بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة الناشر
الحمدلله وحده
والصلاة على من لا نبي بعده
وآله الأطهار.
بين مفردتين:
بين يدي هذا الكتاب.. لا بد أن نلقي بصيصاً من الضوء على قضية ربما خفيت على البعض.. وسببت الكثير من الخلط والإبهام في الأذهان..
وهذه القضية هي: أنّ هنالك مفردتين:
«المفردة الأولى»: «الوحدة السياسية» في مواجهة العدو المشترك.
و«المفردة الثانية»: «الحوار الفكري الحر» في محاولة الوصول الى «الحق».
فهل يوجد هنالك تناقض بين هاتين المفردتين؟
وهل تلغي الوحدة السياسية: الحوار الفكري الحرّ؟
أم هل يفجر الحوار الفكري الحرّ: الوحدة السياسية؟
الجواب على هذه الأسئلة الثلاثة: كلا!
إذ لا يوجد هنالك أي تناقض بين الوحدة السياسية.. والحوار الفكري.
إن الوحدة السياسية بين أبناء الأمة الواحدة ضرورية.. في مواجهة العدو المشترك.. ولكن «الوصول الى الحق» هو الآخر ضروري أيضاً
فالحق هو محور الكون وبالحق قامت السموات والأرض وهدف كل إنسان ينبغي أن يكون هو «الوصول الى الحق».
وهل يمكن الوصول إلى الحق إلا عبر «الحوار الفكري الحر» و «النقاش العلمي البناء»؟
القرآن الكريم يدعو إلى الحوار:
ولعله من هنا نجد أنّ القرآن الكريم: يفتح جميع المناطق الفكرية للحوار الحرّ.. فلا توجد هنالك «منطقة محرمة» أمام الحوار والمناقشة.
وحتى مسألة «الألوهية» - وهي القاعدة التي يبتني عليها الدين كله - يدعها القرآن الكريم مفتوحة للحوار والبحث والمناقشة.
فالقرآن الكريم يحاور «الرأي الآخر» في الألوهية..
وفي التوحيد..
وفي النبوة..
وفي المعاد..
وفي مسائل أخرى كثيرة.. كما يظهر لمن راجع آيات القرآن الكريم.. ويؤسس القرآن الكريم قاعدة الحوار الحرّ في جميع المسائل بقوله:( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )
وهذا الكتاب - الذي يرقد بين يديك أيها القارئ الكريم - يتناول مسائل «الامامة» و«ومتفرعاتها» و«شطراً من الأحكام الفقهية الخلافية» في حوار موضوعي بنّاء.
ونسأل الله تعالى: أن يكون هذا الكتاب خطوة في طريق الكتشاف «الحق».. والعمل إليه.. والله ولي التوفيق.. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الناشر
مقدمة المترجم
جدير بأن نسمي عصرنا بعصر الحوار والتفاهم.
لقد حان الوقت ليتصارح المسلمون بأمورهم العقائدية حتى يظهر الحق وتتوحّد كلمتهم عليه، فإن الوحدة الإسلامية، أُمنية جميع المسلمين.
ولأننا لمسنا أن التفرقة هي بُغية أعدائهم، وهي الوسيلة التي استعملها أعداء الدين والمستعمرون لفرض سيطرتهم على البلاد الإسلامية، ونهب خيراتها وبث مبادئ الكفر والإلحاد والضلال والفساد بين أبناء الإسلام الحنيف.
وبما أن الوحدة الاسلامية ضرورة ملحّة، وهي لا تتم إلا بالصدق والحوار الإيجابي البنّاء بلا تعصّب ولا عناد مع تحكيم القرآن والعقل والوجدان الحر، في اختيار أحسن القول، كما أمر بذلك رب العباد في قوله العزيز:( فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) (الزمر آية ١٨)، فيلزم على المسلم الكامل والإنسان العاقل، أن يكون بصيراً في أمر دينه، عالماً بقضايا مذهبه، لا يقبل قولاً ولا يتمسك به إلّا عن دليل وبرهان، حتى يصبح في أمره على يقين وإيمان.
لأنّه إذا سلك طريقاً وتمسّك بعقائد ومبادئ بغير علم يسنده ولا دليل يعضده وبرهان يرشده، فسيكون كمن أغمض عينيه ولزم طريقاً طويلا يمشي فيه على أمل أن يوصله الى مقصده ومنزله، حتى إذا أصاب رأسه الحائط، فأبصر وفتح عينيه، فإنه سوف يرى نفسه بعيداً عن مقصده، تائهاً ضالاً عن سواء الصراط.
فمن لم يحقق في الأمور الدينية ولم يدقّق في القضايا المذهبية، بل ذهب الى مذهب آبائه ولزم سبيل أسلافه، فربما فتح عينيه بعد جهد طويل، فيرى نفسه تائها قد ضلّ السبيل.
ولذا عبّر الله العزيز الحكيم عن هكذا إنسان بالأعمى فقال:
( وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) (الإسراء ٧٢).
ولإنقاذ المسلمين من العناد والتعامي قدمت على تعريب هذا الكتاب القيّم من اللغة الفارسية الى العربية، لعلّه يحقّق شيئاً من هذا الهدف السامي. راجياً أن يترك في المسلمين أثراً إيجابياً، فيقرّب قلوبهم ويوحّد صفوفهم وكلمتهم، ويجمعهم على كلمة الله سبحانه بالحق والصلاح، والسعادة والفلاح. ولقد أدركتُ مؤلّف هذا الكتاب المرحوم آية الله السيد محمد (سلطان الواعظين) وحضرت مجلسه وسمعت حديثه ومواعظه.
فلقد كان رحمة الله عليه رجلاً ضخماً في العلم والجسم، ذا شيبة وهيبة، وكان جسيما وسيماً ذا وجه منير، قلّ أن رأيت مثله، وكان آنذاك يناهز التسعين عاماً من عمره الشريف، ولقد شاركت في تشييع جثمانه الطاهر في مدينة طهران، حيث عطّلت أسواق عاصمة إيران لوفاته وخرجت حشودٌ عظيمة في مواكب عزاء حزينة وكئيبة، ورفعت الرايات والأعلام السوداء معلنةً ولائها وحبّها لذلك العالم الجليل والسيّد النبيل.
ولا أذكر تاريخ وفاته بالضبط، ولكن كان في العقد الأخير من القرن الرابع عشر الهجري، وأُشهد الله العزيز أني لمـّا بدأت بتعريب هذا الكتاب رأيت ذلك السيد العظيم مرتين في الرؤيا، وكان مقبلاً عليَّ مبتسّماً ضاحكاً في وجهي، وكأنه يشكرني على هذا العمل.
فأسأل الله تبارك وتعالى أن يتغمّده برحمته الواسعة وأن يتقبّل هذا المجهود منه ومنا ويجعله ذخيرةً لآخرتنا ولكل من ساعد وسعى في نشر هذا الكتاب، إنه سميع الدعاء.
قم المقدسة حسين الموسوي
٢٨ شوال ١٤١٩ هـ الموافق ١٤ فبراير ١٩٩٩ م
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدّمة
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد رسوله المصطفى، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
وبعد:
إنّ هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم، هو الكتاب القيّم«ليالي بيشاور» لمؤلّفه الكبير: سماحة السيّد محمد الموسوي، الملقّب بـ:(سلطان الواعظين الشيرازي).
وقد كتب مقدّمة طويلة لكتابه استغرقت ما يقرب من مائة صفحة من كتابه القيّم هذا، تطرّق فيها على أهميّة التقارب بين المسلمين، وإلغاء الخلافات والخصومات التي بثّها الأعداء في أوساطهم.
وحثّ فيها على الوحدة الإسلامية والأُخوّة الدينية التي ندب الله المسلمين إليها، وحرّض على الاعتصام بحبل الله الذي دعاهم القرآن للتمسّك به والالتفاف حوله.
وحذّرهم عواقب التشتّت والتفرّق، وذكَّرهم اللهَ من الوقوف بعيداً والاكتفاء بالتفرّج، أو الابتعاد والاشتغال - لا سمح الله - بقذف
بعضهم بعضاً بما يسخط الرحمن ويؤذي حبيبه المصطفى، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وأرسله ليُتمّ به مكارم الأخلاق، معالي الشِّيم والفضائل الإنسانية، وجمع الناس على التوحيد.
وندبهم إلى ما ندب إليه القرآن من التعارف فيما بينهم، قال تعالى:( لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ ) (١) مرتئياً أنّ أفضل الطرق للتعارف هو: الحوار الحرّ، والنقاش العلمي البحت، والمناظرة المنطقية البعيدة عن كلّ تعصّب، والمجرَّدة عن التقاليد والأهواء، من الخلفيات الشائنة.
وقد اشترك هو (قُدّس سرّه) - بدعوة من أصدقائه ومعارفه في بيشاور(٢) - في مجالس المناظرة التي عقدت له بهذا الشأن، والتي اشترك فيها كبار علماء السُّنَّة المعاصرين له آنذاك، وقد استمرّت المناظرة ليالي عديدة استغرقت عشرة مجالس، نشرتها في حينها جرائد الهند وصحفها، وتلقّاها الناس بالقبول والترحيب.
ثمّ وُفِّق المؤلّف - رحمه الله - إلى جمعها في هذا الكتاب: «ليالي بيشاور» وعرضها على الطالبين لتكميل الإفادة والاستفادة، كما وحرّض القارئين الكرام على قراءة الكتاب بدقّة، وطلب منهم مواصلة قراءته من الصفحة الاُولى حتّى الصفحة الأخيرة، وذلك لترابط البحث وتسلسله، ممّا يؤدّي قطعُه إلى ضياع الموضوع، وعدم الاستفادة الكاملة من البحث.
ولمـّا كان الكتاب باللغة الفارسية، وقد أجاز - قدّس سرّه - في
____________________
١) سورة الحجرات، الآية ١٣.
٢) وهي على الحدود الباكستانية الأفغانية.
المقدمة ترجمة الكتاب - ترجمة أمينة - إلى سائر اللغات، حاولنا ترجمته إلى اللّغة العربية، مساهمةً منّا في هذه الخدمة الإنسانية النبيلة، بغية التوصّل إلى الحقّ، والتعرّف على الواقع والحقيقة، ومشاركةً منّا في ما دعانا إليه كتاب الله وسُنّة رسوله الكريم وسيرة أهل بيته الطاهرين، من: التعارف والتقارب، والتوحيد والتآخي، و أخيراً نيل العزّة والسعادة في الدنيا، والنجاة والفوز بالجنّة في الآخرة، إن شاء الله تعالى.
قال السيّد المؤلّف:
سافرت إلى العتبات المقدّسة في شهر ربيع الأوّل عام ١٣٤٥ هـ، وكان لي من العمر ثلاثون سنة، فتشرّفت بزيارة مراقد الأئمّة الأطهار من آل النبي المختار (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم) في العراق، ومنها عزمت على السفر إلى الهند وباكستان بغية السفر منهما إلى خراسان والتشرّف بزيارة الإمام الرضاعليهالسلام ، فوصلت - كراتشي - وهي مدينة ساحلية تُعَدُّ من أهمّ الموانىء في المنطقة-.
وما إنْ وصلتُ إليها إلّا وانتشر خبر وصولي في أهمّ الصحف هناك، فجاءتني دعوات كثيرة من الإخوة المؤمنين الّذين كانت بيني وبينهم معرفة سابقة ومودّة قديمة، وكان لا بُدّ لي من إجابة تلك الدعوات الكريمة، وإن كانت تستوجب منّي قطع مسافات بعيدة، وشدّ الرحال من مدينة إلى أُخرى، ومن بلد إلى آخر.
فواصلت سفري إلى مدينة بومبي، وهي - أيضاً - من أكبر مدن الهند وأعظم الموانىء فيها، فاستقبلني المؤمنون الّذين دعوني إليها
ومكثت فيها ضيفاً معزّزاً بين أهلها ليالي وايّاماً.
ثمّ تابعت السفر على مدينة (دهلي) ومنها إلى (آگره) و(لاهور) و(بنجاب) و(سيالكوت) و(كشمير) و(حيدرآباد) و(كويته) وغيرها
وقد استقبلني كثير من الناس وعامة المؤمنين في هذه المدن بحرارة فائقة، فكانوا يرحبّون بقدومي ويحيّوني بهتافات وتحيّات على العادات والرسوم الشعبية المتعارفة هناك.
وفي أيّام وجودي في تلك المدن المهمّة التي سافرت إليها، كان العلماء من مختلف المذاهب والأديان يزورونني في منزلي، وكنت أردّ لهم الزيارة في بيوتهم، وكان غالباً ما يدور بيني وبينهم محاورات دينية ومناظرات علمية مفيدة، كنت أتعرّف من خلالها على عقائدهم، وهم يتعرّفون على عقائدي.
ومن أهمّ تلك المناقشات والمحاورات، حوار ونقاش دار بيني وبين البراهمة والعلماء الهندوس في مدينة (دهلي)، وكان ذلك بحضور قائد الهند ومحرّرها من الاستعمار الزعيم الوطني غاندي.
وكانت الصحف والمجلاّت تنشر - عبر مراسليها - كلّ ما يدور في المجلس من الحوار بالتفصيل، وبكلّ أمانة وصدق.
وكانت نتيجة تلك المناظرات أن ثبت الحقّ وزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقاً، فقد خرجتُ من الحوار مُنتصراً على المناظرين، وذلك بالأدلّة العلمية والبراهين العقلية، حتّى ثبت للحاضرين في المجلس أنّ مذهب أهل البيت - الذي هو مذهب الشيعة الجعفرية الاثنى عشرية - هو المذهب الحقّ، وأنّه أحقّ أن يُتّبع، وأنا أقول مردّداً:
( الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا الله ) (١) .
السفر إلى سيالكوت
ثمّ سافرت إلى مدينة (سيالكوت) بدعوة خاصّة من «الجمعية الاثنا عشرية» التي كان يرأسها صديقي الوفي الأُستاذ أبو بشير السيّد علي شاه النقوي، مدير مجلّة«دُرّ النجف» الاُسبوعية.
وعندما دخلت هذه المدينة لقيت استقبالاً حافلاً وتجمّعاً من مختلف الطبقات، ومن حسن الحظّ أنّي وجدت ضمن المستقبلين زميلاً لي، كان وفيّاً مشفقاً، وهو الزعيم (محمّد سرور خان رسالدار) ابن المرحوم (رسالدار محمد أكرم خان) وأخ الكولونيل (محمد أفضل خان) وهو من أكبر شخصيّات اُسرة (قزل باش) في ولاية (البنجاب).
وتعود معرفتي بهذه الاُسرة الكريمة إلى عام ١٣٣٩ هـ في مدينة كربلاء المقدَّسة، حيث كانوا قد تشرّفوا آنذاك لزيارة مراقد الأئمّة الأطهار من آل النبي المختار (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين) وسكنوا فيها، كما وكانت لهم مناصب حكومية مرموقة في ولاية البنجاب.
وكان (محمد سرور خان) هذا رئيس شرطة (سيالكوت) وكان أهل البلد يحبّونه ويحترمونه لشجاعته وحسن سيرته وديانته.
فما أن رآني حتّى ضمّني إلى صدره، ورحَّب بقدومي، وطلب منّي أن أحلّ ضيفاً عنده وأنزل مدّة إقامتي - هناك - في بيته، فقبلت
____________________
١) سورة الأعراف، الآية ٤٣.
دعوته وذهبت معه، وشَيَّعَني المستقبِلون إلى ذلك البيت الرفيع.
وفور نزولي ضيفاً هناك نشرت صحف ولاية (البنجاب) خبر وصولي إلى (سيالكوت) فكانت الوفود والرسائل - رغم عزمي على السفر إلى إيران لزيارة الإمام الرضاعليهالسلام - تتسابق في دعوتي إلى زيارة بلادهم ومدنهم.
وأخصّ بالذِكر سماحة حجّة الإسلام السيّد علي الرضوي اللاهوري، العالم الجليل، والمفسّر النبيل، صاحب تفسير «لوامع التنزيل» ذي الثلاثين مجلّداً، وكان يسكن مدينة لاهور، فدعاني بإلحاح منه وإصرار إلى هناك، فاستجبت لدعوته، وذهبت ملبّياً طلبه.
كما وتلقّيت فيها أيضاً دعوة كريمة من إخواني المؤمنين من أُسرة قزل باش، الّذين كانوا من شخصيّات ورجال الشيعة المعروفين في ولاية (البنجاب)، وكانت دعوتهم لي لزيارة مدينة (بيشاور) وهي آخر مدينة حدودية مهمّة تربط ولاية البنجاب بأفغانستان.
ولمـّا تلقّيت تلك الدعوة، ألحَّ عليَّ الزعيم (محمد سرور خان) - مضيّفي الكريم - بأن لا أردّ دعوة أفراد اُسرته ورجال قومه من (بيشاور) ورجاني أن أُلبّي دعوتهم وأذهب إليهم.
في بيشاور
ثمّ إنّي عزمت على الذهاب إلى بيشاور، فسافرت إليها في اليوم الرابع عشر من شهر رجب الحرام، وحين وردتها استقبلني أهلها استقبالاً حافلاً قلّ نظيره في تلك المدينة، وكان على رأس المستقبلين رجالات ووجهاء اُسرة قزل باش.
و لمـّا استقرّ بي المكان طلبوا منّي بإصرار أن أرتقي المنبر وأخطب فيهم، ولمـّا لم أكن أُجيد اللّغة الهندية، لم اُوافق على ارتقاء المنبر، ولم أخطب طول سفري في الهند، رغم طلباتهم المتكرّرة.
ولكن لمـّا كان أهالي مدينة بيشاور يجيدون اللغة الفارسية، وكان أكثرهم يتكلّم بها، حتّى كادت اللغة الفارسية أن تكون هي اللغة الدارجة فيها، لبّيت طلبهم وقبلت أن أخطب فيهم بالفارسية.
فكنت أرتقي المنبر وقت العصر في الحسينية التي أسّسها المرحوم (عادل بيك رسالدار) وكانت مؤسّسة ضخمة تتّسع لضم الجماهير الغفيرة من الناس، وكانت تمتلىء بالحاضرين، وهم ليسوا من الشيعة فحسب، بل فيهم كثير من أصحاب الأديان والمذاهب المختلفة - الإسلامية وغيرها -.
موضوع البحث
ولَمّا كان أكثر أهالي بيشاور مسلمين، ومن العامّة وكانوا يحضرون في المجلس مع كثير من علمائهم ومشايخهم، جعلت موضوع البحث هو: الإمامة، فكنت أتكلم حول «عقائد الشيعة» واُبيّن دلائل الشيعة العقلية والنقلية لإثباتها، وأذكر النقاشات، في المسائل الخلافية مع العامّة.
وعلى أثرها طلب منّي علماء السُنّة وكبار شخصيّاتهم الّذين كانوا يحضرون البحث أن اجتمع بهم في لقاء خاصّ للإجابة عن إشكالاتهم، فرحّبت بهم ولبّيت طلبهم.
فكانوا يأتون في كلّ ليلة إلى البيت، ويدور البحث بيننا ساعات
طويلة حول المواضيع الخلافية من بحث الإمامة وغيرها.
من بركات المنبر
وفي يوم من الأيّام عند نزولي من المنبر أخبرني بعض الحاضرين من أصدقائي بأنّ عالمين كبيرين من مشايخ العامة وهما: الحافظ محمد رشيد، والشيخ عبدالسّلام، وكانا من أشهر علماء الدين في (كابل)(١) - ومن منطقة تدعى ضلع ملتان - قد قدِما إلى بيشاور ليلتقيا بي ويشتركا مع بقية الحاضرين في الحوار الدائر فيما بيننا كلّ ليلة، وطلبوا مني السماح لهما.
فأبديتُ سروري ورضاي بهذا النبأ، واستقبلتهما بصدر منشرح وقلب منفتح، ورحّبت بقدومهما وجالستهما مع جماعة كبيرة من أصحابهما في ساعات كثيرة.
فكانوا يأتون بعد صلاة المغرب إلى المنزل الذي نزلت فيه للمناظرة، وذلك لمدة عشر ليالٍ متتالية، وكان الحوار والنقاش يدور حول المسائل الخلافية بيننا، ويطول إلى ستّ أو سبع ساعات، وربّما كان البحث والحوار يستمرّ بنا أحياناً إلى طلوع الفجر، كلّ ذلك بحضور شخصيات ورجال الفريقين في بيشاور.
ولمـّا انتهينا من المحاورة والمناظرة في آخر ليلة من المجلس، أعلن ستّة من الحاضرين - من العامّة - تشيّعهم، وكانوا من الأعيان والشخصيات المعروفة في المدينة.
ومن حسن التقدير أنّه كان يحضر مجلسنا ما يقرب من مأتي
____________________
١) عاصمة أفغانستان
كاتب من الفريقين، إذ كانوا يشتركون مع الحاضرين في مجلس المناظرة للكتابة، فكانوا يكتبون المواضيع المطروحة، ويسجّلون الحوار والنقاش وما يجري من مسائل وأجوبة وردود وشبهات، بأقلام أمينة وعبارات وافية وجميلة.
وكان بالإضافة إلى اُولئك الكُتّاب، أربعة من الصحفيّين يكتبون أيضاً ما يدور في المجلس بكلّ جزئيّاته، ثمّ ينشرون ما يدوّنوه من المناظرات والمناقشات في اليوم الثاني في الصحف والمجلّات الصادرة هناك.
ويضيف المؤلّف - رحمه الله - بعد ذلك: بأنّه سيعرض على القارىء الكريم في هذا الكتاب الذي سمّاه: «ليالي بيشاور» ما نَقَلَتْهُ تلك الصحف الرصينة، وسَجَّلتْهُ تلك الأقلام الأمينة، وما سجّله هو بنفسه من نقاط مهمّة عن تلك الليالي والمجالس التاريخية القيّمة.
ثمّ يدعو الله العليّ القدير أن ينفع به المسلمين، ويجعله ذخيرة له في يوم الدين، وكان قد كتبه وفرغ من تأليفه في طهران.
العبد الفاني
محمّد الموسوي
«سلطان الواعظين الشيرازي»
المجلس الأوّل
ليلة الجمعة ٢٣ / رجب / ١٣٤٥ هجـ
المكان: بيت المحسن الوجيه الميرزا يعقوب علي خان قزل باش(١) ، من الشخصيّات البارزة في بيشاور.
الابتداء: أوّل ساعة من الليل بعد صلاة المغرب.
إفتتاحية المجلس: حضر المشايخ والعلماء، وهم:
____________________
١) كان البيت واسعاً بحيث يسع الكثير من الناس، وكان صاحبه قد استعدّ لاستضافة الوافدين، ولذا كان المجلس ينعقد في كلّ ليلة وباستمرار في ذلك المكان، وكان صاحب البيت أيضاً يقوم بواجبه تجاه الضيوف من: حسن الضيافة، وتكريم الحاضرين، والترحيب بقدومهم، وتقديم الشاي والفواكه والحلوى لهم، وذلك على أحسن وجه.
وقزل باش يعني: أحمر الرأس، ولقب «حمر الرؤوس» كان يطلق على فوج خاصّ من جيش نادرشاه، سكنوا أفغانستان لمـّا فتحها نادرشاه، ولمـّا ضاقت الأمور على الشيعة هناك هاجروا إلى الهند وانتشروا فيها، وهم من الشيعة الأقوياء في تشيّعهم حتّى اليوم.
الحافظ(١) محمد رشيد، والشيخ عبد السلام، والسيّد عبدالحيّ، وغيرهم من العلماء، وعدد كبير من الشخصيّات والرجال من مختلف الطبقات والأصناف.
فرحبتُ بهم واستقبلتهم بصدر منشرح ووجه منبسط، كما ورحَّبَ بهم صاحب البيت واستقبلهم استقبالاً حارّاً، ثمّ أمر خدمه فقدّموا الشاي والفواكه والحلوى لجميع من حضر.
هذا، ولكنّ مشايخ القوم كانوا على عكس ما كنّا معهم، فقد رأينا الغضب في وجوههم، إذ إنّهم واجهونا في البداية بوجوه مقطّبة مكفهرّة، وكأنّهم جاؤونا للمعاتبة لا للتفاهم والمناظرة.
أمّا أنا فكنت لا اُبالي بهذه الاُمور، لأنّي لم أبتغِ من وراء هذا اللّقاء هدفاً شخصياً، ولم أحمل في نفسي عناداً ولا في صدري تعصّباً أعمى ضدّ أحد، وإنّما كان هدفي أن اُوضّح الحقّ وأُبيّن الحقيقة.
ولذلك لم أتجاوز عما كان يجب عَليَّ من المعاملة الحسنة، فقابلتهم بالبشر والابتسامة، والترحيب والتكريم، وطلبت منهم أن يبدؤا بالكلام بشرط أن يكون المتكلّم شخصاً معيّناً عن الجماعة حتّى لايضيع الوقت، ولا يفوت الغرض الذي اجتمعنا من أجله.
فوافقني القوم على ذلك وعيّنوا من بينهم الحافظ محمد رشيد ليتكلّم نيابة عنهم، وربّما خاض الآخرون - أحياناً - في البحث ولكن مع إذن مسبق.
____________________
١) الحافظ: يطلق على من حفظ القرآن وحفظ سُنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله من علماء العامة، أو الخاصة، أو على من حفظ مأة ألف حديث متناً وإسناداً.
بدء المناظرة
بهذا أخذ المجلسُ طابعَه الرسمي، وبدأت المناظرات بيني وبينهم بكلّ جدّ وموضوعيّة، فبدأ الحافظ محمد رشيد وخاطبني بلقب: (قِبله صاحب)(١) قائلاً:
منذ نزولكم هذا البلد، شرّفتم مسامع الناس بمحاضراتكم، وخطبكم، ولكن بدل أن تكون محاضراتكم منشأ الاُلفة والإخاء فقد سبّبت الفُرقة والعداء، ونشرت الإختلاف بين أهالي البلد، وبما أنّه يلزم علينا إصلاح المجتمع ورفع الاختلاف منه، عزمتُ على السفر، وقطعت مسافة بعيدة مع الشيخ عبد السّلام وجئنا إلى بيشاور لدفع الشبهات التي أثرتموها بين الناس.
وقد حضرت اليوم محاضرتكم في الحسينية، واستمعت لحديثكم، فوجدت في كلامكم سحر البيان وفصل الخطاب أكثر ممّا كنت أتوقّعه، وقد إجتمعنا - الآن - بكم لننال من محضركم الشريف ما يكون مفيداً لعامة الناس إن شاء الله تعالى.
فإنْ كنتم موافقين على ذلك، فإنّا نبدأ معكم الكلام بجدّ، ونتحدّث حول المواضيع الأساسية التي تهمّنا وتهمّكم؟
قلت: على الرحب والسعة، قولوا ما بدا لكم، فاني أستمع لكم
____________________
١) هذه الكلمة من أهم الألقاب التي يخاطب بها المسلمون في الهند وباكستان، علماء دينهم ومشايخهم، وتعني عندهم: «الإمام المقتدى» لذلك كانت الصحف التي تنشر تلك المناظرات تعبّر عن السيّد «سلطان الواعظين» بلقب: «قِبله صاحب» «المترجم»
بلهفة، وأصغي لكلامكم بكلّ شوق ورغبة، ولكن أرجو من السادة الحاضرين جميعاً - وأنا معكم - أن نترك التعصّب والتأثّر بعادات محيطنا وتقاليد آبائنا، وأن لا تأخذنا حميّة الجاهلية، فنرفض الحقّ بعد ما ظهر لنا، ونقول - لا سَمَحَ الله - مثل ما قاله الجاهلون:( حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) (١) أو نقول:( بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) (٢) .
فالرجاء هو أن ننظر نحن وأنتم إلى المواضيع والمسائل التي نناقشها نظر الإنصاف والتحقيق، حتّى نسير معاً على طريق واحد ونصل إلى الحقّ والصّواب، فنكون كما أراد الله تعالى لنا: إخواناً متعاضدين ومتحابيّن في الله تبارك وتعالى.
فأجابالحافظ: إنّ كلامكم مقبول على شرط أن يكون حديثكم مستنداً إلى القرآن الكريم فقط.
قلت: إن شرطكم هذا غير مقبول في عرف العلماء والعقلاء، بل يرفضه العقل والشرع معاً، وذلك لأنّ القرآن الكريم كتاب سماويّ مقدّس، فيه تشريع كلّ الأحكام بإيجاز واختصار ممّا يحتاج في فهمه إلى من يبيّنه، والسُنّة الشريفة هي المبيّنة، فلا بُدّ لنا أن نرجع في فهم ذلك إلى الأخبار والأحاديث المعتبرة من السُنّة الشريفة ونستدلّ بها على الموضوع المقصود.
الحافظ: كلامكم صحيح ومتين، ولكن أرجو أن تستندوا في حديثكم إلى الأخبار الصحيحة المجمَع عليها، والأحاديث المقبولة عندنا وعندكم، ولا تستندوا بكلام العوامّ والغثّ من عقائدهم.
____________________
١) سورة المائدة، الآية ١٠٤.
٢) سورة البقرة، الآية ١٧٠.
وأرجو أيضاً أن يكون الحوار هادئاً، بعيداً عن الضوضاء والتهريج حتّى لا نكون موضع سخرية الآخرين ومورد استهزائهم.
قلت: هذا كلام مقبول، وأنا ملتزم بذلك قبل أن ترجوه منّي، فإنّه لا ينبغي لرجل الدين والعالم الروحي إثارة المشاعر والتهريج في الحوار العلمي والتفاهم الديني، وبالأخصّ لمن كان مثلي،إذ إنّ لي العزّ والفخر وشرف الانتساب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهو صاحب الصفات الحسنة والخصال الحميدة والخلق العظيم، الذي أنزل الله تعالى فيه:( إِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (١) .
ومن المعلوم أنّي أولىً بالالتزام بسُنّة جدّي، وأحرى بأن لا اُخالف أمر الله (عزّ وجلّ) حيث يقول:( ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (٢) .
الحافظ: ذكرتَ أنّك منتسب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله - وهو المشهور أيضاً بين الناس - فهل يمكنكم أن تبيّنوا لنا طريق انتسابكم إلى النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله ، والشجرة التي تنتهي بكم إليه؟
قلت: نعم، إنّ نسبي يصل عن طريق الإمام الكاظم موسى بن جعفر عليه الصلاة والسلام إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وذلك على النحو التالي:
شجرة المؤلّف
أنا محمد بن علي أكبر «أشرف الواعظين» بن قاسم «بحر العلوم»
____________________
١) سورة القلم، الآية ٤.
٢) سورة النحل، الآية ١٢٥.
ابن حسن بن إسماعيل «المجتهد الواعظ» بن إبراهيم بن صالح بن أبي على محمد بن علي «المعروف بالمردان» بن أبي القاسم محمد تقي بن «مقبول الدين» حسين بن أبي علي حسن بن محمد بن فتح الله بن إسحاق بن هاشم بن أبي محمد بن إبراهيم بن أبي الفتيان بن عبدالله بن الحسن بن أحمد «أبي الطيّب» بن أبي علي حسن بن أبي جعفر محمد الحائري «نزيل كرمان» بن إبراهيم الضرير المعروف بـ «المجاب» ابن الأمير محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام عليّ السجّاد «زين العابدين» ابن الإمام أبى عبدالله الحسين «السبط الشهيد» بن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (سلام الله عليهم أجمعين).
الحافظ: جيّد، لقد انتهى نسبك - حسب بيانك هذا - إلى عليّ بن أبي طالب (كرّم الله وجهه)، وهذا الانتساب يثبت أنّك من أقرباء النبيّصلىاللهعليهوآله لا من أولاده، لأنّ الأولاد إنّما هم من ذريّة الإنسان ونسله، لا من ختنه وصهره، فكيف ادّعيت مع ذلك بأنّك من أولاد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟!
قلت: إنّ انتسابنا إلى النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله إنّما يكون عن طريق فاطمة الزهراءعليهاالسلام بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لأنّها اُمّ الإمام الحسين الشهيدعليهالسلام .
الحافظ: العجب كلّ العجب منك ومن كلامك! إذ كيف تتفوّه بهذا الكلام وأنت من أهل العلم والأدب؟!
ألستَ تعلم أنّ نسل الإنسان وعقبه إنّما يكون عن طريق الأولاد الذكور لا الإناث؟! ورسول اللهصلىاللهعليهوآله لم يكن له عقب من أولاده
الذكور!! فإذن أنتم أسباطه وأبناء بنته، لا أولاده وذرّيّته!!
قلت: ما كنت أحسبك معانداً أو لجوجاً، وإلّا لَما قمت مقام المجيب على سؤالكم، ولَما قبلت الحوار معكم!
الحافظ: لا يا صاحبي! لا يلتبس الأمر عليك، فإنّا لا نريد المراء واللّجاج وإنّما نريد أن نعرف الحقيقة، فإنّي وكثير من العلماء نظرنا في الموضوع ما بيّنته لكم، فإنّا نرى أنّ عقب الإنسان ونسله إنّما هو من الأولاد الذكور لا البنات، وذلك كما يقول الشاعر في هذا المجال:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا |
بنوهنّ أبناء الرجالِ الأباعدِ |
فإنْ كان عندكم دليل على خلافه يدلّ على أنّ أولادَ بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله أولادهُ وذرّيّتهُ فبيّنوه لنا حتّى نعرفه، وربّما نقتنع به فنكون لكم من الشاكرين.
قلت: إنّ الدلائل من كتاب الله (عزّوجلّ) والروايات المعتبرة لدى الفريقين على ذلك قويّة جدّاً.
الحافظ: أرجو منكم أن تبيّنوها حتّى نستفيد بذلك.
قلت: إنّي وفي أثناء كلامكم تذكرت مناظرة حول الموضوع، جرت بين الخليفة العبّاسي هارون، وبين: الإمام أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام ، فقد أجابهعليهالسلام بجواب كاف وشاف اقتنع به هارون وصدّقه.
الحافظ: كيف كانت تلك المناظرة أرجو أن تبيّنوها لنا؟
قلت: قد نقل هذه المناظرة علماؤنا الأعلام في كتبهم المعتبرة، منهم: ثقة عصره، ووحيد دهره، الشيخ الصدوق في كتابه القيّم: «عيون أخبار الرضا»(١) .
____________________
١) عيون أخبار الرضا: ج ١ ص ٨٤ ح ٩.
ومنهم: علّامة زمانه، وبحّاثة قرنه، الشيخ الطبرسي في كتابه الثمين:«الاحتجاج» وأنا أنقلها لكم من كتاب «الاحتجاج»(١) وهو كتاب علمي قيّم، يضم بين دفّتيه أضخم تراث علمي وأدبي لا بُدّ لأمثالك أيّها الحافظ من مطالعته، حتّى ينكشف لكم الكثير من الحقائق العلمية والوقائع التاريخية الخافية عليكم.
أولاد البتولعليهاالسلام ذريةُ الرسول صلىاللهعليهوآله
روى العلّامة الطبرسي أبو منصور أحمد بن علي في الجزء الثاني من كتابه: «الاحتجاج» رواية مفصّلة وطويلة تحت عنوان: «أجوبة الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام لأسئلة هارون» وآخر سؤال وجواب، كان حول الموضوع الذي يدور الآن بيننا، وإليكم الحديث بتصرّف:
هارون: لقد جوّزتم للعامّة والخاصة أن ينسبوكم إلى النبيصلىاللهعليهوآله ويقولوا لكم: يا أولاد رسول الله، وأنتم بنو عليّ، وإنّما يُنسب المرء إلى أبيه، وفاطمة إنّما هي وعاء، والنبيّ جدّكم من قِبَل اُمّكم؟؟!
الإمامعليهالسلام : لو أنّ النبيصلىاللهعليهوآله نُشر فخطب إليك كريمتك، هل كنت تجيبه؟!
هارون: سبحان الله! ولم لا أجيبُهُ، وأفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك.
الإمامعليهالسلام : لكنّه لا يخطب إليّ، ولا اُزوّجه.
هارون: ولِمَ؟!
الإمامعليهالسلام : لأنّه ولدني ولم يلدك.
____________________
١) الاحتجاج: ج ٢ المناظرة رقم ٢٧١ ص ٣٣٥.
هارون: أحسنت!!
ولكن كيف قلتم: إنّا ذرّيّة النبيصلىاللهعليهوآله والنبيّ لم يعقّب؟! وإنّما العقب للذّكر لا للأنثى، وأنتم وُلْد بنت النبي، ولا يكون ولدها عقباً لهصلىاللهعليهوآله !!
الإمامعليهالسلام : أسألك بحقّ القرابة والقبر ومن فيه إلّا أعفيتني عن هذه المسألة.
هارون: لا أوْ تخبرني بحجّتكم فيه يا ولد عليّ! وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم، كذا اُنْهيَ لي، ولست أعفيك في كلّ ما أسألك عنه، حتّى تأتيني فيه بحجّة من كتاب الله، وأنتم معشرَ وُلدْ عليّ تدّعون: أنّه لا يسقط عنكم منه شيء، أَلِفٌ ولا واوٌ، إلّا تأويله عندكم واحتججتم بقوله (عزّوجلّ):( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (١) وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم!!
الإمامعليهالسلام : تأذن لي في الجواب؟
هارون: هات.
الإمامعليهالسلام : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:( وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ ) (٢) فمن أبو عيسىعليهالسلام ؟
هارون: ليس لعيسى أب!
الإمامعليهالسلام : فالله (عزّو جلّ) ألحقه بذراري الأنبياء عن طريق اُمّه مريمعليهاالسلام وكذلك ألحقنا بذراري النبيصلىاللهعليهوآله من قِبَل اُمّنا فاطمةعليهاالسلام
____________________
١) سورة الأنعام، الآية ٣٨.
٢) سورة الأنعام، الآية ٨٤ و٨٥.
هل أزيدك؟
هارون: هات.
الإمامعليهالسلام : قال الله تعالى:( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (١) ولم يدّعِ أحد أنّه أدخله النبيّصلىاللهعليهوآله تحت الكساء [و]عند مباهلة النصارى، إلّا عليّ بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسينعليهاالسلام ، واتّفق المسلمون: أنّ مصداق( أَبْنَاءَنَا ) في الآية الكريمة: الحسن والحسينعليهماالسلام ،( وَنِسَاءَنَا ) : فاطمة الزهراءعليهاالسلام .( وَأَنفُسَنَا ) : عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
هارون: أحسنت يا موسى! ارفع إلينا حوائجك.
الإمامعليهالسلام : إئذن لي أن أرجع إلى حرم جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأكون عند عيالي.
هارون: ننظر إن شاء الله(٢) .
هناك دلائل كثيرة جاءت في نفس الموضوع تدلّ على ما ذكرناه
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ٦١.
٢) لكن ما زال الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام بعيداً عن حرم جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله مفارقاً لأهله وعياله، ينقل من سجن الى سجن، مكبّلاً بالقيد والحديد وفي ظُلم المطامير حتّى قضى بدسّ هارون السمّ إليه مسموماً شهيداً صلوات الله وسلامه عليه. «المترجم».
وقد سجّلها علماؤكم ونقلها حفّاظكم ورواتكم.
منهم: الإمام الرازي في الجزء الرابع من «تفسيره الكبير»(١) وفي الصفحة (١٢٤) من المسألة الخامسة قال في تفسير هذه الآية من سورة الأنعام: إنّ الآية تدلّ على أنّ الحسن والحسينعليهماالسلام ذرّيّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأنّ الله جعل في هذه الآية عيسى من ذرّيّة إبراهيم ولم يكن لعيسى أب، وإنّما انتسابه إليه من جهة الاُمّ، وكذلك الحسن والحسينعليهماالسلام فإنّهما من جهة الاُمّ ذرّيّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
كما إنّ [الإمام] الباقرعليهالسلام استدل للحجّاج الثقفي بهذه الآية لإثبات أنّهم ذرّيّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أيضاً(٢) :
ومنهم: ابن أبي الحديد في: «شرح نهج البلاغة»، وأبوبكر الرازي في تفسيره استدلّ على أنّ الحسن والحسينعليهماالسلام أولاد رسولصلىاللهعليهوآله من جهة اُمّهم فاطمةعليهاالسلام بآية المباهلة وبكلمة:( أَبْنَاءَنَا ) كما نسب الله تعالى في كتابه الكريم عيسى إلى إبراهيم من جهة اُمّه مريمعليهاالسلام .
ومنهم: الخطيب الخوارزمي، فقد روى في «المناقب» والمير السيّد علي الهمداني الشافعي في كتابه «مودّة القربى» والإمام أحمد بن حنبل
____________________
١) التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي: المجلد السابع ج ١٣، ص ٦٦.
٢) المروي في كتاب الإحتجاج: ج ٢ ص ١٧٥ المناظرة ٢٠٤ أن الإمام الباقرعليهالسلام استدل بهذه الآية في حديثه مع أبي الجارود، فراجع.
وهو من فحول علمائكم في مسنده، وسليمان الحنفي البلخي في «ينابيع المودّة»(١) بتفاوت يسير: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال - وهو يشير إلى الحسن والحسينعليهماالسلام -: «إبناي هذان ريحانتاي من الدنيا، إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا».
ومنهم: محمد بن يوسف الشافعي، المعروف بالعلّامة الكنجي، ذكر في كتابه «كفاية الطالب» فصلاً بعد الأبواب المائة بعنوان: «فصل: في بيان أنّ ذرّيّة النبيصلىاللهعليهوآله من صلب عليّعليهالسلام » جاء فيه بسنده عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنّه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله «إنّ الله (عزّوجلّ) جعل ذرّيّة كلّ نبي في صلبه، وإنّ الله (عزّوجلّ) جعل ذرّيّتي في صلب عليّ بن أبي طالب»(٢) .
ورواه ابن حجر المكي في صواعقه المحرقة: ص ٧٤ و٩٤ عن الطبراني، عن جابر بن عبدالله الأنصاري؛ كما ورواه أيضاً الخطيب الخوارزمي في «المناقب» عن ابن عبّاس.
قلت (٣) : ورواه الطبراني في معجمه الكبير في ترجمة الحسن، ثمّ قال:
فإن قيل: لا اتّصال لذرّيّة النبيصلىاللهعليهوآله بعليٍّعليهالسلام إلّا من جهة فاطمةعليهاالسلام وأولاد البنات لا تكون ذرّيّة، لقول الشاعر:
____________________
١) ينابيع المودة: الباب ٥٤ ص ١٩٣ وفيه: عن الترمذي عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: «ان الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا»...
٢) كفاية الطالب: ص ٣٧٩.
٣) والقائل هو الكنجي الشافعي تعقيباً لما رواه.
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا |
بنوهنّ أبناء الرجالِ الأباعدِ |
قلت: في التنزيل حجّة واضحة تشهد بصحّة هذه الدعوى وهو قوله (عزّو جلّ)(١) :( وَوَهَبْنَا لَهُ [أي: إبراهيم]إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ - إلى أن قال: -وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيـسَىٰ ) ، فعَدَّ عيسىعليهالسلام من جملة الذرّيّة الّذين نسبهم إلى نوحعليهالسلام وهو ابن بنت لا اتّصال له إلّا من جهة اُمّه مريم.
وفي هذا آكد دليل على أنّ أولاد فاطمةعليهاالسلام ذرّيّة النبيّصلىاللهعليهوآله ولا عقب له إلّا من جهتها، وانتسابهم إلى شرف النبوّة - وإنْ كان من جهة الاُمّ - ليس بممنوع، كانتساب عيسى إلى نوح، إذ لا فرق.
وروى الحافظ الكنجي الشافعي في آخر هذا الفصل، بسنده عن عمر بن الخطّاب، قال: سمعت رسول الله يقول: كلّ بني اُنثى فإنّ عصبتهم لأبيهم ما خلا وُلْد فاطمة، فإنّي أنا عصبتهم وأنا أبوهم(٢) .
قال العلّامة الكنجي: رواه الطبري في ترجمة الحسن.
هذا، ونقله أيضاً بتفاوت يسير وزيادة في أوّله، بأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: كلّ حسب ونسب منقطع يوم اليوم القيامة ما خلا حسبي ونسبي(٣) .
أقول: ونقله كثير من علمائكم وحفّاظكم، منهم الحافظ سليمان الحنفي في كتابه: «ينابيع المودّة»(٤) وقد أفرد باباً في الموضوع فرواه عن
____________________
١) في سورة الانعام: الآيتين ٨٤ و٨٥.
٢) كفاية الطالب: ص ٣٨١.
٣) كفاية الطالب: ص ٣٨٠.
٤) ينابيع المودة: الباب ٥٧ ص ٣١٨.
أبي صالح، والحافظ عبدالعزيز بن الأخضر، وأبي نُعيم في معرفة الصحابة، والدار قطني والطبراني في الأوسط.
ومنهم: الشيخ عبد الله بن محمد الشبراوي في:«الإتحاف بحبّ الأشراف».
ومنهم: جلال الدين السيوطي في: «إحياء الميت بفضائل أهل البيت»(١) .
ومنهم: أبو بكر بن شهاب الدين في: «رشفة الصادي في بحر فضائل بني النبيّ الهادي» ط. مصر، الباب الثالث.
ومنهم: ابن حجر الهيتمي في «الصواعق المحرقة» الباب التاسع، الفصل الثامن، الحديث السابع والعشرون، قال: أخرج الطبراني عن جابر، والخطيب عن ابن عبّاس ونقل الحديث.
وروى ابن حجر أيضاً في «الصواعق الباب الحادي عشر، الفصل الأول، الآية التاسعة ...»: وأخرج أبو الخير الحاكمي، وصاحب «كنوز المطالب في بني أبي طالب» إنّ عليّاً دخل على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وعنده العبّاس، فسلّم فردّ عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم السلامَ وقام فعانقه وقبّل ما بين عينيه وأجلسه عن يمينه.
فقال له العبّاس: أتحبّه؟
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عمّ! والله الله ُأشدّ حبّاً له منّي، إنّ الله (عزّوجلّ) جعل ذرّيّة كلّ نبيّ في صلبه، وجعل ذرّيّتي في صلب هذا.
____________________
١) من الحديث ٢٩ ص ٢٨ الى الحديث ٣٤ ص ٣٢.
ورواه العلّامة الكنجي الشافعي في كتابه: «كفاية الطالب الباب السابع»(١) بسنده عن ابن عبّاس.
وهناك مجموعة كبيرة من الأحاديث الشريفة المعتبرة، المرويّة في كتبكم، المقبولة عند علمائكم، تقول: إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يعبّر عن الحسن والحسينعليهماالسلام ، بأنّهما ابناه، ويعرّفهما لأصحابه ويقول: هذان إبناي
وجاء في تفسير: «الكشّاف» وهو من أهمّ تفاسيركم، في تفسير آية المباهلة: لا دليل أقوى من هذا على فضل أصحاب الكساء، وهم: عليٌّ وفاطمة والحسنان، لأنّها لمـّا نزلت، دعاهم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فاحتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ومشت فاطمة خلفه وعليٌّ خلفهما، فعُلِم: إنّهم المراد من الآية، وإنّ أولاد فاطمة وذرّيّتهم يسمّون أبناءه وينسبون إليهصلىاللهعليهوآلهوسلم نسبةً صحيحة نافعة في الدنيا والآخرة(٢) .
وكذلك الشيخ أبو بكر الرازي في «التفسير الكبير» في ذيل آية المباهلة، وفي تفسير كلمة( أَبْنَاءَنَا ) له كلام طويل وتحقيق جليل، أثبت فيه أنّ الحسن والحسين هم إبنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله وذرّيّته، فراجع(٣) .
____________________
١) كفاية الطالب: الباب السابع، ص ٧٩.
٢) الكشاف:ج ١ ص ٣٦٨.
٣) حول آية المباهلة والحسنينعليهماالسلام :
لقد أجمع المفسّرون على أنّ( أَبْنَاءَنَا ) في آية المباهلة إشارة إلى الحسن =
. . . . .
____________________
=
والحسينعليهماالسلام وأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخرجهما معه يوم المباهلة مجيباً أمر الله (عزّوجلّ)، وقد أجمع عليه المحدِّثون والمؤرِّخون من المسلمين.
وإليك بعض المدارك والمصادر في هذا الباب:
١- الحافظ مسلم بن الحجّاج، في صحيحه، ج ٧ ص ١٢٠ ط. محمد علي صبيح - مصر.
٢- الإمام أحمد بن حنبل، في مسنده ج ١ ص ١٨٥،ط. مصر.
٣- العلّامة الطبري، في تفسيره ج ٣ ص ١٩٢، ط. الميمنية - مصر.
٤- العلّامة أبو بكر الجصّاص - المتوفّي سنة ٢٧٠ هـ - في كتاب «أحكام القرآن» ج ٢ ص ١٦، قال فيه: إنّ رواة السير ونقله الاثر لم يختلفوا في أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذ بيد الحسن والحسين وعليٍّ وفاطمة رضي الله عنهم ودعا النصارى الّذين حاجّوه إلى المباهلة الى آخره.
٥- الحاكم في «المستدرك» ج ٣ ص ١٥٠، ط. حيدر آباد الدكن.
٦- العلّامة الثعلبي، في تفسيره في ذيل آية المباهلة.
٧- الحافظ أبو نعيم، في كتاب «دلائل النبوّة» ص ٢٩٧، ط. حيدر آباد.
٨- العلّامة الواحدي النيسابوري، في كتاب: «أسباب النزول» ص ٧٤، ط. مصر.
٩- العلّامة ابن المغازلي في كتابه مناقب علي بن أبي طالبعليهالسلام .
١٠- العلّامة البغوي، في كتابه «معالم التنزيل» ج ١ ص ٣٠٢.
وفي كتابه «مصابيح السُنّة» ج ٢ ص ٢٠٤ ط. المطبعة الخيرية.
١١- العلّامة الزمخشري، في تفسير «الكشّاف» ج ١ ص ١٩٣، ط. مصطفى محمد.
١٢- العلّامة أبو بكر ابن العربي، في كتاب «أحكام القرآن» ج ١ ص ١١٥، ط. مطبعة السعادة بمصر. =
. . . . .
____________________
=
١٣- العلّامة الفخر الرازي، في «التفسير الكبير» ج ٨ ص ٨٥، ط. البهية بمصر.
١٤- العلّامة المبارك ابن الاثير، «في جامع الاُصول» ج ٩ ص ٤٧٠، ط. المطبعة المحمدية بمصر.
١٥- الحافظ شمس الدين الذهبي، في تلخيصه المطبوع في ذيل مستدرك الحاكم، ج ٢ ص ١٥٠، ط. حيدر آباد.
١٦- الشيخ محمد بن طلحة الشافعي، في «مطالب السَؤول».
١٧- العلّامة الجزري، في كتاب «اُسد الغابة» ج ٤ ص ٢٥، ط. الاول بمصر.
١٨- العلّامة سبط ابن الجوزي، في «التذكرة» ص ١٧، ط. النجف.
١٩- العلاّمة القرطبي، في كتاب «الجامع لأحكام القرآن» ج ٣ ص ١٠٤، ط. مصر سنة ١٩٣٦.
٢٠- العلاّمة البيضاوي، في تفسيره، ج ٢ ص ٢٢، ط. مصطفى محمد بمصر.
٢١- العلاّ مة محبّ الدين الطبري، في «ذخائر العقبى» ص ٢٥، ط. مصر سنة ١٣٥٦.
وفي كتابه الآخر «الرياض النضرة» ص ١٨٨، ط. الخانجي بمصر.
٢٢- العلّامة النسفي، في تفسيره، ج ١ ص ١٣٦، ط. عيسى الحلبي بمصر.
٢٣- العلاّمة المهايمي، في: «تبصير الرحمن وتيسير المنان» ج ١ ص ١٨٢، ط. مطبعة بولاق بمصر.
٢٤- الخطيب الشيربيني، في تفسيره «السراج المنير» ج ١ ص ١٨٢، ط. مصر.
٢٥- العلّامة النيسابوري، في تفسيره، ج ٣ ص ٢٠٦، بهامش تفسير الطبري، ط. الميمنية بمصر.
٢٦- العلّامة الخازن، في تفسيره، ج ١ ص ٣٠٢، ط. مصر. =
. . . . .
____________________
=
٢٧- العلّامة أبو حيّان الأندلسي، في كتابه «البحر المحيط» ج ٢ ص ٤٧٩، ط. مطبعة السعادة بمصر.
٢٨- الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، في تفسيره، ج ١ ص ٢٧٠ ط. مصطفى محمد بمصر.
وفي كتابه «البداية والنهاية» ج ٥ ص ٥٢، ط. مصر.
٢٩- أحمد بن حجر العسقلاني، في «الإصابة» ج ٢ ص ٥٠٣، ط. مصطفى محمد بمصر.
٣٠- العلّامة معين الدين الكاشفي، في كتاب «معارج النبوّة» ج ١ ص ٣١٥، ط. لكنهو.
٣١- ابن الصَّباغ المالكي، في «الفصول المهمّة» ص ١٠٨، ط. النجف.
٣٢- جلال الدين السيوطي، في «الدر المنثور» ج ٤ ص ٣٨، ط. مصر.
وفي كتابه «تاريخ الخلفاء» ص ١١٥، ط. لاهور.
٣٣- ابن حجر الهيتمي، في كتابه «الصواعق المحرقة» ص ١٩٩، ط. المحمدية بمصر.
٣٤- أبو السعود أفندي، شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، في تفسيره ج ٢ ص ١٤٣، ط. مصر، المطبوع بهامش تفسير الرازي.
٣٥- العلّامة الحلبي، في كتابه «السيرة المحمدية» ج ٣ ص ٣٥، ط. مصر.
٣٦- العلاّمة الشاه عبد الحقّ الدهلوي، في كتاب «مدارج النبوّة» ص ٥٠٠، ط. بومبي.
٣٧- العلّامة الشبراوي، في كتاب «الإتحاف بحبّ الأشراف» ص ٥، ط. مصطفى الحلبي.
٣٨- العلامة الشوكاني، في كتاب «فتح القدير» ج ١ ص ٣١٦، طبع مصطفى الحلبي بمصر.
٣٩- العلاّمة الآلوسي، في تفسيره «روح المعاني» ج ٣ ص ١٦٧، ط. المنيرية بمصر. =
ثمّ قلت بعد ذلك: فهل يبقى - يا أيّها الحافظ! - بعد هذا كلّه، محلّ للشعر الذي استشهدت به؟! بنونا بنو أبنائنا إلى آخره.
وهل يقوم هذا البيت من الشعر، مقابل هذه النصوص الصريحة والبراهين الواضحة؟!
فلو اعتقد أحد بعد هذا كلّه، بمفاد ذلك الشعر الجاهلي - الذي قيل في وصفه: إنه كفرٌ من شعر الجاهلية -، لردّه كتاب الله العزيز وحديث رسوله الكريمصلىاللهعليهوآله .
ثمّ أعلم - أيّها الحافظ - أنّ هذا بعض دلائلنا في صحّة انتسابنا
____________________
=
٤٠- العلّامة الطنطاوي، في تفسيره «الجواهر» ج ٢ ص ١٢٠، ط. مصطفى الحلبي بمصر.
٤١- السيّد أبو بكر الحضرمي، في كتاب «رشفة الصادي» ص ٣٥، ط. الإعلامية بمصر.
٤٢- الشيخ محمود الحجازي، في تفسير «الواضح» ج ٣ ص ٥٨، ط. مصر.
٤٣- العلاّمة صدّيق حسن خان، في كتاب «حسن الاسوة» ص ٣٢، ط. الجوانب بالقسطنطنية.
٤٤- العلّامة أحمد زيني دحلان، في «السيرة النبوية» المطبوعة بهامش «السيرة الحلبية» ج ٣ ص ٤، ط. مصر.
٤٥- السيّد محمد رشيد رضا، في تفسير «المنار» ج ٣ ص ٣٢١، ط. مصر.
٤٦- العلّامة محمد بن يوسف الكنجي، في كتابه «كفاية الطالب» الباب الثاني والثلاثين.
٤٧- الحافظ سليمان الحنفي، في كتابه «ينابيع المودّة» ج ١ باب الآيات الواردة في فضائل أهل البيت، الآية التاسعة.
«المترجم»
إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وبعض براهيننا على أنّنا ذرّيّته ونسله، ولذا يحقّ لنا أن نفتخر بذلك ونقول:
اُولئك آبائي فجئني بمثلهم |
إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ |
الحافظ: إنّي اُقرّ وأعترف بأنّ دلائلكم كانت قاطعة، وبراهينكم ساطعة، ولا ينكرها إلّا الجاهل العنود؛ كما وأشكركم كثيراً على هذه التوضيحات، فلقد كشفتم لنا الحقيقة وأزحتم الشبهة عن أذهاننا.
وهنا علا صوت المؤذّن في المسجد وهو يعلن وقت صلاة العشاء، والإخوة من العامّة - بخلافنا نحن الشيعة - يوجبون التفريق بين صلاتي الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وقد يجمعون أحياناً، وذلك لسبب كالمطر والسفر.
لذا فقد تهيّئوا جميعاً للذهاب إلى المسجد، فقال بعضهم: وبما أنّا نريد الرجوع بعد الصلاة إلى هذا المكان لمتابعة الحديث، فالأحسن أن تقام جماعة في المسجد وجماعة في هذا المكان بالحاضرين، حتّى لايفترق جمعنا ولايفوت وقتنا، فهذه فرصة ثمينة يجب أن نغتنمها.
فوافق الجميع على هذا الاقتراح، وذهب السيّد عبد الحيّ - إمامُ المسجد - ليقيم الجماعة فيه بالناس.
وأمّا الآخرون فقد أقاموا صلاة العشاء جماعة في نفس المكان، واستمرّوا على ذلك بقية الليالي التالية أيضاً.
مسألة الجمع أو التفريق بين الصلاتين
ولمـّا استقرّ بنا المجلس بعد الصلاة، خاطبني أحد الحاضرين، ويُدعى النوّاب عبد القيّوم خان، وكان يُعدّ من أعيان العامة وأشرافهم، وهو رجل مثقّف يحبّ العلم والمعرفة، فقال لي: في هذه الفرصة المناسبة التي يتناول العلماء فيها الشاي أستأذنكم لأطرح سؤالاً خارجاً عن الموضوع الّذي كنّا فيه، ولكنّه كثيراً ما يتردّد على فكري ويختلج في صدري.
قلت: تفضّل واسأل، فإنّي مستعدّ للاستماع إليك.
النوّاب: كنت أحبّ كثيراً أن ألتقي بأحد علماء الشيعة حتّى أسأله: أنّه لماذا تسير الشيعة على خلاف السُنّة النبوية حتى يجمعون بين صلاتي الظهر والعصر وكذلك المغرب والعشاء؟!
قلت:
أولاً: السادة العلماء - وأشرت إلى الحاضرين في المجلس - يعلمون أنّ آراء العلماء تختلف في كثير من المسائل الفرعية، كما أنّ أئمّتكم - الأئمّة الأربعة - يختلفون في آرائهم الفقهيّة فيما بينهم كثيراً، فلم يكن إذن الاختلاف بيننا وبينكم في مثل هذه المسألة الفرعية شيئاً مستغرباً.
ثانياً: إنّ قولك: الشيعة على خلاف السُنّة النبوية، ادّعاءٌ وقول لا دليل عليه، وذلك لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان يجمع حيناً ويفرّق اُخرى.
النوّاب - وهو يتوجّه إلى علماء المجلس ويسألهم -: أهكذا كان يصنع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يفرّق حيناً ويجمع اُخرى؟
الحافظ: يلتفت إلى النوّاب ويقول في جوابه-: كان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يجمع بين الصلاتين في موردين فقط: مورد السفر، ومورد العذر من مطر وما أشبه ذلك، لكي لا يشقّ على أُمّته.
وأمّا إذا كان في الحضر، ولم يك هناك عذر للجمع، فكان يفرّق، وأظنّ أنّ السيّد قد التبس عليه حكم السفر والحضر!!
قلت: كلّا، ما التبس عَليَّ ذلك، بل أنا على يقين من الأمر، وحتّى أنّه جاء في الروايات الصحيحة عندكم: بأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يجمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر.
الحافظ: ربّما وجدتم ذلك في رواياتكم وتوهّمتم أنّها من رواياتنا!!
قلت: لا، ليس كذلك، فإنّ رواة الشيعة قد أجمعوا على جواز الجمع بين الصلاتين، لأنّ الروايات في كتبنا صريحة في ذلك، وإنّما الكلام والنقاش يدور فيما بين رواتكم حول الجمع وعدمه، فقد نقلت صحاحكم وذكرت مسانيدكم، أحاديث كثيرة وأخباراً صريحة في هذا الباب.
الحافظ: هل يمكنكم ذكر هذه الروايات والأحاديث وذكر مصادرها لنا؟
قلت: نعم، هذا مسلم بن الحجّاج، روى في صحيحه في باب «الجمع بين الصلاتين في الحضر» بسنده عن ابن عبّاس، أنّه قال: صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الظهر والعصر جمعاً، والمغرب والعشاء جمعاً، في غير خوف ولا سفر.
وروى أيضاً، بسنده عن ابن عبّاس، أنّه قال: صلّيت مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمانياً جمعاً، وسبعاً جمعاً(١) .
وروى هذا الخبر بعينه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج ٢ ص ٢٢١، وأضاف إليه حديثاً آخر عن ابن عبّاس أيضاً، أنّه قال: صلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في المدينة مقيماً غير مسافر، سبعاً وثمانياً.
وروى مسلم في صحيحه أخباراً عديدة في هذا المجال، إلى أن روى في الحديث رقم ٥٧، بسنده عن عبدالله بن شقيق، قال: خطبنا ابن عبّاس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم، فجعل الناس يقولون: الصلاة - الصلاة! فلم يعتن ابن عبّاس بهم، فصاح في هذه الأثناء رجل من بني تميم، لا يفتر ولا ينثني: الصلاة.. الصلاة!
فقال ابن عبّاس: أتعلّمني بالسُنّة؟ لا اُمَّ لك!
ثمّ قال: رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
قال عبدالله بن شقيق: فحاكَ في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدّق مقالته.
وروى مسلم في صحيحه الحديث رقم ٥٨ ذلك أيضاً بطريق آخر عن عبدالله بن شقيق العقيلي، قال: قال رجل لابن عبّاس - لمـّا طالت خطبته-: الصلاة! فسكت، ثمّ قال: الصلاة! فسكت. ثمّ قال:
____________________
١) يقصد بالثمان: ركعات الظهر والعصر، وبالسبع: ركعات المغرب والعشاء، في الحضر. «المترجم».
الصلاة! فسكت، ثمّ قال: لا اُمّ لك! أتعلّمنا بالصلاة، وكنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
وروى الزرقاني وهو من كبار علمائكم، في كتابه «شرح موطّأ مالك ج ١ ص ٢٦٣، باب الجمع بين الصلاتين» عن النسائي، عن طريق عمرو بن هرم، عن ابن الشعثاء، أنّه قال: إنّ ابن عبّاس كان يجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وصلاتي المغرب والعشاء في البصرة، وكان يقول: هكذا صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وروى مسلم في صحيحه، ومالك في: «الموطّأ» وأحمد بن حنبل في «المسند» والترمذي في صحيحه في «باب الجمع بين الصلاتين» بإسنادهم عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: جمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر، فقيل لابن عبّاس: ما أراد بذلك؟
قال: أراد أن لا يحرج أحداً من اُمّته.
هذه بعض رواياتكم في هذا الموضوع، وهي أكثر من ذلك بكثير، ولكن ربّما يقال: إنّ أوضح دليل على جواز الجمع بين الصلاتين من غير عذر ولا سفر، هو: أنّ علماءكم فتحوا باباً في صحاحهم ومسانيدهم بعنوان: «الجمع بين الصلاتين» وذكروا فيه الروايات التي ترخّص الجمع مطلقاً، فيكون دليلاً على جواز الجمع مطلقاً، في السفر والحضر، مع العذر وبلا عذر.
ولو كان غير ذلك، لفتحوا باباً مخصوصاً للجمع في الحضر، وباباً مخصوصاً للجمع في السفر، وبما أنّهم لم يفعلوا ذلك، وإنّما
سردوا الروايات في باب واحد، كان دليلاً على جواز الجمع مطلقاً!
الحافظ: ولكنّي لم أجد في صحيح البخاري روايات ولا باباً بهذا العنوان.
قلت:
أوّلاً: إنّه إذا روى سائر أصحاب الصحاح - غير البخاري - من مثل مسلم والترمذي والنسائي وأحمد بن حنبل، وشرّاح صحيحي مسلم والبخاري، وغيرهم من كبار علمائكم، أخباراً وأحاديث في مطلب ما وأقرّوا بصحّتها، ألم تكن رواية اُولئك كافية في إثبات ذلك المطلب، فيثبت إذن هدفنا ومقصودنا؟!
وثانياً: إنّ البخاري أيضاً ذكر هذه الروايات في صحيحه، ولكن بعنوان آخر، وذلك في باب «تأخير الظهر إلى العصر» من كتاب مواقيت الصلاة، وفي باب «ذِكر العشاء والعتمة» وباب «وقت المغرب».
أرجو أن تطالعوا هذه الأبواب بدقّة وإمعان حتّى تجدوا أنّ كلّ هذه الأخبار والروايات الدالّة على جواز الجمع بين الصلاتين منقولة هناك أيضاً.
الجمع بين الصلاتين عند علماء الفريقين
والحاصل: إنّ نقل هذه الأحاديث من قبل جمهور علماء الفريقين - مع الإقرار بصحّتها في صحاحهم - دليل على أنّهم أجازوا الجمع ورخّصوه، وإلّا لمـّا نقلوا هذه الروايات في صحاحهم.
كما أنّ العلّامة النووي في «شرح صحيح مسلم» والعسقلاني والقسطلاني وزكريّا الأنصاري، في شروحهم لصحيح البخاري، وكذلك الزرقاني في «شرح موطّأ مالك» وغير هؤلاء من كبار علمائكم ذكروا هذه الأخبار والروايات، ثمّ وثّقوها وصحّحوها، وصرّحوا بأنّها تدلّ على الجواز والرخصة في الجمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر ولا مطر، وخاصة بعد رواية ابن عبّاس وتقرير صحّتها، فإنّهم علّقوا عليها بأنّها صريحة في جواز الجمع مطلقاً، وحتّى لا يكون أحد من الاُمّة في حرج ومشقّة.
النوّاب - وهو يقول متعجباً -: كيف يمكن مع وجود هذه الأخبار والروايات المستفيضة والصريحة في جواز الجمع بين الصلاتين، ثمّ يكون علماؤنا على خلافها حكماً وعملاً؟!
قلت - بديهي، ومع كامل العذر على الصراحة -: إنّ عدم التزام علمائكم بالنصوص الصريحة والروايات الصحيحة لا تنحصر - مع كلّ الأسف - بهذا الموضوع فقط، بل هناك حقائق كثيرة نصّ عليها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وصرّح بها في حياته، ولكنّهم لم يلتزموا بها، وإنّما تأوّلوها وأخفوا نصّها عن عامة الناس، وسوف تنكشف لكم بعض هذه الحقائق خلال البحث والنقاش في موضوع الإمامة وغيره إن شاء الله تعالى.
وأمَّا هذا الموضوع بالذات، فإنّ فقهاءكم لم يلتزموا – أيضاً - بالروايات التي وردت فيه مع صراحتها، وإنّما أوّلوها بتأويلات غير مقبولة عرفاً.
فقال بعضهم: إنّ هذه الروايات المطلقة في الجمع بين الصلاتين لعلّها تقصد الجمع في أوقات العذر، مثل الخوف والمطر وحدوث الطين والوحل، وعل هذا التأويل المخالف لظاهر الروايات أفتى جماعة كبيرة من أكابر متقدّميكم، مثل: الإمام مالك والإمام الشافعي وبعض فقهاء المدينة فقالوا: بعدم جواز الجمع بين الصلاتين إلّا لعذر كالخوف والمطر!
ومع أنّ هذا التأويل يردّه صريح رواية ابن عبّاس التي تقول: «جمع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة من غير خوف ولا مطر».
وقال بعضهم الآخر في تأويل هذه الروايات المطلقة الصريحة في الجمع بين الصلاتين مطلقاً، حتّى وإنْ كان بلا عذر ولا سفر: لعلّ السحاب كان قد غطّى السماء، فلم يعرفوا الوقت، فلمّا صلّوا الظهر وأتمّوا الصلاة، زال السحاب وانكشف الحجاب، فعرفوا الوقت عصراً، فجمعوا صلاة العصر مع الظهر!!
فهل يصحّ - يا ترى - مثل هذا التأويل في أمر مهمّ مثل الصلاة، التي هي عمود الدين؟!
وهل أنّ المؤوِّلين نسوا أنّ المصلّي - في الرواية - هو رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأنّ وجود السحاب وعدمه لا يؤثّر في علم النبيصلىاللهعليهوآله ، الذي يعلم من الله تعالى، وينظر بنور ربّه (عزّوجلّ)؟!
وعليه: فهل يجوز أن نحكم في دين الله العظيم استناداً إلى هذه التأويلات غير العرفيّة، التي لا دليل عليها سوى الظنّ المرجوح! وقد
قال تعال:( إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ) (١) .
إضافة إلى ذلك ما الذي تقولونه في جمع النبيصلىاللهعليهوآله بين صلاتي المغرب والعشاء، مع أنّه لا أثر حينها للسحاب وعدمه فيه؟!
إذن فهذا التأويل وغيره من التأويلات، خلاف ظاهر الروايات، وخلاف صريح الخبر القائل: «إنّ ابن عبّاس استمرّ في خطبته حتّى بدت النجوم، ولم يبالِ بصياح الناس: الصلاة الصلاة، ثمّ ردّ ابن عبّاس على التميمي بقوله: أتعلّمني بالسُنّة؟! لا اُمّ لك! رأيتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء» ثمّ تصديق أبي هريرة لمقالة ابن عبّاس.
وعليه: فإنّ هذه التأويلات غير معقولة ولا مقبولة عندنا، وكذا غير مقبولة عند كبار علمائكم أيضاً، إذ أنّهم علّقوا عليها: بأنّها خلاف ظاهر الروايات.
فهذا شيخ الإسلام الأنصاري في كتابه «تحفة الباري في شرح صحيح البخاري في باب صلاة الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء آخر ص ٢٩٢ في الجزء الثاني» وكذا العلّامة القسطلاني في كتابه «إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري في ص ٢٩٣ من الجزء الثاني» وكذا غيرهما من شرّاح صحيح البخاري، وكثير من محقّقي علمائكم، قالوا: هذه التأويلات على خلاف ظاهر الروايات، وإنّ التقيّد بالتفريق بين الصلاتين ترجيح بلا مرجّح وتخصيص بلا مخصّص.
النواب: إذن فمن أين جاء هذا الاختلاف الذي فرّق بين الإخوة
____________________
١) سورة يونس، الآية ٣٦.
المسلمين إلى فرقتين متخاصمتين، ينظر بعضهم إلى الآخر بنظر البغض والعداء، ويقدح بعضهم في عبادة البعض الآخر؟!
قلت:
أولا: بما أنّك قلت: بأنّ المسلمين صاروا فريقين متعاديين، أوجب عَليَّ الوقوف قليلاً عند كلمة: متعاديين، لنرى معاً هل العداء - كما قلت - كان من الطرفين، أو من طرف واحد؟!
وهنا لا بُدّ لي - وأنا واحد من الشيعة - أن أقول دفاعاً عن الشيعة - أتباع أهل البيتعليهمالسلام ، وإزاحةً لهذه الشبهة عنهم -: بأنّا نحن معاشر الشيعة، لا ننظر إلى أحد من علماء العامة وعوامِهم بعين التحقير والعداء، بل نعدّهم إخواننا في الدين.
وذلك بعكس ما ينظره بعض العامة إلينا تماماً، إذ إنّهم يرون أنّ الشيعة أعداءَهم، فيتعاملون معهم معاملة العدوّ لعدوّه، ولم تأتهم هذه النظرة بالنسبة إلى شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآله ، وأتباع مذهب أهل بيت رسولهم الكريم، إلّا بسبب التقوّلات والأباطيل التي نُشرت ضدّهم بواسطة الخوارج والنواصب وبني اُميّة وأتباعهم من أعداء النبيّصلىاللهعليهوآله وأعداء آله الكرامصلىاللهعليهوآله ، وبسبب الاستعمار - في يومنا هذا - الذي هو ألدّ أعداء الإسلام والمسلمين، والذي يخشى على منافعه ومطامعه من وحدة المسلمين وإجتماعهم.
ومع الأسف الشديد فإنّ هذه التضليلات العدوانية أثّرت في قلوب وأفكار بعض أهل السنّة، حتّى نسبونا على الكفر والشرك!
وياليت شعري هل فكّروا في أنّهم بأيّ دليل ذهبوا إلى هذا المذهب وفرّقوا بين المسلمين؟!
ألم يفكّروا في نهي الله تعالى المسلمين عن التفرقة بقوله:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ) (١) ؟
ثمّ أليس الله (عزّوجلّ)، وحده لا شريك له، ربّنا جميعاً، والإسلام ديننا، والقرآن كتابنا، والنبيّ الكريم محمّدصلىاللهعليهوآله خاتم النبيّين وسيّد المرسلين نبيّنا، وقوله وفعله وتقريره سُنّتنا، وحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، وأنّ الحقّ ما حقّقه، والباطل ما أبطله، ونوالي أولياءه، ونعادي أعداءه، والكعبة مطافنا وقبلتنا جميعاً، والصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، والزكاة الواجبة وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، فرائضنا، والعمل بجميع الأحكام والواجبات والمستحبّات وترك الكبائر والمعاصي والذنوب مرامنا؟!
ألستم معنا في هذا كلّه؟
أم إنّ شرعنا أو شرعكم، وإسلامنا وإسلامكم غير ما بيّنّاه من الدين المبين؟؟!
وأنا على علم ويقين بأنّكم توافقوننا في كلّ ما ذكرناه، وإن كان بيننا وبينكم شيء من الخلاف فهو كالخلاف الموجود فيما بينكم وبين مذاهبكم، فنحن وأنتم في الإسلام سواء( كُلٌّ آمَنَ بِالله وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (٢) .
إذن فلماذا صار بعض العامة ينسبوننا إلى ما لا يرضى به الله ورسوله، ويبغون الفُرقة بيننا وبينهم، وينظرون إلينا بنظر العداوة
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ١٠٣.
٢) سورة البقرة، الآية ٢٨٥.
والبغضاء؟! وهذا ما يتربّصه بنا أعداء الإسلام ويريده لنا الشيطان، شياطين الإنس والجنّ، قال تعالى في ذلك:( ... شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ ) (١) .
وقال تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْـسِرِ ) (٢) فتارة يوقع الشيطان العداوة والبغضاء بين المسلمين بواسطة الخمر والميسر، وتارة بواسطة التسويلات والأوهام التي يلقيها في قلوبهم عبر التهم والأباطيل التي ينشرها شياطين الإنس في أوساطهم.
ثانياً: سألت: من أين جاء هذا الاختلاف؟
فإنّي أقول لك وقلبي يذوب حسرة وأسفاً: لقد جاء هذا وغيره من الإختلافات الفرعية على أثر اختلاف جذري وخلاف أصولي، ليس هذا الوقت مناسباً لذكره، ولعلّنا نصل إليه في مباحثنا الآتية فنتعرّض له إذا دار النقاش حوله، وحين ذاك ينكشف لكم الحقّ وتعرفون الحقيقة إن شاء الله تعالى.
ثالثاً: وأمّا بالنسبة إلى مسألة الجمع والتفريق بين الصلاتين، فإنّ فقهاءكم بالرغم من أنّهم رووا الروايات الصحيحة والصريحة في الرخصة وجواز الجمع لأجل التسهيل ورفع الحرج عن الأُمّة، أوّلوها - كما عرفت - ثمّ أفتوا بعدم جواز الجمع من غير عذر أو سفر، حتّى أنّ بعضهم - مثل أبي حنيفة وأتباعه - أفتوا بعدم جواز الجمع مطلقاً
____________________
١) سورة الأنعام، الآية ١١٢ و١١٣.
٢) سورة المائدة، الآية ٩١.
حتّى مع العذر والسفر(١) .
ولكنّ المذاهب الاُخرى من الشافعية والمالكية والحنابلة على كثرة اختلافاتهم الموجودة بينهم في جميع الأصول والفروع أجازوا الجمع في الأسفار المباحة كسفر الحج والعمرة، والذهاب إلى الحرب، وما أشبه ذلك.
وأمّا فقهاء الشيعة، فإنّهم تبعاً للأئمّة الأطهار من آل النبي المختارصلىاللهعليهوآله - الّذين جعلهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ميزاناً لمعرفة الحقّ والباطل، وعدلاً للقرآن، ومرجعاً للاُمّة في حلّ الاختلاف، وصرّح بأنّ التمسّك بهم وبالقرآن معاً أمان من الفرقة والضلالة بعده - أفتوا بجواز الجمع مطلقاً، لعذر كان أم لغير عذر، في سفر كان أم في حضر، جمع تقديم في أوّل الوقت، أم جمع تأخير في آخر الوقت، وفوّضوا الخيار في الجمع والتفريق إلى المصلّي نفسه تسهيلاً عليه ودفعاً للحرج عنه، وبما أنّ الله يحبّ الأخذ برُخَصه، اختارت الشيعة الجمع بين الصلاتين، حتّى لا يفوتهم شيء من الصلاة غفلة أو كسلاً، فجمعوا تقديماً، أو تأخيراً.
ولمـّا وصل الكلام في الجواب عن الجمع بين الصلاتين إلى هنا قلت لهم: أرى الكلام عن هذه المسألة بهذا المقدار كافياً، فإنّي أظنّ
____________________
١) جاء في كتاب «عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي» للإمام الحافظ ابن العربي المالكي: ج ١ باب «ما جاء في الجمع بين الصلاتين».
قال علماؤنا: الجمع بين الصلانين في المطر والمرض رخصة. وقال أبو حنيفة: بدعة وباب من أبواب الكبائر.
ثمّ يبدي الشارح رأيه فيقول: بل الجمع سُنّة. «المترجم»
بأنّ الشبهة قد ارتفعت عن أذهانكم وانكشف لكم الحقّ، وعرفتم: أنّ الشيعة ليسوا كما تصوّرهم البعض أو صوّروهم لكم، بل إنّهم إخوانكم في الدين، وهم ملتزمون بسُنّة النبي الكريم وبالقرآن الحكيم(١) .
عود على بدأ
قلت: والآن أرى أنّ من الأفضل أنْ نعود إلى حوارنا السابق، ونتابع حديثنا حول المسائل الأصولية المهمّة، فإنّ هناك مسائل اُصوليّة أهمّ من هذه المسائل الفرعيّة، فإذا توافقنا على تلك المسائل الاصولية، فالموافقة على أمثال هذه المسائل الفرعية حاصلة بالتبع.
الحافظ: إنّني فرحٌ بمجالسة عالم فاضل ومفكِّر نبيل، ومحادثة متفكّر، ذي اطّلاع وافر على كتبنا ورواياتنا مثل جنابكم، فقد بان لي فضلكم وعلمكم في أوّل مجلس جلسناه معكم، وكما تفضّلتم فإنّ من الأفضل - الآن - أن نتابع حديثنا السابق.
____________________
١) وأمّا دليلنا على جواز الجمع بين الصلاتين من القرآن الكريم قوله تعالى:( أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) سورة الإسراء الآية ٧٨.
فالمواقيت التي بيّنها الله تعالى للصلوات اليومية في هذه الآية المباركة، ثلاثة: ١- دلوك الشمس وهو الزوال، ٢- غسق الليل، ٣- الفجر.
وقال تعالى:( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ) سورة هود، الآية ١١٤.
فالطرف الأوّل - من طرفي النهار - هو: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والطرف الثاني هو: من زوال الشمس إلى غروبها، وزلفاً من الليل أي: أوّل الليل وهو وقت زوال الحمرة بعد غروب الشمس. «المترجم».
غير أنّي أستأذن سماحتكم لأقول متسائلاً: لقد ثبت لنا بكلامكم الشيّق، وبيانكم العذب، أنّكم من الحجاز، ومن بني هاشم، فاُحبّ أن أعرف - أنّكم مع هذا النسب الطاهر والأصل المنيف - ما حدا بكم حتّى هاجرتم من الحجاز وعلى الخصوص من المدينة المنوّرة، مدينة جدّكم ومسقط رأسكم وسكنتم في إيران؟!
ثمّ في أيّ تاريخ كان ذلك ولماذا؟!
قلت: إنّ أوّل من هاجر من آبائي إلى إيران هو الأمير السيّد محمد العابد ابن الإمام موسى بن جعفر (عليه الصلاة والسّلام)، وكان فاضلاً تقيّاً، عابداً زاهداً، ولكثرة عبادته - إذ إنّه كان قائم الليل وصائم النهار وتالياً للقرآن الكريم في أكثر ساعات ليله ونهاره - لقّب بالعابد، وكان يحسن الخطّ ويجيد الكتابة، فصار يستغل فراغه باستنساخ وكتابة المصحف المبارك، وكان ما يأخذه من حقّ مقابل كتابته يعيش ببعضه، ويشتري بالزائد منه مماليك وعبيداً ويعتقهم لوجه الله (عزّوجلّ)، حتّى أعتق عدداً كبيراً منهم بذلك.
ولمـّا أدركته الوفاة وارتحل من الدنيا ودفن في مضجعه، أصبح مرقده الشريف وإلى هذا اليوم مزاراً شريفاً لعامة المؤمنين في مدينة شيراز.
وأمر ابن الأمير اُويس ميرزا معتمد الدولة، ثاني أولاد الحاجّ فرهاد ميرزا معتمد الدولة - عم ناصر الدين شاه قاجار - بنصب ضريح فضّي ثمين على القبر الشريف، وأمر بروضته المباركة - وهي مسجد لأداء الفرائض اليومية وإقامة الجماعة، وتلاوة آيات الكتاب الكريم، وقراءة الأدعية والصلوات المستحبّة، أمَرَ أن تُزيَّن بالمرايا وأنواع البلاط
والرخام، ليكون مأوى الزائرين، الّذين يفدون إلى زيارة المرقد الشريف من كلّ صوب ومكان.
الحافظ: ما هو سبب هجرته من الحجاز إلى شيراز؟!
قلت: إنّ في أواخر القرن الثاني من الهجرة، حينما أجبر المأمون الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه الصلاة والسلام) على الرحيل من مدينة جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله والهجرة إلى خراسان، وفرض عليه الإقامة في طوس، وذلك بعد أن قلّده ولاية العهد كرهاً، وقع الفراق بين الإمام الرضاعليهالسلام وبين ذويه وإخوته.
ولمـّا طال الفراق، اشتاق ذووه واخوته وكثير من بني هاشم إلى زيارتهعليهالسلام فاستأذنوهعليهالسلام في ذلك فأذن لهم.
كما وبعثوا كتاباً إلى المأمون يطلبون منه الموافقة على سفرهم إلى طوس لزيارة أخيهم وإمامهم الرضاعليهالسلام ، حتّى لا يصدّهم المأمون وجلاوزته وعمّاله عن قصدهم، ولا يتعرّضوا لهم بسوء، فوافق المأمون على ذلك، وأبدى لهم رضاه، فشدّوا الرحال، وعزموا على السفر لزيارة الإمام الرضاعليهالسلام ، فتحرّكت قافلة عظيمة تضمّ أبناء رسول اللهصلىاللهعليهوآله وذرّيّته، وتوجّهت من الحجاز نحو خراسان، وذلك عن طريق البصرة والأهواز وبوشهر وشيراز إلى آخره.
وكانت القافلة كلّما مرّت ببلد فيها من الشيعة والموالين لآل رسول اللهصلىاللهعليهوآله انضمّ قسم كبير منهم إلى القافلة الهاشمية، التي كان على رأسها السادة الكرام من إخوة الإمام الرضاعليهالسلام ، وهم: الأمير السيّد أحمد المعروف بـ: «شاه چراغ» والأمير السيّد محمد العابد وهو: «جدّنا الأعلى» والسيّد علاء الدين حسين، أبناء الإمام
موسى بن جعفرعليهالسلام ، فكان الناس يلتحقون بهم طوعاً ورغبة لينالوا زيارة إمامهم الرضاعليهالسلام .
وعلى أثر ذلك ذكر المؤرّخون: بأنّ هذه القافلة حينما قربت من شيراز بلغ عدد أفرادها أكثر من خمسة عشر ألف إنسان، بين رجل وامرأة، وصغير وكبير، وقد غمرهم جميعاً شوق اللقاء، وفرحة الوصال والزيارة.
فأخبر الجواسيس وعمّال الحكومة المأمونَ في طوس بضخامة القافلة وكثرة أفرادها، وحذّروه من مغبّة وصولها إلى مركز الخلافة طوس، فأوجس المأمون - من الأخبار الواصلة إليه عن القافلة الهاشمية - خيفةً، وأحسّ منها بالخطر على مقامه ومنصبه.
فأصدر أوامره إلى جواسيسه في الطريق، وإلى حكّامه على المدن الواقعة في طريق القافلة الهاشمية، يأمرهم فيها بأن يصدّوا القافلة عن المسير أينما وجدوها، وأن يمنعوها من الوصول إلى طوس، وكانت القافلة قد وصلت قريباً من شيراز حين وصل أمر الخليفة إلى حاكمها بصدّها، فاختار الحاكم سريعاً وعلى الفور أحد جلاوزته المسمّى: «قتلغ خان» وكان شديداً قاسياً، وأمّره على أربعين ألف مقاتل، وأمرهم بصدّ القافلة الهاشمية وردّها إلى الحجاز.
فخرج هذا الجيش الجرار من شيراز باتّجاه طريق القافلة وعسكر في «خان زنيون» وهو منزل يبعد عن شيراز، ثلاثين كيلومتراً تقريباً، وبقوا يترصّدون القافلة، وفور وصول القافلة إلى المنطقة وهي في طريقها إلى شيراز باتّجاه طوس، بعث القائد «قتلغ خان» رسولاً إلى السادة الأشراف، وبلّغهم أمر الخليفة، وطلب منهم الرجوع إلى
الحجاز من مكانهم هذا فوراً.
فأجابه الأمير السيّد أحمد - وهو كبيرهم - قائلاً:
أولاً: نحن لا نقصد من سفرنا هذا إلّا زيارة أخينا الإمام الرضاعليهالسلام في طوس.
وثانياً: نحن لم نخرج من المدينة المنوّرة، ولم نقطع هذه المسافة البعيدة إلّا بإذن من الخليفة وبموافقة منه، ولهذا فلا مبرّر لصدّنا عن المسير.
ذهب الرسول وبلّغ مقالته إلى «قتلغ» ثمّ رجع وهو يقول: إنّ القائد قتلغ أجاب قائلاً: بأنّ الخليفة أصدر إلينا أوامر جديدة تحتّم علينا وبكلّ قوّة أن نمنعكم من السفر إلى طوس، ولعلّها أوامر أُخرى اقتضتها الظروف الراهنة، فلا بُدّ لك أن ترجعوا من هنا إلى الحجاز.
التشاور دأب النبلاء
وهنا أخذ الأمير السيّد أحمد يشاور إخوته وغيرهم من ذوي الرأي والحجى من رجال القافلة في الأمر، فلم يوافق أحد منهم على الرجوع، وأجمعوا على مواصلة السفر إلى خراسان مهما كلّفهم الأمر، فجعلوا النساء في مؤخّر القافلة، والأقوياء من الرجال المجاهدين في المقدّمة، وأخذوا يواصلون سفرهم.
وتحرّك «قتلغ خان» بجيشه وقطع عليهم الطريق، وكلّما نصحهم السادّة أبناء رسول اللهصلىاللهعليهوآله بتخلية الطريق لم ينفعهم نصحهم،
وانجرّ الموقف إلى المناوشة والمقاتلة، ومنها شبّت نيران الحرب والقتال بين الطرفين، فحمى الوطيس وانهزم جيش المأمون على أثر مقاومة بني هاشم وشجاعتهم.
فتوسّل «قتلغ خان» بالمكر والخديعة، وأمر جماعة من رجاله أن يصعدوا على التلال، وينادوا بأعلى أصواتهم: يا أبناء علي وشيعته! إنْ كنتم تظنّون أنّ الرضا سوف يشفع لكم عند الخليفة، فقد وَصَلَنا خبر وفاته، وجلوس الخليفة في عزائه، فلماذا تقاتلون؟! فإن الرضا قد مات!!
أثّرت هذه الخديعة أثراً كبيراً في انهيار معنويات المقاتلين والمجاهدين، فتفرّقوا في ظلام الليل وتركوا ساحة القتال، وبقي أبناء الرسولصلىاللهعليهوآله وحدهم، فأمر الأمير السيّد أحمد إخوته ومن بقي معه أن يرتدوا ملابس أهل القرى ويتزيّوا بزيّهم، ويتفرّقوا في سواد اللّيل، ويتنكّبوا عن الطريق العامّ حتّى يسلموا على أنفسهم ولا يقعوا في يد قتلغ خان ورجاله، فتفرّقوا من هنا وهناك، في الجبال والقفار، مشرّدين مطاردين.
وأمّا الأمير السيّد أحمد، وكذا السيّد محمد العابد، والسيد علاء الدين، فقد دخلوا شيراز مختفين، وانفرد كلّ منهم في مكان منعزل وانشغل في عبادة ربّه.
نعم، يقال: إن المراقد المنسوبة إلى آل النبيصلىاللهعليهوآله في إيران وخاصة النائية منها في القرى وبين الجبال، أكثرها لأصحاب تلك الوقعة الأليمة.
ترجمة الأمير السيّد أحمد
الأمير السيّد أحمد هو أخ الإمام الرضاعليهالسلام ، وأفضل أولاد أبيه بعد أخيه الإمام عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام ، وأورعهم وأتقاهم.
وهو الذي اشترى في حياته ألف عبد مملوك وأعتقهم لوجه الله، ويلقّب باللقب المعروف «شاه چراغ» وبعد أن نجّاه الله من تلك المعركة، توجّه مختفياً مع أخويه إلى شيراز، وأقاموا فيها متنكّرين متفرّقين.
ونزل السيّد أحمد في شيراز عند أحد الشيعة في محلّة «سردزك» وهو المكان الذي فيه مرقده الآن، واختفى في بيت ذلك الموالي واشتغل بالعبادة.
وأمّا قتلغ خان، فقد جعل العيون والجواسيس في كلّ مكان لاستقصاء أخبار السادة المشرَّدين والعثور عليهم، وبعد سنة تقريباً عرف مكان السيّد أحمد، فحاصره مع رجاله، وأبى السيّد أن ينقاد ويستسلم لعدوّه، فقاتلهم ذابّاً عن نفسه، وأبدى شجاعة وشهامة هاشمية، أعجبت الناس كلّهم، وكان كلّما ضعف عن الحرب يلتجىء إلى منزله فيستريح فيه لحظات ثمّ يخرج ويدافع عن نفسه.
فلمّا رأى قتلغ أنّهم لا يستطيعون القضاء عليه عبر المواجهة المسلحة، احتالوا عليه بالدخول إلى بيت جيرانه والتسلل إليه عبر ثغرة أحدثوها من بيت الجيران، فلمّا دخل السيّد بيته ليستريح فيها قليلاً، خرجوا إليه وغدروا به، فضربوه بالسيف على رأسه، فخرّ صريعاً، ثمّ أمر قتلغ خان، فهدموا البيت على ذلك الجسد الشريف وبقي تحت
التراب والأنقاض.
ولَمّا كان أغلب الناس في ذلك الزمان من المخالفين، ولم يكونوا شيعة لآل محمّدصلىاللهعليهوآله إلّا القليل منهم، وذلك على أثر الأكاذيب والأباطيل التي كانت تنشر بواسطة الدولة ورجالها ضدّهم، لم يرعوا حرمة ذلك المكان، ولا حرمة الجسد الشريف، ولم يرقبوا فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله بل تركوه مدفوناً تحت الأنقاض وأكوام التراب.
اكتشاف الجسد الشريف
وفي أوائل القرن السابع الهجري دخلت شيراز في ظلّ حكومة الملك أبي بكر بن سعد مظفّر اليدن، وكان مؤمناً صالحاً يسعى لنشر الدين الإسلامي الحنيف، ويكرِم العلماء، ويحترم المؤمنين الأتقياء، ويحب السادة الشرفاء، وكما قيل: «الناس على دين ملوكهم» كان وزراؤه ورجال دولته مثله - أيضاً - مؤمنين أخياراً، ومنهم: الأمير مسعود بن بدر الدين، وكان كريماً يحب عمران البلاد وإصلاح حال العباد، فَعُني بتجميل مدينة شيراز وتنظيفها من الأوساخ، وتجديد بناياتها وإصلاح خرائبها، إذ إنّ شيراز كانت عاصمة ملكهم.
فأمر - في جملة ما أمر بإصلاحه، وتجديد البناء فيه - إعمار المكان الذي يضمّ جسد الأمير السيّد أحمد منذ قرون، فلمّا جاء عمّاله ومستخدموه إلى المكان وأنهمكوا بنقل التراب والأنقاض منه إلى خارج البلد، وصلوا أثناء العمل إلى جسد طريّ لشابّ جسيم وسيم، قد قتل على أثر ضربة على رأسه انفلقت هامته، فأخرجوه من بين الأنقاض وأخبروا الأمير مسعود بذلك، فجاء هو بصحبة جماعة
من المسؤولين للتحقيق في الموضوع.
وبعد الفحص الكثير، والتنقيب عن وجود أثر يدلّ على هويّة الشابّ القتيل عثروا على خاتم له كان قد نقش عليه: «العزّة لله، أحمد بن موسى» فأذعنوا لمـّا أمروا ذلك - إضافة إلى ما كانوا قد سمعوه عن تاريخ ذلك المكان - أيضاً - من أخبار الشجاعة الهاشمية التي أبداها أولاد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنفسهم في الواقعة الأليمة التي دارت هناك وأدّت أخيراً إلى شهادة أحمد بن موسىعليهالسلام - أنّ هذا الجسد هو جسد الأمير السيّد أحمد بن الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام .
ولمـّا شاهد الناس أنّ الجسد الشريف قد اُخرج من تحت الأنقاض وأكوام التراب وذلك بعد أربعمائة عام من تاريخ شهادته وهو على نضارته طريّاً لم يتغيّر، عرفوا أنّ صاحبه وليّ من أولياء الله تعالى، وأيقنوا بحقانية التشيّع مذهب أهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، إذ إنّه كان من أولاد الرسول وعلى مذهب أهل البيت الذي استشهد في سبيله ومن أجله، فتشيّع على أثر ذلك كثير من أهل شيراز.
ثمّ أمر مسعود بن بدرالدين، أن يدفنوا الجسد الطاهر في نفس المكان الذي عثروا عليه فيه، بعد أن حفروا له قبراً وصلّوا عليه، ودفنوه في قبره مجلّلاً محترماً بحضور العلماء وأعيان شيراز، كما وأمر أن يشيّدوا على مرقده عمارة عالية ذات رحبة واسعة لتكون مأوى للزائرين والوافدين وبقيت كذلك حتّى توفّي الملك مظفّر الدين سنة ٦٥٨ هـ ق.
وفي عام ٧٥٠ هـ لمـّا آلت السلطة على بلاد فارس إلى الملك إسحاق بن محمود شاه ودخل مدينة شيراز، كانت اُمّه معه، وهي
الملكة «تاشي خاتون» وكانت امرأة صالحة، فتشرّفت بزيارة ذلك المرقد الشريف، وأمرت بترميم الروضة المباركة وإصلاحها، كما وأمرت ببناء وتشييد قبّة جميلة جداً فوق مرقده، وجعلت قرية «ميمند» الواقعة على بعد ما يقرب من ثمانين كيلومتراً عن مدينة شيراز وقفاً عليه، وأمرت بأن يصرف واردها على تلك البقعة المباركة، وهي باقية إلى يومنا هذا، حيث يعمل المتولّون لها على قرار الوقف وينفقون واردها في شؤونه، ومحصولها حتّى اليوم: ماء ورد معروف بجودته وطيبه في العالم.
ترجمة الأمير السيّد علاء الدين حسين
السيّد علاء الدين هو أيضاً من إخوة الإمام الرضاعليهالسلام ، ومن أبناء الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام ، وهو الذي دخل بصحبة أخويه متستّراً إلى شيراز، وفارقهما مختفياً في مكان لا يعرفه أحد، واشتغل فيه بالعبادة.
ثمّ مضت مدّة من الزمن وهو مختف، وكان بالقرب من محل اختفائه بستانٌ «لقتلغ خان» والسيّد لا يعرف أنّها لقتلغ خان، فضاقت به الدنيا يوماً وضاق صدره، فخرج من مخبئه وأطلّ على البستان لينفّس عن ضيق صدره ويروّح نفسه قليلاً، فجلس في زاوية واشتغل بتلاوة القرآن، فعرفه رجال قتلغ العاملون في البستان، فحملوا عليه، ولم يمهلوه حتّى قتلوه والقرآن في يده وآياته على شفتيه، فما هالهم إلّا أن رأوا أنّ الأرض تنشقّ وتضمّ جسده الشريف وتخفيه عنهم حتّى مصحفه الذي كان في يديه.
مرّت أعوام كثيرة على هذه الواقعة الأليمة، ومات قتلغ وانمحى
أثر البستان، وتبدّلت حكومات ودول كثيرة في بلاد فارس، حتّى جاء عهد الدولة الصفوية.
وفي عهد الصفويّين اتّسعت مدينة شيراز حتّى وصلت البيوت إلى الأرض التي ضمت جسد السيّد علاء الدين، فعندما كانوا يحفرون فيها لوضع أساس للبناء، عثروا على جثّة شابّ جميل كأنّه قتل من ساعته، واضعاً يده على قبضة سيفه والمصحف الكريم على صدره، فعرفوا ممّا لديهم من العلائم والشواهد، أنّه السيّد علاء الدين حسين بن الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام - وقيل: إنّهم وجدوا اسمه مكتوباً على جلد المصحف الكريم - فدفنوه بعد الصلاة عليه في محلّه.
وأمر حاكم شيراز أن يبنوا على قبره الشريف مكاناً عالياً وبناءً رفيعاً ليتسع للمؤمنين والموالين الّذين يتوافدون لزيارته من كلّ صوب ومكان.
وبعد ذلك جاء رجل من المدينة المنوّرة - يدعى: الميرزا علي المدني - لزيارة مراقد السادة الشرفاء، وكان ثريّاً ومن الموالين لأهل البيت وذراريهم، فقام بتوسيع البناء على مرقد السيّد علاء الدين، وشيّد عليه قبّة جميلة، واشترى أملاكاً كثيرة فجعلها وقفاً على ذلك المرقد الشريف، وأمر بصرف وارداتها في شؤونه، كما وأوصى بأن يدفن بعد موته في جوار السيّد علاء الدين، فلمّا مات دفنوه هناك، وقبره اليوم في تلك البقعة المباركة معروف، وقد كتب عليه اسمه، وهو: «ميرزا علي المدني» ولا يزال المؤمنون يزورونه ويقرأون له الفاتحة.
ثمّ إنّه بعد ذلك أمر الملك إسماعيل الصفوي الثاني بتزيين ذاك البناء المشيّد وترميمه بأحسن وجه، فنصبوا الكاشي والمرايا وزيّنوا الروضة المباركة بأفضل زينة، وهو إلى الآن مزار عظيم ومشهد كريم،
يقصده المؤمنون من كلّ أنحاء إيران وغيرها، وأهالي شيراز يُكنّون له غاية الاحترام والتكريم.
قال بعض النسّابة: إنّ السيّد علاء الدين كان عقيماً لا نسل له، وقال بعض آخر: كان له نسل ولكن انقرضوا، ولم يبق له منهم عقب وذرّيّة.
وكذلك الكلام في أخيه الأكبر السيّد أحمد فقد قالوا في حقّه: إنّه لم يكن له أولاد ذكور، بل كانت له بنت واحدة فقط، وذلك على ما في كتاب: «عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب».
وقال بعضٌ: كان للسيّد أحمد أولاد ذكور أيضاً.
ترجمة الأمير السيّد محمد العابد
السيّد محمّد، الملقّب بالعابد، هو: ثالث إخوة الإمام الرضاعليهالسلام ، ورابع أولاد الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام ، وهو الذي دخل شيراز بصحبة أخويه، الأمير السيّد أحمد والسيّد علاء الدين حسين، وفارقهما إلى مكان مجهول، مختفياً ومتنكّراً لا يعرفه أحد، يعبد الله تعالى فيه حتّى وافاه الأجل ومات موتاً طبيعياً ودفن فيها.
ومن كثرة عبادته لقّب بالعابد.
خلّف أولاداً أجلّاء، أفضلهم من حيث العلم والتقوى، والزهد والورع هو: السيّد إبراهيم المعروف بـ: «المجاب».
لقّب بهذا اللقب، لأنّه عندما تشرّف بزيارة قبر جدّه الإمام أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، ووقف مسلِّماً عليه، أتاه جواب سلامه من داخل القبر الشريف، فسمعه هو ومن حوله، وعلى أثر هذه المنقبة أجلّه الناس وعظّموه واحترموه، ولقّبوه بالمجاب.
وبعد وفاة أبيه السيّد محمد العابد توجّه إلى زيارة العتبات المقدّسة، وسكن بجوار قبر جدّه الشهيد الإمام الحسينعليهالسلام ، وقريباً من قبر جدّه أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ليزورهما أيّ وقت شاء.
وكان موضع قبر الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام قد ظَهر حديثاً وعُرِفَ في ذلك الزمان بعد ما كان مجهولاً على الناس طيلة مائة وخمسين سنة تقريباً، فظهر بكرامة قدسية لتلك البقعة المباركة، وصار خبره آنذاك حديث اليوم، يتناقله الناس في المحافل والمجالس.
الحافظ: عجيب! في أيّ حال كان مرقد أمير المؤمنين عليٍّ كرّم الله وجهه منذ دفنه إلى ذلك الزمان، حتّى اكتشف بعد مائة وخمسين سنة، هل كان مخفيّاً على المسلمين طيلة هذه المدّة؟! ولماذا أُخفي عنهم؟؟!
قلت: لمـّا استشهد أمير المؤمنين عليعليهالسلام كان ذلك في زمن طغى فيه بنو أُميّة، ولمـّا كانعليهالسلام يرى بنور الله أن ستمتدّ حكومة معاوية بعده من الشام إلى الكوفة، أوصى أن يُدْفَن ليلاً بلا علم من أحد، وأمر بأن يُعفى موضع قبره، لذلك لم يحضر دفنه إلّا أولاده وخواصّ شيعته.
ولكي يشتبه الأمر على الناس ويبقى محلّ القبر مجهولاً عليهم، جهّزوا في صبيحة يوم ٢١ من شهر رمضان سنة أربعين للهجرة بعيرين وعقدوا عليهما نعشين، بعثوا أحدهما إلى مكّة، والآخر إلى المدينة، وهكذا نُفِّذت وصيّة أمير المؤمنينعليهالسلام وأخفى موضع قبرهعليهالسلام عن عامّة الناس.
الحافظ: هل يمكنك أن تخبرني ما هو سبب هذه الوصية؟ وما
الحكمة في الإصرار على إخفاء القبر؟!
لماذا دُفن الإمام عليعليهالسلام سرّاً؟
قلت: نحن لا نعلم السبب والحكمة بالضبط، ربّما كان ذلك لِما يعلمهعليهالسلام من حقد بني اُميّة وعدائهم الدفين لبني هاشم عامة، وللنبيصلىاللهعليهوآله ولآلهعليهالسلام خاصة، فإنّه كان من المحتمل أن ينبشوا القبر الشريف ويسيؤا الأدب مع الجسد الطاهر، وهو ظلم دونه كلّ ظلم!!
الحافظ: هذا الكلام الغريب منكم وبعيد جدّاً، كيف يمكن لإنسان أنْ يتعدّى على قبر مسلم بعد موته ودفنه، إنّه لا يكون مهما كان بينهم من العداء والبغضاء؟!
قلت: ولكن ذلك ليس ببعيد من بني اُمّيّة!!
أما طالعت تاريخهم الأسود وماضيهم الحقود؟!
أما قرأت جرائمهم الفضيعة وأعمالهم الفجيعة، التي يندى منها جبين الأنسانية خجلاً، وتدمع عينها أسفاً؟؟!
أما علمت أنّ هذه العصبة الخبيثة والشجرة الملعونة في القرآن، لمـّا قبضوا على زمام الحكم وغصبوا الخلافة، كم من أبواب جور فتحوا؟! وكم من جناية وغواية ابتدعوا؟! وكم من دم سفكوا؟! وأعراض هتكوا؟! وأموال نهبوا؟! وحُرُماً انتهكوا؟!
إنّ اُولئك البُعَداء عن الإسلام والإنسانية، لم يراعوا شيئاً من الدين والأخلاق الحميدة في حركاتهم وسكناتهم. فكانوا يتصرّفون في شؤون المسلمين حسب أهوائهم وآرائهم الفاسدة، وإنّ كثيراً من كبار علمائكم ومؤرّخيكم سجّلوا جرائم هذه الطغمة الفاسدة بحبر من عرق
الخجل، على أوراق العار والفشل، بقلم الخوف والوجل!
ولقد ألّف العلّامة أبو العبّاس أحمد بن علي المقريزي الشافعي كتابه المشهور «النزاع والتخاصم بين بني اُميّة وبني هاشم» وذكر فيه بعض أعمال بني أُميّة القبيحة وجرائمهم الفظيعة، فإنّهم لم يرحموا حيّاً ولم يحترموا ميتاً من شيعة آل الرسولصلىاللهعليهوآله ، الموالين لعليّ بن أبي طالب أمير المؤمنينعليهالسلام وأولاده الغرّ الميامين.
وهنا اسمحوا لي أن أذكر لكم - كنموذج على ذلك - مثالين من هذا الكتاب، حتّى تطّلعوا على الجرائم البشعة لبني اُميّة، وتعرفوا حقيقة أمرهم، كي لا تتعجّبوا من كلامي و لا تستغربوه، وتعرفوا أنّ ما أقوله لكم إنّما هو عن دليل وبرهان!
شهادة زيد بن عليّعليهالسلام
قال المقريزي وغيره من المؤرخين: لمـّا هلك يزيد بن عبد الملك، تولّى الحكمَ أخوه هشام، فبدأ بالجور والعدوان على أهل البيتعليهمالسلام وشيعتهم، فكتب إلى عمّاله بالتضييق عليهم وسجنهم والفتك بهم، وأمر عامله على الكوفة يوسف بن عمر الثقفي، أن يهدم دار الكميت شاعر أهل البيتعليهمالسلام وأن يقطع لسانه، لأنّه مدح آل الرسولصلىاللهعليهوآله !!
وكتب إلى عامله على المدينة خالد بن عبدالملك بن الحارث: أن يحبس بني هاشم فيها ويمنعهم من السفر! فنفّذ خالد أمر هشام، وضيّق على الهاشميّين، وأسمع زيد بن الإمام زين العابدينعليهالسلام ما يكره، فخرج زيد إلى الشام ليشكو خالداً إلى هشام، فأبى هشام أن يأذن له، فأرسل إليه زيد رسالة يطلب الإذن بها له، فكتب هشام في أسفلها:
إرجع إلى أرضك، فقال زيد: والله لا أرجع. وأخيراً أذن له هشام وأمر خادماً أن يتبعه ويحصي ما يقول. فسمعه يقول: والله ما أحب الدنيا أحدٌ إلّا ذلّ.
وأمر هشام جلساءه أن يتضايقوا في المجلس حتّى لايقرب منه.
فلمّا دخل زيد لم يجد موضعاً يجلس فيه، فعلم أنّ ذلك قد فُعل عمداً، واستقبله هشام بالشتم والسباب، بدلَ التكريم والترحاب!
وفي المقابل لم يسكت زيد عن الجواب، و إنّما أسمع هشاماً ما لا يحبّ أن يسمع، فلم يتحمّل هشام وأمر بطرده، دون أن يسمع شكواه، فأخذ الغلمان بيده ليخرجوه، فأنشد زيد:
شرّده الخوف وأزرى به |
كذا من يكره حرّ الجلادِ |
|
قد كان في الموت له راحةٌ |
والموتُ حتمٌ في رقابِ العبادِ |
فخرج من مجلس هشام وتوجّه إلى الكوفة، فحدّث الناس بظلم الخليفة وعمّاله، فبايعه خلق كثير فيهم الأشراف والعلماء، لأنّهم وجدوه أهلاً للقيادة، فهو سيّد هاشمي، وفقيه تقيّ، وشجاع باسل.
ولمـّا رأى أعواناً، نهض ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدفع الظلم والضيم عن نفسه وعن المؤمنين، فدارت المعركة بينه وبين يوسف الثقفي والي الكوفة وجيشه الجرَّار. ولكن أصحاب زيد تركوا زيداً وحده قبل أن يخوض الحرب ويدخل في غمراتها، ولم يبق معه إلّا نفر قليل!! ورغم ذلك فقد دخل زيد الحرب وجاهد بشجاعة وبسالة هاشمية وهو يرتجز:
أذلّ الحياة وعزّ الممات |
وكلاً أراه طعاماً وبيلا |
|
فإنْ كان لابُدّ من واحد |
فسيري إلى الموت سيراً جميلا |
فبينما هو يجاهد في سبيل الله ويحارب الأعداء، إذ وقع سهم في جبهته، فلمّا انتزعوا سقط شهيداً.
وكان ذلك في اليوم الثامن من شهر صفر عام ١٢١ هـ، وكان عمره الشريف إثنتيْن وأربعين سنة؛ فرثاه الحسن الكناني بأبيات منها:
فلمّا تردّى بالحمائل وانتهى |
يصول بأطراف القنا الذوابلِ |
|
تبيّنت الأعداءُ أنّ سنانَه |
يطيل حَنين الاُمّهات الثواكلِ |
|
تبيّن فيه ميسم العزّ والتقى |
و ليداً يفدّي بين أيدي القوابلِ |
فحَمَلَه ابنه يحيى بإعانة عدّة من أنصاره، ودفنه في ساقية وردمها و أجرى عليه الماء لكي لايعلم أحدٌ مدفنه ولكن تسرّب الخبر إلى يوسف ابن عمر، فأمر بنبش القبر وإخراج الجسد الطاهر، ثمّ أمر بقطع رأسه الشريف فقُطع وبُعث به إلى الشام، فلمّا وصل الرأس الشريف إلى الشام كتب هشام إلى واليه على الكوفة: أن مَثِّل ببدنه واصلبه في كُناسة الكوفة.
ففعل والي الكوفة يوسف بن عمر ذلك، وصلبه في ساحةٍ من سوح الكوفة حقداً وعدواناً، وراح الشاعر الاُموي يفتخر بهذه الجريمة البشعة ويقول في قصيدة جاء فيها:
صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة |
ولم أر مهديّاً على الجذع يُصلب! |
فبقي أكثر من أربع سنين مصلوباً، حتّى هلك هشام وتولّى بعده الوليد بن يزيد، فكتب إلى عامله بالكوفة: أحرق زيداً بخشبته وأذرِ رَماده.
ففعل وأذرى رماده على شاطئ الفرات!(١) .
____________________
١) وأمّا الرأس الشريف فقد بعثه هشام من الشام إلى المدينة ونصب عند قبر النبيصلىاللهعليهوآله . وكان العامل عليها: محمد بن إبراهيم بن هشام المخزومي. =
شهادة يحيى بن زيد
وفعلوا نفس الصنيع بولده يحيى، فإنّه قام ضدّ ظلم بني اُميّة وجورهم، والتاريخ يذكره بالتفصيل(١) واستشهد في ميدان القتال،
____________________
= فطلب منه الناس أن يُنزّل الرأس الشريف فأبى، فضجّت المدينة بالبكاء.
وكان الوالي يجمع أنصاره، وهم السفلة والأرذال، ويأمرهم بسب عليٍّ وبنيه وشيعته، وبقي على ذلك سبعة أيّام!!
ثم سُيِّر الرأس الشريف إلى مصر، فنُصب بالجامع، فسرقه أهل مصر ودفنوه بالقرب من جامع ابن طولون.
ويعتقد بعض المحقّقين أنّ المسجد المعروف اليوم بمسجد رأس الحسينعليهالسلام بالقاهرة، هو مدفن رأس حفيده: «زيد بن عليّ بن الحسينعليهالسلام ».
وكانت كنيته: أبو الحسين. «المترجم»
١) خرج يحيى من الكوفة ليلاً بعد استشهاد أبيه ودفنه، وقد وكّل الحاكم حريث الكلبي بتعقيبه والقبض عليه، ولكن لم يتمكّن منه، فَوَصل يحيى إلى الريّ ومنها إلى خرسان. فنزل في «سرخس» عند يزيد بن عمرو التيمي وبقي ستّة أشهر ثم خرج إلى بلخ ونزل عند حريش بن عبدالرحمن الشيباني، وبقي عنده حتّى هلك هشام وتولّى بعده الوليد بن يزيد، وكتب يوسف بن عمر عامل الكوفة إلى نصر بن سيّار عامل خراسان: بأنّي استخبرت أنّ يحيى بن زيد أقام في بلخ عند حريش بن عبد الرحمن الشيباني، فابعث إليه حتّى يسلّمك يحيى، فكتب نصر لعامل بلخ: خذ حريش ولا تطلقه حتّى يسلّمك يحيى بن زيد.
فألقى عاملُ بلخ القبض على حريش وطلب من ضيفه يحيى، فأبى حريش تسلمه، فأمر العامل بتعذيب حريش، فضربوه ستّمائة جلدة، وهو يأبى من تسليمه يحيى. =
. . . . .
____________________
= وكان لحريش ولد يسمّى قريشاً، لمـّا رأى ما نزل بأبيه من الضرب والتعذيب، قام مع جماعة من أصحابه يفتش عن يحيى، فلقيه في دار مع يزيد بن عمرو وهو صاحبه من الكوفة، فجاؤا بهما إلى عامل بلخ وسلّمهما هو إلى نصر بن سيّار فسجنهما، وكتب إلى يوسف بن عمر بالكوفة يخبره بذلك، وكتب يوسف بالخبر إلى الوليد ابن يزيد بالشام، فأمره الوليد أن يطلق يحيى وصاحبه من السجن، وكتب يوسف ابن عمر الثقفي إلى نصر يخبره برأي الخليفة.
فطلب نصر بن سيّار، يحيى بن زيد الشهيد وحذّره من الخروج. ثمّ أعطاه عشر آلاف درهم وبغلتين، له ولصاحبه، وأمرهما أن يلتحقا بالوليد بن يزيد بالشام.
ولكن يحيى توجّه مع صاحبه إلى سرخس ومنها إلى أبَرشهر فطلبه عمرو بن زرارة والي أبَرشهر وأعطاه ألف درهم نفقة الطريق وأخرجه إلى بيهق.
فلمّا وصل إلى بيهق التفّ حوله جماعة وعاهده سبعون رجلاً على أن يقاتلوا معه من قاتل.
فاشترى لهم يحيى خيلاً وسلاحاً وخرج على عمرو بن زرارة، فكتب عمرو إلى نصر يخبره بذلك، وكتب نصر إلى عبدالله بن قيس عامل سرخس، وإلى حسن ابن يزيد عامل طوس، يأمرهم أن يلتحقا مع جنودهما بعمرو بن زرارة عامله على أبَرشهر، ويقاتلا تحت لوائه.
فوصلا إلى أبَرشهر ومعهما عشرة آلاف مقاتل. وفور وصولهم هجمو على يحيى وأصحابه. وثبت يحيى مع قلّة جنده، ثبات الأبطال، وأبدوا شجاعة وبسالة قلّ مثلها في التأريخ، فنشبت حرب حامية ودارت معركة دامية حتّى قُتل عمرو بن زرارة وانهزم جيشه. وتركوا غنائم كثيرة ليحيى وأصحابه، فقويت شوكته وكثرت عدّته. توجّه إلى هراة ومنها إلى جوزجان في بلاد خراسان.
وأمّا نصر بن سيّار فقد بعث سالم بن أحور مع ثمانية آلاف فارس شامي وغير شامي، لقتال يحيى بن زيد. =
فقطعوا رأسه وبعثوه إلى الشام وصلبوا جسده الشريف ستّ سنين - وقد بكى عليه المؤالف والمخالف - حتّى مات الوليد، ونهض أبو مسلم الخراساني واستولى على تلك البلاد فأمر فاُنزل جسد يحيى الشهيد ودفن في جرجان وقبره اليوم مزار يتوافد المؤمنون لزيارته.
بعد هذا الحديث الحزين تأثّر كلّ الحاضرين وتألّموا، وبكى بعضهم على مصائب آل النبيصلىاللهعليهوآله ، ولعنوا بني اُميّة الظالمين.
سرّ وصيّة الإمام أمير المؤمنين عليّعليهالسلام
إنّ فاجعة قتل زيد وابنه يحيى وصلبهما، واحدة من آلاف
____________________
= فالتقى الجيشان في قرية «أرغوى» ودارت بينهما معركة ضارية، دامت ثلاثة أيّام بلياليها، وقتل جمع كثير من الفريقين، وبينما كان يحيى يخوض غمار الحرب ويجاهد الأعداء إذ جاءه سهم وقع في جبهته، ومضى شهيداً كأبيه زيد المظلومعليهالسلام .
فقطعوا رأسه الشريف وبعثوه إلى نصر بن سيّار عامل خراسان، وبعث هو به إلى الوليد بن يزيد في الشام، وكان ذلك في سنة ١٢٥ هـ.
وصلبوا جثمانه على بوّابة جوزجان وبقي مصلوباً إلى أن قام أبو مسلم الخرساني ضدّ بني أُميّة وقوّض دولتهم، فأمر بأن يُنزلو جسد يحيى ويدفنوه.
وأمر كذلك بأن يسمّوا كلّ من يولد ذلك العام في خرسان باسم يحيى، ويوجد هذا اليوم قبران باسمه الشريف، تقصدهما الوفود والزائرون، ويتوسّلون به إلى الله تعالى في قضاء حوائجهم.
أحدهما في مدينة «كنبد كاووس» وهي تبعد عن جرجان ثلاثين كيلومتراً.
وآخر في جوزجان في قرية تسمّى: «ميامي» وهي تبعد عن مدينة مشهد الإمام الرضاعليهالسلام قرابة مائة كيلومتر. «المترجم»
الفجائع التي أحدثتها أيدي بني اُميّة، بعد قتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
فيا تُرى ما الذي كان يمنعهم، إذا سنحت لهم الفرصة، أن يصنعوا بجسد الإمام عليّعليهالسلام الزكيّ الطاهر، ما صنعوه بجسد حفيده المظلوم زيد بن الإمام زين العابدينعليهالسلام ؟!
فقد جاء في كتاب منتخب التواريخ: انّ الحجّاج بن يوسف الثقفي نبش حَوالَيّ الكوفة آلاف القبور، يفتّش عن جثمان الإمام عليّعليهالسلام !!
فلعلّه لهذا السبب وصّى بنيه أن يدفنوه ليلاً لا نهاراً، وسرّاً لا جهاراً، ويعفّوا موضع قبره ويخفوه على الناس. وكان كذلك حتى عهد هارون الرشيد.
اكتشاف قبر الإمام أمير المؤمنين عليّعليهالسلام
خرج الرشيد يوماً للقنص والصيد إلى وادي النجف في ظهر الكوفة، وكانت هناك آجام أصبحت أوكاراً للحيوانات.
قال عبدالله بن حازم: فلمّا صرنا الى ناحية الغريّ، رأينا ظبيةً فأرسلنا إليها الصقور والكلاب، فحاولتها ساعة ثمّ لجأت الظبية إلى أكمة فاستجارت بها، وتراجعت الصقور والكلاب، فتعجّب الرشيد من ذلك!
ثمّ إنّ الظباء هبطت من الأكمة، فتعقّبتها الصقور والكلاب، فرجعت الظباء إلى الأكمة، فتراجعت عنها الصقور والكلاب ففعلت ذلك ثلاثاً.
فقال هارون: اركضوا إلى هذه الأنحاء والنواحي فمن لقيتموه ائتوني به، فأتيناه بشيخ من بني أسد.
فقال له هارون: ما هذه الأكمة؟
قال الشيخ: إنْ جَعَلْتَ لي الأمان أخبرتك!
فقال: لك عهد الله وميثاقه أن لا أهيجك ولا اُؤذيك.
قال الشيخ: جئت مع أبي إلى هنا فزرنا وصلّينا فسألت أبي عن هذا المكان.
فقال: عندما تشرّفتُ بزيارة هذه البقعة مع الإمام جعفر الصادقعليهالسلام قال: هذا قبر جدنا علي بن أبي طالبعليهالسلام وسيظهره الله تعالى قريباً.
فنزل هارون ودعا بماء فتوضّأ وصلّى عند الأكمة وتمرّغ عليه وجعل يبكي. وبعده أمر ببناء قبّة على القبر! ومنذ ذلك اليوم لم يزل البناء في تطوّر، وهو اليوم صرح بديع لايوصف.
الحافظ: أظنُّ إنّ قبر مولانا عليّ بن أبي طالب، لم يكن في النجف، ولا في النجف، ولا في الموضع الذي ينسب إليه، لأنّ العلماء اختلفوا فيه، فمنهم من يقول: دفن في قصر الإمارة، ومن قائل: إنّه في جامع الكوفة. وقول: إنّه في باب كندة. وقيل: إنّه دفن في رحبة الكوفة. وهناك من يقول: حُمِل إلى المدينة ودفن في البقيع. وبالقرب من كابل في أفغانستان أيضاً قبر ينسب إليه!
ويقال: إنّ جسد مولانا عليّ (كرّم الله وجهه)، وُضع في صندوق وحُمل على بعير ساروا به نحو الحجاز، فاعترضهم عدد من قطّاع الطريق وظنّوا أنّ فيه أموالاً فسرقوه، ولمـّا فتحوا الصندوق وجدوا فيه جثمان عليّ بن أبي طالب، فذهبوا به إلى ذلك المكان من
أفغانستان، فدفنوه، والناس عموماً يحترمون ذلك القبر ويزوروه!!
قلت: هذا الخبر مضحك جدّاً، فرُبّ مشهور لا أصل له، وهو للاُسطورة أقرب.
وأمّا الاختلاف في موضع قبر الإمام عليّعليهالسلام فقد جاء على اثر وصيّته بإخفاء قبره الشريف، وإنّما لم أشرح لكم الموضوع بالتفصيل رعاية للوقت.
فقد روي عن الإمام الصادقعليهالسلام : إنّ أمير المؤمنين أوصى ابنه الحسن وقال له ما مضمونه: بُنيّ إذا دفنتني في النجف ورجعت إلى الكوفة، فاصنع في أربعة مواضع أربعة قبور: ١- مسجد الكوفة، ٢- الرحبة، ٣- الغريّ، ٤- دار جعدة بن هبيرة.
وإنّ هذا الاختلاف الذي تذكره، إنّما يكون بين علمائكم، لأنّهم أخذوا كلام هذا وذاك، ولم يأخذوا بكلام العترة النبوية حتّى في تعيين موضع قبر أبيهم، سيّد العترة، الإمام عليّعليهالسلام !!
وأمّا إجماع علماء الشيعة فهو على أنّ قبر الإمام عليّعليهالسلام في النجف الأشرف، وفي الموضع المنسوب إليه، وهم أخذوا هذا الخبر الصحيح من أهل بيته «وأهل البيت أدرى بما في البيت» ومن الواضح أنّ أولاد عليّعليهالسلام الّذين قاموا بدفنه أعلم من غيرهم بموضع قبره، والعادة في مثل هذه الاختلافات أن يرجعوا إلى الأبناء في تعيين قبر أبيهم. ولكن قاتل الله العناد!!
وإنّ العترة الهادية وأئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، اتّفقوا وأجمعوا على أنّ قبر جدّهم أمير المؤمنينعليهالسلام ، إنْ هو إلّا في النجف وفي الموضع الذي اشتهر به، وحرّضوا المسلمين ليزوروا قبر أبي الحسن عليّ بن
أبى طالبعليهالسلام في ذلك الموضع.
ذكر سبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواصّ» ص ١٦٣(١) : إختلاف الأقوال في قبر الإمام عليّعليهالسلام - إلى أن قال:- والسادس: إنّه على النجف في المكان المشهور الذي يزار فيه اليوم، وهو الظاهر، وقد استفاض ذلك.
وعلى هذا القول كثير من علمائكم، كأمثال خطيب خوارزم في المناقب، وخطيب بغداد في تاريخه، ومحمد بن طلحة في «مطالب السؤول» وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، والفيروزآبادي في القاموس - في كلمة النجف - وغيرهم.
أبناء إبراهيم المجاب
صار حوارنا مصداقاً للمثل: «الكلام يجر الكلام» وأعود الآن لأتحدّث عن نسبي:
توفّي السيّد إبراهيم المجاب بن السيد محمد العابد في كربلاء المقدّسة، ودفن عند قبر جدّه سيّد الشهداء الإمام الحسينعليهالسلام ، ومرقده اليوم مزار المؤمنين. وخلّف ثلاثة أولاد وهم: السيد أحمد، والسيد محمود، والسيد علي. فهاجروا الى بلاد إيران ليوجهوا الناس الى الله تعالى ويعلموهم أحكام الدين ويسلكوا بهم سبيل أهل البيت الطاهرينعليهمالسلام فأما السيد أحمد أقام في منطقة (قصر ابن هبيرة) وبقي فيها مع أولاده وخدموا الدين والمجتمع.
وأمّا السيّدان محمد وعلي، فقد توجّها إلى كرمان.
____________________
١) تذكرة الخواص، الباب السابع: في وفاته، ص ١٦٣.
أمّا السيّد علي فسكن مدينة سيرجان وهي تبعد عن كرمان أكثر من مائة كيلومتر، واشتغل هو وأولاده وأحفاده بتبليغ الدين وإرشاد المسلمين.
وأمّا السيّد محمد - الملقّب بالحائري - فقد وصل كرمان وبقي فيها، وخلّف ثلاثة أولادٍ، وهم: أبو علي الحسن، ومحمد حسين الشيتي، وأحمد.
أمّا محمد حسين وأحمد، فقد رجعا إلى كربلاء وسكنا في جوار جدّهم الحسين الشهيدعليهالسلام حتّى توفّيا، وتوجد إلى يومنا هذا في العراق، قبائل كبيرة من السادة الشرفاء ينتمون إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن طريقهما، مثل: آل شيته، وآل فخّار وهم من نسل السيّد محمد الشيتي.
أمّا آل نصر الله وآل طعمة، فهم من نسل السيّد أحمد، وهم اليوم سَدَنة الروضة الحسينية المقدّسة في كربلاء.
وأمّا السيد أبو علي الحسن، فقد هاجر مع أولاده من كرمان إلى شيراز وكان سكّانها آنذاك من العامّة، بل كثير منهم كانوا يبغضون آل الرسولصلىاللهعليهوآله فدخل المدينة مع أهله وأولاده بأزياء عربية وأقاموا بالقرب من الخندق المحيط بالبلد فأقاموا بيوتاً عربية وسكنوا فيها.
واتّصلوا بالشيعة الساكنين في محلة (سردزك) وهم قليلون مستضعفون يعيشون في تقيّة. فبدأ السيّد أبو علي وأولاده بنشر تعاليم آبائهم الطيّبين، وتبليغ مذهبهم الحقّ، في خفاء وحذر.
وبعد وفاة السيّد أبي علي قام ابنه الأكبر السيّد أحمد أبو الطيّب بالتبليغ ونشر عقائد الشيعة وتعاليمهم، واهتمّ بذلك اهتماماً بالغاً، حتّى أنّ كثيراً من أهل شيراز اتّبعوه وتشيّعوا، وأخذ عددهم يزداد يوماً بعد يوم، فلمّا رأى السيّد أبو الطيّب إقبال الناس عليه، أعلن نسبه
ومذهبه، فازداد إقبال الناس عليهم والتفافهم حول السادة الكرام، فنصبوا منبر الإرشاد الإسلامي والتوجيه الديني في شيراز باسم السادة المجابية، وهم المنسوبون إلى السيّد إبراهيم المجاب، والسادة العابدية وهم المنسوبون إلى إخوان السيّد المجاب، فإنّ أباهم جميعاً هو السيّد محمد العابد.
فتحرّك الخطباء والمبلّغون من هؤلاء السادة وسافروا إلى أنحاء إيران لينشروا عقائد العترة الهادية وتعاليمهم باسم - المذهب الشيعي - فانتشر المذهب الحقّ في أكثر البلاد الإيرانية، حتّى قامت دولة آل بويه وهم شيعة، وجاء بعدهم غازان خان محمود، والسلطان محمد خدابنده، وهم من المغول ولكن تشيّعا وخدما مذهب الشيعة وأتباعه، ثمّ قامت الدولة الصفوية وكان عصرهم أفضل العصور للشيعة في إيران، إذ أعلنوا التشيّع هو المذهب الرسمي في إيران ولا يزال كذلك.
هجرتنا إلى طهران
في أواخر أيّام الملك فتح علي القاجاري، تشرّف جدّنا السيّد حسن الواعظ الشيرازي - طاب ثراه - بزيارة مرقد الإمام الرضا عليّ بن موسىعليهالسلام ، وعند رجوعه من خراسان وصل طهران العاصمة فاستقبله أهلها والعلماء، وتوافدوا إلى منزله يزورونه ويرحّبون بقدومه، وجاء وفد من قبل جلالة الملك وبلّغوه تحيّة جلالته ورغبته في أن يجعل السيّد محلّ إقامته في العاصمة، فلبّى جدّنا دعوة الملك وأجابوه بالقبول.
وكانت المساجد آنذاك في طهران، تختص بصلوات الجماعة وبيان المسائل الشرعية، ولم تنعقد فيها مجالس الخطابة - المتداولة في زماننا - وكانت التكايا والحسينيات تختصّ بعرض التمثيليات عن وقائع عاشوراء الدامية وإقامة العزاء والشعائر الحسينية.
وكانت «تكية الدولة» من أهمّ التكايا والحسينيات، فطلب جدّنا من الملك أن ينصب منبراً للخطابة والتبليغ والإرشاد - على النحو المتعارف في زماننا - في كلّ حسينية وتكية.
فأيّد الملك ذلك وبدأ بتكية الدولة، ودعا فضيلته ليخطب ويفيد الناس فصعد جدّنا المنبر في تكية الدولة فوعظ وبلّغ وأرشد الناس إلى حقائق الدين وتعاليم المذهب، وبعد ذلك رثى سيّد الشهداء الحسينعليهالسلام وأبكى الحاضرين.
فاستقبل الناس طريقته بحضورهم المتكاثف، واستمر مجلسه ليالي كثيرة في ذلك المكان، وبعده دُعي إلى تكية اُخرى، وهكذا كان جدّنا مؤسّس مجالس الوعظ والخطابة، وأوّل من وضع منبر التوجيه الديني والإرشاد المذهبي في طهران.
ثمّ لمـّا رأى جدّنا السيّد حسن الواعظ، استقبال الناس لمجالسه وحديثه، أرسل كتاباً إلى والده السيّد اسماعيل، أحد مجتهدي شيراز، وطلب منه أن يبعث بعض أولاده إلى طهران، وكان له أربعون ولداً، فانتخب منهم:
١- السيّد رضا، وكان فقيهاً مجتهداً، ٢ - السيّد جعفر، ٣ - السيّد عباس، ٤ - السيّد جواد، ٥ - السيّد مهدي، ٦ - السيّد مسلم، ٧ - السيّد كاظم، ٨ - السيّد فتح الله.
وأمرهم أن يهاجروا إلى طهران ليعينوا أخاهم السيّد حسن في إدارة مجلس الوعظ والإرشاد، ويطيعوه لأنّه كان أكبرهم وأفضلهم.
فأقام هؤلاء السادة في طهران واشتهروا فيها وفي المدن المجاورة لها، بحسن أخلاقهم وإيمانهم وبعذوبة بيانهم وحلاوة كلامهم.
فطلب أهالي قزوين من السيّد حسن أن يبعث إليهم بعض إخوته، ليقيموا هناك ليرشدوهم ويعلموهم الدين.
فبعث إليهم السيّد مهدي والسيّد مسلم والسيّد كاظم، فسكنوا قزوين وقاموا فيها بأمر التبليغ والتوجيه الديني، وخلّفوا أولاداً يعرفون بالسادة المجابية، وعددهم اليوم كثير في قزوين.
وأمّا السيّد حسن مع بقيّة إخوانه فقد سكنوا طهران وعقدوا فيها مجالس كثيرة للتوجيه والإرشاد، فخدموا الدين وأهله خدمة جليلة عن طريق المحراب والمنبر.
وبعد أن توفّي جدّنا السيّد حسن - قدّس سرّه - سنة ١٢٩١ هـ، تعيّنت نقابة السادة المجابية والعابدية في ولده الأكبر، السيّد قاسم، بحر العلوم، وهو والد والدي، وكان عدد رجال هذا البيت الشريف يبلغ ألفاً آنذاك، وكانت مؤهّلات وشرائط الرئاسة مجتمعة في السيّد قاسم، من الزهد والورع والعلم والحلم وحسن الخلق، فكان يحوي العلوم العقلية والنقلية، وعلم الاُصول والفروع، واشتهر في زمانه بالعلم وحسن التدبير والإدارة.
وتوفّي سنة ١٣٠٨ هـ ونقل جثمانه إلى العراق، وشُيّع في مدينة كربلاء المقدّسة بكلّ عزّ واحترام، ودفن عند مرقد جدّه الإمام الشهيد الحسين بن عليعليهالسلام ، بجنب قبر والده السيّد حسن الواعظ - طاب ثراه -
وبعده انتقلت نقابة السادة العابدية والمجابية، إلى والدي، وهو اليوم من حماة الشيعة وأنصار الشريعة، وحيد عصره، وفريد دهره، السيّد علي أكبر، دامت بركاته.
وقد نال من الملك ناصر الدين شاه القاجاري، لقب «أشرف الواعظين» ويبلغ عمره اليوم ثمانين سنة، صرف جلّه في خدمة الدين وإثبات اُصوله ونشر فروعه، وقد قام بتوجيه الغافلين وإرشاد الجاهلين، وخاصة في الآونة الأخيرة، إذ مرّت بالاُمّة عواصف إلحادية وحوادث خطيرة جاءت من قِبَل الأجانب المستعمرين وأعداء الإسلام والمسلمين، فجرفت الكثير من العوامّ والجاهلين، فنهض والدي وأمثاله من العلماء الكرام، ووقفوا في وجوه الأعداء اللئام، حتّى كشفوا عن الحقّ اللثام، وشقّوا أمواج الفتن والظلام، بنور العلم وضوء الكلام.
فدحضوا الباطل، وأنقذوا العوامّ من الشكوك والأوهام، فَقَدَّر مواقفَ والدي وخدماته، علماءُ عصره ومراجعُ الدين في زمانه، أمثال:
١ - آية الله العظمى، مجدّد مذهب سيّد البشر في القرن الثالث عشر، السيّد ميرزا محمد حسن الشيرازي - طاب ثراه.
٢ - آية الله العظمى ميرزا حبيب الله الرشتي.
٣ - الآية العظمى الشيخ زين العابدين المازندراني.
٤ - آية الله ميرزا حسين بن ميرزا خليل الطهراني.
٥ - المجتهد الأكبر آية الله السيّد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي.
٦ - آية الله العظمى الشيخ فتح الله، شيخ الشريعة الأصفهاني.
٧ - آية الله العظمى السيّد إسماعيل الصدر.
٨ - آية الله العظمى الميرزا محمد تقي الشيرازي، قائد ثورة العشرين ضدّ الاحتلال البريطاني للعراق.
فهؤلاء المجتهدون الكرام والعلماء الأعلام - قدّس الله أسرارهم - كانوا يحترمون والدي كثيراً ويحبّونه ويكرمونه غاية الإكرام والاحترام.
وأمّا في هذا الزمان، فإنّ زعيم الشيعة سيّد الفقهاء والمجتهدين، وحيد دهره، ونابغة عصره، سماحة السيّد أبو الحسن الأصفهاني متّع الله المسلمين بطول بقائه، وهو الآن في النجف الأشرف يرفع لواء الدين وراية أمير المؤمنينعليهالسلام ، ويهتمّ بنشر علوم سيّد المرسلينصلىاللهعليهوآله في كلّ أقطار العالم، وقد دخل بواسطته جماعات كثيرة من أصحاب الملل والنحل في الإسلام واعتنقوا مذهب التشيّع.
وفي إيران، زعيمنا آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري مدّ ظله العالي، مؤسّس الحوزة العلمية في قمّ المقدّسة، وهو ملاذ الشيعة، وحامي الشريعة في إيران.
وإنّ هذين العالمين الكبيرين يحترمان والدي ويكرمانه كثيراً، ويقدرّان جهوده الجبّارة في سبيل إحياء الدين وردّ شبهات المضلّين.
وإنّ سماحة الشيخ الحائري يخاطب والدي بـ «سيف الإسلام» لأنّ بيانه وكلامه مفعم بالأدلّة العقلية القاطعة، والبراهين الساطعة، فلسانه في الدفاع عن الدين الحنيف، والذبّ عن مذهب التشيع الشريف، أكثر أثراً من السيف.
واليوم بنو أعمامي ورجال شجرتنا المباركة موجودون في أكثر
مدن إيران، وبالأخصّ في طهران ونواحيها، وشيراز وحواليها، وقزوين وضواحيها، وهم يعرفون بالسادة العابدية والمجابية والشيرازية، ولم يزالوا يخدمون الدين وأهله، بسلوكهم النزيه، وبالإرشاد والتوجيه.
هذا ملخّص تاريخ هذه السلالة الكريمة، في جواب سؤالكم: لماذا هاجرنا إلى إيران؟ وقد تبيّن لكم من خلال الجواب أنّ هدف المهاجرين الأوّلين من هذه السلالة، زيارة الإمام عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام ولمـّا منعتهم السلطات، قاموا يفضحون أعمال الحكّام والولاة، ويعلنون جور الخلفاء الجفاة، وينشرون الوعي بين الأمّة، ويوجّهون الناس إلى الحقائق الدينية والأحكام الإلهية التي طالما سعى الخلفاء وأعوانهم في تغييرها، فكانوا كما قال تعالى:( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا الله وَكَفَىٰ بِالله حَسِيبًا ) (١) .
لمـّا تلونا هذه الآية الكريمة، نظر السيّد عبد الحيّ إلى ساعته فقال: لقد مضى كثير من الليل، فلو تسمحون أن نؤجّل الكلام إلى الليلة الآتية، فنأتيكم إن شاء الله تعالى من أوّل الليل ونواصل الحديث.
فابتسمت وأبديت موافقتي، فانصرفوا وشيّعتهم إلى باب الدار.
____________________
١) سورة الاحزاب، الآية ٣٩.
المجلس الثاني
ليلة السبت ٢٤/ رجب /١٢٤٥ هـ
بعدما انتهيت من صلاة العشاء، حضر أصحاب البحث والحوار وكانوا أكثر عدداً من الليلة الماضية، فاستقبلتهم ورحّبت بهم، وبعد أن استقرّوا في أماكنهم وشربوا الشاي، افتتح الحافظ كلامه قائلاً:
أقول حقيقةً لا تملّقاً: لقد استفدنا في الليلة السابقة من بيانكم الشيّق وكلامكم العذب، وبعدما انصرفنا من هنا كنّا نتحدّث في الطريق عن شخصيّتكم وأخلاقكم، وعن علمكم الغزير واطّلاعكم الكثير، وقد انجذبنا لصورتك الجميلة وسيرتك النبيلة، وهما قلّ أن يجتمعا في واحد، فأشهد أنّك ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حقّاً.
وإنّي راجعت المكتبة في هذا اليوم، وتصفّحت بعض كتب الأنساب حول بني هاشم والسادة الشرفاء، فوجدت كلامكم في الليلة الماضية حول نسبكم الشريف مطابقاً في تلك الكتب، واغتبطت بهذا النسب العالي لسماحتكم.
ولكن استغربت وتعجّبت من شيء واحد، وهو: أنّ شخصاً شريفاً صحيح النسب كجنابكم مع حسن الصورة والسيرة،كيف تأثّرتم بالعادات الواهية والعقائد العاميّة، وتركتم طريقة أجدادكم الكرام واتّبعتم سياسة الإيرانيّين المجوس، وتمسّكتم بمذهبهم وتقاليدهم؟!
قلت:
أوّلاً: أشكرك على أوّل كلامك حول نسبي وحسن ظنّك بي.
ولكنّكَ: اضطَربْتَ بعد ذلك في الكلام، وخلطت الحلال بالحرام، سردت جملاً مبهمة ما عرفتُ قصدكَ منها والمرام، وإنّ كلامك هذا عندي أقاويل وأوهام.
فالرجاء.. وضّح لي مرادك من: «العادات الواهية والعقائد العاميّة».
وما المقصود من: «طريقة أجدادي الكرام»؟!
وما هي: «سياسة الإيرانيّين التي اتّبعتُها»؟!
وما المراد من: «مذهبهم وتقاليدهم التي تمسّكتُ بها»؟!
الحافظ: أقصد بالعادات الواهية والعقائد العاميّة: البدع المضلّة والتقاليد المخلّة، التي أدخلها اليهود في الإسلام.
قلت: هل يمكن أن توضّح لي أكثر حتّى أعرف ما هذه البدع التي تأثّرت أنا بها؟!
الحافظ: إنّك تعلم جيّداً والتاريخ يشهد، أنّ بعد موت كلّ نبيّ صاحب كتاب، اجتمع أعداؤه وحرّفوا كتابه، مثل: التوراة والإنجيل فحذفوا وزادوا، وغيّروا وبدلوا، حتّى سقط دينهم وكتابهم عن الاعتبار.
ولكنّ أعداء الإسلام لم يتمكّنوا من تحريف القرآن الحكيم، فدخلوا من باب آخر، فإنّ جماعة من اليهود - وهم ألدّ أعداء الإسلام - دخلوا الدين وأسلموا عن مكر وخداع، مثل: عبدالله بن سبأ، كعب الأحبار، ووهب بن منبّه، وغيرهم..، أسلموا بالظاهر ولكنّهم بدؤا يبثّون وينشرون عقائدهم الباطلة بين المسلمين، وذلك عن طريق جعل الأحاديث عن لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فأراد الخليفة الثالث عثمان، أن يلقي القبض عليهم ليؤدّبهم ففرّوا إلى مصر واستقرّوا فيها، فاجتمع حولهم الجاهلون واغترّوا بعقائدهم، وصاروا حزباً باسم: «الشيعة» فأعلنوا إمامة عليّ بن أبي طالب في عهد عثمان رغماً له لا حبّاً لعليٍّ كرّم الله وجهه، فوضعوا أحاديث كاذبة في تأييد مذهبهم، مثل:
قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «عليٌّ خليفتي وإمام المسلمين بعدي».
فكانوا السبب في سفك دماء المسلمين حتّى انتهى الأمر إلى قتل عثمان ذي النورين، وبعده نصبوا عليّاً وبايعوه بالخلافة، فالتفّ الناقمون على عثمان، حول عليٍّ ونصروه، فمنذ ذلك الوقت ظهر حزب الشيعة!
ولكن في حكومة بني اُميّة، لمـّا قاموا بقتل آل عليٍّ ومواليه، اختفى هذا الحزب.
وإنّ عدداً من الصحابة، أمثال: سلمان الفارسي وأبي ذرّ الغفاري وعمّار بن ياسر، كانوا يدعون الناس بعد النبيّ (صلّى الله
عليه [وآله] وسلّم) إلى عليٍّ (كرّم الله وجهه)، ولكنّ عليّاً لم يكن راضياً بهذا العمل.
فاختفى حزب الشيعة أيّام بني اُميّة وأوائل حكومة بني العبّاس، وبعد أن تولّى هارون الرشيد الحكم ظهر حزب الشيعة مرّة اُخرى وخاصة في خلافة المأمون، إذ تغلّب بمساعدة الإيرانيّين على أخيه الأمين فقتله واستولى على الحكم، فقويت شوكته بالإيرانيّين، وهم كانوا يفضّلون عليّ بن أبي طالب على الخلفاء الراشدين، وكانوا يسوقون المسلمين إلى الاعتقاد بهذا الباطل؛ كلّ ذلك لغرض سياسي ومرض نفسي.
إنّ الإيرانيّين كانوا حاقدين على العرب، لأنّ حكومتهم اضمحلّت وسيادتهم بادت بسيوف العرب.
فكانوا بصدد اختراع مذهب يخالف دين العرب ومذاهبهم، فلمّا سمعوا بحزب الشيعة وعقائدهم، تقبّلوه وسعوا في نشره، وخاصة في دولة آل بويه حين قويت شوكتهم واستولوا على كثير من بلاد الإسلام.
وأمّا في الدولة الصفوية فقد أعلنوا مذهب الشيعة رسمياً في إيران، والحقيقة أنّ مذهبهم الرسمي هو «المجوسية» كما تقتضي سياستهم، فإنّهم إلى يومنا هذا يختلفون مع جميع المسلمين في العالم ويقولون: نحن شيعة.
فالتشيّع مذهب سياسي حادث، ابتدعه عبد الله بن سبأ اليهودي، ولم يكن لهذا المذهب اسم في الإسلام.
وإنّ جدّك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بريء من
هذا المذهب واسمه، لأنّه على خلاف سُنّته وتشريعه، بل هو متشعب من دين اليهود وعقائدهم.
لذا أتعجّب حينما أرى عالماً شريفاً مع هذا النسب الرفيع يتّبع هذا المذهب الباطل ويترك دين جدّه، الإسلام الحنيف!!
وأنت - يا سيّد - أولى باتّباع جدّك وبالعمل بالقرآن والسُنّة النبوية الشريفة.
لما كان الحافظ يسترسل في كلامه ويتقوَّل ما يريد، كنت اُشاهد الشيعة الحاضرين في المجلس قد تغيّرت وجوههم حتّى كادوا يهجمون عليه، ولكنّي أشرت إليهم بالهدوء والوقار.
ثمّ أجبت الحافظ وقلت: ما كنت أتوقّع منك - وأنت من أهل العلم - أن تتمسّك بكلام وهمي واه من أباطيل المنافقين وأكاذيب الخوارج وأقاويل النواصب، أشاعه الاُمويّون وتقبّله العوامّ الجاهلون.
وإنّك خلطت أمرين متباينين، وجمعت بين الضدّين، حيث حسبت الشيعة اتباع عبد الله بن سبأ، والحال أنّهم يذكروه في كتبهم باللعن ويحسبوه منافقاً كافراً.
وعلى فرض أنّ ابن سبأ كان يدّعي أنّه موالي عليّ بن أبي طالب ومحبّيه، وذلك لغرض سياسي، فهل من الحق أنْ تحسبوا أعماله المخالفة للإسلام، على حساب شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآله المخلصين المؤمنين؟!
فلو ظهر لصٌّ في زيّ أهل العلم، وصعد المنبر وصلّى بالناس، ولمـّا وثق به المسلمون خانهم وسرق أموالهم، فهل صحيح أن نقول: كلّ العلماء لصوص وسرّاق؟!
فتعريفك للشيعة بأنّهم أتباع ابن سبأ الملعون، بعيدٌ عن الإنصاف، وخلاف الحقيقة والوجدان.
لذا تعجّبت كثيراً من تعبيرك عن مذهب الشيعة، بحزب سياسي اختلقه ابن سبأ اليهودي في عهد عثمان!
وأستغرب كيف تقرأ هذه الأكاذيب وتعتمد عليها، ولا تقرأ الأخبار الصحيحة والروايات الصريحة عن الشيعة في كتبكم المعتبرة أنّ النبيصلىاللهعليهوآله هو الواضع لاُسس الشيعة واُصولها، وقد شاعت كلمة : «شيعة علي» من لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآله بين أصحابه، كما نقل وروي ذلك علماؤكم في كتبهم وتفاسيرهم(١) .
____________________
١) لقد حقّق عن هذا الموضوع الاُستاذ محمد كرد علي وهو من محقّقيهم المعاصرين، وعضو المجمع العلمي العربي بدمشق، والمحوّل إليه التحقيق عن التشيّع من قبل ذلك المجمع العلمي، وقد كتب حصيلة تحقيقه في كتابه: «خطط الشام» ج ٥ ص ٢٥١ - ٢٥٦ وهي:
«عُرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة عليّعليهالسلام في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله مثل: سلمان الفارسي القائل: بايعنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله على النصح للمسلمين والائتمام بعليّ بن أبي طالب والموالاة له.
ومثل: أبي سعيد الخدري الذي يقول: اُمر الناس بخمس ففعلوا أربعة وتركوا واحدة، ولما سُئل عن الأربع قال: الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحجّ.
قيل: فما الواحدة التي تركوها؟
قال: ولاية علي بن أبي طالب.
قيل له: وإنّها لمفروضة معهنّ؟!
قال: نعم هي مفروضة معهنّ!
ومثل: أبي ذرّ الغفاري، وعمّار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيّوب الأنصاري وخالد بن سعيد بن العاص وقيس بن سعد =
وإذا كنت تستند في حوارك هذا على كلام الخوارج وتقوّلات النواصب، فإنّي أستند إلى القرآن الحكيم، والأخبار المعتبرة عندكم، حتّى يظهر الحقّ ويزهق الباطل.
وأنصحكم أن لا تتكلّموا من غير تحقيق، لأنّ الحقّ سوف يظهر، وكلامكم يُفنّد من قبل الحاضرين، فحينئذ يصيبكم الخجل فتندمون، ولا يفيد حينها الندم، ولتكن الآية الشريفةً نصب أعينكم:( مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (١) .
فكلامكم يسجّل عليكم ويحفظ عند ربّكم، وتحاسَبون عليه.
والآن إذا تسمحون لي ولا تتألّمون من كلامي، أُثبت لكم بالأدلّة المقبولة، أنّ الحق خلاف ما قلتم، والصواب غير ما اعتقدتم.
الحافظ: إنّ مجلسنا انعقد لهذا الغرض، وكلّ هذا النقاش والحوار من أجل رفع الشبهات وكشف الحقائق المبهمات، والكلام الحقّ لا يؤلمنا.
____________________
= بن عبادة»
وبعد تحقيق دقيق كتب: «وأمّا ما ذهب إليه بعض الكُتّاب من أنّ مذهب التشيّع من بدعة عبدالله بن سبأ، المعروف بـ: ابن السوداء، فهو وهم وقلّة معرفة بحقيقة مذهب الشيعة، ومَن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة وبراءتهم منه ومن أقواله وأعماله، وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف بينهم، علم مبلغ هذا القول من الصواب، لا ريب في أنّ أوّل ظهور الشيعة كان في الحجاز بلد المتشيَّع له».
وقال: «وفي دمشق يرجع عهدهم إلى القرن الأوّل للهجرة».
لقد صدر هذا التحقيق بقلم أُستاذ متتبّع غير شيعي، وفيه كفاية لمن يطلب الحقّ ويبتعد عن الغواية. «المترجم»
١) سورة ق، الآية ١٨.
حقيقة الشيعة وبدايتها
قلت: تعلمون أنّ كلمة: «الشيعة» بمعنى: الأتباع والأنصار(١) .
قال الفيروزآبادي في «القاموس» في كلمة «شاع»: وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، والفرقة على حدة، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكّر والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على كلّ من يتولّى عليّاً وأهل بيته، حتّى صار اسماً لهم خاصاً، جمعه: أشياع وشيع.
فهذا هو معنى كلمة: «الشيعة» فأرجو أن لا تشتبهوا في معناها بعد اليوم.
وأمّا الاشتباه الآخر الذي صدر منكم عمداً أو سهواً، أو لعدم اطّلاعكم على التفاسير والأحاديث الشريفة، أو لأنّكم تأثرتم بكلام واه تقوَّلَهُ أسلافكم، وأنتم قبلتموه من غير تحقيق فكرّرتم كذبهم بقولكم: إنّ كلمة «الشيعة» وإطلاقها على أتباع علي بن أبي طالب ومواليه،
____________________
١) قال ابن خلدون في مقدّمته - صفحة ١٣٨-: إعلم انّ الشيعة لغةً: هم الصحب والأتباع، ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلّمين من الخلف والسلف: على أتباع عليّ وبنيه رضي الله عنهم.
وقال ابن الأثير في كتابه «نهاية اللّغة» في معنى كلمة «شيع»: «الشيعة» الفرقة من الناس، وتقع على الواحد والإثنين والجمع، والمذكّر والمؤنث بلفظٍ واحد ومعنى واحد، وقد غلب هذا الاسم على كلّ من يزعم أنّه يتولّى عليّاً رضي الله عنه وأهل بيته، حتّى صار لهم اسماً خاصاً، فإذا قيل: فلان من الشيعة، عرف أنّه منهم، وفي مذهب الشيعة كذا، أي عندهم، وتجمع على «شِيَع» وأصلها من المشايعة وهي: المتابعة والمطاوعة. «المترجم»
حدث في عهد عثمان وخلافته، وابتدعه عبدالله بن سبأ اليهودي!
والحال أنّ هذا الكلام خلاف الواقع والحقيقة، فإنّ كلمة «الشيعة» اصطلاح يطلق على أتباع عليّ بن أبي طالب وأنصاره منذ عهد النبيصلىاللهعليهوآله وإنّ واضع هذه الكلمة والذي جعلها علماً عليهم هو رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهو كما قال الله (عزّ وجلّ) فيه:( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (١) .
وقد قالصلىاللهعليهوآله : «شيعةُ عليٍّ هم الفائزون» وروى علماؤكم هذا الحديث وأمثاله في كتبهم وتفاسيرهم.
الحافظ: لم أجد هكذا روايات وأحاديث في كتبنا، وليتني كنت أعرف، في أيّ كتاب من كتبنا قرأتم هذا الحديث وأمثاله؟!
قلت: هل إنّكم لم تجدوا هذا الحديث وأمثاله في كتبكم، أم استنكفتم من قبوله وأغمضتم عينكم وأبيتم إلّا الجحود والكتمان؟؟!
ولكنّا حين قرأناه في كتبكم وكتبنا، قبلناه وأعلنّاه، ولا نكتمه أبداً، لأنّ الله تعالى يقول:( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) (٢) .
وقال (عزّ وجلّ):( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (٣) .
____________________
١) سورة النجم، الآية ٣ و٤.
٢) سورة البقرة، الآية ١٥٩.
٣) سورة البقرة، الآية ١٧٤.
فالله (عزّ وجلّ) يلعن الّذين يكتمون الحقّ ويخبر أنّهم من أهل النار والعذاب، فإيّاكم أن تكونوا منهم.
الحافظ: هذه الآيات حقّ وصدق، تبيّن جزاء الّذين يكتمون الحقّ، ولكنّا ما كتمنا حقّاً، فلا تشملنا هذه الآيات الكريمة.
قلت: بإذن الله ولطفه، وتحت رعايته وعنايته، وبالاستمداد من جدّي خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآله ، سأكشف لكم الحقّ الذي هو أظهر وأجلى من الشمس، واُبدّد ظلام الأوهام عن وجه الحقيقة، حتّى يعرفها جميع الحاضرين.
وأرجو أن تجعلوا هذه الآيات الكريمة نصب أعينكم، حتّى لا تأخذكم العزّة بالإثم ولا تخافوا لومة لائم.
ورجائي أن تتركوا التعصّب لتقاليد آبائكم وتتحرروا من أغلال العادات التي قيّدكم بها أسلافكم، فحينئذ يسهل عليكم قبول الحقّ وإعلان الحقيقة.
الحافظ: أشهد الله أنّي لا أتعصّب، ولا أُماري، ولا أُجادل، بل إذا اتّضح الحقّ تمسّكتُ به، وإذا عرفت الحقيقة قبلتها وأعلنتها.
وأنا لا أجتهد لأكون غالباً في المحاورة، إنّما اُريد أن أعرف الحقّ والحقيقة، فإذا ظهر الحقّ ومع ذلك تعصبت وجادلت فأكون ملعوناً ومعذّباً في النار كما صرّح الله تعالى.
أمّا الآن فنحن مستعدون لاستماع حديثك، وأسأل الله (عزّ وجلّ) أن يجمعنا وإيّاكم على الحقّ.
قلت: روى الحافظ أبو نعيم(١) في كتابه «حلية الأولياء» بسنده عن ابن عبّاس، قال: لمـّا نزلت الآية الشريفة:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (٢) خاطب رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليّ بن أبي طالب وقال: يا عليّ! هو أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين.
ورواه أبو مؤيد، موفق بن أحمد الخوارزمي في الفصل ١٧ من كتاب المناقب في كتاب تذكرة خواص الاُمّة(٣) وسبط ابن الجوزي(٤) بحذف الآية.
وروى الحاكم عبيد الله الحسكاني، وهو من أعاظم مفسّريكم، في كتابه «شواهد التنزيل» عن الحاكم أبي عبدالله الحافظ، بسند مرفوع إلى يزيد بن شراحيل الأنصاري، قال: سمعت عليّاًعليهالسلام يقول: حدّثني رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأنا مسنده الى صدري، فقال: أي علي. ألم
____________________
١) الحافظ أبو نعيم هو من أكبر علمائكم ومحدّثيكم، يقول ابن خلّكان في كتابه «وفيات الأعيان» بأنّه من أكبر الحفّاظ الثقات، وأعلم المحدّثين، وكتابه «حلية الأولياء» الذي يبلغ عشر مجلّدات من أحسن الكتب.
وقال صلاح الدين الصفدي في كتابه «الوافي بالوفيات»: تاج المحدّثين الحافظ أبو نعيم ...الى آخره.
وقال في تعريفه محمد بن عبدالله الخطيب في كتابه «مشكاة المصابيح»: هو من مشايخ الحديث الثقات، المعمول بحديثهم، المرجوع إلى قولهم، كبير القدر، وله من العمر ستّ وتسعون سنة.
٢) سورة البينة الآية ٧.
٣) المناقب، الحديث الثاني من الفصل ١٧ في بيان ما نزل من الآيات في شأنهصلىاللهعليهوآله .
٤) تذكرة خواصّ الاُمّة، ص ٥٦. قال فيه بالسند المذكور عن أبي سعيد الخدري قال: نظر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى علي بن أبي طالب فقال هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة.
تسمع قول الله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (١) ؟ هم أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض، إذا جثت الأمم للحساب، تدعون غرّاً محجّلين(٢) .
وروى أبو المؤيّد الموفق أحمد الخوارزمي في مناقبه في الفصل التاسع(٣) عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: كنّا عند النبيصلىاللهعليهوآله فأقبل عليّ بن أبي طالب، فقالصلىاللهعليهوآله : قد أتاكم أخي، ثمّ التفت إلى الكعبة فضربها بيده ثمّ قال: والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة، ثمّ إنّه أوّلكم إيماناً، وأوفاكم بعهد الله، وأقومكم بأمر الله، وأعدلكم في الرعيّة، وأقسمكم بالسويّة، وأعظمكم عند الله مزيّة.
قال: ونزلت:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (٤) إلى آخره.
قال: وكان أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآله إذا أقبل عليٌّعليهالسلام قالوا: قد جاء خير البريّة(٥) .
وروى جلال الدين السيوطي وهو من أكبر علمائكم وأشهرهم،
____________________
١) سورة البيّنة الآية ٧.
٢) رواه العلّامة محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» الباب ٦٢ بسنده عن يزيد بن شراحيل، وذكره الحافظ موفق بن أحمد المكّي الخوارزمي في مناقب عليّعليهالسلام . «المترجم»
٣) مناقب عليّعليهالسلام ، الفصل التاسع، الحديث العاشر.
٤) سورة البيّنة الآية ٧.
٥) رواه العلّامة الكنجي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب»، الباب ٦٢ بسنده عن جابر بن عبدالله الانصاري، وقال: هكذا رواه محدّث الشام في كتابه بطرق شتّى. «المترجم»
حتّى قالوا فيه: بأنّه مجدّد طريقة السُنّة والجماعة في القرن التاسع الهجري، كما في كتاب «فتح المقال».
روى في تفسيره «الدرّ المنثور» عن ابن عساكر الدمشقي، أنّه روى عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنّه قال: كنّا عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذ دخل عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : والذي نفسي بيده، إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، فنزل:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) .
وكذلك، جاء في «الدرّ المنثور» في تفسير الآية الكريمة، عن ابن عديّ، عن ابن عبّاس، انّه روي: لمـّا نزلت الآية المذكورة قال النبيصلىاللهعليهوآله لعليٍّ: تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين.
وروى ابن الصبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة صفحة ١٢٢ عن ابن عبّاس، قال: لمـّا نزلت الآية( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) قال النبيصلىاللهعليهوآله لعليٍّ: هو أنت وشيعتك، تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيّين، ويأتي أعداؤك غضاباً مقمحين.
ورواه ابن حجر في الصواعق باب ١١ عن الحافظ جمال الدين، محمد بن يوسف الزرندي المدني، وزاد فيه: فقال عليٌّعليهالسلام : مَن عدوّي؟ قالصلىاللهعليهوآله : من تبرّأ منك ولعنك.
ورواه العلّامة السمهودي في «جواهر العقدين» عن الحافظ جمال الدين الزرندي أيضاً.
وروى المير سيّد علي الهمداني الشافعي وهو من كبار علمائكم في كتابه «مودّة القربى» عن اُمّ سلمة اُمّ المؤمنين وزوجة النبي
الكريمصلىاللهعليهوآله أنّها قالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا عليّ، أنت وأصحابك في الجنّة، أنت وشيعتك في الجنّة.
ورواه عنها ابن حجر في الصواعق أيضاً.
وروى الحافظ ابن المغازلي الشافعي الواسطي في كتابه «مناقب علي بن أبي طالبعليهالسلام » بسنده عن جابر بن عبدالله، قال: لمـّا قدم عليّ بن أبي طالب بفتح خيبر قال له النبيصلىاللهعليهوآله : يا عليّ، لولا أن تقول طائفة من اُمّتي فيك ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك مقالاً لا تمرُّ بملأٍ من المسلمين إلّا أخذوا التراب من تحت رجليك وفضل طهورك، يستشفون بهما، ولكن حسبك أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبيّ بعدي، وأنت تبرىء ذمّتي وتستر عورتي، وتقاتل على سنّتي، وأنت غداً في الآخرة أقرب الخلق منّي، وأنت على الحوض خليفتي، وإنّ شيعتك على منابر من نور مبيضّة وجوههم حولي، أشفع لهم، ويكونون في الجنّة جيراني، وإنّ حربك حربي، وسلمك سلمي(١) .
____________________
١) رواه غيره أيضاً، منهم الكنجي الشافعي في كفاية الطالب، الباب ٦٢.
الشيعة في الحديث:
* تاريخ بغداد ج ١٢، ص ٢٨٩، قال النبيصلىاللهعليهوآله لعليّ: أنت وشيعتك في الجنّة.
* مروج الذهب، ج ٢ ص ٥١، قالصلىاللهعليهوآله : إذا كان يوم القيامة دُعي الناس بأسمائهم، وأسماء اُمّهاتهم إلّا هذا - يعني عليّاً - وشيعته، فإنّهم يُدعون بأسمائهم،وأسماء آبائهم لصحّة ولادتهم.
* الصواعق المحرقة، ص ٦٦ ط. الميمنية بمصر، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا علي أنت وشيعتك تردون عليّ الحوض رواء مرويّين، مبيضّة وجوههم، وإنّ أعداءكم يردون على الحوض ظماءً مقمحين. =
. . . . .
____________________
=أقول : ورواه العلّامة صالح الترمذي في: المناقب المرتضوية، ص ١٠١، ط. بومبي.
* كفاية الطالب، ص ١٣٥، قالصلىاللهعليهوآله لعلي: وإنّ شيعتك على منابر من نور مبيضّة وجوههم حولي، أشفع لهم، فيكونون غداً في الجنّة جيراني
* مناقب ابن المغازلي، ص ٢٣٨، رواه أيضاً والخبر طويل.
* كفاية الطالب، ص ٩٨ بسنده عن عاصم بن ضمرة، عن عليٍّعليهالسلام ، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : شجرة أنا أصلها، وعلي فرعها، والحسن والحسين ثمرتها - والحسنان ثمرها / خ ل - والشيعة ورقها، فهل يخرج من الطيّب إلّا الطيب؟!
قال العلّامة الكنجي: هكذا رواه الخطيب، في تاريخه وطرقه.
أقول : ورواه الحاكم في المستدرك ٣/١٦٠، وابن عساكر في تاريخه ٤/٣١٨، ومحبّ الدين في الرياض النضرة ٢/٢٥٣، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة ١١، والصفوري في نزهة المجالس ٣/٢٢٢. وفي ينابيع المودّة، للعلّامة القندوزي الحنفي، ص ٢٥٧، ط. إسلامبول، روي عن النبيصلىاللهعليهوآله : لا تستخفّوا بشيعة عليّ، فإنّ الرجل منهم ليشفع مثل ربيعة ومضر.
أقول : رواه العلّامة الهندي في «انتهاء الأفهام» ص ١٩، ط. لكنهو.
تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي، ص ٥٩، ط. الغريّ بسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: نظر النبيصلىاللهعليهوآله إلى عليّ بن أبي طالب فقال هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة.
* فردوس الأخبار، للديلمي، روى عن أنس بن مالك أنّه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : شيعة عليّ هم الفائزون.
أقول : رواه العلّامة المنّاوي في «كنوز الحقائق» ص ٨٨، ط. بولاق، ورواه القندوزي في «ينابيع المودة» ص ١٨٠، ط. إسلامبول، ورواه العلّامة الهندي الهندي في «انتهاء الأفهام» ص ٢٢٢، ط. نول كشور. =
. . . . .
____________________
=* المناقب المرتضوية، للعلّامة الكشفي الترمذي، ص ١١٣ طبع بومبي، وروى عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : عليٌّ وشيعته هم الفائزون يوم القيامة.
أقول : رواه القندوزي في «ينابيع المودة» ص ٢٥٧، ورواه العلّامة الهندي في «انتهاء الإفهام» ص ١٩، كلاهما عن ابن عبّاس.
* الدرّ المنثور - للسيوطي - ٦/٣٧٩، طبعة مصر، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليّ: أنت وشيعتك تردون عَليَّ الحوض روّاء.
ورواه القندوزي في «ينابيع المودّة» ص ١٨٢، بعينه.
* تاريخ ابن عساكر ٤/٣١٨، قالصلىاللهعليهوآله : يا عليّ، إنّ أوّل أربعة يدخلون الجنّة، أنا وأنت والحسن والحسين، وذرارينا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرارينا، وشيعتنا عن أيماننا وعن شمائلنا.
أقول : وأخرجه ابن حجر في الصواعق، ص ٩٦، وتذكرة الخواص ص ٣١، ومجمع الزوائد ٩/١٣١، وكنوز الحقائق - في هامش الجامع الصغير - ٢/١٦.
* اسعاف الراغبين، المطبوع بهامش نور الأبصار ص ١٣١ قال: وأخرج الدار قطني مرفوعاً قال لعلي: يا أبا الحسن أما أنت وشيعتك في الجنة.
* تاريخ بغداد ١٢/٢٨٩، مطبعة السعادة بمصر، أخرج بسنده عن الشعبي، عن عليعليهالسلام ، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أنت وشيعتك في الجنّة.
أقول : ورواه أخطب خوارزم في «المناقب» ص ٦٧، ورواه صاحب منتخب كنز العمّال - المطبوع بهامش المسند - ٥/٤٣٩، طبع المطبعة الميمنية بمصر. ورواه العلامة البرزنجي صاحب «الإشاعة في أشراط الساعة» ص ٤١.
* مجمع الزوائد ٩/١٧٣، روى عن أبي هريرة، قال: قال النبيصلىاللهعليهوآله لعليٍّ: أنت معي وشيعتك في الجنّة.
* شرف النبيصلىاللهعليهوآله ، للعلّامة الخركوشي، روى عن اُمّ المؤمنين اُمّ سلمة، قالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أبشر يا عليّ، أنت وشيعتك في الجنّة. =
وصلنا إلى هنا وارتفع صوت المؤذّن يعلن وقت العشاء فقطعنا الكلام، وسكتنا عن قراءة ذيل الرواية، والخبر فإنّه طويل، فقام الإخوان العامة وتهيّؤا للصلاة، وذهب السيّد عبدالحيّ ليؤمّ المسلمين في المسجد.
وحينما رجع من المسجد جاء بتفسير «الدرّ المنثور» وكتاب «مودّة القربى» ومسند الإمام أحمد بن حنبل، ومناقب الخوارزمي، وقال ذهبت بعد الصلاة إلى البيت وجئتكم بهذه الكتب التي تستندون بها في محاورتكم، حتّى نراجعها عند الضرورة.
____________________
= ورواه عنها أيضاً العلاّمة الآمر تسري الحنفي، في «أرجح المطالب».
* مجمع الزوائد - للهيثمي - ٩/١٧٢، قالصلىاللهعليهوآله في خطبة له: أيّها الناس، من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهودياً، فقال جابر بن عبدالله: يا رسول الله وإن صام وصلى؟!
قالصلىاللهعليهوآله : وإن صام وصلّى وزعم انّه مسلم!
احتجر بذلك سفك دمه وأن يؤدّي الجزية عن يد وهم صاغرون.
مُثّل لي اُمّتي في الطين، فمرّ بي أصحاب الرايات، فاستغفرت لعليٍّ وشيعته.
* المناقب المرتضوية، ص ١١٦، طبع بومبي، للعلاّمة الكشفي الترمذي، انّ انَسَاً روى عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال: حدّثني جبرائيل عن الله تعالى (عزّ وجلّ)، ان الله تعالى يحبّ عليّاً ما لا يحبّ الملائكة، ولا النبيّين ولا المرسلين، وما من تسبيحة يسبح الله إلّا و يخلق الله منه ملكاً يستغفر لمحبّه وشيعته ليوم القيامة.
أقول : رواه العلاّمة القندوزي الحنفي في «ينابيع المودّة» ص ٢٥٦، طبعة إسلامبول، روى الحديث عن أنس بعين ما تقدّم، إلّا أنّه أسقط «ولا النبيّين ولا المرسلين».
وفي هذا كفاية لمن أراد الهداية، ولو رمت إسهاباً أتى الفيض بالمدد. «المترجم»
فتناوْلتُ منه الكتب وشكرتُهُ وَبقِيَتْ الكتب عندنا إلى آخر ليلة من ليالي الحوار، ثمّ استخرجت الأخبار والأحاديث التي نقلتها من تلك الكتب، وكلّما قرأت الأحاديث التي مرّ ذِكْرها من كتبهم، كنت اُلاحظ وجوه المشايخ تنخطف، وألوانه تتغيّر، والخجل يبدو ويعلو على وجوههم، لانّهم كانوا يحسّون بالفضيحة والنكسة أمام أتباعهم الحاضرين.
وقرأنا في كتاب «مودّة القربى» إضافة ما نقلناه، حديثاً آخر في الموضوع هو:
روي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: يا علي، ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيّين، ويقدم عليه عدوّك غضاباً مقمحين.
وبعده قلت: إنّ هذا بعض الدلائل المحكمة والمؤيّدة بكلام الله سبحانه وتعالى وبالاخبار المعتبرة والمقبولة عندكم، ولو نقلتها لكم كلّها لطال الكلام، ولكن في ما ذكرنا كفاية لمبتغي الحق بغير غواية.
وأرجو بعد هذا أن لا تكرّروا ذلك الكلام الفارغ الوهمي الواهي، بأنّ مؤسّس مذهب الشيعة عبدالله بن سبأ اليهودي
فقد اندفع هذا الاتّهام وارتفع الإيهام، بالقرآن الحكيم وحديث النبي العظيمصلىاللهعليهوآله ، ولقد تبيّن لكم أنّ ما كنتم تظنّوه في حقّ الشيعة، إن هو إلّا أباطيل الخوارج وأكاذيب النواصب من بني اُميّة وغيرهم.
ومع الأسف أنتم العلماء قد ألقيتم هذه الأقاويل إلى أتباعكم من عامة الناس، وألبستم عليهم الحقّ والحقيقة، من حيث تعلمون أو لا تعلمون.
والآن عرفتم بأنّ الشيعة محمّديّون وليسوا بيهود، وأنّ إطلاق
اسم: «الشيعة» على من تولّى عليّاً وأحبّه ونصره إنّما بدأ من نبي الإسلام وهادي الأنام محمّدصلىاللهعليهوآله ، وقد صرّح به كراراً بين أصحابه حتّى صار علماً لموالي عليّعليهالسلام وأنصاره، كما سمعتم الروايات والأخبار التي نقلتها لكم.
وجاء في كتاب «الزينة» لأبي حاتم الرازي، وهو منكم قال: إنّ أوّل اسم وضع في الإسلام علماً لجماعة على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان اسم «الشيعة» وقد اشتهر أربعة من الصحابة بهذا الاسم في حياة النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله وهم:
١- أبو ذرّ الغفاري ٢- سلمان الفارسي ٣- المقداد بن الأسود الكندي ٤- عمّار بن ياسر.
فأدعوكم لتتفكّروا، كيف يمكن أن يشتهر أربعة من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله الأقربين وحواريِّهِ، بلقب أو اسم «الشيعة» بمرأىً ومسمع منهصلىاللهعليهوآله وهو لم يمنعهم من تلك البدعة كما يزعم البعض؟!
ولكن نستنبط من مجموع الأخبار والأحاديث الواردة في الموضوع أنّ اُولئك الأصحاب المخلصين، سمعوا النبيصلىاللهعليهوآله يقول: شيعة علي خير البريّة، وهم الفائزون. لذلك افتخروا بأن يكونوا منهم، ويشتهروا بين الأصحاب باسم «لشيعة».
مقام هؤلاء الأربعة في الإسلام
يروي علماؤكم عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» وقد كتب أبو الفداء في تاريخه - وهو من مؤرّخيكم -: انّ هؤلاء الأربعة امتنعوا من البيعة لأبي بكر يوم السقيفة، وتبعوا عليّ
ابن أبي طالبصلىاللهعليهوآله ، فلماذا لا تجعلوا عملهم حجّة؟! مع ما نجد في كتبكم أنّ هؤلاء كانوا من المقرّبين والمحبوبين عند النبيصلىاللهعليهوآله ، لكن نحن تبعناهم واقتدينا به وصرنا شيعة عليعليهالسلام ، فنحن مهتدون بحديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله الواصل عن طريقكم: بأيّهم اقتديتم اهتديتم.
ولكي نعرف جاه ومقام هؤلاء الأربعة عند الله تعالى وعند رسولهصلىاللهعليهوآله ، أنقل لكم بعض الأخبار المرويّة عن طرقكم في حقّهم:
١- روى الحافظ أبو نعيم في المجلد الأول من حلية الأولياء ص ١٧٢ وابن حجر المكّي في كتابه الصواعق المحرقة في الحديث الخامس من الأحاديث الأربعين التي نقلها في فضائل علي بن أبي طالبعليهالسلام قال: عن الترمذي والحاكم، عن بريدة: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: إنّ الله أمرني بحبّ أربعة، وأخبرني أنّه يحبّهم، فقيل من هم؟ قالصلىاللهعليهوآله : عليّ بن أبي طالب، وأبو ذرّ والمقداد، وسلمان(١) .
____________________
١) روى ابن المغازلي الشافعي في - مناقب علي بن أبي طالب - ح رقم ٣٣١ بسنده عن بريدة قال، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : انّ الله يحب من اصحابي اربعة وأخبرني أنّه يحبّهم وامرني أن أحبّهم قالوا من هم يا رسول الله؟
قال: انّ عليّا منهم وابا ذر وسلمان والمقداد بن الأسود الكندي.
وأخرجه الامام أحمد بن حنبل في مسنده ٥/٣٥١/ بالاسناد عن ابن نمير بعين السند واللفظ.
وأخرجه في ٥/٣٥٦ بالإسناد إلى أسود بن عامر عن شريك بعين السند.
وأخرجه الحافظ البخاري في تاريخه قسم الكنى ٣٧/ بالاسناد إلى محمد بن الطفيل عن شريك.
وأخرجه الحاكم المستدرك ٣/١٣٠/ من طريق الامام أحمد بن خنبل عن الاسود ابن عامر وعبدالله بن نمير معاً وصححه وأقرّه الذهبي في تلخيصه المطبوع بذيله.
وأخرجه الحافظ القزويني في سنن المصطفى ١/٥٢/ط محمد فؤاد، عن بريدة مع اختلاف يسير في اللفظ والمعنى واحد. «المترجم»
٢- نقل ابن حجر أيضاً الحديث ٣٩ عن الترمذي والحاكم عن أنس بن مالك، أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: الجنّة تشتاق إلى ثلاثة: عليّ وعمّار وسلمان.
فكيف إنّ هؤلاء الأربعة الّذين هم من خواصّ أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله وقد أحبّهم الله ورسوله، ومن أهل الجنّة، خالفتموهم ولم يكن عملهم حجّة عندكم؟!
أليس من المؤسف أن تحصروا أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله في الّذين دبّروا فتنة السقيفة وانخرطوا في تلك اللعبة الجاهلية، وقبلوا منتخَب المتآمرين وتركوا حجة ربّ العالمين؟!
وأمّا بقية الصحابة الأخيار، الّذين خالفوا ذلك التيّار، ورفضوا ذلك القرار، إذ وجدوه جائراً مخالفاً لنصّ الواحد القهار، فساروا على الخطّ الذي رسمه النبي المختارصلىاللهعليهوآله لسعادة المؤمنين الأحرار الأبرار، لم تعتبروهم ولم تقتدوا بهم، فكأنكم حرّفتم عملياً حديث النبيصلىاللهعليهوآله «أصحابي كالنجوم ...» بأنّ «بعض أصحابي كالنجوم»؟!
التشيّع ليس حزباً سياسياً
وأمّا قولك: إنّ مذهب الشيعة مذهب سياسي، والإيرانيون المجوس اتّخذوا التشيّع وسيلة للفرار من سلطة العرب، كلام بلا دليل وهو من أقاويل أسلافكم، ونحن أثبتنا أنّ التشيع مذهب إسلامي، وهو شريعة خاتم الأنبياء وامتداد للإسلام.
والنبيصلىاللهعليهوآله أمر اُمّته بمتابعة عليّ ومشايعته في الأمور والحوادث، بأمر من الله سبحانه وتعالى، ونحن نتّبع عليّاً أمير المؤمنين وأبناءه
الطاهرينعليهالسلام ، ونعمل بأوامرهم حسب أمر النبي المطاع الأمينصلىاللهعليهوآله ، ونرى في ذلك نجاتنا.
ولو تدبّرنا التاريخ ودرسنا الحوادث بعد حياة النبيصلىاللهعليهوآله لوجدناه أنّ أبرز قضية سياسية وأظهر حادثة انقلابية هي مؤامرة السقيفة وانتخابهم الخليفة. ومع ذلك لا تطلقون على اُولئك المجتمعين في السقيفة والهمج الّذين تبعوهم كلمة: «حزب سياسي» ولكن تتّهمون الشيعة المؤمنين المخلصين بأنّهم حزب سياسي!!
وكم عندكم أحاديث معتبرة أنّ النبيصلىاللهعليهوآله يأمر الاُمّة بمتابعة عليّ بن أبي طالب وأهل بيته الكرام، وخاصّة عند التباس الأمر واختلاف الرأي، ولا نجد حديثاً واحداً من الرسولصلىاللهعليهوآله يأمر الاُمّة بتشكيل السقيفة وانتخابهم الخليفة بعده، ولو كان ذلك من حقّ الناس، لَما نصّ على أخيه وصنوه عليّعليهالسلام من بعده، ولما عيّنه خليفة بأمر من الله (عزّ وجلّ)، في يوم الإنذار ويوم الغدير وغيره.
وأمّا بالنسبة لتشيّع الإيرانيّين الذي تزعم أنت وكثير من الّذين أغوتهم الدعايات الاُمويّة، بأنّه كان من غرض سياسي.
أقول : إنّ من كان له أدنى اطّلاع في القضايا السياسية يعرف، أنّ قوماً إذا اتّخذوا مذهباً وسيلة للوصول إلى أغراضهم وأهدافهم السياسية تركوا ذلك المذهب ولم يعبئوا به حينما يصلون إلى أهدافهم. والحال أنّ التاريخ يشهد في حقّ الإيرانيّين الذين تمسّكوا بالتشيّع واتّبعوا آل محمّدصلىاللهعليهوآله وأحبّوهم ونصروهم وضحّوا بالغالي والنفيس من أجلهم أكثر من ألف عام، وإلى يومنا هذا هم كذلك يجاهدون ويضحّون في سبيل إعلاء كلمة الحقّ والعدل وانتشار راية: لا إله إلّا
الله، محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليٌّ وليّ الله، فهذا التَّفاني طيلة ألف عام وأكثر، يستحيل أن يكون لغرض سياسي دنيوي، وإنّما يكون لهدف معنوي اُخروي، والتشيّع عند معتنقيه من الإيرانيّين وغيره هدفٌ لا وسيلة!
أسباب تشيّع الإيرانيّين
أمّا الأسباب التي دعت الإيرانيّين إلى التمسّك بمذهب الشيعة والالتزام بولاء أهل البيت النبوّة، متابعتهم، والسير على منهج علي بن أبى طالب وأبنائه الطيّبين، والتَّفاني في ذلك، هي:
١- عدم وجود العصبيّات القبَليّة والنزعات الطائفيّة والدواعي العشائرية عندهم، لأنّهم لم يكونوا ينتمون إلى أيّة قبيلة من قبائل قريش أو غيرها الموجودة في الجزيرة العربية، وبعيداً عن كلّ هذه، وجدوا الحقّ في عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فانحازوا إليه، ولم تصدّهم العصبيّات والنزعات عن طريق أهل البيتعليهمالسلام ومذهبهم.
٢- الذكاء والتعقّل عندهم(١) ، يمنعهم من التعصّب الباطل والتقليد الأعمى، فهم أهل تحقيق وتدقيق في أمر الدين والعبادة، لذلك كانت المجوسية عندهم رخوة ومتزلزلة، ولهذا السبب أسلمت أكثر بلادهم من غبر حرب وفتحت من غير مقاومة، وبعد فتح بلادهم تركوا
____________________
١) روى الإمام أحمد في مسنده ٢/٤٢٠-٤٢٢، عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال: لو كان العلم بالثريّا لتناوله ناس من أبناء فارس.
وفي الإصابة ٣/٤٥٩، أخرج ابن قانع بإسناده عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لو كان الدين متعلّقاً بالثريّا لتناوله قوم من أبناء فارس «المترجم».
المجوسية من غير كره وإجبار واعتنقوا الإسلام بالحريّة والاختيار، لأنّهم عاشروا المسلمين وحقّقوا حول الإسلام، وعرفوا حقّانيّته، فتمسّكوا به وأصبح الإسلام دينهم الذي كانوا يضحّون أنفسهم دونه، ويقدمون الغالي والنفيس من أجله، ويجاهدون في سبيل الله تحت راية الاسلام مع العرب وغيرهم من المسلمين جنباً لجنب في صفٍّ واحد وبعدما دخلوا في الإسلام، واجهوا مذاهب شتّى وطرائقً قدداً، كلّ منهم يدّعي الحقّ وينسب الآخرين إلى الضلال فدقّقوا وفتّشوا عن الحقيقة، وفحصوا وحقَّقوا عن الحقّ والواقع، فوجدوه في مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية، فتمسّكوا به وانعقدت قلوبهم على معالمه، فتبعوا عليّاً وأبناءه المعصومين، ورضوا بهم أئمّة وقادة وسادة، لأنّ الله تعالى جعلهم كذلك.
٣- إنّ عليّاًعليهالسلام كان يعرف حقوق الإنسان وحقوق الأسرى في الإسلام، لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان يوصي المسلمين بالاسرى ويقول: أطعموهم ممّا تطعمون، وألبسوهم ممّا تلبسون، ولا تؤذوهم إلى آخره، فكان عليٌّعليهالسلام يلتزم بتطبيق هذه الحقوق، وأمّا غيره فما كان يعرفها! وإذا كان يعرفها ما كان يلتزم بها.
وحينما جاءوا بأسرى الإيرانيين إلى المدينة، عاملهم بعض المسلمين بما لا يليق، فقام عليٌّعليهالسلام بالدفاع عن ابنَتيْ الملك حين أمر الخليفة أبو حفص ببيعهنّ، ولكنّ عليّاًعليهالسلام منعه وقال:إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منع من بيع الملوك وأبنائهم وبناتهم، وإنّما تنتخب كلّ واحدة من هاتين رجلاً من المسلمين فتتزوّج منه.
وعلى هذا انتخبت إحداهنّ - وهي «شاه زنان» - محمّد بن أبي بكر، وانتخبت «شهربانو» - وهي الأخرى - الإمام الحسينعليهالسلام .
وذهب كلٌّ منهما مع زوجته بعقد شرعي ونكاح إسلامي إلى بيته، فولدت شاه زنان من محمد ولده «القاسم» وأصبح من فقهاء المدينة وهو والد «اُمّ فروة» والدة الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام ، وولدت شهربانو الإمام عليّ بن الحسين زين العابدينعليهالسلام .
فلمّا رأى بعض الإيرانيّين وسمع آخرون منهم بزواج ابنتي يزدجرد واحترام الإمام عليّعليهالسلام لهما، شكروا هذا الموقف التاريخي العظيم، والقرار الإنساني الجسيم، من أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وكان هذا من أهمّ الأسباب التي دعت الإيرانيين إلى تحقيقٍ أكثر حول شخصية أبي الحسنعليهالسلام ، وعليٌّعليهالسلام هو الرجل المقدّس الذي كلّما زاد الإنسان معرفة به، زاد حبّاً له وتعظيماً.
٤- إرتباط الإيرانيّين وعلاقتهم بسلمان الفارسي وهو منهم، ثمّ لسابقته الفاخرة في الإسلام، ومكانته المرموقة عند النبيصلىاللهعليهوآله ، حتّى عدّه من أهل بيته، في الحديث الذي اشتهر عنهصلىاللهعليهوآله في كتب الشيعة والسُنّة أنّه قالصلىاللهعليهوآله : سلمان منّا أهل البيت(١) .
وكان يُنادى من ذلك اليوم: بسلمان المحمّدي.
ولسائر فضائله ومناقبه أصبح محور الإيرانيّين ومرجعهم في اُمور الدنيا والدين.
____________________
١) مستدرك الحاكم: ٣/ ٥٩٨، وشرح مختصر صحيح البخاري - لأبي محمّد الأزدي -: ٢ / ٤٦. «المترجم»
ولمـّا كان سلمان من شيعة أهل البيت والموالين لآل محمّدصلىاللهعليهوآله ومن المخالفين لاجتماع السقيفة والخليفة المنتخَب فيها، أرشد قومه وهداهم إلى مذهب الشيعة، ودعاهم إلى التمسّك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، وهو ولاية وإمامة أبى الحسن أمير المؤمنين، لأنّه شهد يوم الغدير، وبايع عليّاًعليهالسلام بالخلافة، وسمع أحاديث عديدة من فَم النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآله في شأن أبي الحسن وسمع كراراً حديث النبيصلىاللهعليهوآله من أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن خالف عليّاً فقد خالفني، ومن خالفني فقد خالف الله(١) .
٥- لو تعمّقنا في الموضوع وتفحّصنا التاريخ للوصول إلى جذوره، لوجدنا أنّ من أهمّ أسباب التفاف الإيرانيّين حول عليّ وبنيهعليهمالسلام ، وابتعادهم عن الغاصبين لحقوق آل محمّدصلىاللهعليهوآله هو: سوء معاملة الخليفة عمر بن الخطّاب مع الإيرانيّين بعدما أسلموا وهاجر كثير منهم إلى المدينة المنوّرة، فكانت سيرته معهم خلاف سيرة النبيصلىاللهعليهوآله مع سلمان، وكانت سيرته معهم تصرّفات شخصية تُنْبئ عن حقد دفين في قلبه لهم، وكان يحقّرهم ويمنعهم من الحقوق الاجتماعية التي منحها الله تعالى لكلّ إنسان(٢) .
____________________
١) ذكر الحديث الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين - طبعة دار المعرفة بيروت -: ٣ / ١٢١ مع اختلاف فليراجع.
٢) روى مالك في الموطّأ: ٢/١٢، عن الثقة عنده، أنّه سمع سعيد بن المسيّب يقول: «أبى عمر بن الخطّاب أن يورّث أحداً من الأعاجم إلّا أحداً وُلد في العرب» وعلى هذا يفتي مالك فيقول: «وإنْ جاءت امرأة حامل من أرض العدوّ فوضعته في أرض العرب فهو ولدها، يرثها إنْ مات، ميراثها في كتاب الله» مع <=
أمّا معاملة الإمام عليعليهالسلام معهم فقد كانت حسنة كمعاملة النبيصلىاللهعليهوآله لسلمان الفارسي.
لهذا كان حبّ الإمام عليّ وبنيهعليهمالسلام ، وبغض عدوّه وظالميه، مكنون في قلوب الإيرانيّين، ولم يجدوا فرصة في لإظهارهما حتّى القرن الرابع الهجري في عهد: آل بويه ودولتهم، فأظهروا حبّهم لعليّ وأبنائهعليهمالسلام وبغضهم لظالميه وأعدائه.
وليس هناك أيّ ارتباط بين تشيّع الإيرانيّين وحكومة هارون وابنه المأمون العبّاسي.
دولة آل بويه
وأمّا آل بويه - الّذين بدأت دولتهم في شيراز في القرن الرابع الهجري، وسرعان ما سرى نفوذهم في كلّ بلاد إيران والعراق، بل امتدّ سلطانهم في جميع بلاد بني العبّاس، وكانت كلمتهم تحكم في كلّ الولاة والحكّام، وليس للخليفة العبّاسي إلّا مراسيم الخلافة - فقد كانوا من شيعة إيران، وآل بويه مع هذه القدرة والنفوذ، ومع أنّهم كانوا من شيعة وموالينَ لعليٍّ وبنيهعليهمالسلام ، فهم لم يحاربوا التسنّن، كما
____________________
=
العلم أنّ حكم التوارث بين المسلمين عرباً كانوا أم أعاجم، واين ماوُلدوا، في أرض العرب أو غيرها من ضروريات دين الإسلام، نطق به كتاب الله ورسوله، فليس هناك تخصيص، وليس من شروط التوارث الولادة في أرض العرب ولا العروبة شرط الإسلام، ولكن كم لهذه القضية في حكومة عمر من نظائر وهي تنبئ عن نزعته القومية والعصبية الجاهلية المتأصّلة فيه«المترجم».
فعل الكثير من ملوك أهل السُنّة مع الشيعة، ولم يتعصّبوا للشيعة على السُنّة، وإنّما أعطوا الشيعة حرّيّة إبداء العقيدة فحسب(١) .
____________________
١) ولو راجعت تاريخ ابن الأثير المسمّى بالكامل، حوادث ما بعد عام ٤٤٠، لعرفت عَفْوَهُم وتغاضيهم عن أهل التسنّن في كثير من الحوادث التي أجّجوا نارها والفتن التي أحدثوها ضدّ الشيعة.
نعم، آل بويه أعانوا علماء الشيعة على تأسيس المدارس لنشر علوم آل محمّدصلىاللهعليهوآله ولنشر الكتب في بيان عقائد الإمامية ودفع الشبهات عنهم، وكانوا يحبّون التفاهم مع السُنّة والجماعة عن طريق الاستدلال العلمي والحوار المنطقي، لا السيطرة عليهم بالقهر والغلبة.
وفي تاريخ « الكامل » في حوادث ٣٧٢، قال: وكان - عضد الدولة - محبّاً للعلوم وأهلها، مقربّاً لهم، محسناً إليهم، وكان يجلس معهم يعارضهم في المسائل، فقصده العلماء من كلّ بلد وصنّفوا له الكتب، ومنها: الإيضاح في النحو، والحجة في القراءات، والملكي في الطبّ والناجي في التاريخ... إلى غير ذلك.
فابن الأثير يشهد لهم بحبّهم لعامة أهل العلم لا الشيعة الخاصة. وحينما وجد الشيعة حرّيّة العقيدة في دولة آل بويه، اظهروا ولاءهم وحبّهم للإمام عليّ وبنيه وأعلنوا عداءهم وبغضهم لأعدائه وظالميه.. وكان بدء ذلك في بغداد عاصمة بني العبّاس، وكان يرأس هذه الحركة، زعيم الطائفة الشيعية، وأعلم أهل زمانه في العلوم الدينية: الشيخ المفيد، وهو عربي من بغداد، وتلاميذه: السيّد الرضي والسيّد المرتضى وغيرهما ولا يشكّ أحد في عروبتهم.
كما لا يشكّ أحد من العلماء المحقّقين، أنّ الّذين انضمّوا تحت راية الإمام عليّعليهالسلام في حربه مع عائشة وطلحة والزبير في يوم الجمل، وفي حربه مع معاوية وابن العاص في صفّين وفي النَّهروان، كانوا شيعته وأتباعه، وقد كانوا من المهاجرين والانصارالّذين بايعوه في المدينةوكانوا من أهل الكوفة واليمن،كلّهم من العرب ويرجع أصلهم ونسبهم إلى عدنان وقحطان، أكانت قريش من الفرس؟! أم =
شيعة إيران في عهد المغول
وفي سنة ٦٩٤ هجرية فتح غازان خان المغولي بلاد إيران، ولكنّه أسلم وسمّي بـ: «السلطان محمود» وكان يظهر الحبّ والولاء لآل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ويحترم محبيّهم، وكان الشيعة في حريّة العقيدة في دولته، ولمـّا توفّي سنة ٧٠٧ هجرية خلفه أخوهُ، وقد أسلم هو أيضاً وسمّي: «محمد شاه خدابنده» ولمـّا اطّلع هذا على كثرة المذاهب، وأهل كلّ مذهب يزعمون أنّهم على حقّ وأنّ غيرهم على ضلال،
____________________
=
الاوس والخزرج، أم همدان وكندة، أم تميم ومضر، وغيرهم من قبائل الجزيرة العربية؟؟!
وأمّا المشاهير من أصحابه وأركان جيشه: فمالك الأشتر وهاشم المرقال وصعصعة ابن صوحان وعمّار بن ياسر وقيس بن سعد بن عبادة وابن عبّاس ومحمد بن أبي بكر وعدّي بن حاتم الطائي وأويس القرني ونظراؤهم، أيّهم كان فارسياً حتّى ينسب مذهبهم إلى الفرس؟!
ولو كان مقياس الحقّ والباطل العربية والفارسية فإنّ المذاهب الأربعة أحقّ بالانتساب إلى الفرس والأعاجم، لأنّ أبا حنيفة وهو الإمام الأعظم لأهل السُنّة فارسي أعجمي.
ولو استقرت أرباب الصحاح الستّة، لعرفت أنّهم جميعاً من العجم، والصحاح الستّة هي الأساس لمذاهب السُنّة.
وإمّا أصحاب التفاسير فأشهرهم: النيسابوري والطبري والزمخشري والرازي و
ولكن لا اعتبار عندنا للقوميات، وليست القومية عندنا معياراً للحقّ والباطل، فقد قال الله عزّ وجلّ في سورة الحجرات الآية ١٣:( إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاکُمْ ) «المترجم».
أحبّ أن يعرف الحقيقة ويكشف عن الحقّ ليتمسكّ به، فأمر بإحضار العلماء من كلّ مذهب، ثمّ أمرهم بالمناقشة والمناظرة والمحاورة بمحضره.
وكان العلّامة الكبير الشيخ جمال الدين حسن بن يوسف الحلّي، ممثّل الشيعة في المجلس، وهو وحده ناظر جميع علماء المذاهب الأربعة الحاضرين في مجلس السلطان، وأفْحَمَهم بالأجوبة الكافية والأدلة الشافية، وأورد عليهم مسائل وإشكالات فلم يتمكّنوا من ردّها.
هنالك ظهر الحقّ وزهق الباطل، وأعلن «خدابنده» وحاشيته تشيّعهم، وأصدَر بعد ذلك بياناً إلى جميع ولاته على البلاد، وأخبرهم بما جرى في مجلسه، وأنّه تشيّع على علمٍ ودراية، لذا يجب أن تلقى الخطب في الجمعة والجماعات باسم الإمام علي وأبنائهعليهالسلام ، وطبع الدراهم والدنانير بكلمة: لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، عليٌّ وليّ الله، وسعى كثيراً واجتهد لنشر مذهب الشيعة في البلاد.
والملوك الصفويّون من بعد المغول، جدّوا واجتهدوا في نشر مذهب الشيعة، وأعلنوه المذهب الرسمي في إيران، وقدّموا خدمات عظيمة للبلاد والعباد تحت راية علماء الشيعة ومفكّريهم.
وإلى يومنا هذا، فإنّ المذهب الرسمي في إيران هو مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، وهذا منذ عهد آل بويه قبل فترة الصفوية بسبعمائة عام، والمجوس أقليّة لا يعدّون شيئاً بالنسبة للمسلمين في إيران بل هناك أقلّيّات اُخرى، ربّما يكون عددهم أكثر من المجوس، وهم أيضاً لا يعدّون شيئاً بالنسبة للمسلمين الشيعة في بلاد الفرس.
فالأكثرية الساحقة في إيران، يعتقدون بـ: توحيد الله سبحانه وتعالى، وبرسالة محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء صلوات الله عليهم
أجمعين، وبإمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأبنائه المعصومين الأحد عشرعليهالسلام .
الحافظ: إنّي أتعجّب منك أيّها السيّد الحجازي المكّي المدني، حيث حللتم في إيران نسيت أصلك، وتركت شريعة جدّك، وصرت مدافعاً عن الإيرانيّين، وحسبتهم أتباع عليّ كرم الله وجهه، والحال أنّ علياً برئ من عقائدهم ومذهبهم، لأنّهم يؤلّهون عليّاً ويجعلوه بمنزلة الربّ (عزّ وجلّ) في أشعارهم وأقوالهم، وهو باليقين برئ من هذه العقيدة، لأنّه كان عبداً مطيعاً لله سبحانه وتعالى.
والآن أقرأ عليك بعض أشعار شعراء إيران الشيعة حتّى تعرف صدقي وصحّة كلامي، فقد أنشد الشاعر الإيراني، عن لسان عليّ كرّم الله وجهه كفراً صريحاً، وهو:
مظهر كلّ عجائب كيست؟ من |
مظهر كلّ العجائب من؟ أنا! |
|
مظهر سرّ غرايب كيست؟ من |
مظهر سر الغرائب من؟ أنا! |
|
صاحب عون نوائب كيست؟ من |
صاحب عون النوائب من؟ أنا..! |
|
در حقيقت ذات واجب كيست؟ من |
في الحقيقة ذات الواجب من؟ أنا..! |
ويقول الآخر:
در مذهب عارفان آگاه |
الله علي، علي است الله! |
|
في مذهب العرفاء العالمين |
الله علي، علي هو الله! |
فهل بعد هذا تشكّ في كفرهم؟!
قلت:
إنّي لا أشكّ، ولا كنت شاكّاً، في كفر القائلين لهذه الأبيات وأمثالها، والعجب ثمّ العجب منك، إذ تنسب هؤلاء الشعراء الملاحدة والغلاة والزنادقة، إلى الشيعة الموحّدين لله تعالى، وعلى هذا الحساب الجائر والخيال القاصر، تفتون - لأتباعكم - بكفر الشيعة، وتسمحون لعوامِكم بنهب أموا الشيعة وسفك دمائهم وهتك أعراضهم.
فكم شبّت فتن على إثر هذه الفتاوى، في أفغانستان وطاجيكستان وأوزبكستان وتركستان والهند وباكستان وغيرها، التي يندى منها جبين البشرية، وتبكي لها عين الإنسانية والله يعلم كم من الشيعة المؤمنين قُتلوا بأسلحة أتباعكم العوام، لأنّهم بسبب هذه التقوّلات الموهومة والاتّهامات المزعومة على شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآله يحسبونهم كفّاراً، حتّى أنّ في الأزمنة السالفة كان اعتقاد كثير من أهل السُنّة في هذه المناطق التي ذكرتها أنّ من قتل عدداً من الروافض - الشيعة - وجبت له الجنّة!!
إعلموا أنّ مسؤولية هذه الدماء التي سُفكت، إنّما تكون عليكم، وسوف تُسألون عنها في المحشر، يوم ينادي المنادي:( وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) (١) ! فما يكون جوابكم عند الله تعالى؟!
أسألكم إذا كفر عدد قليل لا يُعبأ بهم في قوم مؤمنين يبلغ عددهم الملايين، هل صحيح أن يحكم على كلّ القوم بالكفر؟!
ألم تكن في بلادكم أقلّيّات مشركة وطوائف كافرة؟! وهم
____________________
١) كما في سورة الصافّات، الآية ٢٤.
يُعَدّون من الأفغان فهل صحيح نحكم على كلّ أفغاني بالكفر والشرك؟
ألم تكن جماعات من الغلاة الّذين يؤهلون عليّاً في تركيا وغيرها من البلاد الإسلامية؟! فهل صحيح أن نحكم على أهل كلّ بلد يعيش فيه عدد من الغلاة بالكفر والإلحاد؟!
فإنّ اعتقادكم هذا بالإيرانيّين دون غيرهم، ينبئ عن غيظ وحقد مكنون في قلوبكم ضدّهم، ويكشف عن تعصّب بغيض ضدّ الشيعة.
وأمّا الأبيات التي قرأتها وأمثالها، إنْ هي إلّا من شعر الغلاة، وهم غير الشيعة، بل الشيعة الإمامية وعلمائهم يكفّرون الغلاة ويتبرّؤن منهم، وقد أفتى علماء الشيعة في إيران وفي كلّ مكان بكفر الغلاة ونجاستهم وقالوا بوجوب الاجتناب عنهم والتبرّي منهم.
الإسلام يرفض التعصّب القومي
وأمّا قولك: بأنّي سيّد حجازي مكّي مدني، فلماذا صرت مدافعاً عن الإيرانيين؟!
فمن الواضح أنّي أفتخر بنسبي إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وانتسابي لمكّة والمدينة، ولكنّي أحمد الله الذي لم يجعل في نفسي شيئاً من النزعة القومية التي تتفرّع عن جذور الجاهلية.
لأنّ جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وإنْ روي عنه أنّه قال: حبّ الوطن من الإيمان، وبهذه العبارة دعا كل قوم إلى الدفاع عن وطنه والتفاني لبلاده أمام هجوم. ولكنّه حارب النزعات القومية والعصبيّات
القبلية بشدة(١) مثلما حارب عبادة الأصنام، وسعى جاهداً لتوحيد القوميات كلّها تحت راية التوحيد والإسلام، فنادى بأعلى صوته كراراً بين أصحابه: الناس سواسية كأسنان المشط، لا فخر لعربي على عجمي، ولا أبيض على أسود، إلّا بالتقوى.
وقالصلىاللهعليهوآله : أيّها الناس، ليبلّغ الشاهدُ الغائبَ، إنّ الله تبارك وتعالى قد أذهب عنكم بالإسلام نخوة الجاهلية، والتفاخر بآبائها وعشائرها.
أيّها الناس! كلّكم لآدم وآدم من تراب، ألا إنّ خيركم عند الله وأكرمكم عليه، أتقاكم وأطوعكم له.
وقالصلىاللهعليهوآله حين فتح مكّة: يا معشر قريش! إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالآباء، الناس من آدم وآدم خُلق من تراب، قال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاکُمْ مِنْ ذَکَرٍ وَ أُنْثَى وَ جَعَلْنَاکُمْ شُعُوباً وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاکُمْ ) (٢) .
فهذا جدّي وهو النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله وسيّد بني آدم، كان يحترم بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي ويساويهم في المعاملة مع أقرانهم من العرب، كأبي ذرّ الغفاري والمقداد الكندي وعمّار بن ياسر وغيرهم.
ولكنّ أبا لهب الذي وُلد في أشرف بيت من قريش، وهو عمّ النبي الكريمصلىاللهعليهوآله حين كفر بالله العظيم، تبرّأ منه رسول اللهصلىاللهعليهوآله
____________________
١) روى أبو داود في سننه: ٢/٣٣٢، عن النبيصلىاللهعليهوآله : ليس منّا من دعا إلى عصبية، وليس منّا من قاتل على عصبية، وليس منّا من مات على عصبية. «المترجم».
٢) سورة الحجرات، الآية ١٣.
والمسلمون، ونزلت سورة في ذمّه فيها:( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَ ) (١) إلى آخرها.
نعم:
لقد رفع الإسلام سلمانَ فارس |
وقد وضع الشرك الشريفَ أبا لَهَبِ |
التمييز العنصري سبب الحروب
كلّ من يطالع تاريخ العالم، يعرف أنّ أكثر الحروب في العالم أو كلّها نشبت بسبب حمية الافتخارات الجاهلية، من نزعات قومية وتفرقة عنصرية وغيرها.
فالألمانيّون يعتقدون أنّ قومية (الجرمن) تفوق القوميات الأخرى.
واليابنيون يريدون سيادة بني الأصفر على العالم.
والأوربّيون يفضّلون البيض على غيرهم.
والأمريكيون يريدون السيطرة على العالم بزعمهم أنّهم أفضل الخليقة، ويفضّلون البيض على السود بشكل فظيع، وقد وضعوا قوانين ظالمة تسحق حقوق السود، فلا يحقّ لهم أن يدخلوا في الأماكن والمحلاّت المخصصة للبيض، حتّى في الكنائس والمعابد!
وفي المعاهد العلمية، العلماء السود يجلسون في صفّ النعال والبيض الّذين هم أنزل رتبة في العلم، يعلون عليهم في المجلس.
ولا يحقّ للسود مناقشة البيض في المطارحات والمناظرات العلمية، لذلك خصّصوا لهم معاهد خاصة.
____________________
١) سورة المسد، الآية ١.
وحتّى في القطارات والمطارات وغيرها، نجد التمييز العنصري ظاهر، وقانونه الجائر ونافذ في الدول التي تدّعي التمدّن والالتزام بحقوق الإنسان!
وأشدّ مظاهر التمييز العنصري اليوم هو في أمريكا، وهي تزعم سيادة العالم والدِّفاع عن حقوق البشر وحرّيّة الإنسان في كلّ الأقطار والأمصار، ولكنّها تعامل السود الّذين يشكلون نسبة عظيمة من الشعب الأمريكي كالحيوان، بل يفضّلون عليهم بعض الحيوانات، فالسود في أمريكا محرومون من حقوقهم الاجتماعية والإنسانية التي منحها الله تعالى لكلّ البشر على حدٍّ سواء.
ولكنّ الإسلام العظيم وقائده الكريم محمّدصلىاللهعليهوآله منذ أكثر من ألف وثلاثمائة عام، ألغى النزعات القومية والتفرقة العنصرية، وحاربها كما حارب الكفر والشرك، وعبّر عنها بالنخوة والعادات الجاهلية.
ثمّ إنّهصلىاللهعليهوآله احتضن بلال الحبشي وصهيب الرومي بالتكريم والمحبة، كما احتضن أبا ذرّ وعمّار وسلمان، وقال في كلّ واحد منهم، ما بيّن فيه مكانَتهُ وقُربَهُ عند الله سبحانه وتعالى.
وعيّن بلال الحبشي - الأسود - مؤذّناً في مسجده، وهو مقام رفيع في الاسلام، فإنَّ المؤذن: داعي الله ومناديه في عبادة المؤمنين.
وقد جعل الله عزّ وجلّ التقوى معياراً في التكريم والتفضيل، فقال عزّ من قائل:( إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاکُمْ ) (١) .
وأنا - بعيداً عن النزعات القومية و التعصّبات الجاهلية - اُلزم نفسي بالدفاع عن الحقّ وإن كان أكثره من غير قومي، واُحارب الباطل
____________________
١) سورة الحجرات، الآية ١٣.
وإن كان أكثر أهله من قومي، فأصر التشيّع لأنّه المذهب الحقّ وإن كان أكثر المتمسّكين به إيرانيّين، وأحارب الباطل وأرفضه وإنْ كان أكثر الحجازيّين.
نحن أبناء الدليل |
حيثما مال نَميل |
الغلاة ليسوا من الشيعة
لقد نسبتَ أشعار الغلاة الإيرانيّين إلى الشيعة الموحّدين المؤمنين، فخلطت الحابل بالنابل.
فإنّ شيعة الإمام عليّعليهالسلام ، سواءً أكانوا إيرانيّين أم عرباً أم غيرهم، كلّهم يوحّدون الله تعالى ويطيعونه ويعبدونه ولا يشركون به شيئاً، ويشهدون بأنّ محمدا بن عبدالله عبده ورسوله، و خاتم النبيّين، ولا نبيّ بعده إلى قيام يوم الدين.
ويعتقدون بأنّ عليّ بن أبي طالب وليّ الله وعبده الصالح، اتّخذه النبيّصلىاللهعليهوآله أخاً، وأوصى إليه وجعله خليفته من بعده، كلّ ذلك بأمر من الله تبارك وتعالى.
ويعتقدون بإمامة الحسن المجتبىعليهالسلام بعد أبيه المرتضى، ومنم بعده إمامة الحسين الشهيدعليهالسلام ، ثمّ إمامة تسعة من أولاد الحسينعليهالسلام نصّ عليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعرّفهم بأوصافهم وصفاتهم، وقد عصمهم الله تعالى من الذنب، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وهم عباده المكرمون، ولا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
ومن كان يقول ويعتقد غير هذا في الإمام عليّ وبنيه الأئمة الأحد عشرعليهالسلام فلا تنسبوه إلى الشيعة.
ونحن الشيعة في إيران وغيره براء من الغالين في الإمام عليّ أو بنيه، كالسبئية والخطابية والغرابية والحلولية وغيرهم، وهذه الفرق أقلّيات متفرّقة في أكثر البلاد الإسلامية لا إيران فقط، إلّا أنّه في تركيا يبلغ عددهم الملايين، مع ذلك لا تنسبون مسلمي تركيا - بما فيهم الشيعة الأتراك - إلى الغلاة!
فالشيعة في كلّ مكان بريئون من هذه الفرق، ويتألّمون من انتسابها إليهم، كما أنّ المسلمون عموماً يتبرَّءون منها عندما ينسب المستشرقون هذه الفرقة الغالية إلى الإسلام.
والشيعة: علماؤها وفقهاؤها في إيران وغيرها حكموا على الغلاة بالكفر، وأفْتَوا بنجاستهم ووجوب الاجتناب عنهم، ومع هذا كله، تنسبون إلينا هذه الفِرَق الضالّة، أو تحسبوننا منهم!! إنْ هذا إلّا بهتان عظيم.
فلو كنتم تقرءون كتبنا الكلامية، لوجدتم ردود متكلّمينا وعلمائنا على عقائد الغلاة الإلحادية، بالدلائل العقلية والنقلية، وسأنقل لكم بعض الأخبار المرويّة في كتبنا عن أئمّة الشيعة، وقد جمع قسماً منها المحدّث الجليل، والحبر النبيل، علامة عصره، ونابغة دهره، الشيخ المولى باقر المجلسي - قدس سره - في كتابه « بحار الأنوار » الذي هو أضخم دائرة معارف الشيعة الإمامية وعدد أجزائه مائة وعشر مجلّدات.
١- روي في ج ٢٥ ص ٢٧٣، حديث ١٩: عن أبي هاشم الجعفري قال سألت أبا الحسن الرضاعليهالسلام عن الغلاة و المفوِّضة فقال الغلاة كفّار و المفوّضة مشركون من جالسهم أو خالطهم أو واكلهم أو
شاربهم أو واصلهم أو زوّجهم أو تزوّج إليهم أو أمّنهم أو ائتمنهم على أمانة أو صدّق حديثهم أو أعانهم بشطر كلمة خرج من ولاية الله عزّ و جلّ و ولاية الرسولصلىاللهعليهوآله و ولايتنا أهل البيت.
٢- وفي ج ٢٥ ص ٢٨٣، حديث ٣٣: عن الإمام جعفر الصادقعليهالسلام قال : الغلاة شرّ خلق الله يصغّرون عظمة الله و يدّعون الربوبية لعباد الله و الله إنّ الغلاة لشرٌّ من اليهود و النصارى و المجوس و الذّين أشركوا.
٣- وفي ج ٢٥ ص ٢٨٦، حديث ٤٠: عن أبان بن عثمان قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول لعن الله عبد الله بن سبأ إنّه ادّعى الربوبية في أمير المؤمنين و كان و الله أمير المؤمنينعليهالسلام عبداً لله طائعاً الويل لمن كذب علينا و إنّ قوماً يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا نبرأ إلى الله منهم نبرأ إلى الله منهم.
٤- وفي ج ٢٥ ص ٢٨٦، حديث ٤١: عن الثمالي قال: قال عليّ بن الحسينعليهالسلام لعن الله من كذب علينا إنّي ذكرت عبد الله بن سبإ فقامت كلّ شعرة في جسدي لقد ادّعى أمراً عظيماً ! ما له لعنه الله كان عليّعليهالسلام و الله عبداً لله صالحاً ، أخو رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ما نال الكرامة من الله إلّا بطاعته لله و لرسوله و ما نال رسول اللهصلىاللهعليهوآله الكرامة من الله إلّا بطاعته لله عزّ وجلّ.
٥- وفي ج ٢٥ ص ٢٩٦، حديث ٥٥: عن المفضّل بن يزيد قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام - و ذكر أصحاب أبي الخطّاب و الغلاة - فقال لي : يا مفضّل لا تقاعدوهم و تواكلوهم و لا تشاربوهم و لا تصافحوهم و لا توارثوهم.
٦- ج ٢٥ ص ٢٩٧، حديث ٥٩: عن الصادقعليهالسلام : لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا و لعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا و إليه مآبنا و معادنا و بيده نواصينا.
٧- وفي ج ٢٥ ص ٣٠٣، حديث ٦٩: عن صالح بن سهل قال كنت أقول في أبي عبد اللهعليهالسلام بالربوبية فدخلت فلمّا نظر إليّ قال يا صالح إنّا و الله عبيد مخلوقون لنا ربّ نعبده و إن لم نعبده عذّبنا.
هذا رأي أئمّة الشيعة في ابن سبأ وأبي الخطّاب والمفوّضة والغلاة، ومع هذا كله، فإنّكم وكثير من كُتّابكم تنسبون الشيعة إلى ابن سبأ الملعون!
فهل وجدتم كتابٍ واحدٍ من كتب الشيعة الإمامية الجعفرية - المنسوبين إلى الامام جعفر الصادقعليهالسلام - كلمة واحدة في مدح ابن سبأ؟!
هذه كتبنا من أكثر من ألف سنة ملأت المكتبات والمدارس - اقرؤها بدقّة، وطالعوها بتدبّر، فلن تجدول شطر كلمة في تأييد ابن سبأ وعقائده وأفكاره، بل تجدون ردّه ولعنه، وأنّه يهودي كافر.
فارجعوا عن كلامكم واعدلوا عن قولكم ورأيكم عن الشيعة، واخشوا الله وخافوا الحساب، يوم تسألون عن كلّ حرفٍ حرفٍ ممّا قلتم، فقد قال تعالى :( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (١) .
____________________
١) سورة ق، الآية ١٨.
وقال سبحانه( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) (١) .
فأرجوكم أن تحاوروني بكلام نابع من الواقع والحقيقة، ولا تأخذوا ما يقول أعداؤنا وخصومنا فينا، فإنّ الخصم قلّما ينصف خصمه.
فكما أحتجّ وأتكلّم أنا بالاستناد إلى كتبكم وصحاحكم في إثبات ما أقول، فإنّ اُصول المحاجّة والحوار تقتضي أن تكونوا كذلك.
الحافظ: إنّ نصائحكم مقبولة، وإن شاء الله لا نقول إلّا ما فيه رضاه، وإنّي حين سمعت هذه الروايات عندكم في ردّ الغلاة، زاد تعجّبي فيكم، لأنّا نسمع منكم في هذا الحوار تعابير في أئمّتكم، يُشمّ منها رائحة الغلوّ، وهم غير راضين بتلك الكلمات، بالرغم من أنّكم تحرصون على كلّ كلمة تلفظونها، حتّى لا نؤاخذكم بها، ولا تكون سبباً للطعن فيكم.
قلت: أنا لستُ جاهلاً معانداً، ولا متعصّباً جامداً، فإذا كانت في كلامي هفوات ومغالاة، فالواجب أن تنبّهوني، فإنّ الإنسان في معرض السهو والنسيان، وأرجوكم أن تذكروا كلّ ما كان في نظركم غلوّاً أو كفراً أو خارجاً عن ميزان العقل والمنطق.
الحافظ: إنّ الله تعالى خصّ نبيّه محمداًصلىاللهعليهوآله بتحيّة الصلاة، والسلام في الآية الكريمة:( إِنَّ الله وَ مَلاَئِکَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا
____________________
١) سورة الزلزلة، الآية ٧ و ٨.
الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (١) ولكنّ الشيعة كلّهم - وحتى جنابكم في هذا المجلس - كلّما ذكرتك أحد أئمّتكم ألحقتم باسمه جملة : «سلام الله عليه» أو «صلوات الله عليه» عوض أن تقولوا: «رضي الله عنه» فإنّكم تشركون أئمّتكم مع النبيّ في ما خصّه الله تعالى من التحيّات، فعملكم هذا بدعة وضلال وخلاف لنصّ القرآن الكريم.
قلت: إنّ الشيعة لم يخالفوا نصّاً في أيّ عمل من أعمالهم الدينية، ولكنّ أعداءهم كالخوارج والنواصب وبني اُميّة وأتباعهم في القرون الماضية افتروا عليهم، واعترضوا على بعض أعمالهم بأنّها بدعة.
وعلماؤنا ردّوا عليهم وأجابوهم بأدلّة عقلية ونقلية أثبتوا بها أنّ الشيعة ليسوا أهل البدع والضلال، أجابوهم على الإشكال الذي أوردته بالتفصيل، ولكن رعاية للوقت، وإنّي أرى آثار التعب والنعاس تبدو على بعض الحاضرين، اُجيبكم باختصار:
أولاً: إنّ الله عزّ وجلّ في الآية الكريمة يأمر المؤمنين بالصلاة والسلام على النبيّصلىاللهعليهوآله ولا ينهى عن الصلاة والسلام على غير النبيّصلىاللهعليهوآله .
ثانياً: كما أنّ الله تعالى قال في الآية الكريمة:( إِنَّ الله وَ مَلاَئِکَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ ) فقد قال في سورة الصافات( سَلاَمٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ ) (٢) .
____________________
١) سورة الاحزاب، الآية ٥٦.
٢) سورة الصافات، الآية ١٣٠.
والله عزّ وجلّ في تلك السورة أيضاً سلّم على أنبيائه بقوله( سَلاَمٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ) (١) ( سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) (٢) ( سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَ هَارُونَ ) (٣) ولم يسلّم على آل أحد الأنبياء إلّا آل ياسين، و( يس ) أحد أسماء نبيّناصلىاللهعليهوآله ، لأنّ الله تعالى ذكر لنبيّه الكريم في القرآن، الحكيم خمسة أسماء وهي: محمّد وأحمد وعبدالله ونون ويس، فقال( يس * وَ الْقُرْآنِ الْحَکِيمِ* إِنَّکَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (٤) يا: حرف نداء، و( س ) اسم رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو إشارة إلى تساوي ظاهره وباطنه.
النوّاب: ما هو سبب اختيار حرف «س» من بين الحروف؟!
قلت: لأنّ حرف الـ «س» في حروف التهجّي هو وحده يكون عدد ظاهره وباطنه متساويين، فإنّ لكلّ حرف من حروف التهجّي عند المتخصّصين بعلم الحروف والأعداد زُبَر وبيّنة، وحين تطبيق عدد: زُبِر وبيّنة كلّ حرف يكون عددهما مختلفاً، إلّا حرف «س» فإنّ زبره يساوي بيّنته.
نوّاب: عفواً يا سيّد، أرجو منك التوضيح بشكل نفهمه نحن العوام، ونحن لا نعرف معنى: الزبر والبيّنة، فنرجو توضيحاً أكثر.
قلت: اُوضِّح:
الزُبَر: هو رسم الحرف الذي يخطّ على القرطاس: «س» وهو
____________________
١) سورة الصافات، الآية ٧٩.
٢) سورة الصافات، الآية ١٠٩.
٣) سورة الصافات، الآية ١٢٠.
٤) سورة يس، الآية ١- ٣.
حرف واحد، ولكن عند التلفّظ يكون: ثلاثة حروف: س ي ن فكلّ ما زاد على الحرف وخطّه في تلفّظه يكون بيّنته، وعدد «س» عند العلماء: ستون وعدد «ي» عشرة، و«ن» خمسون، فيكون جمعهما ستّون أيضاً، فيتساوى عدد: «س» وعدد: «ين» وهذا هو الحرف الوحيد بين حروف التهجّي يتساوى زبره وبيّنته.
ولذلك فإنّ الله تعالى خاطب نبيّه قائلاً: يس، الياء: حرف نداء، و «س»: إشارة الى اعتدال ظاهره وباطنه.(١)
وكذلك في الآية المباركة قال:( سَلاَمٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ ) .
الحافظ: إنّكم تريدون بسحر كلامكم أن تثبتوا شيئاً لم يقلْهُ أحدٌ من العلماء!
قلت : أرجوك أن لا تتسرّع في نفي ما أقول، بل فكّر وتدّبر ولا تعجل، فإنّ العجلة ندامة، لأنّي أثبتُ كلامي استناداً إلى كتبكم وصحاحكم، وعندها تُحرج أمام الحاضرين وتخجل، وأنا لا اُحبّ لك ذلك.
وإنّكم إمّا غير مطّلعين على كتبكم، أو مطّلعين عليها ولكنّكم تكتمون الحقّ!
أمّا نحن، فمطّلعون على كتبكم وما فيها من الروايات والأحاديث الصحيحة والمدسوسة، فنأخذ الصحيحة ونترك غيرها.
وفي خصوص هذا الموضوع نعرف روايات وأحاديث معتبرة في كثير من كتبكم، منها: في كتاب «الصواعق المحرقة» الآية الثالثة في فضائل أهل البيت.
____________________
(١) هذا الموضوع مبني على ما ذكر في علم الحروف و تحقيق ذلك الموضوع موكول إلى ذلك العلم و الناشر.
قال : إنّ جماعة من المفسّرين رووا عن ابن عبّاس أنّه قالَ: أنّ المراد بـ( سَلاَمٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ ) أي: سلام على آل محمّد، قال وكذا قاله الكلبي.
ونقل ابن حجر أيضاً عن الإمام الفخر الرازي أنّه قال: إنّ أهل بيتهصلىاللهعليهوآله يساوونه في خمسة أشياء:
١- في السلام، قال السلام عليك أيّها النبيّ، وقال سلام على آل ياسين.
٢- وفي الصلاة عليه وعليهم في التشهّد.
٣- وفي الطهارة، قال تعالى( طه ) (١) أي: يا طاهر، وقال:( وَ يُطَهِّرَکُمْ تَطْهِيراً ) (٢) .
٤- وفي تحريم الصدقة.
٥- وفي المحبّة، قال تعالى:( فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْکُمُ الله ) (٣) وقال:( قُلْ لاَ أَسْأَلُکُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٤) .
وذكر السيّد أبو بكر شهاب الدين في كتابه «رشفة الصادي ...» في الباب الأول ص ٢٤: عن جماعة من المفسّرين رووا عن ابن عبّاس، والنقّاش عن الكلبي: سلام على آل ياسين، أي: آل محمّد.
ورواه أيضاً في الباب الثاني: ص ٣٤.
وذكر الإمام الفخر الرازي في التفسير الكبير ج ٧ ص ١٦٣ في
____________________
١) سورة طه، الآية ١.
٢) سورة الأحزاب، الآية ٢٣.
٣) سورة آل عمران، الآية ٣١.
٤) سورة الشورى، الآية ٢٣.
تفسير الآية الكريمة:( سَلاَمٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ ) وجوهاً الوجه الثاني: إنّ آل ياسين هم آل محمّد(١) .
فجواز الصلاة والتسليم على آل محمّد، أمر متّفق عليه بين الفريقين(٢) .
الصلاة والسلام على الآل سُنّة
روى البخاري في صحيحه ج ٣.
ومسلم في صححه ج ١.
والعلّامة القندوزي في ينابيع المودة ص ٢٢٧ نقلاً عن البخاري، وابن حجر في الصواعق المحرقة: في الباب الحادي عشر، الفصل الأول، الآية الثانية.
كلّهم رووا عن كعب بن عجرة، قال لمـّا نزلت هذه الآية، قلنا: يا رسول الله! قد علمنا كيف نسلّم عليك، فكيف نصلي عليك؟
فقال: قولوا اللهمّ صلّ على محمّد وعلى وآل محمّد إلى آخره.
____________________
١) ونقل الحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودة» الطبعة السابعة، ص ٦ من مقدّمته ما نصّه: وأخرج أبو نغيم الحافظ وجماعة من المفسّرين، عن مجاهد وأبي صالح، هما عن ابن عبّاس (رضي الله عنهما)، قال: آل ياسين: آل محمّد، و ياسين: إسم من أسماء محمّدصلىاللهعليهوآله . «المترجم»
٢) وتطرّق الحافظ سليمان في مقدّمة كتابه «ينابيع المودّة» إلى ذكر كثير من الروايات في الموضوع، ثمّ قال: فمن هذه الآيات والأحاديث عُلم أن لا تكون التصلية والتسليمة على الأنبياء والملائكة مختصّةً لهم - وبعد ذكر أدلته - قال: وإنّما نشأ هذا القول، بأنهما مختصّان للأنبياء والملائكة، من التعصّب بعد افتراق الاُمّة، نسأل اللهِ أن يعصمنا من التعصّب. «المترجم».
قال ابن حجر: وفي رواية الحاكم، فقلنا: يا رسول الله! كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟
قال: قولوا اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد إلى آخره.
قال ابن حجر: فسؤالهم بعد نزول الآية:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً ) وإجابتهم بـ: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد إلى آخره، دليل ظاهر على أنّ الأمر بالصلاة على أهل بيته وبقيّة آله مراد من هذه الآية، ولم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عقب نزولها ولم يجابوا بما ذكر، فلمّا اُجيبوا به دلّ على أنّ الصلاة عليهم من جملة المأمور به إلى آخر كلامه في «الصواعق» فراجع.
وروى الإمام الفخر الرازي في ج ٦ من تفسيره الكبير ص ٧٩٧: لمـّا سأله الأصحاب: كيف نصلّي عليك؟
قالصلىاللهعليهوآله قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، بارك على محمّد وآل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.
وروى ابن حجر في الصواعق ص ٨٧: قالصلىاللهعليهوآله : لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء.
فقالوا: وما الصلاة البتراء؟
قالصلىاللهعليهوآله : تقولون: اللهمّ صلّ على محمّد وتمسكون، بل قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى لآل محمّد(١) .
____________________
١) رواه العلّامة القندوزي في مقدّمة ينابيع المودّة: ص ٦، عن الصواعق المحرقة، وعن جواهر العقدين. «المترجم».
قال: وقد أخرج الديلمي أنّهصلىاللهعليهوآله قال: الدعاء محجوب حتّى يصلّي على محمّد وأهل بيته، اللهمّ صلّ على محمّد وآله.
ولابن حجر بحث مفصّل ينقل آراءَ علمائكم وفقهائكم في وجوبالصلاة والسلام على آل محمّدصلىاللهعليهوآله في التشهّد في الصلوات اليومية، ثمّ يقول: وللشافعي رضي الله عنه:
يا أهل بيت رسول الله حبّكم |
فرض من الله في القرآن أنزله |
|
كفاكم من عظيم القدر أنّكم |
من لم يصلّ عليكم لا صلاة له |
وقد بحث الموضوع السيّد أبو بكر بن شهاب الدين في كتابه رشفة الصادي، الباب الثاني: ص ٢٩ - ٣٥، ونقل دلائل في وجوبالصلاة والسلام على آل محمّد في الصلاة اليومية عن النسائي والدار قطني وابن حجر والبهيقي وأبي بكر الطرطوسي وأبي اسحاق المروزي والسمهودي والنووي والشيخ سراج الدين القصيمي.
ونظراً لضيق الوقت ورعاية لحال الحاضرين أكتفي بهذا المقدار، أكتفي بهذا المقادير، وأترك الموضوع للعلماء الحاضرين حتّى يفكِّروا ويراجعوا وجدانهم وضمائرهم، ثمّ يحكموا فيه وينصفوا. وبعد هذا كلّه ستصدّقونني حتماً وتقبلون بأنّالصلاة والسلام على آل محمّد ليست بدعة، وإنّما هي عبادة وسُنّة أمر بها النبي الكريمصلىاللهعليهوآله ، ولا ينكر هذا إلّا الخوارج والنواصب المعاندون، خذلهم الله، حيث دلّسوا على إخواننا العامّة، وألبسوا عليهم الحقّ والحقيقة.
ومن الواضح أنّ الّذين أمر النبيّصلىاللهعليهوآله أن تقرَن أسماؤهم مع اسمه الشريف، ويُصلَّي ويُسلَّم عليهم في الصلوات اليومية مقدّمون على غيرهم في الفضل والشرف.
ومن السفاهة والجهل والتعصّب والعناد أن نرجّح الآخرين عليهم.
والآن اُشاهد آثار التعب والنعاس تبدوا على كثير من الإخوان، لذلك اُنهي المجلس وأنتظر قدومكم في الليلة الآتية إن شاء الله.
فقام القوم وانصرفوا وشيّعتهم إلى باب الدار.
المجلس الثالث
ليلة الأحد ٢٥/ رجب / ١٣٤٥ هجرية
حضر مجلس البحث الذي انعقد في أوّل الليل فضيلة الحافظ محمد رشيد مع ثلّة من المشايخ والعلماء، وجمع كبير من أتباعهم، فلمّا استقرّ بهم المجلس وتناولوا الشاي والحلوى
قال الحافظ: في الليلة البارحة لمـّا ذهبتُ من هنا إلى البيت لُمْتُ نفسي كثيراً لعدم تحقيقي ومطالعتي حول المذاهب الاُخرى وعقائدهم وأقوالهم، ولِمَ اكتفيتُ بكتب مخالفيهم وبتعبيركم: المتعصّبين على غيرهم!
وقد ظهر لنا - من جملة كلامكم - في الليلة الماضية: أنّ الشيعة يفترقون على مذاهب وطرق شتّى، فأيّ مذهب على حقّ عندكم؟ بيّنوه حتّى نعرف على أيّ مذهب نحاوركم، ونكون على بيّنة من الأمر في هذا التفاهم الديني والحوار المذهبي!
قلت: إنّي لم أذكر في الليلة الماضية أنّ الشيعة على مذاهب، وإنّما الشيعة مذهب واحد، وهم المطيعون لله وللرسول محمّدصلىاللهعليهوآله
والأئمة الإثنى عشرعليهالسلام .
ولكن ظهرت مذاهب كثيرة بدواعٍ دنيوية وسياسية زعمت أنّها من الشيعة، وتبعهم كثير من الجهّال فاعتقدوا بأباطيلهم وكفريّاتهم، وحسبهم الجاهلون الغافلون بأنّهم من الشيعة، ونشروا كتباً على هذا الأساس الباطل من غير تحقيق وتدقيق.
وأمّا المذاهب التي انتسبت إلى الشيعة عن جهل أو عمد لأغراض سياسية ودنيوية، فهي أربع مذاهب أوّليّة، وقد اضمحلّ منها مذهبان وبقي مذهبان، تشعبت منها مذاهب اُخرى.
والمذاهب الأربعة هي: الزيدية، الكيسانية، القداحية، الغلاة.
مذهب الزيدية
وبعد وفاة علي بن الحسينعليهالسلام ساق جماعة من الشيعة الإمامة إلى ابنه زيد وعرف هؤلاء بالزيدية وهم الذين (ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم) إلا أنه جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إماماً واجب الطاعة سواءً كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين(١) .
ولما كان زيد الشهيدعليهالسلام كذلك، اتخذوه إماماً بعد أبيه فقد خرج ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدفع الظلم عن نفسه وعن المؤمنين، وكان سيداً شريفاً، وعالماً تقياً، وشجاعاً سخياً وقد أخبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن شهادته، فقد روى الإمام الحسينعليهالسلام أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله وضع يده على ظهري وقال: يا حسين سيخرج من صلبك رجلٌ يقال له زيد يقتل شهيداً، فإذا كان يوم القيامة يتخطى هو وأصحابه رقاب الناس ويدخلون الجنّة.
وقال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام للمأمون وهو يحدثه عن زيد بن
____________________
١) الشهرستاني - الملل والنحل ص ٣٠٢.
علي الشهيد أنه كان من علماء آل محمد غضب في الله فجاهد أعداءه حتّى قتل في سبيله، ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر أنه سمع أباه جعفر بن محمد يقول: رحم الله عمي زيداً إنه دعا إلى الرضا من آل محمد ولو ظفر لوفّى لله، ومن ذلك أنه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمد(٢) .
روى الخزاز(٣) في حديث طويل عن محمد بن بكير قال: دخلت على زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعنده صالح بن بشر فسلمت عليه وهو يريد الخروج إلى العراق فقلت له: يا ابن رسول الله هل عهد إليكم رسول اللهصلىاللهعليهوآله متى يقوم قائمكم؟ قال: يا ابن بكير، إنك لن تلحقه، وأن هذا الأمر تليه ستة من الأوصياء بعد هذا (ويعني الإمام الباقر) ثم يجعل الله خروج قائمنا، فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً و ظلماً.
فقلت : يا ابن رسول الله ألست صاحب هذا الأمر؟
فقال: أنا من العترة، فعُدت فعاد إليّ، فقلت: هذا الذي تقول عنك أو عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟
فقال: لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، لا ولكن عهدٌ عَهِدهُ إلينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
الكيسانية
وهم أصحاب كيسان وكان عبداً اشتراه الإمام عليعليهالسلام فأعتقه، ويقولون بإمامة محمد بن الحنفية بعد إمامة الحسن المجتبى والحسين سيّد الشهداءعليهالسلام ، ولكن محمداً لم يدّع الإمامة أبداً وهو عندنا سيّد التابعين، ويُعرف بالعلم والزهد والورع والإطاعة للإمام السجادعليهالسلام زين العابدين.
نعم، نقل بعض المؤرّخين بعض الاختلافات بينهما، وقد اتّخذ الكيسانية تلك الإختلافات دليلاً على ادّعاء محمد بن الحنفية لمقام الإمامة.
____________________
٢) الوسائل كتاب الجهاد
٣) الخزاز - كفاية الأثر - من كتاب الزيدية في موكب التاريخ للشيخ جعفر السبحاني.
ولكنّ الحقيقة أنّه أراد أن يوجّه أصحابه إلى عدم صلاحيّته لذلك المقام الرفيع، فكان في الملأ العامّ يخالف رأي الإمام زين العابدينعليهالسلام ، وكان الإمامعليهالسلام يجيبه جواباً مقنعاً فيفحمه، فكان محمد يُسلّم للإمام ويطيعه، وأخيراً تحاكما عند الحجر الأسود في أمر الإمامة وأقرّ الحجر بإمامة عليّ بن الحسين السجّاد زين العابدينعليهالسلام ، فبايع محمد بن الحنفية ابن أخيه الإمام السجّاد، وتبعه أصحابه وعلى رأسهم أبو خالد الكابلي، فبايعوا إلّا قليل منهم بقوا على عقيدتهم الباطلة بحجّة أنّ اعتراف محمد بإمامة زين العابدينعليهالسلام حدث لمصلحة لا نعرفها!!
ومن بعد موته، قالوا بأنّه لم يمت! وإنّما غاب في شعب جبل رضوى، وهو الغائب المنتظر الذي أخبر عنه رسول اللهصلىاللهعليهوآله وسيظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
وقد انقسموا على أربع فرق: المختارية، الكربية، الإسحاقية، الحربية، وكلّهم انقرضوا ولا نعرف اليوم أحداً يعتقد بمذهبهم.
القدّاحية
وهم قوم باطنيّون يتظاهرون بالتمسّك ببعض عقائد الشيعة ويبطنون الكفر والزندقة والإلحاد!!
ومؤسّس هذا المذهب الباطل هو: ميمون بن سالم، او ديصان، وكان يُعرف ويُلقَّب بقدّاح، وكان ابتداء هذا المذهب في مصر، وهم فتحوا باب تأويل القرآن والأحاديث حسب رأيهم كيفما شاءوا، وجعلوا للشريعة المقدّسة ظاهراً وباطناً وقالوا: إنّ الله تعالى علّم باطن
الشريعة لنبيّه، وهو علّمه علياً، وعليّعليهالسلام علم أبناءه، وشيعته المخلصين.
وقالوا: بأنّ الّذين عرفوا باطن الشريعة، تحرّروا وخلصوا من الطاعة والعبودية الظاهرية!!
وقد بنوا مذهبهم على سبعة اُسس، واعتقدوا بسبعة أنبياء وسبعة أئمة، فقالوا في الإمام السابع، وهو موسى بن جعفرعليهالسلام : بأنّه غاب ولم يمت، وسيظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً!! وهم فرقتان:
١- الناصرية: أي: أصحاب ناصر خسرو العلوي، الذي تمكّن بقلمه وشعره أن يدفع كثيراً من الغافلين في هوّة الكفر والإلحاد، وكان له أتباع في طبرستان.
٢- الصبّاحيّة: وهم أصحاب حسن الصبّاح، وهو من أهل مصر، ثمّ هاجر إلى إيران ونشر دعوته في نواحي قزوين، وكانت واقعة قلعة «الَموت» بسببه، والتي قتل فيها كثير من الناس، والتاريخ يذكرها بالتفصيل ولا مجال لذكرها.
الغلاة
وهم أخسّ الفرق المنسوبة إلى التشيُّع، وهم سبع فرق كلّهم ملحدون: السبأيّة، المنصورية، الغرابية، البزيغية، اليعقوبية، الإسماعيلية، الدرزية.
ولا مجال لشرح أحوالهم وعقائدهم، وإنّما أشرت إليهم وذكرتهم لأقول: نحن الشيعة الإمامية الاثنا عشرية نبرأ من هذه الطوائف والفرق والمذاهب الباطلة ونحكم عليهم بالكفر والنجاسة،
ووجوب الاجتناب عنهم.
هذا حكم أئمّة أهل البيتعليهمالسلام الّذين نقتدي بهم، وقد ذكرت لكم بعض الروايات عن أئمّتناعليهمالسلام في حقّ اُولئك الزنادقة الملحدين - في الليلة الماضية -.
ومع الأسف أن نرى كثيراً من أصحاب القلم لم يفرّقوا بين الشيعة الإمامية الجعفرية وبين هذه الفرق المنتسبة للشيعة، مع العلم أنّ عددنا يربو على أتباع هذه المذاهب الباطلة بأضعاف مضاعفة، وهم نسبة ضئيلة جداً، وعددنا نحن اليوم أكثر من مائة مليون، وأصحابنا موجودون في كلّ بلاد العالم، ونعلن براءتنا من هذه العقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة التي تنسب إلى الشيعة.
خلاصة عقائدنا
والآن أذكر لكم اُصول عقائد الشيعة الإمامية الاثنى عشرية باختصار، وأرجو أن لا تنسبوا إلينا غير ما اُبيّنه لكم.
نعتقد: بوجود الله سبحانه وتعالى، الواجب الوجود، الواحد الأحد، الفرد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ليس له شبيه ولا نظير، ولا جسم ولا صورة، لا يحلّ في جسم، ولا يحدّد بمكان ليس بعَرَض ولا جوهر، بل هو خالق العَرَض والجوهر وخالق كلّ شيء، منزّه عن جميع الصفات التي تُشبِهُهُ بالممكنات، ليس له شريك في الخلق وهو الغني المطلق، والكلّ محتاج إليه على الإطلاق.
أرسل رسله إلى الخلق واصطفاهم من الناس واختارهم فبعثهم إليهم بآياته وأحكامه ليعرفوه ويعبدوه، فجاء كلّ رسول من عند الله
سبحانه ما يقتضيه الحال ويحتاجه الناس، وعدد الأنبياء كثير جدّاً إلّا أنّ أصحاب الشرائع خمسة، وهم اُولو العزم:
١- نوح، نجيّ الله ٢- إبراهيم، خليل الله ٣- موسى، كليم الله ٤- عيسى، روح الله ٥- محمّد، حبيب الله، صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.
وإنّ سيّدهم وخاتمهم هو: نبيّنا محمّد المصطفىصلىاللهعليهوآله ، الذي جاء بالإسلام الحنيف وارتضاه الله تعالى لعباده ديناً إلى يوم القيامة.
فحلال محمّدصلىاللهعليهوآله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة.
والناس مُجْزَونْ بأعمالهم يوم الحساب، فالدنيا مزرعة الآخرة، فيحيي الله الخلائق بقدرته، ويردّ الأرواح إلى الأجساد، ويحاسبهم على أقوالهم وأفعالهم( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) (١) .
ونعتقد: بالقرآن الحكيم كتاباً، أنزله الله تبارك وتعالى على رسوله الكريم محمّدصلىاللهعليهوآله ، وهو الذي بين أيدي المسلمين، لم يحرّف ولم يغيّر منه حتّى حرف واحد، فيجب علينا أن نلتزم به ونعمل بما فيه من الصلاة والصوم والزكاة والخمس والحجّ والجهاد في سبيل الله.
ونلتزم بكلّ ما أمر به الربّ الجليل، وبكلّ الواجبات والنوافل التي بلّغها النبيصلىاللهعليهوآله ووصلتنا عن طريقه.
ونمتنع عن ارتكاب المعاصي، صغيرة أو كبيرة، كشرب الخمر ولعب القمار والزنا واللواط والربا وقتل النفس المحترمة والظلم
____________________
١) سورة الزلزلة، الآية ٧ و٨
والسرقة، وغيرها ممّا نهى الله ورسوله عنها.
ونعتقد: أنّ الله عزّ وجلّ هو وحده يبعث الرسل وينزل عليهم الكتاب والشريعة، ولا يحقّ لقوم أن يتّخذوا لأنفسهم ديناً ونبيّاً غير مبعوث من عند الله تعالى، وكذلك هو وحده الذي ينتخب ويختار خلفاء رسوله بالنصّ، والرسول يُعرِّفَهُم للاُمّة.
وكما أنّ جميع الأنبياء عَرَّفُوا أوصياءهم وخلفاءهم لاُممهم كذلك خاتم الأنبياء محمّدصلىاللهعليهوآله لم يترك الاُمّة من غير هاد وبلا قائد مرشد من بعده، بل نصب عليّاً وليّاً مرشداً، وعلماً هادياً، وإماماً لأمّته، وخليفةً من بعده في نشر دينه وحفظ شريعته.
وقد نصّ النبيّصلىاللهعليهوآله - كما في كتبكم أيضاً - أنّ خلفاءه من بعده اثنا عشر، عرّفهم بأسمائهم وألقابهم، أوّلهم: سيّد الأوصياء عليّ بن أبى طالبعليهالسلام ، وبعده ابنه الحسن المجتبى، ثمّ الحسين سيّد الشهداء ثمّ عليّ بن الحسين زين العابدين، ثمّ ابنه محمّد باقر العلوم، ثمّ ابنه جعفر الصادق، ثمّ ابنه موسى الكاظم، ثمّ ابنه عليّ الرضا، ثمّ ابنه محمد التقي، ثمّ ابنه علي النقي، ثمّ ابنه الحسن العسكري، ثمّ ابنه محمد المهديّ، وهو الحجّة القائم المنتظر، الذي غاب عن الأنظار، وسوف يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وقد تواترت الأخبار في كتبكم وعن طرقكم أيضاً، أنّ النبيصلىاللهعليهوآله أخبر بظهور المهديّ صاحب الزمان، وهو المصلح العالمي الذي ينتظره جميع أهل العالم، ليمحو الظلم والجور ويقيم العدل والقسط على وجه البسيطة.
وبكلمة واحدة أقول: نحن نعتقد بجميع الأحكام الخمسة - من : الحلال والحرام والمستحبّ والمكروه والمباح - التي أشار إليها القرآن
الكريم، أو جاءت في الروايات والأخبار الصحيحة المعتبرة التي وصلتنا عن النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله وأهل بيته الطيبين الطاهرين.
وأنا أشكر الله ربّي إذ وفّقني لاعتقد بكلّ ذلك عن تحقيق ودراسة وعلم واستدلال، لا عن تقليد الآباء والاُمّهات، ولذا فإنّي أفتخر بهذا الدين والمذهب الذي أتمسّك به، واُعلن أنّي مستعد لاُناقش على كلّ صغيرة وكبيرة من عقائدي، وبحول الله وقوّته أثبت حقّانيّتها.
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهٰذَا وَ مَا کُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لاَ أَنْ هَدَانَا الله ) (١) .
ارتفع صوت المؤذّن لصلاة العشاء، وبعد الفراغ من الصلاة شربوا الشاي وتناولوا شيئاً من الحلوى، ثمّ افتتحَ الحافظ كلامه قائلاً:
نشكركم على التوضيح عن فرق الشيعة، ولكن نرى في الأخبار والأدعية المرويّة في كتبكم وعبارات ظاهرها يدلّ على الكفر!
قلت: أرجو أن تذكروا عبارة واحدة من تلك العبارات حتّى نعرف.
الحافظ: إنّي طالعت أخباراً كثيرة في كتبكم بهذا المعنى ولكن الذي أذكره الآن ويَجولُ في خاطري، عبارة، في «تفسير الصافي»(٢) للفيض الكاشاني الذي هو أحد كبار علمائكم فقد روى: أنّ الحسين شهيد الطفّ وقف يوماً بين أصحابه فقال: أيّها الناس! إنّ الله تعالى جلّ ذكره ما خلق العباد إلّا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، وإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة مَن سواه.
قال رجل من أصحابه: بأبي أنت واُمّي يا ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله فما
____________________
١) سورة الاعراف، الآية ٤٣.
٢) مصدر الحديث هو كتاب كنز الفوائد لابي الفتح الكراجكي في رسالةٍ لهُ في وجوب الإمامة: ص ١٥١ - من الطبعة الحجرية.
معرفة الله؟
قالصلىاللهعليهوآله : معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي تجب عليهم طاعته.
قلت:
أولاً: يجب أن ننظر إلى سند الرواية، هل كان صحيحاً أو موثّقاً، قويّاً أو ضعيفاً، معتبراً أو مردوداً.
ثمّ على فرض صحّة السند فهو خبر واحد، فلا يجوز الاستناد عليه والالتزام به، فمثل هذا الخبر يلغى عندنا لمناقضته للآيات القرآنية والروايات الصريحة المرويّة عن أهل البيتعليهمالسلام في التوحيد(١) .
ومن أراد أن يعرف نظر الشيعة في التوحيد فليراجع خطب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام في «نهج البلاغة» حول التوحيد وليراجع مناظرات أئمّتناعليهمالسلام ومناقشاتهم مع المادّيين والدهريّين المنكرين لوجود الله عزّ وجلّ، لتعرفوا كيف ردّوا شبهاتهم، وأثبتوا وجود الخالق وتوحيده على أحسن وجه.
راجعوا كتاب توحيد المفضّل، وتوحيد الصدوق، وكتاب التوحيد من موسوعة «بحار الأنوار» للعلامة المجلسي قدّس الله أسرارهم.
____________________
١) وللشيخ الكراجكي - قدّس سرّه - تعليقٌ دقيق يزيل كل مناقضةٍ عن هذا الحديث الشريف قال:
إعْلَم أنّه لمـّا كانَت معرفةُ اللهِ وطاعتُهُ لا ينفعان مَنْ لم يعرف الإمامَ، ومعرفةُ الإمام وطاعتُهُ لا تنفعان إلّا بعد معرَفة الله [ لمـّا كانت كذلك ] صَحَّ أنْ يُقال: إنّ معرفة الله هي معرفةُ الإمام وطاعتُهُ.
ولمـّا كانت أيضاً المعارف الدينيّة العقلية والسّمعية تحصلُ من جهة الإمام، وكان الإمام آمراً بذلك وداعياً إليه، صَحَّ القولُ بأنّ معرفةً الإمامَ وطاعتُه هي معرفةُ الله سبحانه، كما تقول في المعرفة بالرسول وطاعته: إنّها معرفةُ بالله سبحانه، قال الله عز وجل « من يُطعِ الرسولَ فقد أطاع اَلله » كَنَز الفوائد: ص ١٥١ الطبعة الحجرية.
وطالعوا بدقّة كتاب النكت الاعقادية، والمقالات في المذاهب والمختارات، وهما من تصانيف محمد بن محمد بن نعمان، المعروف بالشيخ المفيد طاب ثراه، وهو من أكبر علمائنا في القرن الرابع الهجري.
طالعوا بإمعان كتاب« الاحتجاج» للشيخ الجليل أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي رحمه الله.
راجعوا هذه الكتب القيّمة حتّى تعرفوا كلام أئمّة الشيعة وعلمائهم في التوحيد.
ولكنّكم لا تريدون معرفة الحقيقة والواقع! وإنّما تبحثون في كتبنا لتجدوا أخباراً متشابهة فتتحاملون بها علينا، وتهرّجون بها ضدّنا.
أتُبصر في العين منّي القذى |
وفي عينك الجذع لا تُبصرُ |
فكأنّكم لم تطالعوا كتبكم وصحاحكم فتجدوا فيها الأخبار الخرافية والموهومات، بل الكفريّات التي تضحك الثكلى ويأباها العقل السليم، فلو تقرأها بإمعان لمـّا رفعت رأسك خجلاً، ولم تنظر في وجوه الحاضرين حياءً!!
الحافظ: إنّ المضحك المخجل هو كلامكم في تخطئة الكتب العظيمة التي لم يصنّف ولم يُؤَلَّف مثلها في الإسلام، خصوصاً صحيح البخاري وصحيح مسلم اللذان أجمع علماء الإسلام على صحّتهما، وأنّ الأحاديث المرويّة فيها صادرة عن النبيصلىاللهعليهوآله قطعاً، ولو أنّ أحداً أنكر الصحيحين أو خطّأ بعض الأحاديث المرويّة فيهما فإنّه ينكر وينفي مذهب السُنّة والجماعة، لأنّ مدار عقائد أهل السُّنّة وفقههم بعد القرآن يكون على هذين الكتابين.
كما كتب ابن حجر المكّي، وهو من كبار علماء الإسلام وامام الحرمين، في كتابه «الصواعق المحرقة»: فصل في بيان كيفيّتها - أي:
كيفية خلافة أبي بكر - روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما اللذين هما أصحّ الكتب بعد القرآن، بإجماع يُعتَدُّ به: فلذلك من البديهي أنّ الأخبار المندرجة في الصحيحين كلّها قطعية الصدور عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، لأنّ الاُمّة أجمعت على قبولهما، وكلّ ما أجمعت الاُمّة على قبوله فهو مقطوع به، فكلّ ما في الصحيحين مقطوع بصحته!!
على هذا، كيف يتجرّأ أحد أن يقول: توجد في الصحيحين خرافات وكفريّات وموهومات؟!
ردّ الإجماع المزعوم
قلت: نحن نورد إشكالاً علمياً على الإجماع الذي تدَّعونَهُ على صحّة ما في الصحيحين وإسناد ما فيها الى النبيّصلىاللهعليهوآله !
فقد ناقش كثير من علمائكم روايات الصحيحين ورفضوا كثيراً منها، أضف على اُولئك جميع الشيعة، وهم أكثر من مائة مليون مسلم في العالم.
فإنّ إجماعكم هذا مثل الإجماع الذي زعمتم في الخلافة بعد النبيصلىاللهعليهوآله !!
فإنّ كثيراً من علمائكم الكبار، مثل: الدارقطني وابن حجر وشهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني في «إرشاد الساري» والعلّامة أبي الفضل جعفر بن ثعلب الشافعي في كتاب «الإمتناع في أحكام السماع» والشيخ عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي في «الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية» وشيخ الإسلام أبو زكريّا النووي في شرح صحيح مسلم، وشمس الدين العلقمي في «الكوكب المنير في شرح الجامع الصغير» وابن القيّم في كتاب «زاد المعاد في هدي خير
العباد» وأكثر علماء الحنفية انتقدوا كثيراً من الأحاديث المـُدرَجة في الصحيحين وقالوا: إنّها من الروايات الضعاف وهي غير صحيحة.
وبعض المحقّقين من علمائكم مثل كمال الدين جعفر بن ثعلب بالغ في بيان فضائح بعض الروايات من الصحيحين، وأقام الأدلّة العقلية والنقلية على خلافها.
فلسنا وحدنا المنتقدين لصحيحَيْ مسلم والبخاري والقائلين بوجود الخرافات فيهما حتّى تهرّج ضدّنا!
الحافظ: بيّنوا لنا من خرافات الصحيحين كما تزعمون حتّى نترك التحكيم في ذلك للحاضرين.
قلت: أنا لا اُحبّ أن أخوض في هذا البحث، ولكن تلبية لطلبكم، ولكي تعرفوا أنّي لا أتكلّم إلّا عن علم وإنصاف، وعن وجدان وبرهان، أذكر بعض تلك الروايات باختصار:
رؤية الله سبحانه
إذا أردتم الاطّلاع على الأخبار التي تتضمّن الكفر في الحلول والاتّحاد وتجسّم الله سبحانه ورؤيته في الدنيا أو في الآخرة على اختلاف عقائدكم، فراجعوا: صحيح البخاري ج ١، باب فضل السجود من كتاب الصلاة، وج ٤ باب الصراط من كتاب الرقاق، وصحيح مسلم ج ١، باب اثبات رؤية المؤمنين ربّهم في الآخرة، ومسند أحمد ج ٢ ص ٢٧٥، وأنقل لكم نموذجين من تلك الأخبار الكفرية:
١- عن أبي هريرة: إنّ النار تزفر و تتقيّظ شديداً، فلا تسكن حتّى يضع الربّ قدمه فيها، فتقول: قطّ قطّ، حسبي حسبي.
وعنه: إنّ جماعة سألوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله : هل نرى ربّنا يوم القيامة؟
قالصلىاللهعليهوآله : نعم، هل تضارّون في رؤية الشمس بالظهيرة صحواً ليس معها سحاب الى آخرها.
بالله عليكم أنصفوا! أما تكون هذه الكلمات كفراً بالله سبحانه وتعالى.
وقد فتح مسلم باباً في صحيحه كما مرّ ونقل أخباراً عن أبي هريرة وزيد بن أسلم وسويد بن سعيد وغيرهم في رؤية الله تبارك وتعالى.
وقد ردّ هذه الأخبار كثيرٌ من كبار علمائكم وعَدوُّها من الموضوعات والأكاذيب على النبيّصلىاللهعليهوآله ، منهم الذهبي في «ميزان الاعتدال» والسيوطي في «اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» وسبط ابن الجوزي في «الموضوعات» فهؤلاء كلّهم أثبتوا - بأدلّة ذكروها - كذب تلك الأخبار وعدم صحّتها.
وإذا لم تكن هناك أدلّة على بطلانها سوى الآيات القرآنية الصريحة في دلالتها على عدم جواز رؤية الباري عزّ وجلّ لكفى، مثل:( لاَ تُدْرِکُهُ الْأَبْصَارُ وَ هُوَ يُدْرِکُ الْأَبْصَارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (١) .
وفي قصّة موسى بن عمرانعليهالسلام وقومه إذ طلبوا منه رؤية الله تعالى وهو يقول لهم: لا يجوز لكم هذا الطلب، ولكنّهم أصرّوا فقال:( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْکَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ) (٢) و( لَنْ ) تأتي في النفي الأبدي.
____________________
١) سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
٢) سورة الأعراف، الآية ١٤٣.
قال السيّد عبد الحيّ - وهو إمام جماعة المسجد -: ألم ترووا عن عليّ كرّم الله وجهه أنّه قال: لم أكن أعبد ربّاً لم أره؟!
قلت: حفظتَ شيئاً وغابت عنك أشياء، إنّك ذكرت شطراً من الخبر ولكنّي أذكر لك الخبر كلّه حتّى تأخذ الجواب من نصّ الخبر:
روى ثقة الإسلام الشيخ محمد بن يعقوب الكليني قدّس سرّه(١) في كتاب الكافي كتاب التوحيد باب إبطال الرؤية وروى أيضاً الشيخ الكبير حجّة الاسلام أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي المعروف بالشيخ الصدوق طاب ثراه(٢) في كتاب التوحيد باب ابطال عقيدة رؤية الله تعالى، رويا عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام أنّه قال: جاء حَبْرٌ إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك حين عبدته؟
فقالعليهالسلام : ويلك! ما كنت أعبد ربّاً لم أره.
قال: وكيف رأيته.
قالعليهالسلام : ويلك! لا تدركه العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان.
فكلام أمير المؤمنينعليهالسلام صريح في نفي رؤيته سبحانه بالبصر، بل يدرك بالبصيرة وبنور الإيمان.
وعندنا دلائل عقلية ونقلية أقامها علماؤنا في الموضوع، وتبعهم بعض علمائكم، مثل: القاضي البيضاوي، وجار الله الزمخشري في
____________________
١) الكافي: ١/٩٨، كتاب التوحيد، الحديث ٦.
٢) التوحيد: ١٠٩، الحديث ٦، الباب ٨.
تفسيريهما، أثبتا أنّ رؤية الله سبحانه لا تمكن عقلاً.
فمن يعتقد برؤية الله سواءً في الدنيا أو في الآخرة، يلزم أن يعتقد بجسميّته عزّ وجلّ، وبأنّه محاط ومظروف، ويلزم أن يكون مادّة حتّى يُرى بالعين المادّية، وهذا كفر كما صرّح العلماء الكرام من الفرقين!!
الأخبار الخرافية
ثمّ إنّي أعجب كثيراً من اعتقادكم بالصحاح الستّة، وبالأخصّ صحيحي البخاري ومسلم على أنّهما كالوحي المنزل، فلو نظرتم فيهما بعين التحقيق والنقد، لا بعين القبول والتسليم، لاعتقدتم بكلامي، ولقبلتم أنّ صحاحكم، وحتّى صحيحي مسلم والبخاري لا تخلو من الخرافات والموهومات، وإليكم بعضها:
١- أخرج البخاري في كتاب الغسل، باب من اغتسل عرياناً، وأخرج مسلم في ج ٢ باب فضائل موسى، وأخرج أحمد في مسنده ج ٢ ص ٣١٥ عن أبي هريرة قال: كانوا بنوا إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلّا أنّه آدر - أي ذو أدرة، وهي: الفتق -.
قال فذهب مرّة ليغتسل فوضع ثوبه على حجر، ففرّ الحجر، بثوبه، فجعل موسى يجري بأثره ويقول: ثوبي حجر! ثوبي حجر! حتى نظر بنو إسرائيل إلى سوأة موسى!!! فقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر بعد حتّى نُظر إليه، فأخذ موسى ثوبه فطفق بالحجر
ضرباً!! فوالله إنّ بالحجر نُدَباً ستّة أو سبعة!!
بالله عليكم أنصفوا.. هل يرضى أحدكم أن تنسب إليه هذه النسبة الموهنة الشنيعة؟! التي لو نُسبَت إلى سوقيّ عاميّ لغضب واستشاط! فكيف بنبيّ صاحب كتاب وشريعة، وصاحب حكم ونظام، يخرج في اُمّته وشعبه عرياناً وهم يمنعون النظر إلى سوأته هل العقل يقبل هذا؟!
وهل من المعقول أنّ الحجر يسرق ملابس موسى ويفرّ بها وموسى يركض خلفه، والحجر يفرّ من بين يديه وموسى ينادي الحجر، والحجر أصمّ لا يسمع ولا يبصر؟!!
وهل من المعقول أنّ موسى بن عمران يقوم بعمل جنوني فيضرب الحجر ضرباً مبرّحاً حتّى يئنّ الحجر؟!!
ليت شعري أبيده كان يضرب الحجر؟! فهو المتألّم لا الحجر!!
أم كان يضربه بالسيف، فالسيف ينبو وينكسر!
أم كان الضرب بالسوط، فالسوط يتقطّع!
فما تأثير الضرب بأيّ شكل كان، على الحجر؟!
فكلّ ما في الحديث من المحال الممتنع عقلاً، وهو من الأحاديث المضحكة التي من التزم بها فقد استهزأ بالله ورسله!!
قال السيّد عبد الحيّ: هل حركة الحجر أهمّ أم انقلاب عصا موسى إلى ثعبان وحيّة تسعى؟!! أتنكرون معاجز موسى بن عمران فقد نطق بها القرآن؟!
قلت: نحن لا ننكر معاجز موسى ومعاجز سائر الأنبياءعليهالسلام ، بل نؤمن بصدور المعاجز من الأنبياء ولكن في محلهها، وهو مقام تحدّيهم
الخصوم في إحقاق الحقّ ودحض الباطل. وموضوع الحجر في غير محلّ الاعجاز، فأيّ إحقاق حقّ ودحض باطل في التشهير بكليم، وإبداء سوأته على رؤوس الأشهاد من قومه؟! بل هو تنقيص من مقامه! ولا سيّما وهم يشاهدونه يركض وراء حجر لا يسمع فيناديه: ثوبي حجر!!، أو يشتدّ ويغضب على حجر لا يشعر ولا يدرك فينهال عليه ضرباً!!
السيّد عبد الحيّ: أيّ حقّ أعلى من إبراء نبيّ الله؟! فالناس عرفوا بذلك أنْ ليس فيه فتق!
قلت: على فرض أنّ موسى كان ذا أدرة، فما تأثير هذا المرض على مقامه ونبوّته؟!
صحيح أنّ الأنبياء يجب أن يكونوا براء من النواقص مثل: العمى والصمم والحول، وأنّ النبيّ لا يولد فلجاً أو مشلولاً أو به زيادة أو نقيصة في أحد أعضائه، أمّا الأمراض العارضة على البشر فلا تعدّ نواقص، فإنّ يعقوب بكى حزناً لفراق يوسف حتّى ابيضّت عيناه، وإنّ أيّوب اُصيب بقروح في بدنه، والنبيّ الأكرم وهو سيّد الأوّلين والآخرين، كسرت ثناياه في جهاده مع الأعداء في اُحد، فهذه الأشياء لا تنقص شيئاً من شأن الأنبياء ولا تُنزل من مقامهم وقدرهم.
والفتق مرض عارض على جسم الإنسان، فما هي أهمّيّته حتّى يبرىء الله عزّ وجلّ كليمه بهذا الشكل الفظيع المهين. عن طريق خرق العادة والمعجزة، ثمّ تنتهي بهتك حرمة النبيّ وكشف سوأته أمام بني اسرائيل؟! وهل بعده يبقى شأن وقدر لموسى عند قومه؟! وهل بعد ذلك سيطيعوه ويحترموه؟!!
ولكي يقتنع السيّد عبد الحيّ ويقرّ بوجود أخبار خرافية في الصحيحين،أنقل رواية اُخرى عن أبي هريرة مضحكة أيضاً، ولا أظنّ أحداً من الحاضرين - بعد استماع هذه الرواية - سيدافع عن أبي هريرة، أو يعتقد بصحّة روايات البخاري ومسلم!
نقل البخاري في ج ١، باب من أحبّ الدفن في الأرض المقدّسة، وج ٢، باب وفاة موسى، ونقل مسلم في ج ٢ باب فضائل موسى عن أبي هريرة، قال: جاء ملك الموت إلى موسىعليهالسلام ، فقال له أجب ربّك.
قال أبو هريرة: فلطم موسى عينَ ملَكِ الموت ففقأها!!
فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إنّك أرسلتني إلى عبدٍ لك لا يريد الموت ففقأ عيني!
قال: فردّ الله إليه عينه وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياة ترد؟! فإنْ كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما توارت بيدك من شعرةٍ فإنّك تعيش بها سنة.
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ج ٢ ص ٣١٥، عن أبي هريرة، ولفظه: إنّ ملك الموت كان يأتي الناس عياناً، فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه.
وأخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه ج ١، في ذكر وفاة موسى ولفظه: إنّ ملك الموت كان يأتي الناس عياناً حتّى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه - إلى أن قال: - إنّ ملك الموت إنّما جاء إلى الناس خفيّاً بعد موت موسى!
وقد علّقتُ فقلتُ : لأنّه يخاف من الجهّال أن يفقوا عَيَنهُ الأخرى.
فضحك جمع من الحاضرين بصوتٍ عالٍ.
ثمّ قلت : بالله عليكم أنصفوا ألم يكن هذا الخبر الذي أضحككم من الخرافات والخزعبلات؟! وإنّي لأتعجّب من رواة هذا الخبر وناقله!!
وأستغرب منكم إذ تصدّقون هذا الخبر وأشباهه، ولا تسمحون لأحد أن يناقشها وينتقدها، حتّى لعلمائكم!!
فإن في هذه الرواية ما لا يجوز على الله تعالى ولا على أنبيائه ولا على ملائكته!!
أيليق بالله العظيم أن يصطفي من عباده، جاهلاً خشناً يبطش بملك من الملائكة المقرّبين وهو مبعوث من عند الله تعالى، فيلطمه لطمة يفقأ بها عينه؟!
أليس هذا العمل عمل المتمرّدين والطاغين الّذين يذمّهم الله العزيز إذ يقول:( وَ إِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) (١) ؟!
فكيف يجوز هذا على من اختاره الله الحكيم لرسالته، واصطفاه لوحيه، وآثره بمناجاته، وكلّمه تكليماً(٢) وجعله من اُولي العزم؟!
وكيف يكره الموت هذه الكراهة الحمقاء فيلطم ملك الموت وهو مأمور من قبل الله تعالى، تلك اللطمة النكراء فيفقأ بها عينه مع شرف مقامه ورغبته في القرب من الله تعالى والفوز بلقائه عزّ وجلّ؟!
____________________
١) سورة الشعراء، الآية ١٣٠.
٢) إشارة إلى سورة النساء، الآية ١٦٤، والآية هكذا( وَ کَلَّمَ الله مُوسَى تَکْلِيماً ) .
وما ذنب ملك الموت؟! هل هو إلّا رسول الله إلى موسى؟! فبِمَ استحقّ الضرب بحيث تُفْقَأ عينه؟! وهل جاء إلّا عن الله وهل قال لموسى سوى: أجب ربّك؟!
أيجوز على اُولي العزم من الرسل إيذاء الكرّوبيّين من الملائكة وضربهم حينما يبلّغونهم رسالة ربّهم وأوامره عزّ وجلّ؟!
تعالى الله، وجلّت أنبياؤه وملائكته عن كلّ ذلك وعمّا يقول المخرفون.
إنّ هكذا ظلم فاحش لا يصدر من آدميّ جاهل فكيف بكليم الله!
ثمّ إنّ الهدف والغرض من بعثة الأنبياء وإرسال الرسل: هداية البشر وإصلاحهم، ومنعهم من الفساد والتعدّي والوحشية، فلذلك فإنّ الله سبحانه وكُلَّ أنبيائه ورسله منعوا الإنسان من الظلم حتّى بالنسبة للحيوان، فكيف بالنسبة لَمَلك مقرَّبٍ؟!
فلذا نحن نعتقد ونجزم بأنّ هذا الخبر افتراء على الله وكليمه، وجاعلُ هذا الخبر كذّاب مفترٍ يريد الحطّ من شأن النبيّ موسى ويريد هتك حرمة الأنبياء وتحقيرهم عند الناس.
أنا لا أتعجّب من أبي هريرة وأمثاله، لأنّه كما كتب بعض علمائكم أنّه كان يجلس على مائدة معاوية ويتناول الأطعمة الدسمة اللذيذة، ويجعل الروايات ويضعها على ما يشاء معاوية وأشباهه.
وقد جلده عمر بن الخطّاب لكذبه على النبيصلىاللهعليهوآله وجعل الأحاديث عنهصلىاللهعليهوآله ، فضربه بالسوط حتّى أدمى ظهره!!!
ولكن أستغرب وأتعجّب من الّذين له مرتبة علمية بحيث لو أمعنوا ودقّقوا النظر لَميَّزوا بين الصحيح والسقيم، ولكنّهم أغمضوا
أعينهم ونقلوا هذه الأخبار الخرافية في كتبهم، وأخذ الآخرون عنهم ونشروها فيكم، حتّى أنّ جناب الحافظ رشيد يعتقد كما يزعم: أنّ هذه الكتب أصحّ الكتب بعد كلام الله المجيد، وهو لم يطالعها بدقّة علمية، وإلاّ لما كان يبقى على الاعتقاد الذي ورثه من أسلافه عن تقليدٍ أعمى.
وما دامت هذه الأخبار الخرافية توجد في صحاحكم وكتبكم ، فلا يحقّ لكم أن تثيروا أيّ إشكال على كتب الشيعة لوجود الأخبار الغريبة فيها، وهي غالباً قابلة للتأويل والتوجيه!
خبر عن إمامنا الحسينعليهالسلام (١)
كلّ عالم منصف إذا كان يسلك طريق الاصلاح، إذا وجد هكذا خبر مبهم - وما أكثرها في كتبكم وكتبنا - إنْ كان يمكنه أنْ يؤوّله بالأخبار الصريحة الاُخرى فليفعل، وإنْ لم يمكن ذلك فليطرحه ويسكت عنه، لا أنّه يتّخذه وسيلة لتكفير طائفة كبيرة من المسلمين.
والآن لمـّا لم يوجد تفسير الصافي عندنا في المجلس حتّى تراجع سند الخبر وندقّق فيه النظر، ولربّما شرحه المؤلّف بشكل مقبول.
إذ لو عرف المسلم إمام زمانه فقد توصّل عن طريقه إلى معرفة ربّه كالخبر المشهور: من عرف نفسه فقد عرف ربّه عزّ وجلّ.
أو نقول في تقريب الخبر إلى أذهان الحاضرين: إنّنا لو تصوّرنا
____________________
١) هذا العنوان انتخبه المترجم
اُستاذاً تخرج على يده جمع من العلماء، في مراتب مختلفة من العلم، فإذا أراد أحد أن يعرف مدى عظمة ذلك الاُستاذ، يجب عليه أن ينظر إلى أعظم تلامذته وأعلاهم مرتبة حتّى يصل من خلاله إلى حقيقة الاُستاذ وعظمته العلمية.
كذلك في ما نحن فيه: فإنّ آيات الله كثيرة، بل كلّ شيء هو آية الله تعالى، إلّا أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله هو الآية العظمى والحجّة الكبرى، ومن بعده عترته الأبرار الأئمّة الأطهارعليهالسلام ، فإنّهم محالّ معرفة الله.
وقد ورد عنهم: بنا عُرف الله، وبنا عُبِدَ الله، أي: بسببنا وبواسطتنا عرف الله، وبعدما عرفوه عبدوه.
فهم الطريق إلى الله، والأدلاّء على الله، ومن تمسّك بغيرهم فقد ضلّ ومن يهتد، ولذا جاء في الحديث المتّفق عليه بين الفرقين، والخبر المقبول الصحيح عند الجميع، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال:
أيّها الناس! إنّي تارك فيكم الثقلين ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وهما لن يفترقا حتّى يردا عَلَيّ الحوض(١) .
____________________
(حديث الثقلين في كتب العامة)
١) أجمع المسلمون على صدور حديث الثقلين عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وإليكم بعض مصادر هذا الحديث الشريف من كتب العامة:
١) مسند أحمد: ٥/١٨١ و ١٨٢، عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، وفي ٣/٢٦ عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وج ٥/١٨٩ عن أبي أحمد الزبيري الحبّال. =
. . . . .
____________________
= ٢) صحيح مسلم: ٢/٢٣٧ عن طريق أبي خيثمة النسائي وص ٢٣٨ عن طريق سعيد ابن مسروق الثوري.
٣) صحيح الترمذي ٢/٢٢٠، عن سليمان الأعمش.
٤) المنمّق: ٩، عن محمد بن حبيب البغدادي.
٥) الطبقات الكبرى: ١/١٩٤، عن محمد بن سعد الزهري.
٦) المطالب العالية: حديث رقم ١٨٧٣ عن اسحاق بن مخلّد.
٧) إحياء الميت بفضائل أهل البيت: ١١ و ١٢، الحديث السادس، عن زيد بن أرقم، والحديث السابع عن زيد بن ثابت، والحديث الثامن عن أبي سعيد الخدري، وفي ص ١٩ الحديث الثاني والعشرون عن أبي هريرة، والحديث الثالث والعشرون عن عليعليهالسلام ، وفي ص ٢٦ الحديث الأربعون عن جابر، وفي ص ٢٧ عن عبدالله بن حنطب وهو الحديث الثالث والأربعون، وفي ص ٣٠ الحديث الخامس والخمسون عن البارودي عن أبي سعيد، والحديث السادس والخمسون عن زيد بن ثابت.
٨) كتاب الإنافة في رتبة الخلافة: ١٠ عبد الله بن حنطب.
٩) البدور السافرة عن اُمور الآخرة: ١٦ عن زيد بن ثابت.
١٠) تفسير الدرّ المنثور: ٢/٦٠ عند تفسير: واعتصموا بحبل الله جميعاً وفي ج ٦/٧ عند تفسير: قل لا أسألكم عليه أجراً إلّا المودّة في القربى.
١١) الخصائص الكبرى: ٢/٢٦٦ عن زيد بن أرقم.
١٢) الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير - بشرح المنّاوي -: ٢/١٧٤ عن زيد بن ثابت.
١٣) النثير في مختصر نهاية ابن الأثير في مادّة: ثقل.
١٤) نوادر الاُصول: ٦٨، عن طريق نصر بن علي الجهضمي، وص ٦٩ عن جابر ابن عبدالله وعن حذيفة بن اُسيد الغفاري.
١٥) المعجم الصغير: ١/١٣١ عن طريق عبّاد بن يعقوب الروجني الأسدي ، وص ١٣٥ عن أبي سعيد الخدري بطرق عديدة. =
. . . . .
____________________
= ١٦) المعجم الكبير ٥/١٧٠ و ١٧١ عن زيد بن ثابت بطرق عديدة، وج ٥/١٨٥ و ١٨٦ و١٨٧ و١٩٠ و١٩٢ عن زيد بن أرقم بطرق عديدة.
١٧) سنن الدرامي ٢/٤٣١ بسنده عن زيد بن أرقم.
١٨) تذكرة خواصّ الاُمّة: ٣٢٢ عن طريق أبي داود.
١٩) صحيح الترمذي: ٢/٢١٩ بسنده عن جابر بن عبدالله، وعن أبي ذرّ الغفاري، عن أبي سعيد الخدري، وعن زيد بن أرقم، وعن حذيفة ين اُسيد.
٢٠) المسترك على الصحيحين: ٣/١٠٩ عن طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، وص ١١٠ عن طريق أبي بكر بن اسحاق ودعلج بن أحمد السجزي.
٢١) الخصائص - للنسائي -: ٩٣ بسنده عن زيد بن أرقم.
٢٢) مسند ابن الجعد: ٢/٩٧٢ عن أبي سعيد الخدري.
٢٣) كنز العمال: ١٥/٩١ عن زيد بن أرقم، وعن أبي سعيد.
٢٤) فرائد السمطين: ٢/٢٦٨ عن زيد بن أرقم، وص ٢٧٢ عن أبي سعيد، وص ٢٧٤ عن حذيفة بن اُسيد الغفاري.
٢٥) لسان العرب: ٤/٥٣٨ مادّة (عترة)، وج ١١ / ٨٨ مادّة (ثقل)، وج ٤/١٣٧ مادّة (حبل).
٢٦) تاج العروس من جواهر القاموس: ٧/٣٤٥ مادّة (ثقل).
٢٧) مجمع البحار - لمحمد طاهر الفتني - مادّة (ثقل).
٢٨) منتهى الأرب: ج ١ / ١٤٣ مادّة (ثقل).
٢٩) المؤتلف والمختلف: ٢/١٠٤٥ عن أبي ذرّ الغفاري، وفي ج/٤ ٢٠٦٠ عن أبي سعيد الخدري.
٣٠) أخرجه أبو اسحاق الثعلبي في تفسيره عند:( وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً ) سورة آل عمران، الآية ١٠٣.
٣١) حلية الأولياء لأبي نعيم: ١/٣٥٥، وأخرجه أيضاً في كتابه «منقبة المطهّرين» بطرق عديدة وأسانيد سديدة، عن أبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم =
. . . . .
____________________
= وأنس بن مالك والبراء بن عازب وجبير بن مطعم.
٣٢) المناقب - للخوارزمي - : ٩٣، عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم.
٣٣) مصابيح السُنّة بشرح القاري: ٥/٥٩٣، عن زيد بن أرقم، وفي ج ٥/٦٠٠ عن جابر.
٣٤) الشفا بتعريف حقوق المصطفى - بشرح القاري -: ٤٨٥.
٣٥) تاريخ ابن عساكر، ج ٢، من ترجمة عليّعليهالسلام .
٣٦) تاريخ ابن كثير: ٥/٢٠٨.
٣٧) تفسير ابن كثير: ٥/٤٥٧ عند تفسير آية التطهير، وفي ج ٦/١٩٩ و٢٠٠ عند تفسير آية المودّة.
٣٨) لباب التأويل: ١/٣٢٨ عند تفسير( وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً ) .
٣٩) معالم التنزيل: ٦/١٠١ عند تفسير آية المودّة وفي ج ٧ عند تفسير آية( سَنَفْرُغُ لَکُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَنِ ) الآية ٣١ من سورة الرحمن.
٤٠) الفخر الرازي في تفسير عند آية( وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله ) .
٤١) غرائب القرآن:١/٣٤٩ عند تفسير( وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله ) .
٤٢) جامع الأصول لابن الاثير: ١/١٧٨ عن جابر الأنصاري.
٤٣) النهاية - لابن الأثير - في مادّة (ثقل) رواه عن زيد بن أرقم.
٤٤) أسد الغابة: ٣/١٤٧ بترجمة عبدالله بن حنطب. وفي ج ٢/١٢ بترجمة سيّدنا الإمام المجتبىعليهالسلام عن زيد بن أرقم.
٤٥) مشارق الأنوار - بشرح ابن الملك -: ٣/١٥٧.
٤٦) مطالب السؤول: ٨.
٤٧) كفاية الطالب - للعلامة الكنجي الشافعي - في الباب الأول.
٤٨) تهذيب الأسماء واللغات: ١/٣٤٧.
٤٩) ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربى: ١٦.
٥٠) مشكاة المصابيح: ٣/٢٥٥ و ٢٥٨ عن زيد بن أرقم. =
الحافظ: لا ينحصر الدليل على كفركم وشكركم في هذه الرواية حتّى تؤوّلها وتخلص منها، بل في كلّ الأدعية الواردة في كتبكم نجد أثر الكفر والشرك، من قبيل: طلب حاجاتكم من أئمّتكم من غير أن تتوجّهوا إلى الله ربّ العالمين، وهذا أكبر دليل على الكفر والشرك!!
قلت: ما كنت أظنّك أن تتبّع أسلافك إلى هذا الحدّ، فتغمض
____________________
= ٥١) نظم درر السمطين: ٢٣١ عن زيد بن أرقم.
٥٢) المنتقى في سيرة المصطفىصلىاللهعليهوآله ، بطرق عديدة وشرح وافٍ.
٥٣) فيض القدير في شرح الجامع الصغير: ٣/١٥.
٥٤) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ٩/١٦٣.
٥٥) الفصول المهمّة في معرفة الائمة - لابن الصباغ المالكي - : ٢٣.
٥٦) الرسالة العلية في الأحاديث النبوية: ٢٩ و٣٠.
٥٧) المواهب اللدُنّيّة بشرح الزرقاني: ٧/٤ - ٨.
٥٨) الصواعق الحرقة ٢٥ و ٨٦ و ٨٧ و ٨٩ و ٩٠ و ١٣٦، أخرجه بطرق عديدة وألفاظ كثيرة، وقال: رواه عشرون صحابياً.
٥٩) إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون: ٣/٣٣٦.
٦٠) نزل الأبرار بما صح من مناقب أهل البيت الأطهار: ١٢.
٦١) إزالة الخفا عن سيرة المصفى: ٢/٥٤.
٦٢) إسعاف الراغبين: ١١٠.
٦٣) ينابيع المودّة، ج ١ عقد فصلاً خاصّاً بحديث الغدير والثقلين.
٦٤) تتمّة الروض النضير: ٥/٣٤٤.
٦٥) مشكل الآثار: ٢/٣٠٧.
٦٦) الذرّيّة الطاهرة ١٦٨.
هذا قليل من كثير، وكلّه من كتب العامة ليكون أوفع في نفوسهم، وترى فيه الكفاية لمن أراد الهداية. «المترجم»
عينيك، وتتكلّم من غير تحقيق بكلّ ما تكلّموا، فإنّ هذا الكلام في غاية السخافة، وبعيد عن الإنصاف والحقيقة، فاما انك لا تدري ما تقول أو انك لا تعرف معنى الكفر والشرك!!
الحافظ: إنّ كلامي في غاية الوضوح، ولا أظنّه يحتاج إلى توضيح،فإنّه من البديهة أنّ من أقرّ بوجود الله عزّ وجلّ واعتقد أنّه هو الخالق والرازق، وأن لا مؤثّر في الوجود إلّا هو، لا يتوجّه إلى غيره في طلب حاجة، وإذا توجّه فقد أشرك بالله العظيم.
والشيعة كما نشاهدهم ونقرأ كتبهم لا يتوجّهون إلى الله أبداً، بل دائماً يطلبون حوائجهم من أئمّتهم بغير أن يذكروا الله، حتّى نشاهد فقرائهم والسائلين الناس في الأسواق ذِكرهم: يا علي ويا حسين، ولم أسمع من أحدهم حتّى مرّة يقول: يا الله!!وهكذا كلّه دليل على أنّ الشيعة مشركون، فإنّهم لا يذكرون الله تعالى عند حوائجهم ولايطلبون منه قضاءها وإنّما يذكرون غير الله ويطلبون حوائجهم من غيره سبحانه!!
قلت: لا أدري.. هل أنت جاهل بالحقيقة ولا تعرف مذهب الشيعة؟!
أم إنّك تعرف وتحرف، وتسلك طريق اللجاج والعناد؟!
لكن أرجو أن لا تكون كذلك، فإنّ من شرائط العالم العامل:الإنصاف.
وفي الحديث الشريف: إنّ العالم بلا عمل كشجرة بلا ثمر.
ولمـّا نسبت إلينا الشرك في حديثك كراراً والعياذ بالله! وأردت بهذه الدلائل العامّية التافهة أن تثبت كلامك السخيف الواهي، وتكفّر
الشيعة الموحّدين المخلصين في توحيد الله عزّ وجلّ غاية الخلوص، والمؤمنين بما جاء به خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآله فإذا كان هذا التكرار والإصرار في تكفيرنا بحضورنا فكيف هو في غيابنا؟!
واعلم أنّ أعداء الإسلام الّذين يريدون تضعيف المسلمين وتفريقهم حتّى يستولوا على ثرواتهم الطبيعية ويغصبوا أراضيهم، فهم فرحون بكلامهم هذا،ويتخذوه وسيلة لضرب المسلمين بعضهم ببعض، كما أنّني أجد الآن في هذا المجلس بعضالعوام الحاضرين من أتباعكم قد تأثّروا بكلامكم، فبدؤا ينظرون إلينا نظراً شزراً، حاقدين علينا باعتقادهم أنّنا كفّار فيجب قتلنا ونهب أموالنا!!!
وفي الجانب الآخر، أنظر إلى الشيعة الجالسين، وقد ظهرت على وجوههم علائم الغضب، وهم غير راضين من كلامك هذا، ونسبة الشرك والكفر إليهم، فيعتقدون أنّك مفترٍ كذّاب، وأنّك رجل مُغْرِضِ، وعن الحقّ مُعرِض، لأنّهم متيقّنون ببراءة أنفسهم ممّا قلت فيهم ونسبت إليهم.
والآن لكي تتنوّر أفكار الحاضرين بنور الحقيقة واليقين، ولكي تتبدَّد عن أذهانهم ظلمات الجهل وشبهات المغرضين، أتكلّم للحاضرين باختصار، موجزاً عن الشرك ومعناه، واُقدّم لكم حصيلة تحقيق علمائنا الأعلام، أمثال: العلّامة الحلّي،والمحقّق الطوسي، والعلّامة المجلسي (رضوان الله عليهم)، وهم استخرجوها واستنبطوها من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث المرويّة عن النبيصلىاللهعليهوآله وعترته الهادية (سلام الله عليهم).
نوّاب: إنّ انعقاد هذا المجلس كان لتفهيم العوام وإثبات الحقّ
أمامهم، كما قلت سالفاً، فأرجوكم إن تراعوا جانبهم في حديثكم، وأن تتكلّموا بشكل نفهمه نحن العوام.
قلت: حضرة النوّاب! إنّني دائماً اُراعي هذا الموضوع، لا في هذا المجلس فحسب، بل في جميع مجالسي و محاضراتي و محاوراتي العلمية و الكلامية، فإنّي دائماً أتحدّث بشكل يفهمه الخاصّ والعامّ، لأنّ الغرض من إقامة هذه المجالس وانعقادها -كما قلتم - هو تعليم الجهلاء وتفهيم الغافلين، وهذا لا يتحقّق إلّا بالبيان الواضحوالحديث السهل البسيط الذي يفهمه عامّة الناس، والأنبياء كلّهم كانوا كذلك.
فقد رُوي عن خاتم الأنبياء وسيّدهمصلىاللهعليهوآله أنّه قال: إنّا معاشر الأنبياء اُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم(١) .
أقسام الشرك
إنّ الحاصل من الآيات القرآنية، والأحاديث المرويّة، والتحقيقات العلمية، أنّ الشرك على قسمين، وغيرهما فروع لهذين، وهما:
الشرك الجلي، أي: الظاهر، والآخر الشرك الخفي، أي المستتر.
«الشرك الجليّ»
أمّا الشرك الظاهري، فهو عبارة عن: اتّخاذ الإنسان شريكاً لله عزّوجلّ، في الذات أو الصفات أو الأفعال أو العبادات.
أ - الشرك في الذات، وهو أن يشرك مع الله سبحانه وتعالى في ذاته أو توحيده،كالثنويّة وهم المجوس، اعتقدوا بمبدأين: النور والظلمة.
وكذلك النصارى فقد اعتقدوا بالأقانيم الثلاثة: الأب
____________________
١) البحار: ٧٧/١٤٠، الحديث ١٩، الباب ٧.
والابن وروح القدس، وقالوا: لكلّ واحد منهم قدرة وتأثيراً مستقلاً عن القسمين الآخرين، ومع هذا فهم جميعاً يشكّلون المبدأ الأوّل والوجود الواجب، أي: الله، فتعالى الله عمّا يقولون علوّاً كبيراً.
والله عزّ وجلّ ردّ هذه العقيدة الباطلة في سوره المائدة، الآية ٧٢، بقوله:( لَقَدْ کَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَ مَا مِنْ إِلٰهٍ إلّا إِلٰهٌ وَاحِدٌ ) وبعبارة اُخرى : فالنصارى يعتقدون: أنّ الألوهية مشتركة بين الأقانيم الثلاثة، وهي: جمع اقنيم - بالسريانية - ومعناها بالعربية: الوجود وقد أثبت فلاسفة الاسلام بطلان هذه النظريةعقلاً، وأنّ الاتّحاد لا يمكن سواءً في ذات الله تبارك وتعالى أو في غير ذاته عزّ وجلّ.
ب - الشرك في الصفات وهو: أن يعتقد بأنّ صفات الباري عزّ وجلّ، كعلمه وحكمته وقدرته وحياته هي أشياء زائدة على ذاته سبحانه، وهي أيضاً قديمةكذاته جلّ وعلا، فحينئذٍ يلزم تعدد القديم وهو شرك، والقائلون بهذا هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن علي بن اسماعيل الأشعري البصري، وكثير من علمائكم التزموا بل اعتقدوا به وكتبوه في كتبهم، مثل: ابن حزم وابن رشد وغيرهما، وهذا هو شرك الصفات لأنهم جعلوا لذات الباري جلّ وعلا قرناء في القدم والأزلية وجعلوا الذات مركّباً.والحال أنّ ذات الباري سبحانه بسيط لا ذات أجزاء، وصفاتُه عينُ ذاته.
ومثاله تقريباً للأذهان - ولا مناقشة في الأمثال -:
هل حلاوة السكّر شيء غير السكّر؟
وهل دهنية السمن شيء غير السمن؟
فالسكّر ذاته حلو، أي: كلّه.
والسمن ذاته دهن، أي: كلّه.
وحيث لا يمكن التفريق بين السكّر وحلاوته، وبين السمن ودهنه،كذلك صفات الله سبحانه، فإنّها عين ذاته، بحيث لا يمكن التفريق بينها وبين ذاته عزّوجلّ، فكلمة: «الله» التي تطلق على ذات الربوبية مستجمعة لجميع صفاته، فالله يعني: عالم، حيٌّ، قادر، حكيم إلى آخر صفاته الجلالية والجماليّة والكماليّة.
ج - الشرك في الأفعال وهو الاعتقاد بأنّ لبعض الأشخاص أثراً استقلالياً في الأفعال الربوبية والتدابير الإلهية كالخلق والرّزق أو يعتقدون أن لبعض الأشياء أثراً استقلالياً في الكون، كالنجوم، أو يعتقدون بأن الله عزّ وجلّ بعدما خلقالخلائق بقدرته، وفوّض تدبير الاُمور وإدارة الكون إلى بعض الأشخاص، كاعتقادالمفوّضة، وقد مرّت روايات أئمّة الشيعة في لعنهم وتكفيرهم، وكاليهود الّذين قال الله تعالى في ذمّهم:( وَ قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ کَيْفَ يَشَاءُ ) (١) .
د - الشرك في العبادات وهو أنّ الإنسان أثناء عبوديته يتوجّه إلى غير الله سبحانه، أو لم تكن نيّته خالصة لله تعالى، كأن يرائي أو يريد جلبانتباه الآخرين إلى نفسه أو ينذر لغير الله عزّ وجلّ..!!
فكلّ عمل تلزم فيه نيّة القربة إلى الله سبحانه، ولكنّ العامل حين العمل إذا نواه لغير الله أو أشرك فيه مع الله غيره، فهو شرك والله عزّ وجلّ يمنع من ذلك في القرآن الكريم إذ يقول:( فَمَنْ کَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَ لاَ يُشْرِکْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) (٢) .
____________________
١) سور المائدة، الآية ٦٤.
٢) سورة الكهف، الآية ١١٠.
الحافظ: استناداً الى هذا الكلام الذي صدر منكم الآن فأنتم مشركون، لأنّكم قلتم: إنّ من نذر لغير الله فهو مشرك، والشيعة ينذرون لأئمّتهم وأبناء أئمّتهم.
«النذر عندنا»
قلت: العقل السليم والمنطق الصحيح يقضيان بأنّ أحداً لو أراد أن يعرف عقائد قوم، فيجب أن لا ينظر إلى أقوال وأفعال جهّالهم، وإنّما ينظر إلى مقال وأفعال علماء القوم.
وأنتم إذا أردتم التحقيق عن الشيعة ومعتقداتهم، فعليكم أنتنظروا إلى كتب علمائهم ومحقّقيهم، فتعرفوا الشيعة من خلال أقوال فقهائهم وأعمالهم.
فإذا شاهدتم بعض العوام منّا قد نذر لأحد الأئمّةعليهالسلام أو لأحد أبناء الأئمةعليهالسلام أو أحد الصالحين، عن جهل بالمسألة، فلا تحسبوه من معتقدات الشيعة، فإنّ في كلّ مذهب وملّة يوجد هناك عوام يجهلون مسائل دينهم، وهذا ليس عندنا فحسب.
وأنتم إذا لم تكونوا مغرضين، ولم تكونا بصدد خلق المعائب والأباطيل على الشيعة، فراجعوا كتب فقهائهم وانظروا إلى سيرة المؤمنين منهم العارفين للمسائل الدينية.
فإنّ التوحيد الخاص والمصفّى من كلّ شائبة لا يكون إلّا عند الشيعة الإمامية.
وأرجو منكم أن تراجعوا كتابَي: شرح اللمعة، وشرائع الإسلام،وأيّ كتاب آخر يضمّ المسائل الفقهية، وحتّى الرسائل العلمية
لفقهائنا المعاصرين، وهم مراجع الشيعة في مسائل دينهم.
راجعوا في هذه الكتب «باب النذر» فتجدون إجماع فقهائنا: أنّ النذر عمل عبادي يجب فيه شرطان :
الأوّل : نيّة القربة، أنّه ينذر قربة إلى الله تعالى و خالصاً لوجهه سبحانه
و الثاني : إجزاء صيغة النذر بهذا الشكل : « لله عليّ أن : أفعل كذا و كذا، أو : أترك كذا و كذا» فيذكر بدل الجملة الأخيرة، نذره إيجاباً كان أو سلباً. فإذا تعذّر عليه إجزاء الصيغة باللغة العربية أو صعب عليه ذلك، فيترجم مفهومه إلى لغته و يجريه بلسانه.
وأمّا إذا نوى النذر لغير الله سبحانه أو أشرك معه آخر، سواءً كان نبياً أو إماماً أو غيره، فالنذر باطل.
وإذا نذر على الصورة الأخيرة عالماً بالمسألة، فإنّ عمله حرام وشرك بالله عزّ وجلّ، فقد قال تعالى:( وَ لاَ يُشْرِکْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) (١) .
فيجب على العلماء أن يعلّموا الجاهلين ويبيّنوا لهم كلّ مسائل الدين، ومنها مسائل النذر، فالنذر يكون لله وحده لا شريك له، ولكنّ الناذر يكون مخيّراً في تعيين مصرف النذر، فمثلاً:
له أن يقول: لله عليّ نذر أن أذبح شاة عند مرقد النبيصلىاللهعليهوآله أوعند مرقد الإمام عليعليهالسلام أو غيرهما أو يقول: لله علَيّ نذر أن أذبح شاة واُطعم لحمها السادة الشرفاء، أو الفقراء، أو العلماء إلى آخره.
أو يقول: لله علَيَّ نذر أن اُعطي ثوباً لفلان بالتعيين، أو لعالمٍ، على غير تعيين.
فكلّ هذه الصيغ في النذر صحيحة، ولكن إذا لم يذكر الله كأن يقول: نذرت للنبيّ أو الإمام أو الفقيه أو الفقير أو اليتيم إلى
____________________
١) سورة الكهف، الآية ١١٠.
آخره، كلّ هذه الصيغباطلة غير صحيحة.
وكذلك إذا ذكر الله سبحانه مع آخر كأن يقول: نذرت لله وللنبيّ، أو نذرت لله ولفلان فهو باطل وغير صحيح وكان آثماً إنْ كان عالماً بالمسألة فنذره باطل وهو غير آثم.
فالواجب علينا وعلى كلّ فقيه وعالم أن يبلّغ مسائل الدين ويكتبأحكامه الإلهيّة ويعرضها على العوام ليتعلّموا ويعملوا بها.
ويجب على العوام أيضاً استماع المسائل الدينية وتعلّمها والعمل بها، فإذا ما تعلّموا ولم يعملوا بتكاليفهم كما ينبغي، فالإشكال يرد عليهم لا على دينهم ومذهبهم.
وكم من أهل السُنّة والجماعة يشربون الخمر ويلعبون القمار و يرتكبون الفاحشة، فهل هذا دليل على أنّ مذهبهم يجيز لهم تلك المعاصي والذنوب؟!وهل الإشكال يرد على مذهبهم أم عليهم؟!
«الشرك الخفي»
أمّا القسم الثاني من الشرك، فهو الخفيّ، ويتحقّق في نيّة الرياءوالسمعة في العبادات.
فقد ورد في الخبر: إنّ من صلّى أو صام أو حجّ، وهو يريد بذلك أنيمدحه الناس فقد أشرك في عمله(١) .
وفي الخبر المرويّ عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام أنّه قال:لو أنّ عبداً عمل عملاً يطلب به رحمة(٢) الله والدار الآخرة ثمّ
____________________
١) لاحظ تفسير القمي وتفسير العيّاشي، الآية الأخيرة من سورة الكهف.
٢) في المصدر: وجه الله
أدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركاً(١) .
وروي عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال: اتّقوا الشرك الأصغر. فقالوا: وماالشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء والسمعة(٢) .
وروى عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال: إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، فإنّ الشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء(٣) ، ثمّ قالصلىاللهعليهوآله : من صلّى أو صام أو تصدّق أو حجّ للرياء فقد أشرك بالله.
فالواجب في الصلاة وغيرها من العبادات أن تكون النية فيها خاصة لوجهِ اللهِ وقربةً إلى الله وحده، بأن يتوجّه الإنسان في حين عمله العبادي إلى ربّه عزّوجلّ، ويتكلّم معه وحده، ويركّز ذهنه، ويوجّه قلبه إلى الذات الموصوفة بالصفات التي ذكرناها، وذلك هو الله لا إله إلّا هو.
وأكتفي بهذا المقدار، وأظنّ بأنّ الحقّ قد انكشف للحاضرين المحترمين، بالخصوص المشايخ العلماء في المجلس، فأرجو أن لا ينسبوا الشرك إلى الشيعة بعد هذا، ولا يُمَوِّهوا الحقيقة على العوام.
تبسّم الشيخ عبدالسلام ضاحكاً وقال: وهل بقي عندكم شيء في هذا المضمار، فاكتفيتم بهذا المقدار؟! فالرجاء إن بقي عندكم شيء في الموضوع فبيّنوه للحاضرين.
قلت: هناك قسم آخر جعلوه من أقسام الشرك، ولكنّه مغفور، وهو:
____________________
١) لاحظ تفسير العياشي، الآية الأخيرة من سورة الكهف.
٢) منيَة المريد، عنه بحار الانوار: ج ٧٢ ص ٢٦٦.
٣) راجع بحار الأنوار: ج ٧٣ ص ٣٥٩، وتحف العقول في كلمات الإمام الباقرعليهالسلام .
الشرك في الأسباب
وهو الذي يتحقّق في أكثر الناس من غير التفات، فإنّهم يتّخذون الوسائط والأسباب للوصول إلى أغراضهم وتحقيق آمالهم، أو إنّهم يخشون بعض الناس ويخافون من بعض الأسباب في الإحالة دون حوائجهم وآمالهم، فهذا نوع من الشرك، ولكنه معفوٌّ عنه.
والمقصود من الشرك بالأسباب: أنّ الإنسان يعتقد بأنّ الأسباب المؤثّرة في الأشياء والاُمور الجارية، مثلاً: يعتقد أنّ الشمس مؤثّرة في نموّ النباتات، فإذا كان اعتقاده أنّ هذا الأثر من الشمس بالذات من غير إرادة الله تعالى فهو شرك.
وإذا كان يعتقد أنّ الأثر يصدر من الله القادر القاهر فهو المؤثّر والشمس سبب في ذلك، فهو ليس بشرك، بل هو حقيقة التوحيد، وهو من نوع التفكّر في آيات الله وقدرته سبحانه.
وهكذا بالنسبة إلى كلّ الأسباب والمسبّبات، فالتاجر في تجارته، والزارع في زراعته، والصانع في صناعته، والطبيب في طبابته، وغيرهم، إذا كانينظر إلى أدوات مهنته، أسباب صنعته وآثارها، نظراً استقلالياً، وأنّ الآثار الصادرة من تلك الأسباب والأدوات تصدر بالاستقلال من غير إرادة الله تعالى، فهو شرك، وإنْ كان ينظر إلى الأسباب والأدوات نظراً آلياً فيعتقد أنّها آلات، والله تعالى هو الذي جعل فيها تلك الآثار، فلا مؤثّر في الوجود إلّا الله، فهو ليس شركاً بل التوحيد بعينه.
الشيعة نزيهون من أنواع الشرك
بعد أن بيّنّا أقسام الشرك وأنواعه، فأسألكم: أيّ أقسام الشرك تنسبوه إلى الشيعة؟!
ومن أيّ شيعي عالم أو عامي سمعتم أنّه يشرك بالله سبحانه في ذاته أو صفاته وأفعاله؟!
وهل وجدتم في كتب الشيعة الإمامية والأخبار المرويّة عن أئمّتهمعليهمالسلام ما يدلّ على الشرك بالتفصيل الذي مرّ؟!
الحافظ: كلّ هذا البيان صحيح، ونحن نشكركم على ذلك، ولكنّكم إذا دقّقتم النظر في معتقداتكم بالنسبة لأئمّتكم، ستصدّقونني لو قلت إنّكم تطلبون الحوائج منهم، وتتوسّلون بهم في نيل مقاصدكم وتحقيق مطالبكم، وهذا شرك! لأنّا لانحتاج إلى واسطة بيننا وبين ربّنا، بل في أيّ وقت أحببنا أن نتوجّه إلى الله تعالى ونطلب حاجاتنا منه فهو قريب وسميع مجيب.
قلت: أتعجّب منك كثيراً! لأنّك عالم متفكّر، ولكنّك متأثّر بكلام أسلافك من غير تحقيق، وكأنّك كنت نائماً حينما كنت اُبين أنواع الشرك! فبعد ذلك التفصيل كلّه، تتفوه بهذا الكلام السخيف وتقول: بأنّ طلب الحاجة من الأئمّة شرك!!
فإذا كان طلب الحاجة من المخلوقين شرك، فكلّ الناس مشركون!
فإذا كانت الإستعانة بالآخرين في قضاء الحوائج شرك، فلماذا كان الأنبياء يستعينون بالناس في بعض حوائجهم.
اقرأوا القرآن الكريم بتدبّر وتفكّر حتّى تنكشف لكم الحقيقة،
راجعوا قصّة سليمانعليهالسلام في سورة النمل الآيات ٣٨ - ٤٠:( قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّکُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيکَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِکَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْکِتَابِ أَنَا آتِيکَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْکَ طَرْفُکَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي.. ) .
من الواضح أنّ الإتيان بعرش بلقيس من ذلك المكان البعيد، بأقلّ من لمحة بصر، لم يكن هيّناً وليس من عمل الإنسان العاجز الذي لا حول لَهُ ولا وقوّة، فهو عمل جبّار خارق للعادة، وسليمان مع علمه بأنّ هذا العمل لا يمكن إلّا بقدرة الله تعالى وبقوّة إلهيّة، مع ذلك ما دعا الله سبحانه في تلك الحاجة ولم يطلبها من ربّه عزّ وجلّ، بل أرادها من المخلوقين، واستعان عليها بجلسائه العاجزين.
فهذا دليل على أنّ الاستعانة بالآخرين في الوصول إلى مرادهم، وطلب الحوائج من الناس، لا ينافي التوحيد، وليس بشرك كما تزعمون، فإنّ الله سبحانه وتعالى جعل الدنيا دار أسباب ومسبّبات، وعالم العلل والمعلولات.
وحيث إنّ الشرك أمر قلبي، فإذا طلب الإنسان حاجته من آخر، أو استعان في تحقق مراده والوصول إلى مقصوده بمن لا يعتقد بألوهيّته ولا يجعله شريكاً للباري، وإنّما يعتقد أنّه مخلوق لله عزّ وجلّ، وهو إنسان مثله، إلّا أنّ الله عزّ وجلّ خلقه قويّاً وقادراً بحيث يتمكّن من إعانته في تحقق مراده وقضاء حاجته، فلا يكون شركاً.
وهذا أمر دائر بين المسلمين جميعاً، يعمل به المؤمنون عامة،
وهناك كثير من الناس يقصدون زيداً وبكراً ويقضون ساعات على أبوابهم ليطلبوا منهم حوائجهم ويستعينوا بهم في اُمورهم، من غير أن يذكروا الله تعالى.
فالمريض يذهب عند الطبيب ويتوسّل به ويستغيث به ويريد منه معالجة مرضه، فهل هذا شرك؟!
والغريق وسط الأمواج يستغيث بالناس ويستعين بهم في إنقاذه من الغرق والموت، من غير أن يذكر الله عزّ وجلّ، فهل هذا شرك؟!
وإذا ظلم جبّارٌ إنساناً، فذهب المظلوم إلى الحاكم وقال: أيّها الحاكم، أعنّي في إحقاق حقّي، فليس لي سواك ولا أرجو أحداً غيرك في دفع الظلم عنّي! فهل هذا شرك؟! وهل هذا المظلوم مشرك؟!
وإذا تسلّق لصّ الجدار وأراد أن يتعدّى على إنسان فيسرق أمواله ويهتك عرضه، فصعد صاحب الدار السطح واستغاث بالناس وطلب منهم أن يدفعوا عنه السوء، وهو في تلك الحالة لم يذكر الله تعالى فهل هو مشرك؟!
لا أظنّ أن هناك عاقلاً ينسب هؤلاء إلى الشرك، ومن ينسبهم إلى الشرك فهو: إمّا جاهل بمعنى الشرك أو مغرض!!
فأيّها السادة الحاضرون أنصفوا، وأيّها العلماء احكموا ولاتغالطوا في الموضوع!!
عقيدة الشيعة في التوسّل
الشيعة كلّهم متّفقون على أنّ أحداً لو اعتقد بألوهيّة النبيّ أو الأئمّة، أو جعلهم شركاء لله سبحانه في صفاته وأفعاله، فهو مشرك
ونجس يجب الاجتناب والابتعاد عنه.
وأمّا قولهم: يا عليّ أدركني، أو : يا حسين أعنّي، وما إلى ذلك، فليس معناه : يا علي أنت الله فأدركني! أو يا حسين أنت الله فأعنّي! بل لأنّ الله عزّ وجلّ جعل الدنيا دار وسائل وأسباب، وأبى الله أن يجري الاُمور إلّا بأسبابها، فنعتقد أنّ النبيصلىاللهعليهوآله وآله هم وسيلة النجاة في الشدائد، فنتوسّل بهم إلى الله سبحانه.
الحافظ: لماذا لا تطلبون حوائجكم من الله تعالى بغير واسطة؟!
فاطلبوا منه بالاستقلال لا بالوسائل:
قلت: إنّ توجّهنا إلى عزّ وجلّ في طلب الحوائج ودفع الهموم والغموم هو بالاستقلال، ولكنّا نتوسّل بالنبيّ وآله الطيّبين صلوات الله عليهم أجمعين ليشفعوا لنا عند الله سبحانه في قضاء حوائجنا، ونتوسّل بهم إلى الله تعالى ليكشف عنّا همومنا وغمومنا، ومستندنا في هذا الاعتقاد هو القرآن الحكيم إذ يقول( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (١) .
آل محمّدصلىاللهعليهوآله هم الوسيلة
نحن الشيعة نعتقد بأنّ الله عزّ وجلّ هو القاضي للحوائج، وأنّ آل محمّدصلىاللهعليهوآله لا يحلّون مشكلاً ولا يقضون حاجة لأحد إلّا بإذن الله و إرادته سبحانه، وهم( عِبَادٌ مُکْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (٢) فهم واسطة الفيض، والفيّاض هو الله ربّ العالمين.
____________________
١) سورة المائدة، الآية ٣٥.
٢) سورة الأنبياء، الآية ٣٦ و ٣٧.
الحافظ: بأيّ دليل تقولون أنّ المراد من الوسيلة في الآية الكريمة آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
قلت: لقد روي ذلك كبار علمائكم منهم: الحافظ أبو نعيم، في:«نزول القرآن في عليّ» والحافظ أبو بكر الشيرازي في «ما نزل من القرآن في عليّ» والإمام الثعلبي في تفسيره للآية الكريمة، وغير اُولئك رووا عن النبيّصلىاللهعليهوآله : أنّ المراد من الوسيلة في الآية الشريفة: عترة الرسول وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين.
ونقل ابن أبي الحديد المعتزلي - وهو من أشهر وأكبر علمائكم – في «شرح نهج البلاغة» تحت عنوان: ذكر ما ورد من السير والأخبار في أمر فدك، الفصل الأوّل، ذكر خطبة فاطمةعليهالسلام .
قالت: واحمدوا الله الذي لعظمته ونوره يبتغي من في السماوات والأرض إليه الوسيلة، ونحن وسيلته في خلقه(١) .
حديث الثقلين
ومن جملة الأحاديث المعتبرة، التي نستدلّ بها على التمسّك والتوسّل بآل محمّدصلىاللهعليهوآله ومتابعتهم: حديث الثقلين، وهو حديث صحيح أجمع عليه الفريقان، وقد بلغ حدّ التواتر.
قال النبيّصلىاللهعليهوآله : إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيت، ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، وهما لن يفترقا حتّى يردا علَيّ الحوض(٢) .
____________________
١) شرح نهج البلاغة: ١٦ / ٢١١، طبع دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٢) قبل صفحات نقلت بعض مصادر هذا الحديث الشريف، والشهير، من كتب العامة في الهامش، وقد وصلت فيه إلى ٦٦ مصدراً، فراجع. «المترجم»
الحافظ: أظنّ أنّكم قد أخطأتم حين قلتم: إنّ هذا الحديث صحيح ومتواتر! لأنّه غير معتبر ومجهول عند كبار علمائنا! فهذا شيخنا الكبير محمد بن إسماعيل البخاري، وهو إمام علماء الحديث عند أهل السُنّة والجماعة، لم يذكر حديث الثقلين في صحيحه الذي يعدّ عندنا بعد القرآن الكريم أصحّ الكتب!
قلت: إنّ عدم ذكر البخاري لحديث الثقلين لا يدلّ على ضعفه. فإنّ البخاري واحد، ولكنّ الّذين ذكروا هذا الحديث وعدوّه صحيحاً موثّقاً، هم عشرات العلماء والمحدّثين منكم، فهذا ابن حجر المكّي مع شدّة تعصّبه فإنّه يقول في كتابه الصواعق المحرقة، آخر الفصل، الباب الحادي عشر، الآية الرابعة: ص ٨٩ و ٩٠.
بعدما نقل أخباراً وأقوالاً حول حديث الثقلين يقول:
اعلم أنّ لحديث التمسّك بالثقلين طرقاً كثيرة وردت عن نيّف وعشرين صحابيّاً الى آخره(١) . وقد نقل الحديث عن الترمذي وأحمد بن حنبل الطبراني ومسلم إلى آخره.
حول البخاري وصحيحه
وأمّا قولكم أنّ حديث الثقلين غير صحيح، لأنّ البخاري لم ينقله في صحيحه!.
فإنّ هذا الاستدلال مردود عند العلماء والعقلاء.
فالبخاري إنْ لم ينقل هذا الحديث الشريف، فقد نقله عدد كبير من مشاهير علمائكم، منهم: مسلم بن الحجّاج الذي يساوي البخاري عند أهل السُنّة والجماعة، وقد نقله في صحيحه، وكذلك نقله سائر
____________________
١) الصواعق المحرقة، آخر الفصل، الباب الحادي عشر، الآية الرابعة: ص ٨٩ و ٩٠.
أصحاب الصحاح الستّة غير البخاري.
فإذا لم تعتمدوا إلّا على صحيح البخاري، فأعلنوا بأنّ صحيح البخاري وحده صحيح، وسائر الصحاح غير مقبولة لدينا لعدم صحّتها، وأنّ أهل السُنّة والجماعة مستندة إلى ما جاء في صحيح البخاري فحسب!
وإذا كنتم تعتقدون غير هذا، وتعتمدون على الصحاح الستّة فيجب أنتقبلوا الأخبار والروايات المنقولة فيها حتّى إذا لم ينقلها البخاري لسببٍ ما.
الحافظ: لم يكن أيّ سبب في عدم نقله لبعض الأخبار سوى أنّه كان كثير الاحتياط في النقل، وكان دقيقاً في الروايات، فالتي لم ينقلها البخاري إمّا لضعف في السند، أو لأنّ العقل يأبى من قبولها وصحّتها.
قلت : قديماً قالوا: حبّ الشيء يعمي ويصم!
وأنتم لشدّة حبكم للبخاري تغالون فيه وتقولون إنّه كان دقيقاً ومحتاطاً، وإنّ الأخبار التي رواها في صحيحه كلّها معتبرة وقويّة، وهي كالوحي المنزل! والحال أنّ في رواة صحيح البخاري أشخاصاً وضّاعين وكذّابين وهم مردودون وغير معتبرين عند كثير من العلماء والمحققين في علم الرجال.
الحافظ: إنّ كلامكم هذا مردود عند جميع العلماء، وإنّه إهانة لمقام العلم ومرتبة رجال الحديث وخاصة الإمام البخاري، وإنّه تحامل بغيض على كل أهل السنة والجماعة!
قلت: إنْ كنتم تحسبون الانتقاد العلمي تحاملاً بغيضاً وإهانة،
فكثيرمن كبار علمائكم، أهانوكم وأهانوا أهل مذهبهم، قبلنا!
لأنّ كثيراً من مشاهير علمائكم المحقّقين نقّحوا الصحاح، وخاصة صحيحي مسلم والبخاري ومسلم، وميّزوا بين السقيم والسليم، والغث والسمين، وأعلنوا أنّ رجال الصحاح وحتّى صحيحَي البخاري ومسلم، كثير منهم وضّاعين وجعّالين للحديث.
وأنا أنصحكم أن لا تعجلوا ولا تتسرعوا في إصدار الحكم علينا في ما نقوله عنكم، بل راجعوا كتب الجرح والتعديل التي كتبها علماؤكم المحقّقون وطالعوها بدقّة وتدبّر بعيداً عن التعصّب والمغالاة في شأن أصحاب الصحاح، سواءً البخاري وغيره، حتّى تعرفوا الحقائق.
راجعوا كتاب «اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» للعلّامة السيوطي، و «ميزان الاعتدال» و «تلخيص المستدرك» للعلّامة الذهبي، و «تذكرة الموضوعات» لابن الجوزي، و «تاريخ بغداد» لأبي بكر الخطيب البغدادي، وسائر الكتب التي كتبها علماؤكم في علم الرجال وتعريف الرواة.
راجعوا فيها أحوال: أبي هريرة الكذّاب، وعكرمة الخارجي، ومحمدبن عبدة السمرقندي، ومحمد بن بيان، وإبراهيم بن مهدي الابلي، وبنوس بن أحمد الواسطي، ومحمد بن خالد الحبلي، وأحمد «بن محمد اليماني»، وعبد الله بن واقد الحرّاني، وأبي داود سليمان بن عمرو، وعمران بن حطّان، غيرهم ممّن روي عنهم البخاري وأصحاب الصحاح، حتّى تعرفوا آراء علمائكم ومحقّقيكم في اُولئك، وهم نسبوهم إلى الوضع والكذب وجعل الأحاديث، فتنكشف لكم الحقائق، ولا تغالوا بعد ذلك في صحّة ما نقله البخاري
ومسلم وغيرهما من أصحاب الصحاح!
وأنت أيّها الحافظ! إنْ كنت تقرأ وتطالع هذه الكتب التي ذكرتها - وهي لعلمائكم - لَما قلت: إنّ البخاري ما نقل حديث الثقلين في صحيحه إلّا لاحتياطه في النقل.
هل العقل السليم يقبل أنّ عالماً محتاطاً، إماماً محقّقاً، ينقل روايات وأحاديث موضوعة من رواة كذّابين يأبى كلّ ذي عقل قبولها، بل يستهزىء بها كلّ عاقل ذي شعور وإيمان، كالروايات التي مرّت أنّ موسى ضرب عزرائيل على وجهه حتّى فقأ عينه فشكاه إلى ربه إلى آخره، أو أنّ الحجر أخذ ملابس موسى وهرب فلحقه موسى عرياناً وبنو إسرائيل ينظرون إلى نبيّهم وهو مكشوف العورة إلى آخره!!
ألم تكن هذه الخزعبلات والخرافات من الأخبار الموضوعة؟!
وهل في نظركم أنّ نقل هذه الموهمات في صحيحه كان من باب الاحتياط في النقل والتدقيق في الرواية؟!!
النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله في الصحيحين
نجد في صحيحَي البخاري ومسلم أخباراً تخالف الاحتياط والحميّة الإسلاميّة ويأباها كلّ مؤمن غيور!
منها: ما نقله البخاري في صحيحه ج ٢ ص ١٢٠، باب اللهو بالحراب، ونقله مسلم في صحيحه: ج ١ باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيّام العيد،عن أبي هريرة عن عائشة، قالت: وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب في المسجد، فإمّا سألت رسول الله، و إمّا قال تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه،
خدّي على خدّه، وهو يقول: دونكم يا بني أرفده، حتّى إذا مللت، قال: حسبك؟! قلت: نعم، قال: فاذهبي.
بالله عليكم أيّها الحاضرون! أنصفوا، هل يرضى أحدكم أن ينسب إليه هذه النسبة الفظيعة والعمل المخزي؟!
إذا قال قائل لجناب الحافظ: بأنّا سمعنا أنّك حملت زوجتك على ظهرك، وكان خدّها على خدّك وجئت في الملأ العام لتنظر إلى جماعة كانوا يلعبون، ثمّ كنت تقول لزوجتك: حسبك؟ وهي تقول لك: نعم، ثمّ إنّ زوجتك كانت تحدّث الرجال الأجانب بهذا الموضوع.
بالله عليكم أيّها الحاضرون! هل الحافظ يرضى بذلك؟! وهل غيرته تسمح لأحد أن يتكلّم بهذه الأراجيف؟!
وإذا سمعت هذا الخبر من إنسان ظاهر الصلاح، هل ينبغي لك أن تنقله للآخرين؟!
وإذا نقلته، ألا يعترض عليك الحافظ ويقول: بأنّ جاهلاً إذا حدّثك بخبرٍ كهذا، ولكن - أنت العاقل - لماذا تنقله بين الناس؟!
أليس العقلاء يؤيّدونه على اعتراضه عليك؟! فقايِسُوا هذا الموضوع مع الرواية التي مر ذكرها من صحيحي مسلم والبخاري، فإنْ كان الأخير كما تزعمون دقيقاً ومحتاطاً في النقل، وكان عارفاً وعالماً باُصول الحديث - على فرض أنّه سمع هكذا خبر - فهل ينبغي ويحقّ له أن ينقله في صحيحه، ويجعله خَبَراً صادقاً ومعتبراً؟!
والأعجب أنّ العامة، ومنهم جناب الحافظ، يعتقدون أنّ صحيح البخاري هو أصح الكتب بعد القرآن الحكيم!!
«احتياطات البخاري»
إنّ احتياطات البخاري لم تكن في محلّها، بل كانت خلافاً لاُصول الاحتياط، كما ذكرنا سابقاً بعض الروايات التي نقلها في صحيحه.
إنّ العقل والإيمان يحتّمان ويؤكّدان على عدم نقلها، فكان من الاحتياط بل الواجب أن لا يذكرها.
ولكنّه كان يحتاطُ فلا ينقلُ الأخبار التي تتضمّن ولاية عليّ بن أبي طالبعليهالسلام أو تبيّن فضائله ومناقبه ومناقب أبناءه الميامين، عترة النبي الصادق الأمينصلىاللهعليهوآله !!
نعم، كان يحتاط! بل يمتنع في نقل تلك الروايات حتّى لا يستدلّ بها العلماء المنصفون على إمامة عليّعليهالسلام وأحقّيّته بالخلافة، فلو قايسنا صحيح البخاري مع غيره من الصحاح الستّة لعرفنا هذا الموضوع بوضوح، فإنّه لم ينقل خبراً ربّما يُستفاد منه في خلافة عليّ بن أبي طالب وإمامته، ولو كان الخبر مؤيَّداً بالقرآن ومتواتراً ومنقولاً في سائر الصحاح و مجاميع أهل الحديث، وحتى لو كان مجمَعاً على صحّته كخبر الغدير، ونزول الآية الشريفة:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْکَ مِنْ رَبِّکَ ) (١) .
وكخبر التصدّق بالخاتم، ونزول الآية الكريمة:( إِنَّمَا وَلِيُّکُمُ الله وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّکَاةَ وَ هُمْ رَاکِعُونَ ) (٢) .
____________________
١) المائدة، الآية ٦٧.
٢) سورة المائدة، الآية ٥٥.
وخبر الإنذار، ونزول الآية الكريمة:( وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَکَ الْأَقْرَبِينَ ) (١) .
وخبر المؤاخاة، وحديث السفينة، وحديث باب حطّة، وغيرها من الأحاديث التي تثبت بها ولاية أبي الحسن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وإطاعة أهل البيتعليهالسلام ، فإنّ البخاري احتاط في نقل هذه الأخبار المجمَع عليها ولم يذكرها في صحيحه!!!
بعض مصادر حديث الثقلين
والآن لابُدّ لي أن أذكر لكم بعض كتبكم المعتبرة عنكم، التي ذكرت ورَوَت حديث الثقلين عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، حتّى تعرفوا أنّ البخاري لم ينقل هذا الحديث الشريف من باب الاحتياط، لأنّ كبار علمائكم ومشاهيرهم نقلوا هذا الحديث، منهم: مسلم بن الحجّاج، الذي لا يقلّ صحيحه عن صحيح البخاري في الاعتبار والوثوق عند أهل السُنّة والجماعة:
١- صحيح مسلم: ٧/١٢٢.
٢- الترمذي: ٢/٣٠٧.
٣- النسائي / خصائص: ٣٠.
٤- أحمد بن حنبل في مسنده: ٣/١٤ و ١٧ وج ٤/٢٦ و ٥٩ وج ٥/١٨٢ و١٨٩، وغيرهم(٢) رووا بطرقهم وبإسنادهم عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال: إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن
____________________
١) سورة الشعراء، الآية ٢١٤.
٢) قبل صفحات ذكرت بعض مصادر هذا الحديث الشريف من كتب العامة في الهامش، وقد وصلت فيه إلى ٦٦ مصدرا فراجع. «المترجم»
يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض، من تمسّك بهما فقد نجا، ومن تخلّف عنهما فقد هلك. وفي بعضها: ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً.
فبهذا المستند الحكيم والدليل القويم لابُدّ لنا أن نتمسّك بالقرآن الكريم وبأهل البيتعليهمالسلام .
الشيخ عبد السّلام: إنّ صالح بن موسى بن عبدالله بن إسحاق بن طلحة بن عبدالله القرشي التيمي الطلحي روى بسنده عن أبي هريرة أنّ النبيّ قال: إنّي قد خلّفت فيكم ثنتين: كتاب الله وسُنتّي إلى آخره.
قلت: أيؤخذ بخبر فرد طالح ضعيف مردود عند أصحاب الجرح والتعديل والّذين كتبوا في أحوال الرجال والرواة، مثل الذهبي ويحيى والإمام النسائي والبخاري وابن عديّ، وغيرهم، الّذين ردّوه ولم يعتمدوا رواياته، أيؤخذ بقول هذا ويترك قولهذا الجمع الغفير والجمهور الكثير من علمائكم المشاهير؟! وهم رووا بإسنادهم كما مرّ أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال: كتاب الله وعترتي، ولم يقل: «وسُنّتي».
هذا من باب النقل.
وأمّا العقل: فلأنّ السُنّة النبوية والمرويّة عنهصلىاللهعليهوآله أيضاً بحاجة إلى من يبيّنها ويفسّرها كالكتاب الحكيم، فلذا قالصلىاللهعليهوآله : وعترتي لأنّ العترة هم الّذين يبيّنون للاُمّة ما تشابه من الكتاب، ويوضّحون الحديث والسُنّة الشريفة، لأنهّم أهل بيت الوحي، أهل بيت النبوّة، وأهل البيت أدرى بما في البيت.
حديث السفينة
وإنّ من دلائلنا المحكمة في التوسّل بأهل البيتعليهمالسلام الحديث النبوي الشريف: «مَثَلُ أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك» وهو حديث معتبر صحيح متّفق ومجمع عليه، وكما يخطر الآن ببالي، أنّ أكثر من مائة من كبار علمائكم ومحدّثيكم، أثبتوا هذا الحديث في كتبهم منهم:
١ - مسلم بن الحجّاج في صحيحه(١) .
٢ - أحمد بن حنبل في مسنده: ٣/١٤ و١٧ و٢٦.
٣ - الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء: ٤/٣٠٦.
٤ - ابن عبد البرّ في الاستيعاب.
٥ - الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ١٢/٩١.
٦ - محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول: ٢٠.
٧ - ابن الأثير الجزري في: النهاية: مادّة (زخ).
٨ - سبط ابن الجوزي في تذكرة خواصّ الاُمّة: ٣٢٣.
٩ - ابن الصّباغ المالكي في الفصول المهمّة: ٨.
١٠ - السمهودي في تاريخ المدينة.
١١ - السيّد مؤمن الشبلنجي في نور الأبصار: ١٠٥.
١٢ - الإمام الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب، في آية المودّة.
السيوطي في الدرّ المنثور، في تفسير:( وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هٰذِهِ
____________________
١) لم أر هذا الحديث فيه. «المترجم»
الْقَرْيَةَ فَکُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ ) (١) .
١٤ - الثعلبي في تفسيره كشف البيان.
١٥ - الطبراني في الأوسط.
١٦ - الحاكم في المستدرك: ٣/١٥٠ وج ٢/٣٤٣.
١٧ - سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودّة / الباب الرابع والسادس والخمسون.
١٨ - الهمداني في مودّة القربى / المودّة الثانية والثانية عشرة.
١٩ - ابن حجر في الصواعق المحرقة: ٢٣٤.
٢٠ - الطبري في تفسيره وتاريخه.
٢١ - الكنجي الشافعي في كفاية الطالب، باب ١٠٠(٢) .
____________________
١) سورة البقرة، الآية ٥٨.
٢) وإنْ كان في ما ذكرهُ السيّد المؤلّف ( قدّس سرّه) كفاية في الوصول إلى الغاية، ولكن زيادة المصادر تزيد في اعتبار الحديث والرواية.
لذلك أذكر للقارئ الكريم بعض مصادر العامّة التي وصلتُ إليها في الحديث من باب الدراية غير ما ذكره المؤلّف:
١ - فرائد السمطين: ٢/٢٤٢.
٢ - مشكاة المصابيح: ٥٢٣.
٣ - المعجم الصغير: ١/ ١٣٩.
٤ - ثمار القلوب: ٢٩.
٥ - الإنباء على قبائل الرواة:٦٧.
٦ - مناقب ابن المغازلي: ١٣٢.
٧ - ذخائر العقبى:٢٠.
٨ - نظم درر السمطين: ٢٣٥.
٩ - الفواتح للميبدي: ١١٣. =
. . . . .
____________________
= ١٠ - أساس الاقتباس / في الكلمة الرابعة.
١١ - الخصائص الكبرى: ٢/ ٢٦٦.
١٢ - تاريخ الخلفاء: ٢٦ و٥٧٣.
١٣ - كنز العمّال: ١٣ / ٨ و٨٥.
١٤ - المرقاة في شرح المشكاة: ٥/ ٦١٠.
١٥ - اللمعات في شرح المشكاة: ٢/٧٠٠.
١٦ - المشرع الروي: ١٢.
١٧ - جمع الفوائد: ٢/ ٢٣٦.
١٨ - وسيلة المتعبّدين في متابعة سيّد المرسلين:٢/٢٣٤.
١٩ - غرائب القرآن - لنظام الدين النيسابوري - ٢٥/٢٨ عند آية المودّة.
٢٠ - معجم الزوائد ومنبع الفوائد: ٩/ ١٦٨.
٢١ - نزهة المجالس ومنتخب النفائس: ٢/ ٢٢٢.
٢٢ - الرسالة العليّة في الأحاديث النبوية ٣٣/ ٣٧١.
٢٣ - الجامع الصغير، شرح المنّاوي: ٢/ ٥١٩ و ٥/ ٥١٧.
٢٤ - إحياء الميّت بفضل أهل البيت، النسخة الصغرى، حديث: ٢٠ و٢١ و٢٢.
٢٥ - كنوز الحقائق هامش الجامع الصغير:٢ ص ٨٩.
٢٦ - السراج المنير في شرح الجامع الصغير:٢ ص ١٨ و٣ ص ٢٩٩.
٢٧ - الصراط السوي في مناقب آل النبي / باب أهل البيت أمان للاُمّة وأنّهم سفينة نوح.
٢٨ - نزل الأبرار بما صحّ في مناقب أهل البيت الأطهار:٦.
٢٩ - قرّة العينين - لولي الله الدهلوي -: ١٢٠.
٣٠ - حاشية الجامع الصغير، لمحمد بن سالم الحنفي: ٢/١٩.
٣١ - إسعاف الراغبين - المطبوع بهامش نور الأبصار -: ١٢٣.
٣٢ - وسيلة النجاة في مناقب السادات / في بابه.
٣٣ - الحقّ المبين في فضائل أهل بيت سيّد المرسلين / في بابه.
٣٤ - مشارق الأنوار في فوز أهل الإعتبار: ٨٦. =
وذكر غير هؤلاء من أعاظم علمائكم بأسانيدهم وطرقهم أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال: مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك، أو: غرق، أو: هوى، والعبارات شتّى، ولعلّ النبيصلىاللهعليهوآله قاله كراراً وبعبارات شتّى.
وقد أشار الإمام محمد بن إدريس الشافعي إلى صحّة هذا الحديث الشريف في أبيات له نقلها العلّامة العجيلي في «ذخيرة المآل»:
ولمـّا رأيت الناس قد ذهبت بهم |
مذاهبُهم في أبحر الغيّ والجهْلِ |
____________________
= ٣٥ - الفتح المبين / في فصل ذكر فضائل أهل البيت.
٣٦ - الفتح الكبير في ضمّ الزيادة إلى الجامع الصغير: ١/ ٤١٤.
٣٧ - السيف اليماني المسلول في عنق من يطعن في أصحاب الرسول: ٩.
٣٨ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: ٤/ ٧٥.
٣٩ - شفاء الغليل: ٢٢٠ و٢٥٣.
٤٠ - أرجح المطالب: ٣٢٩.
٤١ - روح المعاني - للآلوسي - ٢٥/ ٣٠.
٤٢ - راموز الاحاديث: ٣٩١.
٤٣ - رشفة الصادي: ٧٩.
٤٤ - مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الاخبار / مادّة (زخ).
٤٥ - تاج العروس في اللغة / مادّة (زخ).
٤٦ - لسان العرب / مادّة (زخ).
ذَكَرَ هؤلاء الثلاثة - من أصحاب كتب اللغة العربية - عبارة ابن الأثير الجزري في كتابه «النهاية في غريب الحديث» قال في مادّة (زخ) وفيه: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من تخلّف عنها زُخّ به في النار. أي دُفع ورُمي.
وفي ما ذكرناه من المصادر كفاية لمن أراد الحقّ والهداية. «المترجم»
ركبتُ على اسم الله في سفن النجا |
وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسلِ |
|
وأمسكتُ حبل الله وهو ولاؤهم |
كما قد اُمرنا بالتمسّك بالحبلِ |
|
إذا افترقت في الدين سبعون فرقة |
ونيّفاً على ما جاء في واضح النقلِ |
|
ولم يك ناجٍ منهم غير فرقة |
فقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقلِ |
|
أفي الفرقة الهلاك آل محمّد |
أم الفرقة اللاتي نجت منهم قل لي |
|
فإنْ قلتَ في الناجين فالقول واحد |
وإنْ قلتَ في الهلاك حفت عن العدلِ |
|
إذا كان مولى القوم منهم فإنّني |
رضيت بهم لا زال في ظلّهم ظلّي |
|
رضيت عليّاً لي إماماً ونسله |
وأنتَ من الباقين في أوسع الحلِّ |
فلا يخفى على من أمعن ونظر في هذه الأبيات لعرف تصريح الشافعي وهو إمام أهل السُنّة والجماعة، بأنّ آل محمّدصلىاللهعليهوآله ومن تمسّك بهم هم الفرقة الناجية وغيرهم هالكون، وفي وادي الضلالة تائهون!!
فحسب أمر النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآله وهو كما قال الله الحكيم:( وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إلّا وَحْيٌ يُوحَى ) (١) .
____________________
١) سورة النجم، الآية ٣ و٤
الشيعة يتمسّكون بآل محمّد الأطهار وعترته الأبرار، ويتوسّلون بهم إلى الله سبحانه، هذا من جانب.
ومن جانب آخر فقد خطر الآن ببالي، بأنّ الناس إذا كانوا لا يحتاجون إلى وسيلة للتقرّب إلى ربّهم عزّ وجلّ والاستعانة به، وإنه مَنْ توسّل بأحدٍ إلى الله تعالى فقد أشرك.
فلماذا كان عمر بن الخطّاب - وهو الفاروق عندكم - يتوسّل ببعض الناس إلى الله سبحانه في حالات الشدّة والاضطرار؟!
الحافظ: حاشا الفاروق عمر رضي الله عنه من هذا العمل، إنّه غير ممكن!! وإنّي لأوّل مرّة أسمع هذه الفرية على الخليفة! فلا بُدّ أن تبيّنوا لنا مصدر هذا القول حتّى نعرف صحّته وسقمه.
قلت: كما ورد في كتبكم المعتبرة: أنّ الفاروق كان في الشدائد يتوسّل إلى الله سبحانه بأهل بيت النبيّ وعترته الطاهرة، وقد تكرّر منه هذا العمل في أيّام خلافته عدّة مرّات، ولكنّي اُشير إلى اثنين منها حسب اقتضاء المجلس:
١- نقل ابن حجر في كتابه الصواعق بعد الآية: ١٤، في المقصد الخامس، أواسط الصفحة: ١٠٦، قال:
وأخرج البخاري أنّ عمر بن الخطّاب كان إذا قحطوا استسقى بالعبّاس وقال: اللهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا محمّدصلىاللهعليهوآله إذا قحطنا فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا، فَيُسْقَوْن.
قال ابن حجر: وفي تاريخ دمشق: إنّ الناس كرّروا الاستسقاء عام الرمادة سنة سبع عشرة من الهجرة فلم يسقوا. فقال عمر: لأسْتَسقينَّ غداً بمن يسقيني الله به، فلمّا أصبح غَدَا للعبّاس فدقّ عليه
الباب، فقال: من؟ قال: عمر قال: ما حاجتك؟ قال: اُخرج حتّى نستسقي الله بك. قال: اجلس.
فأرسل إلى بني هاشم أن تطهّروا وألبسوا من صالح ثيابكم، فأتوه، فأخرج طيباً فطيّبهم، ثمّ خرج وعليٌّعليهالسلام أمامه بين يديه والحسن عن يمينه والحسين عن يساره وبنو هاشم خلف ظهره.
فقال: يا عمر! لا تخلط بنا غيرنا. ثمّ أتى المصلّى فوقف، فحمد الله وأثنى عليه. وقال: اللهمّ إنّك خلقتنا ولم تؤامرنا، وعملت ما نحن عاملون قبل أن تخلقنا، فلم يمنعك علمك فينا عن رزقنا، اللهمّ فكما تفضّلت في أوّله، تفضّل علينا في آخره.
قال جابر: فما برحنا حتّى سحّت السماء علينا سحّاً، فما وصلنا إلى منازلنا إلّا خوضاً.
فقال العبّاس: أنا المسقى ابن المسقى ابن المسقى ابن المسقى ابن المسقى ابن المسقى. خمس مرّات، أشار إلى أنّ أباه عبد المطّلب استسقى خمس مرّات فسُقي(١) .
____________________
١- أرى من المناسب أن أنقل للقارئ الكريم بقيّة ما نقله السيد المؤلّف (رحمه الله) من كتاب الصواعق المحرقة، ص ١٠٦، لأنّي وجدت في عباراته ما يخصّ البحث في توضيح الموضوع فلا يبقى ريب وشكّ فيه، فقد جاءت فيها كلمات: الوسيلة، التقرّب، الشفاعة، التوجّه.. وإليك نصّه:
وأخرج الحاكم: أنّ عمر لمـّا استسقى بالعبّاس خطب فقال: يا أيّها الناس! إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يرى للعبّاس ما يرى الولد لوالده، يعظّمه ويفخّمه ويبرّ قسمه، فاقتدوا أيّها الناس برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في عمّه العبّاس فاتّخذوه وسيلة إلى الله عزّ وجلّ فيما نزل بكم.
وأخرج بن عبد البرّ من وجوهٍ، عن عمر، أنّه استسقى به. قال: اللهمّ إنّا نتقرّب =
٢- في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد(١) قال:
وروى عبد الله بن مسعود: إنّ عمر بن الخطّاب خرج يستسقي بالعبّاس، فقال: اللهمّ إنّا نتقرّب إليك بعمّ نبيّك وقفيَّةِ آبائه وكبر رجاله، فإنّك قلت وقولك الحقّ:( وَ أَمَّا الْجِدَارُ فَکَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ) (٢) فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ اللهمّ نبيّكَ في عمّه، فقد دنونا به إليك مستشفعين ومستغفرين.
ثمّ أقبَلَ على الناس فقال:( اسْتَغْفِرُوا رَبَّکُمْ إِنَّهُ کَانَ غَفَّاراً ) (٣) إلى آخره.
انتهى نقل ابن أبي الحديد.
فهذا عمل الخليفة، يتوسّل ويتقرّب بعمّ النبيصلىاللهعليهوآله إلى الله
____________________
= إليك بعمّ نبيّك ونستشفع به، فاحفظ فيه نبيّك كما حفظت الغلامين بصلاح أبيهما، وأتيناك مستغفرين ومستشفعين ...الخبر.
وفي رواية لابن قتيبة: اللهمّ إنّا نتقرّب إليك بعمّ نبيّك وبقيّة آبائه وكبرة رجاله، فإنّك تقول وقولك الحقّ:( وَ أَمَّا الْجِدَارُ فَکَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَ کَانَ تَحْتَهُ کَنْزٌ لَهُمَا وَ کَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ) فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ اللهمّ نبيّك في عمّه، فقد دنونا به إليك مستشفعين.
وأخرج ابن سعد: إنّ كعباً قال لعمر: إنّ بني إسرائيل كانوا إذا أصابتهم سنة استسقوا بعصبة نبيّهم، فقال عمر: هذا العبّاس انطلقوا بنا إليه، فأتاه، فقال: يا أبا فضل! ما ترى للناس فيه؟ وأخذ بيده وأجلسه معه على المنبر وقال: اللهمّ إنّا قد توجّهنا إليك بعمّ نبيّك، ثمّ دعا العبّاس. «المترجم».
١) شرح نهج البلاغة: ٧/ ٢٧٤ ط. دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٢) سورة الكهف، الآية ٨٢.
٣) سورة نوح، الآية ١٠.
سبحانه، وما اعترض عليه أحد من الصحابة، ولا يعترض اليوم أحد منكم على عمله، بل تحسبون أعماله حجّة فتقتدون به، ولكنّكم تعارضون الشيعة لتوسّلهم بآل محمّدصلىاللهعليهوآله وعترته، وتنسبون عملهم إلى الكفر والشرك والعياذ بالله!!
فإذا كان التوسّل بآل محمّدصلىاللهعليهوآله والاستشفاع بعترته الهادية عند الله عزّ وجلّ شركٌ، فحسب رواياتكم فإنّ الخليفة الفاروق يكون مشركاً كافراً، وإذا تدفعون عنه الشرك والكفر، ولا تقبلون نسبته إليه، بل تصحّحون عمله وتدعون المسلمين إلى الاقتداء به، فعمل الشيعة وتوسّلهم بآل محمّدصلىاللهعليهوآله أيضاً ليس بشرك، بل حسن صحيح.
وعلى هذا يجب أن تستغفروا ربّكم من هذه الافتراءات والاتّهامات التي تنسبونها لشيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآله وتكفّرونهم وتقولون إنّهم مشركون.
ويجب عليكم أن تنبّهوا جميع أتباعكم وعوامكم الجاهلين على أنّكم مخطئين في اعتقادكم بالنسبة للشيعة، فهم ليسوا بمشركين، بل هم مؤمنون وموحّدون حقّاً.
أيّها الحاضرون الكرام والعلماء الأعلام! إذا كان عمر الفاروق مع شأنه ومقامه الذي تعتقدون به له عند الله سبحانه، وأهل المدينة، مع وجود الصحابة الكرام فيهم، دعاؤهم لا يستجاب إلّا أن يتوسّلوا بآل محمّدصلىاللهعليهوآله ويجعلوهم الواسطة والوسيلة بينهم وبين الله عزّ وجلّ حتّى يجيب دعوتهم ويسقيهم من رحمته، فكيف بنا؟! وهل يجيب الله سبحانه دعوتنا من غير واسطة وبلا وسيلة؟!
فآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وعترته في كلّ زمان هم وسائل التقرّب إلى الله تعالى، وبهم - أي : بسببهم وبشفاعتهم ودعائهم - يرحم الله عباده.
فهم ليسوا مستقلّين في قضاء الحوائج وكفاية المهامّ، وإنّما الله سبحانه هو القاضي للحاجات والكافي للمهمّات، وآل محمّدصلىاللهعليهوآله عباد صالحون وأئمّة مقرّبون، لهم جاه عظيم عند ربّهم، وهم شفعاء وجهاء عند الله عزّ وجلّ، منحهم مقام الشفاعة بفضله وكرمه، فقد قال سبحانه:( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإِذْنِهِ ) (١) .
هذا هو اعتقادنا في النبيّ وعترته الهادية وآله المنتجبين الطيّبين الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولن تجدوا في كتبنا الاعتقادية والكتب الجامعة للزيارات والأدعية المأثورة عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام أكثر ممّا ذكرت لكم.
الحافظ: إنّ ما بيّنتموه عن اعتقادكم بأهل البيت، رضي الله عنهم، مخالف لِما سمعناه من الآخرين وقرأناه بخصوصكم في كتب علمائنا المحقّقين.
قلت: دَعُوا و اتركوا ما سمعتموه أو قرأتموه عنّا، واعتمدوا على ما تشاهدوه منّا وتقرأوه في كتبنا. فهل طالعتم وتدبّرتم في كتب علمائنا الأعلام الجامعة للزيارات والأدعية المرويّة عن أئمّتنا، أئمّة أهل البيت والعترة الهاديةعليهمالسلام ؟!
الحافظ: ما وصلت يدي حتّى الآن إلى كتبكم.
قلت: إنّ العقل يقضي أن تقرأ كتبنا أوّلاً، فإذا وجدت فيها
____________________
١) سورة البقرة، الآية ٢٥٥.
إشكالاً ممّا كنت تسمعه عنّا، فحينئذٍ أشكِل علينا، وأنا الآن معي كتابين، أحدهما: كتاب « زاد المعاد » تأليف العلّامة المجلسي (قدّس سرّه)، والآخر: « هديّة الزائرين » تأليف الفاضل المعاصر، والمحدّث المتبحّر، الحاج الشيخ عبّاس القميّ دامت بركاته، فاُقدّم لكم هذين الكتابين الجليلين لتقرأوها وتتدبّروا في عباراتها، لتعرفوا حقيقة الأمر.
فأخذوا يتصفّحون الكتابين وينظرون في الكلمات والجُمَل بدقّة، وإذا بالسيّد عبد الحيّ قد وصل إلى دعاء التوسّل، فكأنّه وصل إلى بغيته ومقصده، فأشار إلى الحاضرين بالسكوت فسكتوا، ثمّ بدأ بقراءة دعاء التوسّل كلمة كلمة، والحاضرين منصتون يستمعون، وكان بعضهم يعرف العربية ويدرك معاني الكلمات والجمل، فكانوا يهزّون رؤوسهم ويبدون أسفهم لابتعادهم عن مذهب أهل البيتعليهمالسلام ، فيقول بعضهم لبعض: كيف قلّبوا الاُمور ونحن غافلون، والتبس علينا الحقّ ونحن جاهلون؟!
فلمّا انتهى السيّد عبد الحيّ من قراءة الدعاء، قلت: أيّها الإخوة! بالله عليكم انصفوا!!!
في أيّه كلمة أو عبارة من هذا الدعاء شممتم رائحة الشرك أو الغلوّ، أيّها العلماء أجيبوني؟!
فإنْ لم يكن فيه شيء من الشرك والغلوّ، فلماذا تقذفون الشيعة المؤمنين بالشرك؟!
لماذا تزرعون بذر العداء والبغضاء بين المسلمين الّذين جعل الله سبحانه بينهم المودّة والإخاء؟!
لماذا( تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَ تَکْتُمُونَ الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (١) ؟!
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ٧١.
لماذا تضلّون أتباعكم الغافلين الجاهلين فتشحنون قلوبهم ضدّ الشيعة المؤمنين، فينظرون إليهم شزراً على أنّهم مشركون؟!
وكم من جهّالكم المتعصّبين تأثّروا بكلام علمائهم - أنتم وأمثالكم - فأباحوا دماء الشيعة وأموالهم، فقتلوهم ونهبوهم( ..وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) (١) ، ويظنّون أنّ الجنّة وجبت لهم بذلك العمل الشنيع!!
ولا شكّ أنّ وزر هذه الجنايات والفجائع هي في ذمّتكم أيضاً، وأنتم العلماء مسؤولون عنها وتحاسبون عليها أكثر من الجاهلين!
هل سمعتم إلى الآن، أنّ شيعياً التقى بأحد أهل السُنّة فقتله قربة إلى الله؟!
لا، ولن يقدم شيعي حتّى العامّي منهم على مثلها أبداً، لأنّ علماءنا ومبلّغينا دائماً يعلنون في أتباعهم، أنّ أهل السُنّة والجماعة هم إخواننا في الدين فلا يجوز أذاهم. فكيف بقتلهم ونهب أموالهم؟!
نعم نبيّن لأتباعنا، الاختلافات المذهبية بيننا وبينكم، ولكن نقول لهم أيضاً: بأنّها رغم خلافنا مع العامة في بعض المسائل، فهم إخواننا في الدين، فلا يجوز لنا أن نعاديهم ونبغضهم.
أمّا علماء السُنّة مع كلّ الاختلافات النظرية والاجتهادية الموجودة بين أئمّة المذاهب الأربعة في الاُصول والفروع،يحسبون أتباع الأئمّة الأربعةأصحاب دين واحد، وهم أحرار في اختيار أيّ مذهب شاؤا من المذاهب الأربعة.
ولكن كثيراً من اُولئك العلماء - ومع الأسف - يحسبون شيعة المرتضى وأتباع العترة الهاديةعليهمالسلام مشركين وكفّاراً.. بحيث يحلّ
____________________
١) سورة الكهف، الآية ١٠٤.
سفك دمائهم ونهب أموالهم، فليس لهم حرّيّة العقيدة واختيار المذهب في البلاد السُنّية، حتّى أنّهم يضطّرون لأن يعيشوا بينكم في خوف وتقيّة مخافة أن يقتلوا بيد جهّالكم الغافلين أو عتاتكم المعاندين!!
فكم من عالم ورع وفقيه متّقي قُتل شهيداً بفتوى بعض علمائكم، كما أنّ كثيراً من علمائكم يصرّحون بلعن الشيعة في كتبهم.
ولكن لا يوجد شيعي واحد، حتّى من العوام الجاهلين، يُحِلُّ سفك دم سُنّي أو يجوّز لعنه لأنّه سُنّي.
الحافظ: إنّك تريد إثارة العواطف والإحساسات بهذا الكلام، فأيّ عالم من الشيعة قتل بفتوى علمائنا؟!
وأيّ عالم منّا يلعن الشيعة؟!
قلت: لا اُريد أن اُبيّن هذا الموضوع بالتفصيل لأنّه يحتاج إلى وقت طويل فيستغرق منّا ساعات عديدة ومجالس مديدة، ولكن أنقل لكم قليلاً من كثير ممّا سجّله التاريخ، ليتّضح لكم الأمر وتعرفوا ما جهلتموه!
فلو تصفّحتم كتب بعض علمائكم الكبار الّذين اشتهروا بالتعصّب ضدّ الشيعة الأخيار لوجدتم تصريحاتهم بلعن الشيعة المؤمنين بالإصرار والتكرار!
منهم: الإمام الفخر الرازي في تفسيره المشهور، فكأنّه كان مترصّداً ليجد مجالاً حتّى يصبّ جام غضبه ولعنه على شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآله ، فنجده عند آية الولاية(١) وآية إكمال الدين(٢) وغيرهما
____________________
١)( إِنَّمَا وَلِيُّکُمُ الله وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) سورة المائدة، الآية ٥٥.
٢)( الْيَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِينَکُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْکُمْ نِعْمَتِي ) سورة المائدة، الآية ٣.
يكرّر هذه الكلمات.. وأمّا الروافض لعنهم الله.. هؤلاء الروافض لعنهم الله.. أما قول الروافض لعنهم الله.. إلى آخره.
وأمّا إفتاء بعض علمائكم بقتل علمائنا الأعلام فكثير، منها:
قتل الشهيد الأوّل
من جملة الفجائع التي حدثت على مفاخر العلم وأهل التقوى وشيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآله بفتوى غريبة من قاضيَيْن كبيرين من قضاة الشام، وهما: برهان الدين المالكي وعباد بن جماعة الشافعي.
وقد أصدرا حكم قتل أفقه علماء الإسلام في عصره وهو: العالم العامل، والتقي الفاضل، والزاهد الورع، أبو عبدالله محمد بن جمال الدين المكّي العاملي (رضوان الله تعالى عليه)، ومن سعة اطّلاعه في المسائل الفقهية أنّه صنَّفَ وألّف كتاب اللمعة الدمشقية في السجن في اُسبوع واحد، وليس عنده أي كتاب فقهي سوى كتاب: «المختصر النافع».
وكتاب «اللمعة» يُدَرَّس في الحوزات العلمية حتّى اليوم لاحتوائه على أكثر الفروع والمباني الفقهية. وكان الشيخ الشهيد (قدّس سرّه) مرجعاً لعلماء المذاهب الأربعة في حلّ المعضلات العلمية وكشف الأحكام الدينية، وكان يعيش في تقيّة، أي يخفي مذهبه من الحكومة ومن عامة الناس، ومع ذلك عرفوا منه التشيّع فشهد عليه نفرٌ عند الحاكم، فحوّله الحاكم إلى القاضي فزجّه القاضي في السجن حسداً و حقداً.
فبقي سنة كاملة سجيناً في قلعة الشام يعاني من التجويع
والتعذيب، وبعدها حكم برهان الدين المالكي وابن جماعة الشافعي بإعدامه، فقتلوه أوّلاً بالسيف ثمّ صلبوه، و لم يكتفوا بهذا المقدار من إظهار الحقد الدفين، فحرّكوا الهمج الرعاع العوامّ كالأنعام، فرجموا جسد ذلك العالم الفقيه بالحجارة، وأعلنوا أنّهم فعلوا كلّ ما فعلوه بذلك الفقيه الفاضل والعالم العامل، لأنّه رافضي مشرك!!
وعلى هذا الجرم الذي ليس مثله جرم في الإسلام!!
أمروا بحرق جسده الشريف، وذرّوا رماده في الفضاء.
وكان ذلك في التاسع أو التاسع عشر من جمادى الأولى عام ٧٨٦ من الهجرة النبوية الشريفة، في عهد الملك برقوق وحاكمه يومذاك على الشام: بيد مرو.
قتل الشهيد الثاني
ومن جملة الفجائع الشنيعة ضدّ مذهب الشيعة، والتي حدثت بسبب فتوى بعض علمائكم، قتل العالم الفقيه، والتقي النبيه، العالم الرّباني، المعروف بالشهيد الثاني، الشيخ زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد العاملي (قدّس الله نفسه الزكية).
وكان هو أشهر العلماء وأعظمهم في بلاد الشام، وكان يعيش في عزلة من الناس، دائباً على التأليف والتصنيف، يقضي أوقاته في تحقيق المسائل واستنباط الأحكام وتدوينها، وقد صنّف أكثر من مائتي مؤلّف في مختلف العلوم.
فحسده علماء عصره لتوجّه الناس إليه وتعظيمهم له، فبعث قاضي صيدا واسمه الشيخ معروف، كتاباً إلى السلطان سليم العثماني
جاء فيه : قد وجد في بلاد الشام رجل مبدع خارج عن المذاهب الأربعة.
فأمر السلطان بإرسال الشيخ زين الدين إلى إسلامبول ليحاكموه، وكان الشيخ آنذاك في الحجّ فلم ينتظروا رجوعه، بل أرسلوا له جماعة فقبضوا عليه في المسجد الحرام، وقد قال تعالى:( وَ مَنْ دَخَلَهُ کَانَ آمِناً ) (١) فسجنوه أربعين يوماً في مكّة ثمّ بعثوه عن طريق البحر إلى إسلامبول عاصمة الخلافة.
ولمـّا وصل إليها ونزل الساحل، ضربوا عنقه وقطعوا رأسه قبل أن يحاكموه، ورموا بجثته في البحر وبعثوا برأسه الى السلطان!!
فيا أيّها الحاضرون الكرام ! بالله عليكم أنصفوا!!
هل قرأتم أو سمعتم أنّ أحد علماء الشيعة عامل واحداً من علماء السُنّة أو عوامّها بهذا الشكل، وقد كانوا متمكّنين ومقتدرين في ظلّ ملوك الشيعة وحكوماتها التي حكمت على كثير من بلاد السنة؟!
بالله عليكم! هل إنّ عدم الانتماء إلى المذاهب الأربعة ذنب يستوجب القتل؟! ليت شعري ما هو دليلهم؟!
هل إنّ المذاهب الأربعة التي وُجِدَت بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعشرات السنين هي التي يجب الانتماء إليها والتمسّك بها والعمل على طبقها؟! ولكنّ المذهب الذي كان على عهد النبي الكريمصلىاللهعليهوآله وكان مَرضيّاً عنده، لا يجوز التمسك به؟! وإنّ المتمسّك به يجب قتله!!
وإذا كان كذلك، فبرأي من كان المسلمون يأخذون ويعملون في الفترة الواقعة بعد النبيصلىاللهعليهوآله وقبل ميلاد الأئمّة الأربعة وانتشار آرائهم؟!
أم تقولون إنّ الأئمّة الأربعة كانوا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ٩٧.
وأخذوا منه بلا واسطة؟!
الحافظ: لم يدّع أحد بأنّ الأئمّة الأربعة أو أحدهم أدرك النبيصلىاللهعليهوآله وتشرّف بصحبته أو سمع حديثه.
قلت: وهل ينكر أحدٌ صحبة الإمام عليعليهالسلام لرسول اللهصلىاللهعليهوآله واستماع حديثه الشريف، حتى أصبح باب علم الرسولصلىاللهعليهوآله ؟!
الحافظ: لا ينكر أحد ذلك، بل كان عليٌّ (رضي الله عنه)، من كبار الصحابة، وفي بعض الجهات كان أفضلهم.
قلت: على هذه القاعدة لو اعتقدنا بأنّ متابعة الإمام عليعليهالسلام والأخذ منه في المسائل الفقهية واجب لمـّا قاله النبيصلىاللهعليهوآله في حقّه: ان من أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، وهو باب علمي، ومن أراد أن يأخذ من علمي فليأت الباب.
فهل هذا الاعتقاد كفر؟! أم الذي خالف النبيصلىاللهعليهوآله فقد كفر؟! لقوله سبحانه وتعالى:( مَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاکُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (١) !
وإذا قلنا: إن من لم يعتقد بما قاله النبيصلىاللهعليهوآله في علي بن أبي طالب والأئمة من ولده الذين جعلهم عدل القرآن الحكيم في حديث الثقلين وألزم متابعتهم والتوسل بهم في حديث السفينة وهما حديثان مقبولان عندكم أيضاً كما ذكرنا مصادركم فيهما.
فلو قلنا: بأنّ من خالف عترة النبيصلىاللهعليهوآله وأهل بيته الطاهرين فقد تمرّد على الله ورسوله وخرج من الدين، ما قلنا شططاً، وما ذهبنا غلطاً، بدليل الحديثين الشريفين، السفينة والثقلين، وأدلّة عقلية ونقلية اُخرى.
____________________
١) سورة الحشر، الآية ٧.
ولكن مع كلّ ذلك ما صدرت منا هكذا فتاوىً خطيرة تشجّع عوامّ الشيعة وملوكهم على ارتكاب جنايات فجيعة في حقّ أهل السُنّة والجماعة، بالنسبة إلى علمائهم أو جّهالهم.
وإنّما علماؤنا دائماً يعلنون: أنّ أهل السُنّة والجماعة إخواننا في الدين، ويجب أن نتّحد كلّنا ضدّ غير المسلمين المعادين، غاية ما هنالك إنّنا نقول: إنّ الأمر اشتبه والحقّ التبس عليكم، ولكنّكم تبعاً لبعض علمائكم تقولون فينا خلاف ما نقوله فيكم، إنّكم تقولون في حقّ الشيعة المؤمنين أتباع أهل بيت النبوةعليهمالسلام : إنّهم أهل البدع وغلاة ورفضة ويهود وكفرة ومشركون و و و.!!!
وتبيحون بل توجبون قتل من لم ينتمِ إلى أحد المذاهب الأربعة، وليس عندكم أيّ دليل شرعي وعقلي وعُرفي في ذلك!
الحافظ: ما كنت أظنّ أنّكم هكذا تفترون علينا، وتكذبون على علمائنا أموراً بعيدة عن الحقيقة، وإنما هي من أباطيل الشيعة وأكاذيبهم الشنيعة، وهم يقصدون بها إثارة وأحاسيس الناس واكتساب عطفهم وحنانهم.
قلت: كلّ ما نقلته لكم هو حقّ وصدق بشهادة التاريخ، وكيف تظنّ بأنّي أفتري عليكم وعلى مذهبكم أو علمائكم، في وجودك وحضور كثير من العلماء معك، وكذلك بحضور هذا الجمع الغفير من أتباعكم، أيُعقل ذلك؟!
واعلم أنّي نقلت قضيّتين من التاريخ كنموذج من معاملة علمائكم وقضاتكم مع فقهائنا وعلمائنا.
وإذا تصفّحتم تاريخ خوارزم وحملاتهم على إيران، وقوم أزبك
وحملاتهم على بلاد خراسان، وحملات الأفغان على إيران، وقتلهم عامّة الناس بلا رحمة، ونهب أموالهم وسبي نسائهم وأطفالهم وبيعهم في الأسواق كما يعامل الكفّار، لصدّقتم كلامي وما كذّبتم حديثي!
وفي زمن السلطان حسين الصفوي وصل الأفغان - وهم قومك وأبناء وطنك - إلى أصفهان، فلم يرحموا حتى المراضع والرضع، فقتلوا ونهبوا وسبوا، وهتكوا حرمات المسلمين في كلّ أرض وطؤوها من بلاد إيران، كلّ ذلك بفتاوى علمائهم من أهل السُنّة والجماعة، حتّى أنّهم أفتوا ببيع اُسارى الشيعة كالعبيد، فباعوا - كما يحدّثنا التاريخ - أكثر من مائة ألف رجل شيعي على أبناء السُنّة وغيرهم في أسواق تركستان!!
الحافظ: إنّ تلك المعارك كانت سياسية لا ترتبط بفتاوى علمائنا.
كلام خان خيوه
قلت: يذكر التاريخ أنّ في أوائل حكومة ناصر الدين شاه قاجار، وفي وزارة أمير كبير ميرزا تقي خان، حينما كانت الدولة منشغلة بإخماد الفتن التي آثارها رجل اسمه: «سالار» في خراسان، وكانت سلطة الدولة الضعيفة في تلك المقاطعة.
اغتنم الفرصة أمير خوارزم وهو: محمد أمين خان أزبك المعروف بخان خيوه، وهجم بجيش جرّار على خراسان، وقتل ونهب ودمّر وأسَرَ جمعاً كثيراً من الناس، فساقه إلى بلاده سبايا.
وبعدما اُخمدت فتنة سالار، بعثت الدولة القاجارية سفيراً إلى خان خيوه ليفاوضه في شأن السبايا واستخلاصهم، وكان السفير هو رضا قلي خان، الملقّب بهدايت، وهو من كبار الدولة ورجال البلاط الملكي.
فلمّا وصل إلى خوارزم والتقى بخان خيوه، دار بينهم كلام طويل سجّله التاريخ جملة جملة، وكلمة كلمة، والشاهد هنا هو هذه العبارة: إنّ المغفور له هدايت قال لخان خيوه:
إنّ الدول الكافرة تعامل الإيرانيّين معاملة حسنة، وهم في أمن وأمان من جيوش روسية والإفرنج، ولكنّكم مع الأسف تعاملون الإيرانيّين معاملة الكفّار والمشركين، وهم معكم على دين واحد، لا فرق في قبلتنا وقرآننا ونبيّنا، نحن وأنتم نعتقد ونشهد: أن لا إله إلّا الله، محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلماذا تهجم بجيوشك على بلادنا، وتدمّر ديارنا، وتقتل وتنهب، وتأسر المسلمين وتبيعهم في الأسواق كأسرى الكفّار والمشركين؟!
فأجاب خان خيوه: إنّ علماءنا وقضاتنا في بخارى وخوارزم: يفتون بأنّ الشيعة كفّار وأهل بدع وضلال، وجزاؤهم القتل ونهب الأموال، وهم يوجبون علينا هذه المعاملة مع الإيرانيّين، فيبيحون لنا دماءهم ونساءهم وأموالهم!!
وللاطّلاع التامّ فليراجع: تاريخ روضة الصفا الناصري، وكذلك مذكّرات سفر خوارزم، تأليف رضا قلي خان هدايت.
هجوم الأزبك
كما إنّ أحد أمراء الأزبك المسمّى عبدالله خان حاصر بجيوشه منطقة خراسان، فكتب علماء خراسان إليه كتاباً جاء فيه: نحن نشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمداً رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلماذا تُغير علينا بجيشك وتقاتلنا وتهتك حريمنا ونحن أتباع القرآن الكريم والعترة الهادية، وإنّ
الوحشية والمعاملة السيّئة التي نجدها منكم غير مقبولة في الإسلام، وإنّ الله سبحانه لا يجيزها لكم بالنسبة للكفّار، فكيف مع المسلمين؟!
فلمّا وصل الكتاب إلى يد عبد الله خان أعطاه لعلماء السُنّة وقضاتهم الّذين كانوا يرافقونَهُ في حملاته على المسلمين الشيعة، وطلب منهم أن يجيبوا ويردّوا على الكتاب.
فأجاب علماء السُنّة - ردّاً على كتاب علماء خراسان - بجواب مشحون بالتهم والأكاذيب على الشيعة و قذفوهم بالكفر!! لكنّ علماء خراسان ردّوا عليهم، ونسفوا تهمهم وأكاذيبهم، وأثبتوا أنّ الشيعة مؤمنون بالله ورسوله وبكلّ ما جاء به النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآله .
ومن أراد الوقوف على تلك الردود والإجابات فليراجع كتاب «ناسخ التواريخ».
فشاهد الكلام إنّ علماء السنة الأزبكيّين كتبوا: إنّ الشيعة رفضة وكفّار، فدماؤهم وأموالهم ونساؤهم مباحة للمسلمين!!
وأمّا في بلادكم أفغانستان، فإنّ الشيعة يعانون أشدّ الضغوط والهجمات الوحشية منكم ومن أمثالكم أهل السُنّة والجماعة.
والتاريخ مليء بالفجائع والجنايات التي ارتكبوها جماعة السُنّة في حقّ الشيعة في أفغانستان، ومن جملتها:
في سنة ١٢٦٧ هجرية في يوم عاشوراء وكان يوافق يوم الجمعة، وكانت الشيعة مجتمعة في الحسينيّات في مدينة قندهار، وكانوا يقيمون شعائر العزاء على مصائب سبط الرسول وسيّد الشهداء، الحسين بن عليّ (عليه السّلام و آله) وأنصاره الّذين استشهدوا معه في سبيل الله تعالى.
وإذا بأهل السُنّة والجماعة يهجمون عليهم بالأسلحة الفتّاكة، ولم
يكن الشيعة مسلّحين ولا مستعدين لقتال، حتّى أنّهم لم يتمكّنوا من الدفاع عن أنفسهم، فقتل قومكم جمعاً كثيراً حتّى الأطفال بأفجع أنواع القتل، ونهبوا أموالهم وأموال الحسينيّات!!
والأعجب من ذلك، أنّ أحداً من علماء السُنّة لم يندّد بهذا العمل الوحشي الشيطاني، ولم يبدِ أسفه على تلك الجناية البشعة، فكان سكوت العلماء تأييداً لعمل الجهّال المهاجمين، والجناة المتعصّبين، وربّما كان كلّ ذلك بتحريك بعض علمائهم، والله أعلم.
والتاريخ يحدّثنا عن هجمات كثيرة من هذا النوع ضدّ الشيعة في أفغانستان وبلاد الهند والباكستان أيضاً، فكم من نفوس مؤمنة اُزهقت، ودماء بريئة سُفكت، وأموال محترمة نهبت، وحرمات دينية هتكت، بأيدي أهل السنّة والجماعة، وقد قتلوا حتّى بعض فقهائنا الكبار وعلمائنا الأبرار.
قتل الشهيد الثالث
ولقد زرت في سفري هذا مقابر بعض شهداء هذه الحوادث الأليمة في مدينة «أكبر آباد آگره» وبالأخصّ قبر الشهيد الثالث، العالم الورع، والفقيه التقي، الذي ينتهي نسبه الشريف الى النبيصلىاللهعليهوآله وهو:
القاضي السيّد نور الله التستري (قدّس الله سرّه)، وهو أحد ضحايا هذه التعسّفات والتعصّبات التي توجد في أهل السُنّة العامّة.
فقد استشهد هذا العالم الجليل، والحبر النبيل، سنة ١٠١٩ هجرية، على أثر سعاية علماء العامة في «أكبر آباد آگره » عند الملك المغولي الجاهل المتعصّب جهانگير، في الهند.
وكان عمر السيّد الشهيد حينما قطعوا رأسه يتجاوز السبعين عاماً، وقبره إلى يومنا هذا مزار المؤمنين الشيعة، ورأيت مكتوباً على صخرة قبره هذين البيتين:
ظالمي إطفاء نور الله كرد |
قرّة العين نبي را سر بريد |
|
سال قتلش حضرت ضامن على |
كفت: نور الله سيّد شد شهيد |
أي: ظالم أطفأ نور الله، وحزّ رأس قرّة عين رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال ضامن علي في تاريخ شهادته: إنّ السيّد نور الله أصبح شهيداً.
الحافظ: إنّكم تبالغون في هذه القضايا وتضخّمونها، ونحن لا نرضى بأعمال جهّالنا وعوامّنا، ولكنّ الشيعة بأعمالهم الخاطئة يسبّبون تلك الفجائع.
قلت: ما هي أعمال الشيعة التي توجب قتلهم ونهب أموالهم وهتك أعراضهم؟!
الحافظ: في كلّ يوم يقف آلاف الشيعة أمام قبور الأموات ويطلبون منهم الحاجات، ألم يكن هذا العمل عبادة الأموات؟!
لماذا أنتم العلماء لا تمنعونهم؟! حتّى أنّنا نجد كثيراً منهم يخرّون إلى الأرض ويسجدون لتلك القبور باسم الزيارة، فهم بهذه الأعمال الخاطئة يسبّبون تلك الفجائع، لأنّ عوامّنا لا يتحمّلون هذه البدع باسم الإسلام فيفرطون بالانتقام!!
وبينما كان الحافظ يتكلّم وكلّنا نصغي إليه، كان الشيخ عبد السلام، الفقيه الحنفي، يتصفّح كتاب «هدية الزائرين» ويطالع فيه ليجد إشكالاً فيلقيه، ولمـّا وصل الحافظ إلى هذه الجملة، صاح الشيخ عبد السلام مؤيّداً للحافظ ومخاطباً إيّاي:
تفضّل واقرأ هذه الصفحة حتّى تعرف ما يقول الحافظ.
قلت: اقرأ أنت ونحن نستمع.
فقرأ هذه العبارة: وإذا فرغت من الزيارة فصلّ ركعتين صلاة الزيارة، ثم قال: أليست نيّة القربة شرط في صحّة الصلاة؟! فالصلاة لغير الله سبحانه لا تجوز حتّى للنبيّ والإمام، فالوقوف أمام القبور والصلاة بجانبها شرك بيّن، وهو أكبر دليل على الكفر، وهذا كتابكم سند معتبر وحجّة عليكم!
قلت: حيث طال بنا الجلوس والوقت لا يتّسع للجواب عن شبهاتكم، فلنترك الجواب إلى الليلة المقبلة إنشاء الله تعالى.
لكن أهل المجلس - شيعة وسُنّة - كلّهم قالوا نحن مستعدّون أن نبقى حتّى الصباح لنسمع جوابكم.
قلت: أسألك يا شيخ عبد السلام: هل ذهبت لزيارة أحد أئمّة أهل البيتعليهمالسلام وهل رأيت بعينك أعمال الشيعة الزائرين لقبور أئمّتهمعليهالسلام أم لا؟
الشيخ: لا إنّي لم أذهب إلى مزارات الأئمّة، ولم اُشاهد أعمال الشيعة هناك.
قلت : إذاً كيف تقول: بأنّ الشيعة يصلّون متوجِّهين لقبور الأئمّة؟! وتستدلّ به على كفر الشيعة! ثبّت العرش ثمّ انقش.
الشيخ: إنّما قلت هذا نقلاً عن هذا الكتاب الذي بين يديّ، فإنّه يقول: صلّ للإمام صلاة زيارة!
قلت: ناولني الكتاب حتّى أعرف صحّة ما تقول.
فناولني الكتاب مفتوحاً، فرأيت تلك الصفحة تنقل كيفية زيارة
عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فقلت أيّها الجمع الحاضر! إنّي أقرأ عليكم مقتطفات وجمل من هذه الزيارة حتّى نصل إلى تلك العبارة التي يذكرها الشيخ، ثمّ أنتم أنصفوا واقضوا بيننا وبين الشيخ عبدالسلام والحافظ محمد رشيد.
في آداب زيارة أمير المؤمنينعليهالسلام
إذا وصل الزائر إلى خندق الكوفة يقف ويقول:
الله أكبر، الله أكبر أهل الكبرياء والمجد والعظمة، الله أكبر أهل التكبير والتقديس والتسبيح والآلاء، الله أكبر ممّا أخاف وأحذر، الله أكبر عمادي وعليه أتوكّل، الله أكبر رجائي وإليه اُنيب... إلى آخره.
و إذا وصل إلى بوَّابة المدينة (النجف) فليقل:
الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله ...إلى آخره.
وإذا وصل إلى الباب الأوّل من الروضة المقدّسة فليقل بعد حمد الله تعالى:
أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له إلى آخره.
وإذا وصل إلى الباب الثاني فليقل: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له إلى آخره.
وإذا أراد أن يدخل الروضة المقدّسة يستأذن الله تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآله والأئمّة والملائكة.
وبعد ذلك يستلم القبر الشريف فيسلّم على النبيّ وعلى أمير المؤمنين وعلى آدم ونوح إلى آخره.
والعبارة التي هي محلّ الشاهد للشيخ عبد السّلام ولنا هي: ثُمَّ صلّ ثلاث صلوات ثنائية، ركعتان هديّة لأمير المؤمنينعليهالسلام ، وركعتان هديّة لآدم أبي البشر، وركعتان هديّة لنوح شيخ الأنبياء، لأنّهما مدفونان عند قبر أبي الحسن أمير المؤمنينعليهالسلام .
«صلاة الزيارة والدعاء بعدهما»
هل صلاة الهديّة شرك؟!
ألم ترد روايات في صلاة الهديّة للوالدين وغيرهما من المؤمنين؟!
فإذا نوى الزائر : اُصلي ركعتين هديّة لأمير المؤمنينعليهالسلام قربة إلى الله تعالى هل هذا شرك؟!
فقد جرت العادة عند الناس وكذلك المؤمنين، أنّ كلّ من يذهب لزيارة أحبابه يأخذ معه هديّة، ونجد في أكثر كتب الأخبار والأحاديث فضلاً في استحباب وثواب هديّة المؤمن لأخيه المؤمن وقبولها منه.
والزائر لمـّا يَصلْ إلى قبر من يحبّه ويعلم أنّ الصلاة أحبّ شيء إلى مزوره، فيصلّي ركعتين قربة إلى الله تعالى ويهدي ثوابها إلى المزور.
والمعترضون لو كانوا يواصلون مطالعتهم و يقرءوا الدعاء بعد صلاة الزيارة لعرفوا خطأهم وتيقَّنوا أنّ عمل الشيعة عند الزيارة أئمّتهمعليهمالسلام و صلاة ركعتين الزيارة ليس بشرك، بل هو التوحيد وكمال العبادة لله عزّ وجلّ.
واعلموا أنّ الشيعة إنّما يزورون الإمام عليّ والأئمّة من وُلدهعليهمالسلام ،
لأنّهم عباد الله الصالحون وأوصياء رسوله الصادقون.
وأمّا عبارة الرواية فهي كما يلي، على خلاف ما قاله الشيخ عبد السلام: «بأن يقف بجانب القبر يصلّي» بل العبارة:
«أن يقف مستقبل القبلة ممّا يلي رأس الإمام عليّعليهالسلام » فيصبح القبر على يسار المصلّي، فيقول: اللهمّ إنّي صلّيت هاتين الركعتين هديّة منّي إلى سيّدي ومولاي، وليّك وأخي رسولك، أمير المؤمنين، وسيّد الوصيّين، عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه وعلى آله، اللهمّ فصلّ على محمّد وآل محمّد وتقبّلها منّي وأجزني على ذلك جزاء المحسنين، اللهمّ لك صلّيت ولك ركعت ولك سجدت، وحدك لا شريك لك، لأنّه لا تجوز الصلاة والركوع والسجود إلّا لك، لأنّك أنت الله لا إله إلّا أنت.
بالله عليكم أيّها الحاضرون! أنصفوا، أيّ عمل من هذه الأعمال يستوجب الشرك بالله تعالى؟!
الشيخ عبدالسّلام: عجباً ألا تجد هذه العبارة تقول: ثمّ قَبِّل العتبة وادخل الحرم.
ألم يكن هذا العمل سجوداً لصاحب القبر؟!
والسجود لغير الله شرك.
«تقبيل قبور الأئمّةعليهالسلام وعتبة روضاتهم المقدّسة»
قلت: إنّ جنابك تغالط في البحث، إذ تفسّر تقبيل العتبة بالسجود، ثمّ تحمل ذلك على الشرك بالله سبحانه!! وإذا كنتم في حضورنا تفسّرون كلامنا هكذا، فلابُدّ في غيابنا وخاصّة أمام أتباعكم
من العوامّ والجاهلين، تثبتون كفرنا!!
وأمّا الجواب: فإنّ الوارد في هذا الكتاب وغيره من كتب الزيارات يقول: إنّ الزائر تأدّباً يقبّل العتبة ليت شعري بأيّ دليلٍ تفسّرون القُبلة بالسجود؟!
وأينَ ورد نهيٌّ عن تقبيل قبور الأنبياء وأوصيائهم وغيرهم من أولياء الله الصالحين، وتقبيل أعتابهم المقدّسة؟! أفي القرآن الكريم؟! أم في الحديث الشريف؟!
ثمّ بأيّ دليل تعدّون هذا العمل شركاً بالله العظيم؟!
والعجيب أنّ عوامّكم يصنعون بقبر أبي حنيفة والشيخ عبد القادر أكثر ممّا تصنعه الشيعة بقبور أئمّة أهل البيتعليهمالسلام .
وإنّي اُشْهِدُ الله العلي العظيم فقد ذهبت يوماً الى قبر أبي حنيفة في بغداد، في محلّة الأعظمية، فرأيت جماعة من أهل السُنّة الهنود، سقطوا على الأرض كالساجدين وقبّلوا التراب!!
وحيث إنّي لم أنظر إليهم بعين الحقد والعداء، ولم يكن عندي دليل على أنّ عملهم كفر وشرك، لم أنقل هذا الموضوع في أيّ مجلس، ولم أنتقد عملهم، بل تلقّيته أمراً عادياً.
لأنّي أعلم أنّهم ما وقعوا على الأرض بنيّة السجود لصاحب القبر، و إنّما صدر ذلك منهم لمحبّتهم لصاحب القبر ، وهذا أمر بديهي.
فاعلم يا شيخ! وليعلم الحاضرون! إنّ أيّ زائر شيعي عالم أو جاهل حاشا أن يسجد لغير الله تعالى، وإنّ كلامكم على الشيعة: بأنّهم يسجدون لأئمّتهم، كذب وافتراء علينا!!
وعلى فرض أنّ الزائر يجعل جبهته على التراب أمام القبر، ولكن
لمـّا لم يقصد السجود لصاحب القبر وإنّما يريد بذلك احترامه وإظهار محبّته له، لم يكن فيه بأس وإشكال.
الشيخ عبدالسلام: كيف يعقل أن يهوي إنسان إلى الأرض ويجعل جبهته على التراب ومع ذلك لا يكون عمله سجوداً؟!
قلت: لأنّ الأعمال بالنيّات، فإذا فعل أحد ذلك ولم ينوي السجود فلا نحسب عمله سجوداً(١) كما فعل إخوان يوسف الصدّيق له، ولم يمنعهم يوسف ولا أبوهم يعقوب من ذلك، والله سبحانه يخبر بعملهم ويحكيه ولا يقبّحه، فيقول:( وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَ قَالَ يَا أَبَتِ هٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ) (٢) .
وكم من موضع من الذكر الحكيم يخبر الله عزّ وجلّ فيه عن سجود الملائكة لآدم بأمر منه سبحانه.
فحسب كلامكم، فإنّ إخوة يوسف الصدّيق والملائكة كلّهم مشركون، إلّا إبليس لأنّه لم يسجد!! والحال لم يكن كذلك، وإنّما جعل الله سبحانه اللعن على إبليس وأخرجه من الجنّة.
وأمّا جوابي لجناب الحافظ، وإنْ كان الوقت لا يتسع له، ولكن اُبيّنه باختصار:
____________________
١) بل هذا العمل سجود ولكن لم يكن محرّماً لأنّ الساجد لم ينوِ عبادة المسجود، وإنّما ينوي بذلك احترامه، والقرآن الكريم يصرح ويقول:( وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً ) ويقول عن الملائكة: كما في سورة البقرة، الآية ٣٤:( فَسَجَدُوا إلّا إِبْلِيسَ ) «المترجم».
٢) سورة يوسف، الآية ١٠٠.
بقاء الروح بعد الموت
إنّ شبهتكم حول الشيعة بأنّهم لماذا يطلبون حوائجهم عند قبور الأموات؟!
إنّما هو كلام المادّيّين والطبيعيّين، فإنّهم لا يعتقدون بالحياة بعد الموت، والله سبحانه يحكي قولهم في القرآن إذ قالوا:( إِنْ هِيَ إلّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَ نَحْيَا وَ مَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) (١) .
وأمّا الاعتقاد بالحياة بعد الموت، وأنّ الجسم يبلي بالموت ولكن الروح باقية، فهو من ضروريّات دين الإسلام، وبالأخصّ حياة الشهداء، فقد صرّح بها القرآن الكريم بقوله:( وَ لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ ) (٢) إلى آخره
فهل يمكن للميّت الفرح والسرور والارتزاق؟! لا!
ولذلك فإنّ الآية الكريمة تصرّح بأنّهم:( أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) فكما أنّهم يفرحون ويُرزقون، فهم يسمعون الكلام ويجيبون، ولكن حجاب المادّة على مسامعنا مانع من إحساسنا بكلامهم واستماع جوابهم.
وقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام في زيارة جدّه سيّد الشهداء الحسينعليهالسلام قوله: يا أبا عبدالله أشهد أنّك تشهد مقامي وتسمع كلامي وأنّك حيٌّ عند ربّك تُرزق، فأسأل ربّك وربّي في
____________________
١) سورة المؤمنون، الآية ٣٧.
٢) سورة آل عمران، الآية ١٦٩ و ١٧٠.
قضاء حوائجي.
وجاء في الخطبة ٨٦ من نهج البلاغة عن الإمام عليّعليهالسلام إذ يعرّف فيها أهلَ البيتعليهمالسلام ويصفهم، فيقول:
أيّها الناس! خذوها من خاتم النبيّين: إنّه يموت من مات منّا وليس بميّت، ويبلى من بلى منّا وليس ببالٍ.
قال ابن أبي الحديد والميثمي والشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، قالوا في شرح هذه الكلمات ما ملخّصه:
«إنّ أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآله لم يكونوا في الحقيقة أمواتاً كسائر الناس»(١) فنقف عند قبور أهل البيتعليهمالسلام والعترة الهادية، ولا نحسبهم أمواتاً بل هم أحياء عند ربّهم، ونحن نتكلّم معهم كما تتكلمون أنتم مع مَن حولكم من الأحياء، فنحن لا نعبد الأموات كما تزعمون وتفترون علينا، بل نعبد الله سبحانه الذي يحفظ أجساد الصالحين من البلى، ويبقي أرواح العالمين بعد ارتحالهم من الدنيا(٢) .
____________________
١) نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٦ / ٣٧٣/ ط دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٢) أرى من المناسب أن أنقل للقارئ الكريم صورة الاستئذان المكتوبة على أبواب المشاهد المقدّسة عند الدخول إلى روضتهم وزيارة مراقدهم المشرّفة، وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمّ إنّي وقفت على باب من أبواب بيوت نبيّك صلواتك عليه وىله، وقد أمرت الناس أن لا يدخلوا إلّا بإذنه فقلت:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أَنْ يُؤْذَنَ لَکُمْ ) وإنّي أعتقد حرمة صاحب هذا المشهد الشريف في غيبته كما أعتقدها في حضرته، واعلم أنّه حيّ عندك مرزوق، وأنّه يشهد مقامي، ويسمع كلامي ويردّ سلامي، وأنّك حجبت عن سمعي كلامهم، وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم، وإني أستأذنك يا ربّ أوّلاً، وأستأذن رسولك صلواتك عليه وآله =
وأنتم ألا تحسبون عليّاًعليهالسلام ، وابنه الحسين والّذين استشهدوا بين يديه، وكذلك أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله الذين قُتلوا في بدر وحنين وغيرهما من غزواته، شهداء؟!
وهل إنّكم لا تعتقدون أنّ هؤلاء الصفوة ضحّوا بأنفسهم في سبيل الله وثاروا على ظلم بني اُميّة وكفر يزيد، وأنّهم أنقذوا الدين الحنيف من براثن آل أبي سفيان، وروّوا بدمائهم شجرة التوحيد والنبوّة؟؟
فكما إنّ أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله خاضوا المعارك وجاهدوا في سبيل الله وقاتلوا أعداء الدين وكافحوا معارضي النبوة ومخالفي الرسالة لنشر الإسلام وإعلاء كلمة الحقّ، كذلك الإمام عليّعليهالسلام وابنه الحسين وأصحابهما فقد جاهدوا في سبيل الله تعالى لإبقاء دينه وإنقاذ الإسلام حتّى قُتلوا واستشهدوا في سبيل الله.
وكلّ مَن عنده أدنى اطّلاع عن تاريخ الإسلام بعد النبيصلىاللهعليهوآله يعلم بأنّ آل أبي سفيان وخاصة يزيد بن معاوية وأعوانه كادوا يقضون على الإسلام ويحرّفوه عن مواضعه الإلهيّة بأعمالهم الإلحادية، وإنّ خطر هؤلاء المنافقين كان أشدّ على الإسلام والمسلمين من الكفّار والمشركين.
____________________
= ثانياً، وأستأذن خليفتك المفروض عليّ طاعته والملائكة المقرّبين الموكّلين بهذه البقعة المباركة ثالثاً.
أ أدخل يا الله، أ أدخل يا رسول الله، أ أدخل يا حجة الله؟ فَأذَن لي يا مولاي بالدخول أفضل ما أذنت لأحد من أوليائك، فإن لم أكن أهلاً لذلك فأنت أهل لذلك. والسلام عليكم يا أهل بيت النبوّة جميعاً ورحمة الله وبركاته.
«المترجم».
والتاريخ يشهد أن لولا نهضة الإمام الحسين سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله وجهاد أصحابه الكرام مستميتين، لتمكّن يزيد بن معاوية أن يحقّق هدف سلفه المنافقين الفجرة، وهو تشويه الإسلام وتغييره على الكفر والجاهلية الاُولى.
فالحسين السبط وأنصاره وأصحابه الكرامعليهمالسلام وإنْ سالت دماؤهم واستشهدوا، إلّا أنهم فضحوا يزيد وحزبه وسلفه الفاسقين، وكشفوا عنهم الستار وعرّفوهم للمسلمين.
دفاع الشيخ عبد السلام عن معاوية ويزيد
الشيخ: إنّي أتعجّب منك إذ تصرّح بكفر يزيد وهو خليفة المسلمين المنصوب من قبل معاوية، وهو خال المؤمنين وخليفتهم، وقد جعله عمر الفاروق والخليفة المظلوم عثمان والياً على بلاد الشام في طيلة أيّام خلافتهما.
ولمـّا رأى المسلمون أهليته وكفاءته للحكم بايعوه للخلافة، وهو جعل ابنه يزيد وليّ العهد ليكون خليفته من بعده، ورضي به المسلمون فبايعوه بالخلافة!
فأنت حينما تعلن كفر يزيد وسلفه، فقد أهنت جميع المسلمين الّذين بايعوه بالخلافة، وأهنت خال المؤمنين، بل أهنت الخليفتين الراشدَين اللذَين عيّنا معاوية والياً وممثّلاً عنهما في بلاد الشام!!
ولا نجد في التاريخ عملاً ارتكبه يزيد فيكون سبب كفره وارتداده، فهو كان مؤمناً مصلّياً وعاملاً بالإسلام، إلّا أنّ عامله على العراق، قتل سبط النبيّ وريحانته وسبي حريمه وعياله وأرسلهم إلى
يزيد في الشام!! فلمّا وصلوا إلى مجلس يزيد حزن واعتذر من أهل البيت واستغفر الله من أعمال الظالمين.
وإنّ الإمام الغزّالي والدميري أثبتا براءة الخليفة يزيد من دم الحسين بن عليّ وأصحابه، فما تقولون؟!
ولو فرضنا أنّ وقائع عاشوراء الأليمة وفجائع كربلاء كانت بأمر من يزيد بن معاوية، فإنّه تاب بعد ذلك واستغفر الله سبحانه، والله غفور رحيم!!
ردّنا على كلام الشيخ
قلت: ما كنت أظنّ أنّ التعصّب يبلغ بك إلى حدّ الدفاع عن يزيد العنيد!
وأمّا قولك: إنّ الخليفتين نصبا معاوية والياً وهو عيّن ولده يزيد خليفة على المسلمين فتجب طاعته عليهم! فهو كلام مردود عند العقلاء ولا سيّما في هذا العصر عصر الديمقراطية.
ثمّ إنّ هذا الكلام لا يبرّر موقف معاوية وعمل يزيد، بل هو يؤيِّد كلامنا ويدلّ على صحّة معتقدنا بأنّه يلزم أن يكون الخليفة معصوماً ومنصوباً من عند الله سبحانه، حتّى لا تُبتلى الاُمّة برجل كيزيد ونظرائه.
وأمّا قولك: إنّ الإمام الغزّالي أو الدميري وأمثالهما دافعوا عن يزيد وبرّأوا ساحته عن فضائح الأعمال الشنيعة والجرائم القبيحة، لا سيّما قتل سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله وسيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسينعليهالسلام !
فأقول: اُولئك أيضاً أعمتهم العصبية مثلكم، وقد قيل: إنّ حُبَّ الشيء يعمي ويصمّ، وإلاّ فأيّ إنسان منصف، وأيّ عاقل عادل يبرّئ ذمّة يزيد العنيد من دم السبط الشهيد وأصحابه الأماجد؟!
وأيّ عالم متديّن ملتزم بالحقّ تسوغ نفسه ويسمح له دينه وعلمه أن يدافع عن مثل يزيد العنيد؟!
وأمّا قولك: إنّ قتل الحسين ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما كان بأمره، وأنّه اعتذر من أهل البيت وتاب واستغفر عن فعل عامله، فلو كان كذلك فلماذا لم يحاكم ابن زياد ولم يعاقب قتلة الحسينعليهالسلام ؟!
ولماذا لم يعزل اُولئك المجرمين عن مناصبهم وهم شرطته وجلاوزته وأعوان حكومته؟!
ثم من أين تقولون إنّه تاب واستغفر؟! وكيف تجزمون وتحتّمون بأنّ الله سبحانه وتعالى قبل توبته وغفر له؟!
صحيح، إنّ الله عزّ وجلّ غفور رحيم، ولكن للتوبة شروط:
أوّلها: ردّ حقوق الناس، فهل ردّ يزيد حقوق أهل البيت والعترة الطاهرة.
ثم إنّ فضائح يزيد وقبائحه لم تنحصر في قتل السبط الشهيد وسبي نسائه ونهب أمواله وحرق خيامه إلى آخره، بل إنكاره ضروريات الدين، ومخالفته القرآن الكريم، وتظاهره بالفسق والمعاصي، كلّ واحد منها دليل على كفره وإلحاده.
النوّاب: أرجوك أن تبيّن لنا دلائلكم على كفر يزيد حتّى نعرف الحقيقة ونتّبع الحقّ.
دلائل كفر يزيد العنيد
قلت: من الدلائل الواضحة على كفر يزيد بن معاوية مخالفته لحكم الله سبحانه في حرمة شرب الخمر، فإنّه كان يشرب ويتفاخر بذلك في أشعاره فقد قال وثبت في ديوانه المطبوع:
شميسة كرمُ برجها قعر دنّها |
فمشرقها الساقي ومغربها فمي |
|
فإن حرمت يوماً على دين أحمد |
فخذها على دين المسيح بن مريمِ |
وقال أيضاً كما في ديوانه:
أقول لصحب صمّت الكاس شملهم |
وداعي صبابات الهوى يترنّمُ |
|
خذوا بنصيب من نعيمٍ ولذّةٍ |
فكل وإنْ طال المدى يتصرّمُ |
فهو في هذين البيتين يدعو إلى لذّة الدنيا ونعيمها وينكر الآخرة، ومن شعره في إنكار الآخرة والمعاد، ما نقله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه: «الردّ على المتعصّب العنيد، المانع عن لعن يزيد لعنه الله» وهو:
عليّة هاتي ناولي وترنّمي |
حديثك إنّي لا اُحبُّ التناجيا |
|
فإنّ الذي حدّثت عن يوم بعثنا |
أحاديث زورٍ تترك القلبَ ساهيا |
ومن كفريّاته:
يا معشر الندمان قوموا |
واسمعوا صوت الأغاني |
|
واشربوا كأس مدام |
واتركوا ذكر المعاني |
|
شغلتني نغمة العيدان |
عن صوت الأذان |
|
وتعوّضت عن الحور |
عجوزاً في الدنان |
ومن الدلائل الواضحة على كفر يزيد وارتداده، أشعاره الإلحادية وكفريّاته التي أنشدها بعد مقتل السبط الشهيد سيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن عليّعليهالسلام .
فقد ذكر سبط ابن الجوزي في كتابه - التذكرة: ص ١٤٨ - قال: لمـّا جاءوا بأهل البيت إلى الشام سبايا، كان يزيد جالساً في قصره، مشرفاً على محلّة جيرون، فأنشد قائلاً:
لّما بدت تلك الرؤوس وأشرقت |
تلك الشموس على رُبى جيرونِ |
|
نعبالغراب قلت: نُح أو لا تَنُح |
فلقد قضيتُ من النبيّ ديوني |
ومن الدلائل على كفر يزيد العنيد لعنه الله:
فقد ذكر المؤرّخون كلّهم أنّ يزيد احتفل بقتل الإمام أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ودعا إلى ذلك المجلس كبار اليهود والنصارى، وجعل رأس السبط الشهيد سيّد شباب أهل الجنّة أمامه، وأنشد أشعار ابن الزبعرى:
ليت أشياخي ببدر شهدوا |
جزع الخزرج من وَقْع الأسَلْ |
|
«لأهلّوا واستَهلُّوا فرحاً |
ثمّ قالوا يا يزيدُ لا تشلْ» |
قد قتلنا القرم من ساداتهم |
وعدلناه ببدر فاعتدلْ |
|
لعبت هاشم بالملك فلا |
خبر جاء ولا وحيٌ نزلْ |
|
لست من خِنْدِفَ إنْ لم أنتقم |
من بني أحمد ما كان فعلْ |
|
«قد أخذنا مَنَ عليٍّ ثارنا |
وقتلنا الفارس الليث البطلْ» |
والظاهر أنّ البيت الثاني والأخير ليزيد نفسه.
وقد كتب بعض علمائكم مثل: أبي الفرج ابن الجوزي، والشيخ عبد الله بن محمد بن عامر الشبراوي في كتاب الإتحاف بحب الأشراف: ص ١٨، والخطيب الخوارزمي في الجزء الثاني من كتابه «مقتل الحسين».
صرّحوا: إنّ يزيد لعنه الله كان يضرب ثنايا أبي عبدالله الحسين بمقصرته ويترنّم بهذه الأبيات التي نقلناها.
جواز لعن يزيد
إنّ أكثر علمائكم قالوا بكفر يزيد، منهم: الإمام أحمد بن حنبل، وكثير من علمائكم جوّزوا لعنه، منهم: ابن الجوزي الذي صنّف كتاباً في الموضوع وسمّاه: «الردّ علىّ المتعصّب العنيد المانع عن لعن يزيد لعنه الله» ولنعم ما قال أبو العلاء المعرّي:
أرى الأيّام تفعل كلّ نُكر |
فما أنا في العجائب مستزيدُ |
|
أليس قريشكم قتلت حسيناً |
وكان على خلافتكم يزيدُ!! |
وهناك عدد من علمائكم الّذين أعمتهم العصبية الاُموية، وضربت على عقولهم حجب الجاهلية، أمثال: الغزّالي، فأخذوا جانبَ يزيد وذكروا أعذاراً مضحكة لأعماله الإجرامية!!
ولكن أكثر علمائكم كتبوا عن جنايات يزيد وعدوّه كفراً، وساعياً في محو الإسلام وإطفاء نور الله عزّ وجلّ، وذكروا له أعمالاً منافية للتعاليم الإسلامية والأحكام الإلهيّة.
فقد نقل الدميري في كتابه «حياة الحيوان» والمسعودي في «مروج الذهب» وغيرهما، ذكروا: إنّ يزيد كان يملك قروداً كثيرة وكان يحبها فيلبسها الحرير والذهب ويركبه الخيل، وكذلك كانت له كلاب كثيرة يقلّدها بقلائد من ذهب، وكان يغسلها بيده ويسقيها الماء بأواني من ذهب ثمّ يشرب سؤرها، وكان مدمناً على الخمر!!
وقال المسعودي في مروج الذهب ج ٢: إنّ سيرة يزيد كانت مثل سيرة فرعون، بل كان فرعون أقلّ ظلماً من يزيد في الرعية، وإنّ حكومة يزيد صارت عاراً كبيراً على الإسلام، لأنّه ارتكب أعمالاً شنيعة كشرب الخمر في العلن، وقتل السبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله وسيّد شباب أهل الجنّة، ولعن وصيّ خاتم النبيّين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وقذف الكعبة بالحجارة وهدمها وحرقها، وإباحته مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآله في وقعة الحَرَّة، وارتكب من الجنيات والمنكرات والفسق والفجور ما لا يُعدّ و لا يحصى وكل ذلك ينبئ عن أنّه غير مغفور له.
النوّاب: ما هي وقعة الحرّة، وما معنى إباحة المدينة المنوّرة بأمر يزيد؟؟!
قلت: ذكر المؤرّخون كلّهم من غير استثناء، منهم: سبط ابن الجوزي في التذكرة: ٦٣، قال: إنّ جماعة من أهل المدينة في سنة ٦٢ هجرية دخلوا الشام وشاهدوا جرائم يزيد وأعماله القبيحة وعرفوا كفره وإلحاده، فرجعوا إلى المدينة المنورة وأخبروها أهلها بكلّ ما رأوا،
وشهدوا على كفر يزيد وارتداده، فتكلّم عبد الله بن حنظلة - غسيل الملائكة - وكان معهم فقال:
أيّها الناس! قد قَدِمْنا من الشام من عند يزيد، وهو رجل لا دين له، ينكح الاُمّهات والبنات والأخوات!! ويشرب الخمر، ويدع الصلاة، ويقتل أولاد النبيّين!!
فنقض الناسُ بيعتهم ولعنوا يزيد وأخرجوا عامله من المدينة وهو: عثمان بن محمد بن أبي سفيان.
فلمّا وصل الخبر إلى يزيد في الشام بعث مسلم بن عقبة على رأس جيش كبير من أهل الشام، وأمرهم أن يدخلوا المدينة المنوّرة ويقتلوا فيها من شاؤا ويفعلوا كلّ ما أرادوا ثلاثة أيّام.
ذكر ابن الجوزي والمسعودي وغيرهما: إنّهم لمـّا هجموا على مدينة الرسولصلىاللهعليهوآله قتلوا كلّ من وجدوه فيها حتّى سالت الدماء في الأزقّة والطرق، وخاض الناس في الدماء حتّى وصلت الدماء قبر النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وامتلأت الروضة المقدّسة والمسجد بالدم، وسمّيت تلك الوقعة بالحرَّة، وكان ضحيتّها عشرة آلاف من عامة المسلمين وسبعمائة قتيل من وجوه أهل المدينة وأشراف المهاجرين والأنصار!!
وأمّا الأعراض التي هُتكت والنواميس التي سلبت، فإنّي أخجل أن أذكرها، فقد ارتكبوا فضائح وقبائح يندي منها جبين الإنسانية، ولكي تعرفوا شيئاً قليلاً، من تلك الفجائع والشنائع، أنقل لكم جملة واحدة من تذكرة سبط ابن الجوزي: ص ١٦٣، فإنّه روى عن أبي الحسن المدائني أنّه قال: ولدت ألف امرأة بعد وقعت الحرّة من غير زوج!!
نعم، هذه نبذة من جرائم يزيد العنيد، وعلى هذه فقس ما سواها.
الشيخ عبد السلام: كلّ ما ذكرته من أعمال يزيد إنّما يدلّ على فسقه ولا يدلّ على كفره، والفسق عمل خلاف، يغفره الله سبحانه ويعفو عن عامله إذا تاب واستغفر، وإنّ يزيد تاب عن هذه الأعمال حتماً، واستغفر ربّه قطعاً، والله تعالى غفّار توّاب، وقد غفر له كما يغفر لكلّ فاسق وعاصٍ إذا تاب واستغفر، فلماذا أنتم تلعنون يزيد؟!
قلت: إنّ بعض المحامين من أجل المال يدافعون عن موكّليهم الى آخر فرصة حتى عندما يظهر بطلان كلامهم واجرام موكّلهم! ولا أدري ما الذي تناله يا شيخ بهذا الدفاع المرير عن يزيد اللعين الشرير؟! فتكرّر كلامك الواهي من غير دليل وتقول: إنّ يزيد تاب واستغفر، وإنّ الله سبحانه غفر له!
هل جئت من عند الباري عزّ وجلّ فتخبر بأنّه غفر ليزيد المجرم العنيد؟!
من أين تقول إنّه تاب؟! ليس لك دليل إلّا ظنّك، و( إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (١) .
وإنّ جرائم يزيد المفجعة وأعماله الشنيعة مسطورة في التاريخ ولا يجحدها إلّا المعاند المتعصّب.
هل في نظركم أنّ إنكار المبدأ والمعاد والوحي والرسالة لا يوجب الكفر؟!
وهل في نظركم انه لا يجوز لعن الظالمين والكافرين؟!
أم هل في نظركم أنّ يزيد ما كان كافراً ولا ظالماً؟!
ولكي تعرف ويعرف الحاضرون حقيقة الأمر، اُسمعكم خبرين
____________________
١) سورة يونس، الآية ٣٦.
من صحاحكم:
١- ذكر البخاري ومسلم في الصحيح، والعلّامة السمهودي في وفاء الوفا وابن الجوزي في «الردّ على المتعصّب العنيد» وسبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواصّ» والإمام أحمد بن حنبل في مسنده وغيرهم، رووا عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال: من أخاف أهل المدينة ظلماً أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً.
٢- وقالصلىاللهعليهوآله لعن الله من أخاف مدينتي، أي: أهل مدينتي فهل فاجعة الحرّة، وسفك تلك الدماء، وقتل المسلمين الأبرياء والتعدّي على أعراضهم، وهتك حرماتهم، واغتصاب بناتهم ونسائهم، ونهب أموالهم، ما أخافت أهل المدينة؟!
فعلى هذا فإنّ أكثر علمائكم يلعنون يزيد، وقد كتبوا رسائل وكتباً في جواز لعنه، منهم: العلّامة عبدالله بن محمد بن عامر الشبراوي، فقد ذكر في كتابه الإتحاف بحبّ الأشراف ص ٢٠، قال: لمـّا ذُكر يزيد عند الملاّ سعد الدين التفتازاني قال: لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه.
وذكروا أنّ العلاّمة السمهودي قال في كتابه «جواهر العقدين»: إنّه اتّفق العلماء على جواز لعن من قتل الحسين (رضي الله عنه) أو أمر بقتله، أو أجازه، أو رضي به من غير تعيين.
وأثبت ابن الجوزي، وكذلك أبو يعلى والصالح بن أحمد بن حنبل، كلّهم أثبتوا لعن يزيد بدليل آيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية شريفة.
ولا يسمح لي الوقت لأن أذكر أكثر ممّا ذكرت، وفيه كفاية لمن أراد الهداية والابتعاد عن الغواية.
فالإمام الحسين بن عليّعليهالسلام حقّه كثير وفضله كبير على الإسلام والإنسانية، فقد جاهد وكافح مثل هذا الظالم الفاجر، وفضحه في العالم، وأنقذ الدين من براثن كفر يزيد وحزبه الظالمين الفاسقين المنافقين.
وإنّي أتأسّف لما يصدر منكم، فبدلاً من أن تقدّروا هذا الجهاد العظيم للحسين السبط، وتقدرّوا تضحياته القيّمة وتفانيه في سبيل الله سبحانه، فتُأبِّنوهُ في كلّ عام وتحيوا يوم عاشوراء بتشكيل المجالس والمحافل، وتقرأوا على المسلمين تاريخه المبارك، وتلقوا على الناس خطبه وكلماته التي يبّين فيها أسباب نهضته المقدّسة وأهدافه السامية، ويفضح فيها يزيد وبني اُميّة وحزبهم.
وبدل أن تذهبوا إلى زيارة مرقده الشريف وتقفوا أمامه وقفة إجلال وإكرام واحترام، فتستلهموا منه الإيمان واليقين، وتتعلّموا منه التضحية والتفاني في سبيل الدين.
بدل كلّ ذلك، تعارضون الملايين من شيعته ومحبّيه الّذين يؤدّون له الاحترام ويُقدِّرون نهضته المباركة وجهاده العظيم، وينظرون إليه نظرة إكبار وإجلال، ويبكون ويحزنون لمـّا أصابه من أعدائه الظالمين، ويزورون مرقده المقدّس بلهفة وخشوع.
وإنّكم ترمونهم بالكفر والشرك، وتعبّرون عن زيارة تلك المراقد المشرّفة بعبادة الأموات!!
رمز قبر الجنديّ المجهول
جرت العادة في أكثر بلاد العالم وخاصة البلاد المتقدّمة الاُوربية والدول الحضارية، أنّهم يشيّدون مبنى على شكل قبر رمزي بإسم: الجندي المجهول، ويصرفون أموالاً باهظة في إنشائه، ويعيّنون مديراً مسؤولاً وبإمرته موظفين لإدارته والمحافظة عليه.
فيأخذون ضيوف الدولة وهم شخصيّات البلدان الاُخرى كرؤساء الجمهوريات ورؤساء الدول والوزراء والممثّلين عنهم، إلى ذلك القبر الوهمي، فيقفون وقفة خشوع واحترام، ويؤدّون المراسيم التي تنبئ عن تجليل وتعظيم ذلك المكان الذي ليس هو إلّا قبر رمزيٌّ قام ببنانُه وشُيّدت أركانه لإحياء اسم الجندي الذي دافع عن وطنه وضحى نفسه في سبيل حرّيّة شعبه وبلاده.
ولم يكن في العالم، ولا يوجد هناك عاقل يعارض هذا العمل وينهى عنه. بل كاد أن يكون من المراسيم الواجبة عند الحكومات والدول المتقدّمة.
ولكن نجدكم تعارضون الشيعة وتنكرون عملهم حينما يقفون أمام قبور شهداء الإسلام وخاصّة شهداء العترة الهادية وهم جنود لله سبحانه، المعلومون المعروفون في السماوات والأرضين.
وتنتقدون الشيعة لوقوفهم أمام تلك القبور التي لم تكن وهمية وخالية أو خيالية، بل هي مراقد أطهار ومراكز أنوار، تتضمّن أشخاصاً كان لهم الأثر العظيم في بناء حضارة البشر وإنسانية الإنسان، تتضمّن أجساداً تشعّ منها أنوار العلم والفضيلة، وأنوار الإيمان والإحسان،
وتذكّر زائريها بالمثل العليا وتلهمها الصبر والجهاد وصفات الأمجاد، وكلّ خصال الخير والأخلاق الحميدة.
فالشيعي يقف أمام تلك القبور المقدّسة والمراقد الطاهرة ويخاطب أصحابها الّذين تحسبونهم أمواتاً، والله يقول:( وَ لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (١) .
لذلك يخاطبهم الشيعي فيقول:
«أنا سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم، ووليّ لمن والاكم، وعدوٌّ لمن عاداكم» وهو يعلن بهذه العبارات الرائعة أنّه سائر على خطّ الجهاد في سبيل الله تعالى ونيل الشهادة من أجل الدين والعقيدة..
وأنتم تنتقدون الشيعة وتنكرون عليهم زيارة تلك القبور المقدّسة!!
وطائفة اُخرى - وهم الوهّابيّون - يهدمون تلك المراقد المباركة، ويخرّبون تلك القباب الطاهرة، ويهتكون حرمتها، ويقتلون زوّارها، كما حدث في سنة ١٢١٦ هجرية في الثامن عشر من شهر ذي الحجّة في يوم الغدير، وكان أهالي كربلاء أكثرهم قد ذهبوا إلى زيارة مرقد الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام في النجف الأشرف، وبقيت النساء والأطفال والعجزة والمرضى في المدينة، فاغتنم الوهّابيّون هذه الفرصة وهجموا من الحجاز على كربلاء المقدّسة، وهدموا قبر أبي عبد الله الحسينعليهالسلام وقبور الشهداء من صحبه الكرام، ونهبوا خزانة الحرم الشريف التي كانت تحتوي على ثروة عظيمة لا تثمّن من هدايا الملوك وغيرهم.
وقد أبدوا وحشية وضراوة لا نظير لها، فما رحموا حتّى النساء
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ١٦٩.
والأطفال والشيوخ والمرضى، فقتلوا خلقاً كثيراً حتّى بلغ عددهم أكثر من خمسة آلاف، وأسروا جمعاً آخر وساقوهم معهم فباعوهم في الأسواق!!
وهكذا صنعوا ما صنعوا وارتكبوا ما ارتكبوا باسم الدين المبين وشريعة سيّد المرسلين وهو منهم برئ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
هدم قبور أهل البيتعليهمالسلام في البقيع
إنّ الاُمم المتمدّنة في العالم تبني قبور شخصيّاتها من العلماء والقادة والملوك والزعماء وتحافظ عليها وتحترمها، وحتّى القبور الوهمية والمراقد الرمزية باسم قبر الجندي المجهول.
ولكن مع الأسف الشديد، إنّ فرقة من الّذين يدّعون أنّهم مسلمون، ويزعمون أنّ مخالفيهم في عقائدهم الشاذّة التي ما أنزل الله بها من سلطان، مشركون، وهي الفرقة الوهّابيّة، هجموا بكلّ وحشية، بالأسلحة الفتّاكة، الجارحة والنارية، على مراقد أئمّة أهل البيت النبويعليهالسلام ومنتسبيهم في البقيع بالمدينة المنوّرة وهدموا قبابهم المقدّسة، وساووا قبورهم ومراقدهم الطاهرة بالأرض، وسحقوها سحقاً، وذلك في اليوم الثامن من شوّال سنة ١٣٢٤ هجرية.
فكأنّهم أسفوا على عدم وجودهم مع أسلافهم الّذين رشقوا جنازة الحسن المجتبى السبط الأكبر للنبي المصطفى بالسهام والنبال،أو مع أسلافهم الّذين سحقوا جسد الحسين الشهيد سبط الرسول وقرّة عين الزهراء البتول وأجساد أهله وأنصاره المستشهدين معه بخيولهم.
ولكن إذا لم يدركوا ذلك الزمان ولم ينالوا من أجساد آل النبي
الكرام، فقد نالوا من قبورهم وسحقوا مراقدهم المقدّسة!
فتلك قبور أبناء رسول الله وعترته الطاهرة في البقيع، وقبور شهداء اُحد وسيّدهم حمزة سيّد الشهداءعليهالسلام في اُحد، وقبور غيرهم من الصحابة الكرام، مهدومة مهجورة، ليس هناك سقف يستظلّ به الزائرون، ولا مصباح وسراج يستضيء بنوره الوافدون، بمرأىً من المسلمين، وهم أحقّ من غيرهم بحفظ تلك المعالم الفاخرة والمراقد الطاهرة، فقد قال النبيصلىاللهعليهوآله : حرمة المسلم ميّتاً كحرمته حيّاً. وكم عندنا وعندكم من الأخبار الصحيحة المرويّة في فضل زيارة قبور المؤمنين، وأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يذهب إلى البقيع ويستغفر للأموات ولنعم ما قيل:
لمن القبور الدارسات بطيبة |
عفّت لها أهل الشقا آثارا |
|
قل للذي أفتى بهدم قبورهم |
أنْ سوف تَصلى في القيامة نارا |
|
أعلمتَ أيّ مراقد هدّمتها؟! |
هي للملائك لا تزال مزارا |
فَلِمَ هذه المعاملة السيّئة مع آل النبيصلىاللهعليهوآله ومع أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ؟! وهم الّذين جعلهم الله عزّ وجلّ في المرتبة العليا والدرجة العظمى، وجعلهم سادة المسلمين وقادة المؤمنين.
الحافظ: إنّكم تغالون في حقّ أئمّتكم، ما الفرق بينهم وبين سائر أئمة المسلمين؟! إلّا أنّهم يمتازون بانتسابهم إلى النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وليس لهم أيّ فضل آخر على غيرهم!
قلت: هذا مقال من يجهل قدرهم ولا يعرف شأنهم ومقامهم! ولو تركتم التعصّب والعناد، ودرستم حياتهم وسيرتهم دراسة تحقيق وإمعان، لعرفتم كيف هم أفضل من أئمّتكم، ولأقررتم أنّ أئمّتنا هم
وحدهم يمثّلون جدّهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله في علمه وحلمه وصفاته وأخلاقه وسيرته وسلوكه.
وبما أنّ الوقت لا يتّسع لخوض هذا البحث أختم حديثي وأدع هذا المبحث الهامّ إلى مجلس آخر إن شاء الله تعالى.
فوافق الحاضرون كلّهم وتركوا المجلس مودّعين، فخرجت إلى الباب لتوديعهم أيضاً.
المجلس الرابع
ليلة الاثنين ٢٦/ رجب
في أوّل المغرب دخل ثلاثة من أهل السُنّة من غير العلماء، وكانوا من الحاضرين في المجالس السابقة، وقالوا: جئنا قبل الآخرين لنقول لسماحتكم: إنّ حديث الناس في كلّ مكان، في الدوائر الحكومية والمتاجر، وحتّى في الحوانيت، يدور حول مناظرتكم وحواركم مع علمائنا، وإنّ الصحف التي تنشر هذا الحوار مهما كثرت نسخها فهي مع ذلك تنفذ في أوّل ساعة من نشرها.
ويُشاهَد في كلّ نقطة وزاوية من البلد شخصٌ بيده صحيفة يقرأ حديثكم بصوت عال وحوله جمع غفير من الناس يستمعون إليه وهم يتابعون حواركم وحديثكم بكلّ لهفة واشتياق.
إعلم يا سيّد! إنّ مجتمعنا متعطّش لفهم هذه الحقائق التي طالما أخفاها علماؤنا! فنرجوك يا مولانا أن تكشف أستار الظلام وتزيل الأوهام أكثر فأكثر، لتنوّر أفكار الناس لا سيّما العوامّ، فيعرفوا حقائق الإسلام.
ونرجوك أن تبسط لنا المواضيع المطروحة وتبيّنها من غير تكلّف، ببيان وكلام سهل نفهمه نحن العامّة والسوقة.
فإنّ الناس إذا عرفوا عقائدكم وفهموا مذهبكم سيتقبّلوه ويعتنقوه، وسيتمسّكون بعقائدكم لأنّها مبنيّة على أساس القرآن والأحاديث الصحيحة المروية في كتبنا وهي أقرب إلى الفطرة والعقل.
والله يا سيّد إنّ كلامك بعث الوعي في مجتمعنا، فكأنّهم كانوا نياماً فانتبهوا وكانوا عُمياً فأبصروا.
نحن وأهل بلدنا كنّا نسمع منذ الطفولة من علمائنا ومشايخنا بأنّ الشيعة مشركون وكفّار وأنّهم من أهل النار!
ولكن بفضل حديثكم في الليالي الماضية عرفنا أنّ شيعة أهل البيت هم المسلمون حقّاً، فهم أتباع النبيّ وأهل بيته، وعرفنا أنّ ما كان يقوله مشايخنا و علماؤنا عن الشيعة كلُّهُ كذب وافتراء، فالشيعة إخواننا في الدين.
قلت: إنّي أشكركم على حسن فهمكم واتباعكم للحق بعدما عرفتموه، وأشكركم على هذا الكلام النابع من قلوبكم الصافية ونفوسكم الزاكية.
ثمّ استأذنت منهم لاُصلّي العشاء، وبينما أنا في الصلاة إذ دخل سائر الإخوة من العلماء وغيرهم، فأنهيت الصلاة والدعاء، وأقبلت نحوهم وسلّمت عليهم ورحبّت بهم.
فقال النوّاب: لقد قرّرت في الليلة الماضية أن تحدّثنا عن مقام أئمّتكم واعتقادكم في حقّهم، لاَنّا نحبّ أن نعرف ما هو الاختلاف بيننا وبينكم حول الأئمّة.
قلت: لا مانع لدي من ذلك إذا سمح العلماء الاَعلام والحاضرون الكرام.
الحافظ - وهو منخطف اللون -: لا مانع لدينا أيضاً.
معنى الإمام في اللغة
قلت: إنّ العلماء في المجلس يعرفون إنّ لكلمة الإمام معانٍ عديدة في اللغة، منها: المقتدَى.
فإمام الجماعة هو الذي تقتدي به جماعة المصلّين وتتابعه في أفعال الصلاة كالقيام والقعود والركوع والسجود.
وأئمّة المذاهب الأربعة هم فقهاء بيّنوا لأتباعهم أحكام الإسلام ومسائل الدين، وهم اجتهدوا فيها واستنبطوها من القرآن والسُنّة الشريفة بالقياس والاستحسانات العقلية، فلذلك لمـّا نطالع كتبهم نرى في آرائهم وأقوالهم، في الاُصول والفروع، اختلافاً كثيراً.
ويوجد مثل الأئمّة الأربعة في كلّ دين ومذهب، وحتّى في مذهب الشيعة، وهم العلماء الفقهاء الّذين يرجع إليهم الناس في اُمور دينهم، ويعملون بأقوالهم ويقلّدونهم في الأحكام الشرعية والمسائل الدينية، ومقام هؤلاء المراجع عندنا كمقام الأئمّة الأربعة عندكم، وهم في هذا العصر الذي غاب فيها عن الأنظار الإمام المعصوم المنصوص عليه من النبيصلىاللهعليهوآله .
يستنبطون الأحكام الشرعية ويستخرجون المسائل الدينية على أساس القرآن والسُنّة والإجماع والعقل، فيفتون بها، وللعوّام أن يتّبعوهم ويقلّدونهم، وفي اصطلاح مذهبنا نسمّيهم: مراجع الدين،
والواحد منهم: المرجع الديني.
سدّ باب الاجتهاد عند العامّة
كان الأئمّة الأربعة حسب زعمكم فقهاء أصحاب رأي وفتوى في المسائل الدينية ومستندهم: الكتاب والسُنّة والقياس. فهنا سؤال يطرح نفسه وهو:
إنّ الفقهاء وأصحاب الرأي والفتوى عددهم أكثر من أربعة، وأكثر من أربعين، وأكثر من أربعمائة، وأكثر وكانوا قبل الأئمة الأربعة وبعدهم، وكثير منهم كانوا معاصرين للأئمّة الأربعة، فلماذا انحصرت المذاهب في أربعة؟!
ولماذا اعترفتم بأربعة من الفقهاء وفضّلتموهم على غيرهم وجعلتموهم أئمّة؟!
من أين جاء هذا الحصر؟!
ولماذا هذا الجمود؟!
نحن وأنتم نعتقد أنّ الإسلام قد نسخ الأديان التي جاءت قبله، ولا يأتي دين بعده، فهو دين الناس إلى يوم القيامة، قال تعالى:( وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ) (١) .
فكيف يمكن لهذا الدين الحنيف أن يساير الزمن والعلم في الاختراعات والاكتشافات والصناعات المتطوِّرة، ولكلّ منها مسائل مستحدثة تتطلّب إجابات علمية؟!
فإذا أغفلنا باب الاجتهاد ولم نسمح للفقهاء أن يبدوا رأيهم
____________________
١) سورة آل عمران: الآية ٨٥.
ويظهروا نظرهم - كما فعلتم أنتم بعد الأئمّة الأربعة - فمن يجيب على المسائل المستحدثة؟!
وكم ظهر بينكم بعد الأئمّة الأربعة فقهاء أفقه منهم، ولكنّكم ما أخذتم بأقوالهم وما عملتم بآرائهم! فلماذا ترجّحون اُولئك الأربعة على غيرهم من الفقهاء والعلماء، لا سيّما على الأفقه والأعلم منهم؟! أليس هذا ترجيح بلا مرجّح، وهو قبيح عند العقلاء؟!
انفتاح باب الاجتهاد عند الشيعة
ولكن في مذهبنا نعتقد: أنّ في مثل هذا الزمان وبما أنّ الإمام المعصوم غائب عن الأبصار، فباب الاجتهاد مفتوح غير مغلق، والرأي غير محتكر، بل كلّ صاحب رأي حرّ في إظهار رأيه، شريطة أن يكون مستنداً إلى الكتاب أو السُنّة أو الإجماع أو العقل، وعلى العوامّ أن يرجعوا إليهم في أخذ الأحكام ومسائل الإسلام.
والإمام الثاني عشر، وهو المهديّ المنتظر، آخر أئمّتنا المعصومين ، أمر بذلك قبل أن يغيب عن الأبصار فقال: من كان من الفقهاء حافظاً لدينه، صائناً لنفسه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه - أي ربّه - فللعوامّ أن يقلّدوه.
لذلك يجب عند الشيعة، على كلّ من بلغ سنّ الرشد والبلوغ الشرعي، ولم يكن مجتهداً فقيهاً، يجب عليه أن يقلّد أحد الفقهاء الأحياء الحاوين لتلك الشرائط التي اشترطها الإمام المعصومعليهمالسلام .
ولا يجوز عندنا تقليد الفقيه الميّت ابتداءً، والعجيب أنّكم تتّهمون الشيعة بأنّهم يعبدون الأموات لزيارتهم القبور!!
ليت شعري هل زيارة القبور عبادة الأموات،أم عبادة الأموات هي اعتقادكم بأنّ كلّ من لم يتّبع الأئمة الأربعة في الأحكام، ولم يلتزم برأي الأشعري أو المعتزلي في أصول الدين، فهو غير مسلم، يجوز قتله ونهب ماله وسبي حريمه حتّى إذا كان يتبع أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآله وعترته الهاديةعليهمالسلام ؟!!
مع العلم أنّ أئمّة المذاهب الأربعة، وأبا الحسن الأشعري والمعتزلي، ما كانوا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولم يدركوا صحبته، فبأيّ دليل تحصرون الإسلام في رأي هؤلاء الستّة؟ أليس هذا العمل منكم بدعة في الدين؟!
الحافظ: لقد ثبت عندنا أنّ الأئمّة الأربعة حازوا درجة الاجتهاد، وتوصّلوا إلى الفقه وإبداء الرأي في الأحكام، وهم كانوا على زهد وعدالة وتقوى. فلزم علينا وعلى جميع المسلمين متابعتهم والأخذ بقولهم؟
قلت: إنّ الاُمور التي ذكرتها لا تصير سبباً لانحصار الدين في أقوالهم وآرائهم وإلزام المسلمين بالأخذ منهم فقط إلى يوم القيامة، لأنّ هذه الصفات متوفّرة في علماء وفقهاء آخرين منكم أيضاً.
ولو قلتم بانحصار هذه الصفات في الأئمّة الأربعة فقد أسأتم الظنّ في سائر علمائكم الأعلام، بل أهنتموهم وهتكتم حرمتهم ولا سيّما أصحاب الصحاح منهم!!
ثمّ إنّ إلزام المسلمين وإجبارهم على أيّ شيء يجب أن يكون مستنداً إلى نصّ من القرآن الحكيم أو حديث النبي الكريمصلىاللهعليهوآله ، وأنتم تجبرون المسلمين وتلزمونهم على أخذ أحكام دينهم من أحد الأئمّة الأربعة من غير استناد إلى الله ورسوله، فعملكم هذا لا يكون إلّا تحكّماً وزوراً.
السياسة تحصر المذاهب في أربعة
لقد سبق زعمكم أنّ التشيّع مذهب سياسي، ولا أساس له في الدين، ونحن أثبتنا وهن هذا الكلام وبطلانه، بنقل الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي يذكر النبيصلىاللهعليهوآله فيها شيعة عليّعليهالسلام بالفوز والفلاح ويعدهم الجنّة.
وأثبتنا أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله هو مؤسّس مذهب الشيعة، وهو واضع أساسه، وهو الذي سمّى موالي الإمام عليّعليهالسلام وأتباعه بالشيعة، حتّى صار هذا الاسم علماً لهم في حياتهصلىاللهعليهوآله ، واستندنا في كلّ ذلك على الروايات المعتبرة المرويّة في كتبكم، المقبولة لديكم، والتي تعتمدون عليها كلّكم.
والآن أقول بكلّ صراحة: إنّ مذاهبكم الأربعة هي مذاهب سياسية ليس لها أساس في الدين، وهذا ثابت لأهل التقوى واليقين.
فإنْ كنتم لا تعلمون أساس التزامكم بالمذاهب الأربعة وانحصار الإسلام الحنيف فيها كما تزعمون فراجعوا التاريخ وطالعوه بدقّة وتحقيق حتّى تعرفوا إنّما وُجدت المذاهب الأربعة بدواعٍ سياسية، وكان الهدف منها ابتعاد المسلمين عن أهل البيتعليهمالسلام وغلق مدرستهم العلمية!
هذا ما كان يبتغيه السلطان الظالم الغاصب الذي تسمّوه: «الخليفة» لأنّ الخلفاء كانوا يرون أهل البيتعليهمالسلام منافسين لهم في الحكم والسلطة، فهم يحكمون الناس بالقوّة والقهر والسوط والسيف، ولكنّ الناس يميلون إلى أهل البيتعليهمالسلام بالرغبة والمحبّة قربة
إلى الله تعالى فيطيعونهم ويأخذون بأقوالهم ويتّبعونهم في مسائل الحلال والحرام، وكلّ أحكام الإسلام.
فأهل البيتعليهمالسلام هم أصحاب السلطة الشرعية والحكومة الروحية المهيمنة على النفوس والقلوب عند الناس، فلأجل القضاء على هذه الحالة - التي جعلت الخلفاء في حذر وخوف دائم، وسلبت منهم النوم والراحة - بادروا إلى تأسيس المذاهب الأربعة، واعترفت السلطات الحكومية والجهات السياسية بها دون غيرها، وأعطتها الطابع الرسمي، وحاربت سواها بكلّ قوّة وقسوة.
وأصدرت قرارات رسمية تأمر الناس بالأخذ بقول أحد الأئمّة الأربعة، وأمرت القضاة أن يحكموا على رأي أحدهم ويتركوا أقوال الفقهاء الآخرين، هكذا انحصر الإسلام بالمذاهب الأربعة، وإلى هذا اليوم أنتم أيضاً تسيرون على تلك القرارات الظالمة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟!
والعجيب أنّكم ترفضون كلّ مسلم مؤمن يعمل بالأحكام الدينية على غير رأي الأئمّة الأربعة، حتّى إذا كان يعمل برأي الإمام عليّ بن أبي طالب والعترة الهاديةعليهمالسلام كمذهب الشيعة الإمامية.
فإنّ الشيعة سائرون على منهج أهل البيت والخطّ الذي رسمه النبيصلىاللهعليهوآله ، فيأخذون دينهم من الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام الذي تربّى في حجر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهو باب علمه، وقد أمر النبيصلىاللهعليهوآله المسلمين بمتابعته والأخذ منه، والأئمّة الأربعة بعد لم يُخلقوا، فقد جاؤا بعد رسول الله بعهد طويل، مائة عام أو أكثر، مع ذلك تزعمون أنّكم على حقّ والشيعة على باطل!!
أمَا قال النبيصلىاللهعليهوآله : إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً(١) ؟!
فانظروا وفكّروا.. من المتمسّك بالثقلين، نحن أم أنتم؟!
أما قال النبيّصلىاللهعليهوآله : إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى - وفي رواية: هلك(٢) فمن المتخلّف عنهم، نحن أم أنتم.
هل الأئمّة الأربعة من أهل البيتعليهمالسلام ؟! أم الإمام عليّ والحسن والحسين ريحانتا النبيصلىاللهعليهوآله وسبطاه وسيّدا شباب أهل الجنة؟!
أما قال النبيصلىاللهعليهوآله فيهما: فلا تقدّموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم(٣) ؟!
ثم يقول ابن حجر في «تنبيه» له على الحديث: سمّى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم القرآن وعترته.. ثقلين، لأنّ الثقل: كلّ نفيس خطير مصون وهذان كذلك، إذ كلّ منهما معدن للعلوم اللدنية والأسرار والحكم العليّة والأحكام الشرعيّة، ولذا حثّصلىاللهعليهوآلهوسلم على الاقتداء والتمسّك بهم والتعلّم منهم.
وقيل سُمِّيا ثقلين: لثقل وجوب رعاية حقوقهما، ثمّ الّذين وقع الحث عليهم منهم، إنّما هم العارفون بكتاب الله وسُنّة رسوله، إذ هم الّذين لا يفارقون الكتاب إلى ورود الحوض، ويؤيّده الخبر السابق:
____________________
١) ذكرنا فيما سبق مصادره من كتب العامّة بالتفصيل.
٢) ذكرنا مصادره فيما سبق وانظر: الصواعق المحرقة: ٩١، تحت الآية السادسة.
٣) الصواعق المحرقة: ٨٩، تحت الآية الرابعة.
ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم.
وتَميّزوا بذلك عن بقيّة العلماء، لأنّ الله أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وشرّفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة، وقد مرّ بعضها.. إلى آخر ما قاله ابن حجر.
وما لي لا أتعجّب منه ومن أمثاله وما أكثرهم في علمائكم! فإنّه مع إذعانه وإقراره بأنّ أهل البيتعليهمالسلام يجب أن يقدَّموا على مَن سواهم، ويجب أن تأخذ الاُمّة منهم أحكام دينها ومسائلها الشرعية، لكنّه قدّم أبا الحسن الأشعري عليهم وأخذ منه اُصول دينه، وقدّم الأئمّة الأربعة، وأخذ أحكام الشريعة المقدّسة منهم لا من أهل البيتعليهمالسلام !!
وهذا نابع من العناد والتعصّب واللجاج، أعاذنا الله تعالى منها.
الأئمّة الأربعة
ثمّ أسألك أيّها الحافظ، إذا كان الواقع كما زعمت أنّ الأئمّة الأربعة كانوا على زهد وعدالة وتقوى، فكيف كفّر بعضهم بعضاً، ورمى بعضهم الآخر بالفسق؟!!
الحافظ - وقد تغيّر لونه ولاح الغضب في وجهه وصاح -: لا نسمح لكم أن تتهجّموا على أئمّتنا وعلمائنا إلى هذا الحدّ، أنا اُعلن أنّ كلامك هذا كذب وافتراء على أئمّة المسلمين، وهو من أباطيل علمائكم، أمّا علماؤنا فكلّهم أجمعوا على وجوب احترام الأئمّة الأربعة وتعظيمهم، ولم يكتبوا فيهم سوى ما يحكي جلالة شأنهم وعظيم مقامهم.
قلت: يظهر أنّ جنابك لا تطالع حتّى كتبكم المعتبرة، أو تتجاهل عن مثل هذه المواضيع فيها، وإلّا فإنّ كبار علمائكم كتبوا في ردّ الأئمة الأربعة، وفَسَّقَ بعضهم الآخر بل كفّر بعضهم بعضهم الآخر!!
الحافظ: نحن لا نقبل كلامك، بل هو مجرّد ادّعاء، ولو كنت صادقاً في ما تزعم فاذكر لنا أسماء العلماء وكتبهم وما كتبوا حتّى نعرف ذلك!
قلت: أصحاب أبي حنيفة وابن حزم وغيرهم يطعنون في الإمامَين مالك والشافعي.
وأصحاب الشافعي، مثل: إمام الحرمين، والإمام الغزالي وغيرهما يطعنون في أبي حنيفة ومالك.
فما تقول أنت أيها الحافظ، عن الامام الشافعي وأبي حامد الغزّالي وجار الله الزمخشري؟!
الحافظ: إنّهم من كبار علمائنا وفقهائنا، وكلّهم ثقات عدول يُعتمد عليهم ويُصلّى خلفهم.
قلت: جاء في كتبكم عن الإمام الشافعي أنّه قال: ما وُلد في الإسلام أشأم من أبي حنيفة.
وقال أيضاً: نظرت في كتب أصحاب أبي حنيفة فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة، فعددت منها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسُنّة!
وقال الإمام الغزّالي في كتابه «المنخول في علم الاُصول»: فأمّا أبو حنيفة فقد قلّب الشريعة ظهراً لبطن، وشوّش مسلكها، وغيّر نظامها. و أردف جميع قواعد الشريعة بأصلٍ هَدَم به شرع محمّد المصطفى ، و من فعل شيئاً من هذا مستحلاً كفر، ومن فعله غير
مستحلّ فسق.
ويستمرّ بالطعن في أبي حنيفة بالتفصيل إلى أن قال: إنّ أبا حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، يلحن في الكلام ولا يعرف اللغة والنحو ولا يعرف الأحاديث، ولذا كان يعمل بالقياس في الفقه، وأوّل من قاس إبليس.
انتهى كلام الغزالي.
وأمّا جار الله الزمخشري صاحب تفسير «الكشّاف» وهو يُعَدُّ من ثقات علمائكم وأشهر المفسّرين عندكم، قال في كتابه «ربيع الأبرار»: قال يوسف بن أسباط: ردّ أبو حنيفة على رسول اللهصلىاللهعليهوآله أربعمائة حديث أو أكثر!
وحكي عن يوسف أيضا: أنّ أبا حنيفة كان يقول: لو أدركني رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأخذ بكثير من قولي!!
وقال ابن الجوزي في «المنتظم» اتّفق الكلّ على الطعن فيه - أي: في أبي حنيفة - والطعن من ثلاث جهات:
١ - قال بعضٌ: إنّه ضعيف العقيدة، متزلزل فيها.
٢ - وقال بعض: إنّه ضعيف في ضبط الرواية وحفظها.
٣- وقال آخرون: إنّه صاحب رأي وقياس، وإنّ رأيه غالباً مخالف للأحاديث الصِّحاح.
انتهى كلام ابن الجوزي.
والكلام من هذا النوع كثير في كتبكم حول الأئمّة الأربعة، وأنا لا اُحبّ أن أخوض هذا البحث، وما أردت أن أتكلّم بما تكلّمت، ولكنّك أحرجتني بكلامك حيث قلت: إنّ علماء الشيعة يكذبون على
علمائنا وأئمّتنا فأردت أن اُثبت لك وللحاضرين أنّ كلام علماء الشيعة مستدلّ وصحيح ولا يصدر إلّا عن الواقع والحقيقة، ولكن كلامك أيّها الحافظ عار من الصحّة والواقع، وإذا أردت أن تعرف المطاعن كلّها حول الأئمّةً الأربعة، فراجع كتاب «المنخول في علم الاُصول» للغزّالي، وكتاب «النكت الشريفة» للشافعي، وكتاب «ربيع الأبرار» للزمخشري، وكتاب «المنتظم» لابن الجوزي.. حتى تشاهد كيف يطعن بعضُهم البعضَ إلى حدّ التكفير والتفسيق!!
ولكن لو تراجع كتب الشيعة الإمامية حول الأئمّة الاثني عشرعليهمالسلام لرأيت إجماع العلماء والفقهاء والمحدّثين والمؤرّخين على تقديسهم وعظم شأنهم وجلال مقامهم وعصمتهم (سلام الله عليهم).
لأنَّنا نعتقد أنّ الأئمّة الاثني عشرعليهمالسلام كلّهم خرّيجوا جامعة واحدة، وهم أخذوا علمهم من منبع ومنهل واحد، وهو منبع الوحي ومنهل الرسالة، فلم يفتوا إلّا على أساس كتاب الله تعالى والسُنّة الصحيحة التي استورثوها من جدّهم خاتم النبيّين وسيّد المرسلينصلىاللهعليهوآله عن طريق الإمام عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام وفاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمينعليهمالسلام ، وحاشا أئمّتناعليهمالسلام أن يفتوا على أساس الرأي والقياس، ولذا لا تجد أيّ اختلاف في ما بيّنوه، لأنّهم كلّهم ينقلون عن ذلك المنبع الصافي الزلال: «روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري»!.
مقام الإمام عند الشيعة الإمامية
الإمام في اصطلاح الشيعة يختلف عن الإمام في إصطلاحكم، فإنّ الإمام عندكم بمعناه اللغوي وهو: المقتدى، كإمام الجمعة والجماعة.
ولكن الإمام عندنا - كما هو ثابت في علم الكلام - هو صاحب الرئاسة العامة الإلهية خلافةً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في اُمور الدين والدنيا، إذ يجب على الاُمة كافة اتّباعه، ولذا نعتقد بأنّ الإمامة من اُصول الدين.
الشيخ عبد السلام: الإمامة عند علمائنا لا تعدُّ من اُصول الدين، بل أثبتوا أنّها من فروع الدين، وهم فنّدوا قول الشيعة بالأدلّة القطعية، فقولكم: إنّ الإمامة من اُصول الدين كلام بلا دليل.
قلت: كثير من علمائكم وافقونا في هذه العقيدة وأثبتوا صحّتها، وردّوا كلام القائلين بأنّ الإمامة من فروع الدين.
منهم: القاضي البيضاوي، وهو من أشهر مفسّريكم، قال في كتابه «منهاج الاُصول»: إنّ الإمامة من أعظم مسائل اُصول الدين التي مخالفتها توجب الكفر والبدعة.
ومنهم: العلاّمة القوشجي، وهو من أشهر الكلاميّين عندكم، قال في كتابه «شرح التجريد» في مبحث الإمامة: وهي رئاسة عامة في اُمور الدين والدنيا خلافةً عن النبيصلىاللهعليهوآله .
ومنهم: القاضي روزبهان، وهو من علمائكم الذي اشتهر
بالتعصّب ضدّ الشيعة قال: الإمامة عند الأشاعرة هي: خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوزة الملّة بحيث يجب اتّباعه على كافة الاُمّة.
ثمّ إذا كانت الإمامة من فروع الدين لَما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يؤكّد على أهميّتّها بقوله المروي في كتبكم المعتبرة، مثل: «الجمع بين الصحيحين» للحميدي و «شرح العقائد النسفية» لسعد التفتازاني.
قالصلىاللهعليهوآله : من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
من الواضح أنّ عدم المعرفة بفرع من فروع الدين لا يوجب التزلزل في أصل الدين حتّى يخرج صاحبه من الدنيا بالجاهلية قبل الإسلام. ولذا صرّح البيضاوي: بأنّ مخالفة الإمامة توجب الكفر والبدعة.
فالإمامة في معتقدنا، مرتبة عظيمة هامّة، نازلة منزلة النبوّة، والإمام قائم مقام النبيصلىاللهعليهوآله ، وبهذا يظهر الفرق بين أئمّتنا الاثنى عشر من أهل البيتعليهمالسلام وبين الأئمّة عندكم، فأنتم تطلقون كلمة الإمام على علمائكم، كالإمام الأعظم، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، والإمام الفخر الرازي، والإمام الغزالي وغيرهم، وهو عندكم كإمام الجمعة والجماعة، والإمام بهذا المعنى يخرج عن الحدّ والحصر.
ولكن الإمام بالمعنى الذي نقوله نحن فهو في كلّ زمان واحد لا أكثر، وهو أفضل أهل زمانه في جميع الصفات الحميدة، فهو الأعلم والأتقى والأشجع والأورع والمعصوم بفضل الله ولطفه من الخطأ والسهو، فيكون حجّة الله في الأرض، ولا تخلو الأرض من حجّة لله
عزّ وجلّ،يُعَيَّن بالنص، كما وردت نصوص من النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله في إمامة الاثنى عشر من أهل البيتعليهمالسلام ، وأمَرَ اُمّته بطاعتهم والأخذ منهم.
والأئمّة الاثنا عشرعليهمالسلام بعد جدّهم خاتم النبيّين وسيّد الخلق أجمعين يكونون أعلى رتبة وأرفع درجة من جميع الخلق حتّى الأنبياء العظام عليهم تحيات وصلوات الملك العلّام.
الحافظ: الله أكبر! قبل هذا كنت تذمّ الغلاة وتطردهم من مذهب الشيعة، والآن ثبت أنّكم أيضاً مغالون في حقّ أئمّتكم إذ تجعلونهم أعلى وأرفع من الأنبياء العظام، والقرآن يصرّح بأنّ مقام النبوّة أعلى المراتب التي يمنحها الله سبحانه لأحد من عباده المكرّمين، فكلامكم مخالف للقرآن الكريم والعقل السليم.
قلت: مهلاً لا تتسرّع في ردّنا، ولا تعجل في تخطئة كلامنا، ولا تقل بأنّ كلامنا يخالف القرآن الحكيم، بل لنا دليل على صحّة كلامنا واعتقادنا من القرآن الكريم، واعلم بأنّنا أبناء الدليل، حيثما مال نميل.
الحافظ: بيّنوا دليلكم حتّى نعرفه! فإنّ كلامكم غريب جدّاً!
قلت: إنّ الله سبحانه بعد أن يذكر امتحان أبي الأنبياء إبراهيم الخليلعليهالسلام وإبتلاءه في نفسه وأمواله وولده، وبعد نجاحه وفوزه في كلّ تلك الامتحانات، أراد الله تعالى أن يمنحه مقاماً أعلى من النبوّة والرسالة والخلّة والعزم، لأنّه كان آنذاك نبيّاً رسولاً من اُولي العزم، وصاحب الخلّة، فرفعه إلى مقام الإمامة وجعله إماماً للناس، فقال سبحانه:( وَ إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِکَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُکَ
لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (١) . فظهر أنّ الإمامة أعلى مرتبة من النبوّة والرسالة والعزم والخلّة.
الحافظ: فعلى هذا، إنّ الإمام عليّ (كرّم الله وجهه) يكون مقامه عندكم أعلى من مقام سيّدنا محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأيّ غلوّ أعظم من هذا؟!
قلت: ليس كذلك! وإنّما بين النبوّة العامّة والنبوّة الخاصة فرق كبير، والإمامة أعلى مرتبة من النبوّة العامة ودون النبوّة الخاصة، والأخيرة هي درجة خاتم الأنبياء وسيّد الخلق أجمعين، محمّد المصطفى، حبيبنا وحبيب إله العالمينصلىاللهعليهوآله .
النوّاب: أرجو المعذرة من التدخّل في البحث، فإنّي حريص على اكتساب المعلومات وفهم هذه المسائل، ولذا حينما تخطر مسألة في بالي أطرحها فوراً لأنّي أخاف أن أنساها، فسؤالي عن الآية الكريمة التي تقول:( لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ) (٢) - أي: الرسل - فالأنبياء كلّهم في رتبة واحدة ومقام الجميع عند الله على حدٍّ سواء، فكيف قسّمتم النبوّة إلى قسمين عامّة وخاصّة؟! أرجو التوضيح.
قلت: هذه الآية صحيحة في محلّها، أي لا نفرّق بين أحد من الرسل بأنّهم مبعوثون من عند الله عزّ وجلّ إلى الناس، وكلّهم يدعون إلى الله سبحانه وحده لا شريك له، وإلى المعاد والقيامة، ويدعون إلى المعروف والحسنات، وينهون عن المنكرات والسيّئات.
____________________
١) سورة البقرة، الآية ١٢٤.
٢) سورة البقرة، الآية ١٣٦ وسورة آل عمران، الآية ٨٤.
مراتب الأنبياء
هل إنّ النبيّ المبعوث إلى ألف نفر يساوي مقامه مقام النبي الذي اُرسل الى مائة ألف؟! وهل هذا يساوي مقامه مقام النبي الذي بعثه الله و أرسله إلى الناس كافّة؟!
وكذلك.. هل إنّ معلّم الدورة الابتدائية يساوي مقامه العلمي مقام اُستاذ الكلّيّة أو الجامعة؟! لا..
والحال إنّه يصحُّ أن نقول لاُستاذ الجامعة معلّم أيضاً، وكلاهما يعملان في وزارة واحدة وهي: وزارة التربية والتعليم ومسؤوليتها أن يأخذا بيد الطلاب ويصعدا بهم سلّم العلم والثقافة، ولكن أين هذا من ذاك!
وكذلك الأنبياء والرسل متساوون من جهة أنّهم مبعوثون ومرسلون من عند الله عزّ وجلّ إلى خلقه، لا نفرّق بين أحد منهم... ولكن من حيث العلم والفضل غير متساوين، فقد قال تعالى:( تِلْکَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ کَلَّمَ الله وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) (١) .
قال الزمخشري في الكشّاف في تفسيرها: إنّ المراد من:( وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) هو نبيّنا محمّد الّذي فضّله الله على جميع الأنبياء بخصائص كثيرة، أهمّها أنّه خاتم النبيّين.
النوّاب: أشكركم على هذا التوضيح التامّ، ورفع الشبهة والوهم، وقد بقي عندي سؤال آخر، أستأذنكم واستأذن الحاضرين
____________________
١) سورة البقرة، الآية ٢٥٣
لأطرحه: وهو: أرجوكم أن توضّحوا معنى: النبوّة الخاصة وميزتها ولو باختصار، والرجاء أن يكون بيانكم على حدّ فهمنا ومستوانا.
قلت: إنّ ميزات النبوّة الخاصة كثيرة والمجلس لم ينعقد لبيان هذا الموضوع، فإذا اُدخل هذا البحث ضمن بحوثنا انشغلنا عن مبحث الإمامة الذي هو محور النقاش والحوار. ولكن من باب: «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» اُبيّن لكم باختصار:
النبوّة الخاصّة
الإنسان الكامل هو صاحب النفس المتكاملة بالتزكية، لقوله تعالى:( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَکَّاهَا ) (١) وتزكية النفس إنّما تحصل عن طريق التعقّل، والعقل يدعو إلى العلم والعمل، فهما الجناحان اللذان يحلّق بهما الإنسان ويسمو بهما إلى قمّة الكمال الممكن.
كما روي عن الإمام عليعليهالسلام أنّه قال: «خَلَقَ الإنسان ذا نفس ناطقة، إنْ زكّاها بالعلم والعمل فقد شابهت جواهر أوائل عللها، وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد وصار موجوداً بما هو إنسان دون أن يكون موجوداً بما هو حيوان».
فكما أنّ الطائر يرتفع في الفضاء ويحلّق في الجوّ على قدر قوّة جناحيه بالنسبة إلى جثّته، كذلك الإنسان يرتفع في سماء المعنوية والكمالات الروحية بمقدار علمه وعمله الصالح المبتني على أساس العقل السليم.
فكلّ إنسان إذا بلغ مرتبة الكمال فقد بلغ مرتبة النبوّة، وإذا
____________________
١) سورة الشمس، الآية ٩.
اختاره الله سبحانه وبعثه إلى الناس، صار نبيّاً رسولاً.
وللنبوّة والكمال مراتب، كما هو ثابت في أبحاث النبوّة في كتب الكلامية، و أعلى تلك المراتب هي المرتبة التي حين وصل إليها حبيب الله محمّدصلىاللهعليهوآله خُتمت به النبوّة، وليس فوق الخاتمية مرتبة ممكنة للإنسان، وأعلى منها مرتبة الربّ جلّ جلاله وعمّ نواله.
فمقام خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآله فوق جميع المراتب المتصوَّرة والمقرّرة لممكن الوجود، ودون مرتبة واجب الوجود.
ومرتبة الإمام فوق مراتب النبوّة ودون مرتبة الخاتمية بدرجة، ولمـّا كان الإمام عليعليهالسلام واصلاً إلى مرتبة النبوّة واتّحدت نفسه مع نفس خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآله حتّى صار كنفس واحدة، منحه الله تعالى مرتبة الإمامة وجعله أفضل من الأنبياء الماضين.
وصلنا إلى هنا فارتفع صوت المؤذّن يدعو إلى صلاة العشاء وبعد إقامة الصلاة، عاد الجميع إلى المجلس وتناولوا الشاي والحلوى.
فقال الحافظ: إنّك تصعّب الموضوع أكثر فأكثر، وقبل أن تجيب على الإشكال الأوّل، نجد في كلامك إشكالاً آخر!
قلت: الموضوع واضح وسهل، فلا أدري ما هو الصعب في نظركم؟! وما هو الإشكال في كلامي؟! إطرحوه حتّى اُجيب عنه!!
الحافظ: في كلامكم الأخير أجد بعض الكلمات التي لا تخلو من إشكال:
١- قولكم: إنّ عليّاً كرّم الله وجهه وصل مرتبة النبوّة.
٢- قولكم: إنّ عليّاً اتّحدت نفسه مع نفس النبيّ حتّى صارا كنفس واحدة.
٣- قولكم: إنّ عليّاً أفضل من جميع الأنبياء غير خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فهذه الجمل غريبة جدّاً، ولا أدري ما هو دليلكم عليها؟!
قلت: ربّما يكون كلامي غريباً ومشكلاً وصعباً بالنسبة لكم!
لأنّكم لا تريدون أن تتعمّقوا في الحقائق ولا تريدون أن تدرسوا القضايا هذه دراسة تحقيق وتفهّم.
وأمّا بالنسبة للعلماء المحقّقين والمنصفين، فإنّ كلامي ليس بغريب ولا مشكل، بل هو واضح ومقبول.
وإليك الجواب عن الإشكالات التي طرحتها.
إثبات مرتبة النبوّة
إنّ الدليل على أنّ الإمام عليّعليهالسلام وصل مرتبة النبوّة وكان أهلاً لهذا المقام العظيم، هو حديث المنزلة المرويّ عن النبيصلىاللهعليهوآله في كتبكم المعتبرة أنه قال:
«يا عليّ! أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيَّ بعدي».
وتارة كانصلىاللهعليهوآله يخاطب الناس فيقول: «علي منّي بمنزلة هارون من موسى» إلى آخره.
الحافظ: لا نعلم صحّة هذا الحديث، وعلى فرض صحّته فهو خبر واحد لا يُعتدّ به ولا يعتمد عليه.
قلت: يظهر أنّك قليل الاطّلاع حتّى على كتبكم والأخبار والأحاديث المرويّة فيها، أو أنّك تتجاهل الحقائق وتتناسى الأحاديث
المرويّة عن طرقكم حتّى وصل بعضها حدّ التواتر، مثل هذا الحديث وأتعجّب من قولك: إنّه خبر واحد... فكلامك هذا إمّا عن سهو أو عناد!
إسناد حديث المنزلة
ولكي تعرف ويعرف الحاضرون صحّة حديث المنزلة عندنا وعندكم، فإنّي أذكر بعض أسانيده الحاضرة في ذهني وحافظتي بمقدار ما يسمح لي المقام، حتّى يعترف الكلّ أنّ هذا الحديث الشريف لم ينقل عن طرق واحد، بل من طرق متعدّدة، رواه كبار علمائكم ومحدّثيكم، وهو من الأحاديث المتواترة:
١- البخاري في الصحيح / ٣ من كتاب المغازي في باب غزوة تبوك، ومن كتاب بدء الخلق في باب مناقب عليعليهالسلام .
٢- مسلم بن الحجّاج في صحيحه ٢/٢٣٦/٢٣٧/ ط. مصر ١٢٩٠، وفي كتاب فضل الصحابة / باب فضائل عليعليهالسلام .
٣- الإمام أحمد بن حنبل في المسند ١/٩٨ و ١١٨ و ١١٩ في وجه تسمية الحسنينعليهماالسلام .
فبعد ذكر هذه الأسانيد والمدارك المعتبرة من أعلام علمائكم، وهي قليل من كثير، هل أذعنت بصحّة حديث المنزلة؟ وهل تعترف بأنّك كنت مشتبهاً في قولك: إنّه خبر واحد لا يعتدّ به!
الحافظ: لم يثبت التواتر بثلاثة مصادر، بل يحتاج إلى ذِكر مصادر أكثر حتّى نقول وصل حدّ التواتر.
قلت:
أوّلاً: كلّ مصدر من هذه المصادر التي ذكرتها يعادل عندكم بألف.
ثانياً صرّح بعض المحقّقين من علمائكم بتواتر حديث المنزلة، مثل العلّامة جلال الدين السيوطي في كتبه: «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة» و «إزالة الخفاء» و «قرّة العينين» ففي هذه الكتب عدّ حديث المنزلة من الأحاديث المتواترة.
وإذا لم يزل في قلبك شكّ وتريد أن تطمئنّ فراجع كتاب: «كفاية الطالب» تأليف محمد بن يوسف الكنجي الشافعي، وهو من أعلام علمائكم، في الباب السبعين منه، فإنّه بعدما يروي الحديث عن عدّة طرق يقول: هذا حديث متّفق على صحّته، رواه الأئمّة الأعلام... إلى آخره.
فأكتفى بهذا المقدار، وأظنّ أنّ الإبهام ارتفع والحافظ اقتنع.
الحافظ: أنا لست بلجوج ولا معاند، ولكن أدعوك إلى مطالعة كلام العالم الفقيه أبي الحسن الآمدي، الذي هو من المتكلّمين المتبحّرين، فإنّه يردّ حديث المنزلة ويضعّفه.
قلت: أتعجّب منك! إذ إنّك عالم وتدّعي التحقيق والإنصاف، ثمّ تعدل عن كبار علمائكم الموثّقين بما فيهم أئمّة أهل الحديث المجمع على صحّة ما رووا كالبخاري ومسلم، ثمّ تأخذ بقول الآمدي سيّئ العقيدة والتارك للصلاة!!
الشيخ عبد السّلام: الإنسان حرٌّ في بيان عقيدته، فلا يجوز لأحد أن يتّهم أحداً أظهر عقيدته في شيء يخالف المشهور، ثمّ يُقْبُح من
مثلكم أن تتهجّموا بسوء الكلام على فقيه، بل يجب أن تردّوه بالمنطق والدليل، وخاصة جنابك، حيث تجسِّد أخلاق أهل البيت رضي الله عنهم.
قلت:
أوّلاً: إن كنتم تلتزمون بحرّيّة العقيدة، فلماذا ترمون الشيعة بالكفر والشرك وتجوّزون قتلهم ونهب أموالهم؟!
لذا فهم يخفون عقائدهم الحقة إذا عاشوا في بلادكم وبين أظهركم خشية القتل!
أم إنّكم تقصدون حرّيّة الآمدي فحسب، وذلك في نصبه العداء ومخالفته لأهل البيتعليهمالسلام ؟!!
ثانياً ... أنا لم أتهجّم على الآمدي بسوء الكلام، بل نقلت قول علمائكم الأعلام فيه.
الشيخ عبد السّلام: أين ذكر علماؤنا الآمديَّ بسوء العقيدة وترك الصلاة؟!
شرح أحوال الآمدي
ذكر ابن حجر في كتاب «لسان الميزان»: السيف الآمدي، المتكلّم عليّ بن أبي عليّ، صاحب التصانيف، وقد نُفي من دمشق لسوء اعتقاده، وصحّ أنّه كان يترك الصلاة!!
وذكر الذهبي - وهو من أعلامكم - في كتاب «ميزان الاعتدال» نفس الترجمة للآمدي وزاد: «أنه كان من المبتدعة».
وإذا نظرتم في حال الآمدي بنظر التحقيق لعرفتم أنّه لو لم يكن
عديم الإيمان ومبتدعاً لَما خالف جميع الصحابة حتّى عمر بن الخطّاب - الذي هو أحد رواة حديث المنزلة - ولَما خالف كلّ المحدّثين الثقات وأعلام الرواة.
وأتعجّب من أنّكم تطعنون في الشيعة، لأنّهم لا يقبلون بعض الأحاديث المرويّة في الصحيحين عندكم، وهي عندنا غير صحيحة السند!
ولكنّ الآمدي حينما يردّ حديثاً أجمع عليه علماء الفريقين، وصحَّحه ورواه جميع أصحاب الصحاح الستّة! كيف تقبلون كلامه وتأخذون برأيه؟! وهو واحد خارج عن الإجماع، وعلى الأصل الذي عندكم!
ولو لم يكن للآمدي أيّ عيب ونقص سوى إنّه ردّ حديثاً جاء في الصحيحين، وبردِّه كذّب الفاروق وكذّب البخاري ومسلم وسائر أصحاب الصحاح، لكفى في طعنه وفسقه عندكم.
الحافظ: قلتم إنّ أحد رواة حديث المنزلة، الخليفة عمر بن الخطّاب (رض) فهل يمكن أن تبيّنوا سندكم على هذا النقل؟
قلت: روى جماعة من علمائكم ومحدّثيكم حديث المنزلة عن عمر بن الخطّاب، منهم:
١- نصر بن محمّد السمرقندي الحنفي، في كتاب «المجالس».
٢- محمد بن عبدالرحمن الذهبي في «الرياض النضرة».
٣- المولى علي المتّقي الهندي، في «كنز العمّال».
٤- العلّامة ابن الصبّاغ المالكي، في «الفصول المهمّة».
٥- محبّ الدين الطبري، في «ذخائر العقبى».
٦- الشيخ سليمان الحنفي، في «ينابيع المودّة».
٧- موفّق بن أحمد الخوارزمي، في «المناقب».
هؤلاء كلّهم رووا عن ابن عبّاس حبر الاُمّة - واللفظ للأخير - بسنده المتّصل - بحذف سلسلة السند للاختصار - قال:
حدّثني أمير المؤمنين الرشيد، عن أبيه، عن جدّه، عن عبدالله بن عبّاس، قال: سمعت عمر بن الخطّاب وعنده جماعة فتذاكروا السابقين إلى الإسلام..
فقال عمر: أمّا عليٌّ فسمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول فيه ثلاث خصال وددت لو أنّ لي واحدة منهنّ، كان أحبّ إليَّ ممّا طلعت عليه الشمس.
كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من الصحابة إذ ضرب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بيده على منكب عليّ فقال: يا عليّ! أنت أوّل المؤمنين إيماناً، وأوّل المسلمين إسلاماً، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى.
أخرجه ابن عساكر في تاريخه عن عمر مع تغيير يسير في اللّفظ.
وأخرجه المتّقي الهندي الحنفي في كنز العمّال: ٦/ ٣٩٥ وفيه زيادة لم تكن في غيره، وهذا نصّه:
مسند عمر، عن ابن عبّاس [ قال] قال عمر بن الخطّاب: كفّوا عن ذكر عليّ بن أبي طالب! فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول في عليّ ثلاث خصال، لئن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس:
كنت أنا وأبو بكر وأبوعبيدة بن الجرّاح ونفر من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والنبيّ متّكئ على عليّ بن
أبي طالب، حتّى ضرب بيده على منكبه ثمّ قال: أنت يا عليّ أوّل المؤمنين إيماناً، وأوّلهم إسلاماً، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى، وكذب من زعم أنّه يحبّني ويبغضك.
وأخرجه الإسكافي في كتابه «نقض الرسالة العثمانية» للجاحظ: ص ٢١/ط مصر وفيه زيادات نافعة، فليراجع.
وبعد هذا هل يجوز في مذهبكم الردّ على الخليفة عمر وهو الفاروق عندكم؟! وإذا لا يجوز ذلك فكيف تأخذون بقول الآمدي المعلوم الحال؟!
حكم الخبر الواحد عند العامة
وبقيت جملة اُخرى من كلامكم، لابُدّ لي من جوابها، زعمتم: أنّ حديث المنزلة خبر واحد، ثمّ قلتم: إنّ الخبر الواحد لا اعتبار به ولا اعتماد عليه.
أقول: إذا يصدر هذا الكلام من أحد الشيعة فإنّه يُقبل منه، لأنّه على الأصل والمبنى المقبول عندنا.
ولكن صدور هذا الكلام من مثلكم يثير التعجّب والتساؤل، لأنّ في مذهبكم خبر الواحد مقبول وحجّيّته ثابتة، حتّى أنّ بعض علمائكم حكم بتكفير وفسق المنكِر له، فقد قال ملك العلماء شهاب الدين في كتابه «هداية السعداء» في فصل المضمرات من كتب الشهادات.
ومن أنكر الخبر الواحد والقياس، وقال: إنّه ليس بحجّة، فإنّه يصير كافراً! ولو قال: هذا الخبر الواحد غير صحيح، وهذا القياس غير ثابت، لا يصير كافراً ولكن يصير فاسقاً!
الحافظ: لقد سررت جدّاً من حسن بيانكم وسعة اطّلاعكم عن كتبنا، وقد وجدتكم على خلاف ما كنت أسمع من قبل بأنّ علماء الشيعة لا يلمسون كتبنا ويعتقدون بنجاستها، فكيف بمطالعتها؟!
قلت: هذه أقاويل وأباطيل أعداء الإسلام، فإنّهم يريدون أن يفرّقوا بين المسلمين، وفي المثل: «يعكّروا الماء ليصطادوا سَمَكاً»، وهو من باب «فرّق تَسدُ».
يريدون فرض سيادتهم وهيمنتهم علينا، ولكنا يجب أن نكون واعين في هذه الاُمور ويجب أن نعرف خطط أعدائنا المستعمرين فنبيّنها لعامّة الناس حتّى لا يقعوا في شباكهم، ويتبصّروا في تشخيص مصالحهم ومضارّهم، فيخيّبوا آمال الأعداء بمخالفتهم.
يجب أن نوجّه أتباعنا المسلمين إلى مفاهيم القرآن الكريم حيث يقول:( إِنْ جَاءَکُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (١) .
على أثر غفلتنا عن القرآن، وابتعادنا عن تعاليمه الحقّة، يتمكّن عدوّ المسلمين أن يتصرّف في أفكارنا، فنصدّق أكاذيبه ونعتقد بأباطيله! منها ما كنت تسمعه، كما قلتُ: بأنّ علماء الشيعة لا يلمسون كتبكم إلى آخره.
نحن نأخذ كتب المرتدّين والكفار والمشركين بكلتي يديدنا ونطالعها حتّى نعرف ما يقولون، فنأخذ صحيحها ونطرح سقيمها، ونردّ شبهاتها الموجّهة إلينا، فكيف بكتبكم وأنتم إخواننا في الدين؟!
فاعلموا.. أنّنا على خلاف ما قيل لكم، بل نحترم كتبكم
____________________
١) سورة الحجرات، الآية ٦.
ونطالعها بدقّة وإمعان، ونستفيد من أقوال علمائكم وأقوال محقّقيكم، ونستفيد من الأحاديث والروايات الصحيحة المرويّة في مسانيدكم وصحاحكم، وإنّ كثيراً من الكتب التي تدرّس في حوزاتنا العلمية تكون من تأليف وتصنيف علمائكم.
منتهى الأمر بعض رواتكم المقبولين عندكم، غير موثّقين ولا معتبرين عندنا، مثل: أنس وأبي هريرة وسَمُرَة وغيرهم، وهذا لا يخصّنا الآن، فإنّ بعض علمائكم أيضاً لا يقبلونهم، منهم: أبو حنيفة، فإنّه لا يقبل هؤلاء الثلاثة ونظراءهم!
وكتبكم عندنا معتبرة ونستفيد منها، وأنا شخصاً أكثر مطالعاتي حول النبيصلىاللهعليهوآله وسيرته المباركة وتاريخ الأئمّة من آله صلوات الله عليهم تكون من كتبكم، وأستند إليها في خطبي ومحاضراتي، وأنقل منها أكثر ممّا أنقل من كتبنا.
وإنّ مكتبتي الخاصة تحتوي على أكثر من مائتي مجلّد مطبوع ومخطوط من كتبكم المشهورة في التفسير والتاريخ والفقه والحديث والكلام والرجال و
ولكنّا نطالع كتبكم مطالعة تحقيق وتمحيص فكما أنّ النّقّاد والصّرافين يميزون بين الدراهم والدنانير، والصحيحة من المغشوشة، فكذلك نحن حينما نطالع أيّ كتاب لا نحسب محتوياته ومضامينه من المسلَّمات، بل نتفكّر فيها ونميّز بين الأحاديث والروايات والمواضيع، فنأخذ الصحيحة ونترك السقيمة، ولا تؤثّر فينا شبهات وتشكيكات الفخر الرازي، ولا مغالطات ابن حجر، أو إشكالات روزبهان، او تكذيبات الآمدي وأمثالهم.
واعلم أنّ مطالعتي لكتبكم، والنظر في الأحاديث المرويّة والمقبولة عندكم، كانت السبب في معرفتي لأئمّة أهل البيتعليهمالسلام أكثر، ويقيني بعلوّ مقامهم وعظم شأنهم.
الحافظ: لقد ابتعدنا عن موضوع البحث، فالرجاء بيّنوا وجه الاستدلال بحديث المنزلة، على أنّ عليّاً كرّم الله وجهه كان في رتبة النبوّة؟!
قلت: يثبت بهذا الحديث الشريف ثلاث خصائص للإمام عليّعليهالسلام :
١- مقام النبوّة بأنه لو كان نبيٌّ بعده لكان عليّاً ولكنّهصلىاللهعليهوآله خاتم النبيين.
٢- مقام وزارة النبيّصلىاللهعليهوآله وخلافته.
٣- أفضليّة الإمام عليعليهالسلام على جميع الصحابة.
ودليل ذلك أنّ النبيصلىاللهعليهوآله جعل الإمام عليّاًعليهالسلام منه بمنزلة هارون من موسى، وكان هارون نبيّاً، وكان وزير موسى وخليفته في قومه، وكان أفضل بني إسرائيل بعد أخيه موسى.
النوّاب: هل كان هارون نبيّاً؟!
قلت: نعم.
النواب: عجباً! إنّي ما سمعت بهذا من قبل! فهل ذكر الله نبوّته في القرآن الحكيم؟!
قلت: نعم، في سورة النساء، الآية ١٦٣، قوله تعالى:( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْکَ کَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْبَاطِ وَ عِيسَى وَ أَيُّوبَ وَ يُونُسَ وَ هَارُونَ وَ سُلَيْمَانَ وَ آتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً ) .
وفي سورة مريم، الآية ٥٣ قوله تعالى:( وَ وَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً ) .
الحافظ: إذاً على هذا فمحمدٌ وعليٌّ كلاهما نبيّان مبعوثان من عند الله إلى الخلق!
قلت: أنا لا أقول هكذا، وأنت تعلم أنّ عدد الأنبياء كثير جدّاً، وهو محل اختلاف بين العلماء، حتّى قال بعضهم: إنّ عددهم مائة وعشرون ألفاً أو اكثر، لكن كان أكثرهم يتّبعون الأنبياء أُولي العزم من الرسل. وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتمهم سيّدنا ونبيّنا محمّد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهارون كان نبيّاً غير مستقلّ وإنّما كان تابعاً لأخيه موسى ويعمل على شريعة أخيه.
كذلك الإمام عليّعليهالسلام ، كان تالياً لرتبة أخيه وابن عمّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله واصلاً مقامَ النبوّة ولكن غير مستقلّ بالأمر، بل كان تابعاً لشريعة سيّد المرسلين وخاتم النبيّين محمّدصلىاللهعليهوآله .
وكان غرض النبيّصلىاللهعليهوآله من هذا الحديث الشريف أن يعرّف عليّاًعليهالسلام لأمته في هذا المقام، ويثبت له تلك الرتبة الرفيعة والدرجة العليّة، وهذه خصيصة عالية من خصائص الإمام عليّعليهالسلام .
وذكر ابن الحديد في «شرح نهج البلاغة» حديث المنزلة وعلّق عليه قائلاً:
ويدلّ على أنّه وزير رسول اللهصلىاللهعليهوآله من نصّ الكتاب والسُنّة، قول الله تعالى:( وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَ أَشْرِکْهُ فِي أَمْرِي ) (١) .
____________________
١) سورة طه، الآية ٢٩ - ٣٢.
وقال النبيصلىاللهعليهوآله في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق الإسلام: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيَّ بعدي».
فأثبتَ له جميع مراتب هارون من موسى.
فإذاً هو وزير رسول اللهصلىاللهعليهوآله وشادّ أزره، ولولا أنّه خاتم النبيّين لكان شريكاً في أمره(١) .
وذكر العلّامة محمد بن طلحة الشافعي حديث المنزلة عن النبيصلىاللهعليهوآله في كتابه مطالب السؤول: ١/ ٥٤ ط دار الكتاب، وعلّق عليه فقال: فتلخيص منزلة هارون من موسى أنّه كان أخاه ووزيره، وعضده، وشريكه في النبوّة، وخليفته على قومه عند سفره، وقد جعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليّاً منه بهذه المنزلة، وأثبتها له، إلّا النبوّة، فإنّهصلىاللهعليهوآله استثناها في آخر الحديث بقوله: «لا نبيّ بعدي» فبقي ما عدا النبوّة المستثناة ثابتاً لعليٍّعليهالسلام من كونه أخاه ووزيره وعضده وخليفته على أهله عند سفره إلى تبوك.
وهذه من المعارج الشراف ومدارج الإزلاف، فقد دلّ الحديث بمنطوقه ومفهومه على ثبوت هذه المزيّة العليّة لعليٍّعليهالسلام ، وهو حديث متّفق على صحّته.
انتهى كلامه.
وذكر مثل هذا الكلام العلاّمة ابن الصبّاغ المالكي في كتابه «الفصول المهمة» وكذلك كثير من علمائكم الكبار وقد ذكروا الحديث وعلّقوا عليه تعليقات مفيدة، ولكنّ الوقت لا يسمح أن أذكر لكم كلّ مقالات علمائكم وتعليقاتهم المؤيّدة لكلامنا حول حديث المنزلة.
____________________
١) شرح نهج البلاغة: ١٣ / ٢١١/ ط دار إحياء الكتب العربية.
الحافظ: ولكنّي أظنّ أنّ الاستثناء في الحديث ينفي مرتبة نبوّة عليٍّ كرّم الله وجهه، وإنّ قولكم: إنّ سيّدنا محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم لو لم يكن خاتم النبيّين وكان الله يبعث بعده نبيّاً لكان ذلك عليّ بن أبى طالب! من غلوّكم ولم يقل به قائل.
قلت: إنّ الحقّ واضح، ولكنّك يا للأسف تتبّع أسلافك في إنكار الحقّ بعد ظهوره، نعوذ بالله من التعصّب والعناد!
ثمّ اعلم أنّ هذا القول لا يكون من الشيعة فحسب حتّى ترمينا بالغلوّ، وإنّما كثير من علمائكم ذهب هذا المذهب أيضاً.
الحافظ: لا أعرف أحداً من علمائنا ذهب هذا المذهب، وإنْ كنتم تعرفون أحداً فاذكروا اسمه!
قلت: أحد علمائكم الذي أخذ بهذا القول هو: ملّا علي بن سلطان محمد الهروي القاري، صاحب التصانيف والتآليف الكثيرة.
قال في كتابه «المرقاة في شرح المشكاة» عند ذكره حديث المنزلة قال: وفيه إيماء إلى أنّه لو كان بَعْدَهُصلىاللهعليهوآله نبيّاً لكان عليّاً.
ومنهم: العلّامة الشهير والعالم النحرير جلال الدين السيوطي، في آخر كتابه «بغية الوعّاظ في طبقات الحفّاظ» ذكر مسنداً عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيَّ بعدي ولو كان لكنتَه.
ومنهم: المير سيّد علي الهمداني، الفقيه الشافعي، ذكر في الحديث الثاني من المودّة السادسة في كتابه «مودّة القربى» عن أنس بن
مالك، أنّه روى أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: إنّ الله اصطفاني على الأنبياء فاختارني واختار لي وصيّاً، واخترت ابن عمّي وصيّي، يشدّ عضدي كما يشدّ عضد موسى بأخيه هارون، وهو خليفتي، ووزيري، ولو كان بعدي نبيّاً لكان عليٌّ نبيّاً، ولكن لا نبوّة بعدي.
فثبت أنّ الشيعة لا تنفرد بهذا المقال، بل هناك كثير من علمائكم قالوا به أيضاً.
بل قال به النبيصلىاللهعليهوآله أيضاً كما يظهر من الأخبار المرويّة في كتبكم، وقد مرّت.
فحديث المنزلة يضمن جميع مراتب هارون بالنسبة لموسى لعليّ بن أبي طالب بالنسبة لمحمّد المصطفىصلىاللهعليهوآله إلّا النبوّة بعدهصلىاللهعليهوآله التي استثناها فقالصلىاللهعليهوآله : «إلّا أنّه لا نبوّة بعدي».
وأجلى المراتب الثابتة لهارون هي خلافته لقوله تعالى:( وَ قَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (١) ومنها تثبت خلافة عليٍّعليهالسلام بعد خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآله .
الحافظ: لقد ذكرت الآيات القرآنية أنّ هارون شريك موسى في أمر النبوّة، فكيف جعلوه خليفة له؟! والحال أنّ مرتبة الشريك أعلى من مرتبة الخليفة، فإذا جعلوا الشريك خليفة فقد أنزلوا من مقامه، لأنّ مقام النبوّة أعلى من مقام الخلافة.
قلت: لو تدبّرت في حديثنا السابق وفهمته، ما طرحت هذا الإشكال! فقد بيّنا أنّ نبوّة موسى هي الأصل ونبوّة هارون تابعة لنبوّة أخيه، كما يقال: إنّ فلاناً عضو على البدل، فكأنّه خليفته.
____________________
١) سورة الأعراف، الآية ١٤٢.
ثمّ إنّ هارون كان شريك أخيه في تبليغ الرسالة السماوية، هذا ما يظهر من الآيات التي تحكي كلام موسى ودعاءه في قوله تعالى:( قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَ أَشْرِکْهُ فِي أَمْرِي * کَيْ نُسَبِّحَکَ کَثِيراً * وَ نَذْکُرَکَ کَثِيراً ) (١) .
ولكنّ عليّ بن أبي طالب هو الرجل الوحيد الذي كان شريكاً لرسول اللهصلىاللهعليهوآله في جميع صفاته الخاصة ومراحل الكمال إلّا النبوّة الخاصّة.
الحافظ: ما زلنا نزداد تعجّباً وحيرة منكم، لأنّكم تغالون في عليّ كرّم الله وجهه غلوّاً يأباه العقل السليم! أليس قولكم هذا إنّ علياً كان يشارك النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في جميع صفاته الخاصة مغالاة صريحة في حقّ عليّ كرم الله وجهه؟!
قلت: إنّ كلامي هذا ليس غلواً ولا يأباه العقل، بل هو الحقّ الصريح ويحكم به العقل السليم الصحيح، فإنّ خليفة النبيّصلىاللهعليهوآله يجب أن يكون - على القاعدة العقلية - مثله في جميع صفاته الكمالية حتّى يصحّ أن يكون بديله وقائماً مقامه وممثّله.
لذلك، فإنّ كثير من علمائكم الكبار ذهبوا مذهبنا وقالوا مقالنا.
____________________
١) سورة طه، الآية ٢٥ -٣٤.
منهم: الإمام الثعلبي في تفسيره، والعالم الفاضل السيّد أحمد شهاب الدين في كتاب «توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل» قال: ولا يخفى أنّ مولانا أمير المؤمنين قد شابه النبيَّ في كثير، بل أكثر الخصال الرضيّة والفعال الزكيّة وعاداته وعباداته وأحواله العليّة، وقد صحّ ذلك له بالأخبار الصحيحة والآثار الصريحة، ولا يحتاج إلى إقامة الدليل والبرهان، ولا يفتقر إلى إيضاح حجّة وبيان، وقد عدّ بعض العلماء بعض الخصال لأمير المؤمنين عليّ التي هو فيها نظير سيّدنا النبي الاُمّيّ، فهو نظيره في النسب، ونظيره في الطهارة بدليل قوله تعالى( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَکُمْ تَطْهِيراً ) (١) .
ونظيره في آية وليّ الاُمّة، بدليل قوله:( إِنَّمَا وَلِيُّکُمُ الله وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّکَاةَ وَ هُمْ رَاکِعُونَ ) (٢) .
ونظيره في الأداء والتبليغ، بدليل الوحي الوارد عليه يوم إعطاء سورة براءة لغيره، فنزل جبرئيل قال: لا يؤدّيها إلّا أنت أو من هو منك، فاستعادها منه فأدّاها عليّ رضي الله تعالى عنه في الموسم.
ونظيره في كونه مولى الاُمة بدليل قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه».
ونظيره في مماثلة نفسيهما، وأنّ نفسه قامت مقام نفسهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والله تعالى أجرى نفس عليّ مجرى نفس النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال:( فَمَنْ حَاجَّکَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَکَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَکُمْ وَ نِسَاءَنَا وَ نِسَاءَکُمْ
____________________
١) سورة الاحزاب، الآية ٣٣.
٢) سورة المائدة، الآية ٥٥.
وَ أَنْفُسَنَا وَ أَنْفُسَکُمْ ) (١) .
ونظيره في فتح بابه في المسجد كفتح باب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجواز دخوله المسجد جُنُباً كحال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على السواء.
لمـّا وصل الحديث إلى هذا الموضوع، وإذا بهمهمة قامت بين الحاضرين من أهل السُنّة والجماعة. فسألت عن سبب ذلك، فأجاب النوّاب قائلاً:
في خطبة يوم الجمعة في المسجد، نسب الحافظ هذه الفضيلة لسيّدنا أبي بكر (رض)، والآن جنابكم تنسبوه للإمام عليّ رضي الله عنه، لذلك تحيّر الحاضرون من هذا التناقض!
قلت - مخاطباً للحافظ -: أ صحيح أنّك نسبت هذه الفضيلة للخليفة أبي بكر؟!
الحافظ: نعم.. لقد ورد عن الصحابي الجليل والثقة العدل أبي هريرة (رض): أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمر بسدّ أبواب بيوت الاصحاب التي تنفتح في المسجد إلّا باب بيت أبي بكر (رض) وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أبو بكر منّي وأنا منه.
قلت: لا يخفي على كلّ من طالع التاريخ بدقّة وتحقيق، أنّ بني اُميّة سعوا في خلق الفضائل والمناقب للصحابة الّذين كانوا مناوئين لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، ولا سيّما المناقب التي تعدّ من خصائص أمير المؤمنين عليعليهالسلام فنسبوها إلى الآخرين.
فكان معاوية يدعو أبا هريرة والمغيرة وعمرو بن العاص
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ٦١.
ونظراءهم، فيشبع بطونهم بألوان الطعام، ويغريهم بالأموال والحطام، ويأمرهم بنقل الروايات المجعولة والأخبار المعلولة لأهل الشام، وكان المناوئون البكريّون والعمريّون والعثمانيّون ينشرون تلك الأباطيل والأكاذيب بين الأنام.
ولكن ظهر أمام هؤلاء المفترين الوضّاعين، جماعة من علمائكم المحقّقين، وفضحوا بعض تلك الأخبار المجعولة وكشفوا الستار عنها.
منهم: العلّامة الكبير والعالم النحرير، ابن أبي الحديد، قال: فلمّا رأت البكرية ما صنعت الشيعة، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث، نحو: «لو كنت متّخذاً خليلاً» فإنّهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء، ونحو «سدّ الأبواب» فإنّه كان لعليٍّعليهالسلام فقلبته البكرية إلى أبي بكر(١) .
والعجب منك أيّها الحافظ إذ تنقل هذا الخبر المجعول لأصحابك وتترك الخبر الصحيح المتواتر والمجمَع عليه، وقد أثبته كبار علمائكم وأصحاب الصحاح كلّهم رووا: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمر بسدّ جميع الأبواب التي كانت تنفتح على مسجده إلّا باب بيته وباب بيت الإمام عليعليهالسلام .
النوّاب: لقد صار هذا الخبر موضع اختلاف، فالحافظ يقول: إنّه من مناقب أبي بكر (رض)، وأنتم تقولون: إنّه من فضائل سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه ومن خصائصه دون الصحابة، فهل عندكم مدارك وأسناد معتبرة عندنا أي: تكون من كتبنا المشهورة؟!
قلت: نعم.
____________________
١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١١/٤٩ ط دار إحياء التراث العربي.
روى الإمام أحمد في مسنده ١/١٧٥ و ٢/٢٦ و ٤/٣٦٩.
والنسائي في سننه، وأيضاً في خصائصه: ١٣ و١٤.
والحاكم في المستدرك ٣/١١٧ و ١٢٥.
وسبط ابن الجوزي في التذكرة ٢٤ و ٢٥.
وابن الأثير الجزري في أسنى المطالب ١٢.
وابن حجر في الصواعق المحرقة ٧٦.
وابن حجر العسقلاني في فتح الباري ٧/١٢.
و الخطيب البغدادي في تاريخه ٧/٣٤٢.
وابن كثير في تاريخه ٧/٣٤٢.
والمتّقي الهندي في كنز العمّال ٦/٤٠٨.
والهيثمي في مجمع الزائد ٩/١١٥.
ومحبّ الدين الطبري في الرياض ٢/١٩٢.
والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء ٤/١٥٣.
والسيوطي في تاريخ الخلفاء ١١٦، وفي بعض كتبه الاُخرى.
مثل: جمع الجوامع والخصائص الكبرى واللآلي المصنوعة ج ١.
ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب.
والحمويني في فرائد السمطين.
وابن المغازلي في المناقب.
والمناوي في كنوز الدقايق.
وشهاب الدين القسطلاني في إرشاد الساري ٦/٨١.
والقندوزي في ينابيع المودّة، أفراد الباب ١٧ لهذا الحديث.
والحلبي في السيرة الحلبية ٣/٣٧٤.
ومحمد بن طلحة في مطالب السؤول ١٧.
هؤلاء وغيرهم من كبار علمائكم ومحدّثيكم رووا عن كبار الصحابة المعتبرين عندكم، كالخليفة الثاني، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن عمر، وزيد بن أرقم، وبراء بن عازب، وأبي سعيد الخدري، وأبي حازم، والأشجعي، وسعد بن أبي وقّاص، وجابر بن عبدالله الأنصاري، وغيرهم، قالوا: إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أمر بسدّ جميع الأبواب التي كانت تُفتح من بيوت الصحابة في المسجد إلّا باب بيت عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
وبيّن بعضُ علمائكم المحقّقين توضيحات كاملة وكافية لتوجيه وهداية المغترّين والمغرورين بالدعايات الاُمويةً فضلّوا عن الحقّ وعن الصراط المستقيم.
لقد خصّص العلّامة محمد بن يوسف الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» باباً، وهو الخمسون خَصَّصَهُ في هذا الموضوع، وبعد أن يروي الأخبار وينقل الروايات المعتبرة والمقبولة بسنده يقول: هذا حديث حسن عال.
ثمّ يقول: وإنّما أمر النبيّصلىاللهعليهوآله ، بسدّ الأبواب وذلك لأنّ أبواب مساكنهم كانت شارعة إلى المسجد فنهى الله تعالى عن دخول المساجد مع وجود الحيض والجنابة، فعمّ النبيصلىاللهعليهوآله بالنهي عن الدخول في المسجد والمكث فيه للجنب والحائض وخصّ عليّاً بالإباحة في هذا الموضع.
وما ذاك دليل على إباحته المكروه له، وإنّما خصّ بذلك لعلم المصطفىصلىاللهعليهوآله بأنّه يتحرّى من النجاسة هو وزوجته فاطمة وأولاده
صلوات الله عليهم، وقد نطق القرآن بتطهيرهم في قوله عزّ وجلّ:( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَکُمْ تَطْهِيراً ) (١) إلى آخره ما رواه وعلّقه العلاّمة الكنجي.
فمع هذا التوضيح من العلّامة الكنجي الشافعي فليقايس جناب الحافظ مع الخبر الذي نقله إلى المصلّين في يوم الجمعة عن أبي هريرة، ثمّ لينظر هل يكون عنده دليل على طهارة أبو بكر؟! مع غضّ النظر عن كل الأسناد والمدارك التي ذكرتها في تأييد الخبر وصحّته في الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام لا غيره.
فلينظر الحافظ هل يكون عندَه دليل طهارة أبي بكر حتّى يسمح له فتح بابه في المسجد وتردّده فيه؟!
فلمّا لم يدّعِ أحدٌ من المسلمين طهارة أبي بكر، لم يكن خبر فتح بابه على المسجد صحيحاً، بل هو كذب افتراه الجعّالون، وقد تذكّرت الآن حديثاً بالمناسبة، رواه كبار علمائكم عن الخليفة عمر بن الخطّاب.
ورواه الحاكم في المستدرك ٣/١٢٥، والحافظ سليمان القندوزي في «ينابيع المودّة» باب ٥٦ ص ٢١٠، نقلاً عن «ذخائر العقبي» ومسند الإمام أحمد، ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب: ٢٦١، وابن حجر في الصواعق المحرقة: ٧٦، وجلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء، وغير هؤلاء، كلّهم رووا - باختلاف يسير في الألفاظ - أنّ عمر بن الخطّاب قال: «لقد اُوتي عليّ بن أبي طالب ثلاث خصال، لأن تكون لي واحدة منها أحبّ إليَّ من خُمر النّعم:
زوّجه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بنته.
____________________
١) سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
وسدّ الأبواب إلّا بابه، وسكناه المسجد مع رسول الله، يحلّ له فيه ما يحلّ له.
وأعطاه الراية يوم خيبر».
فاكتفي بهذا المقدار في هذا الإطار، وأظنّ أنّ الحقّ قد انكشف والسحاب قد انقشع، وظهر الواقع لحضرة النوّاب وجناب الحافظ وجميع الحاضرين.
والآن نرجع إلى محور حديثنا من قبل، وهو كلام السيّد شهاب الدين، حول الإمام عليّعليهالسلام :
فبعد مقايسته لبعض خصال الإمام عليّعليهالسلام المشابهة لخصال النبيّصلىاللهعليهوآله ، يقول في آخر حديثه: ومن تتبّع أحواله في الفضائل المخصوصة، وتفحّص أحواله الشمائل المنصوصة، يعلم أنّه كرّم الله تعالى وجهه بلغ الغاية في اقتفاء آثار سيّدنا المصطفى، وأتى النهاية في اقتباس أنواره حيث لم يجد فيه غيره مقتضى.
هذا نموذج من مقالات واعترافات كبار علمائكم في حقّ الإمام عليّعليهالسلام ومقاماته العالية وفضائله السامية، نقلتها لكم حتّى تعرفوا، أنّي لم اُغالِ في حقّ الإمام عليٍّعليهالسلام ، ولم أدّعِ شيئاً بغير مستند في حقّه.
بل كلّ ما أقوله إنّما هو عن دليل وبرهان، وتدقيق وإتقان.
وعلماء الشيعة كلّهم كذلك، كلّ ما نقلوه من فضائل الإمام عليّعليهالسلام ومناقبه إنّما هي مستندة إلى كتب كبار علمائكم ومحقّقيكم.
ولكن من دواعي الأسف أنّ بعض علمائكم، وخاصة في زماننا، إذا واجهوا عوامّ الناس والجهلاء من أتباعهم، ينكرون تلك
الفضائل والمناقب المرويّة في الكتب المعتبرة عندهم في حقّ الإمام عليّعليهالسلام ، بل يكذّب بعضُهم بكلّ صلافة الشيعة وغيرهم إذا نقلوا تلك الأخبار والروايات المعتبرة.
وحاصل الكلام، فقد ثبت أنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام هو نظير رسول اللهصلىاللهعليهوآله وشريكه، كما كان هارون بالنسبة لموسى بن عمرانعليهالسلام ولمـّا وجد موسى أخاه هارون أوْلى وأفضل من جميع بني إسرائيل، وهو اللائق بهذا المقام، سأل ربّه عزّ وجلّ فيه وقال:( وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَ أَشْرِکْهُ فِي أَمْرِي ) (١) .
وكذلك محمّد المصطفى، خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآله لمـّا وجد أخاه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام أفضل اُمّته، وأرجحهم علماً وعقلاً، فهو أليقهم بأمر الخلافة، وأوْلاهم بمقام الإمامة، سأل ربّه سبحانه وتعالى فيه ما سأله النبي موسىعليهالسلام في حقّ أخيه.
النوّاب: هل وردت روايات في هذا الباب؟
قلت: أمّا الشيعة فقد أجمعوا على هذا الموضوع من غير إنكار، وأمّا علماؤكم فقد نقلوا أيضاً في كتبهم المعتبرة روايات صحيحة وأحاديث صريحة في ذلك، منهم:
ابن المغازلي الفقيه الشافعي، في «مناقبه».
وجلال الدين السيوطي، في تفسيره «الدرّ المنثور».
والإمام الثعلبي، في تفسيره «كشف البيان».
وسبط ابن الجوزي، في كتابه «تذكرة الخواصّ» في ذيل آية
____________________
١) سورة طه، الآيات ٢٩- ٣٢.
الولاية، وروى في صفحة ١٤، عن أبي ذرّ الغفاري وأسماء بنت عميس - إحدى زوجات أبي بكر، قالا:
صلّينا يوماً الظهر في المسجد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله وإذا برجل قام يسأل الناس شيئاً فما أعطاه أحد، وكان عليعليهالسلام في الركوع فأشار إليه بإصبعه، فأخرج السائل خاتمه من إصبعه، فرأى النبيصلىاللهعليهوآله ذلك، فنظر نحو السماء وقال: اللهمّ إنّ أخي موسى سألك فقال:( ربّ اشرح لي صدري * ويسّر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيراً من أهلي * هارون أخي * أشدد به أزري * وأشركه في أمري ) فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً:( سنشدّ عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما ) .
اللهمّ وأنا محمّد صفيّك ونبيّك، فاشرح لي صدري، ويسرّ لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي، علياً اشدد به أزري.
فوالله ما انتهى النبيصلىاللهعليهوآله من الدعاء، إلّا ونزل جبرئيل بالآية الكريمة:( إِنَّمَا وَلِيُّکُمُ الله وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّکَاةَ وَ هُمْ رَاکِعُونَ ) (١) .
والعلّامة محمد بن طلحة نقل هذا الخبر مع اختلاف يسير في الألفاظ، في كتابه «مطالب السؤول ١٩».
وهناك خبر آخر، نقله الحافظ أبو نعيم في «منقبة المطهّرين» والشيخ علي الجعفري في «كنز البراهين» والإمام أحمد بن حنبل في «المسند» والسيّد شهاب الدين في «توضيح الدلائل» والسيوطي في «الدرّ المنثور» وآخرون من كبار علمائكم، لا يسع الوقت لذكر أسمائهم
____________________
١) سورة المائدة، الآية ٥٥.
لكثرتهم، فقد ذكروا في كتبهم بطرق مختلفة عن: أسماء بنت عميس وغيرها من الصحابة، ورووا عن ابن عبّاس - حبر الاُمّة - أنّه قال:
أخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيدي وبيد عليّ بن أبي طالب، فصلّى أربع ركعات، ثمّ رفع يده نحو السماء وقال: اللهمّ سألك موسى بن عمران، وأنا محمد أسألك: أن تشرح لي صدري، وتيسّر لي أمري، وتحلّ عقدة من لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً، اُشدد به أزري، وأشركه في أمري.
فقال ابن عبّاس: سمعت صوتاً يقول: يا أحمد! قد اُوتيت ما سألت.
وقال ابن عبّاس: فأخذ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بيد عليّ ورفعها نحو السماء، وقال: يا علي! ارفع يدك واسأل ربّك ليعطيك شيئاً.
فرفع عليٌّ يده وقال: اللهمّ اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي عندك ودّاً.
فنزل جبرئيل بالآية الكريمة:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمٰنُ وُدّاً ) (١) .
فتعجّب الأصحاب من هذا الموضوع، فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : ممّا تعجبون؟! إنّ القرآن أربعة أرباع، فربع فينا أهل البيت خاصة، وربع حلال، وربع حرام، وربع فرائض وأحكام، والله أنزل في عليّعليهالسلام كرائم القرآن.
____________________
١) سورة مريم الآية ٩٦.
الشيخ عبد السّلام: على فرض صحّة كلامكم، فإنّ حديث المنزلة لا يخصّ عليّ بن أبي طالب، بل ورد في حقّ الشيخين أبي بكر وعمر (رض).
فقد روى قزعة بن سويد، عن أبي مليكة، عن ابن عبّاس، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أبو بكر وعمر منّي بمنزلة هارون من موسى.
قلت: لو كنتم تعرفون رأي علمائكم في رواة هذا الحديث لَما تمسّكتم به!
فإنّ قزعة كالآمدي، كذّاب جعّال، وإنّ كبار علمائكم الرجاليّين، ردّوا عليه وقالوا، إنّ رواياته غير مقبولة.
منهم: العلّامة الذهبي في كتابه «ميزان الاعتدال» قال في ترجمة قزعة بن سويد: نقل هذا الحديث - منزلة الشيخين - عمّار بن هارون وأنكره فقال: هذا كذب.
لذا فنحن نتعجّب منكم إذ تتركون الحديث المجمَع عليه، والمرويّ في كتب الفريقين، وهو مؤيّد بأحاديث صحيحة اُخرى، وتتمسّكون بحديث ضعيف، مردود عند الفرقين، وغير مقبول عند كبار علمائكم الأعلام!!
ولمـّا وصلنا إلى هنا نظر بعض الحضور إلى الساعة وقالوا: لقد طال بنا الحديث، ومضى من الليل نصفه، فلنترك الحوار حول الموضوع إلى الليلة القابلة.
فوافق جميع الحاضرين، وتوادعوا، وذهبوا إلى بيوتهم.
المجلس الخامس
ليلة الثلاثاء ٢٧ رجب ١٣٤٥
أقبل الحافظ وسائر العلماء من أوّل الليل مع جماعة كبيرة من أتباعهم، وبعد تناول الشاي والحلوى، بدأ الحافظ قائلاً:
لقد فكّرت كثيراً في حديثكم وكلامكم حول حديث المنزلة، وراجعت كتبنا فرأيته كما ذكرتم أنّه من الأحاديث الصحيحة المتواترة بإجماع علمائنا وأهل الحديث الموثَّقين عندنا..
ولكنّه لا يدلّ على خلافة سيّدنا عليّ كرم الله وجهه بعد وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مباشرة من غير فاصل كما تقولون، بل صدر حديث المنزلة عند خروج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من المدينة إلى غزوة تبوك وخلّف عليّاً في المدينة.
فهو يدلّ على خلافة سيّدنا عليّ رضي الله عنه لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في ذلك المورد فحسب، وذلك في حياة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلا يتعدّى إلى موارد اُخرى، وخاصة بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم !
قلت: لو كان أحد الحاضرين من غير العلماء يطرح هذا الإشكال ما كنت أتعجّب، ولكن هذا البيان من رجل فاضل يعلم قواعد اللغة العربية.. مثلكم غريب!
لأنّ الاستثناء الذي جاء في آخر حديث المنزلة يفيد العموم، وهو: «إلّا أنّه لا نبيّ بعدي».
ثمّ هناك أصل مقبول عند أشهر علماء اللغة العربية وهو: إنّ اسم الجنس إذ ذُكر في الكلام وكان مضافاً إلى اسم علم فهو يفيد العموم وكلمة «المنزلة» التي اُضيفت الى اسم «هارون» يُفهم منها معناها العام.
وجملة «لا نبيّ بعدي» يؤول على المصدر، أي: «لا نبوّة بعدي» وهو أيضاً على القاعدة المشهورة بين اللغويّين العرب.
الحافظ: إذا ننظر إلى جملة: «لا نبيّ بعدي» بنظر الدقّة، لوجدناها جملة إخبارية، فلا يمكن استثناؤها من منازل هارون ومراتبه، ثمّ ما الداعي لنصرف ظاهر الكلمة على المصدر؟!
قلت: إنّك تعرف الحقّ وتحرفه جدلاً! لأنّ كلامي غير شاذّ، بل هو على القواعد المسلَّمة عند علماء اللغويّين والاُصوليّين، وهناك كثير من علمائكم قالوا به وصرّحوا بما فهمناه من حديث المنزلة.
وعندنا دليل أقوى من كلّ ذلك، وهو أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله صرّح أيضاً بهذا المعنى كما في بعض الروايات الصحيحة المعتبرة عند علمائكم، منهم:
١- محمد بن يوسف الكنجي الشافعي، في كتابه «كفاية الطالب في مناقب مولانا علي بن أبي طالب» الباب السبعين.
٢- الشيخ سليمان الحنفي القندوزي، في كتابه «ينابيع المودّة»
بسنده عن عامر بن سعد، عن أبيه.
ومن طريق آخر بسنده عن مصعب بن سعد، عن أبيه، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليّعليهالسلام : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبوّة بعدي؟!
قال القندوزي في الباب السادس من كتابه: هذا حديث متّفق على صحّته، ورواه الأئمّة الحفّاظ كأبي عبدالله البخاري ومسلم بن الحجّاج في صحيحيهما.
٣- ابن كثير، في تاريخه، عن عائشة بنت سعد عن أبيها عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٤- سبط ابن الجوزي، في تذكرة الخواصّ: ١٢، نقلاً عن مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم.
٥- الإمام أحمد، في المناقب.
٦- أحمد بن شعيب النسائي، في كتابه «خصائص عليّ بن أبي طالب» بسنده عن سعد بن أبي وقّاص عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٧- الخطيب الخوارزمي، في المناقب، عن جابر بن عبدالله الأنصاري.
.. هؤلاء وغيرهم رووا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوّة؟!
٨- المير سيد علي الهمداني، في كتابه «مودّة القربى» - المودّة السادسة، عن أنس بن مالك - وقد نقلتُ لكم الحديث في الليلة
الماضية - يقول في آخره: ولو كان بعدي نبيّاً لكان عليٌّ نبيّاً ولكن لا نبوّة بعدي.
فثبت بحديث المنزلة، أنّ موسى بن عمرانعليهالسلام كما خلّف أخاه هارونعليهالسلام مكانه حينما ذهب لميقات ربّه سبحانه، وفوّض أمر النبوّة إليه، لأنّه كان أفضل اُمّته وأحفظهم للدين، فجعله يقوم مقامه، كي لا يضيع شرعه وتذهب أتعابه سدىً كذلك خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآله ، وشريعته المقدّسة أفضل الشرائع السماوية، ودينه المبين أكمل الأديان الإلهيّة.
فمن الأوْلى أن لا يترك اُمّته من غير خليفة، ولا بُدّ له أن يعيّن من يقوم مقامه في أمر النبوّة، كي لا تختلف اُمته في أحكام الدين، ولا يضيع شرعه المقدَّس بين الجاهلين والمغرضين، فيتحكمون فيه ويفتون بالرأي والقياس، وما استحسنته عقولهم المتحجّرة، فيذهبون إلى الدروشة والتصوّف.. وما إلى ذلك.
حتّى انقسمت الاُمّة الإسلامية الواحدة التي قال تعالى في وصفها:( إِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُکُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّکُمْ فَاعْبُدُونِ ) (١) . فتفرّقت إلى ثلاث وسبعين فرقة، واحدة ناجية والباقون في النار، لأنّهم ضالون ومضلّون.
فأعلن النبيصلىاللهعليهوآله أنّ عليّاً منه بمنزلة هارون من موسى، وبقي على المسلمين أن يفهموا من الحديث الشريف، بأنّ جميع منازل هارون تكون لعليّعليهالسلام ، ومنها تفضيله على الآخرين، وخلافته للنبيّصلىاللهعليهوآله في حياته وبعدها.
____________________
١) سورة الأنبياء، الآية ٩٢.
الحافظ: كلّ ما بيّنتموه حول حديث المنزلة نقبله، إلّا هذا الموضوع الأخير. فإنّ كلّ منازل ومراتب هارون تكون لعليٍّ كرّم الله وجهه في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأمّا بعد حياته فلا!
لأنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عيّن عليّاً خليفته في المدينة حينما أراد الخروج لغزوة تبوك - وهي قضية في واقعة - فلمّا رجعصلىاللهعليهوآلهوسلم من الغزو تسلّم الأمر من عليّ كرّم الله وجهه، وانتهى التعيين لأنّه كان خاصّاً بذلك الزمان.
فلا نفهم من حديث المنزلة خلافة سيّدنا عليّ رضي الله لسيّدنا محمد المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم ما بعد وفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا الأمر يحتاج إلى دليل آخر.
قلت: لم ينحصر صدور حديث المنزلة في غزوة تبوك فقط، بل نجد في الأخبار المعتبرة والروايات الصحيحة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أعلن حديث المنزلة في مناسبات اُخر.
منها: حينما آخى بين أصحابه في مكّة واُخرى في المدينة واتّخذ عليّاًعليهالسلام أخاً لنفسه، فقالصلىاللهعليهوآله له: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيَّ بعدي.
الحافظ: هذا خبر غريب! لأنّي كلّ ما سمعت وقرأت عن حديث المنزلة، أنّه صدر من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حين ذهابه إلى تبوك، وذلك لمـّا خلّف عليّاً رضي الله عنه في المدينة، فحزن عليٌّ لعدم مشاركته في الحرب والجهاد، فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ...؟ إلى آخره.
لذلك فإنّي أظن أنّ سماحة السيّد قد وهم في كلامه، واشتبه الأمر عليه.
قلت: إنّي لست متوهّماً، بل على يقين من كلامي، وهو قول جميع علماء الشيعة وكثير من علمائكم أيضاً، منهم:
١- المسعودي، في مروج الذهب ٢/ ٤٩.
٢- السيرة الحلبية ٢/ ٢٦ و١٢٠.
٣- الإمام النسائي، في خصائص عليّ بن أبي طالب:١٩.
٤- سبط ابن الجوزي، في التذكرة: ١٣ و١٤.
٥- الشيخ سليمان الحنفي القندوزي، في «ينابيع المودّة» الباب التاسع والسابع عشر، نقلاً عن مسند الإمام أحمد، وعن زوائد المسند لعبدالله بن أحمد، وعن مناقب الخوارزمي.
كلّ هؤلاء ذكروا حديث المنزلة ضمن خبر المؤاخاة، والمستفاد من الأخبار والروايات، أنّ النبيصلىاللهعليهوآله كرّر حديث المنزلة في حضور أصحابه وفي مناسبات كثيرة منها: عند المؤاخاة، وعند استخلافهصلىاللهعليهوآله عليّاً على المدينة حين خروجهصلىاللهعليهوآله منها إلى تبوك وغيرها.
فكأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله كان يريد إعلان خلافة أخيه وابن عمّه الإمام عليّعليهالسلام في كلّ وقت ومكان، لا في زمان ومكان معيّن.
الحافظ: كيف تفهمون من حديث المنزلة هذا الموضوع المهمّ، ولم يفهمه الصحابة الكرام ما فهمتموه؟!
أم تقولون إنّهم فهموا من حديث المنزلة ما فهمتموه ومع ذلك خالفوا نبيّهم وبايعوا غير سيّدنا عليّ رضي الله عنه؟!
قلت: في جواب سؤالك الثاني، الذي هو قولنا، عندي قضايا
مشابهة كثيرة، ولكن أكتفي بنقل قضية واحدة وهي قضية هارون الذي نحن في ذِكره والكلام يدور حوله.
وعلَيٌّعليهالسلام في الإسلام يشبه هارون في بني إسرائيل، والقضية كما ذكرها المفسّرون عند تفسير قوله تعالى:( وَ وَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ قَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (١) .
قال المفسّرون: إنّ موسى بن عمران لمـّا أراد أن يذهب إلى ميقات ربّه تعالى، جمع بني إسرائيل - والحاضرون على بعض الروايات سبعون ألف نفر، فأكّد عليهم أن يطيعوا أمر هارون ولا يخالفوه في شيء، فإنّه خليفته فيهم.
ثمّ لمـّا ذهب إلى الميقات وطال مكثه، انقلب بنو إسرائيل على هارون فخالفوه وأطاعوا السامريّ، وسجدوا للعجل الذي صنعه السامري من حليّهم وذهبهم!
ولمـّا منعهم هارون ونهاهم من ذلك ودعاهم لعبادة الله سبحانه تألّبوا عليه وكادوا يقتلونه، كما حكى الله تعالى عن قول هارون:( إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ کَادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (٢) .
بالله عليكم، أيّها الحاضرون، أنصفوا!! هل إنّ اجتماع اُمّة موسى حول السامريّ و عجلهم، وتركهم هارون خليفة موسى بن عمران، المؤيَّد من عند الله، والمنصوص عليه بالخلافة، دليل على أحقّيّة السامريّ وبطلان خلافة هارون؟!
____________________
١) سورة الأعراف، الآية ١٤٢.
٢) سورة الأعراف، الآية ١٥٠.
هل إنّ عمل بني إسرائيل صحيح عند الله سبحانه وتعالى؟!
هل لعاقل أن يقول: إنّ بني إسرائيل إذا كانوا يسمعون من لسان نبيّهم نصّاً في خلافة هارون ما كانوا يتركوه، ويجتمعون حول السامريّ وعجله؟!
وهل إنّ اجتماعهم حول السامريّ وعجله، دليل على انهم ما سمعوا نصّاً من موسى بن عمران في خلافة أخيه هارون؟!
كلّنا يَعلم أنّ هذا كلام تافه وواهٍ.، لأنّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ موسىعليهالسلام نصب هارون في مقامه، وعيّنه خليفته في قومه، ثمّ ذهب إلى ميقات ربّه، ولكنّ بني إسرائيل مع كلّ ذلك ضلّوا عن الحقّ، بإغواء السامريّ وتدليس إبليس لعنه الله.
فهم مع علمهم بخلافة هارون ووجوب إطاعتهم أمره، خالفوه وكادوا يقتلونه، بل أطاعوا السامريّ وسجدوا لعجله وعبدوه!!
كذلك بعد وفاة النبيّصلىاللهعليهوآله ، إنّ اُولئك الّذين سمعوا من فم رسول اللهصلىاللهعليهوآله كراراً ومراراً، بالصراحة والكناية، يقول: إنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، فكما أنّ اُمّة موسى تركوا هارون، كذلك اُمّة محمّدصلىاللهعليهوآله تركوا عليّاً، وتبعوا أهواءهم.
بعضهم للرئاسة والدنيا كما قال أمير المؤمنين عليّعليهالسلام : حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها(١) .
وبعضهم للحقد الذي كان مكنوناً في صدورهم، لأنّ عليّاًعليهالسلام قتل أبطالهم وجندل ذؤبانهم، وضربهم بسيفه حتّى استسلموا وقالوا:
____________________
١) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح - : ٥٠ الخطبة الشقشقية، لسان العرب: ٦/١٣ مادّة «زبر».
لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، بألسنتهم ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، فكانوا يتحيّنون الفرصة لإظهار بغضهم الدفين، فلمّا اُتيحت لهم الفرصة بوفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله انقلبوا على أعقابهم، وفعلوا ما فعلوا ظلماً وعناداً.
وبعضهم للحسد والكبرياء، لأنّهم كانوا أسنّ من الإمام عليّعليهالسلام ، وهو يوم ذاك لم يبلغ الأربعين من العمر، فثقل عليهم أن يخضعوا له ويطيعوا أمره!
لهذه الأسباب ونحوها تركوا خليفة نبيّهم وخذلوه وكادوا يقتلوه، كما كاد بنو إسرائيل أن يقتلوا هارون!!
لذلك روى ابن قتيبة وهو من كبار علمائكم، في كتابه الإمامة والسياسة صفحة ١٣ - ١٤ / ط مطبعة الأمة بمصر تحت عنوان: «كيف كانت بيعة عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه».
قال: وإنّ أبا بكر (رض) تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليّ كرّم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء وناداهم وهم في دار عليّ، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها!
فقيل له: يا أبا حفص، إنّ فيها فاطمة!
فقال: وإنْ!!
فخرجوا وبايعوا إلّا عليّاً فأخرجوا عليّاً، فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع.
فقال: إنْ أنا لم أفعل فمه؟!
قالوا: إذاً والله الذي لا إله إلّا هو نضرب عنقك!!
قال: إذاً تقتلون عبدالله وأخا رسوله.
قال: عمر أمّا عبدالله فنعم، وأمّا أخو رسوله فلا!
وأبو بكر ساكت لا يتكلّم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟!!
فقال: لا اُكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه.
فلحق عليٌّ بقبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يصيح ويبكي وينادي:( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ کَادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (١) .
ونقل أكثر المؤرّخين الموثّقين عندكم أنّ الإمام عليّاًعليهالسلام تلا هذه الآية عند قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله في تلك الحالة العصيبة، وهي حكاية قول هارون عند أخيه موسى بن عمران حينما رجع من ميقات ربّه، فشكى إليه قومه بني إسرائيل، وكيف استضعفوه وصاروا ضدّه.
وإنّي أعتقد أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يعلم بأنّه سيجري من قومه على وصيه وخليفته من بعده، ما جرى على هارون من اُمّة موسى في غيبته، ولذلك شبّه عليّاًعليهالسلام بهارون.
والإمام عليّعليهالسلام لإثبات هذا المعنى خاطب النبيّصلىاللهعليهوآله عند قبره فقال له ما قال هارون لأخيه موسى، قوله تعالى:( إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ کَادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (٢) .
فلمّا وصل حديثنا إلى هذه النقطة، سكت الحافظ وبهت
____________________
١ و٢) سورة الأعراف، الآية ١٥٠.
الحاضرون، و بدا ينظر بعضهم إلى بعض، في حالة من التفكّر و التعجّب.
فرفع النوّاب رأسه وقال: إذا كانت الخلافة حقّ الإمام عليّعليهالسلام بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مباشرة من غير تأخّر وذلك بأمر الله تعالى كما تقولون، فلماذا لم يصرّح به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمام أصحابه والذين آمنوا به؟!
فلو كان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول بالصراحة: يا قوم! إنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي فيكم وهو بعدي أميركم والحاكم عليكم، فلم يكن حينئذ عذر للاُمّة في تركه ومبايعة غيره ومتابعة الآخرين!
قلت:
أوّلاً: المشهورين بين أهل اللغة والأدب بأنّ: «الكناية أبلغ من التصريح» فتوجد في الكناية نكات دقيقة ولطائف رقيقة لا توجد في التصريح أبداً.
مثلاً المعاني الجمّة التي تستخرج من كلمة «المنزلة» فيما نحن فيه من البحث حول حديث المنزلة، تكون أعمّ وأشمل من كلمة «الخليفة» لأنّ الخلافة تكون جزءاً وفرعاً لمنزلة هارون من موسى.
ثانياً: توجد تصريحات من النبيصلىاللهعليهوآله في خلافة الإمام عليّعليهالسلام .
النوّاب: هل يمكن أن تبيّنوا لنا تلك التصريحات وأعتذر أنا من هذا السؤال، لأنّ علماءَنا يقولون لنا: لا يوجد حديث صريح من
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في خلافة عليّ كرّم الله وجهه، وإنّما الشيعة يؤوّلون بعض الأحاديث النبوية الشريفة في خلافة عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه!
قلت: إنّ الّذين قالوا لكم هذا الكلام، إمّا هم جهّال في زيّ أهل العلم، أو علماءٌ يتجاهلون! لأنّ الأحاديث الصريحة في خلافة الإمام عليّعليهالسلام وتعيينه دون غيره كثيرة، وقد ذكرها علماؤكم الأعلام في الكتب المعتبرة، وأنا الآن اُبيّن لكم بعض ما يحضرني، حسب ما يسمح به الوقت
يوم الإنذار
أوّل مناسبة صرّح فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآله بخلافة الإمام عليّعليهالسلام في أوان رسالته والإسلام بعد لم ينتشر، بل كان لا يزال في مهده ولم يخرج من مكّة المكرّمة، لمـّا نزلت الآية الكريمة:( وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَکَ الْأَقْرَبِينَ ) (١) .
روى الإمام أحمد، في مسنده ١/١١١ و ١٥٩ و٣٣٣.
والثعلبي في تفسيره عند آية الإنذار.
والعلّامة الكنجي الشافعي، في «كفاية الطالب» أفرد لها الباب الحادي و الخمسين.
والخطيب موفّق بن أحمد الخوارزمي، في المناقب.
ومحمد بن جرير الطبري، في تفسيره عند آية الإنذار، وفي
____________________
١) سورة الشعراء، الآية: ٢١٤.
تاريخه ٢/٢١٧ بطرق كثيرة.
وابن أبي الحديد، في «شرح نهج البلاغة».
وابن الأثير، في تاريخه، الكامل ٢/٢٢.
والحافظ أبو نعيم، في «حلية الأولياء».
والحميدي، في «الجمع بين الصحيحين».
والبيهقي، في «السنن والدلائل».
وأبو الفداء، في تاريخه ١/١١٦.
والحلبي، في السيرة ١/٣٨١.
والإمام النسائي، في الخصائص، حديث رقم ٦٥.
والحاكم في المستدرك ٣/١٣٢.
والشيخ سليمان الحنفي، في الينابيع، أفرد لها الباب الحادي والثلاثين.
وغيرهم من كبار علمائكم ومحدّثيكم ومفسّريكم، رووا - مع اختلاف يسير في العبارات -:
إنّه لمـّا نزلت الآية الشريفة:( وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَکَ الْأَقْرَبِينَ ) جمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله بني عبد المطّلب، وكانوا أربعين رجلاً، منهم من يأكل الجذعة(١) ويشرب العس(٢) .، فصنع لهم مُدّاً من طعام، فأكلوا حتّى شبعوا، وبقي كما هو!
ثمّ دعا بعسً، فشربوا حتّى رووا، وبقي كأنّه لم يُشْرب!
____________________
١) الجَذَعة: الشاة الصغيرة السِّن ومن الإبل ما كان سنها أربع سنين الى خمس.
وقيل سميت بذلك لأنها تجذع مقدّم أسنانها أي تسقطه.
٢) العَسّ: القدح الضخم يروي الثلاثة والأربعة.
ثمّ خاطبهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله قائلاً:
يا بني عبد المطّلب! إنّ الله بعثني للخلق كافّة وإليكم خاصة، وقد رأيتم ما رأيتم، وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان وثقيلتين في الميزان، تملكون بها العرب والعجم، وتنقاد لكم الاُمم، وتدخلون بهما الجنّة، وتنجون بهما من النار، وهما شهادة أنْ لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله.
فمن منكم يجبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي؟
وفي بعض الأخبار: يكون أخي وصاحبي في الجنّة. وفي بعض الأخبار: يكون خليفتي في أهلي.
فلم يجبه أحد إلّا عليّ بن أبي طالب، وهو أصغر القوم.
فقال له النبيّصلىاللهعليهوآله : اجلس، وكرّر النبيّصلىاللهعليهوآله مقالته ثلاث مرّات ولم يجبه أحد، إلّا عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
وفي المرّة الثالثة، أخذ بيده وقال للقوم: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا.
هذا الخبر الهامّ الذي اتّفق على صحّته علماء الفريقين من الشيعة والسُنّة.
تصريحات اُخرى في خلافة عليٍّعليهالسلام
وهناك تصريحات اُخرى من رسول اللهصلىاللهعليهوآله في شأن خلافة
الإمام عليّعليهالسلام ، ذكرها علماؤكم ومحدّثوكم الموثقون لديكم في كتبهم المعتبرة، منهم:
١- الإمام أحمد في «المسند» والمير السيّد علي الهمداني الشافعي في كتابه «مودة القربى» في آخر المودّة الرابعة، عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: يا عليّ! أنت تبرئ ذمّتي، وأنت خليفتي على اُمّتي.
٢- الإمام أحمد في «المسند» بطرق شتّى، وابن المغازلي الشافعي في المناقب، والثعلبي في تفسيره، عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال لعليّعليهالسلام : أنت أخي، ووصيّي، وخليفتي، وقاضي ديني.
٣- العلّامة الراغب الأصبهاني، في كتابه محاضرات الاُدباء ٢/٢١٣ ط. المطبعة الشرفية سنة ١٣٢٦ هجرية، عن أنس بن مالك، عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: إنّ خليلي ووزيري وخليفتي وخير من أترك بعدي، يقضي ديني، وينجز موعدي، عليّ بن أبي طالب.
٤- المير السيّد علي الهمداني الشافعي في كتابه «مودّة القربى» في أوائل المودّة السادسة، روى عن عمر بن الخطّاب، قال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمـّا آخى بين أصحابه قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : هذا عليٌّ أخي في الدنيا والآخرة، وخليفتي في أهلي، ووصيّي في اُمّتي، ووارث علمي، وقاضي ديني، ماله منّي مالي منه، نفعه نفعي، وضرّه ضرّي، من أحبّه فقد أحبّني، ومن أبغضه فقد أبغضني.
وفي رواية اُخرى - في المودّة السادسة - قالصلىاللهعليهوآلهوسلم مُشيراً لعليٍّعليهالسلام : وهو خليفتي ووزيري.
٥- العلّامة محمد بن يوسف الكنجي الشافعي، في كتابه «كفاية الطالب» في الباب الرابع والأربعين، روى بسنده عن ابن عبّاس، قال:
ستكون فتنة، فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله تعالى وعليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يقول: هذا أوّل من آمن بي، وأوَّلَ مَنْ يصافحني، وهو فاروق هذه الاُمّة، يفرق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو بابي الذي اُوتي منه، وهو خليفتي من بعدي.
قال العلّامة الكنجي: هكذا أخرجه محدّث الشام في فضائل عليّعليهالسلام ، في الجزء التاسع والأربعين بعد الثلاثمائة من كتابه بطرق شتّى.
٦- أخرج البيهقي والخطيب الخوارزمي وابن المغازلي الشافعي في «المناقب»:
عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قالصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليٍّعليهالسلام : إنّه لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي، وأنت أولى بالمؤمنين من بعدي.
٧- الإمام النسائي، وهو أحد أئمّة الحديث وصاحب أحد
الصحاح الستّة عندكم، أخرج في كتابه (الخصائص) في ضمن الحديث ٢٣:
عن ابن عبّاس، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليٍّعليهالسلام : أنت خليفتي في كلّ مؤمن من بعدي.
فالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يؤكّد في هذا الحديث أنّ عليّاًعليهالسلام خليفته من بعده، أي مباشرةً وبلا فصل، فلا اعتبار لإدّعاء أيّ مدعٍ خلافة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من الّذين نازعوا عليّاًعليهالسلام وغصبوا منصبه ومقامه(١) لوجود حرف: «مِن» في الحديث، فهي إمّا أن تكون بيانية أو ابتدائية، وعلى التقديرين يتعيّن عليّعليهالسلام بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّه خليفته بلا فصل.
٨- المير السيّد علي الهمداني: أخرج في كتابه «مودّة القربى» في الحديث الثاني من المودّة السادسة، بسنده عن أنس، رفعه عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إنّ الله اصطفاني على الأنبياء فاختارني واختار لي وصيّاً، واخترت ابن عمّي وصيّي، يشدّ عضدي كما يشدّ عضد موسى بأخيه هارون، وهو خليفتي، ووزيري، ولو كان بعدي نبيّاً لكان عليٌّ نبيّاً، ولكن لا نبوّة بعدي.
____________________
١) يفيدنا هذا الحديث الشريف: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله جعل الرضا بخلافة الإمام عليّعليهالسلام من بعده، من علائم الإيمان، والفرق بين الإسلام والإيمان واضح لقوله تعالى:( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰکِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَ لمـّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِکُمْ ) سورة الحجرات، الآية ١٤.
٩- أخرج الطبري في كتابه «الولاية» خطبة الغدير، عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول فيها: قد أمرني جبرئيل عن ربّي أن أقوم في هذا المشهد، وأعْلِمَ كلّ أبيض وأسود: أنّ عليّ بن أبي طالب أخي، ووصيّي، و خليفتي، والإمام بعدي.
ثمّ قال: معاشر الناس! فإنّ الله قد نصبه لكم وليّاً وإماماً وفرض طاعته على كلّ أحد، ماضٍ حكمه، جائزٌ قوله، ملعونٌ من خالفه، مرحومٌ من صدّقه.
١٠- أخرج أبو المؤيّد بن أحمد الخوارزمي في كتابه «فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام » الفضل ١٩، بإسناده عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: لمـّا وصلت في المعراج إلى سدرة المنتهى، خاطبني الجليل قائلاً: يا محمد! أيَّ خلقي وجدته أطوع لك؟
فقلت: يا ربّ، عليٌّ أطوع خلقك إليَّ.
قال عزّ وجلّ: صدقت يا محمّد.
ثمّ قال: فهل اتّخذت لنفسك خليفة يؤدّي عنك، ويعلّم عبادي من كتابي ما لا يعلمون.
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : قلت: يا ربّ اختر لي، فإنّ خيرتك خيرتي.
قال: اخترت لك عليّاًعليهالسلام ، فاتّخذه لنفسك خليفة ووصيّاً، ونحلته علمي وحلمي، وهو أمير المؤمنين حقّاً، لم ينلها أحد قبله، وليست لأحد بعده(١) .
____________________
١) أقول: وقد وردت أخبار كثيرة في كتب العامة عن النبيصلىاللهعليهوآله يشير فيها إلى فضائل =
. . . . .
____________________
= الإمام عليّعليهالسلام ، ويصرّحصلىاللهعليهوآله بأنّه: الإمام الوصيّ، والوليّ، وأمير المؤمنين، وهذه الألقاب والصفات ما جاءت إلّا بمعنى الخلافة، فغير صحيح أن يؤخَّر الإمام و يقدَّم المأموم، أو يخلف النبيّصلىاللهعليهوآله غير وصيّه
وإليك بعض تلك الأخبار:
١) أخرج الشيخ سليمان الحنفي في كتابه: ينابيع المودّة ١/١٥٦ في الباب الرابع والأربعين: قال:
وفي المناقب: عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما: قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عليّ! أنت صاحب حوضي، وصاحب لوائي، وحبيب قلبي، ووصيّي ووارث علمي، وأنت مستودع مواريث الأنبياء من قبلي، وأنت أمين الله في أرضه، وحجّة الله على بريّته، وأنت ركن الإيمان وعمود الإسلام، وأنت مصباح الدجى، ومنار الهدى، والعلم المرفوع لأهل الدنيا.
يا علي! من اتّبعك نجا، ومن تخلّف عنك هلك، وأنت الطريق الواضح، والصراط المستقيم، وأنت قائد الغرّ المحجّلين، ويعسوب المؤمنين، وأنت مولى من أنا مولاه، وأنا مولى كلّ مؤمن ومؤمنة، لا يحبّك إلّا طاهر الولادة، وما عرجني ربّي عزّ وجلّ إلى السماء وكلّمني ربّي إلّا قال: يا محمّد اقرأ عليّاً منّي السلام، وعرّفه أنّه إمام أوليائي، ونور أهل طاعتي، وهنيئاً لك هذه الكرامة.
٢) وأخرج ابن المغازلي الشافعي في كتابه (المناقب) والديلمي في كتابه (الفردوس) كما نقل عنهما الشيخ سليمان الحنفي في كتابه ينابيع المودّة ١/١١، الباب الأوّل، عن سلمان، قال: سمعت حبيبي محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: كنتُ أنا وعليٌّ نوراً بين يدي الله عزّ وجلّ، يسبّح الله ذلك النور ويقدّسه قبل أن يخلق الله آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق آدم أودع ذلك النور في صلبه، فلم =
. . . . . ____________________
= يزل أنا وعليٌّ شيء واحد حتّى افترقنا في صلب عبد المطّلب، ففيَّ النبوة وفي عليٍّ الإمامة.
٣) وأخرجه المير السيّد علي الهمداني،ن في المودّة الثامنة من كتابه «مودّة القربى» قال: عثمان (رض) رفعه عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: خُلقت أنا وعليٌّ من نور واحد - إلى أن قال : - ففيَّ النبوّة ، وفي علىٍّ الوصيّة.
٤) وأخرج أيضاً عن عليٍّعليهالسلام عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: يا علي! خلقني الله وخلقك من نوره - إلى أن قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : - ففيَّ النبوّة والرسالة، وفيك الوصيّة والإمامة.
٥) وأخرج العلاّمة الكنجي الشافعي في كتابه: «كفاية الطالب» في الباب السادس والخمسين، في تخصيص عليٍّعليهالسلام بكونه إمام الأولياء، روى بسنده المتّصل عن أنس بن مالك، قاال: بعثني النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أبي برزة الأسلمي، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم له - وأنا أسمع -: يا أبا برزة! إنّ الله عهد إليَّ عهداً في عليّ بن أبي طالب.
فقال: إنّه راية الهدى، منار الإيمان، وإمام أوليائي، ونور جميع من أطاعني.
يا أبا برزة! عليّ بن أبي طالب أميني غداً في القيامة، وصاحب رايتي في القيامة، وأميني على مفاتيح خزائن رحمة ربّي عزّ وجلّ.
قال العلّامة الكنجي: هذا حديث حسن، أخرجه صاحب «حلية الأولياء» كما أخرجناه.
٦) وأخرج العلّامة الكنجي، في الباب الرابع والخمسين، بسنده المتّصل عن أنس، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا أنس! اسكب لي وضوءً يغنيني.
فتوضّأ ثمّ قام وصلّى ركعتين، ثمّ قال: يا أنس! أوّل من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين، وسيّد المرسلين، وقائد الغرّ المحجّلين، وخاتم الوصيّين. =
اعلموا أنّ الأخبار في هذا المضمار، كثيرة في كتبكم المعتبرة، وقد نقلت لكم بعض ما أحفظ منها، كي يعلم الحافظ بأنّنا لا نرو إلّا ما رواه علماؤكم الأعلام، ولا نقول إلّا الحقّ، ولا نعتقد إلّا بالحقيقة والواقع.
والجدير بالذكر أنّ بعض علمائكم المنصفين اعترفوا بخلافة عليّ بن أبي طالبعليهالسلام كما نعتقد نحن، منهم: إبراهيم بن سيّار بن هانئ البصري، المعروف بالنظّام(١) ، فإنّه يقول: نصّ النبيّ (صلّى الله عليه
____________________
= قال أنس: قلت اللهمّ اجعله رجلاً من الأنصار، وكتمتُه
إذ جاء عليٌّ، فقال: من هذا يا أنس؟ قلت: عليّ بن أبي طالب.
فقام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مستبشراً فاعتنقه، ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه، ويمسح عرق عليٍّعليهالسلام بوجهه.
قال عليّعليهالسلام : يا رسول الله! لقد رأيتك صنعت بي شيئاً ما صنعت بي قبل!
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : وما يمنعني وأنت تؤدّي عنّي، وتُسمعهم صوتي، وتبيّن لهم ما اختلفوا فيه بعدي؟!
قال العلّامة الكنجي الشافعي هذا حديث حسن عال، أخرجه الحافظ أبو نعيم في «حلية الأولياء» قال: وأنشدت في المعنى:
عليٌّ أميرُ المؤمنين الذي به |
هدى الله أهلَ الأرضِ من حيرة الكفرِ |
|
أخو المصطفى الهادي الذي شدّ أزره |
فكان له عوناً على العُسرِ واليُسرِ |
|
ومَن نصرَ الإسلامَ حتّى توطّأتْ |
قواعدُه عزّاً فتُوِّج بالنصرِ |
|
عليٌّ عليُّ القدر عند مليكِهِ |
على رغمِ مَن عاداه قاصمة الظهرِ |
نكتفي بهذا المقدار، فإنّ فيه الهدى والاستبصار، لمن أراد أن يعرف الحقّ من الأحاديث والأخبار. «المترجم»
١) ترجم له الصفدي في كتاب «الوافي بالوفيات» في حرف الألف.
[ وآله ] وسلم) على أنّ الإمام هو عليٌّ وعيَّنَهُ، وعَرَفَت الصحابة ذلك، ولكن كتمه عمر لأجل أبي بكر رضي الله عنهما.
ونحن لمـّا لم ندرك عصر النبيّصلىاللهعليهوآله ولم نَحظَ بصحبته، يجب أن نراجع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة عند الفريقين في تعرف الأفضل والأعلم والأرجح عند الله ورسوله والأحبّ إليهما فهو أولى من غيره في خلافة النبيّصلىاللهعليهوآله .
ولا يخفى على أيّ عالم منصف غير معاند: أنّ الأخبار الصريحة في خلافة عليّعليهالسلام وإمامته، وفي وصايته وولايته، وكذلك في أفضليّته وأعلميّته وأرجحيّته من سائر الصحابة، والمسلمين، كثيرة جدّاً.
وهي مرويّة عن طرقكم وبأسانيدكم المعتبرة، ومنقولة في كتبكم وتصانيف علمائكم الأعلام، وهي كثيرة وكثيرة بحيث لم يَرِدْ معشارها في حقّ أيّ واحد من الصحابة الكرام.
وإنّ أكثر تلك الفضائل العلوية والمناقب الحيدرية تُعَدّ من خصائص الإمام عليّعليهالسلام ، ولم يشاركه فيها أحد، ولم يشابهه فيها أحد من الصحابة الأوفياء، ولكنّه شاركهم في جميع فضائلهم ومناقبهم.
وقد ذكرنا لكم بعض الأخبار المرويّة عن طرقكم والمسجّلة في مسانيدكم ومصادركم في حقّ الإمام عليّعليهالسلام ، ضمن حديثنا وحوارنا في الليالي السالفة والمجالس السابقة.
وإليكم نموذجاً من حديث النبيّصلىاللهعليهوآله نقله علماؤكم الأعلام، يصرّح نبيّ الإسلام فيها أنّ فضائل ومناقب الإمام عليّعليهالسلام كثيرة جدّاً
بحيث لا تعدّ ولا تحصى.
أخرج الموفّق ابن أحمد الخوارزمي في المناقب:١٨، والعلّامة محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» الباب الثاني والستّين، في تخصيص عليّعليهالسلام بمائة منقبة دون سائر الصحابة، جاء في الباب، ص ١٢٣، بسنده عن ابن عبّاس، قال:
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لو أنّ الغياض أقلام، والبحر مِداد، والجنّ حُسّاب، والإنس كُتّاب، ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب.
وأخرج السيّد علي الهمداني بسنده عن عمر بن الخطّاب، رفعه، قال: قالَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لو أنّ البحر مداد، والرياض أقلام، والإنس كُتّاب، والجنّ حُسّاب، ما أحصوا فضائلك يا أبا الحسن.
وأخرجه ابن الصبّاغ المالكي في «الفصول المهمة» بسنده عن ابن عبّاس، وأخرجه سبط ابن الجوزي في «التذكرة»(١) .
____________________
١) لقد ورد خبر آخر في عظم فضل الإمام عليّعليهالسلام نذكره إتماماً للفائدة:
جاء في الرياض النضرة ٢/٢١٤، وفي ذخائر العقبى - للمحبّ الطبري - ص ٦١: عن عمر بن الخطّاب ( رض ) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما اكتسب مكتسب مثل فضل عليّ، يهدي صاحبه إلى الهدى، ويردّه عن الردى. أخرجه الطبراني.
أقول: جاء في كتاب «تاريخ الخلفاء» للسيوطي ١/٦٥، قال أحمد بن حنبل: ما روي وما ورد لأحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الفضائل، ما روي وما ورد لعليٍّ رضي الله عنه!
وأخرج الحاكم في المستدرك على الصحيحين ٣/ ١٠٧، بسنده عن محمد بن منصور =
لذلك نحن نعتقد أنّ عليّاًعليهالسلام أحقّ من غيره بالخلافة.
الشيخ عبد السلام: نحن لا ننكر فضائل ومناقب مولانا عليّ كرم الله وجهه، ولكن انحصار الفضائل فيه غير معقول، لأنّ الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - أكرم أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهم في الرتبة والفضل متساوون.
ولكنّكم تنحازون إلى جانب سيّدنا عليّ رضي الله عنه، وتنقلون كلّ الفضائل باسمه دون غيره، ولا تذكرون فضائل الصحابة الآخرين!
وهذا العمل يحرف أفكار الحاضرين عن الواقع فيلتبس الأمر عليهم، وهذا هو التعصّب!
فلكي ينكشف الحقّ للحاضرين، ولا يلتبس الأمر عليهم، اُريد أن أذكر شيئاً من فضائل ومناقب الخلفاء الراشدين.
قلت: نحن نتّبع العقل والعلم، ونقبل الدليل والبرهان، نحن
____________________
= الطوسي، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الفضائل ما جاء لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
وأخرج ابن عبد البرّ في الاستيعاب ٢/٤٧٩ ط. حيدر آباد ١٣١٩ هـ قال أحمد بن حنبل وإسماعيل بن اسحاق القاضي: لم يُرْوَ في فضائل أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما روي في فضائل عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
وأخرجه الثعلبي في تفسير آية( إِنَّمَا وَلِيُّکُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ.. ) .
وأخرجه الخطيب الموفّق بن أحمد الخوارزمي الحنفي في المناقب، ص ٢٠.
والذهبي في «تلخيص المستدرك» المطبوع بهامش المستدرك ٣/١٠٧.
«المترجم».
لا نَحْصِر الفضائل في الإمام عليّعليهالسلام ، وإنّما نمحّضه في الفضائل، ونجلّه عن الرذائل، وذلك لنزول آية التطهير في شأنه.
وأمّا الإنحياز إلى جانبه فليس منّا فحسب، بل الله ورسوله انحازا إليه، كما نجد الآيات القرآنية في حقّه والأحاديث النبويّة الصريحة في فضله.
وأمّا نسبة التعصّب إلينا فهو بهتان وافتراء، فإنّ التعصّب معناه الالتزام بشيء مع الإصرار من غير دليل.
وأنا اُشهد الله سبحانه بأنّي ما التزمت بشيء من اُمور ديني، وما تمسّكت بولاية الإمام عليّعليهالسلام والأئمة الهادين من ولده، إلّا بدليل القرآن والسُنّة والعقل السليم.
لذا أرجو من الحاضرين أن ينّبهوني إذا تكلّمت بشيء بغير دليل، أو تحدّثت على خلاف المنطق والعقل، فأكون لهم شاكراً.
وأمّا حديثكم في مناقب الراشدين فيكون مقبولاً بشرط أن تروون الأخبار الصحيحة عند الفريقين، فنتبرّك بها، لأنّنا لا ننكر مناقب وفضائل الصحابة الطيبّين، ولا شكّ أنّ لكلّ واحد من الأصحاب المؤمنين له فضائل ومناقب، ولكن الغرض من هذا المجلس والحوار، البحث عن أفضلهم وأحسنهم وأكثرهم منقبة عند الفرقين: الشيعة والسُنّة.
فإنّ كلامنا يدور حول الأفضل لا الفاضل، لأنّ الفضلاء كثيرون، والأفضل واحد منهم بحكم العقل والنقل، وهو أحقّ أن يُتّبع ويُطاع.
الشيخ عبد السّلام: إنّكم تغالطون في الموضوع، لأنّ كتبكم لا تحتوي على أي خبر أو حديث في فضل الخلفاء الراشدين غير سيّدنا
عليٍّ كرّم الله وجهه، فكيف أنقل لهذا الجمع أخباراً مقبولة لديكم؟!
قلت: هذا الإشكال يَرِدُ عليكم، لأنَّهُ في أوّل ليلة حينما أردنا أن نبدأ بالبحث، قال الحافظ محمد رشيد سلّمه الله: إنّ الاحتجاج والاستدلال يجب أن يكون بالآيات القرآنية والأخبار المرويّة المقبولة عند الفريقين، وأنا قبلت الشرط، لأنّه مقتضى العقل، وعلمت به في أثناء الحوار والحديث في المجالس السابقة.
والحاضرون يشهدون، وأنتم تعلمون بأنّي كلّ ما احتججت به عليكم واستدللت به على صحّة كلامي، إنّما كان من القرآن الحكيم وأحاديث النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآله المعتبرة والمقبولة عندكم.
وأنا إلى آخر حواري معكم، وحتّى الوصول إلى النتيجة القطعية لا أنقض الشرط، بل أعمل على وفقه إن شاء الله تعالى.
ومع ذلك كلّه فإنّي أتساهل معكم، وأتنازل لكم، وأقبل منكم الروايات المنقولة في كتبكم دون كتبنا، شريطة أن لا تكون موضوعة أو مجعولة، وأن لا يأباها العقل السليم، فنستمع إليها مع الحاضرين، ثمّ نقضي فيها بالعدل والإنصاف، لنرى هل الأخبار التي تقرأها وترويها لنا، هل تفضّل وترجّح أحداً على سيّدنا ومولانا عليّ بن أبي طالب في العلم والجهاد والرتبة والمنزلة عند الله سبحانه وعند رسولهصلىاللهعليهوآله ؟!
الشيخ عبد السلام: إنّكم نقلتم أحاديث وأخباراً صحيحة وصريحة في خلافة سيّدنا عليٍّ كرّم الله وجهه، ولكنّكم غافلون أنّ عندنا أخباراً كثيرة في خلافة سيّدنا أبي بكر (رض).
قلت: مع أنّ كبار علمائكم أمثال: الذهبي والسيوطي وابن أبي
الحديد وغيرهم أعلنوا بأنّ الأمويّين والبكريّين وضعوا أحاديث كثيرة مجعولة في فضائل أبي بكر، مع ذلك نحن نستمع إليك رجاء أن لا تكون رواياتك وأخبارك من تلك الموضوعات والمجعولات.
نقل حديث في فضل أبي بكر
الشيخ عبد السلام: لقد ورد في حديث معتبر عن عمر بن إبراهيم بن خالد، عن عيسى بن علي بن عبد الله بن عبّاس، عن أبيه، عن جدّه العبّاس، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: يا عمّ! إنّ الله جعل أبي بكر خليفتي على دين الله، فاسمعوا له وأطيعوا تفلحوا.
قلت: هذا حديث مردود، ليس قابلاً للبحث والنقاش.
الشيخ عبد السّلام: كيف يكون مردوداً وهو مرويٌّ عن العبّاس عمّ النبيّ؟!
قلت: إنّه حديث مردود عند علمائكم أيضاً، فإنّ كبار علمائكم نسبوا بعض رواة هذا الحديث مثل: عمر بن إبراهيم إلى الكذب وجَعْل الأحاديث، فلذا فإنّ رواياته ساقطة عن الاعتبار.
قال الذهبي في كتابه «ميزان الاعتدال» في ترجمة إبراهيم بن خالد، وقال الخطيب البغدادي في «تاريخه» في ترجمة عمر بن إبراهيم: إنّه كذّاب، ساقطة عن الإعتبار.
الشيخ عبد السّلام: ما تقول في هذا الحديث الذي رواه الصحابي الثقة أبو هريرة: إنّ جبرئيل نزل على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال: إنّ الله تعالى يبلغك السلام ويقول: إنّي راض
عن أبي بكر، فاسأله هل هو راضٍ عنّي؟!!
قلت: يجب أن نُدقّق في نقل الأخبار والأحاديث، حتّى لا نواجه مخالفة العقلاء. وليكن الحديث الذي نقله ابن حجر في «الإصابة» وابن عبد البرّ في «الاستيعاب» نصب أعينكم، وهو:
عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: كثرت عليَّ الكذّابة، ومن كذب عليَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار، وكلّما حدثتم بحديث منّي فاعرضوه على كتاب الله.
وليكن نصب أعينكم الحديث الذي رواه الفخر الرازي في تفسيره ج ٣، آخر الصفحة ٣٧١، عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: إذا روي لكم عنّي حديثٌ فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فإن وافقه فاقبلوه، وإلّا فردّوه.
فإذا كان في حيلة النبيّصلىاللهعليهوآله اُناس يكذبون عليه ويجعلون الأحاديث عن لسانه الشريف، فكيف بعد موته؟!
ومن جملة المزوّرين الجاعلين للحديث عن لسان النبيصلىاللهعليهوآله : أبو هريرة، الذي رويتَ عنه خلافة أبي بكر!
الشيخ عبد السلام: لا نتوقّع منك أن تردّ صحابيّاً جليلاً مثل أبي هريرة وتطعن فيه! وأنت عالم فاهم.
قلت: لا ترعبني بكلمة «الصحابي» لأنّ الصحابي أيّاً كان إذا راعى حقّ صحبته للنبيّ بأن كان سامعاً لقوله، مطيعاً لأمره فهو محترم مكرَّم، وصحبته تكون له شرفاً وفخراً.
ولكن إذا كان يخالف أوامر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ويعمل حسب رأيه وهواه، ويكذب على النبيّصلىاللهعليهوآله فهو ملعون ملعون، وليست حصيلة
صحبته إلّا الخزي والعار في الدنيا، وهو في الآخرة من أصحاب النار.
أما كان المنافقون حول رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما يصرح القرآن الكريم؟ ! وكانوا يُعدّون في الظاهر من أصحابه، لأنّ الصحابي هو الذي أدرك النبيصلىاللهعليهوآله وسمع حديثه، والمنافقون كذلك، ولكنّهم ملعونون ومعذّبون في النار.
إذاً لا ترعبني يا شيخ بكلمة «الصحابي» لأنّ أبا هريرة هو من جملة اُولئك المنافقين الملعونين، ولذا فإنّ رواياته مردودة غير معتبرة عند أهل الحديث المحقّقين.
الشيخ عبد السّلام:
أوّلاً: إن كان أبو هريرة مردوداً عند جماعة من العلماء، فهو مقبول عند آخرين.
ثانياً: لا دليل على أنّ المردود عند بعض العلماء يكون ملعوناً، ويكون من أهل النار، لأنّ الملعون هو الذي لُعن في القرآن الحكيم أو على لسان النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم .
أبي هريرة
قلت: أدلّة العلماء الّذين ردّوا روايات أبي هريرة ورفضوها كثيرة وغير قابلة للتأويل.
منها: إنّه كان موافقاً لمعاوية، وهو رأس المنافقين وزعيمهم، الملعون على لسان النبيّ المأمونصلىاللهعليهوآله .
وقد كان أبو هريرة، كما نقل العلّامة الزمخشري في «ربيع
الأبرار» وابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» وغيرهما، أنّه كان في أيّام صفّين يصلّي خلف الإمام عليٍّعليهالسلام ويجلس على مائدة معاوية فيأكل معه، ولمـّا سئل عن ذلك؟ أجاب: مضيرة معاوية أدسم، والصلاة خلف عليّ أفضل (أتمّ) ولذا اشتهر بشيخ المضيرة.
ومنها: إنّه روي، كما في كتب كبار علمائكم مثل: شيخ الإسلام الحمويني في «فرائد السمطين» باب ٣٧، والخوارزمي في «المناقب» والطبراني في «الأوسط» والكنجي الشافعي في «كفاية الطالب» والإمام أحمد في «المسند» والشيخ سلَيمان القندوزي في «ينابيع المودّة» وأبو يعلى في «المسند» والمتّقي الهندي في «كنز العمال» وسعيد ابن منصور في «السنن» والخطيب البغدادي في «تاريخه» والحافظ ابن مردويه في «المناقب» والسمعاني في «فضائل الصحابة» والفخر الرازي في «تفسيره» والراغب الأصفهاني في «محاضرات الاُدباء» وغيرهم، رووا عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال: عليٌّ مع الحقّ، والحقّ مع عليّ، يدور الحقّ حيثما دار عليّعليهالسلام .
وقالصلىاللهعليهوآله : عليٌّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لن يفترقا حتّى يردّا عليَّ الحوض.
وأبو هريرة يترك الحقّ والقرآن بتركه عليّاًعليهالسلام ، ويحارب الحقّ والقرآن بانضمامه إلى معاوية بن أبي سفيان، ومع ذلك تقولون: هو صحابيّ جليل وغير مردود وغير ملعون!
ومنها: أنّه روي في كتب علمائكم، مثل الحاكم النيسابوري في المستدرك ٣/١٢٤، والإمام أحمد في «المسند» والطبراني في «الأوسط»، وابن المغازلي في «المناقب» والكنجي الشافعي في «كفاية
الطالب» الباب العاشر، وشيخ الإسلام الحمويني في «الفرائد»، والمتّقي الهندي في «كنز العمّال» ٦/١٥٣، وابن حجر في الصواعق: ٧٤ و٧٥.
عن النبيّصلىاللهعليهوآله قال: عليٌّ منّي، وأنا من عليّ، من سبّه فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله.
مع ذلك كلّه يذهب أبو هريرة إلى معاوية ويجالسه، حتّى يصبح من ندماء معاوية الذي كان في السرّ والعلن، وعلى المنابر، وعلى رؤوس الأشهاد، وفي قنوت الصلوات، وخطب الجمعات، يسبّ ويلعن الإمام عليّاً والحسن والحسينعليهمالسلام .
وكان يأمر ولاته الفسقة الفجرة أن يقتدوا به ويفعلوا مثل فعله!
وأبو هريرة يركن إليه ويجامله ويجالسه ويؤاكله، ولا ينهاه عن كفره ومنكراته، بل يجعل الأحاديث عن لسان النبيصلىاللهعليهوآله في تأييده وتصحيح أفعاله المنكَرة، ويغوي الناس العَوام، ويبعدّهم من الإمام، ويحرفهم عن الإسلام، ومع هذا كلّه لا يسقط عندكم عن درجة الاعتبار؟!!
الشيخ عبد السلام: هل من المعقول أن نقبل هذه التهم والمفتريات على صحابيّ طاهر القلب؟! إنما هي من موضوعات الشيعة!!
قلت: نعم، ليس بمعقول أنّ صحابياً طاهر القلب يقوم بهذه المنكَرات، لأنّ العامل بها كائناً من كان، فإنّه آثم قلبه.
وكلّ من يكذب على النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله ويسبّ الله ورسوله فإنّه كافر ومخلّد في جهنّم وإن كان من صحابة الرسولصلىاللهعليهوآله !
وبنصّ الأخبار الكثيرة الواردة في كتبنا وفي كتب كبار علمائكم
الأعلام أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال: من سبّ عليّاً فقد سبّني وسبّ الله سبحانه.
وأمّا قولكم: إنّ هذا الكلام من موضوعات الشيعة، فهو اشتباه محض، لأنّكم تقيسون القضايا على أنفسكم، وأنّ كثيراً منكم لا يتورّعون من الكذب وكيل الاتّهامات على شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآله من أجل الوصول إلى غاياتهم الدنيوية، فيغوون بكلامهم الباطل العوامّ الجاهلين، ولا يخشون يوم الدين ومحاسبة ربّ العالمين.
عبد السّلام: إنّما أنتم الشيعة كذلك! فأنت أحد علمائهم، وفي مجلسنا هذا لا تتورّع عن سبّ الصحابة الكرام، والافتراءات عليهم، فكيف تتورّع من الافتراء على علمائنا الأعلام؟!
قلت: ولكنّ التاريخ يشهد على خلاف ما تدّعيه، فإنّ أهل البيتعليهمالسلام وشيعتهم منذ قُبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله مضطهَدون ومشرَّدون ومحارَبون!
إذ أنّ حكومة بني اُميّة حين اُسِّست قرّرت محاربة آل محمّدصلىاللهعليهوآله وعترته الطاهرة، وأعلنوا على المنابر سبّ عليّ بن أبي طالب ولعنه، وهو أبو العترة وسيّدهم، بل أمعنوا في السبّ واللعن حتّى سبّوا الحسن والحسين وهما سبطا رسول الله و ريحانتاه وسيّدا شباب أهل الجنّة.
وقاموا بمطاردة الشيعة حتّى إذا ظفروا بهم سجنوهم وعذّبوهم، وكم قتلوا منهم صبراً تحت التعذيب!!
والمؤسف أنّ بعض علمائكم كانوا يساندون اُولئك الظلمة ويفتون بمشروعية تلك الأعمال الجنائية والإجرامية!!
وبعضهم يحوكون الأكاذيب والأباطيل بأقلامهم المأجورة فينسبونها على الشيعة على أنّها من معتقداتهم! وبناءً عليها يحكمون على الشيعة المؤمنين بالكفر والشرك والرفض والغلو، وما إلى ذلك من التهم والأباطيل، فيزرعون في قلوب أتباعهم، العوامّ الغافلين، بذور عداوة الشيعة المؤمنين.
عبد السّلام: إنّ علماءنا الأعلام كتبوا عن واقعكم ولم ينسبوا إليكم ما ليس فيكم، وإنّما كشفوا عن أعمالكم الفاسدة وعقائدكم الباطلة، فاتركوها حتّى تسلموا من أقلام علمائنا الكرام.
ابن عبد ربّه
قلت: ما كنت اُحبّ أن أخوض هذا البحث وأسوق الحديث في هذا الميدان، ولكنّك اضطررتني إلى ذلك، فاُبيّن الآن لمحة للحاضرين حتّى يعرفوا كيف ينسب علماؤكم إلينا ما ليس فينا!
فأقول: أحد كبار علمائكم، المشهور بالأدب واللغة، هو شهاب الدين أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربّه القرطبي المالكي، المتوفّي سنة ٣٢٨ هجرية، ففي كتابه العقد الفريد ١/٢٦٩: يعبّر عن الشيعة الموحّدين المؤمنين، بأنّهم يهود هذه الاُمة، ثمّ إنّه كما يتهجّم على اليهود والنصارى ويبدي عداءه لهم، يتهجّم على شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآله ويظهر لهم البغض والعداء.
ومن جملة مفترياته وأباطيله على الشيعة، يقول:
الشيعة لا يعتقدون بالطلاق الثلاث، كاليهود
الشيعة لا يلتزمون بعدِّة الطلاق!
والحال أنّ أكثر الحاضرين من أهل السُنّة في المجلس يعاشرون الشيعة ويتزاورون معهم يشهدون بخلاف هذا العالم المعاند الضالّ المضلّ.
وأنتم إن كان عندكم أدنى اطّلاع على فقه الشيعة فستعرفون بطلان كلام ابن عبد ربّه، وإن لم يكن عندكم اطّلاع فخذوا أيّ كتاب شئتم من فقه الشيعة واقرأوها حتّى تعرفوا أحكامنا حول مسألة الطلاق الثلاث وعدّة الطلاق.
ثمّ إنّ عمل الشيعة في كلّ مكان بمسائل الطلاق والتزامهم بالعِدّة، أكبر دليل على بطلان كلام ابن عبد ربّه.
ويقول هذا المفتري أيضاً: إنّ الشيعة كاليهود، يعادون جبرئيل، لأنّ في اعتقادهم أنّه أنزل الوحي على محمّد بدل أن ينزله على عليّ بن أبي طالب!
«الشيعة الحاضرون كلّهم ضحكوا من هذا الكلام»
فتوجّهت إلى العامّة الحاضرين وقلت لهم: انظروا هؤلاء الشيعة كلهم ضحكوا من هذا الكلام السخيف وسخروا منه، فكيف يعتقدون به؟!
فلو كان ابن عبد ربّه يطالع كتب الشيعة ويحقّق في معتقداتهم ما كان يتكلم بهذا الكلام المهين، وما كان اليوم يظهر جهله للحاضرين، أو يحكم عليه بأنّه من المغرِضين، وفي قلبه داء دفين، يريد أن يفرّق بين المسلمين!!
أمّا نحن الشيعة فنعتقد أنّ محمداً المصطفى هو خاتم الأنبياء، بل نصدّق الحديث النبوي الشريف: «كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين» فهو
نبيّ مبعوث من عند ربّ العالمين، اختاره، واصطفاه، واجتباه، وأرسله للناس أجمعين، ونعتقد بأنّ جبرئيل هو أمين وحي الله، وهو معصوم ومصون عن الخطأ والسهو والاشتباه.
ونعتقد أنّ الإمام عليّاًعليهالسلام منصوبٌ بأمر الله تعالى في مقام الولاية والإمامة، فهو خليفة النبيّصلىاللهعليهوآله بلا فصل، نصبه رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأمر الله عزّ وجلّ يوم الغدير.
ويقول ابن عبد ربّه الضالّ المضلّ: ومن وجوه الشبه بين الشيعة واليهود، أنّهم لا يعملون بسُنّة النبيّصلىاللهعليهوآله ، فهم عندما يتلاقون لا يسلّمون، بل يقولون: السام عليكم! «ضحك الشيعة الحاضرون، ضحكاً عالياً»
فوجّهت كلامي إلى العامّة، و قلت: وإنّ معاشرتكم مع الشيعة في هذا البلد وتحيّتهم معكم وفيما بينهم، بتحيّة الإسلام: «السلام عليكم» ينفي مزاعم هذا الإنسان وأباطيله.
ويستمرّ ابن عبد ربّه في أكاذيبه ومفترياته على شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآله فيقول: إنّ الشيعة كاليهود، يحلّون قتل المسلمين ونهب أموالهم!!
أقول: إنّكم تعيشون مع الشيعة في بلد واحد وتشاهدون معاملتهم الحسنة معكم ومع غيركم.
فنحن الشيعة لا نحلّ دماء وأموال أهل الكتاب (غير المحاربين) فكيف نحلّ دماء وأموال إخواننا المسلمين من أهل السُنّة والجماعة؟!
وإنّ حقّ الناس عندنا من أهم الحقوق، وقتل النفس من أعظم الذنوب وأكبر حوب!
هذه بعض مزاعم وأباطيل أحد علمائكم ضدّ الشيعة.
والوقت لا يسمح لأكشف لكم أكثر ممّا ذكرتُ من كلماته الواهية السخيفة.
ابن حزم
وأبو محمد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، المتوفّى سنة ٤٥٦ هجرية، هو أشهر علمائكم المعروف بحقده وعدائه للشيعة، فلقد تحامل على شيعة أهل البيتصلىاللهعليهوآله وافترى عليهم في كتابه «الفصل في الملل والنحل» الجزء الأوّل، فيقول: إنّ الشيعة ليسوا بمسلمين، وإنّما اتّخذوا مذهبهم من اليهود والنصارى!
وقال في الجزء الرابع من الكتاب نفسه، صفحة ١٨٢: الشيعة يجوّزون نكاح تسعة نساء!
ويظهر كذب الرجل وافتراءه علينا إذا راجعتم كتبنا الفقهية، فقد أجمع فقهاؤنا الكرام في كتبهم: أنّ نكاح تسعة نساء في زمان واحد إنّما هو من خصائص رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولا يجوز لأحد من رجال اُمّته، بل يجوز لهم نكاح أربعة نساء في زمن واحد بالنكاح الدائم، بدليل الآية الكريمة:( فَانْکِحُوا مَا طَابَ لَکُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ ) (١) .
فإذا طالعتم مجلّدات كتاب «الفصل في الملل والنحل» وتقرءون سبابه وشتمه وكلامه البذيء للشيعة المؤمنين لعرق جبينكم خجلاً، لانتسابه إليكم، وأنّه يُعدّ من علمائكم!!
____________________
١) سورة النساء، الآية ٣.
مفتريات ابن تيميّة
وأحد علمائكم الذي اشتهر بشدّة عدائه للشيعة الأبرار الأخيار، هو أحمد بن عبد الحليم الحنبلي، المعروف بابن تيميّة، المتوفّى سنة ٧٢٨ هجرية وهو حاقد لا على الشيعة فحسب، بل يكمن في صدره بغض الإمام عليّعليهالسلام والعترة الطاهرة.
ولو يطالع أحدكم مجلّدات كتابه المسمى بـ: «منهاج السُّنّة» لوجدتم كيف يحاول الرجل أن يخدش في كلّ فضيلة ومنقبة ثابتة للإمام عليّ بن أبي طالب وأبنائه الطيّبين والعترة الطاهرين!
فكأنّه آلى على نفسه أن لا يدع فضيلة واحدة من تلك الفضائل والمناقب - التي لا تعدّ ولا تحصى لأهل البيتعليهمالسلام - إلّا يردّها ويرفضها أو يشكّك فيها! حتّى التي أجمعت الاُمّة على صحّتها ورواها أصحاب الصحاح.
ولو أردتُ أن أذكر لكم كلّ أكاذيبه وأباطيله لضاع الوقت، ولكن أذكر لكم نبذة من كلامه السخيف وبيانه العنيف! لكي يعرف جناب الشيخ عبد السلام، أنّ الافتراء والكذب من خصائص وخصال بعض علمائهم لا علماء الشيعة!!
والعجب أنّ ابن تيميّة بعد ذكر أباطيله وأكاذيبه وافترائه على الشيعة المؤمنين، يقول في الجزء الأول من «المنهاج» صفحة ١٥: لم تكن أيّة طائفة من طوائف أهل القبلة مثل الشيعة في الكذب، فلذا أصحاب الصحاح لم يقبلوا رواياتهم ولم ينقلوها!
وفي الجزء العاشر، صفحة ٢٣ يقول: أصول الدين عند الشيعة :
أربعة: «التوحيد والعدل والنبوة والإمامة» ولم يذكر المعاد، مع العلم أنّ كتبنا الكلامية التي تبيّن عقائد الشيعة منشرة في كلّ مكان وفي متناول كلّ إنسان.
وكما أشرنا في بعض مجالسنا السالفة: فإنّ الشيعة تعتقد أنّ اُصول الدين ثلاثة: التوحيد والنبوّة والمعاد، وبحث عن عدل الباري سبحانه ضمن التوحيد، وتجعل الإمامة جزء النبوّة.
وفي الجزء الأوّل، صفحة ١٣١، من «منهاج السُنّة» يقول: إنّ الشيعة لا تعتني بالمساجد، فمساجدهم خالية من المصلّين، غير عامرة بصلاة الجمعة والجماعة، وبعض الأحيان يحضر بعضهم في المسجد فيصلّي فرادى!!
وجّهت خطابي حينئذٍ إلى الشيخ عبد السلام وقلت: أيّها الشيخ! أسألك وأسأل الحاضرين، أما تنظرون بأعينكم إلى مساجد الشيعة في بلادكم وهي عامرة أوقات الصلوات بكثرة المصلّين وإقامة الجماعة بالمؤمنين؟!
وهذه إيران، وهي عاصمة الشيعة، نجد في كلّ مدينة منها، بل في كلّ قرية منها مساجد عديدة، مبنيّة بأحسن شكل وأجمل بناء وهندسة، وفي أكثرها، أو كلّها، تقام الصلوات في أوقاتها جماعة.
(عرضت لهم تصاوير عن صلوات الجماعة لعلماء الشيعة).
وأنتم العلماء! راجعوا كتبنا الفقهية سواءً المفصّلة أو المجملة، كالرسائل العمليّة لمراجع ديننا المعاصرين، تجدون فيها فصولاً ومسائل كثيرة في ثواب الصلاة في المسجدٍ وصلاة الجماعة، فإنّ ثوابها أضعاف الصلاة في البيت أو الصلاة فرادىً.
ويستمرّ ابن تيميّة في افترائه على شيعة أهل البيتعليهمالسلام في نفس الصفحة فيقول: الشيعة لا يحجّون بيتَ الله الحرام كسائر المسلمين، وإنّما حجّهم يكون زيارة القبور، وثواب زيارة القبور عندهم أعظم من ثواب حجّ بيت الله الحرام، بل هم يلعنون كلّ من لا يذهب إلى زيارة القبور!!
«ضحك الشيعة من هذا الكلام ضحكاً عالياً»
والحال أنّكم إذا راجعتم موسوعاتنا الفقهية، وكتبنا العبادية، لرأيتم مجلّدات عديدة باسم: كتاب الحجّ، وهي تحتوي على آلاف المسائل عن كيفية أداء الحجّ وأحكامه ومسائله الفرعية.
وكلّ فقيه يقلّده الناس في الأحكام الشرعية لابُدّ أن ينشر كتاباً باسم «مناسك الحج» حتّى يعمل مقلّدوه وتابعوه وفق ذلك.
ورأى جميع فقهائنا الكرام وعلمائنا الأعلام: أنّ تارك الحج - المستطيع الذي يترك الحجّ عناداً - كافرٌ، يجب الاجتناب منه والابتعاد عنه، عملاً بالآية الكريمة:( وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ کَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) (١) .
والتزاماً بالحديث الشريف: «يقال لتارك الحجّ: مُت إن شئت يهودياً أو نصرانياً».
فهل بعد هذا كله، يترك الشيعة حجّ بيت الله؟!
ثمّ بإمكانكم أن تذهبوا عند قبور أئمّة أهل البيتعليهمالسلام وهي أفضل المزارات عند الشيعة، واسألوا الزائرين وحتّى السوقيّين منهم والقرويّين: أنّ أداء الحجّ، أين يكون وكيف يكون؟؟ تسمعون الجواب
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ٩٧.
منهم: إنّه يكون في مكّة المكرّمة إلى آخره.
ثمّ نجد هذا الرجل المفتري الكذّاب، وهو: ابن تيميّة، يتّهم أحد مفاخر العلم والدين، وأحد كبار علماء المسلمين، وهو الشيخ الجليل، والحبر النبيل، العلّامة محمد بن محمد النعمان، المعروف بالشيخ المفيد (قدّس سرّه)، فيقول: إنّ له كتاباً باسم: «مناسك حجّ المشاهد» بينما لم يكن لفضيلة الشيخ المفيد هكذا كتاب وإنّما له كتاب باسم: «منسك الزيارات» وهو في متناول الأيدي، ويحتوي على التحيات والعبارات الواردة قراءتها عند مشاهد ومراقد أئمّة أهل البيتعليهمالسلام .
ولو راجعتم كتب الشيعة التي اُلّفت في الزيارات والمزارات تجدون فيها تأكيد المؤلّفين على أنّ زيارة المشرّفة والمراقد المتبرّكة، مندوبة وليست واجبة.
وإنّ أكبر دليل قاطع، وبرهان ساطع، على كذب ابن تيميّة وافترائه علينا، أنّكم تشاهدون في كلّ عام عشرات الآلاف من الشيعة يحجّون ويقصدون بيت الله الحرام في الموسم، ويحضرون في الموقف بعرفات والمشعر الحرام مع إخوانهم المسلمين من سائر المذاهب.
وقد ورد في كتب الأدعية عندنا عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، في أدعية شهر رمضان المبارك، أن يقرأ في الليل والنهار وفي الأسحار: اللهمّ ارزُقني حجّ بيتك الحرام في عامي هذا وفي كلّ عام، ولا تُخلِني من تلك المواقف الكريمة، والمشاهد الشريفة، و زيارة قبر نبيّك والأئمّةعليهالسلام .
ويقول الحاقد المعاند، في الجزء الثاني من كتابه «منهاج السُنّة»: الشيعة ينتظرون إمامهم الغائب، ولذلك في كثير من البلاد كمدينة سامرّاء، يذهبون إلى سرداب هناك ويهيّئون فرساً أو بغلاً أو
غيره، ويصيحون وينادون باسم إمامهم ويقولون: نحن مسلّحون ومهيّأون لنكون معك ونقاتل بين يديك، فاظهر واخرج!!
ثمّ يقول: وفي أواخر شهر رمضان المبارك يتوجّهون نحو المشرق وينادون باسم إمامهم حتّى يخرج ويظهر.
ويستمر في خزعبلاته قائلاً: ومن بينهم من يترك الصلاة، حتى لا تشغلهم الصلاة عن إدراك خدمة الإمامعليهالسلام لو ظهر.
(ضحك الحاضرون كلّهم).
فهذه الأراجيف والكلام السخيف من ابن تيميّة الجلف العنيف، ليس بعجيب، لكنّي أتعجّب من بعض علماء مصر وسوريا، الّذين كنّا نعتقد أنّهم أهل علم وتحقيق لا أهل وهم وتحميق!! كيف قلّدوا ابن تيميّة وكرّروا خزعبلاته الهزلية وكلماته الهستيرية.
مثل: عبد الله القصيمي في كتابه «الصراع بين الإسلام والوثنية».
ومحمّد بن ثابت المصري في كتابه «جولة في ربوع الشرق الأدنى».
وموسى جار الله في كتابه «الوشيعة في نقد علماء الشيعة»
وأحمد أمين المصري في كتابيه: «فجر الإسلام» و «ضحى الإسلام».
وغير هؤلاء من دعاة التفرقة والطائفية وأصحاب العصبية الجاهلية.
وهناك بعض الجاهلين منكم اشتهروا بالعلم والتحقيق، وانتشرت كتبهم، وأصبحت عندكم من المصادر المعتمدة حتّى أخذتم كلّ ما جاء فيها حول الشيعة وجعلتموها من المسلَّمات الحتمية.
منهم: محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، وهو من علمائكم
وكتابه «الملل والنحل» مشهور عندكم، وقد أصبح من مصادركم المعتمدة، بينما أهل العلم والتحقيق يرفضون هذا الكتاب ولا يعتمدون عليه أبداً، لأنّه مشحون بالأخبار الضعيفة، بل الأخبار الباطلة المخالفة للواقع!
فمثلاً: ضمن وصفه للشيعة الاثني عشرية يقول: بعد الإمام محمد التقي، الإمام علي بن محمد النقي ومشهده في مدينة قم بإيران!!
بينما كلّ من عنده اطلاع عن تاريخ الإسلام وعلم الرجال، يعلم أنّ الإمام عليّ بن محمد النقيّعليهالسلام مرقده في مدينة سامراء بالعراق، وتعلوه قبّة ذهبية عظيمة لامعة، أمر بتذهيبها المرحوم ناصر الدين شاه، الملك القاجاري الإيراني.
ومن هنا نعرف مدى علم الشهرستاني وتحقيقاته العلمية والتاريخية حول الشيعة!! فيسمح لنفسه أن ينسب إليهم أنّهم يعبدون عليّ بن أبي طالب، وأنّهم يعتقدون بتناسخ الأرواح والتشبيه، وما إلى ذلك، ممّا يدلّ على جهله وعدم اطّلاعه على الملل والنحل!!
يكفينا هذا المقدار في هذا الإطار، وقد ذكرته ليعرف الشيخ مَن الكاذب والمفتري، فلا يقول بعد هذا: إنّ علماء الشيعة يكذبون ويفترون على علماء العامّة، فقد ثبت أنّ الأمر على عكس ما قاله الشيخ عبد السّلام.
الكلام في ذم أبي هريرة
ولكي يعرف الشيخ أنّ الشيعة لم ينفردوا في ذمّ أبي هريرة، بل
كثير من علماء العامّة ردّوا عليه أيضاً ورفضوا رواياته، أنقل بعض ما جاء منهم في هذا المجال:
١- ابن أبي الحديد، في شرح نهج البلاغة: ٤/٦٣ - ط دار إحياء التراث العربي، قال: وذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي رحمه الله تعالى أنّ معاوية وَضَعَ قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليٍّعليهالسلام ، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جُعلاً وعطايا مغرية، فاختلفوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: عروة بن الزبير
وفي الصفحة ٦٧ من الجزء نفسه ذكر ابن أبي الحديد، أنّ أبو جعفر قال: وروى الأعمش، قال لمـّا قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة، جاء إلى مسجد الكوفة، فلمّا رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبته ثمّ ضرب صلعته مرارا وقال:
يا أهل العراق! أتزعمون أنّي أكذب على الله وعلى رسوله، وأحرق نفسي بالنار؟!
والله لقد سمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: إنّ لكلّ نبيٍّ حَرَماً، وإنّ حَرَمي بالمدينة، ما بين عَير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وأشهد بالله أنّ عليّاً أحدث فيها!!
فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاّه إمارة المدينة.
أسألكم أيها المستمعون بالله عليكم! ألا يكفي هذا الخبر وحدَهُ لردّ أبي هريرة وإسقاط رواياته عن الاعتبار؟! أم أنّ الشيخ عبد السّلام
يعتقد أنّ أبا هريرة لمـّا كان من الصحابة، فيحقّ له أن يقول ما يحبّ ويفتري ويكذب، وله أن يتّهم أفضل الخلفاء الراشدين وأكملهم حسب رواياتكم وهو الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وليس لأحدٍ أن يردّ عليه ويضعّفه أو يطعن فيه؟!
الشيخ عبدالسّلام: لو فرضنا صدق كلامكم وصحّة بيانكم فكلّ ذلك لا يوجب لعن أبي هريرة؟! وأنا إنّما استشكل عليكم وأقول: بأيّ دليل تلعنون أبا هريرة؟!
قلت: بديل العقل والنّقل أنّه: لا يسبّ النبيّصلىاللهعليهوآله إلّا ملعون. وحسب الأخبار والأحاديث المعتبرة المروية عن طرقكم والمسجّلة في كتب كبار علمائكم، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال:
من سبّ علياً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله سبحانه وتعالى.
وأبو هريرة كان من الّذين يسبّون عليّاًعليهالسلام ، وكان يجعل الأحاديث في ذمهعليهالسلام ليشجّع المسلمين الغافلين والجاهلين على سبّ أمير المؤمنينعليهالسلام .
أبو هريرة مع بسر بن أرطأة
٢- ذكر الطبري في «تاريخه» وابن الأثير في «الكامل» وابن أبي الحديد في «شرح النهج» والعلّامة السمهودي وابن خلدون وابن خلّكان، وغيرهم: أنّ معاوية حينما بعث بسر بن أرطأة، الظالم الغاشم، إلى اليمن لينتقم من شيعة الإمام عليّعليهالسلام كان معه أربعة آلاف مقاتل، فخرج من الشام ومرّ بالمدينة المنوّرة ومكّة المكرّمة والطائف وتبالة ونجران وقبيلة أرحب - من هَمْدان - وصنعاء
وحَضْرَ مَوْت ونواحيها، وقتلوا كلّ مَن ظفروا به من الشيعة في هذه البلاد، وأرعبوا عامة الناس، فسفكوا دماء الأبرياء، ونهبوا أموالهم، وهتكوا حريمهم، وقضوا على كلّ مَن ظفروا به من بني هاشم حتّى لم يرحموا طفلَي عبيد الله بن العبّاس - ابن عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله - وكان والياً على اليمن من قبل الإمام عليّعليهالسلام .
وذكر بعض المؤرّخين: أنّ عدد الّذين قتلوا بسيوف بسر وجنده في تلك السريّة بلغ ثلاثين ألفاً!!
وهذا غير عجيب من معاوية وحزبه الظالمين، فإنّ التاريخ يذكر ما هو أدهى وأمرّ من هذا الأمر.
والجدير بالذكر أنّ أبا هريرة الذي تعظّموه غاية التعظيم، ولا ترضون بذكر مثالبه ولعنه كان قد رافق بسراً في رحلته هذه الدموية وحملته الإرهابية الاُمويّة، وخاصة جناياته على أهل المدينة المنوّرة، وما صنع بكبار شخصيّات الأنصار، مثل: جابر بن عبدالله الأنصاري، وأبي أيّوب الأنصاري إذ حرقوا داره! وأبو هريرة حاضر وناظر ولا ينهاهم عن تلك الجرائم والجنايات!!
بالله عليكم أنصفوا!!
أبو هريرة الذي صحب النبيصلىاللهعليهوآله مدّة ثلاث سنوات ويروي خمسة آلاف حديث عنهصلىاللهعليهوآله ، هل من المعقول أنّه ما سَمَعَ الحديث النبويّ المشهور الذي يرويه كبار العلماء والمحدّثين، مثل السمهودي في «تاريخ المدينة» والإمام أحمد بن حنبل في «المسند» وسبط ابن الجوزي في «التذكرة» وغيرهم عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال:
«من أخاف أهل المدينة ظلماً أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة
والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً».
وقالصلىاللهعليهوآله : «لعن الله من أخاف مدينتي - أي : أهل مدينتي -».
وقالصلىاللهعليهوآله : «لا يرد أهلَ المدينة أحدٌ بسوء إلّا أذابه الله في النار ذوب الرصاص».
فهل من المعقول أن أبا هريرة ما سمع واحداً من هذه الأحاديث الشريفة؟!
إنّه سمع! ومع ذلك رافق الجيش الذي هاجم المدينة المنوّرة وأخاف أهلها، ثمّ وقف بجانب معاوية المارق على إمام زمانه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وهو يومئذٍ خليفة رسول الله بحكم بيعة أهل الحلّ والعقد في المدينة المنوّرة.
فانضمّ أبو هريرة إلى معاوية مخالفاً لأمير المؤمنين وسيّد الوصيّين عليّ بن أبي طالب، بل محارباً لهعليهالسلام ، وما اكتفى بكلّ هذه الاُمور المنكَرة حتّى بدأ يجعل الأحاديث المزورة والأخبار المنكرة في ذمّ وليّ الله وحجّته عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، برواية يرويها عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وحاشا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثمّ حاشاه من ذلك كلّه.
والعجيب، أنّ مع كلّ هذه الاُمور المفجعة والقضايا الفظيعة، قول القائل: إنّه لا يجوز لعن أبي هريرة وطعنه، لأنّه من صحابة النبيصلىاللهعليهوآله !
وفي منطق أبي هريرة يجوز سبّ الإمام عليعليهالسلام ولعنه والعياذ بالله وهو أكرم الصحابة وأفضلهم، وأحبّ الناس إلى الله ورسولهصلىاللهعليهوآله .
الشيخ عبد السلام: الله الله! كيف تقول هكذا في شأن أبي هريرة وهو أعظم راوٍ وأوثق صحابي؟!
فالطعن واللعن رأي الشيعة، وأمّا رأي عامة المسلمين في أبي هريرة، فإنّهم يعظّموه ويحترموه ويجلّوه عن كلّ ما تقولون.
قلت: إنّ ما قلناه فيه لم يكن رأي الشيعة فحسب، بل هو رأي كثير من علمائكم ورجالكم، حتّى الخليفة الثاني عمر الفاروق، فقد ذكر المؤرّخون، كابن الأثير في الكامل في حوادث عام ٢٣، وابن أبي الحديد في شرح النهج ٣/١٠٤ ط مصر وغيرهما، ذكروا: أنّ عمر بن الخطّاب في سنة ٢١ أرسل أبا هريرة والياً على البحرين، واُخبر الخليفة بعد ذلك بأنّ أبا هريرة جمع مالاً كثيراً، واشترى خيلاً كثيراً على حسابه الخاصّ، فعزله الخليفة سنة ٢٣ واستدعاه، فلمّا حضر عنده، قال له عمر: يا عدوّ الله وعدوّ كتابه، أسرقت مال الله؟!
فقال: لم أسرق، وإنّما هي عطايا الناس لي.
ونقل ابن سعد في طبقاته ٤/٩٠، وابن حجر العسقلاني في «الإصابة» وابن عبد ربه «العقد الفريد» الجزء الأول، كتبوا: أنّ عمر حينما حاكمه قال له: يا عدوّ الله! لمـّا وليّتك البحرين كنت حافياً لا تملك نعالاً، والآن اُخبرت بأنّك شريتَ خيلاً بألف وستمائة دينار!!
فقال أبو هريرة: عطايا الناس لي وقد أنتجت.
فغضب الخليفة وقام وضربه بالسوط على ظهره حتّى أدماه! ثمّ أمر بمصادرة أمواله، وكانت عشرة آلاف دينار، فأوردها بيت المال.
وقد ضرب عمر أبا هريرة قبل هذا، كما ذكر مسلم في صحيحه ١/٣٤ قال: في زمن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ضرب عمر أبا هريرة حتّى سقط
على الأرض على قفاه!
ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج ١/٣٦٠ ط مصر أنّه قال أبو جعفر الإسكافي: وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا، غير مرضيّ الرواية، ضربه عمر بالدرّة وقال: قد أكثرتَ من الرواية، أحرى بك أن تكون كاذباً على رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
وذكر ابن عساكر في تاريخه، والمتّقي في «كنز العمّال»: أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب زجر أبا هريرة، وضربه بالسوط، ومنعه من رواية الحديث ونقله عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقال له: لقد أكثرت نقل الحديث عن النبيصلىاللهعليهوآله وأحرى بك أن تكون كاذباً على رسول اللهصلىاللهعليهوآله !! وإذا لم تنتهِ عن الرواية عن النبيّصلىاللهعليهوآله لأنفينّك إلى قبيلتك دَوس، أو اُبعدك إلى أرض القردة.
ونقل ابن أبي الحديد في شرحه ١/ ٣٦٠ ط مصر، عن اُستاذه جعفر الإسكافي، أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام قال: ألا إنّ أكذب الناس - أو قال: أكذب الأحياء - على رسول اللهصلىاللهعليهوآله أبو هريرة الدوسي.
وذكر ابن قتيبة في «تأويل مختلف الحديث» والحاكم في الجزء الثالث من «المستدرك» والذهبي في «تلخيص المستدرك» ومسلم في صحيحه، ج ٢ / في فضائل أبي هريرة: أنّ عائشة كانت تقول مرّات وكرّات: أبو هريرة كذّاب، وقد وضع وجعل أحاديث كثيرة عن لسان النبيّصلىاللهعليهوآله !!
فأبو هريرة لم يكن مرفوضاً وكذّاباً عندنا فحسب، بل هو مردود
وكذّاب عند سيّدنا الإمام عليٍّعليهالسلام ، وعند مولاكم عمر الفاروق، وعند اُمّ المؤمنين عائشة، وعند كثير من الصحابة والتابعين، والعلماء المحقّقين!!
كما إنّ شيوخ المعتزلة وعلماء المذهب الحنفي كلّهم رفضوا مرويّاته وردّوها، وأعلنوا: أنّ كلّ حكم وفتوىً صدرت على أساس رواية عن طريق أبي هريرة، باطل وغير مقبول.
كما إنّ النووي في «شرح صحيح مسلم» في المجلّد الرابع يتعرّض لهذا الأمر بالتفصيل.
وكان إمامكم الأعظم أبو حنيفة يقول: أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآله كلّهم عندي ثقات وعدول، والحديث الواصل عن طريقهم عندي صحيح ومقبول، إلّا الأحاديث الواصلة عن طريق أبي هريرة وأنس بن مالك وسمرة بن جندب، فلا أقبلها، وهي مردودة ومرفوضة.
(وصل الحديث إلى هنا فصار وقت صلاة العشاء).
وبعد أداء الصلاة وتناول الشاي.
قلت: نظراً إلى ما سبق من أقوال العلماء والأئمّة حول أبي هريرة ونظرائه، لا بُدّ لنا أن نحتاط في قبول مطلق الأحاديث، والاحتياط الذي هو سبيل النجاة يقتضي التحقيق والتدقيق في ما يُروى عن النبيصلىاللهعليهوآله .
وكما ورد عنهصلىاللهعليهوآله : كلّما حُدّثتم بحديث عنّي فاعرضوه على كتاب الله سبحانه، فإذا كان موافقاً فخذوه، وإن كان مخالفاً لكلام الله تعالى فاتركوه.
الحديث في فضل أبي بكر
وأمّا الكلام حول الحديث الذي نقله الشيخ عبد السّلام عن أبي هريرة: أنّ جبرائيل نزل على النبيّصلىاللهعليهوآله فقال: إنّ الله تعالى يقول: إنّي راضٍ عن أبي بكر فاسأله هل هو راضٍ عنّي؟!
فأقول:
أوّلاً: نجد في سند هذا الحديث أبا هريرة، وهو عندنا وعند كثير من علمائكم مردود وساقط، ورواياته غير مقبولة، كما مرّ.
ثانياً: حينما نعرض الحديث على كتاب الله تعالى كما أمرنا النبيّصلىاللهعليهوآله نجده مخالفاً للقرآن المجيد، فإنّه سبحانه يقول:( وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَ نَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (١) .
وقال:( ....فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفَى ) (٢) .
وقوله تعالى:( إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ مَا يَخْفَى ) (٣) .
وقوله سبحانه:( رَبَّنَا إِنَّکَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَ مَا نُعْلِنُ ) (٤) .
فبحكم هذه الآيات الكريمة، وبحكم العقل السليم، فإنّ الله عزّ وجلّ يعلم كلّ ما هو في قرارة نفس الإنسان ومكنون سره، وكلّ ما يختلج في صدره.
____________________
١) سورة ق، الآية ١٦.
٢) سورة طه، الآية ٧.
٣) سورة الأعلى، الآية ٧.
٤) سورة إبراهيم، الآية ٣٨.
فالحديث الذي يقول: «سل أبا بكر هل هو عنّي راضٍ؟!».
مفهومه: إنّ الأمر يخفى على الله سبحانه، فيسأل ليعلم!! وهذا ينافي القرآن الحكيم والعقل السليم.
ثمّ ممّا لا شكّ فيه أنّ رضا الباري عزّ وجلّ يحصل بالنسبة للعبد الذي هو راضٍ عن ربّه، فالعبد إذا لم يصل إلى درجة الرضا، أي: لا يرضى بقضاء الله وقدره، فإنّ الله لا يرضى عنه، ولا يكون مقرّباً إليه تعالى.
فعلى هذا، كيف يبدي الله جلّ وعلا رضاه عن أبي بكر وهو لا يدري هل إنّ أبا بكر وصل إلى درجة الرضا أم لا؟!
الشيخ عبد السّلام: لا بأس، نترك هذا الحديث الذي تشكّكون فيه ولكن عندنا أحاديث لا شكّ فيها أنّها صدرت عن النبيصلىاللهعليهوآله في شأن الخليفة أبي بكر، منها أنّه:
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ الله يتجلّى للناس عامّة، ويتجلّى لأبي بكر خاصّة.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما صبّ الله في صدري شيئاً إلّا صبّه في صدر أبي بكر.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ في السماء الدنيا ثمانون ألف ملك يستغفرون لمن أحبّ أبا بكر وعمر، وفي السماء الثانية ثمانون ألف ملك يلعنون من أبغض أبا بكر وعمر.
و قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أبو بكر وعمر خير الأوّلين و الآخرين.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : خلقني الله من نوره وخلق أبا بكر من نوري وخلق عمر من نور أبي بكر وخلق اُمّتي من نور، وعمر سراج أهل الجنّة.
هذه الأحاديث وأمثالها كثيرة، وهي مرويّة في كتبنا المعتبرة، وقد ذكرت بعضها لتعرف ويعرف الحاضرون فضل الشيخين ومقامهما الرفيع عند الله وعند رسولهصلىاللهعليهوآله .
أحاديث مدسوسة
قلت: هذه الأحاديث تدلّ ظواهرها على بطلانها وفسادها. وحاشا رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن تصدر منه هكذا كلمات!!
فإنّ الحديث الأوّل: يدلّ بظاهره على تجسّم الباري عزّ وجلّ وسبحانه عن ذلك وعلا علوّاً كبيراً.
والحديث الثاني: يصرّح بأنّ أبا بكر شريك رسول اللهصلىاللهعليهوآله في ما نزل عليه من الوحي.
والحديث الثالث: يدلّ على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله ما كان أرفع درجة وأعلى رتبة من أبي بكر، بل يساويه في المقام والمنزلة.
والخبران الأخيران، مخالفان لأحاديث كثيرة متواترة ومقبولة عند الفريقين، فالأحاديث الصحيحة تصرّح بأنّ خير أهل العالم محمد المصطفى وآله النجباء، سلام الله عيهم أجمعين.
وأمّا الجملة الأخيرة: «وعمر سراج أهل الجنّة».
فأقول: إنّ أهل الجنّة مستغنون عن السراج فيها، لأنّ وجوههم منيرةٌ يومئذٍ، كما قال تعالى:( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى
نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاکُمُ الْيَوْمَ ) (١) .
وقوله تعالى:( ..يَوْمَ لاَ يُخْزِي الله النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَانِهِمْ ) (٢) .
وقد ورد في الأخبار المروية في كتب الفريقين: أنّ الجنّة تكون مضيئة في حدّ ذاتها كالدرّة البيضاء والياقوتة الحمراء، فلا قيمة فيها للسراج، لأنّ السراج إنّما يفيد في الظلام، ولا ظلام في الجنّة.
وإضافة على ما ذكرنا، فإنّ كبار علمائكم في علم الدراية والرجال، وكبار محدّثيكم الّذين يميّزون الأحاديث الصحيحة عن السقيمة مثل: العالم الجليل المقدسي في: «تذكرة الموضوعات».
والفيروز آبادي الشافعي - صاحب «القاموس» - في: «سِفر السعادة».
والذهبي في «ميزان الاعتدال».
والخطيب البغدادي في: «تاريخ بغداد».
وأبي الفرج ابن الجوزي في: «الموضوعات».
وجلال الدين السيوطي في: «اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» هؤلاء صرّحوا: أنّ هذه الأخبار موضوعة ولا اعتبار بها، لسببين:
١- أسانيدها ضعيفة، لأنّ في طريقها رجال متّهمون بالكذب وجعل الأحاديث.
٢- عدم موافقتها للقواعد العقلية والآيات القرآنية.
____________________
١) سورة الحديد، الآية ١٢.
٢) سورة التحريم، الآية ٨.
الشيخ عبد السّلام: لو فرضنا صحّة كلامكم في الأحاديث المذكورة، فما تقول في هذا الحديث الشريف المشهور بين علماء المسلمين، والمذكور في الكتب المعتبرة الموثوقة، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال: أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة؟!
قلت: أمّا قولك: «الحديث .....المشهور» فرُبَّ مشهور لا أصل له!
وأمّا قولك: «والمذكور في الكتب» فليتك تذكر لنا هذه الكتب المعتبرة، الموثوقة!!
وأمّا الحديث، إضافة على أنّه مردود وغير مقبول عند علمائكم ومحدّثيكم المتخصّصين في علم الدراية والرجال والحديث والرواية، وقد حسبوه من الموضوعات، فإنّ ظاهره يخالف الحقّ الذي يتجلّى في الأخبار الصحيحة المقبولة عند الفرقين.
أهل الجنّة كلّهم شباب
من معتقدات المسلمين أنّ الجنّة ليس فيها غير شباب ولا يدخلها شيوخ وكهول.
والخبر المشهور في كتب الفريقين صريح في الموضوع، وهو أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لامرأة عجوز وهو يمازحها، حين طلبت منهصلىاللهعليهوآله أن يدعو لها بالجنّة.
فقالصلىاللهعليهوآله : «إنّ الجنة لا تدخلها العجائز» فحزنت المرأة وقالت: واخيبتاه إذا لم أدخل الجنة!
فتبسّم رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقال: تدخلين الجنّة ولستِ يومئذ
بعجوز، بل تنقلبين إلى فتاة باكرة، كما قال الله سبحانه:( إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْکَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً ) (١) .
وكما ورد في الحديث النبوي الشريف: المؤمنون يدخلون الجنّة جرداً، مرداً، بيضاً، جعاداً، مكحّلين، أبناء ثلاث وثلاثين.
على هذا ذكر الفيروز آبادي في «سفر السعادة:١٤٢».
والسيوطي في: «اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» وابن الجوزي في «الموضوعات».
والمقدسي في: «تذكرة الموضوعات» والشيخ محمد البيروتي في «أسنى المطالب: ١٢٣».
قالوا:في سند حديث: «أبوبكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة» يحيى بن عنبسة.
وقال الذهبي: هو ضعيف.
وقال ابن جّان: إنّ يحيى جعّال وضّاع للحديث.
لذلك هذا الحديث ساقط عن الاعتبار!
ونحتمل احتمالاً معقولاً، أنّ هذا الحديث من جعل بني اُميّة البكريّين، لأنّهم كانوا يضعون الأحاديث قبال كلّ حديث نبوي صدر في فضل أهل البيتعليهمالسلام ، وقد وضعوا هذا الحديث مقابل حديث شريف متّفق عليه بين الشيعة والسُنّة.
النوّاب: أيّ حديث تقصدوه، بيّنوه للحاضرين؟!
قلت : الحديث النبويّ الشريف: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما. و في بعضٍ: أفضل منهما.
____________________
١) سورة الواقعة، الآية ٣٥-٣٧.
وقد جاء هذا النصّ في كثير من كتبكم المعتبرة، وصرّح به كبار علمائكم الأعلام، منهم:
الخطيب الخوارزمي في «المناقب».
والمير السيد علي الهمداني في المودّة الثامنة من كتابه: «مودّة القربى».
والإمام النسائي في «الخصائص العلوية».
وابن الصبّاغ المالكي في «الفصول المهمّة» ص ١٥٩.
وسليمان الحنفي القندوزي، في الباب ٥٤ من: «ينابيع المودّة» نقلاً عن الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد.
وسبط ابن الجوزي في ص ١٣٣ من: «التذكرة».
والإمام أحمد بن حنبل في «المسند».
والترمذي في «السنن».
ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في الباب ٩٧ من «كفاية الطالب» بعد نقله للحديث الشريف بإسناده يقول: هذا حديث حسن ثابت، لا أعلم أحداً رواه عن ابن عمر غير نافع، تفرّد به: المعلّى عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذيب، رزقناه عالياً بحمد الله ومَنّه.
قال: وجمع إمام أهل الحديث، أبو القاسم الطبراني في «معجمه الكبير» في ترجمة الحسنعليهالسلام طرقه عن غير واحد من الصحابة، منهم: عمر بن الخطّاب، ومنهم: عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وطرقه عن عليٍّ بطرق شتّى إلى آخره.
وبعد كلام طويل، وذِكره الحديث بشكليه: «وأبوهما خير منهما» «وأبوهما أفضل منهما» بأسانيد عديدة. قال: وانضمام
هذه الأسانيد بعضها إلى بعض دليل صحّته.
انتهى كلام الكنجي.
ونقله أبو نعيم في «الحلية» وابن عساكر في تاريخه الكبير ٤/٢٠٦، والحاكم في «المستدرك» وابن حجر في الصواعق: ٨٢.
فعلماؤكم قد اتّفقوا وأجمعوا على أنّ هذا الحديث الشريف صدر عن النبيّصلىاللهعليهوآله : «الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما خير منهما» و في بعض الروايات : « و أبوهما أفضل منهما».
الشيخ عبد السّلام: سأذكر حديثاً معتبراً مقبولاً عند جميع علمائنا إذ لم ينكره أحد منهم، وهو الحديث النبوي الشريف: «ما ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يتقدّم عليه غيره» وهذا أفضل دليل على أنّ أبا بكر بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم هو إمام المسلمين والمقدّم عليهم.
قلت: أسفي عليكم، أنتم علماء الاُمّة! إذ تتقبّلون الأخبار والأحاديث من غير تفكّر وتدبّر!
هلاّ فكّرتم أنّ هذا الخبر إن كان صحيحاً، فلماذا النبيصلىاللهعليهوآله بنفسه لم يعمل به، ولم يقدّم أبا بكر في قضايا كثيرة مهمّة في تاريخ النبيّصلىاللهعليهوآله وتاريخ الإسلام، مثل يوم المباهلة، إذ أخذ معه فاطمة وعليّاً ابنيهما، وقدّمهم على مَن سواهم.
وفي غزوة تبوك إذ خلَّفَ الإمام عليّاًعليهالسلام في المدينة مكانه وقال له: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ...» إلى آخره.
وفي تبليغ الآيات الأوائل من سورة براءة، للمشركين، إذ عزل أبا بكر وأرسل عليّاًعليهالسلام وقالصلىاللهعليهوآله : «لا يبلّغ إلّا أنا أو رجل منّي - أو
قال من أهل بيتي -(١) .
وفي فتح خيبر حين أعطاه النبيّصلىاللهعليهوآله الراية وكان الفتح على يديه.
____________________
١) أقول: خبر عزل أبي بكر من تبليغ آيات سورة براءة حديث مشهور بين المؤرّخين المفسّرين والمحدّثين من علماء العامّة، منهم:
١- أبو الفداء، اسماعيل بن عمر الدمشقي: في البداية والنهاية ٧/٣٥٧.
٢- ابن حجر الهيتمي، في الصواعق المحرقة، ص ١٩.
٣- ابن حجر العسقلاني، في الإصابة ٢/٥٠٩.
٤- الحاكم النيسابوري، في المستدرك على الصحيحين ٢/٥١، و٣٣١.
٥- محمد بن عيسى الترمذي، في صحيحه ٢/٤٦١.
٦- المتّقي الهندي الحنفي، في كنز العمّال ١/٢٤٦ و٢٤٩، وج ٦/١٥٣.
٧- الإمام أحمد بن حنبل، في المسند ١/٣، وج ٣/٢٨٣، وج ٤/١٦٤.
٨- محبّ الدين الطبري، في ذخائر العقبي ص ٦٩.
٩- الإمام النسائي في خصائصه، ص ٤.
١٠- الكنجي الشافعي، في كفاية الطالب، الباب السبعين ص ١٥٢، بسنده المتّصل بالحرث بن مالك، قال: أتيت مكّة فلقيتُ سعد بن أبي وقّاص، فقلت هل سمعت لعليٍّ منقبة؟
قال: قد شهدت له أربعاً لئن تكون لي واحدة منهن أحبُّ إليَّ من الدنيا اُعمّر فيها عمر نوح.
إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعث أبا بكر ببراءة إلى مشركي قريش فسار بها يوماً وليلة، ثمّ قال لعليٍّ: اتبع أبا بكر فخذها وبلّغها. فردّ عليٌّعليهالسلام أبا بكر، فرجع يبكي فقال: يا رسول الله! أنزل فيَّ شيء؟!
قال: لا، إلّا خيراً، إلّا أنّه ليس يبلغ عنّي إلّا أنا أو رجل منّي. أو قال: من أهل بيتي إلى آخره.
وبعدما نقل الخبر بطوله قال العلّامة الكنجي: هذا حديث حسن، وأطرافه صحيحة، أما طرفه الأوّل فرواه إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل وهو بعث في أبي بكر ببراءة، وتابعَهُ الطّبراني إلى آخر كلامه. «المترجم»
ويوم فتح مكة، رفع النبيّصلىاللهعليهوآله عليّ بن أبي طالبعليهالسلام على كتفه فكسَّرَ الأصنام التي على سطح الكعبة.
وأرسله النبيّصلىاللهعليهوآله لأهل اليمن يبلّغهم الدين ويقضي فيهم.
وأهمّ من كلّ ذلك: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله جعل عليّاًعليهالسلام وصيّه، وأوصى إليه بكلّ ما أراد ليقوم به بعد موته. ولم يوص لأبي بكر!
وكان أبو بكر في كلّ هذه القضايا والاُمور حاضراً، لا غائباً ولا مسافراً، والنبيّصلىاللهعليهوآله اختار عليّاً وقدّمه في تلك الاُمور وغيرها من القضايا الكثيرة وترك أبا بكر!!
الشيخ عبد السلام: ما لكم كلّما نذكر حديثاً في فضل أبي بكر صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رفضتموه ولم تقبلوه؟!
قلت: ما ذنبنا، إذا كانت الأحاديث التي تنقلها في هذا المجال، يأباها العقل والنقل؟!
الشيخ عبد السلام: لقد وصلنا حديث ثابت صحيح غير قابل للإنكار، وهو عن طريق عمرو بن العاص، قال: سألت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يوماً عن أحبّ نساء العالم إليه؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : عائشة!
قال: فسألته عن أحب الرجال إليه؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أبو بكر!
على هذا فهما مقدَّمان، لأنّ حبّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لهما دليل على أنّ الله تعالى يحبّهما، وهذا دليل قاطع على أحقّيّة أبي بكر (رض) بخلافة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قلت: بالإضافة إلى أنّ هذا الخبر من الموضوعات، فهو يعارض الأخبار المعتبرة والأحاديث الصحيحة عند الفرقين من جهتين:
أوّلاً: من جهة عائشة اُمّ المؤمنين، بأنّها أحبّ النساء إلى النبيّصلىاللهعليهوآله ، فإنّ هناك أحاديث جمّة تصرّح بأنّ أحبّ النساء إلى النبيّصلىاللهعليهوآله وخيرهنّ هي: فاطمة سيّدة النساء.
فقد أثبت ذلك علماء المسلمين عامّة - شيعة وسُنّة - في أحاديث متواترة في كتبهم المعتبرة، منهم:
١- أبو بكر البيهقي، في تاريخه.
٢- الحافظ ابن عبد البرّ، في« الاستيعاب».
٣- المير السيّد علي الهمداني، في« مودّة القربى ».
وغيرهم من علمائكم وعلماء الشيعة، كلّهم متّفقون على صحّة الحديث المرويّ عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال كراراً:
« فاطمة خير نساء أمّتي » أو: « خير نساء اُمّتي فاطمة ».
وروى الإمام أحمد في« المسند » والحافظ أبو بكر في « نزول القرآن في علي » عن محمّد بن الحنفية عن أمير المؤمنينعليهالسلام .
وروى ابن عبد البرّ في « الاستيعاب » في قسم: التحدّث عن فاطمة الزهراءعليهاالسلام وخديجة اُمّ المؤمنين، عن عبد الوارث بن سفيان وأبي هريرة، وفي قسم التحدّث عن خديجة اُمّ المؤمنين، روى عن أبي داود نقلاً عن أبي هريرة وانس بن مالك.
وروى الشيخ سليمان الحنفي، في الباب ٥٥ من « ينابيع المودة ».
والمير السيد علي الهمداني في المودّة الثالثة عشرة من « مودّة القربى » عن أنس بن مالك.
وروى غيرهم عن طرق عديدة: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمدعليهماالسلام .
وروى الخطيب البغدادي في تاريخه، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله عدّ هؤلاء النساء الأربع خير نساء العالمين وفضّل فاطمة في الدنيا والآخرة عليهنّ.
وروى البخاري في صحيحه، والإمام أحمد في المسند، عن عائشة بنت أبي بكر، قالت: قال النبيّصلىاللهعليهوآله لفاطمة: يا فاطمة أبشري، فإنّ الله اصطفاك وطهّرك على نساء العالمين، وعلى نساء الإسلام، وهو خير دين.
وروى البخاري في صحيحه ٤/٦٤، ومسلم في صحيحه، في باب فضائل فاطمة ج ٢، والحميدي في « الجمع بين الصحيحين » والعبدي في « الجمع بين الصحاح الستّة » وابن عبد البرّ في «الاستيعاب» في قسم: الحديث عن فاطمةعليهاالسلام ، والإمام أحمد في المسند ٦/٢٨٢، ومحمد بن سعد في الطبقات ج ٢ في قسم أحاديث النبيّصلىاللهعليهوآله في مرضه، وفي الجزء الثامن في قسم الحديث حول فاطمةعليهاالسلام ، نقلاً عن اُمّ المؤمنين عائشة عن النبيّصلىاللهعليهوآله في حديث طويل جاء فيه أنّهصلىاللهعليهوآله قال:
«يا فاطمة! ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين؟!».
وفسّره ابن حجر العسقلاني في الإصابة، في ترجمة فاطمةعليهاالسلام ، أي: أنتِ سيّدة نساء العالمين.
وروى محمد بن طلحة الشافعي في كتابه «مطالب السؤول» ص ٧، أحاديث وأخباراً كثيرة في هذا الباب، وقال بعدها: فثبت بهذه
الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة، كون فاطمة كانت أحبّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله من غيرها، وأنّها سيّدة نساء أهل الجنّة، و أنّها سيدة نساء هذه الأمة وسيّدة نساء أهل المدينة.
وروى البخاري و مسلم في الصحيح، والثعلبي في تفسير الإمام أحمد في «المسند» والطبراني في «المعجم الكبير» وسليمان الحنفي في «الينابيع» الباب ٣٢، عن تفسير أبي حاتم، والحاكم في «المناقب» والواحدي في «الوسيط» وأبي نعيم في «حلية الأولياء» وعن الحمويني في «فرائد السمطين».
وروى ابن حجر الهيتمي في «الصواعق» في ذكر الآية الرابعة عشر.
وروى محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول، ص ٨.
والطبري في تفسيره، والواحدي في أسباب النزول، وابن المغازلي في المناقب، ومحب الدين الطبري في الرياض، والشبلنجي في نور الأبصار، والزمخشري في تفسيره، والسيوطي في الدرّ المنثور، وابن عساكر في تاريخه، والسمهودي في وفاء الوفاء والنيسابوري في تفسيره، والبيضاوي في تفسيره، والفخر الرازي في التفسير الكبير، وأبو بكر شهاب الدين العلوي في رشفة الصادي: الباب الأوّل /صفحة٢٢- ٢٣، نقلاً عن تفسير البغوي والثعلبي، والملّا في سيرته، ومناقب أحمد، والطبراني في المعجم الكبير والأوسط، والسدّي، والشيخ عبد الله بن محمد الشبراوي في كتابه «الإتحاف» صفحة ٥ عن الحاكم والطبراني وأحمد.
وروى السيوطي في «إحياء الميت» عن تفاسير ابن المنذر وابن
أبي حاتم وابن مردويه «والمعجم الكبير» للطبراني.
كلّهم رووا عن ابن عبّاس حبر الاُمّة: أنّه لمـّا نزلت الآية الكريمة:( ....قُلْ لاَ أَسْأَلُکُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) (١) .
قال جمع من الأصحاب: يا رسول الله! من قرابتك الّذين فرض الله علينا مودّتهم؟
قالصلىاللهعليهوآله : عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين.
وهذا الأمر ثابت ولا يشكّ فيه إلّا الذي في قلبه مرض النفاق والعناد.
وإنّ هذا الأمر ثابت عند كبار علمائكم الأعلام، حتّى روى ابن حجر في «الصواعق» صفحة ٨٨، والحافظ جمال الدين الزرندي في «معراج الوصول» والشيخ عبد الله الشبراوي في «الإتحاف» صفحة ٥٢٩ ومحمد بن علي الصّبان في «إسعاف الراغبين» صفحة ١١٩، وغير هؤلاء ذكروا: أنّ الإمام محمد بن إدريس الشافعي أنشد شعراً في هذا الأمر، فقال:
يا أهل بيت رسول الله حبّكمُ |
فرض من الله في القرآن أنزلَهُ |
|
كفاكم من عظيم الشأن أنّكمُ |
من لم يصلِّ عليكم لا صلاة لَهُ |
والآن، اُوجه سؤالي لكلّ منصف في المجلس وأقول:
بالله عليكم هل يقابل الحديث الذي ذكره الشيخ عن عمرو بن
____________________
١) سورة الشورى، الآية ٢٣.
العاص الفاسق، الذي خرج لقتال إمام زمانه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وسفك دماء المؤمنين عمّار بن ياسر ونظرائه الأخيار الأبرار، هل يقابل حديثه بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة المجمَع على صحّتها بين المسلمين، شيعة وسُنّة؟!
وهل يقبل العقل أن يفضّل رسول اللهصلىاللهعليهوآله أحداً ويحبّ أحداً أكثر من الّذين فرض الله حبّهم ومودّتهم على المسلمين؟!
وهل يُتصوّر أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله يتّبع هواه فيُغرم في حبّ زوجته عائشة من غير دليل معنوي ورجحان شرعي، فيرجّحها على سائر زوجاته ويحبّها أكثر من نسائه؟!
مع العلم أنّ الله عزّ وجلّ يطالب عباده بالعدل بين زوجاتهم فيقول:( ...فَانْکِحُوا مَا طَابَ لَکُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ إلّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) (١) .
أم هل من المعقول أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله يفضّل زوجته عائشة على ابنته فاطمة التي فَضَّلها الله تعالى ومدحها في آية التطهير والمباهلة، وفرض مودّتها في آية القربى؟!
كلّنا نعلم ونؤمن بأنّ الأنبياء والأصفياء لا يتّبعون الهوى، وإنّما تكون أفعالهم وأقوالهم وحبّهم وبغضهم لله وفي الله سبحانه، فمعيار الحبّ والبغض عندهم هو: الله، وليس الهوى!
والله عزّ وجلّ يرجّح فاطمة ويفضّلها على مَن سواها ويفرض حبّها والذي يقول غير ما نقول، فيلزم أن يردّ كلّ الأحاديث والأخبار المعتضدة والمؤيّدة بالقرآن الحكيم والعقل السليم التي استدللنا بها على ما نقول!
____________________
١) سورة النساء، الآية ٣.
أو أنّه ينسب النبيّصلىاللهعليهوآله ويتّهمه - والعياذ بالله - بمتابعة الهوى ومخالفة الحقّ! وهذا كفر صريح.
أحبّ الرجال إلى النبيّ عليٌّعليهالسلام
ثانياً: أمّا من جهة أبي بكر، كما يقول حديث عمرو بن العاص: «إنّ أحبّ الرجال إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم هو أبو بكر» فهو ينافي الأخبار الكثيرة والأحاديث الصحيحة المعتبرة المروية في كتب كبار علمائكم ومحدّثيكم بأنّ أحبّ الرجال إلى النبيّصلىاللهعليهوآله هو عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، منهم:
١- روى الحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودّة» الباب ٥٥، عن الترمذي بسنده عن بريدة، أنّه قال: كان أحبّ النساء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فاطمة ومن الرجال عليّعليهالسلام .
٢- العلّامة محمد بن يوسف الكنجي روى مسنداً في كتابه «كفاية الطالب» الباب ٩١، بسنده عن اُمّ المؤمنين عائشة، أنّها قالت: ما خلق الله خلقاً كان أحبّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله من عليّ بن أبي طالب.
ثمّ يقول الكنجي: هذا حديث حسن، رواه ابن جرير في مناقبه، وأخرجه ابن عساكر في ترجمته، أي ترجمة الإمام عليعليهالسلام (١) .
____________________
١) لقد خرّج الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين ٣/ ١٥٤ حديثاً بمعناه وفي زيادة، وهذا نصّه:
بحذف السند، بسنده عن جميع بن عمير، قال: دخلت مع اُمّي على عائشة =
٣- روى الحافظ الخجندي بسنده عن معاذة الغفارية، أنّها قالت: دخلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في بيت عائشة، وكان عليعليهالسلام خارج الدار، فسمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول لعائشة: إنّ هذا - أي عليّعليهالسلام - أحبّ الرجال إليّ، وأكرمهم عَليَّ، فاعرفي حقّه، واكرمي مثواه.
____________________
= فسمعتها من وراء الحجاب وهي تسأل عن عليٍّ؟ فقالت: تسألني عن رجل، والله ما أعلم رجلاً كان أحبّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من عليٍّ، ولا في الأرض امرأة كانت أحبّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من امرأته - أي: فاطمةعليهاالسلام - ثمّ قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه - أي: البخاري ومسلم -.
وخرّج محبّ الدين الطبري في «ذخائر العقبى» صفحة ٣٥، حديثاً بمعناه وهذا نصّه: عن عائشة أنّها سئلت: أيُّ الناس كان أحبّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قالت: فاطمة، فقيل: من الرجال؟ قالت: زوجها، إن كان ما علمتُ صوّاماً قوّاماً.
خرّجه الترمذي في صحيحه ٢/٤٧٥، وخرّجه ابن عبيد وزاد بعد قوله «قوّاماً»: جديراً بقول الحقّ.
وعن بريدة، قال: كان أحبّ الناس إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فاطمة ومن الرجال عليّ.
خرجَّهُ أبو عمر.
انتهى ما ذكره الطبري في (الذخائر).
وقد خرّج الحديث، الحاكم في المستدرك على الصحيحين في مورد آخر، ج ٣/١٥٧، وخرّجه ابن الأثير في اُسد الغابة ٣/٥٢٢، وابن عبد البرّ في الاستيعاب ٢/٧٧٢، والترمذي في صحيحه ٢/٤٧١ في مناقب اُسامة، وخرّجه الخوارزمي الحنفي في: تاريخ مقتل الحسينعليهالسلام ١/٥٧، والمتّقي الهندي في: كنز العمّال ٦/٤٥٠ نقلاً من كتب كثيرة لعلماء العامّة. «المترجم».
٤- روى ابن حجر في آخر الفصل الثاني من «الصواعق» بعد نقله أربعين حديثاً في فضائل الإمام عليّعليهالسلام ، قال الترمذي: عن عائشة، قالت: كانت فاطمة أحبّ النساء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وزوجها أحبّ الرجال إليه.
خبر الطائر المشويّ
من أهمّ الأخبار في الموضوع، خبر الطير المشويّ المرويّ في كتبنا وكتبكم المعتبرة كالصحاح والمسانيد، منها:
صحيح البخاري، وصحيح مسلم، والترمذي، والنسائي، والسجستاني، في صحاحهم، والإمام أحمد في «المسند» وابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» وابن الصبّاغ المالكي في «الفصول المهمّة» صفحة ٢١، رواه بهذه العبارة: وأنّه صحّ النقل في كتب الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة عن أنس بن مالك إلى آخره.
ورواه الشيخ سليمان الحنفي في «ينابيع المودّة» الباب الثامن، وقد خصّصه لهذا الخبر من طرق شتّى فيرويه عن الإمام أحمد و الترمذي والموفّق بن أحمد الخوارزمي وابن المغازلي وسنن أبي داود، عن سفينة مولى النبيّصلىاللهعليهوآله .
وعن أنس بن مالك وابن عبّاس.
ثمّ يقول: وقد روى أربعة وعشرون رجلاً حديث الطير عن أنس، منهم: سعيد بن المسيّب والسدّي وإسماعيل.
قال: ولابن المغازلي «حديث الطير» من عشرين طريقاً.
ورواه سبط ابن الجوزي في التذكرة: ٢٣، عن فضائل أحمد
وسنن الترمذي.
وأشار إليه المسعودي في مروج الذهب ٢/٤٩.
ورواه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في الحديث التاسع من «الخصائص».
وكتب كلٌّ من: الحافظ ابن عقدة ومحمد بن جرير الطبري والحافظ أبو نعيم، كتاباً خاصاً بخبر الطير المشويّ وأسانيده وطرقه وتواتره.
كما أنّ العلّامة المحقق الورع، الزاهد التقي، السيّد حامد حسين الدهلوي - وأنتم الحاضرون لقرب جواركم منه تعرفون العلمية وتعرفون وروعه وزهده أحسن وأكثر من غيركم - خصّص مجلّداً ضخماً من موسوعته العلمية الكريمة: «عبقات الأنوار» لخبر الطير المشويّ وقد جمع فيه أسناد ومصادر الخبر من طرقكم وكتب علمائكم فقط.
وأنا لا أذكر الآن كم بلغ عدد أسناد ومصادر هذا الخبر في ذلك الكتاب العظيم، ولكنّي أذكر بأنّي عجبت حين مطالعته من سعة اطّلاع العلّامة الدهلوي!
والخبر كما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، عن سفينة مولى النبيصلىاللهعليهوآله قال: أهدت امرأة من الأنصار طيرين مشويّين بين رغيفين، فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك فجاء عليّعليهالسلام فأكل معه من الطيرين حتّى كفيا.
وجاء في بعض كتبكم مثل: «الفصول المهمّة» لابن الصبّاغ المالكي وتاريخ الحافظ النيسابوري، و «كفاية الطالب» للعلّامة الكنجي
الشافعي، و مسند أحمد، عن أنس بن مالك، قال:
اُتى النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم بطائر فقال: اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي.
فجاء عليعليهالسلام فحجبته مرّتين، فجاء في الثالثة فأذنت له.
فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عليّ! ما حبسك؟!
قال: هذه ثلاث مرّات قد جئتها فحبسني أنس.
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لِمَ يا أنس؟! قال: قلت: سمعتُ دعوتَك يا رسول الله، فأحببتُ أن يكون رجلاً من قومي.
فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : الرجل يحبّ قومه.
فاسألُ الشيخ عبد السلام وأقول: هل استجاب الله تعالى دعوة حبيبه ونبيّه محمّدصلىاللهعليهوآله أم لا؟!
الشيخ عبد السلام: نعم، وكيف لا يستجيب وقد وعده الإجابة؟!
وهو سبحانه يعلم أنّ النبيّ لا يدعوه ولا يطلب منه حاجةً إلّا في محلّها. فلذلك كانت دعوة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مستجابة في كلّ وقت.
قلت: على هذا فعليٌّعليهالسلام هو أحبّ الخلق إلى الله عزّ وجلّ.
كما إنّ كبار علمائكم صرّحوا بذلك، مثل العلّامة محمد بن طلحة الشافعي، في أوائل الفصل الخامس من الباب الأوّل من كتابه «مطالب السؤول» بمناسبة حديث الراية وحديث الطير، فقد أثبت أنّ عليّاًعليهالسلام كان أحبّ الخلق إلى الله ورسولهصلىاللهعليهوآله .
ثمّ يقول: أراد النبيّصلىاللهعليهوآله أن يُحقّق للناس ثبوت هذه المنقبة السَنِيّة والصفة العليّة، التي هي أعلى درجات المتّقين، لعليٍّعليهالسلام إلى آخره.
والعلّامة الكنجي الشافعي، فقيه الحرمين ومحدّث الشام وصدر الحفّاظ، في كتابه «كفاية الطالب» الباب ٣٣، بعد نقله الحديث والخبر بسنده عن أربع طرق، عن أنس وسفينة خادميَ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: وفيه دلالة واضحة على أن عليّاًعليهالسلام أحبّ الخلق إلى الله، وأدل الدلالة على ذلك إجابة دعاء النبيّصلىاللهعليهوآله في ما دعا به، وقد وعد الله تعالى مَن دعاه بالإجابة، حيث قال عزّوجلّ:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَکُمْ... ) (١) .
فأمر بالدعاء ووعد بالإجابة، وهو عزّ وجلّ لا يخلف الميعاد. وما كان الله عزّ وجلّ ليخلف وعده رسله، ولا يردّ دعاء رسوله لأحبّ الخلق إليه، و مَن هو أقرب الوسائل إلى الله تعالى محبّته ومحبّة من يحبّ لحبّه.
وبعد هذا يقول: وحديث أنس الذي صدّرته في أوّل الباب، أخرجه الحاكم أبو عبد الله الحافظ النيسابوري عن ستّة وثمانين رجلاً، كلّهم رووه عن أنس، ثمّ يذكر أسماءهم(٢) .
____________________
١) سورة غافر الآية ٦٠.
٢) وإليك الحديث كما نقله العلاّمة الكنجي الشافعي في أول الباب ٣٣ من كتاب «كفاية الطالب» وأسماء رواته كما يلي:
أخبرنا منصور بن محمد أبو غالب المراتبي، أخبرنا أبو الفرج بن أبي الحسين الحافظ ، أخبرنا أحمد بن محمد السدّي، أخبرنا عليّ بن عمر بن محمد السكّري، أخبرنا أبو الحسن عليّ بن السرّاج المصري، حدّثنا أبو محمد فهد بن سليمان النحّاس، حدّثنا أحمد بن يزيد، حدّثنا زهير، حدّثنا عثمان الطويل، عن أنس بن مالك:
أهدي إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم طائر وكان يعجبه أكله، فقال: ائتني بأحبّ الخلق إليك يأكل معي هذا الطائر. =
. . . . .
____________________
= فجاء عليّ بن أبي طالب فقال: استأذن لي على رسول الله. قال فقلت: ما عليه إذن، وكنت اُحبّ أن يكون رجلاً من الأنصار.
فذهب ثمّ رجع فقال: استأذن لي عليه، فسمع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كلامه، فقال: اُدخل يا عليّ، ثمّ قال: اللهمّ وإليَّ، اللهمّ وإليَّ - أي: هو أحبّ الناس إليَّ أيضاً -.
وأمّا أسماء رواة هذا الحديث عن أنس كما ذكرهم العلّامة الكنجي الشافعي نقلاً عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ النيسابوري، وهم ستّة وثمانون رجلاً، ذكرهم في آخر الباب ٣٣ بترتيب حروف المعجم، كما يلي:
[إ] إبراهيم بن هديّة أبو هديّة، وإبراهيم بن مهاجر أبو إسحاق البجلي، وإسماعيل ابن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدّي، وإسماعيل بن سليمان بن المغيرة الأزرق، وإسماعيل بن وردان، وإسماعيل بن سليمان، وإسماعيل غير منسوب من أهل الكوفة، وإسماعيل بن سليمان التيمي، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وأبان بن أبي عيّاش أبو إسماعيل.
[ب] بسّام الصيرفي الكوفي، وبرذعة بن عبد الرحمن.
[ث] ثابت بن أسلم البنانيان، وثمامة بن عبد الله بن أنس.
[ج] جعفر بن سليمان النجعي.
[ح] حسن بن أبي الحسن اليصري، وحسن بن الحكم البجلي، وحميد بن التيرويه الطويل.
[خ] خالد بن عبيد أبو عاصم.
[ز] زبير بن عديّ، وزياد بن محمد الثقفي، و زياد بن شزوان.
[س] سعيد بن المسيّب، وسعيد بن ميسرة البكري، وسليمان بن طرخان التيمي، وسليمان بن مهران الأعمش، وسليمان بن عامر بن عبدالله بن عبّاس، وسليمان بن الحجّاج الطائفي.
[ش] شقيق بن أبي عبد الله. =
. . . . . ____________________
= [ع] عبد الله بن أنس بن مالك، وعبد الملك بن عمير، وعبد الملك بن أبي سليمان، وعبد العزيز بن زياد، وعبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وعمر بن أبي حفص الثقفي، وعمر بن سليم البجلي، وعمر بن يعلى القفي، وعثمان الطويل، وعلي بن أبي رافع، وعامر بن شراحيل الشعبي، وعمران بن مسلم الطائي، وعمران بن هيثم، وعطيّة بن سعد العوفي، وعبّاد بن عبد الصمد، وعيسى بن طهمان، وعمّار بن أبي معاوية الدهني.
[ف] فضيل بن غزوان.
[ق] قتادة بن دعامة.
[ك] كلثوم بن جبر.
[م] محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الباقرعليهالسلام ، ومحمد بن مسلم الزهري، ومحمد بن عمر بن علقمة، ومحمد بن عبد الرحمن أبو الرجال، ومحمد بن خالد بن المنتصر الثقفي، ومحمد بن سليم، ومحمد بن مالك الثقفي، ومحمد بن جحادة، ومطيّر بن خالد، معلّى بن هلال، وميمون غير منسوب، ومسلم الملائي، ومطر بن طهمان الورّاق، وميمون بن مهران، ومسلم بن كيسان، وميمون بن جابر السلمي، وموسى بن عبد الله الجهني، ومصعب بن سليمان الأنصاري.
[ن] نافع مولى عبد الله بن عمر ، و نافع أبو هرمز.
[هـ] هلال بن سويد.
[ي] يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن هانىء، ويوسف بن إبراهيم، ويوسف أبو شيبة - وقيل هما واحد -، ويزيد بن سفيان، ويعلى بن مرّة، ونعيم بن سالم.
[ابو] أبو الهندي، وأبو مليح، وأبو داود السبيعي، وأبو حمزة الواسطي، وأبو حذيفة العقيلي، ورجل من آل عقيل، وشيخ غير منسوب.
انتهى ما أردنا نقله من كتاب «كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين علي بن =
فأنصفوا أيها المستمعون! هل من الصحيح أن نتمسّك بخبر واحدٍ رواه عمر بن العاص، وهو أحد أعداء الإمام عليّعليهالسلام ، والمعلن عليه الحرب، والخارج لقتاله، ونعرض عن هذه الأخبار الكثيرة المتواترة في كتب كبار علمائكم ومحدّثيكم؟!
الشيخ عبد السلام: أظنّ أنّكم مصرّون على ردّ كلّ خبر ننقله في فضيلة الشيخين!!
نحن نتّبع الحقّ!
قلت: إنّي أعجبُ من الشيخ إذ يتّهمني أمام الحاضرين بهذه التهمة! ولا أدري أي خبر موافق للكتاب الحكيم والعقل السليم والمنطق القويم قاله الشيخ وأنا رفضته وما قبلته؟! حتّى يجابهني بهذا العتاب، ويواجهني بهذا الكلام الذي يقصد منه أنّنا نتّبع طريق اللجاج والعناد!!
____________________
= أبي طالبعليهالسلام » تأليف العلّامة: فقيه الحرمين، ومفتي العراقيين، محدّث الشام وصد الحفّاظ، أبي عبد الله الكنجي الشافعي.
وقد ثبت إجماع المسلمين على صحّة هذا الخبر، فنقلوه بالتواتر في كتبهم ومسانيدهم، كما ثبت أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام احتجّ بهذا الحديث في يوم الدار في اجتماع الّذين أوصاهم عمر بن الخطّاب أن يجتمعوا لتعيين خليفته من بينهم، فقال الإمام عليّعليهالسلام : أنشدكم الله هل فيكم أحد قال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الكير، فجاء أحد غيري؟!
فقالوا اللهمّ لا فقالعليهالسلام : اللهمّ اشهد إلى آخره. «المترجم»
وإنّي أعوذ بالله أن أكون معانداً أو متعصّباً جاهلاً، وأعوذ به سبحانه أن يكون في قلبي شيءٌ من الحقد عليكم خصوصاً، وعلى إخواني من أهل السُنّة عموماً.
وإنّي اُشهد الله ربّي وربّكم أنّي ما كنت معانداً وما تبعت طريق اللجاج في محاوراتي ومناظراتي مع اليهود والنصارى، والهنود والمجوس، ومع المادّيّين والوجوديّين، وسائر المذاهب و الفرق والأحزاب المنحرفة، بل كنت دائماً أطلب وجه الله عزّ وجلّ وأبحث عن الحقّ والحقيقة على أساس المنطق والعقل واُصول العلم والبرهان، فكيف أكون معانداً في محاورتي معكم وأنتم إخواني في الدين، ونحن وإياكم على دين واحد، وكتاب واحد، ونبي واحد وقبلة واحدة؟!
غاية ما هنالك لقد وقعت بعض الاشتباهات والمغالطات في الأمر، والتبس بذلك الحقّ عليكم، ونحن بتشكيل مجالس البحث والمناظرة، نريد أن نتفاهم في القضايا حتّى يرتفع الاختلاف إن شاء الله تعالى، ويخيّم علينا الاتّحاد والائتلاف، ويتحقّق أمر عزّ وجلّ إذ يقول:( وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرَّقُوا ) (١) .
وأنتم والحمد لله عالمون وفاهمون، ولكن تأثّرتم بكلمات وأكاذيب الاُمويّين المعادين للنبيّصلىاللهعليهوآله وأهل بيته الطيّبين فقلّدتم الناكثين والمارقين المتعصّبين ضدّ الإمام عليّ أمير المؤمنين وشيعته أهل الحقّ واليقين.
فإذا تخلّيتم عن أقاويل اُولئك، وتحرّرتم عن التعصّب والتقليد
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ١٠٣.
الأعمى، وأنصفتم الحكم في القضايا المطروحة، فإنّا نصل إنشاء الله تعالى إلى الهدف المنشود والحقّ المعهود.
الشيخ عبد السلام: نحن قرأنا في الصحف والمجلّات، مناظراتكم مع الهنود والبراهمة في مدينة لاهور، وعلمنا إفحامكم إيّاهم فأجبناكم لانتصاركم للدين الحنيف وإثباتكم الحقّ، وكنّا نحبّ زيارتكم ونتشوّق لمجالستكم، والآن نسأل الله تعالى أن يجمعنا وإيّاكم على الحقّ.
ونحن نوافقكم على مراجعة القرآن الحكيم في الاُمور الخلافية، وعرض الأخبار والأحاديث المرويّة على كتاب الله سبحانه، فهو الفرقان الأعظم، ولذا قبلنا منكم الردود على ما نقلناه من الأخبار والأحاديث حينما أثبتّم نقاط تعرضها مع الكتاب والعقل والعلم والمنطق.
فلذلك أذكر الآن دليلاً من القرآن الكريم في شأن الخلفاء الراشدين وفضلهم، وأنا على يقين بأنّكم ستوافقون عليه ولا تردّونه، لأنّه مأخوذ ومقتبس من كتاب الله تعالى.
قلت: أعوذ بالله العظيم من أن أردّ الدلائل القرآنية أو الأحاديث الصحيحة النبوية. ولكن اعلموا أنّي حينما كنت اُحاور الفرق الملحدة مثل الغلاة والخوارج، وغيرهم من الّذين ينسبون أنفسهم للإسلام وما هم منه، كانوا يحتجّون علَيَّ في إثبات ادّعائهم الباطل ببعض الآيات القرآنية! لأنّ بعض آيات الذِكر الحكيم ذو معانٍ متعدّدة ووجوه متشابهة، ولذا لم يسمح النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآله لأحد أن يفسّر القرآن برأيه، فقال:
«من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».
وقد وكّل هذا الأمر الهامّ إلى أهل بيته الكرامعليهالسلام ، فقالصلىاللهعليهوآله :
«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً».
وقد أجمعت هذه الاُمّة على صحّة هذا الحديث الشريف، فيجب أن نأخذ ذلك من العترة الهادية، وهم أهل بيته الّذين جعلهم النبيصلىاللهعليهوآله مع القرآن ككفّتي ميزان.
والله سبحانه أيضاً أمر الاُمّة أن يرجعوا إليهم في ما لا يعلمون، فقال:( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّکْرِ إِنْ کُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (١) .
والمقصود من أهلَ الذِكر: عليّ بن أبي طالب والأئمّة من بنيهعليهالسلام كما روى الشيخ سليمان الحنفي في «ينابيع المودة» الباب ٣٩ نقلاً عن تفسير «كشف البيان» للعلّامة الثعلبي بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن عليٍّعليهالسلام ، قال: نحن أهل الذِكر، والذِكر: هو القرآن الحكيم لقوله تعالى:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّکْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (٢) .
وبتعبير آخر من القرآن الكريم، الذِكر: هو رسول اللهصلىاللهعليهوآله لقوله تعالى:( ...قَدْ أَنْزَلَ الله إِلَيْکُمْ ذِکْراً * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْکُمْ آيَاتِ الله مُبَيِّنَاتٍ ) (٣) .
فأهل الذِكر هم آل النبيّصلىاللهعليهوآله ، وأهل القرآن الّذين نزل الوحي في
____________________
١) سورة النحل، الآية ٤٣.
٢) سورة الحجر، الآية ٩.
٣) سورة الطلاق، الآية ١٠ - ١١.
بيتهم، فهم أهل بيت النبوّة وأهل بيت الوحي.
ولذلك كان عليٌّعليهالسلام يقول للناس: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن كتاب الله، فإنّه ليس من آية إلّا وقد عرفت بليل نزلت أم نهار، وفي سهل أم في جبل، والله ما اُنزلت آية إلّا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت وعلى من اُنزلت، وإنّ ربّي وهب لي لساناً طلقاً، وقلباً عقولاً إلى آخره.
ملخص القول: في نظرنا إنّ الاستدلال بالآيات القرآنية يجب أن يُطابق بيان أهل البيت والعترة النبوية، وإلّا إذا كان كلّ إنسان يفسّر القرآن حسب رأيه وفكره لوقع اختلاف في الكلمة والتشتّت في الآراء، وهذا لا يرضى به الله سبحانه.
والآن وبعد هذه المقدّمة فإنّا نستمع لبيانكم.
الشيخ عبد السلام: لقد أوّل بعض علمائنا الأعلام قوله تعالى:
( مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُکَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَ رِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) (١) .
قالوا:( وَ الَّذِينَ مَعَهُ ) إشارة إلى أبي بكر الصدّيق، فهو كان مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في كلّ مكان حتّى في الغار، ورافقه في الهجرة إلى المدينة المنوّرة.
والمقصود من( أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ ) : هو عمر بن الخطّاب (رض) الذي كان شديداً على الكفّار.
والمراد من( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) : هو عثمان ذو النورين، فإنّه كان
____________________
١) سورة الفتح، الآية ٢٩.
كما نعلم رقيق القلب كثير الرحمة.
والمعنّي من( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) هو عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، فإنّه ما سجد لصنم قطّ.
وأنا أرجو أن تقبل هذا التأويل الجميل، والقول الجامع لفضيلة الخلفاء الراشدين!
قلتُ: يا شيخ! إنّي أعجب من كلامك وفي حيرة منه! ولا أدري من أين جئت به؟! فإنّي لم أجد في تفاسيركم المعتبرة المشهورة، هذا التفسير، ولو كان هذا الأمر كما تقول، لكان الخلفاء المتقدّمون على الإمام عليّعليهالسلام احتجّوا بها حينما واجهوا معارضة بني هاشم وامتناع السيّدة فاطمة الزّهراء والإمام عليٍّعليهالسلام من البيعة لهم.
ولكن لم نجد ذلك في التاريخ ولا التفاسير التي كتبها كبار علمائكم، أمثال: الطبري و الثعلبي والنيسابوري والسيوطي والبيضاوي والزمخشري والفخر الرازي، وغيرهم.
وهذا التأويل والتفسير ما هو إلّا رأي شخصي غير مستند إلى حديث أو رواية، وإنّ القائل والملتزم به ومَن يقبله يشملهم حديث النبيّصلىاللهعليهوآله : «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».
وإذا قلتَ: إنّ ما قلته هو تأويل لا تفسير.
فأقول: إنّ مذاهبكم الأربعة لا يقبلون تأويل القرآن مطلقاً، ولا يجوز عند أئمّتكم تأويل القرآن، وأضف على هذا، إنّ في الآية الشريفة نكاتٍ علمية وأدبية تمنع من هذا التأويل، وتحول دون الوصول إلى مقصودكم، وهي:
أوّلاً: الضمائر الموجودة في الآية الكريمة.
وثانياً: صياغة الجُمَل فـ( مُحَمَّدٌ ) صلىاللهعليهوآله : مبتدأ، و( رَسُولُ الله ) : عطف بيان أو صفة،( وَ الَّذِينَ مَعَهُ ) : عطف على( مُحَمَّدٌ ) صلىاللهعليهوآله و( أَشِدَّاءُ ) وما بعدها: خبر، ولو قلنا غير هذا فهذا غير معقول وخارج عن قواعد العربية والاُصول.
ولذا فإنّ جميع المفسّرين من الفريقين قالوا: إنّ الآية الكريمة تشير إلى صفات المؤمنين بالنبيّصلىاللهعليهوآله جميعاً.
ولكنّي أقول: إنّ هذه الصفات ما اجتمعت في كلّ فرد فرد من المؤمنين، بل مجموعها كانت في مجموع المؤمنين، أي: إنّ بعضهم كانوا( أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ ) وبعضهم كانوا( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) وبعضهم( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) ولم يكن من المؤمنين إلّا رجل واحد جمع كلّ هذه الصفات والميزات الدينية، وهو: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فهو الذي كان مع النبيّصلىاللهعليهوآله من أوّل رسالته وبعثته حتّى آخر ساعات حياته المباركة، إذ كان رأس النبيّصلىاللهعليهوآله في حجر وصيّه وابن عمّه عليّ بن أبي طالب حين فارقت روحه الدنيا.
الشيخ عبد السّلام: إنك قلت: بأنّي لا اُجادل ولستُ متعصّباً! بينما الآن تظهر التعصّب، وتجادلنا على ما لا ينكره أيّ فرد من أهل العلم!
أما قرأت قوله تعالى:( إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ کَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا فَأَنْزَلَ الله سَکِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَ جَعَلَ کَلِمَةَ الَّذِينَ
کَفَرُوا السُّفْلَى وَ کَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا وَ الله عَزِيزٌ حَکِيمٌ ) (١) .
هذه الآية الكريمة إضافة على أنّها تؤيّد رأينا في تأويل الآية السابقة:( وَ الَّذِينَ مَعَهُ ) فهي تسجّل فضيلة كبرى، ومنقبة عظمى لسيّدنا أبي بكر الصدّيق (رض)، لأنّ مصاحبته للنبيّصلىاللهعليهوآله تدلّ على منزلته عنده، ودليل على أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يعلم بعلم الله أنّ أبا بكر يكون خليفته، فكان يلزم عليه حفظه كما يلزم حفظ نفسه الشريفة، لذلك أخذه معه حتّى لا يقع في أيدي المشركين، ولم يأخذ النبيُّ أحداً سواه، وهذا أكبر دليل على خلافته.
قلت: إذا أبعدتم عنكم التعصّب، وتركتم تقليد أسلافكم، ونظرتم إلى الآية الكريمة بنظر التحقيق والتدقيق، لو وجدتم أنّها لا تعدّ فضيلة ومنقبة لأبي بكر، وليس فيها أي دليل على خلافته!
الشيخ عبد السلام: إنّي أتعجّب من قولك هذا، والآية صريحة في ما نقول، ولا ينكره إلّا معاند متعصّب!
قلت: قبل أن أخوض هذا البحث أرجو أن تُعرِضوا عن كلامكم، لأنّي أخشى أن يمسَّ ويخدش البحث عواطفكم، فإنّ الكلام يجرّ الكلام، ونصل بالبحث إلى ما لا يرام، ولا يتحمّله العوامّ، لسوء ما تركّز عندهم في الأفهام.
الشيخ عبد السلام: أرجو أن لا تتكلّم بالإبهام، بل بيّن لنا كلّ ما عندك من الجواب والردّ على ما قلناه بالتمام، ونحن إنّما اجتمعنا وحاورناكم لنعرف حقيقة الإسلام، ونحن مستعدّون لاعتناق مذهبكم إذا ظهر لنا وثبت أنّه الحقّ الذي أمر به محمّد سيد الأنام (صلّى الله
____________________
١) سورة التوبة، الآية ٤٠.
عليه [ وآله ] وسلّم).
قلت: إنّ إنكاري لقولكم لا يكون عن تعصّب وعناد، وإعراضي عن الجواب ليس عن عيٍّ وجهل، بل رعاية للأدب والوداد، ولكن إصراركم على رأيكم، وإحساسي بالمسؤولية في كشف الحقّ وإظهار الحقيقة والإرشاد، يفرض علَيَّ الردّ والجواب، حتّى يعرف الحاضرون كلمة الحقّ والسداد، فأقول:
أوّلاً: قولك: إن النبيصلىاللهعليهوآله حمل معه أبا بكر، لأنّهصلىاللهعليهوآله كان يعلم أنّه يكون خليفته، فأراد أن يحفظه من شرّ المشركين، كلام غريب..
لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله إذا حمله لهذا السبب، فلماذا لم يأخذ معه خلفاءه الآخرين، الراشدين على حدّ زعمكم؟! عمر وعثمان وعليّ، لأنّهم كانوا في مكّة مهدّدين أيضاً!
فلماذا هذا التبعيض؟! يأخذ أبا بكر ويأمر عليّاً ليبيت على فراش الخطر، ويفدي النبيّصلىاللهعليهوآله بنفسه!
هل هذا من العدل والإنصاف؟!
ثانياً: بناءً على ما ذكره الطبري في تاريخه، ج ٣: إنّ أبا بكر ما كان يعلم بهجرة النبيّصلىاللهعليهوآله فجاء عند علي بن أبي طالب وسأله عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فأخبره بأنّه هاجر نحو المدينة فأسرع أبو بكر ليلتقي بالنبيّصلىاللهعليهوآله ، فرآه في الطريق فأخذه النبيّصلىاللهعليهوآله معه.
فالنبيّصلىاللهعليهوآله إنّما أخذ معه أبا بكر على غير ميعاد، لا كما تقول.
وقال بعض المحقّقين: إنّ أبا بكر بعدما التقى بالنبيّصلىاللهعليهوآله في الطريق، اقتضت الحكمة النبوية أن يأخذه معه ولا يفارقه، لأنّه كان من الممكن أن يفشي أمر الهجرة وكان المفروض أن يكون سرّا، كما نوّه
به الشيخ أبو القاسم بن الصبّاغ، وهو من كبار علمائكم، قال في كتابه «النور والبرهان»:
إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمر عليّاً فنام على فراشه، وخشي من أبي بكر أن يدلّهم عليه فأخذه معه ومضى إلى الغار!
ثالثاً: أسألك أن تبيّن لنا محلّ الشاهد من الآية الكريمة، وتوضّح الفضيلة التي سجّلتها الآية الكريمة لأبي بكر؟!
الشيخ عبد السلام: محلّ الشاهد ظاهر، والفضيلة أظهر، وهي:
أوّلاً: صحبة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّ الله تعالى يعبر عن الصدّيق (رض) بصاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثانياً: جملة:( إِنَّ الله مَعَنَا ) .
ثالثاً: نزول السكينة من عند الله سبحانه على سيّدنا أبي بكر.
ومجموعها تثبت أفضليّة سيّدنا الصديق وأحقّيّته بالخلافة.
قلت: لا ينكر أحدٌ أنّ أبا بكر كان من كبار الصحابة، ومن شيوخ المسلمين، وأنّه زوّج ابنته من النبيّصلىاللهعليهوآله .
ولكنّ هذه الاُمور لا تدلّ على أحقّيّته بالخلافة.
وكذلك كلّ ما ذكرتم من شواهد ودلائل في الآية الكريمة، لا تكون فضائل خاصة بأبي بكر، بل لقائل أن يقول: إنّ صحبة الأخيار والأبرار لا تكون دليلاً على البرّ والخير، فكم من كفّار كانوا في صحبة بعض المؤمنين والأنبياء، وخاصة في الأسفار.
الصحبة ليست فضيلة
١- فإنّا نقرأ في سورة يوسف الصدّيقعليهالسلام أنّه قال:( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) (١) .
لقد اتّفق المفسّرون أنّ صاحبي يوسف الصدّيقعليهالسلام هما ساقي الملك وطبّاخه، وكانا كافرين ودخلا معه السجن ولبثا خمس سنين في صحبة النبيّ يوسف الصدّيقعليهالسلام ولم يؤمنا بالله، حتّى أنّهما خرجا من السجن كافرين، فهل صحبة هذين الكافرين لنبي الله يوسفعليهالسلام تعدّ منقبة وفضيلة لهما؟!
٢- ونقرأ في سورة الكهف:( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَ هُوَ يُحَاوِرُهُ أَ کَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَکَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاکَ رَجُلاً ) (٢) .
ذكر المفسّرون: أنّ المؤمن - وكان اسمه: يهودا - قال لصاحبه - واسمه: براطوس - وكان كافراً، وقد نقل المفسّرون - منهم: الفخر الرازي - محاورات هذين الصحابين، ولا مجال لنقلها، فهل صحبة براطوس ليهودا، تُعدّ له فضيلةً أو شرفاً يقدّمه على أقرانه؟!
أم هل تكون دليلاً على إيمان براطوس، مع تصريح الآية:( أَ کَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَکَ مِنْ تُرَابٍ ) (٣) ؟!
فالمصاحبة وحدها لا تدلّ على فضيلة وشرف يميّز صاحبها ويقدّمه على الآخرين.
وأمّا استدلالك على أفضليّة أبي بكر، بالجملة المحكيّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله :
____________________
١) سورة يوسف، الآية ٣٩.
٢) سورة الكهف، الآية ٣٧.
٣) سورة الكهف، الآية ٣٧.
( إِنَّ الله مَعَنَا ) فلا أجد فيها فضيلة وميزة لأحد، لأنّ الله تعالى لا يكون مع المؤمنين فحسب، بل يكون مع غير المؤمنين أيضاً، لقوله تعالى:( مَا يَکُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إلّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لاَ خَمْسَةٍ إلّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَ لاَ أَدْنَى مِنْ ذٰلِکَ وَ لاَ أَکْثَرَ إلّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا کَانُوا ) (١) .
فبحكم هذه الآية الكريمة، فإنّ الله عزّ وجلّ يكون المؤمن والكافر والمنافق.
الشيخ عبد السلام: لا شكّ أنّ المراد من الآية الكريمة:( إِنَّ الله مَعَنَا . ) يعني: بما أنّنا مع الله ونعمل لله، فإنّ ألطاف الله تعالى تكون معنا، والعناية الإلهيّة تشملنا.
حقائق لا بُدّ من كشفها
قلت: حتّى لو تنَزّلنا لكم وسلّمنا لقولكم، فلقائل أن يقول: إنّ الجملة مع هذا التفسير أيضاً لا تدلّ على فضيلة ثابتة أو منقبة تقدّم صاحبها على الآخرين، لأنّ هناك أشخاص شملتهم الألطاف الإلهيّة والعناية الربّانيّة، وما داموا مع الله كان الله معهم، وحينما تركوا الله سبحانه تركهم وانقطعت العناية والألطاف الإلهية عنهم، مثل:
١- إبليس - ولا مناقشة في الأمثال - فإنّه عَبَدَ الله تعالى عبادة قلّ نظيرها من الملائكة، وقد شملته الألطاف والعنايات الربّانية، ولكن لمـّا تمرّد عن أمر ربّه تكبّر واتّبع هواه واغترّ، خاطبه الله الأعظم الأكبر قائلاً:( قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّکَ رَجِيمٌ * وَ إِنَّ عَلَيْکَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ) (٢) .
____________________
١) سورة المجادلة، الآية ٧.
٢) سورة الحجر، الآية ٣٤ - ٣٥.
٢- ومثله في البشر: بلعم بن باعورا، فإنّه كما ذكر المفسّرون في تفسير قوله تعالى:( وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَکَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ) (١) قالوا:إنّه تقرّب إلى الله تعالى بعبادته له إلى أن أعطاه الاسم الأعظم وأصبح ببركة اسم الله سبحانه مستجاب الدعوة، وعلى أثر دعائه تاه موسى وبنو إسرائيل أعواماً كثيرة في الوادي.
ولكن على أثر طلبه للرئاسة والدنيا سقط في الامتحان، واتّبع الشيطان، وخالف الرحمن، وسلك سبيل البغي والطغيان، وصار من المخلّدين في النيران.
وإذا أحببتم تفصيل قصّته، فراجعوا التاريخ والتفاسير، منها: تفسير الرازي ٤/ ٤٦٣، فإنّه يروي عن ابن عبّاس وابن مسعود ومجاهد بالتفصيل.
٣- وبرصيصا.. في بني إسرائيل، كان مجدّاً في عبادة الله سبحانه حتّى أصبح من المقرّبين، وكانت دعوته مستجابة، ولكن عند الامتحان اُصيب بسوء العاقبة فترك عبادة ربّ العالمين، وسجد لإبليس اللعين، وأمسى من الخاسرين، فقال الله تعالى فيه:( کَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اکْفُرْ فَلَمَّا کَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْکَ إِنِّي أَخَافُ الله رَبَّ الْعَالَمِينَ ) (٢) .
فإذا صدر عمل حسن من إنسان، فلا يدلّ على أنّ ذلك الإنسان يكون حسناً إلى آخر عمره وأنّ عاقبة أمره تكون خيراً، ولذا ورد في
____________________
١) سورة الأعراف، الآية ١٧٥.
٢) سورة الحشر، الآية ١٦.
أدعية أهل البيتعليهمالسلام : اللهمّ اجعل عواقب اُمورنا خيراً.
إضافة إلى ما قلنا: فإنّكم تعلمون أنّه قد ثبت عند علماء المعاني والبيان، أنّ التأكيد في الكلام يدلّ على شكّ المخاطَب وعدم بقيته للموضوع، أو توهّمه خلاف ذلك.
والآية مؤكَّدة «بأنّ» فيظهر بأن ّ مخاطَب النبيّصلىاللهعليهوآله وهو صاحبه في الغار كان شاكّاً في الحقّ، على غير يقين بأنّ الله سبحانه يكون معهما!
الشيخ عبد السلام: - شاط غاضباً - وقال: ليس من الإنصاف أن تمثّل صاحب رسول الله وخليفته بإبليس وبلعم وبرصيصا!
قلت: أنا في البداية بيّنت أن: «لا مناقشة في الأمثال» ومن المعلوم أنّ في المحاورات إنّما يذكرون الأمثال لتقريب موضوع الحوار إلى الأذهان، وليس المقصود من المثل تشابه المتماثلين من الجهات، بل يكفي تشابههما من جهة واحدة، وهي التي تركّز عليها موضوع الحوار.
وإنّي اُشهد الله! بأنّي ما قصدت بالأمثال التي ذكرتها إهانة أحد أبداً، بل البحث والحوار يقتضي أحياناً أن أذكر شاهداً لكلامي، واُبيّن مثلاً لتفهيم مقصدي ومرامي.
الشيخ عبد السلام: دليلي على أنّ الآية الكريمة تتضمّن مناقب وفضائل لسيّدنا أبي بكر (رض)، جملة:( فَأَنْزَلَ الله سَکِينَتَهُ عَلَيه ) فإن الضمير في( عَلَيه ) يرجع لأبي بكر الصدّيق، وهذا مقام عظيم.
قلت: الضمير يرجع إلى النبيّصلىاللهعليهوآله وليس لأبي بكر، بقرينة الجملة التالية في الآية( وأيّده جُنُود لَمْ تَرَوْهَا ) .
وقد صرّح جميع المفسّرين: أنّ المؤيَّد بجنود الله سبحانه هو النبيّصلىاللهعليهوآله .
الشيخ عبد السلام: ونحن نقول أيضاً: إنّ المؤيَّد بالجنود هو النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ولكنّ أبا بكر كذلك كان مؤيّدا مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
السكينة والتأييد من خصوصيات النبيّصلىاللهعليهوآله
قلت: إذا كان الأمر كما تقول، لجأت الضمائر في الآية الكريمة بالتثنية، بينما الضمائر كلّها جاءت مفردة، فحينئذ لا يجوز لأحد أن يقول: إنّ الألطاف والعنايات الإلهيّة كالنصرة والسكينة شملت أبابكر دون رسول اللهصلىاللهعليهوآله فينحصر القول بأنّها شملت رسول الله دون صاحبه!!
الشيخ عبد السّلام: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان في غنىً عن نزول السكينة عليه، لأنّ السكينة الإلهية كانت دائماً معه ولا تفارقه أبداً، ولكن سيّدنا أبا بكر (رض) كان بحاجة ماسّة إلى السكينة فأنزلها الله سبحانه عليه.
قلت: لماذا تضيّع الوقت بتكرار الكلام، بأيّ دليل تقول: إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لا يحتاج إلا السكينة الإلهية؟! بينما الله سبحانه يقول:( ثُمَّ أَنْزَلَ الله سَکِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا ) (١) وذلك في غزوة حنين.
ويقول سبحانه وتعالى أيضاً:( فَأَنْزَلَ الله سَکِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ
____________________
١) سورة التوبة، الآية ٢٦.
وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَلْزَمَهُمْ کَلِمَةَ التَّقْوَى ) (١) وذلك في فتح مكّة المكرّمة.
فكما في الآيتين الكريمتين يذكر اللهُ النبيَّصلىاللهعليهوآله ويذكر بعده المؤمنين، فلو كان أبو بكر في آية الغار من المؤمنين الّذين تشملهم السكينة الإلهيّة، لكان الله عزّ وجلّ قد ذكره بعد ذِكر النبيّصلىاللهعليهوآله أو يقول: فأنزل الله سكينته عليهما.
هذا وقد صرّح كثير من علمائكم: بأنّ ضمير( عَلَيه ) في الآية الكريمة يرجع إلى النبيّصلىاللهعليهوآله لا إلى أبي بكر، راجعوا كتاب «نقض العثمانية» للعلّامة الشيخ أبي جعفر الإسكافي وهو اُستاذ ابن أبي الحديد، وقد كتب ذلك الكتاب القيّم في ردّ وجواب أباطيل أبي عثمان الجاحظ.
إضافة على ما ذكرنا، نجد في الآية الكريمة جملة تناقض قولكم! وهي:( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ ) فالنبيّ ينهى أبا بكر عن الحزن، فهل حزن أبي بكر كان عملاً حسناً أم سيّئاً؟
فإن كان حسناً، فالرسول لا ينهى عن الحسن، وإن كان سيّئاً فنهي النبيّ لهصلىاللهعليهوآله من باب النهي عن المنكر بقوله:( لاَ تَحْزَنْ ) فالآية الكريمة لم تكن في فضل أبي بكر ومدحه، بل تكون في ذمّه وقدحه! وصاحب السوء والمنكر، لا تشمله العناية والسكينة الإلهيّة، لأنّهما تختصّان بالنبيّصلىاللهعليهوآله والمؤمنين، وهم أولياء الله الّذين لا يخشون أحداً إلّا الله سبحانه.
____________________
١) سورة الفتح، الآية ٢٦.
ومن أهمّ علامات الأولياء كما في قوله تعالى:( أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) (١) .
ولمـّا وصل البحث إلى هذه النقطة، نظر العلماء إلى الساعة وهي تشير إلى أنّ الوقت قد جاوز منتصف الليل.
فأرادوا الانصراف من المجلس، ولكنّ النوّاب قال: ما وصلنا إلى نتيجة حول الآية الكريمة:( مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَ الَّذِينَ مَعَهُ... ) إلى آخره والسيد بعدُ لم يتمّ كلامه في الموضوع.
فقال الحاضرون: لقد تعب السيد فنترك البحث إلى الليلة المقبلة إن شاء الله تعالى.. فتوادعنا وانصرفوا.
____________________
١) سورة يونس الآية ٦٣.
المجلس السادس
ليلة الأربعاء ٢٨ رجب ١٣٤٥ هجرية
قبل غروب الشمس جاءني إلى البيت حضرة الفاضل غلام إمامين، وكان تاجراً محترماً من أهل السُنّة، وهو رجل كيّس ورزين، كان يحضر مجلس الحوار في كلّ ليلة.
جاءني وقال: أيها السيّد الجليل إنّما جئتُ في هذا الوقت وقبل مجيء رفاقي، لاُخبرك بأنّك كسبت قلوبنا ونوّرتها بكلامك الحلو وبيانك العذب، فانجذب أكثر الحاضرين نحوك، فقد كشفت لنا ما كان مستوراً وبيّنت لنا الحقّ الذي كان مجهولاً.
واعلم أنّنا حين انصرفنا في الليلة الماضية من المجلس، وقع اختلاف شديد بيننا وبين علمائنا وعاتبناهم عتاباً شديداً على إخفائهم هذه الحقائق عنّا وإغوائنا بالأكاذيب والأباطيل، وكادَ الأمر يؤول من التشاجر إلى التناحر، ولكنّ بعض العقلاء والكبار توسّطوا في البين وأنهوا القضيّة بسلام.
ولمـّا صار وقت المغرب تهيّأتُ وقمتُ للصلاة، واقتدى بي كلّ من
كان في البيت، وصلّى غلام إمامين أيضاً معنا جماعة.
وبعد إتمامنا الصلاة، جاء العلماء ومعهم الأصحاب والرفاق، فأكرمهم صاحب البيت ورحّب بهم ورحبتُ بهم بدوري، وبعدما شربوا الشاي وتناولوا الحلوى، وجّه الاُستاذ نوّاب عبد القيّوم خان نظرهُ إليَّ واستأذن للسؤال، فأذنتُ له.
فقال: نسألكم أن تتمّوا موضوع الليلة الماضية حول الآية الكريمة:( مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَ الَّذِينَ مَعَهُ. . )
قلت: إذا أذن لي المشايخ الحاضرون، فلا مانع لديّ.
الحافظ - وكان في حالة غضب -: لا مانع تكلّموا ونحن نستمع.
قلت: لقد بيّنت لكم في الليلة الماضية بعض الإشكالات الأدبية على تأويل الآية وتطبيقها على الخلفاء الراشدين.
وأمّا في هذه الليلة فنبحث فيها من جهات اُخرى حتّى ينكشف الحقّ للحاضرين.
إنّ جناب الشيخ عبد السلام سلّمه الله تعالى أوَّل كلّ صفه من الصفات الأربعة في الآية الكريمة على أحد الراشدين بالترتيب فأقول:
أوّلاً: لم يذكر أحدٌ من المفسّرين في شأن نزول الآية، هذا التأويل.
ثانياً: كلّنا يَعرف أنّ الصفات الأربعة المذكورة إذا اجتمعت كلّها في شخص واحد، فهو المراد من الآية الكريمة.
وأمّا إذا تحقّق بعضها في شخص، فلا يكون ذلك هو مقصود الآية ومرادُها.
ونحن إذا نظرنا في تاريخ الإسلام نظر تحقيق وتعمّق، ودرسنا حياة الصحابة دراسة تحليلية، ونظرنا في سيرتهم نظرة استقلالية، بعيداً عن الأغراض النفسية والعوارض القلبية، لوجدنا أنّ كلّ الصفات المذكورة في الآية الكريمة ما اجتمعت في واحد من الصحابة سوى مولانا علي بن أبي طالبعليهالسلام .
الحافظ: إنّكم معشر الشيعة تغالون في حقّ سيّدنا عليّ كرّم لله وجهه، فكلّما وجدتم آية في وصف المؤمنين والمتّقين والمحسنين والصالحين، تقولون: نزلت في شأن الإمام عليّ!!
قلت: هذا اتّهام وافتراء آخر منكم، نحن الشيعة لا نغالي في حقّ مولانا لإمام عليّعليهالسلام ، وإنّما نواليه ولا نبغضه، كما أراد الله سبحانه، فلذلك نقول فيه ما هو حقّه، وإنّه لظاهر كالشمس في الضحى.
مَن ينكر فضلك يا حيدر؟ |
هل ضوء الشمس ضحىً يُنكر؟ |
وكلّ ما نقوله نحن في أمير المؤمنينعليهالسلام إنّما هو من كتبكم ومصادركم!
الآيات النازلة في شأن عليّعليهالسلام
وأمّا الآيات المباركة الكثيرة التي نقول بأنّها نزلت في شأن الإمام عليعليهالسلام وفضله، إنّما نذكر رواياتها وتفاسيرها من كتبكم المعتبرة ومن تفاسير علمائكم الأعلام.
فإنّ الحافظ أبو نعيم، صاحب كتاب «ما نزل من القرآن في عليّ»
والحافظ أبو بكر الشيرازي، صاحب كتاب «نزول القرآن في علي» والحاكم الحسكاني، صاحب كتاب «شواهد التنزيل» فهؤلاء من علماء الشيعة أم من علمائكم؟؟
والمفسّرون الكبار، أمثال: الإمام الثعلبي والسيوطي والطبري والفخر الرازي والزمخشري، والعلماء الأعلام، أمثال: ابن كثير ومسلم والحاكم والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبي داود وأحمد بن حنبل وابن حجر والطبراني والكنجي والقندوزي، وغيرهم، الّذين ذكروا في كتبهم ومسانيدهم وصحاحهم، الآيات القرآنية التي نزلت في شأن الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام
هل هم من علماء الشيعة أم من أهل السُنّة والجماعة؟؟
ولقد روى الحسكاني، والطبراني، والخطيب البغدادي في تاريخه، وابن عساكر في تاريخه، في ترجمة الإمام عليّعليهالسلام ، وابن حجر في الصواعق: ٧٦، ونور الأبصار: ٧٣، ومحمد بن يوسف الكنجي في «كفاية الطالب» في أوائل الباب الثاني والستّين، في تخصيص عليعليهالسلام بمائة منقبة دون سائر الصحابة، بإسنادهم عن ابن عبّاس، قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب ثلاثمائة آية.
وروى العلامة الكنجي في الباب الحادي والثلاثين بإسناده عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما أنزل الله تعالى آية فيها:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلّا وعليٌّ رأسها وأميرها.
ورواه عن طريق آخر: إلّا وعليٌّ رأسها وأميرها وشريفها.
وروى في الباب عن ابن عبّاس أيضاً أنّه قال: ولقد عاتب اللهُ عزّ وجلّ أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآله في غير آيٍ من القرآن وما ذكر عليّاً إلّا بخير.
فمع هذه الأخبار المتظافرة والروايات المعتبرة الجمّة التي رواها كبار علمائنا ومحدّثيهم، نحن لا نحتاج لوضع الأحاديث وجعل الأخبار في شأن الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام وإثبات فضله وجلالته وخلافته.
فإنّ رفعة مقامه وسموّ شأنه وعلوّ قدره يلوح للمنصفين في سماء العلم والمعرفة، كشمس الضحى في وسط السماء، لا ينكرها إلّا فاقدي البصر أو السفهاء.
وكما يُنسب إلى الإمام محمّد بن إدريس الشافعي - أو غيره من الأعلام - أنّه حين سُئل عن فضل الإمام عليّعليهالسلام قال: ما أقول في رجل، أخفى أعداؤه فضائله بغضاً وحسداً، وأخفى محبّوه فضائلَه خوفاً ورهباً، وهو بين ذَين وذين قد ملأت فضائله الخافقين(١) .
وأمّا حول الآية الكريمة، فإنّي كلّ ما أقوله فهو من كتبكم وأقوال علمائكم، كما إنّي إلى الآن ما تمسّكت بأقوال الشيعة في محاوراتي معكم، ولا أحتاج أن أتمسّك بها في محاوراتي الآتية أيضاً إنشاء الله تعالى.
وأمّا تطبيق الآية الكريمة:( مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَ الَّذِينَ مَعَهُ. . ) على مولانا وسيّدنا الإمام عليٍّعليهالسلام ، فهو ليس قولي فحسب، بل أذكر جيداً أنّ العلّامة محمّد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي، في
____________________
١) وفيه يقول الشاعر:
لقد كتموا آثار آل محمّد |
محبّوهم خوفاً وأعداؤهم بغضاً |
|
فأبرز من بين الفريقين نبذة |
بها ملأ الله السماوات والأرضا |
والقول أعلاه لأحمد بن حنبل لا للشافعي!
«المترجم»
كتابه «كفاية الطالب» في الباب الثالث والعشرين، وبعد روايته للحديث النبويّ الشريف الذي يشبّه فيه الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام بالأنبياء والمرسلينعليهمالسلام .. فيقول العلّامة الكنجي في شرحه للحديث: وشبّهه بنوح في حكمته، وفي رواية في حكمه، وكأنّه أصحّ لأنّ عليّاًعليهالسلام كان شديداً على الكافرين رؤوفاً بالمؤمنين كما وصفه الله تعالى في القرآن بقوله:( وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) وأخبر الله عزّ وجلّ عن شدّة نوحعليهالسلام على الكافرين بقوله:( . .رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْکَافِرِينَ دَيَّاراً ) (١) إلى آخر كلام العلّامة الكنجي.
وأمّا قول الشيخ عبد السّلام: بأنّ( وَ الَّذِينَ مَعَهُ ) إشارة إلى أبي بكر لأنّه كان صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الغار.
فإنّي أجبت بأنّ صحبته كانت من باب الصدفة، ولو سلّمنا بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذه معه لاعن صدفة، فهل مرافقة أيّام قلائل وصحبة سفر واحد، تساوي مرافقة أكثر العمر وصحبة سنين عديدة هي التي قضاها مولانا الإمام عليّعليهالسلام تحت رعاية النبيصلىاللهعليهوآله وتعلّم عنده وتأدّب بآدابه وتربّى على يده وتحت إشرافه؟!
فلو أنصفتم لقلتم: إنّ عليّاً أخصّ من أبي بكر في هذه الصفة أيضاً، لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخذه من أبي طالب وربّاه في حجره وعلّمه وأدبّه، فكان أوّل من آمن به وعمره حينذاك عشر سنين، آمن عليّعليهالسلام حين كان أبو بكر وعمر وعثمان وأبو سفيان ومعاوية وغيرهم من المسلمين، كفّاراً مشركين، يعبدون الأوثان ويسجدون للأصنام، وعليٌ
____________________
١) سورة نوح، الآية ٢٦.
ما سجد لصنم قطّ، كما صرّح كثير من علمائكم.
النبيّصلىاللهعليهوآله مربّي علي عليهالسلام ومعلّمه
لقد ذكر بعض علمائكم موضوع تربية النبيّ عليّاً من الصغر.
منهم ابن الصبّاغ المالكي في كتابه «الفصول المهمّة» فإنه خصّص فصلاً في الموضوع.
ومنهم محمّد بن طلحة الشافعي في كتابه «مطالب السؤول» في الفصل الأوّل.
والحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودّة» الباب السادس والخمسين، ص ٢٣٨ المكتبة الحيدرية، نقلاً عن «ذخائر العقبى» للطبري.
والثعلبي في تفسيره عن مجاهد.
وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٣/١٩٨ ط دار إحياء الكتب العربية، نقلاً عن الطبري في تاريخه(١) ، روى بإسناده عن مجاهد قال كان من نعمة الله عزّ و جلّ على عليّ بن أبي طالبعليهالسلام و ما صنع الله له و أراده به من الخير أنّ قريشاً أصابتهم أزمة شديدة و كان أبو طالب ذا عيال كثير.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله للعبّاس - و كان من أيسر بني هاشم-: يا عبّاس إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال و قد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمة فانطلق بنا فلنخفِّف عنه من عياله آخذ من بيته
____________________
١) تاريخ الطبري: ٢/٣١٣ طبعة المعارف.
واحداً و تأخذ واحداً فنكفيهما عنه.
فقال العبّاس: نعم.
فانطلقا حتّى أتيا أبا طالب فقالا له إنا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتّى ينكشف عن الناس ما هم فيه.
فقال لهما : إن تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما.
فأخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليّاً فضمّه إليه و أخذ العبّاس جعفراً (رضي الله عنه) فضمّه إليه ، فلم يزل عليّ بن أبي طالبعليهالسلام مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى بعثه الله نبيّاً فاتّبعه عليٌّعليهالسلام فآمن به و صدّقه و لم يزل جعفر عند العبّاس حتّى أسلم و استغنى عنه(١) .
____________________
١) وفي شرح النهج لابن أبي الحديد: ١٣ /٢٠٠ ط دار إحياء الكتب العربية، قال: و روى الفضل بن عبّاس رحمه الله قال سألت أبي عن وُلد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أيّهم كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله له أشدَّ حبّاً؟ فقال: علي بن أبي طالبعليهالسلام فقلت : سألتك عن بنيه! فقال إنّه كان أحبَ إليه من بنيه جميعاً و أرأف ما رأيناه زايله يوماً من الدهر منذ كان طفلاً إلا أن يكون في سفر لخديجة و ما رأينا أباً أبرّ بابن منه لعليّعليهالسلام و لا ابناً أطوع لأب من عليٍّعليهالسلام لهصلىاللهعليهوآله .
ونقل ابن ابي الحديد في ج ١٠/٢٢١ و٢٢٢ عن ابي جعفر النقيب أنّه كان يقول: انظروا إلى أخلاقهما و خصائصهما - أي النبيصلىاللهعليهوآله وعليعليهالسلام - هذا شجاع و هذا شجاع.
و هذا فصيح و هذا فصيح.
و هذا سخيّ جواد و هذا سخيّ جواد.
و هذا عالم بالشرائع و الأمور الإلهيّة و هذا عالم بالفقه و الشريعة و الأمور الإلهيّة الدقيقة الغامضة.
و هذا زاهد في الدنيا غير نهم و لا مستكثر منها و هذا زاهد في الدنيا تارك لها غير متمتّع بلذّاتها =
وقال ابن الصبّاغ المالكي بعد نقله للرواية: فلم يزل عليّعليهالسلام مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى بعث الله عزّ وجلّ محمّداً نبيّاً، فاتّبعه عليّعليهالسلام وآمن به وصدّقه، وكان إذ ذاك في السنة الثالثة عشر من عمره لم يبلغ الحلم، وإنّه أوّل من أسلم وآمن برسول اللهصلىاللهعليهوآله من الذكور.
____________________
= و هذا مذيب نفسه في الصلاة و العبادة و هذا مثله.
و هذا غير محبّب إليه شيء من الأمور العاجلة إلّا النساء و هذا مثله.
و هذا ابن عبد المطّلب بن هاشم و هذا في قُعْدده و أبواهما أخوان لأب و اُمّ دون غيرهما من بني عبد المطّلب و رُبّيَ محمّدصلىاللهعليهوآله في حجر والد هذا و هذا أبو طالب فكان جارياً عنده مجرى أحد أولاده.
ثمّ لمـّا شبّصلىاللهعليهوآله و كبر استخلصه من بني أبي طالب و هو غلام فربّاه في حجره مكافأة لصنيع أبي طالب به.
فامتزج الخُلقان و تماثلت السجيتان و إذا كان القرين مقتدياً بالقرين فما ظنّك بالتربية و التثقيف الدهر الطويل؟!
فواجب أن تكون أخلاق محمّدصلىاللهعليهوآله كأخلاق أبي طالب و تكون أخلاق عليٍّعليهالسلام كأخلاق أبي طالب أبيه و محمّدعليهالسلام مربّيه و أن يكون الكلّ شيمة واحدة و سوساً - أي أصلاً - واحداً و طينةً مشتركة و نفساً غير منقسمة و لا متجزئّة و ألا يكون بين بعض هؤلاء و بعض فَرق و لا فضل لو لا أنّ الله تعالى اختصّ محمّداًصلىاللهعليهوآله برسالته و اصطفاه لوحيه لمـّا يعلمه من مصالح البريّة في ذلك و من أنّ اللّطف به أكمل و النفع بمكانه أتمّ و أعَمّ فامتاز رسول اللهصلىاللهعليهوآله بذلك عمّن سواه و بقي ما عدا الرسالة على أمر الاتّحاد، فقال له: انت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا انّه لا نبيّ بعدي.
فأبان نفسه منه بالنبوّة وأثبت له ما عداها من جميع الفضائل والخصائص مشتركاً بينهما.
«المترجم»
عليّعليهالسلام أوّل من آمن
ثمّ ينقل ابن الصبّاغ المالكي، قول الإمام الثعلبي في تفسيره للآية الكريمة( وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ . ) (١) ، أنّه روى عن ابن عبّاس وجابر بن عبد الله الأنصاري وزيد بن أرقم ومحمّد بن المنكدر وربيعة المرائي، أنّهم قالوا: أوّل من آمن برسول اللهصلىاللهعليهوآله بعد خديجة اُمّ المؤمنين، هو علي بن أبي طالب.
وهذا الموضوع الهامّ صرّح به كبار علمائكم الاعلام، مثل: البخاري ومسلم في الصحيح، والإمام أحمد في مسنده، وابن عبد البرّ في الاستيعاب: ٣/٣٢ والإمام النسائي في الخصائص، وسبط ابن الجوزي في التذكرة: ٦٣ والحافظ سليمان القندوزي في الينابيع باب ١٢- نقلاً عن مسلم والترمذي، وابن أبي الحديد في شرح النهج: ١٣/٢٢٤ ط إحياء الكتب العربية، والحمويني في فرائد السمطين، والمير السيّد على الهمداني في مودّة القربى، والترمذي في الجامع:٢/٢١٤، وابن حجر في الصواعق، ومحمد بن طلحة القرشي في مطالب السؤول - الفصل الأوّل - وغيرهم من كبار علمائكم ومحدّثيكم ذكروا بأنّ: النبيصلىاللهعليهوآله بُعث يوم الاثنين وآمن به عليٌّ يوم الثلاثاء - وفي رواية: وصلّى عليٌّ يوم الثلاثاء - وقالوا: إنّه أوّل من آمن برسول اللهصلىاللهعليهوآله من الذكور.
كما جاء في مطالب السؤول: ولمـّا اُنزل الوحي على رسول اللهصلىاللهعليهوآله
____________________
١) سورة التوبة، الآية ١٠٠.
وشرّفه الله سبحانه وتعالى بالنبوّة كان عليٌّعليهالسلام يومئذ لم يبلغ الحلم، وكان عمره إذ ذاك في السنة الثالثة عشر، وقيل: أقلّ من ذلك، وقيل: أكثر منه، وأكثر الأقوال وأشهرها: أنّه لم يكن بالغاً، فإنّه أول من أسلم وآمن برسول اللهصلىاللهعليهوآله من الذكور، وقد ذكرعليهالسلام ذلك وأشار إليه في أبيات قالها ونقلها عنه الثقات ورواها النَّقلة الاثبات، وهي:
محمد النبي أخي وصنوي |
وحمزة سيّد الشهداء عمّي |
|
وجعفر الذي يُضحي ويمسي |
يطير مع الملائكة ابن اُمّي |
|
وبنت محمّد سَكني وعرسي |
منوط لحمها بدمي ولحمي |
|
سبقتكم إلى الإسلام طرّاً |
غلاماً ما بلغت أوان حلمي |
|
وأوجب لي ولايته عليكم |
رسول الله يوم غدير خمِّ |
|
فويل ثمّ ويل ثمّ ويل |
لمن يلقى الإله غداً بظلمي(١) |
ونقل الطبري في تاريخه: ٢/ ٢٤١ والترمذي في الجامع: ٢ ص ٢١٥ والإمام أحمد في مسنده: ٤/ ٣٦٨ وابن الأثير في تاريخه الكامل: ٢/٢٢ والحاكم في المستدرك: ٤/٣٣٦ ومحمد بن يوسف
____________________
١) قال الحافظ سليمان الحنفي في ينابيع المودّة، الفصل الرابع: ولمـّا وصل إلى عليٍّعليهالسلام أنّ معاوية افتخر بملك الشام، قال لغلامه: اكتب ما اُملي، فأنشد:
محمّد النبي أخي وصهري |
وحمزة سيّد الشهداء عمّي |
إلى آخره
وبعد ذكره الأبيات قال: قال البيهقي:
إنّ هذا الشعر ممّا يجب على كلّ مؤمن أن يحفظه ليعلم مفاخر عليّعليهالسلام في الإسلام.
«المترجم»
القرشي الكنجي في كفاية الطالب: الباب الخامس والعشرون، وغيرهم من علمائكم الثقات رووا بإسنادهم عن ابن عبّاس: أوّل من صلّى عليّ بن أبي طالبعليهالسلام (١) .
____________________
١) روى العلّامة الكنجي الشافعي في «كفاية الطالب» في الباب الخامس والعشرون بإسناده عن ابن عبّاس، قال: «أوّل من صلّى عليُّعليهالسلام » ثمّ نقل اختلاف الاقوال في ذلك وخَصَم النزاع بقوله: والمختار من الرويات عندي قول ابن عبّاس، ويدلَ عليه قول عبد الرحمن بن جعل الجمحي حين بويع عليّعليهالسلام ، قال:
لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة |
على الدين معروف العفاف موفّقا |
|
عفيفاً عن الفحشاء ابيض ماجداً |
صدوقاً وللجبّار قدماً مصدّقا |
|
أبا حسن فارضوا به وتمسّكوا |
فليس لمن فيه يرى العيب منطقا |
|
عليٌّ وصيّ المصطفى و ابن عمّه |
وأوّل من صلّى لذي العرش و التّقى |
وقال الفضل بن العباس في قصيدة له:
وكان وليّ الأمر بعد محمّد |
عليٌّ وفي كلّ المواطن صاحبهُ |
|
وصيّ رسول الله حقّاً وصهره |
وأوّل من صلّى وما ذُمّ جانبُه |
وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين:
إذا نحن بايعنا عليّاً فحسبنا |
أبو حسن ممّا نخاف من الفتن |
|
وأوّل من صلّى من الناس واحداً |
سوى خيرة النسوان والله ذو المنن |
يعني: خديجة بنت خويلد، ثمّ يذكر الكنجي روايات في هذا الباب.
ونقل الحافظ سليمان الحنفي في الباب الثاني عشر من «ينابيع المودّة» روايات كثيرة جدّاً في أنّ أوّل من آمن وصلّى عليّ بن أبي طالب، قال: أنشد بعض أهل الكوفة، أيّام صفّين في مدحه:
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته |
يوم النشور من الرحمن غفرانا |
|
أوضحت من ديننا ما كان مشتبهاً |
جزاك ربّك منّا فيه إحسانا |
|
نفسي فداء لخير الناس كلّهم |
بعد النبي عليّ الخير مولانا |
|
أخي النبي و مولى المؤمنين معاً |
وأوّل الناس تصديقاً و إيماناً |
«المترجم»
وروى الحاكم الحسكاني في كتابه «شواهد التنزيل» في ذيل الآية( السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ . ) بسنده عن عبد الرحمن بن عوف، أنّ عشرة من قريش آمنوا وكان أوّلهم عليّ بن أبي طالب.
وروى كثير من علمائكم - منهم الإمام أحمد في مسنده، والخطيب الخوارزمي في «المناقب» والحافظ سليمان الحنفي القندوزي في الباب الثاني عشر من «الينابيع» وغيرهم - بإسنادهم عن أنس بن مالك، أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: صلّت الملائكة عليّ وعلى عليٍّ سبع سنين، وذلك أنّه لم ترفع شهادة أن لا إله إلّا الله إلى السماء، إلّا منّي ومن عليّ.
وأمّا ابن أبي الحديد - في شرح نهج البلاغة: ٤/١٢٥ ط دار إحياء الكتب العربية، بعدما نقل روايات كثيرة في سبق عليّعليهالسلام إلى الإيمان، وأخرى مُخالفة، قال: فدلّ مجموع ما ذكرناه أنّ عليّاًعليهالسلام أوّل الناس إسلاماً وأنَّ المخالف في ذلك شاذّ، والشاذّ لا يعتدّ به.
وهذا الإمام الحافظ أحمد بن شعيب النسائي، صاحب واحد من الصحاح الستّة عندكم، له كتاب «خصائص الإمام عليّعليهالسلام فإنّه روى أوّل حديث في هذا الكتاب بإسناده عن زيد بن أرقم، قال: أوّل من صلّى مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم علي رضي الله عنه.
وابن حجر الهيتمي - مع شدّة تعصبه - يرى أنّ عليّاًعليهالسلام أوّل من آمن، كما في الفصل الثاني من كتابه «الصواعق المحرقة».
ونقل الحافظ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه «ينابيع المودة» في الباب الثاني عشر، نقل واحداً وثلاثين خبراً وروايةً عن الترمذي والحمويني وابن ماجة وأحمد بن حنبل والحافظ أبي نعيم والإمام
الثعلبي وابن المغازلي وأبي المؤيّد الخوارزمي والديلمي وغيرهم، بعبارات مختلفة والمعنى واحد، وهو أنّ علياًعليهالسلام أوّل من أسلم وآمن وصلّى مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
وينقل روايةً شريفة في آخر الباب، من كتاب المناقب بالإسناد عن أبي زبير المكّي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، أنقلها لكم إتماماً للحجّة وإكمالاً للفائدة.
عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: «إنّ الله تبارك و تعالى اصطفاني و اختارني و جعلني رسولاً، وأنزلَ عَليَّ سيّد الكتب، فقلت: إلهي و سيّدي، إنّك أرسلت موسى إلى فرعون فسألك أن تجعل معه أخاه هارون وزيراً، يشدّ به عضده و يصدق به قوله و إنّي أسألك يا سيّدي و إلهي، أن تجعل لي من أهلي وزيراً تشدّ به عضدي، فاجعل لي عليّاً وزيراً وأخاً، واجعل الشجاعة في قلبه، و ألبسه الهيبة على عدوّه، وهو أول من آمن بي و صدّقني و أوّل من وحّد الله معي.
و إنّي سألت ذلك ربّي عزّ و جلّ فأعطانيه، فهو سيّد الأوصياء، اللحوقُ به سعادة، و الموت في طاعته شهادة، واسمه في التوراة مقرون إلى اسمي، وزوجته الصدّيقة الكبرى ابنتي. و ابناه سيّدا شباب أهل الجنة إبناي، وهو وهما والأئمة بعدهم حجج الله على خلقه بعد النّبيين، وهم أبواب العلم في اُمّتي، من تبعهم نجا من النار، ومن اقتدى بهم هُدي إلى صراط مستقيم، لم يهب الله محبّتهم لعبد إلّا أدخله الله الجنّة».
فهذا قليل من كثير ممّا نقله حملة الأخبار، من علمائكم الكبار، في هذا المضمار، ولو نقلتها كلّها لطال بنا المجلس في موضوع واحد
إلى النهار، ولكن أكتفي بهذه النماذج التي ذكرتها لكي يعرف العلماء والحاضرون أنّ الإمام عليّعليهالسلام كان مع النبيّصلىاللهعليهوآله منذ صغره وقبل أن يبعث.
وحينما بُعثصلىاللهعليهوآله بالنبوّة، آمن به عليٌّعليهالسلام ولازمه ولم يفارقه أبداً.
فهو أولى وأجلى لمصداق الآية:( وَ الَّذِينَ مَعَهُ ) مِن الذي صاحَبَ النبيّ وكان معه في سفر واحد.
شبهة على الموضوع وردّها
الحافظ: نحن كلّنا نقول بما تقولون، ونقرّ بأنّ عليّاً كرّم الله وجهه أوّل من آمن، وأنّ أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة آمنوا بعده بمدة من الزمن، ولكن إيمان اُولئك يفرق عن إيمان عليّ بن أبي طالب إذ لا يحسب العقلاء إيمانه في ذلك الزمان فضيلة، ويحسبون إيمان اُولئك المتأخّرين عنه فضيلة!
لأنّ عليّاً كرم الله وجهه، آمن وهو صبيّ لم يبلغ الحلم، واُولئك آمنوا وهم شيوخ كبار في كمال العقل والإدراك.
ومن الواضح أنّ إيمان شيخ محنّك ومجرّب ذي عقل وبصيرة أفضل من إيمان طفل لم يبلغ الحلم.
وأضف على هذا أنّ إيمان سيّدنا عليّ تقليداً وإيمانهم كان تحقيقاً وهو أفضل من الإيمان التقليدي.
قلت: إنّي أتعجّب من هذا الكلام، وأنتم علماء القوم! أنا لا
أنسبكم إلى اللجاج والعناد والتعصّب، ولكن أقول: إنّكم تفوّهتم من غير تفكّر، وتكلّمتم من غير تدبّر، تبعاً لأسلافكم الّذي قلّدوا بني اُميّة وتبعوا الناصبين العداء للعترة الهادية!
والآن، لكي يتّضح لكم الأمر، أجيبوا على سؤالي:
هل إنّ علياًعليهالسلام حين آمن صبياً، كان إيمانه بدعوة من رسول اللهصلىاللهعليهوآله أم من عند نفسه؟!
الحافظ: أوّلاً: لماذا تنزعجون من طرح الشبهة وتتضجّرون من إيراد الإشكال، فإذا لم نطرح ما يختلج في صدورنا من الشبهات، ولا نستشكل على كلامكم، فلن يصدق على مجلسنا اسم الحوار والمناظرة، فقد اجتمعنا هنا لنعرف الحقّ، وهذا يقتضي أن نطرح كلّ ما يكون في أذهاننا من الشبهات والإشكالات حول مذهبكم وعقائدكم، فإن دفعتم الشبهات ورفعتم الإشكالات وأوضحتم الحقّ، يلزم علينا أن نصدّقكم ونعتنق مذهبكم، وإذا لم تتمكّنوا من ذلك فيلزم عليكم تصديق مذهبنا وترك مذهبكم.
ثانياً: وأما جواب سؤالكم، أقول: من الواضح أنّ عليّاً كرم الله وجهه إنّما آمن بدعوة من النبيّصلىاللهعليهوآله لا من عند نفسه.
قلت: هل إنّ النبيصلىاللهعليهوآله حين دعا عليّاًعليهالسلام إلى الايمان كان يعلم أن لا تكليف على الطفل الذي لم يبلغ الحلم أم لا؟!
إذا قلتم: ما كان يعلم! فقد نسبتم الجهل إلى النبيصلىاللهعليهوآله وذلك لا يجوز، لأنّهصلىاللهعليهوآله مدينة العلم، ولا يخفى عليه شيء من الأحكام.
وإذا قلتم: إنّهصلىاللهعليهوآله كان يعلم أن لا تكليف على الطفل ومع ذلك دعا علياًعليهالسلام وهو صبيّ إلى الإيمان بالله والإيمان برسالته، فيلزم من
قولكم إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قام بعمل لغو وعبث، والقول بهذا في حدّ الكفر بالله سبحانه!
لأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مؤيّد بالعصمة، ومسدّد بالحكمة من الله تعالى وهو بريء من اللغو والعبث، وقد قال عزّ وجلّ في شأنه:
( وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إلّا وَحْيٌ يُوحَى ) (١) .
فضيلة سبق عليّعليهالسلام إلى الإيمان
لقد ثبت أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم دعا عليّاًعليهالسلام إلى الإيمان، فاستجاب وآمن بالله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سيّد العقلاء والحكماء، ولا يصدر منه عمل اللغو والعبث، فلابُدّ أنّه رأى عليّاًعليهالسلام أهلاً وكفواً، فدعاه الى الإيمان صبيّاً. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على قابلية الإمام عليعليهالسلام ولياقته وكماله وفضله وتميّزه و وفور عقله.
وصغر السنّ لا ينافي الكمال العقلي، وبلوغ الحلم وحده لا يكون سبب التكليف، فإنّ هناك من بلغ الحلم ولم يكلّف - لقصر عقله وسفهه - وبالعكس، نجد من لم يبلغ الحلم، لكن الله كلفه بأعظم التكاليف، كما قال سبحانه وتعالى في شأن يحيعليهالسلام :( وَ آتَيْنَاهُ الْحُکْمَ صَبِيّاً ) (٢) .
وقال تعالى حكاية عن عيسى بن مريم:( إِنِّي عَبْدُ الله آتَانِيَ
____________________
١) سورة النجم، الآية ٣،٤.
٢) سورة مريم، الآية ١٢
الْکِتَابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيّاً ) (١) .
قال هذه الجملة، وهو صبيّ في المهد، فالحكم المأتيّ ليحيى إنّما كان تكليفاً من الله تعالى ليحييعليهالسلام ، والنبوّة كذلك تكليف من عند الله عزّ وجلّ لعيسى بن مريمعليهالسلام ، وهذان التكليفان لهذين الصبيّين، دليل على عظمة شأنهما وكمالهما وكفايتهما وفضلهما و وفور عقلهما.
وإيمان الإمام عليّعليهالسلام بدعوة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّما هو تكليف موجّه من هذا القبيل، وهو على فضله وكماله أكبر دليل!
وقد أشار سيّد الشعراء إسماعيل الحميري - المتوفي سنة ١٧٩ هجرية - إلى هذه الفضيلة قائلاً:
وصيّ محمد وأبو بنيه |
و وارثه وفارسه الوفيّا |
|
وقد اُوتي الهدى والحكم طفلاً |
كيحيى يوم اُوتيه صبيّا |
كما كان الإمام عليٌّعليهالسلام يشيد بهذه الفضيلة ويفتخر بها كما مرّ في أشعاره:
سبقتكم إلى الاسلام طفلاً |
صغيراً ما بلغت أوان حلمي(٢) |
____________________
١) سورة مريم، الآية ٣٠.
٢) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٤/١٢٢، ط دار إحياء التراث أو الكتاب العربي: ومن الشعر المروي عنهعليهالسلام في هذا المعنى الأبيات التي أوّلها:
محمّد النبيّ أخي وصهري |
وحمزة سيّد الشهداء عمّي |
ومن جملتها:
سبقتكم إلى الإسلام طرّاً |
غلاماً مابلغت أوان حلمي |
«المترجم»
وإذا كان إيمانه في الصغر لا يُعَدّ فضيلة، فلماذا كان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ينوّه به ويشير إليه؟! وما ذلك إلّا ليسجل له فضيلة اُخرى، تضاف إلى فضائله الجمّة؟!
فقد روى الحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودّة» الباب السادس والخمسين، عن محبّ الدين الطبري المكّي في كتابه «ذخائر العقبى» بسنده عن عمر بن الخطّاب، أنّه قال:
كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة وجماعة إذ ضرب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم منكب عليٍّ فقال: يا عليّ! أنت أوّل المؤمنين إيماناً، وأوّلهم إسلاماً، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى.
وروى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عبّاس، أنّه قال:
كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجرّاح وجماعة من الصحابة عند النبيّصلىاللهعليهوآله إذ ضرب على منكب عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فقال: أنت أوّل المسلمين إسلاماً، وأنت أوّل المؤمنين إيماناً، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى، كذب يا عليّ من زعم أنّه يحبّني ويبغضك.
ورواه ابن الصبّاغ المالكي عن ابن عبّاس أيضاً في الفصول المهمّة : ١٢٥:
وروى الإمام أحمد بن شعيب بن سنان النسائي في «الخصائص» وموفّق بن أحمد الخطيب الخوارزمي في ( المناقب) مختصراً، وابن عساكر في تاريخه مختصراً، وأخرجه المتّقي الهندي في كنز العمال ٦/٣٩٥، وهذا نصّه:
من مسند عمر، عن ابن عبّاس قال: قال عمر بن الخطّاب: كفّوا عن ذِكر عليّ بن أبي طالب، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول
في عليٍّ ثلاث خصال، لأن يكون لي واحدة منهنّ أحب إليّ ممّا طلعت عليه الشمس، كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجرّاح ونفر من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله والنبيّ متّكىء على عليّ بن أبي طالب، حتّى ضرب بيده على منكبه ثمّ قال: أنت يا عليّ أوّل المؤمنين إيماناً، وأوّلهم إسلاماً، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، وكذب عَليَّ من زعم أنّه يحبّني ويبغضك.
وفي رواية ابن الصبّاغ المالكي أضاف: من أحبك فقد أحبّني، ومن أحبّني أحبّه الله، ومن أحبّه الله أدخله الجنّة، ومن أبغضك فقد أبغضني ومن أبغضني أبغضه الله تعالى وأدخله النار(١) .
وروى الطبري في تاريخه عن محمد بن سعد بن أبي وقّاص، قال: سألت أبي: هل إنّ أبا بكر أوّل من آمن بالنبيّصلىاللهعليهوآله ؟
فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين رجلاً، ولكنّه كان أفضل منّا في الإسلام.
و ذكر الطبري أيضاً فقال: ولقد أسلم قبل عمر بن الخطّاب خمسة وأربعون رجلاً وإحدى وعشرون امرأة، ولكن أسبق الناس إسلاماً وإيماناً فهو عليّ بن أبي طالب.
____________________
١) روى الحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودّة» الباب الثاني عشر، عن الحمويني بسنده عن أبي رافع، عن أبي ذرّ، قال سمعت رسول الله (ص)يقول لعلي: أنت أوّل من آمن بي، وأنت أوّل من يصافحني يوم القيامة، وأنت الصدّيق الأكبر، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحقّ والباطل، وأنت يعسوب المسلمين، والمال يعسوب الكفّار.
«المترجم»
ميزة إيمان عليّعليهالسلام
ثمّ إنّ لإيمان عليٍّعليهالسلام ميزة على إيمان غيره، وهي أنّ إيمانهعليهالسلام كان عن فطرة غير مسبوق بكفر أو شرك، فإنّه بدأ حياته التكليفيّة بالإيمان ولم يشرك بالله سبحانه طرفة عين، بينما الآخرون بدءوا بالكفر والشرك ثمّ آمنوا، فكان إيمانهم مسبوقاً بالكفر والشرك، وإيمان الإمام عليعليهالسلام كان عن فطرة، وهو فضيلة عظيمة وميزة كريمة امتاز بها عن غيره.
لذا قال الحافظ أبو نعيم في كتابه «ما نزل من القرآن في عليّعليهالسلام » والمير السيّد عليّ الهمداني في كتابه «مودّة القربى» نقلاً عن ابن عبّاس أنّه قال: والله ما من عبد آمن بالله إلّا وقد عبد صنم، إلّا عليّ بن أبي طالب، فإنّه آمن بالله من غير أن يعبد صنماً.
وروى محمد بن يوسف الكنجي القرشي في «كفاية الطالب» الباب الرابع والعشرون، بإسناده إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: سُبّاق الاُمم ثلاثة لم يشركوا بالله طرفة عين: عليّ بن أبي طالب، وصاحب ياسين، ومؤمن آل فرعون؛ فهم الصدّيقون، حبيب النجّار «مؤمن» أو صاحب ياسين، وحزقيل مؤمن آل فرعون، وعليّ بن أبي طالب وهو أفضلهم(١) .
____________________
١) وذكر ابن أبي الحديد رواية أبي جعفر الإسكافي بسنده عن ابن عبّاس، قال: السُبّاق ثلاثة: سبق يوشع بن نون إلى موسى، وسبق صاحب يس إلى عيسى، وسبق عليّ بن أبي طالب الى محمّد عليه وعليهم السّلام. =
وفي «نهج البلاغة» قال عليعليهالسلام : فإنّي وُلدْتُ على الفطرة، وسبقت إلى الإيمان والهجرة.
وروى الحافظ أبو نعيم وابن أبي الحديد وغيرهما، أنّ علياًعليهالسلام لم يكفر بالله طرفة عين.
وروى الإمام أحمد في المسند، والحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودّة» عن ابن عبّاس، أنّه قال لزمعة بن خارجة: إنّه عليّاً لم يعبد صنماً، ولم يشرب خمراً، وكان أوّل الناس إسلاماً.
وأخيراً أتوجّه إلى من يقول بأنّ إيمان الشيخين أفضل من إيمان عليّعليهالسلام فأسأله: أمَا سمع الحديث النبوي الشريف الذي رواه كبار علماء العامّة، منهم: ابن المغازلي في المناقب، والإمام أحمد في المسند، والخطيب الخوارزمي في المناقب، والحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودة» وغيرهم، رووا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: لو وزن إيمان علي وإيمان اُمّتي لرجح إيمان علي على إيمان اُمّتي إلى يوم القيامة.
وروى الإمام الثعلبي في تفسيره، والخوارزمي في المناقب، والمير السيّد عليّ الهمداني في المودّة السابعة من كتابه «مودّة القربى» عن عمر بن الخطّاب، قال: أشهد أنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: لو أنّ السموات السبع والأرضين السبع وضعن في كفّة ميزان ووضع إيمان
____________________
= ثمّ يروي عن الشعبي، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليّعليهالسلام : هذا أوّل من آمن بي وصدّقني وصلّى معي.
شرح نهج البلاغة ١٣/٢٢٥ ط دار إحياءالتراث العربي.
«المترجم»
عليٍّ في كفّة ميزان لرجح إيمان عليٍ(١) .
وفي ذلك يقول سفيان بن مصعب الكوفي:
أشهدُ بالله لقد قال لنا |
محمد والقول منه ما خفى |
|
لو أن إيمانَ جميع الخَلْق ممّن |
سكن الأرضَ ومَن حلّ السما |
|
يُجعل في كفّة ميزانٍ لكي |
يوفي بإيمان عليٍّ ما وفى |
عليٌّعليهالسلام أفضل الأمّة
روى المير السيّد عليّ الهمداني، الفقيه الشافعي، في كتابه «مودّة القربى» أخباراً متظافرة في أفضلية الإمام عليٍّعليهالسلام على جميع الصحابة، بل على جميع الاُمّة.
قال في المودّة السابعة: عن ابن عبّاس، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال:
____________________
١) لقد رَوى هذا الخبر والحديث عن عمر بن الخطّاب، جمع من العلماء والمحدّثين من أهل السُنّة، منهم:
محب الدين الطبري في الرياض النضرة ٢/٢٢٦، وذكره في ذخائر العقبى ص ١٠٠ أيضاً والمتّقي الحنفي في كنز العمّال ٦/١٥٦ نقله من «فردوس الأخبار» للديلمي، عن ابن عمر.
ومنهم العلّامة الكنجي القرشي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» الباب الثاني والستين في تخصيص عليٍّعليهالسلام بمائة منقبة دون سائر الصحابة، روى بسنده عن عمر بن الخطّاب، وفي تعلّيقه قال: هذا حديث حسن ثابت، رواه الجوهري في كتاب «فضائل عليعليهالسلام » عن شيخ أهل الحديث الدارقطني، وأخرجه محدّث الشام في تاريخه في ترجمة عليٍّعليهالسلام ، كما أخرجناه سواء.
ومنهم العلّامة الصفوري الشافعي، رواه في كتابه نزهة المجالس ٢/٢٤٠ ط مصر سنة ١٣٢٠ هجرية.
«المترجم»
أفضل رجال العالمين في زماني هذا عليٌّعليهالسلام (١) .
____________________
١) وفي المصدر نفسه، في المودّة السابعة أيضاً في الخبر الأوّل، رواه عن عليّ بن الحسينعليهالسلام عن ابن عمر، في خبر طويل عن سلمان، قال في آخره: إنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال له: وإنّي أوصيت إلى عليّعليهالسلام ، وهو أفضل من أتركه بعدي.
وروى أيضاً في المودّة السابعة عن أنس، قل: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنَّ أخي، ووزيري، وخليفتي في أهلي، وخير من أترك بعدي، يقضي ديني، وينجز موعدي، عليّ بن أبي طالب.
وروى كثير من أعلام العامة خبراً بهذا المعنى، منهم: العلامة الكنجي القرشي الشافعي في«كفاية الطالب» الباب الثاني والستين، ص ١١٩، ط الغري سنة ١٣٥٦ هج بسنده عن عطاء، قال: سألت عائشة عن عليّعليهالسلام فقالت: ذلك خير البشر، لايشكّ فيه إلّا كافر.
قال: هكذا ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة عليّعليهالسلام في تاريخه في المجلّد الخمسين.
وخرّجه الكنجي الشافعي عن طرق عديدة في نفس الصفحة؛ منهم: الإمام عليّعليهالسلام عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من لم يقل عليٌّ خير البشر فقد كفر.
وعن حذيفة، عن النبيصلىاللهعليهوآله : عليٌّ خير البشر، من أبى فقد كفر.
وعن جابر، عن النبيصلىاللهعليهوآله : عليٌّ خير البشر فمن أبى فقد كفر.
وخرّجه بهذا اللفظ، الخطيب البغدادي في«تاريخ بغداد» في ترجمة الإمام عليعليهالسلام .
وخرّجه المناوي في «كنوز الحقائق» المطبوع بهامش«الجامع الصغير» للسيوطي، ج ٢/٢٠ - ٢١، من سنن أبي يعلي، عن النبيصلىاللهعليهوآله : عليٌّ خير البشر من شك فيه كفر.
وخرّجه المتّقي في كنز العمال ٦/١٥٩ عن الإمام عليّعليهالسلام وعن ابن عبّاس، وابن مسعود، وجابر بن عبدالله الأنصاري، فراجع.
والخير هنا بمعنى الأفضل.
«المترجم»
وقال ابن أبي الحديد في مقدّمة شرح نهج البلاغة: ١/٩: وأمّا نحن فنذهب إلى ما ذهب إليه شيوخنا البغداديّون، من تفضيلهعليهالسلام - أي: عليّ - وقد ذكرنا في كتبنا الكلامية ما معنى الفضل، وهل المراد به الأكثر ثواباً، أو الأجمع لمزايا الفضل والخلال الحميدة، وبيّنا أنّهعليهالسلام أفضل على التفسيرين معاً.
وقال في ١١/١١٩: وقع بيدي بعد ذلك كتاب لشيخنا أبي جعفر الإسكافي، ذكر فيه أنّ مذهب بشر بن المعتمر، وأبي موسى، وجعفر بن مُبَشّر، وسائر قدماء البغداديين، أنّ أفضل المسلمين عليّ ابن أبي طالب، ثمّ ابنه الحسن، ثمّ ابنه الحسين، ثمّ حمزة بن عبدالمطّلب، ثمّ جعفربن أبي طالب ...إلخ.
وبعد نقله هذا القول، وعدّه عقيدة المعتزلة، ينظم فيه شعراً، فيقول:
وخير خلق الله بعد المصطفى |
أعظمهم يوم الفخار شرفا |
|
السيّد المعظّم الوصي |
بعد البتول المرتضى علي |
|
وابناه ثمّ حمزة وجعفرُ |
ثمّ عتيق بعدهم لا ينكرُ |
الشيخ عبدالسّلام: لو كنت تطالع أقوال العلماء في أفضلية أبي بكر (رض) ما كنت تتمسّك بغيره.
قلت: وأنتم إذا كنتم تتركون أقوال المتعصّبين وتأخذون بأقوال المنصفين من علمائكم الأعلام، لرأيتم رأينا وتمسّكتم بقولنا في تفضيل الإمام عليٍّعليهالسلام .
ولكي تعرف دلائل وبراهين الطرفين أدلُّك على مصدر واحد كنموذج راجع: شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد - ١٣/٢١٥ -
٢٩٥، فإنّه ذكر في هذا الفصل من الكتاب كلام الجاحظ، ودلائله على أفضلية صاحبكم، أبي بكر، وذكر ردّ أبي جعفر الإسكافي وهو من أفاضل علماء السُنّة وكبار أعلام الأمّة وشيخ المعتزلة، وذكر دلائله وبراهينه العقلية والنقلية في تفضيل الإمام عليٍّعليهالسلام على غيره من الاُمّة.
ومن جملة كلامه - في صفحة ٢٧٥ - يقول أبو جعفر الإسكافي: إنّنا لا ننكر فضل الصحابة وسوابقهم، ولسنا كالإمامية الّذين يحملهم الهوى على جحد الأمور المعلومة (لقد أصدر علينا حكماً غيابياً ولو كنّا لأجبناه).. قال: ولكنّنا ننكر تفضيل أحد من الصحابة على عليّ بن أبي طالبعليهالسلام انتهى.
فنستفيد من مجموع الأخبار والأحاديث وأقوال العلماء والمحدّثين، أنّ علياًعليهالسلام لا يُقاس به أحد من المسلمين. وأنّ مقامه أسمى وشأنه أعلى من الآخرين بمراتب، فلا يمكن أن تقدّموهم عليه بنقل بعض الأحاديث الضعيفة السند أو الدلالة.
ثمّ لا يُنكَر أنّ علياًعليهالسلام هو أبو العترة وسيّد أهل البيتعليهمالسلام ، ولا يُقاس بأهل البيت أحد من الأمّة في الشأن والمرتبة، فكيف بسيّدهم وعَلَمهم؟!
لقد روى المير السيّد عليّ الهمداني الشافعي، في المودّة السابعة من كتابه «مودّة القربى» عن أحمد بن محمد الكرزي البغدادي، أنّه قال:
سمعت عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبي عن التفضيل.
فقال: أبو بكر وعمر وعثمان. ثمّ سكت.
فقلت: يا أبه أين عليّ بن أبي طالب؟!
قال: هو من أهل البيت، لا يُقاس به هؤلاء!
وإذا نريد أن نفسّر كلام الإمام أحمد فنقول: يعني: أنّ علياًعليهالسلام لا يذكر في عداد الصحابة، بل هو في مقام النبوّة والإمامة.
ونجد خبراً آخر في المودّة السابعة أيضاً بهذا المعنى، رواه عن أبي وائل، عن ابن عمر، قال: كنّا إذا عددنا أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآله قلنا: أبو بكر وعمر وعثمان.
فقال رجل: يا أبا عبدالرحمن! فعليٌّ ما هو؟!
قال: عليٌّ من أهل البيت لا يقاس به أحد، هو مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله في درجته، إنّ الله تعالى يقول:( وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ... ) (١) .
ففاطمة مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله في درجته وعليٌّ معهما(٢) .
____________________
١) سورة الطور، الآية ٢١.
٢) لقد وردت أخبار كثيرة في أنّ أهل البيتعليهالسلام لايقاس بهم أحد، منها مافي«ذخائر العقبى» لمحبّ الدين الطبري، ص ١٧، فإنّه قال تحت عنوان (إنّهم لايُقاس بهم أحد) قال: وعن أنس، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : نحن أهل بيت لايُقاس بنا أحد.
وأخّرج هذا الحديث أيضاً عبيدالله الحنفي في كتاب«أرجح المطالب» ص ٣٣٠، غير أنّه قال: أخرجه ابن مردودية في «المناقب».
وفي نفس الصفحة قال: قال عليٌّعليهالسلام على المنبر:
نحن أهل بيت رسول الله لايقاس بنا أحد.
أخرجه الديلمي أيضا في «فردوس الأخبار» وأخرجه عن الديلمي علي المتقي الحنفي في كنز العمّال ٦/٢١٨.
وفي نهج البلاغة في آخر الخطبة التي تقع قبل الخطبة الشقشقية، قال الإمام =
وكان هذا الأمر واضحاً وضوح الشمس في الضحى، وكان من المسلّمات، ولذا نرى في المودّة السابعة أيضاً خبراً بهذا المعنى، رواه عن جابر بن عبدالله الأنصاري، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم يحضر المهاجرون والأنصار - كذا -: يا عليّ! لو أنّ أحداً عبد الله حق عبادته، ثمّ شكّ فيك وأهل بيتك، أنّكم أفضل الناس، كان في النار!! إنتهى.
لّما سمع أهل المجلس هذا الخبر استغفر أكثرهم الله، وبالخصوص الحافظ محمد رشيد. استغفروا الله، لأنّهم كانوا يظنّون أفضليّة الآخرين!
هذه نماذج من الأخبار الكثيرة في تفضيل الإمام عليعليهالسلام على الصحابة والمسلمين عامة، وأضف عليها الحديث النبوي الشريف الذي رواه علماء الفريقين في يوم الخندق ومعركة الأحزاب حينما قَتَل الإمام عليّعليهالسلام بطل الأحزاب و قائدهم وحامل لوائهم عمرو بن عبدود العامري وانهزم المشركون وانتصر المسلمون، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين.
فاذا كان عملٌ واحدٌ من مولانا الإمام عليّعليهالسلام هو أفضل من عبادة الجنّ والإنس، فكيف بأعماله كلّها، من الجهاد في سبيل الله، وتحمّل الأذى في جنب الله، وصلاته، وصومه، وإنفاقه الصدقات،
____________________
= عليّعليهالسلام : لايقاس بآل محمّدصلىاللهعليهوآله من هذه الأمّة أحد، ولايسوّى بهم مَن جَرَت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء القالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة »
«المترجم»
ورعايته الأرامل والأيتام في طول حياته المباركة؟!
فلا أرى أحداً مع ما ذكرناه، ينكر تفضيل الإمام عليٍّعليهالسلام على غيره، إلّا المعاند.
عليُّعليهالسلام أفضل بدليل المباهلة
قال تعالى:( فَمَنْ حَاجَّکَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَکَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَکُمْ وَ نِسَاءَنَا وَ نِسَاءَکُمْ وَ أَنْفُسَنَا وَ أَنْفُسَکُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ الله عَلَى الْکَاذِبِينَ ) (١) .
اتّفق المفسّرون، وأجمع المحدّثون، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم امتثل أمر الله عزّ وجلّ في الآية الكريمة فأخذ معه الحسن والحسينعليهماالسلام تطبيقاً لأبنائنا، وأخذ فاطمة الزّهراءعليهاالسلام تطبيقا لكلمة نسائنا، وأخذ الإمام عليّاًعليهالسلام ، تطبيقاً لكلمة أنفسنا.
ومن الواضح الذي لا يشكّ فيه إلّا كافر، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله سيّد الأوّلين والآخرين، وخير الخلق، وأفضل الخلائق، وبحكم كلمة( أَنْفُسَنَا ) حيث جعلَ الله تعالى عليّاًعليهالسلام في درجة نفس النبيّ، فصار هو كالنبيّصلىاللهعليهوآله في الفضل، وأصبح خير الخلق، وأفضل الخلائق(٢) .
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ٦١.
٢) لقد وردت أحاديث كثيرة عن طرق الشيعة والسُنّة في أنّ علياًعليهالسلام كنفس النبيصلىاللهعليهوآله ، ونكتفي هنا بنماذج ممّا رواه علماء العامة..
نقل الحافظ سليمان الحنفي في كتابه«ينابيع المودة» في الباب السابع، قال: أخرج أحمد بن حنبل في المسند وفي المناقب، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: لتنتهينّ يابني وليعة =
. . . . .
____________________
= أو لأبعثنّ إليكم رجلاً كنفسي،يمضي فيكم بأمري، يقتل المقاتلة، ويسبي الذرّيّة.
فالتفت إلى عليعليهالسلام فأخذ بيده وقال: هو هذا مرّتين.
قال الحافظ سليمان: أيضاً أخرجه موفّق بن أحمد الخوارزمي المكّي بلفظه.
أقول: وأخرجه العلّامة الكنجي الشافعي في«كفاية الطالب» الباب الحادي والسبعين، وقال: نقله عن «خصائص عليّعليهالسلام » لإمام أهل الجرح والتعديل الحافظ النسائي، وهو بسنده عن أبي ذرّ ...إلى آخره.
ونقل الحافظ سليمان أيضاً في نفس الباب والمصدر، قال: أخرج أحمد في «المسند» عن عبدالله بن حنطب، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لوفد ثقيف حين جاؤه: لتسلمنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلاً كنفسي ليضربنّ أعناقكم، وليسبينّ ذراريكم، وليأخذنّ أموالكم؛فالتفت إلى عليٍّ وأخذ بيده فقال: هو هذا مرتين.
وذكر الحافظ سليمان في آخر الباب خبراً ننقله بعينه إتماماً للفائدة، قال:
وفي «المناقب» عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: لقد سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول في عليٍّ خصالاً لو كانت واحدة منها في رجل اكتفى بها فضلاً وشرفاً:
قولهصلىاللهعليهوآله : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه.
وقولهصلىاللهعليهوآله : عليٌّ منّي كهارون من موسى.
وقولهصلىاللهعليهوآله : عليٌّ مني وأنا منه.
وقولهصلىاللهعليهوآله : عليٌّ مني كنفسي، طاعته طاعتي، ومعصيته معصيتي.
وقولهصلىاللهعليهوآله : حرب عليٍّ حرب الله، وسلم عليٍّ سلم الله.
وقولهصلىاللهعليهوآله : وليٌّ عليّ وليّ الله، وعدوّ عليٍّ عدوّ الله.
وقولهصلىاللهعليهوآله : عليٌّ حجّة الله على عباده.
وقولهصلىاللهعليهوآله : حبّ عليٍّ إيمان، وبغضه كفر.
وقولهصلىاللهعليهوآله : حزب عليّ حزب الله، وحزب أعدائه حزب الشيطان.
وفولهصلىاللهعليهوآله : عليٌّ مع الحقّ، والحقّ معه، لايفترقان.
وقولهصلىاللهعليهوآله : عليٌّ قسيم الجنّة والنار.
وقولهصلىاللهعليهوآله : من فارق عليّاً فقد فارقني، ومن فارقني فقد فارق الله.
وقولهصلىاللهعليهوآله : شيعة عليٍّ هم الفائزون يوم القيامة.
انتهى كلامه، رُفع في الخلد مقامه.
«المترجم»
فأذعنوا واعتقِدوا أنّ مصداق( وَ الَّذِينَ مَعَهُ ) هو سيّدنا ومولانا عليّعليهالسلام الذي كان من أوّل عمره، ومن أوّل البعثة مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم يدعه في الملمّات، وما تركه في الهجمات والطامّات، بل كان ناصره وحاميه، يقيه بنفسه، ويدافع عنه بسيفه، ويفديه بروحه.
حتّى إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله فارقت روحه الدنيا ورأسه في حجر الإمام عليٍّعليهالسلام كما قال في خطبة له في «نهج البلاغة»:
ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآله أنّي لم أردّ على الله ولا على رسوله ساعةً قطّ، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكُصُ فيها الأبطال، وتتأخّر الأقدام، نجدةً أكرمني الله بها.
ولقد قُبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وإنّ رأسه لَعلَى صدري، ولقد سالت نفسُه في كفّي فأمررتها على وجهي، ولقد وُليّتُ غسله والملائكة أعواني حتّى واريناه في ضريحه، فمن ذا أحقّ به منّي حيّاً وميّتاً؟!
ولمـّا وصلنا إلى نهاية خطبة الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام صار وقت صلاة العشاء فقطعنا كلامنا.. وبعدما أدّوا الصلاة شربوا الشاي وتناولوا الفواكه والحلوى، ولمـّا انتهوا بدأتُ أنا بالكلام فقلت:
لقائل أن يقول: إذا كان عليعليهالسلام مع النبيصلىاللهعليهوآله في كلّ مواقفه، فلماذا لم يرافقه بالهجرة من مكّة إلى المدينة؟!
أقول: لأنّ علياًعليهالسلام قام في مكّة بأعمال مهمّة بعد النبيّصلىاللهعليهوآله كان قد ألقاها النبيصلىاللهعليهوآله على عاتقه وأمره أن ينفّذها، لأنّهصلىاللهعليهوآله لم يعتمد على أحد يقوم مقامه ويقضي مهامّه غير الإمام عليّعليهالسلام لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله - كما نعلم - كان أمين أهل مكّة، حتّى إنّ الكفار والمشركين كانوا يستودعون عنده أموالهم ولا يعتمدون على غيره في استيداع
أماناتهم وحفظها، فكانصلىاللهعليهوآله يُعرف بالصادق الأمين.
فَخلَّفَ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخاه وابن عمّه عليّاًعليهالسلام في مكّة ليردّ الودائع والأمانات إلى أهلها، وبعد ذلك حمل معه بنت رسول الله وحبيبته فاطمة الزهراء التي كان يعزّ فراقها على أبيها، وأخذ معه اُمّه فاطمة بنت أسد وابنة عمّه فاطمة بنت الزبير بن عبد المطّلب وغيرهن فأوصلهنّ بسلام إلى المدينة المنوّرة عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
فضيلة المبيت على فراش النبيّصلىاللهعليهوآله
وإضافةً إلى ما ذكرناه، فإنّ عليّاًعليهالسلام إذا لم يدرك فضيلة مرافقة النبيصلىاللهعليهوآله في الهجرة، فإنّهعليهالسلام أدرك مقاماً أسمى بالاستقلال لا بالتبع، وهو مبيته على فراش النبيصلىاللهعليهوآله ليلتبس الأمر على الأعداء، فيخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله من بينهم بسلام.
فإذا كانت آية الغار تعدّ فضيلة لأبي بكر بأنّ حسبته ثاني اثنين، فقد جعلته تابعاً لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، غير مستقلّ في كسب الفضيلة، وإنّما حصّلها تبعاً للنبيّصلىاللهعليهوآله .
بينما الإمام عليعليهالسلام حينما بات على فراش رسول اللهصلىاللهعليهوآله نزلت في شأنه آية كريمة سجَّلت له فضيلة مستقلّة تُعدّ من أعظم مناقبه، وهي قوله تعالى:( وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْري نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله وَ الله رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (١) .
وقد ذكر جمع كثير من كبار علمائكم الأعلام والمحدّثين الكرام،
____________________
١) سورة البقرة، الآية ٢٠٧.
خبراً هامّاً بهذه المناسبة، وإن كانت ألفاظهم مختلفة ولكنّها متقاربة والمعنى واحد، ونحن ننقله من كتاب «ينابيع المودة» للحافظ سليمان الحنفي، الباب الحادي والعشرين، وهو ينقله عن الثعلبي وغيره.
قال الحافظ سليمان: عن الثعلبي في تفسيره، وابن عقبة في ملحمته، وأبو السعادات في فضائل العترة الطاهرة، والغزّالي في إحياء العلوم، بأسانيدهم، عن ابن عبّاس وعن أبي رافع وعن هند بن أبي هالة ربيب النبيّصلىاللهعليهوآله - اُمّه خديجة اُمّ المؤمنين رضي الله عنها - أنّهم قالوا:
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أوحى الله إلى جبرائيل وميكائيل: إنّي آخيت بينكما وجعلت عُمْرَ أحدكما أطول من عُمْرِ صاحبه، فأيّكما يؤثر أخاه عمره، فكلاهما كرها الموت، فأوحى الله إليهما: إنّي آخيت بين عليّ وليّي وبين محمّد نبيّي، فآثر عليٌّ حياته للنبيّ، فرقد على فراش النبيّ يقيه بمهجته. إهبطا إلى الأرض واحفظاه من عدوّه.
فهبطا، فجلس جبرائيل عندَ رأسه وميكائيل عند رجليه، وجعل جبرائيل يقول: بخٍ بخٍ، مَن مثلك يا ابن أبي طالب، والله عزّ وجلّ يباهي بك الملائكة!
فأنزل الله تعالى:( وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي ) .
أقول: الّذين نقلوا هذا الخبر بألفاظ متقاربة وبمعنىً واحد، جَمْعٌ كبير من أعلام العامة، منهم: ابن سبع المغربي في كتابه «شفاء الصدور» والطبراني في الجامع الأوسط والكبير، وابن الأثير في اُسد الغابة ٤/٢٥، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة: ٣٣، والفاضل النيسابوري، والإمام الفخر الرازي، وجلال الدين السيوطي، في
تفاسيرهم للآية الكريمة، والحافظ أبونعيم في كتابه «مانزل من القرآن في عليّ» والخطيب الخوارزمي في «المناقب»، وشيخ الإسلام الحمويني في (الفرائد) والعلّامة الكنجي القرشي الشافعي في «كفاية الطالب» الباب الثاني والستّين، والإمام أحمد في «المسند » ومحمد بن جرير بطرق متعدّدة، وابن هشام في «السيرة النبوية» والحافظ محدّث الشام في «الأربعين الطوال» والإمام الغزالي في إحياء العلوم ٣/٢٢٣ وأبو السعادات في «فضائل العترة الطاهرة» وسبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص: ٢١، وغير هؤلاء الأعلام.
ونقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٣/٢٦٢ - ط دار إحياء التراث العربي - قول الشيخ أبي جعفر الإسكافي، قال: وقد روى المفسّرون كلّهم أن قول الله تعالى:( وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله ) اُنزلت في عليّعليهالسلام ليلة المبيت على الفراش.
فأرجو من الحاضرين، وخاصّة العلماء الأفاضل، أن يفكِّروا في الآيتين بعيداً عن الانحياز إلى إحدى الجهتين، فتدبّروا وقايسوا بينهما، وأنصفوا أيّهما أفضل وأكمل، صحبة النبيصلىاللهعليهوآله ومرافقته أيّاماً قليلة في سفر الهجرة، أم مبيت الإمام عليعليهالسلام على فراش النبيصلىاللهعليهوآله واقتحامه خطر الموت، وتحمّله أذى المشركين، ورميه بالحجارة طيلة الليل، وهو يتضوّر ولا يكشف عن وجهه، ليَسْلَم رسول اللهصلىاللهعليهوآله من كيد الأعداء وهجومهم، ومباهاة الله سبحانه ملائكته بمفاداة عليّعليهالسلام وإيثاره ثمّ نزول آية مستقلّة في شأنه، أنصفوا أيّهما أفضل؟؟
ولا يخفى أنّ بعض علمائكم الأعلام أنصفوا فأعلنوا تفضيل الإمام عليّعليهالسلام على غيره، وفضّلوا مبيته على فراش رسول اللهصلىاللهعليهوآله
على صحبة أبي بكر ومرافقته إيّاه في الهجرة، منهم: الإمام أبو جعفر الإسكافي - وهو من أبرز وأكبر علماء ومشايخ أهل السُنّة المعتزلة - في ردّه على أبي عثمان الجاحظ وكتابه المعروف بالعثمانية.
لقد تصدّى الإسكافي لنقضه بالبراهين العقلية والأدّلة النقلية، وأثبت تفضيل الإمام عليٍّعليهالسلام على أبي بكر، وفضّل المبيت على الصحبة، ونقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٣/٢١٥ - ٢٩٥، فراجعه، فإنّه مفيد جدّاً.
وممّا يذكره الشيخ أبوجعفر في مقاله، قال:
قال علماء المسلمين: «إنّ فضيلة عليٍّعليهالسلام تلك الليلة لا نعلم أحداً من البشر نال مثلها» شرح ابن أبي الحديد ١٣: ٢٦٠.
وبعد كلام طويل - وكلّه مفيد - قال في صفحة ٢٦٦ و ٢٦٧: قد بيّنا فضيلة المبيت على الفراش على فضيلة الصحبة في الغار بما هو واضح لمن أنصف، ونزيد هاهنا تأكيداً بما لم نذكره فيما تقدّم فنقول: إنّ فضيلة المبيت على الفراش على الصحبة في الغار لوجهين:
أحدهما: إنّ علياًعليهالسلام قد كان أنس بالنبيصلىاللهعليهوآله وحصل له بمصاحبته قديماً اُنسٌ عظيم، وإلفٌ شدَيد، فلمّا فارقه عُدمِ ذلك الاُنس، وحصل به أبوبكر، فكان ما يجده عليٌّعليهالسلام من الوحشة وألم الفرقة موجباً زيادة ثوابه، لأنّ الثواب على قدر المشقّة.
وثانيهما: إنّ أبابكر كان يؤثر الخروج من مكّة، وقد كان خرج من قبل فرداً فازداد كراهيّته للمقام، فلمّا خرج مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله وافق ذلك هوى قلبهِ ومحبوب نفسِهِ، فلم يكن له من الفضيلة ما يوازي فضيلة مَن احتمَل المشقّة العظيمَةَ وعرض نفسه لوقع السيوف، ورأسه
لرضخ الحجارة، لأنّه على قدر سهولة العبادة يكون نقصان الثواب.
وعالم آخر من علمائكم وهو ابن سبع المغربي، صاحب كتاب «شفاء الصدور» يقول فيه وهو يبيّن شجاعة سيّدنا الإمام عليعليهالسلام : إنّ علماء العرب أجمعوا على أنّ نوم عليٍّعليهالسلام على فراش رسول اللهصلىاللهعليهوآله أفضل من خروجه معه، وذلك أنّه وطّن نفسه على مفاداته لرسول اللهصلىاللهعليهوآله وآثر حياته، وأظهر شجاعته بين أقرانه. انتهى.
فالموضوع واضح جدّاً بحيث لا ينكره إلّا من فقد عقله بالتعصّب الذي يعمي ويصمّ عن فهم الحقّ وإدراك الحقيقة!
أكتفي بهذا المقدار في إطار البحث حول جملة( وَ الَّذِينَ مَعَهُ ) وأما جملة( أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ ) فقد قال الشيخ عبد السّلام: إنّ المراد منها والمقصود بها هو الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب.
فأقول: نحن لا نقبل الكلام بمجرّد الادّعاء، من غير دليل. والأولى أن نطبّق العبارة على الشخص المشار إليه، فندرس سيرته وحالاته ونعرف صفاته وأخلاقه، فإذا تطابقت مع الآية الكريمة، فحينئذٍ نسلّم، وإذا لم تتطابق، فنردّ ادّعاءكم وكلامكم، ونثبت قولنا ورأينا بالدليل والبرهان.
فلنضع الجملة على طاولة التحليل والتحقيق فنقول: الشِّدة تظهر في مجالين:
١ - مجال المناظرات العلمية والبحوث الدينيّة مع الخصوم.
٢ - مجال الجهاد الحربي والمناورات القتالية مع الأعداء.
أمّا في المجال العلمي فلم يذكر التاريخ لعمر بن الخطّاب مناظرة علمية ومحاورة دينية تغلّب فيها على الخصوم ومناوئي الإسلام.
وإذا كنتم تعرفون له تاريخاً وموقفاً مشرّفاً في هذا المجال فبيّنوه حتى نعرف!
ولكنّ علياًعليهالسلام يعترف له جميع العلماء وكلّ المؤرخون بأنّه كان حلال المشكلات الدينية والمعضلات العلمية.
وهو الوحيد في عصره الذي كان قادراً على ردّ شبهات اليهود والنصارى مع كلّ التحريفات التي جرت على أيدي الاُمويّين والبكريّين الخونة على تاريخ الإسلام - كما يصرّح بها علماؤكم في كتب الجرح والتعديل - مع ذلك ما تمكّنوا من إخفاء هذه الحقائق الناصعة، والمناقب السّاطعة، والأنوار العلمية اللامعة، التي أضاءت تاريخ الإسلام مدى الزمان..
وخاصة في عصر الخلفاء الّذين سبقوا الإمام عليّاًعليهالسلام ، فقد كان علماء اليهود والنصارى وسائر الأديان، يأتون إلى المدينة ويسألونهم مسائل مشكلة ويوردون شبهات مضلّة، ولم يكن لهم بُدٌّ من أن يرجعوا إلى مولانا وسيّدنا عليّعليهالسلام لأنّه باب علم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فيردّ شبهاتهم ويجيب عن مسائلهم، وقد أسلم كثير من اُولئك العلماء كما نجده مسطوراً في التاريخ.
والجدير بالذكر، أنّ الخلفاء الثلاثة الّذين سبقوا الامام عليّاًعليهالسلام كلّهم اعترفوا وأقرّوا له بتفوّقه العلمي وعجزهم وجهلهم أمام علماء الأديان.
وقد ذكر بعض المحقّقين من أعلامكم عن أبي بكر أنّه قال:
أقيلوني أقيلوني! فلست بخيركم وعليّ فيكم!
وأمّا عمر بن الخطّاب فقد قال أكثر من سبعين مرّة: لولا عليّ
لهلك عمر. وقال: لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن.
وذلك لمـّا كان يرى من عليٍّعليهالسلام حلّ المعضلات والحُكْم في القضايا المشتبهات التي كان يحار في حلّها وحُكمها عمر وحاشيته وكلّ الصحابة، وقد ذكر التاريخ كثيراً منها في كتبكم ولكن لا مجال لذكرها ولا منكِر لها!! فالأفضل أن يدور بحثنا حول الأهمّ فالأهمّ.
النَّواب: لا أرى موضوعاً أهمّ من هذا، فلو سمحتم ...أرجو أن تذكروا لنا بعض الكتب المعتبرة عندنا التي نقلت وذكرت ما نقلتم من قول الخليفة عمر الفاروق، حتّى نعرف الحقّ والواقع.
قلت: نعم، إنّ أكثر علمائكم نقلوا هذه العبارات أو ما بمعناها وإن اختلف اللفظ، وسأذكر لكم بعضهم حسب ما يحضر في ذهني وذاكرتي.
مصادر قول عمر
١ - ابن حجر العسقلاني، في تهذيب التهذيب/ ٣٣٧ ط حيدر آباد الدِّكن.
٢ - ابن حجر العسقلاني - أيضاً - في الإصابة ٢/٥٠٩ ط مصر.
٣ - ابن قتيبة - المتوفي سنة ٢٧٦ هجرية - في تأويل مختلف الحديث ٢٠١ و ٢٠٢.
٤ - ابن حجر المكّي الهيتمي، في الصواعق: ٧٨.
٥ - أحمد أفندي، في هداية المرتاب: ١٤٦ و١٥٢
٦ - ابن الأثير الجزري، في اُسد الغابة: ٤/٢٢.
٧ - جلال الدين السيوطي، في تاريخ الخلفاء: ٦٦.
٨ - ابن عبد البرّ القرطبي، في الاستيعاب: ٢/٤٧٤.
٩ - عبدالمؤمن الشبلنجي، في نور الأبصار: ٧٣.
١٠ - شهاب الدين العجيلي، في «ذخيرة المآل».
١١ - الشيخ محمد الصبّان، في إسعاف الراغبين: ١٥٢.
١٢ - ابن الصبّاغ المالكي، في الفصول المهمّة: ١٨.
١٣ - نور الدين السمهودي، في جواهر العقدين.
١٤ - ابن أبي الحديد في شرح النهج: ١/١٨ ط دار إحياء التراث العربي(١) .
١٥ - العلّامة القوشجي، في شرح التجريد: ٤٠٧.
١٦ - الخطيب الخوارزمي المكّي، في المناقب ٤٨/٦٠.
١٧ - محمد بن طلحة القرشي الشافعي، في مطالب السؤول: ٨٢ الفصل السادس ط دار الكتب.
١٨ - الإمام أحمد بن حنبل، في المسند والفضائل.
١٩ - سبط ابن الجوزي، في التذكرة: ٨٥ و٨٧.
٢٠ - الامام الثعلبي، في تفسيره «كشف البيان».
____________________
١) قال ابن أبي الحديد: وأمّا عمر فقد عرف كلُّ أحد رجوعه إليه (عليعليهالسلام ).
في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة، وقوله غير مرّة: لولا عليٌّ لهلك عمر. وقوله: لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن. وقوله: لا يفتينّ أحد في المسجد وعليٌّ حاضر إلى آخره.
«المترجم»
٢١ - ابن القيّم، في الطرق الحكيمة - ضمن نقله بعض قضاياهُعليهالسلام - : ٤١ - ٥٣.
٢٢ - محمد بن يوسف القرشي الكنجي، في «كفاية الطالب» الباب السابع والخمسين.
٢٣ - ابن ماجة القزويني، في سننه.
٢٤ - ابن المغازلي، في كتابه «مناقب علي بن أبي طالب».
٢٥ - شيخ الاسلام الحمويني، في فرائد السمطين.
٢٦ - الحكيم الترمذي، في شرح «الفتح المبين».
٢٧ - الديلمي، في «فردوس الأخبار».
٢٨ - الحافظ سليمان القندوزي الحنفي، في «ينابيع المودّة» الباب الرابع عشر.
٢٩ - الحافظ أبو نعيم، في «حلية الأولياء» وفي كتابه الآخر المسمّى «ما نزل من القرآن في عليّ».
٣٠ - والفضل بن روزبهان، في كتابه المسمّى بـ: «إبطال الباطل»(١) .
____________________
١) ومنهم: محب الدين الطبري، في ذخائر العقبى: ٨٢، فإنّه قال بعد نقله مراجعة عمر إلى
عليّعليهالسلام في قضاياه المشكلة وذكر حكم المرأة التي ولدت لستّة أشهر..
قال عمر: اللهمّ لاتنزلن بي شديدة إلّا وأبو الحسن إلى جنبي!
وذكر أيضاً عن يحيى بن عقيل، قال: كان عمر يقول لعليٍّعليهالسلام إذا سأله ففرّج عنه: لاأبقاني الله بعدك يا عليّ!
قال: وعن أبي سعيد الخدري، أنّه سمع عمر يقول لعليٍّ - وقد سأله عن شيء فأجابه: أعوذ بالله أن أعيش في يوم لست فيه يا أبا الحسن!
ومنهم: أبو المظفّر يوسف بن قزاغلي الحنفي، في كتابه«تذكرة خواصّ الأئمّة»: ٨٧ =
هؤلاء وكثير غيرهم وكلّهم من أجلّة علمائكم وأعلامكم رووا أنّ عمر كان يقول: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن!
ويقول: كاد يهلك ابن الخطّاب، لولا عليّ بن أبي طالب!
ويقول: لولا عليٌّ لهلك عمر!
ويقول: لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن!
وغيرها من العبارات المتقاربة من العبارات المذكورة.
النّواب: نرجو من سماحتكم أن تحدّثونا عن بعض القضايا المعضلة التي حكم فيها سيّدنا عليٌّ كرم الله وجهه، وكذلك عن المسائل المشكلة التي حلّها وأجاب عنها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.
قلت: من جملة القضايا قضية رواها جمع من علمائكم..
روى ابن الجوزي في كتابه الأذكياء: ١٨، وفي كتابه الآخر أخبار الظرّاف: ١٩.
وروى محبّ الدين الطبري، في كتابه الرياض النضرة: ٢/١٩٧، وفي كتابه الآخر ذخائر العقبى: ٨٠.
____________________
= ط إيران. فقد ذكر قضيّة المرأة التي ولدت لستّة أشهر، فأمر عمر برجمها، فمنعهم من ذلك عليّ بن أبي طالب بعدما بيّن سببه، فقال عمر: اللهمّ لاتبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب!
ومنهم: المتّقي الحنفي، في كنز العمال ٣/٥٣. فإنّه بعد ذِكر القضيّة قال: قال عمر: اللهمّ لا تنزل بي شدّة إلّا وأبو الحسن إلى جنبي.
«المترجم»
وروى الخطيب الخوارزمي، في المناقب: ٦٠.
وروى سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ: ٨٧، قالوا:
عن حنش بن المعتمر، قال: إنّ رجلين أتيا امرأةً من قريش فاستودعاها مائة دينار وقالا: لا تدفعيها إلى أحد منّا دون صاحبه حتى نجتمع.
فلبثا حولاً، ثمّ جاء أحدهما إليها وقال: إنّ صاحبي قد مات فادفعي إليّ الدنانير، فأبت، فثقّل عليها بأهلها، فلم يزالوا بها حتّى دفعتها إليه.
ثمّ لبثت حولاً آخر فجاء الآخر فقال: ادفعي إليَّ الدنانير!
فقالت: إنّ صاحبك جاءني وزعم أنّك قد مُتَّ فدفعتها إليه.
فاختصما إلى عمر، فأراد أن يقضي عليها وقال لها: ما أراكِ إلا ضامنة.
فقالت: أنشدك الله أن تقضي بيننا، وارفعنا إلى عليّ بن أبي طالب.
فرفعها إلى عليٍّعليهالسلام وعرف أنّهما قد مكرا بها.
فقال: أليس قلتما، لا تدفعيها إلى واحد منّا دون صاحبه؟
قال: بلى.
قال: فإنّ مالك عندنا، اذهب فجىء بصاحبك حتّى ندفعها إليكما.
فبلغ ذلك عمر فقال: لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب!
ومن جملة المسائل والقضايا المشكلة التي تحيّر فيها عمر، وحلّها الإمام عليعليهالسلام ، مسائل كانت بين عمر وحذيفة بن اليمان، رواها
العلّامة محمد بن يوسف القرشي الكنجي في كتابه «كفاية الطالب» الباب السابع والخمسين، بإسناده عن حذيفة بن اليمان، أنّه لقى عمر ابن الخطّاب، فقال له عمر: كيف أصبحت يا ابن اليمان؟
فقال: كيف تريدني اُصبح؟! أصبحت والله أكره الحقّ، واُحبّ الفتنة، وأشهد بما لم أره، وأحفظ غير المخلوق، وأصلِّي على غير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء!!
فغضب عمر لقوله، وانصرف من فوره وقد أعجله أمر، وعزم على أذى حذيفة لقوله ذلك.
فبينا هو في الطريق إذ مرّ بعليّ بن أبي طالب، فرأى الغضب في وجهه، فقال: ما أغضبك يا عمر؟!
فقال: لقيت حذيفة بن اليمان فسألته كيف أصبحت؟
فقال: أصبحت أكره الحقّ!
فقالعليهالسلام : صدق، فإنّه يكره الموت وهو الحقّ.
فقال: يقول: واُحبّ الفتنة!
قالعليهالسلام : صدق، فإنّه يحب المال والولد، وقد قال تعالى:( ...أَنَّمَا أَمْوَالُکُمْ وَ أَوْلاَدُکُمْ فِتْنَةٌ ) (١) .
فقال: يا عليّ! يقول: وأشهد بما لم أره!
فقال: صدق، يشهد لله بالوحدانية، ويشهد بالموت، والبعث، والقيامة، والجنّة، والنار، والصراط، وهو لم ير ذلك كلّه.
فقال: يا عليّ! وقد قال: إنّني أحفظ غير المخلوق!
____________________
١) سورة الأنفال، الآية ٢٨
قالعليهالسلام : صدق، إنّه يحفظ كتاب الله تعالى - القرآن - وهو غير مخلوق.
قال: ويقول: اُصلّي على غير وضوء!
فقال: صدق، يصلّي على ابن عمّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله على غير وضوء.
فقال: يا أبا الحسن! قد قال أكبر من ذلك!
فقالعليهالسلام : وما هو؟!
قال: قال: إنّ لي في الأرض ما ليس لله في السماء!
قال: صدق، له زوجة، وتعالى الله عن الزوجة والولد.
فقال عمر: كاد يهلك ابن الخطّاب لولا عليّ بن أبي طالب!
قال العلّامة الكنجي بعد نقله للخبر بطوله:
قلت: هذا ثابت عند أهل النقل، ذكره غير واحد من أهل السِيَر.
فهذا عمر في المجال العلمي عاجز جاهل، وساكت خامل، ولكن نرى الإمام عليّاًعليهالسلام يصول ويقول، فيردّ شبهات الفضول، ويقنع ذوي العقول.
وأمّا في المجال الثاني، وهو الحرب والضرب،والجهاد والجلاد، في سبيل الله والمستضعفين من العباد، فإنا لا نرى أيضاً لعمر بن الخطّاب موقفاً مشرّفاً، ولا نعرف له صولة أو جولة، وشجاعة أو بطولة.
بل يحدّثنا التاريخ أنّه لم يثبت أمام الكفّار والمشركين، وكان سبب انهزام وانكسار المسلمين!
الحافظ: لا نسمح لك أن تتفوّه بهذا الكلام، ولا نسمح أن تحطّ من شأن عمر (رض) الذي هو أحد مفاخر الإسلام، ولا ينكر أحد من
الأعلام والمؤرّخين العظام، أنّ الفتوحات التي حصلت في الإسلام، أكثرها أهمّها كانت في عهد سيّدنا عمر وبأمره وسياسته وحسن قيادته، وأنت تقول إنّه كان فرّاراً من الحروب، وإنّه سبّب هزيمة المسلمين وانكسارهم!
أتظن أنّنا نسمع هذه الإساءة والإهانة بخليفة سيّد الأنام وأحد زعماء الإسلام ونسكت؟!
نحن لا نتحمّل هذا الكلام، فإما أن تأتي بالدليل والبرهان، أو تستغفر الله سبحانه وتعالى من الإساءة والإهانة في الحديث والبيان.
قلت: وهل تكلّمتُ بكلام في طول حوارنا وبحثنا في الليالي الماضية من غير دليل وبرهان؟!
أو هل رويت حديثاً من غير أن أذكر له مصدراً وسنداً من كتبكم المعتبرة ومصادركم الموثّقة؟!
أما عرفتم أنّي لا أتكلّم عن جهل وتعصّب، ولا أنحاز إلّا إلى الحقّ، وأنّ مدحي وقدحي لا يكون إلا بسبب مقبول عند ذوي العقول؟!
وأظنّ إنّما صدرت منكم هذه الزبرة والزفرة والنفرة! حين سمعتم الكلام من رجل شيعي، فحسبتموه إساءة وإهانة، وذلك لأنّكم تسيئون الظنّ بنا، والله عز وجلّ يقول:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا کَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) (١) .
فإنّكم تظنّون أنّ الشيعة يحرّفون التاريخ، ويضعون الأحاديث ليذمّوا رجالاً ويمدحوا آخرين، بينما نحن لا نزيد على الواقع شيئاً، ولا نتكلّم إلّا نقلاً من كتب علمائكم ومحدّثيكم.
____________________
١) سورة الحجرات، الآية ١٢.
فلا داعي لتغيّر الحال والغضب، وشدّة المقال والعتب، أو أن تنسب إليَّ الإساءة باللسان، والإهانة في البيان! بل من حقّك أن تطالبني بالدليل والبرهان.
وإن أردت منّي ذلك فأقول:
ذكر كثير من علمائكم ومؤرّخيكم، أنّ القتال الذي لم يحضره الإمام عليّعليهالسلام لم ينتصر فيه المسلمون، والذي حضره سُجّل النصر والانتصار للدين، وأهمّها غزوة خيبر، فإنّ عليّاًعليهالسلام غاب عن المعسكر لرمد أصابه في عينه فأعطى النبيصلىاللهعليهوآله الراية لأبي بكر، فرجع منكسراً، فأعطاها لعمر بن الخطّاب، فرجع وهو يجبّن المسلمين وهم يجبّنونه!
الحافظ - وهو غضبان -: هذا الكلام من أباطيلكم، وإلّا فالمشهور بين المسلمين أنّ الشيخين كانا شجاعين، وكلّ منهما كان يحمل في صدره قلباً قويّاً ليس فيه موضع للخوف والجبن.
قلت: ذكرت لكم كراراً، أنّ شيعة أهل البيتعليهمالسلام لا يكذبون ولا يَفترون، لأنّهم يتّبعون الأئمّة الصادقينعليهمالسلام ، وهم يحسبون الكذب من الذنوب الكبائر، والافتراء أكبر منه خسائر.
ونحن كما قلت مِراراً، لسنا بحاجة لإثبات عقائدنا وأحقّيّة مذهبنا، أن نضع الأحاديث ونتمسّك بالأباطيل.
فإنّ غزوة خيبر من أهمّ الغزوات التي سجّلها التاريخ من يومها إلى هذا اليوم، وجميع مؤرّخيكم ذكروها باختصار أو بتفصيل، منهم: الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء ١/٦٢، ومحمد بن طلحة في مطالب السؤول:٤٠ وابن هشام في السيرة النبوية، ومحمد بن يوسف الكنجي في الباب الرابع عشر من «كفاية الطالب» وغير هؤلاء
من الأعلام، ولا يقتضي المجلس أن أذكرهم جميعاً، ولكن أهمّهم الشيخين، البخاري في صحيحه ٢/١٠٠ ط. مصر سنة ١٣٢٠ هجرية، ومسلم في صحيحه ٢/٣٢٤ ط. مصر سنة ١٣٢٠ هجرية.
فإنّهما كتبا بالصراحة هذه العبارة: «فرجع أيضاً منهزماً» أي: عمر.
ومن الدلائل الواضحة على هذه القضية الفاضحة، أشعار ابن أبي الحديد، فإنّه قال ضمن علوياته السبع المشهورة:
ألم تخبر الأخبار في فتح خيبر |
ففيها لذي اللب الملبّ أعاجيبُ |
|
وما أَنْسَ لا أنْسَ اللذين تقدّما |
وفرّهما و الفرّ قد علما حوبُ |
|
وللراية العظمى وقد ذهبا بها |
ملابس ذلّ فوقها و جلابيبُ |
|
يشلهما من آل موسى شمردل |
طويل نجاد السيف أجيد يعبوبُ |
|
يمجّ منوناً سيفه وسنانه |
ويلهب ناراً غمده والأنابيبُ |
|
احضرهما ام حضّرا خرج خاضب |
وذانهما أم ناعم الخدّ مخضوبُ |
|
عذرتكما، إنّ الحمام لمبغض |
وإنّ بقاء النفس للنفس محبوبُ |
|
ليكره طعم الموت والموت طالب |
فكيف يلذّ الموت والموت مطلوبُ؟! |
فنحن لا نريد إهانة أحد الصحابة، وإنّما ننقل لكم ما حكاه التاريخ ورواه المؤرّخون عنهم، وبعد هذا عرفنا أن عمر ما كان صاحب صولة وجولة، وشدّة وحدّة، في الحروب والغزوات التي كانت بين المسلمين وبين أعدائهم، فكيف نؤوِّل الجملة من الآية الكريمة( أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ ) بعمر ونطبّقها عليه؟!
ولكن إذا راجعنا تاريخ الاسلام ودرسنا سيرة الإمام عليّعليهالسلام وطالعنا تاريخه المبارك، نجده أشدّ المسلمين على الكفّار في المجال العلمي والمجال الحربي، والله تعالى يشير إليه بقوله:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْکُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْکَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَ لاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ) (١) .
الحافظ: إنّك تريد أن تحصر الآية الكريمة التي تصف عامّة المؤمنين في شأن عليّ كرم الله وجهه؟!
قلت: لقد أثبتُّ لكم أنّي لا أتكلّم بغير دليل، ودليلي على هذا، أنّ الآية إذا كانت تصف جميع المؤمنين، لمـّا فرّوا في بعض الغزوات من الميادين!
الحافظ: هل هذا الكلام من الإنصاف إذ تصف صحابة النبيّصلىاللهعليهوآله الّذين جاهدوا ذلك الجهاد العظيم، وفتحوا تلك الفتوحات العظيمة، وتقول: إنّهم فروا؟!
أليس قولك هذا إهانة لصحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟!
____________________
١) سورة المائدة، الآية ٥٤.
قلت: أوّلاً: أشهد الله سبحانه أنّي لم أقصد إهانة أيّ فرد من الصحابة وغيرهم، وإنّما الحوار والنقاش يقتضي هذا الكلام.
ثانياً: أنا ما أنسب إليهم الفرار، ولكنّ التاريخ هكذا يحكم ويقول: إنّ في غزوة اُحد، فرّ الصحابة حتّى كبارهم، وتركوا النبيّصلىاللهعليهوآله طعمة لسيوف المشركين والكفّار، كما يذكر الطبري والمؤرّخون الكبار، فماذا تقولون حول الآية الكريمة التي تشمل اُولئك الّذين ولّوا الدبر وفرّوا من الجهاد وخالفوا أمر الله عزّ وجلّ إذ يقول:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ کَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله وَ مَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ ) (١) .
ثالثاً: لقد وافَقَنا في قولنا بأنّ الآية نزلت في شأن الإمام عليّعليهالسلام كثير من أعلامكم وكبار علمائكم، منهم: أبو إسحاق الثعلبي - الذي تحسبوه إمام أصحاب الحديث في تفسير القرآن - قال في تفسير «كشف البيان» في ذيل الآية الكريمة ٥٤ من سورة المائدة: إنما نزلت في شأن الإمام عليٍّعليهالسلام ، لأنّ الذي يجمع كلّ المواصفات المذكورة في الآية لم يكن أحد غيره.
ولم يذكر أحد من المؤرّخين من المسلمين وغيرهم، بأنَّ الإمام عليّاًعليهالسلام فرّ من الميدان، حتّى ولو مرّة، أو أنّه تقاعد وتقاعس في حروب النبيّصلىاللهعليهوآله وغزواته مع الكفّار، ولو في غزوة واحدة.
بل ذكر المؤرّخون أنّه في معركة اُحد حينما انهزم المسلمون، حتّى كبار الصحابة، ثبت الامام عليّعليهالسلام واستقام واستمرّ في الجهاد
____________________
١) سورة الأنفال، الآيات ١٥ و ١٦.
ومقاتلة المشركين الأوغاد، وهم أكثر من خمسة آلاف مقاتل بين راكب وراجل، وعليٌّعليهالسلام يضرب بالسيف خراطيمهم ويحصد رؤوسهم، فذبّ عن الإسلام، ودفع الطغام، عن محمّد سيّد الأنام، حتّى سُمع النِّداء من السماء: لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا عليّ(١) .
____________________
١) لقد ذكر هذه الفضيلة الإلهية، والمنقبة السماوية، لأسد الله الغالب، علي بن أبي طالبعليهالسلام كثير من العلماء الأعلام ومشايخ الإسلام، منهم:
ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٣/٢٩٣ عن شيخه أبي جعفر، قال: وما كان منه - أي: عليعليهالسلام - من المحاماة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد فر الناس وأسلموه، فتصمد له كتيبة من قريش، فيقولصلىاللهعليهوآله : يا عليّ! اكفني هذه. فيحمل عليها فيهزمها ويقتل عميدها، حتّى سمع المسلمون والمشركون صوتاً من قبل السماء: لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا علي.
ومنهم:
العلّامة الكنجي القرشي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» في الباب التاسع والستين، فقد خصّصه بنداء مَلَك من السماء: «لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا عليّ» إلّا أنّه يروي أنّ ذلك كان يوم بدر، فراجع.
وأمّا روايته في اُحد فقد قال في الباب السابع والستّين، بإسناده عن أبي رافع، قال: لمـّا كان يوم أحد نظر النبيصلىاللهعليهوآله إلى نفر من قريش، فقال لعليّعليهالسلام : إحمل عليهم؛ فحَمَل عليهم فقتل هاشم بن اُميّة المخزومي وفرّق جماعتهم.
ثمّ نظر النبيّصلىاللهعليهوآله إلى جماعة من قريش، فقال لعليّعليهالسلام : إحمل عليهم؛ فحمل عليهم وفرّق جماعتهم وقتل فلاناً الجمحي.
ثمّ نظر إلى نفر من قريش، فقال لعليٍّعليهالسلام : إحمل عليهم؛ فحمل عليهم وفرّق جماعتهم وقتل أحد بني عامر بن لؤي.
فقال له جبرائيل: هذه المواساة!
فقال النبيصلىاللهعليهوآله : إنّه منّي وأنا منه.
فقال جبرائيل: وأنا منكم يا رسول الله. =
وقد اُصيب في جسمه يوم اُحد بتسعين إصابة غير قابلة للعلاج، فعالجها رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعدما انتهت المعركة عن طريق الإعجاز، إذ مسح عليها بريقه المبارك الذي جعل الله فيه بلسم كلّ جرح، ودواء كل داء.
الحافظ: ما كنت أظنّ أن تفتري على كبار الصحابة إلى هذا الحدّ وتنسبهم إلى الفرار! وهم المجاهدون في سبيل الله وخاصّة الشيخان (رض) فإنّهما ثبتا ودافعا عن النبيّصلىاللهعليهوآله إلى آخر لحظة حتّى انتهت المعركة.
قلت: إنّي لست بمفترٍ، ولكنّكم ما قرأتم تاريخ الإسلام، وليس لكم فيه تحقيق وإلمام، حتّى نطقتم بهذا الكلام!
لقد ذكر المؤرّخون وأصحاب السير: أنّ المسلمين انهزموا في غزوة اُحد وخيبر وحنين، أمّا خبر خيبر فقد ذكرته لكم عن صحيح البخاري ومسلم وغيرهما(١) .
____________________
= رواهُ أيضاً عن ابن عساكر بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، والحافظ الخطيب البغدادي في ما خرّجه من الفوائد للشريف النسيب - كذا - انتهى.
وقال ابن أبي الحديد في مقدّمته على « شرح نهج البلاغة»: المشهور المرويّ أنّه سُمع من السماء يوم اُحد:
لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا علي.
«المترجم»
١) لقد ذكر فرار الشيخين وهزيمتهما في معركة خيبر، كثير من أعلام وعلماء السُنّة، منهم: الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ١٢٤، والحاكم في المستدرك ٣/٣٧، وفي تلخيص المستدرك ٣/٣٧، قالوا: عن ابن عبّاس أنّه قال: بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى =
وأمّا الخبر عن غزوة حنين وفرار المسلمين فيها، فراجع الجمع بين الصحيحين للحميدي والسيرة الحلبية: ٣/١٢٣.
وأمّا فرارهم في غزوة اُحد، فحدّث ولا حرج! فقد ذكره عامّة المؤرّخين، منهم: ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر الاسكافي في شرح النهج ١٣/ ٢٧٨ ط دار إحياء التراث العربي، قال: فرّ المسلمون بأجمعهم ولم يبق معه[ النبيصلىاللهعليهوآله ] إلّا أربعة: علي والزبير وطلحة وأبو دجانة(١) .
____________________
= خيبر، أحسبه قال: أبا بكر - والترديد من الراوي - فرجع منهزماً ومن معه، فلمّا كان من الغد بعث عمر، فرجع منهزماً يجبن أصحابه ويجبّنه أصحابه.
ورَوَى الحافظ أحمد بن شعيب بن سنان النسائي، أحد أصحاب الصحاح الستّة، المتوفّي سنة ٣٠٣ هج، في كتابه «خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام » ط مطبعة التقدّم بالقاهرة، ص ٥، عن عليعليهالسلام قال: بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآله أبا بكر وعقد له لواءً فرجع، وبعث عمر وعقد له لواءً فرجع، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لاُعطينّ الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، ليس بفرّار؛ فأرسل إليَّ وأنا أرمد إلى آخره.
وروى عن بريدة يقول: حاصرنا خيبر فأخذ الراية أبو بكر ولم يفتح له، فأخذه من الغد عمر فانصرف ولم يفتح له ...إلى آخره.
ورواه عن طريق آخر عن بريدة الأسلمي، قال: لمـّا كان يوم خيبر، نزل رسول اللهصلىاللهعليهوآله بحصن أهل خيبر، أعطى رسول اللهصلىاللهعليهوآله اللواء عمر، فنهض فيه من نهض من الناس، فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا ....إلى آخر.
«المترجم»
١) لقد ذكر كثير من أعلام السُنّة هزيمة عمر في اُحد، منهم:
الفخر الرازي في كتابه مفاتيح الغيب ٩/٥٢، قال: ومن المنهزمين عمر =
وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج ١٤: ٢٥١، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة: ٣٤، وغيرهما من الأعلام، قالوا: وسُمع ذلك اليوم صوت من قبل السماء، لا يُرى شخص الصارخ به، ينادي مراراً: لا سيف إلّا ذو الفقار، ولا فتى إلّا علي!
فسُئل رسول اللهصلىاللهعليهوآله عنه، فقال: هذا جبرائيل - و النصّ لابن أبي الحديد -.
____________________
= ثمّ قال: ومنهم عثمان، انهزم مع رجلين من الأنصار يقال لهما: سعد وعقبة، انهزموا حتّى بلغوا موضعاً بعيداً، ثمّ رجعوا بعد ثلاثة أيّام.
والآلوسي في روح المعاني ٤/٩٩، قال: وأمّا سائر المنهزمين فقد اجتمعوا على الجبل، وعمر بن الخطّاب كان من هذا الصنف كما في خبر ابن جرير.
وقال النيسابوري في تفسير غرائب القرآن: بهامش تفسير الطبري ٤/١١٢ - ١١٣: الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أنّ نفراً قليلاً تولّوا وأبعدوا فمنهم من دخل المدينة ومنهم من ذهب إلى سائر الجوانب ....ومن المنهزمين عمر.
السيوطي في الدرّ المنثور ٢/٨٨ و ٨٩، وتفسير جامع البيان - للطبري - ٤/٩٥ و ٩٦، قال عمر: لمـّا كان يوم اُحد هزمناهم، ففررت حتّى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزوا كأنّني أروى!
ثمّ قال السيوطي: أخرج عبد بن حميد عن عكرمة، قال: كان الّذين ولّوا الدبر يومئذ عثمان بن عفّان وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان أخوان من الأنصار من بني زريق.
وأمّا هزيمة عمر في حنين قال البخاري في صحيحه، باب قوله تعالى:( ...وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْکُمْ کَثْرَتُکُمْ ) ( سورة التوبة، الآية ٢٥) روى بسنده عن أبي محمد مولى أبي قتادة، أنّ أبا قتادة قال: لمـّا كان يوم حنين نظرت إلى وانهزم المسلمون وانهزمتُ معهم فإذا بعمر بن الخطّاب في الناس ...البخاري ٣/٦٧ ط عيسى البابي الحلبي بمصر.
«المترجم»
فكان عليّعليهالسلام في كلّ الحروب التي خاضها مؤيّداً من عند الله ومنصوراً بالملائك.
روى محمد بن يوسف الكنجي القرشي في كتابه «كفاية الطالب» في الباب السابع والعشرين، بإسناده عن عبدالله بن مسعود، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ما بُعث عليٌّ في سريّة إلّا رأيتُ جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره والسحابة تظلّه حتّى يرزقه الله الظفر.
وروى الإمام الحافظ النسائي في كتابه خصائص الإمام عليعليهالسلام ، ص ٨ ط مطبعة التقدّم بالقاهرة، بسنده عن هبيرة بن هديم، قال: جمع الناس الحسن بن عليّعليهالسلام وعليه عمامة سوداء لمـّا قُتل أبوه، فقال: قد كان قتلتم بالأمس رجلاً ما سبقه الأوّلون ولا يدركه الآخرون، وإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، ويقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، ثمّ لا ترد رايته حتّى يفتح الله عليه إلى آخره.
نعم، كان النصر معقوداً براية الإمام عليّعليهالسلام وسيفه، وكان الظفر ينزل على المسلمين في كلّ ميدان ينزل فيه عليّعليهالسلام ، حتّى قال النبيصلىاللهعليهوآله : ما قام الدين وما استقام إلّا بسيف عليّعليهالسلام .
عليّعليهالسلام حبيب الله ورسوله صلىاللهعليهوآله
رابعاً: الآية الكريمة في سورة المائدة، تصرّح أنّ المقصودين هم الموصوفون فيها، يحبّهم الله ويحبّونه.. وهذه فضيلة ثابتة للإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ولم تثبت في حقّ غيره، وإن كان كثير من المؤمنين
والصحابة هم أيضاً يحبّهم الله ويحبّونه ولكن غير معنيِّينَ، أمّا عليّعليهالسلام فهو معنيٌّ بهذه الفضيلة كما قال ذلك كثير من الأعلام، منهم:
العلّامة الكنجي الشافعي في الباب السابع من كتابه «كفاية الطالب» روى بإسناده عن ابن عباس، أنّه قال: كنت أنا وأبي - العبّاس جالسين عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذ دخل عليّ بن أبي طالب، وسلّمَ، فردَّ عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبش وقام إليه واعتنقه، وقبّل ما بين عينيه، وأجلسه عن يمينه؛ فقال العبّاس: أتحبّ هذا يا رسول الله؟ فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا عمّ رسول الله! واللهِ، اللهُ أشدّ حبّاً له منّي.
وروى في الباب الثالث والثلاثين؛ بإسناده عن أنس بن مالك، قال: اُهدي إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله طائر وكان يعجبه أكله، فقال: اللهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك يأكل معي من هذا الطائر.
فجاء عليّ بن أبي طالب.
فقال: استَأْذِنْ على رسول الله.
قال: قلت: ما عليه إذن.
وكنت اُحبّ أن يكون رجلاً من الأنصار.
فذهب ثمّ رجع فقال: استَأْذِنْ لي عليه.
فسمع النبيّصلىاللهعليهوآله كلامه، فقال: اُدخل يا عليّ؛ ثمّ قالصلىاللهعليهوآله : اللهمّ وإليَّ، اللهمّ وإليَّ - أي هو أحبّ الخلق إليَّ أيضاً -.
وذكرنا لكم في المجالس الماضية مصادر هذا الخبر الذي تلقّاه العلماء كلّهم بالصحّة والقبول، وهو دليلٌ قاطع، وبرهان ساطع، على أنّ عليّاًعليهالسلام أحبّ الخلق إلى الله سبحانه وتعالى وإلى رسولهصلىاللهعليهوآله .
إعطاؤه الراية يوم خيبر
ومن أهمّ الدلائل على أنّ عليّاًعليهالسلام هو المقصود بالآية الكريمة( فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ ) حديث الراية لفتح خيبر، وقد نقله كبار علمائكم، ومشاهير أعلامكم، منهم:
البخاري في صحيحه ج ٢ كتاب الجهاد، باب دعاء النبيصلىاللهعليهوآله ، و ج ٣ كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ومسلم في صحيحه ٢/٣٢٤، والإمام النسائي في «خصائص أمير الؤمنينعليهالسلام ، والترمذي في السنن، وابن حجر العسقلاني في الإصابة ٢/٥٠٨، وابن عساكر في تاريخه، وأحمد بن حنبل في مسنده، وابن ماجة في السنن، والشيخ الحافظ سليمان في «ينابيع المودّة» الباب السادس، وسبط ابن الجوزي في التذكرة، ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي، في «كفاية الطالب» الباب الرابع عشر، ومحمد بن طلحة في «مطالب السؤول» الفصل الخامس، والحافظ أبو نعيم في «حلية الأولياء» والطبراني في الأوسط، والراغب الإصفهاني في محاضرات الاُدباء ٢/٢١٢.
ولا أظنّ أنّ أحداً من المؤرّخين أهمل الموضوع أو أحداً من المحدّثين أنكره، حتّى إنّ الحاكم - بعد نقله له - يقول: هذا حديث دخل في حدّ التواتر؛ والطبراني يقول: فتح عليّعليهالسلام لخيبر ثبت بالتواتر.
وخلاصة ما نقله الجمهور، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله حاصَر مع المسلمين قلاع اليهود ومنها قلعة خيبر، عدة أيّام، فبعث النبيصلىاللهعليهوآله أبا بكر مع الجيش وناوله الراية وأمره أن يفتح، ولكنّه رجع منكسراً
عاجزاً عن الفتح،فأخذ النبيّصلىاللهعليهوآله الراية وأعطاها لعمر بن الخطّاب وأرسله مع الجيش ليفتح خيبر، ولكنّه رجع منهزماً يجبّن المسلمين وهم يجبّنونه.
فلمّا رأى النبيّصلىاللهعليهوآله خور أصحابه وتخاذلهم وانهزامهم أمام ثلّة من اليهود، غضب منهم وأخذ الراية فقال: لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، كرَّاراً غير فرّارا، لا يرجع حتّى يفتح الله على يديه.
- ولا يخفى تعريض النبيّصلىاللهعليهوآله في كلامه بالفارّين -.
فبات المسلمون ليلتهم يفكّرون في كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ومَن يكون مقصوده ومراده؟!
فلمّا أصبح الصباح اجتمعوا حول النبيّصلىاللهعليهوآله والراية بيده المباركة، فتطاولت أعناق القوم طمعاً منهم بها أو ظنّاً بأنّه سيناولهم الراية، لكنّ النبيصلىاللهعليهوآله أجال بصره في الناس حوله وافتقد أخاه ومراده عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فقال: أين ابن عمّي عليّ؟
فارتفعت الأصوات من كلّ جانب: إنّه أرمد يا رسول الله!
فقالصلىاللهعليهوآله : عَلَيَّ به.
فجاؤا بالإمام عليّعليهالسلام وهو لا يبصر موضع قدمه، فسلّم وردّ النبيّ عليه وسأله: ما تشتكي يا عليّ؟ فقالعليهالسلام : صداعٌ في رأسي، ورمد في عيني.
فأخذ النبيصلىاللهعليهوآله شيئاً من ريقه المبارك ومسح به على جبين الإمام عليٍهعليهالسلام وقال: اللهمّ قِهِ الحرّ والبرد؛ ودعا له بالشفاء، فارتدّ بصيراً.
وإلى هذه المنقبة يَشَير حسّان في شعره فيقول:
وكان عليٌّ أرمد العين يبتغي |
دواءً فلمّا لم يحسّ مداويا |
|
شفاه رسول الله منه بتفلة |
فبورك مرقيّاً وبورك راقيا |
|
وقال ساُعطي الراية اليوم فارساً |
كميّاً شجاعاً في الحروب محاميا |
|
يحبّ الإلهَ والإلهُ يحبّه |
به يفتح الله الحصونَ الأوابيا |
|
فخَصّ بها دون البريّة كلّها |
عليّاً وسمّاه الوصيَّ المؤاخيا |
فأعطى النبيّصلىاللهعليهوآله الراية لعليّعليهالسلام وقال: خذ الراية! جبرائيل عن يمينك، وميكائيل عن يسارك، والنصر أمامك، والرعب مبثوث في قلوب القوم، فإذا وصلت إليهم فعرِّف نفسكَ وقُلْ: أنا عليُّ بن أبي طالب، فإنّهم قرأوا في صحفهم أنّ الذي يدمّر عليهم الحصون ويفتحها اسمه إيليا، وهو أنت يا عليّ!
فأخذ عليّعليهالسلام الراية وهرول بها نحو القلاع حتّى وصل إلى باب خيبر وهو أهم تلك الحصون والقلاع، فطلب المبارز، فخرج إليه مرحب مع جماعة من أبطال اليهود، فهزمهم عليٌّعليهالسلام مرتّين، وفي المرّة الثالثة لمـّا برزوا وحمل عليهم عليٌّعليهالسلام ضرب بالسيف على رأس مرحب فوصل إلى أضراس مرحب وسقط على الأرض صَريعاً،
وسُجّل النصر للمسلمين(١) .
ونقل ابن الصبّاغ في «الفصول المهمّة» عن صحيح مسلم، وكذلك روى الإمام النسائي في خصائص الإمام عليّ: ٧ ط مطبعة التقدّم بالقاهرة، قال عمر بن الخطّاب: ما أحببت الإمارة إلّا يومئذ ...الخ.
وأخرج السيوطي في «تاريخ الخلفاء» وابن حجر في «الصواعق» والديلمي في «فردوس الأخبار» بإسنادهم عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: لقد اُعطي عليُّ بن أبي طالب ثلاث خصال، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من أن اُعطى حمر النَّعم، فسُئل: ما هي؟
قال: تزويجه فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وسكناه المسجد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يحلّ له فيه ما يحلّ له، وإعطاؤه الراية يوم خيبر(٢) .
____________________
١) لمـّا رأى اليهود قتل مرحب وهو قائدهم وصاحب رايتهم، انهزموا ودخلوا الحصن وأغلقوا الباب، وبدأوا يرمون المسلمين بالنبال من سطح الحصن، فهجم عليٌّعليهالسلام على باب الحصن وقلعه من مكانه وجعله ترساً يصدّ به سهام القوم ونبالهم. وكان الباب عظيماً منحوتاً من الصخر؛يقول ابن أبي الحديد في قصائده العلوية مشيراً إلى ذلك الموقف المشرّف:
يا قالع الباب الذي عن هزّه |
عجزت أكفٌّ أربعون وأربعُ |
|
أأقولُ فيك سميدع كلاّ ولا |
حاشا لمثلك أن يُقال سميدعُ |
إلى آخر أبياته.
«المترجم»
٢) لقد اشتهر هذا الخبر عن عمر وذكره كثير من اعلام السُنّة، واضافة إلى مَن ذكرهم المؤلّف فإنّي أذكر بعض من أعرف من العلماء الّذين رووا الخبر عن عمر، منهم عبيد الله الحنفي في «ارجح المطالب» والحاكم في المستدرك ٣/١٢٥، وابن حجر الهيثمي في الصواعق:٧٨، والإمام احمد في «المسند» عن ابن عمر، وابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية ٧/٣٤١، والمتّقي الحنفي في كنز العمّال ٦/٣٣٩ <=
فالخبر ثابت لا ينكره إلا المعاندون الجاهلون الّذين ليس لهم اطّلاع على تاريخ الإسلام وغزوات رسول اللهصلىاللهعليهوآله . والآن فقد ثبت للحاضرين، وخاصة العلماء والمشايخ، بأنّي لا أتكلّم من غير دليل، ولم أقصد إهانة الصحابة، بل مقصدي بيان الواقع وكشف الحقائق، التي منها الاستدلال بالتاريخ والحديث والعقل والنقل، بأنّ جملة( أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ ) في الآية الكريمة تنطبق على الإمام عليٍّعليهالسلام قبل أن تنطبق على غيره كائناً من كان.
وهذا لم يكن قولي أنا فحسب، بل كثير من أعلامكم صرّحوا به، منهم العلّامة الكنجي في «كفاية الطالب» في الباب الثالث والعشرين، فإنّه يروي حديثاً عن النبيّصلىاللهعليهوآله يشبّه فيه عليّاًعليهالسلام بالأنبياء، وفي تشبيهه بنوحعليهالسلام يقول العلّامة الكنجي: وشبّه بنوح لأنّ عليّاًعليهالسلام كان شديداً على الكافرين، رؤوفاً بالمؤمنين كما وصفه الله تعالى في القرآن بقوله( ...وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (١) . وأخبر الله عزّ وجلّ عن شدّة نوح على الكافرين بقوله:( ....رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْکَافِرِينَ دَيَّاراً ) (٢) انتهى.
فعليٌّعليهالسلام هو المصداق الأجلى والأظهر لجملة( أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ ) (٣) .
____________________
= ح ٦٠١٣ - ٦٠١٥، والموفّق بن احمد الخطيب الخوارزمي في المناقب: ٢٣٢. «المترجم»
١) سورة الفتح، الآية ٢٩.
٢) سورة نوح، الآية ٢٦
٣) الّذي يُعرف من الأخبار والتواريخ أنّ عمر بن الخطّاب كان شديداً على المسلمين، <=
. . . . .
____________________
= ولكي تعرف الحقيقة والواقع أنقل لك بعضها:
قال ابن قتيبة في كتابه الإمامة والسياسة: ١٩ ط مطبعة الاُمّة بمصر سنة ١٣٢٨ هج: فدخل عليه المهاجرون والانصار حين بلغهم أنّه استخلف عمر، فقالوا: نوراك استخلفت علينا عمر، وقد عرفته وعلمْتَ بوائقه فينا، وانت بين اظهرنا فكيف اذا ولّيت عنّا؟!
بوائقه: غوائله وشروره. النهاية.
وروى السيوطي في تاريخ الخلفاء ٨٢:
عن اسماء بنت عميس، انّها قالت: دخل طلحة بن عبيد الله على ابي بكر فقال: استخلفتَ على الناس عمر! وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، فكيف إذا خلا بهم وانت لاقٍ ربّك؟!
ونقل الديار بكري في تاريخ الخميس ٢/٢٤١:
قال طلحة لأبي بكر: أتوُلّي علينا فَظّاً غليظاً؟! ما تقول لربّك اذا لقيته؟!
وروى الدياربكري في نفس الصفحة، عن جامع بن شدّاد عن أبيه، أنّه قال:
كان أوّل كلام تكلّم به عمر حين صعد المنبر انْ قال: اللهمّ إنّي شديد فليّنّي، وانّي ضعيف فقوّني، وانّي بخيل فسخّني.
ونقل ابن الاثير في تاريخه الكامل ٣/٥٥، والطبري في تاريخه ٥/١٧، انّ عمر خطب اُمّ أبان بنت عتبة بن ربيعة فكرهته وقالت: يغلق بابه، ويمنع خيره، ويدخل عابساً، ويخرج عابساً!!
وقال ابن ابي الحديد في شرح النهج ١/١٨٣ ط دار احياء التراث العربي.
وكان في اخلاق عمر وألفاظه جفاء وعُنجُهيّة ظاهرة.
وقال في ج ١٠/١٨١ ط دار احياء التراث العربي:
وانّما الرجل [ عمر] كان مطبوعاً على الشدّة والشراسة والخشونة!
أقول: اظهر شراسته وخشونته وشدّته على آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله وفي هجومه على بيت فاطمة البتول وقرّة عين الرسولصلىاللهعليهوآله أكثر من أيّ مكان آخر!! =
. . . . .
____________________
= قال ابن عبد ربّه الاندلسي في العقد الفريد ٢/٢٠٥ ط المطبعة الازهرية:
الّذين تخلّفوا عن بيعة ابي بكر: عليٌّ والعبّاس والزبير وسعد بن عبادة، فأما عليٌّ والعبّاس والزبير في بيت فاطمة حتّى بعث اليهم أبو بكر عمرَ بن الخطّاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له: إنْ أَبوا فقاتِلْهم.
فَأقْبَلَ بقَبَسٍ من نار، على أن يضرم عليهم الدار!
فلقيته فاطمة، فقالت: يا بن الخطاب! أجئتَ لتحرق دارنا؟!
قال: نعم!
ونَقَلَ الشهرستاني في الملل والنحل ١/٥٧ عن النظّام، قال:
إنّ عمر ضرب بطن فاطمةعليهاالسلام يوم البيعة حتّى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها! وما كان في الدار غير عليّ وفاطمة والحسن والحسين.
وقال الصفدي في الوافي بالوفيات ٦/١٧:
إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت المحسِّن من بطنها!
وأخرج البلاذري في أنساب الأشراف ١/٥٨٦، عن سليمان التيمي وعن ابن عون: إنّ أبا بكر أرسل إلى عليّ يريد البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة، فتلقّته فاطمة على الباب فقالت: يا بن الخطّاب! أتراك محرّقاً عَلَيَّ بابي؟!
قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك!!
أقول: وهل بعد الجملة الاخيرة يقال: إنّ عمر كان مؤمناً؟!!
وقال الاُستاذ عبد الفتّاح عبد المقصود في كتابه السقيفة والخلافة: ١٤:
أتى عمر بن الخطّاب منزل عليٍّ وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: والله لأحرقنّ عليكم أو لتخرجن إلى البيعة.
قال: ثمّ تطالعنا صحائف ما أورد المؤرّخون بالكثير من أشباه هذه الأخبار المضطربة التي لا نعدم أن نجد من بينها من عنف عمر ما يصل به إلى الشروع في قتل =
وأمّا قولكم بأنّ جملة( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) تنطبق على عثمان بن عفّان وهي إشارة إلى مقام الخلافة في المرتبة الثالثة، وأنّ عثمان كان رقيق القلب، بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً..
فنحن لا نرى ذلك من صفات عثمان، بل التاريخ يحدّثنا على عكس ذلك، وأرجو أن لا تسألوني توضيح الموضوع أكثر من هذا، لأنّي أخاف أن تحملوا حديثي على الإساءة والإهانة بمقام الخليفة الثالث ولا اُحبّ أن أزعجكم.
الحافظ: نحن لا نضجر إذا لم يكن حديثك فحشاً، وكان مدعماً بالدليل ومطابقاً للواقع مع ذكر الأسناد والمصادر.
قلت: أوّلاً: إنّي ما كنت ولم أكن فحّاشاً، بل سمعت الفحشَ وأجبتُ بالمنطق والبرهان!
____________________
= عليّ وإحراق بيته على من فيه! فلقد ذكر أنّ أبا بكر أرسل عمر بن الخطّاب ومعه جماعة بالنار والحطب إلى دار عليّ وفاطمة والحسن والحسين ليحرقوه بسبب الامتناع عن بيته، فلمّا راجعَ عمر بعضُ الناس قائلين: إنّ في البيت فاطمة! قال: وإنْ!
وقال عمر رضا كحّالة: فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده، لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها. فقيل له: يا أبا حفص! إنّ فيها فاطمة! قال: وإنْ.
أقول: لقد نظم هذه الواقعة شاعر النيل حافظ ابراهيم في قصيدة تحت عنوان: عمر وعليّ، مطبوعة في ديوانه ١/٧٥ ط دار الكتب المصرية:
وقولة لعليٍّ قالها عمر |
أكرم بسامعها أعظم بملقيها |
|
حرّقتُ دارَك لا اُبقي بها أحداً |
إنْ لم تبايع وبنت المصطفي فيها |
|
ما كان غير أبي حفص يفوه بها |
أمام فارس عدنان وحاميها |
«المترجم»
ثانياً: هناك أدلّة كثيرة على خلاف ما ذهبتم في شأن عثمان، فإنّ جملة( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) لا تنطبق عليه أبداً، ولإثبات قولي اُشير إلى بعض الدلائل، وأترك التحكيم والقضاء للحاضرين الأعزّاء.
سيرة عثمان
لقد أجمع المؤرّخون والأعلام، مثل: ابن خلدون، وابن خلّكان، وابن أعثم الكوفي، وأصحاب الصحاح كلّهم، والمسعودي في مروج الذهب ١/٤٣٥، وابن أبي الحديد في شرح النهج، والطبري في تاريخه، وغيرهم من علمائكم، قالوا: إنّ عثمان بن عفّان حينما ولي الخلافة سار على خلاف سُنّة الرسولصلىاللهعليهوآله وسيرة الشيخين، ونقض العهد الذي عاهده عليه عبد الرحمن بن عوف في مجلس الشورى حين بايعه على كتاب الله وسُنّة الرسولصلىاللهعليهوآله وسيرة الشيخين، وأن لا يسلّط بني اُميّة على رقاب المسلمين.
ولكن حينما استتبّ له الأمر خالف العهد، وتعلمون بأنّ نقض العهد من كبائر الذنوب، والقرآن الحكيم يصرّح بذلك.
قال تعالى:( ....وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ کَانَ مَسْئُولاً ) (١) .
وقال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * کَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ ) (٢) .
الحافظ: نحن لا نعلم لذي النورين خلافاً، وإنّما هذا قولكم ومن مزاعم الشيعة ولا دليل عليه!
____________________
١) سورة الإسراء، الآية ٣٤.
٢) سورة الصفّ، الآية ٢ و ٣
قلت: راجعوا شرح النهج - لابن أبي الحديد - ١/١٩٨ ط دار إحياء التراث العربي، فإنَّه قال: وثالث القوم هو عثمان بن عفّان بايعه الناس بعد انقضاء الشورى واستقرار الأمر له، وصحّت فيه فراسة عمر، فإنّه أوطأ بني اُميّة رقاب الناس، وولاّهم الولايات، وأقطعهم القطائع، وافتتحت أفريقية في أيّامه فأخذ الخمس كلّه فوهبه لمروان.
وأعطى عبدالله بن خالد أربعمائة ألف درهم.
وأعاد الحكم بن أبي العاص إلى المدينة، بعد أن كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد سيّره - أي: نفاه من المدينة - ثمّ لم يردّه أبو بكر ولا عمر! وأعطاه مائة ألف درهم.
وتصدّق رسول اللهصلىاللهعليهوآله بموضع سوق بالمدينة - يُعرف بمهزوز - على المسلمين، فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان.
وأقطع مروان فدك، وقد كانت فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله طلبتها بعد وفاة أبيهاصلىاللهعليهوآله تارةً بالميراث، وتارةً بالنحلة، فدُفعت عنها.
وحمى المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلّهم إلّا عن بني اُميّة.
وأعطى عبدالله بن أبي السَّرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح أفريقية بالمغرب، وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة، من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين.
وأعطى أبا سفيان بن حرب(١) مائتي ألف من بيت المال، في اليوم
____________________
١) ربّما يتسائل القارىء: من كان أبو سفيان؟ ولماذا يمنحه عثمان هذا المبلغ من بيت مال المسلمين؟ أكان هذا العطاء من أجل خدمة قدّمها للدين؟! =
الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال، وقد كان زوّجه ابنته اُمّ أبان. فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح، فوضعها بين يدي عثمان وبكى وقال: والله لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيراً!
فقال: ألق المفاتيح يابن أرقم، فإنّا سنجد غيرك!
وأتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة، فقسّمها كلّها في بني اُميّة.
وأنكح الحارث بن الحكم - أخا مروان - ابنتَه عائشة، فأعطاهُ مائة ألف من بيت المال، بعد طرده زيد بن أرقم عن خزانته.
وانضمّ إلى هذه الاُمور، اُمور اُخرى نقمها عليه المسلمون، كتسيير أبي ذرّ رحمه الله تعالى إلى الرّبذة، وضرب عبدالله بن مسعود حتّى كسر أضلاعه، وما أظهر من الحُجّاب، والعدول عن طريقة عمر في إقامة الحدود وردّ المظالم وكفّ الأيدي العادية والانتصاب لسياسة الرعية!
____________________
=
فأنا أنقل قضيّة تاريخية حتّى يعرف القارىء الكريم جواب ما تساءل عنه:
روى ابن أبي الحديد في شرح النهج ٩/٥٣ ط دار إحياء التراث العربي، عن الشعبي، أنّه قال:
فلمّا دخل عثمان رحله - بعدما بويع له بالخلافة - دخل إليه بنو اُميّة حتى امتلأت بهم الدار، ثم أغلقوها عليهم، فقال أبو سفيان بن حرب: أعندكم أحد من غيركم؟
قالوا: لا.
قال: يا بني اُميّة! تلقّفوها تلقّف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان، ما من عذاب ولا حساب، ولا جنّة ولا نار، ولابعث ولاقيامة؟؟
«المترجم»
وخَتْم ذلك ما وجدوهُ من كتابه إلى معاوية يأمره فيه بقتل قوم من المسلمين إلى آخره.
هذا كلام ابن أبي الحديد في عثمان بن عفّان.
وذكَرَ المسعودي في مروج الذهب ٢/ ٣٤١ - ٣٤٣:
فقد بلغت ثروة الزبير خمسين ألف دينار وألف فرس وألف عبد وضياعاً وخططاً في البصرة والكوفة ومصر والإسكندرية، وكانت غلّة طلحة بن عبيدالله(١) من العراق كلّ يوم ألف دينار، وقيل أكثر.
وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف مائة فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف شاه، وبلغ ربع ثمن ماله بعد وفاته أربعة وثمانين ألفاً.
وحين مات زيد بن ثابت خلّف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلّف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار.
ومات يعلي بن منية وخلّف خمسمائة ألف دينار وديوناً وعقارات وغير ذلك ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار.
أمّا عثمان نفسه فكان له يوم قتل عند خازنه مائة وخمسون
____________________
١) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٢/١٦١ ط دار إحياء التراث العربي:
قال أبو جعفر - الطبري، صاحب التاريخ -: وكان لعثمان على طلحة بن عبيدالله خمسون ألفاً، فقال طلحة له يوماً: قد تهيّأ مالك فاقبضه، فقال: هو لك معونة على مروءتك.
وقال ابن أبي الحديد في ج ٩/٣٥: روى أن عثمان قال: ويلي على ابن الحضرمية - يعني: طلحة - أعطيته كذا وكذا بهاراً ذهباً. وهو يروم دمي يحرّض على نفسي.
قال: والبهار: الحِمْل؛ قيل: هو ثلاثمائة رطل بالقبطية.
«المترجم»
ألف دينار وألف ألف[أي: مليون] درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار، وخلّف خيلاً كثيراً وإبلاً.
ثمّ قال المسعودي بعد ذلك: وهذا باب يتّسع ذكره، ويكثر وصفه فيمن تملّك الأموال في أيّامه.
انتهى كلام المسعودي.
هكذا كان عثمان وحاشيته يتسابقون في كنز الذهب والفضة، وجمع الخيل والإبل والمواشي، وامتلاك الاراضي والعقار، في حين كان كثير من المسلمين المؤمنين لا يملكون ما يسدّون به جوعهم ويكسون به أجسامهم.
أكان هذا السلوك يليق بمن يدّعي خلافة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهل كان النبيصلىاللهعليهوآله كذلك؟!
كلاّ وحاشا، ولاشكّ أنّ عثمان خالف طريقة أبي بكر وناقض سيرة عمر أيضاً، وكان هو قد عاهد على أن يسلك سبيلهما.
ذكر المسعودي في مروج الذهب، ج ١، في ذكره سيرة عثمان وأخباره، فقال بالمناسبة: إنّ الخليفة عمر مع ولده عبدالله ذهبا إلى حجّ بيت الله الحرام، فلما رجع إلى المدينة كان ما صرفه في سفره ستّة عشر ديناراً، فقال لابنه: ولدي لقد أسرفنا في سفرنا هذا.
فقايسوا بين تبذير عثمان لأموال المسلمين وكلام عمر بن الخطّاب، وشاهدوا كم الفرق بينهما؟!
توليته بني اُميّة
إنّ عثمان مكّن فسّاق بني اُميّة وفجّارهم من بلاد المسلمين،
وسلّطهم على رقاب المؤمنين وأموالهم(١) ، فاتّخذوا أموال الله دولاً، وعباده خولاً، وسعوا في الأرض فساداً، منهم: عمّه الحكم بن أبي العاص وابنه مروان، وهما - كما نجد في التاريخ - طريدا رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد لعنهما ونفاهما من المدينة إلى الطائف.
الحافظ: ما هو دليلكم على نفي هذين بالخصوص؟
قلت: دليلنا على لعنهما من جهتين، جهة عامة، وجهة خاصّة.
أمّا الجهة العامّة: فهما غصنان من الشجرة الملعونة في القرآن، بقوله تعالى:( ....وَ مَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاکَ إلّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) (٢) .
وقد فسّرها أعلام المفسّرين وكبار المحدّثين، ببني اُميّة، منهم: الطبري والقرطبي والنيسابوري والسيوطي والشوكاني والآلوسي، وابن أبي حاتم والخطيب البغدادي وابن مردويه والحاكم المقريزي والبيهقي وغيرهم، فقد رووا في تفسير الآية الكريمة عن ابن عبّاس أنّه
____________________
١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٩/٢٤ ط دار إحياء التراث العربي:
و روى شيخنا أبو عثمان الجاحظ، عن زيد بن أرقم، قال:
سمعت عثمان و هو يقول لعليّعليهالسلام أنكرتَ عَلَيَّ استعمال معاوية و أنت تعلم أن عمر استعمله!
قال عليٌّعليهالسلام نشدتك الله! ألا تعلم أنّ معاوية كان أطوع لعمر من يَرفأ غلامه! إنّ عمر كان إذا استعمل عاملاً وطئ على صماخه و إنّ القوم ركبوك و غلبوك و استبدّوا بالأمر دونك.
فسكت عثمان!
«المترجم»
٢) سورة الإسراء، الآية ٦٠.
قال الشجرة الملعونة في القرآن هم بنو اُميّة، فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله رأى فيما يراه النائم أنّ عدداً من القردة تنزو على منبره وتدخل محرابه، فلمّا استيقظ من نومه نزل عليه جبرئيل وأخبره: أنّ القردة التي رأيتها في رؤياك إنّما هي بنو اُميّة، وهم يغصبون الخلافة والمحراب والمنبر طيلة ألف شهر(١) .
وأمّا الفخر الرازي فيروي في تفسيره عن ابن عبّاس: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يسمّي من بني اُميّة الحكم بن أبي العاص ويخصّه باللعن.
وأمّا الجهة الخاصّة في لعنهما، فالروايات من الفريقين كثيرة:
أمّا روايات الشيعة فلا أذكرها، وأكتفي بذكر ما نقله كبار علمائكم ومحدّثيكم، منهم: الحاكم النيسابوري في المستدرك ٤/٤٨٧، وابن حجر الهيتمي المكّي في «الصواعق» قال: وصحّحه الحاكم، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ أهل بيتي سيلقون بعدي من اُمّتي قتلاً وتشريداً، وإنّ أشدّ
____________________
١) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٩/٢٢٠ ط دار إحياء التراث العربي قال في تفسير قوله تعالى:( وَ مَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاکَ إلّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ... ) فإنّ المفسّرين قالوا: رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الرؤيا بني اُميّه ينزون على منبره نزو القردة - هذا لفظ رسول اللهصلىاللهعليهوآله الّذي فسّر لهم الآية - فَسَاءَهُ ذلك ثمّ قالصلىاللهعليهوآله :الشجرة الملعونة بنو اُميّة و بنو المغيرة.
و نحوه قولهصلىاللهعليهوآله : إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً اتّخذوا مال الله دولاً، وعباده خولاً.
ورد عنهصلىاللهعليهوآله من ذمِّهم الكثير من المشهور، نحو قولهصلىاللهعليهوآله أبغض الأسماء إلى الله: الحكم وهشام والوليد.
وفي خبر آخر: إسمان يبغضهما الله: مروان والمغيرة
هذا ما أردنا نقله من ابن أبي الحديد.
«المترجم»
قومنا لنا بغضاً بنو اُميّة وبنو المغيرة وبنو مخزوم.
قال: ومروان بن الحكم كان طفلاً، قال له النبيّصلىاللهعليهوآله : وهو الوزغ بن الوزغ، والملعون بن الملعون.
و روى ابن حجر أيضاً، و الحلبي في السيرة الحلبيّة ١/٣٣٧، و البلاذري في أنساب الأشرف ٥/١٢٦، و الحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودّة» و الحاكم في المستدرك ٤/٤٨١، و الدميري في حياة الحيوان ٢/٢٩٩، و ابن عسكر في تاريخه، و محبّ الذين الطبري في «ذخائر العقبى» و غير هؤلاء، كلهم رووا عن عمر بن مرّة الجهني : أنّ الحكم بن أبي العاص استأذن على النبىصلىاللهعليهوآله فعرف صوته. فقال: ائذنوا له، عليه لعنة الله و على من يخرج من صلبه، إلّا المؤمن منهم و قليل ماهم.
ونقل الإمام الفخر الرازي في تفسيره الكبير، في ذيل الآية:( وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ ) أنّ عائشة كانت تقول لمروان: لعن الله أباك وأنت في صلبه. فأنت بعض من لعنه الله!
والمسعودي في مروج الذهب ١/٤٣٥ يقول: مروان بن الحكم طريد رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي أخرجه النبيّصلىاللهعليهوآله ونفاه من المدينة.
إنّ أبا بكر وعمر لم يأذنا له بالرجوع إلى المدينة، ولكنّ عثمان خالف النبيّ والشيخين، فأجاز مروان بالإقامة في المدينة، وزوّجه ابنته اُمّ أبان، ومنحه الأموال، وفسح له المجال حتّى أصبح صاحب الكلمة النافذة في الدولة(١) .
____________________
١) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٣/١٢ نقلاً عن قاضي القضاة عبد الجبّار: حتّى <=
وقال ابن أبي الحديد - نقلاً عن بعض أعلام عصره - إنّ عثمان سلّم عنانه إلى مروان يصرفه كيف شاء، الخلافة له في المعنى ولعثمان في الاسم.
النوّاب: مَن كان الحكم بن أبي العاص؟ ولماذا لعنه النبيّصلىاللهعليهوآله ونفاه من المدينة؟
قلت: هو عمّ الخليفة عثمان، وقد ذكر الطبري وابن الأثير في التاريخ والبلاذري في أنساب الأشراف ٥/١٧: أنّ الحكم بن أبي العاص كان في الجاهلية جاراً لرسول اللهصلىاللهعليهوآله وكان كثيراً ما يؤذي النبيّصلىاللهعليهوآله في مكّة، ثمّ جاء إلى المدينة بعد عام الفتح، وأسلم في الظاهر، ولكنّه كان يسعى لأن يحقّر النبيصلىاللهعليهوآله ويحاول أن يحطّ من شأنه بين الناس. وكان يمشي خلف النبيّصلىاللهعليهوآله ويبدي من نفسه
____________________
=
كان من أمر مروان وتسلّطه عليه [عثمان] وعلى اُموره ما قُتل بسببه وذلك ظاهر لا يمكن دفعه.
وقال في ج ١٠/٢٢٢ نقلاً عن أبي جعفر النقيب أنه كان يقول في عثمان: إنّ الدولة في أيّامه كانت على إقبالها و علوّ جدّها، بل كانت الفتوح في أيّامه أكثر و الغنائم أعظم، لو لا أنّه لم يراع ناموسَ الشيخين و لم يستطع أن يسلك مسلكهما و كان مضَعَّفاً في أصل القاعدة مغلوباً عليه و كثير الحبّ لأهله و اُتيح له من مروان وزير سوء أفسد القلوب عليه و حمل الناس على خلعه و قتله.
وقال ابن ابي الحديد أيضاً في شرح النهج ٩/٢٥ و٢٦ ط دار إحياء التراث العربي،نقلاً عن جعفر بن مكّي الحاجب، عن محمّد بن سليمان حاجب الحجّاب: و كان عثمان مستضعَفاً في نفسه، رخواً، قليل الحزم، واهي العقيدة و سلّم عنانه إلى مروان يصرفه كيف شاء،الخلافة له في المعنى و لعثمان في الإسم
«المترجم»
حركات وإشارات يستهزئ بها برسول اللهصلىاللهعليهوآله ويجرّئ على السخرية منهصلىاللهعليهوآله !!
فدعا عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يبقى على الحالة التي كان عليها، فبقي على حالة غريبة تشبه الجنون، وصار الناس يستهزئون به ويسخرون منه.
فذهب يوماً إلى بيت النبيّصلىاللهعليهوآله ، ولا أعلم ما صدر منه، إلّا أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله خرج وقال: لا يشفّع أحدٌ للحكم!
ثمّ أمرصلىاللهعليهوآله بنفيه مع أولاده وعياله، فأخرجه المسلمون من المدينة، فأقام في الطائف.
ولمـّا ولي أبو بكر الخلافة شفع له عثمان عند الخليفة ليأذن له بالرجوع إلى المدينة، ولكنّه رفض، وبعده شفع له عثمان عند عمر، فرفض، وقتلا: هو طريد رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلا نعيده ولا نأذن له أن يقيم في المدينة.
فلمّا آل الأمر إليه وأصبح هو الخليفة بعد عمر، أعاد الحكم مع أولاده الى المدينة وأحسن إليهم كثيراً ولم يعبأ بمخالفة الصحابة واعتراض المؤمنين، بل منحهم أموال بيت المال، ونصب مروان بن الحكم وزيراً واتخذه مشيراً، فجمع حوله أشرار بني اُميّة وأسند إليهم الأمور والولايات.
فجور واليه في الكوفة
فولّى على الكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو أخو عثمان لأمِّه، وأسمها أروى، وقد صرّح النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه من أهل النار! كما في
رواية المسعودي في مروج الذهب، ج ١، في أخبار عثمان، وكان فاسقاً متجاهراً بالشرور، ومتظاهراً بالفجور.
وذكر أبو الفداء في تاريخه، والمسعودي في مروج الذهب وأبو الفرج في الأغاني ٤/١٧٨، والسيوطي في تاريخ الخلفاء: ١٠٤، الإمام أحمد في المسند ١/١٤٤، والطبري في تاريخه ٥/٦٠، والبيهقي في سننه ٨/٣١٨، وابن الأثير في اُسد الغابة ٥/٩١، وابن أبي الحديد في شرح النهج ٣/١٨ ط. دار احياءً التراث العربي.
هؤلاء وغيرهم من أعلام السّنة ذكروا: أنّ الوليد بن عقبة - والي الكوفة من قِبَل عثمان - شرب الخمر ودخل المحراب سكراناً وصلّى الصبح بالناس أربع ركعات وقال لهم: إنْ شئتم أزيدكم!!
وبعضهم ذكر بأنّه تقيّأ في المحراب، فشمّ الناس منه رائحة الخمر، فأخرجوا من إصبعه خاتمه ولم يشعر بذلك، فشكوه إلى عثمان، فهدّد الشهود وأبى أن يجري الحدّ عليه، فضغط عليه الإمام عليٌّعليهالسلام والزبير وعائشة وغيرهم من الصحابة، حتّى اضطرّ إلى ذلك، فعزله وأرسل سعيد بن العاص مكانه، وهو لا يقلّ عن ذاك في الخمر والمجون والفسق والفجور.
وولّى على البصرة ابن خاله عبد الله بن عامر وعمره خمس وعشرون سنة، وكان معاوية عاملاً لعمر على دمشق والأردن، فضمّ إليه عثمان ولاية حمص وفلسطين والجزيرة(١) .
____________________
١) نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٤/٧٩ ط. دار إحياء التراث العربي، قال:
وروى شيخنا أبو عبد الله البصري المتكلّم رحمه الله، عن نصر بن عاصم =
هؤلاء وأمثالهم ما كانوا من ذوي السابقة في الدين والجهاد في الإسلام، وإنّما كانوا متّهمين في دينهم، بل كان فيهم مثل الوليد بن عقبة الذي أعلن القرآنُ فسقَه كما يحدّثنا المفسِّرون في ذيل الآية
____________________
=
الليثي عن أبيه قال أتيت مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله و الناس يقولون نعوذ بالله من غضب الله و غضب رسوله فقلت ما هذا قالوا معاوية قام الساعة فأخذ بيد أبي سفيان فخرجا من المسجد، فقال رسول الله ص لعن الله التابع و المتبوع ربّ يوم لاُمّتي من معاوية ذي الأستاه - يعني الكبير العجز -.
و قال روى العلاء بن حريز القشيري أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لمعاوية لتتّخذنّ يا معاوية البدعةُ سُنّة و القبح حسناً أكلك كثير و ظلمك عظيم.
وفي صفحتي ٨٠ و ٨١ نقل أبي الحديد عن شيخه، قال:
قال شيخنا أبو القاسم البلخي من المعلوم الذي لا ريب فيه - لاشتهار الخبر به و إطباق الناس عليه - أنّ الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط كان يبغض عليّاً و يشتمه و أنّه هو الذي لاحاهُ في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله و نابذه و قال له أنا أثبت منك جَناناً و أحدّ سِناناً فقال له عليٌّعليهالسلام اسكت يا فاسق فأنزل الله تعالى فيهما:( أَ فَمَنْ کَانَ مُؤْمِناً کَمَنْ کَانَ فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ ) السجدة /١٨.
و سمّي الوليد بحسب ذلك في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله الفاسق فكان لا يُعرف إلا بالوليد الفاسق.
قال: و سمّاه الله تعالى فاسقاً في آية اُخرى و هو قوله تعالى:( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) سورة الحجرات / ٦ و سبب نزولها مشهور.
قال: و كان الوليد مذموماً معيباً عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله يشنؤه و يُعرِض عنه و كان الوليد يبغض رسول اللهصلىاللهعليهوآله و يشنؤه أيضاً،و أبوه عقبة بن أبي معيط هو العدَوّ الأزرق بمكّة و الذي كان يؤذي رسول اللهصلىاللهعليهوآله في نفسه و أهله و فلمّا ظفرصلىاللهعليهوآله به يوم بدر ضرب عنقه و ورث ابنه الوليد الشنآن و البِغضة لمحمّد و أهله، فلم يزل عليهما إلى أن مات.
«المترجم»
الكريمة:( أَ فَمَنْ کَانَ مُؤْمِناً کَمَنْ کَانَ فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ ) (١) .
فالمؤمن عليٌّعليهالسلام والفاسق الوليد.
وقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَکُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (٢) ، وقال المفسّرون في شأن نزولها: إنّ الوليد كذب على بني المصطلق عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله وادّعى أنّهم منعوه الصدقة، ولو قصصنا مخازيه ومساوئه لطال بها الشرح.
وكان المسلمون - أعيانهم وعامّتهم - يراجعون عثمان في شأن هؤلاء الولاة من أقاربه ويطلبون منه عزلهم فلا يعزلهم، ولا يسمع فيهم شكاية كارهاً، وربّما ضرب الشاكين وأخرجهم من المجلس بعنف!
أسباب الثورة
إنّ من أهمّ أسباب الثورة على عثمان، سيرته المخالفة لسير النبيصلىاللهعليهوآله وسيرة الشيخين، فلو كان يسعى ليغيّر سيرته الخاطئة ويصلح الاُمور ويعمل بنصيحة الناصحين، أمثال الامام عليّعليهالسلام وابن عبّاس، لكان الناس يهدؤون والمياه ترجع إلى مجاريها الطبيعية(٣) ، ولكنّه اغترّ
____________________
١) سورة السجد، الآية ١٨.
٢) سورة الحجرات، الآية ٦.
٣) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٢/١٥١ و ١٥٢ نقلاً عن تاريخ الطبري:
و كان عثمان قد استشار نصحاءه في أمره فأشاروا أن يرسل إلى عليّعليهالسلام يطلب إليه أن يردّ الناس و يعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتّى تأتيه الأمداد.
فقال إنّهم لا يقبلون التعليل و قد كان منّي في المرّة الاُولى ما كان. <=
بكلام حاشيته وحزبه من بني اُميّة حتّى قُتل، وقد كان عمر بن الخطّاب تنبّأ بذلك، لأنّه عثمان مدّة طويلة، وعرف أخلاقه وسلوكه كما يقول ابن أبي الحديد في شرح النهج ١/١٨٦ ط. دار إحياء التراث العربي قال:
في قصّة الشورى فقال عمر: أفلا اُخبركم عن أنفسكم؟!..
ثمّ أقبل على عليٍّعليهالسلام فقال: لله أنت! لولا دعابة فيك! أما والله
____________________
=
فقال مروان أعطهم ما سألوك و طاولهم ما طاولوك فإنّهم قوم قد بغوا عليك و لا عهد لهم.
فدعا عليّاُعليهالسلام و قال له قد ترى ما كان من الناس و لستُ آمنهم على دمي، فارددهم عنّي فإنّي أعطيهم ما يُريدون من الحق من نفسي و من غيري.
فقال عليٌّعليهالسلام : إنّ الناس إلى عدلك أحوجُ منهم إلى قتلك و إنّهم لا يرضون إلا بالرضا، و قد كنت أعطيتهم من قَبْلُ عهداً فلم تفِ به فلا تغرّر في هذه المرّة فإنّي معطيهم عنك الحقّ.
قال أعطهم فو الله لأفِيَنَّ لهم...
فقال عليعليهالسلام : أمّا ما كان بالمدينة فلا أجل فيه و أمّا ما غاب فأجلهُ وصولُ أمرك.
قال نعم فأجّلني فيما بالمدينة ثلاثة أيّام.
فأجابه إلى ذلك و كتب بينه و بين الناس كتاباً على ردّ كلِّ مظلمة و عزل كلّ عامل كرهوه فكفّ الناس عنه.
و جعل يتأهَّب سرّاً للقتال و يستعدّ بالسلاح و اتّخذ جنداً فلمّا مضت الأيّام الثلاثة و لم يغيّر شيئاً ثار عليه الناس ....إلى آخره.
«المترجم»
لئن وليتهم لتحملنّهم على الحقّ الواضح، والمحجّةِ البيضاء.
ثمّ أقبل على عثمان، فقال: هيهاً إليك! كأنّي بك قد قَلَدَتْك قريش هذا الأمر لحبّها إيّاك، فحملتَ بني اُميّة وبني أبي مُعيط على رقاب الناس، وآثرتهم بالفيء، فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحاً إلى آخره.
وقال في ج ٢/١٢٩: وأصحّ ما ذكر في ذلك ما أورده الطبري في تاريخه، حوادث سنة ٣٣ - ٣٥، وخلاصة ذلك: أنّ عثمان أحدث أحداثاً مشهورة نقمها الناس عليه، من تأمير بني اُميّة، ولا سيّما الفسّاق منهم وأرباب السَّفه وقلّة الدين، وإخراج مال الفيء إليهم، وما جرى في أمر عمّار بن ياسر وأبي ذرّ وعبد الله بن مسعود، وغير من الأمور التي جرت في أواخر خلافته.
وراجعوا التاريخ حول أبي سفيان وبنيه، وهو من زعماء بني اُميّة، وانظروا إلى ما نقله الطبري في تاريخه، فقد قال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله رأى أبو سفيان مقبلاً على حماره ومعاوية يقوده ويزيد بن أبي سفيان يسوق بالحمار، فقالصلىاللهعليهوآله : «لعن الله الراكب والقائد والسائق».
وبالرغم من ذلك نجد في التاريخ أنّ عثمان أكرمه وأعطاه أموالاً كثيرة، وكان له عند الخليفة مقاماً وجاهاً عالياً، وهو الذي أنكر القيامة والمعاد في مجلس عثمان، فارتدّ عن الإسلام، وكان على الخليفة أن يأمر بقتله، لأنّ المرتدّ جزاؤه القتل، ولكنّه تغاضى عنه واكتفى بإخراجه!
فأنصفوا وفكّروا! لماذا كان عثمان يكرم أبا سفيان المرتدّ، ويؤوي
طريد رسول اللهصلىاللهعليهوآله الحكم بن أبي العاص وابنه مروان ويقرّبهم ويمنحهم الأموال الكثيرة من بيت مال المسلمين، ويسند إليهم وإلى أبنائهم الولايات والإمارات، وهم الّذين لعنهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الملأ العامّ، وقد سمعه المسلمون وهو يفسّر الشجرة الملعونة في القرآن ببني اُميّة؟!
لماذا كان عثمان يتّخذ مروان وأمثاله ونظراءه أولياء من دون الله تعالى ويركن إليهم ويعمل برأيهم، بل أسند إليهم إدارة الدولة حتّى تكون آلة لهم ومطيّة لأغراضهم الإلحادية وأهدافهم الجاهلية؟!
فلقائل أن يقول: إنّما كان عثمان يقصد من وراء أعماله التي ذكرنا طرفاً منها تمهيد السبيل للانقلاب الذي أخبر الله سبحانه في كتابه بقوله:( وَ مَا مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِکُمْ ) (١) .
موقف عليٍّعليهالسلام
لقد كان موقف الإمام عليّعليهالسلام في الفتنة موقف الناصح المصلح، والتاريخ يشكر له مواقفه السليمة، وأنا أنقل لكم الآن بعض كلامه في هذا الشأن من «نهج البلاغة» حتّى تعرفوا نيّاته الطيّبة ومساعيه الخيّرة.
قالوا: لمـّا اجتمع الناس إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وشكوا إليه ما نقموه على عثمان، وسألوه مخاطبته واستعتابه لهم،
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ١٤٤.
فدخلعليهالسلام على عثمان فقال:
إنّ الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم، والله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئاً تجهَله، ولا أدلّك على أمرٍ لا تعرفه!
إنّك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيءٍ فنخبرك عنه، ولا خَلَونا بشيءٍ فنبلّغكه، و قد رأيتَ كما رأينا، و سمعت كما سمعنا، و صحبت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله كما صحبنا، و ما ابن أبي قحافة و لا ابن الخطّاب بأولى بعمل الحقّ منك، و أنت أقرب إلى رسول اللّهصلىاللهعليهوآله وشيجة رحم منهما، و قد نلت من صهره ما لم ينالا، فاللّه اللّه في نفسك فإنّك و اللّه ما تُبصَّر من عميً و لا تُعلّم من جهل، و إنّ الطّرق لواضحة و إنّ أعلام الدّين لقائمة.
فاعلم أنّ أفضل عباد اللّه عند اللّه إمام عادل هُدي و هدى، فأقام سُنّة معلومة و أمات بدعة مجهولة، و إنّ السُننَ لَنيّرة لها أعلام، و إنّ البدع لظاهرة لها أعلام، و إنّ شرّ النّاس عند اللّه إمام جائر ضَلّ و ضُلّ به، فأمات سُنّة مأخوذة و أحيا بدعة متروكة، و إنّي سمعت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله يقول يُؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر و ليس معه نصير و لا عاذر فيُلقى في نار جهنّم فيدور فيها كما تدور الرّحى، ثمّ يرتبط في قعرها.
و إنّي أنشدك اللّه أن تكون إمامَ هذه الاُمّة المقتول!
فإنّ كان يقال يقتل في هذه الاُمّة إمام يفتح عليها القتل و القتال إلى يوم القيامة، و يُلبس اُمورَها عليها و يبثّ الفتن فيها فلا يبصرون الحقّ من الباطل يموجون فيها مَوْجاً و يمرجون فيها مَرْجاً.
فلا تكونَنَّ لمروان سَيِّقةً حيث شاء بعد جُلال السنّ و تقضّي
العُمر(١) .
فقال له عثمان كلّم النّاس في أن يؤجّلوني حتّى أخرج إليهم من مظالمهم.
فقالعليهالسلام : ما كان بالمدينة فلا أجل فيه، و ما غاب فأجَلهُ وصول أمرك إليه.
ولكنّ عثمان شاور مروان في ما طلبه عليٌّعليهالسلام من قِبلَ الناس، فأشار عليه بالمخالفة، فخرج عثمان وخطب الناس وقال في ما قال:
فاجترأتم عَلَيَّ، أما والله لأنا أقرب ناصراً، وأعزّ نفراً، وأكثر عوداً، وأحرى إن قلتُ: «هلمّ» أن يجاب صوتي.
ولقد أعددت لكم أقراناً، وكشّرت لكم عن نابي، وأخرجتم منّي خُلقاً لم أكن اُحسنه، ومنطقاً لم أكن أنطق به إلى آخره.
فهاج الناس ولم يرضوا من كلامه، فاشتدّ البلاء حتّى وقع ما وقع.
موقف الصحابة من عثمان
وأمّا صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله فأكثرهم تألّبوا على عثمان وقاموا في
____________________
١) ذكره الطبري أيضاً في تاريخه ٤/٣٣٧.
أقول: ونقل، عن أبي الحديد في شرح النهج ٩/٢٣، قال وروي أبو سعد الآبي في كتابه «نثر الدرر في المحاضرات» أنّ عثمان لمـّا نقم الناس عليه ما نقموا، قام متوكِّئاً على مروان فخطب الناس
فذكر بعض ما ذكره الطبري وزاد:
إنِّي لأقرب ناصراً، وأعزّ نفراً، فمالي لا أفعل في فضول الأموال ما أشاء؟!
«المترجم»
وجهه ينهونه عن أعماله التعسّفية، وتصرّفه بغير حقّ في الأمور المالية وانحيازه لبني اُميّة.
وقد ذكر الطبري(١) : أنّ نفراً من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله تكاتبوا، فكتب بعضهم إلى بعض أنْ أقدموا، فإنّ الجهاد بالمدينة لا بالروم.
واستطال الناس على عثمان، ونالوا منه، وذلك في سنة أربع وثلاثين، ولم يكن أحدٌ من الصحابة يذبّ عنه ولا ينهى، إلّا نفرٌ منهم: زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسّان بن ثابت.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٢/١٣٤ ط. دار احياء التراث العربي:
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى: ثمّ إنّ سعيد بن العاص قدم على عثمان سنة إحدى عشرة من خلافته فلمّا دخل المدينة اجتمع قوم من الصحابة فذكروا سعيداً و أعماله و ذكروا قرابات عثمان و ما سوغهم من مال المسلمين و عابوا أفعال عثمان.
فأرسلوا إليه عامر بن عبد القيس - و كان متألّهاً و اسم أبيه عبد الله و هو من تميم ثمّ من بني العنبر - فدخل على عثمان فقال له: إنّ ناساً من الصحابة اجتمعوا و نظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبتَ اُموراً عظيمة فاتّقِ الله و تب إليه
فقال عثمان: انظروا إلى هذا تزعم الناس أنّه قارئ ثمّ هو يجي ء إليّ فيكلّمني في ما لا يعلمه! و الله ما تدري أين الله!
____________________
١) نفس المصدر.
فقال عامر: بلى و الله إنّي لأدري إنّ الله لبالمرصاد!
فأخرجه عثمان.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٢/١٤٤: و روى أبو جعفر [ الطبري ] قال: كان عمرو بن العاص شديدَ التحريض و التأليب على عثمان.
وقال في صفحة ١٤٩: قال أبو جعفر [ الطبري ]: إنّ عثمان مرّ بجبلة بن عمرو الساعدي، و هو في نادي قومه، و في يده جامعة فسلّم فردّ القوم عليه، فقال جبلة: لِمَ تردّون على رجل فعل كذا و فعل كذا؟! ثمّ قال لعثمان: و الله لأطرحنّ هذه الجامعة في عنقك أو لتتركنّ بطانتك هذه الخبيثة مروان و ابن عامر و ابن أبي السِّرح فمنهم مَن نزل القرآن بذمّه و منهم من أباح رسول اللهصلىاللهعليهوآله دمَه.
وقال: قيل: إنّه خطب يوماً و بيده عصا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله و أبو بكر و عمر يخطبون عليها فأخذها جَهْجَاه الغفاريّ من يده، و كسرها على ركبته فلمّا تكاثرت أحداثه و تكاثر طمعُ الناس فيه كتب جمعٌ من أهل المدينة من الصحابة و غيرهم إلى من بالآفاق إن كنتم تريدون الجهاد فهلمّوا إلينا فإنّ دين محمّدصلىاللهعليهوآله قد أفسده خليفتكم فاخلعوه فاختلفتْ عليه القلوب و جاء المصريون و غيرهم إلى المدينة حتّى حدث ما حدث.
ونقل أبن أبي الحديد في شرح النهج ٢/١٦١: قال أبو جعفر [ الطبري ]: و كان لعثمان على طلحة بن عبيد الله خمسون ألفاً، فقال طلحة له يوماً: قد تهيأ مالك فاقبضه، فقال: هو لك معونة على مروءتك.
فلمّا حُصر عثمان، قال عليٌّعليهالسلام لطلحة: أنشدك الله إلا كففتَ عن عثمان!
فقال: لا و الله حتّى تعطيَ بنو اُميّة الحقّ من أنفسها.
فكان عليٌّعليهالسلام يقول: لحا الله ابن الصعبة! أعطاه عثمان ما أعطاه و فعل به ما فعل!
ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج ٩/٣ عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب «أخبار السقيفة» بسنده عن أبي بن كعب الحارثيّ، في رواية مفصّلة، إلى أن قال في صفحة ٥: فتبعته [ أي: عثمان ] حتّى دخل المسجد، فإذا عمّار جالس إلى سارية، و حوله نفر من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله يبكون، فقال عثمان: يا وثّاب! عَليَّ بالشرط فجاءوا، فقال: فرّقوا بين هؤلاء ففرّقوا بينهم.
ثمّ اُقيمت الصلاة فتقدّم عثمان فصلّى بهم، فلمّا كبّر قالت امرأة من حجرتها: يا أيّها الناس ثمّ تكلّمت و ذكرت رسول اللهصلىاللهعليهوآله و ما بعثه الله به، ثمّ قالت تركتم أمر الله و خالفتم عهده و نحو هذا ثمّ صمتت، و تكلّمت امرأة اُخرى بمثل ذلك فإذا هما عائشة و حفصة.
قال: فسلّم عثمان، ثمّ أقبل على الناس و قال إنّ هاتين لَفتّانتان يحلّ لي سبُّهما و أنا بأصلهما عالم.
فقال له سعد بن أبي وقّاص أ تقول هذا لحبائب رسول اللهصلىاللهعليهوآله !
فقال: و فيمَ أنت و ما هاهنا؟!
ثمّ أقبل نحو سعد عامداً ليضربَه فانسلّ سعد فخرج من المسجد، فاتّبعه عثمان فلقيَ عليّاًعليهالسلام بباب المسجد، فقال لهعليهالسلام : أين تريد؟
قال: اُريد هذا الذي كذا و كذا - يعني سعداً يشتمه - فقال له عليٌّعليهالسلام : أيّها الرجل دع عنك هذا.
قال: فلم يزل بينهما كلام حتّى غضبا، فقال عثمان أ لست الذي خلّفك رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم تبوك؟!
فقال عليٌّعليهالسلام : أ لستَ الفارّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم اُحد؟!
قال: ثمّ حجز الناس بينهما.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٩/٣٥ و ٣٦: و روى الناس الّذين صنّفوا في واقعة الدار أنّ طلحة كان يوم قُتل عثمان مقنّعاً بثوب قد استتر به عن أعين الناس يرمي الدار بالسهام.
و رووا أيضاً انه لمـّا امتنع على الذين حصروه الدخول من باب الدار حملهم طلحة الى دار لبعض الأنصار فأصعدهم الى سطحها و تسوروا منها على عثمان داره فقتلوه.
و رووا أيضاً: أنّ الزبير كان يقول: اقتلوه فقد بدّل دينكم.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٣/٢٧ و ٢٨: و روى شعبة بن الحجّاج عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: قلت له: كيف لم يمنع أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن عثمان؟!
فقال إنّما قتله أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
قال: و رويَ عن أبي سعيد الخدري، أنّه سُئل عن مقتل عثمان : هل شهده أحدٌ من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟
فقال: نعم، شهده ثمانمائة!
قال: و هذا عبد الرحمن بن عوف و هو عاقد الأمر لعثمان و جالبه إليه و مصيّره في يده، يقول - على ما رواه الواقدي و قد ذُكر له عثمان في مرضه الذي مات فيه -: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه، فَبلغَ ذلك عثمان، فبعث إلى بئر كان عبد الرحمن يسقي منها نَعَمه فمنع منها و وصّى عبد الرحمن إلّا يصلّي عليه عثمان، فصلّى عليه
الزبير - أو سعد بن أبي وقّاص - و قد كان حلف لمـّا تتابعت أحداث عثمان إلّا يكلّمه أبداً.
قال: و روى الواقدي، قال: لمـّا توفّي أبو ذرّ بالربذة، تذاكر أميرُ المؤمنينعليهالسلام وعبد الرحمن فِعلَ عثمان، فقال أمير المؤمنينعليهالسلام له: هذا عملك! فقال عبد الرحمن: فإذا شئت فخذ سيفك و آخذ سيفي إنّه خالف ما أعطاني.
وقال في شرح النهج ٣/٥٠ و ٥١: و قد روي من طرق مختلفة و بأسانيد كثيرة أنّ عماراً كان يقول: ثلاثة يشهدون على عثمان بالكفر و أنا الرابع و أنا شرّ الأربعة( ...وَ مَنْ لَمْ يَحْکُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولٰئِکَ هُمُ الْکَافِرُونَ ) (١) و أنا أشهد أنّه قد حكم بغير ما أنزل الله.
وقال: و روي عن زيد بن أرقم من طرق مختلفة أنّه قيل له بأيّ شيءٍ كفَّرتم عثمان؟
فقال: بثلاث: جعل المال دُولة بين الأغنياء و جعل المهاجرين من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله بمنزلة من حارب الله و رسوله و عمل بغير كتاب الله.
موقف عثمان من صحابة النبيّصلىاللهعليهوآله المقرّبين
ومن أسباب ثورة المسلمين على عثمان وقتله، إيذاؤه بعض الصحابة المقرّبين إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله والمكرّمين لديه، وما كان لهم جرم سوى إنّهم كانوا ينهونه عن المنكر ويأمرونه بالمعروف، منهم:
____________________
١) سورة المائدة، الآية ٤٤.
عبد الله بن مسعود، وهو الحافظ لكتاب الله، والكاتب الضابط للقرآن الكريم على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وكان يحظى عند النبيصلىاللهعليهوآله وعند الشيخين باحترام وافر.
وذكر ابن خلدون في تاريخه أنّ عمر بن الخطّاب في أيّام خلافته وحكومته كان يقرّب عبد الله بن مسعود ولا يفارقه أبداً، لأنّه كان ذا اطّلاع كامل على القرآن، وقد روى المحدّثون أحاديث كثيرة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حقّه، ذكرها ابن أبى الحديد أيضاً في شرح النهج.
وذكر المؤرّخون: أنّ عثمان لمـّا أراد أن يجمع المصاحف أمر بأخذ النسخ الموجودة عند الأصحاب، ومنها النسخة التي كانت عند عبد الله بن مسعود، اذ كان من كتّاب الوحي ومحلّ ثقة النبيصلىاللهعليهوآله ، ولكنّ ابن مسعود أبا أن يعطيه نسخته، فذهب عثمان بنفسه إلى بيت ابن مسعود وأخذ نسخته قهراً، فلمّا سمع ابن مسعود أنّ نسخته اُحرقت مع سائر النسخ، حزن حزناً شديداً وكان حينذاك بالكوفة، فبدأ يطعن في عثمان، ويكشف السّتار عن أعماله المخالفة لسُنّة النبيّ والقرآن وسيرة الشيخين.
وكان الجواسيس يخبرون الوليد بن عقبة والي الكوفة، فكتب فيه الوليد إلى عثمان، فأمره أن يبعثه إلى المدينة.
وقال ابن أبى الحديد في شرح النهج ٣/٤٣ - عن الواقدي وغيره -: إنّ ابن مسعود دخل المدينة ليلة جمعة، فلمّا علم عثمان بدخوله قال: أيّها الناس إنّه قد طرقكم الليلة دويبة، مَن تمشي على طعامه يقيء و يسلح.
فقال ابن مسعود: لستُ بدويبة، و لكنّي صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يوم بدر، و صاحبه يوم اُحد، و صاحبه يوم بيعة الرضوان، و صاحبه يوم الخندق، و صاحبه يوم حنين.
و صاحت عائشة: يا عثمان! أ تقول هذا لصاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟!
فقال عثمان: اسكتي، ثمّ قال لعبد الله بن زمعة بن الأسود: أخرجه إخراجاً عنيفاً!
فأخذه ابن زمعة، فاحتمله حتّى جاء به باب المسجد، فضرب به الأرض، فكسر ضلعاً من أضلاعه.
فقال ابن مسعود: قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان.
و في رواية: أنّ ابن زمعة كان مولىً لعثمان، أسود مسدماً طوّالاً.
وقال ابن أبى الحديد في صفحة ٤٤: وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظيّ: أنّ عثمان ضرب إبن مسعود أربعين سوطاً، لأنّه قام بتجهيز أبي ذرّ الغفاري ودفنه.
قال: وهذه قصّة اُخرى، ثمّ يذكرها بالتفصيل.
أقول: الله أكبر! وهل دفن مؤمن كأبي ذرّ، يستوجب التعزيز والتعذيب؟!
وقال ابن أبي الحديد في صفحة ٤٢ و ٤٣: و لمـّا مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه أتاه عثمان عائداً.
فقال: ما تشتكي؟
فقال: ذنوبي.
قال: ما تشتهي؟
قال: رحمة ربّي.
قال: أ لا أدعو لك طبيباً؟
قال: الطبيب أمرضني.
قال: أ فلا آمر لك بعطائك؟
قال: منعتنيه و أنا محتاج إليه و تعطينيه و أنا مستغنٍ عنه!
قال: يكون لولدك.
قال: رزقهم على الله تعالى.
قال: استغفر لي يا أبا عبد الرحمن.
قال: أسأل الله أن يأخذ لي منك حقّي!
وقال ابن أبي الحديد في صفحة ٤٢: وقد روي عنه أيضاً من طرق لا تحصى كثيرة، أنّه كان يقول: ما يزن عثمان عند الله جناح ذباب.
قال ابن أبي الحديد: وتعاطي ما روي عنه في هذا الباب يطول، و هو أظهر من أن يحتاج إلى الاستشهاد عليه، و إنّه بلغ من إصرار عبد الله على مظاهرته بالعداوة، أن قال لمـّا حضره الموت: من يتقبّل منّي وصيّة اُوصيه بها على ما فيه؟
فسكت القوم و عرفوا الذي يريد.
فأعادها، فقال عمار بن ياسر رحمه الله تعالى: أنا أقبلها.
فقال ابن مسعود: إلّا يصلّي علَيَّ عثمان.
قال: ذلك لك.
فيقال: إنّه لمـّا دفن جاء عثمان منكِراً لذلك، فقال له قائل: إنّ عماراً وَلِيَ الأمر.
فقال لعمار: ما حملك على أنْ لم تُؤذِنّي؟!
فقال: عهد إليَّ إلّا اُؤذنك.
فوقف على قبره و أثنى عليه. ثمّ انصرف و هو يقول: رفعتم و الله أيديكم عن خير من بقي.
فتمثل الزبير بقول الشاعر:
لا ألفِينَّكَ بعد الموت تندبني |
وفي حياتي ما زوّدتني زادي |
إيذاؤه عمّار بن ياسر
ومن أعمال عثمان الثابتة عليه، ولم ينكره أحد من المؤرّخين، وهو خلاف العدل والرحمة، وظلم ظاهر، لم يرضَ به المؤمنون، ولو كان أبو بكر وعمر حيّين لأنكرا عليه وانتقما منه:
ضربه وإيذاؤه عمّار بن ياسر، الصحابي الجليل الذي قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «عمّار ملئ إيماناً من قرنه إلى قدميه». وشهد له ولأبويه بالجنّة، بل قالصلىاللهعليهوآله : إنّ الجنّة تشتاق إليه.
وكان السبب في ضربه اُموراً، منها كما نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج ٣/٥٠ قال: و روى آخرون أنّ السبب في ذلك أنّ عثمان مرّ بقبر جديد، فسأل عنه، فقيل: عبد اللّه بن مسعود، فغضب على عمّار لكتمانه إيّاه موته، إذ كان المتولّي للصلاة عليه و القيام بشأنه، فعندها وطئ عثمان عمّارا حتّى أصابه الفتق.
قال ابن أبي الحديد في صفحة ٥٠: و روى آخرون، أنّ المقداد و عمّاراً و طلحة و الزبير و عدّة من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله كتبوا كتاباً، عدّدوا فيه أحداث عثمان و خوّفوه به و أعلموه أنّهم مواثبوه إنْ لم يُقلع.
فأخذ عمّار الكتاب فأتاه به، فقرأ منه صدراً ثمّ قال له: أعلَيَّ تقدم من بينهم!
فقال: لأنّي أنصحهم لك.
قال: كذبت يا ابن سميّة!
فقال: أنا و الله ابن سميّة و ابن ياسر.
فأمر عثمان غلماناً له، فمدّوا بيديه و رجليه، ثمّ ضربه عثمان برجليه - و هي في الخفين - على مذاكيره، فأصابه الفتق و كان ضعيفاً كبيراً فغشي عليه.
قال ابن أبي الحديد في صفحة ٤٩: ثمّ اُخرج فحمل حتّى اُتي به منزل أمّ سلمة (رضي الله عنها)، فلم يصلّ الظهر والعصر والمغرب، فلمّا أفاق توضّأ وصلّى.
ومَن أحبّ التفصيل، فليراجع مروج الذهب ١/٤٣٧، وشرح النهج - لابن أبي الحديد - الجزء الثالث، طبع دار إحياء التراث العربي.
إيذاؤه أبا ذرّ الغفاري
ومن أسباب ثورة المسلمين على عثمان، إيذاؤه أبا ذرّ ونفيه إلى الشام، لكنّ أبا ذر لم يسكت، بل كان يتكلّم في مظالم عثمان ومآثم معاوية بن أبي سفيان، عامله على الشام، فكتب معاوية إلى عثمان يخبره عن كلام أبي ذرّ، فطلبه عثمان واستردّه إلى المدينة، فلما وصل إليها، نفاه إلى الرَّبذة مع عياله، فبقي هناك حتّى وافاه الأجل، فمات مقهوراً، مغلوباً على أمره، وخلّف ابنته الوحيدة فريدة من غير وال
وحامٍ في ذلك المكان الموحش.
وذكر إساءة عثمان وإيذاؤه لأبي ذرّ، صحابي رسول الله كثيرٌ من أعلامكم، منهم: ابن سعد في طبقاته ٤/١٦٨، والبخاري في صحيحه في كتاب الزكاة.
وابن أبي الحديد في شرح النهج ٣/٥٤ - ٥٨، واليعقوبي في تاريخه ٢/١٤٨، والمسعودي في مروج الذهب ١/٤٣٨، وغيرهم من المؤرّخين فقد ذكروا تفصيل معاملة عثمان السيّئة، وكذلك عمّاله المجرمين وإساءتهم لأبي ذرّ الطيّب الصادق، صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
حتّى إنّ عثمان أهان الإمام عليّاًعليهالسلام لأنّه شايع أبا ذرّ حين تبعيده إلى الربذة، فخرج لتوديعه مع الحسنينعليهالسلام ، وذكروا كذلك أنّ عثمان ضرب عبد الله بن مسعود أربعين سوطاً لأنّه تولّى دفنَ أبي ذرّ عليه الرحمة(١) .
____________________
١) قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج ٣/٤٤ ط. بيروت دار إحياء التراث العربي:
و قد روى محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القُرطي، أنّ عثمان ضرب ابن مسعود أربعين سوطاً في دفنه أبا ذرّ! و هذه قصّة أخرى، و ذلك أنّ أبا ذرّ رحمه الله تعالى، لمـّا حضرته الوفاة بالرَّبذة، و ليس معه إلّا امرأته و غلامُه، عَهِد إليهما أن غسِّلاني ثمّ كفّناني، ثمّ ضعاني على قارعة الطريق، فأوّل ركب يمرّون بكم قولا لهم هذا أبو ذرّ صاحب رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، فأعينونا على دفنه، فلمّا مات فعلا ذلك.
و أقبل ابن مسعود في ركب من العراق معتمرين، فلم يرعْهُم إلّا الجنازة على قارعة الطريق قد كادت الإبل تطؤها، فقام إليهم العبد، فقال: هذا أبو ذرّ صاحب رسول اللّهصلىاللهعليهوآله فأعينونا على دفنه.
فأنهلّ ابن مسعود باكياً، و قال صدق رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، قال تمشي وحدك، و تموت وحدك، و تُبعث وحدك.
ثمّ نزل هو و أصحابه فواروْه.
«المترجم»
الحافظ: إيذاء أبي ذرّ عليه الرحمة ونفيه لم يصدر من عثمان، وإنّما كان بأمر بعض عمّاله ومن غير علمه، وإلّا فإنّ عثمان أجلّ من هذه الأعمال، والمشهور أنّه كان رحيماً شفيقاً يحمل بين جنبيه قلباً رقيقاً.
قلت: إنّ كلامك هذا خلاف الواقع، وقد صدر من غير تحقيق، فإنّ التاريخ يؤكِّد أنّ الأوامر الصادرة في تبعيد أبي ذر إنّما كانت من نفس عثمان إلى عماله، وهم قاموا بكلّ ما فعلوا، تنفيذاً لأوامره!
وإذا أردت أن تعرف حقيقة الأمر، فراجع تاريخ اليعقوبي ١/٢٤١، وشرح النهج لابن أبي الحديد ٣/٥٥، وغيرهما، فقد سجّلوا كتاب عثمان إلى معاوية - وهو عامله على الشام - فقد كتب فيه: أمّا بعد فاحمل جندباً إليَّ على أغلظ مركب وأو عره.
فوجّه به مع مَن سار به الليل والنهار، وحمله على شارف ليس عليها إلّا قتب، حتّى قدم به المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد.
فبالله عليكم أنصفوا! هل هذا معنى الرحمة والرَّأفة مع شيخ كبير طاعن في السنّ كأبي ذرّ رحمة الله تعالى!!(١) .
____________________
١) كان أبو ذرّ عليه الرحمة رجلاً صريحاً يجهر بالحقّ ولا يسكت على الباطل. فكان ينكر على عثمان تصرّفه في بيت المال وإعطاءه أموال المسلمين لمن لا يستحقّ، فكان يتلو قول الله تعالى:( ...وَ الَّذِينَ يَکْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (سورة التوبة، الآية ٣٤) فأرسل عثمان نائلاً مولاه إلى أبي ذرّ: أن انته عمّاً يبلغني عنك!
فقال: أينهاني عثمان عن تلاوة كتاب الله، وعَيْبِ مَن تَرَكَ أمرَ الله! فوالله لئن اُرضي الله بسخط عثمان أحبّ إليّ وخير لي من أن أسخط اللهَ برضاه. =
ولا أدري لِمَ استحقّ هذا الرجل الكريم ذلك الظلم العظيم؟!
وكيف نسي عثمان منزلة أبي ذرّ ورتبته السامية عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟
وكيف نسي حديث النبيّصلىاللهعليهوآله في حقّه حين أعلمَ المسلمين فقالصلىاللهعليهوآله : إنّ الله أمرني بحبّ أربعة، وأخبرني أنّه يحبّهم.
قالوا: يا رسول الله! ومَن هم؟
قالصلىاللهعليهوآله : عليٌّ منهم - ثلاثاً - ثمّ قال: وأبو ذرّ ومقداد وسلمان.
ذكر هذا الحديث من أعلامكم، منهم: الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء ١/١٧٢، وابن ماجة في السنن ١/٦٦، والحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودّة: الباب ٥٩، وابن حجر المكّي في «الصواعق المحرقة» الحديث الخامس من الأربعين حديثاً في فضل الإمام عليّعليهالسلام عن الترمذي والحاكم، وابن حجر العسقلاني في الإصابة ٣/٤٥٥،
____________________
=
فأغضب عثمان ذلك، ونفاه إلى الشام، فكان ابوذرّ في الشام، ينكر على معاوية أشياء يفعلها، فبعث إليه معاوية ثلاثمائة دينار، فقال أبو ذرّ: إنْ كانت هذه من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها، وإنْ كانت صلة فلا حاجة لي فيها، وردّها عليه.
وبنى معاوية الخضراء بدمشق، فقال أبو ذرّ: يا معاوية، إنْ كانت هذه من مال الله فهي الخيانة وإنْ كانت من مالك فهو الإسراف.
قال ابن ابي الحديد في ٣/٥٥: و كان أبو ذرّ يقول و الله حدثتْ أعمال ما أعرفها و الله ما هي في كتاب الله و لا سُنّة نبيّه و الله إنّي لأرى حقّا يُطفأ و باطلاً يُحيا و صادقاً مكذّباً و أثرةً بغير تقىً و صالحاً مستأثراً عليه.. إلى آخره.
«المترجم»
والترمذي في صحيحه ٢/٢١٣، وابن عبد البرّ في الاستيعاب ٢/٥٥٧، والحاكم في المستدرك ٣/١٣٠، والسيوطي في «الجامع الصغير» وغير هؤلاء من علماؤكم الموثوقين لديكم.
فهل النبيصلىاللهعليهوآله يعذر عثمان؟! هل يعذره في تلك المعاملات السيّئة التي عامل بها حبيبه وصاحبه أبا ذرّ الذي أمره الله تعالى بحبه؟!!
هل هذه الأعمال البربرية، تصدر من ذي رحمة ورأفة، أم ذي صلابة وقسوة؟!!
الحافظ: إنّما لاقى أبو ذر عقاب أعماله! لأنّه كان في الشام يدعو الناس لعليٍّ كرّم الله وجهه، وكان يقول علانية: بأنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: «عليٌّ خليفتي فيكم» فكان يعرّض بعثمان والشيخين، بأنّهم غصبوا الخلافة من عليّ بن أبي طالب، فكان بهذه الكلمات يوقع الخلاف بين المسلمين في الشام، فيشتّت آراءهم بعد أن كانوا على رأي واحد، والخليفة المسؤول على حفظ الدين ووحدة الكلمة واتّحاد المسلمين، ولم يكن بُدٌّ لعثمان من طلب إرجاعه إلى المدينة، ليجعله تحت نظره ويراقب أمره.
قلت:
أوّلاً: كان في المدينة تحت نظره ولكن أبعده إلى الشام ثمّ استردّه إلى المدينة!
ثانياً: وهل الإسلام يخالف بيان الحقّ؟!
وهل من العدل والدين أنّ مَن صدع بالحقّ يجب أن ينفى ويُعذّب حتّى يموت صبراً؟!!
ثالثاً: وعلى فرض أن يكون من حقّ الخليفة أن يجعل من يحبّ تحت نظره ويراقب أموره، فهل من حقّه أيضاً أن يصدر حكماً قاسياً في حقّ المتّهم، قبل أن يراه ويحاكمه ويسمع كلامه ودفاعه عن نفسه؟!
وهل يسمح الدين القويم والعقل السليم للخليفة، أو لأيّ حاكم، أن يحكم على متّهم - قبل ثبوت الجرم - وهو شيخ كبير مسنّ ضعيف نحيف، بحكم لا يطيقه ولا يتحمّله؟! كما حكم عثمان وأمر في كتابه لمعاوية: أن احمل جندباً - يعني: أبا ذرّ - على أغلظ مركب وأوعره من غير قتب!! فلما وصل المدينة تساقط لحم فخذيه من الجهد.
فهل هذا بحكم العدل والرحمة؟! وهل هذا من المروءة والرأفة؟!!
وإذا كان عثمان يريد وحدة الكلمة واتّحاد المسلمين فقام بتبعيد أبي ذرّ رحمه الله تعالى لكي لا تُشقّ عصا المسلمين، فلماذا اختلف المسلمون على عهده وانشقّت عصاهم، وثاروا على عثمان وقتلوه؟!!
فالمنصف المحقّق يعرف إنّما اختلف المسلمون وثاروا على عثمان وخلعوه، بسبب ارتكابه تلك الأعمال المخالفة للإسلام والعرف!
وإذا كان الخليفة كما تزعمون، حريصاً على وحدة الكلمة واتّحاد المسلمين، فكان يجب عليه أن يُلبِّي طلبات الثائرين، وكلّها كانت اُموراً شرعية وعرفية، ومن أهمّها أنّهم كانوا يطالبوه بعزل بعض عمّاله المفسدين الظالمين، وإبعاد حاشيته، أمثال: مروان طريد رسول اللهصلىاللهعليهوآله والوليد بن عقبة الفاسق، ومعاوية الفاجر، الّذين لُعنوا في القرآن الكريم وعلى لسان النبيّ العظيمصلىاللهعليهوآله .
الحافظ: من أين نعرف أنّ أبا ذر كان صادقاً، وبالحقّ ناطقاً،
فنحن نقول: إنّه كان يجعل الأحاديث على لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآله : كما أنتم تقولون في أبي هريرة!
أبو ذر أصدق الناس
إنّي أستغرب كلامك، فكأنّك لم تطالع تاريخ أبي ذر رحمه الله ولو لمرّة واحدة، وإلّا ما كنت تتكلّم بهذا الكلام الواهي، فإنّ كلامك هذا يناقض كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله ويخالف حديثه الشريف في حقّ أبي ذرّ إذ قالصلىاللهعليهوآله : ما أقلّت الغبراء وما أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
وهذا حديث مشهور، نقله أعلامكم ومحدّثوكم، منهم: محمد بن سعد في طبقاته ٤/١٦٧ و ١٦٨، وابن عبد البرّ في الاستيعاب ١/٤٨ باب جندب، والترمذي في صحيحه ٢/٢٢١، والحاكم في المستدرك ٣/٣٤٢، وابن حجر العسقلاني في الإصابة ٣/٦٢٢، والمتّقي الهندي في كنز العمّال ٦/١٦٩، والإمام أحمد في المسند ٢/١٦٣ و ١٧٥، وابن أبي الحديد في شرح النهج ٣/٥٦ ط. بيروت - دار إحياء التراث العربي، والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء، وفي كتاب «لسان العرب» وكتاب «ينابيع المودّة» فقد روَوْهُ بأسانيد كثيرة وطرق عديدة.
بناءً على هذا الحديث الشريف، لا يحقّ لكم أن تنسبوا الكذب لأبي ذرّ رحمه الله تعالى، لأنّ تكذيبه يكون تكذيب رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو كفر!
ولذلك، فنحن نعتقد أنّ كلّ ما أعلنه أبو ذر صدق محض، وحقّ
بحت، وليس لنا ولكم إلّا التصديق والقبول.
وبناءً على الحديث الآخر الذي رويته لكم قبل هذا، عن أعلامكم وطرقكم، بأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال: أنّ الله تعالى أمرني بحبّ أربعة كان أبو ذر أحدهم، ومن الواضح أنّ الله سبحانه لا يأمر نبيّه بحبّ رجل كاذب يجعل الحديث وينسبه الى النبيّصلىاللهعليهوآله والعياذ بالله!
ثمّ أقول: لو كانَ لَبانَ، أي: لو كان أبو ذرّ كاذباً لكان علماؤكم بيّنوا أكاذيبه وأعلنوا كذبه، كما بيّنوا أباطيل أبي هريرة وأكاذيبه.
بالله عليكم فكّروا في هذه الحقائق وأنصفوا!
هل من الحقّ والعدل والرحمة والرأفة: أنّ رجلاً من خواصّ أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآله ومن المقرّبين لديه، والذي حبُّه فرض من الله عليهصلىاللهعليهوآله وهو أصدق الاُمّة، بل أصدق إنسان على وجه الغبراء وتحت السماء، يُعامَل تلك المعاملة السيّئة، فيعذّب وينفى إلى صحراء قاحلة، فيموت فيها جوعاً وعطشاً!! لأنّه عمل بواجبه فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وصدع بالحق وأعلن الحقيقة؟!!
والجدير بالذكر أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخبر بابتلائه ومصابه في الله تعالى، فقد روى أبو نعيم في حلية الأولياء ١/١٦٢ بإسناده عن أبي ذرّ الغفاري أنّه قال: كنت عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: أنت رجل صالح وسيصيبك بلاء من بعدي.
قلت: في الله؟
قالصلىاللهعليهوآله : في الله.
قلت: مرحباً بأمر الله.
والآن، وبعد سرد هذه الحوادث الفجيعة والوقائع الفظيعة، بقي عليكم، إمّا أن تردّوا وتكذّبوا كلّ أعلامكم وكبار علمائكم من أصحاب الصحاح والمسانيد والتواريخ والتفاسير وغيرهم الّذين ذكروا هذه الحوادث ونقلوا تلك الوقائع.
وإمّا أن تذعنوا بأنّ عثمان لا تشمله الآية الكريمة، ولا تنطبق عليه جملة( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) فقد كان فظّاً غليظاً، وصعباً قاسياً، شديداً على المؤمنين، ورؤوفاً رحيماً شفيقاً بالفاسقين والمنافقين!!
الحافظ: لقد ثبت عندنا وعند كثير من العلماء الأعلام: أنّ أبا ذرّ رحمه الله، هو الذي اختار المقام في الربذة من غير إجبار، بل أحبّ أن يجتنب الأحداث، فسافر إلى مسقط رأسه الربذة.
قلت: هذا قول بعض المتأخّرين من علمائكم المتعصّبين، وهو قول اجتهادي من غير دليل وبدون أيّ مستند تاريخي(١) ، وإلا فكبار علمائكم ذكروا أنّه اُبعد إلى الربذة بالقهر والجبر، حتّى كاد أن يكون هذا الخبر من المسلّمات غير القابلة للنّقاش.
وكنموذج، انقل هذا الخبر الذي رواه الامام أحمد في المسند ٥/١٥٦، وابن أبي الحديد في شرح النهج ٣/٥٧، قال: روى الواقدي عن مالك بن أبي الرجال، عن موسى بن ميسرة: أنّ أبا الأسود الدؤلي قال: كنت اُحبّ لقاء أبي ذرّ لأسأله عن سبب خروجه، فنزلت الربذة، فقلت له: ألا تخبرني؟ أخرجتَ من المدينة
____________________
١) أوّل من قال به هو قاضي القضاة عبد الجبّار نقلاً عن الشيخ أبي علي، كما رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج ٣/٥٢.
«المترجم»
طائعاً أم اُخرجتَ مكرهاً؟
فقال: كنت في ثغر من ثغور المسلمين، اُغني عنهم، فاُخرجتُ إلى مدينة الرسولصلىاللهعليهوآله فقلت: أصحابي و دار هجرتي، فأخرجتُ منها إلى ما ترى!
ثمّ قال: بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد، إذ مرّ بي رسول اللهصلىاللهعليهوآله فضربني برجله و قال: لا أراك نائماً في المسجد!
فقلت: بأبي أنت و اُمّي! غلبتني عيني فنمت فيه.
فقال: كيف تصنع إذا أخرجوك منه؟!
فقلت: إذن ألحق بالشام، فإنّها أرض مقدّسة، و أرض بقية الإسلام، و أرض الجهاد.
فقال: فكيف تصنع إذا اُخرجتَ منها؟!
فقلت: أرجع إلى المسجد.
قال: فكيف تصنع إذا أخرجوك منه؟!
قلت: آخذ سيفي فأضرب به.
فقالصلىاللهعليهوآله : ألا أدلّك على خير من ذلك، انسَقْ معهم حيث ساقوك، و تسمع و تطيع، فسمعت و أطعتُ، و أنا أسمع و اُطيع، و الله ليلقينّ الله عثمان و هو آثم في جنبي.
و كان يقول بالربذة: ما ترك الحقّ لي صديقاً، ردّني عثمان بعد الهجرة أعرابياً!
عليّعليهالسلام مصداق ( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )
كلّ ما ذكرناه كان ردّاً على تأويل الشيخ عبد السلام لجملة
( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) على عثمان، وقد أثبتنا خلافه.
واعتقادنا أنّ الذي يكون من أجلى مصاديق هذه الجملة هو الإمام عليّعليهالسلام ، إذ حينما بويع بالخلافة وتسلّم الحكم، عزل كلّ مَن ظلم الناس وجار على الضعفاء في حكومة عثمان.
وقد أشار عليه بعض الصحابة أن يترك الاُمور على حالها ويقوّي أركان حكومته، فإذا استتبّ له الأمر وتمكّن من الرقاب بدأ بعزلهم واحدا واحدا، فأجابه الإمام: والله لا أداهنُ في ديني، ولا اُعطي الرياء في أمري.
ولمـّا أشار عليه ابن عبّاس في معاوية فقال: وَلِّهِ شهراً واعزلهُ دهراً.
قالعليهالسلام : والله لا أطلب النصر بالجور، فليس لي عند الله عذر إن تركت معاوية ساعةً يظلم الناس.
وجاءه طلحة والزبير يطلبان حكومة مصر والعراق، فلو لبّى طلبهما لَما خرجا عليه وما كانت فتنة البصرة ومعركة الجمل، ولكنّه هيهات أن يُغلَب على أمره، فإنّه أبى أن ينصب للولايات إلّا العدول الكفوئين من المؤمنين ممّن امتحنهم الله عزّ وجلّ ونجحوا في الأحداث والفتن التي عاصروها، ولم يميلوا عن طريق الحقّ، ولم تلههم الدنيا بزخرفها، ولم يكنزوا الذهب والفضّة، ولم يجمعوا أموال المسلمين المحرومين إلى أموالهم!
ولقد حورب عثمان وحُصر، على أن يعزل بعض ولاته وعمّاله فلم يُجِب إلى ذلك، فكيف يفتتح الإمام عليّعليهالسلام أمره بهذه الدنيّة ويداري الأشخاص بالولايات، على أن يكون خليفة بالظاهر، وليس
له مراقبة اُمورهم والنظر في أعمالهم؟!!
والجدير بالذكر، أنّنا نرى بعض الناس الّذين ينظرون إلى الاُمور على ظواهرها ولا يفكّرون في حقائقها، ولا يدرسون الوقائع دراسة تعمّق وإمعان، فيقيسونها بمقياس الدنيا لا الدين، وينوها بمعيار الشياطين والمغوين، لا المعيار الذي عيّنه ربّ العالمين، فيستشكلون على سياسة أمير المؤمنينعليهالسلام !
ولكن لو تعمّقوا وأنصفوا، لأذعنوا أنّ عليّاًعليهالسلام كان يريد إدارة البلاد والعباد بالسياسة الدينية والطريقة الإلهيّة، فهو لم يطلب الحكم إلّا ليقيم الحقّ ويدحض الباطل، ويقيم حدود الله سبحانه على القويّ والضعيف، فيأخذ حقوق الضعفاء المحرومين من الأقوياء الظالمين.
فالراعي والرعيّة والرئيس والمرؤوس عنده سواء، والأصل عنده رضا الله عزّ وجلّ لا رضا الناس، فلم تكن قاعدته في الحكم قاعدة غيره من الحكّام والخلفاء، إذ جعلوا رضا الناس واستمالة قلوب الرؤساء أصلاً لحكوماتهم فطلبوا النصر بالجور.
فكان عليّعليهالسلام رحيماً بالضعفاء، طالباً لحقوق المحرومين، مواسياً للمساكين، رؤوفاً بالفقراء، عطوفاً على الأرامل والأيتام، فكان يُعرف بأبي الأرامل والأيتام، وصاحب المساكين.
وروى المحدّثون والمؤرّخون: أنّه نظر الامام عليّعليهالسلام الى امرأة على كتفها قربة ماء، فأخذ منها القربة فحملها الى موضعها، وسألها عن حالها، فقالت: بعث عليّ بن أبي طالب زوجي الى بعض الثغور فقتل، وترك صبياناً يتامى، وليس عندي شيء، فقد ألجأتني الضرورة الى خدمة الناس، فانصرف الإمامعليهالسلام وبات ليلته قلقاً، فلمّا أصبح
حمل زنبيلاً فيه طعام، فقال بعضهم: أعطني أحمله عنك، فقال: من يحمل وزري عنّي يوم القيامة؟ فأتى وقرع الباب فقالت: من هذا؟ قال: أنا العبد الذي حمل معك القربة، فافتحي فإنّ معي شيئاً للصبيان، فقالت: رضى الله عنك وحكم بيني وبين عليّ بن أبي طالب، فدخل وقال: إنّي أحببت اكتساب الثواب، فاختاري بين أن تعجني وتخبزي وبين أن تعلِّلي الصبيان لأخبز أنا، فقالت: أنا بالخبز أبصر عليه وأقدر، ولكن شأنك والصبيان، فعلّلهم حتّى أفرغ من الخبز، قال: فَعمدتْ الى الدقيق فعجنته، وعمد عليٌّعليهالسلام الى اللحم فطبخه، وجعل يلقّم الصبيان من اللّحم والتمر وغيره.
فرأته امرأة تعرفه فقالت لاُم الصبيان: ويحَكِ هذا أمير المؤمنين...
فكان رحيماً ورؤوفاً برعاياهُ حتّى أهل الذمّة منهم، فإنّه كان يوماً على المنبر في مسجد الكوفة فسمع بأنّ بسر بن أرطاة هاجم بعض البلاد التي كانت تحت حكومته، فروّع الناس وأرعبهم وأخذ سوار امرأة معاهدة ذمّيّة من يدها.
فبكى عليٌّعليهالسلام من هذا الخبر وقال: لو أنّ امرءاً مات من هذا الخبر أسفاً ما كان ملوماً، بل كان به جديراً.
وكانعليهالسلام رحيماً بعدوّه وصديقه، فإنّ عثمان على ما كان عليه من سوء التصرّف وسوء السيرة معه حتّى إنّه ضرب الإمامعليهالسلام بالسوط - كما رواه ابن أبي الحديد عن الزبير بن بكّار، في شرح النهج ٩/١٦ - مع كلّ ذلك فقد ذكر المؤرّخون - منهم ابن أبي الحديد في شرح النهج ٢/١٤٨ - أنّه: لمـّا مُنعِ عثمان الماء واشتدّ الحصار عليه، فغضب
عليٌّعليهالسلام من ذلك غضباً شديداً، وقال لطلحة: أدخلوا عليه الروايا. فكرِه طلحة ذلك و ساءه، فلم يزل عليعليهالسلام حتّى أدخل الماء إليه.
ونقل أيضا في صفحة ١٥٣ عن أبي جعفر - الطبري، صاحب التاريخ - قال: فحالوا بين عثمان و بين الناس، و منعوه كل شي ء حتّى الماء، فأرسل عثمان سرّاً إلى عليٍّعليهالسلام و إلى أزواج النبيّصلىاللهعليهوآله أنّهم قد منعونا الماء، فإنّ قدرتم أن ترسلوا إلينا ماءً فافعلوا.
فجاء عليٌّعليهالسلام في الغَلَس، فوقفعليهالسلام على الناس، فوعظهم و قال: أيّها الناس! إنّ الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين و لا أمر الكافرين، إنّ فارس و الروم لتأسِر فتطعم و تسقي، فالله الله! لا تقطعوا الماء عن الرجل.
فأغلظوا له و قالوا: لا نَعِم و لا نعمة عين.
فلمّا رأى منهم الجدّ نزَع عمامته عن رأسه و رمى بها إلى دار عثمان يُعلمه أنّه قد نهض، و عاد إلى آخره.
مقايسة بين عليعليهالسلام وعثمان
لقد سبق أن ذكرنا عطايا عثمان لأقاربه ورهطه، أمثال أبي سفيان والحكم بن أبي العاص وابنه مروان وغيرهم، فكان يخصّص أموال المسلمين من بيت المال بهؤلاء ونظرائهم، ويمنعها عن أهلها أبي ذرّ وعبد الله بن مسعود وغيرهما.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٩/١٦: و روى الزبير بن بكّار عن الزهري، قال: لمـّا أتي عُمر بجواهر كسرى، وضع في المسجد فطلعت عليه الشمس فصار كالجمر، فقال لخازن بيت المال: ويحك!
أرِحني من هذا، و اقسمه بين المسلمين، فإنّ نفسي تحدّثني أنّه سيكون في هذا بلاء و فتنة بين الناس.
فقال: يا أمير المؤمنين، إن قسّمته بين المسلمين لم يسعهم و ليس أحد يشتريه، لأنّ ثمنه عظيم، و لكن ندعه إلى قابل، فعسى الله أن يفتح على المسلمين بمال فيشتريه منهم من يشتريه.
قال: ارفعه فأدخله بيت المال.
و قُتِل عمر و هو بحاله، فأخذه عثمان لمـّا ولّي الخلافة فحلّى به بناته!
هذا، وانظروا إلى الخبر الذي نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج ١١/٢٥٣، قال: سأل معاوية عقيلاً عن قصّة الحديدة المحماة.
قال [ عقيل ]: نعم، أقويت و أصابتني مخمصة شديدة، فسألته فلم تَند صَفاتُه، فجمعت صبياني و جئته بهم، و البؤس و الضرّ ظاهران عليهم، فقال ائتني عشيةً لأدفع إليك شيئاً.
فجئته يقودني أحد ولدي، فأمره بالتنحّي، ثمّ قال: ألا فدونك، فأهويت - حريصاً قد غلبني الجشع، أظنّها صرّة - فوضعت يدي على حديدة تلتهب ناراً، فلما قبضتها نبذتُها، و خُرْتُ كما يخور الثور تحت يد جازره.
فقال لي: ثكلتك اُمّك! هذا من حديدة أوقدتُ لها نار الدنيا، فكيف بك و بي غداً إنْ سُلِكنا في سلاسل جهنم؟!
ثمّ قرأ:( إِذِ الْأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَ السَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ ) (١) .
ثمّ قال: لَيَس لك عندي فوق حقّك الذي فرضه الله لك إلا ما ترى، فانصرف إلى أهلك.
____________________
١) سورة غافر، الآية ٧١.
فجعلَ معاوية يتعجّب، و يقول: هيهات هيهات! عقِمَت النساء أن يَلدْنَ مثله! انتهى.
فقايسوا بين الاثنين، واعرفوا الحقّ في أين!
عفوه عن الأعداء
كان عليٌّعليهالسلام في أعلى مرتبة من مراتب العفو والصفح، كان يقول: لكلّ شيءٍ زكاة، وزكاة الظفر بعدوّك العفو عنه.
ولقد عفا عن مروان بن الحكم وعبدالله بن الزبير لمـّا ظفر بهما وهما أسيرين مقيّدين في يوم الجمل، فأمر بفكّ قيدهما وأطلق سراحهما، مع العلم أنّهما كانا من ألدّ أعدائه وأشدّ مبغضيه.
وصَفْحُه عن عائشة، أعظم من كلّ عفو وصفح، لأنّها سبّبت تجمّع الناس الغافلين، وأغوت الجاهلين، وقادتهم لقتال أمير المؤمنين وسيّد الوصيّينعليهالسلام ، فهي التي أضرمت نار الحرب وأجّجت الفتنة، ومع كلّ ذلك، لمـّا اندحر أنصارها، وانكسر جيشها، وسقطت من الجمل مغلوبة مقهورة، أسيرة في أيدي المؤمنين، أمر الإمام عليّعليهالسلام أخاها محمد بن أبي بكر أن يأخذها إلى بيت في البصرة ويقوم بخدمتها ويكرمها.
وبعد ذلك هيّأ الإمام عليٌّعليهالسلام عشرين امرأة من قبيلة عبد القيس، وأمرهنّ بلبس ملابس الرجال والعمائم، وأن يحملن معهنّ السيوف والسلاح ويلثّمن حتّى لا يُعرفن، وأمرهنّ أن يُحطن باُمّ المؤمنين عائشة ويوصلنها على المدينة المنوّرة، وأرسل خلف النسوة رجالاً مسلّحين ليراقبوهنّ من بعيد ويذبّوا عنهنّ عند الحاجة.
فلما وصلت إلى المدينة ونزلت بيتها واستقرّت، اجتمعت
زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبعض المؤمنات من أهل المدينة عندها وعاتبنها على خروجها! فأظهرت الندم، وشكرت لعليٍّعليهالسلام عفوه وصفحه عنها ومقابلته لها بالرحمة والكرامة، إلّا أنّها قالت: ولكن ما كنت أظنّ أن يبعثني عليّ بن أبي طالب مع رجال أجانب من البصرة إلى المدينة، فإنّه ما راعى حرمة رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حبيبته!!
فهنا كشفن المرافقات لها لثامهنّ وخرجن من زيّ الرجال إلى ظاهرهنّ وحقيقتهنّ.
فخجلت كثيراً وشكرت عليّاًعليهالسلام أكثر من ذي قبل!
نعم هكذا يكون أولياء الله وخلفاؤه.
معاوية يمنع وعليٌّعليهالسلام يسمح
وأذكر لكم شاهداً آخر على رأفة عليٍّعليهالسلام ورحمته حتّى بالخارج عليه لقتله، مثل معاوية وحزبه الفاسقين، في صِفّين.
لقد ذكر جميع المؤرّخين وأصحاب السِيَر، منهم: المسعودي في مروج الذهب، والطبري في تاريخه، وابن أبي الحديد في شرح النهج ٣/٣١٨ و١٠/٢٥٧، وينابيع المودّة - للقندوزي - باب ٥١، وغيرهم ذكروا أنّ معاوية استولى على الفرات فمنع جيش الإمام عليّعليهالسلام من حمل الماء، وقال: لا والله لا ندعهم يشربوا حتّى يموتوا عطشاً!
فهاجَمَهم جيش الإمام عليّعليهالسلام واستولوا على الفرات وانهزم جيش معاوية، ولكنّ عليّاًعليهالسلام لم يمنعهم الشرب وسمح لهم بحمل الماء.
بالله عليكم أيّها الحاضرون أنصفوا! أيّ الخليفتين تشمله الجملة
من الآية الكريمة:( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) ؟
وإذا كنتم تريدون تعريف الآية الكريمة وإعرابها كاملة..
فيكون( مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله ) مبتدأ( وَ الَّذِينَ مَعَهُ ) معطوف على المبتدأ وخبره وما بعده خبر بعد الخبر، وكلّها صفات شخص واحد: الّذين يُعدّون مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ويوصفون بمعيّته، هم الّذين يكونون أشدّاء على الكفّار، رحماء بينهم إلى آخره.
وحيث إنّ هذه الصفات ما اجتمعت في أحد من الصحابة غير عليٍّعليهالسلام ، فالذي يعدّ مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله معيّة حقيقية معنوية، فلا فارقه ولا فكّر بمفارقته حتّى ساعة واحدة، هو عليٌّعليهالسلام ، فكأنّهما أصبحا حقيقة ونفساً واحدة، اتّحدا روحاً ومعنىً وإن افترقا جسماً وبدناً.
الشيخ: عندنا إجابات وردود كثيرة على كلامكم، ولكن نكتفي بواحدة منها، وهي: إنّ معاني الآية الكريمة إذا كانت تنطبق على سيّدنا عليٍّ كرّم الله وجهه فقط، ولم تشمل أحداً غيره، فلماذا جاءت الآية على صيغة الجمع؟! فتقول والّذين معه، أشدّاء، رحماء، ركّعاً، سجّداً، يبتغون، سيماهم، وجوههم كلّها كلمات على صيغة الجمع.
قلت:
أوّلاً: أنا حاضر لأستمع كلّ إجاباتكم وردودكم، وإلا فسكوتكم يدلّ على صحّة حديثي وربّما كان عنكم مغالطات تسمونها إجابات! فاطرحوها، فإنّي لا أتركها بلا جواب، إن شاء الله تعالى.
ثانياً: إنّ سؤالكم هذا، نقاش لفظي، لأنّكم تعلمون أنّ في كلام العرب والعجم يطلقون صيغة الجمع على المفرد من أجل التعظيم
والتفخيم، وكم لها في القرآن نظائر! منها:
آية الولاية ونزولها في الامام عليّعليهالسلام
القرآن الكريم هو أعظم مرجع في اللغة العربية، وأقوى سند لها، وفي ما نحن فيه أيضاً، القرآن دليل قاطع، وبرهان ساطع.
فنجد فيه آية كريمة اُخرى وهي: آية الولاية( إِنَّمَا وَلِيُّکُمُ الله وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّکَاةَ وَ هُمْ رَاکِعُونَ ) (١) ، فكلماتها على صيغة الجمع، واتّفق المفسّرون والمحدّثون من الفريقين - الشيعة والسُنّة - أنّها نزلت في حقّ عليٍّعليهالسلام وحده، منهم: الإمام الفخر الرازي في «التفسير الكبير» ٣/٤٣١، والإمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسير «كشف البيان» وجار الله الزمخشري في الكشّاف ١/٤٢٢، الطبري في تفسيره ٦/١٨٦، أبو الحسن الرّماني في تفسيره، ابن هوازن النيسابوري في تفسيره، ابن سعدون القرطبي في تفسيره، الحافظ النسفي في تفسيره المطبوع في حاشية تفسير الخازن البغدادي، الفاضل النيسابوري في غرائب القرآن ١/٤٦١، أبو الحسن الواحدي في أسباب النزول: ١٤٨، الحافظ أبو بكر الجصّاص في تفسير أحكام القرآن:٥٤٢، الحافظ أبو بكر الشيرازي في كتابه «ما نزل من القرآن في عليّعليهالسلام »، أبو يوسف الشيخ عبد السلام القزويني في تفسيره الكبير، القاضي البيضاوي في تفسيره أنوار التنزيل ١/٣٤٥، جلال الدين السيوطي في الدرّ المنثور ٢/٢٩٣، القاضي الشوكاني في
____________________
١) سورة المائدة، الآية ٥٥.
تفسيره «فتح الغدير» السيّد محمود الآلوسي في تفسيره «روح المعاني» الحافظ ابن أبي شيبة الكوفي في تفسيره، ابو البركات في تفسيره ١/٤٩٦، الحافظ البغوي في «معالم التنزيل» الإمام النسائي في صحيحه، محمد بن طلحة الشافعي في «مطالب السؤول» ابن أبي الحديد في شرح النهج ١٣/٢٧٧، الخازن علاء الدين البغدادي في تفسيره ١/٤٩٦، الحافظ القندوزي في «ينابيع المودّة» الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه «المصنّف»، رزين العبدري في «الجمع بين الصحاح الستّة»، ابن عساكر في تاريخه، سبط ابن الجوزي في التذكرة: ٩، القاضي عضد الإيجي في كتابه «المواقف»:٢٧٦، السيّد الشريف الجرجاني في شرح المواقف، العلّامة ابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة: ١٢٣، الحافظ أبو سعد السمعاني في «فضائل الصحابة»، أبو جعفر الإسكافي في «نقض العثمانية»، الطبراني في الأوسط، ابن المغازلي في «مناقب عليّ بن أبي طالب»، العلّامة الكنجي القرشي الشافعي في «كفاية الطالب»، العلّامة القوشجي في «شرح التجريد»، الشبلنجي في نور الأبصار: ٧٧، محبّ الدين الطبري في الرياض النضرة ٢/٢٢٧، وغيرهم من كبار أعلامكم.
رَووا عن السُدّي ومجاهد والحسن البصري والأعمش وعتبة بن أبي حكيم وغالب بن عبد الله وقيس بن ربيعة وعباية بن ربعي وعبدالله ابن عبّاس وأبي ذرّ الغفاري وجابر بن عبد الله الأنصاري وعمّار بن ياسر وأبو رافع وعبد الله بن سلام، وغيرهم من الصحابة، رووا أنّ الآية الكريمة نزلت في شأن سيّدنا عليٍّعليهالسلام ، وقد اتّفقوا على هذا المضمون وان اختلفت ألفاظهم، قالوا:
إنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام كان يصلّي في المسجد، إذ دخل مسكين وسأل المسلمين الصدقة والمساعدة، فلم يعطه أحد شيئاً، وكان عليٌّعليهالسلام في الركوع فأشار بإصبعه إلى السائل، فأخرج الخاتم من يد الإمام عليّعليهالسلام ، فنزلت الآية في شأنه وحده على صيغة الجمع، وذلك من أجل التعظيم والتفخيم لمقامهعليهالسلام .
الشيخ عبد السّلام: إنّ هذا التفسير وشأن النزول لم يكن قول جميع علمائنا، فقد خالف هذا القول جماعة، فمنهم القائل: إنّها نزلت في شأن الأنصار، وبعض قالوا: نزلت في شأن عبادة بن الصامت، وجماعة قالوا: نزلت في حقّ عبد الله بن سلام.
قلت: إنّي أتعجّب منكم، حيث تتركون قول أعظم أعلامكم وأشهر علمائكم وأكثرهم، إضافة إلى إجماع علماء الشيعة في ذلك، وتتمسّكون بأقوال شاذّة من أفراد مجهولين أو معلومين بالكذب والنصب والتعصّب، بحيث نجد أقوالهم ورواياتهم مردودة وغير مقبولة عند كبا علمائكم.
والجدير بالذِكر أنّ بعض علمائكم ادّعى إجماع المفسّرين واتّفاقهم على أن الآية: نزلت في شأن الإمام عليٍّعليهالسلام ، منهم: الفاضل التفتازاني، والعلامة القوشجي في شرح التجريد، قال: إنّها باتّفاق المفسّرين نزلت في حقّ علي بن أبي طالب حين أعطى السائل خاتمه وهو راكع...
فهل العقل السليم يسمح لكم بترك قول جمهور العلماء والمفسّرين وتتمسّكوا بأقوال واهية وشاذة صدرت من المتعصّبين والمعاندين الجاحدين للحق والدين؟!
شبهات وردود
الشيخ عبد السلام: سماحتكم أردتم بهذه الآيات أن تثبتوا خلافة سيّدنا عليٍ كرم الله وجهه بلا فصل بعد النبيّصلىاللهعليهوآله ، والحال أنّ فيها أموراً تمنع من قصدكم.
أوّلاً: كلمة «الوليّ» في الآية بمعنى المحبّ، لا بمعنى الإمام والخليفة، وإذا كانت بالمعنى الذي تقولونه فلا ينحصر الوليّ في رجل واحد، بل تشمل الآية أفراداً كثيرين، على القاعدة المقرّرة عند العلماء وهي: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المعنى والسبب، وعلى هذا فالإمام عليٌّ كرم الله وجهه هو أحد أفراد الآية الكريمة.
ثانياً: صيغة الجمع في كلمة «وليّكم» وكلمة «الّذين» تفيد العموم، وحمل الجمع على الفرد - بدون دليل - يكون تأويلاً لكلام الله تعالى بغير مجوّز.
قلت:
أوّلاً: كلمة «الولي» جاءت بصيغة المفرد وأضيفت إلى ضمير الجمع، أي إنّما وليّ المسلمين.
ثانياً: أجبناكم من قبل أن الاُدباء واللغويّين يجيزون إطلاق الجمع على الفرد لأجل التفخيم والتعظيم.
وأمّا القاعدة المقرّرة عند العلماء، أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فنحن أيضاً نلتزم بها، فقد جاء في اللفظ( إِنَّمَا وَلِيُّکُمُ ) وهي أداة حصر، فلذا نقول: إنّ الآية نزلت في شأن
أمير المؤمنينعليهالسلام والولاية الإلهية في عصره منحصرة فيه، فهو وليّ المسلمين دون غيره، ولا يحقّ لأحد أن يدّعي الولاية على الإمام عليٍّعليهالسلام ما دام في الحياة، فإذا مات أو قتل فالولاية الإلهيّة التي تضمّنها الآية تنتقل إلى غيره، وهم الأئمّة الأحد عشر من ولده، واحد بعد الآخر، فحينئذ يحصل مرادكم أيضاً، لأنّكم تقولون: إنّ الآية تشمل أفراداً كثيرين لا فرداً واحداً.
فالأفراد المشمولون بالآية هم الأئمّة المعصومون من أهل البيتعليهمالسلام كما قال الزمخشري في «الكشّاف» في ذيل الآية الكريمة: ولو أن الآية حصرٌ في شأن عليّعليهالسلام فإنّ المقصود من نزولها بصيغة الجمع كان لترغيب الآخرين ليتّبعوا عليّاًعليهالسلام في هذا الأمر ويتعلّموا منه.
ثالثاً: أمّا قولكم بأنّ الشيعة أوّلوا الآية بغير مجوّز ودليل، ما هو إلّا سفسطة كلام تريدون من ورائه إغواء العوامّ.
ونحن ذكرنا لكم أسماء ثلّة من كبار علمائكم وأشهر أعلامكم ومفسّريكم الّذين قالوا بأنّ الآية نزلت في شأن عليعليهالسلام ، وهذا القول إنّما يكون تنزيل الآية وتفسيرها، لا تأويلاً أو رأياً اجتهادياً.
الشيخ عبد السلام: أما كلمة «الوليّ» فهي بمعنى: المحبّ والناصر، لا بمعنى الأَوْلى بالتصرف حتّى تستنبطوا منها معنى الخلافة، لأنّها إذا كانت بمعنى الخلافة، فيجب بعدَ نزول الآية أن يخلف عليٌّ كرّم الله وجهه رسول الله في حال حياته إذا سافر أو غاب لبعض شؤونه، وأن يقوم مقامه ويتصرّف في الأمور مثلهصلىاللهعليهوآله وهذا الأمر لم يكن في حياة النبيصلىاللهعليهوآله فلذا نقول: إنّ كلامكم باطل.
قلت: بأيّ دليل تقول: إنّ هذا الأمر - أي قيام الإمام عليّعليهالسلام
مقام النبيّصلىاللهعليهوآله - لم يكن في حياة النبيّصلىاللهعليهوآله ؟!
فظاهر الآية يثبت مقام الولاية لعليّعليهالسلام من حين نزولها، واستمرار المقام بدليل الجملة الاسمية، وأنّ «الوليّ» صفة مشبّهة، وهذان دليلان على ثبات ودوام مقام الولاية.
ويؤيّد هذا المعنى أنّ النبيصلىاللهعليهوآله جعل عليّاًعليهالسلام خليفته في المدينة حين خرج منها إلى تبوك، ولم يعزله بعد ذلك إلى أن توفّيصلىاللهعليهوآله .
ويؤيّده حديث المنزلة، فإنهصلىاللهعليهوآله كرّره في مناسبات كثيرة، قائلاً: عليٌّ مني بمنزلة هارون من موسى، أو يخاطبه في الملأ: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى.
وقد ذكرنا لكم بعض مصادره في الليالي الماضية.
وهذا دليل آخر على أنّ عليّاًعليهالسلام كان خليفة النبيّصلىاللهعليهوآله في غيابه لما كان حيّاً واستمرت خلافته للنبيّصلىاللهعليهوآله بعد حياته أيضاً.
الشيخ عبد السّلام: لو تعمّقتم في شأن نزول الآية كما تقولون وفكّرتم فيه، لعدلتم عن رأيكم، لأنّه لا يُعدّ منقبة لسيّدنا عليّ، بل يعدّ نقصاً له كرّم الله وجهه، وهو أجلّ من ذلك.
قلت:
أوّلاً: لا يحقّ لأحدٍ بلغ ما بلغ من العلم، أن يغيّر ويبدّل شأن نزول آيات القرآن الحكيم، سواءً ثبتت بها منقبة أو منقصة لأيّ شخص كان، فإنّ شأن النزول يتبع الواقع وليس بأمر اجتهادي، ولا يدخل فيه رأي هذا و ذاك، ولا يتصرّف أحد في شأن نزول الآيات إلّا شقيٌّ عديم الدين والإيمان، يتّبع هواه ولا يطيع الله عزّ وجلّ، مثل البكريّين في هذا الشأن، فإنّهم اتّبعوا قول عكرمة الكذّاب وقالوا: إنّها نزلت
في شأن أبي بكر.
ثانياً: أوضحوا لنا كيف تكون الآية الكريمة منقصة لمن نزلت في شأنه؟!
الشيخ عبد السلام: لأنّه من جملة خصال سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه التي تعدّ من أجمل خصاله وفضائله، أنّه لمـّا كان يقف للصلاة كان ينسى نفسه وكلَّ شيء سوى الله سبحانه، فلا يحسُّ ولا يبصر إلّا عظمة الله وآياته.
وقد روى بعض العلماء، أنّهعليهالسلام اُصيب بسهم في رجله في إحدى المعارك، فأشار عليه طبيب جرّاح ليأذن له حتّى يشق اللحم ويخرج السهم من رجله، فأبىعليهالسلام .
ثمّ لمـّا وقفعليهالسلام بين يدي الله تعالى واستغرق في العبادة في حال السجود أمر الإمام الحسن - رضي الله عنه - أن يخرج الجرّاح السهم من رجل أبيه، فأخرجه وما أحسّ سيّدنا عليّ أبداً!
فإنّ رجلاً هذا حاله حين الصلاة، كيف يلتفت إلى سائل فقير فيعطيه خاتمه وهو في حال الركوع؟!
ألم يكن انصرافه عن الله تعالى والتفاته إلى الفقير نقصاً لصلاته ونقضاً لعبادته؟!
قلت: إنّ هذا الإشكال أهون من بيت العنكبوت! لأنّ التفات المصلّي إلى الاُمور المادّيّة تعدّ نقصاً، وأمّا إلى الاُمور المعنوية فهو كمال، فإعطاء الزكاة والصدقة للفقير عبادة مقرّبة على الله سبحانه، والصلاة - أيضاً - عبادة أقامها عليٌّعليهالسلام قربة إلى الله تعالى، فهو لم يخرج عن حال التقرّب إلى الله، ولم ينصرف عن العبادة إلى عمل غير
عبادي، وإنّما انصرف من الله تعالى إلى الله، وتكرّرت عبادته، فقد آتى الزكاة في حال الصلاة، فجمع فرضين ليكسب رضا الله عزّ وجلّ ويتقرّب إليه، وقد قرَّبَهُ الباري سبحانه وتعالى وقَبِل منه الزكاة والصلاة، فأنزل الآية وأعطاه الولاية، ليكون دليلاً على قبول عمله وعبادته.
ألم يكن هذا دليل على فضل الإمام عليٍّعليهالسلام وكماله؟!
ما لكم كيف تحكمون؟!
عود على بدء
فثبت أنّ الذي تنطبق عليه الآية الكريمة تطبيقاً كاملاً وصحيحاً وصريحاً من غير تأويل وتعليل، إنّما هو الإمام عليّعليهالسلام الذي كان مع النبيّصلىاللهعليهوآله معيّةً امتزجت نفسهعليهالسلام بنفسهصلىاللهعليهوآله الطيّبة، وأخلاقهعليهالسلام بأخلاقهصلىاللهعليهوآله الكريمة، وصفاتهعليهالسلام بصفاتهصلىاللهعليهوآله الحميدة، حتّى أصبحا حقيقة واحدة لا يمكن افتراقهما.
وثبت أنّه لم يكن أشدّ منهعليهالسلام على الكفّار، ولا أرحم وأرأف منهعليهالسلام بالمؤمنين.
فكان صلب الإيمان، ثابت العقيدة ما شكّ في النبوّة والدين لحظة واحدة، ولا تزلزل في رسالة سيّد المرسلين طرفة عين أبداً.
الشيخ عبد السّلام: لا أدري ما الذي تقصده من هذه الكنايات والنكايات؟!
فهل شكّ أحد الخلفاء الراشدين والصحابة المهتدين، بعد ما آمنوا بالدين؟!
وهل تزلزل أحدهم في رسالة خاتم النبيّين؟! حتّى تقول: إنّ عليّاً ما شكّ وما تزلزل! بل كلهم كذلك، ما شكوا وما تزلزلوا، فلماذا هذا التأكيد على سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه؟! لعلك تريد أن تقول: بأنّ الشيخين أو غيرهما من الصحابة الكرام شكّوا في الدين وتزلزلوا في الإيمان؟!
قلت: يا شيخ! اُشهد أنّي لم أقصد بكلامي ما ظننتَ، ولو كان كذلك لأظهرتُه بالصراحة لا بالكناية.
الشيخ عبد السلام: إنّ اُسلوب حديثك ينبئ بأنّ عندك شيئاً في هذا المجال، ولا تريد أن تظهره بالمقال، ولكنّي اُريد منك أن تبيّن كلَّ ما في قلبك ولا تبقي شيئاً، ولا تنسَ أننّا لا نقبل منك شيئاً إلّا مع الدليل والبرهان.
قلت: لو كنتم تعفوني من الخوض في هذا الموضوع لكان أجمل وأحسن، وان كانت أدلّتي كلّها من كتب علمائكم الأعلام ومحدّثيكم الكرام، ولكن رعايةً لبعض الجهات اُحبّ أن لا أطرح هذا الموضوع أبداً.
الشيخ عبد السلام: إنّك بهذا الكلام ألقيت الشكّ في قلوب هؤلاء العوامّ، فإنّهم سيظنّون أنّ الشيخين - رضي الله عنهما - وغيرهما من الصحابة الكرام قد شكّوا يوماً وتزلزلوا في الدين الحنيف والنبوّة!
فالرجاء الأكيد إمّا أن تقيم الدليل والبرهان الصريح الواضح على هذا الكلام، أو أن ترجع في كلامك الذي فيه إبهام، وتعلن من غير إبهام، بأنّ الشيخين وغيرهما من الصحابة الكرام، ما زلّت بهم
الأقدام، ولم يشكّوا طرفة عين في النبوّة والإسلام.
قلت: يا شيخ! إنّ الشكّ والترديد كان يعتري أكثر الصحابة الّذين كانوا في مرتبةٍ دنيا من الإيمان، و لمـّا دخل الإيمان في قلوبهم، ولم يمتزج بنفوسهم.
فكان بعضهم يبقى في حال الشكّ والريب، فكانت آيات من القرآن الحكيم تنزل في شأنهم وذمِّهم، كالمنافقين الّذين نزلت آيات كثيرة في سورة المنافقين وغيرها في ذمّهم.
وبعضهم كان يعرض عليه الشكّ والترديد ثم يزول عنه بعد مدّة. هذا جواب عام، ولا نريد أن نمسّ أحداً، فأرجوكم أنت تكتفوا بهذا المقدار في هذا الإطار.
الشيخ عبد السلام: إنّ الشكّ الذي وقع بسبب كلامك في قلوب الحاضرين باقٍ، فإمّا أن تذكر ما يختلج في قلبك، واضحاً من غير التباس، مستدلاً بأقوال علمائنا المعتمدين عندنا وكتبنا الموثوقة المعتبرة لدينا، أو تصرّح بأنّ الشيخين كانا في حدّ اليقين، وما شكّا في الدين، ولم يتزلزلا في نبوّة سيّد المرسلين، طرفة عين.
قلت: يا شيخ! إنّ إلحاحك وإصرارك على هذا الأمر، اضطرّني أن أكشف عن حقائق لم أكن اُحبّ أن أكشف عنها.
نعم، لقد شك عمر بن الخطّاب في نبوّة خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآله ، وتناقل الخبر بعض علمائكم الأعلام، مثل ابن المغازلي الشافعي في كتابه: مناقب عليّ بن أبي طالب(١) والحافظ محمد بن أبي نصير الحميدي في
____________________
١) لم أجد هذا الخبر في (المناقب) لابن المغازلي. =
كتاب «الجمع بين الصحيحين» نقل عن عمر بن الخطّاب أنّه قال بعد يوم الحديبية: ما شككت في نبوّة محمّد قط كشكّي يوم الحديبية.
فسياق الكلام يقتضي أنّه شكّ في هذا الأمر كراراً، ولكن شكّه يوم الحديبية كان أقوى وأشدّ.
النوّاب: لو سمحت، بيّن لنا ما كان سبب شكّ الفاروق في الحديبية؟ وما الذي جرى هناك حتّى وقع عمر منه في شكّ؟!
قلت: شرح القضية بالتفصيل يحتاج إلى وقت كثير، لكن ملخّصه.
شك عمر في نبوة النبيصلىاللهعليهوآله
إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله رأى في ما يرى النائم، أنّه دخل مكّة مع أصحابه واعتمروا.
فلمّا أصبح حدّث الأصحاب برؤياه، فسأله الأصحاب عن
____________________
= ووجدت مصادر كثيرة لأعلام القوم، تنقل قول عمر، بهذه العبارة التالية أو غيرها: «ما شككت منذ أسلمت إلّا يومئذ إلى آخره» منها تاريخ الطبري ٢/٧٨ و ٧٩، والرياض النضرة ١/٣٧٢، عمر بن الخطّاب - للاُستاذ عبدالكريم الخطيب -: ٦٣، تاريخ الخلفاء للسيوطي -: ٤٣، السيرة النبوية - لابن هشام - ٣/٣٣١، الإمام علي - لعبد الفتاح عبد المقصود - ١/١٦٥، تفسير الخازن ٤/١٥٧، تفسير ابن كثير ٤/١٩٦، السيرة الحلبية ٣/١٩، الملل والنحل - للشهرستاني - ١/٥٧، صحيح البخاري - مشكول - ٣/١٩٠، عيون الأثر ٢/١١٩، تاريخ الاسلام السياسي ١/٢٤٦، كنز العمّال ٢/٥٢٧.
«المترجم»
تأويلها وتعبيرها، فقالصلىاللهعليهوآله : «ندخل مكّة إن شاء الله ونعتمر» ولم يعيّن وقتاً للدخول إليها.
ثمّ تهيّأ مع الأصحاب للسفر إلى مكّة وأداء العمرة، فلما وصل الحديبية - وهي بئر بالقرب من مكّة على حدود الحرم -، علمت قريش بمجيء النبيّ والمسلمين، فخرجوا مسلّحين ليمنعوهم من الدخول.
والنبيّصلىاللهعليهوآله لم يكن يقصد من سفره إلّا زيارة البيت الحرام وأداء العمرة ولم ينو الحرب والقتال، لذلك لمـّا بعث المشركون من قريش وفداً للمفاوضة، استقبلهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله وفاوضهم وكتب معهم صلحاً اشتهر بصلح الحديبية، على أن يرجع النبيّ والمسلمون في ذلك العام ثمّ يأتون في العام القابل، ليؤدّوا مناسكهم ويعتمروا، من غير مانع إلى آخر الشروط.
فلما وقّع النبيصلىاللهعليهوآله على ذلك شكّ عمر بن الخطّاب في نبوّة سيّد المرسلين محمّدصلىاللهعليهوآله فقال: النبيّ لا يكذب، أما قُلْتَ: ندخل مكة ونأتي بالمناسك معتمرين؟! فلماذا صالحتهم على الرجوع ولم تدخل مكة؟!
فقال النبيّصلىاللهعليهوآله : لكنّي ما عيّنت وقتاً، فهل قلت، ندخل مكّة في هذا العام؟!
قال عمر: لا.
فقالصلىاللهعليهوآله : أقول مؤكّداً: ندخل مكّة إن شاء الله، ورؤياي تتحقّق بإذن الله تعالى.
فنزل جبرئيل بالآية الكريمة مؤكّداً أيضاً:( لَقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَکُمْ
وَ مُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ ) إلى آخرها(١) .
فهذا ملخّص صلح الحديبية وكيفيّة شكّ عمر بن الخطّاب بنبوّة خاتم النبيّين وسيّد المرسلين محمّدصلىاللهعليهوآله .
وكان هذا الأمر امتحاناً للمسلمين ليمتاز الثابت عن المتزلزل، والمتيقّن عن الشاكّ والمرتاب.
هل يستمر الحوار؟
لمـّا وصل الحديث إلى هنا، نظر بعض العلماء إلى ساعته وقال: أخذنا الحديث كلّ مأخذ، وانقضى من الليل نصفه أو أكثر، لذا نترك متابعة الموضوع والحديث إلى الليلة القابلة إن شاء الله.
الحافظ: لقد سررنا بلقياكم، وفرحنا بمجالسكم، وانجذبنا إلى حديثكم، فانقادت مسامعنا بل قلوبنا أيضاً إلى كلامكم القويم، وبيانكم الرصين، وبقي عندنا كلام كثير ما أبديناه لضيق الوقت، وعدم المجال، فتؤجّله إلى وقت آخر، وسفر آخر إن شاء الله، فإنّنا نريد أن رجع إلى الوطن [أفغانستان] فإنّ لنا هناك أعمالاً وأشغالاً كثيرة قد تعطّلت وأموراً تأخّرت، وإنّ لنا هناك مهامّاً تفوتنا إنْ لم نحضر.
لذا أرجو أن تتفضّل علينا وتأتي إلى بلادنا، فنقوم بضيافتكم، ونستمرّ في البحث والحوار معكم، لعلّنا نصل إلى نتيجة فيها رضا الله سبحانه.
النوَّاب - متوجهاً إلى الحافظ قائلاً -: نحن لا ندعك أن ترجع
____________________
١) سورة الفتح، الآية ٢٧.
إلى بلادك حتّى نصل إلى نتيجة قطعية مع السيد المبجَّل، لأنّكم كنتم تقولون لنا إنّ الرفضة [الشيعة] ليسوا أهل بحث ومناقشة، ولا أهل عقل ومنطق، لأنّهم لا يملكون أدلّة وبراهين في إثبات عقائدهم، وإذا جلسوا معنا على طاولة النقاش والحوار سوف يتنازلون لدلائلنا وبراهيننا القاطعة.
ولكنّا على عكس ذلك، رأيناكم خاضعين أمام براهين السيد، مستسلمين لأدلته، ونحن كلّنا شهود.
فالرجاء منكم، أن تبقوا عندنا، وتستمرّوا في المناظرة والحوار حتّى يتبين الحقّ وتظهر الحقيقة، فحينئذ نختار لأنفسنا المذهب الحقّ الثابت بدلائل القرآن الحكيم والعقل السليم.
الحافظ: نحن ما خضعنا ولا استسلمنا لأدلّة السيد، وإنّما سكتنا لنستفيد من بيانه العذب وحديثه الطيّب فإنّه خطيب عجيب، ذو سحر في البيان، وطلاقة في اللسان، فاستمعنا حلاوة كلامه، وذُهِلنا لسحر بيانه، وانجذبنا لعذوبة لسانه، فقد راعينا الأدب في حقّه، وما أردنا أن يتأذّى ضيفنا العزيز، وإلّا فإنّا بَعدُ لم ندخل في صلب المواضيع الأساسية، وإذا أردنا أن نقيم الدليل والبرهان، لَثبتَ لكم أنّ الحقّ معنا.
النوّاب: أمّا نحن فإلى هذه الساعة لم نسمع منكم كلاماً مستدلاً وحديثاً مستنداً إلى العقل السليم والقرآن الكريم.
وأمّا كلام مولانا السيد فكلّه مستند إلى كتاب الله وأحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله المرويّة في كتب علمائنا.
فإذا كانت عندكم أدلّة وبراهين تنقض كلام مولانا السيد فأتوا
بها، وإلّا فإنّي أقول لكم بصراحة: إنّ هذه المحاورات والمناظرات قد انتشرت في الصحف والمجلّات، وأوقعت الشكّ والترديد في نفوس أكثر أهل السُنّة والجماعة، في هذا البلد.
فإذا لم تظهروا الحقّ، ولم تعلنوا الحقيقة التي يريدها الله تعالى من عباده، فإنّكم مسؤولون أما الله سبحانه وأما صاحب الشريعة المقدّسة، النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآله .
على أثر هذا الكلام امتقع لون الحافظ وتغيّر وجهه، وقد ظهر أثر الفشل والخجل على وجوه علماء القوم، فكان الحافظ ينظر إليَّ تارة وينظر إلى الأرض اُخرى، ثمّ توجّه إلى النَّواب قائلاً:
أرجو أن تراعوا جانب الضيف الكريم فإنّه كان يريد السفر إلى خراسان لزيارة علي بن موسى الرضا، ولكنّه تفضّل علينا بتأخير سفره، فلا يجوز لنا أن نأخّره أكثر من هذا.
قلت: إنّني أشكر ألطافكم وإحساسكم، صحيح أنّي كنت عازماً على السفر والزيارة، وأخّرت سفري لأجلكم، ولكنّي فرحت بتأخير سفري، إذ عملت بواجبي، وخدمت الدين والمجتمع في كشف الحقيقة وإثبات الحقّ من خلال مناظرتي وحواري معكم، وفي حضور هؤلاء الطيّبين الكرام، فعرفوا الحقّ أحسن من ذي قبل.
وإنّني مستعدّ لأبقى معكم وأستفيد من مجالستكم سنة أو أكثر حتّى ينكشف الحقّ.
ولكنّي خجل من مضيّفي الكريم الأستاذ الميرزا يعقوب علي خان، فقد أتعبتُهُ في هذه المدّة كثيراً.
وإذا بالميرزا يعقوب علي خان وإخوانه - ذي الفقار علي خان،
وعدالت علي خان، وكلّهم من شخصيات قزلباش - أجابوا قائلين: يا مولانا السيد ما كنّا نتوقّع منكم هذا الكلام، فإنّ بيوتنا كلّها بيوتك، ونحن نفتخر بخدمتك، ونتشرف بإقامتك عندنا.
ثمّ تقدّم السيد محمد شاه - وهو من أشراف «پيشاور» وأعيانها - وكذلك السيّد عديل أختر - وهو من علماء الشيعة في «پيشاور» - فقالوا: نحن نرجو من سماحتكم أن ينتقل هذا المجلس إلى بيوتنا حتّى نحظى بخدمتكم ونتشرّف ونفتخر بوجودكم عندنا.
فقال الميرزا يعقوب علي خان: لا يمكن ذلك أبداً، بل مادام مولانا في «بيشاور»، وهذا المجلس مستمرّ في الانعقاد، فبيتي محلّه ومستقره.
قلت: أشكر الجميع، وبالأخصّ صاحب البيت الاُستاذ الكريم الميرزا يعقوب علي خان المحترم.
الحافظ - بعدما هدأ المجلس - قال: وأنا أنزل عند رغبة الاُستاذ النَّواب والإخوة الحاضرين واُؤجّل سفري وإنْ كانت عندي مهامٌّ وأعمالٌ معطّلة في أفغانستان، ولكن أرجو أن ينتقل مجلسنا هذا في الليالي القابلة إلى البيت الذي نحن فيه، مراعاةً للعدالة، ورعايةً لأهل هذا البيت الكريم، فإنّهم تعبوا كثيراً، وأثقلنا عليهم كثيراً.
قلت: لا مانع لديّ من ذلك، ولا اُصرّ على أن يكون المجلس في هذا البيت فقط، إلّا أنّ هذا البيت فقط، إلّا أنّ هذا البيت واسع بحيث يضم الجمع الغفير الذي يحضر كلّ ليلة، وإنّ وسائل الضيافة والتكريم متوفّرة عندهم، فالإختيار إليكم، وأمّا أنا فأينما يتعقد المجلس أحضر إن شاءَ الله تعالى.
الميرزا يعقوب علي خان: أظنّ أنّ الحافظ لا يعرف عادات ورسوم قبيلة قزلباش، ولكن أهل البلد يعرفون ويعلمون بأنّ قبيلتنا يحبّون الضيف ويفرحون به، ويفتخرون بخدمته وخاصّة إذا كان الضيوف علماء ومشايخ وسادة، مثل فضيلة مولانا السيد سلطان الواعظين، ومثل سماحة الحافظ، وحضرات العلماء الحاضرين، والإخوة الأعزّة المحترمين من كلّ الطبقات والأصناف، فأهلاً بكم ومرحباً في كلّ يوم.
الحافظ: أشكركم جميعاً وأستودعكم الله، وإلى اللقاء في الليلة الآتية إن شاء الله تعالى.
المجلس السابع
ليلة الخميس ٢٩/ رجب / ١٣٤٥ هجرية
في أوّل الليل حضر القوم مع علمائهم وبعد السلام والترحيب استقرّوا في مجلسهم وشربوا الشاي افتتح السيّد عبد الحيّ الحديث، فقال: سيدنا الجليل! في مجلسٍ سابق تحدّثتَ عن موضوعٍ، ولمـّا طالبك فضيلة الحافظ محمد رشيد بالدليل، ذهبت بالكلام إلى موضوع آخر وتناسيت طلب الحافظ.
قلت: أرجو أن تتفضّلوا بتوضيح الموضوع، حتّى أبيّن لكم الدليل.
السيّد عبد الحيّ: لقد سبق أن قلتم بأنّ سيّدنا علياً (كرم الله وجهه) كان في اتّحادٍ نفسيّ مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولهذا تعتقدون بأنّ الإمام عليّاً أفضل من جميع الأنبياء سوى النبيّ محمّدصلىاللهعليهوآله .
قلت: نعم، هذا معتقدنا.
السيّد عبد الحيّ: ما هو دليلكم على هذا المعتقد؟
وكيف يمكن اتّحاد شخصين حتى يصبحا نفساً واحدة؟!!
هذا ما طلبه منكم، فضيلة الحافظ، ولم تجيبوا عنه بشيء.
قلت: نحن لا نعتقد بشيء من غير دليل، وقد قلت كراراً: نحن أبناء الدليل حيثما ما مال نميل، سأبين لكم دلائلنا من القرآن والحديث الشريف.
ولكن قبل ذلك أودّ أن أصرِّح بأنّ كلامكم (بأنّي تناسيت طلب الحافظ محمد رشيد، وذهبت بالكلام إلى موضوع آخر) ما هو إلّا سوء الظنّ منكم بالنسبة إليَّ، وإلّا كلّنا يعلم بأنّ البحث أحياناً يأخذ بزماننا ويجرّنا إلى موضوع آخر، كما قيل قديماً: الكلام يجرّ الكلام.
السيّد عبد الحيّ: إنّني أعتذر من سوء التعبير، وأرجو العفو والسماح.
عليعليهالسلام نفسَ رسول الله صلىاللهعليهوآله ؟
قلت: اتّحاد شخصين بالمعنى الحقيقي غير ممكن ومحال عقلاً، ونحن إنّما نقول باتّحاد نفس النبيّصلىاللهعليهوآله ونفس الإمام عليّعليهالسلام مجازاً.
وبيان ذلك: إن المحبّة والمودّة بين شخصين إذا وصلت أعلى مراتبها بحيث تصبح رغباتهم واحد، وجميع الأمور المتعلّقة بالنفس والصادرة عنها تصبح واحدة أو متشابهة ومتماثلة، يعبّر عن النفسين بالنفس الواحدة مجازاً(١) .
____________________
١) لقد نقل أبي الحديد شرح نهج البلاغة: ١٠/٢٢١ ط دار إحياء التراث العربي - بيروت، نقل كلاماً لأبي جعفر النقيب، وقد رأيته مناسباً للمقام فأنقله هنا تعميماً للفائدة:< =
وجاء هذا المعنى في كلمات بعض الأولياء، وفي أشعار بعض الفصحاء والبلغاء.
____________________
= قال في تشابه أخلاق الإمام عليّعليهالسلام بأخلاق رسول اللهصلىاللهعليهوآله : انظروا إلى أخلاقها وخصائصهما، هذا شجاع وهذا شجاع، هذا فصيح وهذا فصيح، هذا سخي جواد وهذا سخي جواد، هذا عالم بالشرائع والأمور الإلهية وهذا عالم بالفقه والشريعة والأمور الإلهية الدقيقة الغامضة، هذا زاهد في الدنيا غير نَهم ولا مستكثر منها، وهذا زاهد في الدنيا تارك لها غير متمتّع بلذّاتها، هذا مذيب نفسه في الصلاة والعبادة، وهذا مثله، وهذا غير محبَّب إليه شيء من الأمور العاجلة إلّا النساء وهذا مثله، وهذا ابن عبد المطّلب بن هاشم وهذا في قعدده (القعدد: القريب الآباء من الجدّ الأعلى) وأبواهما أخوان لأمّ ولأب واحد دون غيرهما من بني عبد المطّلب.
ورُبّيَ محمّدصلىاللهعليهوآله في حجر والد هذا، وهذا أبو طالب فكان جارياً عنده مجرى أحد أولاده،ن ثمّ لمـّا شبّصلىاللهعليهوآله وكبر استخلصه من بني أبي طالب وهو غلام، فربّاه في حجره مكافأة لصنيع أبي طالب به، فامتزج الخُلُقان وتماثلت السجيّتان.
وإذا كان القرين مقتدياً بالقرين، فما ظنُّكَ بالتربية والتثقيف الدائم؟!
فواجب أن تكون أخلاق محمدصلىاللهعليهوآله كأخلاق أبي طالب، وتكون أخلاق عليٍّعليهالسلام كأخلاق أبي طالب أبيه ومحمّدصلىاللهعليهوآله مربّيه، وأن يكون الكلّ شيمة واحدة وسوساً (سوساً واحداً: أصلاً واحداً) واحداً وطينة مشتركة، ونفساً غير منقسمة ولا متجزّئة، وألّا يكون بين بعضِ هؤلاء وبعضٍ فرقٌ ولا فضل، لولا أنّ الله تعالى اختصّ محمداًصلىاللهعليهوآله برسالته واصطفاه لوحيه، لمـّا يعلمه من مصالح البريّة في ذلك، ومن أنّ اللطف به أكمل، والنفع بمكانه أتمّ وأعمّ، فامتاز رسول اللهصلىاللهعليهوآله بذلك عمّن سواه وبقي ما عدا الرسالة على أمر الإتحاد، وإلى هذا المعنى أشارصلىاللهعليهوآله بقوله: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيَّ بعدي» فأبان نفسه منه النبوّة، وأثبت له ما عداها من جميع الفضائل والخصائص مشتركاً بينهما.
«المترجم»
١) القعدد: القريب الآباء من الجدّ الأعلى.
٢) سوساً واحداً: أصلاً واحداً.
كما نجد في الديوان المنسوب إلى الإمام عليّعليهالسلام :
هموم الرجال في أمور كثيرة |
وهمّي في الدنيا صديقٌ مساعدُ |
|
يكون كروح بين جسمين قُسّمت |
فجسمهما جسمان والروح واحدُ |
ولبعض الشعراء:
أنا مَن أهوى ومَن أهوى أنا |
نحنُ روحان حللنا بَدَنا |
|
فإذا أبْصَرْتَني أبْصَرْتَه |
وإذا أبْصَرَتَه كان أنا |
|
روحُهُ روحي وروحي روحُه |
مَن رأى روحيْن حلّا بدنا؟! |
فاتّحاد نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وتعبيرنا بذلك إنّما كان مجازاً لا حقيقة، والمراد أنّ رغبتهما كانت واحدة ونفسيّاتهما كانت متماثلة، وكانا متشابهين في الفضائل النفسية والكمالات الروحية، إلّا ما خرج بالنصّ والدليل.
الحافظ: إذاً أنتم تقولون بأنّ محمّداًصلىاللهعليهوآله وعليّاً (كرم الله وجهه) كانا نبيّين، ولعلّكم تعتقدون بأنّ الوحي نزل عليهما معاً!!
قلت: هذه مغالطة بيّنة منكم، ونحن الشيعة لا نعتقد بهذا، وما كنت أتوقّع منكم أن تكرّروا ما طرحتم من قبل، حتّى أكرّر جوابي، فيصبح مجلس التفاهم والحوار مجلس جدل وتكرار، فيضيع وقت الحاضرين الّذين جاؤا ليستفيدوا من حديثنا وحوارنا، ويعرفوا الحقّ فيتّبعوه.
وقد قلتُ: بأنّا نعتقد أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله و الإمام عليّاًعليهالسلام متّحدان، أي متشابهان في جميع الفضائل النفسية، ومتمثلان في الكمالات
الروحيّة، إلّا ما خرج بالنصّ والدليل، وهو مقام النبوّة الخاصّة وشرائطها، التي منها نزل الوحي عليه، فإنّ الوحي النبويّ خاصّ بحمّد المصطفى دون عليٍّ المرتضى، وقد بيّنا ذلك بالتفصيل ضمن حديثنا في الليالي الماضية، وإذا كنتم قد نسيتم ذلك فراجعوا الصحف التي نشرت تلك المحاورات!
لقد أثبتنا ضمن تفسير حديث المنزلة، أنّ الإمام عليّاًعليهالسلام كان في مقام النبوّة [ وليس بنبي ] لكن كان تابعاً لشريعة سيّد المرسلين، ومطيعاً لخاتم النبيّين محمّدصلىاللهعليهوآله ، ولذا لم ينزل عليه وحيٌ بل نزل على محمّدصلىاللهعليهوآله ، كما أنّ هارون كان نبيّاً في زمن موسى بن عمران إلّا أنّه كان تابعاً ومطيعاً لأخيه موسىعليهالسلام .
الحافظ: لما كنتم تعتقدون بأنّ عليّاً يساوي رسول اللهصلىاللهعليهوآله في جميع الفضائل والكمالات، فالنبوّة وشرائطها لازمة لتلك المساواة؟!
قلت: ربّما يتصوّر الإنسان ذلك من معنى المساواة؛ ولكن إذا فكّر بدقّة في التوضيح الذي قلناه يعرف أنّ الحق غير ما يتصوّره بادىء الأمر، وقد أوضحنا الموضوع في الليالي السابقة وبرهنّا عليه من القرآن الحكيم، فإنّ الله سبحانه يقول:( تِلْکَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) (١) .
ولا شك أن أفضلهم هو أكملهم وخاتمهم الذي قال تعالى في شأنه:( مَا کَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِکُمْ وَ لٰکِنْ رَسُولَ الله وَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) (٢) .
____________________
١) سورة البقرة، الآية ٢٥٣.
٢) سورة الأحزاب، الآية ٤٠.
فالكمال الخاصّ بنبوّة محمّدصلىاللهعليهوآله كان السبب في أنّ الله سبحانه يختم به النبوّة ورسالة السماء، وهذا الكمال الخاصٌّ بهصلىاللهعليهوآله لا يشاركه ولا يساويه فيه أحد، إلّا أنّ سائر كمالاته النفسية وفضائله الروحية قابلة للمشاركة والمشابهة، وكان عليٌّعليهالسلام يشاركه ويماثله فيها.
السيّد عبد الحيّ: هل لكم دليل على ذلك من القرآن الكريم؟
الاستدلال بآية المباهلة
قلت: دليلنا من القرآن الكريم قوله تعالى:( فَمَنْ حَاجَّکَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَکَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَکُمْ وَ نِسَاءَنَا وَ نِسَاءَکُمْ وَ أَنْفُسَنَا وَ أَنْفُسَکُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ الله عَلَى الْکَاذِبِينَ ) (١) .
إنّ كبار علمائكم، وأعلامكم من المحدّثين والمفسّرين، أمثال:
الإمام الفخر الرازي، في «التفسير الكبير».
و الإمام أبي إسحاق الثعلبي، في تفسير «كشف البيان».
وجلال الدين السيوطي، في «الدر المنثور».
والقاضي البيضاوي، في «أنوار التنزيل».
وجار الله الزمخشري، في تفسير «الكشّاف».
ومسلم بن الحجّاج في صحيحه.
وأبي الحسن، الفقيه الشافعي، المعروف بابن المغازلي في المناقب.
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ٦١.
والحافظ أبي نعيم في «حلية الأولياء».
ونور الدين ابن الصبّاغ المالكي، في «الفصول المهمّة».
وشيخ الإسلام الحمويني، في «فرائد السمطين».
وأبي المؤيّد الموفّق الخوارزمي، في المناقب.
والشيخ سليمان الحنفي القندوزي، في «ينابيع المودة».
وسبط ابن الجوزي، في التذكرة.
ومحمد بن طلحة في «مطالب السؤول».
ومحمّد بن يوسف الكنجي القرشي الشافعي، في «كفاية الطالب».
وابن حجر المكّي، في «الصواعق المحرقة».
هؤلاء وغيرهم ذكروا مع اختلاف يسير في الألفاظ، والمعنى واحد، قالوا: إنّ الآية الكريمة نزلت يوم المباهلة وهو ٢٤ أو ٢٥ من ذي الحجّة الحرام.
تفصيل المباهلة
قالوا: دعا النبيّصلىاللهعليهوآله نصارى نجران إلى الإسلام، فأقبلت شخصيّاتهم وأعلامهم وعلماؤهم، وكان عددهم يربو على السبعين، ولمـّا وصلوا المدينة المنوّرة التقوا برسول اللهصلىاللهعليهوآله وجالسوه كراراً وتناظروا معه، فسمعوا حديثه ودلائله على ما يدعوا إليه من التوحيد والنبوّة وسائر أحكام الإسلام، وما كان عندهم ردّ وجواب، ولكن حَلِيَت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها، وخافوا إن أسلموا يفقدوا مقامهم ورئاستهم على قومهم.
فلما رأى النبيّصلىاللهعليهوآله لجاجهم وعنادهم، دعاهم إلى المباهلة حتّى يحكم الله بينهم ويفضح المعاند الكاذب، فقبلوا ولما جاءوا إلى الميعاد، وهو مكان في سفح جبل، وكان النصارى أكثر من سبعين، من علمائهم وساداتهم وكبرائهم، فنظروا وإذا رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد أقبل مع رجل وامرأة وطفلين، فسألوا عنهم بعض الحاضرين، فلمّا عرفوا أنّ الرجل الذي مع النبيّصلىاللهعليهوآله صهره وابن عمّه علي بن أبي طالب، وهو وزيره، وأحبّ أهله إليه، والمرأة ابنتُهُ فاطمة الزهراء، والطفلين هما سبطاه الحسن والحسين.
قال لهم أكبر علمائهم: انظروا إلى محمّد! لقد جاء بصفوة أهله وأعزّهم عليه ليباهلنا بهم، وهذا إنّما يدلّ على يقينه واطمئنانه بحقّانيّته ورسالته السماوية، فليس من صالحنا أن نباهله، بل نصالحه بما يريد من الأموال ولولا خوفنا من قومنا ومن قيصر الروم، ولآمنّا بمحمّد وبدينه.
فوافقه قومه وقالوا: أنت سيّدنا المطاع.
فبعثوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّهم لا يباهلونه، بل يريدون المصالحة معه، فرضي رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالمصالحة وأمر عليّاًعليهالسلام فكتب كتاب الصلح بإملاء النبيّصلىاللهعليهوآله .
فصالحهمصلىاللهعليهوآله على ألفَي حلّة فاخرة، ثمن الواحدة أربعون درهماً، وألف مثقال ذهب، وذكر بنوداً اُخرى.
فوقّع الطرفان على كتاب الصلح.
ولما اعترض النصارى على الأسقف الأعظم ومصالحته مع نبيّ الإسلام، أجابهم قائلاً: والله ما باهل نبيٌّ أهل ملّة إلّا نزل عليهم
العذاب وماتوا عن آخرهم، وإنّي نظرت إلى وجوه أولئك الخمسة: محمّد وأهل بيته، فوجدت وجوهاً لو دعوا الله عز وجلّ باقتلاع الجبال وزوالها لانقلعت وانزالت.
الحافظ: هذا الخبر صحيح، ومنقول في كتبنا المعتبرة، ولا منكر له بين علمائنا، ولكن ما هو ارتباطه بسؤالنا عن دليل اتّحاد نفس عليّ (كرم الله وجهه) مع نفس النبيّصلىاللهعليهوآله ؟!
قلت: ارتباط الخبر بالسؤال كلمة( أَنْفُسَنَا ) في الآية الكريمة.
أولاً: الآية تدلّ على أنّ علياً وفاطمة والحسن والحسينعليهالسلام هم أفضل الخلق وأشرفهم بعد النبيّصلىاللهعليهوآله عند الله تبارك وتعالى، وهذا ما وصل إليه وصرّح به كثير من علمائكم، حتّى المتعصّبين منهم، مثل الزمخشري في تفسيره لآية المباهلة، فقد ذكر شرحاً وافياً عن الخمسة الطيّبين وكشف حقائق ودقائق مفيدة عن فضلهم ومقامهم عند الله سبحانه، حتى قال: إنّ هذه الآية الكريمة أكبر دليل وأقوى برهان على أفضليّة أصحاب الكساء على مَن سواهم.
ورأى البيضاوي والفخر الرازي في تفسير الآية قريب من رأي الزمخشري.
ثانياً: نستنبط من الآية الكريمة أنّ مولانا عليّ بن أبي طالب هو أفضل الخلق وأشرفهم بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لأنّ الله تعالى جعله نفس النبيّصلىاللهعليهوآله إذا إنّ كلمة( أَنْفُسَنَا ) لا تعني النبيّصلىاللهعليهوآله ، لأنّ الدعوة منه لا تصحّ لنفسهصلىاللهعليهوآله ، وإنّما الدعوة من الإنسان لغيره، فالمقصود من( أَنْفُسَنَا ) في الآية الكريمة هو سيّدنا وإمامنا عليّعليهالسلام ، فكان بمنزلة نفس النبيّصلىاللهعليهوآله ، ولذا دعاه وجاء به إلى المباهلة، وذلك بأمر الله سبحانه.
هذا جواب سؤالكم وارتباط الآية الكريمة بالموضوع.
فعليٌّعليهالسلام هو نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله بتعبير القرآن الكريم، وهو تعبير مجازي واتّحاد اعتباري لا حقيقي.
وقد قال الأصوليّون: حمل اللفظ على المعنى المجازي الأقرب أوْلى من حمله على الأبعد.
وفي ما نحن فيه، أقرب المعاني المجازيّة لاتّحاد النفسيْن تساويهما في جميع الأمور النفسية، وتماثلهما في جميع الصفات الكمالية اللازمة لها إلّا ما خرج بالدليل.
وقلنا: إنّ الخارج بالدليل والإجماع، عدم نزول الوحي على الإمام عليّعليهالسلام ، وعدم تساويه مع النبيّصلىاللهعليهوآله في النبوّة الخاصة بهصلىاللهعليهوآله .
الحافظ: لنا أن نقول بأنّ تعبير الآية:( نَدْعُو أَنْفُسَنَا ) تعبير مجازي، وادّعاؤكم في الاتّحاد النفسي المجازي لم يكن أوْلى و أقوى ممّا نقول نحن!
قلت: أرجوكم أن تتركوا المراء والجدال، ولا تضيّعوا وقت المجلس بالقيل والقال، فإنّ العلماء والعقلاء اتّفقوا على أنّ الأخذ بالمجاز الشائع أوْلى وأقوى من الأخذ بالمجاز غير الشائع.
والمجاز الذي نقول فيه بالموضوع هو المعنى الشائع له عند العرب والعجم، فكم من قائل لصاحبه: أنت روحي وأنت كنفسي! ولكي تطمئنّ قلوبكم لهذا المعنى، فإنّي أنقل لكم بعض الأحاديث النبويّة فيه
شواهد من الأحاديث
الأخبار المرويّة والأحاديث النبويّة في هذا المعنى المجازي كثيرة ننقل نماذج منها:
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : عليٌّ منّي وأنا منه، من أحبّه فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبّ الله.
أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في «المسند» وابن المغازلي في المناقب، والموفّق بن أحمد الخوارزمي في المناقب، وآخرون غيرهم.
وقالصلىاللهعليهوآله : عليٌّ منّي وأنا من عليّ، ولا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو عليّ.
أخرجه جماعة، منهم:ابن ماجه في السنن ١/٩٢، والترمذي في صحيحه، وابن حجر في الحديث السادس من الأربعين حديثاً التي رواها في مناقب عليّ بن أبي طالبعليهالسلام في كتابه (الصواعق) وقال: رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه.
و الإمام أحمد في المسند ٤/١٦٤، و محمد بن يوسف الكنجي في الباب ٦٧ من «كفاية الطالب» نقله عن مسند ابن سماك، و «المعجم الكبير» للطبراني.
وأخرجه الإمام عبد الرحمن النسائي في كتابه «خصائص الإمام عليّعليهالسلام ».
وأخرجه الشيخ سليمان القندوزي في الباب السابع من «ينابيع المودّة».
وروى الأخير أيضا في الباب السابع عن عبد الله بن أحمد بن حنبل مسنداً، عن ابن عبّاس: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لأمّ سلمة رضي الله عنها: عليٌّ منّي وأنا من عليّ، لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى، يا أمّ سلمة اسمعي واشهدي! هذا عليٌّ سيّد المسلمين.
وأخرج الحميدي في الجمع بين الصحيحين، وابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: عليٌّ منّي وأنا منه، وعليٌ منّي بمنزلة الرأس من البدن، من أطاعه فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله.
وأخرج الطبري في تفسيره، والمير السيّد علي الهمداني الفقيه الشافعي في المودّة الثامنة من كتابه «مودّة القربى» إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: إن الله تبارك وتعالى أيد هذا الدين بعليٍّ، وإنّه منّي وأنا منه، وفيه أنزل:( أَ فَمَنْ کَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) (١) .
وخصّص الشيخ سليمان القندوزي في كتابه «ينابيع المودّة» باباً بعنوان:
الباب السابع: في بيان أنّ عليّاً (كرّم الله وجهه) كنفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وحديث: عليٌ منّي وأنا منه.
وأخرج فيه أربعة وعشرين حديثاً مسنداً - بطرق شتّى وألفاظ مختلفة لكن متّحدة المعنى - عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال: عليٌّ منّي بمنزلة نفسي.
وفي أواخر الباب ينقل عن «المناقب» حديثاً يرويه عن جابر، أنّه
____________________
١) سورة هود، الآية ١٧.
قال: سمعت من رسول اللهصلىاللهعليهوآله في علي بن أبي طالبعليهالسلام خصالاً لو كانت واحدة منها في رجل كانت تكفي في شرفه وفضله، وهي قولهصلىاللهعليهوآله :
مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه.
وقوله: عليٌ منّي كهارون من موسى.
وقوله: عليٌّ منّي وأنا منه.
وقوله: عليٌّ منّي كنفسي، طاعته طاعتي، ومعصيته معصيتي.
وقوله: حرب عليٍّ حرب الله، وسلم علي سلم الله.
وقوله: وليّ عليّ وليّ الله، وعدوّ عليّ عدوّ الله.
وقوله: عليٌّ حجة الله على عباده.
وقوله: حبّ عليّ إيمان وبغضه كفر.
وقوله: حزب عليّ حزب الله، وحزب أعدائه حزب الشيطان.
وقوله: عليٌّ مع الحقّ والحق معه لا يفترقان.
وقوله: عليٌّ قسيم الجنّة والنار.
وقوله: مَن فارق عليّاً فقد فارقني، ومَن فارقني فقد فارق الله.
وقوله: شيعة عليّ هم الفائزون يوم القيامة.
ويختم الباب بحديث آخر رواه عن المناقب أيضاً، جاء في آخره، أقسم بالله الذي بعثني بالنبوّة، وجعلني خير البريّة، إنّك لحجّة الله على خلقه، وأمينه على سرّه وخليفة الله على عباده.
أمثال هذه الأحاديث الشريفة كثيرة في صحاحكم ومسانيدكم المعتبرة، ولو نظرتم فيها بنظر الإنصاف لأذعنتم أنّها قرائن على المجاز الذي تقوله في اتّحاد نفس المصطفىصلىاللهعليهوآله وعليّ المرتضىعليهالسلام وهي
تؤيّد نظرنا أنّ كلمة( أَنْفُسَنَا ) في آية المباهلة دليل واضح على تقارب نفسَي النبيّ والوصي إلى حدّ التساوي في الكمالات الروحية والتماثل في الصفات النفسية.
فإذا ثبت هذا الأمر، فقد ثبت اعتقادنا بأفضليّة عليّعليهالسلام وتقدّمه على الرسل والأنبياءصلىاللهعليهوآله ما عدا خاتم النبيّين محمّدصلىاللهعليهوآله .
استدلال آخر
جاء في الحديث النبويّ الشريف: علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل.
أخرجه جماعة من أعلامكم، منهم:
الإمام الغزالي في إحياء العلوم، وابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» والفخر الرازي في تفسيره، وجار الله الزمخشري، والبيضاوي، والنيسابوري، في تفاسيرهم.
وجاء في رواية أخرى:
علماء أمّتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل.
فإذا كان علماء المسلمين الّذين أخذوا علمهم من منبع النبوّة ومدرسة الرسالة والقرآن الحكيم كأنبياء بني إسرائيل أو أفضل، فكيف بعليّ بن أبي طالبعليهالسلام الذي نصّ فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله بقوله: أنا مدينة العلم وعليّ بابها(١) ، وأنا مدينة الحكمة وعليٌّ بابها؟!
____________________
١) ألّف ابن الصدّيق المغربي - وهو من علماء العامة - كتاباً حول هذا الحديث وأسماه بـ «فتح الملك العلي بصحّة حديث باب مدينة العلم علي» قال في مقدّمته: <=
. . . . .
____________________
= وأمّا حديث باب العلم فلم أر مَن أفرده بالتأليف، وجّه إليه العناية بالتصنيف، فأفردت هذا الجزء لجمع طرقه، وترجيح قول من حكم بصحّته..
ورواه جمعٌ غفير من أعلام القوم منهم:
١- تاريخ بغداد: ٢ /٣٧٧ و٤/٣٤٨ و١١/٤٨ و٤٩ و٤٨٠.
٢- المعجم الكبير للطبراني: ١١/٦٥/ح ١١٠٦١.
٣- التدوين بذكر أهل العلم بقزوين:٣/٣.
٤- أحسن التقاسيم:١٢٧.
٥- تاريخ ابن عساكر: في ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام : ح رقم ٩٩٤ و٩٩٥.
٦- تاريخ جرجان: ٢٤ ط حيدر آباد.
٧- شواهد التنزيل:٨١.
٨- المفردات - للراغب -:٦٤.
٩- أُسد الغابة: ٤/٢٢.
١٠- الفائق في غريب الحديث: ١/٢٨.
١١- خصائص العشرة: ٩٨ ط بغداد.
١٢- فرائد السمطين: ١/ ٩٨.
١٣- تذكرة الحفاظ: ٤/٢٨ ط حيدر آباد.
١٤- البداية والنهاية: ٧/ ٣٥٨.
١٥- لباب الألباب في فضائل الخلفاء والأصحاب: فصل الأخبار المسندة في عليعليهالسلام .
١٦- وسيلة المتعبّدين: ٢/ ١٦٤.
١٧ - بهجة النفوس: ٢/١٧٥ و٤/٢٤٣.
١٨- لمع الأدلّة - لابن الأنباري -:٤٦.
١٩- نهاية الأرب: ٢٠/ ٦.
٢٠- مجمع الزوائد: ٩/ ١١٤. =
. . . . . ____________________
= ٢١- صبح الأعشى:١٠/٤٢٥.
٢٢- عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ٧/ ٦٣١.
٢٣- تمييز الطيّب من الخبيث: ٤١.
٢٤- مناقب الخلفاء - لمقدسي الحنفي -.
٢٥- جمع الفوائد: ٣/٢٢١.
٢٦- سمط النجوم العوالي: ٤٩١.
٢٧- كشف الخفا: ح رقم ٦١٨.
٢٨- إتحاف السادة المتّقين: ٦/ ٢٤٤.
٢٩- الفتوحات الإسلامية ٢/٥١٠.
٣٠- تاريخ آل محمّد:٥٦.
٣١- مقاصد الطالب - للبرزنجي -.
٣٢- الفتح الكبير ٢/١٧٦ -١٧٧.
٣٣- شجرة النور الزكية ٢/٧١.
٣٤- جامع الأحاديث ٣/٢٣٧.
٣٥ - المستدرك - للحاكم -:٣/١٢٦ و١٢٧ و١٢٩.
٣٦- ميزان الاعتدال: ١/ح رقم ١٥٢٥.
٣٧- الجامع الصغير - للسيوطي: ١/٣٦٤ بالرقم ٢٧٠٥.
٣٨- منتخب كنز العمّال:٥/٣٠.
٣٩- ينابيع المودّة: الباب الرابع عشر.
٤٠- مناقب ابن المغازلي: ح رقم ١٢٠ الى ١٢٩.
٤١- وقد خصّص العلّامة الكنجي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» الباب الثامن والخمسين، بعنوان «في تخصيص عليّعليهالسلام بقولهصلىاللهعليهوآله أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها» فذكر الحديث بإسناده من طرق شتّى بعبارات متعدّدة إلّا أنّها متّحدة المعنى.=
وحلّ وقت العشاء، وبعدما صلّوا صلاة العشاء وانعقد المجلس، بدأت بالكلام قائلاً:
الإمام عليٌّعليهالسلام جامع فضائل الأنبياء
لا شكّ أنّ أنبياء الله سبحانه وهم مَن أرسلهم وبعثهم لهداية عباده كانوا يتخلّقون بأجمل الأخلاق، وكانوا يتّصفون بأحمد الصفات، وكانوا يتزيّنون بأحسن الفضائل والخصال، إلّا أنّ كلاً منهم امتاز بصفة واشتهر بفضيلة حتّى امتاز بها عن الآخرين.
وعليّ بن أبي طالبعليهالسلام جمع كلّ الفضائل التي امتاز بها الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم أجمعين.
وقد شهد بذلك سيّد الرسل وخاتم النبيّين محمّد الصادق الأمينصلىاللهعليهوآله ، كما جاء في مناقب الخوارزمي: ٤٩ و٢٤٥، والرياض النضرة ٢/٢١٧، وذخائر العقبى:٩٣ وغيرها، أنّه قالصلىاللهعليهوآله - مع بعض الاختلافات اللفظية -: من أراد أن ينظر على آدم في علمه وإلى نوح في فهمه وإلى يحيى بن زكريّا في زهده وإلى موسى بن عمران
____________________
وبعده علّق عليه في آخر الباب تعليقاً قيّماً، وختم تعليقه بالسطور التالية:
فقد قال العلماء من الصحابة والتابعين وأهل بيته بتفضيل عليٍّعليهالسلام ، وزيادة علمه وغزارته، وحدّة فهمه، وفور حكمته، وحسن قضاياه وصحّة فتواه، وقد كان ابو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من علماء الصحابة يشاورونهم في الأحكام ويأخذون بقوله في النقض والإبرام، اعترافاً منهم بعلمه و وفور فضله ورجاحة عقله وصحّة حكمه، وليس هذا الحديث في حقّه بكثير، لأنّ رتبته عند الله وعند رسولهصلىاللهعليهوآله وعند المؤمنين من عباده أجلّ وأعلى من ذلك. انتهى.
«المترجم»
في بطشه، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب.
ونقل الشيخ سليمان القندوزي في كتابه «ينابيع المودّة» الباب الأربعين، قال: أخرج أحمد بن حنبل في مسنده وأحمد البيهقي في صحيحه عن ابن الحمراء، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في عزمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في زهده فلينظر إلى علي بن أبي طالب.
قال القندوزي: وقد نقل هذا الحديث في «شرح المواقف» و «الطريقة المحمّدية».
ونقله ابن الصبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة: ١٢١ عن البيهقي أيضاً.
ونقله - مع بعض الاختلافات اللفظية - الإمام الفخر الرازي في تفسيره الكبير، ذيل آية المباهلة.
ومحيي الدين ابن العربي في كتابه اليواقيت والجواهر، المبحث ٣٢: ١٧٢.
ونقله العلّامة الكنجي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» وخصّص له الباب الثالث والعشرين، ثمّ شرحه وعلّق عليه، وإليك ذلك:
روى بإسناده عن ابن عبّاس، قال: بينما رسول اللهصلىاللهعليهوآله جالس في جماعة من اصحابه إذ أقبل عليٌعليهالسلام فلما بَصَرَ به رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: من أراد منكم أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في حكمته، وإلى إبراهيم في حلمه، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب.
وعلّق العلّامة الكنجي بقوله:
قلت: تشبيهه لعليٍّعليهالسلام بآدم في علمه، لأنّ الله علّم آدم صفة
كلّ شيء كما قال عزّ وجلّ:( وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ کُلَّهَا ) (١) فما من شيء ولا حادثة ولا واقعة إلّا وعند عليٍّعليهالسلام فيها علم، وله في استنباط معناها فهم.
وشبّهه في نوح بحكمته - أو في رواية: في حكمه، وكأنّه أصحّ - لأنّ عليّاًعليهالسلام كان شديداً على الكافرين رؤوفاً بالمؤمنين كما وصفه الله تعالى في القرآن بقوله:( وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (٢) وأخبر عزّ وجلّ عن شدّة نوحعليهالسلام على الكافرين بقوله:( رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْکَافِرِينَ دَيَّاراً ) (٣) .
وشبّهه في الحلم بإبراهيمعليهالسلام خليل الرحمن كما وصفه الله عزّ وجلّ بقوله:( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (٤) فكانعليهالسلام متخلّقاً بأخلاق الأنبياء، متّصفاً بصفات الأصفياء. انتهى.
وروى في الرياض النضرة ٢/٢١٨ عن ابن عباس، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه، وإلى نوح في حكمه، وإلى يوسف في جماله، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب.
قال: أخرجه الملّا في سيرته.
والملّا هو عمر بن خضر من كبار علمائكم، توفّي عام ٥٧٠.
وفي الرياض النضرة ٢/٢٠٢ قال: أخرج الملّا في سيرته، قيل: يا رسول الله! كيف يستطيع عليٌّعليهالسلام أن يحمل لواء الحمد؟ فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : وكيف لا يستطيع ذلك وقد اُعطي خصالاً شتّى: صبراً كصبري، و حُسناً كحُسْنِ يوسف، وقوّةً
____________________
١) سورة البقرة، الآية ٣١.
٢) سورة الفتح، الآية ٢٩.
٣) سورة نوح، الآية ٢٦.
٤) سورة التوبة، الآية ١١٤.
كقوّة جبريلعليهالسلام .
وروى السيّد مير علي الهمداني في كتابه «مودّة القربى» المودّة الثامنة، قال: عن جابر، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من أراد أن ينظر إلى إسرافيل في هيبته، وإلى ميكائيل في رتبته، وإلى جبرائيل في جلالته، وإلى آدم في علمه، وإلى نوح في خشيته، وإلى إبراهيم في خُلَّته، وإلى يعقوب في حزنه، وإلى يوسف في جماله، وإلى موسى في مناجاته، وإلى أيّوب في صبره، وإلى يحيى في زهده، وإلى عيسى في عبادته، وإلى يونس في ورعه، وإلى محمد في حَسَبِهِ وخُلقه، فلينظر إلى عليّ، فإنّ فيه تسعين خصلة من خصال الأنبياء، جمعها الله فيه ولم يجمعها في أحد غيره.
نقله الشيخ سليمان القندوزي في ينابيع المودّة ١/٣٠٤ الطبعة السابعة، سنة ١٣٨٤ هجرية ١٩٦٥ ميلادية.
قال: وعدّ ذلك في كتاب «جواهر الأخبار».
وإليك ما رواه كمال الدين القرشي محمد بن طلحة، في كتابه القيّم «مطالب السؤول في مناقب آل الرسولصلىاللهعليهوآله » الفصل السادس، ج ١/٦١، ط دار الكتب، قال:
ومن ذلك ما رواه الإمام البيهقي «رض» في كتابه المصنّف في فضائل الصحابة، يرفعه بسنده إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب.
فقد أثبت النبيصلىاللهعليهوآله لعليٍّعليهالسلام بهذا الحديث، علماً يشبه علم
آدم، وتقوىً تشبه تقوىً نوح، وحلماً يشبه حلم إبراهيم، وهيبة تشبه هيبة موسى، وعبادة تشبه عبادة عيسى، وفي هذا تصريح لعليّعليهالسلام بعلمه وتقواه وحلمه وهيبته وعبادته، وتعلو هذه الصفات إلى أوج العُلا حيث شبّهها بهؤلاء الأنبياء المرسلينعليهمالسلام من الصفات المذكورة والمناقب المعدودة.
مقايسته بالأنبياءعليهمالسلام
لقد حدّثنا المؤرّخون والمحدّثون أنّهعليهالسلام في آخر يوم من حياته الكريمة، حينما كان على فراش الموت والشهادة، حضر عنده جماعة من أصحابه لعيادته، وكان ممّن حضر صعصة بن صوحان، وهو من كبار الشيعة في الكوفة، وكان خطيباً بارعاً، ومتكلّماً لامعاً، وهو من الرواة الثقات حتّى عند أصحاب الصحاح الستّة وأصحاب المسانيد عندكم، فإنّهم يروون عنه ما ينقله الإمام عليّعليهالسلام ، وقد ترجم له كثير من علمائكم مثل ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» وابن سعد في «الطبقات الكبرى» وابن قتيبة في «المعارف» وغيرهم، فكتبوا أنّه كان عالماً صادقاً، وملتزماً بالدين، ومن خاصّة أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام . في ذلك اليوم سأل صعصعةُ الإمامَ عليّاًعليهالسلام قائلاً:
يا أمير المؤمنين! أخبرني أنت أفضل أم آدمعليهالسلام ؟
فقال الإمامعليهالسلام : يا صعصعة! تزكيةُ المرء نفسَه قبيحٌ، ولولا قول الله عزّ وجلّ:( وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّکَ فَحَدِّثْ ) (١) ما أَجَبْتُ.
يا صعصعةُ! أنا أفضل من آدم، لأن الله تعالى أباحَ لآدم كلّ
____________________
١) سورة الضحى، الآية ١١.
الطيّبات المتوفّرة في الجنّة ونهاه عن أكل الحنطة فحسب، ولكنّه عصى ربّه وأكل منها!
وأنا لم يمنعني ربّي من الطيّبات، وما نهاني عن أكل الحنطة فأعرضت عنها رغبةً وطوعاً.
[ كلامهعليهالسلام كناية عن أنّ فضل الإنسان وكرامته عند الله عزّ وجلّ بالزهد في الدنيا وبالورع والتقوى، وأعلى مراتبه أن يجتنب الملاذّ ويُعرض عن الشهوات والطيّبات المباحة - من باب رياضة النفس - حتّى يتمكّن منها، ويمسك زمامها، فيسوقها في طريق الورع والتقوى(١) ].
فقال صعصعة: أنت أفضل أم نوح؟
فقالعليهالسلام : أنا أفضل من نوح، لأنّه تحمّل ما تحمّل من قومه، ولما رأى منهم العناد دعا عليهم وما صبر على أذاهم، فقال:( رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْکَافِرِينَ دَيَّاراً ) (٢) .
ولكنّي بعد حبيبي رسول اللهصلىاللهعليهوآله تحمّلتُ أذى قومي وعنادهم، فظلموني كثيراً فصبرت وما دعوت عليهم(٣) .
____________________
١) قالعليهالسلام في كتابه لعثمان بن حُنيف واليه على البصرة: وإنّما هي نفسي أُروِّضُها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق.
ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، ولُباب هذا القمح، ونسائج هذا القَزّ، ولكن هيهات أن يغلبني هوايَ و يقودنَي جَشعَي إلى تخيَّرِ الأطعمة.. إلى آخر مقاله الثمين.
٢) سورة نوح، الآية ٢٦.
٣) في الخطبة المعروفة بالشقشقية والمذكورة في «نهج البلاغة» يصف سلام الله عليه جانباً من الوضع الذي قاساه فصبر، قال:.. =
[ كلامهعليهالسلام كناية عن أنّ أقربَ الخلق إلى الله سبحانه أصبرُهم على بلائه وأكثرُهم تحمّلاً من جهال زمانه سوءَ تصرفهم، وهو يقابلهم بالحكمة والموعظة الحسنة وبحسن سلوكه وأخلاقه، قربةً على الله تعالى ].
فقال صعصعة: أنت أفضل أم إبراهيم؟
فقالعليهالسلام : أنا أفضل، لأنّ إبراهيم قال:( رَبِّ أَرِنِي کَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَ لٰکِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) (١) .
ولكنّي قلت وأقول: لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً(٢) .
____________________
= وطفقتُ أرتئي بين أنْ أصولَ بيدٍ جذّاء، أو أصبَر على طَخية عمياء، يهرَم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرتُ وفي العين قذىّ، وفي الحلق شجاً، أرى تراثيَ نهباً إلى آخر خطبته البليغة.
«المترجم»
١) سورة البقرة، الآية ٢٦٠.
٢) جاء في كتاب «مطالب السؤول» لمحمد بن طلحة القرشي الشافعي ١/٨٩ ط دار الكتب، قال: وقد كان عليٌّعليهالسلام منطوياً على يقين لا غاية لمداه، ولا نهاية لمنتهاه، وقد صرّح بذلك تصريحاً مبيناً، فقالعليهالسلام : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً.. إلى آخره.
أقول: إعلم يرحمك الله سبحانه، أنّ اليقين على مراتب: علم اليقين، وحقّ اليقين و، وعين اليقين.
فلو شاهد إنسان دخاناً ولم يشاهد النار، علم يقيناً بوجود النار، فلو شاهد النار بعينه حصل له حقّ اليقين، وليس هذا كالذي يمسّ النار بيده فيحس بحرارتها، فهو في عين اليقين، وكان عليٌّعليهالسلام في هذه المرتبة من اليقين بالغيب، قال تعالى:( ألم * ذٰلِکَ الْکِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) . سورة البقرة، الآية ١-٣.
«المترجم»
[ كلامهعليهالسلام كناية عن أنّ مرتبة العبد عند الله سبحانه تكون بمرتبة يقينه، فكلّما ازداد العبد يقيناً بالله عزّ وجلّ وبالمعتقدات الدينية ازداد قرباً من الله سبحانه وتعالى ].
قال صعصعة: أنت أفضل أم موسى؟
قالعليهالسلام : أنا أفضل من موسى لأنّ الله تعالى لمـّا أمره أن يذهب إلى فرعون ويبلّغه رسالته( قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) (١) .
ولكنّي حين أمرني حبيبي رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأمر الله عزّ وجلّ حتّى أبلّغ أهل مكّة المشركين سورة براءة، وأنا قاتلُ كثيرٍ من رجالهم وأعيانهم! مع ذلك أسرعتُ غير مكترث، وذهبت وحدي بلا خوف ولا وجل، فوقفت في جمعهم رافعاً صوتي، وتلوت آيات من سورة براءة، وهم يسمعون!!
[ كلامه كناية عن أنّ فضل الإنسان عند الله سبحانه بالتوكّل عليه عزّ وجلّ والإقدام في سبيل الله وأن لا يخشى العبدُ أحداً إلّا ربّه تعالى شأنه ].
قال صعصة: أنت أفضل أم عيسى؟
قالعليهالسلام : أنا أفضل، لأنّ مريم بنت عمران لمـّا أرادت أن تضع عيسى، كانت في البيت المقدّس، جاءها النداء يا مريم اخرجي من البيت! هاهنا محلّ عبادة لا محل ولادة، فخرجت( فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ ) (٢) ولكن اُمّي فاطمة بنت أسد لمـّا قرب مولدي جاءت
____________________
١) سورة القصص، الآية ٣٣.
٢) سورة مريم، الآية ٢٣.
إلى بيت الله الحرام والتجأت إلى الكعبة، وسألت ربّها أن يسهّل عليها الولادة، فانشقّ لها جدار البيت الحرام، وسمعت النداء: يا فاطمةُ ادخلي! فدخلت ورُدّ الجدار على حاله فولدتني في حرم الله وبيته(١) .
____________________
١) اتّفق العلماءُ على أنّهعليهالسلام وُلد في الكعبة حتّى أنّ الشعراء ذكروا هذه الفضيلة، منهم: إسماعيل الحميري، سيّد الشعراء في القرن الثاني، قال:
ولدته في حرم الإله وأمِنِه |
والبيت حيث فناؤه والمسجدُ |
|
بيضاء طاهرة الثياب كريَمَةٍ |
طابت وطابَ وليدُها والمولِدُ |
وقال محمد بن منصور السرخسي، من شعراء القرن السادس، في قصيدة منها:
ولدته منجبة وكان ولادها |
في جوف الكعبة أفضل الأكنانِ |
وللمرحوم السيّد ميرزا اسماعيل الشيرازي قصيدة موشّحة في ميلاد الإمام عليّعليهالسلام فيها:
هذه فاطمة بنت أسدْ |
أقبلت تحمل لاهوتَ الأبدْ |
|
فاسجدوا ذلاً له فيمن سجدْ |
فله الأملاك خرّت سُجّدا |
إذ تجلّى نوره في آدمِ
إنْ يكنْ يُجعلُ الله البنونْ |
وتعالى اللهُ عمّا يصفونْ |
|
فوليدُ البيتِ أحرى أنْ يكونْ |
لوليِّ البيت حقّاً ولدا |
لا عُزيرٌ لا ولا ابنُ مريمِ
سيّدٌ فاق عُلاً كلّ الأنامْ |
كان إذْ لا كائنٌ وهو إمامْ |
|
شرّف اللهُ بِه البيتَ الحرامْ |
حينَ أضحى لعُلاه مولدا |
فوطا تَربتَهُ بالقدمِ
والقصيدة جميلة جدّاً، تحتوي على نكات لطيفة، وهي طويلة اكتفينا منها بما نقلنا.
وإنّ خبر ولادتهعليهالسلام في الكعبة أمر مشهور، لا ينكره إلّا معاند المتعصّب.
قال الحاكم في المستدرك ٣/٤٨٣: وقد تواترت الأخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه في جوف الكعبة.
وقال الشيخ أحمد الدهلوي الشهير بشاه ولي، وهو والد عبد العزيز الدهلوي، مصنّف «التحفة الإثنا عشرية في الردّ على الشيعة»قال في كتابه «إزالة الخفاء»: <=
[ لا أدري هل هذه المقايسة تنبئ عن أفضلية فاطمة بنت أسد على مريم بنت عمران كما أنّ ابنَها عليّاًعليهالسلام كان أفضل وأشرف عند الله تعالى من عيسى بن مريمعليهالسلام ؟! ربّما ].
بالله عليكم فكّروا قليلاً وأنصِفوا، مع وجود هذه الروايات والأحاديث المنقولة في كتبكم، والمرويّة بطرقكم، هل يجوز أن تقدّموا أحداً على الإمام عليٍّعليهالسلام في الخلافة؟!!
وهل يجوز عند العقلاء والنبلاء تقديم المفضول على الفاضل؟! كما يقول أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٠/٢٢٦: أمّا الذي استقرّ عليه رأي المعتزلة بعد اختلاف كثير بين قدمائهم في التفضيل وغيره، أنّ علياًعليهالسلام أفضل الجماعة، وأنّهم تركوا الأفضل لمصلحة رأوها!
ويقول في صفحة ٢٢٧: وبالجملة أصحابنا يقولون: إن الأمر
____________________
= تواترت الأخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليّاً في جوف الكعبة، فإنّه وُلد يوم الجمعة ثالث عشر من شهر رجب، بعد عام الفيل بثلاثين سنة في الكعبة، ولم يُولد فيها أحدٌ سواه قبله ولا بعده.
وقال شهاب الدين الآلوسي، صاحب التفسير الكبير «روح المعاني» في شرح القصيدة العينية لعبد الباقي العمري الموصلي، عند قوله:
أنت العليُّ الذي فوق العُلا رُفِعا |
ببطن مكّة وسط البيت إذ وُضِعا |
قال: وكون الأمير كرّم الله وجهه وُلد في البيت أمرّ مشهور في الدنيا، وذُكر في كتب الفرقين السُنّة والشيعة - إلى أن قال: - وما أَحْرَى بإمام الأئمة أن يكون وضعه في ما هو قبلة للمؤمنين! وسبحان من يضع الأشياء في مواضعها وهو أحكم الحاكمين.
«المترجم»
كان له [ لعليّ ]عليهالسلام ، وكان هو المستحق والمتعيَّن!
ويقول في شرح الخطبة الشقشقية في شرح نهج البلاغة ١/١٥٧ ط. دار إحياء التراث العربي: لمـّا كان أميرُ المؤمنينعليهالسلام هو الأفضل والأحقّ وعُدل عنه إلى مَن لا يساويه في فضل ولا يوازيه في جهاد وعلم، ولا يماثله في سُؤْدَدٍ وشَرَف، ساغَ إطلاقُ هذه الألفاظ إلى آخره.
فلا ينكرُ أحد تفضيل الإمام عليٍّعليهالسلام على غَيره إلّا عن تعصّبٍ وعناد، وإلا فإنّ أعلامكم المنصفين ذهبوا أيضاً مذهب المعتزلة في ذلك:
فقد روى العلّامة الكنجي الشافعي في «كفاية الطالب» الباب الثاني والستّين، بسنده عن ابن التيمي، عن أبيه، قال: فُضٍّل عليُّ بن أبي طالب على سائر الصحابة بمائة منقبة وشاركهم في مناقبهم.
وقال العلّامة الكنجي، وابن التيمي هو موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي، ثقة وابن ثقة، أَسند عنه العلماء والأثبات ثم ذكر المائة منقبة بالتفصيل(١) .
____________________
١) منها ما رواه في صفحة ١٢٤ - ١٢٥ ط. مطبعة الغري سنة ١٣٥٦ هجرية بإسناده عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رجل لابن عباس: سبحان الله ما أكثر مناقب عليّ وفضائله!! إنّي لأحسبها ثلاثة آلاف، فقال ابن عبّاس رضي الله عنه: أو لا تقول إنّها إلى ثلاثين ألفاً أقرب؟!
ثمّ قال العلّامة الكنجي: خرّج هذا الأثر جماعة من الحفّاظ في كتبهم.
وروى بعدها بإسناده عن محمد بن منصور الطوسي، قال: سمعت الإمام أحمد =
ونقل الشيخ سليمان القندوزي في كتابه «ينابيع المودة» الباب الأربعين، قال: أخرَج موفّق بن أحمد، عن محمد بن منصور، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من الصحابة من الفضائل مثل ما لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
وقال أحمد: قال رجل لابن عبّاس سبحان الله! ما أكثر فضائل عليّ بن أبي طالب ومناقبه! إنّي لأحسبها ثلاثة آلاف منقبة. فقال ابن عبّاس: أَوَ لا تقول إنّها ثلاثين ألفاً أقرب؟!(١) .
____________________
= ابن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله مثل ما جاء لعليّ بن أبي طالب.
ثمّ قال العلّامة الكنجي: قال الحافظ البيهقي: وهو [ عليٌّعليهالسلام ] أهلُ كلَّ فضيلة ومنقبة، ومستحقّ لكلّ سابقة ومرتبة، ولم يكن أحد في وقته أحقّ بالخلافة منه.
«المترجم»
١) أرى من المناسب نقل الرواية التالية التي رواها جماعة من أعلام السُنة، منهم: القندوزي في ينابيع المودّة ١/١٤٣ رواها عن الخوارزمي عن ابن عبّاس.
ورواها المير السيّد علي الهمداني الحنفي في المودّة الخامسة من كتابه «مودّة القربى» عن عمر بن الخطّاب.
ورواه موفّق ابن أحمد في المناقب: ١٨.
والعلّامة الكنجي الشافعي في «كفاية الطالب» الباب الثاني والستّين: ١٢٣.
كلاهما عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لو أنّ الغياض أقلام، والبحر مداد، والجنّ حُسّاب، والإنس كُتّاب، ما أَحْصَوا فضائل عليّ بن أبي طالب.
وعن عمر: لو أنّ البحر مداد والرياض أقلام، والإنس كتّاب، والجنّ حُسّاب، ما أَحْصَوا فضائلك يا أبا الحسن قالها النبيّ لعليّ.
«المترجم»
وقال ابن أبي الحديد في مقدّمة شرح نهج البلاغة ١/١٧ ط. دارإحياء التراث العربي: وما أقول في رجل أقرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله؟! وما أقول في رجل تُعزَى إليه كلّ فضيلة، وتنتهي إليه كلّ فِرقة، وتتجاذبه كلّ طائفة؟! فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها، وسابق مضمارها ومجلّي حَلبتها. كلُّ مَنْ بزغَ فيها بعده فمِنْهُ أَخَذ، ولَهُ أقتفى، وعلى مثاله احتذى.
ويقول في خاتمة المقدّمة: ٣٠: وَجَبَ أن نختصر ونقتصر، فلو أردنا شرحَ مناقبه وخصائصه لاحتجنا إلى كتاب مُفْرَد يماثل حجم هذا، بل يزيد عليه. وبالله التوفيق.
فلا أدري بأيّ عذرٍ أخّروا هذا الرجل الفذّ، والإنسان العبقري، العملاق العظيم، العليّ على البشر بعد النبيّصلىاللهعليهوآله .
ولماذا لم يستشيروه في أمر الخلافة؟!
وهل لهم دليل على تقديم الآخرين عليه؟!
فأنصفوا ولا تتّبعوا التعصّب والعناد!
الحافظ: وأنتم أيضاً أنصِفوا وانظروا هل يجوز لكم أن تنسبوا لأصحاب النبيّعليهالسلام المقرّبين، غصب الخلافة ومخالفة أمر الله والرسول؟!
وكيف تعتقدون بأنّ اُمّة الإسلام اجتمعت على الباطل والضلال؟!!
أمَا قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لا تجتمع اُمّتي على الخطأ؟!
وقالصلىاللهعليهوآله : لا تجتمع اُمّتي على الضلالة.
فلذلك نحن لا نقلّد أسلافنا تقليد الأعمى، ولا نسير خلفهم سيرالحمقى، بل قلّدناهم وأخذنا مذهبهم إطاعةً لأمر النبيصلىاللهعليهوآله حيث صحّح إجماع المسلمين وأيّد كلّ ما أجمعت عليه الصحابة المهتدين.
دعوى: إجماع الأمة على خلافة أبي بكر
قلت: أرجو أن تبيّنوا لنا أدلّتكم على صحّة خلافة أبي بكر؟
الحافظ: إنّ أقوى دليل على إثبات خلافة أبي بكر وصحّتها هو إجماع الأمّة على خلافته.
وأضف على هذا كبر السنّ والشيخوخة، فإن عليّاً (كرّم الله وجه) مع فضله وسوابقه المشرّفة وقُربه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله فإن المسلمين أخّروه لصغر سِنّه.
وأنتم لو فكّرتم قليلاً وأنصفتم لأعطيتم الحقّ للمسلمين، فلا يجوز عقلاً أن يتقدّم في هذا الأمر العظيم شابّ حَدث السنّ مع وجود شيوخ قومه وكبراء أهله..وإنّ تأخَر سيّدنا عليّ لا يكون نقصاً له بل كماله، وإن أفضليّته على أقرانه ثابتة لاننكرها.
ثمّ إنّ المسلمين سمعوا حديثاً رواه عمر بن الخطّاب، قال: لاتجتمع النبوّة والملك في أهل بيت واحد.
ولمـّا كان عليٌّ من أهل بيت النبوّة ما بايعوه..
هذه أسباب تقدُّم أبي بكر وتأخّر عليٍّ في أمر الخلافة.
قلت: إنّ أدلّتكم هذه تضحك الثَّكلَى، وإنّ مثلكم كمثل الذي يغمض عينيه فيصبح كالأعمى، فلا يرى الشمس الطالعة في الضّحى، ويُنكِرُ ضوءَ النهار إذا تجلّى، فافتحوا أعينكم، وانظروا إلى منار
الهدى، واسلكوا طريق الحقّ والتقى، ولاتتّبعوا الهوى، وتَجَنَّبوا المزلق والمهوى، ولا تغرّنّكم الدنيا، فإنّ الآخرة خير وأبقى.
وإنّي أرجوكم أن تقرءوا كتابنا وتدقّقوا النظر في أدلتنا وتعمّقوا الفكر في عقائدنا.
أقول هذا، لأنّي فتّشت أسواق الشام والقاهرة والحجاز والأردن، وغيرها من البلاد الاسلامية التي غالب سكّانها أهل السُنّة أو حكّامها من أهل السُنّة والجماعة، فما وجدت كتب الشيعة في مكتباتها فكأنّكم - مع الأسف - آليتم أن تطالعوا كتب الشيعة، فلا أدري هل حكمتهم عليها بأنّها كتب الضلال فحرّمتم قراءتها؟!!
وإنّي دخلت بيوت كثير من إخواننا أهل السُنّة والجماعة، علمائهم وغير علمائهم، الّذين يهوون مطالعة الكتب ويملكون مكتبات شخصيّة في بيوتهم، فوجدت فيها كتب مختلفة حتّى كتب غير المسلمين من الشرقيّين والغربيّين، ولم أجد كتاباً واحداً من كتب الشيعة!!
بينما نحن في بلادنا نطبع كتبكم وننشرها، وندعو أهل العلم والمثقفين لمطالعتها.
فهذه مدينة النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة في العراق، وهذه مدينة قم ومشهد الإمام الرضاعليهالسلام في إيران، وهي مراكز الشيعة التي فيها حوزاتنا العلمية ومراجعنا الكرام، وكذلك طهران وشيراز وأصفهان، وغيرها من البلاد التي تسكنها الشيعة، فتحت أبواب مكتباتها لعرض كتبكم وبيعها بدون أيّ مانع ورادع.
ولا أجد مكتبة واحدة من مكتباتنا العامّة أو الشخصية تخلو من
كتبكم وصحاحكم ومسانيدكم وتواريخكم وتفاسيركم، لا لحاجة منّا إليها، لأنّ مدرسة أهل البيتعليهمالسلام غنيّة، والأخبار المرويّة عن العترة الطاهرة الهادية تناولت جميع جوانب الحياة وكلّ ما يحتاجه الإنسان في أمر الدين والدنيا.
ولكن نريد أن نحاججكم بكتبكم، ونلزمكم بأقوال علمائكم وآراء أعلامكم، وننقدها نقداً بنّاءً حتّى نصل معكم إلى التفاهم، وكما تجدوني في هذه المحاورات والمناقشات لا أنقل إلّا عن كتبكم ومسانيدكم وصحاحكم وتفاسيركم.
إجماعٌ أم مؤامرة!!
لقد ادّعيتم أنّ إجماع الصحابة هو أقوى دليل على إثبات خلافة أبي بكر وصحّتها. واستدللتم بحديث: لا تجتمع أمّتي على الخطأ، أو لا تجتمع أمّتي على ضلال.
فالأمّة أضيفت إلى ياء المتكلّم، فتفيد العموم كما قال النحويّون، فعلى فرض صحّة الحديث يكون معناه: إنّ أمّتي كلّهم من غير استثناء إذا أجمعوا على أمرٍ فذاك الأمر لا يكون خطأ أو ضلالاً.
وهذا هو الإجماع الذي يتضمّن رأي حجّة الله تعالى في خلقه، لأنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله عزّ وجلّ - كما جاء في روايات الفرقين -.
ثم إنّ هذا الحديث - على فرض صحّته - لا ينخ الأحاديث النبوية والنصوص الجلية في تعريف النبيصلىاللهعليهوآله خليفَتَه في البريّة.
ولو تنزّلنا وسلمنا برأيكم والتزمنا بهذا المقال، بأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لم
يعيّن خليفته بأمرٍ الله العزيز المتعال، وإنّما كان يشير إلى عليّعليهالسلام ويرشّحه للخلافة برأيه الشخصي، وقد فتح على الأمّة باب الاختيار وفسح لهم المجال، وأقر إجماعهم بقولهصلىاللهعليهوآله : لاتجتمع أمّتي على خطأ أو ضلال.
فنقول: إنّ الإجماع الذي أقرّه النبيصلىاللهعليهوآله ما حصل في خلافة أبيبكر ولم يحصل لغيره.
الحافظ: نفي الإجماع على خلافة أبي بكر (رض) أمر غريب!
لأنّه حَكَمَ في الأمّة بعد النبيّصلىاللهعليهوآله أكثر من سنتين من غير مخالف أومنازع، وانقاد له جميع المهاجرين والأنصار، وبهذا حصل الإجماع على خلافته.
قلت: إنّ هذا كلام مغالطة وجدل! لأنّ سؤالي وكلامي كان حول إجماع الأمّة على خلافة أبي بكر في بداية الأمر، حينما اجتمعوا في السقيفة، وهل وافق الحاضرون كلّهم على خلافته؟!
وهل اتّفق رأي المسلمين الّذين كانوا في المدينة المنوّرة على خلافته آنذاك؟!
وهل كان لرأي سائر المسلمين - الّذين كانوا خارج المدينة المنوّرة، حواليها أو بعيدين عنها - أثر في الانتخاب؟!
أم ليس لرأيهم محلٌّ من الإعراب؟!
الحافظ: لا نقول إنّ اجتماع السقيفة كان يمثّل جميع الأمّة، وإن كان فيه كثير من كبار الصحابة، ولكنّ الحاضرين فيها اختاروا أبا بكرٍ، وبعد ذلك وافقهم المسلمون فحصل الإجماع تدريجياً مع مرور الزمن!
قلت: بالله عليكم فكّروا وأنصفوا! هل الإجماع الذي أقرّه
رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حديثه حصل في السقيفة، مع مخالفة سعد بن عبادة الخزرجي وأهله وأنصاره؟!
فهل تكشف واقعة السقيفة عن إجماع الصحابة البررة، أو تنبىء عن مؤامرة مدبّرة؟!
وإذا ما كانت هناك مؤامرة، ولم تتدخّل فيها الأغراض والأطماع، لماذا لم يصبروا حتّى يتحقّق الإجماع؟!
وكلّنا نعلم، بأنّ الأوس قد وافقوا على خلافة أبي بكر لا لمصلحة الإسلام، بل بسبب النزاعات والخلافات التي كانت بينهم وبين الخزرج، وقد كانت لها جذور جاهلية، فلمّا رأوا كفّة سعد بن عبادة قد رجحت وكاد أن يبتزّ الحكم، أسرعوا إلى أبي بكر فبايعوه رغماً لاُنوف مناوئيهم الخزرجيّين.
وأمّا المسلمون خارج السقيفة، لمـّا سمعوا بما حدث في السقيفة ذُهِلوا وبُهِتوا، ثمّ انجرفوا مع التيّار، وكان أكثر الناس في ذلك المجتمع همجاً رعاعاً، ينعقون مع كلّ ناعق، ويميلون مع الريح، وهم الّذين يصفهم الباري عزّ وجلّ بقوله:( وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِکُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئاً وَ سَيَجْزِي الله الشَّاکِرِينَ ) (١) .
وسوف يخاطبهم الله تعالى في جهنم بقوله سبحانه:( لَقَدْ جِئْنَاکُمْ بِالْحَقِّ وَ لٰکِنَّ أَکْثَرَکُمْ لِلْحَقِّ کَارِهُونَ ) (٢) (٣) .
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ١٤٤.
٢) سورة الزخرف، الآية ٧٨.
٣) روى علماؤنا الأعلام وجمع من محدّثي العامة وأعلامهم، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه =
. . . . .
____________________
= قال: «عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ» منهم:
١- الخطيب البغدادي، في تاريخ بغداد ١٤/٣٢١ بسنده عن أبي ثابت مولى أبي ذرّ، عن أُمّ سلمة - أُمّ المؤمنين - رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: عليٌّ مع الحقّ، والحقّ مع عليّ، ولن يفترقا حتّى يَرِدا عَلَيَّ الحوض يوم القيامة.
٢- وأخرج الحافظ الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ٧/ ٢٣٦ بسنده عن سعد بن أبي وقّاص، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله في دار أُمّ سلمة يقول: عليّ مع الحقّ - أو الحقّ مع عليّ - حيث كان.
٣- والحافظ ابن مردويه في «المناقب»..
٤- وكذلك السمعاني في كتاب «فضائل الصحابة» أخرجا بالإسناد عن محمد بن أبي بكر، عن عائشة، أنّها قال - سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، لن يفترقا حتّى يردا عَلَيَّ الحوض.
٥- وأخرج ابن مردويه في «المناقب»..
٦- والديلمي في «الفردوس»، رويا: أنه لمـّا عُقر جمل عائشة ودخلت داراً بالبصرة أتى إليها محمد بن أبي بكر فسلّم عليها فلم تكلّمه، فقال لها: أنشدكِ الله أتذكرين يوم حدَّثتيني عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال: الحقّ لن يزال مع عليّ، وعليّ مع الحقّ، لن يختلفا ولن يفترقا؟!
فقالت: نعم!
٧- وروى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة:٧٠ ط مطبعة الاُمّة بمصر سنة ١٣٢٨ هجرية، قال: وأتى محمد بن أبي بكر فدخل على أُخته عائشة رضي الله عنها، قال لها: أما سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: عليٌّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ، ثمّ خرجت تقاتلينه بدم عثمان؟! =
. . . . .
____________________
= ٨- وأخرج ابن مردويه في «المناقب» عن أبي ذرّ رحمة الله تعالى أنّه سُئل عن اختلاف الناس: فقال: عليك بكتاب الله والشيخ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: عليٌّ مع الحقّ، والحقّ معه علي وعلى لسانه، والحقّ يدور حيثما دار على.
٩- الزمخشري في «ربيع الأبرار» روى
١٠- والعلّامة الحمويني في «فرائد السمطين» روى أيضاً بسنده عن شهر بن حوشب، قال: كنت عند أمّ سلمة رضي الله عنها إذ أستأذن رجل، فقالت له: من أنت؟
قال: أنا أبو ثابت مولى عليّعليهالسلام .
قال: أُمّ سلمة: مرحباً بك يا أبا ثابت،ادخل.
فدخل فرحّبت به ثمّ قالت: يا أبا ثابت! أين طار قلبك حين طارت القلوب مطائرها؟
قال: تبع عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
قالت: وُفِّقت، والذي نفسي بيده لقد سمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: عليٌّ مع الحقّ والقرآن، والحقّ والقرآن مع عليّ، ولن يفترقا حتّى يردا عَليَّ الحوض.
١١- وأخرج العلّامة عبيد الله الحنفي في أرجح المطالب: ٥٩٨ ط لاهور.
١٢- وأخرج الحافظ ابن مردويه في «المناقب».
١٣- وكذلك الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٣٤ ط مكتبة القدسي بالقاهرة، عن أُمّ سلمة أنّها كانت تقول: كان عليٌّ على الحقّ، من اتّبعه اتّبع الحقّ، ومن تركه ترك الحقّ، عهدٌ معهود [كذا] قبل يومه هذا.
قال: رواه الطبراني.
١٤-القندوزي في «ينابيع المودّة» الباب العشرين، عن الحمويني، عن ابن عبّاس =
وأمّا الّذين استقاموا على الدين، وثبتوا في طريق الحقّ واليقين، وتمسّكوا بولاية سيّد الوصيّين، واعتقدوا خلافة وإمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فعددهم قليل، وهم الّذين يصفهم ربّهم سبحانه وتعالى بقوله:( وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّکُورُ ) (١) .
وهم صفوة أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأهل بيته المطهّرون وعترته الطيّبون، وهم الّذين غضبوا من أحداث السقيفة وأعلنوا مخالفتهم لبيعة أبي بكر.
فلذلك نقول إنّ الإجماع - الذي تدّعونه لإثبات وتصحيح خلافة أبي بكر وشرعيّتها - لم يحصل!
الحافظ: يحصل الإجماع ويقع إذا وافق أهل الحلّ والعقد وسنام الأمّة على أمر، وليس من حقّ أيّ مسلم أن ينقض ما أبرموا.
قلت: إنّ هذا التفسير والمعنى لكلمة الإجماع ادّعاء لا دليل عليه، وهو خلاف ظاهر الحديث الذي تمسّكتم به لتشريع الإجماع.
فالحديث يصرّح: لا تجتمع أمّتي على خطأ - أو ضلال -.
____________________
= رضي الله عنهما قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الحقّ مع علي حيث دار.
١٥- أخرج المحدّث الحافظ البخشي في «مفتاح النجا»..
وكذلك عبيد الله الحنفي في ارجح المطالب:٥٩٨ و٥٩٩.
أخرجا عن أبي موسى الأشعري أنّه قال: اشهد أنّ الحقّ مع عليٍّ ولكن مالت الدنيا بأهلها، ولقد سمعت النبيّصلىاللهعليهوآله يقول له: يا عليّ! أنت مع الحقّ، والحقّ بعدي معك.
نكتفي بهذا المقدار وبه كفاية لطالب الحقّ.
«المترجم»
١) سورة سبأ، الآية ١٢.
فكيف استخرجتم هذا المعنى، وخصّصتم الأمّة بأهل الحلّ والعقد والسنام - أي الطبقة العليا من المجتمع - ثمّ ألزمتم الآخرين باتّباع رأي أولئك وإطاعتهم؟!!
والحال أنّ إضافة الأمّة إلى ياء المتكلّم، أو نسبتها إلى ياء النسبة تفيد العموم، فلا يجوز عند النحويّين أن تُخصَّص الأمّة بعدد من الصحابة دون الآخرين.
وحتّى إذا سلّمنا أن الإجماع يحصل بتوافق أهل الحلّ والعقد، فهل الّذين حضروا السقيفة كانوا أهل الحلّ والعقد دون سواهم؟!
أم كان في المدينة وحواليها آخرون من أهل الحلّ والعقد، ولم يحضروا آنذاك في السقيفة؟!
فهلّا أخبروهم بانعقاد ذلك المؤتمر ودعوهم للحضور؟!
وهلا استفسروا عن رأيهم في خلافة أبي بكر؟!
الحافظ: الظروف ما سمحت بذلك، فإذا كان على الشيخين أن ينتظروا رأي جميع أهل الحلّ والعقد الّذين كانوا في المدينة المنوّرة وخارجها، لكانت دسائس المنافقين تعمل عملها، فلذلك لمـّا سمع أبو بكر وعمر (رض) أنّ جماعة من الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، ليتشاوروا في أمر الخلافة، أسرعا إليها وتكلّما استوليا به على الوضع.
ثمّ إنّ عمر - الذي كان رجلاً سياسياً وشيخاً محنّكاً - رأى صلاح الإسلام في أن يُنابيع أبا بكر بالخلافة، فمدّ يده وبايعه، وتبعه أبو عبيدة بن الجرّاح والأَوْسيون.
فلمّا رأى سعد بن عبادة ذلك، خرج من السقيفة غاضباً غير
راضٍ عمّا حصل، لأنّه كان يريد الخلافة لنفسه، وتبعه قومه الخزرجيّون وخرجوا من السقيفة غاضبين.
هذا هو سبب استعجال الشيخين في أمر الخلافة، ولولا اتّخاذهما ذلك الموقف الحاسم في السقيفة لكان الأمر يؤول إلى النزاع بين قبيلتَي الأنصار: الأوس والخزرج.
قلت: ما كان اجتماع الأنصار في السقيفة من أجل تعيين خليفة، بل كانوا بصدد تعيين لأنفسهم، وأخيراً كاد التوافق يحصل بأن يكون للأوس أمير وللخزرج أمير وهو أشبه شيء برئيس القبيلة وشيخ العشيرة.
فهنا اغتنم الشيخان أبو بكر وعمر الفرصة من نزاع القوم، فتقدّم أبو بكر وتكلّم في أمر الخلافة، وتعجّل عمر في بيعته، وإلّا لو كان الاجتماع من أجل تعيين خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآله لكان الاجتماع يضمّ كلّ الصحابة الّذين كانوا في المدينة المنوّرة من المهاجرين والأنصار، وحتّى الّذين كانوا في معسكر أسامة بن زيد خارج المدينة.
فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله في أواخر أيّامه عقد رايةً لأسامة وأَمَرَ المسلمين بالانضمام تحتها، وكرّر الأمر بقولهصلىاللهعليهوآله : أَنْفِذوا جيش أسامة، لعن الله منتخلف عن جيش أسامة!
وكان الشيخان تحت إمْرة أسامة بن زيد، ولكنّهما تخلّفا وتركا المعسكر، فكان المفروض عليهما أن يستشيرا أميرهما في مثل ذلك الأمر الهامّ، ولكنّهما استبدّا بالرأي وما شاوراه!
فلذلك لمـّا سمع بما حدث في السقيفة وأنّ أبا بكر صار خليفة جاء إلى مسجد النبيّصلىاللهعليهوآله واعترض، فاقترب منه عمر قائلاً: لقد انقضى
الأمر وتمّت البيعة لأبي بكر، قم وبايع ولا تشقّ عصا المسلمين! فقام وبايع!
ولكن كان لأسامة أن يقول: لقد جعلني رسول اللهصلىاللهعليهوآله أميراً عليك وعلى أبي بكر ولم يعزلني بعد، فكيف يصبح أميركم الذي أمّره رسول اللهصلىاللهعليهوآله تحت إمْرَتِكم؟!
أَمَا أَمَركما رسول اللهصلىاللهعليهوآله بطاعتي؟! وأَمَرَكم أن تكونا تحت إمرتي؟! فكيف انعكس الأمر؟!!
فإن تقولوا: إنّ المسافة كانت بعيدة بين المدينة والمعسكر والظروف الراهنة ما سمحت للشيخين أن يستشيرا أميرهما أسامة ومن كان تحت رايته منذوي البصائر وأهل الحلّ والعقد!
فما تقولون في بني هاشم الّذين كانوا مجتمعين في بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكذلك الصحابة المقرّبين الذين كانوا آنذاك عند جثمان النبيّصلىاللهعليهوآله يعزّون أهله المصابين بتلك المصيبة العظمى؟!
فلماذا ما استشار أولئك، وبالخصوص عليّ بن أبي طالب و العبّاس(١) عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهما بإجماع المسلمين كانا من أهل
____________________
١) شرح ابن أبي الحديد ١/ ٢١٩ -٢٢١ ط دار احياء التراث العربي بيروت:
روى البراء بن عازب، قال: لم أزل لبني هاشم محبّاً، فلمّا قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عنهم، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله فكنت أتردّد إلى بني هاشم وهم عند النبيّصلىاللهعليهوآله في الحجرة، وأتفقّد وجوه قريش، فإنّي كذلك إذْ فقدت ابا بكر وعمر، و إذا قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة واذا قائل آخر يقول: قد بُويع أبو بكر =
. . . . .
____________________
= فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة، وهم محتجزون بالأُزر الصنعانيّة لا يمرّون بأحد إلّا خبطوه وقدّموه فمدّوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه، شاء ذلك او أبى.
فأنكرت عقلي، وخرجت أشتدّ حتّى انتهيت إلى بني هاشم، والباب مغلق، فضربت عليهم الباب ضرباً عنيفاً، وقلت قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة، فقال العبّاس: تربَتْ أيديكم إلى آخر الدهر، أما إنّي قد أمرتكم فعصيتموني.
قال البراء: فمكثتُ أكابد ما في نفسي، ورأيت في الليل المقداد وسلمان وأبا ذر وعبادة بن الصامت وأبا الهيثم بن التّيهان وحُذيفة وعمّاراً، وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورىً بين المهاجرين.
وبلغ ذلك أبا بكر وعمر، فأرسلا إلى أبي عبيدة والى المغيرة بن شعبة، فسألاهما عن الرأي، فقال المغيرة: الرأي أن تلقوا العبّاس فتجعلوا له ولوله في هذه الإمرة نصيباً، ليقطعوا بذلك ناحية علي بن أبي طالب.
[ أقول: هذا معنى المؤامرة المدبّرة والخديعة والمكر ].
فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة حتّى دخَلوا على العبّاس وذلك في الليلة الثانية على وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه، وقال: إنّ الله ابتعث لكم محمداًصلىاللهعليهوآله نبيّاً وللمؤمنين وليّاً، فَمَنَ الله عليهم بكونه بين ظهرانيهم حتّى اختار له ما عنده، فخلّى على الناس أُمورَهم ليختاروا لأنفسهم متّفقين غير مختلفين، فاختاروني عليهم والياً، ولأمورهم راعياً، فتولّيتُ ذلك، وما أخاف بعوْن الله وتسديده وهَناً ولا حَيرةً ولا جبناً، وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أُنيب.
وما أنفكّ يبلغني عن طاعن يقول بخلاف قول عامّة المسلمين يتّخذكم لجأ فتكونون حصنه المنيع وخطبه البديع =
. . . . .
____________________
= فإمّا دخلتم فيما دخل فيه الناس، أو صرفتموهم عمّا مالوا إليه، فقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً، ولمن بعدك من عقبك، إذ كنت عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وإن كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومكان أهلك،ثمّ عدلوا بهذا الأمر عنكم، وعلى رسلكم بني هاشم، فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله منّا ومنكم.
فتكلّم العبّاس، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ الله ابتعث محمداً نبياً - كما وصفت - ووليّاً للمؤمنين، فمنّ الله به على أمته حتّى اختار له ما عنده، فخلّى الناس على أمرهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين للحقّ، مائلين عن زَيْغ الهوى.
«هذا الكلام من العبّاس، من باب المماشاة، أي على فرض أنّ النبيصلىاللهعليهوآله فخلّى الناس ليختاروا لأنفسهم».
فإنْ كُنْتَ برسول الله طَلبْتَ، فحقَّنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين، فنحن منهم، ما تقدّمنا في أمركم فَرَطاً، ولا حللنا وسطاً، ولا نزحنا شَحَطاً، فإن كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنا كارهين، وما أبعد قولك: إنّهم طعنوا من قولك إنّهم مالوا إليك!
وأمّا ما بذلت لنا، فإن يكن حقّك أعطيتناه فأمسكه عليك، وإن يكن حقّ المؤمنين فليس لك أن تحكم فيه، وإن يكُنْ حقَّنا لم نرض لك ببعضه دون بعض.
وما أقول هذا أروم صرفك عمّا دخلت فيه، ولكن للحجّة نصيبها من البيان.
وأمّا قولك: إنّ رسول الله منّا ومنكم، فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها.
وأمّا قولك ياعمر: إنّك تخاف الناس علينا، فهذا الذي قدّمتموه أوَّل ذلك، وبالله المستعان.
ويحدّثنا ابن قتيبة في كتابه الإمامة والسياسة:١٢ ط مطبعة الأمّة بمصر، فيقولون: ثمّ إنّ عليّاً كرم الله وجهه أُتي به إلى أبي بكر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسول اللهصلىاللهعليهوآله =
الحلّ والعقد في الإسلام وكانا من ذوي البصيرة والرأي، هل المسافة كانت بعيدة؟!! أم الظروف الراهنة ما سمحت؟!!
الحافظ: أظنّ بأنّ الأمر كان خطيراً والخطر كبيراً بحيث لم يمكن
____________________
= فقيل له: بايع أبا بكر.
فقال: أنا أحقّ بهذا الأمر منكم، لا أُبايعكم، وأنتم أَوْلى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبيصلىاللهعليهوآله ، وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً.
ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أَوْلى بهذ الأمر منهم لمـّا كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة، وسلّموا إليكم الإمارة، فإذاً أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار، نحن أوْلى برسول اللهصلىاللهعليهوآله حيّاً وميّتاً، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون! وإلّا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون!
فقال له عمر: إنّك لستَ متروكاً حتّى تبايع.
فقال له عليٌّ: إحلب حلباً لك شطره، وشدّ له اليوم يردده عليك غداً.
ثمّ قال: والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أُبايعه.
فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أُكرهك.
فقال عليٌّ كرّم الله وجهه: اللهَ اللهَ يا معشر المهاجرين! لا تخرجوا سلطان محمّد في العرب من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقّه.
فوالله يا معشر المهاجرين! لنحن أحقّ الناس به لأنّا أهل البيت ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العلم بسنن رسول اللهصلىاللهعليهوآله المتطلع لأمر الرعيّة، الدافع عنهم الأمور السيّئة، القاسم بينهم بالسويّة، والله إنّه لفينا فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحقّ بعداً.
قال بشير بن سعد الأنصاري: لو كان هذا الكلام سَمِعَتْهُ الأنصار منك يا عليّ قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلفت عليك.
«المترجم»
للشيخين ترك السقيفة حتّى لحظة واحدة.
قلت: ولكنّي أقول: إنّ الشيخين ما أرادا أن يخبرا عليّاً وبني هاشم وسائر الصحابة، بل كانا يريدان خلوّ الساحة من أولئك، حتّى يحقّقا أمراً دبّراه فيما بينهما!
الحافظ: وهل لكم دليل على ذلك؟
قلت: أوّلاً: كان بإمكانهما أن يراقبا الوضع في السقيفة ويبعثا أبا عبيدة الجرّاح، فيخبر بني هاشم وسائر الصحابة.
ثانياً: قبل أن يأتي الشيخان إلى السقيفة، كان أبو بكر مع المجتمعين في بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فجاء عمر عند الباب ولم يدخل البيت، فطلب أبابكر وأخبره باجتماع الأنصار في السقيفة، ولم يخبر الآخرين، ثمّ أخذه معه وانطلقا نحو السقيفة.
الحافظ: هذا الخبر من أقاويل الروافض!
قلت: سبحان الله، مالك كلّما عجزتَ عن الجواب، اتّهمت الشيعة وأسأت إليهم بالكلام؟! ولقد تكرّر منك هذا الموقف العنيف، ثمّ ثَبَتَ للحاضرين زيف كلامك وبطلان رأيك هذه المرّة كذلك.
ولكي تعرف الحقيقة فراجع تاريخ محمد بن جرير الطبري - من كبار أعلامكم ومؤرّخيكم في القرن الثالث - ٢/٤٥٦، ونقل عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٢/٣٨ فقال: وروى أبو جعفر أيضاً في التاريخ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لمـّا قُبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة - إلى أن قال: - وسمع عمر الخبر فأتى منزل رسول اللهصلىاللهعليهوآله وفيه أبو بكر، فأرسَلَ إليه: أن أخرج إليّ، فأرسَلَ: إنّي مشغول، فأرسَلَ إليه عمر أن أخرج، فقد حدث أمر لا بُدَّ أن تحضره؛
فخرج فأعلمه الخبر، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة إلى آخر الخبر(١) .
____________________
١) وروى ابن أبي الحديد في الجزء ٦/٤٣ من شرح نهج البلاغة: عن أبي بكر الجوهري، قال: سمعت عمر بن شبّة يحدِّث رجلاً، قال: مرَّ المغيرة بن شعبه بأبي بكر وعمر، وهما جالسان على باب النبيّصلىاللهعليهوآله حين قُبض، فقال: ما يقعدكما؟
قالا: ننتظر هذا الرجل يخرج فنبايعه - يعنيان عليّاً -.
فقال: أتريدون أن تنظروا حبَل الحبَلة من أهل هذا البيت؟! وسِّعوها في قريش تتّسع.
قال: فقاما إلى سقيفة بني ساعدة.
انظر أيّها القارئ الكريم كيف ترك الشيخان أمر النبيصلىاللهعليهوآله بالبيعة لعليٍّ وأخذا بكلام المغيرة، وقد كافأه عمر إذ ولّاه البصرة في خلافته، فزنى فيها بامرأة يقال لها أُمّ جميل، وشهد عليه أربع شهداء ولكن عمر درأ عنه الحدّ.
وتجد تفصل الواقعة في شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد - ١٢/٢٢٧ - ٢٣٩، وهو بعدما يروي الخبر من تاريخ الطبري ومن كتاب الأغاني - لأبي الفرج الأصفهاني - يستنتج فيقول في صفحة ٢٣٩: فهذه الأخبار كما تراها تدلّ متأمّلها على أنّ الرجل - المغيرة - زنى بالمرأة لا محالة.
وكلّ كتب التواريخ والسِّير تشهد بذلك وإنّما اقتصرنا نحن منها على هذين الكتابين.
قال: وقد روى المدائني، أنّ المغيرة كان أزنى الناس في الجاهلية، فلمّا دخل في الإسلام قيّده الإسلام، وبقيت عنده منه بقيّة ظهرت في أيّام ولايته بالبصرة.
أقول: والمغيرة هو الذي أشار على أبي بكر وعمر فقال: الرأي أن تلقوا العبّاس فتجعلوا له ولولده في هذه الإمرة نصيباً؛ ليقطعوا بذلك ناحية عليّ بن أبي طالب إلى آخر الخبر الذي ذكرتُه في ما علّقته قبل هذا التعليق فراجع.
وحسب مطالعاتي لأخبار السقيفة، أرى أنّ المغيرة كان أحد المتآمرين في أمر =
فبأيّ دليل ومنطق، تسمّون هذه الواقعة، إجماع الأمّة أو إجماع أهل الحلّ والعقد؟!
إنّ هذه الطريقة في تعيين رئيس الجمهورية أو أمير القوم أو خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآله تخالف القوانين السماوية والأرضية، وتناقض سيرة العقلاء في العالم وترفضها جميع الأمم والشعوب، لا الشيعة فحسب!
لا إجماعَ على خلافة أبي بكر
أيّها العلماء لو فكّرتم قليلاً وأنصفتم، ثمّ نظرتم إلى أحداث السقيفة وما نجم منها، لأذعنتم أنّ خلافة أبي بكر ما كانت بموافقة جميع أهل الحلّ والعقد، ولم يحصل الإجماع عليها، وأنّ ادّعاء القوم وتمسّكهم بالإجماع فارغ عن المعنى واسم من غير مسمى!
فإنّ إعلان النتيجة في مثل هذه الأمور تُعبَّر برأي الأكثرية والأقلّيّة أو الإجماع.
فلو تشاور قوم في أمر، فوافق أكثرهم وخالف آخرون. فالموافقون أكثرية والمخالفون أقلّيّة.
____________________
= الخلافة، ولا عجب لأنّه ما دخل الإسلام عن بصيرة وإيمان.
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٣/٤٢ ط. دار إحياء الكتب العربية: وقد علم الله تعالى والمسلمون، أنّه لولا الحدث الذي أحدث، والقوم الّذين صحبهم فقتلهم غدْراً، واتّخذ أموالهم، ثمّ التجأ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليعصمَه، لم يُسلم، ولا وطىء حصا المدينة.
انتهى كلام ابن أبي الحديد.
«المترجم»
ولكن إذا وافق كلّهم، بحيث لم يخالف منهم أحد، فقد حصل الإجماع.
والآن أسألكم بالله! هل حصل هذا الإجماع على خلافة أبي بكر، في السقيفة أو في المسجد أو في المدينة.
وحتّى لو تنزّلنا وقلنا: إنّ الملحوظ هو رأي كبار الصحابة وذوي العقل والبصيرة من المسلمين، فهل أجمع كبار الصحابة وعقلاء المسلمين وأهل الحلّ والعقد كلهم على خلافة أبي بكر، بحيث لم يكن فيهم مخالفٌ واحد؟!
الحافظ: قلنا بأنّ الاجماع ما حصل في بادئ الأمر، بل حصل تدريجاً بموافقة المخالفين واحداً بعد الآخر مع طول الزمن.
قلت: وحتّى هكذا - إجماع تدريجي - لم يحصل أيضاً، لأنّ كثيراً من المخالفين بقوا على مخالفتهم لخليفة السقيفة، إلى أن وافاهم الأجل، منهم سيدة نساء العالمين وبنت سيّد المرسلين وحبيبة خاتم النبيّين، فاطمة الزهراءعليهالسلام ، وكانت هي مدار سخط الله سبحانه ورضاه، حيث قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في شأنها:«فاطمة بضعة منّي، يرضى الله لرضاها، ويسخط لسخطها» .
فأعلنت سخطها على الخليفة، ومخالفتها لرأي السقيفة، ورفضت أن تبايع أبا بكر حتّى ماتت وهي واجدة عليه(١) .
____________________
١) قال ابن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسة ١٤ و ١٥ ط. مطبعة الاُمّة بمصر:
فقال عمر لأبي بكر (رض): انطلق بنا على فاطمة فإنا قد أغضبناها!
فانطلقاً جميعا فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما! =
وأحد المخالفين لخلافة أبي بكر، سعد بن عبادة الخزرجي، وهو سيّد قومه، أعلن خلافه لمـّا بعث إليه أبو بكر أنْ أقبِل فبايع فقد بايع الناس.
فقال: أما والله حتى أرميكم بكلّ سهم في كنانتي من نبل، وأخضب منكم سناني ورمحي، وأضربكم بسيفي، ما ملكته يدي، واقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي، ولا والله لو أنّ الجنّ اجتمعت لكم مع
____________________
= فأتيا عليّاً فكلّماه، فأدخلهما عليها، فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط، فسلّما عليها فلم تردّ عليهما السّلام!
فتكلّم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول الله! والله.. إلى آخر كلامه الذي يرويه ابن قتيبة، ثمّ يقول: فقالت [ فاطمة ] أرأيتكما إن حدّثتكما حديثاً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تعرفانه وتفعلان به؟!
قالا: نعم.
فقالت: نشدتكما الله، ألم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟!
قالا: نعم سمعناه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
قالت: فإنّي أُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكوَنّكما إليه!
فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة.
ثمّ انتحب أبو بكر يبكي. .: وهي تقول: والله لأدعونّ عليك في كلّ صلاة أُصلّيها.
هذا ولقد اتّفق المؤرّخون والمحدّثون من أهل السُنّة والشيعة أنّ فاطمة الزهراءعليهاالسلام ماتت وهي ساخطة - وفي بعض الأخبار: واجدة، وفي بعضها: غضبى - على أبي بكر وعمر.
«المترجم»
الإنس ما بايعتكم حتّى أعْرَض على ربّي وأَعْلَم حسابي(١) .
فالإجماع الذي تزعمونه نفاهُ كثير من أعلامكم أيضاً، منهم صاحب كتاب «المواقف» والفخر الرازي وجلال الدين السيوطي وابن أبى الحديد والطبري والبخاري ومسلم بن الحجّاج وغيرهم.
وقد ذكر العسقلاني والبلاذري في تاريخه ومحمد خاوند شاه في «روضة الصفا» وابن عبد البرّ في «الاستيعاب» وغير هؤلاء أيضاً ذكروا: أنّ سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وجماعة من قريش ما بايعوا أبا بكر، وثمانية عشر من كبار الصحابة رفضوا أيضاً أن يبايعوه، وهم شيعة عليّ بن أبي طالب وأنصاره، وذكروا أسماءهم كما يلي:
١- سلمان الفارسي ٢- أبوذرّ الغفاري ٣- المقداد بن الاسود الكندي ٤- اُبيّ بن كعب ٥- عمّار بن ياسر ٦- خالد بن سعيد بن العاص ٧- بريدة الأسلمي ٨- خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ٩- أبو الهيثم بن التيهان ١٠ - سهل بن حنيف ١١- عثمان بن حنيف ١٢- أبو أيّوب الأنصاري ١٣- جابر بن عبد الله الأنصاري ١٤- حذيفة بن اليمان ١٥- سعد بن عبادة ١٦- قيس بن سعد ١٧- عبد الله بن عبّاس ١٨- زيد بن أرقم.
وذكر اليعقوبي في تاريخه فقال: تخلّف قوم من المهاجرين والأنصار عن بيعة أبي بكر، ومالوا مع عليّ بن أبي طالب، منهم العبّاس بن عبد المطلب والفضل بن العبّاس والزبير بن العوّام وخالد بن سعيد بن العاص والمقداد وسلمان وأبو ذرالغفاري وعمّار بن ياسر
____________________
١) الإمامة والسياسة:١١.
والبرّاء بن عازب واُبيّ بن كعب.
أقول:
ألم يكن هؤلاء من صفوة أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله ومن المقرّبين إليه والمكرّمين لديه؟! فلماذا لم يشاوروهم؟!
فإن لم يكن هؤلاء الأخيار من أهل الحلّ والعقد ومن ذوي البصيرة والرأي في المشورة والاختيار، فمن يكون إذن؟!!
وإذا لم يُعبأ برأي أولئك الّذين كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يشاورهم في الأمور ويعتمد عليهم، فبرأي مَن يُعبأ، ورأي مَن يكون ميزاناً ومعياراً لإبرام الأمور المهمّة وحسم قضايا الأمّة؟!
مخالفة العترة لخلافة أبي بكر
لا شكّ أنّ العترة وأهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله هم أفضل الصحابة، وهم في الصفّ الأوّل والمتقدّمين على أهل الحلّ والعقد، وأنّ إجماع أهل البيتعليهمالسلام حجّة لازمة، ليس لأحد من المسلمين ردّهم بدليل الحديث النبويّ الشريف المروي في كتب الفريقين أنّهصلىاللهعليهوآله قال: إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً.
[ ذكرنا بعض مصادره من كتب العامة في مجلس سابق ].
فجعلهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله منار الهدى، وأماناً من الضلالة والعَمى.
وقالصلىاللهعليهوآله : مَثَلُ أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى. [ ذكرنا مصادره في المجلس الثالث من هذا الكتاب ].
وقالصلىاللهعليهوآله : أنا وأهل بيتي شجرة [أصلها] في الجنة، وأغصانها في الدنيا فمن شاء أن يتّخذ إلى ربّه سبيلاً فليتمسّك بها(١) . فجعلهم سبيل الوصول إلى الله سبحانه وتعالى.
وقالصلىاللهعليهوآله : في كلّ خلف من أمّتي عدول من أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالّين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ألا وإنّ أئمّتكم وفدكم إلى الله عزّ وجلّ فانظروا مَن تُوفدون!(٢) .
هذه الأحاديث الشريفة وأمثالها، جاءت في كتبكم، وذكرت فيمسانيدكم وصحاحكم، وهي تشير إلى أنّ المسلمين إذا أطاعوا أهل البيتعليهمالسلام واتّبعوا العترة الهادية سعدوا في الدنيا والآخرة.
واتّفق المؤرّخون والمحدّثون على أنّ أهل البيت وبني هاشم كلّهم تخلّفوا عن بيعة أبي بكر ولم يرضوا بخلافته.
فثبت أنّ دليلكم الأوّل - وهو الإجماع على خلافة أبي بكر - مردود.
تفنيد الدليل الثاني
وأمّا دليلكم الثاني، وهو كبر السنّ، إذ قلتم: إنّهم قدّموا أبابكر في الخلافة لأنّه أكبر سنّاً من عليّ بن أبي طالب.
صحيحٌ أنّ أصحاب السقيفة استدلّوا بهذا الدليل لإقناع الإمام عليّعليهالسلام ليبايع أبا بكر(٣) ولكنّه دليلٌ ضعيف وكلام سخيف.
____________________
١ و ٢) الصواعق المحرقة / ذيل الآية الرابعة / في فضائل أهل البيتعليهمالسلام .
٣) قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ١٢: فقال أبو عبيدة بن الجرّاح له [لعليٍّ كرّم الله <=
فلو كان كبر السنّ ملحوظاً في المنصوب للخلافة، فقد كان في المسلمين والصحابة من هو أكبر سنّاً من أبي بكر، حتّى إن والده أبا قحافة كان حيّاً في ذلك اليوم، فلِمَ أخّروه وقدّموا ابنه؟!!(١) .
الحافظ: إنّ الملحوظ عندنا كبر السنّ مع السابقة في الإسلام.
وقد كان أبو بكر شيخاً محنّكاً في الأمور، ذا سابقة حسنة، وكان مقدَّراً ومحبوباً عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلا يقدّم عليه عليٌّ كرم الله وجهه وهو حديث السنغير محنّك في الأمور.
قلت: إن كان كذلك فلماذا قدّم رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليّاًعليهالسلام عليه في كثير من الأمور والقضايا؟!
منها: في غزوة تبوك، حينما عزم رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يخرج مع المسلمين إلى تبوك وكان يخشى تحرّك المنافقين في المدينة وتخريبهم،
____________________
= وجهه]: يا بن عمّ! إنّك حديث السنّ، وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلّا أقوى على هذا الأمر منك وأشدّ احتمالاً واستطلاعاً، فسلِّم لأبي بكر هذا الأمر، فإنّك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر حليق وحقيق، في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك
فانظر أيّها القارئ الكريم كيف يعترف للامام عليّعليهالسلام بفضله في الدين والعلم والفهم والسابقة والنسب والحسب، ولكن لأنّه حديث السنّ يؤخَّر عن مقامه!!
«المترجم»
١) شرح ابن أبي الحديد ١/٢٢٢، قال: قيل لأبي قحافة يوم وَلي الأمر لابنه: قد ولي ابنك الخلافة. فقرأ:( قُلِ اللهمَّ مَالِکَ الْمُلْکِ تُؤْتِي الْمُلْکَ مَنْ تَشَاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْکَ مِمَّنْ تَشَاءُ ) ثمّ قال: لِمَ ولَّوْه؟ قالوا: لِسِنّه! قال: أنا أسنّ منه!!
«المترجم»
خَلَّفَ علياًعليهالسلام ليدير أمور المدينة المنوّرة، دينياً وسياسياً واجتماعياً، وقال له: أنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي.
وكان عليٌعليهالسلام نِعْمَ الخلف، وخير مدير، وأفضل أمير.
ومنها: تبليغ آيات من سورة براءة لأهل مكّة حين كانوا مشركين، فقد عيّن النبيّصلىاللهعليهوآله أبا بكر لهذه المهمّة وأرسله إلى مكّة وقطع مسافةً نحوها، ولكن الله عزّ وجلّ أمر النبيّصلىاللهعليهوآله أن يعزل أبا بكر ويعيّن عليّاًعليهالسلام لتبليغ الرسالة، ففعل النبيّصلىاللهعليهوآله وأرسل عليّاًعليهالسلام فأخذ الرسالة من أبي بكر، فرجع إلى المدينة وذهب عليٌّعليهالسلام إلى مكّة فوقف في الملأ العامّ من قريش ورفع صوته بتلاوة الآيات من سورة براءة وأدّى تبليغ الرسالة، ونفّذ الأمر، ورجع إلى المدينة(١) .
ومنها: أنّهصلىاللهعليهوآله بعثه إلى اليمن ليهدي أهلها إلى الاسلام،
____________________
١) قال ابن أبي الحديد في شرحه ١٢/٤٦ ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت.
وروى الزبير بن بكّار في كتاب «الموفّقيات» عن عبد الله بن عبّاس، قال: إنّي لأُماشي عمر بن الخطّاب في سكّة من سكك المدينة، إذ قال لي: يا بن عبّاس! ما أرى صاحبك إلّا مظلوماً!
فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها، فقلت: يا أمير المؤمنين! فأردد إليه ظلامته.
فانتَزَعَ يده من يدي ومضى يهمهم ساعة، ثمّ وقف فلحقته، فقال: يا ابن عبّاس! ما أظنّهم منعهم عنه إلّا أنّه استصغره قومه؟
فقلت في نفسي: هذه شرٌّ من الأولى! فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله حين أمَراه أن يأخذ براءة من صاحبك!
فاعرض عنّي وأسرع، فرجعت عنه.
أقول: وروي في الرياض النضرة ٢/١٧٣.
«المترجم»
ويبلّغهم الدين، ويقضي بين المتخاصمين، وقد أدّى هذا الأمر على أحسن وجه.
وأمثال هذه الأخبار كثيرة، لا يسعنا المجال لذكرها، ولكن ذكرنا نماذج منها لتفنيد دليلكم وإبطال قولكم، ولكي يعرف الحاضرون أنّ كبر السنّ والشيخوخة غير ملحوظة في انتخاب خليفة النبيّصلىاللهعليهوآله ، وإنّما الملحوظ كمال عقله وإيمانه، واتّصافه بالصفات الحميدة والفضائل المجيدة، التي تجعله مشابهاً ومماثلاً للنبيّصلىاللهعليهوآله سواءً أكانَ خليفته شيخاً أم شابّاً.
عليٌّعليهالسلام فاروقٌ بين الحقّ والباطل
ودليلنا الآخر على بطلان خلافة أبي بكر أنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام رفض البيعة له وخالف ولايته.
والنبيصلىاللهعليهوآله وصف عليّاًعليهالسلام بأنّه الفاروق بين الحقّ والباطل.
فخلافة أبي بكر التي خالفها عليٌّعليهالسلام باطلة لا محالة.
الحافظ: إنّ عمر بن الخطّاب هو الفاروق الأعظم، وهو أوّل مَن بايع أبا بكر وسعى في تحكيم خلافته.
قلت: الناس لقّبوا عمر بالفاروق، في قبال النبيّصلىاللهعليهوآله إذ لقّب عليّاًعليهالسلام به، وزادوا «الأعظم» في لقب عمر ليؤكّدوه فيه.
الحافظ: وهل لكم دليل على أنّ النبيصلىاللهعليهوآله لقّب عليّاً كرم الله وجهه بالفاروق.
قلت: وهل نقلتُ إلى الآن خبراً في فضل الإمام عليٍّعليهالسلام بغير دليل من كتبكم ومسانيدكم المعتبرة عندكم؟! وهذا الموضوع أيضاً سنده
ودليله في كتبكم المعتبرة ومسانيدكم الموثّقة.
لقد نقل الحافظ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه «ينابيع المودة» باب ٥٦: روى من كتاب «السبعين في فضائل أمير المؤمنين» حديث رقم ١٢، عن أبي ذرّ الغفاري رضي الله عنه، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ستكون من بعدي فتنة، فإن كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب، فإنّه الفاروق بين الحقّ والباطل.
قال: رواه صاحب الفردوس.
و خرّجه أيضاً العلّامة المير السيّد علي الهمداني في كتابه «مودّة القربى» المودة السادسة، عن أبي ليلى الغفاري، عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: ستكون من بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا عليّاً، فإنّه الفاروق بين الحقّ والباطل.
وروى العلّامة الكنجي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» الباب الرابع والأربعين: بإسناده عن أبي ليلى الغفاري، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول:ستكون من بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب، إنّه أوّل من يراني، وأوّل من يصافحني يوم القيامة، وهو معي في السماء العليا، وهو الفاروق بين الحقّ والباطل.
قال الكنجي: هذا حديث حسن عال، رواه الحافظ في أماليه.
وروى أيضاً في الباب بإسناده عن ابن عبّاس، قال: ستكون فتنة، فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله تعالى وعليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو يقول: هذا أوّل من آمن بي، وأوّل من يصافحني، وهو فاروق هذه الأمّة، يفرق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة، وهو
الصدّيق الأكبر، وهو بابي الذي اُؤتي منه، وهو خليفتي من بعدي.
قال الكنجي: هكذا أخرجه محدّث الشام في فضائل عليّعليهالسلام في الجزء التاسع والأربعين بعد الثلاث مائة من كتابه بطرق شتّى وأخرج شيخ الإسلام الحمويني بسنده عن علقمة بن قيس والأسود بن بريدة.
وأخرجه عنهما المير السيّد علي الهمداني في آخر المودّة الخامسة من كتاب «مودّة القربى» باختلاف يسير في أوّله، ونحن ننقل عنه..
قالا: أتينا أبا أيّوب الأنصاري، قلنا: يا أبا أيّوب! إنّ الله تعالى أكرمك بنبيّك إذ أوحى إلى راحلته تَبْرك إلى بابك، فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله صنع لكفضيلة فضّلك بها.
أَخْبِرْنا بمخرجك مع عليّعليهالسلام تقاتل أهل لا إله إلّا الله!
فقال أبو أيّوب: فإنّي أقسم لكما بالله تعالى لقد كان والنبيصلىاللهعليهوآله معي في هذا البيت الذي أنتما فيه معي، وما في البيت غير رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعليٌّ جالس يمينه، وأنس قائم بين يديه، إذ حُرِّك الباب، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : انظر إلى الباب مَن بالباب؟
فقال: يا رسول الله! هذا عمّار.
فقال: افتح لعمّار الطيّب المطيّب.
ففتح أنس الباب، فدخل عمّار على رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
قالصلىاللهعليهوآله : يا عمّار ستكون في أمّتي هنات حتّى يختلف السيف فيما بينهم حتّى يقتل بعضهم بعضاً، فإذا رأيت ذلك فعليك بذلك الأصلع عن يميني - يعني علي بن أبي طالب - إنْ سلك الناس كلّهم وادياً وسلك علي وادياً، فاسلك وادي عليٍّ وخلِّ عن الناس.
يا عمّار! عليٌّ لا يردّك عن هدىً، ولا يدلّك على ردَى.
يا عمّار! طاعة عليٍّ طاعتي، وطاعتي طاعة الله.
أقول: فكانت الفتنة التي أشار إليها رسول اللهصلىاللهعليهوآله وصرَّحَ بها وأَفْصَحَ عنها، وهي اختلاف أصحابه بعده في أمر الخلافة، وقد بيّنصلىاللهعليهوآله ما عليه، من إرشاد أمّته إلى الصراط المستقيم والطريق القويم، بأن يستضيئوا بنور وصيّه وابن عمّه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ويتّبعوه ويأخذوا جانبه، فإنّ الحقّ معه، وكان عليٌّعليهالسلام يخالف بيعة أبي بكر ويرفضها لأنّها باطلة.
ونحن نعتقد أنّ السقيفة وخليفتها ما هي إلّا مؤامرة نفر من قريش، أشهرهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرّاح، وإذا لم تكن مؤامرة مدبّرة بين هؤلاء كان عليهم أن يخبروا الصحابة الآخرين وخاصّة الإمام عليّاً والعبّاس، وكان عليهم أن يشاوروهم ويأخذوا رأيهم. فكان يتعيّن حينئذٍ خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآله على أساس الإجماع.
الحافظ: ما كانت هناك مؤامرة، وإنّما الأوضاع الرّاهنة كانت خطيرة للغاية، بحيث رأوا التعجيل في تعيين الخليفة أمراً ضرورياً لا يجوز تأخيره، وذلك في مصلحة الإسلام والمسلمين حفظاً للدين.
قلت: هل إنّ الثلاثة الّذين سبقوا بني هاشم وغيرهم من ذوي البصيرة والرأي، وحضروا السقيفة، هل كان إحساسهم في حفظ الدين أكثر من العبّاس ومن عليّ بن أبي طالب، مع سوابقه المشرقة في الجهاد والتضحية والذبّ عن الإسلام ونبيّهصلىاللهعليهوآله ؟!!
فإذا لم يكونوا متآمرين في سبيل نيل الخلافة، وما كانوا طامعين
فيها، لكان على اثنين منهم أن يبقيا في السّقيفة ويناقشا الأنصار ويهدّئا الوضع، ويخرج الثالث إلى الصحابة وبني هاشم الّذين كانوا في بيت النبيصلىاللهعليهوآله فيخبرهم باجتماع السقيفة، فكانوا سيشاركونهم فيها ويبدون رأيهم، ولَحَلَّ الوفاق محل الاختلاف.
وصدّقوني أيّها الإخوة، إنّ كل ما نجده اليوم من افتراق المسلمين واختلافهم الذي انتهى إلى ضعفهم وكسر شوكتهم، وما حدثت من نزاعات داخلية بين المسلمين، والحروب الدامية والوقائع المخزية التي نشبت بينهم في الماضي والحاضر، كلّها حصيلة يوم السقيفة ومؤامرة أولئك النفر وتعجيلهم في تعيين الخليفة.
النوّاب: سيدنا الجليل! ما هو السبب في تعجيل القوم؟! وما الذي حداهم إلى عدم إخبار بني هاشم والصحابة الذين كانوا مجتمعين في بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟!
قلت: نحن على يقين أنهم كانوا يعلمون، لو لم يعجّلوا في تعيين أحدهم بالخلافة، ولو صبروا حتّى يحضر بنو هاشم وكبار الصحابة فيشاورهم في تعيين خليفة النبيصلىاللهعليهوآله ويسمع الحاضرون احتجاجهم ما عدلوا عن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام كما أنّ بشير بن سعد الأنصاري، وهو أول من بايع أبا بكر من الأنصار، لمـّا سمع كلام الإمام عليّعليهالسلام وهو يحتجّ على أبي بكر، قال: لو كان هذا الكلام سَمِعَتْهُ الأنصار منك يا عليّ قبل بيعتها لأبي بكر، ما اختلفت عليك!(١) .
____________________
١) الإمامة والسياسة: ١٣ ط. مطبعة الاُمّة بمصر.
وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٦/٢١ عن الزبير بن بكّار،قال: وكان <=
وحتّى عمر بن الخطّاب لم يكن موقناً بنجاح المؤامرة، وأنّ الخليفة الذي سينصّبه هو(١) ويبادر إلى بيعته، سيصبح حاكماً متمكّناً،
____________________
= عامّة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكّون أنّ علياً هو صاحب الأمر بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ونقل ابن أبي الحديد في شرحه ٦/١٩ عن الزبير بن بكّار، جواب زيد بن أرقم، في ردّ عبد الرحمن بن عوف في أوّل يوم من بيعة أبي بكر، إذ قال:
يا معشر الأنصار ليس فيكم مثل أبي بكر ولا عمر ولا عليّ ولا أبي عبيدة!
فقال زيد كلاماً طويلاً، آخره: وإنّا لنعلم أنّ ممّن سمّيت من قريش، مَن لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد، علي بن أبي طالب.
ويقول الاُستاذ عبد الفتّاح عبد المقصود في كتابه «السقيفة والخلافة» صفحة ١٦٠:
فالراجح الذي يقارب اليقين أنّ أغلب المهاجرين، ثمّ أكثر الكثيرين من رفاق محمدصلىاللهعليهوآله على طريق الإيمان منذ بدء الدعوة لهادية، كانوا بعيدين عن مجال هذا الصراع السياسي بين فريقي المتنازعَين يومئذ على السلطان، بعضهم نفوراً منه وبعضهم غفلة عنه، وعامّتهم اطمئناناً يقينياً إلى أنّ خلافة صاحب الرسالة باقية في بيته لا محالة، إذ كانوا لا يشكّون لحظة واحدة في أنّ الولاية على المسلمين مفضية حتماً من بعد محمّدصلىاللهعليهوآله إلى عليّ بن أبي طالب، بحقّ قدره وفضله، وليس فقط بحقّ صهره وقرياه، فهو من علم الناس موئل علمه، ولجأ أمره، وموضع سرّه، ونجي قلبه ولصيق لبّه، وأوْلاهم كافّة - أُمّةً وآلاً - بإمرة المؤمنين بلا مجادلة ونزاع.
«المترجم»
١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١/١٧٤ ط. دار إحياء التراث:
وعمر هو الذي شدّ بيعة أبي بكر ووقم - أذلّ - المخالفين فيها، فكسر سيف الزبير لمـّا جرّده ودفع في صدره المقداد، ووطيء في السقيفة سعد بن عبادة وقال: اقتلوا سعداً، قتل الله سعداً، وحطّم أنف الحبّاب بن المنذر، الذي قال يوم السقيفة: جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب. =
فلذلك كان يقول: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه(١) .
ردّ الدليل الثالث
وأمّا دليلكم الثالث، وهو قول عمر بن الخطّاب بأن النبوّة والحكم لا تجتمعان في أهل بيت واحد، فبطلانه وزيفه واضح، بدليل قوله تعالى:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْکِتَابَ وَ الْحِکْمَةَ وَ آتَيْنَاهُمْ مُلْکاً عَظِيماً ) (٢) .
____________________
= وتوعّد من لجأ إلى دار فاطمةعليهالسلام من الهاشميّين وأخرجهم منها، ولولاه لم يثبت لأبي بكر أمر ولا قامت له قائمة.
انتهى كلام ابن أبي الحديد.
١) قال ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة ٢/٢٦: فأمّا حديث الفلتة، فقد كان سبق من عمر أن قال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه!
ثمّ نقل معنى «الفلتة» في صفحة ٣٦ و٣٧ فقال: ذكر صاحب «الصحاح» أنّ الفلتة الأمر الذي يُعمل فجأة من غير تردّد ولا تدبّر، وهكذا كانت بيعة أبي بكر، لأنّ الأمر لم يكن فيها شورى بين المسلمين، وإنّما وقعت بغتة لم تمحّص فيها الآراء، ولم يتناظر فيها الرجال، وكانت كالشيء المستلب المنتهَب.
أقول: لقد عبّر أبو بكر عن بيعته أنّها كانت «فلتة» قبل عمر، كما روى ذلك ابن أبي الحديد في شرحه ٦/٤٧ عن عمر بن شبّة.. ثمّ قام أبو بكر، فخطب الناس، فأعتذر إليهم، وقال: إنّ بيعتي كانت «فلتة» وقى الله شرّها...
ولا يخفى أن قول عمر بأن تلك البيعة كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها قد نقله البخاري في صحيحه:ج ٤ ص ١٢٧.
«المترجم»
٢) سورة النساء، الآية ٥٤.
فالكلام إن كان يُنسب إلى عمر فهو دليل على عدم إحاطته بالآيات القرآنية ومفاهيمها!
وإن كان عمر يرويه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله فهو حديث مجعول، لأنه مخالف لكتاب الله الحكيم.
ثمّ نحن نعتقد بأنّ الخلافة تالية للنبوة ولازمة لها، فلا يطلق عليها اسم الحكومة والسلطنة، لأنّ سلطنة الخليفة لا تكون كسلطة الملوك وحكومتهم.
ثمّ إنّ خلافة النبوّة عندنا كخلافة هارون لأخيه موسى بن عمران حيث قال سبحانه وتعالى في كتابه:( وَ قَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ ) (١) .
فإن يكن عندكم، أنّه يحقّ للمسلم أن ينفي خلافة هارون لموسى، فإنّه يحقّ له أيضاً عزل عليّعليهالسلام من خلافة خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآله .
فكما إنّ النبوّة والخلافة اجتمعتا في أهل بيت عمران والد موسى وهارون، كما ينصّ القرآن فيه، كذلك اجتمعتا للنبيّصلىاللهعليهوآله وعليّعليهالسلام في بيت عبد المطّلب، بالنصوص الكثيرة، منها: حديث المنزلة، وقد ذكرنا مصادره وتكلّمنا حوله في الليالي الماضية.
ثمّ إنّ عمر بن الخطّاب لمـّا جعل عليّاًعليهالسلام أحد الستّة الّذين عيّنهم في شورى الخلافة من بعده، قد ناقض حديثه بعمله، وإضافةً إلى تناقض عمر، تناقض اعتقادُكم لهذا الحديث، إذ أنّكم إن تعتقدون بصحّة كلام عمر في هذا المجال، فكيف تعتقدون بخلافة عليّعليهالسلام في
____________________
١) سورة الأعراف، الآية ١٤٢.
الدور الرابع؟!! وهذا تناقض بيّن(١) .
____________________
١) قال ابن ابي الحديد في شرح النهج ١٢/٥٢-٥٤ ط دار إحياء التراث العربي:
قال: وروى عبد الله بن عمر، قال: كنت عند أبي يوماً وعنده نفر من الناس، على أن قال: - فقال [ أي أبوه عمر ]: يا بن عبّاس! أتدري ما منع الناس منكم؟!
قال: لا يا أمير المؤمنين.
قال: لكنّي أدري.
قال: ماهو يا أمير المؤمنين؟
قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة، فتجخفوا جخفاً، فنظرتْ قريش لنفسها فاختارت، ووفّقَتْ فأصابتْ.
فقال ابن عبّاس: أيميط أمير المؤمنين عنّي غضبه فيسمع؟!
قال: قُل ما تشاء.
قال: أمّا قول أمير المؤمنين: « إنّ قريشاً كرهت » فإنّ الله تعالى قال لقومٍ:( ذٰلِکَ بِأَنَّهُمْ کَرِهُوا مَا أَنْزَلَ الله فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) سورة محمد: ٩.
وأمّا قولك: « إنّا كنّا نجخف» فلو جخفنا بالخلافة لجخفنا بالقرابة، ولكنّا قوم أخلاقنا مشتقّة من خُلُق رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي قال الله تعالى:( وَ إِنَّکَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) سورة القلم: ٤.
وقال له:( وَ اخْفِضْ جَنَاحَکَ لِمَنِ اتَّبَعَکَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) سورة الشعراء ٢١٥.
وأمّا قولك: فإنّ قريشاً اختارت: فإنّ الله تعالى يقول:( وَ رَبُّکَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَ يَخْتَارُ مَا کَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) سورة القصص:٨٦. وقد علمت يا أمير المؤمنين أنّ الله اختار مِن خلقه لذلك مَن اختار، فلو نظرتْ قريش من حيث نظر الله لها لوُفّقت وأصابت قريش.
فقال عمر: على رسلك يا بن عبّاس، أبتْ قلوبكم يا بني هاشم إلّا غشّاً في أمر قريش لا يزول، وحقداً عليها لا يحول.
فقال ابن عبّاس:مهلاً يا أمير المؤمنين لا تنسب هاشماً إلى الغشّ، فإنّ قلوبهم من قلب رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي طهّره الله وزكّاه، وهم أهل البيت الّذين قال الله =
الشيخ عبد السّلام: إنّ الكلام والنقاش حول هذا الموضوع لا يزيد المسلمين إلّا افتراقاً، وابتعاداً لذلك نقول: كيفما كان الأمر فنحن ما كنّا في ذلك اليوم، وما حضرنا السقيفة حتى نلمس الأمر ونتحسّس الأحداث، فنجد أنفسنا اليوم أمام أمر واقع، وقد حصل عليه الإجماع تدريجاً، فلا يجوز لنا أن نخالفه، بل يجب على كلّ مسلم أن يخضع له ويستسلم للأمر الواقع.
قلت: أمّا نحن فنقول: لا يجوز لأحد من المسلمين أن يعتقد بشيء من غير دليل شرعي، ويجب على كلّ مسلم أن يتّبع الحقّ لا أنّه يستسلم للأمر الواقع، فكم من ضلال وباطل قائم في الدنيا، فهل
____________________
= تعالى لهم:( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَکُمْ تَطْهِيراً ) سورة الاحزاب:٣٣.
وأمّا قولك «حقداً» فكيف لا يحقد مَن غُصِب شيئه ويراه في يد غيره؟!
فقال عمر: أمّا أنت يا بن عبّاس، فقد بلغني عنك كلامٌ أكره أن أُخبرك به فتزول منزلتك عندي.
قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟! أخبرني به فإنْ يكُ باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه، وإنْ يكُ حقّاً فإنّ منزلتي عندك لا تزول به.
قال: بلغني أنّك لا تزال تقول: أُخذ هذا الأمر منكم حسداً وظلماً.
قال: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: «حسداً» فقد حسد إبليس آدم، فأخرجه من الجنة ، فنحن بنو آدم المحسود.
وأمّا قولك: «ظلماً» فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحقّ من هو!
ثمّ قال: يا أمير المؤمنين! ألم تحتجّ العرب على العجم بحقّ رسول الله واحتجّت قريش على سائر العرب بحقّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله فنحن أحقّ برسول الله من سائر قريش.
«المترجم»
يجوز لمسلم أن يتّبعه ويتقبّله، ثمّ يقول: إنّه أمر واقع وليس لنا إلّا أن نستسلم للأمر الواقع؟!
فالإسلام دين تحقيق لا دين تقليد.
قال سبحانه وتعالى:( فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) (١) .
فهل قول عمر أحسن أم قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟!
فهل يجوز لمسلم أن يترك هذه النصوص الجليّة، والأحاديث النبويّة المروية عن طرقكم، والمذكورة في كتبكم المعتبرة عندكم في شأن الإمام عليعليهالسلام ، وأنّ الحقّ بجانبه وهو مع الحقّ متلازمان لا يفترقان، ثمّ يتمسّك بقول عمر بن الخطّاب فيعتقد بخلافة أبي بكر، مع العلم بأنّ عليّاًعليهالسلام أعلن بطلانها، وهو علمُ الهدى والكمال، والفاروق، بين الحقّ والضلال، فلذلك تبعه بنو هاشم و كثير من الصحابة، فأبوا أن يبايعوا لأبي بكر.
[ علا صوت المؤذّن لصلاة العشاء فقطعنا الحديث، وبعد الفراغ من صلاة العشاء وبعد تناول الشاي ]...
افتتح الحافظ الكلام قائلاً: لقد كرّرتم الكلام بأنّ عليّاً كرم الله وجهه وبني هاشم وكثير من الصحابة رضي الله عنهم، لم يرضوا بخلافة أبي بكر ولم يبايعوه، ونحن نرى التواريخ كلّها اتّفقت على أنّ سيّدنا عليّاً وبني هاشم وجميع أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله بايعوا أبا بكر.
قلت: نعم بايعوا.. ولكن كيف تمّت البيعة؟!
____________________
١) سورة الزمر، الآية ١٧-١٨.
أما قرأتم في كتب التاريخ والحديث أنّ عليّاًعليهالسلام وبني هاشم وكثيراً من كبار الصحابة، ما بايعوا إلّا بعد ستّة اشهر بالتهديد والجبر، إذ جرّدوا السيف على رأس الإمام عليّعليهالسلام وهدّدوه بالقتل إن لم يبايع!
الحافظ: إنّي أعجب من جنابك، كيف تتفوّه بهذا الكلام الذي ما هو إلّا أساطير جهلة الشيعة والعوامّ، وقد أكّد غير واحد من المؤرّخين أنّ سيّدنا عليّاً كرم الله وجه بايع أبا بكر في أوان خلافة طوعاً و رغبة، كرم الله لخلافة أبي بكر في خطبة خطبها من غير جبر وإكراه.
قلت: ولكنّ الخبر الذي اتّفق عليه أعلامكم من أصحاب الصحاح والمؤرّخين، وصرّحَ به البخاري في صحيحه ٣/٣٧ باب غزوة خيبر، ومسلم بن الحجّاج في صحيحه ٥/١٥٤ باب قول النبيّصلىاللهعليهوآله : لا نورث، مسلم بن قتيبة في الإمامة والسياسة: ١٤، والمسعودي في مروج الذهب ١/٤١٤، وابن أعثم الكوفي في الفتوح، وأبو نصر الحميدي في الجمع بين الصحيحين، أخرجوا: أنّ علياً وبني هاشم لم يبايعوا إلّا بعد ستّة أشهر.
وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٦/٤٦ عن الصحيحين عن الزهري، عن عائشة...... فَهَجَرَتْهُ [ أبا بكر ] فاطمة ولم تكلّمه في ذلك حتّى ماتت، فدفنها عليٌّ ليلاً، ولم يُؤْذنِ بها أبا بكر، وفي الخبر: فمكثت فاطمة ستّة أشهر ثمّ توفّيت.
فقال رجل للزهري: فلم يبايعه عليٌّ ستّة اشهر؟!
قال: ولا أحد من بني هاشم، حتّى بايعه عليٌّ.
وذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة، صفحة ١٣(١) ، تحت عنوان «كيف كانت بيعة عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه» قال: وإنّ أبا بكر (رض) تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليّ كرّم الله وجهه، فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار عليّ، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرّقنها على من فيها!
فقيل له: يا أبا حفص! إنّ فيها فاطمة!
فقال: وإنْ
وبعد عدّة أسطر يقول: فدقّوا الباب فلمّا سمعت أصواتهم، نادت بأعلى صوتها: يا أبتِ يا رسول الله! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب وابن أبي قحافة!
فلمّا سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا(٢) عليّاً فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع.
فقال: إنْ لم اُبايع فمه؟!
قالوا: إذاً والله الذي لا إله إلّا هو نضرب عنقك!
قال: إذاً تقتلون عبدَ الله وأخا رسوله.
قال عمر: أمّا عبد الله فنعم، وأمّا أخو رسوله فلا.
وأبو بكر ساكتٌ لا يتكلّم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟!
____________________
١) من الطبعة القديمة، وفي ص ٣٠ من الطبعة المصرية.
٢) أيّها القارىء الكريم! إنّ ابن قتيبة في نقله يراعي جانب الشيخين، فلا ينقل الخبر بتمامه، فلا يقول كيف أخرجوا عليّاً، فالإخراج حصل بعدما اقتحموا الدار وهجموا، وكانت فاطمة خلف الباب، فعُصرت وصار ما صار، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
«المترجم»
فقال: لا أكرهه على شيء ما دامت فاطمة إلى جنبه.
فلحق عليٌّ بقبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله يصيح ويبكي وينادي( قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ کَادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (١) .
بعدما سمعت هذا الخبر، إعلم بأنّ كلامك كذب وزور وافتراء علينا، لأنّك تعلم بأنّ هذا الخبر ليست من أساطير جهلة الشيعة وعوامّهم، بل ممّا نقله كثير من أعلامكم وعلمائكم في كتبهم المعتبرة لديكم.
واعلم أنّ مسؤوليّتكم - أنتم العلماء - خطيرة تجاه الجهلة والعوام، لأنّهم يأخذون منكم وينقلون عنكم، وقد قيل: إذا فسد العالِم فسد العالَم.
الحافظ: مقصودنا من أساطير الشيعة، هي الأخبار الكاذبة التي وضعوها، مثل هجوم القوم على بيت فاطمة الزهراء، وحرق الباب، وضربها حتّى سقط جنينها، وأنّ علياً أخرجوه من الدار قهراً، وأخذوا منه البيعة جبراً، وأمثال هذه الأخبار المجعولة التي تتناقلها الشيعة في مجالسها بِلَوْعة وحنين وحرقة الواله الحزين.
قلت: إمّا أنّ معلوماتكم التاريخية ومطالعاتكم لهذه القضايا ضعيفة، وإما تعرفون وتحرّفون!
ثمّ تبعاً لأسلافكم، تتّهمون الشيعة المظلومين بوضع الأخبار وجعل الحديث، وأتباعكم الغافلون يصدّقونكم فيحسبون الشيعة كذلك، بينما هذه الأخبار التي تنكرها وتقول إنّها أساطير الشيعة، كلّها مذكورة في كتبكم، ومنقولة من طرقكم ورجالكم.
وسأنقل بعضها، حسب اقتضاء الوقت والمجلس، حتّى يعرف
____________________
١) سورة الأعراف، الآية ١٥٠.
الحاضرون المنصفون، صدق كلامي، ويتبيّن لهم، أنّك حائف، وكلامك زائف، ومقالك جائف.
وثائق تاريخية
لقد أشار المحدّثون والمؤرّخون إلى هذه الحوادث الأليمة في الأخبار، وبعضهم صرّحوا وشرحوها بالتفصيل وبعضهم باختصار، بحيث لم يبق لأحد مجال للإنكار، وإليكم بعض الوثائق التاريخية التي تكون عندكم محلّ الوثوق والاعتبار:
١- أحمد بن يحيى البغدادي، المعروف بالبلاذري، وهو من كبار محدّثيكم، المتوفّي سنة ٢٧٩، روى في كتابه أنساب الأشراف ١/٥٨٦، عن سليمان التيمي، وعن ابن عون: أنّ أبا بكر أرسل إلى عليّعليهالسلام ، يريد البيعة، فلم يبايع.
فجاء عمر ومعه فتيلة - أي شعلة نار - فتلقّته فاطمة على الباب. فقالت فاطمة: يا بن الخطّاب! أتراك محرّقاً عَلَيَّ بابي؟!
قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك!!
٢- روى ابن خذابه في كتابه «الغدر» عن زيد بن أسلم قال: كنتُ مِن مَن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة حين امتنع عليٌّ وأصحابه مِن البيعة، فقال عمر لفاطمة: أخرجي كلّ مَن في البيت أو لأحرّقنّه ومَن فيه!
قال: وكان في البيت علي وفاطمة والحسن والحسين وجماعة من أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآله .
فقالت فاطمة: أفتحرق عليَّ ولدي!!
فقال عمر: إي والله، أو ليخرجنّ وليبايعنّ!!
٣- ابن عبد ربّه في العقد الفريد ٢/ ٢٠٥ ط المطبعة الأزهرية، سنة ١٣٢١ هجرية، قال: الّذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر، عليٌّ، والعبّاس، والزبير، وسعد بن عبادة.
فأمّا عليٌّ والعبّاس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتّى بعث إليهم أبو بكر، عمرَ بن الخطّاب ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم!
فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة، فقال: يا بن الخطّاب: أجئت لتحرق دارنا؟!
قال: نعم، أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأمّة!!
٤- محمد بن جرير الطبري في تاريخه ٣/٢٠٣ وما بعدها، قال: دعا عمر بالحطب والنار وقال: لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنّها على مَن فيها.
فقالوا له: إن فيها فاطمة!
قال: وإنْ!!
٥- ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٢/٥٦ روى عن أبي بكر الجوهري، فقال: قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أنّ سعد بن أبي وقّاص كان معهم في بيت فاطمةعليهاالسلام ، والمقداد بن الأسود أيضاً، وأنّهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليّاًعليهالسلام ، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، وخرجت فاطمةعليهاالسلام تبكي وتصيح.. إلى آخره.
وفي صفحة ٥٧: قال أبو بكر: وحدّثنا عمر بن شبّة بسنده عن الشعبي، قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟! فقيل عند عليٍّ وقد
تقلّد سيفه.
فقال: قم يا عمر! قم يا خالد بن الوليد! انطلقا حتّى تأتياني بهما.
فانطلقا، فدخل عمر، وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟!
فقال: نبايع عليّاً.
فاخترطه عمر فضرب به حجراً فكسره، ثمّ أخذ بيد الزبير فأقامه ثمّ دفعه وقال: يا خالد! دونكه فأمسكه.
ثمّ قال لعليٍّ: قم فبايع لأبي بكر!
فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة وقالت: يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله! ......إلى آخره.
وقال ابن الحديد في صفحة ٥٩ و٦٠: فأمّا امتناع عليٍّعليهالسلام من البيعة حتّى أُخرِجَ على الوجه الذي أُخرج عليه. فقد ذكره المحدّثون ورواه أهل السير، وقد ذكرنا ما قاله الجوهري فيلا هذا الباب، وهو من رجال الحديث ومن الثقات المأمونين، وقد ذكر غيرهُ من هذا النحو ما لا يحصى كثرة.
٦- مسلم بن قتيبة بن عمرو الباهلي، المتوفّى سنة ٢٧٦ هجرية، وهو من كبار علمائكم له كتب قيّمة منها كتاب «الإمامة والسياسة» يروي في أوّله قضية السقيفة بالتفصيل، ذكر في صفحة ١٣ قال: إنّ أبا بكر تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليّ كرّم الله وجهه فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار عليٍّ، فأبوا أن يخرجوا، فدعا
بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرّقنّها على مَن فيها.
فقيل له: يا أبا حفص! إنّ فيها فاطمة! فقال: وإن! إلى آخره.
٧- أبو الوليد محبّ الدين بن شحنة الحنفي، المتوفّي سنة ٨١٥ هجرية، وهو من كبار علمائكم، وكان قاضي حلب، له تاريخ «روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر» ذكر فيه موضوع السقيفة، فقال: جاء عمر إلى بيت عليّ بن أبي طالب ليحرقه على مَن فيه.
فلقيته فاطمة، فقال عمر: أدخلوا في ما دخلت الأمّة إلى آخره(١) .
____________________
١) وجدت مصادر أُخرى إضافة إلى ما ذكرها السيّد المؤلّف رحمه الله، أذكرها لتكون الحجّة أقوى وأثبت:
١) عمر رضا كحّالة، ذكر في كتابه أعلام النساء ٤/١١٤، قال: وتفقد أبو بكر قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليّ بن أبي طالب، كالعبّاس والزبير وسعد بن عبادة، فقعدوا في بيت فاطمة، فبعث أبو بكر عمر بن الخطّاب فجاءهم عمر فناداهم وهم في دار فاطمة، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على مَن فيها.
فقيل له: يا أبا حفص! إنّا فيها فاطمة.
قال: وإنْ!
٢) ونقل هذا الخبر في تاريخ أبي الفداء ١/١٥٦.
٣) وشهيرات النساء ٣/٣٣.
٤) الدكتور عبد الفتّاح عبد المقصود، ذكر في كتابه «السقيفة والخلافة» ص ١٤، ط مكتبة في القاهرة، بعدما يسرد الأخبار المتضاربة يقول: ثمّ تطالعنا صحائف =
هذه نماذج من الأخبار المرويّة في كتبكم، حتّى إنّ بعض شعرائكم المعاصرين ذكر الموضوع في قصيدة يمدح فيها عمر بن الخطّاب، وهو حافظ إبراهيم المصري المعروف بشاعر النيل، قال في قصيدته العمريّة:
وقولة لعليٍّ قالها عمر |
أكرِم بسامعها أعظم بملقيها |
|
حرّقتُ دارَك لا أبقي عليك بها |
إنْ لم تبايعْ وبنت المصطفى فيها |
|
ما كان غير أبي حفصٍ يفوه بها |
أمام فارس عدنان وحاميها |
الحافظ: هذه الأخبار كلّها تنبئ بأنّ عمر بن الخطّاب أمر بالحطب وجاء بالنار وهدّد بإحراق البيت على مَن فيه، ليفرّق اجتماع المخالفين لبيعة الخليفة، فأراد أن يرهبهم ويخوّفهم.
ولكنّكم زدتم أخباراً لا أصل، فقلتم إنّهم أحرقوا الباب وعصروا فاطمة وضربوها حتّى أسقطوا جنينها المسمّى محسّناً.
هذه الأخبار، من أكاذيب الشيعة ولا أصل لها أبداً، وما أظنّ
____________________
= ما أورد المؤرّخون بالكثير من أشباه هذه الأخبار المضطربة التي لا نعدم أن نجد بينها من عنف عمر ما يصل به إلى الشروع في قتل عليّ، أو إحراق بيته على مَن فيه.
فلقد ذُكر أنّ أبا بكر أرسل عمر بن الخطّاب ومعه جماعة بالنار والحطب إلى دار عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين ليحرقوه بسبب الامتناع عن بيعته، فلمّا راجع عمر بعضُ اناس قائلين: إنّ في البيت فاطمة!
قال: وإنْ!
«المترجم»
أحداً من المؤرّخين ذكرها.
قلت: أسأل الله تعالى أن يهديك إلى الحقّ ويكشف لك الحقيقة، إنّك نسبتنا إلى الكذب، وافتريت علينا جَعْلَ الأخبار غير مرّة، وفي كلّ ذلك اتّضح للحاضرين زيف كلامك وبطلان رأيك، وفي هذه المرّة أيضاً، أذكر مصادر هذه الأخبار التي تنكرها، من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشتهرة، حتّى يعرف الحاضرون صدقنا، وتعترف أنت بأنّ الحقّ معنا.
فاجعة سقط الجنين
١- ذكر المسعودي صاحب تاريخ «مروج الذهب» المتوفّي سنة ٣٤٦ هجرية، وهو مؤرّخ مشهور ينقل عنه كلّ مؤرّخ جاء بعده، قال في كتابه «إثبات الوصيّة» عند شرحه قضايا السقيفة والخلافة: فهجموا عليه [ عليّعليهالسلام ] وأحرقوا بابه، واستخرجوه كرهاً وضغطوا سيّدة النساء بالباب حتّى أسقطت محسّناً!!
نعم، إنّ إسقاط جنين فاطمةعليهاالسلام وقتل ولدها «محسّن» عند هجوم القوم لأخذ البيعة من الإمام عليٍّعليهالسلام ، أمرٌ ثابت، إلّا أنّ أكثر مؤرّخيكم سكتوا عنه ولم ينقلوه، لحبّهم للشيخين، وستراً على سوء فعلهما وهتكهما لبيت الرسالة وحريم العترة، ومع ذلك فقد جرت أقلام بعضهم وسجّلت ما حدث وجرى، لأنّ الله سبحانه يريد أن يتمّ الحجّة عليكم وعلى كلّ المسلمين، ويريد أن يكشف الحقائق للجاهلين والغافلين، فاستمعوا أيّها الحاضرون!
٢- قال الصفدي في كتاب «الوافي بالوفيات ٦/٧٦» في حرف
الألف، عند ذكر إبراهيم بن سيّار، المعروف بالنظّام، ونقل كلماته وعقائده، يقول: إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت المحسّن من بطنها!
٣- ونقل أبو الفتح الشهرستاني في كتابه الملل والنحل ١/٥٧: وقال النظّام(١) : إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت الجنين من بطنها. وكان يصيح [عمر]: احرقوا دارها بمَن فيها!!
وما كان في الدار غير عليّ وفاطمة والحسن والحسين.
انتهى كلام الشهرستاني.
٤- ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٤/١٩٣ ط. دار احياء الكتب العربية، بعدما ينقل خبر هبّار بن الأسود وترويعه زينب بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى أسقطت جنينها، فأباح النبيصلىاللهعليهوآله دم هبّار لذلك. قال:
وهذا الخبر أيضاً قرأته على النقيب أبي جعفر رحمه الله فقال: إذا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أباح دم هبّار بن الأسود لأنّه روّع زينب فألقت ذا بطنها، فظهر الحال أنّه لو كان حيّاً لأباح دم من روّع فاطمة حتّى ألقت ذا بطنها إلى آخره.
هذه البعض المصادر التي ظفرنا بها في نقل الأخبار التي تنكرونها وتتّهمون الشيعة المؤمنين بجعلها!
الحافظ: في نظرنا أنّ نقل هذه الأخبار لا فائدة فيها سوى التفرقة وتشتّت المسلمين.
____________________
١) توفّي النظّام سنة ٢٣١ هجرية. «المترجم»
يلزم الدفاع عن المظلوم وإثبات حقّه
قلت:
أوّلاً: قولوا لعلمائكم ومؤرّخيكم لماذا ذكروا هذه الأخبار! ثمّ ردّوا على شاعر النيل قصيدته العُمَريّة وعاتبوه عليها وحاكموه على تلك الأبيات التي يتفاخر فيها ويتباهى بتلك الوقائع الأليمة والفجائع العظيمة ويعدّها من فضائل القوم!!
ثانياً: وأمّا نحن فننقلها عنكم لإقامة الحجّة عليكم( فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) (١) ولكي لا ينحرف التاريخ، فنعرف الحقّ حقّاً والباطل باطلاً، والمظلوم مظلوماً والظالم ظالماً.
ثالثاً: نحن ننقل هذه الأخبار عندما نواجه هجماتكم وحملات بعض المنسوبين إليكم من أصحاب الأقلام التي ما هي إلّا أجيرة للأعداء لتبث البغضاء والشحناء بين المسلمين، فتتّهم الشيعة الأبرياء والمؤمنين الأوفياء بالكفر والشرك! وتحرّك علينا مشاعر العامة وخاصة الجاهلين والغافلين.
ونحن دفاعاً عن مذهبنا ومعتقدنا، نبيّن الوقائع، ونكشف عن الحقائق، حتّى يعرف الجميع أنّ عليّاًعليهالسلام مع الحقّ والحقّ معه، ونحن أتباعه وشيعته، نشهد أنّ لا إله إلّا الله جلّ جلاله، وأنّ محمّداً رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ونقول في عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ما قاله رسول اللهصلىاللهعليهوآله وذلك نقلاً من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشهورة، فنشهد بأنّ علياًعليهالسلام عبد الله، ووليّه، وأخو رسول الله، ووصيّه، وهو خليفته الذي نصّ عليه بأمر الله تعالى.
____________________
١) سورة الأنعام، الآية ١٤٩.
أمّا في جواب قولكم بأن هذه الأخبار لا فائدة فيها سوى التفرقة وتشتّت المسلمين.
فأقول: أنتم البادئون والعادون والمهاجمون ونحن مدافعون، فانتهوا وامنعوا أصحابكم عن التعرّض وعن الكذب والافتراء علينا، حتّى نسكت عن نقل هذه الأخبار.
الحافظ: أنا لا أوافق الّذين يرمون الشيعة بالكفر والشرك، ولكنّي لا أسكت أيضاً على بعض الأخبار المرويّة في كتبكم، والتي تنسبونها إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهي تفسح مجال العصيان للعباد، فيعملون بالذنوب اتّكالاً على تلك الأخبار والأحاديث.
قلت: رجاءً! بيِّن تلك الأخبار، فربّما نصل معكم إلى حلّ وتفاهم.
شبهات وردود
الحافظ: ذكر العلّامة المجلسي وهو واحد من أكبر علمائكم ومحدّثيكم، في كتابه «بحار الأنوار» راوياً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال: حبّ عليّ حسنة لا تضرّ معها سيّئة.
وروى عنهصلىاللهعليهوآله : من بكى على الحسين وجبت له الجنّة.
هذه الأخبار ونظائرها كثيرة في كتبكم، وهي تسبّب فساد الأمّة وانتشار الذنوب والمعاصي.
قلت: لو كان الأمر كذلك للزِمَ أن نرى أهل السُنّة والجماعة مبرّئين من الذنوب، وبعيدين عن الحوب، بينما نرى البلاد التي يسكنها أهل السُنّة قد انتشرت فيها الذنوب الكبيرة، وشاعت فيها
معاصي كثيرة، وكثير منهم يتجاهرون بالفسوق والفجيرة! فهذه عواصمكم مثل بغداد والقاهرة ودمشق وبيروت وعمّان والجزيرة وغيرها، تتسابق في تأسيس مراكز المعاصي والفجور، ومحلّات القمار، وحانات الخمور.
فهل ترضون أن ننسب هذه المخازي والفسوق إلى مذهبكم وضعف مبادئكم؟!
هل تقبلون منّا لو قلنا: إن السبب في انتشار الفحشاء والفجور، وعدم التحرّج في شرب النبيذ والخمور، هو فتاوى علمائكم؟!!
لأن بعضهم أفتى بطهارة الكلب وأحلّ أكله.
وبعضهم أفتى بطهارة المنيّ والخمر وعرق الجنب من الحرام.
وبعضهم أفتى بجواز اللواط في السفر!
وبعضهم أفتى بنكاح المحارم، الأمّ ومَن دونها، بشرط أن يلفّ القضيب بالحرير!!
هذه الفتاوى وأمثالها تسبّب تجرّؤ العوامّ والجاهلين على ارتكاب المعاصي وعمل الفسق والفجور.
ولذلك فإن علماءَنا يحرّمون تلك الأعمال القبيحة ولا يجيزونها بأيّ حال من الأحوال.
الحافظ: هذه المسائل التي ذكرتها، كلّها أكاذيب، وللأسطورة أقرب منها إلى الحقيقة، وهي من مفتريات الشيعة!
أبيات شعر للعلّامة الزمخشري
قلت: أنت أعرف بحقيقة مقالي والعلماء الحاضرون أيضاً
يعلمون بصدقي، ولكن يصعب عليكم الإقرار، والخجل يدعوكم إلى الإنكار، وإلّا كيف يمكن لعالم دينيّ - مثلكم - يجهل هذه المسائل التي ذَكَرها وأَفْتى بها بعض علمائكم ثمّ نَقَلها عنهم بعض أعلامكم وانتقدوها؟!
وأذكر لك نموذجاً من كتبكم ليكون دليلاً على كلامنا، راجع تفسير الكشّاف ٣/٣٠١ للعلّامة الكبير جار الله الزمخشري، فإنه يقول:
إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به |
وأكتمه، كتمانُه لي أسلمُ |
|
فإن حنفياً قلت، قالوا بأنّني |
أبيح الطّلا وهو الشراب المحرَّمُ |
|
وإنْ مالكياً قلت، قالوا بأنّني |
أبيح لهم أكل الكلاب وهم همُ |
|
وإنْ شافعياً قلت، قالوا بأنّني |
أبيح نكاح البنت والبنت تحرمُ |
|
وإنْ حنبلياً قلت، قالوا بأنّني |
ثقيل حلولي بغيض مجسّمُ |
|
وإنْ قلت من أهل الحديث وحزبه |
يقولون: تيس ليس يدري ويفهُم |
|
تعجّبت من هذا الزمان وأهله |
فما أحد من ألسن الناس يسلمُ |
|
وأخّرني دهري وقدّم معشراً |
على أنّهم لا يعلمون وأعلمُ |
فنرى هذا العالم والمفسّر يخجل أن ينسبَ نفسه إلى أحد المذاهب الأربعة! لوجود تلك الآراء الفاسدة والفتاوى الباطلة فيها، ثمّ إنّكم تريدون منّا أنْ نتّبع تلك المذاهب ونترك مذهب أهل بيت النبوة والعترة والصفوة الطاهرة!
فلنخرج من هذا الإطار ونتابع موضوع الحوار.
فأقول: أمّا الخبر الذي ذكرته من «بحار الأنوار» لم تنفرد الشيعة
بنقله، فإنّ علمائكم وأعلامكم نقلوه أيضاً ونقلوا أمثاله في كتبهم المعتبرة.
إسناد حديث حبّ عليّعليهالسلام حسنة
لقد ذكر هذا الحديث كثير من أعلامكم وأيّدوه، منهم:
الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، والخطيب الخوارزمي في آخر الفصل السادس من كتابه «المناقب» والشيخ القندوزي الحنفي في الباب ٤٣ من كتابه «ينابيع المودّة» وأيضاً في الباب ٥٦ نقله عن الديلمي، قال: حبّ عليٍّ حسنة لا تضرّ معها سيّئة، حب عليٍّ براءة من النار، حبّ عليٍّ يأكل الذنب كما يأكل النار الحطب، حبّ عليٍّ براءة من النفاق.
وفي المناقب السبعين(١) خرّجه عن ابن عبّاس في الحديث رقم ٣٣، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : حبّ عليّ بن أبي طالب يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب.
وفي الحديث رقم ٥٩، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : حبّ عليّ بن أبي طالب حسنة لا تضرّ معها سيّئة، وبغضه سيّئة لا تنفع معها حسنة.
رواهما صاحب «الفردوس».
ورواه المحدّث والفقيه الشافعي المير السيّد علي الهمداني في كتابه
____________________
١) كتاب «السبعين في مناقب أمير المؤمنين» نقله القندوزي بكامله في «ينابيع المودّة».
«المترجم»
«مودّة القربى» في المودّة السادسة عن ابن عبّاس، قال: حبّ عليّ يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب.
وعنه أيضاً: حبّ عليّ براءة من النار.
ورواه محبّ الدين الطبري في «ذخائر العقبي» الحديث رقم ٥٩ من الأحاديث السبعين التي رواها في فضائل أهل البيتعليهمالسلام .
ورواه محمد بن طلحة في مطالب السؤول.
والعلّامة الكنجي والشافعي في كتاب «كفاية الطالب في مناقب مولانا علي بن أبي طالب».
ثمّ إن كان عقلكم وعلمكم لا يصل إلى حلّ معنى الحديث كهذا وأمثاله، فأنصحكم ألا تطعنوا فيه ولا تردّوه، بل يجب أن تسألوا عن حلّه ومعناه وتفسيره ممّن هو أعلم، قال تعالى:( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّکْرِ إِنْ کُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (١) .
وطالما أنّ هذا الحديث وأمثاله لا يعارِض كتاب الله سبحانه فليس لأحد من المسلمين إنكاره.
الحافظ: كيف لا يعارض كتابَ الله وهو سبب تجرّؤ الناس على المعاصي!
قلت: لا تعجل حتّى أُبيّن لك كيف لا يعارض الكتاب الكريم، فإن الله تعالى يقسّم الذنوب في القرآن إلى قسمين، صغائر وكبائر.
وهو يعبّر في بعض الآيات عن الصغائر بالسيّئة، في حين يعبّر عن الكبائر بالذنوب، كما في سورة النساء، الآية ٣١، قال تعالى:
( إِنْ تَجْتَنِبُوا کَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُکَفِّرْ عَنْکُمْ سَيِّئَاتِکُمْ وَ نُدْخِلْکُمْ
____________________
١) سورة الأنبياء، الآية ٧.
مُدْخَلاً کَرِيماً ) .
فالآية الكريمة تصرّح بأنّ عبداً لو اجتنب الكبائر وارتكب الصغائر، فإنّ الله عزّ وجلّ يعفو عنه، ويدخله الجنّة، والحديث الذي تنكروه لا يصرّح بأكثر من هذا.
فإنّ حبّ عليٍّعليهالسلام حسنة عظيمة عند الله سبحانه بحيث لا تضرّ معها السيّئات، يعني الصغائر.
الحافظ: إنّ هذا التفسير والتقسيم لا يكون على أساس علمي(١) .
لأنّ الله تعالى يقول:( إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) (٢) فالعبد العاصي إذا تاب واستغفر الله سبحانه فإنّه يغفر كلّ ذنوبه سواءً أكانت من الكبائر أم الصغائر.
قلت: أظنّك ما دقّقت النظر في الآية الكريمة التي تلوتُها عليك، وإلّا ما كنت تورد إشكالاً على كلامي، لأنّ الذي قسّم المعاصي إلى كبائر وصغائر وفرّق بينهما هو الله تعالى، لا أنا.
ثمّ اعلم بأنّنا نعتقدُ - مثلُكم - بأنّ الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً، فكلّ عبد عاصٍ إذا تاب وندم وعمل بشرائط التوبة، فإنّ الله سبحانه
____________________
١) إنّ بيان «الحافظ» كليل، وليس له دليل، ولا يصدر إلّا من ذي عقل عليل، لأنّه يعارض كلام الربّ الجليل، فقد قال سبحانه:
( وَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ کَبَائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّکَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ) سورة النجم: ٣١ - ٣٢.
فاللمم هي المعاصي الصغائر تقابلها كبائر الاثم، كما تجد في الآية الكريمة.
«المترجم»
٢) سورة الزمر، الآية ٥٣.
يغفر ذنوبه ويعفو عنه، ولكن إذا لم يتب فيعاقبه الله تعالى بعد الموت في عالم البرزخ، فإذا لاقى عقاب ذنوبه قبل يوم الحساب، يُساق إلى الجنّة في يوم المعاد، وإلّا فيقضى عليه فيُلقى في جهنّم ليَرى جزاء عمله هناك.
والعبد المؤمن إذا ارتكب الصغائر ومات من غير توبة فإن كان يحبّ الإمام عليّاًعليهالسلام يغفر الله تعالى له ويعفو عنه ويدخله الجنّة، قال سبحانه:( وَ نُدْخِلْکُمْ مُدْخَلاً کَرِيماً ) (١) .
فلا أدري لماذا تعتقد بأنّ هذا الحديث الشريف «حبّ عليّ حسنة لا تضرّ معها سيّئة» يسبّب تجرّؤ الشيعة على المعاصي!!.
هل الحديث يأمر بارتكاب الذنوب؟! لا..
فأثر هذا الحديث في المسلمين كأثر آيات القرآن الحكيم التي تَعِدُ العباد المذنبين بقبول التوبة وغفران ذنوبهم.
فكما إنّ آيات التوبة والمغفرة تبعث الرجاء برحمة الله تعالى في قلوب العباد وتُزيل اليأس عن نفوس العصاة، كذلك هذا الحديث الشريف وأمثاله، فإنّه يوقف المحبّ عند السيّئات ويصدّه عن الكبائر الموبقات، لأنّ إطاعة الحبيب من لوازم الحبّ.
قال الإمام الصادق، وهو إمامنا جعفر بن محمدعليهالسلام : إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع، فالشيعي يعرف هذا فلذلك لا يرتكب الذنوب والمعاصي اتّكالاً على حبّه للإمام عليٍّعليهالسلام بل يجتهد في الطاعة إمامه ومتابعته، لإثبات صدقه في الحبّ لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
نعم، هناك بعض المحبّين الّذين يحسبون أنفسهم من الشيعة يرتكبون بعض الذنوب مثل كثير من أهل السُنّة والجماعة فلا يكون
____________________
١) سورة النساء، الآية ٣١.
عملهم السيّئ بسبب حبّهم أو بسبب حديث النبيصلىاللهعليهوآله فإنّ الإنسان بطبعه يكون مطيعاً لهواه ومجيباً لنفسه الأمّارة كما قال سبحانه وتعالى حكاية عن يوسف الصدّيق:( وَ مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١) .
وأمّا الشيعي هو الذي يعزم على أن يخطو ويسير في الطريق الذي سارَ فيه الأئمّة الهداة من أهل البيتعليهمالسلام ويلتزم بنهجهم ويعمل برأيهم.
وقد ذكرنا في الليالي السالفة بعض الأحاديث النبوية في حقّهم، حيث بشّرهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالجنّة، فقالصلىاللهعليهوآله : «يا عليّ! أنت وشيعتك الفائزون بالجنّة» وذكرنا مصادر هذا الحديث الشريف وأمثاله من كتبكم المعتبرة وطرقكم المتواترة، وبشارة النبيصلىاللهعليهوآله لشيعة عليّعليهالسلام بالجنّة أمر ثابت لا ينكره إلّا الجاهل المعاند المتعصّب الجاحد.
وإنّ إشكالك على حديث «حبّ عليٍّ حسنة لا تضرّ معها سيّئة» يردّ على تبشير النبيّصلىاللهعليهوآله شيعةَ عليٍّعليهالسلام بالجنّة أيضاً.
لأنّ الشيعي إذا عرف أنّه من أهل الجنّة يرتكب الذنوب ولا يبالي، فإشكالك على رسول اللهصلىاللهعليهوآله موجب للكفر، وهو مردود بالأدلّة التي أقمناها.
ولبّ الكلام: إنّ الشيعي هو الذي يسير على أثر مسير أهل البيتعليهمالسلام ، فيعمل بما عملوا، ويجتنب عمّا اجتنبوا، ولمـّا لم يكن معصوماً، ربّما ارتكب ذنباً وعمل إثماً ولم يوفَّق للتوبة فمات، فإنّ الله عزّ وجلّ يعفو عن ذنبه ويغفر له كرامةً لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام وحبّه
____________________
١) سورة يوسف، الآية ٥٣.
إيّاه، والله غفور رحيم.
البكاء على الحسينعليهالسلام سُنّة نبويّة
وأمّا الحديث الشريف «من بكى على الحسين وجبت له الجنّة» كلّنا نعلم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بكى على مصائب ولده الحسينعليهالسلام قبل أن تقع، فأخبر بها أصحابه وهو يبكي، وقد تواترت بذلك الأخبار المرويّة عن طرقكم والتي نقرأها في كتبكم(١) .
____________________
١) لقد تواترت الروايات وصرّحت الأخبار بأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله بكى على ولده الحسينعليهالسلام في أوان ولادته وأخبر بمقتله، وتكرّر منه البكاء في خواصّ أصحابه تارة وفي الملأ العامّ أُخرى، وحدَّث عن مصائب الحسين وما يلاقيه من بني أُميّة الطلقاء، وإليكم بعض تلك الأخبار التي وصلت إلينا من طرق علماء السُنّة وأيّدها أعلامهم:
١- روى الخوارزمي في كتابه «مقتل الحسينعليهالسلام » بسنده عن أسماء بنت عميس خبراً طويلاً جاء في آخره، قالت أسماء: فلمّا كان بعد حول من مولد الحسن، ولدت [أي فاطمةعليهالسلام ] الحسين فجاءني النبيصلىاللهعليهوآله فقال: يا أسماء هاتي ابني.
فدفعته إليه في خرقة بيضاء، فأذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى ثمّ وضعه في حجره وبكى!!
قالت أسماء: فقلت فداك أبي وأُمّي ممّ بكاؤك؟!
قال: على ابني هذا!
قلت: إنّه وُلد الساعة!
قالصلىاللهعليهوآله : يا أسماء! تقتلهم الفئة الباغية، لا أنالهم الله شفاعتي.
ثمّ قالصلىاللهعليهوآله : يا أسماء! لا تخبري فاطمة بهذا، فإنّها قريبة عهد بولادته.
رواه الحمويني في فرائد السمطين ٢/١٠٣، ورواه ابن عساكر أيضاً في تتاريخ دمشق، الحديثين ١٣ و ١٤ من ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ، ورواه السمهودي في «جواهر العقدين» ورواه آخرون منهم لا مجال لذكرهم. =
. . . . .
____________________
= ٢- روى الحاكم النيسابوري في المستدرك ٣/١٧٦ في الحديث الأوّل من فضائل الإمام أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ، روى بسنده عن أُمّ الفضل بنت الحارث خبراً جاء في آخره:
فولدت فاطمةُ الحسين فكان في حجري.. فدخلت يوماً على رسول اللهصلىاللهعليهوآله فوضعته في حجره، ثم حانت مني التفاتة فإذا عيْنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله تهريقان من الدموع.
قالت: فقلت: يا نبي الله! بأبي أنت وأُمّي مالك؟!
قالصلىاللهعليهوآله : أتاني جبرئيل فأخبرني أنّ أُمّتي ستقتل ابني هذا!!
فقلت: هذا؟!
قال: نعم، وأتاني بتربة من تربته حمراء!
أقول: ورواه البيهقي أيضاً في كتابه دلائل النبوّة ٦/ ٤٦٨ ط بيروت، ورواه ابن كثير في البداية والنهاية ٦/٢٣٠، ورواه جمع آخر من أعلام السُنة لا مجال لذكر أسمائهم.
٣- روى ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى ٨/٤٥ الحديث رقم ٨١ من ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ، عن عائشة، قالت: بينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله راقد إذ جاء الحسين يحبو إليه فنحيته عنه، ثمّ قمت لبعض أمري، فدنا منه، فاستيقظصلىاللهعليهوآله وهو يبكي!
فقلت: ما يبكيك؟!
قالصلىاللهعليهوآله إنّ جبرئيل أراني التربة التي يُقتل عليها الحسين، فاشتدّ غضب الله على من يسفك دمه
ورواه ابن عساكر أيضاً في تاريخ دمشق في الحديث رقم ٢٢٩ من ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام .
ورواه أيضاً ابن حجر في «الصواعق المحرقة» كما حكى عنه القندوزي في أوائل الجزء الثاني من «ينابيع المودة». =
. . . . .
____________________
= ورواه ابن العديم في كتابه بغية الطلب في تاريخ حلب ٧/٧٨ في ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام .
ورواه الدار القطني في كتاب العلل ٥/٨٣.
وحديث التربة رواه جمع كثير من أعلام السُنّة بألفاظ متعدّدة، ويبدو أنّ إتيان جبرئيل بتربة كربلاء للنبيصلىاللهعليهوآله كان غير مرّة، والأشهر ما روي عن أُمّ سلمة أُمّ المؤمنين رضي الله عنها.
روى عمر بن خضر المعروف بـ «ملاّ» وهو من علماء القرن السادس الهجري، في كتابه «وسيلة المتعبّدين» - في أواسط باب معجزات النبيصلىاللهعليهوآله -: وعن أُمّ سلمة قالت: سمعت بكاء النبيّصلىاللهعليهوآله في بيتي فاطّلعت، فإذا الحسين بن عليّ رضي الله عنهما في حجره أو إلى جنبه وهو يمسح رأسه ويبكي!!
قالت: فقلت: يا رسول الله! على مَ بكاؤك؟!
فقالصلىاللهعليهوآله : إنّ جبرئيل أخبرني أنّ ابني هذا يُقتل بأرض من العراق يقال لها كربلا.
قالت: ثمّ ناولني كفّاً من تراب أحمر وقال: إنّ هذه تربة الأرض التي يقتل بها، فمتى صارت دماً فاعلَمي أنّه قد قُتل.
قالت أُمّ سلمة: فوضعتُ التراب في قارورة عندي وكنت أقول: إنّ يوماً تتحوّلين فيه دماً ليومٌ عظيم.
ورَوى قريباً من هذا المعنى جماعة كبيرة عن أُمّ سلمة رضي الله عنها منهم:
ابن سعد في طبقاته في حديث رقم ٧٩ من ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام في الجزء الثامن والمحبّ الطبري في ذخائر العقبي ١٤٧.
وأبو بكر بن أبي شيبة في كتاب الفتن من كتاب المصنّف ١٥/١٤ حديث رقم ١٩٢١٣.
وابن حجر في كتاب المطالب العالية ٤/٧٣ ط. دار المعرفة - بيروت. =
فالبكاء على الإمام الحسينعليهالسلام سُنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله والالتزام بسُنة رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوجب دخول الجنّة، بشرطها وشروطها.
فكما إنّ الله تعالى وعد التائبين بالعفو والمغفرة والجنّة ولكن مع شرائط، فلا تُقبل توبة كلّ من قال: أستغفر الله وأتوب إليه إلّا أن يردّ حقوق الناس إليهم، ويقضي ما فاته من الفرائض ومن حقوق الله سبحانه، ويندم على ما ارتكب من المعاصي، ويعزم على أن
____________________
= والطبراني في المعجم الكبير ٣/١٤ ط. بغداد، ورواه بطريق آخر في صفحة ١١٥.
وابن عساكر في تاريخه في الحديث رقم ٢٢٣ من ترجمة الإمام الحسنعليهالسلام بمناسبة.
ورواه المزّي في كتاب تهذيب الكمال ٦/٤٠٨.
ورواه ابن العديم وعمر بن أحمد في كتابه تاريخ حلب ٧/٥٦ حديث رقم ٨٨ وما بعده من ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام .
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٩٢.
ورواه الحاكم في المستدرك ٤/٣٨٩ في آخر كتاب تعبير الرؤيا، قال الحاكم - وأقرّه الذهبي -: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه.
وراه البيهقي في كتابه دلائل النبوّة ٦/٤٦٨ ط. دار الفكر.
ورواه ابن كثير في كتاب البداية والنهاية ٣/٢٣٠ ط. دار الفكر.
ورواه جمع كثير من محدّثي العامة وأعلامهم لا مجال لذكر أسماءهم.
وإنّ بكاء النبيصلىاللهعليهوآله على مصاب ولده الحسينعليهالسلام قبل أن يُقتل أمر ثابت مسجّل في المصادر والمسانيد المعتبرة، غير قابلٍ للإنكار، ولا ينكره إلّا معاند جاحد أو شيطان مارد.
أعاذنا الله من الجهل والعناد.
«المترجم»
لا يعصي.. إلى آخر الشرائط اللازمة المذكورة في الأخبار والروايات.
كذلك: من بكى على الحسينعليهالسلام - مع الشرائط - وجبت له الجنّة، ومن الشرائط السعي لتحقيق أهداف الحسينعليهالسلام وتطبيقها في نفسه وفي المجتمع، وإلّا فإنّ المؤرّخين ذكروا أنّ سكينة بنت الحسينعليهالسلام حينما جلست عند نعش أبيها، تكلّمت بكلمات أبكت والله كلّ عدوّ وصديق.
وقالوا: إنّ الحوراء زينب لمـّا خاطبت عمر بن سعد و قالت له: يا بن سعد! أَيُقتل أبا عبدالله وأنت تنظر إليه؟!! ترقرقت دموعه وسالت على لحيته.
فهل ابن سعد والأعداء الّذين بكوا يوم عاشوراء، وجبت لهم الجنّة؟!
لا، لأنّ الشرائط ما كانت متوفّرة فيهم(١) .
____________________
١) من البديهي أنّ البكاء على الحسينعليهالسلام الذي يوجب دخوله الجنّة إنّما هو البكاء الذي يكون عن شعور ومعرفة بالحسينعليهالسلام وتأييداً لأهدافه المقدّسة، ويكون رمزاً وشعاراً في نصرة الحقّ وانتصار المظلوم، لا مطلق البكاء.
إنّ الباكي الممدوح عندنا والذي وعده النبيّ والأئمّة من أهل البيتعليهمالسلام بالجنّة، هو الباكي الذي جدّ وجاهد، ويسعى ويجتهد بكلّ قدراته وإمكاناته، لتحقيق أهداف أبي عبد الله الحسينعليهالسلام وتطبيقها، لأنّها ما هي إلّا أهداف الله سبحانه وتعالى وغرضه من رسالة محمّدصلىاللهعليهوآله وبعثة الأنبياءعليهالسلام جميعاً.
فالبكاء على الحسينعليهالسلام الذي يوجب لصاحبه دخول الجنّة، إنّما هو البكاء الذي ينبثق من قلب ممتلئ حقداً على الظالمين، فيتحوّل صرخةً في وجه الباطل وثورة على الظالم. =
الحافظ: إذا كان المسلم ملتزماً بأُصول الإسلام وعاملاً بأحكام الدين فهو من أهل الجنّة، سواءَ أَبكى على الحسين أم لم يبكِ، فلا أرى فائدة للمجالس التي تنعقد في بلاد الشيعة وهم يصرفون أموالاً طائلة ليجتمعوا ويبكوا على الحسين! إنّه عمل مخالف للعقل!!
فوائد المجالس الحسينية
قلت:
أوّلاً: الإنسان مهما كان ملتزماً بأصول الإسلام، وعاملاً بالأحكام، فلا يكون معصوماً من الذنوب والآثام، فربّما زلّت به الأقدام، وسقط في مهاوي النفس والشيطان، وخالف أمر الله العزيز المنّان.
فلكي لا ييأس من الله الكريم الرحمن،ويرجو منه اللطف والإحسان، ويسأل منه العفو والغفران، فتح له باب التوبة والإنابة ليشعر بالأمان.
____________________
= هذا النوع من البكاء - لا مطلق البكاء - يكون استمرارا لحركة الإمام أبي عبد الله السبط الشهيدعليهالسلام واستمراراً لحركة الحوراء زينب وأهل البيتعليهمالسلام من كربلاء إلى الشام سبايا.
فكما إنّ هاتين الحركتين تركتا أثراً عظيماً في تحريك الإحساس الديني وإيقاظ الشعور الإنساني في المجتمع الإسلامي، بحيث أدّت إلى ثورات، وأسقطت عروش الظلم، وقضت على الظالمين كذلك الأثر في البكاء الذي يكون استمراراً لحركة الإمام الحسين والحوراء زينبعليهاالسلام .
«المترجم»
وأَمَر الله عزّ وجلّ عباده أن يتوسّلوا إليه في التوبة والاستغفار وقضاء حوائجهم، بقوله تعالى:( وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (١) ويصف أنبياءه فيقول:( أُولٰئِکَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّکَ کَانَ مَحْذُوراً ) (٢) .
ثم بيَّن النبيّصلىاللهعليهوآله الوسائل التي يُتوسّل بها إلى الله سبحانه، منها حبّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ومنها البكاء على الحسين ومنها خدمة الوالدين، ومنها الجهاد في سبيل الله، ومنها العطف على الأيتام، وغير ذلك.
فالمؤمن إنْ كان بريئاً من الذنب، فهذه الوسائل تسبّب رفع درجاته في الجنّة، وإنْ كان مرتكباً بعض السيّئات والذنوب فهذه الوسائل تسبّب له المغفرة وتجلب له رضا ربّه عزّ وجلّ.
ثانياً: وأمّا فوائد المجالس الحسينية فهي كثيرة جدّاً، ولكنّك حيث لم تحضرها ولم تكن من المباشرين والعاقدين لها، فلا ترى فوائدها ولا تدرك بركاتها.
ولمـّا كنت بعيداً عنها وجاهلا بفلسفتها، فليس لك أن تقول: إنّه عمل مخالف للعقل! بل العقل السليم يخالف كلامك، والوجدان القويم ينقض بيانك، فقد تسرّعت في الحكم على شيءٍ ما عرفت مغزاه، ولما أدركت منتاه.
فلو كنت تحضر هذه المجالس مع الشيعة، وتستمع إلى كلام
____________________
١) سورة المائدة، الآية ٣٥.
٢) سورة الاسراء، الآية ٥٧.
خطبائها الكرام، لعرفت فوائدها الجمّة التي منها:
١- هذه المجالس تكون كالمدارس، فإنّ الخطيب يلقي على الحاضرين فيها أحكام الدين، والتاريخ الإسلامي، وتاريخ الأنبياء وأُممهم، ويتناول تفسير القرآن الحكيم، ويتكلّم حول التوحيد والعدل الإلهي والنبوّة والإمامة والمعاد، وأخلاق المسلم وما يجب أن يتّصف به المؤمن، ويبيّن للمستمعين فلسفة الأحكام وعلل الشرائع ومضارّ الذنوب، ويقايس الإسلام بسائر الأديان ويثبت بالدليل والبرهان تفوّقه وامتيازه على المذاهب والأديان.
٢- يشرح الخطيب سيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وتاريخ حياته وسيرة أهل بيته والعترة الهادية والصحابة والصالحين، فيلفت الخطيب أنظار مستمعيه إلى النقاط المشرقة الهامّة من ذلك التاريخ، فيأخذ الحاضرون دروساً وعبراً منه يطبقونها في حياتهم الشخصية وسيرتهم الاجتماعية.
٣- يتناول الخطيب تاريخ النهضة الحسينية، ويبيّن أسبابها وأهدافها. ويشرح آثارها والدروس التي يجب على المسلم أن يأخذها من تلك النهضة المقدّسة، ويدعو الخطيب المستمعين إلى تطبيق أهداف الحسينعليهالسلام وإحياء ثورته وتكرارها ضدّ الظلم والظالمين في كلّ زمان ومكان.
٤- في كلّ عام يهتدي كثير من الضالّين والعاصين، فيتوبون إلى الله تعالى، ويسلكون الصراط المستقيم، ويصبحون من الصالحين المهتدين، حتّى إنّ في بعض البلاد التي تسكنها الشيعة والكفّار مثل بلاد الهند والبلاد الأفريقية، أسلم كثير منهم بعدما حضروا في المجالس الحسينية وعرفوا تاريخ الإسلام وأحكامه وسيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وأخلاقه الحميدة.
وهذا جانب من معنى الحديث النبوي الذي نقله علماؤكم أيضاً في الكتب المعتبرة، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط(١) .
فمعنى: «وأنا من حسين» لعلّه يكون: إنّ الحسين والمجالس التي تنعقد باسمه ولأجله هو السبب في إحياء ديني وإبقائه، فالحسينعليهالسلام بنهضته المباركة فضح بني أميّة وكشف واقعهم الإلحادي، وحال بينهم وبين الوصول إلى أهدافهم العدوانيّة ونياتهم الشيطانية التي كانت ستقضي على الدين الحنيف ورسالة خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآله .
واليوم يمرّ أكثر من ألف عام على إقامة مجالس عظيمة ومحافل كريمة باسم الحسينعليهالسلام علانيةً وسرّاً، والناس يحضرون على مختلف طبقاتهم ومستوياتهم، فيقتبسون النور ويتعرّفون على الإسلام الحقيقي
____________________
١) خرّجه الإمام أحمد في مسنده ٤/١٧٢ بسنده عن يعلى بن مرة الثقفي.
ورواه ابن سعد في طبقاته الكبرى ج ٨ حديث رقم ١٨ من ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام .
ورواه الحاكم في المستدرك ٣/١٧٧ باب فضائل الحسينعليهالسلام ، وأقرّ صحّته.
ورواه الذهبي في تلخيصه، وقال هذا حديث صحيح.
ورواه الخطيب الخوارزمي في كتابه مقتل الحسين ١/١٤٦ الفصل السابع.
ورواه شيخ الاسلام الحمويني في كتابه «فرائد السمطين» في الباب ٣٠.
ورواه البخاري في «الأدب المفرد» صفحة ١٠٠ ط. مصر.
ورواه الترمذي في سننه ١٣/١٩٥ باب مناقب الحسن والحسينعليهالسلام .
ورواه في ابن ماجة في مقدّمة سننه ١/٦٤.
ورواه جمع كثير من أعلام العامّة لا مجال لذِكر أسمائهم جميعاً.
«المترجم»
الذي ضحّى الإمام الحسينعليهالسلام من أجله، ويعرفون أهدافه المقدّسة وأسباب نهضته المباركة، فيهتدون بهداه وهو على هدى جدّه المصطفىعليهالسلام وأبيه المرتضىعليهالسلام .
فالمجالس الحسينية، ما هي إلّا مدارس أهل البيت والعترة الهاديةعليهالسلام .
الّذين يحبّون عليّاً والحسينعليهالسلام إنّما يحبّونهما من أجل الدين، لأنّهما استشهدا وقُتلا ليبقى الإسلام والقرآن، و لتحيا رسالة محمّد السماوية، على صاحبها ألف صلاة وسلام وتحية.
نحن نحبّ الإمام علياًعليهالسلام ونقدّسه، لأنّه كان عبداً مخلصاً لله، متفانياً في ذات الله سبحانه، شهيداً في سبيل الله تعالى.
ولمـّا نقف عند مرقده الشريف نخاطبه، نقول: أشهد أنّك عبدت الله مخلصاً حتّى أتاك اليقين - أي الموت -.
وكذلك إذا حضرنا عند مرقد سيّد الشهداء الحسينعليهالسلام ، نشهد له ونقول: أشهد أنّك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وأطعت الله ورسوله حتّى أتاك اليقين.
ثم اعلم أيّها الحافظ، وليعلم كلّ الحاضرين، أنّ زيارة الحسينعليهالسلام والبكاء عليه إنما يفيدان ويوجبان الأجر والكثير والثواب العظيم، إذا كانا ممّن يعرف حقّ الحسينعليهالسلام ، كما صرّحت رواياتنا بذلك عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعن أئمّتنا أبناء رسول الله وعترتهعليهالسلام ، قالوا: من زار الحسين بكربلاء عارفاً بحقّه وجبت له الجنّة.
من بكى على الحسين عارفاً بحقّه وجبت له الجنة.
فكما إنّ قبول العبادات كلّها - فرضها ونفلها - تتوقّف على معرفة الله سبحانه، لأنّ العبد إذا لم يعرف ربّه كما ينبغي فلا تتحقّق نيّة القربة إليه، وهي تجب في العبادات.
كذلك البكاء والزيارة للنبيّ والأئمّةعليهالسلام ، لا تفيد ولا تُقبل إذا كان الباكي والزائر لا يعرفهم حق المعرفة، وإذا عرفهم حق المعرفة وعرف حقّهم، علم أنّه يجب أن يطيعهم، ويتمسّك بأقوالهم، ويسير على نهجهم، ويلتزم بطريقتهم المثلى.
النوّاب: سيدنا الجليل! نحن نعتقد بأنّ الحسين الشهيد إنّما نهض للحقّ وقُتل في سبيل الله عزّ وجلّ، ولكن بعض أهل مذهبنا - وأغلبهم من الشباب الّذين درسوا في المدارس العصرية - يقولون: إنّ الحسين نهض وقاتل لأجل الحصول على الحكومة والرئاسة الدنيوية، وعارض يزيد بن معاوية على ملكه، ولكنّه خُذل من قبل أنصاره، وتغلّب عليه يزيد وجنوده فقتلوه!! ما هو جوابكم عن هذا الكلام؟
قلت: الجواب حاضر، لكن الوقت لا يسمح أن نخوض في هذا الموضوع، لأنه قد طال بنا الجلوس، والحاضرون قد تعبوا.
النواب: أنا أتكلّم نيابة عن أكثر الحاضرين، نحن ما تعبنا من مجالستكم والاستماع لحديثكم، بل نحبّ أن نسمع جوابكم بكلّ لهفة واشتياق.
نهضة حسينية.. لا حكومة دنيوية
قلت: الذين يقولون: بأنّ الحسينعليهالسلام نهض وقاتل للحصول على الحكم وقُتل في طلب الرئاسة الدنيوية!! إنْ كانوا مسلمين فالقرآن يردُّ كلامهم، فإنّ مقالهم يعارض قول الله تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ الله
لِيُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَکُمْ تَطْهِيراً ) (١) . وقد اتّفق أعلامكم من المفسّرين والمحدّثين، مثل الترمذي ومسلم والثعلبي والسجستاني وأبي نعيم وأبي بكر الشيرازي والسيوطي والحمويني والإمام أحمد والزمخشري والبيضاوي وابن الأثير والبيهقي والطبراني وابن حجر والفخر الرازي والنيسابوري والعسقلاني وابن عساكر، وغيرهم، اتّفقوا على أنّ هذه الآية، وهي آية التطهير، نزلت في شأن النبيّصلىاللهعليهوآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهالسلام .
فنقول:
أوّلاً: القرآن يشهد بأنّ الله تعالى طهّر الإمام الحسينعليهالسلام من الرجس، ولا شكّ أن حبّ الدنيا وطلب الرئاسة للهوى، رجس من عمل الشيطان، قال النبيّصلىاللهعليهوآله : «حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة» فنقول: حاشا الحسينعليهالسلام أن يقاتل للدنيا والرئاسة، وإنّما نهض لإنقاذ الدين وتحرير رقاب المسلمين من براثن يزيد الكفر والإلحاد وقومه الأوغاد.
ثانياً: إذا كانت نهضة الإمام الحسينعليهالسلام لأجل الدنيا لا الدين، لَمـا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يأمر المسلمين بنصرة ولده الحسينعليهالسلام إذا نهض وقاتل!
فالنبيّصلىاللهعليهوآله أخبر بنهضة ولده الحسين، وأمر المسلمين بنصرته، وقد نقله كثير من علمائكم في كتبهم، ولكنّي أكتفي بذِكر واحد منهم لضيق الوقت.
قال الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه ينابيع المودّة ٢/١: وفي الإصابة، أنس بن الحرث بن البيعة، قال البخاري في تاريخه
____________________
١) سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
والبغوي وابن السكّين وغيرهما عن أشعث بن سحيم، عن أبيه، عن أنس بن الحارث، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: إنّ ابني هذا [ يعني الحسين ] يُقتل بأرضٍ يقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك منكم فلينصره.
فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل بها مع الحسين، رضي الله عنه وعمّن معه.
أمّا إذا كان القائلون لذلك الكلام يرفضون القرآن الحكيم وحديث النبي الكريمصلىاللهعليهوآله ويريدون جواباً يوافق المقاييس المادّية والسياسة الدنيوية.
فأقول أوّلاً: إذا كان الحسينعليهالسلام نهض لطلب الحكم ولأجل الوصول إلى الرئاسة، فما معنى حمله العيال والأطفال معه؟ فإنّ الذي يطلب الدنيا يدع أهله وعياله في مأمن ثمّ يخرج، فإن نال المقصود ينضمّ أهله إليه، وإذا قُتل فأهله يكونون في أمان من شرّ الأعداء.
ثانياً: الثائر الذي يطلب الدنيا يسعى لجمع الأنصار، ويُكثِر من المقاتلين والأعوان، ويعدهم النصر والوصول إلى الحكومة والرئاسة، ولكنّ أبا عبد الله الحسينعليهالسلام من حين خروجه من المدينة إلى مكّة، وبعده من مكّة إلى العراق، كان يعلن بأنه مقتول لا محالة، وأنّ أنصاره وأعوانه يُقتلون أيضاً، وأنّ أهله وعياله وأطفاله يُسْبَوْن من بعده، فقد كتب من مكّة إلى أخيه محمد بن الحنفية وهو في المدينة.
بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى محمد بن عليّ ومَن قِبَلَه من بني هاشم، أمّا بعد، فإنّ مَن لحق بي استشهد! ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح، والسلام.
[ أعلنعليهالسلام أنّ الفتح الذي يطلبه لا يكون إلاّ في شهادته وشهادة أنصاره وأهل بيته!! ].
خطبة الحسينعليهالسلام عند الخروج من مكّة
لقد ذكر مؤرخو الفريقين أنّهعليهالسلام لمـّا عزم على الخروج إلى العراق قام خطيباً فقال:
«الحمد لله و ما شاء الله و لا حول و لا قوّة إلّا بالله و صلّى الله على رسوله و سلّم خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة و ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف و خير لي مصرع أنا لاقيه كأنّي بأوصالي يتقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس و كربلاء فيملأْنَ منّي أكراشاً جوفا و أجربة سغبا لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم.
رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه و يوفّينا أُجور الصابرين لن تشذّ عن رسول الله لحمته و هي مجموعة له في حظيرة القدس تَقَرُّ بهم عينه و تنجز لهم وعده.
مَن كان باذلاً فينا مهجته موطِّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإنّني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى».
وفي طريقه إلى كربلاء، لمـا وصل إليه خبر مقتل سفيره مسلم بن عقيل أعلن الخبر في أصحابه ولم يكتمه عنهم، بل وقف يخطب فيهم وينبِّئهم قائلاً: «بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإنّه قد أتاني خبر فظيع، قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتُنا، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج
ليس عليه ذمام».
فتفرّق الناس عنه وأخذوا يميناً وشمالاً حتّى بقي من أصحابه الّذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه، فلو كانعليهالسلام يطلب الحومة والرئاسة، لَمـّا فرّق أصحابه، بل كان يشدّ عزائمهم ويطمئنهم بالنصر ويغريهم بالمال والولايات، كما هو شأن كلّ قائد سياسي ومادّي مع جنوده.
وكذلك لمـّا التقىعليهالسلام بالحرّ بن يزيد الرياحي وجنوده، وقد أخذ العطش منهم كلّ مأخذ وقد أشرفوا على الموت، فسقاهم الحسينعليهالسلام وروّاهم حتّى أنقذهم من الهلاك، وهوعليهالسلام يعلم أنهم ضدّه وليسوا من أنصاره.
فلو كان الحسينعليهالسلام يطلب الدنيا والحكم لاغتنم الفرصة في الحُرِّ وأصحابه وتركهم يموتون عطشاً، ثمّ يمضي هوعليهالسلام إلى ما يرده، وربّما لو كان ذلك لكانت المقاييس تنقلب، وكان التاريخ غير ما نقرأه اليوم!
وكذلك خطبتهعليهالسلام ليلة العاشر من المحرّم، حينما جمع أصحابه وأذِنَ لهم أن يذهبوا ويتفرّقوا عنه ويتركوه مع الأعداء، لأنّهم لا يَريدون غيره، ولكنّهم قالوا: إنّهم يحبّون أن يُقتلوا دونه، ولا يريدون العيش بعده، وقد صد قوا.
وفي ظلام الليلة العاشرة من المحرّم التحق بهعليهالسلام ثلاثون رجلاً من معسكر ابن زياد، لأنّهم سمعوا صوت القرآن والدعاء يعلو في معسكر الحسينعليهالسلام بينما كان معسكرهم يلهو و يعلب، فعرفوا أنّ الحقّ مع الحسين فانضمّوا إليه وكانوا من المستشهَدين بين يديه.
وفي صبيحة اليوم العاشر، لمـّا سمع الحرّ الرياحي، ذلك القائد، كلام الحسينعليهالسلام واحتجاجه على عساكر الكوفة، عرف أنّ الحقّ مع الحسينعليهالسلام فترك جيشه - وهُم ألف فارس تحت رايته - وجاء نحو الحسينعليهالسلام وتاب على يديه وكان من المستشهدين.
ما هو سبب نهضة الحسينعليهالسلام ؟
لا ينكر أحدٌ أنّ يزيد بن معاوية كان رجلاً فاسقاً، متجاهراً بالفجور، مولَعاً بشرب الخمور، وكانت آمال بني اُميّة معلّقة عليه على أنّه المعدّ واللائق للأخذ بثأر قتلاهم، من آل محمّد وعليّعليهالسلام .
ويزيد بن ميسون النصرانية، الذي رُبّي في حجرها وعند قومها النصارى لاعباً مع الكلاب والفهود والقرود، شارباً للخمور، مولَعاً بالفسق والفجور، مع هذه الخصائص وغيرها من الرذائل التي اجتمعت فيه، كان قادراً على أن يجرّد سيف الكفر والإلحاد الذي صنعه أبو سفيان وقومه في عهد خلافة عثمان.
إذ يروي ابن أبي الحديد عن الشعبي قال: فلمّا دخل عثمان رحله - بعدما بويع بالخلافة - دخل إليه بنو اُميّة حتّى امتلأت بهم الدار، ثمّ أغلقوها عليهم، فقال أبو سفيان أعندكم أحد من غيركم؟
قالوا: لا.
قال: يا بَني اُميّة، تلقّفوها تلقّف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان، ما من عذاب ولا حساب، ولا جنّة ولا نار، ولا بعث
ولا قيامة!(١) .
فيزيد هو الذي يقرّ عيون قومه بانتقامه من آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ويقبض على مقابض السيف الذي صقله أبو سفيان وحدّه معاوية وأعدّه ليزيد، حتّى يقضي به على رسالة محمّدصلىاللهعليهوآله والدين الذي جاء به من عند الله سبحانه وتعالى(٢) .
____________________
١) شرح نهج البلاغة ٩/ ٥٣ ط دار إحياء التراث العربي.
٢) وفي شرح نهج البلاغة - لابن ابي الحديد - ٥/١٢٩ قال: و روى الزبير بن بكّار في الموفّقيّات و هو غير متَّهم على معاوية، و لا منسوب إلى اعتقاد الشيعة لِمـا هو معلوم من حاله من مجانبة عليّعليهالسلام و الإنحراف عنه_:
قال المطرّف بن المغيرة بن شعبة دخلت مع أبي على معاوية و كان أبي يأتيه فيتحدّث معه ثمّ ينصرف إليّ فيذكر معاوية و عقله، و يعجب بما يرى منه إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء و رأيته مغتمّاً فانتظرته ساعة و ظننت أنه لأمر حدث فينا.
فقلت ما لي أراك مغتمّاً منذ الليلة؟!
فقال يا بنيّ جئت من عند أكفر الناس و أخبثهم!
قلت و ما ذاك؟!
قال قلت له و قد خلوتُ به إنّك قد بلغتَ سنّاً يا أمير المؤمنين! فلو أظهرت عدلاً و بسطت خيراً فإنّك قد كبرت، و لو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فو الله ما عندهم اليومَ شي ء تخافه و إنّ ذلك ممّا يبقى لك ذِكره و ثوابه.
فقال هيهات هيهات! أيُّ ذكر أرجو بقاءه مَلَك أخو تَيْم فعدل و فعل ما فعل فما عدا أن هَلَك حتّى هلك ذِكرُه إلّا أن يقول قائل أبو بكر!
ثمّ مَلَك أخو عديّ فاجتهد و شمّر عشر سنين فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكرُه، إلاّ أن يقول قائل عمر!
و إنّ ابن أبي كبشة ليُصاح به كلّ يوم خمس مرّات:
ولكنّ يزيد لا يتمكّن من تنفيذ ما خطّطه أسلافه وقومه، ما دام الحسين بن رسول اللهصلىاللهعليهوآله يحظى بالحياة.
والحسينعليهالسلام تربى في حجر جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأبيه أمير المؤمنينعليهالسلام وهو المعدّ لإحياء الدين وإنقاذ شريعة سيّد المرسلين من التحريف والتغيير، فنهض ليصدّ طغاة بني اُميّة عن التلاعب بالدين والاستخفاف بالشريعة المقدّسة.. فروّى شجرة الإسلام بدمه الزاكي ودماء أهل بيته وأنصاره الطيّبين، فاخضرّت وأورقت وترعرعت، بعدما كانت ذابلة وكأنّها خشبة يابسة تنتظر نيران بني اُميّة وأحقادها الجاهلية لتحولّها إلى رماد تذروه الرياح(١) .
____________________
= « أشهد أنّ محمداً رسول الله» فأيُّ عملي يبقى؟! و أيّ ذِكر يدوم بعد هذا لا أبا لك؟!
لا و الله إلّا دفناً دفناً!!
أقول: هذه نيّات معاوية الإلحادية نقلها لابنه يزيد وأمره أن يسعى ويجتهد لتنفيذها.
«المترجم»
١) وللمرحوم السيّد جعفر الحلّي قصيدة عصماء في هذا المجال أذكرها بالمناسبة:
الله أيُّ دم في كربلاء سُفكا |
لم يجر في الأرض حتّى أوقف الفَلَكا |
|
وأيُّ خيل ضلال بالطفوف عدَت |
على حريم رسول الله فانتُهِكا |
|
يوم بحامية الإسلام قد نهضت |
له حميّة دين الله إذ تركا |
|
رأى بأنّ سبيل الغيّ متّبع |
والرشد لم تدر قوم أيّه سلكا |
|
والناس عادت إليهم جاهليّتهم |
كانّ من شرع الإسلام قد أفكا |
|
وقد تحكّم بالإسلام طاغية |
يمسي ويصبح بالفحشاء منهمِكا |
|
لم أدرِ أين رجال المسلمين مضوا |
وكيف صار يزيد بينهم مَلِكا |
وبعض الغافلين يقولون: بأنّ بقاء الحسينعليهالسلام في المدينة المنوّرة كان أسلم له وأحفظ لعياله! لماذا خرج إلى العراق حتّى يرى تلك المصيبة الفادحة والنكبة القادحة؟!
ولكن كلّ من له أدنى معرفة بهكذا قضايا يعلم أنّ الحسينعليهالسلام لو كان يقتل في المدينة المنوّرة، ما كان لقتله ذلك الصدى والأثر الذي كان لقتله في كربلاء، فخروجه من المدينة إلى مكّة وإقامته فيها من شهر شعبان حتّى موسم الحجّ، واجتماع المسلمين الوافدين من كلّ صوب وبلد عند الكعبة المكرّمة، والتفافهم حول الإمام أبي عبد الله الحسينعليهالسلام واستماعهم لحديثه وهو يشرح لهم ويوضّح أنّه لماذا لا يبايع يزيد، لأنّ يزيد رجل فاسق شارب الخمور، وراكب الفجور، واللاعب بالكلاب
____________________
=
العاصر الخمر من لؤم بعنصره |
ومن خساسة طبع يعصر الودكا |
|
لئن جرت لفظة التوحيد في فمه |
فسيفه بسوى التوحيد ما فتكا |
|
قد أصبح الدين يشتكي منه سقماً |
وما إلى أحد غير الحسين شكا |
|
فما رأى السبط للدين الحنيف شفاً |
إلّا إذا دمه في كربلاء سُفكا |
|
وما سمعنا عليلاً لا علاج له |
إلّا بنفس مداويه إذا هلَكا |
|
بقتله فاح لإسلام نشر هدىً |
فكلّما ذكرَتْه المسلمون ذكا |
|
نفسي الفداء لفاد شرع والده |
بنفسه وبأهليه وما ملكا |
|
وشبّها بذبال السيف نائرة |
شعواء قد أوردت أعداءه الدركا |
إلى آخر قصيدته العصماء وهو يتطرّق فيها إلى شجاعة بني هاشم وأنصار الحسينعليهالسلام ومصارعهم بالطفوف، وإلى سبي العيال والأطفال من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
«المترجم»
والقردة، وقاتل النفوس المحترمة البريئة، فإذاً لا يليق للخلافة والإمامة.
فكانعليهالسلام يبعث الوعي في النفوس وفي المجتمع بهذا الإعلام الصريح وأخيراً أَعلَن أنّه خارج إلى العراق، وهو لا يخضع لحكم يزيد حتّى إذا آل الأمر إلى قتله وقتل أهل بيته وأنصاره - فخطب تلك الخطبة التي ذكرناها لكم قبل دقائق - وأعلن في الناس أنّه مقتول مسلوب، وأنّ عياله وأطفاله يُسَبوْن بعده ويؤخذون أسارى إلى الشام!
بهذا الإعلان، غدا المسلمون يترصّدون أخباره، والاُمّة كانت لابثة في سبات ونوم عميق، لا يُستيقظ منه إلّا بحركة عنيفة واعية، ونهضة مقدّسة دامية تهزها، وهذه الحركة والنهضة ما كانت تتحقّق إلّا بواسطة آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأهل بيت الوحي، وكان الإمام الحسينعليهالسلام ذلك اليوم زعيم أهل البيت والإمام المسؤول من عند الله سبحانه وتعالى لحفظ دينه وكتابه، وقد أدّى ما عليه بأحسن وجه، وسار بخطوات حكيمة نحو الهدف المقدّس، وانتصر على يزيد وبني اُميّة بشهادته وسفك دمه.
فإن النصر تارة يتحقّق بقتل العدوّ وهزيمته، وتارة يتحقّق بأن يكون المنتصر مظلوماً قتيلاً شهيداً، فالحسينعليهالسلام ما كان طالباً للحكم والرئاسة في نهضته، حتّى يكون خاسراً بعدم وصوله إليها، وإنّما كان يريد يقظة الاُمّة وتحرّكها ضد الظالمين، وكان يريد أنْ يفضح بني أُميّة ويكشف واقعهم للمسلمين، وقد تحقّق كلّ ما أراده، فهو قد انتصر في كربلاء وعدوه خسر وانكسر(١) .
____________________
١) وأذكر لكم بعض أبيات من قصيدة رائعة بالمناسبة لعبد الحسين الأزري: <=
وَقَدِمَ الحسينعليهالسلام إلى كربلاء وسار إلى ميدان الجهاد على بصيرة كاملة فقد روى المؤرّخون أنّه لمـّا عارضه بعض أقربائه - ليمنعوه من الخروج إلى العراق واقترحوا عليه أن يخرج إلى اليمن لأنّ أهلها شيعة مخلصون له ولأبيه وليسوا كأهل الكوفة مذبذبين وانتهازيّين - أجابهم قائلاً:
إنّ جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله أتاني فقال: يا حسين أُخرج إلى العراق، فإنّ الله شاء أن يراك قتيلاً!
قالوا: إذاً ما معنى حملك هؤلاء النسوة معك؟!
فقال: إنّ الله شاء أن يراهنّ سبايا!!
نعم، كلّ من أمعن النظر في تاريخ النهضة الحسينية المباركة ودرس أبعادها وجوانبها،عرف أهمّيّة دور النساء والأطفال، وأهمّيّة دور السبايا من أهل البيتعليهمالسلام في نشر أهداف الحسينعليهالسلام وأسباب ثورته
____________________
=
عش زمانك ما استطعت نبيلا |
واترك حديثك للرواة جميلا |
|
العزّ مقياس الحياة وضلّ من |
قد عدّ مقياس الحياة الطّولا |
|
قل: كيف عاش؟ ولا تقل كم عاش |
مَنْ جعلَ الحياةَ إلى علاه سبيلا |
|
ما كان للأحرار إلّا قدوة |
بطل توسَّدَ في الطفوف قتيلا |
|
خشيت أُميةَ أن يزعزع عرشها |
والعرش لولاه استقام طويلا |
|
قتلوه للدنيا ولكن لم تدم |
لبني أُميّة بعد ذلك جيلا |
|
ولرُبّ نصرٍ عاد شرّ هزيمة |
تركت بيوت الظالمين طلولا |
إلى آخر القصيدة العصماء، وينطلق الشاعر بها إلى شرح جانب من واقعة عاشوراء وآثار تلك النهضة المباركة الدامية.
«المترجم»
المقدّسة ونقل المصائب الأليمة والفجائع العظيمة التي وقعت لأهل البيت في كربلاء.
وكان لهذا الدور أثراً بالغاً في فضح بني أُميّة وتعريتهم وكشفهم للأُمّة الإسلامية.
فالخُطَب التي ألقتها الفاطميّات في الكوفة كانت سبب ثورة التوّابين ومن بعدهم ثورة المختار وانتقامه من قتلة الحسينعليهالسلام .
وكذلك خُطْبة الحوراء زينب في مجلس يزيد، وخطبة الإمام زين العابدينعليهالسلام في الجامع الأُموي بالشام، قَلَبَت كلّ المعادلات، بحيث اضطّر يزيد بن معاوية أن يلعن ابن زياد، وتَنصَّل هو عن مسؤولية الواقعة وألقى كلّ تبعاتها على عاتق ابن زياد.
وعلى أثر تلك الحادثة الأليمة، لا نجد يومنا هذا لبني أُميّة وخلفائهم، حتّى في الشام التي كانت عاصمة حكمهم وسلطانهم لا نجدُ ذِكْراً حسناً ولا أثراً ظاهراً، حتّى قبورهم مجهولة مهجورة.
نتيجة البحث
فثبت أنّ نهضة الإمام الحسينعليهالسلام كانت نهضة دينية، وقد استشهد في سبيل الله ولنصرة دين الله عزّ وجلّ، فلمّا يحضر الشيعي والمحبّ في مجلس عزائهعليهالسلام ويستمع إلى الخطيب وهو يشرح أسباب ثورة الحسين وأهدافها ويسمع بأنّ الحسينعليهالسلام خالف يزيد وقاتله، لأنّه كان يعمل بالمنكرات ويرتكب المحرّمات.
ويسمع الخطيب وهو ينقل كلام الحسين قائلاً: إنّي ما خرجت أشراً ولا بطراً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي وأن آمر
بالمعروف وأنهى عن المنكر.
أو يسمع بأنّ الحسينعليهالسلام يوم عاشوراء أقام صلاته في ساحة القتال مع أصحابه جماعةً.
أو يقرأ في زيارته: أشهد أنّك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر
فيلتزم بأنّ يعمل بما عمل الحسينعليهالسلام لأنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع، لذلك كلّ عام في محرّم حين تكثر المجالس الحسينية نجد كثيراً من الناس - وخاصّة الشباب - على أثر حضورهم في تلك المجالس واستماعهم لمواعظ الخطيب ونصائحه وتفسيره للنهضة الحسينية وشرحه حديث «من بكى على الحسين وجبت له الجنة» كما مرّ، وغير ذلك، يؤثّر فيهم تأثيراً بالغاً، فنجد انهم يهتدون إلى الصراط المستقيم، فتتحسّن سيرتهم ويعتدل سلوكهم، فيتركون السيّئات ويتوبون إلى الله تعالى ببركات الحسينعليهالسلام ومجالس عزائه.
وهذا جانب من معنى الحديث النبوي الشريف:
«إنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة».
- لمـّا وصل كلامنا إلى هنا دمعت عيون كثير من الحاضرين، وكانوا مطرقين برؤوسهم، يتفكّرون في عظمة الحسين وعظمة ثورته المقدّسة وعزمت على أن أختم الحديث..
النوّاب: سيدنا الجليل! وإن كان قد انقضى وقت المجلس، وطال بالحاضرين الجلوس، ولكن أودّ أن أقول بأنّنا بفضل حديثك قد تعرّفنا على عظمة الحسين وفضله، وعرفنا شخصيّته المقدّسة أكثر من ذي قبل، فجزاك خيراً، إذ علّمتنا معنى الحبّ وفلسفة البكاء والزيارة.
وإنّي آسف جدّاً على ما فتني من الأجر والثواب لعدم حضوري في مجالس عزاء آل النبيصلىاللهعليهوآله التي يعقدها إخواننا الشيعة في بلدنا هذا، لأنّي اتّبعت بعض أهل مذهبي وأطعتهم عن جهل وتعصّب، إذ كانوا يقولون: إنّ الحضور في مجالس عزاء الحسين بدعة، وزيارته بدعة، والبكاء عليه بدعة، ولكنّي عرفت أنّ هذه المجالس حتّى إذا كانت بدعة فهي حسنة، لأنّها تكون مدارس جامعة!
لذلك نرى أنّ ثقافة أبناء الشيعة الدينية هي أعلى ممّا هي عليه عند أبنائنا، وهم أعلم منّا بأُمور المذهب وأحكام الدين.
فوائد زيارة مشاهد آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله
قلت: سمعت منك بأنّ بعض أهل مذهبك يقولون: إنّ مجالس الحسين والبكاء عليه بدعة، وزيارته بدعة، وأنا بيّنت لكم فوائد مجالس الحسين وفلسفة البكاء عليه، واُبيّن لكم فوائد زيارته وزيارة مشاهد آل النبيصلىاللهعليهوآله ومراقدهم.
إضافة على الثواب والأجر الأُخروي، فإنّ فيها فوائد جمّة:
أوّلاً: زيارة القبور ليست بدعة، بل هي سُنّة، فقد كان رسول الله يزور القبور، فإنّهصلىاللهعليهوآله زار قبر أُمّه آمنة(١) بالقرب من المدينة المنورّة، وزار البقيع واستغفر للمدفونين فيه(٢) فعندنا أنّ زيارة قبور آل البيت من علائم الإيمان وليس كلّ مسلم بمؤمن.
____________________
١) أخرج مسلم في صحيحه ١/ ٣٥٩ قال: زارصلىاللهعليهوآله قبر أُمّه آمنة فبكى وأبكى من حوله.
٢) شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد - ١٠/١٣٨ ط دار إحياء التراث العربي.
ثانياً: إذا ذهبتم أنتم إلى قباب الأئمّة ومشاهد آل النبيصلىاللهعليهوآله التي يزورها الشيعة، فستشاهدون بأعينكم أنّها مراكز عبادة الله، وهي( بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْکَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) (١) .
فالمؤمنون يسألون حوائجهم من الله تعالى ويبتهلون إليه خاشعين، والمشاهد لا تغلق أبوابها ليل نهار إلّا سويعات في الأسبوع لأجل التنظيف.
فالشيعي حينما يسافر إلى تلك المزارات الشريفة يلتزم غالباً بالحضور فيها كلّ يوم ساعات عديدة، وأكثرهم يفضّلون الحضور فيها وقت السحر إلى ما بعد طلوع الفجر، وقبل الظهر إلى ما بعده، وقبل المغرب إلى ما بعد العشاء، فيصلّون النوافل ثمّ يقيمون الفرائض جماعة، ويشتغلون بقراءة القرآن الكريم والدعاء، بكلّ لهفة ورغبة، وبكلّ خضوع وخشوع، فأيّ هذه الأعمال بدعة؟!
إنّ المشاهد التي يزورها الشيعة إنّما هي أماكن عبادة الله سبحانه، منوّرة بنور أهل البيتعليهمالسلام ومجلّلة بهالة قدسية من شجرة النبوّة والعترة الهادية.
فلو لم تكن لهذه المشاهد أيّة فائدة إلّا التوفيق الذي يناله الزائر عند حضوره فيها لكفَت، فيقضي ساعات من عمره بعبادة ربّه متقرّباً إليه بتلاوة القرآن والدعاء والتضرّع إليه وإظهار فقره وحوائجه إلى ربه، مستغرقاً في الأمور المعنويّة، متوجّهاً إلى المراتب الأُخروية، ومنصرفاً عن الأُمور الماديّة والمسائل الدّنيوية.
فهل تعرفون في بلادكم و سائر البلاد التي يسكنها أهل السُنّة
____________________
١) سورة النور، الآية ٣٦.
محلاً مقدَّساً يحضره الناس على مختلف طبقاتهم في كلّ ساعات الليل والنهار، يشتغلون بالعبادة ويتقرّبون إلى الله تعالى لنيل السعادة، كهذه الروضات المقدّسة؟!
أمّا مساجدكم فلا تُفتح إلّا أوقات الفرائض ثمّ تغلق أبوابها، وإنّي شاهدت في بغداد مرقدي الشيخ عبد القادر الجيلاني وأبي حنيفة، كانت أبوابها مغلقة وما فتحت إلّا وقت الصلاة، فحضر بعض السوقيّين المجاورين وصلّوا مع الإمام الموظّف لمديرية الأوقاف، ثمّ خرجوا وأُغلقت الأبواب.
ولكنّ مرقد الإمامين العسكريّين - علي بن محمد الهادي وهو عاشر الأئمّة، وابنه الحسن الزكي، وهو الإمام الحادي عشر للشيعة - الذي يقع في مدينة سامراء في العراق، وسكّان هذه المدينة من أهل السُنة والجماعة، وتوجد جالية شيعية مستضعفة فيها، وأمّا السّادن وخدّام الروضة المقدّسة فكلهم من السُنة الموظفين لمديرية الأوقاف، وقد يصعب عليهم فتح أبواب الروضة قبل الفجر. ولكن بإلحاح وإصرار من الشيعة والزائرين يفتحون أبوابها قبل الفجر ويدخل الزائرون والمجاورون من كلّ باب، ويشتغلون بالنوافل والعبادات، ولا يوجد أحدٌ من أهل السُنّة في تلك الجموع، حتّى خدّام الروضة والمسؤولين عليها، بعد أن يفتحوا الباب يذهبوا ليناموا.
وإنّي أسأل الله سبحانه أن يوفّقكم لتسافروا إلى العراق لتقايسوا بين مدينتين متقاربتين - المسافة بينهما لا تقل عن العشرة كيلو مترات -.
إحداهما مدينة الكاظمية، وهي تضمّ مرقد الإمامين الجواديْن الكاظمينعليهماالسلام - الإمام السابع موسى بن جعفر، والإمام التاسع محمد
بن عليّ - وهي من مراكز الشيعة.
والأُخرى مدينة بغداد، وهي عاصمة العراق ومركز أهل السُنة والجماعة، وفيها مرقد الشيخ عبد القادر الجيلاني، وإمامكم الأعظم أبي حنيفة.
سافروا إلى هاتين المدينتين وقايسوا بينهما حتّى تنظروا بأعينكم إلى آثار تعاليم أهل البيتعليهمالسلام وانطباع الشيعة عنهم! فتحسّون ببركات تلك القباب المنيرة، وتدركون بركاتها الشاملة على الزائرين والمجاورين لها، فإن كثيراً منهم ينامون أوّل الليل حتى يستيقظوا وقت السحر ساعتيْن قبل الفجر، ليحضروا في روضة الإمامين الجوادْينعليهماالسلام برغبة واشتياق، فيقيموا نافلة الليل ويشتغلوا بالدعاء والعبادة، وكثير منهم أصحاب متاجر كبيرة ومهمّة في بغداد إلّا أنّ دور سكنهم في الكاظمية، فيقضون ساعة أو أكثر في الروضة المقدسة بالعبادة والدعاء، ثمّ يذهبون إلى متاجرهم وأشغالهم واكتساب معايشهم.
ولكن إذا نظرتم إلى أكثر أهالي بغداد، وهم مع الأسف منهمكون في المعاصي، ومستقرون في الفسوق والملاهي، فالمقامر ودور البغاء والفجور وحانات الخمور، تعمل ليل نهار!!
النوّاب: سيدنا الجليل! إنّي أُصدّقك وأقبل كلامك، ويحقّ أن ألعنَ نفسي، إذ كنت جاهلاً بمقام آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله وشأنهم، فتبعت أُناساً ما كان لي أن أتبعهم.
قبل سنين سافرت من هذا البلد مع قافلة كبيرة من أهل بلدتي ونحلتي إلى بغداد وقصدنا قبر الإمام الأعظم أبي حنيفة، والشيخ عبد القادر «رض» وكنا نبغي زيارتهما، راجين بها الأجر والثواب،
فانفردت يوماً عن أصحابي وذهبت إلى روضة الإمامين الجوادين، فرأيت الوضع كما وصفتم، ولكن لمـّا رجعت إلى أصحابي وعرفوا بأنّي ذهبت إلى تلك الروضة المقدّسة، تحاملوا عَليَّ وعاتبوني عتاباً شديداً! فاعتذرت إليهم بأنّي ما ذهبت بقصد الزيارة والتقرّب إلى الله عزّ وجلّ، وإنّما ذهبت للتفرّج والاستطلاع، فسكتوا عنّي!!
وأنا الآن أُراجع نفسي وأتعجّب كثيراً، فأقول لماذا تكون زيارة الإمام الأعظم والشيخ عبد القادر في بغداد جائزة، وزيارة الخواجة نظام الدين في الهند جائزة، وموجبة للأجر والثواب، حتّى إنّ جماعة كثيرة - كلّ عام - يشدّون الرحال إليهم من هذه البلاد ويقطعون مسافات بعيدة، ويصرفون أموالاً كثيرة، وهم يقصدون التقرّب إلى الله سبحانه، ويعتقدون أنّهم يحسنون صنعاً ويكتسبون ثواباً وأجراً!!
عجباً هذه الزيارات موجبة للأجر والثواب، مع علمنا بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله لم يذكر فيهم خبراً، ولم يذكرهم بمدح و ثناء، ولكن زيارة الحسين، ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي جاهد في سبيل الله وضحّى بنفسه للدين، وقد وردت في شأنه وفي فضله الأحاديث النبوية الشريفة الكثيرة المرويّة في كتب كبار علمائنا، تكون بدعة؟!!
ولقد نويتُ الآن وعزمتُ على أن أذهب هذا العام إن شاء الله، وأتشرّف لزيارة سيّدنا الحسين، وأحضر عند مرقده المقدّس، قربةً إلى الله تعالى، وطالباً لمرضاته، وراجياً منه سبحانه أن يعفو عمّا سلف منّي.
ثمّ قاموا وانصرفوا جميعاً، وودّعناهم وشايعناهم إلى باب البيت.
المجلس الثامن
ليلة الجمعة / غرّة شعبان المعظّم / ١٣٤٥ هجرية
أقبل القوم بعدما أتْممتُ صلاة العشاء، فاستقبلناهم بالترحاب،فجلسوا وشربوا الشاي.
ثم تكلم السيد عبد الحي قائلاً:
لقد صدرت منكم في البحث الماضي كلمة لا ينبغي لمثلكم أن يتفوّه بها. لأنها تُسبِّب تفرقة المسلمين، والله تعالى يقول:( وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرَّقُوا ) (١) ( وَ لاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا ) (٢) .
قلت «متعجباً»: أرجو أنْ توضح ما هي تلك الكلمة؟! فربما صدرتفي حال الغفلة.
السيد عبد الحي: في الليلة الماضية، في أواخر البحث عن فوائد الزيارة قلتم: إنكم تعتقدون بأنّ زيارة مشاهد أهل البيت من علائم الإيمان، وقلتم :ليس كل مسلم بمؤمن!
بينما المسلمون كلهم مؤمنون والمؤمنون كلهم مسلمون!
فلماذا تفرّقون بينهم وتجعلونهم قسمين متمايزين؟!
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ١٠٣.
٢) سورة الأنفال، الآية ١٦.
أليسَ هذا الانقسام يضر الإسلام! وقد تبيَّنَ لنا من كلامكم شيءٌ، وهو أنّ عوام الشيعة «خاصة في الهند» حين يحسبون أنفسهم مؤمنين ويحسبوننا مسلمين، مأخوذ من علمائهم.
وهذا الأمر مخالفٌ لرأي جمهور علماء الإسلام، إذ لا يفرّقون بين الإسلام وبين الإيمان.
الفرق بين الإسلام والإيمان
قلت: أولاً ، قولك: جمهور علماء الإسلام لا يفرقون بينه وبين الإيمان. فغير صحيح، لأننا نجد في الكتب الكلامية اختلافاً كثيراً حول الموضوع لابين الشيعة والسنّة فحسب، بل نجد الاختلاف سارياً في أقوال أهل السنة والجماعة أنفسهم أيضاً، فالمعتزلة على خلاف الأشاعرة. وبعض علماء الشافعية والحنفية على خلاف رأي أحمد ومالك.
ثانياً: لا يرد إشكالك على كلامي، لأنّ كلامي صدر على أساس قوله تعالى:( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰکِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِکُمْ ) (١) الخ.
فالآية الكريمة تصرّح بأنّ الإسلام والتسليم في الظاهر، والإيمان يرتبط بالقلب، والآية تنفي إيمان قوم في حين تثبت إسلامهم. فالمسلم، مَن شهد بالتوحيد والنبوة فقال: أشهد أنْ لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمداًصلىاللهعليهوآله رسول الله. فحينئذٍ يكون للمسلم ما للمؤمنين
____________________
١) سورة الحجرات، الآية ١٤.
في الدنيا، من الحقوق الاجتماعية والمدنية والشخصية، دون الآخرة، فقد قال تعالى:( مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ) (١) .
السيد عبد الحي: نقبل بأنّ الإسلام غير الإيمان، فقد قال سبحانه وتعالى:( وَ لاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْکُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً ) (٢) .
فهذه الآية تفرض علينا الإلتزام بالظاهر وأنْ لا ننفي الإسلام عمّن أظهر الإسلام.
قلت: نعم كل من نطق بالشهادتين، فما لم يرتكبْ منكراً يلازم الكفر والارتداد، ولم ينكر إحدى الضرورات الإسلاميّة كالمعاد، فهو مسلم، نعاشره ونجالسه ونعامله معاملة الإسلام، ولم نتجاوز الظاهر، فإنّ بواطن الناس لا يعلمها إلا الله سبحانه، وليس لأحد أنْ يتجسّس على بواطن المسلمين. ولكن نقول: بأن النسبة بين الإسلام والإيمان، عموم مطلق(٣) .
مراتب الإيمان
لقد أمر النبيصلىاللهعليهوآله أمته عند اختلاف الأقوال وتضارب آرائهم، أنْ يأخذوا بقول أهل بيته ويلتزموا برأيهم، لأنهم أهل الحقٍّ والحقُّ لا يفارقهم. فلذلك إذا بحثنا في أحاديث أهل البيتعليهمالسلام لنجد حقيقة موضوع حوارنا، نصل إلى قول الإمام الصادقعليهالسلام إذ يقول: «إنّ
____________________
١) سورة البقرة، الآية،١٠
٢) سورة النساء، الآية ٩٤.
٣) مورد الاجتماع: المسلم المؤمن.
ومورد الإفتراق: المسلم غير المؤمن، ولا يوجد مؤمن غير مسلم.
للإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل.فمنه الناقص البيِّن نقصانه ومنه الراجح الزائد رجحانه ومنه التام المنتهَى تمامه. وأما الإيمان الراجح فهو عبارة عن إيمان الشخص الذي يتصف ببعض لوازم الإيمان، فهو راجح على الذي لا يتصف بها فالثاني ناقص إيمانه، وأما التام المنتهى تمامه، فهو الذي يتصف بكل لوازم الإيمان. وقد قال سبحانه وتعالى فيهم:( أُولٰئِکَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ کَرِيمٌ ) (١) .
وأما الصفات اللازمة للإيمان فهي كثيرة منها كما في الحديث المروي( عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: يا علي سبعة من كنَّ فيه فقد استكمل حقيقة الإيمان، وأبوابُ الجنة مفتّحة له: مَنْ أسْبَغَ وضوءه وأحسن صلاته، وأدَّى زكاة ماله، وكَفَّ غضبه.وسَجَن لسانه، واستغفر لذنبه، وأدَّى النصيحة لأهل بيت نبيه)(٢) ونحن نعتقد أنّ زيارة مشاهد أهل البيتعليهمالسلام يدخل ضمن العنوان الأخير. فالذي أسلم، هو مؤمن في الظاهر ولا نعلم باطنه، ولكن أعماله تكشف عن حقيقة إيمانه، ومراتب رسوخ الإيمان في قلبه وباطنه وقد جاء في تفسير الآية الكريمة:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا ) (٣) .
أي: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم آمِنوا بقلوبكم.
وخاطب النبيصلىاللهعليهوآله جماعة من أصحابه فقال: يا معشر مَن أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان بقلبه.
فلا شك أنّ بين الإسلام والإيمان فرقاً لغوياً ومعنويا. وللمؤمن
____________________
١) سورة الانفال، الآية ٧٤.
٢) الخصال: ٢/١٦٨، الحديث رقم ٨.
٣) سورة النساء، الآية ١٣٦.
علائم تظهر في سلوكه وأعماله.
ثم اعلموا بأننا لا نفتش عن بواطن الناس ولا نفرّق بين المسلمين، ولكن نعاملهم على حدّ أعمالهم، فهناك من ينطق بالشهادتين ولكن يستخف بالصلاة والصوم ويستهين بالحج ولا يدفع الزكاة ويخالف القرآن الحكيم وأوامر النبيصلىاللهعليهوآله وأهلبيته، فليس هذا عندنا من الإحترام والتكريم، كمن ينطق بالشهادتين ويلتزم بأحكام الدين فيعمل بكل الفرائض ويترك المنهيّات ويطيع الله ورسولهصلىاللهعليهوآله وعترتهعليهمالسلام لقوله تعالى:( إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاکُمْ ) (١) .
فالإسلام يتحقق باللسان، وهو بداية المرحلة الأولى من الإيمان، ويترتب عليه الأحكام الدنيوية كالحقوق الاجتماعية والشخصية والمدنية.
ولكن الإيمان المطلق فيتحقق باللسان والقلب، ويظهر بالأعمال الصالحة التي تصدر من جوارح المؤمن وأعضاءه بدنه، وحتى اللسان، وهو يحب أنْ يكون مطلقاً، يتقيَّد بالإيمان فلا يتكلم إلّا بالحق والصبر، كما قال تعالى:( بِسْمِ الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَ الْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَ تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) (٢) .
وجاء في الحديث الشريف:
الإيمان هو الإقرار باللسان والعقد بالجنان والعمل بالأركان.
____________________
١) سورة الحجرات، الآية ١٣.
٢) سورة العصر.
لماذا ترفضون الشيعة!!
إذا كنتم ملتزمين بهذا الأصل العام، إنّ كل من نطق بالشهادتين فهو مسلم ومؤمن وأخٌ في الدين. فلماذا تطردون الشيعة وترفضونهم بل تعادونهم، ولاتحسبون مذهبهم من المذاهب الإسلامية! وكلكم تعلمون بأنّ الشيعة يشهدون أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمداً رسول الله وخاتم النبيين. ويعتقدون بأنّ القرآن كلام الله العزيز ويلتزمون بكل ما جاء به المصطفىصلىاللهعليهوآله ، فيصلّون ويصومون ويزكّون ويحجون ويجاهدون فيسبيل الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويعتقدون بالبعث والمعاد وبالمحاسبة والجزاء( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) (١) لذلك يلتزمون بترك القبائح والمحرّمات كالظلم والسرقة والخمر والزنا والقمار واللواط والربا والكذب والافتراء والنميمة والسحر وغيرها من المحرّمات.
فنحن معكم نعتقد بإله واحد ونبي واحد ودين واحد وكتاب واحد وقبلة واحدة، ومع ذلك كله نراكم تفترون علينا وترموننا بالكفر والشرك! وهذا مايريده الأجانب والمستعمرون ويفرحون منه.
فلماذا هذا الظلم والجفاء وهذا التقوُّل والافتراء علينا؟!!
ألَم نكن معكم متّفقين على دين واحد، ومتّفقين على أصوله وفروعه وأحكامه؟ - غير الإمامة والخلافة - وأما الاختلاف الموجود بيننا وبينكم في بعض الأحكام الفرعية، فهو اختلافٌ نظريٌّ ورأيٌ فقهي، كالاختلاف الواقع بين الأئمة الأربعة لأهل السنّة والجماعة. بل
____________________
١) سورة الزلزلة، الآية ٧ و٨.
في بعض المسائل تكون اختلافاتهم أشدّ من اختلافنا مع بعضهم. هل أعددتم جواباً ليوم الحساب إذا سُئلتم عن سبب هذا الموقف البغيض والحقد العريض على الشيعة المؤمنين؟ وهل يُقبَل منكم إذا قلتم: إننا اتّبعنا أسلافنا من الخوارج والنّواصب، المعادين للعترة الهادية والفرقة النّاجية؟!!
فليس للشيعة ذنب، سوى أنهم سلكوا الطريق الذي رسمه النبيصلىاللهعليهوآله بأمر الله سبحانه، فأمَرَ المسلمين بمتابعة أهل بيته وإطاعة عترته من بعده.
فقالصلىاللهعليهوآله : إني تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً.
فالشيعة أخذوا بأمر النبيصلىاللهعليهوآله وتمسّكوا بالثقلين.
وأمّا غيرهم فقد أخذوا بقول غير النبيصلىاللهعليهوآله إذْ عارضوه فقالوا: كفانا كتاب الله! فتركوا أهل البيت والعترة الطاهرة الهاديةعليهمالسلام .
الشيعة أخذوا أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن طريق أهل بيتهعليهمالسلام ، وغيرهم أخذوا الأحاديث عن طريق أبي هريرة وأنَس وسَمرة وأمثالهم، وتركوا طريق أهل البيت الطيبينعليهمالسلام .
وللحصول على أحكام الدين ابتدعوا القياس والاستحسان حسب ما تراهُ عقولهم، وتحكم به أفكارهم، كل ذلك ليستغنوا عن العترة الهادية!!
لماذا نتّبع عليعليهالسلام وأبناءه
ونحن إنما نتّبع عليّاًعليهالسلام وأبناءه الأئمة المعصومينعليهمالسلام لقول النبيصلىاللهعليهوآله : أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها.
لذلك نحن دخلنا من الباب الذي فتحه رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأمته وأمرهم بالدخول منه إلى مدينة علومه وأحكام دينه وحقيقة شرعه.
ولكنكم تُحتِّمون علينا وعلى المسلمين أنْ نكون أشاعرة أو معتزلة في أصول الدين وأما في الفروع والأحكام فتريدوننا أن نأخذ برأي أحد الأئمة الأربعة، لمذاهب أهل السنّة والجماعة وهو تحكّم منكم، ليس لكم دليل عليه!
ولكننا نستند على أدلة عقلية، ونقليّة من أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله في وجوب متابعة عليعليهالسلام وأبنائه الأئمة الطيبين، وقد نَقَلْتُ لكم بعض الأحاديث الشريفة من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشتهرة كحديث الثقلين وحديث السفينة وباب حطّة وغيرها. وإذْ تُنصفونا وتتركوا العناد واللجاج، لكفى كل واحدٍ من تلك الأحاديث في إثبات قولنا وأحقية مذهبنا.
وأمّا أنتم فليس عندكم حتّى حديثٌ واحد عن النبيصلىاللهعليهوآله يأمر أمّته بمتابعة الأشعري أو ابن عطاء في مسائل أصول الدين، أو العمل بآراء وأقوال مالك بنأنس أو أحمد بن حنبل أو أبي حنيفة أو محمد بن إدريس الشافعي في فروع الدين وأحكام العبادات والمعاملات، ليت شعري من أين جاء هذا الانحصار؟!
فاتركوا التّعصّب لمذهب الآباء والأمّهات والتمسك بالتقاليد والعادات، وارجعوا إلى القرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريمصلىاللهعليهوآله فلو كان عُشْر هذه الروايات والأحاديث المروية في كتبكم والواصلة عن طرقكم في متابعة أهل البيتعليهمالسلام ، لو كانت في حقّ واحدٍ من أئمّة المذاهب الأربعة لاتّبعناه وأخذنا برأيه وعملنا بقوله.
ولكن لا نرى في كتبكم وأسانيدكم إلّا أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله وهو يُحرِّض ويُحفِّز على متابعة الإمام عليعليهالسلام بل يأمر المسلمين بذلك وينهى عن مخالفته ويصرّح بأنّ الحق معه.
والآن تذكّرت حديثاً نبوياً نقله كثير من علمائكم وأعلامكم، أنقله لكم بالمناسبة لتعرفوا أنّ الشيعة لا يتّبعون عليّاً وأبناءه عن تعصّب وهوى، بل بأمر من الله ورسولهصلىاللهعليهوآله وليس إلى الحقّ والجنة سبيل غير مذهب أهل البيتعليهمالسلام وهو مذهب رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
روى الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه ينابيع المودة الباب الرابع / عن فرائد السمطين لشيخ الإسلام الحمويني بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا علي أنا مدينة العلم و أنت بابها و لن تُؤْتى المدينة إلّا من قِبَل الباب، و كَذِبَ مَنْ زَعَم أنّه يُحبِّني ويبغضك لأنّك مني و أنا منكَ. لحمك من لحمي و دَمُك دمي و روحك من روحي و سريرتك من سريرتي و علانيتك من علانيتي، سعد من أطاعك و شَقَي مَنْ عصاك، و ربح مَنْ تولّاك، وخسر من عاداك، و فاز من لزمك، و هلك من فارقك، مَثَلُك و مَثَل الأئمة مِن ولدك بعدي، مَثَل سفينة نوح من ركبها نجى و من تخلّف عنها غرق، و مثلهم كمثل النجوم كلّما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة.
ويصرّح النبيصلىاللهعليهوآله في حديث الثقلين الذي اتفق علماء المسلمين على صحته، إنّكم ما إنْ تمسّكتم بالقرآن وبأهل بيته وعترته لن تضلّوا بعده أبداً.
وقد تكلمت حول هذا الحديث بالتفصيل في الليالي الماضية
وذكرت لكم مصادره من كتبكم ومسانيدكم، ولكن بالمناسبة أقول:
إنّ ابن حجر الهيثمي وهو ممن لا يُتَّهم عندكم بشيء بل لا يَنكر أحدٌ تعصّبه في مذهبه، وتمسّكه بطريقة أهل السّنة والجماعة.
قال في كتاب الصواعق المحرقة / الفصل الأول من الباب الحادي عشرعند ذكره الآيات الكريمة النازلة في شأن أهل البيتعليهمالسلام فيقول في ذيل «الآية الرابعة» قوله تعالى:( وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) (١) :
«أخرج الديلمي» عن ابن سعيد الخدري أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال: وقوفوهم إنهم مسئولون عن ولاية عليّ.و كأنّ هذا هو مراد الواحدي بقوله: رُوي في قوله تعالى :( وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) ، أي عن ولاية عليٍّ وأهل البيت قال ابن حجر: وأخرج الترمذي وقال: حَسَنٌ غريب، إنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إنّي تاركٌ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: أحدهما أعظم من الآخر، هو كتاب الله عزّ وجلّ، حبلٌ ممدودٌ من الأرض إلى السماء و عترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟! قال: « وأخرجه أحمد » في مسنده بمعناه ولفظه: إنّي أوشك أن أُدْعى فأُجيب، و إني تاركٌ فيكم الثقلين: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض و عترتي أهل بيتي، و إنّ اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. فانظروا بم تخلفوني فيهما؟! وسنده لا بأس به. وفي رواية: إنّ ذلك كان في حجة الوداع. وفي [ رواية ] أخرى: مَثلُهُ - يعني: كتابالله – كسفينة
____________________
سورة الصافات، الآية ٢٤.
نوح من ركب فيها نجى. ومثلهم - أي أهل بيته - كمثل باب حطّة، مَنْ دخله غُفرت له الذنوب.
وذكر ابن الجوزي لذلك في« العلل المتناهية» وَهْمٌ أو غَفْلَةٌ عن استحضار بقية طرقه. بل في مسلم - أي صحيح مسلم - عن زيد بن أرقم أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: ذلك يوم غدير خم وهو ماء بالجحفة، كما مر وزاد: أُذَكِّركم الله في أهل بيتي. قلنا لزيد مَنْ أهل بيتيه: نساؤه؟ قال: لا، أيْم الله! إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدّهر، ثمّ يُطلِّقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أهله وعصبته الذين حُرموا الصدقة بعده.
قال ابن حجر: وفي رواية صحيحة: إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إنْ تبعتموهما، وهما: كتاب الله وأهل بيتي عترتي. وقال: زاد الطبراني: إنّي سألتُ ذلك لهما فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تُعلِّمهم فإنّهم أعلم منكم.
ثم قال ابن حجر: إعلم أنّ الحديث التمسّك بذلك، طرقاً كثيرة، وَرَدت عن نَيّف وعشرين وصحابياً، وفي بعض تلك الطرق أنهصلىاللهعليهوآله قال ذلك بحجة الوداع بعَرَفَة، وفي اخرى أنهصلىاللهعليهوآله قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنهصلىاللهعليهوآله قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى أنهصلىاللهعليهوآله قال لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف.
ولا تنافي إذ لا مانع من أنّهصلىاللهعليهوآله كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة - وبعد سطور قال -:« تنبيه »سَمَّي رسولُ اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم القرآنَ
وعترتَه ثقليْن، لأنّ الثِّقل كلُّ نفيس خطير مصون وهذان كذلك، إذ كل منهما معدن للعلوم اللدنيّة والأسرار والحكم العَليَّة والأحكام الشَرعيّة، ولذا حثّصلىاللهعليهوآلهوسلم على الاقتداء والتمسّك بهم والتعلّم منهم ويؤيده الخبر السابق: ولاتعلّموهم فإنهم أعلم منكم. وتميّزوا بذلك عن بقية العلماء، لأنّ الله أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وشَرَّفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة.
وفي أحاديث الحثّ على التمسّك بأهل البيت، إشارة إلى عدم انقطاع العالم عن التمسّك بهم الى يوم القيامة، كما انّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض كما يأتي ثم أحق من يتمسّك به منهم، إمامهم وعالمهم علي بنأبي طالب كرم الله وجهه، لما قدّمنا من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته الخ.
ايها الحاضرون! هذه تصريحات أحد كبار علماء السنّة وهو ابن حجر الذي اشتهر بالتّعصب ضد الشيعة ومذهبهم، والعجيب أنه مع كل تلك الاعترافات بفضل أهل البيتعليهمالسلام ولزوم التمسّك بهم، يؤخّرهم عن مقامهم وعن مراتبهم التي رتّبهم الله فيها، لا سيّما الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام فيقدّم عليه وعليهم مَن لا يُقايَس بهم في العلم والفضيلة فاعتبروا يا أولي الأبصار!! نعوذ بالله من التّعصب والعناد.
أيها الاخوان فكروا في هذه التأكيدات المتتالية عن النبيصلىاللهعليهوآله ! وهو يبيّن أنّ سعادة الدنيا والآخرة منحصرة في التمسّك بالقرآن والعترة معاً وأنّ طريق الحق واحد وهو الذي سار فيه أهل بيته فما هو واجب المسلمين؟ فكروا وأنصفوا!!
إنه موقفٌ صعبٌ واختيار الحق أصعب، لقد وقفتم على طريقين: طريقٌ سلكه آباؤكم وأسلافكم، وطريقٌ يدعوكم إليه نبيكمصلىاللهعليهوآله وقرآنكم وعقولكم.
فكما لا يجوز للمسلمين أن يُغيِّروا شيئاً من كتاب الله العزيز حتى لو أجمعوا على ضرورة التغيير لتغيير الزمان وغير ذلك، وكذلك لا يجوز للمسلمين أن يتركوا أهل البيت ويتمسكوا بغيرهم حتى لو أجمعوا على ذلك لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله حكمَ على المسلمين وأمرهم أن يتمسكوا بالقرآن وبعترته وأهل بيته معاً فلا يجوز التمسك بواحد دون الآخر.
أسألكم أيها الحاضرون! هل الخلفاء الذين سبقوا الإمام عليعليهالسلام كانوا من أهل البيت والعترة الهادية؟ وهل تشملهم أحاديث الثقلين والسفينة وباب حطة وغيرها حتى يكون التّمسك بهم لازماً، وطاعتهم واجبة علينا؟!
السيد عبد الحي: لم يدّع أحدٌ من المسلمين أنّ الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم كانوا من أهل البيت، ولكنهم كانوا من الصحابة الصالحين، ولهم فضيلة المصاهرة مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قلتُ: فإذا أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله بإطاعةِ قومٍ أو فردٍ مُعيَّن وأكَّدَ ذلك على أمته، فهل يجوز لطائفة من الأمّة أنْ يُعرضوا عن أمر النبيصلىاللهعليهوآله ويقولوا: إننا نرى صلاحنا وصلاح الأمّة في متابعة وإطاعة قوم آخرين - حتى إذا كانوا صلحاء -؟ فهل امتثال أمر النبيصلىاللهعليهوآله وطاعته واجبة؟ أم إطاعة تلك الطائفة المتخلِّفة عن أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والعاملة حسب نظرها في تعيين الصواب والصلاح للأمّة؟!
السيد عبد الحي: حسب اعتقادنا طاعة النبيصلىاللهعليهوآله واجبة.
قلت: إذاً، لماذا تركتم أمر النبيصلىاللهعليهوآله ولم تطيعوه حيث قال: إني تاركٌ فيكم ثقلين أو أمرين، لن تضلوا إنْ اتبعتموهما وهما: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فلا تقدموا عليهم فتهلكوا ولا تقصّروا عنهم فتهلكوا، ولا تُعلِّموهم فإنهم أعلم منكم؟. ومع هذا تركتموهم وهم أعلم الناس وأفضلهم، وتبعتم واصل بن عطاء وأباحسن الأشعري، أو مالك بن أنس وأبا حنيفة ومحمد بن إدريس وأحمد بن حنبل!
هل إنّ هؤلاء أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآله وعترته أم هم علي بن أبي طالب وأبناؤه الأئمة المعصومونعليهمالسلام ؟
السيد عبد الحي: لم يدّعِ أحدٌ من المسلمين أنّ المقصود من أهل البيت في حديث الثقلين، أئمة المذاهب الأربعة، أو الخلفاء الثلاثة، أو أبو الحسن الأشعري أو واصل بن عطاء، وإنما نقول: إنّ هؤلاء كانوا من أبرز علماء المسلمين ومن الفقهاء الصلحاء.
قلت: ولكن بإجماع العلماء واتفاق جمهور المسلمين، أن الأئمة الإثني عشر الذين نتمسك نحن الشيعة بأقوالهم ونلتزم بطاعتهم، كلهم من أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآله وعترته، وهم أشرف أبناء رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وثبت أنهم في كل زمان كانوا أعلم الناس بأحكام الدين وتفسير الكتاب المبين وفقه شريعة سيد المرسلين. وأقَّرَّ لهم بذلك جميع علماء المسلمين.
لا أدري ما يكون جوابكم، إذا سألكم النبيصلىاللهعليهوآله يوم الحساب: أنْ لماذا خالفتم رأيي وعصيتم أمري فتركتم عترتي وأهلي وقدّمتم غيرهم عليهم؟!
أليس أهل بيتي كانوا أعلم وأفضل؟
لقد أخذ الشيعة دينهم ومذهبهم، حسب أمر النبيصلىاللهعليهوآله من باب علمه، ومن وصيه علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وأخذوا بعده من عترته وأهل بيته الذين أدركوه وعاشروه وسمعوا حديثه ورَأوا أعماله وسلوكه فأخذوا منه وأصلوا ذلك إلى أبنائهم ونشروه. أما غير أهل البيتعليهمالسلام فكيف وصلوا إلى علم النبيصلىاللهعليهوآله ؟!
فالأئمة الأربعة ما كان لهم أيّ ذكر في القَرْن الأول الثاني بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلا يُعدُّون من الصحابة والتابعين.
ولكن أخرجتهم السياسة وأظهرتهم الحكومة والفئة المناوئة لأهل البيت والعترةعليهالسلام .
ففسحت لهم المجال وفتحت أبوابهم، ومنعت الحكومات الناس من التوجه إلى آل محمّدصلىاللهعليهوآله : لينصرفوا نحو الأئمة الأربعة، وإذا كان أحد مَنْ لا يهتم لأمر الحكومة، فيتمسك بأهل البيت ويعمل برأيهم ولم ينضم إلى مذاهب الأئمة الأربعة، فكان يُرْمَى بالكفر والزندقة وكان مصيرهُ السجن والمطاردة!
وما زالت هذه الحالة التّعصّبية تنتقل من دَوْر إلى دَوْر، ومِن دولةٍ إلى أخرى، حتّى يومنا هذا!!
فما يكون جوابكم لنبيكمصلىاللهعليهوآله يوم الحساب إذا سألكم: بأي دليل كَفَّرتم شيعة أهل بيتي، وهم مؤمنوا أمّتي؟
ولماذا قلتم لأتباعكم وأشياعكم: إنّ شيعة عليٍّعليهالسلام مشركون؟!
فحينئذٍ ليس لكم جواب، ولكم الخزي والخجل في المحشر!
أيها الأخوة! تداركوا اليومَ الموقف! وارجعوا إلى الحق والصواب! واعتبروا يا أولي الألباب!
نَتَّبعُ العلم والعقل
أيها الحاضرون الكرام! نحن لا نعاديكم ولا نعادي أحداً من المسلمين، بل نحسب جميع المسلمين إخواننا في الدين، ولكنّ خلافنا معكم ناشيء من التزامنا لحكم العقل و العلم، وهو أنّنا لا نقلّد في أمر ديننا تقليداً أعمى، بل يجب أنْ نفهم الدين بالدليل والبرهان حتّى يحصل لنا اليقين، قال سبحانه وتعالى:( فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) (١) .
فلا نتبع أحداً ولا نطيعه من غير دليل، فنأخذ بأمر الله سبحانه ونهتدي بهدى النبيصلىاللهعليهوآله ولا نسلكُ إلّا الطريق السَّوي الذي رسمه لنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأمر الله عزّ وجلّ، من مطلع رسالته حين جمع رجال قومه الأقربين امتثالاً لأمر الله سبحانه حيث قال:( وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَکَ الْأَقْرَبِينَ ) (٢) .
فجمعهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله : وأطعمهم، ثمّ قام فيهم بشيراً ونذيراً ثمّ قال: فمن منكم يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني في القيام به، يَكنْ أخي و وزيري وخليفتي من بعدي؟ فما أجابه إلّا عليعليهالسلام ، وكان أصغرهم سنّاً، فأخذ النبي بيده وقال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي
____________________
١) سورة الزمر، الآية ١٧ - ١٨.
٢) سورة الشعراء، الآية ٢١٤.
فيكم فاسمعوا لهُ وأطيعوا الخ - وقد نقلنا هذا الخبر بالتفصيل وذكرنا مصادره المعتبرة في المجلس الخامس -.
وفي أواخر أيام حياته المباركة، وفي أكبر جَمع من أمته، يوم الغدير، أخذ بيد علي بن أبي طالبعليهالسلام بأمر الله عزّ وجلّ وعَيَّنهُ لخلافته، فقال: من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه وأخذ له البيعة منهم.
فالدّلائل الساطعة والبراهين القاطعة من القرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريمصلىاللهعليهوآله المرويّة في كتبكم المعتبرة ومسانيدكم الموثّقة - إضافةً على تواترها في كتب الشيعة - كلها تشير بل تُصرِّح على أنّ الصّراط المستقيم والسبيل القويم منحصرٌ في متابعة آل محمد وعترتهصلىاللهعليهوآله .
ولو تذكرون لنا حديثاً واحداً عن النبيصلىاللهعليهوآله بأنّه قال: خذوا أحكام ديني من أبي حنيفة أو مالك أو أحمد بن حنبل أو الشافعي، لقبلناه منكم! ولتركتُ مذهبي واخترتُ أحد المذاهب الأربعة!!
ولكن لا تجدون ذلك أبداً وليس لكم أي دليل وبرهان عليه، ولم يدّعه أحد من المسلمين إلى يومنا هذا.
نعم لكم أنْ تقولوا: بأن الأئمة الأربعة كانوا من فقهاء الإسلام، ولذلك الظاهر بيبرس في عام ٦٦٦ من الهجرة، أجبر المسلمين على متابعة أحدهم(١) وأعلن رسمية المذاهب الأربعة ومنع فقهاء
____________________
١) قال المقريزي: فلما كانت سلطنة الظاهر بيبرس البندقداري وَلَّى بمصر أربعة قُضاة: شافعيٌّ، ومالكيّ، وحنفيّ، وحنبلي، فاستمر ذلك من سنة ٦٦٥ هجرية حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهبّ يُعرف من مذاهب الإسلام سوى هذه =
. . . . .
____________________
= المذاهب الأربعة وعُودِيَ مَنْ تَمَذْهَبَ بغيرها وأنكر عليه، ولم يُولَّ قاضي ولا قُبِلَتْ شهادة أحد ولا قدِّمَ للخطابة والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاء الامصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها.
وسبقه إلى ذلك الخليفة العباسي في بغداد، وهو المستنصر، فقد أنشأ المدرسة المستنصرية سنة ٦٢٥ هجرية وتم بناؤها سنة ٦٣١ هجرية فاحتفل بافتتاحها احتفالاً عظيماً حضرهُ بنفسه وحضر معه نائب وزيره والولاة والحجاب والقضاة والمدرسون والفقهاء والقراء والوعاظ والشعراء وأعيان التجار والنّقباء.
وحَصَرَ الخليفة التدريس في المستنصرية على المذاهب الأربعة، وجعل لها ستة عشر وقفاً تجري عائداتها عليها، لكل مذهب ربع العوائد، وجعل ربع القبلة الأيمن للشافعي، وجعل ربع القبلة الأيسر للحنفي، والرُّبع الذي على يمين الدّاخل للحنابلة، والرُّبع الذي على يسار الداخل للمالكية.
وسبقه إلى اختيار بعض المذاهب و إعلان رسميته، جدُّه أبو جعفر المنصور الوانيقي حيث أمر الإمام مالك بوضع كتاب في الفقه يحمل الناس عليه بالقهر! فوضع الموطَّأ. / شرح الموطأ للزرقاني ج ١ ص ٨.
فأعلنَ المنصور أنّ مالكاً أعلم الناس.
وقد أمر الرشيد عامله على المدينة بأن لا يقطع أمراً دون مالك، ومنادي السلطان كان ينادي أيام الحج: أنْ لا يُفتي إلا مالك.
أما في بغداد فقد وَلَّى الرشيد أبا يوسف منصب رآسة القضاة العامة و أبو يوسف هو تلميذ أبي حنيفة.
وكان الرشيد لا ينصب أحداً في بلاد العراق وخراسان والشام ومصر، بالولاية =
المسلمين من استنباط الأحكام وإبداء آرائهم، والتاريخ يُصرِّح بأنّه كان في الإسلام فقهاء وعلماء أعلم وأفقه من أولئك الأربعة.
والعجب أنكم تتركون الإمام عليعليهالسلام وهو باب علم النبيصلىاللهعليهوآله والذي أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمته بالأخذ منه ومتابعته في أمر الدّين والشرع، بالنصوص الكثيرة والروايات المتواترة الواصلة عن طرقكم المعتبرة، وكذلك الآيات القرآنية التي نزلتفي هذا الشأن كما فسّرها كبار علمائكم الأعلام ومحدثيكم الكرام.
وأنتم مع ذلك تَصمُّون أسماعكم، وتغمضون أبصاركم، وتتّبعون الأئمة الأربعة، وتحصرون الحق في آرائهم وأقوالهم بغير دليل وبرهان، وأغلقتم باب الاجتهاد واستنباط الأحكام، وقد تركه النبيصلىاللهعليهوآله مفتوحاً أمام الفقهاء والعلماء.
السيد عبد الحي: نحن نرى الحق في متابعة الأئمة الأربعة، كما أنكم ترون الحق في متابعة الأئمة الإثني عشر!!!
قلت: هذا قياسٌ باطل لأنكم ترون الحق في متابعة أحد الأئمة الأربعة، بينما نحن نرى الحق في متابعة كلّ الأئمة الاثني عشر، فلا يجوز عندنا ترك أحدهم والإعراض عن أوامره.
____________________
= والقضاء إلا من أشار به القاضي أبو يوسف وذلك لمكانته في الدولة ومنزلته عند الرشيد.
فكان القاضي أبو يوسف أقوى عوامل انتشار المذهب الحنفي ورسميته في الدولة.
ومن اراد التفصيل في هذا الباب فليراجع كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج ١ تأليف المحقق الشيخ أسد حيدر (قدس سره).
ثم إن تعيين الأئمة الإثني عشر ما كان إلا من عند النبيصلىاللهعليهوآله وبأمره وحكمه، فهوصلىاللهعليهوآله عيّنهم وذكر أسماءهم واحداً بعد الآخر.
خلفاء النبيصلىاللهعليهوآله إثنا عشر
ذكر الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة مجموعة أحاديث عن النبيصلىاللهعليهوآله بهذا المعنى وفتح لها باباً عنوانه:
الباب السابع والسبعون: في تحقيق حديث بعدي إثنى عشر خليفة.
قال ذكر يحيى بن الحسن في كتاب العمدة، مِن عشرين طريقاً في أنّ الخلفاء بعد النبيصلىاللهعليهوآله إثنا عشر خليفة كلهمَ من قريش: في البخاري من ثلاثة طرق وفي الترمذي من طريق واحد في الحميدي من ثلاثة طرق.
وذكر هذه الأحاديث الشريفة كثير من علمائكم الأعلام غير الذين ذكرهم القندوزي، منهم: الحمويني في فرائد السمطين، والخوارزمي في المناقب، وابن المغازلي في المناقب، والثعلبي في التفسير، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، والمير سيد علي الهمداني الشافعي في المودّة العاشرة من كتابه مودة القربى، نقل إثنا عشر خبراً وحديثاً في هذا الأمر، من عبد الله بن مسعود وجابر بن سمرة وسلمان الفارسي وعبد الله بن عباس وعباية بن ربعي وزيد بن حارثة وأبي هريرة، وعن الإمام عليعليهالسلام ، كلهم يروون عن رسول
اللهصلىاللهعليهوآله أنه قال: الأئمة بعدي أو خلفائي بعدي إثنا عشر كلهم من قريش، وفي بعض الروايات كلهم من بني هاشم، وحتى في بعضها عيّنهم بذكر أسماءهم.
ولا نجد حتّى حديثاً واحداً عن النبيصلىاللهعليهوآله حول الأئمة الأربعة الذين تمسكتم بهم. ثمّ إنّ الفرق بين الأئمة الإثني عشر الذين نتمسك بهم نحن ونأخذ بأقوالهم وبين أئمتكم الأربعة فرقٌ كبير.
وكما أشرنا في الليالي السّالفة أنّ الأئمة الإثني عشرعليهمالسلام هم أوصياء رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد نصّ عليهم بأمرٍ من الله سبحانه فلا يقاس بهم أي فردٍ من الخلفاء والأئمة الذين تمسكتم بهم، فإنّ أئمة المذاهب الأربعة شأنهم شأن غيرهم من فقهاء المسلمين وعلماء الدين، والمسلمون في خيار تامٍ في تقليدهم وتقليد غيرهم من فقهاء الإسلام الذين يملكون قدرة الاستنباط واستخراج الأحكام الدينية من القرآن الحكيم والسّنّة النبويّة الشريفة.
وعلى هذا فنحن الشيعة نقلّد مراجع الدين وهم الفقهاء الذين درسوا وحققوا الأخبار والأحاديث المرويّة عن النبي وأهل بيته الطيبين الراسخين في العلم.
فيحقّقوا ويتقنوا أسنادها وطرقها ويميّزوا بين صحيحها وسقيمها ويستخرجوا منها حكم المسائل المستحدثة والفروع الطارئة في زماننا هذا، ويُبيِّنوا تكليفنا الشرعي على أساس أصول الفقه والقواعد الإلهيّة، يردّون الفرع على الأصل ويستخرجوا حكمه ويبيِّنوه لمقلّديهم، وهؤلاء الفقهاء يتواجدون في كل زمان وهم متعدّدون ولا ينحصر التقليد في واحد منهم، لأنّ الكلّ يأخذون من منهل العترة
الهادية ومنبع أهل البيت الطاهرينعليهمالسلام .
ولكن الأئمة وإنْ تتلمذوا عند بعض أئمة أهل البيتعليهمالسلام إلّا أنهم خرجوا من إطارهم وتركوا الأصول الفقهية والقواعد المقبولة لديهم، فعملوا بالقياسات العقلية والإستحسانات النظرية حتى أنّهم ربما اجتهدوا في بعض المسائل وخالفوا النصوص الجليّة فيها، فضلّوا وأضلّوا(١) .
والعجب أنكم تركتم تقليد العترة وأهل بيت الوحي والرسالة الذين عيّنهم النبيصلىاللهعليهوآله وتابعتم التلامذة الذين لم يبلغوا عشر معشار علوم أهل البيتعليهمالسلام ولم يقترفوا إلّا غرفة أو رشحة من بحارهم المتلاطمة بشتى العلوم التي آتاهم الله عز وجلّ من لدنه وجعلهم أئمة يهدون بأمره.
فالأئمّة الأربعة استندوا إلى عقولهم النّاقصة في بيان حكم الله عزّ وجل ولم يستندوا إلى الكتاب المبين وسنّة سيد المرسلين.
وقد قال سبحانه وتعالى:( أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَکُمْ کَيْفَ تَحْکُمُونَ ) (٢) .
السيد عبد الحي: وهل عندكم دليل على أنّ الأئمة الأربعة تتلمذواعند أئمتكم؟
____________________
١) مرّ هذا البحث في أوائل المجلس الرابع.
٢) سورة يونس، الآية ٣٥.
الإمام الصادقعليهالسلام وموقعه العلمي
قلت: دليلنا هو التاريخ الذي كتبه أعلامكم، فقد ذكر الصبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمة في معرفة الأئمةعليهمالسلام - فصل حياة الإمام الصادقعليهالسلام - قال:...
كان جعفر الصادقعليهالسلام من بين إخوته خليفة أبيه ووصيه والقائم بالإمامة من بعده، برز على جماعة بالفضل وكان أنبههم ذكراً وأجلّهم قدراً نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيتُهُ وذِكْرُه في ساير البلدان ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نُقل عنه من الحديث، ورَوَى عنه جماعة من أعيان الأمّة مثل يحيى بن سعيد وابن جريح ومالك بن أنس والثوري وأبو عيينة وأبو حنيفة وشعبة وأبو أيّوب السجستاني وغيرهم الخ.
وقال كمال الدين محمد بن طلحة العدوي القرشي الشافعي، في كتابه مطالب السؤل في مناقب آل الرسول - الباب السادس في أبي عبد الله جعفر بن الصادقعليهالسلام -:
هو من عظماء أهل البيت و ساداتهمعليهالسلام ذو علوم جمَّة، و عبادة موفورة، و أوراد متواصلة، و زهادة بيِّنة، و تلاوة كثيرة، يتّبع معاني القرآن الكريم ويستخرج من بحره جواهره و يستنتج عجائبه، و يُقسّم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليه نفسه. رؤيتُهُ تُذكِّر بالآخرة، و استماع كلامه يزهد في الدّنيا، والاقتداء بهداه يورث الجنة، نورُ قسماتهِ شاهدٌ أنه من سلالة النبوة، و طهارة أفعاله تصْدَعُ أنه من
ذرية الرسالة.
نَقَل عنه الحديث و استفاد منه العلم جماعة من الأئمة و أعلامهم مثل يحيى بن سعيد الأنصاري و ابن جريح و مالك بن أنس و الثوري و ابن عيينة و أبي حنيفة و شعبة و أيوب السختياني و غيرهم (رض) و عَدوّا أخذهم عنه منقبة شرفوا بها وفضيلة اكتسبوها الخ.
وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السّلمي وهو من أعلامكم في كتابه طبقات المشايخ: إنّ الإمام جعفر الصادق فاق جميع أقرانه، وهو ذو علم غزير في الدين وزُهْد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وأدب كامل في الحكمة الخ(١) .
____________________
١) أقول: ومما يناسب المقام كلام ابن أبي الحديد المعتزلي في مقدمة شرحه على نهج البلاغة فقد قال: و من العلوم علم الفقه و هوعليهالسلام - أي الإمام علي - أصلُه و أساسه و كل فقيه في الإسلام فهو عيالٌ عليه و مستفيدٌ من فقهه أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف و محمد و غيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة و أما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة و أما أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة و أبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمدعليهالسلام - أي الصادق -.
ويقول الالوسي البغدادي وهو من أعلام العامة، في كتابه التحفة الإثنا عشرية ص ٨: هذا أبو حنيفة وهو من أهل السنّة يفتخر ويقول بأفصح لسان: «لولا السنَتان لَهَلك النعمان» يعني السّنَتين اللّتين جلس فيهما لأخذ العلم عن الإمام الصادق الخ.
وجاء في كتاب مناقب أبي حنيفة للخوارزمي ج ١ /١٧٣ وفي جامع أسانيد أبي حنيفة ج ١ / ٢٢٢.
وفي تذكرة الحفاظ للذهبي: ج ١ /١٥٧. =
. . . . .
____________________
= قال أبو حنيفة: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد، لمـّا أقدمه المنصور بعث إليَّ فقال: يا أبا حنيفة إنّ الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد، فَهَيِّي لَهُ من المسائل الشِّداد.
فَهَيَّأتُ له أربعين مسألة، ثم بعث إليّ أبو جعفر و هو بالحيرة فأتيتُهُ فدخَلْتُ عليه و جعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلما أبصرتُ به دَخَلَتْني من الهيبة لجعفر بن محمد ما لم يَدْخُلْني لأبي جعفر [المنصور] فسلّمتُ عليه، وأومأ إليَّ، فجلستُ ثمّ التَفْتُّ إليه، فقال: يا أبا عبد الله أ هذا أبو حنيفة، قال جعفر: نعم، ثم أتبَعَها: قد أتانا، كأنّه كره ما يقول فيه قومٌ أنّه إذا رأى الرجل عرفه.
ثم التفتَ المنصور إليَّ فقال: يا أبا حنيفة ألقِ على أبي عبد الله من مسائلك! فجَعَلْتُ ألقي عليه فيُجيبُني، فيقول: أنتم تقولون كذا و أهل المدينة يقولون كذا و نحن نقول كذا، فربما تابَعَهم و ربما خالفنا جميعاً حتّى أتيتُ على الأربعين مسألة.
ثم قال أبو حنيفة: ألَسنا رُوينا أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟
وقال ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب ج ٢ /١٠٣ تحت رقم ١٥٦: جعفر بن محمد وروى عنه شعبة والسفيانان ومالك وابن جريح و ابو حنيفة وابنه موسىعليهالسلام ووهيب بن خالد والقطّان و أبو عاصم وخلق كثير، وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وهو من اقرانه، ويزيد بن الهاد الخ.
وقال الخطيب التبريزي العمري في إكمال الرجال طبع دمشق /٦٢٣.
جعفر الصادق سمع منه الأئمة الاعلام نحو يحيى بن سعيد وابن جريح ومالك بن أنس والثوري وابن عيينة و أبو حنيفة الخ.
وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ ج ١ /١٦٦ ط حيدر آباد:
جعفر بن محمد... أحد السادة الاعلام وعنه اخذ - مالك والسفيانان وحاتم بن إسماعيل ويحيى القطّان و أبو عاصم النبيل وخلقٌ كثير... =
. . . . .
____________________
= وعن أبي حنيفة قال: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الخ.
وقال أبو نعيم في حلية الأولياء ج ٣/١٩٨ ط مصر:
روى عن جعفرعليهالسلام عدة التابعين، منهم يحيى بن سعيد الأنصاري و أبو السختياني وابان بن تغلب و أبو عمر بن العلاء ويزيد بن عبدالله بن الهاد.الخ.
وقال محمد بن عبد الغفّار في كتابه أئمة الهدى ص ١١٧ ط القاهرة:
لقد كان الإمام جعفر الصادقعليهالسلام بحراً زاخراً في العلم حيث أخذ عنه أربعة آلاف شيخ، فرووا عنه الحديث الشريف ومنهم أعلام العلم، كالإمام الاعظم أبي حنيفة والإمام مالك بن أنس والإمام سفيان الثوري وغيرهم من أجلّة العلماء الخ.
وقال الشبراوي في كتابه الاتحاف بحبّ الأشراف ص ٥٤ ط مصر:
السادس من الأئمة جعفر الصادقعليهالسلام ذو المناقب الكثيرة والفضائل الشهيرة روى عنه الحديث أئمة كثيرون مثل مالك بن أنس وأبي حنيفة ويحيى بن سعيد وابن جريح والثوري وابن عيينة وشعبة وغيره الخ.
وقال ابن حجر الهيتمي في كتابه الصواعق المحرقة: ص ١٢٠ ط مصر: جعفر الصادقعليهالسلام نَقَل عنه الناس من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيتُهُ في جميع البلدان، وروى عنه الأئمة الاكابر كيحيى بن سعيد وابن جريح ومالك والسفيانين وأبي حنيفة وشعبة وايوب السختياني الخ.
وجاء في كتاب رسائل الجاحظ ص ١٠٦ قوله: جعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه، ويقال: أن أبا حنيفة من تلامذته وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب.
وقال جمال الدين أبو المحاسن في كتاب النجوم الزاهرة: ج ٢ ص ٨ جعفر الصادق بن محمد الباقرعليهالسلام .. حَدَّث عنه أبو حنيفة وابن جريح وشعبة والسفيانان ومالك وغيرهم الخ. =
ولو نقلتُ لكم ما ذكره علماؤكم وأعلامكم عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام ومقامه العلمي، وصفاته الحميدة وأخلاقه المحمودة لَطال بنا المقام، ولتقاصَرَ البيان عن أداء حقّه وتعريفه بما يستحقّه، وكلّ ما يُقال في علمه وخلقه وصفاته الحسنة لا يُبْلغ به معشار وما هو حقّه.
النوّاب: هل تأذن لي بالسؤال؟
قلتُ: أرجو أن يكون سؤالك فيما نحن فيه، وأن لا تخرجنا بسؤالك عن الموضوع.
قال النواب: إنّ مذهبكم يُعرَف بالمذهب الإثني عشري لأنكم تتّبعون إثني عشر إماماً. فلماذا اشتهر هذا المذهب باسم الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه فيُطلق عليكم الجعفرية نسبةً إليه؟
ظهور المذهب الجعفري
قلت: لقد جرت السنّة الإلهية على أنّ كل نبي يعيّن رجلاً وصيّاً لنفسه ليقوم بالأمر من بعده ولكي لا تكون أمّته حائرةً من بعده،
____________________
= وقال الزّركلي في الأعلام ج ١ /١٨٦: جعفر الصادق.. سادس الأئمة الإثنى عشر عند الإمامية، كان من أجلّ التابعين وله منزلة رفيعة في العلم، أخذ عنه جماعة، منهم أبو حنيفة ومالك وجابر بن حيّان، ولُقِّب بالصادق لأنّه لم يُعرَف عنه الكذب قط الخ.
وقال محمود بن وهيب البغدادي في كتاب جواهر الكلام ص ١٣ جعفر الصادق... نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان وروى عنه الأئمة الكبار كيحيى ومالك وأبي حنيفة الخ
«المترجم»
فيضلوا عن سبيل الله سبحانه، فقد قال عزّ وجلّ:( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِکُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (١) . وبيّنا لكم في المجالس السابقة أنّ النبي محمّدصلىاللهعليهوآله عَيَّنَ الإمام عليٍّعليهالسلام وصيّاً وأوصى إليه بأمرٍ من الله سبحانه وعيَّنَهُ خليفةً من بعده ليهديَ أُمَّته إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، ولكن السياسة اقتضت أن يخالفوا وصية رسول اللهصلىاللهعليهوآله فَعَدلوا عنه إلى أبي بكر وعمر وعثمان وقد كانوا يستشيرونَهُ في أكثر الأمور، فكان يشير عليهم بالحق والصواب، وهو الذي كان يواجه علماء الأديان المناوئون للإسلام فيردُّ شبهاتهم ويجيب مسائلهم.
ولمـّا آل الأمر إلى بني أمية واغتصبَ معاوية عرش الخلافة، عاملوه وعاملوا أئمة أهل البيت والعترة الهاديةعليهالسلام بكل قساوة، فما شاوروهم في أي أمرٍ من الأمور بل خالفوهم وما أذنوا لهم بنشر علومهم وبيان ما أخذوه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فطاردوا شيعتهم ومحبيهم وقتلوهم وسجنوهم وأبعدوهم إلى أن انتهت هذه السياسة الظالمة والسيرة الجائرة الغاشمة بقيامٍ عامٍّ من المسلمين ضدّ بني أمية فأبادوهم، وانتقل الحكم إلى بني العباس وكان ذلك في عصر الإمام الصادقعليهالسلام الذي اغتنم هذه الفرصة التي أُتيحت له بانشغال الدولتين فَفَتح باب بيته على مصراعيه ليستقبل من روّاد العلم وطلّابه، فوفد نحوه العلماء من كل صَوْب ومن كل مكان ليرتووا من منهله ويستقوا من منبعه العَذْب الصّافي، وقد عَدَّ بعضِ المحققين والمؤرّخين تلاميذه فتجاوز الأربعة آلاف، فالتفّ حوله طلّاب الحق فكشَفَ لهم الحقائق العلمية، وأوضح لهم المسائل الاعتقادية، وبيّنَ لهم المسائل الدينية
____________________
١) سورة الرعد، الآية ٧.
مستنداً فيها على الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة الشريفة التي وصلته عن طريق آبائه الطيبين والأئمة المعصومين من أهل البيتعليهمالسلام .
وهكذا انتشرت عن طريقه أصول مذهب الشيعة وعقائدهم الحقّة، وقد ألّف بعض أصحابه وتلامذته المقرّبين رسائل في هذا الأمر اشتهرت بالأصول الأربعمائة.
ولم ينحصر علمه في المسائل الدينية والأحكام الشرعية بل كان بحراً زاخراً في شتى العلوم حتى أنّ جابر بن حيّان أخذ منه علم الكيمياء وألّف في ذلك رسائل عديدة تُدرَّس بعضها إلى يومنا هذا في الجامعات العلمية.
وبعدما تسلَّطَ بنو العباس على الحكم وقويت شوكتهم، منعوه من نشر العلم وتدريسه، ودام المنع على أبنائه الأئمة الطاهرينعليهالسلام من بعده، فالفرصة التي أتيحت له في فترة قصيرة ما أتيحت لأحد من آبائه ولا لأحد من أبنائه الهداة الطيبين.
فلذلك اشتهر هذا المذهب باسمه وانتسب إليه، فيقال: مذهب جعفر بن محمد أو المذهب الجعفري.
فالإمام الصادقعليهالسلام كما يعترفُ أعلامكم وكبار علمائكم هو أفقه وأعلم أهل زمانه، وكما أشرنا بأنّ الأئمة وغيرهم من أئمة الفقه أخذوا عنه وتتلمذوا عنده، وكل واحد استفاد من محضره حسب استعداده. وكانعليهالسلام أفضلهم وأزهدهم و أورعهم ومع ذلك ترك أسلافكم تقليده ومتابعته، حتّى أنّهم أَبَوا أن يجعلوه في عداد الأئمة الأربعة! لماذا هذا الجفاء والبغضاء؟ هل لأنّه من آل محمّدصلىاللهعليهوآله ومن عترته الطاهرةعليهالسلام ؟!
وقد بالغ بعض محدّثيكم وأعلامكم في البعض والجفاء لأهل البيت إلى حدّ العناد، بحيث أبَوا أن ينقلوا عنهم الحديث الذي يروونه عن جدهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله (مع ما أوصى به النبيصلىاللهعليهوآله بهم، وتحريضه الأمة على إكرامهم واحترامهم ومتابعتهم).
فهذا البخاري ومسلم لم ينقلا روايات الإمام جعفر الصادقعليهالسلام في صحيحهما، بل لم ينقلا عن أبي واحد من علماء أهل البيت وفقهائهم، مثل زيد بن علي الشهيد والمدفون في« فخ» ويحيى ابن عبدالله بن الحسن وأخيه ادريس، ومحمد بن الإمام الصادق ومحمد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبا ومحمد بن محمد بن زيد وعبدالله بن الحسن وعلي بن جعفر العُرَيضي وغيرهم من أكابر وسادات بني هاشم من المحدثين والفقهاء، فلم ينقلا عنهم. والعجيب أنّ البخاري ينقل ويروي عن أناسٍ ضعفاء في الإيمان والعقيدة، بل ينقل عن عدة من الخوارج والذين نصبوا العداء لآل محمّدصلىاللهعليهوآله أمثال أبي هريرة وعكرمة وعمران بن حطّان الذي يمدح ابن ملجم المرادي قاتل الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام .
وقد كتب ابن البيّع أنّ البخاري روى في صحيحه عن ألف ومئتين خارجي وناصبي من قبيل عمران بن حطان(١) .
____________________
١) عمران بن حطّان السدوسي البصري المتوفى سنة ٨٤ هـ كان من رؤوس الخوارج والمعلنين عداء الإمام عليعليهالسلام ، و هو والمادح ابن ملجم المرادي لعنه الله بقوله:
يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها |
إلّا ليبلغ من ذي العرش رضوانا |
=
وإنّي أتعجّب وأتأسّف من رأي بعض أعلامكم إذْ يَرَوْن بأنّ أَتْباع الأئمة الأربعة مسلمين مؤمنين، ولكنّ شيعة آل محمّد وأتّباع الإمام جعفر الصادقصلىاللهعليهوآله كفرة ومشركين، فيفترون على طائفة كبيرة من المسلمين وعدداً كثيراً بالكفر والشرك. فلو قسْنا الشيعة بأتباع كلّ مذهب من المذاهب الأربعة من أهل السنّة لوحدهم فالشيعة هم الأكثر،فإن أتباع الإمام الصادقعليهالسلام ، أكثر عدداً من أتباع مالك بن أنس و شيعة الإمام الصادقعليهالسلام ، أكثر من أتباع محمد بن إدريس وهكذا لو قسناهم مع أتباع أبي حنيفة لوحدهم وأتباع أحمد بن حنبل لوحدهم، لوجدنا شيعة الإمام الصادقعليهالسلام أكثر عدداً، وإنّي أعلنُ بأننا نحن الشيعة ندعوا إخواننا السنة إلى التقارب والوحدة ونبرأ إلى
____________________
= مع العلم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله وصف ابن ملجم بأنه أشقى الأولين والآخرين.
ويروي البخاري عن أبي الأحمر السائب بن فروخ وكان شاعراً فاسقاً ومبغضاً لآل محمّدصلىاللهعليهوآله وهو القائل لأبي عامر بن وائلة الصحابي المعروف بأبي الطفيل من شيعة الإمام عليعليهالسلام :
لعمرك إنني وأبا الطفيل |
لمختلفان واللهُ شهيد |
|
لقد ضلّوا بحبّ أبي ترابٍ |
كما ضلّت عن الحق اليهود |
مع العلم أن النبيصلىاللهعليهوآله قال: علي مع الحق والحق مع علي.
ويروي أيضاً عن حريز بن عثمان الحمصي، المشهور بالنّصب والمعلن عداءه لعليعليهالسلام .
ويروي عن إسحاق بن سويد التميمي وعبدالله بن سالم الأشعري وزياد بن علاقة الكوفي، وأمثالهم الذين عرفوا واشتهروا بعدائهم للإمام عليعليهالسلام .
«المترجم»
الله تعالى من التنافر والتفرقة.
الحافظ: إنّي أؤيّد كثيراً من كلامك وأعترف بأنّ هناك بعض التعصّبات حاكمة على كثير من أهل السنة، ولكن لو تحقّقنا عن الأسباب لعرفناها ترجع إليكم، لأنكم أنتم - علماء الشيعة ومبلغيهم - لا ترشدون عوام الشيعة إلى الحق ولا تنهونهم عن الباطل، فهم يتكلمون بكلمات تنتهي إلى الكفر والشرك.
قلت: أرجوك أن توضّح لي كلامك وتبيّن لي مثالاً من كلام عوام الشيعة الذي ينتهي إلى الكفر!!
مطاعن الشيعة في الصحابة وزوجات النبيصلىاللهعليهوآله
الحافظ: مما لاشك فيه أنّ المطاعن التي تروونها على الصحابة المقرّبين لرسول الله وبعض زوجاته الطاهرات رضي الله عنهم كفرٌ صريح، اذ إنّ هؤلاء الصحابة هم الذين جاهدوا في سبيل الله وقاتلوا الكفار تحت راية النبي وقد قال سبحانه فيهم:( لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) (١) فالذين يُعلن الله تعالى رضاه عنهم، ورسول الله يكرمهم ويحترمهم ويحدّث عن فضائلهم، وهو كما قال سبحانه في سورة النجم( وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) (٢) .
فالطعن فيهم إنكارٌ للقرآن والنبي، وهو كفرٌ، والمنكر كافر.
____________________
١) سورة الفتح، الآية ١٨.
٢) سورة النجم، الآية ٣ و ٤.
قلت: إنّي لا أحب أن يخوض في هكذا مسائل فالرجاء أن تترك هذا السؤال ولا تُطالبني بالجواب في حضور هذا الجمع، بل أجتمع بك وحدك وأعطيك الجواب.
الحافظ: الحقيقة، إنّ هذا السؤال والموضوع مطروح من قِبَل الجماعة الذين معي لأنهم أَلَحُّوا عليَّ وأكَّدوا في الليلة الماضية حينما انتهينا من البحث وخرجنا إلى البيت، على أن أطرح هذا البحث فكلهم يحبّ أن يسمع جوابكم.
النوّاب: صحيح يا مولانا كلنا نحب أن نسمع جواب هذا السؤال.
قلت: إني أتعجّب من جنابكم وما كنت أتوقّع طرح هذا السؤال، مع ما بينّاه في الليالي الماضية وأوضحنا لكم معنى الكفر والشرك وأثبتنا بأنّ الشيعة سائرون في طريق أهل البيتعليهمالسلام ، وتابعون لآل محمّدصلىاللهعليهوآله ، وهم المؤمنون حقاً.
وأما الموضوع الذي طرحه جناب الحافظ، فهو ذو جهات، وليس موضوعاً واحداً، ولابدّ لي أن أبسطه وأشرحه، حتّى يعرف الحاضرون حقيقة الأمر ويقضوا بالحق، وحتى نزول الشبهات الواقعة في نفوسهم ضد الشيعة.
سبّ الصحابة لا يوجب الكفر
أمّا قول الحافظ: بأنّ سبّ الصحابة والطعن فيهم ولعنهم، ولعن بعض زوجات النبيصلىاللهعليهوآله من قِبَل الشيعة موجبٌ لكفر الشيعة، فهو حكمٌ غريب! ولا أدري بأي دليل من القرآن والسنّة النبوية صَدَّر هذا الحكم؟!!
فإنّ بيان الطعن وكذلك السب واللعن إذا كان مستنداً إلى دليل وبرهان فلا إشكال فيه(١) .
وإنْ كان من غير دليل وبرهان فهو فسقٌ، حتّى إذا كان على أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله وزوجاته(٢) وهذا رأي بعض أعلامكم كابن حزم
____________________
١) انّ الله سبحانه لعن كثيراً من الناس في القرآن الحكيم كقوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يَکْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَ الْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْکِتَابِ أُولٰئِکَ يَلْعَنُهُمُ الله وَ يَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ) البقرة ١٥٩، وكقوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً ) الأحزاب ٥٧، وكذلك غير اللعن كما في قوله تعالى:( وَ لاَ تُطِعْ کُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذٰلِکَ زَنِيمٍ ) القلم ١٠ - ١٣.
«المترجم»
٢) لقول النبيصلىاللهعليهوآله :
«سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر» صحيح البخاري ج ٨/١٨ من حديث ابن مسعود.
فالشيعة لا يلعنون مؤمناً وإنما يلعنون الذين كفروا من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله وارتدّوا بعده، وهم الذين اشار الله سبحانه إليهم في قوله:( وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِکُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئاً وَ سَيَجْزِي الله الشَّاکِرِينَ ) آل عمران /١٤٤، وهؤلاء هم الذين قاتلوا علياًعليهالسلام وأصحابه المؤمنين، إذ كان هوعليهالسلام يومئذ خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأمير المؤمنين الذي بايعه أهل الحل والعقد وأجمعوا على ولايته وخلافته، فالذين خرجوا عليه وخالفوه، شقّوا عَصَى المسلمين وقاتلوا المؤمنين، وأصبحوا بعملهم هذا كافرين.
والعجب أنّكم تُكفّرون الشيعة لسبهم ولعنهم معاوية وعائشة وطلحة وابن العاص وأمثالهم الذين قادوا الناس لقتال المسلمين ومحاربة أمير المؤمنينعليهالسلام <=
حيث يقول في كتابه « الفصل ج ٣/٢٥٧ ».
وأمّا مَن سَبَّ أحداً من الصحابة (رض)، فإن كان جاهلاً فمعذور، وإن قامت عليه الحجّة فتمادى غيرَ معاند فهو فاسق، كمن زنى وسرق وإن عاند الله تعالى في ذلك ورسولهصلىاللهعليهوآله فهو كافر، وقد قال عمر (رض) بحضرة النبيصلىاللهعليهوآله عن حاطب، وحاطب مهاجرٌ بدريٌ: دعني أضرب عنق هذا المنافق!
فما كان عمر بتكفيره حاطباً كافراً، بل كان مخطئاً متأوٍّلاً الخ.
وقد أفرط أبو الحسن الأشعري [ وهو إمامكم في مثل هذه المسائل ] فإنه يرى: إنّ من كان في الباطن مؤمناً وتظاهر بالكفر، فهو غير كافر، حتى إذا سب الله ورسولهصلىاللهعليهوآله من غير عذر بل حتّى إذا خرج لحرب النبي! [ والعياذ بالله ].
ويستدلّ على ذلك بأن الكفر والإيمان محلهما في القلب وهما من الأمور الخفيّة الباطنيّة، فلا يمكن لأحدٍ أن يطّلع على باطن الإنسان وما في قلبه إلّا الله سبحانه(١) !!
____________________
= ولا تكفرونهم مع وجود هذا النص الصريح والحديث النبوي الصحيح:
سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر / صحيح البخاري ج ٨ /١٨.
«المترجم»
١)أقول: لقد ارتئا إمام الأشاعرة هذا الرأي الباطل ليبرّر ساحة معاوية وأنصاره، وعائشة وجنودها الذين حاربوا الله ورسوله بقتالهم أمير المؤمنين عليّاًعليهالسلام وبسفكهم دماء المؤمنين والمسلمين، وكذلك بسبهم ولعنهم إمام المتقين وسيد =
فكيف يُكفِر جناب الحافظ وأمثاله، شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآله لمجرّد سبهم بعض الصحابة وبعض زوجات النبي؟
مع العلم بأنّ كثيراً من علمائكم وأعلامكم السابقين ردّوا هذا الحكم الجائر ونسبوا قائليه إلى الجهل والتعصب. وحكموا بأنّ الشيعة مسلمون مؤمنون.
منهم القاضي عبدالرحمن الإيجي الشافعي في كتابه المواقف، ردّ كل الوجوه التي بيّنها بعض المتعصّبين من أهل السنّة في تكفير الشيعة وأثبت بطلانها.
ومنهم الإمام محمد الغزالي، صرّح بأنّ سب الصحابة لا يوجب الكفر، حتّى سب الشيخين ليس بكفر.
ومنهم سعد الدين التفتازاني في كتابه شرح العقائد النسفية، تناول هذا البحث بالتفصيل وخرج إلى أنّ سابّ الصحابة ليس بكافر.
ثم إن أكثر مَن كتب مِن أعلامكم في الملل والنحل وكتب في المذاهب الإسلاميّة: عدّ الشيعة من المسلمين وذكرهم في عِداد المذاهب
____________________
= الوصيّين علياًعليهالسلام ، وهو نفس النبيصلىاللهعليهوآله كما في كتاب الله العزيز في آية المباهلة ولذلك حكم العلماء المحقّقون بكفر من سبَّهعليهالسلام وقالوا: إنّ سابَّ عليٍّعليهالسلام سابٌّ لرسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد أفرد العلّامة الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب - الباب العاشر بعنوان «كفر من سبَّ علياًعليهالسلام » - روى بسنده عن عبد الله بن عباس: أشهد على رسول الله على رسول اللهصلىاللهعليهوآله سمعته أذناي ووعاه قلبي، يقول لعلي بن أبي طالب من سبَّك فقد سبَّني ومن سبَّني فقد سبَّ الله ومن سبَّ الله أكبَّه على منخريه في النار.
«المترجم»
الإسلامية الأخرى.
منهم العلّامة بن الأثير الجزري في كتابه جامع الأصول، ومنهم الشهرستاني في كتابه الملل والنِحَل.
وممّا يُذكر في عدم كفر السابّ لبعض صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّ أبا بكر قد سبّه أحد المسلمين وشتمه فما أمر بقتله، كما جاء في مستدرك الحاكم النيسابوري ج ٤/٣٥٥ أخرج بسنده عن أبي برزة الاسلمي (رض) قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق (رض) فقلت: يا خليفة رسول الله ألا أقتله؟! فقال: ليس هذا إلَّا لمن شتم النبيصلىاللهعليهوآله .
وأخرجه الإمام أحمد في المسند ج ١/٩ بسنده عن ثوية العنبري قال: سمعت أبا سوار القاضي يقول: عن ابن برزة الأسلمي قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق (رض) قال: فقال أبو برزة: ألا أضرب عنقه؟
قال فانتهره وقال: ما هي لأحد بعد رسول الله.
ورواه الذهبي في تلخيص المستدرك، والقاضي عيّاض في الشفاء ج ٤/ الباب الأول، والإمام الغزالي في إحياء العلوم ج ٢.
فإذا كان الأمر كذلك، إذ يسمع الخليفة مِن رجل السباب والشتم ولا يحكم بكفر ولا يقتله.
فلماذا أنتم علماء تُغوون أتباعكم العوام وتكفّرون الشيعة عندهم بحجّة أنّهم يسبّون الصحابة ويشتمون الخلفاء، ثمّ تبيحون لهم قتل الشيعة المؤمنين!!
وإذا كان سب صحابة الرسولصلىاللهعليهوآله موجباً للكفر، فلماذا لا تحكمون بكفر معاوية وأتباعه الذين كانوا يسبّون ويلعنون أفضل
صحابة رسول الله وأعلمهم وأروعهم، ألا وهو أمير المؤمنين وسيد الوصيين وإمام المتقين علي بن أبي طالبعليهالسلام ؟!
وإذا كان سبّ الصحابة يوجب الكفر، فلماذا لا تكفّرون عائشة - أم المؤمنين - إذا كانت تشتم عثمان وتحرِّضُ أبناءها على قتله فتقول: اقتلوا نَعْثَلاً فقد كفر؟!
كيف تحكمون في موضوع واحد بحكمين متناقضيْن؟!
فإذا سبّ أحد الشيعة ولعن عثمان، تُكفّروه وتحكمون بقتله. ولكن عائشة التي كفّرت عثمان وحرّضت المسلمين على قتله تكون عندكم محترمة ومكرَّمة!! فما هذا التهافت والتّناقض؟!
النوّاب: ما معنى نَعْثَل؟ ولماذا كانت أم المؤمنين تسمي عثمان بنعثل؟
قلت: معنى نعثل - كما قال الفيروز آبادي [ وهو من أعلامكم ] في القاموس - معناه: الشيخ المخرف.
وقال العلامة القزويني في شرحه على القاموس: ذكر ابن حجر في كتابه تبصرة المنتبه: انّ نعثل يهودي كان بالمدينة هو رجل لحياني يُشبَّه به عثمان.
نرجع إلى بحثنا، فأقول:
إذا كان سب الصحابة يلزم منه الكفر، فإنّ أول من بدأ بالسبّ هو أبو بكر لما سبّ الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام على المنبر في المسجد، وعليٌ هو أفضل الصحابة وأقربهم إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأعظمهم قدراً وأكبرهم شأناً عند الله عزّ وجلّ.
ومع ذلك أنتم لا تقبِّحون عمل أبي بكر، بل تكرموه وتعظّموه!!
الحافظ: هذا افتراءٌ وكذب منكم على الصدّيق، فإن أبا بكر أجلُّ وأكرم من أنْ يسبَّ علياً كرّم الله وجهه، وما سمعنا بهذا إلّا منكم، وأنا على يقين بأنّ الصدّيق بريءٌ من هكذا أفعال وأعمال قبيحة.
قلت: لا تتسرّع في الحكم ولا تتّهمني بالكذب والإفتراء وقد ثبت لديكم بأنّي لا أتكلم بغير دليل وبغير شاهد من كتبكم ولكي تعرف صدق كلامي وتعلم بأنّ أبا بكر ارتكب هذا العمل القبيح فراجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ١٦ /٢١٤ و ٢١٥ ط. إحياء التراث العربي، قال:
فلما سمع أبو بكر خطبتها [ أي خطبة سيدة النساء فاطمةعليهالسلام ] شقّ عليه مقالتها فصعد المنبر و قال أيها الناس
إنما هو- أي عليٌعليهالسلام - ثعالة شهيده ذَنَبه، مُربِّ لكل فتنة هو الذي يقول كرّوها جذعة بعد ما هرمت، يستعينون بالضعفة و يستنصرون بالنساء كأُمِّ طِحال أحبّ أهلها إليها البغي(١) .
____________________
١) قال ابن أبي الحديد: قرأتُ هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري. فقلت له: بمن يعرِّض.؟
فقال بل يصرّح. قلت لو صرّح لم أسألك. فضحك و قال بعلي بن أبي طالبعليهالسلام .
قلت أ هذا الكلام كلّه لعليّعليهالسلام ؟ قال نعم إنّه المـُلْك يا بُني! قلت فما مقالة الأنصار؟
قال هتفوا بذكر عليٍّ، فخاف من اضطراب الأمر عليه فنهاهم. فسألته عن غريبه، فقال: و ثُعالة اسم للثعلب عَلَم غير مصروف و اُمّ طِحال: امرأةُ بغيٌّ في الجاهلية، و يُضرَبُ بها المـَثَل فيقال: اَزنى من اُمِّ طِحال.
«المترجم»
فإذا حكمتم بكفر من سبّ أحد الصحابة، فيلزم أنْ تحكموا بكفر أبي بكر وبنته وعائشة، وكذلك معاوية وأنصاره وتابعيهم، وإذا لم تحكموا بكفر هؤلاء لسبهم ولعنهم عليّاًعليهالسلام فيلزم أن تعمِّموا الحكم ولا تُكفِّروا الشيعة الموالين للعترة الهاديةعليهالسلام لسبّهم بعض الصحابة.
كما أفتى وحكم كثيرٌ من فقهائكم وعلمائكم بأنّ السّاب للصحابة غير كافر ولا يجوز قتله وذلك باستناد الخبر الذي رواه أحمد ابن حنبل في مسنده ج ٣، والقاضي عياض في كتاب الشفاء ج ٤ الباب الأول، وابن سعد في كتاب الطبقات ج ٥ /٢٧٩ أخرج بسنده عن سهيل بن أبي صالح أن عمر بن عبد العزيز قال: لا يُقتَل أحدٌ في سبّ أحد إلّا في سبّ نبي.
واستناداً على ما مرّ من الخبر الذي نقلناه عن الحاكم النيسابوري في مستدركه ج ٤/٣٥٥، وأخرجه أحمد في مسنده ج ١/٩ كلاهما عن أبي برزة الأسلمي قال: أغلظ رجل لأبي بكر، فقال أبو برزة: ألا أضرب عنقه؟ فانتهره - أبو بكر - وقال: ما هي لأحدٍ بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
احترام النبيصلىاللهعليهوآله لأصحابه
وأما قول الحافظ: بأن النبيصلىاللهعليهوآله كان يحترم أصحابه ويكرمهم.
فلا ننكر ذلك ولكن العلماء أجمعوا على أنّ احترام النبي للناس كان بسبب أعمالهم حتّى انه كانصلىاللهعليهوآله يقدّر ويحترم عدل كسرى،
وجود حاتم وهما كافران، فكان يحترمهما للعدل والجود.
وربما غضبصلىاللهعليهوآله على أحد أصحابه لذنبٍ ارتكبه وقبيحٍ فعله.
فاحترام النبي وتكريمه لأي شخص من الصحابة لا يدل على حسن عاقبة ذلك الشخص ولا يدل على أنه مورد احترام رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى الأبد، بل يكون احترامه وتكريمه للأشخاص مرهوناً بأعمالهم، فما داموا محسنين فهو يحترمهم، وإذا عَصَوا الله سبحانه وخالفوه ترك احترامهم وغضب عليهم.
فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يحترم أصحابه قبل أن يصدر منهم ذنباً أو خلافاً لأن عقاب المجرم وأهانته قبل أن يرتكب جرماً، يكون قبيحاً وخلافاً للعقل والشرع.
كما انّ سيدنا الإمام عليعليهالسلام كان يعلم بعلمٍ من الله سبحانه وإخبار من رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأنّ ابن ملجم المرادي قاتله وكانعليهالسلام يخبر أصحابه وشيعته بذلك، ولكن تركه وشأنه، فلم يسجنه ولم يحاصره ولم يضيِّق عليه، ولمـّا أشار عليه بعض الناس أن يقتل ابن ملجم، قالعليهالسلام : لا يجوز القصاص قبل الجناية.
وروى ابن حجر في الصواعق المحرقة ص ٨٠ في أواخر الفصل الخامس من الباب التاسع:
أنّ علياً جاءه ابن مُلجم يستحمله فحمله، ثمّ قال رضي الله عنه: اريد حياته ويريد قتلي غديري من خليلي من مرادي ثمّ قال: هذا والله قاتلي!
رضا الله سبحانه عن الصحابة
وأما قول الحافظ: إن الله سبحانه أعلن رضاه عن أصحاب نبيه، فالطعن فيه إنكار لرضا الله عزو جلّ، وهذا كفرٌ!
أقول في جوابه: نحن لا ننكر بأنّ الله تعالى أعلن رضاه عن الصحابة في بيعة الرضوان بقوله سبحانه:
( لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) (١) .
ولكن نقول ما قاله العلماء المحققون: بأنّ الآية الكريمة لا تتضمن رضا الله سبحانه عن المؤمنين - الذين اجتمعوا تحت الشجرة - على جميع أعمالهم إلى آخر حياتهم.
إنّما عنَتْ الآية الشريفة رضا الله عزّ وجلّ عن المؤمنين بمبايعتهم النبي الكريمصلىاللهعليهوآله تحت الشجرة - البيعة المعروفة ببيعة الرضوان - والتاريخ يشهد بأنّ كثيراً من أولئك المبايعون نزلت فيهم آيات النّفاق بعد تلك البيعة وانضمّوا مع المنافقين وأصبحوا من الخاسرين.
فرضا الله سبحانه ما تعلّق بهم لأنهم أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله ، بل تعلّق رضاه بهم لأنهم كانوا مؤمنين بالله ورسوله ورضاهما بهم ما داموا مؤمنين، فإذا خرجوا من الإيمان وارتدّوا، فرضا الله العزيز ينقلب إلى غضبه عليهم - نعوذ بالله من غضبه - والشيعة يحمدون كل عمل حسن صدر من إنسان وخاصة أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ويقدحون كل عمل قبيح صدر من أي شخص سواء أكان صحابياً أو غير
____________________
١) سورة الفتح، الآية ١٨.
صحابي، فإنّ أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما كانوا معصومين وقد صدر من بعضهم أعمالٌ غير حميدة ومعاصي عديدة.
الحافظ: إنّ هذا القول افتراءٌ على الصحابة!
فنحن لا نعتقد بعصمتهم، لكن النبيصلىاللهعليهوآله قال فيهم: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم.
وقد أجمع المسلمون على صحّة هذا الحديث الشريف إلّا أنتم الشيعة.
أصحابي كالنجوم!
قلت: أَتركُ النقاش حول سند الحديث و صحّته أو سقمه، وأبدأ معك في مدلوله حتّى لا نبتعد عن صلب الموضوع والبحث الذي نحن فيه.
فأقول: أولاً: اتفق المسلمون وأجمعوا على أنّ كل مَن أدرك رسول اللهصلىاللهعليهوآله وسمع حديثه فهو صحابيٌ، سواءٌ أكان من المهاجرين أم الأنصار، أم من الموالين وغيرهم.
ومن الخطأ أن نحسب كل أولئك هادين مهديين، لوجود المنافقين بينهم والفاسقين، وذلك ثابت بالنص الصريح في القرآن الحكيم(١) .
____________________
١) كم يحدّث القرآن الكريم ويحدثنا التاريخ عن أناس من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله كانوا باديء أمرهم مؤمنين ثمّ انقلبوا كافرين.
وقد صرّح العزيز الحكيم بذلك في قوله:( وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِکُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئاً وَ سَيَجْزِي الله الشَّاکِرِينَ ) آل عمران ١٤٤ =
حتى أنّ التاريخ يحدّثنا بأن جماعة من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله الذين كانوا يتظاهرون بحبه وطاعته، تآمروا عليه عند رجوعه من غزوة تبوك وأرادوا قتله في بطن عقبة في الطريق، إلّا أنّ الله تعالى عصم
____________________
= وقوله تعالى:( يَحْلِفُونَ بِالله مَا قَالُوا وَ لَقَدْ قَالُوا کَلِمَةَ الْکُفْرِ وَ کَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ) التوبة ٧٤.
وأما الذين فسقوا منهم فلا يعلم عددهم إلّا الله عزّ وجلّ حيث يقول:..( وَ إِنَّ کَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَ فَحُکْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُکْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) المائدة ٤٩ - ٥٠.
وإن كثيراً منهم هجروا القرآن وتركوا العمل به حتّى أن النبيصلىاللهعليهوآله يشكوهم عند الله سبحانه كما اخبر القرآن عن ذلك بقوله:( وَ قَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ) الفرقان ٣٠.
ومن المناسب نقل الخبر الذي رواه العلامة الكنجي الشافعي في الباب العاشر من كتابه الطالب، بسنده المتصل عن ابن عباس قال: قال رسول الله: إنكم تُحشرون حُفاة عراة عزلا الا وإنّ أناساً من أصحابي يُؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي قال: فيقال إنّهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم.. الخ.
قال العلامة الكنجي: هذا حديث صحيح متفق على صحته من حديث المغيرة بن النعمان، ورواه البخاري في صحيحه عن محمد بن كثير عن سفيان، ورواه مسلم في صحيحه عن محمد بن بشار «بندار» عن محمد بن جعفر «غندر» عن شعبة، رزقناه عالياً بحمد الله من هذا الطريق. انتهى كلام العلامة الكنجي الشافعي.
أقول ورواه أيضاً البخاري عن محمد بن بشار عن غندر عن شعبة في الجزء الرابع من صحيحه في كتاب الرقاق في باب / كيف الحشر / ص ٨٢ / ط مصر سنة ١٣٢٠.
«المترجم»
رسولهصلىاللهعليهوآله من كيد أولئك الأشرار المنافقين.
الحافظ: لقد روى قضية العقبة جماعة من علماء الشيعة وهي عند علمائنا غير ثابتة.
قلت: انك قلت رهجاً وذهبت عوجا، فإن قضية العقبة اشتهرت بين المؤرخين والمحدثين حتّى ذكرها كثير من أعلامكم: منهم الحافظ أبو بكر البيهقي الشافعي، في كتابه دلائل النبوّة، ذكرها مسنداً، ومنهم احمد بن حنبل في آخر الجزء الخامس من مسنده عن أبى الطفيل، ومنهم ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة، حتّى لعن رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله في تلك الليلة جماعة من أصحابه وهم المتآمرون عليه والقاصدون قتله.
مأمرة لقتل النبيصلىاللهعليهوآله
النواب: أرجوك أن تبيّن لنا قضية العقبة وقصة المتآمرين على قتل النبي الكريم ولو باختصار.
قلت: ذكر علماء الفريقين: أن جماعة من المنافقين الذين كانوا حول النبيصلىاللهعليهوآله تآمروا على قتله عند رجوعه من غزوة تبوك.
فهبط جبرئيل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأخبره بتآمر القوم وأعلمه بمكان اجتماعهم وحذّره من كيدهم، فبعث النبيصلىاللهعليهوآله حذيفة بن اليمان على المكان ليعرفهم، فرجع حذيفة وذكر للنبيصلىاللهعليهوآله أسماء المتآمرين فكانوا أربعة عشر نفراً، سبعة من آل أميّة.
فأمر النبيصلىاللهعليهوآله حذيفة بكتمان الأمر وكتمان أسمائهم.
وأما مكان المؤامرة المدبَّرة.. فقد كانت عقبة خطرة في الطريق، وكانت رفيعة وضيّقة بحيث لا يتسع إلّا لعبور راكب واحد فحمل المنافقون دباباً كثيرة على الجبل الذي يعلو تلك العقبة وكمنوا هناك ليدحرجوها عند وصول ناقة رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى تلك النقطة الخطرة، حتّى تنفُر الناقة من أصوات الدباب المدحرجة فيسقط النبيصلىاللهعليهوآله عن ظهرها إلى عمق الوادي فيتقطّع ويموت ويضيع دمه، كل ذلك يتم في سواد الليل.
أما النبيصلىاللهعليهوآله عند عبوره من تلك العقبة أمر بن ياسر أن يأخذ بخطام الناقة ويقودها، وأمر أيضاً حذيفة بن اليمان ليسوقها فلما دحرج القوم الدّباب وأرادت الناقة أنْ تنفر صاح النبيصلىاللهعليهوآله عليها فسكنت وقرّت، وانهزم المنافقون وتواروا.
وهكذا عصم الله سبحانه نبيهصلىاللهعليهوآله وفضح أعداءه، نعم إنكم تعدّون هؤلاء المنافقين من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله ، فكيف يمكن أن نقول بأن الاقتداء بهم جائز، أو نعتقد بعدالتهم وأنّهم هداة مهديون؟!
صحابة ولكن كاذبون
ثانياً: هذا أبو هريرة الكذّاب - وقد أشرنا في بعض المجالس السابقة إلى تاريخه الأسود من كتبكم، وأثبتنا بأنّ عمر بن الخطاب ضربه بالسياط حتّى أدماه، لأنه كان يكذب كثيراً على رسول الله في نقله الأحاديث المجعولة عنهصلىاللهعليهوآله .
أما كان أبو هريرة من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟
وكذلك سمرة بن جندب الكذّاب الفاسق وغيره من الذين كانوا يفترون على النبيصلىاللهعليهوآله وينقلون عنه أحاديث ما كان فاه بها أبداً!!
وهم يُعَدُّون من أصحابهصلىاللهعليهوآله .
فهل من المعقول أن يسمح النبيصلىاللهعليهوآله لأمته أن يتّبعوا الكاذبين ويأخذوا دينهم عنهم؟!
ثم إذا كان هذا الحديث.. « أصحابي كالنجوم الخ »، صحيحاً فما تقولون لو اختلف صحابيان في حُكمٍ وتنازعا في أمر، أو قاتلت طائفتان من الصحابة - كما حدث بعد النبيصلىاللهعليهوآله - فالحق مع من؟
وفي متابعة أي الفريقين تكون السعادة والنجاة؟!
الحافظ: نستمع قول كل واحد منهما فمن كانت دلائله أقوى وحجته أعلى فنتبعه.
قلت: إذن صاحب الدلائل القوية والحجة العلية يكون صاحب الحق ومخالفهُ يكون على باطل! فحينئذٍ لا اعتبار لحديث «أصحابي كالنجوم» وهو ساقطٌ عقلاً، لأنّ الهداية لا تحصل في الاقتداء بالباطل.
بمن نقتدي في خلافة السقيفة؟
ثالثاً: اذا كان هذا الحديث - أصحابي كالنجوم - صحيحاً، فلماذا تطعنون في الشيعة وتحكمون عليهم بالخروج عن الدين ورفض الحق عندما اقتدوا في عدم قبول خلافة أبي بكر وبطلان السقيفة بعددٍ من الصحابة المقرَّبين للنبيصلىاللهعليهوآله كسلمان وأبي ذر وعمار والمقداد وأبي أيّوب الأنصاري وحذيفة بن اليمان وخزيمة ذي الشهادتين وغيرهم ممن كان النبيصلىاللهعليهوآله يحترمهم ويكرمهم ويشاورهم في أمور العامة كالحرب
والصّلح وما شابه ذلك بل نجد في كتبكم ومسانيدكم المعتبرة أحادث كثيرة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في فضل كثير منهم وقد ذكرنا بعضها في المجالس السابقة وكما ذكرنا احتجاجهم ودلائل مخالفتهم لرأي السقيفة وخلافة أبي بكر.
فإذا كان حديث أصحابي كالنجوم صحيحاً، فلماذا تسمّون الشيعة بالرافضة ولماذا تحكمون على مذهبهم بالبطلان؟!
أَمَا كان سعد بن عبادة من كبار الصحابة وسادات الأنصار؟ وهو بإجماع المؤرخين والمحدّثين ما بايع أبا بكر وخالف خلافته حتّى قتل على عهد الخليفة الثاني عمر، وسعد ما بايع عمر أيضاً.
فالحديث يصرّح بأن الاقتداء به - وهو مخالفة أبي بكر وعمر ورفض خلافتهما ونسبتهما إلى الظلم والغصب والبطلان - صحيحٌ وفيه الهداية والسعادة.
انحراف بعض الصحابة
رابعاً: لا أظن أحد المؤمنين ينكر انحراف بعض الصحابة وخروجهم على الحق وميلهم عن الصراط المستقيم، وذلك بقتالهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام وهو إذ ذاك - حسب قولكم - كان الخليفة الرابع وآخر الخلفاء الراشدين الذين بايعه أهل الحل والعقد، وأجمعوا على خلافته، فنكث بعض الصحابة بيعته وخالفه آخرون، حتّى أعلنوا عليه الحرب وقادوا الجيوش لقتاله.
فهذا طلحة والزبير وهما من أصحاب بيعة الرضوان، قد
أخرجوا معهما عائشة زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى البصرة وكانت بسببهم وقعة الجمل التي قُتل فيها ألوف المسلمين وسُفكت دماء المؤمنين.
وهذا معاوية وابن العاص، سبّبا معركة صفين، وكم زُهقت فيها نفوس المؤمنين وأريقت دماء المسلمين.
أفهل كانوا هؤلاء الذين نكثوا البيعة ونقضوا العهد وشقّوا عصا المسلمين وأوقعوا فيهم الخلاف والشقاق وعملوا لصالح أهل الكفر والنفاق، هل كانوا على الهداية والحق ام كانوا على الباطل والضلال؟!
وقد أجمع العلماء والمحققون وأئمة المسلمين على أنّ علياًعليهالسلام مع الحق والحق مع علي وهو قول النبيصلىاللهعليهوآله فيه، فكلّ مَن خالفه يكون على باطل، ولو كان من الصّحابة وحتى إذا كانت عائشة زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآله (١) .
____________________
١) وهي التي تروي كما نَقَل عنها الهمداني في كتاب مودّة القربى / في المودة الثالثة / قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ الله عهد إليَّ: مَنْ خرج على عليِّ فهو كافر في النار!
قيل [لها]: لِم خرجت عليه؟! قالت: أنا نسيتُ هذا الحديث يوم الجمل حتّى ذكرته بالبصرة وأنا استغفر الله.
ويروي الهمداني عن عطاء عن عائشة / في اول المودّة الثالثة: سُئلت عائشة عن عليٍّ قالت: ذلك خير البشر ما شَكَّ فيه إلّا كافر.
اقول: وخرّجه العلامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب الباب الثاني في تخصيص عليٍّ بمائة منقبة دون سائر الصحابة.
وبعد نقله الحديث من طرق متعدِّدة ينتهي إلى حذيفة أو جابر، نَقَل الحديث عن عطاء عن عائشة ثم قال: هكذا ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة عليعليهالسلام في تاريخه في المجلد الخمسين، لأنّ كتابه مائة مجلد فذكر منها ثلاث مجلّدات في مناقبهعليهالسلام انتهى كلام الكنجي. =
. . . . .
____________________
= أقول: وهذا حديث خرّجه كثير من الاعلام عن عائشة وغيرها.
وللإطّلاع راجع كنوز الحقائق للمناوي / مطبوع بهامش الجامع الصغير للسيوطي ج ٢/٢٠ و٢١ - والمتقي في كنز العمال ج ٦ /١٥٦ - ونقله الخطيب في تاريخ بغداد والعلامة القندوزي في ينابيع المودّة، وقد جمع ألفاظ هذا الحديث الشريف وطرقه أحد علمائنا الاعلام في كتاب خاص، أسماه - نوادر الاثر في علي خير البشر - طبع في طهران سنة ١٣٦٠ هجرية.
وعائشة هي التي تروي - كما في كفاية الطالب / الباب الحادي والتسعون - أنّها قالت: ما خلق الله خَلْقاً كان أحب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله من علي بن أبي طالب، ثم قال الكنجي: هذا حديث حسن رواه ابن جرير في مناقبه، وأخرجه ابن عساكر في ترجمته.
وأخرج الحاكم النيسابوري في مستدرك الصحيحين ج ١٥٤ /٣: حديثاً عن عائشة بنفس المعني وخرّج الترمذي في صحيحه ج ٢/٤٧٥ - والمحب الطبري في ذخائر العقبى ص ٣٥ - حديثاً عن عائشة أيضاً بنفس المعنى وهو: سُئلت عائشة أي الناس كان أحب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ قالت: فاطمة، فقيل: من الرجال؟ قالت: زوجها الخ.. وعن بريدة قال: كان أحب النساء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فاطمة ومن الرجال عليٌ. خرّجه أبو عمر - انتهى كلام المحب في الذخائر-.
أقول: وخرّج الحديث الحاكم في المستدرك ج ٣ /١٥٧ وابن الاثير في اسد الغابة ج ٣/٥٢٢ - وابن عبد البر في الاستيعاب ج ٢/٧٧٢ والترمذي في صحيحه ج ٢/٤٧١ - والخوارزمي في مقتل الحسينعليهالسلام ج ١/٥٧ - والمتقي في كنز العمال ج ٦ /٤٥٠ وابن حجر في الصواعق ٧٢ / ط المطبعة الميمنية بمصر، نقلاً من كتب عديدة لعلماء السنة.
وتروي عائشة عن النبيصلىاللهعليهوآله انه قال: النظر الى وجه عليٍّ عبادة رواه كثير من الصحابة وعائشة، كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ج ٧ /٣٥٧ وقال: =
. . . . .
____________________
= روى هذا الحديث من حديث أبي بكر الصديق وعمر وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعمران بن حصين وانس وثوبان وعائشة وأبي ذر وجابر أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: النظر الى وجه علي عبادة، قال: وفي حديث عائشة: ذِكر عليٍّ عبادة.
أقول: وأخرجه المحب الطبري في الذخائر ص ٩٥ عن ابن مسعود وعمرو بن العاص وجابر وأبي هريرة وعائشة وأخرجه المتقي في كنز العمال ج ٦/١٥٢ عن عائشة والصواعق المحرقة ١٠٦ / ط الميمنية بمصر: وكان أبو بكر يكثر النظر إلى وجه عليّ فَسَأَلتْهُ عائشة: فقال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: النظر إلى وجه عليٍّ عبادة. و مرّغو هذا و أنّه حديث حَسَن.
وروى ابن المغازلي الفقيه الشافعي في المناقب بسنده عن عائشة أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: النظر إلى وجه عليٍّ عبادة.
رواه عن عائشة بطرق مختلفة في احاديث رقم ٢٤٥ و٢٥٢ و٢٥٣ وفي حديث رقم ٢٤٣ روى بسنده عن عائشة أنها قالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذكرُ عليٍّ عبادة.
أقول وأخرجه ابن كثير عن عائشة / في البداية والنهاية ج ٧ ص ٣٥٧ واخرجه عنها المتقي الهندي في منتخب كنز العمال ج ٥ /٣٠.
ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب ٢٥٢ والسيوطي في الجامع الصغير ج ١/٥٨٣ وأخرجه الديلمي في فردوس الأخبار.
وتروي عائشة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: زيّنوا مجالسكم بذكر عليٍّعليهالسلام .
رواه الفقيه الشافعي ابن المغازلي في المناقب حديث رقم ٢٥٥ بسند متصل عن عائشة.
وهي التي تروي عنها العلّامة محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب بسند متصل في الباب الثاني والستون / ص/ ١٣٣ ط مطبعة الغري أنها =
وأمّا معاوية وابن العاص والوليد بن عقبة ومروان وحزبهم الذين سنّوا لعن الإمام عليعليهالسلام وسبَّه على منابر الإسلام وفي خطب الجمعات وحتى في قنوت الصلوات، مع علمهم بقول النبيصلىاللهعليهوآله :
من سبَّ علياً فقد سبّني ومن سبّني فقد سب الله تعالى(١) .
____________________
= قالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله و هو في بيتها لما حضره الموت: أدعوا لي حبيبي! فدعوت له أبا بكر، فنظرصلىاللهعليهوآله إليه ثمّ وضع رأسه، ثم قال: ادعوا لي حبيبي! فدعوت له عمر، فلما نظر إليه وضع رأسه، ثم قال: أدعوا لي حبيبي! فقلت: ويلكم ادعوا له عليّاً فو الله ما يريد غيره! فلما رآه أفرج الثوب الذي كان عليه ثم أدخله فيه و لم يزل محتضنه حتى قبض و يده عليه. قال العلامة الكنجي: هكذا رواه محدث الشام في كتابه. انتهى كلامه.
ليس بعجيبٍ أنّ عائشة مع كل ما سمعته وترويه عن سيد المرسلينصلىاللهعليهوآله في حق الإمام عليعليهالسلام وفي مناقبه وفضائله، فتخرج عليه تقاتله وتخالفه! فيا ترى ما يكون جزاؤها إذْ قدَّمت هوى نفسها على الحق واليقين؟ والله تعالى يقول:( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لاَ يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولٰئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولٰئِکَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ) سورة المؤمنون ١٠١ -١٠٣.
وهناك روايات كثيرة غير ما ذكرناها، رواها المحدثون وأعلام السنّة عن عائشة في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وفي فضائله ومناقبه عن النبيصلىاللهعليهوآله ولو أردنا استقصاءها لانفرد لها مجلد كامل، فندع هذا الأمر إلى فرصة أخرى إن شاء الله تعالى.
«المترجم»
١) هذا الحديث الشريف وما بمعناه بين علماء العامة وأعلامهم، وقد نقلوه في مسانيدهم، منهم العلامة الكنجي الشافعي في كتاب كفاية الطالب / الباب العاشر =
. . . . .
____________________
= في كفر من سبّ علياًعليهالسلام / روى بسنده عن يعقوب بن جعفر بن سليمان «قال»: حدثنا أبي عن أبيه قال: كنت مع أبي - عبد الله بن عباس - و سعيد بن جبير يقوده فمرّ على صفّة زمزم فإذا قومٌ من أهل الشام يشتمون علياًعليهالسلام ، فقال لسعيد بن جبير رُدَّني إليهم! فوقف عليهم، فقال: أيكم السّاب لله عزّ و جلّ؟ فقالوا: سبحان الله ما فينا أحدٌ سب الله. فقال: أيكم السّاب رسول الله؟ قالوا: ما فينا أحد سبّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: فأيكم الساب علي بن أبي طالب؟ فقالوا: أمّا هذا فقد كان.
قال: فأشهدُ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله سمعته أذناي و وعاه قلبي يقول لعلي بن أبي طالب يا علي من سبّك فقد سبّني و من سبّني فقد سبّ الله و من سبّ الله أكبّه الله على منخريه في النار الخ.
وذكره العلامة الهمداني في كتاب مودة القربى / آخر حديث من المودة الثالثة.
وروى أحمد بن حنبل في المناقب ج ٢/١٠٠: بسنده عن أبي عبدالله الجدلي قال: دخلتُ على أم سلمة (رض) فقالت لي: أيُسَبُّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: من سبَّ علياً فقد سبّني.
ورواه العلامة النسائي في الخصائص ٢٤ ط. التقدم بمصر: بسنده عنها. ورواه الحاكم النيسابوري في المستدرك ج ٣/١٢١/ ط. حيدر آباد بسنده عنها. وفي صفحة ١٢١ من الطبع المذكور، بسنده عنها قالت: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: من سب علياً فقد سبّني ومن سبّني فقد سبَّ الله تعالى ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب ٨٩/ ط. تبريز والمحب الطبري في الرياض النضرة ج ٢/١٦٦/ ط. مكتبة الخانجي بمصر في ذخائر العقبي ٦٥ ط. مكتبة القدس بمصر.
والحافظ الذهبي في تاريخ الاسلام ج ٢ / ١٩٧ ط. مصر. =
أفَهل مع كل هذا تقولون بأنّ الاقتداء بهؤلاء الفسقة المنافقين والفجرة المضلّين هدىً ونجاة؟!
ضعف سند حديث «أصحابي كالنجوم»
خامساً: إضافةً على إباء العقل السليم من قبول هذا الحديث وتصحيحه لما ارتكبه بعض الصحابة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله من الظلم الفاحش والجرم البيِّن، ومخالفتهم لكتاب الله العزيز وسنّة نبيه الكريم، مضافاً إلى ذلك فقد ردّ كثير من أعلامكم سنده وضعّفوا رجاله.
منهم القاضي عيّاض بعدما ذكر الحديث في كتابه شرح الشفاء ج ٢/٩١ ذكر بأنّ الدار قطني وابن عبدالبر قالا بعدم حجيّة سنده، فالحديث مردود عندهما، وذكر بأنّ عبد ابن حميد ذكر في مسنده عن عبدالله بن عمر، وعن البزّار: بأنّهما أنكرا هذا الحديث وأعلنا عدم صحته.
ونقل ابن عدي في الكامل بإسناده عن نافع عن عبدالله بن عمر
____________________
= وابن كثير في البداية والنهاية ج ٧ / ٣٥٤/ط. حيدر آباد.
والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ج ٩/١٢٩ / ط. مكتبة القدس بالقاهرة.
والسيوطي في تاريخ الخلفاء ٦٧/ط. الميمنة بمصر.
وفي الجامع الصغير ج ٢/٥٢٥ حديث رقم ٨٧٣٦.
وفي الصواعق المحرقة ٧٤/ ط. الميمنة بمصر / الحديث ١٨ من الفصل الثاني.
ورواه جمع كثير غير هؤلاء المذكورين لا مجال لذكر أسماءهم.
«المترجم»
أنّه ضعّف الحديث ولم يؤيّده.
ونقل عن البيهقي أنه قال: سند الحديث ضعيف، وإنْ كان نصّه مشتهراً بين الناس. انتهى كلام القاضي عياض.
وحيث نجد في سند الحديث الحارث ابن غضين وهو مجهول، وحمزة بن أبي حمزة النصيري وهو متهم عند المحققين بالكذب وجعل الحديث، فالحديث مردودٌ وملغي يجب تركه.
وابن حزم أيضاً ردّ الحديث وقال فيه: إنّه موضوع وباطل.
هل تلتزمون بعصمة الصحابة؟
والجدير بالذكر إنكم لا تلتزمون بعصمة الأنبياء بل وكثيرٌ منكم يعتقد بامكان صدور الخطأ من سيد المرسلين وخاتم النبيين محمدصلىاللهعليهوآله ومع ذلك يتعصّب لهذا الحديث الموضوع!!
ويَنكر على الشيعة إذا انتقدوا الصحابة وناقشوا في أفعالهم، وما صدر منهم بعد النبيصلىاللهعليهوآله من الحروب والفتن التي أشعلوا نيرانها وأحرقوا بها المؤمنين الأبرياء و المسلمين الأتقياء!
الحافظ: نحن لا نعتقد بعصمة أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولكن نلتزم بعدالتهم ولذلك نقول: كلما صدر منهم كان عن عدالة ونيّة صحيحة حقّة، فإنهم أرادوا إحقاق الحق، فلذلك يؤجرون عليه ولا يؤاخذون عليهم.
قلت: ولكن الأخبار التي نقلها كثير من أعلامكم تكشف أنّ كثيراً من الصحابة كانوا يعصون الله سبحانه وكانوا يتّبعون الهوى ويميلون إلى الدنيا.
الحافظ: لم نسمع بهذا القول قبل اليوم، فالرجاء بيّن لنا تلك الأخبار.
صحابيُّ يشرب الخمر!
قلت: ذكر ابن حجر في كتابه فتح الباري ج ١٠/٣٠ قال: عقد أبو طلحة زيد بن سهل مجلس خمر في بيته ودعا عشرة أشخاص من المسلمين، فشربوا وسكروا، حتى أنّ أبا بكر أنشد أشعاراً في رثاء قتلى المشركين في بدر!!
النوّاب: وهل ذكر أسماء المدعوين الحاضرين في ذلك المجلس؟
قلت: نعم يا حضرة النوّاب ذكرهم علماؤكم قالوا: إنهم كانوا:
١- أبا بكر بن أبي قحافة ٢- عمر بن الخطّاب ٣- أبو عبيدة الجرّاح ٤- أبيّ بن كعب ٥- سهل بن بيضاء ٦- أبو أيّوب الأنصاري ٧- أبا طلحة «صاحب البيت» ٨- أبا دجانة سماك بن خرشة ٩- أبا بكر بن شغوب ١٠ - أنس بن مالك، وكان عمره يومذاك ١٨ سنة فكان يدور في المجلس بأواني الخمر يسقيهم.
وروى البيهقي في سُننه ج ٨/٢٩ عن أنس أنّه قال: وكنت اصغرهم سنّاً وكنت السّاقي في ذلك المجلس!
فيقوم الشيخ عبدالسلام متعصّباً ويقول: والله هذا الخبر من مفتريات أعدائنا، وجَعْل مخالفينا!
قلت - وأنا أتبسَّم -: لا تتهم أحداً بالجعل والافتراء ولا تحلف بالله عزّ وجلّ فإنّ كبار علمائكم كتبوا هذا الخبر في صحاحهم ومسانيدهم
منهم، البخاري في صحيحه، في تفسير الآية الكريمة:( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَکُمُ الْعَدَاوَةَ وَ الْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّکُمْ عَنْ ذِکْرِ الله وَ عَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) (١) .
ومسلم في صحيحه كتاب الأطعمة والأشربة / باب تحريم الخمر.
والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج ٣ / ١٨١ و ٢٢٧.
وابن كثير في تفسيره ج ٢ / ٩٣ و ٩٤.
وجلال الدين السيوطي في تفسيره الدر المنثور ج ٢/٣٢١.
والطبري في تفسيره ج ٧/٢٤ - وابن حجر العسقلاني في الإصابة ج ٤/٢٢ - وفي فتح الباري ج ١٠/٣٠.
والبيهقي في سُننه ٢٨٦ و ٢٩٠.
وغير هؤلاء كثيرٌ من أعلامكم الذين ذكروا خبر اجتماع المذكورين في مجلس الخمر!
الشيخ عبد السلام: ربما كان ذلك قبل تحريم الخمر!
قلت: حسب نزول آيات القرآن في بيان مضار الخمر وإثمها وتحريمها، وحسب بعض المفسرين، نعرف أنّ بعض الصحابة وبعض المسلمين كانوا يشربون الخمر حتّى بعدما حرمها الله!
نقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره الكبير ج ٢/٢٠٣ روى مسنداً عن أبي القموس زيد بن علي، بأنّ الله سبحانه أنزل آيات عن الخمر ثلاث مرات، المرّة الأولى أنزل:( يَسْأَلُونَکَ عَنِ الْخَمْرِ
____________________
١) سورة المائدة، الآية ٩١.
وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ کَبِيرٌ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُمَا أَکْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ) (١) .
ولكن المسلمين ما تركوا الخمر، حتى شربها إثنان من المسلمين فوقفا للصلاة وهما لا يشعران بما يقولان، فأنزل الله تعالى:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَ أَنْتُمْ سُکَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ) (٢) .
ومع ذلك ما انتهى كثير من المسلمين وما امتنعوا من شرب الخمر!
إلى أنْ سكر أحد المسلمين يوماً وأنشد أبياتاً في رثاء قتلى المشركين يوم بدر [ حسب رواية البزّار وابن حجر وابن مروديه كان ذاك السكران أبو بكر الصديق](٣) .
____________________
١) سورة البقرة، الآية ٢١٩.
٢) سورة النساء، الآية ٤٣.
٣) جاء في كتاب المستطرف ج ٢/٢٦٠ وفي كتاب تاريخ المدينة المنوّرة لابن شبّة ج ٣/٨٦٣: قد أنزل الله في الخمر ثلاث آيات
إلى أن قال: فشربها من شربها من المسلمين وتركها من تركها حتى شربها عمر (رض) فأخذ بلحى بعير وشجّ به رأس عبدالرحمن بن عوف، ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الاسود بن يعفر يقول:
وكائن بالقليب قليب بدر |
من الفتيان والعرب الكرام |
|
أيوعدني ابن كبشة أنْ سَنَحْياً |
وكيف حياة أصداء وهام |
|
ألا من مبلغ الرحمان عني |
بأني تاركٌ شهر الصيام |
|
فقل لله يمنعني شرابي |
وقل لله يمنعني طعامي |
فبلغ ذلك رسول الله فخرج مُغَضبا يجر رداءه، فرفع شيئا في يده فضربه.
فقال: أعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. فأنزل الله تعالى:
( إنما يريد الله أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ) إلخ فقال عمر: انتهينا، انتهينا.
«المترجم»
فلما أُخبر النبيصلىاللهعليهوآله غضب وجاء إليه وأراد أن يضربه بشيءٍ كان في يده.
فقال الرجل: أعوذ بالله من غضب الله ورسوله، فوالله لا أشرب الخمر بعد يومي هذا. فأنزل الله عز وجلّ:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصَابُ وَ الْأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ ) (١) .
وَالحاصل: إنّ الصحابة كسائر الناس والأصناف، فيهم الطيب المحسن والعاصي المسيء، منهم من أدرك برسول اللهصلىاللهعليهوآله أعظم الدرجات العالية وسعد في الدنيا والآخرة بالطاعة والأمتثال لأوامر النبيصلىاللهعليهوآله ومنهم من تبع الهوى وأطاع الشيطان واغترّ بالدنيا فضلّ و أضَلّ.
فنحن حينما نطعن في أحد الصحابة لابدّ وأن يكون لدينا دليلٌ وبرهانٌ نستند عليه، حتّى أن كثيراً من تلك المطاعن إضافة على أنها مذكورة في كتبكم المعتبرة فهي مصدَّقة بشواهد من القرآن الحكيم، وإن كان عندكم ردٌّ معقول ومقبول على ما نطعن به على بعض الصحابة فأتوا به حتّى نوافقكم ونترك الطعن، وإذا لم يكن عنكم ردٌّ، فأقبلوا قولنا واتركوا التّهجم على الشيعة بأنّهم يطعنون في الصحابة والخلفاء. بل واذا سمعتم منا بأنّا نقول: انّ بعض الصحابة أو بعض الخلفاء قاموا بأعمال قبيحة وأفعال غير حميدة، فطالبونا بالشواهد والدليل حتّى نوضّح ونبيّن لكم.
الحافظ: طيّب بيّن لنا كيف صدرت أعمال قبيحة وأفعال غير
____________________
١) سورة المائدة، الآية ٩٠.
حميدة من بعض الصحابة وبعض الخلفاء، بيّن ذلك فان كان مستنداً بدليل وبرهان فنحن أيضاً نقبل منكم، ولسنا أهل تعصب وعناد.
قلت: أتعجب من جناب الحافظ محمد رشيد وسؤاله، بعدما بيّنا نماذج من جرائم بعض الصحابة ومعاصيهم فيسأل عن القبائح التي ارتكبها بعض الأصحاب والخلفاء!
فأذكر نموذجاً واضحاً في هذا الباب تلبيةً لطلب الحافظ محمد رشيد ولكي يزداد علماً فأقول:
لقد اتفق أعلام الفريقين على أنّ أكثر الصحابة نقضوا العهد ونكثوا البيعة التي أمر اللهُ تعالى بها في كتابه ونهى عن نقض العهد بقوله:( وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدْتُمْ وَ لاَ تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْکِيدِهَا ) (١) .
ولقد لعن الناقضين في قوله تعالى:
( وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الله مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولٰئِکَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (٢) .
وكما حكم علماء الفريقين وأثبتوا أن نقض العهد من أكبر الذنوب والمعاصي، وخاصة إذا كان العهد والميثاق بأمر الله عزّ وجلّ وتبليغ حبيبه المصطفى محمدصلىاللهعليهوآله فنقض الصحابة لذلك العهد والميثاق من أقبح القبائح التي تؤخذ عليهم.
الحافظ: أي عهد هذا؟ وأي ميثاق أخذه الله على الصحابة، وبلّغه النبيصلىاللهعليهوآله ثمّ نقضه الأصحاب؟ فالخبر في هذا الباب لا يكون إلّا
____________________
١) سورة النحل، الآية ٩١.
٢) سورة الرعد، الآية ٢٥.
من مفتريات ومجعولات الشيعة، ونحن على علم واعتقاد بأنّ أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله هم أجلّ وأكرم من نقض العهد الإلهي.
من هم الصادقون؟
لقد أكَّدْتُ وكَرَّرتُ عليكم بأنّ الشيعة حيث يتبعون الأئمة الصادقين من العترة الهادية الطاهرة، فلا يكذبون ولا هم بحاجة في إثبات عقائدهم إلى جعلِ خبرٍ، أو وَضْعِ حديث.
فعلماؤهم وعامّتهم على حدٍّ سواء في هذا الأمر، وكلَّهم يتّبعون الصادقين الذين أمر الله عزّ وجلّ بمتابعتهم بقوله:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَ کُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (١) .
وقد صرّح كثيرٌ من أعلامكم أنّ المقصود من الصادقين في الآية الكريمة محمد المصطفىصلىاللهعليهوآله وعلي المرتضىعليهالسلام ، وممّن صرَّح بذلك:
الثعلبي في تفسيره، وجلال الدين السيوطي في الدرّ المنثور، والحافظ أبو نعيم في «ما نزل من القرآن في علي»، والخطيب الخوارزمي في «المناقب»، والحافظ سليمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودة / الباب ٣٩، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين، ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / الباب ٦٢ عن تاريخ ابن عساكر ...، هؤلاء كلّهم قد اتّفقوا على أنّ المقصود من الصادقين: النبي الكريمصلىاللهعليهوآله والإمام عليعليهالسلام .
وقال بعضٌ بأنّ المقصود من الصادقين في الآية الشريفة هم
____________________
١) سورة التوبة، الآية ١١٩.
رسول اللهصلىاللهعليهوآله والأئمة من أهل بيته وعترته(١) .
فالشيعة مع الصادقين، يتبعونهم ويطيعونهم ويَحْذَوْن حَذْوَهم، وما لم يكونا كذلك فليسوا بشيعة حقّاً.
فكن على يقين - أيها الحافظ - بأنّنا لا نقول شيئاً في حوارنا ونقاشنا إلّا ويكون مصدره ومستنده كتب أعلامكم وأقوال علمائكم، فإن يكن لكم اعتراض فاللازم أن تعترضوا على علمائكم الذين كتبوا تلك الروايات والأدلة!
الحافظ: لم أعهد أحداً من علمائنا الأعلام كتب: بأنّ الصحابة بعد رسول الله قد نقضوا عهداً أو نكثوا بيعةً كانت عليهم في حضور النبيصلىاللهعليهوآله أو أخذها عليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله فنكثوها.
____________________
١) قال العلامة سبط الجوزي في - التذكرة - ص ٢٠ ط. النجف: قال علماء السَّيَر: معناه كونوا مع عليعليهالسلام وأهل بيته.
وقال العلامة الخركوشي في كتاب شرف المصطفى: رُوي أي مع محمد وآل محمّدصلىاللهعليهوآله .
وقال العلامة محمد صالح الكشفي الترمذي في «مناقب مرتضوي» /٤٣ ط. بمبئ، مطبعة محمدي: روي عن ابن عباس: أي كونوا مع عليعليهالسلام و أصحابه.
وقال العلامة الآلوسي في تفسير «روح المعاني» ج ١١/٤١ ط. المنيرية بمصر: رُوي أنّ المراد كونوا مع علي كرم الله وجهه بالخلافة.
«المترجم»
نقض بعض الصحابة للعهود
قلت: لقد نقض بعض الصحابة عهوداً أخذها منهم النبيصلىاللهعليهوآله ، ولكنّهم نقضوها في حياته أو بعد وفاته، وأهمها عهدُ الخلافة والولاية وبيعةُ يوم الغدير.
حديث الولاية في غدير خم
لقد اعترف جمهور علماء الإسلام من الفريقين: بأن النبيصلىاللهعليهوآله في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام في العام العاشر من الهجرة النبوية عند رجوعه من حجة الوداع إلى المدينة المنوّرة، نزل عند غديرٍ في أرضٍ تُسمى «خُمّ» وأمر برجوع من تقدَّم عليه وانتظر وصول من تخلَّفَ عنه، حتّى اجتمع كلّ من كان معهصلىاللهعليهوآله وكان عددهم سبعين ألفاً أو أكثر، ففي تفسير الثعلبي وتذكرة سبط ابن الجوزي وغيرهما: كان عددهم يومئذٍ مائة وعشرين ألفاً وكلهم حضروا عند غدير خُمّ.
فصعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله منبراً من أحداج الإبل، وخطب فيهم خطبةً عظيمةً، ذكرها أكثر علماء المسلمين والمحدثين من الفريقين في مسانيدهم وكتبهم الجامعة، وذَكَر في شطرٍ منها بعض الآيات القرآنية التي نزلت في شأن أخيه علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وبَيَّنَ فضله ومقامه على الاُمّة، ثمّ قال:
معاشر الناس! أَلَسْتُ أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى.
قال: مَن كنتُ مولاه فهذا عليٌ مولاه.
ثم رفع يده نحو السماء ودعا له ولمن ينصره ويتولّاه فقال: اللهمّ وال مَن والاه وعادِ مَنْ عاداه وانصر مَنْ نصره واخذل من خذله.
ثم أمرصلىاللهعليهوآله ، فنصبوا خيمةً وأَجْلَسَ علياًعليهالسلام فيها وأمر جميع من كان معه أن يحضروا عنده جماعاتٍ وأفراداً ليسلِّموا عليه بإمْرَةِ المؤمنين ويبايعوه، وقالصلىاللهعليهوآله : لقد أمرني ربّي بذلك، وأمركم بالبيعة لعليعليهالسلام .
ولقد بايع في مَن بايع أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير، فأقام ثلاثة أيام في ذلك المكان، حتى تمّت البيعة لعليعليهالسلام ، حيث بايعه جميع مَن كان مع النبيصلىاللهعليهوآله في حجة الوداع، ثم ارتحل من خُمّ وتابع سفره إلى المدينة المنوّرة.
الحافظ: كيف يمكن ان يقع هكذا أمر هام وعظيم ولكنّ العلماء الكبار لم يذكروه في كتبهم المعتبرة؟!
قلت: ما كنت أنتظر منك - وأنت من حفّاظ الحديث عند أهل السنّة والجماعة - أن تجهل أو تتجاهل حديث الولاية في الغدير وهو أشهر من الشمس في رائعة النهار، ومن أوضح الواضحات عند ذوي الأبصار، ولا ينكره إلّا الجاهل أو العالم المعاند!
ولكي يثبت عندك وعند الحاضرين زيف مقالك وبطلان كلامك حيث قلت: ولكنّ العلماء الكبار لم يذكروا هذا الحديث!
لا بدّ لي أن أذكر قائمةً بأسماء بعض من رواه من علمائكم الأعلام وأشهر محدثي الإسلام، وإلّا فذكر جميعهم أمرٌ لا يُرام فأقول منهم:
١- الفخر الرازي في تفسيره الكبير مفاتيح الغيب.
٢- الثعلبي في تفسيره كشف البيان.
٣- جلال الدين السيوطي / في تفسيره الدرّ المنثور.
٤- الحافظ أبو نعيم في كتاب ما نزل من القرآن في عليعليهالسلام - و حلية الأولياء -.
٥- أبو الحسن الواحدي النيسابوري في «أسباب النزول».
٦- الطبري في تفسيره الكبير.
٧- نظام الدين النيسابوري في تفسيره غرائب القرآن.
«كلهم ذكروا الحديث في تفسير الآية الكريمة:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْکَ مِنْ رَبِّکَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) (١) .
٨- محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه ج ١ / ٣٧٥.
٩- مسلم بن الحجاج في صحيحه ج ٢ / ٣٢٥.
١٠- أبو داود السجستاني في سننه.
١١- محمد بن عيسى الترمذي في سننه.
١٢- ابن كثير الدمشقي في تاريخه.
١٣- الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج ٤/٢٨١ و ٣٧١.
١٤- أبو حامد الغزّالي في كتابه سرّ العالمين.
١٥- ابن عبد البر في الاستيعاب.
١٦- محمد بن طلحة في مطالب السؤل.
١٧- ابن المغازلي في « المناقب ».
١٨- ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة: ص ٢٤.
١٩- البغوي في مصابيح السنة.
____________________
١) سورة المائدة، الآية ٦٧.
٢٠- الخطيب الخوارزمي في المناقب.
٢١- ابن الأثير الشيباني في جامع الأصول.
٢٢- الحافظ النسائي في الخصائص وفي سنته.
٢٣- الحافظ الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودة.
٢٤- ابن حجر في الصواعق المحرقة، بعدما ذكر الحديث في الباب الأول ص ٢٥ ط الميمنية بمصر، قال - على تعصبه الشديد الذي اشتهر به -: إنه حديث صحيح لا مرية فيه وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنّسائي وأحمد، وطرقه كثيرة جداً.
٢٥- الحافظ محمد بن يزيد المشهور بابن ماجة القزويني في سننه.
٢٦- الحاكم النيسابوري في مستدركه.
٢٧- الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني في الأوسط.
٢٨- ابن الأثير الجزري في كتابه أُسد الغابة.
٢٩- سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة خواص الأمة: ١٧.
٣٠- ابن عبد ربه في العقد الفريد.
٣١- العلامة السمهودي في جواهر العقدين.
٣٢- ابن تيمية في كتابه منهاج السنّة.
٣٣- ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب وفي فتح الباري.
٣٤- جار الله الزمخشري في ربيع الأبرار.
٣٥- أبو سعيد السجستاني في كتاب الدراية في حديث الولاية.
٣٦- عبيد الله الحسكاني في كتاب دعاة الهدى إلى أداء حق المولى.
٣٧- العلّامة العبدري في كتاب الجمع بين الصحاح الستة.
٣٨- الفخر الرازي في كتاب الأربعين، قال: أجمعت الأمة على هذا الحديث الشريف.
٣٩- العلامة المقبلي في كتاب الأحاديث المتواترة.
٤٠- السيوطي في تاريخ الخلفاء.
٤١- المير علي الهمداني في كتاب مودّة القربى.
٤٢- أبو الفتح النطنزي في كتابه الخصائص العلوية.
٤٣- خواجة بارسا البخاري في كتابه فصل الخطاب.
٤٤- جمال الدين الشيرازي في كتابه الأربعين.
٤٥- المناوي في فيض الغدير في شرح الجامع الصغير.
٤٦- العلامة الكنجي في كتابه كفاية الطالب / الباب الأول.
٤٧- العلامة النووي في كتابه تهذيب الأسماء واللّغات.
٤٨- شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين.
٤٩- القاضي ابن روزبهان في كتاب إبطال الباطل.
٥٠- شمس الدين الشربيني في السراج المنير.
٥١- أبو الفتح الشهرستاني الشافعي في الملل والنحل.
٥٢- الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد.
٥٣- ابن عساكر في تاريخه الكبير.
٥٤- ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة.
٥٥- علاء الدين السمناني في العروة لأهل الخلوة.
٥٦- ابن خلدون في مقدمته.
٥٧- المتقي الهندي في كنز العمال.
٥٨- شمس الدّين الدّمشقي في كتاب أسنى المطالب.
٥٩- الشريف الجرجاني الحنفي في شرح المواقف.
٦٠- الحافظ ابن عقدة في كتاب الولاية.
ذكرتُ لكم المدارك والمصادر التي جاءت في خاطري وحضرت في ذهني ولو راجعنا كل مصادر هذا الحديث لوصلت إلى ثلاثمائة مصدر من كبار أعلامكم ومحدّثيكم، رووه بطرقٍ شتى عن أكثر من مائة صحابي من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله .
ولو جمعناها لاحتاجت إلى مجلّداتٍ عديدة، كما أنّ بعض علمائكم قام بهذا الأمر الهام وألّف كتاباً مستقلاً في حديث الولاية، منهم ابن جرير الطبري، المفسِّر والمؤرِّخ المشهور من أعلام القرن الثالث والرابع الهجري، رَوَى حديث الولاية عن خمس وسبعين طريقاً في كتاب أسماه: « الولاية».
والحافظ ابن عقدة أيضاً من أعلام القرن الثالث والرابع الهجري ألَّف كتاباً في الموضوع، أسماه: «الولاية» جمع فيه مائة وخمس وعشرين طريقاً نقلاً عن مائة وخمسة وعشرين صحابياً من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله مع تحقيقات وتعليقات قيّمة.
والحافظ بن حداد الحسكاني من أعلام القرن الخامس الهجري ألّف كتاباً أسماه: «الولاية» تطرّق فيه إلى الحديث وإلى واقعة الغدير بالتفصيل.
وذكر كثيرٌ من محدّثيكم الأعلام: أن عمر بن الخطاب كان يُظهر أو يتظاهر بالفرح ذلك اليوم فصافح علياًعليهالسلام وقال: بخّ بخّ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كلِّ مؤمن ومؤمنة.
تأكيد جبرئيلعليهالسلام بالبيعة لعلي عليهالسلام
ذكر المير علي الهمداني (وهو فقيه شافعي من أعلام القرن الثامن الهجري) في كتابه مودّة القربى / المودّة الخامسة / روى عن عمر بن الخطّاب أنه قال: نَصَب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم علياً فقال: مَن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعادِ مَن عاداه واخذل من خذله وانصر مَن نَصَره، اللهم أنت شهيدي عليهم.
قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! وكان في جنبي شابٌّ حسن الوجه طيّب الريح، قال لي: يا عمر لقد عقد رسول اللهصلىاللهعليهوآله عقداً لا يحلّه إلّا منافق.
فأخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بيدي فقال: يا عمر! إنّه ليس من ولد آدم، لكنّه جبرئيل أراد أن يؤكّد عليكم ما قلتُه في عليعليهالسلام !!
فأسألكم أيها الحاضرون.. هل كان يحقّ للصحابة أن ينقضوا ذلك العهد والميثاق الذي عهده الله تعالى لهم؟
وهل من الإنصاف أن ينكثوا بيعتهم لعليعليهالسلام التي عقدها خاتم النبيينصلىاللهعليهوآله لأمير المؤمنين وسيد الوصيين؟!
هل كان صحيحاً أن يهجموا على بيت عليٍ وفاطمةعليهماالسلام ويشعلوا النار عند بابه ويهتكوا حرمة فاطمة سيد النساء؟
هل كان يحقّ لهم أن يسحبوا علياً إلى المسجد ويهدّدوه بالقتل إن لم يبايع أبي بكر ويجرّدوا عليه سيوفهم؟!
وقد صدر كل ذلك منهم طلباً للدنيا ومتابعةً للهوى ليس إلّا!!
الحافظ: نحن ما كنا نتوقع من حضرتكم أن تنسبوا لصحابة النبيصلىاللهعليهوآله المقربين، متابعة الهوى وطلب الدنيا، علماً بأنّ رسول الله أمر أمّته بمتابعتهم والاقتداء بهم.
قلت: رجاءً.. لا تكرروا الكلام، لقد أثبتنا لكم أنّ الصحابة كغيرهم من أفراد البشر يجوز عليهم الخطأ والعصيان والطغيان، ولم يأمر النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله أمته بالاقتداء بمطلق الصحابة، لأنّه منافٍ للعقل السليم، وإنّما أمر أمته بالاقتداء بالصّالحين من الصحابة، فقد أثبتنا ضعف سند حديث « أصحابي كالنجوم » ونقلنا لكم كلام القاضي عياض المالكي وهو من أعلامكم حيث قال: حديث أصحابي كالنجوم ضعيفٌ ولا نلتزم به لأن من رواته حارث بن قضين وهو مجهول الحال، وحمزة بن أبي حمزة النصيبي وهو متهم بالكذب.
وكذلك البيهقي وهو من كبار علمائكم ومن أشهر أعلامكم، ردّ الحديث ورفضه لضعف اسناده.
بعض الصحابة اتبعوا الهوى
وأما قول الحافظ: بأنّي نسبتُ صحابة النبيصلىاللهعليهوآله المقرّبين إلى طلب الدنيا ومتابعة الهوى، ولم يكن يتوقع منّي هذا الأمر.
فأقول له: أنا لم أنسب ذلك إليهم، وإنما هو قول بعض أعلامكم، منهم: العلّامة سعد الدين التفتازاني حيث قال في كتابه شرح المقاصد:
إنّ ما وقع بين أصحابه من المحاربات والمشاجرات على الوجه
المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثّقات يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن الطريق الحق وبلغ حدَّ الظلم والفسق، وكان الباعث عليه الحقد والعناد والحسد واللّداد وطلب الملك والرياسات والميل إلى اللذّات والشهوات، إذ ليس كل صحابي معصوماً ولا كل من لقي النبيصلىاللهعليهوآله بالخير مرسوماً(١) .
هذا كلام أحد أعلامكم، فإمّا أنْ تخضعوا لكلامه، فتكونوا معنا في هذا الاعتقاد بأنّ كثيراً من الصحابة الذين حاربوا علياًعليهالسلام وخالفوه وآذوه، إنما آذوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « مَن سبَّك فقد سبّني ومن آذاك فقد آذاني ومن حاربك فقد حاربني » وغير هذه الأحاديث التي تدل على أنّ علياًعليهالسلام يمثّل رسول اللهصلىاللهعليهوآله في أمته، وهذا لا ينكره أيّ فردٍ من علماء المسلمين، وكتبكم ومسانيدكم مشحونة بهكذا أحاديث وأخبار وقد صحّحها علماؤكم ومحدِّثوكم، فإمّا أن تقبلوها، أو تطرحوها وتلغوها، وهذا غير
____________________
١) أرى من المناسب نقل بقية كلامه لتتم الفائدة.. قال:
إلّا أنّ العلماء لحسن ظنّهم بأصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذكروا لها محامل و تأويلات بما يليق و ذهبوا إلى أنّهم محفوظون عما يوجب التضليل و التفسيق صوْتاً لعقائد المسلمين من الزيغ و الضلالة في حق كبار الصحابة لا سيّما المهاجرين منهم و الأنصار المبشَّرين بالثواب في دار القرار! وأما ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآله فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء، ويكاد يشهد به الجماد العجماء ويبكي له مَن في الأرض والسماء وتنهدم منه الجبال وتنشقّ منه الصخور ويبقى سوء عمله على كر الشهور والدّهور، فلعنة الله على مَنْ باشر أو رضى أو سعى، و( وَ لَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَ أَبْقَى ) . سورة طه، الآية ١٢٧ انتهى.
«المترجم»
ممكنٍ، لأنّ ذلك ينتهي إلى إلغاء علمائكم وإبطال أقوال محدثيكم وأعلامكم، فلا يبقى في مذهبكم حجر على حجر.
فعندما نقول بأنّ بعض الصحابة فسقوا بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله واتّبعوا الباطل، ما قلنا شططا، ولم نكن منفردين في قولنا بل يوافقونا بعض أعلامكم أيضاً كما نقلنا قول العلامة سعد الدين التفتازاني.
وأنقل لكم أيضاً قول الغزالي، وهو أيضاً من أشهر أعلامكم وأكبر علماؤكم.
الغزالي و نقض عهد الولاية
لقد تطرق الإمام الغزالي في كتابه «سر العالمين » إلى قضايا الإسلام وما حدث بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال في المقالة الرابعة:
أسفرت الحجّة وجهها، و أجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته ص في يوم غدير خُمّ باتّفاق الجميع و هو يقول: مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، فقال عمر: بخٍّ بخٍّ لك يا أبا الحسن! لقد أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة!!
هذا تسليمٌ و رضىً و تحكيم، ثمّ بعد هذا غلب الهوى لحبّ الرياسة، و حمل عمود الخلافة و عقود البنود و خفقان الهواء في قعقعة الرايات و اشتباك ازدحام الخيول و فتح الأمصار، سقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأول( فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) (١) !!
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ١٨٧.
ولما مات رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال قبل وفاته: إيتوني بدواتٍ وبياض لأزيل عنكم إشكال الأمر وأذكر لكم من المستحقّ لها بعدي!
قال عمر: دعوا الرجل فإنه ليهجر!! وقيل يهذو!!
فإذا بطل تعلّقكم بتأويل النصوص ، فعُدتّم إلى الإجماع و هذا منقوض أيضاً، فإنّ العباس وأولاده وعلياً وزوجته وأولاده و علياً و زوجته و أولاده لم يحضروا حلقة البيعة وخالفكم أصحاب السقيفة في مبايعة الخزرجيّ ثم خالفهم الأنصار.انتهى.
فانتبهوا أيها الحاضرون! واعلموا بأنّ الشيعة لا يقولون إلّا ما قاله بعض أعلامكم المشتهرين وعلماؤكم المعتبرين.
ولكن لسوء ظنكم بل سوء نظركم بالنسبة إلى الشيعة.. لا تقبلون منهم حتّى إذا كان مصدر كلامهم مسانيدكم وكتب علمائكم!
الشيخ عبد السلام: كتاب سرّ العالمين لم يكن من تأليف الإمام الغزالي وإنما أنتم تنسبونه إليه لتحتجّوا به علينا.
والإمام الغزالي هو أجلّ شأناً وأعظم قدراً، من أن يتكلم بهذا الكلام على الصحابة.
كتاب سرّ العالمين تأليف الغزالي
قلت: لقد أيّد بعض أعلامكم أنّ كتاب سر العالمين من مصنّفات الإمام محمد بن محمد الغزّالي، منهم - كما يخطر ببالي -:
سبط ابن الجوزي وهو من أعلامكم، ولا يشك أحد في التزامه بمذهب السنّة والجماعة، بل تعصّبه في ذلك، وقد اشتهر بدقّة النظر
والاحتياط في صدور الحكم في مثل ما نحن فيه، قد ذكر في كتابه تذكرة خواص الاُمة في ص ٣٦ فنقل قول الغزالي في الموضوع من كتاب سر العالمين ونسبهُ إليه من غير تعليق أو تشكيك ونقل عنه العبارات التي نقلتها لكم حول الصحابة والخلافة.
وحيث إنّ سبط ابن الجوزي لم يعلّق على عبارات الغزالي بل استشهد بها فيُعلم أنه أيضاً موافقٌ لذلك الكلام ومؤيّدٌ له.
ولكن جناب الحافظ وأمثاله حينما يواجهون بالحقائق الناصعة والبراهين الساطعة، لا يجدون مفرّاً إلّا الإنكار، فأما أن يُنفيَ تأليف المؤلف ويُقال بأن هذا الكتاب منسوبٌ إليه، وأما أن يُنفي المؤلف نفسه من مذهبه ويقال أنه ليس منّا بل هو شيعي منكم!!
وفي بعض الأحيان يفسّقون ويكفّرون المؤلف وينسبونه إلى الإلحاد.
ضريبة تجاهر السنة بالحق
أ - اتهام ابن عقدة بالرفض
ولقد يحدثنا التاريخ عن رجال من أعلامكم، حاربهم أهل الزمان وهجرهم الأخوان وكتب ضدهم الخلّان، لأنهم كانوا ينطقون بالحق ويبيّنون الحقائق باللسان والبنان، فحرَّمَ العلماء المتعصبون من أهل مذهبهم، كتبهم ونسبوها إلى الضلال عن بغض وشنآن وحرّكوا ضدَّهم الجهلة والعوام وأبناء الوقت والزمان.
الشيخ عبد السلام: هذه مفتريات الشيعة علينا وإلّا فعلماؤنا الأعلام يحترمون كل عالم سواءً من مذهبهم أو غير مذهبهم ويأمرون
العوام باحترام العلماء لعلمهم ولا يسمحون لأحد من الجهلة أنْ يهتك عالماً سواءً أكان من أهل السنّة والجماعة أم من غيرهم.
قلت: لا داعيّ للشيعة أن يفتروا عليكم هذا الكلام، ولو كنت تطلب مني شاهداً للكلام لأجبتك بأن أحد الرجال الأعلام الذي أشرنا إليهم، هو الحافظ ابن عقدة، أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني المتوفى عام ٣٣٣ هجري، وهو من كبار علمائكم ومن مشاهير أعلامكم وقد وثّقه الرجاليون من علمائكم كالذهبي واليافعي وقالوا في ترجمته: إنّه كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث مع إسنادها وكان ثقة وصادقاً، ولكن حيث كان في المجالس والمجتمعات في الكوفة وبغداد، كان ينتقد الشيخين ويذكر معائبهم ومثالبهم، اتّهمه العلماء بالرَّفض وتركوا رواياته وطرحوا مروياته.
قال ابن كثير والذهبي واليافعي في ترجمته: إنّ هذا الشيخ كان يجلس في جامع براثا ويحدّث الناس بمثالب الشيخين - أبي بكر وعمر - ولذا تركت رواياته وإلّا فلا كلام لأحدٍ في صدقه وثقته!!
والخطيب البغدادي في تاريخه، يذكره بالخير والمدح وبعد ذلك يقول: إلّا أنّه خَرَّج مثالب الشيخين وكان رافضياً!
ب - دفن الطبري في بيته ومقاطعة تشييعه!!
محمد بن جرير الطبري وهو المفسر الشهير والمؤرّخ الكبير ويُعدّ من أشهر أعلام القرن الثالث الهجري بلغ من العمر ستاً وثمانين عاماً ومات سنة ثلاثمائة وعشر من الهجرة في مدينة بغداد فمنعوا تشييع
جثمانه فدُفن ليلاً في داره!!
كل ذلك لأنه كتب بعض الحقائق في تاريخه وتفسيره ونشر بعض الأخبار والوقائع التي أغاظت المتعصبين والمعاندين من أهل نحلته، وإنْ أخفى كثيراً من الحقائق إلّا أنّهم لم يرضوا عليه وقاطعوه حياً وميتاً!!
ج - «قتلُ النسائي»
ومن أعجب هذه الوقائع قتل الحافظ أحمد بن شعيب بن سنان النسائي وهو أحد الأعلام وأئمة الحديث وجامع أحد الصحاح الستة عندكم، وَردَ مدينة دمشق سنة ثلاثمائة وثلاث من الهجرة النبوية فوجد أهلها سائرين على البدعة السيّئة التي سنّها معاوية وحزبه في البلاد، ألا وهي لعن وسب أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام بعد كل صلاة وفي خطب الجمعة!
فتأسَّفَ لذلك الوضع الفجيع المزري وأَلْزَم نفسه أنْ ينشرَ ما وصله مسنَداً عن النبيصلىاللهعليهوآله في فضائل ومناقب الإمام عليعليهالسلام فكتَبَ كتابه المسمى بخصائص مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وكان يقرأه على المنبر في الملأ العام، فهجم عليه في يومٍ من الأيام جماعةٌ من الطغاة والجهلة اللِّئام فضربوه ضرباً مبرحاً وأنزلوه من على المنبر وسحقوه بأقدامهم حتى أُغمي عليه وبعد قليل مات على أثر تلك الضربات واللكمات. فحملوا جثمانه إلى حرم الله سبحانه ودُفن في مكة المكرمة حسب وصيّته!!
فهذه الوقائع بعض جرائم المتعصبين أهل العناد واللِّجاج والجهل الذين يقتلون علماءهم ويسحقون مفاخرهم بأقدامهم، ليس لهم ذنب سوى أنّهم نطقوا بالحق وكشفوا عن الواقع ومدحوا من مدحه الله تبارك وتعالى في كتابه.
وقد غفل الجاهلون وما دَرَوا بأنهم لم يتمكنوا من إخفاء الحق بهذه الأعمال الوحشية ولا يمكن حجب الشمس في الضحى بالحركات الهمجية.
أعتذر إليكم لابتعادي عن موضوع البحث.
والحاصل: إنّ حديث: «من كنتُ مولاه فهذا عليٌ مولاه» مقبولٌ لدى أعلامكم كما هو مقبولٌ عند علمائنا، واتّفق محدثو الفريقيْن بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله بأمرٍ من الله تعالى أعلن يوم الغدير هذا الحديث الشريف في حضور ما لا يقل عن سبعين ألف.
صعد النبيصلىاللهعليهوآله على منبر صنعوه له من أحداج الإبل، وأَصْعَدَ علي بن أبي طالب وأخذ بكفّه والملأ ينظرون إليهما، فنادى فيهم: من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه إلخ.
ما معنى كلمة «مولى»؟
الحافظ: نحن لا نُنكر واقعة الغدير وحديث الولاية، ولكن قضية الغدير ما كانت على النحو الذي تقولون به أنتم الشيعة، وليس معنى المولى ما تقولون به أنتم بمعنى الأوْلى بالتصرّف، وإنما المولى كما ثبت في اللغة بمعنى المحب والناصر والصديق الحميم، وحيث كان النبيصلىاللهعليهوآله
يعلم بأنَّ ابن عمه عليّاً له أعداء كثيرون فأراد أنْ يُوصي به الأمة فقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، أي من كان يحبّني فليُحبِبْ علياً، ومن كان ينصرني فلينصر علياً «كرم الله وجهه» وقد قام النبيصلىاللهعليهوآله بهذا العمل حتى لا يتأذّى عليٌ من بعده من الأعداء.
قلت: لو تُنصفنا أيها الحافظ، وتترك التَّعصّب لمذهب الأسلاف ودين الآباء، وتنظر إلى القرائن الموجودة في القضية والواقعة بدقّة وإمعانٍ لعرفت الحقيقة واعترفت بما نقول!!
الحافظ: ما هذه القرائن التي تثبت قولكم في المقام، بأنّ معنى المولى هو الأوْلى بالتّصرف في الأمر العام وفي شئون الإسلام؟
قلت: القرينة الأولى: نزول الآية الكريمة:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْکَ مِنْ رَبِّکَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَ الله يَعْصِمُکَ مِنَ النَّاسِ ) (١) .
الحافظ: من أين تقولون بأنّ هذه الآية نزلت في يوم الغدير وبشأن تبليغ الولاية؟ ما هو دليلكم على هذا القول؟
قلت: دليلنا وحجتنا قول كبار علمائكم وأعلامكم، منهم:
١- جلال الدين السيوطي في تفسير الدر المنثور: ج ٢ ص ٢٩٨.
٢- أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه الولاية.
٣- الحافظ أبو عبد الله المحاملي في أماليه.
٤- الحافظ أبو بكر الشيرازي في «ما أنزل من القرآن في عليعليهالسلام ».
٥- الحافظ أبو سعيد السجستاني في كتابه الولاية.
____________________
١) سورة المائدة، الآية ٦٧.
٦- الحافظ ابن مردويه في تفسيره الآية الكريمة.
٧- الحافظ ابن أبي حاتم في تفسير الغدير.
٨- الحافظ أبو القاسم الحسكاني في شواهد التنزيل.
٩- أبو الفتح النّطنزي في الخصائص العلوية.
١٠- معين الدّين المبيدي في شرح الديوان.
١١- القاضي الشوكاني في فتح القدير:ج ٣ ص ٧٥.
١٢- جمال الدين الشيرازي في الأربعين.
١٣- بدر الدين الحنفي في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ج ٨ ص ٥٨٤.
١٤- الإمام الثعلبي في تفسير كشف البيان.
١٥- الإمام الفخر الرازي في التفسير الكبير: ج ٣ ص ٦٣٦.
١٦- الحافظ أبو نعيم في «ما نزل من القرآن في عليعليهالسلام ».
١٧ - شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين.
١٨- نظام الدين النيسابوري في تفسيره: ج ٦ ص ١٧٠.
١٩- شهاب الدين الآلوسي البغدادي في روح المعاني: ج ٢ ص ٣٤٨.
٢٠ - نور الدين المالكي في الفصول المهمة: ص ٢٧.
٢١- الواحدي في أسباب النزول: ص ١٥٠.
٢٢- محمد بن طلحة في مطالب السؤل.
٢٣- المير سيد علي الهمداني في مودة القربى / المودة الخامسة.
٢٤- القندوزي في ينابيع المودة / الباب ٣٩.
وغير هؤلاء المذكورين في كثير من أشهر أعلامكم قد كتبوا ونشروا
بأنّ هذه الآية نزلت يوم الغدير، حتى أنّ القاضي فضل بن روزبهان المشهور بالتعصّب والعناد، كتب عن الآية: فقد ثبت هذا في الصحاح أنّ هذه الآية لما نزلت أخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بكفّ علي بن أبي طالب وقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه.
وأعجب من هذا الكلام أنه قال وروى - كما في كشف الغمة - عن رزين بن عبد الله أنه قال: كنا نقرأ هذه الآية على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله هكذا:
( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْکَ مِنْ رَبِّکَ ) أن علياً مولى المؤمنين( إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) !
ورواه السيوطي في الدرّ المنثور عن ابن مردويه.
وابن عساكر وابن ابي حاتم عن أبي سعيد الخدري وعن عبد الله ابن مسعود وهو أحد كتّاب الوحي.
ورواه القاضي الشوكاني في تفسير فتح القدير كذلك.
والحاصل: إنّ تأكيد الله سبحانه لنبيه بالتبليغ وتهديده على أنه إن لم يفعل ما أمَرهُ تلك الساعة، فكأنّه لم يُبلّغ شيئاً من الرسالة، هذه قرينة واضحة على أنّ ذلك الأمر كان على أهمية كالرسالة فمقام الخلافة والولاية تالية لمقام النبوة والرسالة.
القرينة الثانية
وأما القرينة الثانية: الذي يُؤيّد ويُوضِّح قولنا … أنّ نزول آية إكمال الدين كانت بعد ما بلّغ رسول اللهصلىاللهعليهوآله رسالته وأَمْرَ ربه في
ولاية الإمام عليعليهالسلام .
الحافظ: اتّفق علماؤنا أنّ آية إكمال الدين نزلت يوم عرفة، و لا أذن أحداً من علمائنا و أعلامنا قال بأنها نزلت يوم الغدير.
قلت: أرجوك لا تعجل في كلامك و احتط في بيانك و لا تنفي قولنا، فان كثيراً من علمائكم الكبار قالوا ما نقوله في شأن نزول آية إكمال الدين، و إنْ كان جماعة منهم قالوا بأنها نزلت يوم عرفة.
وبعض العلماء جمعوا بين القولين وقالوا بأنّ الآية نزلت مرتين منهم سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة / آخر الصفحة ١٨ حيث قال: أحتَمِلُ أنّ الآية نزلت مرتين مرة بعرفة ومرة يوم الغدير كما نزلت( بِسْمِ الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ) مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة.
وأما الذين وافقونا من أعلامكم وقالوا بأنّ آية إكمال الدين نزلت في الغدير بعد نصب رسول اللهصلىاللهعليهوآله علياً ولياً من بعده. كثيرون منهم:
١- جلال الدين السيوطي في الدّر المنثور: ج ٢ ص ٢٥٦، وفي الإتقان: ج ١ ص/ ٣١.
٢- الإمام الثعلبي في كشف البيان.
٣- الحافظ أبو نعيم في ما نزل من القرآن في عليعليهالسلام .
٤- أبو الفتح النطنزي في الخصائص العلوية.
٥- ابن كثير في تفسيره: ج ٢ ص ١٤.
٦- المؤرّخ والمفسِّر الشهير محمد بن جرير الطبري في كتابه الولاية.
٧- الحافظ أبو القاسم الحسكاني في شواهد التنزيل.
٨- سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة: ص ١٨.
٩- أبو اسحاق الحمويني في فرائد السمطين / الباب الثاني عشر.
١٠- أبو سعيد السجستاني في كتابه الولاية.
١١- الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ج ٨ ص ٢٩٠.
١٢- ابن المغازلي في المناقب.
١٣- الخطيب أبو مؤيد موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب / فصل ١٤، وفي مقتل الحسين / الفصل الرابع.
وكثير من أعلامكم غير مَن ذكرنا أيضاً قالوا: بأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعدما نصب علياً ولياً من بعده وعرّفه للمسلمين فأمرهم وقال:
سلِّموا على عليٍّ بإمرة المؤمنين، فأطاعوا وسَلّموا على علي بن أبي طالب بإمرة المؤمنين وقبل أن يتفرَّقوا من المكان نزل جبريل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله بقوله تعالى:( الْيَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِينَکُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْکُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَکُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً ) (١) .
فصاح النبيصلىاللهعليهوآله : الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي بن أبي طالب بعدي.
ولو أحببتم توضيح القضيّة وكشف الحقيقة فراجعوا مسند أحمد بن حنبل وشواهد التنزيل للحافظ الحسكاني فإنّهما شرحا الموضوع أبسط من غيرهما. فلو أمعنتم النّظر ودقّقتم الفكر في الخبر لَعلمْتُم و لأيقَنْتم أنّ النبيصلىاللهعليهوآله ما قصد من كلمة المولى إلّا الإمامة والخلافة والأولوية وذلك بالقرائن التي ذكرتها وبقرينة كلمة «بعدي» في الجملة.
ثم فكّروا وأنصفوا هل الأمر بالمحبة والنصرة كان هامّاً إلى
____________________
١) سورة المائدة، الآية ٣.
ذلك الحدّ بأنْ يأمر النبيصلىاللهعليهوآله الرّكب والقافلة وهم مائة ألف أو أقل أو أزيد، فينزلوا في ذلك المكان القاحل وفي ذلك الحر الشديد، ثمّ يأمر برجوع مَنْ سبق ولحوق من تأخّر وينتظر حتى يجتمع كلّ مَن كان معه وتحت حرارة الشمس حتى أنّ كثيراً من الناس مَدّ رداءه على الأرض تحت قدميه ليتّقي حرّ الرّمضاء وجلس في ظلّ ناقته ليتّقي أشعة الشمس، ثمّ يصعد النبيصلىاللهعليهوآله المنبر الذي صنعوه له من أحداج الإبل ويخطب فيهم ويبيّن فضائل ومناقب ابن عمه علي بن أبي طالب كما ذكرها الخوارزمي وابن مردويه في المناقب والطبري في كتاب الولاية وغيرهم، ثم يبقىصلىاللهعليهوآله ثلاثة أيام في المكان الذي كان معهوداً بنزول القوافل وما كان قبل ذلك اليوم منزلاً للمسافر، ويتحمل هو والمسلمون الذين معه مشاقّا كثيرة، حتّى بايع كلّهم عليّاًعليهالسلام بأمر رسول الله.. فهل كان من المعقول أنهصلىاللهعليهوآله كان يريد من كل ذلك ليبيّن للناس أن يحبّوا علياً ويكونوا ناصريه!!
مع العلم أنهصلىاللهعليهوآله قبل ذلك كان بيّن للمسلمين كراراً ومراراً أنّ حبَّ علي من الإيمان وبغضه نفاق، وكان يأمرهم بنصرته وملازمته، فأي حاجة إلى تحمّل تلك المشاق ليبيّن ما كان مبيناً ويوضّح ما كان واضحاً للمسلمين!! فإذا في تلك الظروف الصعبة التي كانت في قضية الغدير لم نقل بتبليغ الولاية والخلافة من بعده ونقول بما يقوله الحافظ وبعض العلماء من أهل السنّة والجماعة، لكان عمل النبيصلىاللهعليهوآله مع تلك الظروف سفهاً ولغواً - والعياذ بالله من هذا القول - بل النبي منزّه من اللغو والسفاهة وأعماله كلها تكون على أساس العقل والحكمة.
فنزول هذه الآيات التي ذكرناها في الغدير وتلك التشريفات الأرضية والسماوية، كلها قرائن دالة عند العقلاء والعلماء بأنّ الأمر الذي بلّغهُ خاتم الأنبياء هو أهم من أمر النصرة والمحبّة، بل هو أمر يساوي في الأهمية أمر الرسالة بحيث إذا لم يبلِّغْه رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأمته في تلك الساعة فكأنّه لم يبلّغ شيئاً من رسالة الله عزّ وجلّ. فهذا الأمر ليس إلّا الإمامة على الأمة بعد النبيصلىاللهعليهوآله وتعيين رسول الله خليفته المؤيَّد من عند الله والمنصوب بأمر من السماء، وتعريفه للناس، لكي لا تبقى الأمة بلا راعي بعده ولا تذهب أتعابه أدراج الرياح.
ولقد وافقنا بعض أعلام أهل السنة والجماعة في معنى كلمة المولى وأنّ المقصود منها - يوم الغدير - الأوْلى.
منهم سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة خواص الأمة / الباب الثاني / ص ٢٠ فذكر لكلمة المولى عشر معاني وبعدها قال: لا يطابق أي واحد من هذه المعاني كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله والمراد من الحديث الطاعة المحضة المخصوصة فتعيّن الوجه العاشر وهو الأوْلى ومعناه: من كنت أولى به من نفسه فعليٌّ أوْلى به ودَلَّ عليه أيضاً قولهصلىاللهعليهوآله : ألَسْتُ أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم؟
وهذا نصٌ صريح في إثبات إمامته وقبول طاعته انتهى كلامه ويوافقنا في هذا المعنى أيضاً الحافظ أبو الفرج الإصفهاني يحيى بن سعيد الثقفي في كتابه مرج البحرين، حيث يروي بإسناده عن مشايخه: أنّ النبيصلىاللهعليهوآله أخذ بكفّ عليعليهالسلام وقال: من كنت وليُّهُ وأَوْلى به من نفسه فعليٌ وليُّهُ.
ويوافقنا في أنّ المولى بمعنى الأولى العلّامة أبو سالم كمال الدين محمد بن طلحة القرشي العدوي، إذْ قال في كتابه مطالب السئول / في أواسط الفصل الخامس من الباب الأول / قال بعد ذكره حديث «من كنت مولاه فهذا علي مولاه »: أَثبتَ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لنفس عليعليهالسلام بهذا الحديث ما هو ثابت لنفسهصلىاللهعليهوآله على المؤمنين عموماً فإنهصلىاللهعليهوآله أوْلى بالمؤمنين وناصرُ المؤمنين وسيد المؤمنين وكل معنى أمكنَ إثباتُهُ مما دلَّ عليه لفظ المولى لرسول اللهصلىاللهعليهوآله فقد جعله لعليعليهالسلام وهي مرتبة سامية ومنزلة سامقة ودرجة عليَّة ومكانة رفيعة خصصه بها دون غيره، فلهذا صار ذلك اليوم عيداً وموسمَ سرور لأوليائه إلخ.
الحافظ: لاشك أن لكلمة المولى معاني متعدّدة وأنتم تعترفون بهذه الحقيقة، فلماذا تخصِّصون معنى الأوْلوية للمولى؟ وهذا تخصيصٌ من غير مخصص.
قلت: لقد اتّفق العلماء في علم الأصول بأنّ الكلمة التي يُفهم منها أكثر من معنى، وكان أحد المعاني حقيقياً فالمعاني الأُخر تكون مجازيّة. والمعنى الحقيقي مقدم على المجاز إلّا أن يتضح بالقرائن أنّ المراد من الكلمة معناها المجازي.
أو كان للكلمة معاني مجازية متعدِّدة، فنعيِّن المراد منها بالقرينة.
ونحن نعلم أن المعنى الحقيقي لكلمة المولى إنما هو الأوْلى في التّصرف، والمعاني الأُخرى تكون مجازية.
فمعنى وليّ النكاح = الأوْلى في أمر النكاح.
ووليّ المرأة زوجها = أي الأوْلى بها.
وولي الطفل أبوه = أي هو الأولى بالتصرف في شأن الطفل.
وولي العهد = هو المتصرف في شئون الدولة بعد الملك، أي في غيابه، وأكثر استعمال كلمة الولي جاء في هذا المعنى في اللغة العربية في الكتابات والخطابات.
ثم هذا الاشكال يردُ عليكم حيث إنّ لكلمة المولى معان متعددةٌ، فلماذا تخصِّصونها في معنى المحب والناصر وهذا تخصيصٌ بلا مخصِّص على حد زعمكم، فالتزامكم بهذا المعنى يكون باطلاً من غير دليل.
وأما نحن إذا خصَّصنا كلمة المولى بالمتصرَّف والأوْلى بالتّصرّف، فإنما خصصناها للقرائن الدالة على ذلك من الآيات والروايات وأقوال كبار علمائكم مثل سبط ابن الجوزي ومحمد بن طلحة الشافعي، كما مر.
وقد ذكروا في تفسير الآية الكريمة:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْکَ مِنْ رَبِّکَ ) أي في ولاية علي وإمامة أمير المؤمنين، وقد ذكر أحاديث كثيرة بهذا المعنى والتفسير، العلامة جلال الدين السيوطي في ذيل الآية الشريفة في تفسيره المشهور، الدرُّ المنثور في تفسير القرآن بالمأثور.
إحتجاج عليعليهالسلام بحديث الغدير
لقد ذكر المؤرخون والمحدّثون بأنّ الإمام عليعليهالسلام احتج على خصمائه بحديث الغدير في مواطن متعددة، يريد بذلك إثبات خلافته للنبيصلىاللهعليهوآله مباشرة، ويستدل به على إمامته على الأمة بعد رسول الله. فنفهم من احتجاجهعليهالسلام بجملة « من كنت مولاه فعلي
مولاه » أنّ المستفاد والمفهوم من المولى، الإمامة والخلافة وهي التصرّف في شئون الأمّة والدولة الإسلامية.
ذكر كثيرٌ من أعلامكم احتجاجهعليهالسلام بحديث الغدير في مجلس الشورى السداسي الذي شكَّله عمر بن الخطاب لتعيين خليفته وكان يريد باحتجاجه على القوم إثبات أوْلويته بمقام الخلافة والإمامة، وأنّه أوْلى من غيره بإمرة المؤمنين وإمامة المسلمين.
منهم: الخطيب الخوارزمي في كتابه المناقب: ص ٢١٧.
وشيخ الإسلام الحمويني في كتابه فرائد السمطين / باب ٥٨.
والحافظ ابن عقدة في كتابه الولاية.
وابن حاتم الدمشقي في كتابه الدرّ النظيم.
وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: ٦ ص ١٦٨، ط. دار إحياء التراث العربي.
وقد ناشدعليهالسلام مرةً أخرى أصحابَ رسول اللهصلىاللهعليهوآله في رحبة مسجد الكوفة فقال: أنشدكم الله! من سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه فليشهد!
فشهد قومٌ؛ وفي بعض الأخبار فشهد له ثلاثون نفراً من الصحابة، وفي رواية بضعة عشر رجلاً من الصحابة.
روى خبر مناشدته في الرحبة: أحمد بن حنبل في مسنده: ج ١ ص ١١٩ وج ٤ ص ٣٧٠.
وابن الأثير الجزري في أسد الغابة: ج ٣ ص ٣٠٧ وج ٥ ص ٢٠٥ و ٢٧٦.
وابن قتيبة في معارفه: ص ١٩٤.
والعلامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب.
وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٤ ص ٧٤ ط. إحياء التراث العربي.
والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء: ج ٥ ص ٢٦.
وابن حجر العسقلاني في الإصابة: ج ٢ ص ٤٠٨.
والمحب الطبري في ذخائر العقبي: ص ٦٧.
والنسائي في الخصائص: ص ٢٦.
والعلّامة السمهودي في جواهر العقدين.
وشمس الدين الجزري في أسنى المطالب: ص ٣.
والعلامة القندوزي الحنفي في ينابيع المودة / الباب ٤.
والحافظ ابن عقدة في كتابه الولاية أو الموالاة.
وغير هؤلاء الأعلام الأكابر رووا خبر احتجاج الإمام عليعليهالسلام - في رحبة مسجد الكوفة - بحديث الغدير وناشد الحاضرين قائلاً:
أنشدكم الله! مَنْ سمع منكم رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم الغدير يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، فليقمْ وَلْيشهد!
فقام ثلاثون رجلاً وشهدوا، وكان إثنا عشر نفراً منهم ممن حضر بدراً، كلّهم شهدوا لعليعليهالسلام وقالوا: نحن رأينا النبيصلىاللهعليهوآله يوم غدير خم وسمعناه يقول للناس: أتعلمون أنّي أَوْلى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم، قالصلىاللهعليهوآله : من كنت مولاه فعلي مولاه إلخ.
ولم يشهد بعضهم وكَتَم منهم أنس بن مالك وزيد بن أرقم. فدعا عليهما الإمام عليعليهالسلام فعمي زيد وأصيب أنس بالبرص في جبهته
بين عينه لأنّ علياًعليهالسلام قال: اللهم أرمه بيضاء لا تُواريها العمامة(١) .
____________________
١) لقد نقل كثير من أعلام أهل السنّة خبر دعاء الإمام عليعليهالسلام على مَنْ كَتَم شهادته لحديث الغدير ولأهميته ننقله بالنصوص التي ذكروها، منها: ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٤ ص ٧٤ ط. إحياء التراث العربي بيروت، تحت عنوان [ فصل في ذكر المنحرفين عن علي ] قال:
و ذكر جماعة من شيوخنا البغداديين أنّ عِدّةً من الصحابة و التابعين و المحدّثين كانوا منحرفين عن عليعليهالسلام قائلين فيه السوء و منهم من كَتَم مناقبه و أعان أعداءه ميلاً مع الدنيا و إيثاراً للعاجلة فمنهم أنس بن مالك.
ناشد عليعليهالسلام الناس في رحبة القصر - أو قال رحبة الجامع بالكوفة -: أيّكم سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: «من كنت مولاه فعلي مولاه»؟
فقام إثنا عشر رجلاً فشهدوا بها و أنس بن مالك في القوم لم يقم، فقال له: يا أنس ما يمنعك أن تقوم فتشهد و لقد حضرتَها! فقال: يا أمير المؤمنين كبرتُ و نسيتُ.
فقال: اللهم إن كان كاذباً فأرمِه بها بيضاء لا تواريها العمامة.
قال طلحة بن عمير: فو الله لقد رأيتُ الوَضَح به بعد ذلك أبيض بين عينيه. [ أي أصيب بالبرص ].
و روى عثمان بن مطرِّف أنّ رجلاً سأل أنس بن مالك في آخر عمره عن علي بن أبي طالب فقال: إنّي آليتُ ألّا أكتم حديثاً سُئلت عنه في عليٍّ بعد يوم الرحبة؛ ذاك رأسُ المتقين يوم القيامة سمعته و الله من نبيكم - وقال ابن أبي الحديد-:
روى أبو إسرائيل عن الحكَم عن أبي سليمان المؤذِّن أنَّ علياًعليهالسلام نَشَد الناس: مَن سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: « من كنت مولاه فعلي مولاه» فشهد له قوم و أمسَكَ زيد بن أرقم فلم يشهد و كان يعلمها فدعا عليعليهالسلام عليه بذهاب البصر فعمي، فكان يحدث الناس بالحديث بعد ما كُفَّ بصره. انتهى كلام ابن أبي الحديد. =
. . . . .
____________________
=أقول: وروى ابن الأثير في أُسد الغابة: ج ٣ ص ٣٢١ عن ابن عقدة بسنده عن هاني بن هاني عن أبي إسحاق أنه قال: حَدَّثني مَن لا أُحصي، أنّ علياً نَشد الناس في الرحبة: مَنْ سمع قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه اللهم وال مَن والاه و عاد مَن عاداه»؟
فقام نفرٌ فشهدوا أنّهم سمعوا ذلك من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكتم قومٌ، فما خرجوا من الدنيا حتى عموا وأصابتهم آفة.
منهم: يزيد بن وديعة، وعبد الرحمن بن مدلج.
روى هذا الخبر جمعٌ من أعلم القوم منهم:
الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: ج ٩ ص ١٠٤.
وابن كثير في تاريخه: ج ٥ ص ٢٠٩ وج ٧ ص ٣٤٧.
والموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب: ص ٩٤.
أقول: وروى احمد بن حنبل في مسنده: ج ١ ص ١١٩.
بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه: شهد علياً رضي الله عنه في الرحبة، قال أُنشد الله رجلاً سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله وشهده يوم غدير خم إلّا قام؟ ولا يقوم إلّا مَن قد رآه.
فقام إثنا عشر رجلاً فقالوا: قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول: اللهم وال مَن والاه، وعاد مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله، فقام إلّا ثلاثة لم يقوموا فدعا عليهم فأصابتهم دعوته.
وأخرج ابن كثير في تاريخه: ج ٥/٢١١ وج ٧/٣٤٦ من طريق أبي يعلى وأحمد بأسناديه ثم قال: وهكذا رواه أبو داود الطُهوي ورواه السيوطي في جمع الجوامع والمتقي في كنز العمال: ج ٦/٣٩٧ عن الدار قطني، ولفظه: خطب عليٌ فقال: أُنشد الله امرءً نشدة الاسلام سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم غدير خم أخذ بيدي =
. . . . .
____________________
= يقول: ألسْتُ أوْلى بكم يا معشر المسلمين من أنفسكم؟ قالوا بلى يا رسول الله! قال: مَن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال مَن والاه، وعاد مَن عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، إلّا قام فشهد؟ فقام بضعة عشر رجلاً فشهدوا، وكتم قومٌ فما فنوا من الدنيا إلّا عموا وبرصوا.
وأخرج الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء: ج ٥/٢٦: بسنده عن عُميرة بن سعد قال: شهدتُ علياًعليهالسلام على المنبر ناشداً أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله و فيهم أبو سعيد و أبو هريرة و أنس بن مالك و هم حول المنبر و عليٌعليهالسلام على المنبر و حول المنبر إثنا عشر رجلاً، هؤلاء منهم فقال عليٌعليهالسلام : نَشَدْتكم بالله هل سمعتم رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول من كنت مولاه فعلي مولاه؟ فقاموا كلهم فقالوا: اللهم نعم. و قعد رجلٌ. فقال: ما منعك أن تقوم؟ قال كبرْتُ و نسيتُ يا أمير المؤمنين: فقال: اللهم إن كان كاذبا فاضربه ببلاءٍ حسن. قال: فما مات حتّى رأيت بين عينيه نكتة بيضاء لا تواريها العمامة.
اعلم أيها القارىء الكريم أنّ مصادر العامّة في هذا الخبر وأمثاله أكثر مما ذكرت ولكن رعايةٌ للاختصار أعرضتُ عن ذكرها جميعاً.
وإنّي أتعجّب من هذا الأمر، فإنّ الاسلام يحكم لكلّ مدَّعٍ يستند بشاهدين لإثبات حقّه ومدَّعاه، والإمام عليٌعليهالسلام شهد له كما في بعض الروايات ثلاثون رجلاً، كما في رواية أحمد في مسنده: ج ٤/٣٧٠ وأخرجه الحافظ الهيثمي في مجمعه وصحَّحه، وأخرجه سبط بن الجوزي في التذكرة ص ١٧ والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص ٦٥ والسيرة الحلبية: ج ٣/٣٠٢.
وهو مع ذلك مغلوبٌ على أمره! وإلى اليوم لا يَعترف له كثيرٌ من المسلمين ويرفضون حقَّه الثابت في إمامته وفي خلافته لرسول اللهصلىاللهعليهوآله مباشرة من غير فصل فهو الخليفة الأول، ومَنْ تقدم عليه غاصب لحقه من غير شك وريب. =
فاحتجاج أمير المؤمنينعليهالسلام بحديث الغدير على خصومه لإثبات خلافته وإمامته على الأمة، هو اكبر دليل على أنّ المقصود من كلمة المولى في حديث النبيصلىاللهعليهوآله الأولوية والتصرّف في شئون الأمة والدولة الإسلامية.
____________________
= وأما الكلام في الروايات التي ذكرت عدد الشهود في مناشدة الامامعليهالسلام ، باختلافٍ في عددهم فأقول: ربما تكرّرت مناشدة الإمام عليعليهالسلام المسلمين في حديث الغدير لأهمّيته.
أو نقول: أنّ كلاً من الرواة ذكر مَن عرفه أو التفت إليه، أو أنّه ذكر من كان في جانبي المنبر أو مَن كان إلى جنبه ولم يلتفت إلى غيرهم كما نقل النّسائي في كتابه خصائص مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ٢٦/ طبع مطبعة التقدم بالقاهرة أخرج بسنده عن سعد بن وهب قال: قال علي كرم الله وجهه في الرحبة: أنشد بالله من سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم غدير خم يقول: إنّ الله ورسوله ولي المؤمنين ومن كنت وليه فهذا وليُّهُ، اللهم وال مَن والاه وعاد مَن عاداه وانصر مَن نصره.
قال: فقال سعيد: قام إلى جنبي ستّة، قال زيد بن منيع: قام عندي ستة. فالشاهد في الخبر والمقصود، العبارة الأخيرة، أو لحساسيّة الموقف وأهميّته وكثرة الحاضرين ذهل بعض عن بعض فنقَل كلُّ راوٍ من ضَبَطَه من الشهود، إلى غير ذلك من الاحتمالات.
وأوَدّ أنْ أُلفت نظر القاريء الكريم إلى هذا الأمر وهو: أن المناشدة كانت بعدما يقارب من خمسة وعشرين عاماً من يوم الغدير، وفي هذه المدّة كان كثير من الصحابة قد قضى نحبه وكثير منهم انتشروا في البلاد وكثير منهم يوم المناشدة في المدينة المنوّرة بعيدين عن الكوفة، ثم إنّ المناشدة كانت من ولائد الساعة بالاتفاق والصدفة من غير أيّة سابقة وإعلام وكان في الحاضرين من يكتم شهادته سفهاً أو بغضاً كما مرّت الروايات فيها، ومع ذلك شهد للإمام عليعليهالسلام جمٌّ غفير، فكيف ما لو لم تكن الموانع؟
«المترجم»
وهنا علا صوت المؤذن لصلاة العشاء وانقطع كلامنا.
القرينة الرابعة
وبعدما انتهى القوم من صلاة العشاء وشربوا الشاي وتناولوا الفاكهة، ابتدأتُ بالكلام فقلت:
وأما القرينة الأخرى التي تدلّ على أنّ معنى المولى في كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم الغدير هو الأوليّة في التّصرف في شئون الأمة والدولة، قولهصلىاللهعليهوآله : أَلستُ أولى بكم من أنفسكم؟، يشير صلوات الله وسلامه عليه إلى الآية الشريفة:( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) (١) .
فقال الحاضرون كلهم: بلى يا رسول الله! فقال حينئذٍ: من كنت مولاه فهذا عليٌ مولاه، فسياق الكلام واضح والمرام أوضح وهو تثبيت ولاية عليعليهالسلام وأنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أولى بهم.
الحافظ: لقد ذكر هذه الجملة بعض المحدثين وهم قليل فأكثر المحدثين وأعلامهم لم يذكروا بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: ألستُ أولى بكم من أنفسكم!
قلت: صحيح أنّ عبارات المحدثين وألفاظهم في نقل حديث الغدير وخطبة النبيصلىاللهعليهوآله في ذلك اليوم مختلفة، ولكنّ الذين ذكروا جملة: « ألستُ أولى بكم من أنفسكم » عن لسان رسول الله غير قليلين، إضافة إلى جمهور علماء الشيعة ومحدثيهم وإجماعهم على ذلك. وأما أعلامكم الذين ذكروا هذه الجملة من حديث النبيصلىاللهعليهوآله
____________________
١) سورة الأحزاب، الآية ٦.
وخطبته يوم الغدير فكثيرٌ منهم:
١- سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمّة: ص ١٨.
٢- أحمد بن حنبل في / المسند.
٣- ابن الصبّاغ المالكي في / الفصول المهمة.
٤- الحافظ أبو بكر البيهقي في / تاريخه.
٥- أبو الفتوح العجلي في / الموجز في فضائل الخلفاء الأربعة.
٦- الخطيب الخوارزمي في / المناقب / الفصل ١٤.
٧- والعلامة الكنجي الشافعي في / كفاية الطالب / الباب الأول.
٨- الحافظ الشيخ سليمان القندوزي في/ ينابيع المودة / الباب ٤.
نقله من مسند الإمام أحمد ومشكوة المصابيح وسنن ابن ماجة وحلية الأولياء للحافظ أبي نعيم ومناقب ابن المغازلي الشافعي وكتاب الموالات لابن عقدة، وكثير من أعلامكم غير من ذكرنا أسماءهم، كلهم ذكروا فيما رووا عن النبيصلىاللهعليهوآله يوم الغدير أنه قال: ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟
فقالوا: بلى! قال: من كنت مولاه فعلي مولاه الخ.
والآن لكي يتبرّك مجلسنا أنقلُ لكم نص ما رواه إمام أصحاب الحديث أحمد بن حنبل في مسنده ج ٤ ص ٢٨١.
أخرج بسنده عن البراء بن عازب قال: كنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله في سفره فنزلنا بغدير خم ونُودي فينا بالصلاة جامعة فصلّى الظهر وأخذ بيد عليٍّ فقال: ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أنّي أوْلى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: من كنتُ مولاه فعلي مولاه، اللهم وال مَن والاه، وعاد مَن
عاداه، فلقيَهُ عمر بن الخطاب بعد ذلك، فقال له: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحتَ وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
رواه المير علي الهمداني الشافعي في مودة القربى / المودّة الخامسة.
ورواه الحافظ القندوزي في ينابيع المودة / الباب الرابع.
ورواه الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء.
رووه مع اختلاف يسير في ألفاظه والمعنى واحد.
وروى ابن الصبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة عن الحافظ أبي الفتح ما نصه، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أيها الناس! إنّ الله تبارك وتعالى مولاي وأنا أوْلى بكم من أنفسكم، ألا ومَن كنت مولاه فعليٌ مولاه.
وروى ابن ماجة في سُننه والنسائي في خصائصه في باب / ذكر قول النبي: من كنت وليه فهذا وليه(١) .
أخرج بسنده عن زيد بن أرقم أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألستم تعلمون أنّي أوْلى بكل مؤمن من نفسه؟
قال: بلى نشهد، لأَنتَ أوْلى بكل مؤمن من نفسه.
قال: فإني مَن كنت مولاه فهذا مولاه، وأخذ بيد عليٍّعليهالسلام .
ونقل ابن حجر خطبة النبي في يوم الغدير وذكر فيها قول النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: أيها الناس! إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا مولاه - يعني علياً - اللهم وال من والاه وعاد من عاداه / الصواعق المحرقة ٢٥ / ط/ المطبعة
____________________
١) خصائص مولانا علي بن أبي طالبعليهالسلام : ص ٢٢ / ط مطبعة التقدم بالقاهرة.
«المترجم»
الميمنية بمصر.
وأخرج الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي المتوفّي ٤٦٣ هجرية في تاريخه: ج ٨ / ٢٩٠ / بسنده عن أبي هريرة أنه قال: من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً، وهو يوم غدير خم لمـّا أخذ النبيصلىاللهعليهوآله بيد علي بن أبي طالب فقال: ألستُ وليَّ المؤمنين؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه الخ(١) .
____________________
١) أرى نقل خبر أبي هريرة بكامله من تاريخ بغداد أتم للفائدة قال أبو هريرة بعد ذكره حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» : فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا بن أبي طالب: أصبحت مولاي ومولى كل مسلم.
فأنزل الله:( الْيَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِينَکُمْ ) الخ.
فيا ترى ما هذا الأمر الذي أكمل الله به الدين وأتمّ النعمة به على المسلمين، ومن يرفضه فانّ الله تعالى لا يقبل منه الاسلام ويحاسبه محاسبة الكفار والمنافقين؟
أليس ذلك ولاية علي بن أبي طالبعليهالسلام وإمامته التي نقول أنّها من أصول الدين؟ وهي التي سوف نُسأل عنها وتُسألون يوم القيامة، كما يُسأل عن التوحيد والنبوّة وسائر المعتقدات والفرائض.
وقد جاء في تفسير قوله تعالى:( وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) الصافات / ٢٤ / روى عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: أيْ مسئولون عن ولاية علي سلام الله عليه، كما رواه شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين. وابن حجر في الصواعق المحرقة: ص ٨٩ / ط المطبعة الميمنية بمصر والحضرمي في رشفة الصادي / ٢٤، والعلّامة الآلوسي في تفسيره روح المعاني روى عن ابن جبير وابن عباس وأبي سعيد الخدري قال: يُسْئلون عن ولاية علي كرّم الله وجهه وقال الآلوسي في تفسيره: ج ٢٣ / ٧٤ في تفسيره للآية الشريفة =
. . . . .
____________________
= وبعد أن عدَّ الاقوال فيها: وأولى هذه الأقوال أنّ السؤال عن العقائد والأعمال ورأس ذلك لا إله إلّا الله ومن أجَلّهِ ولاية عليٍّ كرّم اله وجهه.
والكشفي الترمذي في (مناقب مرتضوي) وأحمد بن حنبل في المسند عن أبي سعيد الخدري أنّه يُسئل في القيامة عن ولاية علي بن أبي طالب ورَوى الديلمي في الفردوس عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري قال في قوله تعالى: أي يُسئلون عن الإقرار بولاية علي بن أبي طالب.
وفي أرجح المطالب ص ٦٣: يُسئلون عن ولاية عليعليهالسلام .
والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء، روى بسنده عن الشعبي عن ابن عباس: أيْ يُسئلون عن ولاية علي بن أبي طالب.
وقال الحافظ الواحدي في تفسير السبط ونقل عنه ابن حجر في الصواعق المحرقة ٨٩/ في الفصل الأول / الآية الرابعة أنه قال: رُوي في قوله تعالى:( وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) أي عن ولاية علي و أهل البيتعليهمالسلام لأنّ الله تعالى أمَر نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يُعرّف الخلق أنّه لا يسألهم عن تبليغ الرسالة أجراً إلا المودّة في القربى و المعنى أنهم يُسألون: هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أم أضاعوها و أهملوها فتكون عليهم المطالبة و التبعة ؟ انتهى.
والفرقة بين المحبة والمودّة، أنّ المحبّة مكنونة في القلب والمودّة إظهار المحبّة المكنونة وذلك باطاعة المحب للمحبوب وزيارته والسعي في مسرّته وكسب مرضاته، وقد قيل:...
إن كان حبك صادقاً لأطعتَه |
إنّ المحب لمن يحب مطيع |
وروى الخطيب الخوارزمي الحنفي في المناقب / ٢٢٢ / ط ايران سنة ١٣١٢ هجرية وأخرجه أيضاً في كتابه مقتل الحسينعليهالسلام : ج ٢ / ٣٩ / ط النجف الأشرف سنة ١٣٦٧ هجرية بسند آخر عن الحسن البصري عن عبد الله قال: قال رسول الله : إذا =
. . . . .
____________________
= كان يوم القيامة يقعد علي بن أبي طالب على الفردوس و هو جبل قد علا على الجنة و فوقه عرش رب العالمين و من سفحه تنفجر أنهار الجنة و تتفرّق في الجنان و هو جالس على كرسي من نور تجري بين يديه التسنيم فلا يجوز أحدٌ على الصراط إلا و معه براءة بولايته و ولاية أهل بيته يُشرف فيُدخل محبّيه الجنة و مبغضيه النار.
ومن طريق البيهقي عن الحاكم النيسابوري بإسناده عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة و نصب الصراط على جسر جهنم لم يَجُزْها أحدٌ إلّا من كانت معه براءة بولاية علي بن أبي طالب ، وأخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة: ج ٢ /١٧٢.
فيا تُرى ما هذه الولاية التي لولاها لم يدخل احد الجنة ومن فقدها فمصيره جهنم وبئس المصير؟!
ثم اعلم أيها القاريء الكريم! لقد فَسَّر رسول اللهصلىاللهعليهوآله كلمة المولى وأوضح مراده وكشف مقصده حينما سُئل عن المعنى، ولفد أخرج القرشي علي بن حميد في شمس الأخبار /٣٨ نقلاً عن «سلوة العارفين» للموفّق بالله الحسين بن اسماعيل الجرجاني والد المرشد بالله، بإسناده عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه لما سُئل عن معنى قوله: مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه؟ قال: اللهُ مولاي أولى بي من نفسي لا أَمْرَ لي معه و أنا مولى المؤمنين أولى بهم من أنفسهم لا أمر لهم معي و من كنت مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معي فعليٌّ مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معه.
وقد ذكرنا أنّ ابن حجر نقل في صواعقه صفحة ٢٥ / خطبة النبيصلىاللهعليهوآله في غدير خم ومن جملة حديثه الشريف:
أيها الناس! إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فهذا «علي» مولاه الخ.
ولا يخفى عليك أهميّة فاء التفريع في قوله تعالى: - فمن كنت مولاه فهذا مولاه -. =
. . . . .
____________________
= فيكون معناه: أنه كلما يكون لي من الأولوية يكون لعليعليهالسلام .
وهناك بعض الأخبار التي ذكرها بعض أعلام السُنّة يصرّح فيها عمر بن الخطاب بأنّ علياًعليهالسلام كان أولى من غيره بهذا الأمر.
ذكر الراغب في محاضراته: ج ٧ / ٢١٣: عن ابن عباس، قال كنت أسير مع عمر بن الخطاب في ليلة و عمر على بغل و أنا على فرس، فقرأ آيةً فيها ذكر علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فقال: أما و اللّه يا بني عبد المطلب لقد كان عليٌ فيكم أولى بهذا الأمر منّي و من أبي بكر!! فقلت في نفسي لا أقالني اللّه إنْ أقلته.
فقلت: أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين؟ و أنت و صاحبك وثبتما و انتزعتم منّا الأمر دون الناس!
فقال إليكم يا بني عبد المطلب! أما إنّكم أصحاب عمر بن الخطاب، فتأخّرت و تقدَّم هنيئة، فقال: سِر.. لا سِرتَ، فقال: أعد عليَّ كلامك. فقلتُ: إنّما ذكرت شيئاً فرددتُ جوابه، و لو سكتَّ سكتنا. فقال: إنا و اللّه ما فعلنا ما فعلنا عداوة، و لكن استصغرناه و خشينا أن لا تجتمع عليه العرب و قريش لمـّا قد وَتَرَها!
قال : فأردتُ أنْ أقول: كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآله يبعثه في الكتيبة فينطح كبشها فلم يستصغره ، أفتستصغره أنت و صاحبك؟
فقال: لا جرم، فكيف ترى؟ و اللّه ما نقطع أمراً دونه، و لا نعمل شيئاً حتّى نستأذنه.
وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج ٦/٥٠ و٥١ / ط دار احياء التراث العربي بيروت:
يروي عن عمر بن شبّه بسنده عن ابن عباس أنه قال: قال لي - أي عمر بن الخطاب - يا ابن عباس أما و الله إنّ صاحبك هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا أنّا خفناه على اثنين.
قال ابن عباس: فجاء بكلام لم أجد بُدّاً من مسألته عنه. =
أظن أنه يكفي ما ذكرناهُ في خصوص قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « ألستُ أولى بكم من أنفسكم»؟ فلما أقرّوا له قال: من كنت مولاه فعليٌ مولاه، فهذه الجملة بعد ذلك الإقرار، دليلٌ واضح على أنّ المراد من المولى الأولوية الثابتة للنبيصلىاللهعليهوآله بنص القرآن الحكيم.
القرينة الخامسة
لقد أثبت المؤرخون وسَجَّل المحدِّثون أنّ حسان بن ثابت الأنصاري أنشأ أبياتاً في محضر رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم الغدير بعد أنْ نصَب علياً بالخلافة والإمامة وشرح ذلك الموقف الخطير في شعره الشهير بمناسبة الغدير.
فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما ذكر سبط ابن الجوزي وغيره: يا حسّان لا تزال مؤيَّداً بروح القدس ما نصرتنا أو نافحتَ عنّا بلسانك.
وقد ذكر ذلك كثيرٌ من أعلامكم منهم:
الحافظ ابن مردويه أحمد بن موسى المفسر والمحدّث الشهير في القرن الرابع الهجري المتوفي سنة ٣٥٢ في كتابه المناقب.
وصدر الأئمة الموفّق بن أحمد الخوارزمي وفي المناقب والفصل
____________________
= فقلت: ما هما يا أمير المؤمنين؟
قال: خفناه على حداثة سنّه و حبّه بني عبد المطلب!
كفى للمصنف هذه التصريحات في أولويّة الإمام عليعليهالسلام بالخلافة والإمامة على الأُمّة، وأنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
«المترجم»
الرابع من كتابه مقتل الحسينعليهالسلام .
وجلال الدين السيوطي في كتابه «رسالة الأزهار».
والحافظ أبو سعيد الخر گ وشي في «شرف المصطفى ».
والحافظ أبو الفتح النطنزي في الخصائص العلوية.
والحافظ جمال الدين الزرندي في نظم درر السمطين.
والحافظ أبو نعيم في ما نزل من القرآن في علي.
وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين / باب ١٢.
والحافظ أبو سعيد السجستاني في كتابه الولاية.
وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص /٢٠.
والعلّامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / الباب الأول.
وغير هؤلاء الأعلام من علماء العامة ومؤرّخيهم ذكروا عن أبي سعيد الخدري أنه قال: أنّ حسان بن ثابت قام بعدما فرغ رسول اللهصلىاللهعليهوآله من خطابه يوم الغدير، فقال: يا رسول الله! أتأذن لي أن أقول أبياتاً؟
فقال له النبيصلىاللهعليهوآله : قل على بركة الله تعالى.
فصعد على مرتفع من الأرض وارتجل بهذه الأبيات:
يناديهم يوم الغدير نبيُّهم |
بخمٍّ فاسمع بالرسول مناديا |
|
وقال فمن مولاكم و وليّكم؟ |
فقالوا: و لم يبدوا هناك التّعاميا |
|
إلهك مولانا و أنت وليُّنا |
ولم تلف منّا في ولاية عاصيا |
|
فقال له: قم يا عليُ فإنّني |
رضيتك من بعدي إماماً و هاديا |
|
من كنتُ مولاه فهذا وليّه |
فكونوا له أتباع صدق مواليا |
|
هناك دعا اللهم وال وليه |
و كن للذي عادى علياً معاديا |
فيتّضح لكلّ منصف من هذه الأبيات: أنّ الأصحاب والحاضرين في يوم الغدير فهموا من حديث النبيصلىاللهعليهوآله وخطابه وعمله أنّهصلىاللهعليهوآله نصب علياًعليهالسلام إماماً وخليفة على الناس، وأن رسول الله لم يقصد من كلمة المولى سوى الولاية الأولوية والتصرّف في شئون العامّة. فلذا صرَّح بذلك حسّان في شعره بمسمع منهصلىاللهعليهوآله ومرأىً:
فقال له قم يا علي فانّني |
رضيتك من بعدي إماماً و هاديا(١) |
____________________
١) نجد لغير حسان أيضاً من الصحابة أبياتاً تتضمّن هذا المعنى منهم الصحابي الجليل سيّد الخزرج قيس بن سعد الخزرجي الأنصاري، كما ذكر أبيات شعره سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة خواص الأمة / ٢٠/ فقال: إنّ قيس أنشدها بين يدي عليّعليهالسلام في صفين:
قلتُ لمـّا بغى العدوُّ علينا: |
حسبنا ربّنا ونعم الوكيل |
|
حسبنا ربنا الذي فتح البصر |
ة بالأمس والحديث طويل |
ويقول فيها:
وعلي إمامُنا وإمامٌ |
لسوانا أتى به التنزيلُ |
|
يوم قال النبي: من كنت مولا |
ه فهذا مولاه خطبٌ جليل |
|
إنما قاله النبيُ على الأمة |
حتمٌ ما فيه قالٌ وقيل |
ومنهم عمرو بن العاص مع ما كان يحمله من البغضاء والعداء على أمير المؤمنينعليهالسلام ، لكنه حينما تشاجر مع معاوية حول ولاية مصر وخراجه ردّ على كتاب معاوية بقصيدة معروفة بالجلجلية، ولكي تعرف مصادرها من كتب العامّة راجع كتاب الغدير للعلامة الكبير والحبر الخبير الأميني قدس سره: ج ٢ ص ١١٤ وما بعد. قال فيها:
نصرناك من جهلنا يا ابن هند |
على النبأ الأعظم الأفضل |
|
وحيث رفعناك فوق الرؤوس |
نزلنا إلى أسفل الأسفل |
=
. . . . .
____________________
=
وكم قد سمعنا من المصطفى |
وصايا مخصَّصةً في علي؟ |
|
وفي يوم «خمّ» رقى منبراً |
يُبلّغ والركبُ لم يرحَل |
|
وفي كفّهِ كَفّهُ معلناً |
يُنادي بأمر العزيز العلي |
|
ألستُ بكم منكم في النفوس |
بأولى؟ فقالوا: بلى فافعل |
|
فأنْحَلَه إمَرة المؤمنين |
مِن الله مُستخلفِ المنحل |
|
وقال: من كنت مولىً له |
فهذا له اليوم نِعَم الولي |
|
فوال مواليه يا ذا الجلال |
وعاد معادي أخ المرسَل |
|
ولا تَنْقُضوا العهد من عترتي |
فَقاطِعُهم بيَ لم يوصَل |
|
وقال وليكم فاحفظوه |
فمَدْخَلُه فيكم مُدْخلي |
|
فبخبخ شيخك لمـا رأى |
عُرى عَقْدِ حيْدَرَ لم تحلّل |
إلى آخر قصيدته التي يقول فيها مخاطباً لمعاوية:
فأنّك في إمرة المؤمنين |
ودعوى الخلافة في معزل |
|
وما لك فيها ولا ذرّة |
ولا لجدودك بالأوَّل |
|
فإنْ كان بينكم نسبةً |
فأين الحسام من المنجل؟! |
|
وأين الحصى من نجوم السما؟ |
وأين معاوية من علي؟! |
أيها القارئ الكريم فكر في معنى البيتين وأنصف!
فأنحله إمرة المؤمنين |
من الله مستخلف المنحل |
|
وقال وليكم فاحفظوه |
فمدخله فيكم مدخلي |
هكذا فهم عمرو بن العاص حديث النبي وخطابه في الغدير.
«المترجم»
ولو كان النبيصلىاللهعليهوآله يقصد غير ما قاله حسّان لأمر بتغير شعره ولكنّهصلىاللهعليهوآله أيّد شعر حسّان وقال له: لا تزال مؤيّداً بروح القدس. وفي بعض الأخبار: لقد نطق روح القدس على لسانك! وهذا البيت يؤيّد ويصدّق ما رواه الطبري في كتابه الولاية من خطبة النبيصلىاللهعليهوآله في يوم الغدير فقال فيما قالصلىاللهعليهوآله :
اسمعوا وأطيعوا فإنّ الله مولاكم وعليٌّ إمامكم ثم الإمامة في ولدي من صلبه إلى يوم القيامة.
معاشر الناس هذا أخي ووصيّي و واعي علمي وخليفتي على من آمن بي وعلى تفسير كتاب ربي.
الذين نقضوا العهد
على أيّ تقدير، سواءً تفسِّرون حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله بما نفسره نحن الشيعة، أو بتفسيركم أنتم بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله أراد من قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» أي المحب والناصر، فممّا لاشك فيه أنّ الأصحاب خالفوا علياًعليهالسلام بعد رسول الله في قضية الخلافة وخذلوه ولم ينصروه، فنقضوا العهد الذي أخذه منه نبيهم في الإمام عليعليهالسلام ، وهذا لا ينكره أحدٌ من أهل العلم والإطّلاع من الفريقين.
فعلى تقدير معنى المولى وتفسيره بالمحب والناصر، وأنّ النبي يوم الغدير أمر أصحابه أن يحبوا علياً وينصروه. فهل هجومهم على باب داره وإتيانهم النار، وتهديدهم بحرق الدّار ومَن فيها، وترويعهم أهل البيت الشريف، وإيذاؤهم فاطمة وأبناءها، وإخراجهم علياً من البيت
كُرْهاً مُصْلتين سيوفهم عليه، يهدّدونه بالقتل إنْ لم يبايع أبا بكر، وضَرْبهم حبيبة رسول الله وبضعته الزهراء حتّى أسقطوا جنينها المحسن!!
فهل هذه الجرائم والجنيات التي ارتكبها كثيرٌ من الصحابة كان امتثالاً لأمر النبيصلىاللهعليهوآله يوم الغدير؟! أم كان خلافاً له وهل كل ما فعلوه من حين السقيفة وبعدها إلى السيدة فاطمة الزهراءعليهالسلام ، يوافق ما فسّرتموه من معنى المولى؟ أم انبعثت وكشفت عن البغضاء والشحناء؟!
وهل هذه الأعمال الوحشية، كانت المودّة التي فرضها الله على المسلمين لقُربى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ ومَنْ أقرب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله من فاطمة؟!
والله سبحانه يقول:( قُلْ لاَ أَسْأَلُکُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) .
وأمرهم النبيصلىاللهعليهوآله بصلة أقربائه وأمرهم النبيصلىاللهعليهوآله أن يَصِلوا أقرباءه ولا يقطعوهم كما جاء في حلية الأولياء لأبي نعيم، وذَكره الحمويني أيضاً عن عكرمة عن ابن عباس كما نقله عنهما الحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودة / الباب الثالث والأربعون.
ونقله عن حلية الأولياء ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٩ / ١٧٠ / الخبر الثاني عشر / ط. دار إحياء التراث العربي:
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من سرَّه أن يحيا حياتي، و يموت مماتي، و يسكن جنّة عدن التي غرسها ربّي، فليوال علياً من بعدي و ليوال وليَّه و ليقتد بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي، خُلقوا من طينتي و رُزقوا فهماً
____________________
١) سورة الشورى، الآية ٢٣.
و علماً، فويل للمكذبين من أمتي القاطعين فيهم صِلَتي، لا أنالهمُ الله شفاعتي.
وكلهم عاهدوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله على مودّة أهل بيته ولكنهم نقضوا العهد، وكأنّهم ما سمعوا ولم يقرءوا كتاب الله العزيز حيث يقول:( وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الله مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولٰئِکَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (١) .
فاتركوا التعصب واتبعوا الحق تسعدوا!
الحافظ: لا نسمح لكم أن تنسبوا صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى نقض العهد والميثاق، وهم المجاهدون في سبيل الله والصابرون في سوح القتال والمتحمِّلون ضربات السيوف وطعنات الرماح!!
كيف تجيزون أنفسكم أن تنسبوا أولئك المؤمنين والمجاهدين إلى نقض العهد والميثاق؟!
إنّ تهجّمكم على الصحابة الكرام وتجرّاكم عليهم بنسبة ما لا يليق إليهم سببٌ لتكفيركم عند أكثر أهل السُنّة.
قلت: إنْ كان هذا الأمر سبب تكفيرنا، فالصحابة كلهم كافرون! وعلماؤكم وأعلامكم أكثرهم كافرون! لأنّنا ننقل عنهم، ولا نقول شيءً بغير دليل، وإنما دائماً نذكر مصادر ما نقوله فيهم من كتبكم ومسانيدكم وهذا واضح للحاضرين في ما تحدثنا وناقشناه في المجالس السالفة.
ولكننا نمتاز بأننا نضع النقاط على الحروف ونلفت أنظار المسلمين إلى أفعال الصحابة وأفعالهم، فنمدح محسنهم ونؤيّد حسناته ليرغب
____________________
١) سورة الرعد، الآية ٢٥.
المؤمنون بالتأسّي والاقتداء بهم، ويحبّونهم لحب الله وحبّ الخير والحق والاحسان.
ونقدح بالمسيء من الصحابة ونذمّهم لسيئاتهم ومنكراته وما عملوا من الباطل، حتّى يتبرّأ المؤمنون منهم، ويستنكروا أفعالهم المنافية للإيمان والوجدان وللسنّة والقرآن!! لكي لا يرتكبوها ولا يكرّروها بحجّة الاقتداء بالصحابة، فإنّ منهم الصاحون ومنهم الطالحون.
ملخص الكلام: نحن إنّما ننشر فضائل المحسنين وفضائح المسيئين من الصحابة، من باب نشر المعروف وإنكار المنكر، ولكي نعطي كل ذي حقٍّ حقّه.
فإنْ تنكرون علينا هذا الأمر وتكفِّرونا من أجله، فالأحرى أن تنكروا على صحابة الرسول وتكفّروهم حتى الشيخين! لأنهم كانوا ينتقدون بعضهم بعضاً ويطعن بعضهم في بعض وكانوا يتسابون ويتقاتلون!! وإنّ أحداث السقيفة وهجوم القوم على دار فاطمةعليهالسلام وأحداث قتل عثمان وحرب الجمل وصفّين أدلّ دليل على ذلك.
وأنتم إمّا تجهلون الحقائق أو تتجاهلون، أو أنّ محبّتكم للصحابة وصلت إلى حدّ المثل الشائع:
«حبُّ الشيء يعمي ويصم» ، لذلك حينما تسمع مني بأنّ الصحابة بعضهم نقضوا عهد الله وميثاقه الذي أخذه عليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله فتغضب وتتعصّب للصحابة وتنكر الخبر!! ومقتضى الحال أن تطالبني بالدليل قبل أنْ تغضب وتتعصب.
الحافظ: الآن أطالبك بدليلك، فأت به إن كنت من الصادقين!
أكثرهم نقضوا العهد
أولاً: ثبتَ عند كل عالم ذي وجدان وصاحب ضمير، أنّ النبيصلىاللهعليهوآله يوم الغدير أخذ العهد والميثاق من أصحابه على حب عليَّ ونصرته وموالاته وطاعته، فيا تُرى هل نصروه في أحداث السقيفة وما بعدها أم خذلوه؟ ونقضوا عهد الله وميثاقه الذي أخذه عليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الغدير وخالفوه؟!
ثانياً: قد صدر منهم في حياة النبيصلىاللهعليهوآله نَقْض العهد أيضاً، فإنهم بايعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعاهدوه على أن يقاتلوا دونه ولا يتركوه في المعركة ولا يولّوا الدّبر للأعداء، بل يقابلوهم وجهاً لوجه حتى ينالوا إحدى الحسنيين. ولقد حذَّرهم الله سبحانه من الفرار والهزيمة في القتال والجهاد فقال:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ کَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله وَ مَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ ) (١) .
وقد ذكر كثيرٌ من محدثيكم ومؤرخيكم أنّ كثيراً من الأصحاب انهزموا وفرّوا يوم حنين، وأجمعوا أنّ جُلهم فروا يوم أحد وفي خيبر ومنهم الشيخان وعثمان:
أخرج ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٥ / ٢٤ / طبع دار إحياء التراث العربي عن الواقدي قال: و كان ممن وَلّى عمر و عثمان و الحارث بن حاطب و ثعلبة بن حاطب و سواد بن غزية و سعد
____________________
١) سورة الأنفال، الآية ١٥ و ١٦.
بن عثمان و عقبة بن عثمان و خارجة بن عمر و لقيتهم أم أيمن تحثي في وجوههم التراب و تقول لبعضهم: هاك المِغزَل فاغزل به!!
و احتجّ مَن قال بفرار عمر بما رواه الواقدي في كتاب المغازي في قصة الحُديبية قال: قال عمر يومئذٍ: يا رسول الله، أ لم تكن حدّثتنا أنك ستدخل المسجدَ الحرام و تأخذ مفتاح الكعبة و تُعرِّف مع المعرّفين و هَدينا لم يَصلْ إلى البيت و لا نُحر؟!! فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أ قلْتُ لكم في سفركم هذا؟ قال عمر: لا.
قالصلىاللهعليهوآله : أما إنكم ستدخلونه و آخذُ مفتاح الكعبة و أحلق رأسي و رؤسكم ببطن مكة و أعرِّف مع المعرّفين، ثم أقبلصلىاللهعليهوآله على عمر و قال: أ نسيتم يوم اُحدُ( إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ) (١) و أنا أدعوكم في أُخراكم!
أ نسيتم يوم الأحزاب( إِذْ جَاءُوکُمْ مِنْ فَوْقِکُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْکُمْ وَ إِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا ) (٢) !
أ نسيتم يوم كذا! و جعلصلىاللهعليهوآله يذكِّرهم أموراً.
أ نسيتم يوم كذا!
فقال المسلمون صدق اللهُ وصدق رسولُه، أنتَ يا رسول الله أعلمُ بالله منا.
فلمّا دخل عام القضيّة و حلق رأسه قال: هذا الذي كنتُ وعدتُكم به، فلما كان يوم الفتح و أخذ مفتاح الكعبة قالصلىاللهعليهوآله : اُدعوا اليَّ عمر بن الخطاب، فجاء فقالصلىاللهعليهوآله : هذا الذي كنتُ قلتُ لكم.
قالوا: فلو لم يكن فرَّ يومَ أُحُد لما قالصلىاللهعليهوآله له: أ نسيتم يوم أُحُد
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ١٥٣.
٢) سورة الأحزاب، الآية ١٠.
( إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاَ تَلْوُونَ ) (١) .
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ١٥٣.
قال الله سبحانه في سورة التوبة الآية ٢٥:( وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْکُمْ کَثْرَتُکُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْکُمْ شَيْئاً وَ ضَاقَتْ عَلَيْکُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ) .
فيا ترى من هؤلاء الذين ولّو مدبرين؟
أخرج البخاري في: ج ٣ / ٦٧ / طبع عيسى البابي الحلبي بمصر:
عن أبي محمد مولى أبي قتادة قال: لما كان يوم حنين نظرتُ إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين، وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعتُ إلى الذي يختله فرفع يده ليضربني وأضرب يده فقطعتها وانهمزمت معهم فإذا بعمر بن الخطّاب في الناس! فقلت له: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله
وقال سبحانه وتعالى:( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْکُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا کَسَبُوا ) آل عمران / ١٥٥.
اتفق المفسرون أنّ الآية تشير إلى الفارّين يوم أحد وكان منهم عمر وعثمان.
ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ١٥ / ٢٠ / طبعة دار إحياء التراث العربي عن الواقدي قال: و بايعه يومئذ على الموت ثمانية: ثلاثة من المهاجرين ، و خمسة من الأنصار ، فأمّا المهاجرون فعليّعليهالسلام و طلحة و زبير؛ و أمّا الأنصار فأبو دجانة و الحارثُ بن الصمّة و الحُباب بن المنذر و عاصم بن ثابت و سهلُ بن حُنيف، و لم يُقتل منهم ذلك اليوم أحد و أمّا باقي المسلمين ففرّوا و رسول اللهصلىاللهعليهوآله يدعوهم في أخراهم.
قال ابن أبي الحديد: قلت قد اختلف في عمر بن الخطاب هل ثبت يومئذٍ أم لا ؟ مع اتفاق الرواة كافّة على أنّ عثمان لم يثبت، فالواقدي ذكر أنّه [ أي عمر ] لم يثبت الخ.
وقال الفخر الرازي في مفاتيح الغيب: ج ٩ / ٥٢: ومن المنهزمين: عمر، إلا أنّه لم يكن في أوائل المنهزمين ومنهم عثمان انهزم مع رجلين من الأنصار يقال =
. . . . .
____________________
= لهما: سعد وعقبة انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام!
وقال الآلوسي في تفسيره روح المعاني: ج ٤ / ٩٩: فقد ذكر أبو القاسم البلخي أنّه لم يبق مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم أُحدُ إلا ثلاثة عشر نفساً، خمسة من المهاجرين: أبو بكر وعليٌّ وطلحة وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص، والباقون من الأنصار وأمّا سائر المنهزمين فقد اجتمعوا على الجبل، وعمر بن الخطاب (رض) كان من هذا االصنف كما في خبر ابن جرير.
وقال النيسابوري في تفسيره غرائب القرآن: ج ٤ /١١٢ - ١١٣ بهامش تفسير الطبري الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أنّ نفراً قليلاً تولّوا، وابعدوا فمنهم مَن دخل المدينة ومنهم مَن ذهب إلى سائر الجوانب ومن المنهزمين عمر.
وقال السيوطي في تفسيره الدرُّ المنثور: ج ٢/ ٨٨ - ٨٩: قال: [ أي عمر ]: لما كان يوم أحد هزمناهم، فَفَرَرْتُ حتى صَعْدتُ الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى.
ثم قال السيوطي: أخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كان الذين ولوا الدبر يومئذ: عثمان بن عفّان وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان من الأنصار من بني زريق.
أقول: وأخرجه الطبري أيضاً في تفسيره جامع البيان: ج ٤/ ٩٥ - ٩٦.
قال الزمخشري: استزلّهم، طلب منهم الزلل، ودعاهم إليه ببعض ما كسبوا من ذنوبهم.
فمعناه الذين فرّوا يوم أحد إنما أطاعوا الشيطان إذ دعاهم إلى نفسه بالفرار من الجهاد في سبيل الله، ففرّوا من الله سبحانه إلى حيث أمرهم الشيطان!!
وقال السيوطي في الدر المنثور: ج ٢ / ٨٨ - ٨٩: عن سعيد بن جبير: إن الذين تولّوا منكم، يعني: انصرفوا عن القتال منهزمين يوم التقى الجمعان، يوم أحد حين التقى جمع المسلمين وجمع المشركين، فانهزم المسلمون عن النبي (صلى الله عليه =
. . . . .
____________________
= [و آله] و سلّم ) وبقي في ثمانية عشر رجلاً، إنّما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا، يعني: تركوا المركز.
أقول: وقد اشتهر بين المحدثين والمؤرخين فرار الشيخين في أحد، فكما قرأت أقوالهم عن فرار عمر وعثمان هلمّ معي إلى ما نقلوه عن أبي بكر.
قال المتقي الهندي في كنز العمال: ج ٥ / ٢٧٤: عن عائشة قالت: كان أبو بكر اذا ذكر اُحُد بكى - إلى أن قالت - ثم أَنشأَ - يُحدِّث، قال: كنت أوّل مَن فاء يوم أُحد (الحديث).
أقول: الفئ الرجوع، ومع الواضح أنه لا رجوع الّا بعد الهزيمة والفرار.
قال في كنز العمال: أخرجه الطيالسي وابن سعد وابن السني والشاشي والبزّار والطبراني في الأوسط وابن حبّان والدار قطني في الإفراد و أبو نعيم في المعرفة وابن عساكر والضياء المقدسي، انتهى.
أقول: ونقل كثير من أعلام السنة روايات في فرار أبي بكر وعمر يوم خيبر، فقد أخرج علي بن أبي بكر الهيثمي في مجمع الزوائد: ج ٩/ ١٢٤ / عن ابن عباس أنه قال: بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى خيبر ، أحسبه قال: أبا بكر، فرجع منهزماً و من معه، فلما كان من الغد بعث عمر فرجع منهزماً يُجِبّنُ أصحابه و يجبّنهُ أصحابه الخ.
و في كنز العمال: ج٦/٣٩٤/ أخرج بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعث أبابكر - يعني يوم خيبر - فسار بالناس، فانهزم حتي رجع عليه و بعث عمر فانهزم بالناس، حتى انتهى إليه الخ. قال في كنز العمال: أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وابن ماجه والبزار وابن جرير وصححه والطبراني في الأوسط والحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل والضياء المقدسي. =
. . . . .
____________________
= وفي مستدرك الصحيحين: ج ٣ / ٣٨: روى بسنده عن جابر أنّ النبيصلىاللهعليهوآله دفع الراية يوم خيبر إلى عمر فانطلق فرجع يُجبِّنُ أصحابه ويُجبِّنونَه، قال هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
أقول: لقد أفتى كثير من العلماء وفقهاء الفريقين، أنّ الفرار من الزحف، من الذنوب الكبيرة التي لا كفّارة لها. كالشرك. مستندين إلى ما رواه المحدثون: « خمسٌ ليس لهنّ كفّارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق - إلى أن قال - والفرار من الزحف. أخرجه المناوي في فيض القدير: ج ٣ ص ٤٥٨ في شرح الجامع الصغير للسيوطي.
قال: أخرجه أحمد بن حنبل في المسند و أبو الشيخ في التوبيخ عن أبي هريرة (وقال في الشرح) ورواه عنه الديلمي.
أقول: أيها القارئ الكريم بالله عليك! أنصف!! أين هؤلاء الفارون من حيدرة الكرّار؟! الذي روى في حقه ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ١٤ ص ٢٥٠ - ٢٥١ / طبع دار إحياء التراث العربي قال:
وسُمع ذلك اليوم - أي يوم أحد - صوتٌ من قِبَل السماء لا يرى شخص الصارخ به ينادي مراراً:
لا سيف إلّا ذو الفقار |
ولا فتى إلّا علي |
فسُئل عنه رسول اللهصلىاللهعليهوآله عنه، فقال: هذا جبرائيل.
وبعد نقله الخبر قال ابن أبي الحديد: و قد روى هذا الخبر جماعة من المحدِّثين و هو من الأخبار المشهورة و وقفت عليه في بعض نسخ مغازي محمد بن إسحاق، و سألت شيخي عبد الوهاب بن سكينة عن هذا الخبر فقال: خبر صحيح، فقلت : فما بالُ الصحاح لم تشتمل عليه؟ قال: أو كلّ ما كان صحيحاً تشتملُ عليه كتب الصحاح؟ كم قد أهمل جامعوا الصحاح من الأخبار الصحيحة! =
هذا الخبر حينما ينقله ابن أبي الحديد وغيره فلا بأس عليه، ولكن نحن الشيعة إذا نقلناه، فأنتم علماء العامّة تتعصّبون وتتهجّمون علينا وتحرّكون الجهلة والعوام وتقولون بأنّ الرافضة يهينون الصحابة وينالون من الشيخين!! هذا لأنكم تسيئون بنا الظنون وعلى حدّ قول الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة |
ولكنّ عين السخط تُبدي المساويا |
ولذلك فلنا معكم موقف عسير في يوم القيامة إذا شكوناكم إلى الله العدل الحكيم ليحكم بيننا ويأخذ منكم حقّنا ويعاقبكم على ظلمكم إذ تفتون علينا بالكفر! وتؤيِّدون الذين ظلموا، ومن رضي بعمل قومٍ حُشر معهم،( وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) (١) .
الحافظ: نحن ما ظلمناكم ولا نؤيد الظالمين، وهذا افتراء علينا.
قلت: الظلم الذي جرى علينا كثير، ولو تغاضينا وعفونا عن بعضها فلا نعفو عن هجومهم على بيت أمّي فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، وإيذائها وغصبهم حقها، فإنّي من ذراريها ويحقّ لي أن أقيم الدعوى
____________________
=أقول: وأما فتح خيبر على يد الإمام عليعليهالسلام فهو «نار على عَلَم» وليس له منكرٌ في العالمين.
فأين هذا المجاهد الفاتح والصابر الناجح عن أولئك المنهزمين الجبناء.
فإن يكُ بينهما نسبة فأين الحسام من المنجَل؟
وأين الحصى من نجوم السماء؟ وأين أولئكمُ من عليعليهالسلام ؟
«المترجم»
١) سورة الشعراء، الآية ٢٢٧.
على مَن ظلمها وضربها وأسقطَ جنينها واغتصب فدكها!!
الحافظ: نحن ما كنّا في ذلك الزمان حتّى نعرف الحقائق وهذه الدعاوى تحتاج إلى الإثبات.
قلت: نعم نحن ما كنّا في ذلك الزمان، ولكن الروايات والأحاديث التي نقلها المؤرخون والمحدثون تكون بمثابة شهود القضية والواقعة، لا سيما إذا كان الرواة والمؤرخون من أعلامكم.
فدك وما يدور حولها
فدك وعوالي سبع قرى زراعيّة حوالي المدينة المنورة كانت تمتد من سفح الجبال إلى سيف البحر ومن العريش إلى دومة الجندل.
قال ياقوت الحموي صاحب معجم البلدان في كتابه الآخر فتوح البلدان: ج ٦/٣٤٣.
واحمد البلاذري في تاريخه.
وابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ١٦ / ٢١٠ / واللفظ للأخير: عن كتاب السقيفة وفدك لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري بسنده عن الزهري قال: بقيتْ بقيّة من أهل خيبر تحصّنوا فسألوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنْ يحقنَ دماءهم و يُسيِّرهم، ففعل، فسمع ذلك أهلُ فدك فنزلوا على مثل ذلك، و كانت للنبيصلىاللهعليهوآله خاصَّة، لأنّه لم يُوجف عليها بخيلٍ و لا ركاب.
قال أبو بكر: و رَوى محمد بن إسحاق أيضاً، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لمـّا فرغ من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك، فبعثوا إلى
رسول اللهصلىاللهعليهوآله فصالحوه على النصف من فدك، فقدِمَت عليه رسلُهم بخيبر أو بالطريق، أو بعد ما أقام بالمدينة فقَبِل ذلك منهم، و كانت فدك لرسول اللهصلىاللهعليهوآله خالصةً له، لأنّه لم يوجف عليها بخيلٍ و لا ركاب. قال: و قد روى أنّه صالحهم عليها كلها، الله أعلم أيّ الأمرين كان! انتهى كلام الجواهري.
وما نقله الطبري في تاريخه قريب من كلام الجوهري بل كلام كل المؤرخين والمحدثين عن فدك يقارب كلام الجوهري.
فدك حق فاطمةعليهاالسلام
بعدما رجع النبيصلىاللهعليهوآله إلى المدينة المنوّرة نزل جبرئيل من عند الرب الجليل بالآية الكريمة:( وَ آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَ الْمِسْکِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ لاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) (١) .
فانشغل فكر النبي بذي القربى، مَن هم؟ وما حقهم؟ فنزل جبرائيل ثانياً عليهصلىاللهعليهوآله وقال: إنّ الله سبحانه يأمرك أن تعطي فدكاً لفاطمةعليهالسلام فطلب النبيصلىاللهعليهوآله ابنته فاطمةعليهالسلام وقال: إنّ الله تعالى أمرني أنْ أدفع إليك فدكاً، فمنحها وتَصرَّفَتْ هي فيها وأَخذت حاصلها فكانت تُنفقها على المساكين.
الحافظ: هل هذا الحديث في تفسير الآية الكريمة موجودٌ في كتب علمائنا أيضاً؟ أم يخصّ تفاسيركم؟
قلت: لقد صرّح بهذا التفسير كبار مفسريكم وأعلامكم منهم:
____________________
١) سورة الاسراء، الآية ٢٦.
الثعلبي في تفسير كشف البيان، وجلال الدين السيوطي في الدرّ المنثور: ج ٤ رواه عن الحافظ ابن مردويه أحمد بن موسى المتوفى عام ٣٥٢، وأبو القاسم الحاكم الحسكاني والمتقي الهندي في كنز العمّال وابن كثير الدّمشقي الفقيه الشافعي في تاريخه والشيخ سليمان الحنفي في ينابيع المودة / باب ٣٩ نقلاً عن الثعلبي وعن جمع الفوائد وعيون الأخبار أنّه لما نزلت:( وَ آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) دَعَا النبيصلىاللهعليهوآله فاطمة فأعطاها فدك الكبير.
فكانت فدك في يد فاطمةعليهالسلام يَعمل عليها عُمّالها، ويأتون إليها بحاصلها في حياة النبيصلىاللهعليهوآله وهي كانت تتصرّف فيها كيفما شاءت، تنفق على نفسها وعيالها أو تتصدق بها على الفقراء والمعوزين.
ولكن بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله أرسل أبو بكر جماعة فأخرجوا عمّال فاطمة من فدك وغصبوها وتصرّفوا فيها تصرّفاً عدوانياً!
الحافظ: حاشا أبو بكر أن يتصرّف في ملك فاطمة تصرّفاً عدوانياً، وإنما كان سمع من النبيصلىاللهعليهوآله قوله: « نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة ». وقد استند إلى هذا الحديث الشريف وأخذ فدك.
هل الأنبياء لا يورّثون؟
قلت: أولاً : نحن نقول: بأنّ فدك كانت نحلة وهبة من النبيصلىاللهعليهوآله لفاطمةعليهالسلام وهي استلمتها وتصرَّفَتْ فيها فهيعليهالسلام كانت متصرّفة في فدك حين أخذها أبو بكر. وما كانت إرثاً.
ثانياً: الحديث الذي استند عليه أبو بكر مردود غير مقبول لأنه حديث موضوع لوجود اشكالات فيه.
الحافظ: ما هي اشكالاتكم؟ ولماذا يكون مردوداً؟
قلت: أولاً: واضع الحديث عندما وضع على لسانه بأنهصلىاللهعليهوآله قال: « نحن معاشر الأنبياء لا نورث» قد غفل عن آيات المواريث التي جاءت في القرآن الحكيم، في توريث الأنبياء، ولو كان يقول: سمعت النبيصلىاللهعليهوآله يقول: أنا لا أورِّث لكان له مخلصٌ من آيات توريث الأنبياء في القرآن فالصيغة الأولى: نحن معاشر الأنبياء لا نورث تعارض نصّ القرآن الحكيم، فتكذيب أبا بكر وردّه أولى من نسبة النبيصلىاللهعليهوآله إلى ما يخالف كتاب الله عزّ وجلّ.
كما أنّ فاطمة الزهراءعليهالسلام أيضاً احتجّت على أبي بكر وردّته وردّت حديثه بالاستناد إلى القرآن الحكيم فإنه أقوى حجة وأدلّ دليل واكبر برهان.
استدلال الزهراءعليهاالسلام وخطبتها
نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ٦ /٢١١ / طبع دار إحياء التراث العربي، عن أبي بكر الجوهري بإسناده عن طرق مختلفة تنتهي إلى زينب الكبرى بنت فاطمة الزهراءعليهالسلام وإلى الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيهعليهالسلام وإلى الإمام الباقر بن جعفر - محمد بن علي -عليهالسلام وإلى عبد الله بن الحسن المثنى بن الامام الحسن السبطعليهالسلام قالوا جميعاً: لمـّا بلغ فاطمةَعليهالسلام إجماعُ أبي بكر على منعها فدكاً، لاثت خمارَها، و أقبلت في لُمّةٍ من حَفَدَتِها و نساءِ قومها تطأ في ذيولها،
ما تخرم مِشيتها مِشيّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، حتى دخلت على أبي بكر و قد حَشد الناس من المهاجرين و الأنصار، فضُرب بينها و بينهم ريطةً بيضاء - و قال بعضهم: قِبطيّة، و قالوا قُبْطية بالكسر و الضم - ثمّ أنتْ أنَّةً أجهشَ لها القوم بالبكاء ثمّ أمهلت طويلاً حتى سَكَنوا من فَوْرَتهم، ثم قالت: ابتدىءُ بحمد مَنْ هو أوْلى بالحمد و الطَّوْلِ و المـْجد، الحمد لله على ما أنعَم و له الشكر بما ألهَم.
و ذكر خطبةً طويلةً جيدةً قالت في آخرها: فاتّقوا الله حقَّ تُقاته، و أطيعوه فيما أمركم به، فإنّما يخشَى الله من عباده العلماءُ، و احمدوا اللهَ الذي لعَظَمته ونوره يبتغي مَن في السمواتِ والأرض إليه الوسيلة.ونحن وسيلتُه في خلقه، و نحن خاصّته و محل قدسه، و نحن حجّته في غيبه، و نحن ورثة أنبيائه.
ثم قالت: أنا فاطمة اِبنة محمد، أقول عَوْداً على بدء، و ما أقول ذلك سَرَفاً و لا شَطَطاً، فاسمعوا باسماعٍ واعية و قلوب راعيةَ! ثمّ قالت:( لَقَدْ جَاءَکُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِکُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْکُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (١) فاِنْ تعزوهُ ابي دون آبائكم و أخا ابن عمي دون رجالكم ثم ذكرت كلاماً طويلاً تقول في آخره: ثم أنتم تزعمون انْ لا إرث لي!
( أَ فَحُکْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُکْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (٢) ؟ إيهاً معاشر المسلمين! أُبتزُّ ارث أبي!
يا بن أبي قحافة! أفي كتاب اللهُ أنْ ترث أباك و لا أَرث أبي!! لقد جئت شيئاً فريّا!! إلى آخر خطبتها(٣) .
____________________
١) سورة التوبة، الآية ١٢٨.
٢) سورة المائدة، الآية ٥٠.
٣)أقول: وروى ابن أبي الحديد هذه الخطبة عن طريق عروة عن عائشة، في شرح =
وجاء في بعض الروايات كما في كتاب السقيفة وفدك لأبي بكر الجوهري وغيره، أنها قالت في خطبتها:
أَفَعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم!
إذ يقول الله جلّ ثناؤه:( وَ وَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) (١) .
واختص من خبر يحيى وزكريّا إذ قال:( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْکَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً ) (٢) .
وقال تبارك وتعالى:( يُوصِيکُمُ الله فِي أَوْلاَدِکُمْ لِلذَّکَرِ مِثْلُ حَظِّ
____________________
= النهج ١٦/٢٥١ لا / طبع دار إحياء التراث العربي، فقد روت عائشة خطبة فاطمة مشابهة لما مرّ وفيها قالت فاطمة: حتّى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ظهرت حسيكةُ النّفاق و شَمل جلباب الدين و نطق كاظم الغاوين أطلع الشيطان رأسه صارخاً بكم فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين و لقربه متلاحظين ثم استنهضكم فوجدكم خِفافاً و أحمشكم فألفاكم غضاباً فوسمتُم غير إبلكم و وردتم غير شِربْكم هذا و العهد قريب و الكلم رحيب و الجرح لمـّا يندمل إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة( أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْکَافِرِينَ ) فهيهات! و أنّى بكم و أنّى تؤفَكون!! و كتاب الله بين أظهركم زواجرُه بَيّنة و شواهدُهُ لائحة و أوامره واضحة أَرَغْبَةً عنه تريدون أم لغيره تحكمون؟ بئس للظالمين بَدَلا !( وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ثم لم تلبثوا إلّا رَيثَ أنْ تسكن نفرتْها تُسرّونَ حسواً في ارتغاء و نحن نصبر منكم على مثل حزّ المـُدى و أنتم الآن تزعمون أنْ لا اِرث لنا،( أَ فَحُکْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُکْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ )
يا ابن أبي قحافة! أ تَرثُ أباك و لا أرثُ أبي؟ لقد جئت شيئاً فريّا! فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنِعمَ الحكم الله و الزعيمُ محمد و الموعد القيامة و عند الساعة يخسر المبطلون إلى آخر الخبر.
«المترجم»
١) سورة النمل، الآية ١٦.
٢) سورة مريم، الآية ٦.
الْأُنْثَيَيْنِ ) (١) .
فزعمتم أنْ لا حظَّ لي و لا إرث لي من أبي!
أَفَحكم اللهُ بآيةٍ أخرجَ منها أبي؟!
أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثان؟ أَوَلستُ أنا و أبي من أهل ملّة واحدة؟!
أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبيصلىاللهعليهوآله ؟
( أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (٢) - انتهى كلام الجوهري -.
احتجاج عليعليهالسلام في فدك
رَوى المحدثون أنّ علياًعليهالسلام جاء إلى أبي بكر وهو في المسجد، و حوله حشد من المهاجرين و الأنصار. فقالعليهالسلام : يا أبا بكر لِمَ منعتَ فاطمة نحْلَتها من رسول اللّهصلىاللهعليهوآله وقد مَلَكَتْها في حياته؟!
فقال أبو بكر: فدك فيءٌ للمسلمين، فإنْ أقامت شهوداً أنّ رسول الله أنحلَها فلها و إلّا فليست حق فيها.
قال عليعليهالسلام : يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى؟
قال: لا.
قالعليهالسلام : فإنْ كان في يد المسلمين شيءٌ يملكونه، فادّعيتُ أنا فيه، مَن تسئل البينة؟
قال: إيّاك أسأل.
قالعليهالسلام : فما بال فاطمة سألتها البيّنة منها على ما في يديها!
____________________
١) سورة النساء، الآية ١١.
٢) سورة المائدة، الآية ٥٠.
وقد ملكته في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبعده.
فسكت أبو بكر هُنيهة، ثم قال: يا علي! دعنا من كلامك، فإنا لا نقوى على حجّتك، فإنْ أتيت بشهودٍ عدول، وإلّا فهي فيء للمسلمين، لا حق لك ولا لفاطمة فيها!!
فقال عليعليهالسلام : يا أبا بكر تقرأ كتاب الله! قال: نعم، قالعليهالسلام : أخبرني عن قول الله سبحانه:( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَکُمْ تَطْهِيراً ) (١) فيمن نزلت؟ فينا أو في غيرنا؟
قال: بل فيكم! قالعليهالسلام : فلو أنّ شهودا شهدوا على فاطمة بنت رسول اللهعليهاالسلام بفاحشة - والعياذ بالله - ما كنت صانعاً بها؟
قال: أقمتُ عليها الحدّ كما أقيم على نساء المسلمين!!
قالعليهالسلام : كُنْتَ إذاً عند الله من الكافرين!
قال: ولِمَ؟ قال: لأنك رَدَدْتَ شهادة اللّه بطهارتها و قَبِلْتَ شهادة الناس عليها!
كما رددت حكم الله وحكم رسوله أنْ جعلَ لها فدك وزعمت أنّها فيءٌ للمسلمين، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : البيّنة على المدَّعي، واليمين على من ادُّعي عليه.
فدمدم الناس وأنكروا على أبي بكر، وقالوا: صدق - والله - عليٌ.
ردّ الخليفة على فاطمة وعليٍّعليهماالسلام
نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج: ١٦/ ٢١٤ - ٢١٥/ ط دار إحياء التراث العربي عن أبي بكر الجوهري بإسناده إلى جعفر بن
____________________
١) سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
محمد بن عمارة قال: فلما سمع أبو بكر خطبتها شق عليه مقالتها فصعد المنبر و قال: أيّها الناس! ما هذه الرِّعة إلى كل قالة!
أين كانت هذه الأمانيّ في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟! ألا مَنْ سَمع فليقُل! و من شهد فليتكلّم! إنّما هو ثعالة، شهيدُهُ ذَنَبُه، مُرِبٌّ لكلّ فتنة، هو الذي يقول: كرّوها جذعة بعد ما هرمت، يستعينون بالضعفة، و يستنصرون بالنساء، كأمّ طحال أحبّ أهلها إليها البغيّ، ألا إنّي لو أشاء أن أقول لقلتُ و لو قلتُ لَبُحْتُ، إنّي ساكتٌ ما ترُكت.
ثمّ التفتَ إلى الأنصار فقال: قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم، و أحق من لزم عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنتم! فقد جاءكم فآويتم و نَصرتم، ألا إنّي لستُ باسطاً يداً و لا لساناً على مَن لم يستحق ذلك منّا.
ثم نزل فانصرفت فاطمةعليهالسلام إلى منزلها.
بالله عليكم أنصفوا!!!
أيليق هذا الكلام البذيء والبيان الرديء لمدَّعي خلافة النبيصلىاللهعليهوآله ؟! أيجوز لشيخ كان صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يمثل بنت رسول الله وبضعة لحمه، بالثعلب أو بأمّ طحال الفاجرة؟!
ويمثّل الإمام عليعليهالسلام بذنب الثعلب وهو الذي عظم الله قدره وأكبر شأنه في كتابه وجعله نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله في آية المباهلة بلا منكر!!
الى متى تغمضون أعينكم وتصمّون آذانكم وتختمون على قلوبكم بالتغافل والتّعصب؟! فتنكرون ضوء الشمس في الضحى وتعيشون الجهل والعمى!!
أفتحوا أعينكم وآذانكم وقلوبكم، واخرجوا عن الغفلة والتعصب، وادخلوا مدينة العلم والحكمة من بابها التي فتحها النبيصلىاللهعليهوآله واعرفوا الحق وتمسكوا به وكونوا احراراً في دينكم و دنياكم!
أيها الحافظ: فلو أنّ قائلاً في هذا المجلس يقول بأنّ الحافظ كالثعلب والشيخ عبد السلام ذَنَبه، ويقول: أنّ زوجة الحافظ تكون مثل فلانة الفاجرة!!
ما كُنْتُ تَصنعُ به؟ أ كنتَ تسكت على تجاسر؟ أم تقول: إنّ كلامه ليس بتجاسر؟!
حتماً تحسب كلام القائل بالنسبة اليك سبّاً صريحاً وشتماً وقيحاً، يستحقّ أن تردّه بأخشن جواب! وربما أمرتَ أتباعك ومحبيك بضربه وتأديبه وتعذيبه وتأنيبه، والكل يعطونك الحق في ذلك، إذاً.. كيف تريدون منّا أن نصبر على تجاسر أبي بكر وسبه وشتمه لأبينا أمير المؤمنين وجدّتنا فاطمةعليهماالسلام ؟ كيف نتحمل من أبي بكر وهو يدَّعي خلافة جدّنا النبي فيصعد منبره ويعبّر بتلك التعابير الركيكة عن جدّتنا الزهراء وأبينا أمير المؤمنين، فيشتمهم ذلك الشتم القبيح ويسبّهم السباب الوقيح، ملوّحاً أو مصرّحاً؟!
استغراب ابن أبي الحديد(١)
يستغرب ابن أبي الحديد ويتعجّب من جواب أبي بكر فلذلك
____________________
١) أقول: حق لابن أبي الحديد أن يستغرب من ذلك البيان فإن كلّ غيور من المسلمين والمسلمات يستغرب ويتعجّب بل يجب على المؤمنين كافة أن ينكروا على أبي بكر <=
يقول: قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصريّ، و قلت له: بمن يعرّض؟ فقال: بل يصرّح. قلتُ: لو صرّح لم أسألك. فضحك و قال: بعلي بن أبي طالبعليهالسلام .قلت: هذا الكلام كله لعليٍّ يقوله؟! قال: نعم، إنّه المـُلْك يا بُنيّ!قلت: فما مقالة الأنصار؟ قال: هتفوا بذكر عليٍّ، فخاف من اضطراب الأمر عليهم، فنهاهم.
فسألته عن غريبه، فقال: أمّا الرِّعة بالتخفيف أي: الاستماع و الإصغاء، و القالة: القول، و ثُعالة: إسم الثعلب، علمٌ ممنوعٌ من
____________________
= مقاله القيبح وكلامه الوقيح على سيدة نساء العالمين وبعلها سيد الوصيين وأمير المؤمنينعليهالسلام ، كما أنّ السيدة الجليلة أم سلمة أم المؤمنين أنكرت على أبي بكر وردّت عليه، كما في دلائل الإمامة لابن جرير: ص ٣٩ قالت: أَلِمثْل فاطمة يُقال هذا و هي الحوراء بين الأنس و الأُنس للنفس رُبّيت في حجور أمهات الأنبياء و تداولتها أيدي الملائكة و نمت في المغارس الطاهرات نشأت خير منشأ و رُبِيَتْ خير مَربى أ تزعمون أنّ رسول الله حرّم عليها ميراثه و لم يعلمها و قد قال الله تعالى :( وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ؟
أفَانذرها و جاءت تطلبه و هي خيرة النسوان و أمّ سادة الشبان و عديلة مريم ابنة عمران و حليلة ليث الأقران تمّتْ بأبيها رسالات ربه فو الله لقد كان يشفق عليها من الحر و القر، فيوسدها يمينه و يدثّرها شماله رويداً فرسول الله بمرأىً لأعينكم و على الله تَرِدون فواهاً لكم و سوف تعلمون.
أنسيتم قول رسول الله : أنت مني بمنزلة هارون من موسى، و قوله: إنّي تارك فيكم الثقلين ما أسرع ما أحدثتم و أعجل ما نكثتم!!
فحُرمَت أم سلمة عطاءها تلك السنة!!
«المترجم»
الصرف، و مثل: ذؤالة للذئب، و شهيدُهُ ذَنَبُه، أي: لا شاهد له على ما يدَّعي إلّا بعضه و جزءٌ منه و مُرِبّ: ملازم، أرِبَّ بالمكان، و كرّوها جَذَعة: أعيدوها إلى الحال الأولى، يعني الفتنة و الهرج. و أمّ طِحال: امرأةٌ بغيٌّ في الجاهلية، و يُضرب بها المثل فيقال: اَزنى من أمِّ طِحال!!
لا أدري كيف تسنَّى لأبي بكر أنْ يتكلم بذلك الكلام البذيء؟ وكيف سنحت له نفسه أنْ يعبِّر بذلك التعبير المسيء ويؤذي فاطمة ويغضبها وقد سمعَ قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : فاطمة بضعة مني مَنْ آذاها فقد آذاني ومن أغضبها فقد أغضبني؟!
وهل بذلك يُجاب احتجاج الإمام عليعليهالسلام ؟ أشتمهُ عليٌ وسَبَّه؟ أم استدلّ له بحكم الله وبالعقل والمنطق؟
ما ضرّه لو قبل الحق وعمل به، ولا سيما وقد سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: عليٌ مع الحق والحق مع علي يدور الحق حيثما دار عليٌعليهالسلام .
ليت شعري بأي دليل ولماذا يُسبُّ علياً وفاطمة ويشتمهما وقد سمعَ قول النبيصلىاللهعليهوآله فيهما وفي أبنائهما: أنا سلم لمن سالمهم وحرب لمن حاربهم؟؟(١)
____________________
١) في مناقب الخطيب الموفق بن أحمد الخوارزمي الحنفي: ٢٠٦ أخرج بسنده عن يونس بن سليمان التميمي عن زيد بن يثبع قال سمعتُ أبا بكر يقول: رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله خيَّم خيمة و هو متكئ على قوس عربية و في الخيمة عليٌ و فاطمة و الحسن و الحسين ع، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا معشر المسلمين! أنا سلمٌ لمن سالم أهل هذه الخيمة و حربٌ لمن حاربهم ووليٌ لمن والاهم لا يحبهم الّا سعيد الجد طيب الولاد، و لا يبغضهم إلّا شقيُّ الجد رديُّ الولادة قال: فقال رجل لزيد: يا زيد! أنت سمعت أبا بكر يقول هذا؟ قال: إي و ربّ الكعبة!
وأخرج هذا الحديث عبيد الله الحنفي في كتابه أرجح المطالب: ص ٣٠٩ وقال: أخرجه المحب الطبري الشافعي في الرياض النضرة.
«المترجم»
عقاب من سبَّ علياًعليهالسلام
لا شكّ أنّ الله سبحانه يعذَّب سابَّ عليٍّعليهالسلام أشدّ العذاب، كائناً مَن كان، وقد فتح العلّامة الكنجي الشافعي باباً في كتابه كفاية الطالب وهو الباب العاشر في كفر من سب علياًعليهالسلام ، روى بسنده عن يعقوب بن جعفر بن سليمان قال حدثنا أبي عن أبيه قال: كنت مع أبي عبد الله بن عباس و سعيد بن جبير يقوده، فمرّ على صُفّة زمزم فإذا قومٌ من أهل الشام يشتمون علياًعليهالسلام ! فقال لسعيد بن جبير رُدّني إليهم، فوقف عليهم، فقال: أيّكم السّاب لله عزّ و جلّ؟ فقالوا: سبحان الله ما فينا أحدٌ سبّ الله، قال: أيّكم السابّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ قالوا: ما فينا أحدٌ سب رسول اللهصلىاللهعليهوآله . قال: فأيّكم الساب علي بن أبي طالبعليهالسلام ؟ فقالوا: أمّا هذا فقد كان!! قال: فأَشْهَدُ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله سمعته أذناي و وعاه قلبي يقول لعلي بن أبي طالب: مَن سبَّك فقد سبّني و مَن سبَّني فقد سبّ الله و مَن سبّ الله أكبّه الله على منخريْه في النار.
وروى كثيرٌ من أعلامكم ومحدّثيكم أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال في عليٍّ وفاطمة: من آذاهما فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله.
وقالصلىاللهعليهوآله : من آذى علياً فقد آذاني.
وقالصلىاللهعليهوآله : من سبّ علياً فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله(١) .
____________________
١) أقول: أخرج حديث ابن عباس الذي رواه العلامة الكنجي الشافعي كثير من أعلام العامة منهم: المحب الطبري في الرياض النضرة: ج ٢ ص ١٦٦، والموفق بن أحمد <=
. . . . .
____________________
= الخطيب الخوارزمي في المناقب ٨١، والعلامة الزرندي في نظم درر السمطين / ١٠٥، والعلامة ابن المغازلي الشافعي في مناقبه / ٣٩٤ / حديث رقم ٤٤٧.
وروى ابن حجر في الصواعق المحرقة / ٧٢ / طبع المطبعة الميمنية بمصر: قال: (الحديث الثامن عشر) أخرج أحمد الحاكم وصححه عن أم سلمة قالت: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: من سبّ علياً فقد سبّني.
وقال: (الحديث السادس عشر) أخرج أبو يعلى والبزّار عن سعد بن أبي وقّاص قال: قال رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم : من آذى علياً فقد آذاني.
والأحاديث في هذا الباب كثيرةٌ بحيث لا منكر لها بين المسلمين، وقد ورد مثلها في حق فاطمةعليهالسلام :
روى العلامة الهمداني الشافعي في كتابه مودّة القربى / المودة الحادية عشرة / عن عائشة أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قد قال: فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني.
وفي الصواعق /١١٢ طبع مطبعة الميمنية بمصر الحديث الثالث والعشرون، أخرج أحمد والحاكم عن مسور أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: فاطمة بضعتي يغضبني ما يغضبها ويبسطني ما يبسطها. وفي صفحة ١١٤ / الحديث الخامس، أخرج أحمد والترمذي والحاكم، عن ابن الزبير أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها.
وروى في صفحة ١٠٨ /: فاطمة بضعة من يسرّني ما يسرّها.
وروى القندوزي في ينابيع المودة / الباب الخامس والخمسون، قال: وفي صحيح البخاري عن المسور بن مخرمة أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني.
قال: وفي صحيح مسلم، إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني مَن آذاها ويسرّني ما =
. . . . .
____________________
= أسرّها. قال القندوزي: وفي الترمذي، عن مسور: إنّها بضَعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها، حديث حسن صحيح، وفي الترمذي أيضاً عن ابن الزبير:
انما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها، حديث حسن صحيح.
وفي الترمذي أيضاً وابن ماجة، عن صبيح مولى أم سلمة وزيد بن أرقم قالا: أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: أنا حربٌ لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم.
قال القندوزي: وفي كنوز الدقائق للمناوي: إنّ الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها، قال: ورواه الديلمي.
وقال ابن حجر في الصواعق المحرقة / ١٤٣ / باب التحذير من بغضهم وسبهم /: عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : مَن سبَّ أهل بيتي فإنما يرتدّ عن الله و الإسلام، ومن آذاني في عترتي فعليه لعنة الله، ومَن آذاني في عترتي فقد آذى الله، إنّ الله حرّم الجنّة على مَنْ ظلم أهل بيتي أو قاتلهم أو أعان عليهم أو سبّهم.
بعد نقل هذه الأحاديث من صحاح أهل السنّة ومسانيدهم، أُلْفِتُ نظر القارىء الكريم الى الخبر الذي رواه ابن قتيبة في كتابه المشهور الإمامة والسياسة / ١٤ و ١٥ / طبع مطبعة الأمة بمصر سنة ١٣٢٨ هجرية في عيادة أبي بكر وعمر لفاطمةعليهالسلام :
... فقالت: أ رأيتكما إنْ حدّثتكما حديثاً من رسول اللهصلىاللهعليهوآله تعرفانه و تفعلان به؟ قالا: نعم، فقالت: نشدتكما الله أ لَم تسمعا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: رضا فاطمة من رضاي و سخط فاطمة من سخطي فمن أحبَّ فاطمة ابنتي فقد أحبني و من أرضى فاطمة فقد أرضاني و من أسخط فاطمة فقد أسخطني؟ قالا: نعم سمعناه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قالت: فإني أُشهد الله و ملائكته، أنّكما أسخطتماني و ما أرضيتماني و لَئِن لقيتُ النبيصلىاللهعليهوآله لأشكونّكما إليه. =
الدليل الثاني في ردّ أبي بكر
قلنا بأنّ الدليل الأوّل على ردّ الحديث الذي نقله أبو بكر عن النبيصلىاللهعليهوآله : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، أنه مخالف لنصّ القرآن، فإنّ الآيات الكريمة صريحة في توريث الأنبياء.
____________________
= فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله من سخطه و سخطك يا فاطمة! ثمّ انتحَبَ أبو بكر يبكي حتّى كادت نفسه أنْ تزهق، و هي تقول: و الله لأدعونَّ الله عليك في كل صلاة أصلّيها!!
ومشهور المحدثين قالوا: أنّ فاطمة ماتت وهي ساخطة على أبي بكر وعمر، منهم: البخاري في صحيحه / ج ٥ / ٥ باب فرض الخمس / روى عن عائشة فغضبت فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرة حتّى توفيت. وفي ج ٦ / ١٩٦ / باب غزوة خيبر / عن عائشة فَوَجَدت [ أي غضبت ] فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته، فلم تكلمه حتى توفّيت.
ومثله لفظاً أو معنىً، في صحيح مسلم: ج ٢ / ٧٢، ومسند أحمد: ج ١ / ٦ و ٩، ومثله لفظا أو معنى، وتاريخ الطبري: ج ٣ / ٢٠٢، ومشكل الآثار للطحاوي: ج ١ / ٤٨، وسنن البيهقي: ج ٦ / ٣٠٠ و ٣٠١، والعلامة الكنجي في كفاية الطالب / الباب التاسع والتسعون / في أواخره، ثم قال: هذا حديث صحيح متّفق على صحّته، وتاريخ ابن كثير: ج ٥ / صفحة ٢٨٥ وقال في ج ٦ / ٣٣٣: لم تزل فاطمة تبغضه مدَّة حياتها - أي تبغض أبا بكر - وذكره بلفظ الصحيحين أي عن عائشة.
والديار البكري في تاريخ الخميس: ج ٢ / ١٩٣، ورواه عنها أيضاً بلفظ الصحيحين ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ٦ / ٤٦، وقال في صفحة ٥٠: والصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر، وأنها أوْصت ألّا يصليا عليها.
أقول: والحرّ تكفيه الإشارة.
«المترجم»
وأما الدليل الثاني في ردِّه: هو أنّنا نعلم بأنّ الإمام عليعليهالسلام هو عَيْبَة علم رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو الذي قال فيه النبيصلىاللهعليهوآله كما نقله علماء الفريقين: « أنا مدينة العلم وعلي بابها، وأنا دار الحكمة وعلي بابها، ومن أراد العلم والحكمة فليأت الباب ».
والحديث النبوي الآخر، الذي اشتهر أيضاً بين المحدثين من الفريقين قولهصلىاللهعليهوآله : « عليٌّ أقضاكم ».
فكيف يمكن أن يبيّن النبيصلىاللهعليهوآله حكماً خاصّاً في الإرث وقاضي دِيِنِه وباب علمه، لا يعلم ذلك؟ ولا سيما الحكم الذي يكون في شأن فاطمةعليهالسلام وهي زوجة عليٍّعليهالسلام وهو وصيُّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
فكيف يقبل عقلكم أنّ النبيصلىاللهعليهوآله يكتم هذا الأمر عن أخصّ الناس إليه وعمّن يخصُّهم الحكم و يقوله لأبي بكر الذي لا يرتبط بالموضوع؟! والمفروض أنهصلىاللهعليهوآله يقول ذلك الحكم لوارثه أو وصيّه، وهذا أمر بديهيٌ يعرفه كل أحد حتّى عامة الناس والسوقيين، فكيف بسيد المرسلين وخاتم النبيين؟!
الشيخ عبد السلام: أما حديث أنا مدينة العلم، غير مقبول عند محدثينا، وكذلك لم يثبت عند جمهور علمائنا بأن علياً وصيُّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهذا الأمر غير مقبول، بل عندنا مردود ما رواه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة (رض) أنه ذُكر عندها أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أوصى. قالت: ومتى أوصى؟ ومن يقول ذلك؟ إنّه دعا بطست ليبول، وإنّه بين سَحري ونحري، فانخنث في حجري فمات وما شعرت بموته.
فكيف يمكن أن يوصي رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأحدٍ ويخفى ذلك على أم
المؤمنين عائشة(رض)؟!
قلت: أما نفيك الحديث أنا مدينة العلم وعليٌ بابها فهو تحكُّم وتعصّب، لأنّ كثيراً من أعلامكم ذكروه في كتبهم وإسنادهم وحَسنّوه وصححوه، منهم:
الثعلبي، والحاكم النيسابوري، ومحمد الجزري وبن جرير الطبري والسيوطي والسخاوي والمتقي الهندي والعلّامة الكنجي ومحمد بن طلحة والقاضي فضل بن روزبهان والمناوي وابن حجر المكي والخطيب الخوارزمي والحافظ القندوزي والحافظ أبو نعيم وشيخ الإسلام الحمويني وابن أبي الحديد المعتزلي والطبراني وسبط بن الجوزي والنسائي وغيرهم(١) .
____________________
١) من الضروري أن أضع النقاط على الحروف وأذكر مصادر الحديث الشريف:
«أنا مدينة العلم وعليٌ بابها» بشكل أدق وأوضح، رواه الحاكم بسنده عن مجاهد عن ابن عباس في مسترك الصحيحين: ٣/ ١٢٦ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ورواه بطريق آخر في صفحة ١٢٧ عن جابر بن عبدالله الأنصاري، والخطيب البغدادي في تاريخه ج ٤ / ٣٤٨ وبطريق آخر في ٧/ ١٧٢ وبطريق آخر في ج ١١ / ٤٨ وبطريق رابع في ج ١١ / ٤٩ ثمّ قال: قال القاسم: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث فقال هو صحيح. رواه ابن الأثير في اُسدْ الغابة ج ٤ / ٢٢ وابن حجر في تهذيب التهذيب: ج ٦/٣٢٠. وج ٧ / ٤٢٧، وفي كنز العمال ج ٦/ ١٥٢ والمناوي في فيض القدير ج ٣/٤٦، وقال أخرجه العقيلي وابن عدي والطبراني والحاكم عن ابن عباس، ورواه الهيثمي في المجمع ج ٩/ ١١٤ ورواه المتقي في كنز العمال ج ٦ /١٥٦ قال أخرجه الطبراني في صفحة ٤٠١ حكاه عن ابن جرير وفي صفحة ١٥٦ قال أخرجه أبو نعيم في المعرفة، ورواه المناوي أيضاً في كنوز الحقائق / ٤٣ قال أخرجه الديلمي ورواه المحبّ الطبري في الرّياض النضرة =
الإمام علي وصي النبيصلىاللهعليهوآله
وأما أنّ النبيصلىاللهعليهوآله اتخذ علياً وصياً لنفسه فهو أمر ثابتٌ للنصوص المتوافرة والروايات المتكاثرة حتّى عدّه العلماء من الأمور المتواترة، ولا ينكره الّا المعاند الحقود والمتعصب العَنود.
النوّاب: خليفة رسول الله هو الذي ينفّذ وصاياه، وينظم شئون أهله وزوجاته، كما أنّ الخلفاء الراشدين كانوا يضمنون لزوجات النبي كلما احتجن وكانوا يتكفّلون بمعاشهن ورزقهن. فلماذا تخصِّصون علياً كرم الله وجهه بالوصاية؟
____________________
= ج ٢ / ١٩٣ قال أخرجه في المصابيح في الحسان، ورواه ابن حجر في الصواعق / ٧٣ ط. المطبعة الميمنية قال: أخرجه البزار والطبراني في الأوسط عن جابر، وأخرجه الحاكم والعقيلي وابن عدي عن ابن عمر، والترمذي والحاكم عن عليعليهالسلام وأما حديث: أنا مدينة الحكمة وعلي بابها.. الخ أو قال أنا دار الحكمة الخ فقد رواه الترمذي في صحيحه ج ٢ /٢٩٩ وفي تاريخ بغداد ج ١١ / ٢٠٤ بسنده عن ابن عباس، وفي كنز العمال ج ٦ / ٤٠١ قال: قال الترمذي وابن جرير معاً الخ وقال: أخرجه أبو نعيم في الحلية، ثمّ قال المتقي: وقال ابن جرير: هذا خبر عندنا صحيح بسنده وذكره المناوي في فيض القدير في المتن وقال: أخرجه الترمذي، ثمّ قال في الشرح: وفي رواية أنا مدينة الحكمة وعلي بابها.. الخ وقال أيضاً في شرح (عليٌ بابها): أي علي بن أبي طالبعليهالسلام هو الباب الذي يُدْخَل منه إلى الحكمة، فناهيك بهذه المرتبة ما أسناها، وهذه المنقبة ما أعلاها، ومن زعم أنّ المراد بقولهصلىاللهعليهوآله : وعليٌ بابها أنّه مرتفع من العلو وهو الإرتفاع فقد تنحل لغرضه الفاسد بما لايجزيه، ولا يسمنه ولا يغنيه «انتهى كلام المناوي».
«المترجم»
قلت: نعم لا ريب أنّ وصي النبي خليفته، وقد ذَكرتُ لكم في المجالس السابقة النصوص الواردة في أنّ علياً هو خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والآن أذكر لكم النصوص المتظافرة والأحاديث المتوافرة في أنّ علياًعليهالسلام هو وصي النبيصلىاللهعليهوآله وليس غيره، والجدير بالذكر أنّي أنقل هذه الأخبار من كتب أعلامكم وإسناد علمائكم الموثقين لديكم، فلا يصحّ بعد ذلك أن يقول الشيخ عبد السلام: أنّ خبر تعيين النبي علياً بالوصاية مردودٌ عند علمائنا للخبر المروي عن أم المؤمنين عائشة، فإنّ الخبر الواحد لا يمكن أن يعارِض مجموع الأخبار المقبولة عند الأعلام والمرويّة عن الطرق الموثقة عن الأصحاب الكرام، فيؤخذ بالجمع ويسقط الواحد.
١- رَوى الثعلبي في تفسيره وفي كتابه المناقب، و، وروى ابن المغازلي الفقيه الشافعي في كتابه المناقب، والمير علي الهمداني في مودة القُربى / المودة السادسة، كلهم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لما عقد المؤاخاة بين أصحابه، قال: هذا عليٌّ أخي في الدنيا والآخرة وخليفتي في أهلي ووصيّي في أمّتي ووارث علمي وقاضي ديني، ماله مني مالي منه، نفعه نفعي وضره ضري، مَن أحبّه فقد أحبّني ومن أبغضه فقد أبغضني.
٢- خصص الحافظ سليمان القندوزي في كتابه ينابيع المودّة باباً في الموضوع وهو: الباب الخامس عشر « في عهد النبيصلىاللهعليهوآله لعليعليهالسلام وجعله وصياً » هكذا عنونه، ثمّ نقل فيه عشرين خبراً وروايةً عن طريق الثعلبي وشيخ الإسلام الحمويني والحافظ أبي نعيم، وأحمد بن حنبل و ابن المغازلي والخوارزمي والديلمي، وأنا أنقل إليكم بعضها:
عن مسند أحمد بن حنبل بسنده عن أنس بن مالك قال: قلنا لسلمان: سَلْ النبيصلىاللهعليهوآله عن وصيه. فقال سلمان: يا رسول الله مَن وصيُّك؟ فقال: يا سلمان! مَن وصيُ موسى؟ فقال: يوشع بن نون، قالصلىاللهعليهوآله : وصيي ووارثي يقضي دَيْني وينجز موعدي، علي بن أبي طالب.
هذا الحديث! أخرجه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / ٢٦، وأخرجه أيضاً ابن المغازلي في مناقبه.
٣- وينقل عن موفق بن أحمد الخوارزمي بسنده عن بريدة قال: قال النبيصلىاللهعليهوآله : لكل نبي وصي ووارث وإنّ علياً وصيي ووارثي.
هذا الحديث أخرجه العلّامة الكنجي أيضاً في كتابه كفاية الطالب بسنده عن بريدة عن أبيه، وبعد نقله قال: هذا حديث حسن، أخرجه محدِّث الشام في تاريخه، كما أخرجناه سواء.
٤- ونقل عن شيخ الإسلام الحمويني عن أبي ذر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أنا خاتم النبيين، وأنت يا علي خاتم الوصيين إلى يوم الدين.
ونقل عن موفق بن أحمد الخوارزمي أيضاً بسنده عن أم سلمة - أم المؤمنين - قالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ الله اختار من كل نبيّ وصياً، وعليٌ وصيي في عترتي وأهل بيتي وأمتي بعدي.
٦- ونقل عن مناقب ابن المغازلي بسنده عن الأصبغ بن نباتة قال: قال عليٌعليهالسلام في بعض خطبه: أيها الناس! أنا إمام البريّة، ووصيُ خير الخليقة، وأبو العترة الطاهرة الهادية، أنا أخو رسول اللهصلىاللهعليهوآله ووصيّه ووليّه وصفيّه وحبيبه، أنا أمير المؤمنين وقائد الغر المحجّلين وسيد الوصيين.
حربي حرب الله وسلمي سلم الله وطاعتي طاعة الله وولايتي ولاية الله، وأَتباعي أولياء الله، وأنصاري أنصار الله.
٧- وروى أيضاً ابن المغازلي بسنده عن ابن مسعود عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: انتهت الدعوة اليَّ وإلى عليٍّ، لم يسجد أحدنا لصنم قط، فاتّخذَني نبياً واتخذ علياً وصياً.
٨- روى المير علي الهمداني الشافعي في كتابه مودّة القربى / المودة الرابعة / عن عتبة بن عامر الجهني قال: بايعنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله على قول: أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأنّ محمداً نبيّه وعلياً وصيّه فأيّ من الثلاثة تركناه كفرنا الخ ...، وبعدها روى عن عليعليهالسلام عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: إنّ الله تعالى جعل لكل نبيٍّ وصيّاً، جعل شيث وصيَّ آدم، ويوشع وصيَّ موسى، وشمعون وصيَّ عيسى، وعلياً وصيّي، ووصيِّي خير الأوصياء الخ
٩- نقل القندوزي في الباب الخامس عشر من ينابيعه عن أبي نعيم الحافظ أنه روى في حلية الأولياء بسنده عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إن الله عهد إليَ في عليٍّ عهداً وقال عزّ وجلّ: إنّ علياً راية الهدى، و إمام أوليائي، و نور مَن أطاعني، و هو الكلمة التي ألزمتها المتقين. مَن أحبه أحبَّني و مَن أبغضه أبغضني. فبشّره بذلك، فجاء عليٌّ فبشّرته بذلك، فقال: يا رسول الله! أنا عبد الله و في قبضته فإن يعذبني فبذنبي، و إن يتم الذي بشّرني به فالله أولى بي وأكرم بي. قالصلىاللهعليهوآله : قلت: اللهم أجْلِ قلبه و اجعله ربيعة الإيمان فقال جل شأنه: قد فعلت به ذلك. ثم قال تعالى: إنّ علياً مستخصٌّ بشيٍء من البلاء لم يكن لأحد من أصحابك! فقلت: يا رب، إنّه أخي ووصيي، فقال
عزّ وجلّ: إنّ هذا شيءٌ قد سبق في عليٍّ، إنّه مبتلى و مبتلىً به.
١٠- ونقل القندوزي أيضاً في الباب عن مناقب الموفّق بن أحمد الخوارزمي روى بسنده عن أبي أيوب الأنصاري قال: إنّ فاطمة سلام الله عليها أتت في مرض أبيهاصلىاللهعليهوآله وبكت، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا فاطمة! إنّ لكرامة الله إيّاك زوّجك مَن هو أقدمهم سلماً و أكثرهم علماً و أعظمهم حلماً، إنّ الله عزّ وجلّ اطّلع إلى أهل الأرض إطلاعة فاختارني منهم فبعثني نبياً مرسلاً، ثمّ اطّلع اطلاعة فاختار منهم بعلك فأوحى إليَّ أن أزوّجه إياكِ و أتخذه وصيّاً. قال القندوزي: وزاد ابن المغازلي في المناقب: يا فاطَمة! إنّا أهل بيت أُعطينا سبع خَصال لم يعطها أحد من الأولين و لا يدركها أحدٌ من الآخرين: مِنّا أفضل الأنبياء و هو أبوك، و وصيّنا خير الأوصياء و هو بعلك، و شهَيدنا خير الشهداء و هو حمزة عمك، و منّا مَنْ له جناحان يطير بهما في الجنّة حيث يشاء و هو جعفر ابن عمك، ومنّا سبطان وسيدا شباب أهل الجنة إبناك، والذي نفسي بيده إنّ مهديَّ هذه الأمة يصلّي عيسى بن مريم خلفه وهو من ولدك. قال القندوزي: وزاد الحمويني: يملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد ما مُلئت جوراً وظلماً، يا فاطمة! لا تحزني و لا تبكي فإنّ الله عزّ وجلّ ارحمُ بك و أرأفُ عليكِ منّي و ذلك لمكانك مني و موقعك من قلبي.
قد زوّجك اللهُ زوجاً وهو أعظمهم حَسَباً و أكرمهم نَسَباً، و أرحمهم بالرعيّةَ و أعدلهم بالسويّة و أبصرهم بالقضيّة. انتهى ما نقله القندوزي(١) .
____________________
١) أذكر للقارىء الكريم مزيداً من مصادر العامة في اتخاذ النبيصلىاللهعليهوآله علياً وصياً لنفسه، وذلك لأهميّة الموضوع: <=
مات النبيصلىاللهعليهوآله ورأسه في حجر علي عليهالسلام
أمّا ما نقله الشيخ عبد السلام عن عائشة: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله مات ورأسه بين سحري ونحري، فهو مردود عند أهل البيتعليهمالسلام لأنهم رووا إلى حد التواتر وأيّده كثير من أعلامكم أنّ النبيصلىاللهعليهوآله مات ورأسه في حجر علي يناجيه.
الشيخ عبد السلام: لا أظن أحداً من علمائنا الأعلام ينقل هذا الخبر ويؤيّده، لأنّه معارض لرواية أم المؤمنين عائشة!
قلت: إذا أحببت أن تعرف حقيقة الأمر وينكشف لك الواقع فراجع:
____________________
= ١- مستدرك الصحيحين: ج ٣/ ١٧٢.
٢- مجمع الزوائد: ج ٩/١١٣ و١٤٦ و١٦٥.
٣- ذخائر العقبى: ١٣٥ و١٣٨.
٤- الرياض النضرة: ج ٢ /١٧٨.
٥- تهذيب التهذيب: ج ٣ /١٠٦.
٦- كنز العمال: ج ٦/ ١٥٣ و١٥٤ و٣٩٢ و٣٩٧ وج ٨/ ٢١٥.
٧- كنوز الحقائق: ٤٢ و١٢١.
٨- حلية الأولياء: ج ١/٦٣.
٩- تاريخ بغداد: ج ١١ /١١٢ وج ١٢ /٣٠٥.
١٠ - كفاية الطالب: الباب الرابع والخمسون.
ثم اعلم إنّ المصادر الموثوقة تحتوي على روايات كثيرة وردت بمعنى الوصاية، أعرضنا عنها خشية الإطالة.
«المترجم»
١- كنز العمال: ج ٤/٥٥ و ج ٦/٣٩٢ و٤٠٠.
٢- طبقات ابن سعد: ج ٢ /٥١.
٣- مستدرك الصحيحين للحاكم: ج ٣ /١٣٩.
٤- وتلخيص الذهبي وسنن ابن أبي شيبة والجامع الكبير للطبراني ومسند أحمد بن حنبل: ج ٣، وحلية الأولياء / ترجمة الإمام عليعليهالسلام ، ومصادر كثيرة أخرى، رووا بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، عن أم سلمة وعن جابر بن عبد الله الأنصاري وحتى عن عائشة وغيرهم: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله حينما قُبِض كان رأسه في حجر الإمام عليعليهالسلام ، وقد أشار الإمام في نهج البلاغة إلى هذا الأمر حيث يقولعليهالسلام :
و لقد قُبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله و إنّ رأسه لَعلى صدري و قد سالت نفسُه في كفّي، فأمررتها على وجهي، و لقد وُليّتُ غُسلَهُصلىاللهعليهوآله و الملائكة أعواني، إلى آخر خطبته الشريفة، ومن أراد أنْ يطّلع عليها كاملة ويعرف رموزها ومغزاها فليراجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:ج ١٠/١٧٩ / ط دارإحياءالتراث العربي.
وفي صفحة ٢٦٥ من نفس المجلّد، قال: ومن كلامٍ لهعليهالسلام عند دفن سيّدة النساء فاطمةعليهالسلام ، كالمناجي به رسول اللهصلىاللهعليهوآله عند قبره: السلام عليك يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك.. إلى أن يقول: فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك، و فاضت بين نحري و صدري نفسُك فإنّا لله و إنا إليه راجعون، إلى آخر كلامه(١) .
____________________
١) من المناسب ذكر الخبر المروي عن عائشة في هذا المجال وهو معارض لما رواه الشيخ عبد السلام من الصحيحين:
روى العلامة محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي المتوفّى سنة ٦٥٨ هجرية، <=
ولقد أيّد هذا الكلام والمعنى كلّ من شرح نهج البلاغة من ابن أبي الحديد ومَن قَبْلَه ومَن بعده إلى الشيخ محمد عبده.
هذه دلائل كافية لردّ الخبر المروي عن عائشة، ولا يخفى أنّ عائشة كانت تحمل حقداً وبغضاً على الإمام عليٍّعليهالسلام بحيث كانت ترى جواز وضع روايات تنفي بها فضائل عليعليهالسلام ومناقبه!!
____________________
= في كتابه كفاية الطالب / الباب الثاني والستون قال في اواسطه: أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن الحسن الصالحي، أخبرنا الحافظ ابو القاسم الدمشقي، أخبرنا أبو غالب بن البنا، أخبرنا أبو الغنائم بن المأمون، اخبرنا إمام أهل الحديث ابو الحسن الدار قطني، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن بشر البجلي، حدثنا علي بن الحسين بن عبيد بن كعب، حدثنا إسماعيل بن ريّان، حدثنا عبد الله بن مسلم الملائي عن أبيه، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود عن عائشة قالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله - وهو في بيتها لما حضره الموت - ادعوا لي حبيبي! فدعوْتُ له أبا بكر فنظر إليه ثم وضع رأسه، ثمّ قال: ادعوا لي حبيبي! فدعوتُ له عمر، فلما نظر إليه وضع رأسه، ثم قال: ادعوا لي حبيبي! فقلت: ويلكم ادعوا له علياً فو الله ما يريد غيره! فلما رآه أخرَجَ الثوب الذي كان عليه ثمّ أدخله فيه فلم يزل محتضنه حتّى قبض و يده عليه. قال العلامة الكنجي:
هكذا رواه محدث الشام في كتابه كما أخرجناه ثم قال: والذي يدلّ على أنّ علياً كان أقرب الناس عهداً برسول اللهصلىاللهعليهوآله عند وفاته، ما ذكره أبو يعلى الموصلي في مسنده والامام أحمد في مسنده، فنقل الخبر بسنده أيضاً عن أم سلمة قالت: والذي أحلف به كان علي أقرب الناس عهداً برسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى آخر الخبر فراجع.
«المترجم»
مفهوم الوصاية وأهمّيتها
نعرف مفهوم الوصاية من الروايات والأحاديث التي ذكرناها فالمعنى هو الذي تداعى للنوّاب إذ قال: الخليفة هو الذي يقوم بتنفيذ وصايا النبيصلىاللهعليهوآله ولا حاجة إلى آخر.
وصحابة النبيصلىاللهعليهوآله أيضاً كانوا يفهمون أنّ الوصي هو الذي يقوم مقام النبيصلىاللهعليهوآله ، لذلك قام بعض المتعصبين المعاندين من أهل السنّة بإنكار وصاية الإمام علي لأنّهم عرفوا بأنّ الإقرار بذلك يلازم الإقرار بخلافتهعليهالسلام .
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ١ / ١٣٩ و١٤٠ / ط دار إحياء التراث العربي: أما الوصيّة فلا ريب عندنا أنّ علياًعليهالسلام كان وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وإنْ خالف في ذلك مَن هو منسوبٌ عندنا الى العناد.
ثم نقل في صفحة ١٤٣ وما بعدها أبياتاً وأراجيز في إثبات وصاية عليٍّعليهالسلام ، منها و قال عبد الله بن العباس حَبر الأُمة:
وصيُّ رسول الله من دون أهله |
و فارسُه إنْ قيل هلْ من مُنازل |
وقول خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين يخاطب عائشة، منها:
وصيّ رسول الله من دون أهله |
و أنتِ على ما كان من ذاك شاهِده |
و قال أبو الهيثم بن التيهان، الصحابي الجليل:
إنّ الوصي إمامنا و وليّنا |
برح الخفاء و باحت الأسرار |
وأنا أكتفي بهذا المقدار ومَن رام الإكثار فليراجع شرح النهج حتى
يجد الأراجيز والأشعار في هذا الإطار(١) .
____________________
١) أيها القارىء الرشيد! انظر إلى بعض ما نقله ابن أبي الحديد من الشعر والقول السديد في وصاية الإمام عليعليهالسلام .
قال: و مما رويناه من الشعر المقول في صدر الإسلام المتضمّن كونهعليهالسلام وصيُّ رسول الله قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
و منّا عليٌّ ذاك صاحبُ خيبر |
وصاحبُ بدر يوم سالتْ كتائبهُ |
|
وصيُّ النبي المصطفى و بنُ عمِّهِ |
فمن ذا يدانيه و مَن ذا يُقاربُه |
و قال عبد الرحمن بن جُعَيل:
لَعَمري لقد بايعتم ذا حفيظة |
على الدين معروف العفاف مُوفَّقاً |
|
علياً وصيَّ المصطفى و بنَ عمِّهِ |
وأوّلَ مَن صلّى أخا الدينِ والتُقى |
و قال رجل من الأزد يوم الجمل:
هذا عليٌ و هو الوصيُّ |
آخاه يوم النَّجوَةِ النبيُّ |
|
و قال هذا بعديَ الوليُّ |
وَعاهُ واعٍ و نَسي الشقيُّ |
و خرج يوم الجمل غلام من بني ضبة من عسكر عائشة و هو يقول:
نحنُ بني ضَبّة أعداءُ عليّ |
ذاك الذي يُعرَفُ قِدْماً بالوصي |
|
و فارس الخيل على عهد النبي |
ما أنا عن فضل عليٍّ بالعَمي الخ |
و قال حُجر بن عديّ الكندي في ذلك اليوم أيضاً:
يا ربَّنا سلِّم لنا عليّاً |
سلِّم لنا المباركَ المضيّا |
|
المؤمنَ الموحِّدَ التقيّا |
لا خَطِلَ الرأي و لا غَويّا |
|
بل هادياً موفَّقاً مهديّا |
و احفظهُ ربّي و احفَظِ النبيّا |
|
فيه فقد كان لهُ وليّا |
ثم ارتضاه بعده وصيّا |
و قال خُزَيْمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين في يوم الجمل:
ليس بين الانصار في جَحمةِ الحر |
ب و بين العُداة إلّا الطعانُ |
=
. . . . .
____________________
=
فادعها تستجب فليس من الخز |
رج و الأوس يا عليّ جَبانُ |
|
يا وصيَّ النبي قد أجْلَت الحر |
بُ الأعادي و سارت الأظعانُ الخ |
و قال زَحْر بن قيس الجعفي يوم الجمل أيضا:
أضربكم حتّى تُقرّوا لعلي |
خَيْر قريشٍ كلِّها بعد النبي(ص) |
|
مَن زانَهُ اللهُ و سمّاه الوصيّ |
إنّ الوليَّ حافظٌ ظهر الولي |
و روي عن نصر بن مزاحم: ومن الشعر المنسوب إلى الأشعث بن قيس:
أتانا الرسولُ رسولُ الوصيِّ |
عليُّ المهذَّب من هاشم |
|
وزير النبي و ذو صهره |
و خير البريّة و العالم |
و قول جرير بن عبد الله البجلي يصف الامام عليعليهالسلام :..
وصيّ رسول الله من دون أهله |
و فارسه الحامي بِه يُضرَبُ المـَثَل |
و قال النعمان بن عجلان الأنصاري:
كيف التفرُّقُ و الوصيُّ إمامُنا |
لا كيف إلّا حَيرةً و تخاذلا |
|
و ذروا معاوية الغويَّ و تَابعوا |
دينَ الوصيّ لتحمدوه آجلا |
و قال المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب:
يا عُصبةَ الموتِ صبراً لا يهولُكم |
جيشُ ابنِ هندٍ فإن الحقَّ قد ظَهَرا |
|
و أيقِنوا أنَ مَن أضحى يُخالفكم |
أضحى شقيّاً و أمسى نفسه خَسِرا |
|
فيكم وصيُ رسول الله قائدُكم |
وصهُره وكتابُ الله قد نُشِرا |
وقال ابن أبي الحديد في نهاية ما نقله من الأشعار والأراجيز:
و الأشعار التي تتضمّن هذه اللفظة - أي كلمة الوصي - كثيرة جدّاً و لكنا ذكرنا منها هاهنا بعض ما قيل في هذين الحزبَيْن فأمّا ما عداهما فإنّه يجلّ عن الحصر و يعظُمُ عن الإحصاء و العَدْ و لو لا خوفُ الملالة و الإضجار لذكرنا من ذلك ما يملأ أوراقاً كثيرة. انتهى كلام ابن أبي الحديد.
«المترجم»
الشيخ عبد السلام: إذا كانت هذه الأخبار صحيحة، فلماذا لا نجد في كتب التاريخ والحديث وصيّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليٍّ كرّم الله وجهه كما نقلوا وصيّة أبي بكر وعمر وقت موتهما رضي الله عنهما؟
قلتُ: رَوى أئمة أهل البيتعليهمالسلام وصايا النبيصلىاللهعليهوآله للإمام عليّعليهالسلام ، نقلها علماء الشيعة وسجّلوها في كتبهم، ولكنِّي حيث التزمتُ من أول نقاشٍ أن لا أنقل خبراً وحديثاً إلّا من كتب علمائكم وأعلامكم، فأشير في هذا الموضوع أيضاً وأجيب سؤالك من مصادركم الموثّقة وأسانيدكم المحقّقة.
فأقول: لكي يتّضح لكم الأمر وينكشف لكم الحق، راجعوا الكتب الآتية:
١- طبقات ابن سعد: ج ٢ / ٦١ و٦٣.
٢- كنز العمال: ج ٤ / ٥٤ وج ٦ /١٥٥ و٣٩٣ و٤٠٣.
٣- مسند أحمد بن حنبل: ج ٤ /١٦٤.
٤- مستدرك الحاكم: ج ٣ /٥٩ و١١١.
وسنن البيهقي ودلائله، والاستيعاب والجامع الكبير للطبراني، وتاريخ ابن مردويه، وغير هؤلاء رووا عن النبي وصاياه لعلي بعبارات مختلفة وفي مناسبات عديدة، خلاصتها قولهصلىاللهعليهوآله : يا علي أنت أخي ووزيري، تقضي دَيني وتنجز وعدي وتُبري ذمّتي، وأنت تغسّلني وتواريني في حفرتي.
إضافةً إلى ما نقله علماء الحديث في هذا المجال، فقد أجمعوا على أن الذي قام بتغسيل النبيصلىاللهعليهوآله وتكفينه وباشر دفنه فأنزله في قبره وواراه في لحده، هو الإمام عليّعليهالسلام .
وذكر الحافظ عبد الرزاق في كتابه الجامع: أنّه كان على النبي خمسماة ألف درهم، فأدّاهُ عليُّ بنُ أبي طالبعليهالسلام .
الشيخ عبد السلام: قال الله سبحانه:( کُتِبَ عَلَيْکُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَکُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَکَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ) (١) وبناءً عليها كان يلزم أنْ يوصي النبي عند الاحتضار حينما تيقّن بموته كما أوصى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
قلت: أولاً: لم يكن مراد الآية الكريمة من( إِذَا حَضَرَ أَحَدَکُمُ الْمَوْتُ ) أي: حال الاحتضار واللحظات الأخيرة من الحياة. فإنّه في تلك الحالة قلّ مَن يكون في حالة استقرار نفسي وتمهيد روحي بحيث يتمكن من بيان وصاياه، وإنّما المراد من الآية الكريمة، أي إذا ظهرت علامات الموت من الضعف والشيخوخة والمرض وما إلى ذلك فليبيّن وصاياه.
ثانياً: لقد ذكّرني كلامك بأمرٍ فجيع، إذا ذكرتُه هاج حزني وتألّم قلبي وذلك أنّ كلّنا نعلم أنّ رسول الله كثيراً ما كان يؤكّد على المسلمين في أنْ يوصوا ولا يتركوا الوصيّة بحيث إنه قالصلىاللهعليهوآله : مَن مات بغير وصيّة مات ميتةً الجاهلية.
ولكنّهصلىاللهعليهوآله لما أراد أن يكتب وصيّته في مرضه الذي توفي فيه، وأراد أن يؤكّد كلّ ما كان طيلة أيام رسالته الشريفة يوصي بها علياًعليهالسلام في تنفيذ أمور تتضمن هداية الامة واستقامتها وعدم انحرافها وضلالتها، فمنعوه من ذلك وحالوا بينه وبين كتابة وصيّته!!
الشيخ عبد السلام: لا أظنّ أن يكون هذا الخبر صحيحاً والعقل لا يقبله بل يأباه، لأنّ المسلمين كانوا في طاعة رسول الله وذلك لأمر الله
____________________
١) سورة البقرة، الآية ١٨٠.
سبحانه إذ يقول:( وَ مَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاکُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (١) ، ولقوله تعالى:( أَطِيعُوا الله وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (٢) .
ولا ريب أنّ مخالفة كتاب الله عزّ وجلّ ومعاندة رسول الله كفر بالله سبحانه. وكان أصحابه على هذا الاعتقاد. فكيف يخالفوه ويعاندوه؟! فهذا الخبر ليس إلّا كذباً وافتراءً على الصحابة الكرام، وأنا على يقين بأن الملحدين وضعوا هذا الخبر ونشروه حتّى يصغِّروا شأن النبي وينزلوا مقامه بأنّ محمداً ما كان مطاعاً في أمته، وأنّ نبيّاً لا تطيعه أمته لجدير بأن لا يطيعه الآخرون!
خبر إنّ الرجل ليهجر
قلت: هذا ظنّكم( وَ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (٣) .
والخبر الذي تقولون: بأنّه كذب وافتراء، رواه أعلامكم وحتى أصحاب الصّحاح لا سيما البخاري ومسلم، وهما عندكم على مكانة عظيمة من الإحتياط في نقل الأحاديث، ولقد كانا يحتاطان أنْ لا يرويا حديثاً يستند إليه الشيعة في طعن الصحابة، وتضعيف خلافة الثلاثة الذين سبقوا علياًعليهالسلام .
فقد اتفق المحدّثون وأجمعوا على أنّ النبي قال لمن حضر عنده وهو في مرضه الذي تُوفّي فيه: إئتوني بورق ودواة لأكتبَ لكم ما إنْ تمسّكتُم به لن تضلّوا بعدي!!
____________________
١) سورة الحشر، الآية ٧.
٢) سورة النساء، الآية ٥٩.
٣) سورة النجم، الآية ٢٨.
فعارضه جماعة فقال أحدُهم: إنّ الرجل ليهجر كفانا كتابُ الله!! وعارضه آخرون فقالوا: دعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليوصي.
فكُثُرَ اللغَط، فقالصلىاللهعليهوآله : قوموا عني فإنه لا ينبغي النزاع عند نبي!
الشيخ عبدالسلام: أكاد أن لا أصدّق هذا الخبر! مَنْ كان يتجرّأ من الصحابة أنْ يعارض رسول اللهصلىاللهعليهوآله ويقابله بهذا الكلام؟!
وهم يتلون كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار حيث يقول تعالى:( بِسْمِ الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ وَ النَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُکُمْ وَ مَا غَوَى * وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) (١) .
فلا أدري لماذا خالفوا النبيصلىاللهعليهوآله وعارضوه أنْ يوصي، علماً أنّ أيَّ مؤمن ومؤمنة لا يحق لهما أن يمنعا أحداً من الوصيّة، وإنّ الوصية حقُّ كلِّ مسلم ومسلمة، فكيف بالنبيصلىاللهعليهوآله الذي طاعته واجبة على الأمة، ومخالفته عناد كفرٌ وإلحاد؟ فلذلك يصعب عليَّ قبول هذا الخبر وتصديقه!
قلت: نعم إنّه خبر ثقيل على مسامع كل مؤمنين، ومؤلمٌ لقلوب كل المسلمين، وإنّه يثير تعجب كل إنسان و يستغربه كل صاحب وجدان وإيمان!!
فإنّ العقل يأبى أنْ يقبله ويصعب على قلبٍ أن يتحمّله. إذ كيف يروم لجماعةٍ، يدّعون بأنّهم أتباع نبي الله، ثمّ يمنعوه من أن يوصي عند وفاته بشيءٍ يكون سبب سعادتهم، ويضمن لهم هدايتهم ويمنعهم عن الضلال والشقاء بعده أبداً؟! ولكن هذا ما حدث!!
____________________
١) سورة النجم، الآية ١ - ٤.
تأسّف ابن عباس
إنّه مؤسفٌ لكلّ غيور، فإنّ كل مسلم إذا سمع الخبر يتأسّف ويتألّم كما كان عبد الله بن عباس ابن عم رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا تذكّر ذلك اليوم يتأسف ويبكي.
ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ٢/ ٥٤ و ٥٥ / ط دار احياء الثراث العربي قال: و في الصحيحين، خرّجاه معاً عن ابن عباس أنّه كان يقول: يوم الخميس و ما يوم الخميس! ثم بكى حتى بَلَّ دمعُه الحصى. فقلنا: يا ابن عباس، و ما يوم الخميس؟
قال: اشتدّ برسول اللهصلىاللهعليهوآله وَجَعُه، فقال: ائتوني بكتاب أكتبُه لكم لا تضلّوا بعدي أبدا. فتنازعوا، فقالصلىاللهعليهوآله : إنّه لا ينبغي عندي تنازع، فقال قائل: ما شأنه؟ أَ هَجَر؟!(١) .
____________________
١) أظنُّ أن أتباع عمر بن الخطاب ومحبّيه أرادوا أن يصلحوا عبارته فزادوا قبل كلمة «هَجَر» الهمزة الإستفهامية!
ولكن هل يُصلح العطّار ما أفسد الدهر؟!
فإنّ أكثر الروايات صريحة في أنّ عمر نسب الهجر إلى النبيّصلىاللهعليهوآله !
ففي صحيح البخاري عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فقالوا: هجر رسول اللهصلىاللهعليهوآله / صحيح البخاري: ج ٢ / ١٧٨ بحاشية السندي وج ٦ / ٩ / باب مرض النبيصلىاللهعليهوآله .
ورواه مسلم بنفس اللفظ في صحيحه: ج ١١ / ٨٩ - ٩٣ بشرح النووي، وفي ج ٣ / ١٢٥٦ تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فقالوا: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يهجر!! =
الشيخ عبد السلام: هذه الرواية مبهمة، لا تصرّح بأنّ النزاع لأيّ شيءٍ حدث؟ ثمّ مَنْ هو القائل؟: ما شأنُهُ؟ أَهَجَر؟
قلت: لإنْ كانت هذه الرواية مبهمة فإنّ هناك روايات صريحة على أنّ القائل هو عمر بن الخطاب، وأنّه هو الذي منع بكلامه منْ أنْ يأتوا للنبيصلىاللهعليهوآله بالقرطاس والدواة ليوصي!
الشيخ عبدالسلام: هذا بهتان عظيم! نعوذ بالله تعالى من هذا الكلام، وأنا على يقين أنّ هذا البهتان على الخليفة عمر ما هو إلّا من أقاويل الشيعة وأباطيلهم، فأوصيك ان لا تُعِدْها!
قلت: وأنا أوصيك يا شيخ: أنْ لا تفوه بكلمة من غير تفكُّر، فإنّ لسان المؤمن خلف قلبه وقلب المنافق خلف لسانه، يعني ينبغي للمؤمن أن يفكّر قبل أنْ يتكلّم، فإن المنافق يتكلم قبل أنْ يفكر في مقاله ومعنى كلامه، ثمّ ينكشف له بطلانه وزيفه، وكم رميتمُ الشيعة المؤمنين، في هذه المناقشات، ونسبتم كلامنا للأباطيل والأقاويل، ثم انكشف للحاضرين أنّها ما كانت كذلك وانما كان كلامنا من مصادر ومنابع أهل
____________________
= وأخرجه ابن سعد في الطبقات ج ٢ / ٣٧ عن سعيد عن ابن عباس فقالوا: إنما يهجر رسولصلىاللهعليهوآله !، وفي صفحة ٣٦ روى عن ابن عباس فقال بعض من كان عنده: إن نبي الله ليهجر!
وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده ج ١ / ٢٢٢ عن سعيد عن ابن عباس فقالوا: ما شأنه يهجر!! قال سفيان يعني: هَذَى!!
وأخرج أيضاً في المسند ج ٣ / ٣٤٦: أنّ النبيصلىاللهعليهوآله دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لا يضلون بعده قال: فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها!!
وأخرجه ابن سعد أيضاً في الطبقات ج ٢ / ٣٦.
«المترجم»
السنّة وعلمائهم وأعلامهم!!
وسَأُثْبتُ لكم أننا لسنا أهل افتراء وبهتان ولا أهل الأقاويل والبطلان، وإنما ذاك غيرنا!!
ولكي يظهر لك الحق ويتضح الأمر، بأنّ القائل: أهَجَر؟ أو يهجُر!
وأنّ المانعين من أنْ يكتب النبيصلىاللهعليهوآله وصيّته، هو عمر.
فراجع المصادر التي ساذكرها من علمائكم:
١- صحيح البخاري: ج ٢/ ١١٨.
٢- صحيح مسلم في آخر كتاب الوصيّة.
٣- الحميدي في الجمع بين الصحيحين.
٤- احمد بن حنبل في المسند: ج ١ / ٢٢٢.
٥- و الكرماني في شرح صحيح البخاري.
٦- والنووي في شرح صحيح مسلم، وغيرهم كابن حجر في صواعقه، والقاضي أبو علي، والقاضي روزبهان، والقاضي عياض، والغزالي، وقطب الدين الشافعي، والشهرستاني في الملل والنحل وابن الأثير، والحافظ أبو نعيم، وسبط ابن الجوزي. وجُلُّ علمائكم أو كلّ من كتب من أعلامكم عن وفاة النبيصلىاللهعليهوآله ذكر هذا الأمر العظيم والخطب الجسيم والخبر الأليم.
نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ٢ / ٥٥ / ط. دار إحياء التراث العربي بيروت قال: و في الصحيحين أيضاً، خرّجاه معاً عن ابن عباس رحمه الله تعالى قال: لما احتُضر رسول اللهصلىاللهعليهوآله و في البيت رجالٌ منهم عمر بن الخطاب، قال النبيصلىاللهعليهوآله : هلمّ أكتب لكم كتاباً
لا تضلّون بعده، فقال عمر: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد غلب عليه الوجَع، و عندكم القرآن، حسبنا كتابُ الله!
فاختلف القوم و اختصموا، فمنهم مَن يقول: قرِّبوا إليه يكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده، و منهم من يقول: القولُ ما قاله عمر، فلما أكثروا اللغو و الاختلاف عندهعليهالسلام ، قال لهم: قوموا فقاموا.
فكان ابن عباس يقول: إنّ الرَّزيَّة كلَّ الرَّزيّة: ما حَالَ بين رسول اللهصلىاللهعليهوآله و بين أنْ يكتب لكم ذلك الكتاب.
ونقل سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص / ٦٤ و٦٥ / ط. مؤسسة أهل البيت بيروت، قال: وذكر أبو حامد الغزالي في كتاب «سر العالمين »: ولما مات رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال قبل وفاته بيسير: إئتوني بدواةٍ وبياض لأكتب لكم كتاباً لا تختلفوا فيه بعدي، فقال عمر:
دعوا الرجل فإنه يَهْجُر!!
إنّ هذه المخالفة والمعارضة من عمر لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ما كانت أوّل مرّة بل كانت مسبوقة بمثلها كما في صلح الحديبيّة وغيرها ولكن هذه المرة سبَّبت اختلاف المسلمين وتنازعهم في محضر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وكان أوّل نزاعٍ وتخاصم وقع بين المسلمين في حياة النبيصلىاللهعليهوآله ودام ذلك حتّى اليوم، فعمر بن الخطاب هو مُسبِّب هذه الإختلافات والضلالات التي أدَّت بالمسلمين إلى القتال والحروب، وسفك الدماء وإزهاق النفوس، لأنه منع النبيصلىاللهعليهوآله من كتابة ذلك الكتاب الذي كان يتضمن اتحاد المسلمين وعدم ضلالتهم إلى يوم الدين!!
الشيخ عبدالسلام: لا ننتظر من جنابكم هذا التجاسر على مقام
الخليفة الفاروق! وأنت صاحب الخُلُق البديع والأدب الرفيع فكيف لا تراعي الأخلاق والآداب؟!
قلت: بالله عليكم! اتركوا التعصّب! وتجرّدوا عن حب ذا وبغض ذاك! وأنصفوا! هل تجاسر الخليفة على سيد المرسلين وخاتم النبيينصلىاللهعليهوآله ومخالفته ومعارضته للنبيصلىاللهعليهوآله ونسبته رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى الهجر والهذيان أعظم أم تجاسري على الخليفة كما تزعمون؟! ولعمري ما كان تجاسري إلّا كشفَ الواقع وبيان الحقيقة!
وليت شعري أنا لا أراعي الأخلاق والآداب أم عمر بن الخطاب؟ إذ سبّب النزاع والصياح، وتخاصم الأصحاب عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتى رفعوا أصواتهم وازعجوا النبيصلىاللهعليهوآله بحيث أخرجهم وأبعدهم وغضب عليهم لأنّهم خالفوا الله سبحانه إذ يقول:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَکُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ کَجَهْرِ بَعْضِکُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُکُمْ وَ أَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ) (١) .
الشيخ عبد السلام: لم يقصد الخليفة من كلمة الهجر معنىً سيّئاً وإنّما قَصَدَ أنّ النبيصلىاللهعليهوآله بشرٌ مثلنا، وكما نحن في مثل تلك الحالة نفقد مشاعرنا، فرسول اللهصلىاللهعليهوآله كان كذلك! لأنّ الله تعالى يقول:( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ ) (٢) فهوصلىاللهعليهوآله إذاً مثلنا في جميع النواحي: في الغرائز والعواطف، ويعرض عليه من العوارض الجسمية كضعف القوى والأعضاء كما يعرض على غيره من البشر، وحالة الهجر والهذيان في حال المرض أيضاً من عوارض
____________________
١) سورة الحجرات، الآية ٢.
٢) سورة الكهف، الآية ١١٠.
الجسد البشري، فربما يعرض عليه كما يعرض على كل أفراد البشر!!
قلت: أوّلاً: إنّي أتعجّب من انقلابك وأستغرب تبدُّل حالك! إذْ كنْتَ قبل هذا تقول: لا ريب إنّ مخالفة كتاب الله كفر ومعاندة رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلحاد، والآن طفقتَ توجّه كلام معانديه وعمل مخالفيه! فما عدا ممّا بدا؟!
ثانياً: أتعجّب أيضاً أنّك لا تتأثّر من كلام عمر على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو سيد الأولين والآخرين. وتتغيّر هذا التغيّر الفضيع من كلامي على عمر، وهو إنسان عادي غاية ما هنالك أنّ أحد صحابة رسول الله وكم له في الصحابة من نظير!!
والجدير بالذكر أنّه بعد تلك الصحبة الطويلة ما عرف النبيصلىاللهعليهوآله حق معرفته وكان جاهلاً بمقامه المنيع وشأنه الرفيع فنسب إليه الهجر، وهذا رأي بعض أعلامكم مثل القاضي عياض الشافعي في كتاب الشفاء والكرماني في شرح صحيح البخاري والنووي في شرح صحيح مسلم فإنّهم يعتقدون أنّ من ينسب الهجر والهذيان الى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقد جهل معنى النبوة والرسالة، ولا يعرف قدر النبي وشأنه، لأنّ الأنبياء العظام كلهم في زمان تبليغ رسالتهم وإرشادهم للناس يكونون معصومين عن الخطأ والزَّلل، لأنّهم يأخذون عن الله تعالى ومتّصلون بعالم الغيب والملكوت، سواءً أكانوا في حال الصحة أم المرض.
فيجب على كل فرد من الناس أن يطيعهم ويمتثل أوامرهم. فمَن خالفَ النبيصلىاللهعليهوآله في طلبه البياض والدواة ليكتب وصيتهصلىاللهعليهوآله وخاصّةً بمثل ذلك الكلام الشنيع: «إنّ رسول الله يهجر »! « إنّما هو يهجر »! «قد غلب عليه الوجع »! وما إلى ذلك من كلام فجيع وبيان فضيع، إنما
يدلّ على جهل قائله وعدم معرفته لمقام النبي وشخصيته العظيمة!
ثالثاً: أطلبُ من جناب الشيخ أنْ يراجع كتب اللغة في تفسير كلمة «يهجر» حتى يعرف مدى تجاسر قائلها على رسول اللهصلىاللهعليهوآله !! فقد قال اللغويون: الهُجر بالضم = الفُحْش، وبالفتح = الخَلْط والهَذيان، وهو بعيدٌ عن مقام النبوّة وقد عصم الله سبحانه رسوله عن ذلك بقوله عزّ وجلّ:( بِسْمِ الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ وَ النَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُکُمْ وَ مَا غَوَى * وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) (١) لذلك أمَرَ المسلمين بالاطاعة المحضة له من غير ترديد وإشكال، فقال سبحانه:( وَ مَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاکُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (٢) .
وقال تعالى:( أَطِيعُوا الله وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (٣) .
فمن استشكل في كلام رسولصلىاللهعليهوآله أو تردَّد في إطاعته وامتثال أمره، فقد خالف الله تعالى وأصبح من الخاسرين.
الشيخ عبد السلام: ولو فرضنا بأنّ عمراً قد أخطأ، فهو خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكان يقصد بذلك حفظ الدين والشريعة ولكنّه اجتهد فأخطأ فيُعْفى عنه والله خير الغافرين.
قلت: أوّلاً: حينما تكلم عمر بذلك الكلام الخاطىء لم يكن خليفة رسول الله، بل شأنه شأن أحد الناس العاديين.
ثانياً: قد قُلْتَ: إنّه اجتهد فأخطأ! فلَعَمري هل الرأي أو الكلام
____________________
١) سورة النجم، الآية ١ - ٤.
٢) سورة الحشر، الآية ٧.
٣) سورة النساء، الآية ٥٩.
المخالف لِنَصِّ القرآن، اجتهاد؟ أم ذنب لا يُغفر!
ثالثاً: وقُلْتَ: إنّه كان يقصد حفظ الدين والشريعة.
فمن أين تقول هذا؟ والله من وراء القصد.
ثم هل إنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان أعرف بحفظ الشريعة أم عمر بن الخطاب؟ فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان مُوَكّلاً من الله في ذلك وكانصلىاللهعليهوآله حريصاً على الدين وحفظ الشريعة أكثر من غيره، ولأجل ذلك أراد أنْ يُوصي ويكتب كتاباً لا يضلّ المسلمون بعده أبداً.
ولكن عمر منع من ذلك وصار سبباً لضلالة مَن ضلّ إلى يوم القيامة، فأي عفو وغفران يشمل هذا المجتهد الخاطيء!!
الشيخ عبد السلام: ربما الخليفة الفاروق رضي الله عنه كان يعرف الأوضاع الاجتماعية والظروف الراهنة، وثبتَ عنده بأنّ الوصيّة وكتاب النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يحدث فتنة عظيمة من بعدهصلىاللهعليهوآله ، فكان بمنعه ورفضه الكتاب والوصية، ناصحاً للنبي و ناوياً الخير للإسلام والمسلمين.
قلت: إنّ أستاذي المرحوم الشيخ محمد علي الفاضل القزويني وكان يحوي علم المعقول والمنقول، كان ينصحني ويقول: توجيه الخطأ يولّد أخطاءً أخرى، فلو اعترف العاقل بخطئه لكان أسلم له وأجمل، وقالوا قديماً: الاعتراف بالخطأ فضيلة. وأنا أراك هويت في مهوى توجيه خطأ مَن تهوى فنسيت كلام الله تعالى حيث يقول:
( وَ مَا کَانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَکُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ الله وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً ) (١) .
الشيخ عبد السلام: تظهر نيّة الفاروق الحسنة مِن آخر كلامه حيث
____________________
١) سورة الأحزاب، الآية ٣٦.
قال:حَسْبُنا كتاب الله!!
قلت: هذه الجملة تدلُّ على عدم معرفة الخليفة لمقام النبوّة وعدم معرفته بحقيقة كتاب الله أيضاً، لأنّ القرآن كلامٌ ذو وجوه وله بطون، ولابدّ من مفسِّرٍ(١) وموضِّح يعرف الناسخ والمنسوخ والعام والخاص
____________________
١) نقل الحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودة / الباب الخامس والستون / عن كتاب فصل الخطاب للعلّامة محمد خواجه البخاري عن ابن عباس قال:وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: إنّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ما منها حرفٌ إلّا له ظهر و بطن و إنّ عليّ بن أبي طالب عَلِمَ الظاهر و الباطن.
ورواه العلامة الكنجي القرشي الشافعي في كتابه كفاية الطالب في الباب الرابع والسبعون عن ابن مسعود، وقال رواه أبو نعيم في حلية الأولياء.
وروى الخواجه البخاري بعده عن ابن عباس أيضاً قال: أُتي عمر بن الخطاب بامرأة مجنونة حبلى قد زنت، فأراد عمر بن الخطاب،أن يرجمها فقال له عليّ: أ مَا سمعتَ ما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : رُفع القلم عن ثلاث عن المجنون حتّى يبرأ و عن الغلام حتى يُدرك، و عن النائم حتى يستيقظ. فخَلَّى عنها، ثم قال العلامة محمد خواجه البخاري: وفي عدة من المسائل رَجَعَ - أي عمر - إلى قول علي رضي الله عنه.
فقال عمر: عَجَزَت النساء أنْ يلدنَ مثل علي، لو لا علي لهلك عمر، ويقول أيضاً: أعوذ بالله من معضلة ليس فيها علي! انتهى كلام البخاري.
وروى العلامة مير علي الهمداني الشافعي في كتابه مودّة القربى / المودّة السابعة عن أبي ذر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنه قال: عليٌ باب علمي و مبيِّنٌ لأمتي ما أُرسلْتُ به من بعدي، حبه إيمان و بغضه نفاق و النظر إليه رأفة عبادة. قال رواه أبو نعيم الحافظ بإسناده.
ونقل الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة تحت عنوان «هذه المناقب السبعون في فضائل أهل البيت» الحديث التاسع والعشرون عن أبي الدرداء =
والمطلق والمقيَد والمجمل والمبيّن والمتشابه والمحكم منه، وهذا لا يكون إلّا مَن أفاض الله عليه من الحكمة وفتح في قلبه ينابيع علومه، فلذا قال سبحانه:( وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (١) .
فإذا كان القرآن وحده يكفي لَما قال سبحانه:( مَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاکُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (٢) . ولما قال تعالى:( وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (٣) .
ولقد عرّف رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأمّته الراسخين في العلم وأولي الأمر الذين يُرجَع إليهم في تفسير القرآن وتوضيحه، في حديثه الذي كرّرهُ على مسامع أصحابه وقد وَصَل حدَّ التواتر في النقل، إذْ قال حتى عند وفاته: إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا عليَّ الوض، إنْ تمسّكتم بهما نجوتم - لن تضلّوا أبداً(٤) .
فرسول اللهصلىاللهعليهوآله لا يقول لأمته: كفاكم كتاب الله وحسبكم. بل يضم إلى القرآن أهل بيته وعترته.
أيها الحاضرون! فكروا وأنْصِفوا أيّ القولْين أحقّ أنْ يُؤخَذ به
____________________
= رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : عليٌ باب علمي و مبينٌ لأمتي ما اُرسلتُ به من بعدي، حبه إيمان و بغضه نفاق و النظر إليه رأفة، ومودّته عبادة. رواه صاحب الفردوس.
أقول: لا يخفى أنّ جملة «ما اُرسلت به» تشمل القرآن والسنّة الشريفة وجميع أحكام الإسلام.
«المترجم»
١) سورة آل عمران، الآية ٧.
٢) سورة الحشر، الآية ٧.
٣) سورة النساء، الآية ٨٣.
٤) «نقلتُ لكم مصادره في البحوث الماضية».
قول عمر: حسبنا كتاب الله. أم قول النبيصلىاللهعليهوآله : كتاب الله وعترتي؟
لا أظنّ أحداً يرجِّحُ قول عمر على قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فإذا كان كذلك، فلماذا أنتم تركتم قول النبيصلىاللهعليهوآله وأخذتم بقول عمر؟! فإذا كان كتاب الله وحده يكفينا، فلماذا يأمرنا الله تعالى ويقول:( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّکْرِ إِنْ کُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (١) والذِّكْر سواءٌ أكان القرآن أم رسول اللهصلىاللهعليهوآله فأهل الذِّكْر هم عترة رسول الله وأهل بيته الطيبين.
وقد مرّ الكلام حول الموضوع في الليالي السالفة، ونقلتُ لكم عن السيوطي وغيره من أعلامكم أنّهم رَووا بأنّ أهل الذكر هم عترة رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذين جعلهم النبيصلىاللهعليهوآله عِدْلَ القرآن ونظيره.
وأنقل لكم - الآن - مضمون كلام أحد أعلامكم وهو قطب الدين الشيرازي، قال في كتابه كشف الغيوب: لابدّ للناس من دليل ومرشد يرشدهم إلى الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم، ولذا أتعجّبُ من كلام الخليفة عمر (رض): حسبنا كتاب الله! وبهذا الكلام رفض الهادي والمرشد فمَثَله كمن يقبل علم الطب وضرورته ولزومه للناس إلّا أنّه يرفض الطبيب ويقول حسبنا علم الطّب وكتبه ولا نحتاج إلى طبيب!
من الواضح إن هذا الكلام مردود عند العقلاء، لأنّ الطبيب وجوده لازم لتطبيق علم الطب كما يلزم علم الطب الناس، والعلم من غير عالم وعارف بمصطلحاته ورموزه، يبقى معطَّلاً لا يمكن أنْ يستفاد منه، فكما لا يمكن لآحاد البشر أنْ يعرفوا علم الطب ورموزه، ولا بدّ من أطبّاء في كل مجتمع يعالجون المرضى بمعرفتهم لعلم الطب ورموز العلاج، كذلك القرآن الكريم وعلومه لا يعقل بأنّ الناس كلهم
____________________
١) سورة النحل، الآية ٤٣.
يعرفون علومه ورموزه ومصطلحاته، فلا بدّ أنْ يرجعوا إلى العالم لعلومه ورموزه والمتخصِّص بتفسيره وتأويله وقد قال سبحانه:( وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (١) .
وقال عزّ وجلّ:( وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (٢) . فالكتاب المبين وحقيقته إنما يكون في قلوب أهل العلم، كما قال سبحانه:
( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) (٣) .
ولهذا كان عليٌ كرم الله وجهه يقول: أنا كتاب الله الناطق والقرآن كتاب الله الصامت. انتهى مضمون مقال وخلاصة مقال قطب الدين.
أقول: كلّ عاقلٍ منصف، وكلّ صاحب وجدان وإيمان يعرف أنّ عمر بن الخطاب ارتكب ظلماً كبيراً بمنعه النبيصلىاللهعليهوآله أنّ يكتب لأمته كتاباً لن يضلّوا بعده أبدا!!
وأما قولك أيها الشيخ: إنّ أبا بكر وعمراً أوصيا ولم يمنعهما أحدٌ من الصحابة: فهو قولٌ صحيح وهذا الأمر يثير تعجّبي واستغرابي. كما يهيج حزني ويبعث الألم في قلبي، فقد اتفق المؤرخون والمحدثون على إنّ أبا بكر أملا وصيته على عثمان، وهو كتبها في محضر بعض أصحابه وعرف عمر بن الخطاب ذلك ولم يمنعه، وما قال له: لا حاجة لنا بوصيتك وعهدك، حسبنا كتاب الله!
ولكنّه مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن الوصية وكتابة عهده لأمته، قائلاً: أنّه يهجر.. كفانا أو حسبنا كتاب الله!! وقد كان ابن عباس وهو حبر الأمّة كلّما يتذكّر ذلك اليوم يبكي ويقول: الرزيّة كل الرزية: ما حال بين
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ٧.
٢) سورة النساء، الآية ٨٣.
٣) سورة العنكبوت، الآية ٤٩.
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم و بين أنْ يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم / صحيح البخاري بحاشية السندي: ج ٤ / كتاب المرضى باب قول المريض قوموا عني وج ٤ / ٢٧١ / باب كراهية الخلاف.
نعم كان ابن عباس يتأسّف ويبكي، ويحقُّ لكل مسلم منصف أنْ يتأسّف ويبكي، وأنْ يتألّم ويتأثر ويتغيّر، ونحن على يقين أنّهم لو تركوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله يكتب وصيته، لبيَّنَ أمر الخلافة من بعده وعيَّن خليفته مؤكِّداً عليهم بأن يطيعوه ولا يخالفوه، ولَذكَّرهُم كل ما قاله في هذا الشأن وفي شأن وصيه وخليفته ووارثه من قبل. والذين منعوا من ذلك، كانوا يطمعون في خلافته كما كانوا يعلمون أنه يريد أن يسجَّل خلافة ابن عمه علي بن أبي طالب، ويكتبه ويأخذ منهم العهد والبيعة له في آخر حياته، كما أخذ عليهم ذلك في يوم الغدير، لذلك خالفوه بكل وقاحة ومنعوه من ذلك بكل صلافة!
الشيخ عبد السلام: كيف تدّعي هذا ومن أين تبيّن لك أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أراد أن يوصي في أمر الخلافة ويعيّن علي بن أبي طالب لهذا الأمر من بعده؟!
قلت: من الواضح أنّهصلىاللهعليهوآله بيَّن جميع أحكام الدين للمسلمين، وما تَركَ صغيرة ولا كبيرة من الفرائض السنن إلّا بيّنها، حتى قال تعالى في كتابه:( الْيَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِينَکُمْ ) (١) ، فكان من هذه الجهة مرتاح البال، ولكن الذي كان يُشغلُ باله هو موضوع خلافته وولي الأمر بعده، لأنهصلىاللهعليهوآله كان يعرف عداوة كثير من الناس لعلي بن أبي
____________________
١) سورة المائدة، الآية ٣.
طالب، وكان يعلم حقدهم وحسدهم لهصلىاللهعليهوآله وكان يعرف طمع بعض الصحابة، وحرصهم على خلافته في أمّته، لذلك كان يتخوّف من مناوئي الإمام عليّعليهالسلام ومخالفيه، أنْ لا يخضعوا لإمارته ولا يقبلوا خلافته، فأراد أنْ يؤكّدها عليهم في آخر ساعات حياته، إضافة على ما بيَّنَهُ في هذا الأمر طول حياته كراراً ومراراً، كما رَوى الغزالي في كتابه «سرّ العالمين » في المقالة الرابعة، أنهصلىاللهعليهوآله قال: إيتوني بدوات وبياض لأزيل عنكم إشكال الأمر، وأذْكُر لكم مَن المستحق لها بعدي.
ثم كلنا نعلم أنّ الأمر الذي آل اختلاف المسلمين بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكان سبب سفك الدّماء وإزهاق النفوس، إنّما هو أمر الخلافة لا غير، فتبيّن أنهصلىاللهعليهوآله أراد أنْ يوضّح أمر الخلافة للمسلمين ويوصي بها لرجل منهم يستحقّها، حتى يبايعوه ويخضعوا لإمارته وخلافته ولكي لا يؤول أمرهم إلى التخاصم والتنازع، ولا يقعوا من بعده في هوة الاختلاف ومَزلّة الإنحراف.
ثم إنّ النبيصلىاللهعليهوآله في مواطن كثيرة عيّن وصيّه وعرَّفَهُ للناس، وقد نقلنا لكم بعض الأخبار والأحاديث في هذا الشأن ولا حاجة لتكرارها.
ولا ينكر أحدٌ من المسلمين المنصفين بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله عيَّن علياً وصيّاً لنفسه وأودعه الوصايا التي أراد أنْ يكتبها حتى لا يضلوا من بعده أبداً، ولكنهم منعوه ورفضوها بقولهم: إنه لَيَهْجُر. كفانا أو حسبنا كتاب الله!!
الشيخ عبد السلام: خبر تعيين النبيصلىاللهعليهوآله علياً وصيّاً لنفسه غير متواتر فلا يصح الإستناد به.
قلت: هو خبر متواتر عن طريق العترة النبويّة الطاهرة والأمر ثابت من غير شك ولا ترديد.
وأمّا عن طرقكم، فربما لم يكن لفظه متواتراً ولكن معناه قد تواتر عن طرقكم في ألفاظ متفاوتة وجُمل متعدّدة.
ثم إذا كان التواتر عندكم مهمّاً إلى هذا الحد بحيث لو كان الخبر واصلاً عن طريق موثوق وبسندٍ حسن وقد صححه العلماء المتخصِّصون، ومع ذلك ترفضونه بحجّة أنه غير متواتر، فأسألكم هل كان حديث: «لا نورِّث ما تركناه صدقة » متواتراً؟! لا.. بل هو خبرٌ واحد رواه أبو بكر(١) ، وصدَّقه عصابة كانت لهم منفعة ومصلحة في تصديقهم إيّاه!
ولكن في كل عصر ينكره ملايين المسلمين ويرفضه آلاف العلماء الصالحين.
وقد أنكره الإمام عليعليهالسلام وهو باب علم الرسول، ورفضته فاطمة الزهراءعليهالسلام بضعة رسول الله الطاهرة المطهّرة التي عصمها الله من الزلل وطهّرها من الرجس والدَنَس بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة المستندة على كتاب الله الحكيم والمنطق القويم والعقل السليم.
ولو لم يورث الأنبياء فكيف قال النبيصلىاللهعليهوآله : لكل نبيّ وصيٌّ ووارث، وأنّ علياً وصيّي ووارثي؟(٢) .
واثبتنا أنّ المقصود وراثة المال والمقام. وحتى إذا كان المقصود
____________________
١) شرح النهج لابن أبي الحديد ج ١٦/ ٢٢١ / ط دار إحياء التراث العربي /: المشهور أنّه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلّا أبو بكر وحده.
وقال في صفحة ٢٢٧: أكثر الروايات أنّه لم يرو هذا الخبر إلّا أبو بكر وحده ذكر ذلك أعظم المحدّثين حتى أنّ الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد.
«المترجم»
٢) نقلت لكم مصادره فيما سبق.
وراثة العلم فوارث علم النبيصلىاللهعليهوآله أحق بخلافته من فاقد علمه.
والجدير بالذكر أنّ أبا بكر وعمر في كثير من القضايا رجعا إلى الإمام عليعليهالسلام وعملا برأيه وأخذا بقوله، ولكن في هذه القضية بالذات خالفوه، ولم يقبلوا حتى شهادته في فدك بأنها منحة رسول اللهصلىاللهعليهوآله لفاطمةعليهالسلام ، فرفضوا شهادته وشتموه بقولهم: إنّما هو ثعالة شهيده ذَنَبه، مُرَبّ لكل فتنة الخ.
الحافظ: إن أبا بكر وعمر كانا في غنىً عن عليٍّ وعلمه ولم يرجعا إليه في بعض الأحكام لجهلهما بالحكم بل كانا يحترمانه ويشاورانه.
قلت: إنّ قولك هذا منبعث عن حبك للشيخين وقد قالوا: حب الشيء يُعْمي ويُصم.
وإن قولك رأي شخصيٌ لم يقل به قائل، بل هو مخالف لصريح ما نقله أعلامكم عن نفس أبي بكر وعمر.
وإليكم نماذج منها:
الحكم في امرأة ولدت لستة أشهر
نقل المحدثون منهم أحمد بن حنبل في مسنده والمحب الطبري في ذخائر العقبى وابن أبي الحديد في شرح النهج والشيخ سليمان القندوزي في ينابيع المودّة / الباب السادس والخمسون فصل: في ذكر كثرة علم علي، قال: وروي أن عمر أراد رجم المرأة التي ولدت لستة أشهر! فقال عليٌعليهالسلام في كتاب الله:( وَ حَمْلُهُ وَ فِصَالُهُ
ثَلاثُونَ شَهْراً ) (١) ثم قال:( وَ فِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) (٢) فالحمل ستة أشهر، فتركها عمر، وقال عمر: لو لا عليٌ لهلك عمر. قال القندوزي: أخرجه أحمد والقلعي وابن السّمان.
ونقل القندوزي في الباب قبل هذا الخبر بقليل فقال:
وأخرج أحمد [ ابن حنبل ] في المناقب: أنّ عمر بن الخطاب إذا أشكل عليه شيءٌ أخذ من علي رضي الله عنه.
ولو تصفّحنا كتب التاريخ والحديث لوجدنا كثيراً من هذه القضايا المشكلة التي كان يعجز عن حكمها الخلفاء فيرجعون فيها إلى عليعليهالسلام ويأخذون بقوله ويعملون برأيه.
فيا أيها العلماء! وأيها الجمع! فكّروا: لماذا رفضوا شهادة عليعليهالسلام في أمر فدك ولم يقبلوا حكمه في قضيّة فاطمةعليهالسلام وقالوا ما قالوا وافتروا عليه وشتموه!!
ثم إذا كان الحديث الذي رواه أبو بكر صحيحاً وكان قد سمعه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلماذا لم يحكم في سائر ممتلكات النبيصلىاللهعليهوآله بحكم فدك ولم يضمّها إلى بيت المال لعامة المسلمين، أو يجعلها صدقات ينتفع بها المساكين.
بل ترك حجرة فاطمةعليهالسلام لها، وترك حجرات زوجات الرسول لكل واحدةٍ منهن حجرتها، من باب الإرث(٣) .
____________________
١) سورة الأحقاف، الآية ١٥.
٢) سورة لقمان، الآية ١٤.
٣) كما ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج ج ١٦/٢١٤ لا / ط دار إحياء التراث العربي إنّ أبا بكر قال فيما قال بعد خطبة فاطمةعليهالسلام : أما بعد فقد دفعت آلة رسول اللهصلىاللهعليهوآله - أي سيفه وأجهزته الخاصة - و دابته و حذاءه إلى علي بن أبي طالبعليهالسلام ، و أمّا <=
إضافة على هذا: إذا كان أبو بكر يؤمن بما يقول ويعتقد بالحديث الذي رواه: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة » وعلى هذا المبنى أخذوا فدك وأخرجوا عمّال فاطمة منها. فلماذا ردّ فدك - بعد أيام - على فاطمة وكتب لها كتاباً في ذلك إلّا أنّ عمر أخذ منها الكتاب ومزّقه، ومنعها من التصرّف في فدك؟!
الحافظ: هذا كلام جديد لم نسمع به من قبل! فمن أيّ مصدر وبأيّ دليل تقول: بأنّ أبا بكر (رض) ردّ فدك على فاطمة ثمّ منعها عمر في خلافة أبي بكر ومزّق كتابه؟!!
قلت: يبدو أنّ مشاغل الحافظ كثيرة بحيث لا يجد فرصةً ليطالع كتب أعلام السنة من أهل مذهبه ونحلته، وإلّا لما كان هذا الخبر جديداً على مسامعه، فقد روى هذا الخبر كثيرٌ من المؤرخين والمحدثين منهم علي بن برهان الدين الشافعي في السيرة الحلبية: ج ٣/٣٩١ وابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ١٦ / ٢٤٧/ ط دار إحياء التراث العربي / قال: روى إبراهيم بن سعيد الثقفي عن إبراهيم بن ميمون، قال: حدّثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالبعليهالسلام عن أبيه عن
____________________
= ما سوى ذلك فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً و لا فضة و لا أرضاً و لا عقاراً و لا داراً الخ.
أقول: لقد كان عليٌعليهالسلام أحقّ الناس برسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى عند أبي بكر، ولذلك دفع إليه الآلات والأجهزة الخاصة برسول الله ولم يدفعها إلى العباس بن عبد المطلب وهو عم النبيصلىاللهعليهوآله فتأمّل.
«المترجم»
جدِّه عن عليّعليهالسلام قال: جاءت فاطمةعليهالسلام إلى أبي بكر و قالت: إنّ أبي أعطاني فدك، و عليٌ و أم أيْمَن يشهدان فقال: ما كنت لتقولي على أبيك إلّا الحق قد أعطيتكها، و دعا بصحيفةٍ من أدم فكتب لها فيها، فخَرجَت فلقيتْ عمر فقال: من أين جئتِ يا فاطمة؟ قالت جئت من عند أبي بكر. أخبرته أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أعطاني فدكاً و أنّ علياً و أم أيمن يشهدان لي بذلك فأعطانيها و كتب لي بها. فأخذ عمر منها الكتاب. ثم رجع إلى أبي بكر، فقال: أعطيتَ فاطمة فدك و كَتَبتَ بها لها؟ قال: نعم فقال: إنّ علياً يجرُّ إلى نفسه، و أم أيمن امرأة، و بصق في الكتاب فمحاه و خَرَقه!
والعجب أنّ عمر الذي كان بهذه الشدّة في قضيّة فدك أيام خلافة أبي بكر، لما وصلت أيّامه وصارت الخلافة في يده رَدَّ فدك على أولاد فاطمة وكذلك بعض الخلفاء من بعده!
الحافظ: إنّ هذا الخبر من أعجب الأخبار لتناقضه، وإنّي حائرٌ في تصديقه وردّه!
قلت: لا تتحيّر ولا تردّ الخبر بل راجع كتاب وفاء الوفاء في تاريخ مدينة المصطفى للعلامة السمهودي وهو من أعلامكم، ومعجم البلدان لياقوت الحموي.
رَوَيا أنّ أبا بكر أخذ فَدك من فاطمة، ولكنّ عمر في خلافته ردَّه على العباس وعلي بن أبي طالب، فإذا كان فدك فيء المسلمين وقد أخذه أبو بكر حسب الحديث الذي سمعه من النبيصلىاللهعليهوآله ، فبأيّ سبب ردّه عمر وجعله في يد علي والعباس دون سائر المسلمين؟!
الشيخ عبد السلام: لعله جعلهما من قِبَله حتى يأخذا حاصله
ويصرفاه في مصالح المسلمين.
قلت: ولكنّ ظاهر بعض العبارات التاريخية أنهما ادَّعيا عند عمر ميراثهما فأعطاهما فدك وكانا يتصرّفان فيها تصرّف المالك في ملكه(١) .
الشيخ عبد السلام: لعلّ مراد المؤرخين من عمر هو عمر بن عبدالعزيز!
ردّ عمر بن عبد عبدالعزيز فدك
فتبسّمتُ ضاحكاً من قوله وقلت: عليٌعليهالسلام والعباس ما كانا في خلافة عمر بن عبدالعزيز، وحكم عمر بن عبدالعزيز و ردّه فدك على أولاد فاطمةعليهالسلام خبرٌ آخر وقد ذكره العلامة السمهودي أيضاً، وذكره
____________________
١) روى ابن أبي الحديد في شرح النهج، ج ١٦ / ٢٢٩ / ط. دار إحياء التراث العربي عن أبي بكر الجوهري قال: حدثنا أبو زيد - عمر بن شبّة - ثم عَنْ عَنَ بإسناده إلى مالك بن أوْس بن الحدثان، قال: سمعتُ عمر و هو يقول للعباس و علي ثم توفّي أبو بكر فقبضتها - يعني فدك - فجئتما تطلبان ميراثكما! أما أنت يا عباس فتطلب ميراثك من ابن أخيك، و أما عليٌ فيطلب ميراث زوجته من أبيها
قال أبو زيد: قال أبو غسّان: فحدّثنا عبد الرزاق الصنعاني عن معمر بن شهاب عن مالك بنحوه و قال في آخره: فغلب عليٌ عباساً عليها، [ وذلك لأنه لا يرث العم مع وجود فرد من الطبقة الأولى وهي بنت النبيصلىاللهعليهوآله ، وبوفاة الصديقة الطاهرة يرثها زوجها وأولادهاعليهالسلام ]، فكانت بيد عليّ ثم كانت بيد الحسن ثمّ كانت بيد الحسين ثمّ علي بن الحسين ثم الحسن بن الحسن ثم زيد بن الحسن.
ثم قال ابن أبي الحديد: و هذا الحديث يدلّ صريحاً على أنّهما جاءا يطلبان الميراث لا الولاية الخ.
«المترجم»
ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ١٦ / ٢١٦ قال: فلما وليَ عمر ابن عبد العزيز الخلافة الأموية كانت أول ظلامةٍ ردّها، [ أنه ] دعا الحسنَ بنَ الحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام و قيلً بل دعا علي بن الحسينعليهالسلام فردّها عليه، و كانت بيد أولاد فاطمةعليهالسلام مدّةَ ولاية عمر بن عبد العزيز.
فلمّا وليَ يزيد بن عاتكة قبضها منهم، فصارت في أيدي بني مروان كما كانت يتداولونها، حتى انتقلت الخلافة الأموية عنهم، فلمّا وليَ أبو العباس السفّاح ردّها على عبد الله بن الحسن بن الحسن، ثم قبضها أبو جعفر لمـّا حدث من بني الحسن ما حدث، ثم ردّها المهدي - ابنهُ - على ولد فاطمةعليهالسلام ثمّ قبضها موسى بن المهدي و هارون أخوه، فلم تزل أيديهم حتى ولي المأمون.
المأمون وردّه فدك
نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ١٦ في صفحة ٢١٧: قال أبو بكر - الجوهري - حدثني مهدّي بن زكريا قال: حدثني مهدّي بن سابق قال: جلس المأمون للمظالم فأوّل رُقعة وقعت في يده نظر فيها و بكى، و قال للذي على رأسه: ناد أين وكيلُ فاطمة؟ فقام شيخ عليه دُرّاعة و عمامة و خُفّ تَعِزّىّ، فتقدم فجعل يناظره في فدك و المأمون يحتجّ عليه و هو يحتجّ على المأمون، ثم أمر أنْ يسجّل لهم بها، فكتب السجلّ و قرئ عليه، فأنفذه، فقام دِعبل إلى المأمون فأنشده الأبيات التي أولها:
أصبحَ وجهُ الزمان قد ضحِكا |
بردّ مأمون هاشمٍ فَدَكا |
ونقلَ ياقوت الحموي في معجم البلدان كتابَ المأمون إلى واليه على المدينة في شأن فدك، جاء فيه:
كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أعطى ابنته فاطمة رضي الله عنها فدكاً وتصدّق عليها بها، وأنّ ذلك كان أمراً ظاهراً معروفاً عند آله عليهم الصلاة والسّلام.
فدك كانت نحلة فاطمةعليهاالسلام
لقد ثبتَ في موضعه أنّ فدكاً كانت نحلةً لفاطمةَ أنْحَلَها رسول اللهصلىاللهعليهوآله وذا كان بعض الخلفاء يردونها على أولاد فاطمة وكان آخرون يغصبونها اقتداءً بأبي بكر!!
الحافظ: إن كانت فدكاً، نحلة أنحلها رسول الله فاطمة، فلماذا ادّعتها من باب الإرث ولم تدّعيها نحلةً؟
قلت: لا شك أنها ادّعت فدكاً بادئ الأمر من بابا النحلة وأقامت شهوداً على ذلك، فلما ردّوا شهودها ادّعتها من باب الإرث.
الحافظ: هذا كلام جديد لم نسمع به من قبل ولعلك مشتبه!
قلت: إنّي على يقين فيما أقول ولستُ مشتبهاً، ولم تنفرد الشيعة بهذا الخبر بل نقله كثيرٌ من أعلامكم منهم: علي بن برهان الدين في كتابه السيرة الحلبية، والفخر الرازي في تفسير الكبير، وياقوت الحموي في معجم البلدان، وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج: ج ١٦ / ٢١٤ / ط. دار إحياء التراث العربي، يروي عن أبي بكر الجوهري، قال: و روى هشام بن محمد عن أبيه قال: قالت فاطمة
لأبي بكر: أنّ أمَّ أيْمن تشهد لي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أعطاني فدك، فقال لها يا ابنة رسول الله إنّ هذا المال لم يكن للنبيصلىاللهعليهوآله ، و إنّما كان مالاً من أموال المسلمين(١) ، يحمل النبي به الرجال و ينفقه في سبيل الله فلما توفِّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله وليته كما كان يليه.
قالت: و الله لا كلّمتُكَ أبداً! قال: و الله لا هجرتُكِ أبداً! قالت: و الله لأَدْعُوَنَّ الله عليك! قال: و الله لأدعوَنَّ الله لكِ.
فلما حضرتْها الوفاة أوْصَتْ ألّا يصلّيَ عليها فدُفنت ليلاً الخ.
____________________
١) قال ابن أبي الحديد في صفحة ٢٢٥: فلقائل أن يقول له: أ يجوز للنبيّصلىاللهعليهوآله أن يملِّكَ ابنتَه أو غير ابنِتِه من أفناء الناس ضيعةً مخصوصةً أو عقاراً مخصوصاً من مال المسلمين، لوَحيٍ أوحى الله تعالى إليه، أو لاجتهاد رأيه - على قول من اجاز له ان يحكم بالاجتهاد - أو لا يجوز للنبيصلىاللهعليهوآله ذلك؟
فإن قال لا يجوزَ قال ما لا يوافقه العقل و لا المسلمون عليه.
و إنْ قال يجوز ذلك قيل: فإنّ المرأة ما اقتصرت على الدعوى بل قالت: أمّ أيمن تشهد لي فكان ينبغي أنْ يقول لها في الجواب: شهادة أم أيمن وحدها غيرُ مقبولة.
و لم يتضمّن هذا الخبر ذلك.
بل قال لها لمـّا ادّعت و ذكرت من يشهد لها: هذا مالٌ من مال الله. لم يكن لرسول اللهصلىاللهعليهوآله .
و هذا ليس بجواب صحيح.
«المترجم»
توجيه العامّة عمل أبي بكر
الحافظ: نحن نعلم أن أبا بكر أسخط فاطمة رضي الله عنها، وماتت بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهي واجدة عليه، ولكنه أبا بكر برىءٌ، لأنّه عمل بحكم الله وطالبها بالشهود لإثبات حقها، وأنت جدّ خبير بأنه يجب في هذه القضايا أنْ يشهد رجلان أو رجلٌ وامرأتان، وهذا حكم عام وفاطمة جاءت برجل وامرأة وما أكملت الشهود، ولذا لم يُصدر أبو بكر الحكم لها، فغضبت!!
قلت: فلنختم مجلسنا ونَدَع الجواب إلى الليلة القابلة فإنّ الحاضرين تعبوا، وأخاف أنْ يطول الكلام فيملّوا.
النواب: كلنا شوق وشغف لنعرف حقيقة الأمر، فإنّ موضوع فدك مهمٌّ جداً وحساس، وإذا أنتم ما تعبتم، فنحن راغبون إلى الاستماع لكلامكم وجوابكم.
قلت: أنا لا أتعب من هذه المجالس والمناقشات الدينية أبداً، بل مستعدٌ أن أبقى معكم حتى الصباح.
وأما الجواب: فقد قال الحافظ: بأن أبا بكر عمل بحكم الله وطالب فاطمة بالشهود لإثبات حقها!
قلت: لقد كانت فاطمةعليهالسلام متصرّفة في فدك، وكانت في يدها فبأي شرع وقانون يُطالب ذو اليد بإقامة الشهود على إثبات حقه فيما يكون تحت تصرّفه وفي يده؟! فإنّ الأصل المجمع عليه في قانون القضاء الإسلامي أنّ ذو اليد هو المالك فإذا ادّعى أحدٌ على ما في يده فعلى
المدّعي إقامة الشهود والبيّنة، وليس على المنكر إلّا اليمين، فأبو بكر كان مدّعياً لفدك التي كانت في يد فاطمةعليهالسلام وتحت تصرّفها، فحينئذٍ كان عليه أن يأتي بالبيّنة لإثبات ما يدّعي، وليس له أن، يُطالِب السيدة الزهراءعليهالسلام بالشهود والبيّنة.
ولكن... اذا كان خصمي حاكمي فكيف أصنع؟!
فأبو بكر خالف حكم الله سبحانه وسحقَ القانون وقلب أصول القضاء!!
وأما قول الحافظ: بأنّ الحق يَثْبُتُ بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وهذا حكم عام.
فأقول: ما من عامّ إلّا وقد خُصّ.
الحافظ: هذه القاعدة لا تجري في القضاء، فإن قوانين القضاء تجري على الأغنياء والفقراء وعلى الفسّاق والأولياء، على حدٍّ سواء، ولا يُستثنى حتى الأنبياء.
قلت: إنّ هذا الكلام يخالف سنة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وسيرته المسجّلة في صحاحكم، والثابتة في مسانيدكم.
خُزَيْمة.. ذو الشهادتين
ذكر ابن أبي الحديد ترجمة ذي الشهادتين في شرح النهج:ج ١٠ / ١٠٨ و١٠٩ ط دار إحياء التراث العربي / قال: هو خُزَيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة الخطمي الأنصاري من بني خطمة من الأوْس، جعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله شهادته كشهادة رجلين، لقصّة مشهورة الخ.
والقصة كما ذكرها الأعلام في ترجمته وفي كتب الحديث وأنا أنقلها من كتاب أُسْد الغابة لابن الأثير قال: روى عنه ابنه عمارة أنّ النبيصلىاللهعليهوآله اشترى فرساً من سواء بن قيس المحاربي، فجحَدَه سواء! فشهد خزَيمة بن ثابت للنبيصلىاللهعليهوآله فقال له رسول الله: ما حَمَلَكَ على الشهادة، ولم تكن حاضراً معنا؟
قال: صَدَّقْتُكَ بما جئتَ به، وعَلِمْتُ أنّك لا تقول إلّا حقاً.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : مَن شهد له خُزَيمة أو عليه فهو حسبه.
فما ظنك برسول اللهصلىاللهعليهوآله لو كان عليٌ يشهد عنده في قضية هل كان يصدّقه أم يرده؟! وهو القائل في حقه: «عليٌ مع الحق والحق مع علي يدور الحقّ حيث ما دار عليٌ » فكما أنّ النبيصلىاللهعليهوآله خصَّصَ شهادة خزيمة وأحلّه محل شاهديْن وصارت شهادته بشهادتيْن، كذلك أصحاب آية التطهير الذين عصمهم الله تعالى وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. فقولهم لا يُرَدّ، فإنّ الرادّ عليهم كالرادّ على الله سبحانه، وقد أثبتنا فيما سبق أنّ علياًعليهالسلام شهد لها بأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنحلها فدك، ولكنهم ردّوا شهادته بحجة أنّ علياً يجرُ إلى نفسه، فكذّبوه وصدّقه الله في كتابه الحكيم بقوله:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَ کُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (١) .
الحافظ: من أين تقول هذه الآية نزلت في شأن عليّ كرم الله وجهه؟
____________________
١) سورة التوبة، الآية ١١٩.
من هم الصادقون؟
قلت: أجمع علماء الشيعة استناداً على الروايات الواصلة عن طريق أهل البيتعليهمالسلام والعترة الهادية، بأنّ الصادقين هم خاتم النبيين وعليٌ أمير المؤمنين والعترة، وقد وافَقَنا كثيرٌ من أعلامكم وذهبوا إلى هذا الرأي، منهم: الثعلبي في تفسيره كشف البيان وجلال الدين السيوطي في تفسيره الدرّ المنثور، عن ابن عباس، والحافظ أبو سعد عبد الملك بن محمد الخركوشي في كتاب شرف المصطفى عن الأصمعي. والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء رووا عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: الصادقون أنا وعليٌ.
وقال القندوزي في ينابيع المودة / الباب التاسع والثلاثون: أخرج موفق بن أحمد الخوارزمي عن أبي صالح عن ابن عباس (رض) قال: الصادقون في هذه الآية محمدصلىاللهعليهوآله وأهل بيته. أيضاً أبو نعيم الحافظ والحمويني أخرجاه عن ابن عباس بلفظه، انتهى.
وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين والعلّامة الكنجي في كفاية الطالب / الباب ٦٢/وابن عساكر في تاريخه رووا بإسنادهم عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: كونوا مع الصادقين أي مع علي بن أبي طالب.
وهناك آيات أخرى أنقلها إليكم بالمناسبة:
١-( وَ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولٰئِکَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (١) روى جماعة من أعلامكم عن مجاهد عن ابن عباس قال: الذي جاء بالصدق محمدصلىاللهعليهوآله ، والذي صدّقَ به علي بن أبي طالبعليهالسلام .
____________________
١) سورة الزمر، الآية ٣٣.
منهم جلال الدين السيوطي في تفسيره الدرّ المنثور، والحافظ ابن مردويه في المناقب، والحافظ ابو نعيم في الحلية، والعلّامة الكنجي في كفاية الطالب / باب ٦٢، وابن عساكر في تاريخه يروي عن فئة من المفسرين.
٢-( وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَ رُسُلِهِ أُولٰئِکَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ ) (١) .
روى أحمد بن حنبل في المسند والحافظ أبو نعيم في كتابه: «ما نزل في علي من القرآنعليهالسلام » عن ابن عباس أنّها نزلت في شأن علي بن أبي طالبعليهالسلام فهو من الصدّيقين.
٣-( وَ مَنْ يُطِعِ الله وَ الرَّسُولَ فَأُولٰئِکَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَدَاءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولٰئِکَ رَفِيقاً ) (٢) .
وقد صَرَّحت الأحاديث المرويّة عن طرقكم والتي نقلها أعلامكم في كتبهم ومسانيدهم: بأنّ علياًعليهالسلام أفضل الصديقين، ولكي تعرفوا حقيقة مقالنا راجعوا مناقب ابن المغازلي الحديث ٢٩٣ و٢٩٤، والتفسير الكبير للفخر الرازي في تفسير قوله تعالى:( وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَکْتُمُ إِيمَانَهُ ) (٣) .
والدرّ المنثور للسيوطي في تفسير قوله تعالى:( وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً ) (٤) في سورة ياسين وقال: اخرجه أبو داود وأبو نعيم وابن عساكر والديلمي عن أبي ليلى وفيض القدير للمناوي: ج ٤/٢٣٨ في
____________________
١) سورة الحديد، الآية ١٩.
٢) سورة النساء، الآية ٦٩.
٣) سورة غافر، الآية ٢٨.
٤) سورة يس، الآية ١٣.
المتن وقال في الشرح - بعد لفظة وابن عساكر عن أبي ليلى -: وابن مردويه والديلمي من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أبي ليلى، وذخائر العقبى: ص ٥٦ والرياض النضرة: ج ٢/ ١٥٣ للمحب الطبري، وقال فيهما رواه احمد بن حنبل في كتاب المناقب.
هؤلاء كلهم رَووا بإسنادهم عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال: الصدّيقون ثلاثة: حبيب النجّار مؤمن آل يس.. وحزقيل مؤمن آل فرعون.. وعليّ بن أبي طالب، وهو أفضلهم.
ورواه ابن حجر في الصواعق المحرقة في ضمن الأربعين حديثاً في فضائلهعليهالسلام - الحديث الحادي والثلاثون - ونقله القندوزي في ينابيع المودّة / الباب الثاني والأربعون قال: الإمام أحمد في مسنده وأبو نعيم وابن المغازلي وموفق الخوارزمي أخرجوا بالإسناد عن أبي ليلى وعن أبي أيوب الأنصاري (رض) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الصّديقون ثلاثة: حبيب النجّار وحزقيل مؤمن آل فرعون.. وعلي بن أبي طالب، وهو أفضلهم.
ورواه العلّامة الكنجي إمام الحرمين في كتابه كفاية الطالب الباب الرابع والعشرون بسنده المتصل عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : سبّاق الأمم ثلاثة لم يُشركوا بالله طرفة عين علي بن أبي طالب وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون فهم الصدّيقون، حبيب النجار مؤمن آل ياسين و حزئيل مؤمن آل فرعون وعلي بن أبي طالبعليهالسلام و هو أفضلهم. ثم قال: هذا سندٌ اعتمَدَ عليه
الدار قطني واحتجّ به(١) .
____________________
١) أقول إضافةً على ما نقله المؤلف في أنّ علياًعليهالسلام أفضل الصديقين، وَجدتُ روايات كثيرة في مصادره العامة عن طرقه عديدة، أنّ علياًعليهالسلام هو الصدّيق الأكبر، منها:
خصائص النسائي /٣/ط مطبعة التقدم بالقاهرة وتاريخ الطبري ج ٢ /٥٦، والمحب الطبري في الرياض النضرة ج ٢/١٥٥ و١٥٨، كلهم رَووا باسنادهم عن الامام عليعليهالسلام أنّه قال: أنا عبد الله و أخو رسول اللهصلىاللهعليهوآله و أنا الصدّيق الأكبر لا يقولها بعدي إلّا كاذب، آمنتُ قبل الناس سبع سنين.
وفي الإصابة ج ٧ القسم ١ ص ١٦٧ قال ابن حجر: واخرج أبو أحمد وابن مندة وغيرهما من طريق إسحاق بن بشر الأسدي حدثنا خالد بن الحارث عن عوف عن الحسن عن أبي ليلى الغفارية قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: سيكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب فإنّه أوّل من آمن بي و أول من يصافحني يوم القيامة و هو الصديق الأكبر و هو فاروق هذه الأمة و هو يعسوب المؤمنين و المال يعسوب المنافقين.
أقول: ذكره أيضاً ابن عبد البر في استيعابه ج ٢/٦٥٧ وذكره ابن الاثير الجزري في أُسد الغابة ج ٥/٢٨٧، وروى المحب الطبري في الرياض النضرة ج ٢/١٥٥ قال وعن أبي ذر قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لعليعليهالسلام : أنت الصدّيق الأكبر، و أنت الفاروق الأعظم الذي يفرّق بين الحق و الباطل.قال: وفي رواية وأنت يعسوب الدين، ثم قال: خرّجهما الحاكمي.
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج ٩/١٠٢ قال: وعن أبي ذر وسلمان قالا: أخذ النبيصلىاللهعليهوآله بيد عليعليهالسلام فقال: إنّ هذا أول مَن آمن بي، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة،وهذا الصدّيق الأكبر وهذا فاروق هذه الأمة يُفرِّق بين الحق والباطل، وهذا يعسوب المؤمنين و المال يعسوب الظالمين، قال: رواه الطبراني والبزّار عن أبي ذر وحده.
أقول: وذكر المناوي في فيض القدير ج ٤/ ص ٣٥٨ في الشرح وقال: رواه =
انظروا إلى هذه الأحاديث والأخبار المروية عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في كتبكم ومسانيدكم واتقوا الله بترك التّعصب والعناد، ومزّقوا الغشاوة التي ضربها أسلافكم على قلوبكم وعقولكم، واكْسِروا الأقفال التي جعلوها على أفهامكم وبصائركم، وحرّروا أنفسكم من
____________________
= الطبراني والبزّار عن أبي ذر وسلمان وذكره المتقي الهندي في كنز العمال ج ٦ ص ١٥٦ وقال: رواه الطبراني عن سلمان وأبي ذر معاً، والبيهقي وابن عدي عن حذيفة.
وفي كنز العمال ج ٦/٤٠٥ عن سليمان بن عبدالله عن معاذة العدوية قالت: سمعت علياًعليهالسلام وهو يخطب على منبر البصرة يقول: أنا الصدِّيق الأكبر آمنتُ قبل أنْ يؤمن أبو بكر و أسلمتُ قبل أن يُسلِم. قال: أخرجه محمد بن أيّوب الرازي في جزئه والعقيلي.
أقول: ونقله الذهبي أيضاً في ميزان الإعتدال ج ١ ص ٤١٧ مختصراً عن كتاب العقيلي عن معاذة العدوية.
ونقله المحب الطبري في الرياض النضرة ج ٢/١٥٧ وقال: خرّجه ابن قتيبة في المعارف.
وفي كنز العمال أيضاً ج ٦ /٤٠٦ قال: عن عليعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا علي ليس في القيامة راكب غيرنا و نحن أربعة فقام رجل من الأنصار و قال: فداك أبي و أمي فمن هم؟ قال: أنا على البراق و أخي صالح على ناقته التي عُقرت و عمي حمزة على ناقتي العضباء و أخي عليٌّ على ناقة من نوق الجنة بيده لواء الحمد ينادي لا إله إلّا الله محمد رسول الله فيقول الآدميّون ما هذا إلّا مَلكٌ مقرّبٌ أو نبيٌ مرسلٌ أو حاملُ عرش!! فيجيبهم مَلَكٌ من بطنان العرش: يا معشر الآدميين: ليس هذا ملكاً مقرّباً و لا نبيّاً مرسَلاً و لا حامل العرش بل هذا الصدّيق الأكبر علي بن أبي طالب.
«المترجم»
قيود وأغلال التقليد من آبائكم وأجدادكم، ثمّ فكروا واعقلوا بقلوب متفتحة، وبعقول متنوِّرة، وانظروا هل يحقّ أن تلَقِّبوا أحداً غير علي بن أبي طالبعليهالسلام بالصدّيق؟!
ليت شعري بأيّ دليل من القرآن الحكيم لقّبتم أبا بكر بالصدّيق، بعد أنْ كَذَّب أفضل الصديقين، ورَدَّ شهادة الصدّيق الأكبر في حق الصدّيقة الطاهرة فاطمةعليهالسلام ؟!
وبأيّ دليلِ لقّبتم الذي مَالأ أبا بكر وسانده على غصب حق الزهراءعليهالسلام ، وأطلقتم عليه لقب الفاروق؟!
( إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُکُمْ مَا أَنْزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ) (١) .
عليٌعليهالسلام مدار الحق والقرآن معه
أما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : عليٌ مع الحق والحق معه، وعليٌّ مع القرآن والقرآن معه؟
هل من المعقول أنّ من كان مع الحق ومع القرآن وهما لا يفارقانه، يكون كاذباً؟! أو يشهد باطلاً؟!
النوّاب: إنّني كثيراً أجالس علماءنا وأستمِعُ إلى حديثهم، ولا أغيب عن خطب الجمعة أبَداً، ولكنّي ما سمعتُ منهم هذين الحدّيثين، فهل نقلهما علماؤنا الأعلام ومحدّثونا الكرام في كتبهم؟
قلت: نعم نقلها كثيرٌ من أعلامكم، وقد أعلنتُ كراراً بأنّي لا أنقلُ لكم حديثاً انفرد بنقله علماء الشيعة، بل كلّ ما أذكره في هذه
____________________
١) سورة النجم، الآية ٢٣.
المناقشات منقول من مصادر علمائكم وكتب أعلامكم،حتى يصدق عليه إسم الاحتجاج ويكون أوقع في نفوسكم وأرضى لقلوبكم وألزم لكم. وأذكر لك بعض المصادر المقبولةَ لديكم حول الحديثين الشريفين، وهي كثيرة منها:
في تاريخ بغداد: ج ٤ / ٣٢١ ذكر الخطيب البغدادي، والحافظ ابن مردويه في المناقب، والديلمي في الفردوس، والمتقي الهندي في كنز العمال: ج ٦ / ١٥٣، والحاكم النيسابوري في المستدرك: ج ٣ / ١٢٤، وأحمد بن حنبل في المسند، والطبراني في الأوسط والخطيب الخوارزمي في المناقب، والفخر الرازي في تفسيره: ج ١ / ١١١، وابن حجر المكي في الجامع الصغير: ج ٢/٧٤ و ٧٥ و ١٤٠، وفي الصواعق المحرقة / الفصل الثاني / من الباب التاسع / الحديث الحادي والعشرين من الأربعين حديثاً التي نقلها في فضل الإمام عليعليهالسلام ، ونقلَ الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودّة / الباب ٦٥ / ١٨٥ / ط. إسلامبول نَقَلَ عن الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي، ونقل أيضاً في الباب العشرين عن جمع الفوائد والأوسط والصغير للطبراني، ونقل الحمويني في الفرائد وعن ربيع الأبرار للزمخشري عن ابن عباس وعن أم سلمة.
والسيوطي في تاريخ الخلفاء / ١١٦ والمناوي في فيض القدير: ج ٤ / ٣٥٦ عن ابن عباس أو أم سلمة.
وفي مجمع الزوائد ج ٩ / ١٣٤، وج ٧ / ٢٣٦، والشبلنجي في نور الأبصار: ص ٧٢ رووا عن أم سلمة، وبعضهم عن ابن عباس عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال: عليٌ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لا يفترقان
حتى يَرِدا عَلّيَّ الحوض.
ونقل ابن حجر في الصواعق أيضاً في أواخر الفصل الثاني من الباب التاسع(١) .
قال: وفي رواية أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال في مرض موته:
أيها الناس يوشك أنْ أُقبض قبضاً سريعاً، فيُنطلق بي و قد قدّمت إليكم القول معذرة إليكم: ألا إني مُخْلِفٌ فيكم كتاب الله ربي عزّ و جلّ، و عترتي أهل بيتي، ثمّ أخذ بيد عليٍعليهالسلام فرفعها فقال هذا عليٌ مع القرآن و القرآن مع علي لا يفترقا حتّى يرِدا عليَّ الحوض فاسألوهما ما خلفت فيهما.
وجاء في بعض الروايات: الحق لن يَزال مع علي وعليٌ مع الحقّ لن يختلفا ولن يفترقا.
وحديثُ: «علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار » قد نقله أكثر محدثيكم(٢) .
____________________
١) « صفحة ٧٥ / ط. المطبعة الميمنية بمصر، المترجم».
٢) مرّ في ما سبق ذِكْرُ بعض مصادر الحديث، منها صحيح الترمذي ج ٢/ ٢٩٨، قالصلىاللهعليهوآله : «رحم الله علياً، اللهم أدرِ الحق معه حيثما دار». ورواه الحاكم أيضاً في المستدرك: ج ٣/ ١٢٤، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم. وقال الفخر الرازي في تفسيره الكبير عند البسملة: أما إنّ علي بن أبي طالبعليهالسلام كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر، ومَن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، والدليل عليه قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اللهم أدر الحق مع علي حيث دار، وقال أيضاً - بعد حوالي ستين صفحة -: ومَن اتخذ علياً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه.
وفي تاريخ بغداد: ج ١٤ / ٢٢١ بسنده عن أبي ثابت عن أم سلمة عن النبي (صلّى =
وفي كتاب تذكرة الخواص(١) عند نقله حديث: «من كنت مولاه فعلي مولاه »، قال: وكذا قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « وأدِر الحق معه حيثما دار وكيف ما دار »، فيه دليلٌ على أنّه ما جرى خَلافٌ بين عليّعليهالسلام وبين أحدٍ الصحابة إلّا وكان الحقّ مع عليعليهالسلام وهذا بإجماع الأمة.
____________________
= الله عليه و آله و سلّم) قال: علي مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض يوم القيامة. وفي مجمع الزوائد ج ٧/ ٢٣٥ في خبر مفصل جاء فيه أنّ سعد بن أبي وقّاص قال في مجلس معاوية: فإني سمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: علي مع الحق - أو الحق مع علي - حيث كان.
وفي صفحة ٢٣٤ قال: وعن أبي سعيد قال: كنّا عند بيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في نفر من المهاجرين والأنصار - إلى أن قال - ومرّ عليٌ بن أبي طالب فقالصلىاللهعليهوآله : الحق مع ذا، الحق مع ذا.
قال الهيثمي: رواه ابو يعلى ورجاله ثقات، أقول: وذكره المناوي في كنوز الحقائق ٦٥ مختصراً عن أبي يعلى. والمتقي في كنز العمال ج ٦ / ١٥٧ وقال لأبي يعلى وسعيد بن منصور.
وفي كنز العمال ج ٦ / ١٥٧ وقال: لأبي يعلى وسعيد بن منصور.
وفي كنز العمال ج ٦ / ٥٧ قال: تكون بين الناس فرقة واختلاف فيكون هذا وأصحابه على الحق - يعني علياً - قال: أخرجه الطبراني عن كعب بن عجره.
وذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة / ٧٠ / ط. مطبعة الأمة بمصر قال: وأتى محمد بن أبي بكر فدخل على أخته عائشة، قال لها: أما سمعت رسول الله يقول: علي مع الحق والحق مع علي؟ ثم خرجت تقاتلينهُ بدم عثمان!
ونقل الشيخ القندوزي في ينابيع المودة / الباب العشرون / عن الحمويني بسنده عن أزرق بن قيس عن ابن عباس (رض) قال: قال رسول الله: الحق مع عليّ حيث دار.
«المترجم»
١) تذكرة الخواص: ٣٩ / ط. مؤسسة أهل البيت بيروت.
مَن أطاع علياً فقد أطاع الله ورسوله
وكذلك نرى في كتب أعلامكم وأسناد محدثيكم حديثاً مرويّاً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذ قال: مَنْ أطاع علياً فقد أطاعني، ومَنْ أطاعني فقد أطاع الله، ومَن أنكر علياً فقد أنكرني، ومَن أنكرني فقد أنكر الله(١) .
____________________
١) أقول: ما وجدت حديثاً عن النبيصلىاللهعليهوآله في مصادر العامّة بهذا اللفظ وان كان ما جاء بهذا المعنى كثيراً، ولقد ذكر بعضها العلّامة مير علي الهمداني الشافعي في كتاب مودّة القربى في المودة السادسة وعنونها: «في أنّ علياًعليهالسلام أخو رسول اللهصلىاللهعليهوآله ووزيره وأنّ طاعته طاعة الله تعالى» وروى فيها، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لما عقد المؤاخاة بين أصحابه قال: هذا عليٌ أخي في الدنيا والآخرة، وخليفتي في أهلي ووصيي في أمّتي، ووارث علمي، وقاضي ديني، ماله مني مالي منه، نفعه نفعي وضرّه ضري، ومَن أحبّه فقد أحبّني ومَن أبغضه فقد أبغضني.
وكذلك ذَكَر بعض الأحاديث بالمعنى المقصود، القندوزي في كتابه ينابيع المودّة / الباب الحادي والاربعون «في الأحاديث الوارثة في سعادة مَن أحبَّ علياً و ...» جاء فيه أخرج الحمويني بسنده عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة والأسود قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري فقلنا: يا أبا أيوب إنّ الله أكرمك بنبيهصلىاللهعليهوآله وصفى لك من فضله أخبرنا بمخرجك مع عليّ تقاتل أهل لا إلّه إلا الله! فقال أبو أيوب: أقسم لكما بالله لقد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله في هذا البيت الذي أنتما فيه معي. و عليٌ جالس عن يمينه و أنا عن يساره و أنس بين يديه وما في البيت غيرنا إذ حُرِّكَ الباب، فقالصلىاللهعليهوآله لأنس: إفتَح لعمّار! ففتح الباب ودخل عمار فسلّم عَلى النبيصلىاللهعليهوآله ، و رحّب به. =
ونقل أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتابه الملل والنحل أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: لقد كان عليّ عَلَى الحق في جميع أحواله يدور معه الحق حيثما دار.
كيف وبماذا تُوجّهون عمل أبي بكر وردّه شهادة عليّعليهالسلام في حق الزهراءعليهالسلام مع وجود هذه الأخبار في كتبكم المعتبرة؟! فلا بدّ أن تعترفوا بأنّ عمل أبي بكر كان مخالفاً لكتاب الله ولسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأنّه جحد حق فاطمة ومنعها فدكاً من غير حق، وأنّه كذَّبَ اللهصلىاللهعليهوآله وأنّه جحد حق فاطمة ومنعها فدكاً من غير حق، وأنّه كذَّبَ تلك الصادقة المصدَّقة، وكذَّب علياًعليهالسلام وأهانه بردِّ شهادته والهجوم على داره وسحبه من البيت إلى المسجد لأخذ البيعة منه كرهاً
____________________
= ثم قالصلىاللهعليهوآله : يا عمّار ستكون بعدي في أمتي هنات، حتى يختلف السيف فيما بينهم و حتى يقتل بعضهم بعضاً، وحتى يتبرّأ بعضهم من بعض! فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني، يعني علياً، فإن سَلَكَ الناسُ كلُّهم وادياً و سلَكَ عليٌ وادياً فاسلك وادي عليّ و خَلِّ عن الناس! يا عمّار إنّ علياً لا يردُّك عن هُدى و لا يُدخلك على رَدَى، يا عمّار طاعة عليّ طاعتي و طاعتي طاعة الله جلّ شأنه.
وكذا الباب الرابع والأربعون «في حديث لحمك لحمي ودمك دمي ...».
جاء أيضاً أخرج الحمويني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا علي ...و كذب مَن زَعَم أنّه يُحبني و يبغضك، لأنك مني و أنا منك، لحمك من لحمي و روحك من روحي، و سريرتك من سريرتي و علانيتك من علانيتي، و أنت إمام أمّتي و وصيّي، سعد من أطاعك و شقي مَن عصاك و رَبَحَ مَن تولّاك و خسر من عاداك و فاز من لزمك و هلك من فارقك الخ.
«المترجم»
فأين هذه الأعمال مما رواه أبو المؤيد موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب، ومحمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: من أكرم علياً فقد أكرمني، ومَنْ أكرمني فقد أكرم الله، ومن أهان علياً فقد أهانني، ومَن أهانني فقد أهان الله؟!!
أيها الحاضرون، وخاصّة أنتم العلماء، قايسوا أحداث السقيفة وما بعدها وما جرى على آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله من بعده، قايسوها مع هذه الأخبار والأحاديث المرويّة في كتب أعلامكم، ثمّ أنصفوا واحكموا: هل الصحابة عملوا بأوامر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ووصاياه في حق عترته وأهل بيته أم خالفوها؟؟! وهل عمل أبو بكر بحكم الله والشرع المبين في قضيّة فدك أم أنّه أجحفَ فاطمة وجحد حقّها؟!
لأنّنا قلنا:أوّلاً .. ما كان له أن يطالب البيّنة من فاطمة لأنها كانت متصرفة في فدك، وكانت فدك في يدها، فكان هو المدَّعي وعليه البيّنة، لا على فاطمةعليهالسلام .
ثانياً: إذا كان أبو بكر محتاطاً في القضيّة كما تزعمون، وأنّه أراد أن يتيقّن من تمليك رسول اللهصلىاللهعليهوآله فاطمة فدكاً، فطالبها بالشهود والبيّنة، فلماذا ترك هذا الاحتياط حينما ادّعى الصحابة الآخرون مالا بوعدٍ من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وَعَدَه، فأعطاه أبو بكر ذلك المبلغ من بيت مال المسلمين ولم يطالبه بالبيّنة والشهود؟ فكيف يحكم في قضيتين متشابهتيْن بحكمين متناقضيْن؟!
ولعمري.. لماذا يحتاط في أمر فاطمةعليهالسلام ؟ أكان أبو بكر يظنّ
كذبها؟! وهي التي يشهد الله سبحانه بطهارتها من كل رجس، وكانت عند عامّة الناس أيضاً صادقة ومصدَّقة، فقد قال أبو نعيم في حلبة الأولياء: ج ٢ / ٤٢ / راوياً عن عائشة قال:مارأيتُ أحداً قط أصدق من فاطمة غير أبيها.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج ج ١٦ / ٢٨٤ / ط. دار إحياء التراث العربي: و سألت علي بن الفارقيّ، مدرّس المدرسة الغربية ببغداد، فقلت له: أكانت فاطمة صادقة؟ قال: نعم.
قلت: فلِمَ لم يَدْفع إليها أبو بكر فدك و هي عنده صادقة؟
فتبسّم.. ثم قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه و حْرمته و قلّة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فَدَك بمجرّد دعواها، لجاءت إليه غدا و ادّعت لزوجها الخلافة، و زحزحته عن مقامه، و لم يكن يمكنه الإعتذار و الموافقة بشيءٍ، لأنّه يكون قد سَجَّل على نفسه أنّها صادقة فيها تَدَّعي كائناً ما كان من غير حاجة إلى بيّنة و لا شهود.
و هذا كلام صحيح، و إن كان أخرجه مخرج الدْعابة و الهزل. «انتهى كلام ابن أبي الحديد ».
فالحقيقة التي هي اليوم ظاهرة ومكشوفة لعلمائكم كيف كانت مبهمة وغير منكشفة يوم أمس عند معاصريها والذين أدركوها من قريب؟! فكانت أوضح لهم وأظهر، إلّا أنّ السياسة وحب الرياسة اقتضت منهم إنكار الحقيقة وجحد حق الزهراء المظلومةعليهاالسلام !!
الحافظ: لمن أعطى الخليفة (رض) مال المسلمين بغير بيّنة وشهود؟
قلت: ادَّعى جابر بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله أنّه وَعَده بأنْ يعطيه من مال البحرين حين وصوله. فأعطاه أبو بكر ألف وخمسمأة دينار، من مال
المسلمين الذي وَصَل من البحرين، وما طلب من جابر بيّنةً وشهوداً على ما ادّعاه.
الحافظ: أولاً: ما وجدت هذا الخبر في كتب علمائنا، ولعلّكم انفردتم أنتم الشيعة به!
وثانياً: من أين عرفتم أنّ الخليفة ما طالب جابراً بالبيّنة والشهود على ما ادّعاه؟
قلت: إنّي أتعجب من قولك! كيف ما وجدت هذا الخبر في كتب علمائكم؟ وهم يستدلّون ويستشهدون بهذا الخبر على أنه خبر الصحابي الواحد العادل مقبول.
كما أنّ شيخ الإسلام الحافظ أبا الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني طرحه في كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري / باب من يكفل عن ميتٍ دَيْناً - وبعد نقله الخبر قال: إنّ هذا الخبر فيه دلالة على قبول خبر العدل من الصحابة ولو جرّ ذلك نفعاً لنفسه، لأنّ أبا بكر لم يلتمس من جابر شاهداً على صحّة دعواه.
ونقل البخاري هذا الخبر أيضاً في صحيحه: ج ٥ / ٢١٨ / ط. دار إحياء التراث العربي تحت عنوان « قصّة عمان والبحرين »:
روى بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لو قد جاء مال البحرين، لقد أعطيتُك هكذا وهكذا وثلاثاً.
فلم يقدم مال البحرين حتّى قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
فلما قدم على أبي بكر، أمرَ منادياً فنادى مَن كان له عند النبيصلىاللهعليهوآله دَيْن أو عِدةٌ فليأتني.
قال جابر: فجئتُ أبا بكر فأخبرتُه أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: لو جاء
مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثاً. قال: فأعطاني - وفي آخر الرواية - فقال لي أبو بكر: عُدَّها.
فعدَدْتُها فوجدتُها خمسمائة. فقال خذ مثلَها مرّتين.
ونقله السيوطي أيضاً في كتابه تاريخ الخلفاء / قسم خلافة أبي بكر.
والآن أيها الحاضرون فكّروا وانصفوا! لماذا هذا التبعيض؟ يُصدَّق جابر على ما مدَّعاه من غير بينة وشهود، وتُرَدّ بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وشهودُها! وقد شهد الله تعالى لها ولبعلها وابنيهما في آية التطهير!
إشكال في شمول آية التطهير
الحافظ: إنّ سياق الآية خطابٌ لزوجات الرسولصلىاللهعليهوآله ولذا ذهب البيضاوي والزمخشري وغيرهما من أئمة التفسير إلى أنّ الآية تشمل زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقولكم بأنها تشمل علياً وفاطمة وابنيهما قولٌ ضعيف لأنه خارج عن سياق الآية وظاهرها، فإنّ صدر الآية وآخرها يُخاطب نساء النبي.
آية التطهير لا تشمل زوجات النبيصلىاللهعليهوآله
قلت: كلامك مردودٌ من جهات عديدة.
أولاً: كلامك بأنّ صدر الآية آخرها يخاطب نساء النبيصلىاللهعليهوآله فيقتضي أن يكون وسطها أيضاً - وهو آية التطهير - خطاباً لنساء النبيصلىاللهعليهوآله .
أقول: أولاً: إنّ البلاغة تقتضي غير ذلك، فقد ثبت عند العلماء إنّ من فنون البلاغة في القرآن الحكيم، أن يتوسط كلامٌ جديدٌ بين الجمل المتناسقة، اتّقاءً من أنْ يَملّ السامع من الكلام المسجَّع والجملات المرتبة على نَسَق واحد، فتَغيير الأسلوب يكون تنويعاً في الكلام، وقد تكرر نَّمط هذا الأسلوب في القرآن الكريم.
ثانياً: إذا كان المقصود من أهل البيت هم زوجات الرسولصلىاللهعليهوآله لاقتضى أنْ يكون الضمير ضمير جمع المؤنث المخاطب على نَسَق الضمائر التي وردت قبلها وبعدها، فيكون« ليُذْهِب عنكُنَّ الرجس و يُطهِّرْكُنَّ »، ولكنّ الله سبحانه ذكر الضمائر في هذه القطعة من الآية على صيغة جمع المذكر المخاطب فقال تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَکُمْ تَطْهِيراً ) (١) ، فأخرجَها عن مخاطبة زوجات النبي ونسائه.
النوّاب: فاذا كان الخطاب متوجِّهاً إلى أهل البيت بصيغة جمع المذكر المخاطب، فمن أين تقولون أنها تشمل فاطمة وهي أنثى؟ فتكون خارجةً من الآية.
قلت: علماؤكم يعرفون أن ضمير الجمع المذكر إنّما جاء هنا للتغليب، وهذا لا ينافي شمول الآية الكريمة لفاطمةعليهالسلام . فهي واحدة مقابل أبيها وبعلها وابنَيْها، فعدد الذكور في الجمع غالبٌ، ولذا جاء الضمير مخاطباً لهم بصيغة «عنكم» و «يطهركم ». وقد أشار إلى هذا ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة / الباب الحادي عشر / الفصل الأول في الآيات الواردة في أهل البيت / الآية الأولى: قال الله تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَکُمْ تَطْهِيراً ) ، قال
____________________
١) سورة الاحزاب، الآية ٣٣.
أكثر المفسرين: على أنّها نزلت في عليٍ وفاطمة والحسن والحسين، لتذكير ضمير «عنكم» وما بعده، انتهى كلامه.
واكثر المفسرين والمحدِّثين على أنّ الآية الكريمة لا تشمل زوجات النبيصلىاللهعليهوآله كما جاء في صحيح مسلم: ج ٢/٢٣٧ - ٢٣٨ / روى بسنده عن يزيد بن حيّان قال: دخلنا على زيد بن أرقم - والخبر طويل وفيه أنه حدّثهم - عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: ألا وإنّي تارك فيكم الثقلين: أحدهما: كتاب الله، هو حبل الله، مَنْ اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة. وفيه: فقلنا: مَنْ أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا و أيْمُ الله إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها فترجع إلى أبيها و قومها، أهلُ بيته: أصْلُهُ و عصبته الذين حرموا الصدقة بعده.
ثم هناك روايات كثيرة مرويّة في كتبكم، واصلةُ عن طرقكم بألفاظ متعددة ومعنى واحد، على أنّ آية التطهير تشمل النبي والوصي وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام لا سادس لهم. ولكي تعرفوا ذلك فراجعوا مصادركم المعتبرة عندكم والتي منها:
١- كشف البيان في تفسير القرآن للثّعلبي، عند تفسيره الآية.
٢- التفسير الكبير للفخر الرازي: ج ٦/٧٨٣.
٣- الدرّ المنثور لجلال الدين السيوطي: ج ٥/١٩٩.
٤- والنيسابوري في المجلد الثالث من تفسيره.
٥- وتفسير رموز الكنوز لعبد الرزاق الرسعني.
٦- الخصائص الكبرى: ج ٢ / ٢٦٤.
٧- الإصابة لابن حجر العسقلاني: ج ٤ /٢٠٧.
٨- تاريخ ابن عساكر: ج ٤ / ٢٠٤ و٢٠٦.
٩- مسند أحمد بن حنبل ج ١/٣٣١.
١٠- الرياض النضرة: ج ٢/١٨٨ للمحب الطبري.
١١- صحيح مسلم: ج ٢/٣٣١ وج ٧/١٣٠.
١٢- الشرف المؤبّد للنبهاني: ص ١٠ طبع بيروت.
١٣- كفاية الطالب للعلّامة الكنجي الشافعي / الباب المائة.
١٤- الحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودّة / الباب ٢٣، نَقَلَ عن صحيح مسلم وعن شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني عن عائشة أم المؤمنين، ونقل أخباراً اُخرى عن الترمذي والحاكم السمناني والبيهقي والطبراني ومحمد بن جرير وأحمد بن حنبل وابن أبي شيبة وابن منذر وابن سعد والحافظ الزرندي والحافظ ابن مردويه رووا عن أم سلمة أم المؤمنين وعن ولدها عمر بن أبي سَلَمة وعن أنس بن مالك وسعد بن أبي وقاص وواثلة بن اسقع وأبي سعيد الخدري قالوا: إنّ آية التطهير نزلت في شأن الخمسة الطيّبة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين.
١٥- وابن حجر المكي على تعصّبه الغريب نقل في كتابه الصواعق /٨٥ و٨٦ / ط المطبعة الميمنية بمصر / عن سبع طرق واعترف بأنّ الآية الكريمة نزلت في شأن الخمسة الطيبة ولا تشمل غيرهم وذلك في تحقيق عميق وطويل.
١٦- ونقل السيد أبو بكر بن شهاب الدين العلوي في كتابه رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبي الهادي في الباب الأول / نقل عن الترمذي وابن جرير وابن منذر والحاكم وابن مردويه والبيهقي وابن أبي
حاتم والطبراني وأحمد بن حنبل وابن كثير ومسلم بن الحجاج وابن أبي شيبة والسمهودي، مع ذِكر تحقيقات عميقة من أكابر علمائكم، على أنّ الآية الكريمة لا تشمل غير الخمسة الطيّبة الذين شملهم كساء رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعُرفوا بأصحاب الكساء.
١٧- وفي الجميع بين الصحاح الستة نَقَل عن الموطَّأ لمالك بن أنس الأصبحي، وعن صحاح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والسجستاني والترمذي وجامع الأصول.
وفي كلمةٍ أقول: إنّ عامة علمائكم وأعلامكم من المفسرين والمحدثين والفقهاء والمؤرخين وغيرهم، أجمعوا على أنّ الآية الشريفة - آية التطهير - نزلت في شأن محمدٍ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقد وصل هذا المعنى إلى قريب حدّ التواتر عندكم، والمخالف لهؤلاء شاذٌّ معاندٌ متمسك بأخبارٍ ضعيفة لا اعتبار بها، ولا وزن لها في قبال تلك الأخبار المتكاثرة والروايات المتظافرة.
عَوْداً إلى فدك
فلنعد لما كنا عليه من البحث والحوار، أقول: أنصفونا! هل بعد ثبوت التطهير الإلهي لفاطمة وعليّعليهالسلام ، وعِلْمِ القوم بأنّ الله تعالى طهّرهما وابنيهما من الأرجاس والمساويء الظاهرية والباطنية، وعصمهم من كلِّ صغيرة وكبيرة بنصّ القرآن الحكيم، فهل كان يجدر بأبي بكر أم كان يحقّ له أن يردّ فاطمة، ويردَّ شهادة الإمام عليّعليهالسلام
في حقها!!؟ أما كان ردُّهما رداً على الله سبحانه وتعالى؟!
فكيف يقبل ادّعاء جابر بن عبدالله الأنصاري وهو - مع تقديرنا لمواقفه واحترامنا له - ليس إلّا صحابي جليل، ولم ينزل قرآنٌ في شأنه، ولا طهّره الله تعالى من الرجس؟! ولكنّه يردُّ فاطمة وعلياًعليهالسلام ولا يقبل كلامهما في حق ثابت كثبوت الشمس في وسط النهار!!
الحافظ: لا يمكن لنا أن نقبل، بأنّ أبا بكر.. وهو ذلك الصحابي الجليل والمؤمن الصدّيق، غصب فدكاً!! أو أنّه أخذه من فاطمة بغير دليل!! إذ إنّ كلَّ انسانٍ عاقل يعمل من وراء القصد، فالخليفة أبو بكر بعد أن كانت أموال بيت المال تحت تصرّفه، ما كان بحاجة إلى فدك وغيرها، حتّى نقول إنّه أخذ فدكاً لحاجةٍ إليها، فما عسانا أن نقول فيه إلّا أنه أخذها ليحق الحق، ولأنّه كان يعتقد بأنّها فيء المسلمين.
قلت: أولاً: أثْبتَتْ فاطمةعليهالسلام في خطبها وكلامها وبإقامة الشهود، أنّ فدكاً لها وليست فيئاً للمسلمين، وأنها نحلةٌ من رسول اللهصلىاللهعليهوآله لها. وقد مرّ ذلك في حوارنا وهو أمر ثابت عند كل ذي وجدان وذي انصاف وإيمان.
ثانياً: لم يقل أحدٌ بأنّ أبا بكر غصب فدكاً لاحتياجه إليها، وإنما غصبها ليترك أهل البيت وهم فاطمة وبعلها وابناهما الحسن والحسين ضعفاء مادياً ليس في أيديهما شيءٌ من المال، فأبو بكر وأعوانه كانوا يعلمون أنّ علياًعليهالسلام غنيٌّ بالمعنويّات وكفّته راجحة في الدين والإيمان والعلم والعقل والفضائل والمناقب وما إلى ذلك.
فلو ملك المال واستغنى به الى جنب الغناء المعنوي، إلتفَّ الناس حوله ولم يرضوا بغيره، فلذلك غصبوهم فدكاً وحرموهم من الخمس
الذي خصّه الله تعالى في كتابه الحكيم لهم فقال سبحانه:( وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاکِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ ) (١) الخ.
وقد جعل الله تعالى ذلك ليرفع شأنهم ومقامهم بين الناس فلا يحتاجون ولا يفتقرون إليهم بل يعيشون معزَّزين ومكرَّمين بالحق الذي جعل الله عزّ وجلّ لهم، ولأنّه حرَّم عليهم الصدقات والزكوات فعوّضهم بالخمس، ولكن شاء الله وشاءوا!!
فمنعوهم الخمس بحجة أنّ الخمس يجب أن يُصرَف في شراء الأسلحة ولوازم الحرب والجهاد(٢) .
____________________
١) سورة الأنفال، الآية ٤١.
٢) إنّ هذا الموضوع وهو منع ذوي القربى حقهم من الخمس موضوعٌ مهم، اذ نرى المانعين خالفوا أمر الله سبحانه وظلموا آل محمدصلىاللهعليهوآله . وإنا لأهميّة الموضوع نذكر بعض ما ذكره ورواه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ١٦/ص ٢٣٠ و٢٣١ / طبع دار إحياء الكتب العربية / قال: واعلم أنّ الناس يظنّون أنّ نزاع فاطمة أبا بكر كان في أمرين في الميراث و النحلة و قد وجدتُ في الحديث أنّها نازعت ونقل عن ابي بكر الجوهري بسنده عن أبي الاسود عن عروة قال: أرادت فاطمة أبا بكر على فَدَك وسهم ذوي القربى، فأبى عليها وجعلهما في مال الله تعالى.
في أمرٍ ثالث، ومنعَها أبو بكر إياها أيضاً وهو سهم ذوي القربى.
ونقل أيضاً عن الجوهري بسنده عن أبي الضحّاك عن الحسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام : أنّ أبا بكر منعَ فاطمة وبني هاشم سهم ذوي القربى وجعله في سبيل الله في السلاح والكُراع.
أقول: وهناك روايات كثيرة في الموضوع ذكرها المحدّثون في كتبهم لا مجال لذكرها، ورعايةً للاختصار اكتفينا بهذا القليل.
«المترجم»
قال محمد بن ادريس الشافعي في كتاب الأُمّ ص ٦٩: وأمّا آل محمّد الذين جُعل لهم الخمس عوضاً من الصدقة فلا يُعطَونْ من الصدقات المفروضات شيئاً قَلّ أو كثر، لا يحلّ لهم أنْ يأخذوها ولا يجزي عمن يعطيهموها إذا عرفهم.
- إلى أن يقول: - وليس مَنْعُهم حقهم في الخمس يحلّ لهم ما حُرِّم عليهم من الصدقة.
الحافظ: الإمام الشافعي رحمه الله يقول: يجب أنْ يقسَّم الخمس إلى خمسة أقسام سهمٌ لرسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو يُصرَف في مصالح المسلمين، وسهم يُعطى لذوي القربى وهم آل محمّدصلىاللهعليهوآله وثلاثة سهام تصرف على الأيتام والمساكين وأبناء السبيل.
قلت: أجمع العلماء والمفسِّرون أنّ آية الخمس حين نزلت قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أبشروا آل محمّد بالغنى. فالآية نزلت في حق آل محمّد وتخصِّص خمس الغنائم لآل محمّدصلىاللهعليهوآله .
وكان النبي يقسّم خُمس الغنائم على آله وأهل بيته، ولذلك فإن رأي علماء الإمامية تَبَعاً لأئمة أهل البيتعليهمالسلام هو أنّ الخمس يُقسَّم إلى ستة سهام سهم الله سبحانه وتعالى، وسهمٌ للنبيصلىاللهعليهوآله وسهمٌ لذوي القربى. هذه السهام الثلاثة باختيار النبيصلىاللهعليهوآله ومن بعده تكون باختيار الإمام والخليفة الذي نصّ عليه، وهو يصرفها في مصالح المسلمين حسب رأيه الصائب، والسهام الثلاثة الأخرى تُصرف على الأيتام والمساكين وأبناء السبيل من الهاشميين لا غيرهم، ولكن بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله منعوا سهم بني هاشم وحقهم من الخمس، كما يصرّح بذلك كثير من أعلامكم ومفسريكم في تفسير آية الخمس، منهم:
جلال الدين السيوطي في تفسير الدرّ المنثور: ج ٣، والطبري في تفسيره، والثعلبي في كشف البيان، وجار الله الزمخشري في تفسيره الكشاف، والقوشجي في شرح التجريد، والنسائي في كتابه الفيء وغيرهم. فكلهم يعترفون بأنّه بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله حرموا بين هاشم من الخمس، وقد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يعطيهم في حياته ويقسّم الخمس عليهم.
الحافظ: أَما تجيزون للمجتهد أنْ يعمل برأيه؟ ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما مجتهديْن فعملا بنظرهما وهو انضمام فدك لبيت مال المسلمين وصرف حاصله في المصالح العامة، وكذلك الخمس!!
قلت: أوّلاً: من أين ثبت اجتهاد الشيخين؟
هذا ادّعاء يحتاج إلى دليل، إذْ ليس كل الصحابة كانوا مجتهدين.
ثم إنّ رأي المجتهد يجزي إذا لم يكن نصٌ بخلافة فإذا كان هناك نصٌ في القرآن واجتهد أحدٌ على خلاف ذلك وهو يعلم بوجود ذلك النص، فقد تبع الهوى وضل عن الحق، ومَن حاول توجيه ذلك الاجتهاد مقابل النص فهو ضالٌّ أيضاً، لقوله عزّ وجلّ:( وَ مَا کَانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَکُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ الله وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً ) (١) .
ثم لا بدّ للمجتهد من إقامة دليل معقول على أساس الكتاب والسنّة الشريفة على رأيه، فإذا أبدى رأياً من غير دليلٍ معقول وغير مستندٍ إلى القرآن والسنّة النبويّة، فهو غير مجتهد قطعاً.
____________________
١) سورة الاحزاب، الآية ٣٦.
والمجتهد الذي يجوز للمسلمين أن يتّبعوه ويأخذوا برأيه، إنما هو المجتهد الذي يكون مطيعاً لله عزّ وجلّ عاملاً بكتاب الله سبحانه وآخذاً بما جاء به النبي الكريمصلىاللهعليهوآله ، ويكون صائناً لنفسه مخالفاً لهواه ومجانباً للدنيا وزينتها، فقيهاً وعالماً تقيّاً، عارفاً بأحكام الدين ومصالح المسلمين.
ليت شعري، بأيّ دليل اجتهادي ردَّ أبو بكر شهادة عليّعليهالسلام وهو الذي جعله الله شاهداً على ما جاء به النبيصلىاللهعليهوآله وكفى به شاهداً.
إذ قال سبحانه:( أَ فَمَنْ کَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) (١) .
فالنبيصلىاللهعليهوآله على بيّنةٍ من ربه والشاهد الإمام عليعليهالسلام .
الحافظ: ولكن الروايات تقول: إنّ رسول الله هو صاحب البيّنة وشاهده القرآن الكريم. فلا أدري بأيّ دليل قلتم: بأنّ الشاهد علي كرم الله وجهه؟
قلت: أعوذ بالله تعالى من أنْ أُفسّر القرآن برأيي، وإنما نقلت لكم قول أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، وهو أيضاً رأي كثير من أعلامكم ومفسريكم، وهم قد نقلوا في ذلك ما يقارب من ثلاثين حديثاً، منهم: أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره روى ثلاثة أحاديث في ذلك، والسيوطي في الدر المنثور، عن ابن مردويه وابن أبي حاتم وأبي نعين الحافظ، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين روى ذلك بثلاثة أسانيد، والحافظ سليمان القندوزي روى ونقل في الباب ٢٦ عن الثعلبي والحمويني والخطيب الخوارزمي وأبي نعيم والواقدي وابن المغازلي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهما.
____________________
١) سورة هود، الآية ١٧.
والحافظ أبو نعيم روى ذلك عن ثلاث طرق، والطبري وابن المغازلي وابن أبي الحديد ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في الباب ٦٢ من كتاب كفاية الطالب وغير هؤلاء جمع كبير كلهم ذهبوا إلى أنّ الشاهد في الآية الكريمة هو الإمام عليعليهالسلام وقد قال النبيصلىاللهعليهوآله : عليٌ منّي وأنا من علي، وقال الله سبحانه:( وَ يَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) ومع هذا كلّه، لا أدري بأيّ وجهٍ شرعيٍّ ردّوا شهادة عليٍّ في حق فاطمةعليهاالسلام ؟
ردّوه بحجّة: أنّه يجرّ النفع إلى نفسه!! وهو الذي طلّق الدنيا ثلاثاً، وكان أزهد الناس فيها، يشهد له ذلك الصديق والعدو.
ولكن الذين حَلِيتَ الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها وحرصوا على الرئاسة والملك، افتروا عليه واتّهموه، وقالوا فيه ما لا يليق إلّا بهم.
فتارة قالوا: إنّه ثعالة شهيدُهُ ذَنَبه!!
وتارة قالوا: إنّه يجر النفع إلى نفسه!
ولكنه كظم غيظه وصبر على مضض، حتّى قالعليهالسلام في الخطبة الشقشقيّة المروية في نهج البلاغة : وهي الخطبة رقم ٣: فطَفِقْتُ أرْتَأي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَ يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَ يَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ!! فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَذا أَحْجَى، فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذًى وَ فِي الْحَلْقِ شَجًى أَرَى تُرَاثِي نَهْباً الخ.
ويقول في الخطبة رقم ٥ من نهج البلاغة: وَ الله لَا بْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ!! من هذا الكلام والبيان نعرف مدى انضجاره من الوضع المؤسف .و لمـّا ضربه ابن ملجم الرمادي - لعنة الله – بصارمه و هو في محراب العبادة وفي حال الصلاة نادى: فزتُ وربِّ الكعبة!
نعم بهذه الجملة القصيرة عبّر عن حقائق كثيرة، وبيَّنَ أنّه ارتاح من هموم وغمومٍ كانت متراكمة على قلبه الشريف، من جفاء قومٍ و ظلم آخرين وتحريف الدين وتغيير سنن سيد المرسلين!!
ارتاح من هموم وغموم تراكمت على فلبه المقدس من أعمال الناكثين، وجنايات القاسطين، وجرائم المارقين.
وكم تحمَّل من الأذى والظلم من الذين كانوا يدّعون صحبة رسول الله ومرافقته!!
وكم خالفوه وقاتلوه وسبّوه وشتموه ولعنوه على منابر الإسلام وفي مجاميع المسلمين!!
وأنتم أيها العلماء تعرفون كل ذلك، وتعلمون علم اليقين أنّ علياً كان نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله بنصّ القرآن الحكيم وحديث الرسول الكريم حيث قال: « مَنْ آذى علياً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومَنْ أحبَّ علياً فقد أحبّني، ومَنْ أحبّني فقد أحبّ الله، ومن سب علياً فقد سبّني، ومَنْ سَبَّني فقد سب الله». إنّ السلف سمعوا ذلك من رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حق عليّعليهالسلام إلّا أنّهم أخفوه عن المسلمين وألبسوا عليهم الحقائق وأضلوهم عن سبيل الله وعن الصراط المستقيم!!
وقد آل الأمر اليوم إليكم، فأنْصِفوا واتقوا الله واليوم الآخر، ولا تتّبعوا الهوى واتركوا التعصّب لدين الآباء ومذهب السلف،( وَ لاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَ تَکْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (١) ! فإنّ الناس من العامة ينظرون إليكم ويأخذون بأقوالكم فلا تسكنوا عن بيان الحقائق، انقلوا للناس ما رواه علماؤكم، وحدِّثوهم بما حدَّث أعلامكم وكتبوا في كتبهم في شأن الإمام عليعليهالسلام وأهل بيته المظلومين!
____________________
١) سورة البقرة، الآية ٤٢.
مَنْ آذى علياً فقد آذى الله
لقد بيَّن كثيرٌ من أعلام محدثيكم وكبار علمائكم، ورَووا بأسنادهم عن الرسولصلىاللهعليهوآله في حق عليّعليهالسلام أحاديث هامّة ولكنكم لا تذكرونها للعامّة، وتخفوها عنهم، والمفروض بيانها وإعلانها في الإذاعات وخطب الجمعات، وفي الاجتماعات الدينية والمناسبات الإسلامية.
روى أحمد بن حنبل في المسند بطرق عديدة، والثعلبي في تفسيره، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين، بأسنادهم عن رسولصلىاللهعليهوآله أنّه قال: « مَنْ آذى علياً فقد آذاني، أيها الناس! من آذى علياً بُعثَ يوم القيامة يهوديّاً أو نصرانيّاً ».
وروى ابن حجر المكي في الصواعق / الباب التاسع / الفصل الثاني / الحديث السادس عشر / عن سعد بن أبي وقاص عن رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: من آذى علياً فقد آذاني.
رواه العلّامة الكنجي الشافعي أيضاً في كتابه كفاية الطالب / الباب الثامن والستون / مسنداً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
وذكرت حديثاً آخر عن النبيصلىاللهعليهوآله أنقله لكم فان استماع حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله عبادة.
روى أحمد بن حنبل في مسنده، والمير علي الهمداني الشافعي في مودّة القربى، والحافظ أبو نعيم في كتاب «ما نزل من القرآن في عليّ »، والخطيب الخوارزمي في المناقب والحاكم أبو القاسم الحسكاني عن الحاكم أبي عبد الله عن أحمد بن
محمد بن أبي داود الحافظ عن علي بن أحمد العجلي عن عبّاد بن يعقوب عن أرطاط بن حبيب عن أبي خالد الواسطي عن زيد بن عليّ ابن الحسين عن أبيه الإمام الحسين الشهيد السبط عن أبيه الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: يا علي مَن آذى شعرة منك فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فعليه لعنه الله.
وروى السيد أبو بكر بن شهاب الدين العلوي في كتابه رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبي الهادي ص ٦٠ / الباب الرابع عن الجامع الكبير للطبراني وعن صحيح ابن حيان - وصحّحه الحاكم - كلهم عن مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: مَن آذاني في عترتي فعليه لعنة الله.
بعد هذه الأحاديث الشريفة والتفكّر في معانيها، انظروا إلى أحداث السقيفة وهجوم القوم على دار الإمام علي وفاطمة الزهراءعليهالسلام وهتكهم حرمتها، وفكروا في تلك الأعمال الشنيعة والأفعال الفظيعة التي ارتكبها القوم حتّى مرضت سيدة نساء العالمين بسببها وتوفّيت على أثرها في أيام شبابها، فماتت وهي ساخطة على أبي بكر وعمر وعلى كلّ مَنْ آذاها!!
الحافظ: نعم سخطت فاطمة الزهراء بادئ الأمر، ولكنها رضيت بعد ذلك لأنها علمت بأنّ الخليفة (رض) حكم بالحق، فرضيت عن الشيخين (رض) وعن جميع الصحابة الكرام حين توفيت.
قلت: إنّكم تحبون أنْ تصلحوا بين سيدة النساء فاطمةعليهالسلام وبين من ظلمها في عالم الخيال، ولكن الواقع خلاف الخيال والمقال، فقد صرّح أعلامكم وكبار علمائكم مثل الشيخين مسلم والبخاري في
صحيحهما فكتبا ورويا عن عائشة بنت أبي بكر: « فهجرته فاطمة ولم تكلّمه في ذلك حتى ماتت. فدفنها عليٌ ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر »(١) .
رواه العلّامة الكنجي الشافعي في كتاب كفاية الطالب، في أواخر/الباب التاسع والتسعون.
وقال ابن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسة / ١٤ و ١٥ / طبع مطبعة الأمة بمصر: فقال عمر لأبي بكر (رض) انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها، فانطلقا جميعاً فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما، فأتيا علياً فكلماه، فادخلهما عليها، فلما قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط، فسلَّما عليها فلم تردَّعليهماالسلام !!
فقالت: أ رأيتكما إنْ حدّثتكما حديثاً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، تعرفانه و تفعلان به؟ قالا: نعم، فقالت: نشدتكما الله! أ لم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة من رضاي و سخط فاطمة من سخطي، فمن أحبَّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني و من أرضى فاطمة فقد أرضاني و مَنْ أسخط فاطمة فقد أسخَطَني؟
قالا : نعم سمعناه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قالت فإنّي أُشهد الله و ملائكته أنّكما أسخطتماني و ما أرضيتماني و لَئن لقيتُ النبيصلىاللهعليهوآله لأشكونّكما إليه.
فقال أبو بكر: أنا عائذٌ بالله من سخطه و سخطك يا
____________________
١) صحيح البخاري: ج ٢/ ١٨٦، ومسلم ج ٣ / ١٣٨٠ مع اختلاف في لفظ الحديث والمعنى واحد.
«المترجم»
فاطمة ثم انتحبَ أبو بكر يبكي، حتى كادت نفسه أن تَزْهق و هي تقول: و الله و الله لادعونَّ الله عليك في كل صلاة أصلّيها!!(١) .
وبعد استماع هذه الأخبار، أرجوكم! استمعوا إلى روايات المحدثين التي تخبرنا عن مدى تعلق النبيصلىاللهعليهوآله بابنته فاطمة بحيث جعلها كنفسه وقال: من آذاها فقد آذاني فقد آذى الله، وإليكم بعض المصادر المعتبرة لديكم:
وروى أحمد بن حنبل في المسند، والحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودّة، والمير سيد علي الهمداني الشافعي في مودّة القربى، وابن حجر في الصواعق نقلاً عن الترمذي والحاكم عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: فاطمةٌ بضعةٌ مني وهي نورُ عيني وثمرة فؤادي وروحي التي بين جَنْبَيَّ، من آذاها فقد آذاني، ومَنْ آذاني فقد آذى الله، ومَن أغضبها فقد أغضبني.
ونقل ابن حجر العسقلاني في الإصابة في ترجمة فاطمةعليهالسلام ، عن صحيحَيْ البخاري ومسلم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها ويُريبني ما أرابها.
وفي مطالب السؤل لمحمد بن طلحة الشافعي ص ١٦ طبع دار الكتب التجارية / نقلاً عن الترمذي بسنده عن ابن الزبير عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها وينصبني ما ينصبها.
وفي محاضرات الأدباء للعلّامة الراغب الإصبهاني ج ٢ / ٢١٤ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: فاطمة بضعةُ مني فمن أغضبها فقد أغضبني.
____________________
١) قال ابن أبي الحديد - ولا يخفى سعة اطّلاعه في مثل هذه المواضيع - قال في شرح نهج البلاغة: ج ٦ / ٥٠ / طبع دار إحياء الكتب العربية /: والصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر، وأنها أوْصَت ألّا يصلّيا عليها!!
وروى الحافظ أبو موسى بن المثنى البصري المتوفّي سنة ٢٥٢، في معجمه، وابن حجر العسقلاني في الإصابة ج ٤ / ٣٧٥، وأبو يعلى الموصلي في سننه، والطبراني في المعجم، والحاكم النيسابوري في المستدرك ج ٣ / ١٥٤، والحافظ أبو نعيم في فضائل الصحابة، وابن عساكر في تاريخه، وسبط ابن الجوزي في التذكرة / ٢٧٩ / طبع مؤسسة أهل البيت بيروت، ومحب الدين الطبري في ذخائر العقبي / ٣٩، وابن حجر المكي في الصواعق / ١٠٥، وأبو العرفان الصبّان في إسعاف الراغبين / ١٧١، كلّهم رَووا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنه قال لابنته فاطمةعليهالسلام : يا فاطمة إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك.
وروى محمد بن اسماعيل البخاري في الصحيح في باب / مناقب قرابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، عن مسور بن مخرمة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنه قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني.
وفي التذكرة / ٢٧٩ روى سبط ابن الجوزي فقال: وقد أخرج مسلم عن المسور بن مخرمة أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: فاطمة بضعة مني يُريبيني ما رابها و يؤذيني ما آذاها فمن أغضبها فقد أغضبني.
أيها الحاضرون! وخاصّة أنتم العلماء فكّروا! في ما يحصل من هذه الأخبار وانظروا نتيجتها، أليست صريحة في أنّ الله ورسوله يغضبان على من تغضب فاطمة عليه؟ وطائفة من الأخبار - التي نقلتها لكم عن صحاحكم ومسانيدكم المعتبرة - صريحةٌ بأنّ فاطمةعليهالسلام ماتت وهي ساخطة على جمعٍ من الصحابة منهم أبو بكر وعمر. حتى أوصت أن لا يشيِّعاها ولا يصليا عليها!!
فالنتيجة الحاصلة: أنّ الله ورسوله ساخطين على أبي بكر وعمر،
لأنّ فاطمةعليهالسلام ماتت ساخطةً عليهما!!
الشيخ عبد السلام: هذه الأخبار صحيحة ولكن رسول اللهصلىاللهعليهوآله نطق بها حينما سمع أنّ علياً كرم الله وجهه يريد أن يتزوّج بابنة أبي جهل، فغضب رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقال: مَن آذى فاطمة فقد آذاني، ومن أغضبها فقد أغضبني، ومَن أغضبني فقد أغضب الله. وكان علي كرم الله وجهه هو الهدف والمقصود من هذه الأحاديث الشريفة!!
خطبة عليعليهالسلام ابنة أبي جهل كذبٌ وافتراء
قلت: يمتاز الإنسان عن سائر أنواع الحيوان بلُبِّه وعقله.
فإذا سمع خبراً فهو لا يقبله إلّا بعد ما يمضغه بفكره ويهضمه عقله ولبه، فإذا كان معقولاً قَبِلَهُ، وإذا كان غير معقول ردّه، ولذا قال تعالى في كتابه الكريم:( فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِکَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَ أُولٰئِکَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ ) (١) .
هذا الخبر وهو خطبة عليعليهالسلام ابنة أبي جهل، وغضب النبيصلىاللهعليهوآله لذلك، نقلَهُ بعض أسلافكم في كتبهم وأنتم على عاداتكم تلقيتم الخبر وتزنوه بعقولكم حتّى تجدوه مردوداً غير معقول ولا مقبول عند ذوي الألباب، وذلك لجهات منها:
أوّلاً: أجمعَ علماؤكم وأعلام مفسريكم أنّ علياًعليهالسلام داخلٌ في مَنْ شملتهم آية التطهير، فهو بعيدٌ وبريءٌ من كل رجس ورذيلةَ.
____________________
١) سورة الزمر، الآية ١٧ - ١٨.
ثانيا: أنّ الله سبحانه جعله في آية المباهلة نفسَ النبيصلىاللهعليهوآله كما نقلت لكم أخبارها في الليلة الماضية.
ثالثاً: كان عليٌعليهالسلام بابَ علم الرسول كما أعلن ذلك هو صلىصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد نقلتُ لكم أخباره من مصادركم.
فكانعليهالسلام أعلم الأمة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالقرآن وأحكامه وبالإسلام وفرائضه، وكانعليهالسلام أحوط الناس في العمل بالقرآن وأجهدهم في كسب مرضات الله ورسولهصلىاللهعليهوآله ؟ والله سبحانه يقول:( وَ مَا کَانَ لَکُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ) (١) .
ثم كيف قَبِلَتْ عقولكم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو صاحب الخلق العظيم يغضب عَلى أفضل عباد الله بعده والذي يحب اللهُ تبارك وتعالى كما عرَّفه حين أعطاه في خيبر، فيغضب عليه لا لشيء سوى أنّه أراد أن يرتكب أمراً مباحاً، أباحه الله سبحانه في كتابه لكل المسلمين من غير استثناء فقال:( فَانْکِحُوا مَا طَابَ لَکُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ ) (٢) ؟
وعلى فرض أنّ علياًعليهالسلام خطب ابنة أبي جهل، هل كان يحرم عليه ذلك أم يجوز؟! فكيف تقبل عقولكم أنْ يغضب سيد المرسلين وصاحب الخلق العظيم على سيد كريم مثل ابن عمه أمير المؤمنين لهذا الأمر المباح المشروع الذي سنّه الله تعالى وعمل به هو أيضاًصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
فالنبي صلوات الله وسلامه عليه أجلّ وأكرم من ذلك، ونفسه
____________________
١) سورة الأحزاب، الآية ٥٣.
٢) سورة النساء، الآية ٣.
القدسيّة أزكى وأعظم من أنْ تتأثّر بهكذا أمور. لذا فكلّ إنسان مؤمن وعاقل، يعرف كذب هذا الخبر وأنه افتراءٌ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهذا الخبر يحطّ من شخصيتهِ وكرامته، صلوات الله عليه قبل أنْ يحطّ من شخصيّة الإمام عليعليهالسلام وكرامته.
لذلك أقول: لا شك ولا ريب أنّ هذا الخبر وضعه بنو أمية لأنهم أعداء النبيصلىاللهعليهوآله وأعداء عليّعليهالسلام . وهذا ليس هو رأينا فحسب بل هو رأي بعض أعلامكم أيضاً.
فقد نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٤ / ٦٣ / طبع دار إحياء الكتب العربية / تحت عنوان [ فصل في ذكر الأحاديث الموضوعة في ذم عليعليهالسلام ] قال: وذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي رحمه الله تعالى أنّ معاوية وضعَ قوماً من الصحابة و قوماً من التابعين على روايةِ أخبارٍ قبيحة في عليّعليهالسلام ، تقتضي الطعنَ فيه و البراءة منه، و جعل لهم على ذلك جعْلا يُرْغَبُ في مثله، فاختلقوا ما أرضاه منهم أبو هريرة و عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة و من التابعين عروة بن الزبير - وبعد ما نقل نماذج من أحاديث كل واحد منهم قال -: و أمّا أبو هريرة فروي عنه الحديث الذي معناه أنّ علياًعليهالسلام خَطَبَ ابنة أبي جهل في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فأسخطه، فخطب على المنبر و قال: « لاها الله! لا تجتمع ابنة وليّ الله و ابنة عدو الله أبي جهل! إنّ فاطمة بضعة مني يُؤذيني ما يؤذيها، فإنْ كان عليٌ يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي، و ليفعل ما يريد »، أوْ كلاماً هذا معناه، و الحديث مشهور من رواية الكرابيسي.
ثم قال ابن أبي الحديد: هذا الحديث أيضاً مخرج في صحيحي مسلم و البخاري عن المسورَ بن مخرَمة الزهري، و قد ذكره المرتضى في
كتابه المسمّى «تنزيه الأنبياء و الأئمة » و ذكر أنّه رواية حسين الكرابيسي، و أنّه مشهورٌ بالإنحراف عن أهل البيتعليهمالسلام و عداوتهم و المناصبة لهم، فلا تُقبل روايته. انتهى كلام ابن أبي الحديد.
إضافةً على ما نقلته في الموضوع أقول: الأخبار التي تصرّح بأنّ إيذاء فاطمةعليهالسلام يكون إيذاءً للنبيصلىاللهعليهوآله لا تختصّ بخبر خطبة علىعليهالسلام ابنة أبي جهل! بل كما ورد في مصادركم وكتبكم أنّ النبيصلىاللهعليهوآله في موارد كثيرة ومناسبات عديدة صرّح بهذا المعنى بعبارات مختلفة.
كما نقبنا بعضها. أنقل إليكم الآن خبراً ما نقلتُهُ من قبل:
روى أحمد بن حنبل في مسنده، والخواجة بارسا البخاري في كتابه فصل الخطاب، والمير سيد علي الهمداني الشافعي في المودة الثالثة عشر من كتابه مودّة القربى، عن سلمان الفارسي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: حبّ فاطمة ينفع في مائة من المواطن، أيسر تلك المواطن الموت و القبر و الميزان و الصراط و الحساب، فمن رضيتْ عنه ابنتي فاطمة رضيتُ عنه و مَن رضيتُ عنه رضي الله عنه و مَن غضبتْ عليه ابنتي فاطمة غضبتُ عليه و مَن غضبتُ عليه غضب اللهُ عليه، ويلٌ لمن يظلمها و يظلم بعلها علياًعليهالسلام و ويلٌ لمن يظلم ذريّتهما و شيعتهما.
فليت شعري! ما هو تحليلكم للخبر الذي نقله جُلُّ أعلامكم وأصحاب الصِّحاح حتى البخاري ومسلم بأنّ فاطمةعليهالسلام ماتت وهي ساخطة على أبي بكر وعمر؟!
الحافظ: هذه الأخبار صحيحة، بل يوجد أكثر تفصيلاً وأشمل منها في مصادرنا، وأنا بفضل كلامكم عرفت زيف حديث الكرابيسي في خطبة علي كرم الله وجهه ابنة أبي جهل، وقد كان في قلبي شيءٌ
على الإمام علي بسبب هذا الخبر، فزال والحمد لله، وأنا أشكركم كثيراً على توجيهاتكم وتحليلكم للموضوع.
ولكن بقي أمرٌ يختلج في قلبي، وهو أنّ هذه الأخبار والأحاديث المصرّحة بأنّ إيذاء فاطمة إيذاء النبيصلىاللهعليهوآله وأنّ مَن أغضبها فقد أغضب رسول اللهصلىاللهعليهوآله . مقبولة ومحمولة فيما إذا كان غضبها لأمر ديني لا دنيوي، وأنتم تقولون أنها غضبت على أبي بكر وعمر من أجل فدك، إذ إنّها ادّعت تملّكها فردّاها ولم يقبلا منها، فكان سخطها لأمر شخصي وهذا أمرٌ طبيعيٌ فكلّ إنسان إذا أراد شيئاً ولم يصل اليه فيتأثّر نفسيّاً، وكان سخط فاطمة من هذا القبيل، وهي بعد ما عادت المياه إلى مجاريها وسكنت الفورة، ورضيتْ بحكم الخليفة وسكتت، ولذلك لمـّا بويع علي كرم الله وجهه بالخلافة وتمكّن من استرداد فدك، لم يحرّك ساكناً ولم يغيِّر حكم أبي بكر وما استردّ فدك وإنما تركه على ما كان في عهد الخلفاء الراشدين قبله. وهذا دليلٌ على أنّه كان راضياً بحكم أبي بكر لأنّه كان حقاً.
قلت: لقد طال مجلسنا وأخشى من أنْ يتعب الحاضرون ويملّوا، فلو توافقون على تأجيل حديثنا إلى غد وفي الليلة الآتية إن شاء الله نستمر في الموضوع.
- فأجابوا جميعاً: إنّنا ما تعبنا ولا مللنا بل كلنا شائقون إلى استماع حديثكم حتّى نعرف نتيجة البحث ويظهر لنا الحق -.
قلت: ما دمتم كذلك وتحبون ظهور النتيجة وانكشاف الحقيقة فأقول:
أولاً: الموضوع في الأحاديث النبوية صريحة ومطلقة فتشمل الأمور
الدنيوية وغيرها، فلا أدري من أين جاء الحافظ حفظه الله بهذا التفصيل؟
ثانياً: كل علماء المسلمين من الشيعة وأهل السنّة قد أجمعوا على أنّ فاطمة الزهراءعليهالسلام كانت امرأة مثاليّة، وكانت في أعلا مرتبة من مراتب الإيمان بحيث أنزل الله تعالى في شأنها آيات من الذكر الحكيم وشملتها آية التطهير وآية المباهلة وسورة الدّهر، وقد مدحها رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعرّفها بأنّها سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة، وأنّها امتلأت إيماناً، ومِثْلُها لا تَسْخَط لأجل أمرٍ دنيويٍ وماديّ، بذلك السخط الذي لا يزول إلى آخر حياتها. وهي تعلم بأنّ كظم الغيظ والعفو عن الخاطئين من علائم الإيمان والمؤمن ليس بحقود، إلّا أنْ يكون السخط من أجل الله تعالى، فإنّ المؤمن حبّه وبغضه في الله ولله سبحانه وتعالى، فكيف بفاطمة وهي سيدة نساء العالمين - كما في الحديث الشريف - وقد طهّرها الله عزّ وجلّ من الأرجاس والرذيلة والصفات الذميمة ولقبها أبوها بالطاهرة المطهَّرة، وهي ماتت ساخطة على أبي بكر وعمر، كما هو إجماع أهل الصحاح والمحدثين؟ فما كان سخطها إلا لأمر دينيّ لا دنيوي، وإنّها غضبت عليهما لأنّهما غَيَّرا دين الله وخالفا كتاب الله كما احتجّت عليهما في خطبتها التي مرّ ذكرها بالآيات القرآنية.
وأما قولك أيها الحافظ: إنّ فاطمة رضيت فسكتت، لا والله ما رضيت، ولكن حين رأت القوم الخصماء لها لا يلتفتون إلى كلامها ولا يسمعون دلائلها وهم مصرّون على باطلهم وظلمهم فسكتت، وما كان لها إلّا أنْ تسكت، ولكنّها أبدت سخطها عليهم، بأنْ أوصت إلى زوجها الإمام عليعليهالسلام أنْ لا يحضر جنازتها وتشييعها أحدٌ ممّن آذاها
وظلمها، ولا يَدَع أحدا يصلِّي عليها.
وأما قولك - أيها الحافظ -: بأن علياًعليهالسلام حيث لم يردّ فدكاً إلى أولاد فاطمة. فقد أمضى حكم الخليفة، فهو خطأ، لأنهعليهالسلام ما تمكّن من أن يُغيِّر ما ابتدعه الخلفاء قبله، فكانعليهالسلام مغلوباً على أمره من طرف المخالفين والمناوئين وهم الناكثين والقاسطين فكانوا له بالمرصاد حتى يأخذوا عليه نقطة خلاف فيكبِّروها ضده ويجعلوا من تلك النقطة منطلقاً إلى تضعيف حكومته الحقّة، كما ظهر ذلك في بعض القضايا مثل تغيير مكان المنبر، حيث إنّ الخلفاء قَبْلَه غيّروا مكان منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ونقلوه إلى مكان آخر في المسجد، فلما جاء الإمام عليعليهالسلام وتسلّم أمر الخلافة أراد أن يرجع المنبر إلى مكانه الذي كان على عهد النبيصلىاللهعليهوآله فضجَّ المخالفون له وأحدثوا بلبلةٍ حتى منعوه.
وكذلك مثالا آخر، أرادعليهالسلام أنْ يمنعَ الناس من إقامة صلاة التراويح جماعةً، لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله منع أن تقام النوافل جماعة، وإنما تختصّ الجماعة بالفرائض اليومية وغيرها من الفرائض، وإذا بالمناوئين ضجّوا واجتمعوا يهتفون وا سنّة عمراه!!
وصلاة التراويح - كما روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عبد القاري - ابتدعها عمر بن الخطاب، وقد عَيَّنَ أُبيّ ابن كعب إماماً لأهل المسجد في ليالي رمضان المبارك ليصلي بهم النوافل جماعة، فلما دخل المسجد ورأى الناس امتثلوا أمره، فقال: نِعْمَة البدعة هذه!!
فتركهم عليٌ وشأنهم، لمـّا رأى المنافقين اتخذوا هذا الأمر مستمسَكاً ضدَّه لخلق الفتن.
وكذلك في الكوفة لمـّا أراد أنْ يمنعَهم من إقامة صلاة التراويح جماعةً، فهتفوا ضدّه، فتركهم!!
فما تمكّن عليّعليهالسلام في أيّام خلافته أن يغيّر هذه الأمور البسيطة التي لا تنفعهم، فكيف كان يمكن له أنْ يستردّ فدكاً وقد انضمّت إلى بيت المال؟!
ولكي تعرفوا أنّ علياًعليهالسلام ما أمضى حكم أبي بكر بل وَكَّلَ وفوّض حكم فدك ومحاكمة فاطمة وخصمائها إلى الله الحَكَم العدل.
فراجعوا نهج البلاغة / كتابه إلى عثمان بن حُنيف الأنصاري وكان عامله على البصرة وهو الكتاب رقم ٤٥.
يقول فيه الإمامعليهالسلام بالمناسبة: « فَوَالله مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً، وَ لا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً، وَ لا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً، بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ، وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ آخَرِينَ، وَ نِعْمَ الْحَكَمُ الله »
فهذا كلام الإمام عليعليهالسلام يقول: «وَ نِعْمَ الْحَكَمُ الله »... ومعناه: أنني سوف أطالبهم حقي يوم الحساب يوم لا تُظلَم نفسٌ شيئاً والحُكْم يومئذٍ لله.
وأما سيدتنا فاطمةعليهالسلام فقد قالت لأبي بكر وعمر: فإنّي أُشهد الله و ملائكته أنكما أسخطتماني و ما أرضيتماني، و لئن لقيتُ النبيصلىاللهعليهوآله لأشكونّكما إليه - وقد مرّ تفصيل الكلام من رواية ابن قتيبة في الإمامة والسياسة -.
وكما نقل بعض المؤرخين كانت في أواخر أيام حياتها تخرج إلى قبر أبيها رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهناك تشكو اهتضامها وتقول: أبتاه أمسينا
بعدك من المستضعفين، و أصبحت الناس عنّا معرضين!! ثم تأخذ تراب القبر فتشمه وتنشد:
ماذا على مَنْ شمّ تربة أحمدٍ |
أنْ لا يشمّ مدى الزمان غواليا |
|
صُبّتْ عَليَّ مصائبٌ لو أنّها |
صُبّتْ على الأيام صِرْنَ لياليا |
فماتت مقهورة مظلومة، في ربيع العمر وعنفوان الشباب، وأوْصتْ إلى عليّعليهالسلام أن يغسّلها ويجهِّزها ليلاً، ويدفنها ليلاً إذا هدأت الأصوات ونامت العيون، وأوصت أن لا يشهد جنازتها أحدٌ ممن ظلمها وآذاها.
وامتثل الإمام عليعليهالسلام أمرها وعمل بوصيّتها.
ولما وضعها في لحدها وأهال عليها التراب، هاجَ به الحزن فتوجَّهَ إلى قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: السلام عليك يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلةِ في جوارك، والسريعة اللّحاق بك إلى أنْ يقول:
فإنّا لله و إنّا إليه راجعون، فلقد اسْتُرِجِعَتِ الوَديعة، و أُخذت الرَّهينة! أمّا حُزْني فسرمَدٌ، و أمّا ليلي فمسهَّد، إلى أنْ يختار الله لي داركَ التي أنتَ بها مقيمٌ، و سُتْنبّئُكَ اِبنتُك بتضافر أُمتكَ على هضمها، فأَحْفِها السُّؤال، و استخبرها الحال، هذا و لم يَطُلِ العهدُ، و لم يَخلُ منك الذكر، و السلام عليكما سلامَ مُودِّعٍ، لا قالٍ و لا سَئِم الخ.
كنت في أواخر حديثي هذا مستعبراً باكياً، وكذلك أكثر أهل المجلس بل كلّهم، وكان الحافظ حفظه الله منكِّساً رأسه إلى الأرض ودموعه تجري ويستغفر الله ويردِّد الآية الكريمة:
( إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) (١) .
____________________
١) سورة البقرة، الآية ١٥٦.
وبعد ذلك المجلس ما تكلّم الحافظ أبداً وإنّما حضر المجالس التالية مستمعاً لا مناقشاً، فكأنّه أنْصَفَ واقتنع، وكان ظاهر أمره في آخر ليلة حينما وادعني وفارقني، أنّه تشيّع - وإنْ لم يُبْدِ ذلك لمرافقيه وأصحابه -.
وبعد دقائق ولحظات وإذا بصوت المؤذّن يعلن طلوع الفجر ويؤذِّن لصلاة الصبح فافترق الجمع وفارقناهم.
المجلس التاسع
ليلة السبت - الثاني من شعبان المعظّم
في أوان المغرب جاءني عددٌ من الإخوان السنة الذين كانوا يلتزمون بالحضور في مجالس البحث والحوار من أول ليلة، وكانوا يستمعون إلى المواضيع المطروحة بكل لهفة ودقّة وربما طلبوا منّي توضيح بعض المواضيع المطروحة بكل لهفة ودقّة وربما طلبوا منّي توضيح بعض المواضيع، وكنت أحسّ وألمس منهم اهتماماً بالغاً، فجاءوا قبل انعقاد المجلس، وهم: النوّاب عبد القيوم خان، وغلام إمامين، والمولى عبد الأحد، وغلام حيدر خان، والسيد أحمد علي شاه
فاستقبلتهم وجلستُ معهم: فقالوا: أيها السيد المعظّم! إعْلَم بأنّنا في كل المجالس والمحاورات عرفنا الحق فيكم ومعكم، وخاصّة في الليلة الماضية قد انكشف لنا حقائق كثيرة كانت مكتومة، وكنّا نجهلها، وقد عرفناها بفضل بيانكم واتّضحت لنا من خلال حديثكم المستدل ومنطقكم القوي المدعم بالأحاديث والروايات الصحيحة المروية عن طريق أعلام السنة وعلمائهم في المسانيد والصّحاح، ونحن نطلب الحق ونريد أن نتدين بدين الله ونلتزم بما جاء به المصطفىصلىاللهعليهوآله من عند
الله سبحانه، فلسنا نتعصّب للخلفاء ولا لأئمة السنة والجماعة ولسنا معاندين، بل نحن بعيدون عن اللِّجاج والتّعصبّ والعناد. والآن حيث انكشف لنا الواقع، وعرفنا الحق، نريد أنْ نعلن هذه الليلة في المجلس وفي حضور الملأ، تشيُعنا ومتابعتنا لمذهب آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
واعلم أنّ هناك كثيراً من الناس على مختلف الطبقات ممّن يتابعون هذه المناقشات في الصحف والمجلّات، أيضاً قد عرفوا الحق ولكنهم يُخفون ذلك خوفاً من ردّ فعل قومهم، وإساءة أقربائهم لهم، ويخشون مقاطعة المجتمع الذي يعيشون فيه، فإذا نحن بدأنا بإعلان تشيعنا وفتحنا الباب فهم يدخلون أيضاً ويعلنون تشيعهم.
قلت: أرجوكم رجاءً مؤكّداً أن لا تعجلوا في الأمر، ولا تعلنوا تشيعكم هذه الليلة، اصبروا إلى نهاية المطاف حتى نعرف آخر ما يخرج به علماء السنّة والجماعة من هذه الأبحاث والمناقشات، فربما يعلنون هم أيضاً تشيعهم، فليكونوا هم البادون وأنتم التابعون، وهذا أجمل وأفضل، فوافقوا جميعاً على هذا الرأي.
وبعدما فرغنا من صلاتي المغرب والعشاء، اجتمع القوم وبعد التحيّات والتشريفات، بدأ الشيخ عبد السلام يتكلّم عن الجماعة ليمثل مذهبه.
فقال: لقد استفدنا من أحاديثكم في المجالس السالفة، فوائد جمّة، وأقول بكل صراحة: إنّ حديثكم يلين قلوب الأعداء، فكيف بنا نحن الأحبّاء، حيث اجتمعنا للتفاهم وحلّ القضايا الخلافية بمناقشات أخويّة ومناظرات ودّية؟ ولكن لمست وأحْسَسْتُ من جنابكم الإنحياز إلى أهل مذهبكم، بحيث أراكم تدافعون حتّى عن قبائح
عاداتهم وشنائع أقوالهم!
قلت: أنا لا أقبل منك هذا الكلام يا شيخ عبد السلام! لأنّي منذ عرفت نفسي وميّزتُ بين الخير والشر، خَضَعْتُ للحق، ودعوت للخير، ودافعت عن المظلوم، لأنّ جدّي أمير المؤمنين علي بن ابي طالبعليهالسلام أوصى إلى أولاده وخاصّة إلى الحَسَنينعليهالسلام فقال: قولا بالحق واعملا للآخرة، وكونا للظالم خصماً، وللمظلوم عَونْاً.
فإذا رأيتني أُبيِّن مساوىء مَنْ خالفنا، وأُدافع عن مَن وافقنا، فلا عن انحياز أو متابعة للهوى، وإنّما الحق والخير عندي هو المعيار والمقياس، واعلم أن كل حديثي وكلامي في هذه المناقشات كان مقروناً بالأدلة النقليّة والبراهين العقليّة.
وأمّا كلامك عن قبائح عادات الشيعة وأقوالهم الشنيعة فبيِّنْها لنا، فإن كان بيانك حقاً قبلناه، وإلّا كشفنا لكم الواقع، فلربما اشتبه عليكم الأمر.
الشيعة وعائشة!!
الشيخ عبد السلام: إنّ من أقبح أقوال الشيعة قذفهم أم المؤمنين عائشة ونسبتهم الفحش إليها وسبّها ولعنها! ومن أشنع عاداتهم عداؤهم لها واعتقادهم بخبثها، وهي حبيبة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وزوجته، فانتسابها الى الخبث يلازم - والعياذ بالله - خبث النبيصلىاللهعليهوآله لقوله سبحانه:( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَ الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) (١) .
____________________
١) سورة النور، الآية ٢٦.
قلت: أوّلاً: قولك بأن الشيعة يقذفون عائشة وينسبونها إلى الفحشاء.. فهو كذب على الشيعة وافتراء، وأُقسم بالله حتى عوام الشيعة لا يقولون ذلك ولا يعتقدون به، وإنّ النواصب والخوارج افتروا علينا هذا ليحرّكوا عوام أهل السنّة وجهالهم على أشياع آل محمّدصلىاللهعليهوآله ، ومع الأسف فإنّ بعض علماء العامّة صدّقوهم بغير دليل ولا تحقيق، وأحدهم جناب الشيخ عبد السلام سلّمه الله!
فأقول: أيها الشيخ! كيف تقول علينا هذا بالضرس القاطع؟! هل رأيته في كتاب أحد علمائنا؟ أم سمعته من لسان أحد الشيعة، ولو من عامتهم؟!
وأنا أرجوك أيها الشيخ أنْ تراجع تفاسير الشيعة في موضوع الإفك في ذيل الآيات ١٠ - ٢٠ من سورة النور لتعرف دفاع الشيعة عن عائشة وإنّ الآفكين هم المنافقون.
أما نحن الشيعة فنعتقد أنّ كل من يقذف أيّ واحدة من زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا سيما حفصة وعائشة، فهو ملحد كافر ملعون مهدور الدم، لأنّ ذلك مخالف لصريح القرآن وإهانة لرسول اللهصلىاللهعليهوآله .
وكذلك نعتقد بأنّ القذف ونسبة الفحشاء إلى أي مسلم ومسلمة حرام وموجب للحد - إلّا إذا شهد أربعة شهداء عدول -.
وأما اعتقاد الشيعة بخبث عائشة وشقاوتها، فبدليل أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله حيث قال كما ورد في مسانيدكم: إنه لا يحب علياً إلّا مؤمن سعيد الجد طيّب الولادة، ولا يبغضه إلّا منافق شقي الجد خبيث الولادة.
ولا يخفى على أحدٍ أنّ عائشة كانت من أشد المبغضين لعليٍعليهالسلام
إلى درجة أنّها خرجت لقتاله، وأشعلت نار الفتنة والحرب في البصرة عليه وهو إمام زمانها حينذاك!!
ثم اعلَمْ أنّ الاعتقاد بخبث الزوجة لا يلازم خبث الزوج وكذلك بالعكس، فكم من نساء صالحات أزواجهن غير صالحين؟ وكم من رجال صالحين زوجاتهم خبيثات غير صالحات؟ وهذا صريح قول الله سبحانه وتعالى في سورة التحريم ١٠ و١١ حيث يقول:( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ کَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَ امْرَأَةَ لُوطٍ کَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ* وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَکَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
فلا تلازم بين الزوجين في الطيب والخباثة وفي السعادة والشقاء، وفي القيامة أيضاً كلٌّ يُحاسَب ويُكافَأ بأعماله، فإنْ كانت المرأة صالحة مؤمنة يُؤْمَر بها الى الجنة، وإنْ كان زوجها فرعون لعنه الله، وإن كانت المرأة طالحة عاصية فيُؤمَر بها إلى الجحيم وإن كان زوجها أحد أنبياء المرسلين.
وأما تفسير الآية الكريمة:( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَ الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) (١) فقد ورد في روايات أهل البيتعليهمالسلام أنّ هذه الجملات تفسير وتوضيح لمـّا قبلها وهو قوله تعالى:( الزَّانِي لاَ يَنْکِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِکَةً وَ الزَّانِيَةُ لاَ يَنْکِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ
____________________
١) سورة النور، الآية ٢٦.
مُشْرِكٌ ) (١) معنى ذلك أنّ الخبيثات يَلِقْنَ للخبيثين والخبيثون يليقون لهن، وأمّا الطيبون فيليقون للطيّبات وبالعكس، كما أنّ الزانية أو المشركة لا تليق إلّا لزانٍ أو مشرك.
بغض عائشة لآل النبيصلىاللهعليهوآله
ونحن حين ننتقد عائشة ونعاديها، لا لأنها بنت أبي بكر، بل لسوء تصرّفها وسوء معاملتها مع آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولأنّها كانت تبغض علياًعليهالسلام وتعمل ضدّه وتثير المسلمين عليه، وإلّا فإنا [ نحبّ محمّد بن أبي بكر - أخيها - لأنه نصر الحق وتابعَ الإمام عليعليهالسلام ].
أمّا عائشة فما حافظت على مكانتها بل سوّدت تاريخها بأعمالها المخالفة لكتاب الله وحديث النبيصلىاللهعليهوآله فما أطاعت زوجها ولا أطاعت ربها!!
الشيخ عبد السلام: لا يليق هذا الكلام بكم وأنت سيدٌ شريف وعالم نبيل، فكيف تعبِّر عن أم المؤمنين بهذا التعبير، بأنها سوّدت تاريخها؟!
قلت: كل زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآله عندنا في مكانة متساوية، - باستثناء أم المؤمنين خديجة الكبرىعليهالسلام فإن النبي كان يفضّلها عليهن - فإنّ أم سلمة وسودةَ وعائشة وحفصة وميمونة وسائر زوجاتهصلىاللهعليهوآله كلهنّ أمهات المؤمنين، ولكن المؤرخين لا سيما أعلامكم فتحوا لعائشة صفحات خاصّة، تروي مداخلتها في الفتن، ومشاركتها مع
____________________
١) سورة النور، الآية ٣.
الرجال في أمور لا تعنيها، بل مخالفة لشأنها ومقامها كزوجة للنبيصلىاللهعليهوآله . وهذا مقصودنا من تسويدها تاريخها، وليتها كانت تسلك مسلك قريناتها، أعني زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآله وتحافظ على حرمة النبيصلىاللهعليهوآله كما حفظْنَها.
الشيخ عبد السلام: أظن أنّ سبب عدائكم وبغضكم لأم المؤمنين عائشة، هو خروجها على الإمام علي كرم الله وجهه، وإلّا فإنّ سلوكها مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان أحسن سلوك، وليس لأحدٍ انتقاد في ذلك، وكان رسول الله يكرمها كثيراً ونحن نكرمها لإكرام النبي لها.
قلت: سبب بغضنا لعائشة ليس لخروجها على الإمام عليعليهالسلام فحسب بل لسوء سلوكها مع النبيصلىاللهعليهوآله ، وإيذائها له أيضاً، وتمرّدها عليهصلىاللهعليهوآله وعدم إطاعتها له في حياته!!
الشيخ عبد السلام: هذا بهتان عظيم! فإنّ كلنا نعلم بأنها كانت أحب زوجات النبيصلىاللهعليهوآله إليه، فكيف كانت تؤذي رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهي تقرأ في القرآن الحكيم:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً ) (١) ؟
قلت: أيها الشيخ لقد تكرر منكم سوء التعبير ورميتموني بالافتراء والبهتان والكذب، ولكن سرعان ما انكشف الأمر وثبتَ بأنّي غير كاذب ولا مفتر، بل أنا ناقل الأخبار من كتب علمائكم ومسانيد أعلامكم، وقلت لكم: بأنّ الشيعة لا يحتاجون إلى وضع الأخبار وجعل الأحاديث في إثبات عقائدهم وحقانية أئمتهم وفضائلهم ومناقبهم، فإن كتاب الله سبحانه ينطق بذلك والتاريخ يشهد لهم.
____________________
١) سورة الأحزاب، الآية ٥٧.
أما قولك بأنّها كيف كانت تؤذي النبيصلىاللهعليهوآله وهي تقرأ الآية الكريمة:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله ) الخ.
فأقول: نعم كانت تقرأ الآية وكان أبوها أيضاً يقرأها وكثير من كبار الصحابة قرؤوا هذه الآية الكريمة وعرفوا معناها ولكن.. كما نقلت لكم الأخبار المرويّة في كتبكم وصحاحكم في الليلة الماضية وانكشف حقائق كثيرة للحاضرين ولكم إن كنتم منصفين غير معاندين!!
إيذاء عائشة للنبيصلىاللهعليهوآله في حياته
أما أخبار إيذاء عائشة لرسول اللهصلىاللهعليهوآله في حياته فلم تُذْكَر في كتب الشيعة وحدهم، بل ذكرها بعض أعلامكم أيضاً منهم: أبو حامد محمد الغزالي في كتابه إحياء العلوم:ج ٢/ الباب الثالث كتاب آداب النكاح / ١٣٥، والمتقي الهندي في كنز العمال ج ٧/١١٦، وأخرجه الطبراني في الأوسط والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد من حديث عائشة قالوا: و جرى بينهصلىاللهعليهوآله و بين عائشة كلام حتّى أدخل النبيُّصلىاللهعليهوآله أبا بكر حكماً بينهما، و استشهده، فقال لها رسول اللهصلىاللهعليهوآله تكلّمين أو أتكلّم؟ فقالت: بل تكلم أنت و لا تقل إلّا حقاً!
فلطمها أبو بكر حتّى دُمي فوها وقال: يا عدوّة نفسها! أوَ غير الحق يقول؟ فاستجارت برسول اللهصلىاللهعليهوآله وقعدت خلف ظهره، فقال له النبيصلىاللهعليهوآله : لن نَدْعُكَ لهذا ولم نُرِدْ هذا منك.
قال أبو حامد الغزالي في نفس الصفحة: وقالت له مرةً في كلام غضبت عنده: أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟! - قال وذلك حين صِباها - فتبسم رسول اللهصلىاللهعليهوآله واحتَمَلَ ذلك حِلْماً وكرماً.
وأخرجه أبو يعلى في مسنده وأبو الشيخ في كتاب الأمثال، من حديثهما مُعَنْعَناً.
قال الغزالي: وقالصلىاللهعليهوآله لها: إنّي لأعرف رضاك من غضبك.
قالت: وكيف تعرفه يا رسول الله؟ قالصلىاللهعليهوآله : إذا رضيت قلت: لا وإله محمد، وإذا غضبتِ قلت: لا وإله إبراهيم.
قالت: صدقت إنّما أهجر إسمك!(١) .
وتحدثها بهذه العبارات والتعابير التالية مع النبيصلىاللهعليهوآله :
بل تكلّم أنت و لا تقل إلّا حقاً!
أنت الذي تزعم أنك رسول الله!!
إنما أهجُر إسمك!
بالله عليكم! أنصفوا..! أما كان رسول الله يتأذّى من هذه التعابير القارصة والكلمات اللاذعة حين يسمعها من زوجته؟!
والمفروض أن تتصاغر الزوجة لزوجها وأن تحترمه وتخضع له ولا تتجاسر عليه بكلام يؤذيه، وكذلك المفروض على المؤمنين والمؤمنات أن يكرموا النبيصلىاللهعليهوآله ويحترموه احتراماً كبيراً ويعظّموه كثيراً، حتّى أنه لا يجوز لأحدٍ أن يرفع صوته فوق صوت النبيصلىاللهعليهوآله أو يدعوه باسمه من غير تشريف واحترام كما يدعو بعضهم بعضاً، لقوله تعالى:
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
____________________
١)أقول : أخرجه مسلم في صحيحه ج ٧/١٣٥ من حديثها ورواه البغوي في المصابيح ج ٢ / ٣٥.
«المترجم»
وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) (١) .
وقال سبحانه:( لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ) (٢) .
فالمفروض على زوجات النبيصلىاللهعليهوآله - عائشة وقريناتها - أنْ يُكْرمْنَ النبي ويحترمْنَهُ ويخضْعَن لهصلىاللهعليهوآله أكثر من غيرهن، ولكن مع الأسف الشديد نرى في سلوكها تمرّداً على رسول الله كما وصفها المؤرخون وحتى من أعلامكم مثل أبو حامد الغزالي، والطبري، والمسعودي وابن الأعثم الكوفي وغيرهم، قالوا: إنّها تمرّدت عن أمر الله ورسولهصلىاللهعليهوآله ! فهل هذا التمرد يدل على طيبها أم خبثها؟! وهل حياة المتمردين على الله ورسوله تكون ناصعة أم سوداء مظلمة؟!
وإني أستغرب كلام الشيخ عبد السلام وقوله: بأن سبب بغضنا لعائشة، خروجُها على الإمام علي كرم الله وجهه!
وكأنّه يحسب هذا الأمر هيّناً! وهو عند الله عظيمٌ عظيم.. لأنّها شقَّت عصى المسلمين، وسبَّبت سفك دماء كثير من المؤمنين والصالحين، فرمَّلَت نساءً، وأيتمت أطفالاً!! وهي بخروجها على أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وإثارة فتنة البصرة، وأمْرِها للناس، وتحريضهم لمقاتلة الإمام عليعليهالسلام ، فمهّدت الطريق وفتحت باب الحرب والقتال لمعاوية وحزبه الظالمين وكذلك للخوارج الملحدين الفاسقين!!
فأي ذنبٍ أعظم من هذا يا شيخ! وهي بخروجها من بيتها إلى
____________________
١) سورة الحجرات، الآية ٢.
٢) سورة النور، الآية ٦٣.
البصرة خالفت نصَّ كلام الله الحكيم إذ قال سبحانه:
( وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الأُْولى ) (١) .
نعم جميع زوجات رسول الله غير عائشة امتثلن أمر الله تعالى وأطَعْنَهُ وحفظن حرمة رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعد وفاته وما خرجن من بيوتهنّ إلّا للضرورة، وقد روى الأعمش كما ورد في صحاحكم ومسانيدكم: قالوا لأم المؤمنين سودة زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم لا تخرجين إلى الحج والعمرة؟ فإنّ ثوابهما عظيم؟
قالت: لقد أدّيت الحج الواجب وأما بعد ذلك فواجبي أن أجلس في بيتي، لقوله تعالى:( وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) فامتثالاً لأمره عزّ وجلّ، لا أخرج من بيتي بل أحب أن أقرَّ في الدار التي خصها لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولا أخرج إلا لضرورة، حتى يدركني الموت - وهكذا كانت حتى التحقت بالنبي الكريمصلىاللهعليهوآله -.
فنحن لا نفرّق بين زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فكلّهن أمهات المؤمنين، فمن هذه الجهة كلهن عندنا على حدٍّ سواء.
وأما في المنزلة والمقام فشأنهنّ شأن المؤمنات الأخريات فيكتسبن المقام والجاه عند الله سبحانه بالأعمال الصالحة وبالتقوى، فمن عملت منهن الصالحات واتّقت فنحبها، ومَن لم تتق وما عملت صالحاً فلا نحبها، ومَن خالفت وعصت ربها فنبغضها.
امتياز نساء النبيصلىاللهعليهوآله على سائر النساء
الشيخ عبد السلام: كيف تقول بأنّ شأن زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآله
____________________
١) سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
شأن المؤمنات الأخريات!! فإنّ هذا البيان خلافُ كلام الله العزيز إذ يقول:( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساء ) أي: أنّ مقام نساء النبي أعلا وأرفع من سائر النساء.
قلت: كل زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآله لهن الفخر والفضل على نساء المؤمنين لشرف انتسابهن إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو شرف اكتسابي وانتسابي لا ذاتي، فيجب عليهن أن يحفظْنَ حرمة هذا الانتساب الرفيع، والمقام المرموق والممتاز على سائر النسوة بتقوى الله سبحانه، كما صرّح بذلك عزّ وجلّ في كتابه قائلاً:( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) (١) .
ولا يخفى عليكم أيها العلماء معنى إنْ الشرطيّة، فمقام نساء النبيصلىاللهعليهوآله وامتيازهن على سائر النساء مشروط بالتقوى. فمن تورّعت، وتدرّعت بتقوى الله تعالى، وامتثلت أوامره، مثل سودة وأم سلمة فيلزم علينا تكريمها وتعظيمها واحترامها، ومَن لم تتورّع ولم تلتزم بتقوى الله سبحانه وما امتثلت أوامره، فلا احترام لها عندنا مثل عائشة.
خروج عائشة على أمير المؤمنينعليهالسلام
لقد أجمع المؤرخون أنّ عائشة قادت جيشاً لقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام وقال بعضٌ: إن طلحة والزبير أغرياها، وقال آخرون: إنها كانت مستعدّة لذلك من غير إغراء، لبغضها وعداءها للإمام عليعليهالسلام .
____________________
١) سورة الأحزاب، الآية ٣٢.
فاجتمع حولها كل مَنْ في قلبه مرض، وكلّ من كان حاقداً على أبي الحسن أمير المؤمنين سلام الله عليه، وخرجت إلى البصرة، فألقوا القبض على عثمان بن حنيف الأنصاري، صحابي رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكان عاملاً عليها من قِبَل الإمام عليعليهالسلام ، فنتفوا لحيته الكريمة، وشعر رأسه، وحاجبيه، وضربوه بالسياط حتى أُدْمي، ثمّ أخرجوه من البصرة بحالة يُرثى لها، وقتلوا أكثر من مائة نسمة من أهاليها من غير أن يصدر منهم ذنب أو أي عمل يبيح لعائشة وجيشها سفك تلك الدماء البريئة، ولو أحببتم الإطلاع على تفصيل تلك الأعمال البشعة فراجعوا تاريخ ابن الأثير، والمسعودي، وتاريخ الطبري، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد(١) .
____________________
١) أنقلُ للقارئ الكريم بعض ما نقله ابن قتيبة وهو من أعلام القرن الثالث الهجر، ومتوفي سنة ٢٧٦ هجرية، قال في كتابه الإمامة والسياسة ٦ - ٦٣ / ط. مطبعة الأمة بمصر سنة ١٣٢٨ هجرية:
«دخول طلحة والزبير وعائشة البصرة»
قال: وذكروا أنّه لمـا نزل طلحة والزبير وعائشة البصرة اصطف لها الناس في الطريق يقولون: يا أم المؤمنين ما الذي أخرجك من بيتك؟!
فلما أكثروا عليها، تكلمت بلسان طلق وكانت من أبلغ الناس: فحمدت الله وأثنت عليه، ثمّ قالت: أيها الناس! والله ما بلغ من ذنب عثمان أن يسْتَحَلَّ دمه، ولقد قُتِل مظلوماً!!
غضبنا لكم من السوط والعصا، ولا تغضب لعثمان من القتل؟ وإنّ من الرأي أن تنظروا إلى قَتَلةِ عثمان فيُقتَلوا به، ثمّ يُرَدّ هذا الأمر شورى على ما جعله عمر بن الخطاب. =
. . . . .
____________________
=
فمن قائل يقول: صدقت، وآخر يقول: كذبت، فلم يبرح الناس يقولون ذلك حتى ضرب بعضهم وجوه بعض، فبينما هم كذلك، أتاهم رجل من أشراف البصرة بكتاب كان كتبه طلحة في التأليب على قتل عثمان، فقال الرجلُ لطلحة: هل تعرف هذا الكتاب؟ قال نعم، قال: فما ردّك على ما كنتَ عليه؟! وكنتَ أمس تكتب إلينا تُؤلِّبُنا على قتل عثمان، وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه!!
وقد زعمتما - أي: طلحة والزبير - أنّ علياً دعاكما إلى أنْ تكون البيعة لكما قِبَلَه إذ كنتما أسنّ منه، فابيتما إلّا أنْ تُقدِّماه لقرابته وسابقته، فبايعتماه فكيف تنكثون بيعتكما بعد الذي عرض عليكما؟!
قال طلحة دعانا إلى البيعة بعد أنْ اغتصبها وبايعه الناس، فعلمنا حين عرض علينا أنّه غير فاعل، ولو فَعَلَ أبى ذلك المهاجرون والأنصار، فخِفْنا أنْ نَرُدَّ بيعته فنُقْتَل، فبايعناه كارهين، قال فما بدا لكما من عثمان؟ قال: ذكرنا ما كان من طعننا عليه وخذلاننا إيّاه، فلم نجد من ذلك مخرجاً إلّا الطلب بدمه!!
قال: ما تأمراني به؟ قال: بايعْنا على قتال عليّ ونقض بيعته!
قال: أريتما أنْ أتانا بعدكما من يدعونا إلى ما تدعون إليه ما نصنع؟
قالا: لا تُبايعْه! قال: ما أنْصَفتُما، أتَأمُراني أنْ أُقاتل علياً وأنقض بيعته وهي في أعناقكما، وتنهياني عن بيعة له عليكما؟ أما إنّنا فقد بايعنا عليّاً، فإن شئتما بايعناكما بيسار أيدينا!
قال ثم تفرّق الناس فصارت فرقة مع عثمان بن حنيف - وهو عامل عليّ على البصر - وفرقة مع طلحة والزبير.
ثم جاء جارية بن قدامة فقال: يا أم المؤمنين لَقَتْلُ عثمان كان أهون علينا من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون، انه كانت لك من الله تعالى حُرمة وستر، فهتكْتِ سترك، وأبحَتِ حُرمتك!! إنّه من رأى قتالك فقد رأى قتلك، فإن =
. . . . .
____________________
=
كُنْت يا أم المؤمنين أتيتينا طائعة، فارجعي إلى منزلك، وانْ كُنْتِ أتيتينا مستكرهة فاستَعْتِبي.
«قَتْلُ أصحابِ عثمان بن حنيف عامل عليّ على البصرة»
قال: وذكروا أنّه لمـا اَختلف القوم اصطلحوا على أنّ لعثمان بن حنيف دار الإمارة ومسجدها وبيت المال، وأنْ ينزلَ أصحابه حيث شاؤا من البصرة.
وأنْ ينزل طلحة والزبير وأصحابهما حيث شاؤا، حتى يقدم عليٌّ، فإنْ اجتمعوا دخلوا فيما دخل فيه الناس، وإنْ يتفرقوا، يَلْحَقْ كل قوم بأهوائهم، عليهم بذلك عهد الله وميثاقه وذمّه نبيهصلىاللهعليهوآله .
وأشهدوا شهوداً من الفريقين جميعاً.
فانصرف عثمان فدخل دار الإمارة وأمر أصحابه أنْ يلحقوا بمنازلهم ويضعوا سلاحهم، وافترق الناس وكتموا ما في أنفسهم غير بني عبد القيس فإنهم أظهروا نصرة عليّ، وكان حكيم بن جبل رئيسهم، فاجتمعوا إليه فقال لهم: يا معشر عبد القيس ! إنّ عثمان بن حنيف دمه مضمون، وأمانته مؤداة، وأيْمُ والله لو لم يكن [ بن حنيف ] عليَّ أميراً لمنعناه لمكانته من رسول اللهصلىاللهعليهوآله فكيف له الولاية والجوار؟ فأشْخصوا بأنصاركم وجاهدوا العدوّ، فإمّا أنْ تموتوا كراماً، وإمّا أنْ تعيشوا أحراراً.
فمكثَ عثمان بن حنيف في الدار أياماً، ثم إنَّ طلحة والزبير ومروان بن الحكم أتوه نصف الليل في جماعة معهم، في ليلة مظلمة سوداء مطيرة، وعثمان نائمٌ فقتلوا أربعين رجلاً من الحرس، فخرج عثمان بن حنيف فشدّ عليه مروان فأسره وقتل أصحابه، فأخذه مروان وفَنَتَفَ لحيته ورأسه وحاجبيه، فنظر عثمان بن حنيف إلى مروان فقال: أما أنك إنْ فُتّني بها في الدنيا فلم تَفُتْني بها في الآخرة. =
. . . . .
____________________
=
أقول: بعدما قرأتم هذا الخبر المعتبر الذي جاء به أحد كبار علمائكم العامة، أسألكم بالله أنصفوا! ما كان توجيه عمل طلحة والزبير أن نقضا العهد والميثاق!!
وهل الذين يزعمون أنهما من العشرة المبشرة، يعذّرانهما بأنْ اجتهدا؟ أيكون الاجتهادُ عذراً وجيهاً للذي يخالف نصَّ كلام الله العزيز الحكيم؟! إذ يقول سبحانه وتعالى:( وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ الله إِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الأْيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ الله يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ * وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ الله بِهِ وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) / النحل ٩١ و ٩٢. ويقول سبحانه عز وجل في آية أخرى:
( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآْخِرَةِ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ الله وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) آل عمران: ٧٧، ويقول سبحانه وتعالى:
( وَ بِعَهْدِ الله أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَ أَنَّ هذا صراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) الأنعام: ١٥٢ - ١٥٣.
يا تُرى هل الزبير وطلحة وعائشة وَفَوا بالعهد؟ أم هل اتبعوا الصراط المستقيم بخروجهم على أمير المؤمنينعليهالسلام ؟!
أما شَقُّوا عصي المسلمين، وَفرَّقوا بينهم، وألْقَواْ العداء والبغضاء بينهم وأحدثوا في الإسلام، وشَبُّوا، نائرة الحرب في المسلمين، وسبّبوا الجدال والقتال، وسفكوا الدماء المحرّمة، وأزهقوا النفوس المؤمنة؟ وكأنّهم ما قرأوا كلام الله العزيز الحكيم إذ يقول:( وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ الله عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ) النساء ٩٣. =
ولما جابَهَتْ عائشةُ جيش أمير المؤمنينعليهالسلام ، ركبت الجمل وَحَرَّضَت الناس الغافلين، وأَلَّبَت الجاهلين والمنافقين لقتال إمام زمانها، رغم مواعظهعليهالسلام ومواعظ ابن عباس وكبار الصحابة لها ولجيشها.
فأمّا الزبير امتنع من المقاتلة، وتَرَك المعركة إذْ عَرَف الحق مع عليعليهالسلام ، ولكن عائشة أصرّت على غَيِّها واستكبرت عن قبول الحق(١)
____________________
= فإذا كان هذا جزاء من قَتَل مؤمناً واحداً متعمّداً، فكيف بمن قتل المؤمنين متعمداً أو أمر بقتل آلافٍ من المؤمنين؟!
فكّروا وأنصفوا مالكم كيف تحكمون؟!
«المترجم»
١) قال ابن قتيبة في كتاب الامامة والسياسة: ٦٥ و ٦٦:
وذكروا أن الزبير دخل على عائشة فقال: يا أماه ما شَهِدتُ موطناً قط في الشرك ولا في الإسلام إلّا وَليَ فيه رأي وبصيرة، غير هذا الموطن فإنّه لا رأيَ لي فيه ولا بصيرة، وإنّي لعلى باطل! قالت عائشة: يا أبا عبدالله! خِفْتَ سيوف بني عبد المطلب؟! فقال: اما والله انّ سيوف بني عبد المطلب طوال حداد، يحملها فتيةٌ أنجاد. ثم قال لابنه عبد الله: عليك بحربك، أمّا أنا فراجعٌ لبيتي. فقال له ابنه عبد الله: الآن حين التقت حلقتا البطان واجتمعت الفئتان! والله لا نغسل رؤوسنا منها!
فقال الزبير لابنه: لا تعدّ هذا منّي جُبْناً! فوالله ما فارقْتُ أحداً في جاهلية ولا إسلام. قال: فما بردك؟
قال: بردني ما أنْ علمته كسرك. أقول: ألا تعجب من الزبير مع اعترافه أنّه على باطل، يقول لابنه: عليك بحربك ولا ينهاه!! =
حتى قُتل عشرات المئات من المسلمين بسببها ثمّ انكسرت واندحرت، فردّهاعليهالسلام إلى بيتها مكّرمة!
فضائل الامام عليعليهالسلام ومناقبه
روى أحمد في مسنده وابن أبي الحديد في شرح النهج
____________________
= وفي الصواعق المحرقة / ٧١، ط. الميمنية بمصر / قال ابن حجر: وقد أخبرصلىاللهعليهوآله بوقعة الجمل وصفّين وقتال عائشة (رض) والزبير وعلياً، كما أخرجه الحاكم وصحّحه البيهقي عن أم سلمة قالت: ذكر رسولصلىاللهعليهوآله خروج إحدى أمهات المؤمنين.
فضحكت عائشة (رض) فقالصلىاللهعليهوآله : أنظري يا حميراء أنْ لا تكون أنت!
أقول: نعم نهاها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولكنها خالفت وخرجت وقاتلت، ولا غرو فإنها خالفت ربها وخالقها في ذلك إذ يقول سبحانه، وتعالى:( وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الأُولى ) سورة الأحزاب، الآية ٣٣. وقال عزّ وجلّ:( وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) سورة الحشر، الآية ٧.
والعجب من الذين يعظّمونها، ويَروون عنها، ويبنون الأحكام على روايتها، ويقولون: إنا كانت أربعين ألف حديث. وقي في ردّ هذا الكلام:
حفظ أربعين ألف حديث |
ومن الذكر آيةً تنساها!! |
وقال ابن حجر: وأخرج الحاكم وصححه البيهقي عن ابي الأسود قال: شَهِدْت الزبير خرج يريد علياً، فقال له عليٌّ: أُنشِدُكَ الله هل سمعتَ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: تقاتله وأنت ظالم له! فمضى الزبير منصرفاً.
وفي رواية ابي يعلى والبيهقي، فقال الزبير: بلى ولكن نسيت!!
أقول: هكذا نسوا الحق ونصروا الباطل، فهل هذا عذر مقبول؟!
«المترجم»
والفخر الرازي في تفسيره الكبير والخطيب الخوارزمي في المناقب والشيخ سليمان القندوزي في ينابيع المودّة، والعلّامة محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / باب ٦٢، والمير سيد علي الهمداني الفقيه الشافعي في كتابه مودّة القربى / المودّة الخامسة، روى بعضهم عن عمر بن الخطاب وبعضهم عن عبد الله بن عباس حَبر الأمة، إنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: لو أنّ البحر مداد و الرياض أقلام و الانس كُتّاب و الجنّ حُسّاب ما أَحْصَوا فضائل علي بن أبي طالب(١) .
____________________
١) هذا حديث نبوي شريف صدر من سيد البشر، واشتُهر وانتَشر في كتب كثير من علماء السُنّة وأعلام العامة، ولم يصدر مثله في حق أي واحد من الصحابة، وإنّما خَصَّ النبيُّصلىاللهعليهوآله علياًعليهالسلام بهذا المعنى وكرره فيه بتعابير أخرى مثل قوله كما نقله المحب الطبري في الرياض النضرة: ج ٢ ص ٢١٤ وفي ذخائر العقبي ص ٦١ عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ما اكتسب مكتسب مثل فضل عليّ يهدي صاحبه إلى الهدى، ويرده عن الردى، أخرجه الطبراني.
ورواه عنه القندوزي في الينابيع / ٢٠٣، ط. اسلامبول والعلّامة الامر تسري في أرجح المطالب / ٩٨ ط لاهور.
وفي مناقب الموفق بن احمد الخوارزمي قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لرهط من أصحابه: إنّ الله تعالى جعل لأخي عليّ فضائل لا تحصى كثرةً.
وقد صرّح جمعٌ من أعلام العامّة: أنّه لم يذكر لأحدٍ من الصحابة الكرام ما ذكر لأمير المؤمنين عليعليهالسلام ، منهم إمام الحنابلة أحمد بن حنبل، نقل عنه ابن عبدالبر في الاستيعاب: ج ٢ / ٤٧٩، طبع حيدر آباد سنة ١٣١٩ هجرية.
قال: قال أحمد بن حنبل وإسماعيل بن إسحاق القاضي: لم يُرْوَ في فضائل أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما رُوي في فضائل علي بن ابي طالببعليهالسلام وقال ابن حجر في الصواعق / ٧٢، ط الميمنية بمصر: =
. . . . .
____________________
= (الفصل الثاني: في فضائله «رضي الله عنه وكرّم وجهه») وهي كثيرة عظيمة شهيرة حتى قال أحمد: ما جاء لأحدٍ من الفضائل ما جاء لعليّ.
وقال إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حق أحدٍ من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر ما جاء في عليّ - سلام الله عليه -.
ونقله الثعلبي في تفسيره عن أحمد بن حنبل آخر الآية الكريمة:( إِنَّمَا وَلِيُّکُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ ) ، وأخرجه الموفق بن أحمد الحنفي الخوارزمي في متابه المناقب: ص ٢٠، وأخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك المطبوع في ذليل المستدرك: ج ٣/١٠٧.
وأخرج الحاكم في المستدرك: ج ٣ / ١٠٧، بسنده عن محمد بن منصور الطوسي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله من الفضائل ما جاء لعلي بن ابي طالب (رضي الله عنه). وروى عنه أيضاً الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه ينابيع المودّة / الباب الأربعون وخرّجه العلامة الكنجي الشافعي المتوفى سنة ٦٥٨، وهو الشهير بفقيه الحرميْن ومفتي العرقيْن، محدِّث الشام وصدر الحفاظ، قال في كتابه كفاية الطالب في مناقب مولانا علي بن ابي طالب / الباب الثاني والستون / صفحة ١٢٤، طبع الغري: ويدُلّك على ذلك - أي كثرة فضائلهعليهالسلام - ما رويناه عن إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل وهو أعرف أصحاب أهل الحديث في علم الحديث: قريع قِران أقرانه، وإمام زمانه، والمقتدى به في هذا الفن في إبانه، والفارس الذي نكب فرسان الحفاظ في ميدانه، وروايته مقبولة وعلى كاهل التصديق محمولة، ولا يُتّهم في دينه، فجاءت روايته فيه كعمود الصبح ولا يمكن ستره بالراح، وهو ما أخبرنا العلامة مفتي الشام أبو نصر محمد =
. . . . .
____________________
= ذكر إسناده إلى محمد بن منصور الطوسي يقول: سمعتُ الإمام أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما جاء لعلي بن ابي طالب.
ثم قال الكنجي: وقال الحافظ البيهقي: وهو - أي عليٌعليهالسلام - أهل كل فضيلة ومنقبة ومستحقٌ لكل سابقة ومرتبة ولم يكن أحدٌ في وقته أحق بالخلافة منه.
قال الكنجي: هكذا أخرجه الحافظ الدمشقي في ترجمتهعليهالسلام من التاريخ.
وقال سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص:٢٣، ط مؤسسة أهل البيت بيروت: الباب الثاني في ذكر فضائلهعليهالسلام : وهي أشهر من الشمس والقمر، وأكثر من الحصى والمدر، وقد اخترت منها ما ثبتَ واشتهر.. ثم يستدل على كثرة فضائلهعليهالسلام برواية ابن عباس (رضي الله عنه): لو أنّ الشجر أقلام والبحور مداد و الإنس كتّاب و حسّاب، ما أحصوا فضائل أمير المؤمنين عليعليهالسلام .
واعلم! أنّ هذا الحديث الشريف خرّجه جمعٌ من أعلام العامّة في كتبهم منهم: الموفق بن أحمد الخوارزمي وهو من أعلام القرن السادس الهجري ومتوفي سنة ٥٦٨ هجرية، خرّج الحديث عن مجاهد عن ابن عباس في المناقب /١٨ و٢٢٩، ط تبريز قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لو أنّ الغياض أقلام و البحر مداد و الجنّ حسّاب و الإنس كتّاب ما أحصوا فضائل علي بن ابي طالب.
وخرّجه الإسلام الحمويني أيضاً في كتابه فرائد السمطين وخرّجه الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني في كتابه لسان الميزان: ج ٥/ ٦٢ ط حيدر آباد، وخرّجه العلّامة جمال الدين عطاء الله الهروي في الاربعين حديثاً.
أقول: وقال القندوزي في ينابيع المودة / أواخر الباب الاربعين:
وفي المناقب - أي مناقب احمد بن حنبل - عن أبي الطفيل قال: قال بعض الصحابة: لقد كان لعليّ من السوابق ما لو قسمت سابقة منها بين الناس لوسعتهم خيراً. =
. . . . .
____________________
= واستمع إلى بن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٩ /١١٦، ط دار احياء التراث العربي بيروت / لما يريد أن يذكر بعض فضائلهعليهالسلام يقول: واعلم أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام لو فخر بنفسه و بالغ في تعديد مناقبه و فضائله بفصاحته التي آتاه الله تعالى إيّاها و اختصه بها و ساعده على ذلك فصحاء العرب كافّة لم يبلغوا الى معشار ما نطق به الرسول الصادق صلوات الله عليه في أمره.. وبعدما ينتهي من نقل الأخبار والأحاديث الناطقة بفضائله ومناقبه يقول:
و اعلم أنّا إنما ذكرنا هذه الأخبار هاهنا لأنّ كثيراً من المنحرفين عنهعليهالسلام إذا مرّوا على كلامه في نهج البلاغة و غيره المتضمّن التحدث بنعمة الله عليه من اختصاص الرسول له ص و تميزه إياه عن غيره ينسبونه إلى التيه و الزهو و الفخر و لقد سبقهم بذلك قوم من الصحابة قيل لعمر ول عليا أمر الجيش و الحرب فقال هو أتيه من ذلك و قال زيد بن ثابت ما رأينا أزهى من علي و أسامة. فأردنا بإيراد هذه الأخبار هاهنا عند تفسير قوله «نحن الشعار و الأصحاب و نحن الخزنة و الأبواب» أن ننبه على عظم منزلته عند الرسولصلىاللهعليهوآله و أنّ من قيل في حقه ما قيل لو رقي إلى السماء و عَرَجَ في الهواء و فخر على الملائكة و الأنبياء تعظماً و تبجُّحاً لم يكن ملوماً بل كان بذلك جديرا فكيف و هوعليهالسلام لم يسلك قطّ مسلك التعظم و التكبّر في شي ء من أقواله و لا من أفعاله و كان ألطف البشر خلقا و أكرمهم طبعاً و أشدهم تواضعا و أكثرهم احتمالاً و أحسنهم بِشْراً و أطلقهم وَجْهاً حتّى نَسَبَه مَنْ نَسَبَه إلى الدُّعابة و المزاح و هما خُلقان ينافيان التكبّر و الاستطالة و إنما كان يذكر أحياناً ما يذكره من هذا النوع نفثة مصدور و شكوى مكروب و تنفّس مهمومٌ و لا يقصد به اذا ذكره إلّا شكر النعمة و تنبيه الغافل على ما خصّه الله به من الفضيلة فانّ ذلك من باب الأمر بالمعروف و الحَضّ على اعتقاد الحق و الصواب في أمره و النهي عن المنكر الذي هو تقديم غيره عليه =
. . . . .
____________________
= في الفضل فقد نهى الله سبحانه عن ذلك فقال( أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) ، يونس:٣٥، انتهى كلامه.
أقول: إذا كان تقديم غيره عليهعليهالسلام منكراً بدليل الآية الكريمة، فكيف تقول في مقدّمة شرح نهج البلاغة: الحمد لله الذي قدّم المفضول على الافضل؟! أي قدَّم أبا بكر على الإمام عليعليهالسلام - وهل الباري عزّ وجلّ يعمل منكراً؟! حاشاه ثم حاشاه، أم هل ينقض قوله بفعله؟! كلّا وألف كلاً، فإنّ الله تبارك وتعالى ما قدَّم المفضول على الأفضل، بل أمر عباده بمتابعة الأفضل بحكم العقل وصرّح بذلك في قوله الحكيم:( أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى ) ثم عاتبهم على سوء اختيارهم وحكمهم قائلاً:( فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) ؟!
فأقول لابن ابي الحديد ولمن حذا حذوه وسلك مذهبه:
إنّ تقديم المفضول على الأفضل ما كان فعل الله عزّ وجلّ، بل هو من تسويلات نفوس المنافقين ومن عمل الشيطان الذي ضَلّ وأضَلّ نعوذ بالله ربّ العباد من التعصّب والعناد ومن توجيه الضلالة والشقاوة والفساد.
فالبيان الفصيح، واعتراف وتصريح المآلف والمخالف بأنّ الإمام عليّاًعليهالسلام سبقَ الآخرين بفضائله ومناقبه، فلا يضاهيه أحدٌ من المسلمين، ولا يلحقه احدٌ من المؤمنين.
وفي ختام التعليق أنقل ابيات من الشاعر الأديب العبقري، عبد الباقي العمري يخاطب أمير المؤمنينعليهالسلام قائلاً:
أنت العليُّ الذي فوق العُلى رُفِعا |
ببطن مكة وَسْطَ البيتِ إذْ وُضِعا |
|
وأنت نقطةُ باءٍ مع توحّدَها |
بها جميع الذي في الذِّكْرِ قد جُمعا |
إلى أن يقول:
ما فرّقَ اللهُ شيئاً في خليقته |
من الفضائل إلّا عندكَ اجتمعا |
«المترجم»
وأخرج ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٩/ ١٦٨ /ط دار إحياء التراث العربي: عن أبي نعيم الحافظ في حلية الأولياء عن أبي برزة الأسلمي، ثم رواه بإسناد آخر بلفظ آخر عن أنس بن مالك عن النبيصلىاللهعليهوآله : أنّ رب العالمين عهد في عليّ إلَيَّ عهداً، أنّه رايةُ الهدى و منارُ الإيمان، و إمام أوليائي، و نور جميع مَنْ أطاعني. إنّ علياً أميني غداً في القيامة، و صاحب رايتي، بيد عليّ مفاتيح خزائن رحمة ربي(١) .
وقد تكرّر من النبيصلىاللهعليهوآله مراراً عديدة أنّه شَبَّهَ علياًعليهالسلام بالأنبياء، وروى ألفاظه أكثر أعلامكم ومحدثيكم في كتبهم، منها من أراد أنْ ينظر إلى نوح في عزمه و إلى آدم في علمه و إلى إبراهيم في حلمه و إلى موسى في فِطنته و إلى عيسى في زهده، فلينظر الى علي بن أبي طالب، قال: رواه أحمد بن حنبل في المسند ورواه البيهقي في صحيحه.
وأخرج ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٩ صفحة ١٧١/ عن النبيصلىاللهعليهوآله : كنت أنا و عليٌ نوراً بين يدي الله عزّ و جلّ قبل أنْ يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق آدم قَسَّم ذلك فيه، و جعله جزأين، فجزءٌ أنا، و جزءٌ عليٌ.
قال: رواه أحمد في المسند وفي كتاب فضائل عليعليهالسلام ، وذكره
____________________
١) رواه العلّامة الكنجي في كفاية الطالب / الباب السادس والخمسون بإسناده الى أنس بن مالك أنه قال: بعثني النبيصلىاللهعليهوآله إلى ابي برزة فقال له وأنا أسمع ثم ذكر الحديث بتمامه.
«المترجم»
صاحب كتاب الفردوس وزاد فيه: ثم انتقلنا حتى صرنا في عبد المطلب، فكان لي النبوّة ولعليّ الوصيّة.
وأخرج جمعٌ من أعلامكم ومحدثيكم منهم أبو نعيم الحافظ في كتابه «حلية الأولياء » ونقل عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ٩/ ١٧٣، قال رسولصلىاللهعليهوآله : أخْصِمُكَ يا عليّ بالنبوّة! فلا نبوّة بعدي - أي أغلبك - ، و تخصم الناس بسبعٍ لا يجاحد فيها أحدٌ من قريش: أنت أولهم إيماناً بالله، و أوفاهم بعهد الله، و أقومهم بأمر الله، و أقسمهم بالسويّة، و أعدلهم في الرعيّة، و أبصرهم بالقضيّة، و أعظمهم عند الله مزيّة.
وذكر ابن الصباغ في الفصول المهمة / ١٢٤ / نقلاً عن عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي في كتاب معالم العترة النبويّة، روى عن فاطمة الزهراءعليهالسلام أنها قالت: خرج علينا أبي رسول اللهصلىاللهعليهوآله عشية عرفة فقال: إنّ الله عزّ و جلّ باهى بكم الملائكة عامّة، و غفر لكم عامّة، و لعليّ خاصّة، و إنّي رسول الله إليكم غير محابٍ لقرابتي، إنّ السعيد كُلَّ السعيد مَنْ أحبَّ علياً في حياته و بعد موته، و إنّ الشقيّ مَنْ أبغض علياً في حياته و بعد مماته(١) .
____________________
١) و أخرجه ابن ابي الحديد في شرح النهج ج ٩ / ١٦٩، قال: خرج النبيصلىاللهعليهوآله على الحجيج عشية عرفة فقال لهم: إن الله قد باهى بكم الملائكة عامة، و غفر لكم عامة، و باهى بعليّ خاصّة، و غفر له خاصّة، إنّي قائل لكم قولاً غير محابٍ فيه لقرابتي، انّ السعيد كلّ السعيد حقّ السعيد من أحبّ علياً في حياته و بعد موته.
قال رواه أحمد بن حنبل في كتاب فضائل عليّعليهالسلام ، وفي المسند أيضاً.
«المترجم»
وخبر آخر رواه جمع من أعلام محدثيكم في مسانيدهم وصحاحهم، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنه قال لعليعليهالسلام : كذب من أنّه يحبني وهو مبغضك، يا عليّ! مَنْ أحبك فقد أحبَّني، ومَنْ أحبّني أحبَّهُ الله، ومَنْ أحبَّه الله أدخله الجنة، ومَنْ أبغضك فقد أبغضني، ومَنْ أبغضني أبغضه الله وأدخله النار(١) .
____________________
١) لقد أعلن النبيصلىاللهعليهوآله كراراً ومراراً بأنّه: كذب من زعم أنه يحبني وهو يبغض علياً. قال بعبارات وألفاظ مختلفة والمعنى واحد، فقد روى ابن المغازلي في مناقبه بإسنادٍ يرفعه إلى أنس بن مالك قال النبيصلىاللهعليهوآله لعلي: كذب من زعم أنه يبغضك ويحبّني. وروى ابن حسنويه في در بحر المناقب عن أحمد بن مظفر بسنده عن أنس، بعين ما تقدّم.
وروى شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين بسنده عن عبدالملك بن عمير عن أنس: يا علي من زعم أنه يحبني ويبغضك فهو كاذب. والعلّامة الذهبي في ميزان الاعتدال: ج ١ / ٢٥١، ط. القاهرة / روى عن عبد الملك بن عمير عن أنس: يا علي! كذب من زعم أنه يحبني و يبغضك، وفي ج ٢ / ٣١٣ بنفس الاسناد: من زعم أنّه يحبني وأبغض علياً فقد كذب.
وابن حجر الهيثمي في لسان الميزان: ج ٢ / ٢٨٥، ط. حيدر آباد رواه كما في ميزان الإعتدال سنداً ومتناً. وروى العلّامة الكنجي في كفاية الطالب / الباب الثامن والثمانون / بإسناده إلى أم سلمة قالت: دخل علي بن ابي طالب على النبيصلىاللهعليهوآله فقال النبيصلىاللهعليهوآله : كذب من زعم أنه يحبني و يبغض هذا، قال هذا حديث حسن عال رواه التكريتي في «مناقب الأشراف» وابن كثير في البداية والنهاية: ج ٧ / ٣٥٤، ط. مصر عن أم سلمة: انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لعلي: كذب من زعم أنه يحبني و يبغضك، ورواه أيضاً بنفس اللفظ عن ابي سعيد عن النبيصلىاللهعليهوآله .
والخطيب موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب: ٤٥، ط. تبريز / روى بسنده المتصل إلى عبدالله بن مسعود أنه قال: سمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: مَنْ زعم أنّه =
. . . . .
____________________
= آمنَ بي وبما جئت به وهو يبغض علياً فهو كاذب ليس بمؤمن. ورواه ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية: ج ٧ / ٣٥٤، عن طريق آخر عن ابن مسعود، ورواه أيضاً العلّامة الأمرتسري في أرجح المطالب / ٥١٩، ط. لاهور / عن ابن مسعود.
وأخرج ابن كثير أيضاً في البداية والنهاية: ج ٧ / ٣٥٤، ط. مصر / عن جابر أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لعلي: كذب من زعم أنّه يحبني و يبغضك. وابن المغازلي في المناقب / حديث رقم /٢٣٣ بسنده عن سلمان قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعلي: يا عليّ محبك محبي ومبغضك مبغضي.
وفي حديث رقم ٣٠٩ روى بسنده عن نافع مولى ابن عمر عنه عن رسولصلىاللهعليهوآله قال لعليعليهالسلام : ....وأنت وارثي ووصيي، تقضي دَيْني وتُنجز عِداتي وتُقْتَل على سُنّتي، كذب من زعم أنّه يُبغضك ويُحبّني، وفي حديث رقم ٢٧٧ روى ابن المغازلي بسنده عن عمار بن ياسر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أوصي مَن آمن بي و صدّقني بولاية عليّ بن ابي طالب فمن تولّاه فقد تولّاني، و مَن تولّاني فقد تولّى الله، و مَن أحبّه فقد أحبّني و منْ أحبّني فقد أحبّ الله، و من أبغضه فقد أبغضني و من أبغضني فقد أبغض الله عزّ و جلّ.
وأخرجه المتقي حسام الدين في كنز العمال: ج ٦/١٥٤، وقال رواه الطبراني المعجم الكبير، وذكره في منتخبه أيضاً: ج ٥/ ٣٢، وقال رواه وابن عساكر، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد: ج ٩/١٠٨.
وفي فرائد السمطين أخرج الحمويني حديثاً مسنداً إلى ابن عباس وفيه: كذب من زعم أنّه يحبني ويبغضك، والخطاب إلى عليعليهالسلام من النبيصلىاللهعليهوآله .
وفي أرجح المطالب ٤٤٦ /، ط لاهور، أخرج حديثاً عن طريق الحسن بن بدر، والحاكم، وابن النجّار، والمتقي في كنز العمال، وابن السمّان في الموافقة، والمحب الطبري، عن ابن عباس وفيه: وكذب عَلَيَّ مَنْ زعم أنّه يحبني ويبغضك. =
هذه الأحاديث الشريفة وعشرات بل مئات من مثلها مسجّلة وثابتة في مسانيد علمائكم وأعلام محدثيكم وقد زيّنوا بها تصانيفهم وكتبهم، وحتى المتعصبين منهم لم يروا بُدّاً من ذكرها وإخراجها، أمثال القوشجي وابن حجر المكي وروزبهان وغيرهم.
ورغم المحاولات الشيطانية التي حاولها أعداء الإمام عليعليهالسلام ، والأساليب العدوانية التي استعملها معاوية وحزبه المنحرفون الظالمون لإخفاء مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام وفضائله، والمنع من نشرها وروايتها. مع كل ذلك.. فقد انتشرت في الأقطار وتناقلتها علماء الأمصار حتى مُلئت منها الكتب والأسفار، ولكي تطّلعوا على بعض تلك الأخبار، فراجعوا الصحاح الستّة، وخصائص مولانا علي بن أبي طالب للنسائي، وينابيع المودّة للقندوزي، ومودّة القربى
____________________
= وفي لسان الميزان: ج ٤/ ٣٩٩، ط. حيدر آباد / أخرج العسقلاني عن الإمام عليعليهالسلام عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: مَنْ زعم أنّه يحبّني وأبغَضَ علياً فقد كذب.
وفي أرجح المطالب ٥١٨ / ط. لاهور / عن العباس بن عبد المطلب قال: سمعت عمر بن الخطاب، وقد سمع رجلاً يسبّ علياً، فقال: كُفُّوا عن ذكر عليّ إلّا بخير، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول:في عليّ ثلاث خصال كذب من زعم أنه يحبني وهو يبغضك، يا عليّ! مَن أحبّك فقد أحبّني ومن أحبّني فقد أحبّ الله تعالى ومَن أحبّه الله تعالى أدخله الجنة و من أبغَضك فقد أبغضني، و مَن أبغضني فقد أبغضه الله تعالى، و مَن أبغضه الله تعالى أدخله النار. أخرجه الخوارزمي.
واعلم أيها القارىء الكريم! أنّ الروايات الواردة بهذا المعنى أكثر مما ذكرنا بحيث يحصل منها علم اليقين لمن يطلب الحق ويكون من المنصفين.
«المترجم»
للهمداني، والمعجم للطبراني، ومطالب السؤول لمحمد بن طلحة القرشي العدوي، ومسند الامام احمد ومناقبه، ومناقب الخطيب الخوارزمي، ومناقب مولانا علي بن أبي طالب للعلّامة صدر الحفاظ الكنجي الشافعي، وفرائد السمطين لشيخ الإسلام الحمويني، والرياض النضرة، وذخائر العقبى لمحب الدين الطبري، والإتحاف بحب الأشراف للشبراوي، والمستدرك للحاكم النيسابوري، وتاريخ بن عساكر / قسم ترجمة الإمام عليعليهالسلام ، وعشرات الكتب غير ما ذكرنا، وكلها من أعلامكم ومشاهير محدثيكم(١) .
____________________
١) لقد ذكر المؤلف الخبر: أنّ معاوية استعمل أساليب عدوانية للمنع من رواية فضائل الإمام عليعليهالسلام ونشرها.. وهذا أمرٌ مشتَهر لا يُنكر ولكي يطمئن القارئ النبيل ويتلقى الخبر مع شاهد ودليل، أروي لكم ما نقله ابن ابي الحديد في شرح النهج: ج ١١/٤٤-٤٦، ط دار إحياء التراث العربي / قال: و روى أبو الحسن علي بن محمد بن ابي سيف المدائني في كتاب «الأحداث» قال كتب معاوية نسخةً واحدة إلى عُمّاله بعد عام الجماعة: أَنْ بَرِئَت الذمّةُ ممن روى شيئاً من فضل ابي تراب و أهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة و على كلّ منبر يلعنون علياً و يَبْرءون منه و يقعون فيه و في أهل بيته و كان أشدّ الناس بلاءً حينئذٍ أهل الكوفة لكثرة مَنْ بها من شيعة عليعليهالسلام فاستعمل عليهم زياد ابن سميّة و ضَمَّ إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة و هو بهم عارف - لأنّه كان منهم أيام عليّعليهالسلام - فقتلهم تحت كل حَجَر و مَدَر و أخافهم و قطع الأيدي و الأرجل و سَمَل العيون و صَلَبَهم على جذوع النخل و طرفهم و شرّدهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم و كتب معاوية إلى عمّاله في جميع الآفاق: ألّا يجيزوا لأحدٍ من شيعة عليّ و أهل بيته شهادة و كتب إليهم أنْ انظروا مَن قبلكم مِن شيعة عثمان و محبّيه و أهل ولايته و الذين يروون =
. . . . .
____________________
= فضائله و مناقبه فادنوا مجالسَهم و قربّوهم و أكرموهم و اكتبوا لي بكلّ ما يروي كلّ رجلٍ منهم و اسمه و اسم أبيه و عشيرته.
ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان و مناقبه لِما كان يبعثه إليهم معاوية من الصِّلات و الكساء و الحِباء و القطائع و يفيضه في العرب منهم و الموالي فكثر ذلك في كل مصر و تنافسوا في المنازل و الدنيا فليس يجي ء أحدٌ مردود من الناس عاملاً من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلّا كتب اسمه و قربّه و شفّعه فلبثوا بذلك حينا.
ثم كتب إلى عماله أنّ الحديث في عثمان قد كَثُرَ و فشا في كل مصر و في كل وجهٍ و ناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة و الخلفاء الأوّلين و لا تتركوا خبراً يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب إلّا و تأتوني بمناقضٍ له في الصحابة فإنّ هذا أحبّ إلى و أقرُّ لعيني و أدحضُ لحجّة أبي تراب و شيعته و أشد إليهم من مناقب عثمان و فضله!!
فقُرئت كتبه على الناس فُرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها وجَدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر و أُلقي إلى معلّمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم و غلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه و تعلّموه كما يتعلّمون القرآن و حتى علّموه بناتهم و نساءهم و خَدَمهم و حَشَمَهم فلبثوا بذلك ما شاء الله.
ثم كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان انظروا مَن قامت عليه البيّنة أنّه يحب علياً و أهل بيته فامحوه من الديوان و أسقطوا عطاءه و رزقه و شفَع ذلك بنسخة اُخرى: مَن اتهمتموه بمولاه هؤلاء القوم فَنَكِّلوا به و اهدموا داره!!
فلم يكن البلاء أشدّ و لا أكثر منه بالعراق و لا سيما بالكوفة حتى إنّ الرجلَ من شيعة عليعليهالسلام ليأتيه مَن يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه و يخاف من خادمه و مملوكه و لا يحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة لَيكتُمَنّ عليه. =
. . . . .
____________________
= فظهر حديثٌ كثير موضوع و بهتان منتشر و مضى على ذلك الفقهاء و القضاة و الولاة و كان أعظم الناس في ذلك بليّةً القراء المراءون و المستضعَفون الذين يُظهرون الخشوع و النُسُك فيفتعلون الأحاديث ليحظوْا بذلك عند ولاتهم و يقربوا مجالسهم و يصيبوا به الأموال و الضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار و الأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب و البهتان فقبلوها و رَوَوْها و هم يظنّون أنّها حقّ و لو عَلِموا أنّها باطلة لما رَوَوْها و لا تديّنوا بها.
قال ابن ابي الحديد: و قد روى ابنُ عَرفة المعروف بنفطويه و هو من أكابر المحدثين و أعلامهم في تاريخه ما يناسب هذا الخبر و قال إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتُعلت في أيّام بني أميّة تقرّباً إليهم بما يظنّون أنّهم يُرغِمون به أنوف بني هاشم.
وجاء في الصواعق المحرقة /٧٦، ط الميمنية بمصر / قال: وأخرج ابن عساكر... وقال عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة: كان لعليّ ما شئت من ضرسٍ قاطع في العلم و كان له القدم في الإسلام و الصهر برسول اللهصلىاللهعليهوآله و الفقه في السُنّة و النجدة في الحرب و الجود في المال قال ابن حجر: وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما أنزل اللهُ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلّا وعليٌّ أميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآله في غير مكان وما ذكر علياً إلّا بخير، قال: وأخرج ابن عساكر عنه - أي عن ابن عباس - قال: ما نزل في أحدٍ من كتاب الله تعالى ما نزل في عليّعليهالسلام وأخرج عنه أيضاً قال: نزل في عليّ ثلاثمائة آية: قال: واخرج الطبراني عنه - أي عن ابن عباس - قال: كانت لعليّ ثمانية عشر منقبة ما كانت لأحدٍ من هذه الأمة.
قال ابن حجر: ولما دخل [الإمام عليعليهالسلام ] الكوفة، دخل عليه حكيمٌ من العرب فقال و الله يا أمير المؤمنين لقد زيّنتَ الخلافة و ما زيّنتك و رفعتَها و ما رفعتْكَ و هي =
عليٌعليهالسلام خير البرية والبشر
وفي كتاب كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين علي بن ابي طالبعليهالسلام الباب الثاني والستون / ١١٨ - ١٩٩ / ط الغري سنة ١٣٥٦ هجرية للعلّامة إمام الحرمين ومفتي العراقيين محدِّث الشام وصدر الحفاظ أبي عبد الله محمد بن يوسف بن محمد القرشي الكنجي الشافعي المتوفى سنة ٦٥٨ هجرية، أخرج بسنده المعنْعَن المتصل بجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: كنا عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فأقبل علي بن أبي طالبعليهالسلام فقال النبيصلىاللهعليهوآله : قد أتاكم اخي ثم التفت الى الكعبة فضربها بيده ثم قال والذي نفسي بيده إنّ هذا
____________________
= كانت أحوج إليك منك إليها.
قال: وأخرج السّلفي في الطيوريات عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألتُ أبي عن عليّ ومعاوية؟ فقال: أعلمْ أنّ علياً كان كثير الأعداء، ففتّش له أعداؤه شيئاً فلم يجدوه. فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله - وهو معاوية - فأطروه كيداً منهم له!!
ونِعْمَ ما قال المرحوم العلّامة الكبير والأديب النحرير والشاعر الشهير المرحوم السيد رضا الهندي في القصيدة الكوثرية:
قاسَوْك - أبا حسنٍ - بسواكَ |
وهل بالطّود يُقاس الذّر |
|
أنَّى ساوَوْكَ بمن نَآووك |
وهل ساَووا نَعْلَيْ قَنْبر!! |
نعم والله..
فأين الحصى من نجوم السماء |
وأين معاوية من عليّ؟ |
=
و شيعتُهُ هم الفائزون يوم القيامة ثم إنّه أولكم إيماناً و أوفاكم بعهد الله و أقومكم بأمر الله و أعدلكم في الرعيّة و أقسمكم بالسويّة و أعظمكم عند الله مزيّة.
قال: ونزلت( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة ) (١) .
____________________
= أقول: ورأيت في بعض الكتب، أنّه قيل للخليل النحوي: ما رأيك في علي بن ابي طالبعليهالسلام ؟
فقال: ما أقول في حق رجلٍ أخفى الأحباءُ فضائله من خوف الأعداء، وسعى أعداؤه في إخفائها من الحسد والبغضاء، وظهر من فضائله مع ذلك كله ما ملأ المشرق والمغرب.
وفي أمالي الشيخ الطوسي (قدس سره):
... قال:حدثني يونس بن حبيب النحوي، و كان عثمانيّاً، قال قلتُ للخليل بن أحمد أريدُ أنْ أسألكَ عن مسألة فَتَكْتُمُها عليَّ؟
قال [الخليل]: إنّ قولك يدل على أنّ الجوابَ أغلظ من السؤال، فَتَكتُمه أنت أيضاً؟ قال قلتُ: نعم، أيام حياتِك. قال سَلْ!
قال قلتُ: ما بال أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله كأنهم بنو أمّ واحدة و عليُّ بن أبي طالب من بينهم كأنه ابنُ عَلَّة؟[ أي الضرّة].
قال: مِن أين لك هذا السؤال؟
قال: قلت قد وعدتني الجواب.
قال: و قد ضَمِنْتَ الكتمان.
قال: قلتُ أيام حياتك.
فقال [الخليل]: إن علياًعليهالسلام تَقَدَّمهم إسلاماً، و فاقَهم عِلماً، و بَذَّهم شرفاً، و رجحهم زهداً، و طالهم جهاداً فحسدوهُ، و الناس إلى أشكالهم و أشباههم أمْيَل منهم إلى مَن بانَ منهم، فافهم. - انتهى -
«المترجم»
١) سورة البيّنة، الآية ٧.
قال: وكان أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآله إذا أقْبَل عليٌّعليهالسلام قالوا: قد خير البريّة.
ثم قال العلّامة الكنجي: هكذا رواه محدث الشام في كتابه - تاريخ ابن عساكر - بطرق شتّى، وذكرها محدث العراق ومؤرّخها - وأظنه الخطيب البغدادي صاحب تاريخ بغداد - رواها عن زر عن عبد الله عن عليّ قال: قال: رسول اللهصلىاللهعليهوآله : مَن لم يقل عليٌ خير الناس فقد كفر.
وفي رواية له عن حذيفة قال: سمعت النبيصلىاللهعليهوآله يقول: عليٌ خير البشر، فمن أبى فقد كفر، هكذا رواه الحافظ الدمشقي في كتاب التاريخ عن الخطيب الحافظ، وزاد في رواية له عن جابر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : عليٌ خير البشر، فمن أبى فقد كفر، وفي رواية لعائشة عن عطا قال: سألتُ عائشة عن عليّ؟ فقالت: ذاك خير البشر لا يشك فيه إلّا كافر.
قال العلامة الكنجي: هكذا ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة عليّعليهالسلام في تاريخه في المجلد الخمسين، لأنّ كتابه مائة فذكر منها ثلاث مجلّد في مناقبه(١) عليهالسلام . «انتهى كلامه ».
____________________
١) لم ينفرد العلّامة الكنجي الشافعي بهذا الإخراج والبيان، وإنما أخرج جَمعٌ كثير من أعيان العلماء وأعلام المحدثين والمفسرين.
أما بالنسبة إلى الآية الكريمة وأنّ المقصود من( أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة ) البينة: ٧، فقد قالوا: هم عليّ وشيعته ومحبوه، هكذا رواه سبط ابن الجوزي في كتاب تذكرة =
. . . . .
____________________
= الخواص / ٢٧ ط. مؤسسة أهل البيت بيروت، عن مجاهد. وروى آخرون بطرق شتّى عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: عليٌّ وشيعته خير البرية، أو أنهصلىاللهعليهوآله خاطب عليّاً فقال: أنت وشيعتك خير البرية أو بعبارات اُخرى رواها القوم منهم: موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب، والحاكم أبو إسحاق الحسكاني في شواهد التنزيل، والعلّامة الطبري في تفسيره: ج ٣/١٤٦، ط. الميمنية بمصر، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمة / ١٥٠، وجلال الدين السيوطي في تفسيره المسمّى بالدر المنثور: ج ٦ / ٣٧٩ ط مصر، والصواعق المحرقة / ٩٦، ط. الميمنية بمصر / الآية الحادية عشر /، والكشفي الترمذي في الماقب المرتضوية / ٤٧ ط. بمبئي، والعلّامة الشوكاني في فتح القدير: ج ٥/ ٤٦٤ ط. مصطفى الحلبي بمصر، والعلّامة الآلوسي في تفسيره روح المعاني: ج ٣٠ / ٢٠٧ / ط. المنيرية بمصر، والعلّامة الشبلنجي في نور الابصار، والقندوزي في ينابيع المودّة / ٣٦١ طبع المكتبة الحيدريّة.
وأمّا الحديث الذي انتشر وصدر عن لسان محمدصلىاللهعليهوآله سيد البشر، واشتهر بين المحدثين واصحاب الرواية والخبر: عليٌ خير البشر، فمن أبى فقد كفر، فقد أخرجه جمعٌ من أعلام أهل السنة وعلماء العامّة منهم: ابن مردويه في كتابه المناقب بسند يرفعه إلى حذيفة بن اليمان قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : عليٌّ خير البشر، فمن أبى فقد كفر، وأخرج الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ج ٧ / ٤٢١، طبعة السعادة بمصر / بإسناده إلى جابر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : عليٌّ خير البشر، فمن امترى فقد كفر.وأخرجه أيضاً الحافظ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب: ج ٩ / ٤١٩ ط. حيدر آباد وروى الحمويني في فرائد السمطين باسناده إلى عبد الله بن علي بن ضغيم عن النبيصلىاللهعليهوآله : مَن لم يقل عليٌّ خير البشر فقد كفر.
وأخرج الفخر الرازي في «نهاية العقول في دراية الأصول» عن ابن مسعود عن =
. . . . .
____________________
= رسول اللهصلىاللهعليهوآله : عليٌّ خير البشر، من أبى فقد كفر.
وأخرج المتقي حسام الدين الهندي في كنز العمال: ج ٦ / ١٥٦ ط. حيدر آباد عن ابن عباس عن النبيصلىاللهعليهوآله : علي خير البشر، وفيها أيضاً: عليٌ خير البشر، مَن شكَّ فيه كفر، وفي كنز العمال المطبوع بهامش المسند: ج ٥ / ٣٥ ط. حيدر آباد عليٌ خير البشر، فمن أبى فقد كفر، قال رواه عن جابر، وروى عن الخطيب عن ابن عباس: مَن لم يقل عليٌّ خير الناس فقد كفر.
وفي كنوز الحقائق للمناوي / ٩٨ ط. بولاق بمصر / عن النبيصلىاللهعليهوآله : عليٌّ خير البشر، مَن شك فيه كفر، وفيها: عليٌّ خير البشر، فمن أبى فقد كفر.
والهمداني الشافعي في مودة القربى / المودّة الثالثة: عن جابر عن النبيصلىاللهعليهوآله : عليٌّ خير البشر، مَن شك فيه فقد كفر، وعن حذيفة: عليٌّ خير البشر، ومَن أبى فقد كفر.
واعلم أنّ علياًعليهالسلام خير البشر بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
فقد رُوي عنهعليهالسلام : أنا عبدٌ من عبيد محمّدصلىاللهعليهوآله .
وقد رُوي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله معنى علي خير البشر بتعبير آخر:
ففي لسان الميزان: ج ٦ / ٧٨ ط. حيدر آباد / روى العسقلاني عن ابي بكر قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: عليٌّ خير من طلعت عليه الشمس وغربت بعدي. وفي رواية علي خير من يمشي على الأرض بعدي: وفي مناقب الموفق بن أحمد الخوارزمي / ٦٧ ط. تبريز / بإسناده عن سلمان عن النبيصلىاللهعليهوآله : أنّ أخي ووزيري وخير من أخلفه بعدي علي بن ابي طالبعليهالسلام . وفي نظم درر السمطين للعلامة الزرندي الحنفي / ٩٨ ط. مطبعة القضاء / عن النبيصلىاللهعليهوآله : عليٌّ يقضي دَيْني، وينجز موعدي، وخَير مَن أخلف بعدي من أهلي. وفي كتاب المواقف: ج ٢ / ٦١٥ ط. الآستانة / تأليف القاضي عضد الدين: روى عن النبيصلىاللهعليهوآله : أخي ووزيري وخير =
حبُّ عليّ إيمان وبغضه كفر ونفاق
وذكر ابن الصبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة نقلاً عن كتاب «الآل » لابن خالويه عن أبي سعيد الخدري عن النبيصلىاللهعليهوآله قال لعليّ: حبّك إيمان و بغضك نفاق و أول مَن يدخل الجنة محبُّك و أول مَنْ يدخل النار مبغضك.
وروى العلّامة الهمداني في كتابه مودّة القربى / المودّة الثالثة، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: لا يحب علياً إلّا مؤمن ولا يبغضه إلّا كافر. وفي رواية أخرى
____________________
= مَن أتركه بعدي علي بن ابي طالب. وفي المناقب المرتضوية / ١١٧، ط. بمبئي للكشفي الترمذي / روى عن النبيصلىاللهعليهوآله : أنّ أخي ووزيري وخليفتي في أهلي وخير من أترك بعدي علي بن ابي طالب، رواه عن أنس بن مالك، وروى في صفحة ٩٦ رواية بالمعنى آخرها: وخير مَن أخلفتُ بعدي علي بن ابي طالب، وقال: إنه رُوي عن سلمان وأنس في كتاب هداية السعداء وقال: ورواه أبو بكر بن مرودويه في المناقب.
وفي مناقب الخوارزمي / ٦٦، ط. تبريز، وفي لسان الميزان: ج ١ / ١٧٥، ط. حيدر آباد، وفي فتح البيان للعلّامة حسن خان الحنفي: ج ١٠ / ٣٢٣، ط.مصر، بإسنادهم إلى ابي سعيد الخدري عن النبيصلىاللهعليهوآله : عليٌّ خير البرية، وبحكم الله وحكم العقل: خير البريّة لا يُوَلَّى أحدٌ عليه، وخير البشر هو وليّ البشر وإمامهم ما دام حيّاً.
«المترجم»
خاطب عليّاًعليهالسلام فقال: لا يحبك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق(١) .
____________________
١) ورد هذا المعنى: حبّ عليّ إيمان وبغضه نفاق، بعبارات شتّى وعن طرق كثيرة أخرجها المحدثون الكرام والعلماء الأعلام من أهل السنّة في مسانيدهم وكتبهم منهم: الإمام أحمد بن حنبل في المسند: ج ٦ / ١٩٢ ط. الميمنية بمصر، عن أم سلمة سلام الله عليها، والعلّامة البيهقي في كتاب المحاسن والمساي / ٤١، ط بيروت / عن أم سلمة أيضاً، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / ٣٥، ط. مؤسسة أهل البيت بيروت / قال: وأخرج الترمذي عن أم سلمة عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: لا يحبّ عليّاً إلّا مؤمن ولا يبغضه إلّا منافق. حديث حسن صحيح.
والمحب الطبري في الرياض النضرة: ج ٢ / ٢١٤، ط. مكتبة الخانجي بمصر وفي ذخائر العقبي / ٩١، ط. مكتبة القدسي بمصر / رواه عن أم سلمة، والحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال: ج ٢ / ٥٣، ط. القاهرة / عن أم سلمة والخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح / ٥٦٤، ط. دهلي / عن أم سلمة والحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: ج ٧ / ٥٧، ط. البهية بمصر / وفي تهذيب التهذيب: ج ٨ / ٤٥٦، ط. حيدر آباد / رواه عن أم سلمة، وروى عنها أيضاً، الشيخ عبد القادر الخيراني في سعد الشموس والأقمار / ٢١٠، ط. التقدم بالقاهرة، والعلّامة النبهاني في الفتح الكبير: ج ٣ / ٣٥٥، والعلوي الحضرمي في القول الفصل: ج ١ / ٦٣، ط. جاوة، والعلّامة الأمرتسري في أرجح المطالب / ٥١٢ و ٥٢٣، ط. لاهور وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ٩ / ١٧٢، ط. دار إحياء التراث العربي قال: خطب النبيصلىاللهعليهوآله يوم الجمعة فقال: أيها الناس! أوصيكم بحب ذي قرباها، أخي و ابن عمي عليّ بن أبي طالب، لا يحبه إلّا مؤمن و لا يبغضه إلّا منافق، مَنْ أحبّه فقد أحبّني و مَن أبغضه فقد أبغضني، و مَن أبغضني عَذّبَهُ الله بالنار.
قال رواه أحمد (رضي الله عنه) في كتاب فضائل عليعليهالسلام ، وهو أخرجه باسناده عن عبدالله بن حنطب عن ابيه ورواه العلّامة سبط ابن الجوزي في التذكرة / ٣٥، ط.مؤسسة أهل =
. . . . .
____________________
= البيت / بيروت، والعلّامة محب الدين الطبري في ذخائر العقبي ٩١ /، ط. مكتبة القدسي، وفي الرياض النضرة: ج ٢ / ٢١٤ ط. مصر، والحافظ الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة / ٢٥٢، ط المطبعة الحيدرية، والعلامة الأمرتسري في أرجح المطالب / ٤١ و ٥١٣ ٤٢٨ ط. لاهور.
وفي رواية عن الإمام عليعليهالسلام قال: عهد إلىَّ النبيصلىاللهعليهوآله أنّه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق، رواه أحمد بن حنبل في المسند: ١/٨٤، ط. مصر، وفي صحيح مسلم: ج ١ / ٦٠، ط محمد علي صبيح بمصر / بإسناده إلى الإمام عليّعليهالسلام قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأميّصلىاللهعليهوآله إليَّ أنْ لا يُحبَّني إلّا مؤمن ولا يبغضني إلّا منافق، ورواه الحافظ ابن ماجه في سنن المصطفى: ج ١ / ٥٥، ط. المطبعة التازيه بمصر، والحافظ الترمذي في صحيحه: ج ١٣ / ١٧٧، ط. الصاوي بمصر، والنسائي في الخصائص ٢٧ / ط التقدّم بمصر، والحافظ عبد الرحمن ابي حاتم في علل الحديث: ج ٢ / ٤٠٠ ط. السلفية بمصر، والحاكم في معرفة الحديث / ١٨٠ ط. القاهرة والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء: ج ٤ / ١٨٥، ط. السعادة بمصر، رواه باسناده عن الإمام عليّعليهالسلام وقال: هذا حديث صحيح متفق عليه، وروى عنهعليهالسلام ، الحافظ البيهقي في السنن: ج ٢ / ٢٧١ ط. الميمنية بمصر والخطيب البغدادي في تاريخه: ج ٢ / ٢٥٥، ط. السعادة بمصر، ورواه عن طريق آخر أيضاً عنهعليهالسلام في ج ٨ / ٤١٨، وعن طريق ثالث في ج ١٤ / ٤٢٦ ورواه عن طريق رابع عنهعليهالسلام في كتابه موضح الجمع والتفريق / ٤٦٨ ط. حيدر آباد، ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب: ج ٢ / ٤٦١ ط. حيدر آباد، والقاضي محمد بن ابي يعلى في طبقات الحنابلة: ج ١ / ٣٢٠ ط.القاهرة، والعلامة البغوي في مصابيح السنّة: ج ١ / ٢٠١ ط. الخيريّة بمصر، والخطيب الموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب: ج ٢٢٨، ط. تبريز / روى بإسناده =
. . . . .
____________________
= إلى الإمام عليعليهالسلام قال: قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لا يحبك إلّا مؤمن تقيّ ولا يبغضك إلّا فاجر رديّ، والحافظ ابن الجوزي في صفة الصفوة: ج ١ / ١٢١ ط. حيدر آباد، وابن الأثير الجزري في جامع الأصول ج ٩ / ٤٧٣ ط. السُنّة المحمدية بمصر، وفي أُسد الغابة: ج ٤ / ٢٦ ط. مصر، والعلّامة سبط ابن الجوزي في التذكرة / ٣٥، ط. مؤسسة أهل البيت بيروت، والشيخ محي الدين الدمشقي في الأذكار / ٣٥٥ ط. القاهرة، ومحب الدين الطبري في ذخائر العقبي / ٩١، ط. القدسي بمصر، وفي الرياض النضرة: ج ٢ / ٢١٤، ط. مصر، والعلّامة محمد بن مكرم الافريقي في لسان العرب: ج ٣ / مادّة عهد / وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين، وابن تيمية الحرّاني في منهاج السنّة: ج ٣ / ١٧، ط. القاهرة، وعلاء الدين الخازن في تفسيره: ج ٢ / ١٨٠، ط. مصر، والعلّامة الذهبي في دول الإسلام: ج ٢ / ٢٠، ط. حيدر آباد، وفي ميزان الاعتدال: ج ١ / ٣٣٤، ط. القاهرة وهو أيضاً في تاريخ الإسلام: ج ٢ / ١٨٩ ط. مصر، والعلّامة الزرندي في نظم الدرر ط. مصر، والحافظ أبو زرعة في طرح التثريب في شرح التقريب: ج ١ / ٨٦، ط. جمعية النشر بمصر، والعلّامة الشيخ تقي الحلبي في نزهة الناظرين / ٣٩ ط. الميمنيّة بمصر، وابن حجر العسقلاني في فتح الباري: ج ٧ / ٥٧، وفي لسان الميزان: ج ٢ / ٤٤٦، ط. حيدر آباد، وفي الدرر الكامنة ج ٤ ص ٣٠٨، ط. حيدر آباد، رواه بطرق شتى عن الإمام عليّعليهالسلام . وجلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء / ٦٦، ط. الميمنية بمصر، والمتقي الهندي في كنز العمل المطبوع بهامش المسند: ج ٥ / ٣ وابن حجر المكي في الصواعق / ٧٣ / ط. الميمنيّة بمصر، والشيخ أحمد بن يوسف الدمشقي في أخبار الدول وآثار الأول / ١٠٢ ط. بغداد والعلّامة المناوي في كنوز الحقائق / ٤٦، ط. بولاق بمصر، وفي صفحة ١٩٢ و ٢٠٣ من نفس الطبعة، =
. . . . .
____________________
= والعلّامة عبد الغني النابلسي في ذخائر المواريث: ج ٣ / ١٥، والشيخ محمد الصبّان في إسعاف الراغبين المطبوع بهامش نور الأبصار / ١٧٣، ورواه آخرون مثل النبهاني في الشرف الموبَّد لآل محمد، والشيخ أحمد البناء في بدايع المنن، والشيخ محمد العربي في إتحاف ذوي النجابة، ورواه كثير مَن ذكرنا، وروى العلّامة العدوى الحمزاوي في مشارق الأنوار / ١٢٢، طبع مصر عن عبد الله بن عباس عن النبيصلىاللهعليهوآله : حبُ عليّ إيمان وبغضه كفر.
وروى الطحاوي في مشكل الآثار: ج ١ / ٤٨، ط. حيدر آباد، حديثاً مسنداً إلى عمران بن حصين عن النبيصلىاللهعليهوآله قال في عليّ: لا يبغضه إلّا منافق.
وروى الحافظ الهيثمي في مجمع الزائد: ج ٩ / ١٣٣ ط. مكتبة القدسي بالقاهرة: قال النبيصلىاللهعليهوآله لعلي: لا يحبك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق، وقال رواه الطبراني في الأوسط، والقاضي ابن عياض رواه أيضاً في كتابه الشفاء بتعريف حقوق المصطفى: ج ٢ / ٤١ ومثله في تذكرة الحفاظ: ج ١ / ١٠، ط. حيدر آباد، ومثله في «نقد عين الميزان» للعلّامة بهجت الدمشقي / ١٤، ط. مطبعة القيمرية، والعلّامة التونسي الكافي في السيف اليماني المسلول / ٤٩.
وروى جماعة بإسنادهم عن النبيصلىاللهعليهوآله مَن مات وفي قلبه بغض لعليّ (رضي الله عنه)، فليمت يهوديّاً أو نصرانياً، رواه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال:ج ٣ / ٢٦٣، ط. حيدر آباد، وابن حجر العسقلاني في لسان الميزان: ج ٤ / ٢٥١ و ج ٣ / ٩٠ ط. حيدر آباد والعلّامة الامر تسري في أرجح المطالب / ١١٩، ط. لاهور أو رووا بمعناه. وأخرج القندوزي في ينابيع المودّة / ٢٥٢ ط. المطبعة الحيدرية: عن جابر قال: ما كنا نعرف المنافقين إلّا ببغضهم علياً، قال: أخرجه أحمد وأخرج الترمذي عن ابي سعيد الخدري ما هو معناه أيضاً.
وفي صحيح الترمذي: ج ١٣ / ١٦٨ ط. الصاوي بمصر، عن ابي سعيد الخدري قال: إنّا كنا لنعرف المنافقين ببغضهم عليّ بن ابي طالب، ورواه عن ابي سعيد =
. . . . .
____________________
= جماعة منهم: أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء: ج ٦ / ٢٩٤ طبع مصر، والخطيب البغدادي في تاريخه: ج ١٣ / ١٥٣ ط. السعادة بمصر، والحافظ رزين بن معاوية العبدري في الجمع بين الصحاح نقلاً من سنن أبي داود بإسناده إلى ابي سعيد الخدري. والعلّامة ابن الأثير الجزري في جامع الأصول: ج ٩ / ٤٧٣ ط. المحمدية بمصر، وفي أُسد الغابة: ج ٤ / ٢٩ طبع مصر، والعلّامة النووي في تهذيب الأسماء واللغات / ٢٤٨، ط. الميمنية بمصر، والعلّامة الزرندي في نظم درر السمطين / ١٠٢، ط. مطبعة القضاء، والعلّامة الذهبي في تاريخ الإسلام: ج ٢ / ١٩٨ طبع مصر، والعلّامة السيوطي في تاريخ الخلفاء، / ١٧٠ ط. السعادة بمصر، وابن حجر المكي في الصواعق / ٧٣، ط. الميمنية بمصر، والمتقي الهندي في كنز العمال: ج ٦ / ١٥٢، والشيخ محمد الصبّان في إسعاف الراغبين المطبوع بهامش نور الأبصار / ١٧٤، ط. مصر، والشيخ عبد القادر الخيراني في سعد الشموس والأقمار / ٢١٠ ط. التقدم بالقاهرة، والعلوي الحضرمي في القول الفصل / ٤٤٨ ط. جاوا، والأمرتسري في أرجح المطالب / ٥١٣ طبع لاهور، والشيخ محمد العربي في إتحاف ذوي النجابة / ١٥٤، طبع مصطفى الحلبي بمصر، كلهم أخرجوا رواية ابي سعيد الخدري، وروى جمع من أعلام المحدثين باسنادهم عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال أيضاً مثل قول ابي سعيد وهذا نصّه:
ما كنا نعرف منافقينا - معشر الأنصار - إلّا ببغضهم عليّاً.
رواه الإمام احمد في المناقب /١٧١، والخطيب البغدادي في كتابه موضح أوهام الجمع والتفريق: ج ١ / ٤١، ط حيدر آباد والحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب: الجمع والتفريق: ج ١ /٤١، ط حيدر آباد، والخطيب موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب / ٢٣١، طبع تبريز، والمحب الطبري في ذخائر العقبى / ٩١، ط القدسي بمصر، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: ج ٩ / ١٣٢ ط القدسي بمصر، وقال: رواه الطبراني في الأوسط والبزّار مع تغيير في العبارة ورواه العلامة السيوطي في تاريخ الخلفاء =
وروى محمد بن طلحة في مطالب السؤل، وابن الصباغ المالكي في الفصول عن الترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري انه قال: ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلّا ببغضهم علياً.
الشيخ عبد السلام: هكذا أحاديث نبويّة صدرت أيضاً في حقّ الشيخين أبي بكر وعمر، وما كانت خاصّة بسيدنا عليّ كرّم الله وجهه!!
قلت: لو كان يحضر في بالك شيءٌ من تلك الأحاديث، فبيِّنْها حتى ينكشف واقع الأمر للحاضرين.
الشيخ عبد السلام: روى عبد الرحمن بن مالك بسنده عن جابر عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: لا يبغض أبا بكر وعمر مؤمن ولا يحبهما منافق!!
____________________
= /٦٦، ط الميمنية بمصر، والعلوي الحضرمي في القول الفصل: ج ١/٤٤٨، ط جاوة، وفي أرجح المطالب / ٥١٣، طبع لاهور، والعلّامة الآلوسي في تفسير روح المعاني: ج ٢/١٧، ط المنيرية بمصر، جاء فيه: ذكروا من علامات النفاق بغض علي كرم الله وجهه فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلّا يبغضهم علي بن ابي طالب.
أقول: كل ذي إيمان وذي وجدان وإنصاف إذا نظر إلى هذه الروايات والعبارات وكثرتها في كتب أهل العلم والحديث من أهل السنّة وممن لا يُشك في عدم إنحيازهم إلى علي بن ابي طالب بل يميلون إلى الجهة الأخرى، يتيقّن بصدور هذا المعنى كراراً من فم النبي المصطفىصلىاللهعليهوآله ، وفيما نقلنا في الباب تمام الحجة وفصل الخطاب لمن أراد الحق والصّواب، والسلام على من اتبع الهدى وسلك سبيل الواحد الوهّاب.
«المترجم»
قلت: لقد أثار بيانُك تعجبي! وكأنّك نسيت قرارنا في المجلس الأول على أنْ لا نستدل في احتجاجنا بالأحاديث غير المعتبرة لدى الخصم، بل يجب أن تأتي بالشاهد وتستدل عليَّ بالأحاديث المقبولة عندنا، وهذا الحديث مردودٌ وغير معتبر عندنا.
الشيخ عبد السلام: أظن بأنكم عزمتم أنْ لا تقبلوا مِنّا حتى رواية واحدة في فصل الشيخين!
قلت: لقد بيّنتُ قبل هذا: أننا أبناءُ الدليل حيثما مال نميل، وأمّا ظنّك فباطل ولا يغني من الحق شيئاً، لأنّي ما قبلت روايتك لا لكونها في فضل الشيخين، بل لأنّ الراوي متهم بالجعل والكذب حتى عند علمائكم كالخطيب البغدادي صاحب تاريخ بغداد وغيره من الأعلام المشتهرين في علم الرواية والدراية قالوا فيه ذلك عند ترجمته، وهذا العلّامة الذهبي المعتمد عليه في هذا الفن، فقد قال في ترجمة عبد الرحمن بن مالك في ميزان الاعتدال ج ١٠/٢٣٦ / قال: هو كذّاب أفّاك وضَّاع لا يشك فيه أحد.
فأنصفوا.. بعد ما سمعتم هذا التصريح في رواية الحديث، هل يطمئن قلبكم وتسمح نفسكم أنْ تقبلوا رواياته؟!
ثم فكّروا.. أين حديث هذا الكذّاب الأفّاك الوضّاع.. من حديث جابر وسلمان وأبي سعيد وابن عباس، وأبي ذر الصادق المصدَّق، فقد روى جماعة من الأعلام منهم: العلّامة السيوطي في الجامع الكبير: ج ٦/٣٩٠، والمحب الطبري في الرياض النضرة ج ٢/٢١٥، وفي جامع الترمذي ج ٢/٢٩٩، وابن عبد البر في الاستيعاب ج ٣/٤٦، وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء ج ٦/٢٩٥،
والعلّامة محمد بن طلحة في مطالب السؤول /١٧، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمة صفحة ١٢٦، كلهم رووا عن أبي ذر الغفاري رحمه الله تعالى بعبارات مختلفة والمعنى واحد قال: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلّا بثلاث: بتكذيبهم الله ورسوله، والتخلف عن الصلاة، وبغضهم علي بن أبي طالبعليهالسلام .
ونقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٤/٨٣ / ط دار إحياء التراث العربي / نقل عن الشيخ أبي القاسم البلخي أنه قال: وقد اتفقت الأخبار الصحيحة التي لا ريب فيها عند المحدثين، على أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: لا يبغضك إلّا منافق و لا يحبّك إلّا مؤمن، و روى حبَّة العرنيّ عن عليّعليهالسلام أنّه قال: إنّ الله عزّ و جلّ أخذ ميثاق كلّ مؤمن على حُبّي و ميثاق كل منافق على بغضي فلو ضربتُ وجه المؤمن بالسيف ما أبغضني و لو صَبَبْتُ الدنيا على المنافق ما أحبّني.
و روى عبد الكريم بن هلال عن أسلم المكيّ عن أبي الطفيل قال: سمعتُ علياًعليهالسلام و هو يقول: لو ضربتُ خياشيم المؤمن بالسيف ما أبغضني و لو نثرت على المنافق ذهباً و فضّة ما أحبني إنّ الله أخذ ميثاق المؤمنين بحبّي و ميثاق المنافقين ببغضي فلا يُبغضني مؤمن و لا يحبّني منافق أبداً.
قال الشيخ أبو القاسم البلخي: و قد روى كثير من أرباب الحديث عن جماعة من الصحابة قالوا: ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلّا ببغض عليّ بن أبي طالب والأخبار من هذا القبيل كثيرة جداً في كتبكم واكتفينا بما نقلناه رعاية للاختصار.
والآن بعد استماعكم لهذه الروايات، فكّروا.. وأنصفوا..! أما
كان خروج عائشة على أمير المؤمنين وقتالها لهعليهالسلام قتالاً لرسول الله وخروجاً عليهصلىاللهعليهوآله ؟ أَما كان حرب عائشة مع الإمام عليّعليهالسلام ناشئاً عن بغضها له ويُنبيء عن عدائها لهعليهالسلام ؟ وقد بيّن رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما ذكرنا أن بغض عليّ بن أبي طالب وعداؤه كفرٌ ونفاق.
فلا أدري بماذا وكيف توجّهون خروج عائشة على الإمام عليّعليهالسلام ؟! وبماذا تُعذّرِونها في القتال والحرب. مع وجود هذه الأخبار المعتبرة؟!
فكّروا في هذا الأمر وانظروا بغضّ النظر عن الحب والبغض والرضا والسخط، بل انظروا نظر تحقيق وانصاف! وأظهروا رأيكم بعيدين عن التعصب والاختلاف. وقبل أنْ تبدوا رأيكم اسمحوا لي أنْ أنقلَ لكم حديثاً رَوتهُ أم المؤمنين عائشة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله وتذكّرته الآن، وهم كما في كتاب مودّة القربى للعلّامة الهمداني الشافعي / المودة الثالثة / قالت: قال: رسول اللهصلىاللهعليهوآله إنّ الله عهد إليَّ مَنْ خرج على عليّ فهو كافر في النار، قيل: لمَ خَرجْتِ عليه؟!
قالت: قد نسيتُ هذا الحديث يوم الجمل حتّى ذكرته بالبصرة، وأنا أستغفر الله!!
الشيخ عبد السلام: إنّني أتعجّب من اعتراضك على أم المؤمنين عائشة بعدما علمت أنّها كانت ناسية لكلام النبيصلىاللهعليهوآله وحديثه، ولمـّا تَذَكَّرت استغفرت ربّها، والله خير الغافرين.
قلت: يمكن أن نقول بأنّها يوم الجمل نسيت هذا الحديث، ولكنكم تعلمون أنّها من حين تحركها من مكة وخروجها على أمير المؤمنين نصحتها سائر زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومنعنها من الخروج، وذكّرنها بفضائل الإمام عليعليهالسلام ، وما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حقه بأنّ
حربه حربي وسلمه سلمي، ولكنّها أبَت إلّا إثارة الفتنة!!
وإنّ أعلام مؤرّخيكم الذين أرّخوا واقعة الجمل وكبار محدثيكم ذكروا انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله حذّرها أنْ تكون صاحبة الجمل الأحمر التي تنبحها كلاب حَوْأب، وحين خرجت إلى البصرة مرّت بمنطقة تسمّى الحَوْأب فنبحتها الكلاب، فَسأَلَت عن اسم المكان، فقالوا: تسمّى الحَوْأَب. فذكرت حديث النبيصلىاللهعليهوآله وتحذيره لها، فأرادت الرجوع، ولكن طلحة والزبير وابناهما غرّوها وغيروا إرادتها وثبّتوها على عزمها الأول، وهو الخروج والفتنة، فتابعت طريقها حتى وصلت البصرة وأَلبّت الجيوش لقتال الإمام عليّعليهالسلام وأَجّجت نار الحرب وقتل بسببها آلاف المسلمين، فهل تُعذروها بعد هذا، وتقبلون قولها بأنّها نسيت؟! فأيُّ نسيانٍ هذا بعد التذكر؟!(١)
____________________
١) لكي يسمع القاريء الكريم شكوى إمامه أمير المؤمنينعليهالسلام ويعرف حقيقة واقعة الجمل، اختطفتُ بعض النكات والجملات من نهج البلاغة وأنقلها في هذا المجال: قال في الخطبة المرقّمة /٢٢ - حين بلغه خبر الناكثين طلحة والزبير وأصحابهما، ومطالبتهم بدم عثمان: - اَلا و إنّ الشيطان قد ذمَّر حزبَه و استجلب جَلَبَه ليعود الجَوْرَ إلى أوطانه و يرجع الباطلُ إلى نصابِه و اللهِ ما أنكروا عَليَّ مُنكَّراً و لا جعلوا بيني و بينهم نَصفاً و إنّهم ليطلبون دماً هم سفكوه!! الخ.
وقالعليهالسلام في كلام له في الخطبة رقم ١٤٨ من نهج البلاغة - يصف طلحة والزبير -: كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجُو الْأَمْرَ لَهُ وَ يَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ لَا يَمُتَّانِ إِلَى الله بِحَبْلٍ وَلا يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَامِلُ ضَبٍّ لِصَاحِبِهِ وَ عَمَّا قَلِيلٍ يَكْشِفُ قِنَاعَهُ بِهِ!
وَ الله لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هَذَا نَفْسَ هَذَا!
وَ لَيَأْتِيَنَّ هَذَا عَلَى هَذَا! قَدْ قَامَتِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فَأَيْنَ الْمُحْتَسِبُون؟ وقالعليهالسلام في خطبة =
. . . . .
____________________
= له من نهج البلاغة رقمها ١٧٢، في ذكر أصحاب الجمل: فخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ الله ص كَمَا تُجَرُّ الْأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا وَ أَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ الله ص لَهُمَا وَ لِغَيْرِهِمَا فِي جَيْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلا وَ قَدْ أَعْطَانِيَ الطَّاعَةَ وَ سَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا - بالبصرة - وَ خُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً وَ طَائِفَةً غَدْراً فَوَالله إِنْ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلا رَجُلًا وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ بِلا جُرْمٍ جَرَّهُ لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذَلِكَ الْجَيْشِ كُلِّهِ إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا وَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانٍ وَ لا بِيَدٍ دَعْ مَا إِنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ!
وقالعليهالسلام في كلام له خاطب به أهل البصرة / نهج البلاغة رقم ١٥٦ / قالعليهالسلام : وأمّا فلانة - عائشة - فأدركها رأيُ النساء و ضِغنٌ غَلا في صدرها كَمِرجَلِ القَيْنِ و لو دُعَيِتْ لِتنالَ من غَيْري ما أتَتْ إليَّ، لم تَفعلْ و لها بعدُ حُرمتُها الأولى و الحسابُ على اللهِ تعالى.
والآن لكي يطمئنّ قلب القاريء الكريم إلى واقع الأمر ويعرف عائشة ونفسيّتها أكثر من ذي قبل، فأترك القلم بيد ابن قتيبة وهو من أعلام أهل السنّة والمتوفّى سنة ٢٧٠ هجرية، فإنه كتب في كتابه الإمامة والسياسة /٤٨، ط مطبعة الأمّة بمصر / تحت عنوان: خلافة عائشة (رض) على عليّ قال: وذكروا أنّ عائشة لما أتاها أنّه بويع لعليّ، وكانت خارجة عن المدينة فقيل لها قُتل عثمان وبايع الناس علياً فقال: ما كنت أُبالي أنْ تقع السماء على الأرض، قُتل والله مظلوماً! وأنا طالبةُ بدمه!!
فقال لها عُبَيدُ: إنّ أول من طمع الناس فيه لأنْتِ فقلتِ اقتلوا نَعْثَلاَ فقد فجر!! =
. . . . .
____________________
= قالت: قد والله قلت و قاله الناس، وآخر قولي خيرٌ من أوله!
فقال عبيد: عُذْرٌ والله ضعيف يا أمَّ المؤمنين! ثم قال:
منك البداء و منك الغِيَر |
ومنك الرياح ومنك المطر |
|
و أنتِ أمرتِ بقتل الإما |
م وقلت لنا أنّه قد فجر «كفر» |
|
فهبنا أطعناكِ في قتله |
وقاتله عندنا من أمر |
قال: فلما أتى عائشة خبر أهل الشام أنّهم ردُّوا بيعة عليّ وأبو أنْ يبايعوه، أمرت فعُمل لها هودج من حديد وجُعل فيه موضع عينيها، ثمّ خرجت ومعها الزبير وطلحة وعبدالله ومحمد بن طلحة.
أقول: وذكر ابن قتيبة في صفحة ٥٢ تحت عنوان كتاب أم سلمة إلى عائشة.
قال: وذكروا أنّه تحدّث الناس بالمدينة بمسير عائشة مع طلحة والزبير ونصبهم الحرب لعليّ وتألّبهم الناس كتبتْ أُمُّ سلمة إلى عائشة: أما بعد فإنك سدة بين رسول الله و بين أمّته و حجابه المضروب على حرمته و قد جمع القرآنْ الكريم ذَيْلَكِ فلا تَبْذليه و سَكَّنَ عَقيرتَكَ فلا تُضيِّعيه الله من وراء هذه الأمة قد علم رسول الله مكانَكِ لو أراد أن يعهد إليك وقد علمت أنّ عمود الدين لا يثيب بالنساء ان مال، ولا يَرْأَبُ بهنّ إنْ انصدع، خمرات النساء غضّ الأبصار وضم الذيول، ما كنت قائلة لرسول الله لو عارضَكِ بأطراف الجبال والفَلَوات على قعود من الإبل من منهل الى منهل. إن بعين الله مهواك وعلى رسول الله تَرِدين وقد هَتَكتِ حجابه الذي ضرب الله عليك عهيداه ولو أتيت الذي تُريدين ثم قيل لي ادخلي الجنة لاستحْيَيْتُ أن ألقى رسول الله هاتكةً حجاباً قد ضربه عليَّ فاجعلي حجابك الذي ضرب عليك حِصْنَكِ، فابغيه منزلاً لكِ حتى تلقيه فإنّ أطوع ما تكونين إذا ما لزمته و أنصح ما تكونين اذا ما قَعْدتِ فيه لو ذَكَّرْتُكِ كلاماً قاله رسول اللهصلىاللهعليهوآله لنهشتني نهش الحيّه والسلام. =
. . . . .
____________________
= فكتبت اليها عائشة: ما أقبلني لوعظكِ و أعلمني بنصحك و ليس مسيري على ما تظنّين و لنعم المطلع مطلع فرقتُ فيه بين فئتين متناجزتين، فإن أقدرُ ففي غير حَرَج و إنْ أحرج فلا غنى بي عن الإزدياد منه والسلام!!
أقول: وذكر ابن قتيبة في كتابه صفحة ٥٧ قال: ولما نزل طلحة والزبير وعائشة بأوْطاس من أرض خيبر، أقبلَ عليهم سعيد بن العاصي على نجيبٍ له، فأشرف على الناس ومعه المغيرة بن شعبة فنزل وتوكّأ على قوس له سوداء، فأتى عائشة فقال لها: أين تريدين يا أم المؤمنين؟ قالت: أريد البصرة ، قال: وما تصنعين بالبصرة؟ قالت: أطلب بدم عثمان! فقال: هؤلاء قتلة عثمان معك!!
ثم أقبل على مروان فقال له: واين تريد أيضاً؟ قال: البصرة.
قال: وما تصنع بها؟ قال: أطلب قتلة عثمان قال: فهؤلاء قتلة عثمان معك إنّ هذين الرجلين - طلحة والزبير - قتلا عثمان وهما يريدان الأمر لأنفسهما، فلمّا غُلبا عليه قالا: نغسل الدم بالدم والحوبة بالتوبة!!
ثم قال المغيرة بن شعبة: أيها الناس ان كنتم إنّما خرجتم مع أمكم فارجعوا بها خيراً لكم وإن كنتم غضبتم لعثمان فرؤساؤكم قتلوا عثمان!! وان كنتم نقمتم على عليّ شيئاً فبيّنوا ما نقمتم عليه.
انشدكم الله فتنتين في عام واحد!! فأبوا إلّا أنْ يمضوا بالناس،... فلما انتهوا إلى ماء الحوأب في بعض الطريق ومعهم عائشة نبحها كلاب الحوأب فقالت: لمحمد ابن طلحة: أي ماء هذا؟ قال: هذا ماء الحوأب، فقالت: ما أراني إلّا راجعة! قال: ولم؟ قالت: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لنسائه: كأنّي بإحداكنّ قد نبحها كلاب الحوأب، وإيّاكِ أن تكوني أنتِ يا حميراء!!
فقال لها محمد بن طلَحة: تقدّمي رحمك الله ودَعي هذا القول!
وأتى عبد الله بن الزبير فحلف لها بالله لقد خلفتيه أوّل الليل!! =
. . . . .
____________________
= أتاها ببيّنة زور من الأعراب فشهدوا بذلك!!
فزعموا أنّها أوّل شهادة زور شهد بها في الاسلام!!
أقول هكذا عارضوا الحق بالباطل، هؤلاء الضُلّال الذين ضلّوا وأضلّوا، فخالفوا كتاب الله عزّ وجلّ إذ يقول:
( وَ لاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِکُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) البقرة ٢٢٤.
فكيف إذ جعلوا الله سبحانه عُرضةً لأيمانهم ليشعلوا الفتنة ويشبّوا القتال بين المسلمين، لينالوا أمانيهم الفاسدة؟!
أقول: وذكر ابن قتيبة في صفحة ٦٣ و٦٤ تحت عنوان تعبئة الفئتين:.. ثم كتب عليٌّ إلى طلحة والزبير: أما بعد فقد علمتما أنّي لم أرد الناس حتّى أرادوني و لم أبايعهم حتى بايعوني.. وزعمتما أنّي آوَيْتُ قتلة عثمان، فهؤلاء بنو عثمان فليدخلوا في طاعتي ثم يخاصموا إليَّ قتلة أبيهم.
وما أنتما وعثمان، إن كان قتل ظالماً أو مظلوماً!!
ولقد بايعتماني، وأنتما بين خصلتين قبيحتين، نكث بيعتكما وإخراجكما أمكما.
و كتب إلى عائشة: أما بعد فإنّك خرجت من بيتك عاصية لله تعالى و لرسوله تطلبين أمراً كان عنك موضوعاً ما بال النساء والحرب والإصلاح بين الناس؟! تطلبين بدم عثمان!! و لَعَمري لمن عرّضك للبلاء و حملك على المعصية أعظم إليك ذنباً من قتلة عثمان و ما غضبت حتى أغضبت و ما هجت حتى هيجت فاتقي الله وارجعي إلى بيتك.
فأجابه طلحة والزبير: إنك سرتَ مسيراً له ما بعده مسير ولست راجعاً وفي نفسك منه حاجة فامض لأمرك، أما أنت فلستَ راضياً دون دخولنا في طاعتك، ولسنا بداخلين فيها أبداً، فاقض ما أنت قاض. وكتبت عائشة: جلّ الأمر عن العتاب والسلام.
فانصف أيها القارئ هل تُعْذر بالنسيان بعد هذا التذكير والتحذير؟! وهل لطلحة والزبير عذرٌ في عصيانهما وخروجهم؟!
«المترجم»
ألم تكن هذه المخالفات منها للقرآن الحكيم وللنبي الكريمصلىاللهعليهوآله وصمات عار في تاريخها؟!
هل أنّ خروجها على الإمام عليّعليهالسلام وقتالها له كان حقاً أم باطلاً؟ فإذا كان باطلاً فكل باطل وصمة عار لفاعله، وإنْ تقولوا كان حقاً، ولستم بقائلين، فكيف التوفيق بينه وبين الأحاديث الشريفة التي مرّت عن طرق محدثيكم وكبار علمائكم، أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: من آذى علياً فقد آذاني، وقال: حربه حربي، وسلمه سلمي، ولا يبغضه إلّا منافق.. وما إلى ذلك.
بالله عليكم أنصفوا!! هل حرب عائشة وطلحة والزبير لعليّعليهالسلام وقتالهم لهعليهالسلام كان عن حُبِّهم لعليّ أم عن بغضهم لهعليهالسلام ؟!
لِمَ لا تنتقدونهم ولا تأخذون عليهم هذه الخطايا الكبرى والمعاصي العظمى؟! لماذا تمرّون على هذه الحوادث مرّ الجاهلين والغافلين، ولكن تأخذون على الشيعة بأشدّ ما يكون، لأنهم ينتقدون أعمال الصحابة، ويميزون بين الحق والباطل فيمدحون أهل الحق ويفضحون أهل الباطل أيّاً كانوا؟ والجدير بالذَّكْر أنّنا لا نروي في الصحابة وأفعالهم القبيحة إلّا ما رواه محدثوكم وعلماؤكم، فلماذا لا تنتقمون عليهم، ولا ترفضون رواياتهم ولا تنفون كتبهم ولا تردّونها؟ بل هذه الكتب التي ننقل عنها كلها عندكم معتبرة ومقبولة وتُطبِع في البلاد السنّية وعواصمهم، مثل مصر وبغداد ولبنان وغيرها، من باب المثال يقول العلّامة المسعودي في كتابه مروج الذهب ج ٢ /٧، وهو يتحدّث عن وقعة الجمل، وهجوم أصحاب عائشة على أصحاب عثمان بن حنيف بعد المعاهدة كما ذكرنا فقال: فقتل منهم سبعون رجلاً غير من جُرح،
وخمسون من السبعين ضُربَتْ رقابهم صبراً بعد الأسر، وهؤلاء أول مَن قُتلوا ظلماً في الإسلام.
هذا الخبر إذا نقله مؤرخوكم لا يحزّ في نفوسكم ولكن إذا نقله أحد الشيعة وقال إنّ هذا العمل كان ظلماً قبيحاً من عائشة وأصحابها، تثور نفوسكم وتنفجر غيرتكم وتشتعل نيران التعصّب فيكم، فترموننا بالكفر والضلالة وتبيحون لأتباعكم دماء الشيعة وأمولهم!!
الشيخ عبد السلام: لا يجوز عندنا التدخل في الحوادث التي جرت بين صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فإنّا ننظر إليهم جميعاً بعيْن الإكبار والاحترام، فإنهم وإنْ اختلفوا بينهم ولكن الكل كانوا يَدْعون إلى الله، ومَنْ توجّه منهم إلى خطئه وانحراف مسيره عن الحق، فقد تاب واستغفر مثل الزبير (رض) في البصرة وكذلك أم المؤمنين عائشة (رض) فإنها تبعت طلحة والزبير وأخذت بقولهما، ولكنّها بعد ذلك عرفت بطلان كلامهما وأنهما أغرياها وحملاها معهما إلى البصرة، فاستغفرت وتابت، والله خير الغافرين، وهو يقبل التوبة من عباده وهو أرحم الراحمين.
قلت: أولاً: قولك: فإنّهم وإنْ اختلفوا بينهم ولكن الكلّ كانوا يَدْعون إلى الله. فهو مغالطة وكلام باطل ...، لأنّ سبيل الله عزّ وجلّ واحد وصراط الحق واحد كما قال تعالى:( وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (١) .
وقال سبحانه:( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ
____________________
١) سورة الأنعام، الآية ١٥٣.
اتَّبَعَنِي وَ سُبْحانَ الله وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (١) .
ثانياً
وأما قولك: بأنّ الزبير بعدما توجه إلى خطئه وانحرافه عن الحق تاب واستغفر. فأقول: نعم تاب ولكن لم يعمل بشرائط التوبة، فقد كان الواجب عليه أن يَسْعى في ردِّ من أغراهم فيهديهم إلى الحق الذي عرفه في جانب الامام عليعليهالسلام ، وكان يلزم أنْ ينضمّ هو أيضاً تحت راية الحق وجيش أمير المؤمنينعليهالسلام ولا ينعزل عن الميدان والمجاهدة.
وأما عائشة فإنّ عصيانها وذنبها معلوم لكل الناس، ولكنّ توبتها غير معلومة، وهي كذلك ما عملت بشرائط التوبة بل ارتكبت بعد ذلك أيضاً أشياء تكشف عن حقدها وبغضها لآل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثم أنّ قولك: والله خير الغافرين وهو يقبل التوبة من عباده وهو أرحم الراحمين.
كل ذلك صحيح ومقبول ولكن حفظْتَ شيئاً وغابت عنك أشياءُ، فقد قال سبحانه:( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ وَ كانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ) (٢) .
وكلّنا نعلم أن عائشة كانت عالمة غير جاهلة وكانت في خروجها على الإمام وقتالها لعليعليهالسلام عامدة غير ساهية، وقد نصحتها أم سلمة قرينتها، ونحها الإمام عليعليهالسلام ، وكثير من الصحابة، أن لا تخرج من بيتها ولا تغترّ بطلحة والزبير ومروان وأمثالهم، وقد حذّرها رسول اللهصلىاللهعليهوآله قبلهم، وأمرها الله عزّ وجل في كتابه بقوله:( وَ قَرْنَ فِي
____________________
١) سورة يوسف، الآية ١٠٨.
٢) سورة النساء، ١٧.
بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الأُولى ) (١) فما اعتنت بكل ذلك وخرجت وأحدثت ما أحدثت!! فكيف نُحَتِّم بأنّ الله سبحانه قبل توبتها وهي عالمة عامدة في المعصية؟!
ثالثاً قولك: بأن طلحة والزبير أغرياها وحَمَلاها إلى البصرة، وأنّها عَرفَتْ بطلان كلامهما بعد ذلك الخ فإنّ قولك هذا يكشف بأنّ الحديث الذي تروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله : « أصحابي كالنجوم بأيّهم أقتديتم اهتديتم »كذبٌ وافتراء على رسول الله وهو حديث موضوعٌ مجعولٌ، لأن عائشة وآلاف المسلمين اقتدوا بطلحة والزبير وهما من كبار الصحابة وما اهتدوا بل ضلّوا وخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين!!!
النواب: سيدنا المكرّم! قلتم خلال كلامكم أنّ أم المؤمنين (رض) بعد توبتها من حرب الجمل أيضاً ارتكبتْ أشياء تكشف عن حقدها وبغضها لآل النبيصلىاللهعليهوآله فلو سمحت، بيِّن لنا تلك الأشياء بشكل واضح حتّى نعرف واقع الأمر.
يوماً على جمل ويوماً على بغل
قلت: مما لا شك فيه أنّ عائشة كانت امرأة غير هادئة وغير رزينة فقد قامت بحركات لا يقبلها الدين القويم ولا العقل السليم، وإن كل حركة من تلك الحركات تكفي في تسويد تاريخها بوصمات الذنب والمعصية، منها واقعة الجمل، وكلكم تقبلون أنها بعملها في البصرة خالفت الله ورسوله، وهي أيضاً قد اعترفت بخطئها، ولكن تقولون
____________________
١) سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
أنها تابت واستغفرت، فإذا هي ندمت وتابت، كان اللازم عليها أن توالي علياً آل البيت النبوي، ولكنها خرجت مرّةً أخرى وكشفت عن ضميرها الممتلئ عداوة لآل محمّدصلىاللهعليهوآله وذلك يوم تشييع جنازة الإمام الحسن بن عليعليهالسلام سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومنعت من دفنه عند جدّه كما رَوى كثيرٌ من مؤرخيكم و أعلامكم ، منهم العلّامة سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ١٩٣، ط. بيروت، والعلّامة ابن أبي الحديد في شرح النهج ج ١٦ / ١٤، عن المدائني عن أبي هريرة، وأبو الفرج الإصبهاني في مقاتل الطالبيين / ٧٤، وفي روضة الصفا لمحمد خاوند / ج ٢، قسم وفاة الحسن [عليهالسلام ]، وتاريخ ابن الأعثم الكوفي، وفي روضة المناظر للعلّامة ابن شحنة، وأبو الفداء إسماعيل في كتابه المختصر في أخبار البشر ج ١ / ١٨٣ ط. مصر والعلّامة المسعودي صاحب مروج الذهب، نقل في كتابه إثبات الوصية ١٣٦: أنّ ابن عباس قال لها - أي لعائشة - أما كفاكِ أنْ يُقال يوم الجمل حتّى يقال يوم البغل، يوماً على جمل و يوماً على بغلٍ بارزة عن حجاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله تريدين إطفاء نور الله وَ الله متمّ نوره و لو كره المشركون - إنّا لله وَ إنّا إليه راجعون.
ونقل بعض المحدثين أنه قال لها:
تجمّلتِ تَبَغَّلْتِ وإن عِشتِ تفيّلتِ |
لك التُسع من الثمن وفي الكلّ تصرّفت |
وأراد الهاشميون أن يجرّدوا السلاح لأن بني أمية تسلّحوا أيضاً ليمنعوا من دفن الحسن المجتبىعليهالسلام عند جده رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأمر عائشة، ولكنَّ الحسينعليهالسلام تدارك الموقف فقال: الله الله يا بني هاشم
لا تضيِّعوا وصيّة أخي واعدلوا به إلى البقيع، والله لولا عهد إليّ أنْ لا أهريقَ في أمره محجمة دم لدفنته عند جدّنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله مهما بلغ الأمر! فدفنوه في البقيع(١) .
____________________
١) ذكر كثيرٌ من المؤرخين منع عائشة لدفن الإمام الحسنعليهالسلام بجوار جده رسول اللهصلىاللهعليهوآله منهم أبو الفرج الإصبهاني في كتابه [ مقاتل الطالبين ] ٧٤ قال: فأمّا يحيى بن الحسن صاحب كتاب «النسب» فإنه رَوى أنّ عائشة ركبت ذلك اليوم بغلاً. واستنفرت بنو أميّة مروان بن الحكم ومن كان هناك منهم ومن حشمهم وهو قول القائل فيوماً على بغل ويوماً على جمل.
ومنهم ابي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: ج ١٦ / ١٤، ط. دار إحياء التراث العربي نقل عن المدائني عن أبي هريرة فلما رأتْ عائشة السلاح والرجال خافت أنْ يعظم الشر بينهم وتُسفَك الدماء - هذا كله توجيه منه - قالت: البيت بيتي ولا آذن لأحدٍ أن يُدفن فيه!
ومنهم العلّامة سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / ١٩٣، طبع بيروت وهذا نصّه: وقال ابن سعد عن الواقدي: لما احتضر الحسن قال: ادفنوني عند ابي يعني رسول الله فأراد الحسين أنْ يدفنه في حجرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقامت بنو أميّة ومروان وسعيد بن العاص وكان والياً على المدينة فمنعوه!! قال ابن سعد: ومنهم أيضاً عائشة وقالت: لا يُدفن مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله أحدُ!!
ومنهم أبو الفداء في «المختصر في أخبار البشر» ج ١ / ١٨٣ طبع مصر قال: وكان الحسن قد أوصى أنْ يُدفن عند جده رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقالت عائشة: البيت بيتي ولا آذن أنْ يدفن فيه.
ومنهم اليعقوبي في تاريخه وهو من أعلام القرن الثالث الهجري قال: وقيل: إنّ عائشة ركبن بغلة شهباء وقالت: بيتي لا آذن فيه لأحد! فأتاها القاسم بن محمد بن ابي بكر فقال لها: يا عمة ما غَسّلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر، أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء؟! فرجعت. =
فرحة عائشة لشهادة الإمام عليعليهالسلام
وإذا كانت عائشة نادمة على خروجها وتابت من قتالها وحربها
____________________
= ومنهم النيسابوري في روضة الواعظين / ١٤٣، ذكر أنّ ابن عباس خاطبها قائلاً: وا سوأتاه يوماً على بغل ويوماً على جمل! أتريدين أنْ تطفئي نور الله، وتقابلين أولياءه؟!
ولنا أنْ نتساءل: من أين جاء لها البيت الذي دفن فيه نبي الرحمة محمدصلىاللهعليهوآله ؟ أما رَوَى أبوها أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة، ولا داراً ولا عقاراً، وبناءً عليها منع سيدة النساء فاطمة إرثها وحقّها من أبيها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولو فرضنا أن عائشة ردّت رواية أبيها وكذّبته فكم حصتها من الإرث؟ فقد قيل لها:
لك التسع من الثمن |
و في الكل تصرّفت |
لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله مات عن تسع زوجات وحصّة الزوجة من الإرث ثُمن ١/٨ ما ترك الزوج من العمارات والأموال المنقولة فأمّا الأرض فلا ترث، وعائشة تصرّفت في الأرض خلافاً لحكم الله فدفنت أباها في بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وسكتت عن دفن عمر أيضاً.
ونصّ بعض المؤرخين كما في كتاب «الدرّة الثمينة في تاريخ المدينة»: / ٤٠٤ أنّ عائشة سمحت بدفن عبدالرحمن بن عوف في حجرة النبيصلىاللهعليهوآله .
فلنا أن نتساءل: هل أنّ عبدالرحمن أولى برسول اللهصلىاللهعليهوآله من سبطه الأكبر الإمام الحسن الذي كان يقبّله في الملأ العام ويشمّه ويضمّه إلى صدره ويقول: الحسن والحسين ريحانتي من الدنيا، ويقولصلىاللهعليهوآله : اللهم إنّي أحبه وأحب مَن يحبه؟؟ فلا أدري لأي سبب تسمح عائشة لابن عوف أن يُدفن عند النبيصلىاللهعليهوآله وتبعد ريحانته وفلذة كبده عنهصلىاللهعليهوآله ؟! أكان ذلك استجابةً منها لرغبة الأمويين!! أم للحقد الدفين؟
«المترجم»
للإمام عليعليهالسلام ، فلماذا أظهرت الفرح حين وصلها خبر شهادة أمير المؤمنينعليهالسلام وسجدت شكراً لله تعالى؟!
كما أن أب الفرج الإصبهاني صاحب كتاب الأغاني، رَوى في كتابه مقاتل الطالبيين / ٥٤ - ٥٥ / بإسناده إلى اسماعيل بن راشد وهو روى بالإسناد أيضاً فقال: لمـّا أتى عائشة نَعْيُ عليّ أمير المؤمنين –عليهالسلام - تمثّلت:
فألقَتْ عصاها واستقرّت بها النَّوَى |
كما قَرَّ عيناً بالإيابِ المسافر |
ثم قالت: مَنْ قتله؟ فقيل: رجل مِن مراد، فقالت:
فإنْ يك نائياً فلقد نعاه غلامٌ ليس في فيه التراب
فقالت لها زينب بنت أم سلمة: أ لعليّ تقولين هذا؟!
فقالت: فإذا نسيتُ فذكّروني!!
ثم روى أبو الفرج بإسناده عن أبي البختري قال:
لمـّا أنْ جاء عائشة قَتْلُ عليّعليهالسلام سَجَدَت!!(١) .
أيها الحاضرون! أيها العلماء! هل بعد هذا الخبر، تصدّقون توبتها؟ أم تقبلون أنّها كانت خفيفة العقل، وغير رزينة ولا متوازنة في سلوكها ومعاشرتها مع آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟!
____________________
١) نقل ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٩ / ١٩٨، ط. دار إحياء التراث العربي عن الشيخ ابي يعقوب وقال فيه: أنه لم يكن يتشيّع. قال: قال ثمّ ماتت فاطمة، فجاء نساء رسول اللهصلىاللهعليهوآله كلهنّ الى بني هاشم في العزاء إلّا عائشة فإنها لم تأتِ، و أظهرت مرضاً، و نقل الى عليّعليهالسلام عنها كلام يدلّ على السرور!!
«المترجم»
تناقضات عائشة في عثمان
والغريب أنكم لا تنقدون أم المؤمنين عائشة لموقفها السلبي تجاه عثمان، وتأخذون عليها جملاتها وكلماتها الشنيعة في حقه حتى رمته بالكفر، ولكن تصبّون جام غضبكم على الشيعة وترمونهم بالكفر والضلال إذا نسبوا عثمان إلى سوء التدبير والإجحاف، أو نسبوه إلى إتلاف بيت المال وسوء التصرّف، وهم ينقلون كلّ ذلك من كتب أعلامكم ورَوى أكثر محدثيكم وأكبر مؤرخيكم أنّ عائشة كانت تُألِّبُ الناسَ وتُحرِّضُهم على قتل عثمان، منهم المسعودي في كتابه أخبار الزمان، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / ٦٤، ط. بيروت، وأعلام المؤرخين: مثل ابن جرير وابن عساكر وابن الأثير وغيرهم، ذكروا في أحداث قتل عثمان أن عائشة كانت تُحرٍّض على قتله بالجملة المشهورة عنها: اقتلوا نعثلاً فقد كفر!!
وذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٦ / ٢١٥، ط. إحياء التراث قال: قال كلُّ من صنّفَ في السِّيَر والأخبار: أنّ عائشة كانت من أشد الناس على عثمان، حتّى أنها أخرجت ثوباً من ثياب رسول اللهصلىاللهعليهوآله فنصبتْهُ في منزلها، و كانت تقول للداخلين إليها: هذا ثوب رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم يَبْلَ، و عثمان قد أبلى سُنّتَه! قالوا: أوّل مَن سمّى عثمان نعثلاً عائشة، و النعثل: الكثير شعر اللحية و الجسد، و كانت تقول: اقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً!!
قال: ورى المدائني في كتاب «الجمل » قال: لما قُتل عثمان، كانت عائشة بمكة وبلغ قتله إليها وهي بشراف، قال: بُعداً لنعثل وسُحْقاً!!
ونقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٦ صفحة ٢١٦ قال: وقد رُوي من طرق مختلفة أنّ عائشة لما بلغها قتل عثمان و هي بمكة، قالت: أبعدَهُ الله! ذلك بما قدّمتْ يداه وما الله بظلّام للعبيد!!
حينما تقرءون في التاريخ أنّ أم المؤمنين كانت تتفوّه وتتكلّم بهذه الجملات على عثمان، لا تحكمون بكفرها وضلالتها!! ولكن إذا سمعتم من شيعي يتكلّم بأقلّ من هذا في عثمان، تكفّروه وتأمرون بقتله!!
والجدير بالذكر أن أقوال عائشة في شأن عثمان متناقضة، فقد ذكر المؤرّخون أنّها لمـّا سمعت بأنّ الناس بايعوا عليّاً بعد عثمان، غيّرت كلامها وأظهرت بغضها وحقدها لعلي بن أبي طالبعليهالسلام فقالت: لوددت أنّ السماء انطبقت على الأرض إن تَمَّ هذا.. قتلوا ابن عفّان مظلوماً!!
بالله عليكم فكّروا في هذا التناقض البيِّن، والتضارب الفاحش في كلام عائشة! أمَا يدلّ هذا التناقض والتضارب على عدم استقلاليتها؟ بل هو دليل ظاهرٌ على تلوّنها وميولها مع أهوائها وتلبيتها لأغراضها النفسيَّة، وإنّ النفس لأمّارةٌ بالسوء!
الشيخ عبدالسلام: نعم ذكر المؤرخون هذه التناقضات في سيرة أم المؤمنين (رض)، وهم ذكروا أيضاً أنها ندمت وتابت واستغفرت، والله سبحانه وعد التائبين بقبول التوبة والجنة، ولذا نحن نعتقد أنّها في أعلا درجات الجنان عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
قلت: إنّ كلامك تكرار لمقالك السابق، وأنا لا أكرّر كلامي، و جوابي لك، ولكن هل من المعقول أنّ الدماء التي سُفكت في الجمل
بسببها، والأموال التي نهبت بأمرها، والحُرمات التي هُتِكَت بنظرها.. تَذهُب أدراج الرياح، ولا يحاكمها الله على أعمالها؟!
أين إذاً قول الله سبحانه:( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (١) ؟!
صحيح أن الله عزّ وجلّ أرحم الراحمين، ولكنّ في موضع العفو والرحمة، وأشدّ المعاقبين في موضع النكال والنقمة.
ولا يخفى أنّ من شروط قبول التوبة، ردُّ حُقوق الناس وإرضائهم، فإنّ الله تعالى ربما يعفو عن حقه، ولكن لا يعفو عن حقوق الناس. وعائشة تابت بالقول واللسان، لا بالفعل والجنان، ولذلك ما كانت مطمئنّة من قبول توبتها وغفران الله سبحانه لها وهي أعرف بنفسها، ولذا ذكر أكابر علمائكم مثل الحاكم في المستدرك، وابن قتيبة في المعارف، والعلّامة الزرندي في الأعلام بسيرة النبيصلىاللهعليهوآله ، وكذلك ابن البيّع النيسابوري، وغيرهم ذكروا أنّ عائشة أوصَت إلى عبدالله بن الزبير وسائر محارمها فقالت: ادفنوني مع أخواتي بالبقيع فإنّي قد أحدثتُ أموراً بعد النبيصلىاللهعليهوآله !
أمّا قولكم بأنّها نسيت بعض أحاديث الرسول اللهصلىاللهعليهوآله في شأن الإمام عليعليهالسلام وفضله ومناقبه، ونسيت تحذير النبيصلىاللهعليهوآله لها من خروجها على أمير المؤمنين ومحاربتها لهعليهالسلام ، وبعدما وضعت الحربُ أوزارها وانتهت المعركة بانتصار عليعليهالسلام وجيشه وانكسار عائشة وجيشها، تذكّرت أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله وما سمعته من فمه المبارك في ذلك فتابت واستغفرت!!
____________________
١) سورة الزلزلة، الآية ٧ و ٨.
أم سلمة تُذِكِّر عائشة
فقد روى كثيرٌ من أعلام محدثيكم وكبار علمائكم خلاف ذلك منهم:
ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٦/٢١٧، ط دار إحياء التراث العربي روى عن أبي مخنف - لوط بن يحيى الأزدي - قال: جاءت عائشة إلى أم سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان
فقالت أم سلمة: إنك كنت بالأمس تُحرِّضينِ على عثمان و تقولين فيه أخبثَ القول، و ما كان اسمه عندك إلّا نَعْثَلاً، و إنّك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله أَفَأذكّركِ؟
قالت: نعم، قالت: أتذكرين يوم أقبَلصلىاللهعليهوآله و نحن معه، حتّى إذا هبط من قُدَيد ذات الشمال، خلا بعليّ يناجيه فأطال، فَأرَدْت أنْ تَهجمي عليهما، فنَهَيْتُك فعصيتني، فهجَمْتِ عليهما، فما لبثتَ أنْ رجعت باكية، فَقلتْ: ما شأنُكِ؟ فقلت: إنّي هجمتُ عليهما و هما يتناجيان فقلت لعليّ: ليس لي من رسول الله إلّا يومٌ من تسعة أيّام، أَفَما تَدَعْني يا ابن أبي طالب و يومي!
فأقبل رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليّ و هو غضبان محمّر الوجه، فقال: ارجعي وراءَكِ! و الله لا يبغضُه أحَدٌ من أهل بيتي و لا مِن غيرهم من الناس إلّا و هو خارجٌ من الإيمان!
فَرَجعْتِ نادمة ساقطة! قالت عائشة: نعم أذكر ذلك.
ويتابع ابن أبي الحديد رواية أبي مخنف في تذكير أم سلمة لعائشة
قالت: و أُذكّركِ أيضاً.. كنتُ أنا و أنتِ مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله و أنتِ تغسلين رأسه، و أنا أحيسُ له حَيْساً، و كان الحَيْسُ يُعجبُهُ، فرفعصلىاللهعليهوآله رأسه، و قال: يا ليت شعري، أيّتكُنَّ صاحبة الجمل الأذنب، تنبحُها كلاب الحوأب، فتكون ناكبةً عن الصراط؟! فرفعتُ يدي من الحَيْس،فقلتُ: أعوذ بالله و برسوله من ذلك. ثم ضربصلىاللهعليهوآله على ظهركِ، و قال: إيّاك أنْ تكونيها!! إيّاك أنْ تكونيها يا حميراء! أمّا أنا فقد أنذرتكِ!
قالت عائشة: نعم أذكر هذا.
قالت: و أذكّركِ أيضاً كنتُ أنا و أنت مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله في سفر له و كان عليٌّ يتعاهد نَعْليْ رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيخصفها، و يتعاهد أثوابه فيغسلها، فنقبتْ له نَعْلٌ، فأخَذَها يومئذٍ يخصفها، و قَعَد في ظلّ سَمُرة، و جاء أبوك و معه عمر، فاستأذناً عليهصلىاللهعليهوآله فقُمنا إلى الحجاب، و دخلا يحادثانه فيما أراد، ثم قالا: يا رسول الله! إنّا لا ندري قَدْرَ ما تصحبنا، فلو أعْلَمتنا مَنْ يستخلف علينا، ليكون لنا بعدك مفزعاً.
فقالصلىاللهعليهوآله لهما: أما إنّي قد أرى مكانه، و لو فعلتُ لتفرّقتم عنه، كما تفرَّقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران.
فسكتا ثم خرجا، فلمَّا خرجنا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله قلتِ له، و كنتِ أجْرَأ عليهصلىاللهعليهوآله منّا: مَن كنتَ يا رسول الله مستخلفاً عليهم؟
فقالصلىاللهعليهوآله : خاصف النعل، فنظرنا فلم نر أحَداً إلّا عليّاً، فقلتِ: يا رسول الله، ما أرى إلّا عليّاً. فقالصلىاللهعليهوآله : هو ذاك. فقالت عائشة: نعم أذكر ذلك.
فقالت أم سلمة: فأيُّ خروجٍ تخرجين بعد هذا؟!
فقالت: إنّما أخرج للإصلاح بين الناس، و أرجو فيه الأجر إن شاء الله.
فقالت: أنتِ و رأيُكِ، فانصرفَتْ عائشة عنها.
أقول: فاعلموا أيها الحاضرون! إنّ عائشة ما كانت ناسيةً مكانة الإمام عليّعليهالسلام عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومنزلته منه، بل خرَجت عالمةً عامدة، ناكرةً للحق، داعيةً للباطل، عازمةً على الحرب والفتنة. وهدفها وغَرَضُها إفساد الأمر على أبي الحسن أمير المؤمنين (سلام الله عليه)، وهي تعلم أنّه أحقّ الناس بالأمر وأولاهم بالخلافة للنصِّ الأخير الذي ذكَّرتْها به أم سلمة (سلام الله عليها).
فإنّ حديث خاصف النعل الذي رواه كثيرٌ من أعلامكم بطرق عديدة صريحٌ في تعيين رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليّاً للخلافة والإمامة.
لذلك نحن نعتقد بدليل هذا الحديث وعشرات الأحاديث الصحيحة من نوعه وبأدلّة ثابتة من الكتاب الحكيم، بأنّ علياًعليهالسلام هو الإمام المفترض الطاعة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهو خليفته بلا فصل، ولكن مناوئيه وحاسديه غصبوا مقامه وأخّروه بدسائس سياسية ومؤامرة شيطانية وعيّنوا أبا بكر للخلافة من غير نصّ ولا إجماع، فإنّ النزاع كان قائماً في السقيفة من جراء ذلك جراء ذلك الإنتصاب، وكلّنا يعلم بأنّ سيّد الخزرج سعد بن عبادة كان مخالفاً لخلافة أبي بكر إلى آخر عمره وتبعه كثير من قومه. وكذلك الهاشميون كانوا مخالفين، وبعد خلافة أبي بكر جاء عمر بن الخطاب بإنتصاب وتعيين من أبي بكر، فلا إجماع ولا شورى! وقد سبق أن بيّنّا مخالفة طلحة وجمع آخر من الصحابة
لتعيين عمر وانتصابه للخلافة، وأما عمر فقد أبدعَ طريقاً آخر لتعيين خليفته، إذْ عيَّنَ ستة نفر من الصحابة فيهم عليٌّعليهالسلام وعثمان، وأمَر أنْ يختاروا من بينهم أحدهم، فاذا لم يتمّ الوفاق على أحدٍ منهم خلال ثلاثة أيّام، أصدر حكم إعدامهم وقتلهم!! وقد آل الأمر إلى عثمان.
فنحن نعتقد أنّ هذه الطرق المتناقضة في تعيين الخلفاء الثلاثة، قبل الإمام عليعليهالسلام ، كلها طرقٌ غير مشروعة ما سنّها الله ولا رسوله لأنّا لو فرضنا بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: « لا تجتمع أمتي على خطأ » فلم يُلحظ إجماع الأمّة في هذه الطرق الثلاثة، ولكن خلافة الإمام عليعليهالسلام امتازت بالنصوص الصريحة من الكتاب والسُنّة.
الشيخ عبد السلام: لا شك أنّ الإجماع حصل على خلافة أبي بكر بالتدريج، ونحن نقبل بأن الإجماع ما حصل في السقيفة ولكن بعدها دخل الناس كلهم في طاعة أبي بكر (رض) وحتى الهاشميين بما فيهم عليٌّ والعباس بايعوا بعد وفاة فاطمة الزهراء (رضي الله عنها).
قلت: أوّلاً .. فاطمة الزهراءعليهالسلام وهي سيّدة نساء المسلمين بإجماع الأمة، ما بايعت لأبي بكر بل ماتت وهي ساخطة وناقمة عليه كما مرّ في المجالس السابقة، كما وقد مرّ أيضاً في المجالس السابقة بأن سيد الخزرج سعد بن عبادة ما بايع أبا بكر إلى أنْ قُتل غِيلة. وهذا يكفي لبطلان الإجماع الذي تدّعونه.
ثانياً: لقد أثبتنا في المجالس السالفة أنّ بيعة كثير من المسلمين في المدينة كانت بالجبر والإكراه لا عن الطوع والرضا، وهذا خلاف شرط صحة الاجماع.
ثم لو فرضنا تصحيح خلافة أبي بكر بالاجماع المزعوم، فكيف تصححون خلافة عمر الذي عيّنه أبو بكر بوصيةٍ منه كتبها عثمان؟!
الشيخ عبد السلام: بديهي بأنّ قول أبي بكر في تعيين عمر بن الخطاب بالخلافة أيضاً مستندٌ إلى إجماع الأمة،لأنهم اجمعوا على طاعته وقبول رأيه، وكان مِن رأيه تعيين عمر للخلافة بعده.
قلت: أوّلاً .. إن كان كذلك، فلماذا ما أطعتم رسول اللهصلىاللهعليهوآله في تعيين خليفته، وهو قد عيّن علياً وصرّح به مرّات وكرّات من يوم الإنذار إلى يوم الغدير وما بعده، ولكنكم ترفضونه بحجّة أنّ اختيار الخليفة وانتخابه من حق الأمة وأنّ نصوص النبيصلىاللهعليهوآله في عليّ بن أبي طالب كانت ارشادية، هذا مع أنّهصلىاللهعليهوآله كان دائماً يحذّر الناس من مخالفة أمره ومخالفة الامام عليعليهالسلام ، حتى أننا نرى في بعض الأحاديث المرويّة عنهصلىاللهعليهوآله في كتبكم، يصرِّحُ بأنّ مخالفة عليّ كفر، وبغضه نفاق، وطاعته إيمان.
ثانياً: بأي دليلٍ عقليّ أو نقليّ تقولون بأنّ قول الفرد المنصوب بالاجماع، لا سيما في تعيين خليفته، يكون قولهُ لازماً وماضياً على الناس! فإنّ هذا الأمر يخالف سيرة أهل العالم لا سيّما العقلاء منهم. ولكي تعرفوا ذلك فطالعوا الكتب المدوّنة في قوانين الدول والانتخابات.
ثالثاً: إنْ كان كلامكم صحيحاً، فلماذا لم يعمل عمر بن الخطاب على ما خطّه أبو بكر، بل قام بإبداع طريقةٍ جديدة تخالف مبنى وأساس خلافته وخلافة أبي بكر من قبله. فانّ الشورى الذي شكله عمر من ستة أفراد، لا يشابه مجالس الشورى البشريّة، ولا يشابه الإنتخابات الجمهورية، بل أقرب ما يكون إلى الاستبداد والديكتاتورية،
وهنا شاط الشيخ عبد السلام ولاح الغضب في وجهه فصاح:
نحن لا نسمح لكم بهذا الكلام، والمسّ من شخصيّة الفاروق، إلّا أنْ تأتوننا بدليل وبرهان.
قلت: ما ذكره المؤرخون في وصية عمر لأبي طلحة الأنصاري في تشكيل ورجحان الكفّة التي فيها عبد الرحمن بن عوف دليل ساطع وبرهان لامع على ما قلنا، لأنّه كان يعرف أنّ عبد الرحمن بن عوف يميل إلى عثمان وأنّ سعد بن أبي وقاص حاقدٌ على أبي الحسن وحاسدٌ له، فلا يميل إلى جانبهعليهالسلام ، فضمن عمر خلافة عثمان بهذه السياسة والكياسة وسمّاها شورى وما هي بشورى(١) !
____________________
١) ذكر ابن ابي الحديد قصة الشورى في شرح نهج البلاغة ج ١/١٨٨ ط إحياء التراث العربي، قال: وصورة هذه الواقعة أنّ عمر لما طعنَهُ أبو لؤلؤة، وعلم أنّه ميت.. قال: إنّ رسول الله مات و هو راض عن هذه الستة من قريش: عليٌّ و عثمان و طلحة و الزبير و سعد و عبد الرحمن بن عوف و قد رأيتُ أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم
ثم قال ادعوا إلي أبا طلحة الأنصاري فدعوه له فقال انظر يا أبا طلحة إذا عدتم من حفرتي فكن في خمسين رجلاً من الأنصار حاملي سيوفكم فخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر و تعجيله و اجمعهم في بيت و قفْ بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا و يختاروا واحداً منهم فإنْ اتّفق خمسة و أبى واحدٌ فاضرب عنقه و إنْ اتفق أربعة و أبى إثنان فاضرب عنقيْهما و انْ اتّفق ثلاثة و خالف ثلاثة فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن فارجع الى ما قد اتفقت عليه فإنْ أصرّت الثلاثة الأخرى على خلافها فاضرب أعناقهم و إن مضت ثلاثة أيام و لم يتفقوا على أمرٍ فاضرب أعناق الستة و دع المسلمين يختاروا لأنفسهم.
أقول: إذا لم نسمي هذا الأمر القاطع والحكم الصادر من الخليفة في شأن أصحاب الشورى بالهمجيّة والدكتاتورية، فماذا يُسمّى؟!
«المترجم»
شورى.. أم ديكتاتورية!!
ولنا أن نعترض على حكم عمر وتفويضه الأمر النهائي إلى عبد الرحمن بن عوف، ونتساءل: بأي ملاك وعلى أي استناد شرعي وعرفي وعقلي ونظري يكون رأي ابن عوف مقدَّماً على رأي الآخرين وأصوب؟ وكيف يكون رأي الثلاثة الذين فيهم ابن عوف نافذاً، والثلاثة الأخرى ان لم توافق فمصيرهم القتل والاعدام؟!
ومن دواعي التعجب والإستغراب، تقديم رأي عبد الرحمن بن عوف على رأي أبي الحسن علي بن أبي طالبعليهالسلام في مثل هذا الأمر، مع روايتهم حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله : عليٌّ مع الحق والحق مع علي.
وقولهصلىاللهعليهوآله : عليٌّ فاروق هذه الأمة يفرِّق بين الحق والباطل.
وقد روى الحاكم في المستدرك، وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء، والطبراني في الأوسط، وابن عساكر في تاريخه، والعلّامة الكنجي في كفاية الطالب، والمحب الطبري في الرياض النضرة، والحمويني في فرائد السمطين، وابن أبي الحديد في شرح النهج، والسيوطي في الدرّ المنثور، عن ابن عباس، وسلمان، وابي ذر، وحذيفة، أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب، فإنّه أول من يصافحني يوم القيامة، و هو الصدّيق الأكبر و هو فاروق هذه الأمة يفرِّقُ بين الحق و الباطل و هو يعسوب المؤمنين(١) .
____________________
١) أيها القارئ الكريم لقد ورد هذا الحديث في كتب المحدثين ومسانيدهم المعتبرة =
. . . . .
____________________
= وأذكرُ لك بعضها من العامّة وأعلام السُنّة حتى تسكن بها نفسك ويطمئن قلبك، منها:
الإصابة لابن حجر: ج ٧/ القسم الاول ص ١٦٧ قال: وأخرج أبو أحمد وابن مندة وغيرهما من طريق إسحاق بن بشر الأسدي عن خالد بن الحارث عن عوف عن الحسن عن ابي ليلى الغفارية قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالزموا علي بن ابي طالب، فإنه أول من آمن بي و أول من يصافحني يوم القيامة و هو الصديق الأكبر و هو فاروق هذه الأمة و هو يعسوب المؤمنين و المال يعسوب المنافقين.
وذكره ابن عبد البر أيضاً في الاستيعاب:ج ٢/٦٥٧، وابن الأثير أيضاً في اُسد الغابة: ج ٥/ ٢٨٧.
وفي مجمع الزوائد: ج ٩ /١٠٢ قال: وعن أبي ذر وسلمان قالا: أخذ النبيصلىاللهعليهوآله بيد عليعليهالسلام فقال: إنّ هذا أول من آمن بي وهذا أول من يصافحني يوم القيامة و هذا الصديق الأكبر و هذا فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل، و هذا يعسوب المؤمنين و المال يعسوب الظالمين.
ورواه الطبري والبزار عن ابي ذر وحده، وذكره المناوي أيضاً في القدير في الشرح: ج ٤/٣٥٨، والمتقي في كنز العمال: ج ٦/١٥٦، وقال: رواه الطبراني عن سلمان وابي ذر معاً والبيهقي وابن عدي عن حذيفة. وفي الرياض النضرة للمحب الطبري: ج ٢/١٥٥ قال: وعن أبي ذر قال: سمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لعليعليهالسلام : أنت الصديق الأكبر و أنت الفاروق الذي تفرق بين الحق والباطل. (قال): وفي رواية وأنت يعسوب الدين. قال: خرّجهما الحاكم.
وهناك مصادر اخرى كثيرة ذكرت بعضها في تعليقاتنا السابقة، وأكتفي بما ذكرت فإنّ فيها الكفاية لمن اراد الحق والهداية.
«المترجم»
وقالصلىاللهعليهوآله في حديث مشهور لعمار بن ياسر - ونقلتُهُ لكم بإسناده وذكرت مصادره من كتبكم في الليالي الماضية - قالصلىاللهعليهوآله :
يا عمار! إنْ سلكَ الناس كلّهم وادياً و سلكَ عليٌّ وحده وادياً، فاتّبع علياً و خَلِّ عن الناس، يا عمار! عليٌّ لا يردك عن هدىً، و لا يدلَّكَ على ردى يا عمار! طاعةُ عليّ طاعتي، و طاعتي طاعةُ الله.
مع هذا كله يقدّم عمرُ عبدَ الرحمن بن عوف على الإمام عليّعليهالسلام ويقدّم رأيه على رأي أمير المؤمنين سلام الله عليه، وهذا من أفَحش الظلم في حق الإمام أبي الحسنعليهالسلام .
كل عاقل منصف، له أدنى إلمام بأمور الدولة والسياسة، يعرف سريرة عمر وغرضه من هذا الأمر، وهو الإطاحة بعليّعليهالسلام وخذلانه والسعي لتنزيل مقامه الشامخ، ومكانه العليّ.
وكل من له إطّلاع وباع في كتب الرجال والأصحاب من قبيل الإصابة والاستيعاب، وحلية الأولياء وأمثالها، يعرف جيّداً أن علياًعليهالسلام لا يُقاس بعبد الرحمن، وأعلا من سائر أعضاء الشورى في الفضل والمناقب وفي المنزلة والمقام، وأنتم أيها الحاضرون!
راجعوا كتب الحديث والتواريخ والمناقب وطالعوها وأنصفوا وفكروا ثم احكموا في رأي عمر وتعيينه عبد الرحمن حَكَماً في الشورى، وترجيح رأيه على الآخرين بما فيهم علي بن أبي طالبعليهالسلام !
والله ما كانت الشورى العُمَريَّة إلّا لعبةً سياسية ومؤامرة تحزّبيّة من مناوئي الإمام عليّعليهالسلام ومخالفيه، ليحرموه عن حقّه ويبعدوه من مقامه للمّرة الثالثة!!
فالخلفاء «الراشدون عندكم » نالوا الخلافة وتوصّلوا إليها بأربعة
طرق، كل واحد منهم وصل إلى الخلافة بشكل خاص وطريقة تخصّه، فلا ندري أي طريقة منها وأي شكل من الأشكال مراد الله سبحانه ومقتضى شريعته ودينه! فإن تعيّنوا شكلاً واحداً، فالأشكال الأخرى باطلة، وإن تقولوا: كل هذه الطرق والأشكال صحيحة وشرعية، نعرِفْ أنكم لا تلتزمون لتعيين الخليفة والحاكم الشرعي، بطريق ثابت وقانون معيَّنٍ معلوم.
وأنتم الحاضرون ولا سيما العلماء الكرام، اذا تركتم التعصُّب والإنحياز الى مذهب أسلافكم ومُعتَقَد آبائكم، ونظرتم إلى الحوادث والقضايا بعين الإنصاف والعدالة، وَبنظر التحقيق والدّلالة، لعرفتم أنّ الحق غير ما تلتزمون به وتعتقدونه.
الشيخ عبد السلام: نعم ولكن لو أمعنّا النظر وتعمّقنا في الموضوع على أساس بيانكم وغرار كلامكم، فإنّ خلافة سيدنا علي بن أبي طالب تتزلزل أيضاً، لأنّ الناس نصبوه للخلافة وبايعوه هم الذين بايعوا من قبله مِن الخلفاء الثلاثة الراشدين، ولا فرق بينه وبينهم.
خلافة الإمام عليعليهالسلام منصوصة
قلت: هذا الإشكال يرد على مَنْ يعتقد بأن خلافة الإمام عليعليهالسلام ومشروعيّتها لاجماع الناس في المدينة بعد مقتل عثمان على خلافة الإمام وبيعتهم له، ولكنّا نعتقد بالدليل والبرهان أنّ خلافة الإمام عليعليهالسلام منصوصة من الله سبحانه بالأحاديث المكرّرة من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهو الخليفة الشرعي بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله مباشرة وإنْ
غصبوا حقه وأزالوه عن مقامه طيلة سنين عديد. وحيث لم يجد أعواناً وأنصاراً لإحقاق حقه، أمسى جليس الدار صابراً محتسباً، حتى أجمع الناس على بيعته بعد مقتل عثمان وألُّحوا وأصرَّوا عليه، فقبل منهم البيعة وتعهّد ادارة أمور المسلمين.
وقد بيّنا في المجالس السابقة وذكرنا لكم النصوص المرويّة في كتبكم ومسانيدكم المعتبرة، في تعيين النبيصلىاللهعليهوآله عليّاً خليفته على الأمّة، وإنْ نسيتم حديثنا في موضوع الغدير وإمامة عليّعليهالسلام وخلافته، فراجعوا الصحف والمجلّات التي نشرت حوارنا ومجالسنا السابقة، فقد استدللنا وأثبتنا ولاية عليّعليهالسلام وخلافته الشرعيّة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإضافةً إلى تواترها في كتب الشيعة فقد ذكرنا عشرات المصادر لها من كتب أعلامكم ومسانيد علمائكم، فالأحاديث التي ذكرناها في إثبات ولاية الإمام عليعليهالسلام وخلافته متفق عليها وصحيحة بإجماع الشيعة والسُنة.
ولكن لا يوجد حتى حديث واحد متَّفق على صحّته بين الفريقين في ولاية وخلافة الثلاثة قبل الإمام عليّعليهالسلام ، أو في خلافة أحد الأمويين أو العباسيين.
الشيخ عبد السلام: لقد ورد عندنا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال: أبو بكر خليفتي في أمتي.
قلت: أولاً هذا الحديث غير مقبول عندنا ولم يروه أحدٌ من علماء الشيعة، فضار غير متفق عليه.
ثانياً: لقد ذكرنا أقوال بعض أعلامكم في بطلان الأحاديث الموضوعة في فضل أبي بكر ومناقبه، وإضافةً على ما مضى أنقلُ لكم
قول أحد كبار علمائكم ومشاهير أعلامكم، وهو الشيخ مجد الدين الفيروز آبادي صاحب كتاب القاموس في اللغة، قال في كتابه «سفر السعادة » : إن ماورد في فضائل أبي بكر، فهي من المفتريات التي يَشهد بديهة العقل بكذبها.
خلافة عليّعليهالسلام أقرب إلى الإجماع من خلافة غيره
ولا يخفى على من تدبّر في تاريخ الخلافة، أنّ خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام كانت أقرب الى الاجماع من خلافة الثلاثة قبله، والذين استولوا على الخلافة بعدَه من الأمويين والعباسيين.
فقد بيَّنا عدم تحقق الإجماع في الخلفاء الذين تولَّوا الأمر قبل الإمام عليّعليهالسلام وكذلك الذين جاءوا بعده، فلم يتحقق إجماع الأمة لأحدهم، والتاريخ يشهد على ذلك ولكن تحقَّقَ للإمام عليعليهالسلام ما يقرب من الإجماع، فإن الّذين بايعوه بعد مقتل عثمان كانوا عامة أهل المدينة إلّا من شذّ، وهم أقلّ من عدد الأصابع، وإضافة على أهل المدينة، فقد بايعه جمعٌ كثير من أهالي الأمصار الذين كانوا يتوبون عن أهل بلادهم وقومهم، وهم الذين أقبلوا من البصرة والكوفة ومن مصر وغيرها من بلاد الإسلام ونزلوا المدينة، فقد بايعه جمعٌ كثير من أهالي الأمصار الذين كانوا ينوبون عن أهل بلادهم وقومهم، وهم الذين أقبلوا من البصرة والكوفة ومن مصر وغيرها من بلاد الإسلام ونزلوا المدينة المنوّرة، ليعزلوا عثمان عن الخلافة، أو يصلحوه ويصلحوا شأنه ودولته. فلما قتل عثمان، أجمعوا على بيعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام .
ولا يخفى أنّ المجتمعين يومئذٍ في المدينة المنورة، والذين أجمعوا على بيعة الإمام عليّعليهالسلام ، كانوا زعماء القوم وأهل الحلّ والعَقْد في أمصارهم وشيوخ أهل بلدانهم.
والجدير بالذكر، أنّنا مع تحقُّق هذا الأمر - الذي كان أقرب شيء إلى الاجماع - لم نجعله دليلاً على خلافة الإمام عليعليهالسلام .
وإنما الدليل الثابت عندنا والبرهان المثبت لخلافة مولانا وسيدنا الإمام عليّعليهالسلام هو النصّ الإلهي في القرآن الحكيم وصريح حديث النبي الكريمصلىاللهعليهوآله ، وهو مطابقٌ لسيرة جميع الرسل والأنبياء الذين كانوا يُعيِنون أوصياءهم وخلفاءهم بأمر الله سبحانه.
ثالثاً: قلتم لا فرق بين أبي الحسن أمير المؤمنين وبين الخلفاء قبله. فلا أدري هل تنطقون بهذا الكلام عن جهل أو تجاهل؟ لأنّ الأدلّة العقلية والنقليّة والشواهد التاريخيّة والحسيّة كلها قائمة على أنّ علياًعليهالسلام يمتاز عن الخلفاء بل عن كل البشر. فلا يُقاس به أحد.
امتيازات الإمام عليّعليهالسلام
كل من يطالع تاريخ حياة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام من حين ولادته في بطن الكعبة، إلى استشهاده في سبيل الله في حال العبادة والصلاة في وسط المحراب في مسجد الكوفة، وينظر بنظر التحقيق والتدقيق في جهاده ومواقفه، وفي خطبه وكلماته، وفي حركاته وسكناته، وفي خوضه الحوادث وانزوائه ...، لا يشك في أنّهعليهالسلام كان شخصية متميزة وفريدة ومن نوادر التاريخ وأعظم نوابغ البشر، لذلك نرى جميع المسلمين وأكثر أعلامكم وكبار علمائكم إلّا من شذّ - وهم من الخوارج والنواصب من الأمويين والبكريين - قالوا: بأفضليته ممن سواه بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وذلك استناداً إلى الحديث الشريف المروي عن النبيصلىاللهعليهوآله في حقه أنقله لكم مضافاً إلى ما رويته
من كتب أعلامكم في الليالي الماضية في فضائله ومناقبهعليهالسلام .
رَوى أحمد بن حنبل في مسنده، والموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب، والعلّامة الهمداني في مودّة القربى، والحافظ أبو بكر البيهقي في السنن وغيرهم عن طرق شتى وعبارات متفاوتة في الألفاظ والمعنى واحد، عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: عليٌّ أعلمكم وأفضلكم وأقضاكم والرادُّ عليه كالرادّ عليَّ، والرادِّ كالرادّ على الله، وهو على حَدِّ الشرك بالله.
وقال ابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة / بعد ذِكره أقوال المشاهير تحت عنوان (القول فيما يذهب إليه أصحابنا المعتزلة، في الإمامة والتفضيل) قال: و أمّا نحن فنذهب إلى ما يذهب إليه شيوخنا البغداديون، من تفضيلهعليهالسلام و قد ذكرنا في كتبنا الكلامية ما معنى الأفضل و هل المراد به الأكثر ثواباً أو الأجمع لمزايا الفضل و الخصال الحميدة؟ و بينّا أنّهعليهالسلام أفضل على التفسيرين معاً.
وهنا ارتفع صوت المؤذّن لصلاة العشاء، وبعد الفراغ من الصلاة، شربنا الشاي، وتناولنا الفاكهة، ثمّ شرعنا في الحديث:
أصول الفضل والكمال
قلت: تعقيباً لكلام ابن أبي الحديد، أطرح عليكم هذا السؤال: ما هي رؤوس الفضل وأصول الكمال عندكم؟؟
الشيخ عبدالسّلام: - بعد أنْ أطرق برأسه مليّاً، رفعها وقال -: هي كثيرة ولكن أهمها بعد الإيمان بالله وبرسوله، النسب الطاهر وطيب المولد والمنبت، والعلم والتقوى.
قلت: أحسنت يا شيخ، فلنبحث في هذه الأمور التي أشرْتَ إليها ونحن نوافقكم على أنّ هذه الثلاثة من أمهات الفضائل والكمالات البشرية. ولا ننكر أنّ بعض الصحابة كانت فيهم خصائص وخصال حميدة، ولكن مَنْ كان جامعاً لهذه الصفات الثلاثة التي أشرتم إليها بأنّها أمهات الفضائل وأصول الكمال، فهو أفضلهم وأكملهم، وبحكم العقل والعقلاء يكون أحق بالخلافة من سائر الصحابة.
طهارة نسب ومولد الإمام عليعليهالسلام
أمّا في النسب والمولد فلا يشك أحدٌ بأنّ الإمام عليّعليهالسلام أشرف الصحابة في النسب، وأفضلهم في المولد والمنبت، لأنّه يساوي النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله في ذلك(١) ، فأمّا النسب فواضح، وأما المنبَت فقد ذَكَر
____________________
١) روى الحافظ الشيخ سليمان القندوزي والحنفي في كتابه «ينابيع المودة» الباب الثاني في شرف آباء النبيصلىاللهعليهوآله ، ونقل روايات كثيرة في الموضوع وكلها من كتب العامّة منها، قال: وفي الشفاء عن عائشة عنهصلىاللهعليهوآله قال: أتاني جبرئيل فقال: قَلَّبْتُ مشارق الأرض ومغاربها، فلم أرَ رجلاً أفضل من محمد، ولم أر ابن أبِ أفضل من بني هاشم، أخرجه في المناقب والمخلص المذهبي والمحاملي وغيرهم.
أقول: وقال الإمامعليهالسلام في نهج البلاغة خطبة ٩٤: حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ الله سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍصلىاللهعليهوآله فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً وَ أَعَزِّ الْأَرُومَاتِ مَغْرِساً مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ وَ انْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ وَ أُسْرَتُهُ خَيْرُ الْأُسَرِ وَ شَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ وَ بَسَقَتْ فِي كَرَمٍ لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ وَ ثَمَرٌ لا يُنَالُ الخ.
وقال الشيخ صالح التميمي (رحمه الله): =
المؤرخون كلهم أنّ النبيصلىاللهعليهوآله بعد وفاة جدّه عبد المطلب، انتقل إلى بيت أبي طالب وكان عمره الشريف يومئذٍ ثمان سنين، فتكفّله عمّه ورعاه أتمّ وأجمل رعاية.
فكما حارت العقول في شخصية النبيصلىاللهعليهوآله وحقيقته، بهرت العقول أيضاً في شخصيّة عليّ وحقيقته، حتى أنّ المتعصّبين من أعلامكم مثل علاء الدين القوشجي، والجاحظ وهو يعدّ من النواصب، وسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني، وغيرهم قالوا: إنّنا حيارى ولا ندري كيف نفسِّر كلام علي بن أبي طالب إذ يقول: نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد.
____________________
=
غاية المدح في عُلاك ابتداءٌ |
ليت شعري ما تصنع الشعراء |
|
يا أخا المصطفى وخيرَ ابن عم |
وأمير إنْ عُدَّتِ الأمراء |
|
معدن الناس كلها الأرض لكن |
أنت من جوهر وهم حصباء |
وقال آخر:
خير البريّة بعد أحمد حيدرٌ |
الناسُ أرضٌ والوصيُّ سَماء |
ويقول آخر:
حاشاك أنْ تسمو إليك سماء |
أنت الفضاء وما سواك هباء |
|
ومتى يحلِّق نحوك العظماء؟ |
والسرِّ أنتَ وغيرُكَ الأسماء |
|
أوَلستَ ساقي الحوض أنت وقاسم الـ |
جنّات والنيران كيف تشاء؟؟ |
هذا غيض من فيض قريحة الشعراء وشعورهم في حقهعليهالسلام ، ولكن ما لنا والقول والشعراء والبلغاء بعد أن نطق الخالق العزيز بمدحه وتفضيله وجعله نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله في آية المباهلة، وأطلق النبيصلىاللهعليهوآله عليه ذلك كرّات ومرات وقال: عليٌ كنفسي. ولا شك أنّ خير الكلام كلام الله، وخير الحديث حديث أشرف الخلق محمّدصلىاللهعليهوآله .
«المترجم»
وقالعليهالسلام أيضاً في الخطبة الثانية من نهج البلاغة:
لا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍصلىاللهعليهوآله مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ وَ لا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً ، هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ وَ عِمَادُ الْيَقِينِ، إِلَيْهِمْ يَفِيءُ الْغَالِي، وَ بِهِمْ يُلْحَقُ التَّالِي، وَ لَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الْوِلايَةِ، وَ فِيهِمُ الْوَصِيَّةُ وَ الْوِرَاثَةُ، الآْنَ إِذْ رَجَعَ الْحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ، وَ نُقِلَ إِلَى مُنْتَقَلِهِ(١) .
واعلموا أنّ اعتقاد كثير من كبار علماء السُنّة وأعلامهم في الإمامعليهالسلام هو كذلك.
فقد روى العلّامة الهمداني في كتابه مودّة القربى / المودّة السابعة عن أبي وائل عن ابن عمر (رض) قال: كنّا إذا عددنا أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله قلنا أبو بكر وعمر وعثمان. فقال [له] رجل: يا أبا عبدالرحمن، فعليٌ ما هو؟ قال: عليٌ من أهل البيت لا يُقاس به أحد هو مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله في درجته.
وروى العلّامة الهمداني أيضاً عن أحمد بن محمد الكرزي البغدادي قال: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن التفضيل فقال: أبو بكر وعمر وعثمان، ثم سكت. فقلت: يا أبتِ أين علي بن أبي طالب؟ فقال هو من أهل البيت، لا يقاس به هؤلاء.
أقول : والذي يدلّ على أنّ هؤلاء وغيرهم من الصحابة لا يقاسون به، أنّهعليهالسلام كرسول اللهصلىاللهعليهوآله خُلق في عالم الأنوار قبل أن يظهر في عالم الأكدار، والفرق بينهما كالفرق بين السماء والأرض.
____________________
١) فقد خطب هذه الخطبة بعدما بويعَ بالخلافة.
النبيصلىاللهعليهوآله وعليُّ عليهالسلام من نور واحد
رَوَى جماعة من الأعلام والحفّاظ من علمائكم، منهم أحمد بن حنبل في المسند، والشيخ محمد بن طلحة العدوي القرشي في كتاب مطالب السئول، والحافظ ابن المغازلي الفقيه الشافعي في كتابه المناقب / حديث رقم ١٣٠ / بسنده عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: كنت أنا و علي بن أبي طالب نوراً بين يدي الله مِنْ قبل أنْ يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق الله تعالى آدم ركَّبَ ذلك النور في صلبه فلم يزل في نورٍ واحد حتى افترقنا في صلب عبدالمطلب، ففيَّ النبوّة وفي عليّ الخلافة.
وقد فتح العلّامة الهمداني باباً في كتابه مودّة القربى بعنوان / المودّة الثامنة في أنّ رسولصلىاللهعليهوآله وعلياً من نور واحد، وأُعطي عليٌّ من الخصال ما لم يُعطَ أحدٌ من العالمين.
فنقل أخباراً كثيرة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله بطرقٍ شتى، منها ما رواه عن عثمان بن عفّان عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: خُلِقتُ أنا و عليٌّ من نور واحد قبل أن يخلُقَ الله آدم بأربعة آلاف عام، فلما خلق الله تعالى آدم ركّب ذلك النور في صلبه، فلم يزل شيئاً واحداً حتى افترقنا في صلب عبدالمطلب، ففيَّ النبوّة وفي عليّ الوصيّة.
ورَوى أيضاً عن عليّعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا عليّ! خَلَقني الله وخلقكَ من نوره، فلما خلق آدمعليهالسلام أودَعَ ذلك النور في صلبه، فلم نزل أنا وأنت شيئاً واحداً ثم افترقنا في صلب عبدالمطلب، ففيَّ النبوّة وفيك الوصيّة والإمامة.
ونَقَل ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ٩ / ١٧١ ط. دار إحياء التراث / الخبر الرابع عشر: «كنت أنا و عليٌّ نوراً بين يدي الله عزّ و جلّ قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خَلَقَ آدم قسَّم ذلك فيه وجعله جزأيْن، جزء أنا و جزء عليٌّ » قال ابن أبي الحديد: رواه أحمد في المسند وفي كتاب فضائل عليّعليهالسلام ، وذكره صاحب كتاب الفردوس، وزاد فيه: « ثم انتقلنا حتى صرنا في عبد المطلب، فكان لي النبوّة ولعليّ الوصيّة ».
وروى الحافظ القندوزي في كتابه ينابيع المودّة في الباب الأول روايات كثيرة في الموضوع عن جمع الفوائد، ومناقب ابن المغازلي وعن الفردوس للدليمي وفرائد السمطين للحمويني ومناقب الخوارزمي نعم روى المؤيّد الخوارزمي في الفصل الرابع من كتابه المناقب وأيضاً في الفصل الرابع من كتابه مقتل الحسينعليهالسلام روايات شتى في الموضوع.
وكذلك روى في الموضوع سبط ابن الجوزي في التذكرة / ٥٠ ط. مؤسسة أهل البيت بيروت، وابن الصبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة، والعلّامة الكنجي الشافعي في كتاب كفاية الطالب / الباب ٨٧ نقل عن محدِّث الشام ابن عساكر وعن محدِّث العراق وعن معجم الطبراني بإسنادهم بطرق شتى وعنوانه (الباب السابع والثمانون: في أنّ علياً خُلق من نور النبيصلىاللهعليهوآله ) وحيث أنّ الروايات في الموضوع منقولة بألفاظ شتى وكلمات مختلفة والمعنى واحد، فأقول: ربما صدرت الروايات من رسول اللهصلىاللهعليهوآله في بيان هذا الموضوع كرّات ومرّات عديدة لأهمّيته.
أجداد الإمام عليعليهالسلام وآباؤه مؤمنون
ولقد ثبت أنّ أجداد الإمام عليّعليهالسلام كلهم كانوا مؤمنين ولم يشركوا بالله طرفة عين، فانّ الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة التي حملته وتناقلته هي الأصلاب والأرحام التي حملت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد طهّرها الباري عزّ وجلّ من دَرَن الشرك وأقذار الجاهليّة، فهو عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدّ بن أدد بن اليسع بن الهميس بن نبت، بن سلامان بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الله بن تارخ بن تاحور بن شاروع بن أرغو بن تالغ بن عابر بن شالح بن ارفخشد بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوه بن بارد بن مهلائل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشرعليهالسلام هؤلاء كلهم كانوا مؤمنين بالله تعالى، يعبدونه ولا يُشركون به شيئاً.
الشيخ عبد السلام: ولكنّ القرآن الحكيم يصرّح بخلاف هذا الكلام، فقد قال تعالى في سورة الأنعام آية ٧٤:( وَ إِذْ قالَ إبراهيم لابيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) .
آزر عم إبراهيمعليهالسلام
قلت: كلام الشيخ واصل اليه من أسلافه، وهم لمـّا رأوا نَسب شيوخهم وزعمائهم من الصحابة ينتهي إلى الكفر والشرك، أرادوا دفع
هذا النقص ورفع العيب عنهم، فتفوّهوا بهذا الكلام وعابوا على خير الأنام، وقال بأنّ آزر أبا إبراهيم الخليل كان يعبد الأصنام، وكلكم تعلمون أنّ علماء الأنساب أجمعوا على أنّ والد إبراهيم الخليلعليهالسلام كان تارخ، وآزر كان عمه.
الشيخ عبد السلام - متعجباً -: إنّكم تقابلون القرآن الحكيم بكلام علما الأنساب!! فإنّ الله سبحانه يصرِّح بأنّ آزر أبا إبراهيم كان يعبد الأصنام ونحن نأخذ بظاهر القرآن ونترك قول من خالفه، لأنّ الظاهر نصٌّ وخلافه اجتهاد.
قلت: نحن لا نجتهد في مقابل النصّ، وإنّما نقابل النصّ بالنصّ ونستخرج المعنى المعقول المفهوم من النَّصَّيْن، فإنّ القرآن في كثير من الأمور يفسّر بعضُهُ بعضا. وما اشتبه علينا تفسيره فنرجع به إلى قول العترة الهادية الذين عيَّنهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله لذلك إذ قال: إنّي تاركٌ فكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي.
وهم قالوا بأنّ آزر كان عم إبراهيم الخليل، فلما توفّي تارخ والد ابراهيم، تزوّجت أمُّهُ بآزر، فكان إبراهيم يناديه بالأب، وهو شيءٌ شائع في العرف.
الشيخ عبدالسلام: نحن لا نترك ظاهر الآية الشريفة:( وَ إِذْ قالَ إبراهيم لأبيهِ آزَرَ ) إلّا أن تأتوا بآية من القرآن الحكيم تفسّر كلمة الأب بالعم، وهذا لا يوجد في القرآن.
قلتُ: لا تنفي ذلك، لأنّ علمك ناقص بمفاهيم القرآن الحكيم، وما تجهله من هذا الكتاب العظيم أكثر مما تعلمه.
ولكي يتّضح لك أنّ كلمة الأب جاءت بمعنى العم في القرآن
الحكيم، فراجع سورة البقرة / الآية ١٣٣ في قوله تعالى:
( إِذْ قال (١) لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إبراهيم وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِلهاً واحِداً ) .
الشاهد والدليل في الآية «اسماعيل » لأنه كان عم يعقوب واسحاق هو أبو يعقوب. ولكنّ أولاد يعقوب عَدُّوا إسماعيل أباً ليعقوب في عداد أبويه إبراهيم وإسحاق.
دليل آخر
وعندنا دليل آخر من القرآن الحكيم في أنّ آباء النبيصلىاللهعليهوآله كلهم كانوا مؤمنين بالله يسجدون له وحده ويعبدونه إلهاً واحداً وهو قوله تعالى مخاطباً لنبيّهصلىاللهعليهوآله :( وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) (٢) روى الحافظ الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع لمودّة / الباب الثاني / وغيره أيضاً من علمائكم رووا عن ابن عباس حَبر الأمّة وهو مَن تَعلمون مقامه من المفسرين، قال: اي تقلّبهصلىاللهعليهوآله من أصلاب الموحّدين، نبيٌّ إلى نبيّ ، حتّى أخرجه الله من صلب أبيه من نكاح غير سفاح من لدن آدم.
وروى العلّامة القندوزي حديثاً آخر في الباب ورواه أيضاً جمعٌ من علمائكم منهم الثعلبي في تفسيره، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: أهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم وجعلني في صلب نوح في السفينة وقذف بي في صلب إبراهيم ثم لم يزل الله ينقلني من
____________________
١) أي: إذ قال يعقوب.
٢) الشعراء، الآية ٢١٩.
الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة حتّى أخرجني من بين أبوين لم يلتقيا على سفاح قطّ.
وفي رواية أخرى قالصلىاللهعليهوآله : لم يدنّسني بدَنَس الجاهلية.
وروى القندوزي أيضاً في الباب الثاني قال: وفي كتاب أبكار الأفكار للشيخ صلاح الدين بن زين الدين الشهير بابن الصلاح (قدّس سرّه) قال جابر بن عبدالله الأنصاري (رضي الله عنهما) سألت رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن أول شيء خلقه الله تعالى، قالصلىاللهعليهوآله : هو نور نبيك يا جابر - والرواية مفصلة وطويلة لا مجال لذكرها كلها، وجاء في آخرها - : وهكذا ينقل الله نوري من طَيِّب إلى طيب، ومن طاهر إلى طاهر إلى أن أوصله إلى صلب أبي عبد الله بن عبد المطلب، ومنه أوصله الله إلى رحم أُمي آمنة، ثم أخرجني إلى الدنيا فجعلني سيد المرسلين وخاتم النبيين، ومبعوثاً إلى كافّة الناس أجمعين ورحمةً للعالمين وقائد الغر المحجَّلين، هذا كان بدء خِلْقة نبيّك يا جابر.
ثم قال القندوزي: وفي شرح الكبريت الأحمر للشيخ عبد القادر روى الحديث المذكور عن جابر بن عبد الله أيضاً إلى آخره.
فقولهصلىاللهعليهوآله : وهكذا ينقل الله نوري من طَيِّب إلى طيب، ومن طاهر إلى طاهر، دليلٌ على أنهم كانوا مؤمنين بالله و موحّدين له. فبرّأهم الله تعالى من الكفر والشرك، إذ يقول الله سبحانه:( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) (١) .
وكذلك روى القندوزي في الباب الثاني من ينابيع المودّة عن ابن عباس عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: ما ولدني في سفاح الجاهلية شيءٌ وما
____________________
١) التوبة، الآية ٢٨.
ولدني إلّا نكاحٌ كنكاح الاسلام.
وفي نهج البلاغة / خطبة رقم ٩٤ يصف بها الأنبياء الكرام لا سيّما خاتمهم وسيدهم، فقال: فاستودعهم في أفضل مُستَودَع و أقرّهم في خير مستقر. تناسختهم [ تناسلتْهم ] كَرائمُ الأصلاب إلى مطهَّرات الأرحام حتى أفضَتْ كرامة الله سبحانه وتعالى إلى محمدصلىاللهعليهوآله فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً، و أعَزّ الأرومات مغرساً، من الشجرة التي صَدَعَ منها أنبياءَه و انتجب منها أمناءَه.
ولو أردنا جمع الأخبار والروايات الواردة عن طرقنا وطرقكم لبلغ مجلّداً ضخماً، ولكن في المنقول كفاية لمن أراد الهداية واتباع الحق، فإنّ الحق الذي يظهر من هذه الروايات والآيات يدلّ على أن آباء النبيصلىاللهعليهوآله وأجداده كانوا موحّدين لله سبحانه مؤمنين به عزّ وجلّ، ومنه يثبت هذا الأمر لعليّ بن ابي طالبعليهالسلام أيضاً، لأنهما صلوات الله عليهما وآلهما من شجرة واحدة ونور واحد، كما تواتر عن طرق الشيعة ورواه أيضاً كثيرٌ من أعلامكم وكبار علمائكم أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: أنا وعليٌ من شجرة واحدة وسائر الناس من شجر شتّى.
وقالصلىاللهعليهوآله : خُلِقْتُ أنا وعليٌّ من نور واحد.. الخ، وقد ذُكرِ بعض مصادره من كتب اعلامكم.
فبحكم العقل ورأي العقلاء، فإنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام أحق من غيره بخلافة النبيصلىاللهعليهوآله لأنه أقرب الناس إليه في المقام والمنزلة، مع هذه المشابهات والمقارنات بينهماعليهماالسلام (١) .
____________________
١) من المناسب نقل بعض الأبيات من قصيدة بليغة في الموضوع للمرحوم الشيخ علي الشفهيني الحلي من أعلام القرن السادس الهجري: =
الشيخ عبد السلام: إذا أثبتّم بهذه الأدلّة أنّ آباء النبيصلىاللهعليهوآله من عبد الله إلى آدم كلهم كانوا مؤمنين بالله سبحانه فيتعيّن ذلك فيه ويكون من خصائصه، فلا تشمل الأدلة والد عليّ (كرّم الله وجهه)، فقد ثبت أنّ أبا طالب مات مشركاً ولم يؤمن بالله سبحانه.
إيمان أبي طالبعليهالسلام
قلت: نعم.. لقد اختلف المؤرخون في إيمان أبي طالبعليهالسلام ولكن المحقق المنصف يعرف أنّ القول بكفر أبي طالب وشِرِكه صادرٌ من أعداء الإمام عليّعليهالسلام ومناوئيه من الخوارج والنواصب، أرادوا بذلك الحطّ من كرامة الإمام عليّعليهالسلام ، وتنزيل مقامه المنيع، وتقليل شأنه الرفيع.
ثم إن بعض الأعلام قد نقلوا هذا الخبر من غير تحقيق وتدبّر، وتناقله آخرون من كتاب إلى كتاب بغير تعمّق وتفكّر، حتى آل اليوم إليكم، وأنتم تنقلونه وترسلونه إرسال المسلّمات، ولو كنتم تتدبرون في الأخبار، وتنقلون الروايات بعد التحقيق، مما تفوّهتم بهذا الكلام،
____________________
=
خُلقا وما خُلِق الوجود، كلاهما |
نوران من نور العليّ تفضّلا |
|
في علمه المخزون مجتمعان لن |
يتفرّقا أبَداً ولن يتحوّلا |
|
وتقلّبا في الساجدين وأُودعا |
في أطهر الأرحام ثمّ تنقّلا |
|
حتى استقرَّ النور نوراً واحداً |
في شيبة الحمد بن هاشم يُجتَلى |
|
قُسِما لحكم ارتضاه فكان ذا |
نِعْمَ الوصي وذاك اشرف مرسَلا |
|
فعليٌّ نفس محمد ووصيّه |
وأمينه وسواه مامون فَلا |
«المترجم»
وما قلتم أنّ أبا طالبعليهالسلام مات مشركاً. إذ إنّ جمهور علماء الشيعة وأهل البيتعليهمالسلام الذين جعلهم النبيصلىاللهعليهوآله أعلام الهداية وعِدل القرآن الحكيم، وكذلك كثير من أعلامكم مثل ابن أبي الحديد، وجلال الدين السيوطي، وأبي القاسم البلخي، والعلّامة أبي جعفر الإسكافي، وآخرين من أعلام المعتزلة، والعلّامة الهمداني الشافعي، وابن الأثير، وغيره ذهبوا إلى أنّ أبا طالبعليهالسلام أسلمَ في حياته واعتنق الدين الحنيف ومات مؤمناً، بل اعتقاد الشيعة في أبي طالبعليهالسلام أنّه آمن بالنبيصلىاللهعليهوآله في أول الأمر، وأمّا إيمانه بالله سبحانه كان فطرياً ولم يكفر بالله طرفة عين، وكما في الأخبار المرويّة عن أعلام العترة وأهل البيتعليهمالسلام ، أنّه لم يعبد صنماً قطّ، وكان على دين إبراهيم الخليلعليهالسلام وهو يُعَدُّ من أوصيائه.
وأما قَولُ أعلامكم ومؤرخيكم وعلمائكم المحققين منهم أنّه أسلم، فقد قال ابن الأثير في كتاب جامع الأصول: وما أسلم من أعمام النبي غير حمزة والعبّاس وأبي طالب عند أهل البيتعليهمالسلام .
ومن الواضح أنّ إجماع أهل البيتعليهمالسلام مقبولٌ عند المسلمين ولا يحق لمؤمن أن يردّه، لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله جعلهم عِدْلَ القرآن، وأرجع إليهم المسلمين في الأمور التي يختلفون فيها، وجَعَل قولهم الفصل والحجّة والحق، وقالصلىاللهعليهوآله : ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً. فجعلَ كلام الله وأهل البيت أماناً من التيه والضّلال.
وعلى القاعدة المشهورة: أهل البيت أدرى بما في البيت، فهم أعلمُ بحال آبائهم وتاريخ حياة أسلافهم.
فالغرابة والعَجَب منكم إذْ تتركون قول أهل البيت الطيبينعليهمالسلام ،
وتتركون قول أمير المؤمنين وسيّد الصدّيقين والصادقين الذي شهد الله ورسوله بصدقه وتقواه، ثم تأخذون كلام المغيرة بن شعبة الفاجر وتصدقون بني أميّة والخوارج والنواصب، المخالفين والمناوئين للإمام عليّعليهالسلام ، الذين دعاهم الحقد والحسد، إلى جعل الأخبار والروايات الموضوعة، للحطّ من كرامة الإمام عليّعليهالسلام وتصغير شخصيّته العظيمة، وللأسف إنّكم تتمسّكون بتلك الأخبار الموضوعة من غير تدبّر وتحقيق، وترسلونها إرسال المسلّمات، وتؤكّدون على صحّتها بغير علم أتاكم.
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٤/٦٥، ط دار إحياء التراث العربي: و اختلف الناس في إيمان أبي طالب، فقالت الإمامية و أكثر الزيديّة: ما مات إلّا مسلماً. و قال بعض شيوخنا المعتزلة بذلك، منهم الشيخ أبو القاسم البلخي و أبو جعفر الإسكافي و غيرهما.
أقول: والمشهور عندنا أنّه ما تظاهر بالإسلام بل أخفى ذلك ليتمكّن من نصرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله والذبّ عنه، فإنّ المشركين من أهل مكة وقريش، كانوا يراعون ذمّته ويقفون عند حدِّهم إذا نظروا إليه، فكانوا يهابون، ويعظّمون جانبه إذْ كانوا يحسبوه منهم.
الشيخ عبد السلام: أما سمعتم الحديث المروي عن النبيصلىاللهعليهوآله في عمه أنه قال: إنّ أبا طالب في ضحضاح من نار.
قلت: هذا الحديث مثل كثير من الأحاديث المرويّة في كتبكم، موضوعٌ وكذب وافتراء على النبي الكريمصلىاللهعليهوآله . فلا يخفى على المحقّق البصير، والمنصف الخبير، أنّ هذا الحديث وما شاكله مجعولٌ وموضوعٌ افتراه أعداء محمّد وآل محمّدعليهالسلام ، وذلك في عهد الأمويين
وخاصّة معاوية بن أبي سفيان الذي خصَّص أموالاً طائلة لهذا الغرض الإلحادي. ولو عرفتم راوي هذا الخبر وفسقه وفجوره، ما شككتم في كذبه وافترائه وعدم صحة أخباره.
فإنّ الراوي هو المغيرة بن شعبة، من ألدّ أعداء الإمام عليّعليهالسلام وهو الذي اتُّهم بالزنا في البصرة وشهد عليه ثلاثة من الشهود عند عمر، ولمـّا أراد الرابع أداء الشهادة، قاطعه عمر بجملة فأبى الرابع من أدائها، فخلَصَ المغيرة، وأقام الحدَّ على الشهود(١) .
____________________
١) لقد نقل هذا الخبر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٢/٢٢٧ ط دار إحياء التراث الكتب العربية، قال: (الطعن السادس في عمر) أنّه عطّل حَدَّ الله في المغيرة بن شعبة لما شُهد عليه بالزنا و لقَّنَ الشاهد الرابع الامتناعَ عن الشهادة اتّباعاً لهواه فلمّا فعل ذلك عاد إلى الشهود فحدَّهم و ضربهم.
فبعد نقله الاقوال، قال في صفحة ٢٣١: أمّا المغيرة فلا شكّ عندي أنّه زنى بالمرأة و لكنّي لست أُخطِّىءُ عمر في دَرْء الحَدِّ عنه و إنما أذكر أوّلاً قصته من كتابَي أبي جعفر محمد بن جرير الطبري و أبي الفرج الإصفهاني ليُعلم أنَّ الرجل زنى بها لا محالة ثم أعتذر لعمر في درء الحدِّ عنه. فروى ابن أبي الحديد القصة بالتفصيل ثم قال في صفحة ٢٣٩: فهذه الأخبار كما تراها تدلُّ متأمِّلَها على أنَّ الرجل زنى بالمرأة لا محالة و كلّ كتب التواريخ و السِّيَر تشهد بذلك.
ثم نقل عن الأغاني خبريْن آخريْن، قال أبو الفرج بعدهما وحكاه عنه ابن أبي الحديد في صفحة ٢٤١: و إنّما أوردنا هذيْن الخبريْن لِيعلَم السامع أنّ الخَبر بِزِناهُ كان شائعاً مشهوراً مستفيضاً بين الناس.
أقول: هؤلاء الفسقة الفجرة، المغيرة وأصحابه وأشباهه كانوا يضعون الأخبار ويفترون على الإمام عليّعليهالسلام وكلّ مَن يُنسب إليه إرضاءً لرغبات معاوية، فيشترون مرضات المخلوق بسخط الخالق.
«المترجم»
ثم نجد في رواته، عبد الملك بن عمير، وعبد العزيز الراوردي، وسفيان الثوري، الذين عدّهم علماؤكم المتخصصين بعلم الرجال في الجرح والتعديل، مثل الذهبي في ميزان الاعتدال: ج ٢/ عدّهم من الضعفاء ورَدَّ رواياتهم، بل عَدَّ سفيان الثوري من المدلِّسين الكذّابين.
فلا أدري كيف تعتمدون على رواية أولئك الكذّابين الوضّاعين؟!
الدلائل والشواهد على إيمان أبي طالبعليهالسلام
أما الدلائل المثبتة لإيمان أبي طالبعليهالسلام فكثيرة، ولا ينكرها إلّا من كان في قلبه مرض، منها:
١- قول النبيصلىاللهعليهوآله : أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة، وأشار بسبّابته والوسطى منضمّتين مرفوعين، نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٤/٦٩، ط دار إحياء الكتب العربية ومن الواضح انهصلىاللهعليهوآله لم يقصد بحديثه الشريف كلّ مَن يكفُل يتيماً، فإنا نجد بعض الكافلين للأيتام لا يستحقون ذلك المقام وهو جوار سيد الأنام في الجنّة، لأنهم على جنب كفالتهم لليتيم يعملون المعاصي الكبيرة، والذنوب العظيمة، التي يستحقون بها جهنّم لا محالة.
ولكنّه صلوات الله عليه قصد بحديثه الشريف جدَّه عبد المطلب، وعمَّه أبا طالب، الذين قاما بأمره، وتكفّلاه، وربَّياه صغيراً، حتى أنه صلوات الله عليه كان يُعرَف في مكة بيتيم ابي طالب، بعد وفاة جده عبد المطلب، فقد تكفّل أبو طالب رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكان في الثامنة من العمر، وكان يفضّله على أولاده ويقيه بهم.
٢- حديث مشهور بين الشيعة والسُنّة ورواه القاضي الشوكاني
أيضاً في الحديث القدسي، أنه قالصلىاللهعليهوآله : نزل عَلَيَّ جبرئيل فقال: إنّ الله يقرئك السلام ويقول: إنّي حَرَّمتُ النار على صُلبٍ أنزَلَك و بطنٍ حَمَلَك و حِجْرٍ كَفَلك(١) .
____________________
١) روى ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٤/٦٧ ط دار احياء الكتب العربية روى حديثاً أسندَه إلى أمير المؤمنين عليّعليهالسلام أنّه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : قال لي جبرائيل: إنّ الله مشفِّعُكَ في ستة: بطنٍ حمَلتْكَ آمنة بنت وهب، و صلب أنزلك: عبد الله بن عبد المطلب، و حِجْرٍ كفلكَ: ابي طالب، و بيتٍ آواك: عبد المطلب و أخٍ كان لك في الجاهلية قيل: يا رسول الله و ما كان فعله؟ قال: كان سخيّاً يطعم الطعام و يجود بالنوال. و ثدْيٍ أرضعتك: حليمة السعديّة بنت ابي ذؤيب.
وروى في صفحة ٦٨ عن الإمام محمد بن علي الباقرعليهالسلام قال: لو وضع إيمان ابي طالب في كفّة ميزان و إيمان هذا الخلق في الكفة الأخرى لرجح إيمانه ثم قال: أ لم تعلموا أنّ أمير المؤمنين علياًعليهالسلام كان يأمر أن يُحَجّ عن عبد الله - والد رسول اللهصلىاللهعليهوآله - و عن ابيه ابي طالب في حياته ثمّ أوصى في وصيّته بالحج عنهم.
وقال في صفحة ٦٩: ورُوي أنّ عليّ بن الحسينعليهالسلام سُئل عن هذا - أي عن إيمان ابي طالب - فقال: وا عجباً! إنّ الله تعالى نَهى رسوله أن يقرّ مسلمة على نكاح كافر و قد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام و لم تزل تحت ابي طالب حتى مات - أي إذا كان أبو طالب غير مؤمن لَفرَّقَ رسول الله بينه وبين زوجته فاطمة بنت اسد حينما أسْلَمَت.
وقال في صفحة ٧٠: وقد رُوي عن ابي عبد الله جعفر بن محمدعليهالسلام أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان و أظهروا الكفر، فآتاهم الله أجرَهم مرّتين و إنّ أبا طالب أسَرّ الإيمان و أظهر الشرك فآتاه الله أجره مرّتين.
قال: و في الحديث المشهور: أنّ جبرائيلعليهالسلام قال للنبيصلىاللهعليهوآله ليلة مات أبو طالب: اخرج منها - أي مكة - فقد مات ناصرُك. =
لأبي طالبعليهالسلام حق على كل مسلم
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٤ / ٨٣ و٨٤، ط دار إحياء التراث العربي: و لم أستجز أنْ أقعدَ عن تعظيم أبي طالب، فإنّي أعْلَم أنّه لولاه لمـا قامت للإسلام دعامة، و أعلمُ أنّ حقه واجبٌ على كل مسلم في الدنيا إلى أنْ تقوم الساعة، فكتبتُ:
ولو لا أبو طالب وَابنُهُ |
لما مثّل الدين شخصاً فقاما |
|
فذاك بمكة آوى وحامى |
وهذا بيثرب جسّ الحِماما |
|
تكفّل عبدُ مناف بأمرٍ |
و أودَى فكان عليٌّ تماما |
|
فقل في ثبير مضى بعدما |
قضى ما قضاه و أبقى شماما |
|
فلله ذا فاتحاً للهدى |
و لله ذا للمعالي ختاما |
|
و ما ضَرّ مجدَ أبي طالب |
جَهولٌ لَغَا أو بصيرٌ تَعَامى |
|
كما لا يضرُّ إياة الصبا |
ح مَن ظنّ ضوء النهار الظلاما |
____________________
=
أقول: والله لو كان واحد من هذه الاخبار يرد في إسلام أيّ رجلٍ غير ابي طالبعليهالسلام لتسلّمه علماء العامة ومحدّثوهم بالقبول، وتلقّوا إسلامه وايمانه أمراً مسلَّماً بلا شكّ ولا ريب، ولكنّا ويا للأسف نجد هذه الشبهات تُلقى حول ايمان ابي طالب واسلامه، من بعض علماء العامّة ولعلّ السبب في ذلك لأنّه والد الإمام عليّعليهالسلام ولأنّ عليّاً ابنه سلام الله عليه!!
«المترجم»
أشعار أبي طالبعليهالسلام في الإسلام
وأدلّ دليلٍ على إيمان أبي طالبعليهالسلام أشعاره الصريحة بتصديق النبي ودين الإسلام، المطبوعة في ديوانه وفي كثير من كتب التاريخ والأدب، وقد نقل بعضها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٤/٧١-٨١ ط دار إحياء الكتاب العربي، منها ميميّته المشهورة:
يُرجّون منا خُطّةً دون نَيْلها |
ضِرابٌ و طعنٌ بالوشيج المقوَّم |
|
يُرجّون أن نسخى بقتل محمدٍ |
و لم تختضّب سحرُ العوالي من الدَّم |
|
كذبتم و بيتِ الله حتى تُفلِّقوا |
جَماجمَ تُلقى بالحطيم وزمزم |
|
وتُقطَع أرحامٌ وتنسى حليلةٌ |
حليلاً و يُغشى محرَمٌ بعد محرَم |
|
على ما مضى من مقتكم و عقوقكم |
وغشيانكم في أمركم كلّ مَأثم |
|
وظلم نبيٍّ جاء يدعُو إلى الهُدى |
وأمرٍ أتى من عند ذي العرش قيِّم(١) |
____________________
١) القصيدة مطلعها كما في الديوان:
ألا مَن لهَمٍّ آخِرَ الليل مُعتِم |
طَواني و اُخرى النجم لمـّا يتقحّمِ |
«المترجم»
وإليكم أيضاً قصيدته اللاميّة الشهيرة والتي ذكرها ابن أبي الحديد في شرح النهج وذكرها كثيرة من الأعلام وهي مطبوعة في ديوانه أنقلُ إلى مسامعكم بعضها:
أعوذ بربّ البيت من كلّ طاعن |
علينا بسوءٍ أو يلوح بباطل |
|
ومن فاجر يغتابُنا بمغيبة |
ومن ملحق في الدين ما لم نحاول |
|
كذبتم و بيت الله نبزي محمداً |
ولمـّا نطاعن دونه ونناضل |
|
وننصره حتّى نصرَّع دونه |
ونذهل عن وأبنائنا الحَلائل |
|
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه |
ثمال اليتامى عصمة للأرامل |
|
يلوذ به الهُلّاكُ من آل هاشم |
فهم عنده في نعمة وفواضل |
|
لعمري لقد كلّفت وَجداً بأحمد |
وأحببته حبّ الحبيب المواصل |
|
وجُدتُ بنفسي دونه فحميته |
ودافعتُ عنه بالذرى والكواهل |
|
فلا زال للدنيا جمالاً لأهلها |
وشَيْناً لمن عادى وزين المحافل |
|
وأيّده ربّ العباد بنصره |
وأظهر ديناً حقه غير باطل |
ومن شعره المطبوع في ديوانه ونَقَلَهُ ابن أبي الحديد أيضاً:
يا شاهدَ الله عَلَيَّ فاشهد |
أنّي على دين النبيّ أحمد |
مَن ضلّ في الدين فإنّي مُهتَد
بالله عليكم أنصفوا!! هل يجوز أن يُنسب قائل هذه الأبيات والكلمات، الى الكفر!!
والله إنّه من الظلم والجفاء أنْ تنسبوا أبا طالب إلى الكفر، بعد أنْ يُشْهِد الله سبحانه بأنّه، على دين النبي أحمدصلىاللهعليهوآله .
الشيخ عبد السلام: أوّلاً: هذه الأشعار ونسبتها إلى أبي طالب
أخبار آحاد، غير متواترة، ولا اعتبار بخبر واحد.
ثانياً: لم يَنقل أحدٌ بأنّ أبا طالب أقرّ بالإسلام وتفوّه بكلمة التوحيد: لا اله الّا الله. بل قالوا: ما أقرّ إلى أنْ مات.
قلت: واعجباً! إنكم جعلتم حُجّية التواتر وخبر الواحد حسب ميلكم، فتارة تتمسكون بخبر الواحد وتصرون على حجيته مثل الخبر الذي رواه أبو بكر عن النبيصلىاللهعليهوآله : « نحن معاشر الأنبياء لا نورّث » قبلتم به مع تعارضه للآيات القرآنية!!
ثم إذا كان التواتر عندكم شرط صحة الخبر، فكيف تستدلّون بحديث رواه المغيرة بن شعبة الفاسق الفاجر، بأن أبا طالب في ضحضاحٍ من النار، وليس لهذا الحديث راو آخر(١) .
ولا يخفى على المحقِّق البصير والمدقِّق الخبير أنّ أخبار الآحاد حول إيمان أبي طالب و الأشعار المنسوبة إليه لو جُمعت لحصل منها التواتر المعنوي - أي حصل منها معنىً واحد وهو إيمان أبي طالب - فانّ كثيراً من الأمور حصل فيها التواتر عن هذا الطريق، مثل شجاعة الإمام عليّعليهالسلام ، فإنّ أخبار الأحاد عن بطولته في الميادين وجهاده في ساحات القتال، كشفت عن شجاعته وبسالته بالتواتر.
____________________
١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٤ / ٧٠، ط. إحياء الكتب العربية:
و أما حديث الضَّحْضاح من النار فإنّما يرويه الناس كلّهم عن رجلٍ واحد و هو المغيرة بن شعبة و بغضُهُ لبني هاشم و على الخصوص لعليّعليهالسلام مشهور معلوم و قصته و فسقه أمرٌ غير خاف.
«المترجم»
إقرار أبي طالبعليهالسلام بالتوحيد
وأما قولك: لم ينقل أحدٌ أنَّ أبا طالب أقرّ بالإسلام والتوحيد! فهو تحكُّم وباطلٌ، فهو إدّعاءٌ واهٍ بغير أساس ودليل، لأنّ الإقرار لا يكون موقوفاً على صيغة معيّنة، ولا منحصراً بتركيب واحد. بل يحصل بالنثر والشعر بأي شكل كان تركيبه إذا فُهم منه الإقرار، وكان صريحاً وبليغاً.
والآن أُنشدكم الله أيها الحاضرون!! أيّ إقرارٍ أصْرَح وأبلَغْ من هذا الكلام الذي قاله أبو طالب:
يا شاهد الله عَلَيَّ فاشهد |
أنِّي على دين النبي أحمد |
وإضافةً على هذا البيت وغيره من أشعاره الصريحة في إيمانه وإسلامه، فقد رَوى الحافظ أبو نعيم، والحافظ البيهقي أنّ صناديد قريش مثل أبي جهل، وعبد الله بن أبي أمية، عادوا أبا طالب في مرضه الذي توفّي فيه، وكان النبيصلىاللهعليهوآله حاضراً فقال لعمه أبي طالب: يا عم قل لا إله إلّا الله، حتى أشهد لك عند ربّي تبارك وتعالى، فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب أتَرْجِعْ عن ملّة عبد المطلب! وما زالوا به. حتّى قال:
اعلموا أنّ أبا طالب على ملة عبدالمطلب ولا يرجع عنها.
فسرّوا وفرحوا وخرجوا من عنده، ثم اشتدّت عليه سكرة الموت وكان العباس أخوه جالساً عند رأسه، فرأى شفتيه تتحركان، فانصت له واستمع وإذا هو يقول: لا إله إلّا الله. فتوجّه العباس إلى النبيصلىاللهعليهوآله وقال يا ابن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بها - ولم يذكر
العباس كلمة التوحيد لأنه كان بعدُ كافراً -.
ولا يخفى أنّنا أثبتنا من قبل أنّ آباء النبيصلىاللهعليهوآله كلهم كانوا موحدين ومؤمنين بالله يعبدونه ولا يشركون به شيئاً.
فلما قال أبو طالب في آخر ساعات حياته: إعْلموا أنّ أبا طالب على ملّة عبد المطلب، ولا شك أنّ عبد المطّلب كان على ملّة أبيه إبراهيم مؤمناً بالله موحِّداً، فكذلك أبو طالبعليهالسلام .
مضافاً إلى ذلك فقد تفوّه ونطق بكلمة التوحيد وسمعه أخوه العبّاس يقول: لا إله إلّا الله.
فإيمان أبي طالب ثابتٌ عند كل منصف بعيد عن اللجاج والعناد.
موقف أبي طالبعليهالسلام من النبي صلىاللهعليهوآله
إذا كان أبو طالبعليهالسلام مشركاً كما يزعم بعض الناس، كان من المتوقّع أنْ يعارض النبيصلىاللهعليهوآله من حين إعلانه النبوّة والرسالة، إذْ جاء إليه و قال: إنّ الله قد أمرني بإظهار أمري وقد أنبأني واستنبأني فما عندك يا عمّ؟
فلو كان أبو طالب غير مؤمن بكلامه وغي معتقد برسالته، لكان من المفروض أن ينتصر لدين قريش ومعتقدات قومه، فينهاه عن ذلك الكلام ويوبّخه ويؤنّبه، بل يحبسه حتى يرجع عن كلامه أو يطرده ولا يأويه ولا يحميه كآزر عم إبراهيم الخليلعليهالسلام فحينما سمع من الخليل كلاماً يخالف دينه ودين قومه، هدّده وهجره، وقد حكى الله سبحانه ذلك في كتابه الكريم سورة مريم / ٤٣ قال حكايةً عن قول إبراهيمعليهالسلام :( إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ) ( قالَ
أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبراهيم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنِي مَلِيًّا ) (١) .
ولكنّ أبا طالبعليهالسلام حينما سمع ابن أخيه يقول: إنّ الله أنبأني واستنبأني، وأمرني بإظهار أمري، فما عندك يا عمّ؟
أيّدهُ وأعلنَ نصرته له بقوله: أُخرُج يا بن أخي! فإنّك الرفيع كعباً، والمنيع حزْباً، والأعلى أباً، والله لا يسلقك لسانٌ إلّا سلقته ألسنٌ حداد، واجتذبه سيوفٌ حداد، والله لنذلّلنّ لك العرب ذل البهم لحاضنها.
ثم أنشأ قائلاً:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم |
حتى أُوَسَّدَ في التراب دفينا |
|
فانفذ لأمركِ ما عليك مخافةً |
وأبشر بذاك وقرّ بذالك منه عيونا |
|
ودَعَوتني وزَعمتٍ أنّك ناصحي |
ولقد صَدقْتَ وكُنْتَ قبلُ أمينا |
|
وَعَرضْتَ ديناً قَد عَلِمْتُ بأنّه |
من خيرِ أديان البريّة دينا |
|
لولا الملامة أو حذاري سبِّه |
لوجدتني سمحاً بذاك مبينا |
ذكر هذا الشعر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٤ / ٥٥ ط. إحياء الكتب العربية، ونقله سبط ابن الجوزي في التذكرة: ١٨، ط. بيروت، وتجده في ديوان أبي طالب أيضاً.
ولو راجعتم ديوانه، وما نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، لوجدتم أشعاراً أخرى صريحة في تصديق النبيصلىاللهعليهوآله ، وفي إعلان نصرته والذبِّ عنه.
فأَنْصِفوا أيها الحاضرون، وخاصّة أنتم أيها العلماء! هل يجوز لكم أن تنسبوا قائل هذه الكلمات إلى الكفر والشرك؟!
____________________
١) سورة مريم، الآية ٤٦.
أم إنّها تُنبيء عن إيمان واسلام قائلها وأنّه مؤمن حقيقي ومسلم ملتزم ومتمسّك بما جاء به محمّد المصطفىصلىاللهعليهوآله ؟!
كما اعترف بذلك بعض أعلامكم، فقد نقل الشيخ الحافظ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة / الباب الثاني والخمسون نقل من رسالة أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: وحامي النبي، ومعينه، ومحبِّه، أشدّ حبّاً، وكفيله، ومربّيه، والمقرّ بنبوّته، والمعترف برسالته، والمنشد في مناقبه أبياتاً كثيرة، وشيخ قريش: أبو طالب.
لقائل أنْ يقول: إذا كانت هذه التصريحات من أبي طالب في تصديق النبيصلىاللهعليهوآله وتأييده ونصرته والدفاع عنه، فكيف نجد أكثر المؤرخين وأصحاب السِّيَر ذهبوا إلى كفره أو التوقف في إيمانه؟!
والجواب: إنّ الدعايات الأمويّة - خاصّة في زمان معاويّة - لعبت دوراً هاماً في مثل هذه الأمور، فمَن سَنَحت له الفرصة أنْ يأمر بسب أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالبعليهالسلام ويأمر بلعنه ولعن ولديه الحسن والحسين سِبطي رسول اللهصلىاللهعليهوآله وريحانتيه وحبيبه ويشتمهم على رؤوس الأشهاد وعلى منابر الإسلام والمسلمين، حتى صارت هذه المنكرات عادة جارية حتى في قنوت الصلوات وخطب الجمعات، فمن أتيحت له هكذا فرصة وقام بقلب الحقائق وتغيير الوقائع وتبديل الحق بالباطل وبالعكس، فهل يأبى من إنكار إيمان أبي طالبعليهالسلام وبث الدعايات في أنّه مات كافراً، أم يعجز من ذلك ويصعب عليه؟!
والأعجب.. أنّ معاوية وأباه وكذلك ابنه يزيد ورؤوس الكفر
والنفاق، مع كثرة الدلائل المذكورة في تاريخهم الدالّة على كفرهم وإلحادهم وعد إيمانهم، يظهرون للمسلمين بظاهر الإيمان بل يُعدُّ معاوية وابنه من أمراء المؤمنين إلى يومنا هذا، فهؤلاء مع سوابقهم في محاربة النبيصلىاللهعليهوآله ، ومعاندتهم للدين، ودخولهم في الإسلام كُرهاً بعد عام الفتح، ثم نفاقهم وشقاقهم بين المسلمين وقتالهم لأمير المؤمنينعليهالسلام ، وتحرّكاتهم العدوانية وأعمالهم الشيطانية على الإسلام، والقيام بالأعمال الوحشيّة، والتهجّمات البشعة على بلاد المسلمين والناس الآمنين، ونهب أموالهم، وقتل رجالهم، وهتك أعراضهم مثل هجوم بُسر بن أرطاة على الطائف واليمن والأنبار وغيرها، وهجوم الأعور بني مرّة مسلم بن عقبة بجيش الشام على مدينة الرسولصلىاللهعليهوآله في واقعة الحرّة، ونقض معاوية عهده مع الامام الحسنعليهالسلام وقتله بالسم، وكذلك قتله حجر بن عدي وأصحابه، وغيره من صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وقتل يزيد حسيناًعليهالسلام وسبي أهله وحريمه، وغير ذلك من الأعمال العدوانية والكفر والالحاد المشهود منهم والمشهور عنهم في التاريخ، كل هذا وتحسبونه من أمراء المؤمنين! لعنهم الله!!
ولكن أبا طالب مع تلك المواقف المشرفة، والسوابق المشرقة التي هي أظهر من الشمس، تقولون ما آمَن ومات مشركاً!! أما يكون هذا وذاك من تأثير الدعايات الامويّة!!
معاوية خال المؤمنين!!
الشيخ عبد السلام: لا يجوز هذه التعابير السيّئة على معاوية
ويزيد، ولا يجوز لعنهما فإنهما من كبار خلفاء النبيصلىاللهعليهوآله ، ولا سيما معاوية (رض) فانّه خال المؤمنين وكاتب الوحي، ولم يَقتل الحسن بن علي (رض)، بل قتلته زوجته جعدة بنت الأشعث.
قلت: من أين جاءَهُ هذا اللقب؟ وكيف صار معاوية خال المؤمنين؟!
الشيخ عبدالسلام: لأن أم حبيبة - زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآله - هي بنت أبي سفيان وأخت معاوية، تكون أم المؤمنين فيكون أخوها معاوية خال المؤمنين!
قلت: هل أم المؤمنين عائشة، عندكم مقامها أعلى أم أخت معاوية أمّ حبيبة؟
الشيخ عبدالسلام: زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآله وإن كنّ كلهنّ أمهات المؤمنين كما هو تعبير القرآن الكريم، إلّا أنّ عائشة تمتاز عن قريناتها وهي أفضلهن وأعلاهن مقاماً(١) .
____________________
١) هذا مخالف للنص الصريح المروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في كتبكم فأفضل نسائهصلىاللهعليهوآله وخيرهن خديجةعليهالسلام ، وبرواية عائشة نفسها تقول: «كان النبي يكثر ذكره» فربما قلتُ له: كأنما لم يكن في الدنيا امرأة إلّا خديجة، فيقول: كلا والله، ما أبدلني الله خيراً منها إنها كانت وكانت: آمنت إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء. (راجع تفصيل الخبر في رواياته عند البخاري في صحيحه ج ١٦ ص ٢٢٧ - ٢٨٢ بشرح العيني، وعند أحمد في المسند، وعند الطبراني من رواية ابي نجيح).
كما روى الإمام عليعليهالسلام عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة... يعني في الدنيا الأولى وفي دنيا الثانية. (راجع عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ج ١٦ في فضائل خديجة).
«المترجم»
لم لا يُلَقَّب محمد بن أبي بكر بخال المؤمنين؟
قلت: إذا كان معاوية خال المؤمنين لأنّه أخ لإحدى زوجات النبيصلىاللهعليهوآله فجميع أخوات زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآله خالات المؤمنين، وجميع إخوان زوجات النبيصلىاللهعليهوآله يكونون أخوال المؤمنين، فلماذا لقّبتم معاوية وحده بخال المؤمنين ولم تلقّبوا محمد بن أبي بكر وغيره بهذا اللقب؟!
ثم إذا كانت أخوّة معاوية لزوجة النبيصلىاللهعليهوآله تُعَدُّ فضيلةً وشرفاً فأبوّة حُيَي بن أخطب اليهودي لصفيّة زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآله يجب أن تُعدّ له فضيلةً وشرفاً أيضاً!!
وإنما انفرد معاوية بهذا اللقب، لأنّه تزعم المنافقين والنواصب وقاد جيوش الضلال لحرب أمير المؤمنين وسيد الوصيين وإمام المتقين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وسنَّ لعنَه وسبَّه على منابر المسلمين!
معاويةُ: قاتلُ الإمام الحسنعليهالسلام
وأما قتله للإمام الحسن سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فهو وإن لم يكن فيه مباشراً، ولكنه كان هو السبب والمحرّض في ذلك، فقد نقل أكثر المؤرخين والمحدّثين منهم ابن عبد البرّ في الاستيعاب، والمسعودي في إثبات الوصيّة، وأبو الفَرَج في مقاتل الطالبيين روى بسنده عن المغيرة قال: أرسل معاوية إلى ابنة الأشعث أنّي مزوّجك بيزيد إبني، على أن تسمي الحسن بن علي، وبعث إليها بمائة ألف درهم، فقبلت وسمَّت
الحسن(١) .
وذكر كثير من المؤرّخين والمحدثين منهم ابن عبدالبر في الاستيعاب، وابن جرير الطبري في تاريخه قالوا: لما جاء معاوية نبأ وفاة الحسن بن عليّعليهالسلام كبَّرَ سروراً، وكبَّر من حوله وأظهروا الفرح!
فيا شيخ عبد السلام! بميولكم وأهوائكم تجعلون هكذا مجرم خال المؤمنين! ولا تلقّبون محمد بن أبي بكر بهذا اللقب، لأنّه كان ربيب عليّعليهالسلام ومن حواريه وأصحابه الصامدين وشيعته المؤمنين، ولأنّه قال في أهل البيتعليهمالسلام :
يا بني الزهراء أنتم عُدّتي |
وبكم في الحشر ميزاني رجحْ |
|
وإذا صحَّ ولائي لكمُ |
لا اُبالي أيَّ كلبٍ قد نبحْ |
____________________
١) لقد ثبت أنّ معاوية كان السبب في قتل الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام فقد نقل سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص / تحت عنوان: سبب موتهعليهالسلام : قال علماء السير سَمَّتْهُ زوجته جعدةَ بنت الأشعث، وقال السدّي: دس إليها يزيد بن معاوية أنْ سمي الحسن وأتزوجك، فسمته وقال الشعبي: إنّما دسّ إليها معاوي فقال: سمّي الحسن وأزوّجك يزيد وقال ابن سعد في الطبقات: سمه معاوية مراراً. «انتهى كلام سبط ابن الجوزي»
وقال ابن حجر في الصواعق المحرقة / آخر الباب العاشر: وفي رواية - قال للحسين -: إنّي يا أخي سُقيت السم ثلاث مرّات، لم أسقه مثل هذه المرة، فقال: مَنْ سقاك:؟ قال ما سؤالك عن هذا؟ أتريدُ أنْ تقاتلهم؟ أكِلُ أمرهم إلى الله.
قال ابن حجر: وفي رواية لقد سُقيتُ السمّ مراراً ما سقيته مثل هذه المرة.
أقول ثبتَ أن الحسن السبطعليهالسلام قُتل مسموماً، فلعنة الله على المسبِّب والمباشر والراضي بذلك إلى يوم الدين.
«المترجم»
فهو قول ابن أبي بكر وأخو عائشة أم المؤمنين، ولا شك أنّ أبا بكر عندكم أفضل من أبي سفيان وعائشة أعلا مقاماً وأجلى رتبةً من أم حبيبة. ومع ذلك لا تطلقون على محمد لقب خال المؤمنين، بل بعض العامة يلعنونه ويتبرّءون منه.
ولما دخل عمرو بن العاص ومعاوية بن خديج مصر فاتحين، حاصروا محمداً ومنعوا عنه الماء ولما استولوا عليه قتلوه عطشاناً، ثم جعلوا جنازته في بطن حمار ميِّت وحرَّقوه، وأخبروا معاوية بذلك، فأظهر الفرح والسرور وأمر أصحابه أيضاً بإظهار الفرح.
والعجب أنكم عندما تسمعون أو تقرؤون هذه الأخبار الفجيعة، لا تتألّمون ولا تتأثّرون لما فعل أولئك المجرمون الملعونون بمحمد بن أبي بكر، ولكن لا تطيقون أنْ تسمعوا لعن معاوية المجرم وحزبه الظالمين، فتدافعون عنه وتقولون لا يجوز لعنه، بل يجب احترامه لأنه خال المؤمنين!!
فلماذا هذا التناقض في الرأي والعقيدة؟!
أما يكشف هذا عن التعصّب والعناد، وعن التطرّف واللجاج!!
هل كان معاويةُ كاتباً للوحي؟
من الثابت الذي لا نقاش فيه أنّ معاوية أسلم بعد الفتح في العام العاشر الهجري، وقد كان إلى ذلك الزمان جُلُّ القرآن الحكيم - القريب للكلّ - نازلاً على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وكما ذكر المؤرّخون: أنّ فتح مكة كان في العام الثامن الهجري و فيه أسلم أبو سفيان إلّا أنّ معاوية اختفى وأرسل إلى أبيه كتاباً يعاتبه ويؤنّبه على إسلامه، ولمـّا
انتشر الإسلام في كل الجزيرة العربية وحتى في خارجها اضطر معاوية أنْ يسلم، وبعد إسلامه كان مهاناً بين المسلمين، ينظرون إليه نظراً شزراً، فتوسّط العباس بن عبد المطلب عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يفوّض إليه أمراً حتّى يحترمه المسلمون ويتركوا تحقيره وتوهينه.
فعيّنه النبيصلىاللهعليهوآله كاتباً لمراسلاته، وبه لبّى طلب عمه العباس(١) .
دليل كفر معاوية وجواز لعنه
وأما دلائل كفر معاوية وعدم إيمانه وجواز لعنه، فهي كثيرة، ولو أردنا نقلها جميعاً لاقتضى تأليف كتاب مستقل، ولكن أنقل لكم بعضها من الكتاب والسنّة، ومن سيرته وسلوكه ضدّ الإسلام والمسلمين، منها قوله تعالى:( وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إلّا طُغْياناً كَبِيراً ) (٢) .
فقد ذكر أعلام مفسريكم مثل العلامة الثعلبي، والحافظ العلّامة جلال الدين السيوطي في الدر المنثور، والفخر الرازي في تفسيره
____________________
١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ١/٣٣٨،ط دار احياء التراث العربي:وكان - معاوية - أحَدَ كتّاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله و اختُلف في كتابته له كيف كانت فالذي عليه المحققون من أهل السيرة أنّ الوحي كان يكتبه عليُّعليهالسلام و زيد بن ثابت و زيد بن أرقم و أنّ حنظلة بن الربيع التيميّ و معاوية بن أبي سفيان كانا يكتبان له إلى الملوك و إلى رؤساء القبائل.
«المترجم»
٢) سورة الإسراء، الآية ٦٠.
الكبير، نقلوا في ذيل الآية الشريفة روايات بطرق شتى، والمعنى واحد وهو أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله رأى في عالم الرؤيا بني أمية ينزون على منبره نزو القرد، فَسَاءَهُ ذلك، فنزلت الآية، فبنُوا أمية هم الشجرة الملعونة في القرآن والمزيدة بالطغيان.
ولا شك أنّ رأسهم أبو سفيان، ومِن بعده معاوية ويزيد و مروان.
والآية الثانية، الدالّة على لعن بني أمية، قوله سبحانه وتعالى:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَْرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى أَبْصارَهُمْ ) (١) .
ومن أكثر فساداً من معاوية حينما تولّى؟ ومَنْ أقطَعُ منه رحماً لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟! والتاريخ يشهد عليه بذلك، وليس أحدٌ من المؤرخين ينكر فساد معاوية في الدين وقطعه لأرحام النبيصلىاللهعليهوآله .
والآية الثالثة:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدُّنْيا وَ الآْخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ) (٢) .
وهل تنكرون إيذاء معاوية للإمام عليعليهالسلام ، ولسبطي رسول اللهصلىاللهعليهوآله الحسن والحسين، ولخواص صحابة النبيصلىاللهعليهوآله كعمّار بن ياسر وحجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي؟ ثم أما يكون إيذاء أمير المؤمنين وشبليه ريحانتي رسول اللهصلىاللهعليهوآله والصحابة الأخيار، إيذاءً لله ورسوله؟! فالآيات القرآنية التي تلعن الظالمين كلّها تشمل معاوية.
فقد قال عزّ وجلّ:( يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ
____________________
١) سورة محمّدصلىاللهعليهوآله ، الآية ٢٢ و٢٣.
٢) سورة الاحزاب، الآية ٥٧.
وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (١) .
وقال سبحانه:( أَلا لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ ) (٢) .
وقال تعالى:( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ ) (٣) .
وهل أحدٌ من أهل العلم والإنصاف ينكر ظلم معاوية؟!
معاويةُ.. قاتل المؤمنين
وقال سبحانه وتعالى:( وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ الله عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ) (٤) وكم قتل معاوية من المؤمنين الأبرار والصحابة الأخيار؟!
أَما ثبتَ لكم بالروايات التي نقلتُها من مصادركم أنه سبَّب قتل الإمام الحسن سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأن دسَّ إليه السم بواسطة زوجته جعدة بني الأشعث، إذ بعث إليها مالاً وأغراها بأنْ يزوجَها ليزيد بن معاوية، ففعلت ما أراد معاوية؟!
أما قتل معاويةُ حجر بن عدي صحابي رسول اللهصلىاللهعليهوآله مع سبعة نفر من أصحابه المؤمنين؟ وقد ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب وابن الأثير في الكامل: أنّ حجر كان من كبار صحابة النبي وفضلائهم، وقتله معاوية مع سبعة نفر من أصحابه صبراً، لأنهم امتنعوا من لعن عليّ بن أبي طالب والبراءة منه.
____________________
١) سورة غافر، الآية ٥٢.
٢) سورة هود، الآية ١٨.
٣) سورة الأعراف، الآية ٤٤.
٤) سورة النساء، الآية ٩٣.
وذكر ابن عساكر، ويعقوب بن سفيان في تاريخه، والبيهقي في الدلائل، أنّ معاوية دفنَ عبد الرحمن بن حسّان العنزي حيّاً، وكان أحد السبعة الذين قُتلوا مع حجر بن عدي.
أما كان قتل عمار بن ياسر صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله بيد جنود معاوية وعماله في صفين؟ وقد أجمع المحدّثون والعلماء أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لعمّار: يا عمّار! تقتلك الفئة الباغية.
هل تنكرون حديث النبيصلىاللهعليهوآله أن تنكرون قتله في صفين بأيدي عمال معاوية وجنوده؟!
أَمَا سَبَّبَ معاويةُ قتلَ الصحابي الجليل مالك الأشتر غيلة؟ أما قتل أصحابه محمدَ بن أبي بكر عطشاناً وأحرقوا جسده؟ ولمـّا سمع معاوية بذلك فرح وأيّد عملهم.
أمَا كان يأمر عمّاله بقتل شيعة علي بن أبي طالب وأنصار أهل بيت النبوّة؟
أمَا كان يرسل الجيوش لإبادة المؤمنين واستئصالهم ونهب أموالهم؟
غارةُ بسر بن أرطاة
ومن أقبح أعمال معاوية، وأشنع جرائمه بعثه بُسر بن أرطاة الظالم السفّاك إلى المدينة ومكة والطائف ونجران وصنعاء واليمن، وأمره بقتل الرجال وحتى الأطفال، ونهب الأموال وهتك الأعراض والنواميس، وقد نقَلَ غارةَ بُسر بن أرطاة على هذه البلاد كثيرٌ من المؤرخين منهم: أبو الفرج الإصفهاني، والعلّامة السمهودي في تاريخ المدينة - وفاء الوفى، وابن خلِّكان، وابن عساكر، والطبري في
تواريخهم، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٢/٣-١٨ ط دار إحياء التراث العربي، قال في صفحة ٦: دعا معاوية - بسر بن أرطاة - و كان قاسي القلب، فظّاً، سفّاكاً للدماء، لا رأفة عنده و لا رحمة- ، و فأمره أن يأخذ طريق الحجاز و المدينة و مكة حتى ينتهي إلى اليمن، و قال له: لا تنزل على بلد أهلُه على طاعة عليّ، إلّا بَسَطتَ عليهم لسانك، حتى يَرَوا أنّهم لا نجاءَ لهم و أنّك محيطٌ بهم، ثم اكفُفْ عنهم، و ادعُهم إلى البيعة لي، فمَن أبى فاقتله، و اقتل شيعة عليّ حيث كانوا.
فامتثلَ بسر أوامر معاوية وخرج وأغار في طريقه على بلاد كثيرة، وقتل خلقاً كثيراً حتّى دخل بيت عبيد الله بن العباس، وكان غائباً فأخذ ولديْه وهما طفلان صغيران فذبحهما، فكانت أمهما تبكي وتنشد:
ها مَن أحسّ بابنيَّ اللَّذين هما |
كالدّرتين تشظّى عنهما الصَّدَفُ |
|
ها مَن أحَسَ بابنيَّ اللذين هما |
سمعي و قلبي فقلبي اليوم مُختَطفُ |
|
ها مَن أحسّ بابنيَّ اللذين هما |
مُخُّ العظام فمُخِّي اليومَ مزدَهَفُ |
|
نُبئتُ بُسْراً و ما صدّقت ما زعموا |
من قولهم و من الإفك الذي اقترفوا |
|
أنحى على وَدَجَيْ ابنيَّ مرهفةً |
مشحوذةً و كذاك الإثم يُقترَفُ |
وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٢صفحة ١٧: وكان الذي قتل بسرٌ في وجهه ذلك ثلاثين ألفاً، وحرَّق قوماً بالنار(١) .
____________________
١) ما كانت غارة بسر بن أرطاة الظالم السفّاك هي الوحيدة من نوعها، بل يحدَّث التاريخ عن أمثالها، وقعت بأمر معاوية، قال ابن الحديد في شرح النهج ج ٢/٨٥ ط دار إحياء التراث العربي: (غارة سفيان بن عوف الغامدي على الأنبار) روى إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب «الغارات» عن أبي الكنود قال حدثني سفيان بن عوف الغامديّ قال:دعاني معاوية فقال: إنّي باعثُك في جيش كثيف ذي أداة و جَلادة فالزم لي جانب الفرات حتى تمرّ بهيت فتقطعها، فإن وجدت بها جنداً فَأغِرْ عليهم و إلّا فامضِ حتى تغير على الأنبار فإن لم تجد بها جنداً فامضِ حتى توغل في المدائن ثم أقبِل إليَّ و اتّق أنْ تقرب الكوفة و اعلم أنّك إن أغرتَ على أهل الأنبار و أهل المدائن فكأنّك أغَرتَ على الكوفة إنّ هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق تُرَعِّبُ قلوبَهم و تفرح كلَّ مَن له فينا هوىً منهم و تدعو إلينا كلَّ من خاف الدوائر فاقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك و أخْرب كلَّ ما مررتَ به من القرى و احرَب الأموال فإنّ حَرَبَ الأموال شبيهٌ بالقتل و هو أوجَعُ للقلب!
أقول: وامتثَلَ سفيان عليه اللعنة أوامر معاوية وقتل ونهب ما نهب، ورجع إلى الشام فاستقبله معاوية بالفرح والسرور ورحَّبَ به وحباه أعظم حباء، فقد نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٢/٨٧ قال: فو الله ما غَزَوتُ غزاةً كانت أسلم و لا أقرّ للعيون و لا أسرّ للنفوس منها و بَلَغَني و الله أنّها أرعَبَتِ الناس فلمّا عُدتُ إلى معاوية حدثته الحديث على وجهه فقال كنتَ عند ظنّي بك لا تنزل في بلدٍ من بُلداني إلّا قضيت فيه مثل ما يَقْضي فيه أميرُه و إنْ أحبَبْتَ تَولِيتَهُ وَلَّيتُكَ و ليس لأحدٍ مِنْ خلق الله عليك أمرٌ دوني.
فانظر أيها القارئ الكريم إلى الجملة الاخيرة كيف يسلّط معاوية الطاغي هذا الظالم الباغي على خلق الله ويبسط يده ليفعل ما يشاء بلا مانع ولا رادع، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. =
وهل أنتم بَعْدُ في شكّ وترديد في كفر معاوية ويزيد؟! وهل تتورَّعون بَعْدُ عن لعنهما ولعن من رضي بأفعالهما؟
معاوية يأمرُ بلعن الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام !!
من الدلائل الواضحة على كفر معاوية وأصحابه، أمره بسب الإمام عليعليهالسلام ولعنه على منابر المسلمين، وإجباره الناس بهذا الذنب العظيم، فَسَنَّ هذا المنكر في قنوت الصلوات وخُطَب الجُمُعات.
وهذا أمرٌ ثابت على معاوية، سَجَّلَهُ التاريخ وذَكَرَهُ المؤرّخون من
____________________
=
غارة الضحّاك بن قيس الفهريّ
وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ٢/١١٦، ط دار إحياء التراث العربي، قال إبراهيم بن هلال الثقفي: فعند ذلك دعا معاوية الضحّاك بن قيس الفهريّ و قال له: سِرْ حتى تمرَّ بناحية الكوفة و ترتفعَ عنها ما استطعت فمَن وجدتَه من الأعراب في طاعة عليّ فأَغْرِ عليه و إنْ وجدت له مَسلَحَة أو خيلاً فأغِرْ عليها و إذا أصبحت في بلدة فامْسِ في اُخرى
فأقْبَلَ الضَّحّاك فنهَب الأموال و قَتَل مَنْ لقيَ من الأعراب حتى مرّ بالثعلبيّة فأغار على الحاجّ فأخَذَ أمتعتهم ثمّ أقْبَل فلقيَ عمرو بن عميس بن مسعود الهَذَلي و هو ابن أخي عبد الله بن مسعود صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقتله في طريق الحاجّ عند القُطْقُطانة و قَتل معه ناساً من أصحابه.
اقول: هكذا سلب معاوية وأعوانهُ وعامله، الأمن والأمان من المؤمنين، فشهروا السلاح وقطعوا الطريق وحاربوا المسلمين فأراقوا دماءهم ونهبوا أموالهم، وسعوا في الأرض فساداً، فلعنة الله عليهم وعلى جميع الظالمين والمفسدين ولعن الله كل مَن رضيَ بأفعالهم، إلى قيام يوم الدين.
«المترجم»
الشيعة والسُنّة وحتى غير المسلمين، حتى أنّه قتل بعض المؤمنين الذين امتنعوا وأبوا ذلك، مثل حجر بن عدي وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
وقد ثبت أيضاً عند جميع علماء الإسلام بالتواتر أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: من سبّ علياً فقد سبَّني، ومَنْ سَبَّني فقد سبَّ الله.
رواه جمعٌ غفير من أعلامكم منهم: أحمد بن حنبل في المسند والنّسائي في الخصائص والثعلبي في تفسيره والفخر الرازي في تفسيره، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة والعلّامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب، وسبط ابن الجوزي في التذكرة، والشيخ القندوزي الحنفي في الينابيع، والعلّامة الهمداني في مودّة القربى، والحافظ الديلمي في الفردوس، والشيخ مسلم بن حجاج في صحيحه، والعلّامة محمد بن طلحة في مطالب السؤول والعلّامة ابن الصبّاغ المالكي في الفصول، والحاكم في المستدرك، والخطيب الخوارزمي في المناقب، والمحب الطبري في الذخائر، وابن حجر في الصواعق، وغيرهم من كبار علمائكم.
والخبر الذي رواه أيضاً كثير من أعلامكم ومحدثيكم عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: من آذى عليّاً فقد آذاني ومن آذاني فعليه لعنة الله.
وابن حجر روى خبراً أعمّ وأشمل / في الصواعق / ١٤٣ طبع الميمنية بمصر / باب التحذير من بغضهم وسبهم / قال: وصحَّ أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: يا بني عبد المطلب! إنّي سألتُ الله لكم ثلاثاً: أن يُثِّبتَ قائمكم، وأنْ يَهدي ضالّكم، وأن يُعَلِّم جاهلكم، وسألتُ الله أن
يجعلكم كرماء نُجباء رُحماء، فلو أنّ رجلاً صفن - وهو صف القدمين - بين الركن والمقام فصلّى وصام ثم لقى الله وهو يبغض آل بيت محمّدصلىاللهعليهوآله دَخل النار.
ووردَ: من سبَّ أهل بيتي فإنما يرتدّ عن الله والإسلام، ومَن آذاني في عترتي فعليه لعنة الله ومَن آذاني في عترتي فقد آذى لله، إنّ الله حرَّم الجنة على مَن ظلم أهل بيتي أو قاتلهم أو أعان عليهم أو سَبَّهم.
وروى أحمد بن حنبل في المسند وروى غيره من أعلامكم أيضاً عن النبي أنه قال: من آذى علياً بُعث يوم القيامة يهوديّاً أو نصرانياً.
وقد ذكر ابن الأثير في الكامل وغيره من المؤرخين أنّ معاوية كان في قنوت الصلاة يلعن سيدنا علياً والحسن والحسين وابن عباس ومالك الأشتر.
فما تقولون بعد هذه الأخبار والأحاديث المرويّة في كتب محدثيكم وأعلامكم، ولا ينكرها أحدٌ من أهل العلم؟!
وأنتم تعلمون أنّ من ضروريّات الإسلام المتّفق عليه، أنّ مَنْ لعن أو سَبَّ الله ورسولهصلىاللهعليهوآله فهو كافرٌ نجس يجب قتله.
فمعاوية ومَنْ حذى حذوه كافرٌ نجس ملعون.
الشيخ عبد السلام: المتَّفق عليه، كفر مَن سَبَّ الله ورسوله، ومعاويةُ ما سبّ الله ورسوله، وإنّما سبَ ولعن علياً كرَّم الله وجهه.
قلت: أيها الشيخ ما هذا اللّفّ والدوران! ولماذا تغالط في الكلام والبيان؟ فلا تنس قول الله العزيز في القرآن:( وَ لاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَ تَکْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (١) .
____________________
١) سورة البقرة، الآية ٤٢.
أَتَرفضُ الحديث الذي نقلتُهُ الآن من كتب أعلامكم وأئمتكم، أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: مَنْ سَبَّ علياً فقد سبَّني، ومَنْ سَبَّني فقد سبّ الله؟!
ارجو أنْ لا تَنسَ الحديث في الليالي الماضية، والمصادر الجمّة التي ذكرتها لكم من الأحاديث النبويّة الشريفة التي صدرت عنهصلىاللهعليهوآله في الموضوع والظاهر أنّك صرت مصداق المثل المعروف: «كلام الليل يمحوه النار ».
النوّاب: نرجوكم أنْ تزويدنا بالأحاديث النبوية في هذا الباب، فإنّ أحسنَ الحديث حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
قلت: لا أدري هل نقلت لكم رواية ابن عباس في هذا الباب، أم لا؟ فقد روى العلّامة الكنجي فقيه الحرمين، ومفتي العراقيْن، محدِّث الشام وصدر الحفّاظ أبو عبد الله محمد بن يوسف القرشي، الشهير بالعلّامة الكنجي الشافعي، صاحب كتاب كفاية الطالب نقل في/ الباب العاشر / بسنده المتصل بيعقوب بن جعفر بن سليمان قال: حدثنا أبي عن أبيه قال: كنت مع أبي، عبد الله بن عباس و سعيد ابن جبير يقوده، فمرّ على صفة زمزم فإذا قوم من أهل الشام يشتمون علياًعليهالسلام ! فقال لسعيد: رُدّني إليهم، فوقف عليهم، فقال: أيّكم السابّ لله عزّ و جلّ؟ فقالوا: سبحان الله ما فينا أحد سبَّ الله، قال: أيّكم الساب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ قالوا: ما فينا أحد سبّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله . قال: فأيّكم الساب عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ؟ فقالوا: أمّا هذا فقد كان!! قال: فأشهَدُ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله سمعتُه أذناي و وعاه قلبي يقول لعليّ بن أبي طالب: مَن سبَّك فقد سبّني و مَن سبّني فقد
سبّ الله و من سبَّ الله أكبَّهُ الله على منخريه في النار(١) .
لا يبغض علياً إلّا كافر أو منافق
روى جمعُ غفير من أعلامكم وعلمائكم عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: لا يحب علياً إلّا مؤمن، ولا يبغضه إلّا منافق. خرّجه كثير من محدّثيكم وعلمائكم الكبار منهم:
جلال الدين السيوطي في الدرّ المنثور، والثعلبي في تفسيره، والعلّامة الهمداني في مودّة القربى، وأحمد بن حنبل في المسند، وابن حجر في الصواعق، والخوارزمي في المناقب، والعلّامة ابن المغازلي في المناقب، والحافظ القندوزي في الينابيع، وابن أبي الحديد في شرح النهج، والطبراني في الأوسط، والمحب الطبري في ذخائر العقبي، والنسائي في الخصائص، والعلّامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب، ومحمد بن طلحة في مطالب السئول، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمة، وغير هؤلاء جمع خرّجوا هذا الحديث باسنادهم وبطرق شتى حتى كاد أن يصل حدَّ التواتر، ومن الواضح أنّ مصير الكافر والمنافق إلى النار
____________________
١) رواه جماعة من الأعلام وعلماء العامّة باسنادهم عن ابن عباس منهم العلامة الحافظ الفقيه ابن المغازلي في كتابه مناقب الإمام علي حديث رقم /٤٤٧ وأخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة:ج ٢/١٦٦، من طريق الملّا في سيرته، وهكذا أخرجه الموفق الخوارزمي في المناقب: ص ٨١ والعلامة الزرندي في نظم درر السمطين: ١٠٥.
«المترجم»
والسعير. وأنقل لكم بالناسبة ما رواه العلامة الكنجي الشافعي في آخر الباب الثالث كفاية الطالب: بسنده المتصل بموسى بن طريف عن عباية عن علي بن أبي طالب قال: أنا قسيم النار يوم القيامة، أقولُ: خذي ذا وذَرِي ذا. هكذا رواه الحافظ أبو القاسم الدمشقي في تاريخه، ورواه غيره مرفوعاً إلى النبيصلىاللهعليهوآله .
ثم قال العلّامة الكنجي: فإنْ قيل هذا سندٌ ضعيف، قلت: قال محمد بن منصور الطوسي كنا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد الله ما تقول في هذا الحديث الذي يُروى أنّ علياً قال: أنا قسيم النار. فقال أحمد: وما تنكرون من هذا الحديث! أليس رُوينا أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال لعلي: لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق؟ قلنا: بلى، قال: فأين المؤمن؟ قلنا في الجنة، قال فأين المنافق؟ قلنا في النار. قال فعليٌ قسيم النار، هكذا ذكره في طبقات أحمد رحمه الله.
وقال الله سبحانه:( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَْسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَ لَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ) (١) .
فمعاوية وأصحابه وأنصاره من أهل جهنم لا محالة، بل هم في الدرك الأسفل من النار.
الشيخ عبد السلام: نحن لا ننكر هذه الأخبار والأحاديث الواردة في حق سيدنا عليّ كرّم الله وجهه، ولكنّ الصحابة مستثنون لأنّ الله سبحانه غفر لهن وأعدّ لهم جنات النعيم كما عاودهم في آيات من الذكر الحكيم. ولا يُنكَر أن معاوية (رض) كان من الصحابة المقرّبين لرسول اللهصلىاللهعليهوآله . فيجب احترامه لصحبته للنبيصلىاللهعليهوآله ولقُربه منه.
____________________
١) سورة النساء، الآية ١٤٥.
الصحابة أخيارٌ وأشرار
قلت: لقد ناقشنا الموضوع في الليالي الماضية، وأثبتنا أنّ كثيراً ممن أدرك النبيصلىاللهعليهوآله وحظي بصحبته ما كان أهلاً لذلك، ولم يكتَسب منه الدِّين والأخلاق الحميدة التي جاء بها، وأمر أصحابه أن يتخلّقوا بها، فبقوا على جهالتهم وسيّئات أخلاقهم فعصوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعاتبهم سبحانه في غير موضع من كتابه الحكيم. ولكي تعرفوا أنّ المصاحبة والصحبة مع الأخيار والأبرار ومع الأنبياء والمرسلين، لا تكون منقبة ولا شرفاً وإنما الفضل والشرف في حسن الصحبة، نرجع الى القرآن الكريم لنعرف تعبيره وتعريفه لهذه الكلمة ونِعْمِ الحكم الله سبحانه: قال:( ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى ) (١) .
وقال:( قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَ فُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ) (٢) .
وقال:( ... فَقالَ لِصاحِبِهِ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَ أَعَزُّ نَفَراً ) (٣) .
وفي الآية ٣٨( قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ.. ) الخ.
وقال تعالى:( أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ) (٤) .
وقال:( ... كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ
____________________
١) سورة النجم، الآية ٢.
٢) سورة سبأ، الآية ٤٦.
٣) سورة الكهف، الآية ٣٤.
٤) سورة الأعراف، الآية ١٨٤.
يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الْهُدى ) (١) .
وقال تعالى: في سورة يوسف (الصدّيق) حكايةً عنهعليهالسلام :( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) (٢) .
فنكتشف من هذه الآيات الكريمة ونعرف بأنّ الصاحب يطلق على المؤمن والكافر، فلا خصوصيّة في الصحبة.
ومن البديهي أن الآيات الشريفة التي نزلت في مدح صحابة النبيصلىاللهعليهوآله لا تعمّهم بل تخصّ أخيارهم، كما أنّ الآيات التي نزلت في ذمّهم وعتابهم أيضاً تخصُ أشرارهم ولا تشمل الأبرار منهم.
ولا يُنكَر أنّ ممن كان حول النبيصلىاللهعليهوآله من الصحابة الذين يجالسوه ويعاشروه كانوا منافقين، كما نعتقد أنّ بعض أصحابه الأبرار الميامين الأخيار كانوا في أعلا مراتب الإيمان واليقين بحيث ما كان مثلهم في أصحاب الأنبياء السابقين صلوات الله عليهم أجمعين وكلكم تعلمون أنّ عبد الله بن أُبيّ، وأبا سفيان، والحَكَم بن العاص، وأبا هريرة، وثعلبة، ويزيد بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة، وحبيب بن مسلمة، وسمرة بن جندب، وعمرو بن العاص، وبُسر بن أرطاة والمغيرة بن شعبة، ومعاوية بن أبي سفيان، وذي الثديّة، رأس الخوارج وأمثالهم كانوا يجالسون رسول اللهصلىاللهعليهوآله ويصحبوه في السفر والحضر وفي المسجد والمنزل ويتظاهرون بالإسلام، ولكنّهم كم أشعلوا نار الفتنة والشقاق وساروا في طريق الخلاف والنفاق، حتّى طرد رسول الله
____________________
١) سورة الأنعام، الآية ٧١.
٢) سورة يوسف، الآية ٣٩.
بعضهم، ولعن آخرين، وقاطَعَ جماعة منهم، وفَضَحَ بعضهم و شهرهم على رؤوس الأشهاد؟! وممّن لعنهُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله معاوية وآباه وأخاه.
وكم من الصحابة ارتدّوا بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله وأصبحوا مصداق الآية الكريمة:( وَ ما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) (١) ؟.
مضافاً الى الآيات القرآنية، توجد روايات رواها علماؤكم وأئمتكم عن النبيصلىاللهعليهوآله تؤيّد ما نقول. فقد روى البخاري في صحيحه خبريْن عن سهل بن سعد، وآخر عن عبد الله بن مسعود باختلاف يسير في الألفاظ، والمعنى واحد، أنّ رسول الله قال: أنا فرطكم على الحوض، و ليرفعنّ إليّ رجال منكم حتّى إذا أهويتُ لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أيْ ربّ أصحابي! فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك!!
وروى أحمد بن حنبل في المسند، والطبراني في الكبير، وأبو النصر في الإبانة، بإسنادهم عن ابن عباس عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: أنا آخذ بحجزكم، أقول: اتقوا النار، واتقوا الحدود فإذا متّ تركتكم و أنا فرطكم على الحوض فمن ورد فقد أفلح، فيُؤتى بأقوام فيُؤخَذُ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربّ أمّتي! فيقول: إنهم لم يزالوا بعدك يرتدّون على أعقابهم. (وفي رواية الطبراني في الكبير) فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، مرتدِّين على أعقابهم.
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ١٤٤.
فمما يثير العجب ويبعث الأسف في النفس، أنّ معاوية وابنه يزيد مع كثرة الدلائل والشواهد على كفرهما وإنكارهما للدين والوحي(١) ، تعدُّونها مؤمنين، بل تلقبونها بأمير المؤمنين، أي
____________________
١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٥ / ١٢٩، ط. دار إحياء التراث العربي تحت عنوان (أخبار متفرقة عن معاوية).
و قد طعن كثير من أصحابنا في دين معاوية، و لم يقتصروا على تفسيقه، و قالوا عنه أنّه كان ملْحِداً لا يعتقد النبوّة، و نقلوا عنه في فلتات كلامه و سقطات ألفاظه ما يدلّ على ذلك. و روى الزبير بن بكّار في «الموفقيات» - و هو غير متَّهم على معاوية، و لا منسوب إلى اعتقاد الشيعة، لمـّا هو معلوم من حاله من مجانبة عليّعليهالسلام و الإنحراف عنه: - قال المطرف بن المغيرة بن شعبة: دخلت مع أبي على معاوية و كان أبي يأتيه فيتحدّث معه، ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية و عقَله، و يَعجَب بما يرى منه إذ جاء ذات ليلة فأمسَكَ عن العشاء و رأيتُهُ مغتمّاً فانتظرته ساعة و ظننتُ أنّه لأمرٍ، فينا فقلتُ: ما لي أراك مغتمّاً منذ الليلة؟ فقال يا بُنيّ، جئتُ من عند أكفر الناس و أخبثهم، قلت :و ما ذاك ؟ قال قلت له - أي معاوية - و قد خَلَوتُ به إنّك قد بلغتَ سنّاً يا أمير المؤمنين فلو أظهرتَ عَدْلاً وَ بَسطْتَ خيراً فإنّك قد كَبِرتْ و لو نظرتَ إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فو الله ما عندهم اليومَ شيء تخافه و إنّ ذلك ممّا يبقى لك ذكره و ثوابه فقال هيهات هيهات! أيّ ذِكْر أرجو بقاءه ملَكَ أخو تيم فعَدَلَ و فَعَل ما فعل فما عدا أن هَلَكَ حتى هَلَكَ ذكْرهُ إلّا أن يقول قائل أبو بكر ثمّ ملك أخو عدي فاجتهد و شمر عشر سنين فما عدا أن هَلَكَ حتى هَلَكَ ذِكْرُه إلّا أنْ يقول قائل: عمر و إنّ ابنَ أبي كبشة ليُصاح به كلَّ يوم خمس مرّات «أشهد أنّ محمداً رسول الله » فأيُّ عمل يبقى؟ و أيُّ ذِكْرٍ يدوم بعد هذا لا أباً لك؟! لا و الله إلّا دَفْناً دفنا!!
ثم قال ابن أبي الحديد بعد نقله للخبر: و أما أفعاله المجانبة للعدالة الظاهرة مِن لبسه الحرير و شربه في آنية الذهب و الفضّة حتّى أنكر عليه ذلك أبو الدرداء، =
. . . . .
____________________
= فقال له: إنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: إنّ الشارب فيها ليُجرْجِرْ في جوفه نار جهنم. فقال معاوية: أمّا أنا فلا أرى بذلك بأساً.
فقال أبو الدرداء: مَن عذيري من معاوية! أنا أخبره عن الرسولصلىاللهعليهوآله و هو يخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرضٍ أبداً.
فهذا الخبر يقدحُ في عدالته، كما يقدحُ أيضاً في عقيدته لأنّ مَن قال في مقابل رسول اللهصلىاللهعليهوآله « أمّا أنا فلا أرى بأساً فيما حرَّمه رسول الله » فليس بصحيح العقيدة و من المعلوم أيضاً من حالة استئثاره بمال الفيء و ضربه مَن لا حَدَّ عليه و إسقاط الحدِّ عمّن يستحقّ إقامة الحدّ عليه و حكمه برأيه في الرعيّة و في دين الله و استلحاقه زياداً و هو يعلم قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «الولد للفراش و للعاهر الحَجَر»، و قتله حُجر بن عديّ و أصحابه و لم يجب عليهم القتل و مهانته لأبي ذرّ الغفاري و جبهه و شتمه و إشخاصه إلى المدينة على قتب بعير وطاء لإنكاره عليه و لعنه عليّاً و حسناً و حسيناً و عبد الله بن عباس على منابر الإسلام و عهده بالخلافة إلى ابنه يزيد مع ظهور فسقه و شُربه المسكر جهاراً و لعبه بالنّرد و نومه بين القيان المغنيّات و اصطباحه معهنّ و لعبه بالطنبور بينهنّ و تطريقه بني أمية للوثوب على مقام رسول اللهصلىاللهعليهوآله و خلافته حتّى أفضت إلى يزيد بن عبد الملك و الوليد بن يزيد المفتضحين الفاسقين: صاحب حَبابة و سَلّامة و الآخر رامي المصحف بالسهام و صاحب الأشعار في الزندقة و الإلحاد. «انتهى كلام ابن أبي الحديد»
أقول: وذكر سبط ابن الجوزي في التذكرة تحت عنوان (فصل في يزيد بن معاوية) قال: ذكر علماء السِيرَ عن الحسن البصري أنه قال: قد كانت في معاوية هنات لو لقيَ أهل الأرض ببعضها لكفاهم: وُثُوبُه على هذا الأمر، واقتطاعُهُ مِنْ غير مشورة من المسلمين، وادِّعاؤه زياداً، وقتله حجر بن عديّ وأصحابه، وبتوليته مثل يزيد على الناس. قال: ذكر جدي أبو الفرج في كتاب (الردّ على المتعصِّب العنيد المانع =
تحسبون خلافتهما شرعيةً، وتدافعون عنهما باليد واللسان، بل بالمال والنفس وإن كان بعض أعلامكم وافقونا في كفر معاوية وابنه وكتبوا في ذلك مثل ابن الجوزي وقدألّف كتاب «الرد على المتعصّب العنيد المانع من ذم يزيد».
____________________
= من ذم يزيد) وقال سألني سائل فقال ما تقول في يزيد بن معاوية؟ فقلت له: يكفيه ما به فقال: أتجوِّزُ لعنه؟ فقلت: قد أجاز العلماء الورعون، منهم أحمد بن حنبل، فإنّه ذكر في حقّ يزيد ما يزيد على اللعنة.
وفي التذكرة قال: قال أحمد في المسند: حدثنا أنس بن عياض حدثني يزيد ابن حفصة عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة عن عطاء بن يسار عن السايب ابن خلّاد: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: من أخاف أهل المدينة ظُلْماً أخافه الله وعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صَرْفاً ولا عدلا.
أقول: ورواه غير أحمد كثير من الأعلام وعلماء العامّة: ولا منكرَ بين المؤرخين أنّ معاوية أخاف أهل المدينة حين بعث إليه بُسْر بن أرطاة الظالم السفّاح، فقَتَل منهم خَلْقاً كثيراً، و كذلك أخافهم يزيد بن معاوية حين بعث إليهم مسلم بن عقبه الظالم القاسي القلب، فأباح المدينة ثلاثاً فقتل خلقاً كثيراً من أبناء المهاجرين والأنصار.
وقال سبط ابن الجوزي في التذكرة: وذكر المدايني عن أبي قرة قال: قال هشام بن حسان وَلَدَت ألف امرأة بعد الحَرّة من غير زوج.
وغير المدايني يقول: عشرة آلاف امرأة.
أقول: و لا مجال لذكر كل الدلائل والشواهد على كفر معاوية ويزيد، لأنه يتطلب وضع كتاب مستقل، لذا اكتفينا بذكر قليل من كثير.
«المترجم»
والسيد محمد بن عقيل وقد ألّف كتاب «النصائح الكافية لمن يتولَّى معاوية » طبع في مطبعة النجاح ببغداد سنة ١٣٦٧ هجرية. ولكن تصرّون إصراراً باطلاً، في عدم إيمان أبي طالبعليهالسلام وهو من السابقين في الإيمان والذّب عن الإسلام والدّفاع عن نبيّه صلوات الله عليه وآله.
وهذا لا يكون إلّا من تأثير بني أمية والنواصب والخوارج فيكم.
ولا أدري متى تزيلون عن دينكم ومذهبكم شبهات أعداء آل محمّد وتأثيرات بني أمية؟! ومتى تحرّرون مذهبكم ودينكم من التعصّبات والتقيّدات المتّخذة من الآباء والأسلاف؟!
لقد حان الوقت أنْ تفتحوا أبصاركم وتنبشوا التاريخ وكتب السِيَر والحوادث وتفتشوا عن الحقائق المستندة بالأدلة والبراهين العقليّة والنقلية من الكتاب والسُّنة الشريفة، فتتمسّكوا بالحق المبين وتلتزموا بشريعة سيد المرسلين.
أما آنَ لكم أن تتركوا أقاويل بني أمية ودعاياتهم وأكاذيبهم، وترجعوا إلى آل محمّد وعترته، وتأخذوا دينكم وأحكامه ومعالمه من أهل بيتهعليهالسلام ؟!
أما جعل النبيصلىاللهعليهوآله أهل البيت عِدْل القرآن بقوله: « إنّي تاركٌ فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي » وجعلهم مرجعاً للمسلمين فيما يختلفون فيه؟!
وأجمعَ آل محمّدصلىاللهعليهوآله وعترته على أنّ أبا طالبعليهالسلام كان من المؤمنين وارتحل من الدنيا بكمال الدين والإيمان.
دلائل أخرى على إيمان أبي طالبعليهالسلام
وهذا أصبغ بن نباتة من الرواة الثقاة حتّى عند علمائكم يروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال: والله ما عبدَ أبي، ولا جَدِّي عبد المطّلب، ولا هاشم، ولا عبد مناف، صنماً قطّ.
فهل من الإنصاف أنْ تتركوا قول أهل بيت النبوّة والعترة الطاهرة، وتأخذوا بكلام أعدائهم مثل المغيرة بن شعبة الفاجر؟!
أوَ هل من الإنصاف أنْ تُأَوِّلوا أشعار أبي طالب في الإسلام وفي النبيصلىاللهعليهوآله ، وتصديقه لهما، وإعلانه الإيمان بهما بكل صراحة، فلا تقبلوا كل ذلك، لحديث رواه كاذبٌ فاسق فاجر، عدوُّ الإمام عليّ وعدوّ آل محمّدصلىاللهعليهوآله ؟!
وأضف على ما نقله المؤرِّخون من أشعارٍ صريحة في إيمان أبي طالب، خُطْبَتهُ الغَرّاء البليغة التي خطبها في خِطبة أم المؤمنين خديجة الكبرى لرسول اللهصلىاللهعليهوآله وذكرها عامّة المؤرّخين.
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٤ / ٧٠، ط. دار إحياء الكتب العربية: و خطبة النكاح مشهورة، خطبها أبو طالب عند نكاح محمدصلىاللهعليهوآله خديجة، و هي قوله: « الحمد لله الذي جعلنا من ذرّيّة إبراهيم، و زرع إسماعيل، و جعل لنا بلداً حراماً و بيتاً محجوجاً، و جعلنا الحكّام على الناس ثم أنّ محمد بن عبد الله أخي، مَن لا يوازَن به فتىً من قريش إلا رجح عليه بِرّاً و فضلاً، و حَزْماً و عقلاً، و رأياً و نُبْلاً، و إنْ كان في المال قُلٌّ فإنّما المال ظلٌّ زائل و عاريةٌ مسترجَعة، و له في خديجة بنت خويلد رغبة،و لها فيه مثل ذلك، و ما أحببتم من
الصَّداق فعَلَيَّ، و له و الله بَعْدُ نبأ شائع و خطبٌ جليل ».
بالله عليكم أنصفوا، لو وضعت هذه الخُطْبة أمام أيّ إنسان عالم غير منحاز إلى فئة، ألا يصدِّق بأنّ قائلها إنسانٌ مؤمنٌ عالم وحكيم سَحَق الماديّات وتوجه إلى المعنويّات. والجملة الأخيرة جديرة بالتفكّر والتدبّر، أفَتَراهُ يعلم نبأه الشائع وخَطْبَهُ الجليل، ولا يؤمن به؟!
ولو كانت هذه الخُطْبة البليغة صادرة من أيّ إنسان آخر، مثلاً من أبي قحافة أو الخطّاب، أما كنتم تستدلّون بها على إيمانه؟
ونقل العلّامة القندوزي في ينابيع المودّة / الباب الرابع عشر / عن موفق بن أحمد - الخوارزمي - بسنده عن محمد بن كعب قال: رأى أبو طالب النبيصلىاللهعليهوآله يتفل في فم عليّ أي يُدخل لعاب فمه في فم عليّ فقال: ما هذا يا بن أخي؟ فقال: إيمان و حكمة؟
فقال أبو طالب لعليّ: يا بُني! انصر ابن عمك و وازره.
أما يدلّ هذا الخبر على إيمان أبي طالب؟ فإنّه لو لم يكن مؤمناً بالنبي،صلىاللهعليهوآله لمنعه وزَجَره، ولكنّه أمر علياً بنصرته ومؤازرته.
إسلام جعفر بأمر أبيه
وكذلك ذكر علماؤكم ومحدثوكم أنّ أبا طالب أمر ابنه جعفراً أنْ يقف بجانب النبيصلىاللهعليهوآله ويؤمن به وينصره، وذكر بعضهم أنّ أبا طالب دخل المسجد الحرام ومعه معه ابنه جعفر، فرأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله واقفاً يصلي وعليٌّ على يمينه يصلي معه، فقال أبو طالب لجعفر: صِلْ جناح ابن عمك! فتقدَّمَ جعفر فوقف على يسار النبيصلىاللهعليهوآله يصلي معه، ويقلّده في الركوع والسجود، فأنشدَ أبو طالب قائلاً:
إنّ علياً وجعفراً ثقتي |
عند مُلِمِّ الزمان والنُّوَبِ |
|
لا تَخْذِلا و انصُرا ابن عمِّكما |
أخي لأمي مِن بينهم و أبي |
|
و اللهِ لا أخذلُ النبيَّ و لا |
يخذلُهُ مِنْ بَنِي ذو حَسَب(١) |
فهل من المعقول أنّ رجلاً يأمر ولده بمتابعة رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٢) ويأمره بنصرته وعدم خذلانه، ثمّ هو يخالف ذاك الرسول ولا يؤمن به؟
شواهد أخرى على إيمان أبي طالبعليهالسلام
ذكر كبار علمائكم وجميع المؤرخين من دون استثناء، أنّ قريشاً حين وحاصروهم محاصرة اقتصادية واجتماعية، التجأ بنو هاشم بأبي طالب، فأخذهم الى شِعْبٍ له يُعرف بشعب أبي طالب، قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٤ / ٦٥، ط. إحياء الكتب العربية: و كان سيّد المحصورين في الشِعب و رئيسهم و شيخهم أبو طالب بن عبد المطلب، و هو الكافل و المحامي، وقال في صفحة ٦٤: و كان أبو طالب كثيراً ما يخاف على رسول اللهصلىاللهعليهوآله
____________________
١) ديوان أبي طالب، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج ١٤ / ٧٦، ط. دار إحياء التراث العربي.
٢) نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٤ / ٥٢، ط. إحياء الكتب العربية من كتاب السيرة و المغازي لمحمد بن إسحاق بن يسار، وقال: إنّه كتاب معتمدٌ عند أصحاب الحديث و المؤرّخين. قال: إنّ أبا طالب رأى علياً يصلي، قال له: أي بُنّيَ ما هذا الذي تصنع؟ قال: يا أبتاه آمنت بالله و رسوله و صدّقته قال له: أما انّه لا يدعوك إلّا إلى خير فالزمه.
«المترجم»
البيات إذا عُرف مضجعه، يقيمه ليلاً من منامه و يُضْجع ابنه عليّاً مكانه.
فقال له عليٌّ ليلةً: يا أبت إنّي مقتول؟ فقال له:
اصبرنْ يا بُنيّ فالصبر أحْجى |
كل حيّ مصيره لِشَعوبِ |
|
قدّر الله والبلاء شديدٌ |
لفداء الحبيب وابن الحبيب |
|
لفداءِ الأعرِّ ذي الحَسَب الثا |
قب و الباع و الكريم النجيب |
|
إنْ تصبْك المنون فالنبل تبرْي |
فمصيبٌ منها و غيرُ مصيبِ |
|
كلُّ حيّ إن تملَّى بعمرٍ |
آخذٌ من مذاقِها بنصيب |
فأجاب عليٌعليهالسلام ، فقال له:
أتأمُرني بالصَّبر في نصر أحمدٍ |
ووالله ما قلتُ الذي قلتُ جازعاً |
|
ولكنّني أحببتُ أن ترى نُصرَتي |
وتعلمُ أنّي لم أزَلْ لك طائعاً |
|
سأسعى لوجه الله في نصرِ أحمد |
نبيِّ الهُدَى المحمود وطِفلاً يافِعا |
بالله عليكم فكّروا وأنصفوا! هل يُضحِّي أحدٌ بابنه إلّا في سبيل العقيدة؟
هل من المعقول أنّ أبا طالب يقدِّم ابنَه علياً فداءاً لرسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو غيره مؤمن به وبرسالته السماوية؟!
وذكر كثيرٌ من المؤرخين والمحدّثين منهم: سبط ابن الجوزي في كتاب تذكرة الخواصّ فقال: وقال ابن سعد حدثني الواقدي قال: قال عليٌعليهالسلام : لمـّا توفي أبو طالب. أخبرتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله فبكى بكاءً شديداً، ثم قال: إذهب فغسِّلهُ وكفِّنه وواره، غفر الله له ورحمه.
فقال له العباس: يا رسول الله إنّك لَترجو له؟ فقال: أي والله! إنّي لأرجو له وجعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله يستغفر له أياماً لا يخرج
من بيته وقال عليٌ يرثيه:
أبا طالب عصمة المستجير |
و غيث المحول و نور الظُلَم |
|
لقد هدّ فقدُكَ أهلَ الحفاظ |
فصلَّى عليك وليُّ النعم |
|
ولَقَّاكَ ربُّك رضوانَه |
فقد كُنْتَ للطُّهْر من خير عم |
فأسألكم: أما قال الله سبحانه في كتابه:( إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ.. ) (١) ؟.
فإذا مات أبو طالب مشركاً كما تزعمون، فكيف جعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله يستغفر له أياماً لا يخرج من بيته؟!
والمشهور أنّ طلب الرحمة والمغفرة للمشرك حرام.
ثم كلّنا نعلم أنّ تجهيز الميّت أي تغسيله وتكفينه من سنن الإسلام، فإذا لم يكن أبو طالب مسلماً، فكيف يأمر النبيصلىاللهعليهوآله علياً بتغسيله وتكفينه ومواراته؟
وهل من المعقول أنّ علياًعليهالسلام وهو سيد الموحدين وإمام المتقين وأمير المؤمنين، يرثي مشركاً بذاك الرثاء الذي هو جدير أن يرثى به الأنبياء والأوصياء، ولاسيما وصفه: «بنور الظُلم » ، وأنه «صلى عليه وليُّ النِعم » وهو الله سبحانه وتعالى،« ولقّاك ربُّك رضوانه.. » وهل الله عزّ وجلّ يلقي رضوانُه المشركين؟!
فهذه كلها دلائل ناصعة، وبراهين ساطعة في إيمان أبي طالب.
الشيخ عبد السلام: إذا كان أبو طالب مؤمناً، فلماذا لم يُعلن إيمانه مثل حمزة والعباس؟
____________________
١) سورة النساء، الآية ٤٨.
قلت: إنّ إعلان حمزة إيمانه وإظهار إسلامه، وكتمان أبي طالب إيمانه وإسلامه كان عن حكمة وتدبير، فقد كان حمزة رجل الضَّرب والحرب، جسوراً في اقتحام المعارك، فلما أظهر إيمانه وأعلن اسلامه، قويت شوكة المسلمين وكانوا مستضعفين، فإسلام حمزة بَعَثَ فيهم الروح وقوَّى معنوياتهم وشدّ عزائمهم. لكن أبا طالب كان رجل الحكمة والتدبير، وكان هو آنذاك يتزعّم بني هاشم، فكانوا تحت لوائه، وحتى رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان تحت كفالته وحمايته، وكانت قريش تُراعي مقامه وشخصيّته لأنّهم يحسبونه منهم، وعلى طريقتهم وطينهم، فكانوا يتنازلون له ويواجهونه باللِّين، حتى أنّهم كانوا يطمعون فيه أن يُسَلِّمهم محمداًصلىاللهعليهوآله فيقضوا عليه ويقتلوه(١) .
____________________
١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٤/٨١ و٨٢، ط دار إحياء الكتب العربية: قالوا: و إنما لم يظهر أبو طالب الإسلام و يجاهر به لأنّه لو أظهره لم يتهيّأ له من نصرة النبيصلىاللهعليهوآله ما تهيّأ له، و كان كواحدٍ من المسلمين الذين اتّبعوه نحو أبي بكر و عبد الرحمن بن عوف و غيرهما ممن أسلم و لم يتمكن من نصرته و القيام دونه حينئذٍ و إنّما تمكّن أبو طالب من المحاماة عنه بالثبات في الظاهر على دين قريش و إن أبطن الإسلام كما لو أنّ إنساناً كان يُبطِن التشيّع مثلاً و هو في بلد من بلاد الكرّاميّة - أعداء الشيعة - و له في ذلك البلد وجاهة و قِدَم و هو يُظهر مذهب الكرامية و يحفظ ناموسه بينهم بذلك و كان في ذلك البلدَ نفرٌ يسيرٌ من الشيعة لا يزالون يُنالون بالأذى و الضرر من أهل ذلك البلد و رؤسائه فإنّه ما دام قادراً على إظهار مذهب أهل البلد يكون أشدّ تمكُّنّا من المدافعة و المحاماة عن أولئك النفر فلو أظهر ما يجوز من التشيّع و كاشف أهل البلد بذلك. صار حُكمه حكم واحد من أولئك النفر و لحقه من الأذى و الضرر ما يلحقهم و لم يتمكّن من الدفاع أحياناً عنهم كما كان أوّلاً.
«المترجم»
ولكن يا تُرى هل تنازل أبو طالب أمام قريش في شيء مما طلبوا منه في ابن أخيه، من طرده وترك نصرته و ...؟!
وأما العباس بن عبد المطلب، فإنّه سبق إلى الإسلام وآمن بابن أخيه محمدصلىاللهعليهوآله ، ولكن بأمر النبيصلىاللهعليهوآله كتم إيمانه أيضاً، فقد ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب أنّ العباس أراد أن يهاجر مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى المدينة، ولكن النبيصلىاللهعليهوآله أمره بالبقاء فيها وقال بقاؤك في مكّة خيرٌ لي، فكان العباس يكتب إلى النبيصلىاللهعليهوآله أخبار مكة ويرسلها إليه حتى أخرجه المشركون كُرْهاً إلى بدر فكان من الأسرى ففدّى نفسه وأُطلق، ولما اقتضت الأمور وارتفعت الموانع، أعلن إسلامه وأظهر إيمانه يوم فتح خيبر.
وقال الشيخ القندوزي في ينابيع المودّة / الباب السادس والخمسون / تحت عنوان ذكر إسلام العباس رضي الله عنه - وفي الباب عناوين كثيرة -: قال أهل العلم بالتاريخ: إنّ العباس أسلم قديماً يكتم إسلامه، وخرج مع المشركين يوم بدر فقال النبيصلىاللهعليهوآله : مَن لقي العباس فلا يقتله فإنه خرج مُكْرَهاً، وهو يكتب أخبار المشركين من أهل مكة إلى النبيصلىاللهعليهوآله وكان المسلمون يؤمنون به وكان يحب الهجرة إلى المدينة، لكن النبيصلىاللهعليهوآله كتب إليه: إنّ مقامك بمكة خير لك. ولمـّا بشّر أبو رافع - رِقّ النبيصلىاللهعليهوآله - بإسلام العباس، أعتقه النبيصلىاللهعليهوآله .
فيا تُرى لو كان العباس يموت قبل إعلانه وإظهار إيمانه، ما كان يُتّهَم بالشرك؟
فأبو طالب كذلك آمن بالنبي الأمينصلىاللهعليهوآله ، ولكن الحكمة وحسن التدبير اقتضت أن لا يظهر ايمانه، ليتمكّن من محاماة النبيصلىاللهعليهوآله
ونصرته.
ولذلك ذكر المؤرّخون كلهم، منهم ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ١٤/٧٠ قال: و في الحديث المشهور: إنّ جبرائيلعليهالسلام قال لهصلىاللهعليهوآله ليلة مات أبو طالب: « أُخرج منها فقد مات ناصرك »(١) .
الشيخ عبد السلام: هل اشتُهر اسلام أبي طالب على عهد النبيصلىاللهعليهوآله وهل عرفه المسلمون؟
قلت: نعم اشتهر إيمان أبي طالب وإسلامه، وكل المؤمنين والمسلمين كانوا يذكرون أبا طالب بالخير ويعظّمونه ويحترمونه.
الشيخ عبد السلام: كيف يمكن أن يكون أمره شائعاً مشهوراً في عهد رسول الله وبعد النبيصلىاللهعليهوآله بثلاثين سنة تقريباً، يكذبون على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ويضعون ويجعلون حديثاً عنه، بخلاف ذلك الأمر الشائع، بحيث يُخْفونَه على المسلمين ويغيّرون الواقع والحقيقة!
قلت: ليس هذا أول قارورة كُسرت في الإسلام، فإنّ هناك حقائق كثيرة أنكروها وحتى أحكام كانت على عهد النبيصلىاللهعليهوآله شائعة. يعمل بها المسلمون ويصدُّقها المؤمنون، غَيَّرَها المبتدعون وبدّلها المبطلون، حتى نسيَها الجيل الذي أتى بعد ذلك العهد.
____________________
١) ذكر سبط ابن الجوزي في كتاب تذكرة الخواص:١٩ /ط بيروت: قال ابن سعد: حدثنا الواقدي قال: دعا أبو طالب قريشاً عند موته، فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد ابن أخي وما اتبعتم أمره، فاتّبعوه واعينوه فأرشدكم.
ايها القارىء الكريم فكّر.. هل تخرج هذه الوصية إلّا من مؤمن برسالة محمدصلىاللهعليهوآله كامل للايمان!
«المترجم»
الشيخ عبد السلام: إذا كان كذلك فاذكر لنا نموذجاً حتى نعرف!
قلت: الشواهد لقولي كثيرة، ولكنّ الوقت لا يسمح أنْ أذكرها، وإنّما أذكر نموذجاً واحداً وهو حكمٌ اتَّفقَ عليه الجمهور، ومُستندٌ إلى كتاب الله وسنّة رسوله وقد عمل به المسلمون والصحابة وكان شائعاً بينهم، إلّا أن الخليفة الثاني حرّمه ومنع المسلمين من العمل به، وهو الزواج المنقطع، والنكاح الموقّت.
فقد ذكر المحدّثون والفقهاء وأصحاب التاريخ والسِّيَر: أنّ الزواج الموقّت كان جارياً من عهد النبيصلىاللهعليهوآله يعمل به المسلمون في عهد أبي بكر أيضاً، وكذلك معمول به في شطر من خلافة عمر، ولكنّه رأى بعد ذلك تحريمه، ومنع المسلمين من العمل به، فصَعَد المنبر وأعلن فقال: متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنا أُحرّمهما وأُعاقب عليهما. فجاء حُكْمُ عمر ناسخاً لحكم الله ورسوله إلى يومنا هذا، بحيث نرى حتى بعض أهل العلم من العامّة يَتهجَّمون على الشيعة في كتبهم ويفترون عليهم بأنّهم أهل البدع والضلال ويستشهدون لصدق كلامهم، بأنّ الشيعة يلتزمون بالزواج الموقّت ويجيزونه ويبيحونه.
فالافتراء عَلَى أبي طالبعليهالسلام واتهامه بالكفر، وقذفه بالشرك، وتغيير واقعه في التاريخ، وتبديل حقيقته بين كثير من الناس، أنتم وأمثالكم، لم يكن بأعجبَ ولا أصعب، من تغيير حكم الله وتبديل سنة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والأمر الذي عمل به أكثر الصحابة وذكره الله في كتابه بالصراحة وإذا به ينقلب حراماً بحكم عمر بن الخطاب، ويُعيِّن لفعله عقاباً وعذاباً صارماً.
والناس يقبلون منه التغيير ويمتنعون بحكمه من حكم الله
سبحانه، وحتى أنتم اليوم ملتزمون بحكم الخليفة وَجَعْلَ حلال الله تعالى حراماً.
الشيخ عبد السلام: أتريد أنْ تقول أنّ ألُوفَ الملايين من المسلمين الذين جاءوا بعد عمر الفاروق كلهم عملوا على خلاف حكم الله سبحانه ورجّحوا كلام الخليفة على الله وسُنّة رسولهصلىاللهعليهوآله ؟ والحال كل أهل العالم يعملون بأننا نتمسّك بسُنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ونعمل بها حتى أطْلَقوا علينا كلمة« أهل السنّة» وأطلقوا عليكم كلمة «الرافضة » لأنّكم رفضتم سنّة النبيصلىاللهعليهوآله (١) .
نحن أهل السنّة وأنتم الرافضة
قلت: رُبّ مشهور لا أصلَ له، أنتم تُسمُّون أهل مذهبكم - أهل السنّة - وتسمّون شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآله - الرافضة - وليس الأمر كما تدّعي بأنّ أهل العالم أطلقوا كلمة - أهل السنّة - عليكم وكلمة – الرافضة- على الشيعة. فإنّ الأصل على عكس التسميتين، فإنكم إذا فتحتم أعينكم وأبصرتم الحقائق بقلوبكم وعقولكم لعرفتُم أنّ الشيعة هم في الحقيقة أتباع القرآن الكريم وسنّة سيد المرسلين، وغيرهم هم الذين رفضوا العمل بالقرآن والتمسّك بالسنة الشريفة.
الشيخ عبد السلام: قال - مستهزءاً -: أحسنت إذْ سمّيت ألوف
____________________
١) لا يخفى على المحقِّق الخبير والمتتبّع البصير أنّ معاوية هو الذي أطلق إسم - أهل السنّة والجماعة - على العامّة وأطلق كلمة – الرافضة - على شيعة الامام عليّعليهالسلام وأتباعه فهو الآخر قد قلب الحقائق وبدَّل واقع الامور.
«المترجم»
الملايين من المسلمين المتمسكين بكتاب الله وسنّة رسولهصلىاللهعليهوآله روافض.. ليت شعري ما هو دليلك على هذا الإدّعاء؟!
قلت: أراك تأثّرت من كلامي وقولي: بأننا نحن أهل السنة وأنتم الرافضة، وأنتم منذ مئات السنين تَدَّعون هذا الأمر وتسمّون ألوف الملايين من شيعة آل محمد وأهل بيته الطاهرين طول التاريخ بالرافضة، بل ترمونهم بالكفر والضلال، بغير دليل ولا برهان، بل ادّعاء وافتراء واضح البطلان.
ولكنّي كما أثْبَتُّ في طول مناقشاتي في الليالي الماضية أنّي لا أتكلم بغير دليل ولا أستند في حديثي بالأقاويل والأباطيل، فكذلك هذه الليلة.
وأما دليلي على أنّنا أتباع القرآن الحكيم وسنّة سيد المرسلين فهو حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي أثبتناه في الليالي الماضية وذكرنا مصادرهُ من كتبكم المعتبرة، وهو قولهصلىاللهعليهوآله : إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما انْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً. وأنتم أعرضتم عن أهل البيت وتمسكتم بغيرهم بل تمسكتم أحياناً بأعدائهم ومخالفيهم، وتركتم حكم الله الذي عمل به أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حياته، وتمسكتم بحكم عمر الذي غيَّر حكم الله وحرَّم حلاله، وكذلك ابو بكر خالف حكم الله سبحانه في عدم إعطاء خُمس الغنائم لأهل البيتعليهالسلام في صريح قوله تعالى:( وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى ) (١) وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حياته يعمل بهذه الآية الشريفة، وقد أثبتنا ذلك في الليالي الماضية ونقلنا لكم أقوال أعلامكم بأنّ أبا بكر غيَّر حكم الخمس وتبعه
____________________
١) سورة الانفال، الآية ٤١.
عمر، وأما عثمان فقد خصَّهُ لقُرباه عوض قربى النبيصلىاللهعليهوآله فأعطى الخمس لمروان وأبيه وأخيه وغيرهم من بني أمية الذين طردهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولعنهم. وأنتم أيضاً إلى اليوم تتبعون سنّة أبي بكر وهي على خلاف سيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وسُنّته الشريفة.
هل اكتفيتم أم أزيدكم؟!
الشيخ عبد السلام: ما هو دليلكم من كتاب عزّ وجلّ على تشريع الزواج المؤقّت، هل عندكم دليل صريح من القرآن الحكيم؟
دليلنا في تشريع الزواج المؤقَّت
قلت: نعم دليلنا من القرآن الكريم في تشريع الزواج المؤقّت الآية الكريمة التي تصرّح وتقول:( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) (١) .
هذا هو صريح حكم الله جلّ وعلا وما نُسخ بآية أخرى، فيكون الحكم باقياً إلى آخر الدنيا، فإنّ حلال محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم حلالٌ إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة.
الشيخ عبد السلام: كيف عرفتم أنّ هذه الآية تشير إلى الزواج المؤقّت!
فإن الإستمتاع يحصل في الزواج الدائم وإيتاء الأجور هو المهر واجبٌ فيه وفرض أيضاً؟ قلت: قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن فسّر القرآن برأيه فَلْيتبوّء مقعده من النار. فلا بدّ في مثل هذه القضايا المشتبهة أن نراجع كتب التفسير، وأنّ
____________________
١) سورة النساء، الآية ٢٤.
مفسّريكم مثل الطبري في تفسيره : ج ٥ والفخر الرازي في تفسيره : ج ٣ وغيرهما ذكروا في تفسير الآية الزواج المؤقّت وقالوا بأنّ الآية نزلت في تشريع الزواج المؤقّت.
إضافةً على بيان مفسريكم في تفسير الآية الكريمة فإنكم تعلمون أنّ الله عزّ وجلّ في سورة النساء قد بيَّنَ أنواع النكاح المشروع في الإسلام فقال:( فَانْکِحُوا مَا طَابَ لَکُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَکَتْ أَيْمَانُکُمْ ذٰلِکَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا * وَ آتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ... ) (١) .
وقال سبحانه في الآية ٢٤:( وَ أُحِلَّ لَکُمْ مَا وَرَاءَ ذٰلِکُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِکُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) في هذه الآية صُرِّحَ بتشريع الاستمتاع من النساء مقابل أجر فُرضَ بينهما، والاستمتاع هو زواج المتعة أو المؤقّت.
وشرَّع نوعاً ثالثاً في النكاح وهو ملك اليمين، فقال عزّ وجلّ:( وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْکُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْکِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَکَتْ أَيْمَانُکُمْ مِنْ فَتَيَاتِکُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ) (٢) .
فإذا كانت آية الاستمتاع أيضاً تتضمن الزواج والنكاح الدائم فيكون ذكر هذا الموضوع في سورة واحدة مكرراً، وهذا إلى اللغو أقرب، وحاشا كلام الله العزيز من اللغو، والله جلّ جلاله حكيم واللغو لا يصدر من الحكيم.
____________________
١) سورة النساء، الآية ٢ و٣
٢) سورة النساء، الآية ٢٥.
ثم أننا نجد الكلمات والتعابير في الآيتين مختلفة، ففي الآية الأولى يقول سبحانه:( فَانْکِحُوا مَا طَابَ لَکُمْ مِنَ النِّسَاءِ وَ آتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ ) وفي الآية الثانية يقول تعالى:( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) . فبُدِّل النكاح بالاستمتاع والصداق بالأجور. كما أنّ المؤرّخين قد ذكروا أنّ المسلمين على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كانوا يتزوجون بزواج المتعة وهو الزواج المؤقت. فإذا كانت آية المتعة - على حدّ زعمكم - تشير إلى الزواج الدائم لا المؤقّت، فما هي الآية التي عرف المسلمون منها وفهموا الزواج المؤقّت؟
وعلى استناد أيّة آية من كلام الله العزيز شَرَّع لهم الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم زواج المتعة؟
روايات المتعة عن طريق أهل السُنّة
أما الروايات الواردة والأخبار المرويّة في المتعة والزواج المؤقّت في كتبكم المعتبرة، من علمائكم وأعلام أئمتكم، فكثيرة لا يمكن رفضها ونقضها لأنّ بعضها جاءت في الصحاح، فقد رَوى البخاري في صحيحه كتاب التفسير باب فمن تمتع بالعمرة الى الحج وأحمد في المسند ج ٤ ص ٤٢٩ عن أبي رجاء عن عمران بن الحصين أنّه قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم ينزل قرآن بحرمتها ولم ينه عنها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى مات، قال رجل برأيهِ ما يشاء.
وروى مسلم في صحيحه ج ١ ص ٥٣٥ باب نكاح المتعة عن عطاء قال: قدم جابر بن عبد الله معتمراً فجئناه في منزله، فسأله القوم
عن أشياء ثم ذكروا المتعة فقال: استمتعنا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلى عهد أبي بكر وعمر(١) .
وروى مسلم في نفس الجزء ٤٦٧ في نفس الباب وفي كتاب الحج / باب التقصير/ في العمرة / مسنداً عن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله إذْ أتاه آتٍ فقال: انّ ابن عبّاس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ نهانا عنهما عمر. ورواه أحمد في المسند ج ١ ص ٢٥ بطريق آخر باختلاف يسير في اللفظ(٢) .
وروى مسلم في صحيحه نفس الجزء / باب نكاح المتعة/ بسنده عن أبي الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر، حتى نهى عمر عنه في شأن عمرو بن حريث(٣) .
وفي صحاحكم ومسانيدكم توجد أخبار وروايات كثيرة جداً في هذا الباب لا مجال لذكرها، وكلها تكشف عن عمل الصحابة بالمتعة على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر وأوائل عهد عمر ثم نهاهم عمر
____________________
١) ورواه أيضاً أبو داود في صحيحه:ج ١٣، باب الصداق، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده: ج ٣/٣٨٠، ونقله المتقي في كنز العمال: ج ٨ /٢٩٤.
٢) ورواه احمد أيضاً في المسند ج ٣ /٣٥٦ و٣٦٣ باختصار، ورواه أيضاً البيهقي في سننه ج ٧/٢٠٦ ورواه الطحاوي باختصار في شرح معاني الآثار في كتاب مناسك الحج /٤٠١، ورواه المتقي في كنز العمال: ج ٨ /٢٩٤ وقال: أخرجه ابن جرير.
٣) ورواه البيهقي في سننه ج ٧/ باب ما يجوز ان يكون مهراً، وذكره العسقلاني في تهذيب التهذيب: ج ١٠ /٢٧١، ونقله المتقي في كنز العمال:ج ٨/٢٩٤.
«المترجم»
عنها وتوعّد من يستمتع بالرجم(١) .
____________________
١) تأكيدا لكلام المؤلّف انقل للقارئ الكريم بعض الروايات التي عثرت عليها في كتب علماء العامّة فقد رَوى احمد في المسند ج ٢/٩٥ بسنده عن سالم فال: كان عبد الله بن عمر يفتي بالذي أنزل الله عزّ وجلّ من الرخصة بالتمتع، وسنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيه، فيقول ناسٌ لابن عمر: كيف تخالف أباك وقد نهى عن ذلك! فيقول له عبد الله: ويلكم الا تتقون الله! (الى ان قال) فلم تحرمون ذلك وقد أحلّه الله وعمل به رسول اللهصلىاللهعليهوآله ! أفَرسول اللهصلىاللهعليهوآله أحقّ أنّ تتّبعوا سُنّتة أم سُنّة عمر!!
أقول: وهذه الرواية صريحة بأنّ القوم رفضوا سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وتمسّكوا بسنّة عمر، فهم الرافضة، والشيعة هم أهل السنة.
ورعايةً للاختصار أذكر لكم المصادر في الموضوع من غير نقل الروايات واذا احببتم فراجعوا:
صحيح البخاري / كتاب التفسير / باب فمن تمتّع بالعمرة الى الحج وكتاب النكاح وكتاب التوحيد / باب قول الله تعالى:( هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ) .
صحيح مسلم / كتاب الحج / باب جواز التمتع وباب التقصير في العمرة، وفي كتاب النكاح / باب نكاح المتعة.
صحيح ابن ماجة صفحة ٢٢٠ باب التمتع بالعمرة إلى الحج.
صحيح الترمذي:ج ١ / باب ماجاء في التمتع.
صحيح النسائي: ج ٢ في القرآن.
مسند أحمد بن حنبل: ج ٣/٣٢٥ و٣٥٦ و٣٦٣ و٣٨٠ وفي ج ٤ /٤٢٩ و ٤٣٤ و٤٣٦ و٤٣٨ و٤٣٩ وفي ج ١/٥٢.
مسند أبي داود الطيالسي:ج ٨ /٢٤٠ وفي ج ٧/٢١٧، روى بسنده عن مسلم القرشي قال: دخلنا على أسماء بنت أبي بكر فسألناها عن متعة النساء. فقالت: فعلناها على عهد النبيصلىاللهعليهوآله .
وفي ج ٨/٢٤٧. =
. . . . .
____________________
= سنن البيهقي: ج ٥ / ٢١ وج ٧ / باب نكاح المتعة / روى فيه بسنده بطريقين عن عمر قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، أحداهما متعة النساء ولا أقدر على رجل تزوّج امرأةً إلى أجل إلّا غيّبته بالحجارة، والأخرى متعة الحج، افصلوا حجّكم عن عُمرتكم فإنّه أتمّ لحجّكم وأتمّ لعُمرتكم. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار / كتاب مناسك الحج: ص ٤٠١، وذكره المتقي في الكنز: ج ٨ / ٢٩٤ بطريقين وقال: أخرجهما ابن جرير، ورواه جمع آخر من الأعلام.
سنن البيهقي: ج ٥ / ١٦ وروى في صفحة ٢١ عن ابن عمر بطريقين أنّه كان يفتي بالمتعة فقيل له: أتخالف أباك وقد نهى عنها؟ قال لهم ابن عمر: ويلكم ألا تتقون الله.. فلِمَ يحرّمون ذلك وقد أحلّه الله وعمل به رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أ فرسول اللهصلىاللهعليهوآله أحَقّ أن تتبّعوا سُنّته أم سنّة عمر!! وفي الرواية الثانية قال: أفَكتاب الله عزّ وجلّ أحقّ أن يُتبع أم سنّة عمر!!
سنن الدرامي ج ٢ / ٣٥ روى بسنده عن محمد بن عبد الله بن نوفل قال: سمعت عام حَجَّ معاوية يسأل سعد بن مالك كيف تقول بالتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال حسنة جميلة. فقال: كان عمر ينهى عنها، فأنت خيرٌ من عمر! قال: عمر خيرٌ منس وقد فعل ذلك النبيصلىاللهعليهوآله وهو خيرٌ من عمر.
ومن المصادر في الموضوع: شرح معاني الآثار للطحاوي في كتاب مناسك الحج ص ٣٧٣ و ٣٧٤ و ٤٠١ وفي كتاب النكاح/ باب نكاح المتعة روى بسنده عن سعيد ابن جبير مضمون الرواية الآتية في مسند أحمد.
وفي مسند أحمد: ج ٤ / ٣ روى بسنده عن أبي إسحاق بن يسار قال:إنّا لبمكّة إذ خرج علينا عبدالله بن الزبير فنهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج وأنكر أنْ يكون الناس صنعوا ذلك مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله . فبلغ ذلك عبدالله بن عباس فقال: وما علم ابن = <
. . . . .
____________________
= الزبير بهذا، فليرجع إلى أمه أسماء بنت أبي بكر فليسألها فإن لم يكن الزبير رجع إليها حلالاً و حلّتْ. فبلغ ذلك أسماء، فقالت: يغفر اللهُ لابن عباس والله لقد أفحش، قد والله صدق ابن عباس لقد حلّوا وأخللنا وأصابوا النساء.
كتاب الموطَّأ لمالك بن أنس إمام المذهب المالكي / في قسم الحج / باب ما جاء في التمتع.
ومسند محمد بن إدريس الشافعي إمام المذهب الشافعي: ص ٩٤ و ٢١٦.
كنز العمال: ج ٨ / ٢٩٣ روى ابن عمر قال: قال عمر: متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج. وفي صفحة ٢٩٤ عن أبي قلابة وقال فيه: أنا أنهى عنهما وأضربُ فيهما. (قال) أخرجه ابن جرير وابن عساكر.
الإصابة لابن حجر العسقلاني: ج ٣ / القسم ١ / ١١٤ و ١٣٣ وفي ج ٨ / القسم ١/ ١١٣.
حلية الأولياء لأبي نعيم الحافظ: ج ٥ / ٢٠٥.
التفسير الكبير للفخر الرازي / في تفسير قوله تعالى:( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ) الخ قال: وروى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام أنه قال: لولا أنّ عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى إلّا شقيّ.
الطحاوي في شرح معاني الآثار، في كتاب النكاح / باب نكاح المتعة، روى بسنده عن عطاء عن ابن عباس قال: ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها هذه الأمة ولولا نهي عمر بن الخطاب عنها ما زنى الا شقي.
ورواه السيوطي أيضاً في تفسير الدرّ المنثور في تفسير الآية الكريمة، عن عطاء عن ابن عباس.
أقول: هذه الروايات بعض ما عثرت عليه في مصادر العامّة المعتبرة لديهم ولا يمكن ردّها لأنّ أكثرها جاءت في الصحاح، وهي صريحة بأنّ عمر نهى عن متعة الحج ومتعة النساء، وهو يعلم علم اليقين بأنّ الله ورسولهصلىاللهعليهوآله شرّعاها، فغيّر وبدَّل دين = <
إضافةً على ما نقلت لكم، فإنّ مفسريكم قد نقلوا روايات حاصلها أنّ جماعة من الصحابة منهم أُبيّ بن كعب وابن عباس وعبد الله بن مسعود وسعيد بن جبير والسدّي وغيرهم كانوا يقرءون الآية هكذا: فما استمتعتم به منهنّ إلى أجلٍ مسمّى.
رواها جار الله الزمخشري في الكشّاف عن ابن عباس ومحمد بن جرير الطبري في تفسيره، والفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب، والثعلبي في تفسيره، ونقل العلّامة النووي في شرح صحيح مسلم في باب نكاح المتعة عن القاضي عياض عن المازري أنه روى عن عبد الله بن مسعود: فما استمتعتم به منهنّ إلى أجلٍ مسمّى.
ويروي الفخر الرازي عن أبيّ بن كعب وعن ابن عباس مثله ثمّ قال: والأمّة ما أنكروا عليهما في هذه القراءة فكان ذلك إجماعاً على صحّة ما ذكرنا.
ويقول بعده بورقة: فإنّ تلك القراءة لا تدلّ إلّا على أنّ المتعة كانت مشروعة، ونحن لا ننازع فيه.
____________________
= الله وحُكمه، وقد قال تعالى:( وَ مَنْ لَمْ يَحْکُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولٰئِکَ هُمُ الْکَافِرُونَ ) المائدة: ٤٤.
وجاء في الخبر عن النبيصلىاللهعليهوآله ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه ج ٩ / ٢٢٩ وج ٦ / ٣٤٤ وابن حجر العسقلاني في التهذيب: ج ٤ / ٢٣٧ كلاهما عن ابن عمر عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: من قال ديننا برأيه فاقتلوه، وتوجد روايات أخرى بهذا المعنى في أكثر الصحاح والمسانيد فتدبّر وخذ النتيجة.
«المترجم»
الشيخ عبد السلام: نعم نتّفق معكم بأنّ المتعة كانت في زمن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وربّما نسخها، فما دليلكم على عدم نسخها؟
قلت: أوّلاً ... كلامكم في النسخ ادّعاء محض، ولا بدّ للمدّعي من إقامة الدليل لإثبات إدّعائه، فنحن نطالبكم بالدليل.
ولكن مماشاةً لكم وتلبيةً لطلبكم أقول: دليلنا على عدم نسخها في زمن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الروايات التي ذكرناها ولا سيّما قول عمر: متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنا أحرّمهما وأعاقب عليهما، في بعضها: وأنا أنهى عنهما...
كما أن عمل الأصحاب وسيرتهم في خلافة أبي بكر على ذلك أيضاً.(١)
الشيخ عبد السلام: ولكن نستفيد من القرآن نسخ المتعة إذ يقول سبحانه:( إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَکَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) (٢) .
فقد ذكر سبحانه في هذه الآية الكريمة سببين للحلّيّة وهما الزوجيّة وملك اليمين ونَسَخَ المتعة لأنّها ليست تزويجاً، فلا إرث بينهما ولا نفقة ولا طلاق ولا عِدّة وهذه كلها من لوازم الزوجيّة.
____________________
١) قال ابن حجر العسقلاني في «الإصابة» ج ٣ / القسم ١ /١١٤: وقال ابن حزم في «المحلّى»: ثبتَ على تحليل المتعة بعد النبيصلىاللهعليهوآله من الصحابة، ابن مسعود وابن عباس وجابر وسلمة ومغيرة ابنا أميّة بن خلف. (قال ابن حجر) وذكر آخرين. (انتهى).
أقول: الصحيح أنهم ثبتوا على تحليل المتعة بعد عمر لأنه هو الذي حرّمها.
وهؤلاء خالفوا عمر وثبتوا على حكم الله ورسولهصلىاللهعليهوآله .
«المترجم»
٢) سورة المؤمنون، الآية ٦.
حكم المتعة غير منسوخ في القرآن
قلت: لا تدلّ هذه الآية على نسخ حكم المتعة، بل هي في حدّ الزوجيّة ثم هذه الآية في سورة المؤمنون وهي مكّيّة، وتشريع المتعة في سورة النساء وهي مَدَنيّة، فكيف الناسخ نزل قبل المنسوخ؟!
وأما قولك: بأنّ المتعة ليس فيها لوازم الزوجيّة من الإرث والنفقة والطلاق والعِدّة.
فأقولَ: كلامك يدلّ على عدم اطلاعك لفقهنا وعدك مطالعتك لكتب علمائنا، فإنّهم أثبتوا أنّ جميع آثار الزوجيّة تترتّب على المتعة إلّا ما خرج بالدليل، ولا يخفى أنّ الله سبحانه أسقط بعض شروط الزوجيّة ولوازمها لغرض التسهيل والتخفيف في هذا النوع من النكاح والتزويج.
ثم اعلم.. إنّ الأرث والنفقة ليسا من اللوازم الثابتة للزوجيّة فقد أفتى فقهاء الإسلام من الشيعة والسنّة: أنّ الزوجة الكتابيّة والناشزة والتي قتلت زوجها لا ترث منه ولا تستحق النفقة. مع العلم أنّ الزوجيّة باقية، اذ لا يجوز لها أن تتزوّج برجلٍ آخر، وتجب عليها عِدّة الوفاة - اربعة أشهر وعشرة أيّام - إذا توفيّ الزوج.
وأما الطلاق في المتعة، فإنّ حكم الطلاق بانقضاء الأجلِ المسمّى والمدّة المعيَّنة، أو بأن يهب الرجل ما تبقّى من المدّة ويتنازل عن حقّه، ويجب عليها العدّة وأقلّها خمسة وأربعين يوماً، والمشهور أن ترى المرأةُ طُهرين، أمّا إذا مات الرجل قبل انقضاء الأجل المسمّى وقبل أن يهبها ما تبقى من المدّة فيجب على المرأة أنْ تعتدّ عدة الوفاة - أربعة أشهر وعشرة أيّام - وهي عِدّة المتوفّى عنها زوجها.
الشيخ عبد السلام: لقد روى بعض علمائنا روايات تصرِّح بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله نَسَخَ حكم المتعة، فبعضها تشير بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله نسخها عندما فتح خيبر، وبعضها تقول نسخها يوم فتح مكة، وبعضها تقول في حجّة الوداع وبعضها في تبوك وبعضها في عمرة القضاء.
قلت: أوّلاً: هذا الإختلاف الفاحش دليل قويٌّ على وضع تلك الأخبار وكذبها، ومن الواضح أنّ غرض الواضعين والجاعلين تبرئة عمر وتنزيهه.
ثانياً: - لو قايسنا هذه الأخبار مع الروايات التي نقلناها من صحاحكم ومسانيدكم ومصادر أعلامكم وجدناها واهية ضعيفة لا تُعَدّ شيئاً.
ثالثاً: - كلام عمر كما نقلناه من كتبكم المعتبرة: متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأنا أحرّمهما، وما قال: كانتا ونُسخَتا بل قال: أنا أحرّمهما.. فلو كانت آية ناسخة لاستند بها ولو كان حديثٌ ناسخ من النبيصلىاللهعليهوآله لاستدل به. ولكنّه أسند التحريم الى نفسه.
ونحن نجد في مصادركم وصحاحكم روايات صريحة بعدم نسخ المتعة وقد نقلنا بعضها لكم، فإنّ في القائلين بعدم النسخ نجد بعض الصحابة الكبار مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبي ذر وعمران بن حصين وغيرهم. وتبعهم كبار علمائكم وقالوا بعدم نسخ حكم المتعة منهم جار الله الزمخشري في الكشّاف فإنّه بعدما ينقل رواية ابن عباس يقول: آية المتعة من محكمات القرآن وما نُسِخَت.
ومنهم مالك بن أنس فإنّه أفتى بجواز المتعة وعدم نسخها، كما
نقل عنه سعد الدين التفتازاني في كتابه شرح المقاصد، والعلّامة برهان الدين الحنفي في كتابه الهداية، وابن حجر العسقلاني في فتح الباري وغيرهم نقلوا أنه قال في موضع من كتابه: هو جائز لأنّه كان مباحا مشروعاً واشتُهر عن ابن عباس حلّيّتها وتبعه على ذلك أكثر أهل اليمن وأهل مكة من أصحابه، وقال في موضع آخر:
هو جائز لأنّه كان مباحاً فيبقى إلى أن يظهر ناسخه.
فنعرف من كلام مالك بأنّه إلى زمانه - عام ١٧٩ من الهجرة - ما كانت روايات النسخ، وإنّما وضعها الكاذبون الجاعلون بعد هذا الزمن وهي من وضع وجعل المتأخّرين.
والذين قالوا بتحريم المتعة استندوا على كلام عمر وما استدلّوا بغير قوله: وأنا أحرّمهما وأعاقب عليهما، وهو دليل باطل لأنّه ليس من حق عمر التشريع فإن فإنّ الشارع هو الله العزيز الحكيم، والنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مبيِّنٌ لأمّتِه ما أوحي إليه من ربّه، من أحكام الدين والشريعة.
الشيخ عبد السلام: نعم ليس من حق عمر (رض) ولا من حق غيره التشريع ولكن قول عمر الفاروق سندٌ قوي ودليل محكم لنا في كشف الحق، فإنّه لا يَحكم بشيء إلّا على استناد ما سمعه من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والعتب على المسلمين الحاضرين في مجلس الخليفة (رض) إذْ لم يسألوه عن دليل التحريم وإنّما قبلوا منه بغير اعتراض لمـّا يعرفون فيه من الصدق والصلاح، فلذلك صار قوله لنا دليلاً محكماً وسنداً مقبولاً.
قلت: هذه كلها مغالطات وتوجيهات، وقد قيل حبّ الشيء يُعمي ويُصِمْ، وأنتم من فرط حبكم لعمر تسعون في توجيه أعماله
المخالفة لصميم الإسلام ونصّ القرآن، وتفُسّرون كلامه على خلاف ظاهره، لأنّه يصرِّح: أنا أحرّمهما وأعاقب عليهما.
وأنتم تقولون: بأنّه لا يحكم بشيء إلّا على استناد ما سمعه من النبي؛ وتلقون العتب على المسلمين الحاضرين في مجلسه إذْ لم يسألوه عن دليل التحريم، والرجل ليس له دليلٌ إلّا أنّ رأيه قد قطع بذلك.
وأما قولك: بأن الحاضرين قبلوا منه بغير اعتراض فهو مخالف لما رواه أعلامكم بأنّ إبنه عبد الله كان يُفتي على خلاف رأي أبيه وكذلك جمعٌ من الصحابة والتابعين كما ذكرنا لكم.
وأما قولك: بأنّ قول عمر دليلٌ محكم وسندٌ مقبول لديكم.
ليت شعري بأيّ نصّ شرعي من الكتاب أو السنّة أصبح قول عمر دليلاً محكماً وسنداً مقبولاً؟!
هذا الذي ليس فيه نصٌّ من الكتاب أو السنّة، تجعلوه لأنفسكم حجّةٌ وتلتزمون به وتتمسكون به أشدّ التزام وتمسّك، وتُعرضون عن الخبر الذي وصل حد التواتر وهو حديث الثقلين فلا تعملون بقول العترة ولا تتمسكون بهم، علماً أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قد قال: « ما إن تمسّكتم بهما - أي بالقرآن والعترة - لن تضلوا بعدي أبداً» فقد جعلهماصلىاللهعليهوآلهوسلم أماناً من التيه والضلال.
هل يجوز للمجتهد أن يخالف النصّ؟
الشيخ عبد السلام: إنكم تعلمون أنّ جماعة من علمائنا المحققين قالوا: إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يضع الأحكام باجتهاد رأيه، فلذلك يجوز لمجتهد آخر أن ينقض حُكمه إذا توصّل رأيه إلى خلاف قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ولذلك نقضه عمر وقال: أنا أحرّمهما.
قلت: ما كنتُ أتوقع منك هذا الكلام يا شيخ عبد السلام! فإنّك لتصحيح غلطةٍ ارْتَكَبْتَ غلطات، بالله عليكم هل يصح الاجتهاد مقابل النصّ؟ وهل يجوز لإنسانٍ أن يخالف القرآن ويخالف حكم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بزعم الاجتهاد؟ أما يكون كلام الشيخ غلواً في حق عمر وإجحافاً في حق النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ إذْ يساوي رأي عمر برأي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بل يرجّحه على رأي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ! وكلام الشيخ خلافٌ صريح لصريح القرآن الحكيم لقوله تعالى:( قُلْ مَا يَکُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ) (١) .
فإذا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يجوز له أنْ يبدّلَ حكماً من الأحكام، فكيف تجيزون لعمر؟! وعلى فرض اجتهاده فلا يجوز لمجتهد أنْ يخالف النصَّ المسلَّم(٢) .
والقائلون بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يضع الأحكام باجتهاده وبرأيه، كلامهم باطل وليس على أساس عقلي وعلمي بل هو مخالف لصريح
____________________
١) سورة يونس، الآية ١٥.
٢) الاجتهاد.. عبارة عن الحصول على قدرة علميَّة لفهم الأحكام الشرعيّة واستنباطها من كلام الله العزيز الحكيم وسيرة النبيصلىاللهعليهوآله وحديثه.
فيلزم أنْ يكون رأي المجتهد في بيان الحكم الشرعي مستنداً بالكتاب الحكيم أو سُنّة النبي الكريمصلىاللهعليهوآله ، لا مناقضاً لهما، فلا يحق للمجتهد أن يفتي مخالفا لهما معتمداً على رأيه.
«المترجم»
القرآن الحكيم أيضاً لقوله عزّو جلّ:
( وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) (١) .
وقوله تعالى:( قُلْ مَا کُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَ لاَ بِکُمْ ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ) (٢) .
وكلامكم يخالف صريح كلام الله العزيز.
الشيخ عبد السلام: لا شك أنّ الخليفة (رض) حكم بصلاح المسلمين وحرَّم المتعة لأنّه كما جاء في كتاب الإصابة للعسقلاني ج ٣ القسم ١ / ١١٤ عن عمر بن شبّة قال: واستمتع سلمة بن أميّة من سلمى مولاة حكيم بن أميّة بن الأوقص الأسلمي، فولدت له فجَحَدَ ولدها، فبلغ ذلك عمر فنهى عن المتعة.
فحرّم عمر (رض) المتعة حتّى لا يشيع هذا الأمر ولا يتكرّر، وكلّنا نعلم أنّ الأولاد الذين جحدهم آبائهم ينكرهم المجتمع أيضاً، فيسبّبوا فساداً كبيراً، من أجل ذلك ولكي لا يكثر الفساد، نهى عمر عن المتعة.
قلت: ولكن هذا حاصلٌ حتّى في النكاح الدائم أيضاً فكم من رجل جحد ولده وأنكر ما ولدته زوجته فهلّا نهى عمر عن النكاح الدائم أيضاً؟!
أفَهل تكليف الخليفة ومسؤوليته في قبال عمل سلمة بن أميّة وإنكاره ولده أن يحرِّم حلال الله ويغيّر حكمه ويبدّل دينه؟! أم كان المفروض أن يعظ سلمة ويأمره بالمعروف والنهي عن المنكر وأنّ يقابله بالحكمة والموعظة الحسنة فيوقظ وجدانه ويقوّي إيمانه فيُشعره
____________________
١) سورة النجم، الآية ٣ و ٤.
٢) سورة الاحقاف، الآية ٩.
بالمسؤليّة ثم يحكم بإلحاق الولد بسلمة بن أميّة لقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الولد للفراش» وما كان لسلمة أنّ يُنكر العقد لأنّه كما نقرأ في الكتب أنّهم كانوا يُشهدون العدول على العقد في المتعة فقد رَوى في كنز العمال: ج ٨ / ٢٩٤ عن سليمان بن يسار عن أم عبد الله ابنة أبي خثيمة: أنّ رَجلاً قَدِم من الشام فنزل عليها، فقال: إنّ العزوبة قد اشتدّت عليّ فابغيني اِمرأة أتمتّع معها. قالت: فدللتُهُ على امرأةٍ فشارَطَها وأشْهَدوا على ذلك عدولاً، فمكثَ معها ما شاء الله أنْ يمكث ثم إنه خرج، فأُخبر بذلك عمر بن الخطّاب فأرسَلَ إليَّ فسألني: أحقٌّ ما حَدَّثْتِ؟ قلتُ: نعم. قال: فإذا قدم فآذنيني به. فلما قدِم أخبرته فأرسلَ إليه فقال: ما حملك على الذي فعلتَه؟ قال: فعلته مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثم لم ينهنا عنه حتى قبضه الله، ثم مع أبي بكر فلم ينه عنه حتى قبضه الله، ثمّ معك فلم تحدث لنا فيه نهياً. فقال عمر: أما والذي نفسي بيده: لو كنتَ تقدّمت في نهي لرجمتُك، بينوا حتّى يعرف النكاح من السفاح. وأخرجه ابن جرير أيضاً.
وأما قولك: إنّ الخليفة حكَمَ بصلاح المسلمين.
فإنّ الله ورسوله أعرف بصلاح الخلائق، والخالق أعلم بمصالح مخلوقه ولا شكّ أنّ الله سبحانه وتعالى شرّعَ المتعة والنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم سنّها لحكمةٍ حكيمة ومصلحة عظيمة للمؤمنين ولكن عمر نقضها.
وقد جاء في الخبر كما في شرح معاني الآثار للطحاوي / كتاب النكاح / باب نكاح المتعة / روى بسنده عن عطاء عن ابن عباس، قال: ما كانت المتعة إلّا رحمة رحم اللهُ بها هذه الأمّة، ولولا نهي عمر بن الخطاب عنها ما زنى إلّا شقي.
وروى الثعلبي والطبري في تفسيريهما وأحمد في المسند في تفسير آية المتعة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام قال: لولا أنْ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلّا شقي.
فتحريم عمر للزواج المؤقّت، زادفي الفحشاء و لم يقلِّل الفساد وإنّ أثر نهيه المتعة كان بعكس ما تقولون، وبخلاف ما تزعمون.
ولنترك هذا البحث الذي جاء استطراداً، لأنّ البحث كان حول إيمان أبي طالبعليهالسلام فقلنا: إنّه كان مؤمناً ومات مؤمناً إلّا أنّ أعداء الإمام عليعليهالسلام أرادوا تنقيصه والحطّ من كرامته وشخصيته، فوصموا أباه - شيخ بني هاشم وكافل النبي وحاميهصلىاللهعليهوآله - بوصمة الكفر والشرك، وأشاعوه بعد النبيصلىاللهعليهوآله بوضعِ حديثٍ افتروه على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو حديث الضحضاح. فخبر عدم إيمان أبي طالبعليهالسلام إنْ هو إلّا من أكاذيب بني أمية وأباطيلهم، وشيوع الخبر جاء بتبليغ منهم بحيث غَطَّى على خبر إيمانه، فقلّبوا الحقيقة وغيّروا الواقع حتّى التبس الحق على المسلمين.
فلمّا وصل حديثنا إلى هذا المكان، استبعد الشيخ عبدالسلام ذلك، وقال: لا يمكن لأحد أنْ يقلب الحقيقة ويغيّر الواقع الذي كان شائعاً في عهد النبيصلىاللهعليهوآله فيبدّ له بحيث يلتبس الأمر على المسلمين، فينكروا الحقيقة ويقولوا بغير الواقع.
فقلنا: إنّ هذا ليس بأول قارورة كسرت في الإسلام.
فطلب مثالاً ليكون مصداقاً آخر وشاهداً على كلامنا، فمثّلنا بتحريم عمر متعة الحج ومتعة النساء، فصرّح قائلاً: متعتان كانت على عهد رسول الله وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما. والشاهد تمسكهم بقول
عمر وتركهم سُنّة النبيصلىاللهعليهوآله ، فثبت بأنّ الحكومة والقوّة تلعب دوراً هامّاً في إخفاء الواقع ونشر الأكاذيب ولبس الحق، وإشاعة الباطل باسم الحق، ولا يخفى في هذه الأمور دور الدعايات والأحاديث الزائفة المجعولة بواسطة رجال ممن عُرفوا بصحبة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولمـّا يدخل الإيمان في قلوبهم فلا أطيل الكلام في الموضوع أكثر من هذا، ومن أراد من الحاضرين أن يتعمّق أكثر ويحقّق الموضوع ويبحث فيه أكثر مما قلنا فليراجع الكتب المعتبرة عند العامّة من أعلامهم، مثل السيوطي، وأبي القاسم البلخي، ومحمد بن إسحاق، وابن سعد الكاتب، وابن قتيبة، والواقدي، والشوكاني والتلمساني، والقرطبي، والبرزنجي والشعراني، والسبحمي، وأبي جعفر الإسكافي، وغيرهم من علماءِ العامّة الذين اعترفوا في كتبهم بإيمان أبي طالبعليهالسلام . وقد كتب بعضهم رسالةً مستقلةً في الموضوع.
الكعبة مولد الإمام عليّعليهالسلام
وأما الفضيلة الأخرى التي امتاز بها الإمام عليّعليهالسلام وتُعدّ من فضائله الخاصة به، إذ لم يحدث مثله لأحد قبله ولا بعده، ألا وهو مولده في وسط بيت الله الحرام في الكعبة المشرَّفة، وقد حدث ذلك بإرادة الله سبحانه وبدعوة منه لفاطمة بنت أسد والدة أمير المؤمنينعليهالسلام إذْ انشقّ لها ركن البيت لمـّا استجارت به تطلب من الله تعالى أنْ يُسهِّل عليها الولادة، فدخَلَت في الكعبة وعاد الركن فالتأمَ والتَصَق. إنّما حدث ذلك لكي لا يقول أحدٌ أنّ ولادة علي بن أبي طالب داخل الكعبة كانت عند صدفة وليس فيها كرامة لهعليهالسلام .
وكما في بعض الأخبار المرويّة أنّ فاطمة بنت أسد بقيت في الكعبة ثلاثة أيّام ضيفة على ربّها، فصار الناس يتحدّثون في المجالس والنوادي عن هذا الحادث الخارق والأمر الغريب، وفي اليوم الثالث عند اجتماع الناس وتزاحمهم في المسجد الحرام، وإذا بالركن ينشق ثانياً، وتخرج فاطمة بنت أسد وعلى يديها ولدها الكريم عليّعليهالسلام ، ويعدّ علماء الإسلام شيعة وسُنّة هذه الفضيلة من خصائص أمير المؤمنين، وقد قال الحاكم في المستدرك، والعلّامة ابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة / الفصل الأول ص ١٤:
ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه وهي فضيلة خصّه الله تعالى بها إجلالاً له وإعلاءً لمرتبته وإظهاراً لتكريمه(١) .
____________________
١) روى العلّامة أبو عبدالله محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب / الباب السابع في مولدهعليهالسلام / وهو في الفصل الثالث بعد الأبواب المائة التي ذكرها في مناقب الإمام عليعليهالسلام .
روى بسنده المتصل بمسلم بن خالد المكّي عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سألت رسول الله عن ميلاد علي بن أبي طالب، فقال: لقد سألتني عن خير مولود وُلد في شبه المسيحعليهالسلام . إنّ الله تبارك و تعالى خلقَ علياً من نورٍ واحدٍ و خلقنيَ نورى من نوره و كلانا من نورٍ واحد ثمّ إنّ الله عزّ وجلّ نَقَلنا من صُلْب آدمعليهالسلام في اصلاب طاهرة إلى أرحام زكيّة، فما نُقِلْتُ من صلب إلّا وعليٌ معي فلم نزل كذلك حتّى اسودعني خير رَحم وهي آمنة، واستودع علياً خير رحم وهي فاطمة بنت أسد.
قالصلىاللهعليهوآله : وكان في زماننا رجلٌ زاهد عابد يقال له المبرم بن دعيب بن الشقبان، قد عبد الله تعالى مائتين وسبعين سنة لم يسأل الله حاجة، فبعث الله إليه أبا طالب فلما أبصره المبرم قام إليه وقبل رأسه وأجلسه بين يديه، ثم قال له : مَن أنت؟ فقال: <=
. . . . .
____________________
= رجلٌ من تهامة. فقال: من أيّ تهامة؟ فقال: من بني هاشم، فوثب العابد فقبَّل رأسه ثانيةً ثم قال: يا هذا إنّ العليَّ الأعلى ألهمني إلهاماً، قال أبو طالب: وما هو؟ قال: ولدٌ يولد من ظهرك وهو وليّ الله عزّ وجلّ.
فلما كانت الليلة التي وُلد فيها عليٌّ، أشرقت الأرض فخرج أبو طالب وهو يقول: أيها الناس وُلد في الكعبة وليُّ الله عزّ وجلّ. فلمّا أصبح دخل الكعبة وهو يقول:
يا ربَّ هذا الغسقِ الدُجىّ |
و القمر المنبلج المضيّ |
|
بيِّن لنا من أمرك الخفيّ |
ما ذا ترى في اسم ذا الصبيّ؟ |
فسمع صوت هاتف يقول:
يا أهل بيت المصطفى النبيّ |
خُصِصْتُم بالولدِ الزكيِّ |
|
إنَّ اسمهُ من شامخ العليّ |
عليٌّ اشتُقّ مَن العليِّ |
قال العلامة الكنجي: تفرّد به مسلم بن خالد المكيّ الزنجي وهو شيخ الشافعي - إمام الذهب - وتفرّدَ به الزنجي عبدالعزيز بن عبدالصمد وهو معروف عندنا، والزنجي لقب لمسلم وسمي بذلك لحسنه وحمرة وجهه وجماله. انتهى.
وقال بعد هذا الخبر أخبرنا الحافظ أبو عبدالله محمد بن محمود النجّار بقراءتي عليه ببغداد، فقلت له: قرأتُ على الصفّار بنيسابور: أخبرتني عمتي عائشة، أخبرنا ابن الشيرازي، أخبرنا الحاكم أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحافظ النيسابوري قال: ولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بمكة في بيت الله الحرام ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلةٍ خلت من رجب سنة ثلاثين عام الفيل، ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواء، إكراماً له بذلك وإجلالاً لمحلّه في التعظيم.
أقول: إنّ خبر مولد عليّعليهالسلام في وسط الكعبة مشهور، وقد نقله كثيرٌ من الأعلام وعلماء العامّة وذكره شعراؤهم ونَقلتُ عنهم بعضها سابقاً في تعليقاتي على هذا الكتاب.
«المترجم»
اسم «عليّعليهالسلام » نَزَلَ من عند الله تعالى
والفضيلة الأخرى التي امتاز بها الإمام عليّعليهالسلام على سائر الصحابة إنّ اسمه الشريف جاء له من عند الله تبارك وتعالى من عالم الغيب.
الشيخ عبد السلام: إنّ هذا الكلام غريب جدّاً، أ فهل كان أبو طالب نبيّاً يوحى إليه، حتى نقول بأنّ اسم ابنه نزل أو جاء من عند الله؟! إنْ هذا إلّا أقاويل الشيعة يختلقونها من فرط حبهم لسيدنا عليّ كرّم الله وجهه، وليس لهذا الإسم ربطٌ بعالم الغيب، بل اختاره أبو طالب لولده.
قلت: ليس كلامي بغريب، وإنّما استغربته لأنّك لا تعتق بولاية الإمام عليعليهالسلام . فإنّك تظن أنّ هذا الإسم جُعل على الإمام عليعليهالسلام حين ولادته، وليس كذلك، فإنّ الله تعالى قد ذكر في جميع الكتب السماويّة إسمي محمد وعلي عليهما الصلاة والسلام بصفة النبوّة والإمامة، وإنّ هذْين الإسمَين المباركينِ كتبهما الله عزّ وجلّ وجعلهما على السماوات والأرضين وعلى أبواب الجنة وعلى العرش العظيم، قبل أنْ يخلق آدم أبا البشر بآلاف السنين، فلا يختصّ بزمن أبي طالبعليهالسلام .
الشيخ عبد السلام: أليس هذا الكلام غلوّاً في حق عليّ كرّم الله وجهه؟ فقد قارنتموه بسيد المرسلينصلىاللهعليهوآله وذكرتم اسمه مع اسم النبيصلىاللهعليهوآله مكتوباً في عالم الملكوت وحتى على العرش العظيم. نعم اسم رسول اللهصلىاللهعليهوآله كوجوده ونفسه فوق كل شيء وليس له قرين،
ولكنكم بالتمسّك بخبر ضعيف، غير معتبر تحتجّون علينا، بل وتجعلوه سنداً مقبولاً ودليلاً معقولاً لفتة فقهائكم فيفتون بوجوب ذكر عليّ بعد اسم النبيصلىاللهعليهوآله في الأذان.
فتبسّمتُ ضاحكاً من قوله، و قلت: لا يا أخي إنّني غير مغالٍ حق أمير المؤمنين وسيد الوصيين وقائد الغرّ المحجّلين، ابن عم الرسول وزوج البتول وسيف الله المسلول واسد الله الغالب مظهر العجائب والغرائب وصاحب الفضائل والمناقب الإمام عليّ بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه.
نحن ما قارنّا اسمه مع اسم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولا نحن سجلنا اسمه مع اسم النبيصلىاللهعليهوآله في السماوات والعرش العظيم، بل الله عزّ وجلّ هو قارن اسم وليّه علي بن أبي طالب مع اسمه واسم نبيّهصلىاللهعليهوآله وكتب اسمه مقارناً لاسمه العزيز واسم حبيبه على أبواب الجنان كما ورد في روايات أعلامكم وعلمائكم بإسنادهم لا بأسانيد ضعيفة زعمت، وقد أثبتوا تلك الروايات ونقلوها في مصادركم المعتبرة لدى كبار علمائكم وأعلام محدثيكم الذين لو ضِعَّفْتَهم فقد ضَعَّفْت مذهبكَ، فليس ولا لأيّ واحدٍ منكم الخضوع لمقامهم والتسليم لآرائهم وقبول ما رَوَوْا في مسانيدهم وتصانيفهم.
الشيخ عبد السلام: لو تتفضل بذكر بعض تلك الروايات التي نقلها كبار علمائنا وأعلام محدثينا.
قلتُ: روى الطبري في تفسيره وابن عساكر في تاريخه في ترجمة الإمام عليعليهالسلام ، ورَوى العلّامة الكنجي القرشي الشافعي في كفاية الطالب / باب ٦٢، والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء، والعلامة
القندوزي في الينابيع / باب ٥٦ حديث ٥٢ نقلاً من ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري، رَوَوا بأسانيدهم على أبي هريرة - مع اختلاف يسير في الألفاظ واتحاد المعنى - عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: مكتوب على ساق العرش لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ومحمد عبدي ورسولي أيّدتُه بعليّ بن أبي طالب.
وروى جلال الدين السيوطي في الخصائص الكبرى: ج ١/١٠، وفي الدرّ المنثور في أوائل سورة الإسراء، نقلاً عن ابن عساكر وابن عدي أنّهما رَويا عن أنس بن مالك عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: ليلة أُسري بي إلى السماء رأيتُ مكتوباً على ساق العرش: لا إله إلّا الله محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أيّدتهُ بعليّ.
وروى القندوزي في الينابيع باب / ٥٦، نقلاً عن ذخائر العقبى للطبري عن أبي الحمراء عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: ليلة أسري بي على السماء، نظرتُ إلى الساق الأيمن من العرش فرأيتُ مكتوباً محمد رسول الله، أيّدتهُ بعليّ ونصرته به، وقال: أخرجه الُملّا في سيرته.
وروى القندوزي أيضاً في الباب نقلاً عن كتاب «المناقب السبعون » الحديث التاسع عشر / عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : مكتوب على باب الجنّة قبل أنْ يخلق الله السماوات والأرض بأَلَفيْ عام، محمد رسول الله، وعليٌ أخوه، قال رواه ابن المغازلي.
أقول: رواه أحمد في المناقب، والعلّامة الهمداني في كتابه مودّة القربى / المودّة السادسة، والخطيب الخوارزمي في المناقب، وابن شيرويه في الفردوس، كلهم عن جابر بن عبد الله الأنصاري، كما مرّ.
وتذكرت حديثاً جميلاً مناسباً لموضوع الحوار، أخرجه العلّامة الهمداني الشافعي في مودّة القربى / المودة الثامنة / عن عليّعليهالسلام أنّه قال له النبيصلىاللهعليهوآله : إنّي رأيتُ اسمك مقروناً باسمي في أربعة مواطن:
١- فلمّا بلغتُ بيت المقدس في معراجي إلى السماء وجدتُ على صخرة بها لا إله إلّا الله محمّد رسول الله أيّدته بعليّ وزيره.
٢- ولمـّا انتهيتُ إلى سدرة المنتهى وجدتُ عليها إنّي أنا الله لا اله إلا انا وحدي، محمد صفوتي من خلقي أيّدتُه بعليّ وزيره و نصرته به.
٣- ولما انتهيت الى عرش رب العالمين فوجدتُ مكتوباً على قوائمه إنّي أنا لا إله إلّا الله أنا محمد حبيبي من خلقي أيّدتهُ بعليّ وزيره و نصرتُهُ به.
وروى الثعلبي في تفسيره - كشف البيان - والطبري في تفسيره في تفسير الآية ٦٢ من سورة الأنفال:( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ ) عن أبي هريرة وعن ابن عباس أنّها نزلت في عليّ. ثم رَوَوْا عن النبيصلىاللهعليهوآله : رأيتُ مكتوباً على العرش: لا إله إلّا الله وحده، لا شريك له، محمد عبدي ورسولي أيّدتُهُ ونصرته بعلي بن أبي طالب.
أخرجه القندوزي أيضاً في الينابيع الباب الثالث والعشرون عن أبي نعيم الحافظ عن أبي هريرة، وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس حبر الأمّة، قال القندوزي: وروى عن أنس بن مالك نحوه، ثم
نقل عن كتاب الشفاء: روى ابن قانع القاضي عن أبي الحمراء قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لمـّا أُسريَ بي إلى السماء إذا على العرش مكتوب: لا إله إلّا الله محمّد رسول الله أيّدته بعليّ.
وروى ابن المغازلي الفقيه الشافعي في كتابه المناقب / حديث رقم ٨٩ بسنده عن ابن عباس قال: سُئل النبيصلىاللهعليهوآله عن الكلمات التي تلقّاها آدمُ من ربّه فتاب عليه. قال: سأله بحق محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا تُبتَ عليَّ، فتاب عليه(١) .
وأخرجه عنه القندوزي في الينابيع / الباب الرابع والعشرون.
أكتفي بهذا المقدار من الروايات والأخبار وأظن أنّ الشيخ استوفى جوابه: بأنّ الله تعالى قرن اسم وليه علي بن أبي طالب باسمه واسم حبيبه ونبيّه، لا نحن، والخبر ليس بضعيف ولا عن طريق واحد بل وصل إلينا من طرق شتّى، ونقله علماء المسلمين من السُنّة والشيعة.
وأما كلامك يا شيخ: بأنه هل كان أبو طالب نبياً يوحي إليه؟
فأقول: الوحي لا يلازم النبوّة، فقد أوحى اللهُ تعالى إلى أم موسى وما كانت في مقام النبوّة، والله سبحانه يصرِّح في ذلك بقوله عزّ وجلّ:
( وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (٢) .
____________________
١) وكذلك أخرجه عن ابن المغازلي صاحب تفسير اللوامع: ج ١/٢١٩.
و أخرجه السيوطي في الدّر المنثور: ج١/٦٠ و قال: أخرجه ابن النجّار.
«المترجم»
٢) سورة القصص، الآية ٧.
وربّما أوحى اللهُ تعالى إلى غير الإنسان كما في قوله سبحانه:
( وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ ) (١) .
وممّا لا شكّ فيه أنّ الوحي له مراتب فالمرتبة الأعلى والأقوى منها تحصل للأنبياء، والأدنى منها تحصل لغير الأنبياء بإرادة الله القادر المنّان.
كما أنه نستفيد من كلام الله تعالى، أنّ أوامره إلى عباده وهدايتهم لمقاصده، لا تنحصر بطريق الوحي، فإنه قادرٌ أن يبلِّغها لمن يريد بأي طريق شاء، ولو بخلق النداء والصوت، كما حدث ذلك لمريم ابنة عمران، فقد قال سبحانه:( فَناداها مِنْ تَحْتِها إلّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا * فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) (٢) .
فكما إن الله عز وجلّ بلّغ مراده إلى أم موسى بالوحي، وإلى أمّ عيسى بالنداء، فقد بلّغ أبا طالب أيضاً بأنّه انتخب اسم عليّ واشتقّه من اسمه الأعلى لوليد الكعبة، فسمّاه عليّاً.
ولا نقول بأنّ الوحي الذي كان ينزل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله نَزلَ على أبي طالب ولا نعتقد نبوّته، وانما نقول بأنّ الله تعالى نبّه أبا طالب وبلّغه إمّا بالنداء أو بمشاهدته لوحاً مكتوباً أن يُسمّي ولده بالاسم المشتق من اسم الله العليّ الأعلى، فيسمّيه علياً وقد فعل أبو طالب
____________________
١) سورة النحل، الآية ٦٨.
٢) سورة مريم، الآية ٢٤ - ٢٦.
ذلك، ولم ننفرد نحن بهذا القول، بل وافقنا فيه بعض أعلامكم أيضاً.
روى العلّامة الهمداني الشافعي في كتابه مودّة القربى / المودّة الثامنة، ونقل عنه الحافظ القندوزي في كتابه ينابيع المودّة / الباب السادس والخمسون: عن العباس بن عبد المطلب (رضي الله عنه) قال: لما ولدت فاطمة بنت أسد عليّاً سمّته باسم أبيها أسد، ولم يرض أبو طالب بهذا الاسم فقال: هلمّ حتى نعلو [ جبل ] أبا قبيس ليلاً وندعو خالق الخضراء لعلّه ينبئنا في اسمه، فلمّا أمسَيا خرجا وصعدا أبا قبيس ودعيا الله تعالى، فأنشأ أبو طالب شعراً:
يا ربَّ هذا الغَسَق الدُجىّ |
والفَلَق المنبلج المـُضِيّ |
|
بيِّن لنا من أمرك المقضيِّ |
بما نسمّي ذلك الصبي؟ |
فاذا خشخشةٌ من السماء، فرفع أبو طالب طرفه فإذا لوحٌ مثل زبرجد أخضر فيه أربعة أسطر فأخَذَه بكلتَيْ يديه وضمّه إلى صدره ضمّاً شديداً فإذا مكتوب:
خُصّصتما بالولد الزكيّ |
و الطاهر المنتجَبِ الرضيّ |
|
واسمه مِنْ قاهرٍ عليّ |
عليُّ اشتُقَ من العليّ |
فسُرَّ أبو طالب سروراً عظيماً وخَرّ ساجداً لله تبارك وتعالى وعَقّ [عنه] بعشرٍ من الإبل، وكان اللوح معلّقاً في بيت الله الحرام يفخر به بنو هاشم على قريش حتى غلب الحجاجُ بنَ الزبير. انتهى كلام العلّامة الهمداني.
أقول: وهذه الرواية عطفٌ على ما شبق وتدلّ على أنّ أبا طالب كان مؤمناً بالله موحِّداً له سبحانه متوجّهاً إليه في مهامّه وحوائجه.
وأمّا قولك يا شيخ: بأنّ فقهاء الشيعة يفتون بوجوب ذكر
عليّعليهالسلام في الأذان، فهو كذب وافتراء، ولو كنتَ صادقاً فاذكر لنا فتوى واحدٍ من فقهائنا.
نعم نحن نذكر اسم الإمام عليّعليهالسلام ونشهد له بالولاية والإمامة، بقصد الندب وإجهاراً بالحق، لأنّا نعرف مندوبيّة ذلك ومطلوبيّة ذكر اسم عليّ بالولاية والإمامة بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، نعرفهُ ممّا ذكرْنا من الروايات في كتبكم المعتبرة والتي مرّت مع ذكر المصادر الكثيرة، بأنّ الله عزّ وجلّ قَرَنَ اسم عليّعليهالسلام مع اسم النبيّصلىاللهعليهوآله ، وذَكَر علياً بعد ذكر حبيبه ورسوله محمّدصلىاللهعليهوآله حتى في عرشه العظيم وعلى أبواب الجنان قبل أن يخلق الأرض والسماوات.
ونكتفي بهذا ونرجع إلى صلب الموضوع في الحوار وهو ذكر أمهات الفضائل والأصول الثابتة لعليّعليهالسلام .
زهد الإمام عليّعليهالسلام وتقواه
والفضيلة الثانية التي امتاز بها ولا يساويه أحدٌ فيها فضيلة الزهد والتقوى. وأجمعَ علماءُ الاسلام عامّة، وجمهور المحدثين وأصحاب السيرة والتاريخ بأنّ عليّ بن أبي طالب كان أزهدَ الناس بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأورَعهم واتقاهم، حتى أنّ العلّامة ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة نقل قول الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز أنّه قال: ما علمنا أحداً كان في هذه الأمّة بعد النبيصلىاللهعليهوآله أزهد من عليّ بن أبي طالب(١) .
____________________
١) وجاء في كتاب تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي / الباب الخامس في ذكر ورعه =
. . . . .
____________________
= وزهده وعبادتهعليهالسلام / قال: أخبرنا غير واحد، ثم ذكر الإسناد إلى محمد بن قيس عن أبي شهاب قال: كان عمر بن عبد العزيز (رض) يقول: ما علمنا أنّ أحداً من هذه الأمة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أزهد من عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، ما وضعَ لبنة على لِبنة، ولا قصبة على قصبة.
وبه قال عبد الله بن أحمد بن حنبل.
قال ابن أبي الحديد في مقدمته على شرح نهج البلاغة وهو يصفه: وأمّا الزهد في الدنيا فهو سيّد الزهّاد و أمّا الزهد في الدنيا فهو سيّد الزهّاد و بَدَلُ الأبدال و إليه تُشدّ الرحال، ما شبعَ من طعامٍ قطّ و كان أخشنَ الناس مأكلاً و مَلبساً.
قال عبد الله بن أبي رافع: دخلتُ إليه يوم عيد، فقدَّم جراباً مختوماً فوجدنا فيه خبز شعير يابساً مرضوضاً فقُدِّم فأكَلَ فقلت يا أمير المؤمنين فكيف تختمه؟ قال: خفت هذين الولدين أنْ يلُتّاه بسمن أو زيت.
و كان ثوبه مرقوعاً بجلدٍ تارةً و ليفٍ أخرى و نعلاه من ليف، و كان يلبس الكرباس الغليظ.
وكان يأتدم اذا اِئتدم بخَلٍّ أو بملح، فإن ترقّى عن ذلك فبعض نبات الأرض فإنْ ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل، و لا يأكل اللحم إلا قليلاً و يقول: لا تجعلوا بطونكم مقابَر الحيوان. و هو الذي طلّق الدنيا، و كانت الأموال تُجبى إليه من جميع بلاد الإسلام إلا من الشام فكان يفرّقها.
ونقل ابن أبي الحديد في ج ٢ / ٢٠١، ط. دار إحياء الكتب العربية / قال: و روى معاوية بن عمار عن جعفر بن محمدعليهالسلام قال: ما اعتلج على عليّعليهالسلام أمران في ذات الله سبحانه، إلّا أخذ بأشدّهما، و لقد علمتم أنّه كان يأكل - يا أهل الكوفة - عندكم من ماله بالمدينة، و أن كان ليأخذ السويق فيجعله في جراب و يختم عليه مخافة أن تُزاد عليه من غيره، و مَن كان أزهد في الدنيا من عليّعليهالسلام ؟! =
ونقل أعلام محدثيكم في كتبهم عن الأحنف بن قيس قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب وقت إفطاره إذ دَعا بجرابٍ مختوم فيه سويق الشعير.
فقلت: يا أمير المؤمنين لم أعهدك بخيلاً فكيف ختمت على هذا الشعير؟!
فقال: لم أختمه بخلاً ولكن خفتُ أن يلينه الحسن أو الحسين بسمن أو زيت.
قلت: هما حرام عليك؟ قال: لا ولكن يجب على الأئمة أن
____________________
= وروى في صفحة ٢٠٠ عن بكر بن عيسى قال: كان عليٌّعليهالسلام يقول: يا أهل الكوفة، إذا أنا خرجت من عندكم بغير راحلتي و رحلي و غلامي فلان، فأنا خائن فكانت نفقته تأتيه من غلّته بالمدينة بينبعٌ.
ونقل محمد بن طلحة العدوي النصيبي في كتابه مطالب السئول / الفصل السابع / فقال إنّهعليهالسلام قد وَلَّى على عكبرا رجلاً من ثقيف فقال هذا الوالي: قال ليعليهالسلام إذا صلّيت الظهر غداً فعد إليَّ، قال: فلمّا كان الغد وصلّيت الظهر غدوت إليه فلم أجد عنده حاجباً يحبسني دونه، فوجدته جالساً و عنده قدح و كوز ماء، فدعا بوعاء مشدود عليه ختم.. فلمّا كسر الختم و حَلّه فإذا فيه سويق فأخرج منه فصّبه في القدح و صب عليه ماء وشرب و سقاني، فلم أصبر فقلت: يا أمير المؤمنين أ تصنع هذا في العراق و طعام العراق كثير؟! فقال أما و الله ما أختم عليه بُخلاً و لكنّني أبتاع قَدَر ما يكفيني فأخاف أن يوضع في من غيره و أنا أكره أن يدخل بطني إلّا طيِّباً، فلذلك أحترزتُ عليه بما ترى. فإيّاك و تناول ما لا تعلم حِله.
رواه أيضاً سبط بن الجوزي في التذكرة / الباب الخامس / بسنده عن عبد الملك بن عمر ورواه آخرون من أعلام العامة.
«المترجم»
يغتذوا بغذاء ضعفاء الناس وأفقرهم ليراهم الفقير فيرضى عن الله تعالى بما هو فيه، ويراهم الغني فيزداد شكراً وتواضعاً(١) .
ونقل المحدّثون عن سويد بن غفلة وغيره، قال: دخلتُ على عليّ ابن أبي طالب في الكوفة فرأيتُ بين يديه رغيف من شعير وقدح من لبن، والرغيف يابس تارةً يكسره بيده وتارةً بركبتيه، فشقّ علي ذلك.
فعاتَبتُ جاريةً له يقال لها فضّة فقلت: ألا ترحمين هذا الشيخ وتنخلين له هذا الشعير، أما ترين نشارته على وجهه وما يعاني منه؟!
فقالت: إنّه عهد إلينا أن لا ننخل له طعاماً قطّ. فالتفت عليٌّ إليّ وقال: ما تقولها لها؟ فأخبرته وقلت: يا أمير المؤمنين إرفقْ بنفسك.
فقال: ويحَك يا سويد ما شبع رسول اللهصلىاللهعليهوآله من خبز بُرّ ثلاثاً حتى لقي الله، ولا نُخِل له طعام قط، يا بن غفلة! ذلك أحرى أنْ يذل النفس ويقتدي بي المؤمنون، وألحق برسول اللهصلىاللهعليهوآله (٢) .
ونقل العلّامة القندوزي في الينابيع / الباب الحادي والخمسون / قال: أخرج الموفق بن أحمد الخوارزمي عن عدي بن ثابت قال: أوتي عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، بفالوذج فأبى أن يأكل منه وقال: إنه شيء لم يأكل منه رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلا أحب آن آكل منه(٣) .
____________________
١) رواه سبط ابن الجوزي في التذكرة / الباب الخامس، ورواه الحافظ القندوزي في الينابيع / الباب الحادي والخمسون.
٢) رواه سبط ابن الجوزي عن سويد بن غفلة والقندوزي عن علقمة، ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب والطبري في تاريخه.
«المترجم»
٣) الفالوذج: نوع من الحلوى.
وفي الخبر المرويّ عن أهل البيتعليهمالسلام أنّ الإمام عليعليهالسلام في الليلة التي ضرب فيها بسيف ابن ملجم لعنه الله، كان ضيفاً عند ابنته زينب الكبرىعليهالسلام فقدَّمَت له الفطور في طَبقٍ فيه قرصان من خبز الشعير، وقصعة فيها اللبن الحامض، وقليل من الملح، فلما نظر الإمام إلى فطوره عاتب ابنته قائلاً: بُنيّة! متى رأيت أباك يجلس على مائدة فيها إدامان؟ إرْفَعي اللبن فإنّ في الملح كفاية، ثمّ أكل قرصاً واحداً مع الملح وحمد الله تعالى. ثم قال: في حلال الدنيا حساب وفي حرامها عذاب وعقاب(١) .
زهده في ملبسه
لقد وصف المحدِّثون والمؤرخون ملبوس الإمام عليّعليهالسلام فقالوا: كان كرباساً خشناً غليظاً ورخيصاً، بعضٌ قدّره بثلاث دراهم، وبعض
____________________
١) جاء في كتاب أمير المؤمنين إلى عثمان بن حُنيف عامله على البصر، كما في نهج البلاغة وإنّما هي نفسي أروضُها بالتقوى لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر، و تثبت على جوانب المزْلق، و لو شئتُ لاهتديْتُ الطريقَ إلى مصفى هذا العسل و لُباب هذا القمح و نسائج هذا القَزّ، و لكن هَيْهات أنْ يَغلِبَني هواي، و يقودَني جَشَعي إلى تخيّر الأطعمة، و لعلّ بالحجاز أو باليمامة مَنْ لا طمعَ له في القرص و لا عهد له بالشَبَع، أو أبيتُ مِبطاناً و حَوْلي بطونٌ غرثى و أكبادٌ حَرّى، أ و أكون كما قال القائل:
و حسبك عاراً أنْ تبيتَ ببطنةٍ |
و حولك أكبادٌ تحنّ إلى القِدِّ |
أاُقنع من نفسي بأن يُقال أمير المؤمنين و لا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون اُسوةٌ لهم في جُشوبة العيش ...الخ.
«المترجم»
بخمسة دراهم، وكان لباسه مرقّعاً تارةً بجلدٍ وتارة بالليف، ونقل سبط ابن الجوزي في التذكرة / الباب الخامس، عن الزمخشري أنّه روى في كتابه ربيع الأبرار، عن أبي النّوار أنّه قال: والله لقد رَقعتُ مدرعتي هذه حتّى استحييت من راقعها و قد قيل لي: ألا تستبدلها، فقلت للقائل: ويحك أعزُب! فعند الصباح يحمد القوم السرى.
ونقل أكثر أصحاب السيرة والتاريخ من أعلامكم، منهم محمد ابن طلحة في كتابه مطالب السئول / الفصل السابع / قال: ومنها - أي من قضايا زهدهعليهالسلام - أنّه خرج إلى الناس يوما و عليه إزار مرقوع، فعوتب في لبسه، فقال: يخشع القلب بلبسه، و يقتدي به المؤمن إذا رآه عليَّ(١) ، قال: وقد اشترى يوماً ثوبيْن غليظين فخَيَّر بشر - وهو خادمه - فيهما فأخذ واحداً و لبس هو واحد.
نعم هكذا عاش سلام الله عليه، يأكل الخبز الشعير اليابس ويؤكل الفقراء واليتامى البُرّ بالعسل والتمر بالزيت، وكان يلبس الخشن، ويُلبس الأرامل واليتامى والمعوزين ملابس فاخرة، أثمن مما كان يلبس هوعليهالسلام . وكان يقول: يجب على أئمة الحق أن يتأسَّوا بأضعف رعيتهم في الأكل والملبس.
ضرار بن ضرمة يصف علياًعليهالسلام
نقل المحدّثون من أعلامكم كابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، والحافظ أبي نعيم في حلية الأولياء ج ١/٨٤، والعلامة الشبراوي في الإتحاف بحبّ الأشراف: ٨ ومحمد بن طلحة في
____________________
١) رواه أيضاً العلّامة سبط ابن الجوزي في التذكرة / الباب الخامس.
«المترجم»
مطالب السئول / الفصل السابع، والعلّامة نور الدين بن صبّاغ المالكي في الفصول المهمّة ١٢٨، والقندوزي في الينابيع: باب ٥١، وسبط ابن الجوزي في التذكرة / الباب الخامس آخر الباب، وغير هؤلاء من علمائكم والخبر مشهور عن ضرار بن ضمرة الضبائي قال في مجلس معاوية: أشهد بالله لقد رأيت علي بن أبي طالب في بعض مواقفه و قد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضاً على لحيته، يَتَملْمَل تَمَلْمُلَ السَّليم و يبكي بكاء الحزين، و يقول: يا دنيا غُرّي غيري،أبي تعرَّضْتِ؟ أم إليَّ تشوَّقْتِ؟ هيهات هيهات، طلّقتُكِ ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير و خطرك كبير وعيشك حقير، آه من قلّة الزاد و بُعد السَّفَر و وحشة الطريق فبكى معاوية، وقال: رحم الله أبا حسن كان و الله كذلك(١) .
____________________
١) أرى أنْ أنقلَ للقارئ خبر ضرار بن ضمرة بكامله لما من فوائد جمّة، أنقلُهُ من كتاب تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي، قال في آخر الباب الخامس، باسناده إلى جدِّه أبي الفَرَج بن الجوزي وهو بإسناده المتّصل عن محمد بن السّائب الكلبي عن أبي صالح قال: دخل ضرار بن ضمرة على معاوية فقال له: يا ضرار! صِفْ لي علياً! فقال: أوَ تعفني؟ قال: لا أعفيك قالها مراراً.
فقال ضرار: أما إذْ لا بد من وصفه فكان و الله بعيدَ المدى شديدَ القوى يقول فَصْلا و يحكمُ عدلا يتفجّر العلم من جوانبه و تنطق الحكمة من نواحيه يستوحِش من الدنيا و زهرتها و يستأنس بالليل و ظلمته كان والله غزير الدمعة كثير الفكرة يقلِّبُ كفَّه ويخاطب نفسه يعجبه من اللباس ما خَشُن و من الطعام ما جَشُب كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويبتدئنا إذا أتيْناه ويأتينا اذا دعوناه و نحن و الله مع قُربه منّا ودنوّه إلينا لا نكلّمه هيبة له ولا نبتديه لعظمه، فإنْ تبسَّمَ فعن مثل اللؤلؤ المنظوم يعظِّمُ أهل الدين و يحبّ المساكين لا يُطمع القوي في باطله ، =
بالله عليكم أنصفوا! مَن من الزعماء والرؤساء والملوك والأمراء، هكذا عامل الدنيا وزهرتها وتغاضى عن زينتها وزخرفها؟!
الزهد عطيّة الله تعالى لعليّعليهالسلام
روى كثير من علمائكم المحدّثين، منهم العلّامة محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب / باب ٤٦ / بإسناده الى عمار بن ياسر قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لعليّ بن أبي طالب: إنّ الله قد زيّنك بزينةٍ لم يتزين العباد بزينة أحبّ إلى الله منها، الزهد في الدنيا، و جعلك لا تنال من الدنيا شيئاً و لا تنال الدنيا منك شيئاً، و وهبَ لك حبَّ المساكين فرضوا بك إماماً و رضيت بهم أتباعاً، فطوبى لمن أحبّك و صدّقَ فيك، و ويلٌ لمن أبغضك و كذَّبَ عليك فأمّا الذين أحبّوك و صدَّقوا فيك، فهم جيرانك في دارك و رفقاؤك في قصرك و أمّا الذين أبغضوك و كذبوا عليك فحقٌ على الله أن يُوقِفهم موقف الكذّابين يوم القيامة(١) . « ثم قال هذا حديث حسن ».
____________________
= و لا يُيأس الضعيف من عدله، فاشهد بالله
ولمـّا انتهى من كلامه، بكى معاوية و قال: رحم اللهُ ابا حسن فقد كان و الله كذلك، ثم قال: فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ فقال حزن من ذبح ولدها في حجرها، فلا ترفأ عَبرتُها ولا يسكن حزنُها.
«المترجم»
١) قال محمد بن طلحة العدوي النصيبي في كتابه مطالب السئول / الفصل السابع: وأما زهده فقد شهد له بذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأخبر أنّ الله تعالى حلّاه من الزهد <=
عليٌعليهالسلام امام المتقين
أمّا في التقوى فهو سيد المتقين والممتاز باعلا درجات اليقين والانسان كلما ازداد يقيناً ازداد تقوىً، وهو الذي اشتهر عنه الخبر كما نقله كثير من أعلام محدّثيكم وكبار علمائكم منهم محمد بن طلحة العدوي النصيبي في كتابه مطالب السئول / الفصل السابع قال: وقد
____________________
= بحليته وحباه بزينة بزّته وكساه بزّة زينته فقالصلىاللهعليهوآله ما رواه الحافظ أبو نعيم (رض) بسنده في حليته: يا علي! إنّ الله تعالى قد زيّنك بزينةٍ لم يُزيِّن العباد بزينةٍ أحبّ إلى الله منها هي زينة الأبرار عند الله تعالى، الزهد في الدنيا، فجعلك لا ترْزأ من الدنيا شيئاً و لا ترزأ منك الدنيا شيئاً.
ونقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٩ /١٦٦، ضمن الأحاديث الواردة في فضائل عليعليهالسلام قال: الخبر الأول: يا عليّ، إنّ الله قد زيَّنَك بزينة لم يزيّن العباد بزينةٍ أحبّ إليه منها هي زينة الأبرار عند الله تعالى الزهد في الدنيا جعلك لا ترزأ من الدنيا شيئاً و لا ترزأ الدنيا منك شيئاً، و وهب لك حب المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعاً، و يرضون بك إماما. قال: رواه أبو نعيم الحافظ في كتابه المعروف بحلية المتقين، و زاد فيه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في المسند:
فطوبى لمن أحبّك و صدَّق فيك و ويلٌ لمن أبغضك و كذَّب فيك.
ورواه جلّ من أعلام العامّة الذين كتبوا في المناقب والفضائل منهم ابن المغازلي في المناقب: ح رقم ١٤٨، والمحب الطبري في الذخائر: ١٠٠ وفي الرياض: ج ٢/٢٢٨، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: ج ٩/١٢١ و١٣٢ وقال رواه الطبراني والمتقي في كنز العمال: ج ٥ ص ٣٥ وفي اُسد الغابة: ج ٤/٢٣ وغيرهم أيضاً.
«المترجم»
كان عليٌعليهالسلام منطوياً على يقينٍ لا غاية لمداه ولا نهاية لمنتهاه وقد صرّح بذلك تصريحاً مبينا فقالعليهالسلام : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً، فكانت عبادته الى الغاية القصوى تبعاً ليقينه وطاعته في الذروة العليا لمتانة دينه.
ولقد لقّبه الله ورسولهصلىاللهعليهوآله بإمام المتقين، كما روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٩/١٧٠، الخبر الحادي عشر من الأحاديث التي ذكرها في فضائل الامام عليعليهالسلام . ورواه الحافظ أبو نعيم في حُلية الأولياء والعلّامة الهمداني في كتابه مودّة القربى والعلّامة محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب / باب ٥٤ عن أنس بن مالك قال: قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا أنس اسكب لي وضوء، فتوضَّأ ثم قام وصَلَّى ركعتيْن ثم قالصلىاللهعليهوآله : يا أنس أوَّلَ من يدخل عليك من هذا الباب هو أمير المؤمنين وإمام المتقين و سيد المسلمين و قائد الغرّ المحجّلين و خاتم الوصيين. قد وردت الرواية بالفاظ مختلفة وأنا أنقلها كما يخطر ببالي.
قال أنس: قلت: اللهم اجعله رجلاً من الأنصار و كتمته إذ جاء عليٌعليهالسلام فقالصلىاللهعليهوآله : من هذا يا أنس؟ قلت: علي بن أبي طالب، فقام النبيصلىاللهعليهوآله مستبشراً فاعتنقه ثم جعل يمسح عَرَق وجهه بوجهه و يمسح عَرَقَ عليّ بوجهه فقال عليٌ: يا رسول الله لقد رأيتك صنعت بي شيئاً ما صنعت بي قبل. قال: و ما يمنعني و أنت تؤدِّي عني و تُسمعهم صوتي و تُبيِّن لهم ما اختلفوا فيه من بعدي.
وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد قالصلىاللهعليهوآله : مرحباً بسيد المسلمين وإمام المتقين، رواه عن الحافظ أبي نعيم في الحلية.
وقال محمد بن طلحة في كتابه مطالب السئول / آخر الفصل الرابع / أمّا حصول صفة التقوى له فقد أثبتها رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأبلغ الطرق وأعلاها فأنه قال له يوماً: مرحباً بسيد المسلمين وإمام المتقين. ثم قال: إذا وصفه بكونه إمام أهل التقوى كان مقدَّماً عليهم بزيادة تقواه.
وروى الحاكم في المستدرك: ج ٣/١٣٨، والشيخان مسلم والبخاري في صحيحيهما عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: أُوحي إليَّ في عليّ أنّه سيّد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغرّ المحجّلين(١) .
وروى العلّامة الكنجي في كفاية الطالب / باب ٤٥ بسنده عن عبد الله بن أسعد بن زرارة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لمـّا أُسريَ بي إلى السماء إنتهى بي إلى قصرٍ من لؤلؤ فراشه من ذهب يتلألأ، فأوحى الله إليَّ و أمرني في عليّ بثلاث خصال: بأنّه سيد المسلمين و إمام المتّقين و قائد الغر المحجّلين(٢) .
وروى أحمد في المسند أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوماً خاطب علياً،
____________________
١ و ٢) ورد في كثير من الكتب عن كبار علمائهم، منهم: الخطيب البغدادي في تاريخه: ج ٤/٤١ بطرق شتى عن أبي الأزهر ثم قال: ورواه محمد بن حمدون النيسابوري، وأخرجه الذهبي أيضاً في ميزان الإعتدال: ج ٢/٦١٣ و١٢٨ في «ط» وابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب: ج ١/١٢، والجزري في اُسد الغابة: ج ١/٦٩ وج ٣ /١١٦، والموفّق الخوارزمي في المناقب /٢٢٩، والهيثمي في المجمع: ج ٩/١٢١، وقال: رواه الطبراني في الكبير، وأخرجه أيضاً المحبّ الطبري في ذخائر العقبى /٧٠، والمتقي في منتخب الكنز: ج ٥/٣٤ وقال: أخرجه بن النجار، ورواهما جمع آخر.
«المترجم»
فقال: يا عليّ! النظر إلى وجهك عبادة، إنّك إمام المتّقين و سيّد المؤمنين ، من أحبّك فقد أحبّني ومن أحبَّني فقد أحبَّ الله، ومن أبغضكَ فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغضَ الله.
من الواضح أنّ وصف النبيصلىاللهعليهوآله أحداً وإعطائه اللَّقَب ومدحه للشخص يفرق عن سائر الناس، فربما وصف الناسُ ملكاً وسلطاناً بما لا يليق فيغالون في الوصف والمدح، كمدح كثيرٍ من المؤرخين لكثير من الوزراء والأمراء والسلاطين، ولكنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله منزَّهٌ من التملّق والمغالاة في مدح الأشخاص، ولا يقول إلّا حقاً، ولا يصف إلّا واقعاً، بل في مثل هذه القضايا فهوصلىاللهعليهوآله ( وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) (١) .
ولا سيما في هذا الأمر، إذْ يؤكِّد فيقول: ليلة أُسري بي إلى السماء أوحى إليَّ و أمرني في عليّ بثلاث خصال: بأنه سيد المسلمين و إمام المتقين و قائد الغرّ المحجّلين. فهذه خصائص عظيمة ومقامات كريمة خصَّ الله تعالى بها وليَّهُ عليَّ بن أبي طالب على لسان خاتم أنبيائه وسيّد رسله، وبعد وصف ربِّ العالمين وبيانه المبين لأمير المؤمنين سلام الله عليه لا يسع المسلمين إلا الخضوع أمامه والخشوع له والتسليم لأمره.
الشيخ عبد السلام: كلّما قلته من مناقب وفضائل سيدنا عليّ كرم الله وجهه فهو قليل من كثير ونحن نعرف أكثر مما قلتم حتى أنّ معاوية (رض) قال فيه: عقمت النساء أنْ يلدنَ مثل علي بن أبي طالب.
قلت: فكما أنّهصلىاللهعليهوآله قد امتاز بنسبه ونورانية خلقته من حيث
____________________
١) سورة النجم، الآية ٣ و٤.
الورع والتقوى، فهو مقدّم على الجميع من هذه الجهة أيضاً.
وقد قال الله الحكيم في كتابه الكريم:( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقاكُمْ ) (١) .
فإذا كان أهل التقوى أكرم العباد عند الله تبارك وتعالى، فما بالكم بإمام المتقين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ؟
وهنا قد خطر شيءٌ في بالي وهو السؤال التالي: هل يُحتمل في إمام المتقين أنْ يتبّع الهوى ويعصي ربّه لأجل الدنيا؟
الشيخ عبد السلام: لا يُحتمل ذلك في سيدنا عليّ كرم الله وجهه، كيف وهو الذي طلّق الدنيا ثلاثاً، كما ذكرتم فيما نقلتم من ضرار بن ضمرة، فمقام سيدنا عليّ كرم الله وجهه أجلّ مِن أنْ يُنسَب إليه ذلك.
قلت: فعلى ذلك كانت أعمال الإمام عليَعليهالسلام من حركاته وسكناته وقيامه وقعوده وتكلّمه وسكوته وموافقته ومخالفته وحربه وسلمه، كلُّها لله تعالى وإحقاقاً للحق.
الشيخ عبد السلام: نعم هكذا كان سيدنا عليّ كرَّم الله وجهه.
فاقضوا أيها المنصفون!!
قلت: إذا كان كذلك، يجب أن تفكروا في عدم مبايعة الإمام عليّعليهالسلام لأبي بكر في أوّل الأمر، بل اعترض على خلافته اعتراضاً شديداً.
والمفروض أنّ المتقي ولا سيما إمام المتّقين، لا يترك الحق ولا يعارضه، وحديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي نقلته لكم في بعض الليالي
____________________
١) سورة الحجرات، الآية ١٣.
الماضية إذ قالصلىاللهعليهوآله : عليٌ مع الحق والحقّ مع عليّ حيثما دار.
فإذا كانت خلافةُ أبي بكر حقاً! فلماذا وكيف لا يبايعه الامام عليعليهالسلام ؟
بل عارضَهُ بشدّة، حتى انتهى الأمر إلى اقتحام دار فاطمة وعليّ، وآل الهجوم إلى قتل الجنين - محسن - ووفاة السيدة فاطمةعليهالسلام و
[ وقد ذكرنا ذلك بالتفصيل في الليلة الماضية، مع ذكر المصادر من كتبكم ] وإذا كانت خلافة أبي بكر باطلاً وخلافاً، فلماذا أنتم تتمسكون بالباطل على يومنا هذا؟
الشيخ عبد السلام: إنّي أتعجب من كلام الشيعة حيث يقولون: سيدنا علي كرم الله وجهه لم يبايع أبا بكر (رض)، فقد ذكر المؤرّخون كلهم حتى مؤرخيكم: بأن سيدنا علي (كرم الله وجهه) بايع أبا بكر بعد وفاة فاطمة الزهراء، ولم يخالف الإجماع.
قلت: العجب في كلامك هذا، وكأنّك نسيت حديثنا وحوارنا في الليالي الماضية، حيث أثبتنا انهعليهالسلام أُجبر واُكره على البيعة، فعدم رغبته وعدم مطاوعته في بيعة أبي بكر دليل على بطلان خلافته، ثم أنت تعترف بأنهعليهالسلام ما بايع إلّا بعد وفاة الزهراء سيّدة النساءعليهالسلام ، وصرَّحَ أعلامكم كالبخاري ومسلم وغيرهما أنّ وفاتها كانت بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله بستة أشهر، فهل في هذه المدة كان عليٌّعليهالسلام تاركاً للحق وسالكاً غير سبيل المتقين؟!
الشيخ عبد السلام: لقد كان سيدنا علي كرم الله وجهه أعرف من غيره بتكليفه ولا يجوز لنا أن نتدخّل في خلافات الصحابة ونجدّد قضايا مرّت عليها الدهور والقرون!!
قلت: إنّ هذا الكلام إنهزامٌ من الواقع والحق وليس بجوابٍ مرضيّ في الحوار، لأن تلك الخلافات تمسُّنا أيضاً. إذْ يجب على كل مسلم بل كل إنسان أن يبحث عن الحقائق، ويلتزم بالحق، ويعتنقه، ويصدّق الواقع المعلوم، ويبتعد عن المكذوب الموهوم.
الشيخ عبد السلام: إذا أردت بهذا الإستدلال والبرهان أنْ تُبيِّن أنّ أبا بكر (رض) كان باطلاً وخلافته كانت غير مشروعة ومناقضة لدين الله فلماذا سكتَ وسكنَ الإمام علي كرم الله وجهه! بل كان عليه أنْ ينهض ويثور على الخليفة وأنصاره، ويسترجع حقّه ويُبطل الباطل، وهو ذلك الشجاع الذي لا تأخذه في الله لومة لائم.
سكوت بعض الأنبياء واعتزالهم عن أممهم
قلت: نحن نعتقد بأنّ الأنبياء والأوصياء يعملون في المجتمع ويتعاملون مع أممهم على أساس الأوامر التي يتلقونها من الله عزّ وجلّ، لذلك لا نعترض عليهم ولا ننتقد أعمالهم بأنهم سكتوا أو لماذا لم يقاتلوا أو لماذا تكلموا؟!
وإذا راجعنا تاريخ الأنبياء، نجد كثيراً منهم كانوا مغلوبين مقهورين أو مهجورين ومنعزلين، فهذا القرآن الحكيم يحدثنا عن نوح وهو من أولي العزم وشيخ الأنبياء:( فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) (١) .
ويحدثنا عن اعتزال ابراهيم الخليل لقوْمِه قائلاً:
____________________
١) سورة القمر، الآية ١٠.
( وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله وَ أَدْعُوا رَبِّي ) (١) .
الشيخ عبد السلام: أظن أنّهعليهالسلام اعتزل عنهم فلباً لا جسماً.
[ فهو وإن كان مخالفاً لهم قلباً، ولكنه كان يعيش بينهم ويشاركهم ].
قلت: ولكن لو راجعتَ التفاسير لوجدت أنّ أكثر المفسرين قالوا: بأنّهعليهالسلام فارقهم بجسمه أيضاً وابتعدَ عنهم، فالفخر الرازي في تفسيره الكبير: ج ٥/٨٠٩ قال: الإعتزال للشيء هو التباعد عنه، والمراد إنّي أفارقكم في المكان وأفارقكم في طريقتكم.
وذكر أرباب السِيَر والتاريخ أنّ ابراهيم هاجر من بابل، وسكن الجبال مدّة سبعة أعوامَ ، ثمّ رجع إليهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وأنْ يتركوا عبادة الأصنام، ثم جرى ما جرى حتّى ألقوه في النار، فجعلها الله سبحانه برداً وسلاماً.
ويحدّثنا القرآن الحكيم عن فرار موسى بن عمران وخروجه من بلده خائفاً، فيقول:( فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (٢) .
ويحدثنا الله تعالى في كتابه عن مخالفة قوم موسى لأخيه وخليفته هارون، وأنّهم عبدوا العجل الذي صنعه السامريّ، فلما عاد إليهم موسى ورأى انقلابهم وكفرهم وسكوت هارون على أفعالهم المخالفة للدين وللشريعة الإلهية، عاتبه على ذلك، كما نفهم من قول الله سبحانه:( وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ
____________________
١) سورة مريم، الآية ٤٨.
٢) سورة القصص، الآية ٢١.
اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْداءَ ) (١) .
تشابه أمر عليّعليهالسلام بهارون
فكما أنّ هارون كان خليفة أخيه موسى بن عمران في قومه، ولكنهم لم يأخذوا بقوله وخالفوه وتوجّهوا إلى العجل الذي صنعه السامريّ لهم فعبدوه، ولما منعهم هارون من ذلك، وقال لهم: هذا شركٌ وكفر بالله عزّ وجلّ، هاجموه وكادوا يقتلوه، ولمـّا لم يجد أعواناً وأنصاراً سكن وسكت وتركهم في غيّهم وطغيانهم يعمهون.
كذلك أمير المؤمنين وسيد الوصيين عليٌعليهالسلام - الذي شبّهه النبيصلىاللهعليهوآله بهارون في حديث المنزلة وقد ذكرناه في الليالي السالفة مع المصادر والمعتبرة عندكم - لمـّا رأى القوم بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله انقلبوا على أعقابهم وتركوا الحق وخالفوا أمر ربهم فوعظهم وأرشدهم، ولكنهم هاجموه وكادوا يقتلونه، فسكت وسكن وتحمَّل وصبر.
وذكر كبار علمائكم: أنّ عمر وأصحابه لمـّا جاءوا بعليّعليهالسلام إلى المسجد، وطلبوا منه البيعة، وهدَّدوه بالقتل إنْ لم يُبايع، نظر إلى قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأشار إليه مخاطباً: يا( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ کَادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (٢) .
____________________
١) سورة الاعراف، الآية ١٥٠.
٢) ذكر ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم المتوفي سنة: ٢٧٠ من أكبر علماء السنة وأشهر أعلامهم، قال في كتابه الامامة والسياسة تحت عنوان: كيف كانت بيعة =
. . . . .
____________________
= علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه قال: و إنّ أبا بكر (رض) تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليّعليهالسلام كرم الله وجهه، فبعث إليهم عمر بن الخطاب فجاء فناداهم و هم في دار عليّعليهالسلام فأبوا أن يخرجوا فدعا عمر بالحطب وقال: و الذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنّها على مَنْ فيها. فقيل له: يا ابا حفص إنّ فيها فاطمة فقال: و إنْ. فخرجوا فبايعوا إلّا عليّاً فإنّه زعم أنّه قال حلفتُ إنْ لا أخرج و لا أضع ثوبي على عاتقي حتّى أجمع القرآن. فوقفت فاطمةعليهاالسلام على بابها فقالت: لا عهد لي بقومٍ حضروا أسوَء محضر منكم تركتم رسول اللهصلىاللهعليهوآله جنازة بين أيدينا و قطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا و لم تردّوا لنا حقّا. فأتى عمر أبا بكر فقال له: أ لا تأخذ هذا المتخلِّف عنك بالبيعة فقال أبو بكر لقنفذ و هو مولى له إذهب فادعُ لي عليّاً. قال: فذهب قنفذ إلى عليّعليهالسلام فقال له: ما حاجتُك؟ قال: يدعوك خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآله . فقال عليعليهالسلام : لسريع ما كذّبتم على رسول الله فرجع فأبلغ الرسالة. قال: فبكى أبو بكر طويلاً فقال عمر ثانيةً: أنْ لا تُمِهل هذا المتخلِّف عنك بالبيعة. فقال أبو بكر لقنفذ: عُد إليه فقل له: أميرُ المؤمنين يدعوك لتبايع فجاءه قنفذ فأدّى ما أُمِر به فرفع عليٌّ صوته فقال: سبحان الله لقد ادَّعى ما ليس له. فرجع قنفذ فأبلغَ الرسالة. قال: فبكى أبو بكر طويلاً. ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتّى أتوا باب فاطمةعليهاالسلام فدقّوا الباب فلمّا سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبتِ يا رسول الله! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب و ابن أبي قحافة؟!
فلمّا سَمع القوم صوتها و بكاءها انصرفوا باكين وكادت قلوبهم تنصدع و أكبادهم تنفطر و بقي عمر و معه قوم فأخرجوا علياً. مضوا به إلى أبي بكر فقالوا له: بايع. فقال: إنْ أنا لم أفعل فَمَه؟
قالوا: إذاً و الله الذي لا إله إلّا هو نضرب عنقك. قال: إذاً تقتلون عبد الله و أخا رسوله. قال عمر: أما عبد الله فنعم و أما أخا رسوله فلا. و أبو بكر سأكتٌ =
ثم إنّ سيرة خاتم النبيينصلىاللهعليهوآله خير دليل لنا، وهوصلىاللهعليهوآله كتمَ رسالته في مكة عشر ثم أعلنها ثلاث سنين لا يطالب أهلها إلّا بكلمة التوحيد، هاتفاً: قولوا لا إله إلّا الله تُفلحوا، وسكت عن سائر عاداتهم الجاهليّة، ومع ذلك هجموا عليه الدار وأرادوا قتله، ففرَّ منهم مهاجراً إلى يثرب، لأنّه لم يكن له أنصار في مكة يتمكنون من حمايته والذَّبّ عنه. وقد قيل:
الفرار مما لا يُطاق من سُنن المرسلين.
والأعجب من هذا أنّهصلىاللهعليهوآله حتى عندما أصبح مقتدراً وحاكماً ما تمكّن من تغيير ما كان يرى تغييره لازماً.
الشيخ عبد السلام: هذا كلامٌ غريب وأمر عجيب! كيف عجز رسول اللهصلىاللهعليهوآله من تغيير ما كان يلزم تغييره؟!
قلت: هذا الأمر العجيب الغريب عندكم قد نقلَه بعض كبار أعلامكم منهم أحمد بن حنبل في المسند، والعلّامة الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا عائشة! لو لا أنّ قومك حديثوا عهدٍ بشرك، لهدمتُ الكعبة،
____________________
= لا يتكلم. فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك!! فقال:لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه.
فلحق عليٌّ بقبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله يصيح و يبكي و ينادي: يا( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي ) .
أقول: والحديث ذو شجون، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
«المترجم»
فألزقتها بالأرض و جعلتُ لها بابيْن: باباً شرقيّاً و باباً غربيّاً، و زدتُ فيها ستّة أذرع من الحِجْر، فإنّ قريشاً اقتصرتها حيث بنت الكعبة(١) .
فإذا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا يقدم على مثل ذلك الأمر المهم رعايةً لبعض المصالح، فكذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام وهو تلميذ النبيصلىاللهعليهوآله ، والمتعلم منه، فهوعليهالسلام رعاية لبعض الجهات الدينية العامّة والمصالح الإسلاميّة الهامّة سكتَ وسكنَ وصبرَ وتحمّل كل ما أوردوه عليه من الظلم والجفاء، بسبب البغضاء والشحناء التي كانت مكتومة في صدورهم ومكنونة في قلوبهم، وقد كان النبيصلىاللهعليهوآله يعلم ذلك فيخبر علياً في حياته ويبكي على غُربته ومظلوميته، كما روى الخوارزمي في مناقبه والعلّامة الفقيه ابن المغازلي أيضاً في مناقبه: أنّ النبيصلىاللهعليهوآله يوما نظر إلى عليّعليهالسلام فبكى، فقال له: ما يبكيك يا رسول الله صلى الله عليك؟ قالصلىاللهعليهوآله : ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها حتى أفارق الدنيا. قالعليهالسلام : فما أصنع يا رسول الله؟ قال: تصبر، فيعطيك ربُّك أجر الصابرين(٢) .
____________________
١) صحيح مسلم: ج ٢ / كتاب الحج باب ٦٩ نقض الكعبة وبنائها: رواه بطرق شتى وكلها بالإسناد إلى عائشة بألفاظ مختلفة.
«المترجم»
٢) المذكور في متن الكتاب إنما هو الترجمة العربيّة لمـا ذكره السيد المؤلف بالفارسية، وأما نصّ الحديث كما في ينابيع المودّة للعلّامة القندوزي الباب الخامس والاربعون، قال: اخرج الموفق بن أحمد الخوارزمي والحمويني، بالإسناد عن أبي عثمان النهدي عن عليّ كرّم الله وجهه قال: كنت أمشي مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله فأتينا على حديقة فاعتنقَني و أجهش باكياً فقلت يا رسول الله ما يبكيك؟ فقال =
لماذا قعد عليّعليهالسلام ولم يُطالب بحقه؟
إنّ علياًعليهالسلام كان متفانياً في الله سبحانه، فلا يريد شيئاً لنفسه و لا يطلب المصالح الشخصيّة، بل أثبت في حياته وسلوكه أنّهعليهالسلام كان وراء المصالح العامّة، وكان يبتغي مرضات الله تعالى بالحفاظ على الدين، وإبقاء شريعة سيد المرسلين، و لا يخفى أن الإسلام في ذلك الوقت كان بعدُ جديداً ولم ينفذ في قلوب كثير من معتنقيه، فكانوا مسلمين بألسنتهم ولمـّا يدخل الإيمان في قلوبهم، لذا كان الإمام عليعليهالسلام يخشى من حرب تقع بين المسلمين إذا جرَّدَ السيف لمطالبة حقه بالخلافة التي كانت له لا لغيره، أو مطالبة فدك لفاطمة الزهراءعليهالسلام أو مطالبة إرثها من أبيها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، الذي منعها أبو بكر بحجّة الحديث الذي افتراه على النبيصلىاللهعليهوآله : « نحن معاشر الأنبياء لا نورّث »!
فسكت عليٌّعليهالسلام وسكن لكي لا تقع حربٌ داخلية، لأنّه كان يرى في المطالبة بحقه في تلك الظروف الزمنية زوال الدين
____________________
=صلىاللهعليهوآله : أبكي لضغائن في صدر قومٍ لا يبدونها لك إلا بعدي قلت: في سلامةٍ من ديني؟ قال في سلامة من دينك.
أقول: ورواه العلّامة الكنجي الشافعي في كتاب كفاية الطالب الباب السادس والستون بالإسناد إلى ابن عساكر وهو بإسناده إلى أنس بن مالك والرواية أكثر تفصيلاً ممّا في المناقب والينابيع ثم قال العلّامة الكنجي بعد نقل الرواية هذا حديث حسن رُزقناه عالياً بحمد الله ومَنِّهِ وهذا سياق الحافظ مؤرّخ الشام، في مناقب أمير المؤمنين عليّعليهالسلام .
«المترجم»
وإفناء الإسلام لو وقعت حربٌ بين المسلمين. وقد كان أكثرهم ينتظرون الفرصة حتى يرتدّوا إلى الكفر.
لذلك جاء في روايات أهل البيت والعترة الطاهرةعليهالسلام أنّ فاطمة الزهراء سلام الله عليها لما رجعت من المسجد بعدما خطبت خطبتها العظيمة وألقت الحجج على خصومها، خاطبت أبا الحسنعليهالسلام وهو جالس في البيت فقالت: يا بن أبي طالب اشتملتَ شملة الجنين، و قعدت حجرة الظنين، نقضتَ قادمة الأجدل، وخانك ريش الأعزل! هذا ابن أبي قحافة يبتزّني نحلة أبي و بُلْغَة ابنيَّ، لقد أجْهَر في خصامي، و ألفَيْتُه الألدَّ في كلامي الخ.
فأجابها عليٌعليهالسلام : نهنهي عن نفسك يا ابنة الصفوة، و بقية النبوّة، فما ونيتُ عن ديني، و لا أخطأتُ مقدوري. فإن كُنت تريدين البُلْغةَ، فرزقُكِ مضمون، و كفيلك مأمون. و ما أُعدَّ لك أفضلُ مما قُطعِ عنك.
قالوا: فبينما عليٌعليهالسلام يكلّمها ويهدّأها وإذا بصوت المؤذّن ارتفع، فقال لها عليٌّعليهالسلام : يا بنت رسول الله! إذا تحبين أنْ يبقى هذا الصوت مرتفعاً ويخلد ذكر أبيك رسول اللهصلىاللهعليهوآله فاحتسبي الله واصبري.
فقالت: حسبي الله. واَمسَكَتْ.
فضحّى عليٌعليهالسلام بحقه وحق زوجته فاطمة وسكت عن المغتصبين، حفظاً للدين وشريعة سيد المرسلين من الضياع والإنهيار.
أسباب قعود عليعليهالسلام
نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١ / ٣٠٧، ط. إحياء الكتب العربية عن المدائني عن عبدالله بن جنادة، ونقله غير ابن أبي
الحديد أيضاً، أنّهعليهالسلام خطب في أول إمارته وخلافته بالمدينة المنوّرة: فحمد الله وأثنى عليه، و ذكر النبي وصلَّى عليه ثم قال: أما بعد، فإنّه لما قبضَ الله نبيّهصلىاللهعليهوآله ، قلنا: نحن أهله و ورثته و عِترته و أولياؤه دون الناس، لا ينازُعنا سلطانه أحد، و لا يطمع في حقنا طامع، إذْ انبرى لنا قومُنا فغصبونا سلطان نبيّنا، فصارت الإمرة لغيرنا و صِرنْا سوقة؛ يطمع فينا الضعيف، و يتعزّز علينا الذليل، فبكت الأعين منّا لذلك، و خشنَتِ الصدور و جزعت النفوس، و أيمُ الله لو لا مخافة الفُرقة بين المسلمين، و أنْ يعودَ الكفر و يبورَ الدين، لَكُنّا على غير ما كنّا لهم عليه الخ.
ونقل ابن أبي الحديد أيضاً بعد هذه الخطبة في صفحة ٣٠٨ تحت عنوان: خطبته عند مسيره للبصرة، قال: و روى الكلبي أنّه لمـّا أراد عليٌّعليهالسلام المسير إلى البصرة، قام فخطب الناس، فقال بعد أنْ حمد الله و صَلى على رسولهصلىاللهعليهوآله : إنّ الله لمـّا قبض نبيّه استأثرتْ علينا قريش بالأمر و دفعتنا عن حقٍّ نحن أحق به من الناس كافّة. فرأيتُ أنّ الصبرَ على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين و سفك دمائِهم، والناس حديثوا عهد بالإسلام، و الدين يُمخض مخض الوطب يُفسده أدنى وَهَن، و يعكسه أقلّ خُلف الخ.
ولعليعليهالسلام في نهج البلاغة كتابٌ إلى أهل مصر، بعثَهُ مع مالك الأشتر رحمه الله تعالى، جاء فيه:
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداًصلىاللهعليهوآله نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَ مُهَيْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِينَ، فَلَمَّا مَضَىصلىاللهعليهوآله ، تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ، فَوَالله مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي وَ لا يَخْطُرُ بِبَالِي أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ
هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِصلىاللهعليهوآله عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَ لا أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِصلىاللهعليهوآله ، فَمَا رَاعَنِي إِلا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلانٍ يُبَايِعُونَهُ، فَأَمْسَكْتُ بِيَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلامِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍصلىاللهعليهوآله ، فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الإسْلامَ وَ أَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلايَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلائِلَ يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ وَ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ، فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَ زَهَقَ وَ اطْمَأَنَّ الدِّينُ وَ تَنَهْنَهَ.
ونقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٦ / ٩٤، ط. إحياء الكتب العربي تحت عنوان: خطبة الامام عليّعليهالسلام بعد مقتل محمد بن أبي بكر، قال: و روى إبراهيم - صاحب كتاب الغارات - عن رجاله عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال: خطب الامام عليٌعليهالسلام بعد فتح مصر و قَتْلِ محمد بن أبي بكر. فنقل خطبة بليغة ذكر فيها وقايع أليمة وقعت بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله ، وذكر بعض ما كتبه لأهل مصر الذي نقلته لكم قبل هذا، وأشار في خطبته إلى الشورى التي أمر بها عمر بن الخطاب، وخرج بالنتيجة قائلاً:
فصرفوا الولاية إلى عثمان و أخرجوني منها ثم قالوا: هَلُمَّ فبايع و إلّا جاهدناك، فبايعتُ مستكرهاً و صبرتُ محتسباً، فقال قائلهُم: يا ابن أبي طالب، إنّك على هذا الأمر لحريصٌ؛ فقلت: أنتم أحرص منّي و أبْعَد أيُّنا أحرص؟ أنا الذي طلبتُ ميراثي و حقّي الذي جعلني الله و رسوله أوْلى به، أم أنتم اذ تضربون وجهي دونه و تحولون بيني و بينه! فبُهِتوا، و اللهُ لا يهدي القوم الظالمين.
فيحصل من هذه الكلمات والجملات أنّهعليهالسلام قعَد عن حقه وسكت، رعايةً لما هو أهم، إذ أنّه كان يعلم بأنّ المنافقين وأعداء الدين يترصدون ويتربّصون ليوقعوا بالمسلمين ويقضوا على الدين، وإذا كان الإمام عليعليهالسلام يقوم بمطالبة حقه ويجرّد الصمصام، لأغتنم المنافقون واليهود والنصارى الفرصة وقضوا على الإسلام. لذلك صبر وتحمّل وسكت على حقه وتنازل. بعدما احتجّ عليهم وأثبتَ حقَّه في الأشهر الست التي ما بايع فيها كما في كتب أعلامكم، فكانعليهالسلام يتكلّم مع رؤوس المهاجرين والأنصار ويستدلّ على حقوقه المغصوبة بالآيات البيّنات والسنن الواضحات والأمور الظاهرات، فبعد ما بيَّن لهم الحق وأتمَّ عليهم الحجج بايع مُكرَهاً لا طائعاً فصبر على أمَرَّ من العلقم وأحرّ من الجمر، كما أشار إلى حاله في الخطبة الشقشقية المرويّة في نهج البلاغة وهي معروفة قالعليهالسلام :
أَمَا وَ الله لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنْ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَلا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَ طَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَ يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَ يَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذًى، وَ فِي الْحَلْقِ شَجًى، أَرَى تُرَاثِي نَهْباً ، حتّى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى ابن خطّاب بعده الخ.
ولا أطيل عليكم أكثر من هذا، إنّما ذكرت لكم بعض كلماته وخطبهعليهالسلام لنعرف آلامه القلبيّة من تلك الأحداث ثم نعرف علل قعوده وسكوته عن حقه.
هل الخطبة الشّقشقية للإمام عليعليهالسلام
الشيخ عبد السلام: أوّلاً: ليس في هذه الخطبة ما يدلّ على تألمات سيدنا عليّ كرّم الله وجهه.
ثانياً: المشهور أنّ هذه الخطبة من إنشاء الشريف الرضي، ألحقها بخطب أمير المؤمنين وليست من إنشاء سيدنا عليّ، وقد ثبت في التاريخ أنه ما كان ناقماً على خلافة الخلفاء الراشدين قبله بل كان راضياً منهم ومن منجزاتهم.
قلت: كلام الشيخ ينبعث من إفراطه في حبّ الخلفاء والتعصُّب لهم، وإلّا فإنّ تألّمات الإمام عليّعليهالسلام واضحة في غير الخطبة الشقشقيّة أيضاً وهى لا تخفى على كلِّ من تابَعَ الأحداث والقضايا التي وقعت وحدثت بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولا سيّما على المتتِّبع لخطب الإمام وكتبه وكلماته واحتجاجاته مع مناوئيه وخصمائه.
وأما كلامك بأنّ هذه الخطبة من إنشاء السيد الرضي (رضوان الله تعالى عليه)، فهو افتراء منك على ذلك السيد الزاهد العابد الورع التقيّ، فإنّه أجلّ وأورع من أنْ يضع خطبةً وينسبها إلى سيد الأوصياءعليهالسلام ، فإنّ هذا الكلام بعيد عن الإنصاف، وبعيد من أهل التحقيق، ولقد تَبعْتَ أسلافَكَ، وهم تُبعوا المعاندين المتعصّبين، وإلّا لو كُنْتَ تطالع كتب أعلامكم وتُحقِّق عن الخطبة في تصانيف علمائكم لوجدتَ اعترافهم وتصريحهم بأنّها من خُطبِ الإمام عليعليهالسلام لا محالة.
والشارحون لنهج البلاغة من علمائكم مثل ابن أبي الحديد،
والشيخ محمد عبده مفتي الديار المصريّة، والشيخ محمد الخضرمي في كتاب محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية صفحة ٢٧ وغيرهم قد صرَّحوا أنّ الخطبة الشقشقية من بيان الإمام عليّعليهالسلام وردُّوا القائلين بأنّها من إنشاء الشريف الرضي، وهم بعض المعاندين والمتعصّبين من المتأخّرين، وإلّا فأكثر من أربعين عالم من الفريقين الشيعة والسنّة شرحوا كتاب نهج البلاغة وكلهم أذْعَنوا بأن الخطبة الشقشقية أيضاً من كلام الإمام عليعليهالسلام لأنها على نسق خُطبه الأخرى، إذ بيانهعليهالسلام يمتاز ببلاغة منفردة تخصُّه ولا يمكن لأحد أن يشابهه ويقلِّده فيها حتى الشريف الرضي على ما كان يتمتع به من الأدب الرفيع والفصاحة والبلاغة في التكلم والكتابة، فهو عاجزٌ أنْ ينسج مثل الخطبة الشقشقيّة، وهذا ليس كلامي وإنما هو كلام علمائكم الكبار مثل الشيخ محمد عبده والعلّامة ابن أبي الحديد فإنّه نقل في آخر شرحه على الخطبة الشقشقيّة في الجزء الأول، عن المصدَّق بن شبيب أنّه قال لابن الخشّاب وهو من اساتيذ هذا الفن: إنّ كثيراً من الناس يقولون إن خطبة الشقشقيّة من كلام الرضيّ رحمه الله تعالى، فقال: أنّى للرضي و لغير الرضيّ هذا النَفَس و هذا الأسلوب! قد وقفنا على رسائل الرضيّ و عرفنا طريقته و فنّه في الكلام المنثور، و ما يقع مع هذا الكلام في خَلّ و لا خمر.
الخطبة الشقشقيّة كانت قبل مولد الرضيّ
وبغَضَّ النظر عن البلاغة الخاصة بكلام الإمام عليّعليهالسلام والمقايسات التي أشار إليها ابن الخشّاب وغيره، فإنّ كثيراً من علماء
الفريقين قالوا: إنّهم وجدوا هذه الخطبة في الكتب المنشرة قبل أنْ يولد الشريف الرضيّ وقبل أنْ يولد أبوه أبو أحمد النقيب - نقيب الطالبيين -، فقد نقل ابن أبي الحديد في آخر شرحه للخطبة، عن الشيخ عبدالله بن أحمد المعروف بابن الخشّاب أنّه قال: والله لقد وقفتُ على هذه الخطبة في كتب صنِّفَتْ قبل أن يُخلَق الرضيّ بمائتي سنة، و لقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها، و أعرف خطوط من هو من العلماء و أهل الأدب قبل أن يُخلق النقيب أبو أحمد والد الرضيّ.
ثم قال ابن أبي الحديد: و قد وجدتُ أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة و كان في دولة المقتدر قبل أنْ يُخلَق الرضي بمدة طويلة و وجدتُ أيضاً كثيراً منها في كتاب أبي جعفر بن قِبة - أحد متكلمي الإماميّة - و هو الكتاب المشهور المعروف بكتاب «الإنصاف» و كان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي رحمه الله تعالى و مات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضيّ رحمه الله تعالى موجوداً. انتهى.
وقال كمال الدين ابن ميثم البحراني الحكيم المحقّق في كتابه شرح نهج البلاغة في الخطبة: إنّي وجدتُ هذه الخطبة في كتاب الإنصاف لابن قِبه، وهو متوفى قبل أنْ يولد الشريف الرضيّ.
ووجدتها أيضاً بخطّ الوزير ابن فرات، كان قد كتبها في ميلاد الرضيّ بستّين سنة.
فالدلائل والبيّنات قائمة على أنّ الخطبة كانت في الكتب والمصنّفات قبل أنْ يولد الشريف الرضيّ رحمه الله تعالى. ولكنّ المعاندين المتعصّبين خلقوا هذه الفرية بأنّ الشقشقية من كلام الشريف
الرضي، حتّى يجدوا لأنفسهم مفرّاً من الجواب.
وعلى فرض صحّة كلامهم، فلو فَرّوا وأعرضوا عن قبول الخطبة ومحتواها من هذا الطريق، فما يصنعون مع سائر الخطب التي تعرّض فيها أمير المؤمنينعليهالسلام أيضاً إلى الحوادث والوقائع التي أحدثوها في الاسلام، فيشكو فيها الإمام عليعليهالسلام ، وبيدي ظلامته، ويفشي مكنون صدره وآلام قلبه من سوء سلوك القوم وظلمهم له ولأهل بيت المصطفىصلىاللهعليهوآله ؟
وقد أشرنا إلى بعضها في المجالس السالفة، ومع ذلك فالشيخ عبد السلام - سلّمه الله - يقول: ما كان عليٌ ناقماً من خلافة الراشدين قبله، وكان راضياً على ما أنجزوا، ولا أعلم كيف عرف رضاه وهوعليهالسلام كان في كل فرصة ومناسبة يُعرب عن سخطه من عمل القوم؟ ويقول: إنّهم أخّروه عن مقامه وهو أولى بالنبيصلىاللهعليهوآله من غيره، كما في الخطبة المرقمة ١٩٠ في شرح ابن أبي الحديد. قال: وَ لَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفِظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍصلىاللهعليهوآله أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى الله وَ لا عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ وَ لَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا الأبْطَالُ وَ تَتَأَخَّرُ الأقْدَامُ نَجْدَةً أَكْرَمَنِيَ اللهُ بِهَا.
وَ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللهصلىاللهعليهوآله وَ إِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي، وَ لَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي وَ لَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُصلىاللهعليهوآله وَ الْمَلائِكَةُ أَعْوَانِي فَضَجَّتِ الدَّارُ وَ الأفْنِيَةُ مَلأ يَهْبِطُ وَ مَلأ يَعْرُجُ وَ مَا فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْنَمَةٌ مِنْهُمْ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّاً وَ مَيِّتاً؟!
ثم قال: فَوَالَّذِي لا إِلَهَ إِلّا هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ وَ إِنَّهُمْ
لَعَلَى مَزَلَّةِ الْبَاطِلِ.
ليت شعري ما يقول الشيخ وأتباعه في هذه الخطبة وأمثالها؟ وبأيّ بيان تريدون أن يُفشي الإمام عليّعليهالسلام سخطه وعدم رضاه في خلافة أبي بكر والذين تقدّموا عليه وأخّروه؟
فحق الإمام عليعليهالسلام واضح ولائح، وفضله وعلوّه على غيره ظاهر باهر، ولا يمكن إخفاؤه بالكلمات( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ کَرِهَ الْکَافِرُونَ ) (١) .
الشيخ عبد السلام: إنّي أؤجّل جوابي إلى الليلة المقبلة إن شاء الله والآن نختم المجلس فقد طال بنا وتعب الحاضرون.
فتواعدنا وخرجوا.
____________________
١) سورة التوبة، الآية ٣٢.
المجلس العاشر
ليلة الأحد - الثالث من شعبان المعظم
اجتمع القوم أوّل الليل - وكان صاحب البيت قد استعدّ للإحتفال بذكرى ميلاد الإمام أبي عبد الله الحسينعليهالسلام سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي يصادف ذلك اليوم فهيّأ الفواكه والحلويّات، وبعدَ تناولها، بدأ حضرة النوّاب عبد القيوم خان وقال:
أيها العلماء! إسمحوا لي بطرح سؤال قبل أنْ تدخلوا في موضوع الليلة الماضية، والسؤال موجَّه لسماحة السيد وأطلب منه الجواب.
قلت: أنا على أتَمّ الإستعداد لذلك.
سؤالٌ: حول علم عمر
النوّاب: اجتمع في بيتي صباح هذا اليوم كثيرٌ من الأصدقاء والأقرباء، وكان بعضهم ممن لازمَ حضور مجالس البحث والحوار في كلّ الليالي الماضية، وشرعوا بالحديث عن المناقشات والموضوعات التي طُرحت فيها، وأَبْدَوا آراءَهم في النتائج الحاصلة منها، وكانت الصحف والمجلّات التي نقلت تلك الأبحاث والمناظرات موجودة
عندهم يراجعونها عند الضرورة، وكان كلام الحاضرين يدور حول المواضيع المطروحة. وإذا بولدي (عبدالعزيز) - وهو طالب في إحدى المدارس الإسلاميّة - يقول: إنّ أستاذنا المعلِّم - قبل أيّام - تكلم خلال الدرس عن الصحابة الذين برزوا وامتازوا في علم الفقه فذكر الخليفة عمر، والإمام علي كرّم الله وجهه، وعبدالله بن عبّاس، وعبدالله بن مسعود، وعكرمة، وزيد بن ثابت (رضي الله عنهم) وقال بأن عمر بن الخطاب كان أبرزهم في علم الدين وأفقههم في أحكام الشرع المبين. حتى أنّ عليَّ بن أبي طالب الذي اشتهر بعلمه وفقهه كان في بعض المسائل يتحيَّر فيراجع الفاروق عمر بن الخطاب ويحصل على الجواب.
قال النواب: والجدير بالذكر أنّ أهل مجلسنا الحاضرين في داري كلهم أيّدوا ما نقله ولدي عن معلِّمه، وقالوا بأنّ علماءنا أيضاً يقولون بذلك، وهو ثابتٌ عند كلّ المسلمين.
ولكنّي بقيتُ ساكتاً متوقفاً في الموضوع، لأني جاهلٌ وليس لي علمٌ بالتاريخ والسيرة حتى أعرف صحّة مقال المعلم أو خطئه. لذلك وعدتُ ولدي والحاضرين أنْ أطرح هذا الموضوع هذه الليلة في مجلسنا هذا، لكي نستفيد من محضر العلماء الحاضرين لاسيّما سماحة السيّد المعظّم.
أفيدونا! جزاكم الله خير جزاء المحسنين.
قلت: كلام هذا المعلِّم يثير تعجّبي، ولكن العوام لا يؤاخذون في مثل هذه الأمور، لأنّهم غالباً يسلكون طريق الإفراط والتفريط، وهذا المعلم الجاهل سلك سبيل الغلوِّ والإفراط، لأنّه ادَّعى ما لم يقله أحدٌ من علمائكم، حتى أنّ ابن حزم لمـّا ذكر في بعض مقالاته هذا الأمر
المخالف للواقع، خطّأه كبار علمائكم وردّوا عليه مقالته، والجدير بالذكر أنّ عمر بن الخطّاب هو أيضاً ما ادّعى هذا الأمر في حياته، وربما لم يرض من أحدٍ أن يقول ذلك.
نعم ذكر أكثر المؤرِّخين سياسة عمر، وإرادته وفطنته، ولكنهم لم يذكروا فقهه وعلمه بأحكام الدين، بل ذكروا أنّه جَهل كثيراً من المسائل التي طُرحت عليه وعجز عن الجواب، فراجع فيها ابن مسعود أو الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام بالمدينة المنورة.
وقد قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: أنّ عبدالله بن مسعود كان من فقهاء المدينة، وكان عمر بن الخطّاب يصحبه معه ولا يفارقه ليرجع إلى رأيه في المسائل الفقهيّة.
الشيخ عبدالسلام: كأنّك تريد أن تقول بأنّ عمر الفاروق (رض) ما كان يعلم المسائل الفقهيّة والأحكام الشرعيّة فيحتاج الى ابن مسعود أو الإمام عليّ (رضي الله عنهما)، وهذا ما لم نسمعه من قبل اليوم.
قلت: أيها الشيخ لا تهرِّج ولا تغالط، فإنّي ما قلت بأنّ عمر ما كان يعلم المسائل الفقهيّة، وإنّما قلت إنّه في كثير من المسائل كان يراجع الإمام عليّعليهالسلام أو ابن مسعود أو ابن عباس، لأنّه كان يجهلها.
نعم أقول ولا أنكر ما قلت: أنّ عمر بن الخطاب كان يجهل كثيراً من المسائل والأحكام الدينيّة، وهذا ليس من عندي بل ذكره كبار أعلامكم، والجدير بالذكر ما رواه علماؤكم في الكتب المعتبرة والمصادر المنتشرة، عن اعتراف الخليفة بذلك في قضايا جديرة ومناسبات كثيرة.
الشيخ عبدالسلام: لو سمحت ...اذكر لنا من تلك القضايا
حتى نعرفها.
كلّ الناس افقه من عمر حتى ربّات الحجال
لقد ذكر كثير من علمائكم وأعلام محدثيكم ومفسريكم بطرق شتى وألفاظ مختلفة والمعنى واحد، أن الخليفة عمر صعد المنبر في المسجد وخطب فقال: لا يبلغني أنّ امرأة تجاوز صداقُها صداق نساء النبيصلىاللهعليهوآله إلّا ارتجعت ذلك منها، فردّت عليه امرأة قائلة: ما جعل الله لك ذلك، إنّه تعالى قال في سورة النساء:( وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَکَانَ زَوْجٍ وَ آتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَ إِثْماً مُبِيناً ) (١) ؟
فقال عمر: كل الناس أفقهُ من عمر، حتى ربّات الحجال! ألا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت؟!
هذا نصّ ما رواه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١ / ١٨٢، ط إحياء الكتب العربية، وأخرجه السيوطي في الدر المنثور: ج ٢ /١٣٣ وابن كثير في تفسيره: ج ١ / ٣٦٨، والزمخشري في تفسير الكشّاف: ج ١/ ٣٥٧، والنيسابوري في غرائب القرآن: ج ١ / في تفسير الآية الكريمة، والقرطبي في تفسيره: ج ٥ / ٩٩، وابن ماجه في السنن: ج ١، والسندي في حاشية السنن: ج ١/٥٨٣، والبيهقي في السنن: ج ٧ / ٢٣٣، والقسطلاني في إرشاد الساري: ج ٨ / ٥٧، والمتّقي في كنز العمال: ج ٨ ٢٩٨، والحاكم النيسابوري في المستدرك: ج ٢ /١٧٧، والباقلاني في التمهيد/١٩٩، والعجلوني
____________________
١) سورة النساء، الآية ٢٠.
في كشف الخفاء: ج ١ / ٢٧٠، والشوكاني في فتح القدير: ج ١ / ٤٠٧، والذهبي في تلخيص المستدرك، والحميدي في الجمع بين الصحيحين، وابن الأثير في النهاية، وغيرهم رووا بأسانيدهم عن طرق متعددة هذا الخبر وإن كانت ألفاظ بعضهم مختلفة، ولكنّهم متفقون في المعنى.
فتحصَّل من الخبر أنّ عمر كان جاهلاً حتّى بالأحكام المنصوصة في القرآن الحكيم.
الشيخ عبدالسلام: كلامكم مردود، فإنّ الخليفة عمر(رض) كان عارفاً بكتاب الله العزيز وكان حافظاً لكثير من القرآن. وإنّما أراد من كلامه حمل الناس على العمل والإلتزام بسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
قلت: يا شيخ لقد اجتهد الخليفة فأخطأ، وقد اعترف بخطئه، وتراجع عن قوله، وإنّ إصرارك لتصحيح خطأ الخليفة ذنبٌ لا يغفر لأنّ الخليفة قد أخطأ جاهلاً بالآية الكريمة، ولمـّا رَدَّت عليه المرأة، قَبِلَ منها، وتريد أنت تصحيح الخطأ بعد ما علمت أنّه مخالفٌ لكتاب الله عزّ وجلّ.
ولا يخفى أنّ جهل الخليفة بكلام الله عزّ وجلّ لم ينحصر في هذا المورد، بل هناك موردٌ آخر،
نقله أيضاً كبار أعلامكم، ورواه كل المؤرخين من غير استثناء.
إنكار عمر موتَ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
اتفق أصحاب الحديث والتاريخ أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لمـّا تُوفّي أنكر عمر موته، وكان يحلفُ بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله ما مات ولا يموت، فلو كان عمر يحفظ القرآن أو يتفكر فيه، ما أنكر موت رسول اللهصلىاللهعليهوآله لقوله
تعالى:( إِنَّکَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) (١) وقوله سبحانه:( فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِکُمْ ) (٢) .
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٢ / ٤٠، ط دار إحياء الكتب العربية:
وروى جميع أصحاب السيرة أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لمـّا توفي كان أبو بكر في منزله في السُّنْح، فقام عمر بن الخطّاب فقال: ما مات رسول الله صلى الله عليه ولا يموت حتّى يظهر دينُه على الدين كلّه، وليرجعنّ فليقطّعنَّ أيديَ رجال وأرجلهم ممّن أرجفَ بموته، لا أسمع رجلاً يقول: مات رسول الله إلّا ضربته بسيفي.
فجاء أبو بكر وكشف عن وجه رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقال: بأبي و أٌميّ! طبتَ حيّاً وميِّتاً، ثم خرج والناس حول عمر، وهو يقول لهم: إنّه لم يَمُتَ ويحلف، فقال له: أيها الحالف، على رِسْلك! ثم قال: من كان يعبدُ محمداً فإنّ محمداً قد مات. ومَن كان يعبد الله فإنّ الله حيٌّ لايموت.قال الله تعالى:( إِنَّکَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) (٣) .
وقال عزّ وجلّ:( فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِکُمْ ) (٤) .
قال عمر: فوالله ما ملكتُ نفسي حيث سمعتُها أنْ سَقَطْتُ إلى الأرض، وعلمتُ أنّ رسول الله صلى الله عليه قد مات.
فإذا كان عمر تالياً لكتاب الله العزيز آناء الليل وأطراف النهار، عارفاً لرموز القرآن وتعاليمه، ما أنكر موت النبيصلىاللهعليهوآله جازماً بحيث يحلف عليه ويهدِّد من خالفه في معتقده بالسيف!!
____________________
١) سورة الزمر، الآية ٣٠.
٢) سورة آل عمران، الآية ١٤٤.
٣) سورة الزمر، الآية ٣٠.
٤) سورة آل عمران، الآية ١٤٤.
وأمّا جهلُهُ وعدم معرفته بأحكام الله سبحانه فمذكور أيضاً في كتب أعلامكم. ولقد اشتهر عنه في ذلك قضايا كثيرة لم ينكرها أحد من علمائكم، وأنا أذكر بعضها لينكشف الواقع للحاضرين.
لولا عليّعليهالسلام لهلكَ عمر
(١)
قضية الزناة الخمسة
روى الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين قال: في خلافة عمر بن الخطّاب، جاؤا بخمسة رجال زنوا بامرأة وقد ثبت عليهم ذلك. فأمر الخليفة برجمهم جميعاً. فأخذوهم لتنفيذ الحكم، فلقيهم الإمام علي بن أبي طالب وأمَر بردّهم، وحضر معهم عند الخليفة وسأله هل أمَرتَ برجمهم جميعاً؟ فقال عمر: نعم فقد ثبت عليهم الزنا، فالذنب الواحد يقتضي حكماً واحداً.
فقال عليٌّ: ولكن حكم كل واحدٍ من هؤلاء الرجال يختلف عن حكم صاحبه.
قال عمر: فاحكم فيهم بحكم الله فإني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: عليٌّ أعلمكم، وعليٌّ أقضاكم.
فحكم الإمام عليّعليهالسلام بضرب عنق أحدهم، ورجم الآخر، وحدِّ الثالث وضربَ الرابع نصف الحدّ، وعزَّرَ الخامس.
فتعجّب عمر واستغرب فقال: كيف ذلك يا أبا الحسن؟!
فقال الإمام عليّ: أمّا الأوّل: فكان ذميّاً، زنى بمسلمة فخرج عن ذمّته، والثاني: محصَن فرجمناه، وأمّا الثالث: فغير محصن فضربناه
الحدّ، والرابع: عبدٌ مملوك فحدّه نصف، وأمّا الخامس: فمغلوبٌ على عقله فعزّرناه.
فقال عمر: لولا عليٌ لَهَلَك عمر، لا عشتُ في أُمّةٍ لستَ فيها يا أبا الحسن!
(٢)
قضية الزانية الحامل
ذكر كثير من أعلامكم منهم: أحمد في المسند، والبخاري في الصحيح، والحميدي في الجمع بين الصحيحين، والقندوزي في الينابيع / باب الرابع عشر / عن مناقب الخوارزمي، والفخر الرازي في الأربعين/ ٤٦٦، والمحب الطبري في الرياض ج ٢/ ١٩٦ وفي ذخائر العقبى/ ٨٠، والخطيب الخوارزمي في المناقب / ٤٨، ومحمد بن طلحة العدوي النصيبي في مطالب السئول / الفصل السادس، والعلّامة محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب / آخر باب ٥٩ - والنصّ للأخير - قال: رُوى إنّ امرأةً أقرَّت بالزنا، وكانت حاملاً فأمر عمر برجمها، فقال عليٌّعليهالسلام إنْ كان لك سلطانٌ عليها فلا سلطان لك على ما في بطنها. فترك عمر رجمها(١) .
____________________
١) وأخرج الكنجي في الباب قبل هذه القضيّة، قضيّة أخرى قال: رُوىَ أنّ عمر أمر برجم امرأة ولدت لستة اشهر، فرفع ذلك إلى عليّعليهالسلام ، فنهاهم عن رجمها وقال: أقَلُّ مدّة الحمل ستة أشهر. فأنكروا ذلك. فقال: هو في كتاب الله تعالى، قوله عزّ اسمه:( وَ حَمْلُهُ وَ فِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ) ثم بيّن مدّة إرضاع الصغير بقوله:( وَ الْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ کَامِلَيْنِ ) ، فتبيّن من مجموع الآيتين أنّ أقلّ مدة الحَمل ستة أشهر، فقال عمر: لولا عليٌ لهلك عمر.
أقول: لقد اشتهر هذا القول من عمر في حق الإمام عليّعليهالسلام في كتب أعلام =
(٣)
المجنونة التي زَنَت
وكذلك روى أحمد في المسند، والمحب الطبري في ذخائر العقبى / ٨١ وفي الرياض / ١٩٦، والقندوزي في الينابيع / باب ١٤، وابن حجر في فتح الباري: ج ١٢ /١٠١، وأبو داود في السنن: ج ٢ /٢٢٧، وسبط ابن الجوزي في التذكرة تحت عنوان [ فصل في قول عمر بن الخطاب: أعوذ بالله من معضلةٍ ليس لها أبو حسن]، وابن ماجه في السنن: ج ٢ /٢٢٧، والمناوي في فيض القدير: ج ٤/ ٣٥٧، والحاكم في المستدرك: ج ٢ /٥٩، والقسطلاني في إرشاد الساري: ج ١٠/٩، والبيهقي في السنن: ج ٦ / ٢٦٤، والبخاري في صحيحه باب لا يُرجم المجنون والمجنونة، هؤلاء وغيرهم من كبار أعلامكم رووا بأسانيدهم من طرق شتى قالوا: أُتى عمر (رض) بامرأة قد زنت فأمر برجمها فذهبوا ليرجموها فرآهم الإمام عليّعليهالسلام في الطريق، فقال: ما شأن هذه؟ فأخبروه فأخلى سبيلها، ثم جاء إلى عمر فقال له: لم رددتها؟ فقالعليهالسلام : لأنّها معتوهةُ آل فلان، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
____________________
= العامّة حتى كاد أن يكون من المتواترات المسلَّم صدورها منه، حتى أنّ سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص فتح فصلاً بعنوان: (فصل في قول عمر: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن، وما ورد في هذا المعنى) ثم نقل قضايا كثيرة حكَم فيها الإمام عليعليهالسلام ، كان عمر يجهلها ولذا كرّر قوله: لولا عليٌ لهلك عمر أو ما بمعناه.
«المترجم»
رُفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ والصبي حتّى يحتلم والمجنون حتّى يفيق. فقال عمر: لولا عليٌ لهلك عمر(١) .
ولقد ذكر ابن السّمَّان في كتابه «الموافقة» روايات كثيرة من هذا القبيل فيها قد أخطأ عمر في الحكم، حتّى وجدتُ في بعض الكتب قريباً من مائة قضيّة من هذا القبيل، ولكن ما نقلناه من كتب الأعلام يكفي لإثبات المرام.
وإنّما نقلت هذه الروايات، تبياناً للحق وكشفاً للحقيقة، حتّى يعرف حضرة النوّاب وابنه عبدالعزيز وذلك المعلّم الذي زعم كِذْباً وادّعى باطلاً، ويعرف الذين أيَّدوا مقال المعلم الجاهل وصدّقوه عن جهلهم، ويعرف الحاضرون أجمع، بأنّ الخليفة عمر بن الخطّاب ربّما كان عارفاً بالسياسة وإدارة البلاد وتسيير العباد، ولكن ما كان عالماً بالفقه والأحكام الدينيّة وما كان عارفاً بدقائق كلام الله العزيز وحقائق كتابه المجيد(٢) .
____________________
١) ذكر هذه القضيّة ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٢ /٢٠٥، ط إحياء الكتب العربي ذكرها ضمن المطاعن الواردة على عمر، قال: الطعن الثالث، خبر المجنونة التي أَمَرَ برجمها. فنبّهه أمير المؤمنينعليهالسلام وقال: إنّ القلم مرفوعٌ عن المجنون حتى يفيق. فقال عمر: لولا علي لهلك عمر. وذكر بحثاً طويلاً في الموضوع، فراجع.
«المترجم»
٢) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١ / ١٨١، دار إحياء الكتب العربية: وكان عمر يُفتي كثيراً بالحكم ثم ينقضه. ويُفتي بضدّه وخلافه.
وروى في ج ١٢ قضايا تدل على عدم فهمه لدقائق القرآن. فقال في صفحة ١٥: مرّ عمر بشاب من الأنصار وهو ظمآن فاستسقاه، فخاض له عسلاً، =
. . . . .
____________________
= فردّه ولم يشرب وقال: إنّي سمعت الله سبحانه يقول:( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِکُمْ فِي حَيَاتِکُمُ الدُّنْيَا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ) الأحقاف: ٢٠، فقال الفتى: إنها والله ليستْ لك، فاقرأ يا أمير المؤمنين ما قبلها:( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ کَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِکُمْ فِي حَيَاتِکُمُ الدُّنْيَا.. ) الخ، أفَنحن منهم! فشرب وقال: كل الناس أفقه من عمر!
وروى في صفحة ١٧ قال: وكان يَعُسُّ ليلةً فمرّ بدارٍ سمع فيها صوتاً، فارتاب وتسوّر، فرأى رجلاً عند امرأة وزقّ خمر، فقال: يا عدوّ الله، أظننتَ أنّ الله يسترك وأنت على معصيّة! فقال: لا تعجل يا أمير المؤمنين! إن كنتُ اخطأتُ في واحدة فقد أخطأت [أنتَ] في ثلاث: قال الله تعالى:( وَ لاَ تَجَسَّسُوا ) الحجرات: ١٢،وقد تجسست.
وقال:( وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ) البقرة: ١٨٩. وقد تجسَّستَ.
وقال:( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا ) النور: ٦١. وما سلَّمتَ. فقال: هل عندك من خير إنْ عفوتُ عنك؟ قال: نعم، والله لا أعود. فقال: إذهب فقد عفوتُ عنك.
وروى في صفحة ٣٣ قال: خرج عمر يوماً إلى المسجد وعليه قميص في ظهره أربع رقاع، فقرأ «سورة عبس» حتى انتهى إلى قوله:( وفاكهة وأبّاً ) فقال ما الأب؟ ثمّ قال: إن هذا لهو التكلف! وما عليك يابن الخطّاب ألّا تدري ما الأب؟!
وقال في صفحة ٦٩: أسلَم غيلان بن سلمة الثقفي عن عشر نسوة، فقال له النبيصلىاللهعليهوآله : اِختَر منهنّ أربعاً وطلِّق ستاً، فلمّا كان على عهد عمر طلّق نساءه الأربع،وقسّم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فأحضره فقال له: إنّي لأظنّ الشيطان فيما يسترق من السمع، سمع بموتك فقذفه في نفسك، ولعلّك لا تمكث إلّا قليلاً! وأيْمُ الله لتراجعنُ نساءك، ولترجعنّ في مالك، أو لأُورّثنهنّ منك، ولآمرنّ بقبرك فيُرجمَ، كما رُجِم قبر أبي رِغال. =
ولقد اتّفق جُلّ علماء الإسلام أو كلّهم، وثبتَ بالدَلائل الواضحة والشواهد اللائحة أنّ أمير المؤمنين علياًعليهالسلام أعلم أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأقضاهم وأعرفهم بالفقه وأحكام الدين. وصرّح بهذا الرأي كثيرٌ من علماء السّنّة وأعلامهم، منهم: العلّامة نور الدين بن صبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة / الفصل الثالث في ذكر شيءٍ من
____________________
=
أقول: لا أدري بأيّ دليل من القرآن والسُّنة أصدر هذا الحكم؟! ولا يخفى أنّ حكمه مخالفٌ لحكم الله ورسولهصلىاللهعليهوآله .
ونقل في صفحة ١٠٢ قال: وجاء رجلٌ إلى عمر. فقال: إنّ ضُبَيعاً التميمي لَقِيَنا فجعَلَ يسألنا عن تفسير حروف من القرآن. فقال: اللهم أمكنّي منه، فبينا عمر يوماً جالسٌ يغدِّي الناس إذْ جاءَه الضُبَيع وعليه ثياب وعمامة، فتقدَّم فأكل، حتّى إذا فرغ، قال: يا أمير المؤمنين ما معنى قوله تعالى:( وَ الذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلاَتِ وِقْراً ) ؟ سورة الذاريات: ١ و٢.
قال: ويحك أنت هو فقام إليه فحسَر عن ذراعيه، فلم يزل يجلده حتّى سقطت عمامته، فإذا له ضفيرتان، فقال: والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسَك، ثم أمر به فجعل في بيت [أي حبسه] ثم كان يُخرجه كلَّ يوم فيضربه مائة، فإذا أبرأ أخرجه فضربه مائة اُخرى، ثمّ حمله على قَتَبٍ وسَيَّرهُ إلى البصرة، وكتب إلى أبي موسى يأمره أنْ يحرِّم على الناس مجالستَه، وأنْ يقوم في الناس خَطيباً، ثم يقول: إنّ ضُبيعاً قد ابتغى العلم فأخطأه، فلم يزل وضيعاً في قومه وعند الناس حتّى هلك، وقد كان من قَبْلُ سيِّدَ قومه.
أقول: ليت شعري بأيّ حق عامل الرجل بهذه القسوة!! وبأيّ مستندٍ شرعيّ أو عرفيّ حكمَ على الضُبيع بالنفي من بلده وقومه؟! وذلله بعد أنْ كان سيّداً عزيزاً، أكان يحق لعمر ذلك؟ أكان الضبيع يستحق ذلك الضرب والهتك والتبعيد و ...؟!!
«المترجم»
علومه قال: فمنها علم الفقه الذي وهو مرجع الأنام ومنبع الحلال والحرام، فقد كان عليٌّ مطَّلعاً على غوامض أحكام الإسلام، منقاداً له جامحه بزمامه، مشهوداً له فيه بعلوّ محلّه ومقامه. ولهذا خصَّهُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعلم القضاء، كما نقله الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي رحمة الله عليه في كتابه المصابيح، مرويّاً عن أنَس بن مالك أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لمـّا خصَّص جماعةً من الصحابة كلُّ واحدٍ بفضيلة خصَّصَ علياً بعلم القضاء، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : وأقضاهم عليٌّعليهالسلام .
ورَوى هذا الحديث أيضاً محمد بن طلحة العدوي في كتابه مطالب السئول / الفصل السادس / قال: ومن ذلك - أي الأحاديث الواردة في علم الإمام علي - ما نقله القاضي الإمام أبو محمد الحسين ابن مسعود البغوي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله خصَّص جماعةً من الصحابة كل واحدٍ بفضيلة وخصَّصَ عليّاً بعلم القضاء. فقال: وأقضاهم عليٌّعليهالسلام .
قال محمد بن طلحة: وقد صَدَع بالحديث بمنطوقه وصرّح بمفهومه أنّ أنواع العلم وأقسامه قد جمعها رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليّعليهالسلام دون غيره. وبعد تفصيل الحديث والخبر قال في أواخر الصفحة: فالنبيصلىاللهعليهوآله قد أخبر بثبوت هذه الصِّفة العالية لعليّعليهالسلام مع زيادة فيها على غيره بصيغة (أفعل التفضيل) ولا يتّصف بها إلّا بعد أن يكون كامل العقل، صحيح التمييز، جيّد الفِطنة، بعيداً عن السهو والغفلة،يتوصّل بفطنتهِ إلى وضوح ماأشكَل وفصل ماأعضَل،ذاعدالة تحجزه أنْ يحومَ حول حِمى المحارم، ومروّةٍ تحملُهُ على محاسن الشِّيَم ومجانبة
الدنايا، صادق اللهجة ظاهر الأمانة، عفيفاً على المحظورات، مأموناً في السخط والرِّضا، عارفاً بالكتاب والسّنة، و الاتّفاق والاختلاف، والقياس ولغة العرب بحيث يُقدِّم المحْكَم على المتشابه والخاص على العام والمبيَّن على المجمل والناسخ على المنسوخ وبعد تفصيل وشرح مبسَّط للعلوم اللازمة للقضاء، قال: فظهر لك أيَّدك الله تعالى أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله حيث وصف علياًعليهالسلام بهذه الصفة العالية بمنطوق لفظه المثبت له فضلاً فقد وصفه بمفهومه بهذه العلوم المشروحة المتنوّعة الأقسام فرعاً وأصلاً، وكفى بذلك دلالة لمن خصّ بهديّة الهداية قولاً وفعلاً على ارتقاء عليّعليهالسلام في مناهج معارج العلوم إلى المقام الأعلى الخ.
والجدير بالذكر أنّ عمر بن الخطاب - الذي يحسبه الجاهلون المتعصّبون أمثال ذاك المعلم ومؤيّديه بأنّه أفقه وأعلم من الإمام عليعليهالسلام قد أعلن كرّات ومرّات وقال: لولا عليٌ لَهلك عمر، أو بعبارات اُخرى تتضمّن نفس المعنى، حتى أنّ كبار علمائكم قالوا: أنّ عمر في سبعين موضع حينما عجز عن الفصل والقضاء راجع علي بن أبي طالب، ولمـّا حكم في القضيّة وبيَّنَ الدلائل الشرعيّة والعقليّة في حكمه وقضائه، قال عمر: لا أبقاني الله لمعضلةٍ ليس لها أبو الحسن.
ولقد قال أحمد بن حنبل في المسند، ومحبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى كما نقل عنهما الحافظ القندوزي في ينابيع المودّة / باب ٥٦، وكذلك في كتاب الرياض النضرة للطبري أيضاً: ج ٢/١٩٥، رَوَوا أنّ معاوية قال: إنّ عمر بن الخطاب إذا أشكل عليه شيءٌ أخذ من علي بن أبي طالب.
ونقل أبو الحجاج البلوي في كتابه « الف باء » ج ١ / ٢٢٢ قال: لمـا وصل معاويةَ خبرُ قتل عليّعليهالسلام ، قال: لقد ذهب الفقه والعلم بموت علي بن أبي طالب.
وهكذا يُروى عن سعيد بن المسيب أنّه قال: كان عمر(رض) يتعوّذ من معضلة ليس لها أبوالحسن(١) .
____________________
١) هذا الخبر ذكره جمعٌ كثير من علماء العامة وأعلامهم منهم:
الحاكم النيسابوري في المستدرك رواه عن سعيد بن المسيّب ورواه عنه أيضاً ابن عبد البرّ في الإستيعاب: ج ٢/ ٤٨٤، ورواه محب الدين الطبري في ذخائر العقبى / ٨٢، فإنّه بعد ما ذكر مراجعة عمر بن الخطاب إلى الإمام عليعليهالسلام في حكم المرأة التي ولدت لستة أشهر، قال وعن سعيد بن المسيِّب أنّه قال: كان عمر يتعوّذ من معضلة ليس لها أبو الحسن. قال الطبري: أخرجه أحمد بن حنبل وأبو عمر.
وروى العلامة سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص مسائل وقضايا شتى راجَعَ فيها عمر علياًعليهالسلام واخذ منه حكمها، وذكرها في فصلٍ بعنوان: (فصلٌ في قول عمر ابن الخطاب: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن، وما ورد في هذا المعنى) فنقل في أوله مقال سعيد بن المسيّبً عن كتاب «الفضائل» لأحمد بن حنبل، ثم نقل قضايا، قال عمر في إحداها: لولا عليٌّ لهلك عمر.
وقال في اخرى: اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب.
وقال في أخرى: لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب.
ونقل المتقي في كنز العمال: ج ٣ / ٥٣، عن عمر أنّه قال: اللهم لا تُنزل بي شدّة إلّا وأبو الحسن إلى جنبي.
وروى الطبري أيضاً في ذخائر العقبى / ٨٢، مراجعة عمر في قضاياه المعضلة وأموره المشكلة، ثم قوله: اللهم لا تنزلنَّ بي شديدة إلّا وأبو الحسن إلى جنبي، وذكر أنّ عمر كان يقول لعليّ إذا سأله ففرّج عنه: لا أبقاني الله بعدك يا علي.
وقال الطبري: وعن أبي سعيد الخدري أنّه سمع عمر يقول لعلي - وقد سأله عن مُعْضلٍ فأجابه -: أعوذ بالله أنْ أعيش في يوم لَسْتَ فيه يا أبا الحسن.
والعبارات في هذا المعنى كثيرة جداً.
«المترجم»
وقال أبو عبدالله محمد بن علي الترمذي في شرح «الفتح المبين» : كانت الصحابة (رضي الله عنهم) يرجعون إليه - أي إلى عليّعليهالسلام - في أحكام الكتاب ويأخذون عنه الفتاوي، كما قال عمر بن الخطاب (رض) في عدّة مواطن: لولا عليٌ لهلك عمر.
وقال النبيصلىاللهعليهوآله : أعْلَمُ أمّتي علي بن أبي طالب.
فَتحصَّل من كتب التاريخ والسِيَر أنّ عمر بن الخطّاب كان ضعيفاً في الفقه وعلم الأحكام، لذلك كان في أغلب القضايا يراجع من حضره مَنْ الصحابة العارفين بالفقه وأحكام الشريعة. وربّما اشتبه في المسائل الدينيّة والأحكام الشرعيّة التي كان يعرفها أكثر المسلمين، فكان الحاضرون ينبّهونه ويرشدونه إلى الصواب.
الشيخ عبد السلام: لا نسمح لك أن تتكلّم هكذا على خليفة المسلمين وتنسب إليه الجهل والإشتباه،نحن لا نتحمل منكم هذا التجاسر، ولا شك أنّ كلامكم بعيد عن الصواب، وقائله مُفْتَر كذّاب!!
قلت: على مهلك يا شيخ! قف عند حدِّك ولا تهرِّج، تريدُ بهذا الكلام أنْ تحرِّك أحاسيس الحاضرين من أهل السُنّة، ولكنّهم عرفوا في الليالي السالفة والمناقشات الماضية بأنّي لا أتكلم بغير دليل وبرهان، وهذه المرة كالمرّات الأخرى، إنّما قلت ما قلت من كتب كبار علمائكم ومسانيد أعلامكم، فإنْ كان في كلامي تجاسرٌ على عمر فليس مني بل من علمائكم، وإنْ كان الكلام بعيداً عن الصواب، وقائله مُفْتَر كذّاب - كما زعمت - فقائله بعض أعلامكم وأئمتكم.
الشيخ عبدالسلام: هذا الكلام غير مقبول، ولا أظن قائله إلّا
أحد المردودين غير المعتبرين لدى عامّة أهل السّنّة، والجدير أنّك لمـّا تنقل خبراً في إثبات كلامك، تقول: نقله أعلامكم وأئمتكم، ولم تذكر اسم القائل، فنراه ليس من أعلامنا وأئمتنا، بل هو كاتبٌ سُنيٌّ غير معتبر، ولا يعْتمد أعلامنا على كتابه، لذلك أنا لا أقبل منك نقل الرواية والخبر في هذا الموضوع إلّا من الأئمة الأعلام الذين نرجع إليهم في أمور ديننا، كأصحاب الصحاح والمسانيد أو السنن التي نعتمد عليها.
قلت: لقد أسْهَبْتَ في البيان وذَربت باللسان وقضيتَ خلاف الحق والوجدان، وأنا أترك التحكيم للحاضرين لاسيما أهل العلم والإيمان، ولكي تعرف زيف كلامك وتعلم صدق مقالي، أذكر لكم من الكتب التي تقبلونها وتعتمدون عليها في أمور الدين والمذهب من الصحاح والمسانيد المعتبرة لديكم، أذكر اشتباهاً واحداً من عشرات الإشتباهات التي ارتكبها الخليفة عمر بن الخطاب مضافاً إلى ما مرّ، واكتفى بذلك رعايةً للوقت.
عمر: لا يعرف التيمّم وأحكامه!!
جاء في صحيح مسلم / باب التيمُّم، وذكره أيضاً الحميدي في كتابه الجمع بين الصحيحين، وأحمد بن حنبل في مسنده ج ٤ / ٢٦٥ و ٣١٩، والبيهقي في السنن: ج ١ / ٢٠٩، وأبو داود في السنن: ج ١ / ٥٣، وابن ماجه في السنن: ج ١ / ٢٠٠، والنسائي في السنن: ج ١ / ٥٩ إلى ٦١، هؤلاء كلّهم عندكم من الأئمة والأعلام المعتمد عليهم في مسائل الحلال والحرام وجميع أحكام الإسلام، وذكر
أيضاً جمع كثير من علمائكم الكرام غير هؤلاء ذكروا بأسانيدهم عن طرق كثيرة رَووا بألفاظٍ مختلفة والمعنى واحد، وأنقلُهُ من صحيح مسلم / كتاب الطهارة / في باب التيمُّم / رَوى بسنده عن عبدالرحمن بن أبزي: إنّ رجلاً أتى عمر فقال: إنّي أجنبتُ فلم أجد ماءً. فقال: لا تصلّ.
فقال عمّار: أما تذكر يا أمير المؤمنين! إذْ أنا وأنت في سَرِيَّةٍ فأجْنَبنا فلم نجد ماء. أمّا أنت فلم تصلِّ وأمّا أنا فتمعّكتُ في التراب - وفي صحيح النسائي / باب التيمم: فتمرّغْتُ في التراب - فصلّيتُ.
فقال النبيصلىاللهعليهوآله : إنما كان يكفيك أنْ تضرب بيديْك الأرض ثمّ تنفخ ثمّ تمسح بهما وجهك وكفّيْكَ.
فقال عمر: اتّق الله يا عمّار! قال: إنْ شِئتَ لم أُحدِّث به.
فمن هذا الخبر يظهر زيف كلام ذلك المعلم الجاهل وبطلان زعمه ومدّعاه بأنّ عمر أحد الفقهاء الكبار، إذ كيف يمكن لفقيهٍ لازمَ صحبة النبيصلىاللهعليهوآله طيلة أعوام، وسمع منهصلىاللهعليهوآله أحكام الاسلام، وتلا كلام الله العزيز في القرآن حيث يقول:( وَ إِنْ کُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْکُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (١) .
فيُفْتي بترك الصلاة الواجبة، عند فقدان الماء!!
هل يصحّ أنْ يقال لهكذا مفتي أنه فقيهٌ أو عالم بأحكام الدين؟! والجدير بالذكر، أنّ مسئلة التيمُّم من المسائل المبتلى بها في المسلمين، فلذا يعرفها حتّى عوام المسلمين والسّوقيين منهم الملتزمين بالصلاة
____________________
١) سورة المائدة، الآية ٦.
والعبادة، فكيف بأصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ وكيف بحاكم المسلمين؟!
ليس لأحدٍ أن يقول بأنّ عمر كان متعمِّداً في فتواه بترك الصلاة، أو كان يقصد تبديل حكم الله والإخلال أو التغيير في دين الله سبحانه، ولكن لنا أنْ نقول: بأنّه ما كانت له الإحاطة الكافية بجميع أحكام الدين ومسائل الشّرع المبين، وكم فَرْقٌ بينه وبين مَنْ كان محيطاً بجميع مسائل الإسلام وأحكام العبادات والحلال والحرام، وكان سريع الجواب حتّى في جزئيّات الأحكام، ولا يخفى عليه شيء من أمور الدين صغيراً كان أو كبيراً؟!
الشيخ عبد السلام: ما كان أحدٌ غير رسول اللهصلىاللهعليهوآله يتصف بصفة أنه لا يخفى عليه شيءٌ من أمور الدين صغيراً كان أو كبيراً.
قلت: نعم بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما كان أحدٌ من الصحابة يتصف بهذه الصفة العظمى، إلّا باب علمه ووارث مقامه علي بن أبي طالبعليهالسلام ولذلك خاطب النبيٌّصلىاللهعليهوآله أصحابه قائلاً: أعلمكُم عليٌّ.
إحاطة الإمام عليّعليهالسلام بالعلوم
روى العلّامة موفق بن أحمد الخوارزمي في كتابه المناقب بأنّ يوماً سأل الخليفة عمر بن الخطاب، الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام إذْ رآه يجيب سريعاً على كل ما يُسْأل بغير تأنّ وتفكّر. فقال: يا علي كيف تجيب على المسائل سريعاً بالبداهة من غير تفكير؟!
فبسَط عليٌعليهالسلام كفّه وسأله: كم عدد أصابع الكف؟ فأجاب عمر سريعاً من غير تأخير: خمسة.
فقال له عليّ: كيف أسرعت في الجواب من غير تفكير؟
فأجاب عمر: إنّه واضح، لا يحتاج إلى تفكير.
فقال عليٌعليهالسلام : إعْلَم أنّ كل شيء عندي واضحٌ بهذا الوضوح فلا أحتاج إلى تفكير في جواب أي سؤال(١) .
____________________
١) لا يشك المحقق البصير والمدقق الخبير، بأنّ أحداً من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله لا يُقاس بالإمام عليّعليهالسلام في العلم والمعرفة، فهو أعلمهم قاطبة وكلهم كانوا يحتاجون إليه في علم الدين وكانوا يراجعونه في المسائل والأحكام وكان غنيّاً عنهم، روى العلّامة القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة / الباب الرابع عشر في غزارة علمهعليهالسلام ، روايات كثيرة في هذا المعنى وكلها من الكتب المعتبرة لدى العامّة.
فقال: وعن الكلبي، قال ابن عباس: عِلمُ النبيصلىاللهعليهوآله من علم الله سبحانه وعلم عليّ من عِلْم النبيصلىاللهعليهوآله ، وعلمي من عِلم عليّ. وما علمي وعلم الصحابة في علم عليّ إلّا كقطرة في سبعة أبحر.
وفي أواخر الباب رَوى عن المناقب، عن عمّار بن ياسر (رض) قال: كنت مع أمير المؤمنينعليهالسلام سائراً فمررنا بوادٍ مملوءةً نملاً. فقلت: يا أمير المؤمنين ترى أحداً من خَلق الله تعالى يعلم عدد هذا النمل؟
قال: نعم يا عمار، أنا أعرف رجلاً يعلم عدده، ويعلم كم فيه ذكرٌ وكم فيه أنثى.
فقلت من ذلك الرجل؟
فقال: يا عمار ما قرأتَ في سورة يس، الآية ١٢:( وَ کُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) !
فقلتُ: بلى يا مولاي، قال: أنا ذاك الإمام المبين.
وروى أيضاً عن أبي ذر (رض) قال: كنتُ سائراً مع عليّعليهالسلام ، إذْ مررنا بوادٍ نملة كالسيل، فقلت: الله أكبر جَلَّ محيصه فقالعليهالسلام : لا تقل ذلك، ولكن قل جلّ بارِؤُه. فوالذي صوَّرني وصوَّرك، إنّي أُحصي عددهم، وأعلمُ الذَكَر منهم والأُنثى بإذن الله عزّ وجلّ.
أيّها القاريء الكريم: الروايات في باب إحاطة علم الإمام عليّعليهالسلام بالأشياء كثيرةٌ في كتب الفريقين وقد ذكرتُ نموذجاً منها.
«المترجم»
اعتراف معاوية وإقراره بعلم الإمام عليّعليهالسلام
لقد تذكّرتُ الآن خبراً أنقله للحاضرين الكرام من باب:
وفضائل شهد العدوُّ بذكرها |
والفضل ما شهدت به الأعداءُ |
نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، وابن حجر في الصواعق المحرقة / ١٠٧ طبع المطبعة الميمنيّة بمصر / قال: وأخرج أحمد [بن حنبل]:
أنّ رجلاً سأل معاوية عن مسئلة، فقال: إسْأل عنها عليّاً فهو أعلم.
فقال: يا أمير المؤمنين! جوابك فيها أحبُّ إليَّ من جواب علي.
قال: بئسما قلت، لقد كَرِهْتَ رجلاً كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يعزه بالعلم عزا، ولقد قال له: أنتَ منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، وكان عمر إذا أشكل عليه شيء أخذ منه، قال ابن حجر: وأخرجه آخرون بنحوه(١) .
عجْزُ عمر في حلّ المعضلات وخضوعه لعليّعليهالسلام
نقل جمعٌ من أعلامكم وكبار علمائكم منهم العلّامة نور الدين
____________________
١) وذكر ابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة: ٢٤ و٢٥، طبع دار إحياء الكتب العربية: ولمـّا قال محفن بن أبي مِحفن لمعاوية: جئتك من عند أعيا الناس - وقصد علياًعليهالسلام - قال له:
وَيحَك! كيف يكون أعيا الناس! فوالله ما سَنَّ الفصاحة لقريش غيرهُ.
«المترجم»
المالكي في كتابه الفصول المهمة / ١٨ في القسم الثالث من الفصل الأول / ونسبَ الكلام المرموز إلى رجل مجهول. ولكن العلّامة الكنجي الشافعي روى بإسناده في كتاب كفاية الطالب / الباب السابع والخمسون عن حذيفة بن اليمان أنّه لقي عمر بن الخطّاب فقال له عمر: كيف أصبحت يا ابن اليمان؟ فقال: كيف تريدني أصبح؟! أصْبَحْتُ واللهِ أكرهُ الحق، وأحبُّ الفتنة، وأشهد بما لم أره، وأحفظ غير المخلوق، وأُصلّي على غير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء. فغضب عمر لقوله وانصرفَ مِنْ فوره وقد أعجله أمرٌ وعزم على أذى حُذَيْفة لقوله ذلك.
فبينا هو في الطّريق إذ مَرّ بعلي بن أبي طالب، فرأى الغضب في وجهه، فقال: ما أغضبك ياعمر؟!
فقال: لقيتُ حذيفة بن اليمان فسألته كيف أصبحت؟ فقال: أصبحتُ أكره الحق، فقالعليهالسلام : صدقَ، يكره الموت وهو حق.
فقال: يقول: وأحب الفتنة، قالعليهالسلام : صدق، يحب المال والولد، وقد قال الله تعالى:( أَنَّمَا أَمْوَالُکُمْ وَ أَوْلاَدُکُمْ فِتْنَةٌ ) (١) . فقال: يا علي يقول: واشهد بما لم أره. فقالعليهالسلام صدق، يشهد الله بالوحدانيّة والموت والبعث والقيامة والجنة والنار والصراط ولم ير ذلك كلَّه. فقال: يا علي وقد قال: إنّني أحفظ غير المخلوق، قالعليهالسلام : صدق، يحفظ كتاب الله تعالى القرآن وهو غير مخلوق، قال: ويقول: أُصلّي على غير وضوء. فقالعليهالسلام : صدق، يصلّي على ابن عمِّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله على غير وضوء، وهي جائزة.
فقال: يا أبا الحسن قد قال: أكبر من ذلك، فقالعليهالسلام : وما هو؟
____________________
١) سورة الأنفال، الآية ٢٨.
قال: قال إنّ لي في الأرض ما ليس لله في السماء. قالعليهالسلام : صدق، له زوجة، وتعالى الله عن الزوجة والولد.
فقال عمر: كاد يهلك ابن الخطاب لولا علي بن أبي طالب.
ثم قال العلّامة الكنجي: هذا ثابتٌ عند أهل النقل ذَكَرهُ غير واحد من أهل السيِّر.
وقد روى العلماء أخباراً كثيرة وقضايا عسيرة من هذا القبيل كانت تحدث في خلافة الشيخيْن أبي بكر وعمر، فكانا يعجزان عن حلِّها وفهمها فكانا يرجعان بها إلى الإمام عليّعليهالسلام فيعطيهم الجواب، لا سيما المسائل التي كان يطرحها علماء اليهود والنصارى والماديّون، فكانت معضلات علميّة ومشكلات كلاميّة لم يتمكن أحدٌ من الصحابة ردّها والإجابة عليها بالصواب إلّا سيد الوصيين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ولقد روى أكثر أعلامكم وكبار علمائكم في كتبهم بعض تلك القضايا منهم: البخاري ومسلم في الصحيحيْن، والنيسابوري في التفسير، وابن المغازلي في المناقب، ومحمد بن طلحة العدوي في الباب الرابع من كتابه مطالب السئول،والحميدي في الجمع بين الصحيحيْن، وأحمد بن حنبل في المسند، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمة: ص ١٨ وابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب / ٣٣٧، طبع حيدر آباد، وفي الإصابة ج ٢ / ٥٠٩، طبع مصر، والقاضي روزبهان في إبطال الباطل، والمحب الطبري في الرياض النضرة: ج ٢ / ١٩٤، وابن الأثير الجزري المتوفّي سنة ٣٦٠ هجرية في أُسد الغابة: ج ٤ / ٢٢، وابن قتيبة المتوفي سنة ٢٧٦ هجرية في كتابه تأويل مختلف الحديث: ٢٠١ - ٢٠٢ طبع مصر،
وابن عبدالبر القرطبي في الاستيعاب ج ٢/ ٤٧٤ و ج ٣ / ٣٩، وابن كثير في تاريخه ج ٧ / ٣٥٩، والسيوطي في تاريخ الخلفاء: ٦٦، والسيد مؤمن الشبلنجي في نور الأبصار: ص ٧٣، والعلّامة السمهودي في جواهر العقدين، والحاج أحمد أفندي في هداية المرتاب / ١٤٦ و ١٥٢، والشيخ محمد الصبّان في إسعاف الراغبين: ص ١٥٢، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الحواس في الباب السادس، وابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة، والمولى علي القوشجي في شرح التجريد: ص ٤٠٧، والخوارزمي في المناقب / ٤٨ و ٦٠، وابن حجر في الصواعق المحرقة: ص ١٠٧ طبع المطبعة الميمنيّة بمصر، والعلّامة ابن قيِّم الجوزية في كتاب الطرق الحكمية / ٤٧ و ٥٣، تجد في هذه المصادر قضايا عسيرة ومشاكل كثيرة راجَعَ فيها الشيخان أيام خلافتهما،عليّاًعليهالسلام وهو حَكَمٌ فيها، وخاصّة عمر بن الخطاب، فقد كان يقول عبارته المشهورة بعد كل معضلة حلَّها الإمام عليّعليهالسلام : أعوذ بالله من معضلة ليس فيها أبو الحسن، ويقول في بعضها الآخر: لولا عليٌ لَهلك عمر. وقوله: كاد يهلك ابن الخطاب لولا علي بن أبي طالب.
ولقد تحصَّل من هذه الأخبار أنّهم كانوا يحتاجون إلى الإمام عليعليهالسلام لحلّ القضايا والحُكم فيها، وكانوا يحتاجون إلى رأيه وقضائه في فصل النزاع والتخاصم، وبحكم العقل ونظر العقلاء فإنّ الأعلم مقدَّم على غيره وهو أحقّ أنْ يُتّبَع، وقال الله سبحانه:( أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَکُمْ کَيْفَ تَحْکُمُونَ ) (١) ؟
____________________
١) سورة يونس، الآية ٣٥.
وقال عزّ وجلّ:( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) (١) .
فهل كان من الحق والإنصاف أنْ يتقدَّموا على الأعلم والأفضل والأحق وأنْ يؤخّروا من قدَّمه الله تعالى وفضّله على غيره؟!
الإمام عليعليهالسلام وخلافة مَن سبقوه
الشيخ عبدالسلام: لا ينكر أحدٌ فضائل ومناقب سيدنا عليٍّ كرّم الله وجهه إلّا معاند متعصّب أو جاهل متعنِّت، ولكن ثبت عند أهل العلم والتحقيق أيضاً بأنّ علياً رضي بخلافة الراشدين وسلّم الأمر إليهم وبايعهم بالطوع والرغبة، فليس لنا بعد ذلك ولا يصحّ منّا أنْ نجدِّد ذكر الحوادث التي تبعث الإختلاف بين المسلمين وتشبّ نار الفرقة والنزاع بين المؤمنين.
أليس من الأفضل أن ننسى الماضي ونترك هذه الأبحاث ونتّحد مع بعض ونتّبع الواقع ونخضع للتاريخ؟
فلا ينكر أحدٌ من لأهل العلم والإطّلاع أنّ الخلافة ثبتت لأبي بكر، وبعده استقرّت لعمر بن الخطاب وبعده تعيَّن عثمان بن عفّان لها. فمع تسليمنا وخضوعنا لمقام سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه وتفوّقه العلمي والعملي وقرابته من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وجهاده، ندعوكم أنْ تخضعوا أيضاً لخلافة الراشدين قبل الامام عليّ حتى نحسبكم مثل أحد المذاهب الأربعة المؤيَدة من قِبل عامّة المسلمين.
وقلتُ: بأننا لا ننكر تفوّق سيدنا عليّ كرّم الله وجهه في العلم والعمل ولكن أضنكم تصدّقوني بأنّ أبا بكر(رض) كان أولى بالخلافة
____________________
١) سورة الزمر، الآية ٩.
لكبر سِنّه، وكثرة تجاربه، وعلمه بالسياسة، وإدارة الأمور، ولوجود هذه الإمتيازات فيه أجمعوا على خلافته، فإنّ سيدنا عليّ كرم الله وجهه كان حينذاك شاباً غير محنّك في أمور السياسة والإدارة، وحتى من بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله بخمسة وعشرين عام لمـّا بايعوه بالخلافة لم يستقر له الأمر لعدم سياسته وحدثت في أيّامه حروب طاحنة بين المسلمين فسفكت الدِّماء وزهقَت النفوس، كل ذلك بسبب خطئه في الإدارة والسياسة.
قلت: لقد خَلْطَتَ الحابل بالنابل، وضَرَبْتَ السليم بالسَّقيم، فلابدّ لي أنْ أُميِّز بين كلامك، وأضع كل جملة في موضعها وأجيبك عليها.
مَثَل مناسب ولا مناقشة في الأمثال
أولاً:
لقد جاء في الأمثال: أنّ عجوزاً طلبت من ولدها - وكان سارقاً - أنْ يأتي لها بكفن من كَسْبٍ حلال.
فجاء الولد وهو شاب قويّ إلى بيّاع الأكفان - وكان شيخاً ضعيفاً - قريباً من بيت العجوز، فأخذ منه كفناً ولم يعطه الثمن، ولمـّا أرادَ أنْ يذهب، طالبَهُ صاحب الكفن بالثمن، فقال السارق: ليس عندي ثمنه وأريد منك أن تحلَّه لي.
فقال الشيخ: لا أحلُّه. إمّا أن تعطي الثمن أو تردّ الكفن!
فغضب السارق وأخذ بتلابيب الشيخ وضربه حتّى سقط على الأرض وبدأ يركله برجله، ويسحقه بأقدامه، ويقول هَبْني الثمن وحلِّل الكفن وإلّا قتلتك!!
فقال الشيخ بصوتٍ منخفض - وهو تحت أقدام السارق -: وهبتُك الثمن وحَلّلْتُ الكفنّ.
فقال السارق: لا أقبل. إلّا أن تصيح بصوتٍ رفيع، تسمعك أمّي في بيتها.
فصاح الشيخ بكل صوته: وهبتُك الثمن وحللت الكفن.
فتركه وجاء إلى أمه العجوز وأعطاها الكفن.
وقال لها: يا أمّاه سمعتِ صوت الشيخ يقول: حللت الكفن!
قالت: نعم يا ولدي.. جَزاك الله خيراً!!
أقول: فلو درت العجوز بصنيع ولدها الظالم بالشيخ المظلوم، هل كانت تؤيِّده وتقول له: جزاك الله خيراً؟!
إنّ كلامك بأنّ علياًعليهالسلام كان راضياً بخلافة الراشدين قبله، وأنّه بايعهم بالطوع والرغبة، فقد تكرّر ونحن أجبنا عليه من قبل بالإجابات القانعة المستندة الى كتبكم وتواريخكم، بأنّهم أجبروه على البيعة بحرق بابه، وإسقاط ولده المحسن، وإيذاء زوجته وهي سيدة نساء العالمين، وإخراجه من البيت حاسراً قد جرّدوا السيف على رأسه، وهدّدوه بالقتل إنْ لم يبايع؛ وما إلى ذلك من حوادث أليمة وفجائع عظيمة.
فلو تظاهر الإمام عليعليهالسلام بالرضا فإنّما كان رضاه مثل رضا الشيخ بيّاع الأكفان، عن كُرْهٍ وإجبار لا كما تزعمون عن طَوْعٍ ورغبة. فكيف رضي وهوعليهالسلام إلى آخر عمره كان يشتكي مِنْ أعمالهم ويتذمّر؟
وكما نرى في خطبه وكلماته وكتبه في نهج البلاغة، كان كلّما وجد فرصة مناسبة يُبدي ظلامته ويقول: صَبَرْتُ وفي العين قذى وفي
الحلق شجى. فأين هذا الكلام من الرضا؟
ثانياً: قلتم : أليس من الأفضل أنْ ننسى الماضي ونترك هذه الأبحاث ونتّحد مع بعض..؟ كما قلتم قبله، ولا يصح منّا أنْ نجدِّد ذِكْر الحوادث التي تبعث الإختلاف والفرقة بين المسلمين.
فأقول: نحن في طول التاريخ كنا نراعي جانب الإتحاد، وكنا نحذِّر من الفُرْقة والإختلاف، ونبتعد عن التخاصم والنزاع، ولو راجعتم التاريخ ومَرَرْتم بالأحداث لأذْعَنتُم لقولي، ولقد مضى في أبحاثنا أنّ الإمام عليّعليهالسلام إنّما سكتَ وسكَنَ مدة خمس وعشرين سنة - مدة حكومة الثلاثة قَبْلَه - حَذَراً من الإختلاف والفُرْقة بين الأمّة ولقد تحمَّل ما لو نَزَلَ على صُمِّ الصخور لتصدّعت وصارت هباءً منثوراً.
وكذلك الإمام المجتبى الحسن السبط سلام الله عليه، إنّما هادن معاوية ليوحِّدَ بين المسلمين ويحسم النزاع والتخاصم، ولكن معاوية سحقَ شروط الإمام الحسنعليهالسلام التي كان قد وقّعَ عليها. وبعده أيضاً كانت الشيعة في كل عصر وزمان دُعاة الإتحاد والائتلاف، وأنتم كنتم تعملون بالعكس والخلاف، وذلك بتصدير الفتاوي ضد الشيعة، والإفتراء عليهم، وإتهامهم بالكفر، وتسميتهم بالرافضة، وإباحة أموالهم ودمائهم وأعراضهم و ....، ومن باب الدفاع عن النفس كنا نردُّ عليكم ونثبت بالمنطق والدليل بأنّنا مؤمنون ومسلمون ولسنا بكافرين ومشركين.
لا يصح اختيار دينٍ بغير دليل
ثالثاً: أما قولك: أليس من الأفضل أن ننسى الماضي ونتحد مع بعض ونتّبع الواقع؟
فأقول: بل الأفضل أنْ نعتبر من الماضي ولا نكرر أخطاء اسلافنا الماضين ولا سيما في أمر الدين.
والأفضل أيضاً أنْ نتحد مع بعض، ولكن يجب أن يكون اتحادنا على قبول الحق، فيلزم قبل الإتحاد أنْ نبحث ونناقش لنعرف الحق فنتقبَّله ونتمسك به كلّنا، وهذا هو الإتحاد الممدوح والذي يريده الله تعالى.
وأما قولك فنتّبع الواقع ونخضع للتاريخ. فهو كلام أوهن من بيت العنكبوت. وفيه ضربٌ من المغالطة، لأنك بهذا الكلام تريد منّا أنْ نتّبع مَن غَلَبَ، ونخضع لمن حكم، وما أكثر الظالمين الذين غلبوا المظلومين وما أكثر الطغاة الذين حكموا في العالم. فليس كل مَن غَلَب وحَكَم حقيقٌ بأنْ نتّبعه ونخضع له.
وأما فيما هو بحثنا وهو الخلافة، فإنّ التاريخ يحدِّث ويحكي بأنّه بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله انقسم المسلمون واختلفوا، فقسمٌ منهم تبعوا أبا بكر وبايعوه وخضعوا لحكمهِ وخلافته، والقسم الآخر خالفوه ورفضوا حكمه وخلافته، وتبعوا علياً وأطاعوه مستندين في عملهم بالقرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريمصلىاللهعليهوآله .
فالواجب علينا اليوم أنْ ننظر إلى أقوال الطرفيْن ودلائلهم ونختار مذهب أحدهما بالدليل والبرهان، فإنّه لا يصح التقليد في أصول الدين والمذهب. فهل يعذر أبناء اليهود والنصارى إذْ اتّبعوا ملّة آبائهم وقلَّدوا أسلافهم بحجّة القول:( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) (١) ؟
بل يجب على كلّ مكلَّف أنْ يتديَّن بدينِ الله تعالى عن دراسة
____________________
١) سورة الزخرف، الآية ٢٣.
وتحقيق، ولابدّ له من دليل عقلي في إختيار الدين والمذهب.
فلا يصحُّ اَنْ يتبَعَ الهَوى فيميل إلى مَن أحبَّ ويختار مذهبه، فإنّ اختيار الدين والمذهب يجب أنْ يكون على أساس المنطق القويم والعقل السليم.
ماهو دليلي على اختياري التّشيع؟
أتظنّون أنّي اخترتُ مذهب التشيّع، لأنّي وَجدتُ آبائي على هذا المذهب فقلّدتهم تقليدا أعمى؟ لا والله!
فانّي من حين عرفتُ نفسي وأحْسَسْتُ بحاجتي إلى دين أتديَّنُ به وأعمل بأحكامه وتعاليمه، بدأتُ أطالع في الأديان السماويّة وغيرها، حتى أنّي طالعتُ أقوال الماديين والوجوديين أيضاً، لكي أعرف الحق والحقيقة. فاخترتُ الإسلام عن معرفة ودراية، ثم درستُ أصوله وفروعه بدقة وتحقيق، فوحَّدتُ الباري جلّ وعلا وعبدته وفوّضتُ إليه أموري كلها، وطالعتُ تاريخ سيد المرسلين وفهمتُ رسالته الشريفة، وقد ثبت عندي بالأدلّة العقليّة وبمقايسة دينه بسائر الأديان أنّ الإسلام هو الدين الأكمل والمعتقَد الأفضل.
ثم نظرتُ إلى اختلاف المذاهب وتاريخ تأسيسها في الإسلام،و طالعتُ الأحداث التي حدثت بعد النبيصلىاللهعليهوآله وقضيّة الخلافة وتشكيل السقيفة وما بعدها، وطالعتُ تاريخ الخلفاء وأعمالهم، وكنت معتمداً في دراستي ومطالعاتي على مصادر الفريقيْن وكتب علماء الطرفيْن ومحدِّثيهم ومتكلّميهم ومؤرِّخيهم.
وأُشْهِدُ الله أنّي وصلت إلى حقّانيّة مذهب الشيعة، وحقيقة
أقوالهم وعقائدهم، وعرفتُ حقّ الإمام عليعليهالسلام بالولاية والخلافة وأنّ الآخرين قد غصبوا حقّه.
وأُقسم بالله أنّي ما حصلتُ على هذه النتائج والحقائق إلّا من الروايات والأخبار المذكورة في كتب علماء العامّة وأعلامهم، وفي صحاحهم ومسانيدهم المعتبرة والموثوقة التي لا يجوز عندهم ردَّها، ولقد اعتمدتُ في بحث الخلافة والإمامة خاصَّة، على تآليف وتصانيف علماء السنّة وطالعتُها، أكثر من مطالعتي لكتب الشيعة.
لأنّ الدلائل التي ذكرها علماء الشيعة في كتبهم، كانت أكثرها من كتب علماء السنّة وأعلامهم. فرجعتُ الى المصادر فوجدتُ فيها الدلائل أكمل وأتم. ولكن علماء السنة عندما يذكرون الآية القرآنية وشأن نزولها في الإمام عليّعليهالسلام ، أو يذكرون حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله في فضل الإمام عليّعليهالسلام فإنهم ينظرون اليها نظراً سطحياً، ويمرمّون عليها من غير تحقيق وتدقيق، فلا يتعمّقون في معانيها والمقصود منها، ولو نظروا فيها بنظر التحقيق لوجدوا فيها نصوصاً صريحة في خلافة الإمام عليّعليهالسلام وإمامته، وشهدوا كما نشهد بأنّ الإمام عليّعليهالسلام وليُّ الله وحجة الله وخليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، الأول بلا فصل.
الشيخ عبدالسلام: لا توجد في كتبنا المعتبرة نصوص في ولاية سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه وإمامته ولزوم طاعته على الأمّة!!
قلتُ: أظنّك يا شيخ كثير النسيان، وكأنّك لم تذكر من أحاديثنا ومحاوراتنا إلا قليلاً، فلذا أدعوك للرجوع إلى الصّحف والمجلّات التي نشرت مناقشاتنا الماضيّة، فإنّنا ذكرنا فيما سبق في كلامنا نصوصاً كثيرة من القرآن الحكيم وحديث النبي الكريمصلىاللهعليهوآله في إمامة علي بن أبي
طالب ولزوم طاعته ومتابعته، وسأذكر بعضها من باب( وَ ذَکِّرْ فَإِنَّ الذِّکْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) (١) .
الآيات والروايات في لزوم طاعة عليّعليهالسلام
أمّا النصوص في ولاية الإمام عليّعليهالسلام فكثيرة منها ما رواه الحافظ الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة / باب ٣٧. عن الفردوس للديلمي، وعن أبي نعيم الحافظ، وعن محمد ابن إسحاق المطّلبي صاحب كتاب المغازي، وعن الحاكم، والحمويني، والخوارزمي، وابن المغازلي وبعضهم أسند إلى ابن عباس، وبعضهم إلى ابن مسعود، وبعضهم إلى أبي سعيد الخدري أنهم قالوا: لمـّا نزلت الآية الكريمة:( وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) (٢) .
قال النبيصلىاللهعليهوآله : إنّهم مسئولون عن ولاية علي بن أبي طالب(٣) .
____________________
١) سورة الذاريات، الآية ٥٥.
٢) سورة الصافات، الآية ٢٤.
٣) رواه جمع كثير من كبار علماء العامّة وأعلامهم، منهم ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة في الفصل الأول من الباب الحادي عشر، يذكر فيه الآيات النازلة في فضل أهل البيتعليهمالسلام ، فقال: الآية الرابعة، قوله تعالى:( وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) أخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال:
وقفوهم إنّهم مسئولون، عن ولاية عليّ (انتهى كلام ابن حجر).
وأخرجه العلّامة الآلوسي في تفسيره المسمّى بروح المعاني، في تفسير الآية، ورواه العلّامة الكشفي الترمذي في (مناقب مرتضوي) نقل عن ابن مردوية في مناقبه وعن أحمد بن حنبل في مسنده، عن أبي سعيد الخدري أنه: يُسْئَل في القيامة عن ولاية علي بن أبي طالب.ونقل عن فردوس الأخبار عن ابن عباس وأبي سعيد قالا عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: يُسئلون عن الإقرار بولاية علي بن ابي طالب. =
ثم إنّنا نجد في كثير من الأخبار المرويّة في كتبكم المعتبرة، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يختار الإمام عليّ من دون كلّ الصحابة، فيجعله باب علمه ويأمر المسلمين بلزوم طاعته بل يجعل طاعته طاعة الله سبحانه.
فقد روى أحمد بن حنبل في المسند، والمحب الطبري في ذخائر العقبى، والخطيب الخوارزمي في المناقب، والحافظ القندوزي في الينابيع، والعلّامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب، عن النبيصلىاللهعليهوآله قال يا معشر الأنصار! ألا أدلّكم على ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا
____________________
= وأخرجه الشيخ أبو بكر بن مؤمن في كتاب رسالة الإعتقاد: وأخرج العلّامة الكنجي في كتابه كفاية الطالب / الباب الثامن والستون / صفحة ١٢٠، طبع مطبعة الغري.
قال: وروى ابن جرير الطبري، وتابعه الحافظ أبو العلاء الهمداني. وذلك ذكره الخوارزمي عن أبي إسحاق عن ابن عباس في قوله تعالى:( وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) يعني: عن ولاية عليّعليهالسلام .
ورواه العلّامة أبو نعيم الحافظ في كتابه ما نزل من القرآن في علي.
وأخرج سبط بن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص / الباب الثاني / قال: ومنها في الصافات قوله تعالى: (وقفوهم إنهم مسئولون). قال: قال مجاهد: عن حبّ عليعليهالسلام .
أقول: هذا التفسير يأتي بالمعنى الأعم، وأما بالمعنى الأخصّ فلا.
لأنّ ما يوجب التوقف عند الصراط ويقتضي السؤال عنه. فهو الولاية بمعنى الإمامة، فإنّ حبّ الإمام عليّعليهالسلام لم يجعل بانفراده أصلاً اعتقادياً يُسئل عنه كما يُسئل عن الرب وعن الكتاب وعن النبي، فالسؤال عن الولاية أي الخلافة التالية للنبوّة، فهذا التفسير هو الذي يقتضيه الحال والمقال.
«المترجم»
بعدي أبَداً؟ قالوا: بلى.
قال: هذا عليٌّ فأحبّوه وأكرموه واتّبعوه، إنّه مع القرآن والقرآن معه، إنّه يهديكم إلى الهُدى ولا يدلّكم على الرَّدى، فإنّ جبرائيل أخبرني بالذي قلته.
وكذلك روى كثير من علمائكم ونقلتُهُ لكم في الليالي السالفة، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لعمار بن ياسر: يا عمّار إنْ سَلَكَ الناسُ كلُهم وادياً وسلك عليٌّ وادياً فاسْلُك وادي عليّ وخَلِّ عن الناس.
وكذلك ذكرت لكم في الليالي الماضية من كتب أعلامكم: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال كراراً وأعلن مِراراً بين أصحابه: من أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله عزّ وجلّ.
فلا يخفى على العالم المتتّبع أنّ مثل هذه الأحاديث كثيرة جدّاً في كتبكم، وقد صحّحها كبار أعلامكم وأئمتكم، حتى كاد يحصل منها التواتر المعنوي في لزوم متابعة الإمام عليّعليهالسلام ووجوب طاعته.
مع العلم بأنّنا ما وجدنا ولا وجد غيرنا حتى حديثاً واحداً عن النبيصلىاللهعليهوآله يقول للمسلمين بأن يطيعوا بعده أبا بكر أو عمر أو عثمان، ولا يوجد في الكتب حديث واحد عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال فيه بأنّ أحد هؤلاء الثلاثة وصيّة أو باب علمه، أو خليفته.
ومع ذلك، تريدون منّا أن نوافقكم في قولكم بأنّ الإمام عليّعليهالسلام هو رابع الخلفاء الراشدين، ونقدّم عليه أولئك الذين لن نجد حتّى في كتبكم ما يُتبىءُ بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله عيّنهم أوصياء وخلفاء له، وأئمّة على المسلمين!!
فهل هذا يوافق حكم العقل؟ وهل هو صحيح عند العقلاء
وأصحاب الضمير والوجدان؟!
ثم فكّروا، وأنصفوا! ألا يكون هذا الطلب والأمر الذي تريدون منّا، مخالفاً لما أراده الله ورسولهصلىاللهعليهوآله ؟!
إتحاد المسلمين
أمّا قولك: أليس من الأفضل أنْ نتّحد؟
فنقول: إنّنا نتمنّى ذلك، ولا نزال نَسْعى لتحقيق هذا الأمر، ونسأل الله تعالى أن يوحِّد المسلمين على الهداية وعدم الضلالة، وهذا لا يكون الّا بالتمسك بالثّقلين كما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّي تارك فيكم الثقليْن: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً.
ولقد ذكرتُ لكم في الليالي الماضية مصادر هذا الحديث الشريف من كتبكم المعتبرة، وقد صرّح بعض علمائكم أنه من الأحاديث المتواترة.
ويبيّن لنا القرآن الكريم كذلك أساس الإتحاد وعدم التفرق فيقول:( وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرَّقُوا ) (١) .
قال ابن حجرفي الصواعق المحرقة(٢) في تفسير الآية: أخرجَ الثعلبي في تفسير هذه الآية عن جعفر الصادق (رضي الله عنه) أنه قال: نحن حبل الله الذي قال الله تبارك وتعالى:( وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرَّقُوا ) فالاتحاد يصبح ممكناً إذا كان على أساس التمسّك بالقرآن وأهل البيتعليهمالسلام ، وإلّا فلا يمكن ذلك ولا يتحقّق أبداً. كما نرى
____________________
١) سورة آل عمران، الآية ١٠٣
٢) الصواعق المحرقة/الباب الحادي عشر/الفصل الاول/الآية الخامسة.
بعض علمائكم وأعلامكم يكتبون على الشيعة في كتبهم ويفترون عليهم ويتّهمونَهم بالكفر والشرك، وهو ادّعاء بلا دليل. فامنعوا أوَّلاً هؤلاء المتعصِّبين المعاندين التابعين للخوارج والنواصب من هذه التهجّمات والتعسّفات، ورُدُّوا أقاويلهم وأباطيلهم، حتى يتحقّق إن شاء الله التّقارب والإتحاد بين الشيعة وأهل السنّة، مع غضّ النظر عن الاختلافات الموجودة بينهم في العقائد والقواعد الدينيّة، كالتقارب والإتحاد بين المذاهب الأربعة، مع غض النظر عن كل الإختلافات الموجودة بينهم، مع أننا نجد في كتبهم أنّهم كانوا يكفّرون بعضهم بعضا، لشدّة اختلافاتهم، - وقد نقلت لكم بعض تكفيراتهم في الليالي الماضية - ومع ذلك نرى أتباع ايّ واحد من المذاهب الأربعة يتمتّع بالحريّة الكاملة في كل البلدان والمدن الإسلاميّة، فيعمل برأي إمامه ويقوم بعباداته كلِّها على أساس مذهبه من غير مانع ورادع، حتى لو كان أهل تلك المدن من أتباع مذهب آخر.
ولكن نحن الشيعة على حسب مذهب أئمة أهل البيت - وهم العترة الهادية - يجب أنْ نسجد على التراب، فنأخذ معنا قطعة من الطين اليابس فنسجد عليه، وإذا بكم تهرّجون ضدّنا وتفترون علينا فتقولون لجهالكم بأنّ الشيعة عبّاد الصنم، وتستدلّون لهم بسجودنا على الطينة اليابسة، فتُلبسون عليهم الأمر وتدلِّسون عليهم، بأنّ الطينة صنم، والشيعة يعبدونه!!
الشيخ عبدالسلام: إذن فلماذا تختلفون أنتم في صلاتكم وسجودكم مع المسلمين؟! ولو كنتم توافقونهم ما حدث هذا الإشتباه أو سوء التعبير والفهم. وأنا أنصحكم إنْ كنتم تريدون رفع الإتّهام عن
أنفسكم، فصلُّوا كما يُصلِّي المسلمون عامّة.
قلت: هذا الاختلاف إنما هو مثل اختلافكم أنتم اتباع الشافعي مع سائر المذاهب.
الشيخ عبدالسلام : نحن نختلف في الفروع وأنتم تختلفون في الأصول.
قلت: أوّلاً: السجود جزءٌ من الصلاة، والصلاة من فروع الدين.
ثانياً: اختلافكم مع أتباع مالك وأحمد وأبي حنيفة لم يكن في الفروع فحسب بل تعدّى إلى الأصول أيضاً بحيث نجد في الكتب كما قلت آنفاً يفسِّق ويكفِّر بعضكم بعضاً.
الشيخ عبدالسلام: التكفير والتفسيق من عمل المتعصّبين والجاهلين، وإلّا فاجماع علماء العامّة وأعلام أهل السنّة على أنّ العمل بفتوى أيّ واحد من الأئمة الأربعة صحيحٌ، والعامل مأجور ومثاب.
قلت: بالله عليكم فكِّروا وانصفوا!! لماذا العمل برأي الأئمة الأربعة صحيحٌ والعامل به مأجورٌ ومثاب - مع العلم أن تعيين هؤلاء الأربعة إنّما كان بأمر أحد الملوك واسمه «بيبرس » كما في خطط المقريزي كما مرّ قوله في الليالي الماضية - مع شدّة اختلافهم في الفروع وحتى في أصول الدين؟ ولكن تجعلون العمل برأي أئمة أهل البيتعليهالسلام ، والأخذ بنظر العترة الهادية يوجب الكفر! مع العلم بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله أرجع أمّته إليهم إذا اختلفوا في الرأي. فأمَر أنْ يؤخذ برأيهم
لأنّهم على الهدى والصواب، ومخالفهم يكون في العمى والضلال(١) .
____________________
١) نقل ابن حجر في الصواعق المحرقة/ الباب الحادي عشر/ الفصل الأول في الآيات الواردة فيهم/ الآية الرابعة/ نقَلَ في ذيلها حديث الثقليْن بطرق كثيرة، وقال في نهاية كلامه وفي رواية صحيحة: إنّي تاركٌ فيكم أمرَيْن لن تضلّوا ان تبعتموهما وهما: كتاب الله وأهل بيتي عترتي. وزاد الطبراني: إني سألتُ ذلك لهما فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصّروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلِّموهم فإنّهم أعلم منكم.
ثم قال: إعلم أنّ لحديث التّمسك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيِّف وعشرين صحابياً ومرّ له طرق مبسوطة.. وفي بعض تلك الطرق أنّه قال ذلك بحجّة الوداع بعرفة، وفي أخرى أنّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أُخرى أنّه قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى أنه قال لمـّا قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف كما مرّ، ولا تنافي إذ لا مانع من أنّه كرَّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.
وفي رواية عند الطبراني عن ابن عمر: آخر ما تكلّم به النبيصلىاللهعليهوآله اخلفوني في أهل بيتي وبعد نقل روايات وكلمات قال تنبيهٌ: سمّى رسول اللهصلىاللهعليهوآله القرآن وعترته - وهي بالمثناة الفوقية: الأهل والنسل والرهط الأدنون - ثقلين لأنّ الثقل كل نفيس خطير مصون، وهذان كذلك إذ كلٌ منهما معدن للعلوم اللَدُنيّة والأسرار والحِكم العَليّة، والأحكام الشرعيّة، ولذا حثصلىاللهعليهوآله على الاقتداء والتمسّك بهم والتعلُّم منهم، وقالصلىاللهعليهوآله : الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهلَ البيت. وقيل سُمّيا ثقلين: لثقل وجوب رعاية حقوقهما.
ثم الذين وقع الحث عليهم منهم إنّما هم العارفون بكتاب الله وسُنّة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب، ويؤيّده الخبر السابق: «ولا تُعلِّموهم فإنّهم أعلم منكم» وتميّزوا بذلك عن بقيّة العلماء لأنّ الله أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً، وشرّفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة، وقد مرّ بعضها وسيأتي =
فسوء التعبير وسوء الفهم منكم بالنسبة لنا، لم يكن لأجل اختلافنا معكم في الأعمال، وإنّما منشأهُ حبُنا وولاؤنا لأهل البيت والعترة الطاهرةعليهالسلام وبغضنا لأعدائهم وظالميهم. وإلّا فإنّ الإختلاف في الأعمال والأحكام موجود بين نفس المذاهب الأربعة في الأصول والفروع من الطهارة إلى الديات، والجدير أن بعض فتاوي أئمتكم مخالفة لصريح القرآن واجتهادا خلاف النص، ومع ذلك تغضون النظر وتوجّهون الفتوى بشيءٍ من التوجيه وتعذرون المفتي بأنّه عمل
____________________
= قال: وفي أحاديث الحث على التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض - كما يأتي - ويشهد لذلك الخبر السابق: «في كل خَلَف من أمّتي عدول من أهل بيتي». قال ابن حجر: ثمّ أحقُّ مَن يُتمسَّك به منهم إمامهم وعالمهم عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، لما قدّمناه من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته. ومن ثمّ قال أبو بكر: عليٌّ عترة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أي الذين حث على التمسّك بهم فخصّه لما قلنا. قال: وكذلك خصّهصلىاللهعليهوآله بما مرّ يوم غدير خم، والمراد بالعيبة والكرش في الخبر السابق آنفاً، أنّهم موضع سرِّه، وأمانته، ومعادن نفائس معارفه وحضرته، إذ كلٌ من العَيْبة والكرش مستودَع لما يخفى فيه مما به القوام والصلاح، لأنّ الأول: لِما يُحرَز فيه نفائس الأمتعة والثاني: مستَقَرّ الغذاء الذي به النموّ وقوام البُنيّة. وقيلَ: هما مثلان لاختصاصهم بأموره الظاهرة والباطنة، إذْ مظروف الكرش باطن، والعيبة ظاهر، وعلى كلّ فهذا غاية في التعطّف عليهم والوصيّة بهم.
أقول: إنّما نقلت هذا الكلام ليهتدي من يهتدي عن بيّنة، ويضلّ من ضلّ عن بيّنة،( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهٰذَا وَ مَا کُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ) .
«المترجم»
بالقياس والاستحسان.
ولكن الشيعة لا عذر لهم في سجودهم على التراب وهو مع كونه على أساس النّصوص وعملِ النبيصلىاللهعليهوآله وقولُه: «جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً »، يوجب عندكم كفر الشيعة وشركهم والعياذ بالله سبحانه وتعالى.
الشيخ عبدالسلام: أرجو أن تذكر بعض تلك الفتاوي التي أصدرها أئمة أهل السنّة على خلاف القرآن الكريم!!
قلت: فتاواهم المخالفة للنصوص كثيرة ولو أردتم الاطّلاع على جملتها أو جلّها فراجعوا كتاب الخلاف «في الفقه » تأليف العلّامة الكبير والبحر الغزير والفقيه البصير شيخ الطائفة الإماميّة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (رحمه الله تعالى)(١) .
ولكي يعرف الحاضرون الكرام بأنّي ما كذبت على أئمتهم وما افتريتُ على فقهائهم، أذكر بعض النماذج من تلك الفتاوي المخالفة لصريح القرآن الكريم.
فتوى أبي حنيفة: بجواز الوضوء بالنبيذ
كل مسلم له أدنى اطّلاع وأقلّ معرفة بأحكام الدين والمسائل الشرعيّة، أو يتلو كتاب الله العزيز بتفكّر وتدبّر، يعلم بأنّه إذا حضر وقت الصلاة وأراد أن يؤديها يجب عليه الوضوء أولاً لقوله تعالى:
____________________
١) وكتاب النصّ والاجتهاد للإمام شرف الدين عليه رحمة ربّ العالمين يذكر فيه فتاوي القوم والنصوص المعارضة لها من الكتاب والسنّة فراجع.
«المترجم»
( إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَکُمْ وَ أَيْدِيَکُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ) (١) ويجب أن يتمُّ الغسل بالماء القراح، واذا لم يوجد الماء القراح المطلق، فيجب التيمم حينئذٍ، لقوله سبحانه:( ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِکُمْ وَ أَيْدِيکُمْ ) (٢) .
وعلى هذا يكون إجماعُ الشيعة وأتباع مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل، وخالف أبو حنيفة الإجماع برأيه وأفتى بأنّه لو فقد الماء وهو في السفر وأراد إقامة الصلاة فليتوضّأ بنبيذ التمر، ولو كان مجنباً يغتسل به. وكلّنا نعلم بأنّ النبيذ يكون ماءً مضافاً، وهو ليس بالماء المطلق الذي ذكره الله سبحانه في القرآن الحكيم، ولذا نجد في صحيح البخاري باباً عنوانه: (لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكّر).
الحافظ محمد رشيد: إنّي على مذهب الإمام الشافعي، وأوافقكم على أنّ الوضوء لا يجوز إلا بالماء المطلق، وكذلك الغسل، وعند فقدانه يجب التيمم فلا يجوز عندنا الوضوء والغسل بالنبيذ. ولكن أظنّ أنّ هذه الفتوى منسوبة للإمام أبي حنيفة ولم تكن فتواه وإن اشتُهر عنه ونُسبت إليه، ولكن رُبِّ مشهورٍ لا أصل له.
قلت: دفاعك مبنيٌ على الظنّ، وقال الله سبحانه:( إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (٣) . ولقد نقل جمعٌ كثير هذه الفتوى عن أبي حنيفة الفخر الرازي في تفسيره المسمّى بمفاتيح الغيب: ج ٣ /٥٥٢ في تفسير آية التيمّم أو آية الوضوء، قال في المسئلة الخامسة: قال الشافعي رحمه الله: لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر، وقال أبو حنيفة رحمه الله:
____________________
١) سورة المائدة، الآية ٦.
٢) سورة النساء، الآية ٤٣.
٣) سورة يونس، الآية ٣٦.
يجوز ذلك في السفر.
وكذلك نقلها ابن رشيد في كتابه بداية المجتهد.
الشيخ عبدالسلام: لم تكن فتوى الإمام الأعظم مخالفةً للنصّ، بل هي موافقة لعمل رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما في بعض النصوص المرويّة.
قلت: تفضّل بذكر تلك النصوص.
الشيخ عبدالسلام: منها الخبر المروي عن أبي زيد مولى عمرو بن حُرَيث عن ابن مسعود قال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لي في ليلة الجنّ: عندك طهورُ؟ قلت: لا، إلّا شيءٌ من نبيذٍ في إداوة. قالصلىاللهعليهوآله : تمرةٌ طيّبة وماء طهور، فتوضّأ.
وجاء عن طريق آخر، روى عباس بن وليد بن صبيح الحلّال عن مروان بن محمد الدمشقي عن عبدالله بن لهيعة عن قيس بن الحجّاج عن حنش الصنعاني عن عبدالله بن عباس عن ابن مسعود أنّه قال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال له ليلة الجنّ: معك ماء؟ قال: لا، إلّا نبيذاً في سطيحة، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : تمرة طيّبة وماء طهور. صبَّ عليّ، قال: فصببتُ عليه فتوضّأ به.
ومن الواضح أنّ عمل النبيصلىاللهعليهوآله حجّة لنا، فأيّ نصِّ أظهر من العمل؟
قلت: لو كنتَ تعرف قول علمائكم الأعلام في رواة هذا الخبر ما احتججت به. ومن الواضح أنّ العلماء قبل أن يبنوا على الخبر ويعملوا به فإنهم يحققون حول رواته. فإذا حصل الوثوق بهم والاعتماد عليهم قبلوا روايتهم وعملوا بها، وإلّا أعرضوا عنها ولم يعملوا بها.
لذلك قبل أن نبحث في أصل الموضوع، نبحث عن إسناد الخبر
ورواته، فنقول: أولاً: أبو زيد مولى عمرو بن حُريث، مجهول عند علماء الرواية والدراية، ولم يعبأوا بروايته وردّ عليه الترمذي وغيره، وقال الذهبي في ميزان الإعتدال: إنّه مجهولٌ، وإنّ الحديث والخبر الذي نقله عن ابن مسعود غير صحيح. وقال الحاكم لن نجد غير هذا الخبر من هذا الرجل وهو مجهول، وعدّه البخاري من الضعاف لذا نرى القسطلاني والشيخ زكريا الأنصاري وهما اللذان شرحا صحيح البخاري، قالا في شرحهما في باب: لا يجوز الوضوء بالنبيذ، والخبر المروي عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث، ضعيف.
وأمّا الخبر الثاني: فهو أيضاً مردود لجهات عديدة: أوّلاً: هذا الحديث والخبر غير مشهور ولم ينقله بهذا الطريق أحدٌ من علمائكم وأعلامكم غير العلّامة ابن ماجة القزويني. وثانياً: عدم نقل علمائكم الخبر بهذا الطريق معلوم بأنّهم ما اعتمدوا على بعض رواته وسلسلة سنده كما قال الذهبي في ميزان الاعتدال وذَكَر أقوال العلماء في الأمر، فقال: عباس بن وليد لم يُوثّق ولم يَسلَم من جرح أرباب الجرح والتعديل فتركوه. وكذلك مروان بن محمد الدمشقي فإنّه من المرجئة الضُّلال، وحَكَمَ الذهبي وابن حزم بضعفه، وهكذا عبدالله بن لهيعة فإنّ علماءَكم عدوُّهُ من الضعفاء، فإذا كان في رواة هذا الحديث عددٌ من الضعفاء أو كان أحدهم ضعيفاً فإن الرواية تسقط عن الاعتبار.
ثالثاً: بناءً على الأخبار التي رواها علماؤكم بطرقهم عن عبدالله ابن مسعود فإنّه في ليلة الجن لم يكن أحدٌ مع النبيُّصلىاللهعليهوآله كما نقل أبو داود في السنن في باب الوضوء، والترمذي في صحيحه عن علقمة قال: سألوا ابن مسعود: من كان منكم مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليلة الجن؟
فقال: ما كان معه أحدٌ منّا.
رابعاً: ليلة الجنّ كانت في مكة قبل الهجرة، ونزول آية التيمُّم كان في المدينة المنوّرة بإجماع المفسرين. فعلى فرض صحّة الخبر فإنّ آية التيمّم نزلت ناسخةً له.
ولهذه العلل فأنا أتعجّب من الشيخ عبدالسلام، سلّمه الله! كيف يتمسّك بخبر مجهول ضعيف مردود من جهات عديدة عند العلماء الأعلام، فيتمسك به لينصر رأي أبي حنيفة الذي يعارض نصّ كلام الله العزيز، كما ذكرنا؟
النوّاب: هل المقصود من النبيذ، هذا الشراب المسكر الذي يحرّمه أكثر العلماء؟
قلت: النبيذ قسمان: قسم غير مسكر وهو طاهر وحلال، وذلك عبارة عن الماء المضاف إليه التمر وقبل أن يحدث فيه انقلاب وفوران يصفّى ويُشرب، وهو شراب حلوٌ طيّب الطعم والرائحة. وقسم آخر يبقى التمر في الماء حتى يحدث فيه الإنقلاب والفوران، فيتغيّر طعمه ورائحته، ويكون مسكراً حراماً. والنبيذ الذي محلّ بحثنا هو النبيذ غير المسكر، وإلّا فبإجماع المسلمين لا يجوز الوضوء بالنبيذ المسكر، كما مرّ بأنّ البخاري فتح باباً في صحيحه بعنوان [ باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر ].
غسل الرجلين في الوضوء مخالفٌ للنصّ القرآني
ومن فتاوي أئمتكم المناقضةِ لكلام الله والمخالفةِ للنصِّ الصريح فتواهم في الوضوء بوجوب غسل الرجلين، مع العلم بأنّ الله عزّ وجلّ
يقول:( وَ امْسَحُوا بِرُءُوسِکُمْ وَ أَرْجُلَکُمْ إِلَى الْکَعْبَيْنِ ) .
وكلنا نعرف الفرق بين الغسل والمسح.
الشيخ عبدالسلام: توجد أخبار مرويّة في كتبنا توجب غسل الرجلين.
قلت: الأخبار والروايات تكون معتبرةً إذا لم تكن مناقضةً للقرآن الحكيم، ونحن نرى كلام الله العزيز يصرّح بمسح الرجلين، فأيّ اعتبار لتلك الأخبار والروايات المغايرة للقرآن؟!
فآية الوضوء صريحة بالغسل ثمّ المسح بقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَکُمْ وَ أَيْدِيَکُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُءُوسِکُمْ وَ أَرْجُلَکُمْ إِلَى الْکَعْبَيْنِ ) (١) .
فقد عطفت أرجلكم على ما قبلها أي:( وَ امْسَحُوا بِرُءُوسِکُمْ ) .
الشيخ عبدالسلام: إذا كان العطف على ما قبلها فيلزم أن تكون أرجلكم - مجرورةٌ - مثل برؤسكم، وحيث نراها منصوبةً فيكون العطف على جملة: فاغسلوا وجوهكم وأيديَكم.
قلت: أوّلاً: الأقرب يمنع الأبعد، فإن جملة:( وَ امْسَحُوا ) أقرب إلى كلمة:( أَرْجُلَکُمْ ) فلا مجال لعمل جملة:( فَاغْسِلُوا ) ثمّ المقدر في العطف كلمة:( وَ امْسَحُوا ) ، فيكون( وَ امْسَحُوا بِرُءُوسِکُمْ ) و( امْسَحُوا أَرْجُلَکُمْ ) . فتكون أرجلكم منصوبةً لمحلّ امسحوا وكذلك لقاعدة النصب بنزع الخافض وهي القاعدة المقبولة عند النحاة والمعمول بها كما في القرآن الحكيم قوله تعالى:
____________________
١) سورة المائدة، الآية ٦
( وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ ) (١) .
أي: تجري من تحتها الأنهار، فنصبت كلمة تحتها لحذف حرف الجرّ وكذلك قوله سبحانه:( وَ اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً ) (٢) تقديره: واختار موسى من قومِهِ ولكن كلمة قومه نصبت لحذف «مِن » وذلك للقاعدة التي ذكرناها.
وكذلك في آية الوضوء نُصبت كلمة:( أَرْجُلَکُمْ ) لحذف الباء عنها فتكون منصوبةً بنزع الخافض.
وإذا أردتم تفصيلاً أكثر فراجعوا تفسير الفخر الرازي فله بحثٌ مفصَّل في تفسير الآية الكريمة ويخرج من البحث بنتيجة وجوب المسح لا الغسل.
فتواهم بجواز المسح على الخفّ
وأعجب من فتواهم بوجوب غسل الرجلين في الوضوء، فتواهم بجواز وكفاية المسح على الخفّين في الوضوء، وهذا خلافهُ لنصِّ القرآن أظهر من الاول. ومن بواعث العجب والاستغراب في نفس كلّ عاقل فتواهم بعدم كفاية المسح على الرجلين بل وجوب غسلهما في الوضوء، ولكن كفاية مسح الخفّيْن في الوضوء دون غسل الرجليْن، فكيف المسح على الخفّين يحلّ محلّ غسل الرجلين؟ فاعتبروا يا أولي الألباب!!
الشيخ عبد السلام: لقد أفتى الأئمة الكرام (رضي الله عنهم)
____________________
١) سورة التوبة، الآية ١٠٠.
٢) سورة الأعراف، الآية ١٥٥.
بجواز مسح الخفين في الوضوء وكفايته عن غسل الرجلين عند ضرورةِ سفرٍ أو وجود خطرٍ، بدليل الروايات الموجودة في كتبنا التي تحكي عمل رسول اللهصلىاللهعليهوآله بذلك.
قلت: لقد ذكرنا لكم مراراً حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الإعراض عن الروايات والأحاديث التي تُروى عنهصلىاللهعليهوآله وتكون معارضة لكلام الله ومغايرةً للقرآن الحكيم، فأمرصلىاللهعليهوآله بإسقاطها وعدم اعتبارها. وعلى هذا نجد روايات كثيرة جدّاً ردّها وأسقطها علماؤكم وأعرضوا عنها وأعلنوا بأنها من الموضوعات.
وأمّا الأخبار والروايات التي وردت في كتبكم عن جواز المسح على الخفين في الوضوء، فهي متعارضة ومختلفة، وعليها نشأ الاختلاف في آراء الأئمة الأربعة، فبعضهم أجاز ذلك في السفر دون الحضر، وبعضهم أجاز ذلك في السفر والحضر وغير ذلك.
قال ابن رشيد الأندلسي في كتابه بداية المجتهد ج ١ ص ١٥ و١٦ / قال في الموضوع: سبب اختلافهم تعارض الأخبار في ذلك. وقال في موضع آخر: والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في ذلك.
فكيف يجوز لكم عقلاً وشرعاً العمل بالأخبار المتعارضة والمتضاربة، والمخالفة لنصّ القرآن؟! وكلنا نعلم أن الأصل والقاعدة المعمول بها عند تعارض الأخبار أن يؤخذ بالخبر الموافق للقرآن ويُترك غيره.
فتواهم بجواز مسح العمامة
والنص الصريح في القرآن الحكيم على مسح الرأس بقوله تعالى:( وَ امْسَحُوا بِرُءُوسِکُمْ ) . وعلى أساسه أفتى أئمة أهل البيت والعترة
الهاديةعليهالسلام بوجوب مسح بعض الرأس لوجود الباء و هو باء التبعيض.
و أفتى الشافعي، و مالك، و أبو حنيفه بوجوب مسح الرأس ايضاً، و لكن خالفهم أحمد بن حنبل و إسحاق و الثوري و الأوزاعي فأفتَوا بجواز وكفاية مسح العمامة التي على الرأس في الوضوء، فلا حاجه لكشف الرأس. هذا ما نقله عنهم الفخر الرازي في نفسيره الكبير في تفسير الآية الكريمة. و أنتم تعلمون - كما أنّ كل عاقل يعلم - بأنّ العمامة غير الرأس حتى إذا كانت على الرأس، فإنّ الرأس عرفاً و لغةً يطلق على جزء من بدن الإنسان، و هو أعلى الأجزاء و قِمّة البدن، و يتشكل من عظم الجمجمة و اللحم و الجلد و الشعر الذي يكون على ذلك العظم، و أمّا العمامة شيءٌ آخر و هي قطعة من قماش تلف على الرأس.
لماذا تفرّقون بين المسلمين؟
نحن و أنتم كلنا مسلمون،و اختلاف الشيعة و أهل السنّة كاختلاف أتباع المذاهب الأربعة فيما بينهم علماً أنّ اختلافهم لم يكن في الفروع فقط، بل اختلفوا في الأصول أيضاً،و مع ذلك يغضُّون النظر عن اختلافاتهم، و يتحمَّلُ أتباع كلّ مذهب أتباع المذاهب الأخرى من غير صدام و صراع، و من غير نزاع و عراك،فيعمل كلٌ منهم و يلتزم برأي رئيس مذهبه، دون أنْ يعارضه أحدٌ من أتباع المذاهب الثلاثة الأخرى.
و لكن أكثر هؤلاء إذا رأوا الشيعة يعملون بما يخالفهم، هاجموهم و رموهم بالكفر و الشرك، مع علمهم بأنّ الشيعة يلتزمون
بقول أئمة أهل البيتعليهمالسلام ويتمسكون بالعترة الهادية ويأخذون عنهم.
وحتى في هذا المجلس الذي انعقد للتفاهم والنقاش السليم، كم ذكرتم أعمالكم الشيعة واستدللتم بها على كفرهم وشركهم لجهلهم بواقع الأمر، ولما كشفنا لكم الحقيقة وسمعتم إلى دلائلنا، اعتذرتم ورجعتم عن قولكم. وقد تكرر منكم الهجوم ومنّا الدفاع، ومع تكرار اعتذاركم إلينا لم يتوقف تهاجمكم علينا، وآخر ذلك صدر بصيغة العتاب والنّصح وهو قول الشيخ عبدالسلام - سلّمه الله - في أوائل البحث إذْ قال: وأنا أنصحكم، إنْ كنتم تريدون رفع الإتهام عن أنفسكم، فصلّوا كما يصلِّي المسلمون عامّة.
ومع احترامي لجناب الشيخ وتقديري لنصحه، أقول: نحن وأنتم متفقون على وجوب الصلاة في اليوم خمس مرّات، ومتفقون على عدد ركعاتها وهي: في الصبح ركعتان والظهر أربع ومثلها العصر وفي المغرب ثلاث ركعات وفي العشاء أربع، لكن في فروع الصلاة ومسائلها توجد اختلافات كثيرة بين كل المذاهب والفرق الإسلامية لا بين الشيعة والسنّة فحسب، فكما يختلف واصل بن عطاء مع أبي الحسن الأشعري في الأصول والفروع، ويختلف الأئمة الأربعة في أكثر المسائل الفقهية، ويختلف سائر علمائكم وأصحاب الرأي والاجتهاد من أعلامكم مثل داود وكثير وسفيان الثوري وحسن البصري والأوزاعي وقاسم بن سلام وغيرهم، فآراؤهم تختلف في المسائل والأحكام ورأي أئمة أهل البيتعليهمالسلام وفتاواهم في المسائل والأحكام أيضاً تختلف مع المذاهب الأربعة وغيرهم.
فإذا كان اختلاف الرأي يوجب التهاجم والإتّهام، فلماذا لا يكون التهاجم والإتهام على غير الشيعة، يعني: اتباع المذاهب الأربعة؟ مع
العلم أنّ أئمتهم يفتون في بعض المسائل على خلاف ما أنزل الله تعالى، كما ذكرنا نماذج منها!!
ولكنّا إذا خالفنا العامّة في صلاتنا، بأنْ سجدنا على طينة يابسة فبدل أن يسألونا عن الدليل والسبب يتّهمونا بعبادة الأصنام ويسمّون تلك الطينة التي بسجد عليها بالصنم، فلماذا هذا الجهل والجفاء؟! ولماذا هذا التفريق بين المسلمين؟!
الشيخ عبدالسلام: كما قلتم بأنّ مجلسنا هذا إنما انعقد للتعارف والتفاهم، وأنا أُشهِدُ الله سبحانه بأنّي لم اقصد الإساءة إليكم والتجاسر عليكم، فإذا صدر مني ما يَسوء فسببه عدم اطلاعنا على مذهبكم وعدم مطالعتنا لكتبكم، فما كنّا نعرفكم حق المعرفة، لأنّا ما عاشرناكم ولا جالسناكم وإنما سمعنا وصفكم من لسان غيركم وتلقّيناها بالقبول من دون تحقيق، فالتبست علينا كثير من الحقائق، ومع تكرار الإعتذار، أرجوكم أن تبيّنوا لنا سبب سجودكم على الطينة اليابسة؟
لماذا نسجد على التربة؟
قلت: أشكر شعوركم الطيّب وبيانكم الحلو العَذِب. وأشكركم على هذا الاستفهام، لأنّ السؤال والاستفهام أجمل طريقة وأعقل وسيلة لإزاحة أي شبهة وإبهام.
وأمّا جواب السؤال: راجعوا كتب التفاسير واللغة فإنّهم قالوا في معنى السجود:
وضع الجبهة على الأرض للعبادة، وهو منتهى الخضوع، ولقد
أفتى أئمتكم بأن كل ما يُفرش به الأرض يجوز السجود عليه سواءٌ كان من صوف أو قطن أو إبريسم أو شيء آخر، فأجازوا السجود على كل شيء حتّى أفتى بعضهم بجواز السجود على العَذَرة اليابسة!
لكن فقهاءنا تَبَعاً لأئمة أهل البيت من العترة الهاديةعليهالسلام قالوا بعدم جواز السجود إلّا على الأرض أو ما أنبتته مما لا يؤكل ولا يُلبس، فالبساط والفرش لا يصدق عليه اسم الأرض، بل يكون حاجزاً بينها وبين الجبهة. لذلك فنحن نأخذ طينةً يابسة - تسهيلاً للأمر - ونسجد عليها في الصلاة.
لماذا السجود على التربة الحسينية؟
الشيخ عبدالسلام: نحن نعلم بأنّكم تخصّصون تراب كربلاء للسجود فتصنعون منه أشكالاً مثل الأصنام فتقدِّسونها وتحملونها في مخابئكم وتقبِّلونها وتوجبون السجود عليها. وهذا العمل يخالف سيرة المسلمين، ولذلك يهاجمونكم ويشنّون عليكم تلك التهم والكلمات غير اللائقة بكم.
قلت: هذه المعلومات التي أبديتها هي من تلك المسموعات التي سمعتها من مخالفينا وأعدائنا، وتلقّيتها بالقبول بدون تحقيق وتفحّص، وإنّ من دواعي الأسف وجود هذه الحالة، إذْ تذعنون بشيءٍ من غير تحقيق فترسلونها إرسال المسلَّمات، وتنتقدون الشيعة في أشياء وهميّة ليس لها وجود، وقد قيل: « ثبِّت العرش ثم انقش »، وإنّ كلامكم بأنّنا نصنع من تراب كربلاء أشكالاً مثل الأصنام فنقدِّسها كلامٌ فارغ وتقَوُّلٌ باطل وليس إلّا اتهاماً وافتراء علينا، وغرض المفترين إلقاء العداوة
والبغضاء بيننا وبينكم. وتمزيق المسلمين وتفريقهم، كل ذلك لأجل الوصول إلى مصالحهم الشخصيّة ومنافعهم الماديّة الفرديّة كما قيل: « فرِّق تَسدُ ».
ولو كنتم - قبل الحين وقبل أنْ تصدّقوا كلام المغرضين - تفتشون عن الواقع وتحققون عن الموضوع، بأنْ تسألوا من الشيعة الذين تعرفونهم وتجاورونهم: ما هذه الطينة التي تسجدون عليها؟ لسمعتم الجواب:
أنّنا نسجد لله سبحانه على التراب، خضوعاً وتعظيماً له عزّ وجلّ، ولقالوا: لا يجوز عندنا السجود بقصد العبادة لِسوى الله سبحانه وتعالى.
السجود على تراب كربلاء غير واجب عندنا
واعلم أيها الشيخ بأن علماءنا وفقهاءنا لم يوجبوا السجود على تراب كربلاء كما زعمت! ويكفيك مراجعة كتبهم الفقهيّة ورسائلهم العمليّة التي تتضمّن الفروع والمسائل الأوليّة في العبادات والمعاملات وغيرها، فإنّهم أجمعوا على جواز السجود على الأرض سواءً التراب أو الحجر والمدر والرمال وغيرها من ملحقات الأرض وعلى كل ما يُطلق عليه الأرض عدا المعادن، وكذلك أجازوا السجود على كلما تنبتها من غير المأكول والملبوس. هذا بحكم السنّة الشريفة، والأوّل بحكم الكتاب العزيز. ولذا قالوا بأن السجود على الأرض أفضل، وبعض فقهائنا أجاز السجود على النبات من غير المأكول والملبوس عند فقدان مشتقّات الأرض. لذلك وعملاً بالأفضل نحمل معنا طينة يابسةً
لكي نضعها على الفرش والبساط ونسجد عليها في الصلوات، لأنّ أكثر الأماكن مفروشة بما لا يجوز السجود عليه كالبُسط المحاكة من الصوف أو القطن وما شابه ذلك، وتسهيلاً للأمر فإننا نحمل معنا الطينة اليابسة، لنسجد عليها في الصلاة، وأمّا إذا صادف أنْ وقفنا على التراب للصلاة، فلا نضع الطينة اليابسة بل نسجد على نفس التراب مباشرةً، إذْ يتحقّق السجود الذي أراده الله تعالى من عباده المؤمنين.
الشيخ عبدالسلام: لكنّا نرى أكثركم تحملون تربة كربلاء وتقدسونها، وكثيراً ما نرى الشيعة يقبّلونها ويتبرّكون بها، فما معنى هذا؟ وهي ليست إلّا تربة كسائر التراب.
فضيلة السجود على تربة كربلاء
قلت: نعم نحن نسجد على تراب كربلاء، ولكن هذا لا يعني الوجوب فلا يوجد فقيهٌ واحد من فقهاء الشيعة في طول التاريخ أفتى بوجوب السجود على تراب كربلاء. وإنّما أجمعوا على جواز السجود على تراب أي بلد كان، إلّا أنّ تراب كربلاء أفضل وذلك للروايات الواردة عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام بأنّ السجود على تراب كربلاء يخرُق الحجب السبع، يعني: يصل إلى عرش الرحمن والصلاة تقع مقبولة عند الله سبحانه وتعالى.
وهذا تقديرٌ معنوي لجهاد الإمام الحسيْنعليهالسلام ، إذ إنّه أقدَم على الشهادة في سبيل الله لأجل إحياء الصلاة وسائر العبادات.
فتقديس التربة التي أريق عليها دماء الصفوة من آل محمّدصلىاللهعليهوآله وتقديس
التربة التي تحتضن الأجساد المخضّبة بدماء الشهادة والجهاد المقدس، والتربة التي تضم أنصار دين الله وأنصار رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأهل بيته الأطهار، تقديسها تقديسٌ للدين وللنبيصلىاللهعليهوآله ولكل المكارم والقِيَم ولكل المثل العليا التي جاء بها سيد المرسلين وخاتم النبيّين محمدصلىاللهعليهوآله .
ولكن مع كل الأسف نرى بعض من ينتسبون إلى أهل السنّة - وهم أشبه بالخوارج والنواصب - يفترون على الشيعة بأنّهم يعبدون الإمام الحسين، ويستدلّون لإثبات فِريتهم وباطلهم، بسجود الشيعة على تراب قبر الحسينعليهالسلام مع العلم بأنّه لا يجوز عندنا عبادة الإمام الحسينعليهالسلام ولا عبادة جدِّه المصطفى وأبيه المرتضى اللذين هما أعظم رتبة وأكبر جهاداً من الحسينعليهالسلام .
وأقول بكل وضوح: بأنّ عبادة غير الله سبحانه وتعالى كائناً من كان، كفرٌ وشرك. ونحن الشيعة لا نعبد إلّا الله وحده لا شريك له ولا نسجد لغيره أبداً. وكل مَن ينسب إلينا غير هذا فهو مفترٍ كذّاب.
الشيخ عبدالسلام: الدلائل التي نقلتموها في سبب تقديسكم لتراب كربلاء إنّما هي دلائل عقليّة مستندة إلى واقعة تاريخية أو بالأحرى هي دلائل عاطفيّة، ونحن بصدد الاستماع إلى أدلّة نقليّة، فهل توجد روايات معتبرة تحكي تقديس النبيصلىاللهعليهوآله واعتنائه بتراب كربلاء؟
اهتمام النبيصلىاللهعليهوآله بتربة كربلاء
قلت: أمّا في كتب علمائنا المحدّثين ونقلة الأخبار والروايات فقد ورد الكثير عن إئمة أهل البيتعليهمالسلام وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في تقديس تربة كربلاء واهتمامهم واعتنائهم بها وهم قد رغّبوا شيعتهم بالسجود
عليها وفضّلوها على سائر التراب، وكلامهم سند محكم لنا ودليلٌ أتم للعمل بدين الله عزّ وجلّ.
وأمّا الروايات المنقولة في كتبكم فكثيرةٌ أيضاً، منها: كتاب الخصائص الكبرى للعلّامة جلال الدين السيوطي، فقد ذكر روايات كثيرة عن طريق أبي نعيم الحافظ والبيهقي والحاكم وغيرهم، وهم بالإسناد إلى أم المؤمنين أم سلمة وعائشة، وأم الفضل زوجة العباس عم رسول اللهصلىاللهعليهوآله وابن عباس وأنس بن مالك وغيرهم، ومن جملة تلك الروايات قول الراوي: رأيتُ الحسين في حجر جدِّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله وفي يده تربة حمراء وهو يشمها ويبكي، فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟ وممّ بكاؤك؟ فقالصلىاللهعليهوآله : كان عندي جبرئيل فأخبرني أنّ ولدي الحسين يُقتل بأرض العراق، وجاءني بهذه التربة من مصرعه.
ثمّ ناولها لأم سلمة (رض) وقال لها: أنظري إذا انقلبتْ دماً عبيطاً فاعلمي بأنّ ولدي الحسين قد قُتل.
فَوَضَعتها أم سلمة في قارورة وهي تراقبها كل يوم، حتى إذا كان يوم عاشوراء من سنة ٦١ هجرية فإذا بالتربة قد انقلبت دماً عبيطاً، فصرخت: واولداه واحسيناه. وأخبرت اهل المدينة بقتل الحسينعليهالسلام (١) .
____________________
١) روى ابن حجر الهيثمي في كتاب الصواعق المحرقة / ص ١١٥، ط الميمنة بمصر قال: «الحديث الثامن والعشرون»: أخرج ابن سعد والطبراني عن عائشة أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: اخبرني جبريل أنّ ابني الحسين يُقتل بعدي بارض الطّفّ، وجاءني بهذه التربة فأخبرني أنّ فيها مضجعه. =
. . . . .
____________________
= الحديث التاسع والعشرون: أخرج أبو داود والحاكم عن أم الفضل بنت الحرث أن النبيصلىاللهعليهوآله قال: أتاني جبريل فأخبرني أنّ أمّتي ستقتل إبني هذا - يعني الحسين - وأتاني بتربة حمراء.
(وأخرج) أحمد: لقد دخل عليّ البيت مَلَكٌ لم يدخل عليَّ قبلها فقال لي: إنّ ابنك هذا حسيناً مقتولٌ، وإن شئت اَرَيتُك من تربة الأرض التي يُقتل بها، قال: فأخرج تربة حمراء.
الحديث الثلاثون: أخرج البغوي في معجمه من حديث أنَس أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: استأذنَ مَلَكٌ القَطر ربِّهُ أنّه يزورني، فأَذن له، وكان في يوم أمّ سلمة فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا أمّ سلمة! إحفظي علينا الباب لا يدخل أحد، فبينا هي على الباب إذْ دخَل الحسين فاقتحم فوثب على رسول اللهصلىاللهعليهوآله فجعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله يلثمه ويقبّله.
فقال له الَملَك: أتحبه؟ قال: نعم. قال: إنّ أُمّتَك ستقتله وإنْ شئتَ أُريك المكان الذي يُقتَل به. فأراه، فجاء بسهلة أو تراب أحمر، فأخذَتهُ أم سلمة فجعلته في ثوبها.
قال ثابت: كنّا نقول إنها كربلاء، وأخرجه أيضاً أبو حاتم في صحيحه، وروى أحمد نحوه، وروى عبد بن حميد وابن أحمد نحوه أيضاً، لكن فيه أنّ الملَكَ جبرئيل، فإنْ صحَّ فهما واقعتان،وزاد الثاني أيضاً: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم شمّها وقال: ريحُ كربٍ وبلاء. - والسهلة بكسر أوّله رمل خشن ليس بالدقاق الناعم - وفي رواية الملا وابن أحمد في زيادة المسند قالت - أي أم سلمة -: ثم ناولني كفّاً من تراب أحمر وقال: إنّ هذا من تربة الأرض التي يُقتَل بها، فمتى صار دماً فاعلمي أنّه قد قُتل. قالت أم سلمة: فوضعتُهُ في قارورة عندي وكنتُ أقول: إنّ يوماً يتحوّل فيه دماً ليومٌ عظيم. =
. . . . .
____________________
= وفي رواية عنها: فأصبتهُ يوم قُتِل الحسين وقد صار دماً.
وفي اُخرى - أي رواية أخرى - ثم قال يعني جبرئيل: ألا أريك تربة مقتله؟ فجاء بحَصَيات فجعلهن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في قارورة، قالت أم سلمة: فلما كانت ليلة قُتل الحسين، سمعتُ قائلا يقول:
أيّها القاتلون جهلاً حسيناً |
أبشروا بالعذاب والتذليل |
|
لقد لعِنتُم على لسان بن داود |
وموسى وحامل الإنجيل |
قالت: فبكيتُ وفتحتُ القارورة فإذا الحَصَيات قد جَرَتْ دما.
وأخرج ابن سعد عن الشعبي قال: مَرَّ عليٌ (رضي الله عنه) بكربلا عند مسيره إلى صفّين وحاذى نينوى - قرية على الفرات، فوقف وسألَ عن اسم هذه الأرض؟ فقيل: كربلاء، فبكى حتى بل الأرض من دموعه. ثم قال دخلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالصلىاللهعليهوآله كان عندي جبرئيل آنفاً وأخبرني، أنّ ولديَ الحسين يُقتَل بشاطيء الفرات بموضع يُقال له: كربلاء، ثم قبض من تراب شمَّني إيّاه، فلم أمِلْك عَينيَّ أنْ فاضتا. ورواه أحمد مختصراً عن عليّ.
وأخرج أيضاً - أي ابن سعد - أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان له مشربة، درجتها في حجرة عائشة يرقى إليها إذا أراد لقى جبريل. فرقى إليها وأمَر عائشة أنْ لا يطلع إليها أحدٌ. فرقى حسين ولم تعلم به. فقال جبريل: مَن هذا؟ قالصلىاللهعليهوآله : إبني،فأخذه رسول اللهصلىاللهعليهوآله فجعله على فخذه. فقال جبريل: ستقتله أُمّتُك. فقالصلىاللهعليهوآله : إبني؟! قال: نعم.. وإنْ شئت أخبرتك الأرض التي يقتل فيها، فأشار جبريل بيده إلى الطّف بالعراق فأخذ منها تربةً حمراء، فأراه إيّاها وقال: هذه من تربة مصرعه.
هذا ما أردنا نقله من كتاب الصواعق المحرقة. =
. . . . .
____________________
= ولا يخفى أنّ حديث التربة ورد بأسانيد وبطرق شتّى رواه كبار علماء العامّة وأعلامهم، منهم: العلّامة ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد: ج ٢/٢١٩، طبع الشرقيّة بمصر، والعلّامة المحب الطبري في ذخائر العقبى صفحة ١٤٧، طبع القدسي بالقاهرة، والحافظ الذهبي الدمشقي في ميزان الإعتدال: ج ١/ ٨، طبع القاهرة، والعلّامة المتقي في كنز العمال: ج ٣/ ١١١، طبع حيدر آباد، والعلّامة السيوطي في الخصائص الكبرى: ج ٢/ ١٢٥، طبع حيدر آباد، والعلّامة الحرّاني القشيري في تاريخ الرقة ٧٥ / طبع القاهرة، والعلّامة ابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمة: ١٥٤/ طبع الغري، والعلّامة الشبلنجي في نور الأبصار ١١٦، ط مطبعة المليجية بمصر، والعلامة عبدالغفّار الهاشمي في كتابه أئمة الهدى ٩٦، طبع القاهرة، والعلّامة الخوارزمي في مقتل الحسين: ج ٢ / ٩٤، والعلّامة الطبراني في المعجم الكبير، كما نقل عنه الصواعق، والعلّامة العسقلاني في تهذيب التهذيب: ج ٢ / ٣٤٦، طبع حيدر آباد، والعلّامة أبو زرعة في طرح التثريب: ج ١/ ٤١، طبع مصر، والعلّامة الهيثمي في مجمع الزوائد: ج ٩/ ١٨٩، طبع القدسي بالقاهرة، والعلّامة الشيخ صفي الدين الخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال ٧١، طبع مصر، والعلّامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ٢٧٩، طبع الغري، والعلامة الزرندي الحنفي في نظم درر السمطين ٢١٥، ط مطبعة القضاء بمصر.
والعلّامة عبدالقادر الحنبلي في الغنية لطالبي طريق الحق: ج ٢ صفحة ٥٦، طبع مصر، والعلّامة ابن الأثير الجزري في النهاية: ج ٢ صفحة ٢١٢، طبع الخيرية بمصر، والعلّامة جمال الدين محمد بن مكرم في لسان العرب: ج ١١/ ٣٤٩، طبع دار الصادر بيروت، والعلّامة الصدّيقي الفتني في مجمع بحار الأنوار: ج ٢/ ١٦١، طبع لكنهو، والعلّامة ابن عساكر في تاريخه الكبير/ في ترجمة =
. . . . .
____________________
= الحسينعليهالسلام : ج ٤ صفحة ٣٣٧ و ٣٣٨، والعلّامة باكثير الحضرمي في وسيلة المآل صفحة ١٨٢، نسخة مكتبة الظاهرية بدمشق، وابن الأثير الجزري أيضاً في تاريخه الكامل: ج ٣/٣٠٣، طبع المنيرية بمصر.
هؤلاء كلهم رووا بأسانيد عديدة وطرق متعدّدة حديث التربة بألفاظ شتى عن أم سلمة سلام الله عليها.
ورواه جمع من علماء أهل السنّة عن ابن عباس رضي الله عنهم، منهم: الحافظ أبو الفداء في البداية والنهاية: ج ٦/ ٢٣٠، طبع السعادة بمصر نقله عن مسند أبي بكر البزّار، ومنهم: الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر في مجمع الزوائد: ج ٩/ ١٩١، طبع القدسي بالقاهرة، رواه عن البزّار أيضاً وقال: رجاله ثقاة.
وروى حديث التربة جماعة من أعلام أهل السنة عن الإمام عليعليهالسلام ، منهم: أحمد بن حنبل في المسند: ج ١/ ٨٥، طبع الميمنة بمصر، والعلّامة الذهبي في تاريخ الإسلام: ج ٣/ ٩، طبع مصر، وفي سير أعلام النبلاء:ج ٣/ ١٩٣، طبع مصر ومنهم: العلامة المتقي الهندي في كنز العمال: ج ١٣/ ١١٢، طبع حيدر آباد، ومنهم: العلامة الطبراني في المعجم الكبير ومنهم: الخوارزمي في مقتل الحسين: ج ١/ ١٧٠ طبع الغرى، والعلامة المحب الطبري في ذخائر العقبى ١٤٧ طبع القدسي بمصر، والعلامة العسقلاني في تهذيب التهذيب: ج ٢/ ٣٤٦، ط حيدر آباد، والعلّامة سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ص ٢٢٥، طبع مؤسسة أهل البيت/ بيروت. والعلّامة السيوطي في الخصائص الكبرى: ج ٢/ ١٢٦، طبع حيدر آباد. والعلّامة محمد بن حوت البيروتي في أسنى المطالب ٢٢، ط مصطفى الحلبي.
والعلّامة المناوي في الكواكب الدُّرِّيَّة: ج ١/ ٥٦، ط الأزهريّة بمصر والعلّامة القندوزي في ينابيع المودّة / ٣١٩، طبع إسلامبول.
وروى حديث التربة معاذ بن جبل في حديث مفصَّل، أخرجه العلّامة الطبراني في =
. . . . .
____________________
= المعجم الكبير وأخرجه عن طريق الطبراني الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: ج ٩/ ١٨٩، طبع القدسي بالقاهرة واخرجه العلّامة الخوارزمي في مقتل الحسين: ج ١/ ١٦٠، ط الغري والمتقي الهندي في كنز العمال: ج ١٣/ ١١٣، طبع حيدر آباد الدكن، أخرجه عن طريق الديلمي.
والعلّامة البدخشي في (مفتاح النجا) أيضاً عن طريق الديلمي.
وروى جماعة من أعلام أهل السنّة حديث التربة عن عائشة منهم: الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: ج ٩/ ١٨٧، طبع القدسي بالقاهرة، أخرجه عن المعجم الكبير للطبراني، والخوارزمي في (مقتل الحسين) والمتقي الهندي في كنز العمال: ج ١٣/ ١١١، ط حيدر آباد، وابن حجر في الصواعق كما مرّ آنفاً، والمناوي في الكواكب الدريّة: ج ١/ ٤٥، طبع الأزهريّة بمصر، والعلّامة القندوزي في الينابيع/ ٣١٨، ط اسلامبول والعلّامة النبهاني في الفتح الكبير: ج ١/ ٥٥، طبع مصر، والعلّامة البدخشي في مفتاح النجا: ١٣٤، والعلّامة القلندر الهندي في الروض الأزهر:١٠٤، طبع حيدرآباد، وأكثرهم رووا الحديث عن عائشة عن طريق ابن سعد والطبراني.
وروى حديث التربة جماعة من أعلام العامّة عن أبي أمامة منهم العلّامة الهيثمي في مجمع الزوائد:ج ٩ / ١٨٩، ط القدسي بالقاهرة، وقال في آخره: رواه الطبراني ورجاله موثوقون. ومنهم العلّامة الذهبي في تاريخ الاسلام: ج ٣ / ١٠، طبع مصر، وفي كتابه الآخر (سيرأعلام النبلاء) ج ٣/ ١٩٤ طبع مصر.
وروى حديث التربة جمع من أعلام أهل السنة عن زينب بنت جحش، منهم الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: ج ٩ / ١٨٨، طبع القدسي بالقاهرة، وقال: رواه الطبراني بإسنادين، ومنهم العلّامة المتقي الهندي في(كنز العمال) ج ١٣ / ١١٢، طبع حيدر آباد الدكن، والعلّامة البدخشي في مفتاح النجا: ص ١٣٥، =
. . . . .
____________________
= رواه من طريق الطبراني وأبي يعلي. ومنهم العلّامة العسقلاني في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية صفحة ٩ / طبع الكويت، أخرجه عن طريق أبي يعلي.
وروى حديث التربة جماعة من أعلام العامّة عن أم الفضل بنت الحارث، منهم الحاكم في المستدرك: ج ٣ / ١٧٦، طبع حيدر آباد، وقال: حديث صحيح، والعلّامة ابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمة صفحة ١٥٤، ط الغري، وابن حجر في الصواعق كما مرّ آنفاً، أخرجه عن أبي داود والحاكم، والعلّامة المتقي الهندي في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش المسند:ج ٥/١١١ ط الميمنة بمصر، والعلامة ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية: ج ٦ / ٢٣٠، طبع القاهرة، رواه عن طريق البيهقي، والعلّامة الذهبي في (تلخيص المستدرك) المطبوع في ذيل المستدرك: ج ٣ / ١٧٦، حيدر آباد، والعلّامة السيوطي في الخصائص الكبرى: ج ٢ / ١٢٥، ط حيدر آباد، رواه عن طريق الحاكم والبيهقي، والعلامة الخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح: ٥٧٢، ط دهلي، والعلامة احمد بن يوسف الدمشقي في أخبار الدول وآثار الأول: ١٠٧، ط بغداد، والعلّامة البدخشي في مفتاح النجا ١٣٤ رواه عن البيهقي من دلائل النبوة، والعلامة القندوزي في الينابيع/ ٣١٨، ط اسلامبول نقلاً عن المشكاة، وفي صفحة ٣١٩ رواه عن أبي داود والحاكم، والعلّامة الشبلنجي في(نور الأبصار) ١١٦ طبع مصر، والعلامة الخوارزمي في(مقتل الحسين) ج ١/ ١٥٨ طبع الغري، والعلّامة النبهاني في (الفتح الكبير) ج ١/ ٢٢ طبع مصر.
ورواه جماعة من أعلام العامّة عن أنس بن مالك، منهم: أبو نعيم الحافظ في دلائل النبوّة ٤٨٥ طبع حيدر آباد، وأحمد في المسند: ج ٤ / ٢٤٢، طبع الميمنيّة بمصر، والعلّامة المحب الطبري في ذخائر العقبى ١٤٦، طبع القدسي بمصر، قال: خرّجه البغوي في معجمه، وخرّجه أبو حاتم في صحيحه، والعلّامة الخوارزمي في مقتل الحسين: ج ١ صفحة ١٦٠ طبع الغري، والعلّامة الذهبي في تاريخ الاسلام: =
. . . . .
____________________
= ج ٣ صفحة ١٠ طبع مصر، وفي سير أعلام النبلاء: ج ٣ / ١٩٤،طبع مصر، والحافظ ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية: ج ٦ / ٢٢٩، ط القاهرة، والعلامة الهيثمي في مجمع الزوائد: ج ٩ / ١٨٧، طبع القدسي بمصر، وابن حجر في الصواعق كما ذكرنا عنه آنفاً، وجلال الدين السيوطي في الخصائص: ج ٢ / ١٢٥، طبع حيدر آباد / قال: وأخرج البيهقي وأبو نعيم، عن أنس الخ، وفي كتابه الآخر الحبائك في أخبار الملائك ٤٤ طبع دار التقريب بالقاهرة،والعلّامة الشعراني في (مختصر تذكرة الشيخ أبي عبدالله القرطبي) ١١٩ ط مصر، والعلّامة النبهاني في الأنوار المحمدية ٤٨٦ ط الأدبية بيروت، والعلامة البرزنجي في (الإشاعة في أشراط الساعة) ٢٤ / ط مصر، والعلّامة القندوزي في (ينابيع المودة) الباب الستّون / قال: وأخرج البغوي في معجمه وأبو حاتم في صحيحه وأحمد بن حنبل وابن أحمد وعبد بن حميد وابنه أحمد، عن انس الخ، والعلّامة الحمزاوي في مشارق الأنوار: ١١٤ طبع الشرقية بمصر.
ورواه بعض أعلام العامة عن ابي الطفيل، منهم الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد: ج ٩ / ١٩٠ طبع القدسي في القاهرة، وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.
ورواه بعض أعلام العامّة عن سعيد بن جمهان، منهم الحافظ محمد بن قايماز الدمشقي المشهور بالذهبي في (تاريخ الاسلام) ج ٣ / ١١ طبع مصر، وفي كتابه الآخر (سِيَر أعلام النبلاء)ج ٣/١٩٥ طبع مصر.
أقول: وأمّا في خصوص تقبيل النبيصلىاللهعليهوآله وتقديسه تربة كربلاء فقد وردت روايات في كتب أعلام أهل السنّة منهم: الحاكم محمد بن عبدالله النيسابوري في (المستدرك) ج ٤ / ٣٩٨ طبع حيدر آباد، قال - وذكر السند إلى عبدالله بن وهب بن زمعة - قال: أخبرتني أمُّ سَلَمة (رض): أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله اضطجع ذات ليلة للنوم فاستيقظ وهو حائر، ثم اضطجع فرقد، ثمّ استيقظ وهو حائر دون ما رأيت =
ولقد أجمع علماؤنا أنّ أوَّل من اتخذ من تراب كربلاء - بعد استشهاد أبي عبدالله الحسين سيد الشهداء وأنصاره وصحبه السعداء الشهداء الأوفياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - هو الإمام السجاد زين العابدين، إذ حمل معه كيساً من تلك التربة الزاكية الطيّبة، فكان يسجد على بعضها، وصنع ببعضها مسباحاً يسبِّح به.
وهكذا فعل أئمة أهل البيتعليهالسلام من بعده، وهم أحد الثقليْن، فيلزم الإقتداء بهم والأخذ بقولهم لقول النبي الكريمصلىاللهعليهوآله : إني تارك
____________________
= به المرّة الأولى، ثمّ اضطجع فاستيقظ وفي يده تربة حمراء يقبّلها.
فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟! قال: أخبرني جبريل عليه الصلاة والسلام: أنّ هذا يُقتل بأرض العراق - الحسين - فقلت لجبريل: أرِني تربة الأرض التي يُقتل بها، فهذه تربتها قال: هذا حديث صحيح.
ورواه العلّامة الطبراني في (المعجم الكبير) ص ١٤٥ مخطوط، بإسناده إلى أم سلمة عن طريق آخر، فذكر الحديث بعين ما تقدّم عن المستدرك لكنّه أسقط قولها: ثم اضطجع، إلى قولها: فاستيقظ. وذكر بدل قوله حائر: خائر النفس.
ورواه المحب الطبري في (ذخائر العقبى) ١٤٧ طبع القدس بالقاهرة عن طريق ثالث بالإسناد إلى أم سلمة بعين ما تقدّم عن (المستدرك) من قوله: استيقظ وهو حائر دون ما رأيت الخ لكنّه ذكر بدل كلمة حائر: خائرالنفس.
فإذا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقبِّل تربة كربلاء باعتبار أنّها تكون مضجع ولده الحسين في المستقبل، كيف لا يجوز لنا أنْ نقبّل تلك التربة ونقدّسها بعد أنْ أُريقت عليها دماء الحسين وأصحابه وآله الأبرار الطيبين الأخيار، وصارت لهم مرقداً إلى يوم الحساب؟ فصلوات الله وسلامه عليهم وعلى أبدانهم وأرواحهم، ولقد طابوا وطابت الأرض التي دُفنوا فيها.
«المترجم»
فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إنْ تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، وهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض.
فالتمسك بهم وبقولهم وفعلهم أمانٌ من الضلال وموجب لدخول الجنّة معهم إن شاء الله تعالى.
ولقد روى شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي رضوان الله تعالى عليه، في كتابه مصباح المتهجّد، بأنّ الإمام الصادق جعفر بن محمدعليهالسلام كان يحمل معه شيئاً من تربة كربلاء في منديل أصفر، وكان وقت الصلاة يفتح ذلك المنديل ويسجد على تلك التربة، وكان يقول: إنّ السجود على تراب قبر جدّي الحسينعليهالسلام غير واجب ولكن أفضل من السجود على غيره من بقاع الأرض. وهذا رأي جميع فقهاء الشيعة بلا استثناء.
فكانت الشيعة أيضاً تَحمل من تراب كربلاء في مناديل معهم، فإذا صار وقت الصلاة فتحوا المنديل وسجدوا على التراب الذي فيه؛ وبعد ذلك فكِّروا بصنع قطعات يسهل حملها، فمزجوا تراب كربلاء بالماء وجعلوا منه قطعات من الطين اليابس تسهيلاً لحمله ونقله فكلّ مَنْ أحبّ يأخذ معه طينة يابسةً يحملها معه فإذا صار وقت الصلاة، وضعها حيث يشاء فيسجد عليها، وهو من باب الفضيلة والاستحباب، وإلّا فنحن نسجد على كلّ ما يطلق عليه اسم الأرض، من الحجر والمدر والتراب والحصي والرمل من كل بقاع الأرض.
والآن فكروا هل يصح منكم - وأنتم علماء القوم - أن تهاجموا الشيعة المؤمنين، لأجل سجودهم على تراب كربلاء؟ فتلبسوا الواقع
على أتباعكم، فيظنّون بأنّ الشيعة كفار ومشركون، يعبدون الأصنام، ومن المؤسف أنّ بعض علماء أهل السنة أيضاً يماشي عامة الناس ويؤيّدهم من غير أن يتحقق في الموضوع، ليعرف ما هو دليل الشيعة على عملهم وما هو معنى ومغزى سجودهم على الطينة اليابسة؟!
ولو كان علماء العامّة يحققون في ذلك لعرفوا أنّ الشيعة أكثر خضوعاً وأكثر تذلّلاً لله عزّ وجلّ، إذ يضعون جباههم - وهو أفضل مواضع الجسم - على التراب الذي يسحَق بالأقدام، يضعون جباههم عليه خضوعاً لله وعبوديّةً له سبحانه، وهكذا يتصاغرون أمام عظمة الله تعالى ويتذلّلون له عزّ وجلّ.
فالعَتب على علماء العامّة إذ يتّبعون بعض أسلافهم في إثارة التُّهم والافتراءات والأكاذيب على الشيعة بغير تحقيق وتدبّر، فنحن ندعوهم إلى التفكّر والتعمُّق في معتقداتهم ومعتقداتنا، ونطلب منهم بإلحاح أن يحقّقوا المسائل الخلافية بيننا وبينهم، فيعرفوا دلائلنا، لعلّهم يجدوا الحقّ فيتّبعوه.
كما نؤكِّد عليهم أنْ يمرّوا بفتاوي أئمة المذاهب الأربعة، ليجدوا سخافة الرأي وغريب النّظر فيها من قبيل جواز نكاح الأم، ونكاح الولد الأمرد في السفر، أو المسح على العمامة والخفَّيْن في الوضوء والوضوء بالنبيذ، أو السجود على العَذَرة اليابسة وغيرها من الفتاوي العجيبة والآراء الغريبة(١) . والأغرب تسليم سائر علمائكم لتلك
____________________
١) توجد هذه الفتاوي وغيرها في كتاب الفقه على المذاهب الخمسة وهو كتاب علميٌ تحقيقيٌ تأليف حجة الاسلام والمسلمين الشيخ محمد جواد مغنية رحمه الله تعالى.
«المترجم»
الآراء وعدم نقضها، ولكنّهم يطعنون في رأي أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، ويتجرَّءون على ردّهم، والتجاسر على رمي شيعتهم الذين يتبعونهم بالكفر والشرك، وربما أفتوا بجواز قتل الشيعة وإباحة أموالهم، فبهذه الفتاوي والأعمال يضعِّفون جانب الإسلام، ويعبِّدون الطريق لسلطة اليهود والنصارى على رقاب المسلمين وبلادهم.
نسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يوحِّد بين المسلمين ويؤلِّف قلوبهم ويُلقي بيننا وبينكم المودّة والمحبّة إنّه سميع مجيب.
الرجوع الى موضوع نقاشنا في الليلة الماضية
نكتفي بهذا المقدار من العتاب والتظلّم، ونرجع إلى موضوع الحوار والنقاش الذي تركناه ناقصاً في الليلة الماضية. وهو ردّنا لكلام فضيلة الشيخ عبدالسلام، إذ قال: حيث كان أبو بكر أكبر سناً من سيدنا علي كرّم الله وجهه، أجمع الأصحاب على تقديمه في الخلافة فبايعوه وأخّروا علياً.
فأقول: أولاً: ادّعاء الإجماع باطل.. لمخالفة بني هاشم قاطبة، وكذلك مخالفة الذين اجتمعوا في بيت السيدة فاطمةعليهالسلام ، وهكذا سعد ابن عباده فإنّه خالف خلافة أبي بكر وما بايعه إلى آخر عمره، وتبعه أكثر قومه لأنّه كان صاحب الحَلّ والعقد فيهم وكانوا له خاضعين تابعين(١) .
____________________
١) أقول: لا شك ولا ريب أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة من فَلَتات الجاهليّة، وقد صرّح بذلك عمر بن الخطاب، راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج ٢ /٢٢ وما بعدها / ط دار إحياء الكتب العربية بيروت. =
. . . . .
____________________
= فاين الفلتة من الإجماع؟!
ولو نظرنا إلى الحوادث والوقائع التي كانت عقيب السقيفة والمعارضات التي بدت من المهاجرين والأنصار لخلافة أبي بكر، عرفنا أنّ الإجماع ما تمّ أبداً، وإنّما بايع بعضٌ وعارض آخرون، ثمّ خضعوا خوفاً من القتل. كما روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١ / ٢١٩، ط دار إحياء الكتب العربية بيروت، وقال البرّاء بن عازب: وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عُبَيْدة وجماعة من أصحاب السقيفة، وهم محجوزون بالأُزر الصنعانيّة، لا يمرّون بأحدٍ إلّا خَبَطوه، وقدّموه فمَدّوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه، شاء ذلك أو أبى؛ فأنكرتُ عقلي
قال: ورأيتُ في الليل، المقداد وسلمان، وأبا ذر وعبادة بن الصامت وأباالهيثم بن التيّهان وحُذيفة وعمّاراً، وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين.
ونقل أيضاً ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٦ / ١٩، عن الزبير بن بكّار أنّه قال: فلما بويع أبو بكر، أقبلت الجماعة التي بايعته تزفُّهُ زفّاً إلى مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلمّا كان آخرُ النهار افترقوا إلى منازلهم، فاجتمع قومٌ من الأنصار وقوم من المهاجرين، فتعاتبوا فيما بينهم، فقال عبدالرحمن بن عَوف: يا معشر الأنصار، إنّكم وإن كنتم أولي فضلٍ ونصْر وسابقة؛ ولكن ليس فيكم مثل أبي بكر ولا عمر ولا عليّ ولا أبي عبيدة.
فقال زيد بن أرقم: إنّا لا ننكر فضلَ مَنْ ذكرتَ يا عبدالرحمن. وإنّ منّا لسيّدُ الأنصار: سعد بن عبادة، ومَن أمر الله رسوله أنْ يقرئه السلام، وأنْ يُؤخذ عنه القرآن: أُبيّ بن كعب، ومَن يجيء يوم القيامة أمام العلماء: معاذ بن جبل، ومَن أمضى رسول اللهصلىاللهعليهوآله شهادته بشهادة رجلْين: خُزَيمة بن ثابت؛ وإنّا لنعلم أنّ ممّن سَمَّيْتَ من قريش مَنْ لو طلب هذا الأمر لم ينازعهُ فيه أحد: علي بن أبي طالب. =
. . . . .
____________________
= ونقل ابن أبي الحديد في ص ٢١ قال: وروى الزبير بن بكّار، قال: روى محمد بن إسحاق أنّ أبا بكر لما بُويع افتخرتْ تيمْ بن مُرّة.
قال: وكان عامّة المهاجرين وجُلُّ الأنصار لا يشُكّون أنّ علياً هو صاحب الأمر بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأما الذين عارضو لخلافة أبي بكر ولم يبايعوه، منهم: سعد بن عبادة سيد الخزرج وزعيمهم، قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٦ / ١٠: فكان لايصلّي بصلاتهم، ولا يجتمع بجماعتهم، ولا يقضي بقضائهم، ولو وجد أعواناً لضاربهم، فلم يزل كذلك حتّى مات أبو بكر..
فلم يلبث سعد بعد ذلك إلّا قليلاً حتى خرج إلى الشام، فمات بحوران ولم يبايع لأحد، لا لأبي بكر ولا لعمر ولا لغيرهما.
ومنهم خالد بن سعيد بن العاص، كما في شرح نهج البلاغة: ج ٦ / ٤١، قال ابن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري وهو بإسناده إلى مكحول قال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله استعمل خالد بن سعيد بن العاص على عمل، فقدم بعدما قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد بايع الناس أبا بكر، فدعاه إلى البيعة، فأبى، فقال عمر: دَعْني وإيّاه، فمنعه أبو بكر، حتّى مضتْ عليه سنة.
وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١/ ٢١٨، ط دار إحياء الكتب العربية،تحت عنوان: اختلاف الرأي في الخلافة بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لما قُبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله واشتغل عليّعليهالسلام بغسله ودفنه، وبويع أبو بكر؛ خلا الزبير وأبوسفيان وجماعة من المهاجرين بعبّاس وعليّعليهالسلام لإجالة الرأي.. الخ، وقد استعرض في هذا الفصل بعض الخلافات التي شبّت عقيب بيعة أبي بكر، إلى أن قال: بأنّ أبا بكر وعمر وأبا عبيدة والمغيرة، دخلوا على العباس وذلك في الليلة الثانية من وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فبدأ أبو بكر بالكلام إلى أنْ قال للعباس: فقد =
. . . . .
____________________
= جئناك، ونحن نريد أنْ نجعل لك في هذا الأمر نصيباً، ولمن بعدك من عقبك، إذ كنتَ عمَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله وإن كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومكان أهلك، ثمّ عدلوا بهذا الأمر عنكم، وعلى رَسْلِكم بني هاشم؛ فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله منّا ومنكم.
فاعترض كلامه عمر، وخرج إلى مذهبه في الخشونة والوعيد وإتيان الأمر من أصعب جهاته، فقال: إي والله. وأُخرى: إنّا لم نأتكم حاجةً إليكم، ولكنْ كرهنا أنْ يكون الطعنُ فيما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم ولعامّتهم. ثم سكت.
فتكلّم العباس، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ الله ابتعث محمداًصلىاللهعليهوآله نبيّاً كما وصفت ووليّاً للمؤمنين.. إلى أنْ قال لأبي بكر: فإن كنتَ برسول اللهصلىاللهعليهوآله طلبت - الخلافة - فحقَّنا أخذت، وإنْ كنت بالمؤمنين فنحن منهم؛ ما تقدمنا في أمركم فَرَطا ولا حللنا وسَطا. ولا نزحنا شَحطا ؛فإن كان هذا الأمرُ يجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنّا نحن كارهين. وما أبعَدَ قولك: إنّهم طَعَنوا من قولك إنّهم مالوا إليك! وأمّا ما بذلتَ لنا، فإنْ يكنْ حقكَ اعطيتَناه فأمسكهْ عليك، وإنْ يكن حقّ المؤمنين فليس لكَ أنْ تحكم فيه، وإنْ يكنْ حقّنا لم نرض لك ببعضه دون بعض.
وما أقول هذا أرومُ صرفَك عمّا دخلتَ فيه، ولكن للحجّة نصيبها من البيان. وأمّا قولك: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله منّا ومنكم. فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها.
وأما قولك يا عمر: إنّك تخاف الناس علينا. فهذا الذي قدمتموه أوَّل ذلك، وبالله المستعان.
وروى ابن أبي الحديد أيضاً في شرح نهج البلاغة: ج ٦ / ١١، ط دار إحياء التراث =
ثانياً: أما قولك بأن أبا بكر كان أحق بالخلافة من الإمام عليّعليهالسلام لأنّه كان أكبر سنّاً، فمردودٌ أيضاً، ولا يخفى على مَن درسَ التاريخ وسيرة النبيصلىاللهعليهوآله ، بأنّ رسول الله كان يُولِّي علياً مهامّ الأمور، مع وجود المسنّين، لكنّه كان يرى علياً لائقاً وأهلاً لتولّي الأمور المهام
____________________
= العربي قال: وذهب عمر ومعه عصابة إلى بيت فاطمة، منهم أُسَيْد بن خُضير وسلَمه بن أسلم، فقال لهم: انطلقوا فبايعوا، فأبَوا عليه؛ وخِرج إليهم الزُبَيْر بسيفه، فقال عمر: عليكم الكلب، فَوَثَبَ عليه سَلَمة بن أسلم، فأخذ السيفَ من يده فضرب به الجدار، ثم انطلقوا به وبعليّ ومعهما بنو هاشم، وعليٌّ يقول: أنا عبدُالله وأخو رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، حتى انتَهَوا به إلى أبي بكر، فقيل له: بايعْ، فقال: أنا أحقُّ بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أوْلى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججْتم عليهم بالقرابة من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فأعطوْكم المقادة وسلّموا إليكم الإمارة، وأنا أحتجُّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار. فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا من الأمر مثل ما عَرَفَت الأنصار لكم، وإلّا فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون.
فقال عمر: إنّك لستَ متروكاً حتى تبايع. فقال له عليّ: أحلب ياعمر حَلباً لك شطره! أُشدُد له اليوم أمرَه ليردّ عليك غداً! ألا والله لا أقبل قولَك ولا أبايعْه. فقال له أبو بكر: فإنْ لم تبايعني لم أُكرهْكَ، فقال عليٌّ: يا معشر المهاجرين، اللهَ اللهَ! لا تُخرجوا سلطانَ محمدصلىاللهعليهوآله عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفَعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه، فوالله يا معشرَ المهاجرين لَنحنُ - أهل البيت - أحقُّ بهذا الأمر منكم، ما كان منّا القارىء لكتاب الله، الفقيه في دين الله،العالم بالسنّة، المضطلع بأمر الرَّعيّة! والله إنّه لَفينا، فلا تتبعوا الهَوى، فتزدادوا من الحقّ بُعداً.
بالله عليكم أيّها الإخوان! أنصفوا! أين هذا الكلام من الإجماع؟!
«المترجم»
ولا يرى للمسنّين لياقة وكفاءة مثل الإمام عليّعليهالسلام .
وإنّ عَزْلَ أبي بكرٍ من تبليغ الآيات الأولى من سورة براءة، ونصب عليّعليهالسلام مكانه مِن أجلى مصاديق ذلك وأظهرها وأشهرها.
النوّاب: أرجو أنْ تُبيِّنوا لنا هذا الموضوع، لأنّكم في إحدى الليالي السالفة أيضاً أشرتم إليه وما شرحتموه، ويبدو أنّ هذه القضيّة من الأمور المهمة والمسلَّمة، لأنّي ما أحسستُ مخالفةً وإنكاراً من علمائنا، حينما تشيرون إليها.
الله جلّ جلاله عَزَلَ أبا بكر ونصب علياًعليهالسلام
قلت: لقد أجمع علماء المسلمين وأهل التاريخ والسِّير والمفسرّون بأنّ آيات أول سورة براءة حين نزلت على النبيصلىاللهعليهوآله ، وفيها ذم المشركين والبراءة منهم وإعلان الحرب عليهم، بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآله أبا بكر بالآيات ليؤذِّن بها في موسم الحج ويُسْمِعها المشركين، وكان ذلك سنة تسع من الهجرة، فلما انطلق أبو بكر نحو مكة ومعه جماعة من المسلمين، دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآله علياً فقال له: أخرج بهذه الآيات، فإذا اجتمع الناس إلى الموسم فأذِّن بها حتى يسمع كل من حضر من المشركين فيبلِّغوا أهل ملَّتهم، أنْ لا يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، ودفع النبيصلىاللهعليهوآله ناقته العضباء إلى الإمام عليّعليهالسلام فركبها وسار حتّى أدرك أبا بكر بذي الحليفة، فأخذ منه الآيات وأبْلَغَهُ أمر النبيصلىاللهعليهوآله فرجع أبو بكر إلى المدينة فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله هل نزل فيَّ قرآن؟ فقالصلىاللهعليهوآله : لا ولكن لا يبلّغ عني إلّا أنا أو رجل منّي.
وأمّا عليّعليهالسلام فقد ذهب بالآيات وأذَّن بها في الحج ويوم النحر
وأَسْمَعَها كل مَن حضر من المشركين كما أمره رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
النوّاب: هل ذكرَ أعلام العامّة وكبار علماء السنّة هذا العزل والنصب في كتبهم، أم أنّ الشيعة انفردوا بنقل هذا الخبر؟
قلت: لقد بيّنتُ لكم آنفاً، أنّ علماء الإسلام من محدّثين ومؤرخين ومفسرين ذكروا الخبر ونشروه في كتبهم، وسأذكر لكم بعضها لكي تطمئنّ قلوبكم بحقيقة الخبر وصدقه:
صحيح البخاري: ج ٤ و٥، والجمع بين الصحاح الستة ج ٢، وسنن البيهقي صفحة ٩ و ٢٢٤، وجامع الترمذي: ج ٢/١٣٥، وسنن أبي داود، ومناقب الخوارزمي، وتفسير الشوكاني: ج ٢/٣١٩ ومطالب السئول، وينابيع المودة / باب ١٨، والرياض النضرة وذخائر العقبى / ٦٩، وتذكرة الخواص لسبط بن الجوزي تحت عنوان: تفسير معنى قولهصلىاللهعليهوآله : ولا يؤدّي عنّي إلّا عليعليهالسلام ، وكتاب خصائص مولانا علي بن أبي طالب للنسائي / ٢٠، طبع التقدّم بالقاهرة نقل الحديث والخبر عن ستة طرق، والبداية والنهاية لابن كثير الدمشقي: ج ٥ / ٣٨ و ج ٧ / ٣٥٧، والإصابة لابن حجر العسقلاني: ج ٢ / ٥٠٩، تفسير الدرّ المنثور للسيوطي: ج ٣ / ٢٠٨ في أول تفسير سورة براءة، والطبري في جامع البيان: ج ١٠/٤١، والثعلبي في تفسير كشف البيان، وابن كثير أيضاً في تفسيره: ج ٢ / ٣٣٣، وروح المعاني للآلوسي: ج ٣ / ٢٦٨ والصواعق المحرقة لابن حجر المكّي / ١٩، طبع الميمنة بمصر، ومجمع الزوائد للحافظ الهيثمي: ج ٧ / ٢٩، وكفاية الطالب للعلّامة الكنجي الشافعي / باب ٦٢ رواه مسنداً عن أبي بكر، ثمّ قال: هكذا رواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه أبو نعيم الحافظ،
وأخرجه الحافظ الدمشقي في مسنده بطرق شتى، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: ج ١ / ٣ و ١٥١، و ج ٣ / ٢٨٣، و ج ٤ / ١٦٤ و ١٦٥، والمستدرك الحاكم: ج ٢/٥١ و ٣٣١، وكنز العمال: ج ١ / ٢٤٦ - ٢٤٩ و ج ٦ / ١٥٤ في فضائل عليعليهالسلام . ورواه غير هؤلاء وهو من الأخبار المتواترة.
السيد عبدالحي: حينما أسمع أو أقرأ هذا الخبر، يتبادر سؤال في نفسي وهو: أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في مثل هذه الأمور لا يقدم إلّا بإشارة من الله سبحانه، فكيف بعث أوّلاً أبا بكر(رض) ثمّ عزله وبعث سيدنا علياً كرم الله وجهه؟ يا ترى ما الحكمة في هذا العمل؟! وهو لا يخلو من شيء لا من الاستخفاف وشبهه!!
لماذا عَزَلَ النبيصلىاللهعليهوآله أبا بكر؟
قلت: لم يذكر أحد العلماء والمحدثين في الكتب سبباً منصوصاً لعمل النبيصلىاللهعليهوآله ، وإنما ذكروا بعض الأسباب الاحتماليّة، أشهرها ما نقله ابن حجر في صواعقه / ١٩، وسبط ابن الجوزي في تذكرته تحت عنوان: تفسير قولهصلىاللهعليهوآله : ولا يؤدّي عنّي إلّا عليٌ جاء فيه، وقال الزهري: إنّما أمر النبيصلىاللهعليهوآله علياًعليهالسلام أنْ يقرأ براءة دون غيره لأنّ عادة العرب أن لا يتولّى العهود إلّا سيد القبيلة وزعيمها أو رجل من أهل بيته يقوم مقامه كأخ أو عم أو ابن عم فأجراهم على عادتهم، قال: وقد ذكر أحمد في الفضائل بمعناه. (انتهى ما نقلناه من التذكرة).
وأما هذا في نظري غير تامّ، لأنّه لو كان كذلك لمـّا بعث رسول
اللهصلىاللهعليهوآله أبا بكر أوّلاً. بل كان من بادئ الأمر يبعث عمّه العباس وهو ذو شيبة وكان يعدّ الشيخ ذا السّنّ من بني هاشم، وإنما الذي يظهر من هذا الأمر، أنّ الله ورسولهصلىاللهعليهوآله أرادا أن يظهرا مقام الإمام عليّعليهالسلام ومنزلته، وأنّه سفير النبيصلىاللهعليهوآله ، والذي هو كفوٌ وأهلٌ لينوب عنهصلىاللهعليهوآله .
نعم أرادا كشف هذه الحقيقة حتّى يستنبط شيعة عليعليهالسلام منها الرَّدّ القانع والجواب القاطع على كلامكم الزائف وقولكم بأنّ أبا بكر أحق بالخلافة من عليّعليهالسلام لأنّه كان أسنّ منه.
وإذا كان النبيصلىاللهعليهوآله يبعث علياًعليهالسلام بادئ الأمر، ما كان يلفت النظر ولم يكن له هذا الصَّدى والانعكاس الذي حصل من عزل أبي بكرٍ ونصب الإمام عليّعليهالسلام وذلك بأمرِ من جبرئيل عن الله عزّ وجلّ إذ قال: لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجلٌ منك.
فيحصل من هذا الخبر المتواتر أنّ نيابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله والقيام مقامه لا يرتبط بكبر السنّ أو حَداثته، وإنّما يلزم فيه الكفاءات، واللياقات التي كانت في الإمام عليّعليهالسلام ولم تكن في أبي بكر، ولذا عزل النبيصلىاللهعليهوآله - بأمر الله سبحانه - أبا بكر ونصب الإمام عليّ لأداء تلك المهمّة، فهو المقدَّم عند الله ورسولهصلىاللهعليهوآله على أبي بكر وغيره.
السيد عبدالحيّ: لقد ورد في بعض الأخبار عن أبي هريرة بأنّ علياً كرم الله وجهه التَحقَ بأبي بكر بأمر النبيصلىاللهعليهوآله ، وذهبا معاً إلى مكة فعليٌ بلَّغَ الآيات النازلة في أوّل سورة البراءة، وأبو بكر علَّمَ الناس مناسك الحج، فكلاهما متساويان في التبليغ.
قلت: هذا الخبر من وضع البكريين وأكاذيبهم وهو غير مشهور
ويعارضه الخبر المتواتر المسلَّم عليه وهو عزل أبي بكر بأمر الله سبحانه ونصب الإمام عليّعليهالسلام مكانه وتبليغه الآيات بوحده. ومن الواضح لزوم التمسك بالخبر المرويّ في الصحاح والمسانيد والمجمع عليه بين الرواة والمحدِّثين، وطرح الخبر الضعيف المعارض.
والنتيجة الحاصلة من هذا الخبر أنّ السنّ غير دخيل في نيابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وخلافته، بل اتفاق العقلاء والنبلاء بلزوم العلم والتقوى في الإمام الذي يتعيّن لقيادة الأمّة.
ولهذا قدَّمَ اللهُ ورسولُهصلىاللهعليهوآله علياًعليهالسلام إذ كان أعلم الصحابة حتّى قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حقه: عليٌّ باب علمي ومبيِّنٌ لأمتّي ما أُرْسلْتُ به من بعدي(١) . فخصّه دون غيره بهذه الفضيلة العالية والمنقبة السامية.
____________________
١) أيها القارئ الكريم هذا الحديث مشهور عند المحدثين والعلماء ولذا لم يذكر المؤلف مصدراً له وأرسله إرسال المسلَّمات، ولكني أذكر بعض مصادره ليطمئن قلبك، فأقول: رواه العلّامة القندوزي في الينابيع صفحة ٢٧٩، طبع المكتبة الحيدريّة، أخرجه في ضمن المناقب السبعين في فضائل أهل البيت فقال: الحديث التاسع والعشرون، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليٌّ باب علمي ومبيِّن لأمتي ما أُرسلت به من بعدي، حُبّه إيمان وبغضه نفاق والنظر إليه رأفة ومودّته عبادة، قال: رواه صاحب الفردوس.. وهو الديلمي في فردوس الأخبار واخرجه العلّامة الهمداني الشافعي في كتابه مودّة القربى في أواخر المودّة السابعة قال: أبو ذر رفعة: عليٌّ باب علمي ومبيِّن لأمتي ما أُرسلت به من بعدي، حبُّهُ إيمان وبغضه نفاق والنظر إليه رأفة وعبادة، قال: رواه أبو نعيم الحافظ بإسناده ونقله المتقي الهندي في كنز العمال: ج ٦ / ١٥٦ وقال: أخرجه الديلمي عن أبي ذر.
أقول: واعلم أنّ علماء المسلمين اتّفقوا بأنّ علياًعليهالسلام كان أعلم الناس بعد رسول=
. . . . .
____________________
=
اللهصلىاللهعليهوآله وذلك لِمَا رُوىَ عنهصلىاللهعليهوآله عن طريق سلمان (رض) قال: أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب: أخرجه المتقي الهندي في كنز العمّال: ج ٦ / ١٥٦ وقال أخرجه الديلمي، والمناوي أيضاً أخرجه في كنوز الحقائق: ص ١٨، ونقله القندوزي أيضاً في الينابيع / الباب الرابع عشر في غزارة علمه، نقله عن الموفق بن أحمد بسنده عن سلمان رضي الله عنه. وذكره ضمن المناقب السبعين في فضائل أهل البيت «الحديث السادس والعشرون» عن سلمان. وذكره أيضاً العلّامة الهمداني في كتابه مودّة القربى / في المودة الخامسة، والسابعة عن سلمان أيضاً.
وروى المتقي في كنز العمال: ج ٦/ ١٥٦ عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: علي بن أبي طالب أعلم الناس بالله والناس، قال: أخرجه أبو نعيم الحافظ.
ونقل العلّامة القندوزي في ينابيع المودّة / الباب الرابع عشر في غزارة علمه: عن محمد بن علي الحكيم الترمذي في شرح الرسالة الموسومة بالفتح المبين قال ابن عباس (رض) وهو إمام المفسرين: العلم عشرة أجزاء لعليّ تسعة أجزاء وللناس العُشر الباقي وهو أعلمهم به الخ ثمّ قال الترمذي ولهذا كانت الصحابة (رض) يرجعون إليه في أحكام الكتاب ويأخذون عنه الفتاوي كما قال عمر بن الخطاب في عِدّة مواطن: لولا عليٌ لهلك عمر. وقالصلىاللهعليهوآله : أعلم أمتي عليّ بن أبي طالب.
وقال القندوزي في الباب: أخرج ابن المغازلي بسنده عن أبي الصباح عن ابن عباس (رض) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لمـّا صرت بين يدي ربي كلّمني وناجاني، فما علمتُ شيئاً إلا علّمته علياً فهو باب علمي. ونقله في الباب أيضاً عن الموفق بن أحمد الخوارزمي بنفس الإسناد بتفصيل أكثر.
وروى القندوزي في الباب أيضاً فقال: وعن الكلبي قال ابن عبّاس: علم النبيصلىاللهعليهوآله من علم الله وعلم عليّ من علم النبيصلىاللهعليهوآله وعلمي من علم عليّ، وما =
. . . . .
____________________
=
علمي وعلم الصحابة في علم عليّ إلّا كقطرة في سبعة أبحر، - أقول: ومما يزيد في أهميّة الكلام أنّ قائله ملقب بحر الأمة - ونقل القندوزي في الباب أيضاً فقال: إنّ ابن المغازلي وموفق الخوارزمي أخرجا بسنديهما عن علقمة عن ابن مسعود(رض) قال: كنت عند النبيصلىاللهعليهوآله فسُئل عن علم عليّ. فقال: قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي عليّ تسعة أجزاء والناس جزءاً واحداً وهو أعلم به منه.
- أقول: ولا يخفى أنّ خبر تقسيم العلم والحكمة إلى عشرة أجزاء..الخ مشهور عند ابن عباس أيضاً وقد نقل القندوزي بعض مصادره في الباب المذكور -.
وروى العلّامة الهمداني في كتابه مودّة القربى / المودّة الثالثة عشر عن عكرمة عن ابن عباس (رض) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعبدالرحمن بن عوف: يا عبدالرحمن إنكم أصحابي، وعليٌ بن أبي طالب أخي ومنّي وأنا من عليّ فهو باب علمي ووصيّي.
وروى أيضاً في / المودة الثالثة: عن هاشم بن البريد قال ابن مسعود: قرأت سبعين سورة على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقرأت البقية على أعلم هذه الأمة بعد نبيّناصلىاللهعليهوآله علي بن أبي طالب.
وأخرج الإمام أحمد في المسند: ج ٥ / ٢٦، في حديث طويل قال النبيصلىاللهعليهوآله لفاطمة: أ وَما ترضين أنّي زوجتُكِ أقدم أمتي سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً. وذكره المتقي في كنزالعمال: ج ٦/١٣٥ وقال: أخرجه أحمد بن حنبل والطبراني، وذكره أيضاً الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: ج ٩ /١٠١ و ١١٤، وقال: رواه أحمد والطبراني برجال وُثّقوا.
وجاء في رواية أُسْد الغابة: ج ٥ / ٥٢٠ والمتقي في الكنز: ج ٦/ ٣٩٦ أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: يا فاطمةْ فوالله لقد أنكحتُكِ أكثرهم علماً وأفضلهم حلماً وأولهم سلماً. قال المتقي: أخرجه أبن جرير وصححه، والدولابي في الذريّة الطاهرة. =
. . . . .
____________________
=
وفي الكنز أيضاً: ج ٦/ ١٥٣، قالصلىاللهعليهوآله : أما ترضين أنّي زوجتُكِ أول المسلمين إسلاماً وأعلمهم علماً الخ قال: أخرجه الحاكم عن أبي هريرة، وأخرجه الطبراني والخطيب عن ابن عباس.
وفي الكنز أيضاً: ج ٦ / ١٥٣، قالصلىاللهعليهوآله : زوّجتكِ خير أهلي، أعلمهم علماً وأفضلهم حلماً وأوّلهم سلماً، قال أخرجه الخطيب - البغدادي - في المتفق والمفترق عن بريدة. وفي الكنز أيضاً، عن أبي إسحاق قال: إنّ علياًعليهالسلام لمـّا تزوّج فاطمة قال لها النبيصلىاللهعليهوآله : لقد زوجتكه وإنّه لأوّل أصحابي سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً، قال: أخرجه الطبراني، ورواه الحافظ الهيثمي أيضاً في مجمعه: ج ٩ / ١٠١ وفي مجمع الزوائد أيضاً: ج ٩ / ١١٣، روى عن سلمان (رض) قال: قلت: يا رسول الله إنّ لكلّ نبيّ وصيّاً، فمن وصيُّك؟
فسكت عنّي. فلمّا كان بعد رآني فقالصلىاللهعليهوآله : يا سلمان، فأسرعتُ إليه، قلت: لبيك. قال: تعلم مَن وصيُّ موسى؟
قال: نعم يوشع بن نون. قالصلىاللهعليهوآله : لِمَ؟ قلت: لأنه كان أعلمهم يومئذ.
قالصلىاللهعليهوآله : فإنّ وصيَّي وموضعَ سرّي وخير مَن أتركُ بعدي وينجز عدتي ويقضي دَيْني، علي بن أبي طالب. قال: رواه الطبراني. (أقول) لا يخفى أنّ جواب النبيصلىاللهعليهوآله لسلمان: فإن وصيي وموضع سرّي ...الخ. تفريعٌ على تعليل سلمان وصاية يوشع بن نون لموسى بن عمران بأنّه كان أعلمهم يومئذ، فالتفريع معناه أنّ علياًعليهالسلام أيضاً وصيي لأنّه أعلمهم.
وروى ابن الأثير في أُسْد الغابة: ج ٦ / ٢٢، عن يحي بن معين بسنده عن عبد الملك ابن سليمان قال: قلت لعطاء: أكان في أصحاب محمدصلىاللهعليهوآله أعلم من عليّعليهالسلام ؟ قال: لا والله لا أعلم.
وذكره ابن عبد البر في الإستيعاب: ج ٢ / ٤٦٢ والمناوي في فيض القدير: ج ٣ / ٤٦ =
النبيصلىاللهعليهوآله بعث علياً سفيراً إلى اليمن
ولقد نقل كبار علمائكم وأعلامكم خبر إرسال النبيصلىاللهعليهوآله علياًعليهالسلام إلى اليمن ليقضي بين أهلها ويرشدهم، وانّ النسائي وهو أحد أصحاب الصحاح عندكم، روى في الخصائص العلويّة ست روايات بإسناده إلى الإمام عليّعليهالسلام بطرق مختلفة مضمونها أنّهعليهالسلام قال: بعثني النبيصلىاللهعليهوآله إلى اليمن فقلت: إنّك تبعثني وأنا شاب، إلى قومّ هم أسنّ مني، فكيف أقضي بينهم؟ فقالصلىاللهعليهوآله : إنّ الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك - أي على الحقّ -(١) .
____________________
=
في الشرح، والمحب الطبري في الرياض النضرة: ج ٢ / ١٩٤ وقال: أخرجه القلعي، وفي الصواعق المحرقة: الفصل الثالث في ثناء الصحابة والسلف عليه -عليهالسلام - قال: وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب قال: لم يكن أحدٌ من الصحابة يقول سلوني إلّا عليٌّ، وقد اشتهر عنهعليهالسلام : سلوني قبل أنْ تفقدوني.
أقول: فانصفوا( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) ؟
«المترجم»
١) لقد روى هذا الخبر جمعٌ من أعلام العامّة منهم: أحمد في المسند: ج ١ / ٨٣، ط الميمنة بمصر، والعلامة ابن سعد في الطبقات: ج ٢ / ٣٣٧ طبع دار الصارف بمصر، والعلّامة أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء: ج ٤ ص ٣٨١ ط السعادة بمصر، وقال: رواه أبو معاوية، وجرير، وابن نمير، ويحي بن سعيد عن الأعمش. وأخرجه القاضي أبو بكر بن وكيع في أخبار القضاء: ج ١ / ٨٤ ط مصر، والعلّامة البيهقي في السنن الكبرى: ج ١٠ / ٨٦، ط حيدر آباد الدكن، والعلّامة أبو اليقظان في شرف النبي، والمحب الطبري في الرياض النضرة: ج ٢ ص ١٩٨ ط محمد أمين الخانجي بمصر، وفي كتابه الآخر ذخائر العقبى: ٨٣ ط مكتبة القدسي بمصر، =
ورواه العلّامة الراغب الاصبهاني في محاضرات الأدباء، فيظهر من الخبر أنّ السنّ لا يكون ملحوظاً عند الله ورسولهصلىاللهعليهوآله في مثل هذه الأمور يعني الحكم والقضاء بين الناس، وإنما الملحوظ العلم والعدالة والكفاءات الأخرى مثل الورع والنصّ من رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي ينطق
____________________
= والراغب الإصفهاني في محاضرات الأدباء: ج ٤ ص ٤٧٧ ط مكتبة الحياة بيروت، والعلّامة الأمرتسري في أرجح المطالب: ص ٣٩ و ٤٨٠ ط لاهور وأخرجه في ص ١١٩ وقال: أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة والبزّار وأبو يعلي وابن حبّان والحاكم، باختلاف يسير. وأخرجه الحافظ الطيالسي في مسنده ص ١٩ ط حيدر آباد الدكن، والعلّامة ابن كثير في البداية والنهاية: ج ٥ / ١٠٧ ط السعادة بمصر، والعلّامة أبو الحسن النباهي المالكي في قضاة الأندلس ص ٢٣ ط دار الكاتب بالقاهرة، والعلّامة عبد الغني الدمشقي في ذخائر المواريث: ج ٣ / ١٤، والعلّامة الشيباني في تيسير الوصول: ج ٢ / ٢١٦، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين، والعلّامة الزرندي في نظم درر السمطين: ص ١٢٧ ط مطبعة القضاء والعلّامة محمد بن طولون الدمشقي في الشذورات الذهبية: ص ١١٩ ط بيروت، والعلامة المتقي في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش المسند: ج ٥ / ٣٦ ط الميمنة والعلّامة الشيخ عمر بن علي الجندي في طبقات الفقهاء: ص ١٦ ط مصر، والعلّامة ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٢ / ٢٣٦ طبع القاهرة والعلّامة البستوي الحنفي في محاضرة الأوائل: ص ٦٢ ط الاستانة، والعلّامة الكنجي في كتاب كفاية الطالب، خَصَّ الباب الخامس عشر بهذا الخبر ورواه بسنده ثمّ قال: هذا حديث حسن المتن والسند.
أقول: هذا ما توصلتُ إليه من المصادر المعتبرة والكتب المنتشرة، وربما توجد مصادر أخرى ولكن فيما ذكرت كفاية لإثبات الحق والواقع.
«المترجم»
عن الله سبحانه.
عليٌّعليهالسلام هادي الأمّة بعد النبي صلىاللهعليهوآله
وقد نصّ القرآن الحكيم في ذلك لعليّعليهالسلام وصرّح به النبيصلىاللهعليهوآله لمـّا نزلت الآية الكريمة:
( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِکُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (١) .
فقالصلىاللهعليهوآله : أنا المنذر وعليٌّ الهاد، وفي روايةٍ خاطبُ علياعليهالسلام وقالصلىاللهعليهوآله : أنا المنذر وأنت الهادي وبك يهتدي المهتدون، هكذا رواه جمع من أعلامكم ومفسريكم منهم الثعلبي في تفسيره كشف البيان، ومحمد بن جرير الطبري في تفسيره، والعلّامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / باب ٦٢ مسنداً عن تاريخ ابن عساكر، والشيخ سلمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة / آخر الباب السادس والعشرين / رواه عن الثعلبي والحمويني والحاكم الحسكاني وابن صبّاغ المالكي، والعلّامة الهمداني في مودة القربى، والخوارزمي في المناقب عن ابن عباس وعن الإمام عليعليهالسلام وعن أبي بريدة السلمي روايات عديدة وبطرق شتى رووا باختلاف في الألفاظ وبمعنى واحد، وهو أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: أنا المنذر، وخاطباً علياً فقال: وأنت الهادي وبك يهتدي المهتدون بعدي.
ولو كان هذا النصّ يَردُ في شان أي واحدٍ من الأصحاب،لكُنَّا نتّبعه ونتمسَّكَ به، كما تبعنا علياًعليهالسلام وتمسّكنا به لوجود هذا النصّ
____________________
١) سورة الرعد، الآية ٧.
الجليّ وأمثاله في حق عليّعليهالسلام نطقَ بها النبي الكريمصلىاللهعليهوآله (١) .
الفرق بين السياسة الدينية والدنيوية
ثم إنّ الشيخ عبد السلام قال: بأنّ علياًعليهالسلام ما كان عارفاً بإدارة البلاد ومن عدم سياسته حدثت الاضطرابات والحروب الدامية أيام خلافته بين المسلمين.
فأقول في جوابه: إنّ هذا الكلام تحريف للحقائق وتلبيسٌ للوقائع، والشيخ إنما نقل كلام الأسلاف المعاندين والمعادين للإمام عليّعليهالسلام ولا أدري ما هو مرادهم ومقصودهم من كلمة السياسة
____________________
١) أقول: روى الحاكم الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل: ج ١ / ٢٩٣ إلى ٣٠٣، ط الأعلمي بيروت، روى من تسع عشرة طريقاً - أي من رقم - ٣٩٨ إلى ٤١٦ - بأنّ المنذر في الآية الكريمة:( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِکُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) هو سيد المرسلين محمدصلىاللهعليهوآله ، والهادي هو علي بن أبي طالبعليهالسلام .
وروى غير من ذكرهم المؤلّف الكريم من أعلام العامة جمع منهم: شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين في الباب ٢٨ / تحت الرقم ١٢٣ والعسقلاني في لسان الميزان: ج ٢ / ١٩٩، والسيوطي في الدر المنثور في تفسير ذيل الآية الكريمة وقال: أخرجه ابن مردوية وأبو نعيم في المعرفة، والديلمي وابن عساكر، وابن النجار، وأخرجه المتقي في كنز العمال: ج ٦ ص ١٥٧ عن الديلمي وعن ابن عباس، ورواه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: ج ٧ / ٤١ وقال: رواه عبدالله بن أحمد والطبراني في الصغير والأوسط، ورجال المسند ثقات. ورواه الحاكم النسابوري في المستدرك: ج ٣ / ١٢٩ وقال: هذا حديث صحيحُ الإسناد.
واعلم أنّ هناك مصادر أخرى من العامة، ولكن فيما ذكرنا كفاية لمن أراد الهداية.
«المترجم»
ولإدارة؟ فإن كانت السياسة والإدارة عندهم بمعنى الكذب والدَّجَل والظلم والنفاق ومزج الحق بالباطل والتلبيس والتدليس - كما نرى أبناء الدنيا يرتكبونها لأجل الحصول على الحكم والسلطان - فإنّي أصدّقكم بأنّ علي بن أبي طالبعليهالسلام كان يفقد هذه السياسة والإدارة، لأنّها بعيدة عن الدين والإسلام، أمّا إذا فسرنا السياسة بالإدارة الحكيمة المقرونة بالعدل والإنصاف بأن يساوي بين الرعيّة ويأخذ الحق من الظالم ويردّه للمظلوم، ولا تأخذه في الله لومة لائم في إقامة الحدود وسدّ الثغور وتنفيذ الأحكام، فالإمام عليعليهالسلام أعظم سياسي وأحكم إداري في الإسلام. ولقد يحدثنا التاريخ أنّه لمـّا بويع له بالخلافة عزل الولاة والحكّام الذين كانوا من قِبَل عثمان بن عفّان، وهم الذين - بسوء تصرفاتهم - سبّبوا ثورة المسلمين على خليفتهم عثمان فقتلوه.
وذكر المؤرخون أنّ ابن عباس أشار على ابن عمة أمير المؤمنين في معاوية فقال: وَلِّهِ شهراً وأعزُلْهُ دهراً. وكذا المغيرة أشار عليه بذلك، ولكنّهعليهالسلام قال: لا والله لا أبقيه ساعة واحدة على ولايته، وما كنت أطلب النصر بالجور! فلو أبقيتُ معاوية وأمثاله على ولايتهم وأقررتهم على مظالمهم وجرائمهم، بِمَ أجيب الله سبحانه؟ وكيف ألقاه في يوم الحساب؟!
وكان يقولعليهالسلام : لولا التقوى لكنتُ أدهى العرب، والله ما معاوية بأدهى منّي ولكنّه يغدر ويمكر. وقد تكرّر منهعليهالسلام هذا الكلام وشبهه كما في تاريخ الطبري، وفي العقد الفريد لابن عبد ربه، وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
فكلام الشيخ بأنّ الاضطرابات والحروب التي وقعت أيام خلافة
الإمام عليّعليهالسلام كانت من عدم سياسته وسوء إدارته وتدبيره، فغير صحيح وباطل، إذ من الواضح أنّ لتلك الحروب والاضطرابات أسباب وعلل أخرى.
أسباب الاضطرابات والحروب
في خلافة الإمام عليّعليهالسلام
أولا: الوقايع والأحداث التي وقعت وحدثت بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله كاستبداد القوم بالأمر من غير مشاورة الإمام عليّ والعبّاس وسائر رجال بني هاشم، وهجومهم على بيت الرسالة وإحراقهم الباب وضرب فاطمةعليهالسلام حتى قتلوا جنينها المسمّى محسناً، وسحبهم الإمام عليّعليهالسلام إلى المسجد ليبايع أبا بكر، ومنعهم حق أهل بيت النبوّة من الخمس الذي عيّنه الله تعالى لهم في كتابه، هذه الأحداث الأليمة وأمثالها جَرَّأتْ المنافقين والذين في قلوبهم مرض، الحاقدين على النبيصلىاللهعليهوآله وعترته الطاهرة، فأظهروا مكنونات صدورهم، والضغائن الكامنة في نفوسهم ولاسيما في عهد الإمام عليّعليهالسلام وخلافته التي كانت بعد أحداث قتل عثمان بن عفّان، فجعلوا ذلك وسيلة وحجّة لإيجاد الاضطرابات والخلافات بين المسلمين، فعملوا كلّ ما في وسعهم لشبّ نيران الإحن وإثارة الحروب والفِتن، حتى صارما صار وحدث ما حدث.
ثانياً: كما قال هوعليهالسلام : ما ترك ليَ الحق من صديق. فإنّ طبيعة البشر كما قال الله سبحانه:( أَکْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ کَارِهُونَ ) (١) والإمام
____________________
١) سورة المؤمنون، الآية ٧٠
عليّعليهالسلام كان يعمل بالعدل ويحقّ الحق ويبطل الباطل، فما تحمَّلَهُ أكثر الناس وخاصّةً أبناء الدنيا والطامعين في بيت المال وحقوق الفقراء، ولاسيما الذين تعوّدوا في خلافة عثمان على نهب بيت المال واستملاك الأموال العامّة والتصرّف فيها واللعب بها، وهؤلاء كانوا يجدون بغيتهم عند معاوية فمالوا إليه ونصروه، والناس إلى أشباههم أمْيَل.
ثالثاً: فتِّشوا في التاريخ عن أسباب واقعة الجمل، وكيف حدثت؟ ولماذا؟ تجدونها أسباب دنيوية لا دينيّة، فإنّ طلحة والزبير أرادا ولاية البصرة والكوفة، حبّاً للرآسة والدنيا وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله حبُّ الدنيا رأس كل خطيئة.
وكان الإمام عليّعليهالسلام يعرف طلحة والزبير حقَّ المعرفة ولم يجد فيهما الورع اللازَّم في الوالي وكذلك ليست فيهم الكفاءات الأخرى، لذلك لم يتنازل الإمام عند رغبتهما ولم يُلبِّي طلبهما(١) فذهبا إلى أم
____________________
١) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ١١ / ١٠، ط دار إحياء الكتب العربية: وأراد طلحة أن يولِّيَه البصرة، وأراد الزبير أن يولّيَه الكوفة فلما شاهدا صَلابتَه في الدين وقوّته في العزم وهَجْرَهُ الإدهان والمراقبة، ورفضه المدالسة والمواربة، وسلوكه في جميع مسالكه منهج الكتاب والسنّة، وقد كانا يعلمان ذلك قديماً من طبعه وسجيّته، وكان عمر قال لهما ولغيرهما: إنّ الأجلح إنْ وَليَها ليحملنّكم على المحجّة البيضاء والصراط المستقيم، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله من قَبْلُ قال: وأنْ تُوَلُّوها عليّاً تجدوه هادياً مهديّاً. إلّا أنّه ليس الخبرُ كالعيان ولا القول كالفعل ولا الوعد كالإنجاز، وحَالا عنه، وتنكَّرا له، ووقعا فيه،وعاباه وغمصاه، وتطلّبا له العلل والتأويلات، وتنقما عليه الإستبداد وترك المشاورة، وانتَقَلا من ذلك إلى الوقيعة فيه بمساواة الناس في قسمة المال، وأثنيا على عمر وحمدا سيرتَه وصوّبا =
. . . . .
____________________
= رأيَه. وقالا إنّه كان يفضِّل أهل السوابق، وضلَّلا علياًعليهالسلام فيما رآه وقالا: إنّه أخطأ، وأنّه خالف سيرة عمر واستنجدا عليه بالرؤساء من المسلمين، كان عمر يفضلهم وينفلهم في القسم على غيرهم - والناس أبناء الدنيا ويحبّون المال حبّاً جمّاً - فتنكّرتْ على أمير المؤمنينعليهالسلام بتنكّرهما قلوب كثيرة الخ.
ثم قال ابن أبي الحديد في صفحة ١٥ - ١٦: ثم نرجع إلى الحديث الأول، فنقول: إنّ طلحة والزبير لمـّا أيسا من جهة عليّعليهالسلام ومن حصول الدنيا من قِبَله، قَلَّبا له ظهر المِجَنّ. فكاشفاه وعاتباه قبل المفارقة عتاباً لاذعاً وتأخّرا عنه أيّاماً، ثمّ جاءاه فاستأذناه في الخروج إلى مكة للعمرة، فأذِن لهما بعد أنْ أحلَفهما ألّا ينقضا بيعتهُ، ولا يغدرا به، ولا يشقّا عصى المسلمين، ولا يوقِعا الفرقة بينهم، وأنْ يعودا بعد العمرة إلى بيوتهما بالمدينة، فحلفا على ذلك كلِّه، ثم خرجا ففعلا ما فعلا.
قال: وروى شيخنا أبو عثمان، لمـّا خرج طلحة والزبير إلى مكة، وأوْهَما الناس أنّهما خرجا للعمرة قال عليعليهالسلام لأصحابه: والله ما يريدان العمرة، وإنّما يريدان الغَدْرةَ( فَمَنْ نَکَثَ فَإِنَّمَا يَنْکُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) الفتح: ١٠.
قال: وروى الطبراني في التاريخ: لمـّا بويع طلحة والزبير علياًعليهالسلام سألاه أن يؤمِّرهما على الكوفة والبصرة، فقال: بل تكونان عندي أتجمل بكما، فإنّني استوحش لفراقكما.
أقول: وما كان معاوية بأحسن منهما وهو أيضا ما قاتل علياعليهالسلام إلا من أجل الملك والدنيا ولقد نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ١٥ / ١٢٣، ط دار إحياء الكتب العربية كتاب معاوية إلى عليعليهالسلام جاء فيه: وقد كنت سالتك الشام على أنْ تلزمني لك بيعة وطاعة، فأبيتَ ذلك عليَّ.
ثم نقل جواب الإمام عليعليهالسلام في ج ١٦ / ١٥٤، من نفس الطبعة / جاء فيه: فأمّا =
. . . . .
____________________
= سؤالك المتاركة والإقرار لك على الشام. فلو كنتُ فاعلاً ذلك اليوم، لَفعلتُه أمس. أقول: فالذين يأخذون على أمير المؤمنين سلام الله عليه سياسته وينتقدون إدارته وتدبيره، كأنّهم يريدون منه أنْ يداهن هؤلاء الذين حَلِيَتِ الدنيا في أعينهم وراقهم زِبرِجُها، أتباع الهَوى وطُلّاب الدنيا ومبتغي الملك والرآسة مَهما كلّف الثمن حتى إذا توقّف ذلك على إراقة دماء عشرات الآلاف من المسلمين والمؤمنين، ولكن حاشا علي بن أبي طالبعليهالسلام أنْ يخضع لهؤلاء ويطيعهم، كيف؟ وقد قال الله الحكيم:( فَلاَ تُطِعِ الْمُکَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) سورة القلم، الآية ٨ و ٩.
ثم اعلم أنّ كل دَمٍ سُفِك بأمر الله ورسوله بسيف عليّ أو غيره، فإنّ العرب بعد النبيصلىاللهعليهوآله عصّبت تلك الدماء، بعليّ بن أبي طالبعليهالسلام وحده، لأنّه لم يكن في رهطه مَن يستحق في عادتهم وسنّتهم الجاهلية أنْ يعصب به تلك الدماء إلّا بعليّ وحده، وهذه عادة العرب إذا قُتل منها قتلى طالبتْ بتلك الدماء القاتلَ، فإن مات أو تعذّرت عليها مطالبته طالبت بها أمثل الناس من أهله، وحيث كان عليٌ:عليهالسلام نفس رسول الله وأقرب الناس إليه وأحبّ أهله له حتى قالصلىاللهعليهوآله فيه: عليٌ مني وأنا من علي. وقالصلىاللهعليهوآله : حربه حربي وسلمه سلمي. وقالصلىاللهعليهوآله : من أحبَّه فقد أحبَّني، ومن أبغضه فقد أبغضني وأمثال هذه الأحاديث الشريفة،التي تكشف عن الإتحاد والتآلف بين عليّ وبين النبيّصلىاللهعليهوآله .فالذين أحجموا عن أذى رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حياته خوفاً من سيفه وسوطه إذ كان صاحب الجيش والعُدّة وأمرهُ مطاعٌ وقوله نافذ، فخافوا منه واتّقوه وأمسكوا عن إظهار بغضه وعداوته، «فلما مضى المصطفىصلىاللهعليهوآله إلى دار المقامة والخُلْد، انتهزوا الفرصة وانتهكوا الحرمة وغادروه على فراش الوفاة وأسرعوا لِنقضِ البيعة ومخالفة المواثيق المؤكّدة فحشر سفلة الأعراب وبقايا الأحزاب، الفَسَقَة الغوُاة والحَسَدَة البُغاة أهلُ النكث والغدر والخلاف والمكر، والقلوب المنتنة من قَذَرِ الشرك، والأجساد المشحَنَة من دَرَن =
. . . . .
____________________
= الكفر، الذين أضَبّوا على النفاق وأَكَبّوا على علائق الشقاق، فهجموا على دار النبوّة والرسالة ومهبط الوحي والملائكة ومستَقَرّ سلطان الولاية ومعدن الوصيّة والخلافة والإمامة حتى نقضوا عهد المصطفى في أخيه عَلَم الهُدى والمبيّن طريقَ النجاة من طُرق الرَّدى، وجَرَحِوا كبد خير الورى في ظلم ابنته واضطِهاد حبيبته واهتضام عزيزته بضعة لحمه وفِلذة كبده وخذلوا بعلها وصغّروا قدره واستحلّوا محارمه وقطعوا رحِمَه وأنكروا أُخوّتَه وهَجَروا مودّته ونقضوا طاعتَه وجَحّدوا ولايته وأطمعوا العبيد في خلافته، وقادوه إلى بيعتهم مصلتةً سيوفَها مقذعةً أسنّتها وهو ساخطُ القلب هائج الغَضَب شديد الصبر كاظم الغَيْظ يدعونه إلى بيعتهمُ التي عمّ شومْها الإسلام وزرعت في قلوب أهلها الآثام وبدّلت الأحكام وغيّرت المقام، وأباحتْ الخمس للطُلَقاء وسلّطتْ أولاد اللُعناء على الفروج والدماء، وخَلَطت الحلال بالحرام واستخفّت بالإيمان والإسلام وهَدَمَت الكعبة وأغارت على دار الهجرة يوم الحَرّة وأبرزت بنات المهاجرين والأنصار للنّكال والسَّوئة وألبستْهُنّ ثَوْبَ العار والفضيحة، ورخّصت لأهل الشُبّهَةِ في قتل العِترة وأهل بيت الصَّفوة وإبادة نسله واستيصال شأفَتِه وسَبيِ حَرَمِه وقتل أنصاره وكسر منبره وقَلْبِ مَفخره وإخفاء دينه وقطع ذِكِره». [هذه مقاطع وعبارات من زيارة أئمة المؤمنينعليهالسلام ].
نعم هكذا عاملوا الإمام عليّ سلام الله عليه ومع ذلك ما انخمدت نائرة أضغانهم وما انطفأت جمرة أحقادهم، حتى أحدَثوا فاجعة الطّف الأليمة، ولمـّا ناشدهم الحسين بن عليعليهالسلام سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله قائلاً: ويْلَكُمْ بما تقاتلوني بقتيل منكم قتلتُه، أو مالٍ استملكتُه، أو دمٍ سفكته، أو حكم من أحكام الله سبحانه بَدَّلتُه؟!
قالوا: إنّما نقاتلك بغضاً لأبيك، لما فعل بأشياخنا يوم بدرٍ وحنين!! =
المؤمنين عائشة وكانت مستعدّة لإعلان الخلاف على أمير المؤمنين فأثاراها وثارت وأَلَّبَت الناس على أمير المؤمنين سلام الله عليه وسبَّبت قتل المسلمين وسفك دماء الأبرياء المؤمنين! فهل بعد هذا يصحّ أنْ نقول: أنّ وجوب الجمل كانت لسوء تدبير الإمام عليّعليهالسلام وعدم سياسته! أم أنّها كانت بسبب أطماع طلحة والزبير وأحقاد عائشة على الإمام عليّعليهالسلام وبغضها لآل محمدصلىاللهعليهوآله ؟ ولا يخفى أنّها بقتالها وإعلان مخالفتها لخلافة الإمام علي مهدّت لمعاوية وعمرو بن العاص وأعطتهما الشرعيّة الكاذبة في مخالفتهما للامام عليّعليهالسلام وقتالهما له.
نعم، والله هي التي أسّست وشرَّعت مخالفة أمير المؤمنينعليهالسلام وقتاله والحرب عليه. مع أنّها كانت قد سمعتْ من النبيصلىاللهعليهوآله يقول: يا علي حربُكَ حربي وسِلْمك سلمي، ويقول: إنّ الله قد عهد إليَّ أنَ مَنْ خرج على عليّ فهو كافر في النار(١) .
____________________
= ولما وضعوا رأس الحسينعليهالسلام أمامَ يزيد بن معاوية وحوله بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآله سبايا، وجعل يضربُ الرأس الشريف بخيزرانة عنده ويترنّم:
ليت أشياخي ببدر شهدوا الخ نعم والله ما كربلاء لولا السقيفة!!
«المترجم»
١) لقد ذكرنا في التعليقات السابقة بعض مصادر هذين الحديثيْن الشريفين ونذكر الآن بعض المصادر حتّى يطمئن قلب القارىء الكريم.
أما حديث حربك حربي وسلمك سلمي فهو مشهور جداً حتى قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٤ / ٢٢١، طبع القاهرة: قد ثبت أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لعليعليهالسلام : حربك حربي وسلمك سلمي. =
إخبار النبيصلىاللهعليهوآله عن حروب عليّ عليهالسلام بعده
ولقد روى أعلام العامّة في كتبهم بأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخبر عن قتال عليّعليهالسلام للناكثين والقاسطين والمارقين، والمراد من الناكثين طلحة والزبير وجيشهما، ومن القاسطين معاوية وابن العاص وأتباعهما، ومن المارقين الخوارج. وهذه الفئات الثلاثة كلهم كانوا بُغاتاً مستوجبين القتل.
وأمّا الذين ذكروا حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله وإخباره عن الناكثين والقاسطين والمارقين، وأمره صلوات الله عليه الإمام عليّعليهالسلام بحربهم وقتالهم، فأكثر محدثي السنّة وعلماء العامّة منهم أحمد بن حنبل في المسند وسبط ابن الجوزي في التذكرة والعلّامة القندوزي في ينابيع المودة، وأبو عبدالرحمن النسائي في الخصائص، ومحمد بن طلحة العدوي في مطالب السئول، والعلّامة الكنجي الشافعي في كفاية
____________________
= وقال في نفس المجلّد والصفحة: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليعليهالسلام في ألف مقام: أنا حرب لمن حاربْتَ وسلمٌ لمن سالمت.
وأمّا الحديث الثاني فقد رواه جماعة من أعلام العامّة، منهم العلّامة القندوزي في ينابيع المودّة صفحة ٢٤٧ طبع اسلامبول، ورواه العلّامة الهمداني الشافعي في مودّة القربى / المودّة الثالثة، ورواه العلّامة المولى محمد صالح الترمذي في المناقب المرتضوية / صفحة ١١٧ طبع بمبي، كلهم عن عائشة قالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ الله قد عهد إليَّ مَن خرج على عليّ فهو كافر في النار.
أما كان في هذا حاجزٌ لها عن حرب الجمل وقتالها الإمام عليّعليهالسلام ؟!
«المترجم»
الطالب / الباب السابع والثلاثون: في أنّ علياًعليهالسلام قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ولقد روى العلّامة الكنجي في هذا الباب، بسنده المتّصل بسعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأمّ سَلَمة: هذا علي بن أبي طالب لحمه من لحمي ودمه من دمي وهو منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؛ يا أم سَلَمة هذا عليٌّ أمير المؤمنين وسيد المسلمين ووعاء علمي ووصيي وبابي الذي أوتى منه، أخي في الدنيا والآخرة ومعي في المقام الأعلى، يَقْتُل القاسطين والناكثين والمارقين. ثم قال العلّامة الكنجي: وفي هذا الحديث دلالة على أنّ النبيصلىاللهعليهوآله وعدَ علياًعليهالسلام بقتل هؤلاء الطوائف الثلاث، وقول الرسولصلىاللهعليهوآله حقّ ووعده صدق، وقد أمرصلىاللهعليهوآله علياً بقتالهم، روى ذلك أبو أيّوب عنه وأخبر أنّه قاتل المشركين والناكثين والقاسطين وأنّهعليهالسلام سيقاتل المارقين(١) . « انتهى كلام الكنجي ».
____________________
١) وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ٣ / ٣٩٧، ط دار إحياء الكتب العربية عن ابن ديزيل وهو بسنده عن أبي صادق قال: قَدِم علينا أبو أيوب الأنصاري العراق فأهدتْ له الأزْد جُزُراً فبعثوها معي، فدخلت إليه فسلّمتُ عليه، وقلت له: يا أبا أيّوب، قد كرَّمك الله عزّ وجلّ بصحبة نبيّهصلىاللهعليهوآله ونزوله عليك، فمالي أراك تستقبل الناس بسيفك تقاتلهم، هؤلاء مرّة وهؤلاء مرّة! قال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله عهد إلينا أنْ نقاتل مع عليّ الناكثين، فقد قاتلهم، وعهد إلينا أنْ نقاتل معه القاسطين، فهذا وجهُنا إليهم - يعني معاوية وأصحابه - وعهد إلينا أنْ نقاتل معه المارقين، ولم أرهم بعد. رواه أيضاً عن أبي صادق بطريق آخر، صاحب كنز العمال: ج ٦ / ٨٨، باختلاف يسير في الألفاظ. وقال: أخرجه ابن عساكر وروى ما معناه عن أبي أيوب أيضاً العلّامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / الباب =
. . . . .
____________________
= السابع والثّلاثون بسنده عن مخنف بن سليم عن أبي أيوب الأنصاري، ورواه أيضا عن طريق مخنف، أُسْد الغابة: ج ٤ / ٣٣، وذكره المتّقي أيضاً في كنز العمال: ج ٦ / ٨٨، وقال: أخرجه ابن جرير، وذكره الهيثمي في مجمعه ج ٩ / ٢٣٥، عن طريق مخنف بن سليم أيضاً، وقال: رواه الطبراني.
ونقل الحاكم في المستدرك: ج ٣ / ١٣٩، بسنده عن عقاب بن ثعلبة قال: حدثني أبو أيوب الأنصاري في خلافة عمر بن الخطاب، قال: أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليّ بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وأخرجه في نفس الصفحة، بسنده عن الأصبغ بن بياتة عن أبي أيوب أيضاً، ولكن بألفاظ أخرى.
وروى الخطيب البغدادي في تاريخه: ج ١٣ / ١٦٨، بسنده عن علقمة والأسود قالا: أتينا أبا أيّوب الأنصاري عند منصرفه من صفين فقلنا له: يا أبا أيوب إنّ الله أكرمك بنزول محمدصلىاللهعليهوآله وبمجيء ناقته تفضّلاً من الله وإكراماً لك حتى أناخت ببابك دون الناس، ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب به أهل لا إله إلّا الله!
فقال: يا هذا إنّ الرائد لا يكذب أهله، وإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمَرنا بقتال ثلاثة مع عليّعليهالسلام : بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فأمّا الناكثون فقد قاتلناهم أهل الجمل طلحة والزبير وأمّا القاسطون فهذا منصرفنا من عندهم - يعني معاوية وعمرواً - وأمّا المارقون فهم أهل الطرقات وأهل السُعيفات وأهل النخيلات وأهل النهروانات، والله ما أدري أين هم؟ ولكن لابدّ من قتالهم إن شاء الله.
قال: وسمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغية وأنت إذ ذاك مع الحق والحق معك يا عمار بن ياسر! إن رأيتَ علياً قد سلكَ وادياً وسلكَ الناس وادياً غيره، فاسلُك مع عليّ فإنّه لن يُدْليكَ في رديً ولن يُخرجك من هدى، يا عمار! مَنْ تَقَلّد سيفاً أعان به علياً على عدوّه، قلَّدهُ اللهُ يوم القيامة وِشاحَيْن من دُرّ، ومن تَقلّد سيفاً أعان به عدوّه عليّ عليه قلّده اللهُ يوم القيامة وِشاحيْن من نار. =
. . . . .
____________________
= قلنا: يا هذا! حسبك رحمك الله حسبك رحمك الله!
وروى الخطيب البغدادي في تاريخه أيضاً: ج ٨ / ٣٤٠ بسنده عن خليد العصري قال: سمعتُ أمير المؤمنين علياًعليهالسلام يقول يوم النهروان: أمرني رسول اللهصلىاللهعليهوآله بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين.
وروى ابن الأثير الجزري في أسد الغابة: ج ٤ / ٣٢ بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فقلنا: يا رسول الله! أمرتنا بقتال هؤلاء فمع مَن؟ فقالصلىاللهعليهوآله : مع علي بن أبي طالب، معه يُقتل عمار بن ياسر.
وروى الحافظ الهيثمي في مجمعه ج ٧ / ٢٣٨ قال: وعن أبي سعيد قال: سمعتُ عمّاراً ونحن نريد صفين، يقول: أمرني رسول اللهصلىاللهعليهوآله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، قال: رواه الطبراني وروى الهيثمي أيضاً في نفس الصفحة قال: وعن عليّعليهالسلام قال: عهد إليَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين، قال: وفي رواية اُخرى: أُمرتُ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، قال: رواه البزّار والطبراني في الأوسط. وروى الهيثمي أيضاً في مجمعه ج ٩ ص ٢٣٥، قال: وعن عبدالله - يعني ابن مسعود - قال - أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، قال: رواه الطبراني. وروى المتقي في كنز العمال: ج ٦ ص ٣١٩ عن ابن مسعود أيضاً قال: خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله فأتى منزل أم سلمة (رض) فجاء عليٌّعليهالسلام فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله يا أم سلمة! هذا والله قاتل القاسطين والناكثين والمارقين من بعدي قال: أخرجه الحاكم في الأربعين وابن عساكر. أقول: وذكره المحب الطبري أيضاً في الرياض النضرة: ج ٢ / ٢٤٠ وقال: أخرجه الحاكمي.
وروى الجزري في أسد الغابة أيضاً: ج ٤ / ٣٣ بسنده عن علي بن ربيعة قال: =
ونحن نعتقد أن قتال الإمام عليّعليهالسلام مع هذه الفرق الثلاث كقتال رسول اللهصلىاللهعليهوآله مع الكفار والمشركين.
الشيخ عبدالسلام: بأي دليل تعتقدون بهذا المعتقد علماً بأنّ الذين قاتلوا علياً كرّم الله وجهه كانوا مسلمين يشهدون بالتوحيد ويُقرُّون بالرسالة ويعملون بالقرآن، ويصلّون ويصومون؟!
قلت: دليلنا حديث رسول الله المشهور والمنشور في كتب أعلامكم ومحدِّثيكم مثل النسائي في الخصائص صفحة ٤٠ / طبع التقدم بالقاهرة / بسنده إلى أبي سعيد الخدري، والعلّامة القندوزي في ينابيع المودّة / الباب الحادي عشر نقل عن كتاب جمع الفوائد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ منكم مَنْ يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. فقال أبو بكر(رض): أنا؟ فقال
____________________
= سمعت علياًعليهالسلام على منبركم هذا يقول: عهد إليَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنْ أُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. ورواه المتقي في كنز العمال: ج ٦ ص ٨٢ عن طريق علي بن ربيعة أيضاً، وقال: أخرجه البزّار وأبو يعلي.
وروى السيوطي في الدُّرُ المنثور عند تفسير قوله تعالى:( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِکَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ) في سورة الزخرف، الآية ٤١ روى عن جابر بن عبدالله الأنصاري عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: نَزَلت في علي بن أبي طالب، إنّه ينتقم من الناكثين والقاسطين بعدي، قال الله عزّ وجلّ:( وَ أَمَّا الْقَاسِطُونَ فَکَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ) الجن: ١٥ فبهذا النص الصريح يكون معاوية وأصحابه الذين قاتلوا عليّاًعليهالسلام ، حطب جهنّم لا محالة.
أكتفي بهذا المقدار، وهناك روايات كثيرة أخرى بطرق شتى في كتب أعلام العامة.
«المترجم»
صلىاللهعليهوآله : لا. فقال عمر (رض): أنا؟ فقالصلىاللهعليهوآله : لا ولكن خاصف النعل. قال: وكان أعطى علياً نعله يخصفها(١) . للموصلي. « انتهى
____________________
١) أقول: هذا الحديث اشتهر وانتشر في الكتب المعتبرة ولقد رواه كبار علماء العامّة ومحدثيهم منهم أحمد بن حنبل في المسند: ج ٣ / ٣٣ عن أبي سعيد وفي ص ٨٢ أيضاً رواه عنه بطريقين والحاكم في مستدرك الصحيحين: ج ٣ / ١٢٢، رواه بطريقين عن أبي سعيد.
وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء: ج ١ / ٦٧ بسنده عن أبي سعيد الخدري أيضاً.
وابن الأثير في أسد الغابة: ج ٤ / ٣٢ رواه بسنده عن أبي سعيد، وفي أسد الغابة: ج ٣ / ٢٨٢ قال: روى السري بن إسماعيل عن عامر الشعبي عن عبدالرحمن ابن بشير قال: كنّا جلوساً عند النبيصلىاللهعليهوآله إذ قال: ليضربنّكم رجلٌ على تأويل القرآن كما ضربتُكم على تنزيله. فقال أبو بكر: أنا هو؟ قال: لا قال عمر: أنا هو؟ قال: لا، ولكن خاصف النّعل، وكان عليٌعليهالسلام يخصف نعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ونقله العلامة القندوزي في الينابيع / الباب الحادي عشر من كتاب الإصابة عن عبدالرحمن بن بشير الأنصاري أيضاً وجاء في آخره: فانطلقنا فإذا عليٌّ يخصف نعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حجرة عائشة فبشّرناه.
أقول: وجدته في الإصابة: ج ٤ / القسم الأول صفحة ١٥٢، قال: وأخرج الباوردي وابن مندة من من طريق سيف بن محمد عن السري بن يحيى عن الشعبي عن عبدالرحمن بن بشير الخ.
وروى ابن حجر في الإصابة أيضاً: ج ١ / القسم ١ /٢٢ / بسنده عن الأخضر بن أبي الأخضر عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: أنا أقاتل على تنزيل القرآن وعليٌّ يقاتل على تأويله، وأخرجه المتقي أيضاً في كنز العمال: ج ٦ / ١٥٥، وقال: أخرجه الدار قطني في الأفراد. وفي كنز العمال أيضاً في نفس الصفحة روى عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: إنّ منكم مَن يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، قيل: أبو بكر وعمر؟ قال: لا ولكنه خاصف النعل - يعني علياً - قال: أخرجه أحمد في =
كلام القندوزي ».
فالظاهر من هذه الروايات ما نعتقده نحن كما قلت، فإنّ حرب
____________________
= مسنده، وأبو يعلي في مسنده، والبيهقي في شُعَب الإيمان، والحاكم في المستدرك، وأبو نعيم في حليته، وسعيد بن منصور في سننه، كلهم عن أبي سعيد.
ورواه الحافظ الهيثمي في مجمعه: ج ٥ / ١٨٦ عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول الخ قال الهيثمي: رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح. أقول: ورواه المحب الطبري أيضاً في الرياض النضرة: ج ٢ / ١٩٢، وقال: أخرجه أبو حاتم.
وروى المتّقي في كنز العمال: ج ٦ / ٣٩٠ عن أبي ذر قال: كنت مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو ببقيع الفرقد فقال: والذي نفسي بيده إنّ فيكم رَجلاً يقاتل الناس من بعدي على تأويل القرآن كما قاتلتُ المشركين على تنزيله. وهم يشهدون أنْ لا إله إلّا الله، فيكبرُ قتلهُم على الناس حتى يطعنوا على وليّ الله ويسخطوا عمله كما سَخط موسى أمر السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار. وكان خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لله رضىً وسخط ذلك موسى. قال: أخرجه الديلمي.
وروى ابن عبد البر في الاستيعاب: ج ٢ / ٤٢٣ عن أبي عبد الرحمن السّلمي قال: شهدنا مع عليّ صفين فرأيتُ عمار بن ياسر لايأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفين إلّا رأيت أصحاب محمدصلىاللهعليهوآله يتبعونه كأنّه عَلَمٌ لهم، وسمعتُ عماراً يقول يومئذ لهاشم بن عتبة: يا هاشم تقدم الجنة تحت الأبارقة، اليوم ألقى الأحبّة محمداً وحزبه، والله لو هزمونا حتّى يبلغوا بنا سعفات هَجَر لعلمنا أنّا على الحق وأنهم على الباطل ثمّ قال:
نحن ضربناكم على تنزيله |
فاليوم نضربكم على تأويله |
|
ضرباً يزيل الهام عن مقيله |
أو يرجع الحقّ إلى سبيله |
أقول: الروايات في هذا الباب كثيرة ونكتفي بهذا المقدار.
«المترجم»
الإمام عليّعليهالسلام مع الناكثين والقاسطين والمارقين إنما كانت مثل حرب النبيصلىاللهعليهوآله مع الكفار والمشركين. إذ لو كانت هذه الطوائف الثالث من المسلمين لَما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يأمر علياً وخيار أصحابه مثل أبي أيوب وعمار بن ياسر بقتالهم ومحاربتهم.
والحاصل من بحثنا أنّ الاضطرابات والحروب التي حدثت في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام لم تكن بسبب سوء سياسة أبي الحسنعليهالسلام وسوء تدبيره وإدارته كما زعم الشيخ عبدالسلام، وإنما كانت بسبب كفر المخالفين وأحقاد المنافقين وحَسَد الحاسدين. ولو يُراجَع نهج البلاغة وتُطالَع عهود الإمام عليّعليهالسلام إلى عماله ولا سيما عهده الذي كتبه إلى مالك الأشتر حين ولّاه مصر، وكتبه الى محمد بن أبي بكر وعثمان بن حنيف وابن عباس وغيرهم لأذعنتم أنّ الإمام عليّعليهالسلام بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أسوس الناس وأكْيَسَهم وأحسنهم إدارة وأصحّهم تدبيراً كما كان أورعهم وأتقاهم وأعلمهم بكتاب الله وتفسيره وتأويله وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومجمله ومفصله وعامّه وخاصّه وظاهره وباطنه، وعنده علم الغيب والشهود.
الشيخ عبدالسلام: نرجو توضيح لنا معنى الجملة الأخيرة، فكيف يكون سيدنا عليّ كرّم الله وجهه عالم الغيب والشهود؟ فهذا كلامٌ مبهم وغريب ومخالف لعقائد عامة المسلمين.
قلت: المقصود من علم الغيب هو العلم ببواطن الأمور وأسرار الكون التي تكون خفيّة إلّا على الأنبياء والأوصياء والأولياء الذين اصطفاهم ربهم و أعطاهم من علمه، كلٌّ على مقدار ظرفه ووعاء قلبه ولا شك أنّ خاتم النبيينصلىاللهعليهوآله وسيد المرسلين كان أعلمهم ومن بعده
علي بن أبي طالبعليهالسلام إذْ كان تلميذه فعلَّمه كلّ ما كان النبيصلىاللهعليهوآله علمه من الله تعالى.
الشيخ عبدالسلام: ما كنت أتوقع من جانبكم أن تتكلّموا بكلام الغُلات وعوام الشيعة، لأنّك كنت في المجالس السالفة تتبرّء من الغُلاَت ومما يقوله عوام الشيعة وجهّالهم.
قلت: إنّ كلامي لم يكن غلوّاً ولا مخالفاً للقرآن الكريم ولكنك سَقَطْتَ في الشبهة التي سقط فيها أسلافكم وإذا كنت تمعن النظر وتدقّق الفكر في كلامي، ما رميتني بالغلوّ والجهل.
لا يعلم الغيب إلّا الله سبحانه
الشيخ عبدالسلام: إنّ كلامكمْ واعتقادكم يخالف نصّ الكتاب الحكيم وصريح القرآن الكريم إذ قال سبحانه وتعالى:
( وَ عِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَ يَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَ لاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَ لاَ رَطْبٍ وَ لاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي کِتَابٍ مُبِينٍ ) (١) .
هذه الآية تدل على أنّ علم الغيب يختصّ بالله عزّ وجلّ، وكل من يعتقد بأنّ غير الله تعالى يعلم الغيب فقد غلى وأشرك المخلوق في علم الخالق ووصف العبد بصفة الله الواحد الأحد.
وإنّ كلامكم بأنّ علياً كرم الله وجهه كان عنده علم الغيب هو غلوٌّ في حقه إذ فضّلتموه على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقدمتموه عليه لأنهصلىاللهعليهوآله كما قال له الله العزيز:( قُلْ لاَ أَمْلِکُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا
____________________
١) سورة الأنعام، الآية ٥٩
شَاءَ اللَّهُ وَ لَوْ کُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَکْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ مَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (١) .
وقال تعالى في سورة هود / ٣١:( وَ لاَ أَقُولُ لَکُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَ لاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ ) .
وفي سورة النمل / ٦٥:( قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَ مَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) .
فإذا كان رسول الله وخاتم النبيينصلىاللهعليهوآله بصريح القرآن الحكيم لا يعلم الغيب، فكيف تقولون بأن علياً كرّم الله وجهه كان عنده علم الغيب؟ والله تعالى يقول:( وَ مَا کَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَکُمْ عَلَى الْغَيْبِ ) (٢) .
قلت: نحن لا ننكر هذه الآيات الكريمة بل نعتقد ونتمسك بها، ولكنك حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء.
فلقد ذكرت الآيات ولم تتدبّر فيها ولم تنظر إلى الآيات الاُخرى التي تصرِّح بأنّ الله تعالى يتفضل على بعض عباده من علم الغيب الذي عنده.
الله سبحانه يفيض من علمه على من يشاء
إنّ العلم على قسمين: - علمٌ ذاتي وهو علم الله تعالى، وعلم عَرَضيٌّ واكتسابيٌّ وهو علم البشر - وهذا على قسمين أيضاً: علم تعليمي وهو علم التلميذ يأخذه من معلّمه وإن كان بإرادة الله ومشيّته
____________________
١) سورة الأعراف، الآية ١٨٨.
٢) سورة آل عمران، الآية ١٧٩.
فهو المعلم الحقيقي لقوله تعالى:( خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) (١) .
وقوله تعالى:( فَاذْکُرُوا اللَّهَ کَمَا عَلَّمَکُمْ مَا لَمْ تَکُونُوا تَعْلَمُونَ ) (٢) .
القسم الآخر: هو العلم اللدنيّ، وهو علم يلقيه الله سبحانه في قلب من يشاء وهو قوله تعالى:( فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) (٣) .
وكذلك العلم الذي أفاضه على آدمعليهالسلام وألقاه في قلبه مرّة واحدة، بقوله تعالى:( وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ کُلَّهَا ) (٤) .
وهذا العلم يحصل من غير الطرق العاديّة أي بغير معلِّم ومدرّس ولا يحتاج إلى كتاب وقلم وقرطاس.
الشيخ عبد السلام: هذه الآيات تشير إلى مطلق العلم ولكنّ علم الغيب مستثنى من هذا العلم، بدليل الآيات التي تلوتها آنفاً، وقد قالوا: إنّ القرآن يفسِّر بعضه بعضاً.
قلت: بدليل أنّ القرآن يفسر بعضه بعضا، فإنّ الآيات التي تلوتَها في انحصار علم الغيب بالله تعالى تكون من القسم العام، وقد استثنى الله تعالى بعض عباده الذين اصطفى، بقوله عزّ وجلّ:
( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُکُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا
____________________
١) سورة الرحمن، الآية ٣ و٤.
٢) سورة البقرة، الآية ٢٣٩.
٣) سورة الكهف، الآية ٦٥.
٤) سورة البقرة، الآية ٣١.
رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَ أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصَى کُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ) (١) .
وأمّا الآية الأخيرة التي تلاها الشيخ عبدالسلام فإنّه بتَرها ولم يتمِّمها ليحصل غرضه، وإنّ مَثَلَه كمن يبتر كلمة التوحيد - لا إله إلّا الله، فيتلفّظ بأوّلها ويَترك آخرها، وكذلك هذه الآية الكريمة فإنّ أوّلها يَدلّ على معتقد الشيخ، وإذا تلوناها إلى آخرها فنجدها تفنّد معتقد الشيخ وتؤيّد معتقدنا وهي كما في سورة آل عمران / ١٧٩:
( وَ مَا کَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَکُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لٰکِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَکُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ولا يخفى على أهل العلم معنى الاستدراك في الآية الكريمة، والقاعدة العربيّة: الإستدراك بعد النفي إثبات كما أنّ الاستثناء بعد النفي في كلمة لا إله إلّا الله إثباتٌ للتوحيد. وكذلك الاستثناء في الآية التي تلوتها آنفاً من سورة الجن:( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ) جاء الاستثناء بعد الجملة النافية، فهو إثبات أي: يظهر على غيبه من ارتضى من رسول.
وفي آية اُخرى يصرّح تعالى بأنّه يوحي إلى النبيصلىاللهعليهوآله ويعطيه من أنباء الغيب، قوله تعالى:( تِلْکَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْکَ مَا کُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَ لاَ قَوْمُکَ مِنْ قَبْلِ هٰذَا ) (٢) وقوله تعالى:( وَ کَذٰلِکَ أَوْحَيْنَا إِلَيْکَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا کُنْتَ تَدْرِي مَا الْکِتَابُ وَ لاَ الْإِيمَانُ وَ لٰکِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ) (٣) .
ثم إذا لم تعتقد بمعتقد الشيعة بأنّ الله تعالى يفيض من علم الغيب
____________________
١) سورة الجن، الآية ٢٦ - ٢٨.
٢) سورة هود، الآية ٤٩.
٣) سورة الشورى، الآية ٥٢.
الذي عنده على بعض عباده الصالحين من الأنبياء والأولياء، فكيف تُفسِّر قول عيسى بن مريمعليهالسلام في سورة آل عمران/ الآية ٤٩:( وَ أُنَبِّئُکُمْ بِمَا تَأْکُلُونَ وَ مَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِکُمْ إِنَّ فِي ذٰلِکَ لَآيَةً لَکُمْ إِنْ کُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فإخبار الأنبياء والأولياء بالمغيبات فهو من آيات الله تعالى ولا يخفى أن الله سبحانه لا يعطيهم العلم المطلق بجميع المغيبات وإنما يطلعهم على الغيب حسب المصلحة والحكمة وعند اقتضاء الضرورة، ولهذا المعنى تشير الآية الكريمة:( وَ لَوْ کُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَکْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ مَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ) (١) .
الخلفاء الإثنا عشر عندهم علم الغيب
الشيخ عبدالسلام: لو فرضنا صحة هذا الكلام، فإنّه يختصّ بالأنبياء، فما هو الدليل على تعدّي علم الغيب من رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى سيدنا علي كرم الله وجهه؟ وإذا كان عليٌّ مثل رسول اللهصلىاللهعليهوآله يَطَّلعِ على الغيب، فيلزم أن نعتقد ذلك في الخلفاء الراشدين أيضاً لأنّهم قاموا مقام النبيصلىاللهعليهوآله وتسلَّموا مسؤليته في أمته من بعده.
قلت: نعم يلزم أن يَطَّلع خلفاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله على الغيب أيضاً، لأنّهم قاموا مقامه وأُلقيت مسؤولية توجيه الأمة وإرشادهم بعد النبيصلىاللهعليهوآله على عواتقهم.
ولكن مَن هم خلفاؤه؟ أهم الذين لُقِّبوا بالراشدين، أم الذين عرَّفهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله للأمّة بقوله: خلفائي بعدي إثنا عشر؟ وفي بعض الروايات نصَّ عليهم بأسمائهم وألقابهم وهم الذين نعتقد نحن
____________________
١) سورة الأعراف، الآية ١٨٨.
الشيعة بإمامتهم ونتمسك بقولهم ونلتزم بطريقتهم ومذهبهم(١) .
____________________
١) حديث كون الخلفاء إثني عشر، من الأحاديث المشهورة حتى عدوّه من المتواترات، ولقد ذكره أصحاب الصحاح والمسانيد منهم: الترمذي في صحيحه: ج ٩ / ٦٦، ط الصاوي بمصر، أخرج بسنده عن جابر بن سمرة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله يكون من بعدي إثنا عشر أميراً كلهم من قريش، ورواه عنه أيضاً البخاري بسنده في الصحيح: ج ٩ ص ٨١، ط الأميرية بمصر، وأحمد في المسند: ج ٥ / ٩٢، ط الميمنة بمصر كما في البخاري سنداً ومتناً، والعلّامة أبو غوانة في المسند: ج ٤ ص ٣٩٦، ط حيدر آباد، ذكره من طرق شتى في صفحة ٣٩٧ و ٣٩٨ و ٣٩٩، والحافظ أبو حجاج المزي في تحفة الأشراف لمعرفة الأطراف: ج ٢ / ١٥٩ ط دار القيامة بمباي، والعلّامة ابن الأثير الجزري في جامع الأصول: ج ٤ / ٤٤٠ ط مصر، والعلامة النابلسي في شرح ثلاثيات مسند أحمد: ج ٢ / ٥٤٤ ط الإسلامي ببيروت، والعلامة ابن كثير الدمشقي في كتابه قصص الأنبياء: ج ١ / ٣٠١ ط دار الكتب الحديثة، والحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ج ١٤ / ٣٥٣، طبع السعادة بمصر، والعلامة الصنعاني في مشارق الأنوار، والعلامة ابن الملك في مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار: ج ٢ / ١٩٣ طبع الآستانة، وابن حجر في الصواعق المحرقة / ١٨٧، ط عبداللطيف بمصر، والعلامة المناوي في كنوز الحقائق / حرف الباء، والعلامة الشيخ محمود أبو رية في أضواء على السنة المحمدية: ص ٢١٠ ط القاهرة.
وروى جمع من الاعلام عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبيصلىاللهعليهوآله قال: «يكون بعدي إثنا عشر خليفة كلهم من قريش».
منهم البخاري في التاريخ الكبير: ج ١ / قسم ١/ ص ٤٤٦، ط حيدر آباد وأحمد في المسند: ج ٥/٩٢ ط الميمنيّة بمصر، وأبو عوانة في مسنده: ج ٤ / ٣٩٦، ط حيدرآباد، والعلامة ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية: ج ٦ / ٢٤٨ ط السعادة بمصر، وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء: ج ٤ / ٣٣٣ ط السعادة بمصر، والحافظ الطبراني في المعجم الكبير/ ص ٩٤ نسخة جامعة طهران. =
. . . . .
____________________
= والقاضي وكيع الأندلسي في أخبار القضاة / ١٧، ط الاستقامة بالقاهرة.
وروى جماعة من الأعلام وعلماء العامّة عن عبدالله بن مسعود عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: «الخلفاء بعدي إثنا عشر كعدد نقباء بني إسرائيل» منهم: العلامة الهمداني في مودة القربى / ٩٤، ط لاهور، وابن كثير الدمشقي في تفسير القرآن / المطبوع بهامش فتح البيان ج ٣ / ٣٠٩ طبع بولاق مصر، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ج ٥ / ١٩٠، ط مكتبة القدسي بالقاهرة، والسيوطي في تاريخ الخلفاء: ص ٧ ط السعادة بمصر، والعلّامة ابن حمزة الحسيني الحنفي الدمشقي في البيان والتعريف: ج ١ / ٢٣٩ ط حلب، رواه من طريق ابن عدي في الكامل، وابن عساكر في التاريخ عن ابن مسعود، والعلامة عبيدالله الحنفي في أرجح المطالب/ ٤٤٨ ط لاهور، والحاكم في مستدرك الصحيحين: ج ٤ / ٥٠١، عن مسروق عن ابن مسعود، والعلامة العسقلاني في فتح الباري: ج ١٣ / ١٧٩، ط البهيّة بمصر، روى الحديث من طريق أحمد وأبي يعلي والبزار عن ابن مسعود، وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء / ٦١ ط السعادة بمصر: وأخرج أبو القاسم البغوي بسند حسن عن عبدالله بن عمر (رض) قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: يكون خلفي إثنا عشر خليفة.
أقول: وتوجد روايات أخرى كثيرة في هذا الباب بألفاظ قريبة مما ذكرنا، ولقد فتح العلّامة القندوزي باباً في كتابه ينابيع المودّة أسماه الباب السابع والسبعون في تحقيق حديث بعدي إثني عشر خليفة وأنقل بعض الروايات التي أخرجها والتحقيق الذي ذكره في آخر الباب، قال: وفي جمع الفوائد، جابر بن سمرة رفعه: لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم إثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة، وسمعت كلاماً من النبيصلىاللهعليهوآله لم أفهمه، فقلت لأبي: ما يقول؟ قال: كلهم من قريش، للشيخين - أي مسلم والبخاري - والترمذي وأبي داود بلفظه. =
. . . . .
____________________
= ذكر يحي بن الحسن في كتابه العمدة من عشرين طريقاً في أنّ الخلفاءَ بعد النبيصلىاللهعليهوآله إثنا عشر خليفة كلهم من قريش.
في البخاري من ثلاثة طرق، وفي مسلم من تسعة طرق، وفي أبي داود من ثلاثة طرق، وفي الترمذي من طريق واحد وفي الحميدي من ثلاثة طرق.
قال القندوزي: وفي المودة العاشرة من كتاب مودّة الفربى للسيد علي الهمداني، عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: كنت مع أبي عند النبيصلىاللهعليهوآله فسمعته يقول: بعدي اثنا عشر خليفة، ثمّ أخفى صوته.فقلت لأبي ما الذي أخفى صوته؟ قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : كلهم من بني هاشم، وعن سماك بن حرب مثل ذلك.
وعن الشعبي عن مسروق قال: بينا نحن عند عبد الله بن مسعود نعرض مصاحفنا عليه إذ قال له فتى: هل عهد إليكم نبيكمصلىاللهعليهوآله كم يكون من بعده خليفة؟ قال: إنك لحديث السن و إنّ هذا شي ء ما سألني عنه أحدٌ قبلك، نعم عهد إلينا نبيناصلىاللهعليهوآله أنه يكون بعده اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل.
وقال القندوزي بعد نقله للروايات في هذا الباب: قال بعض المحققين: إنّ الأحاديث الدالة على كون الخلفاء بعدهصلىاللهعليهوآله إثنا عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان عُلم أن مراد رسول اللهصلىاللهعليهوآله من حديثه هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته إذ لا يمكن أنْ يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلّتهم عن إثني عشر، ولا يمكن أنْ يحمل على الملوك الأمويّة لزيادتهم على إثني عشر ولظلمهم الفاحش ...، ولكونهم غير بني هاشم لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: كلهم من بني هاشم، في رواية عبد الملك عن جابر، وإخفاء صوتهصلىاللهعليهوآله في هذا القول يرجّح هذه الرواية، لأنهم لا يُحسنون خلافة بني هاشم، ولا يمكن أن يُحمل على الملوك العباسيّة لزيادتهم على العدد المذكور ولقلّة رعايتهم الآية:( قُلْ لاَ أَسْأَلُکُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) وحديث الكساء، فلا بدّ =
أما الذين سمّيتموهم أنتم وأباؤكم بخلفاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله فإنّهم كانوا يجهلون كثيراً من الظواهر فكيف بعلم الغيب؟! ولقد رويتم في كتبكم أنّ الخلفاء الثلاث كثيراً ما كانوا يراجعون الإمام عليّعليهالسلام أو غيره من الصحابة في الأحكام والمسائل الدينيّة التي كانت ترِد عليهم، ولا سيما عمر بن الخطّاب الذي قال في أكثر من مورد: لولا عليٌّ لهلك عمر، ولا أبقاني لمعضلة ليس لها أبو الحسن، كما نقلنا بعضها من كتب أعلامكم ومحدثيكم.
وأما سؤالكم عن دليلنا على أنّ علياًعليهالسلام كان يحظى بعلم الغيب، فالأحاديث المرويّة في كتبكم عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في علم عليّعليهالسلام ، أدلّ دليل على كلامنا، منها:
حديث النبيصلىاللهعليهوآله : أنا مدينة العلم و عليٌّ بابها ومن أراد العلم فليأت الباب.
____________________
= من أنْ يُحمل هذا الحديث على الأئمة الإثني عشر من أهل بيته وعترتهصلىاللهعليهوآله لأنهم كانوا أعلم أهل زمانهم وأجلّهم وأورعهم وأتقاهم وأعلاهم نَسَباً وأفضلهم حَسَباً وأكرمهم عند الله، وكان علومهم عن آبائهم متصلاً بجدهمصلىاللهعليهوآله وبالوراثة واللَّدُنيّة كذا عرفهم أهل العلم والتحقيق وأهل الكشف والتوفيق، ويؤيّد هذا المعنى، أي أنّ مراد النبيصلىاللهعليهوآله الأئمة الاثني عشر من أهل بيته، ويشهد له ويرجِّحه حديث الثقلين والأحاديث المتكررة المذكورة في هذا الكتاب - الينابيع - وغيرها، وأما قولهصلىاللهعليهوآله كلهم تجتمع عليه الأمة، في رواية عن جابر بن سمرة فمرادهصلىاللهعليهوآله أنّ الأمة تجتمع على الإقرار بإمامة كلهم وقت ظهور قائمهم المهدي (رضي الله عنهم) «انتهى كلام القندوزي».
«المترجم»
الشيخ عبد السلام: لم تثبت صحة هذا الحديث في مصادرنا وعند أعلامنا، فهو موضوع، ولقد عَدَّهُ أكثر علمائنا من الآحاد الضعاف.
الإمام عليعليهالسلام باب مدينة علم رسول صلىاللهعليهوآله بنصّ أحاديثكم
قلت: إنّي لأتعجّب من كلام الشيخ إذ يضعِّف هذا الحديث الذي عدَّه كثير من علماء العامّة من المتواترات، ونقله كثير من أعلام أهل السُنّة في كتبهم وأقرّوا بصحّته منهم:
السيوطي في جمع الجوامع، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار والسيد محمد البخاري في تذكرة الأبرار، والحاكم النيسابوري في مستدرك الصحيحين، والفيروز آبادي في نقد الصحيح، والمتقي في كنز العمّال، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب، وجمال الدين الهندي في تذكرة الموضوعات، وقد قال: فمن حكم بكذبه فقد أخطأ.
والأمير محمد اليماني في الروضة النديّة، والحافظ أبو محمد السمرقندي في بحر الأسانيد وابن طلحة العدوي في مطالب السئول، وغيرهم من أعلامكم الذين حكموا بصحة حديث: أنا مدينة العلم الخ.
ولقد وصل هذا الحديث إلى علماء الدين من طرق شتى وأسناد كثيرة متصلة بالصحابة والتابعين منهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام وأبي محمد الحسن السبطعليهالسلام ، وحبر الأمة عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن
اليمان، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعمرو بن العاص من الصحابة.
والإمام السجاد علي بن الحسينعليهالسلام ومحمد بن علي الباقرعليهالسلام وأصبغ بن نباتة، وجرير الضبيِّ، وحارث بن عبد الله الهمداني الكوفي، وسعد بن طريف الحنظلي، وسعيد بن جبير الأسدي، وسلمة بن كهيل الحضرمي، وسليمان بن مهران الأعمش، وعاصم بن حمزة السلولي، وعبد الله بن عثمان القاري المكي، وعبدالرحمن بن عثمان، وعبدالله بن عسيلة المرادي، ومجاهد بن جبير أبي الحجاج المخزومي، من التابعين.
وأمّا العلماء الأعلام والمحدثين العظام الذين أخرجوا هذا الحديث في كتبهم ومسانيدهم، فكثير جداً ولا يسعني أنْ أذكرهم كلّهم، ولذا أكتفي بمن يحضرني أسماؤهم، حتى يعرف جناب الشيخ زيف كلامه، وأرجو أن لا يتّبع قول أسلافه بعد سماع مصادر الحديث، ومعرفة صحّته وتواتره عند أهل الحديث. وأطلب منه بعد هذا أنْ لا يتكلّم من غير تحقيق.
جملة من مصادر العامّة للحديث
١- محمد بن جرير الطبري، المفسِّر والمؤرخ في القرن الثالث المتوفّى عام ٣١٠ هـ في تهذيب الآثار.
٢- الحاكم النيسابوري المتوفى عام ٤٠٥ هـ في المستدرك: ج ٣ /١٢٦ و١٢٨ و٢٢٦.
٣- أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي المتوفى عام ٢٨٩ هـ في صحيحه.
٤- جلال الدين السيوطي المتوفى عام ٩١١ هـ في جمع الجوامع، والجامع الصغير ج ١/٣٧.
٥- سليمان بن أحمد الطبراني المتوفى عام ٣٦٠ هـ في الكبير والأوسط.
٦- الحافظ أبو محمد السمرقندي المتوفّى عام ٤٩١ هـ في بحر الأسانيد.
٧- أبو نعيم الحافظ المتوفّى عام ٤٣٠ هـ في معرفة الصحابة.
٨- الحافظ ابن عبد البر القرطبي المتوفّى عام ٤٦٣ هـ في الاستيعاب: ج ٢/٤٦١.
٩- الحافظ الفقيه ابن المغازلي المتوفى عام ٤٨٣ هـ في كتابه المناقب.
١٠- الحافظ الديلمي المتوفى عام ٥٠٩ هـ في فردوس الأخبار.
١١- الموفق بن أحمد الخطيب الخوارزمي المتوفى عام ٥٦٨ هـ في المناقب ص ٤٩ وفي مقتل الحسينعليهالسلام : ج ١/٤٣.
١٢- العلّامة ابن عساكر الدمشقي المتوفى عام ٥٧١ هـ في تاريخه الكبير.
١٣- العلامة أبو الحجاج الأندلسي المتوفى عام ٦٠٥ في «ألف باء » ج ١/٢٢٢.
١٤- العلامة ابن الأثير الجزري المتوفى عام ٦٣٠ هـ في أُسد الغابة: ج ٤/٢٢.
١٥- العلّامة محب الدين الطبري المتوفى عام ٦٩٤ هـ في الرياض النضرة ج ١/١٢٩، وفي ذخائر العقبى /٧٧.
١٦- العلامة شمس الدين الذهبي المتوفى عام ٧٤٨ هـ في تذكرة الحفاظ: ج ٤/ ٢٨.
١٧- بدر الدين الزركشي المتوفى عام ٧٤٩ هـ في فيض القدير: ج ٣/٤٧.
١٨- الحافظ الهيثمي المتوفى ٨٠٧ هـ في مجمع الزوائد: ج ٩/١١٤.
١٩- العلامة الدميري المتوفى عام ٨٠٨ هـ في حياة الحيوان: ج ١/٥٥.
٢٠- شمس الدين محمد بن محمد الجزري المتوفى ٨٣٣ هـ في أسنى المطالب / ص ١٤.
٢١- ابن حجر العسقلاني المتوفى عام ٨٥٢ هـ في تهذيب التهذيب: ج ٧/٣٣٧.
٢٢- بدر الدين العيني الحنفي المتوفى عام ٨٥٥ هـ في عمدة القاري: ج ٧/٦٣١.
٢٣- المتقي الهندي المتوفى عام ٩٧٥ هـ في كنز العمال: ج ٦/١٥٦.
٢٤- عبد الرؤوف المناوي المتوفى عام ١٠٣١ هـ في فيض القدير: ج ٣/٤٦.
٢٥- الحافظ العزيزي المتوفى عام ١٠٧٠ هـ في السراج المنير: ج ٢/٦٣.
٢٦- محمد بن يوسف الشامي المتوفى ٩٤٢ هـ في سبل الهدى والرشاد في أسماء خير العباد.
٢٧- العلامة الفيروزآبادي المتوفى عام ٨١٧ هـ في نقد الصحيح.
٢٨- أحمد بن حنبل المتوفى عام ٢٤١ هـ في المسند وفي المناقب.
٢٩- محمد بن طلحة الشافعي المتوفى عام ٦٥٢ هـ في مطالب السئول.
٣٠- شيخ الإسلام ابراهين بن محمد الحمويني المتوفى عام ٧٢٢ هـ في فرائد السمطين.
٣١- شهاب الدين الولت آبادي المتوفى عام ٨٤٩ هـفي هداية السعداء.
٣٢- العلّامة السمهودي المتوفى عام ٩١١ هـ في جواهر العقدين.
٣٣- القاضي فضل بن روزبهان في إبطال الباطل.
٣٤- نور الدين بن الصبّاغ المالكي المتوفى عام ٨٥٥ هـ في الفصول المهمة.
٣٥- ابن حجر المكي المتوفى عام ٩٧٤ هـ في الصواعق المحرقة.
٣٦- جمال الدين الشيرازي المتوفى عام ١٠٠٠ هـ في الأربعين.
٣٧- علي القاري الهروي المتوفى في ١٠١٤ هـ في المرقاة في شرح المشكاة.
٣٨- محمد بن علي الصَّبّان المتوفى عام ١٢٠٥ هـ في إسعاف الراغبين / ١٦٥.
٣٩- القاضي الشوكاني المتوفى عام ١٢٥٠ هـ في الفوائد المجموعة.
٤٠- شهاب الدين الآلوسي المتوفى عام ١٢٧٠ هـ في تفسير روح المعاني.
٤١- محمد الغزالي في إحياء العلوم.
٤٢- العلّامة الهمداني الشافعي في مودّة القربى.
٤٣- أحمد بن محمد العاصمي في زين الفتى في شرح سورة هل أتى.
٤٤- شمس الدين محمد السَّخاوي المتوفى عام ٩٠٢ هـ في المقاصد الحسنة.
٤٥- العلّامة القندوزي المتوفى عام ١٢٩٣ هـ في الينابيع / باب ١٤.
٤٦ - سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص الأمّة.
٤٧- صدر الدين الفوزي الهروي في نزهة الأرواح.
٤٨- كمال الدين المبيدي في شرح الديوان.
٤٩- الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي المتوفى عام ٤٦٣ هـ في تاريخ بغداد: ج ٢/٣٧٧ و ج ٤/٤٣٨ و ج ٧/١٧٣.
٥٠- محمد بن يوسف الكنجي المتوفى عام ٦٥٨ هـ في كفاية الطالب / الباب الثامن والخمسون، بعد نقله للروايات قال: فقد قال العلماء من الصحابة والتابعين وأهل بيته بتفضيل عليّعليهالسلام وزيادة علمه وغزارته وحِدّة فهمه وفور حِكمته وحُسن قضاياه وصحّة فتواه، وقد كان أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من علماء الصحابة يشاورونه
في الأحكام ويأخذون بقوله في النقض والإبرام اعترافاً منهم بعلمه ووفور فضله ورجاحة عقله وصحّة حكمه، وليس هذا الحديث: « أنا مدينة العلم و عليٌ بابها » في حقه بكثير، لأنّ رتبتَه عند الله وعند رسولهصلىاللهعليهوآله وعند المؤمنين من عباده أجلّ وأعلى من ذلك.
ولا يخفى أنّ العلّامة أحمد بن محمد بن صدّيق المغربي القاطن في مصر، ألّف كتاباً في تصحيح وتأييد هذا الحديث الشريف وأسماه بفتح الملك العليّ بصحّة حديث باب مدينة العلم عليّ وقد طبع سنة ١٣٥٤ هـ في مطبعة الإعلاميّة بمصر.
وهناك المزيد، ونكتفي بذلك، حتّى نسمع منكم بقية الشبهات والأسئلة.
السيد عديل أختر (١) : ما أحسن الأحاديث النبويّة وخاصّة إذا كانت في فضل سيدنا علي كرم الله وجهه، فإني رأيت كثيراً في كتبنا أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: ذِكْرُ عليّ عبادة، ولقد رأيت في كتاب مودّة القربى للعالم الفاضل والزاهد الكامل العلّامة مير سيد علي الهمداني الشافعي قال في المودّة الثانية / روى بسنده إلى أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ما من قومٍ اجتمعوا يذكرون فضائل محمّد وآل محمّد إلّا هبطت ملائكة من السماء حتى لحقت بهم تحدِّثهم فإذا تفرَّقوا عرجت الملائكة وقالت الملائكة الآخرون لهم إنّا نشمّ رائحة منكم ما شممنا رائحةً أطيب منها: فتقول لهم: كنا مع قوم كانوا يذكرون فضائل آل محمدصلىاللهعليهوآله . فيقولون أهبطوا بنا إليهم! فيقولون إنهم قد تفرقوا، فيقولون: إهبطوا بنا إلى المكان
____________________
١) هو من علماء البلد وإمام مسجدٍ لأهل السُنّة والجماعة.
الذي كانوا فيه!
فالرجاء أن تزيدونا من الأحاديث الشريفة التي نطق بها النبيصلىاللهعليهوآله في فضائل ومناقب سيدنا عليّ، ولا سيما في علمه.
حديث: أنا دار الحكمة وعلي بابها
قلت: من الأحاديث التي نطق بها رسول اللهصلىاللهعليهوآله في بيان علم الإمام علي وحكمته هو الحديث المشهور في كتب الفريقين أن النبيصلىاللهعليهوآله قال: أنا دار الحكمة و عليّ بابها، فمن أراد الحكمة فليأت الباب. رواه جمع كثير من علمائكم وأعلام محدثيكم منهم: أحمد في المناقب والمسند، والحاكم في المستدرك، والمتقي في كنز العمال: ج ٦ / ٤٠١، وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء: ج ١ / ٦٤، ومحمد بن صبّان في إسعاف الراغبين، وابن المغازلي في المناقب، والعلّامة السيوطي في الجامع الصغير وجمع الجوامع واللئالي المصنوعة، والترمذي في صحيحه: ج ٢ / ٢١٤، ومحمد بن طلحة العدوي في مطالب السئول، والشيخ العلّامة القندوزي في ينابيع المودّة، وسبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة، وابن حجر المكي في الصواعق المحرقة، ضمن الفصل الثاني من الباب التاسع، والمحب الطبري في الرياض النضرة وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمة، وابن أبي الحديد في شرح النهج، وآخرون من علمائكم الكبار، بالإضافة إلى جمهور علماء الشيعة.
ولقد رواه محمد بن يوسف العلّامة الكنجي في كتابه كفاية الطالب وخصَّص له الباب الواحد والعشرون وبعد نقله الحديث قال:
هذا حديثٌ حسن عال، وقد فُسِّرت الحكمة بالسنّة لقوله عزّ وجلّ:( وَ أَنْزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ ) (١) ، الآية، يدل على صحة هذا التأويل، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إنّ الله تعالى أنزل عليَّ الكتاب ومثله معه، أراد بالكتاب القرآن، ومثله معه ما علَّمه الله تعالى من الحكمة وبيّن له من الأمر والنهي والحلال والحرام، فالحكمة هي السُنّة فلهذا قال: أنا دار الحكمة وعليٌ بابها.
ولقد روى ابن عساكر في تاريخه مع ذكر السند، والخطيب الخوارزمي في المناقب، وشيخ الاسلام الحمويني في فرائد السمطين، والديلمي في فردوس الأخبار والكنجي الشافعي في كفاية الطالب الباب الثامن والخمسون، والعلامة القندوزي في ينابيع المودة / الباب الرابع عشر، وابن المغازلي الشافعي في المناقب حديث رقم ١٢٠ وغيرهم من كبار علمائكم رَووا عن ابن عباس وجابر بن عبدالله الأنصاري أنّ النبيصلىاللهعليهوآله أخذ بيد عليّعليهالسلام فقال: هذا أمير البَرَرة وقاتل الكفرة منصورٌ من نَصَره،مخذولٌ من خذله، ثم مدَّ بها صوته.
فقال: أنا مدينة العلم و عليّ بابها فمن أراد العلم فليأتِ الباب.
وروى صاحب المناقب الفاخرة عن ابن عباس أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: أنا مدينة العلم و عليٌ بابها، و من أراد علم الدين فليأت الباب. ثم قال لِعليّعليهالسلام : أنا مدينة العلم وأنت الباب، كذب مَن يزعم أنه يصل المدينة، إلّا من الباب.
وأخرج الحديث ابن أبي الحديد في مواضع عديدة من شرح نهج البلاغة، وشيخ الإسلام الحمويني عن ابن عباس، وأخرجه الموفق الخوارزمي في المناقب عن عمرو بن العاص، وأخرجه محب الدين
____________________
١) سورة النساء، الآية ١١٣.
الطبري في ذخائر العقبي، وأحمد في المسند والعلّامة علي بن شهاب الهمداني في مودّة القربى، وحتى ابن حجر - مع كثرة تعصّبه - في الصواعق المحرقة ضمن الفصل الثاني من الباب التاسع / الحديث التاسع من الأربعين حديثاً في فضائل الإمام علي أخرجه عن البزار والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله، وأخرجه عن ابن عدي عن عبد الله ابن عمر وعن الحاكم والترمذي عن عليّعليهالسلام كلهم رووا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: أنا مدينة العلم و علي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب. فالحديث مشهور ومنشور في كتب كبار علمائكم، وهو بحكم العقل والعقلاء دليلٌ على إمامة الإمام عليّ وخلافته وأنّه مقدّم على غيره، لأنّ العلماء في كل أمة وملّة مقدَّمون على الجاهلين وخاصة تأكيد النبيصلىاللهعليهوآله في الحديث، بأنّ من أراد العلم فليأت الباب، أو كذب من زعم أنه يصل الى المدينة إلّا من الباب، وإضافةً على كل هذا قول الله سبحانه:( وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَ اتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (١) .
ومن الواضَح أنّ الألف واللام في كلمة العلم تفيد الجنس أي كل علم كان عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله من علم الدين والدنيا وعلم الظاهر والباطن وأسرار الكون والخلقة لا يمكن الوصول إليها إلّا عن طريق الإمام عليّعليهالسلام .
بالله عليكم أنصفوا! هل كان للناس بعد النبيصلىاللهعليهوآله أن يغلقوا هذا الباب الذي فتحه رسول اللهصلىاللهعليهوآله لاُمّته كي يتوصّلوا منه إلى الحقائق الدينية والدقائق العلميّة التي أودعها الله سبحانه نبيَّه المصطفى ورسوله
____________________
١) سورة البقرة، الآية ١٨٩.
المرتضى الذي هو أجلى مصاديق الآية الشريفة:( عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إلّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ) (١) فلقد ارتضاه الله سبحانه وأعطاه من غيبه أكثر مما أعطى لسائر الأنبياء والمرسلين؟
الشيخ عبدالسلام: نحن لا ننكر حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « أنا مدينة العلم وعليٌ بابها » وإن ناقش بعض العلماء سند الرواية وضعّفه، وبعضٌ ادّعى فيه التواتر وصحّحه، وبعض ناقش في مدلول الحديث، ولكن مع غضّ النظر عن كل المناقشات المطروحة حول الحديث، فلا يدلّ على أنّ سيدنا علياً كرم الله وجهه كان عنده علم الغيب والباطن.
عليعليهالسلام عالم بظاهر القرآن وباطنه
قلت لا شك ولا ريب أنّ أساس علم النبيصلىاللهعليهوآله هو كتاب الله العزيز، وكما ورد في الأحاديث المرويّة عن طرقكم والمذكورة في مصادركم، أنّ الإمام أمير المؤمنين عليٌّعليهالسلام كان أعلم الناس - بعد النبيصلىاللهعليهوآله - بعلوم القرآن ظاهره وباطنه، ولقد روى أبو نعيم الحافظ في الحلية: ج ١ / ٦٥، والعلّامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / الباب الرابع والسبعون، والعلّامة القندوزي في ينابيع المودّة / الباب الرابع عشر نقلاً من كتاب فصل الخطاب عن عبدالله بن مسعود قال: إنّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلّا له ظهر و بطن، و إن عليّ بن أبي طالب عنده علم الظاهر و الباطن.
كما ويحصل من جملة من الروايات المشهورة عندكم والمنشورة
____________________
١) سورة الجن، الآية ٢٥ و ٢٦.
في كتبكم، أنّ علياًعليهالسلام كان علمه لَدُنيّاً لأنّه كان المرتضى من بين الخلق بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولقد ارتضاه الله واصفاه وجعله وليّاً.
ولقد روى أبو حامد الغزالي في كتابه في بيان العلم اللدنيّ عن عليّعليهالسلام أنه قال: ولقد وضع رسول اللهصلىاللهعليهوآله لسانه في فمي وزقّني من لعابه، ففُتح لي ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب.
وروى العلّامة القندوزي في ينابيع المودّة / الباب الرابع عشر في غزارة علمه، عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنينعليهالسلام يقول: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله علّمني ألف باب و كل باب منها يفتح ألف باب، حتى علمتُ ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة، وعلمت علم المنايا و البلايا و فصل الخطاب.
وروى في الباب عن ابن المغازلي بسنده عن عليّعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا علي أنا مدينة العلم وأنت بابها، كذب من زعم أنّه يدخل المدينة بغير الباب قال الله عزّ وجلّ:( وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) وقال عليٌ: علمني رسول اللهصلىاللهعليهوآله ألف باب من العلم فانفتح من كل واحدمنها ألف باب.
وروى القندوزي أيضاً في الباب الرابع عشر، عن ابن المغازلي بسنده عن أبي الصباح عن ابن عباس (رض) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لما صرت بين يدي ربّي كلَّمني وناجاني فما علمتُ شيئاً إلّا علّمته عليّاً فهو باب علمي.
وكذلك نقل في الباب من الموفق بن أحمد الخوارزمي أيضاً عن أبي الصباح عن ابن عباس عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: أتاني جبرئيل بدرنوك من الجنّة فجلست عليه، فلمّا صرت بين يدي ربّي كلّمني و ناجاني فما
علمتُ شيئاً إلّا علّمتُهُ علياً فهو باب علمي، ثم دعاه إليه فقال: يا علي! سلمكَ سلمي و حربك حربي و أنت العَلَم فيما بيني و بين أُمَّتي.
وأما الخبر المروي عن عليّعليهالسلام : علّمني رسول الله ألف باب من العلم فمرويٌ في كثيرٍ من مصادركم وأخرجه كبار أعلامكم مثل: أحمد في المسند وفي المناقب، ومحمد بن طلحة العدوي في مطالب السئول، والموفق الخوارزمي في المناقب وأبي حامد الغزالي، وجلال الدين السيوطي والثعلبي والمير سيد علي بن شهاب الهمداني بألفاظ مختلفة ومن طرق شتى نقلوه في كتبهم. ولقد روى الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء والمولى علي المتقي في كنز العمال: ج ٦ / ٣٩٢ وأبو يعلى وغيرهم، بإسنادهم إلى عبد الله بن عمر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في مرض موته: ادعوا إليَّ أخي، فجاء أبو بكر فأعرض عنه. ثم قال ادعوا إليَّ أخي. فجاء عثمان، فأعرض عنه، ثم دُعيَ له عليٌ فستره بثوبه و أكبَّ عليه فلمّا خرج من عنده قيل له: ما قال لك؟ قال: علّمني ألف باب يفتح كل باب ألف باب.
وأخرج الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء: ج ١ / ٦٥، ومحمد الجزري في أسنى المطالب / ص ١٤، والعلّامة الكنجي في كفاية الطالب / الباب الثامن والأربعون، رواه بإسنادهم عن أحمد بن عمران ابن سلمة عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كنت عند النبيصلىاللهعليهوآله فسُئل عن عليّعليهالسلام فقالصلىاللهعليهوآله : قُسمت الحكمة عشرة أجزاء، فأُعطي عليٌّ تسعة أجزاء و الناس جزءاً واحداً. ثمّ قال العلامة الكنجي: هذا حديث حسن عال تفرّد به أحمد
بن عمران بن سلمة وكان ثقة عدلاً مرضيّاً.
وكذلك رواه جماعة من أعلامكم بالإسناد إلى علقمة عن عبد الله وفيه زيادة ونصّه: قسمت الحكمة عشرة أجزاء، فأُعطيَ عليٌّ تسعة أجزاء و أعطي الناس جزءاً واحداً وهو أعلم بالعُشْر الباقي، أخرجه الموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب والمتقي في الكنز: ج ٥ / ١٥٦ و ٤٠١ وابن المغازلي في الفضائل والقندوزي في الينابيع / الباب الرابع عشر بنفس الطريق عن ابن مسعود، وأخرجه محمد بن طلحة العدوي في مطالب السئول عن حلية الأولياء.
ونقل العلامة القندوزي في الينابيع في الباب الرابع عشر عن محمد بن علي حكيم الترمذي في شرح الرسالة الموسومة بالفتح المبين عن ابن عباس قال: العلم عشرة أجزاء، لعليّ تسعة أجزاء و للناس عُشْر الباقي وهو أعلمهم به.
وأخرج القندوزي في الباب، والمتقي في كنز العمال: ج ٦ / ١٥٣ والموفق الخوارزمي في المناقب / ٤٩، وفي مقتل الحسين ج ١ / ٤٣، والديلمي في فردوس الأخبار،أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب.
عليٌ تلميذُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
نستنتج من الروايات السابقة أنّ علم النبيصلىاللهعليهوآله وما تلقّاه من الوحي قد علّم به الإمام عليّعليهالسلام .
ونحن الشيعة لا نقول بأنّ الإمام عليّ والأئمة الأحد عشر من ولده سلام الله عليهم أجمعين، كانوا مثل رسول اللهصلىاللهعليهوآله في تلقّي
العلوم من الله عزّ وجلّ عن طريقٍ مستقيم أبو بواسطة الوحي. بل نعتقد بأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي ارتضاه الله جلّ وعلا وأعطاه من العلوم ما لم يعطه لأحد من العالمين وأطْلَعَهُ على الغيب أكثر مما اطلَع عليه جميع الأنبياء والمرسلين، اتّخذَ علياً أخاً له ووارثاً لعلومه وموضعاً لأسراره إذْ وَجَدَه أهلاً لذلك، فما بقي عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله شيءٌ من ودائع النبوة وعلوم الوحي والرسالة من الظاهر والباطن والغيب والشهود إلّا وأودعه في علي بن أبي طالب. وعلّمه إيّاه(١) .
وعليٌّعليهالسلام أودع تلك العلوم في بنيه الأئمة الأحد عشر، توارثوها بإرادة الله تعالى واحداً تلو الآخر، واليوم ودائع النبوة وأعلام الرسالة وعلوم الوحي كلّها مودعة عند الإمام المهدي المنتظر، الحجة الثاني عشر وآخر أئمة أهل البيتعليهمالسلام .
ولقد روى القندوزي في الينابيع في الباب الرابع عشر، أنّ علياًعليهالسلام كان يقول: سلوني عن أسرار الغيوب فإنّي وارث علوم
____________________
١) وترى في نهج البلاغة عبارات كثيرة في مواضع عديدة صرّح فيها عليّ سلام الله عليه على ما اطلعه عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآله من علم الغيب الذي منحه الله عزّ وجلّ، فقال في الخطبة المرقمة ١٧٦ أولها: أيها الناس غير المغفول عنهم ...إلى أن قالعليهالسلام : وَ الله لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَ مَوْلِجِهِ وَ جَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ وَ لَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِيَّ بِرَسُولِ اللهصلىاللهعليهوآله أَلَا وَ إِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَ اصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ مَا أَنْطِقُ إِلا صَادِقاً وَ لَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَ بِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ وَ مَنْجَى مَنْ يَنْجُو وَ مَآلِ هَذَا الْأَمْرِ وَ مَا أَبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنِي وَ أَفْضَى بِهِ إِلَيَّ.
ولقد أثبتعليهالسلام كلما ادَّعاه واختصَّ به، وما ادّعاه أحد غيره.
«المترجم»
الأنبياء والمرسلين. ونقل عنه قبل هذا في نفس الباب، قال: سلوني قبل أن تفقدوني فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض … الخ.
ونقل القندوزي في الباب أيضاً قال: وفي مسند أحمد بسنده عن ابن عباس: وقال عليٌ على المنبر: سلوني قبل أنْ تفقدوني، سلوني عن كتاب الله، وما من آية إلّا و أنا أعلم حيث أنزلت، بحضيضِ جبل أو سهل أرض، سلوني عن الفتن، فما من فتنة إلّا و قد علمتُ مَنْ كسبها و مَنْ يُقتل فيها. قال أحمد روى عنه نحو هذا كثيراً.
وكذلك نقل القندوزي في الباب من الموفق بن أحمد الخوارزمي وعن الحمويني بسنديهما عن أبي سعيد البحتري قال: رأيت علياً جلس على المنبر فكشف عن بطنه وقال: سلوني قبل أن تفقدوني، فإنّما بين الجوانح منّي علمٌ جمّ، هذا سفط العلم، هذا لُعاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، هذا ما زقّني رسول اللهصلىاللهعليهوآله زقّاً زقّا.
ونقل القندوزي في الباب عن مسند الإمام أحمد ومناقب موفق بن أحمد الخوارزمي بسنديهما عن سعيد بن المسيّب قال: لم يكن أحدٌ من الصحابة يقول: سلوني إلّا عليّ بن أبي طالب. ورواه عنه ابن حجر في الصواعق أيضاً.
ولا يخفى أن معتقدنا نحن الشيعة أنّ كلّ ما كان عند الإمام عليّ سلام الله عليه من أنواع العلوم فإنّه اكتسبها وتعلّمها من سيد المرسلين وخاتم النبيين محمدصلىاللهعليهوآله . ولقد أَمْلى عليه النبيصلىاللهعليهوآله من علومه الباطنية وأسراره الغيبية بكل ما يحدث في العالم ويقع في المستقبل، وكتب عليٌّعليهالسلام كل ذلك بالرموز والحروف المقطّعة وقد اشتهر بين
العلماء بعلم الجفر الجامع، هذا العلم مما خُصّ به عليٌعليهالسلام وأبنائهُ الأئمة المعصومون سلام الله عليهم أجمعين.
كما ذكر ذلك الغزالي في بعض تصانيفه وقال: إنّ عند علي بن أبي طالب كتاب يُسمّى بالجفر الجامع لشئون الدنيا والآخرة وهو يشتمل على كل العلوم والحقائق ويحوي على دقائق الأسرار وخواصّ الأشياء وآثار الحروف والأسماء وتأثيرات العوالم العُلويّة والسُفليّة وكل ما في الأرض والسماء و لا يطلع على ذلك الكتاب أحدٌ غير علي بن أبي طالب وأولاده الأحد عشر وهمُ الذين حازوا درجة الولاية وتوصّلوا إلى مقام الإمامة، وقد وصلهم الكتاب وعلومه بالوراثة.
ولقد أشار وصرّح باختصاص هذا العلم وذلك الكتاب بالإمام عليّ وأبنائه المعصومين، العلّامة القندوزي في كتابه ينابيع المودة / الباب الثامن والستون / وفيه قد نَقَل في الموضوع شرحاً مبسوطاً من كتاب الدرّ المنظّم للشيخ كمال الدين محمد بن طلحة الحلبي الشافعي.
وكذلك ذكر صاحب شرح المواقف وهو من علماء العامّة قال: إنّ الجفر والجامعة كتابان لعليّ بن أبي طالب قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف، الحوادث إلى انقراض العالم، وأولاده يحكمون بهما.
النواب: ما هو منشأ هذا الكتاب المسمّى بالجفر الجامع؟ وكيف وصل ليد سيّدنا عليّ كرم الله وجهه؟
قلت: في العام العاشر الهجري، بعدما رجع النبيصلىاللهعليهوآله من حجة الوداع هبط جبرائيل وأخبرهصلىاللهعليهوآله باقتراب أجله ودنوّ منيّته، فدعا النبيصلىاللهعليهوآله ربّه ورفع يديه، وقال: اللهم وَعْدك الذي وعدتني، إنّك لا تخلف الميعاد.
فطلب من الله عزّ وجلّ وفاء الوعد المعهود بينهما.
فأوحى الله تعالى إليهصلىاللهعليهوآله : أن خذ علياً معك واذهبا إلى جبل أحد فإذا صعدتما الجبل فاجلس مستدبرا القبلة وناد الوحوش وحيوانات الصحراء، فتجتمع الحيوانات أمامك وتجد بينها معزاً وحشياً أحمر اللون قصير القرن، فأمُرْ علياً فليأخذُهُ ويذبحه ويسلخ جلده من طرف رقبته، ثم يدبغه، ولمـّا فعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما أمره ربّه، نزل جبرئيل ومعه دواة وقلم أعطاهما للنبيصلىاللهعليهوآله ليعطيهما للإمام عليّعليهالسلام حتّى يكتب ما يقوله جبرئيل وكان النبيصلىاللهعليهوآله يملي ما يسمعه على الإمام عليّعليهالسلام فيكتبه على ذلك الجلد المدبوغ، وهذا الجلد لا يندرس ولا يبيد وهو الآن موجود عند الإمام المنتظر المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف، ويوجد في ذلك الجلد كل ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وهذا الجلد هو الكتاب الذي عبَّر عنه الغزالي بالجفر الجامع وقال فيه علوم المنايا والبلايا والقضايا وفصل الخطاب.
النواب: كيف يسع جلد ماعز ليحتوي على كل ما يحدث إلى يوم القيامة، ويحتوي على العلوم التي أشرتم إليها وذكرها الغزالي؟
قلت: لقد ذكرنا أنها مذكورة بطريقة الرمز والحروف وأنّ مفتاح تلك الرموز ومعاني تلك الحروف هو علمٌ خاصٌ بالنبيصلىاللهعليهوآله وعلّمه علياًعليهالسلام ثمّ ورثه أولاده الأئمة الأحد عشر، ولا يقدر على حل رموزه وفهم علومه غيرهم، وقد جاء في الخبر أنّ علياًعليهالسلام فتح ذلك الجلد مرةً أمام ولده محمد بن الحنفيّة فما فهم شيئاً منه.
وأمّا الأئمة المعصومونعليهالسلام فكانوا في أكثر الأحيان يستخرجون من ذلك الكتاب القضايا والحوادث التي كانوا يخبرون بها قبل وقوعها.
الإمام الرضاعليهالسلام يخبر عن موته من الجفر والجامعة
ولقد روى كثير من علمائكم أنّ المأمون لمـّا عرض ولاية العهد على الإمام الرضا وأخذ له البيعة وكتب كتاباً له بذلك بخطه وأعطاه الإمامعليهالسلام ليوقّع أدناه ويختمه بإمضائه وختمه الشريف، فكتب هذه العبارات خلف الكتاب كما في شرح المواقف: أقول و أنا عليّ بن موسى بن جعفر: إنّ أمير المؤمنين عضّده الله بالسداد، و وفّقه للرشاد عرف من حقنا ما جهله غيره، فوصلَ أرحاماً قُطِعَت، و آمن نفوساً فزعت، بل أحياها و قد تلفت، و أغناها إذْ افتقرت، مبتغياً رضى ربّ العالمين، و سيجزي الله الشاكرين. و لا يضيع أجر المحسنين، و أنّه جعل إليَّ عهده و الإمرة الكبرى إنْ بقيتُ بعده إلى أنْ كتب في آخره: ولكنّ الجفر والجامعة يدلّان على ضدّ ذلك( وَ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَ لاَ بِکُمْ ) (١) ( إِنِ الْحُکْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ) (٢) وهكذا رواه العلامة سعد بن مسعود بن عمر التفتازاني في كتاب شرح مقاصد الطالبيين في علم أصول الدين(٣) .
____________________
١) سورة الأحقاف، الآية ٩.
٢) سورة الأنعام، الآية ٥٧.
٣) وروى العلّامة الشهير بابن الطقطقي البغدادي في كتابه «الفخري» ص ١٦١ طبع بغداد، إنّ الإمام الرضاعليهالسلام كتب فيما كتب خلف كتاب العهد:... إنّي قد اجبت امتثالاً للأمر وإنْ كان الجفر والجامعة يدلّان على ضد ذلك. وروى الحافظ عبد الكريم الرافعي في كتابه التدوين: ج ٤/٥١ ط طهران: والجفر والجامعة يدلّان على الضدّ من ذلك( وَ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ ) ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ =
الصحيفة السماويّة
ولقد ورد في روايات أهل البيتعليهمالسلام خبر صحيفة نزلت على النبيصلىاللهعليهوآله قُبيل وفاته فأعطاها لعلي بن أبي طالبعليهالسلام وفيها علومٌ كثيرة مما يجري في العالم ولا سيما ما يجري عليهم وما يجب عليهم من مقابلة الأحداث والوقايع، ولقد أوصاهم الله سبحانه فيها بوصايا مهمّة، ولذلك نقل هذا الخبر تحت عنوان (الوصيّة) المؤرخ الجليل والحبر النبيل الشهير بالمسعودي المتوفى عام ٣٤٦ من الهجرة النبويّة، قال في كتابه إثبات الوصيّة: فلمّا قَرُبَ أمرهصلىاللهعليهوآله ، أنزل الله جلّ وعلا إليه من السماء كتاباً مسجّلاً نزل به جبرئيلعليهالسلام مع أمناء الملائكة فقال جبرئيل: يا رسول الله! مُرْ مَنْ عندك بالخروج من مجلسك إلّا وصيّك ليقبض منّا كتاب الوصيّة و يشهدنا عليه.
فأمر النبيصلىاللهعليهوآله مَن كان عنده في البيت بالخروج ما خلا أمير المؤمنينعليهالسلام و فاطمة والحسن والحسينعليهالسلام .
فقال جبرئيل: يا رسول الله إنّ الله يقرأ عليك السلام و يقول لك: هذا كتاب بما كنت عهدت و شرطت عليك و أشهدت عليك ملائكتي و كفى بي شهيداً.
فارتعَدَت مفاصل سيدنا محمّدصلىاللهعليهوآله فقال: هو السلام و منه
____________________
=يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ ) لكنّي امتثلتُ أمر أمير المؤمنين وآثرت رضاه والله يعصمني وايّاه وهو حسبي وحسبه ونعم الوكيل، وكذلك أخرجه بنصَّه العلّامة محمد مبين الهندي في كتابه وسيلة النجاة ص ٣٧٨ طبع لكنهو. ورواه آخرون باختلاف يسير في الألفاظ.
«المترجم»
السلام و إليه يعود السلام، صدق الله، هات الكتاب. فدفعه إليه، فدفعه من يده إلى عليّعليهالسلام وأمره بقراءته وقال: هذا عهد ربّي إليَّ و أمانته، و قد بلّغتُ و أدّيتُ.
فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : و أنا أشهد لك بأبي أنت و أمي بالتبليغ و النصيحة و الصدق على ما قلت، و يشهد لك به سمعي و بَصَري و لحمي و دمي. فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أخذتَ وصيّتي و قبلتها منّي و ضمنتَ لله تبارك وتعالى و لي الوفاء بها؟ قال: نعم عليَّ ضمانُها و على الله عزّ وجلّ عَوْني.
و كان فيما شرطه على أمير المؤمنينعليهالسلام : الموالاة لأولياء الله والمعاداة لأعداء الله والبراءة منهم، و الصبر على الظلم و كظم الغيظ وأخذ حقك منك وذهاب خمسك و انتهاك حرمتك، و على أن تُخضَب لحيتك من رأسك بدم عبيط.
فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : قبلتُ و رضيتُ و إنْ انتُهكَتْ الحرمة و عُطِّلَتْ السنن و مُزِّق الكتاب و هُدمتْ الكعبة و خُضبتْ لحيتي من [دم] رأسي صابراً محتسباً.
فأشْهَدَ رسول اللهصلىاللهعليهوآله جبرئيل وميكائيل والملائكة المقرّبين على أمير المؤمنينعليهالسلام .
ثم دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآله فاطمة و الحسن و الحسين فأعلمهم من الأمر مثل ما أعلمه أمير المؤمنينعليهالسلام وشرح لهم ما شرح له. فقالوا مثل قوله. وخُتمتْ الوصيّة بخواتيم من ذهب لم تُصبه النار و دُفعتْ إلى أمير المؤمنينعليهالسلام .
وفي الوصيّة سُنَنُ الله جلّ وعلا وسنن رسول اللهصلىاللهعليهوآله وخلاف
مَن يخالف ويغيِّر ويبدِّل، وشيءٌ من شيء من جميع الأمور والحوادث بعدهصلىاللهعليهوآله ، وهو قول الله عزّ وجلّ في سورة يس، الآية ١٢:( وَ کُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) «انتهى».
فأوصياء النبيصلىاللهعليهوآله وخلفائه يمثّلونه في أخلاقه وصفاته وهم ورثوا علومه وفضائله، ولقد أعلنصلىاللهعليهوآله وعرَّف علياًعليهالسلام باب علمه لأمّته وأمر مَنْ أراد العلم بإتيانهعليهالسلام . ومما يؤكِّد بأنّ عليّاًعليهالسلام وارثُ علوم النبوة وأنّه عيبة علوم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، قولهعليهالسلام سلوني قبل أنْ تفقدوني. ولا يمكن لأحدٍ أنْ يعلن بهذا الكلام إلّا إذا كان محيطاً بجميع العلوم، وهذا الأمر لا يتسنّى إلا لمن كان متّصلاً بمنبع العلوم وبالعالَم الأعلى، ويحظى بالعلم اللَّدُنّي الذي يتلقّاه من الله تعالى. ولقد اتفق العلماء والمحدّثون على أنّه، انفرد عليٌّعليهالسلام من بين الخلق بهذا الإعلان، وما قاله أحدٌ سواه(١) .
____________________
١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ١٣ /١٩٦، ط دار احياء الكتب العربية في شرح كلام الإمام عليعليهالسلام : أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني فَلأنا بطرق السماء أعلمُ منّي بطرق الأرض. قال: أجمع الناس كلّهم على أنّه لم يقلْ أحدٌ من الصحابة ولا أحد من العلماء: «سلوني». غير علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ذكر ذلك ابن عبد البر المحدّث في كتاب «الاستيعاب» والمراد بقوله:
«فلأنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الأرض ما اختصّ» به من العلم بمستقبل الأمور ولا سيّما في الملاحم والدول.
وقد صدّق هذا القول عنه ما تواتر عنه من الاخبار بالغيوب المتكررّة لا مرّة ولا مائة مرّة، حتّى زال الشك والريب في أنّه إخبار عن علم، وأنّه ليس على طريق الاتفاق، قال: وقد ذكرنا كثيراً من ذلك فيما تقدّم من هذا الكتاب. «انتهى كلام ابن أبي الحديد».
«المترجم»
قال الحافظ ابن عبد البر الأندلسي في كتابه الاستيعاب في معرفةالأصحاب: اِنّ كلمة سلوني قبل أنْ تفقدوني ما قالها أحدٌ غير علي بن أبي طالب إلّا كان كاذباً.
ولقد روى العلّامة أبو العباس أحمد بن خلِّكان في كتابه وفيات الأعيان والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ج ١٣/١٦٣، بأنّ مُقاتل بن سليمان - وكان من أعلام العلماء عندكم وكان سريعاً جدّاً في جواب المسائل - أعلن يوماً على المنبر وبين حشد من الناس فقال: سلوني عما دون العرش!
فقام شخصٌ وسأله: مَنْ حَلَق رأس آدمعليهالسلام في الحج؟ فحاد عن الجواب، فسأله آخر: كيف تهضم النملة أكلها؟ ألها معدة ومصران؟ فنكّس مقاتل بن سليمان رأسه خَجَلاً، ولم يجبه! ثم قال: إنّ الله فضحني بهذه الأسئلة التي ألقاها على ألسنتكم، لأنّي أُعجبتُ بكثرة علمي فجاوزتُ حدّي.
مصادر قوله: سلوني قبل أن تفقدوني
نعم ذكر العلماء قضايا من هذا القبيل عن الذين ادّعوا هذا الأمر ولكن أخزاهم الله على رؤوس الأشهاد.
وكما بيّن كثير من كبار علمائكم: أنّه ما ادّعى أحدٌ من الصحابة غير علي بن أبي طالب هذا المدَّعى.
روى أحمد في المسند، وموفق بن احمد الخوارزمي في المناقب، والخواجة كلان الحنفي كما في الينابيع، والعلّامة البغوي في المعجم ومحبّ الدين الطبري في الرياض النضرة: ج ٢ /١٩٨، وابن حجر في
الصواعق تحت عنوان: ٧٦ الفصل الثالث في ثناء الصحابة والسلف عليه. كلهم رووا عن سعيد بن المسيَّب قال: لم يكن من الصحابة يقول: سلوني، إلّا عليّ بن أبي طالب.
والجدير أنّهعليهالسلام أعلن ذلك مراراً وتكراراً لا مرة واحدة، فلقد روى العلّامة ابن كثير في تفسيره: ج ٤ وابن عبد البر في الاستيعاب والقندوزي في ينابيع المودّة، مؤيّد الدين الخوارزمي في النماقب، واحمد في المسند، والحمويني في الفرائد، وابن طلحة الحلبي في الدّر المنظوم والعلّامة الهمداني في مودّة القربى، وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء، ومحمد بن طلحة العَدوي في مطالب السؤول، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، وغيرهم من محققيكم ومحدثيكم، رووا عن طرق شتى وبألفاظ عديدة عن عامر بن وائلة وعبد الله بن عباس وأبي سعيد البحتري وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود وغيرهم: بأنّهم سمعوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام على المنبر يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، فإنّ بين جوانحي لعلماً جمّاً، سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخرين.
وفي سُنن أبي داود ص ٣٥٦، ومسند أحمد ج ١ /٢٧٨، وصحيح البخاري: ج ١/٤٦ وج ١٠ /٢٤١، رووا بأسانيدهم: أنّ علياًعليهالسلام قال: سلوني عما شئتم، ولا تسألوني عن شيءٍ إلّا أنبأكم به.
ونقل العلّامة القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة في الباب الرابع عشر، عن موفق بن أحمد الخوارزمي وشيخ الإسلام الحمويني بإسنادهما عن أبي سعيد البحتري قال: رأيتُ علياً رضي الله عنه على منبر الكوفة وعليه مدرعة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو متقلّد بسيفه ومتعمم
بعمامتهصلىاللهعليهوآله فجلس على المنبر فكشف عن بطنه وقال: سلوني قبل أنْ تفقدوني فإنّما بين الجوانح مني علمٌ جمّ هذا سفط العلم، هذا لُعاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله هذا ما زقّني رسول الله زقّاً زقّاً، فوالله لو ثُنيتْ لي الوسادة فجلست عليها لأفتيتُ أهل التوراة بتوراتهم و أهل الإنجيل بإنجيلهم حتى يُنطق اللهُ التوراة والإنجيل فيقولان صدق عليٌّ قد أفتاكم بما اُنزل الله فيَّ و أنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون.
وكذلك أخرج شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين، ومؤيد الدين الخوارزمي في المناقب، بأنّ علياًعليهالسلام قال فوق المنبر: سلوني قبل أنْ تفقدوني، فوالذي فَلَقَ الحبة وبرأ النسمة لا تسئلوني عن آيةٍ من كتاب الله إلّا حدّثتكم عنها مات نزلت بليلٍ أو نهار، في مقامٍ أو مسير في سهلٍ أم في جبل، وفي مَنْ نزلت في مؤمنٍ أو منافق وما عنى اللهُ بها، أم عام أم خاص.
فقام ابن الكوّا - وهو من الخوارج - فقال:
أخبرني عن قوله تعالي:( الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (١) فقالعليهالسلام : أولئك نحن و أتباعنا في يوم القيامة، غرّا محجَّلين رواء مرويين يُعرَفون بسيماهم.
و روى أحمد في المسند، والعلّامة القندوزي في الينابيع في الباب الرابع عشر، عن ابن عباس، أنّ علياً قال على المنبر: سلوني قبل أنْ تفقدوني سلوني عن كتاب الله وما من آية إلّا و أنا أعلم حيث أُنزلت بحضيض جبل أو سهل أرضٍ، و سلوني عن الفتن فما من فتنة إلّا و قد علمتُ مَنْ كسبها و مَنْ يُقتل فيها.
____________________
١) سورة البينة، الآية ٧.
وأخرج ابن سعد في الطبقات والعلّامة الكنجي في كفاية الطالب الباب الثاني والخمسون، وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء: ج ١/ ٦٨ بإسنادهم عن علي بن أبي طالبعليهالسلام أنه قال: و الله ما نزلت آية إلّا و قد علمتُ فيمَن نزلت و أين نزلت وعلى مَن نزلت، إنّ ربّي وَهَبَ لي قلباً عقولاً و لساناً طلقاً. وفي نفس الكتب أيضاً: سلوني عن كتاب الله فإنّه ليس من آية إلّا وقد عَرَفْتُ بليلٍ نزلت أم بنهارٍ، في سهلٍ أم في جبل.
وكذلك روى الموفق الخوارزمي في المناقب عن الأعمش عن عباية بن ربعي أنّه قال: كان عليٌ (رض) كثيراً ما يقول: سلوني قبل أنْ تفقدوني! فو الله ما من أرض مُخْصَبَة و لا مُجْدَبَة و لا فئة تضل مائة أو تهدي مائة إلّا و أنا أعلم قائدها و سائقها و ناعقها إلى يوم القيامة.
وروى جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء: ص ١٢٤ وبدر الدين الحنفي في عمدة القارئ ومحب الدين الطبري في الرياض النضرة: ج ٢/١٩٨، والسيوطي أيضاً في تفسير الإتقان: ج ٢/٣١٩، وابن حجر العسقلاني في فتح الباري: ج ٨ /٤٨٥، وفي تهذيب التهذيب: ج ٧/ ٣٣٨ رووا أنّ علياًعليهالسلام قال: سلوني! والله لا تسألوني عن شيءٍ يكون إلى يوم القيامة إلّا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آيةٍ إلّا و أنا أعلم أ بِلَيْلٍ نَزَلَت أم بنهار في سهلٍ أم في جبل.
أما تدل هذه الكلمات والعبارات على اطلاع قائلها على المغيَّبات وعلمِهِ بالمستقبل وما سوف يحدث في العالم. ولقد أثبتَ ذلك فيما أخبر عن حال بعض الأشخاص، وإليك نماذج من ذلك:
الإمام عليعليهالسلام يخبر عن قاتل ولده الحسين عليهالسلام
روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة روايات كثيرة تحكي عن إخبار عليّعليهالسلام عن الأمور الغيبيّة فقال في الجزء الثاني: ٢٨٦، ط دار إحياء الكتب العربيّة: روى ابن هلال الثقفي في كتاب «الغارات» عن زكريّا بن يحيى العطّار عن فُضيل عن محمد بن عليّ قال: لمـّا قال عليٌّعليهالسلام : سلوني قبل أنْ تفقدوني فوالله لا تسألوني عن فئةٍ تضِلّ مائة و تهدي مائة إلّا أنبأتكم بناعقها و سائقها، قامَ إليه رجل فقال: أخبرني بما في رأسي و لحيتي من طاقة شعر، فقال له عليٌّعليهالسلام : و الله لقد حدَّثني خليلي أنّ على كل طاقة شعر من رأسك مَلَكاً يلعنك وأنّ على كلّ طاقة شعر من لحيتك شيطاناً يُغويك و إنّ في بيتك سَخْلاً يقتل ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله و كان ابنهُ - قاتلُ الحسينعليهالسلام - يومئذ طفلاً يحبو وهو سنان بن أنس النخعيّ.
اخبارهعليهالسلام عن عاقبة خالد بن عرفطة
ونقل ابن أبي الحديد في نفس الصفحة التي ذكرتها آنفاً قال: و روى الحسن بن محبوب عن ثابت الثمالي عن أبي إسحاق السبيعي عن سويد بن غفلة أنّ علياًعليهالسلام خطب ذات يوم، فقام رجل من تحت منبره فقال: يا أمير المؤمنين! إنّي مررتُ بوادي القرى، فوجدتُ خالد بن عرفطة قد مات فاستغفر له. فقالعليهالسلام : و اللّه ما مات و لا يموت حتّى يقود جيش ضلالة، صاحب لوائه حبيب بن عمار- حمار -.
فقام رجل آخر من تحت المنبر فقال: يا أمير المؤمنين أنا حبيب
بن عمار - حمار -، و إنّي لك شيعة و محب. فقال : أنت حبيب بن حمار – حمار -؟ قال: نعم. قال له ثانية: و اللّه إنّك لحبيب بن حمار- عمار-؟ فقال: إي و اللّه. قال: أما و اللّه إنّك لحاملُها و لتحملنّها، و لتدخلنّ بها من هذا الباب. و أشار إلى باب الفيل بمسجد الكوفة، قال ثابت: فوالله ما مِتُّ حتّى رأيتُ ابنَ زياد، وقد بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن عليعليهالسلام ، وجعل خالد بن عرفطة على مقدَّمته وحبيب ابن حمار - عمار - صاحب رايته، فدخل بها من باب الفيل.
إخبارهعليهالسلام عن حكومة معاوية وظلمه للشيعة
وأنّ من يطالع نهج البلاغة يجد فيه عبارات كثيرة في إخبار عليّعليهالسلام على الملاحم والفتن وظهور بعض السلاطين وخروج صاحب الزنج واستيلائه على البصرة وهجوم المغول وجنكيز على بلاد الإسلام وحكومتهم بها وإخبارهعليهالسلام عن سيرة بعض مَنْ يدَّعون الخلافة وظلمهم الفظيع وعملهم الفجيع للناس عامّة وللشيعة خاصّة، ولا سيما إذا راجعتم شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ٢ / ٢٨٦ - ٢٩٦ و ج ١٠ / ١٣ - ١٥ ط. دار إحياء الكتب العربية، وقد نقل في ج ٤ / ٥٤ من نفس الطبعة قال: من كلام لهعليهالسلام لأصحابه: أما إنّه سيظهَرُ عليكم بعدي رجلٌ رحبُ البلعوم، مندَحِق البطن، يأكلُ ما يجد، و يطلبُ ما لا يجد، فاقتلوه و لن تقتلوه. ألا و إنّه سيأمرُكم بسبّي و البراءة منّي، فأمّا السبّ فسبّوني فإنّه لي زكاةٌ و لكم نَجاةٌ، و أمّا البراءةُ فَلَا تبرَّءوا منّي فإنّي وُلدتُ على الفِطرة و سبقتُ إلى الإيمان و الهجرة.
فصرّح ابن أبي الحديد وغيره من كبار علمائكم ممن شرح نهج البلاغة، أنّهعليهالسلام عنى بهذه الأوصاف معاوية عليه اللعنة، فهو الذي لمـّا غلب على الشيعة وأصحاب الإمام عليّعليهالسلام أمرهم بسبّه ولعنه والتبرِّي منه صلوات الله عليه وقتل من أبى منهم وامتنع مثل حجر بن عدي وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ولقد دامت هذه السُنّة السيئة والبدعة الميشومة ثمانين سنة على المنابر والصلوات وفي خطب الجمعات.
إخبارهعليهالسلام عن مقتل ذي الثدية
ومن إخبار الإمام عليعليهالسلام بالمغيّبات، خبر ذي الثدية في معركة النهروان وكان رأس الخوارج(١) . ولقد أخبرعليهالسلام أيضاً في حرب
____________________
١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٢ / ٢٦٥، ط. دار إحياء الكتب العربية، تحت عنوان: أخبار الخوارج و في الصحاح المتفق عليها أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بينا هو يقسم قسماً جاء رجل من بني تميم يُدعى ذا الخويْصرة، فقال: اعدل يا محمد فقالصلىاللهعليهوآله : قد عَدَلْتُ. فقال له ثانية: اعدل يا محمد فإنّك لم تعدل! فقالصلىاللهعليهوآله : ويلك! و مَن يعدل إذا لم أعدل! ثمّ أخبرصلىاللهعليهوآله عنه وقال: فسيخرج من ضِئضِئ هذا قوم يمرقُون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة وبعدما وصفهم قالصلىاللهعليهوآله : آيتهم رجلٌ أسود مُخدَج اليد، إحدى يديه كأنّها ثديُ امرأة.
وقال ابن أبي الحديد في صفحة ٢٧٧ من نفس الجزء: و روى العوّام بن حَوْشب عن أبيه، عن جدِّه يزيد بن رُوَيْم قال: قال عليّعليهالسلام : يقتل اليوم أربعة آلاف من الخوارج أحدهم ذو الثدية. =
النهروان وقال قبل أن تقع: لا يفلت منهم عشرة، ولا يهلك منكم عشرة. وكان كما أخبر ولقد روى هذا الخبر أكثر علمائكم وكبار أعلامكم وهو من عبارات نهج البلاغة. وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ٥/ ص ٣، د. دار إحياء التراث العربي / قال في ذيل العبارة وفي شرحها: هذا الخبر من الأخبار التي تكاد تكون متواترة، اشتهاره و نقل الناس كافَّة له. و هو من معجزاته و أخباره المفصّلة عن الغيوب(١) .
____________________
= فلمّا طحن القوم و رام استخراج ذي الثدية فأتبعه، أمَرني أن أقطع له أربعة آلاف قَصبَة و ركب بغلة رسول اللهصلىاللهعليهوآله و قال: اطرح على كلّ قتيل منهم قصَبَة، فلم أزل كذلك و أنا بين يديه، و هو راكب خلفي و الناس يتبعونه حتّى بقيت في يدي واحدة فنظرت إليه و إذا وجهه أربَد، و إذا هو يقول: و الله ما كذبتُ و لا كُذِبت، فإذا خريرُ ماء عند موضع دالية، فقال: فتّش هذا ففتّشته، فإذا قتيل قد صار في الماء، و إذا رجله في يدي فجذبتها، و قلت: هذه رجل إنسان، فنزل عن البغلة مسرعاً، فجذب الرجل الإخرى و جررناه حتى صار على التراب فإذا هو المخدج «ذو الثدية». فكبّر عليٌعليهالسلام بأعلى صوته ثمّ سجد فكبّر الناس كلهم.
«المترجم»
١) أقول وعَقَّب ابن أبي الحديد كلامه في شرح العبارة قائلاً: و الأخبار على قسمين: أحدهما الأخبار المجملة، و لا إعجاز فيها نحو أنْ يقول الرجل لأصحابه إنكم ستُنصَرون على هذه الفئة التي تلقوْنها غداً فإن نُصِر جعل ذلك حجّة له عند أصحابه و سمّاها معجزة و إنْ لم يُنصَر قال لهم تغيّرتْ نيّاتكم و شككتم في قولي فمنعكم الله نصرَه و نحو ذلك من القول و لأنّه قد جرت العادة أن الملوك و الرؤساء يعدون أصحابهم بالظّفر و النصر و يُمنّونهم الدُّوَل فلا يدلّ وقوع ما يقع من ذلك على إخبارٍ عن غيب يتضمّن إعجازاً.
و القسم الثاني: في الأخبار المفصّلة عن الغيوب، مثل هذا الخبر، فإنّه لا يحتمل التلبيس، لتقييده بالعَدَد المعيَّن في أصحابه و في الخوارج، و وقوع الأمر بعد الحرب =
. . . . .
____________________
=
بموجبه من غير زيادة و لا نقصان، و ذلك أمرٌ إلهيُّ عرفه من جهة رسول اللهصلىاللهعليهوآله و عَرَفَه رسول اللهصلىاللهعليهوآله من جهة الله سبحانه. و القوّة البشريَّة تقصُرِ عن إدراك مثل هذا، و لقد كان له من هذا الباب ما لم يكن لغيره
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج ٧/ ٤٧، ط. دار احياء الكتب العربية: تحت عنوان فصل في ذكر أمور غيبيّة أخبر بها الإمام ثم تحققت قال: و اعلم أنهعليهالسلام قد أقسم في هذا الفصل بالله الذي نفسه بيده أنّهم لا يسألونه عن أمرٍ يحدث بينهم و بين القيامة إلّا أخبرهم به و أنّه ما صحّ من طائفة من الناس يهتدي بها مائة و تضلّ بها مائة إلّا و هو مخبرٌ لهم إنْ سألوه بُرعاتِها و قائِدها و سائقها و مواضع نزول ركابها و خيولها و مَن يُقتَل منها قتلاً و مَن يموت منها مَوْتا و هذه الدعوى ليست منهعليهالسلام إدّعاء الربوبيّة و لا إدّعاء النبوّة و لكنه كان يقول إنّ رسول الله ص أخبرَه بذلك و لقد امتحنّا إخباره فوجدناه موافقاً فاستَدْللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة كإخباره عن الضربة يضرب بها في رأسه فتخضب لحيتُه و إخبارُه عن قتل الحسين ابنهعليهالسلام و ما قاله في كربلاء حيث مرّ بها و إخباره بمُلك معاوية الأمر من بعده و إخباره عن الحَجّاج و عن يوسف بن عمر و ما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان و ما قدمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يُقتل منهم و صَلْب مَن يُصلَب و إخباره بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين و إخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لمـّا شخصعليهالسلام إلى البصرة لحرب أهلها و إخباره عن عبد الله بن الزبير و قوله فيه «خبّ ضبّ يروم أمراً و لا يدركه ينصِبُ حبالة الدين لاصطياد الدنيا و هو بعد مصلوب قريش» و كإخباره عن هلاك البصرة بالغرق و هلاكها تارة أخرى بالزَّنج و هو الذي صحفه قوم فقالوا بالريح و كإخباره عن ظهور الرايات السّود من خراسان و تنصيصه على قوم من أهلها يُعرفون ببني رزيق بتقديم المهملة و هم آل مصعب الذين منهم طاهر بن الحسين و ولده و إسحاق بن إبراهيم =
. . . . .
____________________
=
و كانوا هم و سَلَفهم دعاة الدولة العباسيّة و كإخباره عن الأئمة الذين ظهروا من ولده بطَبَرستان كالناصر و الداعي و غيرهما، و كإخباره عن مقتل النفس الزكيّة بالمدينة و قوله إنّه يقتل عند أحجار الزيت و كقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباب حمزة - الصحيح باب خمرى -: يُقتل بعد أنْ يَظهر و يُقهَر بعد أنْ يَقهر، كإخباره عن قتلى وَجّ - وأظن هم قتلى فخّ الذين استشهدوا في عهد الهادي العباسي، وهم من أبناء الحسن المجتبى سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله و قوله فيهم هم خير أهل الأرض.
و كإخباره عن المملكة العَلَويّة بالغرب و تصريحه بذكر كتامة و هم الذين نصروا أبا عبد الله الداعي المعلّم و كقوله و هو يشير إلى أبي عبد الله المهدي و هو أوَّلهم ثمّ يظهر صاحب القَيْروان الغضّ البَضّ ذو النسب المحض المنتجَب من سلالة ذي البداء المسجّى بالرداء و كان عبيد الله المهدي أبيض مترفاً مشرباً بحمرة رخْص البدن تارّ الأطراف و ذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمد ع و هو المسجّى بالرداء لأنّ أباه أبا عبد الله جعفر الصادقعليهالسلام سجّاه بردائه لمـّا مات و أدخل إليه وجوهَ الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته و تزول عنهم الشبهة في أمره.
و كإخباره عن بني بويه و قوله فيهم و يخرج من دَيْلمان بنو الصيّاد إشارةً إليهم و كان أبوهم صيّاد السمك يصيد منه بيده ما يتقوّت هو و عياله بثمنه فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوكاً ثلاثة و نشر ذريّتهم حتى ضُربتْ الأمثال بملكهم. و كقوله ع فيهم ثمّ يستشري أمرُهم حتّى يملكوا الزَّوْراء و يخلعوا الخلفاء فقال له قائل فكم مدّتهم يا أمير المؤمنين؟ فقال مائة أو تزيد قليلاً.
فأمّا خلعهم للخلفاء فإنّ معز الدولة خلع المستكفي و رتّب عوضه المطيع و بهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة خلع الطائع و رتّب عوضه القادر و كانت مدة ملكهم كما أخبر بهعليهالسلام .
و كإخبارهعليهالسلام لعبد الله بن العباس رحمه الله تعالى عن انتقال الأمر إلى أولاده فإنّ =
أليس هذا إخباراً بالغيب والعلم بالمستقبل والأمور التي لم تقع بعد؟ ولو أنصفتم لعرفتم أنّ مقام الولاية الإلهية والخلافة الربّانيّة التي تجلّت في هذا العبد الصالح والوليَّ الفالح يميزه عن سائر الخلفاء، أين الثرى من الثريّا؟ وأين مدَّعي الخلافة ممن رفعه الله مقاماً عليّاً؟!
فإذا لم يكن الإمام عليّعليهالسلام متصلاً بالعالَم الأعلى ومنبع العلم الربّاني والعلم اللَّدنّي، كيف أخبر عن المغيَّبات وأخبر عن الحوادث التي تقع في المستقبل البعيد أو القريب مثل إخباره عن مقتل ميثم التمّار - رحمه الله تعالى - وأخبر أنّ قاتله عبيد الله بن زياد وهو يصلبه على جذوع النخل، وأخبر عن مقتل جويرية ورشيد الهَجَري وعمرو ابن الحَمق الخزاعي على يد عمال معاوية وأعوانه، وأخبر عن كيفيّة قتلهم واستشهادهم، ولقد أخبر عن مقتل ولده الحسينعليهالسلام واستشهاده مع أهل بيته وأنصاره في أرض كربلاء. وهذه الأخبار مذكورة في تاريخ الطبري، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، ومقتل الحسين أو مناقب الخوارزمي
____________________
=
علي بن عبد الله لمـّا وُلِد أخرجه أبوه عبد الله إلى عليّعليهالسلام فأخذه و تَفَل في فيه و حَنّكه بتمرة قد لاكها و دفعه إليه و قال خذ إليك أبا الأملاك.
هكذا الرواية الصحيحة و هي التي ذكرها أبو العباس المبرّد في كتاب الكامل. [ وبعد نقل ابن أبي الحديد كل هذا الكلام قال ]: و كم له من الأخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى مما لو أردنا استقصاءه لكسرّنا له كراريس كثيرة و كتب السيِّر تشتمل عليها مشروحة. انتهى كلام ابن أبي الحديد.
«المترجم»
وغيرهم فإنهم ذكروا هذه القضايا بالتفصيل.
إخبارهعليهالسلام بأنّ ابن ملجم قاتله
لقد ذكر أكثر أعلامكم وكبار علمائكم منهم العلّامة ابن الأثير في كتابه أسد الغابة: ج ٤ / ٢٥، قال: لمـّا حضر عبدالرحمن بن ملجم المرادي عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنشد قائلاً:
أنت المهيمنُ والمهذَّبُ ذو النَّدى |
وابن الضراغم في الطراز الأوَّل |
|
الله خَصَّك يا وصيَّ محمد |
و حَباكً فضلاً في الكتاب المنزَلِ |
إلى آخر أبياته. فعجب الحاضرون من طلاقة لسانه وفَرْط علاقته بالإمام عليّعليهالسلام .
وذكر ابن حجر في الصواعق المحرقة ٨٠، ط. الميمنية بمصر قال: ورُوي أنّ عليّاً جاءه ابن ملجم يستحمله فحمله ثمّ قال رضي الله عنه:
أريدُ حياتَه و يريدُ قتلي |
غديري من خليلي من مرادي |
ثم قال: هذا والله قاتلي.
فقيل له: ألا تقتله؟ فقال: فمن يقتلني؟ «انتهى».
فلا يُقال: إذا كان يعلم أنّ ابن ملجم قاتله فلماذا تركه ولم يحبسه؟!
لأنّه سلام الله عليه كان مأموراً بالظاهر ومقيّداً بالشرع، فليس لحاكمٍ أنْ يعاقب أحداً إلّا إذا ارتكبَ جُرْماً، فلذا لمـّا قال الأصحاب لعليّعليهالسلام : إذا كنتَ تعلم أنّه قاتلك فاقتله. فقالعليهالسلام : لا يجوز
القصاص قبل الجناية.
يقول الكاتب الإنجليزي - كارليل - في كتابه الأبطال: إنّ علي بن أبي طالب قُتل لعدله.
أي إذا كان ظالماً مثل كثير من الملوك والحكّام، وما كان مقيّداً بالدين والقانون لقتل ابن ملجم، كما يقتل الملوك كلَّ من أساءوا الظنّ فيه حتى إذا كان المظنون أخوهم وإبنهم أو أعزّ وأقرب الناس إليهم.
ولكنّ الامام عليّعليهالسلام سلام الله عليه هو الوحيد في التاريخ الذي كان يعرف قاتله ويعرِفّه الناس، ولا يقضي عليه وتركه حرّاً وما حبسه ولا نفاه، ولمـّا ضَربه ابن ملجم بسيفه أوصى وقال صلوات الله وسلامه عليه: انظروا إذا أنا قُتِلتُ من ضربته، فاضربوه ضربةً بضربة، ولا تمثّلوا به ...!
ونستنتج من هذه الأخبار أنّ مَنْ ارتضاه الله تعالى ومنحه علم الغيب يلزم أنْ يكون معصوماً عادلاً، وألّا يقوم بالتعدّي والظلم استناداً على علمه، قبل حدوث الجناية وقبل أنْ يقع شيءٌ مما علمه، وبذلك يبطل التقدير الإلهي، وهذا محال. لذا جاء في رواية الصواعق المحرقة آنفاً: أنّ عليّاًعليهالسلام لمـّا قال: هذا والله قاتلي - وأشار إلى ابن ملجم - فقيل لهعليهالسلام : ألا تقتله؟ فقالعليهالسلام فمَن يقتلني؟
فأسألكم أيها الحاضرون والمستمعون! أما تدّل هذه الأخبار والروايات في كتب كبار علمائكم، على علم الإمام عليّعليهالسلام بالمغيّبات وأنّه كان يمتاز عن سائر الناس وسائر الصحابة، بهذه الميزة العظمى والفضيلة الكُبرى؟
يجب تقديم الأعلم والأفضل
فإنّ العقلاء في كل زمان ومكان لا يسمحون بتقديم الجاهل على العالم ولا يجوز عندهم متابعة الأفضل للمفضول بل يجب انقياد الجاهل للعالم والمفضول للفاضل.
وإنّ أفضليّة الإمام عليّعليهالسلام وأعلميّته أمرٌ ثابت لجميع الأمة من الصحابة والتابعين والمتقدمين والمتأخرين حتّى أنّ ابن أبي الحديد في مقدّمته على شرح نهج البلاغة قال: الحمد لله الذي قدم المفضول على الأفضل.
وهذا التعبير والبيان يثير التعجّب في كل إنسان ولا سيّما من عالم مثل ابن أبي الحديد، لأنّ فيه نسبة عمل خلاف العقل والحكمة إلى الله العليم الحكيم سبحانه وتعالى عما يصفون! فإنّ تقديم المفضول على الأفضل مخالف للحكمة والعقل ويأباه كل إنسان ذي فهم وإدراك فكيف بالله عزّ وجلّ؟ وهو يقول في كتابه الكريم:( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (١) ؟
ويقول:( أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٢) ؟
والجدير بالذِّكر أن ابن أبي الحديد صاحب التعبير الآنف يقول أيضاً في شرح نهج البلاغة: ج ١/ ص ٤، طبع مصر: أنّهعليهالسلام أفضل البشر بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله و أحقّ بالخلافة من جميع المسلمين.
____________________
١) سورة الزمر، الآية ٩.
٢) سورة يونس، الآية ٣٥.
ولقد أمر النبيصلىاللهعليهوآله المسلمين أنْ يأخذوا العلم من عليّعليهالسلام ويرجعوا إليه من بعده بقولهصلىاللهعليهوآله : ومن أراد العلم فعليه بالباب، أو فليأتِ الباب.
فالذي أمر النبيصلىاللهعليهوآله الأمة أن يرجعوا إليه ويتعلّموا منه أحق بالخلافة والإمامة، أم غيره؟!
الشيخ عبد السلام: إذا كان عليٌ كرم الله وجهه هو المقدَّم كما تزعمون، لأنّه أعلم وأفضل الناس بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلماذا لم نجد نصّاً من النبيصلىاللهعليهوآله يُلزم فيه المسلمين على متابعة سيدنا عليّ كرم الله وجهه؟
قلت: لا أدري هل الشيخ عبد السلام - سلّمه الله - مبتلى بالنسيان أم يتناسى أحاديثنا السالفة في الليالي الماضية، فإنّ أكثر الحاضرين يذكرون، وكذلك الصحف والمجلّات الناشرة للمحاورات السابقة موجودة والكل شاهد على أنّي ذكرتُ عشرات الأحاديث النبويّة الشريفة من كتبكم ومصادركم الموثوقة، تتضمّن النصوص الخفيّة والجليّة في وجوب متابعة الإمام عليّعليهالسلام وإطاعته وعدم مخالفته، وبعد كل ذلك كأنّ الشيخ يفتح الموضوع من جديد ويرجع إلى بداية المناقشات فيطالب بالنصّ الصادر من رسول اللهصلىاللهعليهوآله على وجوب ولزوم متابعة الإمام عليعليهالسلام !
ومع غضّ النظر عن المناقشات السالفة، لو أردنا أنْ نعرف ما الذي ألزم الناس أن يتبعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ لكان الجواب: لأنّه كانصلىاللهعليهوآله يعلم من الله ما لا يعلمون. فأسألُ فضيلة الشيخ: هل علوم
النبيصلىاللهعليهوآله كانت خاصّة لهداية البشر في زمان حياته المباركة، أم كانت كذلك لجميع البشر إلى يوم القيامة؟
الشيخ عبد السلام: من الواضح أنّه كان هدياً لجميع البشر إلى يوم القيامة.
قلت: بارك الله فيك.. فإذا لم يكن من رسول اللهصلىاللهعليهوآله أيّ نصٍّ في تعيين الخليفة والإمام إلّا حديثه الشريف المتواتر: أنا مدينة العلم و عليٌ بابها و مَن أراد العلم فليأت الباب، لكفى في إثبات خلافة الإمام عليّعليهالسلام وأنَّه المعيَّن بالنصَّ الجليّ.
ولقد أجمع علماء الإسلام على أنّ علي بن أبي طالب كان أعلم الأمة وأعلم الصحابة لحديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي رواه جمعٌ من كبار علمائكم وأعلام محدثيكم مثل أحمد في مسنده، والخوارزمي في المناقب، وأبي نعيم الحافظ في كتابه نزول القرآن في عليّ، والعلّامة القندوزي في ينابيع المودّة، والعلّامة الهمداني في مودّة القربى، وحتى ابن حجر المتعصّب في صواعقه وغيرهم بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: أعلمُ أمتي علي بن أبي طالب فلا يقاس به أحدٌ من الصحابة في العلم والفضيلة، كما روى ابن المغازلي في المناقب، ومحمد بن طلحة العدوي في مطالب السئول، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين، والعلّامة القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة / الباب الرابع عشر، في غزارة علمهعليهالسلام ، روى الكلبي عن عبد الله بن عباس قال: عِلْمُ النبيصلىاللهعليهوآله من علم الله، و علم عليّ من علم النبيصلىاللهعليهوآله ، و علمي من علم عليّ، و ما علمي و علم الصحابة في علم عليّ إلّا
كقطرة في سبعة أبحر(١) .
وقالعليهالسلام في آخر الخطبة المرقمة ١٠٨ من نهج البلاغة: نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ وَ مَحَطُّ الرِّسَالَةِ وَ مُخْتَلَفُ الْمَلائِكَةِ وَ مَعَادِنُ الْعِلْمِ وَ يَنَابِيعُ الْحُكْمِ.
قال ابن أبي الحديد في شرحه ج ٧/ ٢١٩، ط. دار إحياء الكتب العربية: فأما قوله:
و معادن العلم و ينابيع الحكم يعني الحكمة أو الحكم الشرعيّ، فإنّه و إنْ عَنى بها نفسه و ذريّته، فإنّ الأمر فيها ظاهر جداً، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أنا مدينة العلم و عليٌ بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب،و قالصلىاللهعليهوآله : أقضاكم عليٌّ. و القضاء أمرٌ يستلزم علوماً كثيرة. - وبعد نقله روايات أخرى - يقول:
و بالجملة فحاله في العلم حالٌ رفيعة جداً لم يلحقه أحد فيها و لا قاربه، و حقّ له أن يصف نفسه بأنّه معادن العلم و ينابيع الحكم، فلا أحد أحقُّ بها منه بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله . انتهى.
وأخرج ابن عبد البر في الاستيعاب: ج ٣ / ٣٨، ومحمد بن طلحة العدوي في مطالب السئول، والقاضي الأيجي في المواقف ص ٢٧٦ عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: أقضاكم عليّ.
____________________
١) وقال ابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة: و من العلوم علم تفسير القرآن و عنه أُخِذ و منه فُرّع، و إذا رجعتَ إلى كتب التفسير علمتَ صحّة ذلك لأن أكثره عنه و عن عبد الله بن عباس، و قد علم الناس حالَ ابن عباس في ملازمته له، و انقطاعه إليه، و أنّه تلميذه، و قيل له: أين علمك من علم ابن عمك؟ فقال كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط.
«المترجم»
وأخرج السيوطي في تاريخ الخلفاء: ص ١١٥، وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء: ج ١ / ٦٥، ومحمد الجزري في أسنى المطالب: ص ١٤، وابن سعد في الطبقات، وابن كثير في تاريخه ج ٧ / ٣٥٩، وابن عبد البر في الاستيعاب: ج ٤ / ٣٨، وابن حجر في صواعقه في الفصل الذي يذكر فيه ثناء الصحابة لعليعليهالسلام ، وغيرهم أخرجوا عن عمر بن الخطاب أنه قال: عليٌّ أقضانا، ولقد نقل العلامة القندوزي الحنفي في كتاب ينابيع المودّة / الباب الرابع عشر / عن كتاب الدرّ المنظم لابن طلحة الحلبي الشافعي قال: إعلم أنّ جميع أسرار الكتب السماويّة في القرآن وجميع ما في القرآن في الفاتحة وجميع ما في الفاتحة في البسملة وجميع ما في البسملة في باء البسملة وجميع ما في باء البسملة في النقطة التي هي تحت الباء، وقال الإمام عليّ كرم الله وجهه: أنا النقطة التي تحت الباء. انتهى وأخرج العلّامة القندوزي أيضاً في الباب، عن ابن عباس أنّه قال: أخذ بيدي الإمام عليّ ليلة مقمرة فخرج بي إلى البقيع بعد العشاء وقال: اقرأ يا عبد الله. فقرأت: بسم الله الرحمن الرحيم، فتكلم في أسرار الباء إلى بزوغ الفجر.
وروى القندوزي في الباب عن الدرّ المنظّم، وروى الخوارزمي في المناقب، وابن طلحة العدوي في المطالب: أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام قال: سلوني عن أسرار الغيوب فإنّي وارث علوم الأنبياء والمرسلين.
وروى القندوزي أيضا في الباب أيضاً، وأحمد في المسند، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: أنّ علياًعليهالسلام قال على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن طرق السماوات فإنّي أعرف بها من طرق الأرض.
لا يخفى أنّ هذا الكلام منهعليهالسلام - ولا سيما في ذلك الزمان الذي ما كان البشر بعدُ يتصوّر ويفكّر في طرق السماوات، ولا كان يُعْقَل ويُصَّدَق بأن للسماوات طرقاً كطرق الأرض - أكبر دليلٍ على أنّ علمه كان لَدُنيّاً ونازلاً إليه من ربّ السماء بواسطة النبيصلىاللهعليهوآله .
والجدير بالذكر، أنّهم لما سألوه عن الكرات السماويّة والأسرار الفلكيّة، أجابهم بموجب الاكتشافات العلميّة الحديثة وعلى خلاف ما كان يعتقدون آنذاك من نظريّة بطلميوس وغيرها.
جوابهعليهالسلام عن الكرات السماوية
روى العالم الفاضل والمحدِّث الجليل الثقة العدل الشيخ علي بن إبراهيم القمي - من أعلام القرن الثالث الهجري - في كتابه المعروف بتفسير القمي. ضمن تفسيره سورة الصافّات، وكذلك العلّامة اللُغوي والعالم الديني الورع الزاهد التقي فخر الدين الطُرَيحي في كتابه مجمع البحرين، وكان يعيش قبل ثلاثمائة سنة تقريباً، روى في مادة كوكب. وروى العلّامة الجليل والمحدّث النبيل المولى محمد باقر المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار مجلّد السماء والعالم، قالوا بأنّهعليهالسلام سُئل عن الكواكب في السماء فقال في جوابهم: هذه الكواكب مدائن مثل المدائن التي في الأرض. تربُطُها أعمدةٌ من نور.
هذا الكلام - في ذلك الزمان الذي ما كانت فيه هذه الوسائل والآلات الكاشفة للكرات والسّيّارات الفلكيّة - يُعدُّ من المعاجز العلميّة التي تدلّ على أنّ قائلها إنّما كان يستوحي علمه من السماء ومن الخالق
العظيم. لأنّ هذا الكلام على خلاف ما كان يعتقد العلماء و الفلكيّون في ذلك العصر. وبعد مُضيّ أكثر من ألف سنّة انكشفَ صحة كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام . ولقد كان لأولاده الأئمة المعصومين سلام الله عليهم كلام من هذا القبيل أيضاً وهو كثيرٌ وقد جمعه أحد علمائنا الكبار في كتاب سمّاه - الهيئة والإسلام -.
حديث مع المستشرق الفرنسي مسيو جوئن
من المناسب أن أحدّثكم بحديث حدث في سفري هذا من العراق إلى بلادكم وهو: أني لمـّا ركبتُ السفينة والباخرة من ميناء البصرة وتوجّهتُ إلى الهند، صادفَ أن رافقني في الغرفة التي كنتُ فيها المستشرق الفرنسي مسيو جوئن وكان يجيد العربية والفارسية إلى جانب لغته الفرنسية فتصادقنا مدّة سفرنا الذي طال أيّاماً كثيرة وكنت وإيّاه في طول الطريق نتحادث عن الأمور العلميّة والدينية وكنت مهتماً بإرشاد الرجل إلى الإسلام من خلال حديثي عن اعتقاداتنا الحقة وتعاليم ديننا السامية الواصلة إلينا من النبيصلىاللهعليهوآله وأهل بيته وعترته والتي تشكِّل مذهب الشيعة الإمامية.
وفي يوم من الأيّام أقرّ الرجل وقال: إنّي أعترف بأنّ دين الإسلام يشتمل على تعاليم سامية، وعقائد عالية ومعنويات عظيمة، بحيث لا توجد مثلها في سائر الأديان وحتى المسيحية ولكنّ أتباع الديانة المسيحية توصّلوا في الاكتشافات العلميّة والاختراعات الصناعيّة.
وتقدّموا في الأمور الماديّة إلى بعد الغايات وسَبَقوا المسلمين وأتباع الديانات الأخرى في توفير وسائل الراحة والسعادة في الحياة.
قلت له: كلامك صحيح ولا ننكر ذلك، ولكن أساس هذه العلوم التي أدّت إلى تلك الاكتشافات العلميّة والاختراعات الصناعية بيد الغربيين كان منبعها وأساسها من الإسلام والمسلمين، والتاريخ يشهد بأنّ الغربيين إلى القرن الثامن الميلادي كانوا يعيشون في بربريّة وهمجيّة، في حين كان المسلمون يحملون راية العلم وكانوا آنذاك دعاة التمدّن والتقدّم والصلاح، كما يعترف بذلك كبار أعلامكم مثل ارنست رنان الفرنسي، وكارليل الانجليزي، وندرمال الألماني وغيرهم.
وقبل أيّام وجدت كتاباً عند أحد زملائي الكرام وهو النواب محمد حسين خان قزلباش، من شخصيات الهند، يقيم في كربلاء والكاظمية، ناولني ذلك الكتاب وقال أنّه كتاب قيّم كتبه أحد المستشرقين الفرنسيين وترجمهُ من الفرنسيّة إلى الهنديّة السيد الفاضل والعالم الكامل السيّد علي بلجرامي الهندي، واسمه: تاريخ تمدّن العرب لمؤلفه جوستان لوبون الحائز على شهادات الدكتوراه في الطب والحقوق والاقتصاد.
قال النوّاب محمد حسين خان: ولقد أثبت فيه المؤلف بالدلائل والبراهين بأنّ كل ما عند الغربيين من العلم والتمدّن والصناعات وحتى التعاليم الأخلاقيّة وآداب المعاشرة والإدارة وسياسة البلاد وتدبير الجيوش والعساكر والمهام الاجتماعيّة والفرديّة وغيرها، إنما اكتسبوها وتعلّموها من العرب، فإنّ العرب سبقوا كل الشعوب والِملل إلى هذه الأمور الحَسَنة.
ومن الواضح أنّ المقصود من العرب، هم المسلمون لأنّ العرب قبل ظهور الإسلام، كانوا يعيشون في جاهلية وبربريّة بحيث سمّاهم
المؤرّخون بعرب الجاهليّة ولكنّهم بفضل الاسلام أصبحوا روّاد العلم والتمدّن والصلاح والنظام في العالم.
فقال المسيو جوئن: نعم إنّي طالعتُ وقرأت هذا الكتاب في باريس.
فانّ المؤلف الدكتور جوستاف لوبون زميلي ولقد أهدى لي كتابه بيده، وهو كتاب علميٌ تحقيقيٌ تاريخيٌ استدلالي.
مقال جوستاف لوبون في تأثر الغرب بالتمدن الإسلامي
ولقد ترجم لي الأستاذ صادق خان قزلباش وهو يسكن مدينة الكاظمية أيضاً. بعض أوراق ذلك الكتاب، منها الفصل الثاني من الباب العاشر تحت عنوان: تأثير الغرب بالتمدن الإسلامي، وأنا أشكره كثيراً. وأقدّم إليكم هذا المقال بالمناسبة يقول جوستاف لوبون: إنّ أثر التمدن الإسلامي في الغرب لايقلّ عن الأثر الذي أوجده في الشرق، وبالإسلام تمدّنت أوروبا. وإذا أردنا أنْ نعرف مدى هذا التأثير، يلزم أن نطالع تاريخ أوربا قبل ظهور الإسلام.
ففي القرن التاسع والعاشر الميلادي أيْ في الزمن الذي وصل التمدّن الإسلامي إلى القمّة في بلاد أس پ انيا - الأندلس سابقاً - وحصل التقدّم العلمي والحضاري والإجتماعي والتجاري في تأسيس مراكز، لم يكن في كل بلاد الغرب مركزٌ واحد للعلم والحضارة، أو تعليم الآداب الاجتماعيّة والتجاريّة. وكان كلّ شيءٍ منحصراً في الكنائس وفي يد القساوسة والرهبان الجاهلين الذين كانوا يدّعون العلم والمعرفة ويجبرون الناس على الإلتزام والتمسّك بالإنحرافات والخزعبلات التي
كانوا ينسبونها إلى الدين!
ومن القرن الثاني عشر الميلادي توجَّه بعض الغربيين إلى الأندلس ودخلوا المراكز العلميّة التي أسسها هناك وتلمّذوا عند العلماء المسلمين، وأصبحوا علماء فاهمين وعادوا إلى بلاد أوربا، وعملوا لإنقاذ شعوبهم من جهل القساوسة والخرافات المنتسبة إلى الدين.
فكل علماء العالَم يجب أن يعرفوا حق المسلمين وتأثير التعاليم الإسلاميّة في انتشار العلم وترغيب الناس في تحصيل العلوم، ولا سيما علماؤنا في الغرب يجب أنْ يعرفوا أنّ للمسلمين حق الحياة عليهم، ولو سمّينا تمدّن الغرب بتمدّن الإسلام والعرب كان صحيحاً.
هذا رأي أحد المستشرقين وأحد علمائكم المحققين، وأنت مثل كثير من الأوربيين تفتخر وتتباهى بالاكتشافات والاختراعات الحديثة في الغرب وتنسون ذلك الماضي المظلم ولا تتفكّرون في النور الذي أزاح عنكم ذلك الجهل والظلام المطبق والنور هو نور الاسلام والعلم الذي أوصلكم بفضل الإسلام ولو طالعتم وقرأتم تاريخ الجزيرة العربيّة قبل الإسلام أيضاً، لرأيتهم أسوأ حالاً من الغربي آنذاك، فلا علم ولا نظام ولا جولة ولا قانون و
ولمـّا جاءهم الإسلام فبفضل خاتم الأنبياء والتعاليم السامية التي جاء بها من عند الله عزّ وجلّ صارت الجزيرة من أرقى بلاد العالم، وانطلق منها المسلمون ينشرون تلك التعاليم الراقية والأحكام العالية، في حين كانت باريس التي هي اليوم مهد التمدّن والحضارة الحديثة، كانت يومذاك تعاني من البربرية والوحشية الحاكمة بين أهلها بكل
ضرواة وقسوة.
قلت لمسيو جوئن: إنكم تعلمون أنّ أوربا في القرن السابع والثامن الميلادي في عهد الإمبراطور شارلمان ملك فرنسا، حصلت على شيء من النظام والتقدّم الحضاري والاجتماعي ولكن لا تُقاس مع البلاد الاسلامية حينذاك، ولقد كانت الروابط والعلاقات الدبلوماسيّة حسنة بين شارلمان وبين هارون الرشيد ولتوثيق العلاقات بودلت بينهما هدايا وتُحف، بدأ بها الإمبراطور شارلمان وأجابه هارون بإرسال جملة من الهدايا مثل المجوهرات الثمينة والملابس الفاخرة التي كانت من صنع وحياكة المسلمين، وكان منها فيلٌ كبير لم يرى الأوربيون مثله في بلادهم، وبعث ساعة كبيرة صنعها المسلمون العرب وكانت تبيّن ساعات الليل والنهار بدقّات منظّمة رنّانة بصوت يحدث على أثر سقوط أثقال حديدية في طاسة كبيرةٍ برونزية وقد نصبها الفرنسيّون على المدخل الرئيسي لعمارة الحكومة والتي كان الامبراطور يسكنها، هذا ما أثبته ونقله الدكتور جوستاف لوبون في كتابه ونقله أيضا غيره من المستشرقين والعلماء الغربيين. وإنْ أحببتم أن تعرفوا التمدنيْن الإسلامي والغربي في ذلك الزمان فراجعوا تواريخكم وطالعوا قضيّة إرسال هدايا الرشيد إلى الإمبراطور شارلمان وتلك الساعة التي تعدُّ أول ساعة من نوعها في أوربا، والجدير بالذكر أن المؤرخين الغربيين يكتبون أنّه لما نصبت هذه الساعة على المدخل الرئيسي لبيت الإمبراطور، اجتمع الناس ينظرون إليها متعجبين فلمّا رأوا حركات المؤشّرات وسمعوا تلك الدقّات الرنّانة التي كانت تحدث على أثر سقوط كريّات حديديّة في الطاسة البرونزية، قالوا فيما بينهم إنّ
الشيطان الذي كان الرهبان والقساوسة يحذّروننا منها وأنّها أكبر عدوّ للإنسان قد اختفى في هذا الشيء، وهو الذي يحرِّك المؤشِّرات ويلقى الكريّات في الطاسة، فأخذوا المعاول والفؤوس وهجموا نحو دار الحكومة وبيت الإمبراطور، فلما عرف الملك كلامهم وعرف أنّ مقصدهم هدم الساعة وتحطيمها دخل معهم من باب المفاوضة والتفاهم، فاختاروا من بينهم كبارهم فصعدوا عند الساعة ونظروا إلى كيفية عملها ومحرّكاتها، وفتّشوها فلم يجدوا فيها غير قطعات خشبية وحديدية وبرونزيّة، فتنازلوا عن رأيهم واعتذروا إلى الإمبراطور!!
فالمسلمون كانوا متقدمين وسابقين على الغربيين في هذه العلوم والفنون والصناعات والاكتشافات بل هم المؤسسون لأكثر هذه الأشياء والعلوم والفنون إلّا أنّهم تكاسلوا بعد حين واغترّوا فسبقهم الغربيون وتقدّموا عليهم بما تعلّموه منهم.
ثم إنّ تقدّم الغربيين لا يرتبط بالسيد المسيحعليهالسلام وبدينه حتى تقولوا بأن أتباع المسيح تقدَّموا على المسلمين، فإذا كان هذا الكلام صحيحاً، فلماذا عاش أتباع المسيحعليهالسلام في وحشيّة وبربريّة وجاهلية جهلاء قريب الألف عام بعد صلب السيّد المسيح على حدّ زعمكم ولم يتحوّلوا ولم يتأدبّوا بالآداب ولم يتقيّدوا بالقانون والأحكام إلّا بعد انتشار الإسلام في العالم.
وقد طال الحديث حول الموضوع في ذلك.
الإمام عليعليهالسلام والإكتشافات الحديثة
ثم قلت له: أنّ الفرق بين أئمة الإسلام وبين علماء العالم غير
الأنبياء، أنّ العلماء توصَّلوا إلى ما توصَّلوا من الاكتشافات بالأسباب والوسائل، ولكنّ أئمتنا كشفوا عن كثير من الأسرار بغير وسائل وآلات. ثم قرأت عليه بعض الأخبار المرويّة عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام في تعريف وتوصيف بعض الحشرات الصغيرة التي لا تُرى بالعين المجرّدة، وقد وصفوها في زمن لم تكن المكرسكوبات وأمثالها مخترعة بعد واليوم بعد مضيّ أكثر من ألف سنّة توصّل علماؤكم الغربيّون إلى تلك الأوصاف بالآلات الحديثة والأجهزة الدقيقة. وكذلك كلامهمعليهالسلام في الكرات السماويّة والسيّارات الفلكية، فأنتم اليوم تتباهون وتفتخرون ببعض مكتشفاتكم الفلكيّة والمجرّات والأقمار والسيّارات الفضائيّة وقد توصّلتم إليها بالأجهزة الاكتشافية والآلات العظيمة بينما توصّل إليها أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام بدون أجهزة وآلات، ومثال ذلك أنّه لمـّا سئل عن الكواكب والنجوم، قال: إنها مدائن مثل المدائن التي في الأرض. فلمّا قرأتُ عليه هذا الخبر - أَطْرَقَ مسيو جوئن إلى الأرض متفكراً -.
ثم قال: أرجوك أن تذكر لي الكتب التي نَقَلَت هذا الخبر قبل اختراع التلسكوب والاكتشافات الحديثة.
فذكرت له الأسماء المصادر القديمة فسجّلها وكتب نصّ الخبر، وقال: أنا الآن في طريقي إلى باريس وسأنزل في لندن وأراجع مكتباتها العامّة لغرض الحصول على هذه المصادر التي سجّلتها. وإن لم أجد هذه المصادر في لندن فسوف أفتّش عنها في باريس وفي سائر بلاد أوروبا، فإذا كان الخبر كما نقلتم وذكرتم في تلك المصادر القديمة - التي كُتبت قبل اختراع هذه الآلات والأجهزة - عن الكرات السماوية
والعوالم الفلكيّة فسأختار الديانة الإسلاميّة، لأنّ الذي يُخبر عن الكرات السماويّة في ذلك الزمان بهذه الدقّة والصحّة وبدون أجهزة وآلات، إنّما يكون متّصلاً بالخالق العظيم ويكتسب معلوماته منه، والذي يكون متصلاً بخالق الكون يلزم أن يكون قد أخذ دينه أيضاً من الخالق، ودينه الحق، ونحن يجب علينا أنْ نتبعه ونأخذ ديننا منه، [ انتهى ].
أيها الحاضرون الكرام.. هذا حكم ورأي رجل عالم فاهم وهو بعيد عن الخلافات المذهبيّة الحادثة بين المسلمين ولكنّه حَكَم على أساس القاعدة العلمية والأصول العقلية. وعليها يجب أن نعرف أيضاً المتّصل بخالق الكون والآخذ علومه ودينه منه عزّ وجلّ حتى نتبعه ونقتدي به.
وليس بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أحدٌ على هذه الصفة إلّا أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام إذا كان أعلم الأُمة وأفضلهم وأورعهم وأعلاهم حَسَباً ونَسَباً وهو التلميذ الأوحد الذي احتوى على كل علوم خاتم الأنبياء محمدصلىاللهعليهوآله ، وهو منتهى كل العلوم التي انتشرت بعد النبيصلىاللهعليهوآله بين المسلمين واكتسبه العلماء في الدين.
ابن أبي الحديد يصف علوم الإمام عليعليهالسلام
قال ابن أبي الحديد في مقدمته على شرح نهج البلاغة: و ما أقول في رجل تُعْزَى إليه كل فضيلة، و تنتهي إليه كلّ فِرقة، و تتجاذبه كلُ طائفة، فهو رئيس الفضائل و ينبوعها و أبو عُذرِها، و سابق مضمارها، و مُجلِّي حَلبتها، كلُ مَن بزغ فيها بعده فمنه أخذ، و له اقتفى، و على
مثاله احتذى. و قد عرفتَ أنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم، و معلومه أشرف الموجودات، و من كلامهعليهالسلام اقتُبِس، و عنه نُقِل، و إليه انتهى و منه ابتدأ و من العلوم علم الفقه و هوعليهالسلام أصله و أساسه، و كلُّ فقيه في الإسلام فهو عيال عليه و مستفيد من فقهه ...، و من العلوم علم تفسير القرآن و عنه أُخِذ و منه فُرّع، و إذا رجعت إلى كتب التفسير علمتَ صحة ذلك ...، و من العلوم علم الطريقة و الحقيقة و أحوال التصوّف و قد عرفتَ أنّ أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون، و عنده يقفون
و من العلوم علم النحو و العربيّة، و قد علم الناس كافّة أنّه هو الذي ابتدعه و أنشأه، و أملى على أبي الأسود الدُّؤليّ جوامعه و أصوله، من جملتها: الكلام كلّه ثلاثة أشياء: إسمٌ و فعلٌ و حرف، و من جملتها تقسيم الكلمة إلى معرفة و نكرة، و تقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع و النصب و الجرّ و الجزم.
و هذا يكاد يلحق بالمعجزات، لأنّ القوّة البشريّة لا تفي بهذا الحصر، و لا تنهض بهذا الاستنباط. « انتهى ».
في ذكرى ميلاد الإمام الحسينعليهالسلام
هذه الليلة ليلة ميلاد الإمام أبي عبد الله الحسين سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله فبهذه المناسبة أنقل هذا الخبر الذي رواهُ جمع من المحدثين والعلماء منهم شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين:ج ٢/١٥١، تحت رقم ٤٤٦، وهو من أعلامكم وكبار علمائكم، وأنقل منه الخبر
بسنده عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: إنّ لله تبارك و تعالى مَلَكاً يُقال له دردائيل فسلَبَ الله أجنحته فلمّا ولد الحسيْنعليهالسلام أوحى الله تعالى إلى مالك خازن النار: أنْ أخْمِد النيران عن أهلها لكرامة مولودٍ ولد لمحمدصلىاللهعليهوآله في دار الدنيا، و أوحى إلى رضوان خازن الجنان أنْ زخرف الجنان و طيّبها لكرامة مولد وُلد لمحمّدصلىاللهعليهوآله في دار الدنيا، و أوحى الله إلى الملائكة أن قوموا صفوفاً بالتسبيح و التحميد و التمجيد و التكبير لكرامة مولودٍ وُلد لمحمّدٍصلىاللهعليهوآله في دار الدنيا و أوحى الله عز و جل إلى جبرئيلعليهالسلام أنْ اهبط إلى نبيي محمدصلىاللهعليهوآله في ألف قَبيل من الملائكة أنْ يهنِّئوا محمداًصلىاللهعليهوآله بمولوده. و أخبره إنّي قد سمّيته الحسين فهنِّئْه و عَزِّه و قل له: يا محمد يقتله شرّا أمّتك فويلٌ للقاتل و ويل للسائق و ويل للقائد.
قاتل الحسين أنا منه بري ء و هو منّي بري ء لأنه لا يأتي يوم القيامة أحدٌ من المجرمين إلّا و قاتل الحسين أعظم جرماً منه، قاتل الحسين يدخل النار يوم القيامة مع الذين يزعمون أنّ مع الله إلهاً آخر، و النار أشوق إلى قاتل الحسين من الجنّة إلىْ مَنْ أطاع الله.
فهبطَ جبرئيل على النبيصلىاللهعليهوآله فهنّأه كما أمره الله عز و جل و عزّاه، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : أتَقْتُلُه أمّتي؟ قال: نعم فقالصلىاللهعليهوآله : ما هؤلاء بأمّتي، أنا بري ء منهم، و اللهُ بري ء منهم، قال جبرئيل: و أنا بري ء منهم.
فدخل النبيصلىاللهعليهوآله على فاطمةعليهالسلام فهنّأها و عزّاها، فبكت فاطمةعليهالسلام ثمّ قالت: يا ليتني لم أَلِدْهُ. قاتل الحسين في النار. فقال النبيصلىاللهعليهوآله :
و أنا أشهد بذلك يا فاطمة، و لكنّه لا يُقتَل حتى يكون إماماً، يكون منه الأئمة الهادية هم: الهادي عليٌ - والمهتدي الحسن - والعَدْل الحسين والناصر عليُ بن الحسين - والسّفّاح(١) محمد بن علي، والنفّاع جعفر بن محمد - والأمين موسى بن جعفر - والمؤتمن عليّ بن موسى - والإمام محمد بن علي - والفعّال علي بن محمد - والعلّام الحسن بن علي - و مَن يصلّي خلفه عيسى بن مريم« المهديعليهالسلام » فسكنَتْ فاطمة من البكاء ثمّ أخْبَر جبرئيل النبيصلىاللهعليهوآله بقصّة الملك [ دردائيل ] و ما أُصيب به.
قال ابن عباس: فأخذ النبيصلىاللهعليهوآله الحسين فأشار به إلى السماء، ثم قال: اللهمّ بحق هذا المولود عليك لا بل بحقك عليه فارضَ عن دردائيل و رُدَّ عليه أجنحته و مقامه فردَّ الله تعالى أجنحته ومقامه « الحديث ».
فيا إخواني، أيها الحاضرون، فكّروا وأنصفوا هل بعد هذا الخبر وأمثاله وبعد هذه المناقشات والمحاورات التي دارت بيننا في هذه الليالي العشرة، يبقى شك ويوجد ريب عندكم، بأنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام هو الخليفة والإمام على أمة الإسلام بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، ومِن بعده الأئمة الكرام من أبنائه الهادين المهديين بأمر الله الخالق العلّام؟
ثم رفعتُ يدّي إلى السماء وقلتُ: اللهم اشهد أنّي كَشَفْتُ لهم الحقائق وأَوْضَحْتُ لهم طريق الحقّ من بين الطرائق بالدليل والإحتجاج، فإنْ رفضوه وأصرّوا على باطلهم فقد سلكوا سبيل الغيّ
____________________
١) السّفاح : هنا بمعنى الفصيح، القادر على الكلام، والرجل المعطاء، وليس بمعنى سفك الدّماء. راجع لسان العرب مادة (سفَحَ).
عن عناد ولجاج.
النوّاب يعلن تشيّعه
النوّاب: أيها السيد الجليل! أنا وجماعة من زملائي حضرنا كل مجالس البحث والحوار بكل ولع ولهفة واستمعنا المناقشات وتتّبعنا الأحاديث والمواضيع المطروحة بالفكر والدقّة شوقاً إلى معرفة الحق وكشف الحقيقة.
وقد ثبتَ عندنا وظهر لنا في كل ذلك بأنّ الحقّ معكم وفيكم. وكنّا نظنّ من قبل، عكس ذلك بل كنّا على يقين بأننا على حق وأنتم على باطل.
ولكن بعد المحاورات والمناظرات الكثيرة التي دارت بينكم وبين جمع من علمائنا في هذا المجلس العام وتناقلتها الصحف والمجلّات، ظهر الحق وزهق الباطل، وأنا على يقين بأنّ كثيراً من الحاضرين ومن البعيدين اللذين قرأوا الصحف وتتّبعوا المناقشات أيضاً سوف يعلنون ما نعلنه الآن أنا وزملائي وهم من الأعيان والشخصيّات المعروفة في هذه البلاد، أمّا أنا فإسمي نوّاب عبد القيّوم، وزملائي هم: السيد أحمد عليّ شاه، وغلام إمامين، وغلام حيدر خان، وعبد الأحد خان، وعبد الصمد خان نُعلن أننا منذ الآن على مذهب الشيعة الإمامية، فإنّنا اعتنقنا مذهب أهل البيت، ونعلن في هذا المجلس بأنّ الإمام عليّ مع الحق والحق مع عليّعليهالسلام كما أعلن النبيصلىاللهعليهوآله ، ونعتقد بأنّه الخليفة الأوّل لرسول اللهصلىاللهعليهوآله وأنّ الذين تقدّموا عليه، إنما غصبوا حقّه وظلموه، ونعتقد بأنّ الأئمة بعده هم أبناؤه: الإمام الحسن سبط رسول
اللهصلىاللهعليهوآله ، وبعده الحسين شهيد كربلاء، وبعده التسعة المعصومون من أبناء الحسين. ونحن إنما تركنا مذهب آبائنا وطريقة أسلافنا عن علمٍ ويقين وإيمانٍ بما صِرنْا إليه واعتنقناه.
قلت: أحمد الله وأشكره إذ هداكم إلى الحق، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كُنّا لنهتدي لولا أنْ هدانا الله.
وأحمد الله وأشكره على ما وفّقني من بيان الحقّ وتوضيح الحقائق، وانا فَرِحٌ ومسرورٌ جدّاً بتشيّعكم واعتناقكم مذهب أهل البيتعليهمالسلام وأسأل الله تعالى أنْ يوفِّق الأخوة الآخرين أيضاً بالتفكّر والتحقيق وترك التّعصّب والعناد، فإنّ الحقّ واضحٌ لمن أراده.
ثم قمت من مجلسي وقام الجمع وأقْبَلَ نحوي النوّاب عبد القيّوم مع زملائه المتشيّعين المهتدين فاحتضنتُهم وعانقتهم وهم قَبِّلوا جبهتي وقبّلتهم.
فقال الحافظ مودِّعاً: إنّا فتنّا بحسن بيانكم وقوّة احتجاجكم وطيب أخلاقكم، وإنّ فراقكم يعزُّ علينا، ولو كانت مجالستكم تطول شهوراً ما مللناها وكنّا نلتزم بالحضور.
قلت: أشكر ألطافكم وحضوركم، وإنّ الأيّام بيننا كثيرة، وأنا أفارقكم وأسافر، على أمل الرجوع إليكم واللقاء معكم إن شاء الله تعالى.
ثم تقدَّم إليَّ سائر العلماء، وبعدهم الشخصيّات والأعيان الذين كانوا في المجلس، وكلٌّ أبدى أسفه من اختتام مجالسنا وكانوا يُبدون شوقهم ورغبتهم في استمرار المناقشات، وكنت أقول لهم: أسأل الله تعالى أنْ يوفّقني للسفر إليكم مرة أخرى وأنْ نجلس معكم ونحادثكم
أكثر مما جالسناكم وحادثناكم.
وهكذا انتهت الليالي العشرة والمحاورات، وكلٌّ من الطرفين كان متلهّفاً ومتعطّشاً لاستمرارها.
أسأل الله تعالى أنْ يوفِّق جميع المسلمين لقبول الحق وأنْ يفتحوا بينهم باب التفاهم والحوار السليم لمعرفة الحق والصراط المستقيم، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
نموذج من الصحف الهندية التي كانت تنشر هذه المحاورات والمناقشات آنذاك
نموذج من الصحف الهندية التي كانت تنشر هذه المحاورات والمناقشات آنذاك ، وتظهر فيها صورة المؤلف
آية الله العظمى السيّد أبو الحسن الأصفهاني «طاب ثراه» مرجع الشيعة في زمانه في النجف الأشرف
أجازة الرواية والنقل من آية الله العظمى السيّد أبو الحسن الأصفهاني « طاب ثراه» منحها للمؤلف « رحمه الله »
المرحوم آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي « طاب ثراه »
أجازة الرواية والنقل من آية الله العظمى السيد شهاب الدين المرعشي « طاب ثراه» منحها للمؤلف « رحمه الله تعالى »
الزعيم محمد سَرْوَرْ خان قزلباش «طاب ثراه» تتعلق الصورة بصفحة ٩
آية الله السيّد قاسم «بحر العلوم» جدّ المؤلف «طاب ثراه» وهو يتوسط إخوانه وأبنائه (معلوم بعلامة =)
تتعلق الصورة بصفحة ١٩
آية الله السيد علي أكبر «أشرف الواعظيين» والد المؤلف « رحمة الله عليهما» يتوسط أبنائه، والجالس بجانبه أخوه، ويبدو في الصورة المؤلف «معلوم بعلامة =». تتعلق الصورة بصفحة ١٩
مشهد السيّد الأمير محمد العابد إبن الإمام موسة بن جعفرعليهمالسلام - الجد الأعلى للمؤلف في شيراز تتعلق الصورة بصفحة ٤٨
مشهد السيد الأمير أحمد إبن الإمام موسى بن جعفرعليهمالسلام في شيراز تتعلق الصورة بصفحة ٥٥
آية الله السيد حسن الواعظ الشيرازي «طاب ثراه» يتوسط أبنائه (معلوم بعلامة )
وعلى يمينه السيّد قاسم بحر العلوم وهو جدّ المؤلف «رحمه الله». تتعلق الصورة بصفحة ٧٢
صورة من تشييع جثمان جدّ المؤلف طاب ثراهما في مدينة كرمانشاه وهو في طريقه إلى مدينة كربلاء المقدسة ليدفن بها تتعلق الصورة بصفحة ٧٤
صورة من صلاة الجماعة بإمامة آية الله العظمى السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي «طاب ثراه» في مشهد الإمامين العسكريينعليهماالسلام في سامراء بالعراق تتعلق الصورة بصفحة ٧٥
آية الله العظمى المرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري «طاب ثراه» مرجع الشيعة في زمانه في ايران. تتعلق الصورة بصفحة ٧٦
صورة من صلاة الجماعة بإمامة آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري «طاب ثراه» في مشهد السيدة الفاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفرعليهمالسلام بمدينة قم المقدسة في ايران تتعلق الصورة بصفحة ٧٦
صورة من صلاة الجماعة بإمامة آية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني « طاب ثراه» في مشهد الإمام عليعليهالسلام في النجف الاشرف تتعلق الصورة بصفحة ٧٦
الفهرس
كلمة الناشر ١
مقدمة المترجم ٣
السفر إلى سيالكوت ٩
في بيشاور ١٠
موضوع البحث ١١
من بركات المنبر ١٢
المجلس الأوّل ١٥
بدء المناظرة ١٧
شجرة المؤلّف ١٩
أولاد البتول عليهاالسلام ذريةُ الرسول صلىاللهعليهوآله ٢٢
الاستدلال بكتب العامة ورواياتهم ٢٤
صلاة العشاء: ٣٤
مسألة الجمع أو التفريق بين الصلاتين ٣٥
الجمع بين الصلاتين عند علماء الفريقين ٣٩
عود على بدأ ٤٧
التشاور دأب النبلاء ٥١
ترجمة الأمير السيّد أحمد ٥٣
اكتشاف الجسد الشريف ٥٤
ترجمة الأمير السيّد علاء الدين حسين ٥٦
ترجمة الأمير السيّد محمد العابد ٥٨
لماذا دُفن الإمام علي عليهالسلام سرّاً؟ ٦٠
شهادة زيد بن عليّ عليهالسلام ٦١
شهادة يحيى بن زيد ٦٤
سرّ وصيّة الإمام أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام ٦٦
اكتشاف قبر الإمام أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام ٦٧
أبناء إبراهيم المجاب ٧٠
هجرتنا إلى طهران ٧٢
المجلس الثاني ٧٩
حقيقة الشيعة وبدايتها ٨٦
مقام هؤلاء الأربعة في الإسلام ٩٧
التشيّع ليس حزباً سياسياً ٩٩
أسباب تشيّع الإيرانيّين ١٠١
دولة آل بويه ١٠٥
شيعة إيران في عهد المغول ١٠٧
الإسلام يرفض التعصّب القومي ١١١
التمييز العنصري سبب الحروب ١١٣
الغلاة ليسوا من الشيعة ١١٥
الصلاة والسلام على الآل سُنّة ١٢٤
المجلس الثالث ١٢٩
مذهب الزيدية ١٣٠
الكيسانية ١٣١
القدّاحية ١٣٢
الغلاة ١٣٣
خلاصة عقائدنا ١٣٤
ردّ الإجماع المزعوم ١٤٠
رؤية الله سبحانه ١٤١
الأخبار الخرافية ١٤٤
خبر عن إمامنا الحسين عليهالسلام(١) ١٥٠
أقسام الشرك ١٥٨
«الشرك الجليّ» ١٥٨
«النذر عندنا» ١٦١
«الشرك الخفي» ١٦٣
الشرك في الأسباب ١٦٥
الشيعة نزيهون من أنواع الشرك ١٦٦
عقيدة الشيعة في التوسّل ١٦٨
آل محمّد صلىاللهعليهوآله هم الوسيلة ١٦٩
حديث الثقلين ١٧٠
حول البخاري وصحيحه ١٧١
النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله في الصحيحين ١٧٤
«احتياطات البخاري» ١٧٦
بعض مصادر حديث الثقلين ١٧٧
حديث السفينة ١٧٩
قتل الشهيد الأوّل ١٩٢
قتل الشهيد الثاني ١٩٣
كلام خان خيوه ١٩٧
هجوم الأزبك ١٩٨
قتل الشهيد الثالث ٢٠٠
في آداب زيارة أمير المؤمنين عليهالسلام ٢٠٣
«صلاة الزيارة والدعاء بعدهما» ٢٠٤
«تقبيل قبور الأئمّة عليهالسلام وعتبة روضاتهم المقدّسة» ٢٠٥
بقاء الروح بعد الموت ٢٠٨
دفاع الشيخ عبد السلام عن معاوية ويزيد ٢١١
ردّنا على كلام الشيخ ٢١٢
دلائل كفر يزيد العنيد ٢١٤
جواز لعن يزيد ٢١٦
رمز قبر الجنديّ المجهول ٢٢٢
هدم قبور أهل البيت عليهمالسلام في البقيع ٢٢٤
المجلس الرابع ٢٢٧
معنى الإمام في اللغة ٢٢٩
سدّ باب الاجتهاد عند العامّة ٢٣٠
انفتاح باب الاجتهاد عند الشيعة ٢٣١
السياسة تحصر المذاهب في أربعة ٢٣٣
الأئمّة الأربعة ٢٣٦
مقام الإمام عند الشيعة الإمامية ٢٤٠
مراتب الأنبياء ٢٤٤
النبوّة الخاصّة ٢٤٥
إثبات مرتبة النبوّة ٢٤٧
إسناد حديث المنزلة ٢٤٨
شرح أحوال الآمدي ٢٥٠
حكم الخبر الواحد عند العامة ٢٥٣
المجلس الخامس ٢٧٣
يوم الإنذار ٢٨٤
تصريحات اُخرى في خلافة عليٍّ عليهالسلام ٢٨٦
نقل حديث في فضل أبي بكر ٢٩٩
أبي هريرة ٣٠١
ابن عبد ربّه ٣٠٥
ابن حزم ٣٠٨
مفتريات ابن تيميّة ٣٠٩
الكلام في ذم أبي هريرة ٣١٤
أبو هريرة مع بسر بن أرطأة ٣١٦
الحديث في فضل أبي بكر ٣٢٢
أحاديث مدسوسة ٣٢٤
أهل الجنّة كلّهم شباب ٣٢٦
أحبّ الرجال إلى النبيّ عليٌّ عليهالسلام ٣٣٧
خبر الطائر المشويّ ٣٣٩
نحن نتّبع الحقّ! ٣٤٥
الصحبة ليست فضيلة ٣٥٥
حقائق لا بُدّ من كشفها ٣٥٦
السكينة والتأييد من خصوصيات النبيّ صلىاللهعليهوآله ٣٥٩
المجلس السادس ٣٦٣
الآيات النازلة في شأن عليّ عليهالسلام ٣٦٥
النبيّ صلىاللهعليهوآله مربّي علي عليهالسلام ومعلّمه ٣٦٩
عليّ عليهالسلام أوّل من آمن ٣٧٢
شبهة على الموضوع وردّها ٣٧٧
فضيلة سبق عليّ عليهالسلام إلى الإيمان ٣٧٩
ميزة إيمان عليّ عليهالسلام ٣٨٣
عليٌّ عليهالسلام أفضل الأمّة ٣٨٥
عليُّ عليهالسلام أفضل بدليل المباهلة ٣٩١
فضيلة المبيت على فراش النبيّ صلىاللهعليهوآله ٣٩٤
مصادر قول عمر ٤٠٠
عليّ عليهالسلام حبيب الله ورسوله صلىاللهعليهوآله ٤١٦
إعطاؤه الراية يوم خيبر ٤١٨
سيرة عثمان ٤٢٦
توليته بني اُميّة ٤٣٠
فجور واليه في الكوفة ٤٣٥
أسباب الثورة ٤٣٨
موقف عليٍّ عليهالسلام ٤٤١
موقف الصحابة من عثمان ٤٤٣
موقف عثمان من صحابة النبيّ صلىاللهعليهوآله المقرّبين ٤٤٨
إيذاؤه عمّار بن ياسر ٤٥٢
إيذاؤه أبا ذرّ الغفاري ٤٥٣
أبو ذر أصدق الناس ٤٥٩
عليّ عليهالسلام مصداق ( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) ٤٦٢
مقايسة بين علي عليهالسلام وعثمان ٤٦٦
عفوه عن الأعداء ٤٦٨
معاوية يمنع وعليٌّ عليهالسلام يسمح ٤٦٩
آية الولاية ونزولها في الامام عليّ عليهالسلام ٤٧١
شبهات وردود ٤٧٤
عود على بدء ٤٧٨
شك عمر في نبوة النبي صلىاللهعليهوآله ٤٨١
هل يستمر الحوار؟ ٤٨٣
المجلس السابع ٤٨٩
علي عليهالسلام نفسَ رسول الله صلىاللهعليهوآله ؟ ٤٩٠
الاستدلال بآية المباهلة ٤٩٤
تفصيل المباهلة ٤٩٥
شواهد من الأحاديث ٤٩٩
استدلال آخر ٥٠٢
الإمام عليٌّ عليهالسلام جامع فضائل الأنبياء ٥٠٥
مقايسته بالأنبياء عليهمالسلام ٥٠٩
دعوى: إجماع الأمة على خلافة أبي بكر ٥١٨
إجماعٌ أم مؤامرة!! ٥٢٠
لا إجماعَ على خلافة أبي بكر ٥٣٤
مخالفة العترة لخلافة أبي بكر ٥٣٨
تفنيد الدليل الثاني ٥٣٩
عليٌّ عليهالسلام فاروقٌ بين الحقّ والباطل ٥٤٢
ردّ الدليل الثالث ٥٤٨
وثائق تاريخية ٥٥٦
فاجعة سقط الجنين ٥٦١
يلزم الدفاع عن المظلوم وإثبات حقّه ٥٦٣
شبهات وردود ٥٦٤
أبيات شعر للعلّامة الزمخشري ٥٦٥
إسناد حديث حبّ عليّ عليهالسلام حسنة ٥٦٧
البكاء على الحسين عليهالسلام سُنّة نبويّة ٥٧٢
فوائد المجالس الحسينية ٥٧٧
نهضة حسينية.. لا حكومة دنيوية ٥٨٢
خطبة الحسين عليهالسلام عند الخروج من مكّة ٥٨٥
ما هو سبب نهضة الحسين عليهالسلام ؟ ٥٨٧
نتيجة البحث ٥٩٣
فوائد زيارة مشاهد آل رسول الله صلىاللهعليهوآله ٥٩٥
المجلس الثامن ٦٠١
الفرق بين الإسلام والإيمان ٦٠٢
مراتب الإيمان ٦٠٣
لماذا ترفضون الشيعة!! ٦٠٦
لماذا نتّبع علي عليهالسلام وأبناءه ٦٠٧
نَتَّبعُ العلم والعقل ٦١٦
خلفاء النبي صلىاللهعليهوآله إثنا عشر ٦٢٠
الإمام الصادق عليهالسلام وموقعه العلمي ٦٢٣
ظهور المذهب الجعفري ٦٢٧
مطاعن الشيعة في الصحابة وزوجات النبي صلىاللهعليهوآله ٦٣٢
سبّ الصحابة لا يوجب الكفر ٦٣٣
احترام النبي صلىاللهعليهوآله لأصحابه ٦٤٠
رضا الله سبحانه عن الصحابة ٦٤٢
أصحابي كالنجوم! ٦٤٣
مأمرة لقتل النبي صلىاللهعليهوآله ٦٤٥
صحابة ولكن كاذبون ٦٤٦
بمن نقتدي في خلافة السقيفة؟ ٦٤٧
انحراف بعض الصحابة ٦٤٨
ضعف سند حديث «أصحابي كالنجوم» ٦٥٤
هل تلتزمون بعصمة الصحابة؟ ٦٥٥
صحابيُّ يشرب الخمر! ٦٥٦
من هم الصادقون؟ ٦٦١
نقض بعض الصحابة للعهود ٦٦٣
حديث الولاية في غدير خم ٦٦٣
تأكيد جبرئيل عليهالسلام بالبيعة لعلي عليهالسلام ٦٦٩
بعض الصحابة اتبعوا الهوى ٦٧٠
الغزالي و نقض عهد الولاية ٦٧٢
كتاب سرّ العالمين تأليف الغزالي ٦٧٣
ضريبة تجاهر السنة بالحق ٦٧٤
أ - اتهام ابن عقدة بالرفض ٦٧٤
ب - دفن الطبري في بيته ومقاطعة تشييعه!! ٦٧٥
ج - «قتلُ النسائي» ٦٧٦
ما معنى كلمة «مولى»؟ ٦٧٧
القرينة الثانية ٦٨٠
إحتجاج علي عليهالسلام بحديث الغدير ٦٨٦
القرينة الرابعة ٦٩٣
القرينة الخامسة ٧٠٠
الذين نقضوا العهد ٧٠٤
أكثرهم نقضوا العهد ٧٠٨
فدك وما يدور حولها ٧١٥
فدك حق فاطمة عليهاالسلام ٧١٦
هل الأنبياء لا يورّثون؟ ٧١٧
استدلال الزهراء عليهاالسلام وخطبتها ٧١٨
احتجاج علي عليهالسلام في فدك ٧٢١
ردّ الخليفة على فاطمة وعليٍّ عليهماالسلام ٧٢٢
استغراب ابن أبي الحديد(١) ٧٢٤
عقاب من سبَّ علياً عليهالسلام ٧٢٧
الدليل الثاني في ردّ أبي بكر ٧٣٠
الإمام علي وصي النبي صلىاللهعليهوآله ٧٣٣
مات النبي صلىاللهعليهوآله ورأسه في حجر علي عليهالسلام ٧٣٨
مفهوم الوصاية وأهمّيتها ٧٤١
خبر إنّ الرجل ليهجر ٧٤٦
تأسّف ابن عباس ٧٤٨
الحكم في امرأة ولدت لستة أشهر ٧٦٣
ردّ عمر بن عبد عبدالعزيز فدك ٧٦٧
المأمون وردّه فدك ٧٦٨
فدك كانت نحلة فاطمة عليهاالسلام ٧٦٩
توجيه العامّة عمل أبي بكر ٧٧١
خُزَيْمة.. ذو الشهادتين ٧٧٢
من هم الصادقون؟ ٧٧٤
عليٌ عليهالسلام مدار الحق والقرآن معه ٧٧٩
مَن أطاع علياً فقد أطاع الله ورسوله ٧٨٣
إشكال في شمول آية التطهير ٧٨٨
آية التطهير لا تشمل زوجات النبي صلىاللهعليهوآله ٧٨٨
عَوْداً إلى فدك ٧٩٢
مَنْ آذى علياً فقد آذى الله ٨٠٠
خطبة علي عليهالسلام ابنة أبي جهل كذبٌ وافتراء ٨٠٥
المجلس التاسع ٨١٥
الشيعة وعائشة!! ٨١٧
بغض عائشة لآل النبي صلىاللهعليهوآله ٨٢٠
إيذاء عائشة للنبي صلىاللهعليهوآله في حياته ٨٢٢
امتياز نساء النبي صلىاللهعليهوآله على سائر النساء ٨٢٥
خروج عائشة على أمير المؤمنين عليهالسلام ٨٢٦
فضائل الامام علي عليهالسلام ومناقبه ٨٣٢
عليٌ عليهالسلام خير البرية والبشر ٨٤٦
حبُّ عليّ إيمان وبغضه كفر ونفاق ٨٥١
يوماً على جمل ويوماً على بغل ٨٦٩
فرحة عائشة لشهادة الإمام علي عليهالسلام ٨٧٢
تناقضات عائشة في عثمان ٨٧٤
أم سلمة تُذِكِّر عائشة ٨٧٧
شورى.. أم ديكتاتورية!! ٨٨٣
خلافة الإمام علي عليهالسلام منصوصة ٨٨٦
خلافة عليّ عليهالسلام أقرب إلى الإجماع من خلافة غيره ٨٨٨
امتيازات الإمام عليّ عليهالسلام ٨٨٩
أصول الفضل والكمال ٨٩٠
طهارة نسب ومولد الإمام علي عليهالسلام ٨٩١
النبي صلىاللهعليهوآله وعليُّ عليهالسلام من نور واحد ٨٩٤
أجداد الإمام علي عليهالسلام وآباؤه مؤمنون ٨٩٦
آزر عم إبراهيم عليهالسلام ٨٩٦
دليل آخر ٨٩٨
إيمان أبي طالب عليهالسلام ٩٠١
الدلائل والشواهد على إيمان أبي طالب عليهالسلام ٩٠٥
لأبي طالب عليهالسلام حق على كل مسلم ٩٠٧
أشعار أبي طالب عليهالسلام في الإسلام ٩٠٨
إقرار أبي طالب عليهالسلام بالتوحيد ٩١١
موقف أبي طالب عليهالسلام من النبي صلىاللهعليهوآله ٩١٢
معاوية خال المؤمنين!! ٩١٥
لم لا يُلَقَّب محمد بن أبي بكر بخال المؤمنين؟ ٩١٧
معاويةُ: قاتلُ الإمام الحسن عليهالسلام ٩١٧
هل كان معاويةُ كاتباً للوحي؟ ٩١٩
دليل كفر معاوية وجواز لعنه ٩٢٠
معاويةُ.. قاتل المؤمنين ٩٢٢
غارةُ بسر بن أرطاة ٩٢٣
معاوية يأمرُ بلعن الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام !! ٩٢٦
لا يبغض علياً إلّا كافر أو منافق ٩٣٠
الصحابة أخيارٌ وأشرار ٩٣٢
دلائل أخرى على إيمان أبي طالب عليهالسلام ٩٣٩
إسلام جعفر بأمر أبيه ٩٤٠
شواهد أخرى على إيمان أبي طالب عليهالسلام ٩٤١
نحن أهل السنّة وأنتم الرافضة ٩٤٨
دليلنا في تشريع الزواج المؤقَّت ٩٥٠
روايات المتعة عن طريق أهل السُنّة ٩٥٢
حكم المتعة غير منسوخ في القرآن ٩٥٩
هل يجوز للمجتهد أن يخالف النصّ؟ ٩٦٢
الكعبة مولد الإمام عليّ عليهالسلام ٩٦٧
اسم «عليّ عليهالسلام » نَزَلَ من عند الله تعالى ٩٧٠
زهد الإمام عليّ عليهالسلام وتقواه ٩٧٧
زهده في ملبسه ٩٨١
ضرار بن ضرمة يصف علياً عليهالسلام ٩٨٢
الزهد عطيّة الله تعالى لعليّ عليهالسلام ٩٨٤
عليٌ عليهالسلام امام المتقين ٩٨٥
فاقضوا أيها المنصفون!! ٩٨٩
سكوت بعض الأنبياء واعتزالهم عن أممهم ٩٩١
تشابه أمر عليّ عليهالسلام بهارون ٩٩٣
لماذا قعد عليّ عليهالسلام ولم يُطالب بحقه؟ ٩٩٧
أسباب قعود علي عليهالسلام ٩٩٨
هل الخطبة الشّقشقية للإمام علي عليهالسلام ١٠٠٢
الخطبة الشقشقيّة كانت قبل مولد الرضيّ ١٠٠٣
المجلس العاشر ١٠٠٧
سؤالٌ: حول علم عمر ١٠٠٧
كلّ الناس افقه من عمر حتى ربّات الحجال ١٠١٠
إنكار عمر موتَ رسول الله صلىاللهعليهوآله ١٠١١
لولا عليّ عليهالسلام لهلكَ عمر ١٠١٣
قضية الزناة الخمسة ١٠١٣
قضية الزانية الحامل ١٠١٤
المجنونة التي زَنَت ١٠١٥
عمر: لا يعرف التيمّم وأحكامه!! ١٠٢٣
إحاطة الإمام عليّ عليهالسلام بالعلوم ١٠٢٥
اعتراف معاوية وإقراره بعلم الإمام عليّ عليهالسلام ١٠٢٧
عجْزُ عمر في حلّ المعضلات وخضوعه لعليّ عليهالسلام ١٠٢٧
الإمام علي عليهالسلام وخلافة مَن سبقوه ١٠٣١
مَثَل مناسب ولا مناقشة في الأمثال ١٠٣٢
لا يصح اختيار دينٍ بغير دليل ١٠٣٤
ماهو دليلي على اختياري التّشيع؟ ١٠٣٦
الآيات والروايات في لزوم طاعة عليّ عليهالسلام ١٠٣٨
إتحاد المسلمين ١٠٤١
فتوى أبي حنيفة: بجواز الوضوء بالنبيذ ١٠٤٦
غسل الرجلين في الوضوء مخالفٌ للنصّ القرآني ١٠٥٠
فتواهم بجواز المسح على الخفّ ١٠٥٢
فتواهم بجواز مسح العمامة ١٠٥٣
لماذا تفرّقون بين المسلمين؟ ١٠٥٤
لماذا نسجد على التربة؟ ١٠٥٦
لماذا السجود على التربة الحسينية؟ ١٠٥٧
السجود على تراب كربلاء غير واجب عندنا ١٠٥٨
فضيلة السجود على تربة كربلاء ١٠٥٩
اهتمام النبي صلىاللهعليهوآله بتربة كربلاء ١٠٦٠
الرجوع الى موضوع نقاشنا في الليلة الماضية ١٠٧٢
الله جلّ جلاله عَزَلَ أبا بكر ونصب علياً عليهالسلام ١٠٧٧
لماذا عَزَلَ النبي صلىاللهعليهوآله أبا بكر؟ ١٠٧٩
النبي صلىاللهعليهوآله بعث علياً سفيراً إلى اليمن ١٠٨٥
عليٌّ عليهالسلام هادي الأمّة بعد النبي صلىاللهعليهوآله ١٠٨٧
الفرق بين السياسة الدينية والدنيوية ١٠٨٨
أسباب الاضطرابات والحروب ١٠٩٠
في خلافة الإمام عليّ عليهالسلام ١٠٩٠
إخبار النبي صلىاللهعليهوآله عن حروب عليّ عليهالسلام بعده ١٠٩٦
لا يعلم الغيب إلّا الله سبحانه ١١٠٤
الله سبحانه يفيض من علمه على من يشاء ١١٠٥
الخلفاء الإثنا عشر عندهم علم الغيب ١١٠٨
الإمام علي عليهالسلام باب مدينة علم رسول صلىاللهعليهوآله بنصّ أحاديثكم ١١١٣
جملة من مصادر العامّة للحديث ١١١٤
حديث: أنا دار الحكمة وعلي بابها ١١٢٠
علي عليهالسلام عالم بظاهر القرآن وباطنه ١١٢٣
عليٌ تلميذُ رسول الله صلىاللهعليهوآله ١١٢٦
الإمام الرضا عليهالسلام يخبر عن موته من الجفر والجامعة ١١٣١
الصحيفة السماويّة ١١٣٢
مصادر قوله: سلوني قبل أن تفقدوني ١١٣٥
الإمام علي عليهالسلام يخبر عن قاتل ولده الحسين عليهالسلام ١١٣٩
اخباره عليهالسلام عن عاقبة خالد بن عرفطة ١١٣٩
إخباره عليهالسلام عن حكومة معاوية وظلمه للشيعة ١١٤٠
إخباره عليهالسلام عن مقتل ذي الثدية ١١٤١
إخباره عليهالسلام بأنّ ابن ملجم قاتله ١١٤٦
يجب تقديم الأعلم والأفضل ١١٤٨
جوابه عليهالسلام عن الكرات السماوية ١١٥٣
حديث مع المستشرق الفرنسي مسيو جوئن ١١٥٤
مقال جوستاف لوبون في تأثر الغرب بالتمدن الإسلامي ١١٥٦
الإمام علي عليهالسلام والإكتشافات الحديثة ١١٥٩
ابن أبي الحديد يصف علوم الإمام علي عليهالسلام ١١٦١
في ذكرى ميلاد الإمام الحسين عليهالسلام ١١٦٢
النوّاب يعلن تشيّعه ١١٦٥
الفهرس ١١٨٥