بسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيْم
وَله الحَمدُ ، وَبهِ نستعِينُ
وَالصَلاة ، وَالسَلام عَلى خير خلقهِ محمَّد ، وَآلهِ
الطَيِّبينَ الطاهِرينَ
مع القارئ :
أستميح (قاريء الكريم) العذر اذا طلبت منه أن يسمح لي من وقته الغالي دقائع معدودات لأتحدث معه عما يقوم به بعض القراء الذين يكون همهم الشاغل المرور على المكتبات ، والتطلع على ما تقدمه المطابع من نتاج جديد. فقد يقع كتابي هذا بين يديه ، ويبدأ بتأمل عنوانه ، ويشرع في تقليب بعض صفحاته. وقبل أن يقرأ منه المقدار الكافي ، أولا أقل من تصفح جدول الفهرسة يضعه جانباً والعجب يأخذ منه مأخذه ، فهو لا يطيق أن يرى لمثل ا لدعاء موضوعاً يستدعي الاهتمام الكثير في وقت وصل فيه ركب العلم ، وموكب الحضارة الى ما نحن عليه الآن من التطور ، والتقدم بفضل ما يبذله العلماء من جهود مكثفة في سبيل الوصول الى اكثر ما يمكن تحقيقه في مجال الاكتشاف العلمي. وإذا بالانسان بفضل هذه الجهود يتجاوز فيصل ، ويكتشف أسرار ما يحيط بهذا الكون من معلومات دقيقة ، والتي كانت السبب في ازدهار هذه النهضة العلمية. لذلك نراه ينعى على مثل هذه البحوث التي ربما يرى فيها إضاعة للوقت ، وإماتة للروح البشرية في عصر العلم ، والتقدم.
ومن هنا :
ومن هذا المنطلق أبدأ حديثي مع هؤلاء النفر من القراء فأقول :
مهما تقدم العلم ، وقطعت الحضارة أشواطاً بعيدة في هذه الحياة فان كل ذلك يكون من موجبات ازدياد الثقة بالله تعالى ، وترسيخ قواعد الإيمان به ، والاعتراف بعظمته ، وقدرته. ذلك لأن مجاهر العلم مهما اكتشفت ، وتقدمت فإنها لا تصل الى حل غوامض بعض ما ينطوي عليه هذا الكون من أسرار أرضية ، أو سماوية( وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) (١) .
وإذا كانت كل هذه الاكتشافات نوافذ نطلع منها على عظمة الله ، وقدرته ، فإن الدعاء في حد ذاته هو المدرسة التي نتعلم فيها كيف نعيش ، وكيف نفكر ، وكيف نسلك مع الله ، ومع الناس ، ومع أنفسنا.
ولهذا فالدعاء ليس كما يحلو للبعض أن يعبر عنه بانه : الملهاة المحببة لقلوبٍ أماتها التصوف ، وأفكار خيمت عليها العزلة. بل الدعاء هو المادة الأساسية للغذاء الروحي للإنسان ، فكما يحتاج الفرد منا الى الغذائين : الجسمي والعقلي ، كذلك هو بأمس الحاجة الى ما ينمي الروح ، وينشطها فإن نشاط الجسم بنشاط الروح ، وتقوية معنوياتها.
لذلك نرى علماء النفس يؤكدون بأن نسبة القتل ، والانتحار والطلاق ، والتشاكس ، وكل الأعمال التي تكون مسببة عن الغضب ، واليأس ، والحرمان عند المعتقدين بالدعاء أقل منها عند غير المعتقدين به.
__________________
(١) سورة الإسراء : آية (٨٥).
ويأتي ذلك نتيجة تأثير الدعاء على النفس ، وتصفيتها وتحليقها الى اجواء الله الرفيعة لتعيش مطمئنة في رحابه الطاهرة وبذلك تنشط ، وتقوى على أداء أعمالها على النحو الأكمل.
قارئي العزيز :
أود أن لا أكون قد أثقلت عليك بهذه السطور ، وكل ما أرجوه منك ، وأنا أختم حديثي معك أن تشاركني لنهمس معاً في أذن هؤلاء النفر الكلمة الأخيرة قائلين لهم : في هذه المواقف إما أن يمر أحدكم على كل كتاب ، أو مقالٍ يقع بين يديه مروراً عابراً من دون إبداء رأي ، أو تعليق ، أو يحكم ، ويدلي برأيه ولكن بعد أن يحيط بجوانب ذلك الموضوع ، ويكوّن فكرة عنه. وفي هذه الصورة فقط تكون لك كامل الحرية في إبداء وجهة نظرك ، وتقييم ما يقع بين يديك من كتاب ، أو مقال.
وبذلك نضمن للمؤلف ، او الكاتب حقه في تقييم ما قدمه للقراء من نتاج فكري.
والله هو الموفق ، وهو المسدد للصواب.
عزالدين السيد علي بحر العلوم
النجف الاشرف ١٢ / شعبان / ١٤٠٤ / هجرية |
في رحَابِ اللهِ :
لقد دأب المؤلفون على الكتابة في شتى العلوم ـ ومن قديم الزمان ـ ولم يتوجهوا الى شيء إلا وتناولوه بحثاً ، وتنقيباً فكان من ذلك أن ذخرت المكتبات بنتاجهم في مختلف المواضيع ، وعلى جميع الأشكال : تأليفاً ، وتحقيقاً ، وتعليقاً.
وتلقى القراء من معاصريهم ، أو ممن سبقهم من المؤلفين القدامى ذلك النتاج ، فكان الدرس النافع ، والضوء الذي ينير الدرب للسالكين.
وانتشر الكتاب ، وزادت حدة التأليف نتيجة التوسع الفكري وعلى الأخص في الفترات الأخيرة حيث تكاثرت دور النشر والطباعة ، وساعدت المطابع الحديثة على توفير الإنتاج وإخراجه بشكل جميل.
ولكن المطامع الكريم يلاحظ من خلال كل ذلك أن حصة الدعاء عرضاً ، وشرحاً ، وتحقيقاً من هذه المسيرة الراكضة قليل جداً رغم ما تزخر به المكتبة العربية ، والإِسلامية من كتب الأدعية ، والأذكار من جميع المذاهب الإِسلامية ، بل وغير الإِسلامية من بقية الأديان السماوية حتى كان نصيب الكثير منها التلف كما هو الحال في كثير من المخطوطات. لقد أهمل المؤلفون هذا الجانب ، فكان من جراء ذلك وجود الفراغ في هذا الحقل.
وحيث كان الدعاء هو الواجهة التي يتوخى الداعي إيصال ما تنطوي عليه نفسه الى الغير عبر الفقرات الدعائية لذلك كان هو المعبر عن حصيلة أفكار الداعي في المجال الذي يدعو به وإذاً : فلا غرابة لو كان الدعاء محتاجاً في كثير من فقراته ، وفصوله الى الشرح ، والتحقيق ، وبيان النقاط التوجيهية التي يقصدها الداعون من وراء ادعيتهم تقرباً منهم الى الله تعالى في كل ما يقدمونه ومن هذا المنطق الفكري اخترت (في رحاب الله) عنواناً لهذه السلسلة الدعائية أتوخى من وراء ذلك أن أنتاول بعض الأدعية التي أراها بحاجة الى البحث ، وبيان ما تنطوي عليه فصول ذلك الدعاء من مطالب قد لا يلتفت اليها الداعي وهو يرتل ذلك الدعاء ، ويمر على جمله ، وفقراته مرور الكرام.
مع الدّعاء :
يقول اللغويون : أن الدعاء هو : النداء.
ويضيف البعض منهم الى ذلك : أن الدعاء هو الرغبة الى الله عزوجل.
أما الفريق الثالث فيقول : أن الدعاء يأتي بمعنى الاستعانة كما جاء ذلك في قوله تعالى :( وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (١) .
اي ادعوا من استدعيتم طاعته ، ورجوتم معونته ، فالدعاء هنا بمعنى الاستعانة.
وفي تفسير هذه الآية المتقدمة :( وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ ) .
يقول الفراء : أي استغيثوا بآلهتكم. فالدعاء هنا جاء بمعنى الاستغاثة.
ويفسر البعض الآخر الدعاء فيقول : أنه بمعنى (العبادة) ويستدل على ذلك بقوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ) (٢) أي الذين تعبدون.
__________________
(١) سورة البقرة : آية : (٢٣).
(٢) سورة الأعراف : آية (٩٤).
وقسم بعض اللغويين الدعاء لله على ثلاثة أوجه فقال :
معنى الدعاء لله على ثلاثة أوجه :
فضرب منها : توحيده ، والثناء عليه كقولك : يا الله ، و «لا إله إلا انت» وكقولك : «ربنا لك الحمد» اذا قلت ذلك فقد دعوته بقولك : «ربنا» ثم أتيت بالثناء ، والتوحيد ، ومثله قوله تعالى :( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (١) .
والضرب الثاني : مسألة العفو ، والرحمة ، وما يقرب منه كقولك : «اللهم اغفر لنا».
والضرب الثالث : مسألة الحظ من الدنيا كقولك : «اللهم ارزقني مالاً وولداً».
وهكذا تختلف كلمة اللغويين في الدعاء.
ولكنا ومن مجموع ما ذكره أهل اللغة في هذا الخصوص بالإِمكان ان نخرج بالنتيجة التالية :
ان المراد من الدعاء : هو النداء ، ولكن أسبابه تختلف.
فمرة : يراد به الاستعانة.
وأخرى : الاستغاثة.
وثالثة : الرغبة.
__________________
(١) سورة المؤمن : آية (٦٠).
ورابعة : العبادة.
ولذلك قال أبو إسحق كما نقل عنه ابن منظور :
«وانما سمي هذا جميعه دعاء لأن الإِنسان يصدر في هذه الأشياء بقوله : يا الله ، يا رب ، يا رحمن ، فلذلك سمي دعاء»(١) .
الدعاء بين الرفض والقبول :
وككثير من المواضيع التي كانت محطاً للنقاش بين العلماء نرى للدعاء الحصة الوافرة من مثل هذا النزاع فبين مؤيدٍ له وبين رافض له واذا ما تتبع الباحث هذه المعركة الدعائية فيسجد الأقوال في المسألة ولكن بالإمكان حصر الجميع والرجوع بها الى أقوال رئيسية ثلاثة.
القول الأول : هو الأخذ بفكرة الدعاء في كل شيء في هذه الحياة.
القول الثاني : رفض الدعاء رفضاً قاطعاً.
القول الثالث : ونطلق عليه القول المشترك بين الرفض ، والقبول أو القول الوسط بين الطرفين.
١ ـ القائلون بقبول الدعاء مطلقاً ، أدلتهم :
يتعصب البعض لفكرة الدعاء ويذهب بالشوط بعيداً فيعول عليه كمبدأ أساسي لكل شيء يقدم عليه الفرد في هذه الحياة ، ولذلك
__________________
(١) لاحظ لجميع ذلك لسان العرب. مادة (دعو).
نرى هذا البعض يعتمد على الأذكار ، والأوراد والرياضة النفسية ، والتضرع الى الله ، وما الى ذلك في كل شيء ـ وعلى سبيل المثال ـ ففي مجال الرزق ، والتجارة ، والعمل للإنتاج نرى هذا البعض يترك كل ذلك متكلاً على الدعاء ، ومتخذاً من الآيات الكريمة التالية درساً يسير على هداه.
يقول تعالى :( وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) (١) .
وقوله عز وجل :( وَاللَّـهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (٢) .
فعلى أي شيء يتعب الإنسان نفسه ، ويجهد ، ويعمل ليحصل على لقمة العيش؟ بل يكفيه أن يتقي ربه ، وفي قبال ذلك يرزقه الله ، ويجعل له مخرجاً في كل الأمور حسب منطوق الآية الكريمة. وفوق كل ذلك أنه يمنح هذا الفيض بغير حساب.
هذا من جهة الرزق ، ولقمة العيش. أما بقية الأمور فنراهم لدفع الأخطار يتركون الفكر ، والشجاعة ، والاقدام لدفع العدو ، ورده ويتكلون على ما وراء الغيب لأن الله يقول :
( وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) (٣) .
إذاً فليس من يتوكل على الله في بيته ، وهو عز وجل يدفع عنه كل عدو ، وكل مهاجم.
__________________
(١) سورة الطلاق : آية (٣).
(٢) سورة البقرة : آية (٢١٢).
(٣) سورة الطلاق : آية (٣).
وإذا نزل بأحدهم المرض لجأ الى الدعاء فقط تاركاً وراءه الطيب والدواء متخذاً من قوله تعالى حكاية عن النبي إبراهيم (عليه السلام)( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) (١) .
فلماذا إذاً السعي وراء الطب ، والطبيب؟ والشفاء بيد المشافي وهو الله عز وجل فمن العبد الدعاء ، ومن الرب الشفاء.
وعلى هذه المسيرة الدعائية يسير موكب هذه الجماعة من الاتكال المفرط على الدعاء.
الرد على هذا القول :
والجواب عن هذا الدليل الذي استدل به هؤلاء المتكلمون هو : أننا نؤمن كموحدين لله ، معترفين بعظمته ، وقدرته أن الرزق من الله ، والحفظ منه ، والشفاء بيديه ، فهو الذي يمنح من يشاء ويفيض على من يشاء حتى ولو كان ذلك الإِنسان لا يؤمن بالله. كل ذلك لحكمة منه في هذا الاجراء ، وأنه بالإِمكان أن يهيء لعباده كل شيء في هذه الحياة من أمور المعاش ، والرزق ، وهم جالسون في ديارهم لا يحركون أي ساكن ، ولا يبذلون أدنى جهد في سبيل تحصيل ذلك ، وكذلك يدفع عنهم جميع الأمراض من دون أن يحوجهم الى أي طبيب ، وهكذا بالنسبة الى العدو حيث يدفع عنهم شروره من دون أن يلجئهم الى حرب ، ودفاع.
كل ذلك بوسع الله أن يهيئه لعباده ولكن المشيئة الإِلهية لم تقتض أن يترك الإِنسان إتكالياً على هذا النحو من الدعة ، والراحة ، بل لقد
__________________
(١) سورة الشعراء : آية (٨٠).
حارب الإِسلام وهو دين الله القويم هذا النوع من التواكل ولم يرتضه. يقول (عمر بن يزيد) وهو أحد الرواة عن الإِمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : رجل قال لاقعدن في بيتي ، ولأصلين ، ولأصومن ، ولأعبدن ربي فأما رزقي فسيأتيني فقال أبو عبد الله : هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم قلت : ومن الاثنين الأخران؟
قال : رجل له إمرأة يدعو الله ان يريحه منها ، ويفرق بينه وبينها فيقال له : أمرها بيدك خل سبيلها ، ورجل له حق على إنسان لم يُشهد عليه فيدعو الله أن يرد عليه فيقال له : قد أمرتك أن تشهد وتستوثق فلم تفعل»(١) .
وفي حديث آخر يقول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) «إن أصنافاً من أمتي لا يستجاب لهم دعاؤهم» وعد من هؤلاء :
«ورجل يقعد في بيته ، ويقول : رب ارزقني ، ولا يخرج ، ولا يطلب الرزق فيقول الله عز وجل :
عبدي الم أجعل لك السبيل الى الطلب ، والتصرف في الأرض بجوارح صحيحة فتكون قد أعذرت ، فيما بيني وبينك ، في الطلب لاتباع أمري ، ولكيلا تكون كلَّا على أهلك(٢) ؟.
وتتجلى روعة المحاورة بين الله ، وعبده في هذه الفقرات ، فالله عز وجل لا يريد لعبده أن يكون كَلّاً على أهله يتكفف منهم ، بل
__________________
(١) وسائل الشيعة : باب (٥٠) من أبواب الدعاء / حديث (٤).
(٢) نفس المصدر ، والموضع = حديث (٦).
يريد منه أن يجهد ، ويطلب ، ومنه التوفيق فهي عملية يشترك فيها الطرفان.
فمن العبد العمل ، والطلب.
ومن الله الهداية ، والتوفيق.
ويقول راوٍ آخر قال أبو عبد الله (عليه السلام) :
ما فعل عمر بن مسلم؟
قلت : جعلت فداك أقبل على العبادة ، وترك التجارة.
فقال : ويحه أما علم أن تارك الطلب لا تستجاب له دعوة إن قوماً من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لما نزلت آية :
( وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) (١) .
أغلقوا الأبواب ، واقبلوا على العبادة ، وقالوا : قد كفينا.
فبلغ ذلك النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) فأرسل إليهم فقال :
ما صنعتم؟ فقالوا : يا رسول الله تكفل الله لنا بأرزاقنا ، فأقبلنا على العبادة فقال : «إنه من فعل ذلك يستجب له عليكم بالطلب»(٢) .
__________________
(١) سورة الطلاق : آية (٣).
(٢) وسائل الشيعة : ١٢ / ١٥ / حديث (٧ ، ٨) الباب (٥) من أبواب مقدمات التجارة.
وفي مقام آخر يقول :
«إني لأبغض الرجل فاغراً فاه الى ربه فيقول ارزقني ويترك الطلب»(١) .
إن هذه الأحاديث ، ، وغيرها مما كان على هذا النحو قد تصدت لتنبه اولئك الذين تركوا العمل والتجارة واقبلوا على العبادة ولو كان ذلك لأجل العبادة والتلذذ بها فان السير على هذا النوع من الانهماك حتماً يؤدي الى شل الحياة الاجتماعية ، والوقوف في وجه نموها وازدهارها ، وهذا مالا يريده الشارع المقدس بل على العكس فإن الشارع جعل العمل ، والكسب ، وبذل الجهد في سبيل العيش للعامل وعياله من العبادة بل وعبر عنه بالجهاد الأكبر. ولذلك نرى المصادر التأريخية تحدثنا بأن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان يكره ان يرى سائلاً يستجدي الآخرين ، وفي بدنه طاقة على العمل بل كان يدفعه للنزول الى معترك الحياة العملية تاركاً وراءه الحياة الخاملة الذليلة ، والتي ترتسم في التطلع الى ما في أيدي الآخرين.
وكان أهل البيت (عليهم السلام) وكثير من الصحابة يباشرون أعمال الفلاحة ، والزراعة بأنفسهم ، ويأكلون ما تدره عليهم تلك الأعمال من مال كل ذلك لئلا يكونوا كَلّاً على بيت مال المسلمين أو يتكففوا أيدي الناس في الطلب.
ويضرب الإِمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) المثل الأعلى في الاعتماد على النفس في سبيل تحصيل ما يؤمن القوت
__________________
(١) وسائل الشيعة : ١٢ / ١٥ / حديث (٨) الباب (٥) من ابواب مقدمات التجارة.
له ، ولعياله فلم يكن يشغله زهده ، وورعه ، وتقاه من القيام بأمور الأرض من حرث ، وزراعة ، وسقي ، وما تتطلبه الفلاحة من أعمال حيث يؤجر نفسه لآخرين للقيام بهذه الأعمال.
الم يتمكن أمير المؤمنين وهو المقرب عند الله أن يدعو ربه ليرزقه فيريحه من العمل ، والمشاق التي كان يتحملها لتحصيل المال ليصرفه على عياله؟ ولماذا كل هذا الاهتمام بالعامل ، والعمل ، والإِنتاج اذا كان كل منا يتكل على الدعاء كوسيلة لجلب المال ، والرفاه؟
وفي مقام الدفاع عن النفس ، والحرب على الكفار نرى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) يقود المسلمين في حروبهم مع الكفار ، ويتكبد في كثير منها الخسائر في الأرواح ، والأموال مع أنه كان بإمكانه أن يدعو الله ليكف عنه وعن المسلمين الأذى والحرب فينصرهم ، وينصرهم ترتفع كلمة الإِسلام ، وهم قابعون في ديارهم.
وكان بإمكانه أن لا يطلب الأطباء لجرحى الحروب ، وللمرضى بل يدعو لهم ، أو يأمرهم بالدعاء ليحصل لهم الشفاء العاجل.
كل ذلك لم يحصل من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) ولم يكن على الله ببعيد أن يلبي كل ذلك ، واكثر. ولكن النظام الكوني لم يتبين على هذا النوع من التسامح ـ وسنتعرض فيما سيأتي ـ الى بيان هذه النقطة وأن القضية لا بد لها من حصول الأسباب الظاهرية ، من عملٍ ، وسعي ودفاع ، ومراجعة طبيب.
والأسباب الحقيقة : هي إرادة الله ، ومشيئته.
وتثبيتاً لما نقول نرى الآية الكريمة تقول :
( وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ) .
والمخرج هو الطريق فلا بد للإِنسان أن يسلك ذلك الطريق ليصل الى الغاية أما أن يجلس في مكانه ، ويأمل أن يأتيه كل شيء من وراء الغيب ، فهذا أمر لا تقره الشريعة ، ولا النظم الكونية فقد أبى الله الا أن يجري الأمور بأسبابها ، ومن مخارجها ، ومداخلها.
نعم الاهتداء الى الأسباب ، والطريق المنتجة المؤثرة يكون بتوفيقه ، وتسديده.
٢ ـ مع القائلين برفض الدعاء وأدلتهم :
يتنوع القائلون برفض فكرة الدعاء في بيان وجهة نظرهم ونوعية الأدلة التي يقدمونها لإِثبات ما يذهبون اليه ، وإن كان كلهم يشتركون في القول : بإن الدعاء لا معنى للأخذ به كفكرة مركزة لتخليص الداعي من الذنوب ، وما تجره من ويلات عقابية ، وكذلك فيما يخص الداعي فيما يطلبه من ربه لما يعود الى أموره الحياتية ، والمعاشية.
ونتيجة لتتبع مصادر نقل أرائهم نراهم ينقسمون الى طوائف عديدة :
الطائفة الأولى : ويقولون بإن الدعاء لا يتعدى كونه طلب شيء لا تقره القوانين الكونية وذلك :
لأن الحكمة الإِلهية اقتضت بناء هذا العالم وما يحدث فيه على الأسباب ، والمسببات ، ولم تقتض المشيئة الإِلهية أن توجد مسببات بدون أسبابها لاختلال الأمور لو كانت المسببات تحصل لوحدها ـ وعلى سبيل المثال ـ فإن الشريعة المقدسة قد قررت على من يصل إلى سن
التكليف تكاليف ، وجوبية ، وتحريمية إضافة الى المستحبات ، والمكروهات ، وبينت كل ذلك له. وحينئذٍ فمن إمتثل ما قرر له من الواجبات ، وترك المحرمات فله جزاؤه الذي يترتب على الإِتيان بالواجب ، والعقاب الذي يناله من يخالف ، ويأتي بالمحرم. أما أنه يترك ما هو واجب عليه ويأتي بما هو محرم ، ويدعو الله ليغفر له مثل هذه المخالفات فهذا معناه الطلب من الله تعطيل قاعدة الأسباب ، والمسببات ، وإجابة الله ـ لو فرضت ـ لمثل هذه الأدعية ما هي الا نسف لما بني عليه هذا الكون من الارتباط الترتبي بين الأسباب ، ومسبباتها. وهكذا الحال في الأمور المعاشية ، فإن تحصيل المال يتبع الأصول الأساسية لقاعدتين : العمل ، والتجارة ، ولكل من هذين شروطه ، وبإتباعها يتمكن الانسان من الحصول على المال. أما الاعتماد على الدعاء والانتظار لما وراء الغيب ، فهذا موضوع يبتنى على توقع تحصيل المال من باب الجزاف ، والاعتباط.
والرد على هذا الدليل : بعدم التنافي بين فكرتي الدعاء ، وقانون الاسباب ، والمسببات ففي الوقت الذي نقر فيه بأن المسبب لا يتخلف عن سببه إذا حصل نقول :
بإن الدعاء يؤثر أثره وذلك لأن السبب على نحوين :
تكويني ، وتشريعي.
ويمثل للأول : بسببية النار للحرارة ، والشمس لوجود النهار ، وحصول الضوء.
أما الثاني : وهو السبب التشريعي فيمثل له باستحقاق العقاب الذي رتبه الشارع على صدور الذنب من المكلف ، وكلا هذين لا
يتخلف عنه حصول السبب مع الفارق في الاعتبار فيهما ، فإن الأول سبب تكوني ، والثاني سبب تشريعي ، وإلا فالترتب في كلبهما حاصل بلا تخلف.
ومن هذه الزاوية تتبين المغالطة التي فرضها المستدل ، فإنه اعتبر المسبب المترتب على صدور الذنب نفس العقوبة ، لذلك توقف من قبول الأخذ بفكرة الدعاء لأن السبب ، وهو الذنب إذا حصل ، فمعناه حصول العقاب إذاً فما تأثير الدعاء في البين؟
ولكن بما بيناه اتضح أن المسبب على صدور الذنب هو استحقاق العقاب لا نفس العقاب ، فإن المكلف إذا أذنب كان جزاؤه ما رتب على ذلك الذنب من عقوبة. أما نفس العقوبة الفعلية فتتأخر عن مرحلة الاستحقاق ، وبين هاتين المرحلتين : الاستحقاق ، والتحقق يأخذ الدعاء مكانه ، فيسلك الداعي المذنب طريق ال عاطفة ، وفيتضرع الى من بيده الحل ، والعقد ان يوقف تأثير الاستحقاق ، ويهيء المانع من تأثيره والمانع هو إرادته تعالى بالعفو عنه ، فهو إذاً بدعائه يطرق باباً لعله بتضرعه يفتح له فيصل منه الى غايته.
وفي الوقت نفسه : الداعي بهذا الطريق الذي يسلكه لا يتخطى ما رسمه الله له ، من الخط الذي اذا سار عليه وصل الى هدفه المنشود.
فهو تعالى علمه الدعاء ، بل وأمره به ، وبعد كل ذلك ضمن له الاجابة. جرى كل ذلك عبر الآيات الكريمة ، والأخبار الشريفة ، والتي صرحت بأن الله يحب عبده الملحاح في دعائه.
وقد تحدى سبحانه بأن يتعرض العبد فهل يجد من هو أرحم منه
يجيب دعوة الداعي أذا دعاه ، وتوجه اليه.
ونستعرض لهذا النوع من التحدي في مطاوي البحوث الآتية.
الطائفة الثانية من القائلين بالرفض :
وتذهب هذه الطائفة الى القول : بإن الآيات القرآنية هي التي صرحت بعدم تأثير الدعاء لانها جاءت تقول : بإن الإِنسان ليس له من دنياه إلا ما يقدمه من عمل ، وجهد. أما الكيل من الأجر لمن لا يعمل ، أو عمل ولكنه عمل على خلاف ما يرض الله ، فذلك مالا وجه له وبهذا الصدد تقول الآيات الكريمة :
( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (١) .
( أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّـهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (٢) .
( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ) (٣) .
إذاً فالمسألة تابعة لأجر الإِنسان ليوفى يوم القيامة بما كان يستحقه من جراء ما قدمه من عمل ، والله سريع الحساب. فلا جزاف في البين ، ولا أثره لبعض على حساب البعض الآخر بل كل يستحق جزاءه ، ويعطيه طبق عمله ، ومجهوده ومن خلال الآية الكريمة في قوله تعالى :
( وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ) (٤) .
__________________
(١) سورة آل عمران : آية (٨٥).
(٢) سورة البقرة : آية (٢٠٢).
(٣) سورة آل عمران : آية (١٩٥).
(٤) سورة النجم : آية _ ٣٩).
تبدو أبعاد العملية الجزائية واضحة صريحة ، فلكل إنسان مقدار سعيه. أما ما زاد على ذلك فليس له فيه حظ ونصيب ، لأن ما يحسب له إنما هو سعيه ، وعمله.
وتتوصع الآية فتلقي أضواءً جديدة على الموضوع حيث تكمل :
( وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ ) (١) .
وهنا يأتي دول التفضيل ، واللطف منه سبحانه فإذا سعى العبد واستحق بازاء سعيه ما رتب على ذلك من ثواب ، فإن سعيه سوف يرى من قبل ربه ، فإن أحس منه التقرب ، والتودد فيجازيه الجزاء الأوفى. والجزاء الأوفى هو ما يفيضه الله على عبده من باب العطف والتفضل لا من باب الاستحقاق.
إذاً فالسعي والعمل هما المناط في تحصيل الجزاء لا الدعاء والاتكال وانتظار أن يأتيه كل شيء بدون تقديم مجهود في هذه الحياة.
والجواب عن هذه الآيات : بإنا نرى في قبال هذه الآيات الكريمة آيات أخرى تحث على الدعاء ، وتأمر بالاخذ به ، يقول تعالى :
( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (٢) .
( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) (٣) .
__________________
(١) سورة النجم : آية (٤٠) ، (٤١).
(٢) سورة المؤمن : آية (٦٠).
(٣) سورة الأعراف : آية (٥٥).
( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (١) .
أما الأخبار الواردة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) في هذا الخصوص فكثيرة ، وقد طفحت بها كتب الحديث لكافة الفرق الإِسلامية.
والآن فنحن نقف بين طائفتين من الأخبار ، والآيات.
طائفة : توقف الإِنسان عند حده ، وتفهمه بإن الأمور ليست من قبيل الجزاف ، والاعتباط ، بل لكل إنسان جزاء سعيه ، وتعود القضية بالاخير الى الدقة في الموازنة بين العمل والجزاء ، حتى ولو دعا الداعي ما شاء له أن يدعو ربه.
أما الطائفة الثانية : فهي تحث العبد على التوجه الى ربه ، والتضرع اليه ، وقد كفل له أن يجد من عطفه مالا يرجعه خائباً ، بل يستجيب له دعواته.
ويزيد في الترغيب أن الآيات التي تكفلت بالإِجابة لم تقيد الاجابة بحالة خاصة يشترط أن يكون العبد عليها ، بل هي مطلقة من هذه الجهة ، ولسانها عام يضمن الاستجابة حتى ولو كان العبد غير مستحق للإِجابة.
وطبيعي ان العارضة تبدو واضحة بين هاتين الطائفتين فلأي منهما التقديم وبأي من هذين يؤخذ؟
__________________
(١) سورة البقرة : آية (١٨٦).
وفي مقام الإِجابة نقول :
لا معارضة بين هاتين الطائفتين ، وان بدا ذلك ظاهراً منها ببيان : أن الطائفة الأولى : وردت في مقام بيان ما يستحقه المكلف من الأجر ، والاستحقاق إزاء عمله ، فبيّن الله بصريح الآيات بانه لا يضيع عمل كل عامل ، وسعي كل ساعي ، وانه يوفي العباد أجورهم. أما الطائفة الثانية : فلسانها لسان التفضل ، والعطف ، ولا علاقة لذلك بالأجر والاستحقاق ، فهي من قبيل قوله تعالى في آية اخرى :
( وَاسْأَلُوا اللَّـهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) (١) .
والداعي عندما يهرع ربه داعياً يسأله من فضله ، ولا يطالبه بأجره ، بل ربما لا يرى لعمله شيئاً يستحق أن يطالب به لذلك لا نرى تنافياً بين الطائفتين من الأخبار لأن كل طائفة تنظر الى جهة تختلف عن الجهة التي تنظر اليها الطائفة الثانية.
الطائفة الثالثة ممن يقولون برفض الدعاء :
ويذهب هؤلاء الى القول بلغوية الدعاء ، وعبثيته ، وأنه من الأمور التي يشغل الإِنسان بها نفسه ، وهو في غنىً عن ذلك. ويستدل على ذلك بان الواقع الخارجي يكذب قضية الدعاء وذلك ، لأن الداعي لا يدري ما سيتخذ الله بالنسبة الى ذنوبه من قرار فهل سيغفرها أم لا؟
هذا بالنسبة الى الذنوب وعالم الآخرة. وأما ما يعود الى الأمور الدنيوية فإن نسبة الإِجابة ضئيلة جداً إذا قيست لما يبذله الداعي من
__________________
(١) سورة النساء : آية (٣٢).
جهد في دعائه ، وفي تقديم طلباته.
وحتى هذا المقدار من الاجابة لو حصل لربما يكون من باب المصادفات الطبيعية لا من باب إجابة الله لدعاء عبده.
فمثلاً : نرى الشخص يدعو ربه لشفاء مريضه ، أو لعودة مسافره من سفره بعد طول غياب ، أو يطلب الولد من ربه ، وهكذا غير هذه من أمنيات طويلة ، وعريضة وفي هذه الحالات قد لا تتحقق الطلبات المذكورة ، وقد تتحقق ، ولكن من يدري أن تحققها كان استجابة لدعاء الداعي؟ بل ربما كان لأجل انتهاء دورة المرض عند المريض ، فيتصور الممرض أن الشفاء كان لدعائه. أو أن الوضع العادي للمسافر صادف رجوعه حيث أنهى مهمته وعاد الى وطنه فيظن من ينتظره بان دعاءه استجيب فعاد مسافره ببركة توسلاته.
أو تلد المرأة ولداً بحسب التقدير الإِلهي الأولي لتلك المرأة فيظن الوالد بأن دعاءه في طلب الولد قد استجيب له ، وفعلاً قد أخذ مفعوله في التاثير ، فرزقه الله ولداً مستجيباً له دعاءه. وهكذا تسير قافلة الداعين في الدعاء ويسير الفلك في تقديراته الأولية وللمصادفات بين هذين أن تأخذ دورها في تحقيق الآمال ، والأمنيات.
بهذا وشبهه تصدى هؤلاء الرافضون لفكرة الدعاء والالتجاء الى الله في كل الأمور الدنيوية ، والأخروية.
الرد على هذه الطائفة :
وردنا على هؤلاء يتخلص في أن الدعاء ـ كما هو واضح ـ.
تارة : يكون لطلب المغفرة والصفح عن الذنوب الصادرة من الداعي.
وثانية : لأمور الداعي الدنيوية من رزقٍ ، أو ولد ، او شفاء مريض وما شاكل من طلبات.
أما الأول : وهو ما يعود الى طلب الغفران فلا معنى لان نرى النتيجة من الاجابة ضئيلة ، أم غير ضئيلة ، ومن يتمكن أن يعرف ذلك لأن موضوعه يرجع الى ما وراء الغيب ، وحساب ذلك الى الله يوم القيامة ، وعندها يعرف الداعي نتائج دعائه ، وثمرات توسلاته ، وتضرعه من غفران الله له أم لا؟
وأما النوع الثاني : وهو الذي تظهر نتائجه في الخارج ، ويمكن مشاهدته في هذه الدنيا ، فإن نسبة الإِجابة ، وعدمها لا معنى لتقديرها بالحساب ، ذلك لان الله عندما خلق الخلق لم يتركهم دى بل قدر لهم مصالحهم ، وما يعود الى نفعهم ، وعدم النفع ، بل ما يجلب لهم المفسدة كل ذلك يلاحظ الله ، ويسيرهم على طبقه لإِنه رؤوف بعباده وعطوف علهيم ، وهو الذي خلقهم ، وهم عياله.
وعلى هذا المبنى فالداعي حر في دعائه ، وفي كل ما يطلب من ربه ، ولكل ما يريد في هذه الحياة. ولكن بعد دعائه هناك رب يرعى حاله ، ويلاحظ مصالحه يقدر كيف سيلبي طلبه ، وحينئذٍ فإن كان في صلاحه الإِجابة الفورية تفضل الله عليه بذلك لو علم منه صدق النيّة ، وحسن التوجه ، وان كان صلاحه في التأخير أخر له ذلك ريثما يحين الوقت الذي شاءت المصلحة تأخيره لذلك الوقت. ولربما تكون المصلحة في عدم الإِجابة لذلك يحرم
الداعي من مطلوبه. ولقد وردت أخبار كثيرة تصرح بإن الغني لبعض الأشخاص يكون سبباً في بطره ، وكفره ، وهكذا طلب الولد ، فإنه قد يكون نقمة عليه لذلك يكون الفقر هو الأًصلح له ، وكذلك حرمان الداعي من الولد هو الأولى لأنه لو حصل فسيكون وبالاً عليه. وعلى نطاق أوسع فقد تختلف الرغبات من الأشخاص : فالبعض يتجه الى الله متضرعاً يريد المطر ، بينما يكون دعاء آخر بعدم نزوله ، ولكل رغبته ومآربه فهنا اذاً استجاب الله لكليهما ، فمعناه الجمع بين النقيضين ، وان تركهما معاً فمعناه جفاه لكل منهما. وإن استجاب لأحدهما دون الآخر ، فمعنى ذلك الترجيح بلا مرجح ، وحينئذٍ ترسو النتيجة على وجود المرجح ليقدم طلب أحد هذين. والمرجح هو المصلحة ، وعدم المفسدة ، ولا بد في هذه الصورة من تلبية من تكون المصلحة في طلبه ، وأما من يكون طلبه فيه مفسدة ، فسيحرم من الإِجابة ، وبحرمانه يقال : كيف وصل الأمر الى عدم الاجابة؟ وقد قال تعالى :
( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) .
والمفروض أن من حرم الإِجابة قد قام من جهته بما أمر به الله من الدعاء فلماذا حرم الإِجابة؟
ويتناول القرآن هذه الناحية فيوجه الأمة الى لزوم التسليم لأمر الله تعالى لأنه الأبصر بمصالح العبد ، وهو الأعرف بما ينفعهم يقول تعالى :
( وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (١) .
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٢١٦).
والإِنسان لا يدري اين يكون الخير ليتبعه ، واين يكون الشر فيتجنبه ، بل هو ، وبوحي من رغبته ، وتجاربه يكون فكرة عن الشيء فيظن من وراء طلب ذلك الخير ، فيقدم على طلبه ، أو من ورائه الشر ، فيحجم عنه ، وفي كلا الحالين لا يقطع بما سيترتب على ما أراد.
ولكن الله هو العالم ، وهو المطلع على الغيب ، ومن يدري فلعل ما أراده يكمن فيه الشر ، أو ما تركه ، أو أحجم عن طلبه فيه كل الخير ، إذاً فوراء كل ذلك القدرة الإِلهية فما على الإِنسان إلا أن يسلم أمره الى الله تعالى.
فمن العبد : الدعاء ، والطلب.
ومن الله : ما وراء ذلك من تمحيص دعوة الداعي من الخير ، او الشر. وتبدو هذه السلوكية الرفيعة في الدعاء ، والتسليم الى المولى في كل ما يقدره على العبد واضحة في مناجاة الإِمام (عليه السلام) : «اللهم ان عفوك عن ذنبي ، وتجاوزك عن خطيئتي ، وصفحك عن ظلمي ، وسترك على قبيح عملي ، وحلمك عن كثير جرمي عندما كان من خطأي وعمدي ، أطمعني في أن أسئلك مالا أستوجبه منك الذي رزقتني من رحمتك ، وأريتني من قدرتك ، وعرفتني من إجابتك ، فصرت أدعوك آمناً ، وأسئلك مستأنساً ، لا خائفاً ولا وجلاً ، مدلاً عليك ، ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور»(١) .
__________________
(١) مقطع من دعاء الافتتاح الذي يدعى به في كل ليلة من ليالي شهر رمضان.
وتسلسل الدعاء في فقراته ، وبدء نغم المناجاة يبين الأسباب التي دعت الداعي وهو المذنب المتجاوز أن يستزيد من الطلب ويريد من ربه مع عدم استحقاقه لذلك ـ أن الأسباب تكمن في عفوه سبحانه ، وتجاوزه ، وصفحه ، وستره على المذنبين. وهذا هو الذي دفع بالعبد أن يطمع في السؤال ، والطلب كأن له التطول على ربه.
ولكنه يعود أخيراً ليسلم الأمر الى الله ، ويطلب العذر في كل ذلك منه لأنه بشر ، والبشر بطبيعته جاهل بعواقب الأمور ولا يدري ما وراء الغيب ، ولعل الذي أبطأ هو الأصلح بحاله لأن العالم بعواقب الأمور هو الله وحده.
إن هذه السلوكية في الركون الى الله ، والتحدث اليه تمتد في جذورها لتستقي رواءها العذب من الخطوط العريضة التي يشرح أبعادها أمير المؤمنين الإِمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لولده الإِمام الحسن (عليه السلام) نستعرضها لتكون درساً لمن يرون التباطؤ في الإِجابة وسيلة لرفض الدعاء. يقول «صلوات الله عليه» :
«واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض ، قد اذن لك في الدعاء ، وتكفل كل بالإجابة ، وأمرك أن تسأله ليعطيك ، وتسترحمه ليرحمك ، ولم يجعل بينك وبينه ، من يحجبك عنه ، ولم يلجئك الى من يشفع لك اليه ، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ولم يعالجك بالنقمة ، ولم يعيرك بالإِنابة ، ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى ، ولم يشدد عليك في قبول الإنابة ، ولم يناقشك بالجريمة ، ولم يؤيسك من الرحمة ، بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة وحسب سيئتك واحدة ، وحسب حسنتك عشراً ، وفتح لك باب المتاب ،
فإذا ناديته سمع نداءك ، وإذا ناجيته علم نجواك ، فأفضيت اليه بحاجتك ، وبثثته ذات نفسك وشكوت اليه همومك ، واستكشفته كروبك ، واستعنته على أمورك ، وسألته من خزائن رحمته مالا يقدر على إعطائه غيره من زيادة الاعمار ، وصحة الأبدان ، وسعة الأرزاق ، ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك من مسألته فمتى شئت إستفتحت بالدعاء أبواب نعمته ، وإستمطرت شأبيب رحمته فلا يقنطك ابطاء إجابته ، فإن العطية على قدر النية ، وربما أخرت عنك الاجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل ، وأجزل لعطاء الآمل ، وربما سألت الشيء ، فلا تؤتاه ، وأوتيت خيراً منه عاجلاً ، أو آجلاً ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلرب أمرٍ قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته ، فلتكن مسالتك فيما يبقى لك جماله ، وينفى عنك وباله ، فالمال لا يبقى لك ، ولا تبقى له»(١) .
إن هذا المقطع من وصية أمير المؤمنين يبدأ فيه بتناول المشكلة من مراحلها الأولية ، فالله هو الذي أمر بالدعاء ، وهو الذي تضمن بالإِجابة ، وحبب اللجوء اليه ، ولم يلجئك الى شفيع ووعدك بالخير وصور الخير أنه : حسب السيئة واحدة ، وتفضل فاعتبر حسنتك مضاعفة الى عشرة. كل ذلك ليقربك اليه وليرفع الكلفة في الطلب والهيبة في الإِقدام.
ومع كل هذا اللطف ، والتفضل ، فهل يحسن بالإِنسان أن يسيء الظن بمثل هذا الرب العطوف ، ولذلك نرى الإِمام «عليه
__________________
(١) مقطع من وصية الامام علي بن أبي طالب «عليه السلام» كتبها لولده الحسن «عليه السلام» عند رجوعه من صفين ببلدة من نواحيها يقال لها : (حاضرين).
السلام» ينهى الداعي أن يقنط لو ابطأت الإِجابة عليه. ولماذا يدب اليأس الى قلبه؟ إذ من يدري فقد يكون التأخير في صالحه ، ولربما كان سبب التأخير ، والابطاء هو أن الله سيجمع له بعد مرور هذه الفترة من الإِنتظار الإِجابة ، والأجر.
الإِجابة : تعقيباً لدعائه.
والأجر : جزاء على تأخير الإِجابة.
وهي طرق يتوخى الله سبحانه أن من ورائها ان يجزل العطاء لعبده بكل وسيلة ، وبأي سبب.
إذاً وعلى ضوء هذه التعليمات القيّمة لا يبقى مجال للإِعتراض بالابطاء ولا يكون تأخير الإِجابة تبعاً للمصلحة ، والتبديل بالأحسن منافياً لقوله تعالى :( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) .
وهكذا لبقية الآيات التي أمرت بالدعاء وتكفلت بالإِجابة فان الله عز وجل صحيح قد أمر بالدعاء ، وكذلك بنص الآية قد وعد بالإِجابة ، ومن الواضح أن الله لا يخلف وعده. كل ذلك لا إشكال فيه ، ولكن المشكلة تنحل لو علمنا بإن الله عز وجل مع لطفه وعطفه ووعده بالإِجابة ، واعطائه لعبده أكثر مما يستحق لم يقيد نفسه بالوقت ، ولم يحدد إجابته بفترة معينه يعينها بين الدعاء والإِجابة ، بل ترك ذلك مفتوحاً له ليوازن بين الدعاء ، وبين ما يعود بالنفع على الداعي من دعائه ، أو ما يعود عليه بالشر لو كان ما طلبه على خلاف مصلحته ، أو المصلحة العامة.
ولو القينا نظرة آخرى على هذه الوصية القيّمة لرأينا الإِمام فيها يصور لنا عملية استدراج الله لعبده لجلبه اليه لذلك يبدأ معه بالأمر
بالدعاء والحث عليه ، وانه سيجد منه أذناً صاغية وقلباً مفتوحاً يقطر عطفاً وحناناً. ولكن على الداعي أن يعلم بأن هذا الكون يسير على نظام دقيق ، وان هناك بشراً يعيشون مثله لهم أيضاً رغبات كرغباته ، وقد تختلف في مثل هذه الحالة مصالحهم ، وفي صورة الاختلاف لأي منهما الترجيح. كل ذلك لا بد من رجوعه إلى عين ساهرة ترعى الجميع ولا تقدم البعض على حساب الآخرين.
الطائفة الرابعة ممن يقولون بالرفض :
وهؤلاء هم : القدريون الذين يتقيدون بإن كل شيء في هذه الحياة من خير أو شر ، مقدر على الإِنسان يراه بدون تخلف ، وحينئذ اذا كان الأمر مقدراً على الإِنسان أن يلاقي ما كتب له فما هو معنى الدعاء والتضرع؟ بل لا بد من الإِنتظار ، وتوقع ما هو مكتوب عليه سواءً كان ذلك المقدر خيراً ، أو مما هو من القضايا التي تجلب الويل عليه.
الرد على هؤلاء :
وهو أنا سوف نتعرض في ضمن شرح الفقرة الآتية من الدعاء «وأسعده على ذلك القضاء» ـ لبيان معنى كلمة القدر ، وما يراد من ذلك.
ولكن وعلى سبيل الإِختصار نقول :
بإن القدر : إنما هو تقدير الشيء ، وتدبيره. وبعد هذه المرحلة تأتي مرحلة القضاء ، وهي مرحلة التحقق لما قدر ، ودبر ، أو الحتمية لما قدر ، ودبر.
والآن فمع المستدل على رفض الدعاء بالقدر : بإن معنى القدر ـ كما عرفت ـ هو ما قدره الله على العباد. أما مرحلة القضاء ، والحتمية فمتأخرة ، والداعي بدعائه يطلب من ربه ان لا يلحق قدره بقضائه بل يتجاوز عما قدره عليه :
و( لِلَّـهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ) (١) .
وهو على كل شيء قدير ، فلا منافاة اذاً بين الدعاء ، والقدر.
الطائفة الخامسة ممن يقولون بالرفض :
ويقول هؤلاء بأن الله سبحانه يعلم الغيب ، ومطلع على كل شيء في هذا الوجود ، وحتى على السرائر ، والضمائر ، ويعلم ما تجيش به نفس الإنسان. واذا كان الأمر كذلك فلماذا ينتظر الله من عبده أن يدعو ويتضرع؟ بل هو يرحم ، وهو يغير ما دام يحس من عبده حسن النية وقد صنع مع نبيه ابراهيم «عليه السلام» مثل ذلك عندما القي في النار حيث نقل عنه ان جبرئيل سأله ، وهو بتلك الحالة ألك حاجة؟
فأجابه : أما اليك فلا.
قال جبرائيل : إذاً فادع الله.
ويجيب ابراهيم قائلاً : علمه بحالي يغنيه عن سؤالي.
وفي بعض الروايات انه قال له : حسبي من سؤالي علمه بحالي(٢) .
__________________ ـ
(١) سورة الروم : آية (٤).
(٢) لاحظ للموضوع بتوسع كتاب الدعاء : للشيرازي.
فلماذا إذاً التوسل والدعاء وهو العالم ولا يخفى عليه شيء(١) ؟
الرد على هذه الطائفة :
نقول ان عمل النبي ابراهيم «عليه السلام» وهو خليل الله لا يكون ملزماً لبقية البشر. والقضية ليست من الأحكام الشرعية ليتعبد بها ، وعلى فرض ذلك ، فشريعته تختلف عن شريعتنا.
على أن بين أيدينا من الآيات ، والروايات ما يكفي لقناعة الإِنسان بإن الله ، وهو العالم والمطلع ، هو الذي يحث عبده على الدعاء ، ويأمره بذلك ، ويعلمه طريقة اللجوء اليه ، ويحب عبده الملحاح ، وإنه كريم لا ينقص منه شيء إذا اجاب عبده ، وأعطاه ما أراد وسنتعرض في ثنايا البحث الى ذكر الكثير منها كما وقد ذكرنا البعض منها فيما سبق. ومرة أخرى نقول :
إن الدعاء هو الموصل الروحي بين العبد وربه ، ولا منافاة بين أن يكون الله عالماً بحال العبد ، ولكنه ـ في الوقت نفسه ـ يحب أن يضرع اليه ليقبل عليه بوجهه الكريم ، فيجيبه الى ما سأله ، ويزيد على ذلك ، فهو ذو الفضل العظيم.
٣ ـ القائلون بالحد الوسط بين الرفض والقبول :
ويتخذ هؤلاء الحد الوسط فيرفضون القولين معاً :
فلا هم يأخذون بالدعاء في كل شيء كالقول الأول.
ولا هم يتركون الدعاء مطلقاً كما يقوله الرافضون له.
__________________ ـ
(١) لاحظ للموضوع بتوسع كتاب الدعاء : للشيرازي.
بل يسلكون حداً وسطاً بين هذين القولين. فهم يبنون حياتهم العملية على العمل والجد ، ولكنهم ـ في الوقت نفسه ـ يتوجهون الى الله أن يبارك لهم ركب الحياة ، فيمنحهم التوفيق في أعمالهم ، ويدفع عنهم الشرور والأحداث.
وهكذا في مجال الطب والمرض ، فإن مراجعتهم للطبيب لا تكفي في نظرهم لو لم يبارك الله لهم هذه المراجعة ، فهم يدعون الله أن يختار لهم الأصلح ، ويجعل الشفاء على يديه لأن الطبيب وسيلة للشفاء. فمن الله يريدون إرشادهم الى الوسيلة النافعة وهكذا الحال في الحروب ، والميادين الحربية ، فهم يقابلون الأعداء بشجاعة ، وبسالة ، ولكنهم يطلبون النصر من عند الله لأن الله عز وجل هو الذي يقول :
( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) (١) .
وفي آية أخرى يقول تعالى :
( يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (٢) .
وهكذا في الجانب العبادي من حياة الإِنسان ، فإنه لا معنى للقول بالإِتكال على مغفرة الله ، والإِتيان بالمخالفات من ترك الواجبات والاتيان بالمحرمات ، مضافاً الى التجاوز على أموال الناس ، وأعراضهم إعتماداً على عفو الله ، ورحمته ، بل لا بد من الالتزام بكل ما هو مفروض. ويلجأ الإِنسان بعد هذا الى الدعاء لو زلت
__________________
(١) سورة آل عرمان : آية (١٢٦).
(٢) سورة الروم : آية (٥).
قدمه ليقبل الله توبته فيجد من عطف ربه ما يتجاوز به عما صدر منه.
واذاً فما يراه هؤلاء من الرأي هو انضمام العمل ، والتوبة ، وطلب المغفرة ، وطلب الأمور الحياتية ، لا الإِتكال على الدعاء فقط ، ولا الإِعتماد على النفس فحسب.
وقد ظهر بأن هذا القول هو القول الذي يرجح على القولين الأول والثاني بعد ردنا لهما ـ كما تقدم ـ.
وندلل عليه : بان الإِنسان لم يترك سدى في هذه الحياة ، بل خلق ، ومنح العقل ، والتفكير ، وحمل المسؤولية الحياتية ، وبذلك ميز عن بقية المخلوقات لذلك كان عليه أن يعمل.
ـ وفي نفس الوقت ـ بما أنه مخلوق ضعيف ، وقد صرح خالقه بهذه الحقيقة عندما قال :
( وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا ) (١) .
فلا بد أن يجبر ضعفه هذا باللجوء الى من بيده القوة ، والقدرة ليعينه في هذه المسيرة الشاقة ، وليسدد خطاه في إرشاده الى الطريق المستقيم.
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) (٢) .
ومن ذلك الذي يهدي الى الصراط المستقيم غير الله عز وجل؟
__________________
(١) سورة النساء : آية (٢٨).
(٢) سورة الحمد : آية (٥).
فلو لم يكن عمل لما عرفت لذة التوفيق.
ولو لم يكن ذنب لما عرف طعم للغفران ، والرحمة.
ومع كل هذا ولتحقيق الأخذ بهذا القول لا بد لنا من البحث حول الدعاء ومواكبة المسيرة الدعائية على الصعيدين : التاريخي ، والواقع الخارجي لنحيط بالموضوع إحاطة كاملة ، ولنثبت أن الدعاء من الحقائق الثابتة ، ولا إمكان لرفضه ، ولا للأخذ به مطلقاً كما تقوله الجماعة الأولى.
ونقصد بالجانب التاريخي : ملاحظة حال الدعاء ، وهل أنه من القضايا المستحدثة ، أو أن له تاريخه القديم ، وهل يحظى تأييد بعض الديانات دون البعض الآخر أم أنه مما تقول به كافة الأديان السماوية.
أما البحث عن الجانب التاريخي الخارجي فيلاحظ فيه حال الدعاء ، ومدى ضرورته للإِنسان ، ومدى تعلق الشخص به على الجانبين العبادي ، والأجتماعي.
١ ـ المسيرة الدعائية تاريخها :
من استعراض الآيات القرآنية ، والحوادث التاريخية بالإِمكان القول : بإن الدعاء عرف منذ اليوم الأول لتاريخ الإِنسان الأول آدم «عليه السلام» فالذي يواكب القرآن الكريم يرى أن آدم هو أول من دعا ، وتضرع الى الله من أبناء هذه الأرض حيث حكى القرآن قصته مع إبليس بعد ما حذره الله ، وزوجته حواء من الاقتراب الى شجرة معينة في الجنة ، وعدم الأكل منها وموضوع العداء الذي نشب
بينه ، وبين إبليس من عدم سجوده لآدم بعدما صدر الأمر الإِلهي للملائكة بالسجود له.
( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ. وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ) (١) .
وبدأت معركة الحياة ، وترك آدم الجنة ، وخرج من النعيم الدائم ، وغضب الله عليه لعدم امتثاله النهي بعدم الإِقتراب من الشجرة المنهي عنها. ولنترك الخلاف بين العلماء في حقيقة هذه الشجرة ، ولماذا خصت هي دون غيرها بالنهي ، فلذلك مجال آخر من كتب التفسير.
ونشأ العداء بين آدم ، وإبليس. فآدم يرى إبليس السبب في خروجه من الجنة وحرمانه من الراحة الأبدية لأنه هو الذي رغبه وزوجته في الأكل من الشجرة المنهي عنها.
( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٣٤ ـ ٣٦).
عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) (١) .
فإبليس إذاً مصدر شقاء آدم ، وسبب غضب الله سبحانه عليه.
ـ وفي الوقت نفسه ـ فإن إبليس يرى في آدم نفس النظرة ، فهو مصدر شقائه ، وطرده ، وإبعاده عن حضيرة القدس. فلولا آدم ولولا الأمر بالسجود له لما وصل الأمر به الى هذا الحال من الشقاء الدائم ، واللعنة الى يوم الدين.
( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) (٢) .
ويحس الزوجان بالندامة ، ويشعران بالتقصير ، ولكن كيف يتداركان الموقف ، وينالا رضا الرب؟
التضرع ، واظهار الندم ، والتوسل اليه هو كل ما يملكانه من وسائل موصلة اليه سبحانه.
من هنا تبدأ المسيرة الدعائية حيث يتجه الزوجان الى مصدر اللطف ، والحنو ، وبلسان كله ضراعة يبدآن :
( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (٣) .
__________________
(١) سورة الأعراف : آية (١٩ ـ ٢٢).
(٢) سورة الأعراف : آية (١٣ ـ ١٤).
(٣) سورة الأعراف : آية (٢٣).
وهذا هو أول دعاء يصدر من الأرض الى السماء ، وهو الإِستغاثة به عز وجل ، والإِستكانة اليه ، وطلب المغفرة عما صدر منهما من مخالفة ، وعصيان.
وحاشا لله أن يرد عبداً التجأ اليه نادماً.
( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (١) .
ويجد آدم من عطف ربه ما يمهد له الطريق لقبول توبته فعلمه مفاتيح التوبة ، وهي الكلمات التي تلقاها منه وقد قيل في تلك الكلمات أنها :
( اللهم لا إله الا أنت سبحانك ، وبحمدك رب اني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين.
اللهم لا إله الا أنت سبحانك ، وبحمدك رب اني ظلمت نفسي فإرحمني انك خير الراحمين.
اللهم لا إله الا أنت سبحانك ، وبحمدك رب اني ظلمت نفسي فتب علي انك انت التواب الرحيم) .(٢) .
جاء ذلك عن الإِمام محمد البقار عليه السلام وعن مجاهد.
وقيل في الكلمات غير هذا مما نقلته كتب التفسير.
من هذا العرض لقصة آدم «عليه السلام» تبين لنا أن الله هو
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٣٧).
(٢) مجمع البيان في تفسير القرآن في تفسيره لهذه الآية.
الذي وضع الخطوط الأولى للمسيرة الدعائية بتعليمه لأول مخلوقين من البشر كيف يدعوان ، وكيف يتضرعان.
وعندما يتعرض القرآن الكريم لقصة ابراهيم «عليه السلام» في مناجاته مع ربه نراه يذكر الآيات التالية :
( رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ. وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ. وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ. وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ) (١) .
ان هذه الطلبات المتوالية ليست الا الدعاء الى الله لتحقيق ما تحمله هذه الفقرات من متطلبات.
وفي مشهد آخر نرى الآيات الكريمة تنقل عرضاً منسقاً لقصة ابراهيم مع زوجته (سارة) عندما أمره الله تعالى بالهجرة لإِبعاد زوجته الثانية (هاجر) ، وطفلها إسماعيل عن المكان الذي يسكن فيه لمضايقتهم لزوجته الأولى (سارة) ، ولسنا في صدد بيان السبب في هذا الإِبعاد ، فلكتب التفسير والمصادر التي تكفلت لعرض قصص الأنبياء مجالها في ذلك بل المهم من نقل هذا المشهد هو ملاحظة الفقرات الدعائية ، التي جاءت على لسان إبراهيم «عليه السلام».
وتسير القافلة الصغيرة تقطع الوديان لتصل الى مكان البيت الحرام فتؤمر بالنزول.
ويحط الركب في قلب الصحراء المترامية على غير كلأ ، ولا ماء وتنتهي مهمة الأب فلا بد له من الرجوع الى مكانه ، ويلقي نظراته
__________________
(١) سورة الشعراء : آية (٨٣ ـ ٨٧).
الوداعية ، ويعود ادراجه راجعاً فتلحق به زوجته ، وهي من هولة من هذا المنظر الموحش فتقول له :
إلى أين تذهب ، ولمن تتركنا في هذا الوادي المقفر؟
وتمزق اللوعة قلب الأب الوقور فبماذا يجيب؟ وبأي شيء يعتذر؟ ولكنه مأمور بذلك من ربه ، ولا بد له من إكمال الشوط فلا يجيبها ، بل يستمر في السير.
وتعود هاجر الى الراكب لتتعلق بأذياله وهي تقول :
«الله أمرك بهذا».
ويجد ابراهيم المخرج الذي ينقذه من الحيرة فيقول :
«نعم».
وعندها تلملم المرأة المؤمنة أطرافها وهي تقول :
«إن لا يضيعنا الله».
ثم رجعت الى حيث تركت طفلها لتستسلم الى قضاء الله وقدره ، وتتعاقب نظرات ابراهيم يلقيها على هذه الأسرة الصغيرة وتتلاحق انفاسه ، والاسى يحز في قلبه ، وتنساب الرقة من فمه ، وهو يلقي النظرات الأخيرة على الطفل وأمه ، فيرددها كلمات هادئة :
( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (١) .
__________________
(١) سورة إبراهيم : آية (٣٧).
وتلقى هذه الكلمات الإِجابة من ربه ، وإذا بمكة ذلك الوادي الموحش المقفر يحج اليها الناس في كل وقت ، ومن كل فج عميق.
ولو لاحقنا المشاهد الاخرى لقصص ابراهيم لرأينا الدعاء لا ينفك عن لسانه عند بناء البيت ، وفي غير ذلك من مشاهد حياته ، وضراعة لأجل تثبيت دعائم التوحيد.
نظرة الأديان السماوية الى الدعاء :
كان الغرض من نقلنا لقصتي آدم ، وإبراهيم «عليهما السلام» هو عرض نماذج من صور الدعاء التي صدرت منذ بدء التاريخ الإِنساني في عهده القديم مما يعطينا فكرة واضحة عن قدم الدعاء بقدم الإِنسان ، وانه لا مجال لإِنكار هذه الحقيقة من الجهة التاريخية.
أما نظرة الأديان السماوية الى الدعاء ، فإن الأديان التي جاءت بها السماء نرى كلها تحث على الدعاء ، والالتجاء الى الله عز وجل ومناشدته ، ومناجاته ، وها هي قصص الأنبياء تزخر بالأدعية التي وردت على لسان كل نبي سواءً في الدعاء على قومه ، أو لصالحهم فالكل دعاء ، وتضرع ، وطلب من الله ، ورغبة اليه في تحقيق شيء يريده الداعي.
وتتناقل الكتب كثيراً من المناجاة التي كان الأنبياء يناجون بها ربهم ، والاحاديث الواردة من الله لهم في فضل الدعاء ، ومنزلة الداعي وأن الله لا يخيب من دعاه ومن التجأ إليه
ولولا خوف الإطالة ، والخروج عن صلب الموضوع لعرضنا الكثير من ذلك.
الإسلام والدعاء :
وقد لا يكون الإِنسان مبالغاً إذا قال : بإنه لم تهتم شريعة من الشرائع السماوية كشريعتنا الإِسلامية بالدعاء ، والتوجه اليه تعالى وقد جاء ذلك واضحاً في الآيات القرآنية ، والأخبار المروية عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وخلفائه «عليه السلام» حيث تناولت الدعاء من وجوه عديدة.
الأول : الآيات المصرخة بضمان الله في الإِستجابة.
قال تعالى :( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) (١) .
( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (٢) .
( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) (٣) .
الثاني : الآيات التي تأمر وتحث على الدعاء ، والتوجه اليه عز وجل.
يقول تعالى :( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) (٤) .
وقوله عز وجل :( قُلِ ادْعُوا اللَّـهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَـٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ
__________________
(١) سورة البقرة : آية (١٨٦).
(٢) سورة غافر : آية (٦٠).
(٣) سورة النمل : آية (٦٢).
(٤) سورة الأعراف : آية (٥٥).
الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ) (١) .
وقال جل إسمه :( فَادْعُوا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (٢) .
وقال تعالى :( وَلِلَّـهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ) (٣) .
الثالث : تعليم الداعي بكيف يدعو ربه.
يقول تعالى :( وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ) (٤) .
( وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا ) (٥) .
( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (٦) .
( فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ) (٧) .
__________________
(١) سورة الإِسراء : آية (١١٠).
(٢) سورة غافر : آية (١٤).
(٣) سورة الأعراف : آية (١٨٠).
(٤) سورة المؤمنون : آية (٢٩).
(٥) سورة الإِسراء : آية (٨٠).
(٦) سورة البقرة : آية (٢٠١).
(٧) سورة الأعراف : آية (١٥٥).
( الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (١) .
( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ) (٢) .
الرابع : النهي عن الدعاء لغير الله ، وتعجيز غيره في تمكنه من اجابة الدعاء ، وإيصاله الى ما يهدف اليه.
يقول عز وجل :( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ) (٣) .
( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (٤) .
( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ ) (٥) .
( وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّـهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ) (٦) .
( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ) (٧) .
وأما الرسول الأعظم فقد نقل عنه الكثير من حثه ، وعنايته ، وترغيبه في الدعاء ، وقد جاء عنه صلّى الله عليه وآله وسلم.
__________________
(١) سورة آل عمران : آية (١٦).
(٢) سورة الحشر : آية (١٠).
(٣) سورة الحج : آية (٧٣).
(٤) سورة الأعراف : آية (١٩٤).
(٥) سورة الأعراف : آية (١٩٧).
(٦) سورة يونس : آية (١٠٦).
(٧) سورة فاطر : آية (١٣).
( أن الدعاء سلاح المؤمن ، وعمود الدين ، ونور السماوات والأرض ) (١) .
وعنه صلّى الله عليه وآله وسلم «إن الله عز وجل حي كريم يستحي اذا بسط الرجل اليه يديه أن يردهما صغراً ليس فيهما شيء»(٢) .
وعنه صلّى الله عليه وآله وسلم أيضاً : «ليس شيء اكرم على الله من الدعاء»(٣) .
وقد رويت عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت «عليهم السلام» ، وكثير من الصحابة الأدعية التي تقرأ قبل الصلاة ، وما بعدها ، وعند ارتفاع النهار ، وعند الزوال ، وعند الغروب ، وفي آناء الليل وفي كل ساعة ، ولأيام الأسبوع ، ولأيام الشهر ، ولكثير من المناسبات في عرض السنة من أولها الى آخرهما.
وقد نقل عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قوله «الدعاء مخ العبادة»(٤) . «فكما أن مخ الإِنسان يقوم عليه الإِنسان فكذلك الدعاء تقوم عليه العبادة»(٥) .
__________________
(١ ـ ٢) لاحظ اصول الكافي كتاب الدعاء : باب (الدعاء سلاح المؤمن) حديث (١) وباب «حسن الظن بالله» : حديث (٢) والتصوف الاسلامي في الأدب ، والاخلاق : ٢ (٣٣) منشورات المكتبة العصرية.
(٣) احياء العلوم للغزالي : ١ (٣٩٦) منشورات مؤسسة الحلبي / أخرجه عن الترمذي ، ومثله ما جاء عن مكارم الاخلاق للطبرسي : باب فضل الدعاء ، وكيفيته.
(٤) احياء العلوم للغزالي : ١ (٣٩٦).
(٥) مع الانبياء في القرآن الكريم : (١٣١ / الطبعة السادسة.
ولا أدري بماذا يجيب القائلون برفض الدعاء عن هذه الأدعية من بدء الخليقة الى ما جاءت به الشريعة الإِسلامية والتي خاتمة الرسالات السماوية؟ ، وهل من السهل رفض هذه الحقيقة؟
كما ولا إختصاص بالدعاء من حيث هو دعاء ، وان لم يكن توسلاً الى الله عز وجل بأمة دون أخرى ، بل الدعاء كرغبة الى الغير أو إستعانة بالآخرين ، أو استغاثة يصدرها المحتاج عند الشدّة. كل ذلك طبيعي لمن تنزل به كارثة ، أو يجد في نفسه الحاجة الى الآخرين.
وحتى أولئك الذين لا يقولون بوجود الله ، فإن بعضهم يدعو شخصاً آخر له مقامه ، ومنزلته ، ويرغب اليه ، ويتملق له لحاجة من حوائج الدنيا ، أو لجاهٍ ، ومنصب ، وما شاكل. وما هذا الا صورة من صور الدعاء.
الدعاء من الناحية الإِجتماعية :
قد يرسم البعض في مخيلته صورة موحشة للداعي ، فيعتبره شخصاً خاملاً يشغل نفسه بالذكر والدعا ، مبتعداً عن المجتمع يركن الى الصوامع ، وأماكن العبادة ، وبعيداً عن العمل ، وما يتطلبه من مجهود ومثابرة ، لذلك ، ومن إطار هذه الصورة الكئيبة ينقم على الدعاء والداعين ، ولربما عبر البعض من هؤلاء عن الدعاء : بإنه المخدر الذي يميت الطاقات الكامنة في الإِنسان ، ومن ثم يجر مثل هذا الإِنسان الخامل الويلات على المجتمع الواعي الناهض.
ويسوق هؤلاء دليلاً على صحة دعواهم هذه ما يشاهده الإِنسان من كثرة الدعاء عندما يستعرض المصادر الدعائية حيث يرى لكل
ساعة دعاء خاصاً في ضمن الأربع وعشرين ساعة مجموع اليوم والليلة ، وهكذا لكل يومٍ من أيام الشهر ، وكذلك الفصول ، والمناسبات ولكل حركة وعمل يقوم به الإِنسان ، حتى عند دخوله الى المرافق ورفع الحاجة ، وعند ركوبه ، ونزوله ، فلكل ذلك دعاء خاص.
وحسب الداعي أن ينشد الى الدعاء ، ويعيش في دوامة من التوسلات ليترك حياته العملية ، ويدور في هذه العجلة.
وبالأخير ، فالحياة الإِجتماعية في نظر هذا البعض لا تلتئم مع الدعاء والداعين ، بل لا بد من الإِبتعاد عن كل ذلك ، أو لا أقل من التقليل بشكل لا يؤثر على طابع الحياة النابضة ، وما تقتضيه وتتطلبه من عملٍ ، ونشاط ، وجهود مكثفة.
وأقف والحيرة تأخذ على مسالك التفكير أمام هذا البعض وما يرسمه للدعاء والداعي ، من صورٍ تعمدت فيها ريشة الراسم فأخرجتها على هذا النحو من التشويه ، والإِضطراب.
وقد لا الوم هذا البعض ، وغيره إذا نظروا الى الدعاء ، والداعي من خلال هذه الصورة التي وجدوا فيها : هذا النحو من التهذيب النفسي كلاً على المجتمع ، والإِجتماع.
ولكن ، وبقليل من الهدوء ، والتروي أود ممن أزعجتهم صور الدعاء ان يخففوا من غلوائهم لندرس معاً الفوائد التي يجنيها المجتمع من الدعاء والداعي ، ومن ثم للحكم مجال واسع خصوصاً ، وأننا نحكم في مثل هذه القضايا الضمير الحي ليقول كلمته : بلا ، أو نعم. نقول : مما تقدم ـ عرفت ـ أن القائلين بقبول فكرة الدعاء ،
والعمل على طبقه بالإِمكان تقسيمهم الى جماعتين :
جماعة : تتطرف كثيراً ، فتأخذ بالدعاء ، وتعتمد عليه دون أي شيء آخر لتبني حياتها عليه بالمرة.
وجماعة : معتدلة تتخذ من الدعاء معيناً لها في أعمالها العبادية ، والإِجتماعية.
أما الجماعة الأولى : فلا أحسب ـ كما سبق ان قلنا ـ أن يقرهم أي دين سماوي ، وعلى الأخص الإِسلام ، لإِنه دين عمل ، وعبادة يشتركان معاً في بناء حياة فضلى جامعة ، وبكل مجالاتها.
وإذا كان المعترضون على فكرة الدعاء يقصدون من وراء إعتراضهم على الدعاء هؤلاء الاشخاص ، وما يذهبون إليه ، فنحن ، بل كل مسلم لا يقر عمل هؤلاء على عزوفهم عن الحياة ، والعكوف في جوامع العبادة. وصحيح أن كل واحدٍ من هؤلاء بإنضمامه الى الآخرين يصبح كلاً على المجتمع ، وبلاءً عليه. والإِسلام يرفض هذه الفكرة ، لإِنه كرم العامل ، وحث على الحياة العملية بما لا نظير له في الأديان الأخرى.
إذاً فموضوع بحثنا مع الجماعة الثانية ، والذين يقولون بالدعاء ولكن على نحو يكون منضماً الى العمل ، والجد في بناء المجتمع ، وكيانه وعلى جميع جوانبه ، وجهاته.
وعند تقييمنا لهذه الجماعة لا بد لنا من تقسيم الدعاء ، وطلبات الداعي الى قسمين :
١ ـ الدعاء الى الله في التجاوز عما صدر من الداعي من مخالفات ، ومعاصي في هذه الحياة.
٢ ـ الدعاء الى الله في الإِستعانة به في الأمور المعاشية ، والحياتية الاخرى مما تحيط بالإِنسان ، ومجتمعه في هذه الدنيا.
١ ـ الدعاء الى الله في القسم الأول :
ولنقف مع الداعي لنستمع اليه ، وهو يدعو الله أن يتجاوز عما صدر منه من ذنوب قد إرتكبها لنرى ما هي الذنوب ، وهل أن من يطلب التجاوز من ربه عن مخالفاته يعد عضواً خاملاً يضر في كيان المجتمع ، وينخر فيه؟ ولا بد لنا والحالة هذه أن نتناول في بحثنا الذنوب التي صدرت من الداعي ، وهو يدعو الله في التجاوز عنها ، وهي على قسمين :
القسم الأول : الذنوب الصادرة منه ، والمتمثلة بتجاوزه على الآخرين في اموالهم ، واعراضهم ، بل مطلق حقوقهم حتى الإِعتبارية منها.
القسم الثاني : الذنوب المتمثلة في التجاوز على حقوق الله في ترك الواجبات ، والاتيان بالمحرمات.
أما الذنوب من القسم الأول : فإن طلب الداعي من الله في التجاوز ليس معناه أن لا يتحقق عليه ما هو مرتب عليها من ضمانات مالية ، أو ديات ، وما شاكل ذلك فإن هذه الأمور لا علاقة لله بها ، ولا مجال لطلب العفو من الله عنها ، بل لا بد من توسل الداعي الى الله ان يهيء السبل الكفيلة بإرضاء من تجاوز عليهم من تهيئة مال ، أو تهيئة أجواء تحصل له رضا الآخرين ، وصفحهم عن حقوقهم التي تجاوز عليها الداعي في حياته فحقوق الناس محترمة كما ان أعراضهم ودماءهم محترمة أيضاً ، فإن كان
الإِنسان مديناً لآخرين فلا بد من بذل جهده لتهيئة المال لتفريغ ذمته مما انشغلت بها من ديون.
وأما الذنوب من القسم الثاني : فإن حقيقة الدعاء الى الله في العفو عنه واظهار الندم والتوبة ، ما هو الا توقيع عهدٍ من الداعي الى الله بأنني : يا رب عدت إنساناً كاملاً لا اتجاوز ، ولا أعصي لك أمراً ، وسوف أكون ذلك الشخص الذي يؤمن جانبه ، ولا يتجاوز لا على حقوق الله ولا على حقوق الآخرين.
ومثل هذا الشخص ـ وبهذه الحالة من الندم ـ سيكون عضواً نافعاً في هذه الحياة ، وبشراً قوياً في ارادته يأمن كل أحد منه لانه عاد يراقب الله في كل حركاته ، وسكناته ، فلا يحتاج الى رقيب خارجي ، بل تكفيه رقابة الله عز وجل له ، والخوف منه ليسير على الطريق المستقيم الذي رسمه الله لعباده ، ووعدهم على ذلك بالنعيم الدائم في الدار الآخرة ، إضافة إلى ما لهم في الدنيا من مكرمات نتيجة تعلقهم به.
وإذاً فلماذا نتجاوز ، ونتطاول ، ونعتبر مثل هذا الشخص فرداً خاملاً ينخر في هيكل المجتمع وبنائه ، وهل المجتمع الصحيح إلا المجموعة الكبرى من امثال هذا الشخص المؤمن؟
وهل المجتمع الصحيح يستغني عن أمثال هؤلاء المخلصين؟
٢ ـ الدعاء الى الله من القسم الثاني :
وكما قلنا أن الدعاء من القسم الثاني : هو الدعاء فيما يعود الى الأمور الحياتية ، وهي لا تخرج عن طلب الرزق ، والعافية ،
والحفظ من العدو والتوفيق للرقي ، والولد الصالح ، وما شاكل هذه الأمور مما يحتاجها الإِنسان لإِرادة حياته المعاشية ، والإِجتماعية.
وأي مانع من الإِستعانة بالله في مثل هذه الأمور وقد قلنا : ـ كما سبق ـ أننا لا نتكلم مع داعٍ مفرط متكل ، بل مع داعٍ عاملٍ عاقل يعمل بعد أن يفكر ، ويقدم على الأمور بجدٍ ، ونشاط ، ولكنه يطلب من الله أن يبارك له في عمله ، أو أن يعينه على التغلب على عدوه ، أو أن يهيء له الطبيب الذي يكون شفاء مريضه على يديه أن أن يعمي أبصار الحاسدين عنه ، وهذا كناية عن صرف أنظار من يتربص له ما يقوم به في أعماله ، وما يحصل عليه من رزق أو أن يرزقه الحظ في كسبه. في كل ذلك نراه يعمل ، ويجهد نفسه ففي مقام الكسب لا يفتر عن الدخول في كل ما يربحه ، ويأمل من ورائه النفع.
وفي مقام الدفاع عن ماله ن أو عرضه ، أو وطنه ، أو بيضة الإِسلام وجماعتهم يبذل قصارى جهده ، ويطلب العون من ربه لينصره على العدو.
وفي مقام التداوي يسأل ، ويبحث عن الطبيب الماهر ليذهب اليه فيباشر عنده ، ويعرض نفسه عليه ، ولكنه يطلب من الله أن يجعل العافية له على يديه ، وهكذا في بقية المجالات والأعمال ، فهل يقال لمثل هذا الإِنسان : أنت كلُ على المجتمع؟
ولماذا يكون كلاً ، وعلى من يكون كلاً ، وعبئاً ثقيلاً؟
انه مضافاً الى ما يقدمه من جهد وعمل ، يناجي رباً يرجع اليه في أموره لانه الخالق ، والرازق ، والمدبر ، والأمر كله بيده.
وما المانع من أن يذكر الله ، ويدعوه العبد في أوقات معينة من اليوم والليلة ، وهكذا عقيب الصلوات بما لا يؤثر على مسيرته الحياتية ليتزود بها لآخرته لإِيمانه بأن هناك جنة ، ونار ، وحساب وكتاب ، وتقييم للأعمال.
( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (١) .
( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ) (٢) .
فهل يقال لمثل هذا الإِنسان لا تتزود لأَنك كل على المجتمع؟
الإِنسان الصحيح لا يسرق ، ولا يزني ، ولا يتعدى على حقوق الآخرين ولا يتخلف عن واجباته ، وينتهي عن كل مخالفة ، ويدعو ربه أن يأخذ بيده في مسيرته ليجد من ربه عطفاً ، وحناناً ، ونداءاً يردده وهو يقول :( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (٣) .
وأما ما ساقه المعترض من وجود الأدعية في كل ساعة ، وفي كل وقت ، ولكل يوم ، ولكل فصل ، ولكل حركة مما يدعو الإِنسان الى ترك كل شيء ، والانشغال بالدعاء ، وهذا معلوم الضرر بالنسبة الى الإِجتماع ، والمجتمع فنقول في جوابه :
إن ذلك أمر لا مجال لإِنكاره ، فكتب الذكر ، والأدعية تذكر كل ذلك واكثر مما ذكره المعترض ، ولكن النقطة التي لا بد من الإِلتفات اليها هي :
__________________
(١) سورة الزلزلة : آية (٧؟ـ ٨).
(٢) سورة النساء : آية (٤٠).
(٣) سورة المؤمن : آية (٦٠).
أن الدعاء ليس من الواجبات ليكون المكلف ملزماً بالإِتيان به فيؤخذ عليه تمام الوقت ، فلا يبقى لديه مجال لأعماله ، ومن ثم يكون راهباً ، بل الدعاء من الأمور المستحبة ، والتي تعود بالنفع على الداعي ، وقد خصص لكل وقت دعاء خاص به ، وترك الموضوع الى المكلف ، فمتى ما وجد الفراغ ، وفي أي ساعة ، وجد في نفسه تهيأ ، وحالاً للدعاء دعا ربه ، وتضرع اليه فيما يطلبه.
ان مثال ما نحن فيه من الدعاء المكثف ، وفي كل وقت أشبه شيء بطريق طويل يريد المسافر قطعه ، فلو زود بين مسافة ، ومسافة أخرى قصيرة بمحطة للوقود كما نشاهده في الطرقات بين البلدان من محطات (البنزين) فهل معنى ذلك أن الإِنسان يزود مركبته من كل هذه المحطات التي يجدها في طريقه ، وهو يقطع المسافة من بلد الى اخر ، وعلى الأخص لو كانت المسافة بين كل محطة وأخرى قريبة.
وطبيعي : أن يكون الجواب : بلا.
بل يتزود في الوقت الذي تحتاج اليه مركبته الى الوقود ، ومن أقرب محطة تكون أمامه.
وهكذا لو وضع لشخص غذاءً في مكان محفوظ ، ولمدة أيام عديدة فهل معنى هذه التهيئة أن يأكل في كل ساعة ، وفي كل وقت ، وفرصة ما يجده أمامه من طعام ، أو أنه يتناول عندما يجد من نفسه رغبته للطعام جوعاً؟
إن تخصيص الأدعية في كل الأوقات كتخصيص محطات الوقود في الطرق العامة ، وكتهيئة الطعام للشخص ، والفارق بينها : أن
الطعام هو غذاء الجسم ، ومحطات الوقود هي غذاء ما يركبه الإِنسان والدعاء هو غذاء الروح ، فمتى ما وجد الإِنسان الرغبة ، أو الحاجة الى الدعاء ، وكانت لديه الفرصة دعا ، وتضرع ، وتزود لينشط روحه كما يلزمه ما ينشط به جسمه ، ويسير به مركبته ـ كما ذكرناه ـ على أن الناس يختلفون من ناحية أوقات فراغهم ، فالبعض منهم نراه يجد الوقت المناسب له عند الصباح لحصول الوقت الذي يتفرغ فيه للدعاء ، وتوجهه الى الذكر ، والضراعة ، بينما يكون البعض الآخر متفرغاً في العصر ، وهكذا في الليل ، ومثل ذلك في بقية الأوقات. فليس معنى وجود الأدعية في كل وقت هو شد الإِنسان اليها في كل تلك الأوقات بحيث يحتم عليه قراءتها ، بل هو تنبيه له بان الله لا يحجبه عن العبد شيء ، فهو في كل وقت يقبل بوجهه الكريم عليه.
الدعاء من الناحية النفسية :
كل إنسان في هذه الحياة لا بد أن يبتلى بمشاكل ، وقضايا يحتاج فيها الى من يستشيره فيها ، ويوجهه الى الطريق الصحيح ، والى الحل الذي ينقذه من مشاكله ، وما يضايقه.
ولذلك نجد العادة جرت على وجود المستشارين لكل الشخصيات العالمية ، والذين يديرون ، ويصرفون الأمور في الممالك في كل بقعة من بقاع العالم.
إن الركون الى الآخرين يحل للشخص كثيراً من الأمور التي تكون السبب في تعكير جو الإِنسان ، وهدوئه النفسي ليجد من ذلك الغير يداً تحنو عليه وتحل له الكثير من الأزمات ، والقضايا
المهمة ، وبذكل يتمكن الشخص من السير في هذه الحياة على النحو الأفضل.
أما الإِستبداد ، وعدم الإِطمئنان بأحد فإن لذلك ويلاته ومصائبه ولا نحتاج لسوق أمثلة على هذا الأمر لوضوح ذلك عند الجميع إذ ما من شخص إلا ويجد نفسه محاطاً بمشاكله ، وقضاياه بحيث يحتاج الى من يعينه في حل الكثير منها.
ومن هذا المنطلق نجد الدعاء خير معين للفرد للتغلب على هذا النوع من القضايا ، والمضايقات.
وإذاً فمن للإِنسان اقرب من ربه يناجيه ، ويطلب منه أن يكون له عوناً في نكباته ، وأزماته؟
ان المؤمن الواعي يجد من لذة الدعاء ، والتضرع الى الخالق ما يفقده غيره من الذين لا يؤمنون بالله ، وبعظمته ذلك :
لأن الإِسمان بالله : يقوي من عزيمة الإِنسان ، ويدفعه لخوض هذه الحياة بثبات ، ورسوخ.
الإِيمان بالله : يرفع من معنويات المؤمن ليشعر بركونه الى تلك القوة القاهرة حيث لا يقف في طريق إرادتها شيء.
الإِيمان بالله : يوحي الى النفس بوجود اليد الحانية تلمس كل جرحٍ من جروحها بهدوء ، وعطف ، وحنان.
الإِيمان بالله : الدواء في الشافي يجد طعمه كل مريض نفض الطب يديه من شفائه.
والإِيمان بالله : فوق كل هذا ، وذاك.
والدعاء : هو الخيط الموصل بين العبد ، وربه.
وهو : النغم الذي تهدأ النفس على ترانيمه العذبة ، فتستمد منه الغذاء الروحي.
ـ وكما قلنا ـ إن الإِنسان كما يحتاج لجسمه الغذاء الكامل ليبقى حياً ، فكذلك الروح تحتاج الى الغذاء الكامل لتقوي على اكمال الشوط في هذه الحياة العاتية الزاخرة بالأتعاب ، والمشاكل.
وان فكرة الركون الى الغير لا تختص بالمؤمنين ، بل لا يستغني عنها حتى الملحدون الذي يعبدون الأصنام ، وما الدعاء بين يدي الصنم إلا هدوء للنفس يجده الداعي ، وهو يرتل أمام معبوده آيات الشكر ، والثناء ، ويطلب منه أن يبارك له.
أما القائلون بوجود الله ، فإنهم يرون من الوهن أن يبارك الإِنسان ويركن الى حجر لا ينفع ، ولا يضر ليبثه شكواه ، ويرجو منه ما يعجز عن القيام بتحقيقه ، بل لا بد من الركون ، واللجوء الى الله عز وجل خالق الخلق ، ومدبرهم ذي القدرة غير المتناهية.
( إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (١) .
أدعية المعصومين واستغفارهم الإِشكال على ذلك :
العصمة هي : التنزيه عن ارتكاب الكبائر ، والإِتيان بالصغائر وهل أن ذلك من باب الملكة ، أولا؟
أو ما هو تعريف الذنوب الكبيرة ، وما هي الصغائر؟
__________________
(١) سورة يس : آية (٨٢).
كل ذلك موكول الى محله خوفاً من الإِطالة.
والمهم هو معرفة أن الإِمامية يرون في الأنبياء ، والمرسلين والأئمة من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العصمة من الذنوب ويشترطون فيهم ذلك ، ويأتي هذا الإِشتراط نتيجة ما يتمتعون به من لزوم قيادتهم للأمة ، والقاء مسؤولية تبليغ الأحكام الشرعية على عواتقهم ، وهذه الصلاحيات لا بد لها من التنزه عن الذنوب ، والبعد عن القبائح.
ومن هذا الإِطار التنزيهي يقع القائلون بالعصمة في مشكلة بكاء هؤلاء المنزهين عن الذنوب ، وتوبتهم ، وإستغفارهم فيقال : ما معنى التوبة ، والتضرع للتجاوز عن ذنب يكون الداعي منزهاً عنه ، وإذا كان النبي غير مذنب فما معنى تضرعه وطلب العفو ، والتوبة عن شيء لم يصدر منه؟
وهكذا الحال فيما يحدثنا التاريخ عن حالات الإِمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، وأولاده الذين علموا الناس كيفية الدعاء واذاقوهم حلاوة المناجاة مع الله عز وجل.
وقد زخرت كتب الادعية ، والأذكار من مناجاتهم ، وما تتضمن تلك المناجاة من خطاب الله : بعصيتك ، وتجاوزت ، وتجرأت وما شاكل من العبادات التي تتنافى ، ومقام العصمة من الذنب نعم غير المعصوم من الصلحاء ، والمؤمنين حيث يحتمل صدور الذنب من أحدهم ، ولو على نحو الصغائر البسيطة ، فلا يتصور في مثل هذا التعبير لو صدر منهم أيم نافاة مهما كانت درجات التقوى عندهم عالية لأن المشكلة تتوجه الى حيز العصمة ، والتي يكون صاحبها
منزهاً عن الذنب فمصل هذا ما هو معنى عصيانه ، ومخالفته؟
الجواب عن هذا الإِشكال :
وقد أجيب عن هذا الإِشكال ، أو بالأحرى قد ذكرت لحل هذه المشكلة وجوهاً عديدة :
الوجه الأول : ما ذكره الشيخ الصدوق (رحمه الله) في إعتقاداته حيث قال أنه كلما كان في القرآن مثل قوله تعالى :( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (١) .
ومثل قوله تعالى :( لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّـهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) (٢) .
ومثل قوله تعالى :( وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ) (٣) .
وما اشبه ذلك ، فإعتقادنا فيه أنه نزل على إياك اعني واسمعي يا جارة : انتهى.
والمقصود به إسماع الأمة ، وحينئذ فيكون بكاء المعصومين ودعاؤهم ـ بناءً على هذا القول ـ هو إسماع الآخرين ، وإِلا فهم منزهون عن كل ذلك.
وهذا هو إختيار السيد المرتضى في كتابه تنزيه الأنبياء ، فإنه
__________________
(١) سورة الزمر : آية (٦٥).
(٢) سورة الفتح : آية (٢).
(٣) سورة الإِسراء : آية (٧٤).
أجاب عن الآية الأولى وهي قوله : لئن أشركت ليحبطن عملك ، ما لفظه : والجواب قد قلنا في هذه الآية أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد به أمته فقد روي عن ابن عباس (رض) أنه قال : نزل القرآن بأياك أعني ، وإسمعي يا جارة.
الوجه الثاني : انه تعليم لأتباعهم كيف يتضرعون الى الله تعالى.
وقد رد هذا الوجه : بانه من البعيد أن يصرف الإِمام ، أو النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمره في مثل ذلك مع إمكان التعليم بواسطة القول فلماذا إذاً يبكي ، ويتضرع؟ على أن الأئمة ، وغيرهم من المعصومين قد يكون يعملون ذلك في كثير من الأوقات بعيدين عن أعين الناس ، وفي اماكن نائية عنهم ، بل وربما في مواضع لا يصل اليها من الناس أحد.
الوجه الثالث : أنه قد صدرت منهم الأفعال المكروهة كالصلاة في الثياب السود ونحو ذلك :
وضعف هذا الوجه : بإن إرتكابهم المكروهات إنما هو لأَجل التعليم والتفهيم حتى لا يظن بذلك أنه محرم بسبب النهي الوارد عليه فصدروه منهم إما على طريق الوجوب عليهم ، أو الأستحباب.
الوجه الرابع : ما قيل أنه يجوز ان يوسوس لهم الشيطان في فعلٍ من الأفعال فيرجعون اليه تعالى ، وتكون تلك الوسوسة وسيلة الى اعالي الدرجات التي لا تحصل إلا بالتضرع والندم ، وليس هو من قبيل تسلط الشياطين الباعث على حط مرتبة الأولياء ، والتنزيل من مكانتهم الجليلة.
الوجه الخامس : ان ما صدر منهم إنما هو من باب إنشاء التواضع كقوله عليه السلام : أنا مثل الذرة ، أو دونها ، وليس هو من باب الإِخبار.
الوجه السادس : ما حكاه الشيخ البهائي في شرح الاربعين عن الفاضل الجليل بهاء الدين بن علي الاردبيلي في كتاب كشف الغمة وادعى انه من احسن ما تضمحل به هذه الشبهة قال رحمه الله : إن الأنبياء والأئمة عليهم السلام تكون أوقاتهم مستغرقة بذكر الله وقلوبهم مشغولة به وخواطرهم متعلقة بالملأ الأعلى ، وهم أبداً في المراقبة كما قال عليه السلام : أعبد الله كأنك تراه فان لم تره فانه يراك فهم أبداً متوجهون اليه مقبلون بكليتهم عليه فمتى يخطو عن تلك المرتبة العالية ، والمنزلة الرفيعة الى الإِشتغال بالمأكل والمشرب والتفرغ الى النكاح ، وغيره من المباحات عدوه ذنباً ، وإعتقدوه خطيئة فإستغفروا منه ألا ترى أن بعض أبناء الدنيا لو قعد يأكل ، ويشرب ، وينكح وهو يعلم أنه بمرأى؟ً من سيده ومسمع ، لكان ملوماً عند الناس ، ومقصراً فيما يجب عليه من خدمة سيده ومالكه ، فما ظنك بسيد السادات ، ومالك الأملاك ، والى هذا أشار بقوله صلى الله عليه وآله وسلم انه لير ان على قلبي ، وأنا لأستغفر بالنهار سبعين مرة ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم حسنات الأبرار سيئات المقربين. انتهى ما ذكره الإِردبيلي.
ثم عقبه الشيخ البهائي بقوله : «وقد اقتفى أثره القاضي الفاضل البيضاوي في شرح المصابيح عند شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم ليغان على قلبي واني لاستغفر الله في اليوم سبعين مرة
قال : الغين : لغة في الغيم وغانه على كذا أي غطّى عليه قال أبو عبيده في معنى الحديث : أي يتغشى قلبي ما يلبسه ، وقد بلغنا عن الأصمعي أنه سأل عن هذا الحديث فقال للسائل : عن قلب من تروي هذا؟
فقال : عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : لو كان غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكنت أفسره. قال القاضي : ولله در الأصمعي في إنتهاجه منهج الأدب واجلاله القلب الذي جعله الله موقع وحيه ، ومنزل تنزيله وبعد فانه مشوب عن أهل اللسان موارده فتح لأهل السلوك مسالكه ، واحق من يعرب ، أو يعبر عنه مشايخ الصوفية الذين بارك الحق أسرارهم ، ووضع الذكر عنهم أوزارهم ، ونحن بالنور المقتبس من مشكاتهم نذهب ، ونقول :
لما كان قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتم القلوب صفاءً ، واكثرها ضياءً ، وأعرفها عرفاً ، وكان معيناً مع ذلك لتشريع الملّة ، وتأسيس السنة ميسراً غير معسرٍ لم يكن له بد من النزول إلى الرخص ، والالتفات إلى حظوظ النفس مع ما كان ممتحناً به من أحكام البشرية فكان اذا تعاطى شيئاً من ذلك أسرعت كدورة ما الى القلب لكمال وقته وفرط نورانيته ، فان الشيء كلما أرق ، وأصغى كان ورود المكدرات عليه أبين ، وأهدى وكان صلى الله عليه وآله وسلم اذا أحس بشيء من ذلك عده ذنباً ، واستغفر منه» انتهى.
الوجه السابع : ان مراتبهم عليهم السلام في معرفة الله تعالى
والاطلاع الى عالم الملكوت متجددة بتجدد الأيام ، والليالي متزايدة آناً فآناً ، فكلما ترقوا من مرتبة الى اخرى عدّواً تلك المرتبة السابقة ذنباً بالنسبة الى ما هم فيه.
الوجه الثامن : ان العبد الممكن المتلوث بشوائب النقص والعجز ، قابل التلبس بجميع المعاصي لولا الألطاف الإِلهية ، فاعترافهم عليهم السلام بالذنوب انما هو بالنسبة الى المادة البشرية لا بإعتبار العصمة الإِلهية وقد أشير الى هذا في قول يوسف عليه السلام ان النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي وقوله تعالى :( وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ) وقوله عليه السلام «اللهم لا تكلني الى نفسي طرفة عين».
الوجه التاسع : ان التكاليف إنما هي بإزاء النعم فكلما كانت النعمة على العبد أتم كان تكليفه أشد من غيره ، ولذا كلفوا عليهم السلام بتكاليف شاقة ، ولا ريب أنه تعالى قد منحهم من النعم مالم يمنحه غيرهم ، فهم يهمون بالشكر الذي هو ثمن النعمة ، ولم يطبقوه فيعدون أنفسهم في مرتبة التقصير والذنب ، فيستغفرون منه.
وقد روي عن عطاء أنه قال دخلت على إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبكت وقالت : وأي شأنه لم يكن عجباً إنه أتاني في ليلتي ، فدخل معي في فراشي ، أو قالت في الحافي حتى مس جلدي جلده ، ثم قال ذريتي اتعبد لربي فقلت : اني احب قربك ، فأذنت له ، فقام الى قربة ماء فتوضأ ، ولم يكثر
صب الماء ، ثم قام يصلي ، فبكى حتى سالت دموعه على صدره ، ثم ركع فبكى ، ثم سجد فبكى ، ثم رفع رأسه ، فبكى ، فلم يزل كذلك حتى جاء بلال ، فأذنه بالصلاة فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يبكيك ، وقد غفر الله لك ما تقدم لك من ذنبك ، وما تأخر؟ قال : أفلا أكون عبداً شكوراً ، ولم لا أفعل وقد انزل الله علي أن في خلق السماوات ، والأرض. الى آخر الآية.
الوجه العاشر : انه تعالى معشوقهم الحقيقي ، ومقصودهم فهم يحبون أن لا يعصى ، فإذا رأوا من غيرهم معصية إتكلت خواطرهم الشريفة حيث أنه وقع بحضرتهم ، فهم يعدونه ذنباً كما لو جلس أحدنا في مجلس فسمع غيبة أخيه.
الوجه الحادي عشر : إمكان أن يكون الإِستغفار ، والتوبة في نفسها عبادة فهم بهذا الدعاء ، والتضرع يعبدون الله لا أنهم أذنبوا وهم يطلبون منه تعالى غفران ذلك الذنب وبين يدي ـ القارئ الكريم ـ نضع هذه الوجوه ليختار بنفسه ما يحلو له أن يختاره منها ، ويراه مناسباً ، وملائماً لحل هذه الشبهة(١) .
ادب الداعي :
يقول العارفون ، واصحاب الكتب التي تضمنت الأدعية ، والاذكار بان الداعي لا بد له من الالتزام بآداب يحسن به التحلي بها وهو يتجه الى خالقه يتضرع اليه ، وقد تصدوا لذكرها.
__________________
(١) لاحظ لهذه الوجوه اسرار العارفين : ٣٤ ـ ٣٥ ، وما جاء في التعليق على أصول الكافي : طبعة دار الكتب الاسلامية / ٢ / ٤٣٨ / تعليق الغفاري.
وفي الحقيقة تأتي هذه الآداب نابعة من الموقف الذي يقفه الإِنسان بين يدي الله ، وهو المطلع على السرائر.
ولا نحتاج لإِثبات هذه الحقيقة من بيان ما نستدل به على ضرورة تحلي الداعي بالآداب الدعائية ، فإن هذه قضايا لها من شواهد الحال ما تمر به كثيراً في حياتنا اليومية ، ونرتب الأثر عليها ـ وعل ىسبيل المثال ـ فإنا نجد الشخص منا لو أراد مقابلة شخصية مسؤولة لها مكانتها الإِجتماعية ينشغل باعداد نفسه بالمظهر اللائق من حيث الشكل ، واللباس ، وكذلك ينتقي من التعابير المنمقة ما يتخيل انه يؤدي مطلوبه على النحو الأفضل ، فنراه يستعد لهذه المقابلة ليخرج منها بالفائدة المتوخاة.
ومن هذا الواقع الخارجي يرى المعنيون بشؤون الدعاء ان الداعي لا بد له من تهيئة نفسه لمنجاة ربه ، واعدادها بالمظهر الذي يؤهلها للوقوف بين يدي الرب الجليل.
ولكن لا كما يقف الإِنسان اما شخص كبير له مكانته الإِجتماعية ـ كما قلنا ـ حيث ينتقي من الثياب أغلاها ، ومن العطور وأدزات الزينة فان هذا لا أثر له في حساب الله ، بل الذي له حسابه هو الأمور النفسية الباطنية ، وتصفية الروح من الشوائب ليقف الداعي بين يدي ربه ، وهو مقبل عليه لا أنه مشغول القلب.
يقول الإِمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام :
«ان الله عز وجل لا يستجيب دعاءً بظهر قلبٍ ساهٍ ، فإذا
دعوت فأقبل بقلبك»(١) .
وفي رواية اخرى : «واعلموا أن الله عز وجل لا يستجيب دعاء من قلب خامل»(٢) .
وموضوع إقبال الداعي ، وتوجهه له الأثر التام في قبول العبد ، وخلوص نيته.
ويتوقف هذا على أن يكون الداعي عند دعائه واقعياً ففي مقام الاستغفار لا بد وان يدعو وهو تائب على أن لا يعود الى ما صدر منه من الذنب ، والا فما هي الفائدة في طلب يصدر من شخص ينوي العود الى مثل تلك المخالفات؟ ان التوبة ، وتهذيب النفس من شرائط تهيئة الداعي نفسه للوقوف بين يدي ربه فقد جاء في المصادر التاريخية أنه أصاب الناس في بني اسرائيل قحط شديد ، فخرجوا مراراً فأوحى الله الى نبيهم «أن أخبرهم انكم تخرجون اليَّ بأبدان نجسة ، وترفعون اليَّ اكفاً قد سفكتم بها الدماء ، وملأتم بطونكم بالحرام. الآن قد اشتد عليكم غضبي ، ولن تزدادوا مني إلا بعداً»(٣) .
وعن سفيان الثوري : بلغني أن بني اسرائيل قحطوا سبع سنين حتى أكلوا الميتة من المزابل ، واكلوا الأطفال ، وكانوا كذلك يخرجون الى الجبال يبكون ، ويتضرعون ، فأوحى الله عز وجل الى أنبيائهم عليهم السلام لو مشيتم اليَّ بأقدامكم حتى تحفى ركبكم ، وتبلغ
__________________
(١) أصول الكافي كتاب الدعاء باب الاقبال على الدعاء حديث.
(٢) احياء العلوم للغزالي ١ (٣٩٩).
(٣) احياء العلوم للغزالي : ١ (٤٠٠ ـ ٤٠١).
أيديكم عنان السماء ، وتكل السنتكم عن الدعاء ، فاني لا أجيب لكم داعياً ، ولا أرحم لكم باكياً ، حتى تردوا المظالم الى أهلها ، ففعلوا فمطروا من يومهم. وربما عقب البعض على هذه الاحاديث المتضمنة لهذه القصص بانها غير نقية السند ، فلا اهمية لها من حيث النقل.
ونجيب على هذا الإِعتراض : بأن الموضوع لا تعلق له بحكم شرعي ليتوخى الفقيه في مقام إستنباط الحكم الشرعي ان يفحص السند ، والسلسلة التي توصل الخبر الى العصوم عليه السلام ليتصل منه الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنه الى لوح التشريع ، بل القضية تدور حول تصفية الداعي وتنقيتها بالتوبة ، وعدم العود الى المخالفات ، وما نقلناه في هذا الصدد من قصص بني اسرائيل ، وغيرهم ، او ما هو موجود من مثل هذا التعبير يلاحظ فيه المضمون اذا كان عالياً ، ويشرح نفسه بنفسه ، ويؤكد على صحة مضمونة.
ـ وعلى سبيل المثال ـ ففي القصتين المذكورتين نرى آثار الصحة عليهما بادية فإن من رفع يداً ملطخة بالدماء ، وملأ بطناً من الحرام ماذا يأمل من ربه ، وهو العادل فهل يأمل الإِجابة ، والعطف عليه؟ وهكذا من تعدى على حقوق الآخرين ، وظلم فهل يؤمل لمثل هذا ان يؤمن الله على دعائه ، ويستقبله بوجه يقبل عليه فيه؟
وحاشا لله ان يظلم أحداً ، أو يقبل بوجهه على من كانت هذه أفعاله ولي ولكل أحد ان يجيب : بلا ، ويلحقها بما شاء من أدوات النفي. إن الله عز وجل عادل ، وهو بصير بعباده ، وهو للمظلوم نعم العون فلا يجامل شخصاً هذه أحواله ، ويستجيب له دعواته.
ـ وفي الوقت نفسه ـ هو الظالم الخصم العنيد الذي لا يتركه يرتع ويسرح ويمرح ويتمرغ في تجاوزاته.
وإذا رأينا ما يوهم بظاهره الإِستجابة لمثل هذا الظالم ، أو تركه فإنما ذلك لأنه من مصاديق الآية الكريمة.
( إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين ) (١) .
وإذاً فليس التغاضي من باب الاقبال ، والقبول.
وإذاً : فتصفية النفس والاقبال في الدعاء هي مفتاح الطريق الموصل الى الله ، ورحابه الطاهرة ليجد الداعي من ربه اذناً صاغية ، ونداء يحسن بنغماته العذبة تهدهد سماعه وهي تقول :
بشراك أيها الداعي اقبلت على ربك ، فأقبل ربك بوجهه عليك ـ ومن اداب الداعي : الإِلحاح في الطلب ، فعن الإِمام الصادق عليه السلام قوله «ان الله عز وجل كره إلحاح الناس بعضهم على بعض في المسألة ، واجب ذلك لنفسه ان الله عز وجل يحب أن يسأل ، ويطلب ما عنده»(٢) .
وفي حديث آخر : «رحم الله عبداً طلب من الله عز وجل حاجة ، فألح في الدعاء»(٣) .
ويأتي الإِلحاح في قائمة آداب الداعي نتيجة تعلق الشخص بمطلبه الذي يريد تحققه من ربه ، وفي الإِلحاح بعد كل هذا زيادة
__________________
(١) سورة آل عران : آية (١٧٨).
(٢ ـ ٣) أصول الكافي : كتاب الدعاء باب الالحاح في الدعاء ، والتثليث / حديث ٤ ـ ٦.
اتصال بالله ، وتوجهاً اليها.
ومن آداب الداعي : ان يتيقن بالإِجابة ، وقد صرحت بذلك أخبار كثيرة ، وفيها «ثم استيقن الإِجابة»(١) .
( وإذا دعوت ، فأقبل بقلبك ، وظن حاجتك بالباب ) (٢) .
ويتوخى من وراء هذا الشرط أن لا يدب اليأس الى قلب الداعي وهو يرى التأخير في الإِستجابة ذلك لأن اليأس من رحمة الله ، والقنوط منه كبيرة من الكبائر ، وقد نهي العبد عن ذلك بنص القرآن المجيد حيث يقول تعالى :
( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (٣) .
ويقول تعالى :( قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ) (٤) .
( وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّـهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّـهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (٥) .
__________________
(١ ـ ٢) نفس المصدر السابق : باب الاقبال على الدعاء حديث / ١ ـ ٣.
(٣) سورة الزمر : (٥٣).
(٤) سورة الحجر : آية (٥٦).
(٥) سورة يوسف : آية (٨٧).
وقد ذكرت بعض الأمور عدت من الآداب التي يحسن بالداعي ان يجتنبها ومنها : ان لا يكون ممتلئ البطن ، وان لا يكون شديد النعاس ، وغير ذلك مما يصرف الداعي عن التوجه المطلوب نحو المولى ، ومناجاته.
آداب الدعاء :
وكما ذكر العارفون للدعاء آداباً تقدم ذكر البعض منها ، كذلك ذكروا للدعاء ، أموراً استحسنوا أن يطبقها الداعي في دعائه.
منها : أن لا يدعو على مؤمن بشرٍ ، وان لا يدعو بقطيعة رحم.
ومنها : أن يختار الأوقات المناسبة للدعاء من كونه بعد صلاة مكتوبة ، أو في آناء الليل ، أو في اوقات نزول المطر ، أو عند زحف المسلمين لقتال الكفار ، أو غير هذا ، وذاك من الأوقات التي ذكرها المعنيون بأمور الدعاء في كتبهم ، وهكذا الحال بالنسبة الى اختيار الاماكن المقدسة من المساجد ، والمشاهد المشرفة.
ومنها : أن يفتتح دعاءه بذكر الله ، والثناء عليه ، والصلاة على نبيه.
ومنها : ان يستقبل القبلة ، ويرفع يديه كهيئة السائل الذليل.
ومنها : خفض الصوت حيث يكون بين المخافتة ، والجهر.
ومنها : ان يترك السجع في الدعاء ، ويترسل في منجاته.
وفي الحقيقة ان كلما ذكروه في هذا الخصوص من التقييد
بالأوقات والكلام ، وغير ذلك ليس معنااه أن غير ذلك لا يقبل ، ولا يعتبر عند الله ، بل ان هذا كما قلنا ، من أداب لقاء العظماء ، والتحدث اليهم ، ومن أعظم من الله ، واعلى مقاماً منه يستعد العبد للمثول بين يديه ، وهو رب الخلائق ، وفوق كل شيء؟.
ولنستعرض بعض هذه الآداب المذكورة.
فمثلاً تكلف السجع إنما حرص أهل الذكر على تجنبه لأنه يشغل الإِنسان عن الوجه الى الله ، والتحدث معه بلغة التضرع ، والخضوع ، بل يجعل الإِنسان منشداً الى انتقاء الالفاظ المنمقة ، وتنسيق العبارة واخراجها على روية واحدة ، وعلى المحافظة على القافية فيما يسبق من الجمل ، وحينئذٍ يخرج الداعي من جو الدعاء الخاشع الى مقام عرض الديباجة ، والكتابة للمقالات ، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله : «إياكم والسجع في الدعاء»(١) .
وهكذا الحال اذا لاحظنا خفض الصوت ، فإن أصول اللياقة ، صوالأدب تقضي ان يكون المتكلم مع من هو أعلى منه هادئاً متزناً في حديثه ، فرفع الصوت لا يناسب مثل هذه المقامات.
وليطمئن الداعي بعد كل هذا الى أن الله ليس بأصم ليرفع صوته ليسمعه ولا غائب عنه ليعلمه بوجوده ، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
انه لما دنا من المدينة كبر ، وكبر الناس ، ورفعوا أصواتهم فقال
__________________
(١) احياء العلوم للغزالي : ١ / ٣٩٨.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا أيها الناس ان الذين تدعون ليس بأصم ، ولا غائب إن الذي تدعون بينكم وبين اعناق ركابكم.
وإذا كان الدعاء هو التضرع ، والمناجاة مع من هو أقرب الى الداعي من ظله فلماذا اذاً رفع الصوت ، والتهريج؟
أما المكان فله أهميته ، فالاماكن المشرفة تتشرف بمن نسبت اليه كما أن الأوقات لها أهميتها أيضاً ، ولربما تكون من وسائل توجه الإِنسان الى خالقه ، والانشداد اليه ـ وعلى سبيل المثال ـ فإن الدعاء في آناء الليل ، وفي وقت السحر ليبعث في النفس نشاطاً القبالها على الله ، وخشوعها بين يديه بعد أن أخذ البدن قسطاً من الراحة من النوم فيكون الإِنسان نشطاً لعبادة ربه.
يضاف الى ذلك ما يضيفه الوقت الهاديء المظلم من الرهبة في نفس الداعي حيث يجد المكان هادئاً ، والليل قد ضرب بردائه فغطى الكون بظلامه الدامس ، وفي هذا الجو يقف الداعي بين يدي ربه الذي لا تأخذه سنة ، ولا نوم. بينما داعب الكرى جفون الخلوقين وقد غلقوا أبوابهم ، وانحجب بعضهم عن البعض الآخر.
ولكن باب الله مفتوح في وجه من قصدوه.
مع دعاء كميل
قد لا أبالغ اذا قلت ـ كما سبق ـ أنه لا يوجد لبقية المذاهب والأديان كما للمسلمين ، وللشيعة منهم بوجه خاص من الأدعية من الوفرة ، والنوعية ما ليس لغيرهم مثله. والكثير من ذلك صحيح السند ، ونقصد بذلك الاِطمئنان بصحة صدوره عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أو أحد المعصومين «عليهم السلام».
ومع هذه الوفرة فما هو سبب إختياري لدعاء كميل ، وشرحه؟
بإمكاني في مقام اجابتي على مثل هذا السؤال أن الخص الأسباب بالأمور التالية :
١ ـ إن هذا الدعاء يتمتع بثقة عالية من حيث السند ، فلا يشك أحد من الخاصة ، والعامة بصدوره عن الإِمام أمير المؤمنين عليه السلام وتعليمه لكميل بن زياد ، والذي سمي الدعاء بإسمه.
أما أنه من تأليفه ، أو من إملائه وهو دعاء الخضر عليه السلام وقد املاه على كميل فليس هذا موضع تحقيقه ، بل المهم هو أن نعلم بصدوره عن الإِمام نفسه ، وهذا معلوم.
على أن لي شخصياً رأي خاص في الدعاء ، فإن المحقق في سنده يهتم به الباحث في مقام ذكر ما يترتب عليه من الثواب الذي
ذكر له. أما من ناحية ما يشتمل عليه من مضامين عالية فهذا ما يتكفله الدعاء نفسه حيث نرى بعض الأدعية رصينة من حيث المادة تحمل بين طياتها معاني سامية تفرض. لنفسها هالة من الثقة تحيط بالدعاء ، مما يجعل النفس تركن الى ذلك الدعاء لأن الدعاء لو لاحظناه لرأيناه لا يخرج عن كونه ذلك الرابط الشفاف الذي يربط بين العبد وربه ، ويرفع بنفسه الى المراتب العالية ، فيسهل مهمة الانسجام بين الدعاء والداعي ، وإقباله على الله فيما يناجيه.
ولكن مع كل ذلك نرى للدعاء إذا كان صحيح السند مكانته في نفس الداعي إذ يجد لصدوره من أهله نوعاً من التبرك بقراءته ويستشعر من ذلك أنه مضمون الطريقية لدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو أحد خلفائه به.
٢ ـ إنشدادنا لهذا الدعاء ، والتفافنا حوله ، ومنشأ ذلك :
أن كثيراً من الأدعية مرتبة في أوقات خاصة بها ـ فمثلاً ـ دعاء الإِمام الحسين عليه السلام او ولده الإِمام زين العابدين عليه السلام يقرآن ، مرة وحدة في السنة في يوم عرفة ، وبعده يودعهما الداعي ليلتقي بهما في العام القادم مرة أخرى اذا سنحت له الفرصة. وهكذا في الأدعية الواردة في الأعياد ، وفي أيام شهر رمضان أو المرتبة لأيام السنة ، وكذا ما يقرأ عند بعض الاحداث التي تلم بالإِنسان ومعنى ذلك أن الداعي لا يقرؤها كثيراً.
نعم : أدعية التعقيبات الواردة بعد الصلوات يلتقي بها الإِنسان كل يوم لكن هذه الأدعية قصيرة وقد لا يلتزم الإِنسان بقراءتها بعد كل صلاة.
أما دعاء «كميل» فالوارد في قراءته : أنه يقرأ في ليلة النصف من شعبان ، وفي كل ليلة جمعة ، ولذلك فقد الفنا منذ نعومة أضفارنا أن نشاهد حلقات الداعين من المؤمنين في ليالي الجممع تعج بهم أماكن العبادة ، وهم يرتلون هذا الدعاء مع ما يتخلل ذلك من بكاء ، وخشوع ، وتضرع الى الله عز وجل.
مضافاً الى ما كنا نشاهده من الأفراد ، وهم يواظبون على قراءته وحتى في الدور ممن تضمهم الدار من أبنائها.
وهكذا عشنا مع الدعاء ، وفقراته ، ومقاطعه يطل علينا بإطلالة ليلة الجمعة من كل أسبوع نجد اللذة النفسية في ترتيله ، وعندما نمر على فصوله ، وكلماته سماعاً ، وقراءةً ، فكانت لنا معه ألفةٌ خاصة تحمل معها ذكريات عزيزة لأَشخاص طواهم الزمن وخيم عليهم الموت ، فوفدوا على ربٍّ كريم.
٣ ـ رصانة الدعاء ، وعلو معانيه من جهة ، وبساطته ، وما تحمله عباراته من رقة ، وعذوبة يحببانه الى النفس من جهة أخرى.
وفي الوقت نفسه ـ ما يتضمنه الدعاء من مطالب قد تبدو لأول نظرة أنها تحتاج الى شيء من التوضيح ، والتعليق مما حدا بالكثير مما سبقني أن يبحث عن الشرح لهذا الدعاء الجليل لينتفع به لحل ما اشكل عليه من بعض فقراته.
أما الشرح لهذا الدعاء ، فقد ذكرها المحقق الحجة الراحل الشيخ أقا بزرك الطهراني «رحمه الله» في مصنفه النفيس : الذريعة الى تصانيف الشيعة وهي كما يلي :
١ ـ شرح دعاء كميل : للشيخ محمد إبراهيم بن المولى عبد الوهاب السبزواري ، المعاص المولود سنة (١٢٩٢) قيل : إنه عربي.
٢ ـ شرح دعاء كميل : للإِسراري. فارسي.
٣ ـ شرح دعاء كميل : للميرزا أبو الحسن بن الحاج إسماعيل اللاري المعروف (بالمحقق الإصطهباناتي الشيرازي) المعاصر طبع بهامش كتاب زاد المعاد.
٤ ـ شرح دعاء كميل : للميرزا أبو القاسم بن الحجة الشيخ محمد حسن المامقاني المولود سنة (١٢٨٥) والمتوفي سنة (١٣٥١) يوجد عند ولده الحجة الشيخ عبد المحسن المامقاني.
٥ ـ شرح دعاء كميل : إسمه : أنيس الليل.
٦ ـ شرح دعاء كميل : للسيد ميرزا أبو المكارم بن الميرزا ابي القاسم الموسوي الزنجاني المتوفي سنة (١٣٣٠).
٧ ـ شرح دعاء كميل : إسمه : مفتاح المراد.
٨ ـ شرح دعاء كميل : للشيخ الفاضل الميرزا عباس الدارابي الشيرازي تلميذ المولى هادي السبزواري الحكيم الفه على طريقة أستاذه في شرحي : دعاء الجوشن ، والصباح.
٩ ـ شرح دعاء كميل : للمولى عبد الأعلى بن محمد القاضي السبزواري الفه بإسم السلطان «ناصر الدين شاه القاجاري» ، وهو عربي عرفاني سنة (١٣٤٣).
١٠ ـ شرح دعاء كميل : لميرزا محمد علي بن نصير الرشتي
النجفي المتوفي سنة (١٣٣٤) ألّفه في سنة (١٣٢٥) مع شرح دعاء الصباح.
١١ ـ شرح دعاء كميل : لميرزا محمد بن سليمان التنكابني.
١٢ ـ شرح دعاء كميل : للمولى محمد نجف الكرماني المشهدي العارف الإِخباري المتوفي سنة (١٢٩٢) ذكره في مطلع الشمس والمآثر ، والآثار.
١٣ ـ شرح دعاء كميل : الموسوم بأسرار العارفين للحجة المرحوم السيد جعفر آل بحر العلوم المتوفي سنة (١٣٧٧) فرغ من تأليفه في العاشر من ذي الحجة سنة (١٣٣٠) عربي(١) .
١٤ ـ شرح دعاء كميل : للسيد محمود السيد سلطان عليخان المرعشي الفروي تاريخه ٢٠ / رمضان / ١٣٢٨ خط فارسي ، شرح إعرابي موجود في مكتبة جامعة النجف العامرة.
١٥ ـ شرح دعاء كميل : لمحمد باقر هيوني. فارسي. مطبعة قم. سنة ١٣٨٠ هـ.
وهذه الشروح ، وان كانت كثيرة إلا انها ليست في متناول اليد لأن الكثير منها مخطوط ، وليس بمطبوع ، والبعض الف باللغة الفارسية مما يصعب على كثير ممن لا يعرفون هذه اللغة الإِستفادة من تلك الشروح والوصول الى معانيها.
على أن البعض من تلك الشروح ينحو فيه الشارح المنحى
__________________
(١) لاحظ الذريعة الى تصانيف الشيعة : ١٣ / ٢٥٩ مطبعة القضاء / النجف الاشرف.
الأدبي المحض ، أو العرفاني مما يجعل تذوقها مقتصراً على طبقة خاصة معينة من القراء يستسيغون هذا النوع من التأليف ، بينما يريد قراؤنا اليوم نوعاً آخر من الشرح ، والتلعيف يتوخون فيه أن يكون بعيداً عن المغلقات بحيث يحتاج الشرح منها الى شرح ، وتوضيح.
كانت كل هذه الدوافع تحفزني لأن ألجأ الى الله عز وجل متضرعاً أن يمنحني شرف التوفيق للقيام بهذه المهمة لاكون قد أديت خدمة لإِخواني في المضمار ، ولأقدم ـ في الوقت نفسه ـ لأخوتي عملاً أتوخى به وجهه الكريم يوم تفد الخلائق اليه راجية عطفه ، ولطفه وفي ذلك اليوم لا ينفع مال ولا بنون.
وعساني أديت بعض ما علي ، ونلت به رضا ربي.
( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) (١) .
__________________
(١) سورة القصص : آية (٢٤).
كميل بن زياد النخعي :
يتمتع راوي الدعاء كميل بن زياد بن نهيك النخعي بشخصية عظيمة وثقة عالية عند الإِمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فهو حامل سره كما يقول عنه علماء الرجال ، وقد ترجموه واطنبوا فيه ، وذكروا : أنه طالما كان أمير المؤمنين عليه السلام يردفه على راحلته ، ويحدثه بأمور لم يطلع عليها أحد غيره ولهذا قالوا عنه : أنه حامل سره.
وكان والياً له على (هيت) وهي بلدة تقع على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار.
وربما كان اختياره (لهيت) نظراً لما يتمتع به (كميل) من شجاعة وعلم ، ومعرفة بتصريف الأمور ولما لهذه البلدة من موقعية إستراتيجية في ذلك الزمان ذلك لأن (هيت) تتصل ببادية الشام ، وبذلك تشكل حدوداً بين العراق ، وبين سوريا ، والتي كانت دمشق عاصمتها مقراً لمعاوية بن أبي سفيان.
وقد كانت بعض المدن الواقعة على الفرات مما يقع على هذا الخط تابعة لحكم معاوية. ومن الواضح أن وجود معاوية ، وإمتداد نفوذه كان يشكل خطراً على الخلافة الإِسلامية في عهد الإِمام أمير المؤمنين عليه السلام لذلك كان إختيار المترجم حافظاً لثغر العراق
من هذه الجهة فهو القائد المحنك ، والوالي العارف بإدارة البلاد.
ومع هذا فهو القائد العابد الزاهد الورع شهد مع أمير المؤمنين واقعة صفين.
وقد روى عن كميل جماعة من التابعين كما يقول ابن كثير الدمشقي وفي مقام نسبته الى الإِمام أمير المؤمنين اختلفت عبارات المؤرخين ، فالبعض يعبر عنه بانه : تلميذ الإِمام ، والبعض يقول عنه بانه : من شيعته ، وخاصته ، وثالث كان يعرفه بانه : من المفرطين في علي ممن يروي عنه المعضلات.
وقال عنه رابع : بانه من أعاظم خواص أمير المؤمنين ، وأصحاب سره.
وقيل عنه : كان من كبار أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، وولده الحسن السبط (صلوات الله عليه).
أما في مقما ترجمته ، وتعريفه فقد قيل عنه :
كان رجلاً ركيناً ، وكان له إدراك ، وكان شريفاً مطاعاً في قومه وكان من أجلاء علماء وقته ، وعقلاء زمانه ، ونساك عصره وفضلاء أوانه ، وكان من رؤساء الشيعة ، وذكر في جملة عباد أهل الكوفة ، وقال ابن عمار عنه : أنه رافضي ، وهو ثقة.
من هذا العرض لترجمته تظهر لنا شخصية هذا الرجل الثقة ، وما كان يتمتع به من مؤهلات قلما اجتمعت في غيره من الأعاظم وفي مجال الحديث فقد قالت عنه مصادر الترجمة : بانه روي عن جماعة كان في مقدمتهم أمير المؤمنين ، وإبن مسعود.
وقد نقلت عنه وصايا عديدة أملاها عليه امير المؤمنين عليه السلام.
روايته للدعاء :
ذكر السيد ابن طاوس في الإِقبال عن دعاء كميل ما يلي :
«وما رويناه بإِسنادنا الى جدي أبي جعفر الطوسي «رضي الله عنه» قال :
روى أن كميل بن زياد النخعي رأى امير المؤمنين عليه السلام ساجداً وهو يدعو بهذا الدعاء في ليلة النصف من شعبان.
قال السيد ابن طاوس أقول : ووجدت في رواية أخرى ما هذا لفظها : قال كميل بن زياد جالساً مع مولاي أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد البصرة ، ومعه جماعة من أصحابه فقال بعضهم :
ما معنى قول الله عز وجل :( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) ؟
قال عليه السلام ليلة النصف من شعبان ، والذي (نفس علي بيده أنه ما من عبدٍ إلا وجميع ما يجري عليه من خير وشر ، مقسوم له في ليلة النصف من شعبان الى آخر السنة في مثل تلك الليلة المقبلة وما من عبد يحييها ، ويدعو بدعاء الخضر عليه السلام الا أجيب له فلما إنصرفت طرقته ليلاً فقال عليه السلام :
ما جاء بك يا كميل؟
قلت يا أمير المؤمنين دعاء الخضر.
فقال اجلس يا كميل إذا حفظت هذا الدعاء ، فادعو به كل
ليلة جمعة ، أو في الشهر مرة ، او في السنة مرة ، أو في عمرك مرة تكف وتنصر ، وترزق ، ولن تعدم المغفرة.
يا كميل : أوجب لك طول الصحبة أن نجود لك بما سألت ثم قال : اكتب : «اللهم اني اسألك برحمتك التي وسعت كل شيء» الى آخر الدعاء.
ولنا أن نقف مع نسبة الإِمام عليه السلام لهذا الدعاء الى الخضر عليه السلام وهو نبي من أنبياء الله فما هو المقصود؟
فهل أن الدعاء بنصوصه ، والفاظه كان من إملاء الخضر ، وبيانه وقد حفظه الإِمام عليه السلام منه؟ أما كيف حفظه ، وكيف وصل اليه ، فهذا من الأمور الغيبية وأملاه على كميل ، أو أن مضامين الدعاء كان يدعو بها الخضر فإستحسنه الإِمام عليه السلام وصاغه ببيانه وفصاحته الباهرة فجاء بهذه النصوص.
ولعل هذا أقرب من الإِحتمال السابق لأن هذا الاسلوب من البيان وهذه الرقة في التعبير هما من مميزات آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي مقدمتهم الإِمام أمير المؤمنين عليه السلام حيث نجد في مناجاتهم مع الله من رقة التعبير ، ورصانة التركيز مالا نجده في كثير من أدعية غيرهم.
ولادته ووفاته :
إختلفوا في تاريخ ولادة كميل ، فالعسقلاني في تهذيب التهذيب يقول : قلت : وحكى ابن أبي خثيمة ، أنه سمع يحيى بن معين يقول : مات كميل سنة ثمان وثمانين ، وهو ابن سبعين سنة.
وعلى هذا فتكون ولادته في السنة الثامنة عشرة من الهجرة وقال المدايني : مات كميل سنة إثنتين ، وثمانين وهو ابن تسعين سنة.
ومعنى هذا أن ولادته كانت قبل الهجرة بسنتين.
أما الزركلي فيقول عنه مؤرخاً ولادته سنة (١٢) ووفاته بسنة (٨٢).
وقد قال المؤرخون عن وفاته بان الحجاج قتله صبراً.
ونقلت في ذلك قصص مختلفة في كيفية قتله ، ولكنها أجمعت من ناحية أنه قتل على يد الحجاج ، وأنه قتل صبراً.
وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد أخبره قبل ذلك بمقتله ، وأنه يكون على يد الحجاج ، وكيفية قتله.
مدفنه :
وعندما يصل المؤرخون الى مدفن (كميل) يقولون عنه : أنه دفن بالثوية وقبره يزار ، ويتبرك به.
ويعرفون الثوية بانها : من المواضع المشهورة في ظهر الكوفة غربيها مما يلي النجف ، وللنجف اليوم أقرب من الكوفة.
وبعضهم يقول : أنها بالكوفة.
أما الحموي فقال عنها : أنها موضع قريب من الكوفة ، وقيل انها بالكوفة ، وقيل : خريبة الى جانب الحيرة على ساعة منها ، ذكر العلماء أنها كانت سجناً للنعمان بن المنذر كان يحبس بها من أراد قتله فكان يقال لمن حبس بها : ثوى أي أقام فسميت الثوية بذلك.
ويعلق الخطيب الحجة المرحوم السيد علي الهاشمي في كتابه : «كميل بن زياد النخعي» على هذا القول : بأنه شاذ.
وفي تاريخ الخميس يقول : أن الثوية هي على ميلين من الكوفة.
أما السيد ابن طاوس : فقد ذكر في كتابه المصباح عند تعرضه لهذا الدعاء : بأن الثوية هي الآن تل بقرب الحنانة عن يسار الطريق القاصد من الكوفة الى المشهد أي مشهد أمير المؤمنين عليه السلام ، أي النجف.
ويعلق الخطيب الهاشمي على هذا التحديد بقوله :
قلت : وقد حول الطريق في عهد الحكومة العثمانية ، وصار التل عن يمين القاصد من الكوفة الى النجف ، وذلك عند تأسيس السكة الحديدية (الترامواي)(١) وحتى اليوم على حاله وقد الغيت السكة وعُبد الطريق بالقار بمكان السكة(٢) .
__________________
(١) كان من جملة ما يربط النجف بالكوفة خط السكة الحديدية حيث كانت تسير عليه عربات خشبية تجرها الخيول. ولكن السكة قد رفعت ، وعُبد الطريق.
(٢) مصادر هذه الترجمة لاحظها في الاعلام للزركلي : ٦ / ٩٣ وتهذيب التهذيب : ٨ / ٤٤٨ ، والإَصابة رقم (٧٥٠٣) ، وجمهرة الأنساب (٣٩٠) ، والكامل لابن الأثير : ٣ / ١٥١ ، وتنقيح المقال ترجمة (٩٩٣٨) ، وتأريخ الاسلام للذهبي ، ٣ / ٢٩٣ ، والاقبال للسيد ابن طاووس : ٧٠٦ ، والمصباح. كما وقد ترجم له البحاثة الحجة المرحوم الخطيب السيد علي الهاشمي في كتاب صغير فذكر ترجمة وافية له ، وذكر مصادر ترجمته بشكل وافٍ عنوان كتابه (كميل بن زياد النخعي) مطبعة الارشاد / بغداد.
وعلى كل حال قبر كميل اليوم معروف يقع في أحد الأحياء الجديدة التي استحدثت في الفترة الأخيرة ، ويطلق عليه اسم (حي الحنانة) ، وهو بالقرب من (الحنانة) الجامع المعروف عند النجفيين ، وغيرهم ممن يؤم العتبة المقدسة من الزائرين ، والسائحين.
دُعاءُ كُميل
الشرح
بسم الله الرحمن الرحيم
١ ـ اَللّـهُمَّ اِنّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء ، وَبِقُوَّتِكَ الَّتي قَهَرْتَ بِها كُلَّ شَيْء ، وَخَضَعَ لَها كُلُّ شَيء ، وَذَلَّ لَها كُلُّ شَيء ، وَبِجَبَرُوتِكَ الَّتي غَلَبْتَ بِها كُلَّ شَيء ، وَبِعِزَّتِكَ الَّتي لا يَقُومُ لَها شَيءٌ ، وَبِعَظَمَتِكَ الَّتي ملأت كُلَّ شَيء ، وَبِسُلْطانِكَ الَّذي عَلا كُلَّ شَيء ، وَبِوَجْهِكَ الْباقي بَعْدَ فَناءِ كُلِّ شَيء ، وَبِأَسْمائِكَ الَّتي ملأت اَرْكانَ كُلِّ شَيء ، وَبِعِلْمِكَ الَّذي اَحاطَ بِكُلِّ شَيء ، وَبِنُورِ وَجْهِكَ الَّذي اَضاءَ لَهُ كُلُّ شيء يا نُورُ ، يا قُدُّوسُ ، يا اَوَّلَ الأولين ، وَيا آخِرَ الاْخِرينَ.
أدب الدعاء يقضي أن يبدأ الداعي عندما يتوجه الى ربه ليطلب منه المغفرة ، والعفو عما صدر منه من الذنوب أن يقسم عليه بصفاته الكريمة ، وأسمائه المقدسة جلباً للعطف ومدعاة للحنو عليه.
وفي هذا الفصل يبدأ الداعي بالقسم على ربه ليكون ذلك مفتاحاً لتوجيه الطلب اليه ، وتمهيداً لفتح باب المناجاة معه.
«اللهم»
يتفق علماء العربية في أن الأصل في هذه الكلمة هو (يا الله) ولكنهم اختلفوا في كيفية تركيبها الخارجي ، وأنه كيف صارت (اللهم) بدلاً من (يا الله).
يقول البعض منهم : أن العرب تركت الهمزة من لفظ الجلالة فاتصلت الميم بالهاء ، وصار حرف النداء ، والمنادى كالحرف الواحد ، واكتفي به من ذكر (يا) فاسقطت فكانت الكلمة (اللهم).
ويقول هؤلاء : بأن العرب ربما أدخلوا على هذه الكلمة حرف النداء (يا) فقالوا : (يا اللهم اغفر لنا).
أما البعض الآخر : فيقول : بإن هذه الكلمة أصلها (يا الله) فهي منادى ولكن لكثرة دورانها على الالسن حذف حرف النداء (يا) ، وعوض عنه (بميم) مشددة وضعت في آخر الكلمة فكانت بحسب التركيب الخارجي «اللهم»(١) .
وعلى كلا النقلين الملاحظ أن الأصل في كلمة (اللهم) يا الله.
أما كيف تحول حرف النداء ، والمنادى الى هذه الكلمة فهذا
__________________
(١) لسان العرب : مادة (إله) والزاهر : ١ / ١٤٦.
مالا يغير المقصود من أدب الدعاء من الإِفتتاح بالمناجاة مع الله سبحانه بعبارة (يا الله).
وهكذا يحسن بالداعي أن يبدأ ، فيفتتح دعاءه بإسم الله ، ويستعين به من المبدأ الى الأخير.
«اني أسئلك»
والسؤال طلب ، ولكن الطلب اذا كان من العالي الى الداني فهو أمر ، وإذا كان من المساوي فهو المتماس ، أما إذا كان من الداني الى العالي فهو سؤال.
والسائل هو المستعطي كما أن الفقير يطلق عليه السائل.
ولأجل هذا يتجه الداعي ، وهو الفقير الى ربه ليسأله من رحمته ولم يقل : ربي اريد ، او اطلب ، بل هو سائل بما تشتمل عليه هذه الكلمة من خشوع ، وخضوع.
«برحمتك التي وسعت كل شيء»
والباء للقسم ، والداعي يسأل ربه مقسماً عليه برحمته ، والتي هي في اللغة : رقة القلب ، وإنعطاف يقتضي الفضل ، والإِحسان والمغفرة.
هذا الإِنعطاف الذي يشمل كل شيء في هذا الوجود بما في الكون من موجودات ، وكائنات فهي مغمورة بلطفه ، ومشمولة
لعنايته ولم لا يقسم الداعي على الله برحمته الواسعة؟ ، وقد أخبر هو جل إسمه عن هذا العطف بقوله :
( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) (١) .
( فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ) (٢) .
ففي كل لحظة من لحظات الحياة تفيض الرحمة على ابن آدم تتابعه من حين إنعقاد نطفته الى ما بعد ولادته ، وحتى بعد موته وكذلك يوم القيامة ، وعند الحساب فعن الإِمام الصادق عليه السلام اذا كان يوم القيامة نشر الله تبارك وتعالى رحمته ، حتى يطمع إبليس في رحمته»(٣) .
وبماذا يقابل العبد ربه ، وهو يمنحه هذه الهبات ، والعطايا وكلها عطف ولطف؟ ولماذا يستكثر العبد على نفسه ذنوبه مهما كانت اذا عاد الى رحاب الله تائباً يناجي ربه؟ ويقسم عليه برحمته وهو الذي لوح له ببارق الأمل بقوله :
( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ ) (٤) .
والسرف : هو التجاوز والقنوط هو اليأس.
وبهذا الوعد يتجلى لطف الخالق في أروع صورة فلماذا اليأس
__________________
(١) سورة الأعراف : آية (١٥٦).
(٢) سورة الأنعام : آية (١٤٧).
(٣) سفينة البحار : مادة (رحم).
(٤) سورة الزمر : آية (٥٣).
حتى ولو أسرف العبد في المخالفة ما دام قد أخبر سبحانه بانه( كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) (١) .
وكتب : بمعنى سجل ، والزم نفسه بالرحمة لعباده.
ولمن : فهل خص برحمته فئة معينة؟
أم لماذا : فهل أجبره أحد على ذلك؟
الآية الكريمة هي تجيب على هذه الإِستفهامات بعد ان كانت مطلقة ، وغير مقيدة بشيء ، بل رحمته تعم الجميع من دون سبب أو تأثير خارجي لأن عطفه نابع من فيض ذاته المقدسة ، وبإقتضاء من حنوه ، ولطفه على مخلوقاته.
( كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) .
حتى ولو قابله العبد بالإِسائة ، والتقصير.
فخيره الينا نازل.
وشرنا اليه صاعد.
اذا كنت تجري الذنب مني بمثله فما الفرق ما بيني وبينك يا رب؟
«وبقوتك»
والباء : للقسم أيضاً. والقوة ضد الضعف ، وبه قوة أي به طاقة وقوة الله ليست كقوة العبد ، والتي هي من سنخ القوى العشرة والتي منحها الله لعباده من السامعة ، والباصرة ، والشامة ،
__________________
(١) سورة الأنعام : آية (١٢).
واللامسة ، والعاقلة ، وغيرها سواءً كانت هذه القوى مدركة للجزئيات أو الكليات. بل هي قدرته غير المتناهية ، والذاتية له حيث لا يقف في قبالها شيء لأنه على كل شيء قدير.
«التي قهرت بها كل شيء»
وهكذا يتدرج الداعي ليقسم على ربه بقوته فهو القادر على ما يشاء لا يمتنع عليه شيء ، ولا يقف في طريق ارادته أحد من الخلق( وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (١) .
وتبدو روعة الإِنتقال في الدعاء من التوسل اليه برحمته الواسعة الى التضرع بالقسم عليه بقوته القاهرة.
رحمته التي تمثل الدعة في الانعطاف ، والفضل في الإِحسان واللطف في المغفرة.
وقوته التي تتجسم فيها كل آيات القدرة على ما في هذا الوجود ليعلم أن هذه الرحمة ، وهذا العطف ليس من قصور في ذاته المقدسة لكونه لا يقدر على شيء ، بل هي رحمة تنبعث من قدرة قادر قاهر. فهو في الوقت الذي يملك القدرة المطلقة في عالم الأسباب ، وله الغلبة في كل شيء نراه رحيماً يطمع حتى إبليس في رحمته.
فإذا غفر فعن قدرة.
وإذا عف فعن رفعة.
__________________
(١) سورة غافر : آية (٦٨).
«وخضع لها كل شيء»
الخضوع : هو الانقياد ، والتطامن ، والتواضع(١) .
والضمير في قوله (لها) يعود الى القدرة. والمعنى : يا رب أقسم عليك بقدرتك التي قهرت بها كل شيء في هذا الوجود فكان من نتيجة ذلك ان خضع لقدرتك كل ما في هذا الوجود.
وقد يقال : أن توصيف القدرة بقوله :( قهرت بها ) والقهر هو الغلبة يغني عن عطف (وخضع لها) لأن تلك الأشياء كلها خاضعة لقدرته لأنها مغلوبة لها.
والجواب عن ذلك : أن العطف بالاخبار بالخضوع يحمل بين طياته معنىً دقيقاً ذلك هو : أن الله ، وان كانت قدرته غالبة على كل شيء فإن التغلب على الشيء ليس معناه تطامن ذلك المغلوب ، والإِنقياد للغالب نفسياً ، بل أقصى ما يدل عليه أنه تحت سيطرته ، وسطوته. ولكن الأخبار بخضوع الأشياء لقدرته معناه أن كل شيء في هذا الوجود قد تطامن ، وانقاد ، وتواضع لقدرته.
«وذل لها كل شيء»
ذل : جاءت في اللغة لمعنيين :
١ ـ انها مأخوذة من الذل بالكسر ، وهو ضد الصعوبة أي (إنقاد) ويكون معنى الجملة على هذا التقدير : وبقدرتك التي انقاد لها كل شيء.
__________________
(١) أقرب الموارد : مادة (خضع).
٢ ـ انها مأخوذة من الذل بالضم ، وهو ضد العز ، ومعناه : ان الشيء هان ، ويكون المعنى : واسئلك بقدرتك التي هان لها كل شيء.
أما أن أياً من هذين المعنيين أنسب بسياق الدعاء.
فالجواب : ان يكون المعنى الثاني وهو : الذل بالضم ، وذلك لأن أخذ الذل على هذا المعنى يجعل المعنى من جملة «وخضع لها كل شيء».
ويختلف عن المعنى في جملة «وذل لها كل شيء» لأن الخضوع ـ كما قلنا ـ هو الإِنقياد ، والذل بالضم ضد العز ، واحدهما مغاير للآخر. فتكون كل جملة قد أفادت معنى غير الذي جاءت به الجملة الأخرى ، المعطوف والمعطوف عليه.
أما لو أخذ الذل بالكسر ، فإن المراد من الجملتين يكون واحداً وهو الإِنقياد فلا يكون بين الجملتين من حيث أدائهما للمعنى فرق عدا التوضيح. ومن الواضح عند دوران الأمر بين حمل الكلام على تأسيس معنى ، او حمله على التوضيح لما سبق يقولون أن حمله على التأسيس اولى من حمله على التوضيح ، طبقاً لما يقرره علماء الأصول في بحوثهم الأصولية.
«وبجبروتك التي غلبت بها كل شيء»
الجبروت : من صيغ المبالغة بمعنى العظمة ، والكبر ، والقدرة ، والسلطة. وهي صفة توحي بالقهر ، والغلبة ، والإِستعلاء.
ولأجل ذلك كان الاتصاف بهذه الصفة من مختصات الله تعالى.
فإن وصف بها سبحانه كانت مدحاً وإن وصف بها إنسان كانت ذماً إذ لا إستعلاء إلا له ، ولا كبر إلا له ، ولا غالب إلا هو صفات لا يشاركه فيها أحد ولهذا يقسم الداعي بها عليه لمكان الإِختصاص.
«وبعزتك»
العزة : بالكسر ضد الذلة ، وهي مصدر بمعنى الغلبة ، والقهر ومثل ذلك : ما جاء في قوله تعالى :( وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ) أي : غلبني في الإِحتجاج(١) .
«التي لا يقوم لها شيء»
وفي اللغة : قام على الأمر : دام ، وثبت. فلا يقوم : أي لا يثبت ، والمعنى : أقسم عليك بغلبتك ، وقهرك المتمثلان بعزتك التي لا يثبت أمامها شيء ، بل كل شيء متضائل أمام عزته ، وسطوته.
«وبعظمتك»
العظمة : محركة الكبر ، والنخوة ، والزهو.
والعظمة لله هي الإِستقلال ، والإِستغناء عن الغير.
أما عظمة العبد فهي : تكبره ، وتجبره ، ولذلك فإذا وصف العبد بالعظمة ، فهو ذم له لأن العظمة لله وحده لا شريك له(٢) .
__________________
(١ ـ ٢) لسان العرب : مادة (عزز ، وعظم).
وقد جاء في الحديث القدسي : (والعظمة ردائي).
واذا كانت العظمة رداء الله ، وجلاله فكيف يشاركه فيها غيره؟
ولذلك كان وصف العبد بها ذماً كما يقوله اللغويون لأنه إستعلاء ، وتطاول على ما ليس له ، وهو مخلوق ضعيف.
( وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) (١) .
«التي ملأت كل شيء»
والضمير في قوله : (ملأت) يعود الى العظمة. وملأت الإِناء أي وضعت فيه بقدر ما يأخذه فهو مملوء ، ومنه القول : «نظرت اليه فملأت منه عيني»(٢) .
والمعنى الذي يقصده الدعاء بهذه الجملة هو أن يقسم على الله بعظمته التي إذا قيست الى كل شيء كان ذلك الشيء مملوءاً ومأخوذاً بتلك الهيبة الإِلهية ، والجلالة القدسية ، كما يملأ الماء الإِناء حيث يصل الى حافته.
«وبسلطانك»
السلطان : من السلطنة ، وهي القدرة ، والملك. فالسلطان هو القادر ، والمالك ، والمتسلط على غيره.
__________________
(١) سورة الحج : آية (٧٣).
(٢) أقرب الموارد مادة ملاء.
«الذي علا كل شيء»
وتسلطه جلت عظمته على ما في الوجود هو قدرته عليه ، وكون الأشياء مسخرة لإِرادته( وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ ) (١) .
ولم يقتصر الأمر على الأرض فقط حيث كانت كلها تحت قبضته يدبرها كيف يشاء ، بل( وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) (٢) .
فعلوه اللامتناهي على كل شيء ينشأ من هذه السلطة الجبارة.
«وبوجهك»
الوجه : أول ما يبدو للناظر من البدن ، وفيه العينان ، والأنف والفم ، وكذلك مستقبل كل شيء وجهه.
ولأهل اللغة والمفسرين آراء كثيرة في تفسير وجه الله وقد تضمن القرآن الكريم آيات عديدة أضيف فيها الوجه اليه تعالى ، ولكن الذي يأتي في مقدمة تلك المعاني هو تفسيره بانه : ذاته المقدسة ، ونفسه الشريفة(٣) .
«الباقي بعد فناء كل شيء»
والفناء خلاف البقاء والجملة صفة لذاته المقدسة وهي مستوحاة من قوله تعالى :( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) (٤) .
__________________
(١) سورة الزمر : آية (٦٧).
(٢) سورة الزمر : آية (٦٧).
(٣) لاحظ لسان العرب : مادة (وجه).
(٤) سورة القصص : آية (٨٨).
والمعنى : أقسم عليك بذاتك التي تبقى ، ويفنى كل شيء. والآية الكريمة تؤيد أن يكون المراد من وجه الله هو ذاته ونفسه حيث يهلك كل شيء إلا هو ، وقد عبر فيها عن نفسه بوجهه.( اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) (١) .
«وبأسمائك»
الأسماء : جمع اسم ، والإِسم مأخوذ من السمة وهي العلامة وأسماؤه سبحانه هي : صفاته ، وصفاته عين ذاته ، وليست زائدة على عين الذات وهي :
عليم ، وقدير ، وغني ، وحي ، ومحي ، ومميت ، وكبير ، وقاهر الى غيرها مما تضمنته الكتب بيان اسمائه ، وهي كلها ثابتة له إذ عدم ثبوتها ، ونفيها عنه معناه : إثبات النقص إليه ، ولا سبيل الى ذلك لإِستلزام النقص محدوديته ، ولا يحد سبحانه بحد.
أما عدد أسمائه تعالى فكثيرة ، ولكن الأسماء الحسنى ، والتي نوه عنها القرآن الكريم في اكثر من آية فهي : مائة وسبعة وعشرين أسماً(٢) .
«التي ملأت أركان كل شيء»
وقد تقدم تفسير مثل هذه الجملة في ما تقدم من قوله «وبعظمتك التي ملأت كل شيء» والمعنى في الموردين واحد.
ويأتي القسم من الداعي على الله بأسمائه في هذه الفقرة طبقاً لما
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٢٥٥).
(٢) لاحظ بتفصيل لهذا البحث تفسير الميزان : للسيد الطباطبائي ٨ / ٣٦٦.
أمر الله به عباده في آيات كريمة منها :
( وَلِلَّـهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ) (١) .
( وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (٢) .
( وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ) (٣) .
( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (٤) .
وهكذا تتوالى الآيات الكريمة تحث العبد على الدعاء ، والذي هو إنشداد المخلوق الى ربه ، وتوجهه الى مصدر العطاء.
إن الإِنسان ليقف أمام هذا الحشد من الآيات الكريمة ، والحيرة تأخذ عليه مسالك التفكير ، فلماذا كل هذا الأمر بالتوجيه بالدعاء أليس هو لطف منه نحو عبيده المذنبين؟
أليس هو فيض من رحمته نحو هؤلاء المقصرين؟
وهل يخشى الداعي عدم الإِجابة بعد تعهده بها في قوله :
«إدعوني أستجب لكم».
فمن أقوى من الله ضماناً ، وبوركت صفقة كان الضامن فيها هو الله.
إن اليأس من رحمة الله هي الضلال بعينه فقد قال تعالى :
__________________
(١) سورة الأعراف : آية (١٨٠).
(٢) سورة الأعراف : آية (٢٩).
(٣) سورة الأعراف : آية (٥٦).
(٤) سورة المؤمن : آية (٦٠).
( وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ) (١) .
ولكنه ابن آدم يدب اليأس اليه ، وقد قال تعالى عنه :
( وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ) (٢) .
ولكنه سبحانه وتعالى يطمئن عباده قائلاً :
( لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) (٣) .
«وبعلمك»
العلم : بالكسر إدراك الشيء بحقيقته ، وقيل : هو اليقين وقيل : أنه بمعنى المعرفة.
وقيل : ان بين المعرفة ، والعلم فرقاً فان العلم يقال : لإِدراك الكلي ، أو المركب. والمعرفة تقال لإِدراك الجزئي ، أو البسيط.
ومن هنا يقال : عرفت الله ، دون علمت الله.
وقيل : العلم في الإِنسان ، والمعرفة في البهائم.
وقيل : العلم هو : الإِعتقاد الجازم المطابق للواقع.
وفي الحقيقة : أن العلم بالشيء معنىً أصبح ينتقل اليه بحيث لا يحتاج الى تعريف لوضوحه.
__________________ ـ
(١) سورة الحجر : آية (٥٦).
(٢) سورة الروم : آية (٣٦).
(٣) سورة الزمر : آية (٥٣).
«الذي أحاط بكل شيء»
أحاط بالأمر : أحدق به من جوانبه ، وجاء في القرآن قوله :( وَاللَّـهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ ) (١) .
أي أن قدرته شاملة ، ومشتملة عليهم ، ولا يعجزه أحد. أما أنه عالم بكل شيء ، وعلمه محيط بذلك ، فلأنه علة الأشياء كلياتها وجزئياتها ، ومن الواضح أن العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول فينتج من ذلك أنه تعالى عالم بجميع الأشياء اذ لا مؤثر في الوجود غيره.
وقد أخبر الكتاب الكريم عن هذه الحقيقة في اكثر من آية فقال تعالى :( يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ) (٢) .
وقال :( إِنَّ اللَّـهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (٣) .
وقال :( وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (٤) .
ومن هذا المنطلق يأتي القسم على الله بعلمه الذي أحاط ، وأحدق بكل شيء في هذا الكون ، وما تكتنفه من اكوان اخرى.
وقد يتساءل عن السبب في هذا التكرار بالقسم عليه بعلمه مع
__________________
(١) سورة البروج : آية (٢٠).
(٢) سورة التغابن : آية (٤).
(٣) سورة التوبة : آية (١١٥).
(٤) سورة الحجرات : آية (١٦).
أن علمه من جملة ما اشتملت عليه الفقرة المتقدمة بقوله «وبأسمائك التي ملأت أركان كل شيء» ومن جملة اسمائه العليم ، العالم. وإذاً فقد أقسم الداعي على الله بعلمه فما هو وجه التصريح بهذه الصفة مع تقدمها اجمالاً ، وفي اسمائه جلّت عظمته؟
ويجاب عن ذلك : بعدم المنافاة بين البيانين إجمالاً في الأول ، وتفصيلاً في الثاني لخصوصية في التنصيص على صفة العلم المحيط بكل شيء ، وربما كانت الخصوصية هي : بيان حال الداعي عند تدرجه في التضرع اليه سبحانه ، وبالقسم عليه بصفاته وانه صادق في هذا الالتجاء حيث أقسم عليه مجدداً بعلمه الذي أحاط بكل شيء ، ومن جملة ما أحاط به علمه هو حالته التي هو عليها من التوبة ، والندم ، وأنه صادق في توسله الذي يخرج عن قلب فإن الله :( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) (١) .
«وبنور وجهك»
النور : بالضم الضوء ، وهو خلاف الظلمة ، وقيل : النور كيفية تدركها الباصرة ، جمع انوار ، ونيران.
والنور قسمان : حسي ، ومعنوي.
أما الحسي : فهو ما كان قائماً بغيره كنور الشمس ، ونور الكهرباء وغيرهما.
واما المعنوي : فهو ما كان قائماً بذاته.
__________________
(١) سورة غافر : آية (١٩).
ونور الله ليس من القسم الأول ، بل هو نفحاته القدسية التي يستنير بها كل شيء ، ويهتدي من في السماوات والأرض ، بعد ان كانت عدماً فخلقها ، ومنحها الوجود.
وقد اقتبست هذه الفقرة من الآية الكريمة :
في قوله تعالى :( اللَّـهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (١) .
النور الذي فيه قوامها ، ومنه نظامها فهو الذي يهبها جوهر وجودها ويودعها ناموسها.
ولقد استطاع البشر أخيراً أن يدركوا بعلمهم طرفاً من هذه الحقيقة الكبرى عندما استحال في أيديهم ما كان يسمى بالمادة بعد تحطيم الذرة الى اشعاعات منطلقة لا قوام لها الا النور ولا مادة لها الا النور فذرة المادة مؤلفة من كهارب واليكترونات تنطلق عند تحطيمها في هيئة إشعاع قوامه هو النور.
فأما القلب البشري فكان يدرك الحقيقة الكبرى قبل العلم بقرون كان يدركها كلما شف ، وقرب ، ولقد أدركها كاملة شاملة قلب محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ففاض بها وهو عائد من الطائف نافض كفيه من الناس عائذ بوجه ربه يقول :
«اعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، وفاض بها في رحلة الاسراء ، والمعراج فلما سألته عائشة هل رأيت ربك؟ قال : نور إني أراه»(٢) .
__________________
(١) سورة النور : آية (٣٥).
(٢) في ظلال القرآن في تفسيره لآية (٣٥) من سورة النور.
«يا نور»
وبهذا ينهي الإِمام عليه السلام هذا العرض المتوالي من القسم عليه بصفاته الكريمة ، ويبدأ بمرحلة جديدة من إظهار الحالة النفسية للداعي ، وهي مرحلة النداء ، والإِستغاثة ، والتوسل بأحلى صفاته وهي : النور ، القدوس ، أول الأولين ، وآخر الآخرين.
النور : الذي هو مصدر الحياة لكل ما هو مسبوق بالعدم.
«يا قدوس»
وهو بالضم ، وقد يفتح : الطاهر المنزه عن العيوب ، والنقائص وعن كل شريك ، فالشريك نقص لشريكه ، ولذلك فهو تعالى منزه عن هذا النقص ايضاً.
«يا أول الأولين ويا آخر الآخرين»
وهي نداءات تتوالى يضرع بها الإِمام «صلوات الله عليه» الى ربه ويصفه بأنه الأول قبل كل شيء ، والآخر بعد الأشياء ، فلا شيء قبله ، ولا شيء بعده.
وليست الأولية والآخرية بالنسبة اليه تعالى زمانيتين لأن حده بالزمان يستلزم محدوديته ، وإستلزام محدوديته معناه :
إحاطة الزمان به. وهذا يعني احتياجه تعالى الى المحدد. وكل ذلك نقص فيه وهو المنزه عن كل نقص.
سئل الإِمام الصادق عليه السلام عن الأول ، والآخر فقال :
«الأول لا عن أول قبله ، ولا عن بدء سبقه ، والآخر لا عن
نهاية كما يعقل من صفة المخلوقين ، ولكن قديم أول ، وآخر لم يزل ، ولا يزال بلا بدء ، ولا نهاية لا يقع عليه الحدوث ، ولا يحول من حال الى حال خالق كل شيء»(١) .
ومن الغريب أن يكون النداء بهذه الفقرات بحرف (يا) مع أنها موضوعة في المصطلح النحوي لنداء البعيد فكيف يلتئم هذا مع إخباره سبحانه عن قربه من العبد بقوله :
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (٢) .
والجواب عن ذلك : بأن الداعي وجد نفسه بعيداً عن ربه نظراً لجرائمه العديدة لذلك استعمل في النداء ما يدل على البعد من حروف النداء إعترافاً منه بتقصيره
٢ ـ اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ. اَللّـهُمَّ اغْفِـرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ. اَللّهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّـرُ النِّعَمَ. اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لي الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاء. اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ الْبَلاءَ. اَللّهُمَّ اغْفِرْ لي كُلَّ ذَنْب اَذْنَبْتُهُ ، وَكُلَّ خَطيئَة اَخْطَأتُها. اَللّهُمَّ اِنّي اَتَقَرَّبُ اِلَيْكَ بِذِكْرِكَ ، وَاَسْتَشْفِعُ بِكَ اِلى نَفْسِكَ ، وَأَسْأَلُكَ بِجُودِكَ اَنْ تُدْنِيَني مِنْ قُرْبِكَ وَاَنْ تُوزِعَني شُكْرَكَ ، وَاَنْ تُلْهِمَني ذِكْرَكَ.
__________________
(١) أصول الكافي : كتاب التوحيد / باب معاني الأسماء واشتقاقاتها / حديث (٦).
(٢) سورة ق : آية (١٦).
في هذا الفصل من الدعاء نلمح من بين فقراته المواضيع التالية :
١ ـ يوجه الدعاء الداعي بعد القسم على الله بصفاته ، وأسمائه أن ينسق طلبه ، ويحدده على نحو الأهم ، فالأهم ، ولذلك وقبل كل شيء يرى ضرورة تقدمه بطلب غفران الذنوب ، والتجاوز عن معاصيه.
٢ ـ أن الذنوب كما لها مخلفات أخروية من إستحقاق كذلك لها آثار وضعية تتحقق في هذه الدنيا من تعجيل بلاء ، أو تغير نعمة ، أو حبس دعاء ، وهكذا.
٣ ـ التدرج الدعائي في الطلب من الأقل الى الأكثر ، فبينما نرى الداعي يبدأ بطلب المغفرة للذنوب التي تغير النعم مثلاً ، أو غيرها من الذنوب التي تسبب بعض الأمور الخارجية نرى الداعي يترقى ليطلب من ربه أن يغفر له كل ذنب أذنبه ، وكل خطيئة صدرت منه.
وهذا ما نستوضحه عند شرحنا لفقرات الدعاء بالخصوص ، وأن هذا الأسلوب له أثره الخاص في جلب رضا الخالق ، والوصول من وراء ذلك الى الغاية المنشودة له من العفو عما صدر منه مطلقاً.
٤ ـ موضوع الشفاعة : حيث يتقدم الداعي بجعل وبسيط بينه ، وبين خالقه ليتشفع له في تحصيل ما يريده منه ، وتحقيق ما يطلبه منه.
ومن الإِجمال في عرض هذه المطالب المذكورة الى التفصيل :
«اللهم إغفر لي الذنوب التي تهتك العصم»
غفر الشيء : ستره ، والذنوب : جمع ذنب وهو الجرم ، والإِثم.
والعصم : من العصمة ، وهي المنعة. وإعتصمت بالله اذا إمتنعت بلطفه عن المعصية وعصمة الله عبده إذا منعه مما يوبقه(١) .
وفي الحديث : «ما إعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي إلا قطعت أسباب السماوات من بين يديه وأسخت الأرض من تحته»(٢) .
وقد يدرج الداعي من أول الدعاء يتوسل الى ربه ، ويقسم عليه برحمته ، وبقوته ، وهكذا بصفاته ، وأسمائه ، ولكن من هذه الفقرة من دعائه بدء ببيان المقسم ، وهو الشيء الذي كان التوسل ، والقسم لأجله. لذلك يبدو لنا واضحاً التناسق والإِرتباط بين فقرات الدعاء السابقة ، وما بدأ به من الفقرات الآتية «اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم».
وقد تضمنت هذه الجملة التماس العبد من ربه غفران الذنوب التي تهتك العصم أي الذنوب التي تكون سبباً في زوال مناعة العبد من الوقوع في الموبقات ، والرذائل.
إن التعبير الدعائي بالذنوب اليت تهتك العصم يعطينا فكرة واضحة عن لطف الله في منح الإِنسان المناعتين المعنوية ، والجسمية
__________________
(١) أقرب الموارد : مادة (عصم).
(٢) مجمع البحرين مادة (عصم).
فالبدن الصحيح له المناعة الكافية عن تلقي الأمراض التي تخز به وتكون سبباً في علته ، أو هلاكه ، ومتى حافظ الإِنسان على الارشادات الصحية كانت مناعته البدنية كافية لصد الأمراض. أما لو خالف ، وأهمل صحته ، فان ذلك معناه عدم مقاومة الجسم لصد أي مرض ، وهجومها عليه ونتيجة ضعف المناعة ، وانعدامها.
وهذا الإِنسان نفسه كما أودعه الله في أصل تكوينه المناعة الجسمية كذلك أودعه المناعة من الوقوع في الموبقات ، والرذائل ، والتي تكون سبباً في هلاكه أخروياً من لطف الله ، وجنته ومن ثم دخوله النار.
هذه المناعة أودعها الله عباده بمنحهم جوهرة العقل ، وهداهم النجدين(١) حيث أبان لهم طريق الخير كما أوضح لهم طريق الشر فإن أعمل الإِنسان عقله ، وامتثل أوامر ربه ، واجتنب نواهيه كان ذلك الإِنسان معصوماً ، وممنوعاً من الوقوع في كل ما يوصله الى العقاب الأخروي.
أما لو خالف ما يمليه العقل عليه من التزام طريق الهداية ، وركب هواه ، وارتكب الذنوب فإن هذا الإِنسان تنعدم عنده المناعة من الوقوع في الرذائل وطبيعي أن تكون نتيجة هذا الإِنسان اليأس ، وانه :( خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ) (٢) .
أما الذنوب التي تهتك ال عصم ، وتكون سبباً في زوال المناعة المعنوية ، فهي كما عن الإِمام الصادق «عليه السلام» :
__________________
(١) كما جاء في الآية الكريمة( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) البلد آية (١٠).
(٢) سورة الحج : آية (١١).
«شرب الخمر واللعب ، والقمار ، وفعل ما يضحك الناس من المزاح ، واللهو ، وذكر عيوب الناس ، ومجالسة أهل الريب»(١) .
ولا بد لنا من التنبيه ونحن أمام هذه الفقرات التي بدأ الداعي فيها طلب غفران الذنوب التي تهتك العصم ، أو تنزل النقم ، أو تغير النعم وغيرها مما سيأتي ذكرها ، فإن الأخبار الكريمة ذكرت تلك الذنوب وعددتها ولكنها ليست أسباباً حقيقية في إيجاد مسبباتها من هتك العصم ، أو إنزال النقم ، بل في الحقيقة إنها مقتضيات لحصول تلك الأمور ـ وعلى سبيل المثال ـ فإن اللعب بالقمار يكون مقتضٍ لزوال مناعة الإِنسان من وقوعه في المحرمات ، والموبقات ، ولكن ـ في نفس الوقت ـ قد لا تترتب على هذا المقتضي النتائج التي ذكرت لها اذا حصل المانع من التأثير ، والمغفرة تأتي في مقدمة ما يمنع من تأثير هذه المقتضيات ، وهكذا الصدقة ، وما شاكل مما يقف في طريق تأثير المقتضي ، وترتيب آثاره.
«اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم»
والنقم : جمع نقمة ، وهي العقوبة. وكما التمس الداعي في الفقرة السابقة أن يغفر الله له الذنوب التي تهتك العصم كذلك تضرع اليه أن يغفر له الذنوب التي تنزل العقوبة بحسب طبعها الأولي الاقتضائي.
أما تلك الذنوب فهي : كما جاء عن الإِمام الصادق «عليه السلام».
__________________ ـ
(١) مجمع البحرين : مادة (عصم).
«نقض العهد ، وظهور الفاحشة ، وشيوع الكذب ، والحكم بغير ما أنزل الله ، ومنع الزكاة ، وتطفيف الكيل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمس بخمس قالوا : يا رسول الله ما خمس بخمس؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : ما نقض قوم العهد إلا وسلط الله عليهم عدوهم ، وما ظهرت عنهم الفاحشة إلا وقد فشا فيهم الموت ، وما شاع فيهم الكذب ، والحكم بغير ما انزل الله إلا وقد فشا فيهم الفقر ، وما منعوا الزكاة الا حبس عنهم القطر ، وما طففوا الكيل الا منعوا النبات ، واخذوا بالسنين»(١) .
وقد يقال : لماذا كانت هذه الذنوب بالخصوص تنزل العقوبة والذنوب كلها من هذه الجهة على حد سواء من ناحية الجرأة على المولى وانتهاك حرمته المقدسة بمخالفته أوامره وعدم إجتناب نواهيه؟
والجواب عن ذلك : بأن هذه الذنوب التي مر ذكرها لو تأملناها رأينا مفاسدها تضر بالمجتمع ، وتنخر بكيانه ، أو لا أقل أن يقال : أنها من حيث المجموع تتفشى تضعضع كيان المجتمع المتطامن ، وتجر أبناءه الى الويلات ، والهبوط في مهاوي الرذيلة.
ان بعض هذه الذنوب يكفي لإِفساد مجتمع بكامله فكيف بمجموعها؟
واي مجتمع يرجى منه الخير ، وأبناؤه ينقضون العهد ليسببوا بذلك عدم التزام بأمورهم التجارية ، والإِجتماعية فتشيع الفوضى بينهم ، ولذلك يسلط الله عليهم عدوهم كما أخبر عن ذلك النبي
__________________
(١) شرح دعاء كميل للسبزواري ٦٣ طبع إيران حجر.
صلى الله عليه وآله وسلم فيما تقدم من الحديث. وهكذا لو ظهرت الفاحشة فيما بينهم. ومن الفاحشة الزنى. ولا نحتاج الى بيان ما للزنى من العواقب الوخيمة فلقد كتب في ذلك الكثير ، وبينوا المضار المترتبة على هذه العملية ، وغيرها من الجرائم المذكورة في الحديث. فليس من المستبعد أن يكون حصول هذه الخصال الرديئة ، وإنتشارها موجباً لنزول البلاء ، وتعجيل العقوبة من باب الوقوف أمام تيار هذه الرذائل ، ومدى ما تخلفه من آثار تستوجب مثل هذا القمع الفوري لما في التأخير من عواقب وخيمة إجتماعية.
وقد أخبر القرآن الكريم عن مثل هذا الاجراء الفوري في بعض القضايا المماثلة بقوله تعالى :
( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) (١)
ولسنا في صدد بيان ما جريات وقائع الآية الكريمة من بيان ما بدله أولئك الذين ظلموا (وهم بنو اسرائيل) من مخالفة ما قيل لهم.
بل غرضنا من الإِستشهاد هو أن أولئك القوم حيث لم يلتزموا بما أمروا به ، وبدلوا ما أريد منهم ، لذلك كان جزاؤهم الفوري هو نزول العذاب عليهم كإجراء معاكس إستدعته المشيئة الإِلهية طبقاً للصالح العام ، والمصلحة الإِجتماعية.
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٥٩).
«اللهم إغفر لي الذنوب التي تغير النعم»
النعم : جمع نعمة ، وهي ما تفضل الله على عبده من الرزق ، والعافية والسلامة ، وما الى ذلك من ألطافه التي منحها للمخلوقين.
ويقول اللغويون : أن نعمة الله ما أعطاه الله العبد مما لا يتمنى غيره أن يعطيه إياه»(١) .
أما الذنوب التي تغير النعم فهي كما جاء عن الإِمام الصادق «عليه السلام» :
«ترك شكر النعم ، الإِفتراء على الله ، والرسول ، قطع صلة الرحم ، تأخير الصلاة عن أوقاتها ، الدياثة ، وترك إغاثة الملهوفين المستغيثين ، وترك إعانة المظلومين»(٢) .
ولماذا لا تغير هذه الذنوب النعم التي من الله بها على عباده فشكر المنعم واجب عقلاً ، ولأن عدم شكره متوعد عليه بنص الآية الكريمة في قوله تعالى :( لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (٣) .
«والكفر بنعمة الله يكون بعدم شكرها أو بإنكار أن الله وهبها ونسبتها الى العلم ، والخبرة ، والكد الشخصي ، والسعي. كأن هذه الطاقات ليست نعمة من نعم الله ، والعذاب الشديد قد يتضمن محق النعمة عيناً بذهابها ، أو سحق آثارها في الشعور فكم من نعمة تكون بذاتها نقمة يشقى بها صاحبها ، وقد يكون عذاباً مؤجلاً الى اجله في
__________________
(١) أقرب الموارد : مادة (نعم).
(٢) شرح دعاء كميل للسبزواري (٦٤).
(٣) سورة إبراهيم : آية (٧).
الدنيا ، أو في الآخرة كما يشاء الله ، ولكنه واقع لأن الكفر بنعمة الله لا يمضي بلا جزاء»(١) .
«وقطع صلة الرحم قال فيها الإِماام أبو جعفر الباقر «عليه السلام» وان اليمين الكاذبة ، وقطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع من أهلها»(٢) .
والبلقع في اللغة : هي الأرض القفر.
وليتصور الإِنسان بيته ، وهو يرفل بالنعم التي انعم الله بها عليه من كل جوانبه ، وإذا به بعد قطع رحمه قفر من كل شيء كما يقول الإِمام «عليه السلام» لذلك نرى الإِمام «عليه السلام» في هذه الجملة يلتمس من ربه أن يغفر له الذنوب التي تمحق النعم لتبقى نعمه تعالى عليه متواصلة ، ولئلا يكون محروماً من فيض لطفه الكريم.
«اللهم إغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء»
ولماذا ، وكيف تحبس هذه الذنوب الدعاء ، وتمنعه من التأثير في الإِجابة مع صدوره من قلب ، ولربما في زمانٍ له حرمته ، أو في مكان له قدسيته ، وبعد كل هذا وذاك فإنه سبحانه قريب ، وقريب ، وفوق كل ذلك يجيب دعوة من دعاه؟
وللإِجابة على هذه التساؤلات نقول :
ان معنى الدعاء هو : المناجاة مع الله ، وهو تعبير عن حالة العبد
__________________
(١) في ظلال القرآن في تفسيره لآية (٧) من سورة إبراهيم.
(٢) جامع السعادات : ٢ / ٢٥٨ / مطبعة النجف.
النفسية ، وما هو عليه من الالتجاء ، والتضرع الى خالقه ليتجاوز عن آثامه وخطاياه ، أو هو في حالة التماس يطلب من ربه ما يريد من توفير نعمة ، أو دفع بلاء ، أو ما شاكل من تمنيات مشروعة. وهو في كل هذه الحالات يتجه الى ربٍ مطلعٍ على خفايا الأمور ، ويعلم ما تنطوي عليه السرائر ـ فإذا فرضنا والحالة هذه ـ أن العبد الداعي يقف بين يدي ربه ، وهو يتسم بخبث السريرة ، وسوء النية ، فأي صفاء يجده في قلبه وهو يدعو بلسانه؟ اليس ذلك مجرد لقلقة لسان ، وصدور الفاظ لا تنبعث عن قلب ملهوف؟
إن الإِمام أبو جعفر الباقر «عليه السلام» يحدثنا ليلفت أنظارنا الى مثل هذه القلوب العفنة فيقول :
«ما من عبد مؤمن الا وفي قلبه نكتة بيضاء ، فإذا أذنب ذنباً خرج في تلك النكتة سوداء ، فإذا تاب ذهب ذلك السواد واذا تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض ، ولم يرجع صاحبه الى خير أبداً ، وهو قول الله تعالى :( بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (١) .
والرين : هو الحجاب الكثيف ، والمراد به هنا : حجاب الذنوب ، والآثام وهذه النكت السوداء في القلب ـ كما يقول عنها الحديث ـ ما هي إلا خلفيات هذه الذنوب ، وما تستوجبه من قساوة القلب ، واذا بها حجب متراكمة تظلم القلب ، وتمنع من وصول النور الإِلهي اليه.
__________________
(١) مجمع البحرين : مادة (رون) وفيه ذكر الحديث ، وقد تعرضت له مصادر الحديث من الصحاح الستة باختلاف لفظي بسيط.
«وخير الدعاء ما صدر عن قلب نقي ، وقلبٍ تقي»(١) .
كما جاء في حديث آخر.
ومع سوء النية ، وخبث السريرة كيف يحافظ الداعي على صدر نقي من كل شائبة ، وقلب تقي سليم من الحواجب المظلمة؟
لذلك نرى أمثال هؤلاء الدعاة هم المعنيون بقول الإِماام أمير المؤمنين «عليه السلام» «ثم تدعون فلا يستجاب»(٢) .
وقبل أن ننتقل من هذه الفقرة لا بد لنا من الإِجابة على ما يرد عليها من الإِشكال التالي :
ان الداعي بهذه الفقرة يطلب من ربه أن يغفر له الذنوب التي تحبس الدعاء ، ومع وجود تلك الذنوب ، وفرض محبوسية الدعاء عن الإِجابة ، فإن الدعاء في هذه الصورة أيضاً يكون محبوساً فلا يؤثر أثره فلماذا اذاً يدعو بها ، ويردد «اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء».
والجواب عن ذلك : أنا سبق وأن بينا بأن هذه الذنوب ليست أسباباً حقيقية لايجاد مسبباتها ، بل هي من باب المقتضي لترتب الأثر عليها فلم يثبت أن وجود سوء النية ، والذي ذكر أنه يحبس الدعاء هو الذي اذا وجد عند الإِنسان حبس دعاءه وأعرض الله عن سماع كل دعوة له ـ بل كما قلنا ـ أن ذلك مقتضي لهذا الأثر ، واذا ثبت ذلك
__________________
(١) أصول الكافي : باب (ان الدعاء سلاح المؤمن) حديث ـ
(٢) نهج البلاغة من وصية له «عليه السلام» للحسن والحسين «عليهما السلام» لما ضربه ابن ملجم (لعنه الله).
فاحتمال ان دعوة الداعي بهذه الفقرة ليست محبوسة قوي لإِحتمال وجود ما يمنع من تأثير ذلك المقتضي لو كان قد صدر منه ذنب من تلك الذنوب كسوء النية ، وخبث السريرة ، والنفاق مع الإِخوان ، وغير ذلك مما جاء في الخبر المتقدم.
«اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء»
والبلاء : هو الغم. أما الذنوب التي تكون سبباً في نزول البلاء وتورث الغم ، والتي يتوسل الداعي ان يغفرها الله له ، فهي كما جاء عن الإِمام زين العابدين «عليه السلام».
«ترك إغاثة الملهوفين ، وترك معاونة المظلوم ، وتضييع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر»(١) .
وفي بعض الأخبار انها سبع : «الشرك باالله ، وقتل النفس التي حرم الله تعالى ، وقذف المحصنة ، وأكل مال اليتيم ظلماً ، والزنا ، والفرار من الزحف ، والسرقة» (٢).
ولا ينافي أن تكون بعض الذنوب تشترك في التأثير فهي ـ مثلاً ـ كما تكون سبباً في نزول النقم ، كذلك تكون سبباً في نزول البلاء. وذلك يعود الى عظم الجرائم حيث تكون مؤثرة بتأثيرين ، أو اكثر تبعاً لما تخلفه من آثار اجتماعية سيئة.
__________________
(١) أسرار العارفين : ٤٢.
(٢) السبزواري في شرح دعاء كميل : ٦٩.
«اللهم اغفر لي الذنوب التي تقطع الرجاء» (١)
والرجاء : هو الأمل. ورجاه يرجوه رجواً أمل به(٢) .
والذنوب التي تقطع الرجاء هي التي عددها الإِمام «عليه السلام» بقوله : «اليأس من روح الله ، والقنوط من رحمة الله ، والثقة بغير الله والتكذيب بوعيد الله».
ان هذه الذنوب بطبيعتها تجل العبد بعيداً عن ربه ، وتقطع ذلك الاتصال النفسي بين العبد ، وخالقه ، وعندها يكون مثل هذا الشخص مصداقاً للآية الكريمة :( وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ) (٣) .
والضلال : ضد الهدى ؛ والمعنى الذي يقصده الداعي بطلب غفران مثل هذه الذنوب هو أن يجنبه الله عنها لئلا يكون ضالاً ، وبعيداً عن ساحة لطفه بإنقطاع رجائه من عفوه ، وكرمه ، فإن القلب المفعم بالإِيمان لا ييأس ، ولا يقنط من رحمته سبحانه معما عظم ذنبه وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
__________________
(١) هذه الفقرة من الدعاء لم توجد في كثير من كتب الدعاء وقد تعرض لها بعض الشراح فأثبتوها في الدعاء ولعلهم اخذوا ذلك من كتاب (المصباح) لتقي الدين ابراهيم بن علي العاملي الكفعمي ، وهو من مصادر كتب الدعاء عند الإِمامية ، وقد تعرضنا لها تبعاً لمن تقدم ليؤتى بها على سبيل الرجاء.
(٢) أقرب الموارد : مادة (رجو).
(٣) سورة الحجر : آية (٥٦).
«والذي لا إله الا هو ما أعطي مؤمن قط خير الدنيا ، والآخرة إلا بحسن ظنه بالله ، ورجائه له ، وحسن خلقه ، والكف عن إغتياب المؤمنين ، والذي لا إله الا هو لا يعذب الله مؤمناً بعد التوبة ، والاستغفار إلا بسوء ظنه بالله ، وتقصيره من رجائه ، وسوء خلقه ، واغتيابه للمؤمنين. والذي لا إله الا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن لأن الله كريم بيده الخيرات يستحي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن الظن به ، ثم يخلف ظنه ، ورجاؤه فاحسنوا بالله الظن ، وارغبوا اليه»(١) .
ومن هذا الحديث يتضح لنا ما للرجاء بالله من الأهمية في حياة العبد ، وبعد انتقاله الى الآخرة ، وعدم القنوط ، واليأس من رحمته الواسعة.
فلا غرو اذا رأينا الإِمام عليه السلام يعلمنا كيف يجب ان يلتمس الداعي من ربه ان يغفر له تلك الذنوب التي تكون السبب في انقطاع العلقة بين المولى وعبده؟ «إن الله يغفر الذنوب جميعاً».
«اللهم اغفر لي كل ذنب أذنبته»
وهكذا يذهب الداعي برجائه الى أقصى حد ويلتفت الى أنه يمثل بين يدي ربٍ كريمٍ جاء في كرمه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يوماً : يا كريم العفو فقال له جبرئيل : أتدري ما تفسير يا كريم العفو؟ هو أنه يعفو عن السيئات برحمته ثم يبدلها حسنات
__________________
(١) أصول الكافي : باب حسن الظن بالله / حديث / ٢.
بكرمه»(١) .
فلماذا إضاً يقتصر الداعي في دعائه على طلب المغفرة لبعض الذنوب كالتي تهتك العصم ، أو كالتي تنزل النقم ، أو التي تحبس الدعاء؟ فهل هو بدعائه ، وطلبه يتوجه الى بشر مثله محدود العواطف ليضيق ذرعاً بما يريد منه؟
لا : ولك أن تكرر النفي الى ما لا نهاية ، فإن الداعي يتوجه بطلبه الى ربٍ عطوف يريد منه أن يتفضل عليه ، فيغفر عليه ، فيغفر له كل ذنب أذنبه ، وكل إثم صدر منه ، وهو ـ في الوقت نفسه ـ لم يذهب بعيداً بهذه الأمنيات ، فعوامل الرجاء تدفعه الى الاستزادة من هذا الفيض ما دامت الآيات الكريمة تبشر المذنبين قائلة :( إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) (٢) .
( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) (٣) .
وتترقى آية أخرى فتتحدى جميع البشر فتقول :
( وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّـهُ ) (٤) .
واذا كان هو مصدر الغفران فقط وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «والذي نفسي بيده الله أرحم بعبده المؤمن من الوالدة الشفيقة بولدها»(٥) .
__________________
(١) جامع السعادات : ١ / ٢٥١ الطبعة الثالثة / مطبعة النجف وهكذا جاء في إحياء العلوم للغزالي : ٤ / ١٢٩ باختلاف بسيط.
(٢) سورة الزمر : آية (٥٣).
(٣) سورة النساء : آية (٤٨).
(٤) سورة آل عمران : آية (١٣٥).
(٥) جامع السعادات : ١ (٢٥١).
إذاً فليذهب بالعبد رجاؤه الى مدارج السمو وليلتمس من ربه ان يغفر له كل ذنب أذنبه ففي رحاب الله يجد ذلك المسكين أمانيه تتحقق فقد ورد في الحديث :
«ان العبد اذا أذنب فاستغفر يقول الله لملائكته أنظروا الى عبدي أذنب ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنوب ، ويأخذ بالذنب إشهدوا اني قد غفرت له»(١) .
«وكل خطيئة أخطأتها»
والخطيئة : هي الذنب المتعمد ، وقيل إنها الذنب أعم من الإِثم لأن الإِثم لا يكون إلا من عمدٍ ، وهي قد تكون لا عن عمد(٢) .
والتناسق الدعائي يقضي أن يكون المراد بها في هذه الجملة هو : المعنى الثاني لأن الروعة الدعائية تظهر على هذا التفسير فإن الداعي بعد أن تدرج في الالتماس يطلب أن يغفر له الذنب الفلاني ، والذنب الموصوف بكذا. بعد كل هذا أضرب ، وجاء يلتمس أن يغفر له كل ذنب أذنبه ، وطبيعي أن الذنب هو الجرم الذي يصدر عن عمدٍ ، ولكنه حيث وجد من عطف ربه ، وكرمه ما شهد له بانه : يغفر الذنوب جميعاً عدا الشرك به فلماذا لا يذهب الى آخر الشوط ، فيلتمس من ربه أن يتجاوز عن كل ما صدر منه ولو كان ذلك عن غير عمدٍ وهو المسمى (بالخطيئة)؟ فهو يريد أن يفتح صفحة جديدة ليعود كيومٍ ولدته أمه خلواً من كل ذنب جرماً كان ذلك الذنب ، أو
__________________
(١) جامع السعادات : ١ / ٢٥١ الطبعة الثالثة.
(٢) أقرب الموارد ، والقاموس ، وغيرهما : مادة (خطأ).
خطيئة ليرى حلاوة الإِجابة تتمثل له بعد أن ورد في الحديث القدسي «إنما خلقت الخلق ليربحوا علي ، ولم أخلقهم لأربح عليهم»(١) .
كلا : وحاشا له أن يساوم عليهم ، ويربح من وراء عبادتهم ، بل هو منبع الحنو والرقة ، يعاملهم بالحسنى ، وان كانت الذنوب قد سودت وجوههم.
ان كان لا يرجوك الا محسن |
فبمن يلوذ ويستجير ـ المجرم |
«اللهم اني اتقرب اليك بذكرك»
والمقصود بالتقرب ، هو القرب المعنوي ، لا المكاني لاستحالة ذلك بالنسبة اليه تعالى لإِستلزام التقرب المكاني الى تحديده بالمكان. وتعالى الله عن ذلك سبحانه.
أما الذكر ، فالمراد منه هو الإِتصال بالله ن طريق استحضار اسمائه ، وصفاته المقدسة في قلب الداعي ، على لسانه.
وبهذه الفقرة من الدعاء يكون الداعي قد ختم دور الإِلحاح والالتماس لطلب المغفرة ليبدأ بدور جديد ، وينزل بروحه الى عالم الحياة ، وهي خفيفة نظيفة ليباشر حياته من جديد وعلى أسس جديدة ، وطريقة جديدة مؤكداً بان ما سبق منه من هذا الطلب ، والإِلتماس لم يكن فقط لمجرد التجاوز عن ذنوبه فلرب داعٍ لم يتقرف في حياته من ذلك شيئاً كالأنبياء والأئمة الاطهار ، والصالحين من البشر ، ومع ذلك فهم يلحون في الدعاء ، ويلتمسون المغفرة ، ويقضون الوقت في المناجاة باكين خاشعين ، بل لبيان أن مع الإِلتماس
__________________
(١) جامع السعادات : ١ (٢٥١).
تقرب ، وفي التقرب تأكيد على الإِتصال الحقيقي به سبحانه وتعالى ، على الصعيدين ، الداخلي والخارجي.
الداخلي : حيث يتمثل بما ينطوي عليه القلب من استحضار الله ، وعدم الغفلة عنه.
أما الخارجي : فبأداء كل ما أمر به تعالى ، والاجتناب عما نهى عنه.
وبذلك نرجع الى الدعاء ليعلمنا بأننا يجب ان نعتمد : في الطريقة الجديدة للحياة التي يرضاها لنا الله أن نكون قريبين منه بذكره المتواصل في كل لحظة ، وفي كل عمل نقوم به من أعمالنا ونراقبه في السراء ، والضراء ، وفي كل صغيرة ، وكبيرة ، وبذلك نضمن قربنا منه ، وبعدنا عن الذنوب.
وقد اعطى القرآن الكريم صورة حية لأولئك المقربين منه بقوله تعالى :( رجال لا تلهيهم تجارة أو بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ) (١) . قلوب حية عطرة منطوية على حب الله ، والقرب منه.
وألنسة رطبة بذكره جلّت قدرته تسبحه ، وتقدسه ، وتذكر نعماءه ، وآلاءه بحيث لا تلهيهم الدنيا بما فيها من تجارة ، وربح وحصول المال ، وما يستتبع ذلك من سعة في الملاذ الدنيوية.
«وأستشفع بك الى نفسك»
والداعي بشر ومهما كان فان من الغرائز البشرية الخوف. أما
الشجاعة واللامبالاة ، فانهما عارضان عليه نتيجة تطبعه ، وإقدامه. واستجابة لنداء الغريزة المذكورة نرى الداعي مهما كررت الآيات الكريمة تنبيء عن غفران الله ، وعفوه ، وأنه يغفر الذنوب جميعاً ، ومع الآيات التي تؤكد على عدم اليأس من روح الله ، ورحمته نقول : مع كل ذلك فهو يستعظم جرمه ، ويستكبر ذنبه ، ويخشى أن لا يستجيب الله لصارخ ندائاته المتعاقبة.
لذلك ، وبدافع من طبيعة الخائف النفسية يبدأ بالبحث عن الشفيع الذي يجعله الواسطة بينه ، وبين ربه. والشفاعة أمر يستسيغه ، ويقويه العرف لتأمين ما يتطلبه الإِنسان من قضاء حوائجه.
ولكن : يا ترى من هو ذلك الشفيع الذي يقبله الله ليتشفع في أمر عبده الخائف؟
ان عظم الذنب يتجسم أمام الداعي ، فيصور له رفض كل شفيع في حقه مهما كانت منزلته ، ومهما كانت رحمة الله واسعة.
وتبدد حيرة الداعي بقية أملٍ تلوح له باللجوء الى مصدر الخوف وهو الله سبحانه ، فهو الخصم ، وهو ـ في الوقت نفسه ـ الحكم ، وهو الأول ، والآخر.
ويأتي التعبير متناسقاً عند ما نرى الداعي يتضرع وهو يقول :
«واستشفع بك الى نفسك»
وكما كان الإِمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام يناجي ربه وهو يقول : «وانا يا سيدي عائذ بفضلك هارب منك اليك»(١) . وحري بالله جلّت عظمته أن لا يرد عن ساحة لطفه عبداً
__________________
(١) من دعاء الامام «عليه السلام» المروي عن أبي حمزة الثمالي.
التجأ اليه تائباً.
إلهي كيف تطرد مسكيناً التجأ اليك من الذنوب هارباً؟
أم كيف تخيب مسترشداً قصد الى جنابك ساعياً؟
ام كيف ترد ضمآناً ورد الى حياضك شارباً؟
كلا وحياضك مترعة في ظنك المحول ، وبابك مفتوح للطلب والوغول ، وأنت غاية المسؤول ، ونهاية المأمول(١) .
«واسئلك بجودك»
الجود : بمعنى السخاء ، وهو بمعنى الكرم ، وقيل : الجواد الذي لا يبخل بعطائه ، وهو من أسماء الله(٢) .
والقسم جاء في هذه الفقرة بصفة محببة للمسؤول وهو الله فإنه يحب الكرم ، ويثيب عليه ، والمورد يستدعي ذلك فإن الداعي يريد من الله ، ويطلب منه. ولا بد ، والحالة هذه من التضرع اليه بما عرف به من الجود ، والسخاء.
«أن تدنيني من قربك»
وترتبط هذه الفقرة من الدعاء بالفقرة السابقة من الدعاء من قوله :
«اللهم اني اتقرب اليك بذكرك»
فالقرب من الله حقيقة تتوقف على جهتين :
__________________
(١) فقرات من دعاء الصباح الذي كان يدعو به الامام علي بن أبي طالب «عليه السلام».
(٢) مجمع البحرين : مادة (جود).
احداهما : تتعلق بالعبد.
والاخرى : تتعلق بالله عز وجل.
اما ما يخص العبد ، فإنه يقوم بما هو عليه من التقرب الى ربه بذكره ، والإِنشغال بمناجاته ، وتصفية قلبه ، واستحضار صفاته ، والقسم بها عليه ، والتخلق بالاخلاق الحسنة ، والإِتيان بكل أوامره والانتهاء عن نواهيه. يرجو بذكرك ان يمن الله عليه بالفيض القربى من ساحته المقدسة.
ولكن ذلك ليس بكافٍ ، بل لا بد من حصول الجهة الثانية وهي ما يتعلق بالمولى من الاستجابة من قبله ، وتحقيق ما يأمله الداعي من هذا العطف. وهذا لا يكون إلا من ناحيته عز وجل ، وتفضله على عبده بشرف القبول ، والتقرب اليه.
وإذاً فالفقرات الدعائية تكشف عن هاتين الجهتين.
وفالعبد بدوره يقوم بما يؤهله الى التقرب من الله تعالى ، ولكنه : ـ في الوقت نفسه ـ يلتمس من الله ، وهو الجواد الذي لا يبخل بالعطاء : ان لا يخيب آمال هذا العبد المتضرع اليه بان يقبل منه هذا القليل فيستجيب له بالدنو منه.
ومن كان بكنف الله ، وجواره ، فهو آمن.
ومن حل في رحابه ، فهو مطمئن.
«وان توزعني شكرك»
الايزاع : هو الإِلهام. وأستوزعت الله شكره ، فأوزعني أي :
إستلهمته فالهمني(١) .
وكما سبق من التضرع يلاحق الداعي ربه ، فيستلهم منه الشكر بعد فرض تفضل الله عليه في شمول عطفه بجعله في عداد المقربين اليه. فهو عاجز عن اداء الشكر بإعتباره بشراً ، ومهما أوتي من العقل والفطنة ، والبيان فلسانه أقصر عن شكر ربه ، وحمده على نعمةٍ من نعمه فكيف بنعمة التقرب منه ، وقبوله؟
فهو اذاً يلتمس من الخالق ان يضيف الى نعمه ، وأياديه عليه نعمة الشكر شكراً يليق به ، وحمداً كما هو أهله.
«وأن تلهمني ذكرك»
وعلى غرار ما سبق من توجه العبد الى الله في أن يلهمه الشكر اللائق به بقوله :( وأن توزعني شكرك ) يعود الداعي في هذه الفقرة ليلتمس من ربه أن يلهمه ذكره. وقد سبق أن بينا أن المراد من ذكر الله هو الإتصال به عن طريق استحضار صفاته ، وأسمائه في قلب الداعي ، وعلى لسانه. ولكن الداعي لا يجد في نفسه القدرة على مثل ذلك لأن ما يفعله العبد إنما هو بوحي من قواه المحدودة في التصوير شكراً وذكراً ، لذلك نرى الإِمام عليه السلام يوجه الداعي في هذه الفقرة ، وما سبقها من الفقرات الدعائية الى اللجوء لله نفسه ليكون هو مصدر الإِشعاع في إلهامه كيفية شكره ، وذكره بما يتناسب ، وعظمته الإِلهية.
وقد تكرر مثل هذا الالتماس في كثير من الأدعية ، والمناجاة التي
__________________
(١) مختار الصحاح للرازي : مادة (وزع).
كانت تتردد على لسان أئمة أهل البيت عليهم السلام.
ولنستمع الى الإِمام زين العابدين علي بن الحسين «عليه السلام» يتضرع الى ربه قائلاً :
«اللهم الهمنا طاعتك ، وجنبنا معصيتك ، ويسر لنا بلوغ ما نتمنى من ابتغاء مرضاتك».
إن الإِمام في طلبه هذا لا يرى في نفسه ـ وهو زين العابدين ، وسيد الساجدين ـ القدرة على اداء الطاعة على النحو الذي يتناسب ويليق بمكانته سبحانه ، وتعالى.
لذلك يلجأ ضارعاً الى ربه يلتمس منه أن يلهمه كيفية طاعته اللائقة به وان يضفي عليه نعمة جديدة ، ويداً أخرى من أياديه ، وهي أن يجنبه معاصيه ، ويمهد له الطريق ليلوغ أمانيه من ابتغاء رضوانه فهو عاجز عن القيام بمثل هذا الدور من العبادة ، والإِنقياد.
٣ ـ «اَللّهُمَّ اِنّي أَسْأَلُكَ سُؤالَ خاضِع ، مُتَذَلِّل خاشِع اَنْ تُسامِحَني ، وَتَرْحَمَني ، وَتَجْعَلَني بِقِسْمِكَ راضِياً قانِعاً ، وَفي جَميعِ الْاَحْوالِ مُتَواضِعاً. اَللّهُمَّ ، وَأَسْأَلُكَ سُؤالَ مَنِ اشْتَدَّتْ فاقَتُهُ ، وَاَنْزَلَ بِكَ عِنْدَ الشَّدائِدِ حاجَتَهُ ، وَعَظُمَ فيما عِنْدَكَ رَغْبَتُهُ».
يشتمل هذا المقطع من الدعاء على بيان حقيقتين :
١ ـ توجيه الداعي بما ينبغي أن يكون عليه نفسياً عند التوجه الى الله في دعائه وكيفية مناجاته لربه.
٢ ـ الالتماس منه تعالى بجعله راضياً بما قسمه له في هذه الحياة من رزق مادي ، وغيره مما يشتمل على كل ما قسمه الله لعبده في دنياه من صحة ، أو سقم ، أو ابتلاء ، فإن في ذلك كمال الراحة له حيث لا يلتفت الى ما يتمتع به الآخرون بأمور يفقدها هو فلا تفسد عليه حياته ليعيش في دوامة من التطلع الى ما يكمل له النقص ، ويسد الفراغ.
«اللهم وأسألك سؤال خاضع متذللٍ خاشع»
صفات تنم عن حالة الداعي عند مناجاته لربه ، وكلها تنم عن تطامنه وخضوعه ، وعدم الإِستعلاء في الحديث. والمعنى :
إلهي ، وأسألك سؤال عبدٍ ذليل هانت عليه نفسه عند المثول بين يديك ، وخشع صوته عند مناجاته لك ، وغض بصره ، وهو يتحدث إليك فقد جاء أن الخضوع في البدن ، والخشوع في الصوت ، والبصر(١) .
«أن تسامحني وترحمني»
والمسامحة : هي التساهل(٢) وبذلك يلتمس الداعي من ربه أن يتساهل معه عند الحساب ، وأن لا يطبق عليه ما تستوجبه أعماله فيأخذه بالشدة. والإِنسان مجموعة من لحمٍ ، ودمٍ ، وعظم وعصب لا يقوى على شيء تؤذيه البقة ، وتدميه الوخزة فكيف يحتمل عذاب الآخرة؟
__________________
(١ ـ ٢) القاموس المحيط ، وأقرب الموارد : مادة (خشع ، وخضع ، وسامح).
«وتجعلني بقسم راضياً»
والمعاش أمر يتطلع اليه كل فرد في هذا الوجود له ، ولمن يعول به فهو يعمل ، ويجهد نفسه لا يكف دائباً في سبيل الحصول على ما يسد به جوفه. وما دام يتطلع فهو دائماً في نهم مستمر يطلب المزيد ، ولا يرضى بالقليل. ومن كانت هذه حالته ، فهو مسلوب الراحة يحشد طاقاته لتأمين كافة احتياجاته الحياتية. يضاف الى ذلك عامل التعاون في الرزق فان مشيئة الله في خلقه لم تقتض ان يتساوى الكل من حيث المعاش ، بل لا بد من التفاوت ، والتفضيل.
( وَاللَّـهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ) (١)
وهذه حقيقة ثابتة لها أسبابها الخاصة. ولسنا في صدد بيان وبحث الأسباب الموجبة لهذا التفضيل ، ومناقشة ما يرد على ذلك من الشبهات ، فإن القرآن الكريم قد تصدى لبيان بعض الدواعي لذلك في الآية الكريمة :( لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ) بعد قوله :( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ) (٢) .
فلهذا التسخير حكمته ، وآثاره في صلاح ، وضبط أفراد المجتمع لا مجال لنا للخوض فيه. فليس في منع الله عبث ، بل هو نظام كوني دقيق يسير وفقاً لمصالح يعود نفعها الى البشر في جميع الأدوار ، والمراحل التي يمر بها الإِنسان من حين ولادته الى أن يودع هذه الدنيا ،
__________________
(١) سورة النحل : آية (٧١).
(٢) سورة الزخرف : آية (٣٢).
وهكذا مروراً بكل المراحل الزمنية الى أن يختار الله لهذا العالم نهايته. وهذا كله ، وان قبل النقاش ، والجدل ولكن المهم الذي لا يقبل النقاش ، وأي جدل هو وجود التفضيل في الرزق. فليس بالإِمكان العقور على أمة يتساوى أفرادها من حيث المعاش ، والرزق : رؤساء ، ومرؤسين. عمال ، وأصحاب عمل وهكذا بقية أصناف البشر.
واذا كان التفاوت من الحقائق الثابتة ، فالفرد بطبيته في هذه الحياة يبقى يتطلع الى ما فضل به الغير ليحصل على مثل ذلك أو يزيد. وهذا معناه سلب استقراره ، وعدم تطامنه الى حالة من الإِتسراحة النفسية. لذلك نرى الدعاء يوجه الداعي الى التضرع الى خالقه وهو مصدر الرزق في ان يلهمه الرضا بما قسمه له من رزق في المال ، أو في البدن من صحة ، وعافية ، وهدوء واستقرار. فكل ذلك رزق من الله لعباده.
«قانعاً»
ومع الرضا القناعة وهي كما يقول الفراء : «القانع الذي يسألك فما أعطيته قبله»(١) .
وقيل : القانع الذي يقنع بالقليل ، ولا يسخط ، ولا يكلح(٢) .
والقناعة : هي تجسيد الصلة بين العبد وربه ، حيث يثق بما قسمه الله له ، وليجد من نفسه أنه أعلى من الإِنهماك في البهرجة
__________________
(١) مختار الصحاح : مادة (قنع).
(٢) مجمع البحرين : مادة (قنع).
والثراء الذي يبعده عن المثل القيمة.
إن القناعة هي التي يحدد القرآن الكريم مفهومها بقوله تعالى :
( وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (١) .
أي لا تتطلع الى ما في أيدي الناس من نعمٍ ربما كانت وبالاً عليهم( إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ) (٢) .
ومن يدري أن ذلك الذي حصلوا عليه كان في صلاحهم؟ فالتطلع ، وانهاك النفس بالعمل على تحصيل مثل ما عند الغير ، أو التحرق على فقدانه لما منحه الله لآخرين معناه سلب الراحة ، وعدم الإِستقرار ، والعيش في دوامة من العمل المتواصل للوصول الى إكمال النقص.
على أن هذا الإِكمال المنشود لا يحصل لأن التفاوت بين الأفراد فيما يمنحه الله لهم لا يحقق لمثل هذا الفرد مطامحه من الوصول الى ما عند الغير. فغير القانع مهما سعى ، فإنه يجد من هو امكن منه ، وحينئذٍ يبقى يبذل من الجهد مالا يحقق له الوصول ، وعلى فرض حصوله على ما ينشده من الأمور المادية فكيف الحال فيما لا يرجع الى المادة مما يتطلع اليه في هذه الحياة من الولد ، والعلم ، والشفاء من الأمراض وغير هذا وذاك ، من أمور المركزية المرموقة ، والوصول الى الرتب العالية؟
__________________
(١) سورة طه : آية (١٣١).
(٢) سورة آل عمران : آية (١٧٨).
كل هذا يجعل منه دوامة من التفكير المتواصل ، ومرتعاً خصباً للآلام النفسية لأن التبرم ، والتشكي ، والشعور بالنقص لا يزيد الإِنسان الا عقداً ، وتعقيداً لذلك يعلمنا الإِمام عليه السلام في هذه الفقرة من الدعاء أن نتحلى بالصبر ، والقبول ، وحتى لا يعكس هذا الشعور بالنقص ، وعدم الرضا بما هو مقسوم تأثيره السيء على تصرفاتنا وتعاملنا مع الناس ، والمجتمع.
إن القانع الذي يسير على الخط الذي رسمه الله ليعمل جاهداً ولكن بدون ملاحقة الآخرين ليجد في هذا النوع من التطامن اللذة النفسية ولهذا يوصف القانع بأنه : غني ، وإن جاع ، وعري.
فالقضية ليست قضية ما يسد البطن ، وما يكسو البدن فقط ، بل المأكل ، والمشرب ، والملبس ، وهو ـ في الوقت نفسه ـ مستريح وان فقد المال ـ( وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ) (١) .
وهذا إخبار من الله ، وضمان منه لعبده بأن ما قسمه الله من الرزق أبقى وأنمى ، وفيه البركة.
على أنه ليس المقصود من الرزق في الآية الكريمة هو المال فقط ، بل كل ما لدى الإِنسان من نعم كل ذلك رزق من الله. فالولد الصالح رزق ، والزوجة الصالحة رزق ، ، والمظهر الجميل رزق ، والمنزلة الاجتماعية رزق ، والعقل ، والصحة ، وحسن العاقبة كل ذلك رزق
__________________
(١) سورة طه : آية (١٣١).
من الله لعبده.
فالمال ليس هو الهدف الوحيد في هذه الحياة إنما هو مع البنين يشكل كوكبة مشرقة يصفها الله بانها «زينةِ الحياة الدنيا» ولكن هذه الشعلة المضيئة ليست هي الهدف الذي من أجله جاء الإِنسان الى هذا الوجود إنما الهدف هو رضا الله سبحانه ، وان يكون الفرد إنساناً كاملاً يؤدي رسالته الإِنسانية في هذه الحياة.
فلماذا الهلع والجشع ، والركض وراء المال ، والقرآن الكريم يقول :( وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) (١) .
ولماذا تكون رحمته مفضلة على ما يجمعه الإِنسان من المال في دنياه.
والجواب : أن المال يجمعه البر والفاجر ، والرفيع ، والوضيع. ولكن رحمة الله يختص بها من يشاء من عباده ، ولم يخص بها من لم يرض ولم يقنع بما قسمه الله له.
( وَاللَّـهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (٢) .
«وفي جميع الأحوال متواضعاً»
والتواضع : هو التذلل ، والتخاشع ، وضد التكبر.
إن الإِنسان في حياته اليومية ، وإحتكاكه المستمر بالناس على
__________________
(١) سورة الزخرف : آية (٣٢).
(٢) سورة البقرة : آية (١٠٥).
مختلف طباعهم ، ومشاربهم لا بد وأن يتأثر بهم ، إيجاباً أو سلباً أو يؤثر فيهم كذلك.
ومن الطبيعي أن يكون هذا التعامل الدائم على طول الخط الحياتي موجباً لتغير الإِنسان من حالة الى أخرى ، وبالاخير يكون ذلك مؤثراً على طباعه ، وسلوكه مع الناس.
ولهذا نرى الدعاء في هذه الفقرة يرجعه مرة أخرى الى وضعه الطبيعي ، ويذكره بأن يبقى متواضعاً إذا وصل الى المنزلة الرفيعة في الوسط الاجتماعي ، أو حصل على ثروة مالية ، وما الى ذلك من المنح التي يحصل عليها الإِنسان في حياته ، وأن لا ينسى الأحوال الأخرى التي يمر بها الآخرون ، أو الأحوال التي مرت عليه قبل هذا الحال.
وبذلك يبصره وينبهه بشكل غير مباشر أن على الإِنسان أن يكون محافظاً في السير على الخط المستقيم ، والسلوك المناسب ، وأن لا يأخذه الغرور بهذه الأحوال التي تمر عليه ، فلا ينسى التواضع مهما وصلت اليه حالته من العظمة ، والجاه.
على ان التواضع حسن في نفسه ، وله آثاره الايجابية في تزكية النفس ، وتحبيبها الى الآخرين وهو ـ في الوقت نفسه ـ تارة : يكون لله عز وجل.
وأخرى : يكون للناس.
وفي الحالة الأولى يكون سبباً للقرب منه تعالى ففي الحديث عن الإِمام أبي عبد الله الصادق «عليه السلام» أن الله أوحى لنبيه داود «عليه السلام» «يا داود كما أن أقرب الناس من الله المتواضعين
كذلك أبعد الناس المتكبرين»(١) .
وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «وان التواضع يزيد صاحبه رفعة فتواضعوا يرحمكم الله»(٢) .
أما في الحالة الثانية : وهي التواضع للناس ، فإنه يكون سبباً للمحبة وجلب الناس ، وكسب عواطفهم. والإِنسان مدني بالطبع لا ينفك عن الإِجتماع ، ومعاشرة الآخرين لذلك يكون التواضع من العوامل التي تقرب الفرد الى الآخرين ، وتحببه الى نفوسهم. ومن جراء ذلك تكون كلمته مقبولة عندهم ، ويكون لرأيه التأثير فيهم. وبهذا يتمكن المتواضع أن يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويؤدي رسالته التي يتوخى من ورائها ارشاد الآخرين ، وحملهم على الطريقة المثلى. إن السيطرة على القلوب لا تحصل الا من طريق التواضع لأن المتواضع تتطامن له النفوس ، ولهذا نرى الآية الكريمة تخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلة :( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (٣) .
ويبقى علينا أن نتسائل عن حد التواضع ، والمقدار الذي ينبغي لكل شخص ان يتحلى به؟ ونجد الإِجابة في الحديث الوارد عن الإِمام الرضا عليه السلام عندما سأله السائل بقوله :
«ما حد التواضع الذي اذا فعله العبد كان متواضعاً»؟
فأجابه «عليه السلام» بقوله : «التواضع درجات : منها أن
__________________
(١ ـ ٢) باب التواضع من كتاب الايمان من أصول الكافي : حديث (١١ و ١).
(٣) الشعراء : آية (٢١٥).
يعرف المرء قدر نفسه ، فينزلها منزلتها بقلب سليم. لا يحب أن يأتي الى أحد الا مثل ما يؤتى اليه. إن رأى سيئة درها بالحسنة ، كاظم الغيظ ، عافٍ عن الناس. والله يحب المحسنين»(١) .
صفة قيّمة تزرع الحب في القلوب وتعظم من يتحلى بها لذلك نرى الدعاء في هذه الفقرة التي نبحثها من قول الإِمام «عليه السلام» «وفي جميع الأحوال متواضعاً» يوجه الداعي الى التضرع الى الله في تكريمه بهذه الصفة ، ويجعله في جميع الأحوال متحلياً بها ليرضي ربه وينفذ ـ في نفس الوقت ـ الى قلوب المخلوقين عزيزاً عليهم مهاباً في أعينهم.
«اللهم وأسألك سؤال من إشتدت فاقته»
هذه الفقرة من الدعاء ترتبط بالفقرتين إرتباطاً وثيقاً كما انها منشدة الى ما سبق من الجمل التي مرت من بيان صفة الداعي ، وحالته النفسية عند سؤاله من ربه أن يسامحه ويرحمه ويجعله بقسمه راضياً.
واذا عرفنا أن الفاقة هي الفقر ، والحاجة ، اتضح لنا المراد من هذه الجملة التي نبحث عنها من السؤال كسؤال من إشتدت فاقته فان الداعي يبين لربه بأن حالته ، وهو يسأله كحال من بلغ من وصلت به الحال الى درجة الشدة.
«وانزل بك عند الشدائد حاجته»
__________________
(١) أصول الكافي : باب التواضع / حديث / ١٤.
والشدة : من مكاره الدهر جمعها شدائد(١) .
وبهذه الفقرة من الدعاء يناجي الداعي ربه ليعلن بأنه توجه اليه بحاجته عند نزول مكاره الدهر به «وانزل بك» إنما هو لقصر الأمر به تعالى لا بغيره ، وبذلك يسجل الداعي على نفسه عدم الاتجاه الى غير الله لأنه هو الملجأ الذي يلجأ اليه المحتاجون.
«يا من كل هارب اليه يلتجيء ، وكل طالب إياه يرتجي يا خير مرجو ، ويا اكرم مدعو»(٢) .
«وعظم فيما عندك رغبته»
وبعد أن بين الداعي قصر حاجته في سؤالها على مولاه عطف على ذلك هذه الفقرة والمعنى : أسألك سؤال من اشتدت فاقته وعظم فيما عندك من حل المشاكل ، وقضاء الحوائج رغبته.
٤ ـ اَللّـهُمَّ عَظُمَ سُلْطانُكَ ، وَعَلا مَكانُكَ ، وَخَفِي مَكْرُكَ ، وَظَهَرَ اَمْرُكَ ، وَغَلَبَ قَهْرُكَ ، وَجَرَتْ قُدْرَتُكَ ، وَلا يُمْكِنُ الْفِرارُ مِنْ حُكُومَتِكَ.
بهذا المقطع يكون الداعي قد انتهى من التماساته ، وطلباته لغفران ذنوبه ، وجعله بقسمه راضياً قانعاً ، وبدأ ينحو نحواً آخر من المناجاة يعظم فيها الداعي ربه ، ويبين صفاته المختصة به والتي توحي
__________________
(١) أقرب الموارد : مادة (شرد).
(٢) من دعاء الامام زين العابدين علي بن الحسين «عليه السلام» في مناجات الراجين. لاحظ الصحيفة السجادية / مناجاة الراجين.
بعظمته ، وقدرته إعترافاً منه بالعبودية لرب عظم سلطانه ، وعلا مكانه ، وخفي مكره الى بقية ما جاء على لسان الداعي في هذا المقطع من الدعاء.
«اللهم عظم سلطانك»
ومن أعظم سلطاناً منه جلت عظمته؟ فهو خالق كل شيء ، وله كل شيء ، وبيده كل شيء.
( قُلِ اللَّـهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (١) .
مالك الملك يؤتي الملك لمن يشاء ، وينزعه عمن يشاء ، ويعز ، ويذل من يشاء ، وبيده الخير ، وبعد كل هذا هو قادر على كل شيء. فمن أعظم من ربٍ هذه صفاته ، وهذه قدرته؟
وقد تضمنت الآية الكريمة قدرة الله على الصعيدين البشري ، والكوني بما في الكون من موجودات ، فالأول يتمثل بالفقرات : «مالك الملك» وما عطف عليها والثاني بقوله : «إنك على كل شيء قدير».
ويحق للداعي ان يتجه الى ربٍ : عظم سلطانه.
«وعلا مكانك»
وليس من العلو الحقيقي المقصود به الفوقية لأن ذلك محال لأنه
__________________
(١) سورة آل عمران : آية (٢٦).
يكون محصوراً في جهة خاصة ، بل العلو هنا المعنوي ، وهو الذي تشير اليه الآية الكريمة في قوله تعالى :
( وَلِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا ) (١) .
فالعلو بلسان الدعاء هو : الإِحاطة الذي صرحت به الآية الكريمة فله ما في السماوات ، وما في الأرض ، وهو بكل شيء محيط ، ومهيمن عليه ، ولذلك علا مكانه فلا شيء أعلى منه ، وهو في الوقت الذي هذا علوه ، وعظم مكانته نراه قريباً من عباده حتى قيل : انه أقرب الى الإِنسان من حبل الوريد.
تلك احاطته ، وعلوه.
وهذا حنوه ، وقربه.
«وخفي مكرك»
المكر : في اللغة الخديعة ، وقال الليث هو : احتيال في خفية وقيل : المكر صرف الإِنسان عن مقصده بحيلة ، وهو نوعان : محمود يقصد فيه الخير ، ومذموم يقصد فيه الشر(٢) .
ولكن كيف يتصور الإِحتيال ، والخداع بالنسبة الى الله تعالى مع ان القرآن الكريم ـ وكما في هذه الفقرة من الدعاء ـ جاء المكر منسوباً اليه عز وجل قال تعالى :
__________________
(١) سورة النساء : آية (١٢٦).
(٢) لسان العرب : مادة (مكر).
( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّـهُ وَاللَّـهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (١) .
ولهذا نرى أهل اللغة ، والمفسرين ينزهون ذاته المقدسة عن هذه الصفة غير اللائقة به.
فعن الليث : «قال أهل العلم بالتأويل : المكر من الله تعالى جزاء. سمي بإسم مكر المجازي كما قال تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها فالثانية ليست بسيئة في الحقيقة ، ولكنها سميت سيئة لأزدواج الكلام(٢) .
أما الراغب الإِصفهاني فقد قال : «مكر الله إمهاله العبد ، وتمكينه من اعراض الدنيا ، ولذلك قال أمير المؤمنين (رض) : من وسع عليه دنياه ، ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن عقله(٣) .
أما ابن الأثير فقد قال : «مكر الله إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه»(٤) .
وبذلك يظهر المعنى من هذه الفقرة من خفاء مكر الله سبحانه حيث يعترف العبد بمنة الله عليه إذ لم يقابله بالمجازاة على ما فعله في هذه الدنيا سراً منه عليه مع أنه مستحق للمجازات ، وايقاع البلاء عليه.
__________________
(١) سورة آل عمران : آية (٥٤).
(٢) لسان العرب : مادة (مكر).
(٣) المفردات في غريب القرآن : مادة (مكر).
(٤) النهاية في غريب الحديث : مادة (مكر).
«وظهر أمرك»
يذكر أهل اللغة كلمة ظهر (بالفتح) معنيين :
أحدهما : أنها بمعنى تبين ، فالظهور به والشيء الخفي.
وثانيها : أنها بمعنى القوة والغلبة ، يقال : ظهرت عليه أي قويت عليه ، ويقال : ظهرت على الرجل غلبته(١) .
وفي شرح هذه الفقرة من الدعاء (وظهر أمرك) ربما قال : أن المراد بها المعنى الأول ، وهو : التبين. فالداعي بعد أن خاطب ربه بأنه مع كل نعمك عليَّ يا رب ، فقد خفي مكرك وهو مجازاتك لي على جرائمي ، وذنوبي قال بعد ذلك «وظهر أمرك».
ومعناه : أن هذا الستر الذي أرخيته علي لا عن عجز منك عن المجازاة ، بل ذلك بعد أن ظهر أمرك ، وهو أنك إذا أردت شيئاً فلا يتخلف المراد عن ارادتك ، فكان ذلك ستراً من قادر ظاهر أمره لكل أحد لا من عاجز غير قادر ، وربما يقال : أن المراد بهذه الفقرة المعنى اللغوي الثاني ، وهو الغلبة ، ومنه قوله تعالى :
( فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ) (٢) .
أي غالبين. والمعنى أن أمرك وحكمك غالب ، ونافذ لا راد لحكمك ولا ناقض لأمرك ، ولا سيما الحكم ، والأمر التكوينيان(٣) .
__________________
(١) لسان الرعب : مادة (ظهر).
(٢) سورة الصف : آية (١٤).
(٣) أسرار العارفين (٥٤).
وبين هذين القولين : نرى الأنسب بسياق الدعاء ، وتدرج الفقرات الدعائية هو المعنى الأول. ذلك لان المعنى الثاني ـ كما عرفت ـ يعطي أن أمرك قد غلب بينما تأتي الفقرة الثانية الآتية والدعاء فيها «وغلب قهرك» ويكون المعنى في الفقرتين متقارباً باعتبار الغلبة فيهما. ولكن على المعنى الأول يكون المعنى متغايراً ، وحينئذٍ تتكفل كل فقرة معنى جديداً ، وعلى ما هو معروف من القاعدة الأصولية القائلة : بانه مهما امكن التأسيس لا يجوز العدول عنه الى التأكيد.
على أن التقابل بين خفاء المكر ، وتبين الأمر يؤيد ما نذهب اليه من وجود مسحة من الروعة في الإِنتقال من خفاء الى بيان.
وعلى العكس : لو كان الظهور بمعنى الغلبة ، فإن تلك النبرة تنعدم عندما نقابل الخفاء بالغلبة.
«وغلب قهرك»
والقهر : هو الغلبة ، والأخذ من فوق. قال الأزهري : والله القاهر القهار قهو خلقه بسطانه ، وقدرته ، وصرفهم على ما أراد طوعاً ، وكرهاً(١) . ومن هذا يظهر معنى هذه الفقرة من الدعاء حيث دلت على أن قهره للأشياء ، وتغلبه عليها ثبت له جلت عظمته.
«وجرت قدرتك»
ويبين لنا الإِمام «عليه السلام» في هذه الفقرة من الدعاء ان قدرته تعالى ليست هي صفة محضة له ، بل قد أعملها في الممكنات
__________________
(١) لسان العرب : مادة (ظهر).
لأنه أحيا ، وأمات ، ورزق ، وشافى ، واتقن كل شيء خلقه. فهذه الأرض بما تشتمل عليه من اجزاء صغيرة ، وكبيرة ، وعناصر تسير بدقة مضبوطة بطبقاتها المتعددة ، ومياهها ، وسهولها ، وجبالها ، وهكذا السماوات بما فيها من اجرام ، وكواكب كلها تخضع لنظم خاصة بها بحيث لا يتخلف شيء من ذلك عما رسم له ، ولو شاء أن يحصل أي خلل في هذه المساواة لحصلت كوارث لا يعلم تأثيرها إلَّا الله. كل ذلك على إعمال قدرته لا مجرد ثبوت هذه الصفة له.
«ولا يمكن الفرار من حكومتك»
وبعد بيان هذه الصفات ، واثبات هذه العظمة ، والقدرة المطلقة يعقب الداعي كل ذلك بهذه النتيجة التي لا مفر منها ، وهي استسلامه لمولاه لأنه لا يمكن الفرار من حكومة ربٍ هذه صفاته.
والى اين يفر العبد؟ والأرض والسماء وما فيهن ، وما بينهن كل ذلك مملكته ، وتحت قبضته.
( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ) (١) :
ان البروج المشيدة انما تحمي الإِنسان من إنسان مثله ، ومن بعض التقلبات الجوية كالحر ، والبرد ، وما شاكل. أما الموت فلا يقف في طريق برج ، أو جبل ، ولا يمنعه أي حاجز.
«كل نفس ذائقة الموت»
وهذه حقيقة يدركها الداعي ، ولذلك يعترف بها فلا مفر من
__________________
(١) سورة النساء : آية (٧٨).
حكومته وقد نقل عن الإِمام الحسين «عليه السلام» أنه جاءه رجل عاصٍ لربه فقال له : أنا رجل عاصٍ ، ولا أصبر عن المعصية ، فعظني بموعظة.
فقال «عليه السلام» : إفعل خمسة اشياء ، واذنب ما شئت.
فأول ذلك : لا تأكل من رزق الله ، وأذنب ما شئت.
والثاني : اخرج من ولاية الله ، واذنب ما شئت.
والثالث : اطلب موضعاً لا يراك الله ، واذنب ما شئت.
والرابع : اذا جاءك ملك الموت لقبض روحك ، فإدفعه عن نفسك وأذنب ما شئت.
والخامس : اذا أدخلك مالك في النار فلا تدخل ، واذنب ما شئت»(١) .
ولا يهمنا كثيراً أن نحقق عن سند هذه المحاورة وهل انها صحيحة وصدرت من الإِمام الحسين «عليه السلام» أم لا؟ بل يهمنا أنها محاورة دقيقة ، وان كان مصدرها غير الإِمام. فهي تحمل بين طياتها ما نتوخاه من توضيح هذه الفقرة الدعائية من قوله :( ولا يمكن الفرار من حكومتك ) .
ان هذه المحارة تجسد لنا ضعف الإِنسان أمام خالقه ، ومحكوميته ، وخضوعه له فهو لا يستغني عن رزقه ، وهو عاجز عن الخروج من ولايته ، وهو في كل آنٍ من الآنات يراه الله ويطلع عليه ،
__________________
(١) لاحظ شرح دعاء كميل للسبزواري : ص (٩٩ ـ ١٠٠).
وهو في كل ذلك لا يحرك ساكناً لنفسه لو جاءه ملك الموت. ان مثل هذا العاجز لا يمكنه أن يفر من حكومة الله ، وسطوته تماماً كما يقول الإِمام امير المؤمنين «عليه السلام» في هذه الفقرة من الدعاء.
٥ ـ «اَللّهُمَّ لا اَجِدُ لِذُنُوبي غافِراً ، وَلا لِقَبائِحي ساتِراً ، وَلا لِشَيء مِنْ عَمَلِي الْقَبيحِ بِالْحَسَنِ مُبَدِّلاً غَيْرَكَ».
ومن غير الله يكون ملجأً للعبد؟
إن الدعاء يكشف للداعي هذه الحقيقة ليناجي بها ربه ، فهو الملجأ الوحيد لتحقيق طلباته ، وتلبية رغباته من غفران ذنوبه ، والستر عليه ، وعدم هتكه نتيجة قيامه بأعمال مخالفة ، ومشينة. ويأتي هذا المقطع ليظهر الداعي فيه كامل ارادته بإعترافه بإنه لم يجد غير الله من يقبله ، وهو على ما هو عليه من الذنوب وهذه حقيقة إعترف بها بعد اجراء الموازنة الدقيقة في البحث عن أولئك الذين لهم إمكانية تخليصه من العقاب على ما فعل ، وإلا فليس من قبيل الصدفة ، أو الأعتباط أن يكون الداعي قد وقع إختياره على الله ليغفر له ، وليستر عليه جرائمه.
إنه بحث ، وطرق الابواب كلها ، وإذا بمن يطلب منه عاجز مثله لا يمكنه دفع الضرر عن نفسه لذلك عاد ، والخشوع يملأ جوانبه ينادي بلسان منكسر :
«اللهم لا أجد لذنوبي غافراً»
وإنسابت الكلمات هادئة من فم الداعي يرددها منكسراً ، وقد
عاد الآبق الى مولاه وجهاً لوجه أمام الحقيقة ، حقيقة إعترف بها ، ولا مناص عن التهرب منها بعد أن صرح القرآن الكريم بها في قوله تعالى :( وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّـهُ ) (١) .
إنه استفهام إنكاري ، وتعجيزي في الوقت نفسه ، وهل لبشر عاجز من التصدي لهذه المهمة؟ كلا( بَل لِّلَّـهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ) (٢) .
«ولا لقبائحي ساتراً»
والقبيح في اللغة : ضد الحسن ، ولربما كان المقصود بها في هذه الفقرة من الدعاء هي الذنوب التي يرى العرف لها مظهراً قبيحاً ومستنكراً. مضافاً الى أنها من الجرائم فهي ذنوب مستقبحة ، وهذا ما يقتضيه السياق من الدعاء حيث يتدرج الداعي من اعترافه بعدم العثور على من يغفر له ذنوبه غير الله كذلك لم يجد من يستر عليه القبيح منها غيره سبحانه ، ولو كان الأمر موكولاً الى الناس لفضحوه ، ولأعلنوا عنها ، ولكنه الله الذي حلم عن معاقبة المذنبين ، وتجلى عن ملاحقتهم ، وستر عليهم رحمة منه بهذه المخلوقات الضعيفة.
«ولا لشيء من عملي القبيح بالحسن مبدلاً غيرك»
وهذه منة أخرى ، ونعمة جديدة يضيفها الله على عبده المذنب حيث لا يكتفي بإسدال الستار على ما يصدر منه من أعمال قبيحة تجنباً لفضيحته بين الناس ، بل يبدل له سيئاته حسنات.
وعملية تبديل السيئات بالحسنات من قبل الله عز وجل وعد
__________________
(١) سورة آل عمران : آية (١٣٥).
(٢) سورة الرعد : آية (٣١).
صدر منه تعالى في الكتاب الكريم لمن تاب ، وآمن ، وعمل عملاً صالحاً فقد قالت الآية الكريمة في حق اولئك المؤمنين.( فَأُولَـٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّـهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) (١) .
أما كيف يكون ذلك فقد قيل في تفسيره وجوة عديدة :
منها : ان الله يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ، ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم ، فيبدل الكفر إيماناً ، والقتل بغير حق جهاداً وقتلاً بالحق والزنا عفة ، وإحصاناً.
وقيل : المراد بالسيئات ، والحسنات ملكاتهما لانفسهما ، فيبدل الملكة السيئة ملكة الحسنة.
وقيل : المراد بهما العقاب ، والثواب عليهما لأنفسهما ، فيبدل عقاب القتل ، والزنا ـ مثلاً ـ ثواب القتل بالحق ، والإِحصان.
وقيل : أن كل سيئة تصدر منهم تتبدل ، فتكون حسنة.
وليكن هذا ، أو ذاك. المهم أن عملية التبديل هذه جاءت في الآية الكريمة تفريعاً على التوبة ، والإيمان ، والعمل الصالح انه عطاء متواصل ، ورحمة لمن تاب ، وأظهر الندم.
وهو عطاء لا ينضب لمن عمل عملاً صالحاً ، وشق طريقه في هذه الحياة على النحو المستقيم.
وقد جاء شاب الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرأيت من لم يدع سيئة الا
__________________
(١) سورة الفرقان : آية (٧٠).
عملها ، ولا خطيئة الا ركبها ولا اشرف له سهم مما فوقه الا اقتطعه بيمينه ، ومن لو قسمت خطايه على أهل المدينة لغمرتهم.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أأسلمت؟
قال : أما أنا أشهد أن لا إله إلَّا الله ، وأن محمداً رسول الله.
قال : اذهب فقد بدل الله سيئاتك حسنات.
قال : يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وغدراتي ، وفجراتي؟
قال : صلى الله عليه وآله وسلم ، وغدراتك ، وفجراتك ، ثلاثاً.
فولى الشاب وهو يقول : «الله اكبر»(١) .
الله اكبر : كلمة الإِعجاب.
الله اكبر : كلمة الاكبار.
الله اكبر : كلمة ملؤها التعظيم ، والتجليل.
يقولها هذا الشاب ، وهو يتضاءل أمام عظمة الله ، وعفوه لماذا؟ لأنه لم يدع سيئة الا وقد جاء بها ، فماذا يتوقع بعد كل هذا الاجرام؟
لذلك جاء الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم واليأس يأخذ بمجامع قلبه ، فهو لا يرى لذنبه غافراً ، ولا لقبائحه ساتراً أحداً.
__________________
(١) الدر المنثور للسيوطي : ٥ / ٨٠.
ولكنه يفاجأ بهذا اللطف ، فلم يتمالك من أن يطلقها صرخة مدوية ترددها الرحاب الطاهرة ، وتؤمن عليها الحناجر المؤمنة ممن حضر مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم يشاهدون ذلك الشاب المذنب يردد : الله اكبر.
وهل يقف عطاء الله ، أو هل يعرض بوجهه الكريم عن عبده المذنب ، وقد جاء ينهل من فيض رحمته.
ويأتي الجواب : بلا.
بل ترى في مورد آخر صورة من صور العطف الكريم تحدد اطاره الآية الكريمة في قوله تعالى :
( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) (١) .
الحسنة الواحدة إذا عملها كتبت له عشر حسنات ، أما إذا عمل السيئة فلا تكتب له إلا واحدة. وهذا معناه تضاؤل السيئات أمام الحسنات المتضاعفة ، وبالأخير عدم تأثير السيئات للأثر المخصص لها ، وعلى الأخص لو فرضنا أن الإِنسان المذنب قد أوقف تتابع السيئات بتوبته ، والتزامه بالاسس الخيرة ، والمبادئ الحميدة فإن ما يأتي به من الحسنات ، وما يضاعفه الله بإتيانها سيؤدي حتماً الى محو السيئات التي أرتكبها. وهذه صورة اخرى من صور تبديل السيئات بالحسنات. وهي صورة واضحة من صور الحنو ، والعطف ، والرحمة من الله عز وجل. وهي معاملة ملؤها
__________________
(١) سورة الأنعام : آية (١٦٠).
الإِحسان يعامل الله عبده المذنب فيكتب له السيئة نفسها ، ويوقف التنفيذ حتى تأتي الحسنة فيضاعفها لتصل إلى عشر حسنات ، وليس في البين ظلم على أحد ، ولات عد على حق من الحقوق بل كل ذلك تفضل ، وعطاء ، ومنة ، وكرم.
من تقبل توبته من البشر :
ان هذه الفقرات من الدعاء لتصور لنا عملية اللجوء الكامل ، والتركيز في التوجه الى مصدر اللطف ، والعطاء لغفران الذنوب ، والستر على المذنبين فيما صدر منهم من قبيح الأعمال. فالعبد ينحدر الى ربه ليجد من لطفه صدراً يقبل منه هذا التضرع ، فيصفح عنه ، ويزيد في حسناته.
ومن هنا نواجه مشكلة لا بد من بحثها من جميع جوانبها.
تلك هي مسألة التوبة ، وغفران الذنوب بعد تحقق صدورها من الأفراد ، وإستحقاقهم للجزاء المترتب على صدور تلك الذنوب فما معنى العفو حينئذٍ؟ وما الفرق بعد لك بين شخصين إمتثل أحدهما أوامر الله ، وإنتهى عما نهاه عنه.
وخالف الآخر فلم يمتثل ما أمر به ، ولم ينته عما نهي عنه ولكنه تاب بعد ذلك وقبل الله توبته ، وكلا هذين يخرج لدى النتيجة من هذه الدنيا نقي الذيل ولا شيء من العقاب مسجل عليه؟
ولذلك فان القول بقول التوبة من المذنبين ، والعفو عنهم يشكل خرقاً لقاعدة العدل والإِنصاف ، وحاشا لله تعالى أن يصدر منه مثل ذلك وهو العادل المنصف لعباده.
والجواب عن هذا الإِشكال :
بإن المذنبين بالإِمكان تصنيفهم الى صنفين :
١ ـ مشرك بالله سبحانه.
ب ـ ومؤمن به ، وبأنه واحد ليس له شريك. والمؤمن أيضاً يمكن تقسيمه الى قسمين :
١ ـ مؤمن أذنب ، ولكن الهداية بعد لك أدركته ، فتاب ، وندم عما صدر منه من الذنوب.
٢ ـ مؤمن أذنب ولكن الهداية لم تدركه ، فبقي غير تائب حتى أدركه الموت فخرج من هذه الدنيا من غير توبة.
وإذاً فالمذنبون على هذا التقسيم ثلاثة :
مشرك : ومؤمن مذنب تائب ، ومؤمن مذنب غير تائب. ومع هؤلاء الثلاثة لنرى معاملة الله. لهم ومن سيكون منهم مشمولاً بعطفه ، وغفرانه؟
١ ـ المشركون بالله :
إن هؤلاء المشركين بالله لا تنالهم رحمة الله ومغفرته طبقاً لما نصت عليه الآيات الكريمة التالية :
١ ـ( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ) (١) .
__________________
(١) سورة النساء : آية (٤٨ و ١١٦).
٢ ـ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّـهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَهُمْ ) (١) .
٣ ـ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّـهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ) (٢) .
٤ ـ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّـهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ) (٣) .
وإذاً فلا مغفرة لمن لقي الله ، وهو مشرك به ، ولم يتدارك ما أقدم عليه في دار الدنيا. وذلك لأن هذا الإِصرار من العبد على الشرك معناه : الإِصرار على إنقطاع العلقة ، بينه ، وبين الخالق العظيم ، وانقطاع مثل هذه العلقة يكشف عن أن هذه النفس قد ماتت فيها كل عناصر الخير ، والهداية ، والصلاح. فهي بموتها تعود الى ربها غير مرضي عنها فكان من حقها أن تحرم المغفرة ، وتخلد في النار محرومة من السعادة الأبدية.
٢ ـ المذنبون التائبون :
وحيث عاد هؤلاء الى حظيرة الإِيمان تائبين وقد ندموا على ما صدر منهم فهؤلاء تقبل توبتهم بلا خلاف بين كافة فرق المسلمين في ذلك ، وقد دلت على ذلك الآيات الكريمة والاخبار الشريفة وهي
__________________
(١) سورة محمد : آية (٣٤).
(٢) سورة النساء : آية (١٣٧).
(٣) سورة النساء : آية (١٦٨).
من الكثرة بمكان(١) .
بل قد يترقى ، ويقال : بأن قبول توبة النادم حق له سجله الله على نفسه حيث يستفاد ذلك من قوله تعالى :
١ ـ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّـهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَـٰئِكَ يَتُوبُ اللَّـهُ عَلَيْهِمْ ) (٢) .
٢ ـ( قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل لِّلَّـهِ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) (٣) .
«إنما التوبة على الله». وتظهر الحقية من هذا التعبير القرآني المركز ، فالذين يعملون السوء بجهالة ، ومن ثم يعودون اليه تائبين ، فأولئك يتوب الله عليهم.
«وكتب على نفسه الرحمة».
ومن الواضح ان قبول التوبة رحمة منه لعباده كتبها على نفسه ، وجعلها عهداً منه اليهم يقبل ممن ندم ووجد في نفسه حقيقة الندم ، والرجوع الى الله ، والإِستظلال بكنفه.
وكما يقولون : «ما مسيء من إعتذر».
__________________
(١) ومن يتصفح هذه المادة (ثوب) في القرآن الكريم يجد ان الآيات الدالة على قبول التوبة من الله تتجاوز العشرين آية اما كتب الحديث فقد خصصت أبواباً لهذا الموضوع.
(٢) سورة النساء : آية (١٧).
(٣) سورة الأنعام : آية (١٢).
والإِنسان مهما وصل به الغرور في عنفوان قوته فهو مخلوق ضعيف تتحكم فيه عوامل الجنس ، والطيش ، فيخضع الى نزواته ، وينسق الى رغباته ، وملاذه ، وبذلك تضعف صلته بالله العظيم.
ومن هنا يتشعب الطريق فنرى البعض على هذا الحال الى ان يموت من غير توبة ، وندم.
أما البعض الآخر : فإن الهداية تدركه ـ والفرصة بعد باقية ـ فيعود الى وعيّه ، ورشده ليجد نفسه مقصراً وقد بعد عن رحاب الله.
وموضوع بحثنا في هذا القسم الثاني هذا البعض ، وهو في كلتا الحالتين بعده عن الله ، وعودته الى الله بقي محافظاً على صلته بربه ، وذلك من طريق المحافظة على حقيقة الإِيمان بالربوبية ، والتمسك بالوحدانية.
وهذا الإِيمان الكامن في نفسه هو الذي يحفظ له خط الرجعة فتقبل توبته إن علم الله منه حسن النية ، وصدق اللهجة.
ولماذا لا يقبل الله من عبده توبته؟
فهل كتب غيره على نفسه الرحمة؟
إنه كتبها على نفسه بطوع إرادته ، ومن غير موجب عليه.
ومن الرحمة : ان لا يرد مسكيناً قصده ساعياً.
ومن الرحمة : أن لا يخيب فقيراً مد يد الضراعة اليه منكسراً.
يقول الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري (رحمه الله) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «إن الله يقول : يا عبدي ما
عبدتني ، ورجوتني ، فاني غافر لك على ما كان فيك. ويا عبدي لو لقيتني بقراب الأرض خطاياً لم تشرك بي شيئاً لقيتك بقرابها مغفرة»(١) .
على أن هؤلاء الذين أنابوا لربهم لم يحرموا عطف الملائكة الذين يحيطون بالعرش حيث قال الله عنهم :
( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) (٢) .
ولم يكتف الملائكة بهذا المقدار من طلب المغفرة لهؤلاء التائبين بل أردفوا طلبهم من ربهم فقالت الآية الكريمة تحكي كلامهم( رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (٣) .
وازدادوا في الطلب فتضرعوا الى الله قائلين :
( وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (٤) .
__________________
(١) الدر المنثور في التفسير المأثور : ٢ / ١٧٠.
(٢) سورة غافر : آية (٧).
(٣ ـ ٤) سورة غافر : آية (٨ ـ ٩).
وليهنأ بعد ذلك من تاب اذا كان شفعاؤه ملائكة العرش وليعلم ان الله لا يخيب عبده فقد قال مبشراً عباده :
( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) (١) .
٣ ـ المذنبون غير التائبين :
وهؤلاء وقع الخلاف في العفو عنهم.
فقد ذهب الأغلب الى شمولهم بعطف الله ، ورحمته ، وأن الله يعفو عن هؤلاء أيضاً كما يعفو عن التائبين.
وقال بعض المعتزلة : بعدم العفو عنهم ، وأنه لا بد من أن ينالوا جزاءهم من العقاب مستدلين على ذلك بما يلي :
الدليل الأول : أن الآيات ، والاخبار قد تظافرت على بيان ترتب العقاب على المعصية ، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى :
( وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) (٢) .
وقال تعالى :( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) (٣) .
وإذاً فبصراحة الآيتين ، وغيرهما مما كان بياناً للعقاب نرى
__________________
(١) سورة الاعراف : آية (١٥٥).
(٢) سورة النساء : آية (١٤).
(٣) سورة النساء : آية (٩٣).
العقاب مرتباً على المعصية المذكورة ، وقد خرج من هذا العموم الشخص التائب النادم على ما صدر منه من ذنب بالأدلة الأربعة : كتاباً ، وسنة وإجماعاً ، وعقلاً ، فإنه مقبول التوبة ، ومعفو عن ذنبه ـ كما مر بيان ذلك في القسم الثاني ـ فبقي غير التائب تحت هذا العموم من غير دليل على خروجه.
الدليل الثاني : أنه من الواضح أن ترتب العقاب على المعصية في هذه الآيات ، وغيرها إنما جاء على غرار ترتب الثواب على الطاعة من وعد الله سبحانه بذلك فكلاهما من وادٍ واحد وعد من الله بترتب شيء على شيء غايته : أن المترتب عليه في أحدهما المعصية ، وفي الآخر الطاعة وفرض التخلف في أحدهما ، وهو العقاب فيما نحن فيه يستدعي التخلف في الآخر ، وهو عدم ترتب الثواب على الطاعة. وكل ذلك مستلزم للكذب ، وتعالى الله سبحانه عن كل قبيح.
الدليل الثالث : أن العفو عن غير التائب مستقبح عقلاً لأن ذلك يوجب إغراء العبد ، وتجريه على المعاصي ، وعدم مبالاته بمبدأ التشريع ـ وفي الوقت نفسه ـ يبعث هذا الشعور بنفسه الشعور بالطمع في الإِستزادة من المعاصي ، وهو قبيح ومنافٍ لواجب اللطف منه تعالى ، فإن اللطف يقضي بإيقاف العبد عن التوغل في المعصية ويكون ذلك بسد باب الطمع عليه ليعرف من أول الأمر أن جزاء ما صدر منه من المعاصي ما رتب عليها من عقاب فيرتدع حينئذٍ عن كل شيء وإذا لم يرتدع ، وبقي مصراً على ما هو عليه من الاِنحراف ، فقد نال جزاءه باقدامه.
الدليل الرابع : ان العفو عن مثل هذا المذنب غير التائب مناف لعدل الله سبحانه فان المساوات بين المطيع والعاصي ، في دخول الجنة يستلزم إضاعة حق المطيع في إحتماله مكاره الطاعة ، ومشاق العبادة ، وصبره عن لذائذ المعاصي ، وشهواته النفسية ، وقبح ذلك واضح خصوصاً مع وعده تعالى صريحاً بعدم إضاعة أجر المطيع منهم في قوله سبحانه :( إِنَّ اللَّـهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) كما صرح أيضاً بعدم إمكان المساوات بين المطيع والعاصي في قوله عز من قائل :
( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) (١) .
بل ان ذلك يستلزم كون المجرم المرتكب للفحشاء ، وأنواع المعاصي أعز شآناً ، وأحسن حظاً من المطيع المتجنب عنها المتحمل للمكاره والمشاق إطاعة لمولاه في أوامره ونواهيه. ومن الواضح أن ذلك مما يأباه العقل السليم»(٢) .
الجواب عن هذه الأدلة :
وجوابنا عن هذه الأدلة يأتي :
تارة : على نحو العموم.
واخرى : على كل من هذه الأدلة بخصوصه.
١ ـ أما الجواب العام : فنقول : أن الآية الكريمة في قوله تعالى :
__________________
(١) سورة الجاثية : آية (٢١).
(٢) لاحظ : نور الافهام شرح أرجوزة مصباح الظلام ج : ٣ / ٥٢.
( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) (١) .
قد أطرت المغفرة ، وحددت حدودها ، فاعتبرت الذنوب على قسمين :
قسم : لا يدخل في حدود المغفرة.
وقسم : يدخل في حدودها.
١ ـ أما ما لا يدخل في حدود المغفرة : فهو الشرك بالله سبحانه. والسر فيه أن الشرك هو اقدام العبد على قطع جميع الوشائج التي تربط بينه وبين الرب ، ولذلك فلا ترجى لمثل هذا الإِنسان أي مغفرة ورحمة ، أطالما بقي مصراً على عناده ، وإعراضه عن خالقه الى ان فاتت الفرصة ، ومات غير نادم.
٢ ـ وأما ما يدخل في حدود المغفرة فهو ما دون الشرك من المعاصي ، والذنوب التي تصدر من الإِنسان مهما كان حجم الذنب كماً وكيفاً ، حسب منطوق الآية الكريمة والذي لا يقبل أي مناقشة وجدل. ومن غير فرقٍ بين حصول التوبة من المذنب ، وعدم حصولها. والسر في ذلك : ربما يكون أن المذنب غير التائب وان كان عاصياً ، ومتجرئاً على المولى بخروجه من هذه الدنيا ، وهو غير تائب إلا أنه ـ في الوقت نفسه ـ لم يكن كالمشرك قد خرج من الدنيا وقد قطع كل الروابط التي توصله الى الله ، بل إحتفظ بالرابط الأصيل ، وهو القول بوحدانية الله ، وعدم الشرك به وهذا ما يشفع
__________________
(١) سورة النساء : آية (٤٨).
له ، ويجعله موفور الأمل في رجائه لمغفرته ، وشموله لفيض لطفه.
وإذاً فالله يغفر ما دون الشرك ، ومهما كان نوع الذنب ، أما كيف ذلك ، ومتى ، وتحت أي شرط ، فهو موكول الى محله من البحوث التي تتناول هذا الموضوع بشكله التفصيلي العام.
٢ ـ وأما الجواب الخاص : عن الأدلة المذكورة لمنع قبول غير التائب :
فالجواب عن الدليل الأول : ان الآيات ، والأخبار التي تعرضت لبيان ما يترتب على المعاصي من جزاء إنما تعرض لذلك على شكل جعل القوانين العامة من معاقبة المخالفين.
ومعنى ذلك : ان التشريعات النظامية سواءً كانت إلهية أو غير إلهية إنما تتكفل ببيان مرحلة الإِستحقاق ، وأن ما يستوجبه هذا الفعل من الجزاء هذه التعقوبة المعينة.
أما مرحلة التنفيذ ، وتطبيق العقوبة فإن ذلك يعود الى السلطة المنفذة لمثل تلك العقوبات.
وقد جرت النظم التشريعية على منح صلاحية العفو عن العقوبة وتطبيقها لرئيس السلطة ، أو النظام في بعض المخالفات أو جميعها طبقاً لما يراه من المصلحة في كل مورد بخصوصه.
أما الله وهو المشرع العام المتصرف المطلق في هذا الوجود فلم يحدد صلاحيته في شيء دون شيء ، بل له التصرف الكامل في كل شيء وقد احتفظ لنفسه بالصلاحية العامة في تطبيق الجزاء ، وعدمه بموجب قوله سبحانه :( وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) فإن شاء
عذب ، وان شاء غفر.
وليست إشاءته في صورتي التعذيب والغفران ، نابعة من الاختيار الكيفي المحض ، بل كل ذلك يتبع المصلحة الفردية أو النوعية ، ولربما كان ذلك نتيجة تعويض يحصل عليه الفرد من جراء عملٍ يقوم به في حياته يحصل من ورائه على رضى ربه ولو كان قد مات غير تائب عن معاصيه.
( وَلِلَّـهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) (١) .
فهو يملك المغفرة بنفس القدرة التي يملك بها العذاب ولكن رحمته سبقت غضبه ، فكان غفوراً رحيماً بنص الآية الكريمة ، وغيرها مما تعدد ذكره في الكتاب المجيد من آيات الرحمة والغفران.
وبهذا يتضح أن صدور المعصية من الفرد لا يكون سبباً تاماً لتنفيذ ما رتب على المعصية من جزاء لأن التنفيذ أمر يرجع الى المنفذ إن شاء فعل ، وإن شاء ترك ، بل هو سبب تام للإِستحقاق لا اكثر. والفرق بين المرحلتين ، الاستحقاق والتطبيق واضح.
وإذاً فليبق غير التائب تحت العموميات القرآنية القائلة بإستحقاق العقاب بمجرد صدور المعصية ، ولكن الكلام في التنفيذ على مثل هذا المذنب غير التائب ، والتنفيذ بيده ، والعفو من صلاحيته. على أن هذه الصلاحية المطلقة إحتفظ بها لنفسه ليعملها في حق من؟
فهل هي للتائب المطيع الذي خرج من هذه الدنيا مستغفراً
__________________
(١) سورة الفتح : آية (١٤).
نادماً ، أم هي ، ولمن خرج غير تائب؟
إن القول بقصر العفو على التائبين هو الحد من رحمة الله ، ولطفه ، وحاشا لكرمه من التحديد ـ وهو في الوقت نفسه ـ حرمان الموحد من فيض نعمه سبحانه. فأين إذاً مزية عدم الشرك به اذا فرضنا أن غير التائب والمشرك ، كلاهما على حد سواء من هذه الجهة؟
( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (١) .
ومهما تهدى الفرد ، وذهب بعيداً في مرماه فما زال يعترف بعبوديته لله سبحانه فلا يقنط من رحمته ، فإنه يغفر الذنوب جميعاً ، ولماذا؟ لأنه غفور رحيم.
وأما الجواب عن الدليل الثاني : فإن القول بأن ترتب العقاب على المعصية على غرار ترتب الثواب على الطاعة ، والتخلف في أحدهما مستلزم للتخلف في الأمر لا صحة له. وذلك للفرق بينهما : بأن إستحقاق الفرد المطيع لأوامر الله ، ونواهيه للثواب ثبت له بإطاعته ، وقيامه بكل أمر ، وإنتهائه عن كلما نهي عنه ، وحرمان مثل هذا الشخص عن الجزاء المخصص ، يعتبر تخلفاً وكذباً.
أما العاصي فبتخلفه قد سجل شيئاً على نفسه ، وهو العقاب وحيث كان تطبيق هذا الحق من صلاحية المولى ، وهو الله سبحانه فبالإِمكان القول بان الله يستعمل هذه الصلاحية فيتنازل عن حق من
__________________
(١) سورة الزمر : آية (٥٣).
الحقوق الثابتة ليس تفضلاً منه ورحمة. فليس موضوع الطاعة والمعصية من وادٍ واحد ، ولا ملازمة بينهما في التخلف. واذاً فلا كذب لو وعد على المعصية بنوع من الجزاء ولم يطبقه بل هو عين الإِحسان. أما لو وعد على الطاعة بنوع من الجزاء ، ولم يف به ، فهو تخلف صريح ، وتجاوز على حقوق الآخرين. وحاشا له أن يعمل مثل ذلك. فالفرق بين الإِثنين واضح.
وأما الجواب عن الدليل الثالث : فإن العفو عن المذنب غير التائب لا يوجب اغراءه ، وتطميعه في الإِستزادة من المعاصي وذلك لأن العفو عن غير التائب ليس أمراً الزامياً ، ومضموناً ثابتاً على الله ليكون في ذلك إغراء للعبد ، بل كل فردٍ مذنب يحتمل أن الله لا يعفو عنه بعد مخالفته ، ومجرد إحتماله للعقاب كافٍ لردعه عن الإِقدام على مثل ذلك في المستقبل ، إذ من الثابت عند العقلاء : أن دفع الضرر المحتمل ولو لم يكن قطعياً أولى من جلب المنفعة ولو كانت قطيعة ، ولو تأملنا لرأينا الإِنسان بطبيعته يفر من أدنى إحتمال يرى فيه الضرر عليه. وبناءً على هذا فإن احتمال عدم العفو كافٍ لردع العاصي في الإِرتكاب مرة أخرى ، حينئذٍ فلا يكون إحتمال العفو موجباً للإِغراء في التوغل في الذنوب.
وأما الجواب عن الدليل الرابع : فلان عفو الله عن المذنبين غير التائبين لا يشكل خرقاً لقاعدة العدل ، فإن حق المذنب التائب محفوظ ومراعىً في التفات الله ، وعطفه عليه برجوعه الى حرم الله ، وقدسه مكفراً عن سيئاته بتوبته ، أن هذا العمل بنفسه محبوب لله تعالى لذلك ينال صاحبه من الله مالا يحصل عليه من خرج من
هذه الدنيا غير تائب ، وإنما تاب الله عليه لمصلحة في مثل هذه التوبة. وهل يضيع الله حق شخص حرم نفسه من لذائذ المعاصي ، وخالف شهواته النفسية والجنسية ، وتحمل مشاق العبادة وصبر على الحرمان. وبالأخير يعتبره في الحساب كمن بقي طيلة حياته مخالفاً ، ويتمتع بكل هذه الأشياء ثم يموت غير تائب؟
ولا بد أن يكون الجواب بعدم ذلك ، بل لا بد من القول بعدم المساوات بينهما لما فرضته الآية الكريمة من التنديد بالقول بالمساوات بين مَن آمن بالله ، وبين من إجترح السيئات سواءً في المحيا ، او في الممات.
أما في الحياة : فان الفرق بين التائب المطيع ، وبين المخالف المعاند واضح ، فالمعاند في الحياة شخص مبغوض ، وبعيد عن رحمة الله وهدايته لمخالفته ، وإستمراره على المخالفة فكيف يقاس بمن أطاع الله بتوبته ، ورجوعه عن الرطيق غير المستقيم؟
أما في الممات : فإن حق التائب المطيع محفوظ ولا شك أن له من الدرجات الرفيعة مالا يحظى به غير التائب.
إن التوبة ، والإِنابة ، والرجوع الى حرم الله سبحانه أمر محبوب بنفسه ، ومقدر عنده لذلك ينال مثل هذا الشخص من الأجر مالا يعطى لغير التائب.
ولا بد لنا أن نفرق بين العفو عن غير التائب ، وبين القول بمساواته لمن تاب في الأجر ، والمنزلة. ومن يقول بإمكان العفو عن غير التائب لا يقول بمساواته للتائب ، بل على العكس يقول بتفضيل التائب على غير التائب.
وختاماً فقد تبين من خلال الإِجابة : بإن القول بشمول غير التائبين اذا كانوا موحدين لعفو الله ، ومغفرته لا يلزم منه أي محذور عقلي ، ولا تجاوز فيه على حقوق التائبين لأن كل ذلك من حق الله ، وصلاحيته ، وبعفوه يكون قد إستعمل ما هو له.
٦ ـ «لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك»
وإتصال هذا المقطع من الدعاء بما سبق هو :
أن الداعي بعدما إعترف بانه لم يجد لذنوبه غافراً ، ولا لقبائحه ساتراً ، ولا لشيء من عمله القبيح بالحسن مبدلاً غير الله يقف والرهبة تهز كياته ليقولها كلمة يؤكد بها إخلاصه بتسبيحه ، وتهليله ، وتمجيده لذاته المقدسة لأنه المجأ الذي يركن اليه.
وما هي تلك الكلمة إنها :
«لا إله إلا أنت»
وهي كلمة التوحيد أي : لا شريك لك يا رب في الألوهية ولا معبود سواك.
ولا إله إلا الله كلمة يرددها الداعي بعد أن أيقن أن كل من في هذا الوجود يستمد منه ، ولا يستغني عنه.
«سبحانك ، وبحمدك»
يقول الأنباري : معنى قولهم : «سبحانك» أي تنزيهاً لك يا ربنا من الأولاد ، والصاحبة ، والشركاء. أي نزهناك عن ذلك.
وقال الفراء : سبحانك منصوب على المصدر كأنك قلت :
سبحت لك تسبيحاً ، فجعل السبحان في موضع التسبيح فهو إذاً منصوب بفعل مضمر كأنه قال : أبريء الله من كل سوء براءة.
وأما معنى ، وبحمدك ، أي بحمدك يا رب نبتديء ، وبحمدك نفتتح فحذف الفعل لدلالة المعنى عليه كما قال عز وجل :( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ) معناه : وأدعوا شركاءكم(١) .
وقد قرن الدعاء في هذه الفقرة بين التسبيح ، والحمد ليعلمنا أن تسبيحه تعالى مقترن بحمده ، والثناء عليه لأنه أهل للتسبيح والحمد.
وليس تسبيح الله ، وتقديسه مقتصر على البشر ، بل كل شيء في هذه الحياة يشترك مع الإِنسان في التسبيح ، والتقديس ، والحمد كما صرحت بذلك الآيات القرآنية ، والأخبار الكريمة.
يقول تعالى :( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (٢) .
وقال سبحانه :( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ) (٣) .
__________________
(١) لاحظ لجميع ذلك : الزاهر / ١ / ١٤٦ ، والنهاية لابن الأثير / مادة (سبح).
(٢) سورة الإِسراء : آية (٤٤).
(٣) سورة النور : آية (٤١).
وهناك آيات أخرى تعرض لها القرآن الكريم تنص على هذا المضمون.
أما في الأخبار فقد جاء عن أمير المؤمنين الإِمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» قوله :
ان الطير اذا أصبحت سبحت ربها ، وسألته قوت يومها(١) .
وجاء عن قتادة في قوله : «وان من شيء إلا يسبح بحمده» قال : ما من شي في أصله الأول يموت إلَّا ، وهو يسبح بحمده.
وجاء في أخبار أخر أن في خرير الماء ، وذرات الهواء ، وهبوب الرياح ، والنسمات ، وأصوات الحيوانات ، وصرير الجمادات تسبيح له.
من هذا العرض للآيات الكريمة ، والاخبار لا بد لنا من التسليم بان كل شيء في هذا الوجود يسبح لله عز وجل.
ومن هنا يأتي السؤال الآتي كنتيجة حتمية لهذه الحقيقة التي لا مجال لإِنكارها بعد تصريح القرآن ، والاخبار بها.
ويدور السؤال حول نوعية التسبيح الذي يصدر من كل شيء في هذا الوجود. مع أن المألوف الينا أن التسبيح من مقولة الالفاظ والنطق وهو مختص بالإِنسان دون بقية الحيوانات فضلاً عن الجمادات ، والذرات ، والنسمات.
__________________
(١) الدر المنثور : ٤ / ١٨٤.
وبتعبير أوضح : ان المستفيد من مجموع هذه الآيات ، والأخبار أمران ، وكلاهما مورد للجدل ، والنقاش.
الأمر الأول : إن الحياة عنصر مقوم لكل شيء في هذه الحياة ، وإن كانت حياة بعض الموجودات تختلف عن حياة البعض الآخر لأن التسبيح الذي ثبت لكل شيء في هذا الكون بنص الآيات والأخبار ، يقتضي الحياتية المذكورة لأن التسبيح لا بد له من مسبح.
الأمر الثاني : ان لكل شيء في هذا الكون بما في ذلك الذرات في الهواء ، وكل صغير ، وكبير حيوان أو جماد ، تسبيح خاص ، وقد كثر الجدل ، والنقاش حول هاتين الحقيقتين تسليما من فريق من العلماء ، ورفضاً من الفريق الآخر.
ويعتمد من يقول بالرفض على عدم الإِعتراف بان للجمادات ، أو الذرات في هذا الكون من الحياتية ما يؤهلها لأن تقوم بدور التسبيح لله عز وجل.
هذا لو تجاوزنا القول بان التسبيح مقتصر على الإِنسان لأنه الحيوان الناطق ، وجعلناه شاملاً لكل ذي روح ، وان لم يكن نطقاً.
وفي مقام الجواب عن هذين الأمرين نقول :
أما عن الأمر الأول : وهو التصديق بحياتية الموجودات ، فإن مشكلتنا الأساسية في مثل هذه المواضع هي تصلب البعض في اخضاع أغلب ما يمت الى الأحكام الشرعية ، أو العقيدة الى المكتشفات العلمية بعد توجه المجاهر العلمية عليها. وطبيعي أن هذه المجاهر لا تقر بان للجمادات التمتع بالحياة كما هو الحال بالنسبة
الى الحيوانات ، والبشر ، أو الإِعتراف بإن لكل شيء في هذه الحياة منطق يخصه ، ومن ثم :
«وان من شيء إلا يسبح بحمده» ، أو أن خرير الماء تسبيح ، وهبوب النسيم تسبيح ، وهكذا الحال في كثير من الأصوات التي تصدر من الحيوانات البرية ، والبحرية.
إن الإِعتراف بهذه الأمور نوع من التعبد بالخيال في نظر هؤلاء ولكن وفي مقام تقديم ما يتعلق بالموضوع من إيضاح نقول :
اننا نتكلم مع من يتفق معنا بوضع أول لبنة لأسس الهيكل العقيدي في حياتنا العملية ، ونحن كمتمسكين بعقيدتنا الإِسلامية ، وبأن القرآن الكريم هو الدستور الإِلهي الموجه الى البشر من قبل الله تعالى لا من قبل النظريات ، والأفكار البشرية ، وان جميع ما عندنا مستمد منه ومن السنَّة النبوية والتي هي عدل الكتاب الكريم ومع هذه العقيدة فلا تبقى مشكلة في البين لأن القرآن الكريم قد صرح في اكثر من آية بأنه :
( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا امم أمثالكم ) (١) .
وإذاً فإنه لم من دابة تدب على الأرض ، وهذا يَشمل كل الأحياء من حشرات ، وهوام ، وزواحف ، وفقاريات ، وما من طائر يطير بجناحيه في الهواء ، وهذا يشمل كل طائر من طير ،
__________________ ـ
(١) سورة الأنعام : آية (٣٨).
وحشرة ، وغير ذلك من الكائنات الطائرة ، وما من خلق حي في هذه الأرض إلَّا وهو ينتظم في أمة ذات خصائص واحدة ، وذات طريقة في الحياة واحدة كذلك شأنها في هذا شأن أمة الناس ما ترك الله شيئاً من خلقه دون تدبير يشمله ، وعلم يحصيه ، وفي النهاية تحشر الخلائق الى ربها فيقضي في أمرها بما يشاء(١) .
كما وأنه قد اعطى صورة كاملة لممالك النحل ، والنمل ، وغيرهما.
وإذاً فلا بد من الإِذعان بحياتية الموجودات في هذا الكون ، وبهذا الصدد يقول الحكيم الشيرازي في كتابه الأسفار :
ان الوجود كله حي ولا معنى للوجود بغير الحياة ، وإن الحياة على مقدار اشراق أنوار الوجود الأعلى على المخلوق فللانسان ، وللنبات حياة أي أن هناك نوعاً من الشعور ، وهكذا الجماد له نوع من الشعور أقل لأنه أفيض عليه من الحي.
وأما بالنسبة الى الأمر الثاني : وهو الوقوف على حقيقة التسبيح من كل شيء فللعلماء في هذا الموضوع اراء عديدة.
يقول الشيخ ابو جعفر الطوسي لتوضيح التسبيح المذكور تعقيباً على قوله تعالى :( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (٢) .
«يعني كل شيء يسبح بحمده من جهة خلقته ، أو معنى صفته
__________________
(١) في ظلال القرآن في تفسيره لآية (٣٨) من سورة الانعام.
(٢) سورة الإِسراء آية (٤٤).
إذ كل موجود القديم تعالى حادث يدعو الى تعظيمه لحاجته الى صانع غير مصنوع صنعه ، أو صنع من صنعه فهو يدعو الى تثبيت قديم غني بنفسه عن كل شيء سواه لا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات ، وما عداه الحادث يدل على تعظيمه بمعنى حدوثه من معدوم لا يصح الا به لدخوله في مقدوره او مقدور مقدوره»(١) .
ويقول الشيخ الرازي في تفسيره لهذه الآية :
اعلم ان الحي المكلف يسبح لله بوجهين :
الأول : بالقول كقوله باللسان (سبحان الله).
الثاني : بدلالة أحواله على توحيد الله تعالى ، وتقديسه ، وعزته.
فأما الذي لا يكون مكلفاً كالبهائم ، ومن لا يكون حياً كالجمادات فهو إنما يسبح لله بالطريق الثاني لأن التسبيح بالطريق الأول لا يحصل الا مع الفهم ، والإِدراك ، والنطق ، وكل ذلك في الجمادات محال فلم يبق حصول التسبيح في حقه إلا بالطريق الثاني»(٢) .
وقال بعضهم : «أن المراد انها تسبح له بلسان الحال حيث تدل على الصانع ، وعلى قدرته وحكمته فكأنها تنطلق بذلك ، وكأنها تنزه الله عز وجل بما لا يجوز عليه من الشركاء وغيرهما»(٣) .
__________________
(١) التبيان في تفسيره لآية (٤٤) من سورة الاسراء.
(٢) التفسير الكبير في تفسيره للآية المذكورة.
(٣) الزمخشري في تفسيره الكشاف عند تعرضه لآية ٤٤ من سورة الاسراء.
وربما يقال : أن تسبيح غير الحيوان من الجمادات ، والذرات ، وكلما في الأرض ، والسماء بأجرامها الكبيرة ، والصغيرة ، وحتى غير المرئية منها هو خضوعها لنواميس ، وقوانين في منتهى الدقة ، والضبط. فإن جريان هذه المخلوقات على طبق هذه القوانين ، والأوامر الإِلهية هو نفسه التسبيح لأنه خضوع له تعالى ، ومعنى ذلك : نفي الشريك له ، وتنزيهه عن كل شائبة ـ وعلى سبيل المثال ـ فإن الأرض بحجمها الكبير تدور ، وتتحرك على وفق نظام خاص طيلة هذه المدة التي لا يعلمها إلا الله ، فهي بذلك تسبحه في كل حركة لأنها لا تخرج عن أمره ، مطيعة له ، وكل ما في الأرض كذلك ، وكذا ما تشتمل عليه السماوات بكواكبها ، وأجرامها كل ذلك تسبيح له ، وتقديس.
وفي الحقيقة : أن الذي يجمع كل هذه الأقوال هو : أن كل شيء في هذا الوجود منجذب اليه ومتجه الى ساحته ، ولو امكن للإِنسان ان يكشف له عن كثير من الأمور لأنصت خاشعاً الى ترنيمة التسبيح ترددها الحيوانات بناطقها ، وصامتها ، ولرأى تنزيه الموجودات لخالقها وخضوعها ، وتقديسها له.
على أنه لا داعي كثيراً للتوغل كثيراً في الوصول الى معرفة نوعية التسبيح الذي تردده الموجودات مع أن الآية الكريمة هي التي أخبرت بإن الفهم البشري لا يصل الى كل شيء في هذا الوجود ، ومن ذلك تسبيح الموجودات «ولكن لا تفقهون تسبيحهم».
وليكن عدم وصولنا الى فهم هذا التسبيح الشامل مما اختص به نفسه عز وجل كما كان في كثير من الأمور يقول تعالى :
( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) (١) .
وفي آية أخرى يقول عز وجل :( إِنَّ اللَّـهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) (٢) .
وعلى كل حال : انه لمنظر هائل أن يرى الإِنسان كل شيء في هذا الكون يتجه الى الله عز وجل يسبحه ، ويقدسه.
وانه لمما يهز القلب ، ويملأه حيوية أن يكون للداعي شرف الالتحاق بهذا الموكب الإِلهي ، وهو يردد : «لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك».
٧ ـ ظَلَمْتُ نَفْسي ، وَتَجَرَّأْتُ بِجَهْلي ، وَسَكَنْتُ اِلى قَديمِ ذِكْرِكَ لي وَمَنِّكَ عَلَيَّ.
وللإِعتراف مرارة ليست بهينة ، ولكن المعترف قد يجد نفسه أمام الأمر الواقع فلا مجال له عندها من تحمل كل ما يسببه ذلك الإِعتراف من آثار.
ولذلك نرى الإِمام «عليه السلام» من خلال هذه الفقرات يهيب بالداعي أن يعترف بانه هو الذي ظلم نفسه في تجاوزه ، وأنه هو المسؤول عن مثل هذا التقصير ولكنه ـ في الوقت نفسه ـ يحاول
__________________
(١) سورة الإِسراء : آية (٨٥).
(٢) سورة لقمان : آية (٣٤).
أن يبرر ذلك ، ويجد له مخلصاً ليهرب من الواقع المرير فيعزو ذلك التماهل الى ما قابله الله به من لطفٍ ، ونعم ما جرأه على مثل ذلك التجاوز.
«ظلمت نفسي»
وطبيعي أنه ظلم نفسه بما عمله ، وارتكبه من الجرائم ، وقد التفت الى ذلك فلم يجد بداً من أن يلجأ الى خالقه ليتحمل مرارة الإِعتراف معولاً على لطف الله ، وكرمه كما يأمل كل معترف ساقه الندم الى الوقوف مثل هذا الموقف الحرج.
«وتجرأت بجهلي»
أي رب : ولم يكن ما صدر مني عن علم ، ومعرفة ، وسبق إصرار ، بل كان ذلك عن جهل ، وتقصير عفوي شأني في ذلك شأن كل من أمن العقوبة فأساء الأدب ، فمن يتجرأ على من هو أقوى منه فان ذلك يكون ناشئاً عن جهله بقوته.
ومع من أساء ، وتجزأ؟
ويأتي الجواب : انه اساء لربٍ عظيم لا تجازى نعمه.
«وسكنت الى قديم ذكرك لي ومنك عليّ»
ويتحرق الداعي بعد تطاوله على مولاه ، ولكنه يعود ليهدئ من نفسه عندما يعيود بذاكرته الى الوراء ، والى الماضي القديم ليتصفح من خلال ما مرت عليه من مشاهد ما يهدئ من فورته النفسيه انه يحن الى قديم ذكر الله له ، ويسكن النفس عندما يجد نعم الله عليه متوالية ، وعطاءه متواصل من قبل أن يولد ، وبعد ولادته
وعندما يشب ويترعرع. كل هذه آنات تمر عليه ، وهو فيها منعم بمنن الله ، وألطافه. وهذه النعم ، والالطاف هي التي مهدت الطريق له ليتجرأ بجهله على ربه ، ولو كان المولى صارماً في جزائه لما أدى الحال بالعبد الى هذا التطامن.
٨ ـ «اَللّهُمَّ مَوْلاي كَمْ مِنْ قَبيح سَتَرْتَهُ ، وَكَمْ مِنْ فادِحٍ مِنَ الْبَلاءِ اَقَلْتَهُ وَكَمْ مِنْ عِثارٍ وَقَيْتَهُ ، وَكَمْ مِنْ مَكْرُوهٍ دَفَعْتَهُ ، وَكَمْ مِنْ ثَناء جَميلٍ لَسْتُ اَهْلاً لَهُ نَشَرْتَهُ».
وها هي نعم الله يستعرضها الداعي معترفاً بسبوغها عليه وتهن مشاعره هذه الذكريات المؤلمة ، فيبدأ بتعدادها وهو يناجي ربه ليعترف له بانه الباديء بالجميل ، وتنهمل الدموع من عينيه ، ويردد هذه الإِعترافات فيقول :
«اللهم مولاي كم من قبيح سترته»
وحيث يعترف الداعي لمولاه بهذا الستر ، والتفضل يعلم مدى ما صدر منه من القبيح الذي لو اطلع عليه الناس لما تركوه على هذا الحال ، بل إحتقروه ، ولفظوه. إلا أن عناية الله بعبده إقتضت ان يستر عليه لعل في ذلك ما يمنعه من العود الى مثل ما صدر عنه ، وهذه سجية الحليم الكريم لا يؤآخذ عباده بذنوبهم ، ولا يفضحهم ليسقطوا في عيون الناس ، بل يستر عليهم ، ويمن عليهم ، ويمهلهم.
«اللهم ان عفوك عن ذنبي ، وتجاوزك عن خطيئتي ، وصفحك
عن ظلمي ، وسترك على قبيح عملي ، وحلمك عن كثير جرمي عندما كان من خطأي وعمدي ، أطمعني في أن أسألك مالا أستوجبه منك الذي رزقني من رحمتك ، وأريتني من قدرتك ، وعرفتني من إجابتك ، فصرت أدعوك آمناً ، واسألك مستأنساً ، لا خائفاً ولا وجلاً؟»(١) .
ومع كل هذه الأعمال التي تصدر من العبد ، فإنه يعود ليسأل ربه آمناً من غير خوف ، ولا وجل.
وفي خصوص ستر الله على العباد يحدثنا الخبر :
أنه «يوتى بالعبد يوم القيامة يبكي فيقول الله سبحانه : لم تبكي؟
فيقول : أبكي على ما سينكشف عني من عوراتي ، وعيوبي عند الناس والملائكة. فيقول الله : عبدي ما افتضحتك في الدنيا بكشف عيوبك ، وفواحشك ، وانت تعصيني ، وتضحك ، فكيف أفضحك اليوم بكشفها وأنت تعصيني ، وتبكي»(٢) .
وبين يدي هذه الفقرة من هذا الحديث :
«عبدي ما إفتضحتك في الدنيا بكشف عيوبك ، وفواحشك ، وأنت تعصيني ، وتضحك».
هنا تتجلى الروعة ، والعظمة ، وهنا تكمن الرقة ـ في الوقت ذاته ـ.
__________________
(١) من فقرات دعاء الافتتاح.
(٢) جامع السعادات للنراقي : ٢ / ٢٧٢.
وهنا يلف الحنو الإِلهي هذا العبد اللاهي المتمرد على ربه ، فيسدل على قبائحه ستراً يضلل به ليبعده عن أعين الناس. هذا حاله ، وهو عاصٍ فكيف بمن تاب ، وعاد الى رشده ليجد من برد رحمة الله وفيض عطفه ما يحقق له آماله في قبول التوبة ، والتجاوز عن كل ما صدر منه.
«وكم من فادحٍ من البلاء أقلته»
فدحه الأمر ، وفدحه الحمل ، وفدحه الدين اثقله ، وعاله ، وبهضه ويقال : نزل به أمر فادح ، أو ركبه دين فادح ، أي ثقيل أما الإِقالة ، فهي : بمعنى العفو ، والمسامحة(١) .
وفي هذه الفقرة يعترف الداعي بنعمة الله عليه في دفع كثير من الإِبتلاءات ، والبلايا التي كان من المقرر نزولها به تبعاً لما جنته يده من الذنوب ، ولكنه بعطفه ، وكرمه دفع كل ذلك عنه.
ويصور لنا الإِمام الكاظم «عليه السلام» مثل هذا المنظر في مناجاته ، فيشكر الله على عدم إبتلائه عندما يقول :
«إلهي ، وكم من عبدٍ امسى ، وأصبح مسافراً شاخصاً عن أهله وولده ، متحيراً في المفاوز تائهاً مع الوحوش والبهائم والهوام ، وحيداً فريداً لا يعرف حيلة ، ولا يهتدي سبيلاً ، أو متأذياً ببردٍ أو حرٍ ، أو جوعٍ أو عري ، أو غيره من الشدائد مما أنا منه خلو في عافية من ذلك كله فلك الحمد يا رب من مقتدرٍ لا يغلب ، وذي أناة لا يعجل. سيدي ومولاي ، وكم من عبدٍ أمسى ، وأصبح
__________________
(١) النهاية لابن الاثير : مادة (فدح ، وقيل).
قد استمر عليه القضاء ، وأحدق به البلاء ، وفارق أوداءه ، وأحباءه ، وأخلاءه ، وأمسى أسيراً حقيراً ذليلاً في أيدي الكفار. والاعداء يتداولونه يميناَ وشمالاً ، قد حصر في المطامير ، وثقل بالحديد لا يرى شيئاً من ضياء الدنيا ، ولا من روحها ينظر الى نفسه حسرة لا يستطيع لها ضراً ولا نفعاً ، وأنا خلو من ذلك كله بجودك وكرمك»(١) . ونظير هذا من أنواع البلاء كثير يدفعه الله عن عبده تفضلاً منه عليه.
«وكم من عثارٍ وقيته»
العثرة : هي الكبوة في لمشي ، أي السقوط ، قيل أيضاً : الزلة ، والخطيئة ، والوقاية هي الحفظ ، ووقاه المرض : حقظه منه(٢) . والمعنى يريده الدعاء من هذه الفقرة هو : بيان ، وتعدااد الموارد التي كانت مزالاً للأقدام ، وكان محتماً سقوط الإِنسان في تلك المهاوي السحيقة مكبوباً على وجهه ولكن : يا رب حفظتني من ذلك ، ونجيتني من هذه العثرات فلك الحمد.
«يا من اظهر الجميل ، وستر القبيح يا من لم يؤآخذ بالجريرة ، ولم يهتك الستر ، يا عظيم العفو ، يا حسن التجاوز ، يا واسع العفو ، يا باسط اليدين بالرحمة ، يا صاحب كل نجوى ، ومنتهى كل شكوى ، يا مقيل العثرات ، يا كريم الصفح ، يا عظيم المن ،
__________________
(١) مقاطع من دعاء الجوشن الصغير المروي عن الامام موسى الكاظم عليه السلام.
(٢) اقرب الموارد : مادة (عثر ، ووقي).
يا مبتدئاً بالنعم قبل إستحقاقها»(١) .
«وكم من مكروهٍ دفعته»
المكروه : في المصطلح الفقهي حكم من الاحكام الخمسة ، وهو ما كره الله فعله ، ولكن لا يعاقب على الاتيان به فلو جاء به المكلف لم يستحق عليه العقوبة.
أما في اللغة : فهو ما يكرهه الإِنسان ويشق عليه(٢) .
والمراد من دفع المكروه في لسان الداعي إما دفع نفس الشيء الذي يكرهه الإِنسان ، أو بإيجاد سبب يكون موجباً لدفعه.
فمن الأول : بالإِمكان القول بأن من فضل الله على عبده ان يدفع عنه ما يكرهه من مرض ، ونحوه ، وفقرٍ ، وغير ذلك مما يكرهه الإِنسان.
ومن الثاني القول : بأن «المراد من دفع المكروه جعل الاسباب الدافعة له ، والوسائل الموصلة الى التحرز عنه كالأذكار الواردة في طلب الرقز ، واداء الدين ، والأدعية الواردة لدفع الهم ، والكرب ، والخوف ، وخواص حمل القرآن ، وقراءته خصوصاً بعض السور منه»(٣) .
وهكذا الصدقات فإنها تدفع البلاء المحتم أو تدفع سبعين بلاء.
__________________
(١) من الأدعية الواردة في صلاة جعفر الطيار «عليه السلام».
(٢) النهاية لابن الاثير : مادة (كره).
(٣) اسرار العارفين : ص (٥٩).
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان الله لا إله الا هو ليدفع بالصدقة الداء والدبيلة ، والحرق ، والغرق ، والهدم ، والجنون ، وعد سبعين باباً من الشر»(١)
وعن الإِمام الباقر «عليه السلام» «البر ، والصدقة ينفيان الفقر ، ويزيدان في العمر ، ويدفعان عن صاحبهما سبعين ميتة سوء»(٢) .
أما الإِمام الصادق «عليه السلام» فقد ورد عنه أن :
«داوا مرضاكم بالصدقة»(٣) .
«وكم من ثناء جميلٍ لست أهلاً له نشرته»
وحيث يتصور الداعي نفسه ، وقد تراكمت عليها سحب الذنوب وسودت وجهه الخطايا فلا يرى لها جميلاً بين الناس ، وأينما حل تعتريه المضايقات النفسية ، ويرى أن نتائج أعماله تستوجب أن يحتقره الناس لأَعماله القبيحة. ولكن على العكس يمن الله عليه بأن يجبه في أعين الناس فتتناوله الألسن بالذكر الحسن ، والثناء الجميل ، وهو المدح مع أنه لا يرى لنفسه مثل هذا الجميل ، واللطف منه تعالى ، ولكنها منة أخرى تضاف الى بقية النعم التي وفرها الخالق لعباده لتكون الحجة البالغة لله دائماً.
٩ ـ «اَللّهُمَّ عَظُمَ بَلائي ، وَاَفْرَطَ بي سُوءُ حالي ، وَقَصُرَتْ بي اَعْمالي ، وَقَعَدَتْ بي اَغْلالي ،
__________________
(١ ـ ٢ ـ ٣) جامع السعادات (١٤٦).
وَحَبَسَني عَنْ نَفْعي بُعْدُ آمالي ، وَخَدَعَتْنِي الدُّنْيا بِغُرُورِها ، وَنَفْسي بِجِنايَتِها ، وَمِطالي».
ويقف الداعي أمام موازنة دقيقة تأخذ عليه مسالك التفكير يتصور حالته وجراءته على مولاه ، وكلما صدر منه من ذنوب.
ومن جهة اخرى يلاحظ نعم الله عليه ، فهو موفور الصحة كامل الأعضاء ينشر له ربه كل جميل ، ويستر عليه القبيح ، ويقيه العثرات فيا عجباً من هذا العطف ، واللطف.
ويلوم نفسه على ما صدر منه ، ولكنه يقنعها بأن لو لم يكن اهلاً للفضل ، ومحلاً للرحمة ، فإن الله سبحانه هو أهل الفضل ، والرحمة وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعقيبات الصلوات اليومية قوله :
«اللهم ان لم اكن اهلاً أن أبلغ رحمتك ، فرحمتك أهل ان تبلغني وتسعني لأنها وسعت كل شيء».
إن هذه الموازنة التي أجراها الداعي في نفسه بين ما صدر منه ، وما منحه ربه من فضل هي التي جعلت منه أن يبدأ إزدواجية الاعتذار عن قبيح ما صنع ، وبيان اسباب هذا التمادي الذي سبب له هذه الأعمال ، فاطلقها صرخة مدوية مكبراً ما صدر منه :
«اللهم عظم بلائي»
والبلاء : هو الغم الذي يبلي الجسم(١) وبهذه الفقرة أنبأ
__________________
(١) أقرب الموارد : مادة (بلي).
الداعي عن الغم الذي يسطير عليه من جراء ندمه ، واعترافه :
«وأفرط بي سوء حالي»
والافراط في الشيء هو تجاوز الحد فيه(١) .
وفي ذلك يعترف الداعي بأنه : قد تجاوز الحد في المخالفة ، وهذا من سوء حاله أن يدمن ، ويكثر من هذه المخالفات التي أبعدته عن جلال الله.
«وقصرت بي أعمالي»
وبالنسبة الى نعم الله عليه يجد الداعي من نفسه التقصير ازاء شكرها ولذلك لا يجد نفسه واصلاً الى درك مرضاته تعالى ، ومحققاً للغاية المنشودة من إمتثال أوامر الله ، وترك ما هو منهي عنه.
«وقعدت بي أغلالي»
والاغلال : هي الأطواق الحديدية ، والتي يقيد بها المجرم أو الأسير حيث يجمع يده الى عنقه ، ويربطهما الطوق الحديدي.
وهذه الفقرة من الدعاء تصور لنا حالة الداعي ، والذلة تحيطه من جميع جهاته بعد تصويره لحالته بان أعماله القبيحة قد قيدته كما تقيد الأطواق الحديدية الأسير ، وتذله ، وعلى الأخص عند الوقوف بين يدي آسره.
إن هذه الاغلال التي تحبس الداعي ، وتقعده إنما تقعده عن
__________________
(١) اقرب الموارد مادة (فرط).
الالتفات الى الأمور الخيرة ، والأعمال الصالحة ، والإِتجاه الى الله ، وحينئذٍ فيبعد عن كل ذلك لسوء سريرته.
«وحبسني عن نفعي بعد أمالي»
وبعد الأمل الذي يقصده الدعاء في هذه اللقطة هو التسويف الذي يلازم المرء فيمنعه عن القيام بما يلزم ازاء وظائفه الدينية ، والإِجتماعية فيدأب ليقضي أيام شبابه عابثاً لاهياً مؤملاً أنه سيعود الى الرشد بعد ذلك.
إن هذا التسويف هو الذي يضيع الفرصة على هذا المسكين فيدعه يتخبط في آثامه ، ولربما يدركه الموت فتفسد عليه ابواب الغفران وعندها يخسر الصفقة ولا ينفعه الندم حينذاك.
( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعوني لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) (١) .
ما أشدها من لحظات ، وما أحرجها من ساعة تمر على الإِنسان وهو يحتضر ليلفظ انفاسه الأخيرة.
ساعة يخاطب النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم فيها جبرائيل وهو يقول :
«حبيبي عند الشدائد لا تخذلني»
واذا كان نبي الرحمة هذا طلبه من جبرائيل ، وهو حبيب الله
__________________
(١) سورة المؤمنون : آية (٩٩ ـ ١٠٠).
فكيف بالعبد المذنب؟
هذا ال عبد المسجى يواجه الموت ، وهو منه قريب يلتفت الى عمله فيرا قبيحاً ، ويلتفت الى أمواله فيراها مكدسة ولم يكن قد إستثمرها في طرق الخير ، ولم يؤد حق الله منها. وها هي الابواب تغلق في وجهه فلم يبق لديه الا طلب واحد ذلك هو الرجوع به الى سابق وضعه ليتدارك ما فات ، ويصلح ما أفسد نتيجة التسويف ، وطول الأمل. ولكن : لقد فات الأوان ، وبعد الزورق عن الساحل ، وقد لفته الامواج العاتية ، وانتهى كل شيء ، فقد جاء الجواب :
«كلا إنها كلمة هو قائلها»
لقد تلاشت الآمال العريضة ، وضاعت الفرصة ، وخمد الضوء فلف الموت بردائه الحالك هذا المسجى فماتت البسمات على شفتيه.
إذاً فلا بد للإِنسان ، وهو يخوض غمار هذه الحياة من اليقظة والحذر قبل ان تنسد في وجهه الأبواب بحلول الشيخوخة حيث تضعف القوى ، فلا يقوى حينئذٍ على تدارك ما فات ، ومن ثم فشج الموت يقطع اليه خط الرجوع ، والتدارك.
ولذلك نجد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد على هذه الجهة ، ويحذر من التمادي وعدم الالتفات الى ما يلزم من المبادرة قبل فوات الأوان.
يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي الا ظننت أن شفري لا يلتقيان حتى يقبض الله
روحي ، ولا رفعت طرفي فظننت أني واضعه حتى أقبض ، ولا لقمت لقمة الا ظننت اني لا أسيغها حتى أغص بها من الموت ثم قال : يا بني آدم ان كنتم لا تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى»(١) .
وفي خبر آخر يقول «صلى الله عليه وآله وسلم» أكلكم يحب أن يدخل الجنة؟ قالوا : نعم ، قال : قصروا من الأمل ، واجعلوا آجالكم بين أبصاركم».
وبمثل هذا ونحوه مما يحث على الحذر ، والإِستعداد ، واغتنام الفرصة للتزود بالأعمال الصالحة جاءت الأخبار الكثيرة مؤكدة أن الإِنسان لا بد له من التوجه الى الله ، والانشداد الى تعاليمه المقدسة.
ولا بد لنا من إيضاح نقطة دقيقة ، ونحن نتعرض لمثل هذا النوع من الأخبار ، فالملاحظ على كثير من الآيات ، والاخبار التي يظهر منها ان يكرس الفرد حياته للعبادة ، والتفرغ لها كما جاء في الآية الكريمة :( وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون ) (٢) .
هو تغليب الجانب العبادي في هذه الدنيا بحيث يفهم منها أن الفرد لا بد له من ترك الدنيا وما تتطلبه الحياة الإِجتماعية من ادارة ، وعمل لتأمين الوسائل المعيشية ـ وعلى سبيل المثال ـ فلنقف بين يدي الحديث السابق من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «يا بني آدم ان كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى».
__________________
(١) جامع السعادات : ٣ / ٣٦.
(٢) نفس المصدر ، والموضع.
فكيف نعد أنفسنا من الموتى؟ والإِسلام يريد منا العمل لنقوم ببناء حياة إجتماعية فضلى لنثبت أننا أمة تفوق الأمم الأخرى ، والتي لا تسير على خط الإِسلام ، ونظمه ، وتشريعاته النافعة.
على أن هناك قسماً آخر من الأخبار نراه يبرمج الفرد في الإِنشغال بالدعاء ، والاعمال المستحبة طوال اليوم ، وفي كل ساعة من ساعات الليل. ومن المعلوم أن الإِسلام لا يريد من افراد الأمة الرهبنة ، والانخراط في سلك المترهبنين لتكون حصيلة عمر الإِنسان هو إهمال الحياة الإِجتماعية ، وعدم بنائها على النحو الذي تريده الشريعة نفسها ذلك لأن الإِسلام حياة عمل وحياة مزدهرة بالنظم والقوانين التي تنظم حياة الفرد على الصعيدين العبادي ، والعملي فكيف نوفق بين هاتين الجهتين؟
العبادة : والتي هي غاية الوجود للإِنسان كما صرحت به الآية الكريمة في قوله تعالى :( وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون ) (١) .
والعمل : وهو الذي يبني المجتمع الحديث الذي يزخر بكل ما يرفه للفرد حياته ، وسعادته كما تخطط الشريعة المقدسة عبر الأحاديث الكريمة ويأتي الحل لهذه المشكلة من خلال الأحاديث التي وردت عن الشرع والتي وفقت بين هاتين الجهتين : الوظائف العبادية ، والعملية. يقول صلى الله عليه وآله وسلم : «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً»(٢) .
وهكذا في حديث آخر جاء قوله صلى الله عليه وآله وسلم
__________________
(١) سورة الذاريات : آية (٥٦).
(٢) أسرار العارفين : ٦٢.
«اللهم اني أعوذ بك من دنيا تمنع الآخرة ، واعوذ بك من حياة تمنع خير الممات ، وأعوذ بك من أمل يمنع خير العمل»(١) .
ومثل ذلك ما ورد في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «ليس منا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه»(٢) .
ان هذه الموازنة بني أعمال الدنيا ، والآخرة هي التي يريدها المشرع الإِسلامي ، فيعطي الجانب الدنيوي حقه ليعمل كأنه يعيش الى آخر الزمن فلا يتقاعس عن متطلبات الحياة الاجتماعية ـ وفي الوقت نفسه ـ عليه ان لا يغفل عن آخرته ليجمع بين الجانبين. أما الإِنهماك في الأعمال الدنيوية ، أو الرهبنة ، والاتجاه الى الحياة الأخروية فهذا ما لا يريده الإِسلام للأمة في كل أدوارها ، وأجيالها المتعاقبة ، فالدنيا التي تمنع الآخرة يتعوذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها في الحديث الثاني ، لأن هذا الإِنهماك معناه : أن يخسر الآخرة ، ويخسر من وراء ذلك معنى العبادة والتي هي الغاية من خلق الإِنسان ، واتيانه لهذه الحياة.
وإذاً فالطريق الوسط هو ان يعيش الإِنسان دنياً لا تمنعه من آخرته ، ولا آخرة تستوجب إهمال دنياه ، بل يجمع بين الأثنين.
عمل : شعاره العبادة.
وعبادة : لا تنفك عن العمل.
والجمع بين هذين إنما يتحقق بالتوجه «الى الله بكل حركة في
__________________
(١ ـ ٢) جامع السعادات : ٣ / ٣٦.
الضمير ، وكل حركة في الجوارح ، وكل حركة في الحياة ، التوجه بها الى الله خالصة ، والتجرد من كل شعور آخر ، ومن كل معنىً غير التعبد لله».
بهذا وذلك يتحقق معنى العبادة ، ويصبح العمل كالشعائر ، والشعائر كعمارة الأرض ، وعمارة الأرض كالجهاد في سبيل الله والجهاد في سبيل الله كالصبر على الشدائد ، والرضى بقدر الله. كلها عبادة ، وكلها تحقيق للوظيفة الأولى التي خلق الله الجن ، والانس لها وكلها خضوع للناموس العام الذي يتمثل في عبودية كل شيء لله دون سواه.
«وخدعتني الدنيا بغرورها»
خدعه : ختله ، واراد به المكر من حيث لا يعلمه(١) .
والغرور : الأباطيل ، وقيل : تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب(٢) .
والتعبير بالخداع : ينطوي على معنىً يريد الداعي بيانه من خلال هذه الفقرة الدعائية.
انه يريد أن يقول : ان هذا الإِنهماك في طلب الدنيا ، والاقدام على هذه المخالفات لم يكن عن علمٍ منه ، وتقصير بل هو مخدوع خدعته الدنيا والخداع ـ كما مر في اللغة ـ هو الختل من حيث لا
__________________
(١ ـ ٢) لاحظ لسان العرب : مادة (خدع ، وغرر).
يعلم.
أما الغرور : فيمكن فما تشتمل عليه هذه الحياة من لذائذ وقتية ، وشهوات عارمة غير مشروعة تجر الإِنسان الى مهاوي الرذيلة وتبعده عن الواقع ، وما يرفع النفس ، ويصونها عن كل قبيح.
( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) ؟(١)
متاع خادع كالسراب الذي( يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ) (٢) .
ومن الغريب ان يكون وصف الدنيا بإنها «متاع الغرور» قد صدر من الخالق لهذا الكون. العالم بكل جزئية ، وكلية.
وقد جاء هذا الوصف في ذيل الآية الكريمة من قوله تعالى :
( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ) (٣) .
وعن الشيخ البهائي أن هذه الخصال الخمس المذكورة في الآية من اللعب ، واللهو ، والزينة ، والتفاخر ، والتكاثر مرتبة بحسب سني الإِنسان ، ومراحل حياته فمثلاً نراه يتولع أولاً : باللعب وهو طفل ، أو مراهق ، ثم اذا بلغ ، وإشتد عظمه تعلق باللهو والملاهي ، ثم اذا بلغ أشده اشتغل بالزينة من الملابس الفاخرة
__________________
(١) سورة آل عمران : آية (١٨٥).
(٢) سورة النور : آية (٣٩).
(٣) سورة الحديد : آية (٢٠).
والمراكب البهية ، والمنازل العالية ، ثم اذا اكتمل أخذ بالمناظرة بالاحساب ، والأنساب ، ثم اذا شاب يسعى في تكثير المال ، والولد»(١) .
ولكن كل ذلك يذهب هباء( كمثل غيث أعجب الكفار نباته ) ثم تكون نتيجته أنه كالحطام.
وإذاً فقد تلاشت الآمال ، وكانت اللذات المزيفة كالأحلام لم يبق منها إلا بعض ذكريات تحتفظ بها الذاكرة ، وصور مرت على الذهن كالشريط الذي يمر على الإِنسان تسير به حافلة الزمن.
ويصحو الإِنسان من غفوته الحالمة ليجد نفسه ، وقد غرته الدنيا فذهبت ملاذها الوقتية ، وبقي ما خلفته من تبعات وأوزار. يقول الإِمام أمير المؤمنين «عليه السلام» في مقام تحذيره عما تخلفه الدنيا من ويلات ، ومصائب :
( اذكروا انقطاع اللذات وبقاء التبعات )
ومرة اخرى : نعود الى الفقرة الدعائية «وخدعتني الدنيا بغرورها».
لنقول : أنها تشير الى حالة نفسية يمر بها الإِنسان في حياته وهي : التغلب المستمر في روحيته ، فالحياة دائمة الإِغراء والإِنسان دائم النسيان ، والتناسي ، وصحيح ان كل ما في الدنيا للإِنسان ، ولكن ليس كل انسان يحسن إستغلال ما في هذه الحياة لذلك فهو دائماً عرضة للغرور ، والإِنحراف عن الطريق الصحيح للعيش في
__________________
(١) عن الميزان في تفسير القرآن في تفسيره لهذه الآية الكريمة.
هذه الدنيا.
وهنا يوقظ الدعاء في نفس الداعي حسه وينبهه الى نقطة حساسة تلك هي التأثير المستمر في حياة الإِنسان الذي يجب أن يكون يقظاً له لئلا ينجرف الى الجانب السيء.
«ونفسي بخيانتها»
أما الخيانة : فهي نقض العهد(١) .
وأما النفس : فقد ذكروا لها معاني عديدة ذكر كثير منها في القرآن الكريم ، والاخبار. منها : اللوامة ، والأَمارة ، والمطمئنة ، والراضية والمرضية.
وفي مورد آخر قسمها الإِمام أمير المؤمنين «عليه السلام» لراوي الدعاء كميل بن زياد فعدها أربعة : النامية ، أي النباتية ، والحسية وهي الحيوانية ، والعاطفة ، أي القدسية ، والكلمة الإِلهية. ولكلٍ من هذه الأربعة خمس قوىً ، وخاصان.
وقد أسهب شيخنا الطريحي في هذا الموضوع في كتابه «مجمع البحرين» مادة : نفس. كما وقد تعرض لذلك كثير من الباحثين ، والمفسرين ولكن وخوفاً من الإِطالة فقد أرجأنا البحث عن النفس ، وما يمت الى حقيقتها بصلة لئلا نخرج عن الصدد. ولأن النفس ـ والتي يرد بها هذا الكيان الشخصي لكل فرد حيث يكون بها قوام هذه الحياة ـ أصبحت لها صورة منطبعة في الذهن يتخيلها الإِنسان ، وان كان البحث في حقيقتها مثار جدل ، ونقاش بين العلماء ، ولهذا
__________________
(١) أقرب الموارد : مادة (خوت).
لا نرى داعياً للتوغل في تعريفها ، ولذلك نعود لنلتمس ما يقصده الدعاء من توجيه الداعي الى الإِعتراف بخيانة النفس.
والملاحظ : أن الدعاء في الفقرة السابقة القى اللوم على الدنيا لأنها خدعته بغرورها ، وفي هذه الفقرة القى التبعة على نفسه فهي التي خانته ، وأوردته هذه الموارد ، ولكن الخيانة لمن؟ ومع من كان نقض العهد؟ بعد ان عرفنا أن الخيانة هي نقض العهد في اللغة ، وكذا في المصطلح العلمي الخاص.
وهذا ما لم يذكر في نصوص الدعاء إلا أننا من التناسق الدعائي ومن خصوصية المورد بكامله نعلم أن الخيانة إنما كانت لعهد النفس مع الله عندما نالت شرف الإِسلام ، وأسلمت بالرسالة المحمدية. ذلك أن الفرد عندما يسلم ، أو يصل الى سن التكليف ، فيختار الاسلام ديناً له يجعل المظهر لذلك إعلان الشهادتين بقوله :
«أشهد أن لا إله الا الله وأشهد أن محمداً رسول الله».
وبإظهار هذه الشهادة تترتب المظاهر الخارجية ، والتي يتمتع بها وبتعبير أوضح نقول : ان إسلام الفرد ينبني على مظهر خارجي وهو إظهار الشهادتين أمام الناس ، وفي المجتمع ، وما يترتب على ذلك من إطاعة القوانين ، وعدم الخروج عليها.
وعلى مبدأ داخلي ذاتي يكون بين الإِنسان وربه تعهد بأن يؤمن به حقاً ، ويعترف به ، وبصفاته ، وان يمتنع عن كل ما نهي عنه مما لا يطلع عليه الا الله.
وهذا الجانب الداخلي يعطيه الله اكثر اهمية لأنه يجعل من الفرد إنساناً كاملاً بنفهس ، وبدون رقيب خارجي يوقظه الى مثل هذا
الإِلتزام. كما وان التعاليم الإِسلامية في اكثرها مبنية على القبول الداخلي ، والنقد الذاتي ، فان داخل الإِنسان ، ونفسه هي التي تشع الى الخارج على شكل تصرفاته مع الآخرين.
كل مسلم من كونه محقون المال ، والدم ، والعرض ، فهو بعد ذلك كفردٍ من أفراد المجتمع الاسلامي له ما لهم ، وعليه ما عليهم لأنه يشهد الشهادتين ، ومن قال هذه الشهادة حقن ماله ، ودمه ، وعرضه كما يقوله الحديث. ت
وأما ما وراء ذلك من التزام بمبادئ الإِسلام وقوانينه وما يتبع ذلك من اعتقاد بضروريات الدين وأصوله ، وفروعه ، وما يترتب على ذلك من ثواب ، وعقاب ، فإن هذا أمر يعود الى عقيدة هذا الفرد ، ومدى التزامه ، وايمانه بالإِسلام ، ونظمه ، ومقرراته فإذا تبع إظهار الشهادتين إعتقاد كامل كان ذلك الفرد مثال المسلم المؤمن. أما في صورة عدم الاعتقاد ، فإن هذا الفرد لا يتعدى كونه فرداً محكوماً بالإِسلام بحسب المظاهر الخارجية. وعوداً لما نحن بصدد إثباته من العهد ، فإن من أقر بالله وبرسوله ، وآمن إيماناً كاملاً بذلك فهو يعترف إذاً : بأن هذه الشريعة المقدسة هي الدستور الإِلهي الذي على المكلف ان يلتزم به ، ويطبقه بكل ما يحتوي عليه على الصعيدين : العبادي ، والمعاملي.
وهذا هو العهد بينه ، وبين الله على الإِقرار بوحدانيته ، وان محمداً مبلغ لرسالته وهو ـ في الوقت نفسه ـ متمسك بكل التعاليم والاحكام التي جاءت بها تلك الرسالة.
وإذاً فأي مخالفة من قبل الإِنسان المكلف معناها نقض للعهد ،
والإِتفاق على تطبيق محتويات القانون الإِلهي ، وعليه ان يتحمل تبعات هذا النقض ، وهذه المخالفات.
والداعي : لا يخرج في جميع حالاته عن كونه بشراً. لذلك نراه دائماً ، وفي مثل هذه الموارد يريد التهرب من المسؤولية حيث يفرض من نفسه كياناً آخر هو الذي يقوم بهذه المخالفات ، ولذلك يلقي اللوم عليها ، ولهذا جاءت هذه الفقرة معطوفة على قوله : «وخدعتني الدنيا بغرورها». فكما كانت الدنيا خادعة ، وهو مخدوع فكذلك نفسه خائنة فهو مظلوم ، أو متظلم.
«ومطالي»
والمطل : هو التسويف بالوعدة مرة بعد اخرى(١) .
وهنا عطفه الداعي على ما سبق من إعتذاره لله تعالى بخيانة نفسه حيث القى اللوم على نفسه بخيانتها ، وعدم قيامها بما فرضه الله تعالى ، او التسويف بالإِتيان بذلك مرة بعد أخرى الى أن فات الأوان ، وذهبت الفرصة فيكون المعنى :
«وخدعتني نفسي بخيانتها ، وتسويفها»
١٠ ـ يا سَيِّدي فَأَسْأَلُكَ بِعِزَّتِكَ اَنْ لا يَحْجُبَ عَنْكَ دُعائي سُوءُ عَمَلي ، وَفِعالي وَلا تَفْضَحْني بِخَفِي مَا اطَّلَعْتَ عَلَيْهِ مِنْ سِرّي ، وَلا تُعاجِلْني بِالْعُقُوبَةِ عَلى ما عَمِلْتُهُ في خَلَواتي مِنْ سُوءِ فِعْلي ، وَإساءَتي ، وَدَوامِ تَفْريطي
__________________
(١) اقرب الموارد : مادة (مطل).
وَجَهالَتي ، وَكَثْرَةِ شَهَواتي ، وَغَفْلَتي.
ويتناول الدعاء في هذا الفصل بفقراته العديدة معالجة مشكلة التستر على الاعمال التي يصدرها الإِنسان في خلواته حيث يظهر بمظهر الصلاح ويبطن المنكرات ليجلب بذلك ود الناس ، وعطفهم.
هذا النوع من البشر الذين يعيشون في خلواتهم يفجرون ، ويخالفون ولكنهم يلتزمون بما تمليه عليهم المظاهر الإِجتماعية.
ولربما يقول البعض : اننا لماذا نلاحق الإِنسان حتى في مخدعه ومأمنه ما دام محافظاً على الوضع العام ، وما يمليه عليه الاجتماع من آداب سلوكية والمهم هو حفظ النظام العام؟.
ويجاب عن ذلك : أن الإِمام «عليه السلام» لا يكتفي من الإِنسان بهذا المقدار من الالتزام ، والتقيد ليحافظ على المظهر فقط بل يوجه الداعي عبر الدعاء الى تهذيب نفسه ، وتوجيهه الى الله لتسمو نفسه ، وليكون مثال المؤمن المتطامن الذي يسلم الناس من يده ، ولسانه ، ولا يتحقق ذلك إلا بأن يكون الدعاء عند الفرد النفسية الصالحة ذات الوجه الواحد في الخفاء والعلن ، لذلك فان الفرد الصالح هو من يكف نفسه عن القيام بما ينافي على كلا الصعيدين الداخلي ، والخارجي أمام الناس ، أو بعيداً عن أعينهم ، فإن الجريمة لا تختلف من حيث كونها جريمة في الشارع العام ، او في البيت ، وبين جدرانه. إلا انها في الخارج يضاف الى كونها جريمة أنها تأخذ طابعاً آخر ، وهو مساعدتها على التفسخ ، والتحلل الذي يصيب المجتمع من كافة أطرافه من جراء إنتشار الجرائم بين
أفراده.
ان هؤلاء الذين يحافظون على مظاهرهم الخارجية لجلب عواطف الناس واظهار أنفسهم بالمظهر الذي يتناسب مع الوضع الديني ، وهم يخفون الجريمة في خلواتهم إنما يراءون بأعمالهم ، وهم بذلك قد اشتروا رضا المخلوق بسخط الخالق ، وهذا ما لا تقره الشريعة المقدسة ولا أي رسالة أخرى نزلت من السماء. ولهذا نرى الدعاء في هذا الفصل يوجه الداعي الى التخلي عن هذه المخاتلات ، والخدع ليعتذر الى الله عز وجل فيما صدر منه في الخفاء ، ويعاهده متضرعاً على أن يكون مثال الفرد المسلم المؤمن الذي لا تختلف حاله في كل الأوقات ، والاماكن يراقب الله في كل لحظة من لحظات حياته لأن الله معه في كل زمان ، ومكان ، ولا تخفى عليه خافية.
ومع هذا الفصل في فقراته الدعائية.
«يا سيدي : فأسألك أن لا يحجب عنك دعائي سوء عملي وفعالي»
وعاد الداعي أدراجه الى الوراء ليرى ماذا فعل فيما مضى من عمره خدعته الدنيا بغرورها.
وغرته نفسه بخيانتها.
وهم اعلم بما صدر منه ، فرأى ذنوبه قد تراكمت ، وقد حجبت دعاءه من الوصول الى الله ليتجاوز عنه ، وهذا ما يخشاه الإِنسان في هذه الحياة ، انه يخشى أن تكون أعماله القبيحة كالدرن
الذي ينشر غلافاً على الشيء فيكون طبقة عازلة ، وهكذا الذنوب تراكمت فحجبت نفسه عن المثول بين يدي خالقها لتنهل من نميره العذب وليلفها وشاح لطفه الكريم ، ولهذا كانت الرقة بادية على هذا النداء المتضمن لخضوع الداعي لمولاه ، وهو يطلب العفو ويريد التجاوز ، وان لا يكون ما صدر منه من قبيح الأعمال حاجباً ومانعاً عن وصول صوته اليه فان فعلت ، وأعرضت بوجهك الكريم عني فأنا أهل لذلك ، ولكنك يا سيدي إن تجاوزت ، وتفضلت بحلمك ، وكرمك فأنت أهل لذلك. فلا تعاملني على قبيح ما عندي ، بل عاملني بجميل ما عندك يا رب.
«ولا تفضحني بخفي ما إطلعت عليه من سري»
ان هول الجريمة قد انسى الداعي رحمة الله ، وستره المرخى على العباد ، فهرج الى ربه يدعوه أن لا يفضحه ويكشف أمام أعين الناس ما أخفاه هو عنهم ، فالمجتمع لا يرحم إذا عرف من هذا الفرد تستره على الجريمة. ولذلك نرى الداعي يسأل ربه أن يكفيه شر الناس ، وأذاهم عندما تنظر اليه العيون شزراً وتهمس الشفاه تتحدث عنه.
«ولا تعاجلني بالعقوبة على ما عملته في خلواتي»
المعروف بين الكل حتى أصبح واضحاً هو أن العقاب ، والجزاء إنما هو في الحياة الآخرة بعد الحساب يوم القيامة ، وهكذا الثواب ، وعندها ترى نتائج الحساب ، فإما الى الجنة ، أو الى النار تبعاً لما عمله ، وما قدمه في دنياه ، إن خيراً فخير ، وان شراً فشر.
وهذه حقيقة أصبحت من الوضوح بمكان إلا عند من ينكر
البعث ، والحساب واليوم الآخر ، والجزاء مثوبة ، وععقوبة فلهؤلاء طريقتهم الخاصة النابعة من الحادهم ، أو شركهم بالله ، ولسنا مع هؤلاء المنكرين.
وإذاً فمن الملفت ان يوجه الدعاء الداعي في التوجه الى الله ، والطلب منه ان لا يعجل له عقوبته على ما إقترفه في هذه الدنيا ، وفي خلواته وهل عقاب الله يكون في دار الدنيا بعد أن قدمنا ان الجزاء مثوبة وعقوبة إنما هو بعد الموت ، وفي تلك الدار لا في حال الحياة؟
وللإِجابة على ذلك نقول :
ليس كل العقاب منحصراً بما بعد الموت ، بل بالإِمكان تقسيم العقاب على ثلاثة أقسام :
١ ـ ما يحصل بعد الموت وبعد الحساب ، وهو العالم الأخروي.
٢ ـ ما يحصل في حال الحياة ، وبعد الموت.
٣ ـ ما يكون في حال الحياة فقط.
أما القسم الأول : فإنه يكون مرتباً على الشرك بالله ، أو ترك ما يفرضه من الواجبات ، والمحرمات ، وما هو من هذا القبيل فإن كل ذلك ينال جزاءه العبد بعد الحساب في يوم القيامة ، وبذلك يدخل النار لمدة معينة ، او يخلد فيها تبعاً لحجم الذنب الذي صدر منه شركاً ، أو تركاً لأوامر ، أو عصياناً لنواهي كان المفروض ان يتجنبها.
وأما القسم الثاني : فهو ما يكون عقوبة على الظلم الذي يصدر من العبد ، والتجاوز منه على حقوق الآخرين فهذا ينال جزاءه الظالم في الدارين الدنيا والآخرة. وقد حكى القرآن ، وعرض صوراً لذلك فقال تعالى :( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّـهِ ) (١) .
وقد تضمنت الآية الكريمة الحكاية عن حال قارون ، وتطاوله واصراره على الفساد في الأرض ، وغروره بكل ما حوله ، وشيوع ظلمه وأذاه الى الناس ، وكان يخرج من بيته متزيناً بالذهب ، والاحجار الكريمة. وقد نقلت المصادر التفسيرية بإنه خرج مرة في أربع آلاف دابة عليها أربعة آلاف فارس عليهم ، وعلى دوابهم الأرجوان(٢) .
وقيل : خرج في جوار بيض الى سرج من ذهب على قطف أرجوان على بغال بيض عليهن ثياب حمر ، وحلي ، وذهب(٣) .
كل هذه المشاهد تمر ، وقارون يبغي عليهم كما تصرح الآية في قوله تعالى :( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ) (٤) .
فهل يتركه الله يعبث في الأرض فساداً ، ثم ليموت حتف أنفه ليطوي سجلاً حافلاً بالفساد ، والبغي ، والظلم ، والجور ، والتلاعب بأموال الناس ، ونفوسهم ، وأعراضهم ، وبعد ، وفي يوم
__________________
(١) سورة القصص : آية (٨١).
(٢) الارجوان : صبغ احمر ، او ثياب حمر : أقرب الموارد / مادة (رجو).
(٣) راجع مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية.
(٤) سورة القصص : آية (٧٦).
القيامة ينال جزاءه ، وحينئذٍ تكون حياته مشجعة لغيره ممن ينهج على نهجه ويسير على خطاه؟
وطبيعي أن يكون الجواب بالنفي ، بل لا بد من إنزال العقوبة به في الدنيا ليكون عبرة لغيره لتستقيم تلك الأمور.
وكان جزاؤه ، وحسماً لمادة الفساد أن خسف الله به ، وبداره الأرض فضم الثري بين جنبيه رمز الظلم ، والخيانة ، فكان هذا حظه في الدنيا ، وله من عقاب الآخرة ما لا يعلمه الا الله سبحانه.
وفي سورة أخرى من سور القرآن الكريم تطالعنا الآيات بصورة اخرى لمثل هذا النوع من العقاب المتوخى منه حسم مادة الفساد قال تعالى :( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (١) .
لقد أذاقهم الله العذاب في الدنيا لأن هؤلاء البغاة الكفرة ظلموا الناس ، وتجاوزوا ، واستعلوا عليهم ، وخالفوا أوامر الله ، ونواهيه بل ، وأشركوا به فعجل لهم العذاب في الدنيا نتيجة جرائمهم البشعة فمن أخذته الصيحة في الآية الكريمة فهم : ثمود ، وقوم شعيب. والمراد بالصيحة هي (العذاب) اما من خسف به الأرض فهو : قارون ، ومن كان جزاؤه الغرق فهو : فرعون ، وقومه ، وقوم نوح(٢)
__________________
(١) سورة العنكبوت : آية (٤٠).
(٢) راجع مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية الكريمة.
هذا في الدنيا ، وأما في الآخرة ، فحسابهم عسير ، وعسير جداً. إذ هم على موعد مع الله ، وأمام الميزان ، وعند الحساب.
( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّـهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) (١) .
وحاشا لله ان يظلم احداً لأن الظلم قبيح ، وهو منزه عن القبيح بل ذلك بما قدمت أيديكم ، وان الله ليس بظلامٍ للعبيد.
وأما الأخبار : فقد تضمنت أيضاً لعرض مثل هذه الصور العقابية فقد جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله : «خمس ان أدركتموهن فتعوذوا بالله منهن».
١ ـ لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوها إلا ظهر فيهم الطاعون ، والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا.
٢ ـ ولم ينقصوا المكيال ، والميزان إلا أخذوا بالسنين ، وشدة المؤنة وجور السلطان.
٣ ـ ولم يمنعوا الزكاة إلا منعوا القطر من السماء ، ولو لا البهائم لم يمطروا.
٤ ـ ولم ينقضوا عهد الله ، وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم وأخذ بعض ما في أيديهم.
٥ ـ ولم يحكموا بغير ما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم»(٢) .
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٢٨١).
(٢) اسرار العارفين / ٦٧.
وفي مقام المقارنة بين هذه المعاصي الخمس وبين ما جعل لكل واحدٍ منها من العقوبة قيل : أنه رتب «على كل احد من المعاصي المذكورة عقوبة مناسبة.
فإن الأول : لما كان فيه تضييع آلة النسل ناسبه الطاعون الموجب لإِنقطاعه ـ بناءً على أن الفاحشة هي الزنا ـ.
والثاني : لما كان القصد فيه زيادة المعيشة ناسبه القحط وشدة المؤنة ، وجور السلطان بأخذ المال ، وغيره.
والثالث : لما كان فيه منع ما أعطاه الله بتوسط الماء ناسبه منع نزول المطر من السماء.
والرابع : لما كان فيه ترك العدل ، والحاكم العادل ناسبه تسلط العدو ، وأخذ الأموال.
والخامس : لما كان فيه رفض الشريعة ، وترك القوانين العدلية ناسبه وقوع الظلم ، وغلبة بعضهم على بعض»(١) .
هذه نماذج ، وصور من العقاب في الدنيا جزاءً على صدور الذنوب والفحشاء ، والمنكر تأديباً ، وعبرة للغير في هذه الحياة.
القسم الثالث : من أقسام العقاب ، وهو ما يكون العذاب متوجهاً على العبد في الدنيا دون الآخرة ، وهذا يبتني على أن الله اذا أحب عبداً ، وله ذنب ابتلاه ر العذاب ليكون ذلك تكفيراً له عما صدر منه من ذنب فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الله عز وجل قال :( ما من عبدٍ أريد أدخله الجنة إلا
__________________
(١) أسرار العارفين / ٦٧.
إبتليته في جسده ، فإن ذلك كفارة لذنوبه ، وإلا شددت عليه عند موته حتى يأتيني ولا ذنب له ، ثم أدخله الجنة ) (١) .
وفي خبر آخر عن الإِمام أبي عبد الله الصادق «عليه السلام» قال : «إذا اراد الله عز وجل بعبدٍ خيراً عجل عقوبته في الدنيا ، وإذا اراد بعبدٍ سوءً أمسك عليه ذنوبه حتى يوافي بها يوم القيامة»(٢) .
والروايات التي أشارت الى هذا المعنى كثيرة ، وكلها تصرح بأن الله إذا تعلقت إرادته ان لا يعذب عبداً لأمور هو أعرف بها ومن أجلها إستحق عطف الله ، وجه عليه ، وإبتلاه بما يرفع عنه عقاب الآخرة ، وبلائها.
ومن هذا العرض يتضح لنا أن الداعي حيث يطلب من سيده أن لا يعاجله بالعقوبة «لا تعاجلني على ما فعلته في خلواتي».
إنما يقصد العقوبة من القسم الثاني ، لا العقوبة من القسم الثالث لأن عقوبة القسم الثاني لا ترفع شيئاً من عذاب الآخرة ، ولا تخفف منه شيئاً ، ولذلك يطلب الداعي عدم التعجيل بها عليه. أما العقوبة من القسم الثالث ، فإن على الداعي أن يطلبها من الله لأن العقوبات الدنيوية مؤقتة بينما عذاب الآخرة شديد ، ولا طاقة على تحمله.
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ
__________________
(١ ـ ٢) أصول الكافي / حديث (١٠ ـ ٥) من باب تعجيل عقوبة المذنب.
جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ) (١) .
فليست عملية التهذيب تنتهي بمرة واحدة يحرق فيها المذنب في نار جهنم ، وتنتهي المشكلة ، ويعود كل شيء الى مكانه ، بل هي عملية متكررة حسب عظم الذنب تنضج الجلود فتبدل غيرها ليذوقوا العذاب ، وليعلموا :
( أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّـهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ) (٢) .
«من سوء فعلي ، وإسائتي ، ودوام تفريطي ، وجهالتي ، وكثرة شهواتي ، وغفلتي»
وبدأ الداعي يعدد تلك الأمور التي كان قد فعلها ، والتي طلب من الله أن لا يعجل العقوبة عليه في الدنيا من أجلها وهي أفعاله السيئة القبيحة ، وتفريطه المستمر بواجباته ، وجهله بكثير مما يلزمه ، وكثرة شهواته المسعورة غير المشروعة.
أما غفلته : فالمراد بها غفلته عن كثير مما يلزم القيام به. وقد يرد الإِشكال على التعبير بالغفلة : فإن الغافل كيف يعاقب مع انه غافل؟ وعليه فلماذا يطلب الداعي التجاوز عما صدر منه في حال الغفلة ، وهو غير مؤآخذٍ عليه؟
والجواب عن هذا الإِشكال : ان الغفلة في اللغة جاءت إسماً لغيبة الشيء عن بال الإِنسان ، وعدم تذكره ـ وفي الوقت نفسه ـ قيل : المراد بها ما لو ترك الإِنسان الشيء إهمالاً ، وإعراضاً كما جاء
__________________
(١) سورة النساء : آية (٥٦).
(٢) سورة البقرة : آية (١٦٥).
ذلك في المصادر اللغوية(١) .
وينحل الإِشكال اذا قلنا : ان الداعي قد إستعمل الغفلة في المعنى الثاني ، وهو الإِهمال ، والإِعراض ، والمعنى بناء على هذا التفسير الثاني :
أي رب ، ولا تعاجلني بالعقوبة على ما أهلمته ، وأعرضت عنه من الواجبات ، وترك المحرمات.
١١ ـ وَكُنِ اللّهُمَّ بِعِزَّتِكَ لي في الأحوال كُلِّها رَؤوفاً ، وَعَلَي في جَميعِ الأمورعَطُوفاً. اِلـهي ، وَرَبّي مَنْ لي غَيْرُكَ أَسْأَلُهُ كَشْفَ ضُرّي ، وَالنَّظَرَ في اَمْري؟ اِلهي ، وَمَوْلاي اَجْرَيْتَ عَلَي حُكْماً اِتَّبَعْتُ فيهِ هَوى نَفْسي ، وَلَمْ اَحْتَرِسْ فيهِ مِنْ تَزْيينِ عَدُوّي. فَغَرَّني بِما اَهْوى ، وَاَسْعَدَهُ عَلى ذلِكَ الْقَضاءُ ، فَتَجاوَزْتُ بِما جَرى عَلَي مِنْ ذلِكَ بَعْضَ حُدُودِكَ ، وَخالَفْتُ بَعْضَ اَوامِرِكَ فَلَكَ الْحَمْدُ (فَلَكَ اَلْحُجَّةُ) عَلي في جَميعِ ذلِكَ ، وَلا حُجَّةَ لي فيما جَرى عَلَيَّ فيهِ قَضاؤُكَ وَاَلْزَمَني حُكْمُكَ ، وَبَلاؤُكَ.
يشتمل هذا الفصل من الدعاء على مقاطع أربعة :
فالمقطع الأول : والذي يبدأ بقوله : «وكن اللهم بعزتك لي»
__________________
(١) أقرب الموارد : مادة (غفل).
الخ. وينتهي بقوله «إلهي ، وربي من لي غيرك».
نرى الإِمام «عليه السلام» يوجه الداعي فيه الى تغيير لهجة الطلب والالتماس ، من حيث قصرها على المغفرة ، والتجاوز عن الذنوب ، بل يوجهه الى تصعيد حملته الدِّعائية لطلب الرأفة منه تعالى في كل شيء.
إن الإِحساس بالرحمة ، والعطف الكامل من الله لعبده ، وشعوره بإن الله هو مصدر كل ذلك هو الذي حدا بالداعي أن يقفز بالطلب الى هذا الحد ، فيتجاوز من طلب المغفرة الى طلب الرأفة ، والعطف عليه في كل شيء بما تشتمل عليه كلمة «كل» من التعميم.
وأما المقطع الثاني : والذي يبدأ بقوله :«إلهي وربي من لي غيرك» وينتهي بقوله : «الهي ومولاي أجريت علي حكماً».
فيظهر الدعاء فيه عجز الداعي الكامل عن كشف الضر عنه ، وعدم وجود من يلجأ اليه للقيام بهذه المهمة غير ربه ، فهو الذي بيده مفاتيح الخير وانه على كل شيء قدير.
وأما المقطع الثالث : والذي يبدأ بقوله : «إلهي ومولاي أجريت علي حكماً» لينتهي بقوله : «فلك الحجة علي».
فيتلخص في اعتراف الداعي بإلقاء كافة المسؤوليات في المخالفة على نفسه ، واعتبار التقصير ناشئاً من قبله.
وفي المقطع الرابع : والذي يبدأ بقوله : «فلك الحجة علي في جميع ذلك» نرى الداعي يسلم أمره الى الله بعد إجراء هذه
السلسلة من الإِعترافات واخيراً التصريح بأنه : هو الخاسر ، وان الحجة لله عليه لا له على ربه فهو المغلوب ، والخاسر ، وبالأخير ، فإنه المفتقر الى رحمة ربه ومع المقاطع المذكورة.
«وكن اللهم بعزتك لي في كل الأحوال رؤفاً ، وعلي في جميع الأمور عطوفاً»
الرؤف ، من الرأفة ، ويقول أهل اللغة أن الرأفة أشد من الرحمة.
والعطوف : من العطف ، وهو الرجوع ، ويراد به هنا : اشفق ، ورق له ووصله ، وبره كل ذلك مصداق للعطف(١) .
إن الداعي بدأ يلتمس من ربه بعد أن أحس من دفس رحمة ربه ما جرأه على التطاول في الطلب انه يريد من ربه أن لا يقف عند نقطة معينة من حنوه ، وعطفه ، بل يذهب به الى أقصى حد ليكون محاطاً بكامل لطفه ، وفي جميع الآنات التي تمر عليه مع إحساسه بانه المذنب المقصر ، والمتجاوز على الحدود. ولكن الملجأ هو الله لأنه القائل :( عبدي أوجدت صدراً أوسع مني فشكوتني اليه ) . ما أرق هذا العتاب الهاديء يصدر من مصدر القوة ، والإِقتدار يناغي به ضعيفاً لا يملك لنفسه ضراً ، ولا نفعاً يريد منه أن يتوجه اليه فهو الرؤوف العطوف.
يقال : ان قارون لما تمادى في غيّه ، وبغيه دعا عليه موسى «عليه السلام» فأوحى الله الى موسى : أني أمرت الأرض ان
تطيعك ، وسلطتها عليه ، فمرها بما شئت تطعك. فجاء موسى الى قارون وكان قارون من أقارب موسى «عليه السلام» فلما رآه قارون عرف الغضب في وجهه فقال : يا موسى إرحمني. فقال موسى : يا أرض خذيهم. فاضطربت دارهم ، وخسف به ، وبأصحابه حتى تغيبت أقدامهم ، وساخت دارهم على قدر ذلك. فقال قارون : يا موسى إرحمني فقال : يا أرض خذيهم ، فإضطربت دارهم ، وخسف به ، وبأصحابه الى ركبهم ، وساخت داره على قدر ذلك ، وجعل قارون يقول : يا موسى ارحمني ، وجعل موسى يقول : يا أرض خذيهم ، فإضطربت داره ، وخسف به ، وبأصحابه الى سرتهم ، وساخت داره على قدر ذلك. فقال قارون : يا موسى إرحمني. فقال موسى : يا أرض خذيهم ، فخسف به ، وبداره ، وبأصحابه فلما خسف به أوحى الله الى موسى : يا موسى ما أشد قلبك ، وعزتي وجلالي لو بي إستغاث لأغثته فقال موسى : رب غضباً لك فعلت»(١) .
قارون وبشهادة القرآن الكريم انه بغى على الأمة وأنه الظالم العضوض ومع كل ذلك يقسم الله بعزته ، وجلاله انه لو توجه اليه في تلك اللحظات الحرجة ، وإستغاث به لوجده عنده ، وأغاثه ، وعفا عنه.
أي لطف هذا ، وأي رحمة هذه ، وأي حلمٍ يتصوره الإِنسان أن يكون مثل قارون ، وما هو عليه من الجنايات لو لجأ الى الله لوجده عنده؟
__________________
(١) لاحظ مجمع البيان ، والدر المنثور في تفسيرهما للآية (٨١) القصص.
سبحانك يا رب
«إلهي وربي من لي غيرك أسأله كشف ضري والنظر في أمري»
والضر : بفتح الضاد ، وضمها ضد النفع ، وسوء الحال ، والشدة :
ويقول النحويون : أن (مَن) للإِستفهام ، وهي في هذه الفقرة أيضاً جاءت للأستفهام ولكن من باب «وكم سائل عن أمره وهو عالم». والداعي يعلم أنه ليس له غير الله يكشف ضره ، وينظر في أمره إلا أنه يلجأ الى الله يستفهم منه ، وهو يريد بهذا الإِستفهام الصوري ان يقول : ربي ليس لي غيرك من أسأله ، والجأ اليه.
«إلهي ومولاي أجريت علي حكماً اتبعت فيه هوى نفسي»
وفي هذه الفقرة يبين الداعي أن مخالفته للأحكام الشرعية التي كلف بها من قبل الله سبحانه إنما كانت تبعاً لأهوائه النفسية ، وميوله الشهوانية تاركاً جانب العقل ، والذي يوضح له ان مخالفة أوامر الله ، ونواهيه العقاب الأخروي والبعد عن ساحته المقدسة.
ولربما كان مع ذلك العقاب في الدنيا كما مر من نقلنا لبعض الصور التي عرض مشاهدها القرآن الكريم من الجمع بين العقابين الدنيوي والأخروي.
«ولم أحترس فيه من تزيين عدوي فغرني بما أهوى»
إحترس : أي تحفظ. من حرسه أي حفظه ، والمعنى إنني لم
اتحفظ في المخالفات مما زينه لي عدوي ، وهو الشيطان حيث حببب لي الفواحش ، وإرتكاب المحرمات ، فهو قد حسن ذلك في نظري فأقدمت عليه منقاداً لشهواتي النفسية فكانت الشهوات هي : النافذة التي أطل منها العدو علي «فغرني بما أهوى». فكنت مخدوعاً من قبله.( وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) (١) .
«وأسعده على ذلك القضاء»
أسعد على الشيء وأسعده عليه أعانه والنائحة الثكلى أعانتها على البكاء(٢) .
وتأتي هذه الفقرة مكملة لما سبق من الفقرات الماضية من إعتذار الداعي بانه مخالفاته إنما كانت تبعاً لتسلط الهوى عليه ، وعدم إحتراسه ، وتحفظه من عدوه الذي كان سبباً في تزيين هذه المخالفات في نظره ، وزاد على ذلك ، وأعان عليه القضاء الذي لا طاقة له على رده. والى هنا ينتهي الشرح الاجمالي لهذه الفقرة ، قبل أن ننتقل الى الفقرة التالية. نجد السؤال الآتي يفرض نفسه علينا. والسؤال هو :
إن الذي يظهر في قوله «عليه السلام» (وأسعده على ذلك القضاء) ان القضاء كان له الدخل في الإِشتراك مع بقية العوامل التي كانت السبب في صدور هذه الذنوب. فما هو هذا القضاء ، وكيف يكون الداعي واقعاً تحت تاثيره بحيث لم يتمكن من مخالفته كما يقال : «أصبت بكذا» لأن ذلك كان بقدرٍ ، وقضاء علي؟
__________________
(١) سورة البقرة : آية (١٦٨).
(٢) لسان العرب : مادة (سعر).
وقد جرت بمثل ذلك محاورة بين الإِمام أمير المؤمنين «عليه السلام» وبين سائل تصدى للسؤال منه.
يقول السائل : يا أمير المؤمنين ـ أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء ، وقدر؟
الإِمام : نعم يا شيخ. ما علوتم قلعة ، ولا هبطتم بطن واد إلا بقضاء من الله ، وقدر.
الشيخ : عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين ، والله ما أرى لي من الأجر شيئاً»(١) .
أما جواب الإِمام الى السائل فنرجئه الى ما سيأتي بعد بياننا لمعنى القضاء والقدر ، ليتضح لنا أن هذا السؤال قد طرح من قبل ، وإن الإِنسان إذا كان عرضة للقضاء والقدر ، فكيف يثاب؟ وعلى أي شيء يعاقب. وهذه هي شبهة المجبرة الذين يقولون : أن العابد مجبورون على أفعالهم ، وليس لإِرادتهم في تلك الأعمال أي تأثير.
إذاً فلا بد من البحث عن معنى القضاء والقدر.
القضاء :
قلما يستعمل لفظ القضاء ، وبمفرده ، وعلى السن الناس ، بل نرى دائماً إذا جيء بلفظ القضاء أردف معه بلفظ القدر فيقال : القضاء والقدر. حتى أن الكثير يتخيل أن هاتين الكلمتين وضعتا
__________________
(١) أصول الكافي : باب الجبر والقدر ، والأمر بين الأمرين / من كتاب التوحيد حديث (١).
لمعنى واحد ، والعطف بينهما إنما جيء به للتوضيح ، والا فالقضاء هو القدر كما أن القدر ليس الا القضاء. ولكنه تخيل خاطيء للفرق بين هذين المصطلحين.
فالقضاء في ال لغة : هو : الحكم ، وقال الأزهري :
القضاء في اللغة على وجوه : مرجعها الى إنقطاع الشيء ، وتمامه وكلما أحكم عمله ، أو أتم ، أو ختم ، أو أدى اداءً ، أو أوجب ، أو علم ، أو انفذ ، أو أمضى فقد قضي(١) .
أما في القرآن الكريم فقد جاءت آيات عديدة تقول :
( وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) (٢) .
ويقول المفسرون ان كلمة (قضى) في الآية يراد بها الأمر أي : وأمر ربك.
وفي قوله تعالى :( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ) .
جاءت هذه الكلمة (فقضاهن) بمعنى الخلق أي : فخلقهن سبع سموات. الخ.
أما في قوله تعالى :( فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ) (٣) .
فإنها جاءت بمعنى الحكم أي : فاحكم بما تحكم به.
__________________
(١) لسان العرب : مادة (قضى). الاسراء
(٢) سورة الإِسراء : آية (٢٣).
(٣) سورة طه : آية (٧٢).
وفي قوله تعالى :( قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ) (١) .
فقد استعملت (قضى) بمعنى الفراغ. أي فرغ من ذلك.
وفي قوله تعالى :( إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (٢) .
وأريد بقوله (قضى) الارادة أي إذا اراد أمراً.
وقال تعالى :( وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ ) (٣) .
ومعناها : إذ عهدنا الى موسى(٤) .
وبعد استعراضنا لهذه الآيات الكريمة لم نجد بينها ، وبين المعنى اللغوي فارقاً ، فإن هذه المادة في كل هذه الآيات المذكورة أريد منها :
النهاية ، والحسم ، والإِنجاز. وهذا يلتقي تماماً مع المعنى اللغوي الذي فسر الكلمة : بإنقطاع الشيء ، وتمامه.
القدر :
وأما القدر : فإن كثيراً من اللغويين يقولون أنه : القضاء ، والحكم.
أما ابن منظور فقد قال : قدر. القدير ، والقادر من صفات الله
__________________
(١) سورة يوسف : آية (٤١).
(٢) سورة آل عمران : آية (٤٧).
(٣) سورة القصص : آية (٤٤).
(٤) ذكر هذه المعنى القرطبي في تفسيره / ١٠ / ٢٣٧.
عز وجل يكونان من القدرة ، ويكونا من التقدير(١) .
ويرى كثير من المفسرين ان ليلة القدر في الآية الكريمة :
( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (٢) .
هي ليلة تدبير الأمور ، وتقسيم الأرزاق في تلك السنة.
وهكذا الحال في قوله تعالى :( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (٣) .
وكذلك قوله تعالى :( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) (٤) .
ومن مجموع هذه الآيات ، وكلمات اللغويين بالإِمكان أن نخلص الى النتيجة التالية ، حيث نقول :
ان القدر كما يستعمل في القدرة على الشيء ، وإحكامه كذلك يستعمل في تقدير الشيء ، وتدبيره ، ووضعه بموضعه.
ولكن الذي يلوح لنا أن كلمة القدر عندما تأتي مع القضاء في الإِستعمال الخارجي يراد منها المعنى الثاني ، والذي هو التدبير والتقدير ، ووضع الشيء موضعه كما سيتضح لنا ذلك من ثنايا البحث.
بين القضاء والقدر :
وبين القضاء ، والقدر تقدم ، وتأخر في المرحلة. فالقضاء متأخر
__________________
(١) لسان العرب : مادة (قدر).
(٢) سورة القدر : آية (١).
(٣) سورة القمر : آية (٤٩).
(٤) سورة فصلت : آية (١٠).
عن القدر. اذ القضاء لا يكون الا بعد حصول القدر ، والذي هو التدبير ، والترتيب. ويظهر ذلك جلياً من الآيات ، والاحاديث الآتية :
يقول تعالى :( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (١) .
وفي محاورة جرت بين يونس بن عبد الرحمن ، وبين الإِمام الرضا «عليه السلام» جاء في آخرها قول الامام ليونس :
فتعلم ما القدر؟
فقال يونس : قلت : لا.
قال «عليه السلام» هي الهندسة ، ووضع الحدود من البقاء ، والفناء.
قال يونس : ثم قال «عليه السلام» :
والقضاء : هو الابرام ، «وإقامة العين»(٢) .
وفي خبر آخر يسأل الراوي الإِمام قائلاً :
قلت : ما معنى القدر؟ قال «عليه السلام» : تقدير الشيء من طوله ، وعرضه.
قلت : ما معنى قضى؟ قال «عليه السلام» : إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مرد له(٣) .
__________________
(١) سورة القمر : آية (٤٩).
(٢) أصول الكافي : باب السعادة والشقاء من كتاب التوحيد / حديث (٤١).
(٣) اصول الكافي : باب المشيئة والارادة / حديث (١).
من هذا يتضح لنا أن مرحلة القدر هي : مرحلة التدبير ، والترتيب. إذ كل شيء في هذا الوجود مرتب ، ومقدر ، وله نظامه الخاص ، نظام هندسي دقيق يقدر الشيء فيه بعرضه ، وطوله.
كل شيء بما تشتمل عليه كلمة «شيء» من صغير ، وكبير ، ومرئي ، وغير مرئي ناطقٍ ، وصامت متحركٍ ، وساكن كل ذلك بنص الآية الكريمة :( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) .
قدر يحدد حقيقته ، وصفته ، ومقداره ، وزمانه ، ومكانه ، وتفاعله وتأثيره ، وتأثره من غير فرقٍ بن الذرات الصغيرة ، والاجرام الكبيرة. فالقضية لا تتبع الحجم ، بل تتبع النظام التركيبي ، والنظام التسبيبي المنتج لما يترتب على الأسباب من مسببات.
فالقدر : هو هذه الأوليات التي قدر الله لها أن تسير على ذلك النظام الخاص ـ وعلى سبيل المثال ـ فعملية الزرع نراها تأخذ مجراها الطبيعي لو حقق لتلك العملية أن تستكمل الشروط الخاصة من سقي الأرض ، وبذر البذر ، وكون الأرض صالحة للزراعة ، وتكون النتائج المترتبة على ذلك هي :
خروج الزرع في الوقت المحدد له. أما لو قدر ، ولم يحصل أحد هذه المقدمات والشروط المذكورة ، فإن النتاج لا يحصل ، أو يحصل ، ولكنه ليس بالشكل الذي يكون عليه لو قدر للشروط ان تحصل كاملة.
وهكذا بقية الأمور التي قدر لها أن توجد في هذا الكون ، وفي كل إنٍ من آنات الزمن للحيوان ، والنبات ، وغيرهما مما في هذا الوجود.
كل ذلك بالإِمكان أن نطلق عليه ـ تبعاً لما تفيده الآية الكريمة ،
والاخبار الشريفة ـ كلمة : قدر.
وبعد هذه المرحلة تأتي مرحلة القضاء ، فكل ما ينتج من عالم الأوليات والأسباب فهو «القضاء» فاذا قايل : القضاء حتم ، فهو من باب أن المسبب لا بد من حصوله عند حصول السبب ، مع عدم المانع من التأثير ، وفي مثالنا السابق فإن الأرض الخالية من الشوائب اذا القي فيها البذر ، وسقيت كان خروج الزرع فيها حتماً لأن حكمة الله إقتضت هذه النتيجة بعد اجراء تلك المقدمات.
إذاً : القضاء ليس هو إجبار الله لخلقه ، أو لكل شيء على حصول النتائج ، بل هو الحتمية على ما قدر للشيء من تقدير فهو ترتيب حتمي لما يحصل من وجوه الأوليات ، وتفاعلها.
وحينئذٍ فبيد العبد أن يدفع القضاء ، ويقف في طريقه لأن الأوليات بيده وهي مقدورة له من حيث الوجود ، والعدم.
يقول الإِمام الرضا «عليه السلام» لسائله «ما من فعلة يفعلها العباد من خير ، وشر إلا ولله فيها القضاء. قلت : فما معنى القضاء؟
قال : الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب ، والعقاب في الدنيا ، والآخرة»(١) .
إن الله بعد أن بين للناس خيرهم ، وشرهم قضى ، بان من سلك طريق الخير نال الثواب. أما من يسلك طريق الشر كان جزاؤه العقاب. وحينئذٍ ، فالأمر بيد الإِنسان نفسه ما دامت الأولياء تحت
__________________
(١) البحار. مجلد / ٣ / ص (٥ ، ٣٣) الطبعة الحديثة.
إختياره فبإمكانه أن يبذر ما ينتج العقاب ، أو يزرع ما يحصد منه الثواب.
يقول الأصبغ بن نباته : «إن أمير المؤمنين «عليه السلام» عدل من عند حائط مائلٍ الى حائظ آخر. فقيل له : يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله. قال : أفر من قضاء الله الى قدر الله عز وجل»(١) .
ان هذه المحاورة تجسد لنا عملية القضاء ، والقدر كاملة.
ذلك لأن الإِمام «عليه السلام» كغيره من البشر يعلم أن من جلس عند حائط مائلٍ للإِنهدام ، فإنه لو وقع عليه لكان ذلك بإختياره فهو إذاً : مخير بين أن يبقى في مكانه ليكون عرضة للإِنهدام عليه أو ينتقل الى حائط آخر ، فيسلم من كل ذلك ، ولهذا نرى الإِمام «عليه السلام» يقول : أفر من قضاء الله الى قدر الله.
وقد مر بنا أن ذكرنا طرفاً من المحاورة بين السائل وبين الإِمام «عليه السلام» عند عودتهم من الشام حيث قال السائل : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا الى الشام بقضاء ، وقدر قال «عليه السلام» :
نعم : يا شيخ ، ما علوتم تلعة ، ولا هبطتم وادياً الا بقضاء وقدر من الله فقال الشيخ : عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين.
ان هذا الجواب من السائل معناه القول : بفكرة المجبرة حيث يقولون بنفي الثواب ، والعقاب عن الإِنسان لأن كل أعماله بقضاء من الله ، وقدر فهو مجبور عليها ، ولذا كان جواب الإِمام له ناظراً الى
__________________
(١) البحار ، مجلد / ٣ / ص (٥ ، ٣٣) الطبعة الحديثة.
نفي هذه الشبهة ، وإثبات أن الإِنسان مختار ، وحر في تصرفاته ، وإذا صدر منه الذنب ، أو ما يضر بنفسه فإنما ذلك بسوء تصرفه وان كانت تلك النتائج حتمية الوقوع لحصول الأوليات بسببه. لذا أجاب الإِمام ذلك الشيخ قائلاً : «مه يا شيخ فإن الله قد عظم أجركم في مسيركم ، وأنتم سائرون ، وفي مقامكم وأنتم مقيمون ، وفي إنصرافكم ، وانتم منصرفون ولم تكونوا في شيء من أموركم مكرهين ، ولا اليه مضطرين.
لعلك ظننت أنه قضاء حتم ، وقدر لازم لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب ، والعقاب ، ولسقط الوعيد ، والوعيد(١) .
ومن خلال هذا الجواب حيث يقول (عليه السلام) : «ولم تكونوا في شيء من أموركم مكرهين ولا اليه مضطرين». تتضح لنا نقطة حساسة بها تنحل مشكلة الإِجبار على الفعل ، وتلك هي ما يتوسط بين مرحلتي التقدير ، القضاء من وجود إرادة الإِنسان ، واختياره فإن ذهاب هؤلاء ، ومن ضمنهم السائل المذكور حيث كان بإختيارهم وإرادتهم كان الأجر ، والثواب محفوظين لهم ، ولم يكونوا مكرهين على سفرهم ذلك ، ولا مضطرين اليه فلم يكن في البين إجبار على سفرهم ليسقط الوعد ، والوعيد ، وليبطل ثوابهم.
ان هذه الحرية ، والإِختيار التي من الله بها على العباد هي التي عبر عنها الإِمام الصادق (عليه السلام) : بالأمر بين الأمرين.
حيث جاء ذلك في حديث قال فيه :
__________________
(١) تحف العقول : ص (٤٦٨).
«ولا جبر ، ولا تفويض ، ولكن أمر بين أمرين»(١) .
فأفعالنا من جهة كون أسبابها الطبيعية بأيدينا فهي إذاً تحت قدرتنا ، وإختيارنا وهو تعالى لم يجبرنا عليها ليقال : بإنه عز وجل ظلمنا في عقابه لنا عليها ـ وفي نفس الوقت ـ لم يترك المجال كلية لنا بحيث يكون هو أجنبياً عنها ليكون مسلوب القدرة إزاءها ، بل هي أفعالنا ، ولله الكلمة الفصل فيها ـ وعلى سبيل التوضيح ـ نقول : أنا لو وجدنا السبب بأنفسنا ، وكنا عالمين بأنه يحصل المسبب بعد حدوثه فهنا لو لم يتدخل الله ليمنع تأثير ذلك السبب وتوقيفه فإنه بعدم تدخله لم يكن قد ظلمنا ، وصحيح انه تعالى كان بامكانه أن يقف في طريق تأثير السبب ، إلَّا أنه حيث لم يتدخل لم يكن ذلك ـ كما قلنا ـ ظلم منه في حقنا لاننا نحن الذين أوجدنا السبب ، وعلمنا بأن المسبب محقق الحدوث بعد حصول سببه فالعقاب نستحقه بدون حيف.
يقول الإِمام الرضا «عليه السلام» : «ما من فعل يفعله العباد من خير وشر إلا ، ولله فيه قلت : فما معنى القضاء؟ قال : الحكم عليهم بما يستحقون من أفعالهم من الثواب ، والعقاب في الدنيا ، والآخرة»(٢) .
فالقضاء كما أوضحه الإِمام في كلامه هذا هو الحكم المترتب على أفعالهم فإن اختاروا الخير كان القضاء هو الحكم لهم بالثواب ، وان كان ما إختاروه شراً كان القضاء هو الحكم عليهم بالعقاب.
__________________
(١) اصول الكافي : باب الجبر ، والقدر ، والأمر بين الأمرين : حديث (١٣).
(٢) البحار : مجلد / ٣ / ص (٥).
الأمور التي تدفع القضاء :
عرفت أن القضاء بعد حصول الأسباب لا بد من تحققه تحقيقاً لحصول المسبب بعد وجود السبب ، ولكن هل يرد القضاء شيء وهل في البين ما يبطل تأثير ذلك السبب بعد حصوله لو استثنينا ارادة الله ، ومشيئته فإن الله إذا اراد شيئاً فلا يقف في طريق ارادته شيء ، فان الكلام في غير مشيئة الله ، وارادته من العوامل الخارجية؟
وفي مقام الجواب عن هذا السؤال نقول :
نعم : ترد القضاء ، ولو كان مبرماً العوامل الآتية :
١ ـ الصدقة :
وقد جاء في فضلها «انها تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء النار»(١) .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : «أن الله لا إله إلا هو ليدفع بالصدقة الداء ، والدبيلة والحرق ، والغرق ، والهدم ، والجنون ، وعد سبعين باباً من الشر»(٢) .
وهكذا تتوالى الأخبار الكريمة ، وقد ذخرت بها كتب الأحاديث من جميع المذاهب ، وهي تعظم الصدقة ، وتنوه بأنها تدفع البلاء والقضاء ، وكلما يحل بالإِنسان من سوء.
٢ ـ الدعاء :
ومثل الصدقات يأتي الدعاء في صلاحيته لرد البلاء ، والقضاء.
__________________
(١) جامع السعادات : ٢ / ١٤٥.
(٢) جامع السعادات : ٢ / ١٤٥.
فعن بسطام الزيات عن الإِمام الصادق «عليه السلام» قوله :
«أن الدعاء يرد القضاء ، وقد نزل من السماء ، وقد ابرم إبراماً»(١) .
وفي حديث آخر عن الإِمام الرضا (عليه السلام) قال : قال علي بن الحسين (عليهما السلام) ان الدعاء ، والبلاء ليترافعان (او يتواقفان) الى يوم القيامة. ان الدعاء ليرد البلاء وقد أبرم إبراماً»(٢) .
الترافق ، والتوافق واحد والمعنى : أن الدعاء يبقى سائراً مع البلاء ، وموقفاً لتأثيره الى يوم القيامة ، وعندها فلا فائدة في القضاء حينئذٍ.
وهناك عوامل أخرى تكون موجبة لرد القضاء ، ودفع البلاء كإطعام الضيف ، وقضاء حوائج الناس ، واغاثة الملهوف ، وصلة الرحم ، وغير ذلك. ولا مجال لنا للتوسع في بيانها تحرزاً من الإِطالة والخروج عن الصدد.
عود على بدء :
ولنعد بعد مسيرتنا هذه مع القضاء ، والقدر الى الفقرة التي وصلنا اليها من الدعاء من قول الإِمام (عليه السلام) : «وأسعده على ذلك القضاء».
فقد إتضح لنا أن إعانة القضاء على صدور الذنوب من الداعي لم
__________________
(١) أصول الكافي : باب الدعاء يرد البلاء ، والقضاء / حديث (٣).
(٢) المصدر السابق ، والموضع نفسه حديث (٤).
يكن ظلماً من الله لذلك الداعي بل لأن الداعي بعد أن هداه الله النجدين نجد الخير ، ونجد الشر كما جاء في الآية الكريمة من قوله تعالى :( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) (١) .
وعلم أن إقتراف هذه الذنوب نتيجته الحتمية للوقوع في هذا العقاب لأن القضاء إبراهم ذلك التقدير ، ومع ذلك فقد أقدم ، وأذنب. ولهذا كان القضاء قد فرض العقاب من دون تأخير ، وإذاً فلا يلومن إلا نفسه ، لأن من أنذر فقد أعذر ، والإِنذار صدر من الأنبياء والمرسلين حتى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع :
«يا أيها الناس ، والله ما من شيء يقربكم من الجنة ، ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به ، وما من شيء يقربكم من النار ، ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه».
«فتجاوزت بما جرى علي من ذلك بعض حدودك وخالفت بعض أوامرك»
البعض من الشيء ، أو بعض كل شيء هو الجزء منه ، أو الطائفة منه ويجوز كونه أعظم من بقيته كالثمانية من العشرة.
أما الحد : فهو الحاجز بين الشيئين ، ومنتهى الشيء.
وحدود الله : طاعته ، وأحكامه الشرعية لمنعها من التخطي الى ما وراءها ومنه قوله تعالى :( تِلْكَ حُدُودُ اللَّـهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ
__________________
(١) سورة البلد : آية (١٠).
حُدُودَ اللَّـهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (١) .
أما في المصطلح الشري ، فقد يراد من الحدود الشرعية : الحدود المقررة عند المخالفات كقطع يد السارق ، وكحد الزنى ، وحد اللواط ، وحد القذف.
وقد يراد من الحدود الشرعية الأحكام الشرعية من الأوامر ، والنواهي. كما قد يراد من الحدود الشرعية : كل حكمٍ شرعي من الأحكام الخمسة ، والتي هي الأوامر ، والنواهي ، والمستحبات ، والمكروهات ، والمباحات. ويسمى الجميع حداً لأن الأحكام الشرعية كالحدود ، والحواجز المضروبة للمكلفين أخذ عليهم أن لا يتعدوها ، ويتجاوزوها.
ولقد أبقى الدعاء الباب مفتوحاً للداعي في التعبير عن مقدار المخالفات التي صدرت منه ، ويريد طلب العفو عنها بلفظ (البعض) الذي يطلق ـ كما عرفت ـ من كلام اللغويين : على الجزء ، وعلى الطائفة وعلى الأغلب.
ونبقى نحن ، وهذا التكرار لهذه المخالفة لبعض الأوامر بعد بيان مخالفة بعض الحدود حيث كان بإمكان الدعاء أن يكتفي بالفقرة الأولى لاحتواء مضمونها على ما تحتوي عليه الفقرة الثانية فالحدود تدخل فيها الأوامر.
وربما يعتذر عن ذلك : بأن التكرار إنما هو لعظم المخالفة لتلك الأوامر كترك الصلاة ـ مثلاً ـ والتي جاء فيها :
__________________
(١) اقرب الموارد : مادة (بعض ، وحد) والآية (٢٢٩) من سورة البقرة.
«إن قبلت قبل ما سواها ، وان ردت رد ما سواها».
وهكذا ما كان في عظم شأنه مثل الصلاة ، ولهذا خصها الدعاء بالتكرار.
«فلك الحمد (فلك الحجة) علي في جميع ذلك ، ولا حجة لي فيما جرى علي فيه قضاؤك»
إختلفت نسخ الدعاء في هذه الفقرة ففي البعض منها جاء : (فلك الحمد علي) وفي البعض الآخر : (فلك الحجة علي).
أما المعنى على القراءة الأولى فهو : ان الداعي بعد أن أخذ في تعداد ما صدر منه ، وأن صدور تلك المخالفات كان تبعاً لهوى نفسه ، وعدم تحفظه من تزيين عدوه له أكمل دعاءه بالاعتراف بأن لربه الحمد في جميع ذلك لأن الله كان قادراً لأن يقابله إزاء هذه الذنوب ، والجرائم التي صدرت منه بتعجيل العقاب في الدنيا قبل الآخرة ، وأن يفضحه بين الناس ، ولكنه مع كل ذلك فقد عرف ، وستر عليه لذلك لم يجد الداعي إلا أن يعترف بأن لربه الحمد على نعمه المتواصلة ، ويكون قوله بعد هذه الفقرة «ولا حجة لي فيما جرى عليَّ فيه قضاؤك». يعطي معنى آخر يبدأ به الداعي ليقول : انني فيما أجريته علي من القضاء لا حجة لي لتكون كلمتي مقدمة في مقام الدفاع عن نفسي ، بل أنا المغلوب في كل ذلك لأنني المخدوع من قبل الدنيا ، والشيطان لإِتباعي ، وميولي لشهواتي النفسية ، وحينئذٍ فلا يكون ترابط بين هاتين الفقرتين (فلك الحمد علي) و (لا حجة لي) الخ.
وأما على القراءة الثانية : فيكون المعنى : أن الداعي بعدما بين
كل ذلك التجأ الى ربه ليقول : إلهي إن لك الحجة علي في كل ذلك. لأن المراد بالحجة (الدليل ، والبرهان) ويكون ذلك من صغيرات الآية الكريمة والله ولي الذين آمنوا( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّـهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (١) .
بل إنما( فَلِلَّـهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) (٢) .
لقد سلح الله البشر بالعقل ، وأرسل اليهم الأنبياء ، والرسل مبشرين ومنذرين. فلم يدعوا حكماً إلا بينوه جزئياً ، أو كلياً ، وبكل ما يتعلق بالإِنسان ، ومن جميع نواحيه العبادية ، والمعاملية ، وهكذا كل ما يتعلق بالأمور الأخروية ، رحمة منه على العباد.
( اللَّـهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) (٣) .
ظلمات ال جهل ، وظلمات الظلم ، والتكبر ، والطغيان ، وظلمات الجشع ، والنهب ، وظلمات أخرى تحيط بالإِنسنا من كل جوانبه.
بعد كل هذا : فإن لله الحجة البالغة على البشر ، ولا حجة لهم على الله في كل ذلك.
ومع هاتين القراءتين : (فلك الحمد) أو (فلك الحجة) نرجح أن تكون الثانية هي الأنسب بالسياق الدعائي حيث يكون الداعي قد سلم أمره الى الله معترفاً بان له الحجة عليه ، ولا حجة له على ربه.
__________________
(١) سورة النساء : آية (١٦٥).
(٢) سورة الأنعام : آية (١٤٩).
(٣) سورة البقرة : آية (٢٥٧).
١٢ ـ وَقَدْ اَتَيْتُكَ يااِلـهي بَعْدَ تَقْصيري ، وَاِسْرافي عَلى نَفْسي مُعْتَذِراً ، نادِماً ، مُنْكَسِراً ، مُسْتَقيلاً ، مُسْتَغْفِراً ، مُنيباً ، مُقِرّاً ، مُذْعِناً ، مُعْتَرِفاً ، لا اَجِدُ مَفَرّاً مِمّا كانَ مِنّي ، وَلا مَفْزَعاً اَتَوَجَّهُ اِلَيْهِ في اَمْري ، غَيْرَ قَبُولِكَ عُذْري ، وَاِدْخالِكَ اِيّايَ في سَعَة رَحْمَتِكَ.
وبدأ الداعي يلقي بكل ثقله ميمماً رحاب الله ، ومتجهاً اليه بعد أن وجد نفسه مغلوباً ، وقد أغلقت الأبواب في وجهه صفر اليدين من كل حجة يستند عليها ، ويبرر من مواقفه اليت خالف بها ربه والحجة في كل ذلك لله عليه.
أي ربٍ فالى من يلجأ المذنبون ، وليس لهم غير رحمتك رحاباً يتذوقون فيه طعم عفوك ، ويتفيئون به ظلال غفرانك.
ويلملم الداعي مرة اخرى أطرافه ، ويحث الخطى مسرعاً ، وبوارق الأمل تلوح له ويرمق السماء بطرف كسير وهو يردد :
«وقد أتيتك يا إلهي بعد تقصيري وإسرافي على نفسي»
ويقول أهل اللغة : أن المقصر هو الذي يقدر على الأمر ، ولكن يقف عنده ، أو ينتهي اليه(١) .
وكلمة التقصير تبين معناها واضحة عند كل أحد فلا داعي الى التعميق فيما يقوله اللغويون في تفسيرها.
__________________
(١) أقرب الموارد : مادة (قصر).
وبهذه الفقرة نرى الدعاء يوجه الداعي الى الاعتراف بالتقصير دائماً إزاء حقوق الله ، وواجباته. فعن الامام موسى بن جعفر «عليه السلام» وهو يتضح بعض ولده قائلاً :
«يا بني عليك بالحد لا تخرجن نفسك من حد التقصير في عبادة الله عز وجل ، وطاعته فإن الله لا يعبد حق عبادته»(١) .
ويريد الإِمام «عليه السلام» أن يقول لولده : بأن الشعور بالتقصير يجعل الإِنسان منشدّاً دائماً الى خالقه لا يغفل ، ولا يتوانى عن أداء واجباته ، وترك ما نهي عنه ، وبهذا تكون نفسه في دوامة من العمل نحو تكميل ما تجد لديها من نقص ، ومثل هذا الشخص يكون الاداة الصالحة لبناء مجتمع خيرٍ بعيداً عن الغرور والإِجرام ، يأمن منه كل أحد ، ويسلم منه الناس ، وهذه إحدى العلامات التي تميز الفرد المسلم عن غيره ، فالمسلم من سلم الناس من يده ولسانه.
وبعد التقصير يأتي الاعتراف من الداعي : بالإِسراف على نفسه ، وعدم التورع عن محارم الله ، بل السير حثيثاً في هذا المنطلق حتى رأى من نفسه التجاوز ، وعدم الإِعتدال ، ولذلك جاء ربه ، وقد عرف خطأه وبعد الاعتراف بالاسراف يأتي دور الإِعتذار كنتيجة طبيعية فيردد الداعي : الهي ، وقد أتيتك :
«معتذراً»
واذا كان الشاعر يقول : «والعذر عند كرام الناس مقبول».
فكيف بالرب الكريم العطوف على عباده ، فهل يتركهم
__________________
(١) أصول الكافي : باب الاعتراف بالتقصير من كتاب الايمان والكفر حديث (١).
يصدرون عنه ، وهم يجرون أذيال الخيبة ، والحرمان.
كلا ، والف كلا. لأن الإِمام أمير المؤمنين «عليه السلام» حدث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : «إن الله كريم بيده الخيرات يستحي ان يكون عبده المؤمن قد أحسن الظن به ، ثم يخلف ظنه ، ورجاءه»(١) .
وبعد الإِعتذار فقد أتيتك يا رب :
«نادماً»
والندم كما يقول اللغويون هو : الأسف ، والحزن ، والتوبة. وها هو الداعي يظهر الندامة تائباً يؤكد أنه لا يعود إنساناً بتقميص الشر متبعاً شهواته الجنسية ، بل سيكون بالمستوى اللائق به كإنسان جاء الى ربه معتذراً نادماً على ما صدر منه ولم يكتف الداعي بذلك ، بل خاطب ربه متضرعاً بانه عاد الى حضيرته.
«منكسراً». علامة الخضوع ، والذلة. وهذا التعبير في الداعي يعطي أنه غير متطاول ، ولا شامخ ، بل هو في غاية الخشوع جاء ليستميح من ربه العطف ، ويستدر منه الغفران ، ولهذا نجد الحديث القدسي يقول : «أنا عند القلوب المنكسرة».
تلك القلوب التي تطامنت فخرج ما فيها من خيلاء وكبر ، لذلك شعرت بأنها ضعيفة أمام خالقها ، فجاءت اليه منكسرة لأنها علمت : أن الله لا يحب كل ختال فخور.
__________________
(١) أصول الكافي : باب حسن الظن بالله عز وجل / حديث (٢).
ويقول الإِمام أبو عبد الله (عليه السلام) إن الله أوحى الى داود (عليه السلام) «يا داود كما أن أقرب الناس من الله المتواضعون كذلك أبعد الناس من الله المتكبرون»(١) .
كل هذا ، وغيره حدا بالداعي أن يترك غروره ، ويأتي ذليلاً ليجد ربه عنده شأنه في ذلك شأن كل قلب منكسر يكون الله عنده. ومع الانكسار يردد الداعي : يا رب جئتك :
«مستقيلاً»
والإِستقالة : طلب الإِقالة. أما الإِقالة فهي : طلب أحد المتبايعين الفسخ من صاحبه ، وتطلق الإِستقالة ، ويراد بها أن يرفعه من سقوطه ، ومن عثرته(٢) .
وهذا المعنى الثاني : هو الذي يطلبه الداعي من ربه فهو يريد منه عز وجلّ ان يرفعه من عثراته ، وزلاته ، وهو معنى يراد به ان لا يرتب المولى الآثار المترتبة على ما إقترفه من ذنب ، وما صدر منه من منافيات كانت موجبة لسقوطه في المهاوي السحيقة ، وسيأتي في فقرات الدعاء الآتية من قوله : «واقلني عثرتي ، وإغفر زلتي». ويا رب مع طلب الإِستقالة جئتك :
«منيباً» :
والإِنابة : هي الرجوع ، والعودة الى الشيء مرة بعد أخرى يقال : نابت السباع الى المنهل والنحل تنوب الى الخلايا. والى الله
__________________
(١) أصول الكافي : باب التواضع / حديث (١١).
(٢) أقرب الموارد : مادة (قيل).
بمعنى : تاب. وفلان لزم الطاعة لله(١) .
والانابة هنا هي العودة الى الله في كل الأمور لا في البعض دون البعض ، وإلا لما كان الداعي تائباً ، ومخلصاً في اعترافه ، وإعتذاره بأنه عاد الى حرم الله يلتمس منه الصفح ، والتوبة.
فالعودة الى الله معناها : العودة الى الطريق المستقيم ، ومراقبة الله في كل صغيرة ، وكبيرة ، وفي السر والعلانية ، والشعور بان الله مطلع عليه في كل الحركات والسكنات.
يقول اسحق بن عمار : «قال أبو عبد الله «عليه السلام» يا اسحق خف الله كأنك تراه ، وان كنت لا تراه ، فإنه يراك ، فان كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت ، وان كنت تعلم أنه يراك ، ثم برزت له بالمعصية فقد جعلته من أهون الناظرين عليك»(٢) .
وأخيراً يا إلهي لا آخراً فقد أتيتك يا رب :
«مقراً مذعناً معترفاً»
أما الإِقرار : فهو إثبات الشيء.
والاذعان : هو الإِنقياد يقال : ناقة مذعان أي منقادة.
والإِعتراف : هو الإِقرار ، وأصله إظهار معرفة الذنب وذلك ضد الجحود(٣) .
__________________
(١) أقرب الموارد : مادة (نوب).
(٢) أصول الكافي : باب الخوف والرجاء من كتاب الايمان والكفر / حديث (٢).
(٣) لسان العرب ، والمفردات في غريب القرآن المواد التالية : (قر) (ذعن (عرف).
والداعي بهذه الفقرات يثبت على نفسه بأنه مذنب ويبين ان هذا الإِقرار إنما يصدر عن إنقياده بتسجيل ذلك عليه لا بدافع من أحد ، أو بإكراه من الغير عليه.
وحيث كان الإِقرار هو الإِثبات ، إما بالقلب ، وإما باللسان وإما بهما ، فإن ذلك قد يكون هو المنطلق لما ذهبت اليه البعض من القول :
بإن الإِقرار : هو القول باللسان. تن
والإِذعان : هو الاعتقاد بالجنان.
والإِعتراف : هو الإِقرار مع الإِعتقاد(١) .
وعلى هذا يظهر لنا السبب في هذا الجمع بين الإِقرار ، والإِعتراف والإِذعان ليجعل الداعي من إقراره بذنوبه ، وجرائمه إقراراً كاملاً لأنه يقف بين يدي ربٍ مطلع على جميع الخفايا ولا يخفى عليه شيء.
( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ) (٢) .
فلن يمكن إذاً ستر شيء عليه ، ولا إخفاء نيةٍ عنه لاطلاعه على ما في الأرض والسماء ، وما بينهما ، وما فيهما ، وهو بكل شيء عليم.
كل ذلك من صفاته تعالى. والعبد يناجي هذا الرب فكيف يخفي عليه شيئاً؟
__________________
(١) شرح دعاء كميل للقاضي السبزواري : ١٣٩.
(٢) سورة آل عمران : آية (٥).
«لا أجد مفراً مما كان مني ولا مفزعاً أتوجه إليه في أمري»
وهذه حقيقة لا بد من الخضوع إليها والاعتراف بها تلك هي :
ان الداعي ، وقد تصور نفسه محاطاً بذنوبه ، وملزماً بها فهي تطوقه وتلتف عليه فلا يجد لنفسه مهرباً من تبعاتها ، ولا ملجأ يلجأ إليه منها إلا أمل واحد قبه يتمكن من انقاذ نفسه من الحساب العسير ، وذلك هو :
«غير قبولك عذري»
وقد جعل الداعي قبول الله لعذره هو الملجأ ، والمفزع إليه ، وبذلك يحصل له الاطمئنان ، والراحة النفسية.
«وإدخالك إياي في سعة من رحمتك»
وقد عطف الدعاء هذه الجملة على ما سبق من طلبه من قوله :
(قبولك عذري) فهو يريد من ربه أن يقبل عذره ، وفوق ذلك أن يدخله بعد قبول عذره في سعة رحمته ليكون مشمولاً لألطافه وعواطفه لا أن يقبل عذره فقط ، ويتركه بعد ذلك هملاً ، وقد تجاوز عنه فقط بل قد تجاوز عنه وشمله برحمته ليكون من المنظورين له عز وجل. وبذلك تشمله الهداية ، ويخصه بالتوفيق لمواصلة المسيرة في سبيله ، والأخذ بأحكامه الشرعية على إختلافها.
١٣ ـ اَللّـهُمَّ فَاقْبَلْ عُذْري ، وَارْحَمْ شِدَّةَ ضُرّي ، وَفُكَّني مِنْ شَدِّ وَثاقي ، يا رَبِّ ارْحَمْ ضَعْفَ بَدَني ،
وَرِقَّةَ جِلْدي ، وَدِقَّةَ عَظْمي. يا مَنْ بَدَأَ خَلْقي ، وَذِكْري ، وَتَرْبِيَتي ، وَبِرّى ، وَتَغْذِيَتي. هَبْني لاِبـْتِداءِ كَرَمِكَ ، وَسالِفِ بِرِّكَ بي.
يا اِلـهي ، وَسَيِّدي ، وَرَبّي اَتُراكَ مُعَذِّبي بِنارِكَ بَعْدَ تَوْحيدِكَ ، وَبَعْدَ مَا انْطَوى عَلَيْهِ قَلْبي مِنْ مَعْرِفَتِكَ ، وَلَهِجَ بِهِ لِساني مِنْ ذِكْرِكَ ، وَاعْتَقَدَهُ ضَميري مِنْ حُبِّكَ ، وَبَعْدَ صِدْقِ اعْتِرافي وَدُعائي خاضِعاً لِرُبُوبِيَّتِكَ؟ هَيْهاتَ اَنْتَ اَكْرَمُ مِنْ اَنْ تُضَيِّعَ مَنْ رَبَّيْتَهُ ، اَوْ تُشَرِّدَ مَنْ آوَيْتَهُ ، اَوْ تُسَلِّمَ اِلَى الْبَلاءِ مَنْ كَفَيْتَهُ ، وَرَحِمْتَهُ. وَلَيْتَ شِعْرى يا سَيِّدي ، وَاِلـهي ، وَمَوْلايَ اَتُسَلِّطُ النّارَ عَلى وُجُوه خَرَّتْ لِعَظَمَتِكَ ساجِدَةً ، وَعَلى اَلْسُنٍ نَطَقَتْ بِتَوْحيدِكَ صادِقَةً وَبِشُكْرِكَ مادِحَةً ، وَعَلى قُلُوبٍ اعْتَرَفَتْ بِاِلهِيَّتِكَ مُحَقِّقَةً ، وَعَلى ضَمائِرَ حَوَتْ مِنَ الْعِلْمِ بِكَ حَتّى صارَتْ خاشِعَةً ، وَعَلى جَوارِحَ سَعَتْ اِلى اَوْطانِ تَعَبُّدِكَ طائِعَةً ، وَاَشارَتْ بِاسْتِغْفارِكَ مُذْعِنَةً. ما هكَذَا الظَّنُّ بِكَ ، وَلا اُخْبِرْنا بِفَضْلِكَ عَنْكَ يا كَريمُ.
__________________
قد يجد الإِنسان نفسه وحيداً وسط أسلاك شائكة من الآلام الروحية ، والمضايقات النفسية نتيجة قيامه بأعمال مخالفة لما تمليه عليه
القوانينن الشرعية ، ونتيجة تصرفات لا تنسجم مع القوانين التي يتوخى من ورائها صلاح المجتمع.
وحيث يعجز الإِنسان عن الوصول الى حلٍ ينقذه من ذلك ، يتجه الى ربه ليستعطفه بكل الوسائل التي يأمل من ورائها ان يجلب رضاه.
وللإِستعطاف صور عديدة يتفنن الإِنسان في الإِقدام عليها.
فمرة : نراه يقدم عليه بكل عزيز ممن له المكانة السامية عنده.
وأخرى : يتقرب اليه بالصدقات ، والخيرات.
وثالثة : يتملق اليه باللسان ، والالتماس يطلب منه الصفح أو العون.
ورابعة : يتقرب اليه بما يرغب فيه من التوبة ، والعبادة.
وهكذا يبقى العبد المذنب يبحث عن الطرق التي يتوخى من ورائها العطف ليستدر الرحمة من ربه فيصل الى غايته من التجاوز عنه.
والدعاء وان سبق له أن عرض بعض الصور التي يستدر بها الداعي عطف المولى فيما سبق له من الفقرات في الفصول الماضية ، إلا أنه في هذا الفصل الذي نقلناه بكامله أخذ يوجه الداعي الى سلوكية مسلك جديد ، يتوخى من ورائه تحصيل غايته المنشودة من الوصول إلى روح الله ، ورضوانه.
لقد تضمن هذا الفصل ثلاثة مقاطع من صور الإِستعطاف ، وخاتمة يبدأ المقطع الأول من قوله : «يا رب ارحم ضعف بدني».
ويتضمن هذا المقطع بيان حالات الداعي الجسمية ، والنفسية لربه ، وان هذا المخلوق الضعيف لا يقوى على تحمل الجزاء المترتب على ما صدر منه من مخالفات كان رائده فيها هو الشيطان. لذلك يطلب الرفق من ربه بهذا البدن المكون من لحم ودم وعظم ، وعصب ، وكلها مواد لا تقوى على التعذيب الدنيوي فضلاً عن التعذيب الأخروي.
وأما المقطع الثاني : فيبدأ من قوله : «يا من بدء خلقي ، وذكري ، وتربيتي». الخ.
وينحو الدعاء في فقرات هذا المقطع الى جلب عطف الله من طريق إستعراض أياديه الكريمة عليه ، وأنه بدأ بالنعم ، والفضل من أول مسيرته الحياتية فكيف يتركه بعد توسطه أمواج هذه الحياة العاتية لا يملك لنفسه أي نفع ، ولا يدفع عنها أي ضرر. فهو يطالبه بإدامة ما عوده عليه من أيادي بيضاء.
أما المقطع الثالث : فيبدأ من قوله : «يا إلهي ، وسيدي أتراك معذبي بنارك بعد توحيدك». إلى آخر الفصل.
وفي هذه الفقرات من المقطع الثالث يكون الإِستعطاف قد أخذ شكلاً جديداً. فالداعي يستعطف ربه من طريق اجراء المعادلات الحسابية حيث يبدأ بالموازنة بين نواياه وعقائده التي إنطوى عليها قلبه من توحيد الله ، وعدم الشرك به ، وما لهج به لسانه من ذكر الله ، ومدحعه ، والثناء عليه ، وغير هذا من تعظيم خالقه ، وبين ذنوبه ، وما قام به من أعمال لم تكن صدرت منه عن عناد ، وسوء قصد ، بل عن هوى النفس ، وغرور يلازم طبيعة الإِنسان ، وعلى الأخص في
مراحل الشباب ، وعنفوان شهواته الجنسية.
وأخيراً يستنتج من هذه المعادلة : ان الجانب المشرق يرجح على الجوانب المظلمة ، وتكون الآثار المرتبة على من عبد الله ، وخضع له مقدمة على تأثير تلك الأعمال القبيحة.
لقد نصب الداعي من نفسه حكماً على نفسه ، وأصدر الحكم لصالحه معتمداً على الصفات التي تحلى بها الله من العفو والكرم ، واللطف ، والحلم والشفقة ، والتي جعلت منه كريماً يطمع كل شقي في كرمه ، وغفرانه ، ورعايته.
ومع المقاطع الثلاثة في هذا الفصل :
«اللهم فاقبل عذري وارحم شدة ضري وفكني من شد وثاقي»
والضر : هو : ضد النفع ، وسوء الحال ، والشدة(١) .
وجاء في بعض المصادر اللغوية : أن الضر بالفتح شائع في كل ضرر ، وبالضم خاص بما في النفس كمرض ، وهزال(٢) .
أما الوثاق : فهو ما يشد به من قيدٍ ، أو حبل ، أو نحوهما(٣) .
ويصور الداعي في هذه الفقرات نفسه وقد أوثقته الذنوب كالحبل الذي يشد الانسان لذلك يطلب بتوسله هذا من ربه ان يقبل عذره ، ويرحم سوء حاله ، ويخلصه من المشاكل التي جعلته مكتوفاً ، وموثوقاً بها.
__________________
(١ ـ ٢ ـ ٣) أقرب الموارد : مادة : ضرر ، ووثق.
فمنه يطلب العون ، واليه تمد الأيدي ، والى ساحته تؤم قوافل المذنبين.
«يا رب ارحم ضعف بدني»
وبدأ الداعي يستعطف الخالق ليرحم ضعف بدنه هذا البدن الضعيف من أول تكوينه ، ومن أول لحظة يبدأ فيها خلايا منوية تبدأ مسيرتها من صلب الرجل لتستقر في وعاء الرحم ، ومن ثم يتدرج ليكون جنيناً ، ويتطور ليخرج الى عالم الوجود ، ويعيض فيقضي دور الطفولة ، وهكذا ليطوي دور الشباب ، بعد كل هذا يمر دور الشيخوخة ، وهو في كل هذه المراحل ، والأدوار ضعيف لا يقوى على شيء.
يقول تعالى :( اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ) (١) .
ان الآية الكريمة يدل منطوقها تقسيم مراحل الإِنسان الى ثلاثة :
ذكرت انه ضعيف في مرحلتين ، وهما مبدأه ، وشيخوخته. ووصفته بالقوة في المرحلة المتوسطة بين المبدأ والشيخوخة ، وهي : مرحلة الشباب ، وعنفوان الصحة ، وهيجان الغرائز الجنسية.
ولكنا ومع هذا الوصف القرآني بالإِمكان أن نقول :
بأن الإِنسان ضعيف في جميع أدواره ، ومراحله حتى في فترة شبابه والتي اطلق القرآن عليها (صفة القوة) ، وذلك لأن القوة في لسان
__________________
(١) سورة الروم : آية (٥٤).
الآية الكريمة هي القوة نظراً للمرحلتين : المبدأ ، والمنتهى. فالإِنسان بالنسبة الى طفولته ، وشيخوخته يختلف عن دور شبابه فإنه قوي في هذه الفترة ، وفي كامل نشاطه إلا أنه : وهو في هذه الحالة ضعيف لا يقوى على الوقوف أمام الغرائز النفسية ، والميول الشهوانية.
وهو في هذه المرحلة كبقية مراحل حياته عرضة للامراض ، والنكبات المؤلمة تدميه الشوكة ، وتزعجه الذبابة ، فهو ضعيف أمام كل هذا وغيره من العوارض. فهو اذا ضعيف رغم جبروته ، وتكبره.
ولا منافاة بين أن يكون هذا البدن ضعيفاً من هذه الجهات ، ولكنه ـ في الوقت نفسه ـ متناسق الأعضاء ، والاجزاء في كل أعصابه وخلاياه يسير بدقة متناهية من حيث التنظيم الجسمي. فإن التناسق ، والإِتقان ، والدقة في الهيكل شيء ، وضعف البنيّة الجسدية شيء آخر ـ وعلى سبيل المثال ـ فإنا نشاهد بعض الساعات الصغيرة الحجم منتظمة العمل دقيقة الضبط ، ولكنها عرضة لكل طارئة ، ولربما يؤثر الملقط الصغير على بعض أجزائها لو اراد المصلح ان يمسكه بقوة ، ولا ينافي ذلك أن يقال : أنها ساعة قوية ، ومتينة.
والداعي بتوسله الى ربه أن يرحم ضعف بدنه ينظر الى هذه الجهة من عدم قدرة بدنه في الوقوف أمام الأعراض ، والأمراض ولأزمات النفسية. وهو بعد كل هذا هيكل مركب من لحمٍ ودم وعظم. وكل هذه لا تتحمل الحرق بالنار نتيجة ما إقترفه الداعي من ذنب.
ولم يكتف الداعي من التوسل الى ربه بضعف بدنه ، بل عرض صفة أخرى من أجزائه الجسدية ، والتي لا تقوى هي أيضاً امام ما سيحل
بها من عذاب متوقع بعد ارتكاب الذنوب وقد عبر عنها بقوله :
«ورقة جلدي»
والجلد : أحد أعضاء الجسم العامة. وهو يؤدي عدداً من الوظائف الحيوية. فهو يقوم بدور الحاجز الواقي من الجراثيم ، وهو بمثابة درعٍ يحمي الأنسجة الرقيقة الحساسة التي تقع تحته من الإِصابات الميكانيكية ، وغيرها. وهو يؤدي عمل العازل للحرارة ، والبرودة. ويعين على طرح الفضلات من داخل الجسم الى خارجه على شكل (عرق). وهو يدرأ التعرض الزائد للأشعة فوق البنفسجية الشمسية ، وذلك بما ينتجه من خضابٍ واقٍ. وهو بما يحويه من متلقيات الإِحساس يتيح للجسم ان يحس بالالم ، والبرد ، والحرارة ، واللمس ، والضغط.
تركيب الجلد : ويتركب الجلد من جزئين جوهريين ، وهما :
١ ـ البشرة ، او الطبقة الخارجية.
٢ ـ الأدمة ، أو الطبقة الداخلية.
١ ـ البشرة : وهي أقل غلظة من الأدمة ، وتتكون من بضع طبقات تختلف أنواع خلاياها.
أما عدد خلايا البشرة : فيختلف بإختلاف مواضع الجسم ، وهو على أعظم ما يكون في راحتي اليدين ، وأخمص القدمين حيث يكون الجلد على أغلظه.
٢ ـ الأدمة : وتقع تحت البشرة ، وهي الطبقة الثخينة من الجلد وتتكون من نسيج ضامٍ يحتوي على أوعية دموية ، وأعصاب.
وللأدمة بروزات في داخل البشرة تتكون منها نتؤات تسمى (الحليمات) وفي الحليمات تنتهي الأعصاب التي تمتد خلال الأدمة ، وعن طريق هذه الأعصاب يحدث الشعور بمختلف الإِحساسات الجلدية مثل : اللمس ، والألم ، والضغط ، والحرارة والبرودة(١) .
هذا الجلد المكون من أنسجة ، وأوعية دموية. وهو مجموعة أعصاب رقيقة يحق للداعي ان يتوسل الى ربه في عدم تعريضه للحرق بالنار وللداعي الحق في أن يضج في التوسل الى الله تعالى في أن يرحم رقة جلده بعد ما رأى الله عز وجل يخبر عن مجازات المذنبين في الآية الكريمة :( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ) (٢) .
كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ، وهكذا تستمر عملية التعذيب تبعاً لعظم الذنب ، وحجم الجريمة.
وهكذا وقيل أن ننتقل الى الفقرة التالية يحسن بنا التطرق الى مشكلة تبديل الجلد بعد نضجه حسبما جاء في منطوق الآية. فما معنى تعذيب الجلد الجديد مع أنه ليس هو الجلد الذي كان حين العصيان إن هذا الجلد لم يكن موجوداً حين عصى البدن ، وصدر منه الذنب فما ذنبه ليحترق ، وليأتي غيره ، ويحترق بعد احتراق هذا ، وهكذا إذاً فلنستمع الى محاورة جرت بين الإِمام الصادق «عليه السلام» وابن أبي العوجاء في هذا الموضوع.
__________________
(١) لاحظ الموسوعة الطبية الحديثة : مادة جلد / جزء (٥) ص (٦٦٤).
(٢) سورة النساء : آية (٥٦).
يقول حفص بن غياث القاضي : «كنت عند سيد الجعافرة جعفر بن محمد «عليه السلام» لما قدمه المنصور ، فأتاه ابن أبي العوجاء ، وكان ملحداً فقال ما تقول في هذه الآية :( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ) هب هذه الجلود عصت فعذبت فما بال الغير؟ قال أبو عبد الله : ويحك هي هي ، وهي غيرها. قال : أعقلني هذا القول. فقال له : أرأيت لو أن رجلاً عمد الى لبنة ، فكسرها ثم صب عليها الماء ، وجبلها ، ثم ردها الى هيئتها الأولى الم تكن هي هي ، وهي غيرها. فقال بلى : أمتع الله بك(١) .
ويكمن جواب الإِشكال في هذه العبارة : (هي هي ، وهي غيرها) في وقت واحد.
ويتصدى الشيخ ابو جعفر الطوسي (رحمه الله) وهو من أكابر فقهاء الإِمامية المتقدمين لتفيسر مثل هذه العبارة فيقول :
«ان الله يجددها بأن يردها الى الحالة التي كانت عليها غير محترقة كما يقال : جئتني بغير ذلك الوجه ، وكذلك إذا جعل قميصه قباءً جاز أن يقال : جاء بغير ذلك اللباس ، أو غير خاتمه ، فصاغه خاتماً آخر جاز أن يقال : هذا غير ذلك الخاتم»(٢) .
ولنأخذ مثال الخاتم ، ونطبق عليه قول الإِمام «عليه السلام».
فباعتبار المادة وهي الفضة ـ مثلاً ـ فهو هو ، لعدم طرو مادة أخرى عليه ، وهو غيره بإعتبار اختلاف الصياغة. وكذلك الحال في الجلود ،
__________________
(١) الميزان في تفسير القرآن : ج (٤) ص (٤٠٩) نقلا عن مجالس الشيخ.
(٢) تفسير البيان : ٣ / ٣٣٠ / المطبعة العلمية في النجف الاشرف.
فإن وحدة المادة محفوظة بوحدة الصورة.
فبدن الإِنسان كأجزاء بدنه باقٍ على وحدته ما دام الإِنسان هو الإِنسان ، وان تغير البدن بأي تغيير حدث فيه(١) .
وقد إختار هذا الوجه : الزجاج ، والبلخي ، وأبو علي الجبائي ، وقال عنه الشيخ الطوسي : «أنه هو المعتمد»(٢) .
«ودقة عظمي»
والعظم : هو النسيج الصلب الذي يكون الجزء الأكبر من الهيكل البشري ويتكون الجهاز الهيكلي للإِنسان : من مائتين ، وستة من العظام المستقلة يربط بعضها الى بعض عند المفاصل (أربطة) ، وتدفعها الى الحركة (عضلات) ، وتثبتها في العظام (أوتار).
تركيب العظم : وليس العظم متجانساً في بنيانه ، وتركيبه ، بل يتكون من عدد من الطبقات من مواد مختلفة.
الطبقة الأولى : ويطلق عليها إسم (المسحاق) ، وهو كما تعرفه الموسوعات الطبيّة : غشاء ليفي ضامٍ يستر سطح العظم ما عدا نهايته ، وينطبق عليه إنطباقاً تاماً ، وهو شديد الإِلتصاق ، ويشتد التصاقه بالسطوح العظيمة غير المنتظمة التي تكثر فيها التعرجات والنتؤات ، والشوامخ ، والقنازع.
والسمحاق غني بالأوعية الدموية ، وفي طبقته العميقة خلاياً نشيطة بإمكانها أن تولد المادة العظيمة.
__________________
(١) لاحظ تفسير الميزان : ٤ / ٤٠٩ ـ ٤١٠.
(٢) تفسير التبيان : ٣ / ٣٣٠ / المطبعة العلمية في النجف الاشرف.
الطبقة الثانية : النسيج العظمي ويوجد فيه ما يلي :
أ ـ أقنية دقيقة : يختلف قطرها موازية لمحور العظم ، ومتصلة فيما بينها ، وتشتمل على الياف عصبية رقيقة ، واوعية دموية تنفذ اليها من الثقب المغذية للعظم.
ب ـ المادة العظمية : وتتشكل من صفيحات عظمية ملتصقة على بعضها بصورة مختلفة ، وفي وسط هذه الصفيحات الخلايا العظمية ، وتسمى مصورات العظم ، وهي خالية من الغشاء ، ولها كثير من الإِستطالات الهيولية تربط فيما بينها ، وتفرز المواد الخلالية العظمية اللازمة لها من الدم.
ج ـ النسيج الإِسفنجي : ويتشكل من حجب ٍ دقيقة عظيمة تحدد أجوافاً منتظمة يملؤها النقي الأحمر «المخ الأحمر» خلاياه مشبعة بخضاب الدم «هيمو غلوبين».
د ـ النسيج الغضروفي : ويستر رأس العظم ، وهو نسيج أبيض لامع مرن يتشكل من خلايا مدورة كبيرة ، وتسمى «مصورات الغضروف» تجتمع اثنان منها ، أو أربع تحيط بها محفظة ، وتظل أمداً طويلاً مختلفة بخاصة النمو ، والإِنقسام ، وتحدث مادة خلالية تتألف من (٢ ـ ٣ %) من مواد معدنية ، ومادة أجنبية ، وإذا ما غليت انقلبت الى الجلاتين.
الطبقة الثالثة : النقي «مخ العظم».
ويوجد في وسط العظام الطويلة قناة يملأها (النقي) وهو مادة صفراء في جسم العظم.
ويتألف من شبكة ضامة رخوة فيها خلايا شحمية ، وأوعية شعرية كبيرة ، وخلايا حمر جديدة ، وخلايا بيض مختلفة الأنواع وفيها أيضاً خلاياً كبيرة هي : خلايا النقي ذات نوى عديدة ، ثم خلايا (لنفاوية) وهي تتلف المادة العظمية وتوسع القناة. ت
التركيب الكيمياوي للعظم : والأساس الكيمياوي للعظم الذي يعطيه الصلابة ، والقوة هو :
(فوسفات الكالسيوم) حيث يشكل ٨٥ %.
ويحتوي على فحمات (كاربونات الكلس) بنسبة ٩ %.
وعلى (فوسفات المانيزا) بنسبة ٢ %.
وعلى (فلور الكلس) بنسبة ٤ %.
تشكل العظام :
تبدو العظام في تشكلها مخاطية ، وتتشكل العظمة الواحدة من مجموعة من الخلايا الضامة ، وهذه الخلايا تصبح خلاياً عظيمة ، وتكون العظم كما في العظام الغشائية كقبة الجمجمة والأضلاع ، أو تصبح خلاياً غضروفية تصنع من الغضروف نموذجاً للعظم ، ثم تتلف هذا الغضروف بعد أن تلتهمه الخلايا الضامة وينقلب عظماً.
أنواع العظام :
للعظم نوعان رئيسيان هما :
١ ـ العظام الطويلة : وهي عظام الذراعين ، والرجلين.
٢ ـ العظام المسطحة : وهي كعظام الجمجمة ، والصلب والحوض ،
وتغلظ العظام الطويلة عند أطرافها ، وهو تنظيم يفيد في إثقال الوزن ، والجهد من قصب العظام الى المفاصل ، وتتكون الأطراف الغليظة اكثر ما تتكون من النسيج الاسفنجي.
أما العظام المسطحة : فيغلب أن تكون منحنية لتهيء سطحاً واسعاً لإتصال العظام بها(١) .
وتتوسع كثير من الموسوعات الطبية في تقسيم العظام ، وبيان أقسامها ، وخصوصياتها ، وخوفاً من الخروج عن الصدد لكان بالإِمكان إعداد تقرير وافٍ عنها.
وعلى أي حال : من هذا العرض لبيان حقيقة العظم وتركيباته ، تظهر لنا الدقة المتناهية في هذا التركيب الذي يشكل الهيكل الأساسي للبدن بما فيه من أنسجة ، والياف ، وغضاريف ويلتفت الداعي الى بديع صنع الله ، ونعمته عليه لذلك يتوسل اليه أن يرحم هذا الجهاز الدقيق الذي يدل التعمق فيه على قدرته ، وعظمته فمن الحيف أن يكون هذا الجهاز الدقيق أكلةً للنار ، وطعمة للحريق ، والتعذيب.
وصحيح أن الإنسان جنى على نفسه ، ولكن عفو الله أشمل.
والى هنا ينتهي المقطع الأول من هذا الفصل.
«يا من بدأ خلقي»
وبهذه الفقرة يبدأ المقطع الثاني من الفصل حيث يستعرض الداعي أيادي الله عليه فيذكره بها لتكون منة أخرى منه عليه.
__________________
(١) لاحظ الموسوعة الطبية الحديثة : ج ١٠ ص (١٣٩٧ ـ ١٣٩٨) وكذلك من علوم الطب في الاسلام : ٢٢ ـ ٢٧.
وأول يدٍ لله عليه هي : خلقه ، وإفاضة الروح عليه ، ونقله من الأصلاب الى هذه الحياة.
وفي استعراضنا للمسيرة الحياتية نجد القرآن الكريم يتحدث عنها بآيات كريمة هي ما جاء في قوله تعالى :
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (١) .
وقوله عز وجل :( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ) (٢) .
وقال تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) (٣) .
وفي آية رابعة قال تعالى :( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ) (٤) .
ولم يقتصر القرآن الكريم على هذه الآيات ، بل هناك آيات أخرى جاءت بهذا المضمون ، وكلها تشرح لنا عملية تكون الإِنسان من اللحظة الأولى.
__________________
(١) سورة المؤمنون : آية (١٢ ـ ١٤).
(٢) سورة الروم : آية (٢٠).
(٣) سورة الحج : آية (٥).
(٤) سورة السجدة : آية (٧ ـ ٨).
والذي يظهر من مجموع الآيات الكريمة أن عملية تكوين الإِنسان بدأت على مرحلتين :
١ ـ مرحلة خلق الإِنسان الأول ، وهو آدم ، وحواء.
٢ ـ وهي مرحلة خلق البشر من هذين : آدم ، وحواء.
أما المرحلة الأولى : فالآيات الكريمة عبرت مرة بإن خلقه كان من تراب ، وأخرى : من طين.
وسواءً كان المبدأ هو : التراب ، أو الطين ، فإنهما شيء واحد ، وينبيء هذا عن أن جسم الإِنسان الأول (آدم) يتكون من نفس المواد الأولية التي تتكون منها التربة ، وان كان الطب الحديث لم يتوصل لحد الآن لحل هذه القضية من كيفية خلق هذه المادة.
أما المرحلة الثانية : فقد عبرت الآيات الكريمة عنها بان خلق الإِنسان من آدم كان من (ماء مهين).
ولكن كيف تبدأ هذه المسيرة الحياتية ، وتتطور. ذلك ما تفصله لنا الآيات الكريمة في قوله تعالى :
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ) إلى آخر الآية السابقة.
وفي هذه الآية بدا لنا واضحاً المراحل التي يمر بها الإِنسان من اللحظة الأولى من تكونه الى تمام خلقه ، وان هذه المراحل تبدأ من : نطفة إلى علقة ، إلى مضغة ، إلى عظام. ومن ثم تأتي مرحلة الإِكساء اللحمي بعد تكون العظام ليكون الجنين تاماً مستعداً للانتقال من بطن أمه الى هذه الدنيا واذا ما اردنا أن نتناول الموضوع بشيء من
التفصيل نرى الموسوعات الطبية تحدثنا عن مراحل تطور الجنين في الرحم على النحو التالي :
المني : وهو سائل غروي قشطي أصفر مبيض قلوي التأثير له رائحة خاصة به ، وعند خروجه يتحد مع مزيج مركب من إفراز الحويصلات المنوية ، وغدد كوبر ، والبروستاتا ، وغدد مجرى البول.
والحيوان المنوي مجهري الحجم يشبه صغير (أبا ذنيب) له رأس أبيض مسطح ، وجزء متوسط مستدير ، وذيل طويل يدفعه الى أمام بحركته الدائبة القوية.
وتتكون الحيوانات المنوية في الخصية ، وعند نضجها يحملها السائل المنوي الذي يندفع الى المهبل في ذروة الاتصال الجنسي أي عند (القذف) ، ويخرج من القضيب عند القذف ما يملأ ملعقة شاي من المني تقريباً ، وبه نحو : مائتا مليون حيوان منوي. ويموت أغلب الحيوانات المنوية بعد مدة قصيرة ، ويدخل الباقي منها الى الرحم.
ويتمكن عدد قليل من دخول أنبوية «قالوب» ليلقح واحد منها البيضة إن كانت هناك.
ويكفي حيوان منوي واحد من هذا العدد الكبير لإِخصاب البيضة فتطمر رأسه ي داخلها ، ويسمى هذا : (التلقيح) وتبدأ عملية التناسل.
وبعد اتحاد البويضة بالحيوانين المنويين ، وتلحقها تتحول الى بيضة مخصبة تدخل الى الرحم بسبب انقباض البوق ، ومساعدة أهداب البشرة المغطية لطبقته المخاطية ، وهي في هذا الدور يطلق عليها القرآن الكريم اسم : (النطفة) حيث تستقر في (قرار مكين) وهو الدعاء
الخاص من رحم المرأة ليحافظ عليها في تمام المدة المعينة.
وبعد هذا يبدأ تحول هذه النطفة الى «علقة» لتصبح في دور يمكنها من التغذية بما يقدمه الرحم لها من دم.
ومن دور كونها علقة تتحول الى دور كونها «مضغة» وهي القطعة من الدم الغليظة ، ومن ثم ، أن تأخذ المضغة مجراها الطبيعي في التغذية تشتد لتكون عظاماً رخوة في مبدئها ثم تتصلب ، ويأتي بعد ذلك دور الإِكساء باللحم ، فيكون هذا الحيوان «حميلاً» فإن اسم الحمل يطلق على البيضة في الأسبوعين الأولين. وفي الأسابيع الأثني عشر التالية يطلق عليه اسم «الجنين». أما بعد ذلك فيطلق عليه اسم «الجميل».
وقد تضمنت كثير من الموسوعات الطبية كشفاً يبدأ من الشهر الأول للحمل لينتهي به في الشهر العاشر ، وبينت فيه قطر الحمل ، وطوله وصفاته ، وغذاءه ، ووزنه في كل شهر من تلك الشهور(١) .
ولسنا في صدد بيان كيفية تكوين الإِنسان من مبدئه على الشكل الدقيق الى بقية أدوار حياته عندما يرجع الى أرذل العمر ليستقبله التراب مرة أخرى بعد أن كان منشأه منها ، بل المهم بيان ما يتعلق بهذه الفقرة من بدء خلق الإِنسان بهذا التنظيم الدقيق ، وإعطاء صورة من نعم الله عليه حيث صوره ، فأحسن صورته ، وتدرج به بهذه المراحل التي
__________________
(١) لاحظ لهذه البحوث مفصلاً الموسوعة الطبية الحديثة : مادة (جنين وتناسل) ج ٤ و ١٣ ، وكذلك من علوم الطب في الاسلام : ٢٢ ـ ٣٣.
ذكرناه محفوظاً ، ومراعىً وفق نظام خاص تحوطه العناية وترعاه أدق حاضنة : غذاءً ، ودفئاً وحناناً الى ان يكتمل «حميلاً» لينزل برفق الى هذه الحياة طفلاً سوياً.
كل هذه التطورات تمر على ذهن الداعي فيتصورها ليرى رعاية الله له في بدء خلقه ، وتكوينه فلماذا يتركه ، وهو مخلوقه ، وصنيع قدرته؟
«وذكري وتربيتي وبري وتغذيتي»
وهذه من جملة أياديه الكريمة على الإِنسان فبعد أن بدأ خلقه فقد جعله بين المذكورين في هذه الحياة ، وقد كان عدماً ، ومن ذلك العالم المجهول جاء به ليكون إنساناً سميعاً ، وبصيراً يتمتع بهذه الحياة. وليقدم الحياة الدائمة بعد موته ما يجعله قرير العين هانئاً.
( هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ) (١) .
إنه لم يكن شيئاً مذكوراً قبل أن يخلق فلماذا جاء به ، ودفعه الى خضم هذه الحياة ، وقد أكملت الآية الكريمة المسيرة بقوله تعالى :
( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) (٢) .
ولقد أناطت يد الله بالإِنسان دوره ليؤدي ما عليه حيث هداه السبيل ، ومن ثم يكون إنساناً يستفيد منه الآخرون ، وليقوم بكل ما أنيط اليه من أدوار يكون فيها مراقباً من قبل الله ، فيؤدي رسالته ، وبعد كل هذا ينال جزاءه في ذلك العالم الذي يقدر له البقاء فيه.
__________________
(١) سورة الدهر : آية (١).
(٢) سورة الدهر : آية (٣).
وبعد خلقه ، وذكره توالت أياديه الكريمة عليه.
فأحسن تربيته ، والبر به ، وتغذيته ـ كما تنص على ذلك فقرات الدعاء ـ
أما تربيته : فإنه حفظه بعد أن أخرجه الى هذا الوجود ، فكفله الحواظن وهيأ له من عطف أبويه ما يحسن تربيته ، والمحافظ عليه من كل سوء وأحسن إليه بكل النعم التي تمتع بها في هذه الحياة.
ومن ثم هيأ له الغداء الكافي في جميع المراحل التي تمر بها مسيرته الحياتية حملاً ، ورضيعاً ، وشاباً ، وشيخاً ، وفي كل هذه الأدوار منحه من نوعية الغذاء ما يناسبه ذلك الدور الذي يمر به.
بهذا الأسلوب العاطفي بدأ المقطع الثاني من دعائه.
وقبل ان ننتقل الى الفقرات من هذا المقطع يجدر بنا أن ننتقل الى مشهد من مشاهد الدعاء المماثلة لعرض هذه المسيرة الحياتية لنرى لذة الدعاء ، ورهبة الموقف الخشوعي للخالق عز وجل.
إنه الإِمام الحسين «عليه السلام» يخرج من خيمته في ظهيرة يوم التاسع من ذي الحجة ، وفي وسط ضجيج ، وتكبيرهم ، وتهليلهم يحوط به أهل بيته ، ولفيف من شيعته ليقف بجانب الجبل من وادي عرفات متجهاً الى صوب البيت الحرام ، ويرفع يديه الى السماء ، وبوجه تظهر عليه إمارات الخضوع ، ودموع منهمرة من عينين منكسرتين يبدأ أبو الشهداء بصوت يجلله الحزن فيقول :
«اللهم اني أرغب اليك ، وأشهد بالربوبية لك مقراً بأنك ربي ، واليك مردي ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئاً مذكوراً وخلقتني من
التراب ، ثم اسكنتني الأصلاب أمناً لريب المنون ، واختلاف الدهور ، والسنين ، فلم أزل ضاعناً من صلب الى رحم في تقادمٍ من الأيام الماضية ، والقرون الخالية ، فابتدعت خلقي من مني يمنى ، وأسكنتني في ظلمات ثلاث بين لحمٍ ، ودمٍ ، وجلدٍ لم تشهدني خلقي ، ولم تجعل اليَّ شيئاً من أمري ، ثم أخرجتني للذي سبق لي من الهدى الى الدنيا تاماً سوياً ، وحفظتني في المهد طفلاً صبياً ، ورزقتني من الغذاء لبناً مرياً ، وعطفت عليّ قلوب الحواظن ، وكفلتني الأمهات الرواحم ، وكلأتني من طوارق الجان ، وسلمتني من الزيادة ، والنقصان فتعاليت يا رحيم يا رحمن»(١) .
واذا كانت هذه أياديك علي يا رب في جميع ادوار حياتي فلماذا تعرض بوجهك الكريم ، وتعذبني وأنت ربي؟ بل :
«هبني لابتداء كرمك وسالف برك لي»
وعوداً علي بدء يا رب : فكما كان من ابتداء كرمك ، وما مضى من برك بي حيث بدأت خلقي ، وتلطفت في تربيتي ، وتغذيتي ورعايتي ، فهبني مرة أخرى تمن بها علي من شمول عطفك لي فلا حد لكرمك ، ولا ساحل لجودك ، بل أنت جواد كريم.
«يا إلهي وسيدي وربي أتراك معذبي بنارك بعد توحيدك»
وبالبدء بالمقطع الثالث : تبدأ العملية الحسابية مع الله لجلب عطفه وقد بدأها الداعي بندائه بالفاظٍ كلها تدل عليه.
__________________
(١) من دعاء الامام الحسين «عليه السلام» في يوم عرفه. ذكرته جميع كتب الادعية ، والمزارات.
فالإِله : هو المعبود ، ولا معبود لنا سواه.
والسيد هو المسلط على القوم ، ورئيسهم ، ولا أسلط منه علينا فهو بيده كل شيء ، وقادر على كل شيء.
والرب : وهو المالك ، والمطاع ، وهو مالك كل شيء ، وهو :( الذي له ملك السماوات والأرض ) (١) .
والنداء بهذه الأسماء على هذا النوع من التعاقب يرسم لنا صورة واضحة عن حالة الداعي ، وهو يكرر هذه الأسماء ، فنتصوره كالغريق يطلق صرخات الاستغاثة يطلب النجدة من ربه.
وكما يقول الشاعر :
شخصنا اليك بأبصارنا |
شخوص الغريق لمر السفن |
«أتراك»
والهمزة للاستفهام الحقيقي ، و (ترى) مضارع (رأى) ، والرؤية هنا قيل أنها : (بصرية) وقيل أنها : (علمية) والكاف مفعول ترى الأول ، والجملة الواقعية بعد فعل المضارع في موضع المفعول الثاني ان كانت ترى علمية ، وفي موضع الحال ان كانت مأخوذة من رأى البصرية.
وتكون القراءة في هذه الصورة بفتح التاء ، وربما قرئت بضم التاء على أن يكون فعلاً مبنياً للمجهول ، والكاف ضمير في محل رفع على انه
__________________
(١) سورة الفرقان : آية (٢).
نائب فاعل(١) .
والمعنى المراد من هذه الكلمة واضح حيث يستفهم الداعي من ربه فإنه هل يعذبه بعد توحيده؟
ومن هنا يبدأ الحوار الرقيق بين الداعي وخالقه ، فهو يطالبه بما صرحت به السنة الكريمة من غفران ذنب من وحد الله وقال :
«لا إله إلا الله». وهي أخبار كثيرة.
منها ـ ما عن الإِمام الصادق «عليه السلام» قول : لا إله إلا الله ثمن الجنة»(٢) .
وفي حديث آخر : إن الله تبارك ، وتعالى أقسم بعزته ، وجلاله أن لا يعذب أهل توحيده بالنار ابداً(٣) .
وفي حديث ثالث : «ان الله تبارك ، وتعالى حرم أجساد الموحدين على النار»(٤) .
وبهذا المضمون توجد أخبار كثيرة كلها تضمن لمن وحد الله أن لا تمسه النار ولهذا جاء الداعي يطالب ربه بهذه الوعود التي صرح بها أمناء الشريعة. فهو وان كان قد أذنب ، وصدرت منه المخالفات ، ولكنه قدم في حياته ما يضمن له كسب الموقف من توحيد الله ، وعدم الشرك به. ويجدر بنا ، ونحن بهذا الصدد أن ننتقل الى حديث آخر
__________________
(١) لاحظ اسرار العارفين : ص (٧٤) حيث تناول تحليل هذه الكلمة من الناحية الادبية ، والنحوية بشكل مفصل.
(٢ ـ ٣ ـ ٤) لاحظ هذه الاخبار ، وغيرها : التوحيد للشيخ الصدوق / باب ثواب الموحدين ، والعارفين. الاحاديث / ٦ ، ٧ ، ١٣.
يعرض لنا الإِمام أبو عبد الله «عليه السلام» نحواً من المحاورات التي تجري بين الله وعبيده المذنبين يوم القيامة.
«قال «عليه السلام» : انه إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى بقوم ساءت أعمالهم في دار الدنيا الى النار.
فيقولون : يا ربنا كيف تدخلنا النار ، وقد كنا نوحدك في دار الدنيا ، وكيف تحرق النار السنتنا ، وقد نطقت بتوحيدك في دار الدنيا؟
وكيف تحرق قلوبنا ، وقد عقدت على أن لا إله ألا أنت؟
أم كيف تحرق وجوهنا ، وقد عفرناها لك بالتراب؟
أم تحرق أيدينا ، وقد رفعناها بالدعاء اليك؟
فيقول الله جل جلاله : عبادي ساءت أعمالكم في دار الدنيا فجزاؤكم نار جهنم.
فيقولون : يا ربنا عفوك أعظم أم خطيئتنا؟
فيقول عز وجل : بل عفوي.
فيقولون : رحمتك أوسع ، أم ذنوبنا؟
فيقول عز وجل : بل رحمتي.
فيقولون : إقرارنا بتوحيدك أعظم ، أم ذنوبناً؟
فيقول عز وجل : بل إقراركم بتوحيدي أعظم.
فيقولون : فليسعنا عفوك ، ورحمتك التي وسعت كل شيء.
فيقول الله جل جلاله : ملائكتي وعزتي ، وجلالي ، ما خلقت
خلقاً أحب إلي من المقرين بتوحيدي ، وأن لا إله غيري. ةحق علي أن لا أصلي بالنار أهل توحيدي. أدخلوا عبادي الجنة»(١) .
ويلحظ القاريء الرقة تفيض من جميع جوانب هذه المحاورة بين الخالق ، وعباده المذنبين ـ وفي الوقت نفسه ـ نجد الى جانب ما تتحلى به المحاورة من الرقة ، والاستعطاف الرصانة في السلوكية للطريق المؤدي الى استخلاص النتيجة على وفق ما يرغبون. ذلك لأنهم ـ وكما هو واضح من ترتيب الحديث ـ بدأوا في المحاورة على جولتين.
كانت الأولى منهما عرض ما قاموا به من جانبهم من تعظيم الخالق وتوحيده ، والسجود له ، والدعاء له ، والالتماس منه دون أن يشركوا معه أحداً وقد عرضوا ضمن هذه المحاورة عرض مستمسكاتهم التي يرجون من وراء عرضها الصفح عنهم.
ويأتي الجواب من الله عز وجل «عبادي ساءت أعمالكم في دار الدنيا فجزاؤكم نار جهنم».
ولكنهم وبعد هذا الرد لم يقنطوا من رحمة ربهم ، وان كانت أعمالهم قد ساءت في دار الدنيا ، بل بدأوا بالجولة الثانية حيث سلكوا طريق المطالبة بما وصف به نفسه جل جلاله من العفو ، والرحمة ، والمغفرة ، ومن ثم اجراء المقارنة بين ما يترتب على إقرارهم بتوحيده ، وتعظيمه ، وعدم الشرك به ، وبين حجم الذنوب الصادرة منهم.
__________________
(١) كتاب التوحيد للشيخ الصدوق : باب ثواب الموحدين والعارفين / حديث (٣١).
وبعد أن قدموا كل ما لديهم من وسائل دفاعية ، واستعطافية لجأوا ، وعلامات الخضوع ترتسم على تلك الوجوه ليقولوا :
«يا ربنا فليسعنا عفوك ، ورحمتك التي وست كل شيء»
وتمر لحظات رهيبة ، ويخيم الصمت على الجموع المنتظرة لصدور الحكم من محكمة العدل الإِلهية بحقهم.
لحظات يمتزج فيها الأمل ، والخوف. وأمام الجميع يترائى شبح المصير المظلم ، ومن ورائه نار جهنم.( كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ) (١) ولكن الجوانب المشرقة تتغلب لتنير الطريق لهم الى الجنة.
ويتجلى اللطف الإِلهي بأبهى صورة عندما يصدر النداء من الله الى الملائكة يحمل بين طياته آيات الرفق ، والحنو ، والغفران.
«ملائكتي ، وعزتي ، وجلالي. ما خلقت خلقاً أحب إليَّ من المقرين لي بتوحيدي. أدخلوا عبادي الجنة».
ويسدل الستار ، وتتهادى الجموع المرحومة بين صفوف الملائكة الموكلين ليقطعوا الطريق الأخضر الى النعيم الدائم.
( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) (٢) .
ويتنفس الصعداء ، وتطفو علامات الشكر ، وتتهلل الوجوه.
__________________
(١) سورة الإِسراء : آية (٩٧).
(٢) سورة الزمر : آية (٧٤).
( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ) (١) .
«وبعدما انطوى عليه قلبي من معرفتك»
انطوى قلبه على الشيء إشتمل عليه.
والمراد من هذه الفقرة هو إظهار الداعي بكمال معرفته بالله عز وجل حيث اعتقد باتصافه بما ذكر له من الصفات من كونه : واحد ، أحد ، قديم ، عليم ، حكيم ، حي ، غني ، قادر ، سميع ، بصير ، عالم.
ولا يوصف بما توصف به المخلوقات فليس هو بجسم ، ولا صورة ، وليس جوهراً ، ولا عرضاً ، وليس له ثقل ، أو خفة ، ولا حركة ، ولا سكون ، ولا مكان ، ولا زمان ولا يشار اليه كما لا ند له ، ولا شبيه ، ولا ضد ، ولا صاحبة له ، ولا ولد ، ولا شريك ، ولم يكن له كفواً أحد لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار(٢) .
ان الداعي عطف على استفهامه الأول ـ من أنه كيف يعذبه الله بالنار بعدما وحده ، ولم يشرك به ، وهكذا بعدما اعتقده من صفاته وآمن بها ـ قوله :
«ولهج به لساني من ذكرك»
وبهذه الفقرة يعرض الداعي ما قام به من تعظيم الله في دار الدنيا
__________________
(١) سورة الزمر : آية (٧٤).
(٢) لاحظ عقائد الإِمامية للمظفر : ٣٦ / مطبعة النعمان / النجف الأشرف.
من توحيده ومعرفته الكاملة به ، وما لهج به لسانه من ذكره ، وذكر الله هو دعاؤه وبيان صفاته ، وتمجيده ، وحمده ، وكل ما يمت إلى ذلك بصلة.
وعندما يعتز الداعي ، ويعرض أمام ربه من جملة ما يستند اليه في مقام المحاسبة أن لسانه كان لهجاً بذكر ربه ، وبيان آياته فهو لا يذهب بعيداً ولا يشط في طلباته ، بل يطالبه بما وعد به الذاكرين جزاء ذكرهم يقول تعالى :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّـهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ) (١) .
واذا كان الله هو الذي يصلي عليهم ، والصلاة منه لعباده المغفرة ، والرحمة لهم ، وكذلك ملائكته حيث يدعون لهم بإنزال الرحمة عليهم. ومع هذا يخرجهم من ظلمات الجهل الى نور المعرفة ، ومن الضلالة الى الهدى. وهذا هو جزاؤهم في الدنيا. وأما في الآخرة فقد( أَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ) أجر يصفه الكريم بأنه : (كريماً).
وقد جاء عن ابن عباس في هذه الآية قوله :( ان الله لا يفرض على عباده فرية إلا جعل لها حداً معلوماً ، ثم عذر أهلها في مال عذر غير الذكر. فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي اليه ، ولم يعذر أحداً
__________________
(١) سورة الأحزاب : الآيات (٤١ ـ ٤٤).
في تركه إلا مغلوباً على عقله ) (١) .
وعن الإِمام الصادق «عليه السلام» عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من اكثر من ذكر الله عز وجل احبه الله ومن ذكر الله كثيراً كتبت له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق»(٢) .
وعنه «عليه السلام» في حديث آخر : «من اكثر من ذكر الله عز وجل أظله الله في جنته»(٣) .
وان القلب ليظل فارغاً ، أو لاهياً ، أو حائراً حتى يتصل بالله ، ويذكره ويأنس به ، فإذا هو مليء جاد ، قار ، يعرف طريقه ، ويعرف منهجه ويعرف من أين ، والى أين ينقل خطاه.
ومن هنا : يخص القرآن الكريم كثيراً ، وتؤكد السنة على ذكر الله ، ويربط القرآن بين هذا الذكر ، وبين الأوقات ، والأحوال التي يمر بها الإِنسان لتكون الأوقات ، والأحوال مذكرة بذكر الله ، ومنبهة الى الاتصال به حتى لا يغفل ، ولا ينسى.
ويحسن بنا قبل الانتقال الى الفقرة اللاحقة ان نتعرض الى شبهة قد ترد علينا ، ونحن نستعرض هذه الأخبار ، وغيرها مما يشتمل على المغفرة لمن يقول : «لا إله إلا الله» ، أو أن من قالها كذا مرة في اليوم غفرت ذنوبه ، ودخل الجنة ، وهكذا ، وتحرير الإِشكال : هو أن الإِنسان مع هذه الأخبار سيجد له طريقاً معبداً يسلك بواسطته الى شهواته ومخالفاته فيعمل ما يشاء ، وله من لسانه منطلق
__________________
(١) الدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي : ٥ / ٢٠٤.
(٢ ـ ٣) أصول الكافي : باب ذكر الله عز وجل كثيراً / حديث / ٥٢٣.
واسع يشهد فيه أنه لا إله إلا الله ، وتنتهي المشكلة بسلام ، وتغفر له جميع ذنوبه وهكذا ومع إشراقة صباح جديد تبدأ العملية : مخالفات ، وذكر الى أن يختار الله لعبده الدار الآخرة ، وحينئذٍ فيقدم على رب كريم.
ويأتي الجواب مستوحىً من حديث الإِمام الصادق «عليه السلام» لرد أمثال هذه الشبهة حيث يقول :
«من قال لا إله الا الله مخلصاً دخل الجنة ، وإخلاصه أن تحجزه لا إله الا الله عما حرم الله عز وجل»(١) .
وبمثل هذا جاءت روايات أخرى ، وتتضح لنا أبعاد القضية من هذا القول فقول : «لا إله إلا الله» لا يكون شافعاً للمذنب أعماله مطلقاً بل لا بد لها من شروط ، ومن شروطها أن يعقل ماذا يقول ، ويلتزم بأنه لا إله في هذا العالم سواه ، وحينئذٍ فلا بد من الالتزام بأوامره ، ونواهيه فمن قالها تائباً ، ونادماً على ما صدر منه ، وملتزماً أن لا يعود وجد من برد «لا إله الا الله» ما يطفئ به حر نار جهنم. أما من قالها كبقية الكلمات العابرة التي تمر على لسانه في كل يوم ، فان هذه لا تنفعه شيئاً في مقام تخليصه من كل ما صدر منه.
وليعلم الداعي انه عند دعائه ، وتوسله يقف بين يدي من هو مطلع على جميع نواياه ، وحركاته ، وسكناته ، فلا بد من حسن النية ، والإِخلاص ، والتوبة.
«واعتقده ضميري من حبك»
الضمير : هو القلب. وسمي بذلك لأنه مضمر ، ومستتر(٢) .
__________________
(١) التتوحيد للشيخ الصدوق : ٢٧.
(٢) أقرب الموارد : مادة (خمر).
والضمير ، والقلب ، والفؤاد ، كلها الفاظ ترمز الى شيء واحد. وربما قيل : بأن القلب أخص من الفؤاد(١) والمعنى واضح.
أما اعتقد : فهي كما في اللغة : ان اعتقد كذا صدقة ، وعقد عليه قلبه ، وضميره(٢) .
وقد تصدى العلماء فأطنبوا في هذا المقام من بيان المراد من المحبة وما هي المحبة فهل هي محبة ذاته ، أو صفاته ، وهل أن محبة ذاته مقدمة على محبة صفاته؟
وما للمتكلمين هنا من كلام ، وكذا ما يقوله العارفون من رأي بهذا الشأن.
ولا نرى ضرورة للخوض في مثل هذه التفصيلات ، والبعد عن تلك الشفافية التي تفصح عنها هذه العبارة عندما يقول الداعي :
«واعتقده ضميري من حبك»
ان الأنعام العذبة التي تبعثها هذه الفقرة من الدعاء تجسد لنا بالحرف الواحد ما تحمل عبارة «أنا أحبك يا رب» بين طياتها من رقة ، وانعطاف من العبد نحو ربه.
فلماذا نشوش هذا النغم بهذه الأقوال؟
ثم من منا لا يعرف ما هو الحب ، ويقدر العلاقة التي تربط بين الأبوين ، وأولادهم ، أو الأسرة فيما بينهم ، أو العشق الذي يحصل بين متحابين ، وكل أولئك بشر فكيف بالعلاقة بين الخالق ،
__________________
(١ ـ ٢) اقرب الموارد : مادة (عقد).
ومخلوقه ، مع ما يراه من نعمة عليه ، وأياديه الكريمة ، وعواطفه المتواصلة من أول لحظة يتكون فيها أصله الى آخر ومضة من ومضات حياته وقد لا يعرف الكثير من البشر أقسام المحبة ، وأنواعها ، وما تشتمل عليه من تعاريف تزخر بها الموسوعات اللغوية ، الا أنه يجد في نفسه ميلاً ورغبة ، وانجذاباً ، وهوىً يسوقه نحو خالقه بحيث تسكن اليه ويلجأ اليه كلما داهمته ملمة ، وحين يدعو يشعر بلذة غريبة لانه يقف بين يدي عطوف ودود.
وهذه هي المحبة ، وهذا هو الميل ، والانجذاب الذي اشتمل قلب الداعي عليه ، والذي يعتز به ، ويحتفظ به كأحسن شافع لديه حين يقف بين يديه ربه ليقدم له ما اشتمل عليه قلبه من حبه ، والتودد اليه فيقول : «إلهي أتراك معذبي بنارك بعد توحيدك ، وبعدما انطوى عليه ضميري من حبك».
ويبلور الداعي وجهة نظره في تقديم هذه الصفة منه كمستند يبرد ما صدر منه من مخالفات في دار الدنيا. فهو يعتز بأن قلبه أصبح وعاءً يضم حب الله بين جنباته ، وكما يقولون : «آن شرف المكان بالمكين» وهكذا فكم من بقعة من بقاع الأرض تشرفت بضمها لجسد نبي من أنبياء الله ، أو ولي من أولياء الله ، وليس لهؤلاء وأمثالهم الا شرف الانتساب الى الله جل جلاله فكيف بحب الله اذا كان قلب الداعي تشرف بوعائيته ، وانطوائه عليه؟
وإذا ما انصتنا خاشعين الى الإِمام الحسين «عليه السلام» وهو يدعو ربه في ظهيرة يوم عرفات لرأيناه يعزو التوفيق لنيل شرع وعائية قلب المؤمن لحبه تعالى اليه جلت عظمته ، فهي يد كريمة أخرى تضاف الى أياديه ، ونعمه على عباده أنه يقول :
«أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ، ووحدوك وانت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى لم يحبوا سواك ولم يلجأوا الى غيرك» ـ الى أن يقول ـ :
( يا من اذاق احباءه حلاوة المؤانسة فقاموا بين يديه متحلقين ) .
والى أن يقول :( وانت الباديء بالإِحسان قبل توجه العابدين ) .
واذا كان هو الذي أشرق الأنوار في قلوب أوليائه ، وأزال عنها الاغيار فجعلها أوعية طاهرة لحبه فهل يحرقها بالنار؟
ثم ، وبعد هذا فما الفرق بين وعائين؟
قلت : ضم حب الله ، وانطوى عليه.
وقلب : اشتمل على حب شريك له ، وتملق اليه.
فان قلنا : بأن كليهما يحفظ من النار فهو مخالف لنص الآية الكريمة :( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ) (١) .
وان قلنا : بتعذيب كليهما ، فهو خلاف الوجدان فكيف يكون قلب المؤمن كقلب المشرك من حيث الجزاء ، والتقدير؟
ولا بد حينئذٍ من التفصيل ، والتفريق بين القلبين تمييزاً لوعائية حب الله عن حب غيره.
«وبعد صدق اعترافي ودعائي خاضعاً لربوبيتك»
والداعي بهذه الفقرة يخاطب ربه ، وهو المطلع على السرائر
__________________
(١) سورة النساء : آية (٤٨).
فيقول له : كيف تعذبني بنارك بعد أن ظهر لك يا رب صدق اعترافي ، وندمي وتوبتي ، والتي ظهرت على ما مر من دعائي لك ، وتوسلي حال كوني خاضعاً لربوبيتك؟
فليس هو اعترافاً مع عدم خضوع.
أو خضوع من غير اعتراف.
بل هما معاً : اعتراف بالذنب ، وخضوع له باعتباره ربي ، وخالقي.
وبنهاية هذه الفقرات تنتهي هذه المحاورة ، وفيها قدم الداعي كل ما لديه من حججٍ ، ومستمسكات تدعم موقفه الذي تشبث به لحصول المغفرة والعطف من ربه.
وطبيعة مثل هذه المواقف تقضي بانتظار المذنب لما يصدر عليه من حكمٍ. ولكن الداعي خالف في موقفه هذا جميع الأعراف التي تمليها أصول المحاكمات من تقديم المدعى عليه دفاعه ، وانتظاره لنتائج المحاكمة حيث تتلخص بصدور الحكم عليه ، بل انبرى يتطفل ليصدر الحكم بنفسه ، ولهذا نراه يناجي ربه قائلاً :
«هيهات أنت أكرم من أن تضيع من ربيته»
وهيهات : كلمة معناها البعد ، وقيل : كلمة تبعيد ، وتضييع من أضاع ، وهو الإِتلاف ، والهلكة ، والإِهمال. والمعنى :
هو استبعاد الداعي ان يكون الله وهو الموصوف بالكرم أن يهمل من كان مشمولاً لرعايته ، وعطفه من أول لحظة من لحظات حياته والمراد من تربيته هو ما أسداه عليه من النعم ـ كما تقدم ـ في
دعاء الإِمام الحسين «عليه السلام» في يوم عرفة ، فهو «سلام الله عليه» ـ بعد أن بين بدء تكوين الإِنسان ، وانتقاله في الأصلاب ، وخروجه الى الدنيا تاماً سوياً ، وانه عطف عليه قلوب الحواظن ، ورزقه من اللبن ما يغذيه ، وسلمه بعد ذلك من الزيادة ، والنقصان. وبعد كل هذا ـ اخذ في بيان تكملة المسيرة الحياتية ، وإعطاء صورة من تربية الله ، ورعايته لهذا المخلوق فقال :
«حتى إذا استهللت ناطقاً بالكلام أتممت عليّ سوابغ الإِنعام ، وربيتني زائداً في كل عام. حتى إذا اكتملت فطرتي ، واعتدلت امرتي أوجبت علي حجتك ، بأن الهمتني معرفتك ، وروعتني بعجائب حكمتك».
الى أن يقول : «ثم إذا خلقتني من خير الثرى لم ترض لي يا إلهي نعمة دون أخرى ، ورزقتني من أنواع المعاش ، وصنوف الرياض بمنك العظيم الأعظم علي ، وإحسانك القديم الي».
صلوات الله عليك يا أبا الضيم. لقد استعرضت هذه المسيرة ، ودللتنا على نعم الله من بدء تكويننا ، وأياديه الكريمة ، ورعايته ، وكل ذلك تربية من الله لنا ، فللداعي الحق لو طالب ربه في لطفه المستمر ، واستبعاده كل البعد من أن يضيع الله مخلوقه ، وصنيعته ، ومن حباه لطف تربيته. ولئن كانت شفقة الأبوين مضرب الأمثال من ناحية تعلقهما بالولد فيحرصان على حياته ، وعدم إيصال أي اذىً اليه ، فإن شفقة الله على عباده أعظم لأن الإِنسان مخلوق الله ، ومن صنع يده.
«او تبعد من ادنيته»
أدنيته : قربته ، والقرب من الله من الواضح ليس القرب المكاني لاستحالة ذلك لاستلزامه إشغال الحير له عز وجل ، وهو محال ، بل القرب هو : المعنوي الناشيء من رضا الله ، وعطفه ، وكرمه نحو المخلوق ، وهذه ، وغيرها كلها علامات قرب الإِنسان من ربه ، وعدم انزجاره منه.
وإذا كان الأمر كذلك ، فهيهات يا رب أن تبعد ، وتطرد من بابك من عطفت عليه ، وخصصته منك بالعناية.
«أو تشرد من آويته»
شرد القوم : أي مزقهم.
وآوى القوم : أنزلهم في المكان وآويت فلاناً في داري أي : أنزلته فيه(١) والمعنى الذي يقصده الداعي من استبعاده من تشريد الله لعبده المذنب بعد إيوائه له هو أن سبوغ نعمه لعبد وتربيته له ، ورعايته له في مراحل الحياة كلها الطاف تنبيء عن ايواء الله لعبده ، وتقريبه منه ، والسخط عليه بتعذيبه ، معناه : طرده من ساحة رحمته ، وإبعاداً له عن مأواه ، وهذا ما يستبعده العبد.
وعلى صعيد المقارنات ، فالتاريخ يحدثنا عن السمات الحميدة التي يتحلى بها الكثير من البشر ، فإنه إذا آوى أحداً ، وقبله تحت لوائه فمن البعيد ان يطرده من قربه. وإذا كان هذا حال المخلوقين فكيف بخالقهم ، والمنعم عليهم ، وولي الإِفضال بالنسبة لهم؟
__________________
(١) لاحظ أقرب الموارد ، ولسان العرب في مادة (أوي).
«أو تسلم الى البلاء من كفيته ورحمته»
الغم : هو البلاء ، وكفى فلان فلاناً ، أغناه عن غيره(١) .
ويأتي استبعاد الداعي لتسليم الله عبده الى البلاء بعد أن كفاه ، ورحمه تبعاً لمنطوق الآية الكريمة في قوله تعالى :
( أليس الله بكافٍ عبده ) (٢) .
والآية وان كان سبب نزولها مشركي قريش حيث كانوا يخوفون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من آلهتهم ، ويحذرونه من غضبها ، ويوعدونه بانه إن لم يكف عنها لسانه فسيصيبه منها الأذى ، فجاءت الآية تطمئن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن الله يكفيه من الأذى ، ويكف عنه كل سوء. ولكن إطلاقها يشمل كل مورد ، وكل عبد من عباده. والكفاية أيضاً من كل شيء : أذىً ، ورزقاً ، وعدواً ، وغير ذلك.
ان الله يكفي عباده ، وهو غني عنهم ، ويرحمهم ، وهو ليس بمحتاج لهم. وإنما صنع ذلك تفضلا منه عليهم. وإذا كان الموضوع يرجع في نهايته الى التفضل من المولى على عباده ، فمن هنا ينشأ استبعاد تسليم الله لعبده المذنب الى البلاء.
ومرة اخرى نقول : أن الداعي يطالب ربه بما قطعه على نفسه من كفاية عباده. وهب أنه أذنب ، وتجاوز ، ولكنه ، وبتوسله قد تاب ، وعاد الى حضيرة الإِيمان فلماذا لا تعود الكفاية ، والرعاية
__________________
(١) أقرب الموارد : مادة (بلي ، وكفي).
(٢) سورة الزمر : آية (٣٦).
وقد زال السبب الذي دعا بإبعاده ، وطرده ، وقد صرح القرآن الكريم بأن الله( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ) (١) .
«وليت شعري يا إلهي وسيدي ومولاي أتسلط النار على وجوه خرت لعظمتك ساجدة»
ليت شعري : جملة تستعمل في مقام الحيرة ، والاستفهام ، ومعناها «ليت علمي» أما خبر ليت قمحذوف تقديره حاض ، أو محيط وتقدير مجموع الجملة «ليت علمي حاض»(٢) .
وخرت : أي سقطت ، وجملة «خر ساجداً» يراد بها : انكب على وجهه.
ويوجه الدعاء الداعي بهذه الفقرة الى سلوك طريقة جديدة يبدأ فيها بشكل آخر فتح الحوار الحسابي مع ربه بعرضه ما قام به من تعظيم الله ، من خلال ما أدته جوارحه من شعائر تعظيمية ، كل عضوٍ بما يناسبه من عمل.
وبدءً من الوجه ، وهو مجموع الناصية ، والعينيين ، والخدين ، والأنف والفم. وطبيعي ان ما يناسب الوجه بما فيه الجبهة من اداء حق الله هو السجود له تعالى. ولهذا يطالب الداعي ربه بجزائه على سجوده. ويزيد في روعة الموقف التعبير الذي تحمله عبارة «خرت لعظمتك ساجدة» وقد عرفت ان مصطلح : خرت ساجدة. أي :
__________________
(١) سورة الشورى : آية (٢٥).
(٢) مجمع البحرين : مادة (شعر).
انكبت على وجوهها. والانكباب هو السقوط.
وفي انكباب العبد على وجهه ساجداً لربه من الخضوع ، والذلة مالا يعطيه التعبير بكلمة (سجد لك وجهي) فإن السجود هو وضع الجبهة على الأرض. ووضع الجبهة وان كان يحمل بين طياته كل معاني الخضوع ولكنه ـ في نفس الوقت ـ يفقد تلك الرقة التي تحصل من منظر العبد ، وهو يسقط الى الأرض ساجداً ، فإن ذلك يظهر غاية التسليم ، والانقياد.
وللسجود لله تعالى آثاره في تقرب العبد الى ربه لذلك نرى الإِمام الصادق «عليه السلام» يقول :
«أقرب ما يكون العبد الى الله عز وجل وهو ساجد»(١) .
ويأتي هذا القرب من الله نتيجة إعطاء السجود لابرز صورة من صور الخضوع والتذلل حيث يتجرد الإِنسان من كبريائه وغروره ، فيسجد على الأرض ليلامس التراب جبينه ، وهو ينكب على وجهه زيادة في الخضوع.
وتمثل هذه الصورة العبودية الخالصة له عز وجل ، وهي ترمز لتخلي الإِنسان عن اللجوء لغير الله تعالى ، وبالسجود له يعلن العبد بأنه في غاية الخضوع له ، وإيذاناً منه بخلوصه في توحيده وصدق نيته.
بعد كل هذا لا نعجب اذا رأينا الإِمام أبا عبد الله الصادق «عليه السلام» يقول : «إن العبد اذا سجد وقال : يا رب ، يا
__________________
(١) المحجة البيضاء : ١ / ٣٤٦ / باب فضيلة السجود.
رب ، يا رب. حتى ينقطع نفسه قال له الرب تبارك وتعالى : «لبيك ما حاجتك»(١) .
ولماذا لا يقول الرب لعبده ، وعلى هذه الحالة من التذلل له : «لبيك ما حاجتك»؟ بعد أن علم من عبده صدق النية ، والانشداد اليه.
لبيك : كلمة يقولها الله لعبده.
والله هو الله ، مالك السموات ، والأرضين ، وهو القادر ، وهو الجبار ، وهو الذي لا يتخلف عن إرادته أي شيء يتنازل الى هذا المخلوق الضعيف الذي يفقد كل حول ، وكل قوة ليقول له : لبيك ، ويمنيه بحاجته. وماذا يريد الداعي بتوسله ، وتضرعه اليس يريد من ربه إبعاد شبح النار عنه اليس يريد منه المغفرة ، والتجاوز ، فهل يحسن بالله أن يرجع عن عطفه ، وتلبيته ليرد عبده في أحرج ساعاته؟.
ومن الوجه ينتقل الدعاء بنا الى جارحة أخرى قامت بدورها في اداء ما عليها من حق تجاه الخالق الكبير.
«وعلى ألسنٍ نطقت بتوحيدك صادقة ، وبشكرك مادحة»
وقد ورد في الحديث عن أهل البيت «عليهم السلام» «اكثروا من التهليل والتكبير فإنه ليس شيء أحب الى الله عز وجل من
__________________
(١) نفس المصدر السابق : ص (٣٤٧).
التهليل والتكبير»(١) .
وفي حديث آخر يقول الإِمام الصادق «عليه السلام» :
«خير العبادة قوله : لا إله إلا الله»(٢) .
وجاء في الحديث عن الإِمام أبي الحسن «عليه السلام» : «من حمد الله على النعمة فقد شكره وكان الحمد أفضل من تلك النعمة»(٣) .
واذا كان للتهليل والشكر ، هذه المنزلة عند الله فكيف يحرق الله لساناً ما انفك عن ترديد صفة توحيده ، وما ترك شكر الله على نعمائه؟
وبعد هذا فمن المظاهر الخارجية ينتقل الدعاء لتوجيه الداعي الى التشبث بجوارحه الداخلية وكيف أنها كانت تؤدي واجبها على خير ما يرام من اداء حقوق الله إنه يقول.
«وعلى قلوبٍ اعترفت بإلهيتك محققة وعلى ضمائر حوت من العلم بك حتى صارت خاشعة»
وكيف تسلط النار على قلوبٍ كان شعارها الاعتراف بتوحيدك محققة أي اعترافاً واضحاً لا غبار عليه ، ولا تردد فيه.
وكيف تسلط النار على ضمائر جمعت من الأدلة التي كانت سبباً
__________________
(١ ـ ٢) اصول الكافي : باب التسبيح والتهليل ، والتكبير : حديث (٢ ، ٥) من كتاب الدعاء.
(٣) اصول الكافي في باب التسبيح ، والتهليل ، والتكبير حديث (٣) من كتاب الايمان ، والكفر : باب الشكر.
للتصديق ، واليقين بك ، فكان من جراء ذلك أنها أصبحت خاشعة لك هذه الضمائر ، وهذه القلوب بعد كل ذلك هل يكون نصيبها منك الاعراض والحرمان ، والتعذيب؟
ثم ، وبعد كل هذا الخشوع فإن هذا الإِنسان لم يستقر في مكان خاص يعبدك فيه يا رب ، بل تحمل في سبيل عبادتك المشاق من التنقل ليكون في كل مكان يرى له شرف المكانية ليعبدك فيه فهل تسلط النار يا إلهي؟ :
«على جوارح سعت الى أوطان تعبدك طائعة»؟
وأوطان التعبد هي : المساجد ، والاماكن التي نالت شرفاً بمن ضمته بين أطباقها من أنبياء ، وأوصياء ، وصالحين.
الم تكن حرمة لهذا السعي ، وهذا القصد؟
انها جوارح أمّت ، وقصدت بيوتك يا رب ، فكانت ضيوفك فيها ولكل ضيف قرىً وضيافة ، وهل تكون ضيافة الكريم طرد ضيفه عن بابه مهما كان الضيف من توغله في الذنب؟
فلمن يلتجئ بعد ذلك من طردته يا ملاذ المذنبين؟
ولمن يأوي هذا المسكين يا ملجأ الهاربين؟
«وأشارت باستغفارك مذعنة»
شار العسل استخرجه من محله الخاص به واجتناه(١) .
بهذا تقول كتب اللغة عن هذه الكلمة.
__________________
(١) أقرب الموارد : مادة (شور).
وجاءت في هذه الفقرة من الدعاء ليعلن الداعي عن حالته النفسية بعد أن سعت به جوارحه ، وقادته قدماه الى مواضع التعبد المشرفة ليعبد ربه فيها ، وليشبه انصهاره بالاستغفار ، وطلب العفو منه عز وجل فحلاوة الاستغفار كحلاوة العسل. والإِنسان في كلتا الحالتين يجد لذة في الانهمال للوصول الى الحصول الى مطلوبه.
ولم يجد الداعي غير التشبيه المذكور للوصول الى نفوس العامة من الناس لأن الكل يعرف العسل ، وحلاوته ، فكان مضطراً الى مثل هذا التشبيه ليعطي صورة واضحة يسهل الاطلاع عليها من قبل الجميع ولكن : أين الثريا ، وأين الثرى؟
فالفرق بين الحلاوتين واضح ، حلاوة الاِستغفار وحلاوة العسل.
حلاوة العسل : يشعر بها الإِنسان من طريق الذائقة يجد فيها الذائق لذة وقتية سرعان ما تزول ، ويكون حالها حال بقية المأكولات والمشروبات ، وقد يحار الآكل والشارب ، أن يصف حالته ، وهو يتذوقها ، أو بعد ذلك لأن اللذائذ الوقتية لا تبقى لتعرف جيداً.
أما حلاوة الاستغفار : فهي حلاوة النفس يجنيها الإِنسان بتضرعه وخضوعه الى الخالق الكبير.
حلاوة الأمل الأخضر ترفرف بوارقه لتطرد الأشباح القاتمة عن نفس المذنب المستجير ، وهو يردد :
«يا أملي ، وبغيتي ، ويا سؤلي ، ومنيتي ، فوعزتك ما أجد
لذنوبي غافراً ، ولا أرى لكسري غيرك جابراً ، وقد خضعت بالانابة اليك وعفوت بالاستكانة لديك ، فإن طردتني عن بابك فبمن الوذ وإن رددتني عن بابك فبمن أعوذ؟
يا غافر الذنب الكبير ، ويا جابر العظم الكسير.
إلهي : إن كان قبح الذنب من عبدك ، فليحسن العفو من عندك.
إلهي : ما أنا بأول من عصاك ، فتبت عليه ، وتعرض لمعروفك فجدت عليه (١).
أي لذة يجدها الداعي وهو يدفع كفيه الى السماء ليستدر بهما عطف ربه ، ولسانه يردد هذه الفقرات ، ونفسه تتسامى لعلو كرم الله وهو يشعر بتقصيره ، وتضاؤله أمام ربه.
يلجأ الطفل عندما يداهمه الخوف ، أو الجوع الى حضن الأم ليجد من دفء صدرها ما يؤمن له روعه ، ومن ذراعيها ما يحميه من الأشباح المرعبة ، ومن دقات قلبها ما يغفو على ترانيمه المحببة ويستسلم الى إغفائة هادئة في محضن العطف ، والمحبة.
وهكذا يكون حال المذنب الى ربه ، واشباح الذنوب تلاحقه ليجد من لذيذ مناجاته ما ينسبه آلامه النفسية ، ويبدأ يتضرع ، ويستغفر ويريد من الله العفو ليعود إنساناً كاملاً نقي الثوب.
ويلح في الدعاء ، وتسيطر عليه هيبة الموقف ، فيغيب في ذات
__________________
(١) فقرات من مناجاة الإِمام علي بن الحسين «عليه السلام» في الصحيفة السجادية / من مناجاة المذنبين.
الله ويستسلم أخيراً الى غيبوبة حالمة لينتبه ، ويد اللطف تهدهد آماله ، وإذا بنداء السماء يبعث فيه الرجاء.
( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (١) .
لذلك يستفسر الداعي من ربه والدهشة تعلوه فكيف يسلط النار على جوارح سعت الى أوطان تعبده طائعة وذاقت حلاوة استغفاره مذعنة ومعتقدة.
«ما هكذا الظن بك ولا أخبرنا بفضلك عنك يا كريم»
«هكذا» كلمة مؤلفة : من هاء التنبيه ، وكاف التشبيه ، وذا الإِشارية.
أما الظن : فهو ترجيح أحد الطرفين بسبب يقتضي الترجيح والمعنى اللفظي لجملة «ما هكذا الظن بك» : ما كنت أحسب وبها يبدأ ا لداعي عتاباً رقيقاً مع ربه لعدم توقعه من المولى عز وجل ان يعامله على هذا النحو من المعاملة يخيب داعيه ، ويرد من التجأ اليه متضرعاً تائباً مهما عظم ذنبه.
«ما هكذا الظن بك» ـ وهو في الوقت نفسه ـ عتاب لا يخلو من جرأة ، ولكن الداعي قالها : كلمة يستدر بها عطف ربه بعد أن رأى من الأحاديث الكريمة ما يدفعه الى هذا النحو من العتاب الرقيق المشوب بالتطاول.
__________________
(١) سورة الحجر : آية (٤٩).
ان الإِمام الباقر «عليه السلام» ينقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله عن الله تبارك وتعالى :
«لا يتكل العاملون لي على أعمالهم التي يعملونها لثوابي ، فإنهم لو اجتهدوا ، واتعبوا أنفسهم ، وأعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جناتي ، ورفيع درجاتي العلى في جواري ، ولكن برحمتي فليثقوا ، وفضلي فليرجوا ، والى حسن الظن بي فليطمئنوا ، فإن رحمتي عند ذلك تدركهم ، ومتى يبلغهم رضواني ومغفرتي ، تلبسهم عفوي ، فإني أنا الله الرحمن الرحيم ، وبذلك تسميت»(١) .
وعلى ضوء أمثال هذه الاحاديث يصدر الداعي عتابه الهاديء والدهشة تأخذ عليه مسالك التفكير ، فالحديث المذكور ـ وعلى سبيل المثال ـ اذا لاحظناه بدقة رأيناه ينفي قدرة الغير على اداء حق الله عليه لنعمه المتواصلة ولكنه ـ في الوقت نفسه ـ لا يدع اليأس يدب الى نفسه ، بل يوجهه الى رحمة الله ، وفضله وحسن الظن به.
«ولكن برحمتي فليثقوا ، وفضلي فليرجوا ، والى حسن الظن بي فليطمئنوا.
إذاً فمسألة عبادة البشر للخالق لا تخضع الى حساب معين لأن الطرف فيها يكون العبد ، ومهما أوتي العبد من فهم فإنه لا يصل الى حقيقة العبادة اللائقة بمقامه عز وجل ، ولكنها وبنهاية المطاف تعود الى رحمته تعالى ، وفضله ، وحسن الظن به.
__________________
(١) اصول الكافي : باب حسن الظن بالله عز وجل / حديث (١) من كتاب الإِيمان ، والكفر.
والداعي يتشبث بهذه الصفات الحميدة ، والألطاف الجزيلة فيطالبه بها.
ولنا وقفة أخرى مع حديث آخر لنقرأ من خلاله عمق التوكل على الله ، وحسن الظن به.
فقد جاء عن الإِمام محمد الباقر «عليه السلام» عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله :
«والذي لا إله إلا هو لا يعذب الله مؤمناً بعد التوبة ، والاستغفار إلا بسوء ظنه بالله وتقصيره من رجائه والذي لا إله الا هو لا يحسن ظن عبدٌ مؤمن بالله الا كان الله عند ظن عبده المؤمن»(١) .
وعليه فهل يؤخذ على الداعي بعد هذه الاحاديث ، وغيرها مما كان على هذا النحو من البيان ، والتشويق الى حسن الظن بالله أن يهرع الى رحاب الله ليبدأ معه لغة العتاب فيقول مخاطباً ربه :
ما هكذا الظن بك.
ثم يرد فيها بالجملة الثانية :
«ولا اخبرنا بفضلك عنك يا كريم».
ومن هذا المخبر عن فضل الله لعباده؟
فإن كان بشراً لكان في التوقف في النقل مجال واسع لأنه بشر واحتمال التحريف يأتي بحقه. ولكنه القرآن الكريم تتوالى آياته
__________________
(١) اصول الكافي : باب حسن الظن بالله / حديث (٢).
لتحيط الإِنسان بهالة من نور رحمته ولتبشره بنداء الخالق الكريم.
( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) (١) .
( وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّـهَ يَجِدِ اللَّـهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ) (٢) .
( وَمَا كَانَ اللَّـهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (٣) .
( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ) (٤) .
١٤ ـ يا رَبِّ وَاَنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفي عَنْ قَليل مِنْ بَلاءِ الدُّنْيا وَعُقُوباتِها ، وَما يَجْري فيها مِنَ الْمَكارِهِ عَلى اَهْلِها. عَلى اَنَّ ذلِكَ بَلاءٌ ، وَمَكْرُوهٌ قَليلٌ مَكْثُهُ ، يَسيرٌ بَقاؤُهُ قَصيرٌ مُدَّتُهُ فَكَيْفَ احْتِمالي لِبَلاءِ الاْخِرَةِ ، وَجَليلِ وُقُوعِ الْمَكارِهِ فيها ، وَهُوَ بَلاءٌ تَطُولُ مُدَّتُهُ ، وَيَدُومُ مَقامُهُ ، وَلا يُخَفَّفُ عَنْ اَهْلِهِ لِاَنَّهُ لا يَكُونُ إلاّ عَنْ غَضَبِكَ ، وَاْنتِقامِكَ ، وَسَخَطِكَ. وَهذا ما لا تَقُومُ لَهُ السَّمـاواتُ وَالْاَرْضُ. يا سَيِّدِي فَكَيْفَ بي وَاَنَا
__________________
(١) سورة الزمر : آية (٥٣).
(٢) سورة النساء : آية (١١٠).
(٣) سورة الأنفال : آية (٣٣).
(٤) سورة النساء : آية (٤٨).
عَبْدُكَ الضَّعيـفُ الـذَّليـلُ الْحَقيـرُ الْمِسْكيـنُ الْمُسْتَكينُ.
يتكفل الدعاء في هذا الفصل بالنظرة الأولية ببيان أن طاقات الإِنسان البدنية محدودة لأنها لا تخرج عن تشكيلة كاملة من اللحم ، والدم ، والعصب ، والعظم. وهذه المجموعة من الأعضاء ، والاجزاء لا قدرة لها على مقاومة ما يطرأ على البدن من العوارض الخارجية كالأمراض ، وما تتعقبها من آلام ، وجوع ، وعطش ، وبرودة ، وحرارة ، وما تخلفها هذه العوامل من تأثيرات على الإِنسان.
فهو إذاً ضعيف ، وعاجز عن تحمل هذه العوارض فكيف سيقف صامداً ، ويواجه ما سيلاقيه في الآخرة من العذاب المؤقت أو الدائم تبعاً لحجم الذنب الذي صدر منه.
والدعاء ـ كما قلنا ـ بنظرته الأولية يتناول هذه الجهة فيوجه الداعي الى عرض عدم المقاومة هذه على ربه ، والتماس رحمته لتشمل هذا البدن الضعيف غير القادر على تحمل بلاء الآخرة بأبعاده المختلفة عن بلاء الدنيا كماً ، وكيفاً.
أما بالنظرة التفصيلية فنرى الدعاء في هذا الفصل يتعرض الى ما يواجه الإِنسان من بلاء ، وشبهه فيقسمه الى قسمين :
دنيوي ، وأخروي.
بدأ ببيان القسم الأول بقوله : «يا رب وانت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدنيا» ، وينتهي الى قوله : «قصير مدته».
أما القسم الثاني : فيبدأ من قوله : «فكيف احتمالي لبلاء
الآخرة».
لينتهي الى قوله : «وهذا ما لا تقوم له السماوات والأرض».
أما القسم الأول : وهو البلاء الدنيوي فقد تناوله الدعاء فقسمه الى ثلاثة اقسام :
قسم : أطلق عليه اسم (البلاء).
وقسم آخر : اطلق عليه اسم (العقوبة).
أما القسم الثالث : فقد عبر عنه باسم (المكاره).
وتستوحي هذه الأقسام الثلاثة من عبارة الدعاء القائلة «يا رب وانت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدنيا ، وعقوباتها وما يجري فيها من المكاره على أهلها».
ثم ومن ثنايا الفقرة القائلة : «ولا يخفف عن أهله» الواردة بعد قوله : «وهو بلاء تطول مدته ، ويدوم مقامه».
تظهر لنا الحقيقة التالية :
وهي : أن ما يكتب على الإِنسان من جزاء عقابي نتيجة ارتكابه المخالفات في دار الدنيا ، وإن كان الله قد ترك موضوع مغفرته لنفسه حسب ما نصت عليه الآية الكريمة.
من( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ ) .
ولكن ذلك إنما يجري ما لم يكن يصدر عليه الحكم ، ويذهب الى الجحيم أي في دار الدنيا حيث يكون العبد في وضع قابل للتوبة ، والرجوع الى حضيرة الإِيمان.
وهكذا قبل يوم الحساب إذ ربما تكون الحسنات تتغلب على سيئاته بواسطة ما قدمه من حسنات ، أو ما يصل اليه من الغير لو كان ذلك الغير قد استغابه ، أو كان الشخص مقتولاً ، أو قد حصل أجر الشهيد نتيجة موته بغرق ، أو حرق ، وما شاكل مما هو منصوص عليه في الشريعة. أما لو انتهت عملية المحاسبة في يوم القيامة وكان (والعياذ بالله) ممن جزاؤه جهنم ، ونفذ عليه الحكم فإن باب المغفرة يغلق في وجهه من قبل الله تعالى.
كما سنوضح ذلك عندما نصل الى تناول هذه الفقرة على الخصوص بالبحث. والآن من الإِجمال والعرض لما يحتويه الفصل من هذه الفهرسة الى التفصيل في مطالعات الفقرات.
«يا رب وأنت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدنيا»
البلاء في اللغة : هو الغم الذي يبلي الجسم.
وبهذه الفقرة يبدأ الداعي في بيان عدم قدرته على تحمل ما يطرأ على بدنه من عوارض في هذه الدنيا أولاً من بلائها ، وهو القسم الأول فإنه اعتبار كونه إنساناً يكون عرضة لكل ما يطرأ عليه من انحرافات مزاجية ، فإن الجسم بما يشتمل عليه من الأجهزة يسير منتظماً على وفق نظام دقيق مرتب ، وطريقة خاصة ، يؤدي كل عضوٍ وظيفته الموكولة اليه فيحافظ البدن عندها على الصحة ، ويكون معافىً من كل سوء.
أما إذا عرض لبعض تلك الأجهزة مرض من الأمراض فإن
عدم قيام ذلك العضو باداء وظيفة يوجب انحراف صحة ذلك الشخص ويسبب له آلاماً وانزعاجات تختلف بحسب الشدة والضعف تبعاً لنوعية المرض الطاريء او الحوادث الطارئة على الجسم من جراء الخدوش أو الكسور وغيرها.
ومهما حاول الإِنسان من المحافظة على صحته فإن الأمراض لا مفر منها وعلى الأقل ما يلازم الحالات الطارئة من المصادفات الخارجية والتي تلازمه نتيجة تقدمه في السن من ضعف وهزال وغيرهما وكل ذلك من الابتلاءات الدنيوية التي يحسن الإِنسان من جرائها بالآلام تورثه الغم ، والذي هو : البلاء وهو ـ في الوقت نفسه ـ ضعيف لا يتحمل معاناتها.
«وعقوباتها»
وهذا هو القسم الثاني من انواع الابتلائات ، والذي اطلق عليه الدعاء اسم العقوبة.
والعقوبات الدنيوية فإنها تلاحق الإِنسان نتيجة مخالفاته لقضايا نهي عنها في الشريعة ، ولكنه لم يرتدع عن ذلك فيكون الابتلاء بها من قبيل التأديب ، أو ما يطلق عليه من الآثار الوضعية الدنيوية المترتبة على إيجاد ما نهي عن القيام به حفاظاً على وحدة النظام. ولنا على ذلك أحاديث كثيرة تصرح بهذا النوع من العقاب الدنيوي إلا أن الملاحظ على تلك الأخبار أن العقوبة التي يستحقها الفاعل على نحوين :
عقوبة : تخص مرتكب الذنب بالذات.
وعقوبة : تخص المذنب ، وتسري الى عقبه ، وعقب عقبه.
أما العقوبة من القسم الأول : فيدخل فيها كل ما جاء في الحدود الشرعية من الجلد ، والرجم ، وقطع اليد ، وغيرها من بقية الحدود التي تتعرض لها كتب الفقه في هذا المجال.
وتأتي هذه العقوبات مفروضة من قبل الشارع المقدس لتأديب أفراد المجتمع ، وحسم مادة الفساد ، ولئلا تشيع الفاحشة. وهكذا الحال في الظلم ، والتجاوز على الآخرين ، فلا يترك الله عز وجل عقابه الى الدار الآخرة ، بل يفرض له عقاباً دنيوياً للوقوف في وجه الظالم ، وإنصاف المظلوم. وبهذا الخصوص جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مروياً عن الإِمام الباقر «عليه السلام» قوله :
«ما من أحد يظلم بمظلمة إلا أخذه الله بها في نفسه ، وماله. وأما الظلم الذي بينه وبين الله ، فإذا تاب غفر الله له»(١) .
فالظلم حسب منطوق الخبر ظلمان.
ظلم : يعود أمره بين العبد وربه ، وهذا يرجع فيه الى الله عز وجل وهو أملك به إن شاء غفره ، وإن شء عاقب عليه.
وظلم : يكون بين البشر أنفسهم حيث يتجاوز بعضهم على البعض الآخر ، وهذا لا يتدخل الله في أمره ، بل يعود في الحقيقة الى المظلوم ، فهو الذي يبت فيه إن شاء تجاوز ، وإن شاء بقي على ضلامته ليجد من حماية الله له ما يرد حقه اليه فهو نصير المظلوم ، وخصم الظالم. وويل لإِنسان يكون الله خصمه ، ولهذا نجد الإِمام
__________________ ـ
(١) اصول الكافي : باب الظلم من كتاب الكفر ، والإِيمان / حديث (١٢).
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» يحذر من مغبة هذا النوع من المصير الوخيم فيقول مخاطباً ولده الإِمام الحسن «عليه السلام» :
«يا بني إياك ، وظلم من لا يجد عليك ناصراً الا الله».
وهذا أمر طبيعي أن يعاقب الظالم في نفسه ، وماله في دار الدنيا نتيجة ظلمه ، وعدم إمهاله الى الحساب الأخروي يوم القيامة.
فإن هذا التأديب الوقتي المعجل لازم لتأديب الآخرين في عدم اقدامهم على مثل ذلك العمل ، وبذلك تكفل سعادة الأفراد ، وحفظ حقوقهم وبهذا يستريح أبناء المجتمع الواحد من التعدي ، ويأمن البعض من البعض الآخر.
أما الإِبقاء ، والإِغضاء على مثل هذه التعديات فمعناه : عدم الإِنتظام ، وعرقلة المسيرة الإِجتماعية على نحوها الكامل.
وهكذا الحال في كثير من الأحاديث التي تعرض صوراً عديدة من مجازات البعض بالفقر ، والبعض بالمرض ، وغير هذين من أنواع الابتلاءات الدنيوية.
وأما العقوبة من القسم الثاني : حيث يكون الجزاء والتأديب سارياً الى من يتناسل من الجاني والمعبر عنه بعقبه ، أو عقب عقبه فقد ورد في إبن الزنا حرمانه من بعض المناصب الدينية في موارد نصت عليها كتب الفقه.
وكذلك ما يصرح به الحديث عن الإِمام الصادق «عليه السلام» من قوله : «من ظلم مظلمة أخذ بها في نفسه ، أو في
ماله ، أو في ولده»(١) .
وهنا نرى الجزاء سرى من الجاني الى ولده.
وبعرضنا لمثل هذا النوع من الجزاء التأديبي الساري من الجاني الى عقبه في الطبقة الأولى ، أو في الطبقات المتعاقبة من نسله سنواجه مشكلة لا بد من التصدي لها ، ولحلها.
وتتخلص المشكلة في أن هذا النوع من التأديب الساري لا ينطبق وقاعدة العدل الإِلهي بالنظر الى النتائج المترتبة على هذه السراية من أخذ البريء بذنب المجرم.
ـ وعلى سبيل المثال ـ فولد الزاني ما ذنبه ليمنع من بعض الحقوق التي يتمتع بها الآخرون من الزعامة الدينية ، أو إمامة الجماعة في كثير من أقوال الفقهاء ، وهكذا مع انه مثال الورعِ التقي؟
أو أن ولد الظالم لماذا يؤخذ بأشق الأحوال ، وهو شخص طيب متدين؟
ونظير هذا ما جاء في مسألة الرق فإن من أحكام الشريعة الإِسلامية هي إسترقاق المسلمين للكفار بشروط تذكر في باب الجهاد من كتب الفقه. ولا ينفع إسلام الأسير بعد إسترقاقه في حال الحرب ، بل يبقى الرق ملازماً له ، ولولده ما تناسلوا. وهذا ما يفتح على الشريعة نفس الإِشكال الذي ذكرناه الآن فإن ولد المأسور ، وعقبهم ، وهكذا ما تناسلوا ما هو ذنبهم ، وأبوهم ، أو
__________________
(١) المصدر السابق ، والموضع نفسه : حديث (٩).
جدهم ، أو أحد أجدادهم ، ولو كان بعيداً كافراً كان أو محارباً ، وقد أسره المسلمون فكان رقاً لهم. وان هذا الولد ، أو الحفيد ، أو من تناسل يجد نفسه الآن مسلماً ، وليس هو الجاني فلِمَ يؤخذ بأشق الأحوال؟
مشكلة لا بد لها من حل :
ولا بد لنا من حلٍ لهذه المشكلة ، لذلك نهرج الى أهل البيت «عليهم السلام» لنبحث بين الاحاديث المروية عنهم لعلنا نجد ما يلقي الضوء على الخطوط الأولية لحل ذهه المشكلة.
ومن إستعراضنا لبعض الأحاديث يظهر لنا أن بعض طلاب مدرسة الإِمام الصادق «عليه السلام» تصدى لعرض المشكلة على الإِمام ليسمع منه الجواب.
يقول عبد الأعلى مولى آل سام قال أبو عبد الله «عليه السلام» :
«من ظلم سلط الله عليه من يظلمه ، أو على عقب عقبه».
قلت : هو يظلم فيسلط الله على عقبه ، أو على عقب عقبه؟
فقال : ان الله عز وجل يقول :( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّـهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ) (١) .
ويأتي جواب الإِمام «عليه السلام» لعبد الأعلى بإحالته على
__________________
(١) اصول الكافي : باب / الظلم من كتاب الكفر ، والايمان / حديث (١٣).
الآية الكريمة والتي وردت في أولياء اليتامى من تذكيرهم بيومٍ قد يتركوا يتامى ، فيوكل أمرهم الى أولياء أيضاً ، فإذا هم رحموا هؤلاء اليتامى قدر الله من يرحم يتاماهم ، والعكس بالعكس.
ويسمى هذا الجواب بالإِصطلاح العلمي (جواباً نقضياً) أي إجابة السائل بعدم الإِتبعاد ، فإن مثل ذلك قد وقع في القرآن الكريم.
والجواب النقضي في الحقيقة لا يحل الإِشكال ، ويرفع ما يعلق بنفس المعترض من إبهام ، بل ربما يقول البعض : بأن الجواب النقضي يزيد في الإِشكال لا أنه يرفعه. فيقال أيضاً في الإِشكال على نفسه الآية : بأنه ما ذنب اليتيم الجديد يقيض الله له ولياً لا يرحمه لأن أباه لم يرحم من كان من اليتامى يتولى أمره؟
ولنترك السائل عبد الأعلى ، ومدى قناعته بهذا الجواب ، ولا نتوغل في السبب الذي دعا الإِمام أن يجيب بالجواب النقضي ولا يجيبه جواباً حلياً.
ولا ندري فلربما كان المقام يقتضي بيان هذا النوع من الجواب لمصلحة لاحظها الإِمام «عليه السلام» في عدم التوسع في الإِجابة علنياً ، وبعد ذلك أجابه بحل الإِشكال.
وفي هذا الصدد نرى الشيخ المجلسي وهو من كبار علماء الطائفة الجعفرية يعلق على جواب الإِمام النقضي في الحديث المذكور فيقول : ولما كان إستبعاد السائل ن إمكان وقوع مثل هذا ـ لا عن انه ينافي العدل ـ فأجاب «عليه السلام» بوقوع مثل هذا ـ لا عن انه ينافي العدل ـ فأجاب «عليه السلام» بوقوع مثله في قضية اليتامى. أو أنه لما لم تكن له قابلية فهم ذلك ، وأنه لا ينافي العدل
أجاب بما يؤكد الوقوع. أو يقال رفع «عليه السلام» الإِستبعاد بالدليل الإِني وترك الدليل اللمي والكل متقاربة.
وأما دفع توهم الظلم في ذلك فهو : أنه يجوز أن يكون الألم بالغير لطفاً لآخرين مع تعويض أضعاف ذلك الألم بالنسبة الى من وقع عليه الألم بحيث إذا شاهد العوض رضي بذلك الألم ، كأمراض الأطفال ، فيمكن أن يكون الله تعالى أجرى العادة بأن من ظلم أحداً ، أو أكل مال يتيم ظلماً أن يبتلى أولاده بمثل ذلك فهذا لطف بالنسبة الى كل من شاهد ذلك ، أو سمع من مخبر علم صدقه ، فيرتدع عن الظلم على اليتيم ، وغيره ، ويعوض الله الأولاد بأضعاف ما وقع عليهم أو أخذ منهم في الآخرة مع أنه يمكن أن يكون ذلك لطفاً بالنسبة اليهم أيضاً ، فيصير سبباً لصلاحهم ، وإرتداعهم عن المعاصي ، فإنا نسلم أن أولاد الظلمة لو بقوا في نعمة آبائهم لطغوا وبغوا كما كان أباؤهم فصلاحهم أيضاً في ذلك ، وليس في شيء من ذلك ظلم على أحد»(١) .
وبتعبير آخر : أن المصالح الإِجتماعية ، وما تقتضيه في سبيل الحفاظ على النظام العام ، قد تفرض أحكاماً يكون الحيف وارداً على البعض. ولكن ذلك لا يضر ما دام فيه رعاية المصلحة العامة مع تدارك ما يقع على المظلوم من حيف بإضعاف ما فاته.
ـ وعلى سبيل المثال ـ فإن وقوع الظلم على يتامى الظالم حيث يتوخى من ورائه تأديب الأولياء يتسامح فيه لأجل هذه الغاية مع إمكان أن يكون الله سيجبر هؤلاء اليتامى بأنواع الحسنات بما يجبر
__________________
(١) مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول : ١٠ / ٣٠٣ / منشورات المطبعة الحيدرية / طهران.
كسرهم ، ويزيد. وهكذا أولاد الظلمة ، وأولاد الزنا ، وأولاد العبيد. كل أولئك يجبرون بما يعوض خسارتهم ، ولدى النتيجة : إذاً لا يكون في ذلك عليهم ظلم. لأن الظلم كما تقول عنه كتب اللغة :
هو : وضع الشيء في غير موضعه ، وظلمه : جار عليه ، ونقصه حقه(١) .
ومع التعويض ، وجبران الحيف لا يكون في البين ما يدعو الى تسمية ذلك ظلماً ، ومن هذا القبيل نتعرض الى مثالٍ آخر يوضح لنا المطلوب ويلقي ضوءً على عدم وجود الحيف بعد التعويض ، وهو ما تذكره الكتب الفقهية من أنه لو تترس الكفار بأسارى المسلمين بأن جعلوهم في الصفوف الأمامية لجيش المشركين. والغرض من ذلك هو ايقاف الجيش الإِسلامي حيث يتوقف المسلمون من قتل اسرارهم وبهذه العملية يتقدم المشركون في زحفهم. وفي هذه الصورة يوجب الفقهاء إستمرار الزحف للجيش الإِسلامي ، ولو اقتضى ذلك قتل أولئك الأسرى الذين تترس بهم المشركون ، ووضعوهم في الصفوف الأولية من جيشهم ـ وفي الوقت نفسه ـ يحكم الفقهاء كتعويض أولي دفع دية المقتولين الى ورثتهم ، ويتحمل الدية بيت مال المسلمين ، وهو الموضوع لمصالحهم.
أما التعويض الأخروي : فلهم من الله الجنة لأنهم شهداء وقعوا صرعى في معركة الحق مع الباطل.
__________________
(١) لسان العرب : مادة (ظلم).
وبهذا الجواب : من بيان فكرة التعويض تخف حدة الإِشكال المذكور. فإن المصلحة الخاصة تذوب في المصلحة العامة رعاية لحفظ وحدة المجتمع ، وحفاظاً على الإِطار العام الذي تحدده الشريعة في هذا الخصوص. وعوداً لموضوعنا من بحث أنواع الابتلاءات الدنيوية ، والتي لا يقوى الإِنسان على تحملها. نعود لنذكر :
القسم الثالث : مما جاء في فقرات الدعاء وهو (المكاره) حيث ورد في قوله :
«وما يجري فيها من المكاره على أهلها»
والمكاره : جمع (الكره) بالفتح ، وهو المشقة.
وتنشأ المكاره من عوامل : (الفقر ، والخوف ، والضيق ، وبقية ما يكون حصوله موجباً للمشقة للإِنسان ، وقد لا يخلو الإِنسان من كثير من هذا النوع ، وغيره من المضايقات مما يضيق به ذرعاً. وقد جاء في بعض الأدعية ما عدد به الدعاء نعم الله على الداعي حيث عافاه مما ابتلى به غيره ، ومن ذلك :
«إلهي وكم من عبدٍ أمسى ، وأصبح ، خائفاً ، مرعوباً ، مشفقاً ، وجلاً هارباً ، طريداً ، منجحراً في مضيق ، ومخبأة من المخابيء ، وقد ضاقت عليه ضارباً برحبها لا يجد حيلة ، ولا منجىً ، ولا مأوىً ، وأنا في طمأنينةٍ ، وعافية من ذلك كله.
إلهي ، وسيدي ، وكم من عبدٍ أمسى ، وأصبح ، مغلولاً ، مكبلاً في الحديد بأيد العداة لا يرحمونه فقيداً من أهله ، وولده منقطعاً عن إخوانه ، وبلده يتوقع كل ساعة بأي قتلة يقتل ، وبأي مثله يمثل به ، وأنا في عافية من ذلك كله».
ويأخذ الدعاء في عرض صور من حالات هؤلاء المتحيرين الذين نزلت بهم المكاره فيقول :
إلهي ، وسيدي ، وكم من عبدٍ أمسى ، وأصبح في ظلمات البحار ، وعواصف الرياح ، والأهوال ، والأمواج.
إلهي ، وسيدي كم من عبدٍ أمسى ، وأصبح فقيراً عائلاً ، عارياً مملقاً ، مخفقاً ، جايعاً ضماناً».
هذا نموذج من نماذج ، وصور المكاره ، والمشاق التي تحيط بالإِنسان ـ كبش ـ في هذه الدنيا ، وله الحق في ان يضج الى ربه متوسلاً في دفع ما يترتب عليه من عذاب ، وجزاء لأنه ، وهو ضعيف غير متحملٍ لهذه الطوايء. كيف يتحمل ما هو أعظم منها؟
على أن هذه العوارض لا تعد شيئاً في قبال عذاب الله الأخروي لما يذكره الداعي من قوله الداعي في الدعاء من قوله :
«على أن ذلك بلاء ، ومكروه قليل مكثه ، يسير بقاؤه ، قصير مدته ».
وطبيعي أن يكون بلاء الدنيا ، ومكارهها موصوف بإنه :
قليل مكثه ، يسير بقاؤه ، قصير مدته ، إذا قورن بعمل الإِنسان الذي لا يتجاوز عدد الأًابع بالسنين بالنظر الى سني الآخرة والتي يعبر القرآن الكريم عن يوم القيامة بقوله عز وجل :
( تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) (١) .
ولسنا في صدد بيان مقدار هذا اليوم بالتحقيق ، وقياسه على أيامنا وكيفية تصور هذا لبقية الأيام ، وكيفية إستمراره من دورات فلكية تخص ذلك الزمان ، بل المهم هو القول : بإن أيام الآخرة تختلف عن أيامنا بهذا الفارق من النسبة.
«فكيف إحتمالي لبلاء الآخرة وجليل وقوع المكاره فيها وهو بلاء تطول مدته ويدوم مقامه».
لقد طفحت الآيات الكريمة تذكر بلاء الآخرة ، وقد قيل : أن المراد بالآخرة هو الحالة بعد الموت ، وبطبيعة الحال أن الدنيا بناءً على هذا هي الحالة ما قبل الموت ، ولذلك يبدأ البلاء من حالات الإِحتضار ، وسكرات الموت ، وما بعد الموت من دخول القبر ، وأهواله ، والبقاء الى يوم القيامة ، وأهوال القيامة وما جاء في وصف ذلك اليوم ، وشدائده ، ثم بعد ذلك ما يلاقيه الإِنسان من الحساب ، والوقوف في ساحات المحشر. واذا كان من أهل الجحيم فما يلاقيه المجرم من العذاب ، والشدائد وطول المدة. ولا يسعنا أن ننقل كثيراً من الآيات ، والاحاديث الواردة في هذه المشاهد إذ لا يسع هذا المختص ، والاحتجاج الى كثير من الوقت ولخرجنا عن صلب الموضوع.
ولكنا ، وحيث كان اللازم متابعة الدعاء في الفقرة المذكورة من
__________________
(١) سورة المعارج : آية (٤ ـ ٧).
قوله : «فكيف احتمالي لبلاء الآخرة». المنزلة على الإِسستفهام الحقيقي او المجازي الذي أخرج مخرج التعجب ، فعلينا أن نذكر لكل مشهد من المشاهد المذكورة شيئاً على سبيل الإِختصار لنشارك الداعي بعدها في تعجبه من كيفية إحتماله لبلاء الآخرة الحتمي ـ والقاريء الكريم ، وكل من يدعو الله بأي دعاء يتضرع اليه ـ بكنف الله ، ولطفه ليرعانا يوم لا ينفع مال ، ولا بنون.
الإِحتضار ، وسكرات الموت.
ماذا ينقل الإِنسان عن حالة المحتضر ، وما يلاقيه من آلام تلازم خروج روحه من بدنه ، ويكفينا أن نقدر الموقف ، ونوليه الإِهتمام الكثير عندما نرى النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله وسلم» وماله من المنزلة عند الله وأنه شفيع هذه الأمة ـ مع كل هذا ـ تتفق كتب الحديث أنه كان يكرر عند إحتضاره قوله : «اللهم هون علي سكرات الموت».
أو قوله : لجبرائيل : «حبيبي عند الشدائد لا تخذلني».
ولندع كثيراً من الأحاديث جانباً ، والتي جاء فيها ما نقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله وهو يدخل على مريض :
«إني أعلم ما يلقى. ما منه عرق إلا ويألم للموت على حدته»(١) .
وما روي عن موسى بن عمران «عليه السلام» (ان الله سأله كيف وجدت الموت. فقال : وجدت نفسي كشاة حية تسلخ بيد
__________________
(١) لاحظ لهذه الاحاديث ، وما بعدها إحياء العلوم للغزالي : ٤ / ٥٧٤ ـ ٥٧٥.
القصاب)(١) .
وغير هذا ، وذاك من الأحاديث التي تحمل معها مدى الرعب من عملية الاحتضار ، وخروج الروح ، بل لنقف بين يدي قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المتقدم ، والذي قاله عند إحتضاره «اللهم هون علي سكرات الموت».
أو قوله : «اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب ، والقصب والأنامل ، اللهم فاعني على الموت ، وهونه علي».
أو تعبيره السابق : «عند الشدائد لا تخذلني».
ومما لا شك فيه أن منزلة نبينا على الخصوص عند الله عظيمة جداً ويكفي دلالة على عظم منزلته ما صرح به القرآن الكريم من قوله تعالى :( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ ) .
وقوله بعد ذلك :( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ ) (٢) .
ولسنا في صدد ما يقوله المفسرون في هاتين الآيتين ، ومعنى الرؤية وكيفية الدنو فلذلك مجال آخر ، بل المهم هو أن مما لا شك فيه هو حصول القرب بينه ، وبين ربه تعالى على هذا النحو من التداني القريب ، وان دل فإنه يدل على علو مكانته عند الله ـ وفي الوقت نفسه ـ لم يحظ بذلك من سبقه من الأنبياء.
ومع كل هذا وغيره فإنا نقف ، والهول يأخذ منا مأخذه
__________________
(١) لاحظ لهذه الاحاديث ، وما بعدها احياء العلوم للغزالي ٤ / ٥٧٤.
(٢) سورة النجم : الآيات : (١٣ ـ ١٥).
عندما نسمعه ، ولو بعد أجيال طويلة يردد ، وهو على فراش الموت.
«اللهم هون علي سكرات الموت».
واذا كان مثل النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» يطلب من ربه أن يهون عليه هذه الحالة ، ويطلق عليه إسم الشدائد ، فكيف بالداعي وقد سودت وجهه الذنوب؟
القبر وأحواله :
يقول البراء بن عازب : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة رجلٍ من الأنصار فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قبره منكساً رأسه ثم قال :
«اللهم اني أعوذ بك من عذاب القبر». قالها ثلاثاً(١) .
النبي العظيم يتعوذ من عذاب القبر فماذا سيلاقيه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» حتى يتعوذ من عذابه ، وهو رسول الله ، وحبيبه؟.
وجاء عن حذيفة قوله :
«كنا مع رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» في جنازة فجلس على رأس القبر ، ثم جعل ينظر فيه ثم قال : يضغط المؤمن في هذا ضغطة ترد منه حمائله»(٢) .
وعن أنس أنه قال : «توفيت زينب بنت رسول الله «صلى الله
__________________
(١ ـ ٢) احياء العلوم للغزالي : ٤ / (٦١٩ ، ٦٢٥).
عليه وآله وسلم «وكانت إمرأة مسقامة فتبعها رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» فساءنا حاله. فلما إنتهينا الى القبر ، فدخله إنتقع وجهه صفرة. فلما خرج أسفر وجهه فقلنا يا رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» : رأينا منك شأناً فمم ذلك؟
قال : ذكرت ضغطة إبنتي ، وشدة عذاب القبر ، فأتيت ، فأخبرت ان الله قد خفف عنها ، وقد ضغطت ضغطة سمع صوتها ما بين الخافقين(١) .
ولنقف عند قوله : «وقد ضغطت ضغطة سمع صوتها ما بين الخافقين».
بعد قوله : «فأخبرت أن الله قد خفف عنها».
فالميتة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي كانت مسقامة ، ومعنى ذلك : أنها كانت دائمة المرض ، وفوق كل ذلك قد أخبر أبوها ان الله قد خفف عنها ، وكان من نتائج ذلك كله أنها ضغطت وسمع صوتها ما بين الخافقين.
اذاً فكيف بالداعي ، وهو يرفل بذنوبه ليتوسد قبراً خفف عن إبنة رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» فيه بعد الاخبار بتخفيف الله عنها ، فضغطت ضغطة كما مر علينا ذكره. فله الحق أن يضج قائلاً :
«فكيف إحتمالي لبلاء الآخرة» وهو في القبر بعد في أول المسيرة الأخروية.
__________________
(١) المصدر السابق والموضع نفسه : ص (٦٢٥).
القيامة وأهوالها :
يوم القيامة : هو يوم البعث ، وخروج الناس بعد أن كانوا رمساً. وهو يوم الحساب على ما عمله الإِنسان في دار الدنيا.
ومصدرنا عن الحديث عنه ليس إلا القرآن ، والسنة النبوية ، وعندما تتعرض الآيات القرآنية لصفة ذلك اليوم نجد له صوراً مرعبة في لسان الآيات الكريمة. ولنا أن نستعرض البعض منها :
يقول عز وجل :( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ) (١) .
وقال تعالى :( يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ) (٢) .
ويقول سبحانه :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ اللَّـهِ شَدِيدٌ ) (٣) .
وزلزلة الساعة اما هي : البدء بيوم القيامة حيث ينفخ في الصور ، أو انه يوم القيامة نفسه عبر عنه بهذا اللفظ ، وعلى كل حال : أنه يوم مهول ، مرعبة مناظرة ، يتغير فيه الكون عن سيره
__________________
(١) التكوير : آية (١ ـ ٦).
(٢) القارعة : آية (٤ ـ ٥).
(٣) الحج : آية (١ ـ ٢).
الطبيعي ، فيشمل الاجرام السماوية ، والأرضية ، وما فيها من مخلوقات من :
الشمس ، والنجوم ، والجبال ، والبحار ، والحيوان بما فيه اليف ، ووحش إنه يوم الإِنقلاب التام ، وفيه :
( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّـهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) (١) .
وهو اليوم الذي تذهل فيه الأم الرؤم عن قطعة كبدها ، وهو الرضيع يلقم ثديها فتتركه غائبة الرشد تائهة لا تعي شيئاً مما حولها وتضع كل حملٍ حملها من الرعب ، والدهشة ، انه وضع غير طبيعي.
والناس تراهم سكارى ، وما هم بسكارى ، وإنما رهبة الموقف جعلتهم حيارى ، وأخذت علهيم آفاق التفكير ، فهم سكارى من هول المشهد الهائج بشمسه ، ونجومه ، وجباله ، وبحاره ، ووحوشه ، وأنعامه وهم حيارى من شدة الفزع.
لقد نسي الإِنسان وسط هذا الجو نفسه فتراه يفر( مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) (٢) .
هذا الإِنسان الإِجتماعي يقر من هذه المجموعة التي أفنى عليها زهرة عمره فكان يجمع لهم من الحلال والحرام ما يسد به جوعهم ، ويؤذيه ما يؤذيهم ، ويفرح لفرحهم أصبح اليوم يفر منهم ليرى
__________________
(١) سورة إبراهيم : آية (٤٨).
(٢) سورة عبس : آية (٣٤ ـ ٣٧).
مصيره ، فهو مشغول بنفسه ، وليست القضية من طرف واحد فالكل هذه حالته.
رعب ، وفزع ، وذهول ، ولكلٍ منهم في ذلك اليوم شأن يغنيه. لأنه هو الذي سيحاسب ، وهو الذي سيؤدي ضريبة ما جناه ان خيراً فخير ، وان شراً فشر.
( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ) (١) .
ويبدأ الحساب ، وتمر مشاهد الدنيا أمام عينيه ، وتتجسد الأعمال وتشهد الأيدي ، والأرجل ، وبقية الجوارح كل بحسب ما يوكل اليه.
وتصنف الجموع البشرية واذا بهم يقسمون الى قسمين :
جمعت وصفهم الآية في قوله تعالى :
( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) (٢) .
الوجوه الضاحكة هي المؤمنة بالله ، والآخذة بتعاليمه ، والممهدة طريقها لمثل هذا اليوم ، وللوقوف في مثل هذا الموقف العصيب. لذلك فهي ضاحكة مستبشرة لانها نفوس آمنة مطمئنة رجعت الى ربها راضية مرضية.
وأما الوجوه التي عليها غبرة : فهي تلك الوجود الكالحة التي تمر
__________________
(١) سورة آل عمران : آية (٣٠).
(٢) سورة عبس : آية (٣٨ ـ ٤١).
بآيات الله وبتعاليمه مروراً عابراً لم تتزود من ممرها لمثل هذا الموقف ، بل كان همها أن تنال من دنياها النصيب الأوفر.
( الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) (١) .
ولنقف بهذه المسيرة الى هذا الحد فلنا في وصف جهنم لقاء آخر عند تعرض الدعاء في فقراته الى جهنم ، وما يلاقي الإِنسان فيها من أهوال.
وعلى كل حال هذا جزء من بلاء الآخرة ، وكله مقدمة للعذاب الذي لا يطاق في جهنم لذلك نرى الداعي يتعجب من تحمله لهذا البلاء الذي هو «بلاء تطول مدته ، ويدوم مقامه».
واذا كان يوم القيامة (مقداره خمسين الف سنة) كما تنص عليه الآية فماذا سيكون مقدار المكوث في النار لمن يقدر له أن يكون جزاؤه العذاب الأليم.
وقد نقل عن النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله وسلم» أنه تلا هذه الآية ثم قال :
«كيف بكم اذ جمعكم الله كما تجمع النبل في الكنانة خمسين الف سنة لا ينظر اليكم»(١) .
«ولا يخفف عن أهله».
والذي يظهر من هذه الفقرة ، وهكذا ما يماثلها من الفقرات
__________________
(١) سورة عبس : آية (٥٠).
(٢) نقل ذلك الغزالي في إحياء العلوم : ٤ / ٦٣٩. عن الطبراني في الكبير.
في غير هذا الدعاء أن الإِنسان إذا حوسب يوم القيامة على أعماله ، وحكم عليه بما يستحقه من جزاء فإنه لا يخفف عنه بعد ذلك بالعفو ما رتب عليه من جزاء حكم عليه به.
وقد دلت على ذلك عدة آيات من الكتاب المجيد قال تعالى :
( أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ) (١) .
وقوله تعالى :( خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ) (٢) .
وقوله عز وجل :( وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ) (٣) .
وقوله تعالى :( لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ) (٤) .
وأصرح من ذلك ما جاء في قوله تعالى :
( وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ ) (٥) .
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٨٦).
(٢) بهذا النص جاءت آيتان الأولى في سورة البقرة : آية (١٦٢) والثانية في سورة آل عمران : آية (٨٨).
(٣) سورة النحل : آية (٨٥).
(٤) سورة فاطر : آية (٣٦).
(٥) سورة المؤمن : آية (٤٩).
إنه منتهى الإِلتماس يطلبه المعذبون من خزنة جهنم ، والموكلين بها يريدون أن يكونوا شفعاء لله في تخفيف يوم واحد من العذاب عنهم ليهدئوا من حرها ، وسعيرها.
وهل وجدت الضراعة طريقاً لها تحقق آمال هؤلاء البؤساء.
ويأتي الجواب واضحاً بالسلب ، فأنى لخزنة جهنم ان يشفعوا لهم لأنهم ليسوا بتلك المنزلة التي تخولهم الشفاعة بل كانت النتيجة هي الحوار التالي :( قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ ) (١) .
والمراد بالبينات في سؤال الخزنة هي : الأنبياء ، والمرسلون الذين بلغوا الأحكام ، وبينوا الحقائق عن الله عز وجل فلم يدعوا شيئاً من أحكام الشرائع إلا وقد أوصلوه الى البشر فليس هؤلاء المعذبون بقاصرين بل مقصرين لذلك كان جوابهم لخزنة جهنم :
«قالوا : بلى»(٢) .
وماذا بعد «بلى» ، والإِعتراف ببلى ، أو نعم ، أو ما شاكل مما لا مجال معه لكل توقف.
إن جواب الخزنة لهم بعد الإِعتراف كان يحمل بين طياته كل معاني التعجيز ، والإِزدراء ، والمهانة لذلك :
«قالوا فأدعوا»(٣) .
ولكن لتعلموا أن دعاءكم لا جدوى فيه لماذا؟
«وما دعاء الكافرين إلا في ضلال»(٤) .
__________________
(١) سورة المؤمن : آية (٥٠).
(٢ ـ ٣ ـ ٤) من تمام الآية السابقة (٤٩) من سورة المؤمن.
والملاحظ على هذه الآيات الكريمة أنها مطلقة تشمل كل مذنب صدر عليه الحكم في يوم القيامة ، ومن هنا نصطدم بمشكلة «الشفاعة».
فإن القرآن الكريم كما صرحت آياته بعدم التخفيف عن كل مذنب بعد محاسبته لذلك نصت آياته على الاقرار بمبدأ الشفاعة ، وقبول الوساطة ـ على النحو الإِجمالي ـ في التخفيف عن بعض ما يحكم به على المذنبين.
قال تعالى :( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) (١) .
وقال سبحانه :( مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) (٢) .
وهكذا تتوالى الآيات الكريمة فيقول تعالى :
( لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا ) (٣) .
( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) (٤) .
( وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) (٥) .
وأما الأخبار الواردة في الشفاعة ، فهي كثيرة جداً ، وقد ذخرت بها كتب الحديث من كافة المذاهب جاء منها :
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٢٥٥).
(٢) يونس : آية (٣).
(٣) سورة مريم : آية (٨٧).
(٤) سورة الأنبياء : آية (٢٨).
(٥) سورة سبأ : آية (٢٣).
«إن شفاعتي يوم القيامة لأهل الكبائر من أمتي»(١) .
وقوله : «شفاعتي لكل مسلم»(٢) .
وقوله : «اني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة ومدرة»(٣) .
ولا يسعنا أن نتوسع في النقل لأحاديث الشفاعة وهي ـ كما قلنا ـ من الكثرة بمكان ، ولربما تجاوزت المائة ، وكلها بهذا النحو من البيان الذي عرضنا البعض منها ، ونتعرض الى عرض البعض الآخر في ثنايا البحث.
وإذاً فكيف نجمع بين هذه الآيات الكثيرة ، والأخبار العديدة من جهة؟ ، وبين الآية في قوله تعالى :( لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ ) .
وكذلك ما جاء في الدعاء من قوله : «ولا يخفف عن أهله» من جهة أخرى. ذلك لان الفريق الأول من الآيات ، والروايات يثبت أن للشفيع المكانة في التخفيف عن العذاب والجزاء ، بينما الفريق الثاني يغلق الباب فلا يدع مجالاً لكل تخفيف عما رتب من الجزاء.
ولا بد لنا ، ونحن في صدد الجمع بين هذه الآيات ، والروايات ، والخروج بالحلول لهذه المشكلة من إستعراض الموضوع بشكل من التفصيل فنقول :
__________________
(١ ـ ٢ ـ ٣) لاحظ سنن ابن ماجة : ٢ / (١٤٤١ و ١٤٤٤) ، ومسند أحمد / ٥ / ٣٤٧.
الشفاعة تعريفها :
الشفاعة : مصدر شفع. والشفع بالسكون خلاف الوتر. وشفع لي شفاعة ، طلب لي ، وسأل.
فالشفيع : من يطلب الشفاعة ، والتي هي طلب العفو من الله عز وجل الى المذنب. وحيث ينضم الشفيع الى المذنب في الرجاء فمعناه : تقوية جانب من طلبت الشفاعة له ، وبذلك يحصل على ما لم يحصل عليه لو كان وحده(١) .
الحاجة الى الشفاعة :
والشفاعة بهذا المعنى لا مجال لإِنكارها لوجودها بين الناس من القديم بل هي أمر ملازم للسلطة ، والسلطان ، فإن المحكوم عليه مهما كان نوع الحكومة ـ دنيوية ، أو أخروية ـ يتذرع لرفع الحكم عنه ، أو لتخفيفه بمن له المنزلة عند الحاكم من غير فرقٍ بين أن يكون الحاكم هو الله أو من البشر فيكون شفيعاً له في ذلك الأمر.
وجاء الإِسلام ليقر هذا المبدأ ، ولكن بشروط خاصة تظهر لنا من ثنايا البحث.
ولا حاجة لنا للإِستدلال على موضوع الشفاعة ، وإقرارها في الأمور الدنيوية ، وفيما يكون بين البشر في كل مكان يحصل فيه حاكم ، ومحكوم وظالم ، ومظلوم ، فإن تذرع المذنب ، أو من كانت له الحاجة عند الغير الى من له المكانة عند ذلك الغير صاحب النفوذ ، والسلطة أمر لا يقبل الجدل ، والنقاش لان الضعيف
__________________
(١) لسان العرب : مادة / شفع.
حريص على تقوية جانبه والفرار عما يرتب عليه من جزاء ، أو ما شاكل من الأمور الدنيوية.
نعم : علينا أن نبحث عن الدليل للإِقرار بهذه العملية من جانب الشارع المقدس ، والذي صرحت آيات كتابه المجيد ـ كما بينا ـ بأن المجرمين «لا يخفف عنهم العذاب» ، أو قوله «خالدين في نار جهنم» وغير هذين مما جاء مصرحاً بأن المذنب لا بد له من نيل الجزاء طبقاً لقاعدة العدل والإِنصاف حيث لا يتساوى المذنب مع غيره.
الشفاعة بين الرفض والقبول :
نظراً الى الآيات ، والروايات المتكاثرة ، والتي تنص على مبدأ الشفاعة ، وصلاحية البعض للتشفع في أمر الآخرين نرى الكثير من الفرق الاسلامية تقول بهذا المبدأ ، وتؤمن بان لبعض الذوات ممن لهم المكانة السامية عند الله مثل هذه الصلاحية.
ونستعرض في ضمن البحث لما يعتمد عليه هؤلاء في دعم ما يذهبون اليه في هذا الخصوص.
وفي قبال هؤلاء من ينكر هذه الصلاحيات ، ويذهب الى أن شفيع الانسان عمله. أما التوسل بالصالحين ، ومن لهم المنزلة الكريمة عند الله ، فان ذلك من باب الخروج عن الخط المستقيم الذي ينادي به القرآن الكريم في قوله تعالى :( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ) (١) .
__________________
(١) الحجرات : آية / ١٣.
وهكذا ما ورد في كثير من الاحاديث الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنه : «لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى»(١) .
وغير هذا مما يشعرنا بان العمل هو المقياس في حصول الثواب والعقاب. على ان هناك إشكالات عديدة يتذرع بها القائلون برفض الشفاعة يأتي في مقدمتها :
ان تخفيف العذاب ، أو رفعه عن المذنب بعد الحساب ، والاستحقاق لا يخلو الحال فيه :
فإما أن يكون عدلاً ، أو يكون ظلماً.
فان كان التخفيف عدلاً فلا بد أن يكون الحكم عليه بالعقاب ظلماً ، وهذا لا يجوز نسبته الى الله سبحانه العادل في بريته.
وان كان ظلماً : كان سؤال الشفيع بالتخفيف طلباً للظلم من الله ، وهذا أيضاً لا تصح نسبته الى مثل الانبياء ، والمعصومين ، وهم الصفوة المنزهة من كل عيب ، وذنب. والا لما كان لهم ان يقودوا الأمة ويرشدوا أبناءها الى ما فيه الخير ، والصلاح.
ومن الاشكالات : أن فسح المجال للتشفع في أمر المذنبين مما يفسح المجال لتكرار الجريمة. فان المذنب يجد من وجود الشفيع وسيلة للعود الى ما صدر منه ، وهكذا يذنب ، والشفيع يشفع له. ويلزم من هذا التكرار إضافة لشيوع الجرائم ، وتعددها : الاستهانة بالاحكام الشرعية ، وعدم الحرمة للقوانين ، والانظمة التي يتوخى
__________________
(١) مسند أحمد بن حنبل : ٥ / ٤١١.
من ورائها حفظ المجتمع بحفظ أفراده من النزول الى الحضيض. بهذا وأمثاله أشكل القائلون برفض مبدأ الشفاعة.
الرد على القائلين بالرفض :
وبالامكان الرد على هؤلاء القائلين بالرفض بان رفض الشفاعة على نحو رفض هذا المبدأ كلية ، وغلق الباب في وجه كل شفيع أمر تكذبه الآيات ، والروايات المتكاثرة والتي لا مجال للاستهانة بها.
كما أن الأخذ بهذا المبدأ من إطار فتح الباب على مصراعيه ، كما يقولون أمر لا مجال للقول به ، بل لا بد من الأخذ به ولكن على شروط خاصة لا بد من خضوع عملية الشفاعة لها فان تكاملت تلك الشروط أخذت هذه العملية سيرها على مجاريها الطبيعية ، وعند عدم التكامل فالنتيجة هي القول بالرفض. ولمعرفة الشروط المطلوبة لا بد من ملاحظة الاركان التي تتقوم بها هذه القضية من جميع أطرافها ليكون البحث في كل منها على انفراد.
والأركان الأساسية لعملية الشفاعة أربعة ، وهي :
١ ـ المشفِع. (بالكسر).
٢ ـ الشفيع.
٣ ـ المشفع له.
٤ ـ المشفع فيه.
١ ـ المشفع :
المشفِع : بالكسر ، وهو : كل من كان الآخرون محتاجين اليه
سواءً في دفع عقاب ، أو نيل ثواب ، أو حاجة دنيوية ، أو أخروية.
والمشفِع : في موضوع بحثنا هو : الله عز وجل حيث يتوجه اليه المذنبون ، ويرجو فضله المقصرون ، ويطلب من فيض آلائه العابدون.
كل أولئك يتوجهون اليه ليستزيدوا من فضله ، أو ليدفعوا عنهم ما كتب عليهم من جزاء.
٢ ـ الشفيع :
الشفيع : هو الواسطة بين الطرفين للشفاعة في شيء.
وفيما نحن فيه هو الواسطة بين العبد وربه ، بشراً كان ذلك الشفيع ، أم غيره عملاً بمنطوق الآية الكريمة :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (١) .
والوسيلة : هي ما يتقرب به الى الغير.
والاقتصار على كون الوسيلة بشراً ، أو عملاً ، او من الملائكة يتنافى ، واطلاق الآية. لان ظاهرها الأمر بطلب الوسيلة ، وهي : ـ كما قلنا ـ كل سبب يتوصل به الى الله تعالى بغض النظر عن نوعية السبب.
ومن هذا المنطلق نقول : بتنوع السبب الرابط بين العبد ، وربه في الشفاعة للتخفيف من ذنوبه ، أو لاستجابة مطالبه ، ولو كانت
__________________
(١) سورة المائدة : آية (٣٥).
دنيوية.
واذا لاحظنا السبب الرابط ، والذي هو ـ الشفيع ـ في مصطلحنا لامكن تقسيمه الى قسمين :
١ ـ ما يكون من أعمال الانسان ، ونواياه.
٢ ـ ما يكون من مخلوقات الله من البشر ، أو الملائكة.
١ ـ الشفيع من القسم الأول :
تتعرض الآيات والأخبار الى عرض بعض الأعمال التي تكون سبباً في تخفيف الذنوب ، أو محوها عن المذنبين ومن يطلق على ذلك العمل عنوان (الشفيع).
تقول الآية الكريمة :
( وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) (١) .
المغفرة : على ما صدر من المذنب من مخالفات نتيجة عدم إنصياعه لأوامره ، ونواهيه.
وأما الأجر : فهو في مقابل ما قدمه ذلك الشخص في حياته من القيام بما كلف به من قبل الشارع المقدس من الاحكام الشرعية.
والمغفرة ، والأجر كان السبب في حصولهما الايمان ، والعمل الصالح واذاً : فهذان العاملان يكونان عنوان «الشفيع» في هذا الوعد التي تصرح به الآية بمنطوقها.
__________________
(١) سورة المائدة : آية (٩).
إيمان العبد ، وعمله الصالح شفعاً له في محو ما كتب له من عقاب نتيجة قيامه بالمخالفات ، فعنصر الشفاعة برز لنا من خلال هذه الفقره( لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) .
وفي آية أخرى نرى الوسيلة للشفاعة تأتي على شكل آخر ففي قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (١) .
تقوى الله ، والايمان برسوله فتحاً لمن آمن بالله هذه الآفاق.
١ ـ( يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ) .
أي يؤتكم نصيبين من رحمته ، وهو ترغيب للعبد في اطمئنانه بحصوله على الرحمة المضاعفة.
٢ ـ( وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ) .
وهو نور الهداية لتسيروا على ضوئه الى ما يحفظكم من الإِنزلاق في الطريق غير الموصلة الى الله ، والى الجنة.
نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده فلا يحجزه عن الوصول الى الحقيقة شيء.
وبعد كل هذا تأتي منحة الله المفضلة :
٣ ـ( وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .
حصول المغفرة هو غاية العبد ، وهو مسبب عن تقوى الله
__________________
(١) سورة الحديد : آية (٢٨).
والايمان برسوله ، والذي هو من مكملات تقوى الله. وهذان كونا عنوان (الشفيع) في حصول هذه المنحة منه سبحانه لعباده الذين آمنوا.
وقد يقال : ان الآية الكريمة بعد ان منحت العبد المؤمن ذلك النور الموعود ليمشي به في طرق الحق ، ويشخص على ضوئه الهدى من الضلال فما معنى «يغفر لكم» وهل بعد الكفلين من الرحمة والنور الذي ينير القلب؟
والجواب : أن الانسان مهما علت مكانته ، وهذبت نفسه وآمن بالله فهو ليس بمعصوم كالانبياء ، والمرسلين ، والأئمة المكرمين بل هو إنسان ، وعرضة للزلل ، والخطأ ، والتقصير ، ولذلك فهو دائماً فقير الى رحمته ، وهو محتاج الى عطفه ، ولطفه نتيجة ما يصدر منه من ذنب لعدم عصمته ، ومنعته مهما كان متديناً ، ومحافظاً. وقد جاء عن أمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قوله في إحدى خطبه «لا شفيع أنجح من التوبة»(١) .
وفي خطبة أخرى قال «صلوات الله عليه» :
«فاجعلوا طاعة الله شفيعاً لدرك طلبتكم»(٢) .
طاعة الله ، والانقياد الكامل : هو الشفيع لما يريده العبد من مولاه من طلباته أعم من كونها طلبات دنيوية ، او أخروية.
والتوبة ، والعود الى ساحة الله من أضمن الشفعاء بشهادة أمير
__________________
(١) نهج البلاغة : ٣ / ٢٤٢.
(٢) نهج البلاغة ٢ / ١٩٩.
المؤمنين.
وتقول الآية الكريمة :
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (١) .
وتتعرض بعض الاخبار الى الاستغفار فتفرده في اعتباره الوسيلة لحصول التوبة.
وفي الحقيقة عندما نستعرض هذه الآيات ، والروايات والتي اعتبرت عمل الانسان ، أو طاعته ، أو تقواه ، او توبته او إستغفاره ، أو إيمانه هو الشفيع لما صدر منه من مخالفات نراها تتضمن معنى آخر غير الشفاعة. ذلك هو أنها تدفع بالانسان أن يتكل على نفسه في مواجهة ربه ، والارتباط به لحل جميع مشاكله ، وإجابة طلباته الدنيوية ، والأخروية ومن أقرب الى العبد من ربه اذا جاءه وهو تائب ، ومتقٍ ، ومطيع؟
إن الله وهو الرحيم بما تشتمل عليه هذه الكلمة من حنو لا يحتاج الى شفيع يكون وسيلة ورابطاً بينه وبين عبده المذنب لو وجد صدقاً في توبته واخلاصاً في إطاعته ، فهو يعلم أن عبده ليس بمعصوم من الزلل والتقصير لذلك نرى الإِمام في كلمته السابقة يقول : «لا شفيع أنجح من التوبة».
٢ ـ الشفيع من القسم الثاني :
بإجماع الأمة الإِسلامية بكافة مذاهبها أن النبي الأكرم محمدٍ
__________________
(١) سورة النساء : آية (٦٤).
(صلى الله عليه وآله وسلم) له صلاحية الشفاعة.
يقول تعالى :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (١) .
فاستغفار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) له حسابه في نظر الله تعالى حتى جعله مقارناً لإِستغفاره ، ولا يعني من يقول بالشفاعة باكثر من ذلك.
أما الأخبار : فإنها من الكثرة بمكان ، وقد صرحت بإنه شافع لأمته.
يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين ، وخطيبهم ، وصاحب شفاعتهم غير فخر»(٢) .
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ان الله أعطاني مسألة فإدخرت مسألتي لشفاعة المؤمنين من أمتي يوم القيامة»(٣) .
وهناك طوائف أخرى من الأخبار توسع دائرة الشفاعة الى غير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من بقية الأنبياء ، والمرسلين ، والملائكة ، والصالحين.
قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «يشفع النبيون ، والملائكة ، والمؤمنون فيقول الجبار : بقيت شفاعتي»(٤) .
ويقول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «يشفع يوم القيامة
__________________
(١) سورة النساء : آية (٦٤).
(٢) سنن الترمذي : ٥ (٢٤٧).
(٣) امالي الشيخ الطوسي : ص ٣٦.
(٤) صحيح البخاري : ٩ / ١٦٠.
الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء»(١) .
كما وأن أهل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يشفعون أيضاً فقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم) :
«الشفعاء خمسة : القرآن ، والرحم ، والامانة ، ونبيكم ، وأهل بيت نبيكم»(٢) .
ويقول الإِمام علي بن أبي طالب : «لنا شفاعة ولأهل مودتنا شفاعة»(٣) .
الشروط المطلوبة في الشفيع :
فهل كل نبي ، أو مؤمن ، أو ملك له صلاحية الشفاعة للآخرين ، أم لا بد من شروط في البين لا بد أن يخضع الشفيع لها ليكون شافعاً؟
تقول الآية الكريمة :
( يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) (٤) .
من هذا الإِطار تتحدد شخصية الشفيع كل أحدٍ بإمكانه ان يمثل هذا الدور الخطير ، بل من أذن له الرحمن ، ورضي قوله له أن يقوم بهذه المهمة ، من غير فرق بين أن يكون ذلك
__________________
(١) سنن ابن ماجة : ٢ / ١٤٤٣ ، ومثله في خصال الصدوق / ص (١٥٦).
(٢) المناقب : ٢ / ١٤.
(٣) خصال الصدوق : ص / ٦٢٤.
(٤) سورة طه : آية (١٠٩).
الشفيع نبياً ، أو غير نبي من الصالحين كان أو من الصديقين ، أو الشهداء ، وغيرهم ممن كانت له مكانة عظيمة عند الله عز وجل.
وقد تكرر هذا المعنى في آيات أخرى ففي آية الكرسي جاء قوله تعالى :( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) (١) .
وهكذا الحال في سورة يونس جاءت الآية تقول :
( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) (٢) .
وقوله تعالى :( وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) (٣) .
وقال عز وجل :( وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّـهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ ) (٤) .
فالشفاعة : مشروطة أن تكون بإذن الله لا أنها ترجع الى كل شفيع فيما يريد أن يشفع فيه.
وحينئذٍ فلا يوجد أي تنافٍ بين هذه الآيات حيث تثبت الشفاعة لغير الله بإذنه ، ورضاه ، وبين الآية الكريمة والتي تقول :
( قُل لِّلَّـهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ) (٥) .
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٢٥٥).
(٢) سورة يونس : آية (٣).
(٣) سورة سبأ : آية (٢٢).
(٤) سورة النجم : آية (٢٦).
(٥) سورة الزمر : آية (٤٤).
أو قوله عز وجل :( لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) (١) .
فإن الشفيع اذا كان يشفع بإذن الله ، ورضاه مقيداً بما يمليه الله في قبول شفاعة من يمكن ان يقبله الله ، فإن مثل هذه الشفاعة ستكون لله ، وليست خارجة عن حيازته.
وإذاً فعلى الشفيع أن يتقيد فيمن يشفع له ، وفيما يشفع فيه والا ففي صورة العكس ، فإنه لا ينال رضى الله ، وعندها تكون شفاعة مثل هذا الشخص في مثل أولئك نصيبها الفشل.
٣ ـ المشفع له :
ويراد بهذا العنوان من تكون الشفاعة لصالحه.
وهل تكون الشفاعة لكل أحد ، ومهما كان نوع ذنبه ، والجرم الذي صدر منه أم لا بد من تحديد ذلك؟
من خلال الآية الكريمة يتضح لنا من هو المشفع له؟
يقول تعالى :( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) (٢) .
ومن هذا الإِطار القرآني تبلورت لنا شخصية من يصح أن يشفع له. ذلك لأن الآية قسمت المذنب الى قسمين : مشرك ، وغير مشرك.
أما المشرك : فإن الله أخذ على نفسه عهداً أن لا يغفر له ،
__________________
(١) سورة الأنعام : آية (٥١).
(٢) سورة النساء : آية (١١٦).
وإطلاق الآية يقتضي عدم المغفرة له في الدارين : الدنيا ، والآخرة ما لم تحصل منه التوبة في الدنيا.
أما غير المشرك : فهل كل من كان غير مشرك تشمله المغفرة ، أم هناك تفصيل بين هؤلاء من هذا القسم؟
ويظهر لنا الجواب من الخبر التالي :
عن محمد بن أبي عمير قال : «سمعت موسى بن جعفر «عليه السلام».
يقول : لا يخلد الله في النار إلا أهل الكبر ، والجحود ، وأهل الضلال والشرك. ومن إجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر قال تبارك وتعالى :( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) . قال : فقلت له : يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فالشفاعة لمن تجب من المذنبين؟ قال : حدثني أبي عن آبائه عن علي «عليه السلام» قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ، فأما المحسنون منهم فما عليهم من سبيل.
قال ابن أبي عمير : فقلت له : يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر؟ والله تعالى ذكره يقول :
( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) (١) .
__________________
(١) سورة الأنبياء : آية (٢٨).
ومن يرتكب الكبائر لا يكون مرتضى فقال : يا أبا أحمد ، ما من مؤمن يرتكب ذنباً إلا ساءه ذلك ، وندم عليه ، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كفى بالندم توبة ، وقال «عليه السلام» : من سرته حسنته ، وساءته سيئته فهو مؤمن ، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه ، فليس بمؤمن ، ولم تجب له الشفاعة وكان ظالماً ، والله تعالى ذكره يقول :
( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) .
فقلت له : يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكيف لا يكون مؤمناً من لم يندم على ذنب يرتكبه؟
فقال : يا أبا أحمد ، ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي ، وهو يعلم أنه سيعاقب عليها إلا ندم على ما ارتكب ، ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة ، ومن لم يندم عليها كان مصراً ، والمعصر لا يغفر له لانه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب ، ولو كان مؤمناً بالعقوبة لندم ، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا كبيرة مع الإِستغفار ، ولا صغيرة مع الإِصرار ، وأما قول الله عز وجل :( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ) .
فإنهم لا يشفعون الا لمن ارتضى الله دينه ، والدين الاقرار بالجزاء على الحسنات ، والسيئات. فمن إرتضى الله دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب لمعرفته بعاقبته في القيامة»(١) .
وقد نقلنا الحديث بطوله لإِشتماله على تحديد أبعاد من تكون
__________________
(١) التوحيد للصدوق : ٤٠٧ ـ ٤٠٨.
الشفاعة لصالحه من المذنبين بشكل واضح حيث تبين لنا أن من يسمح في الشفاعة لهم هم : أهل الكبائر من أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
وفي مقام تعريف الكبائر يقال : أن الذنوب التي يطلق عليها إسم الكبيرة هي : ما أوعد عليها النار من : شرب الخمر ، والزنا والربا ، وعقوق الوالدين ، والفرار من الزحف ، وغير ذلك كما جاء في الخبر عن الإِمام الصادق «عليه السلام» وقيل غير ذلك حيث يشمل ما نهى الله عنه(١) .
٤ ـ المشفع فيه :
من الواضح أن حدود الشفاعة لا تتعدى ما يعود الى العباد في مخالفاتهم لله عز وجل ، وتخفيف الذنوب عنهم بالنسبة لما يترتب عليها من جزاء. وهكذا فيما يعود لمور المعاش ، والأرزاق ، وما شاكل.
أما في غير ذلك من الأمر التي تتعدى حدود البشر كالتدخل في الأمور الكونية ، فإن ذلك لا معنى لإِعطاء المجال الشفاعة فيه فإن أمر ذلك يعود الى الله تعالى ، وهو الذي يتصرف فيه كيف يشاء.
على أن التدخل في تلك الأمور خارج عن الحدود المرسومة للبشر وللأنبياء ، والمرسلين لخضوع كل ذلك الى أسباب جعلها الله وفق نظم دقيقة تأخذ مجراها الطبيعي لإِدارة هذا الكون بسماواته وأرضيته.
__________________
(١) وسائل الشيعة : ١٨ / ٢٨٦ / الطبعة الحديثة.
نعم : قد يكون من باب إظهار المعجزة لأحد الأنبياء ، أو المرسلين أن يطلب ذلك النبي شيئاً خارق العادة لإِثبات نبوته ، وصحة دعواه ، ولكن ذلك لا يتعلق بموضوع الشفاعة ، والوساطة بمفهومها الذي هو موضوع بحثنا ، وفيما نحن فيه.
الخلاصة :
وإذاً وبعد هذه الجولة عرفنا أن أصل الشفاعة ، والأخذ بها كمبدأ معترفٍ به من قبل الشريعة الإِسلامية أمر مفروغ من البحث فيه ، ولكن الخلاف في الإِطار الذي تؤطر به الشفاعة من حيث الشفيع ، والموضوع الذي يشفع فيه. مضافاً الى انفراد الشفيع بما يقدم عليه ، أو معرفته برضا الله على ذلك الإِقدام.
ولكل مذهب رأيه في هذه المواضيع ينبع من النصوص التي يستند عليها عندما يقول بشيء من الرأي في جانب من الجوانب المذكورة ـ فمثلاً ـ نرى المعتزلة والخوارج يخالفون بقية الفرق الإِسلامية في قبول الشفاعة بمعناها الواسع الذي يقول به الباقون.
فهم يقصرون الشفاعة بحق المطيعين أما غيرهم فلا يستحقون الشفاعة وينشأ هذا القول من رأيهم في من يرتكب الكبيرة ، فإن مرتكبي الكبائر لا يرونهم مرحومين ويعفى عنهم بل هم مخلدون في النار. لذلك لا تنفع الشفاعة لمن كان مرتكب الكبيرة عند هؤلاء والآن : وبعد كل هذا تبين لنا أنه لا منافاة بين ما بينه الدعاء.
في الفقرة موضوعة البحث «ولا يخفف عن أهله» ، وبين الإِعتراف بوجود الشفاعة من قبل من كانت له المنزلة السامية عند الله فلا يخفف عن أهله اذا كانوا ممن لا يرضى الله بالتدخل في
التشفع لهم ، ويشفع لهم اذا كانت ذنوبهم ليست بتلك الدرجة من الشدة التي تغلق باب الشفاعة في وجوههم.
فالداعي عندما يتخوف من ذنوبه يخشى أن يرد الله شفعاءه لو تشفعوا له لتهوله من ذلك الموقف الرهيب ، وله الحق فيما يتصوره من عدم التخفيف بعد صدور الحكم عليه ، فكيف يتحمل كل ذلك وهو محروم من الشفاعة لعظم جرمه ، أو لتخيله بعظم ما أقدم عليه من المخالفة ، وهو يعلم أن عدم التخفيف عن المذنبين مسبب عما يلي :
«لانه لا يكون إلا عن غضبك وانتقامك وسخطك».
الغضب : ضد الرضا : قال إبن عرفة : الغضب : من المخلوقين شيء يداخل قلوبهم ، وأما غضب الله ، فهو إنكاره على من عصاه فيعاقبه.
والانتقام : هو العقاب.
والسخط : هو ضد الرضا ، وقيل : هو لا يكون إلا من الكبراء ، والعظماء دون الاكفاء ، والنظراء(١) .
وبالإِمكان القول : هو تقارب هذه الألفاظ من حيث المعنى ، والمقصود هو أن عدم التخفيف لا يكون إلا من عدم رضا الله عز وجل على عبده لمخالفته لما أمر به ، وإقدامه على ما نهاه عنه.
«وهذا ما لا تقوم له السماوات ، والأرض فكيف بي ،
__________________
(١) لاحظ لسان العرب : مادة (غضب ، ونقم ، وسخط).
وأنا عبدك الضعيف الذليل ، الحقير ، المسكين ، المستكين».
أي رب : وان ما كان منشأه غضبك ، وإنتقامك ، وسخطك لا تقوى على حمله ، ومواجهة السماوات بطبقاتها ، والأرض ومن فيها ، وما فيها. فكيف يقوى إذاً على مواجهته هذا الجسم البالي المكون من هذه الأجزاء الضعيفة لحم ، ودم ، وعصب ، وعظم؟
يا رب : وأنا عبدك الضعيف ، والضعيف بكل ما تحمله هذه العبارة من معنى : ضعيف في الجسم ، والبنية ، والإِدارة يستحوذ علي الشيطان ، فينسيني ذكر الله العظيم.
أي رب : وأنا عبدك الموسوم بكل صفات الذلة ، والعبودية لك الذليل ، الحقير ، المسكين ، المستكين.
أما الذليل : فهو ضد العزيز ، والمهان بالنسبة اليه تعالى.
والحقير : هو من هان قدره فلا يعبأ به.
أما المسكين : فهو من لا شيء له من المال ، واختلف بينه وبين الفقير ، أيهما أسوأ حالاً ، فقيل المسكين أسوأ حالاً ، وقيل : الفقير ، ولهم في ذلك وجوه.
ولكن المراد به في هذه الفقرة ليس هو المسكين المالي ، بل المسكين وكما جاء في اللغة بمعنى آخر حيث أطلق على الذليل المقهور ، وهو المراد به هنا.
وأما المستكين : فهو الخاضع الذليل.
واذا كانت نية الداعي صادقة ، وهو يخاطب الله ، ويسم نفسه بهذه السمات التي ان دلت فإنها تدل على منتهى الخضوع والخشوع والعودة الى ظلال رأفة الله ، والإِنقياد لسلطانه ، وعظمته. وحاشا لله أن يرد مثل هذا الداعي بذله ، ومسكنته ، ويخيب رجاءه ، وهو على هذه الحالة من الذل ، والإِنكسار.
لا : بل هو كما بشر الله عباده في كتابه الكريم بقوله :
( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (١) .
«نبيء» وهو أمر منه تعالى لنبيه في الإِخبار بهذا الفيض الإِلهي الكريم.
«عبادي» وفي إضافة العباد اليه نوع من القرب اليه ، والإِختصاص به ، وفيه بعث الطاقة في الإِنسان عندما يشعر بها المذنب وهو يتلمس اليد الحانية تربت على كتفه لتحمل اليه الأمل الأخضر يشرق من خلال قوله :( أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) .
غفور : بما تحمله هذه الكلمة من شدة التأكيد في المغفرة ، والتجاوز.
ورحيم : بما ينطوي عليه هذا التعبير من رنة هادئة تمثل الدعة ، والقبول ، والعطف ، والحنو.
١٥ ـ يا اِلهي ، وَرَبّي ، وَسَيِّدِي ، وَمَوْلايَ لأي الأمور اِلَيْكَ اَشْكُو ، وَلِما مِنْها اَضِجُّ وَاَبْكي. لأليم
__________________
(١) سورة الحجر : آية (٤٩).
الْعَذابِ وَشِدَّتِهِ ، اَمْ لِطُولِ الْبَلاءِ وَمُدَّتِهِ ، فَلَئِنْ صَيَّرْتَنى لِلْعُقُوباتِ مَعَ اَعْدائِكَ ، وَجَمَعْتَ بَيْني وَبَيْنَ اَهْلِ بَلائِكَ ، وَفَرَّقْتَ بَيْني وَبَيْنَ اَحِبّائِكَ وَاَوْليائِكَ ، فَهَبْني يا اِلـهى ، وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ ، وَرَبّي صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ ، فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَلى فِراقِكَ؟ وَهَبْني يا اِلـهي صَبَرْتُ عَلى حَرِّ نارِكَ ، فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ اِلى كَرامَتِكَ؟ اَمْ كَيْفَ اَسْكُنُ فِي النّارِ وَرَجائي عَفْوُكَ».
الآلام الروحية لها تأثيرها السيء على الإِنسان ، فهي لا تقل تعذيباً للنفس من الآلام الجسدية الناشئة من الخدوش والحروق ، وغير هذا ، وذاك مما يطرأ على الجسم من الم نتيجة إصابته بعارض من العوارض الخارجية ـ وعلى سبيل المثال ـ فكثيراً ما نجد شخصاً يعيش في دوامة من آلامه النفسية لأنه يرى قرينه ، أو من هو دونه ينال حظوة لدى أبناء المجتمع الذي يعيش فيه بينما يكون محروماً من هذا النوع من المكانة ، فيبقى يكابد الاماً نفسية سرعان ما تجعله فريسة للأَمراض ، والأفكار.
ولهذا الموضوع أمثلة كثيرة ، وهذا من الوضوح بمكان لمعرفة ذلك من قبل الجميع إذ قلما نجد من لا يبتلى بقضية تكون نتائجها مما يترك في النفس الماً ما دامت هذه الحياة قائمة ، وما دام هذا الإِنسان عرضة لما يطرأ عليه من حوادث ، ومشاكل. ن
ومن هذا المنطلق نجد الدعاء يضيف الى حساب الداعي عاملاً آخر من عوامل الابتلاء ، والتخوف ذلك هو ما يكابده الداعي من
آلام نفسية وهو يقاسي أنواع العذاب في النار ، ومنها أنه يكون محروماً من الاجتماع بأولياء الله ، وحشره مع أعداء الله ، ومن حقت عليهم كلمة العذاب. فهو لا يجد نفسه بالمكانة التي تليق به في ذلك الجو الكاسف ، لهذا يطالب ربه بالعفو عنه لانه بشر ، وهو محدود الطاقات فكيف يمكنه تحمل هذا النوع من التعذيب النفسي بالإِضافة الى ما كتب له من العذاب الجسدي الذي يسببه الحرق في نار جهنم؟
وأخيراً يختم الداعي هذا الفصل بما يراه حلاً يتمكن به من الخلاص من هذه الآلام الطارئة والتخفيف منها حيث سيضج اليه ، ويبكي ويصرخ كما تفعل من فقدت عزيزها ، ويناديه بأسماء حبيبة اليه لثقته بان الله هو الرحمن ، وهو الرحيم( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) (١) .
«يا إلهي وربي وسيدي ولأي الأمور اليك أشكو ولما منها أضج وأبكي».
يا إلهي ، وربي ، وسيدي. عبارات كلها ترمز الى الله عز وجل والدعاء يكررها في أغلب الفصول ، وفي مبدأ كلٍ منها زيادة في التعلق به والاستغاثة له. وفي تكرارها من الخضوع ، والخشوع ما يدركه الداعي ويجد له حلاوة توحي اليه بالاستكانة الى أمنه ، وأمانه.
أشكو : وشكا فلان فلاناً الى فلان تظلم اليه ، وأخبره عنه
__________________
(١) سورة الشورى : آية (٢٥).
بسوء فعله به فالمخبِر (شاك) والمخبَر عنه (مشكو) والخبر (الشكوى) والمخبر (مشكو اليه)(١) .
فالشكوى بحسب نظر اللغويين تتضمن أربعة أركان.
شكوىً ، وشاكٍ ، ومشكو ، ومشكو اليه.
وفيما نحن فيه لا بد من ملاحظة هذه الأركان ، وحصولها في شكوى العبد.
أما الداعي : فهو (شاكٍ) لأنه مخبر عن نواياه.
والله عز وجل هو (المشكو اليه) لأنه الحاكم المطلق ، والعادل الذي لا يجور.
(والشكوى) هي الأمور التي تتضمنها الفقرات الآتية من قوله :( لاليم العذاب ، وشدته ، أم لطول البلاء ومدته ) وهي ما يتألم منه الداعي ويستغيث مه ، ونبقى لنبحث عن (المشكو) وبالإِصطلاح القانوني من رفعت الشكوى ضده. فمن يا ترى هذا الذي يشكو الداعي منه ، ويوجه الداعي الدعوى ضده؟
والجواب : ان ذلك هو مصدر اللطف ، والرحمة ، وهو مصدر الرقة ، والرأفة.
وكما سبق للدعاء أن وجه الداعي الى أن يستشفع به الى نفسه حيث قال فيما سبق : «وأستشفع بك الى نفسك». فهو هنا أيضاً يوجهه الى ذلك.
__________________
(١) أقرب الموارد : مادة (شكي).
وقد ناجى الإِمام زين العابدين علي بن الحسين «عليه السلام» ربه فقال «وأنا يا سيدي عائذ بفضلك هارب منك اليك».
والتعبير فيما نحن فيه من هذا القبيل ، فالداعي يهرع الى ربه لانه يهرب منه اليه فهو الخسم ، وهو الحكم ، وهو المستغاث به.
ـ وفي الوقت نفسه ـ المستغاث منه. فأركان الشكوى فيما نحن فيه تكون ثلاثة بدلاً من أربعة.
وفي تعبير الداعي بقوله : «ولما منها أضج ، وأبكي » نوع من تحريك عواطف من لجأ اليه ، فالضج ، هو الصيحة ، والجلبة يقال : ضج ضجيجاً فزع من شيء ، وخافه ، فصاح ، وجلب.
وأضج القوم : صاحوا ، وجلبوا.
فالتعبير : بأضج ، يصور لنا الداعي ، وهو يصيح باكياً بحيث يحدث له جلبة ، وصياحاً ، وهي حالات من يفقد شيئاً ، فيذهل عن وضعه ويخرج عن إتزانه ، وكل ذلك مما يضفي على منظره ما يقتضي الترحم عليه ، وهو على هذه الحالة من الإِرتباك والذهول.
«لأليم العذاب وشدته أم لطول البلاء ومدته».
قدم الداعي في عرض العذاب الجسدي والروحي.
العذاب الجسدي حيث تبدأ النار بأخذ مفعولها ، وردد أنه لا يدري أيضج الى الله ، ويصرخ باكياً لأليم العذاب ولشدته ، أم لطول المدة التي سيمكث فيها مخلداً في النار تبعاً لذنبه وحجمه.
وقد بينا فيما سبق أن أيام الآخرة لا يتمكن بالتحديد من ضبطها بعد ان صرح القرآن الكريم بان الملائكة ، والروح تعرج اليه : «في يوم كان مقداره خمسين الف سنة».
وعلى كل حال فهي على نحو الإِجمال ليست كأيامنا في الدنيا من حيث القصر ، وإشتمالها على أربع وعشرين ساعة ، والشهر ثلاثون يوماً ، والسنة من ثلاثمائة وستين يوماً ، بل لها حساب خاص نعلم على نحو الأجمال أيضاً أن حسابه طويل ، وعسير. ولذلك يأخذ الداعي بعين الإِعتبار ذلك التعذيب الجسدي ، وشدته وطول مدته ، فيكون ذلك سبباً لضجيجه وعجيجه.
«فلئن صيرتني للعقوبات مع أعدائك ، وجمعت بيني وبين أهل بلائك ، وفرقت بيني وبين أحبائك ، وأوليائك».
وهذه هي العوامل التي تسبب للداعي العذاب النفسي ، حيث يسرح به التصور فيجد نفسه وسط الجموع المكدسة في نار جهنم بعيداً عن روح الله ورحمته ، وبعيداً عن أولياء الله وأحبائه ، وهم أولئك الصفوة الخيرة الطيبة. وإذا به مع المجرمين ، والملحدين وأولئك الذين قضوا أعمارهم ، وهم لا يتحلون بالفضيلة.
وهذا ما يجعل نفس الداعي تحترق الماً ، وهي ترى هذا المصير الضحل بإنتظارها غداً ، يوم لا ينفع مال ولا بنون.
«فهبني يا إلهي ، وسيدي ، ومولاي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك؟».
فهبني : هذه الكلمة مؤلفة : من فاء التفريع على ما سبق من قوله
في الدعاء «فلئن صيرتني للعقوبات» ومن كلمة (هب) وهي : من أفعال القلوب تلازم الأمر دائماً ، وهي بمعنى (ظنني) أو (إعتبرني) والمعنى الذي يريده الداعي في هذا التفريع هو : الخطاب مع ربه ، والقول : بانك يا ربي ، وإلهي لئن فعلت بي ما كنت مستحقاً له من الجزاء حيث صيرتني للعقوبات مع أعدائك ، وفرقت بيني وبين أحبابك ، ومن كانوا الصفوة لك. فهبني يا إلهي تحملت وصبرت على هذا العذاب ، ولكن من الذي يصبرني على فراقك ، والبعد عنك ، وهذا ما سأبقى أكابد آلامه النفسية ، والذي هو أشد واعظم مرارة ، ولوعة من العقوبات الجسدية.
وقضية فراق الله ، والذي يتضجر منه الداعي ما هو إلا البعد عنه والحرمان من محبة الله لعبده ، ومحبة العبد لربه.
هذا الحب المتبادل بين العبد وربه ، هو الذي يغذي الروح ، ويعلو بالنفس الى الآفاق السامية لتجد حلاوة الإِيمان تتجسد لها في كل ما تراه في الوجود.
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (١) .
يحبهم ، ويحبونه. هذا الحب المتبادل بين الله ، وعباده الذين آمنوا يصور لنا التعلق ، والإِنشداد بين عبيد إطلع الله على ما في ضمائرهم من حبٍ لذاته ، ومعرفة بحقيقته فعرفوا من هو الله ، وعرفوا هباته ، وعطاياه ، وسماحته ، وكرمه ، وعفوه ، وغفرانه.
__________________
(١) سورة المائدة : آية (٥٤).
وعرفوا إحاطته بهذا الكون ، وقدرته عليه كل ذلك وجدوه في أنفسهم ، فأحبوه ، وهاموا في حبه ، فكانوا مثال الإِخلاص ، والفناء في ذاته المقدسة.
وهذا الإِمام جعفر بن محمد الصادق «عليه السلام» يناجي ربه قائلاً : «إلهي كيف أدعوك وقد عصيتك ، وكيف لا ادعوك ، وقد عرفت حبك في قلبي» (١).
الخوف ، والرجاء يصطرعان في النفس حيث تبدو أثار هذا الصراع واضحة من خلال هذه المناجاة الرقيقة التي تنساب من فم الإِمام هادئة.
الخوف من المعصية يقف حائلاً بين الإِنسان ، وربه فكيف يدعوه بلسان خالفه فيه؟.
والرجاء بعفوه ، ورحمته لأَن القلب مطوٍ على حبه ، وهو خير شافع اليه.
ولا بد ان يتغلب بعد هذا الصراع النفسي : عامل الرجاء ، فتبدو اشراقة الأمل تحمل البشرى للداعين والراجين ، واذا بالعبد يندفع يدعو ، ويلح ويريد ، ولا ينفك عن التعلق بربه فقد عرف أنه يريد من ربٍ كريم ، وكيف لا أدعوك ، وقد عرفت حبك في قلبي؟».
هؤلاء هم الذين يعبدون رباً أحبهم ، وأحبوه لا خوفاً من نارٍ ، ولا طمعاً في جنة ، وفي هؤلاء يقول تعالى فيما أوحى الى بعض الصديقين( إن لي عباداً من عبادي يحبونني ، وأحبهم ، ويشتاقون
__________________
(١) أمالي الصدوق : ص (٣٠٩) المجلس السابع والخمسون/ المطبعة الحيدرية / النجف الأشرف.
إلي ، وأشتاق إليهم ، ويذكرونني وأذكرهم ، وينظرون الي وأنظر اليهم ) .
قال اصديق : يا رب ما علامتهم؟
قال عز وجل : يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الواعي الشفيق غنمه ويحنون الى غروب الشمس ، كما تحن الطيور الى أوكارها عند الغروب. فإذا جهنم الليل ، وإختلط الظلام ، وفرشت الفرش ، ونصبت الأسرة ، وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا الى أقدامهم ، وافترشوا لي وجوههم ، وناجوني بكلامي ، وتملقوني بأنعامي. فبين صارخ ، وباكٍ ، ومتأوهٍ ، وشاكٍ. وبين قائم ، وقاعد وبين راكع وساجد. بعيني ما يتحملون من أجلي ، وبسمعي ما يشتكون من حبي. أول ما أعطيهم ثلاثاً :
أقذف من نوري في قلوبهم ، فيخبرون عني كما أخبر عنهم.
والثانية : لو كانت السماوات والأرض ، وما فيهما في موازينهم لاستقللتها لهم (١).
والثالثة : أقبل بوجهي عليهم. أفترى من أقبلت بوجهي عليه يعلم أحد ما أريد أن أعطيه؟
هذا الحب المتبادل بين العبد وربه ، وبين الحبيب وحبيبه ، لا يعرف طعمه إلا أولئك الذين قال فيهم : «أقبل بوجهي عليهم».
ولا يدركه إلا من وصل الى المدارج التي تؤهله لان يقول الله في
__________________
(١) المحجة البيضاء : ٨ / ٥٨ ـ ٥٩ / منشورات مكتبة الصدوق.
حقه «وأشتاق اليهم» واحبهم ، وأذكرهم ، وأنظر اليهم.
وطبيعي ان لا يتوصل الى معرفة هذا العطاء إلا من عرف حقيقة ، ومصدر العطاء وهو الله تعالى :
وعجيب أن نسمع من يقول عن هذا الإِرتباط المقدس بين العبد وربه : أنه من نوع من التصوف والرهبنة ، والإِنشغال بما وراء الغيب مما يوحي الى النفس ذلك الخمول ، والإِنعزال عن المجتمع مع أن طبيعة الحياة الضاحكة المشرقة ، والرقراقة تأبى كل هذه الخلجات والغلسات. ولهؤلاء نقول : أن الإِسلام بشريعته السمحاء ، وبتعاليمه القيمة جمع بين الدنيا ، والآخرة وأعطى كلاً منهما حقه ، فأمر بأن يستقبل الإِنسان الحياة بوجه ضاحك بإسم ، وبساعدين قويين يشمرهما الى العمل ، وبآمال طويلة عريضة تشمل الأيام ، والأيام الطويلة حتى كأنه يعيش أبداً. ودفع بالإِنسان أن يلقي عن كتفيه أردية المسوح لئلا تتأخر عجلة الحياة ، وتتلكأ المسيرة الاِجتماعية ، ويحصل التصدع في بناء المجتمع الواحد. ولكنه ـ في نفس الوقت ـ نظر إلى الآخرة نظرة من لم يسمح بتأخير ما عليه من حقوق الله ، وحقوق الآخرين لحظة واحدة.
ان الحديث ا لسابق يتدرج في بيان صفات المحبين فيقول :
«فإذا جنهم الليل ، واختلط الظلام ، وفرشت الأسرة ، وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا الي أقدامهم ، وافترشوا لي وجوههم ، وناجوني بكلامي» الخ.
اذا جهنم الليل : وهو الوقت الذي تشتد ظلمة الليل فيه ، ولنفرضه بعد مرور الثلث الأول من الليل. هذا الوقت بحسب العادة يكون من حق الإِنسان الشخصي لانه قد أدى ما عليه في
النهار الى المجتمع ، والى العيال ، فعاد الى بيته ، وأسرته وفي هذه العودة بالذات نرى رب الأسرة قد أدى ما عليه من العبادة من اداء فريضتي المغرب والعشاء وقد فرغ أيضاً من حقوق الأسرة ، وما تفرضه عليه من مراعاة. كل ذلك قد اداه ، وعاد الى مخدعه ليعطي لبدنه قسطاً من الراحة والهدوء. في هذا الوقت إذا نهض الى عبادة ربه ، ومناجاته والخلوة اليه بقلب منكسر ، وشوق الى لقائه كان حقاً على الله أن يلتفت الى هذا العبد الذي قدم منجاة ربه على راحته الشخصية فيقذف من نوره في قلبه ، ويستقل حسناته فيزيدها لهم ، ويقبل بوجهه عليه.
هذا الحب بين العبد ، وربه ، وهذا التعاطف بينهما يخشى الداعي من عدم حصوله من قبل الله ، وحرمانه من هذه اللذة عندما يكون طريداً من بابه ، ومحكوماً عليه بالنار مع أعدائه فكيف يصبر على هذا الفراق ، والبعد عن الله؟
والذي نلمحه من فقرات الدعاء في هذا الفصل هو التدرج من إظهار الجزع من فراق أحباء الله ، وأوليائه الى فراق الله نفسه حيث يقول الداعي : «وفرقت بيني وبين أحبائك ، وأوليائك» الى أن يقول : «فكيف أصبر على فراقك»؟
ولربما كان هذا منشأ إعتراض على السياق الدعائي حيث سلك هذا التدرج لان المناسب كان أن يذكر فراق الله أولاً لأنه الأهم من فراق غيره ، ثم يتضجر بعد ذلك من بعده عن أحباء الله ، وأوليائه والذي يتمثل بفراقهم فيبدأ بالأهم لينتهي بالمهم لا العكس.
ولكن يجاب عن ذلك : أن الترتيب المتدرج به الذي سلكه
الدعاء في سياقه أجمل مما يوجهه المعترض من التدرج العكسي ، ذلك لأن الداعي بدأ ببيان حالته النفسية ، وهي ما عليه من الضجر ، والتألم من بعده عن احباء الله ، وأوليائه وهو في نار جهنم مقر أعداء الله ، وأهل بلائه ، وبعدها التفت الى ما هو الأهم من ذلك وهو بُعدُه بهذه الحالة عن الله ، وابتلائه بفراقه ، من قبيل ما يقال دارجاً ، وعلى لسان أهل العرف بعد أن يعدد الإِنسان مصائبه فيقول : والأعظم من كل ذلك هو كذا.
فيبدأ بالمهم ، ثم ينتقل الى الأهم من باب المفاجأة.
وأما التدرج العكسي حيث يبدأ الداعي ببيان تضجره من فراق الله لينتهي ببيان ما يتحمله من فراق أولياء الله فيفقد الروعة الواقعية إذ من يبتلى بفراق الله ويكون موضعاً لغضبه ، وعدم رضاه لا يبقى في حسابه لفراق غيره ـ ولو كان ذلك الغير ولياً ـ زيادة تأثير.
فما هو تأثير فراق هؤلاء اذا أعرض الله بوجهه الكريم عنه ، وهل أن تقدير العبد لهم إلا لأنهم منتسبون اليه تعالى ، وهم أحباؤه وأولياؤه.
إن التدرج الدعائي كما هو مثبت أجمل ، ويحمل معنى أسمى من التدرج من المهم الى الأهم كما يريده المعترض.
«وهبني صبرت على حرِّ نارك فكيف أصبر عن النظر الى كرامتك».
ومرة أخرى هبني يا إلهي صبرت على حرِّ نارك ، والتي هي :
( لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ) (١) .
بل تحرق كلها يقع فيها. وقد ذكرت أخبار كثيرة عن نار جهنم الشيء الكثير إذ تصل حرارتها الى مسافات بعيدة جداً وقد جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله : «تعوذوا بالله من جب الحزن ، أو وادي الحزن قيل : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما وادي الحزن؟ قال : وادٍ في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم سبعين مرةٍ»(٢) .
وفي حديث آخر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) «في جهنم سبعون الف وادٍ ، وفي كل وادٍ سبعون شعب في كل شعب سبعون الف ثعبان ، وسبعون الف عقرب لا ينتهي الكافر ، والمنافق حتى يواقع ذلك كله».
وغير هذا من الأخبار. ولا نعجب من هذا الحديث عندما يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) «في جهنم سبعون الف وادٍ» فإن جهنم لا بد أن تكون بهذه السعة ليتناسب المكان مع المكين. فهذا الحشد من البشر على مر القرون لا بد له من مكان واسع كهذا الوصف ، واكثر.
وكل ذلك لو تحمله الداعي كما يقوله ، فكيف يصبر عن النظر الى كرامة الله؟ وهي العزة. فهو كما نعت نفسه : عزيز ، وذو منعة ولكل عزيز منزلة عظيمة تميزه عن غيره ، فكيف يقبل أن يرد مثل
__________________
(١) سورة المدثر : آية (٢٨).
(٢) احياء العلوم للغزالي : ٤ (٦٥٩).
هذا اللاجيء الذليل؟ جاء مستعطفاً ، وركع بين يديه سائلاً وهو يردد :
«أم كيف اسكن في النار ورجائي عفوك»؟
وتأتي هذه الجملة معطوفة على الجملة السابقة من قول الداعي : وهو يناجي ربه قائلاً : «وهبني يا إلهي صبرت على حر نارك فكيف أصبر عن النظر الى كرامتك».
وقد يبدو التساؤل واضحاً عن عدم التناسق في هذا التدرج بين هاتين الجملتين فبعد أن يفرض الداعي أنه وطن نفسه وصبر على تحمل حر نار جهنم فما معنى إستفهامه الإِنكاري عن أنه كيف يسكن في النار فلماذا ، وكيف حصل هذا التحول؟
وفي عرضنا للجواب عن ذلك نقول :
الظاهر ان المراد من تحمل الداعي ، وصبره على حر نار جهنم في الجملة الأولى هو تحمله للمدد المحدودة المؤقتة لو كان عقابه يقضي ببقائه فيها مدة معينة ن ويفهم ذلك من قوله في الجملة الثانية «أم كيف أسكن» حيث يظهر من ذلك السكنى الدائمية ، ولذلك فهو لا يطيق البقاء الدائمي في النار لو فرض نفسه متحملاً ، وصابراً على البقاء لمدد معينة. وبهذا يتم التناسق الداعي بين هاتين الجملتين من الصبر على حر ناره ، وعدم طاقته على السكنى فيها.
واذا ما عدنا الى هذه الفقرة من الدعاء : «أم كيف أسكن في النار ورجائي عفوك» لرأينا الداعي محقاً في إستفهامه الإِنكاري في سكناه في النار مع أنه يقف بين يدي ربٍ رحيم يرجو عفوه ، ولا
يتخلف عن اجابة من دعاه ، بل ول ايخيب من رجاه. والداعي لا يذهب بالشوط بعيداً لو تعجب عن أنه كيف يسكن في النار ، ورجاؤه متعلق بربه اليس هو القائل ـ كما جاء عن الإِمام أبو عبد الله الصادق عليه في حديث له ـ.
«إن الله تبارك وتعالى يقول :
وعزتي ، وجلالي ، ومجدي ، وإرتفاعي على عرشي ، لأقطعن أمل كل مؤملٍ من الناس غيري ، ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس ، ولأنحينه من قربي ، ولابعدنه من فضلي.
أيؤمل غيري في الشدائد ، والشدائد بيدي ، ويرجو غيري؟
ويقرع بالفكر باب غيري ، وبيدي مفاتيح الأبواب ، وهي مغلفة وبابي مفتوح لمن دعاني؟
فمن ذا الذي دعاني لنوائبه فقطعته دونها؟
ومن ذا الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجاءه مني؟
جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي.
وملأت سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي ، وأمرتهم أن لا يغلقوا الأبواب بيني ، وبين عبادي فلم يثقوا بقولي.
الم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحد غيري إلا من بعد إذني؟
فما لي أراه لاهياً عني؟
أعطيته بجودي ما لم يسألني ثم إنتزعته عنه فلم يسألني رده وسأل
غيري.
أفيراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة ، ثم أسأل فلا أجيب سائلي؟
أبخيل أنا فيبخلني عبدي؟
أوليس الجود والكرم لي؟
أوليس العفو والرحمة لجيدي؟
أوليس أنا محل الآمال فمن يقطعها دوني؟
أفلا يخشى المؤملون أن يؤملوا غيري؟
فلو أن أهل سماواتي ، وأهل أرضي أملوا جميعاً ، ثم أعطيت كل واحدٍ منهم مثل أمل الجميع ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرة.
وكيف ينقص ملك أنا قيمه؟
فيا بؤساً لقانطين من رحمتي.
ويا بؤساً لمن عصاني ، ولم يراقبني(١) .
إن هذا العتاب الهادئ بما فيه من رقة الحديث بين الرب وعبده هو الذي يدفع بالداعي أن يعجب من شدة العقوبة اذا كانت جرائمه تقتضي الحكم عليه بسكن النار.
«فمن ذا الذي دعاني لنوائيه فقطعت دونها»؟
«ومن ذا الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجاءه مني»؟
__________________
(١) مرآة العقول للشيخ المجلسي : ٨ / ٢٥ ـ ٢٧ / منشورات دار الكتب الإِسلامية / طهران.
وها هو يرجوه أن يتجاوز عنه بعد أن جاءه إنساناً تائباً نادماً على ما صدر منه.
ولماذا يخشى الرد من ربٍ يقول :
أبخيل أنا فيبخلني عبدي؟
أوليس الجود والكرم لي؟
أوليس العفو والرحمة بيدي؟
وهكذا ينساب العتاب رقيقاً فيقف الداعي منكسراً امام مصدر القوة ، والعظمة.
أمام مصدر القهر والغلبة.
فبماذا يجيب إن طرق باب غيره أو ذهل فلم يقصد رحابه راجياً؟
ولذلك نرى الدعاء يوجه الداعي الى أن يقتحم هذا البحر الفياض من العفو ، وينعم بهذه الرحمة الأهلية ، فلا يبالي بنوعية الذنب ما لم يكن تجاوزاً على حقوق الآخرين بعد ان كان هو محل الآمال وهو الجواد الكريم.
إن هذا النوع من الرجاء ليجعل من الداعي إنساناً حذراً من الوقوع في المخالفات مرة أخرى ، ذلك لأن الله لم يغلق الباب في وجهه ليحصل له اليأس من روح الله ، واذا به ينقلب إنساناً منتقماً شريراً ، وعضواً فاسداً في المجتمع ، بل هو إنسان ملأ الرجاء قلبه فكان وديعاً راجياً يأمن منه كل أحد ، فلا يرى للرذيلة بعد ذلك ملجأً ، ولا لما نهى الله عنه مسلكاً.
١٦ ـ فَبِعِزَّتِكَ يا سَيِّدى ، وَمَوْلايَ اُقْسِمُ صادِقاً لَئِنْ تَرَكْتَني ناطِقاً لاَضِجَّنَّ اِلَيْكَ بَيْنَ اَهْلِها ضَجيجَ الاْمِلينَ ، ولأصرخنّ اِلَيْكَ صُراخَ الْمَسْتَصْرِخينَ ، ولأبكين عَلَيْكَ بُكاءَ الْفاقِدينَ ، ولأُنادينك اَيْنَ كُنْتَ يا وَلِيَّ الْمُؤْمِنينَ. يا غايَةَ آمالِ الْعارِفينَ يا غِياثَ الْمُسْتَغيثينَ. يا حَبيبَ قُلُوبِ الصّادِقينَ ، وَيا اِلهَ الْعالَمينَ.
اَفَتُراكَ سُبْحانَكَ يا اِلهى ، وَبِحَمْدِكَ تَسْمَعُ فيها صَوْتَ عَبْدٍ مُسْلِم سُجِنَ فيها بِمُخالَفَتِهِ ، وَذاقَ طَعْمَ عَذابِها بِمَعْصِيَتِهِ ، وَحُبِسَ بَيْنَ اَطْباقِها بِجُرْمِهِ وَجَريرَتِهِ ، وَهُوَ يَضِجُّ اِلَيْكَ ضَجيجَ مُؤَمِّل لِرَحْمَتِكَ ، وَيُناديكَ بِلِسانِ اَهْلِ تَوْحيدِكَ ، وَيَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِرُبُوبِيَّتِكَ. يا مَوْلايَ فَكَيْفَ يَبْقى فِي الْعَذابِ وَهُوَ يَرْجُو ما سَلَفَ مِنْ حِلْمِكَ؟ اَمْ كَيْفَ تُؤْلِمُهُ النّارُ ، وَهُوَ يَأْملُ فَضْلَكَ وَرَحْمَتَكَ. اَمْ كَيْفَ يُحْرِقُهُ لَهيبُها ، وَاَنْتَ تَسْمَعُ صَوْتَهُ وَتَرى مَكانَه؟ اَمْ كَيْفَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ زَفيرُها ، وَاَنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفَهُ؟ اَمْ كَيْفَ يَتَقَلْقَلُ بَيْنَ اَطْباقِها ، وَاَنْتَ تَعْلَمُ صِدْقَهُ؟ اَمْ كَيْفَ تَزْجُرُهُ زَبانِيَتُها ، وَهُوَ يُناديكَ يا رَبَّهُ؟ اَمْ كَيْفَ يَرْجُو فَضْلَكَ
في عِتْقِهِ مِنْها فَتَتْرُكُهُ فيها؟ هَيْهاتَ ما ذلِكَ الظَّنُ بِكَ ، وَلاَ الْمَعْرُوفُ مِنْ فَضْلِكَ ، وَلا مُشْبِهٌ لِما عامَلْتَ بِهِ الْمُوَحِّدينَ مِنْ بِرِّكَ ، وَاِحْسانِكَ. فَبِالْيَقينِ اَقْطَعُ لَوْ لا ما حَكَمْتَ بِهِ مِنْ تَعْذيبِ جاحِديكَ ، وَقَضَيْتَ بِهِ مِنْ اِخْلادِ مُعانِدِيكَ لَجَعَلْتَ النّارَ كُلَّها بَرْداً وَسَلاماً ، وَما كانَت لِاَحَدٍ فيها مَقَرّاً وَلا مُقاماً. لكِنَّكَ تَقَدَّسَتْ اَسْماؤُكَ اَقْسَمْتَ اَنْ تملأها مِنَ الْكافِرينَ مِنَ الْجِنَّةِ ، وَالنّاسِ اَجْمَعينَ ، وَاَنْ تُخَلِّدَ فيهَا الْمُعانِدينَ. وَاَنْتَ جَلَّ ثَناؤُكَ قُلْتَ مُبْتَدِئاً وَتَطَوَّلْتَ بالإنعام مُتَكَرِّماً : اَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ.
ويشتمل هذا الفصل على ثلاثة مقاطع من الدعاء.
يبدأ المقطع الأول من قوله : «فبعزتك يا سيدي ، ومولاي أقسم صادقاً» وينتهي بقوله : «يا حبيب قلوب الصادقين ويا إله العالمين».
وفي هذا المقطع نرى الداعي يخرج فيه عن هدوئه ، واتزانه ليعلن لربه بأنه سينزع عن كتفيه لباس المسكنة ، ويخرج عن طوره. فيجعل من جهنم منبراً لإِظهار جزعه مستعملاً لذلك كل عوامل الضجيج ، والفزع صارخاً باكياً مستغيثاً ليجلب بهذه الطريقة عطف الله عليه ، وليؤكد له تعالى بأن آماله في التجاوز عنه لم تنقطع حتى ولو أدخل في جهنم ، وحكم عليه فيها بالبقاء مقدار المدة المحكوم بها عليه.
أما المقطع الثاني من هذا الفصل فيبدأ من قوله : «أفتراك سبحانك يا إلهي وبحمدك تسمع فيها صوت عبدٍ مسلم» وينتهي بقوله : «هيهات ما ذلك الظن لك ، ولا المعروف من فضلك».
وفي هذا المقطع نرى الدعاء يركز على أن الداعي مخالف لا منكر ومشكر. ولذلك يطالبه بالعفو ، والإِحسان ، ويترفع عن أن يحشر مع الملحدين ، والمشركين. فهو عبد مسلم يتوسل اليه بلسان الموحدين ويقسم عليه بربوبيته. وهذه مزاياً تميزه عن أولئك الذين حقت عليهم كلمة العذاب الدائم ، وهم الذين أخذ الله على نفسه عهداً أن لا يغفر لهم لأنهم أشركوا به ، ولم يوحدوه.
واما المقطع الثالث : فيبدأ من قوله «فباليقين أقطع لو لا ما حكمت به من تعذيب جاحديك» ، ويختم بقوله : «أفمن كان مؤمناً كمن كان كافراً لا يستوون».
وبإمكاننا أن نستفيد من استعراض هذا المقطع مطلبين أشار لهما الدعاء في عرضه السريع.
المطلب الأول : موضوع خلود المعاندين ، والجاحدين لله عز وجل في النار ، وعدم تحديد مدة بقائهم فيها.
المطلب الثاني : شمول العذاب لفصائل الجن كما هو الحال بالنسبة إلى الإِنس نتيجة مخالفاتهم في دار الدنيا.
ولكن ما هي الحقيقة لفصائل الجن ، وما هي نوعية التكاليف الموجهة لهم ، وكيف تحصل المخالفة منهم؟
كل ذلك لم تتعرض له فقرات الدعاء في هذا الفصل.
وللوقوف على حقيقة ذلك كله لا بد من اللجوء الى مصادر أخرى غير الدعاء.
والآن من الاجمال الى التفصيل في هذه المقاطع الثلاثة :
«فبعزتك يا سيدي اقسم صادقاً لئن تركتني ناطقاً لاضن اليك بين أهلها ضجيج الآملين ، ولاصرخن اليك صراخ المستصرخين ، ولابكين عليك بكاء الفاقدين».
وعندما يناجي الداعي ربه ، ويقول له «أقسم صادقاً» يعلم انه يناجي رباً مطلعاً على ما في ضميره من صدق نيته ، واقدامه على ما يقول لو تركه الله ناطقاً بعد دخوله النار ، فيقيم جهنم ، ويقعدها من جزعه ، وضجيجه ، وصراخه ، ويطلب العفو منه ، ويتضرع اليه ومن هذه الفقرة في قوله : «لئن تركتني ناطقاً» يظهر لنا أن المعذبين ليس لهم القدرة على النطق لقوله : «لئن تركتني». أي أن نطقي هناك معلق على إذن ربي ، والتعليق المذكور يأتي نتيجة لأحد أمرين!
الأول : ان عدم النطق لأن النار كما يصرح القرآن الكريم :
( وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ) (١) .
واذا كان الماء الذي طريق دخوله الى الجوف من الفم يشوي الوجوه من شدة حرارته ، ولهبه فكيف بالحلق ، واللسان؟ واين
__________________
(١) سورة الكهف : آية (٢٩).
للمذنب حينئذٍ من لسان ينطق به؟ لو كان ممن حكم عليه أن يكون في جهنم ولذلك يناجي ربه بانه : «لو تركه ناطقاً» لضج اليه ، ولصرخ وبكى ، وأعول.
الأمر الثاني : ان نقول : أن عدم النطق في النار إنما هو لاجل ما يصاب به الداعي من الحيرة ، والذهول مما يرى حوله ، وبه. فهو معقود اللسان قد أخذت الآلام الجسدية ، والنفسية عليه مسالك التفكير والتكلم ، لهذا يقول لربه «لئن تركتني ناطقاً» ، ومننت علي بهذه النعمة لتكون الوسيلة لبيان شكواي ، وتضرعي ، وألمي. أما «بكاء الفاقدين» فإنه بمقتضى الطبع يكون آلم لأن أمّاً فقدت وحيدها يكون نوحها أشجى ، وهي الثكول. وللشعراء على ذلك مقاطع شعرية حزينة تعبر عن مدى تأثر الفاقد عندما يبكي على فقيده.
«ولأنادينك أين كنت يا ولي المؤمنين؟».
الولي : يطلق على عدة معاني منها :
المحب ، والصديق ، والنصير ، والمعتق ، والإِمام باعتباره ولي من ولا ولي له(١) .
والمراد من الولي في هذه الفقرة هو الناصر كما يتضح ذلك من الشرح.
أما المؤمن : فهو من اتصف بالإِيمان. وللعلماء أقوال في حقيقة
__________________
(١) أقرب الموارد وغيره من كتب اللغة : مادة (ولي).
الايمان نذكر منها سبعة :
الأول : ما ذهب اليه المتكلمون من الإِمامية ، وغيرهم ، واليه ذهب المحقق الطوسي ، وهو التصديق بالقلب فقط ، وإن اختلفوا في معنى التصديق على تفصيل لا مجال للتعرض اليه.
الثاني : ما ذهب اليه المحقق الطوسي أيضاً في التجريد من أنه : التصديق بالقلب ، والإِقرار باللسان.
الثالث : ما ذهب اليه الشيخ المفيد ، وجماعة من محدثي بقية المذاهب ومن الإِمامية أيضاً من أنه : التصديق بالقلب ، والإِقرار باللسان والعمل بالأركان أي الاعمال المفروضة.
الرابع : قول قدماء المعتزلة ، وجماعة أخرى من العلماء أنه : عبارة عن جميع أفعال الجوارح من الطاعات بأسرها ، الواجبة والمستحبة.
الخامس : قول اكثر المعتزلة من أنه : فعل الطاعات المفروضة ، وترك المحذورات.
السادس : ما ذهب اليه الكرامية من أن الإِيمان كلمة الشهادة من دون اعتبار التصديق ، وسائر الأعمال الجوارحية.
السابع ؛ قول طائفة من العلماء ، ومنهم أبو حنيفة أنه : عبارة عن التصديق مع كلمتي الشهادة(١) .
ومن بين هذه الأقوال لا مجال للأخذ بالقول السادس منها وهو
__________________
(١) لاحظ كتاب اسرار العارفين حيث تناول الموضوع بشكل مفصل ص (١٠٠).
الذي تقول به الكرامية من الاكتفاء بكلمتي الشهادة من دون اعتبار للتصديق ، وسائر الأعمال الجوارحية.
ان هذا الرأي يرده صريح الآية الكريمة في قوله تعالى :( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (١) .
إن الاكتفاء بكلمتي الشهادة ليس هو الإِيمان ، بل هو علامة من علامات الإِسلام وان من قال هاتين الكلمتين ترتب عليه آثار الإِسلام من إحترام ماله ، ودمه ، وعرضه. أما اعتباره مؤمناً فان الآية فرقت بين هذين المفهومين : الإِيمان ، والإِسلام ، وأما الاقوال الستة الباقية : فبالامكان القول بانه لا تنافي فيما بينها ، وان كان لا بد من اختيار القول الأول منها. وهو ان حقيقة الإِيمان هو التصديق بالقلب فقط. وأما الإِقرار باللسان ، أو أعمال الجوارح ، وما شاكل من هذه الأمور فانها عوامل تنبيء عن حصول الإِيمان بالقلب ، فمن قال كلمتي الشهادة ، وكانت أعماله الجوارحية مظهرها العمل بالطاعات ، والقيام بما تفرضه الشريعة المقدسة فان من ذلك يعلم أن التصديق حاصل لمثل هذا الشخص. وإلا فان الإِيمان الحقيقي لا يتعدى التصديق بالقلب بالله ، وبرسوله ذلك التصديق الذي لا يرد عليه شك ، ولا ارتياب ، التصديق المطمئن الثابت المستقر الذي لا يتزعزع ، ولا يضطرب ولا تهجس فيه الهواجس ، ولا يتلجلج فيه القلب والشعور.
__________________
(١) سورة الحجرات : آية (١٤).
«يا غاية آمال العارفين».
أطنب بعض الشراح للدعاء في بيان صفات العارفين ، والفرق بينه ، وبين الزاهدين ، والعابد فعرف :
الزاهد : بانه من أعرض عن متاع الدنيا ، وطيباتها. وأما :
العابد : فهو المواظب على فعل العبادات من الصلاة ، والصيام ، وغيرهما.
وأما العارف : فهو المنصرف بفكره الى قدس الجبروت مستديماً لشروق نور الحق في سره»(١) .
وقد نقل عن صدر المتألهين : بان العارف هو : من أشهده الله تعالى ذاته ، وصفاته ، وأفعاله(٢) .
وقال الشيخ الرئيس : والعارفون المتنزهون إذا وضع عنهم درن مقارنة البدن ، وانفكوا عن الشواغل خلصوا إلى عالم القدس ، والسعادة ، وانتفشوا بالكمال الأعلى ، وحصلت لهم اللذة العليا. وقد عرفتها»(٣) .
وقد تصدى الحاجة نصير الدين الطوسي ، والفخر الرازي في شرحيهما الى شرح ما جاء عن الشيخ الرئيس بما لا مجال الى نقله(٤) .
__________________
(١) أسرار العارفين (١١٣).
(٢) شرح دعاء كميل للقاضي السبزواري ص / ١٦٩.
(٣ ـ ٤) شرحاً الإِشارات الحاجة ، والرازي : ٢ / ٩٦.
ومهما قيل في تعريف العارف فالدعاء في هذه الفقرة يقصد أولئك الذين عرفوا الله حق معرفته وعرفوا فيه العظمة الإِلهية ، والقدرة اللامتناهية. ومن عرف الله حق معرفته خصه الله بعنايته ، ولطفه ولهذا ينادي الداعي ربه حيث وصفه بانه : «غاية آمال العارفين». أولئك الذين هم عالمون بحقيقته.
«يا غياث المستغيثين».
والغياث : هو الناصر ، واغاثه إغاثة ، أعانه ونصره. وأغاثهم الله كشف شدتهم(١) .
هذا ما تفسر به كتب اللغة مادة «أغاث» ولكنها من حيث التركيب وفي لسان الداعي تحمل معنىً آخر أرق من التعبير بالناصر.
ذلك : لأن هذا التعبير يستعمله العرف عند وقوع الإِنسان في الشدة بحيث تغلق عليه ، وبوجهه كافة الأبواب ، فيستغيث تماماً كما هو الحال في السفن الغريقة عندما تصدر اشارة الغوث بطلب النجدة لإِنقاذها اذا حل فيها العطب ، وبدأت في الغرق.
ويصور الداعي نفسه ، وقد انسدت عليه المسالك فلا ملجأ له إلا الله ، ولا مغيث له في محنته إلا رحمته.
«يا حبيب قلوب الصادقين».
قيل في تفسير الحبيب أنه : يكون بمعنى الفاعل ، وبمعنى المفعول.
__________________ ـ
(١) لسان العرب : مادة (غوث).
فمرة يقال : انه عز وجل حبيب لقلوب الصادقين ، وهم الذين صدقوا به ، ودخلوا في دينه فالحبيب يقصد به المحبوب أي من أحبه الناس.
ومرة يقال : انه تعالى هو الذي يحب تلك القلوب التي صدقت به وآمنت به وبرسوله ، وبدينه.
وعلى كلا التقديرين : يفرض الداعي نفسه من الذين صدقوا بالله واخلصوا النية على ذلك ، وان ما صدر منه لن يعود اليه ، وهو صادق في دعواه تلك.
«ويا إله العالمين».
وهكذا تتوالى نداءآت الاستغاثة ، وطلب العون منه تعالى. فهو غياث المستغيثين به ، وهو حبيب قلوب المصدقين به ، وهو بعد كل ذلك «إله العالمين».
والعالم. بالفتح هو : الخلق كله.
«أفتراك سبحانك يا إلهي وبحمدك تسمع فيها صوت عبدٍ مسلم سجن فيها بمخالفته»
ومن هنا يبدأ الدعاء بالمقطع الثاني حيث يشرع الداعي بتثبيت ان جرمه لم يكن من النوع الذي يقبل المغفرة ، وهو الشرك ، والإِلحاد بربوبيته تعالى ، بل هو من النوع الذي يقبل التخفيف ، والعفو. وقد المح الدعاء الى هذه الجهة بقول الداعي مخاطباً ربه «تسمع فيها صوت عبدٍ مسلم سجن فيها بمخالفته» فهو وحتى تلك اللحظة التي يكون فيها في النار يعبر عن نفسه بانه «مسلم» وليس
بمشرك لا يغفر له.
ومن العرض السريع في فقرات الدعاء للمقطعين الأول ، والثاني من هذا الفصل تظهر لنا صورة التدرج من الأعلى الى ما هو دون تلك المرتبة في إطلاق الداعي على نفسه صفة الإِيمان أولاً :
ومن ثم سمة الإِسلام ، فهو فيما سبق هذه الفقرة يخاطب ربه بالتعبير قائلاً : «اين كنت يا ولي المؤمنين».؟
وطبيعي أن الداعي هو فرد من أفراد أولئك الذين آمنوا بالله وبعظمته ، ولذلك ناداه بهذا النداء. أما هنا فقد عبر عن نفسه بانه مسلم سجن فيها بمخالفته. وقد بينا أن صفة الإِيمان أعلى من صفة الإِسلام لان كل مؤمن مسلم دون العكس ، فالإِيمان أضيق دائرة من ناحية القيدية من الإِسلام ، وبالمصطلح الاصولي بالامكان القول بان النسبة بين هذين المفهومين الايمان والاسلام هي العموم المطلق.
وقد استعمل الداعي هذا التدرج ليقول لربه :
بانني لو لم أعد من المؤمنين ، فلا أقل أنني مسلم لإِظهاري الشهادتين.
وأنك يا رب ليس لك شريك ، وان محمداً عبدك ، ورسولك.
وللمسلم حرمته ، وهي تنبع من حرمة الإِسلام ، فليس للداعي أن يترك التشبث بهذه الوسيلة ، ولسانه يردد كلمة «لا إله إلا الله».
أما تركيب جملة «أفتراك سبحانك» فقد تقدم نظيرها في قوله : «يا إلهي وسيدي وربي أتراك معذبي بنارك بعد توحيدك» وذكرنا الوجوه في مثل هذا الاستعمال.
«وذاق طعم عذابها بمعصيته ، وحبس بين أطباقها بجرمه ، وجريرته».
ومن الواضح ان الضمائر المتعاقبة في قوله «عذابها ، واطباقها» تعود الى جهنم. وقد تناولت الآيات الكريمة ، والاخبار الشريفة نار جهنم ، وصفاتها ، ونوعية العذاب الذي يجري فيها. فمن عذابها ما جاء في قوله تعالى :
( سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ) (١) .
( فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) (٢) .
( إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ) (٣) .
__________________
(١) سورة النساء : آية (٥٦).
(٢) سورة الحج : آية (١٩ ، ٢١).
(٣) سورة المؤمن : آية (٧١).
والآيات في هذا الباب كثيرة وقد صورت لنا جهنم بما يشيب لسماعه الطفل ، ويخاطب الداعي ربه متعجباً بانه كيف يسمع ويرى عبده المسلم ، يتحمل هذه الآلام ويتجرع هذا التعذيب.
«وهو يضج اليك ضجيج مؤملٍ لرحمتك ويناديك بلسان أهل توحيدك ويتوسل اليك بربوبيتك».
ويضج الداعي ، وهو مؤمل لرحمة ربه ، ولو كان في جهنم «فلا تقنطوا من رحمة الله» مطلق ، ولم يقيد بدار الدنيا ، أو الآخرة ، بل النداء عام لجميع العباد( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ) (١) .
شامل للدارين ، فعلى العبد أن لا يقطع رجاءه من الله عز وجل.
إلهي ، وكيف يقطع رجاءه ، وهو يناديه بلسان أهل توحيده من التسبيح بحمده ، والتهليل له ، وتكبيره ، وتعظيمه ، وكلها صفات لا ينطق بها لسان مشرك ، ولا يعترف بها من لا يقول : «لا إله إلا الله».
ويتوسل ، ويجعل الوسيلة له : تصديقه بربوبيته ، واعترافه بانه «إله العالمين» ، ورب الأرباب ، وهو خالق كل شيء ، وهو القدير ، وهو الفعال لما يشاء.
«يا مولاي فكيف يبقى في العذاب وهو يرجو ما سلف
__________________
(١) سورة الزمر : آية (٥٣).
من حلمك أم كيف تؤلمه النار وهو يأمل فضلك ورحمتك أم كيف يحرقه لهيبها وأنت تسمع صوته وترى مكانه».
وفي مناجاة الداعي مع ربه بهذه الفقرات يوجه الدعاء مسيرة التعطف الى استعمال القاعدة العرفية ، والممضاة من قبل الشارع المقدس نفسه ، والتي يطلق عليها بعملية الاستصحاب حيث يبقى الإِنسان ما كان على ما كان ما لم يتغير الموضوع في الزمانين. ويأتي استفهام الداعي بقوله :
«فكيف يبقى في العذاب». تطبيقاً لهذه القاعدة ، فإن العبد قد تعود من حلم الله ما جرأه على الأقدام على الذنب. وإذاً فهو يطالب بذلك الحلم ، والاعضاء السابق من رب جليل على عبد مذنب ، والموضوع هو نفسه لم يتغير.
عبد تجرأ على ربه ، وقد ساقه على ذلك ستر ربه المرخى عليه ذلك الستر الذي نوه عنه أمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب ، (عليه السلام) وهو يناجي ربه بقوله :
«فوعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي إياك مخالفتك ، ولا عصيتك إذ عصيتك ، وأنا بمكانك جاهل ، ولا لعقوبتك متعرض ، ولا بنظرك مستخف ، ولكن سولت لي نفسي ، واعانني على ذلك شقوقي وغرني سترك المرخى علي فعصيتك وخالفتك بجهدي»(١) .
وهذا الستر هو فضل الله على عبده بالاعضاء عن سيئاته.
__________________
(١) فقرات من مناجاة أمير المؤمنين في صلاة الليل.
واذاً فأين حلمك يا رب ، ولماذا أعرضت بوجهك الكريم عني؟.
وهل لمن كان فضلك ، ورحمتك أمله الوحيد ، ومورده الذي يرتوي منه أن تؤلمه النار ، أو يحترق بلهيبها ، وهو بمسمع ، ومرأىً منك تراه يتألم ، ويتضور ، ويجزع ، وأنت ربه ، وهو عبدك ، وأنت مقصده ، وهو ضيفك.
«أم كيف يشتمل عليه زفيرها ، وأنت تعلم ضعفه».
زفر الرجل زفيراً : أخرج نفسه بعد مدٍ إياه ، والنار سمع صوت لتوقدها(١) .
ويأتي لزفير جهنم ذكر في القرآن الكريم في قوله تعالى :( إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ) (٢) .
ونقف أمام هذا التصوير : منظر النار ، وهي تستقبل ضيوفها بتغيظ ، وزفير فعن عبيد بن عمير قال : «إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ، ولا نبي مرسل إلا ترعد فرائصه»(٣) .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن كعب قال : «إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين ، والآخرين في صعيدٍ واحد ، ونزلت الملائكة صفوفاً فيقول الله لجبرئيل : إئت بجهنم ، فيأتي بها تقاد
__________________
(١) أقرب الموارد : مادة (فرض).
(٢) سورة الفرقان : آية (١٢).
(٣) الدر المنثور للسيوطي : ٥ / ٦٤.
بسبعين الف زمام. حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق ، ثم تزفر زفرة ثانية ، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل الا جثى لركبتيه. ثم تزفر الزفرة الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر ، وتذهل العقول ، فيفزع كل امرئٍ الى عمله حتى أن إبراهيم الخليل «عليه السلام» يقول : بخلتي لا أسألك إلا نفسي».
ويقول موسى «عليه السلام» : بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي ، ويقول عيسى «عليه السلام» بما اكرمتني لا أسألك إلا نفسي. لا أسألك مريم التي ولدتني ، ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : أمتي أمتي. لا أسألك اليوم نفسي. فيجيبه الجليل جلاله : ألا أن أوليائي من أمتك لا خوف عليهم ، ولا هم يحزنون. فوعزتي ، وجلالي لأقرن عينك في أمتك ثم تقف الملائكة بين يدي الله ينتظرون ما يؤمرون»(١) .
إلهي فكيف بهذا البدن الضعيف أن يقف أمام هذه الأموال اذا كان مثل ابراهيم خليل الله ينادي لا أسألك الا نفسي؟
«أم كيف يتقلقل بين أطباقها وأنت تعلم ضعفه».
قرئت : (يتقلقل) بالقاف ، كما وقد قرئت (يتغلغل) بالغين وقلقل بالقاف : الشيء حركه ، فكان له صوت.
وغلغل بالغين : الرجل أسرع في مشيه(٢) .
__________________
(١) الدر المنثور للسيوطي : ٥ / ٦٤.
(٢) اقرب الموارد : مادة (قلقل ، وغلغل).
والمعنى على القراءة الأولى : هو أنه كيف ينتقل العبد بين أطباق جهنم بأهوالها ، وحرها ، وزفيرها ، وسعيرها ، وانت تعلم صدقه في دعائه والتجائه اليك.؟
وأما على القراءة الثانية : فالمراد أنه كيف يُسرَ به الى نار جهنم بين أطباقها.
وربما كان المراد من التغلغل هو كيف يتقلب بين أطباقها ، وهو مغلغل بالسلاسل كما تصوره الآية الكريمة في قوله تعالى :( إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ) (١) .
أما الأغلال فهي : أطواق الحديد تجعل في الأعناق ، وهكذا السلاسل تشد بها أيديهم الى أعناقهم ، وهم يسحبون في جهنم.
وعن ابن عباس قوله : «يسحبون في الحميم ، فيسلخ كل شيء عليهم من جلد ، ولحم ، وعرق حتى يصير في عقبه»(٢) .
«أم كيف تزجره زبانيتها وهو يناديك يا ربه».
الزجر : هو المنع ، والنهي ، والانتهار.
أما الزببانية : فهم الذين يزبنون الناس أي يدفعونهم.
وقال قتادة : الزبانية ، عند العرب الشرطة ، وكله من الدفع وسمي بذلك بعض الملائكة لدفعهم أهل النار فيها.
__________________
(١) سورة المؤمن : آية (٧١).
(٢) الدر المنثور للسيوطي : ٥ (٣٥٧) الناشر محمد أمين.
وقال الزجاج : الزبانية : الغلاظ الشداد ، وهم هؤلاء الملائكة الذين قال تعالى عنهم( عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ ) (١) .
وقد جاء في الأخبار ذكر صور مرعبة للزبانية ، وفي التعبير عنهم في الآية الكريمة بقوله تعالى :( غِلَاظٌ شِدَادٌ ) ما يكفي لبث الرعب في النفس ، وهي تتغلغل بين أطباق جهنم تنهره مثل هذه الملائكة فهل لمن ينادي : يا رب ، ويلجأ اليه أن يكون مصيره الانتهار ، والطرد من هؤلاء الملائكة الغلاظ الشداد؟
«أم كيف يرجو فضلك في عتقه منها فتتركه فيها».
وليس الرجاء من الداعي مجرد طلب ، والتماس ، بل هو مطالبة بما وسم به تعالى نفسه من أنه لا يجيب رجاء من رجاه ، ولا يترك من قصده يأمل فضله لذلك نرى الداعي يعود ليقول :
«هيهات ما ذلك الظن بك ، ولا المعروف من فضلك».
والتعبير بقوله : «ما ذلك الظن بك» كلمة يستعملها الإِنسان في مقام معاتبة من يريد توجيه العتاب اليه ، وهكذا ما عطف على هذه الجملة من قوله : «ولا المعروف من فضلك».
وإلا فان الداعي يقطع بان ذلك الحكم التأديبي عليه من قبل الله ليس فيه حيف ، أو ميل عليه ، بل هو مقتضى ما عمله من المخالفات ، ولكنه يغالط نفسه ، فيركن الى حلم الله ، وعفوه
__________________
(١) لسان العرب : مادة (زجر ، وزيخه).
ولطفه ، وفضله ليتملق اليه ، والرجاء رائده الى ما يبتغيه من المغفرة.
«ولا مشبه لما عاملت به الموحدين من برك وإحسانك».
وقد فرض الداعي نفسه في هذه الفقرة أحد مصاديق هذه الكبرى فهو موحد وليس بمشرك وكل موحد ينال من لطف الله ، وإحسانه ما ينجيه من نار جهنم ، فاذاً لا بد من أن يكون مشمولاً لهذا الفيض أما أنه يبقى في العذاب ، فهذا لا يشبه ما تفضل به الله ، وعامل موحديه.
«فباليقين أقطع لو لا ما حكمت به من تعذيب جاحديك وقضيت به من اخلاد معانديك لجعلت النار برداً وسلاماً ولما كان لاحدٍ فيها مقراً ولا مقاماً».
وبهذه الفقرات من الدعاء يبدأ الداعي المقطع الثالث من هذا الفصل.
وقد بينا أنه يحتوي على التعرض الى مطلبين كان المطلب الأول منهما في بيان : من يخلد في النار ، ومن التعبير بلفظ «جاحديك ومعانديك» يظهر لنا ان من كان على علمٍ بمخالفته لله في أمر الربوبية ، أو ما يعود الى أمر الربوبية ، فهو خالد في النار ذلك لأَن الجحود : في اللغة هو : الإِنكار مع العلم بذلك الشيء كما أن :
العناد : هو المعارضة بالخلاف ، وأن المعاند أن يعرف الرجل
الشيء فيأباه ، ويميل عنه(١) .
بهذا المقدار من الوصف يتعرض الدعاء الى من يخلد في النار.
أما أصل الخلود : ولمن يكون من المخلوقين فإنا نهرع الى القرآن الكريم لننهل من فيضه.
لقد تعرضت آيات عديدة الى موضوع الخلود في النار ، ولربما جاوزت الثلاثين آية(٢) .
__________________
(١) لسان العرب مادة : جحد ، وعند.
(٢) وهي في سورة البقرة الآيات التالية : ٣٩ ، ٨١ ، ١٦٣ ، ٢١٧ ، ٢٥٧ ، ٢٧٥.
وفي آل عمران الآيات : ٨٨ ، ١٦٦.
وفي النساء الآيات : ١٤ ، ٩٣ ، ١٦٩.
وفي المائدة : آية : ٨٠.
وفي الانعام : آية (١٢٨) ، وفي الأعراف : آية (١٣٦) ، وفي التوبة : الآيات (١٧ ، ٦٣ ، ٦٨) ، وفي يونس : الآيات (٢٧ ، ٥٢) ، وفي الرعد : آية (٥) ، وفي طه : آية (١٠١) ، وفي الأنبياء : آية (٩٩) ، وفي المؤمنين : آية (١٠٣) ، وفي الفرقان : آية (٦٨) ، وفي النمل : آية (٢٩) ، وفي السجدة : آية (١٤) ، وفي الأحزاب : آية (٦٥) ، وفي الزخرف : آية (٧٣ ، ٧٤) ، وفي المؤمن : آية (٧٠) ، وفي المجادلة : آية (١٧) ، وفي الحشر : آية (١٧) ، وفي التغابن : آية (١٠) ، وفي الجن : آية (٢٣) ، والبينة : آية (٦).
وعند استعراضنا لمجموع الآيات نرى الكثير منها يصرح بان الخلود في النار هو جزاء من كفر بالله ومن هذا القسم ما جاء في قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ) (١) .
وبهذا النحو من التصريح جاءت عدة روايات :
أما القسم الآخر فقد حكمت بالخلود ، ولكنها على غير الكفار بحسب ظاهر هذه الآية ، وهذه على أقسام :
فمنها : ما صرح بالخلود على من قتل نفساً محرمة ، وذلك في قوله عز وجل :( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ) (٢) .
ومنها قوله تعالى :( وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا ) (٣) .
فإن الآية الكريمة قد حكمت على من عصى الله ، ورسوله بهذا الجزاء وهناك آية أخرى حكمت على المرابين بالخلود في نار جهنم وذلك في قوله تعالى :
( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّـهُ
__________________
(١) سورة البينة : آية (٦).
(٢) سورة النساء : آية (٩٣).
(٣) سورة النساء : آية (١٣).
الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّـهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (١) .
وهكذا تتوالى الآيات ، ونراها تخبر عن ان الخلود في النار هو جزاء أشخاص لم يكونوا من الكفار بحسب تصريح القرآن(٢) . وبين يدي هذا النوع من الآيات الكريمة نقف لنرى ما يوجهه البعض من الاشكال على حدة الجزاء المفروض فيها ، والذي لم يفرق بين الكافر ، فجزاؤه نار جهنم ، وبين آكل الربا ، وهو مؤمن بالله ، فجزاؤه في نار جهنم خالداً فيها ، وهكذا من قتل النفس المحترمة ، وكذا من عصى الله. والعصيان مطلق في الآية يشمل كل مخالفة.
ويجتمع مع الإِيمان بالله ، وكذا من حاد الله ، ورسوله. في كل هذه الصور يفرض الشخص مؤمناً ، ويقوم بهذه الأعمال ، فإن جزاءه نفس الجزاء الذي يتلقاه الكافر وان في هذا الفرض من الشدة ، والغلظة ما لا يلتقي ، ورحمة الله ، وعدله. فاين اذاً حرمة الإِيمان به ، واين اذاً مزية التوحيد ، وعدم الشرك.؟
شبهة لا بد من الإِجابة عنها.
وبالفعل فقد أجيب عنها بعدة أجوبة :
الجواب الأول : أن الآيات الواردة في الخلود وان كان البعض
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٢٧٥).
(٢) لاحظ ما تقدم من تعرضنا لمجموع الآيات الواردة في مادة (خلد).
منها قد حكم بهذه الصفة على غير الكافر كالزاني ، وقاتل النفس ، وآكل الربا إلا ان من يتتبع موارد تلك الآيات يجد المبحوث عنه فيها هو : الكافر إضافة الى هذه الصفة الثانية ، فتكون صفة الخلود لدى النتيجة قد خص بها الكفار ، وعلى سبيل المثال ، فلنقف بين يدي الآية التالية ، وهي قوله تعالى :
( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) (١) .
وقد قيل فيها : أن الآية أخبرت عن خلود الزاني ، والقاتل للنفس المحترمة في النار كما يعطي ذلك قوله( وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ) .
ولكن الصحيح هو عدم ورود الأَشكال المذكورة ، وذلك لأن الآية بظاهرها تحدثت عن فئتين ، أو فئة واحدة بجانبيها السلبي والايجابي. فبدأت بالذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ، ولا يتعرضون لقتل النفس المحترمة ، ولا يتعاطون عملية الزنا فعطفتهم على ما سبق من الآيات حيث كانت تتحدث عن الذين اذا أنفقوا لم يسرفوا ، ولم يفتروا ، وعلى الذين يقولون( رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ) ، وهؤلاء هم :( وَعِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ) . وسياق الآيات هو مدحهم ، والتحدث عن محاسنهم.
وبعد ذلك بدأت في الأخبار عن ان من يفعل ذلك ، والاشارة في قوله «ذلك» الى ما سبق قريباً ، والمشار اليه من يتحلى بهذه
__________________
(١) سورة الفرقان : آية (٦٨).
الأوصاف وهي : من يدعو مع الله إلهاً آخر ، وما سبق قريباً وما لحق من الصفات فان لمثل هذا نار جهنم لانه يدعو مع الله إلهاً آخر ، ولاجل هذه الصفات المجتمعة فيه مع الشرك يضاعف له العذاب فالخلود للشرك ، والمضاعفة لهذه الصفات.
فلم تكن الآية قد أطلقت صفة الخلود على غير الكافر.
وبتعبير أوضح : يحمل قوله :( وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ) على فعل جميع الثلاثة : الشرك ، والقتل ، والزنا. لأن الآيات في الحقيقة تنزه المؤمنين عما كان الكفار مبتلين به ، وهو الجميع دون البعض.
وهكذا الحال في بقية الآيات حيث فسر فيها العصيان ، أو اكتساب السيئة ، أو بقية الصفات بالكفر ، أو كان موردها الكافر. وتكون النتيجة هي أن الآيات كلها أطلق الخلود فيها على الكفار تصريحاً ، أو بقرينة المورد ، والسياق.
الجواب الثاني : أن يفسر الخلود فلا يراد به البقاء الى ما لا نهاية كما يظهر من لفظ «خلد» انه : دام ، وبقي. بل يراد به المكث الطويل أعم من المنقطع ، والمؤبد. وحينئذٍ فيفرق بين الاثنين بحسب القرائن ليعرف المؤبد من المنقطع.
والجواب الثالث : أن يقال : أن هذه الآيات الكريمة حيث تطلق الخلود على من يعص الله ، ورسوله ، أو على من يتعد حدوده ، أو من كسب السيئات ، وهكذا فإن ذلك بيان لطبع المعصية وأنها بحسب النظرة الأولى تقتضي ذلك ، ولكن تخصص كل هذه الآيات بقوله تعالى :
( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) (١) .
فيحمل الخلود لمن أشرك على ما لا نهاية لانه لا يغفر ان يشرك به وأما الخلود عند قتل النفس ، وما شاكل من الصفات المذكورة فإنه محمول على الاقتضاء ، ويلحقه الغفران لانه وعد بانه عز وجل يغفر غير الشرك لمن يشاء ، وكل هذه الصفات من غير الشرك. فتكون الآية المذكورة مفصلة بين المقامين الشرك ، وغيره.
«لجعلت النار كلها برداً وسلاماً وما كان لأحدٍ فيها مقراً ولا مقاماً».
وقوله : «لجعلت النار» جواب لقوله : «لولا ما قضيت به من تعذيب جاحديك ، واخلاد معانديك».
أي لولا ما سبق في علمك ، وقضائك من خلق النار ، وجعلها جزاءً لمن أشرك بك ، وجحدك لجعلت النار برداً ، وسلاماً ، وما كان لأحدٍ فيها مكان استقرار.
وقد سبق هذا الاستعمال أن جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى :
( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ) (٢) .
والبرد : خلاف الحر. والسلام : كناية عن الراحة ، وعدم
__________________
(١) سورة النساء : آية (٤٨).
(٢) سورة الأنبياء : آية (٦٩).
الأذى ومنه سميت الجنة «دار السلام» أي : دار الراحة ، لعدم وجود أي أذىً ، ومزعج فيها بل فيها كل ما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين. ولذا كانت دار دعة ، واطمئنان. أما كيف تكون النار برداً ، وسلاماً على الناس فهل ذلك بإبدال حقيقتها ، وجعلها كالجنة ، مثلاً ، أو أنها نار ، ولكنها فاقدة الحرارة ، والتأثير؟
كل ذلك لم يظهر من الفقرة المذكورة كما جرى مثل هذا البحث في تفسير الآية المتقدمة في ابراهيم «عليه السلام».
فقيل فيها «أن الله سبحانه أحدث فيها برداً بدلاً من شده الحرارة التي فيها فلم تؤذه».
وقيل فيها : إن الله حال بينه ، وبينها فلم تصل إليه.
وقيل فيها : غير هذين الوجهين. والمهم ان الله سبحانه قطع على نفسه أن يخلق ناراً ، وان يعذب فيها جاحديه ، ومنكريه ، ويؤدب فيها من البشر من يتعدى على حقوق الآخرين ، فينصف المظلوم بتأديب ظالمه ولولا ذلك لكان الكل يتنعمون بروح الله ورويحانه ، وهم خليط من ظالم ومظلوم. وحينئذٍ فمتى ينال الظالم جزاءه ، وهذا خلاف العدل وبعيد عن الانصاف. لذلك كانت جهنم حداً لكل ذلك.
«لكنك تقدست أسماؤك أقسمت أن تملأها من الكافرين من الجنة والناس أجمعين».
قدس : طهر ، وتبارك. وتقدس : تطهر. والمراد وصف أسمائه بانها ، المطهرة ، والمباركة. وهذا نوع من التعظيم يمجد
الداعي به ربه ويمكن القسم منه تعالى في أن يملأ جهنم من الكافرين في الآية الكريمة :( قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) (١) .
يملأها من إبليس ، وشياطينه ، وكل من تبعه من الجن ، والإِنس.
ومن هذه الفقرة يأخذ الدعاء بتعرضه الى المطلب الثاني وهو اشتراك الجن ، والإِنس في الجزاء على ما يصدر من كلٍ منهم من الجرائم.
ومن هذا المنطلق لا بد لنا من التطرق الى حقيقة الجن ، وكيفية صدور الجرائم منهم ، وخلودهم في النار بعد ذلك كالإِنس فنقول :
الجن(٢) : من الجان(٢) والجان في اللغة هو : الساتر من قولك :
إذا جن الشيء أي : ستره.
والجن : مخلوق من مخلوقات الله مستور عن حواسنا كبشر ، وسمي بهذا الاسم لتواريه عن الأعين كما سمي الجنين جنيناً لهذا السبب لأنه متوارٍ عن الأنظار في بطن أمه.
وقد اختلفوا في حقيقته فقيل : كما عن الشيخ ابن سينا أنه :
حيوان هوائي يتشكل بأشكال مختلفة(٣) .
__________________
(١) سورة ص : آية (٨٥).
(٢) أقرب الموارد : مادة (جنن).
(٣) أسرار العارفين : ص (١٤١).
وقيل : أن الجن ليسوا أجساماً ، ولا جسمانية لهم ، بل هي موجودات مجردة مخالفة بالماهية للنفوس البشرية متعلقة بأجساد نارية وهوائية قادرة على التصرف في هذا العالم(١) .
والبحث عن الجن شأن بقية البحوث التي وقع النزاع فيها حيث ينتصر البعض لنفي وجود حقيقة الجن بينما يدلل الآخرون على وجودهم.
وعلى الأخص اذا كان موضوع النزاع كمثل موضوعنا ، والذي يكون البحث فيه عن وجودات ليست مرئية ، ومشاهدة للعين المجردة ، وحتى بكل وسائل التكبير لان القضية تعود لما وراء ما نعيش فيه من محيط.
والمهم : أن انكار حقيقة الجن لا مجال له بعد تصريح القرآن الكريم بوجودهم ، وبيان الكثير عن أحوالهم ، وان لم تتعرض الآيات الى إعطاء صورةٍ عن حقيقتهم باكثر من أنهم مخلوقون من النار ، وأن خلقهم كان قبل خلق الإِنسان جاء ذلك في قوله تعالى :
( وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ ) (٢) .
«ونار السموم أي النار الحارة ، وقال عبد الله : هذه السموم جزء من سبعين جزء من السموم التي خرج منها الجان ، وهو مأخوذ من دخولها بلطف في مسام البدن ، ومنه السم القاتل يقال : سم
__________________
(١) اسرار العارفين : ص (١٤١).
(٢) سورة الحجر : آية ٢٦.
يومنا ، يسم سموماً اذا هبت له ريح السموم»(١) .
أما ان خلقهم كان قبل خلق الإِنسان فلانه تعالى أخبر في الآية السابقة قائلاً :
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ) (٢) .
والمراد بالإِنسان المخلوق هو آدم «عليه السلام» وبعدها أخبر أن الجان خلقناه من قبل ، أي قبل خلق آدم.
وقد تعرض القرآن الى صور عديدة تتعلق بالجن غير ما سبق من بيان حقيقتهم ـ فمثلاً ـ بالنسبة الى أنهم قادرون على الإِتيان بأعمال تستدعي كونهم يشعرون ، ويريدون ، ويعملون فقد قالت الآيات الكريمة تحكي قضاياً وقعت للجن مع النبي سليمان «عليه السلام»( وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ) (٣) .
وقال تعالى :( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ) (٤) .
__________________
(١) تفسير التبيان : المجلد (٦) في تفسيره لهذه الآية / مطبعة دار الأندلس / بيروت.
(٢) سورة الحجر : آية (٢٧).
(٣) سورة الأنبياء : آية (٨٢).
(٤) سورة سبأ : آية (١٢).
وقال عز وجل :( فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) (١) .
( قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ) (٢) .
وقد قال العفريت قولته هذه بعد أن طلب سليمان من أعوانه أن يؤتى له بعرش الملكة بلقيس.
( قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) (٣) .
وكل هذه الأعمال تستدعي وجود طاقة عند الجن يتمكن بها من أعمالها للقيام بهذه الأمور المسبوقة بتفكير ، وارادة ، واقدام ، وما شاكل.
ويظهر من قوله تعالى في سورة الاحقاف :( أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ) (٤) .
وهكذا قوله تعالى :( قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ) (٥) .
__________________
(١) سورة سبأ : آية (١٤).
(٢) سورة النمل : آية (٣٩).
(٣) سورة النمل : آية (٣٨).
(٤) سورة الأحقاف : آية (١٨).
(٥) سورة الأعراف : آية (٣٨).
أي للجن تشكيلات تخصهم من حيث التنظيم الاجتماعي فهم أمم كأممٍ الأنس ، وان لهم قبائل كما يظهر من قوله عز وجل :
( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ) (١) .
ويظهر لنا من الآية الكريمة :
( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ ) (٢) .
إن قانون الرجولة ، والأنوثة يشملهم ففيهم الذكور ، وفي قبالهم الإِناث لان لهم ذرية كما تصرح الآية بذلك عندما تقول :
( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي ) (٣) .
أما أنهم يشتركون مع الأنس في كونهم يكلفون بالأحكام فيستفيد ذلك من قوله تعالى :( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (٤) .
وأما من ناحية إيمانهم ، وفسقهم فان الآيات ذكرت أن منهم المؤمنين كما وأن فيهم غير المؤمنين ، ومنهم المسلمون ، وغير المسلمين قال تعالى :
__________________
(١) سورة الأعراف : آية (٢٧).
(٢) سورة الجن : آية (٦).
(٣) سورة الكهف : آية (٥٠).
(٤) سورة الذاريات : آية (٥٦).
( وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ) (١) .
( وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا ) (٢) .
( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَـٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ) (٣) .
( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ) (٤) .
ويوصفون بالفسق كما جاء في قوله تعالى :
( إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) (٥) .
«وأن تخلد فيها المعاندين».
عاند الشيء : جانبه ، وفارقه ، وعارضه بالخلاف ، والعصيان.
وطبيعي : ان مثل هذا الشخص يخلد في النار لان معارضة الإِنسان بالخلاف ، والعصيان معناه : عدم توبته ، وتراجعه عن المخالفات التي أقدم عليها. وحينئذٍ فلو كان قد أدركه الموت ، وهو على هذه الحالة ، فلا تنفعه حينئذٍ شفاعة الشافعين.
وجزاؤه أن يبقى مخلداً في النار لو كان جرمه الشرك ، وإلا فبحسب المدة التي كان يستحقها نتيجة أعماله التي صدرت منه.
__________________
(١ ـ ٢ ـ ٣ ـ ٤) سورة الجن : الآيات (١ ، ٢ ، ١٠ ، ١٣ ، ١٤).
(٥) سورة الكهف : آية (٥٠).
«وأنت جل ثناؤك قلت مبتدئاً وتطولت بالإِنعام متكرماً أفمن كان مؤمناً كمن كان كافراً لا يستوون».
ولا حاجة للتدليل على هذا الأمر فكيف يتساوى المؤمن والفاسق وعند أي نقطة يلتقيان. والخطان متعاكسان؟ فخط المؤمن يتجه نحو الطريق المستقيم حيث يوصله الى رحاب الله ، وأمانه. وأما الفاسق فإن الخط الذي يسير عليه هو الخط المعوج المخالف لدين الله ، وتعاليمه المقدسة. واذاً فكيف يلتقي الخطان؟
ومن هذا التنافي في المبدأ ، والاتجاه لا معنى لغرض جعل الجزاء لكلا هذين واحداً ، بل لا بد من التفريق بين الجزائين لينال المؤمن من روح الله ما يميزه عن المصير الذي يلقاه الفاسق من الخلود في نار جهنم لأنه معاند ، وعاصٍ.
وقد عرضت الآية الكريمة هذا المصير لكلٍ من المؤمن ، والفاسق فصنفت الجزاء المترتب على ما قدمه المؤمن في حياته ، وما قام به الفاسق من أعمال فقال تعالى في ذيل الآية الكريمة :
( أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ ) (١) .
جنات المأوى نزلاً : لمن؟ وبنص الآية هي لمن آمن ، وعمل
__________________
(١) سورة السجدة : آية (١٨ ـ ٢٠).
الصالحات ، وقد حصلوا عليها جزاءً على عملهم الصالح.
والنار مأوىً : ولمن؟ إنها لمن فسق ، ولم يعمل الصالحات نتيجة الفسق ، وعدم الأخذ بما أملته الشريعة المقدسة ، واراده الله للبشر من التقيد بتعاليم الله ، والخروج من هذه الدنيا ، والقلب مفعم بالايمان لا الفسق ، والمخالفات.
١٧ ـ اِلهي ، وَسَيِّدي فَأَسْأَلُكَ بِالْقُدْرَةِ الَّتي قَدَّرْتَها ، وَبِالْقَضِيَّةِ الَّتي حَتَمْتَها ، وَحَكَمْتَها ، وَغَلَبْتَ مَنْ عَلَيْهِ اَجْرَيْتَها. اَنْ تَهَبَ لي في هذِهِ اللَّيْلَةِ ، وَفي هذِهِ السّاعَةِ كُلَّ جُرْمٍ اَجْرَمْتُهُ ، وَكُلَّ ذَنْب اَذْنَبْتُهُ ، وَكُلَّ قَبِيح اَسْرَرْتُهُ ، وَكُلَّ جَهْلٍ عَمِلْتُهُ. كَتَمْتُهُ اَوْ اَعْلَنْتُهُ. اَخْفَيْتُهُ ، اَوْ اَظْهَرْتُهُ ، وَكُلَّ سَيِّئَة اَمَرْتَ بِاِثْباتِهَا الْكِرامَ الْكاتِبينَ الَّذينَ وَكَّلْتَهُمْ بِحِفْظِ ما يَكُونُ مِنّي وَجَعَلْتَهُمْ شُهُوداً عَلَيَّ مَعَ جَوارِحي ، وَكُنْتَ اَنْتَ الرَّقيبَ عَلَيَّ مِنْ وَرائِهِمْ ، وَالشّاهِدَ لِما خَفِيَ عَنْهُمْ ، وَبِرَحْمَتِكَ اَخْفَيْتَهُ ، وَبِفَضْلِكَ سَتَرْتَهُ. وَاَنْ تُوَفِّرَ حَظّي مِنْ كُلِّ خَيْر اَنْزَلْتَهُ ، اَوْ اِحْسان فَضَّلْتَهُ ، اَوْ بِرٍّ نَشَرْتَهُ ، اَوْ رِزْقٍ بَسَطْتَهُ ، اَوْ ذَنْب تَغْفِرُهُ ، اَوْ خَطَأ تَسْتُرُهُ ،.
يا رَبِّ. يا رَبِّ. يا رَبِّ. يا اِلهي وَسَيِّدي وَمَوْلايَ وَمالِكَ رِقّي ، يا مَنْ بِيَدِهِ ناصِيَتى يا عَليماً بِضُرّى وَمَسْكَنَتى
يا خَبيراً بِفَقْرى وَفاقَتى يا رَبِّ. يا رَبِّ. يا رَبِّ. أَسْأَلُكَ بِحَقِّكَ ، وَقُدْسِكَ ، وَاَعْظَمِ صِفاتِكَ ، وَاَسْمائِكَ ، اَنْ تَجْعَلَ اَوْقاتي مِنَ اللَّيْلِ ، وَالنَّهارِ بِذِكْرِكَ مَعْمُورَةً ، وَبِخِدْمَتِكَ مَوْصُولَةً ، وَاَعْمالى عِنْدَكَ مَقْبُولَةً حَتّى تَكُونَ اَعْمالي ، وَاَوْرادى كُلُّها وِرْداً واحِداً ، وَحالى فى خِدْمَتِكَ سَرْمَداً. يا سَيِّدي : يا مَنْ عَلَيْهِ مُعَوَّلي ، يا مَنْ اِلَيْهِ شَكَوْتُ اَحْوالي. يا رَبِّ ، يا رَبِّ ، قَوِّ عَلى خِدْمَتِكَ جَوارِحى ، وَاشْدُدْ عَلَى الْعَزيمَةِ جَوانِحي ، وَهَبْ لِيَ الْجِدَّ في خَشْيَتِكَ ، وَالدَّوامَ فِي الْاِتِّصالِ بِخِدْمَتِكَ حَتّى اَسْرَحَ اِلَيْكَ في مَيادينِ السّابِقينَ ، وَاُسْرِعَ اِلَيْكَ فِي الْبارِزينَ (الْمُبادِرينَ) وَاَشْتاقَ اِلى قُرْبِكَ فِي الْمُشْتاقينَ ، وَاَدْنُوَ مِنْكَ دُنُوَّ الْمُخْلِصينَ وَاَخافَكَ مَخافَةَ الْمُوقِنينَ ، وَاَجْتَمِعَ فى جِوارِكَ مَعَ الْمُؤْمِنينَ. اَللّهُمَّ : وَمَنْ اَرادَني بِسُوء فَاَرِدْهُ ، وَمَنْ كادَني فَكِدْهُ ، وَاجْعَلْني مِنْ اَحْسَنِ عَبيدِكَ نَصيباً عِنْدَكَ ، وَاَقْرَبِهِمْ مَنْزِلَةً مِنْكَ ، وَاَخَصِّهِمْ زُلْفَةً لَدَيْكَ ، فَاِنَّهُ لا يُنالُ ذلِكَ إلاّ بِفَضْلِكَ ، وَجُدْ لي بِجُودِكَ ، وَاعْطِفْ عَلَيَّ بِمَجْدِكَ ، وَاحْفَظْني بِرَحْمَتِكَ ، وَاجْعَلْ لِسانى بِذِكْرِكَ لَهِجَاً ، وَقَلْبي بِحُبِّكَ مُتَيَّماً ، وَمُنَّ عَلَيَّ بِحُسْنِ اِجابَتِكَ ، وَاَقِلْني عَثْرَتي ، وَاغْفِرْ زَلَّتي ، فَاِنَّكَ قَضَيْتَ عَلى عِبادِكَ بِعِبادَتِكَ ، وَاَمَرْتَهُمْ
بِدُعائِكَ ، وَضَمِنْتَ لَهُمُ الْاِجابَةَ. فَاِلَيْكَ يا رَبِّ نَصَبْتُ وَجْهي ، وَاِلَيْكَ يا رَبِّ مَدَدْتُ يَدي ، فَبِعِزَّتِكَ اسْتَجِبْ لي دُعائي ، وَبَلِّغْني مُنايَ وَلا تَقْطَعْ مِنْ فَضْلِكَ رَجائي ، وَاكْفِني شَرَّ الْجِنِّ وَالْاِنْسِ مِنْ اَعْدائي. يا سَريعَ الرِّضا اِغْفِرْ لِمَنْ لا يَمْلِكُ إلاّ الدُّعاءَ فَاِنَّكَ فَعّالٌ لِما تَشاءُ.
يا مَنِ اسْمُهُ دَواءٌ ، وَذِكْرُهُ شِفاءٌ ، وَطاعَتُهُ غِنىً ، اِرْحَمْ مَنْ رَأْسُ مالِهِ الرَّجاءُ ، وَسِلاحُهُ الْبُكاءُ.
يا سابِـغَ النِّعَمِ ، يا دافِعَ النِّقَمِ ، يا نُورَ الْمُسْتَوْحِشينَ فِي الظُّلَمِ ، يا عالِماً لا يُعَلَّمُ ، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد ، وَافْعَلْ بي ما اَنْتَ اَهْلُهُ. وَصَلَّى اللهُ عَلى رَسُولِهِ ، وَالْاَئِمَّةِ الْمَيامينَ مِنْ آلِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْليماً كَثيراً.
ويختم الدعاء بهذا الفصل المسيرة الدعائية لذلك نلمح فقرات هذا الفصل توجه الداعي الى خلوص التوبة ، والبدء بصفحة جديدة في الحياة بعض فرض أن يكون الداعي قد حصل على امنيته من الغفران ، والصفح عما مضى من أعماله.
صفحة يعتبر الداعي نفسه فيها مغفور الذنب كأنه في اللحظات الأولى من السن الذي بلغ فيه فكان محطاً للتكاليف الشرعية. لذلك يتجه الى خالقه يطلب منه أن يساعده على السير قدماً في
مرحلته الجديدة من اداء الواجبات ، وترك المحرمات ، والتوفيق الى الجد في القيام بذلك من دون عودةٍ الى ذنب ، أو رجوع الى مخالفة.
وحيث يستدعي القيام بهذا الدور أن يكون محفوظاً من أبناء السوء ، ومن يتربصون بالبشر السوء لينزلوا بهم الى الحضيض ، لذلك فالدعاء يوجه الداعي أن يضرع الى الله ان يحفظه من هؤلاء الأعداء سواءً من الإِنس ، أو الجن.
وفي ذلك لمحة إلى أن البشر لا يسلم من عداوة الجن إضافة إلى ما يكن له أبناء نوعه من الإِنس من الخبث ، والعداء.
وفي ضمن هذا الفصل نرى الدعاء يذكر الداعي الى أن يحيط التفاتاً بنفسه لأنه محاط برقابة من الله عز وجل تحصي عليه أنفاسه وكل ما يصدر منه من خير ، أو شر. فكل ذلك مكتوب له في كتاب يقدم اليه يوم القيامة ليريه أعماله ، ونواياه في الدنيا. وعلى ضوء ذلك يحاسب حساباً عسيراً.
وفي الختام نرى الدعاء يوجهنا الى كيفية ختام الأعمال ، وإنهاء المحاورة ، والمناجاة مع الرب ـ كي يكون ختام الأعمال مسكاً ـ كما يقولون. فيعلمه الأدب الرفيع من طلب الرحمة لنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي ما انفك عن تحمل المشاق في سبيل إعلاء كلمة الدين ، وإسعاد البشرية جمعاء ورداً للجميل. ومن ثم ، وبعد ذلك يوجهه أيضاً لطلب الرحمة لمن كانوا خلفاءه ، وامناءه على وحيه ، ومكملي شوط الرسالة آل بيته الميامين الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام).
«إلهي : وسيدي فأسألك بالقدرة التي قدرتها ، وبالقضية التي حتمتها ، وحكمتها ، وغلبت من عليه أجريتها ، أن تهب لي في هذه الليلة ، وفي هذه الساعة كل جرمٍ أجرمته».
ويقسم الداعي على الله بقدرته العظيمة ، والتي لا يقف في قبالها أي شيء بل كل ما في الوجود خاضع لها.
تلك القدرة التي طالما عبر عنها القرآن الكريم : من أن الله اذا اراد شيئاً ، فلن يتخلف عنه مراده فهو مالك كل شيء في هذا الكون بسماواته ، وأراضيه ، فبقدرته أوجد كل شيء وبها يدبر الموجودات ، وبها أيضاً يُهلِك ، ويفني كل شيء.
ومعنى (قدرتها) أي أوجدتها. أي تلك القدرة التي أظهرتها وأنبتها للعيان ، فالله عز وجل قادر على الخلق ، وقد خلق ، وقادر على الموت ، والفناء ، وقد أمات ، وأفنى فكما كان قادراً فقد أظهره للكل قدرته.
أما القضية التي حتمها ، وحكمها حيث يقسم الداعي بها على ربه فقد قالوا : إنها قضية الموت ، والذي به قهر العباد حيث جعله نهاية لعمر الإِنسان ، والانتقال به الى الدار الآخرة ، فسبحان من قهر عباده بالموت ، وجعل منه حداً لغرور الإِنسان ، واستعلائه وجبروته.
ومن هنا يبدأ الداعي بفتح صفحة جديدة لحياته ، فهو يقسم على ربه بعد أن تضرع اليه ، وبعد أن شرح بلسان ملؤه التوسل
بعدم قدرته على بلاء الآخرة ، ويريد أن يتجاوز عن كل ما مضى ، ويغفر له كل شيء ليعود من جديد إنساناً في هذه الحياة يبدأ من نقطة الصفر بعيداً عن كل مخالفة ، وذنب. ذلك الإِنسان الذي يريده الله مثالاً للفرد المسلم يأمن منه كل أحد ، ويألف إليه كل من يعيش في هذه الدنيا.
والمراد بهذه الدنيا قيل : أنها ليلة الجمعة حيث ورد في أوقات قراءة دعائنا ـ المبحوث عنه ـ (دعاء كميل) أنه يقرأ في كل ليلة جمعة ، وفي ليلة النصف من شعبان.
إن الداعي يعاهد ربه بالصفقة الجديدة من ليلته تلك ، بل يترقى ليقول : وفي هذه الساعة ، فهي توبة خالصة تبدأ من حين قراءته الدعاء ، وتوطين نفسه على تهذيب النفس وعدم ارتكاب مالا يرضي الرب ، وخير ما يقدم عليه من هذه الساعة ولقد بين الداعي ، وأظهر لربه ما تنطوي عليه سريرته ، وأراد منه ما ينتظره منه من لطفه ، وعطفه في أن يهب له كل جرم أجرمه ، وجاء به.
«وكل ذنب أذنبته ، وكل قبيح أسررته ، وكل جهلٍ عملته كتمته ، أو أعلنته أخفيته ، أو أظهرته».
الجرم ، والذنب ، والقبيح المستعمل في هذه الفقرة كلها تعطي معنىً واحداً ، وهو المعصية ، والمخالفة. ويريد الدعاء أن يجمع كل هذه الالفاظ التي ترمز الى المخالفة ، فيجريها على لسان الداعي طلباً لعفوه تعالى ، ومغفرته.
ولكن الذي نلمحه في هذه الفقرات الثلاث هو أن الدعاء فرق
بينها فألحق (بكل قبيح) صدر منه قوله : (اسررته) بينما لم يلحق هذه الكلمة بالجرم ، والذنب.
والظاهر أن القبيح المقصود في هذه الفقرة هو الذنب نفسه ، ولكن المذنب قد لا يبالي بصدور بعض الذنوب منه لعدم كونها بشعة في نظره فنراه يكذب ، وأمام أعين الناس من غير مبالاة ولكنه ـ في الوقت نفسه ـ يلتفت الى قبح شرب الخمر فلا يشربه أمام الغير علناً ، بل يتكتم بذلك ، ويتخفى عن الغير لأنه مع اقدامه عليه يشعر بقبيحه لذلك يريد الداعي من ربه العفو عن كل ما ظهر منه أمام الناس ، وما جاء به متخفياً ومتكتماً.
إلا أن الذي يظهر لي من سياق الدعاء أن المقصود بالقبيح المذكور هو ما يصدر من الإِنسان من قبيل الحسد ، والبغض ، والحرص على إيذاء المؤمنين ، والعجب ، وفساد العقيدة ، وما شاكل من الأمور القبيحة ، والتي يضمرها الإِنسان في نفسه متخفياً بها عن أعين الناس.
فالداعي في مقام طلب العفو من ربه عن الأعمال الجوارحية والجوانحية ، لأنه في صدد تصفيته الحساب مع ربه والخروج معافىً من كل سوء.
وأما قوله : «وكل جهلٍ عملتُه. كتمته ، أو أعلنته ، أخفيته ، أو أظهرته» فالمقصود بالجهل لغة هو : (نقيض العلم).
ويريد الداعي ان يغفر له تلك الذنوب التي صدرت منه ، وهو غير عالمٍ بكونها من الذنوب التي يستحق عليها العقاب الشديد. أو كان يعلم أنها من الذنوب ، ولكن كان له فيها رأي خاص ـ فمثلاً ـ
كان يحسد الناس على ما منحهم الله من فضله ، أو كان يراعي في عمله ، أو كان العُجب يأخذ من نفسه مأخذاً ، وكان يعتبر ذلك لا مؤاخذة فيه باعتبار أن الذنوب هي التي تصدر من الجوارح. أما الأمور القلبية فلا شيء عليها سواءً كان في قيامه بهذه الأمور النفسية قد كتم ، أو أعلن ، أو أخفاه ، أو أظهر. وربما فرق بين الكتمان والإِخفاء ، أو الإِعلان والإِظهار ، بفروق بسيطة ولكن المهم هو المقابلة بين الذنوب التي يجهر بالإِتيان بها أمام أعين الناس ، أو يأتي بها بعيداً عنهم.
«وكل سيئة أمرت بإثباتها الكرام الكاتبين الذين وكلتهم بحفظ ما يكون مني ، وجعلتهم شهوداً علي مع جوارحي ، وكنت أنت الرقيب علي من ورائهم ، والشاهد لما خفي عنهم».
وكما تضرع الداعي الى ربه ، فيما سبق من الدعاء ـ ان يهب له كل جرمٍ وكل ذنب ، وكل قبيح صدر منه كذلك هنا طلب من ربه أن يهب له كل سيئة عملها وصدرت منه ، والمطلوب منه في الجميع واحد وإنما الاختلاف في التعبير ـ كما قلنا ـ أن الداعي يريد أن يجمع كل عبارة ترمز الى الذنب ، والمخالفة.
ولكن الذي يظهر لنا من هذه الفقرات المذكورة في هذا المقطع على الخصوص هو تنبيه الدعاء الداعي الى ما يحيط بالإِنسان من رقابة دقيقة ، تضبط عليه كل ما يصدر منه من أعمال خارجية ، أو نوايا تخطر له وإن لم تأخذ مجراها الى حيز الوجود ، حيث يجمع الكل «أعمال الإِنسان ، ونواياه الجوارحية ، والجوانحية».
ويتألف جهاز الرقابة هذا حسب التسلسل الظاهر من سياق الدعاء من :
١ ـ الكرام الكاتبون.
٢ ـ جوارح الإِنسان ، وأعضائه.
٣ ـ عين الله الساهرة.
١ ـ الكرام الكاتبون :
الكرام الكاتبون هم من أعضاء لجنة الرقابة على الإِنسان ، ويكون البحث عن الكرام الكاتبين في مرحلتين :
١ ـ من هم الكرام الكاتبون؟
٢ ـ ما هي مهمتهم؟
وللإِجابة على السؤال الأول نقول :
يطلق هذا الاسم على طائفتين من الملائكة خصصت الطائفة الأولى لضبط ما يصدر من الإِنسان من حسنات بينما كانت وظيفة الطائفة الثانية هي حفظ ما يصدر من الإِنسان من مخالفات.
ولا بد لاكمال البحث من معرفة حقيقة الكرام الكاتبين أن نعرف من هم الملائكة ، وما هي حقيقة الملك ليتضح لنا من هم أولئك الرقباء على الإِنسان؟ بعد أن عرف الكرام الكاتبون بإنهم : من الملائكة.
الملائكة من هم؟
ولسد الفراغ من هذه الجهة لم نر القرآن الكريم يتعرض الى
إعطاء صورة واضحة عن حقيقة الملك ، وبيان ما هيته بل جل ما تعرض له هو بيان الوظائف الموكولة الى هذا الصنف من مخلوقات الله ، وبيان اعمالهم من حيث التسبيح له والتقديس لعظمته تعالى.
لذلك وقع الخلاف في معرفة حقيقة الملك بين العلماء فقال صدر المتألهين الشيرازي في مفاتيح الغيب :
«أعلم ان الناس اختلفوا في ماهية الملائكة ، وحقيقتها. وطريق الضبط ان يقال : ان الملائكة لا بد وان يكون لها ذوات قائمة بأنفسها في الجملة ، ثم إن تلك الذوات إما أن تكون متحيزة أو لا تكون.
أما الأول ففيه أقوال :
أحدها : انها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السماوات ، وهو قول الظاهرين.
وثانيها : قول طوائف من عبدة الأصنام ان الملائكة في الحقيقة هذه الكواكب الموصوفة بالإِنحاس ، والإِسعاد. فإنها عندهم أحياء ناطقة ، وان السعدات منها ملائكة الرحمة ، والنحسات منها ملائكة العذاب.
وثالثها : قول معظم المجوس ، والثنوية. وهو أن هذا العالم مركب من أصلين أولين : وهما النور ، والظلمة. وهما في الحقيقة جوهران شفافان قادران مختاران متضاداً النفس ، والصورة. مختلفا الفعل ، والتدبير. فجوهر النور : فاضل خير نقي طيب الريح. كريم الأصل ، والنفس. يسر لا يضر ، وينفع ، ولا يمنع ، ويحيي ، ولا يبلي.
وجوهر الظلمة : لم يزل يولد الأولياء ، وهم الملائكة لا على سبيل التناكح ، بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم ، والضوء من المضيء وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء ، وهم الشياطين على سبيل تولد السفه من السفيه لا على سبيل التناكح.
فهذه أقوال من جعل الملائكة أشياء متحيزة.
وأمال الثاني : وهو أن الملائكة ذوات قائمة بأنفسها ، وليست بمتحيزة ولا بأجسام فهنا قولان :
أحدهما : قول النصارى ، وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة بذاتها المفارقة لأَبدانها على نعت الصفاء ، والخبرة. وذلك لأن هذه النفوس المفارقة ان كانت صافية خالصة ، فهي الملائكة وان كانت خبيثة كدرة ، فهي الشياطين.
وثانيهما : قول الفلاسفة. وهو أنها جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيزة ، وأنها بالمهية مخالفة لأنواع النفوس الناطقة البشرية ، وأنها أكمل قوة منها ، واكثر علماً ، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة الى الأضواء.
ثم ان هذه الجواهر على قسمين :
منها : ما هي بالنسبة الى أجرام الافلاك ، والكواكب كالنفوس الناطقة بالنسبة الى أبداننا.
ومنها : ما هي اعلى شأناً من تدبير أجرام الافلاك ، بل هي مستغرقة في معرفة الله ، ومحبته ، ومستقلة بطاعته ، وهذا القسم هم الملائكة المقربون. ونسبتهم الى الملائكة الذين يدبرون السماوات
كنسبة أولئك المدبرين الى نفوسنا الناطقة. فهذاان القسمان قد اتفق الفلاسفة على إثباتهما.
ومنهم من اثبت نوعاً آخر من الملائكة وهي الملائكة الأرضية المدبرة لأحوال هذا العالم السفلي. ثم ان مدبرات هذا العالم إن كانت خيرة فهم الملائكة ، وان كانت شريرة فهم الشياطين.
فهذا تفصيل المذاهب في الملائكة. انتهى»(١) .
وهناك تعاريف أخرى ذكر منها ما جاء عن صدر المتألهين السبزواري وغيره. ولكنا نكتفي بهذا المقدار من النقل لأنا أردنا اعطاء صورة عن اختلاف وجهة نظر العلماء في حقيقة الملائكة.
على أنا لا نجد بداً من الرجوع الى القرآن الكريم ، والسنة لنصل من خلالهما الى ما يوضح لنا حقيقة هذه المخلوقات العلوية ، ومعرفة ما وكل اليهم من اعمال في هذا العالم ، وهل أنهم كالجن أمم ، ويكلفون بالأحكام ، ويجازون على تصرفاتهم أم لا؟
والذي يظهر لنا من مجموع الآيات ، والأخبار الشريفة القول :
بأن الملائكة : موجودات لا تظهر لنا بذواتها فلا تراها الأعين بل هي مخلوقاته تعالى ، ولها قابلية التشكل بأشكال بعض الآدميين لانزال العذاب ، أو لغير ذلك من الأمور.
ولم يذكر من أسمائهم في القرآن إلا جبرائيل ، وميكائيل.
__________________
(١) نقلاً عن القاضي السبزواري في شرحه لدعاء كميل : ١٨٣ ـ ١٨٤.
أما وصفهم : فقد تعرضت الآية الكريمة لذلك فقالت :
( جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (١) .
وطبيعي أن العين لم تألف حيواناً يطير بأكثر من جناحين. فإذا صدقنا أن الملك مخلوق قسم منه له جناحان ، وقسم ذو ثلاثة أجنحة ، والقسم الرابع له أربعة أجنحة فلا يأخذنا العجب إذا سمعنا الإِمام الصادق «عليه السلام» يقول :
«خلق الله الملائكة مختلفة وقد أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جبرئيل ، وله ستمائة جناح»(٢) .
وعن ابن جريح أن لجبريل ستة أجنحة جناح بالمشرق وجناح بالمغرب وجناحان على عينيه وجناحان منهم من يقول على ظهره ومنهم من يقول : متسرولاً بهما»(٣) .
ونحن لا نعجب من هذه الاجنحة العديدة بعد أن نقرأ ذيل الآية السابقة( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .
والخلق صنعه ، وهو على كل شيء قدير ، وهم محجوبون عنا ، ونحن في مأمن من النظر اليهم ليأخذنا الهول من مخلوق له ستمائة جناح ، ولا ندري ما مقدار حجم الجناح ، وكيفية تركيبها
__________________
(١) سورة فاطر : آية (١).
(٢) الميزان في تفسير القرآن. سورة فاطر : آية (١).
(٣) الدر المنثور : ٥ / ٢٤٤.
ولماذا هذا العدد الهائل؟ وكان بالإِمكان ان يزود الله جبرائيل بجناحين فقط ويزوده بطاقة يتمكن بواسطتها من أداء مهمة الاجنحة الستمائة ، أو نقول : لا حاجة الى الجناح ، بل كان بالإِمكان أن يكون جبرائيل يصعد الى السماء ، ويهبط الى الأرض بغير جناح ، وإنما بقدرته كما حدث ذلك للنبي سليمان بن داود (عليهما السلام) عندما أراد حضور ملكة سبأ بلقيس عنده فخاطب أعوانه قائلاً :
( قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) (١) .
ولنأخذ في حسابنا مدى السرعة التي زود بها هذا الذي أطلق عليه القرآن اسم «من عنده علم الكتاب» وهو عبد من عباد الله ليأتي بعرش الملكة بلقيس قبل أن يطبق سليمان جفناً على جفن من عينيه. وهل يعقل أن يكون ذلك بطرق عادية لو لا الطاقة الربانية التي زود بها هذا العبد؟
ولماذا لم يكن جبرائيل مثله؟ وهكذا بقية الملائكة الذين قالت عنهم الاحاديث المروية من قبل الفريقين بأنهم مزودون بأجنحة تزيد على ما زود به جبرائيل من الستمائة جناح ، وربما كان لهم من الحجم مالا تصدق عقولنا ، ونحن نسمع الحديث يقول :
«بأن ما بين شحمتي أذني بعض الملائكة مئات الأميال
__________________
(١) سورة النمل : الآيات (٣٨ ، ٣٩ ، ٤٠).
والفراسخ» كل ذلك موكول إلى علمه تعالى وليس لأحدٍ أن يعترض ، أو يشكك في شيء من ذلك ما دام هذا ، وأمثاله من خلق الله ، وخاضع لقدرته اليس هو القائل جلت عظمته :
( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ) (١) .
ولا ندري لماذا الفرق بين السموات ، والأرض. فالسماء نصبها الله بغير عمدٍ كما نشاهدها ، وتشاهدها آلات التقريب الدقيقة ولا نحتمل فيها السقوط على الأرض ، ولا أي اختلال في حركة الإِجرام الموجودة فيها ، والتي يكبر الكثير منها حجم أرضنا هذه ، ولكنه بالنسبة الى الأرض ، وهي كوكب صغير بالنسبة لبعض ما في السماوات فضلاً عن السماء نفسها نراه عز وجل يخبر : بأنه قد ثبتها برواسي؟
والمقصود بالرواسي كما يقول المفسرون : الجبال الموجودة في الأرض جعلها الله حافظة للأرض لئلا تتحرك ، وتضطرب باستمرار كالمثبتات التي تحفظ السفن من الاضطراب في البحار.
وقد أيد العلم الحديث ذلك. والآن فللتساؤل مجال ، فالسماء تقف تضرب بجناحيها من غير عمد ، ولا تتحرك قيد شعرة. والأرض بحجمها الصغير تحتاج الى الجبال ، والتي قد يصل طول بعضها آلاف الأميال ، أو أكثر لئلا تضطرب ، وتميد بمن عليها. وان من خلق السماء ، وجعلها بغير عمدٍ لقادر أن يخلق الأرض
__________________
(١) سورة لقمان : آية (١٠).
أيضاً بغير عمد. ولكنها حكمة الله جلت عظمته وه قدرته التي لا تحد بحدٍ خلقت الإِثنين على هذا النحو من الاستناد وغير الاستناد.
ونحن اذا ما اردنا أن نفتح باب السؤال ، ونلزم هذه الأمور الى الخضوع الى المقاييس العلمية في كل شيء لانفتح علينا اكثر من سؤال ، وسؤال ، وأخيراً نجد أنفسنا عاجزين عن الإِجابة الدقيقة عن أمورٍ لم تشأ القدرة الإِلهية كشف حقائقها الى الجميع.
٢ ـ الملائكة ما هي مهمتهم؟
في الوقت الذي نرى القرآن الكريم لا يعطي صورة واضحة عن بيان حقيقة الملائكة إلا أنه قد عرض بعض الأعمال التي يقومون بها.
ومن تلك الأعمال :
١ ـ العبادة : وبهذا المقدار تصرح الآيات الكريمة فيقول تعالى عنهم :( وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) (١) .
( وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) .
( وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ ) (٢) .
__________________
(١) سورة الصافات : آية (١٦٤ ـ ١٦٦).
(٢) سورة الشورى : آية (٥).
أماك يف يسبحون وصفة ذلك فهو ما لم يذكره القرآن بل على العكس نراه تعالى يقول :( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (١) . (وممن لا نفقه تسبيحه هم الملائكة).
٢ ـ الرسالة : وقد قال تعالى :( جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا ) (٢) .
وتتوالى الآيات وهي تصرح بأن هناك طوائف من الملائكة مضافاً الى التزامهم بالعبادة ، والتسبيح فهم رسل الله الى الخلق في أعمال عديدة منها : الملائكة لاموكلون بإنزال العذاب الدنيوي على الذين تقتضي أعمالهم مجازاتهم في الدنيا قبل الآخرة.
( وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ ) (٣) .
( وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) (٤) .
ومنها : الملائكة المعاونون لملك الموت في قبض الأرواح فقد قال تعالى :( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا
__________________
(١) سورة الإِسراء : آية (٤٤).
(٢) سورة فاطر : آية (١).
(٣ ـ ٤) سورة العنكبوت : الآيات (٣١ ، ٣٣ ، ٣٤).
جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ) (١) .
وهؤلاء هم أعوان الملك الموت(٢) وقيل : أن الملائكة تقبض الأرواح ثم يذهب بها ملك الموت ، وقيل : ثم يقبضها منهم ملك الموت.
وأخرج عبد الرزاق ، وابن جرير ، وابن المنذر عن مجاهد قال : جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناول من حيث شاء ، وجعلت له اعوان يتوفون الأنفس ، ثم يقبضها منهم(٣) .
وقد دلت روايات عديدة على وجود ملائكة للعذاب ، وملائكة للرحمة ، وغير هؤلاء ، وهؤلاء.
ومنها : ملائكة الحفظ ، وقد نوه القرآن عنهم كما في الآية السابقة من قوله تعالى :( وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ) (٤) .
وقال المفسرون عن هؤلاء الحفظة بأنهم الملائكة الذين يحفظون الأعمال ويكتبونها.
هؤلاء هم الملائكة ، وهذه صور من أعمالهم وتجنباً عن الإِطالة عرضنا هذا المقدار وإلا فالمصادر لتفسير القرآن تحمل صوراً كثيرة في هذا المجال. ويكفينا هذا المقدار من النقل اذ ليس لنا كثير فائدة من وراء التحقيق في معرفة مخلوقات حجبهم الله عن عباده ، وعلى
__________________
(١) سورة الأنعام : آية (٦١).
(٢) مجمع البيان : في تفسير هذه الآية.
(٣) الدر المنثور : ٥ (١٦).
(٤) سورة الأنعام : آية (٦١).
الاخص انهم سكان كوكب غير كوكبنا ، وخارجون عن محيط كرتنا الأرضية.
وعوداً على موضوعنا ـ المبحوث عنه ـ من معرفة الكرام الكاتبين الذي جاء ذكرهم في الدعاء لنقول : انهم من الملائكة ، ومهمتهم حسبما حددها القرآن الكريم هي : ضبط ما يصدر من الإِنسان من خير وشر كما يظهر ذلك من الآيات التالية :
( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَامًا كَاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ) (١) .
( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (٢) .
( إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ) (٣) .
( بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) (٤) .
( فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ) (٥) .
هؤلاء هم الملائكة الكاتبون. ومن الآية الثانية نلاحظ أن لكل
__________________
(١) سورة الانفطار : الآيات (١٠ ، ١١ ، ١٢).
(٢) سورة ق : الآية (١٨).
(٣) سورة يونس : آية (٢١).
(٤) سورة الزخرف : آية (١٨٠).
(٥) سورة الأنبياء : آية (٩٤).
انسان ملكان احدهما يكون عن يمينه ، والآخر عن شماله يكتبون أعماله.
وقيل : أن صاحب اليمين مخصص لضبط ما يصدر من الشخص من حسنات بينما خصص صاحب الشمال لضبط ما يصدر منه من سيئات.
وفي تسميتهم بالكرام في القرآن ، وفي الدعاء ذكرت وجوهاً عديدة :
منها : ان القرآن الكريم دأب على وصفهم بالكرام في كثير من الآيات ، وذلك لأنهم منزهون عن كل ذنب ، وهم عباد الله المطيعون المسبحون له ، ويقدسونه ، وبأمره يعملون.
وقيل : بأن كاتب الحسنات يكتب الحسنات لمن فعلها عشراً ، وكاتب السيئات يمهل من صدرت منه سبع ساعات لعله يرتدع ويتوب : ويستغفر وسواءً كان هذا سبب التسمية ، أو ذاك وهكذا موضوع الخوض في معرفة كيف يكتب الملكان الحسنات والسيئات ، المهم هو الوقوف من وراء معرفة وجود الملكين الكاتبين. وهكذا ما نراه من تصريح الدعاء برقابة الله عز وجل من وراء الملكين لإِحصاء ما يخفى عليهما من مخالفات العبد.
على أن نتفهم من كل ذلك : بأن الإِنسان لم يترك سدى ، بل لا بد أن يضع في حسابه أن كل ما يصدر منه من لفظ ، أو عمل وحتى النوايا التي ينويها مسجل عليه ، ومضبوط في حسابه ، وليشعر بأن التواري عن أعين هذا النوع من الرقباء أمر مستحيل ، لأنهم مع الإِنسان اينما يكونون ، وفي كل وقت. وأخيراً فيواجه بالمشهد
الرهيب يوم القيامة كما يحدث عنه القرآن الكريم يقول عز وجل :
( وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (١) .
وحسب الإِنسان أن يواجه بمثل هذا الكتاب الذي ينطق بالحق فقد ثبت فيه كل شيء ، ولا مجال للانكار ، أو المراوغة.
هذه الرقابة هي التي تجعل من الفرد إنساناً كاملاً يحترم الآخرين ولا يتطاول ، أو يتجاوز ، ويؤدي ما عليه بالنسبة الى الحقين : الإِلهي ، والآدمي «وجعلتهم شهوداً علي مع جوارحي».
أما كيف تشهد جوارح الإِنسان عليه منضمة الى الكرام الكاتبين فإن الآيات الكريمة صرحت بذلك.
( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (٢) .
( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّـهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (٣) .
( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا
__________________
(١) سورة الجاثية : آية (٢٩).
(٢) سورة النور : آية (٢٤).
(٣) سورة فصلت : آية (١٩ ـ ٢٠).
كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (١) .
( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ) (٢) .
أما كيفية الشهادة فإن الظاهر من الآيات المذكورة هي : أن كل عضو يشهد بما يختص به فما يناسب اللسان من اللسان وما يناسب اليد من اليد ، وهكذا.
ولكن كيف تشهد ، وهي جوارح؟ ذلك ما قالت عنه الآية الكريمة في قوله تعالى :
( وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّـهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (٣) .
فالشهادة تكون بواسطة النطق الصادر من الأعضاء.
ولكن هل هو نطق كنطق الإِنسان لتبقى انطقنا على حالها من دون تصرف؟ فيمنح الله الأعضاء قدرة النطق فتتكلم ، وتشهد بأن الذنب الفلاني كالكذب ـ مثلاً ـ صدر من هذا العضو ، وهو اللسان ، والمشي الى الحرام صدر من الرجلين.
أو يقال : بأن النطق في الأعضاء غير النطق الذي نألفه من الإِنسان وقد أطلق عليه النطق من باب التشبيه لان النطق لا يطلق حقيقة على غير كلام الإِنسان ، وحينئذٍ فيكون نطق كل عضوٍ بشكل
__________________
(١) سورة يس : آية (٦٥).
(٢) سورة الإِسراء : آية (٣٦).
(٣) سورة فصلت : آية (٢١).
خاص. وكل ذلك ممكن لأَن الموضوع يرجع الى قدرة الله ، وهو على كل شيء قدير.
والمهم هو أن الأعضاء تراقب الإِنسان في اعماله فتشهد بالنطق أما أن النطق كيف هو؟ فقد عرفت أن الآية مطلقة من هذه الجهة ولم تتعرض الى التفصيل ، ولا يؤثر ذلك على كون الأعضاء من جملة ما يتألف من جهاز الرقابة على الإِنسان.
«وكنت أنت الرقيب علي من ورائهم ، والشاهد لما خفي عنهم».
واذا خفي على الملكين شيء ، أو على الأعضاء ما كان ينويه العبد ويروم الإِتيان به من دون تحقق لذلك في الخارج.
( هُوَ اللَّـهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ) (١) .
( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ) (٢) .
( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ) (٣) .
وليتصور الإِنسان نفسه ، وكيف أن الرقابة تحوطه من كل مكان الملكان ، وجوارحه ومن وراء ذلك عين الله الساهرة.
ولكن مع كل ذلك :
__________________ ـ
(١) سورة الأنعام : آية (٣).
(٢) سورة التوبة : آية (٧٨).
(٣) سورة الزخرف : آية (٨٠).
«وبرحمتك أخفيته ، وبفضلك سترته ».
وما أعظمها رحمة ان الله الذي أحصى على العبد كل شيء ، وكل شاردة ، وواردة كان بإمكانه أن يجعل له العقوبة بأن يطلع الناس على ما قام به ، أو ما همّ به من القيام به ليسقط من أعين الكل ، وينال جزاءه في الدنيا قبل الآخرة ، ولكنه ، وبرحمته أخفى ذلك ، وبفضله ستره تحنناً منه ، فلك الحمد يا رب على نعمك ما ظهر منها ، وما بطن.
«وأن توفر حظي من كل خير تنزله ، أو إحسان تفضله ، أو برٍ تنشره ، أو رزقٍ تبسطه ، أو ذنب تغفره ، أو خطأ تستره».
حيث كان الداعي في صدد فتح صفحة جديدة من حياته المتزنة مع ربه لذلك فقد طلب فيما سبق ـ من قوله ـ «إلهي وسيدي فأسألك بالقدرة التي قدرتها» ـ الى قوله ـ «ان تهب كل جرمٍ أجرمته ، وكل ذنب أذنبته» ـ الخ ـ وكان بهذه الفقرات يريد تصفية ما عليه من مخالفات ، وجعل صفحة ذمته بيضاء ليحظ فيها بعد ذلك كل خير ، وكل عمل يرضي الرب.
ولكن الحياة الجديدة والتي ينوي السير على مخططها المعتدل يحتاج الى الاستعانة بالله ، وطلب المعونة منه ليستمد من فيضه ما يمكنه من قطع ما بقي من العمر لذلك عطف على ما سبق من قوله «أن تهب» قوله : «وان توفر حظي من كل خير تنزله».
والتوفير : هو : التكثير من الوفرة ، والوفور. أما الحظ فهو
النصيب ، والقسمة التي قسمها الهل لكل مخلوق فهو لا يريد الخير ، والإِحسان ، والبر فقط ، بل يطلب الوفير من كل شيء ينتفع به.
وهكذا نجد الإِنسان لا يترك آماله الواسعة فهو يريد ، ويريد ، ويطلب المزيد لأَنه مبني بحسب طبعه على الكسب ، والاستزاده. وحبذا لو كانت كل نواياه من هذا القبيل يطلب الوفير من الخير ، والموفور من الإِحسان ونقف أمام الفقرتين : «أو ذنب تغفره ، أو خطأ تستره».
فما معنى طلب الوفرة من الغفران للذنب ، أو الوفرة في ستر الخطأ مع أن الذنب : إما ان يغفر ، أو لا. والخطأ : إما أن يستر ، أو لا. ولا معنى للتكثير في أمثال ذلك؟
ونجيب على ذلك : بأن معنى الوفرة في غفران الذنب قد يكون طلب المزيد من الغفران من جهة تحمل ما صدر من الإِنسان إزاء حقوق الآخرين من ظلمهم ، والتعدي عليهم بطريقة التعويض لهم تفضلاً من الله على الداعي ليخلص بذلك من كل الشوائب بعد أن كان قد أقدم على فتح صفحة جديدة في حياته.
أو يقال : ان الوفرة في غفران الذنب هو الفرق بين طلب المغفرة فقط ، وبين المغفرة والتفضل من الله على العبد بان يوفقه في المستقبل لعدم صدور أي مخالفة منه.
وربما قيل غير هذا ، وذاك.
أما طلب الوفرة في ستر الخطأ فيقال فيه :
إن العمل الخطأي الذي يصدر من العبد فإنه وان كان معذوراً
فيه من جهة العقاب ولكن إخفاء ذلك ، وشمول ذلك لكل خطأ سواءً كان في العمل ، أو الأمور العقيدية فهو من تفضلات الله على عبده لو أخلص العبد في نيته مع ربه ، وصدق في توبته.
يا رب ، يا رب ، يا رب ، يا إلهي ، وسيدي ، ومولاي ومالك رقي ، يا من بيده ناصيتي».
نداءات ، واستغاثات متلاحقة ، وتكرار لإِسم الرب ، والإِله ، والسيد والمولى ، وكلها كما يقول الشاعر :
عباداتنا شتى وحسنك واحد |
وكل الى ذاك الجمال يشير |
كلها ترمز الى الذات المقدسة ، والى من يستغيث به العبد ، وهو الله ومن التضرع بأسمائه عز وجل الى اللجوء بالاستغاثة بصفاته فمالك الرق ، معناه : أن الداعي عبد ، وهو المالك. ولذلك أتبع هذه الفقرة بقوله : «يا من بيده ناصيتي».
والناصية : الجبهة ، وهي أعلى مكان يرفعه الإِنسان لأَنه يكون في مقدم الرأس. والرأس هو ما يشمخ به الإِنسان ، فيرفعه عالياً.
وتعبر هاتان الجملتان : «مالك رقي ، ومن بيده ناصيتي».
عن الخطاب لمن يملك قياد العبد ، وبيده طوق عبوديته أي يا من بيده مقاليد أموري ، وتمام أمري.
«يا عليماً بضري ، ومسكنتي. يا خبيراً بفقري ، وفاقتي».
الضر : والمسكنة ، والفقر ، والفاقة ، الفاظ مرت معانيها
وكلها تدل على حاجة العبد ، واحتياجه لخالقه. وفيها منتهى الضراعة ، والذلة ، وفيها كشف لحقيقة الداعي أمام ربه.
وبهذه الفقرات يدلل الداعي على صدق دعواه في طلب توفير الرزق له ، وكذا البر ، والإِحسان ، فيما سبق من الفقرات المتقدمة. فهو بطلبه ذلك صادق لأَن ربه عالم بحاجته ، وفقره ، ومسكنته ، ولا يخفى عليه شيء.
«يا رب يا رب أسألك بحقك وقدسك واعظم صفاتك وأسمائك».
ومن طلب الرزق ، والبر ، والإِحسان ينتقل الدعاء الى مطلب آخر يريده الداعي من ربه ليركز بذلك قاعدة صفحة جديدة مع الله. إنه يدخل في عالم العبادة ، والشكر ، والقيام بما يلزمه أزاء ربه.
وكل هذا يحتاج الى توفيق منه عز وجل لعبده ليأخذ بيده ، ويساعده على أداء المهمة. ولهذا الطلب يقدم الداعي مقدمة تمهيدية فيقسم عليه بحقه وقدسه ، واعظم صفاته ، وأسمائه. والأمر موكول اليه تعالى فهو وحده يعلم أن أعظم صفاته ، وأسمائه ما هي.
وعلى الإِجمال يقسم عليه بها.
وقد قيل في أعظم الصفات والأسماء أقوال :
فقيل : أعظم الصفات هي : الرحمانية ، والرزاقية.
وقيل : القيومية ، لرجوع جميع صفاته الإِضافية اليها كالعالم
والقادر ، والخالق ، والرازق ، وهكذا.
وقيل اعظم صفاته : واجب الوجود لأن جميع الصفات الحقيقة ترجع اليها وقيل : غير هذا ، وذاك.
ولكن الدعاء أوكل الموضوع اليه لأَنه سبحانه هو العالم بأعظم صفاته وأسمائه دون تعيين اسم ، أو صفة خاصة.
«أن تجعل أوقاتي في الليل والنهار بذكرك معمورة».
وهذا هو المطلوب من الله ، والذي لأجله أقسم عليه بأعظم صفاته وأسمائه ، وبحقه ، وبقدسه.
إنه يريد من ربه أن يكون ذاكراً لله على كل حال سواءً في الليل ، أو النهار وفي كل وقت هو منتبه فيه كما جاء في قولهم : «رطب فمك بذكر الله العظيم».
كما وقد جاء ذكر الله في آيتين كريمتين :
( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ ) (١) .
وقوله تعالى :( فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ) (٢) .
وذكر هذه الحالات يعطي إرادة الذكر المستمر على كل حال في القيام ، والقعود ، والاضطجاع.
وجاء في الأخبار عن الإِمام الصادق «عليه السلام» قوله :
__________________
(١) سورة آل عمران : آية (١٩١).
(٢) سورة النساء : آية (١٠٣).
«لا بأس بذكر الله وأنت تبول فان ذكر الله عز وجل حسن على كل حال فلا تسأم من ذكر الله»(١) .
وفي حديث آخر عنه «عليه السلام».
قال الله عز وجل لموسى :( اكثر ذكري بالليل والنهار ، وكن عند ذكري خاشعاً وعند بلائي صابراً ، واطمئن عند ذكري ، واعبدني ، ولا تشرك بي شيئاً الي المصير. يا موسى اجعلني ذخرك ، وضع عندي كنزك من الباقيات الصالحات ) (٢) .
وفي حديث آخر ان الله عز وجل أوحى الى موسى «عليه السلام» :
( يا موسى ، أنا جليس من ذكرني. فقال موسى : فمن في سترك يوم لا ستر إلا سترك؟ فقال : الذين يذكرونني ، فأذكرهم ، ويتحابون في فاحبهم. فأولئك الذين إذا أردت أن أصيب أهل الأرض بسوء ذكرتهم فدفعت عنهم بهم ) (٣) .
آيات ، وأحاديث كريمة تصور لنا كيف يريد الله لعبده ان ينشد اليه ويجعل من الذكر الخيط الموصل للمثول في رحابه المقدس ليكون سبحانه جليس من ذكره ، وأنيس من اشتاق اليه. وعندها ينال الدرجة السامية ، فيدفع به بلاء من استحقوا غضبه ، وإكراماً لهؤلاء الصفوة تنكشف الشدة عن المذنبين.
ومن هذه النافذة يتطلع الداعي ليطلب من ربه ان يمنحه هذه الخصلة فيوفقه بجعل أوقاته من الليل ، والنهار معمورة بذكره ليذكره
__________________
(١ ـ ٢ ـ ٣) أصول الكافي : كتاب الدعاء / باب ما يجب من ذكر الله عز وجل في كل مجلس / حديث : (٦ ، ٩ ، ٤).
الله في قبال ذكره له. وبعد كل هذا يريد أن يكون في ستر الله ، وحمايته.
«وبخدمتك موصولةً».
والخدمة لله عز وجل ليست من طراز الخدمة للآخرين من تقديم ما يحتاجونه من عمل ، ومال ، وما شاكل ، بل خدمته هي عبادته ، وتسبيحه ، والخضوع وإلا فإنه تعالى غني عن كل شيء ، ولا حاجة به الى أحد ، بل الخلق محتاجون اليه ، وهم عياله.
ولذلك فان الطلب في هذه الفقرة يكون في طلب المنة من الله سبحانه على الداعي في أن يوفقه لعبادته ، والقيام بكل ما تستلزمه العبادة من فروض قياماً متتابعاً بلا انقطاع ، وهو المقصود بقوله : «موصولة».
«وأعمالي عندك مقبولة».
والأعمال التي لا يقبلها الله لا خير فيها لان اعمال العبد وعباداته إنما هي قرابين يتقرب بها الى الله عز وجل ، ولذلك فلا بد من ان توشح بالقبول عندما تقدم اليه.
«حتى تكون أعمالي وأورادي كلها ورداً واحداً وحالي في خدمتك سرمداً».
والمراد بهذه الفقرات هو نفس ما أراده الداعي بفقرات الدعاء السابقة من قوله : «ان تجعل أوقاتي في الليل ، والنهار بذكرك معمورة» والمقصود هو استمرارية العبادة لتكون الأعمال والأذكار التي يذكر بها الإِنسان ربه كلها ذكراً واحداً وأخيراً ليكون حاله في
عبادة ربه سرمداً أي غير منقطع ، بل دائم.
«والورد هو الجزء من القرآن يقوم به الإِنسان كل ليلة والوظيفة من القراءة ، ونحو ذلك جمع أوراد»(١) .
وحيث كان هذا الاستمرار وهذه الوظيفة تستدعي وجود الطاقة في البدن تساعده على هذه المواظبة ، والذكر الدائم لئلا تكون عبادة الخاملين ، بل عبادة من بدن نشط ، وفكر نشيط صحيح لذلك عاد يلتمس تحقيق هذه الجهة ليصل من وراء طلبه الى هدفه المنشود ، وغايته المتوخاة.
«يا سيدي. يا من عليه معولي. يا من اليه شكوت حالي يا رب. يا رب. يا رب».
وكما سبق من سياقية الدعاء في توجيه الداعي الى أنه عند الشروع بمطالبة جديدة ، أو مناجاة في أمر يريد تحقيقه من ربد يبدأ بندائات الاستغاثة ، والتضرع لجلب العطف ، والانتباه اليه والمعول : المعتمد. والمعنى للفقرات المذكورة واضح ، والمقصود هو هذه الاستغاثة المتلاحقة ـ كما قلنا ـ
«قو على خدمتك جوارحي ، واشدد على العزيمة جوانحي وهب لي في خشيتك ، والدوام في الإِتصال بخدمتك».
وبعد الاستغاثات جاء مطلوب الداعي متمثلاً بهذه الفقرات
__________________
(١) اقرب الموارد : مادة (ورد).
«قو على خدمتك جوارحي» ليتمكن من أداء العبادة كل عضوٍ بحسب ما يوكل اليه من العمل فاللسان ـ كما بينا سابقاً ـ للذكر ، والبدن للقيام ، والقعود ، وهكذا.
«واشدد على العزيمة جوانحي» والعزيمة : القصد على الفعل بعد أن يتصور الإِنسان ذلك الفعل يصدق به ، ويشتاق اليه وبعدها يقصده ، ومن ثم يفعله.
والجوانح : جمع جانحة ، وهي الاضلاع تحت الترائب مما يلي الصدر كالضلوع مما يلي الظهر. والمعنى واضح. حيث يريد الداعي من ربه أن يصرف عنه كل معوق يقف حائلاً بين القصد ، والفعل للأمور الخيرة ، والطاعات ، والعبادة ، فهو يريد منه ان يجعل القصد كأنه محصور بين الجوانح لا مجال لتسربه ، وعدم الإِتيان به. بل مشدود عليه حتى يتحقق.
وقد ظهر مما سبق معنى طلب دوام الاتصال بخدمتك.
أما لماذا طلب الداعي من ربه كل هذه الاستعدادات وهذه التحضيرات؟ فالنتيجة تأتي معروضة في الفقرات التالية من قوله :
«حتى أسرح اليك في ميادين السابقين».
والى اين أسرح ...؟ الى نيل رضاك ، والتقرب منك ، ولعلني أسبق غيري في الحصول على شرف كسب رضاك فيطمئن القلب بانني : عدت إنساناً وديعاً مرضياً عنه ، وهي أنشودتي في هذه الحياة لامهد بذلك طريقي الى مقري الأخير في الدار الآخرة.
( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّـهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (١) .
وأُسرع اليك في المبادرين».
والجملة عطف على ما سبقها من قوله : «أسرح اليك» أي أسرع في الاتيان اليك. ولكن الذي تلمح اليه هذه الفقرة هو الترقي عن أمنية الداعي في العمل على السبق في ميادين السابقين ، بل يريد الداعي أن ينال قصب المبادرة ، وهي المعاجلة. فبدر الى الشيء ، بمعنى : عاجل اليه ، فهذه المعاجلة هي التي يريد الداعي أن يوفقه الله اليها ، ومعناه أدق من معنى «سبق اليه».
«واشتاق الى قربك في المشتاقين».
فالشوق الى قربه ، والحنين له عز وجل هو نوع من العبادة ، بل هو معنى العبادة إذ ليست العبادة الحقيقية هي القيام ، والقعود بل هي المعنى الذي ترمز اليه هذه الأفعال من الخضوع ، والإِطاعة والتقرب الى ساحته المقدسة :
«وأدنو منك دنو المخلصين».
الذين يعبدونه لوجهه ، وشوقاً اليه لا يعتري عملهم رياء ولا تملق الى آخرين ، بل كل ما يقدمونه لوجهه تعالى :
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) .
فالعبادة لغيره شرك. والرياء ، وإظهار العمل تقرباً الى الغير
__________________
(١) سورة الشعراء : آية (٨٩).
شرك.
وهذا ما يريده الدعاء للداعي أن يوفقه الله لنيل هذه المرتبة ليكون من عباده المقربين المخلصين.
وقد جاء عن الإِمام أبي عبد الله الصادق ، «عليه السلام» لأَبان بن تغلب قوله : «ا أبان إذا قدمت الكوفة فاروِ هذا الحديث» :
«من شهد إلَّا إله إلا الله مخلصاً وجبت له الجنة قال : قلت له :
إنه يأتيني من كل صنف من الأصناف. أفأروي لهم هذا الحديث؟
قال : نعم ، يا أبان ، انه اذا كان يوم القيامة ، وجمع الله الأولين والآخرين فتسلب لا إله إلا الله منهم ، الا من كان عمل على هذا الأمر»(١) .
«وأخافك مخافة الموقنين».
الموقن بالشيء : المتيقن به ، من كل سبب كان.
والمقصود من هذه الفقرة هو تهيئة الداعي نفسه الى الخوف من الله مخافة من أيقن بان الله لا تخفى عليه كل صغيرة ، ولا كبيرة. وهذا معناه أن الإِنسان يعد نفسه لكل خير ، ويجنب نفسه عن كل
__________________
(١) أصول الكافي : كتاب الدعاء / باب : من قال لا اله الا الله مخلصاً / حديث (١).
شر حتى ولو كان ذلك على نطاق النوايا ، وما يخفيه بقلبه لانه لو رزق حلاوة اليقين بان الله هو الرقيب الحقيقي عليه ، ولا تخفى عليه خافية لسار على الخط المستقيم ، وانتهى منه كل شيء.
«وأجتمع في جوارك مع المؤمنين».
والمراد بالجوار هنا القرب منه تعالى المعنوي إذ يستحيل القرب الحقيقي منه لان ذلك يستلزم الجسمية له ، وحاشاه عن ذلك كما تقدم التنبيه عليه فيما سبق.
«اللهم : ومن أرادني بسوء ، فأرده ، ومن كادني ، فكده».
والتوجه الى الله ، والانشغال بعبادته ، والمواضبة على القيام بما يلزم للتائب مضافاً الى الأعمال التي تتطلبها الحياة الاجتماعية والمعيشية كلها تتطلب أن يكون الشخص في أمن من جانب الآخرين ، ومن الوقوع في حبالهم ، وشراكهم ليتفرغ الإِنسان الى حياة جديدة مثلى.
لذلك يتوجه الدعاء بالداعي الى الله في أن يكفيه شر الآخرين.
وينجيه من شرورهم ليكون في حرز الله ، وأمانه فمن قصده بسوء يرد الله قصده ، ويقف حائلاً دون تحققه بل ايقاع ذلك القصد به من باب من حفر بئراً لاخيه المؤمن وقع فيها.
ومن كادني : أي ومن سعى في إيذائي ، فأوقعه بما أراده لي من الأذى لأسلم من أذى الغير ، فأكمل شوطي في السير على ما
عاهدتك به يا رب من توبتي ، وخلوص نيتي.
«واجعلني من أحسن عبادك نصيباً عندك».
ولا بد أن يكون مثل هذا التائب الذي قد بدأ فتح مثل هذه الصفحة من أحسن العباد عند الله إذا وجد الله منه نية صافية ، وقلباً طاهراً وهذا الطلب منه تعالى مجادب اذا كان العبد قد أقدم عليه ، وهو نقي الذيل من كل ذنب فإن الله يحب من مال اليه ، وتوكل عليه ، ولم يجد ملجأ له إلا فيض لطفه.
«وأقربهم منزلة منك وأخصهم زلفة لديك».
ومضافاً الى نيل النصيب الأوفر يريد الداعي من ربه أن يجعله أقرب عباده درجة له ، وأخصهم زلفة لديه ، وهي نفس الفقرة الأولى ، فإن الزلفة هي القربى ، والمنزلة. والفرق بين الفقرتين هو : التفنن في التعبير ، والانتقال من الأقرب الى الأخص ، وما في الثاني من شدة الإِتصال اكثر من الأول.
«فإنه لا ينال ذلك إلا بفضلك».
ومن الواضح أنه لو لا فضل الله لا يحصل الداعي بطلبه هذه المراتب الثلاث : النصيب ، والمنزلة ، والزلفة.
وذلك : لان قيام الداعي بكل ما تمليه عليه الشريعة بكل الواجبات وترك المحرمات ، لا يوصله الى مثل هذا القرب من الله بل يجعل منه إنساناً ممتثلاً لاحكامه الشرعية ، وقائم بوظيفته. أما هذا النوع من الاتصال فإنه شيء آخر يحتاج الى التوفيق لنيل مثل هذه الدرجات ، ولا يكون ذلك إلا منه ، وبفضله ، وتفضله.
«وجد لي بجودك واعطف علي بمجدك».
ومن جوده يطلب الداعي ، وهو الجواد الكريم ، لان البخيل من يخاف النفاد ، وما عند الله لا ينفد ، ولا نهاية له.
والمجد : العز ، والرفعة. ومن عز الله ، ورفعته يريد الداعي ان يعطف الله عليه لينال بذلك شرف الدارين الدنيا ، والآخرة.
«واحفظني برحمتك واجعل لساني بذكرك لهجاً».
وليس في هاتين الفقرتين ما هو جديد سواءً في طلب الحفظ ، أو جعل لسانه لهجاً بذكره. وقد مر مثل هذا فيما سبق من الفقرات ، ولعل التكرار لزيادة التأكيد.
«وقلبي بحبك متيماً».
المتيم : هو العاشق المتذلل. وفي هذا الطلب نوع من الانصهار في ذات الله ، والذهاب الى أبعد حد في الوله ، والعشق ، والشوق الى الله عز وجل تدليلاً من الداعي بالتوجه الكامل اليه.
«ومُنَّ علي بحسن إجابتك».
ولا بد أن نفرق بين الإِجابة من الله ، وبين حسن الإِجابة.
أما الإِجابة : فتتحقق بالاستجابة لطلب الداعي. أما متى ، وكم سيكون الفاصل بين الدعاء ، وبين الاستجابة فذلك أمر لا يضر في البين لان المهم هو حصول متعلق الطلب.
وأما حسن الإِجابة : فيتحقق بسرعة اعطاء المطلوب ، وعدم التخلف عن كل ما يطلبه الداعي.
«واقلني عثرتي ، واغفر زلتي».
العثرة : هي الكبوة. وكبا الفرس ، انكب على وجهه ، وعثر سقط ، وزل.(١)
والمراد : هو قبول العثرات التي تصدر من الإِنسان وهكذا الحال في غفران الزلة ، والزلة ، والعثرة من وادٍ واحد.
وهما غير الذنوب الكبيرة ، أو منها ولكن صدورها لم يكن على نحوٍ من القصد ، والعناد ، بل من باب حصول العثرة كما يعثر الإِنسان بثوبه ، فيسقط فإنه لم يكن قاصداً ذلك بل حصل منه ذلك.
«فإنك قضيت على عبادك بعبادتك وأمرتهم بدعائك وضمنت لهم الإِجابة».
والذي يلوح ، ويظهر واضحاً من هذه الفقرات هو تبرير الداعي لطلباته المتلاحقة. فقد يكون في وضع محرج حيث أخذ يلح في الطلب ويكرر الاستغاثة ، ولكنه ناشد المولى لتبرير عمله : بانك الذي قضيت على عبادك بعبادتك في عدة آيات جاءت تصرح بانه :( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (٢) .
( وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) (٣) .
__________________
(١) لسان العرب : مادة (عثر).
(٢) سورة الذاريات : آية (٥٦).
(٣) سورة الإِسراء : آية (٢٣).
( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّـهَ ) (١) .
( وَأَنِ اعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) (٢) .
وفي الوقت الذي قضيت يا رب بالعبادة ، والزمت البشر بها أمرتهم ان لا ينقطعوا عنك ، وجعلت الدعاء هو الخيط الذي يشدهم اليك ، ويربطهم برباطك المقدس.
ولكنك يا رب : كريم ، وجواد ، وعطوف. لم تخيب آمالهم عندما أمرتهم بدعائك ، بل ضمنت لهم الإِجابة ، وقد صرحت آيات كتابك بذلك كما تقدم بيان الكثير منها.
وبناءً على هذا الضمان الصادر منك يا رب توجه الداعي بضراعة فائقة وهو يقول :
«فإليك يا رب نصبت وجهي ، واليك يا رب مددت يدي».
وتنطبع صورة خاشعة في الاذهان الى الداعي ، وهو يرفع بوجهه الى الأعلى يرمق السماء بعينيين ملؤهما الانكسار ، وبيدين مبسوطتين أمام وجهٍ عَتلهُ التجاعيد وتناثرت على أطرافه الدموع.
وكان الإِمام موسى الكاظم «عليه السلام» في مثل هذا الموقف يردد قائلاً :
«وعزتك يا كريم ، لأطلبن مما لديك ، ولالحن عليك ،
__________________
(١) سورة البيّنة : آية (٥).
(٢) سورة يس : آية (٦١).
ولامدن يدي نحوك مع جرمها اليك. يا رب فبمن أعوذ ، وبمن ألوذ ، لا أحد لي إلا أنت. أفتردني ، وأنت معولي ، وعليك متكلي؟(١) .
وهكذا ينبغي أن يقف الداعي بين يدي ربه ، وهو يناجيه بمثل هذه الدعوات التي تمثل الإِنسان الهاديء الوديع المستسلم الى خالقه بكل ما عنده. وليجد بعد ذلك من ربه صدراً واسعاً ، وموجة عارمة من العطف ، والحنان فقد أوحى الله الى عبده النبي داود «عليه السلام» :
«ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيته ثم تكيده السماوات ، والأرض ، ومن فيهن إلا جعلت له المخرج من بينهن. وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السموات ، والأرض من يديه ، وأسخت الأرض من تحته ، ولم أبال بأي وادٍ هلك»(٢) .
«فبعزتك استجب لي دعائي وبلغني مناي».
وصحيح أن الله أمر بالدعاء ، وضمن الإِجابة ، ولكن ذلك ليس الزاماً عليه في التلبية ، بل له الكلمة الأخيرة في كل شيء تبعاً للمصالح والمفاسد.
والداعي يخشى هذه الجهة من التخلف لذلك أقسم على
__________________
(١) فقرات من دعاء الجوشن الصغير كان الإِمام الكاظم «عليه السلام» يقرأه في الشدائد.
(٢) اصول الكافي : باب التفويض الى الله ، والتوكل عليه / من كتاب الكفر ، والايمان / حديث (١).
ربه بعزته ان يحقق أمله ، ويستجيب دعاءه ، ويوصله الى ما يتمناه من رضا ربه ، وعطفه عليه باستجابة كل ما طلبه منه في سبيل التوبة ، والتجاوز.
«ولا تقطع من فضلك رجائي».
وحاشا له أن يقطع رجاء من رجاه ، وهو الذي يطمع في مغفرته حتى إبليس. ولكنه أدب الدعاء حيث يوجه الداعي الى الإِلحاح في طلبه والتكرار لانه تعالى : يحب العبد الملحاح في طلبه.
وقد جاء عن الإِمام أبي عبد الله الصادق «عليه السلام» قوله :
ان الله عز وجل كره الحاح الناس بعضهم على بعض في المسألة ، وأحب ذلك لنفسه ان الله عز وجل يحب أن يُسأل ، ويطلب ما عنده»(١) .
وعن الامام الباقر «عليه السلام» جاء قوله :
«والله لا يلح عبد مؤمن على الله عز وجل في حاجته الا قضاها له»(١) .
«واكفني شر الجن والإِنس من أعدائي».
ـ وكما قلنا ـ أن مسيرة الإِنسان التائب العابد لا بد لها من أن تحصل على تأمين من الله للحفظ من شر الجن ، والإِنس. وإلا فان انشغال العبد بدفع مكائد الأعداء لا يدفع به الى السير به لإِكمال
__________________
(١) اصول الكافي : باب الإِلحاح في الدعاء ، والتلبث / كتاب الدعاء / حديث (٤).
(١) المصدر السابق ، والموضوع نفسه / حديث (٣).
مسيرته ـ كما بينا ـ
«يا سريع الرضا. اغفر لمن لا يملك إلا الدعاء».
وقد جاء في بعض الأدعية : «يا من يقبل اليسير ، ويعفو عن الكثير اقبل مني اليسير ، واعفُ عن الكثير إنك على كل شيء قدير».
ويعترف الداعي بانه لا يملك إلا الدعاء. والا فهو عاجز عن كل شيء وهذه بضاعة ، وهي بضاعة ليست بمزجاة ، بل هي مهمة عند الله لان الله يحب العبد الداعي ، ويعطيه ما يطلب.
«فإنك فعال لما تشاء».
ولا حاجة للتدليل على ذلك. فقدرته لا تحد بحد ، وهو خالق كل شيء فاذا اراد ان يهب لسائله ذنوبه ، ويبسط في رزقه فلا أحد يقف في سبيل تحقيق ذلك لأنه الاول ، والآخر ـ وقد تقدم البحث في مثل هذا مفصلاً ـ
«يا من اسمه دواء وذكره شفاء».
وتعود القضية الى اللهفة ، والتوجه الى الله. فان المريض إذا التجأ الى ربه في رفع يديه ليدفع عنه المرض ، فان الله لا يترك عبده بل يستجيب له ، فيعافيه. وقد تضمنت أخبار كثيرة ما يجنيه المريض من الفائدة لو قرئت عنده بعض الآيات الكثيرة ، أو تليت عليه اسماؤه الكريمة ، ولم تقتصر كتب الدعاء للامامية على ذلك ، بل جاء ذلك في مصادر الدعاء لكافة الفرق الإِسلامية ، وهكذا في كثير من كتب التفسير.
«وطاعته غنى»
لان الله هو القائل في كتابه :
( أَلَيْسَ اللَّـهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّـهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) (١) .
انه يكفى عبده ، ويغنيه ، ولا يلجئه الى أحد ، ولكن ذلك يحتاج الى التوجه الكامل من العبد الى ربه ، ولا خوف عليه بعد ذلك.
( إِنَّ اللَّـهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) (٢) .
«ارحم من رأس ماله الرجاء».
ورجاء الله أثمن بضاعة يحويها العبد في حياته لذلك نرى الإِمام زين العابدين علي بن الحسين «عليه السلام» يناجي ربه ، والرجاء ملء جوانحه قائلاً :
«يا من اذا سأله عبد أعطاه ، واذا أمل ما عنده بلغه مناه ، واذا أقبل عليه قربه ، وأدناه ، واذا جاهر بالعصيان ستر على ذنبه ، وغطاه ، واذا توكل عليه أحسبه ، وكفاه. إلهي من الذي نزل بك ملتمساً قراك فلما قريته؟ ومن الذي أناخ ببابك مرتجياً نداك فما أوليته؟ أيحسن أن أرجع عن بابك بالخيبة مصروفاً ولست أعرف سواك مولىً بالاحسان موصوفاً؟ كيف أرجو غيرك والخير بيدك؟ وكيف أأمل سواك ، والخلق والأمر لك؟ أأقطع رجائي منك ،
__________________
(١) سورة الزمر : آية (٣٦).
(٢) سورة الذاريات : آية (٥٨).
وقد أوليتني ما لم أسأله من فضلك؟.
أم تفقرني الى مثلي ، وأنا أعتصم بحبلك(١) ؟.
الامام زين العابدين مثل العبد المؤمن الراجي لذلك نراه يحاسب ربه حساباً تلذ له النفوس. فمن رجاه لا يخشى شيئاً عند مخلوق ولا يتكفف الأيدي ، والله كافٍ عبده.
«وسلاحه البكاء».
البكاء من خشية الله ، والبكاء حياءً من الله نتيجة مخالفاته وأعماله القبيحة. البكاء ممكا تجاوز به على الآخرين ليتنعم أياماً ثم مصيره الى التراب الى القبر ، الى الظلمة ، والى الحساب اليسير امام من لا تخفى عليه حتى أنفاسه.
ولكن مع كل ذلك فبوارق الأمل لن تموت ، والاماني الحلوة بعد لا تزال تراود العبد ما دام في هذه الحياة فهو أمام رب غفور رحيم.
«يا سابغ النعم».
سبغ الشيء : تم. وأسبغ الله عليه نعمه : أتمها.
والله هو متمم النعم على عبده ، وهو المتفضل فكيف يحصل القنوط للعبد؟
__________________
(١) فقرات من مناجات الإِمام علي بن الحسين «عليه السلام» الموسومة بمناجات الراجين.
«يا دافع النقم».
وقد قال الله عز وجل :( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّـهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ) (١) .
وهذه طبيعة الإِنسان ينعم الله عليه بكل ما يحيطه من خير ، ورزقٍ ومن ثم اذا مسه الضر فلا يجد ملجأً الا اليه ، فهو غياث المستغيثين ، وهو رجاء الراجين. ومع ذلك يعود الانسان الى المخالفات لو أنجاه الله من الكرب التي تلم به ـ وفي الوقت نفسه ـ يجد من ربه رباً ودوداً رحيماً يغفر له ما تجاوز به ، ويقبل منه عذره ، فينعم عليه ، ويدفع عنه نقمه.
«يا نور المستوحشين في الظلم».
والظلم كثيرة : إذا أبقينا اللفظ على ما هو عليه من الظلمة الحقيقية. فهو نور لمن في بطون الأمهات حيث تحيط بهم الظلمة ، وهو نور لمن في البحار ، وهو نور لمن يسلك الطرقات المظلمة في الليالي غير المقمرة.
ولكن الظُلم في هذه الفقرة ، ربما اكن المراد بها أوسع من ذلك.
فهو نور المستوحشين في الكرب ، والمهمات ، وكل من تظلم الدنيا بعينه إذا نزلت به نازلة ، وحلت به كارثة ليجد نفسه ، وقد توحد يعاني آلام الوحدة ، وكرب الوحشة ، وحينئذٍ يجد من نفسه ،
__________________
(١) سورة النحل : آية (٥٢).
وقد لجأ الى الله فهو حسبه ، وهو الذي يأخذ بيده ، فيزيح عنه ظلمات الهم ، والغم.
«يا عالماً لا يعلم».
لان علمه عز وجل غير مكتسب ، بل هو طبيعي ذاتي قديم يعلم من نوايا العبد ما يخفى على الآخرين.
«صل على محمد وآل محمد».
والصلاة : هي : الدعاء ، والرحمة ، والاستغفار.
والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هي : حسن الثناء من الله على الرسول وقيل : الصلاة من الله هي الرحمة ، ومن الملائكة الاستغفار.
ومن المؤمنين الدعاء ، ومن الطير والهوام التسبيح.
وهي لا تكون إلا في الخير بخلاف الدعاء فإنه يكون في الخير والشر.
وقد أخبر القرآن الكريم بان الله عز وجل يصلي على النبي :
( إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (١) .
الله ، وملائكته يصلون على النبي. والصلاة منه تعالى هي ذكره النبي بالثناء في السموات ، ومن ملائكته دعاؤهم له ،
__________________
(١) سورة الأحزاب : آية (٥٦).
واستغفارهم له.
ومن هذا المنطلق الرفيع يوجه الدعاء الداعي لان يختم مناجاته بالدعاء لنبي الرحمة ، ولآل بيته الأطهار الأئمة الانثي عشر بدأ من الإِمام : علي بن ابي طالب «أمير المؤمنين» وولديه الامامين : الحسن ، والحسين ، والأئمة التسعة من ذرية الحسين وهم :
علي بن الحسين ، ومحمد الباقر ، وجعفر الصادق ، وموسى الكاظم ، وعلي بن موسى الرضا ، ومحمد الجواد ، وعلي الهادي ، والحسن العسكري ، وختاماً بالحجة بن الحسن المهدي «عليهم السلام».
هؤلاء هم أوصياء النبي الاكرم ، وحاملو ثقل الرسالة بقاءً واستمراراً. فلهم تطلب الرحمة ، ولجهودهم الخيرة تقدم آيات التعظيم والتمجيد.
( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (١) .
«وافعل بي ما أنت أهله».
وهكذا تنتهي بالداعي هذه المسيرة الدعائية فقد بدأ مستغفراً خاضعاً متضرعاً ، وقد كشف حاله أمام ربه ، وبين نواياه ، وطلب منه فتح صفحة جديدة من حياته يخلص له فيها التوبة ، ويعاهده على أن يكون إنساناً على نحو ما تريده الشريعة المقدسة لكل البشر الخيرين.
__________________
(١) سورة الأحزاب : آية (٣٣).
كل هذا جعله الداعي بين يديه خالقه ، ووشح دعاءه بكلمته الاخيرة «وافعل بي ما أنت أهله».
لا ما أنا أهله. فمني ما يليق بلؤمي ، ومنك ما يليق بجودك ، وكرمك.
يا رب ان عظمت ذنوبي كثرة |
فلقد علمت بأن عفوك أعظم. |
|
إن كان لا يرجوك إلا محسن |
فبمن يلوذ ويستجير المجرم. |
|
أدعوك رب كما أمرت تضرعاً |
فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم. |
خاتمة المطاف :
وهكذا أحمد الله عز وجل ، وأشكره شكراً يليق بكرمه على توفيقي لإِكمال شرح هذا الدعاء الجليل (دعاء كميل).
ولعلني قمت بخدمة لإِخواني في تقديم بعض ما يتعلق بهذا الدعاء من جوانب غامضة ، أو مواضيع كانت بحاجة الى البحث ، والتنقيب.
ويسرني وأنا في نهاية الشوط أن أتصور (قارئي الكريم) وقد سرنا معاً خاشعين في رحاب الله نردد كلمات الاستغفار ، ونطلب منه العفو ، والمزيد من التوفيق إنه سميع مجيب.
ما جاء في مقدمة الكتاب :
مع القاريء.
في رحاب الله.
مع الدعاء.
الدعاء بين الرفض والقبول.
القائلون بقبول الدعاء مطلقاً.
الرد على هذا القول.
مع القائلين برفض الدعاء ، وأدلتهم.
الطائفة الأولى من القائلين بالرفض.
الطائفة الثانية.
الرد عليهم.
الطائفة الثالثة.
الرد عليهم.
الطائفة الرابعة.
الرد عليهم.
الطائفة الخامسة.
الرد عليهم.
القائلون بالحد الوسط بين الرفض والقبول.
المسيرة الدعائية ، تأريخها.
نظرة الأديان السماوية الى الدعاء.
الإِسلام ، والدعاء.
الدعاء من الناحية الاجتماعية.
الدعاء الى الله على قسمين.
الدعاء من القسم الأول.
الدعاء من القسم الثاني.
الدعاء من الناحية النفسية.
أدعية المعصومين ، واستغفارهم ، الإِشكال على ذلك.
الجواب عن هذا الإِشكال.
أدب الداعي.
أدب الدعاء.
دعاء كميل.
كميل بن زياد النخعي.
روايته للدعاء.
ولادته ووفاته.
ومدفنه.
بعض ما ورد في الكتاب من مطالب :
في قوله : «اللهم اني أسألك برحمتك» الخ جاء :
١ ـ ما يقتضيه أدب الدعاء لافتتاح الدعاء.
٢ ـ الفرق بين السؤال ، والأمر.
٣ ـ الفرق بين السرف ، والقنوط.
وفي قوله : «وبقوتك التي قهرت بها كل شيء» الخ جاء :
المراد : بقوة الله القاهرة.
وفي قوله : «وذل لها كل شيء» جاء :
المراد من كلمة (ذل) ، وهل انها من (الذل) بالكسر ، او (الذُل) بالضم؟
وفي قوله : «وبوجهك الباقي» جاء :
المراد : من وجه الله ما هو؟
وفي قوله : «وبأسمائك التي ملأت أركان كل شيء» جاء : الحث على التوسل بأسماء الله الحسنى.
وفي قوله : «وبعلمك الذي أحاط بكل شيء» جاء :
المراد من علم الله.
وفي قوله : «وبنور وجهك». جاء :
ما هو المراد من نور الله؟
وفي قوله : «يا أول الأولين» جاء :
المراد : بالأول ، والآخر.
وفي قوله : «اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم» جاء :
١ ـ ما هي تلك الذنوب؟
٢ ـ اقتضائية تلك الذنوب لما رتب عليها ، لا السببية الحقيقية.
وفي قوله : «اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم» جاء :
ما هي تلك الذنوب؟
وفي قوله : «اللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم» جاء :
بيان تلك الذنوب.
وفي قوله : «اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء» جاء :
ذكر تلك الذنوب.
وفي قوله : «اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء» جاء :
تعداد تلك الذنوب.
وفي قوله : «اللهم اغفر لي الذنوب التي تقطع الرجاء» جاء :
١ ـ التحقيق في ورود هذه الفقرة في الدعاء.
٢ ـ بيان الذنوب التي تكون سبباً لقطع الرجاء.
وفي قوله : «وكل ذنب أذنبته ، وكل خطيئة أخطأتها». جاء :
الفرق : بين الذنب ، والخطيئة.
وفي قوله : «اللهم اني اتقرب اليك بذكرك» جاء :
كيف يتقرب العبد الى ربه؟
وفي قوله : «وان تدنيني من قربك». جاء :
ما يتقوم به القرب من الله.
وفي قوله : «وتجعلني بقسمك راضياً». جاء :
١ ـ تطلع الإِنسان الى الرزق في هذه الحياة.
٢ ـ مشكلة التفاوت في الرزق ، والجواب عنها.
٣ ـ القناعة : ما هي؟
٤ ـ ضرورة القناعة للفرد.
وفي قوله : «وفي جميع الأحوال متواضعاً». جاء : الحث على التواضع في القرآن ، والسنة.
وفي قوله : «وخفي مكرك». جاء :
المراد من مكر الله. ما هو؟
وفي قوله : «ولا لشيء من علمي القبيح بالحسن مبدلاً غيرك». جاء :
بين عمن تقبل توبته من المذنبين ، ومن لا تقبل منه.
وفي قوله : «سبحانك ، وبحمدك». جاء :
١ ـ معنى سبحان الله.
٢ ـ تسبيح الله ليس بمقتصر على البشر بل كل شيء في هذا الوجود يسبحه ولكن كل بحسبه ، وما هي له.
٣ ـ كل شيء في هذه الحياة حي.
وفي قوله : «وكم من مكروه دفعته». جاء :
المراد من دفع المكروه.
وفي قوله : «وحبسني عن نفعي بعد آمالي» جاء :
آمال الإِنسان كيف تلتئم مع ما دل على قصر الأمل ، والإِعراض عن الدنيا.
وفي قوله : «ونفسي بجنايتها» جاء :
بحث عن معاني النفس وفي قوله : «ولا تعاجلني بالعقوبة» جاء :
١ ـ معنى المعاجلة في العقوبة في الدنيا.
٢ ـ أقسام العقاب.
وفي قوله : «وكثرة شهواتي ، وغفلتي». جاء :
كيف تجتمع الغفلة من العبد ، والعقاب على ما صدر منه في هذه الحالة؟
وفي قوله : «وأسعده على ذلك القضاء». جاء :
حيث عن القضاء ، والقدر.
٢ ـ ما يرد القضاء.
وفي قوله : «فلك الحمد». جاء :
التحقيق في هذه الفقرة بين : «فلك الحمد ، أو فلك الحجة».
وفي قوله : «يا رب ارحم ضعف بدني». جاء :
بحث في ضعف الإِنسان في جميع مراحل تكوينه ، وحياته.
وفي قوله : «ورقة جلدي» جاء :
١ ـ تركيب الجلد ، وتكونه ، وفوائده.
٢ ـ مشكلة تعذيب الجلد ، وابداله بعد حرقه ، والجواب عنها.
وفي قوله : «ودقة عظمي». جاء :
١ ـ تركيب العظم ، والمواد التي يتكون منها.
٢ ـ تشكل العظام.
٣ ـ انواع العظام.
وفي قوله : «يا من بدأ خلقي». جاء :
١ ـ المسيرة الحياتية للإِنسان كيف بدأت؟.
٢ ـ الجنين ، وكيفية تكوينه. ن
وفي قوله : «وذكري ، وتربيتي» جاء :
تربية الله للإِنسان : كيف تكون؟.
وفي قوله : «ولهج به لساني من ذكرك». جاء :
المراد بذكر الله ، فوائده.
وفي قوله : «يا رب وانت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدنيا ، وعقوباتها» جاء :
١ ـ تقسيم العقوبة الى قسمين.
٢ ـ عقوبة تسري الى الاعقاب.
٣ ـ مشكلة سراية العقوبة على الأولاد بسبب جرائم الآباء.
٤ ـ الجواب عنها.
٥ ـ سراية الرق الى الاعقاب بسبب أسر الآباء ، والجواب عنه.
وفي قوله : «فكيف إحتمالي لبلاء الآخرة» جاء :
١ ـ نبذة عن الاحتضار ، وسكرات الموت.
٢ ـ القيامة ، وأهوالها.
وفي قوله : «لا يخفف عن اهله» جاء : بحث عن الشفاعة :
وفي قوله : «فكيف أصبر على فراقك». جاء :
١ ـ إبتلاء الإِنسان بالآلام الروحية كابتلائه بالآلام الجسدية.
٢ ـ صفات المحبين لله.
٣ ـ الإِسلام يجمع بين الدنيا ، والآخرة.
وفي قوله : «صبرت على حر نارك». جاء :
نبذة عن نار جهنم ، وأوصافها.
وفي قوله : «ولأنادينك اين كنت يا ولي المؤمنين». جاء :
بحث عن حقيقة الإِيمان ، والأقوال في ذلك.
وفي قوله : يا غاية آمال العارفين». جاء :
بيان صفات العارفين ، والزاهدين ، والاقوال فيهما.
وفي قوله : «وحبس بين أطباقها بجرمه ، وجريرته». جاء :
بيان طبقات جهنم ، والعذاب فيها.
وفي قوله : «أم كيف يشتمل عليه زفيرها؟» جاء :
صفة زفير جهنم.
وفي قوله : «أم كيف تزجره زبانيتها؟». جاء :
البحث عن الزبانية. من هم؟
وفي قوله : «وقضيت به من اخلاد معانديك». جاء :
١ ـ من يخلد في النار؟
٢ ـ مشكلة خلود بعض المسلمين في النار : كالزاني ، وآكل الربا.
٣ ـ الجواب عن المشكلة.
وفي قوله : «أقسمت أن تملأها من الكافرين من الجنة ، والناس أجمعين». جاء :
١ ـ نبذة عن حقيقة الجن.
٢ ـ شمول العذاب لفصائل الجن.
٣ ـ خلود الجاحدين والمعاندين في جهنم.
وفي قوله : «وبالقضية التي حتمتها». جاء :
ما هي تلك القضية التي حتمها الله؟
وفي قوله : «وكل قبيح أسررته». جاء :
المراد بالقبيح الذي يصدر من الإِنسان ما هو؟
وفي قوله : «وكل سيئة امرت بإثباتها الكرام الكاتبين». جاء :
بحث عن الرقابة عن الإِنسان.
جهاز الرقابة على الإِنسان يتألف من اركان ثلاثة :
الملائكة من هم؟
الكرام الكاتبون من هم ، وما هي مهمتهم؟
كيف تشهد جوارج الإِنسان عليه يوم القيامة؟.
وفي قوله : «واعظم صفاتك». جاء :
بيان تلك الصفات.
وفي قوله : «صل على محمد وآل محمد». جاء :
ما هي الصلاة المقصودة في هذه الفقرة ، وكيف يصل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم السلام.
مصادر الكتاب
١ ـ القرآن الكريم
حرف الألف |
|
الإِصابة |
«تراجم» لاحمد بن علي بن حجر العسقلاني دار إحياء التراث العربي / بيروت |
إحياء العلوم |
«إحياء علوم الدين» لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي. مؤسسة الحلبي ، وشركاه : القاهرة. |
أسرار العارفين |
«شرح دعاء كميل» للمرحوم السيد جعفر آل بحر العلوم الطباطبائي المطبعة المرتضوية / النجف الاشرف |
الأصول من الكافي |
«حديث» لأبي جعفر محمد بن يعقوب بن اسحق الكليني دار الكتب الإِسلامية / طهران |
الأعلام |
«تراجم» لخير الدين الزركلي الطبعة الثالثة. |
إقبال الأعمال |
«ادعية» لرضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن دعفر بن طاوس دار الكتب الإسلامية / طهران |
أقرب الموارد |
«لغة» لسعيد الخوري الشرتوني بيروت |
أمالي الصدوق |
«حديث» لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الشيخ الصدوق المطبعة الحيدرية النجف الأشرف |
امالي الطوسي |
«حديث» لشيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي |
حرف الباء |
|
بحار الأنوار |
«حديث» للمولى شيخ الإسلام : محمد باقر المجلسي منشورات المكتبة الإسلامية / طهران |
البلد الأمين |
«دعاء» لتقي الدين بن الشيخ ابراهيم الكفعمي الجبعي طبع اوفست مروي طهران |
حرف التاء |
|
تأريخ الإسلام |
«تأريخ» لأبي عبد الله شمس الدين محمد الذهبي |
تفسير التبيان |
«تفسير القرآن الكريم» للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المطبعة العلمية / النجف الأشرف |
تفسير مجمع البيان |
«تفسير القرآن الكريم» للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي المكتبة الإسلامية / طهران |
التفسير الكبير |
«تفسير القرآن الكريم» لمحمد بن العمر بن الحسين المعروف «بالفخر الرازي» المطبعة البهية / مصر |
تفسير القرطبي |
«تفسير القرآن الكريم» لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي طبع داء الكتب / المصرية |
تحف العقول |
«حديث» للشيخ أبي محمد الحسن بن علي بن الحسين شعبة الحراني طبع إيران |
تنقيح المقال |
«تراجم» للشيخ عبد الله المامقاني إنتشارات جهان / طهران |
التوحيد |
«حديث» للشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين ابن بابويه القمي دار المعرفة / بيروت |
تهذيب التهذيب |
«تراجم» لشهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني طبع حيدر آباد / الهند. |
حرف الجيم |
|
جامع السعادات |
«أخلاق» للمولى الجليل الشيخ محمد مهدي النراقي مطبعة النجف / النجف الأشرف |
جمهرة انساب العرب |
«تراجم». لأبي محمد علي بن سعيد بن حزم الاندلسي طبع دار المعارف / القاهرة |
حرف الخاء |
|
خصال |
«حديث» لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الشيخ الصدوق |
حرف الدال |
|
الدر المنثور |
«حديث في التفسير المأثور» لجلال الدين السيوطي الناشر محد أمين دمج ، وشركاه |
الدعاء |
«دعاء» للسيد رضي الشيرازي منشورات مسجد الشفاء / طهران |
حرف الذال |
|
الذريعة الى تصانيف الشيعة |
«تراجم» للبحاثة الشيخ أقا بزرك الطهراني |
حرف الزاء |
|
الزهراء |
«لغة» |
حرف السين |
|
سفينة البحار |
«حديث» للبحاثة الشيخ عباس القمي منشورات مكتبة سنائي / طهران |
سنن ابن ماجة |
«حديث» لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني |
سنن الترمذي |
«حديث» للحافظ ابي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي منشورات دار الفكر / بيروت |
حرف الشين |
|
شرح دعاء كميل |
«دعاء» لعبد الأعلى بن محمد القاضي السبزواري المطبعة العلمية / طهران |
شرحي الاشارات |
«فلسفة» للخواجة نصير الدين الطوسي ، وفخر الدين الرازي المطبعة الخيرية / القاهرة |
حرف الصاد |
|
صحيح البخاري |
«حديث» لمحمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة البخاري |
الصحيفة السجادية «دعاء» |
من كلمات الإِمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) داء التربية / بغداد |
حرف العين |
|
عقائد الإِمامية |
«عقائد» للشيخ محمد رضا المظفر مطبعة النعمان / النجف الأشرف |
حرف الفاء |
|
في ظلال القرآن |
«تفسير القرآن الكريم» لمحمد قطب دار احياء التراث العربي / بيروت |
حرف القاف |
|
القاموس المحيط |
«لغة» لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي طبعة دار الفكر / بيروت |
حرف الكاف |
|
الكامل في التاريخ |
«تاريخ» لعلي بن عبد الكريم محمد بن محمد بن عبد الكريم المعروف «بابن الأثير» الطبعة الأولى / المطبعة الأزهرية / القاهرة |
حرف اللام |
|
لسان العرب |
«لغة» لمحمد بن جلال الدين بن منظور دار لسان العرب / بيروت |
حرف الميم |
|
المصباح |
«أدعية» لتقي الدين الكفعمي مؤسسة مطبوعات إسماعيليان / طهران |
المفردات في غريب القرآن |
«لغة» لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الإِصفهاني دار المعرفة للطباعة النشر / بيروت |
من علوم الطب في الإِسلام |
«طب» الدكتور عارف القوغولي مطبعة النجف / النجف الأشرف |
مجمع البحرين |
«لغة» للشيخ فخر الدين بن الشيخ محمد علي الطريحي. طبع إيران |
المحجة البيضاء |
«حديث» لمحمد بن المرتضى المولى المحسن الكاشاني مكتبة الصدق / طهران |
مختار الصحاح |
«لغة» لمحمد بن أبي بكر الرازي مطبعة الترقي / دمشق |
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول |
للمولى محمد باقر المجلسي دار الكتب الإِسلامية / طهران |
مصابيح الجنان |
«أدعية» للسيد عباس الكاشاني المطبعة الحيدرية / النجف الأشرف |
المناقب |
«تراجم» لرشيد الدين ابو جعفر محمد بن علي ابن شهر آشوب المطبعة الحيدرية / النجف الأشرف |
الميزان في تفسير القرآن |
«تفسير» للسيد محمد حسين الطباطبائي دار الكتب الإِسلامية / طهران |
الموسوعة الطبية الحديثة |
«طب» تأليف مجموعة من الأطباء مطابع سجل العرب / بيروت |
حرف النون |
|
نهج البلاغة |
«من كلام الإِمام علي بن أبي طالب» ـ ع ـ دار المعرفة / بيروت |
النهاية في غريب الحديث |
«لغة» لمحمد بن عبد الكريم المعروف «بإبن الأثير» المطبعة الخيرية / مصر |
حرف الواو |
|
وسائل الشيعة |
«حديث» للشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي منشورات المكتبة الإِسلامية / طهران |
فهرسْت
بسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيْم ٥
مع دعاء كميل ٧٩
دُعاءُ كُميل ٩٣
الشرح ١٠١
بسم الله الرحمن الرحيم ١٠٣
ما جاء في مقدمة الكتاب : ٤٤٣
بعض ما ورد في الكتاب من مطالب : ٤٤٥
مصادر الكتاب ٤٥٣
حرف الألف ٤٥٣
حرف الباء ٤٥٤
حرف التاء ٤٥٥
حرف الجيم ٤٥٦
حرف الخاء ٤٥٧
حرف الدال ٤٥٧
حرف الذال ٤٥٧
حرف الزاء ٤٥٧
حرف السين ٤٥٨
حرف الشين ٤٥٨
حرف الصاد ٤٥٨
حرف العين ٤٥٩
حرف الفاء ٤٥٩
حرف القاف ٤٥٩
حرف اللام ٤٦٠
حرف الميم ٤٦٠
حرف النون ٤٦٢
فهرسْت ٤٦٤