان إرادة وقت الفضيلة ؛ لما رواه الشيخ في التهذيب صحيحاً عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسىعليه‌السلام قال : « إذا وجبت الشمس فصلّ المغرب ، ثم صلّ على الجنائز »(١) لكن لا يخفى أنّ هذا مع عدم الخوف على الجنازة ؛ لما صرّح به الأصحاب.

أمّا مع تضيّق الحاضرة والخوف على الميت فقد قيل بتقديم الحاضرة(٢) ، وينقل عن الشيخ في المبسوط القول بتقديم صلاة الجنازة ؛ لأنّ حرمة المسلم ميتاً كحرمته حيّاً(٣) . وفيه ما فيه.

ثمّ إنّ الخبر كما ترى تضمّن المكتوبة ، ولا يبعد انصرافها إلى اليومية ، أمّا غيرها فلم أقف الآن على كلام الأصحاب فيها.

فإنْ قلت : الخبر تضمّن ذكر الفريضة أيضاً ، فيتعين إرادة اليومية.

قلت : عدم صدق الفريضة على غيرها محلّ تأمّل ، إلاّ أنّ الأمر في الخبر سهل.

ومن هنا يعلم أنّ(٤) ما تضمّنه الخبر من تعجيل الدفن ربما يقتضي تقديمه على الفريضة ، وكذلك ما تضمّنه من [ عدم](٥) انتظار طلوع الشمس‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٣٢٠ / ٩٩٦ ، الوسائل ٣ : ١٢٤ أبواب صلاة الجنازة ب ٣١ ح ٣.

(٢) المدارك ٤ : ١٨٩.

(٣) حكاه عنه في المدارك ٤ : ١٨٩ ، وهو في المبسوط ١ : ١٨٥.

(٤) في « فض » زيادة : لا حاجة حينئذٍ إلى بيان ، وفي « رض » : لا حاجة إلى بيان.

(٥) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المعنى.


وغروبها ، فإنّه لا يخلو من شي‌ء بالنسبة إلى العبارة(١) .

والثاني : واضح المعنى ، والتعريف في الساعات للعهد الذهني ، مع احتمال غيره.

والثالث : واضح أيضاً ( في صدره )(٢) ، إلاّ أنّ فيه نوع ارتياب من حيث التعليل ؛ لأنّ أوّله يقتضي الاختصاص بصلاة الركوع والسجود ، وآخره يفيد زيادة الخشوع. ثم التعليل بأنّها تغرب بين قرني شيطان ربما يفيد الاختصاص بالسجود ؛ لورود بعض الأخبار في أنّ الشيطان يقول لقومه : إنّ الناس يسجدون لي(٣) ، وقد يلحق به الركوع. ويمكن أنْ يقال في التوجيه : إنّ نفي كون صلاة الجنازة ذات ركوع وسجود يستلزم نفي الخشوع حيث إنّه من لوازم ذات الركوع والسجود ، وذكر الخشوع للتصريح به.

وعلى كلّ حال يستفاد من الخبر عدم اعتبار الخشوع على أنّه سبب للقبول ، كما في أخبار الصلاة من أنّها لا يقبل منها إلاّ ما أقبل عليه القلب(٤) ، وإنْ كان في صلاة الجنازة لو حصل الإقبال تحقّق الثواب الزائد.

وما عساه يقال : إنّ زيادة الثواب بالإقبال مشتركة.

يمكن الجواب عنه : بتفاوت الأكملية. وممّا ينبّه على عدم اعتبار الخشوع في صلاة الجنازة عدم اشتراط الطهارة فيها في الجملة.

فإنْ قلت : هل يستفاد من الخبر المبحوث عنه أنّ صلاة الجنازة‌

__________________

(١) في « رض » : العبادة.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٣) الوسائل ٤ : ٢٣٤ أبواب المواقيت ب ٣٨.

(٤) الوسائل ٥ : ٤٧٦ أبواب أفعال الصلاة ب ٣.


مجاز أم لا؟.

قلت : في الاستفادة تأمّل ؛ لأنّ المنفي ليس مطلق الصلاة.

وما عساه يقال : إنّ الأخبار الواردة بكراهة الصلاة في الأوقات تدلّ على أنّ المراد بها غير الجنازة بمعونة هذا الخبر ، فدلّ على عدم دخولها في مطلق الصلاة ، وهو علامة الحقيقة.

يمكن الجواب عنه : بأنّ عدم الدخول بقرينة هذا الخبر لا(١) يفيد المطلوب ، وفي المقام كلام ليس هذا محلّه.

أمّا ما تضمّنه الخبر من الطلوع بين قرني الشيطان فقد قدّمنا فيه القول في المواقيت ، وذكرنا احتمال التقية ، لكن في(٢) هذا الخبر نوع منافرة للتقية ، إلاّ بتكلّف.

وما تضمّنه من الكراهة غير صريح في إرادة المعنى الأُصولي ؛ لوجوده في معنى التحريم في الأخبار ، إلاّ أنّ الحقّ أنّه مشترك ، فلا يستدلّ به على أحد الأمرين ، إلاّ بقرينة.

والرابع : يدلّ من حيث الحصر على أنّ صلاة الجنازة محض الدعاء ، فربما يؤيد كونها مجازاً.

واستشكال هذا بوجوب تكبيرة الإحرام وغيرها يمكن دفعه بأنّه لا مانع من اشتراك(٣) بعض لوازم الصلاة غيرها معها ، والحصر إضافي ، بمعنى أنّ المقصود منها(٤) الاستغفار ، بخلاف غيرها من الصلاة ، فإنّ‌

__________________

(١) في النسخ : فلا ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) في « فض » زيادة : ذكر.

(٣) في « م » : اشتراط.

(٤) في « م » : منه.


المقصود الاستغفار وغيره ، غاية الأمر أنّ قولهعليه‌السلام « إنّما هو » غير ظاهر المرجع ، ولعلّ المراد به فعل الصلاة.

وأمّا الخامس : فما ذكره الشيخ فيه أوّلاً لا يخلو من غرابة ، لأنّ قوله : إنّه صريح بالكراهة ، يدلّ على أنّ غيره محمول على التحريم ، والحال أنّ الكراهة في غير صلاة الجنازة موجودة في الخبر السابق.

واحتمال أنْ يقال : إنّ الكراهة إذا كانت مشتركة فلا مانع من حملها على التحريم في غير صلاة الجنازة ، وعلى الكراهة فيها ، لتعارض الأخبار ؛ فيه ما لا يخفى. أمّا الحمل على التقيّة فله وجه.

قوله :

باب موضع الوقوف من الجنازة‌

محمّد بن يعقوب ، عن عدّة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر(١) ، عن موسى بن بكر ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال : « إذا صلّيت على المرأة فقم عند رأسها ، وإذا صلّيت على الرجل فقم عند صدره ».

فأمّا ما رواه علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن بعض أصحابنا(٢) ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : من صلّى على المرأة فلا يقوم في وسطها ويكون ممّا يلي صدرها ، وإذا صلّى على الرجل فليقم في وسطه ».

فلا ينافي الخبر الأوّل ؛ لأنّ قوله : « يكون ممّا يلي صدرها » ‌

__________________

(١) في الإستبصار ١ : ٤٧٠ / ١٨١٧ : أحمد بن أبي نصر.

(٢) في « رض » : عن عدّة من أصحابنا.


المعني فيه إذا كان قريباً من الرأس ، وقد يعبّر عنه بأنّه يلي الصدر ، لقربه منه ، ويؤكد ذلك أيضاً :

ما رواه علي بن الحسين ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن سالم ، عن أحمد بن النضر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقوم من الرجل بحيال السرّة ، ومن النساء أدون من ذلك قبل الصدر.

السند :‌

في الأوّل : فيه سهل بن زياد ، وقد تكرّر القول في حقيقة حاله(١) .

والثاني : فيه الإرسال ، وتوجيه عدم قدحه بالإجماع على تصحيح ما يصحّ عن ابن المغيرة فيه أوّلاً : ما قدّمناه في معنى الإجماع(٢) . وثانياً : إنّ الصحّة غير معلومة لإبراهيم بن هاشم ، أمّا الوقف في عبد الله بن المغيرة فمحلّ كلام يعرف من مراجعة ما سبق(٣) .

والثالث : مضى عن قريب القول في رجاله(٤) .

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على الأمر بالقيام عند رأس المرأة وعند صدر الرجل ، وقد نقل العلاّمة في المختلف عن الشيخين القول بوقوف‌

__________________

(١) راجع ج ١ ص ١٢٩ ، ج ٣ ص ٢٢٢.

(٢) راجع ج ١ ص ٥٩ ٦٢.

(٣) راجع ج ١ ص ١٣٣ ١٣٤.

(٤) في ٣٧٤.


الإمام عند وسط الرجل وصدر المرأة ، قال : وللشيخ قول آخر في الخلاف أنّه يقف عند رأس الرجل وصدر المرأة ، وبه قال علي بن بابويه ، ونقل عن ابنه في المقنع القول بالوقوف عند الصدر في الرجل والمرأة ، قال العلاّمة : وللشيخ في الاستبصار قول ثالث : أنّه يقف عند رأس المرأة وصدر الرجل ، والمشهور الأوّل(١) ، انتهى.

ولا يخفى أنّ كلام الاستبصار لا يخلو من تأمّل ؛ فإنّ الخبر المبحوث عنه على تقدير الاعتماد عليه يدلّ على ما ذكره العلاّمة ، إلاّ أنّ توجيه الشيخ للخبر الثاني من جهة المرأة فقط(٢) يقتضي إبقاءه من جهة الرجل ، وهو وقوفه في وسطه ، والحال أنّ الخبر الأوّل تضمّن الصدر ، إلاّ أنْ يقال : إنّ التوجيه للأمرين ، واكتفى الشيخ بأحدهما عن الآخر. وقد ذكر في التهذيب : إنّ قوله : « عند صدره » يعني الوسط ، استعمالاً لاسم الشي‌ء فيما يجاوره(٣) ، وكذلك الرأس(٤) .

لكن الثالث يأبى التوجيه ؛ لأنّ الوقوف بحيال السرّة يبعد عن الصدر في الرجل ، والوقوف قبل الصدر يبعد عن الرأس في المرأة ، لكن البعد أقلّ من الأوّل.

وبالجملة : فالتزام الشيخ بالمذهب في الكتاب بعيد عن الاعتبار.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ شيخناقدس‌سره نقل عن العلاّمة في المنتهى أنّ‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣٠٦.

(٢) في « رض » : فقد.

(٣) في « رض » : يجاوزه ، في « م » : تجاوز ، في « فض » : تجاوزه ، وما أثبتناه من المصدر.

(٤) التهذيب ٣ : ١٩٠ بتفاوت يسير.


هذه الكيفية مستحبة بلا خلاف(١) . وظاهر الإشارة العود إلى ما قاله المحقّق في الشرائع : إنّ من سنن صلاة الجنازة أنْ يقف الإمام عند وسط الرجل وصدر المرأة. لأنّهقدس‌سره نقل أنّ مدلول العبارة قول معظم الأصحاب ، ثم نقل عن الشيخ في الاستبصار القول بمضمون الخبر الأوّل على نحو ما ( نقله العلاّمة في المختلف ، ثم استدلّ بالأخبار المذكورة ، وحكى احتجاج الشيخ ، ثم قال )(٢) : وهذه الروايات كلّها ضعيفة ، لكن المقام مقام استحباب ، فالعمل بكلّ منها حسن(٣) ، انتهى.

ولا يخفى عليك أنّ عبارة بعض المتقدمين لا تقتضي اعتبار الإمام على ما حكاه في المختلف(٤) ، وعبارة الصدوق في المقنع بلفظ الأمر بالوقوف(٥) ، لكن العلاّمة ربما استفاد الاستحباب من كلام القائلين ، أمّا الاختصاص بالإمام فالإجماع المنقول ليس في الكلام ما يدلّ عليه ، فليتأمّل.

اللغة‌ :

قال في القاموس : لي قِبَلَه بكسر القاف أي عنده(٦) .

__________________

(١) المدارك ٤ : ١٧٤.

(٢) بدل ما بين القوسين في « م » : قاله.

(٣) المدارك ٤ : ١٧٤.

(٤) المختلف ٢ : ٣٠٦.

(٥) المقنع : ٢٠.

(٦) القاموس المحيط ٤ : ٣٥.


قوله :

باب ترتيب جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعت‌

سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن العلاء بن رزين ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : سألته كيف يصلّى على الرجال والنساء؟ فقال : « يوضع الرجال(١) ممّا يلي الرجال ، والنساء خلف الرجال(٢) ».

عنه ، عن محمّد بن سنان ، عن طلحة بن زيد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « كان(٣) إذا(٤) صلّى على المرأة والرجل قدّم المرأة وأخّر الرجل ، وإذا صلّى على العبد والحرّ قدم العبد وأخّر الحرّ ، وإذا صلّى على الكبير والصغير قدّم الصغير وأخّر الكبير ».

أبو علي الأشعري ، عن محمّد بن عبد الجبّار ، عن صفوان بن يحيى ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سألته عن الرجال والنساء كيف يصلّى عليهم؟ قال : « الرجال أمام النساء ممّا يلي الإمام يُصَفّ بعضهم على أثر بعض ».

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن زرارة والحلبي(٥) ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : في الرجل‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٧١ / ١٨٢٠ : الرجل.

(٢) في « فض » و « م » : يوضع الرجال والنّساء خلف الرجال.

(٣) ليست في « م ».

(٤) في الفقيه ١ : ١٠٦ / ٤٩٢ : وكان عليعليه‌السلام إذا.

(٥) ليست في « م ».


والمرأة كيف يصلّى عليهما؟ فقال : « يجعل الرجل(١) وراء المرأة ، ويكون الرجل ممّا يلي الإمام ».

علي بن الحسين ، عن عبد الله بن جعفر ، عن إبراهيم بن مهزيار ، عن أخيه علي بن مهزيار ، عن الحسن بن علي بن فضّال ، عن ابن بكير ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في جنائز الرجال والنساء(٢) والصبيان ، قال : « توضع النساء ممّا يلي القبلة ، والصبيان دونهم ، والرجال دون ذلك ، ويقوم الإمام ممّا يلي الرجال ».

فأمّا ما رواه علي بن الحسين بن بابويه ، عن محمّد بن أحمد بن الصلت ، عن عبد الله بن الصلت ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبيد الله الحلبي ، قال سألته عن الرجل والمرأة يصلّى عليهما؟ قال : « يكون الرجل بين يدي المرأة ممّا يلي القبلة ، ويكون(٣) رأس المرأة عند ورك الرجل ممّا يلي يساره ، ويكون رأسها أيضاً ممّا يلي يسار الإمام ، ورأس الرجل ممّا يلي(٤) الإمام ».

حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمّد بن سماعة ، عن غير واحد ، عن أبان بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعت؟ فقال : « يقدّم الرجال في كتاب عليعليه‌السلام ».

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي ، عن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٧٢ / ١٨٢٣ : المرأة.

(٢) ليس في الاستبصار ١ : ٤٧٢ / ١٨٢٤.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٧٢ / ١٨٢٥ : فيكون.

(٤) في التهذيب ٣ : ٣٢٣ / ١٠٠٨ ، والاستبصار ١ : ٤٧٣ / ١٨٢٥ زيادة : يمين.


عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، في الرجل يصلّي على ميتين أو ثلاثة موتى كيف يصلّي عليهم؟ قال : « إن كان ثلاثة أو اثنين أو عشرة أو أكثر من ذلك فليصلّ عليهم صلاةً واحدة ، يكبّر عليهم خمس تكبيرات كما يصلّي على ميتٍ واحد ، ومن صلّى عليهم جميعاً يضع ميتاً واحداً ، ثم يجعل الآخر إلى ألية الأوّل ، ثم يجعل رأس الثالث إلى ألية الثاني شبه المدرّج حتى يفرغ منهم كلّهم ما كانوا ، فإذا سوّاهم هكذا قام في الوسط فكبّر خمس تكبيرات ، يفعل كما يفعل إذا صلّى على ميتٍ واحد » سُئل وإن كانوا موتى(١) رجالاً ونساءً؟ قال : « يبدأ بالرجال فيجعل رأس الثاني(٢) إلى ألية الأوّل حتى يفرغ من الرجال كلّهم ، ثم يجعل رأس المرأة إلى ألية الرجل الأخير ، ثم يجعل رأس المرأة الأُخرى إلى [ ألية ](٣) المرأة الأُولى حتى يفرغ منهم كلّهم ، فإذا سوّى هكذا قام [ في ](٤) الوسط وسط الرجال [ فكبّر ](٥) عليهم كما يصلّي على ميتٍ واحد ».

فالوجه في هذه الأخبار التخيير ؛ لأنّ العمل بأيّها كان كان جائزاً ، يدلّ على ذلك :‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٧٢ / ١٨٢٧ : سُئل فإن كان الموتى. ولعلّه هو الأنسب.

(٢) في النسخ : يبدأ بالرجل ويجعل رأس الثانية ، وما أثبتناه موافق للتهذيب ٣ : ٣٢٢ / ١٠٠٤ ، والاستبصار ١ : ٤٧٢ / ١٨٢٧.

(٣) في النسخ : رأس ، وما أثبتناه موافق للكافي ٣ : ١٧٤ / ٢ ، والاستبصار ١ : ٤٧٢ / ١٨٢٧ ، والوسائل ٢ : ٨٠٩ أبواب صلاة الجنازة ب ٣٢ ح ٢.

(٤) في النسخ : إلى ، وما أثبتناه من المصادر.

(٥) في النسخ : يكبّر ، وما أثبتناه من المصادر.


ما رواه علي بن الحسين ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن (١) محمّد بن إسماعيل بن بزيع ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « لا بأس أنْ يُقدّم الرجل وتؤخر المرأة ، ويؤخّر الرجل وتقدّم المرأة » يعني في الصلاة على الميت.

السند :‌

في الأوّل : معلوم الحال بسهل بن زياد.

والثاني : كذلك بمحمّد بن سنان وطلحة بن زيد. وضمير عنه فيه يرجع(٢) إلى سهل ، للتصريح به في الكافي ، حيث رواها عن سهل ، عن محمّد بن سنان(٣) .

والثالث : صحيح كالرابع.

والخامس : فيه إبراهيم بن مهزيار ، وقد قدّمنا فيه القول(٤) . والحاصل أنّ العلاّمة وصف طريق الصدوق إلى بحر السقّاء بالصحّة(٥) ، وهو فيه. والنجاشي لم يذكر ما يدلّ على مدحٍ ولا توثيق(٦) . وقول بعض : إنّه ممدوح في الكشّي ، فيه نظر واضح يعرف من مراجعة الكشّي(٧) ، وبقية‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٧٣ / ١٨٢٨ : و.

(٢) في « رض » و « م » زيادة : في الظاهر.

(٣) الكافي ٣ : ١٧٥ / ٣.

(٤) راجع ج ٣ ص ٤٠٣.

(٥) الخلاصة : ٢٧٩.

(٦) رجال النجاشي : ١٦ / ١٧.

(٧) رجال الكشي ٢ : ٨١٣.


القول في غير هذا الموضع. والحسن بن علي بن فضال وابن بكير مضيا(١) . والإرسال واضح الحال ، بعد ما قدّمناه عن قريبٍ وبعيدٍ من المقال.

والسادس : فيه محمّد بن أحمد بن الصلت ، وهو مجهول الحال ؛ إذ لم أقف عليه في الرجال ، نعم في مشيخة الفقيه في الطريق إلى عيسى بن أعين روى الصدوقرحمه‌الله عن أبيه ، عن محمّد بن أحمد بن علي بن الصلت ، ( عن أبي طالب عبد الله بن الصلت(٢) )(٣) . واستفادة شي‌ءٍ من هذا الطريق غير الإهمال في الظاهر منتفية ، لكن التأمّل فيما أسلفناه من أحوال شيوخ الأجلاّء مثل علي بن الحسين بن بابويهقدس‌سره ربما يفيد الكمال للرجل المذكور.

ويؤيد بأنّ الكشي ذكر في ترجمة أحمد بن إسحاق الأشعري ما صورته : محمّد بن علي بن القاسم القمّي ، قال : حدّثني أحمد بن الحسين القمّي الآبي أبو علي ، قال : كتب محمّد بن أحمد بن الصلت إلى الدار كتاباً ذكر فيه قصّة أحمد بن إسحاق القمّي وصحبته ، وأنّه يريد الحجّ واحتاج إلى ألف دينار ، فإنْ رأى سيدي أنْ يأمر بإقراضه إيّاه ويسترجع منه في البلد إذا انصرفنا فأفعل. فوقّع ( صلّى الله عليه )(٤) « هي له متّأصلةً ، فإذا رجع فله عندنا سواها » الحديث(٥) .

__________________

(١) راجع ج ١ ص ١٢١ ، ٣٦١ ، ج ٢ ص ٦١ ، ٣١٢ ، ج ٣ ص ١٧ ، ١٢٥ ، ٢٠٣ ، ج ٤ ص ٣٧ ، ١٢٤.

(٢) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ١١٢.

(٣) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٤) في المصدر :عليه‌السلام .

(٥) رجال الكشي ٢ : ٨٣١ / ١٠٥١.


وهو يعطي أنّ له بالإمامعليه‌السلام اختصاصاً ( فإنّ الدار كناية عن الإمامعليه‌السلام )(١) إلاّ أنّ الطريق غير معلوم على وجهٍ يفيد الاعتماد عليه بجهالة أحمد بن الحسين. أمّا محمّد بن علي فالظاهر أنّه ماجيلويه(٢) ، وقد قدّمنا حاله.

ولا يخفى أنّ ما وقع في السند المبحوث عنه من قوله : عن محمّد بن أحمد بن الصلت موافق لما في الكشّي ، أمّا ما في المشيخة من زيادة لفظ « علي » فلا يضرّ بالحال ، لتعارف مثل هذا في الرجال.

ثم إنّ طريق المشيخة عن عبد الله بن الصلت كما في السند ، والذي يظهر من الرجال أنّ عبد الله جدّ لمحمّد بن أحمد المذكور ؛ لأنّ النجاشي ذكر الطريق إلى عبد الله عن علي بن عبد الله بن الصلت ، عن أبيه(٣) ، وقد علمت من المشيخة للصدوق أنّ محمّداً هو ابن أحمد بن علي بن الصلت(٤) ، وعلي ما(٥) في السند ، وفي الكشّي قد يتخيل عدم ذلك ، ويدفعه ما أسلفناه ، وأثر هذا هيّن بعد ما ذكرناه.

أمّا عبد الله بن الصلت وغيره فقد كرّرنا القول فيهم(٦) .

السابع : تقدّم مثله في الباب السابق(٧) ، وبيّنّا أنّ في هذا قرينة على‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : فالدار كناية مشهورة عن الإمامعليه‌السلام ، وفي « م » لا يوجد : عن الإمامعليه‌السلام .

(٢) في « رض » : محمّد بن ماجيلويه.

(٣) رجال النجاشي : ٢١٧ / ٥٦٤.

(٤) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ١١٢.

(٥) في « م » زيادة : قاله.

(٦) راجع ج ٣ : ٣٢٠ وج ٤ : ٣٠٤.

(٧) أي في باب وقت الصلاة على الميت.


أنّ أبان مع الإطلاق هو ابن عثمان في الظاهر(١) .

والثامن : موثق.

والتاسع : صحيح على ما مضى(٢) .

المتن :

في الأوّل : واضح ، و [ كذا](٣) الثاني.

[ و ] الظاهر أنّ المراد بما يلي الرجال ما يلي المصلّي على الجنائز ، واحتمال إرادة الرجال الأموات على معنى جعل الرجال على تقدير التعدد غير مفصولين بالنساء بعيد. واستشكال بعض الأصحاب الاجتزاء بالصلاة الواحدة مع اختلاف الوجه في الصغير والكبير(٤) لو صحّ الخبر يدفعه ، وغير بعيد تصحيحه من الفقيه ؛ لأنّ الصدوق رواه مرسلاً عن عليعليه‌السلام (٥) ، وقد قدّمنا الوجه في ذلك مراراً(٦) .

وينقل عن العلاّمة في التذكرة الجزم بالمنع ، ثم قال : ولو قيل بإجزاء الواحدة المشتملة على الوجهين بالتقسيط أمكن(٧) . وفيه : أنّ الجمع بين الشيئين المتنافيين في الفعل الشخصي موقوف على الدليل.

وفي الذكرى : أنّه يمكن الاكتفاء بنية الوجوب لزيادة الندب‌

__________________

(١) في ص ٣٧٤.

(٢) راجع ج ١ ص ٣٩ ، ٢٤٤ ، ج ٤ ص ٤٣٠.

(٣) أضفناه لاستقامة العبارة.

(٤) انظر المدارك ٤ : ١٧٦.

(٥) الفقيه ١ : ١٠٦ / ٤٩٢.

(٦) في ص : ٧٤٥.

(٧) التذكرة ٢ : ٦٧.


تأكيداً(١) ؛ وفيه نظر واضح.

ولا يخفى أنّ المراد بالتقديم ( في الخبر ، التقديم )(٢) إلى جهة القبلة.

والثالث : واضح المعنى أيضاً ، وربما كان في قوله : « يُصفّ بعضهم على أثر بعض » قرينة على المعنى الذي استبعد في الأوّل ، إلاّ أنّه محلّ كلام.

أمّا [ السادس] (٣) فظاهر المنافاة من وجهين ، الأوّل : جعل المرأة ممّا يلي الإمام ، والثاني : في كيفية الوضع ، إلاّ أنّ هذا الوجه يمكن أنْ يقال فيه : إنّ الأخبار الأُول مطلقة وهذا مقيّد. وفيه أنّ ظاهر الأخبار الأُول الوضع كيف كان على الإطلاق حيث إنّ الجواب في مقام التعليم(٤) الكافي عن الاحتياج إلى غيره ، إلاّ أنْ يقال : إنّ هذا وارد في كلّ مطلق ومقيد ، والتزامه مشكل.

أمّا ما قد يقال من أنّه يجوز اختصاص الكيفية المذكورة في الرواية بصورة جعل المرأة ممّا يلي الإمام ، والأخبار الأُول في غير هذه الصورة ؛ ففيه عدم معلومية القائل. وفي التهذيب : « ورأس الرجل ممّا يلي يمين الإمام »(٥) والظاهر سقوط لفظ « اليمين » هنا فيما وجدت من النسخ.

وفي الخبر دلالة على وقوف الإمام عند رأس المرأة ووسط الرجل ، إلاّ أن يُخصّ بحال الاجتماع ، بل وجعل المرأة ممّا يلي الإمام ، والقول في عدم القائل نحو ما مضى.

__________________

(١) الذكر : ٦٣.

(٢) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٣) في النسخ : الرابع ، والصحيح ما أثبتناه ، ولم يبحث في الخبر الرابع والخامس.

(٤) في « رض » : التسليم.

(٥) التهذيب ٣ : ٣٢٣ / ١٠٠٨.


[ والسابع ] (١) : كما ترى غير صريح المنافاة ؛ إذ التقديم فيه محتمل لأنْ يراد به جعله ممّا يلي الإمام ؛ إذ التقديم لا يأباه ، واحتمال أنْ يراد تقديمهم في الصلاة ثم الصلاة على النساء ممكن على بعد.

أمّا [الثامن] (٢) : فظاهره ترتيب الرجال إذا لم يكن معهم نساء على ما ذكر ، ثم القيام في وسط الجميع ، وهو يقتضي عدم اعتبار ما ورد في الميت الواحد ، فيؤيد ما قدّمناه من احتمال اختلاف الحال مع الاجتماع.

وأمّا إذا كان معهم نساء فالرجال ممّا يلي الإمام على ظاهر الخبر ، فيوافق الأخبار الأُول ، وإنّما يخالف في الترتيب.

وفيه دلالة على اعتبار وسط الرجال على الترتيب لا وسط الرجل.

وربما يدلّ الخبر على جواز الصلاة على الصغير والكبير في غير صورة يكون الرجال والنساء ، لأنّ الموتى يشملهم ، إلاّ أنْ يدّعى تبادر الرجال ، أو أنّ ذكر الصورة الثانية وهي الرجال مع النساء قرينة على أنّ الاولى رجال من غير نساء ولا صبيان.

وما تضمّنه من قوله أخيراً : « كما يصلّي على ميتٍ واحد » محتمل لأنْ يراد به ما ذكر في أوّل الرواية من التكبير خمس تكبيرات ( على معنى أنّه لا يكبّر لكل ميت خمس تكبيرات )(٣) وحينئذٍ يبقى حكم الدعاء من التذكير والتأنيث مسكوتاً عنه. ويحتمل أنْ يراد جميع ما يذكر للميت الواحد فهو للرجال مع النساء ، وحينئذٍ لا مانع من قصد الميت ، لشموله الكلّ ، هذا.

وما ذكره الشيخ من التخيير قد ينظر فيه بعد ما قرّرناه ، إلاّ أنّ المنقول‌

__________________

(١) في النسخ : والخامس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) في النسخ : السادس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».


عن العلاّمة في المنتهى : أنّ الترتيب ليس واجباً بلا خلاف ، واستدلّ عليه بما رواه الشيخ(١) ، وهو [ التاسع ](٢) .

وقد يقال : إنّ الخبر محتمل لأنْ يراد بالتقديم والتأخير في الصلاة على الميت على معنى أنّ المرأة لو قدّمها الولي وأخّر الرجل جاز وبالعكس ، لكن لا يخفى بعده عن سياق الخبر ، كاحتمال غيره.

وربما يقال بتقدير الاستحباب إنّ الجمع بين الأخبار ممكن بغير التخيير ، لكن الحال ما سمعت ، والله تعالى أعلم.

اللغة‌ :

قال في القاموس : الوَرك بالفتح والكسر ككتف ، ما فوق الفخذ(٣) . وفيه : الألية العجيزة ، أو ما ركب العجز من شحمٍ ولحم(٤) . وفيه العَجْز مثلّثة ، وكَنَدُسٍ وكَتِفٍ : مؤخّر الشي‌ء(٥) .

قوله :

باب المواضع التي يصلّى فيها على الجنائز‌

الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن أبان ، عن الفضل بن عبد الملك قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام : هل يصلّى على الميت في المسجد؟ قال : « نعم ».

__________________

(١) المنتهى ١ : ٤٥٧.

(٢) في النسخ : السابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) القاموس المحيط ٣ : ٣٣٣.

(٤) القاموس المحيط ٤ : ٣٠٢.

(٥) القاموس المحيط ٢ : ١٨٧.


سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن سنان ، عن العلاء بن رزين ، عن محمّد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام مثل ذلك.

فأمّا ما رواه محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين(١) ، عن موسى بن طلحة ، عن أبي بكر بن عيسى بن أحمد العلوي قال : كنت في المسجد وقد جي‌ء بجنازة ، فأردت أنْ أُصلّي عليها فجاء أبو الحسن الأوّلعليه‌السلام فوضع مرفقه في صدري فجعل يدفعني حتى أخرجني من المسجد ، ثم قال : « يا أبا بكر إنّ الجنائز لا يصلّى عليها في المسجد ».

فالوجه في هذا الخبر ضرب من الكراهية دون الحظر.

السند :‌

في الأوّل : معدود من الصحيح ، ولا يبعد كون أبان هو ابن عثمان ، لكن لم يحضرني الآن تعيّنه ، إلاّ أنّ في الظن كثرة رواية فضالة عنه ، كما أنّ تبادره مع الإطلاق ربما يدّعى ، أو أنّ الخبر من غير الكتاب(٢) .

والثاني : ضعيف بابن سنان على ما مضى القول فيه(٣) .

والثالث : فيه موسى بن طلحة ، وفي النجاشي : إنّه قريب الأمر(٤) . أمّا أبو بكر فمجهول الحال.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٧٣ / ١٨٣١ : عن محمّد بن الحسن.

(٢) في « رض » : الكتابين ، في « فض » : الكتابي.

(٣) راجع ج ١ ص ١١٧ ، ٣٣٤ ، ج ٢ ص ٣٣٤.

(٤) رجال النجاشي : ٤٠٥ / ١٠٧٤.


المتن :

في الأوّل : ظاهر.

والثالث : ما ذكره الشيخ فيه غير متعين ؛ لجواز كون الميت من قسم من لا يصلّى عليه في المسجد. واستقرب بعض الأصحاب الكراهة(١) ؛ للرواية المذكورة ، وما رواه الجمهور عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) ، وفيه ما لا يخفى.

وينقل عن أكثر الأصحاب ثبوت الكراهة في جميع المساجد ، إلاّ بمكّة شرّفها الله(٣) ، وفي المنتهى علّل استثناء مكّة بأنّ كلّها مسجد ، فلو كرهت الصلاة في بعض مساجدها لزم التعميم فيها أجمع ، وهو خلاف الإجماع(٤) ؛ هكذا نقل عنه. وأنت خبير بما فيه ، والأصل يقتضي عدم الكراهة ( إلى أن تثبت )(٥) .

قوله :

باب عدد التكبيرات على الأموات‌

الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « التكبير على الميت خمس تكبيرات ».

عنه ، عن القاسم بن محمّد ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « كبّر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خمساً ».

__________________

(١) كما في مجمع الفائدة ٢ : ٤٤٤.

(٢) سنن ابن ماجة ١ : ٤٨٦ / ١٥١٧.

(٣) حكاه عنهم في المدارك ٤ : ١٨٢.

(٤) المنتهى ١ : ٤٥٩.

(٥) ما بين القوسين ليس في « م ».


سعد بن عبد الله ، عن إبراهيم بن مهزيار ، عن أخيه علي بن مهزيار(١) ، عن حمّاد بن شعيب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « التكبير على الميت خمس تكبيرات ».

علي بن الحسين ، عن محمّد بن أحمد بن الصلت ، عن عبد الله ابن الصلت ، عن الحسن بن علي ، عن ابن بكير(٢) ، عن قدامة بن زائدة ، قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى على ابنه إبراهيم فكبّر خمساً ».

عبد الله بن الصلت ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي ولاّد ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن التكبير على الميت ، فقال : « خمساً ».

الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن كليب الأسدي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن التكبير على الميت ، فقال بيده : خمساً.

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن خالد البرقي ، عن أحمد بن النضر الخزّاز ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن التكبير على الجنازة هل فيه شي‌ء موقت؟ فقال : « لا ، كبّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إحدى عشرة ، وتسعاً ، وسبعاً ، وخمساً ، وستّاً ، وأربعاً ».

فما تضمّن هذا الخبر من زيادة التكبير على الخمس مرّات متروك بالإجماع ، ويجوز أنْ يكونعليه‌السلام أخبر عن فعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك ، لأنّه كان يكبّر ( على جنازةٍ ) (٣) واحدة أو اثنتين فيجاء بجنازةٍ

__________________

(١) لا يوجد في الاستبصار ١ : ٤٧٤ / ١٨٣٤ : عن أخيه علي بن مهزيار.

(٢) في « رض » و « م » : عن بكير.

(٣) ما بين القوسين ليس في « م ».


اخرى فيبتدئ من حيث انتهى خمس تكبيرات ، فإذا أُضيف ذلك إلى ما كان كبّر زاد على الخمس تكبيرات ، وذلك جائز على ما بيّناه في كتابنا الكبير.

وأمّا ما تضمّن من الأربع تكبيرات فمحمول على التقية ؛ لأنّه مذهب جميع من خالف الإمامية ، أو يكون إخباراً عن فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مع المنافقين أو المتهمين بالإسلام ، لأنّهعليه‌السلام كذا كان يفعل ، يدلّ على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن حمّاد ابن عثمان وهشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يكبّر على قومٍ خمساً وعلى آخرين أربعاً ، فإذا كبّر على رجلٍ أربعاً اتهم ».

علي بن الحسين ، عن عبد الله بن جعفر ، عن إبراهيم بن مهزيار ، عن أخيه علي ، عن إسماعيل بن همام ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال : « قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على جنازة فكبّر عليه خمساً ، وصلّى على آخر فكبّر عليه أربعاً ، فأمّا الذي كبّر عليه خمساً فحمد الله ومجّده في التكبيرة الأُولى ، ودعا في الثانية للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ودعا في الثالثة للمؤمنين والمؤمنات ، ودعا في الرابعة للميت ، وانصرف في الخامسة ، وأمّا الذي كبّر عليه أربعاً فحمد الله ومجّده في التكبيرة الأُولى ، ودعا لنفسه وأهل بيته في الثانية ، ودعا للمؤمنين والمؤمنات في الثالثة ، وانصرف في الرابعة ، ولم يدعُ له ، لأنّه كان منافقاً ».

علي بن الحسين ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن سالم ،


عن أحمد بن النضر ، عن عمرو بن شمر قال : قلت لجعفر بن محمّدعليهما‌السلام : جعلت فداك إنّا نتحدث بالعراق أنّ علياًعليه‌السلام صلّى على سهل بن حنيف ، فكبر عليه ستّاً ، ثم التفت إلى من كان خلفه فقال : « إنّه كان بدرياً » قال : فقال جعفرعليه‌السلام : « إنّه لم يكن كذلك ، ولكنه صلّى عليه خمساً ، ثم رفعه ومشى به ساعة ، ثم وضعه وكبّر عليه خمساً ، ففعل ذلك خمس مرّات حتى كبّر عليه خمساً وعشرين تكبيرة ».

ويحتمل أنْ يكون أراد بقوله : « أربعاً » إخباراً عمّا يقال بين التكبيرات من الدعاء ، لأنّ التكبيرة الخامسة ليس بعدها دعاء ، وإنّما ينصرف بها عن الجنازة ، يدلّ على ذلك ما رواه :

علي بن الحسين ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن أحمد الكوفي ولقبه حمدان ، عن محمّد بن عبد الله ، عن محمّد بن أبي حمزة ، عن محمّد بن يزيد ، عن أبي بصير قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام جالساً فدخل رجل فسأله عن التكبير على الجنائز ، فقال : « خمس تكبيرات » ثم دخل آخر فسأله عن الصلاة على الجنائز ، فقال له : « أربع صلوات » فقال الأوّل : جعلت فداك سألتك فقلت : خمساً وسألك هذا فقلت : أربعاً؟ فقال : « إنّك سألت(١) عن التكبير وسألني هذا عن الصلاة » ثم قال : « إنّها خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات » ثم بسط كفه فقال : « إنهن خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات ».

وقد استوفينا ما يتعلق بهذا الباب في كتابنا الكبير.

__________________

(١) في الإستبصار ١ : ٤٧٦ / ١٨٤٢ : سألتني.


السند :‌

في الأوّل : صحيح.

والثاني : فيه القاسم بن محمّد ، وهو الجوهري الواقفي. وعلي بن أبي حمزة البطائني كذلك. وأبو بصير تكرّر القول فيه كغيره(١) .

والثالث : مضى غير(٢) بعيد(٣) ، وبيّنا حال إبراهيم بن مهزيار إجمالاً. إمّا حمّاد بن شعيب ( فهو كذلك في النسخ التي رأيتها ، وفي نسخةٍ معتبرةٍ للتهذيب : عن حمّاد ، عن شعيب(٤) )(٥) والظاهر أنّه الصواب ؛ لأنّ حماداً يروي عن شعيب العقرقوفي الثقة في الرجال(٦) ، وهو يروي عن أبي بصير ؛ وأمّا حمّاد بن شعيب فهو موجود في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ مهملاً(٧) ، إلاّ أنّ روايته عن أبي بصير لم أقف عليها الآن في غير هذا الموضع ، وباب الاحتمال واسع ، إلاّ أنّ الأمر سهل في المقام.

والرابع : تقدّم بعينه عن قريب(٨) ، وذكرنا جهالة محمّد بن أحمد. والحسن بن علي تقدّم في السند السابق مفسراً بابن فضّال(٩) . وقدامة بن زائدة زائد عن السند السابق ، وهو مهمل في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب‌

__________________

(١) راجع ج ١ ص ٧٢ ، ج ٢ ص ٩٠ ، ٢١٠ ، ج ٤ ص ١٦ ، ٣٩٢ ، ج ٦ ص ٤٦.

(٢) في « رض » : عن.

(٣) في ص ٣٨٥.

(٤) التهذيب ٣ : ٣١٥ / ٩٧٨.

(٥) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٦) رجال النجاشي : ١٩٥ / ٥٢٠.

(٧) رجال الطوسي : ١٧٣ / ١٣٠.

(٨) في ص ٣٨٥ ٣٨٧.

(٩) راجع ص ٣٨٢ ، ٣٨٥.


الشيخ(١) ، والرواية هنا عن أبي جعفرعليه‌السلام ، فيحتمل كونه غيره ، أو روايته عنهما ، والشيخ لم يذكر ذلك ، والأمر سهل.

والخامس : فيه أنّ الطريق إلى عبد الله بن الصلت غير مذكور في المشيخة ، وفي الفهرست له طريق إلى كتابه(٢) ، فلا يفيد مع أنّه غير سليم.

فإنْ قلت : قد ذكر الشيخ في الفهرست طرقاً إلى جميع كتب الحسن ابن محبوب ورواياته(٣) ، وهذا من جملة رواياته ، فينبغي الاعتماد على ذلك ؛ لما تقدّم من أنّ إخبار الشيخ بأنّ هذا الخبر من رواياته كافٍ ، وإنْ لم يكن الطريق إليه صحيحاً هنا.

قلت : لما ذكرت وجه فصّلناه فيما مضى(٤) ، إلاّ أنّ الطريق إلى الحسن بن محبوب فيها نوع كلامٍ يعرف من مراجعة الفهرست ، وغير بعيد توجيه الصحّة ؛ لأنّ من الطرق عدّة من أصحاب الشيخ ، عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه ، ومن الطرق ابن أبي جيد ، والأوّل فيه العدّة ومعلوميتها غير ظاهرة ، أمّا الثاني فابن أبي جيد ظاهر جماعة من الأصحاب الاعتماد عليه ، لأنّه من الشيوخ المعتبرين(٥) .

فإن قلت : يحتمل أن يكون إسناد هذا الخبر هنا السابقَ عليه ، على طريق الكليني من البناء على الإسناد السابق ، فلا يكون صحيحاً ؛ لجهالة محمّد بن أحمد المذكور في السابق.

قلت : هذا غير معهود من الشيخ ، إلاّ أنّ باب الاحتمال واسع ، وعلى‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٢٧٥ / ٣٣.

(٢) الفهرست : ١٠٤ / ٤٣٧.

(٣) الفهرست : ٤٦ / ١٥١.

(٤) راجع ج ٢ ص ٣١ ٣٣.

(٥) الدراية : ٦٩.


تقديره لا ينافي الصحّة من الجهة التي أشرنا إليها ، فينبغي تأمّل ذلك كلّه فإنّه مهم.

والسادس : فيه كليب الأسدي ، وهو مهمل في الرجال(١) .

والسابع : معلوم الحال بما تكرّر من المقال(٢) .

والثامن : صحيح.

والتاسع : تقدّم القول في المهمّ من رجاله(٣) .

والعاشر : أيضاً مضى الكلام في رجاله مكرّراً(٤) ، لكن في النسخة التي نقلت منها : علي بن إدريس ، ( عن أحمد بن إدريس )(٥) ، وهو سهو ، وفي التهذيب : علي بن الحسين(٦) ، فنقلت ما هنا على ما في التهذيب ، للجزم بذلك ؛ وفي الظن أنّ الأصل كان : علي ، عن(٧) أحمد بن إدريس ، فاشتبه على الناسخ.

والحادي عشر : فيه محمّد بن أحمد الكوفي الملقّب حمدان ، وفي رجال من لم يرو عن الأئمةعليهم‌السلام من كتاب الشيخ : حمدان بن سليمان النيشابوري ، روى عنه محمّد بن يحيى العطّار(٨) . والنجاشي قال : ( حمدان ابن سليمان أبو سعيد النيشابوري ثقة من وجوه أصحابنا ، ذكر ذلك أبو عبد الله )(٩) أحمد بن عبد الواحد ، ثم ذكر الطريق إلى كتابه ، والراوي عنه‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ١٣٣ / ٢.

(٢) راجع ج ١ ص ١٨٥ ١٨٦ ، ج ٢ ص ٢٨ ٢٩ ، ج ٣ ص ٣٦٣ ٣٦٤.

(٣) راجع ج ٣ ص ٤٠٣ ، وص ٣٨٥ من هذا الجزء.

(٤) راجع ج ١ ص ١٨٥ ، ج ٢ ص ٢٨ ، ج ٣ ص ٣٦٣.

(٥) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٦) التهذيب ٣ : ٣١٧ / ٩٨٤.

(٧) في « رض » و « م » : بن.

(٨) رجال الطوسي : ٤٧٢ / ٥٨.

(٩) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


محمّد بن يحيى(١) .

والظاهر من هذا أنّه الرجل المذكور ؛ لأنّ الراوي عنه هنا محمّد بن يحيى ، إلاّ أنّ وصفه بالكوفي في الرواية وبالنيشابوري في الرجال لا يوافقه ، إلاّ أن يكون انتقل إلى أحد البلدين.

ثم إنّ استفادة توثيقه من النجاشي يتوقف على ثبوت توثيق أحمد بن عبد الواحد ، وقد تقدّم القول فيه مفصّلاً(٢) . واحتمال رجوع الإشارة من النجاشي إلى أنّه من وجوه الأصحاب ، لا إلى التوثيق ، بعيد عن إشارة البعيد ، ويقرّبه أنّ الظاهر عود الإشارة إلى الجميع من التوثيق وكونه من الوجوه ، ولو رجع إلى البعيد فقط لزم ما لا يخفى ، فليتأمّل.

أمّا محمّد بن عبد الله فمشترك(٣) . ومحمّد بن أبي حمزة تكرّر القول فيه من أنّه الثقة على الظاهر(٤) ، واحتمال غيره بعيد. أمّا محمّد بن يزيد فهو مشترك بين مهملين(٥) . وأبو بصير معلوم ممّا تكرّر الكلام فيه(٦) .

المتن :

في الأخبار الستّة الأُول ظاهر الدلالة على أنّ تكبيرات صلاة الجنازة خمس ، أمّا الدلالة على الوجوب فغير ظاهرة ، لكن بعض الأصحاب ذكر‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٣٨ / ٣٥٧.

(٢) راجع ج ٤ ص ١٩٣ ١٩٤.

(٣) هداية المحدثين : ٢٤١.

(٤) راجع ج ١ ص ١٤٠ ، ج ٢ ص ٢٣٢ ، ج ٣ ص ٢٦٦ ، ٣٣١ ، ج ٤ ص ٢٧١ ، ٤٩٢ ، ج ٥ ص ١٦.

(٥) هداية المحدثين : ٢٥٩.

(٦) راجع ج ١ ص ٧٢ ، ج ٢ ص ٩٠ ، ٢١٠ ، ج ٤ ص ١٦ ، ٣٩٢ ، ج ٦ ص ٤٦.


الإجماع على الوجوب ، وأسنده إلى العلاّمة في المنتهى(١) ، وعبارة المنتهى المنقولة : وهي خمس تكبيرات بينها أربعة أدعية ، وعليه علماؤنا أجمع(٢) . وغير خفي عدم دلالتها على الوجوب ؛ إذ الأدعية الخلاف فيها موجود ، فإنّ المحقّق في الشرائع قال : والدعاء بينهن غير لازم ، ولو قلنا بوجوبه لم نوجب لفظاً(٣) .

وما قاله الشهيدرحمه‌الله في الذكرى من أنّ الأصحاب بأجمعهم يذكرون ذلك في كيفية الصلاة ، ولم يصرّح أحد منهم بندبيته ، والمذكور في بيان الواجب ظاهره الوجوب(٤) ؛ لا يخلو من غرابة بعد قول المحقّق.

فإنْ قلت : ما وجه عدم دلالة الأخبار على الوجوب؟

قلت : لأنّ الأوّل يدلّ على أنّ التكبيرات خمس ، وهذا لا يستفاد منه الوجوب ، إلاّ بتقدير إرادة ( التكبير الواجب )(٥) ، وهو غير معلوم.

والثاني : يدلّ على أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كبّر خمساً ، والتأسّي إنّما يجب فيما علم وجهه عند المحققين.

والثالث : كالأوّل.

والرابع : كالثاني.

والخامس : والسادس كذلك(٦) .

نعم روى الصدوق في الفقيه بطريقه الصحيح عن عبد الله بن سنان ،

__________________

(١) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٤٣١.

(٢) المنتهى ١ : ٤٥١.

(٣) الشرائع ١ : ١٠٦.

(٤) الذكرى ١ : ٤٣٣.

(٥) بدل ما بين القوسين في « رض » : التكبيرات الوجوب.

(٦) أي كالأوّل.


عن الصادقعليه‌السلام ، أنّه قال : « لمّا مات آدمعليه‌السلام فبلغ إلى الصلاة عليه فقال هبة الله لجبرئيل : تقدّم يا رسول الله فصلّ على نبي الله ، فقال جبرئيلعليه‌السلام : إنّ الله أمرنا بالسجود لأبيك فلسنا نتقدّم أبرار ولده وأنت من أبرّهم ، فتقدّم فكبر خمساً عدّة الصلوات التي فرضها الله عزّ وجلّ على امّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهي السنّة الجارية في ولده إلى يوم القيامة »(١) .

وهذا الخبر ربما يقتضي الوجوب وإنْ كان في البين كلام ، غير أنّ عدم الخلاف يسهّل الخطب. ومن هنا يعلم أنّ ما عساه يقال من أنّ بعض الأخبار الدالّة على أنّ صلاة الجنازة استغفار(٢) (٣) ، لا يخلو من دلالة على عدم وجوب ما سوى المذكور ؛ يدفعه ما ذكرناه ، مضافاً إلى وجوب غير ما ذكر بلا ريب فيما يعلم.

وبالجملة : فالمقصود ممّا قلناه مجرّد التنبيه على حقيقة الحال ، ليتّضح ما يأتي من المقال.

أمّا السابع : فما ذكره الشيخ في توجيهه أوّلاً لا يخلو من وجاهة وإنْ بعد عن الظاهر.

أمّا ما قاله من حمل الأربع على التقية فقد يتوجه عليه أنّ الخبر إذا كان واحداً فحمل بعضه على التقية والبعض على وجهٍ يوافق المذهب الحقّ مستبعد.

وجوابه أنّ من أهل الخلاف من قال بالخمس(٤) ، على ما يقتضيه‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٠٠ / ٤٦٨ ، الوسائل ٣ : ٧٦ أبواب صلاة الجنازة ب ٥ ح ١٣.

(٢) الوسائل ٣ : ٥٩ أبواب صلاة الجنازة ب ١.

(٣) في « فض » زيادة : ونحو ذلك.

(٤) حكاه في شرح النووي عن ابن أبي ليلى ، ( إرشاد الساري ٤ ) : ٢٨٥.


كلام الشيخ بعد الخبر الآتي في ما بعد هذا الباب المتضمّن للانصراف بالخامسة مع قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ، من أنّه محمول على التقية ، وحينئذٍ لا مانع من الحمل على التقية ، ولو فرض انتفاؤه أمكن توجيه الخمس بما قاله الشيخ ، ويندفع به شرّ المخالفين.

وحمل الشيخ على أنّه إخبار عن فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مع المنافقين إنْ أراد به كما هو الظاهر غير التقية ففيه أنّه لا ينافي التقية ، والأمر سهل.

والثامن : المستدلّ به قد ذكره في التهذيب بزيادة قوله : يعني بالنفاق. والرواية بطريقٍ حسن في الزيادات عن محمّد بن يعقوب(١) ، وكذلك في الكافي(٢) ، وهي محتملة لأن تكون من محمّد بن يعقوب ، أو من الراوي ، لكن احتمال كونها من الراوي عن الإمامعليه‌السلام له قرب ، إذ الجزم بقوله : يعني ، يقتضي ذلك ، ولولاه لأمكن احتمال غير النفاق وإنْ بعد.

ثم إنّ التفسير باتّهام النفاق ربما يدلّ على أنّ غير المنافق يصلّى عليه بالخمس ، فيدخل فيه المخالف بتقدير الصلاة عليه ، إلاّ أنْ يدّعى دخوله في المنافق ، وفي الذكرى بعد ذكر الخبر قال : وهو جمع حسن بين ما رواه العامّة لو كانوا يعقلون(٣) ، انتهى.

وما عساه يقال : إنّ التكبير أربعاً يقتضي تحقق النفاق ، فما وجه ذكر التهمة؟.

__________________

(١) ذكرها الشيخ في موضعين ، الأوّل في الزيادات : التهذيب ٣ : ١٩٧ / ٤٥٤ عن محمّد بن يعقوب ، وفيه زيادة قوله : يعني بالنفاق ، والآخر في الصلاة على الأموات كما هنا في ، التهذيب ٣ : ٣١٧ / ٩٨٢.

(٢) الكافي ٣ : ١٨١ / ٢.

(٣) الذكرى ١ : ٤٣١.


يمكن الجواب عنه بقيام احتمال التخيير في التكبيرات بين الخمس والأربع ونحو ذلك.

أمّا التاسع : فظاهر في أنّ التكبير أربعاً على المنافق ، حيث قال : « ولم يدعُ له لأنّه كان منافقاً » فيؤيد إرادة الاتّهام بالنفاق في الثامن.

وقد ذكر شيخناقدس‌سره في المدارك عند قول المحقق : وإنْ كان منافقاً اقتصر المصلّي على أربع وانصرف بالرابعة ـ : إنّ المراد بالمنافق هنا المخالف ، كما يدلّ عليه ذكره في مقابلة المؤمن في الأخبار وكلام الأصحاب(١) ، انتهى.

وما ذكره من دلالة الأخبار فالذي وقفت عليه ما رواه الشيخ في الباب الآتي(٢) عن أحمد بن محمّد ، عن إسماعيل بن سعد الأشعري ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، قال : سألته عن الصلاة على الميت؟ فقال : « أمّا المؤمن فخمس تكبيرات ، وأمّا المنافق فأربع ».

وهذا الحديث لا يقتضي انحصار المنافق في المخالف ، وإذا عملنا بالخبر المبحوث عنه دلّ على المنافق غير المخالف ؛ لأنّ فعلهصلى‌الله‌عليه‌وآله على المنافق يقتضي ما ذكرناه ، والخبر الثامن مع صحّته يدلّ أيضاً ، غاية الأمر إمكان أنْ يقال : إنّ المخالف يُدعى عليه والمنافق غيره لا يُدعى عليه ولا له ؛ لدلالة الخبر المبحوث عنه على الانصراف في الرابعة. وقد يقال : إنّ الخبر يدلّ على عدم الدعاء له ، أمّا الدعاء عليه فلا مانع منه ، والانصراف بالرابعة يحتمل أنْ يراد به عدم الاحتياج إلى تكبيرٍ خامس.

فإنْ قلت : إثبات الدعاء على المنافق غير المخالف محتاج إلى الدليل.

__________________

(١) المدارك ٤ : ١٦٩.

(٢) باب : أنه لا تسليم في الصلاة على الميت ، انظر ص ٤١٤.


قلت : قد روى الصدوق عن عبيد الله بن علي الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، أنّه قال : « إذا صلّيت على عدو الله فقل » إلى آخره(١) . وروى في الكافي ( الحديث عن الحلبي في الحسن نحوه )(٢) (٣) . وروى أيضاً في الحسن عن محمّد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال : « إنْ كان جاحداً للحقّ فقل : اللهم » إلى آخره(٤) .

ولا يخفى أنّ تمييز المنافق من المخالف بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله محلّ خفاء ، هذا.

ويظهر من بعض الأصحاب التوقف في وجوب الدعاء على المخالف ، من حيث إنّ الأربع يخرج بها من الصلاة(٥) ، واعترضه شيخناقدس‌سره بأنّ الدعاء للميت أو عليه لا يتعين كونه بعد الرابعة ، قالقدس‌سره : وقد ورد بالدعاء على المنافق روايات ، منها : ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن صفوان بن مهران الجمّال ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « مات رجل من المنافقين فخرج الحسين بن عليعليهما‌السلام يمشي فلقي مولىً له ، فقال له : إلى أين تذهب؟ فقال : أفرّ من جنازة هذا المنافق أنْ أُصلّي عليه ، فقال له الحسينعليه‌السلام : قم إلى جنبي فما سمعتني أقول فقل مثله ، فرفع يديه فقال. »(٦) (٧) .

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٠٥ / ٤٩١.

(٢) ما بين القوسين ليس في « فض » ، وفي « م » بنقيصة : نحوه.

(٣) الكافي ٣ : ١٨٩ / ٤.

(٤) الكافي ٣ : ١٨٩ / ٥ ، الوسائل ٣ : ٧١ أبواب صلاة الجنازة ب ٤ ح ٥.

(٥) الذكرى ١ : ٤٣٩.

(٦) الفقيه ١ : ١٠٥ / ٤٩٠.

(٧) المدارك ٤ : ١٧٠.


وهذا الحديث لا يخفى أنّه غير دالّ على أنّهعليه‌السلام صلّى على المنافق ليصلح لردّ ما ذكره القائل من الانصراف بالرابعة ، ولا يثبت الدعاء في غير الرابعة ، على أنّ في وصفه بالصحّة تأمّلاً ، لولا ما قدّمناه من إخبار الصدوق.

وقد ذكرقدس‌سره الخبر الذي نقلناه ( عن الكافي حسناً(١) . ولا يخفى أنّه ظاهر في الصلاة على عدوّ الله ، وقد سبق ما قلناه )(٢) عنه من أنّ وجوب الصلاة على المؤمن انعقد عليها الإجماع ، وغير المؤمن لا تخلو الأدلّة على الوجوب عليه من ضعفٍ في سند ، أو قصورٍ في دلالة ، والواجب التمسك بمقتضى الأصل ، إلى أنْ يقوم على الوجوب دليل.

وغير خفي أنّ خبر الكليني ظاهر الدلالة على الصلاة على عدوّ الله ، والخبر الثامن من المبحوث عنها هنا كذلك ، والخبران عند شيخنا معتمد عليهما ، فالقصور من جهة السند منتفٍ ، ومن جهة الدلالة على الوجوب يمكن توجيههما ، لكن ينبغي الكلام في مشروعية الصلاة ؛ لدلالة الخبرين وغيرهما عليها ، غاية الأمر أنّ هذه الصلاة إمّا أنْ توصف بالاستحباب أو هي نوع من الدعاء المستحب ، ولم أر الآن من أوضح المقام ، وفعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يقتضي استحباب التأسّي ، فليتأمّل.

وأمّا العاشر : فذكره من الشيخ في مقام الاستدلال على مطلوبه غير واضح الوجه ؛ لأنّ مفاده جواز تكرار الصلاة على الوجه المبيّن في الرواية ، والمطلوب إثبات الإخبار عن فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مع المنافقين ، ويمكن أنْ يوجّه مراد الشيخ بأنّ الخبر تضمّن صدره السؤال عن ما روي أنّ [عليّاًعليه‌السلام ](٣)

__________________

(١) المدارك ٤ : ١٧٠ ، وهو خبر محمّد بن مسلم المتقدّم في ص ٤٠٤.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) في النسخ : النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والصواب ما أثبتناه.


كبّر على سهل بن حنيف ستّاً فنفاه الإمامعليه‌السلام ، ونفيه يدلّ على أنّ التكبير لا يكون أزيد من خمس ، إلاّ على الوجه المذكور ، فيدلّ على أنّ الخبر الذي بصدد توجيهه الشيخ منتفٍ عنه الموافقة لغير المخالفين ، لا أنّه موافق لهم.

لكن لا يخفى أنّ الشيخ في التهذيب زاد احتمالاً في الخبر الذي هو بصدد توجيهه ، وهو أنّه إذا كان أهل الميت يريدون أنْ يكبّروا عليه أربعاً فيتركون مع اختيارهم ، واستدلّ على هذا بما رواه عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن إسماعيل ( بن بزيع ، عن محمّد بن عذافر ، عن عقبة ، عن جعفر ، قال : سُئل جعفرعليه‌السلام )(١) عن التكبير على الجنائز؟ فقال : « ذاك إلى أهل المبيت ما شاؤوا كبّروا » [ فقيل](٢) إنّهم يكبّرون أربعاً ، فقال : « ذاك إليهم » ثم قال : « أما بلغكم أنّ رجلاً صلّى عليه عليعليه‌السلام فكبّر عليه خمساً حتى صلّى خمس صلوات » الحديث(٣) .

وفيه دلالة على أنّ التكبيرات تابعة للإرادة.

ومن عجيب ما وقع للشيخ في التهذيب أنّه قال بعد الخبر المتضمّن للإحدى عشرة تكبيرة والتسع والست والأربع ـ : ما تضمّنه من الزيادة على الخمس مرّات متروك بالإجماع ، ويجوز أنْ يكون أخبر عن فعل النبي ، إلى آخر ما ذكره هنا(٤) ، ثم ذكر احتمال إرادة أهل الميت الأربع ، واستدلّ بما قدّمناه من الرواية عنه.

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».

(٢) في النسخ : فقال ، وما أثبتناه من المصدر.

(٣) التهذيب ٣ : ٣١٨ / ٩٨٥ ، الوسائل ٣ : ٨٦ أبواب صلاة الجنازة ب ٦ ح ١٨.

(٤) التهذيب ٣ : ٣١٦.


وأنت خبير بأنّ الإجماع على نفي الزائد عن الخمس ينافي مدلول الرواية المستدلّ بها ، حيث تضمّنت قوله : « ما شاؤوا كبّروا » وذكر الأربع في الرواية بعد ذلك لا يدلّ على اختصاص النقيصة بالإرادة ، هذا.

ثم إنّ ( الجواب )(١) في الخبر المبحوث عنه المتضمّن لنفي الست ليس على وجه المنع منها لكونها غير مشروعة ، بل لأنّ الواقع من عليّعليه‌السلام على غير ما نقل ، فلا يتمّ توجيه مرام الشيخ بالخبر المبحوث عنه في الكتابين ؛ لأنّه ذكره في التهذيب كما هنا.

وعلى كلّ حال إنْ تحقق المنع من زيادة التكبير أمكن حمل النفي في الخبر على عدم المشروعية ، وبدونه فاحتمال نفي الواقع ممكن.

ومن هنا يعلم أنّ إطلاق بعض الأصحاب بطلان صلاة الجنازة بالنقيصة عن الخمس إذا لم يمكن تداركه(٢) محلّ تأمل إذا لم يثبت الإجماع.

وقول شيخناقدس‌سره : إنّ الصلاة لا تبطل بالزيادة ؛ لتحقق الخروج بالخامسة ، نعم يأثم مع اعتقاد المشروعية(٣) . محلّ بحث ؛ لأنّ الزيادة إنْ كانت من أوّل الصلاة بمعنى قصد فعل الستّة مثلاً فالبطلان بتقدير ثبوت عدم شرعيتها له وجه ؛ وإنْ كان الشروع بقصد الخمس أمكن ما ذكر.

ويظهر من كلام بعض ركنية التكبيرات(٤) ، والكلام في الدليل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما حرّرناه في المقام قد أشرنا إليه في أوّل‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « فض » : الخبر المستدلّ به الشيخ في التهذيب قد ذكر قبله الخبر المبحوث عنه هنا ، وربما كان في خبر التهذيب دلالة على أن.

(٢) كما في المدارك ٤ : ١٦٥.

(٣) المدارك ٤ : ١٦٥.

(٤) جامع المقاصد ١ : ٤٢٢.


البحث من جهة الإجماع ، وبالتأمّل الصادق تظهر حقيقة الأمر.

وأمّا توجيه الشيخ الأخير فمن البعد بمكان ؛ لأنّه يوجب زيادة التخالف بين الأعداد في الخبر ، الموجب لمنافرة الحكمة في بيان الأحكام ، ولعلّ الشيخ لو ذكر هذا في مقام التقية على معنى أنّ التقية تندفع بذكر الأربع مع كون الكلام صحيحاً بإرادة الدعوات كان أولى.

والخبر الحادي عشر : واضح المعنى ، والله تعالى أعلم.

قوله :

باب أنّه لا قراءة في الصلاة على الميت‌

محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة(١) ، عن محمّد بن مسلم وزرارة ومعمّر بن يحيى وإسماعيل الجعفي ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « ليس في الصلاة على الميت قراءة ولا دعاء موقّت ، تدعو بما بدا لك ، وأحقّ الموتى أنْ يدعى له(٢) أنْ يبدأ بالصلاة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن عمّه حمزة بن بزيع ، عن علي بن سويد عن الرضاعليه‌السلام فيما نعلم قال في الصلاة على الجنائز ، قال : « تقرأ في الأُولى بأُمّ الكتاب ، وفي الثانية تصلّي على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتدعو في الثالثة للمؤمنين والمؤمنات ، وتدعو في الرابعة لميتك ، والخامسة تنصرف بها ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٧٦ / ١٨٤٣ يوجد : عمر بن أُذينة.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٧٦ / ١٨٤٣ يوجد : المؤمن و.


وما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن جعفر بن محمّد ، عن(١) عبد الله القمّي ، عن عبد الله بن ميمون القدّاح ، عن جعفر ، عن أبيه : « أنّ علياًعليه‌السلام كان إذا صلّى على ميت قرأ بفاتحة الكتاب ، ويصلّي على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله » تمام الحديث.

فالوجه في هذين الخبرين التقية ، لأنّهما موافقان لمذاهب بعض العامّة.

السند :‌

في الأوّل : حسن ، ورجاله المشاركون لمحمّد بن مسلم مضى القول فيهم مفصّلاً(٢) .

والثاني : فيه حمزة بن بزيع ، وحاله في الرجال أنّه غير ممدوح ولا موثق(٣) ، وغيرهما السكوت عنه أولى ، وقول العلاّمة في الخلاصة : إنّه من الثقات(٤) . موهوم من النجاشي ، فإنّه ذكر في ترجمة محمّد بن إسماعيل بن بزيع(٥) ما أوقع العلاّمة في الوهم ، كما نبّه عليه الوالد ـقدس‌سره في فوائد المنتقى(٦) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٧٧ / ١٨٤٥ : بن.

(٢) راجع ج ١ ص ٥٦ ، ج ٢ ص ٣٥٥ ، ٤٠٠ ، ج ٣ ص ١٦٦ ، ٣٠٧ ، ج ٤ ص ٢٦١ ، ٢٩٢ ، ج ٥ ص ٦٦ ، ٢٩٧ ، ج ٦ ص ١١٤.

(٣) رجال الطوسي : ٣٧٤ / ٣٦.

(٤) الخلاصة : ٥٤ / ٥.

(٥) رجال النجاشي : ٣٣٠ / ٨٩٣.

(٦) منتقى الجُمان : ١٨.


أمّا علي بن سويد فقد وثّقه الشيخ في رجال الرضاعليه‌السلام من كتابه(١) ، والنجاشي ذكره بما لا يزيد عن الإهمال ، وذكر أنّه روى عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام ، وقيل : إنّه روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وليس أعلم(٢) . وفي الخلاصة قال العلاّمة : إنّه ثقة من أصحاب الرضاعليه‌السلام ، ثم حكى روايةً عن الكشّي تشهد بأنّه نزل من آل محمّد منزلةً خاصّة(٣) . وفي فوائد جدّيقدس‌سره عليها ما هذه صورته : فيه مع عدم سلامة السند أنّه شهادة لنفسه ، ففي إثبات مدحه بذلك نظر ، فضلاً عن توثيقه(٤) ، انتهى.

ولا يخفى أنّ العلاّمة استند في توثيقه إلى الشيخ لا إلى الرواية ، وإنّما ذكرها لزيادة فائدة في الجملة.

وما تضمّنه السند من قوله : فيما نعلم ، محتمل لأن يكون من الرواة غير علي بن سويد ، لكن الشيخ في التهذيب ذكر أنّ الشك من الراوي ، وهو علي بن سويد ، لأنّه قال : ( أوّل ما في هذا الخبر : )(٥) أنّه قال : عن الرضا فيما نعلم ، ولم يروه متيقناً وإنما رواه شاكّاً ، وما يكون الراوي شاكّاً فيما يخبر عنه يجوز أنْ يكون قد وَهَم في قوله : « تقرأ في الأُولى بأُمّ الكتاب » وأيضاً فإنّه روى أحمد بن محمّد ، وساق السند إلى علي بن سويد السّائي ، عن أبي الحسن الأوّلعليه‌السلام مثل ذلك. ثم قال الشيخ : وروى في هذه الرواية عن أبي الحسن الأوّل يعني موسىعليه‌السلام ، وفي الرواية الأُولى‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٨٠ / ٦.

(٢) رجال النجاشي : ٢٧٦ / ٧٢٤.

(٣) الخلاصة : ٩٢ / ٥.

(٤) حواشي الشهيد الثاني على الخلاصة : ١٦.

(٥) بدل ما بين القوسين في « م » : في أوّل هذا الحديث.


عن الرضاعليه‌السلام ، والراوي واحد ، وهذا يبيّن أنّه وهم في الأصل(١) ، انتهى.

ولا يخفى أنّه يتوجه على الشيخ أوّلاً : أنّ الظاهر العلم لا الشك ، ثم التعبير بقوله : نعلم ، ربما كان دالاًّ على أنّ القائل الرواة عن علي بن سويد ، والوجه في ذلك احتمال كون علي بن سويد رواه مضمراً ، فظهر لكلّ راوٍ أنّه عن الرضاعليه‌السلام ، فوقع التعبير بما ذُكر. ولو نوقش في هذا فاحتمال القول من علي بن سويد أو من غيره للشك بعيد ، وبتقديره لا مانع من الشك في الرواية عن الرضاعليه‌السلام والجزم بالرواية عن موسىعليه‌السلام .

وأمّا ثانياً : فلأنّ النجاشي قد سمعت قوله في علي بن سويد ، وهو يدلّ على أنّه لم يرو عن الرضاعليه‌السلام ، وربما يعطي هذا أنّ القائل غير علي ابن سويد ، فليتأمّل.

والثالث : فيه جعفر بن محمّد ، وفي رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام من كتاب الشيخ : جعفر بن محمّد الكوفي روى عنه محمّد بن أحمد بن يحيى(٢) . وفي كتاب الرجال(٣) لشيخناقدس‌سره كلام في هذا حاصله أنّ الذي ينبغي أحمد بن محمّد بن يحيى ، لوجهٍ ذكره ، وأظنّه موهوماً.

والحاصل أنّه بعد ما ذكرناه عن الشيخ قال : وفيه نظر ، لأنّه روى أبو جعفر بن بابويه عنه كتاب عبد الله بن المغيرة ، وأبو جعفر يروي عن أبيه ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى. والذي رأيته روايته(٤) عن جعفر بن علي الكوفي لا ابن محمّد.

__________________

(١) التهذيب ٣ : ١٩٣.

(٢) رجال الطوسي : ٤٦١ / ٢٣.

(٣) منهج المقال : ٨٥.

(٤) ليست في « رض » و « م ».


وأمّا عبد الله القمّي [ فالظاهر ](١) أنّه عبد الله بن الصلت ، لأنّه الراوي عن عبد الله بن ميمون في الفهرست ، ويروي عن عبد الله بن ميمون : جعفر ابن محمّد بن عبيد(٢) الله(٣) . ولا يبعد كون جعفر بن محمّد المذكور هو هذا وإنْ كان بواسطة عبد الله. وجعفر مهمل في الفهرست(٤) . وعبد الله بن ميمون ثقة في النجاشي(٥) ، وفي الكشّي فيه قدح(٦) لا يخفى حاله على من راجعه.

المتن :

في الأوّل : استدلّ به بعض الأصحاب على عدم تعين لفظ مخصوص في الدعاء بين التكبيرات(٧) ؛ لأنّ الظاهر من قوله : « موقّت » الموظف على التعيّن(٨) ، بقرينة قوله : « تدعو بما بدا لك » وما ورد في بعض الأخبار(٩) بما ظاهره التوظيف يحمل على الأكملية.

وفي الخبر أيضاً دلالة على ذلك من قوله : « وأحقّ الموتى » على ما هنا وفي التهذيب(١٠) ، لكن في الكافي : « أحقّ الموتى أنْ يدعى له‌

__________________

(١) في النسخ : والظاهر ، والأنسب ما أثبتناه.

(٢) في المصدر : عبد.

(٣) الفهرست : ١٠٣ / ٤٣١.

(٤) الفهرست : ٤٣ / ١٣٩.

(٥) رجال النجاشي : ٢١٣ / ٥٥٧.

(٦) رجال الكشي ٢ : ٦٨٧ / ٧٣٢.

(٧) جامع المقاصد ١ : ٤٢٣.

(٨) في « فض » : التعيين.

(٩) الوسائل ٣ : ٨٨ أبواب صلاة الجنازة ب ٧.

(١٠) التهذيب ٣ : ١٨٩ / ٤٢٩.


المؤمن وأنْ يبدأ »(١) والظاهر سقوط « المؤمن » هنا.

ثم إنّ قولهعليه‌السلام « أحقّ الموتى أنْ يدعى له » يشمل ما بدا للإنسان وغيره. وقوله : « وأنْ يبدأ » إلى آخره. لا يقتضي تعين البدأة بالصلاة ، لاحتمال إرادة البدأة قبل الدعاء للمؤمن ، واحتمال البدأة بعد التكبير الأوّل ، والأخبار في الدعاء مختلفة ، والخبر لا يأبى الحمل على ما يوافق غيره.

ولا يخفى ما في تركيب قوله : « وأحقّ » إلى آخره. من الغموض على تقدير ما في الكافي ، أمّا على ما هنا فالغموض أزيد. وغير بعيد الاستئناف في قوله : « وأنْ يبدأ » والخبر محذوف من جنس المذكور ، واحتمال غير هذا في غاية البعد.

وأمّا الخبران الآخران فما ذكره الشيخ فيهما واضح ؛ لأنّه أعلم بالحال ، والأوّل يدلّ قول الشيخ فيه على أنّ بعض العامّة يقول بالخمس تكبيرات كما قدّمنا الإشارة إلى ذلك(٢) .

قوله :

باب أنّه لا تسليم في الصلاة على الميت‌

محمّد بن يعقوب ، عن عدّة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن سنان ، عن عبد الله بن مسكان ، عن الحلبي قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « ليس في الصلاة على الميت تسليم ».

عنه ، عن علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ١٨٥ / ١.

(٢) في ص ٤٠٢.


عثمان ، عن الحلبي وزرارة(١) عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام ، قالا : « ليس في الصلاة على الميت تسليم ».

أحمد بن محمّد ، عن إسماعيل بن سعد الأشعري ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، قال : سألته عن الصلاة على الميت؟ قال : « أمّا المؤمن فخمس تكبيرات و [ أمّا ] المنافق(٢) فأربع ، ولا سلام فيها ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة قال : سألته عن الصلاة على الميت؟ قال : « خمس تكبيرات ، فإذا فرغت منها سلّمت عن يمينك ».

فالوجه في هذه الرواية التقية ؛ لأنّها موافقة لمذاهب العامّة.

السند :‌

في الأوّل : ضعيف بسهل بن زياد ومحمّد بن سنان على ما مضى(٣) ، وربما كان فيه قرينة على أنّ ما في كثير من الأخبار من ابن سنان ، عن ابن مسكان ، عن الحلبي ، يراد به المفسّر هنا.

والثاني : حسن.

والثالث : صحيح.

والرابع : موثق.

__________________

(١) في النسخ : عن حمّاد بن عثمان وزرارة ، والصحيح ما أثبتناه ، وهو موافق لما في التهذيب ٣ : ١٩٢ / ٤٣٨ ، والاستبصار ١ : ٤٧٧ / ١٨٤٧.

(٢) في النسخ : والمنافق ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٤٧٧ / ١٨٤٨ ، والتهذيب ٣ : ١٩٢ / ٤٣٩.

(٣) راجع ج ١ ص ١١٧ ، ١٢٩ ، ٣٣٤ ، ج ٢ ص ٣٣٤ ، ج ٣ ص ٢٢٢.


المتن :

في الثلاثة الأُول : ظاهر في نفي التسليم.

والثالث : قدّمنا فيه كلاماً من جهة المؤمن والمنافق يغني عن الإعادة(١) .

وأمّا الرابع : فما ذكره الشيخ من أنّه موافق لمذاهب العامّة يقتضي أنّ جميعهم قائل بمضمون الخبر ، والحال أنّه اشتمل على خمس تكبيرات والأكثر لا يقولون بذلك ، وإرادة التسليم فقط مع انضمامه للخمس لا يخفى أنّها غير تامّة ، ولعلّ مراد الشيخ في موافقة المذاهب في الجملة.

قوله :

باب رفع اليدين في كلّ تكبيرة‌

أخبرني أبو الحسن أحمد بن محمّد بن الصلت الأهوازي ، قال : أخبرني(٢) أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة ، قال : حدّثني أحمد بن عمر بن محمّد بن الحسن(٣) ، قال : حدّثني أبي ، قال : حدّثنا محمّد ابن عبد الله بن خالد مولى بني الصيداء أنّه صلّى خلف جعفر بن محمّدعليهما‌السلام على جنازة فرآه يرفع يديه في كلّ تكبيرة.

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن عبد الرحمن العرزمي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٤) ، قال : صلّيت خلف‌

__________________

(١) راجع ص ٤٠٢ ٤٠٥.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٧٨ / ١٨٥٠ : أخبرنا.

(٣) في « م » : الحسين.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٧٨ / ١٨٥١ لا يوجد :عليه‌السلام .


أبي عبد اللهعليه‌السلام على جنازة فكبّر خمساً ، يرفع يديه في كلّ تكبيرة.

محمّد بن يعقوب ، عن عدّة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس قال : سألت الرضاعليه‌السلام [ قلت ] : جعلت فداك إنّ الناس يرفعون أيديهم في التكبير على الميت في التكبيرة الأُولى ولا يرفعون فيما بعد ذلك ، فأقتصر على التكبيرة الأُولى كما يفعلون ، أو أرفع يدي في كلّ تكبيرة؟ فقال : « ارفع يدك في كلّ تكبيرة ».

فأمّا ما رواه علي بن الحسين بن بابويه ، عن سعد بن عبد الله ، عن سلمة بن الخطّاب ، قال : حدّثني إسماعيل بن إسحاق بن أبان الورّاق ، عن جعفر ، عن أبيهعليهما‌السلام قال : « كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يرفع يديه في أوّل تكبيرة على الجنازة ، ثم لا يعود حتى ينصرف ».

سعد ، عن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن غياث بن إبراهيم ، عن أبي عبد الله ، ( عن أبيه )(١) ، عن عليعليه‌السلام : « إنّه كان لا يرفع يديه في الجنازة إلاّ مرّة » يعني في التكبيرة.

فالوجه في هاتين الروايتين ضرب من الجواز ورفع الوجوب ، وإنْ كان الأفضل ما تضمنته الروايات الأوّلة ، ويمكن أنْ يكونا وردا مورد التقية ؛ لأنّ ذلك مذهب كثير من العامّة.

السند :‌

في الأوّل : أحمد بن محمّد فيه هو ابن موسى المعروف بابن‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليست في « رض ».


الصلت على ما يستفاد من الفهرست ، وكتاب الرجال للشيخ ، حيث قال في الأوّل في ترجمة أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة : أخبرنا بجميع رواياته وكتبه أبو الحسن أحمد بن محمّد بن موسى الأهوازي ، وكان معه خطّ أبي العباس بإجازته وشرح رواياته(١) .

وقال في الثاني في ترجمة المذكور : روى عنه التلعكبري من شيوخنا وغيره ، سمعنا من ابن المهتدي(٢) ومن أحمد بن محمّد المعروف بابن الصلت رويا عنه ، وأجاز لنا ابن الصلت عنه جميع رواياته(٣) .

وفي كتاب شيخناقدس‌سره في الرجال أنّه يستفاد من إجازة ابن الصلت للشيخ صحّة روايته عنه بخصوصه ، واعتبار الرجل(٤) . ولا يخفى عليك الحال.

أمّا ما قد يقال : إنّ ما في كتاب الشيخ من رواية التلعكبري عن أحمد ابن محمّد بن سعيد يقتضي أنّ رواية الشيخ عنه بواسطتين ؛ لأنّ الشيخ يروي عن التلعكبري بواسطة جماعة ، كما في الرجال للشيخ(٥) ، لا ما ظنّه العلاّمة من روايته عنه بغير واسطة(٦) .

ثم إنّ الشيخ كما ترى روى عن ابن عقدة بواسطة أحمد بن محمّد بن الصلت فقط ؛ ولا بعد في هذا ، كما يعرف من مواضع أكثر من أنْ‌

__________________

(١) الفهرست : ٢٩ / ٧٦.

(٢) في المصدر : ابن المهدي.

(٣) رجال الطوسي : ٤٤١ / ٣٠.

(٤) منهج المقال : ٤٧.

(٥) رجال الطوسي : ٥١٦ / ١.

(٦) خلاصة العلاّمة : ٢٨٢.


تحصى(١) .

( وأحمد بن محمّد(٢) فلم أقف عليه )(٣) كأبيه ومحمّد بن عبد الله بن خالد ، والظاهر أنّهم(٤) من الزيدية.

والثاني : لا ارتياب فيه إلاّ من جهة عبد الرحمن ، وقد قدّمنا ما يدفعه(٥) .

والثالث : معلوم الحال ممّا تكرّر من المقال(٦) .

والرابع : سلمة بن الخطّاب فيه ضعيف في الرجال(٧) . وإسماعيل بن إسحاق لم أقف عليه الآن.

والخامس : مضى من القول في رجاله ما يغني عن الإعادة(٨) .

المتن :

في الأوّل : واضح.

والثاني : في الظن أنّه كذلك ، وما قاله العلاّمة في المختلف مجيباً عن الرواية حيث نقل احتجاج الشيخ بها بالمنع من صحّة السند ؛ لأنّ‌

__________________

(١) في « رض » : يخفى.

(٢) أي أحمد بن عمر بن محمّد ، وذلك نسبة إلى جدّه.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) في « فض » : أنّه.

(٥) في ص ٦٣.

(٦) أي ضعيف بسهل بن زياد ورواية محمّد بن عيسى عن يونس ، راجع ج ١ : ٧٦ ، ١٣٤ وج ٣ : ٢٣٥ وج ٤ : ٨ ، ١٨٧ وج ٥ : ١٤١.

(٧) رجال النجاشي : ١٨٧ / ٤٩٨.

(٨) راجع ج ١ : ٦٠ ، ١٣٩ وج ٣ : ١٨ ، ١٨٨ ، ٢٩٥ ، ٤٣٨ وج ٤ : ٤١٠ وج ٥ : ٢٧٨ وج ٦ : ٣٠٩.


الذي روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام إنْ كان هو الإمام فالرواية صحيحة ، لكنه غير معلوم ؛ لاحتمال أنْ يكون المراد غيره(١) ؛ لا يخلو من غرابة.

وفي الظن أنّه تخيّل من قوله : عن أبي عبد الله قال : صلّيت خلف أبي عبد اللهعليه‌السلام ( أنّ الأوّل محتمل للإمام وغيره ، بناءً منه على نسخةٍ ليس فيهاعليه‌السلام ، والأمر كما ترى.

أمّا ما يتخيل من أنّ قوله : صلّيت ، لا يمكن عوده إلى الإمامعليه‌السلام ، فيتعين كون الأوّل غير الإمامعليه‌السلام )(٢) ؛ فجوابه : أنّ الرواية أوّلاً عن أبي عبد اللهعليه‌السلام إجمالاً ، ثم إنّ عبد الرحمن فصّل القول ثانياً ، وهذا أكثر من أنْ يحصى في الأخبار ، فيقال : عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته ، ونحو ذلك.

والثالث : ظاهر الأمر فيه بتقدير العمل به الوجوب بناءً على كونه حقيقةً فيه ، إلاّ أنّي لم أقف على قولٍ بالوجوب.

وفي المختلف قال : في استحباب رفع اليدين في التكبيرات الخمس للشيخ قولان ، أحدهما : أنّه لا يستحب إلاّ في الأُولى خاصّةً ، اختاره في النهاية والمبسوط ، وبه قال المفيد والمرتضى وأبو الصلاح وابن البرّاج وسلاّر وابن إدريس وابن حمزة ، وفي الاستبصار : يرفع يديه في الجميع ، ثم اختار العلاّمة الأوّل محتجّاً بالشهرة والرابع من الأخبار والخامس(٣) .

وفي المعتبر قال المحقّق بعد أنْ أورد الأخبار من الطرفين ـ : ما دلّ‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣٠٤.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) المختلف ٢ : ٣٠٣ ، وهو في النهاية : ١٤٥ ، والمبسوط ١ : ١٨٥ ، والمقنعة : ٢٢٧ ، وجمل العلم والعمل ( رسائل السيّد المرتضى ٣ ) : ٥٢ ، والكافي في الفقه : ١٥٧ ، والمهذب ١ : ١٣١ ١٣٢ ، والمراسم : ٧٩ ، والسرائر ١ : ٣٥٦ ، والوسيلة : ١٢٠.


على الزيادة أولى ؛ لأنّ رفع اليدين مرادٌ في أوّل التكبير وهو دليل الرجحان ، فيسوغ في الباقي تحصيلاً للأرجحية ، ولأنّه فعل مستحب فجاز أنْ يُفعل مرّة ويُخلّ به اخرى ، فلذلك اختلفت الروايات(١) ، انتهى.

ولا يخفى ما في الوجه الأوّل ؛ لأنّ الأحكام الشرعية موقوفة على ما يصلح للدلالة ، والرجحان في الأوّل لا يستلزم الرجحان في الجميع ، إذ الإجماع مدّعى منه في الشرائع على الرفع في الأوّل(٢) ، والخلاف في غيره موجود ، فالفرق ظاهر.

أمّا الوجه الثاني فالشيخ يقارب قوله فيه ما ذكر أوّلاً ، ويشكل بظاهر الخبرين(٣) الدالّ على المداومة ، كما يقال في « كان » ؛ أمّا الحمل على التقية فقد يُستبعد من فعل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ويمكن دفعه بتكلّف ، فليتأمّل.

بقي شي‌ء ، وهو أنّ رفع اليدين في الدعاء للميت لم أقف على ما يقتضيه خصوصاً ، واستقرب شيخناقدس‌سره تناول إطلاق الأمر برفع اليدين في الدعاء لهذا النوع منه(٤) .

قوله :

باب الصلاة على الأطفال‌

محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن الحلبي ، عن (٥) زرارة ، عن‌

__________________

(١) المعتبر ٢ : ٣٥٦ بتفاوت.

(٢) الشرائع ١ : ١٠٦.

(٣) أي : الرابع والخامس.

(٤) المدارك ٤ : ١٧٩.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٧٩ / ١٨٥٥ : و.


أبي عبد اللهعليه‌السلام ، أنّه سُئل عن الصلاة على الصبي متى يصلّى عليه؟ قال : « إذا عقل الصلاة » قلت : متى تجب الصلاة عليه؟ فقال : « إذا كان ابن ستّ سنين ، والصيام إذا أطاقه ».

عنه ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن زرارة قال : رأيت ابناً لأبي عبد اللهعليه‌السلام في حياة أبي جعفرعليه‌السلام يقال له عبد الله ، فطيم [ قد ] درج ، فقلت له : يا غلام من ذا الذي إلى جنبك؟ لمولى لهم فقال : هذا مولاي ، فقال له المولى يمازحه : لست لك بمولى ، فقال : ذاك شرّ لك ، فطعن في حياة(١) الغلام فمات(٢) فاخرج في سفط إلى البقيع ، فخرج أبو جعفرعليه‌السلام وعليه جبّة خزّ صفراء ( وعمامة خزّ صفراء )(٣) ومطرف خزّ أصفر ، فانطلق يمشي إلى البقيع وهو معتمد عليّ والناس يعزّونه على ابن ابنه ، فلمّا انتهى إلى البقيع تقدّم أبو جعفر [ فصلّى عليه](٤) فكبّر عليه أربعاً ، وأمر به فدُفن ، ثم أخذ بيدي فتنحّى بي ، ثم قال : « إنّه لم يكن يصلّى على الأطفال إنّما كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يأمر بهم فيدُفنون من وراء وراء ، ولا يصلّي عليهم ، وإنّما صلّيت عليه من أجل أهل المدينة كراهية أنْ يقولوا : لا يصلّون على أطفالهم ».

فأمّا ما رواه ابن أبي عمير ، عن عبد الله بن سنان ، عن‌

__________________

(١) في جميع المصادر : جنازة.

(٢) في هامش الكافي ٣ : ٢٠٧ : قوله : فمات ، هذا تفسير لقوله : فطعن في جنازة الغلام ، والعرب تقول : طعن فلان في جنازته ورمى في جنازته إذا مات المغرب ١ : ٩٦ ( جنز ).

(٣) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٤) ما بين المعقوفين ، أثبتناه من المصدر.


أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا يصلّى على المنفوس ، وهو المولود الذي لم يستهلّ ولم يصح ولم يورّث من الدية ولا من غيرها ، فإذا استهلّ صلّ عليه وورّثه ».

فالوجه في هذه الرواية ضرب من الاستحباب على ما قدّمناه ، أو التقية حسب ما تضمّنه الخبر الأوّل ، ويؤكد ما قلناه :

ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، أنّه سُئل عن المولود ما لم يجر عليه القلم هل يصلّى عليه؟ قال : « لا ، إنّما الصلاة على الرجل والمرأة إذا جرى عليهما القلم ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن رجلٍ ، عن أبي الحسن(١) عليه‌السلام ، قال : قلت له : لِكم يصلّى على الصبي إذا بلغ من السنين؟ قال : « يصلّى عليه على كلّ حال ، إلاّ أنْ يسقط لغير تمام ».

أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن أبيه علي بن يقطين ، قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام لكم يصلّى على الصبي إذا بلغ من السنين والشهور؟ قال : « يصلّى عليه على كلّ حال ، إلاّ أنْ يسقط لغير تمام ».

فالوجه في هذين الخبرين ما قلناه في خبر عبد الله بن سنان من الحمل على التقية ، أو ضرب من الاستحباب دون الفرض والإيجاب.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٨٠ / ١٨٥٩ : عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام . ، وفي نسخة منه : عن أبي الحسن الماضي.


السند :‌

في الأوّلين : حسن ، والصدوق روى الأوّل عن زرارة وعبيد الله الحلبي(١) ، وقد وصفه الوالد(٢) وشيخنا(٣) 0 بالصحّة ، نظراً إلى أنّ الطريق إلى كلّ واحدٍ صحيح ، وقد يتوجه احتمال عدم الصحّة ؛ لأنّ طرق المشيخة إلى كلّ واحد لا إليهما ، وينبّه على ذلك أنّ الصدوق يذكر الطرق إلى الشخص الواحد والاثنين ، ويذكر الشخص بكنيته واسمه متعدداً ، وهذا يدلّ على أنّ خصوص الانفراد له مدخلية ، لكن ما كرّرنا القول فيه يسهّل الخطب.

والثالث : فيه عدم سلامة الطريق في المشيخة إلى ابن أبي عمير ، لكن في الفهرست يمكن استفادة الصحّة ؛ لأنّه ذكر الطرق إلى جميع كتبه ورواياته(٤) ، وفيها من الاعتماد عليه له وجه قدّمناه في الكتاب(٥) ، وبعضها حسن بإبراهيم.

وما عساه يقال : إنّ انتظام هذا في جملة روايات ابن أبي عمير موقوف على الصحّة إليه ، وفي المشيخة غير معلوم.

يمكن الجواب عنه : بما كرّرنا القول فيه من الشيخ(٦) ، فقد نقل هنا أنّه من رواياته فلا يقصر عن القبول على نحو إخبار الشيخ بالتوثيق ، وفي البين كلام قدّمناه.

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٠٤ / ٤٨٦.

(٢) منتقى الجمان ١ : ٢٧٩.

(٣) مدارك الأحكام ٤ : ١٥٢.

(٤) الفهرست : ١٤٢ / ٦٠٧.

(٥) راجع ج ٢ ص ٣١ ٣٣.

(٦) راجع ج ٢ ص ٣١ ٣٣.


والرابع : موثق على ما عليه المعروفون من الأصحاب المتأخرين(١) ، وقد أسلفنا بعض كلام في هذا(٢) .

والخامس : مرسل.

والسادس : صحيح على ما مضى القول فيه(٣) .

المتن :

في الأوّل : استدل به بعض القائلين بوجوب الصلاة على الصبي إذا بلغ ستّ سنين(٤) ، وقد قيل : إنّ هذا القول مشهور(٥) . وقد ينظر في الخبر على تقدير العمل بالحسن بأنّ الظاهر من قوله : « والصيام إذا أطاقه » إرادة الصلاة منه على معنى أمره بها تمريناً ، وإطلاق الوجوب بهذا المعنى لا مانع منه ، وحينئذٍ يكون صدر الخبر في الصلاة عليه ، ( وعجزه في فعله الصلاة تمريناً أو شرعياً ، فصدره يفيد تعليق الصلاة عليه )(٦) [ على ](٧) تعقّل الصلاة وفهمها ، غاية الأمر أنّ حقيقة هذا غير واضحة ، وقد تقدّم من الشيخ في باب الصبيان متى يُؤمرون بالصلاة حديث صحيح عن محمّد بن مسلم تضمّن السؤال عن الصبي متى يصلّي؟ فقالعليه‌السلام : « إذا عقل الصلاة » قلت : متى يعقل الصلاة؟ قال : « لستّ سنين ».

__________________

(١) انظر الخلاصة : ١٧٣ / ٢٦ ، و ٢٤٣ / ٦ ، منهج المقال : ٢٤٦ ، ٣٣٤ ، المدارك ٤ : ١٥٣.

(٢) راجع ج ٢ ص ٣٧٥.

(٣) راجع ج ٦ ص ٣٤.

(٤) كالمحقق في المعتبر ٢ : ٣٤٤ ، وصاحب المدارك ٤ : ١٥٢.

(٥) كما في مجمع الفائدة ٢ : ٤٣٠.

(٦) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٧) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.


وبهذا الخبر يمكن أنْ يستفاد بيان إجمال صدر الخبر المبحوث عنه ، بل وعجزه أيضاً ، لأنّه في قوّة أنْ يقال : متى يتحقق عقل الصلاة ويؤمر بها؟ غاية الأمر أنّ الصوم لا تعلّق له بوجوب الصلاة عليه.

وممّا يؤيد ما ذكرناه من إطلاق الوجوب على ابن ستّ سنين ما تقدّم من الشيخ في الباب المشار إليه في رواية إسحاق بن عمّار ، حيث قال فيها : « إذا أتى للصبي ستّ سنين وجب عليه الصلاة ، فإذا أطاق الصوم وجب عليه الصوم ».

فإنْ قلت : ما المانع على تقدير كون العجز في حكم الصلاة على الصبي أنْ يعمل به في جهة الصوم ، على معنى وجوب الصلاة عليه إذا كان حيّاً يطيق الصوم؟

قلت : المانع عدم القائل ، وهذا إنّما تظهر فائدته بتقدير القدرة على الصوم في أقلّ من ستّة.

وقد روى الشيخ في التهذيب صحيحاً عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسىعليه‌السلام ، قال : سألته عن الصبي أيصلّى عليه إذا مات وهو ابن خمس سنين؟ قال : « إذا عقل الصلاة صلّي عليه »(١) وهذا يدلّ على أنّ اعتبار الستّ سنين غير لازم ، إلاّ أنْ يحمل على الاستحباب إذا عقل ، وفيه ما فيه ، لكن العجب من عدم تعرّض الشيخ للخبر في المقام.

ومن هنا يعلم أنّ استدلال العلاّمة في المختلف(٢) وغيره(٣) بالخبر المبحوث عنه ( على ما ذكرناه )(٤) غير تامّ في نظري القاصر ، بل ينبغي‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ١٩٩ / ٤٥٨ ، الوسائل ٣ : ٩٦ أبواب صلاة الجنازة ب ١٣ ح ٤.

(٢) المختلف ٢ : ٣٠٨.

(٣) كصاحب المدارك ٤ : ١٥٢.

(٤) ما بين القوسين ليس في « م ».


الالتفات إلى الخبرين ( الأخيرين والمعارض للأخيرين )(١) .

وأمّا الثاني : فالحاصل من معناه أنّ الصبي وصل إلى حدٍّ يصدر منه الجواب للمولى بوجه ينبئ عن تمام عقله ، وهو قوله : ذاك شرّ لك.

ثم إنّ الشيخ كما ترى ذكره في مقام الدلالة على مدلول الخبر الأوّل ، فإنْ كان مراده بمدلول الأوّل من عقل الصلاة والوصول إلى السنّ المذكور [ فالخبر ](٢) الثاني لا يدلّ على ذلك ، بل على أنّ الطفل عقله له كمال. وإنْ كان مراد الشيخ أنّ الخبر الأوّل تضمّن أمرين : صحّة الصلاة إذا عقل ، والوجوب إذا بلغ الستّة ، والخبر الثاني يدلّ على الأوّل فقط ففيه : أنّ الخبر في آخره ما يدلّ على أنّ الصلاة إنّما وقعت تقية فلا يتمّ المطلوب ؛ على أنّ الخبر يتضمن أربع تكبيرات ، فهو مخالف لغيره من الأخبار ، ولعلّ الشيخ ترك التعرّض لهذا لما ذكره في التهذيب من أنّ أهل الميت لهم الاقتصار على الأربع ، كما تقدّم في الخبر المنقول عن التهذيب(٣) .

وفي نظري القاصر أنّ الأولى في توجيه هذا الخبر : أنّ التكبير أربعاً لأجل التقية ، فيؤيد(٤) أنّ الصلاة من أصلها تقية.

فإنْ قلت : لا حاجة إلى دليل التقية وقد صرّح الإمام بذلك.

قلت : الوجه في الاحتياج احتمال أنْ تكون الصلاة على الطفل تركها أرجح ، وإنْ كان فعلها فيه نوع رجحان ، وهذا لا يخلو من بعد ، إلاّ أنّ الشيخ قائل به ؛ لتصريحه في الأخبار الآتية بالاستحباب ، مع دلالة هذا الخبر‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « فض » و « م » : الآخرين ، والمعارض الآخرين.

(٢) في النسخ : والخبر ، والأنسب ما أثبتناه.

(٣) في ص ٤٠٦ ٤٠٧.

(٤) في « رض » : يؤيد.


على نفيه ، فلا بُدّ من التوجيه الذي ذكرناه ، ومثل الشيخ لا يغفل عن هذا ؛ وممّا ينبّه عليه قوله بعد الثالث : فالوجه في هذه الرواية ضرب من الاستحباب على ما قدّمناه ، فإنّه لم يتقدّم منه ما يقتضي هذا لولا ما ذكرناه.

والثالث : ظاهره وجوب الصلاة على المستهلّ ، بناءً على أنّ الأمر للوجوب ، لكن المعارض وهو الخبر الأوّل اقتضى اعتبار الستّ سنين بناءً على ما ذكرناه ، فلا بُدّ من صرف الأمر عن الوجوب إلى الندب أو التقية كما ذكره الشيخ.

وقد يقال : إنّ الخبر الأوّل لا يدلّ صريحاً على الوجوب ، فيجوز أنْ تكون الستّ سنين مقتضية لكمال الاستحباب ؛ لدلالة الرابع على البلوغ ، فلا بُدّ من الحمل الذي ذكرناه.

وقول الشيخ : إنّ الرابع يؤكد ما قاله ، لا يخلو من نظر ؛ لأنّهقدس‌سره التفت إلى صدره ولم يلتفت إلى عجزه ، والعامل بالموثق له أنْ يذكر ما قلناه.

أمّا ما قاله العلاّمة في جواب احتجاج ابن أبي عقيل بالخبر حيث نقل عنه أنّه قال : لا يصلّى على الصبي ما لم يبلغ من عدم صحّة السند ، والمنع من عدم تناوله صورة النزاع ؛ لأنّ من بلغ ستّ سنين جرى عليه القلم امتثالاً للتمرين(١) .

ففيه أوّلاً : أنّ الرواية تضمّنت الرجل والمرأة فكيف يدخل ابن ستّ سنين؟

وثانياً : أنّه صرّح في المختلف فيما حكيناه عنه سابقاً في بحث‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣٠٩.


الجماعة من أنّ عبادة الصبي لا يتحقق بها الثواب(١) ، ولا ريب أنّ جريان القلم ينافيه. وقد اقتفى أثر العلاّمة الشهيد في الذكرى(٢) ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المنقول عن ابن الجنيد القول بمضمون الثالث ، وقد وصفه العلاّمة بالصحّة ، وأجاب بما ذكره الشيخ(٣) . ولا يخفى عليك الحال بعد ما قرّرناه في الاستحباب.

وأمّا الخامس والسادس : فما قاله الشيخ فيهما قد اتضح حاله ، غير أنّ ما تضمّناه من التمام كأنّ المراد به عدم الاستهلال بقرينة خبر عبد الله بن سنان ، ويحتمل إرادة سقوطه قبل تمام الخلقة ، إلاّ أنّ الجمع بينه وبين خبر ابن سنان يقتضي ترجيح الأوّل ، والله أعلم.

اللغة‌ :

قال في الصحاح : درج الرجل يدرج مشى(٤) .

وما تضمّنه الثاني من قوله : في حياة الغلام ، الظاهر أنّه تصحيف ، وفي التهذيب : في جنان الغلام ، في نسخة ، وفي أُخرى : في حياة ، بالألف ، والظاهر أنّه تصحيف جنان ، كما أنّ ما هنا تصحيف جنان أيضاً بواسطة كتابتها بالألف ، وفي القاموس : الجنان ، القلب(٥) .

وفي الكافي : حتار الغلام(٦) ، وفي القاموس : الحتار بالحاء المهملة‌

__________________

(١) راجع ص ٨٥.

(٢) الذكرى ١ : ٤٠٥.

(٣) انظر المختلف ٢ : ٣٠٩.

(٤) الصحاح ١ : ٣١٣.

(٥) القاموس المحيط ٤ : ٢١٢.

(٦) في نسخة الكافي الموجودة لدينا : جنازة الغلام الكافي ، ٣ : ٢٠٦ / ٣.


والتاء المثناة فوق حلقة الدبر ، أو ما بينه وبين القبل(١) .

وفي القاموس : الطاعون الوباء ، والجمع طواعين ، وكعُنِيَ أصابه(٢) .

( وفيه : السفط محرّكة الجوالق أو كالقُفّة(٣) .

وفيه : المُطرَف كمُكرَم رداء من خزّ مربّع ذو أعلام(٤) )(٥) .

وفيه : وراء مثلثة الآخر مبنية ، والوراء معرفة يكون بمعنى خلف وقُدّام ضدّ ، أو [ لا ] لأنّه بمعنى وهو ما توارى عنك(٦) . ولا يخفى أنّ ما تضمّنه الخبر من قصّة أمير المؤمنينعليه‌السلام يحتمل للأمرين.

وفي القاموس : استهلّ الصبي رفع صوته بالبكاء كأهَلَّ(٧) .

بقي شي‌ء ، وهو أنّه ربما يستفاد من موثق عمّار عند القائل به عدم وجوب الصلاة على المجنون إذا مات لرفع القلم ، لكن لا قائل بذلك فيما أعلم.

وما عساه يقال : إنّ اللاّزم من هذا عدم الصلاة عن كلّ من رفع عنه القلم إذا مات في تلك الحالة ، وهو منتفٍ.

يمكن الجواب عنه بأنّ المراد برفع القلم عدم التكليف أصلاً بخلاف غيره ، إلاّ أنّ هذا يستلزم التخصيص بالجنون دائماً(٨) .

__________________

(١) القاموس المحيط ٢ : ٤ ؛ بتفاوت يسير.

(٢) القاموس المحيط ٤ : ٢٤٦.

(٣) القاموس المحيط ٢ : ٣٧٨ ؛ وفيه : كالجوالق.

(٤) القاموس المحيط ٣ : ١٧٣.

(٥) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٦) القاموس المحيط ٤ : ٤٠٢ ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر لاستقامة المعنى.

(٧) القاموس المحيط ٤ : ٧١.

(٨) ليست في « فض ».


أمّا ما قد يقال : إنّ اللاّزم خروج الخنثى ، إذ ليس برجلٍ ولا امرأة ؛ فجوابه سهل.

قوله :

باب من فاته شي‌ء من

التكبيرات على الميت هل يقضي أم لا؟

الحسين بن سعيد ، عن صفوان بن يحيى ، عن عيص بن القاسم قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يدرك من الصلاة على الميت تكبيرة؟ قال : « يتمّ ما بقي ».

سعد(١) ، عن محمّد بن الحسين ، عن النضر بن شعيب ، عن خلف بن زياد القلانسي ، عن رجل ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : سمعته يقول في الرجل يدرك مع الإمام في الجنازة تكبيرة أو تكبيرتين ، فقال : « يتمّ التكبير وهو يمشي معها ، فإذا لم يدرك التكبير كبّر عند القبر ، فإنْ كان أدركهم وقد دفن كبّر على القبر ».

أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي بن فضّال ، عن أبي جميلة ، عن زيد الشحّام ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الصلاة على الجنائز إذا فات الرجل منها التكبيرة أو الثنتان أو الثلاث؟ قال : « يكبّر ما فاته ».

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن الحسن بن موسى الخشّاب ، عن غياث بن كلوب ، عن إسحاق بن عمّار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، عن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٨١ / ١٨٦٢ زيادة : بن عبد الله.


أبيهعليه‌السلام : « أنّ علياًعليه‌السلام كان يقول : لا يُقضى ما سبق من تكبير الجنازة ».

فالوجه في هذه الرواية أنّه لا يقضى كما كان يبتدئ من الفصل بينهما بالدعاء ، وإنّما يقضى متتابعاً ، يدلّ على ذلك :

ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن عبد الله بن مسكان ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا أدرك الرجل التكبيرة والتكبيرتين في الصلاة على الميت فليقض ما بقي متتابعاً ».

السند :‌

في الأوّل : صحيح.

والثاني : فيه مع الإرسال النضر بن شعيب ، وهو مجهول الحال ، وكذلك خلف بن زياد.

والثالث : فيه أبو جميلة ، وقد تقدّم تضعيفه عن العلاّمة في الخلاصة(١) .

والرابع : فيه غياث بن كلوب ، وحاله لا يزيد على الإهمال.

والخامس : واضح الرجال.

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على إتمام ما بقي ، وربما دلّ على إتمام بقية‌

__________________

(١) في ص ٨٩.


التكبير ظاهراً بقرينة السؤال ، إلاّ أنّ احتمال العموم لكلّ ما بقي من الدعاء والتكبير ممكن ؛ ودفعه بأنّ « ما » مشتركة بعيد ، والجملة الخبرية قد تقدّم القول في دلالتها على الوجوب.

وما عساه يقال : إنّ الواجب الكفائي يسقط بفعل البعض ، فإذا أتمّ الإمام صلاته لا وجه لوجوب الإتمام.

يمكن دفعه : بأنّ الجملة الخبرية على تقدير دلالتها على الوجوب لا مانع من وجوب الإتمام ، ولو توقف في هذا أمكن تأييده بالنهي عن إبطال العمل ، وما فيه قد تقدّم.

والثاني : يدلّ على التكبير ماشياً ، سواء استقبل القبلة أم لا ، وفي الظن أنّ بعض الأصحاب قيّد الحكم(١) ، لكن الخبر لا يخفى حاله ، وسيأتي خبر في باب الصلاة على الجنازة مرّتين يدلّ على الاستقبال ، وستستمع القول فيه إن شاء الله(٢) .

أمّا ما تضمّنه من قوله : « إنْ لم يدرك التكبير » إلى آخره. فالذي يستفاد من عبارة بعض الأصحاب أنّ الجنازة لو رفعت أو دفنت أتمّ ولو على القبر(٣) ، فكأنّه فهم من الرواية هذا المعنى ، فيراد بعدم الإدراك عدم إتمام التكبير.

وقد يقال : إنّ الرواية يحتمل أنْ يراد منها أنّ من لم يصلّ يصلّي على القبر ؛ وفيه نوع بعد ، لكن سيأتي في الخبر المشار إليه سابقاً المذكور في باب الصلاة على الجنازة مرتين ما يؤيد ما قلناه.

__________________

(١) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٤٦٥ ، ٤٦٦.

(٢) في ص ٤٤٨.

(٣) انظر المنتهى ١ : ٤٥٦.


وفي الذكرى : إنّ في الخبر دلالة على الاشتغال بالدعاء ، ( إذ مع الولاء لا يبلغ الحال إلى الدفن(١) .

والثالث : ظاهره الدلالة على أنّه يكبّر ما فاته ، أمّا )(٢) الدعاء فلا يدلّ عليه ، إلاّ بأن يراد يكبّر التكبير المعروف ، وهو ما بعد الدعاء ؛ وفيه ما فيه ، لكن الأمر سهل بعد دلالة الخامس.

وأمّا الرابع : فما ذكره الشيخ لا يخلو من بعد ، ولو حمل على أنّه لا يعاد بتقدير سبق المأموم أمكن قربه. أمّا الحمل على فوات الوقت فبعيد أيضاً. ويمكن حمله على أنّ ما سبق لا يقضى على أنّه السابق ، بل يؤتى به على أنّه في محلّه.

والخامس : المستدلّ به فالذي فهمه جماعة كالشيخ عدم الفصل بالدعاء ، ويحتمل أنْ يراد به ما تضمّنه خبر إسحاق من عدم قضاء ما سبق ، فيراد بالتتابع قصد التكبير في محلّه ، إلاّ أنّه بعيد. ويحتمل أنْ يراد بالمتتابع الإتيان بالدعوات على ما وردت ، ولعلّه غير بعيد.

اللغة‌ :

قال بعض شرّاح حديث العامّة : الجنازة بالفتح والكسر بمعنى واحد ، ويقال بالفتح هو الميت ، وبالكسر النعش(٣) ، وقد تقدّم هذا في باب تغسيل الأموات.

__________________

(١) الذكرى ١ : ٤٦٢.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) إحكام الأحكام لابن الأثير الحلبي ٢ : ١٦٩.


قوله :

باب الصلاة على المدفون‌

سعد بن عبد الله ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا بأس أنْ يصلّي الرجل على الميت بعد ما يدفن ».

عنه ، عن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن عبد الله بن مسكان ، عن مالك مولى الحكم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا فاتتك الصلاة على الميت حتى يدفن فلا بأس بالصلاة عليه وقد دفن ».

عنه ، عن أبي جعفر ، عن الحسن بن علي بن يوسف ، عن معاذ ابن ثابت الجوهري ، عن عمرو بن جميع ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا فاتته الصلاة على الميت صلّى على القبر ».

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن يعقوب بن يزيد ، عن زياد بن مروان ، عن يونس بن ظبيان ، عن أبي عبد الله ، عن أبيهعليهما‌السلام قال(١) : « نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنْ يصلّى على قبر ، أو يقعد عليه(٢) ، أو يبنى عليه ».

عنه ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدّق ابن صدقة ، عن عمّار بن موسى ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، أنّه سُئل عن ميت صلّي عليه فلمّا سلّم الإمام إذا الميت مقلوب رجلاه إلى موضع‌

__________________

(١) في « رض » و « م » زيادة : قال.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٨٢ / ١٨٦٩ زيادة : أو يتكأ عليه.


رأسه؟ قال : « يسوّى وتعاد الصلاة عليه وإنْ كان قد حمل ما لم يدفن ، فإذا دفن فقد مضت الصلاة عليه ، ولا يصلّى عليه وهو مدفون ».

عنه ، عن السيّاري ، عن محمّد بن أسلم ، عن رجلٍ من أهل الجزيرة قال : قلت للرضاعليه‌السلام : يصلّى على المدفون بعد ما يدفن؟ قال : « لا ، لو جاز لأحدٍ لجاز لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل لا يصلّى على المدفون بعد ما يدفن ولا على العريان ».

والوجه في هذه الأخبار أحد شيئين ، أحدهما : ما كان يذهب إليه شيخنا وهو أنّه إنّما تجوز الصلاة على القبر يوماً وليلة لا أكثر من ذلك ، فما ورد من جواز الصلاة عليه بعد الدفن كان يحمله على ذلك اليوم ، وما ورد من أنّه لا يجوز يحمله على ما بعد اليوم.

والوجه الثاني : أنْ يكون المراد بجواز الصلاة على المدفون الدعاء له دون الصلاة المرتّبة في ذلك ، يدلّ على ذلك :

ما رواه علي بن الحسين ، عن سعد ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن الحسن بن موسى(١) ، عن جعفر بن عيسى قال : قدم أبو عبد الله عليه‌السلام فسألني عن عبد الله بن أعين فقلت : مات ، قال : « (٢) أفتدري موضع قبره؟ » قلت : نعم ، قال : « فانطلق بنا إلى قبره حتى نصلّي عليه » قلت : نعم ، فقال : « لا ، ولكن نصلّي عليه ها هنا » فرفع يديه يدعو واجتهد في الدعاء وترحّم عليه.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٨٣ / ١٨٧٢ : الحسين بن موسى.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٨٣ / ١٨٧٢ زيادة : مات؟!


الصفّار ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن نوح بن شعيب ، عن حريز ، عن محمّد بن مسلم أو زرارة ، قال : الصلاة على الميت بعد ما يدفن إنّما هو الدعاء ، قال : فالنجاشي لم يصلّ عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقال : لا ، إنّما دعا له.

ويحتمل أنْ يكون الوجه في الأخبار التي تضمّنت جواز الصلاة على القبر ما لم يوار بالتراب ، فإذا ووري لم يجز ذلك ، يدلّ على ذلك :

ما رواه علي بن الحسين ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « والميت يصلّى عليه ما لم يوار بالتراب وإنْ كان قد صلّي عليه ».

عنه ، عن محمّد بن الوليد ، عن يونس بن يعقوب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الجنازة لم أُدركها حتى بلغت القبر أُصلّي عليها؟ قال : « إنْ أدركتها قبل أنْ تُدفن فإنْ شئت فصلّ عليها ».

السند :‌

في الأوّل : صحيح.

والثاني : فيه غير من مضى القول في شأنه مالك مولى الحكم فإنّه مجهول الحال ، إذ لم أقف عليه في الرجال ، وفي التهذيب : مولى الجهم(١) ، وهو مجهول أيضاً.

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٠١ / ٤٦٧.


والثالث : فيه الحسن بن علي بن يوسف ، ( وهو ابن بقّاح الثقة في النجاشي ، لكن فيه الحسن بن علي بن بقّاح(١) . وفي الفهرست في ترجمة معاذ بن ثابت الجوهري ما يدلّ على أنّه حسن بن علي بن يوسف(٢) )(٣) ، والرواية هنا كما ترى عن معاذ بن ثابت ، ومعاذ بن ثابت مذكور مهملاً في الفهرست(٤) .

أمّا عمرو بن جميع فهو ضعيف في النجاشي(٥) ، وفي الكشّي أنّه بتري(٦) .

والرابع : فيه زياد بن مروان ، وفي النجاشي أنه واقفي(٧) . ويونس ابن ظبيان وقد قيل : إنّه غالٍ كذّاب(٨) .

والخامس : موثق على ما مضى(٩) ، لكن ينبغي أنْ يعلم أنّ الشيخ في التهذيب نقل متن هذا الخبر في جملة الخبر السابق في باب ترتيب الجنائز(١٠) بهذا السند ، وصورته بعد ما تقدم : سُئل عن ميت ، إلى آخره(١١) . فكأنّ الشيخ اقتطعه من المتن وجعله مستقلا بالسند ، وله نظائر في‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤٠ / ٨٢.

(٢) الفهرست : ١٦٨ / ٧٤٥.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) الفهرست : ١٦٨ / ٧٤٥.

(٥) رجال النجاشي : ٢٨٨ / ٧٦٩.

(٦) رجال الكشي ٢ : ٦٨٨ / ٧٣٣.

(٧) رجال النجاشي : ١٧١ / ٤٥٠.

(٨) حكاه العلاّمة في الخلاصة : ٢٦٦.

(٩) في ص ٤٢٤.

(١٠) في ص ٣٨٣.

(١١) التهذيب ٣ : ٣٢٢ / ١٠٠٤.


الكتابين كما أشرنا إليه في موضعٍ آخر ، وفي الكافي(١) كما في التهذيب.

والسادس : فيه مع الإرسال السيّاري ، وهو أحمد بن محمّد بن سيّار ، وفي النجاشي : إنّه فاسد المذهب ضعيف الحديث ، ذكر ذلك الحسين بن عبيد الله(٢) (٣) . وقد يظنّ من هذا أنّ ابن الغضائري هو الحسين لا أحمد ابنه ، فينافي ما قدّمناه من أنّه أحمد ؛ ويجاب بأنّه لا مانع من ذكر الحسين ما نقل ، وإنْ كان إطلاق ابن الغضائري ينصرف لأحمد كما بيّناه مفصّلاً في أوّل الكتاب(٤) . ومحمّد بن أسلم ضعيف أيضاً.

والسابع : الحسن بن موسى فيه غير معلوم ؛ لأنّ في الرجال : ابن موسى الأزدي في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ مهملاً(٥) ، وابن موسى الحنّاط كذلك(٦) ، والرواية هنا كما ترى عن جعفر بن عيسى ، وفي الرجال جعفر بن عيسى من أصحاب الرضاعليه‌السلام مهملاً في كتاب الشيخ(٧) ، وأمّا ابن موسى الخشّاب فهو متأخر ؛ لأنّ الراوي عنه الصفّار ، وعلى هذا فالرجل مجهول. وجعفر بن عيسى كذلك. وفي التهذيب : الحسين بن موسى(٨) ، وفي الرجال ما يناسبه ، لكنّه مهمل(٩) .

__________________

(١) الكافي ٣ : ١٧٤ / ٢.

(٢) في « فض » و « م » : الحسين بن عبد الله ، وفي « رض » : الحسين بن عبيد ، وما أثبتناه موافق لما في المصدر.

(٣) رجال النجاشي : ٨٠ / ١٩٢.

(٤) راجع ج ١ ص ٨٥ ٨٧.

(٥) رجال الطوسي : ١٦٨ / ٤٢.

(٦) رجال الطوسي : ١٦٨ / ٤١.

(٧) رجال الطوسي : ٣٧٠ / ٢.

(٨) التهذيب ٣ : ٢٠٢ / ٤٧٢.

(٩) رجال النجاشي : ٤٥ / ٩٠ ، رجال الشيخ : ٣٧٣ / ٢٤.


والثامن : فيه نوح بن شعيب ، وفيه كلام قدّمناه مفصّلاً(١) ، والحاصل أنّ حاله لا يزيد عن الإهمال.

والتاسع : كما ترى يروي فيه علي بن الحسين ، عن أحمد بن الحسن ، ولا ريب أنّه غير تامّ ؛ إذ علي بن الحسين لم يلق أحمد بن الحسن ، والنسخ التي وقفت عليها متفقة على ما نقلته ، والظاهر أنّه علي بن الحسن أخو أحمد كما في التهذيب في الزيادات(٢) . وفي الرجال : إنّ علياً يروي عن أخيه أحمد(٣) . وبالجملة : فوصفه بالموثق على تقدير علي بن الحسن موقوف على سلامة طريقه إليه في المشيخة ، وفيه ابن عبدون وابن الزبير.

والعاشر : ضمير « عنه » في الظاهر يرجع لعلي بن الحسين ، وقد يظن تمامية روايته عن محمّد بن الوليد على أنّه الخزّاز ؛ إذ الراوي عنه في الرجال سعد والصفّار(٤) ، وعلي بن الحسين ( يروي عن سعد ، إلاّ أنّ الممارسة تدفعه ؛ لأنّ رواية علي بن الحسين )(٥) عن سعد لا تقتضي روايته عن محمّد بن الوليد ، وحينئذٍ يترجح كون الصواب علي بن الحسن ، ( لأنّه في مرتبة سعد )(٦) . وفي التهذيب صرّح بأنّ الراوي عن محمّد بن الوليد علي بن الحسن(٧) .

__________________

(١) راجع ج ١ ص ٢٦٧ ، ج ٢ ص ١٥٠ ١٥١.

(٢) التهذيب ٣ : ٣٣٤ / ١٠٤٥.

(٣) رجال النجاشي : ٨٠ / ١٩٤ ، الفهرست : ٢٤ / ٦٢.

(٤) النجاشي : ٣٤٥ / ٩٣١ ، الفهرست : ١٤٨ / ٦٢٥.

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٦) ما بين القوسين ليس في « فض ».

(٧) التهذيب ٣ : ٣٣٤ / ١٠٤٦.


وممّا يؤيد كون محمّد بن الوليد هو الخزاز أنّ الشيخ في التهذيب كما سمعت روى الاولى عن سعد(١) ، وهو يروي عن محمّد بن الوليد الخزّاز ، وعلى ما هو الظن من أنّ علي بن الحسين هنا سهو ، وإنّما هو علي بن الحسن ، ( فاتحاد مرتبة علي بن الحسن )(٢) وسعد يقرّب كون محمّد بن الوليد الخزّاز ، مضافاً إلى اشتراك الخزّاز مع أحمد ومن معه في الفطحية على ما في الكشّي(٣) .

وفي الرجال : محمّد بن الوليد الصيرفي شباب ضعيف ذكره العلاّمة(٤) (٥) غير مصرّح بمرتبته ، إلاّ أنّ في الكافي في باب ما عند الأئمّةعليهم‌السلام من سلاح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : عن علي بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن الوليد شباب الصيرفي ، عن أبان بن عثمان(٦) . وهذا يقتضي بعد مرتبته في الجملة ، إلاّ أنّ احتماله في حيّز الإمكان ، وقد يبعد احتماله ؛ لعدم شهرته في الروايات ، وفيه ما فيه.

أمّا غير الرجلين فمن أصحاب الصادقعليه‌السلام في كتاب الشيخ(٧) . وبالجملة : فالمقصود بيان حقيقة الحال وإنْ كانت الثمرة منتفية.

المتن :

في الأخبار الثلاثة الأُول : ظاهر الدلالة على الصلاة بعد الدفن ، إلاّ‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٠٠ / ٤٦٦.

(٢) ما بين القوسين ليس في « فض ».

(٣) رجال الكشي ٢ : ٨٣٥ / ١٠٦٢.

(٤) خلاصة العلاّمة : ٢٥٧ / ٦٢ ؛ وفيه : سيار ، بدل : شباب.

(٥) في « فض » زيادة : وهو.

(٦) الكافي ١ : ٢٣٦ / ٩.

(٧) رجال الطوسي : ٢٤٧ / ٣٨٨ ، ٣٣٥ / ٤٤ ، ٣٢٠ / ٦٥٠ ، ٢٥٠ / ٤٣٦.


أنّ الأوّل يدلّ على جواز الصلاة لمن صلّى على الميت قبل الدفن وبعده ، ومن لم يصلّ أصلاً ، سواء صلّى غيره عليه أم لا ، من حيث الإطلاق.

والثاني : خاص بمن فاتته الصلاة ، ومتناول لمن صلّي عليه ومن لم يصلِّ عليه ، وتقييد الأوّل به ممكن.

والثالث : كالثاني ، إلاّ أنّ الفرق بينهما حاصل ، من حيث إنّ الثاني بمقتضى مفهوم الشرط يفيد وجود البأس إذا لم تفت الصلاة ، ومع المنافاة يحتاج إلى تقييد المطلق كما قرّر في الأُصول ؛ وأمّا الثالث : فلا يفيد منافاةً ، بل ذكر أحد أفراد المطلق ، ومثل هذا كثيراً ما يغفل عنه ، وقد نبّهنا عليه في الكتاب غير مرّة ، كما بيّنّا أنّ منافاة المقيّد إنّما تتمّ بتقدير حجيّة مفهوم الوصف ، فليتأمّل.

وأمّا الرابع : فالذي يظهر أنّه لا ينافي ما تقدم إلاّ من جهة إطلاق الصلاة فيه ، وتبادر غير صلاة الجنازة من الصلاة كأنّه معلوم ، بل تبادر اليومية ربما يدّعى ، فالعجب من الشيخ حيث ذكر الخبر وتكلّف توجيهه بغير ما ذكرناه.

والخامس : فيما يظن أنّه غير منافٍ إلاّ من جهة إطلاق أوّل الأخبار الشامل لمن صلّي عليه ، وهذا يدلّ على أنّ من صلّي عليه لا يصلّى عليه بعد الدفن ، غاية الأمر احتمال ظهور كونه مقلوباً ربما يوجب بطلان الصلاة ، وربما لا يوجب البطلان والإعادة قبل الدفن على الاستحباب ، وتصريح بعض الأصحاب بوجوب جعل رأس الميت إلى يمين المصلّي(١) إنْ كان للإجماع أمكن القول به إنْ ثبت ، وإنْ كان للرواية المذكورة مع‌

__________________

(١) كالعلاّمة في المنتهى ١ : ٤٥٧ وإرشاد الأذهان ١ : ٢٦٢ ، والأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٤٣٩.


التأسّي أمكن المناقشة في الرواية والتأسّي. وعلى تقدير تمامية الدلالة يجوز الاكتفاء بالصلاة إذا دفن وإنْ كان مقلوباً ، أو يخصّ جواز الصلاة على القبر بغير هذا النوع.

والسادس : له ظهور في المنافاة.

وما ذكره الشيخ في الوجه الأوّل لم يذكر دليله ، ومجرّد الجمع لا يقتضي ما ذكره ، وقد أشار إلى هذا العلاّمة في المختلف قائلاً : إنّه لم يقف على مستند(١) . ثم إنّ الوجه المذكور لا يخفى عدم تماميته في خبر عمّار بعد ما قدّمناه.

وأمّا الوجه الثاني ، ففيه : أنّ بعض الأخبار تضمّن الفوات ، والدعاء لا يختصّ بذلك ، كما أنّ نفي الجواز كذلك ، والخبر المستدلّ به لا يدفع ما قلناه ، ولا يعيّن مراد الشيخ ، وخبر محمّد بن مسلم يزيد الإشكال الذي أشرنا إليه من الفوات ، ويمكن حمله على وجهٍ يوافق غيره بالتخيير.

وأمّا الوجه الثالث : فله وجه. والخبر المستدلّ به أوّلاً لا يأتي على جميع الأخبار ، وحمله على رجحان الترك ممكن ، والخبر الثاني كذلك ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المنقول في المسألة من الأقوال غير ما ذكره الشيخ عن سلاّر الصلاة إلى ثلاثة أيّام ، وعن ابن الجنيد ما لم تتغير الصورة ، وعن ابن بابويه عدم التقدير بوقت(٢) .

وفي المختلف استقرب العلاّمة الصلاة على القبر إنْ لم يصلّ على الميت أصلاً ودفن بغير صلاة ، وإلاّ فلا ، واستدلّ على الحكم الأوّل بخبر‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣١٤.

(٢) حكاه عن الثلاثة في المختلف ٢ : ٣١٣ ، وهو في المراسم : ٨٠.


السكوني المتضمن لقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لا تَدَعُوا أحداً من أمّتي بلا صلاة »(١) ووجّه الاستدلال بأنّه عام للمدفون وغيره. واستدلّ على عدم كون الدفن مانعاً بخبر هشام بن سالم الأوّل والخبر الثاني ، وعلى الحكم الثاني بالخبر المرسل وهو السادس ، ( وبخبر محمّد بن مسلم أو زرارة(٢) واصفاً له بالحسن(٣) . ولا يخفى عليك الحال في هذا الاستدلال )(٤) .

وينقل عن المحقّق في المعتبر الجزم بعدم وجوب الصلاة بعد الدفن مطلقاً ، وأنّه قال : ولا أمنع الجواز(٥) ، واستدلّ على عدم الوجوب بأنّ المدفون خرج بدفنه عن أهل الدنيا فساوى من فني في قبره. وعلى الجواز بالأخبار الواردة بالإذن في الصلاة على القبر ، كصحيحة هشام.

وأنت خبير بما يتوجه على استدلاله الأوّل ، وأمّا الثاني فوجاهته ظاهرة.

والعجب من شيخناقدس‌سره أنّه اختار عدم وجوب الصلاة بعد الدفن مطلقاً ، ثم قال : لكن لا يبعد اختصاص الجواز بيوم الدفن(٦) . ووجه التعجّب أنّ الخبر الصحيح عنده لا معارض له يصلح لذلك ، فالمنع مطلقاً والاختصاص بيوم الدفن غير واضح الدليل ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

__________________

(١) تقدّم في ص ٣٦٧.

(٢) أي الخبر الثامن من المبحوث عنها.

(٣) المختلف ٢ : ٣١٤.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٥) حكاه عنه في المدارك ٤ : ١٨٨ ، وهو في المعتبر ٢ : ٣٥٨.

(٦) المدارك ٤ : ١٨٨.


قوله :

باب الصلاة على الجنازة مرّتين‌

علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « كبّر أمير المؤمنينعليه‌السلام على سهل ابن حنيف وكان بدرياً خمس تكبيرات ، ثم مشى ساعةً ، ثم وضعه وكبّر عليه خمسةً أُخرى ، فصنع مثل ذلك حتى كبّر عليه خمساً وعشرين تكبيرة ».

علي بن الحسين ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن سالم ، عن أحمد بن النضر ، عن عمرو بن شمر ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (١) ، قال : قلت : أرأيت إنْ فاتتني تكبيرة أو أكثر؟ قال : « تقضي ما فاتك » قلت : استقبل القبلة؟ قال : « بلى وأنت تتبع الجنازة ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج على جنازة امرأةٍ من بني النجّار فصلّى عليها فوجد الحَفَرة لم يمكنوا فوضعوا الجنازة فلم يجي‌ء قوم إلاّ قال لهمعليه‌السلام : صلّوا عليها ».

فأمّا ما رواه علي بن الحسين(٢) ، عن سعد ( بن عبد الله ) (٣) ، عن الحسن بن موسى الخشّاب ، عن غياث بن كلوب بن فَيْهَس البجلي ، عن إسحاق بن عمّار ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى على جنازة ، فلمّا فرغ جاء قوم فقالوا : فاتتنا الصلاة عليها ،

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٨٤ / ١٨٧٧ : عن أبي جعفرعليه‌السلام .

(٢) في « م » : الحسن.

(٣) ما بين القوسين ليس في الاستبصار ١ : ٤٨٤ / ١٨٧٨.


( فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الجنازة لا يصلّى عليها مرّتين ، ادعوا له وقولوا خيراً ».

فالوجه في هذه الرواية ضرب من الكراهية ، ويجوز أنْ يكون قولهعليه‌السلام : « إنّ الجنازة لا يصلّى عليها )(١) مرّتين » وجوباً وإنْ جاز أن يصلّى عليها مرّتين ندباً واستحباباً ، وإنّما الواجب دفعة واحدة وما زاد فإنّه مستحب مندوب إليه.

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن وهب بن وهب ، عن جعفر ، عن أبيهعليهما‌السلام : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى على جنازة ، ( فلمّا فرغ جاء ناس فقالوا : يا رسول الله لم ندرك الصلاة عليها ، فقال : لا يصلّى على جنازةٍ )(٢) مرّتين ، ولكن ادعوا له ».

فالوجه في هذه الرواية أيضاً ما قدّمناه في الخبر الأوّل سواء.

السند :‌

في الأوّل : حسن.

والثاني : تقدّم القول في رجاله عن قريب في باب عدد التكبيرات وغيره ممّا بعد.

والثالث : مضى القول فيه أيضاً(٣) ، والحاصل أنّ غياث بن كلوب مهمل ، لكن في النجاشي(٤) والفهرست(٥) أنّ الحسن بن موسى الخشّاب‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) راجع ج ١ ص ١٨٢ ، ٢٧٩ ، ج ٢ ص ٢٣٧ ، ج ٣ ص ٧٦ ، ٣٥٢.

(٤) رجال النجاشي : ٣٠٥ / ٨٣٤.

(٥) الفهرست : ١٢٣ / ٥٥٠.


يروي عنه ، وفي رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام أنّ الصفّار يروي عنه(١) . ولا يخفى عدم بعد مرتبة الحسن عن الصفّار ؛ لأنّ الصفّار مذكور في رجال العسكريعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٢) كالحسن(٣) ، غاية الأمر أنّ الصفّار يروي عن الحسن في الرجال(٤) ، ولا بعد في روايته عنه ( وعمّن يروي الحسن عنه ، )(٥) واحتمال المغايرة ينفيه أنّ في رجال من لم يرو : غياث بن كلوب بن فيهس البجلي ، وفي الرواية المبحوث عنها بعينه ، واحتمال المشاركة في الوصف مع المغايرة في غاية البعد ، فليتأمّل.

أمّا الرابع : ففيه وهب بن وهب ، وهو أبو البختري ، وقد مضى أنّه كان قاضياً عاميّاً(٦) .

المتن :

في الأوّل : واضح الدلالة ، إلاّ أنّ في التهذيب روى عن عقبة ، عن جعفر ، قال : سُئل جعفرعليه‌السلام عن التكبير على الجنائز ، وساق الحديث على ما مضى ذكره في باب عدد التكبيرات ، إلى أنْ قال : « أما بلغكم أنّ رجلاً صلّى عليه عليعليه‌السلام » إلى أنْ قال : ثم قال : « إنّه عقبي بدري أُحدي ، وكان من النقباء الذين اختارهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الاثني عشر ، وكانت له خمس مناقب فصلّى عليه لكلّ منقبةٍ صلاة »(٧) .

__________________

(١) رجال الطوسي : ٤٨٩ / ٣.

(٢) رجال الطوسي : ٤٣٦ / ١٦.

(٣) رجال الطوسي : ٤٣٠ / ٥.

(٤) الفهرست : ٤٩ / ١٦٠.

(٥) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٦) راجع ج ١ ص ٣٢٣ ، ج ٣ ص ١٨٦.

(٧) التهذيب ٣ : ٣١٨ / ٩٨٥ ، الوسائل ٣ : ٨٦ أبواب صلاة الجنازة ب ٦ ح ١٨.


وهذا الحديث كما ترى ينبئ عن كون الخبر المبحوث عنه فيه نوع اختصاص ، والأمر سهل ؛ غير أنّ في البين احتمال اختصاص سهل بما ذكر من المناقب ، فلا يدلّ على جواز تكرار الصلاة مطلقاً ، وقد ذكر هذا العلاّمة في المختلف قائلاً : إنّ حديث سهل مختصّ بذلك الشخص إظهاراً لفضله ، كما خصّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عمّه بسبعين تكبيرة(١) ، انتهى.

وقد يقال : إنّ التعليل بإظهار الفضيلة على الإطلاق محلّ كلام ؛ لما نقلناه من خبر التهذيب ، ولعلّ الخبر المتضمن للصلاة على حمزة(٢) يدلّ على مطلق الفضيلة.

وفي المختلف نقل في المسألة أنّ المشهور كراهة تكرار الصلاة على الميت ، وقال ابن أبي عقيل : لا بأس بالصلاة على من صلّي عليه مرّة ، فقد صلّى أمير المؤمنينعليه‌السلام على سهل بن حنيف خمس مرّات. وقال ابن إدريس : ( تكره جماعةً ، وتجوز فرادى. وقال الشيخ في الخلاف : من صلّى خلف جنازة )(٣) يكره له أنْ يصلّي عليها ثانياً. وهو يشعر باختصاص الكراهة بالمصلّي المتّحد(٤) ، انتهى.

ولا يخفى أنّ الخبر المبحوث عنه خاص بالجماعة ، لكن الشيخ في التهذيب روى عن أبي بصير أنّ علياًعليه‌السلام كبّر على سهل بن حنيف خمساً وعشرين ( تكبيرة ، قال : « كبّر خمساً خمساً ، كلّما أدركه الناس قالوا : يا أمير المؤمنين لم ندرك الصلاة على سهل ، فيضعه » الحديث(٥) . وهو‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣١٠.

(٢) الكافي ٣ : ٢١١ / ٢ ، التهذيب ١ : ٣٣١ / ٩٧٠ ، الوسائل ٢ : ٥٠٩ أبواب غسل الميت ب ١٤ ح ٨.

(٣) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٤) المختلف ٢ : ٣٠٩ ، وهو في السرائر ١ : ٣٦٠ ، وفي الخلاف ١ : ٧٢٦.

(٥) التهذيب ٣ : ١٩٧ / ٤٥٥ ، الوسائل ٣ : ٨١ أبواب صلاة الجنازة ب ٦ ح ٥.


يدلّ على نوع اختصاص أيضاً مع الجماعة.

وأمّا الثاني : فذكره في مقام تكرار الصلاة لدلالة عجزه على ذلك ، وفيه دلالة على رجحان الصلاة ثانياً وما زاد جماعةً وفرادى.

وما تضمّنه من قوله : « بلى وأنت تتبع الجنازة » يدلّ على الاستقبال مع المشي في الصلاة لأجل إتمامها ، وقد قدّمنا القول في هذا(١) ، والعجب من عدم ذكر الشيخ هذا الخبر هناك.

والثالث : كما ترى في ظاهره المنافاة ، وحمل الشيخ الأوّل له وجه ، إلاّ أنّ فعل أمير المؤمنينعليه‌السلام المكروه مستبعد.

ويمكن أنْ يوجّه نفي الكراهة في فعلهعليه‌السلام نظراً إلى حصول المناقب لسهل ، وفعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مع حمزة لنحو ذلك ، وحينئذٍ فإطلاق الكراهة من الشيخ محلّ تأمّل مع عمله بالأخبار ، أمّا الحمل على بيان الجواز فقد قدّمنا القول فيه غير مرّة.

وأمّا الوجه الثاني من الحمل فمن البعد بمكان ؛ لأنّ الأمر بالدعاء ظاهر في نفي أصل الصلاة ، ولو كان المنفي الوجوب لأتىعليه‌السلام بما يدلّ على التخيير.

والرابع : كالثالث.

ولا يخفى أنّ ظاهر النفي في الخبرين يتناول ما بعد الدفن ، فيؤيّدان بعض الأخبار السابقة ، إلاّ أنْ يحمل النفي على حال عدم الدفن ، لأنّه مورد الروايتين ؛ وفيه تأمّل ، إلاّ أنّ الأمر سهل.

__________________

(١) في ص ٤٣٢.


قوله :

باب الصلاة على جنازةٍ معها امرأة‌

علي بن الحسن(١) ، عن عبد الرحمن بن أبي نجران وسندي بن محمّد ومحمّد بن الوليد جميعاً ، عن عاصم بن حميد ، عن يزيد بن خليفة قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فسأله رجل من القميين(٢) فقال : يا أبا عبد الله أتصلّي النساء على الجنائز؟ قال : فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان فيما هدر دم المغيرة بن أبي العاص » وحدّث حديثاً طويلاً ، وأنّ زينب بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله توفيت ، وأنّ فاطمة ( سلام الله عليها ) خرجت في نساءها فصلّت على أختها.

عنه ، عن العبّاس بن عامر ، عن أبي المعزى ، عن سماعة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، أنّه قال : « ليس ينبغي للمرأة الشابّة تخرج إلى جنازةٍ تصلّي عليها ، إلاّ أنْ تكون امرأة قد دخلت في السن ».

فأمّا ما رواه علي بن الحسن بن فضّال ، عن محمّد بن علي ، عن محمّد بن يحيى ، عن غياث بن إبراهيم ، عن أبي عبد الله ، عن أبيهعليهما‌السلام قال(٣) : « لا صلاة على جنازةٍ معها امرأة ».

فالوجه في هذه الرواية ضرب من الكراهية دون الحظر.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٨٥ / ١٨٨٠ : الحسين.

(٢) وهو عيسى بن عبد الله ، على ما في الكافي ٣ : ٢٥١ / ٨.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٨٦ / ١٨٨١ زيادة : قال.


السند :‌

في الأوّل : علي بن الحسن فيه ابن فضّال على الظاهر(١) ، لتصريحه به في التهذيب في سندٍ غير هذا(٢) ، إلاّ أنّ روايته عن عبد الرحمن بن أبي نجران مستبعدة ؛ لأنّ ابن أبي نجران من أصحاب الرضاعليه‌السلام والجوادعليه‌السلام ، وعلي بن الحسن من أصحاب الهادي والعسكريعليهما‌السلام ، إلاّ أنّ التوجيه ممكن.

وأمّا سندي بن محمّد فهو ثقة ، والراوي عنه الصفّار وأحمد بن أبي عبد الله في الرجال(٣) ، فالمرتبة واضحة. وفي الرجال : إنّ الراوي عن ابن أبي نجران محمّد بن خالد(٤) ، وهو يؤيد البعد السابق. ومحمّد بن الوليد قد مضى أنّه الخزّاز على الظاهر مع احتمال غيره(٥) . وأمّا عاصم بن حميد فهو ثقة ، كما أنّ يزيد بن خليفة واقفي.

والثاني : فيه قرينة على أنّ علي بن الحسن هو ابن فضّال ؛ لأنّ الراوي عن العبّاس في النجاشي سعد(٦) ، وهو في مرتبة علي بن الحسن. وما في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام والفهرست من أنّ الراوي عنه أيّوب بن نوح(٧) فقد يظن بعده ، لكن التوجيه في حيّز الإمكان.

والثالث : محمّد بن علي فيه مشترك(٨) ، واحتمال ابن محبوب قد‌

__________________

(١) في « رض » زيادة : للشيخ.

(٢) كما في التهذيب ٣ : ٣٢٦ / ١٠١٩ ، و ٤ : ٢٩٣ / ٨٩١.

(٣) الفهرست : ٨١ / ٣٣١.

(٤) رجال النجاشي : ٢٣٥ / ٦٢٢ ؛ إلاّ أنّه فيه : عبد الله بن محمّد بن خالد.

(٥) في ص ٤٤٠.

(٦) رجال النجاشي : ٢٨١ / ٧٤٤.

(٧) رجال الطوسي : ٤٨٧ / ٦٥ ، الفهرست : ١١٨ / ٥١٧.

(٨) هداية المحدثين : ٢٤٤.


يقرّبه الإطلاق ، وفيه ما فيه. وأمّا محمّد بن يحيى وغياث فقد تكرّر القول فيهما(١) .

المتن :

في الأوّل : لا يخلو من إجمال ، ولفظ « فيما » الظاهر أنّه زائد ؛ إذ(٢) ليس في التهذيب(٣) ، وعلى كلّ حال المقصود من الخبر غير خفي.

والثاني : ربما دلّ على كراهية خروج الشابّة من قوله : « ليس ينبغي ».

والثالث : حمل الشيخ له متوجه.

قوله :

باب من أحقّ بالصلاة على المرأة‌

الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمّد الجوهري ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : قلت له : المرأة تموت ، مَن أحقّ الناس بالصلاة عليها؟ قالعليه‌السلام : « زوجها » قلت : الزوج أحقّ بها من الأب والولد والأخ؟ قال : « نعم ويغسّلها ».

فأمّا ما رواه علي بن الحسين بن بابويه ، عن محمّد بن أحمد(٤) ، عن أبان بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال :

__________________

(١) راجع ج ١ : ٣٧٥ وج ٣ : ٢٩٥ ، ٤٣٨ وج ٥ : ٢٧٨ وج ٦ : ٣٠٩.

(٢) ليست في « رض ».

(٣) التهذيب ٣ : ٣٣٣ / ١٠٤٣.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٨٦ / ١٨٨٤ : عن محسن بن أحمد.


سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الصلاة على المرأة ، الزوج أحقّ بها أو الأخ؟ قال : « الأخ ».

أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير(١) ، عن حفص بن البختري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، في المرأة تموت ومعها أخوها وزوجها أيّهما يصلّي عليها؟ فقال : « أخوها أحقّ بالصلاة عليها ».

فالوجه في هذين الخبرين ضرب من التقية ؛ لأنّهما موافقان لمذاهب العامّة.

تمّ الجزء الأوّل من الاستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار ، ويتلوه كتاب الزكاة إن شاء الله تعالى في الجزء الثاني ، والحمد لله وحده ، وصلّى الله على من لا نبي بعده وآله الطيبين الطاهرين الأئمّة المعصومين ، والحمد لله ربّ العالمين(٢) .

السند :‌

في الأوّل : تكرّر القول فيه(٣) .

والثاني : فيه محمّد بن أحمد في النسخة التي نقلت منها ، وفي اخرى محسن بن أحمد ، والظاهر أنّه الصواب ؛ لأنّ في التهذيب محسن بن‌

__________________

(١) في « رض » : عن أبي عمر.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٨٧ : تمّ الجزء الأوّل. ويتلوه في الجزء الثاني كتاب الزكاة بحمد الله ومنّه وحسنِ توفيقه والصلاة على سيّد المرسلين محمّد وعترته الطيبين الطاهرين.

(٣) راجع ج ١ ص ٧٢ ، ١٧٣ ، ٢٥٠ ، ٢٧٠ ، ج ٢ ص ٩٠ ، ١١٦ ١١٧ ، ١٩٩ ، ٢١٠ ، ج ٣ ص ١٠٧ ، ٢٥٦ ، ج ٤ ص ١٦ ، ٣٩٢ ، ج ٦ ص ٤٦ ، ١٧٩.


أحمد(١) ، لكن ابتداء سند ، والطريق إليه في المشيخة غير مذكور ، وهو مذكور مهملاً في الرجال ، والراوي عنه أحمد بن محمّد بن خالد(٢) ، وهنا كما ترى على تقدير كونه محسن بن أحمد الراوي عنه علي بن الحسين بن بابويه ، والمرتبة لا توافقه.

وأمّا على تقدير محمّد بن أحمد فيحتمل أنْ يكون محمّد بن أحمد ابن الصلت ؛ لرواية علي بن الحسين عنه في باب ترتيب الجنائز(٣) ، لكن بيّنّا فيما سبق احتمال الوهم فيه وإنما هو أحمد بن محمّد بن الصلت(٤) ، وعلى تقدير أنْ يكون صحيحاً فروايته عن أبان بن عثمان في حيّز الإمكان. وفي الرجال رواية محسن بن أحمد عن أبان بن عثمان موجودة(٥) .

وعلى تقدير كونه أحمد بن محمّد بن الصلت ، يبعد روايته عن أبان ابن عثمان ، بل الظاهر انتفاء احتمال الرواية ؛ لأنّ أحمد يروي عن ابن عقدة المتأخر ، وحينئذٍ لا بُدَّ من إبقائه على ما هو عليه من دون إبداء ذاك الاحتمال.

والفرق بين المقامين أنّ السابق روى فيه عن عبد الله بن الصلت ، وهو من أصحاب الجوادعليه‌السلام مع الرضاعليه‌السلام ، بخلاف أبان ، فإنّه من أصحاب الصادق والكاظمعليهما‌السلام .

وبالجملة : فالحيرة في هذا الإسناد واقعة ، لا سيّما بعد ما سمعت من التهذيب.

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٠٥ / ٤٨٥.

(٢) رجال النجاشي : ٤٢٣ / ١١٣٣.

(٣) راجع ص ٣٨٣.

(٤) في ص : ٢٣٥٤.

(٥) الفهرست : ١٩ / ٥٢.


والثالث : معلوم الحال بما تكرّر من المقال(١) ، والطريق في المشيخة : عن محمّد بن يعقوب ، عن العدّة(٢) ، وقد قدّمنا القول فيها(٣) .

المتن :

في الأوّل : ظاهر ، وحمل الشيخ الخبرين الأخيرين متوجه على تقدير العمل بالأخبار ، أمّا من يتوقف عمله على الصحّة أو(٤) الحسن فالأمر بالنسبة إليه غير خفي ، والمشهور بين الأصحاب )(٥) على ما قيل مضمون الخبر الأوّل(٦) ، وحكى شيخنا عن المعتبر أنّ فيه الحكم بسلامة سند الأوّل ، وتعجّب منه(٧) ، وهو في محلّه ، وتأويل السلامة بموافقة الشهرة خروج عن الظاهر.

ثم إنّ الأحقّ في الخبر لا يخلو معناه من إجمال ، وينقل عن المنتهى أنّ فيه : وأحقّ الناس بالصلاة عليه أولاهم بالميراث ، قاله علماؤنا ؛ لأنّه أولى بماله ، فكذا بالصلاة عليه ، [ و ] لقوله تعالى( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) (٨) ولمرسلة ابن أبي عمير في الحسن ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « يصلّي على الجنازة أولى الناس بها ، أو يأمر من‌

__________________

(١) راجع ص ٣٢٦ ٣٢٧.

(٢) مشيخة الإستبصار ( الإستبصار ٤ ) : ٣١٤.

(٣) في ص ٦٧.

(٤) في « رض » : و.

(٥) من بداية ص ٤٤٨ ، إلى هنا ساقطة عن « م ».

(٦) كما في مجمع الفائدة ٢ : ٤٥٨ ، والمدارك ٤ : ١٥٨ ، وفيه : المعروف من مذهب الأصحاب.

(٧) المدارك ٤ : ١٥٩ ، وهو في المعتبر ٢ : ٣٤٦.

(٨) الأنفال : ٧٥.


يحبّ »(١) (٢) .

واعترض عليه بعض محققي المتأخرينرحمه‌الله بأنّ الأوّل قياس ، ودلالة الثاني غير واضحة ، والثالث مرسل ، وفيه إجمال من جهة عدم ظهور معنى الأولى بالجنازة(٣) ، انتهى.

والظاهر أنّ مراده بعدم ظهور معنى الأولى أنّه يحتمل إرادة الاستحباب ، إمّا على أنّه يستحب استئذانه ، أو يستحب له الفعل على معنى أنّ لفعله كمالاً في الثواب على غيره إذا فعل. ويحتمل إرادة الوجوب ، وستسمع الإشكال فيه إن شاء الله تعالى.

وأمّا عدم دلالة الآية فلأنّ المذكور في الكشّاف : أنّ الأولوية في الميراث في قوله تعالى( فِي كِتابِ اللهِ ) (٤) في حكمه وقسمته ، وقيل : في اللوح ، وقيل : في القرآن ، وهي آية المواريث(٥) ، انتهى.

وقد يقال : إنّ إرادة المواريث غير مجزوم بها ، بل هي احتمال ، لكن لا عموم في الآية ؛ إذ كون البعض أولى غير معلوم في أيّ شي‌ء ، وقوله سبحانه( فِي كِتابِ اللهِ ) محتمل لما ذكر غيره ، وعلى تقدير ما ذكره لا يتحقق العموم ، إلاّ أنْ يقال : إنّ الظاهر من الآية كون بعض اولي الأرحام أولى ببعضٍ على الإطلاق ، وهو معنى العموم. وفيه : أنّ احتمال قوله‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ١٧٧ / ١ ، التهذيب ٣ : ٢٠٤ / ٤٨٣ ، الوسائل ٣ : ١١٤ أبواب صلاة الجنازة ب ٢٣ ح ١.

(٢) حكاه عنه في مجمع الفائدة ٢ : ٤٥٥ ، وهو في المنتهى ١ : ٤٥٠ ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر لاستقامة المتن.

(٣) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٤٥٦.

(٤) الأنفال : ٧٥.

(٥) الكشاف ٢ : ٢٤٠.


تعالى( فِي كِتابِ اللهِ ) للقرآن يدلّ على أنّه مفصّل في كتاب الله ، فيحتاج إلى العلم به.

فإنْ قلت : الظاهر من الآية إرادة المواريث ؛ لقوله تعالى قبل الآية المذكورة( وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ ) الآية(١) . وقد ذكر في الكشّاف : أنّ الآية الأخيرة ناسخة للتوارث بالهجرة والنصرة(٢) .

قلت : تعيّن كون الآية الأُولى للتوارث بالهجرة والنصرة محلّ تأمّل ؛ لتوقفه على الثبوت ، وباب الاحتمال واسع ، هذا.

والرواية المرسلة رواها الشيخ في التهذيب عن محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه(٣) .

وقد روى الشيخ في التهذيب ما يقتضي أنّ المصلّي بدون إذن الولي غاصب(٤) ، لكن السند غير سليم.

وللأصحاب في المقام تفريعات يتوقف الكلام فيها على ثبوت الأصل.

وفي الفقيه نقل رواية أبي بصير(٥) ، واعتبارها حينئذٍ واضح مع الشهرة.

وينبغي أنْ يعلم أنّ جدّيقدس‌سره في شرح الإرشاد قال : إنّ ظاهر الأصحاب أنّ إذن الولي إنما يتوقف عليها الجماعة لا أصل الصلاة ؛ لوجوبها‌

__________________

(١) الأنفال : ٧٥.

(٢) الكشاف ٢ : ٢٤٠.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٠٤ / ٤٨٣.

(٤) التهذيب ٣ : ٢٠٦ / ٤٩٠.

(٥) الفقيه ١ : ١٠٢ / ٤٧٤.


على الكفاية ، فلا يناط برأي أحد من المكلّفين ، فلو صلّوا فرادى من دون إذن أجزأ(١) .

واعترض عليه شيخناقدس‌سره بأنّه لا منافاة بين كون الوجوب كفائياً وبين إناطته برأي بعض المكلّفين ، على معنى أنّه إنْ قام به سقط الفرض عن غيره ، وكذا إنْ أذن لغيره وقام به الغير ، وإلاّ سقط اعتباره(٢) ، انتهى.

وفي نظري القاصر : أنّ الاعتراض محلّ بحث ؛ لأنّ الوجوب الكفائي إنْ كان مشروطاً بالإذن فلا يتحقق بدونه ، والمفروض وصف الصلاة بالوجوب الكفائي على كلّ أحد ، وحينئذٍ فالتقسيم بأنّ الولي إنْ فعل أو أذن ، ينافي الوجوب على كلّ أحدٍ كفايةً. وغير بعيد أنْ يقال : إنّ المتوقف على الإذن الفعل لا الوجوب على حدّ الواجب العيني المتوقف فعله على شرط ، وقد أوضحت الحال في موضعٍ آخر.

والعجب منهقدس‌سره أنّه صرّح في المسالك(٣) وغيرها بأنّ الواجب الكفائي لا ينافيه التوقف على الإذن ، وفي شرح الإرشاد ذكر ما سمعت ، وإنْ كان إطلاق قولهقدس‌سره بعدم المنافاة على وجه الإجمال لا يخلو من شي‌ء أيضاً لولا احتمال ما قدّمناه.

وبالجملة : إنْ ثبت الإجماع على توقف الجماعة فلا كلام ، وإلاّ أمكن القول بالتوقف على الإذن في الصلاة جماعةً وفرادى إنْ تمّ الدليل ، وقد سمعت الكلام فيه.

أمّا ما يقال : من أنّ الأوامر العامّة بالصلاة على الأموات يحتاج‌

__________________

(١) روض الجنان : ٣١١.

(٢) المدارك ٤ : ١٥٦.

(٣) المسالك ١ : ١٢.


تخصيصها بالإذن إلى دليل ، والأدلّة المذكورة لا تصلح للتخصيص ، مضافاً إلى عدم النقل عن السلف من أنّهم كانوا يستأذنون ، والأصل يقتضي العدم.

ففيه : أنّ بعض ما ذكرناه من الأدلّة يصلح للتخصيص إنْ تمّ العموم ، وعدم النقل عن السلف محلّ كلام في إثبات الأحكام ، على أنّ ظاهر العلاّمة في المنتهى دعوى الإجماع على بعض الأحكام(١) ، والاحتياط مطلوب مع الإمكان ، وعلى الله سبحانه في جميع الأُمور التكلان.

وليكن هذا آخر الجزء الثالث من كتاب استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار ، ويتلوه إن شاء الله تعالى في الرابع كتاب الزكاة ، والله سبحانه المسئول لتوفيق إكماله بجاه محمّدٍ المصطفى وآله.

واتّفق بتوفيق الله تمام هذا الجزء في أواخر شهر ذي الحجة الحرام سنة ١٠٣٧.

__________________

(١) المنتهى ١ : ٤٥٠.


فهرست الموضوعات

أ بواب الجمعة وأحكامها‌ ٥

باب تقديم النوافل يوم الجمعة قبل الزوال‌ ٥

باب القراءة في الجمعة‌١٩

باب القنوت في صلاة الجمعة ٣٨

باب العدد الذي يجب عليهم الجمعة ٤٣

باب القوم يكونون في قرية٥٢

هل يجوز لهم أن يجمعوا أو لا ٥٢

باب سقوط الجمعة عمن كان على رأس أكثر من فرسخين‌ ٥٨

باب من لم يدرك الخطبتين ٦٢

أبواب الجماعة وأحكامها‌٦٧

باب الصلاة خلف المجذوم والأبرص ٦٧

باب الصلاة خلف العبد ٧٤

باب الصلاة خلف الصبي قبل أنْ يبلغ الحلم ٨١

باب أنّ المتيمم لا يصلّي بالمتوضّئين ٨٨

باب المسافر يصلّي خلف المقيم‌٩٤

باب المرأة تؤمّ النساء ١٠١

باب القراءة خلف من يقتدى به ١٠٩

باب وجوب القراءة خلف من لا يقتدي به ١٢٤

باب من صلّى بقوم على غير وضوء‌١٧٤


باب الإمام إذا أحدث فيقدّم(٣) من ١٨٠

فاتته ركعة أو ركعتان لإتمام الصلاة ١٨٠

باب من لم يلحق تكبيرة الركوع‌ ١٨٩

باب من فاتته مع الإمام ركعة أو ركعتان ١٩٩

باب من رفع رأسه من الركوع قبل الإمام ٢٠٩

باب من يصلّي خلف من يقتدى به العصر٢٢٤

قبل أن يصلّي الظهر ٢٢٤

باب أنّ الإمام إذا سلّم ينبغي له أن لا يبرح ٢٢٨

من مكانه حتى يتمّ من خلفه ما فاته من صلاته ٢٢٨

باب صلاة الجماعة في السفينة ٢٣٤

باب بئر الغائط يُتخذ مسجداً ٢٣٨

باب كراهية أنْ يبصق في المسجد ٢٤٢

أبواب الصلاة في العيدين‌ ٢٤٦

باب أنّ صلاة العيدين فريضة ٢٤٦

باب أنّه لا تجب صلاة العيدين إلاّ مع الإمام ٢٥٢

باب من يصلّي وحده كم يصلي؟٢٦٧

باب سقوط صلاة العيدين عن المسافر ٢٧٤

باب عدد التكبيرات في صلاة العيد ٢٧٦

باب كيفية التكبير في صلاة العيدين ٢٨١

باب الغسل يوم العيدين ٢٩٣

باب صلاة الاستسقاء هل تُقدّم الخطبة فيها أو تُؤخّر؟٢٩٥

أبواب صلاة الكسوف ٢٩٧

باب عدد ركعات صلاة الكسوف ٢٩٧

باب من فاتته صلاة الكسوف هل عليه قضاء أم لا؟٢٩٩

باب الصلاة في السفينة٣٠٩

باب صلاة الخوف ٣١٨


باب صلاة المُغمى عليه٣٢٥

باب الزيادات في شهر رمضان‌ ٣٣٨

أبواب الصلاة على الأموات‌ ٣٦٨

باب وجوب الصلاة على كلّ ميّت مسلم٣٦٨

مقتولاً كان أو ميتاً حتف أنفه شهيداً كان أو غيره‌٣٦٨

باب وقت الصلاة على الأموات ‌٣٧٣

باب موضع الوقوف من الجنازة‌٣٧٩

باب ترتيب جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعت‌ ٣٨٣

باب المواضع التي يصلّى فيها على الجنائز‌٣٩٢

باب عدد التكبيرات على الأموات‌ ٣٩٤

باب أنّه لا قراءة في الصلاة على الميت‌ ٤١٠

باب أنّه لا تسليم في الصلاة على الميت‌ ٤١٥

باب رفع اليدين في كلّ تكبيرة‌٤١٧

باب الصلاة على الأطفال‌ ٤٢٢

باب من فاته شي‌ء من ٤٣٢

التكبيرات على الميت هل يقضي أم لا؟٤٣٢

باب الصلاة على المدفون‌ ٤٣٦

باب الصلاة على الجنازة مرّتين‌ ٤٤٦

باب الصلاة على جنازةٍ معها امرأة‌٤٥١

قوله :٤٥٣

باب من أحقّ بالصلاة على المرأة‌٤٥٣

السند :‌ ٤٥٤

فهرست الموضوعات ٤٦١