آلاء الرحمن في تفسير القرآن- الجزء 1
التجميع تفسير القرآن
الکاتب آية الله الشيخ محمد جواد البلاغي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404


آلآءُ الرَّحْمنْ

في

تفسير القرآن

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وله الحمد وهو المستعان والصّلاة والسّلام على خيرته من خلقه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله سيد المرسلين وآله الطاهرين المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين (وبعد) ففي فجر سعادة البشر وتبلج صبح الهدى ورسالته، أشرق نور القرآن الكريم على العالم من أفق الوحي على الرسول الأمين الصادع بأمر ربّه، فكان باعجازه الباهر حجّة على وحيه وبفضائله الفائقة دليلا على فضله وبسناه الوضاح هاديا إلى أتباعه، يعرّفك في كل باب من أبواب معارفه السامية أنّه تنزيلٌ من ربِّ العالمين. ولكن اختلاط اللسان واختلاف الزمان وتشعب الأهواء وتضارب الآراء أثارت من دون أنواره غباراً وجعلت على البصائر من الجهل غشاوة. وقد أوجب الله على عباده أن ينصروا الحقيقة بالبيان ويجلوا غبار الشكوك بالحجّة ويميطوا غشاوة الجهل بيد العلم الشافي. وقد نهض جماعة لتفسيره والإرشاد إلى منهج فهمه. فآثرت وأنا الأقل محمد جواد البلاغي أن أتطفل في هذا الشأن وأقتحم في هذا الميدان جاريا على ما تقتضيه أصول العلم متنكبا مالا حجّة فيه من نقل الأقوال، متحرّيا للاختصار مهما أمكن، مستعينا بالله ومستمدا من فضله وما توفيقي إلّا بالله عليه توكلّت وإليه أنيب. وقد سميّت الكتاب (آلاء الرّحمن في تفسير القرآن) وجعلت للمقصود مقدمةً فيها فصول وخاتمة


الفصل الأوّل في إعجازه

المعجز هو الذي يأتي به مدّعي النبوّة بعناية الله الخاصة خارقاً للعادة وخارجاً عن حدود القدرة البشريّة وقوانين العلم والتعلّم ليكون بذلك دليلا على صدق النبي وحجّته في دعواه النبوّة ودعوته.

وجه شهادة المعجز

ودلالته على صدق النبيّ في دعواه ودعوته ليس إلّا أنّ مدّعي النبوّة إذا كان ظاهر الصلاح موصوفا بالأمانة معروفا بصدق اللهجة والاستقامة لا يخالف العقل في دعوته وأساسيَّاتها لم يجز عقلا اظهار المعجز على يده إلّا إذا كان صادقاً في دعوى النبوّة ودعوتها. ألا ترى أنّه لو كان مع صفاته المذكورة كاذبا في دعواه لكان إظهار المعجز على يده وتخصيص الله له بالعناية إغراء للناس بالجهل وتوريطاً لهم في متاهات الضلال. وهذا قبيح ممتنع على جلال الله وقدسه.

توضيح ذلك

هو أنّ الناس بحسب فطرتهم التي لا تدنسها رذائل الأهواء والعصبيّة إذا ظهر لهم صلاح الشخص وصدقه وأمانته واستقامته فيما يعرفونه من أحواله وأطواره توسّموا بباطنه الخير وأنّ باطنه موافق لظاهره في الصلاح. وكلّما زادت خبرتهم بصلاح ظاهره زاد وثوقهم بصلاح باطنه. إلّا أنّه مهما يكن من ذلك فإنّه لا يبلغ بهم مرتبة العلم وثبات الاطمئنان بعصمته عن الكذب في دعواه وتبليغات دعوته فلا ينتظم تصديقهم له ولا يدوم انقيادهم إلى تبليغاته في دعوته. بل لا يزال اختلاج الشكوك يميل بهم يمينا وشمالا. لكن إذا خصته العناية الإلهية بكرامة المعجز وخارق العادة حصل العلم الثابت واطمأنت النفوس السليمة بصدقه وعصمته في دعواه وما يأتي به في دعوته. ويثبت اليقين وينتظم امره بالنظر إلى أنه يمتنع على جلال الله وقدسه في مثل هذه المزلقة أن يظهر المعجز وعنايته الخاصة على يد الكاذب المدلس بصلاح ظاهره. فإن اظهار المعجز حينئذ يكون مساعدةً للمدلس على تدليسه ومشاركةً له في إغوائه وإغراءً للناس في الجهل الضّار المهلك. وذلك لما ذكرناه من مقتضى فطرة الناس السليمة. فالمعجز الشاهد بصدق النبي في دعواه ودعوته هو ما يقوم بما ذكرنا من الفائدة في مثل ما ذكرناه من المقام والوجه


حكمة تنوع المعجز

ولا يخفى أنّ حصول الفائدة المذكورة من تنوّع المعجز المذكور يختلف كثيرا بسبب إ ختلاف الناس في أطوارهم ومعارفهم ومألوفاتهم. فربّ خارق للعادة يعرف بعض الشعوب أنّه خارق للعادة لا يكون إلّا بإرادة إلهيّة خاصة ويكون في بعض الشعوب معرضاً للشك أو الجحود لإعجازه وخرقه للعادة.

كان في عصر موسى النبي (ع) من الرائج بين المصريين صناعة السحر المبتنية على قوانين عادية يجري عليها التعليم والتعلم. فكانوا يعرفون ما هو جار على نواميس هذه الصناعة وما هو خارج عنها وعن حدود القدرة البشرية. ولأجل ذلك اقتضت الحكمة أن يحتجّ عليهم بمعجزة العصا التي ألقاها موسى (ع) أمام أعينهم فصارت ثعبانا تلقف ما يأفكون ويسحرون به الناس من الحبال والعصي ثم رجعت بعد ذلك عصا كحالها الأول ولم يبق لحبالهم وعصيّهم عين ولا أثر فإنّهم بسبب معرفتهم لحدود السحر عرفوا أنّ أمر العصا خارج عن صناعة السحر وعن حدود القدرة البشريّة ولذا آمن السحرة بأن أمرها من الله تعالى

وكانت فلسطين وسوريا في عصر المسيح مستعمرة لليونان وفيها منهم نزلاء كثيرون. فكان للطبّ فيها رواج ظاهر وكان في الفصل الثالث عشر والرابع عشر من سفر اللاويين من التوراة الرائجة تعليم طويل في تطهير القرع والبرص والقوبا بنحو يختص بروحانية الكهنوت ويوهم انه من بركات الكهنة والآثار الرّوحية وإن كان من نحو الحجر الصحي فلأجل ذلك كانت معجزات المسيح بشفاء الأبرص والأعمى والأكمه مما يعرفون انه خارج عن حدود الطب ومزاعم الكهنة وقدرة البشر ومن خارق العادة التي لا يكون إلّا بقدرة الله تعالى

حكمة كون المعجز للعرب هو القرآن

وأما العرب الذين ابتدأت بهم دعوة الإسلام في حكمة سيرها في الإصلاح فقد كانت معارفهم نوعاً منحصرة بالأدب العربي وكانوا خالين من سائر العلوم والصنائع الخاضعة للعلم والتعلم. فلم يكونوا يميزون حدودها العادية بحسب موازين العلم والتعلم وأسرار الطبيعيات المنقادة بقوانينها للباحث والممارس والمتعلم والمجرّب والمكتشف والداخلة تحت سيطرة العلم والتعلم. فلا يعرفون من الأعمال ما هو خارج عن هذه الحدود وخارق للعادة ولا يكون


إلا بإعجاز إلهيّ. فكل عمل معجز من غير الأدب العربي بمجرد مشاهدتهم له أو سماعهم به يسبق إلى أذهانهم ويستحكم في حسبانهم أنّه من السحر أو من مهارة أهل البلاد الأجنبيّة في الصنائع وتقدُّمهم في العلوم وأسرار الطبيعيّات وقوانينها. ولا يذعنون بأنّه معجز إلهي بل يسوقهم شك الجهل إلى الجحود خصوصا إذا كان ذلك يحتجّ به النبي على دعوى ودعوة ثقيلتين على ضلالتهم باهظتين لعاداتهم الوحشيّة وأهواء الجهل.

نعم برعوا بالأدب العربي وبلاغة الكلام التي تقدّموا فيها تقدُّما باهراً حتّى قد زهى في عصر الدعوة روضه الخميل وأينعت حدائقه وفاق مجده وقرَّروا له المواسم وعقدوا المحافل للمفاخرة بالرقيّ فيه. فرقت بينهم صناعته إلى أوج مجدها وزهرت بأجمل مظاهرها وأحاطوا بأطرافها وحدّدوا مقدورها. فعاد المرء منهم جدّ خبير بما هو داخل في حدود القدرة البشريّة وما هو خارج عنها ولا يصدر على لسان بشر ابتداءً إلّا بعناية إلهيّة خاصة خارقة للعادة البشريّة لحكمة إلهيّة شريفة.

ولذا اقتضت الحكمة الإلهيّة «ولله الحكمةُ البالغة» أن يكون القرآن الكريم هو المعجز المعنون والّذي عليه المدار في الحجّة لرسالة خاتم النبييّن وصفوة المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين. فانه يكون حجّة على العرب باعجازه ببلاغته وبعجزهم عن الإتيان بمثله أو بسورة من مثله. وبخضوعهم لاعجازه وهم الخبراء في ذلك يكون أيضا حجّة على غيرهم في ذلك. وأنّه هو الذي يدخل في حكمة المعجز والاعجاز في شمول الدّعوة للعرب وابتدائها بهم بحسب سيرها الطبيعي على الحكمة وبه تتمّ فائدة المعجز على وجهها

إمتيازه عن غيره من المعجزات

مضافا إلى أنّه امتاز عن غيره من المعجزات وفاق عليها بأكبر الأمور الجوهرية في شؤون النبوّة والرّسالة ودعوتها «فمن ذلك» أنّه باقٍ مدى السنين ممثّل بصورته ومادّته لكل من يريد أن يطلع عليه ويمارس أمره وينظر في أمره ويعرف كنهه وحقيقته. فهو بادٍ في كل آنٍ ومكان لكل من يطلب الحجّة على النبوة والرسالة ويريد النظر في حقيقة معجزها الشاهد لصدقها. ماثل لكل من يريد النظر في الحقائق ولا تحتاج معرفة حقيقته ووجه اعجازه إلى أساطير النقل ومماراة قال أو قيل. فلا يحتمل أمره: إنّه دبرت دعواه بليل، ولا يستراب من أمره باحتمال التمويه


بل ينادي هو بنفسه في كل زمان ومكان (هذا جناي وخياره فيه) وكله خيار فائق متفوق «ومن ذلك» أنّه بنفسه ولسانه وصريح بيانه قد تكفل بالاثبات لجميع المقدمات التي تنتظم منها الحجّة على الرسالة الخاصة وشهادة اعجازه لها. ولم يوكل أمر ذلك إلى غيره مما يختلج فيه الرّيب وتعرض فيه الشبهات وتطول فيه مسافة الاحتجاج وتكثر صعوباته : فالتفت واعرف ذلك من أمور

(الأول) أنّه تكفّل ببيان دعوى النبي للنبوّة والرّسالة كما في سائر النبوّات

(الثاني) أنّه تكفّل في صراحة بيانه بالشهادة للنبوّة والرّسالة فلم تبق حاجة لدلالة العقل ودفع الشبهات عنها

(الثالث) أنّه تكفّل في صراحته المتكررة ببيانه لكمالات مدّعي رسالته وأطرى بصلاحه وأخلاقه الفائقة كما هو معروف. فمهّد المقدمات اللازمة في البيان وصورة الاحتجاج بأنّه لو كان كاذبا لكان ظهور المعجزة له من الإغراء بالجهل القبيح الممتنع لقبحه على جلال الله وقدسه تعالى شأنه. وإليك فاسمع بعض ما جاء في القرآن في بيان هذه الأمور الثلاثة. ففي سورة الأعراف «١٥٧ :( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) وسورة النجم المكّية من الآية الثانية إلى الخامسة( ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إلّا وَحْيٌ يُوحى ) وفي سورة الفتح «٢٩ :( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) وفي سورة الأحزاب «٤٠ :( ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ) وفي أوائل سورة القلم المكية( ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) إلى قوله تعالى( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) وقوله تعالى( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) وفي سورة الأعراف «١٥٦ :( يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ) وفي سورة الأحزاب «٤٤ : و ٤٥( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إلى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً ) (الأمر الرابع) أنّه تكفل بنفسه دفع الموانع عن الرسالة والنبوّة إذ بين مواد الدّعوة وأساسياتها ومعارفها وقوانينها الجارية بأجمعها على المعقول من عرفانيها وأخلاقيها واجتماعيها وسياسيها فلا يوجد فيها ما يخالف المعقول ليكون مانعا عن النبوّة وفي سورة الاسراء المكية «٩ :( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) ودونك القرآن الكريم وحقق وتبصر وتنوّر فيما تضمنه من هذه المواد الشريفة( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ )


(الأمر الخامس) أنّه زاد على كونه معجزا بنفسه بأن كرّر النداء والمصارحة في الاحتجاج باعجازه وتحدّي الناس وأعلن بالحجة وهتف بهم هتافا مكررا مؤكدا بأن يعارضوه لو لم يكن معجزا ويأتوا بمثله أو بعشر سور أو سورة واحدة من مثله إنْ كان مما تناله قدرة البشر المحدودة وقد نادى بقرار الإنصاف والمماشاة وجعل لهم إنْ أتوا بعشر سور أو سورة من مثله أن تسقط عنهم هذه الدعوة ويستريحوا من ثقلها الباهظ لضلالهم ويدعوا من يستطيعون عقلا أنْ يدعوه من دون الله لو استطاعوا أو وجدوا إلى ذلك من المعقول سبيلا. جعل لهم ذلك من باب المماشاة والمجاراة في الحجّة تعليقا على المستحيل ولهم في ذلك المهلة والأناة ليعدّوا عدّتهم في المظاهرة والتعاون ففي سورة هود المكية «١٦ :( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) ١٧ :( فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ ) وفي سورة يونس المكية «٣٩ :( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) وفي سورة البقرة «٢١ :( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) فيما تدعونهم وتصفونهم به(٢٢) ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي ) وفي سورة الاسراء المكية «٩٠ :( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) هذا وقد مضت لهم عدة أعوام ودعوة الرسالة والإعذار والإنذار والاحتجاج بإعجاز القرآن دائمة عليهم وهم في أشد الضجر من ذلك والكراهية له والخوف من عاقبته. وفي أشد التألم من آثار الدعوة وتقدّمها وظهورها. وفي أشد الرغبة في أهوائهم وعاداتهم الوحشية ورئاساتهم والعكوف على معبوداتهم ومع ذلك لم يستطيعوا أن يعارضوا شيئا من القرآن الكريم ولو بأن يأتوا بسورة من مثله لكي تظهر حجّتهم وتسقط عنهم حجّة الرسول ويستريحوا من عناهم وقلقهم وآلامهم من دعوته التي شتتت جامعتهم الأوثانيّة وهدّدت رئاساتهم الوحشيّة وتشريعاتهم الأهوائيّة وفرّقت بين الأب منهم وبنيه والأخ وأخيه والزوج وزوجه والقريب وقريبه وكدّرت صفائهم ونافرت بين عواطفهم. وقد سامعهم في دعوته إصلاحا وخضوعا لم يكونوا يحتسبونه ولم يجدوا لذلك حيلة إلّا الجحود السخيف والعناد الشديد وقساوة الاضطهاد والاستشفاع بأبي طالب في ترك الرسول لدعوته أو تمرّدهم بالمثابرة الوحشية فاقتحموا فيها الأهوال وتجشّموا المصاعب وقتال الأقارب والاخوان ومقاساة الشدائد وذلة المغلوبيّة. فلما ذا


لم يتظاهروا بأجمعهم عشر سنوات أو اكثر ويأتوا بشيء من مثل القرآن الكريم ولو سورة واحدة ويفاخروا الرسول (ص) ويحاكموه في المواسم والمحافل التي أعدّوها لمثل ذلك فتكون لهم الحجّة والانتصار في الحكومة وقرار النصفة وينادوا بالغلبة ويستريحوا من عناء هذه الدعوة وتهديدها لضلالهم. فلماذا لم يفعلوا ذلك والقرآن والرسول قد دَعَواهم إلى ذلك تعجيزاً وهم هم وينابيع فصاحتهم وبلاغتهم غزيرة، وغرائزهم في الأدب العربي متدفقة، وقرائحهم سيالة، ومواد القرآن في مفرداته وتراكيبه من لغتهم، وأسلوبه من نحو صناعتهم التي لهم فيها الممارسة التامة والمهارة الفائقة والرّقي المعروف ولله الحجّة البالغة.

ولو كان هناك أقلّ قليل من المعارضة والإتيان بسورة واحدة من مثل القرآن لرفعه الضلال ناراً على عَلَمْ. واحتفلت فيه ألوف الألوف من أضداد الإسلام والقرآن. ولسجلّته دواوينهم في أقطار الأرض وأجيال الأمم. وتلقّوه بأحسن ابتهاج. وصالوا به أكبر صولة لأنّه الفيصل السلمي والحجّة الأدبية التي ما فوقها حجّة لهم في الجدل والبرهان. ولكن هل سمعت أنَّ أحداً نبس في ذلك ببنت شفة أو أجري فيه قلم. وإن أمر ذلك بمعزل عن داخلية الإسلام لكي يقال انّه أخفته شوكة المسلمين أو دسائس تواطيهم. بل إنّ بذرته ومغرسه وسوره وحفظه وحياطته ترجع إلى ألوف الألوف في كل جيل من أنصاره أضداد الإسلام والقرآن سواء كان ذلك قبل الهجرة أو بعدها أو بعد زمان الرسول (ص). ألا ترى أنّه بعد أن ضرب الإسلام بجرانه في جزيرة العرب بقي في اليمن وسوريا والعراق كثير من اليهود والنصارى وأمثالهم وهم الألوف أو ألوف الألوف من العرب أو من يعرف اللغة العربية ويتكلم بها ويتأدّب بآدابها. وأضف إلى ذلك المنافقين الذين كانوا يكيدون الإسلام جهد وسعهم في عصر الرسول وبعده. فهل يخفي هؤلاء ما هو ضالّتهم المنشودة. وسلاح سطوتهم. وعدّة صولتهم وأقطع حجّة لهم واكبر مدافع عن أديانهم؟ فإنّه لا عطر بعد عرس ولكن ماذا يصنعون بالعدم، وعدم القدرة من المتأخر على الاختلاق.

وممـّـا يشهد لما ذكرناه ويجلو تمثيله لبداهة الاعتبار أنّ اليد الأثيمة غلبت بسنوح الفرصة حتى على المحدّثين والمفسّرين فدّست في كثير من كتب التفسير خرافة الغرانيق وخرافة سبب النزول في آية التمني من سورة الحج كما نجده في اكثر التفاسير. فلوّثت قدس رسول الله (ص) بما شاءت وسنحت به لها الفرصة. وكذا قدس جميع الأنبياء والمرسلين في


حديثهم وتلاوتهم بحيث لا يبقى بهم أدنى وثوق في ذلك(١)

هذا في وجهة الاعجاز الذي تقوم به الحجّة على العرب. وإنّ للقرآن المجيد أيضا وجوها من الإعجاز مما يشترك في معرفتها كل بشر ذي رشد إذا اطلع عليها. وهي عديدة نشير إلى بعض منها في هذا المختصر

إعجازه من وجهة التاريخ

لا نقول بذلك بمحض إخباره عن الحوادث الماضية والأمم الخالية وإن كان رسول الله الذي جاء به لا يقرأ ولا يكتب ولم يدخل مدرسة ولم يمارس تعلما. كما هو المعلوم من تاريخ حياته (ص). فإنّه يمكن أن يقال إنّ هذا الإخبار المذكور ممكن في العادة لنوع البشر وإن كان معرضا للعثرات التي لا تقال. بل نقول إن القرآن الكريم اشترك في تاريخه في بعض القصص مع التوراة الرائجة التي اتفق اليهود والنصارى على انها كتاب الله المنزّل على رسوله موسى فأوردت هذه التوراة تلك القصص وهي مملوءة من الخرافات أو الكفر أو عدم الانتظام الذي تشابه فيه كلام المبتلى بالبرسام : فمن ذلك قصة آدم في نهي الله له عن الأكل من الشجرة وما فيها من الخرافات والكفر بنسبة الكذب والخداع إلى الله جلّ وعلا وسائر شؤون القصّة على ما جاء في الفصل الثالث من سَفْر التكوين : ومن ذلك ما جاء في الفصل الخامس عشر منه من شكّ إبراهيم في وعد الله له بإعطائه الأرض في سوريا ومن ذكر العلامة في ذلك ومن ذلك ما جاء في الفصل الثامن عشر والتاسع عشر في مجيء الملائكة إلى إبراهيم بالبشرى باسحاق وإخباره بأمر هلاك قوم لوط ومن حكاية ذهابهم إلى لوط وخطابهم معه. ومن ذلك ما جاء في الفصل الثالث من سفر الخروج في خطاب الله لموسى من الشجرة وفي أواخره ما حاصله أنّ الله جلّ شأنه افتتح الرسالة لموسى بالتعليم بالكذب ومن ذلك ما جاء في الفصل الثاني والثلاثين في سفر الخروج في أنّ هارون هو الذي عمل العجل ليكون إلها لبني إسرائيل ودعى لعبادته وبنى له رسوم العبادة فانظر إلى هذه القصص في مواردها المذكورة من التوراة الرائجة، والقرآن الكريم أورد القصّة الأولى في سورتي الأعراف وطه ـ والثانية في أواخر سورة البقرة، والثالثة في سورتي هود والذاريات والرابعة، في سور طه والنمل والقصص ـ

__________________

(١) فانظر في الجزء الأوّل من كتاب الهدى في صفحة ١٢٣ ١٢٨ والجزء الاوّل من الرحلة المدرسية في صفحة ٣٧ و ٣٨.


والخامسة في سورتي طه والأعراف فجاءت هذه القصص بكرامة الوحي الإلهي منزّهة عن كل خرافة وكفر وعن كل ما ينافي قدس الله وقدس أنبيائه. جارية على المعقول، منتظمة الحجة، شريفة البيان. وذلك مما يقيم الحجّة ويوجب اليقين بأنه لا يكون إلّا من وحي الله ولا يكون من بشر بما هو بشر مثل رسول الله الذي لم يمارس تعلما في المعارف الإلهية ولم يتخرّج عن مدرسة ولم يتربّ إلّا بين أعراب وحشيين وثنيين على أوحش جانب من الوحشية والوثنية. بل لو مارس جميع التعاليم وتخرج من جميع الكليات لما أمكنه أن يتنزّه وينزه معارفه وكلامه من أمثال هذه الخرافات الكفريّة.

لم يكن في ذلك العصر وما قبله إلّا تعاليم اليهود والنصارى. وأساسها في الديانة مبنيّ على ما أشرنا إليه من خرافات التوراة الرائجة فهم عكوف عليها في عبادتهم ومواسمهم وتعاليمهم ومدارسهم. أو تعاليم الوثنيين ومنهم قومه. تلك التعاليم الجهلية الخاسئة. أو تعاليم المجوس المتشعبة من كلا التعليمين المذكورين فإنّه صلوات الله عليه لو كان أخذ القصص المذكورة من ذات التوراة الرائجة بالإتقان أو من الروحانيين المسيطرين على تعليمها وأراد أن يتقوّل بها على الوحي تزلفا أو مخادعة لهم ليستجيبوا إلى اتباع دعوته لأتى بها على ما في التوراة من الخرافة والكفر. ولو كان أخذها سطحيا من أفواه الرجال كما يأخذ الأميّ من ألسن العامة لزاد عليها أضعاف خرافاتها وكفرها كما تستلزمه وتوجبه أميّته وتربيته وجهل قومه وبلاده ووحشيّتهم ووثنيّتهم لكن (إنْ هو إلّا وحيٌ يوحى) إلى رسول لا تأخذه في تبليغ الحقائق لومة لائم أو مخالفة أمم. فانظر إلى تفصيل ذلك في الجزء الأوّل من الرحلة المدرسية(١) وعلى هذا النحو يجري الكلام فيما ذكر في العهد القديم الذي يعدّه أهل الكتاب من الوحي الصادق حيث نسب إلى أيّوب أشنع الاعتراض على الله والجزع من قضائه ونسبة الظلم إليه جلّ وعلا وطلب المحاكمة معه حتى أنه صار يوبخ واعظيه والناهين له عن هذه الجرأة ويسفه رأيهم. ونسب الزنا إلى داود بأشنع وجه. ونسب إلى سليمان أنّه تمادى في تأييد الشرك بالله والعبادة الأوثانية وكثر منه بناء المباني لعبادة الأوثان. وقد كثرت مصائب الأناجيل في القدح بقدس المسيح مع صغر حجمها وقلة مكتوبها فنسبت إلى قدسه شرب الخمر وتكرّر الكذب والأحوال المنافية للعفة وانتهاره لوالدته وقدحه في قداستها والقول بتعدد

__________________

(١) صحيفة ٧ ١١ و ٤١ و ٤٢ و ٤٣ ٤٦ و ٤٧ و ٥٨. و ٣٠ ٣٤.


الآلهة والأرباب وغير ذلك مما سنشير اليه. وجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بوحي قرآنه منزّها لهؤلاء الأنبياء ومبرّءا لهم عن هذه الوصمات الشنيعة فانظر إلى تفصيل ذلك في الجزء الأول من كتاب الهدى(١) وعلى هذا النحو يجري الكلام أيضا فيما ذكر في التوراة والعهد القديم من القصص الخرافية المنافية لجلال الله وقدس أنبيائه وشرفهم وشرف عائلاتهم كما في خرافات إختباء آدم عن الله، وبرج بابل. وشأن لوط مع الخمر وابنتيه والمصارعة مع يعقوب ومخادعة يعقوب لأبيه وتكرر كذبه عليه. وقصة يهوذا مع كنته ثامار وولادة سبط يهوذا الذي منهم داود وسليمان وكثير من الأنبياء. وقصة امنون بن داود وابن عمه مع أخته ثامار وملاعب شمشون. ومشورة الله جل شأنه مع جند السماء في إغواء آخاب ملك إسرائيل(٢) وكثير من ذلك

ولأجل أنّ القرآن الكريم كلام الله القدّوس ووحيه لم يذكر شيئا من ذلك ولو كان من إختلاق رسول الله (ص) كما يزعم الظالمون لامتنع في العادة على البشريّة وأغراضها وتزلفاتها أن لا يذكر شيئا من ذلك مع ما فيها من القعقعة التاريخية. وإنّ البشر الذي يتطلّب قصص العهدين ويذكرها في كلامه وأغراضه لا يفوته ما أشرنا إليه.

إعجازه في وجهة الاحتجاج

نهض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لتعليم البشر وتنوير بصائرهم في عصر الظلمات والجهل والعمى، ولإرشادهم إلى حقائق المعارف التي حجبتها ظلمات الضلال المتراكمة في تلك العصور المظلمة تلك الظلمات التي استولت على ارجاء العالم بحيث لم تدع أن ينقدح من نور الحق للعقول المغلوبة أقل بصيص فجاء (ص) في قرآنه بكثير غزير من الحجج الساطعة على أهمّ المعارف وأشرفها. تلك الحجج الجارية على أحسن نهج وأعمّه نفعا في الاحتجاج والتعليم. جاء بها على أرقى نحو يستلفت العامي إلى نور الغريزة الفطرية فيمثله لشعوره. والى سناء البديهيات فيجلوه لإدراكه. ويجري بمؤدى تلك الحجج مع الفيلاسوف في قوانين المنطق وتنظيم قياساته على أساسيات المعقول. فاحتجّ على وجود الإله ولوازم إلهيته، وعلمه وقدرته وتوحيده.

__________________

(١) صفحة ١٠٠ ١١٠ و ١١٢ ١١٦ و ٢٢٧ ٢٣٢.

(٢) أنظر إلى ذلك في سفر (لتكوين في الاصحاح الثالث. والحادي عشر. والتاسع عشر. والتاسع والعشرين. والثامن والثلاثين. وفي الثالث عشر من صموئيل الثاني. والرابع عشر إلى السابع عشر من سفر القضاة. والثاني والعشرين من الملوك الأول. والثامن عشر من الأيام الثاني


وعلى المعاد الجسماني، وعلى أنَّ القرآن وحي إلهي، وعلى صدق الرسول في دعوته، فلا يكاد يوجد في شيء من هذه الحجج خلل عرفاني أو وهن أدبي أو شائبة اختلاف أو شائنة من تناقض. فإذا فرضت أي بشر يكون في ذلك العصر المظلم ومثلت نشأته وتربيته بين الأعراب الوحشيين الوثنيين في تلك البلاد الماحلة من كل تعليم والقاحلة من كل فضيلة في المعارف وانه لم يتعاط تعلما ولا تأدّبا على معلم ولا قراءة مكتوب ولا دراسة كتاب علمت انه يمتنع عليه في العادة بما هو بشر وبلا وحي إلهي إليه أن يأتي ببيان المعارف الصحيحة والمناقضة للجهل العام في عصره وبيئته وقومه ويحتج عليها بتلك الحجج النيرة القيمة على ذلك المنهاج الممتاز بفضيلته.

وإن شئت أن تزداد بصيرة فيما ذكرناه فانظر إلى ما في الأناجيل مما نسبته إلى احتجاجات المسيح وحاشا قدسه منه ومما ذكرته من الحجج الساقطة الفاسدة على أمور أكثرها ضلال أو غلط كالاحتجاج على تعدد الآلهة وعلى تعدد الأرباب، وعلى المنع من الطلاق. وانظر إلى ما اشتملت عليه من الغلط والتحريف. نعم ذكرت الاحتجاج على القيامة من الأموات ولكن ماذا جاءت به من الغلط والخبط في الحجّة واحوال القيامة. وإن شئت الاطلاع على شيء من ذلك فانظر في الجزء الأوّل من كتاب الهدى صفحة ١١٢ ـ ١١٦ و ١٩٧ و ٢٠٥ والجزء الأول من الرحلة المدرسية صفحة ٧٣ و ٣٢ ـ ٣٩.

إعجازه من وجهة الاستقامة والسلامة من الاختلاف والتناقض

قد خاض القرآن الكريم في فنون المعارف والإصلاح مما يتخصص فيه الممتازون بالرقي في أبواب الفلسفة والسياسة والخطابة والإصلاح من علم اللاهوت أو الأخلاق أو التشريع المدني والتنظيم الإداري أو الفن الحربي. أو البشرى والترغيب بالجزاء أو الإنذار والتهديد بالنكال. أو الحجج والأمثال. أو تذكرة المواعظ والعبر. وجرى من ذلك في الميادين الشريفة بأحسن أسلوب وأقوم منهج وبلغ في جميع ذلك أكرم الغايات وأعلاها في الرقي وهو يكرر بحسب الحكمة كثيرا من قصصه ومقاصده وفي جميع ذلك لم تشنه زلة اختلاف ولا عثرة تناقض ولا وهن اضطراب ولا سقوط حجّة ولا فساد مضمون ولا سخافة بيان. وها هو بارز في جميع العالم لكل من يريد الهدى والفحص والتدبر ينادي بابهة الافتخار وجمال السداد وشوكة الاستظهار( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) (١) ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ

__________________

(١) سورة الاسراء : ٩


لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) (١) منتشرا في أبوابه ومقاصده. فهل يمكن في العادة أن يكون كل هذا من بشر قد ذكرنا لك عصره ونشأته وتربيته وبلاده وقومه وجهلهم الوحشي الوثني ولك العبرة بكتب العهدين وهي التي منذ قرون عديدة يصفق لاستحسانها اكثر العالم المفتخر بالعلم والتمدّن وينسبونها بكمال الاحتفال إلى كرامة الوحي ـ فكم وكم يوجد فيها من الوهن والسقوط والاختلاف والتناقض وقد ذكر شيء من ذلك في كتب إظهار الحق والهدى، والرحلة المدرسية. واعتبر أيضا بأنَّ كل واحد من الأناجيل لا يزيد على صحيفة أسبوعيّة وقد كثر فيها الخبط والتناقض والاختلاف إلى حد مهول مدهش وقد ذكر شيء منه في الجزء الاوّل من كتاب الهدى صفحة ١٩٦ ـ ٢٣٤ وأيضا إنّ الأناجيل وكتب العهد الجديد مؤسسة على أنّ كتب العهدين الرائجة هي كتب وحي إلهي صحيحة. إذن فاعتبر بأنه كم وقع الاختلاف والتناقض بين الأناجيل والعهد الجديد وبين العهد القديم وقد ذكر شيء مما ذكرنا في الجزء الأوّل من الرحلة المدرسية صفحة ١٣٢ ـ ١٨٤

إعجازه في وجهة التشريع العادل ونظام المدنيّة

قدّر رسول الله (ص) بشرا عاديا في مثل ما ذكرناه مرارا في عصره ونشأته وتربيته وبلاده وقومه وجهلهم وعاداتهم الوحشية. ثم انظر هل يمكن في العادة لمثل هذا البشر إذا لم يكن موحى إليه أن يأتي من عنده ومن بشريته بمثل ما أتى به في القرآن الكريم من الشريعة الحقوقية العادلة والقوانين القيمة والأنظمة المعقولة الجارية بأجمعها على ما هو الصالح للبشر في المدنية والاجتماع والسياسة والحرب ومقدماتها ونتائجها. وجرت في عنايتها بالإصلاح من إدارة جميع العالم إلى الإدارة العائلية والبيتية والزوجية بل وإلى شؤون الكاتب والشاهد كما في سورة البقرة آية ٢٨٢ فمنعت فيها من مضارة الكاتب والشاهد ونهت عن أن يحملا من أجل الكتابة والشهادة وأدائها ضرر المشقة والعناء وتضييع وقت اكثر من الوقت الطبيعي لمحض الأداء. وفي ذلك عبرة لأولي الألباب. وإليك فانظر ما في القرآن الكريم من الشرائع والقوانين العامة والخاصة واعتبر بكرامتها ومجدها في التشريع الفائق والإصلاح الحميد. ولا تحتاج معرفة مجدها وكرامتها إلى المقايسة والاعتبار بشرائع قطره وقومه تلك الشرائع الجائرة الوحشية الوثنية. نعم تزداد بصيرة إذا نظرت إلى شرائع التوراة الرائجة التي يعتبرها اليهود

__________________

(١) سورة النساء : ٨٤.


والنصارى في اجيالهم في اكثر من خمسة وعشرين قرنا ويعدونها كتاب وحي إلهي مقدس فانظر فيما فيها من شريعة تقديس هارون وبنيه وتفصيل ثيابهم وأوضاعها. وشريعة امرأة الأخ الميت. وتفلتها وولدها البكر من الأخ الثاني. وشريعة من ادعى زوجها انه لم يجد لها عذرة. وشريعة قتل الأطفال والنساء من البلاد المفتوحة بالحرب فإنك تعرف ان هذه الشرائع لا تكون إلّا من بشر سخيف قاس وتزداد بصيرة بمجد القرآن الشريف في تشريعه وإنه لا يكون إلّا من وحي إلهي وقد أشير إلى شيء مما ذكرنا في أواخر الجزء الثاني من كتاب الهدى صفحة ٢٨٠ ـ ٢٩٢ والجزء الأول من الرحلة المدرسية صفحة ٢٩ و ٧٩ ـ ٨٢ وانظر إلى العهد الجديد والغائه لنظام المدنية والأخذ أمام الظلم والعدوان بحيث ترك العالم بلا نظام راذع ولا شريعة تأديب عادلة فإنك تزداد بصيرة بأن المتقول على الوحي في أمر التشريع لا بد له من أن يسقط سقطة تشوه التاريخ وتئنّ منها الحقائق جزعا. فاعرف اذن اعجاز القرآن في تشريعه الممتاز بفضيلة الوحي الإلهي

اعجازه من وجهة الأخلاق

وإذا نظرت إلى ظلمات العصر والقطر والتربية وشيوع الجهل في الأمة وسوء الأعمال وعدم الدراسة في العلم أو التخرج في الفضيلة على الحكماء الصالحين فإنك ترى هذه الأمور لها اثر كبير في الجهل بالأخلاق الفاضلة والانحراف عن جادتها والخبط في معرفتها وتمييز حدودها. فلا ترد البشر إلى الاستقامة في ذلك تكلفات الفكر المحاط بالجهل العام والجيل المظلم والقطر الوبيء من نزغات الأهواء. ولئن حاول الرجل المريد للصلاح حينئذ شيئا من تهذيب الأخلاق لم يهتد السبيل في قوله وعمله إلّا إلى شيء يشير إليه التداول بين جملة من الناس ولئن تكلف المتفلسف شيئا من التعليم بالأخلاق خبط فيها خبطا غلب فيه الجهل والزلل وتتابعت فيه العثرات.

ومن بين تلك الظلمات المذكورة بزغ القرآن الكريم بأنواره وأتى بما لا تسمح به العادة بأن يأتي به في تلك الظلمات بشر من عند نفسه وتقولا على الوحي فجاء في اجماله وتفصيله مستقصيا للأخلاق الفاضلة على حدودها بالحث على التزين بها بما توجبه الحكمة من البعث والترغيب. ومحصيا للأخلاق الرذيلة بالزجر عن التلوث بها بما يوجبه الإصلاح من الإرهاب والتنفير. واقام لذلك في العالم اشرف مدرسة زاهرة وأعلى فلسفة مرشدة وابلغ خطابة واعظة


وإليك بعضا من جوامعه في ذلك كقوله تعالى في سورة النحل : ٩٢( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) . ومن سورة الفرقان ما في الآية الرابعة والستين إلى الخامسة والسبعين. ومن سورة المعارج ما في الآية الثالثة والعشرين إلى الثالثة والثلاثين. ومن سورة الحجرات ما في الآيات العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة. وغير ذلك مما لا يكاد أن تخلو منه سورة أو يتخطاه تعليم أو يحابى به قوم دون قوم أو يتجاوز بالإفراط إلى التفريط والإخلال بنظام المدنية وراحة الاجتماع ولك العبرة بأن التوراة الرائجة فيها وشل من تعاليم التوراة الحقيقية ولكن لأنها تلفيق واختلاق بشري كدّرت ما فيها من ذلك الوشل وذهبت بصفاء التعليم الإلهي. فأمرت بني إسرائيل بالحكم بالعدل لقريبهم ونهتهم عن الحقد على أبناء شعبهم وعن السعي بالوشاية وعن شهادة الزور على قريبهم وأن يغدر أحدهم بصاحبه. ويا للأسف على شرف هذا الأمر والنهي إذ شوّهت جماله بتخصيص تعليمها لبني إسرائيل وبتخصيص المأمور به والمنهي عنه بالقريب والشعب والصاحب.

ولك العبرة أيضا بأن الأناجيل الرائجة قد أفرطت بتصوفها البارد فنهت عن ردع الظالمين بالانتصاف من الظالم وقطع مادة الفساد بالحدود الشرعية ودفاع الظالمين بل علمت بأن من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الآخر أيضا ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا ومن أخذ الذي لك فلا تطالبه

فلوثت بافراطها البشري قدس تعاليم المسيح المتلقاة من الوحي الإلهي

اعجازه في وجهة علم الغيب

وقد تكرر في القرآن معجزه في اخباره بالغيب اخبارا يقتضي التكهن والفراسة خلافه من حيث النظر إلى الحال الحاضر وطغيان الشرك وضعف الدعوة الإسلامية وما يجري من النكال والتشريد والجفاء على ملبيها. فمن ذلك قوله في سورة الحجر المكية في الأمر لرسول الله (ص) بالإعلان بالدعوة والبشرى بنجاحها وارغام معانديها ومعارضيها وكان ذلك عند طغيان الشرك واستفحاله وهيجان المشركين على رسول الله «٩٤( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) : ٩٥( إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) : ٩٦( الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) وقد كفاه الله اشرف كفاية لم تكن تعلق بها الآمال بحسب العادة. وقد بان للمشركين وعلموا


ما في قوله تعالى في آخر الآية( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) . وقوله في سورة الصف المكية في الحال الذي وصفناه من طغيان الشرك والمشركين «٩( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) فأظهره على الذين أعز اظهار أرغمت به آناف المشركين. ومن الاخبار بالغيب قوله تعالى في سورة الروم( غُلِبَتِ الرُّومُ ٢فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣فِي بِضْعِ سِنِينَ ) فغلبت الروم فارس ودخلت مملكتها قبل مضي عشر سنين وقوله تعالى في سورة تبت في شأن أبي لهب وامرأته( سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) وهو اخبار بأنهما يموتان على الكفر ولا يحظيان بسعادة الإسلام الذي يكفر عنهما آثام الشرك ويحط أوزاره فماتا على الكفر كما اخبر به اخبارا حتميا ولك العبرة في ذلك بأن إنجيل متى ذكر اخبارا واحدا غيبيا للمسيح وهوائه يبقى مدفونا في قلب الأرض ثلاثة أيّام وثلاث ليال. ولكن ما برح إنجيل متى أن كذب في أواخره هذا الإخبار فوافق الأناجيل الثلاثة الأخر على ان المسيح في مساء ليلة السبت طلب بعض الناس جثته من بيلاطس فأنزلها عن الصليب وكفنها ودفنها وقبل الفجر من يوم الأحد قام المسيح من الموت وخرج عن قبره. وعلى ذلك لا يكون المسيح بقي في القبر إلّا ليلة السبت ونهاره وليلة الأحد وذلك نهار وليلتان

هذا وإني عند مقايستي للقرآن الكريم بما ينسب إلى الوحي الإلهي من كتب الأمم المتدينة ومنهم البراهمة والبوذيون وغيرهم لم يحضر عندي إلّا كتب العهدين فلا ينبغي ان يجعل مقايستي بهما تحاملا على خصوص اليهود والنصارى. ولي العذر في ذلك فإنه لا يصح للإنسان ان تأخذه في خدمة الحق وإيضاح الحقيقة وتأييدها لومة لائم أو يصده عذل عاذل. فإن خدمة الحق نصرة للبشر جميعا والله المستعان

هذا شيء قليل من البيان في الوجهات المذكورة إذ لا يسع هذا المختصر اكثر من ذلك. وهب ان الوساوس تتقحم على الحقائق وتغالط الأذهان بواهيات الشكوك في الاعجاز ببعض آحادها ولكن هل يمكن ذلك بالنظر إلى مجموعها. وهل يسوغ لذي الشعور ان يختلج في ذهنه الشك في اعجاز الكتاب الجامع بفضيلته لهذه الكرامات الباهرة وخروجه عن طوق البشر مطلقا وخصوصا في ذلك العصر وتلك الأحوال وهل يسمح عقله إلّا بأن يقول( إِنْ هُوَ إلّا وَحْيٌ يُوحى )


الفصل الثاني في جمعه في مصحف واحد

لم يزل القرآن الكريم بحسب حكمة الوحي والتشريع والمصالح والمقتضيات المتجددة آنا فآنا يتدرج في نزوله نجوما(١) الآية والآيتان والأكثر والسورة. وكلما نزل شيء هفت إليه قلوب المسلمين وانشرحت له صدورهم وهبوا إلى حفظه بأحسن الرغبة والشوق وأكمل الإقبال وأشد الارتياح. فتلقونه بالابتهاج وتلقوه بالاغتنام من تلاوة الرسول العظيم الصادع بأمر الله والمسارع إلى التبليغ والدعوة إلى الله وقرآنه. وتناوله حفظهم بما امتازت به العرب وعرفوا به من قوة الحافظة الفطرية وأثبتوه في قلوبهم كالنقش في الحجر. وكان شعار الإسلام وسمة المسلم حينئذ هو التجمل والتكمل بحفظ ما ينزل من القرآن الكريم. لكي يتبصر بحججه ويتنور بمعارفه وشرائعه وأخلاقه الفاضلة وتاريخه المجيد وحكمته الباهرة وأدبه العربي الفائق المعجز. فاتخذ المسلمون تلاوته لهم حجّة الدعوة. ومعجز البلاغة. ولسان العبادة لله. ولهجة ذكره. وترجمان مناجاته. وأنيس الخلوة. وترويح النفس. ودرسا للكمال. وتمرينا في التهذيب. وسلما للترقي. وتدربا في التمدّن. وآية الموعظة. وشعار الإسلام. ووسام الإيمان والتقدّم في الفضيلة. واستمرّ المسلمون على ذلك حتى صاروا في زمان الرّسول يعدون بالألوف وعشراتها ومئاتها. وكلهم من حملة القرآن وحفاظه(٢) وإن تفاوتوا في ذلك بحسب

__________________

(١) ولا بد من أن تكون كتب الوحي والدعوة والتشريع جارية في كمالها على منهاج هذه الحكمة. ومما يشير إلى ذلك ان التوراة الرائجة تذكر ان نزول التوراة على موسىعليه‌السلام كان من زمان تكليمه من الشجرة متدرجا بحسب الأزمان والحوادث والتاريخ والحكم في التشريع إلى حين وفاته بعد التيه عند عبر الأردن ومتراخيا في اكثر من أربعين سنة. فانظر في شرح هذا المجمل إلى المقدمة الثانية من الجزء الأول من كتاب الهدى صحيفة ٩ إلى ١٢.

(٢) اخرج ابن سعد وابن عساكر عن محمد بن كعب القرضي قال جمع القرآن اي حفظا في زمان النبي (ص) خمسة من الأنصار معاذ بن جبل وعبادة بن الصمت وأبي بن كعب وابو أيوب الانصاري وابو الدرداء. واخرج ابن سعد ويعقوب بن سفيان والطبراني وابن عساكر عن الشعبي قال جمع القرآن على عهد رسول الله (ص) ستة من الأنصار أبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وابو الدرداء وسعد بن عبيد وابو زيد وكان مجمع ابن جارية قد أخذه كله إلّا سورتين أو ثلاثة. واخرج ابن عساكر عن محمد بن كعب القرضي قال كان ممن ختم القرآن ورسول الله حي عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود. واخرج عن انس قرأ القرآن على عهد رسول الله (ص) معاذ وأبي وسعد وابو زيد. واخرج الحاكم في الصحيح على شرط البخاري ومسلم عن زيد بن ثابت قال كنا عند رسول الله (ص) نؤلف القرآن من الرقاع. وفي رواية حول رسول الله نؤلف القرآن «فانظر إلى كنز العمال ومنتخبه اقلا» ولم اذكر هذه الروايات احتجاجا بها للحقيقة المعلومة ولكن لتجبه بالمعارضة بعض الروايات الشاذة الواردة في خلاف ما ذكرناه من حفظ المسلمين في عصر النبي وبعده للقرآن الكريم.


السابقة والفضيلة هذا ولما كان وحيه لا ينقطع في حياة رسول الله (ص) لم يكن كله مجموعا في مصحف واحد وإن كان ما أوحي منه مجموعا في قلوب المسلمين وكتاباتهم له ولما اختار الله لرسوله دار الكرامة وانقطع الوحي بذلك فلا يرجى للقرآن نزول تتمة رأى المسلمون ان يسجلوه في مصحف جامع فجمعوا مادته على حين اشراف الألوف من حفاظه ورقابة مكتوباته الموجودة عند الرسول وكتاب الوحي وسائر المسلمين جملة وابعاضا وسورا(١) نعم لم يترتب على ترتيب نزوله ولم يقدم منسوخه على ناسخه(٢) فاستمرّ القرآن الكريم على هذا الاحتفال العظيم بين المسلمين جيلا بعد جيل ترى له في كل آن الوفا مؤلفة من المصاحف والوفا من الحفاظ ولا تزال المصاحف ينسخ بعضها على بعض والمسلمون يقرأ بعضهم على بعض ويسمع بعضهم من بعض. تكون ألوف المصاحف رقيبة على الحفاظ ، وألوف الحفاظ رقباء على المصاحف وتكون الألوف من كلا القسمين رقيبة على المتجدد منهما ، نقول الألوف ولكنها مئات الألوف وألوف الألوف. فلم يتفق لأمر تاريخي من التواتر وبداهة البقاء مثل ما اتفق للقرآن الكريم كما وعد الله جلت آلاؤه بقوله في سورة الحجر( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) وقوله في سورة القيامة( إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ) ولئن سمعت في الروايات الشاذة شيئا في تحريف القرآن وضياع بعضه فلا تقم لتلك الروايات وزنا. وقل ما يشاء العلم في اضطرابها ووهنها وضعف رواتها ومخالفتها للمسلمين وفيما جاءت به في مروياتها الواهية

__________________

(١) ومما يشهد لما ذكرناه ما عن أبي عبيد في فضائله وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه مسندا عن عمر بن عامر الانصاري ان عمر بن الخطاب قرأ «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ» فرفع الأنصار ولم يدخل واو العطف على «الذين» فقال له زيد بن ثابت «وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ» فقال عمر «الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ» فقال زيد أمير المؤمنين اعلم فقال عمر ايتوني بابي بن كعب فسأله عن ذلك فقال «وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ» فجعل كل واحد منهما يشير إلى انف صاحبه بإصبعه فقال أبي والله اقرأنيها رسول الله (ص) وأنت تتبع الخبط فقال عمر فنعم إذن فنعم إذن. واخرج أبو عبيد في فضائله وسنيد وابن جرير وابو الشيخ عن محمد بن كعب القرضي. واخرج أبو الشيخ في تفسيره والحاكم في المستدرك مصححا على شرط البخاري ومسلم عن اسامة ومحمد بن إبراهيم التيمي انه جرى بين عمر وأبي بن كعب في هذه الآية نحو ذلك فانظر في كنز الأعمال ومنتخبه.

(٢) نعم من المعلوم عند الشيعة ان عليا أمير المؤمنين (ع) بعد وفاة رسول الله (ص) لم يرتد برداء إلّا للصلاة حتى جمع القرآن على ترتيب نزوله وتقدم منسوخه على ناسخه. واخرج ابن سعد وابن عبد البر في الاستيعاب عن محمد بن سيرين قال نبئت ان عليا ابطأ عن بيعة أبي بكر فقال أكرهت امارتي فقال آليت بيميني ان لا ارتدي برداء إلّا للصلاة حتى اجمع القرآن قال فزعموا انه كتبه على تنزيله قال محمد فلو أصبت ذلك الكتاب كان فيه علم قال ابن عوف فسألت عكرمة عن ذلك الكتاب فلم يعرفه.


من الوهن. وما الصقته بكرامة القرآن مما ليس له شبه به واستمع من ذلك لأمور

اضطراب الروايات في جمع القرآن

(الأمر الأول) جاء فيها ان أبا بكر هو الذي أدى رأيه أولا إلى جمع القرآن وهو الذي طلب من زيد بن ثابت جمعه فثقل ذلك عليه فلم يزل أبو بكر يراجعه حتى قبل. وجاء فيها أيضا ان زيدا هو الذي أدى رأيه أولا إلى جمع القرآن وعزم عليه وكلم في ذلك عمر فكلم فيه عمر أبا بكر فاستشار أبو بكر في ذلك المسلمين. وجاء فيها أيضا ان أبا بكر هو الذي جمع القرآن فى أيامه. وجاء فيها ان عمر قتل ولم يجمع القرآن. وجاء فيها ان عثمان هو الذي جمع القرآن في أيامه بأمره. وجاء فيها ان عمر هو الذي أمر زيد بن ثابت وسعيد بن العاص لما أراد جمع القرآن أن يملي زيد ويكتب سعيد. وجاء فيها ان ذلك كان من عثمان في أيامه وبعد قتل عمر. وجاء في ذلك أيضا ان الذي يملي أبيّ بن كعب وزيد يكتبه وسعيد يعربه. وفي رواية أخرى ان سعيدا وعبد الله بن الحرث يعربانه : هذا بعض حال هذه الروايات في تعارضها واضطراباتها ، ومن جملة ما جاء فيها ما مضمونه ان براءة آخر ما نزل من القرآن فما ذا ترى لهذه الرواية من القيمة التاريخية. فانظر إلى الجزء الأول من كنز العمال ومنتخبه اقلا

بعض ما الصق بكرامة القرآن الكريم

(الثاني) في الجزء الخامس من مسند أحمد عن أبيّ بن كعب قال ان رسول الله (ص) قال ان الله أمرني ان اقرأ عليك القرآن قال فقرأ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهل الْكِتابِ ) فقرأ فيها «لو ان ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه لسأل ثانيا فلو سأل ثانيا فأعطيه لسأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ويتوب الله على من تاب وان ذلك الدين القيم عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيرا فلن يكفره». وفي رواية الحاكم في المستدرك ورواية غيره أيضا «ان ذات الدين عند الله الحنيفية لا المشركة» وفي رواية «غير المشركة» إلى آخره وعن جامع الأصول لابن الأثير الجزري «ان الدين عند الله الحنيفية المسلمة لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية» وذكر في المسند أيضا بعد هذه الرواية عن أبي قال قال لي رسول الله (ص) ان الله أمرني ان اقرأ عليك فقرأ عليّ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهل الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً


مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إلّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) إن الدين عند الله الحنيفية لا المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيرا فلن يكفره قال شعبة ثم قرأ آيات بعدها ثم قرأ «لو ان لابن آدم واديين من مال لسأل واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب». قال ثم ختمها بما بقي منها انتهى. وهذه الروايات رواها أيضا أبو داود الطيالسي وسعيد بن منصور في سننه والحاكم في مستدركه كما في كنز العمال. وذكر في المسند أيضا عن أبي واقد الليثي قال كنا نأتي النبي (ص) إذا أنزل عليه فيحدّثنا فقال لنا ذات يوم ان اللهعزوجل قال «إنّا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو كان لابن آدم واد لأحبّ أن يكون له ثان ولو كان له واديان لأحبّ أن يكون لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ثم يتوب الله على من تاب انتهى. هب ان المعرفة والصدق لا يطالبان المحدّثين «ولا نقول القصاص» ولا يسألانهم عن هذا الاضطراب الفاحش فيما يزعمون انه من القرآن ولا يسألانهم عن التمييز بين بلاغة القرآن وعلو شأنه فيها وبين انحطاط هذه الفقرات. ولكن أليس للمعرفة أن تسألهم عن الغلط في قولهم «لا المشركة» فهل يوصف الدين بأنه مشركة. وفي قولهم «الحنيفية المسلمة» وهل يوصف الدين أو الحنيفية بأنه مسلمة وقولهم «ان ذات الدين» وفي قولهم «إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة» ما معنى إنزال المال. وما معنى كونه لإقام الصلاة. هذا واستمع لما يأتي ففي الجزء السادس من مسند أحمد مسندا عن مسروق قال قلت لعائشة هل كان رسول الله يقول شيئا إذا دخل البيت قالت كان إذا دخل البيت مثل لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ فمه إلّا التراب وما جعلنا المال إلّا لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ويتوب الله على من تاب. وفي الجزء السادس في اسناده عن جابر قال قال رسول الله (ص) لو ان لابن آدم واديا من مال لتمنى واديين ولو ان له واديين لتمنى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب. وباسناده أيضا قال سئل جابر هل قال رسول الله لو كان لابن آدم واد من نخل تمنى مثله حتى يتمنى أودية ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب انتهى. وهل تجد من الغريب أو الممتنع في العادة أن يكون لابن آدم واد من مال أو من نخل. أو ليس في بني آدم في كل زمان من ملك واديا من ذلك بل اودية. اذن فكيف يصح في الكلام المستقيم أن يقال لو كان لابن آدم. لو ان لابن آدم. أو ليست لو للامتناع. باللعجب من الرواة لهذه الروايات ألم يكونوا عربا أو لهم إلمام باللغة العربية. نعم يرتفع هذا الاعتراض


بما رواه أحمد في مسند ابن عباس لو كان لابن آدم واديان من ذهب وكذا ما يأتي من رواية الترمذي عن انس. وايضا إن تمنى الوادي والواديين والثلاث ليس بذنب يحتاج إلى التوبة إذن فما هو وجه المناسبة بتعقيب ذلك بجملة «ويتوب الله على من تاب» وإن شئت ان تستزيد مما في هذه الرواية من التدافع والاضطراب فاستمع إلى ما رواه الحاكم في المستدرك ان أبا موسى الأشعري قال كنا نقرأ سورة نشبهها بالطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير اني حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب. وذكر في الدر المنثور انه أخرجه جماعة عن أبي موسى. وأضف إلى ذلك في التدافع والتناقض ما أسنده في الإتقان عن أبي موسى أيضا قال نزلت سورة نحو براءة ثمّ رفعت وحفظ منها ان الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ولو ان لابن آدم واديين لتمنى إلى آخره. وأسند الترمذي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله (ص) لو كان لابن آدم واد من ذهب لأحبّ أن يكون له ثان ولا يملأ فاه إلّا التراب ويتوب الله على من تاب. وها أنت ترى روايات عائشة وجابر وانس وابن عباس تجعل حديث الوادي والواديين من قول رسول الله وتمثله. فهي بسوقها تنفي كونه من القرآن الكريم. ومع ذلك فقد نسبت إلى كلام الرسول (ص) ما يأتي فيه بعض من الاعتراضات المتقدمة مما يجب ان ينزّه عنه ودع عنك الاضطراب الذي يدع الرواية مهزلة.

(الأمر الثالث) ومما الصقوه بكرامة القرآن المجيد قولهم في الرواية عن زيد بن ثابت كنا نقرأ آية الرجم «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» وفي الرواية عن ذر عن أبيّ ان سورة الأحزاب كانت تضاهي سورة البقرة أو هي أطول منها وان فيها أو في أواخرها آية للرجم وهي «الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم» وفي رواية السياري من الشيعة عن أبي عبد الله بزيادة قوله بما قضيا من الشهوة. وفي رواية الموطأ والمستدرك ومسدد وابن سعد عن عمر كما سيأتي «الشيخ والشيخة فارجموهما البتة» وفي رواية أبي امامة ابن سهل ان خالته قالت لقد أقرأنا رسول الله (ص) آية الرجم «الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة» ونحو ذلك رواية سعد بن عبد الله وسليمان بن خالد من الشيعة عن أبي عبد الله (ع). ويا للعجب كيف رضي هؤلاء المحدثون لمجد القرآن وكرامته ان يلقى هذا الحكم الشديد على الشيخ والشيخة بدون ان يذكر السبب وهو زناهما اقلا فضلا عن شرط


الإحصان. وان قضاء الشهوة أعمّ من الجماع والجماع اعمّ من الزنا والزنا يكون كثيرا مع عدم الإحصان. سامحنا من يزعم ان قضاء الشهوة كناية عن الزنابل زد عليه كونه مع الإحصان ولكنا نقول ما وجه دخول الفاء في قوله «فارجموهما» وليس هناك ما يصحح دخولها من شرط أو نحوه لا ظاهر ولا على وجه يصح تقديره وإنّما دخلت الفاء على الخبر في قوله تعالى في سورة النور( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ) لأن كلمة اجلدوا بمنزلة الجزاء لصفة الزنا في المبتدأ. والزنا بمنزلة الشرط. وليس الرجم جزاء للشيخوخة ولا الشيخوخة سببا له. نعم الوجه في دخول الفاء هو الدلالة على كذب الرواية. ولعلّ في رواية سليمان بن خالد سقطا بأن تكون صورة سؤاله هل يقولون في القرآن رجم. وكيف يرضى لمجده وكرامته في هذا الحكم الشديد ان يقيد الأمر بالشيخ والشيخة مع اجماع الأمة على عمومه لكل زان محصن بالغ الرشد من ذكر أو أنثى. وان يطلق الحكم بالرجم مع اجماع الأمة على اشتراط الإحصان فيه. وفوق ذلك يؤكد الإطلاق ويجعله كالنص على العموم بواسطة التعليل بقضاء اللذة والشهوة الذي يشترك فيه المحصن وغير المحصن. فتبصر بما سمعته من التدافع والتهافت والخلل في رواية هذه المهزلة. وأضف إلى ذلك ما رواه في الموطأ والمستدرك ومسدد وابن سعد من أنّ عمر قال قبل موته بأقل من عشرين يوما فيما يزعمونه من آية الرجم لو لا أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها «الشيخ والشيخة فارجموهما البتة» واخرج الحاكم وابن جرير وصحّحه أيضا أنَّ عمر قال لما نزلت أتيت رسول الله (ص) فقلت اكتبها «وفي نسخة كنز العمّال» اكتبنيها فكأنّه كره ذلك. وقال عمر ألا ترى أنّ الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد وان الشاب إذا زنا وقد أحصن رجم. فالمحدّثون يروون أنَّ عمر يذكر أنَّ رسول الله كره أن تكتب آية منزلة وعمر يذكر وجوه الخلل فيها. فيا للعجب منهم. وفي الإتقان أخرج النسائي ان مروان قال لزيد بن ثابت إلّا تكتبها في المصحف قال ألا ترى أنَّ الشابين الثيبين يرجمان وقد ذكرنا ذلك لعمر فقال أنا أكفيكم فقال يا رسول الله أكتب لي آية الرجم قال لا تستطيع انتهى. فزيد بن ثابت يعترض عليها. ولما رأوا التدافع بين قول عمر اكتبها لي وبين قول النبي لا تستطيع قالوا أراد عمر بقوله ذلك ائذن لي بكتابتها وكأنهم لا يعلمون أنَّ عمر عربي لا يعبر عن قوله ائذن لي بكتابتها بقوله أكتبها لي ومع ذلك لم يستطيعوا أن يذكروا وجها مقبولا لقوله (ص) لا تستطيع. وفي رواية في كنز العمال عن ابن الضريس عن عمر قلت لرسول الله اكتبها يا رسول


الله قال لا أستطيع. واخرج ابن الضريس عن زيد بن أسلم ان عمر خطب الناس فقال لا تشكوا في الرجم فإنه حق ولقد هممت ان اكتبه في المصحف فسألت أبي بن كعب فقال أليس اتيتني وانا استقرئها رسول الله فدفعت في صدري وقلت كيف تستقرئه آية الرجم وهم يتسافدون تسافد الحمر انتهى. فهذه الرواية تقول ان عمر لم يرض بانزال شيء في الرجم. وليت المحدّثين يفسرون حاصل الجواب من أبي لعمر وحاصل منع عمر لأبي عن استقرائها ، واخرج الترمذي عن سعد بن المسيب عن عمر قال رجم رسول الله (ص) ورجم أبو بكر ورجمت ولو لا اني اكره ان أزيد في كتاب الله لكتبته في المصحف. فعمر يقول ان كتابة الرجم في المصحف زيادة في كتاب الله وهو يكرهها ـ فقابل هذه الروايات الأربع إحداهن بالأخرى واعرف ما جناه المولعون بكثرة الرواية من المحدثين. وإذا نظرت إلى الجزء الثالث من كنز العمال صحيفة : ٩٠ و ٩١ فإنك تزداد بصيرة في الاضطراب والخلل

هذا ومما يصادم هذه الروايات ويكافحها ما روي من أن عليا (ع) لما جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة قال اجلدها بكتاب الله وارجمها بسنة رسوله كما رواه أحمد والبخاري والنسائي وعبد الرزاق في الجامع والطحاوي والحاكم في مستدركه وغيرهم. ورواه الشيعة عن علي (ع) مرسلا فعلي (ع) يشهد بأن الرجم من السنة لا من الكتاب

الأمر الرابع

مما الصقوه بكرامة القرآن المجيد ما رواه في الإتقان والدر المنثور انه اخرج الطبراني والبيهقي وابن الضريس ان من القرآن سورتين «وقد سماها الراغب في المحاضرات سورتي القنوت» ونسبوهما إلى تعليم علي (ع) وقنوت عمر ومصحفي ابن عباس وزيد بن ثابت وقراءة أبي وأبي موسى (والأولى منهما) بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك انتهى. لا نقول لهذا الراوي ان هذا الكلام لا يشبه بلاغة القرآن ولا سوقه فانا نسامحه في معرفة ذلك ولكنا نقول له كيف يصح قوله يفجرك وكيف تتعدى كلمة يفجر وايضا ان الخلع يناسب الأوتان إذن فما ذا يكون المعنى وبماذا يرتفع الغلط (والثانية منهما) بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجدان عذابك بالكافرين ملحق انتهى. ولنسامع الراوي أيضا فيما سامحناه فيه في الرواية الأولى


ولكنا نقول له ما معنى الجدّ هنا أهو العظمة أو الغنى أو ضد الهزل أو هو حاجة السجع نعم في رواية عبيد نخشى نقمتك وفي رواية عبد الله نخشى عذابك وما هي النكتة في التعبير بقوله ملحق. وما هو وجه المناسبة وصحة التعليل لخوف المؤمن من عذاب الله بأن عذاب الله بالكافرين ملحق بل ان هذه العبارة تناسب التعليل لأن لا يخاف المؤمن من عذاب الله لأن عذابه بالكافرين ملحق.

الأمر الخامس

ومما الصقوه بالقرآن المجيد ما نقله في فصل الخطاب عن كتاب دبستان المذاهب انه نسب إلى الشيعة انهم يقولون ان إحراق المصاحف سبب إتلاف سور من القرآن نزلت في فضل علي (ع) واهل بيته (ع) «منها» هذه السورة وذكر كلاما يضاهي خمسا وعشرين آية في الفواصل قد لفق من فقرات القرآن الكريم على أسلوب آياته. فاسمع ما في ذلك من الغلط فضلا عن ركاكة أسلوبه الملفق فمن الغلط «واصطفى من الملائكة وجعل من المؤمنين أولئك في خلفه» ماذا اصطفى من الملائكة وماذا جعل مّن المؤمنين وما معنى أولئك في خلقه. ومنه «مثل الذين يوفون بعهدك اني جزيتهم جنات النعيم» ليت شعري ما هو مثلهم. ومنه «ولقد أرسلنا موسى وهارون بما استخلف فبغوا هارون فصبر جميل» ما معنى هذه الدمدمة وما معنى بما استخلف وما معنى فبغوا هارون ولمن يعود الضمير في بغوا ولمن الأمر بالصبر الجميل. ومن ذلك «ولقد اتينا بك الحكم كالذي من قبلك من المرسلين وجعلنا لك منهم وصيا لعلهم يرجعون» ما معنى اتينا بك الحكم ولمن يرجع الضمير الذي في منهم ولعلهم. هل المرجع للضمير هو في قلب الشاغر. وما هو وجه المناسبة في لعلهم يرجعون. ومن ذلك «وان عليا قانت في الليل ساجد يحذر الآخرة ويرجو ثواب وبه قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون» قل ما محل قوله هل يستوي الذين ظلموا وما هي المناسبة له في قوله وهم بعذابي يعلمون. ولعل هذا الملفق تختلج في ذهنه الآيتان الحادية عشرة والثانية عشرة من سورة الزمر وفي آخرها( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) فأراد الملفق أن يلفق منهما شيئا بعدم معرفته فقال في آخر ما لفق هل يستوي الذين ظلموا ولم يفهم انه جيء بالاستفهام الانكاري في الآيتين لأنّه ذكر فيهما الذي جعل لله أندادا ليضل عن سبيله والقانت آناء الليل يرجو رحمة ربه فهما لا يستويان ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. هذا بعض الكلام في هذه المهزلة.


وان صاحب فصل الخطاب من المحدّثين المكثرين المجدين في التتبع للشواذ وانه ليعدّ أمثال هذا المنقول في دبستان المذاهب ضالته المنشودة ومع ذلك قال انه لم يجد لهذا المنقول أثر في كتب الشيعة. فيا للعجب من صاحب دبستان المذاهب من اين جاء بنسبة هذه الدعوى إلى الشيعة. وفي أي كتاب لهم وجدها أفهكذا يكون النقل في الكتب ولكن لا عجب (شنشنة أعرفها من أخزم) فكم نقلوا عن الشيعة مثل هذا النقل الكاذب كما في كتاب الملل للشهرستاني ومقدمة ابن خلدون وغير ذلك مما كتبه بعض الناس في هذه السنين والله المستعان

قول الإمامية بعدم النقيصة في القرآن

ولا يخفى ان شيخ المحدّثين والمعروف بالاعتناء بما يروى وهو الصدوق طاب ثراه قال في كتاب الاعتقاد. اعتقادنا ان القرآن الذي أنزله الله على نبيه (ص) هو ما بين الدفتين وليس بأكثر من ذلك ومن نسب إلينا انا نقول انه اكثر من ذلك فهو كاذب انتهى. وحمل الروايات الواردة في النقصان على وجوه أخر. وفي أواخر فصل الخطاب من كتاب المقالات للشيخ المفيدقدس‌سره إنه قال جماعة من أهل الإمامة انه (أي القرآن) لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة ولكن حذف ما كان مثبتا في مصحف أمير المؤمنين (ع) من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله. وعن السيد المرتضى قدس سرّه قوله بعدم النقيصة وان من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من اصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا صحتها. وفي أول التبيان الشيخ الطوسي (قده) أما الكلام في زيادته ونقصه فمما لا يليق به أيضا لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها. والنقصان فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا وهو الذي نصره المرتضى وهو الظاهر في الروايات غير انه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن ونقل شيء منه من موضع إلى موضع طريقها الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا والأولى الاعراض عنها انتهى. وتبعه على ذلك في مجمع البيان وفي كشف الغطاء في كتاب القرآن المبحث الثامن في نقصه لا ريب انه محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديان كما دل عليه صريح القرآن واجماع العلماء في كل زمان ولا عبرة بالنادر وما ورد من اخبار النقص تمنع البديهة من العمل بظاهرها إلى ان قال فلا بد من تأويلها بأحد وجوه. وعن السيد القاضي نور الله في كتابه مصائب النواصب ما نسب إلى الشيعة الإمامية من


وقوع التغيير في القرآن ليس مما قال به جمهور الإمامية إنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم. وعن الشيخ البهائي وايضا اختلفوا في وقوع الزيادة والنقصان فيه والصحيح ان القرآن العظيم محفوظ عن ذلك زيادة كان أو نقصانا ويدل عليه قوله تعالى( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم امير المؤمنينعليه‌السلام منه في بعض المواضع مثل قوله تعالى يا ايها الرسول بلغ ما انزل إليك في عليّ وغير ذلك فهو غير معتبر عند العلماء. وعن المقدس البغدادي في شرح الوافية وانما الكلام في النقيصة والمعروف بين أصحابنا حتى حكي عليه الإجماع عدم النقيصة ايضا. وعنه أيضا عن الشيخ علي بن عبد العالي انه صنف في نفي النقيصة رسالة مستقلة وذكر كلام الصدوق المتقدم ثمّ اعترض بما يدل على النقيصة من الأحاديث وأجاب بأن الحديث إذا جاء على خلاف الدليل من الكتاب والسنة المتواترة أو الإجماع ولم يمكن تأويله ولا حمله على بعض الوجوه وجب طرحه هذا وان المحدث المعاصر جهد في كتاب فصل الخطاب في جمع الروايات التي استدل بها على النقيصة وكثر أعداد مسانيدها باعداد المراسيل عن الأئمةعليهم‌السلام في الكتب كمراسيل العياشي وفرات وغيرها مع ان المتتبع المحقق يجزم بأن هذه المراسيل مأخوذة من تلك المسانيد. وفي جملة ما أورده من الروايات ما لا يتيسر احتمال صدقها. ومنها ما هو مختلف باختلاف يئول به إلى التنافي والتعارض وهذا المختصر لا يسع بيان النحوين الأخيرين. هذا مع ان القسم الوافر من الروايات ترجع أسانيده إلى بضعة انفار وقد وصف علماء الرجال كلا منهم اما بأنه ضعيف الحديث فاسد المذهب مجفو الرواية. واما بأنه مضطرب الحديث والمذهب يعرف حديثه وينكر ويروي عن الضعفاء. واما بأنه كذاب متهم لا أستحل ان اروي من تفسيره حديثا واحدا وانه معروف بالوقف وأشدّ الناس عداوة للرضاعليه‌السلام . واما بأنه كان غاليا كذابا. واما بأنه ضعيف لا يلتفت إليه ولا يعوّل عليه ومن الكذابين. واما بأنه فاسد الرواية يرمى بالغلوّ. ومن الواضح ان أمثال هؤلاء لا تجدي كثرتهم شيئا. ولو تسامحنا بالاعتناء برواياتهم في مثل هذا المقام الكبير لوجب من دلالة الروايات المتعددة ان ننزلها على ان مضامينها تفسير للآيات أو تأويل أو بيان لما يعلم يقينا شمول عموماتها له لأنّه أظهر الافراد وأحقها بحكم العام. أو ما كان مرادا بخصوصه وبالنص عليه في ضمن العموم عند التنزيل. أو ما كان هو المورد للنزول. أو ما كان هو المراد من اللفظ المبهم. وعلى احد الوجوه الثلاثة الأخيرة يحمل ما ورد


فيها انه تنزيل وانه نزل به جبريل كما يشهد به نفس الجمع بين الروايات. كما يحمل التحريف فيها على تحريف المعنى ويشهد لذلك مكاتبة أبي جعفرعليه‌السلام لسعد الخير كما في روضة الكافي ففيها وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده. وكما يحمل ما فيها من انه كان في مصحف امير المؤمنينعليه‌السلام أو ابن مسعود وينزل على انه كان فيه بعنوان التفسير والتأويل. ومما يشهد لذلك قول امير المؤمنين (ع) للزنديق كما في نهج البلاغة وغيره ولقد جئتهم بالكتاب كملا مشتملا على التنزيل والتأويل. ومما أشرنا إليه من الروايات ان المحدث المعاصر أورد في روايات سورة المعارج اربع روايات ذكرت ان كلمة (بولاية علي) مثبتة في مصحف فاطمة وهكذا هي في مصحف فاطمة (ع) ولا يخفى ان مصحفهاعليها‌السلام انما هو كتاب تحديث بأسرار العلم كما يعرف ذلك من عدة روايات في اصول الكافي في باب الصحيفة والمصحف والجامعة وفيها قول الصادق (ع) ما فيه من قرآنكم حرف واحد. وما أزعم ان فيه قرآنا كما في الصحيح والحسن (ومنها) ما في الكافي في باب ان الأئمةعليهم‌السلام شهداء على الناس في صحيحة بريد عن أبي جعفر (ع) وروايته عن أبي عبد الله (ع) من قولهما (ع) في قوله تعالى( جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) نحن الأمة الوسطى. وفي شرحه عن امير المؤمنينعليه‌السلام ونحن الذين قال الله( جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) . إذن فما روي مرسلا في تفسيري النعماني وسعد من أن الآية أئمة وسطا لا بد من حمله على التفسير وان التحريف إنما هو للمعنى (ومنها) كما رواه في الكافي في باب ان الأئمة هم الهداة عن الفضيل سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله تعالى( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) فقال كل إمام هو هاد للقرن الذي هو فيهم. ورواية بريد عن أبي جعفر (ع) في قوله تعالى( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) فقال رسول الله (ص) المنذر ولكل زمان منا هاد يهديهم إلى ما جاء به النبي (ص) والهداة من بعده عليّ (ع) ثمّ الأوصياء واحدا بعد واحد. ونحوها رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) ورواية عبد الرحيم القصير عن أبي جعفرعليه‌السلام ان رسول الله (ص) المنذر وعليّ الهادي وبمضمونها جاءت روايات الجمهور مسندة عن طريق أبي هريرة وأبي برزة وابن عباس وطريق امير المؤمنين (ع) وصحّحه الحاكم في مستدركه. وإذا أحطت خبرا بهذا فهل يروق لك التجاء فصل الخطاب في تلفيقه وتكثيره إلى النقل عن بعض التفاسير المتأخرة وعن الداماد في حاشية القبسات من قوله ان الأحاديث من طرقنا وطرقهم متضافرة بأنه كان التنزيل انما أنت منذر لعباد وعليّ


لكل قوم هاد انتهى. هذا الشعر الذي ينشده المداحون ولا يرضى العارف باللغة العربية ان ينسب إليه نظمه ولا أظنك تجد من طرقنا وطرق أهل السنة غير ما سمعته أولا وهو غير ما نقله فاعتبر (ومنها) رواية الكافي عن أبي حمزة عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قولهعزوجل ( رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) يعنون بولاية علي (ع) وهذا صريح في كونه تفسيرا فهي حاكمة ببيانها على ضعيفتي أبي بصير في ظهورهما بأن لفظ «بولاية علي» محذوف من الآية ويسري البيان من رواية أبي حمزة إلى أمثال ذلك (ومنها) رواية عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (ع) في قوله تعالى في سورة البقرة( مَتاعاً إلى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ ) . مخرجات. ولا أظن إلّا أنّك تقول إنَّ إلحاق الإمام (ع) لكلمة مخرجات إنّما هو تفسير للمراد من كلمة. إخراج. لا بيان للنقيصة من القرآن الكريم ولكن فصل الخطاب أورده بعنوان البيان للنقيصة فاعتبر (ومنها) صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) كما في الكافي في أول باب منع الزكاة وفيها ثمّ قال (ع) هو قول اللهعزوجل ( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) يعني ما بخلوا به من الزكاة فالرواية كالصريحة بأن لفظ «من الزكاة» إنما هو تفسير من الإمام لا من القرآن فهي حاكمة ببيانها على مرسلة ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع) في قول اللهعزوجل .( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ ) . من الزكاة( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) وصارفة لها عن كونها بيانا للنقيصة. (ومنها) صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) كما في الكافي في باب نص الله ورسوله على الأئمة واحدا بعد واحد. وفيها : فقلت له ان الناس يقولون فما له لم يسم عليا (ع) وأهل بيته في كتاب الله قال فقولوا لهم ان رسول الله نزلت عليه الصلاة ولم بسم الله لهم ثلاثا ولا أربعا حتى كان رسول الله (ص) هو الذي فسر لهم ذلك. وكذا قال (ع) في الزكاة والحج. ومقتضى الرواية تصديق الإمام (ع) لقول الناس ان الله لم يسم عليا في القرآن وإن التسمية كانت من تفسير رسول الله (ص) في حديث من كنت مولاه وحديث الثقلين. ويشهد لذلك ما رواه في الكافي أيضا في هذا الباب بعد ذلك بيسير في صحيحة الفضلاء عن أبي جعفرعليه‌السلام ورواية أبي الجارود عنه (ع) أيضا ورواية أبي الديلم عن أبي عبد الله (ع) انهما تلوا في مقام الاحتجاج وعدم التقية قوله تعالى( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) ولم يذكرا في تلاوة الآية كلمة «في عليّ» وهذا يدلّ على انّ ما روي في ذكر اسم علي (ع) في هذا المقام بل وفي غيره إنما هو تفسير وبيان للمراد في وحي القرآن بكون التفسير والبيان جاء به


جبرائيل من عند الله بعنوان الوحي المطلق لا القرآن( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إلّا وَحْيٌ يُوحى ) (ومنها) رواية الفضيل عن أبي الحسن الماضي (ع) في باب النكت من التنزيلفي الولاية من الكافي قال قلت( هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) قال يعني امير المؤمنين (ع) قلت تنزيل قال (ع) نعم فإنه (ع) ذكر امير المؤمنين (ع) بقوله يعني بعنوان التفسير وبيان المراد والمشار إليه في قوله تعالى هذا فقوله في الجواب «نعم» دليل على ان ما كان مرادا بعينه في وحي القرآن يسمونهعليهم‌السلام تنزيلا. فتكون هذه الرواية وأمثالها قاطعة لتشبثات فصل الخطاب بما حشده من الروايات التي عرفت حالها اجمالا وإلى ما ذكرناه وغيره يشير ما نقلناه من كلمات العلماء الأعلام قدست اسرارهم. فإن قيل ان هذه الرواية ضعيفة وكذا جملة من الروايات المتقدمة قلنا ان جل ما حشده فصل الخطاب من الروايات هو مثل هذه الرواية وأشد منها ضعفا كما أشرنا إليه في وصف رواتها على ان ما ذكرناه من الصحاح فيه كفاية لأولي الألباب

الفصل الثالث في قراءته

ومن أجل تواتر القرآن الكريم بين عامة المسلمين جيلا بعد جيل استمرت مادته وصورته وقراءته المتداولة على نحو واحد فلم يؤثر شيئا على مادته وصورته ما يروى عن بعض الناس من الخلاف في قراءته من القراء السبع المعروفين وغيرهم فلم تسيطر على صورته قراءة أحدهم اتباعا له ولو في بعض النسخ ولم يسيطر عليه أيضا ما روي من كثرة القراءات المخالفة له مما انتشرت روايته في الكتب كجامع البخاري ومستدرك الحاكم مسندة عن النبي (ص) وعلي (ع) وابن عباس وعمر وأبي وابن مسعود وابن عمر وعائشة وابى الدرداء وابن الزبير وانظر اقلا إلى الجزء الأول من كنز العمال صفحة ٢٨٤ ـ ٢٨٩ نعم ربما اتبع مصحف عثمان على ما يقال في مجرد رسم الكتابة في بعض المصاحف في كلمات معدودة كزيادة الألف بين الشين والياء من قوله تعالى( لِشَيْءٍ ) من سورة الكهف وزيادتها أيضا في( لَأَذْبَحَنَّهُ ) من سورة النمل ونحو ذلك في قليل من الكلمات. وان القراءات السبع فضلا عن العشر إنما هي في صورة بعض الكلمات لا بزيادة كلمة أو نقصها ومع ذلك ما هي إلّا روايات آحاد عن آحاد لا توجب اطمئنانا ولا وثوقا. فضلا عن وهنها بالتعارض ومخالفتها للرسم المتداول المتواتر بين عامة المسلمين في السنين المتطاولة. وان كلا من القراء هو واحد لم تثبت عدالته ولا ثقته يروي عن آحاد حال غالبهم مثل حاله ويروي عنه آحاد مثله. وكثيرا ما يختلفون في الرواية عنه. فكم اختلف حفص وشعبة في الرواية


عن عاصم. وكذا قالون وورش في الرواية عن نافع. وكذا قنبل والبزي في روايتهما عن أصحابهما عن ابن كثير. وكذا رواية أبي عمر وأبي شعيب في روايتهما عن اليزيدي عن أبي عمر. وكذا رواية ابن ذكوان وهشام عن أصحابهما عن ابن عامر. وكذا رواية خلف وخلاد عن سليم عن حمزة. وكذا رواية أبي عمر وأبي الحارث عن الكسائي. مع ان أسانيد هذه القراءات الآحادية لا يتصف واحد منها بالصحة في مصطلح أهل السنة في الاسناد فضلا عن الإمامية كما لا يخفى ذلك على من جاس خلال الديار. فيا للعجب ممن يصف هذه القراءات السبع بأنها متواترة. هذا وكل واحد من هؤلاء القراء يوافق بقراءته في الغالب ما هو المرسوم المتداول بين المسلمين وربما يشذ عنه عاصم في رواية شعبة. إذن فلا يحسن أن يعدل في القراءة عما هو المتداول في الرسم والمعمول عليه بين عامة المسلمين في اجيالهم إلى خصوصيات هذه القراءات. مضافا إلى انا معاشر الشيعة الإمامية قد أمرنا بأن نقرأ كما يقرأ الناس أي نوع المسلمين وعامتهم.

ولعلّما تقول ان غالب القراءات السبع أو العشر ناش من سعة اللغة العربية في وضع الكلمة وهيئتها نحو عليهم وإليهم ولديهم بكسر الهاء أو ضمها مع سكون الميم أو ضمهما. ونحو تظاهرون بفتح الظاء أو تشديدها. فعلى أي قراءة قرئت أكون قارئا على العربية. ولكن كيف يخفى عليك ان تلاوة القرآن وقراءته يجب فيها وفي تحققها ان تتبع ما أوحي إلى الرسول وخوطب به عند نزوله عليه وهو واحد فعليك أن تتحراه بما يثبت به وليست قراءة القرآن عبارة عن درس معاجم اللغة.

ولا تتشبث لذلك بما روي من أن القرآن نزل على سبعة أحرف فإنه تشبث واه واهن.

اما أولا فقد قال في الإتقان في المسألة الثانية من النوع السادس عشر اختلف في معنى السبعة أحرف على أربعين قولا وذكر منها عن ابن حيان خمسة وثلاثين. وما ذاك إلّا لوهن روايتها واضطرابها لفظا ومعنى. وفي الإتقان أيضا في أواخر النوع السادس عشر وقد ظن كثير من العوام ان المراد بها القراءات السبعة وهو جهل قبيح (واما ثانيا) فقد روى الحاكم في مستدركه بسند صحيح على شرط البخاري ومسلم عن ابن مسعود عن النبي (ص) نزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجرا وآمرا وحلالا وحراما ومحكما ومتشابها وأمثالا فأحلوا حلاله. وروى ابن جرير مرسلا عن أبي قلابة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنزل القرآن على سبعة


أحرف أمر وزاجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل. وروى ابن جرير والسنجري وابن المنذر وابن الانباري عن ابن عباس عنه (ص) ان القرآن على اربعة أحرف حلال وحرام الحديث. وأسند السنجري في الابانة. عن علي (ع) انزل القرآن على عشرة أحرف بشير ونذير وناسخ ومنسوخ وعظة ومثل ومحكم ومتشابه وحلال وحرام (واما ثالثا) فقد جاء في روايات السبعة أحرف بأسانيد جياد في مصطلحهم ما يعرفك وهنها وإلحاقها بالخرافة ففي رواية أحمد من حديث أبي بكرة ان النبي (ص) استزاد من جبرئيل في أحرف القراءة حتى بلغ سبعة أحرف قال يعني جبرئيل كلها شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة وآية رحمة بعذاب. وزاد في حديث آخر نحو قولك تعال واقبل وهلم واذهب واسرع واعجل. ونحوه في رواية الطبراني عن أبي بكرة. وفي الإتقان اخرج نحوه أحمد والطبراني عن ابن مسعود واخرج أبو داود في سننه عن أبي عن رسول الله (ص) إلى قوله حتى بلغ سبعة أحرف ثم قال ليس منها إلّا شاف كاف إن قلت سميعا عليما عزيزا حكيما ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب. وفي كنز العمال فيما أخرجه أحمد وابن منيع والغساني وابن أبي منصور وابو يعلى عن أبي عن النبي (ص) ان قلت غفورا رحيما أو قلت سميعا عليما أو عليما سميعا فالله كذلك ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب. واخرج ابن جرير عن أبي هريرة عنه (ص) ان هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرأوا ولا حرج ولكن لا تجمعوا ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب برحمة. واخرج أحمد من حديث عمر القرآن كله صواب ما لم تجعل مغفرة عذابا أو عذابا مغفرة. فانظر إلى هذه الروايات المفسرة للسبعة أحرف كيف قد رخصت في التلاعب في تلاوة القرآن الكريم حسبما يشتهيه التالي ما لم يختم آية الرحمة بالعذاب وبالعكس (واما رابعا) ففي الروايات ما يقطع سند القراءات السبع فعن ابن الأنباري في المصاحف مسندا عن عبد الرحمن السلمي قال كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة. وعن ابن أبي داود مسندا عن أنس قال صليت خلف النبي (ص) وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وكلهم كان يقرأ( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) . وروى أيضا ان أول من قرأ ملك يوم الدين هو مروان ابن الحكم (واما خامسا) وهو فصل الخطاب فقد روى من طرق الشيعة في الكافي مسندا عن أبي جعفر الباقر (ع) ان القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجيء من قبل الروايات. وأرسل الصدوق نحوه في اعتقاداته عن الصادق (ع) وفي الكافي أيضا في الصحيح


عن الفضيل بن يسار قال قلت لأبي عبد الله (ع) ان الناس يقولون ان القرآن نزل على سبعة أحرف فقال (ع) كذبوا. ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد. ويؤيد ما ذكرناه رواية السياري له أيضا عن الباقر والصادق (ع)

الفصل الرابع في تفسيره

وللحاجة إليه مقامات (الأول) في مفردات ألفاظه وبيان معناها في العربية ـ قد أنزل القرآن الكريم على افصح لغات العرب وأكثرها تداولا ومألوفية لنوع العرب فلا تخفى معاني مفرداته على العرب إلّا نادرا لبعض الجهات التي لا ينفك عنها نوع الإنسان كما يروى في الأبّ والقضب في قوله تعالى في سورة عبس( وَفاكِهَةً وَأَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً ) . ولكن لما تشرفت الأمم من غير العرب بالإسلام وتطورت اللغة العربية بسبب الاختلاط ومرور الزمان عرض لبعض الألفاظ التي كانت متداولة مأنوسة معروفة المعاني في عصر النزول ان صارت غريبة بعد ذلك في استعمال العامة بعيدة عن فهمهم لمعانيها. ولا زال ذلك يزداد يوما فيوما حتى سرى داؤه إلى بعض الخواص. ولاستراحتهم في ذلك إلى الاتباع والتقليد أثر غير هين

إذن فيرجع في التفسير لمفردات ألفاظه الشريفة إلى ما يحصل به الاطمئنان والوثوق من مزاولة علم اللغة العربية والتدبر في موارد استعمالها مما يعرف انه من كلام العرب ولغتهم. وان للتدبر في أسلوب القرآن الكريم وموارد استعماله وقراءتها دخلا كبيرا في ذلك. واما محض الركون إلى آحاد اللغويين تعبدا بكلامهم وتقليدا لآرائهم فذاك مما لا مساغ له. فان الأغلب أو الغالب مما يستندون إليه في أقوالهم ما هو إلّا الاعتماد على ما يحصلونه بحسب افهامهم وتتبعهم لموارد الاستعمال مع الخلط للحقيقة بالمجاز وعدم التثبت بالقرائن ومزايا الاستعمال. ألا ترى كم يشهد بعضهم على بعض بالخطأ والوَهم

ومن شواهد ما ذكرناه ما وقع في تفسير اللمس والمسّ من الاضطراب والخبط. ففي النهاية مسست الشيء إذا لمسته بيدك. وفي القاموس لمسه مسه بيده ومسسته أي لمسته. وفي المصباح مسسته أفضيت إليه بيدي من دون حائل هكذا قيدوه وقال قبل ذلك لمسه افضى إليه باليد. هكذا فسروه. وقال ابن دريد اصل اللمس باليد ليعرف مس الشيء وقال لمست مسست وكل ماس لامس. وقال الفارابي اللمس المس. وفي التهذيب عن أبن الاعرابي اللمس يكون مس الشيء وقال في باب الميم المس مسّك الشيء بيدك. وقال الجوهري اللمس


المس ثمّ قال في المصباح وإذا كان اللمس هو المس فكيف يفرق الفقهاء بينهما انتهى. ولعلك تذعن بأن الفقهاء احذق في استفادة المعنى من تتبع موارد الاستعمال وذلك لما اعتادوه وشحذوا به أذهانهم من بذل الجهد بالبحث والتحقيق فإن الفرق بين معنيي اللمس والمس واضح بحكم التبادر والتتبع لموارد الاستعمال. وغير خفي ان المعروف والمتبادر تبادرا يجزم معه بعدم النقل عن المعنى اللغوي الأصلي هو ان اللمس هو الإصابة بما به الإحساس من البدن بقصد الاحساس للملموس لا خصوص اللمس باليد ولا مطلق المس نعم كثير من موارد اللمس ما يكون باليد باعتبار انها آلة عادية وأقوى إحساسا. كما ان المس هو مطلق الإصابة لا بقصد الاحساس وقد صرح جماعة من أساطين علمائنا بأن معنى المس لغة بل وعرفا هو ما ذكرناه كما في المعتبر والمنتهى وروض الجنان والحدائق بل والمهذب البارع وأظن ان الذي يحقق في مراجعة العرف والتبادر وتتبع موارد الاستعمال قديما وحديثا لا يشك في ان معنى اللمس هو ما ذكرناه أولا.

ومن شواهد ما ذكرناه هو الاضطراب في معنى التوفي وما استعمل في لفظه المتكرر في القرآن الكريم. فاللغويون جعلوا الإماتة في معنى التوفي. والكثير من المفسرين في تفسير قوله تعالى في سورة آل عمران ٤٨( يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَ ) قالوا أي مميتك. وقال بعض مميتك حتف انفك. وقال بعض مميتك في وقتك بعد النزول من السماء وكأنهم لم ينعموا الالتفات إلى مادة التوفي واشتقاقه ومحاورات القرآن الكريم والقدر الجامع بينها. وإلى استقامة التفسير لهذه الآية الكريمة واعتقاد المسلمين بأن عيسى لم يمت ولم يقتل قبل الرفع إلى السماء كما صرح به القرآن. وإلى ان القرآن يذكر فيما مضى قبل نزوله ان المسيح قال لله( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ) ومن كل ذلك لم يفطنوا إلى أن معنى التوفي والقدر الجامع المستقيم في محاورة القرآن فيه وفي مشتقاته إنما هو الأخذ والاستيفاء وهو يتحقق بالإماتة وبالنوم وبالأخذ من الأرض وعالم البشر إلى عالم السماء. وإن محاورة القرآن الكريم بنفسها كافية في بيان ذلك كما في قوله تعالى في سورة الزمر ٤٣ :( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) ألا ترى أنّه لا يستقيم الكلام إذا قيل الله يميت الأنفس حين موتها وكيف يصح أنَّ التي لم تمت يميتها في منامها. وكما في قوله تعالى في سورة الانعام ٦٠ :( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ


لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إليه مَرْجِعُكُمْ ) فإن توفي الناس بالليل إنما يكون بأخذهم بالنوم ثم يبعثهم الله باليقظة في النهار ليقضوا بذلك آجالهم المسماة ثم إلى الله مرجعهم بالموت والمعاد. وكما في قوله تعالي في سورة النساء ١٩ :( حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ ) فإنه لا يستقيم الكلام إذا قيل يميتهنّ الموت وحاصل الكلام ان معنى التوفي في موارد استعماله في القرآن وغيره إنما هو أخذ الشيء وافيا أي تاما كما يقال درهم واف وهذا المعنى ذكره اللغويون للتوفي في معاجمهم وقالوا ان توفاه واستوفاه بمعنى واحد وأنشدوا له قول الشاعر

ان بني الادرد ليسوا لأحد

ولا توفاهم قريش في العدد

أي لا تتوفاهم وتأخذهم تماما (قلت) لكنّ بين الاستيفاء والتوفي فرقا واضحا من جهة اثر الاشتقاق فإن الاستيفاء استفعال كالاستخراج يشير إلى طلب الآخذ واستدعائه ومعالجته والتوفي يشير إلى القدرة على الآخذ بدون حاجة إلى استدعاء وطلب ومعالجة ولذا اختص القرآن الكريم بلفظ التوفي وعدل عن الأخذ لعدم دلالته على التمام والوفاء كالتوفي الدال على تمام القدرة على نحو المعنى في( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إليه راجِعُونَ ) . ولك العبرة فيما قلناه بقوله تعالى( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها ) فإنك إن جعلت قوله تعالى( وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ ) معطوفا على الأنفس لم تقدر أن تقول أن معنى يتوفى يميت. وإن قلت ان التوفي في المنام اماتة مجازية قلنا كيف يكون معنى اللفظ الواحد معنيين معنى حقيقيا ومعنى مجازيا ويتعلق باعتبار كل معنى بمفعول ويعطف احد المفعولين على الآخر مع اختلاف المعنى العامل به. وهل يكون اللفظ الواحد مرآة لكل من المعنيين المستقلين كلا لا يكون. وإن جعلت قوله تعالى( وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ ) مفعولا لكلمة «يتوفى» مقدرة يدل عليها قوله تعالى( يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ ) قلنا ان دلالة الموجود على المحذوف إنما هي بمعناه كما لا يخفى على من له معرفة بمحاورات الكلام فى كل لغة فكيف يجعل التوفي بمعنى الموت دليلا على توف محذوف هو بمعنى آخر إذن فليس إلّا أن التوفي بمعنى واحد وهو الأخذ تماما ووافيا. إمّا من عالم الحياة. وإما من عالم اليقظة. واما من عالم الأرض والاختلاط بالبشر إلى العالم السماوي كتوفي المسيح وأخذه ومن الغريب ما قاله بعض من أن رفع المسيح إلى السماء غير مشتمل على أخذ الشيء تاما انتهى وليت شعري ماذا بقي من المسيح في الأرض وماذا تعاصى منه على قدرة الله في أخذه فلا يكون رفعه مشتملا على أخذ الشيء تاما. هذا ولا يخفى ان القرآن ناطق بأن المسيح ما قتلوه


وما صلبوه ولكن شبه لهم ورفعه الله إليه وإن عقيدة المسلمين مستمرة كإجماعهم على انه لم يمت بل رفع إلى السماء إلى ان ينزل في آخر الزمان فلأجل ذلك التجأ بعض من يفسر التوفي بالإماتة إلى ان يفسر قوله تعالى( يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ) أي مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ولكني لا أدري ماذا يصنع بحكاية القرآن لما سبق على نزوله في قوله في أواخر سورة المائدة «١١٦ و ١١٧ :( وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ـما قُلْتُ لَهُمْ إلّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ ـ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) فهل يسوغ ان تفسر هذه الآية بالوفاة بعد النزول وهل يصح القياس في ذلك على قوله تعالى( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) وهل يخفى ان مقتضى كلام المسيح في الآيتين هو انه بعد ان توفاه الله وانقطعت تبليغاته في دعوة رسالته وكونه شهيدا على أمته تمحض الأمر ورجع إلى ان الله هو الرقيب عليهم. وان سوق الكلام واتساقه ليدل على اتصال الحالين. وان الرقيب كيفما فسرته إنما يكون رقيبا في وجود تلك الأمة في الدنيا دار التكليف لا الآخرة التي هي دار جزاء وانتقام. ولا تصح الطفرة في المقام من أيّام دعوة المسيح لأمته في رسالته وكونه شهيدا عليهم إلى ما بعد نزوله من السماء في آخر الزمان حيث يكون وزيرا في الدعوة الإسلامية لا صاحب دعوة. ومن الواضح أن المراد في الآيتين من الناس الذين جرى الكلام في شأنهم إنما هم الذين كانوا أمة المسيح وفي عصر رسالته ونوبة دعوته وتبليغه وأما صرف وجهة الكلام إلى الناس الذين هم في أيّام نزوله من السماء فما هو إلّا مجازفة فيها ما فيها وتحريف للكلم وأما قوله تعالى( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) فلم يكن اخبارا ابتدائيا يكون وقوع الفعل الماضي فيه باعتبار حال المتكلم كما في الآيتين بل جاء في سياق قوله تعالى( ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ ) في حوادث زمان البعث والقيامة ومقدماتها فهو في سياقه ناظر إلى ذلك الحين وسياق الكلام يجعله بدلالته في قوة قوله ونفخ حينئذ في الصور فهو على حقيقة الفعل الماضي وباعتبار ذلك الحين كما في قوله( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) . هذا وبعض المفسرين لقوله تعالى( يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ) قال أي مميتك حتف انفك. وأقول ان أراد الإماتة بعد نزول المسيح من السماء شارك ما سبق من التفسير فى ورد الاعتراض عليه وان أراد اماتته قبل ذلك وقبل نزول القرآن خالف المعروف من عقيدة المسلمين وإجماعهم في اجيالهم ويرد عليه السؤال أيضا بأنه من أين جاء بالإماتة حتف انفه وماذا يصنع بما جاء في القرآن


كثيرا مما ينافي اختصاص التوفي بالموت حتف الأنف بل المراد منه الأخذ بالموت وإن كان بالقتل كقوله في سورة الحج ٥ والمؤمن ٦٩ في أطوار خلق الإنسان من التراب والنطفة إلى الهرم.( وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل وفي سورة البقرة ٢٣٤ و ٢٤١( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً ) ويونس ١٠٤( وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ) والنحل ٧٢( وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) والسجدة ١١( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ ) والأعراف ٣٥( حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ) والنساء ٩٩( تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ) والنحل ٣٠ ـ ٣٣( تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ) والانعام ٦١( تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ) ومحمد (ص) ٣٩( فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ ) والأنفال ٥٢( وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ ) والزمر ٤٣( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها ) وإنك لا تكاد تجد في القرآن المجيد لفظ التوفي مستعملا فيما يراد منه الإماتة حتف الأنف إذن فمن اين جيء بذلك في قوله تعالى( إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ) نعم ابتلى لفظ التوفي ومشتقاته بالأخذ بمعناه يمنة ويسرة حتى ان العامة حسبوها مرادفة للموت حتى انهم يقولون في الذي مات توفى بفتح التاء والواو والفاء بالبناء للفاعل ويقولون في الميت متوفي بكسر الفاء

وصيغة اسم الفاعل بل يحكى ان أمير المؤمنين عليا (ع) كان يمشي خلف جنازة في الكوفة فسمع رجلا يسأل عن الميت ويقول من المتوفي بكسر الفاء وأما ما نسب إلى ابن عباس من أن معنى قوله تعالى( يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ) إني مميتك فما أراه إلّا كما نسب إلى ابن عباس في مسائل نافع بن الأزرق كما ذكر في الفصل الثاني من النوع السادس والثلاثين من إتقان السيوطي من أن نافعا سأله عن قول الله( ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ) أي بما يرجع إلى معنى تبهظهم وتثقل عليهم كما قال عمر ابن كلثوم في معلقته. (ومتني لدنة سمقت وطالت روادفها تنوء بما ولينا وكما أنشده اللغويّون: إلّا عصا ارزن طالت برايتها تنوء ضربتها بالكف والعضد

فذكر ان ابن عباس قال له في الجواب لتثقل أو ما سمعت قول الشاعر

تمشي فتثقلها عجيزتها

مشي الضعيف ينوء بالوسق

أي ينهض بالوسق بتكلف وجهد على عكس المعنى المذكور في القرآن. أفهل ترى ابن عباس يفسر تنوء التي في الآية بغير معناها كما ثار من هذا الاستشهاد المنسوب إليه اعتراض


النصارى بأن القرآن جاء بلفظة «لتنوء» في غير محلها. وهل ترى ابن عباس لا يعرف ان معنى ينوء بالوسق ليس يثقل بل ينهض به بتكلف. وهل ترى ابن عباس لا يدري ببيت المعلقة ليستشهد به استشهادا صحيحا مطابقا منتظما. كيف وإن المعلقات كانت للشعر في ذلك العصر كبيت القصيد ولكن «حنّ قدح ليس منها» وقد خرجنا عما نؤثره من الاختصار ولكنا ما خرجنا عن المقصود الاصلي من الكلام في تفسير القرآن الكريم بل سارعنا إلى شيء من الخير والله المسدد الموفق

المقام الثاني

لا يخفى ان القرآن الكريم مبني على ارقى أنحاء البلاغة العربية وتفننها بمحاسن المجاز والاستعارة والكناية والإشارة والتلميح وغير ذلك من مزايا الكلام الراقي ببلاغته مما كان مأنوس الفهم في عصر النزول ورواج الأدب العربي وقيام سوقه. وكان بحيث يفهم المراد منه ومزاياه بأنس الطبع ومرتكز الغريزة كل سامع عربي. ولكن بعد اشتراك الأمم في بركة الإسلام وامتلاء جزيرة العرب من الأمم وتفرق العرب بالتجنيد في غير البلاد العربية تغير أسلوب الكلام العربي في عامة الناس وتبدلت مزايا الكلام وأساليب المحاورات فعاد ذلك المأنوس غريبا في العامة وذلك الطبيعي الغريزي يحتاج في معرفته إلى ممارسة التطبع وكلفة التعلم والتدرب في اللغة العربية وأدبها على النهج السوي. من دون تقليد معرقل ولا وقوف عند الأسماء ولا جمود على قشور القواعد التي مهّدها المتدرّبون في العربية من الخواص اقتباسا بقدر الوسع من ذلك الأدب القديم. فدونوا من مبتذلها شيئا وفاتهم من أسرارها وحقائقها الشيء الكثير. وربما أدت بهم وعورة البحث والجمود على التقليد إلى عثرات الوهم أو احجام الشكوك انظر إلى ان جماعة من النحويين كالشرّاح لألفيّة ابن مالك وغيرهم قالوا في قول الراجز «جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط» أنَّ التقدير: بمذق مقول فيه هل رأيت إلخ ولا يخفى ان الراجز يريد وصف المذق بما يبين حاله وتبدل لونه بكثرة الماء وماذا يجدي فى ذلك كونه مقولا فيه هل رأيت الذئب قط ولم يفطنوا إلى ان الصفة التي يريدها الراجز كما يقتضيها المقام قد أشار إليها باستفهامه الذي هو بمنزلة التمثيل الحي لها. فكأنه قال جاؤوا بمذق لونه كلون الذئب هل رأيت الذئب يوما من الأيام فإن لون المذق كلونه فاعرف كيف كان. ومن شواهد ذلك ان صاحب الكشاف مع تضلعه من الأدب العربي ومعرفته بفذلكات الكلام


اضطرب كلامه وتفسيره في كلمة واحدة تكررت في القرآن الكريم على نحو واحد وهو قوله تعالى( فَلا أُقْسِمُ ) ففي سورة الواقعة في قوله تعالى( فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) قال فأقسم وان «لا» مزيدة مثلها في قوله( لِئَلَّا يَعْلَمَ أهل الْكِتابِ ) وفي قوله تعالى( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) قال إدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم قال امرؤ القيس:

ولا وأبيك ابنة العامري

لا يدعي القوم انّي أفر

وقال غوية بن سلمة:

ألا نادت أُمامة باحتمال

لتحزنني فلأ بك لا أبالي

وفائدتها توكيد القسم وقالوا: إنها صلة أي زائدة مثلها في( لِئَلَّا يَعْلَمَ أهل الْكِتابِ ) وقال في ذلك كلاما فيه ما فيه وقال والوجه ان يقال هو للنفي والمعنى في ذلك انه لا يقسم بالشيء إعظاما له يدلك عليه قوله تعالى( فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) فكأنه بإدخال حرف النفي يقول ان اعظامي له باقسامي به كلا إعظام يعني ان يستأهل فوق ذلك انتهى. ومقتضى بيانه هذا ان يقول إعظاما للمقسم به فإنه أوضح للبيان من مثله. وليته لم يخلط بين دخول «لا» على فعل القسم كما في الآيتين وبين دخولها على حرف القسم كما في بيتي امرء القيس وغوية وغيرهما مما لا يقع جوابه إلّا منفيّا فإنه واضح الظهور في ان «لا» فيه نافية موطئة لنفي الجواب لتأكيده وسبيلها سبيل قوله تعالى في سورة النساء ٦٨( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ) . وفي سورة الحاقة في قوله تعالى( فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ ) قال اقسام بالأشياء كلها. وفي سورة البلد فى قوله تعالى( لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ) قال اقسم بالبلد الحرام ولم يقل شيئا في قوله تعالى( فَلا أُقْسِمُ ) في سورة المعارج والتكوير والانشقاق. ومن شواهد ذلك ما سمعته هنا عن صاحب الكشاف في قوله تعالى( لِئَلَّا يَعْلَمَ أهل الْكِتابِ ) من أن «لا» في لئلا مزيدة وصرّح أيضا بذلك في تفسير سورة الحديد حيث قال( لِئَلَّا يَعْلَمَ ) ليعلم ـ ووافقه على ذلك جماعة فاغتنم اعداء القرآن الكريم من ذلك فرصة فاعترضوا على القرآن بأنه مشتمل على الزيادة اللغوية ولكن الجزء الأول من كتاب الهدى صفحة ٣٥٠ و ٣٥٥ أوضح البطلان في زعم الزيادة كما عليه جماعة من أن المعنى. ان الله وعد الذين آمنوا ويتقون الله ويؤمنون برسوله ان يؤتيهم كفلين من رحمته ويجعل لهم نورا يمشون به ويغفر لهم ومن فوائد ذلك وغاياته ان لا يعلم أهل الكتاب ان الذين آمنوا لا يقدرون على شيء من فضل الله ولأن الفضل بيد الله الآية وليت شعري لماذا لا تنزه جلالة القرآن المجيد وبراعته عن لغوية هذه


الزيادة التي لا غاية فيها إلّا الإيهام.

وفي تفسير قوله تعالى في سورة الأعراف ١١( قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) قال في الكشاف أيضا «لا» في ان لا تسجد صلة «أي زائدة» بدليل قوله تعالى أي في سورة (ص) ٧٥( ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ ) ومثلها( لِئَلَّا يَعْلَمَ أهل الْكِتابِ ) بمعنى ليعلم انتهى. أقول وإن التدبر في آيات الأعراف. وص يشهد بأن «لا» غير زائدة بل جيء بها في الأعراف للاشارة إلى أمر قد صرح به في آيات ص وذلك ان الفعل قد يكون له مانع من ضد أو عذل أو غفلة أو عجز أو كل وقد يكون له سبب داع وحامل على تركه ومخالفته الأمر به فسأل الله إنكارا أو توبيخا في سورة ص عن المانع بقوله تعالى( ما مَنَعَكَ ) ان تسجد وعن السبب والحامل على المخالفة بقوله تعالى( أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ) وأشار جل شأنه في سورة الأعراف بوجود (لا) إلى السؤال عن السبب الحامل على المعصية بعد السؤال عن المانع فكأنه قال ما منعك من أن تسجد وما حملك على ان لا تسجد ولذا وقع الجواب من إبليس في كلا المقامين بيان السبب الحامل له على ان لا يسجد لا التعليل بالمانع فقال( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) وكذا الكلام في قوله تعالى في سورة طه ٩٤( قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ألّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) فإن التفريع فى قوله( أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) يدل على انه قد سبق السؤال عن المانع عن الاتباع وعن السبب الحامل على المعصية بتركه وأشير إليه بإدخال «لا» ولكن قال في الكشاف لا مزيدة والمعنى ما منعك ان تتبعني. وقال الله في سورة الأنبياء ٩٥( وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) وفي الكشاف فسر الإهلاك بالعزم عليه وفسر الرجوع بالرجوع من الكفر إلى الإسلام وهذا مختاره على الظاهر من الوجوه الثلاثة ثم قال فيه و «لا» صلة مزيدة انتهى وليته أبقى الإهلاك على ظاهره وفسر الرجوع بالرجوع إلى الإيمان والتوبة عند مشاهدة آيات الهلاك وأحوال الموت كإيمان فرعون عند الغرق كما في سورة يونس ٩٠. أو كالذين( إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ) وكما في سورة النساء ٢٢. وكما ذكره الله في سورة المؤمنين في حال المشركين والظالمين ١٠١( حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ) فإن قولهم هذا رجوع إلى التوبة ولكنها لا تقبل كما قال الله في الموارد الثلاثة ويكون معنى الآية الكريمة هو ان أهل القرى


التي أهلكها الله حرام عليهم بسبب مشاهدتهم لآيات الإهلاك وحضور الموت وممتنع في العادة ومنفيّ بالمرة كونهم لا يرجعون إلى التوبة والإيمان بحسب الفطرة وإن كان لا ينفعهم ويستمرون على ما هم فيه حتى إذا جاءت الساعة وصار يوم القيامة وعاينوا ما كانوا يوعدون قالوا يا ويلنا قد كنا في غفلة عن هذا.

وقال الله تعالى في سورة آل عمران ٧٣( ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ٧٤ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً ) ولا يخفى ان قوله تعالى (ولا يأمركم) معطوف على (يقول) المعطوف بثمّ على المنفي بقوله تعالى (ما كان) أي ليس له وإن (لا) هنا نافية يؤتى بها لتثبيت النفي في الأمرين مثلها في قولك ليس لك ان تقوم ولا أن تأكل لئلا يتوهم ان النفي للجمع بين الأمرين والجمع بين القيام والأكل كما قال في الكشاف في ثاني وجهيه في الآية. وقال في الكشاف ان في الآية وجهين أحدهما ان نجعل «لا» مزيدة والمعنى ثمّ يأمر الناس بأن يكونوا عبادا له ويأمركم ان تتخذوا النبيين والثاني ان نجعل «لا» نافية غير مزيدة والمعنى ما كان لبشر يستنبئه الله ان يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن عبادة الملائكة أي ما كان له أن يجمع بين الأمر والنهي. ويا للعجب ممن سوغ لنفسه في مثل بلاغة القرآن المجيد ان يفسر لا يأمركم بقوله ينهاكم ولو فسر بذلك كلام واحد من الناس لأوسعه من الملام ما أوسعه ـ ولم ينفرد الزمخشري بدعوى زيادة (لا) في هذه الموارد بل ادعى ذلك جماعة من المفسرين والنحويين كما ذكر ابن هشام في المغنى في كلمة «لا» ولو ان زيادة «لا» محققة في كلام العرب متداولة في شعرهم ونثرهم لما ساغ لهؤلاء ان يقولوا بذلك في مثل بلاغة القرآن الكريم ومجدها وفي خصوص الموارد التي ادعوا فيها الزيادة فإن البلاغة بل استقامة الكلام تقتضي تثبيت إثباتها ورفع أوهام النفي عنها لو كانت مثبتة إذن فكيف يقلق مضمونها الشريف بما يوهم النفي ويشوش الكلام. وان المخبر الذي يعرف كيف يتكلم لا يدخل على خبره ما يوهم نقيضه هذا مع أنّي لم أجد شاهدا ذكروه من الكلام على زيادة «لا» إلّا قوله :

وتلحينني في اللهو أن لا أحبّه

وللهو داع دائب غير غافل

ولو كان هذا من شعر العرب وكان المراد منه ما فهموه لجاز أن يضمر فيه وتأمرينني بأن لا أحبه أو وتدعينني إلى أن لا أحبه. ومن غرائبهم استشهاد بعضهم أيضا بقول الشاعر


أبى جوده لا البخل واستعجلت به

نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله

نعم لم يوافقهم الزمخشري على زعمهم لزيادة (لا) في قوله تعالى في سورة الأنعام ١٠٩( وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ) وقوله تعالى فيها ١٥٢( قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ألّا تُشْرِكُوا ) . ومن شواهد ذلك انك سمعت كلام الكشاف في دخول لا النافية على القسم واستفاضته في كلامهم وأشعارهم وما ذكره من الشواهد في الشعر ومع ذلك قال في تفسير سورة النساء في قوله تعالى( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ) معناه فو ربك كقوله تعالى( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ ) و «لا» مزيدة لتأكيد معنى القسم كما زيدت في( لِئَلَّا يَعْلَمَ ) لتوكيد وجوب العلم انتهى فانظر فيه واعتبر وقل أين ما ذكرته من الاستفاضة واين مضى الاستشهاد بالشعر. ولو لا الحمل على التحامل لذكرنا عن الكشاف وغيره اكثر من ذلك وفي ذلك كفاية لأولي الألباب : ومن ذلك ما نقله السيد الرضي في حقائق التأويل من قول بعضهم بزيادة الواو في قوله تعالى في سورة آل عمران ٨٥( وَلَوِ افْتَدى بِهِ ) . وابراهيم ٥٢( وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ) . والزمر ٧٣( وَفُتِحَتْ أَبْوابُها ) . أقول ولمثل هذه الواو في القرآن موارد وهي فيها كلها واو العطف على محذوف يدل عليه سياق القرآن بكرامة نهجه وبراعة أسلوبه في مناحي البلاغة ويجلوه المقام باشراق تلك البراعة بأجلى المظاهر كما سيأتي التنبيه عليه في موارده ان شاء الله. ومن شواهد ذلك مما جناه القصور ان جماعة وقفوا عن الوصول في بعض ما في القرآن الكريم من فرائد البراعة وفوائد البلاغة حتى صار يلوح من ترددهم ان ذلك مخالف لقواعد العربية فاغتنم اعداء القرآن من ذلك فرصة الاعتراض وقد ساعد التوفيق على التعرض لتلك الاعتراضات وبيان خطأها بإيضاح براعة القرآن الكريم في مواردها بأسرار البلاغة ولباب الأدب العربي وبواهر اساليبه وقد كتب شيء من ذلك في الجزء الأول من كتاب الهدى وفي خصوص المقدمة الثالثة عشرة من صفحة ٣٢١ حتى آخره ومن شواهد ذلك ان كثيرا من مجازات القرآن الكريم واستعاراته للواضحة العلاقة والفائقة في لحاظ التشبيه ومرمى الإشارة والمؤيدة بأحكام العقل ومحكمات الكتاب هذه الاستعارات التي كانت من ازهار الأدب العربي الغريزي حين ما كان روضه زاهيا زاهرا عادت بعد ما ذوى خميله معركة للآراء وهدفا للجحود وإن حامت عنها محكمات الكتاب ونصرتها البراهين العقلية في تقديس الله وتفرده بالكمال. فمن ذلك ما في القرآن من نسبة الإضلال إلى الله جل اسمه في عدة آيات منها السابعة والعشرون


من سورة الرعد والثانية والثلاثون من سورة إبراهيم ونحوهما. فإن التعبير في ذلك بالإضلال مجاز فائق في الحسن يمثل ببراعته حاجة الإنسان مع نفسه الأمارة إلى لطف الله به وعنايته في توفيقه ويشير إلى ما في اللطف والتوفيق من الأثر الشريف الكبير في النعمة على الإنسان وينبه إلى ان خذلان الله للإنسان المتمرد برفع العناية في التوفيق وايكاله إلى نفسه شبيه بإضلاله في قوة الأثر. كل ذلك لأجل التنويه والامتنان بنعمة الله في توفيقه لعباده ولأجل هذه المزايا الفائقة استعير الإضلال لخذلان الله لعبده المتمرد وإيكاله إلى نفسه والعياذ بالله

ولقد كان يكفي في القرينة على التجوز في لفظ الإضلال هنا وصرفه عن مقتضى وضعه ما في القرآن من المحكمات مثل قوله تعالى في سورة الأعراف ٢٧( إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ) وفي سورة النحل ٩٢( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) فإن تمجد الله بذلك كاف في كونه قرينة على ان الإضلال المنسوب لله تعالى شأنه إنما هو مجاز. وإن مجده والطافه جلت آلاؤه تعين المراد منه وهو ما ذكرناه. وكيف يكون الإضلال المنسوب إلى الله على حقيقته مع أن الله يذم الضالين ويعذبهم على ضلالهم ويوبخهم بقوله تعالى( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ. لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَ. لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ. فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ. وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا ) وتمام الكلام في الكتب الكلامية. وقد ذكر شيء منه في الجزء الثالث من الرحلة المدرسية صفحة ٢٩ إلى ٤٢ : ومن ذلك ان الفرقة الظاهرية لم تلتفت إلى المجاز ووجهه الواضح في قوله تعالى( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) ولم يصرفهم عن المعاني الحقيقة لهذه الألفاظ ضرورة العلم من القرآن والبراهين القطعية في ان الله منزه عن الجسم والأين والمكان لكي يعرفوا ان المراد بالعرش هنا هو شأن القدرة والجلال واستيلاء السلطان على الملكوت في الأزل والأبد. ولأجل إحضار هذا الشأن العظيم في أذهاننا القاصرة وملأ قلوبنا بعظمته مثل القرآن لتصورنا المحدود بتشبيهه بما نعرفه ونعرف آثاره من العرش الجسماني للملك الأرضي الذي بالصعود عليه صعودا زمنيا ينفذ سلطانه وتعم قدرته. ومن آثار الظاهريين العجيبة ما أخرجه ابن مردويه والخطيب في تاريخه وابن منصور في سننه من مسند عمر عن النبي (ص) في قوله تعالى( عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) قال حتى يسمع له اطيط الرحل. وانظر إلى كنز العمال الجزء الأول صفحة ٢٢٦ وكذا منتخب الكنز واطيط


الرحل والقتب صوته أي صوت أخشابه من ضغط ثقل الراكب والحمل وسيأتي شبيه ذلك في تفسير آية الكرسي. وفي ميزان الذهبي من أنكر ما جاء عن مجاهد في التفسير في قوله( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) قال يجلسه معه على العرش. وفي شواهد الحق كتاب الشيخ يوسف النبهاني صفحة ١٣٠ قال ومن كتب ابن تيمية كتاب العرش قال في كشف الظنون ذكر فيه إن الله يجلس على العرش وقد أخلى فيه مكانا يقعد معه فيه رسول الله (ص) كما ذكر ذلك أبو حيان فى قوله تعالى( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) وقال يعني أبا حيان قرأت في كتاب العرش لأحمد بن تيمية بخطه ما صورته ما ذكرناه ونقلها كشف الظنون من طريق آخر عن السبكي انتهى. وعلى هذا الوتر ضرب محمد بن عبد الوهاب في رسالته المطبوعة في ضمن مجموعة فيها عدة من الرسائل طبعت في مكّة فانظر إلى صفحة ١٥٥ و ١٥٦ من المجموعة وكذا عبد الرحمن بن حسن الوهابي في صفحة ٣٦ من المجموعة المذكورة

المقام الثالث

جاء في القرآن شيء كثير من الألفاظ العامة التي يراد بها الخاص أو التي هي نص في خاص باعتبار نزولها في شأنه وغير ذلك مما كان معروفا في عصر نزوله ثمّ صارت أسباب الخفاء تختلسه شيئا فشيئا وتجعل ضده كما في خرافة الغرانيق وآية التمني.

والمفزع في تفسير ذلك هو ما يحصل به العلم من إجماع المسلمين أو اتفاقهم في الرواية للتفسير. أو في الرواية عن الرسول (ص) في الدلالة على من يفزع إليه بعده في تفسير كتاب الله وذلك كحديث الثقلين المتواتر القطعي الذي ذكره إخواننا من أهل السنة في كتبهم وأوردوا من روايته عن الصحابة الذين سمعوه من رسول الله (ص) اكثر من ثلاثين صحابيا وبقي على ذلك متواترا في كل عصر إلى العصر الحاضر وهو قوله (ص) «إني تارك فيكم الثقلين أو الخليفتين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلّوا أبدا فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» وان لفظ العترة والأحاديث الكثيرة الصحيحة الواردة في تعيين أهل البيت يعينان المراد من أهل البيت فضلا عن دلالة العرف والمحاورات. وقوله (ص) ما ان تمسكتم بهما لن تضلّوا ابدا مع قوله (ص) فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يعينان الأئمّة الاثني عشر المعصومين من عترة الرسول وذريته. ومن دلائل ذلك اجماع المسلمين على ان من عدا هؤلاء ليس معصوما ولا يتصف بانه مثل كتاب الله لا يضل من تمسك به


وهاك أسماء الصحابة السامعين لهذا الحديث عن رسول الله (١) علي (ع) امير المؤمنين (٢) عبد الله بن عباس (٣) أبو ذر الغفاري (٤) جابر الأنصاري (٥) عبد الله بن عمر (٦) حذيفة بن أسيد (٧) زيد بن أرقم (٨) عبد الرحمن بن عوف (٩) ضميرة الأسلمي (١٠) عاصم ابن ليلى (١١) أبو رافع (١٢) أبو هريرة (١٣) عبد الله بن حنطب (١٤) زيد بن ثابت (١٥) أمّ سلمة (١٦) ام هاني أخت امير المؤمنين علي (ع) (١٧) خزيمة بن ثابت (١٨) سهل بن سعد (١٩) عدي بن حاتم (٢٠) عقبة بن عامر (٢١) أبو أيوب الأنصاري (٢٢) أبو سعيد الخدري (٢٣) أبو شريح الخزاعي (٢٤) أبو قدامة الأنصاري (٢٥) أبو ليلى (٢٦) أبو الهيثم بن التيهان. وهؤلاء الذين ذكرنا أسماءهم من بعد ام هاني قد رواه كل منهم منفردا كمن تقدمه وقاموا في رحبة الكوفة مع سبعة من قريش فشهدوا انهم سمعوه من رسول الله فهؤلاء ثلاثة وثلاثون. ورواه أبو نعيم الأصبهاني في كتاب منقبة المطهرين مسندا عن جبير بن مطعم وأسنده أيضا عن أنس بن مالك وأسنده عن البراء بن عازب ورواه موفق بن أحمد اخطب خوارزم عن عمرو بن العاص. وقلّ ما يخلو عن رواية هذا الحديث مسند أو جامع أو كتاب في الفضائل لأهل السنة من أول ما اخرج الحديث من الحفظ وصدور الحفاظ إلى صحف المحدّثين ولا زال يروي فيها عن صحابي واحد أو أكثر وربما روي في واحد منها عن أكثر من عشرين صحابيا اما مجملا كما في الصواعق واما مسندا مفصلا كما في كتب السخاوي والسيوطي والسمهودي وغيرهم ومن أراد الاطلاع فليرجع إلى الجزأين المكتوبين في أسانيد هذا الحديث من كتاب العبقات

ورواه الإمامية في كتبهم بأسانيدهم المتكررة عن الباقر (ع) والرضا (ع) والكاظم (ع) والصادق (ع) عن آبائهم (ع) عن رسول الله (ص). وبالأسانيد الأخر عن أمير المؤمنين (ع) وعمر وأبي ذر وجابر وأبي سعيد وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت وحذيفة بن أسيد وأبي هريرة وغيرهم عن رسول الله (ص) كما في غاية المرام وتفسير البرهان للسيد هاشم البحراني طاب ثراه وغير ذلك.

ولعلك تقول: إنَّ البخاري لم يذكر هذا الحديث في جامعه فاعرف إذن أنَّ المحدّثين لا يلتفتون إلى استفاضة الحديث وتواتره وافادته للعلم من هذه الجهة كما هو شأن العالم المحقّق في حجّته وبحثه عن الحقائق. وإنمّا المهم للمحدّث والموضوع في فنه هو الحديث الآحادي


الذي يأخذه بما عندهم في طرق الأخذ من رجل عن آخر على شروط يقررها في السند فكأن البخاري لم يحصل شرطه في سند من أسانيد الحديث الآحادية ولكن الحاكم في مستدركه استدرك عليه وعلى مسلم حديث زيد بن أرقم من طريق حبيب عن أبي الطفيل قال لما رجع رسول الله (ص) عن حجّة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن فقال (ص): إني قد دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ثم قال إن اللهعزوجل مولاي وأنا مولى كل مؤمن ثم أخذ بيد عليّ فقال من كنت مولاه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله. ومن طريق مسلم بن صبيح عنه قال قال رسول الله (ص) إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله واهل بيتي وانهما لم يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. وقال الحاكم أيضا هذا صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه قلت: ولم أجد من تعقب الحاكم على استدراكه بهذين الحديثين فيكون ذلك موافقة ممن عاصر الحاكم ومن بعده على الإستدراك وصحة الحديثين على شرط البخاري ومسلم. ومن طريق سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل أنّه سمع زيد بن أرقم يقول وساق نحو الحديث الأول وفيه إني تارك فيكم أمرين لن تضلّوا إن اتّبعتموهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي الحديث وتعقّبه الذهبي بأن في طريقه محمد بن سلمة وقد وهاه السعدي وذكر له ابن عدي أحاديث منكرة. ومراده من السعدي هو إبراهيم بن يعقوب السعدي الجوزجاني كما ذكره في ترجمة محمد بن سلمة. قلت: وما ادراك ما السعدي فإنه معروف بالنصب وفي الميزان عن ابن عدي كان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في التحامل على علي (ع) وقد قال في إسماعيل ابن أبان الوراق شيخ البخاري أنّه كان مائلا عن الحق قال ابن عدي ولم يكن يكذب الجوزجاني يريد به ما عليه الكوفيون من التشيع إذن فاعرف السبب في تحامل الجوزجاني وابن عدي على محمد بن سلمة. ولعمر العلم الحق أنَّ الحديث بتواتره في غنى عن التعرض له في جامع البخاري ـ هذا وأما الرجوع في التفسير وأسباب النزول إلى أمثال عكرمة ومجاهد وعطا وضحّاك كما ملئت كتب التفسير بأقوالهم المرسلة فهو مما لا يعذر فيه المسلم في أمر دينه فيما بينه وبين الله ولا تقوم به الحجّة. لأن تلك الأقوال إن كانت روايات فهي مراسيل مقطوعة ولا يكون حجّة من المسانيد إلّا ما ابتنى على قواعد العلم الديني الرصينة ولو لم يكن


من الصوارف عنهم إلّا ما ذكر في كتب الرجال لأهل السنة لكفى. وإن الجرح مقدم على التعديل إذا تعارضا. أما عكرمة فقد كثر فيه الطعن بأنه كذاب غير ثقة ويرى رأي الخوارج وغير ذلك. وقيل للأعمش ما بال تفسير مجاهد مخالف أو شيء نحوه قال أخذه من أهل الكتاب. ومما جاء عن مجاهد من المنكرات في قوله تعالى( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) قال يجلسه معه على العرش. وأما عطا فقد قال أحمد ليس في المراسيل أضعف من مراسيل الحسن وعطا كانا يأخذان عن كل أحد وقال يحيى بن القطان مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطا بكثير، كان عطا يأخذ من كل ضرب وروي انه تركه ابن جريح وقيس بن سعد. وأما الحسن البصري فقد قيل انه يدلس وسمعت كلام أحمد فيه وفي عطا. وأما الضحّاك ابن مزاحم المفسر فعن يحيى بن سعيد قوله: الضحّاك ضعيف عندنا وكان يروي عن ابن عباس وأنكر ملاقاته له حتى قيل انه ما رآه قطّ. وأما قتادة فقد ذكروا انه مدلس. وأما مقاتل بن سليمان فقد قال فيه وكيع: كان كذّابا. وقال النسائي: كان مقاتل يكذب وعن يحيى قال: حديثه ليس بشيء وقال ابن حيان: كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم. وأما مقاتل بن حيان فعن وكيع انه ينسب إلى الكذب وعن ابن معين ضعيف وعن أحمد بن حنبل لا يعبأ بمقاتل بن حيان ولا بابن سليمان فانظر إلى ميزان الذهبي من كتب الرجال أقلا ودع عنك أنَّ أصول العلم عندنا تأبى من الركون إلى روايتهم فضلا عن أقوالهم إلّا في مقام الجدل أو التأييد أو حصول الاستفاضة والتوافق في الحديث.

هذا وإن كثيرا من كتب التفسير قد لهج بأكذوبة شنيعة وهي ما زعموا من أن الرسول (ص) قرأ سورة النجم في مكّة في محفل من المشركين حتى إذا قرأ قوله تعالى( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ) قال (ص) في تمجيد هذه الأوثان وحاشا قدسه «تلك الغرانيق الأولى منها الشفاعة ترتجى» فأخبره جبرائيل بما قال فاغتمّ لذلك فنزل عليه في تلك الليلة أية تسلية ولكن بماذا تسليه بزعمهم تسليه بما يسلب الثقة من كل نبي وكل رسول في قراءته وتبليغه. والآية هي قوله تعالى في سورة الحج ٥١( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إلّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ) فقالوا معنى ذلك إذا تكلم أو حدث أو تلا وقرأ ادخل الشيطان ضلاله في ذلك.

إذن فما حال الأمم المساكين وما حال هداهم مع هذا الإدخال الذي لم يسلم بزعمهم


منه نبي أو رسول ولم يسلم منه شيء من كلامهم أو حديثهم أو تلاوتهم على ما يزعمون «ما هكذا تورد يا سعد الإبل» أفلا صدهم من ذلك اقلا أنَّ سورة الحج مدنية أمر فيها بالأذان بالحج ٢٧ واذن فيها بالقتال ٤٠ وأمر فيها بالجهاد ٧٧ ولم يكن هذا الأمر وهذا الاذن إلّا بعد الهجرة بأعوام. وإنّ الذي بين ذلك وبين الوقت الذي يجعلونه لخرافة الغرانيق وخرافة نزول الآية هذه في ليلتها يكون اكثر من عشرة أعوام وقد ذكر شيء من الكلام في ذلك في الجزء الأول من كتاب الهدى صفحة ١٢٣ ـ ١٢٩ فلا بأس بمراجعته

ومن ذلك أنَّ جملة من المفسرين والقرّاء يترددون في الوقف على بعض الكلمات لترددهم في ارتباطها بما بعدها أو بما قبلها. فلم يراعوا في ذلك مناسبات الكلام وجودته والحاجة إلى التقدير أو حسنه ومن ذلك كلمة «فيه» من قوله تعالى في أول سورة البقرة( ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ) زعما منهم انها تكون خبرا مقدما لقوله تعالى( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) ويقدرون مثلها لقوله تعالى( لا رَيْبَ ) مع ان الوقف على لا ريب يجعل الكلام قلقا مبتورا بنحو لا يجدي فيه التقدير. ومع انه لا حاجة لجعل الظرف خبرا مقدما لهدى وجملته تكون خبرا ثانيا لذلك الكتاب. فإن كلمة هدى هي بنفسها تكون خبرا وهذا هو الأنسب بكرامة الكتاب المجيد فقد قال الله انه( هُدىً وَرَحْمَةً ) كما في الأعراف ٥٠ والنحل ٦٦ و ٩١ وغير ذلك وإن القرآن( هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) و( هُدىً لِلنَّاسِ ) و( هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) و( لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ ) كما في سورة البقرة ٩١ و ١٨١ والنمل ٢٩ وحم السجدة ٤٤

ومن ذلك كلمة «هذا» من قوله تعالى في سورة (يس) من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن. فكأنهم لا يلتفتون إلى أنّ المقام غني عن وصف المرقد باسم الإشارة حتى للإيضاح لأنهم يقولون ذلك عند خروجهم من الأجداث ومراقد القبور. وان إخراج اسم الإشارة عن كونه مبتدءا وما وعدنا خبره ليخرج الكلام عن الانتظام ويجعل صورته الحسنى مشوشة هي للنفي اقرب منها للاثبات وهو ضد المعنى الذي سيقت لبيانه الآية. هذا وأما الذين تهاجموا بآرائهم على تفسير القرآن بما يسمونه تفسير الباطن ركونا بآرائهم إلى مزاعم المكاشفة والوصول ونزعات التفلسف أو التجدد أو حب الانفراد والشهرة بالقول الجديد وإن كان فيها ما فيها فقد آثروا متاهة الرأي على النهج السويّ عن أصول العلم وفارقوه من أول خطوة


المقام الرابع

ان القرآن الكريم كثيرا ما ينسب التعقل والإدراك والاهتداء ونحو ذلك إلى القلب والمتجددون ينسبون الإدراك وآثاره إلى الدماغ ويعتمدون في حدسهم في ذلك على انهم رأوا تلافيف الدماغ اي عقده في الإنسان اكثر منها في سائر الحيوانات وان الأعصاب الجمجمية المتصلة بظاهر الدماغ والمنتشرة أليافها في باطنه مرتبطة بأعصاب آلات الحس كالأذن والعين وغيرهما : ولكن مباحث التشريح تقف دون حدسهم هذا. فإن المجموع العصبي والنخاع الممتد إلى الفقرة القطنية الأولى التي هي تحت الفقرة الثانية عشرة من الظهر هذه كلها كمخ الدماغ في كونها مكوّنة من الجوهر السنجابي والجوهر الأبيض فلا ميزة لتكوين الدماغ لكي يحدس امتيازه عنها بكونه كرسي الإدراك والتعقل دونها. وإن الأعصاب كما ترتبط بآلات الحس ترتبط أيضا بالقلب والكبد والمعدة بل حتى الأسنان وأعضاء البدن إلى أنامل اليدين والرجلين. وأما ما يتراءى من أن صغر الدماغ يقارن ضعف الإدراك والتعقل إلى أن يصل الحال إلى البله فلا يدلّ على مدّعاهم بل يجوز أن يكون خروجه عن المقدار الطبيعي للإنسان ككثير من العوارض البدنية موجبا لضعف الجزء الآخر العاقل في أداء وظيفته. وأما التفاوت بين أدمغة الرجال وبين أدمغة النساء فهو جار في قلوب الصنفين أيضا. هذا مع أن الدماغ يزيد نموه في زمان قلة القوة العاقلة إلى السنة السابعة ثمّ ينمو بطيئا إلى الرابعة عشرة ويتقهقر نموه إلى العشرين ومنها إلى الثلاثين ويقف عند الأربعين ثمّ ينقص وزنه في كل عشر سنين نحو اوقية مع أنّ الإنسان من العشرين فما زاد يزداد في قوة التعقل ويترقى في كونه أقوى وأحسن تعقلا وإدراكا. والقلب لا يزال يأخذ بالنمو والزيادة إلى الأدوار الأخيرة من الحياة ولا سيما في الذكور. وهذا أنسب بأزمنة حسن التعقل وجودة الإدراك. مضافا إلى أنّ القلب هو مبدء الحركة الحيوية المديرة للدورة الدموية وأسباب الحياة والنمو وتوزيع القوى على جميع أجزاء البدن فهو أنسب من غيره بأن تستخدمه الروح الحيوانية في أعمالها العقلية. وأيضا انّ بناء القلب مؤلف من حلفات ليفية والياف عضلية وكلها على نوع مدهش من التغمم والتصالب والتشبك بحيث يقال انّ البناء العضلي للقلب لم يعرف كما ينبغي إلى الآن. وانّ بناء القلب وأليافه العضلية أكثر وأكثر تضمما وتصالبا وتشبكا من البناء الذي امتازت به عضلات الحياة الحيوانية الحساسة للإرادة التي هي من أعمال النفس والممتثلة في أعمالها لأمرها. وهذا كله يشير إلى


أنّ لعضلية القلب وميزة بنائه عمل نفسي كبير فائق يفوق ما ذكر لعضلات الحياة الحيوانية وأنسب ما يكون بذلك هو الإدراك والتعقل. نعم يمكن أن يكون الدماغ محفظة لصور المدركات التي يستودعها القلب إياه.

وخلاصة الحجّة في ذلك هو ان وجوه الإعجاز في القرآن الكريم حجّة على انه منزل من الله خالق القلب والدماغ بعلمه وحكمته. وقد اخبر بأنّ محلّ الإدراك والتعقل وآثاره هو القلب خاتمة من جملة ما يحضرني عند كتابتي لهذا التفسير من كتب الشيعة من كتب التفسير وانقل عنه تفسير القمّي عليّ بن ابراهيم. والجزء الخامس من كتاب حقائق التأويل في متشابهات التنزيل للسيد الرضي طاب ثراه وهذا هو المقدار الموجود منه وابتداؤه من الآية الخامسة من سورة آل عمران إلى نهاية تأويل الحادية والخمسين من سورة النساء. وكتاب مختصر التبيان للشيخ الطوسي. وهو قليل النسخة جدا وفيه احالات على كتابيه الخلاف وشرح جمل العلم. وكتاب مجمع البيان للطبرسي. وكتاب البرهان للسيد هاشم البحريني وهو تفسير بالحديث وهو مع الوسائل واسطتي إلى تفسير العياشي. واما التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (ع) فقد أوضحنا في رسالة منفردة في شأنه أنه مكذوب موضوع ومما يدل على ذلك نفس ما في التفسير من التناقض والتهافت في كلام الراويين وما يزعمان انه رواية وما فيه من مخالفة الكتاب المجيد ومعلوم التاريخ كما أشار إليه العلامة في الخلاصة وغيره. ومن كتب آيات الأحكام كنز العرفان للمقداد وزبدة البيان للأردبيلي. والقلائد للجزائري. ومن كتب الحديث. الكافي. والفقيه. والتهذيبان. والوسائل. وعدة من كتب الصدوق وغيرها ومن كتب أهل السنة من كتب التفسير تفسير الطبري. والكشاف. والدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي. ومن كتب الحديث جوامعهم السنة. وموطأ مالك. ومسند احمد. ومستدرك الحاكم. وكنز العمال. ومختصره. وان الدر المنثور اجمع من غيره للمأثور في التفسير باعتبار الأحاديث ورواتها ومخرجيها في كتبهم فلذا كانت احالتي في الغالب عليه وان اخرج الحديث عن صحاحهم التي هي أعلى منه سمعة. وقد انقل عنها ما لم يذكره. وإنما اذكر عنه ما أسنده عن الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وسلم . أو عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم. واما ما يرويه موقوفا على التابعين ومن بعدهم فلا حاجة لي فيه والله الموفق والمعين ولنشرع بعون الله وتوفيقه في المقصود


فاتحة الكتاب

____________________________________

الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (٦)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (٧)

____________________________________

تسميتها

تواترت تسميتها بفاتحة الكتاب ومن ذلك قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا صلاة لمن لم يقرء بفاتحة الكتاب ونحو ذلك. وتكاثرت روايات الفريقين من الشيعة واهل السنة عن رسول الله (ص) وامير المؤمنين (ع) والصادق (ع) في تسميتها بأم الكتاب. وأمّ القرآن. والسبع المثاني. والقرآن العظيم. وعن أبي عبد الله الصادق (ع) إنما سميت المثاني لأنها تثنى في الركعتين

بركتها

واستفاضت الرواية من الفريقين عن رسول الله (ص) والباقر (ع) والصادق (ع) بل كادت ان تكون متواترة المعنى أن في قراءتها شفاء من الداء

محل نزولها

ذكر الواحدي في اسباب النزول وعن الثعلبي في تفسيره عن عليّ (ع) قد نزلت فاتحة الكتاب بمكّة الحديث. وروي عن عمرو بن شرجيل ما حاصله ان نزولها كان في أول الرسالة ونزول جبرائيل بالوحي. ولكن في مضامين الرواية ما فيها. وعن رجل من بني سلمة ما يقضي بأنها كانت تتلى قبل الهجرة. وقال الله تعالى في سورة الحجر ٨٧( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) وإذا كانت سورة الحجر كلها مكية قبل الهجرة ففي ذلك بضميمة ما ذكره في تسميتها دلالة على انها نزلت في مكّة قبل الهجرة ولكن مرسوم في عناوين المصاحف انها مدنية وقبل انها مكية مدنية وهي سبع آيات باتفاق المسلمين وتضافر الأحاديث زيادة على أحاديث السبع المثاني بل الأحاديث في روايات الفريقين متواترة في ذلك

بسملتها

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ جزء من السورة باتفاق الإمامية والشافعية واجماع أهل البيت


والروايات المتكاثرة عنهم (ع) وباتفاق المسلمين على رسمها في المصاحف من أول الأمر إلى الآن. والأخبار من طرق أهل السنة عن رسول الله وفيها الصحاح والحسان باصطلاحهم متكاثرة في ذلك كما في أحاديث علي (ع) وام سلمة وعمار وجابر وبريدة وطلحة بن عبيد الله وابن عمر وأبي هريرة وانس والنعمان ابن بشير كما روي أيضا عن علي (ع) وابن عباس ومحمد بن كعب القرضي

الجهر بالبسملة

يجهر بها باتفاق الإمامية واجماع أهل البيت وعملهم وحديثهم وحديث أهل السنة عن رسول الله (ص) من طريق علي (ع) وعمار وعائشة والحكم بن عمير وابن عمرو انس وأبي هريرة والنعمان بن بشير : وان تفسير البرهان للسيد هاشم البحريني من الإمامية وتفسير الدر المنثور للسيوطي من أهل السنة قد ذكر فيهما الكثير مما أشرنا إليه من الأحاديث فليرجع إليها من أراد الاطلاع على التفصيل

اعراب البسملة

(بسم الله) يتعلق بمحذوف يشير إليه ظاهر المقام. وقيل تقديره ابدءوا أو اقرأوا. أو قولوا. قلت على تقدير اقرأوا أو قولوا تكون الباء بمعنى الاستعانة باسم الله كما يقال اكتبوا بالقلم وذلك لجلالة اسم الله وبركته بجلال المسمى جل وعلا وبركته. ويكون المقروء والمقول هو ما بعد البسملة من السورة (ويرد) على هذا النحو من التقدير أولا انه مناف لجزئية البسملة من السورة ومساواتها لسائر آياتها في حكم القراءة. وان التخلص يجعل البسملة معمولة أيضا لا قرءوا أو مقولة لقولوا يستلزم تقدير عامل آخر تتعلق به الباء ومجرورها فما هو اذن. كما يرد أيضا ما ذكرنا على تقدير الكشاف اقرأ أو اتلو من كلام القاري والتالي ويكون المقروء والمتلو هو ما بعد البسملة : ويرد الجميع ثانيا حتى ابدأوا للأمر انه لا يتجه اطراد هذه التقادير في السورة المصدرة بخطاب النبي (ص) نحو( يا أَيُّهَا النَّبِيُ ) .( يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) .( قُلْ أُوحِيَ ) بل وسائر السور المصدرة بكلمة (قل) وما أشبه ذلك من السور. وكذا السور المصدرة بخطاب عير النبي نحو( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) .( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) فإن أمر الله للعباد بالقراءة أو القول يخرجها عن كونها في أول نزولها خطابا إنشائيا من الله لرسوله أو للناس أو للذين آمنوا. وكذا إذا كان المقدر اقرأ أو اتلو بصيغة المضارع. مضافا إلى أن كلمة اقرأ أو اتلو لا يصح ان تكون


من الله لأنّه جلّ شأنه هو المتكلم بالقرآن والمنشئ له فكيف تنسب إليه القراءة والتلاوة : فإن قلت انا في السور المشار إليها نجعل المقدر ما لا ينافي خطابها وفي غيرها نجعل المقدر كلمة اقرأ أو اتلو بصيغة المضارع من قول الناس. قلنا أولا ماذا تصنع بما أوردناه أولا (وثانيا) ما هو الذي تقدره في السور المشار إليها بحيث لا ينافي مقام خطابها وإنشاءه فإنه ينبغي بيانه (وثالثا) يلزم من ذلك ان تفكك بين سياق البسملات التي في القرآن بلا دليل ولا حاجة ملزمة. مع أن الظاهر كونها في جميع السور على سياق واحد متسق كما ان الظاهر ان المقدر في تلك السور وغيرها في حال النزول ووحي الله وفي حال تلاوة الناس وقراءتهم هو واحد. كما ان الظاهر ان التالي يتلو البسملة على ما تعلقت به حال النزول وان ما تعلقت به هو من القرآن المنزل الذي أمر الناس بتلاوته وان كان مقدرا.

فالظاهر ان البسملة في جميع السور متعلقة بكلمة «ابدء» للمتكلم من قول الله جل اسمه تنويها بجلال اسمه الكريم وبركاته وتعظيما له لجلال المسمى وعظمته جلّ شأنه وله الأسماء الحسنى كما أمر في القرآن بذكر اسمه وتسبيحه كما في سورة المائدة والحج والمزّمل والدهر والأعلى. فينتظم المقدر في جميع السور وجميع الأحوال بنظام واحد على نسق واحد. ولا يعتري ما استظهرناه غرابة ولا إشكال وكيف يعتريه ذلك وقد نسب الله الابتداء لذاته المقدسة في خلقه كما في قوله جل اسمه( وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ) .( كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ ) وقد اقسم جل اسمه بمخلوقاته كالشمس والقمر والنفس وغيرها تعظيما لها لأنها مظاهر قدرته وآيات حكمته

خلق القرآن

وان لوحي الله بالسور إلى رسوله بداية ونهاية كما للسور كما قال الله تعالى في سورة الأحقاف في شأن القرآن( وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ) ودع عنك ان القرآن الكريم كلام مؤلف من الحروف والكلمات ولا بد من أن يكون لها ولتأليفها بداية ونهاية ولا بد من أن يكون له علة في إيجاده ووجوده لأنّه ليس بواجب الوجود فإن واجب الوجود واحد هو الله. وليست علة وجود الموحى منه إلّا خلق الله خالق كل شيء قال الله في سورة الزخرف( إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ) والجعل هو الخلق وكل مجعول ومخلوق له بداية.

(الله) علم لواجب الوجود إله العالمين جلت أسماؤه وعظمت آلاؤه. وتفخم لامه بعد الفتح والضم (الرحمن) لا أظنك تشك في ان معنى الرحمة تتلقاه افهام الناس من لفظه


في المحاورات على حدوده ومزاياه وتتناوله غرائزهم في اللغة على خصائصه وتميز في كل مقام ما يراد منه. بيد ان مقام التفسير قد يشوش الذهن لعدم اللفظ المرادف وعدم الاستقصاء في البيان لمزايا المعنى وحدوده. وقد فسرت الرحمة بالعطف والحنوّ. أو الرأفة والحنان. أو الرقة والتعطف. وكل هذه التفاسير إنما تحوم حول المعنى وتشير إلى شيء منه من بعيد. ألا ترى أنّ كلا من التفاسير الثلاثة تختلف كلمتاه في المعنى وإن هذه المذكورات قاصرة مع ان الرحمة تتعدى إلى المفعول. وان الأساس لمعنى الرحمة ودعامه ان تتعلق بالمحتاج إلى ما لا يقدر عليه من نيل الخير ودفع الأذى والضر. ويكون الداعي للراحم هو احتياج ذلك المحتاج والرغبة في إسعافه وإعانته فيه من دون أن يرجع إلى أغراض الراحم من نحو حاجة أو محبة أو ارتباط خاص به. ويعرف من تعديتها إلى المفعول انها ليست عبارة عن الانفعال النفسي بل هي تستعمل في حالة نفسية تتعلق بالمحتاج على الوجه المذكور وبالنسبة لله جل شأنه نحو من كماله الذاتي يتعلق بالمحتاجين على الوجه المذكور. ولأجل قصور البشر نوعا عن فهم صفات الله جلّ اسمه على ما هي عليه جرى القرآن الكريم على التعبير عنها بما يعبر به عما يناسبها في الشبه بالآثار والمزايا من صفات البشر الحميدة وجرى على ذلك في المبدأ والاشتقاق. وتستعمل الرحمة أيضا بنفس الاسعاف أو بنفس المسعف به. ومن الثالث بحسب الظاهر قوله تعالى في سورة آل عمران( وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ) وفي سورة الكهف( رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ) وغير ذلك. وفي القرآن أيضا ما يصلح انطباقه على المعنى الأول والثاني. فالرحمن فعلان لذي الصفة الفعلية البينة ذات الأثر الظاهر ولها بقاء واستمرار كغضبان وريّان وفرحان. فيدل على فعلية الراحمية البينة واستمرارها. وان إهمال المتعلق مع اشتقاقها من المتعدّي ليدل على عموم هذه الراحمية ذات الأثر الظاهر وشمولها لكل محتاج إليها والكل محتاج إليها. ومن ذا الذي تكون راحميته أو رحمته بمعنى اسعافه فعلية بينة ظاهرة الأثر مستمرة شاملة مطلقة ومن ذا الذي يقدر على هذا الإسعاف غير الله جلت آلاؤه ولأجل ذلك اختص هذا الاسم الكريم بالله جلّ شأنه (الرحيم) صفة مشبهة تؤخذ بهذه الصيغة من المعاني الثابتة كالسجايا والأخلاق فتدل على ثبوت الرحمة ودوامها لله كدوام السجايا والأخلاق للبشر ولزومها وبهذه الدلالة وهذه المزية كانت ابلغ في المدح وبهذه الجهة صح الترقي إليها بالتمجد والمدح ولا يمتنع أخذ الصفة المشبهة بهذه الصيغة من الوصف المتعدي بحسب وضعه لأنّه قد يجعل لازما بتضمينه معنى السجية


والخلق فيؤول إلى معنى فعل بضم العين كقوله تعالى في سورة المؤمن ١٥( رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ ) اي رفيعة درجاته فأضيفت الصفة إلى فاعلها كحسن الوجه على ما هو من خصائص الصفة المشبهة كما قال الشريف في حاشية الكشاف وحكاه عن صرف المفتاح وفائق الزمخشري ومما يشهد بأن لفظ الرحيم ضمن معنى غير المتعدي هو انه حيث ذكر في القرآن متعلقا بمعمول ذكر متعلقا بواسطة الباء على سنة غير المتعدي دون لام التقوية كما في سورة البقرة ١٣٨( إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) وفي سورة الحج ١٦٤( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) وفي سورة الحديد ٨( وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ ـ ٩وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) وفي سورة بني إسرائيل ٦٨( رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ٦٩وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إلى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً ٧٠أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ ـ ٧١أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ ـفَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ) وفي سورة التوبة( إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) وفي سورة النساء( إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ) وفي سورة الأحزاب( وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ) وهذه الصفة غير مختصة بالله فقد جاء في سورة التوبة في وصف الرسول (ص) ١٢٩( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ )

وقد عرفت مما ذكرناه من سورة البقرة والحج وبني إسرائيل والحديد ما ينبغي أن تطرح الرواية التي تذكر ان الرحمن بجميع خلقه والرحيم بالمؤمنين خاصة ومما ذكرناه من سورتي بني إسرائيل والحج ينبغي ان تطرح أيضا الرواية التي تذكر ان الرحمن رحمان الدنيا والآخرة والرحيم رحيم الآخرة كما أمرنا بذلك في عرض الحديث على كتاب الله

( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) الحمد ثناء بالخير معروف يضعه المتكلم بحسب مرتكزاته في اللغة مواضعه ويعرف معناه بمزاياه ويفرق بينه وبين ما يقارنه في الاستعمال والفهم. ولكن الاضطراب يجيء من ناحية التفسير فمن قائل انه أخو المدح أي مرادفه. ومنهم من فسره بالشكر مستشهدا بقولهم الحمد لله شكرا جاعلا قولهم شكرا مفعولا مطلقا لا مفعولا لأجله. ومنهم من قال ان الحمد والمدح والشكر متقاربة. ومنهم من جعله على صفات المحمود الذاتية وعلى عطائه. ومنهم من خصه بالثناء على الفعل الجميل الاختياري. والظاهر من التدبر في موارد الاستعمال والتبادر


ان الحمد هو الثناء باللفظ بالخير على فعل الجميل الاختياري إذا كان للجميل نحو مساس بالحامد وإلّا فهو مدح. وأما الشكر فهو مقابلة الإحسان بنوع إحسان يتضمن الاعتراف سواء كان عملا أو قولا ولو بنحو من الاعتراف بذلك الإحسان وفضله لا مجرد الاعتراف بذات الفعل لا من حيث انه احسان وتفضل. ولا أظن قولهم الحمد لله شكرا إلّا أنّ شكرا مفعول لأجله نحو سبحته تعظيما. وإن فاعل الجميل من الناس إنما يستحق الحمد إذا فعله لحسنه أو لوجه الله وهو روح الإتيان بالفعل لحسنه «وقليل ما هم» بل لا يستحقه حتى في الظاهر إذا عرف انه لم يفعله لله ولا لحسنه وذلك القليل لا يستحق الحمد إلّا من حيث مباشرته لفعل الجميل واختياره له. فإن القوى التي فعل بها والإدراك الذي عرف به حسنه والإرشاد إلى فعل الجميل والأعيان التي تكون محققة لاسداء الجميل هي كلها لله ومن الله جلت آلاؤه ولذا كان الحمد كله وبحقيقته لله الغني المطلق جليل النعم التي لا تحصى نعماؤه ولا يخلو من عظائمها إنسان في حال من الأحوال. وجملة الحمد لله خبرية ان كانت من كلام الله في تمجيده لذاته وتنويهه بجلاله جلّ شأنه ولكن روى الصدوق في الفقيه من كتاب العلل للفضل بن شاذان عن الرضا (ع) ليس شيء من القرآن والكلام جمع فيه من جوامع الخير والحكمة ما جمع في سورة الحمد وذلك ان قولهعزوجل ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) إنما هو أداء لما أوجب اللهعزوجل من الشكر وشكر لما وفق له عبده من الخير( رَبِّ الْعالَمِينَ ) توحيد له وتحميد واقرار بأنه هو الخالق المالك لا غيره( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) استعطاف وذكر لآلائه ونعمائه على جميع خلقه( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) اقرار له بالبعث والحساب والمجازاة الحديث. إذن فجملة الحمد لله إلى آخره إنما هي عن لسان العباد وتعليم لهم كيف يحمدون ويوحدون ويقرون فهي خبرية تتضمن إنشاء الحمد بانه كله وبحقيقته لله( رَبِّ الْعالَمِينَ ) الرب المالك المدبر أو المربي والعالمين جمع عالم( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) تقدم تفسيره( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) مالك يوم القيامة وبيده أمره يتصرف فيه بعدله أو برحمته كيف يشاء وفي التبيان والكشاف ومجمع البيان أن إضافة مالك إلى يوم الدين من اضافة اسم الفاعل إلى الظرف نحو قولهم «يا سارق الليلة أهل الدار». ولا أرى حاجة ماسة إلى ما ذكروه. وروي في التبيان ومجمع البيان مرسلا عن الباقر (ع) والقمي مسندا عن أبي عبد الله (ع) واخرج ابن جرير والحاكم وصحّحه مسندا عن ابن مسعود وناس من الصحابة ان يوم الدين يوم الحساب وأظن ذلك لبيان انه يوم القيامة. وفي التبيان والبيان الدين الحساب والجزاء وفي


الكشاف الجزاء واستشهدوا لذلك بقولهم كما تدين تدان وبيت الحماسة المنسوب لشهل بن ربيعة

صفحنا عن بني ذهل

وقلنا القوم اخوان

عسى الأيام ان ير

جعن قوما كالذي كانوا

ولما صرح الشر

وأمسى وهو عريان

ولم يبق سوى العدوا

ن دناهم كما دانوا

على معنى كما تجازي غيرك إذا أساء فإنك تجازى أيضا إذا أسأت وإنا جازينا بني ذهل على عدوانهم كما جازوا غيرنا فإن ظاهر الشعر ان قوم شهل كانوا قد صفحوا عن بني ذهل ولم يسبق منهم ما يكون به اعتداء بني ذهل عليهم مجازاة ولعل من معنى الدين المذكور في قول الأعشى «هودان الرباب أذكر هو الدين دراكا بغزوة وصيال» ولعل من هذا الباب الديان من أسماء الله له الأسماء الحسنى وديان يوم الدين وقول الأعشى مخاطبا لرسول الله (ص) «يا سيد الناس وديان العرب» والحديث كما ذكره في النهاية كان على ديان هذه الأمة. والأمر في تفسير الدين في الآية سهل فإنه يتراوح بين هذه المعاني وما يقرب منها. ولا غرو إذا تشابهت علينا هاهنا حقيقة معنى الدين بحدودها بواسطة التوسع في الاستعمال. ولا ينبغي أن يخفى أن قولهعزوجل ( رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) . هو بمنزلة الحجّة على ان الحمد له جلت آلاؤه وبمنزلة الحجّة على انحصار العبادة والاستعانة به في قوله جلت عظمته( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وهل يعبد أو يستعان به بما هو رب العالمين غير رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين. وهل يصح في الشعور ان يرغب عن عبادته أولا تغتنم الاستعانة به. وقد كررت كلمة (إياك) لوجهين الأول للتصريح والنص على انحصار كل من العبادة والاستعانة به. ولو قيل إياك نعبد ونستعين لأوهمت صورة اللفظ ان المنحصر هو مجموع الأمرين من العبادة والاستعانة لا كل واحد منهما والثاني لأن الحصر فيهما مختلف فإنه بالنسبة للعبادة حصر لجميع أفرادها وبالنسبة للاستعانة حصر باعتبار بعض افرادها كما سيأتي إن شاء الله. وهذا الأسلوب في الآية الكريمة من قسم الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. والالتفات في كلام العرب وشعرهم كثير وهم يعدونه من محاسن الكلام ومزاياه في البلاغة وهو متفاوت في الحسن ولكنه مهما بلغ فإنه لا يكاد ان يبلغ ما بلغه هذا الالتفات من الحسن الباهر والجودة الفائقة وأعلى درجات البلاغة. فإنه يمثل العبد شاخص البصر إلى جلال مولاه ومتوجها إلى حضرته بالاعتراف بأنه لا معبود سواه ولا مستعان إلّا هو ومتضرعا بخطاب العبودية والمسكنة ومناجاة الرهبة والرغبة خاضعا لربوبيته مادّا إلى رحمته يد الانقطاع في المسألة والاستعانة


العبادة

لا يزال العوام والخواص يستعملون لفظ العبادة على رسلهم ومجرى مرتكزاتهم على طرز واحد كما يفهمون ذلك المعنى بالتبادر ويعرفون بذوقهم مجازه ووجه التجوز فيه. وإن المحور الذي يدور عليه استعمالهم وتبادرهم هو ان العبادة ما يرونه مشعرا بالخضوع لمن يتخذه الخاضع إلها ليوفيه بذلك ما يراه له من حق الامتياز بالإلهية. أو بعنوان انه رمز أو مجسمة لمن يزعمونه إلها تعالى الله عما يشركون. ولكن الخطأ والشرك. أو البهتان والزور. أو الخبط في التفسير وقع هنا في مقامات ثلاثة (الأول) الإتيان بما تتحقق به حقيقة العبادة لما ليس أهلا لذلك بل هو مخلوق لله كعبادة الأوثان مثلا (الثاني) مقام البهتان والافتراء وخدمة الأغراض الفاسدة لترويج التحزبات الأثيمة فيقولون لمن يوفي النبي أو الإمام شيئا من الاحترام بعنوان انه عبد مخلوق لله مقرّب عنده لأنّه عبده وأطاعه ويرمونه بأنه عبد ذلك المحترم وأشرك بالله في عبادته. ألا تدري لمن يبهتون بذلك؟ يبهتون من يحترم النبي أو الإمام تقربا إلى الله لأنّه اختاره وأكرمه بمقام الرسالة أو الإمامة التي هي بجعل الله وعهده كما وعد الله بذلك إبراهيم في قوله تعالى في سورة البقرة( وَإِذِ ابْتَلى إبراهيم رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) وهذا الاحترام المعقول المشروع لا يقل عنه ولا يخرج من نوعه ما هو المعلوم والمشاهد من احترام هؤلاء المتحزبين لملوكهم وزعمائهم وحكامهم وخضوعهم لهم بالقول والعمل مهما بلغوا من النخوة الاعرابية. ولقد سرت هذه البادرة السوءى موروثة من ضلال الخوارج في تحزبهم إذ نسبوا الشرك والكفر لأمير المؤمنينعليه‌السلام إذ ألجأوه عند رفع المصاحف إلى السكوت عن تحكيم رجلين يعملان بما يوجبه القرآن في شقاق معاوية في حربه. كما ألجأوه إلى كون الحكمين أبا موسى وابن العاص. وكما نسبوا الشرك ثانيا إلى ولده الحسن السبطعليه‌السلام لما نافق قومه وزعماء جنده وانحاز بعضهم إلى معاوية وكاتبه آخرون وواعدوه تسليم الحسن له قبض اليد فخطب الحسن (ع) في معسكره المحشو بالنفاق مستشيرا ومقيما للحجة ومختبرا لهم لكي يعرف الناس نفاقهم فيكونوا على بصيرة من أمرهم في الحرب أو الهدنة.

وهذه المباهتة الوخيمة والدسيسة الوبيئة في التحزب الأثيم صارت في العصور المتأخرة وسيلة للتهاجم على ما حرم الله من دماء المسلمين وأموالهم واعراضهم وعلى حرمات الرسول والأئمة


عليهم‌السلام وجرى من جرّاء ذلك ما تقشعر منه الجلود. ولو لا أن ملكهم قمع طغيانهم لجرى من عدوانهم والدفاع لهم حوادث في المسلمين مزعجة والله المستعان اللهم إياك نعبد وإياك نستعين. (المقام الثالث) كثيرا ما فسرت العبادة بأنها ضرب من الشكر مع ضرب من الخضوع. أو الطاعة. وهل يخفى عليك أن هذه التفاسير مبنية على التساهل بخصوصيات الاستعمال أو الارتباك في مقام التفسير وهل يخفى أن اغلب الافراد من كل واحد مما ذكروه لا يراه الناس عبادة ويغلطون من يسمّيها أو بعضها عبادة إلّا على سبيل المجاز. وإن لفظ العبادة وما يشتق منه كعبد ويعبد لا تجدها مستعملة على وجه الحقيقة إلّا فيما ذكرناه من معاملة الإنسان لمن يتخذه إلها معاملة الإله المستحق لذلك بمقامه في الإلهية. ولم أجدها في القرآن الكريم مستعملة في غير ذلك إلّا في ثلاثة موارد ولكنها لم تخرج عن النظر إلى مناسبة المعنى الحقيقيّ المذكور والتجوز بلفظه. وهي قوله تعالى في سورة مريم ٤٥( يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ) وفي سورة يس ٦٠( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ) . فاستعير اسم العبادة للطاعة العمياء للشيطان على الدوام كما يلقي المؤمنون قياد طاعتهم لله على بصيرة من أمرهم لأنّه إلههم على نحو التجوز الواقع في قوله تعالى في سورة الفرقان ٤٥( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ) . والجاثية ٢٢( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ) فإنهم لم يكونوا يعبدون الشيطان ولم يتخذوا هواهم إلها على سبيل الحقيقة. وثالثها قوله تعالى في سورة المؤمنون ٤٩( فَقالُوا ) (اي فرعون وملائه)( أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ) اي دائبون على العمل في تسخيرنا كما يدأب المؤمن في طاعة الله وعبادته. أو باعتبار ان فرعون كان يدعي الإلهية فجعلوا بالتشبيه والتمويه خضوع بني إسرائيل بالقهر والغلبة عبادة لفرعون هذا وان الشيخ محمد عبده خاض في هذا المقام في البحث على ما حكاه عنه تلميذه في تفسيره لسورة الفاتحة وقارب الغرض في كلامه ولما يقرطس. قال ما ملخصه مهما غالى العاشق في تعظيم معشوقه والخضوع له وتفانى في هواه وارادته. أو بالغ بعض الناس في تعظيم الملوك والزعماء فترى من خضوعهم لهم ما لا تراه من خضوع القانتين لله فإن العرب لم يكونوا يسمون شيئا من هذا الخضوع عبادة فما هي العبادة اذن. وقال : تدل الأساليب الصحيحة والاستعمال العربي الصراح أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية ناشئ عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها واعتقاده بسلطة لا يدرك كنهها وماهيتها وقصارى ما يعرفه منها انها محيطة به


ولكنها فوق إدراكه انتهى كلامه ولو انه صارح بجامع كلامه وملاك صحته واستقامته «وهو ما قدمنا من تقيد العبادة بالتعلق بمن يراه العابد إلها» لما عادت جمله فلا متدافعة يشلها الانتقاد وان اعتصم بعد ذلك بصائب قوله «للعبادة صور كثيرة في كل دين شرعت لتذكير الإنسان بذلك الشعور بالسلطان الإلهي الأعلى» فإنه لا يتسق قوله هذا إلّا أن يعتبر في معنى العبادة كونها ناظرة إلى توفية من يتخذه إلها حقه من التعظيم والخضوع واي شعور مذكر فيها لو لا ذلك الاعتبار. وان لم يعتبر ما ذكرناه فلا مفرّ لجملة المتقدمة عن النقد. فإن صور كثير من العبادات لا تبلغ حد النهاية من الخضوع ولا تقاربه كما ذكر في عبادة المتحنثين القانتين بالنسبة لخضوع ذلك العاشق لمعشوقه وخضوع أولئك في تعظيم الملوك والزعماء. وأيضا ان عابد الله يعرف أن منشأ العظمة وملاكها هي السلطة الإلهية ولئن كانت فوق إدراكه فباعتبار عمومها لما لا يعدّ ولا يحدّ من الممكنات لا بما هي سلطة إلهيّة عظيمة يمكن عرفانها ونيلها بالإدراك من هذه الوجهة. وفي مقام الفرق بين العبادة والعبودية قال ومن هنا قال بعض العلماء أنَّ العبادة لا تكون في اللغة إلّا لله تعالى «أقول» يريد ان العبادة من حيث ان معناها الحقيقي في اللغة مأخوذ فيه التعلق بالإلهية والإله لا يصح تعلقها إلّا بالله الذي لا إله إلّا هو ولا يريد أنها لم تنسب في اللغة إلّا لله. وكيف يخفى عليه أنها جاءت في نفس محاورات القرآن منسوبة لغير الله في اكثر من سبعين موردا. فالظاهر أنه لا وقع لاعتراضه عليه بقوله ولكن استعمال القرآن يخالفه. نعم يرد على من قال ان لفظ العباد مأخوذ من العبادة انه غفل عن قوله تعالى في سورة النور ٣٢( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ )

حصر الاستعانة بالله جلّ اسمه

قال الله تعالى في سورة المائدة ٣( تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ) واما المعاونة في المباحات فهي إحسان أمر الله به أيضا في كتابه بقوله تعالى في سورة النحل ٩٢( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ) وفي سورة البقرة ٩١ وآل عمران ١٢٨ والمائدة ١٥( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) . والمعلوم بالضرورة من سيرة النبي (ص) وأصحابه والأئمة والمسلمين انهم يستعينون في غالب أمورهم المباحة بالآلات والدابة والخادم والزوجة والصاحب والرسل والأجراء وغيرهم وفي سورة البقرة ٤٢ و ١٢٨( اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) وفي سورة النساء ٦٧( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) فقد لامهم الله على


عدم مجيئهم للاستعانة على المغفرة باستغفار الرسول. وهذا يكفي في الحجّة والدلالة على ان الإعانة ليست بجميع أقسامها منحصرة بالله. وعلى انه لا يلزمنا أن نقصر استعانتنا بقول مطلق على الله. وتفصيل ذلك هو انا ننظر إلى استعانات البشر قولا وعملا فنراها تكون على نحوين (النحو الأول) هو الاستعانة بالوسائل المجعولة من الله لنيل المقصود التي هي وما فيها من التسبيب من جعل الله وخلقه. (والنحو الثاني) هو الاستعانة بالإله بما هو إله معين بإلهيته وقدرته الذاتية المطلقة الفائقة. ولا ريب في ان النحو الثاني من الاستعانة هو المتيقن في قصره على الله. لأن الاستعانة بهذا النحو إذا كانت بغير الله كانت تأليها لذلك الغير واشراكا بالله. ومما ذكرنا من الآية والسيرة واقتران( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) في سياق توحيد الله وتمجيده بالمجد الإلهي تقوم الحجّة وتتضح الدلالة على ان هذا النحو من الاستعانة هو تمام المقصور على الله دون النحو الأول

الاستشفاع إلى الله

ولا ريب في أن الاستشفاع إلى الله في دعائه والتوسل إليه بالنبي (ص) والأئمة والأولياء في الحوائج إنما هو من الاستعانة بالنحو الأول. وإنك إذا سألت حتى من الهمج عما يفعلون في توسلهم بالنبي (ص) والأئمة والأولياء قالوا انا نستشفع بهم إلى الله ونقدمهم أمام تضرعاتنا إليه لكرامتهم عليه ووجاهتهم عنده لأنهم من عباده المكرمين. فإن قلت لهم انكم ربما تخاطبونهم بالتضرع والتمجيد وطلب الحاجة منهم فما هذا. قالوا لك تخاطبهم بالضراعة ليشفعوا وبالتمجيد بما هم أهل له احتراما لمقامهم عند الله وبطلب الحاجة منهم إلحاحا عليهم وتأكيدا في الاستشفاع. وبيانا لأن شفاعتهم وسيلة ناجحة كما تقول لمقرّب الملك فيما يرجع أمره إلى الملك أريد هذا الأمر منك. فإن قلت لهم هلا تسألون طلباتكم منهم. قالوا لك كيف وإنهم بشر لا يقدرون على ما يختص الله بالقدرة عليه من حيث الإلهية ولا إله إلّا الله : فإن قيل ان الله ارحم الراحمين فما هي الحاجة إلى الاستشفاع. قلنا شرع الاستشفاع لأجل الحكمة التي شرع لأجلها الدعاء كما قال الله وهو أرحم الراحمين عالم الغيب والشهادة في سورة المؤمن ٦٢( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) ـ ٦٧( فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) وفي سورة الأعراف ٢٨( وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) ـ ٥٤( وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً ) فإن دعاء الله تمرين على عبادته والالتجاء إليه والفزع إلى إلهيته وقدرته فإن قيل أين شرع الاستشفاع. قلنا يكفي في الدلالة


على مشروعيته من الكتاب المجيد ما ذكرنا من الآية السابعة والستين من سورة النساء في لومهم على عدم مجيئهم ليغتنموا شفاعة الرسول باستغفاره لهم. وإن العدول والالتفات من خطاب الله لرسوله في الآية المشار إليها إلى قوله( وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ) إنما هو للإشارة إلى ان الحكمة في ذلك هو تمرينهم على الانقياد إلى الرسول ومقام الرسالة بالمجيء إلى حضرته والخضوع لكرامته بالاحتياج وطلب الاستغفار وشفاعته لهم. كل ذلك لكي ينقادوا مستوسقين إلى طاعته في أمور الدين والإيمان. وهذه المشروعية يجري وجهها وحكمتها وعلتها في شفاعة الأئمة والأولياء وليتنبه المستشفع من استشفاعه إلى كرامة المطيع لله لطاعته فيحركه ذلك إلى الرغبة في الطاعة. وهذا أمر معروف المشروعية معمول عليه في الأديان الحقة كما حكى القرآن الكريم ان أولاد يعقوب نبي الله استشفعوا بأبيهم إلى الله وطلبوا استغفاره لهم فوعدهم يعقوب بذلك كما في سورة يوسف ٩٨( يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ) ـ ٩٩( قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي )

الاستشفاع بالمقربين من الأموات

وما ذكرناه من الحكمة يجري أيضا على رسله في الاستشفاع بهم بعد وفاتهم لكي يحفظ انقياد الناس إليهم فيما علموه وأمروا به وارشدوا إليه من أمر الدين وصلاح الدارين. وللتنبه أيضا إلى كرامة الطاعة لله. فإن قال قائل كيف يستشفع بالأموات وأين هم بعد موتهم من مقام الشفاعة

بقاء النفس بعد الموت

قلنا قد عرّفنا الله في كتابه المجيد ان النفوس تبقى بعد الموت على ما هي عليه من المقام النفساني اما متمتعة بمقام الكرامة واما مبتلاة بالهوان والسخط. وقرّب لأفهامنا القاصرة حالة النفس بعد الموت وبقائها بمقارنة حالتيها في الموت والنوم. فقال جل اسمه في سورة الزمر ٤٣( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) وفي سورة البقرة ١٥٤( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ) وآل عمران ١٦٩( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ١٧٠فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ١٧١يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) . وإن قوله تعالى( أَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ


الْمُؤْمِنِينَ ) دون ان يقول لا يضيع اجر المجاهدين في سبيله ليدل على ان ذلك من آثار الإيمان الجارية لكل مؤمن لا آثار خصوص القتل في سبيل الله ومن خواصه. وقال جا اسمه في سورة المؤمن ٤٨( فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ ٤٩ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ) فانتظم البيان لبقاء النفوس بعد الموت هذه على كرامتها وهذه في هوانها

الشفاعة

فإن قال قائل إن الله قد نفى الشفاعة في القرآن الكريم ففي سورة البقرة ٢٥٥( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ ) والسجدة ٤( ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ ) إلى غير ذلك من الآيات «قلنا» ان الشفاعة قد نفاها القرآن من جهة وهي الشفاعة للمشركين أو الشفاعة التي يزعمها المشركون للذين يتخذونهم آلهة مع الله بزعم انهم آلهة قادرون بإلهيتهم بحيث تنفذ شفاعتهم طبعا وحتما. أو شفاعة الشافع الذي يطاع حتما كما في سورة يس ٢٣ والمؤمن ١٩ والزمر ٤٤ والمدّثر ٤٨ وأثبتها من جهة أخرى بالاستثناء بل بالاستدراك الدافع لإيهام نفيها المطلق عن كل أحد فقال تعالى.( إِلَّا بِإِذْنِهِ. إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ. أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً إلّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً. إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى. إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ. إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِ. إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى ) . كما في سورة البقرة ٢٥٦ ويونس ٣ ومريم ٩٠ وطه ١٠٨ والأنبياء ٢٩ وسبا ٢٢ والزخرف ٨٦ والنجم ٢٧. وإن الشفاعة المستثناة والمستدركة في آيات البقرة. ويونس. وسبا. مطلقة غير مختصة بيوم القيامة ولا بما قبل وفاة الشافع في الدنيا. ولكن لو أعطي القرآن حقّه من التدبر وسلمت النفوس من وباء الأهواء والتحزب وبوادر التعصب والنصب لما ثار الهياج من بعض الناس على استشفاع المسلمين بالرسول والأئمة والأولياء لأنهم عباد مكرمون وأولى عباد الله بأن نعتقد اذنه جلت آلاؤه لهم بالشفاعة إكراما لهم لأجل الحكمة التي ذكرناها. وقد اكتفينا هاهنا بدلالة الكتاب المجيد عن الإشارة إلى ما تواتر معناه من أحاديث المسلمين في هذه الشؤون. وفي كتبهم في الحديث من ذلك شيء كثير والأمر فيه جليّ ولكن «لأمر ما جدع قصير أنفه» وللشيخ محمد عبده على ما حكاه تلميذه في سورة الفاتحة صفحة ٤٦ و ٤٧ من الطبعة الثالثة كلام ألقاه على عواهنه في زوبعة الهياج المذكور وهو غريب من تحرّيه تهذيب كلامه وتدبر القرآن الكريم وتفسيره والتحرز


من عبودية الأهواء ولم يحضرني كتاب تفسيره لأرى ما فيه في هذا المقام( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) الهداية تستعمل في الإرشاد إلى الطريق والدلالة على الخير كقوله تعالى في سورتي فصلت ٦( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى ) والشورى ٥٢( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) وتستعمل في الإيصال بالتوفيق والتسديد كقوله تعالى في سورة القصص ٥٠( إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ـ ٥٦إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ والنساء ٧٠( وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ) والأنعام بعد ذكر عدة من الأنبياء ٨٧( وَهَدَيْناهُمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) وهذا المعنى هو الظاهر والمراد من الآية حتى إذا كانت سورة الفاتحة أول ما نزل من القرآن الكريم. والهداية تتعدى إلى المهدي إليه بنفسها وبإلى. والصراط هو الطريق والمستقيم ما لا انحراف فيه ولا اعوجاج وهو أقرب نهج موصل إلى المقصود. ويكون سالكه أبعد من الضلال وخوفه. وعلى بصيرة من أمره من أول سلوكه إذ يتضح منه منار الحق وبشائر الوصول من أول الإقبال اليه. وفي حديث الجمهور كما في الدر المنثور انه في الآية كتاب الله. أو الإسلام أو رسول الله وصاحباه بعده. وفي تفسير البرهان عن تفسير وكيع بن الجراح مسندا عن ابن عباس في قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم قال قولوا يا معاشر العباد أرشدنا إلى حب محمد واهل بيته. وعن تفسير الثعلبي مسندا عن أبي بردة قال صراط محمد (ص) واهل بيته. وفي روايات الإمامية انه امير المؤمنين. أو انه الأئمة. وكلما صح من ذلك فهو من باب النص على احد المصاديق أو أظهرها( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) بالتوفيق والسداد فنعموا بالوصول وفازوا بالزلفى( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) لأنهم عاندوا الحق بعد ما استنار صبح الإرشاد ووضحت الدلالة وقامت الحجّة فاستوجبوا بذلك غضب الله. وكلمة غير مجرورة على انها صفة للذين. وفي الحديث والروايات ان المغضوب عليهم هم اليهود أو النواصب. وما صح من ذلك فهو من باب النص على بعض المصاديق( وَلَا الضَّالِّينَ ) بجهلهم وتقصيرهم عن طلب الحق ومعرفته مع وضوح الدلالة وقيام الحجّة وجيء بكلمة «لا» مع الضالين لأجل الاستقصاء في التعوذ من الفريقين المغضوب عليهم والضالين

سورة البقرة

مدنية وهي مائتان وست وثمانون آية


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (١)ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

____________________________________

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مرّ تفسيرها في سورة الفاتحة

١( الم ) علم معناها عند الله ورسوله ومستودعي علمه وأمنائه على وحيه. ولا غرو في أن يكون في القرآن ما هو محاورة بأسرار خاصة مع الرسول وأمناء الوحي( ذلِكَ الْكِتابُ ) القرآن أشير إليه باشارة البعيد لرفعة مقامه وعلو شأنه وذلك متعارف عند العرب في الإشارة إلى العظيم الرفيع الشأن( لا رَيْبَ فِيهِ ) ليس فيه محل للريب ولا ينبغي الريب في أمره. أو ليس فيه شيء مريب بل هو( هُدىً ) بالفعل وموصل إلى حقيقة الدين وشريعة الحق وأركان الإيمان( لِلْمُتَّقِينَ ) لله الذين من تقواهم يقبلون على القرآن ويتبعونه حق الاتباع ويأتمرون بأوامره وينتهون بنواهيه ويتأدبون بآدابه ويسترشدون بمعارفه. والاتقاء مأخوذ من الوقاية يقال اتقى السيف بالدرقة أي اتقى ما يخاف منه وفي الآية الثانية والعشرين( فَاتَّقُوا النَّارَ ) و ٤٦( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي ) وتقوى الله عبارة عن اتقاء ما يخاف منه كغضبة وعذابه فيتقى ذلك بطلب رضاه وطاعته في أوامره ونواهيه. واطلاق التقوى في وصفهم يدلّ على انها صفة عامة ثابتة لهم وملكة راسخة كالعالم والفقيه. و( الَّذِينَ ) في الآية الآتية وكذا التي بعدها ليست مبتدأ وخبره جملة( أُولئِكَ عَلى هُدىً ) كما احتمل في بعض التفاسير بل هي صفة للمتقين ٢( الَّذِينَ ) من قوتهم في التقوى والإيمان بالحق واتباع الدليل والهداية( يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) مما لم يروه ولم يحسوا به بل يحصل لهم يقين الإيمان بالحجة من كتاب الله وقول من قامت الحجّة على عصمته وذلك كالبعث والنشور والوعد والوعيد والجنة والنار واحوال القيامة والنعيم والعذاب. ومن مصاديق المؤمنين بالغيب. المؤمنون بقيام المهدي المنتظر عجل الله فرجه كما في الرواية عن أهل البيت (ع)( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) يواظبون عليها في أوقاتها قائمة على حدودها وشروطها وإخلاصها في العبادة والرغبة إلى الله في مناجاته والمثول في طاعته بحضرته( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ ) من مال بل وعلم كما في رواية أهل البيت( يُنْفِقُونَ ) كما فرضه الله عليهم أو ندبهم إليه من البر والإحسان بالتعليم والبيان. وينفقونه على حين معرفة منهم واعتراف بأنه رزق الله ونعمته عليهم فيكون إنفاقهم أدخل في الطاعة المقرونة بالشكر وأقرب إلى المعرفة والإحسان والدوام ٣( وَالَّذِينَ ) صفة اخرى


(٤)وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٥)أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

____________________________________

للمتقين وجيء بواو العطف استلفاتا إلى فضيلة هذه الصفة فإن التعداد بالعطف يمثل للذهن كلا من الصفات مستقلة بمزاياها لا كما إذا طردت من غير عطف. ألا ترى أنّ الذهن يجد من الرونق للصفات في قولهم جاء الرجل العالم والصالح والكريم والشجاع ما لا يجده في قولهم جاء الرجل العالم الصالح الكريم الشجاع( يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) من الوحي من الكتاب وغيره ويذعنون بأنه منزل من الله على رسوله رحمة للعباد ولطفا منه فيظهر عليهم بذلك شعار الإيمان به( وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) على الرسل والأنبياء حسب ما يحصل لهم من اسباب العلم بإنزاله. واظهر الأسباب في ذلك اخبار القرآن الكريم والرسول المصطفى به. وذلك من الإيمان بالغيب لأنهم لم يشاهدوا آية ومعجزة من أولئك الأنبياء الماضين( وَبِالْآخِرَةِ ) التي ذكرها القرآن وما فيها وعرّفتهم أنت بذلك في بشراك وإنذارك( هُمْ يُوقِنُونَ ) ويرونها بإيمانهم بالغيب حق اليقين كان ذلك رأي العين. وصيغة المضارع في يوقنون تدل على ثبات اليقين ودوامه وهو الذي تظهر سيماؤه في دوام الطاعة والرهبة من سخط الله وعقابه والرغبة في رضا الله وثوابه الذي اعدّه في الآخرة للصالحين. وهؤلاء المتصفون بهذه الصفات بالآخرة هم يوقنون لا من يكذبها باعتقاده وقوله. أو يصورها بتكلف اعتقاده بها على خلاف ما جاءت به رسل الله وكتبه. أو من كانت سيرته في أعماله السيئة وتفريطه في الطاعات تمثل ضعف إيمانه بالآخرة وإن غفلاته عنها في أعماله وتروكه تكاد أن تأتي على ما يتكلفه من الاعتقاد بها والعياذ بالله. وبعد التنويه بصفات المتقين المهتدين بالكتاب جاءت البشرى بكرامة مقامهم وربح تجارتهم فقال الله في شأنهم ٥( أُولئِكَ ) مستقرون( عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ ) وتوفيق وتسديد إذ كانوا بإيمانهم وإقبالهم على الطاعة أهلا لذلك( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) دون غيرهم أما في الدنيا فبراحة ما استشعروه من القناعة وتقدير النعم وشكرها وفضيلة الرضا بأمر الله والتسليم لحكمته وراحة الهدوء والصلاح وحسن الأخلاق. وأما في الآخرة فبفلاح النعيم المقيم. وبمناسبة حال الكتاب في هداه مع المتقين الموصوفين وما لهم من الاهتداء والفلاح ذكر الله لرسوله حال بعض الكافرين بأنهم في تماديهم بالغيّ على الكفر والتمرّد لا يجدي معهم إنذارك ولا يؤمنون


(٦)إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ

____________________________________

بالله ورسوله وكتابه. هذا ما يقتضيه سياق القرآن الكريم خصوصا مع ابتداء الإخبار عن الذين كفروا بدون عطف بالواو ٦( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) يعني قسما خاصا ممن ينتحل الكفر والمعهودين عند الرسول أو هم مطلق الطواغيت الذين يعلم الله انهم من تمردهم يموتون على التمادي على ضلال الشرك والكفر بالله ورسوله وكتابه وما جاءا به في دعوة الحق مع الحجج القيمة والدلالة الواضحة. هؤلاء( سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) ولا يختارون الإيمان لأنهم بطغيانهم وانهماكهم بضلال الكفر قد ارتجوا قلوبهم وأسماعهم وأحكموا سدها عن أن يلجها شيء من دعوة الإيمان ودلائل آياتها ولا شيء من نور الحق وشافي البيان فاستحقوا بذلك حرمانهم من توفيق الله وتسديده لهم. وإن توفيقه وتسديده جلت آلاؤه من أقوى ما يعين العبد في اختياره للطاعة والإيمان إذ يرفع عنه من طريقهما ما يعرقله ويزل اقدامه من نزغات الشيطان وهفوات الهوى وطموح النفس الأمارة إلى شهواتها ونزغاتها الردية ومألوفاتها. فكان حرمان المتمردين من التوفيق والتسديد بمنزلة الختم على ما سدوه بسوء اختيارهم وطغيانهم. ولأجل ان ذلك الحرمان من الله لخروجهم عن الأهلية نسب الختم الذي سمي به إلى اللهعزوجل لأنّ الله هو الذي بيده أمر التوفيق منحة وحرمانا. وعلى هذا قال جل اسمه ٧( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ. وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ) من التمرد حيث استحبوا العمى على الهدى فلا يبصرون أنوار الحق والعرفان مع إشراقها كالشمس راد الضحى( وَلَهُمْ ) بما جنوه من التمرد في الكفر والطغيان ومحادة الله ورسوله( عَذابٌ عَظِيمٌ ) وغير خفي ان مذهب العدلية من الإمامية والمعتزلة هو انه يمتنع على جلال الله القدوس الكامل الغني أن يمنع الإنسان بالإلجاء عن قبول الإيمان أو يلجئه إلى الكفر أو يكون هو الخالق للكفر فيه فضلا عن أن يلومه ويعاقبه مع ذلك عليه. فإنّ ذلك كله قبيح عقلا كما هو من البديهيات الفطرية. ومن البديهي ان القبيح ممتنع الصدور من الله الغني القدوس. وقد ذكرنا في أخريات شواهد المقام الثاني من الفصل الرابع في المقدمة ان اللهعزوجل قد مجد قدسه في القرآن الكريم بالنزاهة عما هو دون ذلك في القبح ووبخ الناس على أعمال السوء. ولكن ابن المنير


في تعليقته على الكشاف تحامل على الزمخشري في هذا المقام وأورد لمذهبه وجوها طالما لهج بها الأشاعرة «أولها» ان مذهب العدلية في المسألة مخالف لدليل العقل على وحدانية الله فإن مقتضاه أنْ لا حادث إلّا بقدرة الله «ويدفعه» أنّ مسألة القدرة غير مسألة التوحيد وغاية ما يقال في قدرة الله انها لا تقصر ولا تضعف عن الممكن وإن صار لقبحه ممتنع الصدور منه لجلال شأنه وقدسه وكماله وغناه. وليس مقتضى دليل العقل على الوحدانية أن يكون الزنا واللواط والكفر ومنع الكافرين عن الإيمان وأمثالها من القبائح تقع بفعل الله وخلقه وقدرته. وأما قولهم ان نسبة الفاعلية للناس وإيجادهم لأفعالهم وخلقهم لها يقضي بالشرك والإشراك مع الله في صفته وهو خلاف الوحدانية والتوحيد. فهو مردود بأن التوحيد الواجب في الإيمان هو توحيد الله ونفي الشريك له في الإلهية وما يعود إليها. وأما في غير ذلك فإن القرآن الكريم نفسه قد شرّك بين الله وعباده في نوع صفة الحياة والعلم والرحمة والرأفة والخلق وغير ذلك وإن كانت صفات الله ممتازة عن نوعها بكماله ومميزاتها «ثانيها» دليل النقل كقوله تعالى( خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) . و( هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ ) . ويرده ان ابن المنير ومن يحتج بهذا كأنهم لم يقرءوا ولم يسمعوا من سورة العنكبوت قول إبراهيم خليل الله لقومه ١٦( تَخْلُقُونَ إِفْكاً ) . وقول الله لعيسى كما في سورة المائدة ١١٠( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ) . وقول عيسى رسول الله كما في سورة آل عمران ٤٣( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ) . وقوله تعالى من هذا الباب في سورة المؤمنون ١٦( فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) . ولماذا لم يلتفتوا من ذلك إلى أن الخلق المقصور على الله إنما هو خلق الإله وإيجاده مما هو من أعمال الإلهية. وعلى ذلك جاء قوله تعالى في سورة الرعد ١٧( أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) «ثالثها» انه وان قبح صدور بعض الأفعال من الناس بحسب الشاهد لكن الحكم بقبح صدورها من الله قياس للغائب على الشاهد وهو باطل. ويردهم أولا انه ما اسمج التعبير عن الله وشؤونه بالغائب. وهو على كل شيء شهيد. وهو أقرب إليكم من حبل الوريد «وثانيا» ان الحكم على بعض افعال الناس بالقبح ليس من الحواس الخمس لكي يقال انّ الحواس لا تدرك الله. وان الناس ليعلمون ان العدلية يعنونون هذه المسألة ومحل نزاعها بالحسن والقبح العقليين وينادون بأن الحاكم بالحسن أو القبح إنما هو العقل بنفسه وإدراكه من دون مداخلة للحس أو وجود الفعل في الخارج. وليت شعري هل عند العقل شاهد وغائب «وثالثا» ان حكم


العقل الفطري بقبح صدور القبيح من فاعله انما هو بالنظر إلى عقل الفاعل وجهة كماله وعلمه بالفعل وبجهة قبحه ولذا لا يحكم بالقبح الفاعلي على الفاعل من الأطفال والمجانين الذين لا يميزون ولا على الغافل عن الفعل أو جهة قبحه. وان الله هو الكامل العليم الخبير فهو جل قدسه أول من ينظر العقل إلى فعله ويحكم بامتناع صدور القبيح منه جل شأنه «رابعها» انه يقبح من الإنسان أن يمكن عبده من القبائح والفواحش بمرأى منه ومسمع ثم يعاقبه على ذلك مع أن القدرة التي يفعل بها الناس الفواحش هي من الله على علم منه بمن سيفعل الفواحش منهم (ويردهم) ان التمكين القبيح هو ما كان مختصا بفعل الفواحش ولكن اللهعزوجل أعطى القوى للإنسان ليتمتع بها في المباح والراجح نعمة منه لإبقاء نوعه وانتظام اجتماعه. غاية الأمر ان الإنسان يتمكن من أن يعملها في المحرم الذي أرشده إلى تركه بالعقل وزجر الأنبياء ونواهيه في وحيه وإنذارهم لهم بالوعيد. فهذه القوى نعمة مسدودة لا مساس لها بما ذكروه من المثال. ولم يخلق الله قوة مختصة بأعمال الشر لكي تكون نقضا على ما نقول به من مسألة القبح «خامسها» أن ما يكون ظلما قبيحا إنما هو التصرف في ملك الغير بغير إذنه والله مالك العباد وكل شيء. فكل ما يفعله بالعباد ليس بظلم. ويرده أولا ان العقل لا يتوقف في احكامه وموضوعاتها على ما يذكر في بعض المتون الفقهية أو معاجم اللغة في معنى الظلم تساهلا أو قصورا أو اقتصارا على محل الحاجة في البيان. فإن كل ذي شعور إذا رأى مالك العبد قد سدّ فمه ومنعه بالقهر عن شرب الماء واستمرّ على المنع وهو يقول له اشرب الماء اشرب حتى إذا أضرّ به العطش وهو ممنوع عن الشرب استشاط مالكه غضبا عليه وصار يعنفه وينكل به لأنّه لم يشرب الماء. وكذا لو فعل مثل ذلك فيما يملكه من الحيوان. فإن الرائي لذلك الحال وكل من علم به يحكم بالبداهة ان العبد والحيوان المذكورين مظلومان. وإن المالك المذكور ظالم قد فعل قبيحا. وثانيا. ان مقتضى ما زعموه انّ الأنبياء والرسل الذين أفنوا أعمارهم في طاعة الله وعبادته والدعوة إليه وصبروا في ذلك على الشدائد هؤلاء الكرام يجوز أن يعذبهم الله يوم القيامة في جهنم خالدين فيها بعذاب إبليس وفرعون بزعمهم وإنه ليس بظلم ولا قبيح فإنهم عبيد الله وملكه «سادسها» أنه يجوز ان تكون هناك حكمة تسوغ ان يلجئ الله عباده على الكفر وأعمال الشر ثم يعاقبهم على ذلك فلا سبيل للعقل مع هذا الجواز إلى حكمه بقبح هذا الإلجاء وهذا العقاب (ويردهم) ان العقل يحكم بالقبح والامتناع في هذا وأمثاله لأنّه يجد ان لا حكمة ترفع قبحه وامتناعه من الله ولا يصلح


(٨)وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ

____________________________________

لأن ترفع حكمة قبحه. ولو حاول أحد أن يد على العقل باب هذا الوجدان كان ذلك منه سفسطة سخيفة تسد على العقل باب احكامه وذلك باطل بالضرورة. على ان هذا الاحتمال والتجويز للحكمة يرد عليهم بنحو لا مخلص لهم منه أبدا فإنهم بإنكارهم للقبح العقلي وامتناع صدور القبيح من الله قد سدّوا على أنفسهم باب العلم بصدق النبوات وبأن الله لا يظهر المعجز على يد الكاذب وبصدق الكتب الإلهية وما فيها من تقديس الله وأمر القيامة والنعيم والعذاب والجنة والنار فإن قالوا إنا نعرف من عادة الله انه لا يكذب جلّ وعلا ولا يظهر المعجز على يد الكاذب. قلنا عليهم أولا لماذا لا تجوزون ان تكون هناك حكمة تسوغ مخالفة العادة وإذ قد عزلتم العقل في هذا المقام لم يكن لكم أن تقولوا ان العقل يجد أن لا حكمة تجوز مخالفة العادة. مع ان مخالفة العادة ليس فيها محذور لا تعارضه حكمة بخلاف القبيح كما قلناه «وثانيا» ان دعوى العلم بعادة الله لا تليق إلّا من قديم أزلي مطلع على جميع اعمال الله منذ الأزل نفيا وثبوتا لكي يعرف ما صار عادة لله وما لم يصر. ومن ذا الذي يزعم انه ذلك الأزلي المطلع على جميع أعمال الله منذ الأزل. وما هو المانع من مخالفة العادة حتى مع عدم الحكمة. سبحانك اللهم ما أجلى قدسك وكمالك للعقول التي وهبتها لعبادك وأقمت باحكامها عليهم الحجّة ٨( وَمِنَ النَّاسِ ) أي قوم منهم وهم المنافقون( مَنْ يَقُولُ ) أفرد الضمير باعتبار لفظ «من»( آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) والظاهر كما حكي عليه الاتفاق ان المراد منهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون النفاق ومن الشواهد لذلك قوله تعالى فيما بعد( وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ ) . ذكروا إيمانهم بالله واليوم الاخر جمعا لأطراف الإيمان لأن ايمانهم باليوم الآخر متفرع على الإيمان بالرسول والقرآن. ولأجل أن يظهروا في مخادعتهم أنهم يخافون الله وعذاب الآخرة ويرجون نعيم الثواب فهم ملازمون للتقوى من أجل ذلك. ومرادهم من قولهم آمنا انهم ثبتت لهم صفة الإيمان فهم من زمرة المؤمنين ولا يريدون الاخبار بمجرد صدور الإيمان منهم في الماضي والذي يجتمع مع الثبات عليه ومع الارتداد والنفاق بعده ولذا قال الله جلّ شأنه( وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) بل منافقون ٩( يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) والمخادعة هو ما يسبب الخديعة ويولدها من قول أو فعل والخديعة هو ما يسبب ويتولد من


(٩)يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٠)فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ

____________________________________

ذلك إذا لم يمنع منه علم من طلبت خديعته أو تسديده من الله أو حذره. والمفاعلة قد تجيء من طرف واحد كما في عافاه الله وعاقب المجرم وعاينت الشيء وحاولت الأمر وزاولته. ولكن مخادعتهم هذه لا تسبب ولا يتولد منها خديعة إلّا لهم( وَما يَخْدَعُونَ ) بها( إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ) لما يعود عليهم في الدنيا والآخرة من وبال مخادعتهم هذه ونفاقهم( وَما يَشْعُرُونَ ) فإن قيل ان هؤلاء المنافقين ان كانوا في الحقيقة دهريين ينكرون وجود الإله فكيف يتوجهون إليه بالمخادعة. وإن كانوا وثنيين يعترفون بالله وإلهيته وعلمه ولكنهم يشركون الأوثان معه في الإلهية فكيف يتصور اقدامهم على مخادعته فيحاولون منه الغرّة والانخداع. قلنا إذا لم يتصور ذلك في تذبذبهم في النفاق وخبطهم في ضلالات الأهواء والكفر فقد قال بعض المفسرين ان المخادعة جاءت هنا على نحو التجوز والاستعارة باعتبار ان قولهم ذلك يشبه المخادعة وان لم يريدوها. ولكن الذي يظهر من المقام انهم بقولهم ذلك يخادعون الرسول والذين آمنوا على حقيقة المخادعة. ولا يجوز استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمعنى المجازي معا. ولذا أبقى المخادعة بعضهم على حقيقتها وقال ان التجوز إنما هو بإضافتها إلى الله دون إضافتها إلى الذين آمنوا والتجوز باعتبار ان الجرأة على مخادعة الرسول في مقدمة الذين آمنوا من حيث انه رسول الله بمنزلة الجرأة على مخادعة الله فأضيفت المخادعة إلى الله على النهج الذي جاء عليه قوله تعالى في سورة الفتح( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ ) وهذا أظهر القولين ١٠( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) مرض النفاق والتلون واستعير اسم المرض هنا لأن فيه خروجا عن الصحة العادية والنفاق خروج عن الاستقامة الفطرية للبشر وجريهم على ما توضحه الدلائل النيرة. ولأجل تمردهم في نفاقهم خرجوا عن أهلية التوفيق للاستقامة فأعرض الله بوجهه الكريم عنهم وحرمهم الله بركات لطفه( فَزادَهُمُ اللهُ ) بحرمانهم التوفيق( مَرَضاً ) على وتيرة من تمرد بالطغيان فوكله الله إلى نفسه المنهمكة بالقبح منذ اسلست قيادها للهوى والشيطان. وقيل المرض هو غم الحسد والعداوة للمؤمنين وبحرمان الله لهم من توفيقه زاد مرضهم وبهذا الاعتبار نسبت الزيادة إلى الله وقيل ان فزادهم دعاء عليهم ولكن الفاء لا تناسبه. وقيل غير ذلك( وَلَهُمْ


(١١)وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١٢)أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٣)وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ألا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٤)وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ

____________________________________

عَذابٌ أَلِيمٌ ) شديد الألم( بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ) في نفاقهم ومخادعتهم وقولهم آمنا وما هم بمؤمنين. وما ظنك بعذابهم على كفرهم وسوء أعمالهم وفسادهم ١١( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) بنفاقكم وسوء اعمالكم( قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) وما أكذبه من قول يقوله مريض القلب والمتحكم بجهله أو نفاقه على الحقائق والدين وشؤون الناس. فيسميه اذنابه بالمصلح الكبير ١٢( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ) بنقصهم وبما يلحقهم من ذلك من وصمة الضلال وظهور الحال ووخامة السمعة ١٣( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ ) بالإيمان المعهود وثبتوا على حقيقة الايمان وتعاليمه الصالحة وأخلاقه الفاضلة والطاعة في نصرهم لدين الحق( قالُوا ) من غيهم( أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ) الذين آمنوا وخضعوا للإسلام وأحكام دينه والجهاد في سبيل الله وإظهار الحق( أَلا إِنَّهُمْ ) وهم المنافقون( هُمُ السُّفَهاءُ ) الذين هم اختاروا سفاهة النفاق ورذيلته وأضاعوا رشدهم في المعارف ودين الحق وسعادة الدارين والعاقبة الحسنى( وَلكِنْ ) لأجل تماديهم في الغي( لا يَعْلَمُونَ ) بما يكون العلم به فضيلة للإنسان ووسيلة لسلامته من خسة السفاهة الموبقة. وهؤلاء المنافقون زيادة على ما ذكر لهم من قبائح الكفر والأقوال والأفعال مذبذبين ذوي لسانين ووجهين ١٤( وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) بحقيقة الايمان الثابت عن بصيرة( قالُوا ) بتزويرهم( آمَنَّا ) ونحن الآن من زمرة المؤمنين( وَإِذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ ) الذين يغرونهم بالكفر ومحادة الله ورسوله( قالُوا ) لهم في خلوتهم بهم( إِنَّا مَعَكُمْ ) على ما أنتم عليه ومن زمرتكم( إِنَّما نَحْنُ ) في حالنا مع المؤمنين وإظهارنا لهم انا منهم( مُسْتَهْزِؤُنَ ) بهم. فتعسا لآراء المنافقين ١٥( اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) بأن يمهلهم ويخوّلهم من حطام الدنيا وحياتها شيئا ومصيرهم في عاقبة ذلك إلى اخس الهوان وأشد العذاب فاستعير لذلك لفظ الاستهزاء لمشابهته له في ابتهاجهم بظاهر الامهال والتخويل مع انه مقرون بالاستهانة بهم واعداد العذاب الأليم.


(١٥)اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ( ١٦ )أُولَٰٓئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَٰلَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٧)مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ)

____________________________________

ويزداد حسن هذه الاستعارة في مقابلة قولهم انما نحن مستهزءون. واين عنها قول عمر بن كلثوم في معلقته :

ألا لا يجهلن احد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

( وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ ) يملي لهم ويمهلهم في تماديهم على طغيانهم مع حرمانهم التوفيق وهذا بمنزلة التفسير لما استعير له لفظ الاستهزاء( يَعْمَهُونَ ) العمه هو العمى في الرأي والبصيرة والتردد في الضلال ١٥( أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ) إذ كانوا ممن هيأ الله بألطافه لهم اسباب الاهتداء وجعل بلادهم محط بركة الهجرة ومشرق أنوار الوحي ومنار الدلائل والحجج قد أحاطت الألطاف بهم وتوارد عليهم الإرشاد في مصبحهم وممساهم وأجابوا دعوة الإسلام بلا إكراه حرب ولا إرهاب سيف. ولكن هذا الهدى الذي سعدوا بالقرب من موارده العذبة وثماره الجنية قد اشتروا به الضلالة. وان كل مشتر من العقلاء لا بد من أن يراعي منفعته بما اشتراه وغبطته بتجارته وهذا أول ما يطلب من الربح فيها. والربح نقيض الخسران ومن لم يربح في تجارته ولم يكن لما اشتراه منفعة فهو خاسر ويكفي هؤلاء من السفه إنهم اشتروا وتاجروا( فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ) ولا نفع لهم فيما اشتروه فضلا عن وباله في الدنيا والآخرة( وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ) من أول الأمر لأنهم لم يظهروا الإسلام عن بصيرة وإيمان وإنما أظهروه لأغراض أخرى. وقيل وما كانوا مهتدين في تجارتهم والأول أظهر وأوفق بمقتضى الحال ١٧( مَثَلُهُمْ ) في حالهم( كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً ) وطلب وقودها لحاجته إلى الضياء( فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ) من النواحي وحان انتفاعه بنورها فيما يعنيه من أموره ذهب ذلك النور وعاد هذا المستوقد في ظلام دامس لا يبصر فيه شيئا وخبط عشواء لا يهتدي فيه سبيلا. وهؤلاء المنافقون المذكورون كانوا يتشرفون بحضرة الرسول (ص) ويستمعون إلى كلامه وحججه في بيانه ودلائله في إرشاده وتلاوته لكتاب الله فهم بذلك كمن استوقد نارا لهدى فلما أضاءت لهم بلطف الله مناهج الرشد ومغاني الحق تمرّدوا على الله بنفاقهم فخرجوا عن كونهم أهلا


(١٨)صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ

____________________________________

للتوفيق والتسديد ووكلهم الله إلى أنفسهم الأمّارة وأهوائهم الخبيثة. فأسدلا عليهم ظلمات الضلال بسوء اختيارهم. ولأجل ان ينوّه الله بما للتوفيق والتسديد من الأثر الشريف في تأييد العقل على مكافحته لوساوس الشيطان ونزغات النفس الأمارة واهوائها عبر عن حالهم في غيهم على سبيل المجاز واستعارة التشبيه بأنهم حينئذ( ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ ) وأشار إلى معنى ذلك بقوله تعالى( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ) أي خلى الله بينهم وبين أهوائهم وسوء اختيارهم وصاروا يخبطون في ظلمات الضلال لا يبصرون فيها طريق الهدى والرشاد. وقد سلك القرآن الكريم أحسن منهاج البلاغة في بيان مثلهم ونتيجتهم السيئة فذكر مجرى المثل ومغزاه واكتفى بذكر نتيجته بدلالة النتيجة السيئة لحال الذين ضرب المثل في شأنهم فناول السامع تتمة المثل ونتيجة حال المنافقين بأوجز بيان مفهم كما اكتفى بمقدمات المثل عن ذكر المنافقين في استيقادهم لنار الهدى واضاءتها لما حولهم كما ذكرناه وربما تصوره جودة الفهم أحسن مما ذكرناه. ولو بسط القرآن الكلام كما شرحناه للزم التطويل. ولو أهمل ما ذكره لحال المنافقين لما تمثلت من ضرب المثل فائدة لها قيمة بل لو ذكر قبلها نتيجة المستوقد المذكور لأنس الذهن بها ولم يرعه ما ذكر من نتيجة المنافقين السيئة المهولة وذلك خلاف المقصود وحسن البيان.

(ومما ينبغي التنبيه عليه) هو ان بعض التفاسير المعروفة بالفضيلة ذكرت تفسير الآية على غير ما ذكرناه فنشأ من ذلك أمور «أحدها» جرأة غير المسلمين على الاعتراض على القرآن الكريم «ثانيها» التجاؤه إلى ان يجعل «الذي» بمعنى «الذين» وهذا مع وهنه مناف لإفراد الضمير في «استوقد» و «ما حوله» «ثالثها» استشهاده بقوله تعالى في سورة التوبة ٧٠( وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا ) مع ان كلمة «الذي» في الآية للمفرد لا بمعنى الذين «رابعها» عدم ذكر النتيجة السيئة لحال المنافقين وفي ذلك ما فيه. مع ان قوله تعالى( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) إنما هي من صفات المنافقين لا من تتمة المثل وعلى ما ذكره يستلزم ربطها بالمنافقين طفرة كبيرة وفصلا بالأجنبي الطويل وهؤلاء المنافقون الذين ذهب الله بنورهم على ما ذكرناه هم في ضلالهم ١٨( صُمٌ ) جمع أصم وهو الفاقد لحاسة السمع وقيل هو من ولد كذلك( بُكْمٌ ) جمع ابكم قيل هو الأخرس وقيل من ولد كذلك وقيل هو الأخرس مع عيّ وبله( عُمْيٌ )


فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أو كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ

____________________________________

جمع أعمى شبهوا بذلك لأنهم بإصرارهم على الغي قد أخرجوا أنفسهم عن الانتفاع والاهتداء بما يسمعون من الدلائل والوعظ والإنذار والتعليم وعن الاهتداء بسؤالهم عن الحق ومكالمتهم في ذلك وعن الانتفاع بما يشاهدونه مما يوضح لهم سبيل الرشد( فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) إلى حقيقة الإيمان إذ قد استحوذ عليهم الشيطان ١٩( أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ) عطف بأو لأجل التنبيه بالترديد بين المثلين على اختلاف مجراهما ومغزاهما. فكأنه قيل ان شئت ضرب المثل لحال المنافقين مع الإسلام وهداه بالذي استوقد نارا إلى آخره. وان شئت ضرب المثل لشأن الإسلام مع المنافقين فإن مثله كمثل صيب من السماء وحذف لفظ المثل لدلالة ما سبق وسياق الكلام عليه. والصيب هو المنهمل النازل من العلو والسماء جهة العلو فوق الأرض فالمراد من الصيب هو المطر الغزير المنصبّ والذي تحيى به الأرض وتزهر بنباتها وينمو به الزرع والضرع وهو قوام المعيشة للناس وخصوص العرب وأهل البوادي والأنعام ولكنه مع ذلك لا يخلو من أن تقارنه ظلمات تتتابع كلما اكفهر السحاب الهاطل وادلهمت به الآفاق خصوصا إذا كان بالليل. ولذا وصف المطر الصيب بالتوسع في الظرفية بأنه( فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ) إذ لا ينفك عن الرعد والبرق والصواعق وهي الرعود القاصفة المخيفة بصوتها وهي المرادة في الآية وان كانت الصاعقة أيضا اسما للنار النازلة مع ذلك الرعد المخيف. فالإسلام للناس ونظام اجتماعهم كالمطر الصيب فيه حياتهم وسعادتهم في الدارين وزهرة الأرض بالعدل والصلاح والأمن وحسن الاجتماع ولكن معاندة المعاندين للحق وأهله جعلت الإسلام كالمطر لا يخلو من ظلمات شدائد وحروب ومعاداة من المشركين ورعود قتل وقتال وتهديدات مزعجات لغير الصابرين من ذوي البصائر والذين ارخصوا نفوسهم في سبيل الله ونيل السعادة. وفيه بروق من النصر وآمال الظفر واغتنام الغنائم وعزّ الانتصار والمنعة والهيبة. فهم إذا سمعوا صواعق الحرب أخذهم الهلع والحذر من القتل وشبهت حالهم في ذلك بأنهم( يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ ) اجل( الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ) وخوفا من أن تخلع قلوبهم من هول أصواتها. وسفها لعقولهم اين يفرون عن الموت وماذا يجديهم حذرهم( وَاللهُ مُحِيطٌ


بِالْكافِرِينَ (٢٠)يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً

____________________________________

بِالْكافِرِينَ ) المنافقين لا مفر لهم من قضائه.( أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ. لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ) . أو ان المراد ما هذا الخوف والهلع والتحذر والحال ان الله محيط بالكافرين المحاربين للإسلام وخاذلهم ومهلكهم وقد ظهرت آيات ذلك في غزوة بدر وما قبلها ٢٠( يَكادُ الْبَرْقُ ) اي ما ذكرناه من برق الإسلام وأنوار عزه وسعادته.( يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ ) بشدة أنواره فهم( كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ ) وارتاحوا لبهجته وعلقت آمالهم بسعادة الدنيا( مَشَوْا فِيهِ ) وجاروا المسلمين وأظهروا موافقتهم( وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ ) بأن انقطع عنهم ضوء الآمال لما يرونه أحيانا من ظلمات الشدائد( قامُوا ) ووقفوا في مكانهم في النفاق وثبتوا على حيرة ضلالهم( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ) فلا يسمعون بما حصل من المبشرات في الإسلام ولا بما يرد أحيانا على المسلمين من الشدائد ولا يبصرون ذلك فلا يترددون في ضلال النفاق( إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٢١يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا ) الله( رَبَّكُمُ ) واخضعوا له حق الخضوع للآلة وأطيعوه فإنه هو ربكم ومالككم ومدبركم ومربيكم( الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) لم تجئ لعلّ للترجي بل لبيان انه لا يلزم من عبادتهم لله انهم يتقونه حق تقاته بل يجوز أن تقع منهم التقوى المذكورة بحسن اختيارهم ويجوز ان لا تقع لسوء اختيارهم. ولأجل الاحتجاج بآلاء الربوبية وآثار القدرة ذكر من صفات الرب أيضا انه ٢٢( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً ) ممهدا يتيسر لكم الانتفاع بها في السكنى ونحوها والزرع والغرس( وَالسَّماءَ بِناءً ) لا تخشون سقوط أجرامها عليكم. وليس في ذلك صراحة بموافقة الهيئة القديمة ولا صراحة بمخالفة الهيئة الجديدة فإن حقيقة الأمر لا يعلمها إلّا الله وان الأوضاع المذكورة في الهيئتين لا مبنى لها إلّا الحدس الذي تدافعه الشكوك والردود. والمحسوس إنما هي حركات الكواكب( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ) أي من جهتها أو ان المراد من السماء هنا جهة العلو( ماءً ) وهو المطر الذي يحيي به


فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ

____________________________________

الأرض بعد موتها( فَأَخْرَجَ بِهِ ) بما خلقه فيه وقدره من الخواص( مِنَ الثَّمَراتِ ) يجوز ان يراد بها ما يعم الحبوب والأطعمة( رِزْقاً لَكُمْ ) وهل يكون ذلك من غير الإله القادر العليم الحكيم. وانكم لتعترفون بالإله وان هذا كله من خلقه وانعامه فما بالكم تجعلون معه آلهة ولو بزعم انها من تنزلات الإلهية. أو انها منبثقة من الإله. أو انها مظاهره. أو بناء على مزاعم العقول العشرة وانه لا يمكن أن يصدر من الله إلّا العقل الأول تعالى الله عما يصفون( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً ) جمع ندّ بكسر النون. قيل ان الندّ المثل وقيل الضدّ. وفي النهاية هو مثل الشيء الذي يضادّه في أموره وينادّه أي يخالفه. وفي المصباح لا يكون الندّ إلّا مخالفا. وفي التبيان ومجمع البيان في الآية المائة والستين وأصل الندّ المثل المناوئ. وفي الكشاف في هذه الآية ولا يقال إلّا للمثل المخالف المناوي ومثله في جمع الجوامع. وفي المصباح ناويته عاديته أو فعلت مثل فعله مماثلة. وفي القاموس فاخره وعاداه ونحوه في النهاية. والمشركون يجعلون لأوثانهم وما يؤلهونه صفة الإلهية واعمالها وبذلك يجعلون كلا مما يشركون به ندّا لله ومثلا معارضا له في إلهيته واعمالها( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ان الإله الخالق المعبود والمطاع هو الله فما هذه المزاعم وما هذا الشرك المناقض لعلمكم ومعرفتكم ولو تدبرتم الحجج الساطعة لعرفتم كيف لبست عليكم الأوهام ودلست على عقولكم الأهواء. فوحدوا الله ايها الناس كما هو حقه وآمنوا بعبد الله رسوله الذي جاء بالحجج الباهرة وأنزل عليه القرآن العظيم ٢٣( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا ) من القرآن( عَلى عَبْدِنا ) وشككتم في انه كلام الله ووحيه المنزل من عنده وجوزتم أن يأتي به بشر من عند نفسه بلا وحي من الله( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) أي مثل القرآن فإنه نزل بلسانكم العربي وأنتم أهل الفصاحة والبلاغة. وقد بلغتم أوج الرقي في الأدب العربي بما تناله القدرة البشريّة ولكم المهلة والأناة( وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ ) الذين ينصرونكم ويشهدون لكم لكي تستظهروا بشهادتهم فإن الله لا يشهد لكم فإنه يعلم انكم لا تقدرون على ذلك. أو وادعوا رجال بلاغتكم الذين يشهدون المواسم وأسواق العرب


إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣)فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ

____________________________________

لأجل المفاخرة في البلاغة والمسابقة في ميادينها فاستعينوا بهم على ذلك من دون الله. فإن الاستعانة بالله على ذلك ودعاءه يجعل الإتيان بالسورة والأكثر ممكنا بواسطة اعانة الله ووحيه كإمكانه لرسول الله( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في زعمكم ان القرآن يمكن للإنسان بقدرته البشريّة أن يأتي به أو بمثله أو بسورة من مثله. وهؤلاء وإن كان صدقهم في ذلك ممتنعا يناسب ان يقال فيه لو كنتم صادقين لكن قيل( إِنْ كُنْتُمْ ) مجاراة لهم وملاينة في الخطاب واما قوله تعالى( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ) مع ان ظاهرهم الجحود لكون القرآن منزلا من الله فيجوز أن يكون لأجل علمه جل شأنه بأن منهم من تأثر قليلا بكثرة الشواهد على الرسالة وإنزال القرآن من الله فيرجع أمره من الجحود إلى الشك والريب في ذلك فاحتج الله عليهم بالحجة القاطعة لوساوس الشك وعناد الجحود. أو انه جل شأنه احتج على ادنى معارض للإيمان وهو الريب بالحجة الجارية فيه وفي الجحود ٢٤( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ) ولم تأتوا بسورة من مثله لعجزكم وقصور القدرة البشريّة عن ذلك( وَلَنْ تَفْعَلُوا ) اخبار لهم بأنهم لا يفعلون ذلك لخروجه عن القدرة البشريّة مهما برعوا وتقدموا في الفصاحة والبلاغة ومهما تعاونوا واستعانوا بالبشر( فَاتَّقُوا النَّارَ ) أي فإن عجزتم ولم تفعلوا لزمكم ان تعرفوا ان القرآن منزل من الله على رسوله ولزمكم الإيمان بالكتاب وبالرسول وان لم يدعكم إلى الإيمان شرف الانسانية والعقل والرغبة في السعادة على نهج إيمان الأحرار فلا أقل من أن يدعوكم الخوف كما في طاعة العبيد فإن من ورائكم النار التي أنذركم بها القرآن( الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ ) الوقود بفتح الواو ما توقد به النار فما ظنكم بنار يكون وقودها الناس بلحومهم ودمائهم وفضلاتهم ووقودها مطلق الحجارة فاتقوها بإيمانكم وطاعتكم لله ورسوله( أُعِدَّتْ ) وهيئت( لِلْكافِرِينَ ) الذين يموتون على الكفر. ثم قرن جل شأنه وعيده للكافرين ببشراه للمؤمنين بقوله جل اسمه ٢٥( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ) يتنعمون بها ومن كمال بهجتها وروحها وجمال منظرها انها( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) على عادة الجنان ذوات البهجة والرونق من أن الماء لا ينقطع عنها ولا يعلوها فتكون كالمستنقعات


كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً

____________________________________

بل تكون مجاري مياهها اوطأ من ارضها يتنعمون بثمارها و( كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً ) رأوا ذلك من جنس ثمار الدنيا و( قالُوا ) عند ذلك( هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ ) في الدنيا. والحكمة في كون ثمار الجنة من جنس ثمار الدنيا هو ان ذلك ادعى للرغبة إلى نعيم الجنة واحسن وقعا في البشرى فإن النفوس تهش إلى مألوفاتها ولو ذكر للناس ما لم يروا له نموذجا في الدنيا لما رغبوا فيه رغبتهم فيما يعرفونه( وَأُتُوا بِهِ ) الظاهر انه رزق الجنة( مُتَشابِهاً ) فيما بينه في الحسن والجودة لم يختلط مع جيده ردي( وَلَهُمْ فِيها ) في الجنة( أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ) طهرهن الله في خلقه لهن وناهيك بذلك وصفا ثابتا ومقتضى اطلاق التطهير انهن منزهات من كل ما يستقذر في خلقهن وأخلاقهن( وَهُمْ فِيها ) في الجنة( خالِدُونَ ) مدى الأبد ٢٦( إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما ) أي مثل يكون بحسب المناسبة في التمثل سواء كان بالحقير أو بالخطير والاية تشعر بأنها توبيخ لمن استنكر ضرب الله للأمثال ويجوز أن يكون لمنع الاعتراض على ضرب الله للمثلين المتقدمين وغيرهما وان لم يسبق من احد اعتراض. ورويت في نزولها اسباب ولم تصح ولا تسلم من وجوه الشك والخدشة. ولا يخفى ان في ضرب المثل فوائد كبيرة في التلقين والفهم لا تحصل بدونه. فإنه بتمثيله بالمحسوسات والمعهودات والمألوفات يشتد تأثر النفس بها ويستلفت الذهن إلى الإقبال على فهم الأمر الممثل له فيستحكم تأثر النفس به. ومعنى( إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي ) هو ان ضرب المثل مع ما فيه من الحكمة واللطف في البيان لا يتركه الله لأجل حقارة الممثل به أو ان الممثل له أعظم منه بكثير. وقد اقتضت المناسبة والتشبيه ان يستعار للترك المذكور لفظ الاستحياء الذي هو انفعال في النفس وخجل يمنع عن إبداء الشيء وان تعلق به غرض( بَعُوضَةً ) من هذا البعوض المستحقر لصغره( فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ) والجاري على الحكمة في بيان الحقيقة( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ) على سبيل الاستنكار والاستخفاف( ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً ) والظاهر انهم يقولون( أَرادَ اللهُ ) على


يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إلّا الْفاسِقِينَ (٢٦)الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أمر اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ

____________________________________

سبيل الاستهزاء بدعوى الرسول ان المثل وحي منزل من الله فإن الكافرين بل والمنافقين ينكرون الوحي المذكور ولو اعترفوا به لما قالوا قولهم هذا. وقد اعرض الله عن بيان ما أراد بالمثل فإن بيانه مقرون به وعن ذكر فائدته فإن حكمته ومغزاه ونتيجته واضحة لا يتجاهل فيها إلّا السفيه المعاند ولكنه جل شأنه أجابهم بعاقبته السيئة بالنسبة إليهم فيما هم عليه من العناد وبأثره الحميد بالنسبة للمؤمنين فقال جل اسمه( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ) من الناس المنكرين على المثل أو المستهزئين أي تكون عاقبتهم في ذلك الضلال وان أراد الله به تفهيمهم وهدايتهم. وذلك كما قيل فلان قتل فلانا بحلمه فإنه لم يرد بحلمه إلّا فضيلته ولكن صارت عاقبته ان فلان الآخر اغتر بجهله واجترأ على آخر فقتله فنسب القتل إلى فلان الأول باعتبار ان حلمه كانت عاقبته قتل ذلك المغتر بسوء اختياره( وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ) وهم المؤمنون إذ يتدبرونه ويهتدون بمفاده ويعرفون حكمته( وَما يُضِلُّ بِهِ ) بالمعنى المذكور( إِلَّا الْفاسِقِينَ ) وهم الكافرون والمنافقون الهاتكون للحجاب فإن الفسق في اللغة هو خروج الشيء من حجابه يقال فسقت التمرة إذا خرجت من قشرها. ولا يضر بعمومه للكافرين والمنافقين كونه في الاصطلاح المتأخر مختصا بالمسلم العامل بالمعاصي ٢٧( الَّذِينَ ) الأظهر ان ذلك بيان لصفات مطلق الفاسقين لا خصوص من يضلهم ضرب المثل( يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ) نقض البناء هدمه ونقض الحبل حل فتله فهو ضد ابرامه. والعهد يستعمل في الوصية نحو قوله تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم. وفي الوعد المقرون بإظهار الالتزام به. والميثاق مصدر من الوثوق مثل الميعاد من الوعد والميلاد من الولادة أي ينقضون وصية الله لهم أو ما أعطوه لله من العهد مع توثيقه بالمؤكدات. وشبه عهد الله في توثيقه وربطه ما بين العبد وربه بالحبل وابرامه فاستعير لمخالفته لفظ النقض. والأظهر ان المراد ما عهده الله إلى الناس ووثقه سواء كان بدلالة العقل أم بتبليغ الرسل والكتب المنزلة وسواء كان في التوحيد والمعرفة أم في النبوة أم في الإمامة ام في الدين والشريعة( وَيَقْطَعُونَ ما أمر اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) ومن ذلك صلة الأرحام وصلة الرسول والإمام بالطاعة كما أمر


(٢٨)كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إليه تُرْجَعُونَ

____________________________________

الله. وصلة قربى الرسول بالمودة ونحوها( وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) في فسقهم وما ذكر من سوء اعمالهم ٢٨( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ ) يجوز أن يكون الخطاب المتكرر في الآية للكافرين وتكون «كيف» لتوبيخهم على كفرهم مع ما يذكر من الحجة. ويجوز أن يكون ذلك خطابا لجميع الناس وبيانا لأنّه لا يليق ان يختار الكفر انسان له شعور مع قيام الحجج في نفس وجوده وأحواله على حقيقة العرفان لله أفيكفر بالله( وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ) الواو حالية ولا حاجة إلى إضمار «قد» بل لا يصحّ لأنّه يستلزم ان تكون الحال جملة( وَكُنْتُمْ أَمْواتاً ) وليس كذلك لأنها لا تفي بالحجة بل الجملة الحالية مجموع وكنتم أمواتا فأحياكم أو هو وما بعده ولا ينتظم ذلك بمعنى واحد يكون حالا إلّا إذا جعل الجميع خبرا لأنتم محذوفة اي وأنتم تعتور عليكم هذه الأمور الكافية في الدلالة على وجود الإله الواحد القهار. والمراد من كونهم أمواتا انهم كانوا أشياء فاقدة للحياة ومن اقرب عهودهم بذلك انهم كانوا نطفا في الأصلاب أو كانوا في الأرحام علقة أو مضغة أو عظاما ولحما ولا حياة في شيء من ذلك فجعل فيهم الحياة ولا يكون ذلك بلا مؤثر ولا من لا شيء ولا من فاقد العلم والحكمة والإرادة. فليعتبر الإنسان بما في تركيب بدنه وأجزائه وأوضاعها وأسباب حياته من بواهر الحكم وعجائب الصنع ثم ليعتبر بما وهب له من الحياة والحواس والإدراك وقد أوضح وجه الاعتبار بذلك بالنحو العرفي والعقلي في رسالة البلاغ المبين( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ) في آجالكم( ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) ان كان هذا من تتمة الاحتجاج فلا بد من أن يحمل على أمر معلوم محسوس لجميع الناس ومعناه حينئذ أنه يحيي نوعكم باحياء أمثالكم من الناس وفي هذه القدرة التامة الدائمة عبرة وحجة لأولي الألباب. وإن لم يكن من تتمة الاحتجاج كما هو المناسب لقوله تعالى( ثُمَّ إليه تُرْجَعُونَ ) بل كان اخبارا بمواقع قدرته وآثار حكمته فإنه يكون المراد يحييكم في القبر. ويجوز أن يكون المراد يحيي بعضكم في الرجعة التي يقول بها الإمامية ونسبت الحياة إلى النوع تجوزا( ثُمَّ إليه تُرْجَعُونَ ) يوم القيامة وليس رجوعهم بعد غيبوبتهم أو انفصالهم عنه جل وعلا بل كما تقول للحاضر عندك إليّ مرجعك أي لا مهرب لك ولا بد من أن أنفذ فيك حكمي وعدلي وإن


(٢٩)هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

____________________________________

أمهلتك زمانا. ومن تأكيد الاحتجاج المسوق بسياق الامتنان ولله الشكر قوله تعالى ٢٩( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ) لمنافعكم التي تعرفونها والتي لا تعرفونها ومن منافعكم اعتباركم بخلقتها( ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) من نبات ومياه وحيوان ومعادن فتبصروا واعتبروا والتفتوا إلى ما في الأرض والبحار والنبات والحيوان من مظاهر قدرة الإله وإرادته وحكمته ورحمته( ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ) أي جهة العلو. والتعبير بالاستواء مجاز باعتبار توجه إرادته وحكمته إلى خلق السماوات في العلوّ بعد أن خلق الأرض وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيّام( فَسَوَّاهُنَ ) وفسر إبهام الضمير بقوله تعالى( سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ ) مما خلفه( عَلِيمٌ ) كما يظهر على المخلوقات دلائل علمه وخلقه بالإرادة على مقتضى حكمته. وذكر جل اسمه من السماوات سبعا باعتبار ما يرونه ويعرفونه في تلك العصور من السيارات السبع وكسف بعضها لبعض وإن كانت السماوات في الهيئة القديمة تسعا لأن فلك الثوابت والأطلس كما يزعمون سماء ان أيضا. وفي الهيئة الجديدة باعتبار المدارات للسيارات اكثر من ذلك( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )

تنبيه

لا يخفى ان الحذف لما يدل عليه المقام ويرشد وجه الكلام إلى حذفه باب من أبواب البلاغة عند العرب وهو في نثرهم وشعرهم كثير. ولنذكر له شيئا من شعرهم لمناسبة المقام وتوطئة لما يأتي في بلاغة القرآن الكريم من نوع الحذف. قال لبيد بن ربعة العامري

قالت غداة انتجينا عند جارتها

أنت الذي كنت لو لا الشيب والكبر

فحذف خبر «كنت» اي جميلا ونحو ذلك وغيرك الشيب والكبر. وقال مساور بن هند بن قيس

زعمتم أن إخوتكم قريش

لهم الف وليس لكم إلاف

أولئك أومنوا خوفا وجوعا

وقد جاعت بنو اسد وخافوا

فحذف تكذيبهم لدلالة حجته على ذلك. وقال عبد مناف الهذلي في آخر قصيدته

حتى إذا سلكوهم في قتائدة

شلا كما تطرد الجمالة الشردا

فحذف جواب إذا وعاملها لدلالة المقام وقوله «شلا» وقال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته


(٣٠)وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

____________________________________

لا تخلنا على غراتك انا

قبل ما قد وشى بنا الأعداء

فحذف المفعول الثاني وهو نهاب الملك أو نبالي به ونحو ذلك. أو حذف خبر «إنا» بهذا المعنى. أو كليهما فحذف المفعول الثاني بالمعنى المتقدم وخبر «إنا» بما يريد ان يتصوره السامع من التهويل بالتحمس. وقال آخر

إذا قيل سيروا ان ليلى لعلها

جرى دون ليلى مائل القرن أغضب

فحذف خبر «لعل» لنكتة آثرها فيما يتمناه من ليلى. وقال عبيد بن الأبرص يخاطب

امرء القيس نحن الأولى فاجمع جمو

عك ثم وجههم إلينا

فحذف الصلة ليحضر في ذهن السامع ما يريده الشاعر من وجوه الحماسة والتهويل.

وقد جمعنا في هذه المقدمة بعض الشواهد للحذف وأغراضه السامية لنحيل عليه في الاستشهاد لما يأتي من فرائد القرآن الكريم في وجوه البلاغة وبراعة البيان : هذا وقد استفاضت الرواية عن أهل البيتعليهم‌السلام في انه كان قبل آدم في الأرض نوع من الخلق قد أفسدوا وأهلكوا كما في رواية علي بن إبراهيم في تفسيره في الصحيح عن أبي عبد اللهعليه‌السلام والقوي عن الباقر (ع) عن آبائه عن أمير المؤمنينعليهم‌السلام ورواه الصدوق أيضا في العلل. ورواية تفسير البرهان عن العياشي عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) والعياشي عن علي بن الحسين وعن عيسى بن حمزة عن أبي عبد الله. وروى ذلك الحاكم في مستدركه من طريق الجمهور وصحّحه عن ابن عباس. وأخرجه الطبري في تفسيره أيضا ولما ذكر الله خلقه للأرض وما فيها لينتفع الإنسان بذلك وذكر خلق السماوات ذكر ابتداء خلقه للإنسان وما جرى في ذلك من الشؤون وما في خلق الإنسان من الحكمة والكرامة لبعض أفراده ذوي الفضل فقالعزوجل ٣٠( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) «إذ» ظرف وعامله محذوف يفسره قوله تعالى «قالوا» إلى آخر القصص كما يأتي ان شاء الله. وجاعل خالق من أجعله خليفة. والخليفة من يخلف غيره ويجوز أن يكون المراد من يخلف الخلق السابق المذكور في الروايات المشار إليها. وقيل ان «إذ» مفعول به أي اذكر في القرآن ذلك الحين للناس كقوله تعالى( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ ) ولكن يلزم من هذا القول ان يكون


قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ

____________________________________

الذكر مختصا بقول الله تعالى للملائكة( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) ويكون ما بعده أجنبيا لأنّه لم يفرّع عليه ليكون مرتبطا به كالارتباط الذي في قوله تعالى فأجاءها المخاض إلى آخره فالمناسب إذن هو أن تكون «إذ» ظرفا متعلقا بمحذوف يدل عليه سوق الكلام الذي يفسره وذلك بأن يكون التقدير وحين قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة جرت في ذلك محاورات وشؤون يفسرها قوله تعالى( قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ) قالوا ذلك حيث قد رأوا الخلق السابق وافسادهم وسفكهم للدماء كما دلت عليه الروايات المشار إليها وروى العياشي بسنده عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ما علم الملائكة بقولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء لو لا انهم قد رأوا فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. ولا يلزم أن يكون قولهم هذا اعتراضا وذنبا منهم. بل قالوا ذلك لأن الله أخبرهم في هذا الخطاب بأن الخليفة هو بشر من طين كما في قوله تعالى في سورة ص المكية ٧١( إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ) فعرفوا من بشريته انه ذو شهوة وغضب وقد عهدوا من حال السابقين ان الشهوة والغضب ينشأ منهما الفساد وسفك الدماء. ولأجل بغضهم للفساد ومعصية الله سألوا عن الحكمة في خلق هذا الخليفة مع انه في الشهوة والغضب مثل السابقين الذين طهرت الأرض من فسادهم( وَنَحْنُ ) من لطفك في خلقنا بلا شهوة ولا غضب إنا دائما( نُسَبِّحُ ) والتسبيح( بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ ) والتقديس( لَكَ ) فإن شئت عمران الأرض بصلاح عبادتك فاجعلنا فيها. ولكن مع ذلك كان الأولى بهم أن لا يصدر منهم هذا السؤال في هذا المقام وإن كان سؤالهم للتعلم بل يفوّضوا الأمر إلى الله وحكمته وعلمه بما هو الصالح( قالَ ) الله لهم( إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ) فإن في ذلك حكمة شريفة ولطفا خفيا إذ يكون من البشر أنبياء ورسل وأئمة فيهم شهوة وغضب وهم مع ذلك في أعلى درجات الطهارة والعصمة الاختيارية والطاعة والعبادة لله والتفاني في هداية الناس وإصلاحهم. وفيما أشرنا إليه في تفسير القمّي وعلل الصدوق عن امير المؤمنينعليه‌السلام جاعل في الأرض خليفة تكون حجّة لي على خلقي. وفيه ايضا. اجعل من ذريته أنبياء وعبادا


(٣١)وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٢)قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٣)قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ

____________________________________

صالحين وأئمة مهديين وأجعلهم خلفاء الحديث. ٣١( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ) اي أسماء هؤلاء الهداة. روى الصدوق بسندين معتبرين عن الصادق (ع) ان الله تبارك وتعالى علم آدم أسماء حججه كلها ثمّ عرضهم وهم أرواح على الملائكة فقال انبؤوني بأسماء هؤلاء( ثُمَّ عَرَضَهُمْ ) وهم أرواح طاهرة وأنوار قدسية تضيء بالهدى والطهارة والعصمة الاختيارية( عَلَى الْمَلائِكَةِ ) ليعرفوا فضلهم الفائق ويظهر لهم شيء من وجه الحكمة في خلق الله للبشر وعلمه بالذين تشرق الأرض بنورهم وتقوم بهم الحجّة على الملائكة( فَقالَ ) الله بعد ان عرضهم وعرف الملائكة حالهم من الفضل( أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ ) الذين عرفتم فضلهم( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في دعوى العلم حتى قلتم قولكم ذلك ٣٢( قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) في أعمالك ٣٣( قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ ) الله للملائكة( أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ ) فيما علمتكم من جلال الإلهية أو في معنى القول السابق إني أعلم ما لا تعلمون( إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) وفوق ذلك إني أعلم ما في الضمائر( وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) يدل قوله تعالى( وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) ان هناك شيئا كتمته الملائكة هذا وقيل في هذه الآيات ان الله علم آدم اسم الصفحة والقدر وكل شيء حتى البعير والبقر والشاة. وقيل أسماء الأدوية والنبات والشجر والجبال ونحو ذلك. ولكن هذا كله ليس فيه مناسبة لسؤال الملائكة ولا للاحتجاج عليهم بالعلم بمواقع الحكمة في خلق الخليفة. بل ليس فيه جواب لسؤال أصلا. مع ان ذلك لا يناسب قوله تعالى.عَرَضَهُمْ. هؤُلاءِ. بِأَسْمائِهِمْ ) فإن الإشارة وهذه الضمائر مختصة بمن يعقل. ودعوى ان الله غلب من يعقل على سائر الأشياء ما هي إلّا مجازفة. مضافا إلى ان الله قال( الْأَسْماءَ كُلَّها ) ليظهر فضل العلم بهذا العموم خصوصا على ما قيل فلا يناسب ان يؤتى بلفظ مختص في اللغة بالعاقلين على خلاف


(٣٤)وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ

____________________________________

العموم لما ذكروه ولا ينطبق على ما يدّعى من العموم لكل الأشياء إلّا بعد التي واللتيا من دعوى التغليب الذي لا قرينة عليه في اللفظ ولا في سياق الكلام وليس هو كالتغليب في قوله تعالى( خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ ) الآية ٣٤( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) الظاهر ان «إذ» هنا كسابقتها في المعنى والعامل وان قوله تعالى( فَسَجَدُوا ) إلى قوله تعالى( يا بَنِي إِسْرائِيلَ ) يكون تفريعا وتفسيرا لما حدث في ذلك الحين. والأمر للملائكة بالسجود شامل لإبليس لاندماجه حينئذ في زمرتهم وان كان في الأصل من الجن وقد علم إبليس بشمول الأمر له ولذا لم يعتذر بأن الأمر لم يكن شاملا له بل التجأ في استكباره إلى القياس والسجود يجوز أن يكون لآدم ابتداء بعنوان التكريم لا العبادة. فإن السجود الذي يختص بالله ويمنع العقل والشرع ان يؤتى به لغيره إنما هو ما كان بعنوان العبادة والخضوع بعنوان الإلهية. ويجوز أن يكون لله شكرا على خلقه لآدم وما له ولبعض ذريته من الفضل ومن ذلك يحصل لآدم نوع من التكريم والتعظيم وبهذا الاعتبار قال الله( اسْجُدُوا لِآدَمَ ) والوجه الأول أظهر من اللفظ. وإن ثبت في شرعنا تحريم مطلق السجود لغير الله فلم يثبت المنع منه حتى في ذلك الحين( فَسَجَدُوا إلّا إِبْلِيسَ أَبى ) عن السجود( وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ٣٥ وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) يقال لامرأة الرجل زوج وزوجة والأول هو اللغة العالية وبها جاء القرآن. والجنة اسم للبستان وروى الكليني وابن بابويه مسندا والقمي مرفوعا عن أبي عبد الله (ع) ان جنة آدم من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر ولو كانت من جنان الآخرة أو الخلد لما أخرج منها انتهى. وهذا لا يستلزم كونها في الأرض( وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما ) الأمر بالأكل كالأمر بالسكنى في الجنة إنما هو للاباحة والإنعام. والرغد صفة للمصدر اي اكلا رغدا رافها ليس فيه عناء وكلا من أي مكان شئتما مما يؤكل منه بلا حجر ولا نهي ارشادي( وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ) لا يخفى من دلالة المقام والنظائر ورواية العياشي عن الباقر (ع) ان المراد هنا هو عدم الأكل منها لا مطلق القرب ولكن صدر النهي بصورة النهي عن


فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٦)فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ

____________________________________

القرب لأجل بيان التحذر من الأكل منها كقوله تعالى( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ ) . و( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ) . ولم يصح ما روي في حقيقة الشجرة. والنهي هاهنا للإرشاد. لا للتحريم بدليل قوله تعالى في بيان الحال في سورة طه المكية ١١٥ ـ ١١٨ انه عدو لكما( فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ) اي تقع في شقاء العيش ومشقته ويؤكد دلالة السياق على ذلك انه نسب الشقاء إلى آدم دون زوجته نظرا إلى ما جرت به العادة في الأرض في ان الرجل هو الذي يتعب في تحصيل المعيشة والمرأة عيال عليه( إِنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ) اي في الجنة( وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ) ولا تحتاج لأن تتعب فكرك وبدنك في تحصيل المأكول والملبوس والمشروب والشيء الذي يظلك من حرارة الشمس. فلم يرتب على إخراج إبليس لهما اثم معصية وفسق خروج عن الطاعة ولا حذّره من ذلك كما يقتضيه اللطف فالنهي لمحض الإرشاد إلى ان لا يقع في ورطة الأكل المستتبع بحسب الحكمة للخروج من نعيم الجنة إلى شقاء عيش الأرض وتعبه. وإن مخالفة النهي الإرشادي تسمى أيضا معصية وما كلّ معصية تساوي الذنب والإثم( فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ) لأنفسكما بالخروج من النعيم إلى التعب. ومثل هذا الظلم لا يستوجب ذما ولا يعد ذنبا. والظلم في اللغة يساوق وضع الشيء في غير محله. وضدّ الإنصاف أو العدول ومنه الحديث لزموا الطريق فلم يظلموه اي لم يعدلوا عنه. ولقد اغرب من قال ان الظلم اسم ذم لا يجوز ان يطلق على غير المستحق للعن لقوله تعالى( أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) . أفلا يدري ان الآية المذكورة وردت في سورة الأعراف ٤٢ وسورة هود ٢١( عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ ) ٣٦( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها ) زلت قدمه ورجله لم تثبت في مكانها وتحولت عنه وكذا الإنسان وأزله حمله أو ألجأه إلى الزلة والزلل فأزلهما الشيطان بوسوسته وغوايته ومخادعته باليمين الكاذبة عن الوصية المدلول عليها بقوله تعالى( وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ) . و( فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ (١) الْجَنَّةِ فَتَشْقى ) . أو ازلهما عن الجنة ولم يتركهما ثابتين فيها. وقد رويت في كيفية وصوله إليهما بالوسوسة والمخاطبة بالإغواء روايات لم تصح( فَأَخْرَجَهُما ) صار بإغوائه لهما سببا لخروجهما من حيث تبدل المصلحة في إسكانهما الجنة فنسب الإخراج إليه على سبيل المجاز في الاسناد( مِمَّا كانا فِيهِ ) من النعيم


وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إلى حِينٍ (٣٧)فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٨)قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً

____________________________________

واللباس والعيش الرغيد( وَقُلْنَا اهْبِطُوا ) الخطاب لآدم وحوا وإبليس. وإذا كان إبليس هابطا إلى الأرض قبل ذلك جاز هذا الخطاب بمعنى تساووا في الهبوط منها( بَعْضُكُمْ ) إبليس وآدم وحوّا أو ذريتهما( لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) وعداوة البشر لإبليس باعتبار النوع وان أطاعه بعض الناس( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ) اسم مكان أي موضع استقرار ومصدر والاستقرار معروف( وَمَتاعٌ ) اسم لما ينتفع به( إِلى حِينٍ ) محدود لكل بموته حتى إبليس عند الصعقة الأخيرة قريب القيامة والبعث ٣٧( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ) التلقي هنا أخذ آدم للكلمات من الله باستقبال وقبول وتعلم وعمل. ومقتضى السياق هو ان آدم ندم على مخالفة الله في أمره الارشادي وأراد التوبة والرجوع إلى مقام الأولياء المتبعين لإرشاد الله في العمل والترك وصار يحاول الوسائل التي يتوب الله بها عليه فيعلمه الله كلمات توقفه في مقام المنيبين وتعرفه فضيلة ذوي الفضل. وقد روي من طرق الفريقين انه نحو من الدعاء وفي الدر المنثور مما أخرجه الديلمي في الفردوس مسندا عن عليعليه‌السلام دعاء فيه اللهم إني اسألك بحق محمد وآل محمد مكررا. ومما أخرجه ابن النجار والبيهقي مسندا عن ابن عباس عن رسول الله «ص» سألته عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه قال سئل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام فتاب عليه وروي من طريق الإمامية نحو ذلك كما رواه الكليني والصدوق عن ابن عباس ومرفوعا والعياشي نحوه عن عبد الرحمن بن كثير عن الصادقعليه‌السلام وعنه أيضا مرسلا. ولا منافاة بين روايات الدعاء وروايات الاستشفاع بأهل البيت لجواز الجمع بينهما( فَتابَ عَلَيْهِ ) فرجع عليه بالرحمة ولطف الإرشاد وقرب المنزلة والزلفى( إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) ولأجل الاختصار لم تذكر هنا توبة حوّا ولأنها معلومة مذكورة في سورة الأعراف المكية ٢٢ ٣٨( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً ) كرر ذكر الأمر بالهبوط لأجل ان يذكر ما كان مرتبطا به من الكلام كما تدل على ذلك سورة طه المكية ١٢١ و ١٢٢ فقد جمع فيها ما بعد الأمرين بالهبوط هنا بعد أمر واحد. وجميعا يراد منه أيضا ذرية آدم باعتبار هبوط أبويهم( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ) اما شرطية


فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٩)وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٠)يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ

____________________________________

والهدى الرسالة والآيات ودلائل الحق( فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) في الآخرة وهذه الجملة جواب للشرط في( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ٣٩وَالَّذِينَ ) لا يتبعون الهدى بل( كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ٤٠يا بَنِي إِسْرائِيلَ ) خطاب للموجودين منهم عند النزول. وإسرائيل لقب يعقوب بن اسحق بن إبراهيم الخليل معرّب يسرئيل في العبرانية. وروي ان معناه عبد الله أو قوة الله( اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) فيما خص الله به آباءهم من التوفيق للتوحيد الموروث من إبراهيم وإرساله موسى والأنبياء منهم ونجاتهم من فرعون وقومه وظهور الآيات لهم وإنزال المن والسلوى عليهم وتوريثهم الأرض المقدسة وإهلاك أعدائهم وغير ذلك. وهذا النهج متعارف في الخطاب بأن يخاطب الموجودين من القبيلة والأمة بأمور أسلافهم لا سيما ما يعود أمره في الفخر والوبال على الموجودين. وشواهده في النثر والنظم من العرب وغيرهم كثيرة جدا( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي ) قد قطع الله العهد مع بني إسرائيل على العمل بما في التوراة من توحيده وعبادته واتباع دين الحق والعمل بالشريعة واتباع النبي الذي يقيمه الله لهم من إخوتهم بني إسماعيل ويجعل كلامه في فمه وان يسمعوا له ويطيعوا. ومهما حرّفت التوراة فقد بقي هذا العهد فيها. وان قراءة اليهود لها والالتزام بها في جميع اجيالهم التزام بهذا العهد وكذا المخاطبين بالآية من اليهود المعاصرين لرسول الله «ص»( أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) من اللطف والتوفيق والتسديد وثواب الآخرة. ويؤخذ من الآية قاعدة كلية وهي ان من لم يف بعهد الله فيما أخذه من الدين والشريعة فهو بنفسه قد نقض عهد الله معه وخرج عن كونه أهلا لما وعد به من اللطف والرحمة واستجابة الدعاء وعلى ذلك جاءت صحيحة القمّي عن جميل عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام في استجابة الدعاء. ومن عهود الله ومصاديق هذه القاعدة كما في الكافي في موثقة سماعة عن الصادقعليه‌السلام ورواية ابن بابويه عن ابن عباس هو ما عقد رسول الله «ص» لأمير المؤمنين «ع» في غدير خم كما تواتر به الحديث بين المسلمين( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) الرهبة الخوف والتقدير وإياي ارهبوا أي ولتكن رهبتكم منحصرة


(٤١)وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤٢)وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٣)وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ

____________________________________

بي ولا يحملكم على نقض عهدي رهبة من شيء فارهبوني ولا تنقضوا عهدي وحذفت كلمة ارهبوا لدلالة «فارهبون» ٤١( وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ ) اي القرآن الذي أنزلته على رسولي محمد (ص) وهو النبي الذي وعدكم به الله وموسى وأخذ الله عهدكم باتباعه( مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ) وبقي عندكم حتى في توراتكم المحرقة وهو أن الله يجعل كلامه في فم ذلك النبي. وقد دلكم اعجاز القرآن على أنه كلام الله. أو مصدقا لما معكم من الإيمان بالله واسم توحيده والاعتقاد بالنبوات ورسالة موسى وآياته. ولا يصح أن يقال أنه مصدّق لما معهم من التوراة محرّف(١) بأشد التحريف المشتمل على الكفر والخرافات. والقرآن صريح في مخالفتها في ذلك وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في الفصل الأول من المقدمة في اعجاز القرآن في وجهة التاريخ( وَلا ) تكفروا به( تَكُونُوا ) مع عهد توراتكم بالنبي وجعل الله كلامه في فمه ومع دلالة الوجوه المتعددة في اعجاز القرآن( أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ) أول من يعدّ من الكافرين به. وذلك لتفاحش كفركم بعد قيام الحجّة عليكم من وجوه عديدة. يقال لكثير الكذب وشديد الفسق أول كاذب وأول فاسق اي أول من يعد من الكاذبين ومن الفاسقين( وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ) مع وضوح الحجّة عليكم( ثَمَناً قَلِيلاً ) الثمن يشتريه الإنسان في معاملته كما أن الآخر يشتري السلعة واستعير لاستبدالهم آيات الله بأهوائهم لفظ الشراء لما فيه من استبدال شيء بشيء كما قال أبو ذؤيب الهذلي

وان تزعميني كنت أجهل فيكم

فإني شريت الحلم بعدك بالجهل

والثمن القليل الحقير هو خوفهم من أكابرهم أو حرصهم على جامعتهم الاسرائيلية أو حسدهم للرسول (ص) وغير ذلك من أباطيل الأهواء( وَإِيَّايَ ) اتقوا أو احذروا نكالي وعذابي للكافرين المعاندين للحق بأهوائهم( فَاتَّقُونِ ٤٢وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ ) ولا تجعلوا على الحق المعروف لباس الباطل ترويجا لباطلكم( وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) به. فأسلموا وفاء بعهد الله وعملا بالحق الذي تعلمون به ٤٣( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) من المسلمين

__________________

(١) فان ما معهم من التوراة محرف


(٤٤)أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٥)وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلَى الْخاشِعِينَ الَّذِينَ

____________________________________

٤٤( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ ) من الصدق واتباع الحق وطاعة الله( وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ ) فإن فيه بقية من وصايا التوراة الحقيقة في الإرشاد والتعليم باتباع الحق والعمل بالعلم( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) كيف لا يقبح من الإنسان ان يترك عمل البر الذي يعلم به ٤٥( وَاسْتَعِينُوا ) على ما يراد منكم مما فيه سعادتكم في الدين والدنيا وتوصلوا إليه بالأسباب المروضة للنفس والموجهة لكم إلى الله في استعانته وطلب توفيقه وتسديده( بِالصَّبْرِ ) على الوفاء بعهد الله والإيمان برسوله محمد (ص) وما أنزل إليه وعلى طاعة الله في أوامره ونواهيه وعلى مخالفة النفس الأمّارة وعلى مكافحة الكفر والضلال بنصر الدين ونشر الهدى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى نوائب الدنيا بالتسليم لأمر الله. فإن الصبر في الآية الكريمة مطلق وأثره في جميع ما ذكرناه جلي محمود كما يدل عليه ما جاء في الكتاب والسنة في فضل الصبر وفي بعض رواياتنا المعتبرة تفسير الصبر بالصوم وذلك باعتبار كونه احد المصاديق وله الأثر الكبير في ترويض النفس وتمرينها على الصبر وتصفيتها وتوجيهها إلى الله( وَالصَّلاةِ ) فإن أقوالها وأحوالها تعلّم بكل وجهة من تهذيب الأخلاق. وان الإتيان بها بحقيقتها والتدبر لمضامين آياتها وأذكارها يهدي إلى كل خير وهي باب الله في مناجاته والاستعانة به( وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ ) على نوع الناس يرونها حملا كبيرا يثقل عليهم فيقوم إليها من يقوم على كسل وتثاقل( إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ) الخشوع فوق الخضوع لا يقبل التصنع فيه نوع من الانكسار يظهر على الإنسان وعلى القلب وعلى البصر وعلى الصوت كما جاء في القرآن الكريم أي إلّا على الذين شعارهم الخشوع من خوف الله كأنهم أشرفوا على الموت والمعاد والحساب فخشعوا لذلك واستعدوا للزاد وطلب المغفرة ومناجاة الحق رغبة ورهبة ودعاء وثناء لم يغلبهم طول الأمل ليروا الموت بعيدا فيطمئنوا بالحياة ويسوفوا الأعمال الصالحة والاستعداد للآخرة بل غلبوا الأمل وقرّبوا الموت إلى ظنهم كما قال امير المؤمنين لهمام في صفة المتقي يراه قريبا أجله أي يرى آثار ذلك عليه. وحالهم كما قال الحسن (ع) في وصيته لجنادة واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ٤٦( الَّذِينَ ) نظروا إلى الدنيا


يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إليه راجِعُونَ (٤٧)يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٨)وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٩)وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ

____________________________________

وفنائها بعين البصيرة واشتاقوا إلى نعيم الآخرة فهم( يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ) ومستوفو آجالهم في ساعتهم وما يقرب منها( وَأَنَّهُمْ ) عن قريب( إِلَيْهِ راجِعُونَ ) رجوع جزاء واستسلام ٤٧( يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) وقد مرّ شيء من بيان ذلك في الآية الثامنة والثلاثين وكرر هنا تأكيدا في استلفاتهم إلى النعم واقامة للحجة بها عليهم( وَ ) اذكروا( أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ ) بها( عَلَى الْعالَمِينَ ) في زمان اسلافكم ٤٨( وَاتَّقُوا ) يوم القيامة يوم الحساب والنكال( يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ) أي لا تقضي ولا تؤدي مما عليها شيئا من جزى الدين إذا قضاه( وَلا يُقْبَلُ مِنْها ) من النفس الأولى( شَفاعَةٌ ) من حيث انها نفس لها نحو صلة بالمشفوع له. وقد تقدم في تفسير سورة الفاتحة ما يدل من القرآن الكريم على تحقق الشفاعة بإذن الله ورضاه واجمع المسلمون على ان لرسول الله (ص) شفاعة مقبولة وان جازفت المعتزلة بدعوى اختصاصها بمنافع المؤمنين. وأجمعت الإمامية على ثبوت الشفاعة للنبي الكريم وأهل بيته الطاهرين وأصحابه المنتجبين وصالحي المؤمنين وبذلك جاءت أحاديث الفريقين( وَلا يُؤْخَذُ مِنْها ) من النفس الثانية( عَدْلٌ ) عدل الشيء بالفتح ما يقوم مقامه من غير جنسه بمعنى ولا يقبل منها فداء معادل. واحتمل عود الضمير هنا إلى النفس الأولى أيضا بمع نى لا تقبل شفاعتها ولا يؤخذ منها فداء للنفس الثانية والأول اظهر وأنسب بالاستقصاء وأبعد عما يعود إلى التكرار لمعنى لا تجزي( وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) أي أهل ذلك اليوم المدلول عليه بتعدد النفوس ليس لهم ناصر على الله وحسابه وعذابه وناهيك بالتهديد بذلك اليوم ما ذكر فيه فليتقه ذوو الشعور ٤٩( وَ ) اذكروا يا بني إسرائيل( إِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) حال كونهم( يَسُومُونَكُمْ ) قريب من معنى يولونكم( سُوءَ الْعَذابِ ) قال عمر بن كلثوم في معلقته

إذا ما الملك سام الناس خسفا

أبينا ان يقر الخسف فينا


يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٥٠)وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥١)وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ

____________________________________

( يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ ) أي يكثر ويعم ذبحهم لهم( وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ) أي البنات اللاتي يولدن لكم ولا يذبحونهن كالأبناء. فكأنهم يتركهنّ طلبوا حياتهنّ وسميت نساء باعتبار بقائهن نوعا إلى زمان الكبر( وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) نسب البلاء إلى الله باعتبار قدره وقدرته على رفعه وإملائه لآل فرعون ٥٠( وَ ) اذكروا( إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ ) فصلنا البحر بعضه من بعض. ومن قوله تعالى في سورة الشعراء( فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) يعرف ان إفراقه كانت متعدة وطرق بني إسرائيل فيما بينها متعددة. فرقنا بكم أي أنتم الفاصل والفارق ما بين اجزائه في عبوركم فيه على اليابسة وهذا أوضح في المعجز وأوضح في خرق العادة( فَأَنْجَيْناكُمْ ) من مضايقة فرعون وجنوده ومن البحر( وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ ) حين اتبعوكم في البحر( وَأَنْتُمْ ) خارج البحر( تَنْظُرُونَ ) إلى غرقهم. والبحر هو خليج السويس من البحر الأحمر وعرضه بحسب اختلاف مواقعه من نحو عشرة أميال إلى نحو عشرين ميلا واقتصر هنا في ذكر الغرق على آل فرعون باعتبار الامتنان بالنجاة من جيشهم بغرقه. وفي ذكر فرعون وعتوه والانتقام منه قال الله في سورة الاسراء ١٠٥( فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً ) ٥١( وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) باعتبار مجموع الوعدين الوعد الأول وهو ثلاثون ليلة والثاني وهو إتمامها بعشر كما في سورة الأعراف ١٣٨( ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ ) إلها كما في سورة طه المكية ٩٠( فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى ) ولم نجد صراحة يعوّل عليها في ان الذين عبدوا العجل هم كل بني إسرائيل الموجودين حينئذ ما عدا هارون أو بعضهم. لأن سوق الخطاب هنا وفي سورة النساء إنما هو باعتبار البعض من بني إسرائيل فيجوز أن يكون باعتبار البعض من جيش موسى نعم في سورتي الأعراف وطه نسب اتخاذ العجل وإضلال السامري إلى قوم موسى ولكن يجوز أن يكون ذلك باعتبار البعض الكثير. نعم ربما يستظهر انهم البعض من قول هارون كما في سورة طه( إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) ولكن تزاحم الاحتمالات في مراده من التفريق يزاحم ذلك الاستظهار. وغرض القرآن الكريم من قصصه


مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١)ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ

____________________________________

إنما هو التذكير والموعظة ولا يهمه تاريخيتها لكي ينص على الكل أو البعض( مِنْ بَعْدِهِ ) من بعد ان غاب عنكم موسى في ميعاد ربه( وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ) لأنفسكم ولعقولكم وللحقايق ٥٢( ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) أي من بعد ما وقعت عبادة العجل. والسياق في خطاب بني إسرائيل بأحوال بعضهم لا يترك في الآية ظهورا في العفو عمن عبد العجل ويجوز أن يكون حينئذ من لم يعبد العجل ولكنهم تخاذلوا ولم ينصروا هارون بالنهي عن هذا المنكر العظيم فعفا عنهم بتوبتهم كما في الآية الآتية( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) جيئ بلعل عوضا عن لام الغاية للوجه الذي سنذكره ان شاء الله في الآية الحادية والثمانين بعد المائة ٥٣( وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ ) ترتيب القصة يقضي انها الألواح التي جاء فيها في سورة الأعراف ١٤٢( وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ ) ١٥٣ :( أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ ) فتكون بهداها فارقة بين الحق والباطل فسميت فرقانا ويجوز ان يراد بالكتاب والفرقان التوراة( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) أي لغاية ان تهتدوا وجيء بلعل لما أشرنا إليه ٥٤( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ ) إلها( فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ ) الله الذي خلقكم وبرأكم بعد عدمكم. وما ذكرناه من سياق الآيات في خطاب القبيلة بفعل بعضها لا يترك في الآية ظهورا بأنهم كلهم عبدوا العجل. وإن أردتم التوبة الصادقة التي تمحو ما وقع فيكم من الشرك بالله بعبادة العجل( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) الجملة بدل من «فتوبوا» لبيان أن الذي تتحقق به توبتكم هو ان تقدموا على قتل بعضكم بعضا فكان ذلك نفس التوبة هنا والظاهر انه ليس المراد ان ينتحروا ويقتل كل انسان نفسه بل قتل النفوس المضافة إليهم بالقرابة والرحم الماسة فقد كانوا عبارة عن آباء وأبناء واخوان وأعمام وبني أعمام وكلهم مرتبطون بولاء القبيلة والقومية والجامعة الاسرائيلية( ذلِكُمْ ) اي توبتكم بقتلكم نفوسكم وأقدامكم على ذلك طاعة لله وتكفيرا لما وقع من الشرك وردعا عن مثله( خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ ) وفي التعبير بقوله تعالى «بارئكم» في


فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٥)وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٦)ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٧)وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا

____________________________________

الآية اشارة إلى أن الله هو بارئكم والمنعم بخلقكم فما أهون نفوس المشركين وقتلهم في جنب الحماية لتوحيده وقمع ضلال الإشراك به وفي جنب رضاه وتوبته عليكم. ففعلوا شيئا من ذلك كما يدل عليه السياق مع قوله تعالى( فَتابَ عَلَيْكُمْ ) وهو خطاب لبني إسرائيل الموجودين في عصر الرسول بالنهج المتقدم من خطاب بعض القبيلة باعمال بعضها وباعتبار ان التوبة على قوم موسى في تلك الواقعة يعود نفعها على المخاطبين وعلى كل بني إسرائيل في جميع أجيالهم ببقاء جامعتهم القومية وصورة الدين والتوحيد( إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ٥٥ وَإِذْ قُلْتُمْ ) خوطبوا بذلك باعتبار قول الأسلاف من قبيلتهم( يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ) الصوت الشديد وأخذها هو استيلاؤها عليهم والمراد اماتتها لهم( وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) توهما منكم انكم ترون الله تعالى شأنه. روى ابن بابويه في العيون عن الرضاعليه‌السلام ما ملخصه : ان بني إسرائيل قالوا لموسى لن نؤمن لك بأن الله أرسلك وكلمك حتى نسمع كلام الله فاختار منهم سبعين رجلا فلما سمعوا كلام الله من الجهات الست قالوا لن نؤمن بأنه كلام الله حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا ٥٦( ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ) كل الخطاب باعتبار أحوال السلف( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) اي لغاية ان تشكروا الله على الاحياء بعد الموت ٥٧( وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ ) الظاهر من الامتنان بالتظليل انه غير السحاب الذي للمطر( وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَ ) ويسمى بذلك أيضا في التوراة العبرانية الدارجة أو يسمى مان بفتحة مشالة إلى الألف. وقال بعض المفسرين انه الترنجبين وليس له مستند يعوّل عليه( وَالسَّلْوى ) وتسمى في التوراة العبرانية أيضا سلو. أو سلاو. وفي السبعينية تقرأ سليو وفي كتب اللغة انه طائر أو نحو الحمامة( كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ) حكاية لخطاب القدماء في عصر موسى( وَما ظَلَمُونا ) بما صدر منهم من المعاصي وكفران النعم وعبادة العجل وقولهم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فإن الله غني عن طاعتهم ولا تضره معصيتهم. بل هم الذين تنفعهم الطاعة وتضرهم


وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٨)وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٩)فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ

____________________________________

المعصية( وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) بمعاصيهم ٥٨( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ) لا اعرف قرية في زمان موسى (ع) أمروا بدخولها ودخول بابها سجدا على ما هو مذكور في الآية في نسق هذه القصص ومن البعيد جدا أن يراد بها الخيمة التي نصبها موسى في البر وقدسها للعبادة(١) إذ لا يناسبها اسم القرية ولا قوله تعالى( فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ) نعم يناسبها ان تكون قرية بيت المقدس الذي بناه سليمان وكان بنو إسرائيل يأتونها في مواسمهم للعبادة ويتمتعون فيها بالرغد والأمن. ويمكن أن يكون هذا القول من الله قد جاء في الوحي إلى موسى (ع) فإن التوراة الرائجة تذكر ان موسى (ع) كان يذكر لهم من وحي الله احكام مجيئهم إلى المكان الذي يختاره الله بعد الخيمة كما في سفر التثنية متفرقا من الفصل الثاني عشر إلى الحادي والثلاثين. ولا بعد في ان يوجد في هذه التوراة المحرفة شيء من انقاض التوراة الحقيقية والله العالم بحقائق الأمور( وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً ) جمع ساجد ولعل المراد باب بيت المقدس والمعنى ان دخولكم يكون للسجود والعبادة والاستغفار كما هو شأن المساجد( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) بالرفع خبر لمحذوف اي سجودنا وعبادتنا حطة لذنوبنا والجملة خبرية يراد بها الدعاء أي اجعل سجودنا وعبادتنا سببا لحط ذنوبنا عنا يقال حط الحمل من الدابة أي ازاله وأنزله عنها( نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ) بأعمالهم على المغفرة بالثواب ٥٩( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ) وقالوا ما لا يرجع إلى الاستغفار وطلب الحط لأثقال ذنوبهم عنهم. ولعل من مصداق ذلك انهم حذفوا الأمر بالعبادة والاستغفار ودوام السجود في بيت المقدس وبدلوه بأن الله أمرهم في التوراة بأنهم إذا لم يقدروا ان يحملوا زكواتهم ان يبيعوها بفضة وينفقوها في بلد بيت المقدس

__________________

(١) ذكرت في دعاء السمات بعنوان قبة الزمان بالزاي المعجمة وإن كان الناس يقرءونها قبة الرمان بالراء المهملة وهذا ترجمة حرفية لاسمها في التوراة العبرانية الرائجة «اهل موعد» اهل. قبة. وموعد. الزمان. والمترجمون للتوراة يترجمونها تحريفا بخيمة الاجتماع إلّا طبعة قديمة بيروتية ترجمتها في بعض الموارد قبة الزمان


فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٦٠)وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها

____________________________________

بما تشتهي نفوسهم في البقر والغنم والخمر والمسكر(١) كما في الفصل الرابع عشر من سفر التثنية وهل يقبل ذو شعور ان الله يأمر بإنفاق الزكاة بشرب الخمر والمسكر في بيت عبادته( فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) كرر ذكر الظالمين اما لتخصيص الرجز بالظالمين أو تسجيلا لقبيح ظلمهم وبيانا لأن ظلمهم هو السبب في إنزال الرجز عليهم( رِجْزاً ) أي عذابا( مِنَ السَّماءِ بِما ) أي بسبب ما( كانُوا يَفْسُقُونَ ) ولم يستغفروا ويطلبوا حط ذنوبهم عنهم بل بدلوا ما قيل لهم ٦٠( وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى ) طلب من الله السقيا( لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ ) فضرب به وحذف ذلك لأن دلالة المقام عليه واضحة( فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ) يشربون من مائها( قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ ) وإن عدد العيون وامتياز الأناس بعضهم من بعض بالمشرب ليستفاد منه ان كل عين كانت مشربا لسبط من أسباط بني إسرائيل الإثني عشر( كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ ) الذي رزقكم إياه على سبيل المعجز وخارق العادة بدون شائبة من سعي أو تسبيب منكم وذلك هو المن والسلوى وهذا الماء المنفجر من الحجر فاشكروا الله واطلبوا رحمته وأطيعوه وتوكلوا عليه( وَلا تَعْثَوْا ) معناه قريب من لا تطغوا ونحوه( فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) حال من الضمير في لا تعثوا ٦١( وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ) لا نجد له بديلا في بعض الأيام وهو المن والسلوى( فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها ) وهو النبات الذي تخضر به الأرض ومنه النعنع والكراث والكرفس ونحوها مما يأكله الإنسان( وَقِثَّائِها ) وهو الخيار الطويل الأخضر( وَفُومِها ) روى في مجمع البيان مرسلا عن الباقر «ع» ان الفوم الحنطة ورواه ابن جرير في تفسيره والسيوطي في الدر المنثور عن ابن عباس مستشهدا بقول

__________________

(١) ذكروا ذلك بنحو لا يقبل التأويل ففي الأصل العبراني «وبيايين» وهو اسم الخمر الصريح «وبسكار» وهو اسم صريح في المسكر


وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا

____________________________________

أبي محجن الثقفي أو احيحة بن الجلاح «ورد المدينة عن زراعة فوم» وروي في الدر المنثور عن ابن عباس أيضا انه الثوم وانه استشهد له بشعر امية بن الصلت ولا شهادة فيه وكلام اللغويين غير كاف في البيان( وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ) منه( اهْبِطُوا مِصْراً ) بالتنوين يحتمل ان يراد بها مصر المعروفة ونوّنت لجواز صرفها بسبب سكون وسطها كهند ودعد وان ذكرت في غير هذا الموضع اربع مرات غير منصرفة. أو اهبطوا مصرا من الأمصار كما هو انسب بالتنوين والأمر بالهبوط على كلا الوجهين إنما هو للتعجيز لأن مصر هي بلاد عبوديتهم وذلتهم ومجمع عدوهم المنكوب مضافا إلى انهم كتب عليهم التيه فكيف يستطيعون الهبوط إلى مصر( فَإِنَّ لَكُمْ ) هناك إن قدرتم وانى( ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ) الظاهر ان الضمير لا يختص بالذين طلبوا البصل وما ذكر. فإنهم لم يعهد منهم قل النبيين. بل يعود الضمير على نوع بني إسرائيل إذ ضربت عليهم الذلة( وَالْمَسْكَنَةُ ) كما يعرف ذلك جليا بعد انحلال مملكتهم في السامرة وتمم ذلك بسبي بابل( وَباؤُ ) يقارب معنى رجعوا( بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ. ذلِكَ ) أي ضرب الذلة والمسكنة ولزوم غضب الله عليهم( بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ ) والصفة اللازمة لقتل النبيين كونه( بِغَيْرِ الْحَقِ ) كقوله تعالى( لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ) في قوله جل شأنه في سورة المؤمنون( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ )( ذلِكَ ) يحتمل أن يكون تأكيدا للاشارة الأولى ويحتمل قريبا انه اشارة إلى قتلهم النبيين( بِما عَصَوْا ) أي بعصيانهم الذي اعتادوه( وَكانُوا يَعْتَدُونَ ) بحيث صار لهم الاعتداء عادة ٦٢( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أظهروا الإيمان من المسلمين( وَالَّذِينَ هادُوا ) أي انتحلوا اليهودية. يقال في التاريخ ان بني إسرائيل من بعد سليمان ارتد اكثر اسباطهم إلى الشرك وعبادة الأوثان وعجلي الذهب الذين عملهما ملكهم ثم بادوا من بعد ذلك بالقتل والأسر ولم يبق لهم اسم ولا رسم قومي في الاسرائيلية. والذين بقوا على صورة التوحيد والشريعة على


وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ

____________________________________

تقلب في الوثنية والإيمان بحسب الأزمنة والملوك وبقي اسمهم وعنوان الموسوية واحترام بيت المقدس في اكثر الأزمنة فيهم إلى اليوم إنما هم سبط يهودا ومن تبعهم كسبط بنيامين. فصار العنوان لمن ينتمي إلى الملة الموسوية هم الذين هادوا. وذكر لهذه الصفة وجوه أخر والله العالم( وَالنَّصارى ) وهم المنتمون إلى اتباع الرسول عيسى. قيل مفرده نصران ونصرانة واستشهدوا له بقول الشاعر (وهو نصران شامس) وقول الآخر (كما سجدت نصرانة لم تحنف) وقيل في وجه التسمية أنّه من النصرة لقول المسيح( مَنْ أَنْصارِي إلى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ ) كما في سورتي آل عمران والصف. وقيل نسبة إلى الناضرة قرية من بلاد الجليل في فلسطين نشأ فيها المسيح وكان يسمى الناصري فلحق المنتمين إلى اتباعه هذا اللقب والله العالم( وَالصَّابِئِينَ ) قيل فيهم اقوال كثيرة والظاهر ان منهم الصابئة الموجودين فيما بين البصرة وبغداد ولعلهم شعبة من اليهود امتازوا بديانة سرّية وربما عرف من بعضهم انهم ينتمون إلى اتباع يحيى بن زكريا. ولهم في ديانتهم ولع شديد بالماء وعناية بأمره( مَنْ آمَنَ ) من هؤلاء( بِاللهِ ) بحقيقة الإيمان به في الإخلاص بتوحيده في الإلهية وما له جل شأنه من صفات الجلال والجمال( وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) على حقيقة الإيمان بالمعاد الجسماني والجنة والنار والحساب والجزاء وما ذكر في القرآن الكريم في شأن اليوم الآخر. ومن كان كذلك لم يتمرّد على آيات الله ودلائله ولم تأخذه نخوة القومية بل يتفانى في طلب الحق ولا تأخذه فيه لومة لائم أو نزعة أهواء( وَعَمِلَ صالِحاً ) على حقيقة الشريعة المقدسة ولا يخفى ان الإيمان برسول الله محمّد (ص) وبما جاء به لازم لحقيقة الإيمان المذكور والعمل الصالح. ألا ترى أقلا أنّ حقيقة الإيمان بالمعاد واليوم الآخر على ما جاء في القرآن الكريم لا توجد عند فرقة من الفرق فضلا عن الإيمان بالله وما له من الجلال والقدس والوحدانية حق الإيمان( فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ) وجزاؤهم معدّ( عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) في الآخرة( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) وخبر «ان» اما جملة من آمن مع جزائها واما جملة فلا خوف. ويكون من آمن بدلا من اسم ان والمعطوف عليه ودخلت الفاء على الخبر لأجل تضمن «من» معنى الشرط ولعل الأول اظهر. وقد روعي في «من» لفظها في آمن. وعمل. ومعناها في «لهم»


(٦٣)وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٤)ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥)وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٦)فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ

____________________________________

وما بعدها ٦٣( وَإِذْ ) واذكروا يا بني إسرائيل إذ( أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ ) وهو العهد الموثق الذي أشير إليه في الآية الثامنة والثلاثين( وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ) جبل سينا أو قطعة منه وقد قيل في رفعه وتسميته ما لا يصلح حجّة والله العالم( خُذُوا ما آتَيْناكُمْ ) وهو التوراة( بِقُوَّةٍ ) وفي موثقة البرقي سئل أبو عبد الله الصادق (ع) أقوة الأبدان أو قوة القلب قال فيهما جميعا وعن العياشي عن الصادق (ع) نحو ذلك أي لا تهنوا في أبدانكم وقلوبكم عن أخذ ما في التوراة( وَاذْكُرُوا ما فِيهِ ) أي في التوراة ولا تنسوه ومن ذلك وصف النبي الذي يقيمه الله لهم من إخوتهم ولد إسماعيل لا منهم ويجعل كلامه وهو القرآن الكريم في فمه( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) أي لأجل أن تتقوا الله وجيء بلعلّ في مقام الغاية لأن حصول التقوى منهم غير لازم بل هو راجع إلى حسن اختيارهم ٦٤( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ) التولي بمعنى الاستدبار واستعمل هنا كناية عن الاعراض عما أخذ عليهم من الميثاق( مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) الأخذ للميثاق( فَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ) بقبول التوبة( لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) الذين ذهب رأس ما لهم كني بالخسران عن هلكتهم بالضلال ٦٥( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ) شأن( الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ) بعد ان نهاهم الله عن الصيد فيه وهم أهل القرية التي كانت حاضرة البحر كما ذكرت قصتها قبل هذا في سورة الأعراف المكية من الآية الثالثة والستين بعد المائة إلى السابعة والستين( فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) على نحو قوله تعالى( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) ٦٦( فَجَعَلْناها ) أي حادثة المسخ ولعلّ الأقرب انها القرية المدلول عليها في سورة الأعراف( نَكالاً ) النكال اسم للعقوبة الظاهرة أو الباقية الأثر أو لنفس الأثر والمصدر هو التنكيل( لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها ) أي ظاهر لما بين يديها من القرى والأمكنة باعتبار أهلها كما يقال أثر للناظرين( وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) أي وتزيد بالنسبة للمتقين ان تكون لهم موعظة تزيدهم بصيرة في الإيمان والمعرفة وتسددهم للثبات على التقوى وهناك احتمالات أخر والله العالم


(٦٧)وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨)قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ

____________________________________

٦٧( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) وملخص القصة مما رواه القمّي بسند معتبر عن الصادقعليه‌السلام وابن بابويه في العيون في الصحيح عن الرضاعليه‌السلام ان رجلا من بني إسرائيل قتل ابن عمه غيلة واتهم بقتله بني إسرائيل فصاروا يتدارءون ويدفعون عن أنفسهم هذه التهمة فرجعوا في أمرهم إلى موسى فشاء الله ان يظهر حقيقة الأمر بنحو المعجز فقال لهم موسى ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة فاستغربوا الحال و( قالُوا ) بجهلهم( أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ) وفي الصحيح عن الرضاعليه‌السلام لو انهم عمدوا إلى اي بقرة لأجزأتهم ولكن شدّدوا فشدد الله عليهم. وروي ذلك في الدّر المنثور من طرق متعددة عن النبي (ص) وابن عباس. وفي رواية القمّي ان الله أشار بأوصاف البقرة إلى بقرة رجل بارّ بابيه جزاء لبره ليشتروها بالثمن الغالي ولا تنافي بين الروايتين لجواز أن يكون ذلك نتيجة علم الله بتشديدهم على أنفسهم( قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ) لا مسنة( وَلا بِكْرٌ ) فتية في أوائل سنها بل هي( عَوانٌ ) ومتوسطة في منتصف عمرها( بَيْنَ ذلِكَ ) اي ما ذكر من الوصفين( فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ٦٨قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها ) اي شديد الصفرة وخالصها( تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ٦٩قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا ) بهذه الصفات( وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ ٧٠قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ ) الذلول السهلة المنقادة بالتذليل والتعليم للأعمال التي تراد من نوعها وهذه لا تنقاد لكل اعمال البقر وبين ذلك بأنها( تُثِيرُ الْأَرْضَ )


وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم

____________________________________

وتنقاد لكرابها( وَ ) لكنّها( لا تَسْقِي الْحَرْثَ ) اي الأرض المزروعة أو الزرع ولا تطاوع لأن يدلى عليها من الآبار والأنهار( مُسَلَّمَةٌ ) من العيوب( لا شِيَةَ فِيها ) ليس فيها لون يخالف معظم لونها( قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ ) اي بحق الوصف المبين والمعين( فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ) إما لغلاء ثمنها كما يروى واما لغير ذلك من الأسباب ٧١( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها ) اي قتلها بعض منكم فسرت فيكم التهمة والخصومة فصار كل منكم يريد ان يدفعها ويدرأها عنه( وَاللهُ مُخْرِجٌ ) بقدرته من سرّ الخفاء إلى العلم والظهور( ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) اي يكتمه القاتل منكم من القتل وسببه. وقد كان الأمر بذبح البقرة وتعنتهم في السؤال عنها وتثاقلهم عن ذبحها من متعلقات القتل واتهام بعضهم بعضا وتدارئهم لها فيما بينهم ولكن أفرد الله تلك الأمور بالذكر تذكيرا لبني إسرائيل بتباطي أسلافهم عن امتثال أمر الله. ونسبة موسى إلى الاستهزاء لما بلغهم أمر الله بما يزيح علتهم. وشقاقهم بكثرة السؤال حتى انهم ما كادوا يفعلون. وامتنانا عليهم بالمجاراة لهم في شقاقهم وتباطئهم عن أوامره لكي يرفع تخاصمهم وينجي البريء ويظهر البراءة بعلم اليقين. ثم شرع في تذكيرهم بمننه عليهم واظهار الحق وفصل الخصومة بالنحو المعجز الذي يوضح لهم قدرة الله وربط أطراف القصة بقوله جلت آلاؤه ٧٢( فَقُلْنا اضْرِبُوهُ ) اي المقتول المذكور في الآية السابقة( بِبَعْضِها ) اي تلك البقرة التي أمروا بذبحها فذبحوها. فضربوه ببعضها ورجع حيا واخبر بقاتله وظهر أمر القتل بالمعجز حق اليقين وارتفعت الخصومة وقد دل على هذا كله سياق الكلام والتذكير بما فيه من المنة عليهم مع قوله جلت قدرته( كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) بالتدبر والاعتبار بآيات الله وقدرته واحيائه الميت ورحمته لكم لكي تعرفوا رشدكم وتهتدوا إلى سواء السبيل وان تعقلهم احد الغايات وان كان أشرفها وأكثرها لهم نفعا. وجيء بلعل لأن تعقلهم غير لازم بل هو راجع إلى حسن اختيارهم في التفكر وحسن الاعتبار والتبصر وعدم التناسي والانقياد إلى وساوس الأهواء وضلالها ٧٣( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ )


مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أو أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ

____________________________________

فزاغت عن الاعتبار بآيات الله والتعقل لدلائل الرشد( مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) اي من بعد كل ما ذكر من الآيات وأفرد كاف الخطاب في «ذلك» باعتبار الجمع أو القوم لا الجماعة( فَهِيَ كَالْحِجارَةِ ) في قسوتها وناهيك بها قسوة( أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) اي وان شئت ان تصفها باعتبار الآثار فهي أشد قسوة من الحجارة( وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ ) ومن ذلك العيون الجارية من الجبال الصخرية( وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ ) ومن ذلك ما يحدث عند الزلازل من الانشقاق والانفجار( وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ) وقد حدث هذا كله لبني إسرائيل وشاهدوه رأي العين في الحجر الذي انفجرت منه العيون والجبل الذي تجلى له الله فجعله دكا. واما أنتم يا بني إسرائيل فلا تتأثر قلوبكم بالآيات ودلائل الحق بل تعملون بما يغريكم به الهوى المردي والشيطان المضل ويحملكم عليه العناد للحق والتمادي على الطغيان( وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) بل يمهلكم ويملي لكم ثم إليه ترجعون ٧٤( أَفَتَطْمَعُونَ ) خطاب لرسول الله (ص) والمؤمنين( أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ) بالله ورسوله وقرآنه ويجيبوا دعوتكم لهم إلى حقيقة الايمان وهم أهل العناد والإصرار على الضلال على عمد( وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ) عند خطابه لموسى. أو من موسى والأنبياء مع اعترافهم بنبوتهم زيادة على دلالة المعجزات على ذلك( ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ) يغيرونه ويبدلونه لا عن جهل بل عن عمد وضلال( مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ ) وفهموه حق الفهم( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) انهم محرفون كاذبون على الله. هذا حال سلفهم في الغي. واما هؤلاء الذين تطمعون ان يؤمنوا لكم بالحق فهم كما في هذه الآية ٧٥( وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ ) من علم التوراة وتخبرونهم بما فيها من صفة محمد (ص) ورسالته والأمر باتباعه( لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ ) فتكون الغاية من ذلك ان تقوم به


عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦)أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧)وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إلّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إلّا يَظُنُّونَ (٧٨)فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٠)بَلى

____________________________________

الحجة عليكم فيحاجوكم به( عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) ما يترتب على ذلك من الغايات. وفي تبيان الشيخ الطوسي (قده) وروي عن أبي جعفرعليه‌السلام انه قال كان قوم من اليهود ليسوا من المعاندين المتواطئين إذا لقوا المسلمين حدثوهم بما في التوراة من صفة محمد (ص) فنهاهم كبراؤهم عن ذلك وقالوا لا تخبروهم بما في التوراة من صفة محمد فيحاجوكم به عند ربكم انتهى فتعسا لأوهامهم ٧٦( أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ ) ربهم الذي يكتمون الحق حذرا من محاجة المؤمنين لهم عنده هو الله الذي( يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ٧٧وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ) الامي كما في مجمع البيان من لا يحسن الكتابة ولا القراءة( لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إلّا أَمانِيَ ) استثناء منقطع بمعنى ليس لهم إلّا الأكاذيب والاختلافات التي يسمعونها من المدلسين. أو ليس إلّا اماني العلم( وَإِنْ هُمْ إلّا يَظُنُّونَ ) ظنا بما يسمعونه( فَوَيْلٌ ) مبتدأ لأنّه نكرة مفيدة وللذين خبره والويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب( لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ) من حطام الدنيا والزعامة الكاذبة أو ترويج الباطل قال في مجمع البيان انهم عمدوا إلى التوراة وحرّفوا صفة النبي (ص) ليوقعوا الشك بذلك للمستضعفين من اليهود وهذا هو المروي عن أبي جعفر (ع)( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ) إذ يحرفون ذلك أو لا يعلمون بما يوجبه( وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) من الآثام والكفر واعمال الضلال أو التحريف لأجل الإضلال وكتمان الحق ٧٨( وَقالُوا ) اي اليهود( لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ) اي قليلة( قُلْ ) لهم يا رسول الله( أَتَّخَذْتُمْ ) على سبيل الاستفهام الانكاري( عِنْدَ اللهِ عَهْداً ) منه على ذلك( فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ ) افتراء أو تحكما( عَلَى اللهِ ) في هذا الزعم الباطل( ما لا تَعْلَمُونَ ٧٩بَلى ) رد لقولهم


مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١)وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢)وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ

____________________________________

وبيان لحقيقة الأمر وهو ان( مَنْ كَسَبَ ) بسوء اختياره( سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ) اي لزمته واستولت عليه استيلاء الشيء المحيط به ولم يكفرها عنه الايمان والتوبة بعد الكفر( فَأُولئِكَ ) أشير بالجمع باعتبار الجمع في معنى من كسب( أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) إلى الأبد (٨٠)( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ ) دون غيرهم( فِيها خالِدُونَ ٨١وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) اي واذكروا إذ قلنا لهم أقوالا واوصيناهم بها وأخذنا منهم العهد الموثق بالعمل بها( لا تَعْبُدُونَ إلّا اللهَ ) وحده لا شريك له في العبادة والإلهية والجملة خبرية يراد بها النهي والخبرية في مقام الطلب ابلغ من الانشائية وهي والجمل المعطوفة عليها معمولة للقول المدلول عليه بأخذ الميثاق( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) إحسانا مصدر نائب عن الفعل وهذا السبك أبلغ وآكد من أن يقال وأحسنوا( وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ ) عطف على الوالدين في الأمر بالإحسان بهم( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) وهذه الوصايا غير مختصة ببني إسرائيل بل هي من أهم ما يقتضيه اللطف بكل امة أرسل إليها رسول. روي في الكافي بسند معتبر عن الصادق (ع) في قوله تعالى( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) قال قولوا للناس حسنا ولا تقولوا إلّا خيرا حتى تعلموا ما هو وروى ابن بابويه بسند معتبر عن الباقرعليه‌السلام قولوا للناس احسن ما تحبون ان يقال فيكم الحديث( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ) وادبرتم في المخالفة لذلك الميثاق( إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ) عن الميثاق متمردون على أوامر الله ونواهيه ٨٢( وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ ) التفات إلى خطاب اليهود اما باعتبار أخذ الميثاق على أسلافهم أو باعتبار ان إيمانهم برسالة موسى وتوراتهم التزام بالوصية الشاملة لهم وإعطاء للميثاق عليها كاسلافهم( لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ ) لا يسفك بعضكم دم بعض( وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ) لا يخرج بعضكم بعضا من بلادكم


ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إلّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ

____________________________________

وعبر بالأنفس تأكيدا في النهي فإنهم أمة واحدة وبنو أب واحد والكلام في الجملة الخبرية في مقام الطلب ومحلها من الاعراب كما تقدم( ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) بأخذ الميثاق ٨٣( ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ ) القوم الذين أخذ عليهم الميثاق وأقروا وشهدوا ذكر ذلك للتغليظ في التوبيخ( تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ) يقتل بعضكم بعضا( وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ ) بغير حق بل( تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) وهم قومكم ومنكم( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى ) مستعينين بكم على فدائهم( تُفادُوهُمْ ) وتبذلون فداءهم عملا بكتابكم فلماذا تخرجونهم من ديارهم ظلما( وَهُوَ ) والشأن انه( مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ ) في الكتاب( إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ ) اي القتل والإخراج. أو التقلب الأهوائي في الايمان والكفر( إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ ) بيان لأن المراد من قوله و( مَنْ يَفْعَلُ ) هو الجمع( إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) فانه لا تخفى عليه خافية وقد اعدّ لكل عمل جزاءه ٨٤( أُولئِكَ ) اي المناقضون لميثاق الله هم( الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ) وما أقبح خسرانهم بهذا الشراء اذن( فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) ومن ذا الذي ينصرهم على الله ٨٥( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ) اي التوراة( وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ ) اي اتبعناه بعد موته( بِالرُّسُلِ ) في الكافي في باب الفرق بين الرسول والنبي أن الرسول هو من يعاين الملك ويأتيه جبرائيل فيراه ويكلمه بالوحي كما في صحيحتي زرارة والأحول عن الباقر (ع) وروايتي إسماعيل عن الرضا (ع) وبريد عن الباقر (ع) والصادق (ع) والذين ذكرت أسماؤهم من الأنبياء بعد موسى هم داود وسليمان والياس واليسع وذو الكفل والظاهر انه حزقيال


وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧)وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (٨٨)وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا

____________________________________

ويونس وزكريا ويحيى والمسيح ورسول الله (ص). والذين نص القرآن على رسالتهم هم الياس ويونس والمسيح ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ( وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ ) من المعجزات( وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) جبرائيل. يا بني إسرائيل( أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ) على دعوته إلى الحق وجهدتم في مضادته ومعاندة الحق( فَفَرِيقاً ) من الرسل( كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ٨٦وَقالُوا ) اي بنو إسرائيل( قُلُوبُنا غُلْفٌ ) اي في غلاف لا نفهم ما يقول الرسول في تبليغه وغرضهم العيب لما يقوله في التبليغ كما حكى الله عن المشركين في سورة حم السجدة( وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إليه وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ) وليسوا لا يفهمون ما يقول رسول الله (ص) فإنه أتى في رسالته وتبليغه بما تقتضيه الفطرة وبداهة العقول ولا يخفى صلاحه على احد( بَلْ ) تمردوا على الله وكفروا على عمد فحرمهم بركة التوفيق و( لَعَنَهُمُ اللهُ ) وابعدهم عن رحمته( بِكُفْرِهِمْ ) وعنادهم( فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ ) الفاء للتفريع على حرمانهم من التوفيق وطردهم عن رحمة الله بعتوهم في كفرهم و «قليلا» صفة للمصدر اي إيمانا قليلا و «ما» لتأكيد القلة بزيادة الإبهام في القليل. والظاهر ان المراد بقلة ايمانهم قلة من يؤمن منهم ٨٧( وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) وهو القرآن الكريم بما فيه من دلائل الاعجاز والحجج على انه من الله( مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ) من التوحيد وإرسال الرسل وإنزال الكتب والشريعة( وَكانُوا ) اي هؤلاء المردة المعاندون( مِنْ قَبْلُ ) اي من قبل إنزال القرآن أو مجيء الرسول إلى المدينة( يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) روى في الكافي في الموثق عن الصادقعليه‌السلام ما ملخصه ان اليهود كانت تجد في كتبها ان مهاجرة محمد (ص) ما بين عير واحد فخرجوا يطلبون الموضع ونزله قوم منهم ثم صاروا يقولون للأوس والخزرج اما لو قد بعث محمد لنخرجنكم من ديارنا فلما بعث الله محمدا (ص) آمنت به الأنصار وكفرت به اليهود وهو قول الله( وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ ) . وعن تفسير العياشي عن الصادق (ع) مثله. وفي صحيحة اسحق بن عمار


فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩)بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠)وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ

____________________________________

عن الصادق (ع) ما يقرب من هذا. وكذا الحديث الأول والسابع والثامن الذي صححه الحاكم مما رواه في الدرّ المنثور. فيكون معنى يستفتحون يستنصرون بالتهديد أو يطلبون في كلامهم ما يأملون من الفتح والنصر في المستقبل. وروى في الدرّ المنثور أيضا ان اليهود كانوا عند محاربتهم للعرب يستنصرون الله في الدعاء باسم النبي محمد (ص)( فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا ) من أمر النبي (ص) ورسالته وان الله يجعل كلامه في فمه( كَفَرُوا بِهِ ) مع معرفتهم به ككفر إبليس( فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ ٨٨ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ) في مجمع البيان اكثر الكلام اشتريت بمعنى ابتعت وربما استعمل اشتريت بمعنى بعت انتهى ولكن فيه هنا كما في التبيان والكشاف اشتروا بمعنى باعوا أقول ويجوز إبقاء الاشتراء على معناه المتعارف وتكون الآية توبيخا وتسفيها لليهود فإن حق النفس ان تشترى بالإيمان والأخلاق الفاضلة والعمل الصالح في هذه الحياة الدنيا لتكون كاملة زكية فائزة بالسعادة الأبدية. اذن فما بال هؤلاء السفهاء قد حملهم الحسد الذميم على ان يحفظوا لأنفسهم خرافات القومية والجامعة اليهودية وجعلوا الثمن لاشترائها لهذا الغرض الوخيم هو الكفر بآيات الله حسدا وبغيا فبئس ما فعلوا وبئس الذي اشتروا به أنفسهم أو بئس شيئا اشتروا به( أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ ) اى كفرهم بما انزل الله وهو المخصوص بالذم مثل عمرو في قولهم بئس الرجل عمرو وتزداد شناعة كفرهم بما انزل الله مع معرفتهم بأنه كلام الله المنزل الذي وعدوا به بأن كفرهم هذا كان حسدا و( بَغْياً ) على ان يبعث الله من غيرهم رسولا و( أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) كلامه وآياته ووحي إرساله( عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) ويعلم أهليته للرسالة من ولد إسماعيل( فَباؤُ ) نحو معنى رجعوا( بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ) غضب الله عليهم من أجل الكفر مع المعرفة وقيام الحجّة وغضبه من أجل حسدهم وبغيهم وعنادهم للرسول لكونه من غيرهم( وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ) يذلهم ويهينهم ٨٩( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ ) من القرآن بأنه كلام الله المنزل على رسوله الكريم


قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢)وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ

____________________________________

وانقادوا بإيمانكم إلى اتباعه فقد عرفتم انه من الله وقامت به الحجج عليكم( قالُوا ) من غيهم وبغيهم وضلال عصبيتهم اليهودية( نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ) ومفهوم قولهم الكفر بغير ما في كتبهم( وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ ) أي بما عداه مما أنزله الله على غيرهم كقوله تعالى( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) أو ما بعده( وَ ) الحال ان القرآن الذين يكفرون به إذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله( هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ ) من صفة الرسول وان الله يجعل كلامه في فمه وانه من إخوتهم ولد إسماعيل لا منهم أي هو الحق الذي يكون به صدق تلك المواعيد ثم ردّ الله منطوق قولهم نؤمن بما أنزل إلينا مبينا كذبهم في هذه الدعوى وتمادي أسلافهم على معاندة الإيمان والقوم أبناء القوم وعلى وتيرتهم فقال جل اسمه لرسوله( قُلْ ) لهم في ردهم( فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) بما أنزل إليكم فإن أنبياء الله لم يدعوكم إلّا إلى الإيمان والعمل بما انزل إليكم ٩٠( وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ) والآيات الباهرة التي لا مجال بعدها للشك والانحراف عن الإيمان( ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ ) وارتددتم ذلك الارتداد القبيح وأشركتم( وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ٩١وَ ) اذكروا( إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ ) على الإيمان والتوحيد والعمل بالتوراة( وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ) وهو معنى قوله تعالى في الآية الستين( وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )( قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ) أي انهم بسبب كفرهم وغيهم انهمكوا في حب العجل حتى كأن العجل دخل في اعماق قلوبهم كما يدخل المشروب الذي يقبل عليه الإنسان إلى اعماق بدنه حتى صار العجل كالحبيب الحاضر في القلب بحبه. والذي اشربهم إياه في قلوبهم هو الشيطان أو غواية الأهواء. ثم عاد الكلام على توبيخهم وردهم في قولهم الكاذب (نؤمن بما أنزل إلينا) بما معناه ان الإيمان يأمر ويحمل على اتباع ما آمن الإنسان به والعمل به. والذي انزل عليكم يأمركم بتوحيد الله ومجانبة


قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤)وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ

____________________________________

الأوثان وعبادته وحده وطاعة الأنبياء واحترامهم والإيمان برسول الله وكتابه. أفتقولون ان إيمانكم المزعوم الموهوم أمركم بما ذكر من أفعالكم القبيحة إذن( قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ ) واين منكم الإيمان ولكن قيل( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) للمجاراة في خطابهم والتنازل من النفي إلى صورة التشكيك وهذا من بديع الأساليب في التقريع والتوبيخ. ومن افحامهم بالحجة انهم يدعون انهم هم شعب الله ولهم الآخرة والنجاة والنعيم وانهم أبناء الله وأحباؤه كما في سورة المائدة ويذكرون في توراتهم انهم ابن الله البكر فقال الله لرسوله ٩٢( قُلْ ) لهم( إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً ) مختصة بكم( مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ) شوقا لما أعد في الآخرة من النعيم العظيم الدائم والسعادة الكبرى لأهلها( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في زعمكم عارفين بصدقكم ٩٣( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) من موبقات الخطايا والضلال وإن جحدوا ذلك فإنه لا يخفى على الله( وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ٩٤ وَ ) زيادة على انهم لا يتمنون الموت( لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ ) أي حياة ما وإن كانت قليلة( وَ ) احرص على الحياة( مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) الذين ينكرون المعاد والنعيم بعد الموت( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ) من حرصهم على الحياة( لَوْ يُعَمَّرُ ) الظاهر ان «لو» بعد «ودّ. ويودّ» مصدرية كما حكاه في المغني عن الفراء وأبي علي وأبي البقا والتبريزي وابن مالك. يؤتى بها بدل «ان» فيما كان مدخولها بعيد الحصول أو ممتنعا في نفسه أو بحسب العادة. أو يراد ابرازه بصورة البعيد أو الممتنع. وذلك كما في الآية والآية ١٠٣ وسور آل عمران ٢٨ و ٦٢ والنساء ٤٥ و ٩١ و ١٠٣ والحجر ٢ والأحزاب ٢٠ والقلم ٩ والمعارج ١١. وما لا يكون كذلك تأتي فيه مكان «لو» أن المفتوحة المشددة المصدرية كما في سورتي الأنفال ٧ وهود ٨٢. أو «ان» الساكنة المصدرية كما في هذه السورة ٩٩ و ٢٦٨. أو «ما» المصدرية كما في سورة آل عمران ١١٤ وليس في «لو» هذه معنى التمني كما هو ظاهر وبدليل ان ما يقع بعد الفاء متفرعا على ما بعدها لم يجئ في القرآن إلا


أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦)قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ

____________________________________

مرفوعا كقوله تعالى في سورة النساء ٩١( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً ) و ١٠٣( وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ ) وفي سورة القلم ٩( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) . والتي هي للتمني جاء ما بعد الفاء بعدها منصوبا كما في قوله تعالى ١٦٢( لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ ) وفي سورة الزمر( لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ ) بنصب أكون «فإن قيل» ان «لو» التي بعد يودّ وودّ كيف تكون مصدرية مع انها تقع بعدها اداة مصدرية كما في قوله تعالى في سورة آل عمران ٢٨( تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً ) . وفي سورة الأحزاب ٢٠( يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ ) «قلت» ان «لو» كيفما كانت لا تدخل على الجملة الاسمية بل لا بد فيها من تقدير فعل. فالتقدير إذن لو يمكن أو لو يتيسر ونحوهما كما تقول تود أن يتيسر ان بينها وبينه أمدا ويودوا أن يمكن أو يتيسر انهم بادون. وعبر بذلك التعبير لخصوصية «لو» وظهور المقام وخصوص الجملة الاسمية في مزايا الكلام كما لا بد من هذا التقدير على قول القائل انها للتمني( أَلْفَ سَنَةٍ ) وماذا ينفعه ذلك التعمير. هل يحط عنه شيئا من ذنوبه أو يدفع عنه العذاب ما لم يؤمن ويعمل صالحا. كلا( وَما هُوَ ) أي أحدهم( بِمُزَحْزِحِهِ ) مزحزحه خبر للضمير هو والباء زائدة لتأكيد النفي( مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ) المصدر فاعل لمزحزحه أي وما هو مزحزحه تعميره( وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ) من السيئات وان طول أعمارهم في عمل السيئات هو الذي يركسهم في درك العذاب ٩٥( قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ ) أي القرآن( عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ) لما تقدمه من كتب الله الحقيقية ومعارف الحق( وَهُدىً ) حال ثان معطوف على مصدقا( وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) اي ان الذي يهتدي ويصل به إلى الحق ويكون القرآن له بشرى انما هم المؤمنون. والآية تشعر بان لها شأن وسبب نزول والسياق يقتضي ارتباطه باليهود. وقد روي في ذلك شيء ذكره في الدرّ المنثور ولكنه غير متصل الإسناد ولا سالم من الخلل. وروي في تفسير البرهان شيء وفي مستنده ما فيه وذكر القمّي شيئا ولم يذكر مأخذه والله هو العالم بحقيقة الحال ٩٦( مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ


(٩٦)مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٧)وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إلّا الْفاسِقُونَ (٩٨)أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٩٩)وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠٠)وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ

____________________________________

وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ) اي لا يكون كذلك إلّا كافر والله عدو للكافرين وكفى بذلك خزيا لهم ووبالا ٩٧( وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ ) لا ريب فيها( وَما يَكْفُرُ بِها إلّا الْفاسِقُونَ ) الذين خرجوا من طاعة الحق والرشاد واستحبوا الكفر ٩٨( أَوَكُلَّما ) الاستفهام للتوبيخ والتقريع على عادتهم القبيحة من انهم كلما( عاهَدُوا ) الله أو رسله أو أنبياء( عَهْداً نَبَذَهُ ) وألقاه كناية عن نقضه ومخالفته( فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) ليس الفريق القليل( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) ولا يثبتون على عهدهم ومنهم بنو قريضة والنضير وقينقاع وغيرهم ممن نقض عهده وميثاقه لرسول الله والمسلمين أقبح نقض بأقبح غدر ٩٩( وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) وهو محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ) من التوحيد وإرسال الرسل وإنزال الكتب الإلهية وصفات الرسول الذي وعدوا به وتبين لهم انه هو المصداق المصدق وجاءهم بالكتاب كلام الله المذكور في توراتهم( نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) وهم الأكثر الذين لا يؤمنون( كِتابَ اللهِ ) القرآن الذي قامت به عليهم الحجّة وعلموا بأنه كتاب الله ورموه( وَراءَ ظُهُورِهِمْ ) كناية عن اعراضهم وكفرهم به( كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) انه كتاب الله المبشر به في كتبهم وقامت به الحجج النيرة ١٠٠( وَاتَّبَعُوا ) من الأباطيل والكفر( ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ) أي على أهل مملكته( وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ ) روى ابن بابويه في العيون عن الرضاعليه‌السلام ان هاروت وماروت علما الناس السحر ليحترزوا به عن سحر السحرة ويبطلوا كيدهم وذكر مضمون


وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا

____________________________________

قوله تعالى( وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى ) ينذراه و( يَقُولا إِنَّما نَحْنُ ) من جهة( فِتْنَةٌ ) وابتلاء وامتحان نعلم الناس لغاية صحيحة( فَلا تَكْفُرْ ) وتستعمل ما نعلمه في غايات الضلال( فَيَتَعَلَّمُونَ ) أي الناس( مِنْهُما ) من هاروت وماروت( ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلّا بِإِذْنِ اللهِ ) والمراد من الاذن عدم ابطال الله لأثر السحر أي ليس أثر السحر أمر لازم لا يقدر الله على رفعه ولكن لم يبطله بل خلى بينه وبين الناس في سوء اختيارهم كما خلى بينهم وبين سائر المعاصي وانواع الظلم لحكمة قدرها في العالم( وَيَتَعَلَّمُونَ ) من السحر( ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ) إذ لا يستعملونه في ابطال سحر السحرة ودفع كيدهم. روى القمّي في تفسيره ان الباقر (ع) سأله عطا بمكّة عن هاروت وماروت فذكر من أمرهما في المعصية نحو ما يذكر الجمهور عن ابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار كما تراه مجموعا في الدر المنثور وفيما ذكرنا روايته عن الرضا (ع) نحو معارضة لما روي عن الباقرعليه‌السلام وروايه عن الباقر محمد بن قيس وهو مشترك بين الضعيف وغيره ويمكن أن يكون الباقر (ع) بحسب حال الوقت وعطا حكى له ما يروونه عن ابن عمر وابن عباس وكعب من دون ما يشعر بتصديقه. والشيخ في التبيان لم يشر إلى هذه الرواية ويبعد أن يكون لم يطلع عليها. والقول بكونها منافية لعصمة الملائكة يمكن دفعه بأن يقال بأن المسلم من عصمتهم هو ما داموا مجردين عن الشهوة والحرص لا ما إذا جعلا فيهم كما تقوله الرواية والله العالم بحقيقة الحال( وَلَقَدْ عَلِمُوا ) اللام للقسم والجملة التي بعدها جوابه( لَمَنِ اشْتَراهُ ) اللام للابتداء و «من» مبتدأ والضمير يعود إلى السحر وما تتلوه الشياطين. وعبر عن اتباعه وتعلمه بالشراء اشارة إلى انهم بذلوا بإزائه وبدلا عنه دينهم وآخرتهم فمن اتبعه واشتراه( ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) أي نصيب وذلك هو الخسران المبين وجملة «ماله» خير «لمن» والجملة من المبتدأ والخبر معمولة «لعلموا» لأن الأصل في افعال القلوب أن تتعلق في العمل بالنسب الموجودة في الجمل( وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا )


بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠١)وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا

____________________________________

أي باعوا. ويمكن أن يراد به معنى الاشتراء المتعارف على نحو ما ذكرناه في الآية الثامنة والثمانين( بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) فانه أقبح الأثمان وأخسها ١٠١( وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ ) لهم مما يريدونه بعمل السحر وتعلمه فضلا عن كمال الإيمان والتقوى وخسة السحر ونقصه واللام رابطة لجواب «لو» ومثوبة بمعنى ثواب مبتدأ وخير خبره والجملة جواب لو. ونكرت «مثوبة» لبيان ان فردا واقل مصداق مما عند الله من الثواب خير لهم مما اتبعوه( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) ولو هنا بمعنى التمني جريا على ما يستعمله الناس في المحاورات في مثل المقام والله يجل ويتقدس عن حقيقة التمني ١٠٢( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) اخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس وفي الدر المنثور اخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال قال رسول الله (ص) ما أنزلت آية فيها يا أيّها الذين آمنوا إلّا وعليٌّ رأسها وأميرها. وفي الحلية إنَّ الناس يروون هذا الحديث وفي الينابيع أخرجه موفق بن أحمد عن مجاهد وعكرمة عن ابن عباس عن رسول الله (ص) وقال موفق رواه جماعة من الثقاة هم الأعمش والليث وابن أبي ليلى وغيرهم عن مجاهد وعكرمة وعطا عن ابن عباس عن رسول الله. وفي الصواعق أخرجه الطيراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس واللفظ إلّا وعليٌّعليه‌السلام أميرها وشريفها. وفي كشف الغمة من نحو هذا كثير عن ابن مردويه بأسانيده عن ابن عباس وحذيفة. ولا معنى للرواية إلّا أنَّ عليًّا (ع) رأس الذين آمنوا وأميرهم وشريفهم( لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا ) جاء في الآية التاسعة والأربعين من سورة النساء ان اليهود يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون راعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين. وفي تبيان الشيخ قال أبو جعفر (ع) يعني الباقر هذه الكلمة «يعني راعنا» سبّ بالعبرانية إليه كانوا يذهبون قال الحسين بن علي المغربي فبحثت عن ذلك أي عن السب الذي ذكره الباقر (ع) فوجدتهم يقولون راع على وزن قال بمعنى الفساد انتهى أقول: وقد تتبعت العهد القديم العبراني فوجدت ان كلمة «راع» بفتحة مشالة إلى الألف وتسمى عندهم «قامص» تكون بمعنى الشر أو القبيح. ومن ذلك ما في الفصل الثاني والثالث من السفر الأول من توراتهم وبمعنى الشرير واحد الأشرار. ومن ذلك ما في الفصل الأول


وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٣)ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهل الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٤)ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أو نُنْسِها

____________________________________

من السفر الخامس. وفي الرابع والستين والثامن والسبعين من مزاميرهم. وفي ترجمة الأناجيل بالعبرانية و «نا» ضمير المتكلم وفي العبرانية تبدل الفها واوا أو تمال إلى الواو فتكون راعنا في العبرانية بمعنى شريرنا ونحو ذلك. وراعنا في العربية فسرها في التبيان استمع منا ونسمع منك وفي القاموس استمع لمقالي وفي النهاية المراعاة الملاحظة ونهى المؤمنون عن قولهم لرسول الله (ص) راعنا لئلا يتخذها اليهود في خطابهم لرسول الله وسيلة لسبه والطعن في الدين( وَاسْمَعُوا ) ما يقول الرسول( وَلِلْكافِرِينَ ) الذين يسبون رسول الله أو الذين لا يسمعون قوله( عَذابٌ أَلِيمٌ ١٠٣ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهل الْكِتابِ وَلَا ) من( الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ ) من زائدة لوقوعها في حيز النفي وفائدتها بيان الاستغراق وتأكيده( مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ ) ورسالته( مَنْ يَشاءُ ) على مقتضى المصلحة والأهلية فإنه اعلم حيث يجعل رسالته( وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) لا يمنع فضله عمن هو أهل من أي قوم كان ١٠٤( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) قد سمى القرآن ما جاء في الكتب الإلهية السابقة بالآية والآيات ومدح من يتلوها ففي سورة آل عمران بعد ذم أهل الكتاب ١٠٩( لَيْسُوا سَواءً مِنْ أهل الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) وفي سورة مريم بعد ذكر النبيين والصالحين من السلف ٥٩( إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ ) الآية وفي سورة الزمر ٧١( أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ ) والنسخ والتبديل نظيران والظاهر ان المراد تبديلها لا تبديل حكمها بالنسخ الاصطلاحي فإن في الثاني تجوز لا قرينة عليه بل قد يمنع منه السياق والضماير( أَوْ نُنْسِها ) بضم النون الأولى وسكون الثانية وكسر السين وحذف الياء حرف العلة للجزم بالعطف على ننسخ وهو من النسيان وأنسى بالألف اللينة حرف العلة ينسى بالياء في آخرها لا من النسيء وانسأ ينسأ بالهمزة في الأواخر ولو كان من ذلك لكان جزمه بسكون الهمزة أو الياء إذا أبدلت ياء إذ لا يجوز حذفها لأنها ليست بحرف علة وان مناسبة السياق في الآية التي قبلها لتشير إلى ان المضمون هو انه وان كبر على اهل


نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أو مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٥)أَلَمْ

____________________________________

الكتاب نسخ كتب الأنبياء وآياتها بالقرآن وآياته في مقام التلاوة والذكر والصلاة والشريعة والهداية وغير ذلك فضلا عن أن تلك الكتب وآياتها قد حرفت وبدلت حتى صارت حقيقتها نسيا منسيا فإن القرآن منزل من الله بحسب المصلحة التي اقتضت انزاله وانه ما ننسخ من آية أو ننسها( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها ) في الأثر.( أَوْ مِثْلِها ) ونسب الإنساء إلى الله مجازا كما نسب الإضلال باعتبار تمرد المنتسبين إلى كتابها حتى خرجوا عن أهلية اللطف والتوفيق فوكلهم الله إلى أنفسهم الأمارة فحرفوها وبدلوها إلى ان صارت نسيا منسيا. ولا مصداق لهذه الآية في آيات القرآن بعضها مع بعض. اما نسخ نفس الآية القرآنية بمعنى نسخ تلاوتها فلا تكاد أن تعرف له مصلحة تقتضيه فضلا عما يختلج من وجوه المفسدة مضافا إلى انه لا دليل على وقوعه ولئن روي في ذلك شيء فقد مرّ في الأمر الثاني والثالث من الفصل الثاني من المقدمة ما يبطله ويكذبه وقد حكي عن مقالات الشيخ المفيد ان عدم هذا النسخ مذهب الشيعة وجماعة من أهل الحديث وغيرهم. واما ما حكي عن العلامة في نهاية الأصول. والكركي في طهارة جامعه والطبرسي. في اقسام النسخ من القول بوقوعه. فقد استندوا له بما يزعم من آية الرجم وقد أشرنا إلى ما فيها مضافا إلى ما ذكر. والظاهر ان نسخه بهذا المعنى مناف لقوله تعالى( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) واما انساؤها ونسيانها فهو مناف لآية الحفظ المذكورة ولقوله تعالى( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ) ولا تشبث بقوله تعالى( إِلَّا ما شاءَ اللهُ ) فإن حمل الكلام على الاستثناء بالمشيئة لا يبقي وجها للامتنان والوعد بقوله تعالى( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ) بل ان المقصود منه الاستدراك لبيان ان عدم النسيان إنما هو بقدرة الله ومشيئته لا لأمر طبيعي لازم بل لو اقتضت المصلحة وشاء الله ان يتركه وبشريته لنسي كما في قوله تعالى في سورة هود ١١٠( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) وقد أطلنا الكلام في المقام لأنّه لم يعط حقه( أَلَمْ تَعْلَمْ ) خطاب وتوبيخ للإنسان بدليل ما يأتي( أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ينزل الخير ويرسل الرسل ويرحم ويلطف بهم ويأت بخير مما نسخ ولا يخص بلطفه قوما دون قوم وهم أهل له ١٠٥( أَلَمْ تَعْلَمْ ) ايها الإنسان( أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) وكل الناس عباده يفعل ما يشاء وما يقتضيه لطفه ورحمته


تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٦)أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٧)وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أهل الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٨)وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٠٩)وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلّا مَنْ كانَ هُوداً أو نَصارى تِلْكَ

____________________________________

بمن هو أهل ولا يفوته احد ممن تمرد عليه وعصاه( وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ١٠٦أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ ) الذي أرسل إليكم كافة( كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ ) من طلبهم رؤية الله وغير ذلك من اقتراحات العناد( وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ) يقال ضل الطريق وضل عنه ١٠٧( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أهل الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً ) قد تقدم الكلام في «لو» بعد «ودّ» في الآية الرابعة والتسعين( حَسَداً ) لكم( مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) الأمارة الزائغة التي اختاروا غوايتها على هدى عقولهم( مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ) عن فلتات حسدهم ومحاولتهم لاضلالكم( حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ) من الأمر بعقابهم من الطرد والجلاء أو القتل حينما يتظاهرون بالغدر والعداوة لكم وللدين فتقوم عليهم الحجّة ويمكنكم الله منهم( إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ١٠٨وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) بحدودها ومواقيتها( وَآتُوا الزَّكاةَ ) فإن ذلك خير يعود لأنفسكم( وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ) في دار العمل والتكليف لدار الجزاء والنعيم( مِنْ خَيْرٍ ) بالأعمال الصالحة( تَجِدُوهُ ) أي تجدوا جزاءه وثوابه( عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) وإن أسررتم به ١٠٩( وَقالُوا ) أي أهل الكتاب المذكورون فيما قبل( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلّا مَنْ كانَ هُوداً ) أي يهوديا قالت اليهود ذلك وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلّا من كان نصرانيا وأوجز الكلام بأحسن إيجاز بقوله تعالى( أَوْ نَصارى ) ومغزى كلام كل منهم ان المسلمين لا يدخلون الجنة( تِلْكَ ) أي دعوى كل فريق


أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١٠)بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١١)وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ

____________________________________

منهم انهم يدخلون الجنة( أَمانِيُّهُمْ ) الكاذبة التي يعللون بها أنفسهم انهم يدخلون الجنة( قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ) وحجتكم على هذه الدعاوي وتلك الأماني( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) فيها فإن الصادق لا بد له من حجّة وبرهان ١١٠( بَلى ) رد وابطال للنفي الذي قالوه على نحو قوله تعالى في سورة التغابن( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَ )( مَنْ أَسْلَمَ ) نحو اسلم أمره إلى الله أي وكله وخلاه ولم يتداخل فيه بمعارضة المشيئة فالمراد هنا كما في سورة آل عمران ١٨ والنساء ١٢٤ ولقمان ٢١ أي وكل وخلا( وَجْهَهُ ) الوجه معروف والمراد الكناية عن إقباله وتوجهه في سبيل المعرفة والعبادة والطاعة وطلب التوفيق والهدى وأسلمه( لِلَّهِ ) ولم يتداخل فيه بزيغ الأهواء ونزغات الضلال ونزعات النفس الأمارة. والى هذا تنحو أقوالهم في التفسير. أخلص نفسه لله. أو وجه وجهه لطاعة الله. أو فوّض امره لطاعة الله( وَهُوَ مُحْسِنٌ ) في عمله( فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) أفرد الضماير باعتبار لفظ «من»( وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) من عقاب الله( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) من اجل استحقاقهم للعقاب. قال في الدر المنثور في نزول الآية الآتية اخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس وذكر قصة ذكرت في التبيان ومجمع البيان بقولهما قال ابن عباس وأوردها الواحدي كالمعلومات بلا رواية وفي القصة ان واحدا من نصارى نجران قال لليهود ما أنتم على شيء وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة. ويوهن القصة انه ليس في النصارى من يجحد نبوة موسى ويكفر بالتوراة بحيث ينسب الله كلامه إلى النصارى بقوله( وَقالَتِ النَّصارى ) وما آفة الأخبار إلّا رواتها ١١١( وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ ) لأنهم ليسوا على نحلتهم( وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ ) لأنهم ليسوا على نحلتهم وكل من الفريقين يوجه قوله المذكور إلى كل من لم يكن على نحلته حتى إلى المسلمين يقولون قولهم هذا( وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ ) أي نوعه وهي الكتب التي بأيديهم وينسبونها إلى الوحي والنبوة مع ان في تلك الكتب كلمات حق وبقية من الوحي الحقيقي بحيث يدينون


كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٢)وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٣)وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ

____________________________________

به وفي تلك الكلمات التي يتلونها ما حاصله ان الجنة والنجاة ودين الحق مقرونة بتوحيد الله حق التوحيد وعبادته وطاعته والتصديق بأنبيائه وكتبه وآياته وان في اليهود قبل زمان عيسى وفي النصارى من خواص المسيح واتباعه من كان على الصراط المستقيم من ذلك فكيف يقول كل فريق قوله المذكور وهم يتلون كتبهم ويعلمون ما هو الأساس في دين الحق و( كَذلِكَ قالَ ) المشركون( الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) ما هو الأساس في دين الحق( مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) ويحكم لمن كان على حقيقة الدين الصحيح ١١٢( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ ) المسجد هو الذي تعتاد فيه عبادة الله والسجود له وإن كان من المشاهد التي لا تسمى في اصطلاح الفقهاء مسجدا( أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) ويعبد فيها بالصلاة وتلاوة كتابه( وَسَعى فِي خَرابِها ) وفي التبيان قيل المراد به مشركو العرب من قريش لأنهم صدوا رسول الله (ص) عن المسجد الحرام وهو المروي عن أبي عبد الله الصادق (ع) قلت وفي الدر المنثور اخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس ما هو من هذا النحو وعليه فمعنى خرابه أن يبقى للعبادة الباطلة كالمكاء والتصدية والسجود للأصنام وطواف العراة من الرجال والنساء. والظاهر ان ما روي بيان لمورد النزول الذي لا يجعل العام خاصا وفي المقام تفاسير عجيبة غريبة منها ما ذكره الواحدي عن قتادة وذكره غيره عن الحسن أيضا وهو ان بختنصر خرّب بيت المقدس وأعانته على ذلك النصارى. وليت شعري اين بختنصر من النصارى وهو قبل المسيح بنحو ستمائة سنة وقريب منه في الغرابة ما ذكره الواحدي. وروي عن كعب الأحبار( أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها ) أي مساجد الله( إِلَّا خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ١١٣وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) على سبيل المثال أي له جميع الجهات وكلها في سلطانه بدليل قوله تعالى فيما يأتي( لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) في تحويل القبلة من بيت


فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ

____________________________________

المقدس وجهة الشمال الغربي إلى الكعبة وجهة الجنوب أي ولله كل الجهات ليس لجهة من الجهات دون الأخرى خصوصية ذاتية طبيعية تربطها بالتوجه إلى عبادة الله ودعائه( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) وحاشا لله أن تختص به جهة أو مكان. وفي صحيحة الفقيه عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (ع) ونزلت هذه الآية في المتحير اي في صلاة الفريضة( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما ) الآية. وروى انه احتج الصادق (ع) بالآية لصحة سجود التلاوة لغير القبلة كما في رواية الصدوق في العلل عن الحلبي عنه (ع). ولعدم القضاء لصلاة الفريضة إذا صليت خطأ لغير القبلة كما في رواية التهذيب عن محمد بن الحصين الجعفي عنه (ع). وروى الجمهور في صحة الصلاة في هذه الصورة انه اخبر رسول الله (ص) بها أو سئل عنها فنزلت الآية. ذكر في الدر المنثور أسماء عشرة اخرجوا هذا عن عامر بن ربيعة. واسماء ثلاثة أخرجوه عن جابر الانصاري. ورواها الواحدي في اسباب النزول باسناده عن عامر وجابر. وفي الدر المنثور ان ابن مردويه اخرج نحوه بسند ضعيف عن ابن عباس. وفي رواية الصدوق المتقدمة ان الصادقعليه‌السلام احتج بالآية لصحة صلاة النافلة على الدآبة أينما توجهت. وفي الدر المنثور ذكر أسماء عشرة منهم مسلم والترمذي والنسائي اخرجوا ذلك عن ابن عمر. واسماء اربعة منهم الحاكم وصحّحه عن ابن عمر ايضا. وفي الدر المنثور اخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال لما نزلت( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) قالوا إلى اين فأنزلت( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) . هذا وان النظر إلى مجموع هذا المروي ودلالة الآية وحجتها يرشد بأن رواية نزولها في مورد خاص إنما هو باعتبار انطباقها عليه وارادته في عموم تنزيلها. كما ان المروي ولسان الآية وسوقها تشهد بأن مفادها قاعدة عامة مبينة بالحجة التي يشهد بها العقل أيضا إلّا ان الله خص بعض الأماكن تكريما لها بأن يستقبلها من يصلي الفريضة وقسما من النافلة ويوجه إليها الميت والذبيحة حسبما يدل عليه الكتاب والسنة وما عدا ذلك يبقى لحكم العموم في هذه الآية المحكمة وحجتها. ويؤكد عمومها ويحكمه قوله تعالى( إِنَّ اللهَ واسِعٌ ) في الرحمة واللطف( عَلِيمٌ ) بمن يتوجه إلى حضرته بالطاعة. ومن العجيب قول الواحدي ومذهب ابن عباس ان هذه الآية منسوخة بقوله تعالى( وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) . أفلا يعلم كل مسلم ان آية( فَأَيْنَما تُوَلُّوا ) إن


(١١٤)وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٥)بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٦)وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لو لا يُكَلِّمُنَا اللهُ

____________________________________

كان نزولها قبل تحويل القبلة إلى الكعبة فهي مخصصة من أول نزولها بالتوجه في الفريضة إلى جهة خاصة وكانت إذ ذاك جهة بيت المقدس لأن صلاة الرسول إليها كان من أول وروده إلى المدينة : وما عشت أراك الدهر عجبا : فقد نشأ في بدع قوم في عصورنا يمنعون ويضربون من يتوجه في مسجد الرسول الأكرم عند دعائه واستشفاعه بالرسول إلى جهة قبره الشريف في ناحية المشرق كأنّ الله لم ينزل الآية المتقدمة ولم يعرفوا من العادة ان المستشفع يقدم شفيعه بين يديه. ويحكم الله وهو خير الحاكمين ١١٤( وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً ) والقائل بذلك النصارى بل وغيرهم ممن أخذوا عنه كاليونان وغيرهم والبراهمة والبوذيين إذ جعلوا زعماء ديانتهم آلهة مولودين من الله( سُبْحانَهُ ) تنزيها وتعظيما له عن ذلك( بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) والكل سواء في انهم مخلوقون لله ولله وملكه( كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ) ذكروا من معاني القنوت الخشوع والطاعة أي خاشعون أو مطيعون بالانقياد لخالقيته وقدرته وإلهيته فأين الولدية والإلهية من المخلوق وجاء قانتون بالجمع المذكر السالم تغليبا ١١٥( بَدِيعُ ) مبالغة في مبدع أي منشئ ومخترع( السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) لا باحتذاء مثال قبلها( وَإِذا قَضى أَمْراً ) أي خلق وصنع كقوله تعالى في سورة فصلت( فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ ) وقول أبي ذويب

«وعليهما مسرودتان قضاهما

داود أو صنع السوابغ تبع»

والأمر الشيء أو الحادث( فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ ) أي لا يحتاج إلى تمهيد مقدمات ومعدات يحتاج إليها وجوده ويمتنع بدونها. بل الأشياء طوع ارادته يريد فيكون وقوله تعالى( يَقُولُ لَهُ كُنْ ) إنما هو كناية عن ارادته بما يظهر به الناس إرادتهم وهو أمرهم( فَيَكُونُ ) تفريع على( يَقُولُ ) وليس جزاء لقوله تعالى( كُنْ ) لأن الكون بعد الفاء هو نفس الكون المأمور به لأجزائه المترتب عليه وتوهم انه جزاء لذات الطلب أو للكون مع الطلب مدفوع بأنه لو صح لوجب أن ينصب قوله تعالى( فَيَكُونُ ) ١١٦( وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) بمواقع حكمة الله وحجته ودلالة آياته( لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللهُ ) لو لا هنا بمعنى هلا للعرض والطلب والمراد تكليمه لهم بخصوصهم


أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٧)إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٨)وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ

____________________________________

( أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ ) خاصة بهم بحسب اقتراحهم عتوّا واستكبارا كما حكاه الله عنهم في سورة الاسراء المكية من قوله تعالى ٩٢ ـ ٩٦( وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ) إلى قوله تعالى( حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ) في الاقتراح الفاسد مع انهم شاهدوا ما تقتضيه الحكمة من الآيات والدلائل حيث قال اليهود( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً ) وذلك بعد ما رأوا الدلائل على رسالة موسى كآية العصا وشق البحر( تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ) في الضلال والكفر بالآيات البينات. ولو جرت الآيات على حسب اقتراح المقترحين من المنهمكين بالضلال والمماراة لخرجت عن كونها آيات بل صارت بذلك أمورا عادية لا تقوم بها حجّة فضلا عن أن كثيرا منهم يطلب المستحيل عقلا كقول بني إسرائيل( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً ) وهل الآيات إلّا ما تقتضيه الحكمة بحسب حال المدعوين إلى الإيمان مما يفيد اليقين وتقوم بالحجة وقد جاء رسول الله «ص» بذلك على أحسن وجه( قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) بما يوجب اليقين بدلالته الكافية ولا يمارون فيها بعناد الضلال وتحكم الأهواء فقد نزل القرآن معجزا على ما تقتضيه الحكمة من وجوه عديدة فاستنار بيقينه الموقنون وقطع المعاذير على الجاحدين والمرتابين إذ تحداهم بالإتيان بعشر سور أو سورة من مثله. قلت وقد أشير إلى شيء من ذلك في الفصل الأول من المقدمة ولا تأس يا رسول الله من قول هؤلاء ١١٧( إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً ) للمؤمنين بما أعد لهم من النعيم( وَنَذِيراً ) بما أعد للكافرين والمعاندين من العذاب والهوان( وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ) الذين استحقوها بسوء اختيارهم ١١٨( وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ ) حتى تتبع ملتهم وحذف ذلك لدلالة قوله تعالى( وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ ) اني اتبع الهدى واين منه اهواؤكم وتقليدكم فيها و( إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ) بدين الحق وضلال هؤلاء فيما هم عليه اذن( ما لَكَ ) ولا لكل احد قامت


الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٩)الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢٠)يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢١)وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٢)وَإِذِ ابْتَلى إبراهيم رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ

____________________________________

عليه الحجّة من عقله وتبليغك( مِنَ اللهِ ) متعلق بالمطلوب من الولي والنصير وهو الانقاذ والتخليص( مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) من زائدة وولي مبتدأ. ومالك خبره ١١٩( الَّذِينَ ) مبتدأ( آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ) القرآن( يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ) الجملة حال «لآتيناهم» لا خبر فإن ما كل من اوتي القرآن تلاه حق تلاوته. وفي مجمع البيان وعن العياشي عن أبي عبد الله (ع) ان حق تلاوته هو الوقوف عند ذكر الجنة والنار يسأل في الأولى ويستعيذ من الأخرى. وهذا ملازم في المعنى لما عن الديلمي عن أبي عبد الله أيضا قال يرتلون آياته ويتفقهون به ويعملون بأحكامه ويرجون وعده ويخافون وعيده ويعتبرون بقصصه ويأتمرون بأوامره وينتهون بنواهيه ما هو والله حفظ آياته ودرس حروفه وتلاوة سوره ودرس أعشاره وأخماسه حفظوا حروفه وأضاعوا احكامه وإنما هو تدبر آياته والعمل بأحكامه قال تعالى( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) جملة «أولئك» خبر للذين( وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) وذلك هو الخسران المبين ١٢٠( يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ١٢١وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) قد مرّ الكلام في الآيتين بعد الاية الثالثة والأربعين وقد كررت الآيتان هاهنا تسجيلا لمعناهما على اليهود ١٢٢( وَإِذِ ابْتَلى إبراهيم رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ ) سياق الآيات الثلاث التي بعد هذه الآية وعطفهن عليها يقتضي ان تكون كلمة «إذ» مفعولا «لأذكر» القولية المقدرة فتكون الآية وارتباط كلماتها ومعانيها تستلزم أن يكون قوله تعالى( إِنِّي جاعِلُكَ ) إلى آخره تفسيرا للكلمات والفاعل في أتمهنّ هو الله. ويشهد لذلك رواية ابن بابويه في كتاب النبوة عن المفضل ابن عمر عن الصادقعليه‌السلام . وعليه جرى ما حكاه


لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي

____________________________________

في مجمع البيان عن قتادة وأبي القاسم البلخي واختيار الحسين بن علي المغربي. وفي الدر المنثور اخرج ابن جرير عن ابن عباس قال الكلمات( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) والآيات التي بعدها واخرج ابن جرير وابن أبي شيبة عن مجاهد نحوه. وإن كانت كلمة «إذ» ظرفا معمولا «لقال اني جاعلك» كانت الكلمات شيئا آخر فيظن أن يكون الفاعل في أتمهنّ هو ابراهيم. وفي تفسير القمّي قال هو ما ابتلاه الله بما أراه في نومه من ذبح ولده فأتمها إبراهيم إلخ. ولم يعلم ان القائل هو القمّي أو الإمام. وروى في الدر المنثور عن ابن عباس في هذا النحو خمس روايات متدافعة نحو ما ذكره في مجمع البيان وعلى ما ذكرناه أولا يكون المعنى ابتلى إبراهيم بكلمات إمامته وامامة الأئمة وتحمل اعبائها وأداء شكرها( لِلنَّاسِ إِماماً ) ومرجعا ومقصدا وزعيما في امور الدين والدنيا. وقد استفاض الحديث عن الأئمةعليهم‌السلام ان امامة إبراهيم كانت بعد نبوته ورسالته كما في الكافي عن جابر عن الباقر (ع). وعن زيد الشحام وعن هشام ودرست عن الصادق (ع). وفي العيون عن عبد العزيز بن مسلم عن الرضا (ع). ويدل على ذلك أيضا ان نبوة إبراهيم كانت قبل ان يولد له ولد وقبل شيخوخته ومقتضى الآية ان قول الله له بجعله اماما كان بعد ان صار له أولاد يرجو أن يكون له منهم ذرية وأما قبل ذلك فلم يكن له رجاء فإن القرآن في سورة الحجر يخبر انه لما بشر باسحاق قال( أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ) . ولا يكون جاعل هنا بمعنى جعلت في الماضي لأنّه عامل بالمفعول وهو اماما وقوله تعالى «للناس» متعلق «بجاعل» وفيه اشارة إلى الامتنان على الناس وان الإمامة لطف من الله ومن اكبر المصالح لأمورهم ويجوز أن يكون متعلقا بقوله( إِماماً ) وقدم للاهتمام بعموم الإمامة للناس وارتباطها بمصالحهم العامة والخاصة( قالَ ) إبراهيم( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) الظاهر ان هذا عطف على «جاعل» في جاعلك اي وجاعل من ذريتي ويكون بمنزلة الاستفهام التقريري لمزيد الاستبشار والابتهاج ونحو من الشكر إذا علم من الكلمات والأسماء ان الأئمة من ذريته. أو للاستفهام ان لم يعرف انهم من ذريته. وقيل ان المعنى واجعل من ذريتي. وفيه تكلف في التقدير الزائد على دلالة السوق خصوصا مع النظر إلى رواية الفضل الدالة على معلومية أسماء الأئمة في ضمن الكلمات فإنه يبعد من مقام إبراهيم ان يطلب الزيادة على


قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٣)وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً

____________________________________

ما أخبره الله بتقديره (قال) الله جل اسمه في بيان ما لهذه الإمامة من الفضل( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) بيانا لشرف الإمامة في فضيلتها العظمى وفضل الإمام فإن الإمامة بجعلي وعهدي في الدلالة على الإمام بحسب أهليته لهذه الكرامة في كماله وقيامه بمصلحة الناس على ما يقتضيه اللطف في صلاحهم وأهليته لانقيادهم إليه وهذا العهد الكريم من نحو الوصية والدلالة على التعيين ونظير ذلك قولهم ولي العهد. والظالم يعم من ظلم نفسه بمخالفته للحق وكيف يليق من لا رادع له من كماله عن الظلم لنفسه أو لغيره لأن يعهد الله إليه بإمامة الناس وإصلاح أمورهم وإرشادهم( أَفَمَنْ يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أَنْ يُهْدى ) وفي رواية البرهان عن الكافي والمفيد عن هشام بن سالم ودرست عن الصادقعليه‌السلام في تفسير الآية من عبد صنما أو وثنا أو مثالا لا يكون اماما. وعن امالي الشيخ مسندا وابن المغازلي في المناقب مرفوعا عن عبد الله بن مسعود عن النبي (ص) في الآية عن قول الله لإبراهيم من سجد لصنم دوني لا اجعله اماما. وقال (ص) فانتهت الدعوة إليّ وإلى أخي عليّ لم يسجد أحدنا لصنم قطّ. وعن الكافي مسندا والشيخ المفيد مرفوعا عن الصادقعليه‌السلام لا يكون السفيه امام التقي. فيكون ذكر عبادة الصنم من باب النص على احد المصاديق من موانع الإمامة وهي ما تنافي العصمة التي يدل العقل على اعتبارها في هذه الإمامة. ومن شواهد ذلك ورشحاته ان الفطرة وحكم العقل بعثت جميع الحكومات المتمدنة على ان تجعل من قوانينها الأساسية ان من حكم عليه بجريمة توجب العقوبة ولو بسجن مدة قليلة يكون ساقطا باصطلاحهم عن الحقوق المدنية اي لا تكون له وظيفة في الحكومة يتسلط فيها على غيره ولا تنفعه في ذلك توبة. أليس الله بأحكم الحاكمين ١٢٣( وَإِذْ ) عطف على إذ ابتلى في الآية السابقة( جَعَلْنَا الْبَيْتَ ) الحرام وهو الكعبة( مَثابَةً لِلنَّاسِ ) مرجعا لهم والتاء للمبالغة لأن مرجعيته للناس جعلت دائمة فإنك ترى من يتحمل المشاق في زيارته يشتاق إلى الرجوع إليه مرّة بعد أخرى وهذا سرّ غريب وآية من آيات الله( وَأَمْناً ) يأمن من حلّ في حماه من الناس مع وحشية الاعراب وتعاديهم وعداوتهم. وهذا أيضا من آيات البيت ويأتي له إنشاء الله مزيد بيان في تفسير الآية الثانية والتسعين من سورة آل عمران( وَاتَّخِذُوا ) عطف على اذكر( مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ


وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبراهيم مُصَلًّى

____________________________________

مُصَلًّى ) مقام إبراهيم يسمى به الآن محل يصلى فيه باعتبار ان فيه الصخرة التي قام عليها إبراهيم (ع) فصار فيها اثر قدميه. وقال فيه أبو طالب

وموطئ إبراهيم في الصخر وطأة

على قدميه حافيا غير ناعل

وفي الكافي في الحسن كالصحيح عن أبي عبد الله مقام إبراهيم حيث قام على الحجر فأثرت فيه قدماه. وفي مجمع البيان عن ابن عباس قصة فيها ان المقام صخرة وضعتها زوجة إسماعيل تحت رجلي إبراهيم لما غسلت رأسه فأثرت فيها قدماه. وفيه أيضا ان عليّ بن إبراهيم روى مسندا عن ابان عن الصادقعليه‌السلام هذه القصة بعينها. وفي الدرّ المنثور ان الازرقي اخرج عن المطلب بن أبي وداعه. وآخر ان سيل ام نهشل في أيّام عمر احتمل المقام من محله فسأل عمر عن محله فزعم المطلب ان عنده مقياس محله فوضع في محله الآن. وفيه اخرج البيهقي في سننه عن عائشة ان المقام كان في زمن رسول الله «ص» وزمان أبي بكر ملتصقا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب. وفي الكافي والفقيه في الموثق كالصحيح عن الباقر «ع» كان موضع المقام الذي وضعه إبراهيم عند جدار البيت فلم يزل هناك حتى حوله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم فلما فتح النبي «ص» مكّة رده إلى الموضع الذي وضعه إبراهيم «ع» إلى ان ولي عمر بن الخطاب فسأل الناس من منكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام فقال بعض انا قد كنت أخذت مقداره بنسع فهو عندي فأتاه به فقاسه ثم رده إلى ذلك المكان. وذكر نحوه في المسالك عن سليمان بن خالد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام وذكر ان المقام هو العمود من الصخر الذي كان إبراهيم يقف عليه حين بنائه للبيت. وكان في زمن إبراهيم ملاصقا للبيت بحذاء الموضع الذي هو فيه اليوم. وفي تفسير القمّي في سورة الحج ان المقام كان في زمن إبراهيم يلصق بالبيت وعليه نادى إبراهيم بالحج. وفي مضمرة ابن مسلم وصحيحة إبراهيم بن أبي محمود عن الرضا (ع) المرويتين في الكافي ما يدل على ان محل المقام على عهد رسول الله (ص) غير محله في أيّام الأئمة إلى الآن. أقول والظاهر ان المراد من مقام إبراهيم في الآية هو جهة موقفه ومحل قيامه لا خصوص موطئه في قيامه أو نفس الصخرة فإنه لا يمكن ان يتخذ منه مصلى. وقد روي في الوسائل عن أئمتناعليهم‌السلام اكثر من


وَعَهِدْنا إلى إبراهيم وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ

____________________________________

اثني عشر حديثا في ان صلاة الطواف خلف المقام بحسب موضعه في زمانهمعليهم‌السلام والآن خمس منها استشهد فيها بقوله تعالى( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبراهيم مُصَلًّى ) وست نصت على الخلف. وعلى ذلك يحمل ما كان لفظه عند المقام والتعبير بعند فيه أيضا تقييد لإطلاق الخلف وكذا ما كان لفظه ارجع إلى المقام أو ائت المقام. وهذا مما يشهد لارادة الجهة ومقدار سعتها. ولعل وجوب تقديم المقام بحسب موضعه الثاني لأجل احترامه عن الاستدبار أو لأجل الستر على الشيعة والحصر في رواية زرارة بالمقام المعروف ظاهر في انه بالاضافة إلى الصلاة لطواف المتطوع في انها حيث شاء المتطوع من المسجد ويمكن ان تنزل على ذلك مرسلة صفوان كما يمكن ان تنزل صحيحة إبراهيم بن أبي محمود وسائر الروايات على الستر على الشيعة فتجوز الصلاة ما بين موضعي المقام أولا وثانيا. ولكن الاحتمال لاحترام ذات المقام يرجح ظاهر الروايات ويمنع عن اليقين بالفراغ إلّا بالصلاة خلفه( وَعَهِدْنا إلى إبراهيم وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) اي الطائفين به لعبادة الله. والعكوف اللبث حوله للعبادة ولو بذات اللبث بفنائه. والركع جمع راكع. والسجود جمع ساجد والمراد المصلين حوله. وعن الصدوق في العلل والشيخ في التهذيب بسندين صحيحين عن عمران وعبد الله الأخوين الحلبيين سألت أبا عبد الله (ع) أيغتسلن النساء إذا اتين البيت قال نعم ان اللهعزوجل يقول( أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) فينبغي للعبد ان لا يدخل إلّا وهو طاهر قد غسل عنه العرق والأذى وتطهر والمراد من إتيان البيت التوجه إليه للطواف ونحوه. وعن الكليني بسند معتبر عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (ع) نحوه بإسقاط السؤال وفيه فينبغي للعبد ان لا يدخل مكّة إلّا وهو طاهر «الرواية» وهذا يفسر متعلق الدخول في روايتي أخويه. ومن المعلوم ان طواف الناس وعكوفهم وركوعهم وسجودهم العاديين انما هي خارج البيت وحوله. وهكذا يدل على أن المراد تطهير فناء البيت من حيث حرمة البيت المضاف إلى الله والذي جعله يطاف حوله ويعكف ويركع ويسجد ويكون بالاعتبار الثانوي العرضي مراعاة لحال الناسكين حوله وبه جرى التعليل بالآية الكريمة لأنّه يدل على الاعتبار الاولي الذاتي دلالة واضحة. والمراد من التطهير هو ما يقتضيه إطلاقه بمعناه اللغوي وهو التنزيه


(١٢٤)وَإِذْ قالَ إبراهيم رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)رَبَّنا وَاجْعَلْنا

____________________________________

عن كل ما ينافي حرمة البيت من القذارات الصورية والمعنوية عرفية كانت أو بكشف الشارع كما يشهد لها رواية الحلبيين والأمر في طهرا بمنزلة الخبر لبيان الوظيفة والغرض كقوله اغتسل للجنابة والجمعة كما يشير إلى ذلك قوله تعالى( وَعَهِدْنا ) فلا يمتنع شموله للواجب والندب ويسري التكليف المفهوم منه إلى غير إبراهيم وإسماعيل ١٢٤( وَ ) اذكر( إِذْ قالَ إبراهيم رَبِّ اجْعَلْ هذا ) اي فناء البيت وحرمه الذي هو مكّة( بَلَداً آمِناً ) اي يأمن أهله ومن فيه من أذى الناس( وَارْزُقْ أَهْلَهُ ) سكانه( مِنَ الثَّمَراتِ ) لا كل سكانه بل( مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ ) ولم يقل بك محافظة على تخصيص الإيمان بالله بالنص على اسمه العظيم( وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ ) الله جلت آلاؤه ما حاصله اني استجبت دعاءك ولا أخص رزقي في هذه الدنيا الفانية بالمؤمنين بل أرزق فيها المؤمن والكافر( وَمَنْ كَفَرَ ) واصرّ على كفره( فَأُمَتِّعُهُ ) في الدنيا( قَلِيلاً ) اي مدة حياته القصيرة بالنسبة إلى ما وراءه وأمهله وأقيم عليه الحجّة واملي له( ثُمَّ أَضْطَرُّهُ ) اي آخذه قهرا بالموت والحشر( إِلى عَذابِ النَّارِ ) التي أعدت للكافرين( وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) مصيره ١٢٥( وَ ) اذكر( إِذْ يَرْفَعُ إبراهيم الْقَواعِدَ ) قاعدة البيت أساسه ورفع القواعد هنا هو البناء عليها وجعله مرتفعا( مِنَ الْبَيْتِ ) أي الكعبة( وَإِسْماعِيلُ ) حال كونهما متقربين قائلين( رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا ) طاعتنا( إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ ) للدعاء( الْعَلِيمُ ) بنياتنا في طاعتك ١٢٦( رَبَّنا وَاجْعَلْنا ) بتوفيقك( مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) الظاهر أن الإسلام في الأصل هو الدخول في السلم بكسر السين وسكون اللام مثل الانجاد والاتهام والاقحاط والسلم هو عدم المحاربة والمحادة. وبالنسبة لله يتحقق بالإذعان بإلهيته وتوحيده ورسالة رسله وكتبه. وقد اختص في الاستعمال بهذا المعنى فصار هو الظاهر من لفظ إسلام وأسلم واسلم ومسلم. وبعد رسالة خاتم النبيين محمد (ص) صار المتداول في الاستعمال هو ما ذكرناه مع الإذعان برسالته وأن قرآنه وشريعته من الله والإسلام الحقيقي هو الإذعان في النفس المساوق للإيمان وهو المراد هنا أي اجعلنا مسلمين لك مدة عمرنا بمعنى


مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٨)وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبراهيم إلّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ

____________________________________

ثبتنا بهدايتك وتوفيقك على الإسلام كما هديتنا له( وَ ) اجعل بتوفيقك ولطفك( مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ) لم يسألا ذلك لكل ذريتهما لما سبق من قول الله لإبراهيم( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) لما قال إبراهيم( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) أو لما يعرفانه من حال البشر في اختيارهم للايمان وان الكثير منهم من يستحب العمى على الهدى. فطلبا أن تكون من ذريتهما أمة مسلمة لا خصوص الإمام( وَأَرِنا ) يحتمل أن يراد بالضمير ما يعم الأمة المسلمة من ذريتهما( مَناسِكَنا ) النسك العبادة والناسك هو العابد. وللنسك هو الموضع المعد للعبادة الخاصة. فتكون الرؤية المطلوبة على حقيقتها( وَتُبْ عَلَيْنا ) طلب التوبة باعتبار دخول الامة المسلمة في الدعاء. ويحتمل أن يختص الضمير بإبراهيم وإسماعيل فيراد من التوبة عليهما الرجوع والعود عليهما بالرحمة واللطف فإن المعنى الاصلي للتوبة هو الرجوع والعود. ويحتمل أن يريدا بالتوبة نحوا من معناها المعروف تصاغر الله واستصغارا لأعمالهما في جنب جلال الله كما هو شعار الأولياء المخلصين( إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ١٢٧رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ ) اي الأمة من ذريتهما( رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ) بإرشاده وجهاده في الدعوة( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ) في تنفيذ ارادتك ونصر رسولك في تبليغه واجراء أحكامك وتعليمه وتزكيته لعبادك( الْحَكِيمُ ) فيما تفعل. ومصداق هذا الدعاء هو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله برسالته العامة فهو رسول الله في ذرية إبراهيم وإسماعيل وبهم ابتدأت دعوته وهو (ص) أيضا من ذريتهما. وفي تفسير القمّي قال رسول الله (ص) انا دعوة أبي ابراهيم. وفي البيان روى انه (ص) قال ذلك. ورواه في الدر المنثور عن جماعة ١٢٨( وَمَنْ ) استفهام يرجع إلى الإنكار والنفي( يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ ) في التوحيد والمعرفة والأخلاق الفاضلة والحنيفية( إِلَّا مَنْ ) الذي( سَفِهَ نَفْسَهُ ) السفه والسفاهة والسفيه معروفة. وسفه بالضم من افعال السجايا لا يتعدى. وسفه بالكسر متعد والمعنى إلّا من أضر نفسه بسفاهته ونحو ذلك فإن ملة إبراهيم جارية في معارفها وأخلاقها على النهج الفطري الواضح المعقول فلا يرغب


وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٩)إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣٠)وَوَصَّى بِها إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣١)أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إبراهيم وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٢)تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ

____________________________________

عنه إلّا السفيه( وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ ) أي إبراهيم واخترناه رسولا وإماما وهاديا( فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) أي معدود من الذين كانوا في الدنيا صالحين هادين ١٢٩( إِذْ قالَ ) ظرف لاصطفيناه( لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ) وهذا القول لمثل إبراهيم يكون قبل زمان البلوغ وقد ذكرنا معنى الإسلام قريبا( قالَ أَسْلَمْتُ ) وأشار إلى معرفته وان إسلامه عن حجّة وبصيرة بقوله( لِرَبِّ الْعالَمِينَ ١٣٠وَوَصَّى بِها إبراهيم بَنِيهِ ) أي وصاهم بالملة الحنيفية ملة إبراهيم( وَيَعْقُوبُ ) أي ووصى بها يعقوب بنيه وقال كل منهما لبنيه في مقام التوصية والتحريض على اتباع الملة حتى الممات وان لا تلعب بهم الأهواء فيغتنم إبليس منهم الفرصة عند الموت فيردهم عن الحنيفية والإسلام( يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ ) المعهود دين الحنيفية والإسلام واختاره لكم صافيا مصفى فالزموه واثبتوا على اتباعه حق الاتباع( وَلا تَمُوتُنَّ إلّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) على الدين الحنيف ١٣١( أَمْ كُنْتُمْ ) اضراب وانكار وهو يناسب أن يكون خطابا لأهل الكتاب وإنكارا على دعوى ليس لهم بها علم ولا حضروا ولا شهدوا ما يسندون الدعوى إليه( شُهَداءَ ) حضورا( إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ ) وذلك لم يجر فيه ما تزعمون بل( إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ) قال ما تعبدون لأن معبودات أهل الضلال أكثرها مما لا يعقل كالحيوان والتماثيل( قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إبراهيم وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ) وأدرج إسماعيل في تفسير الآباء بنحو من التغليب عليه ولأنه عم ليعقوب والعم كالأب( إِلهاً واحِداً ) لا شريك له( وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ١٣٢تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ) ومضت والظاهر ان المراد من الأمة بنو إسرائيل( لَها ما كَسَبَتْ ) من خير( وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) بل كل مسئول عن تكليفه وما قامت


(١٣٣)وَقالُوا كُونُوا هُوداً أو نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٤)قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إلى إبراهيم وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ

____________________________________

به الحجّة عليه فانظروا لأنفسكم ١٣٣( وَقالُوا ) أي أهل الكتاب اليهود والنصارى كل من الفريقين يدعو إلى نحلته( كُونُوا هُوداً أو نَصارى ) أو لتقسيم قولي الفريقين( تَهْتَدُوا قُلْ ) يا محمد( بَلْ ) نتبع( مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً ) الحنيف هو الموحد التابع لدين الحق. ولا حاجة إلى بيان المأخذ لاستعمال اللفظ في هذا المعنى( وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ولعله تعريض باليهود والنصارى( فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) وفي قوله ملة إبراهيم إلى آخره احتجاج لوجوب اتباعها فإن قدّرنا نتبع يكون مفاد الاحتجاج وعليكم أن تتبعوا ذلك. وان قدر اتبعوا يكون مفاد الاحتجاج كما اتبعنا نحن. يا أهل الكتاب لا تأخذنكم أهواء القومية وعصبية اليهودية أو النصرانية فإن الحق أحق ان يتبع بل ١٣٤( قُولُوا ) عن إيمان حقيقي واعتقاد واتباع للحجة( آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا ) باعتبار النزول على أنبيائهم ورسلهم كالتوراة والإنجيل والزبور( وَما أُنْزِلَ إلى إِبْراهِيمَ ) وهي صحف إبراهيم التي جرى عليها بنوه إلى زمان موسى وبهذا الاعتبار قيل( وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ ) إذ لم يعهد نزول كتاب إلى خصوص المذكورين. وعن الكافي باسناده عن سدير عن أبي جعفر ان أولاد يعقوب أي ما عدا يوسف لم يكونوا أنبياء ونحوه عن العياشي. والأسباط جمع سبط وهو ولد الولد. ومنه سمي الحسنانعليهما‌السلام بالسبطين وسميت قبائل الاسرائيليين باعتبار انتسابهم إلى أولاد يعقوب أسباطا. والقبيلة الواحدة منهم سبط. وعليه استعمال القرآن الكريم. وقد سموا بذلك أيضا فيما بأيديهم من التوراة والعبرانية وكتاب يوشع وغيرهما(١) وان سموا فيها أيضا بغير ذلك( وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى ) من المعجزات أو كرامة النبوة( وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ ) من كرامة النبوة والوحي( مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ) من أي قبيلة كان إذا دلت الدلائل على نبوته( وَنَحْنُ لَهُ ) أي لله( مُسْلِمُونَ

__________________

(١) سفر العدد ٣٢ : ٣٣ و ٣٦ : ٣ وسفر التثنية ١٠ : ٨ و ١٨ : ١ و ٢٩ : ٢٠


(١٣٥)فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٦)صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٧)قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٨)أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً

____________________________________

١٣٥( فَإِنْ ) قالوا ذلك و( آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ ) ايها المسلمون( فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا ) بكفرهم( فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ ) ومعاندة لا في طلب الحق( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ ) يا رسول الله ويمنعك من كيد شقاقهم( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) لدعائك أو لما يقولون( الْعَلِيمُ ) بما في الضمائر ١٣٦( صِبْغَةَ اللهِ ) منصوبة بدلا من ملة ابراهيم. وعن الكافي مسندا عن الصادق أو أحدهماعليهما‌السلام بأسانيد ثلاثة اثنان منها من الموثق كالصحيح. وعن الصدوق في الصحيح عن أبي عبد الله (ع). وعن العياشي بسند آخر ان الصبغة هو الإسلام وهو ملة ابراهيم. وفي الدر المنثور اخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال دين الله. وسميت صبغة باعتبار الأثر الكريم الظاهر من التوحيد ومكارم الأخلاق وزينة الشريعة( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً ) بما يهدى إليه من الدين القيم. ويوفق لاتباعه( وَنَحْنُ لَهُ ) وحده( عابِدُونَ ) لا نشرك في الإلهية والعبادة غيره ١٣٧( قُلْ أَتُحَاجُّونَنا ) وتجادلوننا( فِي اللهِ ) زاعمين انكم الموحدون وفيكم النبوة. وكيف تحاجوننا بذلك مع ان الله لا يحابي بلطفه ورحمته الواسعة قبيلا دون قبيل. بل يراعى بها الأهلية وهو اعلم حيث يجعل رسالته ولا يمنع لطفه وتوفيقه إلّا عمن تمرد عليه بالشرك والعصيان. فكيف يحابيكم ويخص بكم ما تزعمون( وَ ) الحال( هُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ ) وكلنا عباده ولطفه عام ورحمته واسعة لكل عباده( وَلَنا أَعْمالُنا ) فقد آمنا بالله ووحدناه وعبدناه وان الله لا يضيع اجر من احسن عملا( وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ ) ان عملتم خيرا من الايمان الخالص والعبادة( وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ) في عبادته وإلهيته لا نشرك به شيئا. وفي ذلك حسن التعريض بهم( فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ١٣٨( أَمْ تَقُولُونَ ) يا أهل الكتاب وتزعمون( إِنَّ إبراهيم وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أو نَصارى ) أو للترديد بين قولي الفريقين اليهود يقولون كانوا يهودا والنصارى يقولون كانوا نصارى( قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ ) مع انكم ادعيتم المحال.


أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٣٩)تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٠)سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها

____________________________________

اين كانت اليهودية والنصرانية في زمان هؤلاء( أَمِ اللهُ ) الذي اخبر بان إبراهيم كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين. وانه اسلم لرب العالمين ووصى بها يعقوب بنيه. فقالوا نعبد الله إلها واحدا ونحن له مسلمون كما تقدم قريبا( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ ) اما بالنسبة إلى علمهم بأن هؤلاء الذين ذكروهم كانوا مسلمين على الدين الحنيف أو الشهادة برسالة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . فلا ينحصر الأمر باليهودية ولا النصرانية لو بقيتا على التوحيد والشريعة. وقد أخبرهم الله في التوراة ان الله يقيم لهم نبيا من إخوتهم ويجعل كلامه في فيه. وأخبرهم المسيح برسول يأتي من بعده اسمه أحمد( وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) وما ينفعكم زعمكم وكذبكم على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط مع قيام الحجّة بإرسال الله رسله في زمانكم بالآيات الباهرات فعليكم بأنفسكم فلا تتعللوا زورا بمن مضى فان ١٣٩( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) بل تسئلون عن اعمالكم ومعاملتكم مع رسول الله ودين الحق ١٤٠( سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ) وهي بيت المقدس فان رسول الله (ص) صلى إليه عند مقدمه إلى المدينة مدة. وفي رواية التهذيب عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله إلى ما بعد رجوعه من بدر. وعن رسالة الفضل بن شاذان كذلك وفيها وكان يصلي في المدينة إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا. وعن قرب الاسناد عن الباقر تسعة عشر شهرا. وهو الذي ذكره في الفقيه وعن الشيخ المفيد في مسار الشيعة في النصف من رجب سنة اثنتين من الهجرة حوّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. ونحو هذا ما رواه في الدرّ المنثور من روايات الجمهور. وفي الكافي في الحسن كالصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (ع) سألته هل كان رسول الله يصلي إلى بيت المقدس قال نعم فقلت أكان يجعل الكعبة خلف ظهره قال اما إذا كان بمكّة فلا واما إذ هاجر إلى المدينة فنعم حتى حوّل إلى الكعبة. وربما تشعر الرواية بانه (ص) صلى في مكّة إلى بيت المقدس بدون ان


قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً

____________________________________

يستدبر الكعبة. وعن النعماني باسناده عن امير المؤمنينعليه‌السلام ان رسول الله (ص) كان يصلي في أوّل مبعثه إلى بيت المقدس جميع أيّام مقامه بمكّة «الرواية» وفي الفقيه وصلى رسول الله (ص) إلى بيت المقدس بعد النبوة ثلاث عشرة سنة وتسعة عشر شهرا بالمدينة وفي الدر المنثور اخرج الطبراني عن عثمان بن حنيف. وفي الحديث كان رسول الله قبل ان يقدم من مكّة والقبلة إلى بيت المقدس ويمكن الجمع بان رسول الله كان يجمع بين القبلتين في مكّة كما يومي إليه الاشعار المتقدم في رواية الحلبي. وفي الدر المنثور اخرج ابن أبي شيبة وابو داود في ناسخه والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس ان النبي (ص) كان يصلي وهو بمكّة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه الحديث والله العالم( قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) أي جميع الجهات فإن تحويل القبلة كان من ناحية الشمال الغربي إلى نقطة الجنوب تقريبا. وليس اعتراضهم هذا إلّا من السفه فهل يزعمون ان الله تحويه جهة خاصة أو ان الذي له وفي ملكه جهة خاصة أو ان لبعض الجهات استحقاق للاستقبال لازم لا يعقل التخلف عنه أفلا يعقلون ان الاستقبال أمر تعبدي من الله يجريه بحسب الحكمة والمصلحة( يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) مما تقتضيه الحكمة ويوصل إلى الهدى والحق ١٤١( وَكَذلِكَ ) أي وكما هديناكم إلى صراط مستقيم( جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) الوسط خيار الشيء لأنّه محميّ عن الفساد. وفي تفسير القمّي وسطا أي عدلا. وهو المروي في روايات الجمهور كما في الدر المنثور( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) ومن المعلوم ان الأمة كلها لا تتصف بالخيار والعدل وكونهم شهداء على الناس فإن فيهم الكثير ممن لا يخفى حاله. فهذه الصفات إنما تكون باعتبار البعض والموجه إليه الخطاب هو ذلك البعض. وقد روي في أصول الكافي عن بريد عن أبي عبد الله (ع) نحن الأمة الوسط ونحن شهداء الله على خلقه. وفي الحسن كالصحيح عن أبي جعفر (ع) مثله. وعن الصفار بهذا السند نحوه. وروي نحوه أيضا بسند آخر صحيح. وعن الحسكاني في شواهد التنزيل عن سليم الهلالي عن علي (ع) نحن الذين قال الله( جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) . وعن العياشي عن ابن أبي عمير الزبيري عن أبي عبد الله (ع) في هذه الآية افترى ان من


وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ

____________________________________

لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب الله شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأمم( وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ) ظاهر قوله تعالى في الآية التي بعد هذه( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً ) انها نزلت قبل تحوله (ص) إلى الكعبة وظاهر السوق ان هذه الآية نزلت قبل تلك مع ان ظاهر قوله تعالى فيها( كُنْتَ عَلَيْها ) كنت تتوجه إليها فيما مضى وصرفت عنها. فتشكل هذه الظواهر. ولأجل ذلك قال بعضهم أنّ كان تامة بمعنى أنت عليها. وقال في الكشاف ان التي كنت عليها مفعول ثاني لجعلنا والمقصود من الموصول مكّة أي وما جعلنا القبلة مكّة وفيه تعقيد ومخالفة للاعتبار مع ان الاشكال المذكور على حاله ويرتفع من أصله بأن قوله كنت عليها لا يختص بما بعد الانصراف عنها وانقطاع الكون. بل قيل باعتبار الكون الماضي وتوجهه (ص) إلى بيت المقدس أشهرا عديدة من دون نظر إلى الانقطاع نحو( وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً ) أي وما جعلنا بيت المقدس قبلة لك هذه المدة( إِلَّا لِنَعْلَمَ ) اللام للعاقبة والحصر انما هو باعتبار العاقبة لا حكمة التشريع( مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ ) متعلق بنعلم لما في العلم بأحد الفريقين من التمييز له عن الفريق الآخر( يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ) ومثل ذلك في القرآن كثير كما في قوله تعالى( وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ .وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا. لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ .وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ .لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى .إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ) . والوجه في كل هذه الموارد وأمثالها واحد وهو ان علمه التابع جل شأنه وان كان أزليا أبديا لكن لمقارنته لوجود المعلوم في الخارج أثر ووقع في الزجر والتوبيخ أو البشرى عند الناس. ولأجل هذا الأثر والوقع جرى مجرى التعبير بالفعل المستقبل في هذه الموارد باعتبار تلك المقارنة والعلم المقارن وعلى هذا النهج جرى التعبير في القرآن الكريم بقوله تعالى( يُرِيدُ اللهُ ) كما ورد في اكثر من عشرين موردا وان كانت ارادته ازلية وايضا لو قيل ليقع ذلك لأوهم الجبر مع انه تفوت فائدة الاعلام بكون الله عالما به. ولو قيل ليقع ما هو معلوم لله بالعلم الازلي لثارت شبهة الجبر وقالوا اذن ان العبد لا يقدر على الترك إذ يلزم منه ان ينقلب علم الله جهلا ولم يلتفتوا كما لم يلتفتوا إلى ان هذا العلم تابع لا اثر له في قدرة العبد( وَإِنْ كانَتْ


لَكَبِيرَةً إلّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٢)قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ

____________________________________

لَكَبِيرَةً إلّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ ) ان هي المخففة وتلزمها اللام التي هي للتأكيد. وظاهر السوق يقتضي ان الضمير في كانت يرجع إلى القبلة التي كان عليها وهي بيت المقدس وهو الظاهر أيضا من معتبرة التهذيب عن أبي بصير عن أحدهماعليها‌السلام قال قلت له امره ان يصلي إلى بيت المقدس قال نعم ألا ترى أنَّ الله تعالى يقول:( وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ ) وتلا جميع الآية إلى قوله( رَحِيمٌ ) وكبيرة ثقيلة. ومن اللازم أن يكون استقبال بيت المقدس ثقيلا على قريش والعرب إلّا الذين هداهم الله إلى الايمان برسول الله فيعلمون ان ذلك أمر من الله الحكيم( وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) في الكافي عن ابن أبي عمير الزبيري عن أبي عبد الله (ع) في الآية ان الله سمى الصلاة ايمانا. وفي الفقيه قال المسلمون صلاتنا إلى بيت المقدس تضيع يا رسول الله فانزل ذلك. وذكر انه اخرج حديثه في كتاب النبوة. وفي رواية العياشي انه لما حولت القبلة قالوا ما حالنا اي في صلاتنا الماضية وما حال من مضى في صلاتهم إلى بيت المقدس فانزل الله( وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ) . وفي الدر المنثور عن ابن عباس نحوه وصحّحه الحاكم ١٤٢( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ) قد هنا للتكثير

قد اترك القرن مصفرا أنامله

كأن أنيابه مجت بفرصاد

وقول عمران الانصاري. أو امرؤ القيس

قد اشهد الغارة الشعواء تحملني

جرداء معروقة اللحيين سرحوب

قال القمّي في تفسيره ان اليهود كانوا يعيرون رسول الله ويقولون انه تابع لنا يصلي إلى قبلتنا فاغتمّ رسول الله وخرج في جوف الليل ينظر آفاق السماء ينتظر أمر الله إلخ. وفي مجمع البيان نسبه إلى رواية القمّي عن الصادق (ع) مع كلام ذكره القمّي بعد ذلك. نعم ذكر في الفقيه نحو ما ذكره القمّي وأحال روايته على كتاب النبوة. فتدل الآية على انه (ص) كان له شأن في أمر القبلة.( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ) لأنها مرضية بفضلها وسابقتها وحكمة دعوة العرب وهي أول بيت وضع للناس فيه آيات بينات( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ


وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٣)وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ

____________________________________

الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) أي نحوه والقبلة هي الكعبة بالضرورة كما يلهج بذلك المسلمون في تلقين موتاهم وفي تعقيباتهم وغير ذلك. وجاءت بذلك الأحاديث بنحو لا يقصر عن التواتر. ففي جامع البخاري وغيره عن ابن عمر ان النبي ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال هذه القبلة. وفي جوامع البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والموطأ عن البراء وانس وابن عمر في حديث تحول القبلة ان تحول المصلين كان إلى الكعبة وروى الفريقان ان الأرض زويت لرسول الله ورأى الكعبة فجعل محرابه بإزاء الميزاب. ومن طريق الامامية أورد في الوسائل نحو اربعة عشر حديثا في ان الكعبة هي القبلة. واكثر هذه الأحاديث تصرح بان الكعبة هي التي صرف إليها رسول الله في هذه الآية. ولا مانع من أن تسمى الكعبة مسجدا باعتبار انها يسجد إليها. أو يقال ان الآية نزلت في السنة الثانية من الهجرة فكان الخطاب بجعل الكعبة قبلة عامة ومتوجها لرسول الله ومن معه من المسلمين واهل المدينة وضواحيها فجرى التعبير بالمسجد الحرام باعتبار سعة استقبالهم للكعبة باستقبال المواجهة والاحترام والتعظيم مما يتحقق به ذلك عند الناس كما هو الظاهر من الآية. وان استقبالهم للمسجد بهذا النحو يلزمه استقبال الكعبة بهذا النحو أيضا( وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) اي نحوه بالنحو المتقدم دون الاستقبال الهندسي لان تكليف النائين به حتى مثل أهل المدينة بل ما كان عن مكّة بمرحلة مثلا يستلزم التكليف بما لا يطاق. ولا شك في انه كلما بعد المستقبل اتسعت وجهة استقباله للكعبة بالمواجهة الاحترامية التعظيمية وقد استقصينا الكلام في ذلك في رسالتنا في القبلة( وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) اليهود والنصارى( لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ) أي التحويل إلى الكعبة هو( الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ) إما لأنهم يعلمون ان أمر القبلة والاستقبال منوط بتشريع الله وأمره وإما لأنهم يعلمون ان الكعبة هي بيت الله من زمان ابراهيم. وفي مجمع البيان لأنّه كان في بشارة الأنبياء لهم انه يكون نبي صفاته كذا وكذا وانه يصلي إلى القبلتين ونحوه في الكشاف( وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) من أقوالهم وأفعالهم عنادا على خلاف ما يعلمون ١٤٣( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) ولم يوفقوا للإيمان بك


بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٥)الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٦)وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ

____________________________________

( بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ) أي الكعبة( وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ) اتباعا خصوصا بعد ما أمرت بالتوجه شطر المسجد الحرام( وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ) فان النصارى تتوجه إلى المشرق واليهود إلى بيت المقدس( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) هذا توبيخ لهم وتبكيت بأنهم اصحاب أهواء فاسدة لا يتبعها إلّا الظالمون. وخوطب بذلك رسول الله لقطع اطماعهم ولبيان فضله لأنّه لا يتبع أهواءهم ابدا بدليل قوله تعالى اي يعرفون رسول الله على الصفات التي وصف بها في كتبهم والاسم الذي سمي به بنحو لا ينبغي الريب فيه كما في تفسير البرهان عن محمد بن يعقوب الكليني بسند فيه رفع عن امير المؤمنينعليه‌السلام . وعن علي بن إبراهيم في الحسن كالصحيح عن الصادق (ع). وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة( كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ) وان غابوا عنهم مدة طويلة( وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) به من كتبهم وهذا الفريق هم من عدى الأوباش الذين لا يعلمون شيئا من كتبهم ومن عدى الذين اسلموا أو شهدوا بالحقّ وأصروا على الغيّ ١٤٥( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) أي هو الحق من ربك( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) الشاكين فيما تقوم عليه الحجّة العلمية. والخطاب في النهي يراد به غير النبي كما في قوله تعالى في سورة الاسراء ٢٤ و ٢٥( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ ـ أَحَدُهُما أو كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما ) ـ وقل ـ واخفض ـ وقل ١٤٦( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها ) لم أجد عن النبي واهل البيت شيئا في ذلك. ويمكن تفسير الآية بالنظر في سورة المائدة في قوله تعالى( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ) «الآية» فالمعنى والله العالم ولكل من الأمم الذين شرع الله لهم احكاما شريعة ولاه الله إياها وامره باتباعها ما لم تنسخها الشريعة والوجهة التي بعدها فيولى الله الناس إياها( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ )


أَيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٧)وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا

____________________________________

وجاء قوله تعالى( فَاسْتَبِقُوا ) متعدّيا إلى المفعول بنفسه هاهنا وفي آية الانعام وفي سورة يوسف( وَاسْتَبَقَا الْبابَ ) وفي سورة يس( فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ ) ولو كانت بمعنى الاستباق وطلب السبق بكسر السين لوجب تعديتها بإلى. والنصب بنزع الخافض في مثل المقام بعيد من كرامة القرآن في عربيته وفصاحته. فالوجه انها في هذه الموارد من طلب السبق بفتح السين والباء وهو ما يحصله السابق بسبقه ومنه السبق المجعول في رهان المسابقة وفي جعل الخيرات والباب والصراط في الآيات سبقا بفتح السين والباء كناية لطيفة عن انه هو الغاية المطلوبة والفائدة المقصودة في المسابقة وحاصل المعنى والله العالم لكل أمة شريعة أمرت باتباعها وقد نسخ بعض الشرائع فسارعوا إلى الحق واطلبوا ان تكون خيرات الأحكام وهي التي لم تنسخ وجاء بها الكتاب الذي يهدي للتي هي أقوم هذه اطلبوها سبقا لكم والغاية الشريفة من مسارعتكم وما هي إلّا شريعة رسول الله والقرآن الكريم. ومن ذلك وأهم مصاديق الخيرات هي الولاية كما عن الكافي عن الباقر «ع» كما في آية( إِنَّما وَلِيُّكُمُ ) . وحديثي الغدير. والثقلين وغير ذلك.( أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) وباعتبار السياق يكون المعنى ان يجمعكم يوم القيامة للحساب والجزاء من عذاب أو نعيم ولا يعجز الله حشركم وجمعكم فإنه يأتي بكم أينما تكونوا. واما باعتبار عموم اللفظ وكثرة مصاديقه فقد روى في تفسير البرهان نحو اثنتي عشر رواية عن الأئمة «ع» انهم استشهدوا بالآية لجمع الله اصحاب الحجّة المنتظر من أطراف الأرض إلى النهوض مع الحجّةعليه‌السلام . وللتأكيد في أمر استقبال الكعبة في الصلاة وعمومه في جميع الأحوال سفرا وحضرا قال الله تعالى ١٤٧( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ ) سواء كان الخروج من مكّة إلى المدينة أو من المدينة إلى الشام بحيث يكون الوجه في المسير إلى بيت المقدس على الانحراف اليسير أو الاستقامة ام كان إلى جهة مكّة أو المشرق أو المغرب( فَوَلِّ وَجْهَكَ ) في جميع هذه الأحوال وجميع الجهات( شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) نحوه( وَإِنَّهُ ) اي التوجه إلى المسجد الحرام في الصلاة على الإطلاق المنصوص عليه( لَلْحَقُّ مِنْ ) أمر( رَبِّكَ ) وشريعته الجارية على الحكمة وكرامة البيت وان الله لا يضيع اجركم في امتثال امره( وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ١٤٨وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ


اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٨)وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حجّة إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٤٩)كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ

____________________________________

الْحَرامِ ) وهذا الخطاب للرسول وان كان كافيا في عموم الشرعية والتكليف للمسلمين لكن الحكمة تقتضي التأكيد بالنص وتأكيده فقيل كما سبق( وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ ) خطاب للرسول وأمته( فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) وان كنتم عند بيت المقدس وفي بلده( لِئَلَّا ) اي شرع لكم ذلك بالأوامر المذكورة لئلا( يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ) وان كانت داحضة(١) هذا يقول اتبع قبلتنا وهذا يقول تركوا كعبتهم مع افتخارهم بسابقتها وفضلها وهذا يقول تركوا قبلة إبراهيم وإسماعيل. أو وهذا يقول مكتوب ان النبي يصلي إلى القبلتين. وهذا يقول مكتوب انه يصلي إلى الكعبة( إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) منهم استثناء من الناس فان هؤلاء الظالمين لا يقطعون جدلهم واحتجاجهم بالأباطيل حسب ما تغريهم اهواؤهم وظلمهم( فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ) اي ولتكن خشيتكم لي( وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ) بتشريع الاستقبال للقبلة المرضية قبلة إبراهيم وحصره بها( وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) اي ولأجل ان تهتدوا إلى معرفة لطف الله بإتمام النعمة بذلك عليكم وقطع حجج المجادلين لكم. أو والى اقامة الصلاة بحدودها إلى هذه القبلة ولكن لما كان الاهتداء من افعال الإنسان وناشئا عن اختياره للتفكر ومجانبته لشكوك الأهواء وعنادها قيل في تعليله لعل وكذا كل غاية في القرآن هي من اعمال العباد وراجعة إلى اختيارهم نحو لعلكم تشكرون. تتفكرون لم تخرج مخرج الجزم في التعليل. وقد لطف الله في أمر القبلة بعباده لهذه الغايات الشريفة ١٤٩( كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ ) وكونه منكم اقرب إلى انقيادكم للإسلام( يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ ) بدينه وشريعته وتعاليمه( وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) مما يهمكم ويزينكم ويهذبكم وان تعدوا نعمة الله في ذلك لا تحصوها ١٥٠( فَاذْكُرُونِي ) بما فيه سعادتكم

__________________

(١) في سورة الشورى ١٥ حجتهم داحضة. وفي الجاثية ٢٤ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلّا ان قالوا ائتوا بآبائنا ان كنتم صادقين


(١٥٠)فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥١)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٢)وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٣)وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٤)الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إليه راجِعُونَ (١٥٥)أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ

____________________________________

وكما لكم من العبادة والطاعة والشكر لنعمي أعد عليكم بالجزاء واللطف والنعمة والمزيد. ولأجل المقابلة اللفظية جرى التعبير عن ذلك بقوله تعالى( أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي ) نعمائي عارفين بها( وَلا تَكْفُرُونِ ) لا تكفروني نعمتي لا تجحدوني نعمتي كفره حقه جحده ١٥١( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا ) في أمر دينكم وعبادتكم وطاعتكم لله واجتناب معاصيه وفي مصائبكم( بِالصَّبْرِ ) فانه نعم المطية ومفتاح الفرج ووسيلة البشرى بالصلوات من الله والرحمة( وَالصَّلاةِ ) عطف على الصبر فانها باب الله في مناجاته والاستعانة به ومعراج السعادة والناهية عن الفحشاء والمنكر( إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) وكفى بذلك بشرى ١٥٢( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ) هم( أَمْواتٌ بَلْ ) هم( أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ) بحياتهم لأن عالمهم غير عالمكم. وقد اخبر الله جلت آلاؤه عما لحياتهم السعيدة من الكرامة والحبور كما في الآية الثالثة والستين بعد المائة واللتين بعدها من سورة آل عمران ١٥٣( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ) يا ايها الذين آمنوا كما يقتضيه سياق الخطاب. أو يا ايها الناس( بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) على ذلك رضى بما قضى الله وتسليما لحكمته فلا يصدهم ما ذكر عن شكر ما هم فيه من نعمة ولا عن عبادته وطاعته والجهاد في سبيله بل هم ١٥٤( الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ ) وكل ما هو لنا من حياة ونعمة إنما هو من عنده بدون استحقاق لنا في أقل شيء من ذلك يفعل بحكمته ما يشاء( وَإِنَّا إليه راجِعُونَ ) في الآخرة فيعاملنا بصبرنا أو جزعنا الذي هو كفران لنعمه ١٥٥( أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ) ثناء جميل( وَرَحْمَةٌ ) بالثواب والجزاء( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) إلى الحق بصبرهم وتسليمهم لله


(١٥٦)إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أو اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً

____________________________________

وعلمهم واعترافهم بأنهم لله وانهم إليه راجعون ١٥٦( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ ) موضعان معروفان بمكّة يسعى بينهما في الحج والعمرة( مِنْ شَعائِرِ اللهِ ) من معالم اعمال الطاعة التي جعلها الله في الحج والعمرة وان عرض ان المشركين جعلوا عليهما الأصنام كما جعلوها على البيت الحرام إلى ان ألقاها عنه رسول الله في فتح مكّة إذ أصعد امير المؤمنين على كتفيه ورمى بها إلى الأرض( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أو اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ) الحج والعمرة معروفان والتطوف الطواف. وسمي السعي تطوفا باعتبار تكرره فيكون كالطواف الذي يرجع إلى مبتداه وطاف به أعم من الطواف حوله وجعله في وسط المطاف كالطواف بالبيت ومن المرور به في الطواف كما تسمى الكثيرة الخروج من دارها طوّافة بالبيوت. وقد اتفقت الرواية من المسلمين على ان قريشا جعلوا من أصنامهم على الصفا والمروة فتوقف المسلمون من الطواف بهما لمكان الأصنام فرفع توهم التحريم بقوله( لا جُناحَ ) لأنها من شعائر الله وذلك لا ينافي الوجوب كما ثبت من السنة وعليه اجماع الإمامية واكثر الجمهور. ففي تفسير البرهان عنه أي عن محمد بن يعقوب في الكافي في الحسن كالصحيح عن أبي عبد الله «ع» في حديث حج النبي «ص» وان المسلمين كانوا يظنون ان السعي بين الصفا والمروة شيء صنعه المشركون فأنزل الله تعالى( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ ) الآية. قلت ولم أجد هذا الكلام في مظانه في الكافي. وعن العياشي قال أبو عبد الله في خبر حماد بن عثمان انه كان على الصفا والمروة أصنام فلما ان حج الناس لم يدروا كيف يصنعون فأنزل الله هذه الآية فلما حج النبي رمى بها. وفي الكافي في باب السعي في المرسل المعتبر عن أبي عبد الله «ع» ان رسول الله «ص» شرط على قريش في عمرة القضاء ان يرفعوا الأصنام من الصفا والمروة فجاؤا إليه وقالوا يا رسول الله ان فلانا لم يسع بين الصفا والمروة وقد أعيدت الأصنام فأنزل اللهعزوجل ( فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ) وذكر القمّي في تفسيره نحوه. وفيه أيضا ان عمرة القضاء كانت سنة سبع من الهجرة. وذكر الآية من أولها ولم ينسب شيئا من ذلك إلى رواية( وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً ) تجيء صيغة تفعل للاتخاذ والجعل نحو توسد الحجر. وقد يتجلى عليها معنى الطلب والرغبة والتحصيل نحو تعرّفت وتعلمت وتبصرت من البصيرة في


فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٧)إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٨)إلّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٥٩)إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦٠)خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦١)وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إلّا هُوَ

____________________________________

غير المطاوعة. ومن ذلك قول امرؤ القيس في معشوقته :

«تنورتها من أذرعات ودارها

بيثرب أدنى دارها نظر عالي»

فالمعنى ومن اتخذ الخير المشروع طاعة بطلب لها ورغبة. ولا دليل من اللغة ولا من هيئة التطوع أو مادته على اختصاصه بالمستحبات. بل ان المقام يأبى ذلك فإن السعي حق في الحج والعمرة المندوبين يجب بالشروع فيهما. وحاصل الآية ان التطوف بالصفا والمروة خير لأنّه تعظيم لشعائر الله وطاعة له في ذلك من تطوع خيرا( فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ) بالطاعة لا يخفى عليه شيء منها ومجاز عليها. وإن كان الشكر مختصا بالنعمة واليد فنسبته إلى الله مجاز ١٥٧( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ ) الواضحات في الإرشاد( وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ ) وأوضحنا دلائله( فِي الْكِتابِ ) والعموم في الكتاب للقرآن وغيره من كتب الله أنسب بعموم التوبيخ وقيام الحجّة واستحقاق اللعنة. ولذلك مصاديق كثيرة. ومنها ما رواه في البرهان عن العياشي( أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ ) يطردهم عن رحمته( وَيَلْعَنُهُمُ ) أي يدعو عليهم بالطرد عن الرحمة( اللَّاعِنُونَ ١٥٨إلّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا ) اعمالهم( وَبَيَّنُوا ) ما كانوا يكتمونه وغيره مما ينبغي بيانه من الحق( فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ ) على من تاب حق التوبة( الرَّحِيمُ ١٦٠إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ ) وطردهم عن رحمته( وَ ) لعنة( الْمَلائِكَةِ ) اي دعائهم باللعنة( وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) بلعنهم للظالمين والجاحدين للحق. ومن طرده الله عن رحمته فهو معذب ١٦٢( خالِدِينَ فِيها ) اي في اللعنة فهم خالدون في العذاب( لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) من النظرة والإمهال في العذاب والإمهال للاعتذار والتوبة ١٦١( وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) في الإلهية وصفاتها لا شريك له فيها( لا إِلهَ إلّا هُوَ )


الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٢)إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ

____________________________________

وهذه العبارة في توحيد الله في الإلهية ونفي ما عداه فيها أوضح من أن تشوش بقواعد الإعراب( الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ) وقد مر تفسير الكلمتين في بسملة الفاتحة. ولعمر الحق ان مضمون هذه الآية الكريمة في وجود الإله ووحدانيته في الإلهية وإبداع العالم بحكمته وارادته ورحمانيته ورحمته أمر تجلوه الفطرة للعقول الحرة بأوضح المجالي. ولكن الله جلت آلاؤه شاء بلطفه ان يستلفت العقول إلى ذلك بالحجة القيمة بنحو يكتفي منه العامي بنظرته البسيطة ويستنبط العالم لها بحسب استعداده في العلوم من كل شيء يجلوه العلم برهانا كافيا. فذكر هنا جلت الطافه بعض الآيات المشاهدة من خليقته وقال ١٦٢( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ ) وما يرى فيها من الكواكب الثابتة والسيارات المرتفعة بعضها عن بعض على مدار مخصوص والمستمرة كل على سيره المنتظم على منطقة البروج فضلا عما يعرف بالعلم من فوائد سير السيار على تلك المنطقة( وَالْأَرْضِ ) وما فيها من الجبال وحكمها الباهرة. ومنها تفجر العيون من أعاليها وإخراج النار من براكينها. ومن انواع المعادن. ومن البحار وتياراتها وما في ذلك من الحكم( وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) على نظام موزون مستمر متماثل في أيّام السنين يزيد النهار في كل محل من نصف الأرض الشمالي بمقدار ما ينقص في ذلك اليوم من مثل ذلك المحل في العرض من النصف الجنوبي. وتجري نقيصة الليل وزيادته على عكس النهار في المحال المتماثلة في العرض من النصفين( وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ ) من تجارة البلدان النائية والوصول إلى البلاد البعيدة وكيف سخرت لها الرياح المسماة بالتجارية. فترى السفن تجري في زمان واحد وبحر واحد كل إلى مقصدها شمالا أو جنوبا أو شرقا أو غربا( وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ ) بالنبات والشجر والنمو( بَعْدَ مَوْتِها ) بكونها قاحلة ماحلة وأوجد فيها روح قوة الإنبات لا تحصل بالدوامل(١) العادية. ولا الماء الجاري نعم قد يحصل من القوة شيء باطيان الفيضان المتشبعة بروح المطر( وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ) ببركة إحيائها( وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ ) التي يسمونها استوائية

__________________

(١) الدوامل ما يداوى بها ضعف الأرض في الإنبات من سماد ونحوه


الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٣)وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً

____________________________________

وقطبية وموسمية وتجارية. وما في استقامتها وهدوّها في البحر المسمى بالمحيط الهادئ أي الساكن وهو الواقع ما بين آسيا وامريكا مع ان مساحة قطره من المشرق إلى المغرب تزيد على سبعة آلاف ميل ومن الجنوب إلى الشمال اكثر من ذلك. واستقامة أنواعها أيضا في البحر المسمى بالمحيط الأطلسي وهو الواقع بين أوروبا وامريكا وربما يبلغ عرضه اربعة آلاف ميل فلا يكون في هذين المحيطين العظيمين والطريقين الموصلين ما بين الدنيا القديمة والدنيا الجديدة خطر العواصف والأعاصير التي تكون في بحر الصين والهند وبحر انتيلة المقابل لأمريكا الوسطى( وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) يجري حيث توجهه القدرة والحكمة تراه في محل واحد ينزل مطره قطرات وسحا وهكذا وتتخلل بين ذلك فترات واحوال مختلفة في نزوله وبينما هو واقف إذ اقلع مسرعا أو على تأن. هذا وفي كل أمر من هذه الأمور وكل حال من هذه الأحوال المنتظمة بأحسن نظام يجد العقل الحر دلالة واضحة على ان كلا من ذلك إنما هو من إيجاد إله قادر عليم حكيم وتدبيره بحسب ارادته وحكمته ورحمته. ودلالة جلية على انه وحده لا شريك له في الإلهية وهذا الخلق العجيب والتدبير المنتظم ولو كان معه إله لاختل هذا النظام وفسدت المخلوقات كما قال جل شأنه في سورة الأنبياء( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا ) وفي سورة المؤمنون( وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ) وقد جرى الكلام بأكثر من هذا الشرح في مضامين هذه الآيات في الجزء الثاني من المدرسة السيارة في صفحة ١١٦ ـ إلى ١٢٥ و ١٥٥ إلى ١٦٠ وفي الجزء الثالث في صحيفة ١٧ و ١٨ وأنى يبلغ الشرح والبيان معشار ما في هذه الآيات من اسرار القدرة والحكم الدالة على الإله وتوحيده. وعلى الإجمال ان فيما ذكر في الآية الكريمة( لَآياتٍ ) باهرات ودلالات نيرة( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) وكلما تفكروا فيما ذكر ظهرت لعقولهم من الآيات والدلالات اضعاف ما عرفوه ١٦٣( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً ) قد مر الكلام في الند في الآية الثانية والعشرين. واتخاذ الأنداد أعم من تأليههم واتباعهم على ظلمهم وباعتبار القسم الثاني جاءت الرواية عن الباقرعليه‌السلام كما في التبيان والبيان. وعن العياشي مرفوعة عنه


يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٤)إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ

____________________________________

(ع) وفي البرهان عن الكافي واختصاص الشيخ المفيد مسندة. وقيل في هذه الآية من دون الله باعتبار ان اتخاذ الأنداد حتى بالمعنى العام المذكور انما هو نكوص عن معرفة الله وحقيقة إلهيته وقدس توحيده وعبادته أو نكوص عن طاعته واتباع شريعته ومن أمر باتباعه( يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) لصدق عرفانهم له في إخلاصهم في توحيده ويقينهم بأن الخلق والأمر بيده وهو الرحمن الرحيم( وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) باتخاذهم الأنداد وتعديهم حدود الله في العدل( إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ ) ويشاهدون أهواله وانه ليس من دونه نصير( أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ) جملة ان القوة أي مصدرها مفعول ليرى( وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ ) عطف على مفعول يرى. وفي الآية توبيخ شديد وتسفيه لهؤلاء بالإشارة إلى انهم لا يهتدون بعقولهم ودلالة العقل على وحدانية الله في الإلهية وانحصار القوة الإلهية به. ولزوم اتباع أوامره فيمن أمر باتباعه. واتباع نواهيه فيمن نهى عن الضلال باتباعه. ولا يهتدون إلى اليقين بما توعد الله به من انواع العذاب الأليم في يوم القيامة. وانه ليس من دونه وليّ ولا نصير. بل هؤلاء كالبهائم لا تلتفت إلّا إلى ما تراه وتحسه. فلو ان هؤلاء الظالمون حينما يرون بالحس عذاب القيامة وما تذكره الآيتان بعد هذه الآية من أهوالها ويرون انحصار القوة الإلهية بالله وشدة عذابه لأقلعوا عن غيهم واتخاذهم الأنداد وأنابوا إلى توحيد الله وطاعته. وحذف جواب «لو» لدلالة المقام عليه اختصارا. وليقدر بكل نحو يناسب المقام. قال امرؤ القيس

«فلو أنها نفس تموت سوية

ولكنها نفس تساقط أنفسا»

وقد مرّ بعد الآية السابعة والعشرين شيء من شواهد الحذف لدلالة المقام ١٦٤( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ) في التبيان والبيان العامل في إذ قوله تعالى( شَدِيدُ الْعِقابِ ) والأظهر انها بدل من إذ يروا العذاب أو عطف بيان فالعامل فيها «لو يرى»( وَرَأَوُا الْعَذابَ ) جميعا التابعون والمتبوعون( وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ) السبب هو الحبل الذي يتوصل به إلى الصعود فإذا انقطع بالشخص المتعلق به آيس من نجاته من ورطته. كنى بذلك عن انقطاع


(١٦٥)وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٦)يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ

____________________________________

آمالهم بوسائلهم التي كانوا يتوهمونها ١٦٥( وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً ) لو للتمني والتقدير لو يمكن ان لنا كرة كما تقدمت الإشارة إليه في الآية التسعين. وقيل انها لا تحتاج إلى جواب كجواب الشرط. وقال بعضهم هي لو الشرطية أشربت معنى التمني ومعناه انها تحتاج إلى الجواب ولكن الغالب حذفه لدلالة سياق الكلام عليه. واحتجوا بقول مهلهل بن ربيعة

فلو نبش المقابر عن كليب

فيخبر بالذنائب أي زير

بيوم الشعثمين لقرّ عينا

وكيف لقاء من تحت القبور

فجاء بجوابها مقرونا باللام. ولا بأس بهذه الحجّة وقولها. وربما يكون بعض ما جيء بجوابها مع اللام في القرآن الكريم هي «لو» التي للتمني( فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ ) من المتبوعين بنصب نتبرأ لوقوعها في جواب التمني بعد الفاء( كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا ) أي تبريا ينفعنا في العمل والجزاء في دار لا فيها عمل ولا حساب( كَذلِكَ ) أي كما تبرأ بعضهم من بعض. وتقطعت بهم الأسباب وخابت آمالهم( يُرِيهِمُ اللهُ ) في الآخرة( أَعْمالَهُمْ ) في الدنيا( حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ) أي اسباب حسراتهم على أنفسهم فيما فرّطوا فيها وأقيم المسبب مقام السبب مبالغة ومن مصاديق ذلك ما في التبيان والبيان. روي عن أبي جعفر «ع» قال الرجل يكسب المال ولا يعمل فيه خيرا فيرثه من يعمل منه عملا صالحا فيرى الأول ما كسبه حسنات في ميزان غيره. ورواه أيضا في تفسير البرهان عن أمالي الشيخ المفيد مسندا عن أحدهماعليه‌السلام . وعن الكافي نحوه مسندا أيضا عن أبي عبد الله «ع» كما رواه عن العياشي أيضا( وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) وذلك معنى الخلود فيها والعياذ بالله ١٦٦( يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا ) الأمر هنا للإباحة( مِمَّا فِي الْأَرْضِ ) من بعضه مما أحله الله( حَلالاً ) في نفسه( طَيِّباً ) في مأخذه وفي ذلك بلاغ لكم تعيشون به من نعمة الله ورحمته في هناء وسلامة في الآخرة( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) وتقتفوا أثره في غوايته وطريق ضلاله ووسوسته لكم فإنه لا يوسوس لكم إلّا بما يضركم ولا يدعوكم إلّا إلى ما يوبقكم في الدنيا والآخرة( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) لعداوته ولو تبصرتم فيما يغوي به الكفار


عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٧)إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٨)وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٦٩)وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧٠)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧١)إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ

____________________________________

والفساق لعرفتم انه لا يتخفى بعداوته لكم وارادته مضرتكم في الدارين. وروى في الكافي والتهذيب عن الصادق والباقرعليهما‌السلام ان الحلف على ذبح الولد والحلف بالطلاق والعتاق والنذر وان يقول عليّ الف بدنة وانا محرم بألف حجّة أو ان جميع مالي هدي وكل مملوكي حرّ ان كلمت فلانا إن هذا كله من خطوات الشيطان كما في البرهان مسندا عن العياشي مرفوعا. وروى في الدر المنثور فيما أخرجه الرواة وصحح بعضه الحاكم شيئا من نحو هذا عن ابن عباس وابن مسعود والحسن وجابر بن زيد ١٦٧( إِنَّما يَأْمُرُكُمْ ) الشيطان بغوايته ووسوسته( بِالسُّوءِ ) بحيث تعرفون إذا نظرتم بعين البصيرة انه سوء يزجر عنه العقل والشرع( وَالْفَحْشاءِ ) وهو ما يستعظم قبحه( وَأَنْ تَقُولُوا ) كاذبين( عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) انه منه ١٦٨( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ) أي للضالين عن الحق( اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ ) من الدين والشريعة( قالُوا ) لا نتبع ذلك( بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا ) من الاعتقاد والعمل ويقلدون بذلك آباءهم على عمى وضلال فسفها لهم( أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) وهم كذلك إذ كانوا على غير ما يهدي إليه العقل والشرع ١٦٩( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) في أقوالهم هذه التي لا يتفكرون في فساد معانيها ولا يعرفون غلطها وما يقولونه فيها( كَمَثَلِ ) الأصم( الَّذِي يَنْعِقُ ) كنعاق الراعي في غنمه( بِما لا يَسْمَعُ ) ولا يميز من مداليل نعاقه معنى معقولا( إِلَّا دُعاءً وَنِداءً ) وصوتا بلا معنى وانهم في ذلك( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) كيف ينطقون ١٧٠( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ) نعمه( إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) ليس المراد منه حقيقة الشرط وتعليق الشكر على عبادته. بل لبيان ان الشكر لنعمه ملازم لعبادته عن معرفة بأنه إله العالم وخالقه ومدبره ١٧١( إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ) وهي الحيوان الذي عرض عليه


وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أهل بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ

____________________________________

الموت والمراد منها غير الحيوان المذكى بما شرعه الله له من اسباب التذكية المحللة للأكل( وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ) نص على لحم الخنزير الشامل هنا لشحمه عناية ببيان تحريمه وان كان من الميتة المحرمة( وَما أهل بِهِ ) ورفع الصوت عند ذبحه أو نحره بالتسمية( لِغَيْرِ اللهِ ) كالذي يذبح قربانا للصنم أو الوثن والشجر أو الذي يذكر عليه اسم الصنم والوثن وكلاهما مروي فإنه من الميتة. والحصر في الآية اضافي بالنسبة إلى المأكول من الحيوان( فَمَنِ اضْطُرَّ ) إلى أكل شيء من ذلك بمقدار ما يحفظ به حياته حال كونه( غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ) وقد جاء في القرآن باغ والبغي وما يشتق منه في اكثر من عشرين موردا على معنى واحد لا يتعدى بنفسه وإنما يعدى بعلى. واختلفت كلمات المفسرين واللغويين في تفسيره بحسب ما يتراءى لهم من مناسبات الموارد لاستعماله لا لاختلاف فيه أو اختلافه في تلك الموارد. فقالوا انه الحسد أو الظلم أو الاعتداء أو الفساد من بغى الجرح إذا فسد أو مجاوزة الحد عن الحق أو عن القصد كما في تبيان الشيخ والنهاية والقاموس والمصباح والكشاف ومجمع البيان وهذا غير معنى الباغي بمعنى الطالب. ومنه في القرآن( وَيَبْغُونَها عِوَجاً ) وابتغى ويبتغي وتبتغي ونحوه مما يتعدى بنفسه. وفي الكافي ومعاني الأخبار عن البزنطي عمن ذكره عن أبي عبد الله «ع» الباغي الذي يخرج على الإمام والعادي الذي يقطع الطريق. وسندها صحيح باعتبار رواية الصدوق وكون البزنطي ممن اجمع على تصحيح ما يصح عنه وبذلك فسره في المبسوط والشرائع والقواعد والإرشاد واللمعة. وفي الروضة انه الأشهر. وفي البرهان عن تفسير العياشي عن حماد بن عثمان عن أبي عبد اللهعليه‌السلام الباغي الخارج على الإمام. وعن محمد بن إسماعيل يرفعه إلى أبي عبد الله «ع» الباغي الظالم والعادي الغاصب. وفي التبيان وقيل غير باغ على إمام المسلمين ولا عاد بالمعصية طريق المحقين. وفي البيان هو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام . وفيه نظر فإن روايته عن الباقر غير مذكورة والرواية عن أبي عبد الله «ع» ليست منحصرة بذلك. ففي الكافي والتهذيب عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله «ع» قال الباغي باغي الصيد والعادي السارق. وفي رواية الفقيه والتهذيب عن عبد العظيم الحسني عن أبي جعفر الجواد (ع) الذي يبغي الصيد لهوا وبطرا. وتفسير الباغي في هذه الروايات باعتبار


فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٢)إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٣)أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٤)ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ

____________________________________

ان ما ذكر فيها من مصاديق البغي والباغي. اما الخارج على الإمام فظاهر واما طالب الصيد لهوا وبطرا فباعتبار ان هذا النحو من التصيد مصداق من مصاديق البغي. ففي الكافي والتهذيب عن أبي عبد الله (ع) ان الخروج إلى الصيد صيد اللهو ليس بمسير حق. وفي الكافي والتهذيب وعن المحاسن انه مسير باطل. وعن الخصال عن الكاظم (ع) قال قال رسول الله اربعة يفسدن القلب وينبتن النفاق وعد منها الصيد. ثم ان كلا من الروايتين في تفسير الباغي تكون قرينة على ان لا ينحصر تفسير الباغي بما ذكرته. بل هو احد المصاديق ولكن خرج في نقل الرواية والسؤال والجواب بهذا الأسلوب. اذن فكل من صدق عليه انه باغ أو عاد لم يجز له ان يتناول من الميتة وان اضطر إليها أخذا بإطلاق الكتاب المجيد( فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) إذا أكل مما ذكر بمقدار ما يحفظ به نفسه وما فوق هذا المقدار محرم لأنّه غير مضطر إليه( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١٧٢إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ) اي يستبدلون به( ثَمَناً ) ومها بلغ ذلك الثمن كان( قَلِيلاً ) بالنسبة لكتمانهم لما انزل الله( أُولئِكَ ) خبر ان( ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ) من هذا الثمن الخسيس( إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ ) فلا يغتروا بأن الناس في الدنيا الفانية يكلمونهم ويزكونهم فإن لهم شديد العقاب( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ١٧٣أُولئِكَ الَّذِينَ ) في عملهم هذا قد( اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ ) ففعلوا بذلك فعل الصابر على النار بصبر عظيم( فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ١٧٤ذلِكَ ) وهو ان الله لا يكلمهم ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم( بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِ ) بينا هداه كافية دلائله( وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ ) شقاقا ونفاقا( لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ) امده ١٧٥( لَيْسَ الْبِرَّ ) ايها الناس هو( أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ) فيما اعتدتم عليه من صور عباداتكم التي لا يسعكم


(١٧٥)لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ

____________________________________

تركها بين الناس( قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) اي نحوهما على سبيل المثال( وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ ) حق الإيمان ولم يشرك به شيئا ولم يهدم ايمانه باتباع الهوى والشيطان في مخالفة أوامر الله ونواهيه( وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) يوم القيامة وحقيقة الإيمان به ان يظهر اثره على أفعاله وأقواله وأخلاقه( وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ ) القرآن ويلزمه الإيمان بما ذكر فيه من الكتب الإلهية( وَالنَّبِيِّينَ ) ورأس ذلك وأساسه هو الإيمان بخاتمهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فإنه بالإيمان به ينفتح باب الايمان بمن سبقه من الأنبياء لأنّه (ص) اخبر بهم وذكروا في القرآن المنزل عليه ولو لا ذلك لما وجد الطريق إلى معرفتهم لأن نقل معجزاتهم وادعاءهم النبوة منقطع مريب( وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ) اي حب الله خالصا لوجهه الكريم( ذَوِي الْقُرْبى ) قال في التبيان والبيان أراد به قرابة المعطي. أقول وهو اقرب من حيث اللفظ وفيهما أيضا ويحتمل أن يكون أراد قرابة النبي. أقول وهو اقرب في العادة إلى إيتاء المال على حب الله خالصا لوجهه فإنه ابعد عن الدواعي النفسانية وحب الأقرباء وفي البيان وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليه‌السلام . قلت ولم أجد الرواية بالنسبة لهذه الآية( وَالْيَتامى ) المحتاجين( وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ) المسافر المحتاج في سفره وان كان له مال لا يصل إليه( وَالسَّائِلِينَ ) منه مالا( وَفِي ) عتق( الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ ) بحدودها( وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا ) ذكر الشرط لبيان هذا النحو من العهد وهو الذي يصدر منهم وجيء بصيغة الجمع للاشارة إلى العهود التي تقع بين الجماعات من الناس وللتعريض بغدر بني النضير وقريضة وأمثالهم ممن لم يرع في العهد إلّا ولا ذمة( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ ) الفقر ونحوه( وَالضَّرَّاءِ ) المرض ونحوه( وَحِينَ الْبَأْسِ ) الحرب وشدتها ونصب الصابرين على المدح لما في صبر هؤلاء الصابرين من الفضيلة الكبرى إذ عليه يبتني الثبات على الدين والطاعة لله وشكر نعمه والشدة والاقدام في نصرة الحق والسلامة من


(١٧٦)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى

____________________________________

الضلال والارتداد( أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) ومن المعلوم انه لم يجمع هذه الصفات من صحابة رسول الله (ص) إلّا امير المؤمنين عليعليه‌السلام واستقراء الأحوال. ومنها يوم أحد والأحزاب وخيبر وحنين يعرفك اختصاصه (ع) بهذه الفضيلة. فهو معني بهذه الآية يقينا واما غيره فلا أقل من الشك في جامعيته لها. وفي مجمع البيان عن الزجاج والفراء انها اي هذه الصفات وجامعيتها مخصوصة بالأنبياء المعصومين وليت شعري ما ذا نقموا من أبي الحسن. واما قوله (تعالى)( وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ ) فهو أسلوب فائق من البلاغة يخرج الكلام به من صورة الفرض الذي لا يهم في البيان إلى صورة الوقوع والحجة بالعيان. قال الحارث بن حلزة اليشكري

والعيش خير في ظلال النو

ك ممن عاش كدا

وقال النابغة الجعدي

كأن غديرهم بجنوب سلى

نعام قاق في بلد قفار

وقال الحطيئة

وشر المنايا ميت وسط اهله

كهلك الفتى قد اسلم الحي حاضره

فالغرض من الآية هي الإشارة إلى الذين اتصفوا بهذه الصفات وأشرقت الأرض بنورهم والاحتجاج والمقابلة بهم لا مجرد المقابلة بين تولية الوجه قبل المشرق والمغرب وبين حقيقة البر. ولو قيل ولكن البار من آمن إلى آخره لخرج الكلام إلى الفرض لا الوقوع. وكذا لو قيل ولكن البر بر من آمن ١٧٦( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ ) في الشريعة رعاية لحق المقتول وأوليائه( الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى ) القصاص أخذ الجاني بمثل جنايته واتباع اثره فيها وهذا خاص بالعمد لقوله تعالى في سورة النساء( وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ) الآية. وعلى ذلك اجماع المسلمين وأحاديثهم وما كل المسلمين تتكافأ دماؤهم وتتساوى. بل( الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ) ويقيد اطلاق جنسهما في شموله للذكر والأنثى بقوله تعالى( وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى ) كما يتقيد اطلاق هذا بقوله تعالى( الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ) فإن الأمة المسلمة لا تكافئ المسلمة الحرة. وفيما يتعلق بهذه الآية مبحثان «الأول» فيما خرج من إطلاقها وفيه مسائل.

«الأولى» لا يقتل مسلم بكافر وان كان ذميا. وعليه إجماع الإمامية وكثير من الجمهور. ولم يعرف الخلاف فيه منهم إلّا عن الشعبي والنخعي وأبي حنيفة وصاحبيه. ويردهم قوله تعالى في


سورة النساء( وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) نعم تثبت الدية للذمي بنص الآية الرابعة والتسعين من سورة النساء. فإن كان ذلك منافيا لظاهر نفي السبيل كان تخصيصا له ويبقى ما عداه لحكم العموم. ويحتج عليهم أيضا بما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي بأسانيدهم عن أبي جحيفة عن عليعليه‌السلام في الصحيفة التي عن رسول الله (ص) لا يقتل مسلم بكافر. واخرج أحمد والنسائي وابو داود بأسانيد صحيحة عندهم عن أبي حسان تارة وعن قيس بن سعد اخرى عن علي (ع) في الصحيفة التي عهد بها رسول الله. المؤمنون تكافأ دماؤهم ـ لا يقتل مؤمن بكافر الحديث» والمراد من تكافأ دمائهم ان الصغير يكافئ الكبير والوضيع الشريف. وعن أحمد وابن ماجة عن ابن عمر عن النبي (ص) مثله. وفي كنز العمال في ذلك عدة أحاديث. نعم المشهور عند الإمامية ولعله اجماع ان المسلم إذا اعتاد قتل أهل الذمة قتل تأديبا ولا كرامة له كما نطقت به أحاديثهم. وفي الكنز عن عبد الرزاق في جامعه وق عن عمر نحو ذلك

«الثانية» لا يقتل الأب بابنه بإجماع الإمامية وأحاديثهم الكثيرة وهو المعروف من فقهاء الجمهور ورواه في كنز العمال مما أخرجه ابن أبي شيبة وابن ماجه والطبراني في الأوسط وابن عساكر واحمد في العلل والدارقطني وعبد الرزاق في أحاديثهم عن عمر عن رسول الله (ص) وأسنده الترمذي عن عمر وسراقة بن مالك عنه (ص) وقال الترمذي ان العمل على هذا عند أهل العلم. وعن مالك ان ذبحه ذبحا أو شق بطنه فعليه القود. واما الأم فإنها تقتل بولدها على أصولنا إذ لم يثبت المخرج لها

«الثالثة» لا يقتل حر بعبد ولا حرة بأمة سواء كان المقتول ملكا للقاتل أو لغيره. وعليه اجماع الإمامية وأحاديثهم. قيل وهو مذهب الصحابة. بل لم يعرف الخلاف من الجمهور إلّا من النخعي حيث قال يقتل بعبده وعبد غيره. وقال أبو حنيفة يقتل بعبد غيره ويحتج عليها من حديثهم بما أخرجه البيهقي عن ابن عباس عن النبي (ص) لا يقتل حر بعبد. وما أخرجه ابن عبد الرزاق في جامعه عن عمر لا يقاد العبد من الحر. وما أخرجه ابن أبي شيبة والقزويني ان أبا بكر وعمر يقولان لا يقتل المولى بعبده.

«المبحث الثاني» ان الآية مسوقة لبيان التساوي والتكافؤ فلا دلالة فيها على حصر القصاص وانحصاره بخصوصيات هذه المقارنات الثلاث بحيث لا يقتل كل إلّا بمن جعل في الآية مقارنا


فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ

____________________________________

له. ولا بما إذا كان القاتل واحدا. ويشهد لذلك اجماع المسلمين وأحاديثهم على عدم الالتزام بهذه المقارنات وفي ذلك مسائل.

«الاولى» يعرف ما يحصل به التكافؤ والتساوي والجبران في القصاص بالنظر إلى السنة في التفرقة بين دية الرجل والمرأه

«الثانية» إذا قتلت المرأة رجلا أو قتل العبد حرا كفى قتل الجاني بإجماع الإمامية وحديثهم بانه لا يجني الجاني على اكثر من نفسه ولا يحضرني نقل خلاف فيه من الجمهور

«الثالثة» إذا قتل جماعة واحدا بحيث لو انفرد كل منهم بجنايته كان بها التلف جاز أن يقتلوا به جميعا إلّا من كان لو انفرد لا يقتل به كالأب بالنسبة للولد والمسلم بالنسبة للذمي والحر بالنسبة للعبد. وعلى كلي المسئلة اجماع الإمامية وأحاديثهم. والجمهور ومنهم في ملتقى الأنهر نقلوا عليه اجماع الصحابة وكأنهم لم يعتنوا بما يحكى من خلاف ابن الزبير ومعاذ. بل لم يعرف الخلاف من فقهائهم إلّا من ابن سيرين والزهري وربيعة وداود وأصحابه أهل الظاهر. والحجة أيضا على ما ذكرناه من القرآن الكريم اطلاق قوله تعالى( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى ) والذي بعد ذلك إنما ينظر إلى المساواة والمقابلة لا إلى التقييد. نعم كل واحد يردّ عليه من ديته بقدر ما على أصحابه من الجناية. وظاهر بعض الأصحاب ان قتل الولي لكل واحد يتوقف على أداء ما يرد عليه من ديته. وفي المسئلة فروع تتكفل بها كتب الفقه

«الرابعة» إذا قتل الرجل امرأة جاز ان يقتل بها بعد أن يردّ أولياؤها ما يفضل به عليها وهو نصف ديته. ومن ذلك والمسئلة السابقة يعرف الحكم فيما لو اشترك اكثر من واحد. هذا وان كتابة القصاص وشرعيته على المؤمنين بأن ينقادوا ويسلموا أنفسهم له إذا جنوا ليدل بالأولوية على كتابته على غيرهم من أهل الذمة والمستأمنين إذا قتلوا محترم النفس ولو بالعرض. ولا ينافي ذلك سقوطه بعفو الولي كل العفو. وجوار العفو ورجحانه بآيات العفو في القرآن الكريم أو بعفو بعض العفو كأن يعفو عن خصوصية القتل ويصالحه على الدية كقوله تعالى( فَمَنْ ) كان ممن عليهم القصاص( عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ ) وفي التعبير بالأخ ترغيب في العفو بالإشارة ان الجاني من المسلمين أخ اسلامي للولي والولي اخوه وينبغي للأخ ان يرعى


شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إليه بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٨)كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ

____________________________________

لأخيه اخوّته ويسامحه ويقيله عثرته( شَيْءٌ ) صفة للمفعول المطلق النائب عن الفاعل اي بعض العفو وشيء منه بأن رضي منه بالدية كما يدل عليه باقي الكلام( فَاتِّباعٌ ) اي فالمعاملة المناسبة ان تكون بينهما بعد العفو والشأن الذي ينبغي أن يكون بينهما في هذا المقام هو اتباع من الولي للجاني الذي استقرت عليه الدية( بِالْمَعْرُوفِ ) كالنظرة إلى الميسرة( وَأَداءٌ ) من الجاني( إِلَيْهِ ) اي الولي( بِإِحْسانٍ ) كما احسن إليه بالعفو عن القصاص( ذلِكَ ) اي شريعة العفو والانتقال إلى الدية بالاتباع بالمعروف( تَخْفِيفٌ ) عليكم ايها الجانين( مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ ) وعاد إلى القتل( فَلَهُ عَذابٌ ) في الآخرة( أَلِيمٌ ١٧٧وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ ) المذكور( حَياةٌ ) فانه احسن رادع للناس عن جرأتهم على قتل النفوس الذي ربما يجني حربا يفنى فيها كثير من الناس فإن القصاص قتل لا يقدم عليه لما فيه من ذلة الانقياد إلى ما يعلمه من القتل صبرا حيث لا مانع ولا رادع. فهو فيه حياة للناس من حيث الأمن من القتل ظلما ومما تجنيه عواقبه وحياة لمن يرتدع عنه بخوف القصاص فهب انه مات اتفاقا بحق القصاص انسان واحد ظالم لكن تحفظ بذلك حياة كثيرين كما لا يخفى ذلك عليكم( يا أُولِي الْأَلْبابِ ) والعقول الذين يعرفون الغلط في قول بعض الناس ان القصاص محض نقصان في حياة الإنسان. وقد كتب القصاص لغاية ان تتقوا قتل الناس خوفا منه أو تتقوا الله في ذلك ولكن لأجل ان الاتقاء والتقوى أمر اختياري للإنسان لا إلجاء فيه قيل فيه( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٧٨كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) اي قرب منكم بان ظهرت أماراته بالمرض ونحوه( إِنْ تَرَكَ خَيْراً ) اي مالا( الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ ) بما هما والدان لا بقيد اجتماعهما في الحياة والوصية نائب الفاعل لكتب( وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ) اقرب الأقرباء وقد يكونون اثنين أو جماعة في مرتبة واحدة من القرابة وقد يكون الأقرب واحدا وجرى الجمع في الآية باعتبار الناس لا للتقييد بالجمع( حَقًّا ) الظاهر انه حال من الوصية( عَلَى الْمُتَّقِينَ ) لله وفي هذا تأكيد لكتابتها. ولا يخفى ان المسلمين مجمعون على ان هذه الوصية غير واجبة


(١٧٩)فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨٠)فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أو إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ

____________________________________

بعد زمان من الهجرة إلى آخر الأمر. وأجمعت الإمامية على ان شرعية الوصية للوارث غير منسوخة وعلى ذلك أحاديثهم. ويمكن أن يكون الوجوب المذكور في الآية كان في بدء التغيير بالشريعة لمواريث الجاهلية فإنهم كانوا لا يورّثون النساء ولا الأطفال ولا من يعجز عن حمل السلاح فاقتضت الحكمة أن يكون التغيير تدريجيا بنحو الوصية أولا ثم بأحكام المواريث فإن تغيير الميراث الجاهلي صعب على الناس. ولذا ترى كثيرا من القبائل حتى في هذه الأزمنة لا ينقادون للميراث الشرعي. بل يجرون على النحو الجاهلي ١٧٩( فَمَنْ بَدَّلَهُ ) اي الإيصاء مطلقا المدلول عليه بذكر الوصية لا خصوص الوصية المتقدمة كما يدل عليه التذكير المتكرر لضميره اربع مرات كما يشهد له ما استفاضت روايته عن الأئمةعليهم‌السلام بهذه الآية للوصية بالمال في سبيل الله والحج( بَعْدَ ما سَمِعَهُ ) وعلم به ولو بالبينة( فَإِنَّما إِثْمُهُ ) اي الذي يترتب على مخالفة الإيصاء( عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) فإن الموصي إذا لم يكن مقصرا بتأخير ما اوصى به خرج بالوصية عن عهدته وإثمه دينا كان أو عينا وبقي الإثم كله على المبدّل( إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) لا يخفى عليه شيء من ذلك ١٨٠( فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً ) ميلا عن الحق خطأ( أَوْ إِثْماً ) كالوصية بما لا يخفى كونه معصية. وظاهر الآية خوف ما وقع من الجنف أو الإثم لا خوف وقوعهما في المستقبل أو الخوف في المستقبل كما لو قيل ان خاف أو ومن يخاف ومقتضى الخوف أن يكون ذلك في مقام الابتلاء والعمل وهو ما بعد موت الموصي وخوفهما هو الخوف من تبعات العمل بهما أو ترك ردهما إلى الحق ولو من باب الأمر بالمعروف للقادر عليه كما تقول خفت الأسد إذا خفت من تبعات عاديته( فَأَصْلَحَ ) أصلح عمله وعمل الصالح برد الوصية إلى الحق المشروع كقوله تعالى في سورة المائدة ٤٣( فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ ) ونحوه في سورة المائدة ٤٨ و ٥٤ وغير ذلك( بَيْنَهُمْ ) ظرف لأصلح والضمير يعود إلى الوارث والموصى لهم كما يدل عليه المقام. وفي مجمع البيان انشد الفراء في مثله

«أعمى إذا ما جارتي خرجت

حتى يواري جارتي الخدر»

«ويصمّ عما كان بينهما

سمعي وما بي غيره وقر»


فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨١)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٢)أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ

____________________________________

أي عما كان بينها وبين زوجها. وبما ذكرناه جاءت الرواية عن أهل البيت «ع» كما في الكافي في مرسل علي بن إبراهيم المضمر وصحيح محمد بن سوقه عن الباقر «ع». وفي الفقيه في مرفوعة يونس عن الصادق «ع». ورواه ابن جرير من الجمهور في تفسيره عن ابن عباس وقتادة والربيع وابراهيم بل والسدي ولم يذكر خلافا صريحا إلّا عن مجاهد( فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) بيان للأمن من إثم التبديل المذكور في الآية وتخصيص عمومه واكتفى برفع توهم الحظر لأن جهة الوجوب في هذا الإصلاح واضحة ولزيادة التأمين قال تعالى( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) للمذنبين. فكيف يخاف من أصلح وردّ جور الوصية إلى حق الشريعة ١٨١( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ ) وفرض( عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) وهو في اللغة الإمساك والكف عن الشيء قيل ومنه قول النابغة الذبياني

«خيل صيام وخيل غير صائمة

تحت العجاج وخيل تعلك اللجما»

ويراد به في الشرائع إمساك مخصوص على حسب ما تقتضيه المصلحة في تخصيصه وحدوده في الشريعة ولا يخرج بإرادة الخصوصية ولا بفهم الخاص بقرائن الشريعة عن كونه مصداقا للمعنى اللغوي( كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) أي ككتابته عليهم وحظيتم بفضله واللطف به كما حظوا. وقيل المراد تسلية المؤمنين بذلك وقد دلت الآثار على انه مختلف بحسب الشرائع في الحدود والوقت. ففي رواية العلل عن الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام عن جده «ص» ان الصوم على الأمم كان اكثر مما هو على المسلمين في شهر رمضان. وفي رواية الفقيه عن حفص بن غياث عن الصادقعليه‌السلام ان صوم شهر رمضان لم يفرض على الأمم قبلنا وإنما فرض على الأنبياء. وقد اختلفت روايات الجمهور في هذا المقام( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) بمعنى لتتقوا بلام الغاية وأبدلت بلعلّ لكون التقوى اختيارية وحصول التقوى بالصوم هي الغاية العامة للناس وان اشتمل على غايات أخر لكسره للشهوات الباعثة على المعاصي ١٨٢( أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ) لا تتجاوز مقدار الشهر إلى الأشهر. وقوله تعالى بعد آية شهر رمضان.( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً ) الآية. يبين فيه مقدار الأيام ومحلها. والعامل في أياما هو الصيام وهو كاف في العمل في الظرف فلا حاجة إلى فضول التقدير( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً )


فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيّام أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ

____________________________________

يزيد الصوم مرضه أو يبطؤ بسببه برؤه( أَوْ عَلى سَفَرٍ ) وبيان السفر ومقداره موكول إلى السنة( فَعِدَّةٌ ) بالرفع كما عليه مصاحف المسلمين وقراءتهم المتداولة حتى القراءات السبع. والتقدير فالذي كتب الصيام فيه في الحالين كما يدل عليه اللفظ والسياق ولا دلالة على تقدير غيره هو عدة( مِنْ أيّام أُخَرَ ) في غير المرض والسفر والعدة هي بمقدار الفائت بالسفر والمرض كما يدل عليه قوله تعالى( أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ) وسوق الشرط والجزاء يدل على ان الصيام في المرض والسفر المذكورين غير مكتوب ولا مشروع كما انه في الأيام الأخر هو المكتوب والواجب المشروع وعلى ذلك اجماع أهل البيت «ع» وأحاديثهم( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) أي يأتون به جهد طاقتهم. قال في النهاية الطوق اسم لمقدار ما يمكن ان يفعل بمشقة منه. ومنه حديث عامر بن فهيرة «كل امرء مجاهد بطوقه» أي أقصى غايته. واخرج ابن جرير عن ابن عباس( الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) يتكلفونه. ومن طريق آخر عنه من لم يطق الصوم إلّا على جهد. وفيما ورد من قراءته يطوّقونه. اخرج ابن جرير كما عن الأنباري عنه يتجشمونه ويتكلفونه. وقد كثرت الرواية في الكتب ان ابن عباس كان يقرأ يطوقونه لهذا المعنى. ورويت هذه القراءة عن عائشة وعكرمة وعطا ومجاهد وسعيد بن جبير. واخرج ابن جرير عن عليّ أمير المؤمنين «ع» ان الآية نزلت في الشيخ الكبير وكثرت الرواية بذلك عن ابن عباس وتصريحه بأنها غير منسوخة. وعن أنس بن مالك انه ضعف عن الصوم عاما قبل موته فأفطر فصنع جفنة من ثريد فدعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم كما ذكر كل ذلك ونحوه في تفسير الطبري والدر المنثور. وفي الصحيح عن الباقر «ع» قوله تعالى( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ) قال الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش. ونحوها مرسلة ابن بكير عن أبي عبد الله. ورواية العياشي عن أبي بصير ورفاعة عن الصادق «ع». والروايات في نفس الحكم مستفيضة وفيها العجوز الكبيرة والمرأة تخاف على ولدها وعليهم( فِدْيَةٌ ) لكل يوم( طَعامُ مِسْكِينٍ ) وقدر في الروايات بمد من حنطة( فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً ) تقدم تفسير ذلك في الآية السادسة والخمسين بعد المائة( فَهُوَ ) أي التطوع( خَيْرٌ ) حاصل( لَهُ ) ولا دليل على اختصاصه بزيادة الإطعام بل هو عام ومن موارده الصوم


وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

____________________________________

المكتوب( وَأَنْ تَصُومُوا ) مصدره في مقام المبتدأ وعدل إلى الفعل ليتجلى منه الصدور من الفاعل والترغيب في اختياره في المستقبل( خَيْرٌ لَكُمْ ) خبر المبتدأ تعرفون انه خير لكم( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ان التكليف لطف من الله بعبده وان الطاعة وامتثال الفرائض معراج للسعادة وان الصيام فيه فضل كبير وفوائد كثيرة وقد تكرر الترغيب والتأكيد في أمر الصيام بقوله تعالى( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) .( فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً ) . و( أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) . وذلك لأجل ما في الصيام من الفضل العظيم والكلفة في إمساكه. وقال بعض ان قوله تعالى( وَأَنْ تَصُومُوا ) الآية راجع إلى من رخص له بالفدية. ويدفعه «أولا» انه لا معين لرجوعه إلى ما ذكر مع صلاحيته للرجوع إلى غيره «وثانيا» ان رجوعه إلى ما زعموا لا يناسب التأكيد بقوله تعالى إن كنتم تعلمون «وثالثا» سياق الخطاب في الآية يقضي بأنه خطاب لمن خوطبوا بأنهم كتب عليهم الصيام. والذي عليه الفدية إنما جاء بلفظ الغيبة. وقال بعض انه راجع إلى الصيام في السفر ويدفعه «أولا» انه لا معين لرجوعه إلى ذلك مع صلاحيته للرجوع إلى غيره «وثانيا» انه لا يناسب سوق الآية بأنّ المكتوب في السفر هو عدة من أيّام أخر. وليس في حكم السفر ذكرا وإشارة إلى البدلية لكي يفضل احد البدلين على الآخر. بل الذي ذكر هو ان صوم العدة من أيّام آخر هو المكتوب ولو أراد الله الرجوع إلى ما زعموا لما ساق كلامه المجيد بأسلوب يأباه «وثالثا» منافاته لما صح عن رسول الله (ص) من قوله ليس من البر الصيام في السفر. كما رواه أحمد والبخاري ومسلم وابو داود والنسائي وعن ابن حبان في صحيحه عن جابر عنه (ص). وابن ماجه عن ابن عمر عنه (ص) واحمد والنسائي وعن عبد الرزاق في جامعه والطبراني والبيهقي عن كعب بن عاصم الأشعري عنه (ص). وما رواه ابن ماجة عن عبد الرحمن بن عوف عنه (ص) والنسائي عن عبد الرحمن موقوفا الصائم في السفر كالمفطر في الحضر. وما عن الديلمي في الفردوس وعبد الرزاق في جامعه عن ابن عمر عنه (ص) ان الله تصدق بإفطار الصائم على مرضى امتي ومسافريهم أفيحب أحدكم ان يتصدق على احد بصدقة ثم يظل يردها. وروى نحوه في الكافي والفقيه والعلل والتهذيب في الصحيح عن الصادقعليه‌السلام عن رسول الله (ص). وما أخرجه النسائي والترمذي ونص على صحته


عن جابر ان رسول الله (ص) في سفره إلى مكّة عام الفتح دعا بقدح ماء فأفطر وأفطر بعض الناس وصام بعض فبلغه ان ناسا صاموا فقال أولئك العصاة. ورواه في الكافي والفقيه في الصحيح عن الصادق (ع) قال ان رسول الله الحديث. وما أخرجه أحمد والأربعة وجماعة عن انس الكعبي عن النبي (ص) انه دعاه إلى الطعام فاعتذر بالصيام فقال له (ص) ان الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصيام. واخرج النسائي أيضا عن عمر بن امية الضمري عنه (ص) نحوه. وما في كنز العمال عن الشافعي والبيهقي في المعرفة عن سعيد بن المسيب مرسلا عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله خياركم الذين إذا سافروا قصروا الصلاة وأفطروا ورواه في الكافي والفقيه في الصحيح عن الباقر (ع). وما عن عبد الرزاق في جامعه وابن شاهين في السنة وجعفر الفريابي في سننه ان عمر أمر رجلا صام في شهر رمضان في سفره ان يقضيه. وما قاله الترمذي رأي بعض أهل العلم من اصحاب النبي (ص) ان الفطر في السفر أفضل حتى رأى بعضهم ان عليه الإعادة إذا صام في السفر. وحكى غير واحد هذا القول عن عمر بن الخطاب وابن عباس وعبد الله ابن عمر وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وعروة بن الزبير. هذا واما ما يتشبثون به من الأحاديث فمنه ما هو وارد في الصوم المستحب لحديث حمزة الأسلمي فإنه فيه كنت اسرد الصيام أو كان كثير الصيام. ومنه ما هو مردد بين الواجب والمستحب فلا تشبث بذلك أصلا. واما ما كان التخيير فيه صريحا بالصيام في شهر رمضان فمع غضّ النظر عن سنده ومخالفته لأهل البيت وكثير من الصحابة واجماع الإمامية وابتلائه بما ذكرناه من المعارضات وعدم صلاحيته للتصرف بأسلوب الآية والتي بعدها لا يخفى انه يلزم في التشبث به ان يثبت ان مدلوله كان بعد نزول الآية الشريفة والتي بعدها وانى بإثبات ذلك. وعن العياشي عن محمد بن مسلم عن الصادق (ع) ان الآية نزلت ورسول الله في كراع الغميم عند صلاة الفجر فأفطر وامر الناس أن يفطروا وسمى من أراد الصيام بالعصاة. فإن قيل ان سورة البقرة كان نزول آية القبلة منها في السنة الثانية من الهجرة فكيف يتأخر النزول لبعض آياتها إلى عام الفتح قلت أي بعد في ذلك وان سورة البقرة لم يحدد ختامها. وقد روي من طرقنا ما ذكر من أن آية الصفا والمروة نزلت في عمرة القضاء في السنة السابعة من الهجرة واخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن كعب بن عجرة انه نزل في شأنه في الحديبية قوله تعالى من السورة( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أو بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ ) الآية. وكانت عمرة الحديبية في ذي القعدة من السنة


(١٨٣)شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيّام أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ

____________________________________

السادسة. ومن المعلوم ان التمتع بالعمرة إلى الحج لم يكن معهودا في الشريعة قبل حجّة الوداع. بل يعرف من أحاديثه ان أمره شيء نزل على رسول الله في ذلك الحين فكلما نزل في سورة البقرة في شأن حج التمتع وهديه نزل في حجّة الوداع حتى قوله تعالى( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) كما هو في روايتنا عن الصادقعليه‌السلام ١٨٣( شَهْرُ رَمَضانَ ) تفسير للأيام المعدودات أي وهي شهر رمضان. وفي الكافي والفقيه وغيرهما عن الباقر (ع) لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله ولكن قولوا شهر رمضان. وعن امير المؤمنين (ع) ما يقرب من هذا. وفي كنز العمال مثل قول الباقر (ع) عن ابن عمر وأبي هريرة( الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) إلى البيت المعمور في السماء ثم صار ينزله جبرائيل نجوما على رسول الله (ص) كما في الكافي عن الصادقعليه‌السلام . وفي تفسير ابن جرير عن ابن عباس. وفي الدر المنثور فيما أخرجه جماعة وصحّحه الحاكم عن ابن عباس وفيه إلى بيت العزة( هُدىً ) حال من القرآن أي هاديا( لِلنَّاسِ وَ ) دلائل( بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ ) في الكافي وعن العياشي عن أبي عبد الله (ع) القرآن جملة الكتاب والفرقان المحكم الواجب العمل به. ثم قسم الله حال الناس في وقت صومهم ومشروعيته ووجوبه تأكيدا لما سبق ورفعا للشكوك فقال جلّ شأنه( فَمَنْ شَهِدَ ) أي حضر( مِنْكُمُ الشَّهْرَ ) الشهر منصوب على الظرفية أي حضر فيه وهو غير مريض( فَلْيَصُمْهُ ) فإنه الوقت الموقت لصيامه( وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ ) فالمكتوب عليه ووقت صيامه المكلف به عدة أي عدة ما لم يصمه في شهر رمضان( مِنْ أيّام أُخَرَ ) لا يكون فيها مريضا ولا مسافرا ففصل الله بين الحكمين وميز بين الموضوعين فجعل لصوم الحاضر وقتا ولصوم المسافر وقتا. ولو كان صوم المسافر في شهر رمضان راجحا عند الله لما أكد هذا التقسيم والتمييز بين الموضوعين والوقتين بهذا السياق البين ولكان ذكره في هذه الآية أولى من التي قبلها لما فيه من بيان الفضل لشهر رمضان وصومه بل ان الله جلت آلاؤه ذكر في هذه الآية ما يزيد في البيان ويعزز الإيضاح فقال جلت آلاؤه( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ )


وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

____________________________________

النوعي بإفطار المريض والمسافر( وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) النوعي فالصوم في السفر غير مراد لله لأن فيه عسرا نوعيا. وفي الكافي والفقيه عن عبيد بن زرارة قال قلت لأبي عبد الله (ع) قوله تعالى( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) قال (ع) ما أبينها من شهد فليصمه ومن سافر فلا يصمه. وعن العياشي عن زرارة عن الباقر (ع) ما أبينها لمن عقلها. ولأن قوله تعالى( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ) في مقام التعليل وبيان بعض الغايات في كتابة الصيام على النهج المذكور في الآيتين فباعتبار جعل الصوم في المرض والسفر في أيّام أخر علل بالتيسير كأنه قيل ليتيسر عليكم( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ) عطفا على المقدر فتفوزوا بفضل صوم الأيام المعدودات كاملة العدد بخلاف ما لو لم يشرع ذلك واضطر المريض والمسافر إلى الإفطار كما هما مظنة للاضطرار إلى ذلك نوعا. وباعتبار الهداية إلى شريعة الحق قال جل اسمه( وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ ) على هدايتكم إلى الدين والشريعة وهذا التكبير مستحب عندنا بالإجماع ولا يضر الخلاف النادر. وبذلك قال الشافعي وأحمد وابو حنيفة على ما نقل عنه ونسبه في الخلاف إلى الفقهاء. ووقته عندنا بعد صلاة المغرب من ليلة شوال والعشاء والصبح. والعيد بإجماع الإمامية ورواية الكافي والفقيه عن سعيد النقاش عن الصادق (ع) ورواية الإقبال بسنده عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع). ويقرب من مذهب الإمامية ما أخرجه ابن جرير في تفسيره بسنديه عن زيد بن أسلم وابن عباس. وصورة التكبير مذكورة في كتب الفقه( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) اي ولتشكروا الله على نعمته عليكم بدين الحق ولطفه بتشريع الصيام وما فيه من الفوائد وتيسيره عليكم وعلى نعمة الطعام والشراب إذ تلتفتون إليها بجوعكم وعطشكم. ولا يخفى ان الشكر المطلوب ليس من الأفعال الموقتة المنقطعة التي يسوق إليها التكليف كإكمال العدّة والتكبير بل هو عمل نفسي دائم كالتقوى والاهتداء يرجع إلى اختيار الإنسان ان يديم التفاته إلى نعم الله ومعرفة قدرها وفقره إليها وعجزه عنها فيختار الشكر الثابت. وذلك يحتاج إلى قوة في الاختيار وثبات عليه وعلى مجاهدة الأوهام المعارضة. ولأجل هذه النكتة جرى التعبير عن التعليل والغاية بقوله تعالى( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) وكذا نظائره مما قيل في تعليله «لعلكم» وأما مقدار


(١٨٤)وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٥)أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ

____________________________________

السفر الذي لا يصام فيه وصفته وصفة المرض فبيانه موكول إلى معرفته من السنة والإجماع في كتب الفقه ١٨٤( وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي ) اي فأخبرهم اني ونحو ذلك وهو العامل في إذا( قَرِيبٌ ) باللطف والرحمة والاجابة. لأنّه يجل عن المكان( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ) ذكر الشرط مع انه معلوم مما قبله لأجل التنبيه على انه ما كل من يدعو الله لحاجته هو داع لله بحقيقة الدعاء لله من حيث الانقطاع وصدق التوجه إلى الله ومعرفته. ومن معرفته الإذعان بحكمته وسعة رحمته لعباده( فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ) فيما دعوتهم إليه مما فيه صلاحهم وسعادتهم ورشدهم. وكأن هذه الجملة في مقام الشرط أي ان أرادوا أن أجيب دعوتهم فليستجيبوا لي( وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) اي ليرشدوا وقد سبق الكلام على مثله ١٨٥( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ ) الرفث هنا هو الإفضاء إلى النساء بالجماع( هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ ) كناية عن شدة ارتباط المرأة والرجل في التمتع( عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ ) وتوقعونها في فعل الحرام( فَتابَ عَلَيْكُمْ ) مما فعلتم( وَعَفا عَنْكُمْ ) أي عن تحريم الجماع في ليلة الصيام من شهر رمضان( فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ ) الأمر للاباحة والمباشرة إيصال بشرة إلى بشرة وهي ظاهر الجلد كنى بذلك عن الجماع لأن المباشرة من مقدماته اللازمة. والمراد من الآن ما بعد نزول الآية. والآية بنفسها تدل على ان الجماع كان محرما في ليلة الصيام مطلقا أو في حال خاص. وان بعض المسلمين فعلوا المحرم وجامعوا فنسخ ذلك التحريم عفوا من الله. وفي الكافي في الصحيح مسندا عن الصادقعليه‌السلام ما حاصله كان الجماع والأكل والشرب محرمة في شهر رمضان على من نام أي بعد العشاء فاتفق لرجل انه نام فلما عمل في النهار في الخندق صار يغشى عليه فنزلت الآية. وفي تفسير القمّي عن أبيه مرفوعا عن الصادق (ع) نحوه وزاد وكان قوم من الشبان ينكحون بالليل سرا فأنزل الله الآية. وروى نحو ذلك في الدر المنثور من طرق متعددة. وزاد انه أخرج ابن جرير وابن


وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلى اللَّيْلِ

____________________________________

المنذر في حديث عن ثابت وابن جرير وابن أبي حاتم فى آخر عن ابن عباس. واخرج ابن جرير في ثالث عن ثابت ان من المجامعين بعد العشاء في زمان التحريم عمر بن الخطاب. ونحوه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وعن كعب بن مالك عن أبيه( وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ) أي لنوعكم من الذرية( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ) الأمر فيهما للاباحة ويمتد أمدها( حَتَّى ) غاية الجواز ينقطع بها( يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ) يوجد في الأفق ويلزمه عادة ونوعا ان يتبين لنوع الناس فالغاية أن يكون الصبح بحيث يراه الصائم لا استيلاؤه عليه كما يأتي في الليل. وهذه الغاية هي غاية الرفث أيضا بإجماع المسلمين لأن حله مقيد بالليل وهو ينقطع بالفجر( الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ ) وهو الفجر الصادق المعترض وفيه قوة التبين لا الكاذب المستطيل كذنب السرحان المبتني على الخفاء والاضمحلال وعلى ذلك اجماع المسلمين وأحاديث الفريقين وقد جمع شطر منها في الوسائل والدر المنثور. وسمي بالخيط اشارة إلى ان الغاية ما يتبين حينما هو كالخيط( مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ) وهو ما حول الفجر من الليل( مِنَ الْفَجْرِ ) بيان للخيط الأبيض( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ ) ثم اوجدوا الصوم قاما إلى الليل وعطف بثم لجريان العادة بالفصل والتراخي بين انقطاع الأكل والشرب وبين الفجر محافظة على حدود جوازهما في الليل وحرمتهما بأول الفجر. والليل هو السواد والظلام المعاقب للنهار ولذا يقولون ليل أليل أي شديد الظلام أو السواد. والغاية للصيام ان يغشي الليل الصائم ويصل إليه لا وجوده. فإنه موجود في كل زمان بحسب التناوب على البلاد ولا رؤيته وإلّا لقيل حتى يتبين ونحو ذلك كما قيل في الفجر فالغاية إذن ان تذهب الحمرة المشرقية ويصل سواد الليل المعاقب لها إلى الصائم اي إلى سمت رأسه فإن المشرق في جهة السماء مظل على المغرب فيكتسب من نور الشمس ما تظهر به الحمرة ويبقى به النهار إلى ان تحتجب الشمس شيئا فشيئا فيظهر الليل ويسري على وتيرة احتجابها حتى يصل إلى الرأس فلا يذهب النهار عن الصائم إلّا بذهاب الحمرة عن سمت رأسه. وعلى ذلك من روايات الإمامية رواية ابان عن الباقر (ع) وروايات ابان وعمار وابن شريح. ومرسلتا ابن أشيم وابن أبي عمير. ومرفوعة المفيد عن الصادق (ع). ولا ينافيها ما عبر فيه بغيبوبة الشمس وغروبها لما أشرنا


وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٦)وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إلى الْحُكَّامِ

____________________________________

اليه. وهذا هو الذي يفقه مما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابو داود وابن جرير وعن ابن أبي شيبة والنسائي عن عمر قال قال رسول الله (ص) إذا اقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم. واخرج البخاري وابو داود وابن جرير عن عبد الله بن أبي اوفى بعدة أسانيد في حديث قال قال رسول الله (ص) إذا أقبل الليل من هاهنا وضرب بيده نحو المشرق أفطر الصائم. وفي الدر المنثور اخرج أحمد وعبيد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني في حديث عن بشير بن الخصاصية قول رسول الله (ص) وأتموا الصيام إلى الليل فإذا كان الليل فأفطروا ولا يخفى انه عند وجود الحمرة المشرقية لم يقبل الليل من ناحية المشرق ولم يكن على الصائم ليل( وَلا تُبَاشِرُوهُنَ ) أي لا تمسّ بشرتكم بشرتهن باللمس والتقبيل بشهوة وبالجماع مطلقا. وهذا مذهب الإمامية وعليه إجماعهم لإطلاق المباشرة ودلالة المقام على ان المراد منها ما يرجع إلى التمتع والتلذذ( وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ) العكوف الاقامة في المكان والملازمة له واعتكف قصد العكوف وجعل نفسه عاكفا. وامر هذا العكوف وصفاته وشروطه الشرعية موكول إلى السنة ويعرف مدلولها من كتب الفقه( تِلْكَ ) اي ما عرف في هذه الآيات من حرمة ما يجب الإمساك عنه في الصوم وحرمته قبل الليل وحرمة تضييع العدة من الأيام الأخر وحرمة المباشرة للنساء على المعتكف( حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها ) مبالغة في التحذير منها وامر بملازمة الواجبات المحدودة وعدم الميل عنها إلى جانب تلك الحدود( كَذلِكَ ) البيان في هذه الأمور( يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ ) ودلائله( لِلنَّاسِ ) فيما فيه صلاحهم( لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) اي ليتقوا وجيء بلعل لما ذكرناه قريبا ١٨٦( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ ) أي لا يأكل بعضكم اموال بعض( بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) وغير المشروع ومنه القمار كما رواه في الكافي في الصحيح عن الصادقعليه‌السلام وروى في الكافي أيضا عن الصادق (ع) ان من ذلك أن يكون عند المديون مال فينفقه على نفسه ولا يفي به دينه. ومنه ما في مجمع البيان مرفوعا عن الباقر (ع) أكل المال باليمين الكاذبة( وَتُدْلُوا بِها ) أي ترسلوها رشوة( إِلَى الْحُكَّامِ ) كمن يدلي دلوه ليستخرج الماء


لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٧)يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٨)وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٨٩)وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ

____________________________________

( لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) بأن ذلك محرم عليكم ١٨٧( يَسْئَلُونَكَ ) يا رسول الله( عَنِ الْأَهِلَّةِ ) قيل يسمى هلالا أيضا في ليلته الثانية وقيل في الثالثة وقيل حتى يستدير بخطة دقيقة وقيل إلى الليلة السابعة( قُلْ ) لهم ما تدركه عقولهم من حكمتها( هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ ) تميز لهم ما يحتاجون إليه في مهماتهم من مقادير الزمان وأوقاته بحسب الأشهر والسنين بتوقيت محسوس للعامة. بل ان الدور الذي تتكون به الأهلة يعرف الناس منه ساعات الليل بتدرج الهلال في الطلوع والغروب إلى أن يصير بدر اثم إلى ان يعود هلالا( وَالْحَجِ ) أي مواقيت للحج( وَلَيْسَ الْبِرُّ ) وعمل الخير( بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها ) كناية عن تشريعاتهم الجهلية الأهوائية وزعمهم ان العمل بها بر( وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى ) فانظر إلى هؤلاء الذين اتقوا الله وأخلصوا له في طاعته واتباع شريعته واعرفوا البر من اعمالهم. وفي الآية الخامسة والسبعين بعد المائة ذكرنا الوجه والفائدة في جعل «من» الموصولة خبرا للبر( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) والأمور من وجوهها واعمال البر من حيث أمر الله وشرع. وعن محاسن البرقي مسندا والعياشي مرفوعا عن جابر عن الباقر (ع) في قولهعزوجل ( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) قال (ع) أن يؤتى الأمر من وجهه أيّ الأمور كان. ومن هذا الباب ما اتفقت عليه رواية الفريقين من قول النبي (ص) انا مدينة العلم وعلي بابها( وَاتَّقُوا اللهَ ) في أوامره ونواهيه فيما شرعه من الدين القيم وهذا هو البر( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) أي لتفلحوا ١٨٨( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ) ونصر دين الحق( الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ) عنادا للدين( وَلا تَعْتَدُوا ) في القتال عن الحد المشروع( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) وما أشد خسران الذي لا يحبه الله ١٨٩( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ) أي ظفرتم بهم( وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ) وهي مكّة المعظمة. ولا يكبر في قلوب الضالين قتالهم وقد عدوا على المسلمين يقاتلونهم لأنهم اسلموا من قبل ذلك وأخرجوهم عن ديارهم في مكّة وفوق ذلك انهم لا زالوا يجهدون في أن يفتنوا


أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩٠)فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩١)وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٢)الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ

____________________________________

المسلمين ويصرفوهم عن دينهم بالعذاب مرة وبالقتال أخرى( وَالْفِتْنَةُ ) وصرف المؤمنين عن دينهم واضلالهم( أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ) ضررا على نوع الإنسان فإن الضال المضل جرثومة فساد في الأرض كما قال جلّ اسمه في سورة البروج( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ )( وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) ويشمل التحريم مكّة وما هو حريم للمسجد( حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ ) أي في حرمه بقرينة قوله تعالى عند المسجد( فَإِنْ قاتَلُوكُمْ ) عند المسجد( فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ) في اعتدائهم وهتكهم لحرمة المسجد الحرام ١٩٠( فَإِنِ انْتَهَوْا ) قيل انتهوا عن كفرهم بالتوبة والإسلام. ويحتمل أن يكون المراد فإن انتهوا عن قتالكم فاغفروا لهم نحو قوله تعالى في سورة الأنفال( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها )( فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١٩١وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) في التبيان الفتنة الشرك وهو المروي عن أبي جعفر أقول ولعله باعتبار انه يسبب الافتتان إذ يسبب الضلال ويصرف عن الحق كقوله تعالى في سورة المائدة( وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ )( وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ) أي على الحقيقة المعقولة منه ليس فيه كفر ولا شرك ولا عبادات أو ثانية ولا شرائع أهواء جاهلية فإن الدين في هذا المقام وأمثاله عبارة عن روابط الإنسان مع مقام الإلهية من حيث الاعتقاد بما يرجع للإله ورسله وكتبه وعبادته والطاعة والشريعة( فَإِنِ انْتَهَوْا ) في التبيان ومجمع البيان أي امتنعوا عن الكفر وأذعنوا للإسلام ويحتمل الانتهاء عن قتال المسلمين( فَلا عُدْوانَ ) عن حد السلم( إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) المعتدين. وفي التبيان والبيان ان هذه الآية مؤكدة لمضمون الآية الأولى لا ناسخة لقيودها في القتال. وهذا هو الظاهر من سياق الآيات مع قوله تعالى ١٩٢( الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ ) فمن قاتل المسلمين في شهر حرام قاتله المسلمون في شهر حرام كما ان من قاتلهم عند المسجد الحرام قاتلوه فيه( وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ) فإذا كان المشركون في


فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٣)وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٤)وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ

____________________________________

عداوتهم للتوحيد ودين الحق ومحادّتهم لله ورسوله لا يمنعهم عن عداوتهم وقتالهم للمسلمين حرمة للشهر الحرام ولا حرمة البيت الحرام فليس لهم أن يلوذوا بالحرمات بل يحتج عليهم بقصاصهم بذلك واما نفس الحرمات فلم تسقط ولا يقتص منها بجناية المشركين بل عارضتها حرمة الله في نصر توحيده ورسوله ودين الحق واحترام الحرمات. والأشهر الحرم هي رجب الفرد وذو القعدة وذو الحجّة ومحرم ولعل الأصل في حرمتها شريعة إبراهيم كحرمة البيت فاستمر العرب على ذلك وأمضاه الإسلام( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) حدود الحق( فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ) حدود السلم والمجاراة وأفرد الضمير في «عليه» باعتبار لفظ «من»( بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) وناصرهم ١٩٣( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا ) أنفسكم( بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ ) وهذا النهي عام لكل اقتحام في اسباب التهلكة ومظانها ولا بد من أن يكون النهي مقيدا بما إذا لم يكن في ذلك الاقتحام حياة الدين ونصرته كما في نهضة رسول الله (ص) في أول دعوته واقدام سيد الشهداء في امتناعه عن بيعة يزيد في مثل زمانه( وَأَحْسِنُوا ) اعملوا الحسن واطلبوه في أفعالكم وتروككم على حد قوله تعالى في سورة الكهف( إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ) وغير ذلك( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) لأعمالهم وتروكهم وما أعظم هذا التعليم الجامع للخير فإن احسان العمل والترك غير خفي وان غالطت فيه الأهواء بما لا يخفى على العقل من التدليس. ومن مصاديق احسان العمل ما جاءت فيه رواية الكافي. وعن العياشي عن أبي عبد الله (ع) لو ان رجلا أنفق ما في يديه في سبيل الله ما كان احسن ولا وفق أليس يقول الله( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) أي المقتصدين. فإن المقتصد هو الذي عمل الحسن واحسن عمله وان معنى التهلكة. ومقام الإمام (ع) وقوله ما كان احسن وتفسيره المحسنين بالمقتصدين لا يدع مجالا للقول بأن مضمون الرواية قريب من تفسير التهلكة بالإسراف ١٩٤( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) العمرة منصوبة بالعطف على الحج والحج والعمرة عبادتان معروفتان قد ذكرت اجزاؤهما وشروطهما في السنة


فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ

____________________________________

ونظمتها كتب الفقه وإتمامهما لله دليل على انهما عبادتان يعتبر فيهما الإتيان بهما لله تقربا إليه والظاهر من مراجعة الحديث وسبك اللفظ ان قوله تعالى( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ) أمر وإيجاب لإيجادهما تامين بأجزائهما وشروطهما المشروعة كقوله تعالى من احسن عملا أي أوجده حسنا وكقولهم. ضيق فم الركي. واطل جلفة القلم. وافرج بين سطورك. وكثير من ذلك فمن مدلول الآية إيجاب العمرة كما في صحيحة التهذيب عن زرارة عن الباقر (ع) في قوله العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج وذكر الآية ونحو صحيحة الكافي عن معاوية بن عمار عن الصادق (ع) وصحيحة العلل عن معاوية عنه (ع) وصحيحة التهذيب عن الفضل أبي العباس عنه. وفي الدر المنثور اخرج ابن عيينة والشافعي في الأم والبيهقي عن ابن عباس وذكر نحوه. واخرج الحاكم عن زيد بن ثابت عن رسول الله (ص) ان الحج والعمرة فريضتان. وفي الكافي في الصحيح عن ابن أذينة في حديث عن الصادقعليه‌السلام في قوله تعالى( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ) قال يعني بتمامهما أداءهما واتقاء ما يتقي المحرم فيهما ونحوه عن العياشي عن أبي بصير عن الصادقعليه‌السلام وقال في الكشاف في تفسير أتموا ائتوا بهما تامين ثم بعد ذلك حمله على محض الأمر بإتمامهما أي بعد الشروع فيهما واختار كون العمرة غير واجبة واغرب في تأوله لحديثي ابن عباس وعمر. ثم قال بأن الأمر بالإتمام للوجوب والندب كما تقول صم شهر رمضان وستة من شوال تأمر بفرض وتطوع وقال في سورة المائدة في آية الوضوء ما معناه انه لا يجوز أن يكون الأمر للوجوب والندب لأن تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الألغاز والتعمية أقول وفي هذا الذي نقلناه عنه من التدافع والغرابة ما يعجب منه الناظر. وقد نبه عليه في زبدة البيان( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ) في المصباح قال ابن السكيت وثعلب حصره العدو في منزله حبسه واحصره المرض بالألف منعه من السفر. وقال الفراء هذا هو كلام العرب وعليه أهل اللغة انتهى. ونقل نحو ذلك أيضا عن الكسائي وأبي عبيدة وعن الفراء أيضا انه يجوز ان يقوم أحدهما مقام الآخر ورده المبرد والزجاج. وفي الخلاف عن الفراء احصره المرض لا غير وحصره العدو واحصره معا. وقد تكرر في رواياتنا الصحاح وغيرها ان المحصور غير المصدود وانهما يختلفان في بعض الأحكام كما في روايات زرارة عن الباقر (ع) وابن أبي نصر عن الرضا


فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أو بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ

____________________________________

عليه‌السلام ومعاوية بن عمار عن الصادقعليه‌السلام . وفيها المحصور هو المريض والمصدود هو الذي يردّه المشركون كما ردّوا رسول الله ليس من مرض. وفي الدر المنثور أخرج سعيد ابن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود في الآية يقول إذا أهل الرجل بالحج فأحصر إلى ان قال فإذا برء الحديث وقال إبراهيم ذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبير فقال هكذا قال ابن عباس في هذا الحديث( فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) اي فإن أحصرتم ومنعكم المرض عن الإتمام فأرسلوا لأجل ان يسوغ لكم التحلل ما استيسر لكل بحسب حاله ووقته من الهدي من الإبل أو البقر أو الشاة والمشهور عندنا ان من ساق الهدي ثم أحصر كفاه ذلك لأنّه مما استيسر. والهدي هو ما يهدى من النعم للذبح في مكّة أو منى( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ ) أي لا تحلوا فإن الحلق أول الإحلال( حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) اي المحل المقرر له بالسنة في نوع ذلك النسك فإن كان حاجا فمحل الهدي منى وإن كان معتمرا بالعمرة المفردة فمحله مكّة أو بفناء الكعبة أو بالحزورة. واما رسول الله (ص) وأصحابه في عمرة الحديبية فقد كانوا مصدودين عن المسجد الحرام لا محصورين( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ ) في حال الإحرام( مَرِيضاً ) يحتاج في مرضه إلى الحلق( أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ ) في التهذيب بسنده عن عمر بن يزيد عن الصادق (ع) فمن عرض له أذى أو وجع فتعاطى ما لا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحا فصيام ثلاثة أيّام إلى ان قال والنسك شاة يذبحها الرواية. والأذى ما يؤذي ومنه القمل الكثير. فقد روى في الكافي في المعتبر والتهذيبين في الصحيح على الظاهر. وعن العياشي عن الصادق (ع) ان رسول الله (ص) مرّ على كعب بن عجرة الأنصاري والقمل تتناثر من رأسه فقال له رسول الله (ص) أتؤذيك هوامك قال نعم فأنزلت الآية فأمر رسول الله بحلق رأسه وجعل عليه الصيام ثلاثة أيّام أو الصدقة على ستة مساكين لكل مسكين مدّان أو النسك شاة وذكر في الفقيه والمقنع نحوه بقوله مر رسول الله الحديث. واخرج نحو ذلك من الجمهور أحمد وأصحاب الجوامع وغيرهم وزادوا ان ذلك كان في عام الحديبية( فَإِذا أَمِنْتُمْ ) من الصدّ ونحوه( فَمَنْ تَمَتَّعَ ) أي أحل وتمتع بما يحرم


فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلى الْحَجِّ

____________________________________

التمتع به على المحرم كالطيب والمخيط والنساء ونحو ذلك( بِالْعُمْرَةِ ) بسبب الإتيان بالعمرة وإكمالها( إِلَى الْحَجِ ) أي إلى إحرام الحج. وقد شرع هذا التمتع في حجّة الوداع وهو اظهر من أن ينكر ولا بأس بالإشارة إلى شيء من حديثه. فعن التهذيب والعلل في الصحيح عن الصادقعليه‌السلام عن آبائه (ع) لما فرغ رسول الله (ص) من سعيه بين الصفا والمروة أتاه جبرائيل عند فراغه من السعي فقال ان الله يأمرك ان تأمر الناس ان يحلوا إلّا من ساق الهدي فأقبل رسول الله (ص) على الناس بوجهه فقال أيها الناس هذا جبرائيل وأشار بيده إلى خلفه يأمرني عن اللهعزوجل أن أمر الناس بأن يحلوا إلّا من ساق الهدي فأمرهم بما أمر الله فقام إليه رجل فقال يا رسول الله نخرج من منى ورؤوسنا تقطر من النساء. وقال آخرون يأمرنا بشيء ويصنع هو غيره فقال ايها الناس لو استقبلت من امري ما استدبرت لصنعت كما صنع الناس ولكني سقت الهدي فلا يحل من ساق الهدي حتى يبلغ الهدي محله فقصر الناس وأحلوا وجعلوها عمرة وقام إليه سراقة بن مالك المدلجي فقال يا رسول الله هذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا ام للأبد فقال بل للأبد إلى يوم القيامة وشبك بين أصابعه وانزل الله بذلك قرآنا( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) هذا الحديث جزء مما جاء في الرواية الطويلة عن معاوية بن عمار عن الصادق عن الباقرعليهما‌السلام كما في الصحيح في الكافي والتهذيب. ورواها على طولها مسلم وابو داود والنسائي وابن ماجة في جوامعهم واحمد في مسنده وغيرهم عن الصادق (ع) عن الباقر (ع) عن جابر. واخرج اصحاب الجوامع الست وغيرهم ان الناس قد كانوا أهلوا بالحج لا يرون غيره كما عن جابر وانس وأبي سعيد والبراء بن عازب وابن عباس واسماء بنت أبي بكر. بل وعائشة من طرق الأسود وعمره ومحمد بن القسم. وقد كثرت الرواية في أمر الإحلال والتمتع لقوله (ص) لو استقبلت من امري ما استدبرت لما سقت الهدي ولفعلت كما فعلتم. أو كما أمرتكم. أو أحل كما أحلوا. وفي بعضها اني لأبرّكم وأصدقكم وأتقاكم ولولا اني سقت الهدي إلى آخره. أخرجه مسلم والنسائي والحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه. وفي رواية الطبراني عن جابر أتتهموني وانا أمين أهل السماوات والأرض اما اني لو استقبلت الحديث. وممن روى ذلك من طريق الجمهور جابر والبراء وانس وعائشة وحفصة. وروى جابر في


حديثه الطويل في الحج وابن عباس وابن عمر وسراقة بن مالك وابن أخ لجبير بن مطعم قوله (ص) دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة كما في جوامع مسلم وأبي داود والنسائي والترمذي ومسند أحمد وابن عدي والطبراني والبغوي. وقد تكررت هذه المضامين مجتمعة ومتفرقة في المسانيد وجوامع الحديث الستة وغيرها مروية عن عدة كثيرة من الصحابة. ولا يخفى ان شرعية هذا التمتع والإحلال المطلق كما هو مدلول الأحاديث من الفريقين عليها اجماع الصحابة وعامة المسلمين في جميع الأعصار ولم يقل احد بنسخها نسخا شرعيا. وقد استمر العمل عليها بفتيا جميع العلماء في جميع الأعصار. نعم وقعت في بعض الأحاديث بعض الشواذ فينبغي التنبيه عليها في ضمن امور

«الأول» ان هذه الآية التي شرع بها حج التمتع والإحلال مقيدة بالأمن وان المسلمين في حجّة الوداع كانوا على أعز جانب من القوة والأمن وكانت جزيرة العرب إذ ذاك خاضعة لسلطان الإسلام متمتعة بأمنه العام وسلطة عدله القاهرة. واخرج البخاري عن حارثة ابن وهب الخزاعي صلى بنا رسول الله (ص) ونحن اكثر ما كنا قط وأمنه بمنى ركعتين: فمن الشواذ ما يروى في جوامع الجمهور عن بعض الصحابة انه منع من متعة الحج فاحتج عليه امير المؤمنين (ع) بأنها سنّة رسول الله التي سنها في حجّة الوداع فاعتذر وقال نعم ولكن كنا خائفين كما أخرجه مسلم واحمد وابو عوانة والصحاوي والبيهقي

«الثاني» روى في الجوامع الستة وغيرها ان اصحاب رسول الله كانوا في حجّة الوداع جميعا حتى عائشة قد أهلوا بالحج لا يرون غيره كما عن جابر وابن عباس وأبي سعيد وابن عمر وأنس واسما بنت أبي بكر بل وعائشة من طرق الأسود وعمره ومحمد بن القسم. فمن الشاذ ما تفردت به الرواية عن عروة عن عائشة من أن الناس أهل بعضهم بالحج وبعضهم بالعمرة وهؤلاء هم الذين أمروا بالإحلال والتمتع. وان عائشة كانت مهلة بالعمرة.

«الثالث» روي من طريق الإمامية عن أهل البيت وجابر ان رسول الله (ص) قال دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. ورواه الجمهور في جوامعهم ومسانيدهم كما تقدم. وروى الإمامية عن أهل البيت وجابر أيضا ان سراقة بن مالك قال يا رسول الله هذا الذي أمرتنا به يعني الإحلال بعد العمرة إلى الحج لعامنا هذا أم إلى الأبد فقال بل للأبد إلى يوم القيامة. وروى الجمهور في جوامعهم ومسند أحمد وغيره نحوه عن جابر وسراقة وعلى ذلك


عمل المسلمين وفقهائهم. واخرج مسلم واحمد عن ذكوان عن عائشة ان رسول الله (ص) دخل عليها وقد كان غضبان لأنّه أمر الناس بالحل فتردد بعضهم. واخرج أحمد عن البرّا ورواه كنز العمال عن النسائي عن البراء نحوه. واخرج البخاري واحمد والنسائي وغيرهم عن عليّ أمير المؤمنين ان المتعة سنّة رسول الله فلا يدعها لقول احد من الناس واخرج أحمد ومسلم انه قيل لابن عباس في الإحلال بعد العمرة فقال سنّة نبيكم وان رغمتم. وفي حديث أخرجه أحمد والبخاري ومسلم الله اكبر سنة أبي القاسم (ص). وإذا أحطت بما ذكرنا عرفت انه من الشواذ ما أخرجه مسلم وغيره عن أبي ذرّ ان المتعة في الحج كانت لأصحاب محمد خاصة ونحو ذلك كما أخرجه مسلم أو للركب الذي كان مع رسول الله كما أخرجه أبو داود والنسائي نعم ان كان المراد من ذلك إخراج حاضري المسجد الحرام من مشروعية المتعة جرت الرواية على مقتضى الكتاب والسنة واجماع المسلمين. ومن الشواذ أيضا ما أخرجه مسلم انه كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها. فذكرت ذلك لجابر فقال على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله (ص) فلما قام عمر قال ان الله كان يحل لرسول الله ما شاء بما شاء وان القرآن قد نزل منازله وأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله وابنوا نكاح هذه النساء فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلّا رجمته بالحجارة. وليت شعري ما هو المراد بقول القائل ان الله كان يحل لرسول الله ما شاء بما شاء. وهل كان الأمر بالإحلال نقضا لأمر الله بإتمام الحج والعمرة ومخالفة له ولئن كان نقضا فلماذا لا يكون نسخا بهذا النحو خصوصا مع قوله (ص) لو استقبلت من أمري ما استدبرت وقوله دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة وقوله (ص) لسراقة إلى الأبد. ومن الشواذ أيضا ما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن سعيد بن المسيب ان عمر بن الخطاب نهى عن المتعة في أشهر الحج وقال فعلتها مع رسول الله وانا أنهى عنها وذلك ان أحدكم يأتي إلى آخر الرواية. ولم تذكر فيها إلّا آراء لا تروج في الاستحسان فضلا عن مقاومة الشريعة. ومثل ذلك ما أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن أبي موسى انه سئل عمر عن نهيه عن التمتع فقال قد علمت ان رسول الله فعله وأصحابه ولكن كرهت ان يظلوا بهن معرسين تحت الأراك ثم يروحون إلى الحج تقطر رؤسهم. وما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن أبي موسى ان عمر قال في ذلك ان نأخذ بكتاب الله فإن الله قال( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) وان أخذنا بسنة رسول الله «وفي


فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّام فِي الْحَجِّ

____________________________________

رواية من روايات البخاري وان أخذنا بقول النبي (ص)» فانه لم يحل حتى بلغ الهدي محله انتهى وقد سبق الكلام في قوله تعالى( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) . واما السنة فيا سبحان الله هل سن رسول الله (ص) لأمته إلّا ما اتفق عليه حديث المسلمين وإجماعهم من التمتع والحل وانه سنة إلى الأبد. وان العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة. وهذا الدخول مع الإحلال يبين ان كلا من العمرة والحج يقع تاما في الشريعة بهذا الوجه وأما فعله (ص) فقد كان موقتا مختصا بمن ساق الهدي في تلك السنة كما يحدده قوله (ص) لو استقبلت من أمري ما استدبرت. دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة وقوله (ص) لسراقة بل إلى الأبد( فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) من البدنة أو البقرة أو الشاة وهو نسك لا جبران كما قال الشافعي( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ) متواليات( فِي الْحَجِ ) وهي يوم التروية وما قبله ويوم عرفة وعليه اجماع الإمامية ورواية الفريقين ولو فاته ذلك لم يصمه أيّام التشريق. وفي الخلاف عليه اجماع الإمامية انتهى. وعلى ذلك روايات كثيرة وفي صحيح ابن سنان ان الصادق (ع) استشهد لذلك بأن بديل ابن ورقاء أمره رسول الله بأن ينادي بمنى في الناس ان لا يصوموا ونحوه صحيح سليمان بن خالد وابن مسكان عنه (ع). ونحوه في خبر عبد الرحمن بن الحجاج عن الكاظمعليه‌السلام كما في التهذيبين ومعاني الأخبار. واخرج أحمد ومسلم عن نبيشة الهذلي قال قال رسول الله أيّام التشريق أيّام أكل وشرب. وعن كعب بن مالك ان رسول الله أرسله وأوس بن الحدثان أيّام التشريق فنادى أيّام منى أيّام أكل وشرب. واخرج أحمد والنسائي عن حمزة الأسلمي ان منادي رسول الله ينادي بمنى ورسول الله شاهد لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيّام أكل وشرب. واخرج أحمد والحاكم وصحّحه على شرط البخاري ومسلم عن بديل بن ورقاء ان النبي بعثه على جمل أورق وأمره أن يتخلل الفساطيط وينادي في الناس أيّام منى: ألا لا تصوموا فإنها أيّام أكل وشرب وبعال. وعن الطيالسي عن أنس والبيهقي عن أبي هريرة نهى رسول الله عن صوم أيّام التشريق. وهؤلاء المنادون أعرف بما أمروا به وما نادوا به فلا يعارضهم ما أخرجه البخاري وابن جرير عن عائشة وابن عمر من الرخصة في صيامها لمن لم يجد الهدي مع انهما لم يسندا الرخصة إلى النبي (ص) بل هو أشبه بالاجتهاد كما اخرج البخاري ان


وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ

____________________________________

عائشة كانت تصومها وكان أبوه أو أبوها يصومها( وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ ) إلى أهاليكم والسرّ في هذا التعبير دون قوله تعالى إذا رجع هو ان من أقام بمكّة يقدر له رجوع أصحابه إلى بلده كما عليه فتوى الإمامية وأحاديثهم. ومنها صحيحة التهذيب عن معاوية بن عمار وفيها ان الصادق (ع) روى ذلك عن رسول الله (ص). ويحتمل أيضا النظر إلى اعتبار الرجوع بالنفر العام في الثالث عشر من ذي الحجّة بمعنى ان من رجع إلى اهله بالنفر الأول لم يصح منه صوم الثالث عشر عند اهله( تِلْكَ ) أي الثلاثة في سفر الحج والسبعة عند الرجوع( عَشَرَةٌ ) تعد عند الله نسكا واحدا لا يضر فيها الفاصل الطويل ولا الإتيان بالسبعة في غير مناسك الحج وغير اشهره ولا الصوم في السفر( كامِلَةٌ ) في النسك ككمال الأضحية والهدي( ذلِكَ ) أي التمتع بالعمرة إلى الحج( لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ ) باعتبار وطنه ومسكنه( حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) من الحضر بفتحتين والحضارة المخالفين للبدو والبداوة أي من لم يكن من أهل مكّة وقراها وما ينسب عرفا إليها بحيث لا يعد القاطن هناك من البادين عن المسجد الحرام بل من أهل حضره وحاضريه. وقد اجمع المسلمون على ان من كان في الحرم فهو من حاضري المسجد الحرام وان بلغ من جهة المشرق اثنى عشر ميلا. والمظنون ان الميل منها ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع بذراع اليد لكن بعضا من الإمامية قدّر الحد لحاضر المسجد الحرام من كل جهة من جهاته بما لا يبلغ اثنى عشر ميلا ولا دليل عليه والروايات الصحيحة صريحة في خلافه. ومنها ما ذكر فيها ان أهل مرّ الظهران من حاضري المسجد فإنه عن مكّة بمرحلة. والمروي الذي لا يقبل التأويل هو ما لا يبلغ ثمانية وأربعين ميلا للنص على ان أهل عسفان وذات عرق من حاضري المسجد الحرام. وبعد المكانين عن مكّة اكثر من ثلاثين أو أربعين ميلا. وفي بعض الروايات ان اقرب المواقيت خارج عن هذا الحد. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى ان حاضر المسجد الحرام من كان داخلا في المواقيت وينبغي ان يريدوا بها يلملم وقرن المنازل وما ساواهما في البعد دون مسجد الشجرة أو الجحفة. وقال الشافعي من لا يبلغ مسافة قصر الصلاة نظرا إلى ان مسافة القصر تكون سفرا عن مكّة لا حضرا قلت لو أخذنا الحضر في اللغة


وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( ١٩٥ )الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ

____________________________________

مقابل السفر لكانت مسافة عشرة أميال ونحوها سفرا لغويا وعرفيا وضربا في الأرض وما التحديد في القصر إلّا تحديدا لبعض اقسام السفر وقال بعضهم من كان في الحرم( وَاتَّقُوا اللهَ ) بطاعته فيما أمرتم به أو نهيتم عنه في أمر الحج واحكامه( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) على مخالفة الشريعة في ذلك فإنه شرع الحج بهذه الحدود لطفا بكم فإنه غني عن عبادتكم ومن لطفه أن يشدد عليكم بالوعيد على المخالفة لما يعلمه من عبث الأهواء بكم ١٩٥( الْحَجُ ) أي وقت الحج والذي يصح فيه( أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) معينة ولئن كان المشركون ينسئونها إلى أشهر أخر فإنما النسيء زيادة في الكفر. وهي شوال وذو القعدة وذو الحجّة لا غيرها. نعم كل ذي الحجّة وقت ببعض الاعتبارات لبعض الاجزاء كشوال وذي القعدة. قال في التذكرة وعليه اكثر علمائنا. وهو الظاهر مما روي في الكافي والفقيه والتهذيب عن سماعة ومعاوية عن الصادق (ع) انها شوال وذو القعدة وذو الحجة. ونحوه ما رواه في الكافي والتهذيب عن زرارة عن الباقر (ع). وفي الدر المنثور وغيره كالبيهقي والبخاري في أحاديث مسندا عن رسول الله (ص) انها شوال وذو القعدة وذو الحجّة كما في أحاديث أبي امامة وابن عباس وابن عمر. وصريح قول الكاظم (ع) كان جعفر «يعني الصادق (ع)» يقول ذو الحجّة كله من أشهر الحج. كما رواه في التهذيب في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج وروى نحوه في تفسير البرهان أخذا من تفسير العياشي وكذا صريح قول الصادق (ع) في شمولها لما بعد أيّام التشريق في صوم الثلاثة في بدل الهدي حينئذ انا أهل بيت نقول ذلك لقوله تعالى( فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّام فِي الْحَجِ ) يقول في ذي الحجة. كما رواه في الكافي والتهذيب في الحسن كالصحيح أو الصحيح عن رفاعة عنه (ع). ويؤيده ما رواه في الوسائل والبرهان أخذا من تفسير العياشي عن حفص بن البختري عن الصادق (ع). وربعي عن الكاظم (ع). والمراد في الآية ان مجموع الوقت من الأشهر الثلاثة وقت للمجموع من افعال الحج أي يصح بعض الاجزاء فيها كالاحرام الذي هو جزء من أحد النسكين الحج والعمرة وان اختصت بعض الأفعال بيوم عرفة وما بعده. فلا يجوز أن يقدم إحرام الحج على الأشهر المذكورة بإجماع الإمامية وحديث أهل البيت وبذلك قال عطا ومجاهد وطاووس والشافعي. وفي الدر المنثور


فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ

____________________________________

ذكر جماعة رووا ذلك منهم الشافعي والحاكم وصحّحه عن ابن عباس وابن مردويه عن جابر عن رسول الله (ص) والشافعي وغيره عن جابر موقوفا. والإحرام جزء من الحج والحج أشهر معلومات. وحكى في التذكرة عن مالك والثوري والنخعي وأبي حنيفة وإسحاق واحمد ان الإحرام ينعقد قبل الأشهر المذكورة فإذا بقي على إحرامه إلى أشهر الحج جاز للحج. تشبثا منهم بقوله تعالى( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ ) ويرده ان كون الأهلة كلها مواقيت للناس والحج إنما هو باعتبار مجموع الحوادث للناس والحج فإنها إنما تكون مواقيت للحج وللناس في حوادثهم وأمورهم إذا امتازت بعض الأهلة عن بعض باعتبار الوقوع أو البداية أو النهاية وإذا لم يمتز بعض الأهلة عن بعض في التوقيت كان الزمان كله ظرفا ليس فيه وقت ولا ميقات فلا تكون الأهلة مواقيت. ولو تنزلنا لكان قوله تعالى( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) نصا على التعيين كنص السنة على تعيين التاسع والعاشر من ذي الحجّة على بعض اعماله. وعمرة التمتع كالحج لا يقع شيء منها في غير الأشهر المذكورة بإجماع الإمامية وحديث أهل البيت وما رووه عن جدهم (ص) من قوله (ص) دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة كما أسنده الجمهور في جوامعهم ومسانيدهم عن خمسة من الصحابة عن رسول الله (ص) كما أشرنا إليه آنفا. فإذا كانت داخلة فيه كانت موقتة بوقته. وان الإحرام الذي جعله للعمرة المتمتع بها إلى الحج كان في ذي القعدة ولم يرد ما يجوّز تقديمه على شوال. وقد اجمع المسلمون على انه لا يجوز أن تقدم عمرة التمتع على أشهر الحج بجميع اعمالها. لكن في التذكرة عن ثاني قولي الشافعي إذا أحرم بالعمرة في شهر رمضان وأتى بباقي اعمالها في شوال وحج من سنته كان متمتعا. وقال أبو حنيفة ويجوز أيضا ان يقدم من اعمالها على أشهر الحج إلى ثلاثة أشواط من طوافها. ولعل أبا حنيفة يتشبث لتقديم إحرامها بما يتشبث به لتقديم إحرام الحج وقد عرفت ما فيه. ويبقى قول الشافعي هنا وتقديم الأشواط الثلاثة ونحوها ليس له ما يتشبث به( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَ ) اي جعل إتمامه فرضا واجبا عليه بسبب عقده للإحرام بالتلبية أو اشعار الهدي أو تقليده كما في صحيحة الكافي عن معاوية عن الصادق (ع) ويدخل في ذلك الإحرام من المواقيت في حج التمتع لدخول العمرة في الحج( فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ ) اي ان الحج بطبيعته


ومصلحة تشريعه يأبى هذه الأمور. وتقدير الكلام فمن فرض فيهن الحج فلا يأت في حجه برفث ولا فسوق ولا جدال لأنّه لا رفث ولا فسوق إلى آخره فحذف جواب الشرط لدلالة هذه الجملة المذكورة عليه دلالة يكون ذكره معها من فصول الكلام. وجيء بالجملة الخبرية. وصرح باسم الحج في قوله جل شأنه( فِي الْحَجِّ ) لإيضاح ان الحج بذاته ينافر هذه الأمور. وليعرف ان عدمها ليس تكليفا محضا يختص بمن فرض الحج بل هو غرض يريد الشارع تحصيله من المكلفين حتى في مورد لا يكون فيه من غير هذه الجهة منكر يجب النهي عنه واثم تحرم المساعدة عليه كما لو اكره المحل بحق الزوجية زوجته على وطئها في حجها الواجب أو المستحب بإذنه أو المولى أمته في حجها باذنه. أو طاوعت المحلة زوجها غير البالغ على وطئها في حجه وما أشبه ذلك. فإنه بمفاد الآية والغرض يراد من كل مكلف عدم حصوله كمنعه ان كان لمنعه أثر وعلى ذلك جاءت صحيحة إسحاق بن عمار عن الكاظم (ع) في ان المولى المحل إذا كان عالما بأنه لا ينبغي له ان يطأ أمته في حجها باذنه كان عليه الكفارة كما افتى الأصحاب على إطلاقها سؤالا وجوابا بل الظاهر انه لا يخفى عليه ان وطأها مع رضاها لا ينبغي له لأنّه اعانة على الإثم. ولو قيل ولا جدال فيه لاحتمل عود الضمير إلى ذلك الحج المفروض من حيث انه فرضه على نفسه وما يرجع إلى تكليفه الخاص به لا من حيث منافرة ذات الحج لهذه الأمور وإن كان بعضها حلالا في غيره كجماع الزوجين وقول لا والله وبلى والله في مقام الصدق. هذا وفي التبيان وغيره الرفث عند أصحابنا كناية عن الجماع قلت وهو احدى روايات الجمهور عن ابن عباس عن رسول الله ورووه أيضا عن ابن عباس وابن عمرو ابن الزبير موقوفا. والحجة لأصحابنا فيه إجماعهم وما في الكافي عن الصادق (ع) الرفث الجماع. والفسوق الكذب والسباب. والجدال قول الرجل لا والله وبلى والله ونحوه ما روى في الفقيه عن الصادق (ع) إلّا انه لم يذكر السباب. ونحوه أيضا ما روي في التهذيب عن الكاظم (ع) إلّا انه ذكر المفاخرة بدل السباب. ولعل ذكر السباب والمفاخرة كان رعاية لبعض الوجوه باعتبار الغالب من اشتمالها على الكذب ويشهد لذلك خلوّ رواية الفقيه منهما وخلوّ رواية الكافي من المفاخرة وخلوّ رواية التهذيب من السباب وكلها في مقام البيان. وايضا ان الجماع هو المتيقن من الرفث في التفسير مع شهادة قوله تعالى فيما سبق( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ ) ولئن ذكر له في كتب اللغة معان أخر فهي على سبيل الاحتمال. والأصل فيه البراءة( وَما تَفْعَلُوا


وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٦)لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ

____________________________________

مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ ) ويوفكم جزاءكم وهو العليم الذي لا يضيع أجر المحسنين( وَتَزَوَّدُوا ) من تقوى الله والأعمال الصالحة. والزاد ما يعد من الطعام لحاجة السفر كني به هنا عن الاستعداد للآخرة( فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ ) مما يعتني الإنسان بتزوّده وبعدّه لضرورته ويراه واجبا لازما لحاجته إنما هو( التَّقْوى ) لله والعمل بأوامره ونواهيه. ولعمري ان التفريع بالفاء ليوضح الرد لما ذكر في تفسير الآية من أن قوما كانوا يرمون أزوادهم ويتسمون بالمتوكلين فقيل لهم تزودوا من الطعام ولا تلقوا كلكم على الناس. ولئن ذكرت بذلك رواية عن ابن عباس وغيره كما أحصاه في الدر المنثور فإن عرضها على كتاب الله في تفريع الآية بالفاء يعرّفك وهاهنا( وَاتَّقُونِ ) عطف تفسير على تزودوا فائدته البيان والتأكيد( يا أُولِي الْأَلْبابِ ) الذين يعرفون بعقولهم حاجتهم إلى التزود بالأعمال الصالحة ووجوب تقوى الله وما للتقوى من فضل الغاية العظمى ١٩٦( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) في( أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) في تفسير البرهان عن تفسير العياشي عن الصادق (ع) في تفسير الآية قوله (ع) يعني الرزق فإذا أحل الرجل من إحرامه وقضى نسكه فليشتر وليبع انتهى. ويكون وجه المناسبة في السياق في هذه الجملة هو الاستدراك ورفع ما يتوهم بسبب تحريم الرفث والجدال والأمر بالتقوى والحث عليها فلا بأس في ان يكتسب ما هو زائد نوعا عما أعد من المال لسفر الحج. وروى في ذلك ونحوه في الدر المنثور عدة أحاديث. وفي التبيان روى عن أبي جعفر (ع) قال لا جناح عليكم ان تبتغوا فضلا من ربكم معناه ان تطلبوا المغفرة. وفي مجمع البيان رواه جابر عن أبي جعفر (ع). ولعل ذكر المغفرة باعتبار انها المصداق الأهم لنوع الإنسان مما يبتغي حينئذ من الله. ووجه المناسبة في السياق هو انه بعد الترغيب في التقوى وملازمة الحدود في الواجبات والمحرمات اقتضى اللطف ان يرغب في الازدياد من الخير ومنه طلب المغفرة بأسبابها فجرى الترغيب بنحو الاحتجاج بثبوت المقتضي وعدم المانع فإن المقتضي لابتغاء الفضل من الله بديهي عند العقل والعقلاء وليس في ذلك مانع ولا على المبتغي جناح. واي جناح عليه في ذلك فابتغوه واغتنموا فيه الفرص( فَإِذا


فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٧)ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ

____________________________________

أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ ) الافاضة جعل الشيء فائضا من فيض الماء اي فإذا أفضتم جمعكم تشبيها لاندفاع جمعهم الكثير في رحيلهم لساعتهم بعد العصر دفعة بفيض الماء المنبعث في ابتدائه من عرفات يقال أفاض الحديث اي أفاض كلامه فيه. وعرفات هو الموقف المعروف وفيه نسك اليوم التاسع. وفي التعبير بالافاضة دلالة على ان الموقف في عرفات له مكث محدود الوقت يجتمع فيه الناس ثم يرحلون بأجمعهم كالماء الفائض وان عرفات منشأ هذه الافاضة وفيض الجمع. وصرفت عرفات مع العلمية والتأنيث لأنها بصيغة الجمع فحملت عليه( فَاذْكُرُوا اللهَ ) بالصلاة والتقرب إليه بطاعته في النسك والوقوف( عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ ) وهو المزدلفة وجمع وسمي مشعرا لأنّه محل لنحو من شعائر الله. وإذا جعلت جملة( فَاذْكُرُوا ) لبيان الوظيفة بمنزلة الجملة الخبرية جاز ان يراد بالذكر ما يعمّ المستحب. ثم أكد الله الترغيب بذكره والإقبال عليه ببيان الاحتجاج والتذكير باستحقاقه شكرا لنعمته العظمى فقال جلت آلاؤه( وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ ) وأنعم عليكم بالهدى تلك النعمة الجليلة( وَإِنْ كُنْتُمْ ) الواو للحال «وان» مخففة من الثقيلة تفيد التأكيد بمعنى وقد كنتم( مِنْ قَبْلِهِ ) اي من قبل الهدى المدلول عليه بقوله هداكم( لَمِنَ الضَّالِّينَ ) ولا تجعلوا المشعر سبيل عابر من عرفات إلى منى كما كانت قريش تقترحه بتشريعهم وجبروتهم على سائر العرب بل قفوا فيه للنسك بحيث يكون اندفاع جمعكم منه بعد الوقوف فيه افاضة منه كالافاضة من عرفات واذكروا الله فيه ١٩٧( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ) العاملين على شريعة الحج بحقيقتها وهو إبراهيم الخليل (ع) الذي أتى بشريعة الحج وإسماعيل وإسحاق ومن كان بعدهم من المتبعين لهذه الشريعة. جاء فيما أشرنا إليه آنفا من الكافي والتهذيب في الصحيح عن الصادق (ع) عن الباقر (ع) عن جابر في ذكره لحج رسول الله (ص). ثم غدا (ص) أي من منى والناس معه وكانت قريش تفيض من المزدلفة وهي جمع «أي لا يقفون في عرفة فتكون لهم منها افاضة بل يقفون في المشعر وتكون منه إفاضتهم» ويمنعون الناس من أن يفيضوا منها «أي من المزدلفة يعني انهم لا يدعون الناس بعد إفاضتهم من عرفات ان يقفوا في المزدلفة لكي يكون لهم منها افاضة أيضا بل لا يكون لهم


وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٨)فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ

____________________________________

إلا الاستطراق» فأقبل رسول الله وقريش ترجو ان تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون «اي لا يمضي إلى عرفة بل يمكث في المزدلفة وتكون منها إفاضته (ص)» فأنزل الله عليه ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق في إفاضتهم ومن كان بعدهم الحديث. ولا ينبغي الريب في ان مرجع الضمير في منها هو المزدلفة إذ لم يسبق في الحديث ادنى ذكر أو إشارة إلى عرفات. وفي تفسير البرهان آخذا من تفسير العياشي ذكر خمس روايات تذكر ان المراد أفيضوا من عرفات : نعم فيها ما يؤيد حديث جابر في ان قريشا منعوا الناس من أن يفيضوا معهم من المزدلفة اي منعوهم من أن يمكثوا فيها عند رجوعهم من عرفة لكي تتحقق لهم الافاضة من المزدلفة. ولكن في تلك الروايات اختلاف فإن بعضها يذكر ان المأمور بالإفاضة من حيث أفاض الناس هم قريش وبعضها انه رسول الله (ص) وكذا ما أحصاه في الدر المنثور في رواياتهم والكل لا يقوى على المقاومة لحديث جابر المنتصر برواية الصادق (ع) والباقر (ع) له فإن ذلك تصديق منهما (ع) له. وينافيها ويردها أيضا سياق الآية والعطف فيها بثم. ولا يجدي في ذلك ما ذكره في الكشاف وغيره بالقياس الواهي. نعم في مجمع البيان انه قد روى أصحابنا ان هاهنا تقديما وتأخيرا تقديره فليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلا من ربكم ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله. الآية. ولم أجد الرواية عاجلا لنرى سندها ولو كانت عن إمام لذكره في المجمع على عادته فالحكم لبيان رواية الصادق (ع) والباقر (ع) عن جابر المعتضدة بترتيب القرآن المتسالم عليه. وفي التبيان ذكر القول بأن الآية خطاب لجميع الحاج ان يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم (ع) من مزدلفة وقال انه شاذ وعلل شذوذه بكلام مضطرب عهدة اضطرابه على النساخ وحاصله الاعتراض على كون المراد بالناس إبراهيم (ع) وحده وقد عرفت ان رواية جابر ترفع هذا الاعتراض واما دعوى الإجماع على خلاف هذا القول فلعلها ناظرة إلى المروي عن ابن عباس وعائشة وعطا ومجاهد والحسن وقتادة وبعض المفسرين ولا حجّة فيه وكيف كان فلا اجماع وبالنظر إلى مجمع البيان يظهر ان نساخ التبيان خلطوا بين قولي الضحاك والجبائي. وظني ان في عبارة التبيان سقطاوَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١٩٨فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ ) أتيتم بها وفرغتم


فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أو أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (١٩٩)وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠٠)أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠١)وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أيّام مَعْدُوداتٍ

____________________________________

منها والمناسك هنا أفعال الحج لأنها ينسك بها لله( فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أو أَشَدَّ ذِكْراً ) ان من عادة الناس وخصوص العرب ان لا يغيب آباؤهم عن ذكرهم بالافتخار بهم والإطراء بمحاسنهم وإحسانهم أو القسم بهم ونحو ذلك. فالمعنى العام في الآية ان لا تغفلوا عن ذكر الله بعد أداء المناسك. واولى ما يحتج عليهم في ذلك هو انهم لا يغفلون عن ذكر آبائهم إذن فكيف يغفلون عن ذكر الله بما هو اهله وهو الإله العظيم وله المجد والجلال وهو خالقهم وكل نعمة عليهم حتى التي من آبائهم هي منه جلت آلاؤه. بل ينبغي أن يكون ذكرهم لله أشد من ذكر الآباء بنحو يناسب جلال الله ونعمائه. وجاء في التفسير في الروايات ببيان بعض المصاديق العادية في ذكرهم لآبائهم. ففي صحيحة الكافي عن منصور بن حازم عن الصادق (ع) كانوا إذا أقاموا بمنى بعد النحر تفاخروا فقال الرجل منهم كان أبي كذا وكذا فقال الله( فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ ) . ونحوها ما رواه العياشي عن الباقر (ع) والصادق (ع) وجملة مما رواه في الدر المنثور. هذا وان ذكر الله حق الذكر يساوق ملازمة التقوى ولكن احوال الناس مختلفة يكونون فيها على اصناف ذكر في الآيات بعضها( فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا ) وقد اعرض عن الآخرة ونسيها( وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) أي من نصيب لأنّه أعرض عنها ولم يعمل لها ولم يسأل شيئا من خيرها ١٩٩( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا ) نعمة( حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ ) نعمة( حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ) وفي الكافي في صحيحة جميل عن الصادق (ع) رضوان الله والجنة في الآخرة والمعاش وحسن الخلق في الدنيا ٢٠٠( أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ) «من» في «مما» بيانية فإن ما سألوه لا ينال بمحض الدعاء( وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ) لعباده من الصنفين المذكورين ٢٠١( وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أيّام مَعْدُوداتٍ ) وهي أيّام التشريق كما في صحيحتي الكافي عن محمد بن مسلم ومنصور بن حازم وصحيحة التهذيب عن حماد بن عيسى عن الصادق (ع)


فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى

____________________________________

كصحيحتي الوسائل عن قرب الاسناد عن حماد عنه (ع) ونحوهما روايات العياشي ورواية الدر المنثور عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير. وذكر الله هو التكبير كما في صحيحتي محمد ومنصور المشار إليهما. وصورته المتفق عليها بين المسلمين كما ذكره في التبيان. الله اكبر. الله اكبر لا اله إلّا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد. وزاد أصحابنا تبعا للروايات عن أئمتهم أهل البيت وجمعا بينها. الله اكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا ورزقنا من بهيمة الانعام. وهو مستحب على المشهور لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه الكاظم قال سألته عن التكبير في أيّام التشريق أواجب أو لا قال (ع) مستحب وان نسي فلا شيئ عليه فالأمر في الآية للاستحباب. ووقته بعد كل فريضة من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من اليوم الثالث عشر. فيكون خمسة عشر تكبيرا ولمن ينفر بالنفر الاول بعد الزوال فيكون عشر مرات. واختلف كلام الفقهاء من الجمهور في عدده ولكن مالكا والشافعي في احد أقواله وافقا أصحابنا( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي ) ضمن( يَوْمَيْنِ ) من تعجل الدين اي تعجل مقامه بمنى في ضمن يومين بتعجل غايته فنفر النفر الاول. ولو كان بمعنى استعجل وعجل أو للمطاوعة كما في الكشاف لدلت الآية على جواز النفر في اليوم الاول منها أيضا وهو باطل بإجماع المسلمين. ولأجل جعل التعجل في ضمن يومين اشترط أصحابنا وفقهاء أهل السنة إلّا أبا حنيفة وأصحابه كونه قبل الغروب من اليوم الثاني فلو امسى حرم عليه النفر الاول( فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) لهذه الجملة ظاهر لا حاجة إلى بيانه لأن في رواية الكافي عن إسماعيل بن نجيح رد عليه ولأن الأحاديث عن الفريقين جاءت على خلافه وهو ان المراد غفرت ذنوبه. منها صحيحة الحلبي في قوله تعالى( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) وصحيحة عبد الأعلى ورواية ابن عيينة ورواية ابن نجيح ورواية العياشي عن معاوية ابن عمار وعن أبي بصير عن الصادق (ع) ورواه في الدر المنثور عن عليّ أمير المؤمنين (ع) وابن مسعود وابن عمر وابن عباس في احدى الروايتين فيكون حاصل المراد من الآية الكريمة فمن أتمّ حجه بالتعجل أو التأخر غفرت ذنوبه فإنه لا أثر لخصوص عنواني التعجل والتأخر في غفران الذنوب. ومن هذا الوجه وكون التعجل إتماما للحج يعرف جوازه وانه( لِمَنِ اتَّقى ) النساء والصيد كما هو المشهور بين الإمامية باعتبار الاختصاص بالأمرين المذكورين والمجمع عليه


وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إليه تُحْشَرُونَ (٢٠٢)وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٣)وَإِذا تَوَلَّى

____________________________________

باعتبار الدخول في كل ما يحرم على المحرم كما عن ابن سعيد أو ما يوجب عليه الكفارة كما عن ابن إدريس وأبي المجد كما ورد في خصوص النساء والصيد صحيحة حماد بن عثمان وروايته الأخرى كما في التهذيب وصحيحة جميل ومعتبرة ابن المستنير عن الصادق (ع) وبه جاءت احدى روايات الدر المنثور عن ابن عباس والمراد اتقاء المحرم وما يحرم عليه في حجّة مما يكون بين النساء والرجال سواء كان رجلا أو امرأة. وهناك روايات أخرى من الفريقين لم يأخذ بمضمونها الإمامية وعلى ذلك إجماعهم مضافا إلى ان قوله تعالى ذلك( لِمَنِ اتَّقى ) لا يستقيم تفسيره بالتقوى المطلقة بعمومها لأن حصولها إلى حين النفر لا يتفق إلّا للمعصوم فلا يبقى موقعا للامتنان بغفران الذنوب إذا كان ذلك قيدا له وكذا لا يبقى مورد للتخفيف على سائر الناس كما يعرف من روايات الفريقين بأجمعها إذا كان قيدا لجواز النفر كما لا يستقيم تفسيره بمطلق حصول التقوى ومصداقها في الماضي إذ لا فائدة على ذلك في هذا القيد فإن كل من له حج قد حصل منه مصداق للتقوى فلا بد من أن يراد بذلك تقوى خاصة وهو ما بينته الروايات المتقدمة وبالنظر إلى هذا الذي ذكرناه يسقط كثير من الأحاديث( وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إليه تُحْشَرُونَ ) مقتضى سوق الآية هو انه لا تتكلوا على غفران ما مضى من ذنوبكم بسبب الحج بل اتقوا الله فيما بقي من أعماركم وتحققوا وليكن على علمكم وذكركم دائما انكم إلى الله لا محالة تحشرون فيحاسبكم على اعمالكم ويجازيكم فاستعدوا لذلك بالتقوى وتزودوا منها فإنها خير الزاد ٢٠٢( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ) وتستحسنه( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) متعلق بيعجبك أي يظهر الإيمان والصفاء وحسن الصحبة ويقول ان ذلك في قلبي( وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ ) بضم الياء من اشهد أي يقول اشهد الله على ذلك ولازمه دعوى ان الله عالم بذلك( وَ ) الحال( هُوَ ) خصم لك وللايمان و( أَلَدُّ الْخِصامِ ) في ذلك. واللدد هو الشدة في الخصومة والألد صفة مشبهة نحو أعمى العين واعورها أي شديد الخصومة. يقال خصم ألد وخصوم لدّ كقوله تعالى في سورة مريم( وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ) ٢٠٣( وَإِذا تَوَلَّى ) من الولاية بأن تصير له ولاية


سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٤)وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٥)وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ

____________________________________

وتسلط( سَعى فِي الْأَرْضِ ) السعي الاسراع في المشي قيل والعمل ومنه قوله تعالى في سورة النجم( أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إلّا ما سَعى ) . وفي سورة الدهر( وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) . وظني ان ذلك من المعنى الأول وكني به عن العمل( لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ) المراد بالحرث هنا الزرع لأنّه تحرث له الأرض. والنسل ما يتولد بالتناسل. والناس نسل آدم وعن تفسير العياشي عن الحسين بن بشار عن الرضا (ع) قوله النسل هم الذرية والحرث الزرع وعن زرارة عن الصادق والباقر النسل الولد والحرث الأرض وهذا يرجع إلى تفسيره بالزرع وفي مجمع البيان وروي عن الصادق ان الحرث في هذا الموضع الدين والنسل الناس. وأظن انه اخذه من تفسير القمّي ففيه قال الحرث في هذا الموضع الدين. وهذا الكلام لا دلالة فيه على انه رواية عن الصادق (ع)( وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) ولا يعين عليه ولكن يمهل ذلك الساعي ويملي له ٢٠٤( وَإِذا قِيلَ لَهُ ) اي لذلك المفسد( اتَّقِ اللهَ ) ولا تفسد( أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ ) التي يراها لنفسه( بِالْإِثْمِ ) واجتماع اتباعه معه على الضلال اي استولى عليه اعتزازه بالإثم اي بالتعاضد الباطل على الباطل والآثام فيأنف من قول القائل له اتق الله وفي التبيان أخذته العزة من اجل الإثم الذي في قلبه من الكفر. وقيل أخذته العزة أي دعته العزة إلى الإثم كما تقول أخذت فلانا بأن يفعل أي دعوته إلى ان يفعل ونحوه قال في الكشاف( فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ) اي فليكن محسوبة في عاقبة جهنم( وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ) الذي مهده لنفسه بسوء اعماله هي ٢٠٥( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ) في التبيان شرى باع. وفي الكشاف يبيعها أي يبذلها في الجهاد أقول ويمكن ان يراد به معنى الاشتراء المتعارف على نحو ما ذكرناه في الآية الرابعة والثمانين أي يشتري نفسه بالأعمال الصالحة ابتغاء لمرضات الله عليها وهي سعادتها التي تشترى لها. وفي التبيان وروي عن أبي جعفر يعني الباقر (ع) انه قال نزلت في علي (ع) حين بات على فراش رسول الله (ص) لما أرادت قريش قتله (ص). ورواه في البرهان وغاية المرام عن تفسير العياشي باسناده عن ابن عباس وعن جابر عن الباقر (ع) ورواه الشيخ الطوسي


في اماليه بأسانيده من رجال أهل السنة وغيرهم عن زين العابدين وابن عباس وانس وأبي عمرو بن العلا وعن أبي اليقظان عمار عن رسول الله (ص) وفي مجالسه عن أبي ذر ان امير المؤمنين احتج في الشورى بأن الاية نزلت في شأنه. وفي غاية المرام رواه ابن بابويه وابن شاذان والكليني والطوسي وابن عقده والبرقي وابن فياض والعبدكي والصفواني والثقفي بأسانيدهم عن ابن عباس وأبي رافع وهند بن أبي هاله. ورواه من أهل السنة الحافظ أبو نعيم عن ابن عباس. والثعلبي في الجزء الأول من تفسيره. ورواه أيضا في تفسيره وابن عقبة في ملحمته وابو السعادات في فضائل العشرة بأسانيدهم عن أبي اليقظان عمار. ورواه الغزالي في باب الإيثار من الاحياء بالنحو المفصل في مباهاة الله لجبرائيل وميكائيل بعلي ونزول الآية في شأنه وكذا أورده الرازي والنيسابوري والشيرازي في تفاسيرهم وعن ابن الأثير في الإنصاف في جمعه بين الكشاف والكشاف ورواه في الفصول المهمة عن الاحياء ورواه الثعلبي أيضا باسناده عن السدي. وروى الحاكم في مستدركه والذهبي في تلخيص المستدرك واخطب خوارزم موفق في مناقبه والحمويني في فرائده وفضائل الصحابة بأسانيدهم عن زين العابدين (ع) قال أول من شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله علي بن أبي طالب عند مبيته على فراش رسول الله (ص) وروى أحمد في مسنده بطريق صحيح والحاكم في مستدركه وصحّحه على شرط البخاري ومسلم وذكر روايته عن أبي داود والطيالسي وغيره ورواه النسائي في خصائصه صحيحا واخطب خوارزم في مناقبه والذهبي في تلخيصه وصحّحه والحمويني في كفاية الطالب والسمط الاول من فرائده عن ابن عباس في حديث وشرى علي نفسه ولبس ثوب النبي (ص) ونام مكانه وقد كان رسول الله (ص) البسه برده وكانت قريش تريد ان تقتل النبي (ص) الحديث. هذا وفي الكشاف لم يذكر هذه الرواية وفسر يشري نفسه بقوله يبيعها ويبذلها في الجهاد ثم ذكر الرواية في صهيب وانه اشترى نفسه وافتداها من مشركي قريش بماله. وهذا لا يناسب تفسيره بيبيعها ويبذلها وإنما يناسب ذلك ما روي في شأن امير المؤمنين (ع) في بذل نفسه ومبيته على فراش الرسول ليفديه بها. والعجب من السيوطي فإنه مع طول باعه في الحديث واستقصائه في الدر المنثور للأحاديث المتعلقة بالتفسير حتى الشواذ والمناكير ومع ذلك لم يذكر ما استفاض من طرقهم في نزول هذه الآية في شأن امير المؤمنين ومبيته على الفراش وروى نزولها في شأن صهيب أو مع أبي ذر أو مع غيرهما. وان ما يرويه صهيب من قول النبي (ص) له ربح


وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً

____________________________________

البيع لا يناسب بذل ماله ولا تناسب الآية إفلات أبي ذر من أهله. فإن قيل ان الآية مدنية فكيف يكون نزولها في مبيت علي (ع) على الفراش في مكّة قلت ان حادثة المبيت كانت حين خرج رسول الله (ص) من مكّة مهاجرا فنزلت الآية بعد ذلك في تمجيد علي (ع). وايضا لم يكن بين ما يروونه من شأن صهيب مع قريش وبذل ماله وبين مبيت علي (ع) على الفراش إلّا يوم ونحوه فكيف ناسبت الآية المدنية شأن صهيب ولم تناسب شأن امير المؤمنين في مبيته على الفراش( وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ) وهذه التتمة وامتنانها انما تناسب شأن امير المؤمنين (ع) ورأفة الله به في حفظه بجبرائيل وميكائيل من قتل قريش كما فيما أشرنا إليه من روايات أبي نعيم والثعلبي وابن عقبة وأبي السعادات والغزالي والرازي وغيرهم ٢٠٦( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) فيما حضرنا من كتب اللغة السلم بكسر السين وسكون اللام الصلح والمراد منه الملائمة وعدم الحرب لا عقد المصالحة الذي يؤثر السلم. وتؤنث حملا على نقيضها الحرب كقوله تعالى في سورة الأنفال( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ) . وقال العباس بن مرداس

السلم تأخذ منها ما رضيت به

والحرب يكفيك من أنفاسها جرع

ومن الغريب ما رواه في الدر المنثور من أن المراد بالسلم شرائع الإسلام وما ذكره من سبب النزول. وان المخاطبين هم أهل الكتاب. أو ان المراد بالسلم الإسلام. كما اغرب من نقل عنه في الكشاف ان المخاطبين هم المنافقون كما اغربوا بتفسير السلم بالطاعة كيف والآية والتي بعدها يناديان بأنهم نوع المؤمنين بالله ورسوله محمد (ص) وقد كانوا حين الخطاب بالآية ومدة حياة الرسول مستوسقين بأجمعهم للسلم فيما بينهم اذن فما ذا الذي أمروا بأن يدخلوا فيه ما هو إلّا عنوان يضمن لهم دوام السلم بعد الرسول (ص) ويحكم انتظامه ولم نجد لهذا العنوان بيانا وتفسيرا معقولا إلّا ما ورد عن أهل البيت (ع) ففي الكافي بسنده عن عبد الله بن عجلان عن الباقر (ع) في تفسير السلم في الآية قال (ع) في ولايتنا. وكذا رواية سعد بن عبد الله القمّي بسنده عن الفضيل عنه (ع) ورواية ابن شهرآشوب عنه (ع) ورواية العياشي عن الكلبي عن الصادق عنه (ع). وفي امالي الشيخ بسنده عن محمد بن إبراهيم عن الصادق (ع) قال في ولاية علي بن أبي طالب وكذا رواية ابن شهرآشوب عن زين العابدينعليه‌السلام


وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٧)فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ

____________________________________

والصادق (ع) ورواية العياشي عن أبي نصير عن الصادق (ع). وفي معناها روايات أخر عن العياشي عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن الباقر (ع) والصادق (ع). وروايته عن جابر عن الباقر (ع) وروايته عن مسعدة عن الصادق عن أبيه عن جدهعليهم‌السلام . ولعمر الحق ان ولاية علي (ع) والأئمة من آل الرسول لهي اشرف انواع السلم وأعظمها بركة. بها يستوسق السلم العام بين المسلمين بعد الرسول (ص) وبها يستحكم نظامه ويقر قراره ولو تمسك كافة المسلمين بها لما حدثت الحروب الطاحنة كحروب البصرة وصفين والنهروان وكربلا والحرة وغيرها. ولما ذهب خيار المسلمين اضاحي لقساوة زياد وابنه والحجاج وأشباههم فإنا لله وانا إليه راجعون. و «كافة» بمعنى جميعا حال من ضمير الجماعة في ادخلوا ولا محصل لكونه حالا من السلم خصوصا مع ما ذكرناه من حال المسلمين في عهد رسول الله( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) الخطوات جمع خطوة أي لا تتبعوا اثره وتخطوا على خطاه في الضلال ولا تنقادوا على أثره بغوايته( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) لعداوته. وهل تخفى عداوته. وها أنتم بأقل التفات تعلمون انه يغريكم بكل قبيح ويوقعكم بغوايته في كل شر ومكروه ٢٠٧( فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ ) ومنها قوله تعالى( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) . وتأكد بيانه بتواتر الأحاديث من الفريقين في ان المراد من أهل البيت هم علي والزهراء وذريتهما صلوات الله عليهم. وقوله تعالى( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) . وغير ذلك من الآيات المأثورة تفسيرها في فضل علي (ع) وزعامته وولائه كما مضى ويأتي ان شاء الله وما تواتر لفظا أو معنى من أحاديث الفريقين في فضل علي (ع) وولايته وامرته على المؤمنين.( فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) في إنفاذ امره واظهار الحق بلا إلجاء ٢٠٨( هَلْ يَنْظُرُونَ ) أي نوع الناس ان كان المقصود من الآية أحوال القيامة وأهوالها. وان كان المقصود أهوال أواخر الزمان فالمراد بعض الناس واهل ذلك الحين( إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ ) نسبة الإتيان إلى الله مجاز أي يأتيهم آثار قدرته وعظمته وسلطانه القاهر كما


وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢٠٩)سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١٠)زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ

____________________________________

يقال لمن جاءه جيش الملك بسطوة سلطانه جاءك الملك. وظلل جمع ظلة وهو ما اظلك. والغمام معروف. وظلل الغمام يحتمل ان تكون مجازا في الشدائد التي تدهمهم وظلمات الأهوال كما يظلم الجو بالغمام( وَالْمَلائِكَةُ ) فاعل بالعطف ليأتي واسناد الآيتان إليهم لا مانع من حقيقته. وفي روايات الدر المنثور في الآية ما يعسر تأويله ويستحيل مؤداه لأنّه تجسيم وفيه نسبة التحين في المكان إلى الله جل شأنه( وَقُضِيَ الْأَمْرُ ) فإنه لا راد لقضاء الله( وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) وهو وليها يرجعها إليه سلطان إلهيته القاهر ووجوبه وإمكان ما سواه وحاجته في جميع أحواله إليه جل سلطانه ٢٠٩( سَلْ ) يا رسول( بَنِي إِسْرائِيلَ ) على وجه التقرير والتوبيخ على تمردهم وكفران النعم( كَمْ آتَيْناهُمْ ) أي أظهرنا لهم( مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ) واضحة تهديهم إلى الحق وتوضح لهم سبل الرشاد في التوحيد ووحي التوراة من الله ونبوة رسول الله ووحي قرآنه وحظوا من تلك الآيات وبينات دلائلها وإرشادها بالنعمة العظمى ولكن بدلوها وكم قابلوها بالارتداد والجحود والعباد وكفران النعمة( وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ ) كمجيء تلك الآيات البينات فبشره بالعقاب الشديد( فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ٢١٠زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا ) زينها الشيطان وأهواء النفس الأمارة كما في قوله في سورة الأنفال والنحل والنمل والعنكبوت. وقيل ان الله زينها لهم بأن خلق فيها الأشياء المرغوبة المعجبة. وليس بشيء لأن خلق هذه الأشياء إنما هو للناس عامة لا لخصوص الذين كفروا. وفي الكشاف يجوز أن يكون الله زينها لهم بأن خذلهم حتى استحسنوها أو لأنّه أمهلهم قلت وعلى ذلك جاء قوله تعالى في سورة الانعام( كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ) وفي سورة النمل( زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ ) ولكن هذا مجاز لا يصار إليه إلّا بحسب اقتضاء الدليل( وَيَسْخَرُونَ ) أي الذين كفروا( مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) اما لأجل فقرهم أو لأجل ايمانهم بالآخرة ورجائها أو لأجل اقدامهم على تحمل الشدائد بسبب الإيمان( وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ ) فوق الكافرين الساخرين( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) في نعيم الجنان ورفعة


وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ

____________________________________

الرضوان. وهل المراد بالذين اتقوا هم الذين آمنوا أو الاشارة إلى أن ما كل الذين آمنوا ينالون الدرجات الرفيعة يوم القيامة كما ورد في الحديث المستفيض المروي في صحاح أهل السنة وغيرها عن رسول الله (ص) انه يؤخذ ببعض أصحابه يوم القيامة ذات اليمين وذات الشمال فيقول أصحابي أصحابي فيقال له إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. الله هو العالم بالمراد( وَاللهُ يَرْزُقُ ) بالكرامة ورفعة الدرجات( مَنْ يَشاءُ ) من عباده بحسب الأهلية واستحقاق الكرامة( بِغَيْرِ حِسابٍ ) ولا حد محدود والله ذو الفضل العظيم ٢١١( كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ) لا تفرق بينهم فيما يرجع إلى نحلة أو شريعة. وفي التبيان روى عن أبي جعفر «الباقر (ع)» انه قال كانوا قبل نوح امة واحدة على فطرة الله لا مهتدين ولا ضلالا فبعث الله النبيين انتهى والمراد لا مهتدين كل الاهتداء في المعارف لأن الفطرة إنما تهدي إلى أصل الإلهية والتوحيد وشيء من صفاته جل شأنه. ولا توصل إلى المعاد الجسماني بالخصوصيات التي جاء بها القرآن الكريم ولا إلى الشريعة. ولا ضلالا بكل الضلال. إذن فهم ضلال في مطلق القول لضلالهم عن كثير مما تراد منهم معرفته والاهتداء اليه. وفي رواية العياشي عن مسعدة عن الصادق (ع) قلت أفضلالا كانوا قبل النبيين أم على هدى قال (ع) لم يكونوا على هدى بل على فطرة الله التي فطرهم عليها. وهذا كله ينطبق على ما أسنده الكافي عن يعقوب بن شعيب عن الصادق (ع) في الآية قال كان قبل نوح أمة ضلال فبعث الله النبيين. وكذا في رواية العياشي عن يعقوب عنه (ع) وفي روايته عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع) كان هذا قبل نوح كانوا ضلالا. وروايته عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن الباقر (ع) والصادق (ع) كانوا ضلالا. ولم يرو عن أهل البيت انهم كانوا كفارا. نعم اضطربت الروايات كما في الدر المنثور عن ابن عباس ففي بعضها قوله على الإسلام كلهم وقريب منه ما رواه عن أبي بن كعب وفي بعضها من طريق العوفي قال كانوا كفارا( فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ) برضوان الله وجزائه ونعيم الآخرة لمن آمن بالله واتقاه وعمل صالحا( وَمُنْذِرِينَ ) لمن خالف كل ذلك أو بعضه بغضب الله ونكاله ويوم القيامة وعذابه الأليم المهين( وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ ) أي نوع الكتاب الإلهي الذي


بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)أَمْ

____________________________________

يجيء به الرسل من الأنبياء من عند الله فيحتمل ان يراد بالنبيين خصوص الرسل الذين ينزل عليهم كتاب ويحتمل ان يراد بهم مطلق الأنبياء وعبر بانزال الكتاب معهم باعتبار انزاله على الرسل منهم فكان منزلا مع نوبة بعثتهمعليهم‌السلام أنزله الله( بِالْحَقِ ) أي ليبين الحق ويوضح للناس نهج الهدى في دينهم وشرائعهم. ومن غايات ذلك وفوائده أن يكون مرجعا وحكما فاصلا في الاختلاف وباعتبار هذه الغاية الشريفة قال جلت آلاؤه( لِيَحْكُمَ ) ببيانه( بَيْنَ النَّاسِ ) أي مطلق الناس لا خصوص أولئك المذكورون ولو كانوا هم المراد لقيل ليحكم بينهم( فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) ودعاهم إلى الاختلاف فيه جهلهم واهواؤهم( وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ ) أي في الكتاب( إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ ) واختلفوا فيه( مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ ) من محكماته المعتضدة بدلالة العقل وفي هذه الجملة دفع لما يتوهم من أن الكتاب كيف يحكم بين الناس مع ان كل فرقة من الأمة الواحدة في خصامها الديني والمذهبي مع الفرقة الأخرى تحتج بالكتاب الجامع بين الأمة وتدعي دلالته على ما تقول به فقال الله تعالى ما معناه ان الكتاب المنزل للأمة بحسب الحكمة بلسان البشر ولسان تلك الأمة ومحاورتها وان كان فيه صريح محكم وظاهر بالوضع ومجاز ظاهر المعنى بالقرائن اللفظية أو العقلية البديهية لكن صريحه ومحكمه وبيناته لا تبقي مجالا للتوهم. بل هي واقفة بالمرصاد لتلاعب الأهواء بظاهره ومجازاته فلم يختلفوا لخفاء دلالته واشكالها بل وقع الاختلاف( بَغْياً ) حاصلا( بَيْنَهُمْ ) وانحرافا من بعضهم عن الحق وزيغا إلى البغي ليموه الباغون أمرهم بالتشبث بالمتشابهات( فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) بحقيقة الإيمان وأوصلهم بتوفيقه( لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ) وتأييده باللطف لأنهم أهل لذلك بإيمانهم وتدبرهم في الكتاب( وَاللهُ يَهْدِي ) ويوصل إلى الحق( مَنْ يَشاءُ ) ممن هو أهل للطفه وتوفيقه جلت نعماؤه( إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ويجوز ان تحمل الآية على الاختلاف في نفس الكتاب وكونه منزلا من الله ويكون المراد من البينات هي المعجزات والدلائل على صدق الرسول ونزول الكتاب من الله ٢١٢( أَمْ حَسِبْتُمْ ) أيها المسلمون( أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ) وتنالوا درجاتها الرفيعة جزاء ومكافاة


حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (٢١٣)يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا

____________________________________

للأعمال الصالحة بدون إخلاص ثابت وصبر وثبات على نصر الدين وشدائده وبدون تمحيص للصادق من الكاذب( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) الحجرات ١٧( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) آل عمران ١٣٦ أي ولما يجاهد المجاهدون منكم ويصبر الصابرون فيكون الله قد علم بعلمه التابع في الأزل انهم سيجاهدون ويصبرون باختيارهم رغبة فيما عند الله ونصرا لدين الحق( وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ) من أنصار الحق من الأمم والمثل بمعنى مثل بكسر الميم اي تمتحنون وتبتلون وتصبرون كما امتحنوا وصبروا. والذي أتاهم وصبروا عليه هو ان( مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ ) من البؤس ضد النعماء( وَالضَّرَّاءُ ) من الضر ضد السراء أصابهم ذلك ومسهم بألمه لا مجرد عروض ذلك( وَزُلْزِلُوا ) بهيجان الابتلاء والمحن واضطراب الأحوال ولكن الصابرين منهم ثبتوا على شدّتهم في أمر الدين ولم يهنوا بل دام بهم ذلك الحال وهم على صبرهم وثباتهم( حَتَّى ) يفزع الرسول والمؤمنون إلى نصر الله ويستنزلون نصره ورحمته و( يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ ) دعاء واستنصارا لرغبتهم في ظهور دين الحق. فكونوا مثلهم واصبروا واثبتوا أيها المسلمون ولكم البشرى بالنصر( أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ ) ٢١٣( يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ) في جوابهم ما يعرفهم ما ينفقونه وهو ما كان خيرا نافعا يراد به الإحسان ووجه الله. وما يبين مواضعه لئلا يكون إنفاقهم تضييعا للأموال ومستلزما للمفاسد( ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ ) الناحيتين من الوالدين الأب والجد والأم والجدة( وَالْأَقْرَبِينَ ) للمنفق وقدموا على مطلق الأقارب ممن في اعطائهم صلة الرحم بيانا لأهميتهم وتقديمهم عند مساواتهم للغير في سائر المزيات ودوران الأمر( وَالْيَتامى ) اليتيم هو الصغير الذي لا أب له( وَالْمَساكِينِ ) الفقراء( وَابْنِ السَّبِيلِ ) وهو المحتاج في سفره وان كان له مال لا يصل إليه( وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ) وان أسررتم به فإنه لا تخفى عليه خافية ولا يضيع


مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٤)كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٥)يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ

____________________________________

أجر المحسنين ٢١٤( كُتِبَ ) وفرض( عَلَيْكُمُ الْقِتالُ ) فرض كفاية لتنالوا فضيلة الجهاد ونصر الدين ويحظى بعضكم بكرامة الشهادة وحياتها الحسنى( وَ ) الحال( هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ) الكره بالضم مصدر بمعنى المكروه كراهة طباع وإن رغب فيه المخلصون في نصر الإسلام( وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) وأحسن أثرا وعاقبة في الدنيا أو في الآخرة أو في كليهما( وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ) ما هو خير لكم وما هو شر( وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) بذلك فيختار لكم بلطفه وتوفيقه ما هو خير ٢١٥( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ) ذكر القمّي في تفسيره في سبب نزولها ما حاصله ان سرية لرسول الله يرأسها عبد الله بن جحش وافوا ببطن نخلة عيرا لقريش فقتلوا عبد الله بن الحضرمي وغنموها وأسروا أسيرين وكان ذلك في أول يوم من رجب من الأشهر الحرم. وذكر في الدر المنثور رواية عن جندب بن عبد الله وفيها ان اصحاب رسول الله (ص) شكوا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى وفيما ذكره عن ابن عباس انهم كانوا يظنون ان تلك الليلة من جمادى وكانت أول رجب ولم يشعروا. ونحوه ما رواه عن أبي مالك الغفاري. وعن الزهري وأبي مقسم. واضطرب ما ذكر روايته عن عروة في ذلك وتدافع. وفي الكافي في الصحيح عن عمر بن يزيد عن الصادق (ع) في ان اليوم يتبع الليلة الماضية لا الآتية قال (ع) لأن أهل بطن نخلة حيث رأوا الهلال قالوا قد دخل الشهر الحرام انتهى والرواية تشير إلى القصة. والمعنى يسألك المشركون على سبيل الإنكار أو المسلمون على سبيل الاستفهام عن الشهر الحرام قتال فيه. قتال بدل اشتمال من الشهر الحرام( قُلْ ) ما معناه ان ترك القتال في الشهر الحرام إنما هو وسيلة لنوع من احترام الناس وتسكين للشر واما إذا كان الناس هم الهاتكون للحرمات فأولئك لا حرمة لهم ولا كرامة فكيف يستنكر قتال المشركين في الشهر الحرام وهم الطواغيت المحادون لله ورسوله والمؤمنين دائما وفي الشهر الحرام ولهم( قِتالٌ (١) فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ ) للناس( عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) ولا يزالون على هذا


وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ

____________________________________

الصد منذ ظهرت دعوة الإسلام والتوحيد محادة لله( وَكُفْرٌ بِهِ وَ ) صد عن( الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) فلا يخلون سبيل المسلمين إليه( وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ ) وهم رسول الله ومن آمن به من أهل مكّة بذلك الإخراج المزعج عداوة لله وتوحيده ورسوله ودعوته إلى الصلاح( أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ ) مما تحسبونه كبيرا من قتال المشركين في الشهر الحرام. بل انهم لا يزالون يريدون أن يفتنوا المؤمنين عن التوحيد ودين الحق بالمخادعة أو ما تيسر لهم من انواع الإيذاء( وَالْفِتْنَةُ ) عن الدين( أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ) مع ان غزوهم وقتالهم إنما كانا لأجل تهديدهم وإرهابهم وردعهم عن أذى المؤمنين فإنهم لا يزالون مصرين على عداوة دين الحق( وَلا يَزالُونَ ) في ضلالهم وغيهم( يُقاتِلُونَكُمْ ) هذا التفات إلى خطاب المسلمين وفيه مناسبة لأن يكونوا هم السائلين عن قتال المشركين في لشهر الحرام( حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ ) وهذا غرضهم من قتالهم لكم( إِنِ اسْتَطاعُوا ) ان يدوموا على قتالكم وفيه بشرى بأنهم لا يستطيعون ولا يدومون( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ ) جمع باعتبار معنى «من»( حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) وسقطت كأنها لم تكن فلا اثر لها ولا كرامة ولا استحقاق مع الكفر والارتداد( فِي الدُّنْيا ) باعتبار افتخارهم بأعمالهم في الإسلام أو ترتيب آثار لها( وَالْآخِرَةِ ) فإن المرتد الذي يموت على الكفر قد أسقط نفسه بكفره عن أهليته للجزاء وان عمل العمل في حينه على وجهه( وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) في التبيان والمبسوط روى أصحابنا انه «اي قتال المشركين في الأشهر الحرم» باق على التحريم فيمن يرى لهذه الأشهر حرمة وافتى بذلك في النهاية ولم يحضرني كتاب الجهاد من خلافه والرواية هي مضمرة تهذيبيه وتفسير العياشي عن العلاء بن فضيل وفي طريقها محمد بن سنان. وفي المنتهى انه قول أصحابنا وفي الجواهر لا خلاف فيه عندنا وجعل المضمرة مجبورة بذلك. ولا يعارضه قتال الرسول (ع) عام الفتح لهوازن في شوال والطائف في ذي القعدة لأن الذين قاتلهم ممن هتكوا حرمة الشهر وبدأوا بالقتال بل يدل عليه قوله تعالى في سورة براءة( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا


(٢١٦)إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٧)يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ

____________________________________

الْمُشْرِكِينَ ) والتعليق على ذلك ليس من حيث مهلة العهد فانها خاصة وهذه الآية عامة وتلك اربعة أشهر وهذه نحو خمسين يوما ٢١٦( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) حق الايمان ويحتمل ان يراد بهم المؤمنون الذين لم يستطيعوا الهجرة حينئذ وبالمعطوف المهاجرون المجاهدون ويحتمل ان يراد المهاجرون وكرر لفظ الذين للعناية بهجرتهم وجهادهم( وَالَّذِينَ هاجَرُوا ) من بلادهم لأجل الإسلام ونصرته. والهجرة مأخوذ من الهجر واختصت شرعا بمن هجر بلاد الشرك في سبيل الإسلام واتباع الرسول (ص) قبل الفتح( وَجاهَدُوا ) بذلك جهدهم وطاقتهم واختص ذلك بالحرب الشرعية( فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ ) جملة أولئك خبر للذين وكفى برجائهم لرحمة الله معرفة بالله وازديادا للخير من فضله ورحمته( وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فكأنه قيل ان الله يرحمهم لأنّه رحيم فكيف بمن يرجو رحمته بنيته وعمله بل ويغفر لهم ما سلف ويقبل توبتهم ٢١٧( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ ) في التبيان قال جمهور أهل المدينة كل ما أسكر كثيره فهو خمر انتهى واشتقاقها اما من الاختمار وهو لازم لنوع المسكرات المائعة واما من مخامرتها للعقل. واستفاض من رواياتنا عن رسول الله (ص) والأئمة من أهل البيت انها اسم لكل مسكر كما في صحيح ابن الحجاج عن الصادق (ع) ورواية القمّي في تفسيره عن الباقر (ع) والمرسل من طريق والمسند المعتبر عن عامر بن السمط عن زين العابدين (ع) ورواية الهاشمي عن الصادق (ع) عن رسول الله (ص) ورواية الامالي للطوسي بسنده عن النعمان بن بشير عن رسول الله (ص) كما أحصاه في الوسائل في الباب الأول من الأشربة وفي الباب الخامس عشر أيضا عن الباقر (ع) قال قال رسول الله كل مسكر حرام وكل مسكر خمر واستفاضت الرواية عن الصادق والكاظم والرضاعليهم‌السلام في ان الفقاع خمر( وَالْمَيْسِرِ ) هو القمار واخطأ في المصباح في قوله الميسر قمار العرب بالأزلام ولم يلتفت إلى قوله تعالى في سورة المائدة ٩٠( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ ) . ولو كانت الأزلام والمقامرة بها عين الميسر لما صح عطفها على الميسر مع الفاصل لكنها عطفت عليه من باب عطف الخاص على العام لما فيه من الأهمية. وفي الكافي مسندا عن الكاظم الميسر هو القمار. وبإسناده عن الباقر عن رسول الله (ص) قيل يا رسول الله ما الميسر


قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

____________________________________

قال كل ما تقامر به حتى الكعاب والجوز قيل فما الأزلام قال (ص) قداحهم التي يستقسمون بها وفي رواية العياشي عن الكاظم (ع) عن الصادق (ع) النرد والشطرنج من الميسر وفي الكشاف عن النبي (ص) إياكم وهاتين اللعبتين المشومتين فإنهما من ميسر العجم وعن علي (ع) ان النرد والشطرنج من الميسر وفي الدر المنثور بسنديه عن ابن عباس وابن عمر الميسر القمار وقد خبط الكشاف هاهنا بقوله أولا الميسر القمار وقوله بعد هذا فإن قلت ما صفة الميسر قلت كانت لهم عشرة أقداح وهي الأزلام إلى آخره وقوله بعد هذا وفي حكم الميسر انواع القمار من النرد والشطرنج انتهى هذا وان أسلوب الجواب في هذه الآية والنظر إلى قوله تعالى في سورة المائدة( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) والآية التي بعدها ليشعر بأنهم سألوه (ص) وهم يذكرون منافعهما للناس في شرب الخمر وربح القمار ونحو ذلك مما يسوله الهوى فجاء الجواب على سبيل التساهل والتأكيد في الحجّة على تحريمهما( قُلْ ) يا رسول الله( فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ ) بالتنكير اشارة إلى مجهوليتها وهوانها( لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما ) في الدنيا في الصحة والشرف والمعيشة والسلام مع الناس وفي الآخرة( أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) وحقيق في لطف الله ورحمته ونظره إلى مصالح عباده وتكميلهم وتهذيبهم في شريعة الحق ان يحرمهما لأجل إثمهما الكبير( وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ ) عند فقرهم وغناهم( قُلِ الْعَفْوَ ) كل بحسب حاله ففي الكافي مسندا عن الصادق (ع) العفو الوسط اي المقدار المتوسط بين ما يكون إسرافا وما يكون من البخل بحسب حال الشخص. ونحوه رواية العياشي عن جميل عنه (ع) وفي روايته عن عبد الرحمن عنه (ع) قال الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما. وعن يوسف عن الصادق والباقرعليهما‌السلام قال الكفاف وفي رواية أبي بصير القصد ولا يخفى انه لم يقيد الإنفاق بكونه في سبيل الله بل هو مطلق الإنفاق وقال أسماء بن خارجه الفزاري لزوجته

خذي العفو مني تستديمي مودتي

ولا تنطقي في سورتي حين اغضب

( كَذلِكَ ) خطاب لرسول الله( يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ ) جمع الضمير باعتبار ان البيان يشمل الامة( الْآياتِ ) في أمر الخمر والميسر والنفقة وغيرها( لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) لغاية ان تتفكروا باختياركم فتأخذوا


(٢١٨)فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢١٩)وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ

____________________________________

بحظكم من الرشد ٢١٨( فِي ) أمور( الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) لتتبعوا رشدكم وتعملوا بما فيه صلاح الدارين( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ) أمر( الْيَتامى ) في مخالطتهم في أموالهم ففي تفسير القمّي في الصحيح عن الصادق (ع) أنَّه لما نزل قوله تعالى في سورة النساء( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) اخرج كل من كان عنده يتيم وسألوا رسول الله عن إخراجهم فأنزل الله ويسألونك عن اليتامى. وفي معناها رواية الدر المنثور المصححة عن ابن عباس( قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ ) بتولي أمرهم وحفظ أموالهم والإنفاق عليهم منها وحسن تربيتهم وتأديبهم وتعليمهم( خَيْرٌ ) من إخراجهم وضياع أموالهم وأدبهم( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ ) في المأكل والمال( فَإِخْوانُكُمْ ) في الدين أو في القبيلة أو في النسب القريب ولا بأس بمخالطتهم إذا صافيتموهم مصافاة الاخوان واصلحتم( وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ ) الذي يأكل اموال اليتامى ظلما أو يضيعها( مِنَ الْمُصْلِحِ ) الذي يخالطهم بالإحسان والإصلاح فاطلبوا الجزاء واحذروا العقاب ممن لا تخفى عليه خافية. وقد روي في الكافي والتهذيب وغيرهما شيء من وجوه مخالطتهم فليراجع( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ ) أي حملكم على ما فيه مشقة عليكم وكلفكم به من إصلاح أمر اليتامى وعدم مخالطتهم( إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ) في ارادته( حَكِيمٌ ) في شريعته يجريها على حكمة العدل والتيسير ٢١٩( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ ) في الدر المنثور مما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عمر انه كان إذا سئل عن نكاح النصرانية واليهودية استشهد لتحريمه بهذه الآية. وفي التبيان وهذه الآية على عمومها في تحريم مناكحة جميع الكفار وليست منسوخة ولا مخصوصة. وتبعه في مجمع البيان على هذه العبارة إلى آخرها وزاد بقوله وهي عامة عندنا وأكد ذلك في آخر كلامه بقوله وهو مذهبنا. وفي هذا شك فإن الإجماع الذي ادعاه في الانتصار على حظر نكاح الكتابيات يمكن تأويله ككثير من إجماعاته لأن القمّي قال في تفسيره إنَّ الآية منسوخة بقوله تعالى( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) . ونص على الحل والنسخ في تفسير هذه الآية وهي السابعة من سورة المائدة وفي المبسوط نسب التحريم إلى المحصلين من أصحابنا


وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إلى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إلى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

____________________________________

او إلى بعضهم وقال وقد أجاز أصحابنا كلهم التمتع بالكتابيات ووطأهن بملك اليمين. وتبعه على ذلك في المجمع في تفسير قوله تعالى( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) . وقد حكى جواز الدوام أيضا عن الحسن والصدوقين من القدماء. ووجه للكلام هنا ان هذه الآية وكذا قوله تعالى في سورة الممتحنة ١٠( وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ ) . هل هما منسوختان بقوله تعالى في سورة المائدة ٧( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ـوَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) . أم هذه هي المنسوخة. وقد اختلفت الروايات في هذا الشأن وتحرير الكلام في ذلك موكول إلى مباحث الفقه. ويمكن أن يقال ان آية المائدة مختصة بتحليل الكتابيات بنكاح المتعة وذلك لاشتراطه بقوله تعالى( إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) فإن هذا الشرط مختص بنكاح المتعة. لا يقال ان هذا منقوض بورود هذا الشرط في الآية العاشرة من سورة الممتحنة في نكاح المؤمنات المهاجرات. لأنا نقول إن ذلك في آية الممتحنة يمكن كما هو الراجح أن يكون بيانا لأن لا يسقط المسلمون مهورهن بالمرة اكتفاء بما أمروا به من إعطاء أزواجهن الأول من المشركين ما أنفقوا عليهن من المهر وحاصل ذلك ان تزوجهم للمهاجرات يكون على عادة الزواج النوعية بدون مقاصة لهن بما اعطي لأزواجهن الأول من أجلهن ولا إسقاط لمهورهن( وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ ) لكم في الزواج( مِنْ ) حرة( مُشْرِكَةٍ ) مهما كانت( وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ) ورغبتم فيها( وَلا تَنْكِحُوا ) نساءكم( الْمُشْرِكِينَ ) قيل ذلك نظرا إلى العادة من أن المرأة يزوجها الولي فيحرم أيضا على المؤمنة ان تزوج نفسها من المشركين( حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ ) حر( مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ ) يعني المشركين نساء ورجالا( يَدْعُونَ إلى النَّارِ ) وان وسوسة الخليط من نحو الزوج أو الزوجة من المشركين لها أثر سيّء مخوف يجب التحذر منه( وَاللهُ يَدْعُوا إلى الْجَنَّةِ ) ومن ذلك ان يأمركم بأن تتباعدوا عن وسوسة الخليط المشرك( وَ ) يدعوكم إلى نيل( الْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ) في ذلك بسبب هدايته وإرشاده لكم وتوفيقكم للأعمال الصالحة( وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ ) بما فيه هداهم والإشارة إلى الحكمة( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) اي لغاية أن يتذكروا


(٢٢٠)وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ

____________________________________

باختيارهم فتنفعهم الذكرى ٢٢٠( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ) المحيض مصدر لحاضت المرأة إذا أخذها الدم المعروف المعتاد للنساء ويجيء المحيض اسما لزمان الحيض ومكانه( قُلْ هُوَ أَذىً ) اي قذر كما تقدم في قوله تعالى( أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ ) ان الأذى القمل. ولا بد في قوله( قُلْ هُوَ أَذىً ) من نحو من الاستخدام فإن الحيض بمعناه المصدري ليس قذرا يجتنبه الرجال وإنما القذر والأذى هو الدم. ويحسن هذا الاستخدام بشدة الملابسة والاستغناء به عن التصريح باسم دم الحيض المستقذر( فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ) اي لا تأتوهن في محل الحيض والقذارة وهو الفرج ويمكن حمل المحيض على اسم الزمان فيجب حمل الاعتزال على اعتزال مخصوص يسبق إليه الذهن من المقام وهو الجماع في الفرج ويوضحه التنفير بكون دم الحيض أذى وقذارة. فرع عليه الأمر بالاعتزال. واما مطلق اعتزال النساء في زمان الحيض فهو مخالف لإجماع المسلمين ودعوى الأخذ بالإطلاق بعد التخصيص بما دل عليه الإجماع يلزمها تخصيص الأكثر وهو مستهجن. واما اعتزال ما تحت المئزر كما يقول أبو حنيفة وابو يوسف فلا يساعده وجه من وجوه الآية الكريمة وحديثهم عن عائشة متعارض( وَلا تَقْرَبُوهُنَ ) بالجماع وهو تأكيد للأمر بالاعتزال( حَتَّى يَطْهُرْنَ ) بتخفيف الطاء كما هو الموسوم في المصاحف المتداولة بين المسلمين يدا عن يد وعليه قراءتهم ولا عبرة بما خرج عن ذلك من بعض القراءات كما ذكرنا في الفصل الثاني من المقدمة. والمعنى حتى ينظفن من ذلك الأذى والقذارة بانقطاع الحيض ونقاء المحل الذي هو الغاية لوجوب الاعتزال وعدم القرب. وهذا هو المناسب لتفريع الأمر بالاعتزال على كون دم الحيض أذى وقذارة وتعليله به وعلى ذلك اجماع الإمامية وأحاديثهم. ووافقهم أبو حنيفة وأصحابه إذا انقطع الدم على العشرة دون ما قبلها وفي هذا التفصيل اضطراب ظاهر( فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَ ) لا يلزم أن يكون هذا التفريع تكرارا في بيان الغاية المذكورة في حتى يطهرن بل اللازم في قانون المحاورة بحسب النظر إلى يطهرن بالتخفيف وتطهرن بالتشديد أن يكون تفريعا لأمر آخر وراء تلك الغاية وهو ان الإباحة بالمعنى الأعم المضاد للحرمة تحصل عند غاية التحريم ووجوب الاعتزال وهو النقاء من الحيض. وان الوطء الذي يؤمر به ويطلب


مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا

____________________________________

لبقاء النوع وحسن الإلفة بين الزوجين أو يكون مباحا بالمعنى الأخص فهو إذا تطهرن من الأقذار بأن غسلن فروجهن من آثار الدم ولو بغسل الحيض وعلق هذا على تطهرهن جريا على الغالب وإلّا فالغرض يحصل وان سقطن في الماء مثلا بدون اختيارهن( مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ ) في الآية بالاعتزال عنه وعليه رواية الدر المنثور عن ابن عباس وهو المناسب لتعريف ما يؤتى منه. ولا يضر في ذلك التعبير بلفظ من كما حكاه في التبيان عن الفراء. وحكى في التبيان التفسير بقولهم من حيث ما أمر الله به من النكاح دون الفجور كما عن أبي حنيفة. أو من حيث أباحه الله دون إتيان الزوجة الصائمة أو المحرمة مثلا كما عن الزجاج. والقولان بعيدان من وجوه. ولقد اغرب من قال ان الأمر في أمركم الله هو الأمر التكويني. هذا وان إباحة الإتيان من الفرج بعد الأمر باعتزاله لا تدل على انحصار الإباحة بالوطء فيه بوجه من الوجوه( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) في الفقيه والعلل والخصال والكافي وتفسير العياشي في رواياتهم ذكر المتطهرين من الغائط بالماء وان الآية نزلت في ذلك ولعله باعتبار بعض المصاديق ٢٢١( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) الحرث في الأصل الكراب مصدر حرث الأرض اي كربها ثم استعمل في الأرض التي تحرث كما في هذه الآية ثم استعمل في نبات الأرض المسبب عن الحرث كما في قوله تعالى( يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ) . وفي الآية شبه تمتع الرجل بزوجته بحرث الأرض والزوجة بالأرض التي تحرث فسميت حرثا اي محل تمتع لكم كما ان الأرض محل حفر وحرث وليس المراد ان إتيان المرأة لا يحل إلّا حيث يكون إتيانها زرعا للنسل حتى لو قلنا ان معنى انى شئتم هو اي وقت شئتم. أو في القبل سواء كان من أمام أو من خلف فإن الآية على هذين التقديرين ساكتة عن تحريم ما عداها حتى لو قلنا ان الأمر في قوله تعالى( فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ) للوجوب(١) كيف ولا خلاف بين المسلمين في جواز إتيان اليائسة ومعلومة العقم وإتيان المرأة مطلقا في أعكانها

__________________

(١) في الدر المنثور اخرج الحاكم عن ابن عبد الحكم ان الشافعي ناظر محمد بن الحسن في ذلك اي في حرمة إتيان الزوجة في دبرها فاحتج عليه ابن الحسن بان الحرث إنما يكون في الفرج فقال له فيكون ما سوى الفرج محرما فالتزمه فقال أرأيت لو وطأها بين ساقيها أو في أعكانها أفي ذلك حرث قال لا قال أفيحرم قال لا قال فكيف تحتج بما لا تقول به


حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ

____________________________________

وبين فخذيها وساقيها حتى ما بين أليتيها مثلا( فَأْتُوا ) الأمر للاباحة( حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) اين شئتم وقد أنكر بعضهم مجيء أنّى في اللغة بمعنى كيف أو بمعنى أيّ وقت والأوّل متيقن في اللغة والأخيران شكّك فيهما. والظاهر أنّ أنّى الاستفهامية مساوية في المعنى للشرطية وكلما جاء في القرآن من الاستفهامية صالح لأن يراد منه المكان والجهة مع ان منها ما لا يصلح أن يكون بمعنى كيف كما في قوله تعالى في سورة آل عمران ١٥٩( قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) و ٣٢( يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) وأما بمعنى أي وقت فليس في القرآن ما يصلح له. وفي الدر المنثور في ذكر القول الثاني من المسألة ذكر من اخرج عن أبي سعيد الخدري ان رجلا أصاب امرأة في دبرها فأنكر الناس عليه ذلك فأنزلت( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) وذكر من اخرج اثنتي عشرة رواية عن عبد الله بن عمر ان الآية نزلت رخصة في وطء النساء في أدبارهن. وروي عن ابن عبد البر ان الرواية عن ابن عمر بهذا المعنى صحيحة معروفة مشهورة. وأورد عن مالك ما يكذب رواية الخلاف عن ابن عمر وصحّحه الدارقطني عن مالك. وفي تهذيب الشيخ في الصحيح عن الصادق (ع) انه استشهد للحل بهذه الآية ولم يذكر انها نزلت في ذلك. وكذا رواية العياشي عن زرارة عن الباقر (ع) والظاهر ان استشهادهماعليهما‌السلام انما هو بعمومها لا بنزولها في هذا الشأن. وملخص الكلام في المسألة ان قول نافع بالجواز معروف وحكاه الطحاوي وحجاج بن ارطاة وعن مالك روايتان. وفي الخلاف عن المزني قال بعض أصحابنا حرام وقال بعضهم حلال ثم قال وآخر ما قال الشافعي لا أرخص فيه. وذكرت في الدر المنثور وغيره رواية الجواز عن أبي مليكة. وعن عبد الله بن القاسم قال ما أدركت أحدا اقتدي به في ديني يشك انه حلال يعني وطء المرأة من دبرها ثم قرأ( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) ثم قال وأي شيء أبين من هذا. وفيه اخرج الطحاوي والحاكم في مناقب الشافعي والخطيب عن محمد بن عبد الله بن الحكم ان الشافعي سئل عنه فقال ما صح عن النبي (ص) في تحليله ولا تحريمه شيء والقياس انه حلال. وفيه أيضا بعد ان ذكر روايات القول في التحريم قال الحفاظ في جميع الأحاديث المرفوعة «يعني المسندة عن النبي (ص)» وعدتها نحو عشرين حديثا كلها ضعيفة لا يصح منها شيء والموقوفة يعني ما وقف سنده


وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

____________________________________

على الصحابي أو التابعي هو الصحيح وقال الحافظ بن حجر في المرفوع منكر لا يصح من وجه كما صرح بذلك البخاري والبزار والنسائي انتهى. أقول وذهب أصحابنا إلى جوازه على كراهية شديدة وهي المحصل من أحاديثنا ووجه الجمع بينها وبذلك يستنكر أن يكون نزول الآية في إباحته نعم لا بأس في نزولها للعموم( وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ) اى هذه احكام ما يعود إلى دنياكم وقدموا لآخرتكم من الخيرات والأعمال الصالحة ما ينفعكم فيها( وَاتَّقُوا اللهَ ) فان خير الزاد التقوى( وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ ) اي وليكن عملكم عمل العالم المتيقن بأنه يموت ويحشر ويلاقي ربه يوم الحساب والجزاء لا عمل الغافل مع إقراره بالمعاد في إسلامه( وَبَشِّرِ ) يا رسول الله( الْمُؤْمِنِينَ ) حق الايمان والثابتين عليه بحيث استحقوا الوصف بذلك ٢٢٢( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) العرضة ما تكثر ملاقاته ومصادفته كما يقال الإنسان عرضة للبلاء فلا تكثروا أيمانكم بالله بحسب كل ما يسنح لكم وتميلون له في الرضا والغضب فتقولون في ذلك والله لا اعطي فلانا. والله لا أنفق على الفقراء والله لا أكلم اخي. والله لا ازور امي والله لا أصلح بين الناس. وفي رواية العياشي عن منصور بن حازم عن الصادق (ع) وعن محمد بن مسلم عن الباقر (ع) في الآية يعني الرجل يحلف ان لا يكلم أخاه وما أشبه ذلك أو لا يكلم امه( أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ) اي لأن تبروا وتتقوا وتصلحوا تعليلا وبيانا لبعض ما يكون وجها وغاية للنهي في لا تجعلوا وان كان هناك وجه آخر لتعظيم الله وإجلاله ففي الكافي في صحيح الخزاز عن الصادق (ع) لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين فان اللهعزوجل يقول ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم. وربما كان هذا الوجه يدخل في البر والتقوى. فيكون النهي عن الحلف المعارض للبر والتقوى والإصلاح كناية عن عدم انعقاده في هذه الموارد ففي الكافي عن اسحق بن عمار عن الصادق (ع) في الآية قال إذا دعيت لتصلح بين اثنين فلا تقل علي يمين ان لا افعل. ويشبه ذلك ما أورد روايته في الدر المنثور عن ابن عباس. وقيل المعنى لا تجعلوا الله بواسطة الحلف به مانعا وحاجزا عما حلفتم على تركه بتسمية المحلوف على تركه يمينا. وهذا مرجع ما ذكره في التبيان أولا وصريح ما اقتصر عليه في الكشاف والأول أظهر وانسب بالمروي واجمع( وَاللهُ سَمِيعٌ ) لأيمانكم( عَلِيمٌ )


(٢٢٣)لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٤)لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٥)وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

____________________________________

بأحوالكم وما يصلحكم ٢٢٣( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) اي بسبب اللغو في ايمانكم إذا خالفتم اليمين أو لم يطابق الواقع. واللغو ما لم يقصد به عقد اليمين بل يجري على اللسان توكؤا في الكلام كما ترى الرجل تقول له ماذا فعلت اليوم فيقول والله جلست من النوم والله خرجت إلى المحل الفلاني بلا قصد لليمين وفي مجمع البيان وهو المروي عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله. وقد تنجرّ العادة في الكلام إلى لا والله بلى والله. ففي الكافي عن مسعدة عن الصادق (ع) في الآية اللغو قول الرجل لا والله بلى والله ولا يعقد على شيء( وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) من الآثام فيما عقدتم عليه الايمان وكذبتم أو حنثتم فيه( وَاللهُ غَفُورٌ ) ان تبتم( حَلِيمٌ ) لا يعاجلكم بالعقوبة لعلكم تتوبون ٢٢٤( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ ) الإيلاء الحلف من الالية اي الحلفة ويعرف من تتمة الآية وباقي القرائن انه الحلف على ترك وطء الزوجة مطلقا أو مدة معينة والموضوع لأحكام الآية هو ما يزيد على اربعة أشهر. والجار والمجرور خبر مقدم متعلق في التقدير بحاصل وكائن ونحو ذلك( مِنْ نِسائِهِمْ ) اي من جانب نسائهم وحقوقهن في المعاشرة بالمعروف. والجار والمجرور متعلقان بحاصل ونحوه( تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) تربص مبتدأ مؤخر فلا حق للزوجات فيها في المطالبة بالجماع ولهن المطالبة بعدها فإن سكتن أو رضين فلا حرج على الزوج لأن الأمر في جماعهن من الحقوق لا التكاليف فإن انقضت الأربعة أشهر وطالبن أو طالبن بعد ذلك( فَإِنْ فاؤُ ) اي رجعوا عن يمينهم إلى جماعهن( فَإِنَّ اللهَ ) يغفر لهم الحنث ومخالفة اليمين رحمة بالزوجين في حسن اجتماعهم ونظام أمر الأولاد فإنه( غَفُورٌ رَحِيمٌ ٢٢٥وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ ) أو أوقعوه( فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ ) لما يقولون( عَلِيمٌ ) بنياتهم. والآيتان تدلان على ان المؤلي إذا طالبته المرأة بحقها بعد الأربعة أشهر ينحصر امره ويدور بين ان يفيء أو يطلق فإن فاء ووطأ لزمته كفارة حنث اليمين المذكورة في سورة المائدة في الآية الحادية والتسعين. وليست اليمين بالنسبة إلى ما بعد الاربعة أشهر يمينا على ظلم لكي تنحل حينئذ وتسقط كفارتها وذلك لأنّه يمكن للمؤلي أن يخرجها عن الظلم بأن يطلق. وعلي هذا كله جاءت


(٢٢٦)وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ

____________________________________

أحاديث الفريقين ٢٢٦( وَالْمُطَلَّقاتُ ) بالطلاق المشروع( يَتَرَبَّصْنَ ) جملة خبرية يراد بها الأمر وذلك ابلغ من الإنشاء في الطلب والإيجاب لصوغه بقالب ان المطلوب منه يقع منه ذلك ولا يكذبك( بِأَنْفُسِهِنَ ) ويمسكنها عما يقتضيه الحال وطبايعهن من الطموح إلى الزواج ومقدماته ولا يخرجن من رعاية الزوج وحيطته( ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) القرء يأتي للطهر والحيض وهو هنا الطهر وعليه اجماع الإمامية وحديثهم وقول المالكية والشافعية والمروي عن عائشة وزيد بن ثابت وابن عمر كما في الدر المنثور. وفيه قال ابن شهاب سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول ما أدركت أحدا من فقهائنا إلّا وهو يقول هذا انتهى(١) ولقوله تعالى في أول سورة الطلاق الموسومة بأنها مكية( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ) اي في عدتهن التي تراد لاستبراء الرحم وعندها كما يقال ولد لست خلون من الشهر أو لسبع بقين منه وقد انعقد الإجماع من المسلمين على ان طلاق السنة هو ما كان في الطهر وبه جاء قول الرسول الأكرم (ص) لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض ما هكذا أمرك الله انما السنة ان تستقبل الطهر استقبالا وقوله (ص) فإن بدا له ان يطلقها طاهرا قبل ان يمسها فذاك الطلاق للعدة كما انزل اللهعزوجل . أو فتلك العدة التي أمر الله ان تطلق لها النساء كما في جوامع الجمهور وجوامعنا في الحديث واطلاق حكم المطلقات هنا مقيد بحكم الآية الثامنة والأربعين من سورة الأحزاب والرابعة من سورة الطلاق مع تأكيدها برواياتنا في اليائس بغير ريبة( وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) يعني ان من كانت تؤمن بالله واليوم الآخر

__________________

(١) قال الأعشى في خطابه لكثير الغزو «لما ضاع فيها من قروء نسائكا» يريد ان أطهار نسائه ضاعت لما فات فيها من الجماع والحبل. ومن الغريب تأويل الكشاف للقروء في شعر الأعشى بالعدة : وفي المصباح عن ابن فارس ويقال انه اي «القرء» للطهر «اي بحسب الوضع» وذلك ان المرأة الطاهر كان الدم اجتمع في بدنها وامتسك: وفي لسان العرب قال أبو اسحق ان الذي عندي في حقيقة هذا ان القرء في اللغة الجمع ـ فإن القرء اجتماع الدم في الرحم وذلك انما يكون الطهر. وأقول ان المحصل من معناه بحسب موارد الاستعمال هو ما يناسب الجمع والاحتواء والضم. ففي معلقة عمر بن كلثوم «ذراعي عيطل ادماء بكر هجان اللون لم تقرء جنينا» اي لم تضم جنينا ولم تحتو عليه. وفي لسان العرب «ولم تقرء جنينا ولا دما» ومنه قولهم أقرأت النجوم إذا غابت اي دخلت فيما يضمها عن الظهور. ويكون استعمال القرء بالحيض مجازا بعلاقة ان الدم الخارج فيه كان مقروءا في الجسم أو الرحم. واما ان معنى القرء الوقت فلم يعرف له شاهد. وحمل الآية عليه تعسف وشذوذ


وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً

____________________________________

لا تجترئ على كتمان ما خلق الله في رحمها. وهذا الزجر الشديد يناسب أن يكون على كتمان الحمل اما لأن تخرج من العدة في ظاهر الحال عاجلا أو لأن تكتمه لكراهية انتسابه لأبيه أو لغير ذلك من اسباب الكتمان واما كتمان الحيض في أيّام العدة وبعد آخرها لأجل الازدياد من مدة العدة لتأكل النفقة وتأمل الرجعة بعد انقضاء العدة الواقعية فهو بعيد لاستلزامه ان تكون صلة الموصول وهي( خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ ) واردة باعتبار ما مضى عن زمان الكتمان كما سيأتي في الجمع بين المعنيين. إذا فالمناسب لأسلوب اللفظ وظاهره وذلك الزجر الشديد هو كتمان الحمل. ويؤيده رواية البرهان والوسائل عن العياشي عن أبي بصير عن الصادق (ع) في الآية لا يحل لها ان تكتم الحمل إذا طلقت وهي حبلى والزوج لا يعلم : ولا يمكن الجمع بين المعنيين من هذا اللفظ كما ذكر في الدر المنثور روايته عن ابن عمر ومجاهد وذلك لأن كتمان ما خلق الله في أرحامهن من الحيض إنما هو باعتبار خروجه من الرحم ويكون المراد من خلقه في أرحامهن إنما هو باعتبار ما مضى فالكلام على هذا بمعنى ان يقال ولا يكتمن ما خرج من أرحامهن مما خلق فيها قبل ذلك. وكتمان الحمل إنما هو باعتبار استقراره في الرحم. واللفظ الواحد لا يصلح للجمع بين هذين اللحاظين والاعتبارين. وفي تفسير القمّي في الآية قال لا يحل للمرأة ان تكتم حملها أو حيضها أو طهرها وقد فوض الله تعالى إلى النساء ثلاثة أشياء الطهر والحيض والحمل انتهى ولا يظهر من المقام كونها رواية واردة عن امام في بيان المراد بما خلق الله في أرحامهن ان لم يظهر خلاف ذلك فضلا عما بيناه من انه لا يمكن الجمع بين الأمرين في اللفظ الواحد. وفي مجمع البيان نسب ما ذكرناه من تفسير القمّي إلى الرواية عن الصادق (ع) ولم نجد لها أثرا ولعله اعتمد على تفسير القمّي( وَبُعُولَتُهُنَ ) جمع بعل والتاء لتأنيث الجمع ومعنى البعل الزوج مع معنى التمتع بزوجته وملاعبتها ومباشرتها والبعال والمباعلة مباشرة النساء وملاعبتهن ولعل العدول عن التعبير بالأزواج إلى التعبير بالبعولة لإخراج غير المدخول بها وللإيماء إلى الوجه في انهم( أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ ) نظرا إلى الحالة التي قبل الطلاق من الزوجية ولا حق للمرأة في معارضة البعل في ردها( فِي ذلِكَ ) التربص( إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً ) لا مضارة. أو جيء بلفظ «ان» لذكر الحالة التي يتحقق بها الرد وارادته كما في قوله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان أردن


وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٧)الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أو تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ

____________________________________

تحصنا. وهذا الحكم في الرد مقيد بحكم المختلعة كما في الآية الآتية وحكم المطلقة ثلاثا كما في التي بعدها( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَ ) من حسن المعاشرة( بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) في الفضل والتفوق. وجيء بلفظ الرجال دون الأزواج اشارة إلى وجه التفوق وكمال الرجولية وفضل قيام الرجل بأمورها. وإنفاقه عليها( وَاللهُ عَزِيزٌ ) في حكمه( حَكِيمٌ ) في احكامه ٢٢٧( الطَّلاقُ ) للزوجة الواحدة الذي شرع فيه الرد المذكور ولم يجعل الله زاجرا عنه بتعليق المراجعة بعده على نكاح المرأة زوجا غيره( مَرَّتانِ ) ولأن الطلاق هو ان يقطع الزوج علقة الزوجية بينه وبين امرأته ويطلق سراحها من قيد زوجيته يكون من البديهي انه لا يتحقق بدون الزوجية وعلقتها العادية التي يتوقف عليها تحقق موضوعه كما روى هذا المعنى في الكافي وغيره عن الباقر والصادقعليهما‌السلام وعليه مذهب أهل البيت واجماع الإمامية ومذهب ابن عباس. وفي الدر المنثور أخرج البيهقي عن ابن عباس ان ركانة قال لرسول الله (ص) طلقتها ثلاثا في مجلس واحد قال (ص) نعم انما تلك واحدة. واخرج عبد الرزاق ومسلم وابو داود والنسائي والشافعي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس كان على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاثة واحدة «أي الثلاثة في مجلس واحد ونحوه» فقال عمر ان الناس قد استعجلوا في أمر لهم فيه اناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم. ونحوه من طريق طاوس. فإذا طلق الرجل طلاقا صحيحا فقد انقطعت من زوجيتها تلك العلقة التي يقطعها الطلاق فلا يقع منه طلاق لتلك المطلقة إلّا بأن تكون تلك العلقة قد رجعت اما برجعة واما بتزويج بعقد جديد. وان كان ما وقع لفظه أولا ليس صحيحا ولا طلاقا لم يكن ما يقع بعده طلاقا ثانيا بل هو أول وكذا الكلام في الثالث فإذا وقع الطلاق المذكور( فَإِمْساكٌ ) اي فحكم الله في ذلك اما ان تردوهن بالرجعة إلى الزوجية وتمسكوهن على ذلك( بِمَعْرُوفٍ ) في المعاشرة( أَوْ تَسْرِيحٌ ) بأن تتركوا الطلاق على رسله إلى ان تنقضي العدة( بِإِحْسانٍ ) في أداء النفقة والإسكان والمعاملة. قال في التبيان وهو المروي عن أئمتنا وقال في مجمع البيان وهو المروي عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع) أقول ولم أجد ذلك مرويا بعنوان التفسير للتسريح


وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إلّا أَنْ يَخافا إلّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ

____________________________________

بالإحسان ولعلهما أخذاه مما روي في شرح طلاق السنة أو يكون المراد بالتسريح بالإحسان هي التطليقة الثالثة كما رواه في الكافي والتهذيب عن أبي عبد الله (ع) وفي الفقيه عن الرضا (ع) وعن تفسير العياشي عن الباقر (ع) والصادق (ع) وفي الدر المنثور عن النبي (ص)( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ ) في مطلق الطلاق( أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَ ) ولا من غيره( شَيْئاً ) وخص الأخذ مما اوتين نظرا إلى الغالب من أن الزوج عند تفرقه من زوجته أو نفرة الزوجة منه ينظر في أمر طلاقها إلى استرداد ما أتاها من المهر( إِلَّا أَنْ يَخافا ) أي الزوجان بسبب كراهية الزوجة له وتهديدها له بالإثم ان لم يطلقها فيكون كل من الزوجين معرضا لمخالفة الله في أوامره ونواهيه ومحرماته فيخافا( أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ ) فيما بين الأزواج لدواع خصوصية. وعدل من الخطاب إلى الغيبة تكريما وتبعيدا من الخطاب بما يراد هنا من عدم الاقامة لحدود الله( فَإِنْ خِفْتُمْ ) بحسب ما عرفتم من حالهما ومقالهما( أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ ) ولا اثم( عَلَيْهِما ) بحسب البذل والأخذ( فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) نفسها من زوجها. ويفهم من الآية أمور «الاول» يجوز ان تكون الفدية في مورد الآية تمام ما آتاها أو اكثر منه كما لا خلاف فيه عندنا نصا وفتوى لأن عدم الجناح انيط بما افتدت به مطلقا ولو أريد البعض مما أوتيت أو الكل لا غير لقيل فلا جناح عليهما في أخذه «الثاني» ان تكون من الزوجة نفرة بحيث يخاف لأجل نفرتها ان لا تقيم حدود الله كما يدل أيضا قوله تعالى( افْتَدَتْ بِهِ ) «الثالث» يعرف من لفظ الافتداء انه لا رجعة للزوج في العدة وإلّا لم يتحقق الافتداء «الرابع» ان مورد هذه يغاير مورد الثالثة والعشرين من سورة النساء لأن تلك اقتصرت على استثناء موردها من الذهاب ببعض ما اوتين حينما تأتي بالفاحشة البينة بل يجوز للزوج عندنا ان يعضلها حينئذ «الخامس» ان صورة ما ذكر من الفراق بافتداء الزوجة هو بحكم سياق الآية من الطلاق الذي جرى البيان في احكامه فلا يفترق عنه من حيث وقوع الثلاث كما عليه نصوص أحاديثنا وهو المشهور بل عليه الإجماع وكذا وقوع التحليل به وان وقع بلفظ خلعتك بدون لفظ الطلاق كما هو المنصوص عليه في أحاديثنا( تِلْكَ ) اشارة إلى ما ذكر من الأحكام. للطلاق والأخذ


حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٨)فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٢٩)وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو سَرِّحُوهُنَّ

____________________________________

( حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها ) اعتدى الحد وتعداه بمعنى واحد( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) لغيرهم. بل ولأنفسهم بإيقاعها في وبال المعصية ٢٢٨( فَإِنْ طَلَّقَها ) ثالثة ولا تنس ان الطلاق لا يتحقق إلّا إذا ورد على زوجية( فَلا تَحِلُّ لَهُ ) لا بالرجوع ولا بالنكاح( مِنْ بَعْدُ ) أي بعد الطلاق الثالث مهما طال الأمد( حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) وتكون له زوجة شرعية بخصوص العقد الدائم( فَإِنْ طَلَّقَها ) ذلك الغير طلاقا صحيحا. والمراد من ذلك المثال لانقطاع علقة النكاح الدائم فإن الموت مثل الطلاق في التحليل بإجماع الأمة( فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ) في( أَنْ يَتَراجَعا ) بأن يستأنفا عقدة النكاح برغبة منهما وثبات على حسن العشرة وتأدب بما تخلل من نكاح الثاني عن المسارعة إلى الشغب وخزازة الطلاق( إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ ) وقد ثبت في السنة من طريق الفريقين ان اطلاق الآية في نكاح الثاني مقيد بوطئه لها وعليه اجماع الأمة ولا يعتبر في الوطء الانزال لإطلاق السنة واما ذوق عسيلته في أحاديث الفريقين فالمراد منه لذة الجماع لا التذاذها بماء الرجل ويوضح ذلك ان فيها ذوق عسيلتها ومن المعلوم انه لا معتبر لنزول ماء المرأة كما انه لا لذة للرجل بماء المرأة ليكون له كذوق العسيلة بل المراد حتى تذوق لذة جماعه ويذوق لذة جماعها في القبل لأنّه مجمع العسيلتين غالبا دون غيره. نعم يقتضي ذلك عدم الاكتفاء بمقدار الحشفة فما دون ولا بأس بالأخذ بما هو أحوط( وَتِلْكَ ) عطف على قوله تعالى في الآية السابقة «تلك»( حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) فيعرفوا وجوهها على حقيقتها ويعلموها على التفصيل للجاهلين بها ٢٢٩( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ ) اي أشرفن على الوصول إلى آخر عدتهن كما يقال بلغت البلد أي أشرفت على الوصول إليه( فَأَمْسِكُوهُنَ ) بسبب الرجعة( بِمَعْرُوفٍ ) في معاملتها كقوله تعالى في سورة النساء ٢٣ وعاشروهن بالمعروف أو المعنى فراجعوهن بمعروف( أَوْ سَرِّحُوهُنَ ) واتركوهن على حالهن إلى أن تنقضي عدتهن


بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ

____________________________________

( بِمَعْرُوفٍ ) في المعاملة والنفقة والإسكان بدون إضرار في شيء من ذلك( وَلا تُمْسِكُوهُنَ ) بالرجعة أو ولا ترجعوهن( ضِراراً ) هو مصدر ضره يضره نائب عن المفعول المطلق اي إمساكا ضرارا( لِتَعْتَدُوا ) عليهن( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) بظلمه للمرأة الضعيفة وأوقع نفسه في وبال معصية الله وغضبه ومخاصمة الضعيف الذي ضره واعتدى عليه( وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ ) بما بين فيها من احكامكم في صلاحكم ونظام اجتماعكم( هُزُواً ) بل خذوا حظكم ورشدكم من العمل بها فإن من لم يسعد بالعمل بها كان كالمستهزئ أو مستهزءا بها( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ ) بعظائم النعم في الحياة والمعيشة والإسلام( وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ ) باعتبار النزول على رسول الله لتبليغكم( مِنَ الْكِتابِ ) وهو القرآن الكريم لهداكم في الدين والشريعة والدعوة إلى الله( وَالْحِكْمَةِ ) التي اشتمل عليها حال كون الكتاب( يَعِظُكُمْ ) الله( بِهِ وَاتَّقُوا اللهَ ) فيما شرعه مما أمركم به أو نهاكم عنه فانه المطلع عليكم( وَاعْلَمُوا ) اي واعملوا عملكم حال كونكم تعلمون( أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٢٣٠وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ ) وأشرفن على انقضاء الأجل( فَلا تَعْضُلُوهُنَ ) أيها المطلقون. والعضل المنع أو الحبس من( أَنْ يَنْكِحْنَ ) من يكونون في المستقبل( أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) وذلك بأن يراجعها المطلق قريب انقضاء العدة لا لرغبة فيها بل لأجل ان يمنعها عن الأزواج وقيل ان المراد ان لا يمنعها الولي العرفي من أن تنكح من كان زوجها بعد انقضاء عدته كما روي في الدر المنثور نزولها في شأن معقل وأخته أو جابر وابنة عمه ويلزمه التجوز في طلقتم النساء بحمله على تطليق نوع الإنسان فان الولي غير مطلق وفي هذا المجاز بعد وإذا صرنا إليه فالأولى جعل الخطاب لمطلق العاضل وإن كان المطلق. أو ان المطلق يعضل زوجته ويمنعها بعد العدة من أن تتزوج وهو فرض نادر إذ قل من يكون من المطلقين من له هذه السلطة والأقرب الأول ولفظ أزواجهن مجاز اما من حيث كون الزوجية


ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣١)وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلّا وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ

____________________________________

في الماضي كما في الثاني أو من حيث كونها في المستقبل كما في الأول والثالث( ذلِكَ ) خطاب للنبي (ص)( يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ ) أي من المسلمين( يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) فإنه هو الأهل لأن يوعظ فتنفعه الموعظة ويقف عند نواهي الشريعة( ذلِكُمْ ) خطاب للمسلمين والمشار إليه ترك العضل المذكور( أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ ) ما فيه صلاحكم( وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ٢٣١وَالْوالِداتُ ) مطلقا مطلقات وغير مطلقات( يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَ ) اخبار عن الوظيفة المقررة لهن في الشريعة جمعا لانحاء المصلحة على ما يأتي( حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ) لا تنقص عن اربعة وعشرين شهرا( لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ) ويعطي ما بإزائها من اجرة وهو الأب ومن بيده أمر الطفل بعده ومن أراد ارضاعه دون الحولين فله ذلك وحده احد وعشرون شهرا كما نقل عليه اتفاقنا وعليه روايتا سماعة وعبد الوهاب عن الصادق (ع)( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَ ) الظاهر عدم الخلاف في ان الرزق والكسوة كناية عن الأجرة المذكورة في الآية السادسة من سورة الطلاق. والملحوظ في تقريرها حالتا السعة والضيق كما في السابعة منها ايضا. ولعل اجرة المثل تقارب مالية الرزق والكسوة ولكن عنوانهما اقرب إلى الحشمة من عنوان الأجرة والتماكس فيها. وجرى التعبير هنا عن الأب بالمولود له بيانا لوجه الحكمة في كون الأجرة للرضاع عليه لأن الولد بعضه ونماء مائه وان الأم تربي برضاعها من ولد له( بِالْمَعْرُوفِ ) ومن دون إجحاف بأحد الأبوين ولا يضيق بذلك على الأب فوق وسعه بحسب حاله وما يراد منه في أمر معيشته ومن تجب نفقته عليه( لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ ) في جهة( إِلَّا وُسْعَها ) في تلك الجهة( لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ) القراءة المعمول عليها بين الناس وعليها رسم المصاحف هي فتح الراء من «تضار» على انه مجزوم بلا الناهية وحركت لالتقاء الساكنين بالفتحة لمشاكلتها للألف التي قبلها. والكلمة صالحة لأن تكون مبنية للفاعل ومبنية للمفعول باعتبار ان


وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ

____________________________________

الراء المدغمة مكسورة في التقدير أو مفتوحة. ولكن الظاهر من الصحيح المروي في الكافي عن الصادق (ع) انها مبنية للفاعل لقوله (ع) نهى الله ان تضار المرأة الرجل وان يضار الرجل المرأة وان الوارث نهى ان يضارّ الصبي أو يضارّ امه بالرضاعة. هذا والنهي عن المضارة بسبب الولد مطلق سواء كانت المضارة من جهة الأجرة وما أشبه ذلك في أمر الرضاع ام من جهة منع الوالدة لزوجها الوالد عن جماعها لخوفها من الحبل وضرره للرضيع أو من حيث امتناع الوالد عما يجب للوالدة من الجماع لخوفه من حبلها وضرره للرضيع كما استشهدعليه‌السلام بالآية للأمرين وجاء بكل من المعنيين روايات أخر. وفي التبيان ذكر رواية الجهة الثانية عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام وكذا في مجمع البيان. وكان عليهما ان يذكرا رواية الجهة الأولى كالصحيح. ولم أجد ما أشار إليه من الرواية عن أبي جعفر (ع)( وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ) في صحيحة الحلبي وروايتي الكناني وأبي بصير عن الصادق (ع) انه نهى ان يضارّ بالصبي أو يضار امه في رضاعها. وفي الدر المنثور عن ابن عباس ان لا يضار فمن الغريب مع ذلك ما في كنز العرفان في تفسير الوارث بالصبي. وفي التبيان وقد روي في اخبارنا ان على الوارث كائنا ما كان النفقة. وأشار في الخلاف والمبسوط أيضا إلى الرواية. والظاهر كونها رواية غياث عن الصادق (ع) أتي امير المؤمنين (ع) بيتيم فقال خذوا بنفقته اقرب الناس منه من العشيرة كما يأكل ميراثه. والرواية ان لم يكن الوارث في واقعتها الخاصة هو الجد أمكن تنزيلها في واقعتها على الإلزام لشيوع الفتوى بذلك حينئذ فإن مذهب الإمامية حتى الشيخ في كتبه ان النفقة انما تجب على العمودين فهو اجماع منا فالوارث في الآية اما وارث الطفل بمعنى كون الطفل ارثا اي بقية له في القيام بأمره فهو وارثه بهذا المعنى كالجد والوصي والحاكم وليس في ذلك مجاز بحسب اللغة وان كان الدائر في المحاورات هو وارث المال. واما انه جار مجرى الغالب في كون من له الولاية بنفسه أو بالوصاية وارثا كالجد والأخ والوصي مثلا أو المولى من قبل الحاكم ولا دلالة من القرآن الكريم على اكثر مما في الروايات المتقدمة من أن الذي على الوارث هو ان لا يضار( فَإِنْ أَرادا ) المرضعة والوالد وان كان جدا( فِصالاً ) للطفل عن الرضاع قبل الحولين( عَنْ تَراضٍ ) منهما( وَتَشاوُرٍ ) بالنظر إلى صلاح الطفل


فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٢)وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

____________________________________

لا مجرد تراضيهما مراعاة لأهوائهما( فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ) ويحتمل ان يشمل ذلك ما بعد الحولين حينما يكون تعجيل الفطام مضرا بالطفل كما إذا كان مريضا مثلا في المدة التي يجوز التأخير فيها( وَإِنْ أَرَدْتُمْ ) عند عدم الإضرار( أَنْ تَسْتَرْضِعُوا ) المراضع( أَوْلادَكُمْ ) مفعول ثان لتسترضعوا( فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا ) راعيتم مصلحة الطفل بعدم مماطلة المرضعة باجرتها و( سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ ) وقررتموه في الاسترضاع( بِالْمَعْرُوفِ ) بلا مدافعة ولا معاسرة( وَاتَّقُوا اللهَ ) فيما أمركم به ونهاكم عنه( وَاعْلَمُوا ) أي واعملوا على مقتضى علمكم( أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) فخافوه ٢٣٢( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ) أي يؤخذون وافين ويراد بذلك الأخذ بالموت كما مر مشروحا في المقام الاول من الفصل الرابع من المقدمة( وَيَذَرُونَ ) يتركون( أَزْواجاً ) الذين مبتدأ وجملة( يُتَوَفَّوْنَ ) صلته وجملة «يذرون» معطوفة عليها وجملة( يَتَرَبَّصْنَ ) وهي خبر يراد به الأمر المؤكد تكون خبرا للمبتدأ والرابط بينهما هو الضمير الذي يجلوه المقام والسياق بمثل جلوة المذكور لوضوح ان فاعل التربص تلك الأزواج اللائي يتركها المتوفون. فقدر لذلك ما يناسب تقديره( بِأَنْفُسِهِنَ ) ويمسكنها عن الزواج والزينة ونحوها( أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) أي وعشر ليال( فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَ ) بإتمام ذلك( فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَ ) من الخروج من البيوت وطلب الأزواج وترك الحداد مما يكون( بِالْمَعْرُوفِ ) المشروع الموافق للاستقامة والعفة وفي تفسير القمّي والتبيان ومجمع البيان وغيرها ان هذه الآية ناسخة لحكم الآية السابعة بعدها وعلى ذلك روايات الدر المنثور في هذه الآية عن ابن عباس وابن عمر أقول وربما كان تقديمها في ترتيب القراءة على تلك لكي تنتظم في نسق واحد مع الآيات المحكمة في الطلاق والعدد وربما يشير إلى النسخ في قوله تعالى( فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) بأن يكون المراد لا جناح عليكم من خروجهن وتعرضهن للأزواج قبل الحول مما كان يجب عليكم النهي عنه( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ


(٢٣٣)وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أو أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إلّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً

____________________________________

خَبِيرٌ ) فلا تخالفوه ٢٣٣( وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ ) نظم الآيات وسياق الآية وقوله تعالى فيها( حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ ) تدل على ان المراد من النساء المعتدات للوفاة وعليه الاتفاق والآية صالحة للعموم لبعض المعتدات أيضا وتفصيل ذلك موكول إلى كتب الفقه. والتعريض هو خلاف التصريحات بما يسعه مجال الخطبة من وجوه الكلام وهو تضمين الكلام دلالة على شيء ليس فيه ذكر له والخطبة هو الكلام الدال على طلب المرأة للتزويج ولعل الأصل فيه ان الطلب كان يصاغ كثيرا بكلام ينشئه خطيب القوم ثم استعمل في مطلق الطلب فتعدى ويقال خطبها وهو خاطب( أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ) بأن خطر في أنفسكم الرغبة في نكاحها والعزم عليه واسررتموه( عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَ ) لسانا بابداء الرغبة في نكاحهن ولا يدل ذلك على التوبيخ لجواز ان يقصدوا في ذكرها وجها راجحا خصوصا في عصر الرسول (ص) كتطييب قلوب المؤمنات المهاجرات المنقطعات ذوات الأيتام لكي تطمئن قلوبهن بوجود الكافل( وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ) في صحيحة الحلبي عن الصادق (ع) ان يقول لها أواعدك بيت آل فلان ونحوها رواية عبد الله بن سنان عنه (ع) وفي رواية علي بن حمزة عنه (ع) أواعدك بيت آل فلان يعرض لها بالرفث ويرفث الرواية اي يرفث قولا بأن يذكر لها الجماع وما يرجع إليه صريحا على خلاف الكناية والاحتشام. فإن الجماع يعبر عنه بالسر كقول امرء القيس

الا زعمت بسباسة اليوم انني

كبرت وان لا يشهد السر أمثالي

وقول الأعشى

ولا تقربن جارة إن سرها

عليك حرام فانكحن أو تأبدا

وقول الفرزدق

موانع للأسرار إلّا من أهلها

ويخلف ما ظن الغيور التعفف

( إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً ) الاستثناء منقطع لرفع ما يتوهم من المنع عن كل ما يدل على التزويج لأن التزويج يئول إلى الجماع. بل يجوز القول بالمعروف الموافق للحياء والحشمة وكريم الخطاب كقوله لا تسبقيني بنفسك إذا انقضت العدة أو اني مكرم للنساء أو لو انقضت عدتك لا تفوتيني ونحو هذا من معاريض الكلام وبه جاءت روايات الدر المنثور عن ابن عباس ٢٣٤( وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ ) ولا توقعوها وتوجبوها وبذلك جاءت رواية الدر المنثور


(٢٣٤)وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ

____________________________________

عن ابن عباس واما العزم على العقد بعد العدة فهو مرخص فيه في الآية خصوصا في قوله أو أكننتم في أنفسكم( حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ ) في التبيان معناه انقضاء العدة بلا خلاف. ومقتضى اللفظ حتى يبلغ القرآن باعتبار فرض العدة اجله في انقضائها أو حتى يبلغ الفرض من كتب بمعنى فرض وكلاهما في وجه التجوز ببلوغها الأجل سواء( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ ) مما يبعث على الأعمال الخارجية ومنها ما هو محرم عليكم والمقصود تنبيههم على ما يعرفونه من علم الله زيادة في التحذير( فَاحْذَرُوهُ ) من أن تخالفوه وتعملوا بالمعاصي( وَاعْلَمُوا ) مع ذلك( أَنَّ اللهَ غَفُورٌ ) ان تبتم فبادروا إلى التوبة ولا تقنطوا من رحمة الله واحذروه من ترك التوبة كما تحذرونه من المعصية( حَلِيمٌ ) لا يعاجلكم بالعقوبة بل يمهلكم لأن تتوبوا إليه فيقبل عليكم بحلمه كأن لم تذنبوا ٢٣٥( لا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) اي لا اثم وهذا دفع لما يتوهم من الإثم في الصورتين المذكورتين لأنهما فراق قبل النتيجة المحبوبة المطلوبة شرعا من النكاح وقطع لما كان يؤمل من الفة الزواج وافراحه دون ان يصدر سوء صحبة خصوصا مع مجاملة المرأة وأهلها بعدم المعاسرة في تقديم الصداق وفرضه في العقد. وفي الكشاف فسر لا جناح بقوله لا تبعة عليكم من إيجاب مهر ويدفعه انه لم يعرف من اللغة والقرآن مجيء الجناح بغير معنى الإثم فلماذا يفسره هنا بتبعة المال( إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما ) اي في مدة وحال انكم( لَمْ تَمَسُّوهُنَ ) بالوطء وكان ذلك على جاري العادة في فرض الصداق لهن في العقد( أَوْ تَفْرِضُوا ) توجبوا وهو مجزوم بالعطف على تمسوهن( لَهُنَّ فَرِيضَةً ) وهو الصداق والمراد رفع الجناح في كل من الحالين حال عدم الوطء مع فرض الصداق وحال عدمه مع عدم الفرض. وعطف بكلمة «أو» كما في قوله تعالى في سورة الدهر( وَلا تُطِعْ (١) مِنْهُمْ آثِماً أو كَفُوراً ) لئلا يتوهم اشتراط اجتماعهما. ولعله إلى هذا ينظر ما في التبيان ومجمع البيان ان التقدير ممن فرضتم لهن أو لم تفرضوا. وان النظر إلى نظم هذه الآية مع التي بعدها لزعيم بما ذكرناه( وَمَتِّعُوهُنَ ) وجوبا لظاهر الأمر. وان الآية الاخرى بحسب سوقها ونظمها مع هذه كالصريحة في ان نصف المهر هو تمام ما تستحقه التي فرض


عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إلّا أَنْ

____________________________________

لها الصداق فتختص المتعة الواجبة بمن لم تمس بالوطء ولم يفرض لها مهر وعلى ذلك إجماعنا وصحيحة الكافي عن الحلبي وصحيحته عن أبي بصير وروايته عنه أيضا ورواية الفقيه عن الكناني عن الصادق (ع) ورواية الدر المنثور عن ابن عباس وفي الخلاف عليه اجماع الصحابة. ويكون مفاد الآيتين في نظمهما تشريك القسمين من غير المدخول بهن في عدم الجناح بطلاقهن ثم التقسيم باختصاص نصف المهر بمن فرض لها واختصاص المتعة بمن لم تفرض لها فريضة. وعلى هذا التقسيم والتقييد يحمل اطلاق الآية الثانية والأربعين بعد المائتين من السورة والثانية والأربعين من سورة الأحزاب وليس المقام من النسخ لكي يتوقف على معرفة المتقدم والمتأخر بل هو من حمل المطلق على المقيد سواء كان الكلام تفصيلا بعد إجمال أو اجمالا مبنيا على التفصيل. والمتعة( عَلَى الْمُوسِعِ ) اي ذي السعة في المال مثل المثري( قَدَرُهُ ) أي المقدار الذي يليق بسعته من المال( وَعَلَى الْمُقْتِرِ ) أي المقل من المال( قَدَرُهُ ) وما يناسب اقلاله وكأنه بذكر الأمرين قيل على كل ما يناسب حاله. وفي الفقيه روى ان الغني يمتع بدار أو خادم والوسط بثوب والفقير بدرهم أو خاتم وفي رواية أبي بصير عن الباقر (ع) ان ادنى المتعة على المعسر خمار وشبهه وفي رواية الحلبي وعبد الله بن سنان وسماعة عن الصادق (ع) ان الموسع يمتع بالعبد والامة ويمتع الفقير بالحنطة والزبيب والثوب والدراهم ولعل الكل على سبيل المثال ومناسبة الحال( مَتاعاً ) المتاع ما يتمتع به فيكون مفعولا لمتعوهن وقد يجيء بمعنى التمتيع. وفي التبيان انه حال من «قدره» والعامل فيه الظرف وكأنه لما في كلمة «على» من معنى الإيجاب. وفي الكشاف انه تأكيد لمتعوهن والمآل واحد( بِالْمَعْرُوفِ ) صفة للمتاع على الاولى ومتعلق به على الأخيرين والمآل في الكل واحد( حَقًّا ) صفة للمتاع( عَلَى الْمُحْسِنِينَ ) بيان لكون المتعة بالمعروف احسان يرغب فيه المحسنون ويرونها حقا عليهم في شريعة الإحسان ٢٣٦( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ) بيان لحكم القسم الأول في الآية السابقة وحقه فيعرف منه اختصاص القسم الثاني بالمتعة( فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ) وهو حق لهن يجب إعطاؤه( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) عنه كلا أو بعضا إذا كن بالغات جائزات التصرف في أموالهن سواء كان العفو منهن مباشرة ام من


يَعْفُونَ أو يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى

____________________________________

وكيلهنّ على العفو ام الوكيل المأذون له في كل تصرف في أموالهن أم في خصوص هذا الطلاق مثلا( أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) وهو ولي الصغيرة الذي جعل الله بيده ان يعقد عقدة نكاحها وليس ذلك عندنا إلّا الأب والجد اعني أبا الأب أو أباه ففي صحيحة التهذيب عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) هو ولي أمرها وعن رفاعة عنه (ع) الولي الذي يأخذ بعضا ويترك بعضا وفي بعض أحاديثنا ما جمع فيه من يعفو بحسب الولاية أو بحسب الوكالة العامة ففي معتبرة التهذيب بإرسال ابن أبي عمير عن الصادق (ع) الأب والذي توكله المرأة وتوليه أمرها من أخ أو قرابة أو غيرهما وفي الصحيحة المروية في الكافي والفقيه والتهذيب عن الحلبي وأبي بصير وسماعه عنه (ع) هو الأب والأخ والرجل يوصى إليه والذي يجوز امره في مال المرأة فيبتاع لها ويتجر ونحوها صحيحة التهذيب عن أبي بصير ومحمد بن مسلم عن الباقر (ع) فأما الموصى إليه في الصحيحتين فهو من اوصى إليه الأب والجد بالقيام بأمر الصغيرة إذا رأى المصلحة في العفو كما في عفو الأب والجد واما الأخ فيعرف امره من مرسلة ابن أبي عمير والظاهر ان عدم ذكر الجد هنا لدخوله في عنوان الأب( وَأَنْ تَعْفُوا ) وعفوكم ايها الناس( أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) ربما تجد المرأة الضعيفة النفس في نفسها شيئا إذا رجح الله لها العفو بخطاب خاص فلطف الله بها بما معناه انه لا يرجح العفو لها من حيث انها امرأة ولا من حيث انه مهر بل ان كل عفو هو حسن راجح من جميع الناس وهذا المقام منه وان الزوج لم ينتفع بلذة أو خدمة بإزاء ما له فيكون طلب العفو بهذا النحو أطيب لقلب المرأة المطلقة وادعى لها لأن تعفو فإن لمطلق عفو الإنسان عن حقه فضلا وفضيلة وهو بفضيلته اقرب إلى فضيلة التقوى( وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ) ايها الناس واسمعي أيتها المطلقة ولا تحملكم حزازات النفوس على ترك ما فيه الفضل( إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) فيجازيكم على إحسانكم ٢٣٧( حافِظُوا ) ايها الناس( عَلَى الصَّلَواتِ ) في إقامتها في أوقاتها بحدودها وشرائطها وإخلاصها وإقبالها عموما( وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) وهي صلاة الظهر وعن الخلاف ان عليه اجماع الفرقة والمروي في أحاديثنا انها صلاة الظهر كصحيحة معاني الأخبار عن أبي بصير وروايتي العياشي عن عبد الله بن سنان


وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨)فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أو رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا

____________________________________

ومحمد بن مسلم عن الصادق (ع) وصحيحة زرارة عن الباقر (ع) وان ورد فيها بعد ذلك كما في الكافي والفقيه ما صورته وقال في بعض القراءات حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر. وبناء على هذه الرواية فلا يخفى ان الإمام لا يتعلل ببعض القراءات إلّا محاذرة من الوقت واهله فذكر الرواية الرائجة عن مصحف عائشة وروايتها واحدى الروايات عن مصحف حفصة وروايتها عن قراءة ابن عباس وأبي بن كعب والسائب بن يزيد إسكاتا عن بيانه الأول للحكم الواقعي. وإذا نظرت إلى ما أحصاه الدر المنثور من روايات المقام ترى فيها من الاضطراب والتعارض شيئا مهولا ففي بعضها الفجر وفي بعضها الظهر وفي بعضها العصر وفي بعضها المغرب وكثيرا ما تتعارض الرواية عن الشخص الواحد «وما آفة الأخبار إلّا رواتها»( وَقُومُوا ) في الصلاة( لِلَّهِ قانِتِينَ ) عن العياشي عن الصادق (ع) طائعين وفي رواية سماعة هو الدعاء ومنه قوله تعالى في سورة الزمر( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً ) وفي التبيان قيل أصله الدعاء في حال القيام أي في الصلاة وفي مجمع البيان وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله أقول ولم أجده عنهما (ع) في تفسير الآية نعم في صحيحة زرارة عن الباقر (ع) ونزلت هذه الآية في يوم الجمعة ورسول الله في سفره فقنت فيها. نعم كثر استعمالهمعليهم‌السلام للفظ القنوت بالدعاء في الصلاة في حال القيام وهو القنوت المعروف كما في رواياتنا وهو معروف في لسان الصحابة وغيرهم كما في روايات الدر المنثور وغيره في الآية ٢٣٨( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً ) جمع راجل وهو الماشي على رجله مثل قيام جمع قائم كما في سورتي الفرقان ٦٥ والزمر ٦٨ اي فإذا خفتم فحكمكم في صلاتكم ان تتركوا ما ينافي التحذر من الوقوف والركوع والسجود بحسب ما يقتضيه الخوف والحذر وعلى رسلكم حال كونكم رجالا( أَوْ رُكْباناً ) جمع راكب ويبقى ما لا ينافي الحذر على حاله كالقراءة والتسبيح والتشهد والتسليم نعم قد تخفى دلالة الآية على الإيماء للركوع والسجود إلّا بالنظر إلى انه ميسور من خضوعهما واتضاح قاعدة الميسور في هذا المورد للعقل والعقلاء كغيره من الموارد. وفي الكافي في صحيح عبد الرحمن قال سألت أبا عبد الله في الآية ما تقول إذا خاف من سبع أو لص كيف يصلي قال يكبر ويومي إيماء برأسه اي للركوع والسجود( فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ )


اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إلى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

____________________________________

بلطفه في الصلاة وغيرها( ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) من اذكار الصلاة واحكامها وغير ذلك ٢٣٩( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ) أي يشرفون على الوفاة( وَيَذَرُونَ ) بعدهم( أَزْواجاً ) كتب الله عليهم( وَصِيَّةً ) تأتي الوصية بمعنى الموصى به( لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً ) بدل من «وصية» بمعنى الموصى به وإذا جعلنا الوصية هنا بمعنى الإيصاء كان التقدير جعل الله لهن ما يوصى به في الإيصاء متاعا ونحو ذلك والأول أظهر( إِلَى الْحَوْلِ ) من حين وفاته في مؤنتها( غَيْرَ إِخْراجٍ ) صفة المتاع ليعم السكنى. وربما لم يكن هذا أجلا لعدة الوفاة على كل حال بل ان شاءت انّ تبقى في بيت زوجها فلها الإنفاق والإسكان بحسب الوصية حولا( فَإِنْ خَرَجْنَ ) من قبل انفسهن مطلقا أو من بعد أن تقضي اربعة أشهر وعشرا أو ابعد الأجلين إذا كانت حاملا فقد أسقطت حقها. وقيل ان الحول كان عدتها فنسخ والمراد من الآية خرجن بعد الحول( فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ) من حيث الزواج الشرعي أو اختيار ما يوافق حالها وصلاحها في الخروج. اما وجوب الوصية ان كان فهو منسوخ بالاتفاق وأما جوازها فعن مجمع البيان انه باق عندنا لم ينسخ( وَاللهُ عَزِيزٌ ) في احكامه( حَكِيمٌ ) في شريعته ٢٤٠( وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ) بحق( حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) ان كان المراد من الآية تأكيد ما تقدم من متعة من لم تمس ولم يفرض لها فريضة كان إطلاقها جاريا على ذلك التقييد وهذا هو المناسب لقربها من تينك الآيتين ولظاهر قوله تعالى( حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) ولما أشرنا إليه آنفا من الإجماع والروايات. ويمكن ان تحمل هذه الآية على الاستحباب في مطلق المطلقات بالنظر إلى صحيحة الحلبي وروايته وصحيحة عبد الله بن سنان وسماعة كما في الكافي ورواية أبي بصير كما عن العياشي وفيه شك ٢٤١( كَذلِكَ ) خطاب لرسول الله( يُبَيِّنُ اللهُ ) بلطفه( لَكُمْ آياتِهِ ) خطاب للناس لاحتياجهم في نظام أمرهم إلى بيان هذه الأحكام( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) لغاية


(٢٤٢)أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

____________________________________

ان تعقلوا إذا أقبلتم باختياركم على التدبر لهذه الآيات والعمل بها( أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ ) أي ألم تعلم بأمرهم ونزل علمه (ص) بما فيه من الإيمان واليقين بمنزلة الرؤية بالبصر( خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ) أي خرجوا حذرا من الموت وفرارا( فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ) وإنما أمره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون فعبر عن ارادته التكوينية بالأمر بالموت وبالكون اشارة إلى ان قدرته لا تحتاج إلى عمل وممارسة مقدمات( ثُمَّ أَحْياهُمْ ) بعد موتهم. روى في روضة الكافي عن الباقر والصادقعليهما‌السلام قصة هؤلاء وهربهم من الطاعون وموتهم وبقاءهم بلا دفن حتى صاروا عظاما فجمعها المارة ونحوها عن الطريق فمر عليها حزقيل النبي من بني إسرائيل فدعا الله في احيائهم فأحياهم. وعن العياشي وسعد بن عبد الله عن حمران عن باقرعليه‌السلام مختصر في هذه القصة. وروى في ذلك في الدر المنثور عدة روايات عن ابن عباس وبعض التابعين(١) ( إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) يعرفهم قدرته ويبصرهم بمواعظه ويحوطهم بألطافه ويجللهم برحمته( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ٢٤٣وَقاتِلُوا ) ايها الناس( فِي سَبِيلِ اللهِ ) ولا تخافوا من الموت فإن الأمور بيد الله ولكم الموعظة بفرار هؤلاء من الموت وموتهم واحيائهم( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ ) لدعائكم واستنصاركم وما تقولونه في أمر الجهاد والدعوة إلى الله ودين الحق( عَلِيمٌ ) بنياتكم في جهادكم ٢٤٤( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً

__________________

(١) ولهذه القصة شؤون. فقد ذكر نظيرها في العهد القديم في كتاب حزقيال من العدد الاول إلى الحادي عشر من الفصل السابع والثلاثين. فجاءت جمعية المرسلين الامريكان في الجزء الثاني من كتابهم الذي سموه «الهداية» واعترضوا على القرآن المجيد وأنكروا مضمونها والاحياء وجعلوا ما ذكر في كتاب حزقيال رؤيا منامية غايتها البشرى بانتعاش بني إسرائيل بعد السبي ورجوعهم إلى قوميتهم وحالتهم السياسية.

دع جمعية الأمير كان وهلم الخطب في بعض مفسري المسلمين المعاصرين من المصريين إذ كتبوا وطبعوا انكار الأمر الذي ذكره القرآن الكريم بالمحاورة الصريحة الدائرة بين العقلاء في بيان الحقائق وفسروا الآية بأن موت أولئك القوم هو ان العدو نكل بهم فأفنى قوتهم وأزال استقلال أمتهم حتى صارت لا تعد أمة. ومعنى حياتهم هو عود الاستقلال إليهم. إلى آخره. ويا ليت النزعة العصرية واللهجة السياسية لم يمدا أيديهما إلى القرآن الكريم.


(٢٤٤)مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)أَلَمْ

____________________________________

حَسَناً ) قد اقتضت حكمة الله ورحمته في شأن الإنسان ونظام مدنيته وتشابكه في الاجتماع ان يجعل بعضهم محتاجا إلى بعض في شؤون التعيش والأموال. كما اقتضت حكمته ورحمته في كمال الإنسان ونيله كرامة الفضيلة وحسن الجزاء بأن يجعله مختارا في أفعاله وأحواله في الإيمان والكفر والطاعة والمعصية. واقتضت حكمته ورحمته ولطفه أن يأمر بالتعاون على البر والإحسان وان يعود الغني على الفقير بشيء مما هو من رزق الله وخلقه وينفق شيئا من مال الله في نصر الحق واهله ودفاع الباطل واهله. واقتضت رحمته ولطفه ان يرغّب الإنسان في الإنفاق في سبيل الله والخير في الفقراء والجهاد وينصره بهذا الترغيب على شح نفسه ونزعات حرصه وما يسوله له فقر إمكانه. فجاء القرآن الكريم على أحسن وجه في الترغيب وحاصل ما يشير إليه وينوه به هو انكم ايها الناس لا بدلكم من انكم تعرفون أن كل نعمة عندكم إنما هي من الله وخلقه للعالم وما فيه. ومع ذلك فإن الله بحسب حكمته ولطفه يندبكم إلى أن تنفقوا شيئا مما أنعم به عليكم في طريق صلاحكم وسعادتكم وان الذي ينفق في ذلك شيئا من ماله وهو يريد به وجه الله يجعله الله قرضا عليه إذا كان قرضا وإنفاقا حسنا من المال الحلال فاقدا لما يشينه من الرياء والمن ونحو ذلك( فَيُضاعِفَهُ لَهُ ) بنصب «يضاعفه» جوابا للاستفهام بعد الفاء وفي الحقيقة هو جواب لطلب القرض المؤكد بأسلوب قوله تعالى( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ) . روى الصدوق في معاني الاخبار في الصحيح عن الخزاز والعياشي عن علي بن عمار عن الصادق (ع) لما نزل من جاء بالحسنة فله خير منها قال رسول الله اللهم زدني فأنزل الله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فقال رب زدني فأنزل الله( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ) فعلم رسول الله (ص) ان الكثير منه لا يحصى وليس له منتهى( وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ ) في تفسير البرهان عن الصدوق مسندا عن الصادق يمنع ويعطي والمراد استلفاتهم إلى ان أمر الرزق بيد الله جل شأنه فليغتنم ذو السعة فرصة الإنفاق وقرض الله قبل ان يضيق عليه رزقه وتبقى له الحسرة. ولا يخف في إنفاقه فقرا فإن بيده بسط الرزق( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) فيوفيكم جزاء ما أنفقتم وتشتد حسرات الحريص الشحيح على ما فرط ٢٤٥( أَلَمْ


تَرَ إلى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا ألّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)وَقالَ لَهُمْ

____________________________________

تَرَ ) الرؤية كما تقدم قريبا كناية عن العلم( إِلَى الْمَلَإِ ) أي الأشراف والأعيان( مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ ) موت( مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ) في تفسير القمّي في الصحيح عن الباقر (ع) ان بني إسرائيل عملوا المعاصي وغيروا دين الله وعتوا عن أمر ربهم وكان فيهم نبي يأمرهم وينهاهم فلم يطيعوه وروى ان اسمه ارميا النبي أقول هذا وما بعده ليس من الصحيح بل هو إرسال من القمّي وفيه ما هو خلاف الصحيح فإن نفس القمّي سيروي في تفسير الآية الحادية والستين بعد المائتين في الصحيح عن الصادق ان ارميا النبي معاصر لبخت نصر وسبي بابل كما هو مقتضى التاريخ وبين ذلك العصر وعصر طالوت نحو اربعمائة سنة وتسعة اجيال. وفي التبيان ومجمع البيان وقيل هو اشموئيل وهو المروي عن أبي جعفر يعني الباقر (ع) وفي مجمع البيان وهو بالعربية إسماعيل وفيه منع فإن إسماعيل في العبرانية «يشمع ايل»( ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ ) معه( فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ ) لهم نبيهم( هَلْ عَسَيْتُمْ ) عسى معناها الترجي في المحبوب والإشفاق في المكروه( إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ ألّا تُقاتِلُوا ) المطرد فيما بعد عسى ان يأتي مقرونا بكلمة «ان» الناصبة ولكن لأجل ان المؤكدين بعد اختلاط اللسان ضاعت عليهم مزايا اللغة العربية بعد ان كانت معروفة لأهلها فقال بعض النحويين أو جمهورهم ان عسى من الأفعال الناقصة والمنصوب بأن خبرها على حذف المضاف منه أو من اسمها( قالُوا ) ما مؤداه ماذا يمنعنا من القتال( وَما لَنا ) من الفائدة في( أَلَّا ) ألّا هي أن المصدرية ولا النافية( نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا ) بالحرب والطرد عن الأوطان وهل بعد هذا مانع نفساني عن القتال أو فائدة تدعو إلى تركه. مضافا إلى انه قتال في سبيل الله ودفاع عن الدين والتوحيد. ومع هذا البيان منهم( فَلَمَّا ) بعث لهم طالوت ملكا و( كُتِبَ ) وفرض( عَلَيْهِمُ الْقِتالُ ) معه( تَوَلَّوْا ) وتخاذلوا( إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) يعلم حالهم من قبل ذلك ٢٤٦( وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ) قيل سمي طالوت لطوله وفي


نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ

____________________________________

كتب اليهود انه كان أطول من كل بني إسرائيل من كتفه فما فوق( قالُوا أَنَّى ) من أين( يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ) وفي تفسير القمّي أو روايته أنه كان من سبط بنيامين(١) قلت وتاريخ اليهود يذكر في أواخر سفر القضاة ان سبط بنيامين قد صدرت من بعضهم بادرة قبيحة فأراد بنو إسرائيل ان يؤدبوا هؤلاء فحماهم سبطهم فحاربهم باقي الأسباط حتى نكلوا بهم فصار سبط بنيامين بعد ذلك سبطا قليلا مستحقرا فيما بين بني إسرائيل( وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ ) ليؤسس به ملوكيته وادارتها( قالَ ) لهم نبيهم( إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً ) أي سعة( فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ) يدبر بعلمه المملكة وشؤون القتال ويملأ ببسطة جسمه الأبصار هيبة تناسب الملوك ومخائل القوة والشجاعة( وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ ) فلا اعتراض لكم في ذلك( وَاللهُ واسِعٌ ) في فضله ورحمته أي واسع الفضل والرحمة( عَلِيمٌ ) بما تقتضيه الحكمة في كل مقام ٢٤٧( وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ) في مقام الاحتجاج والدلالة على ان طالوت يكون ملكا عليهم وذلك باصطفاء الله له( إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ ) والحجة التي تعرفون بها ذلك( أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ) الصندوق في مجمع البيان انه كان في ايدي اعداء بني إسرائيل غلبوهم عليه لما مرج أمر بني إسرائيل وحدث فيهم الأحداث ثم انتزعه الله من أيديهم ورده على بني إسرائيل تحمله الملائكة وروى ذلك عن أبي عبد الله( فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) في تفسير القمّي عن الرضا (ع) انها ريح

__________________

(١) قال الطنطاوي في الجزء الأول من تفسيره صفحة ١٩٠ في كلام بني إسرائيل مع نبيهم في هذا المقام «قالوا ان طالوت ليس من بيت لاوي بيت النبوة ومنه موسى وهارون ولا من بيت يهوذا بيت الملك ومنه داود وسليمان» ـ إلى ان قال فأجابهم وأقول يا للعجب متى كان من قبل ان يملك طالوت لبيت يهودا ملك ومملكة ومتى كان قبل طالوت داود وسليمان ملكين لكي يذكر بنو إسرائيل ملوكيتهما لنبيهم وكيف والذي يعرف من القرآن هو ان داود لما قتل جالوت كان رعية في جند طالوت وانظر إلى كلام المفسر في صفحة ١٩١ ويقول الله في سورة النمل وورث سليمان داود ولم يذكر ان الاشراف من بني إسرائيل احتجوا بسبطين من اسباطهم بل قالوا نحن أحق بالملك منه. وهل كان ذكرهم لملك يهوذا وداود وسليمان تنبئا عن المستقبل؟! إذن اي مؤرخ ذكر هذا التنبؤ منهم وما هي قيمته التاريخية؟!


وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ

____________________________________

من الجنة لها وجه كوجه الإنسان ونحوه في مجمع البيان والدر المنثور عن امير المؤمنين وفي رواية معاني الأخبار عن يونس عن الرضا (ع) روح الله لكن في اصول الكافي في صحيح محمد ابن مسلم عن الباقر (ع) السكينة الإيمان. ونحوه في صحيح حفص وهشام عن الصادق ونحوه في صحيح أبي حمزة عن الباقر وزاد في قوله تعالى( وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) قال هو الإيمان ونحوه في صحيح جميل عن الصادق (ع) والظاهر ان هذه التعبيرات تشبيهات وإشارات بحسب حال المورد والخطاب والمخاطب فلعل السكينة أمرا يوجب الامنة والطمأنينة جعله الله في التابوت ليسكن إليه بنو إسرائيل فقد كان لهم بمنزلة اللواء الأعظم في الحروب وفي التبيان انه الأولى واستظهر نحو ذلك في مجمع البيان وهو احدى روايات الدر المنثور عن ابن عباس( وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ ) من آثار النبوة( تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ ) الجملة حال من يأتيكم وفي روضة الكافي في معتبرة عبد الله بن سليمان(١) عن الباقر (ع) في التابوت ما لفظه «والملائكة كانت تحمله على صورة البقرة» أقول وعلى تقدير صدور هذا المروي عن الإمام (ع) يكون ما في كتب اليهود صورة لما ذكره (ع) من الحقيقة. ففي الفصل السادس من كتاب صموئيل الاول في الآية وخرق العادة في رجوع التابوت وهو ان المشركين لما انتهبوا التابوت من بني إسرائيل أصابهم بلاء من الموت والأمراض فأرادوا أن يردوا التابوت ويستعلموا من حاله وكرامته انه هل هو الذي سبب عليهم ذلك البلاء من الله فتبانوا على ان يجعلوه في عجلة ويربطونها ببقرتين مرضعتين صعبتين لم يعلهما نير وبعد ذلك يرجعون عنهما ولديهما إلى البيت فإن سارت البقرتان بالعجلة على الهدو والاستقامة عرفوا ان هذا الأمر الخارق للعادة من حال البقرتين إنما هو من آيات الله لبيان كرامة التابوت فسارت البقرتان بالتابوت والعجلة على أحسن استقامة ومعرفة للطريق إلى أن اوصلتا التابوت إلى بلاد بني إسرائيل وبمقتضى الآية الكريمة والرواية الشريفة ان الملائكة كانت تتولى حمل التابوت بهذا الحمل الخارق للعادة في تلك الصورة الظاهرية من تسخير البقرتين وفي مجمع البيان ذكر شيئا فيه شبه لهذا ولم ينسبه إلى

__________________

(١) فإن الكافي يرويها بالسند الصحيح عن يحيى الحلبي عن عبد الله بن سليمان وقد شهد النجاشي وابن أبي داود والعلامة بأن يحيى ثقة صحيح الحديث وقد ذكره عبد الله من اصحاب الباقر ولم يخدش فيه بشيء


إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي

____________________________________

إمام. وذكر في شرح روضة الكافي شيئا من تاريخ ابن الأثير وغيره من المفسرين وأقول ان تفاسير هذه الأمور اما ان تؤخذ عن النبي (ص) أو الإمام وإلّا فلا لأن المؤرخين بل والمفسرين كما ذكرناه في المقام الثالث من الفصل الرابع من المقدمة ان منهم من يأخذ من النقل الافواهي المتقلب بالتحريف من أهل الكتاب الراجع إلى كتبهم من العهد القديم وهي التي كانت في ازمنة المفسرين والمؤرخين باللسان العبراني والبابلي واليوناني وهي ممنوعة عن غير اليهود والنصارى ويحرم في مذهب الفريقين ان يمكنوا منها حتى العوام منهم لكن بعد ان ظهرت في النصارى فرقة الانجيليين ترجموها بكل لسان ونشروها في البلاد فهذه الكتب على ما فيها من التحريف أقل تحريفا من الأنقال المأخوذة عنها بالنقل إلّا فواهي الذي لم يبن على الحفظ والأمانة( إِنَّ فِي ذلِكَ ) أي في اخباري بإتيان التابوت حال كونه تحمله الملائكة( لَآيَةً لَكُمْ ) تعرفكم نعمة الله وقدرته لتطيعوه وتعرفكم صدقي وإن طالوت جعله الله ملكا عليكم كل ذلك( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) بالله وآياته ودلالتها حق الإيمان في تفسير القمّي بسند صحيح عن الرضا (ع) كان إذا وضع التابوت بين المسلمين والكافرين فإن تقدم التابوت رجل لا يرجع حتى يقتل أو يغلب فأوحى الله إلى نبيهم ان جالوت «وهو رئيس المشركين وشجاعهم» يقتله من يستوي عليه درع موسى اسمه داود بن اسى «وفي كتب اليهود في العبرانية «يسي» وكان اسي راعيا وكان له عشر بنين أصغرهم داود فلما جمع طالوت بني إسرائيل للحرب بعث إلى اسي ان احضر ولدك فلما حضروا دعا واحدا واحدا منهم فألبسه درع موسى فمنهم من طالت عليه ومنهم من قصرت عنه فقال لأسي هل خلفت من ولدك أحدا قال نعم أصغرهم تركته في الغنم فبعث إليه فلما دعي أقبل ومعه مقلاع فناداه ثلاث صخرات في طريقه يا داود خذنا فأخذها في مخلاته فلما جاء إلى طالوت ألبسه درع موسى فاستوت عليه ففصل طالوت بالجنود ٢٤٨( فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ ) اي فلما ملك وجند جنوده في معسكره وفصل بمعنى انفصل بجنوده عن المعسكر ومحل التجمع وسار إلى محل الحرب( قالَ ) لجنوده( إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ) في طريقكم ليتبين مطيعكم من عاصيكم( فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ) اي من اصحابي


وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠)فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ

____________________________________

المطيعين ولا من حزب الله( وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ ) أي يذوقه( فَإِنَّهُ مِنِّي ) اي من اصحابي ومن حزب الله( إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً ) واحدة( بِيَدِهِ ) فإنه مسامح في ذلك( فَشَرِبُوا مِنْهُ ) وعصوا( إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ ) وفي تفسير القمّي عن الصادق (ع) ان الذين لم يشربوا ولم يغترفوا كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ونحوه عن تفسير العياشي عنه (ع) وذكر في الدر المنثور رواية ذلك عن البراء وابن عباس( فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) وهم جنده الذين شربوا والّذين لم يشربوا لأنهم كلهم كانوا مؤمنين غير مشركين وان عصى بعضهم( قالُوا ) أي قال نوعهم لا كلهم( لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ ) وفي روضة الكافي في الصحيح عن الباقر (ع) كما روى في تفسير القمّي عن الصادق (ع) ان الذين اغترفوا قالوا هذا القول والذين لم يغترفوا هم الذين قال الله فيهم( قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ ) اي الذين لم يلههم الأمل بل قربوا الموت في كل حين إلى ظنهم شوقا إلى لقاء الله برفع الحجاب الشهواني كما قدمناه في الآية الثالثة والأربعين قالوا من قوة إيمانهم وثبات عزمهم وحسن ظنهم بالله. والمؤمن ينظر بعين الله( كَمْ مِنْ فِئَةٍ ) أي جماعة وفرقة( قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ ) ونصره( وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ٢٤٩وَلَمَّا ) تهيأوا للقتال و( بَرَزُوا ) في موقف الحرب( لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ ) لم يعتمدوا على أنفسهم مهما بلغوا من الطاعة والتفاني في سبيل الله بل( قالُوا ) في التجائهم إلى الله ودعائه بالتوفيق والتسديد والنصر لإظهار دين الحق( رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً ) إلّا فراغ الصب شبهوا الصبر بالماء الذي يعمهم يصبه عليهم فطلبوا من الله التوفيق للصبر الكثير المجدي بحيث يكون كما يصب عليهم الصبر صبا( وَثَبِّتْ أَقْدامَنا ) على الحق والجهاد في سبيلك( وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) إعلاء لدين الحق ٢٥٠( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ ) المأثور ان هزيمة الكفار كانت بعد ان قتل داود جالوت


وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١)تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ

____________________________________

ولكن أخر ذكر القتل ليجري ما ذكر لداود من الفضائل على نسق واحد فإن ذلك ابلغ في تمجيده واظهر بيانا لعظمة النعمة عليه( وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ ) المهيب( وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ ) كفصل القضاء والنبوة والزبور وعمل السابغات( وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ ) عن الطغيان والإفساد العام( بَعْضَهُمْ ) بدل من الناس( بِبَعْضٍ ) آخر( لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ) فإن الله جلت حكمته خلق الناس مختارين في أفعالهم ومن الغايات ان يتمتعوا في الأرض ويحصل منهم النسل ويلد الكافر المؤمن والفاجر الصالح وقد علم الله انه يكون في الناس أمثال يزيد ومسلم بن عقبة والحجاج وإذا خلّى السبيل لامثال هؤلاء ملأوا الأرض فسادا وأفسدوها وان إهلاك المفسد والانتقام منه في الدنيا لا يرتدع به من يريد الفساد العام بل يعدون كل ذلك من سنن الكون ومقتضيات الأسباب العادية كالموت الذي لم يردع الناس عن غيهم وان قاربوه بالشيخوخة والمرض فكان من الرادع لهم أمر الله للمؤمنين بدفاع المفسدين ووجود المنازعين من الناس للمفسدين في أغراضهم فكان ذلك وما وقع من مغلوبية المفسدين ومقهوريتهم عند النزاع دافعا من الله لشمول الفساد وكان حذر المفسدين من صولة القوة وثورة النزاع وفوز الخصوم رادعا نوعيا في الغالب يوقف الفساد عن طغيانه العام( وَلكِنَّ اللهَ ) تفضل على العالمين بأن منع عموم الفساد في الأرض بدفع الناس بعضهم ببعض مع بقاء الحكم على مواقعها فالله جلت آلاؤه( ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ٢٥١تِلْكَ ) اي قصص الأمور المذكورة( آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ ) يا رسول الله( بِالْحَقِ ) وعلى حقيقتها بالوحي الإلهي( وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) من الله إلى الناس لتخرجهم من الظلمات إلى النور ٢٥٢( تِلْكَ الرُّسُلُ ) انثت الاشارة باعتبار الجماعة( فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ ) إياه وفضله بتكليمه له كموسى ورسول الله فقد ورد مستفيضا عن الصادق (ع) ان التغير الذي يعتريه (ص) عند الوحي انما هو عند تكليم الله له بدون توسط جبرائيل كما روى


وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ

____________________________________

مسندا في محاسن البرقي وعلل الشرائع وتوحيد الصدوق وإكمال الدين وامالي الشيخ بل ان أحاديث المعراج عن رسول الله (ص) ناطقة بأن الله كلمه وناجاه وناداه كما في تفسير القمّي وبصائر الدرجات وعلل الشرائع وامالي الصدوق وامالي الشيخ بأسانيدهم عن الكاظم والصادق والباقر وامير المؤمنين وابن عباس كما روى أهل السنة ذلك في حديث المعراج( وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ) المعجزات( الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) جبرئيل( وَلَوْ شاءَ اللهُ ) ان يلجئ عباده على عدم الكفر والعصيان له ووافق ذلك حكمته لفعل فانه هو القادر القاهر و( مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) من أممهم( مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ ) ولم يكن ذلك لأجل خفاء الحق على احد الفريقين( وَلكِنِ اخْتَلَفُوا ) بسبب اتباع الهوى من بعضهم( فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ) بالله وبما جاءه من البينات( وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ) واتبع هواه فاقتتلوا( وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا ) ولكن ليجزي المؤمنين جزاء المجاهدين في نصر الحق( وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ) مما يقتضيه اللطف والحكمة ٢٥٣( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ ) ان أريد الإنفاق الواجب كما هو ظاهر الطلب فهو الزكاة إذ لا يعهد انفاق عام واجب غيرها ولا تخافوا الفقر في انفاقكم فإن ما عندكم انما هو من رزق الله وهو رازقكم فاغتنموا الفرصة في أموالكم في دار الدنيا( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ) وهو يوم القيامة( لا بَيْعٌ فِيهِ ) فتبتاعون ما ينفعكم فيه( وَلا خُلَّةٌ ) تجديكم فيه ان لم تكونوا من الذين اتقوا الله فيما أمرهم به ونهاهم عنه وقدموا لأنفسهم( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا الْمُتَّقِينَ ) كما في سورة الزخرف( وَلا شَفاعَةٌ ) إلّا لمن اتخذ عند الله عهدا وإلّا بإذن الله ولمن ارتضى كما أشرنا إليه في سورة الفاتحة في الشفاعة( وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) لأنفسهم إذ لم يتركوا لأنفسهم لذلك اليوم وسيلة تؤهلهم لرحمة الله لهم ونجاتهم


(٢٥٤)اللهُ لا إِلهَ إلّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ

____________________________________

٢٥٤( اللهُ ) اسم وعلم لواجب الوجود آله العالمين جل وعلا( لا إِلهَ إلّا هُوَ ) الإله هو الذات المقدسة المتصفة بصفات الإلهية كوجوب الوجود والعلم والقدرة والخالقية وغيرها فلا شيء متصفا بصفات الإلهية ويستحق ان يسمى إلها وله تحقق إلّا الله( الْحَيُ ) الثابتة له صفة الحياة والدائمة بدوام ذاته ووجوب وجوده لذاته ومعنى الحي واضح ظاهر( الْقَيُّومُ ) مبالغة في من قام بالأمر فإنه جلت آلاؤه هو القائم بإيجاد العالم وتدبيره والمبالغة باعتبار العموم والدوام( لا تَأْخُذُهُ ) لا تغلبه وتستولي عليه( سِنَةٌ ) بل( وَلا نَوْمٌ ) السنة من الوسن وهو النعاس الذي لا يبلغ النوم ولكنه يغلب ويوجب الذهول والغفلة عن القيام بما يقام به من الأمور. والنوم معروف ويجوز ان لا تغلب السنة ولا تستولي بل يطرء النوم فيغلب ولكن الله جل شأنه زيادة على انه لا تأخذه ولا تغلبه سنة لا يأخذه ولا يغلبه على قيوميته نوم وان كان أقوى من السنة بكثير( لَهُ ما فِي السَّماواتِ ) من الموجودات( وَما فِي الْأَرْضِ ) جميعا حتى السموات والأرض كما تقول الملك له وتحت نفوذ ملوكيته ما في العراق اي حتى ارض العراق وحدودها كما اكتفى القرآن في هذا المعنى المتعارف في المحاورة العرفية بقوله( لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) .( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) كما في نحو ثمانية عشر موردا( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإِذْنِهِ ) فإن كل ما في السموات والأرض له ومن خلقه فليس هناك من يتوهم كما يقول المشركون ان له استحقاقا طبيعيا للشفاعة والتأثير لتوهم تأليهه مع الله بأحد الوجوه التي يتوهمونها ومنها الولادة والمظهرية تعالى الله عما يقولون لا إله إلّا هو وانما تكون الشفاعة لعبد مقرب بإذن الله له بها تشريفا له وإعلاء لقدر عباده الصالحين المطيعين له وترغيبا للناس في الطاعة وما لها من علو الدرجات( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ) اي الملائكة والجن والإنس من العقلاء الذين يصح نفي الشفاعة عنهم وإثباتها لهم بوجه والمراد مما بين أيديهم وما خلفهم ما مضى وما هو آت( وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ ) اي مما يعلمه( إِلَّا بِما شاءَ ) وعلّمه لعباده وفتح لهم باب إدراكه( وَسِعَ


وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ

____________________________________

كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) روى الصدوق في توحيده بسنده عن المفضل عن الصادق (ع) ان العرش هو العلم الذي اطلع الله عليه أنبياءه وحججه والكرسي هو العلم الذي لم يطلع عليه أحدا وبسنده عن حفص بن غياث عنه (ع) عن الكرسي في الآية قال (ع) علمه وبسنده عن عبد الله بن سنان عنه (ع) في الكرسي أو العرش هو العلم الذي لا يقدر احد قدره وفي مجمع البيان ان هذا مروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) وفي التبيان وهو مروي عنهما وفي الدر المنثور ذكر جماعة أخرجوه عن ابن عباس وذكر جماعة أخرجوه عن أبي الاشعري قال الكرسي موضع القدمين وله اطيط كاطيط الرحل. وجماعة اخرجوا عن ابن مسعود عن رسول الله (ص) في المقام المحمود قال ذلك يوم ينزل الله على كرسيه يأط منه كما يأط الرحل الجديد من تضايقه. وجماعة اخرجوا عن عمر عن رسول الله انه قال ان كرسيه وسع السموات والأرض وان له أطيطا كاطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله ما يفضل منه اربع أصابع. هذا ولما بين الله جل شأنه ان له ما في السموات والأرض شاء ان يبين احاطة علمه وسلطة تدبيره بجميع ما هو له وملكه فناسب التقريب لادراكنا القاصر بالتمثيل بالجسمانيات المألوفة لنا فشبه الإحاطة والسلطة بما لو كانت بحسب التخييل في كرسي الملك. وعلى ذلك جرى تعبير الأئمةعليهم‌السلام في السموات والأرض انها في الكرسي( وَلا يَؤُدُهُ ) يثقله ويشق عليه( حِفْظُهُما ) اي النوعين من السموات والأرض وكيف( وَهُوَ الْعَلِيُ ) في شأنه وقدرته وعلمه( الْعَظِيمُ ) في سلطانه وجلاله ٢٥٥( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ) قد مر تفسير الدين في الآية التاسعة والثمانين بعد المائة وليس الدين بشيء يخفى على الناس مجد حقيقته وكرامة كماله لكي يراد منهم بالإكراه كيف وهو دين الفطرة مستقيم صراطه واضح منهجه مشرقة ارجاؤه منيرة اعلامه بينة آياته هادية دلائله( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ ) بدلالة العقل والفطرة وتتابع المعجزات وتوارد الحجج وان تعامى عنها المعاند له حتى أعمى عناده قلبه وعين بصيرته( فَمَنْ ) يخالف هواه ويتبع عقله وبينات فطرته و( يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ) الطاغوت مأخوذ من الطغيان. وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن الكريم ثمان مرات ففي بعضها يكون مسماه خبرا للجمع ويعود عليه ضمير الجمع كما في( أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ


وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها

____________________________________

يُخْرِجُونَهُمْ ) في الآية. وفي بعضها الضمير المؤنث الظاهر في الجماعة كما في( يَعْبُدُوها ) في التاسعة عشرة من سورة الزمر. وفي بعضها ضمير المفرد كما في الثالثة والستين من سورة النساء. وفي بعضها أشير إليه بهؤلاء كما في الرابعة والخمسين من سورة النساء. وفي النهاية والقاموس تكون للواحد والجمع وذكر اللغويون انه يقال طاغوت للصنم والشيطان ورأس كل ضلال. والطاغوت مأخوذ من الطغيان اما باعتبار كونه سببا كبيرا لطغيان الضلال كالأصنام. وفي النهاية ومنه الحديث هذه طاغية دوس وخثعم اي صنمهم ومعبودهم وأما باعتبار طغيانه في اغوائه وتمرده ودعوته إلى الضلال كالشيطان ورؤساء الضلال. ففي كل مقام من القرآن الكريم يراد من الطاغوت ما يناسب سوقه. والمناسب للمقام هو الأصنام أو دعاة الشرك أو الشياطين ومعنى يكفر بالنسبة لكل من الأخيرين يخالفه في اغوائه بالشرك ويتبرأ منه ومن اتباعه( وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ ) اي احكم تمسكه( بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى ) التي هي أوثق العرى فإنها( لَا انْفِصامَ لَها ) ابدا وليس في الإيمان بالله منشأ تردد أو ريب أو وهن في الحجّة( وَاللهُ سَمِيعٌ ) لأقوالكم في الإيمان به( عَلِيمٌ ) بنياتكم ٢٥٦( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) اي هو المدبر الأولى والاحق بتدبيرهم فيما هو الأصلح لهم بلطفه وان كان لطفه جلت آلاؤه بالدلالة والإرشاد عام لكل البشر ولكن خص الذين آمنوا بالذكر لأنهم لم يعاندوا الحق ولم يخرجوا أنفسهم عن الأهلية لتوفيق الله لهم إلى الحق والإيصال إلى المقام السامي فهو( يُخْرِجُهُمْ ) بتوفيقه( مِنَ الظُّلُماتِ ) ظلمات الضلال والمعاصي( إِلَى النُّورِ ) نور الهدى والطاعة ٢٥٧( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) وعاندوا الحق واخرجوا أنفسهم عن الأهلية للطف الله وولايته في تدبير شؤنهم بالتوفيق والتسديد وقد تولوا الطاغوت فهم اذن( أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ ) الظاهر من الضمير ارادة المغوين على الكفر والمغرين بالضلال كالشياطين ورؤوس الضلال فإنهم يخرجونهم( مِنَ النُّورِ ) نور التوفيق والوصول إلى الحق( إِلَى الظُّلُماتِ ) ظلمات الخذلان والكفر والضلال( أُولئِكَ ) الكافرون( أَصْحابُ النَّارِ هُمْ


خالِدُونَ (٢٥٧)أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِي حَاجَّ إبراهيم فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إبراهيم رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إبراهيم فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

____________________________________

فِيها خالِدُونَ ٢٥٨أَلَمْ تَرَ ) المراد الم تعلم كما ذكرنا قريبا( إِلَى الَّذِي حَاجَّ إبراهيم فِي رَبِّهِ ) المحاجة تشمل الجدل وإن كان داحضا. والظاهر ان المحاج هو النمرود الملك. وفي مجمع البيان ان هذه المحاجة. كانت قبل إلقاء إبراهيم في النار عن الصادق قلت ولم أجد روايتها. وفي تفسير القمّي لا بعنوان الرواية والدر المنثور عن السدي انها بعد ذلك. وقد جرّأه على محاجة إبراهيم بالباطل طغيانه وعتوه وبطره( أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ ) اي لأن الله أتاه الملك في الدنيا واملى له فحاجّ إبراهيم( إِذْ قالَ إبراهيم رَبِّيَ ) والهي هو( الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ ) نمرود( أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ) قيل انه صرف الكلام عن وجهه حيث قال له إبراهيم كيف تحيي وتميت قال اعمد إلى رجلين قد وجب عليهما القتل فأخلي عن واحد واقتل الآخر فأكون قد أحييت وأمت قال القمّي في تفسيره لا بعنوان الرواية وأورد نحوه في الدر المنثور رواية عن ابن عباس أقول مقتضى الآية ومحاجة نمرود لإبراهيم في ربه هو انه لم يدع كونه شريكا لله ليقول انا أيضا احيي وأميت مثل الله ويغالط في ذلك بان يقتل احد الشخصين ويستحيي الآخر بل انه ينكر رب إبراهيم ويدعي الإلهية لنفسه فيكون قوله أنا احيي وأميت مصادرة جزافية يريد بها الاحياء والموت اللذين قالهما إبراهيم فأراد إبراهيم ان يسد باب المصادرات بالدعاوي السخيفة الباطلة ولذا( قالَ إِبْراهِيمُ ) ان كنت قادرا على الاحياء والإماتة كما تزعم( فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ ) والقادر على الاحياء والإماتة قادر على التصرف بالشمس( فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ) أي نمرود الكافر بالله أو نوع الذي كفر من الحاضرين نمرود واذنابه وبهت بالبناء للمفعول فهو مبهوت( وَاللهُ لا يَهْدِي ) اي لا يوفق ولا يوصل بلطفه( الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) بل يتركهم وأهواءهم. ومن المعلوم ان القرآن الكريم لا تتعلق أغراضه الكريمة في نهجه المجيد بالقصص من حيث تاريخيتها وإنما يذكرها للموعظة وضرب المثل وغير ذلك من الأغراض الحميدة فكأنه قيل( أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِي حَاجَّ إبراهيم فِي رَبِّهِ ) إلى آخر الآية فإن من


(٢٥٨)أو كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ

____________________________________

الناس من يكون في عناده وضلاله ومكابرته للحق الواضح كهذا روى القمّي في تفسيره والطبرسي في احتجاجه عن الصادق (ع) انه ارميا النبي وفي تفسير البرهان عن امير المؤمنين (ع) انه عزير وفي الدر المنثور عن امير المؤمنين وصحّحه الحاكم وعن ابن عباس بعدة طرق انه عزير فلا مساغ لصاحب الكشاف في اختياره ان صاحب القصة كافر وقد كفانا ابن المنير في حاشيته مؤنة الرد لما استند إليه الكشاف في دعواه( وَهِيَ خاوِيَةٌ ) أي ساقطة أعاليها كقوله في سورة الحاقة( فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ عَلى عُرُوشِها ) أي سقوفها ويقال العرش للسرير وارادته هنا ممكنة. وقيل معنى خاوية خالية وفي المصباح والقاموس خوت الدار خلت من أهلها لكن يكون على هذا في اعراب على عروشها تكلف بعيد عن كرامة القرآن( قالَ أَنَّى ) كيف( يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها ) في رواية القمّي في تفسيره عن الصادق فنظر إلى السباع تأكل الجيف فقال أنى يحيي الله هذه بعد موتها. وفي رواية الدر المنثور عن ابن عباس في ذكر القرية قد باد أهلها ورأى عظاما فقال( أَنَّى يُحْيِي ) الآية ولا يخفى ان الظاهر من لفظ يحيي وموتها وقصة موت القائل واحيائه والاحتجاج عليه بذلك هذه كلها تشير وتومي إلى المشار إليه بكلمة «هذه» وهي الأجساد أو العظام واستغنى عن ذكرها بدلالة المقام وإشارات الآية كما في قوله تعالى قبل آيات( فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ ) وكثير من نحو ذلك( فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ) لا يخفى ان الظاهر من الآية هو المعنى الحقيقي للموت مع ان رواية القمّي عن الصادق (ع) ورواية الدر المنثور التي صححها الحاكم عن امير المؤمنين ورواياته الأخر عن ابن عباس والحسن ووهب هذه كلها صريحة في ان هذا الشخص قد مات وتلاشت اجزاؤه وتفرقت فأحياه الله بأن جمعها وكسا عظامه. ولكن المفسر المصري المعاصر قال ما حاصله ان الإماتة والموت هنا عبارة عن فقد الحس والإدراك وهو المسمى بالسبات لا مفارقة الروح للبدن ولم يحضرني الجزء الأول من تفسيره لكي أراه ماذا يقول فيما مر من قوله تعالى ٥٣( ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )( ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ ) في موتك هذا( قالَ


لَبِثْتُ يَوْماً أو بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إلى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)وَإِذْ قالَ إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ

____________________________________

لَبِثْتُ يَوْماً أو بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ ) وقد أظهرت المشيئة الإلهية لك شيئا من خارق العادة ودلائل القدرة على احياء الموتى وان تفرقت أوصالهم( فَانْظُرْ إلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ) لم يتأثر بالسنين المتطاولة فإن مقتضى العادة ان تتابع عليه تغييرات السنين إلى ان تلاشيه في أثناء المائة عام فبهذه القدرة يحيي الله الموتى( وَانْظُرْ إلى حِمارِكَ ) تكرار الأمر بالنظر يشير إلى انتقال الكلام إلى وجهة اخرى تدل على طول لبثه في الموت وهي ان حماره قد أفنته السنين وبادت اجزاؤه وتفرقت عظامه كما صرحت به الروايات المشار إليها( وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ) اي امتناك وبعثناك بعد البلا لترى بالعيان كيف يحيي الله الموتى ولنجعلنك آية وموعظة للناس في احياء الموتى وقدرة الله. وهذا ظاهر من وجود واو العطف وسياق الكلام( وَانْظُرْ إلى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ) بالزاي المعجمة وضم النون الاولى اي نجعلها بعد تفرقها بالبلا يرتفع وينشز بعضها إلى بعض بالتركيب. وقد نصت الروايتان المشار إليهما على عظامه وعظام حماره. واما عظام أهل القرية فلم يعرف احياؤها( ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ) ما ذكر( قالَ أَعْلَمُ ) يعرف من انه لم يقل الآن علمت انه عالم بذلك وانه يعلم بالعلم المستمر وبهذه المشاهدات تأكد علمه( أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٣٦٣وَإِذْ قالَ إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ) جرت في ذلك شؤون ويدل على تلك الشؤون ويفسرها ما في الآية وهو( قالَ ) الله له بالاستفهام التقريري( أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ) بقدرتي على احياء الموتى واني أحييها و( قالَ ) إبراهيم( بَلى ) اني مؤمن بذلك( وَلكِنْ ) للعيان اثر كبير في الاطمئنان ورسوخ العلم في القلب فطلبت الرؤية( لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) ويزداد يقيني بسبب المشاهدة بما آمنت به كما في رواية الكافي في أول باب الشك من أصوله والصحيحة عن المحاسن( قالَ ) الله له وإذا كنت تطلب الرؤية( فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ) بضم الصاد وسكون الراء بمعنى املهن واجمعهن إليك. وقيل معناه فقطعهن ولكن لا معنى لتعليق إليك به واما


ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا

____________________________________

تعليقها بقوله تعالى( فَخُذْ ) مع وجود الفاصل الكثير والتفريع بالفاء فلا مساغ له في فصيح الكلام. والأخذ ليس مساوقا للإمالة والضم إليه بل هو أعم( ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ) وهذا كاف في الدلالة على سبق الأمر بالتقطيع. وقد تعددت الروايات الصحاح والمعتبرة عن الباقر والصادق والرضاعليهم‌السلام في ان الجبال كانت عشرة كما احصى غالبها في الوسائل في باب الوصية بالجزء( ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً ) وقد اكتفى بذكر هذا الوعد عن ذكر الوقوع لما هو معلوم من قدرة الله وانه لا خلف لوعده( وَاعْلَمْ ) اي وليتأكد علمك( أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ ) بقدرته( حَكِيمٌ ) في اعماله ٣٦٠( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) اي ان المثل الذي يضرب لهؤلاء في جزائهم المضاعف من الله ونتيجة إنفاقهم المباركة هو( كَمَثَلِ حَبَّةٍ ) اي كالمثل الذي يضرب بحبة( أَنْبَتَتْ ) من اسناد الفعل إلى بعض أسبابه( سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ) وليس ذلك فرضا موهوما كأنياب الأغوال بل هو كثير مشاهد مرئي وإن كان قليلا بالنسبة إلى نوع الزرع الكثير وكثيرا ما يشاهد ان الحبة يخرج منها اكثر من سبع سنابل بل وعشر وعشرين وكثيرا ما شوهد في قطرنا في السنبل القوي الجيد من الحنطة والشعير تبلغ الثمانين حبة( وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ ) بحسب نيته وإخلاصه وإقباله على الخير( وَاللهُ واسِعٌ ) في رحمته وقدرته وجزائه( عَلِيمٌ ) بأعمال عباده ونياتهم فيها ووجوهها ولا يخفى ان سبيل الله غير مختص بالجهاد. وفي مجمع البيان ان الآية عامة في النفقة في أبواب البر وهو المروي عن أبي عبد الله (ع) قلت وإن قوله تعالى( وَاللهُ واسِعٌ ) مع سوق الآية يعطي ان الجزاء المضاعف غير مختص بالإنفاق بل يعم اعمال الخير كلها كما روي في محاسن البرقي في صحيحة عمر بن يزيد وعن امالي الشيخ وتفسير العياشي في معتبرة الوابشي عن أبي عبد الله (ع) ٢٦١( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا ) بعد إيصاله لمن أعطوه إياه( مَنًّا ) المن معروف


وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا

____________________________________

وهو ان يتطاول المعطي على من أعطاه بأنه أعطاه ومنه قوله ألم أعطك ألم أحسن استطالة عليه لا في مقام ما يرجح من التنصل من القطيعة والبخل( وَلا أَذىً ) بسبب الإعطاء( لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) بيان لأن الجزاء المضاعف المذكور في الآية السابقة هو اجر للمنفقين على إنفاقهم وذلك اهنأ في نفوس العامة وفيه ترغيب لهم وان كان تفضل الله اهنأ عند الخواص وأقرب إلى الكرامة( وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٦٢قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ) في الاعتذار غير منكر ولا مستوحش كأن يتلطف بالكلام في رد السائل والاعتذار منه والدعاء له( وَمَغْفِرَةٌ ) لما يصدر منه من الحاف أو إزعاج في المسئلة( خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللهُ غَنِيٌ ) يغني السائل من سعته ولكنه لأجل مصالحكم في الدنيا والآخرة استقرضكم في الصدقة وإعطاء السائل( حَلِيمٌ ) فعليكم يا عباده بالحلم والغفران لما يبدر من السائل. وقد أكد الله إرشاده في أمر الإنفاق والصدقة فقال جلت آلاؤه ٢٦٣( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ) وتكونوا قد أنفقتم أموالكم ولم تبقوا لكم عند الله شيئا من الأجر والثواب فإن مفسدة المن والأذى ورذيلتها تذهب بفضيلة صدقاتكم وإن قصدتم بها القربة في حينها فأنتم في ذلك( كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ ) الرئاء والرياء والمراءاة مأخوذة من الرؤية وهو ان يعمل الإنسان العمل لا لحسنه ولا لوجه الله بل لأن يراه الناس تباهيا به( وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) لكي يطلب ما عند الله( فَمَثَلُهُ ) اي مثل المرائي المنافق الذي لا يؤمن بالله في انه لا خير فيه ولا في إنفاقه( كَمَثَلِ صَفْوانٍ ) الصفوان كالصفا هو الصخر الأملس( عَلَيْهِ تُرابٌ ) يخيل انه ارض نافعة صالحة للنبات( فَأَصابَهُ وابِلٌ ) اي مطر عظيم القطر شديد الوقع فجرف ذلك التراب عن ذلك الصفوان( فَتَرَكَهُ ) صفوانا مجردا( صَلْداً ) أي صلبا أملس لا يصلح لنتيجة( لا يَقْدِرُونَ ) أي المراؤون بانفاقهم الذي أشير إليه بالآية( عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ) على فائدة


وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤)وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ

____________________________________

مما أنفقوه وكان مما كسبوه وتعبوا في كسبه وجمعه فلا يقدرون لا على شيء من عينه ولا من ثوابه فذهب عليهم بريائهم ونفاقهم هدرا وذلك أشد لحسراتهم( وَاللهُ لا يَهْدِي ) ولا يوصل إلى الهدى بتوفيقه( الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) فإنهم أخرجوا أنفسهم بنفاقهم عن اهليتهم للتوفيق ٢٦٤( وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) أي ولأن يثبتوا أنفسهم على طاعة الله وطلب رضاه. فإن بذل المال عند نوع الناس صعب وان سهلت عليهم العبادات البدنية ويقال ان نوع الأعراب كانوا يستصعبون الزكاة ويعدونها كالاتاوة فالذين يسمحون بأموالهم وينفقونها ابتغاء مرضاة الله يكون لهم من الغايات الحميدة تثبيت أنفسهم على الطاعة وعمل الخير. ودخول «من» الجارة على أنفسهم مع انها مفعول للتثبيت مثله شايع في اللغة كقولهم روض من عريكته وهزمن عطفه ولعل السر في ذلك ان هذا المنفق ينفق من نفس قد روضها وثبتها في الجملة على الطاعة حتى سمحت لله بالمال العزيز عندها فهو يجعل من مقاصده في الإنفاق تثبيتها على طاعة الله وابتغاء مرضاته بالنسبة للمستقبل من الأزمان والحالات وبهذا الاعتبار يكون هؤلاء المنفقون الكرام كأنهم يثبتون من أنفسهم بعضها فمثلهم( كَمَثَلِ جَنَّةٍ ) بستان( بِرَبْوَةٍ ) ارض مرتفعة لأنها تكون ازكى شجرا واحسن ثمرا وأنقى هواء لسلامتها من وخامة المستنقعات ونز الأرض وإضرار ذلك بالشجر والثمر( أَصابَها وابِلٌ ) تقدم تفسيره ومن المعلوم ان سقي المطر للبستان بل كل زرع احسن لتنميتها وجودة تربتها من كل سقي( فَآتَتْ أُكُلَها ) اي ثمرها المأكول( ضِعْفَيْنِ ) لما تؤتيه إذا سقيت بغيم المطر( فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ ) يكفيها في ذلك لجودة منبتها وان كان مطرا صغير القطر( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ ) ومنه انفاقكم بحسب نياتكم( بَصِيرٌ ) ثم كرر المثل في الزجر عن ابطال الصدقة بالمن والأذى بقوله تعالى ٢٦٥( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ) وكيف يود ومن ذا الذي يود( أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ) ومن حيث بهجة منظرها ودوام سقيها( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ )


لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا

____________________________________

حال كونه( لَهُ فِيها ) زيادة على النخيل والأعناب الذين تكون ثمراتهما فاكهة وغلة وقوتا( مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) التي يستغل ويتفكه بها( وَ ) هو في زمان وحال يكون فيهما احرص ما يكون على هذه الجنة حيث انه( أَصابَهُ الْكِبَرُ ) والشيخوخة وانقطع عن الكسب وشب فيه الحرص( وَلَهُ ) زيادة على ذلك( ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ ) يحرص على الإنفاق عليهم وعلى توريثهم( فَأَصابَها ) أي تلك الجنة العزيزة( إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ ) الاعصار ريح ترتفع بتراب فتلتف وتستدير وتقلع الشجر والنخل بقوتها( فَاحْتَرَقَتْ ) تلك الجنة العزيزة بالنار وتلاشت بالاعصار. وإذا كان أحدكم لا يود ذلك بل هو عليه من أعظم المصائب فلماذا يسلط نار المن والأذى في اعصار جهله ويحرق بها إنفاقه ويبطله مع ان الحاجة إلى ثمراته أشد من الحاجة إلى تلك الجنة من ذلك المحتاج( كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) أي لغاية ان تتفكروا فتعرفوا رشدكم ٢٦٦( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ) بالتجارة ونحوها( وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ) من المعادن وبالزراعة والظاهر ان المراد مطلق الإنفاق في سبيل الله سواء كان في الزكاة أم في غيرها والمراد بالطيب هو غير الردي في ذاته أو بحرمته كما فسر بالأمرين المذكورين في روايات الكافي عن أبي بصير عن الصادق (ع) وروايات العياشي عن عبد الله بن سنان وأبي بصير ورفاعة عن الصادق (ع) وعن زرارة وأبي الصباح عن الباقر (ع) ونحوها روايات الدر المنثور ومن ذلك يتأكد ظهور الآية في المعنى الأعم من الطيب بالحل والجودة أو بالجودة المقابل للرداءة والخبث( وَلا تَيَمَّمُوا ) ولا تقصدوا( الْخَبِيثَ ) وتعدلوا إليه عن الطيب مع خبثه بالرداءة أو بالحرمة بالمعنى المقابل للطيب بالمعنى العام المتقدم( مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) وتجعلون انفاقكم منه مع وجود الطيب واما من لم يعدل عن الطيب إلى الخبيث بل كان كل ماله رديا قبل منه في الزكاة وشكر على الإنفاق منه( وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ ) الواو للحال والجملة لرفع المغالطة في مصداق الخبيث أي انكم لا تأخذونه في حقوقكم وهداياكم وصلاتكم( إِلَّا ) ان تتنازلوا وتتساهلوا في


أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)يُؤْتِي الْحِكْمَةَ

____________________________________

رداءته وخبثه و( أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ) كناية عن التنازل المذكور كمن يغمض عينيه لئلا يرى خبثه( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌ ) عن انفاقكم على عباده وهو الذي يرزقكم وإياهم وما بكم من نعمة فمن الله( حَمِيدٌ ) أي محمود على نعمائه وآلائه العامة ولكنه شرع لكم الإنفاق وطلبه منكم لأجل مصالحكم في الدنيا والآخرة فلا يجرمنكم الشيطان بإغوائه عظيم فضل الإنفاق (٢٦٧( الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ) ويخوفكم به لئلا تنفقوا( وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ) التي لا يخفى عليكم كونها فحشاء فاعرفوا بهذا عداوته لكم وخبثه وخداعه فيما يعدكم ويخوفكم به( وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ ) لكم فيما فرطتم به( وَفَضْلاً ) أي زيادة في نعمته ورحمته( وَاللهُ واسِعٌ ) في فضله ورحمته أي واسع الفضل والرحمة( عَلِيمٌ ) بانفاقكم ونياتكم فيه (٢٦٨( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ ) في التبيان ومجمع البيان في معنى الحكمة. وقيل وهي القرآن والفقه وهو المروي عن أبي عبد الله (ع) انتهى والذي وجدته عن تفسير العياشي عن الصادق (ع) ان الحكمة المعرفة والتفقه في الدين. وفي تفسير البرهان عن الصادق (ع) الحكمة ضياء المعرفة وميزان التقوى وثمرة الصدق. وفي الكافي في باب معرفة الإمام في الصحيح عن الصادق طاعة الله ومعرفة الإمام وعن المحاسن نحوه وعن الكافي أيضا عن الصادق (ع) معرفة الإمام واجتناب الكبائر وفي روايات الدر المنثور عن ابن عباس ان الحكمة النبوة أو فقه القرآن أو المعرفة به ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله. أقول ولعل ذلك باعتبار ما هو أعم نفعا وأعظم من مصاديق الحكمة فانها ما ينفع من العلم بالحقائق. ومن المؤلم والمؤسف ان اسم الحكمة شاع استعماله «مثلما سمي اللديغ سليما» بالفلسفة اليونانية ومنها مزاعم العقول العشرة تلك المزاعم التي جحدت مقام الله الجليل في الإلهية بنحو لم تجرأ عليه الوثنية بل هي عبارة مموهة عن الطبيعة إذ لم تسمح لله إلّا بأنه علل العقل الأول بالتعليل الطبيعي بلا ارادة منه ولا اختيار فلا ارادة ولا خلق ولا مشيئة له أيضا في غير العقل الأول من الموجودات ولا سنخية ولا ربط خلافا لدلالة العقل والقرآن الكريم على ان الله خالق الخلق بمشيئته وان العالم صادر عن خلق وارادة ان التشبثات


مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩)وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أو نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠)إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ

____________________________________

لهذه المزاعم مردودة بالحل والنقض ولزوم التناقض وسخافة ابتنائها في عدد العقول على موهومات الهيئة القديمة في الأفلاك وحصر عددها بالتسع وقد أشير إلى شيء من ذلك في فصول العقائد لنصير الدين الطوسيقدس‌سره وآخر الجزء الثاني من المدرسة السيارة ومع هذا كله يسمى القائلون بمزاعم العقول بالعرفاء واهل الوصول والمكاشفات «مثلما سمي اللديغ سليما» تعالى الله عما يقولون( مَنْ يَشاءُ ) من عباده بحسب جده وما حصله باختياره من كونه أهلا لهذه الرحمة والنعمة والتوفيق لها( وَمَنْ يُؤْتَ ) بالبناء للمفعول والجزم باداة الشرط( الْحِكْمَةَ ) مفعول ثاني( فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ ) بما ذكر به من آيات القرآن الكريم في الإنفاق وغيره من الأخلاق والأحكام ويكون له نصيب من الحكمة( إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ) الظاهر في اللب القلب والقرآن ينسب التعقل والتفهم إلى القلب والمراد هنا من لم يعم قلبه بالتمادي على الضلال وغفلة الجهل البسيط وضلال المركب وهو اقبحه فإنه كأنه لا قلب له ولا لب وربما فسر اللب هنا بالعقل وكأنه تفسير بما يئول إليه المعنى المكنى عنه ٢٦٩( وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ ) «ما» موصولة متضمنة معنى الشرط صلتها أنفقتم وعائدها ضمير محذوف يفسره ويبينه «من نفقة» سواء كان الإنفاق في الطاعة ام في المعصية مقرونا بالإخلاص ام بالرياء( أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ ) عطف على أنفقتم. والنذر المشروع ان يقول لله عليّ ان افعل أو أترك كذا. أو لله عليّ ان كان كذا ان افعل أو أترك كذا ويشترط أن يكون المنذور طاعة لله. وقد يكون النذر للطاغوت أو في معصية( فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ ) على ما هو عليه ويجازي عليه بجزائه. والجملة خبر للموصول والرابط هو الضمير في «يعلمه» والخبر ساد مسد الجزاء للشرط ولذا دخلت عليه الفاء( وَما لِلظَّالِمِينَ ) في إنفاقهم أو نذرهم للطاغوت أو في المعصية أو في مخالفتهم للنذر الصحيح لله( مِنْ أَنْصارٍ ) ينصرونهم على الله ويعارضونه ويمنعونهم بالقوة من عقابه ٢٧٠( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ ) التي يراد بها وجه الله من الواجبة والمندوبة( فَنِعِمَّا هِيَ ) اي فإن الصدقة نعم شيئا هي في ذاتها ولا يذهب إلّا بداء لها بفضلها إذا لم يعرض عليها بسببه شيء من الرياء أو إذلال المتصدق عليه. واماما ذكره


وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)لِلْفُقَراءِ

____________________________________

في مجمع البيان والكشاف من أن المعنى فنعم شيئا ابداءها وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه واعطي اعرابه فهو تكلف لا يناسب جلالة القرآن الكريم( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ ) أي وتمكنتم مع اخفائها من إيصالها إلى مستحقيها من الفقراء بحسب الحاجة والأولوية( فَهُوَ ) أي الإخفاء( خَيْرٌ لَكُمْ ) لأنّه ابعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص وحفظ عزة الفقير وحرمة المتعفف( وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ ) اي ويكون الإخفاء سببا لأن يكفر الله عنكم بعض سيئاتكم( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ ) مما تبدونه أو تخفونه تراؤون فيه أو تخلصون به له( خَبِيرٌ ) لا يخفى عليه شيء ٢٧١( لَيْسَ عَلَيْكَ ) يا رسول الله( هُداهُمْ ) اي إيصالهم إلى الحق ولا أنت مسئول عن ذلك فإنما عليك البلاغ( وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي ) أي يوصل بتوفيقه إلى الحق والعمل الصالح( مَنْ يَشاءُ ) ممن هو أهل للتوفيق( وَما تُنْفِقُوا ) يا أيها الناس( مِنْ خَيْرٍ ) من المال أو طيبه وخيره أو سمي خيرا لأنّه يقصد به وجه الله وسبيل الخير( فَلِأَنْفُسِكُمْ ) يعود النفع من إنفاقه( وَما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ ) أي الوجه الذي يتوجه به إلى الله وفي التبيان ابتغاء مرضاة الله وفي الكشاف وطلب ما عنده انتهى وما ذكره إنما هو غاية يقصدها الغالب في عملهم لوجه الله وقد تكون الغاية للأولياء هو ان الله أهل للعبادة كما يروى عن زين العابدين (ع) تصريحه بذلك وإذا لم يثبت ما ذكر في الدر المنثور وغيره من أن السبب في نزول هذه الجملة هو الرخصة لمن امتنع عن الإنفاق على أرحامه المشركين فالظاهر انها خبرية يراد بها تأكيد النهي عن أن ينفقوا إلّا ابتغاء وجه الله خالصا من الرياء( وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ) أي يوصل إليكم جزاءه تاما وافيا( وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) بنقصه ولا تأخير إيصاله عن محل الحاجة فإنه يصل إليكم في حال أنتم فيه في أشد الحاجة إلى ذلك الجزاء ٢٧٢( لِلْفُقَراءِ ) قال في التبيان ومجمع البيان والكشاف تقديره «النفقة للفقراء» ويدل على ذلك تعدد ذكر الإنفاق في الآيات وكونها مسوقة له وأما تعليق الجار والمجرور بكلمة «وما تنفقوا» في أول الآية فلا يصح لأن


الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً

____________________________________

الإنفاق إنما يعدى بعلى لا باللام مضافا إلى بعده من حيث الفصل الطويل وعدم الانسجام( الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ) في مجمع البيان قال أبو جعفر يعني الباقر (ع) نزلت في اصحاب الصفة ورواه الكلبي عن ابن عباس انتهى وفي الدر المنثور ذكر انه أخرجه ابن المنذر من طريق الكلبي وأخرجه ابن سعد عن محمد بن كعب القرضي عن ابن عباس. ولفظ الآية عام وإن كان اصحاب الصفة بمقتضى الرواية مورد النزول. والإحصار هو المنع أو الحبس الذي يكون من ناحية المحصر. أي منعوا أنفسهم وحبسوها في سبيل الله بسبب معاداتهم للمشركين أو لأنهم وقفوا أنفسهم على التجند في سرايا رسول الله وحروبه فحبسوا أنفسهم على انتظار ذلك أو على خدمة الدين أو طلب العلوم الدينية فهم من اجل ذلك( لايَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ ) للتكسب والاحتراف للرزق بالتجارة ونحوها( يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ ) بحالهم( أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ) وترويض أنفسهم على العفة مع شدة الحاجة فإن ملكة العفة قد يغلبها الفقر ودوام الحاجة ولكنها إذا كانت لا تزال مؤيدة بالتعفف وترويض النفس كانت هي الغالبة( تَعْرِفُهُمْ ) بما هم فيه من الفقر والحاجة( بِسِيماهُمْ ) ومخائلهم ودلائل أحوالهم على الحاجة اي ان سيماهم كافية في تعريف حالهم لا ان معرفتهم بالفقر منحصرة بدلالة السيماء فإن رسول الله (ص) وكثير من الناس كانوا يعرفون حال الكثير من المذكورين بالخبرة والاطلاع والظاهر ان الخطاب في تعرفهم ليس لحصر المعرفة بالرسول بل المعنى يعرف حالهم بسيماهم فهم وان تمادى بهم الفقر( لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ) في نهاية ابن الأثير من سأل وله أربعون درهما فقد سأل الناس إلحافا وقال الزجاج الحف شمل بالمسألة وهو مستغن عنها. ونحوه في أساس الزمخشري. وفسروا الالحاف أيضا بالالحاح في المسئلة ومعنى الآية لا يسألون نوع الناس مهما احتاجوا ولا يشمل سؤالهم كل من يحتملون اسعافه لهم فيكونوا بذلك ملحفين وملحين بنوع السؤال وإن لم يلحوا في افراده ولا يلزم في فضل المذكورين ان لا يسألوا أحدا أبدا فلا يخدش في تعففهم ان تلجأهم الضرورة إلى ان يذكروا حالهم اتفاقا لمن هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم أو من ينوب عنه. ولا يبعد انه لا ينفك أحد من أن يسأل حاجة ولو من خواصه بل قد يجب ذلك أو يندب ولكن في


وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ

____________________________________

مجمع البيان قيل معناه انهم لا يسألون الناس أصلا عن ابن عباس وهو قول الفراء والزجاج واكثر ارباب المعاني واستشهد له بقول الأعشى «لا يغمز الساق من اين ومن وصب» اي ليس بها اين ولا وصب ليغمز ساقها واستشهد في التبيان لذلك بقولهم ما رأيت مثله يريدون بذلك انه ليس له مثل كما استشهدوا لذلك بقول امرئ القيس «على لا حب لا يهتدى بمناره» اي ليس فيه منار يهتدى به أقول وهذه الشواهد لا تشبه الآية ولو كان المراد انهم لا يسألون أصلا لما صح من مثل كرامة القرآن ان يبين فضلهم بلفظ يظهر منه خلاف المراد ولا يقارب المراد إلّا بما ذكروه من التأويل البعيد( وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ) يوفيكم جزاءه ٢٧٥( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) وبيده مضاعفته( وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) فيما رواه الصدوق في العيون مسندا عن الرضا عن آبائهعليهم‌السلام انها نزلت في علي (ع) وروى المفيد في الاختصاص مسندا عن رسول الله (ص) انها نزلت في علي وذلك لأنّه كان عنده اربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية. وروي في التبيان مثله عن ابن عباس. وقال وهو المروي عنهما وفي مجمع البيان وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). ورواه في الكشاف وأسنده الواحدي في اسباب النزول عن ابن عباس. وحكى العياشي والواحدي روايته عن الكلبي ونحوه أيضا في مناقب الخوارزمي وعن الحافظ أبي نعيم والثعلبي في تفسيره والحمويني في فرائده وابن المغازلي وذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج ان شيخه الاسكافي احتج في رد الجاحظ بنزول الآية في علي (ع). وفي الدر المنثور اخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن عساكر من طريق عبد الله بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وذكر نحوه وفي مناقب ابن شهرآشوب روى ذلك عن ابن عباس والسدي ومجاهد والكلبي وأبي صالح والثعلبي والطوسي والواحدي والطبرسي والماوردي والقشيري والثمالي والنقاش والفتال وعلي بن حرب الطائي وعبد الله بن الحسين في تفاسيرهم قلت وكذا في تنوير المقياس


(٢٧٤)الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ

____________________________________

وهو التفسير المنسوب لابن عباس : وايضا عن الثعلبي روى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس انها نزلت في شأن عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب (ع) وكانت صدقة علي أحب الصدقتين إلى الله. وروى الواحدي وصاحب الدر المنثور ان الآية نزلت في اصحاب الخيل الذين يعلفونها في سبيل الله ولكنك لا تكاد تجد بين هذا وبين الآية مناسبة تليق بكرامة القرآن : هذا ولا يخفى ما في الصدقة والإنفاق من الفوائد العظيمة في المصالح الدينية والاجتماعية وللمنفق في تهذيب نفسه من رذيلة الشح وفي قربه من الله واستحقاقه الجزاء المضاعف. كما لا يخفى ان الربا في مضاره على عكس ذلك ويقابله بالضدية في كل ما ذكرناه تمام المقابلة وهل يخفى ضرره بايقافه سوق التجارة وتبادل المنافع والمساعدات بالمعروف بين الناس. ألا ترى أن الرجل بينما هو مثر إذا به قد استهلك الربا ثروته وتركه يعجز عن مؤنة عياله. فناسب ذلك في لطف الله وإرشاده لعباده ان يتبع امره وترغيبه في الإنفاق والصدقة بزجره وتوبيخه على الربا فقال جلت آلاؤه ٢٧٤( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا ) اصل الربا الزيادة واشتهر استعماله في خصوص الزيادة التي تؤخذ في معاوضة بعض النوع بمثله من المكيل والموزون سواء كان ذلك في معاملة أو قرض. وحرمته في الجملة معلومة من الكتاب والسنة واجماع المسلمين بل لا يبعد كونها من ضروريات الشريعة وان خفي بعض مصاديقه عن بعض الناس كما في بعض المعاملات الربوية. والمراد من الربا اخذه وانتزاعه من مالكه كما في قوله تعالى في السورة( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إلى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ ) وفي سورة النساء( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إلى أَمْوالِكُمْ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ ) الخبط هو الضرب على غير استواء وضرب الشجر ليتناثر منه الورق. وخبطت الشجر أسقطت منه الورق. واسم الورق المتساقط من الشجر خبط بفتح الخاء والباء. والظاهر ان تخبطه مثل تزوجها وتبناه اتخذه خبطا اي جعله كالخبط في تتابع سقوطه بسبب مسه له في مجمع البيان من رواية الجمهور وفي تفسير القمّي من رواياتنا ان رسول الله اري حال هؤلاء ليلة أسري به إلى السماء وفي روايات


ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ

____________________________________

الدر المنثور عن رسول الله (ص) وابن عباس وابن مسعود وانس وابن سلام لا يقوم يوم القيامة إلّا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان وبذلك فسره مجمع البيان وهو ظاهر المقام وفي التبيان كأنه نسبه إلى القيل( ذلِكَ ) اي حالهم في القيام المذكور( بِأَنَّهُمْ ) اي عقوبة بسبب انهم( قالُوا ) في باطل قياسهم وغلط اعتراضهم على الشريعة وحكمتها( إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ) في انه يكون في تعاطيه ربح وتكون المالية في احد العوضين اكثر منها في الآخر مع ان البيع متداول بين الناس وقد غلطوا في قياسهم فإن الله جل شأنه قد اجرى احكام شريعته على الحكم وكثيرا ما يظهر وجهها( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) لقيامه بنظام الاجتماع ومصلحة المدنية في تبادل المنفعة بأعيان الأموال ووجوه الحاجة إلى خصوصياتها مع ابتنائه على العدل في تساوي العوضين في المالية بحسب الاعتبار عند المبايعة وانما تحصل الزيادة اتفاقا بحسب اختلاف الرغبة أو الزمان أو المكان( وَحَرَّمَ الرِّبا ) لابتنائه من أول الأمر على الزيادة في العين وماليتها وعلى الإجحاف والإخلال بحسن الاجتماع بالمعروف لما أشرنا إليه من المفاسد وسد باب الإحسان والمعاونة( فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ ) الموعظة التذكير والتخويف من عقاب الله على معصيته ومخالفة نهيه عن الربا سواء كان ذلك بالتخويف الذي ذكره الله وخوفهم به من آي القرآن كما في التبيان أو بالتخويف الذي ينتهي إلى وحي الله مما يخوف به الرسول (ص) ثم الأئمة (ع) ثم الوعاظ نحو ما روي في الكافي والفقيه والتهذيب في الصحيح عن أبي عبد الله الصادق (ع) درهم ربا عند الله يعدل سبعين زنية كلها بذات محرم وفي حديث آخر في بيت الله الحرام وفيه أيضا مثل ان ينكح الرجل امه في بيت الله الحرام ومثل ما ورد من لعن النبي (ص) لآكل الربا وفي روايات الدر المنثور وغيره نحو من ذلك( فَانْتَهى ) عن الربا بسبب الموعظة وتاب( فَلَهُ ما سَلَفَ ) الظاهر منه الفعل السالف وهو أخذ الربا وتعاطي معاملته اي ان الله يتوب عليه ويغفره له واما ارادة انه يحل له ما اخذه فيما سلف إذا تاب فتحتاج إلى تصرف في اللفظ وقرينة دالة على ذلك وفي التبيان قال أبو جعفر «يعني الباقر (ع)» من أدرك الإسلام وتاب مما عمله في الجاهلية وضع الله عنه ما سلف ونحوه في مجمع البيان. والرواية مع إرسالها لا يعلم كونها تفسيرا لهذه الآية ولو كان موردها الربا وعرف


وَأَمْرُهُ إلى اللهِ

____________________________________

منها ان الذي وضعه الله هو المال الذي أخذ ربا فيما سلف لكانت من قبيل ان الإسلام يجبّ ما قبله( وَأَمْرُهُ ) في توبة الله عليه وتوفيقه للثبات عليها( إِلَى اللهِ ) بحسب علمه بصدق توبته وأهليته للتوفيق للدوام عليها فان المغفرة ليست بلازم طبيعي لمحض اظهار التوبة. هذا من حيث الإثم واما من حيث المال الزائد الذي هو ربا في الدين أو أحد العوضين في المعاملة الربوية الفاسدة فالأمر موكول إلى ما تقتضيه الأحكام الشرعية في اموال الناس وان أخذت في حال الجهل بحرمة الربا لا كما يظهر من كلامي الصدوق في الهداية والشيخ في النهاية من أن المأخوذ في حال الجهل بحرمة الربا لا يجب رده هو حلال لآخذه واعتمده في الدروس ومال إليه بعض متأخري المتأخرين استنادا إلى روايات لا دلالة فيها على ذلك فإن ما روي في الكافي عن أبي المغرا وفي التهذيب عن الحلبي وفي الفقيه ما عدا صدره مرسلا جميعا عن الصادق (ع) فانما يدل صدره المروي في الكافي والتهذيب على قبول التوبة من الربا وان كانت حرمته شديدة مغلظة ولفظ الجهالة في الرواية مثل ما في القرآن في الوعد بالتوبة لمن يعمل السوء بجهالة كما في سورة النساء ٢١ والانعام ٥٤ والنحل ١٢٠ لا الجهل بالحرمة ثم على حل المال الموروث المختلط بالربا ويحمل على الذي يطهره الخمس جمعا. واما عجزه الذي انفرد به الكافي والفقيه وعن التهذيب فبالنظر إلى قوله (ع) فأراد ان ينزعه وقوله (ع) فما مضى فله ويدعه فيما يستأن فلا يدل إلّا على أنّه يغفر له ما مضى من عمله بسبب توبته ونزع المال الربوي من ماله. وأما ما أسنده الكافي والتهذيب عن الحلبي وأرسله الفقيه عن الصادق (ع) فيمن أتى الباقر (ع) فانما يدل صدره على حل المختلط ويحمل على الذي يطهره الخمس جمعا أو على ما يحتمل وجود الحرام فيه وذلك لقوله (ع) فإن المال مالك واما عجزه من قوله (ع) فان رسول الله قد وضع إلى آخره فلا دلالة فيه على انه تعليل لقوله (ع) فكله هنيئا فإن المال مالك. ولم يجر في السؤال ان مورثه كان جاهلا حرمة الربا فغاية ما يظهر منه هو ان للجاهل بحرمة الربا إذا عمل به فهو معذور من حيث الإثم. فالظاهر ان المراد منه تطييب قلب السائل بان العامل بالربا معذور إذا كان جاهلا بحرمته فأنت اولى بالاطمئنان من الإثم. واما ما رواه في التهذيب عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع) فيمن عمل الربا حتى كثر ماله فهو شامل لصورة معرفته للربا وعلمه بتحريمه ان لم يكن ظاهر الحال


وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥)يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ

____________________________________

والسؤال ذلك كما ان الظاهر من قول القائلين له ليس يقبل منك شيء إلّا ان ترده على أصحابه هو انهم سدوا عليه باب المغفرة وقبول التوبة إلّا ان يرد الربا على أصحابه وان جهلهم أو تعذر عليه فيكون قول الباقر (ع) مخرجك من كتاب الله فمن جاءه موعظة الآية ردا على تشديد هؤلاء وان التوبة الصادقة والانتهاء مخرج من اثم الربا إلى المغفرة واما مال الربا فقد يكفي فيه في بعض الموارد رده إلى الإمام أو نائبه أو إلى الفقراء فلا ينحصر قبول التوبة بخصوص رده على أصحابه على كل تقدير وقوله (ع) والموعظة التوبة يريد به ان الذي يتعلق به الغرض في قوله تعالى( فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ ) إلى قوله( فَانْتَهى ) ويغفر به الذنب انما هو التوبة واما المال فله احكامه( وَمَنْ عادَ ) إلى تعاطي الربا مستحلا له بعد ما نزل القرآن بتحريمه وبلغه ذلك أو إلى الاعتراض على الشريعة بقوله انما البيع مثل الربا أو إلى كل من ذينك كفرا وارتدادا وأصروا على عودهم هذا حتى ماتوا كما هو ظاهر الآية( فَأُولئِكَ ) أشير بالجمع باعتبار المعنى في الموصول( أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ٢٧٥يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا ) المحق الانقاص للشيء حالا بعد حال حتى يتلف فالله يتلف الربا وان املى لآخذه زمانا حتى يذهبه منه أو ممن جمعه لاجلهم كوراثه( وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ ) اي يزيدها باعتبار الجزاء والثواب المضاعف( وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ ) صيغة مبالغة في الكفر والأظهر ان المراد هنا هو كفر النعمة وعدم الاكتفاء بما أنعم الله به عليه من الحلال حتى يتقحم ما حرم الله عليه من الربا لا الكفر الشرعي وتحقق المبالغة بتكرار اخذه الربا وكفران النعم وفي التبيان ومجمع البيان حملا الكفر على الشرعي فيمن يستحل أكل الربا والاول أعم في الزجر واظهر في المقام( أَثِيمٍ ) متماد على عمل الإثم ٢٧٦( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالله ورسوله وكتابه وشريعته( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) ومنها كف النفس عما حرّم الله( وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ ) نص عليهما بالذكر تعظيما لشأنهما وان كانا من نوع الأعمال الصالحة( لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٧٧


مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللهِ

____________________________________

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) واسلموا( اتَّقُوا اللهَ ) وخافوه ولا تخالفوا امره ونهيه( وَذَرُوا ما بَقِيَ ) لكم عند الناس( مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) على حقيقة الايمان فذروه ٢٧٨( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ) ولم تذروه بل أصررتم على اخذه( فَأْذَنُوا ) اي فاعلموا وكأنه مأخوذ من العلم بواسطة السمع بالاذن( بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ ) عن الإصرار على اخذه أو أخذتموه وتبتم بعد ذلك( فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ) دون الزيادة الربوية( لا تَظْلِمُونَ ) بأخذ الربا( وَلا تُظْلَمُونَ ) بالنقص من رؤوس أموالكم ٢٧٩( وَإِنْ كانَ ) حصل( ذُو عُسْرَةٍ ) أو وان كان ذو عسرة غريما لكم وهو من لا يجد ما يفي به من غير ما استثني له في الشريعة( فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ) اي فعليكم في امره أو فالذي يحكم الله به في امره هو نظرة منكم له إلى حصول ميسرة له ومن الميسرة ان يصل خبره إلى الإمام فيفي عنه من سهم الغارمين إذا كان أنفق الدين بالمعروف كما أسنده في الكافي عن الرضا (ع) وأرسله في مجمع البيان عن الباقر (ع)( وَأَنْ تَصَدَّقُوا ) عليه بالدين كلا أو بعضا( خَيْرٌ لَكُمْ ) اي وصدقتكم عليه بذلك خير لما فيها من ثواب الصدقة وتفريج هم المديون وتسكين قلبه في عسرته( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ما في هذا التصدق من الفوائد التي لا غنى لكم عنها. وجاءت الجملة شرطية لمزيد الترغيب اي ان كنتم تعلمون ما في التصدق المذكور من الخير فانكم ترغبون فيه بما انكم عقلاء فتصدقوا. وعبر عن المصدر بالفعل ليكون اظهر في اقدامهم على فعل الصدقة واختيارها وفي تعلق التصدق بالدين على المعسر. ولا دلالة في الآية على اختصاص حكمها بمن ذكر في الآية السابقة من المديونين بالمعاملة الربويه فإن لفظها مطلق وحكمتها عامة بل لو كانت مرتبطة لذكرت بالتفريع بالفاء فالظاهر هو عمومها لكل دين وفي التبيان وهو قولهما وفي مجمع البيان وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وما روي في الدر المنثور عن ابن عباس مما يوهم اختصاصها بدين الربا لا اعتبار لسنده فضلا عن خلل متنه واضطرابه وجعل المقابل لدين الربا هو الأمانة ٢٨٠( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللهِ ) رجوع معاد واستسلام اتقوا ذلك اليوم وأهواله


ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ

____________________________________

العظمى بطاعة الله والانزجار عن معاصيه( ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ) من خير وشر وتوفيته باعتبار توفية جزائه من ثواب أو عقاب( وَهُمْ ) اي الناس المدلول عليهم بكل نفس( لا يُظْلَمُونَ ) بنقص الثواب عن قياس العمل أو عدمه وزيادة العقاب عن قياس الجرم أو ابتدائه بلا جرم ٢٨١( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ) اي تعاملتم بمعاملة فيها دين( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) وهذا بيان لأن الأجل لا بد من أن يكون معينا لا جهالة فيه( فَاكْتُبُوهُ ) اي فاجعلوه مكتوبا أعم من مباشرة الكتابة أو تسبيبها وهذا الدين غير القرض المحض فإنه لا اجل فيه ولا عبرة بتأجيله. ولعل السر في تخصيص ذي الأجل بالذكر هو كون المؤجل في الغالب معرضا للوهم والنزاع في الأجل والشروط. وان كانت حكمة عدم الارتياب جارية في القرض أيضا باعتبار نفس المال ومقداره كما يشير إلى ذلك قوله تعالى( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها ) إلخ كما ان قوله تعالى( ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى ألّا تَرْتابُوا ) يشير إلى ان حكم الكتابة والاشهاد للإرشاد لا للوجوب مضافا إلى المعروف من عمل المتشرعة من عدم الكتابة في موارد الاطمئنان كما في قوله تعالى( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ) وفي التبيان لإجماع عصرنا على ذلك اي على عدم الوجوب( وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ ) أي على حقيقة المعاملة والأجل والشروط. والأمر هنا للمتعاملين كقولك يا صاحب الضيعة ليبت في ضيعتك حارس أي أبت حارسا وقد ذكرنا انه للإرشاد. وهذا أعم من أن يكون الكاتب بينهما هو أحدهما لحصول الغرض به أو هو ناظر إلى الحال في عصر النزول من كون الغالب من العرب لا يكتبون( وَلا يَأْبَ كاتِبٌ ) أي من يحسن الكتابة في مثل المقام( أَنْ يَكْتُبَ ) والنهي هنا للكراهة إذ لا يجب تسبيب الكتابة على المتعاملين فكيف تجب على غيرهما. ولئن وجبت صنعة الكتابة كفائيا أداء للوجوب في نظام العالم لم يقتض ذلك ان يجب على كل كاتب ان يكتب في كل مورد( كَما عَلَّمَهُ اللهُ ) وأنعم عليه بالكتابة( فَلْيَكْتُبْ ) للناس في محل حاجتهم شكرا لنعمة الله. وهذا هو المعنى التأسيسي والظاهر لهذه الجملة وأسلوبه


وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أو ضَعِيفاً أو لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى

____________________________________

ايضا يدل على ان الكتابة مستحبة( وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ ) والدين. يملل ويملي على الكاتب بمعنى واحد اي يذكر له الحال عند الكتابة ليكتب ما يذكره له المديون( وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ ) في إملائه فإن الله ربه والعليم بالأمور والقادر عليه ومن إليه مرجعه وبيده عقابه( وَلا يَبْخَسْ ) في إملائه( مِنْهُ ) أي من الحق الذي عليه( شَيْئاً ) ولو من شؤونه. وقد طلب الاملاء منه بهذا النحو استحبابا لأنّه عارف بالحق ووجوهه فيكون املاؤه على الحقيقة اقرب إلى توطين نفسه على الوفاء وإلى اطمئنان الدائن بذلك وإلى المجاراة بينهما على المعروف ، ويجوز بلا خلاف ان يملل غيره أو يكتب الكاتب بحسب اطلاعه ثم يعترف المديون به ويشهد على اعترافه( فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً ) في تصرفاته بماله بحيث الغى الشارع معاملاته واعترافاته فيها وارجع الأمر في ذلك إلى وليه( أَوْ ضَعِيفاً ) في عقله كالصغير والمجنون والأبله والخرف( أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ ) كالأخرس ونحوه أو من لا يحسن ان يبين الخصوصيات التي جرت عليها المعاملة( فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ ) الذي جعلت ولايته في الشريعة( بِالْعَدْلِ ) على حقيقة المعاملة وخصوصياتها المطلوبة. والولي على الصغير أبوه وجده لأبيه وان لم يوجدا فولي سائر المذكورين وهو النبي (ص) أو الإمام أو النائب عن أحدهما ولو بعموم الجعل كالحاكم الشرعي أو نائبه ولو في خصوص تلك المعاملة( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) المسلمين( فَإِنْ لَمْ يَكُونا ) اي الشهيدان الحاضران اللذان هما من المسلمين( رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ ) أي كالذي يكتفي بشهادته رجل وامرأتان لكن لا مطلق الشاهد بل( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) أي ممن يرضاهم النوع في الشهادة ويركن إلى شهادتهم لأجل اتصافهم بالصلاح والعدالة الرادعة لهم عن الكذب والتساهل في الشهادة. وجعل بدل الرجل امرأتان حذرا من( أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما ) وتتيه في أداء الشهادة لأن نوع النساء ابعد عن ضبط هذه الأمور من نوع الرجال( فَتُذَكِّرَ ) اي فحين الضلال تذكر( إِحْداهُمَا الْأُخْرى ) فيتحاوران في الأمر وكل منهما تذكر الأخرى بخصوصية


وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أو كَبِيراً إلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى ألّا تَرْتابُوا إلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ألّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ

____________________________________

أمر فتذكر الضالة حقيقة الأمر بخصوصياته هذا في مقام الاشهاد الكافي في ثبوت الحق به فلا ينافي ما دل على ثبوته بالشاهد واليمين( وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا ) لتحمّل الشهادة ولا ينبغي ان يأب إذا دعي لذلك كما في صحيحة التهذيب وروايته عن أبي الصباح وسماعة عن الصادق (ع) وروايته أيضا عن الكاظم ورواية الكافي عن أبي الصباح وصحيحته عن الحلبي عن الصادق (ع) ونحوها روايات العياشي والنهي للكراهة ويشهد لذلك سياق الآية في اوامرها ونواهيها وقول الإمامين (ع) لا ينبغي( وَلا تَسْئَمُوا ) اي لا تملوا ولا تضجروا من( أَنْ تَكْتُبُوهُ ) اي الدين في شؤونه( صَغِيراً أو كَبِيراً ) فإن التساهل في كل من ذلك قد يوجب النزاع وضياع شيء من الحقوق( إِلى أَجَلِهِ ) اي الدين( ذلِكُمْ ) اي ما تقدم من احكام الكتابة واشهاد المرضيين وعدم السأم من الاستقصاء في الكتابة( أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ ) اي اعدل واولى بأن تكونوا مقسطين عادلين( وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى ) واقرب إلى( أَلَّا تَرْتابُوا ) بعد ذلك في مبلغ الدين وخصوصياته واجله. وهذه الأمور مطلوبة لحصول غاياتها الحميدة التي ربما تحتاجون إليها( إِلَّا أَنْ تَكُونَ ) المعاملة بينكم( تِجارَةً حاضِرَةً ) ليس فيها دين بل( تُدِيرُونَها ) اي تتناقلون العوض والمعوض( بَيْنَكُمْ ) بأن يأخذ كل منكم عوض ما دفعه في التجارة( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) اي ضيق وحزازة مما ارشدتم إلى التخلص منه في أمر الدين فلا ضير في( أَلَّا تَكْتُبُوها ) اي تلك التجارة( وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ) وعلى استحباب ذلك إجماعنا في الحاضرة بل الاتفاق مما عدا أهل الظاهر وهو الصحيح في غيرها( وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ ) الظاهر بسبب رجحان التأسيس وما يناسب المقام من الاستقصاء في الأحكام الاجتماعية العادلة وحكمة النظر من علام الغيوب إلى حوادث المستقبل هو أن يكون «يضارّ» مبنيا للمفعول أصله يضار بفتح الراء الأولى فسكنت وحركت الثانية بالفتحة حذرا من التقاء الساكنين بسبب الجزم بالنهي اي ولا يدخل على الكاتب بسبب كتابته ولا على الشاهد بسبب شهادته صرر ما في ذات الكتابة


وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ

____________________________________

وعواقبها وفي ذات الشهادة وأدائها وليس عليه إلّا أداؤها بلا ضرر. وعلى البناء للمفعول تفسير ابن عباس على ما في تنوير المقياس ورواية الدر المنثور وروايته أيضا لقراءة عمر عند فكه لادغام الراءين( وَإِنْ تَفْعَلُوا ) وتضروهم( فَإِنَّهُ فُسُوقٌ ) اي خروج عن الطاعة والاستقامة كائن( بِكُمْ ) كما يقال به داء كذا. وانه لما به. وبه جنون. وبه جنة كما جاء في سور الأعراف والمؤمنون وسبأ( وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ ) فاشكروا فضله واعملوا بما علمكم مما فيه صلاحكم وطريقكم إلى تقوى الله فإنكم جاهلون( وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ٢٨٢( وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً ) وأردتم الاستيثاق من دينكم( فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ) اي فوثائقكم رهان مقبوضة. والرهن مصدر رهنت الشيء أرهنه. ويستعمل في المرهون كاستعمال الوقف في الموقوف. وهو في النظم والنثر كثير ومنه

ان يقتلوني فرهن ذمتي لهم

بذات ودقين لا يعفو لها اثر

وجمعه رهان كثمر وثمار. وربما يقال ان قيد القبض هنا انما هو لأجل توقف الاستيثاق في السفر الذي ليس فيه كاتب وحصول هذه الفائدة فيه على القبض. واما الرهن في الحضر الذي هو مشروع بالسنة والإجماع فلا يشترط فيه القبض كما هو مذهب مالك من الجمهور بل يكفي في فوائده ان لا يتعلق الحجر لباقي الغرماء بالمرهون لكن في التبيان ومن شروط صحة الرهن أن يكون مقبوضا لقوله تعالى( فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ) وعن خلافه خلاف ذلك وفي مجمع البيان فإن لم يقبض لم ينعقد الرهن اجماعا وفي رواية التهذيب عن الباقر (ع) لا رهن إلّا ما كان مقبوضا ونحوه عن تفسير العياشي لكن يكفي في منع الإجماع ما في السرائر والغنية من نقل عدم الخلاف في صحته إذا استجمع شروطا ذكراها وليس منها القبض وفي كنز العرفان ان المحققين على عدم الاشتراط بل في السرائر ان الأكثر من المحصلين على ان القبض ليس شرطا في اللزوم والرواية ضعفت بالاشتراك وتمام الكلام في الفقه( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) ولم يطلب منه وثيقة بل ائتمنه على دينه( فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ) وهو الدين ويمكن ان تعم جميع الأمانات حتى الوديعة نظرا إلى اشعارها بالتعليل وبكون هذا المورد من احد المصاديق للعام( وَلْيَتَّقِ ) بذلك( اللهَ رَبَّهُ )


وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أو تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ

____________________________________

ومالك امره في الدنيا والآخرة( وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) آثم خبر إن وقلبه فاعل أو خبر مقدم وقلبه مبتدأ والجملة خبر ان ونسب الإثم إلى القلب باعتبار انه آلة الكتمان ولتغليظ الإثم ببيان فساد المبدء للأعمال فإن فساد القلب اصل الشر والبعث على الفساد. وقيل آثم ولم يعبر بالفعل ليدل على دوام الإثم بدوام الكتمان( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ٢٨٣ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) وهو الخالق للكل والمدبر له وبيده امره وأنتم من جملة ذلك فهل يخفى عليه شيء من أموركم( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أو تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ ) في التبيان ومجمع البيان ان المراد بالآية ما يتناوله الأمر والنهي من الاعتقادات والإرادات مما هو مستور عنا وعلى ذلك رواية العياشي عن رجل وعن أبي عمر الزبيري عن الصادق (ع). وقد أورد في الدر المنثور في هذه روايات كثيرة مختلفة متعارضة ومضطربة. منها عن ابن عباس انها نزلت في الشهادة وإقامتها وكتمانها ويرد على الرواية انه ما معنى الحساب على ابدائها وإقامتها. ومنها عن ابن عباس وعائشة انها غير منسوخة وفسر ابن عباس ما يخفونه بالأعمال التي لم يطلع عليها الحفظة. ومنها عن أبي هريرة وابن عباس انها نسخت بقوله تعالى( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلّا وُسْعَها ) . وفي الرواية عن ابن عباس تفسيرها بوسوسة النفس وعنه تفسيرها تارة بحديث النفس وتارة بالتكذيب. ومنها عن ابن مسعود وعائشة ان الناسخ لها هو قوله تعالى( لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) : ولكن هذا غير مستقيم فإن ما لا يدخل في وسع الإنسان لا يكلف الله به لأن التكليف به قبيح فلا يمكن ان يثبت لكي ينسخ بقوله تعالى( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلّا وُسْعَها ) ولا تكون هذه الآية نسخا لما هو داخل في الوسع واما قوله تعالى( لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) فإنه لو اختص إثباته بالافعال الخارجية لما كان فيه دلالة على النفي عن غيرها ليكون ناسخا( فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ) ممن يستغفر ويتوب ان كان أهلا لأن يتاب عليه( وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٢٨٤آمَنَ الرَّسُولُ ) محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ


مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أو أَخْطَأْنا

____________________________________

مِنْ رَبِّهِ ) في تفسير القمّي في الصحيح عن الصادق وفي تفسير البرهان عن عليّ أمير المؤمنين (ع) وعن مقتضب الأثر مسندا عن رسول الله (ص) انه لما أسري به إلى السماء ناداه اللهعزوجل آمن الرسول بما انزل إليه من ربه فأجاب رسول الله (ص) عنه وعن أمته( وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) ولعله اشارة إلى من حملته العصبية القومية أو الأغراض الفاسدة على جحد الرسول بعد قيام الحجّة على رسالته جحده لأنّه ليس من قومه أو لأنّه يعارض أغراضه الفاسدة. والى الذين قال لهم( آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ ) الآية كما في الآية الخامسة والثمانين( وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا ) اخبار من الله بفضلهم في الطاعة والايمان( غُفْرانَكَ ) منصوب بفعل من لفظه وهو اغفر ومعناه نسألك غفرانك يا( رَبَّنا ) وفيه تلطف في المسألة بنحو من الاحتجاج على رحمته ومعنى أنت ربنا وولي أمرنا والى اين يذهب العبد إلّا إلى مولاه. ولم يذكر متعلق الغفران لأن طلبه عام لكل من يحتاج إلى الغفران ولم يخرج بسوء اختياره عن أهليته له( وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) اي مصيرنا في أمورنا في الدنيا والآخرة ٢٨٥( لا يُكَلِّفُ اللهُ ) بأمره أو نهيه( نَفْساً إلّا وُسْعَها ) الوسع ما تسعه قدرة الإنسان ويدخل في وسعها ونسب الوسع إلى النفس بهذا الاعتبار والمعنى إلّا ما تسعه قدرتها. وقد تمجد الله بذلك دلالة على تقدسه في كماله عن العبث والقبيح في التكليف بغير المقدور ويجوز أن يكون من كلام الرسول والمؤمنين تمجيدا لله بعدله( لَها ) اي للنفس( ما كَسَبَتْ ) من الخير يوفيها الله إياه ولا يفوتها من فضيلته وجزائه شيء( وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) من الشر اي عليها وزره ونقصه لا على غيرها. وعبر في الشر بالاكتساب لأجل التوبيخ لفاعله والاحتجاج عليه فإن الاكتساب يدل على الاعتمال والمعالجة في طلب الكسب يشير بذلك إلى ان عمل الشر كان باختبار ومعالجة من النفس في طلبه مع انه شر قد زجرها العقل والشرع عنه يا( رَبَّنا ) ومالك أمرنا ومفزعنا في أمورنا( لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أو أَخْطَأْنا ) من الخطأ ضد العمد وان كثيرا


رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (١)اللهُ لا إِلهَ إلّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ

____________________________________

من النسيان والخطأ ما يقع بسبب التساهل والتقصير في التحفظ لتحصيل ما كلف به وهذا مما لا تقبح فيه المؤاخذة على مخالفة الواقع فطلبوا من الله ان لا يؤاخذهم في ذلك( رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً ) اي عبئا ثقيلا من التكاليف الشاقة ولو لحكمة التأديب( كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا ) لتمردهم( رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ) من الابتلاء والامتحان أو العذاب في دار الدنيا بل والآخرة( وَاعْفُ عَنَّا ) العفو هو إسقاط الحق والمراد إسقاط حق العقوبة( وَاغْفِرْ لَنا ) الغفران هو الصفح عن الذنب( وَارْحَمْنا ) وهو دعاء جامع( أَنْتَ مَوْلانا ) وولي أمرنا وملجؤنا لا غيرك( فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) لنوفق لإظهار دينك وطاعتك في دين الحق

سورة آل عمران

مائتا آية وهي مدنية

( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١الم ) علمها عند الله وأمناء وحيه( اللهُ لا إِلهَ إلّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) تقدم شيء من تفسيرها في آية الكرسي ٢( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ ) وهو القرآن الكريم( بِالْحَقِ ) حال كونه( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ) اي ما تقدم عليه من الكتب الإلهية. يشهد بصدق نسبتها إلى الوحي الإلهي وصدق ما فيها من الحقائق. أو انه بانطباقه في مجده بعينه على اخبار الكتب الإلهية السابقة به ووصفها وتمجيدها له يكون المصداق المصدق لها في ذلك الاخبار والتمجيد( وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ ) وهي الحقيقة المنزلة على رسوله موسى( وَالْإِنْجِيلَ ) وهو الكتاب الواحد الحقيقي المنزل على رسوله عيسى( مِنْ قَبْلُ ) حال كون التوراة والإنجيل( هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ ) في تفسير القمّي في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) في الآية الفرقان كل أمر محكم. والكتاب هو جملة القرآن الذي يصدقه من كان قبله من الأنبياء. ونحوه عن تفسير


(٣)إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤)إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥)هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إلّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ

____________________________________

العياشي. وفي الكافي عنه (ع) القرآن جملة الكتاب والفرقان المحكم الواجب العمل به. ونحوه عن تفسير العياشي ٣( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ ) وجحدوا كونها منزلة من الله وماتوا على كفرهم( لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ) بما كفروا( وَاللهُ عَزِيزٌ ) في جلال شأنه( ذُو انْتِقامٍ ) بعزته وقدرته من الكافرين ٤( إِنَّ اللهَ ) عليم بكل شيء( لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ ) الرحم هو العضو الذي يتكون فيه الجنين من الأمّ إلى حين الولادة( كَيْفَ يَشاءُ ) بحكمته الباهرة ومن آيات ذلك ان أعضاء الإنسان الظاهرة مع انها معدودة يصورها بقدرته وحكمته بحيث يمتاز كل من البشر عن الآخر. واما حكمة هذا التصوير وما في كل واحد من الأعضاء الظاهرة والباطنة من الحكم الباهرة والفوائد الكبيرة والأسرار العجيبة فهو أعظم من أن يوصف. واما الذي وصلت إليه معرفة البشر فهو مما لا يسع هذا المقام بعضه. وفي التشريح الجديد ما يبهر العقول ببواهر حكمه وعجائبه. وان الذي يظهر من أعضاء الإنسان وآلات حسه ليكفي في بيان الحكم العجيبة لكل ذي رشد وادراك. وكل ذلك جار في حكمه وخلقه وتصويره على قوانين منتظمة. وفي هذا كفاية في الحجّة على ان ذلك من صنع إله عليم يخلق بإرادته وحكمته( لا إِلهَ إلّا هُوَ الْعَزِيزُ ) بقدرته وسلطانه( الْحَكِيمُ ) في خلقه واعماله( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتا ) و( لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ) ٥( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ ) على ما اقتضته الحكمة الإلهية من كونه على احسن نهج في المحاورات. وابرع أسلوب في كلام العرب فيما يتسابقون به فخرا في ميدان البلاغة ويتساجلون به في مقام التفنن بمحاسن الكلام ومزاياه الفائقة. ليكون بإعجازه ذلك حجّة بينة عليهم في انه تنزيل من رب العالمين. كما أشرنا إلى شيء من وجه ذلك في الفصل الاول من المقدمة. وعلى ذلك فلا بد من أن يشتمل أسلوبه الكريم على انواع الدلالات. وملح الكنايات ولطائف الإشارات والنكت في انواع المجاز كما هو الشأن في الكلام البليغ. وقد تقتضي الحكمة


مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ

____________________________________

ان تجيء الآية بلفظ عام أو مطلق والمراد منها منحصر في نوع أو فرد هو مورد النزول وتدل عليه قرائن الأحوال ودلائلها كقولك هذا وهؤلاء حينما توجه الاشارة بالقرينة إلى معين مخصوص. ولا ريب في ان ما ذكرناه مما يقتحم التشابه بادئ بدء في امره وما يؤول إليه تفسيره. وذلك اما من جهة خفاء القرينة ولو بواسطة القصور في بعض الافهام. واما من جهة المكابرة في أمرها بحسب الأغراض وإن كانت عقلية بديهية. أو يدل عليها نفس القرآن الكريم أو الحديث الصحيح أو المستفيض أو المتواتر. ولأجل ما ذكرناه من الحكمة صار الكتاب المجيد من حيث وجوه الدلالة في ألفاظه على المراد( مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ ) قد أحكمت باقتضاء الحكمة عباراتها في دلالتها على المراد بجريانها على النص والصراحة مع التأييد لذلك بحكم العقل البديهي واقتضاء السياق. فحفظت دلالتها بحسب اللغة والاستعمال من خيال الاحتمال. وخلجان التشابه عند المستقيمين في الشعور والمعرفة لموازين الكلام ، والمبرئين من فلتات الجهل وغواية الأهواء وعبثها بالحقائق. وهذه الآيات المحكمات كل واحدة منهن بالنظر إلى ذاتها هي ام واصل ومرجع لما توضحه باحكامها من بيان حقيقة أو تأسيس أساس ، أو تشريع حكم ، أو إيضاح لمتشابه وتأييد لدلالته ولكن بالنظر إلى مجموعها في القرآن المجيد ، وكونها باعتبار احكامها مرجعا واحدا مبينا للمراد من حقائق الكتاب المجيد( هُنَ ) بمجموعهن والنظر إليه( أُمُّ الْكِتابِ ) ومرجعه الذي يتضح به المقصود من حقائق التنزيل وتتأيد به قرائن المتشابهات ويوضح دلالتها ويزيل عنها غبار الأوهام( وَ ) منه( أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ) على ما أشرنا إليه من أساليب الكلام البليغ ووجوه محاسنه في المحاورة وما تقتضيه الحكمة( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ) اي استحبوا العمى على الهدى واختاروا الضلال بأهوائهم وحرفوا قلوبهم وأمالوها عن نهج الحق والإذعان به واشعروها الزيغ والانحراف التعيس( فَيَتَّبِعُونَ ) بأهوائهم ونزعات ضلالهم ، ونزعات اضلالهم( ما تَشابَهَ ) بالنحو الذي أشرنا إليه( مِنْهُ ) اي من الكتاب المجيد فيبدلون مراده ويغالطون في دلالة قرائنه ، ويصرفونه عن موارد تنزيله تغاضيا عن واضحات قرائنه وبينات دلائلها ويتشبثون بالمتشابه( ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ) اي طلبا لأن يجدوا سبيلا إلى التلاعب


وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ

____________________________________

في تأويلهم له بحسب أهوائهم. وصرفه عن مؤدى تنزيله وطلبا لأن يفتنوا الناس بذلك( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ) اي تأويل القرآن كله( إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) لا هؤلاء الذين لم تثبت لهم في العلم قدم( بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) فلم يسلكوا إلّا دحض الجهل بزيغ الأهواء وللناس في هذا المتشابه الذي عنته الآية خلاف كبير وإن خلط بعضهم في محل النزاع فمن الناس من يقف في الآية على لفظ الجلالة ويستأنف قوله تعالى( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) بأن يكون الراسخون مبتدأ وخبره( يَقُولُونَ آمَنَّا ) فيخرج الراسخين في العلم عن فضيلة العلم بالتأويل ويحطهم عن رتبة استحقوها ونوّه بها القرآن الكريم في هذا السياق المشرق إذ وصفهم في طرده بالرسوخ في العلم. ومن الناس من قال بعطف «الراسخون» على لفظ الجلالة. وأن الله جلت آلاؤه فتح للراسخين في العلم باب العلم بالتأويل بلطفه ، وكرّمهم بهذه الرتبة بتعليمه. وهذا الخلاف مما لا يكتفى فيه بالمصادرات ، ولا لعل وليت. بل لا بد فيه من إيراد الدلائل الرافعة لتشابه موارد الواو في عطف المفرد أو الجملة أو الاستئناف. وغاية ما يحتج به للقول الأول هو ما جمع رواياته في الدر المنثور. منها عن ابن عباس قال تأويله يوم القيامة لا يعلمه إلّا الله. وعنه أيضا في بيان وجوه القرآن وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير تعرفه العرب بلغتها ، وتفسير لا يعلم تأويله إلّا الله ومن ادعى علمه فهو كاذب. وفي رواية اخرى وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلم تأويله إلّا الله ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب ومن طريق طاوس عن ابن عباس أيضا كان يقرأها وما يعلم تأويله إلّا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا. وعن الأعمش قال في قراءة عبد الله وان حقيقة تأويله إلّا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا. وذكر في الدر المنثور رواية هذا القول أيضا عن رأي عائشة وأبي الشعثاء وعروة وعمرو بن عبد العزيز ومالك وذكر أيضا أحاديث تحذر من المجادلة في كتاب الله واتباع المتشابه منها ما أخرجه عبد الرزاق وسعيد وعبد بن حميد والجوامع الستة وغيرهم عن عائشة عن رسول الله (ص) انه قرأ الآيات وقال : فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عناهم الله فاحذروهم. وفي لفظ البخاري فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذرهم. وجمع ابن جرير بين العبارتين ـ ويردّ هذا الاحتجاج بعد غض النظر عن الأسانيد وما فيها هو ان يوم القيامة الذي في حديث ابن عباس


خارج عن محل الخلاف وسوق الآية وموضوعها من التأويل. بل ان محل الخلاف هو ما عناه بقوله وتفسير تعلمه العلماء ، أو تفسره. وقوله في حديث آخر ظهره التلاوة وبطنه التأويل فجالسوا به العلماء وجانبوا به السفهاء. وأما ما روي من القراءة فيرده تواتر غيرها واجماع المسلمين على عدم الاعتناء بها. وأما الآراء التي ذكرنا روايتها فهو اجتهاد في محل النزاع بلا دليل واما التحذير ممن يجادل ويتبع المتشابه فإنما هو تحذير من الضالين المضلين الذين وصفتهم الآية الكريمة لا الراسخين في العلم. هذا واما القول الثاني فحجته دلالة العقل والنقل الصحيح من الفريقين وسياق القرآن الكريم ، أما دلالة العقل فإن المتشابه الذي أشرنا إليه والى وجوه تشابهه والذي يتبعه ويطلبه الزائغون عن الحق ابتغاء الفتنة في أمر الدين ونظام الملة واحكام الشريعة هو في القرآن كثير جدا. ومما لا يصح في العقل انه مع هذه الكثرة يحرم الله من تأويله والعلم به رسوله الهادي الكريم وأمناءه على الوحي ، وعلماء الأمة. فيكون القسم الكبير من القرآن الكريم لا فائدة في تنزيله للبشر مطلقا حتى الرسول الأكرم ولا اثر له إلّا صدى ألفاظه وسواد حروفه. واما الحديث من طريقنا ففي تفسير القمّي في الصحيح عن الباقر (ع) قال : ان رسول الله (ص) أفضل الراسخين في العلم قد علم جميع ما انزل في القرآن من التنزيل والتأويل وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله وأوصياءه من بعده يعلمونه كله وعن العياشي مثله. وفي الكافي عن أحدهماعليهم‌السلام مثله. وفي الكافي في الصحيح عن الصادق (ع) نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله. ونحوه عن تفسير العياشي. وفي نهج البلاغة وغيره قول امير المؤمنين علي (ع) ولقد جئتهم بالكتاب مشتملا على التنزيل والتأويل : ومن طرق أهل السنة ما في الدر المنثور اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن الانباري من طريق مجاهد عن ابن عباس قوله انا ممن يعرف تأويله. واخرج أحمد والطبراني وابو نعيم في الحلية عن ابن عباس ان رسول الله قال : اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل واخرج الحاكم في مستدركه وابن أبي شيبة اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. واخرج الحاكم أيضا اللهم علمه تأويل القرآن. وأخرج ابن ماجه وابن سعد والطبراني اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب. فانظر اقلا إلى كنز العمال ومختصره في كتاب الفضائل. ولو كان علم التأويل منحصرا بالله ولم يعلمه رسوله والراسخين في العلم لما دعا به رسول الله (ص) لابن عباس. وما هو معنى الدعاء بما لا يرجى وقوعه. واخرج الحاكم في الصحيح على شرط البخاري ومسلم كما هي عادته في المستدرك عن معقل بن


يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا

____________________________________

يسار عن رسول الله (ص) اعملوا بكتاب الله فما اشتبه عليكم فاسألوا عنه أهل العلم يخبروكم. الحديث. والذي يشتبه عليهم هو المتشابه. واخرج أحمد وابو يعلى في مسنديهما والبيهقي في شعبه والحاكم في مستدركه وابو نعيم في الحلية وسعيد بن منصور في سننه وابن السكن عن الأخضر الانصاري. والديلمي عن أبي ذر جميعا عن رسول الله (ص) ان عليا (ع) يقاتل على تأويل القرآن كما قاتل هو (ص) على تنزيله. ومفاد الحديث ان امير المؤمنين (ع) كان عالما بتأويل القرآن على حقيقته فهو يقاتل دفاعا عنه وتثبيتا لحقائقه في الدين واساسياته كما قاتل رسول الله (ص) دفاعا عن تنزيله : واما دلالة سياق القرآن فإن تمجيد الراسخين في العلم بهذا التمجيد السامي والصفة الفائقة انما يناسب عطفهم في مقام العلم بالتأويل ورسوخهم فيه ومجدهم في الايمان بمؤداه على بصيرة من أمرهم واما قولهم آمنا فلو أريد به الإيمان بنزول لفظه من دون علم بمعناه ولا عمل به لكان المناسب له وصفهم بتصلبهم في الايمان والتسليم لرسول الله في التنزيل اذن فقوله تعالى( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) حال اي يعلمون تأويله حال كونهم يقولون آمنا اي بما عرفوه من مؤداه فإن الكثير منه هو اساسيات دينية قد اقتضت الحكمة إبهامها حال التنزيل بالإطلاق أو العموم أو الكناية أو غير ذلك مع بيان تأويلها وخصوصية المراد بقرائن الحال أو السنة كما وقع مثله في آية الزكاة إذ أهمل مقدارها ووقت أخذها ومورد وجوبها إلى سنة ترويضا للناس في أمرها وصعوبتها عليهم. وسيمر ان شاء الله لذلك موارد( كُلٌ ) من المحكم والمتشابه والتنزيل والتأويل( مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ) وولي أمرنا الحكيم في بيانه لنا وهدانا إلى الحق( وَما يَذَّكَّرُ ) من ارشاد القرآن الكريم وهذه الآية الشريفة( إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ٦رَبَّنا ) اي يا ربنا ومالك أمرنا ومن بيده توفيقنا وخذلاننا. ومناسبة السياق تقتضي أن يكون ذلك دعاء من الراسخين في العلم في التوفيق للثبات على الهدى بما علمهم الله من التأويل( لا تُزِغْ قُلُوبَنا ) اي لا تخذلنا وتسلب عنا بسوء اعمالنا لطفك وتوفيقك فتزيغ قلوبنا وتنحرف عن الحق والاستقامة فنبتغي الفتنة بالتلاعب بتأويل القرآن( بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا ) بلطفك إلى معرفة الحق ، والنكتة في نسبة الإزاغة إلى الله هي النكتة في نسبة الإضلال إليه جل شأنه. وهي التنويه بما لتوفيقه من الأثر المحيي


وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (٨)رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا

____________________________________

وما لخذلانه من الوبال المهلك كما ذكرنا فيما قبل الأخير من شواهد المقام الثاني من المقدمة في نسبة الإضلال وأوضحنا امره في تفسير الآية السادسة من سورة البقرة( وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ) باللطف والتوفيق( إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ٧رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ) وهو يوم القيامة والحشر من القبور للجزاء. كيف يكون فيه ريب وأنت أخبرت به في كتابك الكريم بالصراحة المتكررة المؤكدة والحجة القاطعة( إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ) وعدل من الضمير إلى الظاهر لأنّ لفظ الجلالة فيه اشارة إلى الإلهية وكمالها وقدسها فكأنه احتجاج على عدم الخلف للميعاد بمعنى أن الإله يجلّ عن ذلك فلنا اليقين والثقة التامة بما وعد من المعاد والجزاء. ٨( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) وماتوا على كفرهم( لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ ) عذاب( اللهِ ) كما في التبيان ، ومجمع البيان في تفسير الآية الثانية عشرة بعد المائة وفي الجلالين في تفسير الآيتين أو بلائه أو انتقامه أو غضبه أو مطلق ما يخاف منه فتكون «من» للابتداء كقولك أغنيت عنك في الحرب أهوالها من الميمنة( شَيْئاً ) من الغناء فيكون في مقام المفعول المطلق لتغني ويحتمل أن يكون مفعولا به لتغني اي لن تغني شيئا من عذاب الله ولن تجزيه فتكون «من» للتبعيض : ذكرت الأموال والأولاد لأنها من أهم ما يعتمد عليه الإنسان الجاهل لما يخافه من النوائب وهي التي يبيع لها آخرته ودينه. والغنى بالقصر وبالمد ككلام عدم الحاجة واغنى فلان قام بالحاجة وكفى عن غيره واليه يرجع قول التبيان. الاختصاص بما ينفي الحاجة. وكثر استعماله فيما كان الكافي أو المكفي مما لا يعقل كاستعماله في دفع ما لا يراد والتخليص منه كقوله :

إذا قال قدني قال بالله حلفة

لتغني عني ذا إنائك اجمعا

اي ما في إنائك وقول عثمان للرسول بصحيفة امير المؤمنين علي (ع) اغنها عني. ولأجل ما ذكرناه صار اللغويون يجولون حول هذا المعنى ففسروا الإغناء بالنفع أو كفاية المؤنة ، أو الاجزاء ، أو الصرف ، أو الكف. وكثيرا ما يترك المفعول للإغناء والمتعلقات به لعدم الحاجة إلى ذلك في مهم المقام كقول طرفة في معلقته


وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ

____________________________________

ولا تجعليني كامرئ ليس همه

كهمي ولا يغني غنائي ومشهدي

وقد يترك المفعول وتذكر المتعلقات المقصودة كما تقول ذبحت بالسكين ودفعت عنك بنفسي وأغنيت في الحرب من هجماتها أو من أبطالها أو من ميمنتها مثلا فتكون «من» في هذا المثال كالآية للابتداء كما عن المبرّد وبعض. وذلك لتضمن إغناء المحذور معنى التخليص منه. وقال في الكشاف والمغني ان «من» في الآية بمعنى «بدل» اي ان أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم بدل رحمة الله أقول وهذا التفسير لا يستقيم مع إبقاء الإغناء على معناه وكيف تكون رحمة الله مغنية عن الكافرين بمعنى اغتناء المحاذير واكتفائها واجتزائها بالرحمة بخلاف الأموال والأولاد فإنهم لا يكونون كذلك بدل الرحمة. اللهم إلّا ان يدعى استعمال لفظ الإغناء هنا بمعنى النفع لكنه مجاز لو صح لكان محتاجا إلى القرينة المفقودة هاهنا فإنّ معنى النفع غير معنى الإغناء. تقول في مثل هذا المقام أغنيت عنه ولا تقول نفعت عنه مضافا إلى ان قوله تعالى( لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ ) مانع عن استعمال لفظ الإغناء بمعنى النفع لأن المتعلقات والحروف الجارة انما هي باعتبار المعاني لا باعتبار الألفاظ. إذا عرفت هذا فقل ما شئت في تفسير صاحب المنار حيث قال وانما معنى «من» هنا البدلية اي ان أموالهم وأولادهم لن تكون لهم بدلا من الله تغنيهم عنه. وأقول لماذا نسي هذا المفسر ان تنزيل الآية الكريمة انما هو لن تغني عنهم لا لن تغنيهم. واين «من» من البدلية ومثل ذلك ما حكي عن أبي عبيدة من أن معنى «من» في الآية معنى «عند»( وَأُولئِكَ ) اي الذين كفروا( هُمْ وَقُودُ النَّارِ ) وسوأة لهم وسحقا ٩( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ) الدأب مصدر دأب يدأب إذا اعتاد الشيء وتمادى عليه اي حال هؤلاء المذكورين ودأبهم كدأب آل فرعون اي قومه( وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) من الأمم( كَذَّبُوا بِآياتِنا ) هذا تفسير لدأبهم اي كدأب المذكورين في التكذيب( فَأَخَذَهُمُ اللهُ ) استولى عليهم بالعقاب( بِذُنُوبِهِمْ ) اي بسببها( وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ١٠ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ ) المهاد ما يمهده الإنسان لاستراحته وعبر عن جهنم بالمهاد تهكما بهم وبسوء اختيارهم وعاقبتهم ، في تفسير


(١١)قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ

____________________________________

القمي ان هؤلاء بنو القينقاع من اليهود لما نقضوا بعد وقعة بدر عهدهم مع رسول الله (ص) فغزاهم وخوفهم بما فعل الله بالمشركين فافتخروا برجالهم فانزل الله الآية وغلبوا واخرجوا من ديارهم وأموالهم إلى الجلاء صاغرين خاسئين ، وفي الدر المنثور أخرجه ابن إسحاق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس. وذكر في التبيان قولا بانه اخبار لليهود بان عبدة الأوثان ومنهم قريش سيغلبون وهو على هذه القراءة وهي خلاف المتواتر المتعارف ونقل في الكشاف غير ذلك والأول اقرب إلى الصواب ١١( قَدْ كانَ لَكُمْ ) هذه الآية أيضا مما أمر الله به رسوله ان يقوله لهم( آيَةٌ ) ودلالة وموعظة( فِي فِئَتَيْنِ ) فرقتين من الناس( الْتَقَتا ) في الحرب( فِئَةٌ ) منهما( تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَ ) فئة( أُخْرى ) منهما( كافِرَةٌ ) يظهر من القمّي انهما فئتا المسلمين والمشركين في وقعة بدر. وهي رواية الدر المنثور وابن جرير عن ابن عباس وذلك هو المناسب لخطاب بني القينقاع( يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ) المعروف أن المسلمين في بدر كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. والمشهور في الرواية انّ المشركين كانوا نحو التسعمائة وخمسين. فيكون المعنى ان المسلمين كانوا يرون جمع قريش مثليهم بحسب رؤية العين للجمع وصورة التجند لا بحسب الاحراز للعدد ومعرفة الكمية. أراهم الله إياهم مثليهم لئلا يستقلوهم ويتساهلوا في حربهم استقلالا واستضعافا لهم وأراهم إياهم بدون عددهم في المقدار لئلا تهولهم كثرتهم فيحجموا عن مناجزتهم ويتخاذلوا في لقائهم كما قال الله تعالى في سورة الأنفال( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً ) وقيل في معناها ان المشركين بعد أن اشتبكت الحرب خذلهم الله فصاروا يرون المسلمين مثليهم وان كانوا نحو ثلثهم. والأول بلحاظ الآيتين اظهر وأقرب( وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ ) الأيد القوة والتأييد التقوية وقد أيد الله المسلمين بذلك النصر الباهر( إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً ) وموعظة( لِأُولِي الْأَبْصارِ ) يجوز أن يكون البصر هنا بمعنى البصيرة كما ذكره اللغويون ، ويجوز أن يراد به حسن العين فإن اراءة الشيء بالإرادة الإلهية على غير العادة آية وعبرة لأولي الأبصار العارفين بعادة البصر. أو أن ذلك النصر بما عليه المسلمون


(١٢)زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ

____________________________________

من القلة وضعف العدة وما عليه المشركون من قوة العدة وكثرة العديد عبرة لمن رأى ذلك ١٢( زُيِّنَ لِلنَّاسِ ) بحسب النوع بالنسبة لجميع المذكورات( حُبُّ الشَّهَواتِ ) اي المشتهيات كما يقال فلان طلبتي وهذا سؤلي وحاجتي و «من» بيانية ولو كان لفظ الشهوات على حقيقته لعدي وربط بما بعده باللام( مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) في التبيان في القنطار وقيل هو ملء مسك ثور ذهبا وهو المروي عن أبي جعفر (ع) يعني الباقر (ع) وفي مجمع البيان وأبي عبد الله يعني الصادق (ع). وفي الدر المنثور أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري. قلت وذلك احد الاحتمالات التي ذكرت في كتب اللغة. وأورد في الدر المنثور عن رسول الله روايات متعددة متعارضة انه الف ومائتان اوقية وفي رواية انه الف اوقية. وفي اخرى الف دينار وفي اخرى الف ومائتا دينار ، وينبغي ان تكون الرواية عن الباقر والصادق وأبي سعيد في مورد السؤال عن قنطار الذهب أو سقط منها قولهم أو فضة. والمقنطرة المجموعة قناطير كقولهم ألوف مؤلفة( وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ) اي المرسلة لأن ترعى سائمة لكثرتها( وَالْأَنْعامِ ) وهي الإبل والبقر والغنم بأصنافها( وَالْحَرْثِ ) وهو المغروس والمزروع. ولم يذكر في هذه ما هو محرّم العنوان ليكون تزيين الله له أشد في المنافاة لقدس الله من الأمر بالفحشاء والمنكر الذي تمجد الله وله المجد بتقديس جلاله وتنزهه عنه. فلا مانع من أن يكون الله تبارك اسمه هو المزين لحب المشتهيات المذكورة من طريق حلها كما تكفلت ببيانه الشريعة المقدسة وحددته بحدوده ، زين حبها لنوع البشر تمهيدا لحسن اجتماعهم وبقاء نوعهم وانتظام اقتصادهم ، وتشابكهم في عموم المنافع ، وانتظام التبادل فيها ، زين حب النساء والبنين لكي يسهل على الأزواج تحملهم لعشرة النساء ونفقاتهن ونقصهن نوعا في الأخلاق والاستقامة فينتظم بذلك التحمل أمر التوالد والتناسل. وزين حب البنين لكي يطلب البشر التناسل ويقوموا بالمشقات المعروفة في نفقتهم وتربيتهم وحسن المداراة لهم في تربيتهم والنظر إلى إصلاح أمورهم وعواقبهم. وزين حب الأموال المذكورة لينهض الناس إلى العمل والعمران فتتوفر نعم الله على عباده وينالوا به اللذة والتنعم على حسب حبهم لمشتهياتهم ويعرفوا منها أنموذجا لنعيم


ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ

____________________________________

الآخرة الدائم فيدفعهم الشوق إليه إلى الأعمال الصالحة فلا يستولي على الناس أو يغالطهم العجز بالتصوف البارد ، وقد تكاثرت الأحاديث في ان الزهد في الدنيا هو الورع عن محارم الله وقد صرح امير المؤمنين علي (ع) بانه يتعاطى التقشف في معيشته لأنّه رئيس المسلمين والمنظور إليه في الاقتداء فيتسلى بحاله (ع) من الحّ الفقر عليه ومسته البأساء. وفي سورة الأعراف ٢٩( يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ٣٠قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) يتنعمون بها بحسب ايمانهم الصادق على الحدود المشروعة والجارية على المصالح والصلاح( خالِصَةً ) من تبعات العقاب والنكال( يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) وما هذا التزيين إلّا للحكمة التي خلق الله بها للإنسان شهوة وقوى يتنعم بها في الحياة الدنيا بما أحله الله وجعل في الحلال كفاية في الحاجة وبلغة في التنعم وحدد حدوده بنهي العقل والشريعة عن الفحشاء والمنكر والبغي وما فيه المفسدة للشخص والنوع ونظامه ووعظ في ذلك وانذر وتوعد وحذر وأرسل في ذلك الرسل وانزل الكتب وشرع الشرايع واستحفظ على إقامتها الأئمة ، واستخدم لها علماء الامة. نعم ان الذي يزينه الشيطان ليس هو القسم الذي يبقى به نوع الإنسان ، وشرف العمران ، ويقوم به نظام الاجتماع. بل هو خصوص المحرمات وما فيه فساد النظام( ذلِكَ ) اي ما ذكر من المشتهيات( مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) الفانية( وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) والمرجع وهو المآب الذي لا فناء فيه ولا عناء ولا تكدير في نعيمه فهو الحسن المطلق ١٣( قُلْ ) يا رسول الله للناس( أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ ) مما هو( لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ) الله ورغبوا في رضاه وطلبوا ما عنده وما أعد لهم( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) هي( جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) اي مساقي أشجارها لا بنحو تكون به كلها من قسم المستنقعات ولا يخفى ما في وصف القرآن من البهجة الفائقة الممتازة( خالِدِينَ فِيها ) اي في الجنات لا فناء لهم ولا لنعيمها كما يفنى متاع الحياة الدنيا وأهلها ولا إخراج لهم منها( وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ) بما يرغب العقلاء فيه من طهارة الأزواج في الخلق والأخلاق


وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥)الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦)الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧)شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إلّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ

____________________________________

وفي ذلك النعيم الهنيّ( وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ ) وهو الغاية القصوى لأولي الألباب في النعيم( وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ) وما يعملون وما يستحقونه من الجزاء ١٤( الَّذِينَ ) في هذا بيان لصفات الذين اتقوا. وما أكرمها وأحسنها من صفات( يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا ) اي يؤمنون ويعترفون لله بايمانهم ويجعلونه وسيلة إلى الله في الدعاء لنجاتهم وغفران ذنوبهم( فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ ١٥ الصَّابِرِينَ ) عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى نوائب الدهر تسليما لأمر الله ورضى بقضائه( وَالصَّادِقِينَ ) وأكرم بها صفة واحسن( وَالْقانِتِينَ ) الدائبين في العبادة( وَالْمُنْفِقِينَ ) كما أمرهم الله وندبهم إليه( وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ ) السحر هو الوقت الذي قبيل طلوع الفجر وهو احسن الأوقات نوعا لحضور القلب في العبادة والإقبال على المناجاة والدعاء ، وأبعدها عن مداخلة الرياء( شَهِدَ اللهُ ) اصل الشهادة من الشهود والحضور والمعاينة ثم شاعت فيما ينشأ عن ذلك ونحوه من الاعلام بالأمر والشيء لإثباته ومنه المقام فيقال شهد بكذا( أَنَّهُ ) اي بانه( لا إِلهَ إلّا هُوَ ) وشهادة الله اعلامه بإلهيته ووحدانيته بالدلالات الجلية والحجج القاطعة ومن ذلك خلقه للعالم ودلائل الحكمة ، وقوانين النظام الباهر فيه ودوام انتظامه على ذلك( وَ ) شهد بذلك أيضا( الْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ ) وهم الذين لم يعمهم الجهل عن النظر اقلا إلى نظام العالم ودوام انتظامه فشهدوا بذلك عن علم وبصيرة وحجة قيمة يرشدون بها الجاهل ويقاومون بها المعاند( قائِماً بِالْقِسْطِ ) في التبيان وروي في تفسيرنا ان في الآية تقديما وتأخيرا تقديره شهد الله انه لا إله إلّا هو قائما بالقسط والملائكة الآية اي على انه حال من الضمير «هو» انتهى وفيه ان مثل هذا الإرسال لا ينهض بإثبات شيء فضلا عن مصادمته بالمتواتر من القراءة والمصاحف ، وفي الكشاف جوّز كونه حالا من الضمير أيضا على القراءة المتعارفة ، أقول والأنسب بكرامة القرآن الكريم في سياقه وأسلوبه المجيد أن يكون حالا من لفظ الجلالة فإنه هو الذي له عنوان الكلام ووجهه الذي يقرب له البعيد من جملته ويوصل به المنفصل دون ضمائره فكل ما صلح ان يرتبط به من حال أو غيره جره عنوان


لا إِلهَ إلّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٧)إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ

____________________________________

الكلام ووجهه إليه ولا يرتبط بغيره إلّا بالقرينة كما هو الشأن في كل كلام له حظ من البلاغة والاستقامة. وفسروا القسط بالعدل. والظاهر ارادة التقارب في المعنى لا الترادف والاتحاد في المفهوم. فان الاستعمال وما ورد في القرآن الكريم ينافيان ذلك لأنّه يقال عادل ولا يقال قاسط إلّا للجائر ونحوه. بل يقال لما يجعلونه بمعنى العادل مقسط وان اقسط يعدى بإلى كما في قوله تعالى في سورة الممتحنة ٨( أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ) والعدل لا يعدى بإلى وأظن ذلك منهم كتفسير الظلم بالجور مع ان الجور لا يتعدى إلّا بعلى. والظلم يتعدى بنفسه فإنهم يفسرون اللفظ بما يقاربه في المعنى حيث لا يجدون له مرادفا. ومن الظاهر في التبادر ان الجور ابلغ في العدوان من الظلم. وقد استفاض في حديث الفريقين في المهدي (ع) يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، وفي سورة الحجرات ٩( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ) والظاهر من ذلك هو التأسيس لا التأكيد. وقال الله تعالى في سورة المائدة ١١( شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ) فالقسط انسب بالشهادة من العدل والقائم بالشيء هو محققه ومجريه ومديمه اي شهد الله وهو المجري للقسط والحق ومديمه في الشهادة وغيرها. فما أعظمها وما اكبر شانها من شهادة( لا إِلهَ إلّا هُوَ ) وهذا تأكيد للمشهود به بعد الاخبار به كما تقول اشهد بكذا وهو كذلك( الْعَزِيزُ ) في إلهيته ووحدانيته( الْحَكِيمُ ) في اعماله ١٧( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ ) قد مر تفسير الإسلام في الآية الثانية والعشرين بعد المائة ، وتفسير الدين في التاسعة والثمانين بعد المائة من سورة البقرة. وان دين الإسلام هو دين الفطرة الذي تجلت فيه ادلة العقل والنظر في ملكوت العالم ودعوة الأنبياء والرسل وصراحة الكتب الإلهية المشهود لها بدلالة المعجزات. وقد بقي ما يكفي في ذلك فيما حرف من التوراة والإنجيل( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) في هذا الدين وهم بنو إسرائيل وخصوص اليهود والنصارى فتقلب الغالب من بني إسرائيل في الشرك من يوم مروا على عبدة الأوثان وذلك بعد ما اسلموا لموسى ورأوا الآيات النيرات في مصر وانشقاق البحر لهم وعبورهم فيه على الأرض اليابسة فقالوا لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة(١) ويوم عبدوا العجل واستمروا على التقلب في الشرك في اجيالهم كما هو

__________________

(١) كما في سورة الأعراف ١٣٤ ـ ١٣٧


إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩)فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ

____________________________________

معروف في تاريخهم وكتبهم وذهب الكثير من النصارى إلى تثليث الآلهة وتأليه المسيح وابطال الشريعة بالرأي حتى استوعبهم ذلك أخيرا(١) ( إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ ) بالتوحيد والدين الصحيح من دلالة العقل والفطرة والمعجزات الباهرات ، والآيات البينات وصراحة كتبهم. كما بقي شيء من ذلك فيما حرفوه. ولكن حدث الاختلاف فيهم( بَغْياً بَيْنَهُمْ ) من الكافرين على الموحدين. أو بغيا حاصلا بينهم على الحق وتمردا على ما يعلمون ، واستمر ذلك البغي فيهم حتى جحدوا رسالة رسول الله وقرآنه وما فيه من معارف الحق وشريعته بعد ما دل على ذلك المعجز وكتبهم في البشرى برسول الله وقرآنه( وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ ) ويجحد دلالتها البينة( فَإِنَّ اللهَ ) محاسبهم ومعاقبهم ومجازيهم على كفرهم يوم القيامة وهوسَرِيعُ الْحِسابِ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً (٢) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أو ضُحاها ) (٣) ١٨( فَإِنْ حَاجُّوكَ ) وجادلوك يا رسول الله في التوحيد وما جئت به.( فَقُلْ ) لهم في الحجّة الدامغة لهم انكم قد وافقتمونا في بعض أقوالكم وما عندكم من الكتب في توحيد الله في الإلهية والقدس والكمال. كما هو الحق والحقيقة وهل عن ذلك من محيد( فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) (٤) إني( أَسْلَمْتُ ) ووكلت وخليت( وَجْهِيَ لِلَّهِ ) لا اصده بضلال الأهواء عن الله وتوحيده ، وطاعته ودين الحق( وَمَنِ اتَّبَعَنِ ) على الحق الواضح أيضا أسلم وجهه لله. وجاز عطف الموصول على الضمير المرفوع المتصل في «أسلمت» لوجود للفاصل( وَقُلْ ) يا رسول الله بعد هذا النحو من الاحتجاج( لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) من اليهود والنصارى( وَالْأُمِّيِّينَ ) أهل أم القرى وهي مكة. أو العرب لأنهم بحسب النوع والغالب لا يقرءون ولا يكتبون بل هم على ما ولدتهم أمهاتهم من الجهل بذلك. فإن هؤلاء الأميين معترفون أيضا بالله وإلهيته وقدسه وكماله( أَأَسْلَمْتُمْ ) ودخلتم

__________________

(١) وقد أشرنا إلى شيء من ذلك من صراحة كتبهم في المقدمة الخامسة من كتاب الهدى في الجزء الأول صفحة ١٩ ـ ٣٤

(٢) سورة المعارج ٦

(٣) النازعات ٤٦

(٤) يونس ٣٣


فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١)أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ

____________________________________

في سلم الله فلا تحاربونه ولا تحادونه بالشرك والتمرد على آياته ورسوله وقرآنه( فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ) وذلك هو الفوز العظيم( وَإِنْ تَوَلَّوْا ) عن الإسلام وحادوا الله ورسوله فليس عليك من حسابهم من شيء وليس عليك أن لا يتولوا( فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ ) والدعوة إلى الله ودين الحق( وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ) يعلم ما يكون منك ومنهم ويوفق من هو أهل للتوفيق ١٩( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍ ) بيان لأن قتل النبيين لا يكون إلّا بغير الحق( وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ ) وهو الحق والمعروف وقيل العدل( مِنَ النَّاسِ ) من العباد الصالحين من غير النبيين( فَبَشِّرْهُمْ ) يعني القاتلين الكافرين( بِعَذابٍ ) في الآخرة( أَلِيمٍ ) وعبر بالتبشير للسخرية بهم والتوبيخ لهم. ودخلت الفاء على بشرهم لأن الخبر هنا بمنزلة الجزاء المتفرع على الكفر وقتل النبيين كما في قوله تعالى( السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) ٢٠( أُولئِكَ الَّذِينَ ) لأجل ما ذكر من كفرهم وقتلهم للأنبياء والصالحين( حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) التي فيها حسن كالإحسان إلى الفقير والعاني ونحو ذلك فلا أثر لها في استحقاق الجزاء والتخفيف عنهم بل سقطت( فِيالدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) ينصرونهم على الله وينجونهم من عذابه ٢١( أَلَمْ تَرَ ) أي ألم يصل علمك( إِلَى ) حال( الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً ) أي حظا وبعض الشيء( مِنَ الْكِتابِ ) لا يبعد أن يكون المراد هنا التوراة والإنجيل أي من جنس الكتاب وان روي ان مورد النزول هم بعض اليهود. وعبر بالنصيب من الكتاب باعتبار ان التوراة والإنجيل قد حرّفا وبدلا في أكثرهما ولم يبق منهما على ما أنزل إلّا البعض وهو النصيب الذي بقي من التوراة لليهود والنصارى المعاصرين لرسول الله ومن الإنجيل الذي بقي للنصارى منهم. فقد بقي من التوراة إيمان إبراهيم وتوحيده وتاريخه المبين انه كان قبل اليهودية والنصرانية واقاويلها في الدين والتوحيد. وبقي فيها البشرى لبني إسرائيل


يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ

____________________________________

بأن الله يرسل نبيا من إخوتهم أي من ولد إسماعيل لا منهم ويجعل كلامه في فمه كما في الفقرة الخامسة عشرة إلى العشرين من الفصل الثامن عشر من سفر التثنية. وبقي فيها حكم القصاص في النفس والعين والسن والجروح كما في العدد الحادي والعشرين من الفصل التاسع عشر منه. وبقي في الإنجيل شيء من الدعوة إلى الاعتراف بأن الله هو الإله الحقيقي وحده وان عيسى رسوله كما في العدد الثالث من الفصل السابع عشر من إنجيل يوحنا. وبقيت البشرى برسول الله أحمد «بيركلوطوس» وان حرّفوه إلى «بيراكليطوس» وعبروا عنه «فارقليط» و «المعزي» كما في الفصل السادس عشر والسابع عشر من إنجيل يوحنا. وحال هؤلاء انهم( يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللهِ ) وهو القرآن الذي قامت عليهم الحجّة بأنه كتاب الله بدلائل اعجازه وبشرى كتبهم( لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) وهم الأكثر( وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) عن القرآن ودلائل حجته. ومنهم من وفق للإسلام والخضوع لأحكام الله في قرآنه المجيد. ومقتضى روايتي الدر المنثور ومجمع البيان عن ابن عباس هو ان المراد من كتاب الله الذي يدعون إليه هو التوراة. وكفى بذلك موهنا للروايتين فإن التوراة كانت حينئذ محرفة بأشد التحريف كما تراها الآن فكيف يسميها القرآن «كتاب الله» روي في الدر المنثور عن ابن عباس ان رسول الله «ص» دعا اليهود إلى حكم التوراة بأن إبراهيم لم يكن يهوديا ، ويوهن هذه الرواية بعد غض النظر عن سندها ان التوراة ليس فيها ان إبراهيم لم يكن يهوديا وغاية ما فيها ذكر التاريخ المضطرب ومنه ان الله أوحى إليه أن نسله أي بني إسرائيل يستعبدون ويذلون في ارض غريبة أي ارض مصر اربعمائة سنة(١) وقالت التوراة أيضا في الفصل الثاني عشر من سفر الخروج ان المدة كانت اربعمائة وثلاثين سنة هذا مع ان النسخة السامرية والنسخة السبعينية قد زادتا في الاضطراب وجعلتا المدة المذكورة مدة لإقامة بني إسرائيل وآبائهم في ارض مصر وكنعان وقد تكلمنا على هذا الاضطراب في الجزء الثاني من كتاب الهدى(٢) فهل يدعوهم رسول الله إلى لا شيء في مثل هذا الكتاب المضطرب. وفي مجمع البيان عن ابن عباس دعاهم رسول الله

__________________

(١) كما في الفصل الخامس عشر من سفر التكوين عدد ١٣ ـ ١٥

(٢) صفحة ٢٤ ـ ٢٩


(٢٢)ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُون (٢٣)فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٤)قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ

____________________________________

الى حكم التوراة برجم الزاني. وهذه الرواية موهونة أيضا بمضمونها فضلا عن وهنها بإرسالها وبما ذكرناه في موهن الروايتين. فإن الموجود في توراتهم ان الرجم على الفتاة التي لم يجد لها زوجها بكارة وعلى العذراء المخطوبة إذا زنت وعلى الزاني بها كما في الفصل الثاني والعشرين من سفر التثنية. واما من يكون عليه الرجم في شريعة رسول الله فلم تذكر فيه التوراة الموجودة إلّا القتل كما في الفصل المذكور والفصل العشرين من سفر اللاويين. إذن فلا يحكم رسول الله «ص» بالرجم على خلاف شريعته ويحتج بالتوراة المحرفة ويسميها كتاب الله ٢٢( ذلِكَ ) أي توليهم وعنادهم لما يعرفونه من الحق اغترارا منهم( بِأَنَّهُمْ قالُوا ) أي بسبب انهم زعموا في اعتقادهم الفاسد بأن عذابهم على مخالفة الحق هين قصيرة مدته لا ينبغي أن يصدهم عن المحافظة على جامعة أهوائهم وعصبيتهم القومية( لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ ) ولا نعذب بها( إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ) قليلة( وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ) الذي يجب أن يدينوا به فخالفوه إلى أهواء العصبية وضلالها( ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) بقولهم لن تمسنا النار إلّا أياما معدودات فكفروا بدين الحق ورسول الله وكتابه وضلوا وأضلوا ٢٣( فَكَيْفَ ) حالهم( إِذا جَمَعْناهُمْ ) في الحشر بعد موتهم( لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ) وهو يوم القيامة( وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ) أي جوزيت بجزائه وافيا أي تاما( وَهُمْ ) أي أهل المحشر( لا يُظْلَمُونَ ) بنقص الثواب أو بالعقاب. يا رسول الله لا تأس من تمرد أهل الكتاب على دين الحق ومظاهرتهم للمشركين على الكفر فإن الله يظهرك عليهم ويعزك ويذلهم ويجعل لك السلطة على اظهار دينه ٢٤( قُلِ اللهُمَ ) معناه يا الله وكأن الميم المشددة المفتوحة في آخر الكلمة عوض عن حرف النداء فإنهما لا يجتمعان. وشذ قول الراجز «أقول يا اللهم يا اللهما»( مالِكَ الْمُلْكِ ) الملك بضم الميم وسكون اللام هو التسلط والسلطنة. والله مالكه وبيده أمره وهو الخالق لما تكون عليه السلطنة ولمن يكون سلطانا. له ملك السموات والأرض( تُؤْتِي الْمُلْكَ ) والسلطنة الموقتة( مَنْ تَشاءُ ) من الناس أن تؤتيه. وإيتاء الله للملك يكون على


وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ

____________________________________

وجهين «أولهما» هو الإيتاء الخاص للممتاز من عباده بالصلاح والأهلية لتكميل البشر وإصلاحهم في المعارف الدينية ، والأخلاق الفاضلة ، وحسن الاجتماع ، والحصول على المستقبل الصالح السعيد. وهذا هو ملك الرسل والأنبياء وأئمة الحق «وثانيها» إيتائه لا بهذا النحو بل بحسب سير التقدير في العالم واقتضاء الأسباب التي قدرها الله في هذا الكون نعمة في الحياة الدنيا محددا لذلك بحدود الأخلاق الكريمة والواجبات العقلية والشرعية والنهي عن محرماتها كما أنعم على الإنسان بالقوى ليتمتع بها في الواجب والندب والمباح. فيستقيم على الجادة من يستقيم ويحظى من ذلك بالكمال ، وحسن الجزاء. ويضل بسوء اختياره من يضل فيخسر حظه ويستوجب ما يستوجب. ولكل من إيتاء الملك والقدرة والقوى اثر وغاية تحصل عن حسن اختيار الإنسان أو سوئه. ففي سورة النمل في شأن سليمان النبي في تواضعه لله الناشئ من عصمته الاختيارية قوله في مسألة عرش بلقيس ٤٠( فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) وفي سورة يونس ٨٨( وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ) الآية اي وكانت عاقبتهم ان يضلوا عن سبيلك بسوء اختيارهم. وفصل الكلام بقوله «ربنا» لإيضاح ان المراد من اللام هي العاقبة لا التعليل وفي سورة البقرة ٢٥٨( أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِي حَاجَّ إبراهيم فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ ) ومما ينبغي التنبيه عليه ان الشيخ في التبيان قال ان الهاء في آتاه الله الملك كناية عن المحاج لإبراهيم ونسب عودها إلى إبراهيم إلى القيل. ثم قال في( تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ ) ما ملخصه لا يجوز ان يعطي الله الملك الفاسق لقوله تعالى( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) فكأنه نظر في هذه الآية إلى الوجه الاول من وجهي إيتاء الملك وفي آية البقرة إلى الوجه الثاني ولعل صورة هذا التدافع نشأت من اختصار التبيان ولذا لم يقع مثله في مجمع البيان وفي تفسير البرهان عن الكافي باسناده عن عبد الأعلى وعن تفسير العياشي عن داود بن فرقد جميعا عن الصادق (ع). رواية تنزل على نظر السائل إلى الوجه الاول من إيتاء الملك الذي ينبغي ان يسير من رسول الله إلى الائمة من أهل بيته وعترته احد الثقلين( وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ) ان تنزعه منه بموته


وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥)تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ

____________________________________

او بتحويله إلى آخر( وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ ) ان تجعله عزيزا( وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ) ان تجعله ذليلا بان تجعل كلا من الفريقين بحسب سير التقدير الجاري بحكمتك في نظام العالم بتسبيبك للأسباب وتصيره في حالة تعد عزا أو اخرى تعد ذلا وقد تجعل كلا منهما كذلك بارادة خاصة من النصر والمعونة أو الخذلان والاهانة( بِيَدِكَ الْخَيْرُ ) اقتصر على ذكر الخير لان المقام مقام تعليم بالدعاء بالخير والنصر وتعريض بالبشرى بهما( إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ولك من مظاهر القدرة وعجائب التصرف بالكون ما يبهر العقول. فإنك ٢٥( تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ) الإيلاج إدخال شيء في شيء يحتوي عليه ويستره ومعنى إيلاج الليل في النهار هو ان ما يكون في الدورة اليومية ليلا أو جزء من الليل في بعض الفصول من السنة والامكنة التي تبعد عن خط الاستواء يجعله نهارا في فصل آخر أو مكان آخر. وقد قدر الله نظام العالم بحكمته الباهرة في سير الأرض أو الشمس على منطقة البروج وفي هذا النظام العجيب من الحكم العظيمة وآثار القدرة وعموم الرحمة والعمران ما يبهر العقول وان الليل والنهار على مدار خط الاستواء(١) متساويان ويتساويان أيضا تقريبا في جميع الأرض ويوم دخولها أو دخول الشمس في برج الحمل أو الميزان ويتفاوتان بالزيادة والنقصان بحسب الأزمان والمواقع من الأرض في المدارات الشمالية والجنوبية بتفاوت منظم موزون لا محل لذكره هاهنا ففي المدارات الشمالية يأخذ الليل بعدا كمال طوله في النقيصة المتفاوتة على الانتظام من دخول الأرض أو الشمس في برج الجدي ويولج في النهار. فيأخذ النهار بالطول بعد كمال نقصه أو بوجوده متزايدا بعد عدمه ويستمر على ذلك إلى الدخول في برج السرطان فيشرع حينئذ بالزيادة. وفي المدارات الجنوبية يأخذ الليل بعد نهاية طوله في النقيصة ويستمر عليها ويولج ما ينقص منه في النهار على ما أشرنا إليه من الميزان والانتظام وذلك من حين الدخول في برج السرطان إلى الدخول في برج الجدي فيشرع حينئذ بالزيادة( وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ) أي تدخل النهار في الليل فيأخذ النهار بالنقص في المدارات الشمالية على نهج ما ذكرناه من حين الدخول في برج السرطان إلى الدخول في برج الجدي. وفي المدارات

__________________

(١) وهو الدائرة المنصفة للكرة الارضية على السواء فيما بين قطبي الجنوب والشمال


وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٦)لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ

____________________________________

الجنوبية من حين الدخول في برج الجدي إلى الدخول في برج السرطان حتى يبلغ كل من الليل والنهار تحت القطبين في وقت واحد تقريبا على التبادل نحو ستة أشهر. فسبحان الحكيم القدير( وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ ) قيل مثل إخراج البيضة من الطير وإخراج الفرخ من البيضة. أو إخراج الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان. وقيل يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن وفي مجمع البيان روى ذلك عن الباقر والصادقعليهما‌السلام . وفي تفسير البرهان قال ابن بابويه في حديث عن الإمام العسكري قال حدثني أبي عن أبيه عن جده الصادق «ع» وذكر ذلك. وفي الدر المنثور اخرج سعيد بن منصور وابن جرير(١) وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات وابو الشيخ في العظمة عن سلمان في حديث نحو ذلك. واخرج ابن مردويه عن سلمان أيضا نحو ذلك. واخرج ابن مردويه أيضا عن ابن مسعود أو عن سلمان عن النبي «ص» نحو ذلك. واخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الزهري عن عبد الله ان رسول الله «ص» في شأن خالدة المؤمنة بنت الأسود ابن عبد يغوث المشرك قال سبحان الذي يخرج الحيّ من الميت. واخرج ابن مسعود من طريق أبي سلمة عن عائشة عن رسول الله «ص» نحوه( وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ ) أن ترزقه( بِغَيْرِ حِسابٍ ) ومراعاة لمقدار الرزق ومداقة في العطاء كما يفعله من يخاف النقص في ملكه ٢٦( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ ) في النصرة والمودة لقرابة أو محبة أو صداقة أو ولاء قبل الإسلام والآية نهي للمؤمنين عن أن يتخذوا الكافرين اولياء( مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) و «من» لابتداء الغاية و «دون» للمكان الذي هو قبل المكان الذي تضاف إليه ثم شاع استعمالها في الكناية عن عدم الوصول بالشيء إلى ما تضاف إليه وجعله في غيره. فالمراد لا يعدل المؤمن بولايته عن المؤمنين إلى الكافرين( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ ) من رضى من الله أو لطف أو توفيق أو ولاية أو جزاء أو فضيلة إيمان وغير ذلك مما يحظى به العبد الضعيف المحتاج

__________________

(١) عن عثمان النهدي عن سلمان أو عن ابن مسعود واكبر ظني انه عن سلمان


إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٢٧)قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أو تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ

____________________________________

من الله ربه ومالك أموره. يقال هو من فلان في مقام ومكانة وحظوة أو ليس منه في شيء من ذلك. ويفهم من مناسبات المقام ان هذا النهي وهذا التهديد جاريان في الموالاة الصورية ويتوهم جريان النهي والتهديد فيها حتى لو كانت للدفاع عن النفس واتقاء الشر في بعض الأحيان ، فاستدرك ذلك بقوله تعالى( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا ) ايها المؤمنون( مِنْهُمْ ) أي من الكافرين( تُقاةً ) مصدر مفعول مطلق لتتقوا الاتقاء والتقوى والتقية والتاء فيها للوحدة ومأخذها الوقاية بأن تقي نفسك من محذور شيء بشيء آخر. كما يقال ضربه بسيفه فاتقاه بالدرقة ووقى نفسه بها من محذوره. وتاء الوحدة تفيد تحديد الاتقاء أي إلّا ان تدفعوا شرهم عنكم وعن دينكم عند انتظار الفرصة في نصره وإظهاره وتتقوا منهم تقاة موقتة محدودة بأن تظهروا لهم ما يدفع شرهم من صورة الموالاة الموقتة حيث لا مندوحة لكم إلى غير ذلك ولا فائدة في نصر الدين بقتل الرجل بل ينقص بقتله رجل من رجال الإسلام وأنصاره. ولا تسترسلوا في ذلك وتجاوزوا به مقدار الضرورة بحيث يرجع إلى الضعف في الدين والتساهل في امره واستظهار الكافرين فإن أمر الدين عظيم فاحذروا إذن من غضب الله وعقابه( وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ) ليس المراد بالنفس ما يرادف الروح المرتبطة بالبدن. بل ذاته العظيمة فإنه العزيز الجبار الذي لا نصير عليه وهو استعمال شائع في اللغة والقرآن الكريم ومنه قوله تعالى( قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ ) ومنه ما جاء من تعليق الظلم بالنفس كقوله( كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ونحوه في اكثر من عشرين موردا ومنه ذكر الجهاد بالأموال والأنفس نحو عشر مرات. فاحذروا الله فإنه شديد النكال اليم العذاب ولا تتساهلوا في أمر دينكم فإن الدنيا فانية وظل زائل( وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ ) فيوفي كل نفس ما عملت ٢٧( قُلْ ) يا رسول الله محذرا( إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ ) من نياتكم ووجوه اعمالكم( أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ ) فاحذروا نيات النفاق وموادة من حاد الله ورسوله وكيف يخفى على الله شيء من ذلك وهو خالق نفوسكم وأجسادكم والقائم عليها بالتدبير والإبقاء والشهيد عليها يعلم ذلك منكم( وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ )


وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨)يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ

____________________________________

اي جميع العالم لأنّه خالقه ومدبره( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) من العقاب والجزاء والأخذ للمصير إليه ٢٨( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ) قيل «يوم» معمول لقوله تعالى :( يُحَذِّرُكُمُ ) وأقول لا يكون «يوم» مفعولا ليحذركم لأن يحذر لا تتعدى إلّا إلى مفعولين وقد استوفاهما ولا بدلا من أحدهما كما لا يخفى ولا ظرفا للتحذير لأن التحذير وفائدته إنما هما في الدنيا. ولا ظرفا للحذر لو صح في نظائره اعرابا لأن الحذر في ذلك اليوم لا فائدة فيه ولا غاية وقيل ان «يوم» معمول لا ذكر مقدرة. ويرد عليه انه ليس من شيء يدل على ذلك. ولا يقاس على تقدير ذلك عند قوله تعالى( وَإِذْ ) أي واذكر إذ. لأن السياق هناك يشير إلى ذلك. وتكرر في القرآن الكريم ذكره صريحا في السور المكية سور مريم ١٦( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ ) وص ٤٠( وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى ) والأحقاف ٢٠( وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ ) هذا مع ان المقام في أكمل الصلاحية والمناسبة لكون( يَوْمَ ) ظرفا للمصير. والفاصل ليس باجنبي( ما عَمِلَتْ ) أي جزاء ما عملت و «ما» موصولة والعائد مقدر( مِنْ خَيْرٍ ) «من» بيانية ولو كانت «ما» مصدرية لقيل من الخير( مُحْضَراً ) بلا تسويف ولا بعد منال بل هو حاضر أعده الله تكريما وتبجيلا للمحسنين( وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ ) أي وتجد جزاء ما عملته من سوء محضرا اهانة لها وانتقاما حال كون ذلك الجزاء من شدة هوله وآلامه وخزيه( تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ) والأمد بمعنى الغاية والمراد هنا البعد المكاني لئلا تروعها أهواله وتقاسي آلامه ومكارهه. فإن البعد الزماني لا يجدي مع اليقين فإن كل آت قريب. وقيل ان الموصول في «ما عملت» مبتدأ وجملة تود خبره وجملة المبتدأ معطوفة على جملة تجد. والأول اظهر في افادة المعنى المذكور الذي لا معدل عنه. واقل حاجة إلى التقدير والتأويل. واما ما في الكشاف ، وجمع الجوامع من أن «يوم» في أول الآية معمول لتود والضمير في «بينه» يعود إلى ذلك اليوم يوم القيامة. ففيه ان الآية اخبار عن حال كل نفس وهل يخفى ان كثيرا من النفوس الزكية إذا وجدت ما عملت من خير محضرا تود لو ان


(٢٩)قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٠)قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ

____________________________________

يوم القيامة عجل لها من حين موتها لكي تفوز بسعادتها( وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ) ومن رأفته تكراره للتحذير والإنذار والإرشاد إلى سبيل النجاة والسعادة وهداه إلى الصراط المستقيم ٢٩( قُلْ ) للناس يا رسول الله( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ ) كما تزعمون فأول المصادق لهذا الحب ان تسارعوا إلى طلب رضاه ، والاهتداء بهداه ، وامتثال امره ونهيه. وقد أوضحت لكم الدلائل البينة والحجج القاطعة على اني رسول الله ، وباب رضاه ونور هداه ، وترجمان امره ونهيه ، ومدرس تعاليمه ، ووسيلة تكميلكم وتطهيركم للقرب منه. إذن( فَاتَّبِعُونِي ) في ارشادي لكم ، ووجوده تقريبكم من الله ونيل السعادة الأبدية. فإني الكتاب الناطق( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إلّا وَحْيٌ يُوحى ) صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد أمر الله بطاعته ونوه بفضلها في القرآن الكريم في اكثر من عشرين موردا. واخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه على شرط البخاري ومسلم وعن ابن حبان في أبواب السنة والعلم ونحو ذلك بأسانيدهم عن أبي رافع عن رسول الله (ص) قال لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من امري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه. وفي رواية الحاكم من طريق الليث وإلّا فلا. وأخرجه أحمد في مسنده بعبارة أخرى. واخرج أحمد في مسنده وابو داود والترمذي في الأبواب المذكورة بأسانيدهم عن أبي المقدام عن النبي (ص) نحو هذا المضمون. كما اخرج أحمد وابن ماجه والحاكم عن أبي المقدام أيضا عنه (ص) نحوه. وكذا أبو داود في تعشير أهل الذمة عن العرباض عنه (ص). وكذا ابن ماجه عن أبي هريرة عنه (ص). وهذه الأحاديث الموصوفة بالصحة والمستفيضة عن اربعة من الصحابة متفقة المضمون في اتباع رسول الله (ص) في امره ونهيه. وانه ليس لأحد أن يرد ذلك ويقول في ذلك حسبنا كتاب الله( يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) أي ان اتبعتموني يحببكم الله. وكفى بذلك فضلا وفوزا وسعادة( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣٠قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ ) وهذا تأكيد لما سبق( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) عن ذلك( فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ) وذلك هو الخسران المبين


(٣١)إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبراهيم وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ

____________________________________

٣١( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبراهيم وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ) الطاء في اصطفى بدل من تاء الافتعال في مثل اختار اي اختاره صافيا من الخليط والاختلاط. فقد يكون الصفاء من حيث الاندماج والاختلاط بالغير والمساواة له فيصطفي بالرسالة كقوله تعالى في شأن موسى في سورة الأعراف ١٤١( إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي ) أو للملك ونصرة الدين كما في سورة البقرة في شأن طالوت ٢٤٨( إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ ) أو على سائر الأمم الوثنية باعتبار الانتساب إلى التوحيد ونبذ الأوثان كما في سورة فاطر ٢٩( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ) أو من الاختلاط بصنف آخر كما في سورة الصافات ١٥٣( أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ) أو من حيث التخليص عن الشركاء وتمييزه عن المشترك من جنسه كاصطفاء الرسول من الغنائم ما يختار أو من حيث التخليص من الشرك وسفاهة الأهواء كما في سورة البقرة ١٢٦( إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ ) أو باعتبار التقدم في اختيار الإيمان والدعوة إليه كما في سورة البقرة في شأن إبراهيم ١٢٤( وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا ) وكما في سورة ص في شأنه وشأن اسحق ويعقوب ٤٧( وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ) فجهة الاصطفاء والصفاء تعرف من مقام الكلام وقرائنه ولأن الله لم يذكر بين آدم ونوح في هذه الآية «شيئا» هبة الله و «إدريس» الصديق النبي عرف ان هذا الاصطفاء فوق مقام الصلاح والنبوة بل هو في أمر الدعوة العامة ، والإمامة للناس وزعامتها الكبرى. ولم يذكر إبراهيم في هذه الآية لأنّه ذكر جعله الناس إماما وأن الله اصطفاه في الدنيا أي لذلك كما في سورة البقرة ١١٨ و ١٢٤ وفي مجمع البيان في قوله تعالى( وَآلَ إبراهيم وَآلَ عِمْرانَ ) قيل أراد نفس إبراهيم ونفس عمران انتهى وفيه مع غرابته في اللفظ ومخالفته للمأثور ان عمران سواء كان أبا موسى أو أبا مريم ام المسيح ليس ممن له هذا المقام الخاص من الاصطفاء على العالمين. وفي الدر المنثور اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال هم المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل يس وآل محمد (ص) وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جدهعليهم‌السلام ان امير المؤمنين عليا (ع) أمر الحسن (ع) أن يخطب فخطب ونزل فقال (ع)( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ


بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) . وعن تفسير الثعلبي مسندا عن الأعمش عن أبي وائل قال قرأت في مصحف ابن مسعود ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل محمد على العالمين. وفي التبيان وفي قراءة أهل البيت وآل محمد على العالمين. وقالوا أيضا ان آل إبراهيم هم آل محمد الذين هم اهله وكذا في مجمع البيان. وتفصيل الكلام ان الشيخ الطوسي روى في اماليه عن محمد بن إبراهيم قال سمعت جعفر بن محمد (ع) يقرأ وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين. وفي تفسير القمّي قال العالم نزل آل إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين. ونحوه عن تفسير العياشي عن أيوب عن الصادق (ع). وعن أبي عمر الزبيري عنه (ع) نحوه وايضا عن هشام بن سالم سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قوله تعالى( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً ) فقال هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين فوضعوا اسما مكان اسم. أقول وهذه الرواية معارضة بما يرجح عليها مما دل على ثبوت آل عمران في القرآن فلا بد من صرفها عن ظاهرها ويعارض ما تقدم رواية العياشي عن سدير عن الباقر (ع) قال( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبراهيم وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ ) قال نحن منهم ونحن بقية تلك العترة. وعن أبي حمزة عن الباقر (ع) انه استشهد بالآية وقرأها على ما هو المرسوم في المصاحف وفي العيون بسنده عن الريان بن الصلت ان الرضا (ع) قرأها كذلك محتجا. وفي غيبة النعماني بسنده عن جابر الجعفي عن الباقر (ع) ان صاحب الأمر عجل الله فرجه يحتج عند ظهوره بالآية على ما هو مرسوم على انه أولى الناس بنوح وابراهيم ، وعن الشيخ الطوسي بسنده عن يونس ابن حباب عن الباقر (ع) عن آبائه (ع) ان رسول الله في خطابه لأمير المؤمنين تلا الآية على النحو المذكور. وهذه الروايات أوضح سندا من الأولى واسلم من التعارض والتدافع فيما بينها وأولى بالترجيح. ويمكن الجمع بأن آل محمد (ص) كانوا مقصودين في التنزيل من آل إبراهيم بنص الوحي على الرسول في ذلك. وربما أثبت في مصحف عليّ أمير المؤمنين (ع) ومصحف ابن مسعود بعنوان التأويل المقصود عند التنزيل كما ذكرناه في المقدمة في أواخر الكلام على روايات فصل الخطاب. والظاهر ان موسى (ع) ورسول الله (ص) والأئمة الذين لهم الإمامة والزعامة العامة الكبرى هم القدر المتيقن في المراد من آل ابراهيم. واما إسماعيل وإسحاق ويعقوب فلم يعلم ان مقامهم في النبوة والزعامة فوق مقام شيث (ع) وإدريس اللذين أهملا من اصطفاه هذه الآية كما ان الظاهر من عمران انه عمران أبو مريم أم المسيح وانه ذكر


(٣٢)ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٣)إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ

____________________________________

لخفاء الاشارة إلى المسيح بعموم آل إبراهيم مع اقتضاء المقام للاشارة إليه بنحو جلي ويشهد له أيضا قوله تعالى بعد هذه الآية( إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ ) إلى آخر قصة المسيح ٣٢( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ ) لدعاء الداعين ورجاء الراجين مستجيب لهم كدعاء إبراهيم بقوله( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي )( عَلِيمٌ ) بما تقتضيه المصلحة ومواقع اللطف ٣٣( إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ ) جد المسيح. ودعوى زيادة «إذ» هنا من الغلط. وجعلها ظرفا لسميع عليم لا يناسب مجيئها بعنوان الصفة الدالة على الثبوت الدائم المطلق. وجعلها مفعولا لأذكر مقدرة بعيدة في السوق والسياق كما ذكرت هذه الأقوال في التبيان ومجمع البيان وذكر الأخير في الكشاف وجعلها ظرفا لاصطفى المذكورة لا يصح إذ لا تكون ظرفا لاصطفاء آدم ونوح. فالوجه جعلها ظرفا لفعل مقدر يدل عليه الكلام. وهو سميع الدعاء أي استجابه إذ قالت. أو اصطفى آل عمران إذ قالت بمعنى انه لاحت مظاهر الاصطفاء إذ قالت. والأول اقرب. وفي تفسير القمّي في الحسن كالصحيح عن الصادق (ع) ان امرأة عمران اسمها حنة. وكذا في الدر المنثور مما أخرجه إسحاق بن بشير وابن عساكر عن ابن عباس. وأخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة. وفي تفسير القمّي في سورة مريم وطرد الرواية عن أبي الجارود عن الباقر (ع) ان زكريا كان رئيس الأحبار وامرأته اخت مريم بنت عمران بن ماثان وبنو ماثان من ولد سليمان بن داود. وفي الدر المنثور مما أخرجه البيهقي في سننه عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة ان زكريا كان أفضل الذين يكتبون التوراة وكانت اخت مريم تحته. وفي ضمن ما أخرجه ابن بشير وابن عساكر عن ابن عباس ان مريم كانت بنت امام القراء وكان إمام القراء من ولد هارون وكان زكريا رأس الأحبار وكانت خالة مريم عنده انتهى والله العالم. وابو الجارود ضعيف ، وفي الفصل الأول من إنجيل لوقا ان زكريا من الكهنة أي من ولد هارون سدنة بيت المقدس وان زوجته أم يحيى هي نسيبة مريم أي قرابتها ومشاركتها في النسب وان حملها بيحيى قبل حمل مريم بالمسيح بستة أشهر. والأناجيل الرائجة لم تذكر نسب مريم ولا نسب عيسى من جهتها. بل ذكرت نسب يوسف النجار الذي يزعمون ان مريم كانت مخطوبة له. فإنجيل متى قال ويعقوب ولد يوسف. وإنجيل لوقا قال ان يوسف بن هالي.


رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٣)فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٥)فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً

____________________________________

والنصارى من أجل هذا الاختلاف في كتبهم التي ينسبونها إلى الوحي تكلفوا وتعسفوا بدعواهم ان «هالي» هو أبو مريم. وقد تعرضنا لهذا المقام في الجزء الأول من كتاب الهدى(١) ( رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ) أي للمسجد بيت المقدس. وفي تفسير القمّي في الحسن كالصحيح عن الصادق (ع) ان الله أوحى إلى عمران اني واهب لك ذكرا مباركا يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذني وجاعله رسولا إلى بني إسرائيل فحدث بذلك امرأته حنة فلما حملت كان حملها عند نفسها غلاما ، الرواية ونحوه عن العياشي عن جابر عن الباقر (ع) فحسبت ان المبشر به ولدها الأدنى( فَتَقَبَّلْ مِنِّي ) نذري أي اجعله واتخذه مقبولا عندك( إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ ) للدعاء أي نذري وما يئول إليه من الدعاء بسلامة الحمل وجعله ذكرا يقوم بما نذر له( الْعَلِيمُ ) بنيتي ٣٤( فَلَمَّا وَضَعَتْها ) أنت الضمير باعتبار كون المولود أنثى( قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ ) فإنه هو الذي خلقها وصورها. وفي رواية القمّي المتقدم ذكرها يقول الله والله اعلم بما وضعت( وَلَيْسَ الذَّكَرُ ) الذي كان في نيتي وبشرى عمران ومقصد نذري( كَالْأُنْثى ) فإنها لا تكون رسولا ولا تقوم بما يراد من المنذور المحرر( وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) المرجوم بالشهب أو باللعن. وكأنها تشير بذلك إلى ما معناه انك رب تدفع بلطفك شر الشيطان وغوايته كما جعلته رجيما فأعذها وذريتها بلطفك من شره ٣٥( فَتَقَبَّلَها رَبُّها ) ومولاها وجعلها واتخذها مقبولة عنده( بِقَبُولٍ حَسَنٍ ) كما سألته أمها وفوقه( وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً ) النبات يكون اسم مصدر لنبت ويكون مفعولا مطلقا لأنبتها بدلا عن مصدره ويستعمل أيضا فيما ينبت كقوله تعالى في سورة الأعراف. وطه. وعمّ( يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً ) فيكون المعنى أنبتها حال كونها

__________________

(١) صفحة ٢٠٥ ـ ٢١٠


وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٦)هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٧)فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ

____________________________________

نباتا حسنا. والمراد من كلا الوجهين حسن نشأتها وتربيتها في صلاحها وكمالها( وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا ) أي جعل زكريا كفيلها والقائم بأمرها بحسب التقدير أو بجعل القرعة ، بالأقلام له وأكرم به من كفيل صالح أمين رؤف( كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ ) المسجد( وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً ) في رواية القمّي المتقدمة يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف. ونحوه ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس. وفي الدر المنثور أخرج أبو يعلى عن جابر حديث الزهرا (ع) والجفنة التي ملئت خبزا ولحما ببركة الله وعطائه ان رسول الله (ص) سألها عن ذلك فقالت هو من عند الله فقال (ص): الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل وروى الشيخ في أماليه عن حذيفة بن اليمان ما يشبه ذلك( قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا ) ومن أين جاءك( قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) لا في الجريان على العادة ولا على مقدار الضرورة ٣٦( هُنالِكَ ) أي حين ما رأى زكريا المعجز بوجود فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء رجا ان يرزقه الله ولدا وإن صار شيخا كبيرا وكانت امرأته عاقرا. و( دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) الذرية النسل والولد. والطيبة الصالحة. وهذا إجمال لما سبق نزوله في سورة مريم المكية من قوله( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا )( إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ) القادر على اجابته( فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ ) أي نوعهم تمييزا عن نداء نوع البشر وإن كان المنادي واحدا كما يقال قتله الجن( وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ ٣٧أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ) فكان ذلك بشرى بالولد الذكر( مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ ) وهو المسيح رسول الله كما سيأتي إن شاء الله في الآية الثالثة والأربعين وقوله تعالى في سورة النساء ١٦٩( وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إلى مَرْيَمَ ) باعتبار أنه مخلوق بكلمة «كن» لا بالتناسل العادي. وان التصديق برسالة المسيح من الكهنة الذين بيدهم الرئاسة الشرعية على بني إسرائيل


وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٨)قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٣٩)قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ

____________________________________

قد كان من أصعب الأمور على النفوس الأمارة بالسوء. فالإخبار بتصديق يحيي لرسالة المسيح مدح كبير له ، وتمجيد له بطيبه وصلاحه وانه لا تأخذه في الحق لومة لائم ، ولا نزعة نفس أمارة( وَسَيِّداً ) السيادة الزعامة وولاية الأمر والسيد من يسود غيره( وَحَصُوراً ) في رواية القمّي المتقدمة الحصور الذي لا يأتي النساء. ونحوه ما في الدر المنثور مما أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن عباس. وابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن مسعود. وشرعيته ورجحانه ومدحه مختص به إذ لم تعهد شرعيته ورجحانه بنحو نوعي في شريعة إلهيّة ، واما في شريعة الإسلام فقد تحقق عن الرسول الأكرم (ص) قوله النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني( وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) ذكر ذلك تنويها بفضل النبوة فإن كل الأنبياء من الصالحين ٣٨( قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ) في السن. يقال بلغه الكبر والهرم وأدركه الموت تنزيلا لهما منزلة الطالب الذي لا مفرّ منه( وَامْرَأَتِي عاقِرٌ ) لأنها لم تلد مدة عمرها. وقال زكريا ذلك مع انه دعا الله أن يرزقه الذرية والولي الوارث إما طلبا للاطمئنان بالبشرى لأن ذلك على خلاف العادة في التناسل من مثلهما. وإما شكرا واعترافا بنعمته في اجابة دعائه على خلاف العادة الجارية في التناسل بمعنى اني وامرأتي في مثل هذا الحال فمن اين يكون لي غلام لو لا قدرتك ورحمتك وعنايتك الخاصة الخارقة للعادة في إجابة دعائي. ذكر ذلك السيد الرضي «رضي الله عنه» في حقائق التأويل( قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ٣٩قالَ ) زكريا طلبا لزيادة الاطمئنان بحصول ذلك في العاجل ومعرفة وقت الحمل وإن كان مؤمنا بصدق البشرى وقدرة الله( رَبِّ اجْعَلْ لِي ) في الدلالة على حصول الحمل واجابة دعائي علامة و( آيَةً ) من آياتك الخارقة للعادة( قالَ ) الله له( آيَتُكَ ) التي تطلبها هي( أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ) ولا تقدر على تكليمهم وإن كان لسانك مطلقا في ذكر الله وتسبيحه والصلاة له( ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ) بلياليها ولذا جاء في سورة مريم( ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ) . ومن الشائع في العربية وغيرها في أمثال هذا المقام دخول الليل في الأيام والنهار في الليالي يقال أقمت في البلد ثلاثة أيّام كما يقال أقمت


إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤٠)وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤١)يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ

____________________________________

فيه ثلاث ليال وشواهد ذلك حتى في اللغة العبرانية وكتب العهدين كثيرة لا يسعها المقام( إِلَّا رَمْزاً ) الرمز هو افهام المعنى بنحو من الإشارة. والاستثناء هنا منقطع( وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ ) تسبيح الله تنزيهه وتقديسه. أو وصلّ له النوافل فقد ورد في الحديث كثيرا من طرق الفريقين عن الرسول (ص) والصحابة والأئمة (ع) تسمية صلاة النوافل بالسبحة( بِالْعَشِيِ ) وهو من زوال الشمس إلى الغروب أواخر النهار( وَالْإِبْكارِ ) بكسر الهمزة من حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى كما في التبيان والكشاف وغيرهما ٤٠( وَ ) اذكر( إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ ) أي هذا النوع وان كان القائل واحد( يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ ) قد ذكرنا معنى الاصطفاء وان جهة الاصطفاء تعرف وتؤخذ من قرائن المقام. فالمعنى إذن اصطفاك بأن تقبلك وقبلك من نذر أمك في تحريرك لله( وَطَهَّرَكِ ) زيادة على ذلك من الأدناس التي تلحق النساء( وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ) وقدمك عليهن بالولادة من غير فحل. هذا غاية ما يدل عليه المقام والقرائن من وجهتي الاصطفاءين وقد كرر ذكر الاصطفاء لأجل اختلاف الوجهة فيه. وليس في اللفظ وقرائن المقام دلالة على سيادتها على نساء العالمين. نعم ثبتت لها السيادة على نساء عالمها من السنة. واستفاض بل تواتر من حديث الفريقين عن الرسول الأكرم (ص) ان فاطمة بنته (ع) سيدة نساء العالمين ، وسيدة نساء أهل الجنة. ومن ذلك ما رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وابن أبي شيبة والحاكم وابو يعلى والروباني والعقيلي والطبراني وابن عساكر وصاحب الاستيعاب وغيرهم عن حذيفة ، وأبي سعيد الخدري ، وابن عباس ، وعائشة ، وفاطمة (ع) عن رسول الله (ص) والأحاديث بذلك من طريق الشيعة كثيرة جدا ٤١( يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ) قد ذكر معنى القنوت في الآية العاشرة بعد المائة. والتاسعة والثلاثين بعد المائتين من سورة البقرة. والسجود معروف والركوع يطلق على الانحناء المعروف. وقد يستعمل ركع واركع واركعي في الإتيان بركعات الصلاة فيقال لمن صلى ركع ركعات خفيفة أو ركع ركعات مطوّلة أي وكوني في زمرة المصلين الكثيري الصلاة ولا


(٤٢)ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٣)إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ

____________________________________

ينحصر المعنى بصلاة الجماعة ٤٢( ذلِكَ ) أي قصة امرأة عمران ومريم وزكريا وبشرى الملائكة لهما( مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ) ومن ذلك اختصامهم في كفالة مريم وإلقاء أقلامهم للقرعة على كفالتها( وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ ) للقرعة لأخذ النتيجة منها وهي انه( أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) في ذلك حتى تراضوا على القرعة بالأقلام فلست تذكر للناس ما حضرته ورأيته. ولا هو مدوّن في الكتب المتداولة عند أهل الكتاب فضلا عن انك لا تقرأ كتابا ولم تمارس درسا ولا تعلما ولم يكن في قومك وبلادك شيء من العلم وفي هذا حجّة على انه وحي من انباء الغيب من الله. وقد روى في الدر المنثور وغيره في إلقاء الأقلام وكيفيته روايات لا تنهض حجّة ٤٣( إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ ) الظاهر ان «إذ» هنا بدل أو عطف بيان لإذ المتقدمة في الآية الأربعين. فإن الظاهر هو ان قولي الملائكة في الآيتين كانا عند كبر مريم في زمان واحد أو زمانين متقاربين يليق اعتبارهما حينا واحدا كالسنة ونحوها. واما إبدالها من إذ يختصمون فبعيد جدا لأن الاختصام كان بحسب الظاهر في صغر مريم والبشرى في كبرها عند حملها بالمسيح واعتبار الزمانين في مثل ذلك حينا واحدا بعيد( يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) سمي عيسى بالكلمة لأنّه تكون في رحم أمه من غير فحل بل بكلمة الله وهو قوله «كن» وذلك كناية عن إرادته التكوينية بدون اسباب ومعدات فالمسيح بمنشئه كلمة من عند الله. ولأنى المراد بالكلمة هو الذكر جيء بالضمير في «اسمه» مذكرا باعتبار المعنى. والمسيح لقب لعيسى وابن مريم نسبة له ولكن يصح في التوسع أن يقال اسمه المسيح عيسى بن مريم. ولعل تسميته بالمسيح مأخوذة من العادة الاسرائيلية في الزعيم الروحاني يمسحه للزعامة الروحانية من هو قبله من الزعماء فصار ذلك لقبا للزعيم الروحاني فكان المسح وسام الروحانية كالتتويج للملك. ونص على نسبته لأمه لبيان ان نسبته في الولادة منحصرة بأمه ردا على من يسميه ابن الله. ولعل من ذلك ما اتفقت عليه الأناجيل في حكايتها عن كلام المسيح انه يعبر عن نفسه بابن الإنسان ليكون


وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)وَرَسُولاً إلى بَنِي إِسْرائِيلَ

____________________________________

ذلك ردا على من يزعم انه ابن الله بحسب الولادة( وَجِيهاً ) أي ذا جاه( فِي الدُّنْيا ) مستجاب الدعوة مختارا للرسالة قدوة للمؤمنين متبوعا للصالحين مظهرا للمعجزات والكرامات( وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ٤٤ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ ) بالأمور الإلهية وما ينفعهم حال كونه( فِي الْمَهْدِ ) وجملة يكلم حالية معطوفة على «وجيها» كجملة ومن المقربين ، ومن كلامه في المهد ما ذكر من أول الآية الحادية والثلاثين إلى آخر الرابعة والثلاثين من سورة مريم المكية( وَ ) يكلم الناس بالأمور الإلهية وتبليغ الرسالة حال كونه( كَهْلاً ) وفي ذلك بشرى لمريم بأنه (ع) يبلغ زمان الكهولة واشارة إلى انه لا يبقى بين الناس إلى زمان الشيخوخة. والمعروف انه (ع) أرسل إلى الناس وهو ابن ثلاثين ورفع إلى السماء بعد ثلاث سنين( وَمِنَ الصَّالِحِينَ ٤٥ قالَتْ رَبِّ أَنَّى ) ومن أين( يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَ ) الحال اني( لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ) لعلّ مرجع سؤالها إلى ان ولادتها هل تكون على جاري العادة بالتزويج. ومن هو زوجها الذي تلد منه لأن الولادة على غير العادة أمر غريب عجيب( قالَ كَذلِكِ اللهُ ) أي الله كذلك يرزقك على خلاف العادة المقدرة وإن لم يمسسك بشر فإنه( يَخْلُقُ ما يَشاءُ ) كيف شاء انه( إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) قد مضى الكلام في هذا في الآية الحادية عشرة بعد المائة من سورة البقرة ٤٦( وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ ) الواو عاطفة وجملة يعلمه للحال معطوفة في نسق الأحوال على وجيها. والمراد بالكتاب اما مصدر كتب أي الكتابة بيده واما كتاب غير التوراة والإنجيل أو نوع الكتب وذكرت التوراة والإنجيل لأهميتهما من باب عطف الخاص على العام( وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ ) وهي في الأصل اسم للكتاب الذي أنزل على موسى (ع) وهو في العبرانية اسم للشريعة. نعم جرى الاصطلاح أخيرا على ان كتب اليهود التي تسمى بالعهد القديم تسمى بالتوراة. والظاهر انه اصطلاح لا اعتداد به في هذا المقام( وَالْإِنْجِيلَ ) وهو الكتاب الواحد الذي أنزل عليه (ع). ويقال ان معناه في اليونانية القديمة «التعليم»( وَ ) حال كونه( رَسُولاً ) من الله( إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) باعتبار ابتدائه بهم في


أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

____________________________________

الدعوة( أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ) لما كانت دعوى الرسالة تؤيد بالحجة عليها كان ذكر المعجز يجعل الكلام كالصريح بما معناه حال كونه يقول لهم حجتي اني جئتكم. وقد ذكرنا(١) ان الحذف لما يدل عليه الكلام بسياقه باب من أبواب البلاغة عند العرب( بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) المراد نوع الآية وما يكون حجّة على الرسالة وإن كان ما جاء به آيات متعددة( أَنِّي ) المصدر المنسبك من «ان» وجملتها بدل من آية أو خبر لضمير محذوف يعود على آية والتقدير هي اني( أَخْلُقُ ) وأصور( لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ) وليس في ذلك آية فإن تصوير الطين مقدور للبشر( فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً ) حقيقيا( بِإِذْنِ اللهِ ) وخلقه له طبرا والحجة بإظهار الله لهذا المعجز على يد المسيح وفي التبيان ومجمع البيان في التفسير انه صنع من الطين كهيئة الخفاش ونفخ فيه فصار طائرا. ورواه في الدر المنثور مما أخرجه ابن جرير عن ابن جريح وابو الشيخ عن ابن عباس ولا ينهض شيء من ذلك حجّة( وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ ) وهو الذي يولد أعمى أو مطلق الأعمى( وَالْأَبْرَصَ ) وهو معروف( وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ ) وفعله وإنما نسب الإبراء والاحياء إليه لأنّه السبب ببركته ودعائه في ظهور هذا المعجز من الله على يده. وفي جمع الموتى دلالة على تعدد صدور الاحياء من الله بسببه. وفي الصافي في الكافي والعياشي عن أبي عبد الله (ع) وذكر احياء عيسى لصديقه. ورواه أيضا في الدر المنثور والقصة تشبه أن تكون قصة «اليعازر» المذكورة في إنجيل يوحنا( وَأُنَبِّئُكُمْ ) من الغيب( بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ) مما لا يدري به غيركم( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ ) كافية في إرشادكم بدلالتها القاطعة إلى الإيمان بأني رسول الله( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) بالله وانه بلطفه يرسل رسله لهداية عباده إلى الصلاح ودعوتهم إلى السعادة. وانه جل شأنه يمتنع على قدسه اظهار المعجز على يد الكاذب. أو ان كانت لكم ملكة الإيمان بما تقوم به الحجّة وتشهد له الآيات. لا ممن استحوذ عليهم الشيطان وأضلهم

__________________

(١) في تفسير سورة البقرة قبل الآية الثامنة والعشرين


(٤٧)وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٤٨)فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إلى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٤٩)رَبَّنا آمَنَّا

____________________________________

الهوى كما قال الله في سورة الأنعام ١١١( وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ) ـ ١٢٤( وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ ) ٤٧( وَمُصَدِّقاً ) أي وجئتكم حال كوني مصدقا( لِما بَيْنَ يَدَيَ ) أي لما تقدمني( مِنَ التَّوْراةِ ) «من» بيانية( وَلِأُحِلَ ) عطف على مصدقا( لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) في التوراة مما زال عنه مقتضى التحريم. ولعل منه ما في قوله تعالى في سورة النساء ١٥٨( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ )( وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) كرر ذكر الآية تأكيدا في الحجّة وتمهيدا لقوله( فَاتَّقُوا اللهَ ) وتحذروا من غضبه وعقابه بما يقيكم من ذلك كطاعته والإيمان بآياته وشهادتها لرسله( وَأَطِيعُونِ ) فإني أدعوكم إلى الله والى سبيل سعادتكم في الدنيا الآخرة( إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ) وإلهنا جميعا وخالقنا ومدبر أمورنا واليه مرجعنا وإني وإياكم عباده لا إله إلّا هو( فَاعْبُدُوهُ ) واخضعوا له خضوع العبد لإلهه. ومن عبادته أن لا تشركوا به شيئا( هذا ) أي تقوى الله وعبادته وطاعة الرسول في دعوته إلى الله وتوحيده ودين الحق( صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) لا يهتدي من ضل عنه ٤٨( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ) بآيات الله ورسالته( قالَ مَنْ أَنْصارِي إلى اللهِ ) أي في الدعوة إليه بالإيمان به وبآياته وما أرسل به رسوله( قالَ الْحَوارِيُّونَ ) في العيون مسندا عن الرضا (ع) انهم سموا حواريين لأنهم كانوا مخلصين في أنفسهم ومخلصين لغيرهم من أوساخ الذنوب بالوعظ والتذكير( نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ ) في الدعوة إلى دينه والجهاد في سبيل الحق( آمَنَّا بِاللهِ ) ولا نكفر ككفرهم( وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) داخلون في سلم الله لا نحاده ولا نخالف أوامره ونواهيه ولا نعانده فيما أمر به من الدعوة إلى سبيله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم التفتوا إلى التشرف بخطاب الله والاعتراف له بنعمة الإيمان والدعاء بدوام توفيقهم لذلك فقالوا ٤٩( رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ ) عيسى فيما جاء به من عندك( فَاكْتُبْنا ) بتوفيقك وتثبيتك( مَعَ الشَّاهِدِينَ )


بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ

____________________________________

بالحقّ الدائبين على ذلك. ثم التفت القرآن إلى حال الذين أحسّ عيسى منهم الكفر بقوله تعالى ٥٠( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) بعض اللغويين فسر المكر بالخديعة. وفي التبيان «والمكر وان كان قبيحا فإنما اضافه الله إلى نفسه لمزاوجة الكلام كما قال( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ) . والثاني ليس باعتداء وإنما هو جزاء» ونحوه في مجمع البيان. وكأنهم نظروا في ذلك إلى ان الكثير من استعمال الناس للفظ المكر هو فيما يساوق استعمالهم للفظ الخديعة من الإنسان لإيصال الضرر المحرم إلى غيره وبذلك يكون قبيحا. ولكن استعمال القرآن الكريم وبعض الموارد يرشد إلى ان المكر هو اعمال خفية على الغير في معاملته على غفلة منه عنها. وقد جاء في القرآن الكريم منسوبا إلى الله بدون مزاوجة كقوله تعالى في سورة الأعراف ١٩٧( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إلّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) وقال الله هنا وفي سورة الأنفال ٣٠( وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) فأطلق لفظ الماكر عليه جل شأنه وعلى غيره يعني الظالمين بلفظ واحد ولا يجوز استعمال اللفظ الواحد في المعنى الحقيقي والمعنى المجازي معا. وعموم المجاز يأباه المقام. وقد ورد في الدعاء في خطاب الله «ولا تمكر بي في حيلتك» بدون مزاوجة. وفي نهاية اللغة «وفي حديث الدعاء اللهم امكر لي ولا تمكر بي». واما ما أسنده ابن بابويه عن الرضا (ع) من قوله ان الله لا يمكر ولكنه يجازي على المكر فإن في سنده جهالة وإهمال ويمكن أن يريد نفي المكر بالمعنى الذي يساوق الخديعة لإيصال الضرر القبيح كما ذكرناه. وإلّا فإن عرض الرواية على ما ذكرناه من القرآن كما أمرنا به أهل البيت يوجب الوثوق بعدم صدورها عنهمعليهم‌السلام . هذا ولعل المراد من مكرهم ما يذكر من انهم قالوا لملكهم ان عيسى يطلب الملك لنفسه فوافقهم على صلبه وقتله. والمراد من مكر الله هو إلقاء شبه المسيح على غيره ورفعه إلى السماء. وفي تفسير القمّي مسندا عن الباقر (ع) ان المسيح قال لأصحابه أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويكون معي في درجتي فقال شاب أنا يا روح الله فقال فأنت هوذا. ونحوه في رواية الدر المنثور مما أخرجه عبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس. وروى عن وهب بن منبه مما أخرجه عنه عبد بن حميد وابن جرير ان الذي القى عليه شبه المسيح


(٥١)إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٢)فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ

____________________________________

وصلب هو الذي كان من أصحابه وأخذ من اليهود ثلاثين درهما فدلهم على المسيح ليقتلوه. ونحوه في التفسير الذي أبطلنا نسبته للإمام العسكري (ع). كما حكى نحو ذلك في إنجيل برنابا وانه يهوذا الاسخريوطي. والله العالم. ولعل السر في هذا التشبيه هو انه لو غيب عنهم المسيح ورفع إلى السماء في الخفاء لا تهموا اهله والمؤمنون به بإخفائه فعمهم البلاء وكثر فيهم القتل والتنكيل وفضيحة النساء طلبا لإظهاره. ولو رفع إلى السماء ظاهرا بمرأى من الناس لاستحكمت شبهة ألوهيته وسرت حتى إلى بعض المؤمنين والله خير الماكرين فإن مكره وتدبيره الخفي لا يكون إلّا جاريا على الحكمة لا يفوته اللطف بالعباد ٥١( إِذْ ) ظرف لمكر الله( قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ) أي آخذك من بين الناس ومن عالم الأرض وقد مضى الكلام على ذلك في الفصل الرابع من المقدّمة( وَرافِعُكَ إِلَيَ ) قال جل شأنه (الي) وهو لا يحويه مكان ولا يخلو منه مكان تكريما للمسيح وتفخيما لغاية الرفع من الأرض التي فيها الكافرون والفساق إلى السماء الممحضة لتسبيح الله وتقديسه فكنى عن ذلك برفعه إلى الله( وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) اي من رجس قربهم والابتلاء بمجاورتهم( وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) اما النصارى فليسوا ممن اتبع المسيح كيف وقد أشركوا بالله وألهوا المسيح ، وثلثوا الآلهة ولم يبقوا لهم شريعة وأن أناجيلهم وكتبهم لتقول ان المسيح لم يبطل شريعة التوراة بل هم من بعده أبطلوها. وأن الذين اتبعوه على دين الحق ملة إبراهيم انما هم المؤمنون الموحدون حق التوحيد من قومه ومن بعدهم المسلمون بدعوة رسول الله. وعبر بالماضي باعتبار المؤمنين من قومه فإن جنس الذين اتبعوه قد مضى له التحقق باعتبار بعضه فهم فوق الذين كفروا مستمرين على ذلك( إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ) بالحشر جميعا( فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) من التوحيد والإيمان وشريعة الحق ٥٢( فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) كما ابتلوا بذلك البلاء العظيم من القتل العام والذلة الشاملة في


(٥٣)وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٤)ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٥)إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٦)الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٥٧)فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ

____________________________________

حادثة طيطوس وبقوا بعد ذلك للقتل والجزية وذلة المحكومية ٥٣( وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ ) الله وفيه التفات من التكلم في مقام الإرهاب بسطوته إلى الغيبة في مقام ثقة المؤمنين بالجزاء( أُجُورَهُمْ ) وذلك اشرف الغايات( وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ٥٤ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ) بالوحي يا رسول الله( مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ ) أي القرآن( الْحَكِيمِ ) . ولما ذكر الله ولادة المسيح من مريم من غير فحل على خلاف العادة. وقد أثار الضلال من ذلك شبهتين بين الناس إحداهما تهمة اليهود لمريم والثانية زعم النصارى انه ابن الله. فلذلك احتج على الفريقين بما يعرفونه ويعترفون به من خلقة آدم فما ذا يقول اليهود في آدم. وماذا يقول النصارى فيه فقال جل وعلا ٥٥( إِنَّ مَثَلَ عِيسى ) في تصرف القدرة الإلهية بولادته بما هو بشر على خلاف العادة( عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ ) وصوره( مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ ) بشرا حيا( فَيَكُونُ ) لم يقل جل شأنه «فكان» لأن الماضي لا يدل على لزوم ترتب الكون على ان يقال «كن» بل هو يعم الترتب اتفاقا بل هذا هو الظاهر والقدر المتيقن منه فجيء بالمضارع ليدل على الملازمة وانه جلت قدرته إذا قال لشيء كن فإنه يكون لا محالة ٥٦( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) أي الاخبار بأحوال المسيح هو الحق من ربك( فَلا تَكُنْ ) ايها السامع( مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) الشاكين. أو يكون الخطاب لرسول الله (ص) على النحو الذي ذكرناه في الآية الثانية والأربعين بعد المائة من سورة البقرة ٥٧( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ ) أي في عيسى زاعما انه إله وابن الله متشبثا بولادته من غير فحل. والمحاجة تبادل الاحتجاج. والحجة أعم من البرهان الصحيح والجدل الفاسد كما أشرنا إليه في سورة البقرة ١٤٤( مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ) المعقول والمحسوس والموحى به من أن الله جل شأنه واحد لا يكون ثلاثة ولا شريك له في الإلهية ولا يلد. وان البشر الجسماني المتحيز المتغير الذي يجوع ويتألم ويبكي ويحزن ويحتاج لا يعقل أن يكون إلها. وان خلق الله للحيوان


فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ

____________________________________

والإنسان لا يتوقف على التولد من ذكر وأنثى كما هو المعروف في الفار والدجاج وتتم العبرة بخلق آدم( فَقُلْ ) لهم قطعا للمعاذير وحسما لإصرارهم على الغي والضلال بعد ما جئت به من الحق والحجة القاطعة مما جاءك من العلم هلم إلى المباهلة والدعاء بأن يلعن الله الكاذبين في دعاويهم ويبطش بهم ويهلكهم ويخزيهم( تَعالَوْا نَدْعُ ) أنا وأنتم لهذه المباهلة وعاقبتها المخوفة أهم من يحافظ الإنسان على سلامته وحفظ شرفه وصونه ومقامه في الحياة( أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ ) والمقصود أهم من ينسب إلى الشخص من النساء في مقام الاهلية والرابطة العرضية اللازمة كالأم والأخت والبنت دون الزوجة التي تدنو بكلمة التزويج وتبعد بكلمة الطلاق( وَأَنْفُسَنا ) أي وندع أنفسنا ولا بد من أن يكون الداعي غير المدعو والمراد هو الشخص الذي يرى داعيه ان وجوده في الأثر والمزايا والفضيلة والغاية بمنزلة وجوده في ذلك أو اقرب الناس إلى مقام وجوده وما يطلبه من غاية وجوده وبذلك يقول هذا نفسي بتنزيل صحيح ومجاز مقبول( وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ) نحن أو نحن وهم أي ندعو باللعن( فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ ) والمراد نكاله وعقابه الدنيوي( عَلَى الْكاذِبِينَ ) وقد اتفقت الرواية في شأن النزول ان نصارى نجران(١) وفد بعض من زعمائهم الروحانيين على رسول الله (ص) في المدينة فاحتج (ص) عليهم في أمر عيسى وانه بشر رسول من الله وليس بإله كما يزعمون فلم ينيبوا إلى الحق بدلالة الحجّة النيرة فأمر الله رسوله أن يدعوهم إلى المباهلة فدعاهم بمقتضى الآية الكريمة فقال بعضهم لبعض ان جاءنا بأهله وخاصته فهو على يقين من أمره فلا تباهلوه. فغدا (ص) عليهم للميعاد ومعه عليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم. وفي حديث مسلم والترمذي والحاكم وابن المنذر

__________________

(١) نجران من مخاليف اليمن من ناحية مكة. والمخلاف في لغة اليمن كالكورة والصقع في غيرها وكالرستاق في العراق. وذكرت لتنصر أهلها اسباب لا يعول على نقلها ولا تلائم الحقيقة بصحتها. وفد اساقفتهم على رسول الله (ص) فدعاهم إلى المباهلة فلما صار الغد أبوا وصالحوه سنة عشرة من الهجرة وكتب لهم بذلك كتابا ويروى انه لما ولي أبو بكر أمضاه ولما ولي عمر اجلاهم واشترى منهم أموالهم


والبيهقي عن سعد ان رسول الله (ص) قال اللهم ان هؤلاء أهل بيتي فأبى أولئك أن يباهلوه وعاهدوه على الجزية. وفي رواية ابن اسحق والثعلبي والكشاف والرازي وأبي السعود وغيرهم في تفاسيرهم والمالكي في الفصول المهمة ان اسقف نجران قال اني لأرى وجوها لو سألوا الله ان يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تبتهلوا. وفي حديث جابر كما في مستدرك الحاكم واسباب النزول للواحدي وغيرهما «أبناؤنا الحسن والحسين. ونساؤنا فاطمة. وأنفسنا علي بن أبي طالب» وفي صواعق ابن حجر اخرج الدارقطني ان عليا (ع) يوم الشورى احتج على أهلها فقال أنشدكم بالله هل فيكم أحد اقرب إلى رسول الله (ص) في الرحم مني ومن جعله نفسه وأبناءه أبناءه ونساءه نساءه غيري قالوا اللهم لا. الحديث أقول والقدر المشترك في الأحاديث هو ان رسول الله (ص) دعا عليا وفاطمة والحسن والحسين (ع) ليباهل بهم نصارى نجران رواه الفريقان بأسانيدهم عن جماعة من الصحابة والتابعين وأئمة أهل البيت. ففي كتب أهل السنة أخرجه مسلم والترمذي في جامعيهما وابو نعيم في الدلائل والبيهقي في سننه وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم في مستدركه وابن مردويه والثعلبي في تفسيره والواحدي في اسباب النزول وابن اسحق في المغازي وموفق بن أحمد وابن المغازلي والحمويني والمالكي في فصوله والسيوطي في الدر المنثور وغيرهم بأسانيدهم عن سعد بن أبي وقاص وجابر وابن عباس وعليا اليشكري وجد سلمة. وعن الشعبي والحسن والسدي ومقاتل والكلبي. بل ذكره جل المفسرين وقل ما يخلو من روايته كتاب تفسير. وفي كتب الشيعة أخرجه القمّي في تفسيره والمفيد في اختصاصه والصدوق في العيون والشيخ في اماليه عن عليّ أمير المؤمنين (ع) وعن أبي ذر (رض) ان عليا (ع) احتج بذلك يوم الشورى. وسعد بن أبي وقاص والحسن السبط (ع) وجد محمد بن المنكدر والصادق والكاظم والرضا والهاديعليهم‌السلام . فهذا الحديث مروي بالأسانيد المتعددة عن تسعة من الصحابة وخمسة من التابعين وستة من أئمة أهل البيت (ع) : ونتيجة الآية الكريمة والحديث القطعي هي ان اللهعزوجل أمر رسوله بأن يسمي علي نفسه ليبين للناس انه ثانيه من أمته في الفضيلة والغاية الكريمة والولاية العامة والزعامة الكبرى والقيام بأمر الأمة والدين وسياسته والإمامة التي هي دعوة إبراهيم في قوله «ومن ذريتي». وهل ترى غير الواجد لهذه المزايا يأمر الله رسوله بأن يسميه نفسه. ألا ترى انه لا يصح لأحد يعرف كيف يتكلم ان يقول


عن شخص آخر انه نفسي إلّا إذا كان ذلك الشخص في نظر القائل ثانيه في مزاياه والوجه المطلوب منه وثقته في ذلك. ولعمر الحق إنَّ هذا أمر جلي. ولقد تكرر من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بيان هذا المعنى المتجلي من قوله «وأنفسنا» كما امره الله وشرحه بعبارات متناسبة في الإيضاح واقامة الحجّة فهي «نور على نور» كقوله (ص) لعلي (ع) أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا انه لا نبي بعدي وقوله (ص) في ذلك المشهد العظيم في غدير خم مخاطبا للمسلمين «ايها الناس ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم» فلما قالوا اللهم بلى قال على النسق آخذا بضبع علي (ع) «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» وغير ذلك مما يضيق عنه هذا المقام. وهو مدون في كتب الفريقين كالشمس رأد الضحى. هذا وان ابن تيمية في كتاب منهاج السنة قد اعترف بصحة الحديث الدال على ان نفس رسول الله (ص) في الآية هو علي (ع) ولكن حاول ان يمنع ما أشرنا إلى وجهه الوضاح من الدلالة على امتياز امير المؤمنين بالفضيلة ومقام الإمامة في الأمة والزعامة الكبرى فقال ما ملخصه ان المراد بالأنفس في الآية هو من يتصل بالقرابة والقومية واستشهد لذلك بقوله تعالى( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) .( لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ) .( تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ ) . فقل له ان اضافة النفس قد تقع باعتبار نوع من الرابطة كالقرابة والجامعة القومية. فيقال أنفسكم وأنفسهم كما يقال رجالكم ورجالهم وانفس البلدة والمملكة. ولكن هل يخفى ان النفس إذا جعلت مقابلة للأقرباء بل اقرب الأقرباء كما في الآية وفي قوله تعالى في سورة التحريم ٦( قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً ) وفي سورتي الزمر ١٧ والشورى ٤٣( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ ) فلا تكون النفس مستعملة إلّا على وجه الحقيقة في نفس الإنسان الذي أضيفت إليه كما في آيات التحريم والزمر والشورى. أو على وجه المجاز والاستعارة لمن ينزل بما أشرنا إليه من وجوه الشبه بحسب كل انسان بمنزلة نفس الإنسان الخاصة به كما في هذه الآية لما ذكرناه من الدعوة والرواية الصحيحة المستفيضة المتفق عليها. ومن الظرائف ان ابن تيمية فطن إلى انه لو كان التعبير بالنفس ناظرا إلى القرابة لدعي العباس عم الرسول وأولاده وأمثالهم من بني هاشم فإنهم كانوا مسلمين مهاجرين في المدينة لأن وفد نجران جاء في السنة العاشرة أو التاسعة من الهجرة ولأجل ما فطن له قال في التخلص منه لأن العباس لم يكن من السابقين ولا كان له اختصاص بالرسول كعلي واما بنو عمه فلم يكن فيهم مثل علي انتهى فانظر إلى اضطراب هذا الرجل فإنه


بعد الاطناب في المغالطة والغفلة عن مقابلة النفس بأقرب الأقرباء رجع إلى الاعتراف بأن المقام مقام امتياز في الفضل الديني وكرامة المقام الأرفع بحيث يناسب ان يأمر الله رسوله بأن يعبر عن علي لأجل ذلك بأنه نفسه. ولا يخفى ان هذا ليدل على أقصى ما تسعه الاستعارة ووجه المجاز في التفوق بالكمال والولاية العامة بعد ما يختص بالرسالة تفوقا تلزمه الإمامة بعد رسول الله (ص)

وما عشت أراك الدهر عجبا فإن الشيخ محمد عبده مع تظاهره ورغبته بأن يعرف بحرية الضمير والنزعة. ونزاهة البحث كأنه التفت إلى حقيقة النتيجة من الآية الكريمة والحديث وفطن إلى ما يرد على شيخه ابن تيمية فيما قاله فأراد ان يسد بابا فتحه الله ورسوله على مصراعيه فقال في درسه على ما ذكره صاحب المنار في تفسيره. ان الروايات متفقة على ان النبي (ص) اختار للمباهلة عليا وفاطمة وولديها ويحملون كلمة نسائنا على فاطمة وكلمة أنفسنا على علي فقط ومصادر هذه الروايات الشيعة ومقصدهم منها معروف وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من أهل السنة ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية فإن كلمة «نسائنا» لا يقولها العربي ويريد بها بنته لا سيما إذا كان له ازواج وابعد من ذلك ان يراد بكلمة «وأنفسنا» علي (ع) أقول لماذا لا يقول العربي نساءنا نظرا إلى الجنس ومجانسة الجمع بالجمع في اللفظ وهو يريد بها بنته لأن ذلك أقرب إلى الحشمة من التصريح بابنته أو لغير ذلك من وجوه الكلام وهل يقول ان النساء لا تطلق إلّا على الأزواج. إذن فما ذا يقول بقول القرآن الكريم( فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ) .( وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ ) .( وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ) .( أَخَواتِهِنَّ أو نِسائِهِنَ ) .( وَلا نِسائِهِنَ ) . وكثير من مثل ذلك ولا حاجة إلى الاستشهاد بشعر العرب. ومما أشرنا إليه من وجوه الكلام هو بيان ان فاطمة (ع) هي الممتازة الوحيدة من ناحية الرسول من عنوان نساء الأهلين في فضيلتها واهميتها ولياقتها لهذا المقام وقد صح واستفاض عن رسول الله (ص) ان فاطمة سيدة نساء العالمين كما أشرنا إليه في تفسير الآية الأربعين. وكذا الكلام في التعبير بأنفسنا وارادة علي (ع) وحده وقد صح واستفاض عن رسول الله (ص) قوله لعلي (ع) أنت مني وانا منك كما رواه البخاري ومسلم عن البراء والحاكم عن علي (ع) والترمذي والحاكم عن عمران بن حصين. واحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن حبشي بن جنادة. واحمد والحاكم عن بريده وأبي رافع وابن أبي شيبة وابن جرير عن بريدة. وانه (ص) جعل


(٥٨)إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إلّا اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

____________________________________

عليا كنفسه كما رواه أحمد عن عبد الله بن حنطب من قوله (ص) لوفد ثقيف. وما أخرجه ابن النجار من أن ابن العاص سأل النبي (ص) عن حبه لعلي (ع) فقال ان هذا يسألني عن النفس. وفي اللئالئ المصنوعة عن ابن النجار أيضا عنه بسند آخر قال (ص) علي نفسي فمن رأيته يقول في نفسه شيئا. وعن أبي عمر الزاهد في كتاب اليواقيت عنه أيضا بسند آخر فقال (ص): ما ظننت أحدا يسأل عن نفسه. لكن إذا ذكرنا هذه الروايات وأمثالها قيل ان مصادرها الشيعة ومقصدهم منها معروف إلى آخر الكلام المتقدم ويحكم الله وهو خير الحاكمين وقد جاء الجمع وارادة الواحد منه في القرآن الكريم. أفلا يكفي من ذلك قوله تعالى في سورة الشعراء( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ إلّا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ) ونحوه( كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ ) . إلى آخره.( كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ ) . إلى آخره.( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ ) . إلى آخره.( كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ ) . إلى آخره. والمراد من المرسلين في كل من الآيات هو واحد.

ومن أين لنا أن يروى أحاديث المباهلة وأمثالها في فضل علي وأهل البيت مسندة إلى عصرنا عن أمثال عمران بن حطان ، ولمازة بن زياد ، وعبد الله بن شقيق ، ونعيم بن هند وجرير بن عثمان ، وأزهر بن عبد الله ، وابراهيم السعدي ، وأمثالهم ممن شهد علماء رجالهم بنصبهم العداوة لأهل البيت (ع) وإن تساهل في أمر أحدهم بعض كابن حجر في التقريب قال فيه «يرمى بالنصب» ـ وليت شعري ماذا أبقى هذا الشيخ من الشأن لحديثهم وجوامعهم ومحدثيهم وتفاسيرهم ومفسريهم إذا كان يروج على عامتهم مثل ما زعمه من الوضع ٥٧( إِنَّ هذا ) وهو ما ذكر من ولادة عيسى وخلق الله له واعترافه بأن معجزاته إنما هي بإذن الله وان الله ربّه ورب الناس. وأمره بعبادة الله. وغير ذلك مما يدل على أنَّ عيسى بشر مخلوق لله وأمره بيده وطوع قدرته( لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُ ) والذي يعترف النصارى به وتذكره كتبهم التي ينسبونها إلى الوحي( وَما مِنْ إِلهٍ إلّا اللهُ ) واين المسيح عيسى من الإلهية وقد جرى عليه من الاضطهاد ما جرى. ولم يزل يفزع بالدعاء والخضوع والتضرع إلى الله( وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ


(٥٩)فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)قُلْ يا أهل الْكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلّا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ

____________________________________

الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) في إلهيته وتقديره وتدبيره. وكل من عداه ذليل في مخلوقيته وحاجته فكيف يكون غير الله إلها معه ٥٨( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) عن تصديقك واتباع الحق( فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ) أي فإنهم مفسدون يريدون إغواء الناس واضلالهم إفسادا في الأرض والله عليم بهم يجزيهم جزاءهم ٥٩( قُلْ ) يا رسول الله( يا أهل الْكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ) أي مستوية بيننا وبينكم في تلاوتنا جميعا لها فيما هو من كتب الوحي أو ينسب إلى الوحي كما يوجد في توراتكم وأناجيلكم وسائر كتبكم التي تنسبونها إلى الوحي من توحيد الله وانه هو الإله والرب المدبر لخلقه وحده لا شريك له. ومن جملة ذلك في توراتكم عن قول الله «لتعلم ان يهوه(١) هو الإله ليس آخر سواه ـ ان يهوه هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل ليس سواه(٢) » «انا أنا هو وليس إله معي(٣) » ونحوه في التوحيد ونفي الشريك في المزمور الثامن عشر ٣١ وفي كتاب اشعيا ٤٤ : ٦ و ٨. وفي سفر التثنية من التوراة ٦ : ٤ وفي إنجيل مرقس ١٢ : ٢٩ يهوه إلهنا يهوه واحد. وفي إنجيل يوحنا ١٧ : ٣ وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك انك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ـ وهذه الكلمة هي أن لا نخضع خضوع العبد لإلهه من حيث انه إله كما هو معنى العبادة و( أَلَّا نَعْبُدَ أَلَّا اللهَ ) وحده( وَلا نُشْرِكَ بِهِ ) في العبادة ونسبة الإلهية( شَيْئاً ) ولا نقول لشيء غير الله انه إله( وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا ) معاشر البشر( بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ ) فان الله إذا قال أنا هو الرب والرب واحد. فإن قولكم ان البشر رب كما قلتم في عيسى يرجع إلى جحد ربوبية الله ويكون جعلا للبشر الحادث والخاضع للآلام وحاجة البشريّة وكوارثها ربا من دون الله. أو يكون المعنى أربابا في المرتبة النازلة عن مرتبة الله كما هو رأي الوثنيين في شركائهم بأي عنوان كان من التنزلات الموهومة. ولا مانع من أن يخاطب اليهود ، والنصارى بأمر مشترك بينهم وفي

__________________

(١) يهوه في العبرانية اسم علم لله جل اسمه كما تصرح به التوراة في سفر الخروج ٣ : ١٥ و ٦ : ٣

(٢) سفر التثنية ٤ : ٣٥ و ٣٩

(٣) التثنية ٣٢ : ٣٩


فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٢)يا أهل الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ

____________________________________

الأثناء يذكر ما يخص النصارى. أو ان ذلك شامل لليهود باعتبار قولهم( عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ تَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ) . كما في سورة التوبة. والظاهر ان المراد يضاهون قول البراهمة والبوذيين وغيرهم في نسبة الابن إلى الله باعتبار التنزل في الإلهية. وربما يكون اتخاذ الأرباب هنا على حد قوله تعالى في سورة التوبة ٣١( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ ) ففي الكافي والمحاسن عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق (ع) انهم أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون. وعن المحاسن أيضا عن الصادق (ع) نحوه. ونحوه ما أخرجه الترمذي وجماعة ذكرهم في الدر المنثور في سورة التوبة عن عدي بن حاتم عن رسول الله (ص) وعن جماعة أيضا عن حذيفة وعن المحاسن وايضا بسند فيه إرسال عن الباقر (ع) ما صلوا لهم ولا صاموا ولكن أطاعوهم في معصية الله. وفي الدر المنثور أيضا اخرج أبو الشيخ والبيهقي عن حذيفة وذكر نحوه. وعن العياشي برواياته عن الصادق والباقر (ع) نحو ما ذكرناه عنهما (ع). وفي مجمع البيان عن تفسير الثعلبي باسناده عن عدي بن حاتم في آية التوبة قلت أي لرسول الله انا لسنا نعبدهم فقال (ص): أليس يحرمون ما أحله الله فتحرمونه ويحلون ما حرمه الله فتستحلونه قلت بلى قال (ص) فتلك عبادتهم. وقيل( كَلِمَةٍ سَواءٍ ) أي عادلة وما ذكرناه ابلغ في الدعوة واظهر في الحجة. لاستظهارها بالالزام بما في كتبهم واشارتها إلى ان الاستواء في هذه الكلمة يشير إلى انها من أساسيات كتبهم وأوليات العقل ولباب المعقول ، وبينات البداهة( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) بسوء اختيارهم وغيهم ولم يقبلوا على هذه الدعوة الوحيدة في الكرامة( فَقُولُوا ) لهم أنت يا رسول الله والمسلمون( اشْهَدُوا ) واعلموا مما تشاهدونه من حالنا في التوحيد واشهدوا علينا تثبيتا لاعترافنا بالحق وانا على بصيرة من أمرنا( بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) لله لا نحادّه بالشرك ولا نتخذ غيره ربا ٦٠( يا أهل الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ ) ويزعم اليهود انه يهودي ويزعم النصارى انه نصراني ، وتتشبثون في حجتكم الداحضة بمجرد الدعاوي المستحيلة. والحال ان غاية التشبثات لليهودية ترجعونها إلى رسالة موسى ونزول التوراة عليه. وغاية التشبثات للنصرانية ترجعونها إلى رسالة المسيح ونزول الإنجيل فضلا عن أن الرائج من اليهودية والنصرانية إنما هو من البدع التي حدثت بعد موسى


وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إلّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٣)ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٤)ما كانَ إبراهيم يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٥)إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٦)وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أهل الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ

____________________________________

والتوراة والمسيح والإنجيل. وأين ذلك من إبراهيم( وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إلّا مِنْ بَعْدِهِ ) بقرون عديدة( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) كيف تتكلمون وكيف تدعون ٦١( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ) بعينكم أي لا أوجه الخطاب والتوبيخ إليكم باعتبار ما فعله اسلافكم بل أنتم بأنفسكم( حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ) أي أخذتم في محاجتكم أمورا معلومة فصرتم تغالطون فيها وتتشبثون بها وذلك كرسالة موسى والتوراة فصرتم تلصقون بها مزاعمكم الفاسدة. وكولادة عيسى من غير فحل وبعض معجزاته فصارت النصارى تزعم من ذلك ان عيسى المولود من مريم إله مع الله( فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ) بل هو من المستحيلات بلا مغالطة فيه بالتشبث الواهي بأمر معلوم( وَاللهُ يَعْلَمُ ) حالكم والحقيقة واضحة( وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ٦٢ ما كانَ إبراهيم يَهُودِيًّا ) يقول في الإله (الوهيم) بصيغة الجمع كما ملأوا منه توراتهم الرائجة. وكما كتبوا في كتاب ارميا ٢٣ : ٣٦ الوهيم حييتم يهوه صيباؤت الوهينو» أي الآلهة الاحياء رب الجنود آلهتنا. ولا يقول بفلتات توراتهم في الجرأة على جلال الله. كما في نهي آدم عن الشجرة وحكاية برج بابل ومصارعة يعقوب وغير ذلك مما ذكر بعضه في الجزء الأول من «المدرسة السيارة»( وَلا نَصْرانِيًّا ) يثلث الآلهة ويأله البشر وينسخ الشريعة بالكلية بمجرد الاستحسان( وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً ) موحدا بحقيقة التوحيد( مُسْلِماً ) أي داخلا في سلم الله في توحيده وحقيقة عرفانه وطاعته( وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٦٣إِنَّ (١) أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ) على حنيفيته وإسلامه وملته في الدين من الأنبياء والموحدين الصالحين من الناس( وَ ) على الخصوص( هذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) معه فإن هذا النبي من اكبر الداعين إلى الإسلام ملة إبراهيم على حقيقتها( وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ٦٤وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أهل الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ) ودت بمعنى تمنت. ولو يضلونكم تفسير لها. والاستقبال


وَما يُضِلُّونَ إلّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٧)يا أهل الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٦٨)يا أهل الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٦٩)وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أهل الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٠)وَلا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ

____________________________________

إنما هو بالنسبة للتمني لا للخطاب( وَما يُضِلُّونَ إلّا أَنْفُسَهُمْ ) إذ يزيد على ضلالها بضلالها في محاولة إضلال المؤمن الموحد على بصيرة من أمره( وَما يَشْعُرُونَ ٦٧يا أهل الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) بأنها من الله بحسب ما تتلونه من كتب وحيكم من التوراة والإنجيل وغيرهما في البشرى بها وبالرسول الذي يأتي بها بحيث يتعين مما تتلونه ارادة هذه الآيات بخصوصها أو المراد وأنتم تشهدون وتعاينون ما يدل على انها من الله ٦٨( يا أهل الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ ) أي تجعلون الباطل لباسا على الحق تغطونه به محاولة لحجبه ومخادعة في أمره لتموهوا أمركم( وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) به ٦٩( وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أهل الْكِتابِ ) الظاهر انهم من اليهود قالوا لبعض قومهم تعليما لهم بمخادعة المؤمنين في محاولة اضلالهم عن الحق( آمِنُوا ) أي تظاهروا بالإيمان الصوري( بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ ) أي في أوائله( وَاكْفُرُوا ) أي وصارحوهم بالكفر والارتداد( آخِرَهُ ) فلعل المسلمين من هذه المخادعة يحسبون ان كفركم به وارتدادكم في يومكم كان عن بصيرة وعلم منكم بانكشاف خطأكم في إيمانكم به وجه النهار و( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) بهذه الخديعة عن إيمانهم ويرتدون عن دينهم ، روى القمّي في تفسيره عن أبي الجارود عن الباقر (ع) في هذا المقام رواية ضعيفة بأبي الجارود بعيدة الانطباق على الآية وقالت تلك الطائفة أيضا لقومهم في اغوائهم واغرائهم بالدوام على الضلال وكتمان الحق ٧٠( وَلا تُؤْمِنُوا ) أي ولا تبدوا إيمانكم بما في كتب وحيكم من أن الله يؤتي النبوة والوحي نبيا مثل موسى بنحو يتعين منه نبي المسلمين ولا تعترفوا بذلك( إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ) وكان منكم فإنه يخفيه كما نخفيه( قُلْ ) لهم يا رسول الله أتحسبون ان الهدى إلى الحق منوط في حصوله وعدمه باعترافكم بما في توراتكم وكتبكم واظهاركم الايمان كلا بل( إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ ) يهدي من يشاء بلطفه ممن لم يتعصب على الحق إلى سواء السبيل


أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أو يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧١)يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٢)وَمِنْ أهل الْكِتابِ من أن تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ من أن تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ

____________________________________

وجملة «قل ان الهدى» ، معترضة في أثناء كلامهم في الإغواء جيئ بها للتعجيل في تقريعهم وتسفيه رأيهم في غوايتهم( أَنْ يُؤْتى ) اي ولا تؤمنوا لغير من اتبع دينكم بان يؤتى( أَحَدٌ ) من غيركم( مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ) باعتبار انبيائكم وكتبكم من النبوة والرسالة والكتاب والشريعة ويكون على وفق ما طلبتموه من موسى فأخبركم بان يقيم نبيا من إخوتكم بني إسماعيل كموسى ويجعل كلامه في فيه( أَوْ ) تؤمنوا لهم بأنهم( يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ) بما أخبركم به في شأن رسول الله وقرآنه كلام الله وان لهم عليكم الحجّة عند الله بما تعرفونه من الحق(١) أو ان المعنى قل ان الهدى هدى الله بان يؤتي احد إلى آخره فتكون جملة ان يؤتى متعلقة بما أمر الله رسوله ان يقوله لهم وعلى هذا يكون قوله تعالى قل ان الفضل تكرر للأمر بالقول بدون توسط كلام اجنبي يقتضيه والأظهر هو الوجه الأول. وقد نقل في التبيان ومجمع البيان وجهان آخران لا اعتداد بهما( قُلْ ) يا رسول الله في تسفيه رأيهم فيما قالوه وتواصوا( إِنَّ الْفَضْلَ ) ومنه الرسالة والشريعة والتوفيق لاجابة الدعوة إليهما ونصرة الدعوة وإعلاء كلمتها وظهور الهدى وفلج الحجّة وشوكة دين الحق وانتظام جامعته( بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ ) في فضله ولطفه ورحمته وقدرته( عَلِيمٌ ) بمن هو أهل للرسالة وإيتاء الفضل ٧١( يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ ) بالفضل والهدى( مَنْ يَشاءُ ) اختصاصه بذلك من عباده لاهليته لذلك( وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٧٢وَمِنْ أهل الْكِتابِ من أن تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ ) مر تفسير القنطار في الآية الثانية عشرة( يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) تمسكا بحكم العقل والفطرة بقبح الخيانة في الأمانة فإن قبولها عهد بحفظها وردّها وقد نهت شريعة الحق عن الخيانة فيها( وَمِنْهُمْ من أن تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ ) وهو مثقال شرعي من الذهب يساوي نحو نصف ليرة عثمانية( لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ) في المطالبة والحجة والقوة( ذلِكَ ) اي خيانتهم للأمانة( بِأَنَّهُمْ ) في مزاعم ضلالهم( قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) في الإثم وحرمة أموالهم

__________________

(١) وقد مضى فى شأنهم مثل هذا المعنى في سورة البقرة ٧١


بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٢)بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٣)إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ

____________________________________

قيل ان المراد من الأميين نوع العرب باعتبار ان الغالب منهم لا يقرءون ولا يكتبون. ويحتمل ان يراد منهم من عدى بني إسرائيل فإنهم ينسبونهم إلى الأمة والأمم. ويحتمل ان يريدوا اتباع رسول الله الامي. ولعلهم يغالطون لنفي السبيل بما في توراتهم من انها نهتهم عن الانتقام والحقد على أبناء شعبهم. وعن السعي والوشاية بين أبناء شعبهم. وعن شهادة الزور على قريبهم. فيزعمون من ذلك ان غير الاسرائيلي مهدور الحرمة في الأحكام الاجتماعية العقلية ومن ذلك أداء الأمانة( وَيَقُولُونَ ) في نفي السبيل وخيانة الأمانة( عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) انه كذب منهم. فإنهم مع حكم العقل يقرءون مما بقي في شريعة الحق في توراتهم ان الأمانة يجب ردها مطلقا. وان جحد الأمانة والوديعة خطيئة وذنب. وانهم منهيون عن السرقة والكذب والغدر من دون حصر لهذه الأحكام بالإسرائيلي. كما في الفصل السادس والتاسع عشر من سفر اللاويين ٧٢( بَلى ) عليهم في الأميين سبيل وهم مسؤلون عن الأمانة والوفاء بعهدها. وما أحسن الوفاء بالعهد( مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ ) في كتب اللغة أوفى بمعنى وفى. أقول والمستعمل في القرآن الكريم هو أوفى. وأوفى. وأوف. وأوفوا والموفون ، وكلها من أوفى والظاهر ان الضمير في عهده يعود إلى الموصول «من» وقيل يرجع إلى لفظ الجلالة من قوله تعالى( وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) . وهو بعيد مع ان قبول الأمانة لا يتضمن عهدا مع الله وإنما يتضمن عهدا مع صاحبها. وان نفس الوفاء بالعهد محبوب لله ولكن ما كل من أوفى بعهده محبوب لله ، بل من أوفى( وَاتَّقى ) الله أي اتقى غضبه وعقابه بالأعمال الصالحة وطاعته في أوامره ونواهيه وكانت له التقوى ملكة ومذهبا( فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) الذين ديدنهم المحاذرة من أن يعرض الله بوجهه الكريم عنهم والعياذ بالله ٧٣( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ ) أي بعهدهم مع الله( وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً ) يتعلق الاشتراء بالثمن كما يتعلق بالمبيع. والثمن في الحقيقة احد المبيعين والعوضين( قَلِيلاً ) مهما كان مما تحملهم اهواؤهم لأجله على الحنث ونقض العهد( أُولئِكَ لا خَلاقَ ) أي لا نصيب ولا حظ( لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ ) لعله كناية عن مقته لهم


وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٤)وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي

____________________________________

وسخطه عليهم( وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) أي لا يعطف عليهم برحمته( وَلا يُزَكِّيهِمْ ) بالعفو والمغفرة( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ٧٤وَإِنَّ مِنْهُمْ ) أي من أهل الكتاب( لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ) زيادة على ما نابه من التحريف أي يفتلون ألسنتهم ويحرفونها في قراءتهم إلى ما ليس فيه( لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ ) نوع( الْكِتابِ ) مطلقا بل هو زيادة وتحريف جديد منهم( وَيَقُولُونَ ) في غلوائهم في الضلال والكذب على الله فيما لووا إليه ألسنتهم بالكذب منهم( هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) انه كذب منهم وافتراء على الله ٧٥( ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ ) يرسله الله هاديا لعباده إلى الحق و( يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ ) في مجمع البيان أي العلم وفي الكشاف الحكمة. ولكن كل منهما بعيد عن اللفظ. فالظاهر انه سيطرة الرسالة والدعوة والإرشاد( وَالنُّبُوَّةَ ) في بيان الحقائق( ثُمَ ) بعد هذا كله( يَقُولَ ) ذلك المبشر الرسول( لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي ) ومما يدل عليه هذه الآية أمور ثلاثة ـ الأول ـ ان البشر المتكون في الرحم تدريجا جمادا بلا روح. ثم تتعلق به الروح. ثم يولد ضعيفا فقيرا في جميع أحواله لا علم له. ثم يتدرج في المعرفة والخروج من الجهل ومشابهة البهائم شيئا فشيئا. ويعيش على فقره وضعفه في جميع أموره يتألم ويجوع ، ويعطش ويحزن ويخاف ويضطهد. هذا كيف يعقل وكيف يتوهم المتوهم أن يكون إلها واجب الوجود خالقا ـ الثاني ـ انه وإن اتفق لبعض البشر الناقصين أن يطغى بفساده ونقصه ويدعي الإلهية ويدعو الناس إلى عبادته. ولكن ليس من السائغ والممكن في المعقول أن يكون البشر الموصوف في الآية يدعو الناس إلى عبادته ويدعي الربوبية والإلهية. فإن الله هو الحكيم العليم بما يكون من عباده. فكيف وهو القدوس يخالف حكمته وعلمه ويؤتي الكتاب والحكم والنبوة لمن يعلم انه يدعو إلى الشرك تعالى عن ذلك ـ الثالث ـ الإخبار بأن ذلك لم يقع ولا يقع لأنّه من المستحيل على جلال الله. فتكون الآية


مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ

____________________________________

الكريمة دالة ببرهانها الواضح على بطلان دعوى من ادعى الإلهية والربوبية للبشر. وبطلان الدعوة إلى عبادة البشر وردا وتوبيخا على ذلك. وهذا كله بعمومه شامل للنصارى ويكون ردا وتكذيبا لهم فيما ينسبونه إلى المسيح في إنجيل يوحنا ١٠ : ٣٣ ـ ٣٦ من انه ادعى الإلهية واستشهد بالعدد السادس من المزمور الثاني والثمانين. وما ينسبونه أيضا في اناجيل متى ٢٢ : ٤١ ـ ٤٦ ومرقس ١٣ (٣٥ ـ ٣٨ ولوقا ٢٠ : ٤١ ـ ٤٥ من انه ادعى الربوبية محتجا بقول داود في أول المزمور العاشر بعد المائة «قال الرب لربي» مع ان في الاستشهاد تحريفا معنويا ظاهرا وفي الاحتجاج الثاني تحريف لفظي لما في المزامير العبرانية فإن ترجمته الصحيحة «قال الله لسيدي» وماذا تنفع المزامير إذا ذكرت مستحيلا في المعقول لا ينطلي على العارف بالله وقد ذكرنا من ذلك شيئا في الجزء الأول من كتاب «الهدى» صفحة ١١٥ و ١١٦ و ١٩٨ والجزء الأول من «المدرسة السيارة» صفحة ٧٣ من الطبعة الثانية. وتكون الآية أيضا توبيخا لهم على تناقضهم في قولهم ان المسيح بشر آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة وتعمد أي اغتسل على يد يحيى بن زكريا غسل التوبة ونزل عليه الروح بشكل حمامة كما تصرح بهذا كله أناجيلهم. وقولهم انه «وحاشاه» ادعى الإلهية والربوبية. ومعنى ذلك دعوة الناس لأن يكونوا عبادا له( مِنْ دُونِ اللهِ ) فإن دعوة البشر إلى عبادته جحد في الحقيقة لمقام الإلهية وتحويل لواجب الله من العبادة له إلى غيره من البشر( وَلكِنْ ) البشر المنوه بفضيلته في الآية يقول للناس( كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ) في النهاية الرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون للمبالغة. وفي التبيان والقاموس والنهاية كما يقال دم بحراني منسوب إلى البحر وهو قعر الرحم أو البحر المعروف لسعته. وكما يقال رقباني لعظيم الرقبة كما في التبيان والقاموس ولحياني لعظيم اللحية ولعله إلى هذا يرجع تفسير الربانيين بالعلماء الفقهاء أو الحكماء الأتقياء أو الحكماء العلماء وفسرت هذه الكلمة أيضا بمدبري أمر الناس في الولاية بالإصلاح كربان السفينة أخذا من الربان الذي يرب أمر الناس بتدبيره له وإصلاحه إياه. ويدفع هذا الأخير أولا ان مقتضاه ان يقال ربانين بلا نسبة «وثانيا» ان الرسول لا يقول لكل الناس كونوا مدبرين لأمر الناس في الولاية بالإصلاح بل ان مقام الولاية بالإصلاح والتدبير انما يكون لآحاد مخصوصين من الناس وسوق الآية


بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٦)وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٧٧)وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ

____________________________________

لا يناسب التخصيص. والتفاسير المتقدمة لم ينظر فيها إلى اللفظ وانما أخذت من مخايل معناه فالرباني هو المتعلق في أحواله ومعارفه واعماله بالانتساب إلى الله مولاه رب العالمين فيما يحبه ويرضاه وهذا هو الجامع لدعوة الرسول للناس وإصلاحها( بِما كُنْتُمْ ) اي بمقتضي ما كنتم( تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) في الدين وتعاليم الوحي ٧٦( وَلا يَأْمُرَكُمْ ) عطف على يقول للناس المنفي بمفاد «ما كان»( أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً ) من دون الله فإنه كفر بالله( أَيَأْمُرُكُمْ ) وكيف يأمركم( بِالْكُفْرِ ) ويدعوكم إليه( بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) داخلون في سلم الله بالإيمان به وتوحيده. وهو رسول الله العليم الحكيم والداعي إلى الله فكيف يصدر منه ما يحيله العقل على رسل الله وأنبيائه ٧٧( وَإِذْ ) واذكر في الكتاب. أو تكون «إذ» ظرفا لقوله تعالى فيما بعد( قالَ أَأَقْرَرْتُمْ )( أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ) في الآية وجهان وروايتان ـ أحدهما ـ أن يكون الميثاق للنبيين على قومهم كما تقول إذا عاهدت الله اني قد جعلت علي عهد الله وميثاقه. ويكون الميثاق للنبيين باعتبار تبليغه لأممهم وتوثيقه عليهم وان كان الله آخذه بوحيه وامره للنبيين بأخذه على قومهم. ففي التبيان روى عن أبي عبد الله يعني الصادق (ع) انه قال (ع) تقديره وإذا أخذ الله ميثاق امم النبيين بتصديق نبيها والعمل بما جاء به وانهم خالفوهم فيما بعد وما وفوا به وتركوا كثيرا من شريعته وحرفوا كثيرا منها وكذا في مجمع البيان. وفي تفسير صاحب المنار عن الصادق (ع) هو على حد قوله تعالى( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ) فالخطاب للنبي والمراد أمته عامة. ثم ذكر عن شيخه محمد عبده نسبة ذلك إلى الصادق. أقول ولم أجد الرواية في العاجل مسندة. نعم في تفسير البرهان عن العياشي عن حبيب السجستاني عن الباقر (ع) ما يرجع إلى نحو ما ذكر في التبيان روايته. وفي الدر المنثور اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس ان اصحاب عبد الله (يعني ابن مسعود) يقرءون وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ونحن نقرأ ميثاق النبيين فقال ابن عباس انما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. واخرج ابن


لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ

____________________________________

جرير عن عليّ أمير المؤمنين (ع) في قوله تعالى( قالَ فَاشْهَدُوا ) يقول فاشهدوا على أممكم بذلك وأنا معكم من الشاهدين. وعلى هذا يكون الخطاب فيما بعد للأمم «وثانيهما» أخذ الميثاق من النبيين ويكون الخطاب فيما بعد لهم كما هو مؤدى تفسير القمّي وروايته عن الصادق (ع). ونحوها رواية البرهان عن سعد بن عبد الله عن الصادق «ع» وعن صاحب كتاب الواحدة عن الباقر «ع». ورواية ابن جرير عن علي «ع» ايضا. ورواية ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ايضا. وعليه يكون الخطاب فيما بعد للنبيين والترجيح بعد تدافع الروايات والنظر إلى سوق الآية الكريمة انما هو للوجه الأول. والميثاق هو العهد الموثق. وهو كالنذر والقسم في دخول اللام على جوابه تقول عاهدت الله لئن كان كذا لأفعلن كذا. ونذرت أو لله علي أو حلفت أو أقسمت أو والله لئن كان كذا لأفعلن كذا. واللام الأولى كالثانية في كونها لتلقي القسم ونحوه بالجواب يؤتى بها مع الشرط تثبيتا لدخول الشرط في حيز القسم والعهد وتقوية لتلقيهما بالجواب لأن الشرط قيد الجواب ومن متعلقاته كقوله تعالى في سورة التوبة ٧٦( وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَ ) . كما جرى ذلك في القرآن الكريم في العهد والقسم الظاهرين والمقدرين ومن ذلك( أَقْسَمُوا بِاللهِ ) في نحو خمسين موردا. ويشبه دخول هذه الأولى على الشرط لتقوية الربط دخول همزة الاستفهام الافكاري على الشرط مع ان المستنكر عند الكفار بالبعث إنما هو جواب الشرط كما في سورة الاسراء ٥٢( أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ) ونحوه الآية المائة وغير ذلك. وقد يكتفى باللام الأولى عن الثانية كقوله تعالى في سورة الحشر ١٢( لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ ) فإنها لام القسم ومما يدل على ذلك قوله تعالى( وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ) كما يكتفى بدخول همزة الاستفهام على الشرط مع ان المستنكر هو جوابه كقوله تعالى في سورة مريم ٦٧( وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ) . وقد يكتفى باللام الثانية كقوله تعالى في سورة المائدة ٧٧( وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) هذا وان الذي أخذ به الميثاق هو قوله تعالى( لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ) والصحيح ان اللام الأولى هي التي تدخل على اداة


وَلَتَنْصُرُنَّهُ

____________________________________

الشرط لتلقي الميثاق و «ما» شرطية نحو قوله تعالى في سورة الأعراف ١٧( لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ) أي كلما اتيتكم يا امم النبيين من كتاب يبشر بالنبوة اللاحقة وحكمة تعرفون بها حكمة إرسال الرسول ودلائل صدقه وصرتم بذلك على بصيرة من الرسالة اللاحقة ثم جاءكم بعد هذا رسول دلت الدلائل على صدقه في دعواه الرسالة من الله وهو مصدق لما معكم من البشرى اي يكون مصداقها الذي تصدق به باعتبار انطباقها التام عليه ووضوح الدلالة على رسالته. أو مصدقا لما معكم من معارف الإلهية والتوحيد ونبوة الأنبياء الكرام. فلا تمتنع رسالته كما هو الغالب في دعاة الضلال إذ يخالفون دين الحق فيما يرجع إلى الإلهية والتوحيد والمعاد. والميثاق في الآية هو قوله تعالى( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ) أي ذلك الرسول. هذا : وقيل ان اللام في «لما» للابتداء و «ما» موصولة لا اداة شرط وهو مبتدأ وخبره لتؤمنن به ويدفعه ـ أولا ـ ان الميثاق كالقسم مما يعتنى بربطه بالجواب وتلقيه بروابط القسم فلا ينقض هذا الغرض بلام الابتداء التي لها الصدر في الكلام ولا يجمع بين المتنافرين وهما ربط العهد وتلقيه مع قطعه بلام الابتداء ـ وثانيا ـ ان الإيمان بما أوتوه من كتاب وحكمة يجب من أول ما يجيئهم به نبيهم إذن فلا معنى لترتبه بثم على مجيء رسول آخر. وكذا الكلام في «لتنصرنه» ان أعيد ضميره على ما أوتوا من كتاب وحكمة ـ وثالثا ـ لا يصح افراد الضمير في الخبر إلّا إذا كان المراد بالكتاب والحكمة شيء واحد وهو بعيد وإلّا فاللازم تثنية الضمير ـ ورابعا ـ إذا جعلنا «لتؤمنن» خبرا لقوله تعالى( لَما آتَيْتُكُمْ ) وكذا «لتنصرنه» فما هي اللام فيهما فإنها حينئذ لا تصلح ان تكون رابطة لجواب العهد والميثاق ولا مزحلقة لأن المزحلقة مختصة بخبر «ان» و ـ خامسا ـ لو قيل ان مساق الآية هو للذي آتيتكم من كتاب وحكمة لتؤمنن به ثم ان جاءكم رسول لتنصرنه فتكون جملة جاءكم وما بعدها فرد آخر من جنس الميثاق المأخوذ لقلنا ـ أولا ـ من أين لنا بالشرط في «ثم ان جاءكم» وليس هناك على قولكم شرط معطوف عليه ـ وثانيا ـ ان القرآن الكريم يجل عن مثل ما تفرضون من الكلام المعقد والمتداخل الأجزاء تداخلا يهون دونه قول الشاعر :

وما مثله في الناس إلّا مملكا

أبو أمّه حيٌّ أبوه يقاربه


قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٧٨)فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٧٩)أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً

____________________________________

فلا مناص عما ذكرناه من التفسير ويكون عموم الخطاب باعتبار من يدرك دعوة الرسول الثاني من الأمم وهكذا. وان رسول الله محمد خاتم النبيين (ص) هو اظهر افراد الرسل في هذا الميثاق لتكرر البشرى به في كتبهم بشرى تشرف على الصراحة في تعيينه بأقرب ما يفهمه البشر الجاهل بالغيب في تعيين من يأتي في المستقبل. ولظهور الدليل على رسالته وكتابه وبقائه في جميع الأزمان وهو القرآن الكريم ودلائل الرسالة فيه كما أشرنا إليه في الفصل الأول من المقدمة. ومن نصره (ص) نصر من هو نفسه ووصيه في أمته ومن هو منه بمنزلة هارون من موسى وصاحب عهد الغدير ووصية الثقلين وغير ذلك عليّعليه‌السلام ، وعلى هذا الوجه ينزل بعض ما جاء في ذلك من الروايات( قالَ ) أي الله جل اسمه للنبيين( أَأَقْرَرْتُمْ ) بذلك بين الأمم في تبليغكم إياه لهم( وَأَخَذْتُمْ ) على أممكم( عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ) اي عهدي وميثاقي( قالُوا ) أي النبيون( أَقْرَرْنا ) بذلك بين اممنا وباعتبار ان قولهم هذا جواب للاستفهام التقريري ينحل إلى قولهم أيضا وأخذنا عليهم على ذلك عهدك واصرك( قالَ ) الله للنبيين( فَاشْهَدُوا ) على أممكم بهذا الميثاق( وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ٧٨فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ ) من الأمم عن هذا الميثاق واعرض عنه وكفر بمن يأتي من الرسل وخصوص خاتمهم البينة حججه والساطع برهانه والعام الباقي معجزه( فَأُولئِكَ ) المتولون( هُمُ الْفاسِقُونَ ) الخارجون عن حجاب الايمان والطاعة ٧٩( أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ ) بتوليهم عن عهد الله ودين الحق الإيمان بالله ورسوله وكتابه وبمحادتهم لله بهذا التولي وخروجهم عن طاعته وهذا الاستفهام انكار عليهم وتسفيه لهم والحجة قوله تعالى( وَلَهُ أَسْلَمَ ) اي والحال انه جل شأنه دخل في سلمه وانقاد إليه( مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) من الملائكة والانس والجن( طَوْعاً وَكَرْهاً ) بفتح الكاف قيل انه من الكراهية أي طائعين وكارهين. وقيل من الإكراه اي طائعين ومكرهين. كظاهر قوله تعالى في سورة النساء ٢٣( لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ) أي اكراها. والثاني هو المناسب في الآية للمقابلة بالطوع وهو مقتضى الروايات المذكورة في تفسيري البرهان والدر المنثور عن


وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٠)قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إبراهيم وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ

____________________________________

الصادق (ع) والكاظم وابن عباس وما ذكر في مجمع البيان انه المروي عن أبي عبد الله (ع) والمراد من الكره ما كان في الابتداء فإن غالب الذين اسلموا كرها داموا على الإسلام على طوع ورغبة. وعطف الكره بالواو التي هي للجمع إنما هو باعتبار المجموع وإن اختص قسم بالطوع وقسم بالكره والأمر فيه ظاهر. لكن مع تفسير الإسلام بالاعتراف بالإلهية والتوحيد والتدين بدين الحق يكون ذكر من في الأرض انما هو باعتبار البعض وهو من دان بالإسلام فإن الكثير ممن في الأرض في كل زمان لم يسلم. وحينئذ قد يخفى وجه الحجّة على الإنكار بقوله تعالى( وَلَهُ أَسْلَمَ ) فالظاهر ان الإسلام في الآية بمعنى يعم الانقياد لله في معرفته ودينه وتكوينه وقضائه. وحينئذ لا ينفك عن مصداق ذلك من في السماوات والأرض بل جميع المخلوقات من وجه أو وجوه. والمراد من الإسلام كرها هو ما لا تكون ارادة المسلم ورغبته علة كالانقياد للتكوين والقضاء والمعرفة التي تبعث إليها الفطرة على حين غفلة من ضلال الهوى فإنك ترى الإنسان حتى المادي المعطل إذا اصابته نائبة تنقطع فيها وسائله ان نفسه تفزع في الخلاص من تلك النائبة إلى من يراه قادرا على دفعها عنه بقدرته القاهرة رغما على الأسباب العادية. وهذا هو الإله القادر ، وهو الله جل شأنه. وكالدخول في دين الإسلام بالإكراه في أول الأمر. ويكون الحاصل ان الله الإله الذي انقاد له كل شيء ومن ذلك الملائكة والانس والجن( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) في يوم القيامة بعد ان لا يبقى إلّا هو. هذا الإله هل يصح لهم ان يبتغوا غير دينه. وعلى هذا يكون ما أشرنا إليه من الروايات الواردة في تفسير الآية واردة باعتبار بعض المصاديق من الإسلام ٨٠( قُلْ ) يا رسول الله أنت ومن يجب عليه اتباعك لا نبغي غير دين الله بل( آمَنَّا بِاللهِ ) الذي لا إله إلّا هو وبدينه دين الحق كما أنزل في كتبه المقدسة على رسله( وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا ) ببركة الوحي إليك وبركة رسالتك( وَما أُنْزِلَ عَلى إبراهيم وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ ) وهم قبائل بني إسرائيل المنتسبين إلى أولاد يعقوب فيمكن أن يكون المراد بالانزال عليهم باعتبار الانزال على أنبيائهم نحو قوله تعالى في الآية( أُنْزِلَ عَلَيْنا ) و ٦٥( بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا ) وفي سورة البقرة ٨٥( بِما


وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨١)وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٢)كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٣)أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٤)خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)إلّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

____________________________________

أُنْزِلَ عَلَيْنا ) ومعنى «على» في على إبراهيم وعلى الأسباط واحد وانما الاختلاف بالاعتبار. ويمكن ان يراد بالأسباط أنبيائهم كموسى ومن بعده( وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ) من كتاب وحكمة وكرامة ومعجزة( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ) في الايمان ولا تصرفنا الأهواء والعصبية القومية عن الإيمان ببعضهم( وَنَحْنُ لَهُ ) أي لله( مُسْلِمُونَ ) في جميع ذلك ٨١( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ ) لله( دِيناً ) ومن اظهر مصاديقه الانقياد لما جاء به رسول الله خاتم النبيين( فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ) غير الإسلام وكيف يقبل منه الضلال( وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ٨٢كَيْفَ يَهْدِي اللهُ ) ويوصل إلى الحق بلطفه وتوفيقه( قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا ) معطوف على معنى الفعل في «إيمانهم» أي بعد أن آمنوا وشهدوا( أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ) الواضحات الدلالة على رسالته وحقيقة الإيمان فإن هؤلاء قد أخرجوا أنفسهم بتمردهم على الله عن أهليتهم للطفه وإيصالهم إلى الهدى بتوفيقه( وَاللهُ ) جلت حكمته( لا يَهْدِي ) ولا يوصل بتوفيقة( الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) المتمردين بظلمهم بل ٨٣( أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ ) أي طردهم عن رحمته( وَالْمَلائِكَةِ ) بالدعاء عليهم باللعنة( وَ ) كذا لعنة( النَّاسِ أَجْمَعِينَ ) وفي هذا إذن للناس بلعنهم وطلب لذلك ٨٤( خالِدِينَ فِيها ) أي في اللعنة وطرد الله لهم عن رحمته( لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ (١) الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) كناية عن انهم لا تنالهم الرحمة أو لا يمهلون يوم القيامة عن العذاب ٨٥( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) في الدنيا( مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا ) اعمالهم أي عملوا الصالحات( فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) أي فإن الله يغفر لهم ذنوبهم ويرحمهم بالرضا والثواب لأنّه غفور رحيم وأقيمت العلة في التفريع مقام المعلول للتأكيد ولبيان ان هذه المغفرة ليست مما يرجى اتفاقه بل


(٨٦)إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٨٧)إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ

____________________________________

هي لازمة في رحمة الله ولطفه لأنّه غفور رحيم لكل من هو أهل المغفرة والرحمة. قيل ان الآيات نزلت في الحارث بن سويد رجل من الأنصار ارتد وتاب وتاب الله عليه. وفي مجمع البيان وهو المروي عن أبي عبد الله (ع). أقول ولم أجد الرواية مسندة. والروايات في الدر المنثور في هذا المقام متدافعة ٨٦( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ) وقال جل شأنه في سورة النساء ٢١( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ ) أي بمقتضى حكمته ولطفه في الدعوة إلى الصلاح وقطع مادة الفساد ورحمته بعباده( لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ) من عمرهم لا في آخره عند الموت الذي كان يرونه بعيدا( فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً ) بأن توبتهم عن اهتداء وندم حقيقي. لا لانقطاع آمالهم من الحياة وشهواتها واهوائها عند معاينة الموت وانكشاف الحقائق «حكيما» في قبول التوبة ٢٢( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ) وعاين ما عاين فانقطعت عنه لذلك دواعي الهوى ونزعات النفس الأمارة إلى الضلال( قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ) وقال جل اسمه في سورة يونس في شأن فرعون ٩٠( حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) ٩١ «الآن» يا فرعون حينما انقطعت عنك آمال الطغيان التي سولت لك ادعاءك للربوبية فعصيت وأفسدت وكفرت بآيات الله( وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ) : والظاهر اجماع المسلمين على قبول التوبة الصادقة قبل حضور الموت وحينما تكون دواعي الهوى ونزعات النفس الأمارة تبعثه على القبيح ويصدها عقله وتوبته وخوفه من الله وتقواه. فتكون واردة في توبة الذين كفروا بعد إيمانهم عند معاينة الموت أو ماتوا وهم كفار ، وفي يوم القيامة يحاولون التوبة. وربما يرشد إلى ذلك العدول عن قوله تعالى لا تقبل توبتهم إلى قوله( لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ) الذي هو نص على النفي في المستقبل مع ان قبول التوبة مقارن لها. فيكون في ذلك اشارة إلى ان توبتهم المستقبلة المتأخرة عن حياتهم العادية وآمالهم فيها لن تقبل منهم( وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ) مدة حياتهم قبل معاينة الموت بل وعندها ٨٧( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً )


مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٨٨)لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٨٩)كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ

____________________________________

دخلت الفاء في الخبر لخروج المبتدإ باعتبار صلته مخرج الشرط. وذكر ملأ الأرض ذهبا لأنّه غاية ما يعظم في عين الإنسان نوعا من المال والبدل والوسيلة للخلاص فلا ينفعه ذلك لو تصدق به ونحو ذلك لأن اعمال الكافر حابطة لا يستحق بها الجزاء ممن كفر به( وَلَوِ افْتَدى بِهِ ) وقدمه بعنوان الفداء وهذا غاية ما يدخل في تصور نوع الإنسان من التهويل والتخويف( وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ )( أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) على الله. يا ايها المؤمنون ٨٨( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ ) ويكون انفاقكم برا يرضاه الله بأن تنفقوا الشيء الزهيد الذي لا ترضونه بل( حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) وترغبون بماليته فإن قصدكم التقرب إلى الله إنما يظهر ببذلكم لوجهه الكريم ما لا تستحقرونه( وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ) لا يخفى عليه شيء منه ولا من نياتكم في إنفاقه وهو مجازيكم عليه ويضاعف لكم الجزاء كما وعدكم بذلك في القرآن الكريم فلا تخشوا أن يفوتكم من انفاقكم وإخلاصكم في النية شيء ٨٩( كُلُّ الطَّعامِ ) أي أصول المطعومات( كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ ) أي يعقوب( عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ ) متعلق بحرّم وقيل بتعلقه بقوله تعالى( حِلًّا ) ويدفعه لزوم الفصل باجنبي وهو جملة «إلا ما حرّم» المشعرة بتمام ما قبلها فيلزم التعقيد والإيهام. نعم يفهم من قوله تعالى( كانَ حِلًّا ) انه من قبل أن تحرمه التوراة بتنزيلها( أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ) على موسى. وللتنبيه على تفسير الآية ثلاث مقدمات ـ الأولى ـ قال علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره هذا الكلام حكاية عن اليهود ولفظه لفظ الخبر. أي انه كلام اليهود ومن دعاويهم الكاذبة. وهو في الآية في مقام الاستفهام الانكاري وحذفت منه اداة الإنكار لدلالة قوله تعالى( فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ ) .( فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) . كما حذفت اداة الاستفهام لدلالة المقام عليها في قوله تعالى في سورة البقرة ٧٤( قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ ) وقوله تعالى في سورة الشعراء ٢١( وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) على الصحيح من تفسير ذلك بإنكار موسى على فرعون ولو كان هذا


قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ

____________________________________

الكلام اخبارا من الله لما ناسبه تكذيب الله لهم ـ الثانية ـ قيل في تفسير ذلك ان يعقوب حرم على نفسه العروق ولحم الجمل فقالت اليهود ان لحم الجمل محرم في التوراة أي انها تذكر ان إسرائيل حرمه على نفسه ـ الثالثة ـ ان تحريف التوراة الحقيقية كان قبل رسول الله بقرون متطاولة منذ انقطع أثرها بارتدادات بني إسرائيل وتتابع البلايا عليهم فادعى وجودها «حلقيا» الكاهن في زمان «يوشيا» الملك وذكروا تجديد كتابتها من عزرا بعد سبي بابل. كما أشرنا إلى ذلك في المقدمة الخامسة من كتاب الهدى(١) فراجعه. كما ذكرنا بعض الشهادات بتحريفها من كتابي «اشعيا» و «ارميا» وهما من كتب وحيهم(٢) فالتوراة في عهد رسول الله (ص) هي نفس التوراة الموجودة في عصورنا فإنها كانت إذ ذاك منتشرة بين الاسرائيليين والسامريين والنصارى في الشرق والغرب والحبشة وغيرهم بلغات متعددة ومنها اليونانية السبعينية والحبشية ولا يوجد بينها إلّا اختلاف طفيف فالتوراة الرائجة في عصورنا هي المحرفة التي جادلهم القرآن بها وقال( فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها ) إذن فمعنى الآية ان بعض أهل الكتاب قالوا كل أصول المطعومات كانت جلا لبني إسرائيل قبل أن تحرم التوراة ما حرمته منها ثم استثنوا من ذلك ما زعموا ان إسرائيل حرّمه على نفسه من قبل أن تنزل التوراة فنزلت التوراة بتحريمه. وهذا كله كذب وافتراء حتى ان توراتهم تكذبهم فيه وتذكر ان المحرمات من الحيوانات البرية والمائية والطيور إنما هي رجس فانها نهتهم عن أن يأكلوا كل رجس كما في العدد الثالث من الفصل الرابع عشر من سفر التثنية ثم نصّت في الفصل المذكور على المحرمات كما نصت عليها في الفصل الحادي عشر من سفر اللاويين. إذن فكيف يكون الرجس حلالا شرعيا قبل التوراة وايضا لم تذكر التوراة ان إسرائيل حرم على نفسه شيئا. بل إنما نذكر ان إسرائيل ضرب على حق فخذه على عرق النساء لذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النساء إلى هذا اليوم. فتوراتهم تقول ان ذلك تشريع منهم لا من إسرائيل كما في الفصل الثاني والثلاثين من سفر التكوين. يا رسول الله ان هؤلاء لا ينتهون عن الكذب إذن فجادلهم بتوراتهم و( قُلْ ) لهم في اظهار كذبهم( فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها ) في هذه الموارد( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) فإن

__________________

(١) في الجزء الأول من صفحة ١٩ إلى ٣٠

(٢) في الجزء الأول من الهدى صفحة ٣٥ و ٣٦ وغير ذلك من الشواهد الكثيرة


قيل ان اليهود يقولون بامتناع النسخ فكيف يدّعون الحل الشرعي قبل التوراة «قلنا» المعروف ان اليهود يزعمون ان الشرع في التوراة منع من نسخ احكامها لأنها أبدية وهذا لا ينافي ادعاءهم هذا فيما قبل. وقد ذكرنا زعمهم وبطلانه في الجزء الأول من كتاب الهدى صفحة ٢٨٨ ـ ٢٩١ ولو كان اليهود كبعض النصارى يزعمون امتناع النسخ عقلا وانه لا شريعة قبل التوراة لكانت دعواهم هذه باعتبار الحل العادي وعدم الحرمة الشرعية. وقد ذكرنا هذا الزعم وبطلانه في الجزء الأول من كتاب الهدى صفحة ٢٣٥ ـ ٢٣٩ و ٢٤١ ـ ٢٤٣ وقيل في تفسير هذه الآية وجوها أخر مرجعها إلى أن الآية اخبار من الله بأن المطعومات كانت حلا لبني إسرائيل وذكروا لذلك وجوها «منها» ما في الكشاف من أن الآية رد عليهم في دعواهم ان كل الذي حرم عليهم قد كان محرما على نوح وابراهيم ليتخلصوا بهذه الدعوة الكاذبة مما ذكره القرآن انه بظلم من الذين هادوا حرمت عليهم طيبات أحلت لهم. كما في سورة النساء ١٥٨ وببغيهم كما في سورة الأنعام ١٤٧ : ويرد على هذا الوجه انه ليس في الآية ما يشير اليه. وليس في التوراة ما يدل على ان الذي حرم عليهم كان حلالا قبل ذلك ومن الطيبات بل العدد الثالث من الفصل الرابع عشر من سفر التثنية يبين ان المحرمات عليهم رجس ففيه لا تأكلوا كل رجس ثم شرع في ذكر المحرمات التي ذكرت في الفصل الحادي عشر من سفر اللاويين. واما الإلية والشحم وزيادة الكبد والكليتين فقد ذكرت التوراة انها توقد على المذبح طعام وقود للرب وان كل الشحم للرب. وفي كل مساكنهم لا يأكلون شيئا من الشحم والدم كما في الثالث من سفر اللاويين فليس في توراتهم ما يكذبهم فيما ذكر لهم من الدعوى ولا ما يدل على انهم حرمت عليهم بظلمهم طيبات أحلت لهم «ومنها» ما في تفسير الرازي وغيره ان اليهود ينكرون وقوع النسخ في الشريعة ويزعمون ان الذي هو الآن حرام كان حراما ابدا وان الذي حرمه إسرائيل كان حراما من لدن زمان آدم (ع) فطلب رسول الله (ص) ان يحضروا التوراة لأنها ناطقة بأن بعض انواع الطعام انما حرم بسبب ان إسرائيل حرمه على نفسه انتهى ملخصا : ويرد على هذا الوجه أيضا انه ليس في الآية ما يشير إلى ورودها في مسألة النسخ ولا يلتفت من مخائلها إلى النسخ أصلا فتنزيلها على ذلك يلحق بالمعميات مع انه ليس في التوراة ان الذي حرم عليهم كان حلالا أو ان ما حرمه إسرائيل على نفسه هو محرم عليهم كما ذكرنا فلا يظهر كذبهم في زعمهم من التوراة. فالوجهان مشتركان في انه ليس لما ذكر فيهما عن


(٩٠)فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩١)قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٢)إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً

____________________________________

بني إسرائيل قول أو كلام صريح أو مدلول عليه بإحدى الدلالات لكي يمتحنوا فيه بالإتيان بالتوراة وتلاوتها ليظهر كذبهم فيه أو صدقهم ٩٠( فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٩١قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٩٢إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ) شعارا لدين الحق ومشعرا لعبادة الله وتوحيده هو الكعبة. كما يحتج لذلك من بعد الطوفان بالتاريخ المتسلسل بين الأجيال وان بيت المقدس مما هو معروف التأخر. وفي الدر المنثور اخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن علي (ع) قال كانت البيوت قبله ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله. وفي المستدرك للحاكم بسنده عن خالد بن عرعرة عن علي (ع) نحو هذا المضمون. وروى ابن شهرآشوب أيضا نحوه. واخرج ابن أبي شيبة واحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن جرير والبيهقي عن أبي ذرّ قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول قال المسجد الحرام قلت ثم أي قال (ص) المسجد الأقصى. وروى في الكافي مسندا عن الباقر وعن الصادقعليهما‌السلام ان الأرض دحيت من تحت موضع البيت ونحوه عن العياشي عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع). وفي الدر المنثور اخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال قال رسول الله (ص) أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت. واخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الشعب واخرج ابن المنذر عن أبي هريرة وذكر نحوه( لَلَّذِي بِبَكَّةَ ) في البرهان عن ابن بابويه في العلل في الصحيح عن الصادق (ع) قال موضع البيت «بكة» والقرية مكة. ونحوه عن العياشي عن الصادق (ع) ولعل موضع البيت يشمل المسجد. وعن العياشي عن الباقر (ع) بكة موضع البيت ومكة الحرم. وفي الدر المنثور ذكر جماعة أخرجوا عن أبي مالك الغفاري بكة موضع البيت ومكة ما سوى ذلك. وعن ابن عباس مكّة من الفج إلى التنعيم وبكة من البيت إلى البطحاء. و «بكة» مأخوذة من البك وهو الزحم والمدافعة. وروى ان هذا وجه تسميتها كما في الكافي عن الصادق (ع) وعن علل الصدوق بأسانيد صحيحة عن الباقر (ع) والصادق (ع) نحوه( مُبارَكاً ) حال. ومظاهر البركة في البيت من الوجهة


وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٣)فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبراهيم وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً

____________________________________

الدنيوية والوجهة الدينية اظهر من أن تخفى أو تجحد. فإنه في ارض ليس فيها مادة ثروة ولا تجارة ولا زراعة ولا صناعة وترى مجاوريه فيها يبلغون عشرات الألوف وهم منذ القرون المتطاولة في الجاهلية والإسلام في سعة من العيش وتمتع في النعم والعز والأمن فيما بين العرب الوحشيين الأشداء العتاة ويفد إليها الألوف العديدة من الحجيج فلا يضيق عليهم العيش. ويذبح في الموسم من كل سنة من أغنام ضواحيها ما يزيد على مائة الف فلا يظهر فيها النقص. واما من الوجهة الدينية فإنه المبارك( وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ) هدى حال بمعنى هاد ولمزيد هداه قيل هدى كما يقال زيد عدل. ومن بركة هداه ان العرب التفت بإسماعيل وتلقت منه دين إبراهيم وشريعة الختان وعبادة الله بالحج والطواف وان مازج ذلك فيما بعد شيء من ضلال الوثنية بل بقي في حرمه شيء من الحقوق الاجتماعية والمدنية مدة الجاهلية على رغم ما في محيطه من وحشية الاعراب وضلالهم. وكفى ببركة هداه ان صارت مكّة مولدا ومظهرا لخاتم الأنبياء وصفوة الرسل ومهبطا للوحي ومبدءا للدعوة الصالحة إلى دين الحق دين الفطرة والشريعة المقدسة ونظام الاجتماع والصلاح ومشرقا لأنوار القرآن الكريم( فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ ) بدلالتها الجلية على منزلته السامية في الشرف وكرامته عند الله( مَقامُ إِبْراهِيمَ ) وهو وما يذكر بعده بدل تفصيلي من الآيات المذكورة. فإن مقام إبراهيم من آيات البيت الباهرة الخالدة وهو الصخرة التي قام عليها إبراهيم الخليل فأثرت فيها قدماه الشريفتان تأثيرا بينا كما تؤثر في الطين الرطب وهذه الصخرة وذلك الأثر محفوظان إلى الآن على رغم القرون المتطاولة وتتابع الحوادث وتقلب الأحوال وفي ذلك أيضا آية كبيرة. وقد تقدم شيء من الكلام على المقام في الآية التاسعة عشر بعد المائة من سورة البقرة(١) ( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) أي من دخل بلده

__________________

(١) هذا ولصاحب المنار في الجزء الرابع من تفسيره صفحة ١٣ كلام لم يسمح فيه بأن يكون الأثر في الصخرة أثر لقدمي إبراهيم في الصخر على خلاف العادة بل نسب ذلك إلى اعتقاد العرب وشعر أبي طالب في لاميته المعروفة

وموطأ إبراهيم في الصخر وطئة

على قدميه حافيا غير ناعل

والمعروف سماعا ووجادة هو «وطئة» بالواو كما في النسخ المعتمدة ومنها المكتوبة على نسخة كتبها عفيف بن أسعد في المحرم سنة ثمانين وثلاثمائة من نسخة كتبها الشيخ أبو الفتح عثمان بن جني ـ


وحرمه المعروف. والجملة من اقسام البدل التفصيلي من الآيات معطوفة على مقام إبراهيم أي وأمن من دخل فيه. ولعل «من» جيء بها لتغليب من يعقل على ما لا يعقل. وفي الأمن آيات ظاهرة. فإن العرب على فوضويتهم ووحشيتهم وتهوّرهم في العدوان والنخوة الجاهلية وغلظتهم في ذلك بحيث لا يمنعهم من ذلك ولا يردعهم شريعة ولا وازع روحي ولا سيطرة ولا استقامة أخلاق قد كانوا خاضعين لاحترام من دخل الحرم منقادة نفوسهم لذلك في القرون العديدة في تلاطم أمواج الجاهلية. فضلا عن الإسلام. وليس ذلك من طبع التربة والهواء ولا بنحو الجبر السالب للاختيار. بل لأن العناية الإلهية ألهمت الناس إكراما للبيت الحرام أن يحترموا الحرم ومن فيه. نعم وقع التمرد من جيش يزيد والحجاج ولعل الحكمة في ذلك ان يعرف الناس ان هذا الاحترام ليس من قسر الطبيعة والإلجاء وإنما هو توفيق من الله شمل المشركين ولم يشمل من تمرد على الله وحاده وعاداه. وفي الصحيح أو الحسن كالصحيح عن الحلبي عن الصادق (ع) قال سألته عن قول الله ومن دخله كان آمنا قال (ع) إذا أحدث العبد جناية في غير الحرم ثم فر إلى الحرم لم ينبغ لأحد أن يأخذه من الحرم ولكن يمنع من السوق ولا يبايع ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلم فإذا فعل ذلك يوشك أن يخرج فيأخذ وإذا جنى في الحرم جناية أقيم

__________________

ـ وعارضه بها وقرأها عليه كما هو مكتوب فيها برواية أبي هفان المهزمي للقصيدة عن عمه خالد بن حرب عن عبد الله بن العباس بن الحسين بن عبيد الله بن العباس بن امير المؤمنين عليه‌السلام وبدّل «وطئة» بقوله «رطبة» ليستنتج من ذلك ان الصخرة كانت عند ما وطأ عليها طينة رطبة لم تتحجر ثم تحجرت. مع ان الشعر المذكور لو كان على ما ذكره لما دلّ على انها كانت رطبة لم تتحجر بل الظاهر منه انه وطأ الصخرة حال كونها رطبة عند الوطء وهي صخرة إذ صارت كذلك كرامة لإبراهيم وتخليدا لذكره بالمعجز كما ينحوه أبو طالب في شعره. فإن «رطبة» بمقتضى تبديله لو صحت وصح التأنيث فيها إنما هي حال من الصخر ووصف له لا حال من طين قبل استحجاره المحتاج إلى ألوف من السنين. ويا للعجب كيف لم يلتفت إلى ان الحال من «الصخر» لا يصح تأنيثه والطنطاوي مع وضعه المشاهد في تفسيره لم يزد هاهنا على قوله «أي الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت» فلماذا لم يبين محل «مقام ابراهيم» في الآية من الاعراب وبأي وجه صار بدلا مبينا لقوله تعالى «فيه آيات بينات» أفلم يسمع من التاريخ والحديث وشعر أبي طالب المشهور بآية الأثر لقدمي إبراهيم في الصخرة التي هي مقام ابراهيم. أم صرنا

كتاركة بيضها بالعراء

وملحفة بيض أخرى جناحا


وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إليه سَبِيلاً

____________________________________

عليه الحد لأنّه لم يرع للحرم حرمة : ونحوها معتبرة حفص. ورواية علي بن أبي حمزة عنه (ع) في السارق والجاني ونحوها صحيحة معاوية بن عمار عنه (ع) في القاتل. وفيها ولا يأوي : وفي الدر المنثور ان جماعة اخرجوا من طرق سعيد وطاوس ومجاهد وعكرمة وعطا عن ابن عباس في الآية مثل ذلك. ولا ينافي ذلك ما روي من طرق الفريقين من انه أمن من سخط الله. أو في الآخرة. أو من النار. فإن ذلك يكون بيانا لبعض المصاديق المندرجة في عموم الأمن. وبمقتضى الروايات المتقدمة قال علماء الإمامية من دون خلاف يعرف. وابو حنيفة وصاحباه وزفر واللؤلئي وافقوا الإمامية في قصاص النفس واحتجوا بالآية ويرد عليهم ان الأمن فيها مطلق فإذا قدم على دليل القصاص قدم على سائر أدلة القصاص والحدود لذلك الوجه حتى لو حملنا الخبر في الآية على الأمر مع ان الآية لا تحمل على ذلك ولا يتوقف عليه. بل الآية تدل على جعل الأمن بنحو وضعي عام. وجعله من الله من حيث الشريعة هو اظهر الافراد وأولاها فإن الذهن لا يذعن بأن الله تبارك اسمه يمجد البيت بأن من آياته ان الناس يحترمونه بإلهام وتوفيق منه وهو جل شأنه لا يشرع احترامه في حقوقهم وحقوقه نعم ان الجاني في الحرم قد هتك حرمته فيؤخذ بجنايته في ذلك لقوله تعالى في سورة البقرة ١٨٧( وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ ) ١٩٠( وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ) وايضا ان طعام العرب نوعا مما يصطادونه من احناش الأرض وحيواناتها ولهم في الصيد ولع وعادة ومع ذلك يحترمون صيد الحرم ومكة. ومن المستفيض نقله ان الحيوانات لا يقتل بعضها بعضا فيه. ولا تصطاد الكلاب والسباع فيه : ومن آيات البيت ما استفاض نقله من أن الطير لا يعلو عليه في طيرانه بل يحيد عنه يمينا أو شمالا( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إليه سَبِيلاً ) قوله تعالى( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ ) الآية جملة مستأنفة فلا يندرج في جملة الآيات البينات للبيت. والحج بالكسر وعن سيبويه انه مصدر وقيل اسم مصدر ومعناه في اللغة القصد بالسفر وغلب على القصد بالسفر إلى مكّة لنسك الحج المعروف أو نقل إلى نفس المناسك المخصوصة. ومن استطاع بدل من الناس. والتقييد هنا بالاستطاعة يعرف منه انها غير الاستطاعة العقلية التي هي شرط في كل تكليف. إذن فهي الاستطاعة العرفية. وذكر في الدر المنثور عن جماعة كثيرين منهم الشافعي والترمذي


وَمَنْ كَفَرَ

____________________________________

وابن ماجة والحاكم قد اخرجوا بأسانيد متعددة عن علي (ع) وابن مسعود وجابر وعائشة وأنس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص ان النبي (ص) سئل عن السبيل في الآية فقال الزاد والراحلة. ومثله عن عمر وابن عباس. وفي رواية عن ابن عباس ان يصح بدن العبد ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير ان يجحف به وقد خالف في ذلك مالك فيمن يقدر على المشي ويمكنه الاكتساب في مسيره ولو بالسؤال. والمروي من طرق الإمامية عن الباقر والصادق والرضاعليهم‌السلام كما أحصاه في الوسائل في تفسير الاستطاعة في الآية بحسب السؤال وما يقتضيه المقام من البيان. بأن يكون له ما يحج به ومن عرض عليه فاستحيى فهو ممن يستطيع وبأن من كان صحيحا في بدنه مخلى في سربه له زاد وراحلة فهو ممن يستطيع. وبالزاد والراحلة مع الصحة وبالصحة في بدنه والقدرة في ماله. وبالقوة في البدن واليسار في المال. هذا والظاهر عدم الخلاف عندنا في ان من الاستطاعة أن يكون له ما يمون به عياله في طعامهم وكسوتهم وإسكانهم وما يحتاجون إليه في معيشتهم إلى رجوعه. وفي التبيان وهو «أي السبيل» عندنا وجود الزاد والراحلة ونفقة من تلزمه نفقته والرجوع إلى كفاية عند العود اما من مال أو ضياع أو عقار أو حرفة مع الصحة والسلامة انتهى والظاهر دخول ذلك في الاستطاعة العرفية. وروى المفيد في المقنعة عن أبي الربيع الشامي عن الصادق (ع) في الآية فقال ما يقول الناس فقيل الزاد والراحلة فقال سئل أبو جعفر (ع) عن هذا فقال هلك الناس إذن لئن كان من له زاد وراحلة لا يملك غيرهما أو مقدار ذلك مما يقوت به عياله ويستغني به عن الناس فقد وجب عليه أن يحج بذلك ثم يرجع فيسأل الناس بكفه لقد هلك إذن فقيل له فما السبيل عندك قال (ع) السعة في المال وهو أن يكون معه ما يحج ببعضه ويبقى بعض يقوت به نفسه وعياله. ورواه في الكافي والتهذيب والفقيه والعلل بنحو من ذلك والرواية معتبرة في نفسها خصوصا إذا كان ابن محبوب من اصحاب الإجماع ومعتضدة بعمل الشيخين وجماعة من القدماء بها. وروى الصدوق في الخصال بإسناد عن الأعمش عن الصادق (ع) قال : وحج البيت واجب على من استطاع إليه سبيلا وهو الزاد والراحلة مع صحة البدن وان يكون للإنسان ما يخلفه على عياله وما يرجع إليه بعد حجه : فما ذكر في التبيان هو الأقوى والظاهر من الاستطاعة. وتمام الكلام في الحج موكول إلى كتب الفقه كما أو كل القرآن امره إلى السنة( وَمَنْ كَفَرَ ) لا يخفى ان مفاد الآية هو


فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٤)قُلْ يا أهل الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٥)قُلْ يا أهل الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ

____________________________________

التوبيخ لمن يترك الحج مع استطاعته والمسلمون من الموبخين بل هم اظهر الافراد في هذا التوبيخ فيكون الكفر كناية عن شدة العصيان بترك الحج وتغليظا على تاركيه في تضييعهم لهذه الفريضة العظيمة الأثر في الدين والإسلام وان المسلم المضيع للحج ليس بكافر حقيقة ولا تجري عليه احكام الكافر حتى بعد موته بل تجري عليه احكام المسلم بإجماع المسلمين. وفي التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار عن الصادق (ع) في حديث ومن كفر يعني من ترك. وفي الفقيه عن الصادق عن آبائهعليهم‌السلام في وصية النبي (ص) لعلي (ع) كفر بالله العظيم من هذه الأمة عشرة وعدّ تسعة من اصحاب الكبائر كالنمام والزاني والعاشر من وجد سعة فمات ولم يحج. وروى ذريح المحاربي في الصحيح كما في الكافي والمقنعة والتهذيب والمحاسن والفقيه وعقاب الأعمال والمعتبر عن الصادق (ع) ان من استطاع ولم يحج حتى مات فليمت يهوديا أو نصرانيا. وفي رواية الشيخ إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا. ومثلها رواية الدر المنثور مما أخرجه سعيد بن منصور واحمد في كتاب الإيمان وابو يعلى والبيهقي عن أبي امامة عن رسول الله (ص). ومما أخرجه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب وابن مردويه عن عليّ أمير المؤمنين (ع) عن رسول الله (ص). ومما أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من قول عمر بن الخطاب. وان عبارة الرواية «فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا» لتدل بسوقها على انها للتغليظ في سوء العاقبة وخسران التارك إذ فاته ما للحج من الفضل واللطف على العباد بتعريضهم لثواب هذه الطاعة واقامة هذه الشعائر الدينية التي يعود نفعها إلى الناس لفقرهم وحاجتهم إلى ذلك ومن عصى وترك عاد الضرر والخسران عليه( فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) بأجمعهم لا تزيد في ملكه طاعة المطيعين ولا تنقص منه معصية العاصين ٩٤( قُلْ يا أهل الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ) ومن جملتها ما جاء به رسول الله وقرآنه المجيد وما في البيت الحرام من الآيات البينات( وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ) لا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافية ٩٥( قُلْ يا أهل الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ ) روى الواحدي في اسباب النزول


تَبْغُونَها عِوَجاً

____________________________________

والسيوطي في الدر المنثور عن زيد بن أسلم ان الآية نزلت في شاس بن قيس اليهودي لما أمر يهوديا أن يجلس مع الأوس والخزرج ويهيج الأضغان فيما بينهم ويذكرهم الحروب التي دارت فيما بينهم من يوم بغاث وما قبله : ويدفع ذلك مع وهن السند أنَّ ذلك ليس صدّاً عن سبيل الله وإنما يناسبه التوبيخ على القاح الفتنة وتهييج الشر بين الناس. فالآية الكريمة على رسلها في توبيخ أهل الكتاب على دأبهم في التصدي لإضلال الناس وصدهم عن الإسلام بأنواع الوسائل. والسبيل كالطريق يذكر ويؤنث والأكثر في القرآن تذكيره. وجاء مؤنثا في سورة يوسف ١٠٨( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي ) وفي هذه لآية( تَبْغُونَها ) أي السبيل قال في التبيان ومعناه تطلبون لها عوجا. ونحوه في الكشاف. وحكاه الرازي في تفسيره عن ابن الأنباري وانه مثل وهبتك درهما أي وهبت لك. وصدتك ظبيا أي صدت لك وأنشد :

فتولى غلامهم ثم نادى

أظليما اصيدكم أم حمارا

وفي النهاية في الحديث ابغني أحجارا استطيب بها يقال ابغني كذا بهمزة الوصل أي اطلب لي وابغوني حديدة استطيب بها. وفي لسان العرب قال واقد بن الغطريف كما في ديوان الحماسة وغيره :

لئن لبن المعزى بماء مويسل

بغانيَ داء إنني لسقيم

وقال الأعشى :

حتى إذا ذرّ قرن الشمس صبّحها

ذؤال نبغان يبغي قومه الـمِتَعا

أي يبغي لصحبه الزاد. وفي الصحاح «ليبغيه خيرا وليس بفاعل» أي ليبغي له( عِوَجاً ) مفعول لتبغونها ومثله في سور الأعراف ٤٣ و ٨٤ وهود ٢٢ وابراهيم ٣ وفي مجمع البيان في سورة الأعراف ويجوز أن يكون منصوبا على المصدر نحو رجع القهقرى واشتمل الصمّاء ويدفعه ان العوج ليس من معنى يبغون ولا يدانيه فلا يكون مثل هذين المثالين. والمصدر لا ينصب على المصدرية إلّا بعامل من لفظه أو معناه. وذكر الرازي وجها آخر وهو أن يكون عوجا في موضع الحال والمعنى تبغونها ضالين يعني حال كونكم معوجين. ويدفعه ان لا قرينة ولا حاجة إلى تأويل عوجا بمعوجين مضافا إلى ان الآية معناها الإنكار على اضلالهم لاضلالهم وقد


وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٦)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (٩٧)وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ

____________________________________

فسرها بأنهم كانوا يحتالون لإلقاء الشبه بأنواع الحيل فلا موقع للتفسير بكونهم يطلبون سبيل الله حال كونهم ضالين والآية تقول( يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) فانظر فيها إلى آخرها وتدبرها : وفي النهاية العوج بالكسر فيما ليس بمرئي كالرأي والقول. وفي المصباح العوج بالكسر في المعاني واستشهد بكلام أبي زيد. وفي مجمع البيان في سورة الأعراف ٨٤ العوج بالكسر في الدين وكل ما لا يرى. أقول وكأن القائل بذلك لم يقرء قوله تعالى في سورة طه ١٠٥( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ١٠٦فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ) والمعنى تطلبون يا أهل الكتاب بصدكم عن سبيل الله بتزويركم ومخادعتكم وتحريفكم وكتمانكم لما في كتبكم أن تجعلوا سبيل الله عوجاء تطلبون لها العوج وهي الصراط المستقيم بينة الحجج نيرة الأعلام واضحة الدلالة ساطعة البرهان( وَأَنْتُمْ شُهَداءُ ) على بشرى كتبكم برسول الله وقرآنه ودينه. أو أنتم شاهدون لدلالة المعجز والآيات البينات على رسول الله ووحي قرآنه وحقيقة دينه القيم( وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) من الصد عن سبيل الله ومحاولة الإضلال والله لا يفوته شيء وهو شديد الانتقام ٩٦( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) باعتبار إيتاء الكتاب الحقيقي لأسلافهم قبل تحريفه. والفريق هم المتصدون للإضلال والإغواء والصد عن سبيل الله وتنقادوا لضلالهم بالاتباع الأعمى( يَرُدُّوكُمْ ) باغوائهم واضلالهم( بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ ٩٧وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ ) وقد غمرتكم الألطاف ووضحت لكم الحجج( وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ ) وفيها الهدى والرشاد( وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ) وهو نور الهدى والصلاح ومنار الحجّة وإمام الإصلاح. وباب الله ووسيلته لخلقه( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ ) العصمة هو المنع والحفظ مما يحذر. والعاصم هو الحافظ المانع بتسبيبه أو فعله. والمعتصم هو الملتجي إلى العاصم واللائذ به ليمنعه ويحفظه مما لاذ والتجأ حذرا منه. وتختلف وجوه الحذر ومحققاته باعتبار شأن المعتصم به ووجهة الحذر. فالاعتصام بالله في هذا المقام هو التجاء العبد


فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٩٨)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ

____________________________________

وانقطاعه إليه ليمنعه ويحفظه بهداه وتوفيقه من محاذير الضلال واتباع الهوى والنفس الأمارة وموبقات المعاصي والأخلاق الذميمة ، ومهالك غضب الله ، وحرمان لطفه وتوفيقه ورضاه والمحقق لهذا الاعتصام بعد مخالفة الهوى والنفس الأمارة هو اتباع دلالة العقل والفطرة وما جاءت به رسل الله في معرفته مع النظر في آياته واتباع مدلولها والإيمان برسله وكتبه. وفي حال الخطاب هو الإيمان بخاتم النبيين وقرآنه واتباعهما فيما جاءا به وبلغه رسول الله حق الاتباع ومن جرى على هذا الاعتصام( فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) وان هذا الاعتصام لصراط مستقيم يؤهل العبد إلى توفيق الله له لسلوك الصراط المستقيم ٩٨( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ) أي اتقوا غضبه وما يخاف منه بطاعتكم له( حَقَّ تُقاتِهِ ) جاء في سورة البقرة ١١٥( يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ) . والأنعام ٩١ والحج ٧٣ والزمر ٦٧( ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) . والحج ٧٧( جاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ ) . والحديد ٢٧( فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها ) . فالمعنى ما يحق ويليق بجلاله من تقاته ويكون نصب «حق» على النيابة عن المفعول المطلق المضاف إليه لأنّه من صفاته. وفي تفسير البرهان عن معاني الاخبار ومحاسن البرقي في الصحيح عن الصادق (ع) يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر ، ونحوه عن ابن شهرآشوب عن تفسير وكيع عن علي (ع) وفي الدر المنثور ذكر جماعة أخرجوه منهم الحاكم وصحّحه عن ابن مسعود. وأخرجه الحاكم أيضا وصحّحه عن ابن مسعود قال قال رسول الله (ص) ان يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ، ومن المعلوم ان الله لا يكلف العبد في مفردات التكاليف بما لا يقدر عليه ولا يجمع عليه منها ما هو فوق ما يقدر عليه ولا يستطيع الإتيان بجميعه. إذن فحق تقاة العبد لله أن يتقيه في جميع ما الزمه به أو كما ذكرت الروايات المتقدمة. وان التكليف الذي هو لطف بالعباد لتكميلهم لا يتنازل عن هذا المقدار والإلزام لا يتساهل فيه. نعم قد يقتضي اللطف والتيسير أو عدم القدرة والاستطاعة من أول الأمر أن لا يكلف ببعض الأفعال أو التروك وإن كانت من سنخ الواجبات. وعليه لا يكون الارتكاب لها مما ينبغي أن يتقى الله ويخاف من أجله. وعن قتادة والسدي والربيع ان قوله تعالى( اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ) منسوخ بقوله تعالى في سورة التغابن ١٦( فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) كما ذكر روايته في الدر المنثور عن قتادة والربيع. وذكر


وَلا تَمُوتُنَّ إلّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٩٩)وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً

____________________________________

ايضا من اخرج رواية ذلك عن ابن عباس وابن مسعود. كما ذكر من اخرج عن ابن عباس انها لم تنسخ. وفي التبيان في النسخ قوله وهو المروي عنهما. وفي مجمع البيان وهو المروي عن أبي جعفر (ع) وعن أبي عبد الله (ع). أقول ولم أجد الرواية عن الباقر (ع) نعم عن العياشي عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) انها منسوخة بقوله تعالى( فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) . والعياشي لم يذكر الواسطة بينه وبين أبي بصير. والمعروف عن العياشي انه يعتمد على الضعفاء وعلى كل حال لا بد من طرح الرواية أو تأويل النسخ فيها بنزول المفسر الذي يرفع ما يتوهمه البعض بالنظر السطحي من أن حق التقاة المكلف به ما فوق الاستطاعة. والعجب من الشيخ حيث أشار في تبيانه إلى الرواية في مقام سنخ وهو العارف بحقيقة النسخ واشتراط القدرة والاستطاعة في التكليف وتنزيل الاستطاعة في آية التغابن على الاستطاعة العرفية مع انه مخالف لسوق الآية يوجب التهاون بأمر التقوى( وَلا تَمُوتُنَّ إلّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) يمكن أن يراد بالإسلام هنا حقّ التقاة وهو الدخول في سلم الله بالطاعة وعدم المحادة له بالمعصية دائما. وهو أمر يمكن أن لا يتصف به المؤمن بالله والرسول ويوم القيامة فالمراد من الآية دوام الاتصاف بهذه الصفة الكريمة حتى الموت وان لا يموتوا إلّا وهذه صفتهم الدائمة وسجيتهم المستمرة ومن ذلك طاعة الرسول ومن أمر الرسول بطاعته وموالاته والتمسك به كما اشارت إليه رواية البرهان عن العياشي عن الحسين ابن خالد عن الكاظم (ع). ويمكن أن يكون المراد من الإسلام ما يخالف الكفر ويساوق الإيمان في المعنى فيكون المراد هو الاتصاف بهذه الصفة حتى الموت. والأول اظهر بحسب السوق والأمر بالتقوى حق التقاة. والثاني أنسب بالمعنى المتداول للإسلام ويمكن توجيه التناسب فيه بكون المعنى لازموا التقوى حق التقاة ليندحر عنكم الشيطان ولا تعصوا الله فيطمع فيكم الشيطان ويصرفكم عن الإيمان ولو عند الموت. وفي هذا التخريج نوع تكلف ٩٩( وَاعْتَصِمُوا ) من السقوط( بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً ) أي حال كونكم مجتمعين على الاعتصام بحبل الله وما جعله الله سببا عاصما من سقوط الضلال ووباله. وقد دلنا رسول الله (ص) على ما هو من مصاديق هذا السبب والحبل الذي لا يضل من تمسك به بقوله (ص) في حديث الثقلين «ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا ـ كتاب الله وعترتي أهل بيتي» واستعير لفظ الحبل في


وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٠)وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ

____________________________________

الآية للإشارة إلى ان عدم الاعتصام به يوجب السقوط في مهواة الضلال والهلكة( وَلا تَفَرَّقُوا ) عن حبل الله والاعتصام به( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ ) أي ولتكن نعمة الله المذكورة على ذكركم دائما فإن لكم فيها موعظة وعبرة تدعوكم إلى الاجتماع على الاعتصام بحبل الله وتزجركم عن التفرق عنه. وذلكم( إِذْ كُنْتُمْ ) في جاهليتكم( أَعْداءً ) بحسب قبائلكم بل والكثير من آحادكم( فَأَلَّفَ ) الله ببركة الإسلام والرسول( بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ ) عليكم بهذا التأليف( إِخْواناً ) كعادة الاخوان الاشقاء في كونكم يدا واحدة بقلوب مؤتلفة( وَكُنْتُمْ ) في شرككم وعدوانكم واعمالكم الجاهلية( عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ) أي طرف الحفرة وحافتها مشرفين على السقوط فيها ما بينكم وبينه إلّا الموت وهو قريب منكم( فَأَنْقَذَكُمْ ) وأنجاكم( مِنْها ) في الكافي عن الصادق (ع) فأنقذكم منها بمحمد (ص) ونحوه عن العياشي عن الصادق (ع) أيضا ونحوه ما في الدر المنثور عن الطستي عن ابن عباس وهو تفسير جلي( كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ ) ومنها التأليف بين قلوبكم بعد تلك العداوات الشديدة والأحقاد المتوغلة في قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ومنها انقاذكم من تلك الضلالات المشرفة بكم على الخلود في درك الجحيم يبينها لكم( لَعَلَّكُمْ ) تنتبهون و( تَهْتَدُونَ ١٠٠ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) اللام للأمر و «منكم» للتبعيض فالوجوب كفائي منوط بحصول الغرض كما في التبيان. والحكم في الآية كسائر التكاليف لطف عام لجميع الناس وإن كان الخطاب متوجها إلى المسلمين لأنهم حينئذ هم المصغون إلى خطاب الوحي والمتلقون لشرائعه بترحيب الإيمان. وفي التبيان وقيل «من» لتخصيص المخاطبين من بين سائر الأجناس مثلها في قوله تعالى( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ ) . أقول يعني ان «من» تفيد هنا ما يسمى في الاصطلاح بالتجريد نحو رأيت منك أسدا وليكن لي منك صديق ، وكقول الزعيم لأصحابه لينهض منكم جيش ولينتظم منكم صفوف إذا أراد نهوضهم وانتظامهم بأجمعهم أي كونوا جميعا


أمة يدعون الآية (ويدفعه أولا) ان هذا خلاف الظاهر والمتداول من لفظ «من» وليس في المقام قرينة تصرفها من التبعيض إليه ومما يشهد للتبعيض أو يدل عليه معتبرة مسعدة بن صدقة المروية في الكافي والخصال والتهذيب وفيها ان الصادق (ع) استشهد للتبعيض بالآية ـ وثانيا ـ ان هذا المعنى يصرف وجه الكلام عن الأمر لبعض المسلمين بالمعروف ونهيهم عن المنكر مع حاجتهم إلى اللطف بهذا الإصلاح. بل يكون وجهه هو أمرهم ونهيهم لغيرهم. وهذا مما يأباه عموم لطف الآية ومجد إصلاحها وكرامة شريعتها. فالظاهر إذن من لفظ «من» وسوق الآية هو التبعيض. ولذكر الأمة جهتان ـ الأولى ـ بيان ان هذا المقام توصلي يراد منه حصول الغرض بمن يحصله وليس بتعبدي واجب على كل احد على كل حال بل قد يسقط الوجوب عن كثير من الناس لعدم تأثيرهم أو غير ذلك مما ذكر في شروطه ـ الثانية ـ الاشارة إلى ان هذا المقام يحتاج غالبا في تأثيره إلى التعاضد والتعاون وإذا ترك المتصدي وحده أو شك أن تحول وحدته دون نهوضه ودون التأثير فيجب تحصيل الأثر بالمعاونة والاجتماع «والخير» معروف وهو ما هدى إليه العقل السليم أو دلّ على فضيلته الشرع. وقد تكفل الدين الحنيف والشرع الشريف ، والقرآن الكريم بالدلالة على كل خير كالإسلام والإيمان والمعارف الدينية. وكرامة الطاعة واتباع الحق والعدل والتزين بالأخلاق الفاضلة ، واسباب التكميل والتهذيب وترويض النفس والسعادة ، وفضيلة العلم ، ونظام الاجتماع ، والمدنية ، والصلاح والإصلاح ، وانك إذا تتبعت القرآن الكريم والسنة الشريفة تجد الدعوة إلى ذلك والأمر بها جارية على أحسن نهج وأعمه وأنفعه ، وأوضحه وأوفقه بالحكمة. و «المعروف» هو ما يعرف العقلاء والمتشرعة رجحانه في حسنه من دلالة العقل أو الشرع ، و «المنكر» ما أنكره واستبشعه العقلاء والمتشرعة لدلالة العقل أو الشرع على رداءته. وفي الكافي والتهذيب مسندا عن الباقر (ع) في حديث ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء فريضته عظيمة بها تقام الفرائض وتؤمن المذاهب وتحل المكاسب وترد المظالم وتعمر الأرض وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر الحديث. وقد شدد الإنذار في السنة والنكير على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهدد بعقاب الدنيا ووباله قبل الآخرة. فمن ذلك ما روي في الكافي وعقاب الأعمال والتهذيب مسندا عن الرضا (ع) كان رسول الله (ص) يقول إذا أمتي تواكلت الأمر بالمعروف


والنهي عن المنكر فليأذنوا بوقاع من الله(١) وذكر في كنز العمال من اخرج نحو معناه عن حذيفة وأبي بكره وجرير عن رسول الله (ص) وعن الرضا (ع) أيضا لتأمرنّ بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليستعملن الله عليكم شراركم(٢) فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم(٣) وذكر في كنز العمال من اخرج هذا المعنى ونحوه عن ابن مسعود وحذيفة. وأبي هريرة وعائشة عن رسول الله (ص). وقد جمع في الوسائل وكنز العمال في باب الأمر بالمعروف جملة من الأحاديث فلتراجع. وفي المقام مسائل ـ الأولى ـ انه وان كان الظاهر بحسب اللغة كون الدعوة والأمر والنهي ما كان باللسان. ولكن المعلوم من مغزى الآية وفحواها ووجهة إصلاحها وقرائنها من الشريعة هو ان المراد ما يكون باعثا على الانقياد لفعل المعروف ورادعا عن المنكر من القول والفعل والوسائل المحصلة لذلك حتى الإلجاء لكن بعض الوسائل الفعلية تحتاج إلى الاذن من ولي الأمر سلطان الوقت أو من ينوب منابه ـ الثانية ـ ذهب الشيخ في التبيان والحلي في السرائر وحكي عن المرتضى والحلبي والقاضي والطوسي في التجريد والعلامة وكثير من غيرهم ونقلت حكاية الشيخ له عن جماعة انهما يجبان على الكفاية بمعنى انهما يجبان على كل مكلف لم يفقد شرط الوجوب لكنهما يسقطان بقيام من به الكفاية أو نهوضه لهما مع المراعاة بحصول الغرض. وهذا هو المفهوم من المقام وأمثاله مما يكون التكليف فيه لغرض يتعلق بغير المكلف. وهو الظاهر من الآية ورواية مسعدة المشار إليها. وفي نهاية الشيخ والوسيلة وحكى عن بعض المتأخرين انهما من فروض الأعيان وذكر في المختلف احتجاج الشيخ له بالآية وبعض الروايات الواردة في الباب «ويدفعه» ان الآية ظاهرة في فرض الكفاية والروايات لا تنافي ذلك. هذا وإذا احتاج الواجب إلى تعاون جماعة وجب على كل مكلف به أن يهيأ نفسه للانضمام إلى من يعاونه بل ويدعو إلى ذلك ـ الثالث ـ يشترط في وجوبهما جواز التأثير.

__________________

(١) وقاع كوقائع جمع واقعة وهي النازلة الشديدة. ويحتمل أن تكون مصدر واقع بمعنى حارب كحراب بمعنى المحاربة.

(٢) أي لا يحول بلطفه دون استيلائهم عليكم بل يخذلكم ويترك أمرهم لمجرى الأسباب العادية والمقادير فكنى عن ذلك بالاستعمال لما للطفه جلت آلاؤه من الأثر في صد الأسباب عن مجاريها

(٣) سموا خيارا بظاهر الحال فإنهم عصاة بتضييعهم لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولذا لا يستجاب دعاؤهم


وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠١)وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٢)يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ

____________________________________

وحكي على ذلك الإجماع بل يدل عليه العلم بأن وجوبهما إنما هو لتحصيل الائتمار والانتهاء. وعلى ذلك لا يجبان إلّا أن يحرز إصرار المأمور على ترك المعروف والمنهي على فعل المنكر. بل ربما يصادف ذلك اهانة التائب وهي مفسدة. ومع الشك فالأصل عدم الوجوب خصوصا مع احتمال المفسدة المذكورة ولزوم الاحتراز عن الإهانة للغير إلّا بحق ومن أجل ذلك يتوقف الأمر والنهي على معرفة المعروف أو المنكر فإن كان الجهل من حيث الشرع وجب التعلم بوجوب تعلم الأحكام الشرعية وإن كان من حيث الاشتباه الخارجي فالأصل البراءة مع لزوم الاحتراز عن اهانة الغير إلّا بحق ـ الرابعة ـ أن لا تكون فيهما مفسدة من نحو ما تقدم أو ضرر يرجح الحذر منه على مصلحتها بحسب المورد الخاص. والتفصيل موكول إلى كتب الفقه( وَأُولئِكَ ) الواو للاستئناف والمشار إليهم هم الذين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على النحو المطلوب( هُمُ الْمُفْلِحُونَ ١٠١وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا ) عما يجب فيه الاجتماع مما فيه الصلاح والفلاح( وَاخْتَلَفُوا ) بحسب أهوائهم( مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ) الواضحات من أدلة الحق فتولوا عنها بضلال أهوائهم( وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) والواو يحتمل أن تكون للاستئناف ويحتمل أن تكون عاطفة على أولئك هم المفلحون. وفي العطف مناسبة المقابلة والتقسيم في النظم ١٠٢( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ) في التبيان ما ملخصه ان العامل في «يوم» عظيم ـ ويجوز أن نعمل فيه الجملة في معنى يعذبون يوم. وتبعه على كلامه بحروفه في مجمع البيان. وفي الكشاف نصب «أي يوم على الظرفية» بالظرف وهو «لهم» أو بإضمار «اذكر» أي على انه مفعول لا ظرف وتبعه على ذلك الرازي في تفسيره. ولكن ارتباط الآيات في النظم وذكر ابيضاض الوجوه واسودادهما على ترتيب الفلاح والعذاب في الآيتين المتقدمتين يناسبهما أن يكون «يوم» ظرفا لفلاح المفلحين وعاقبة المتفرقين. وقيل ان ابيضاض الوجوه كناية عن رونق بشرها واسودادها كناية عن حالة خزيها نحو قوله تعالى في سورة النحل ٦٠( وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ) وهذا


فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٣)وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٤)تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٥)وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٦)كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ

____________________________________

القول كما في مجمع البيان عدول عن حقيقة اللفظ بلا ضرورة. بل يكون البياض بحقيقته وسنا نوره سيماء تكريم وبشرى للصالحين المقربين ويكون السواد باظلامه وتشويهه وسم خزي ونكال لأولئك البعداء( فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) في التبيان ومجمع البيان والكشاف وتفسير الرازي ان جواب «اما» محذوف تقديره فيقال لهم أكفرتم. أقول ويقرب عندي أن يكون الجواب من نحو فهم في عذاب أليم ونقمة من غضب الله كما يدل عليه قوله تعالى( فَذُوقُوا الْعَذابَ ) ويناسبه قوله تعالى في الآية الاخرى( فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) ومن نحو هذا الحذف في القرآن الكريم كثير وفائدته التهويل بالجواب ليقدره السامع بكل نحو يشعر به المقام من الهول. وهو باب واسع في البلاغة قد ذكرنا شيئا من شواهده في الآية الثامنة والعشرين من سورة البقرة. ثم خوطبوا بنحو الالتفات في التوبيخ والتقريع بقوله تعالى( أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ ) بسبب ما كنتم تكفرون ١٠٣( وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) وكفى بذلك في رفعة النعيم وسعادته ١٠٤( تِلْكَ ) أي ما قدمناه من آيات المواعظ والحجج والإرشاد والنعيم والعقاب( آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِ ) الثابت من مضامينها ومنه الوعيد والعقاب فإنه على الحق والعدل واستحقاق المجرم لارتكابه ما أرشده الله إلى تركه أو تركه لما أرشده الله إلى فعله بأنواع الإرشاد والترغيب والتنفير. فإن الله يريد للإنسان صلاحه وسعادته بالاستقامة والطهارة الاختيارية( وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ١٠٥ وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) لأنّه إله العالم ومدبره وخالقه وكل ما عداه محتاج إليه في ذاته وأموره فكل أمر من شؤون العالم يرجع اليه. وكرر اسم الجلالة للإيماء إلى وجه رجوع الأمور إليه لما في اسمه المقدس من معنى الإلهية والسلطان العام ١٠٦( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ) الأمة الجماعة ويقال


أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ

____________________________________

للمسلمين أمة محمد (ص) باعتبار انهم جماعته الذين آمنوا به( أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ) وللكلام في الآية مقامان ـ الأول ـ ان المترائي من الآية ان «كان» ناقصة تدل على ان مضمون خبرها قد كان في الزمان الماضي وانقضى وانقطع. ومن أجل ذلك ذكر في الدر المنثور عشرة أكثرهم من أهل الصحة عندهم منهم الحاكم في مستدركه اخرجوا عن ابن عباس في ذلك انه قال : هم الذين هاجروا مع رسول الله إلى المدينة. واخرج بعضهم عن عمر قال تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا. وعن عمر أيضا لو شاء الله لقال أنتم فكنا كلنا ولكن قال كنتم في خاصة اصحاب محمد (ص) ومن صنع مثل صنيعهم كانوا خير أمة أخرجت للناس. وفي حقائق التنزيل وروي عن الحسن «أي البصري» ان ذلك اشارة إلى الصحابة دون من بعدهم ممن تغيرت حاله ، واختلفت أوصافه. وفيه أيضا روي عن الحسن انه كان يقول هكذا والله كانوا مرة وبعض المسلمين كان يقول أعوذ بالله ان أكون كنتيا(١) أقول وهذا كله ينظر إلى مفاد كان الناقصة ولكن لم يعط معناها حقه فإنها لو كانت في الآية ناقصة لكانت دالة على انقطاع الصفة التي في خبرها وتبدلها وباعتبار كون الخطاب فيها للمسلمين تكون من أشد التوبيخ والتقريع بسوء العاقبة لمن كان موجودا من المسلمين حين نزول الآية وخطابها وقد كان البارز منهم حينئذ جل الكبار من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. فكيف يخاطب القرآن هؤلاء الأكابر وغيرهم من الأمة في وقت النزول بما يؤدي إلى انهم منسلخون حينئذ من صفات الآية قد انقطعت عنهم بعد ما كانوا حائزين لكرامتها. ولا

__________________

(١) يضرب المثل لمن تبدلت حاله وصار يفتخر بما مضى وفقده من صفاته ويسمونه كنتيا وكذا من أعجزه الهرم فصار يفتخر بأحواله في شبابه ويقول كنت كذا وكنت كذا. وقد مرّ عليك قول لبيد بن ربيعة :

«قالت غداة انتجينا عند جارتها

أنت الذي كنت لو لا الشيب والكبر»

وانشدوا :

«فأصبحت كنتيا وأصبحت طالما

وشر خصال المرء كنت وطالم»

أي أقول عند الهرم والعجز كنت كذا وكذا وطالما كان كذا وطالما فعلت كذا وكذا. وقد نصب طالما ورفع على اشتقاقه على سبيل الحكاية اسما من «طالما»


يقاس المقام بقوله تعالى( وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً ) وأشباهه فإن «كان» في هذه الموارد للاشارة إلى انه كذلك منذ الأزل ومن المعلوم ان صفاته الأزلية أبدية أيضا لا يعتريها انقطاع وانقضاء وهذا المعلوم البديهي يصرف «كان» عن مفادها بخلاف هذه الآية ولا أقل من انه لا يساق للمدح والتمجيد ما يعطي بظاهره الذم والتقريع(١) فالوجه أن تكون «كان» في الآية تامة كقوله تعالى( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ ) . مأخوذة من الكون المطاوع للتكوين مثل قوله تعالى( كُنْ فَيَكُونُ ) . وخير أمة حال من الضمير وجملة أخرجت صفة للأمة بمعنى أظهرت للناس وأخرجت من العدم أو الخفاء «المقام الثاني» ان كثيرا من الموجودين حال نزول الآية لم يثبتوا على واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وان الأحوال المذكورة في مقتل عثمان وشؤونه وحربي البصرة وصفين تجعل شطرا وافيا من كبار المهاجرين والأنصار على غير صفات الآية وان اعتذر عنهم بالخطإ في الاجتهاد. وقد استفاض عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو تواتر ان أقواما من أصحابه في يوم القيامة يحال بينهم وبين رسول الله وورود الحوض وينادى بهم إلى النار فيقول رسول الله اصحابي فيقال انهم ارتدوا على اعقابهم القهقرى وفي حديث أبي هريرة فلا أرى يخلص منهم إلّا مثل همل النعم كما رواه بالأسانيد المتعددة والمعاني المتقاربة أحمد في مسنده والبخاري ومسلم وابن ماجه في جوامعهم والحاكم في مستدركه

__________________

(١) وحكى السيد في حقائق التأويل عن الذين أرادوا التخلص مما ذكرنا لزومه لمفاد كان الناقصة أقوالا متفرقة. فعن بعض ان كان زائدة واستشهد بقول الشاعر «على كان المسومة الجياد» وقول الاخر «وجيران لنا كانوا كرام» : وعن بعض أنّ «كان» بمعنى صار. واستشهد بقوله : «قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها» أي صارت وقال السيد والصحيح في رواية هذا البيت «قد صارت فراخا بيوضها» أقول وما أغرب حمل الآية الكريمة وكرامة القرآن على هذين الوجهين الشاذين الواهيين : وعن بعض ان المعنى وكنتم إذ كنتم خير أمة نحو ما كنت مذ كنت إلّا نبيها رئيسا. أقول ومع هذا التحذلق البارد رجع هذا القائل إلى كان التامة : وعن بعض ان المعنى كنتم في اللوح المحفوظ أو في كتب الأنبياء المتقدمة. أقول ومع هذا التحكم والتخرص في تقدير الظرف لا ينفك عن محذور كان الناقصة فهل خرجوا عن هذه الصفة من اللوح المحفوظ وكتب الأنبياء : وعن بعض انه يقال لهم ذلك يوم القيامة ولا يضر انقطاع الصفة حينئذ أي وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم خالدون ، ويقال لهم حينئذ كنتم خير أمة. الآية. وقال السيد في هذا الوجه فضل تعسف واستكراه أقول ومن ذا الذي يرضاه لكرامة القرآن ومجده


وَلَوْ آمَنَ أهل الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١٠٧)لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ

____________________________________

والطبراني وغيرهم رووه مسندا عن اثني عشر من الصحابة ورواه البخاري في باب الحوض بأسانيده عن سبعة منهم. هذا واما إذا قلنا ان المراد من الأمة في الآية أمة رسول الله إلى يوم القيامة وجرى الخطاب لهم باعتبار الموجودين منهم فما أوسع الخرق في الأمة خصوصا إذا نظرنا إلى أيّام زياد ويزيد والحجاج وآل مروان وأمثالهم. والى هذا المقام الثاني ينظر ما روي عن ابن عباس وعمر والحسن البصري وإن لم يصادف بعضه محزه. وفي تفسير القمّي في الحسن كالصحيح أو الصحيح عن الصادق (ع) في مقام الإنكار خير أمة تقتلون امير المؤمنين (ع) والحسن والحسين. الحديث. إذن فلا مناص من أن يكون الخطاب لجماعة مخصوصين ملازمين لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله حق الإيمان. وفي الدر المنثور اخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر يعني الباقر (ع) انهم أهل بيت النبي (ص). وعن تفسير العياشي عن أبي عمر الزبيري عن الصادق (ع) في الآية يعني الأمة التي وجبت لها دعوة إبراهيم «أي قوله تعالى( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) » فهم الأمة التي بعث الله فيها ومنها وإليها وهم الأمة الوسطى وهم خير أمة أخرجت للناس. وفي رواية العياشي عن الصادق (ع) هم آل محمد (ص). وعن أبي بصير عن الصادق (ع) إنما أنزلت هذه الآية على محمد فيه وفي الأوصياء من بعده. وفي بعض الروايات انها نزلت خير أئمة : والمراد ان هذا المعنى مراد في التنزيل وإن كان اللفظ أمة كما تقدم مثله في المقدمة في الكلام على روايات فصل الخطاب ويشهد له هنا رواية الزبيري( وَلَوْ آمَنَ أهل الْكِتابِ ) بالله وبآياته ورسوله وقرآنه( لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ) يفوزون بسعادته نعم( مِنْهُمُ ) الأناس( الْمُؤْمِنُونَ وَ ) لكن( أَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ) والخارجون بكفرهم من الحجاب وهؤلاء ١٠٧( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلّا أَذىً ) باللسان والتهييج عليكم والتجمع لحربكم فلا يضرونكم في ظهور دينكم وجامعتكم وشوكتكم الإسلامية وانتصاركم وفي هذا بشرى عظيمة غيبية قد تحقق مصداقها على أعزّ الوجوه( وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ) كما وقع ذلك كله مدة وجود المخاطبين


(١٠٨)ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١٠٩)لَيْسُوا سَواءً

____________________________________

من المسلمين إلى الاستيلاء على الشام وما بعد ١٠٨( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ) في قرون عديدة(١) لما يذكر في آخر الآية من سوء اعمالهم( أَيْنَما ثُقِفُوا ) وأدركوا وظفر بهم فلا منعة لهم من الذلة( إِلَّا ) أن يعتصموا( بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ ) بأن ينقطعوا ويلتجؤا إليه بإخلاص فيغيثهم( وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ) بأن يدخلوا في عهدهم وذمتهم أو رعايتهم وحمايتهم. وسمي ذلك بالحبل لمنعته لهم من السقوط في هاوية الذل( وَباؤُ ) بمعنى رجعوا ونحوه( بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ) لسوء اعمالهم( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ) في القاموس من معاني المسكين الضعيف الذليل. وفي المصباح عن ابن الاعرابي الذليل المقهور وفي النهاية مما يدور على المسكين والمسكنة من المعاني الخضوع والذلة. أقول والظاهر هنا ان معنى المسكنة ما تدور حوله هذه المعاني وهو لازم لليهود لانكسار شوكتهم القومية والسياسية وانحلال جامعتهم في ذلك مهما بلغ بعض الأفراد منهم في الثروة والنخوة الجزئية الصورية الموقتة( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ) بتتابع ارتدادهم. وكفرهم بما أوتي المسيح منها( وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ ) القيد للتوضيح والتسجيل لقبيح أفعالهم فإن قتل الأنبياء كله بغير حق( ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ) حدود الله. وكررت الاشارة تأكيدا لبيان الجهات التي يستحقون بها النكال العاجل والانتقام. هذا شأن النوع من أهل الكتاب في اجيالهم وما كلهم كذلك فإنهم ١٠٩( لَيْسُوا سَواءً ) وعلى وتيرة واحدة في الضلال

__________________

(١) كما يذكر التاريخ من كتب العهد القديم وتاريخ يوسيفوس وغيره ما تمادوا عليه من تتابع الارتداد والكفر من بعد سليمان وقتل الأنبياء وسوء الأعمال في الشرك وما جرى عليهم من آثار الحروب من ملوك آشور ومصر وبابل وطيطوس. وبقيت الآثار على ذلك. والقوم أبناء القوم فقد خلفوهم بالكفر بآيات الله للمسيح فقالوا الأقاويل وفعلوا الأفاعيل حتى اتبعوا ذلك بالكفر بآيات الله لرسوله خاتم النبيين ومنها بشرى كتبهم به وبقرآنه فجهدوا في الكفر والغيّ جهدهم حتى ذاقوا وبال أمرهم


مِنْ أهل الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٠)يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١١)وَما يَفْعَلُوا مِنْ

____________________________________

والغيّ بأجمعهم بل( مِنْ أهل الْكِتابِ أُمَّةٌ ) وجماعة( قائِمَةٌ ) للعبادة أو كناية عن الاستقامة في الإيمان والطاعة والعناية بوظائف العبادة( يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ ) آناء جمع قيل ان مفرده «أني» بفتح الهمزة أو كسرها وسكون النون أو «أنو» بالواو أي في ساعات الليل وأوقاته( وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) في التبيان ان الواو ليست للحال بل لعطف جملة «هم يسجدون» على جملة «يتلون» أقول أظن الداعي لهذا التفسير حمله للآية على من اسلم من أهل الكتاب وان الذي يتلونه هو آيات القرآن وليس في سجود المسلمين تلاوة. لكن فيه أولا عدم ظهور الفائدة والمنشأ في العدول إلى الجملة الاسمية والإتيان بالضمير فإن الحصر لا محل له. وافادة الدوام تحصل من الفعل المضارع وثانيا لم يصح ان الآية نزلت في ابن سلام وأمثاله ممن اسلم من أهل الكتاب بل لم يعهد من هؤلاء اتصافهم بالصفات المذكورة في الآية والتي بعدها. بحيث يستحقون التنويه بها مع ان الآية السابقة وخصوص قوله تعالى( وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ ) تدل على ان السياق هو في احوال أهل الكتاب من الأوائل فالمناسب أن يراد المؤمنون منهم لبيان فضلهم وإخراجهم من تلك المذمة العامة. فالمتلو لهم هي آيات كتبهم الحقيقية ولم يعلم انه يمتنع في شريعتهم ان يتلوها في سجودهم. بل يمكن على الوجهين ان يتجه كون الواو حالية بأن يكون المراد يتلون فيما بين سجودهم المتتابع في القيام للعبادة كما يقال يتكلمون وهم يشربون ويحدثون بنعمة الله عليهم ويخاطبون بالموعظة والحث على العبادة وهم يصلون أي فيما بين صلواتهم المتتابعة ١١٠( يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ) صفة ثانية لأمة( وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) يوم المعاد ويعملون على حقيقة الإيمان به( وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ) بتقواهم وحبهم للخير وطلبهم لرضا الله بلا توان ولا حاجة إلى البعث والإلجاء. وما أوضح كلمة «يسارعون» في الدلالة على اختيار الإنسان في أفعاله. وسوق الآية وتمجيدها يدل على ان هذه الصفات صفات ثابتة لهم ناشئة عن ملكات راسخة( وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ١١١وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ) بل ينوه بفضلهم فيه ويوفيهم الله جزاءه( وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ) مهما


خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٢)إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٣)مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

____________________________________

أسروا اعمالهم الصالحة وتقواهم. وقد اقتضت مناسبة المقام والمقابلة توبيخ الكافرين على كفرهم وسوء اعمالهم وبيان خسرانهم وخيبتهم وسوء عاقبتهم فقالعزوجل ١١٢( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) وقد مرّ تفسير الآية في الآية الثامنة وزيد عليها هاهنا ببيان الخلود في النار وان دلت عليه بالاشارة في قوله تعالى( وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ) . وان قيل ان هؤلاء الكافرين ربما ينفقون من أموالهم شيئا في صلة الرحم ونفع المحتاجين من الفقراء والمساكين وغير ذلك فلماذا لا تغني عنهم أموالهم فلقد أزاح الله علة هذه الشبهة بقوله ١١٣( مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا ) وتضييعهم له فيها بكفرهم وان قصدوا وجها يزعمون انه وجه الله ولكنه ليس بوجه الله الذي كفروا بآياته وأشركوا به ووصفوه بما يجل عنه من الصفات( كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ) هذا من التشبيه المركب ليتبين منه حال كفرهم مع إنفاقهم في احباطه بما جنوه على أنفسهم ولذا صدّر المثل ببيان المتلف للحرث ليروع الكافرين بعنوانه في صدر المثل. والصر بكسر الصاد هو البرد الشديد أو شدة البرد كما نص عليه جل اللغويين والمفسرين وذكر في الدر المنثور جماعة أخرجوه عن ابن عباس من طرق متعددة. وروى الطستي ان ابن عباس استشهد له بقول النابغة الذبياني :

لا يبردون إذا ما الأرض جللها

صرّ الشتاء من الإمحال كالأدم

وأنشد في الكشاف قول الشاعر :

لا تعدلنّ اتاويين تضربهم

نكباء صرّ بأصحاب المحلات

والحرث هو المزروع في الأرض. والأنسب في فهم قوله تعالى ظلموا أنفسهم انهم ظلموها بزرعه في غير أوان زرعه بحسب الفصول أو في غير بلاد زرعه من الأرض( وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ ) باحباط عملهم بكفرهم( وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) باختيارهم الكفر الملقى لهم في هلكة


(١١٤)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ

____________________________________

العذاب وخسة الوبال وإحباط العمل. ١١٤( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً ) البطانة خاصة الإنسان والذي يستبطن أمره ويطلع على سره( مِنْ دُونِكُمْ ) أي من دون أمتكم وقومكم المؤمنين. وما احسن التعبير عنهم في هذا المقام بهذا الضمير لبيان ان إخوانكم المؤمنين في اتحاد كلمتكم في الإيمان واتحادكم في نصره بمنزلة أنفسكم فكيف تعدلون إلى غيرهم بالاختصاص الذي تطلعونهم به على بواطن أموركم وحريم اسراركم في دفاع الكافرين. وكفى بهذا التعبير بيانا لكون المنهي عن اتخاذهم بطانة هم من غير المؤمنين والاية الآتية تدل على انهم المنافقون الذين إذا لقوهم يقولون آمنا و «من» للابتداء متعلقة بقوله تعالى( لا تَتَّخِذُوا ) أو بصفة البطانة والأول اظهر. لا للتبعيض أو التبيين كما في التبيان ومجمع البيان ومحكي تفسير الرازي وكذا قول تفسيري الجلالين والمنار «من غيركم» فإن يلزم على ذلك ان يقال ممن دونكم. وقد أوضح جلت آلاؤه للمؤمنين وجه النهي عن اتخاذ هؤلاء بطانة بأنهم( لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً ) خبالا مفعول ثان والجملة صفة توضيحية لازمة لهذه البطانة لا تقييدية. وفسروا «لا يألونكم» بيقصرون وهذا لا يناسب تعديها إلى مفعول واحد فضلا عن المفعولين كما هو الكثير المسموع من استعمالها فيلزم جعلها بمعنى لا ينقصونكم كقوله في سورة براءة( ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً ) . والخبال فساد الرأي أو مطلق الفساد أي يوفونكم الفساد أو فساد الرأي بدسائسهم( وَدُّوا ما عَنِتُّمْ ) عنت أصابه العنت مثل مات ومرض. ومما ذكره اللغويون في العنت فيما يناسب المقام هو الضرر والهلاك. والمشقة ولقاء الشدة. والهلاك ولعل معناه واحد ينطبق بنحو واحد على هذه المعاني أي ودوا ما أصابكم من العنت والظاهر ان جملة ودوا صفة أخرى للبطانة ولو كانت مستأنفة لقيل قد ودوا مثل قوله تعالى( قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ ) بغضاؤهم لكم( مِنْ أَفْواهِهِمْ ) وفلتات كلماتهم( وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ ) مما يسرونه من البغضاء لكم( أَكْبَرُ ) مما يبدر من ألسنتهم فهل يصح بعد ذلك للمؤمن المدافع عن دين الإسلام والناهض لإعلاء دعوة الحق ان يتخذ هؤلاء بطانة من دون المؤمنين( قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ ) والدلالات على شأنهم( إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ )


(١١٥)ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ

____________________________________

البيان ومرمى الإشارة وواجب العمل على البيان والحذر من أن لا تتخذوا منهم ولا من أمثالهم بطانة ١١٥( ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ ) «أنتم» مبتدا والظاهر ان «أولاء» نداء يفيد هنا فائدة الاختصاص تأكيدا للومهم في مقام التحريض على التباعد عن أولئك وأمثالهم( وَلا يُحِبُّونَكُمْ ) الظاهر ان الجملة حالية والعامل فيها «تحبونهم» ويجوز ان تكون خبرا ثانيا بالعطف( وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ ) القرآن ولبعض المفسرين في تفسير الكتاب تكلفات( كُلِّهِ ) وقد نهيتم فيه قبل هذا عن الركون إلى الذين ظلموا كما في سورة هود المكية وفيه( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) كما في سورتي البقرة والأعراف المكية. و( الظَّالِمِينَ ) كما في سورة الشورى المكية. و( بِالْمُفْسِدِينَ ) كما في سورة القصص المكية. و( الْخائِنِينَ ) كما في سورة الأنفال. و( بِالْكافِرِينَ ) كما في سورة الروم. فهل يسوغ ويحسن منكم ايها المؤمنون بالكتاب كله ان تحبوا من لا يحبه الله لأجل شره(١) والظاهر ان الجملة معطوفة على الخبر أي ها أنتم تحبونهم وتؤمنون بالكتاب كله وكيف تجمعون بين الأمرين وقد سمعتم من الكتاب انه ينهاكم عن الركون إلى الذين ظلموا ويوعز لكم ان لا تحبوا هؤلاء وأمثالهم فإن الله لا يحبهم. وفي الكشاف ان الجملة حالية. ويرد عليه وجود الواو وهي لا تدخل على الحالية من المضارع المثبت. وتقدير الضمير لتكون اسمية لا داعي له( وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا ) بنفاقهم ومخادعتهم( آمَنَّا ) بما آمنتم به ونحن معكم ومنكم( وَإِذا خَلَوْا ) ولم يكن معهم احد منكم( عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ) من أجل إيمانكم وعلو كلمتكم بظهور الإسلام. وعضّ الأنامل يكون عند شدة الغيظ بحيث لا يتمالك المغتاظ عن أن يعض أنامله ويؤلمها كما قال أبو طالب «يعضون غيظا خلفنا بالأنامل» والحرث بن ظالم المري «يعضون من غيظ رؤوس الأباهم» والأنامل أطراف الأصابع. والأباهم جمع إبهام( قُلْ ) لهم يا رسول الله( مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ) فإن الله معل كلمة الحق وسلطان الإسلام وخاذلكم( إِنَ

__________________

(١) وان الجهل بترتيب النزول ضيع علينا كثيرا مما نزل قبل هذه الآية في التحذير من موالاة أمثال هؤلاء فضلا عن اتخاذهم بطانة. ولعل من ذلك ما في سورة الممتحنة والمجادلة والنساء وغيرها


(١١٦)إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ

____________________________________

اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) لا يخفى عليه نفاقكم. وذات الصدور كناية عن الخصلة أو السريرة أو الحالة أو العلة المتعلقة بالصدور من نفاق أو إيمان ونحو ذلك. على حد قولهم ذات الصدر وذات الرئة وذات الجنب. وعلى ذلك جاء قوله تعالى ١٤٨( وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) فالآيتان مثل قوله تعالى في سورة النمل ٧٦( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ) ونحوه الآية التاسعة والستين من سورة القصص. والتعبير بذات الصدور وما تكنّ صدورهم إنما هو باعتبار ان الصدر وعاء للقلب الذي هو مرجع لهذه الأمور كما يدل عليه قوله تعالىوَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ ) . كما تقول علم بخبايا الدار أي بما في صناديقها ونحو ذلك. وبما ذكرناه تعرف ما في المصباح المنير من قوله «المعنى عليم بنفس الصدور» وعلى ما ذكرناه من معنى ذات الصدور فسروا قول الشاعر «لتغني عني ذا إنائك أجمعا» بإضافة «ذا» إلى الإناء أي ما يتعلق بإنائك مما فيه من لبن أو غيره. وعليه أيضا ما في المصباح المنير انه أنشده ابن فارس في متخير الألفاظ

ونعم ابن عم القوم في ذات ماله

إذا كان بعض القوم في ماله كلبا

اي فيما يرتبط ويتعلق بماله وقال النابغة

مجلتهم ذات الإله ودينهم

قويم فما يرجون غير العواقب

المجلة الكتاب اي كتابهم هو ما يرتبط ويتعلق بالإله ووحيه ١١٦( إِنْ تَمْسَسْكُمْ ) حادثة( حَسَنَةٌ ) من حوادث الدنيا تنالون منها خيرا ولو بمسيسها كناية عن قلة نفعها لكم( تَسُؤْهُمْ ) لحسدهم وبغضهم لكم ولدين الحق( وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ ) بمعنى تصيبكم فادحة اصابة لا بمجرد المسيس( يَفْرَحُوا بِها ) ولا تأخذهم لذلك رقة الجوار أو القرابة والاتصال بالقبيلة.( وَإِنْ تَصْبِرُوا ) على ما يحمد الصبر عليه من طاعة الله ونصر دينه وجهاد عدوه وعداوة هؤلاء واذاهم( وَتَتَّقُوا ) الله في أوامره ونواهيه( لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ) بضم الراء وتشديدها لأن مثل هذا المدغم لا يظهر عليه الجزم بالسكون إلّا بفك ادغامه نحو( إِنْ يَمْسَسْكُمْ ) وفي هذا وعد للمؤمنين بحماية الله لجامعتهم من ضرر المنافقين( إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) فيحميكم من اعمالهم


(١١٧)وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١١٨)إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا

____________________________________

التي يكيدونكم بها. والقراءة المتداولة في المصاحف وبين المسلمين حتى القراء السبعة «يعملون» بالياء المثناة من تحت ولم تذكر بالتاء المثناة من فوق إلّا عن الحسن وأبي حاتم ومع ذلك قال في الكشاف «بما تعملون من الصبر والتقوى محيط» ١١٧( وَإِذْ ) في التبيان والمجمع والكشاف ان العامل في «إذ ، اذكر»( غَدَوْتَ ) في النهاية الغدوّ هو أول النهار غدا يغدو غدوا. وفي المصباح غدا بمعنى انطلق. والمراد مجموع السير الواقع في أول النهار وصدره( مِنْ أَهْلِكَ ) ومحل إقامتك. وفي المجمع انه الخروج إلى احد(١) عن ابن عباس وهو المروي عن أبي جعفر يعني الباقر (ع). وفي الدر المنثور ذكر من اخرج ذلك عن ابن عباس ومن أخرجه عن عبد الرحمن بن عوف. وهذه الآية والتي بعدها بمزاياهما وخصوصياتهما تعينان ذلك( تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ) تبوّء المكان بمعنى استقرّ فيه. وبوّأه المقعد أقره فيه. وجملة «تبوء» حال من «غدوت» لأن مجموع السير والبعد عن الأهل في أول النهار وصدره كان من مقارناته وأحواله التبوء للقتال بأن جعل رسول الله (ص) مقاعد للقتال في سفح أحد وجعله في ظهورهم. وجعل في الشعب عبد الله بن جبير مع خمسين من الرماة لئلا يدهمهم المشركون من ناحيته. وأمر الرماة أن لا يبرحوا من مكانهم مهما تطورت الحرب وعواقبها( وَاللهُ سَمِيعٌ ) لما قيل في ذلك الغدوّ في أمر الحرب من كلام المنافقين وكلام الرسول والمؤمنين( عَلِيمٌ ) بالنيات وما جرى من الأعمال في تلك الحرب ومقدّماتها ١١٨( إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ) الفشل هو الجبن وضعف القلب. وفي الدر المنثور ذكر جماعة منهم مسلم والبخاري اخرجوا عن جابر ان الطائفتين هم بنو سلمة وبنو حارثة من الأنصار وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس وأرسله في مجمع البيان عن الباقر والصادق (ع). وفي تفسير القمّي نزلت في عبد الله بن أبيّ وقوم من أصحابه اتبعوا رأيه في القعود عن نصرة رسول الله (ص). ويدفعه ان الآية تقول همت ان تفشلا ومن المعلوم ان عبد الله وأصحابه قد فشلوا وقعدوا ونافقوا كما يأتي حالهم من الآية

__________________

(١) احد بضم الألف والحاء جبل على نحو ميل من المدينة في شماليها على طريق العراق


وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١٩)وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

____________________________________

الستين بعد المائة حتى الثانية والستين من السورة(١) وقد قال الله تعالى في الطائفتين( وَاللهُ وَلِيُّهُما ) وفي ذلك دلالة على ان الله عصمهما عما همتا به. وقد ذكر في الآيات المشار إليها من ذم الله لعبد الله وأصحابه ومقته لهم شيئا كثيرا وانهم للكفر يومئذ اقرب منهم للإيمان وقوله تعالى( إِذْ هَمَّتْ ) بدل من( إِذْ غَدَوْتَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) فإنه وليهم وناصرهم ولا يهنوا عن نصر الدين بنفاق البعض وخذلانه. كيف ١١٩( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ ) ذلك النصر الباهر على أعدائكم ذوي العدد المناهز للألف والعدة الكاملة من الخيل والنعم والسيوف والدروع( وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ) بقلة عددكم إذ كان جميع جيشكم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا وبوهن عدّتكم «والمأثور ان معظم سلاحهم جريد النخل وليس معهم من الخيل إلّا فرسان. وإبلهم أباعر معدودة يتعاقب عليها بعضهم وبعضهم مشاة ولم يخرجوا باهبة حرب ولا عزة محارب( فَاتَّقُوا اللهَ ) في نصر دينه والتوكل عليه وعدم التخاذل بنفاق المنافق( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) أي لغاية ان تشكروا الله على ما يمنحكم من عظائم النعم والنصر الباهر( إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ )

__________________

(١) قال الطنطاوي في تفسيره ٢ ج ص ١٤٣ س ٢٠ (عليم) بنياتكم وما يصيبكم بترككم مراكز القتال لما انهزم عبد الله بن أبي سلول فهمت بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وهما كانا جناحي العسكر انتهى ومن معلوم التاريخ ان المسلمين ما تركوا مراكز القتال لانهزام عبد الله بن أبي سلول بل لم يكن عبد الله وأصحابه معهم فجاهدوا وغلبوا المشركين وهزموهم فتركوا مراكزهم لانكبابهم على الغنائم من رحال المشركين أو كما يزعم هو في الصفحة المذكورة لاتباعهم مدبرّي المشركين وانظر صفحة ١٥٣ ـ ومن المعلوم أيضا ان ابن سلول لم ينهزم هو وأصحابه بل رجعوا من بعض الطريق قبل ان يصل النبي (ص) وأصحابه إلى احد وقبل ان ينظم عسكره ومعسكره ويبوء المؤمنين مقاعد للقتال أو يكون لعسكره ترتيب وجناحان. فابن أبي سلول وأصحابه من القاعدين عن الجهاد والتوجه إلى ميدان الحرب لا من المنهزمين ومن المعلوم من سياق القرآن الكريم واتفاق التفسير كما ذكره هذا المفسر أيضا صفحة ١٥٦ ان ابن أبي سلول وأصحابه هم الذين حكى الله قولهم بقوله تعالى في الآية ال ١٦٠ لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لَاتَّبَعْناكُمْ ـ ١٦٢ الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا : فهم القاعدون الذين لم يتبعوا الجيش للقتال لا من المنهزمين


(١٢٠)إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)وَما جَعَلَهُ اللهُ

____________________________________

١٢٠( إِذْ تَقُولُ ) قال في التبيان التقدير اذكر إذ ، وفي الكشاف ظرف لنصركم أقول وهو اولى واظهر( لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ ) في الثبات والاطمئنان بالنصر( أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ ) وولي أمركم القادر ويبعث لكم مددا لنصركم( بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ١٢١بَلى ) رد لمضمون النفي في جملة «ألن يكفيكم»( إِنْ تَصْبِرُوا ) وتثبتوا( وَتَتَّقُوا ) الله فيما تلزم فيه التقوي ومنه الثبات لنصر دين الحق( وَيَأْتُوكُمْ ) أي الأعداء المشركون من قريش العادون بعد ما نجت قافلتهم بإتيانهم لحربكم( مِنْ فَوْرِهِمْ هذا ) قال في التبيان ومجمع البيان من وجههم هذا ورواه في الدر المنثور عن الحسن وعكرمة والربيع وقتادة والسدي ولم أجد لهذا المعنى أثرا في النهاية والمصباح ولم أعهده في اللغة نعم في القاموس أتوا من فورهم أي من وجههم وقبل أن يسكنوا. وروى في الدر المنثور عن عكرمة ومجاهد وأبي صالح والضحاك «من غضبهم» مأخوذ من الفوران وفورة الغضب وهو غريب واغرب منه ما عن الضحاك من قوله من وجههم وغضبهم وعن ابن عباس من سفرهم هذا. وهو غريب. ومن فسره بالغضب قال ان الآية نزلت في غزوة أحد والمراد غضبهم من يوم بدر أقول والمناسب لو صح في اللغة ان يقال من فورهم ذلك مع ان ظاهر الآية ومناسبة اللتين قبلها وبعدها وروايات الكافي والعياشي بأسانيدهما عن الباقر والصادقعليهما‌السلام انها نزلت في شأن غزوة بدر. وفي الكشاف جعله من الفور ضد التراخي أي من وقتهم هذا القريب. وهذا هو المعروف والمناسب والمتبادر من هذا اللفظ( يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ) من السيما وهي العلامة. ولعل المراد انهم اتخذوا سيماء البشر ولم يبقوا على صورتهم الأصلية لكن في صحيحة الكافي عن أبي الحسن (ع) وروايته عن الباقر (ع) في تفسير المسومين قال «العمائم» ونحو ما في الدر المنثور مما أخرجه ابن إسحاق والطبراني عن ابن عباس ١٢٢( وَما جَعَلَهُ اللهُ ) أي الأمداد بالملائكة لأن نصره للمسلمين متوقف على الملائكة. كلا. بل لأن أولئك المسلمين ما عدا الخواص بشر ضعفاء ببشريتهم لا يستحكم استبشارهم واطمئنانهم إلّا بالمحسوسات الجارية على العادات ككثرة العدد


إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إلّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٣)( لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أو يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٤)لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ

____________________________________

وشوكة المدد فشاء الله برحمته أن يجاري بشريتهم بما تتحقق لهم به البشرى والاطمئنان في حربهم بل والاطمئنان بأنهم على الحق اليقين وان الله معهم فما جعله( إِلَّا بُشْرى لَكُمْ ) ايها المسلمون المجاهدون( وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ) أي بسبب الأمداد المذكور( وَمَا النَّصْرُ إلّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ ) في أمره( الْحَكِيمِ ) في اعماله ونصره وتطييب قلوب المؤمنين وليس النصر من الملائكة ولا من غيرهم ١٢٣( لِيَقْطَعَ ) تعليل للنصر لا لقوله تعالى فيما سبق( نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ ) كما ذكر في التبيان ومجمع البيان قوله وذكره في الكشاف أول التفسيرين فإنه لا يلايم الترديد والتقسيم في قوله تعالى (ليقطع أو يكبت) بل الذي يناسبه هو النصر المطلق الذي يقطع به( طَرَفاً ) أي بعضا( مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ويهلكهم كما في يوم بدر وخيبر ونحوهما( أَوْ يَكْبِتَهُمْ ) كما في يوم الأحزاب وأمثاله. في المصباح كبته اهانه وأذله وكبته لوجهه صرعه. وفي النهاية أذله وصرفه وصرعه وخيبه. وفي القاموس صرعه وأخزاه وصرفه وكسره وردّ العدوّ بغيظه وأذله. وعن الخليل الكبت صرع الشيء على وجهه وحقيقة الكبت شدّة الوهى الذي يقع في القلب وربما صرع الإنسان لوجهه للخور الذي يدخله. وفي التبيان الكبت الخزي ونسب ما عن الخليل إلى القيل. وفي الكشاف يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة أقول والمراد من الكبت في الآية معنى تحوم حوله هذه المعاني التي يأخذونها مما تسنح لهم من مناسبة المقام أو موارد الاستعمال ولعله نحو مجاز مما ذكر عن الخليل( فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ) الخيبة معروفة وفسرت بالانقطاع عما امل وهو انسب مما ذكر لها من التفسير ، ١٢٤( لَيْسَ لَكَ ) يا رسول الله( مِنَ الْأَمْرِ ) في شؤون الخلق من حيث الإيصال إلى الهدى والتوبة والتعذيب ونحو ذلك( شَيْءٌ ) مما يرجع إلى قدرة الله ولا داخل تحت قدرتك فإنك بشر مخلوق وانما الأمر في ذلك لله( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) بنصب يتوب أي إذا تابوا وأصلحوا( أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ) بالنصب أيضا إذا لم يتوبوا فيتوب عليهم( فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ) اختار في الكشاف ان نصب يتوب ويعذبهم بالعطف على «ليقطع» وجملة ليس لك من الأمر معترضة ونسب غيره إلى القيل. وذكره قبله في التبيان أول الوجهين


(١٢٥)وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ

____________________________________

وفي مجمع البيان احد الوجهين. ويدفعه زيادة على وهن اعتراض الجملة ان التوبة والعذاب لا مناسبة لكونهما غاية للنصر لكي يقال بعطفها على «ليقطع أو يكبت» ونقل في الكشاف قولا حاصله ان يتوب ويعذبهم منصوبان بان مضمرة بعد او. والمصدر في محل الجر بالعطف بأو على الأمر أي ليس لك من الأمر والتوبة عليهم أو عذابهم شيء. أو في محل الرفع بالعطف على شيء أي ليس لك من الأمر شيء أو التوبة عليهم أو تعذيبهم. وفي التبيان ومجمع البيان ذكرا وجها آخر نسبه الكشاف إلى القيل وهو ان أو بمعنى إلا. وذلك كقول زياد الأعجم

«وكنت إذا غمزت قناة قوم

كسرت كعوبها أو تستقيما»

بمعنى ليس لك من الأمر شيء إلّا توبة الله عليهم أو عذابهم فيكون أمرك تابعا لأمر الله لرضاك بتدبيره كما في التبيان ومجمع البيان وأقول ان الأمر في توبة الله عليهم أو تعذيبه لهم إنما هو لله وحده فلا يصح استثناؤه وإثباته للرسول بالاستثناء المتصل ولا يجدي في ذلك التفريع بقولهما فيكون أمرك تابعا لأمر الله مع انه لا دلالة على هذا التفريع. فالوجه ان تكون «او» الأولى بمعنى «الا» التي هي للاستدراك مثل «لكن» المخففة كما في الاستثناء المنقطع الرافعة لما يتوهم من الكلام السابق عليها فإن سياق قوله تعالى( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) بعد ذكر الذين كفروا في الآية السابقة قد يتوهم منه انه لا يقع شيء مما يرجوه الرسول من صلاحهم وإسلامهم فجرى الاستدراك بما يؤدي إلّا ان رجاء الرسول لا ينقطع بالنفي المتقدم بل يتوب الله على من يتوب وينيب إلى الإسلام ويعذب الذين لا يتوبون لأنهم ظالمون بكفرهم وسوء اعمالهم. وروي في الدر المنثور في نزول الآية روايات لا تكاد أن تنطبق. منها عن أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن عمر ان رسول الله قال يوم أحد اللهم العن أبا سفيان وذكر ثلاثة معه فنزلت الآية. ويدفعه ان الدعاء باللعن ليس من الأمر المنفي عن رسول الله بل دعاء جعله الله لرسوله ولسائر المؤمنين بقوله تعالى( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) . وقد لعن الله الظالمين والكافرين. وكذا الكلام فيما أخرجه البخاري ومسلم وجماعة عن أبي هريرة ان النبي قنت بعد الركوع ودعا بنجاة اشخاص ولعن بعضا فنزلت الآية. مضافا إلى ان الآية لا تناسب الدعوة بالنجاة مع ان هاتين الروايتين وأمثالهما متنافية بالتعارض في سبب النزول ١٢٥( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) والأمر بيده( يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ) كقوله تعالى في سورة ط


وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٦)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٢٧)وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٢٨)وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٢٩)وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٠)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ

____________________________________

المكية ٨٤( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى )( وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) من لم يحسن توبته( وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لمن تاب وأناب ١٢٦( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً ) هذا بيان لنحو من جهات المفسدة فيه وذلك انه بحسب طبعه وجوره يستهلك اموال المديون ويكون ما يأخذه منه أضعافا مضاعفة بالنسبة لما استدانه فإياكم وباب هذا الجور( وَاتَّقُوا اللهَ ) فإن التقوى هي التي يقوم بها النظام ويستقيم الاجتماع( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) أي لغاية ان تفلحوا ١٢٧( وَاتَّقُوا النَّارَ ) جهنم( الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ) وما أخس مقامها وأعظم عذابها بهذا الاعداد المشوم وما اخس المسلم الذي يلقي نفسه بسوء اعماله واكله الربا في هذه النار ١٢٨( وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) أي لغاية ان ترحموا إذا ثبتم على الطاعة الكاملة ١٢٩( وَسارِعُوا ) بصالح اعمالكم وحسن توبتكم ولا تسوفوا فيفوتكم حظكم( إِلى مَغْفِرَةٍ ) لكم( مِنْ رَبِّكُمْ ) وولي أموركم( وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ) اي مقدار عرضها( السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ) ولا بد من أن يكون طولها اكثر من ذلك بحسب ما شاء الله. وان أوهام الهيئة القديمة في أفلاكها ومحدد الجهات لتثير هاهنا سؤالا ولكن من يعرف قدرة الله وسعة ملكوته لا تعترض هذه الأوهام ايمانه. وذكرت سعة الجنة ليطمئن الإنسان بأن له ما تشتهيه نفسه من المحل الواسع ولعل هذا التقدير للعرض جار على ما يناله تصور نوع الناس من التمثيل بالموجود في الخارج وهذه الجنة( أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) لله وكانت التقوى لهم ملكة ثابتة. وإليك شيئا من صفاتهم الكريمة ١٣٠( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ) لوجه الله( فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ) في الدر المنثور عن ابن عباس في حالتي اليسر والعسر. وفي التبيان وقيل في حال السرور والاغتمام أي لا يقطعهم شيء من ذلك عن الإنفاق فيدخل فيه اليسر والعسر انتهى وينبغي ان يراد اسباب الاغتمام نوعا من انواع الضراء وهذا اقرب وادخل بعمومه في المدح( وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ) كظم غيظه حبسه


الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أو ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ

____________________________________

ورده بالصبر عن هيجان آثاره من الكلام أو الانتقام. وكظم البعير امسك عن الجرة. قيل واصله كظم القربة أي شد رأسها عند ملئها أقول كان المراد كظم مائها عن أن يطفح وكظم البعير ما في كرشه عن أن يخرجه للاجترار( وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ) والعفو اقرب للتقوى. وان كظم الغيظ والعفو عن الناس من محاسن الأخلاق وآثار الفضيلة التي تعين على السلم والهدو وحسن الاجتماع وراحة البشر في الجملة. وصفات هذه الآية من أهم موارد الإحسان( وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) وكفى بذلك فخرا وفوزا ١٣١( وَالَّذِينَ ) قيل انها مجرورة بالعطف على المتقين و «أولئك» في الآية الآتية اشارة إلى الجميع وذكرت المغفرة لأن كل من عدا المعصوم محتاج إليها. وقيل الذين مبتدأ وجملة أولئك خبره والقول الاول انسب ببيان الجزاء للمتقين وبقوله تعالى( فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ) فان الاستغفار وان كان عملا صالحا لكنه يبعد ان يترك التنويه باعمال المتقين ويقتصر في التنويه على استغفار أولئك المستغفرين هذا وإذا قيل ان خصوص ما ذكر من اتفاق فعل الفاحشة وظلم النفس مع ذكر الله واستغفاره وعدم الإصرار لا ينافي كونهم من المتقين قبل ذلك وبعد ذكر الله والاستغفار وإن تضعضعت فيهم ملكة التقوى عند الذنب فعليه تكون كلمة «الذين» معطوفة على «العافين» في طرد صفات المتقين وفيه نوع اشكال والله العالم( إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ) في النهاية الفاحشة كل ما اشتد قبحه من الذنوب والمعاصي وكثيرا ما ترد بمعنى الزنا. وفي المصباح فحش مثل قبح وكل شيء تجاوز الحد فهو فاحش ومنه غبن فاحش. وفي القاموس الفاحشة الزنا وكل ما يشتد قبحه من الذنوب أقول وأظن ان ارادة الزنا من الفاحشة في بعض الموارد إنما هو باعتبار كونه من الافراد الظاهرة في الفحشاء فالأظهر في الآية استعمال الفاحشة في مطلق المعصية الفاحشة في قبحها( أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) بما دون ذلك من الذنوب( ذَكَرُوا اللهَ ) قيل ذكروا وعبدوا الله. والأقرب أن يكون المراد انهم بعد ان اغفلهم الشيطان والنفس الأمارة حين الذنب وأنساهم ما يجب له من الطاعة وعدم المخالفة ذكروا الله وماله من الجلال وانه ربهم العظيم ومالك أمرهم ومرجع خوفهم ورجائهم وتنبهوا إلى زللهم( فَاسْتَغْفَرُوا ) الله( لِذُنُوبِهِمْ ) فيكون السر في ذلك تمييزهم عمن


وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٢)أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٣)قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ

____________________________________

كان الله على ذكرهم حين المعصية ففعلوها محادة له وعنادا فإن هؤلاء بعيدون ـ والعياذ لله ـ عن التوبة والاستغفار( وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللهُ ) وهل يلتجأ العارف بالله لغفران ذنبه إلّا إلى الله ولئن استشفع إلى الله بمن جعلت له الشفاعة فإن ذلك مما يؤكد الفزع والالتجاء إلى الله. ولعل في هذا الإنكار اشارة إلى من يطلب المغفرة من الأوثان أو من القسوس ويعتمد على غفرانهم كما هو المتعارف عند فرقة «الكاثوليك» من النصارى حتى في هذه الأزمنة. ومن يغفر الذنوب إلّا الله( وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ) من ذنوبهم ولم يقيموا عليها تماديا على المعصية( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) الجملة حالية أي لم يصروا حال كونهم عالمين بأن فعلهم معصية فإن هذا هو الإصرار الموبق واما من أصر على ما يجهل كونه معصية فليس بمصر على معصية ١٣٢( أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ) والمخصوص بالمدح في «نعم» هي المغفرة والجنات المذكورة باعتبار ان ذكر الله واستغفاره عمل صالح جلت آلاء الله وألطافه ١٣٣( قَدْ خَلَتْ ) ومضت( مِنْ قَبْلِكُمْ ) يا ايها الناس أو يا ايها الذين آمنوا( سُنَنٌ ) منها سنن المؤمنين المصدقين للأنبياء والمجاهدين في سبيل الله والجارين على ما ارشدوا إليه من العمل الصالح والاستعداد لسعادة الآخرة وطلب ما عند الله فجعلوا الدنيا دار رحلة وتزود ، ومع ذلك قد تنعموا فيها بالرضا بما قسم الله بأحسن من نعيم غيرهم المكدّر المنغص بالحرص وطموح الشهوات وجماح الأنفس في الطمع. ومنها سنن الكافرين المكذبين مع قيام الحجّة عليهم ووضوح البينات لهم كل ذلك لانهماكهم بالضلال والشهوات وقصر نظرهم على الدنيا( فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) لزيادة الاعتبار والتبصر( فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) للرسل وآيات الله إذ قطعت الدنيا آمالهم وكدرت عيشهم وتركت ديارهم للخراب أو لسكنى الأعداء ونعيمهم للبوار وجمعهم للشتات. فانظروا إلى آثار عاد وثمود وقوم لوط. بل وانظروا إلى الملوك المكذبين للأنبياء من بني إسرائيل واتباعهم من


(١٣٤)هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٥)وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ

____________________________________

تلكم الأمم الطاغية كيف قد صارت عاقبتهم للفناء والشتات والجلاء من الديار وذلة الأسر والقتل ولم يبق في ديارهم إلّا الاسم ١٣٤( هذا ) الظاهر ان الآيات من قوله تعالى( وَإِذْ غَدَوْتَ ) إلى هنا سابقة على هذه الآية في نسق التنزيل فتكون الإشارة راجعة إلى مضامين تلك الآيات الكريمة وما احتوت عليه من المطالب العالية. أو إلى مضمون الآية السابقة. ولأجل الشك من بعضهم في ترتيب النزول قال ان الاشارة إلى القرآن أقول وهو بعيد. إذ لو كانت الإشارة إلى القرآن لقيل هذا القرآن ونحو ذلك كما قيل في أمثال ذلك( بَيانٌ لِلنَّاسِ ) حتى من لا يهتدي ولا يتعظ( وَهُدىً ) موصلا إلى الحق( وَمَوْعِظَةٌ ) تدعو إلى الاتعاظ( لِلْمُتَّقِينَ ) لله فان البيان يؤثر فيهم الاهتداء والاتعاظ ١٣٥( وَلا تَهِنُوا ) ايها المسلمون بسبب ما أصابكم في يوم احد. وفي كتب اللغة الوهن الضعف. لكن المترائى من موارد الاستعمال انه نحو خاص من الضعف. وفي القاموس وتبعه صاحب المنار انه ضعف في العمل. فإن أراد ضعف العامل في عمله بأن يكون الوهن صفة للعامل فقد نسيا قوله تعالى( إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ) وان أراد ضعف العمل أو ضعف المعمول بأن يكون الوهن صفة للعمل أو للمعمول من حيث انه معمول فقد غفلا عن هذه الآية وعن قوله تعالى( فَما وَهَنُوا ) كما سيأتي قريبا ان شاء الله. والمراد لا يظهر عليكم اثر الضعف والخور( وَلا تَحْزَنُوا ) مما أصابكم( وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ) وفي هذه الجملة وجوه «أولها» في التبيان ومجمع البيان والكشاف انها حالية فتكون كالاحتجاج عليهم في النهي عن الوهن والحزن بمعنى انكم رأيتم نصر الله لكم وعلوكم على عدوكم فقد كنتم نحو ربع المشركين فهزمتموهم وأثخنتم فيهم القتل في أول الحرب. ومع انكم طمعتم في الغنيمة واخليتم مراكزكم في الحرب وشعبكم الذي يحمي ظهوركم وانهزمتم تلك الهزيمة من الله وأنعم عليكم برسوله وثبات الصادقين في جهادهم فتراجعتم وانخذل المشركون وأحجموا عن قتالكم فإنكم الأعلون في هذا الحرب وخاتمتها مهما أصابكم بما كسبت أيديكم «ثانيها» احتمل في التبيان والمجمع ان تكون جملة «وأنتم الأعلون» ابتدائية أي لا تهنوا ولا تحزنوا ان كنتم مؤمنين وأنتم الأعلون فتكون


إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٦)إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ

____________________________________

متضمنة للبشرى بالعلو المطلق حتى في المستقبل «ثالثها» ان يراد أنتم الأعلون مطلقا بحسب ما ذكر في الوجه الأول وبحسب علمكم بما وعد الله رسوله وبشراه لكم بعلو أمر الدين وبوار المشركين فيصح عليه كون الجملة حالية. ويكون قوله تعالى( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) قيدا للتصديق بالبشرى أو للبشرى وعلى الوجهين الأولين تكون مبينة ان انتهاءهم عن الوهن والحزن تابع لإيمانهم بالله. ويجوز أيضا على الوجه الأول ان تكون قيدا لإذعانهم وايمانهم بأن ما ذكر فيه من علوهم في أول الحرب وخاتمتها كان من نصر الله لهم. والأظهر هو الوجه الثالث ١٣٦( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ) لعل التعبير بالمس لتهوين ما أصابهم ببيان انه مس لا نكاية والقرح بفتح القاف فسره في التبيان ومجمع البيان والكشاف بالجرح وعن مجاهد جراح وقتل. ويجوز أن يكون واحد القروح كناية عما أصابهم وهو الأظهر( فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ ) المشركين( قَرْحٌ مِثْلُهُ ) قيل ان ذلك اشارة إلى ما أصاب المشركين يوم بدر وهو المروي عن الحسن البصري. ولكن الأظهر والمناسب للمقام وأسلوبه وتسليته وتشجيعه ان يراد ما أصاب المشركين يوم احد فقد قتل منهم يومئذ خلق كثير من شجعانهم واهل نجدتهم فقد عدّ في التاريخ عشرة وعشرة وفلانا وفلانا بحيث لا يقل عن شهداء المسلمين بكثير. وأما قوله تعالى في الآية التاسعة والخمسين بعد المائة( قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها ) فيمكن ان يراد به القتلى والأسرى من المشركين في يوم بدر ويمكن ان يراد به قتلى المشركين في بدر واحد ولكن هون على المشركين يوم احد انهم أدركوا فيه شيئا من ثار بدر ولم يصدموا بصدمته. وشدد على المسلمين ما لقوه انه على خلاف ما يرجونه من نصر الله لهم ولدين الحق وانهم أذنبوا بفرارهم فنالهم بعض الخذلان ولذلك صارت حربهم بانثيالهم على اطماع الغنائم وفرارهم حربا عادية لم تستمر معها روح النصر الأول فجرت على سنة الحروب المبتنية غلبتها على الاقدام والفرار والكثرة والقلة وما يعرض من الأحوال الحربية والتقدير الإلهي المنوط بالأسباب العادية في عالم التكوين من مداولة الأيام بحسب التقدير لأسبابها. وعلى هذا الوجه قال الله جل اسمه( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ) بمقتضى التقدير على الأسباب. والأيام عطف بيان «لتلك» اي أيّام الحرب أو أيّام الدنيا.


وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٣٧)وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٣٨)أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ

____________________________________

ونداولها خبر. وجرى ما جرى على مقتضى أحوال الناس من نفاق عبد الله بن أبي وأصحابه ورجوعهم من الجيش ومن مخالفة من خالف كالكثير من اصحاب عبد الله بن جبير ومن فرار من فر وكان ما كان من جري الأمور على أسبابها لإجراء الأمور على مقاديرها( وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي ولتكون العاقبة ان يتحقق في الخارج ايمان الذين آمنوا واتبعوا الرسول إلى الحرب وجاهدوا ويعلمهم الله في الأزل بعلمه التابع ويقارن ذلك في استمراره عملهم في الإيمان والجهاد( وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ ) اي ولتكن العاقبة ان يفوز بعضكم بالشهادة. وفي التعبير بقوله تعالى( وَيَتَّخِذَ ) تكريم عظيم للشهداء إذا كان استشهادهم باتخاذه لهم واختياره لهم الحسنى( وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) ولكنكم فررتم وخالفتم فتسلط عليكم الظالمون بحسب مجرى الأسباب والمقادير واحوال الحرب ١٣٧( وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي ولتكن العاقبة أيضا تمحيص المؤمنين من غيرهم. والتمحيص التخليص اما من شين الخليط بتمييز المؤمن بإيمانه من غيره. واما بتخليص المؤمن من الذنوب والأظهر الأول( وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ) بنقصهم شيئا فشيئا حتى يضمحلوا ١٣٨( أَمْ حَسِبْتُمْ ) أم منقطعة في مقام الاستفهام الانكاري( أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ) جملة «ولما يعلم» حال من «تدخلوا» وكلمة «لما» تفيد النفي المستمر إلى زمان الخطاب أو متعلق الحال لما هو في مقام الوقوع. اي حسبتم ان تدخلوا الجنة حال عدم علم الله التابع من الأزل إلى أوان دخول الجنة بجهاد المجاهدين. وحاصل المعنى أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يجاهد المجاهدين منكم فذكر علم الله لأنّه لازم للوقوع وفي ذلك اشارة إلى وقوع الجهاد وحصول المجاهدين والصابرين( وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) بنصب يعلم بان مضمرة والواو بمعنى مع أي يعلم الذين جاهدوا مع علمه بالصابرين. كما يقال لا تأكل السمك وتشرب اللبن بنصب تشرب أي لا تأكله مع شريك اللبن ويكون العلم بالصابرين قيدا لاثر العلم بالمجاهدين وحاصله ان دخولكم الجنة منوط بجهاد المجاهدين مع صبر الصابرين الثابتين مدة الجهاد في مركز الحرب واحتدام لظاها. فلا تظنوا انكم تدخلون الجنة


لو لا هذين العمادين الذين قام بهما الدين وانتظمت جامعة الإسلام والهدى وبصبر الصابرين في ذلك وصادق جهادهم وثباتهم حفظت في ذلك اليوم شوكة الإسلام فتيسر رجوعكم إلى الرسول الأكرم بالكرة وتوبتكم من الفرار من الزحف فتأهلتم لدخول الجنة ببركة الإسلام وصالح الأعمال. هذا والمحصل من واقعة أحد بحسب التاريخ والحديث ان عليا (ع) قتل طلحة من بني عبد الدار صاحب لواء المشركين واكثر الحديث والتاريخ وأصحه انهعليه‌السلام قتل تسعة تعاقبوا على حمل لواء المشركين من بني عبد الدار وعاشرهم صواب مولاهم واشتدت الحرب فانهزم المشركون فانثال المسلمون على الغنيمة وطمع فيها اكثر اصحاب عبد الله ابن جبير ولم يصغوا إلى نهي عبد الله عن مبارحة الشعب ولم يحفظوا وصية رسول الله (ص) وامره بذلك فلم يبق مع عبد الله إلّا عشرة فما دون فاغتنم ذلك خالد بن الوليد وهجم عليهم بخيل المشركين فقتلهم ودهم المسلمين من ورائهم وهم غارون بالغنائم ففر المسلمون بهزيمة مهولة والذي اتفق التاريخ على انه ثبت في ذلك في حومة الحرب والدفاع عن رسول الله هو امير المؤمنين علي واختلف في غيره وربما تذكر لبعضهم اعمال بغد ان فاء المسلمون إلى رسول الله من فرارهم فيحسب انه كان من الثابتين الذين لم يفروا. روى الطبراني في الكبير كما في كنز العمال ومنتخبه مسندا عن أبي رافع لما أقبلت على علي يوم احد اصحاب الألوية قال جبرائيل يا رسول الله ان هذه لهي المواساة فقال النبي (ص) انه مني وانا منه فقال جبرائيل وانا منكما يا رسول الله ، وروى ابن جرير في تاريخه مسندا برجال الصحة عندهم عن محمد ابن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده لما قتل علي اصحاب الألوية ابصر رسول الله جماعة من مشركي قريش فقال لعلي احمل عليهم فحمل عليهم ففرق جمعهم وقتل عمرو الجمحي ثم ابصر رسول الله جماعة من مشركي قريش فقال لعلي احمل عليهم فحمل عليهم ففرق جماعتهم وقتل شيبة بن مالك فقال جبرائيل يا رسول الله ان هذه لمواساة فقال رسول الله (ص) «انه مني وانا منه» فقال جبرائيل وانا منكما قال فسمعوا صوتا «لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا علي». وذكر نحوه ابن الأثير في تاريخه إلّا انه لم يذكر المقتولين في الحملتين. وفي اللئالئ المصنوعة عن ابن عدي مسندا برجال الصحة عندهم عن محمد المذكور عن أبيه عن جده قال كانت راية رسول الله (ص) يوم احد مع علي (ع) وراية المشركين مع طلحة بن أبي طلحة فذكر خبرا طويلا وفيه وحمل راية المشركين سبعة ويقتلهم علي (ع) فقال جبرائيل يا محمد هذه المواساة


فقال النبي (ص) انا منه وهو مني ثم سمعنا صائحا في السماء يقول «لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا علي»(١) . وعن ابن المغازلي الشافعي في المناقب مسندا عن أبي رافع نادى ملك من السماء يوم احد لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا علي. وروى ابن عدي مسندا عن ابن عباس قال صاح صائح يوم احد لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا علي. لكن قال

__________________

(١) ثم ذكر عن ابن عدي قوله عبيد رافضي يحدث بالموضوعات. أقول ولعل ذلك وهم من الناسخ أو الطابع وان الذي ذكره ابن عدي ورماه بالرفض هو محمد بن عبيد الله فإن عبيد الله من رجال الجوامع الست والظاهر اتفاقهم على انه ثقة. ومحمد روى عنه الترمذي وابن ماجه في جامعيهما وذكره ابن حبان في الثقاة. لكن عن البخاري وأبي حاتم انه منكر الحديث. أقول وذنبه الذي لا يغفره بعض هو تشيعه وروايته للفضائل ويكشف عن ذلك قول ابن عدي هو في عداد شيعة أهل الكوفة ويروي من الفضائل أشياء لا يتابع عليها أقول وهذا هو السبب في عده منكر الحديث وذاهبا. ومن ذلك ان الذهبي غمز عليه بأنه روى عن أبيه عن جده قول رسول الله (ص) لعلي (ع) أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وذرياتنا خلفنا وشيعتنا عن ايماننا وشمائلنا. وقد ذكرنا في صفحة ٤٥ عن ابن عدي انه يعد ما عليه أهل الكوفة من التشيع ميلا عن الحق. ولا يخفى ان التشيع في الاصطلاح واستعمال اصحاب الرجال من أهل السنة هو غير ما يسمونه رفضا بل هو عبارة عن مجانبة معاوية واتباعه وولاء علي واهل البيتعليهم‌السلام ومودتهم أخذا بقوله تعالى قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى لكن هذا التشيع عند بعض ذنب لا يغفر. ففي ميزان الذهبي في ترجمة عبد الله بن إبراهيم الأنصاري عن أبي بكر القطيعي قوله فيه انه متماسك لكنه من شيوخ الشيعة لارعوا. وفي ترجمة يحيى بن عبد الحميد الحماني انه وثقه ابن معين وغيره وان ابن عدي ارتضاه ولكنه شيعي بغيض : وقد سرى هذا الداء للذهبي من العصور السابقة ففي اللئالي عن ابن معين انه قال في أبي الصلت الهروي انه ثقة صدوق إلّا انه يتشيع. وان العباس بن محمد الدوري وصالح بن محمد بن حبيب وعبد الخالق بن منصور وغيرهم اعترضوا على يحيى بن معين في توثيقه لأبي الصلت بأن أبا الصلت يروي حديث «انا مدينة العلم وعلي بابها» فقال لهم يحيى قد رواه الفيدي ايضا. فانظر إلى ما تغلغل في الصدور من أن رواية هذا الحديث تفتح باب الطعن على راوية ويكون بسببه منكر الحديث. وفي تهذيب التهذيب في ترجمة على بن غراب عن ابن معين لم يكن به بأس ولكنه كان يتشيع. وعن الخطيب أظنه طعن عليه لأجل مذهبه لأنّه كان يتشيع.


ابن عدي ان في سنده يحيى بن سلمة بن كهيل وهو متروك(١) . وقال ابن أبي الحديد في أواخر الجزء الثالث من شرحه للنهج روى أبو عمر الزاهد ومحمد بن حبيب في اماليه قال لما فرّ معظم اصحاب النبي (ص) يوم احد كثرت عليه كتائب المشركين وذكر نحو ما ذكره ابن جرير وزاد ان عليا (ع) قتل من الكتيبة الأولى عشرة وزاد في قول جبرائيل لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى. وان رسول الله (ص) سئل عن المنادى فقال (ص): هذا جبرائيل. ثم قال ابن أبي الحديد وقد روى هذا الخبر جماعة من المحدّثين وهو من الأخبار المشهورة ووقفت عليه في بعض نسخ مغازي ابن اسحق ورأيت بعضها خاليا عنه وسئلت شيخي عبد الوهاب بن سكينه عن هذا الخبر فقال خبر صحيح فقلت فما بال الصحاح لم تشتمل عليه فقال أو كلما كان صحيحا تشتمل عليه كتب الصحاح فلكم أهمل جامعوا الصحاح من الاخبار الصحيحة وعن السمعاني في كتاب فضائل الصحابة بسنده عن الباقر (ع) وذكر نحو هذا النداء. وعن ابن المغازلي انه روى بسنده عن الباقر (ع) انه نودي بهذا النداء يوم بدر وروى ابن عدي بسنده عن الباقر (ع) نادى مناد من السماء يوم بدر يقال له رضوان «لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا علي»(٢) . وعن سبط الجوزي انه نودي في يوم خيبر وصحّحه لا سيف إلّا ذو

__________________

(١) في التقريب متروك وكان شيعيا أقول هو من رجال الترمذي وروى عنه أحمد في مسنده حبة العرني وقواه الحاكم واخرج عنه في المستدرك وأخذ عنه جماعة وذكره ابن حبان في الثقاة وقال ان في حديث ابنه عنه مناكير انتهى وما ادعى كونه متروكا إلّا من يأخذ على ظنه التشيع ويثقل عليه حديثه في الفضائل. وقد غمز عليه الذهبي بذلك في ميزانه بأنه روى بسنده عن ثوبان عن رسول الله (ص) قوله : «النظر إلى عليّ (ع) عبادة» وقال العجلي كان يغلو في التشيع. أقول ولك العبرة بأن عمران بن حطان وأمثاله من الخوارج المبغضين لأمير المؤمنين (ع) يحتج بحديثهم في الجوامع. والذين يصفونهم بالنصب يصفونهم بأنهم ثقات ويسمون بعضهم أئمة. وان عمر بن سعد قاتل الحسين (ع) وتاركه بالعراء بلا دفن وناهب رحله وسابي عياله يقول الذهبي في ميزانه فيه انه في نفسه غير متهم وعن العجلي روى عنه الناس تابعي ثقة وهو الذي قتل الحسين. وفي التقريب صدوق لكنه مقته الناس لكونه كان أميرا على الجيش الذي قتلوا الحسين. فانظر إلى نسبة القتل إلى الجيش مع ان عمر هو الآمر والمثابر وفاعل الأفاعيل.

(٢) وقال ابن عدي ان في سنده عمار الثوري ابن اخت سفيان وهو متروك. أقول هو من رجال مسلم والترمذي وابن ماجة وقد وثقه جماعة وفي ميزان الذهبي هو من الأبدال ثبت حجة.


(١٣٩)وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ

____________________________________

الفقار ولا فتى إلّا علي وانه رواه أحمد في الفضائل وذكر أيضا انه مما روي به النداء أيضا يوم بدر أقول ولا تنافي بين هذه الروايات إذ يمكن صدور هذا النداء في بدر واحد وخيبر فإن امير المؤمنين (ع) قد امتاز في تلك الأيام بالمواقف العظيمة. فإن قلت الحديث عن أبي رافع مختلف في لفظه أفلا يعد هذا من الاضطراب الموهن للرواية قلت ان الاختلاف انما هو بالنقيصة وهذا ليس من الاضطراب بل تحمل النقيصة على النسيان أو دواع أخر وقد ابتلي الحديث بالاختلاف الذي هو أشد من هذا فإن جل ما تكرر من الحديث في مسند أحمد والجوامع الست وغيرها أو كله لا ينفك عن مثل هذا الاختلاف وما هو اكثر منه واكثر فانظر إلى كتب الحديث واعتبر ، «ظريفة» قال الطنطاوي في صفحة ١٤٣ من الجزء الثاني من تفسيره «فانهزم المسلمون وبقي رسول الله (ص) في جماعة من أصحابه كأبي بكر وعلي والعباس وطلحة وسعد» قلت ربما روى ما يترائى منه ان أبا بكر من الثابتين ولكن المعروف في الحديث والتاريخ انه ليس ممن دام ثباته في أول الحرب إلى آخرها وفي صحيح ابن حبان مسندا عن عائشة قالت قال أبو بكر لما كان يوم احد انصرف الناس كلهم عن رسول الله فكنت أول من فاء إليه دع هذا ولكن قل الطنطاوي اين كان العباس يوم احد والعباس لم يدخل في جامعة المسلمين ويأتي المدينة إلّا بعد فتح مكّة وأي عباس هذا ولقد تخيلت ان كلمة «والعباس» من غلط المطبعة فنظرت إلى جدول التصحيح فرأيته صحح من الصفحة المذكورة غلطتين لفظيتين دون هذا المعنوي الكبير نعم ذكر في صفحة ١٥٤ ان الذين ثبتوا يومئذ مع النبي (ص) من المهاجرين سبعة لم يذكر منهم العباس «فظن خيرا» وان كان له في تاريخ الشرق غرائب وأحوالا. ١٣٩( وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ) تتمنون فحذفت احدى التائين ومثله شايع كثير في العربية والتمني معروف( الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ) في تفسير القمّي وفي رواية أبي الجارود عن الباقر (ع) ان المؤمنين لما أخبرهم بالذي فعل بشهدائهم يوم بدر ومنازلهم في الجنة رغبوا في ذلك وقالوا اللهم أرنا قتالا نستشهد فيه فأراهم الله إياه يوم احد فلم يثبتوا إلّا من شاء الله منهم. وفي الدر المنثور اخرج

__________________

وفي اللئالي كلا بل هو ثبت ثقة من الأبدال. وفي التقريب صدوق يخطي أقول ولعل نسبته إلى الخطأ جاءته من روايته لهذا الحديث وأمثاله


فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٠)وَما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ (١٤١)وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ

____________________________________

ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس وذكر نحوا من ذلك. ولئن لم تنهض الروايات حجّة في ذلك فالآية ناطقة بما هو نحوه. ومقامها يقتضي أن يكون المراد من الموت المتمنى هي الشهادة( فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ) قيل رأيتم أسبابه من الحرب والقتال أقول وان الشهادة والقتل وبقاء الأبدان بلا أرواح أمر مرئي ولا مانع من أن يراد ذلك مع انه اظهر واولى. والرؤية هي الاحساس بالباصرة( وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) والنظر غير الرؤية المتعدية إلى مفعولها بل هو اعمال الباصرة لأجل الرؤية ويكفي في بيان المغايرة انه لا يتعدى إلّا بكلمة «إلى» كما عليه اللغة واستعمال القرآن الكريم اي رأيتموه لا صدقة وأنتم تعملون باصرتكم لأجل رؤية الحال والقتال والشهادة وموت الشهداء. ولا ضير في تمني الشهادة بعد العلم العادي بأن الدفاع في نصرة الدين لا بد فيه من أن ينال بعض المسلمين سعادة الشهادة وحياتها الأبدية خصوصا بعد ما يروى من أن النبي (ص) أخبرهم بأنهم يستشهد بعدد اسرى بدر واين هذا من تمني تسلط الشرك ونقص عدد المسلمين كما يذكر في الاشكال الواهي ١٤٠( وَما مُحَمَّدٌ ) صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( إِلَّا رَسُولٌ ) من البشر المقدر عليه الموت ببلوغ اجله( قَدْ خَلَتْ ) ومضت وسلفت( مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) دعاهم الله فأجابوا وهو مثلهم امره بيد الله يدعوه إلى دار السعادة والزلفى فيجيب( أَفَإِنْ ماتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) ناكصين عن الطاعة أو الدين. والاستفهام للإنكار عليهم. وقد روى البخاري في باب الحوض وغيره في غيره ولعله من الحديث المعلوم بين الفريقين ان رسول الله (ص) اخبر بانقلاب ناس من أصحابه( وَمَنْ يَنْقَلِبْ ) عن الطاعة أو الدين( عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً ) وإنما يهلك نفسه فإن الله غني عن العالمين( وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) لنعمته عليهم بالإيمان والشريعة إذ عرفوا ما لهذه النعمة من القدر العظيم فثبتوا عليها ١٤١( وَ ) لا تحسبوا ان الموت يأتيكم مصادفة واتفاقا من عروض العوارض بلا تقدير من الله فتتوهموا انه ينجيكم منه الحذر والفرار والقعود عن الجهاد بل( ما كانَ ) ولم يثبت بل ولا يثبت( لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلّا بِإِذْنِ اللهِ ) ومشيئته وتقديره( كِتاباً ) في التبيان والمجمع


إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٢)وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ

____________________________________

والكشاف انه مصدر منصوب بفعل من لفظه أي كتب ذلك كتابا أقول ويجوز ان لم يكن الظاهر أن يكون بمعنى المكتوب وهو حال مفسرة من الاذن( مُؤَجَّلاً ) اي كتبت فيه الآجال بحدودها( وَمَنْ يُرِدْ ) من الله بعمله( ثَوابَ الدُّنْيا ) والجزاء فيها( نُؤْتِهِ مِنْها ) أي من الدنيا( وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ ) وما أعده الله لطالبيها( نُؤْتِهِ مِنْها ) بحسب عمله وإخلاصه( وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ) لله على نعمه وأعظمها توفيقهم لطاعته وطلب ما عنده. هذا هو الظاهر من الآية وذكر في التبيان ومجمع البيان أقوالا لا حجّة عليها ولا بها ١٤٢( وَكَأَيِّنْ ) الظاهر من المغني وشرح الكافية للشيخ الرضي اتفاق النحويين وأمثالهم على انها مركبة من كاف التشبيه و «أي» الموصولة ورسمت النون للمحافظة على التنوين في الأصل وانها صارت بعد التركيب اسما يفيد معنى «كم» الخيرية والتكثير وان خالفتها من وجوه وان محلها الابتداء وما بعد تمييزها خبرها وعلى ذلك جرى مجمع البيان بل وظاهر التبيان وأما الكشاف فلم يتعرض في تفسيره لشيء من ذلك أقول ان لم يجدوا منها في موارد استعمالها معنى كاف التشبيه ومعنى «اي» فمن أين جاؤوا بحديث تركيبها وأصلها وصيرورتها بالتركيب اسما فإن العرب لا يتحدثون ولا يحدثون بمثل ذلك وإنما يستعملون ما في لغتهم بمقتضى غريزتهم العربية وعلى رسلهم بدون تحليل. وإذا كانوا يجدون منها معنى جزءيها فلماذا يقولون انها صارت اسما ولماذا لا يجرون على مقتضى جزءيها. وقد جاءت في القرآن الكريم سبع مرات كما في الآية وسور يوسف ١٠٥ والحج ٤٤ و ٤٧ والعنكبوت ٦٠ ومحمد (ص) ١٤ والطلاق ٨ قال حسان

كأين قد أصيب غداة ذاكم

من ابيض ماجد من سر عمرو

وقد تسهل همزتها وتكون على وزن فاعل كقول زهير في معلقته :

وكائن ترى من صامت لك معجب

زيادته أو نقصه في التكلم

( مِنْ نَبِيٍ ) تمييز وبيان( قاتَلَ ) خبر( مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ) «ربيون» فاعل لقاتل وفي الكشاف ومجمع البيان جواز أن يكون الفاعل ضمير يعود للنبي و «معه ربيون» جملة حالية


فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ

____________________________________

لقاتل ويدفع ذلك ان الجملة الاسمية تحتاج في كونها حالا إلى ربطها بالواو أو بها مع الضمير. واما الاكتفاء بالضمير وحده فهو من الضعيف الذي يجل عنه قدر القرآن الكريم. والزمخشري يصرح بالضعف في نحوه. اما الربيون ففي الكشاف ان الربي كالرباني هو المنسوب إلى الرب وكسرت الراء من تغيير النسب. يعني ان النسبة تكون معها تغييرات كثيرة في بناء الكلمة حتى في أولها كما يقال في المنسوب إلى الدهر دهري بضم الدال. وبصريّ بكسر الباء وتوافقه احدى الروايتين عن ابن عباس. وقد اختلفت الرواية في تفسير الربي ففي الدر المنثور عن ابن عباس علماء كثير وعنه أيضا جموع. والجموع الكثيرة. وعن ابن مسعود ألوف. وفي التبيان الربي عشرة آلاف وهو المروي عن أبي جعفر يعني الباقر (ع) ولم أجد الرواية وكأنها من رواية أبي الجارود في تفسيره وهو ضعيف. وعن العياشي عن منصور بن الصيقل عن الصادق (ع) ألوف الألوف. ومنصور مجهول الحال ورواية العياشي عنه مرسلة. وفي تفسير القمّي الربيون الجموع الكثيرة والربوة الواحدة عشرة آلاف. وفي القاموس الربوة بالكسر عشرة آلاف والربي واحد الربيين وهم ألوف من الناس. وعليه فنسبة الربي إلى الربوة يحتاج إلى تصرف زائد بقلب الواو ياء ثم حذف الياء مع ان ظاهر الآية توبيخ اصحاب النبي (ص) في احد لأجل وهنهم بفرارهم وعدم صبرهم في الجهاد في سبيل ربهم وحماية الدين مع ان اصحاب النبيين قاتلوا معهم فما عراهم ذلك فإذا كان اصحاب كل نبي ينسبون إلى الربوة والجموع الكثيرة وعشرات الألوف لم يأخذ التوبيخ موقعه من الحجّة لأن الجموع الكثيرة والعشرات من الألوف فما زاد إلى ألوف الألوف يعتزون بحسب العادة بكثرة جموعهم وعدد ألوفهم مضافا إلى كون وصفهم بالكثيرين لا فائدة فيه وبهذا تزداد الرواية ضعفا واستيجابا للاطراح اللهم إلّا ان يقال انهم ينسبون إلى الربوة وعشرات الألوف فما زاد باعتبار تكرر المعارك الكثيرة مع ذلك النبي وتناوب المجاهدين وفي جميعها يثبتون. وفيه بعد. وعليه يكون المعنى وكم من نبي قاتل معه في جهاده كثيرون فثبتوا وصبروا على ما أصابهم فما لكم لم تصبروا ولم يثبت منكم إلّا اثنان ونحو ذلك. وعلى قول الكشاف ايها المنتسبون إلى الرب والجهاد في سبيل ربهم لماذا فررتم ولم تصبروا كما صبر الكثيرون من المنتسبين بالإيمان والطاعة إلى ربهم الذين جاهدوا في سبيل ربهم مع الأنبياء( فَما وَهَنُوا لِما ) اي لأجل ما( أَصابَهُمْ ) من شدائد


فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٣)وَما كانَ قَوْلَهُمْ إلّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٤)فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٥)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ

____________________________________

الحرب والجهاد( فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا ) وهذا يدل على ان معنى الوهن اما ما هو قريب في المعنى من الضعف أو هو قسم خاص منه فإن محض التأكيد بالمترادفين بعيد فيمكن ان يراد فما اختل نظام اجتماعهم ولم يعرض لهم الهلع وخمود العزائم وما ضعفت أبدانهم لكونهم استسلموا للرعب والخوف وروعة الحرب( وَمَا اسْتَكانُوا ) الاستكانة الذل والخضوع. ويحتمل أن يكون ذلك تعريضا بما يروى من أن بعضا هموا بأن يوسطوا عبد الله بن سلول ليطلب لهم الأمان من قريش. بل ان الربيون صبروا صبر الكرام في حروبهم( وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) وكفاهم بذلك فضلا وفخرا ١٤٣( وَما كانَ قَوْلَهُمْ ) في شدائد الحروب وأمثالها( إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا ) قول المستصغر لعمله الخائف من هفوات الزلل والطالب من الله التسديد والمغفرة لما سلف( وَثَبِّتْ أَقْدامَنا ) في الجهاد في سبيلك وطاعتك قول الصابر الموطن نفسه على الثبات والطالب من الله التوفيق والتسديد( وَانْصُرْنا ) في جهادنا( عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ١٤٤فَآتاهُمُ اللهُ ) جزاء بما عملوا( ثَوابَ الدُّنْيا ) من النصر والفتح وسائر النعم( وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ ) وفي ذكر الحسن بيان لعظمة ثوابهم في الآخرة وان كان كله حسن واي حسن جزاء لإحسانهم( وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ١٤٥يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالطاعة العامة أو في أمر الجهاد والدين. وقيل ان الآية نزلت في عبد الله بن أبي سلول الذي رجع من جيش النبي (ص) عن حرب احد بثلاثمائة من أصحابه وصار يخذل المسلمين عن رسول الله. وفي الكشاف ومجمع البيان وتفسير البرهان مرسلا عن علي (ع) نزلت في قول المنافقين أي للمسلمين عند الهزيمة ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم وعليه يكون مورد النزول من احد المصاديق والآية على عمومها( يَرُدُّوكُمْ ) عن دين الحق والإيمان والجهاد إلى الوراء والضلال( عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا ) بردهم إلى الضلال( خاسِرِينَ ) وكفى بذلك هلكة


(١٤٦)بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٤٧)سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٤٨)وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ

____________________________________

فلا تطيعوهم ١٤٦( بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ ) وولي أمركم وهو لكم وناصركم( وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ١٤٧سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ) قد استفاض الحديث بأن المشركين رجعوا من حرب أحد إلى مكّة مرعوبين والآية عامة فقد كان رسول الله (ص) منصورا برعب أعدائه منه كما يشهد به الحديث والتاريخ واحوال المشركين وحروبهم للمسلمين( بِما أَشْرَكُوا ) أي بسبب اشراكهم( بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ ) في إلهيته واستحقاقه للاشراك مع الله في الإلهية( سُلْطاناً ) وحجة من عنده فإن كل هؤلاء المشركين قد أسسوا شركهم على الاعتراف بالله وإلهيته وما له من كمال الإلهية. ولكنهم يزعمون في الشركاء انهم آلهة صغار بحسب ما صوره لهم ضلالهم من الولادة من الله أو تنزلات الإلهية ونحو ذلك فتقوم الحجّة على المشركين بأن الله جل شأنه كيف يهمل شأن الإله المتولد منه أو الذي هو من تنزلاته ولا ينزل سلطانا على إلهيته ومقامه فيها واستحقاقه للعبادة كما يزعمون فإنه جلت آلاؤه لم يترك نبيا يبعثه بدون اقامة الحجّة على نبوته لئلا يضيع مقامه وتضيع الفائدة من نبوته فكيف يضيع الفائدة ويبطل الحكمة فلا يقيم حجّة ولا ينزل سلطانا بإلهية من تولد منه أو صار من تنزلاته. دع عنك هذا التقرير ولكن من اين لهم الحجّة على إلهيّة شركائهم وهل نزل الله بذلك سلطانا يحتجون به فإن مرجع ذلك إلى الله لا إلى أوهام الضلال. وهذه حجّة الزامية على المشركين زيادة على الحجج العقلية على وحدة الإله وبطلان الشرك وان كل ما يشركونه مع الله ملزوم بلوازم المخلوقية والحدوث وامتناع إلهيته( وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ) المأوى هو المحل الذي يعد ويؤتى ليستراح ويحتمي به. والمثوى هو المحل الذي يطول المكث فيه. وجرى التعبير بالمأوى تبكيتا بسوء عاقبتهم. وان النار مثواهم ومحل مكثهم وبئس المثوى المعد للظالمين ١٤٨( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ ) لكم بالنصر وظهر لكم مصداقه( إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ) اي تقتلونهم بنصر الله ومشيئته. وفي التبيان الحس هو القتل على وجه الاستئصال. وفي النهاية حسوهم بالسيف حسا استأصلوهم قتلا. وفي الكشاف تقتلونهم قتلا ذريعا. وعلى هذا يدور كلاء


حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ

____________________________________

اللغويين في كتبهم. قال عتبة الليثي : ـ

نحسهم بالبيض حسا كأننا

نفلق منهم بالجماجم حنظلا

والحسيس القتيل. قال صلاءة بن عمرو كما في لسان العرب وغيره

نفسي لهم عند انكسار القنا

وقد تردوا كل قرن حسيس

وقد كان في قتل المسلمين للمشركين في أول الحرب يوم احد قتل استئصال فقد استأصلوا حملة اللواء بني عبد الدار وسرى القتل الذريع في المشركين حتى انهزموا وأكب المسلمون على رحالهم للغنائم وكان ذلك القتل والانهزام بإذن الله ونصره على خلاف الموازنة الحربية ومصادمة القوة بالقوة وكثرة عدد المشركين وعدتهم فقد كانوا نحو اربعة أمثال المسلمين المجاهدين. وفي التبيان إذ تحسونهم يوم بدر حتى إذا فشلتم يوم احد. وفي مجمع البيان اكثر المفسرين على ان المراد بالجميع يوم احد ونقل ما ذكره التبيان عن أبي علي الجبائي. وما ذكرناه مقتضى سوق القرآن فهو الظاهر وعليه روايتا ابن عباس في الدر المنثور وان كان فيما صححوه منها ظهوره في حضور ابن عباس يوم احد وهو خلاف المعروف من التاريخ من أن ابن عباس لم يكن حينئذ مهاجرا بل لم تعرف هجرته إلّا بعد فتح مكّة( حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ ) أي ظهر مصداق وعد الله لكم بالنصر وصرتم تقتلونهم قتلا ذريعا ودام ذلك حتى إذا فشلتم انقطع ذلك بسبب فشلكم وما جرى منكم. وفسر الفشل بالجبن اي جبنهم حينما كر عليهم المشركون بعد فرارهم. وعلى هذا يكون العطف بعد ذكر الفشل على خلاف الترتيب وهو سائغ مع الواو( وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ) ومن ذلك ما وقع من الرماة اصحاب ابن جبير في الشعب حيث رغب أكثرهم في الغنيمة وخالفوا أمر الرسول وفارقوا الثابتين الآمرين لهم بالثبات في مركزهم( وَعَصَيْتُمْ ) بالذهاب من الشعب إلى الغنيمة وفراركم عن رسول الله( مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ) الله( ما تُحِبُّونَ ) من النصر وقتلكم لهم وهزيمتهم ١٤٩( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ) فآثر الغنيمة على طاعة الرسول أو آثر الحياة الدنيا بالفرار على الجهاد في سبيل الله( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) فثبت وجاهد جهاد الصابرين( ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ) عطف على صدقكم الله اي صرفكم


لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا

____________________________________

بما اقتضاه التقدير في احوال الحرب والتخاذل فيها فوكلكم إلى أنفسكم( لِيَبْتَلِيَكُمْ ) اللام للغاية أي ومن غايات ما جرى ان يمتحنكم وتظهر اعمالكم فيرفع الله درجات الصابرين( وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ) أي عمن خالف ولم يصبر وهذا العفو من فضل الله ببركة ايمانكم( وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ١٥٠إِذْ تُصْعِدُونَ ) «إذ» ظرف لصرفكم والمراد فرارهم و «تصعدون» بضم التاء من «اصعد» بمعنى دخل وأخذ في الصعود إلى الجبال مثل «انجد واتهم» أو دخل في الصعود في الأرض اي السير فيها قال حسان : «يبارين الأعنة مصعدات» وقال الآخر «هواي مع الركب اليمانين مصعد» ولا تلتفتون في فراركم واصعادكم( وَلا تَلْوُونَ ) أبدانكم( عَلى أَحَدٍ ) سواء كان داعيا منكم للثبات أو مستجيرا بأحدكم أو عدوا محاربا( وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ ) إلى نصره وجهاد المشركين. قيل وكان دعاءهصلى‌الله‌عليه‌وآله إليّ عباد الله ارجعوا انا رسول الله( فِي أُخْراكُمْ ) أخرى القوم الجماعة التي هي آخرهم والظاهر ان الجار والمجرور متعلق بيدعوكم كما يقال نادى في الناس. وهذا يقتضي بأن أوائلهم قد أمعنت بالفرار وبعدت فيكون الدعاء والنداء في أخراهم. ويجوز أن يكون حالا من الفاعل في «يدعوكم» أي حال كونه في الجماعة التي هي اخراكم من ناحية العدو والقتال والمراد منها الثابتين( فَأَثابَكُمْ ) الله وهو عطف على صرفكم أي جزاكم. والثواب الجزاء على الطاعة والمعصية وان كثر استعماله في الطاعة( غَمًّا بِغَمٍ ) في التبيان غما على غم وقيل مع غم. وفي تفسير القمّي والدر المنثور في تفسير غما بغم ببيان السبب للغم روايات لا تنهض حجّة للتعويل عليها خصوصا مع التعارض في روايات الدر المنثور. وفي الكشاف غما بسبب غم أذقتموه رسول الله بعصيانكم انتهى ولا حجّة على ما قال وقال بعد ذلك ما حاصله يجوز أن يكون فاعل اثابكم هو رسول الله (ص) أي كما اغتممتم لما اصابه غمه ما نزل بكم وآساكم بغمه لتسليتكم( لِكَيْلا تَحْزَنُوا ) الآية انتهى وهو اجنبي عن سوق الآيات وحال الواقعة. والغم معروف وان فسر بالحزن لكن الاستعمال والتبادر يشهدان بأنه عبارة عن حالة معروفة تعرض على الإنسان عند المصائب والحزن بضيق بها صدره وهي اقرب إلى معنى الكرب من الحزن( لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ ) من


تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥١)ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى

____________________________________

الظفر بعدوكم وانتصاركم عليه( وَما أَصابَكُمْ ) من اثم المعصية لله والمخالفة لرسوله والهزيمة ووبالهما الدنيوي من الانكسار والوهن والخوف والرعب من كرة العدو عليكم وعلى بلادكم وأهليكم هذا هو الظاهر من السياق أي واثابكم غما بغم والغاية من تراكم الغموم عليكم ان تذهلوا عن الحزن المذكور( وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) لا تخفى عليه من اعمالكم ووجوهها خافية ١٥١( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ ) أي يشغلهم ويغفلهم عن الخوف فتساوي حالتهم حالة الآمن كقوله تعالى في سورة الأنفال في ذكر وقعة بدر ١١( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ) وهذا نحو من اللطف بهذه الطائفة الذي عراهم في جملة غمومهم غم المعصية بالفرار خوفا من الله وندما على الذنب( وَطائِفَةٌ ) أخرى منكم وهم الذين لم يكونوا أهلا لهذا اللطف بل هم مرتكسون في همومهم وغمومهم( قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ) في أمر الحياة الدنيا وقد يئسوا من النصر «طائفة» مبتدأ وجملة قد أهمتهم خبر( يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِ ) في وعده لرسوله بالنصر وان يظهره على الدين كله( ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ ) والجملة خبر ثان( يَقُولُونَ ) حال من ضمير «يظنون» أو خبر ثالث( هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ) أي من النصر وان لم يكن خطابا لرسول الله بل فيما بينهم فيحتمل ان يريدوا من الأمر الحق ويكون استفهامهم إنكاريا كما يومي إليه ما يأتي( قُلْ ) لهم يا رسول الله في جواب سؤالهم منك أو محاورتهم فيما بينهم( إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) وبيده ازمة الأمور( يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ) عليك( ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ ) في أنفسهم أو فيما بينهم في محاورتهم( لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ ) يا رسول الله للناس في بيان الحقيقة ما يكون جوابا لما أخبرتك به مما يخفيه عليك هؤلاء ان أمر القتل تابع للتقدير والقضاء ليفوز الشهداء بسعادة الشهادة ويهلك المنافق والمشرك.( لَوْ كُنْتُمْ ) يا ايها الناس( فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ) في الشهادة أو الهلاك على حكم قضاء


مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٢)إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٣)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أو كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ

____________________________________

الله. ومن غايات ذلك ان يفوز السعيد بسعادته ويشقى الشقي بهوانه( وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ ) ويظهر مكنونها من الطاعة والنفاق. والتعليل بلام الغاية معطوف على غاية مقدرة كما ذكرناه ونحوه مما يدل عليه السياق( وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ ) ويخلص ما في قلب المؤمن المجاهد الصابر من النيات الصالحة والإيمان الثابت ويميز ذلك عما في قلوب غير الصابرين وقلوب المنافقين والكافرين( وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) وما فيها ولكن الابتلاء والتمحيص لظهور ذلك في الخارج بعروض المحركات ١٥٢( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ ) منهزمين( يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ) في احد( إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ ) وأوقعهم بالزلة( بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ) اي بسبب انقيادهم إليه بما كسبوه من الذنوب التي سهلت له استزلالهم بمثل هذا الذنب الكبير( وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ ) بسبب توبتهم وبركة الرسول الأكرم( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ ) لمن يحسن التوبة( حَلِيمٌ ) فلم يعاجلهم بالعقوبة ١٥٣( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا ) بالله فينسبون حوادث الكون إلى صدفة أسبابها العادية دون تصرف الله في العالم وجريان الأمور بمشيئته وتقديره وقضائه( وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ ) الذين من قبيلهم وقومهم أي في شأن إخوانهم( إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ ) سفرا عاديا( أَوْ كانُوا غُزًّى ) ومات بعضهم أو قتل. والغزى جمع غاز كشهد وعود جمع شاهد وعائد. وجيء بكلمة «إذا» لأن هذا القول منهم كلي وظرفه كلي بالنسبة للسفر وللغزو وليس الظرف وقتا شخصيا لكي يقال «إذ»( لَوْ كانُوا عِنْدَنا ) ولم يسافروا ولم يغزوا( ما ماتُوا وَما قُتِلُوا ) يعتقدون ذلك بكفرهم وسوء رأيهم ويقولونه( لِيَجْعَلَ اللهُ ) اي ومن غايات ذلك ان يجعل بتقديره( ذلِكَ ) الاعتقاد وذلك القول( حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ) اي سبب حسرة إذ يأسفون ويقولون في اسفهم وحسراتهم لماذا تركناهم يسافرون. لماذا تركناهم يغزون( وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ )


وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٤)وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أو مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٥)وَلَئِنْ مُتُّمْ أو قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ (١٥٦)فَبِما رَحْمَةٍ

____________________________________

بيده أمر الحياة والموت لا كما يزعمون بكفرهم. فكم من حاضر وهو في صحة ودعة قد أماته الله وكم من مسافر وغاز يقاسي الشدائد والأهوال ويرده الله سالما( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ ) يا ايها الذين آمنوا أو يا ايها الناس( بَصِيرٌ ) لا يخفى عليه شيء منها ولا من وجوهها فاتقوا الله في اعمالكم ومنها أقوالكم ١٥٤( وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أو مُتُّمْ ) لكان لكم الجزاء العظيم ووقع اجركم على الله ومن اجركم المغفرة والرحمة ومن ذا الذي لا يحتاج إليهما و( لَمَغْفِرَةٌ ) من مصاديق المغفرة( مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ ) من مصاديق الرحمة( خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) من حطام الدنيا ١٥٥( وَلَئِنْ مُتُّمْ أو قُتِلْتُمْ ) يا ايها الناس( لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ ) وعدا مؤكدا بلامي القسم ولا تفوتونه بل يجازيكم بأعمالكم ان خيرا فخير وان شرا فشر. أو ولئن متم أو قتلتم في سبيل الله لإلى الله تحشرون وعليه تقدمون فيوفيكم أجوركم ١٥٦( فَبِما رَحْمَةٍ ) قال في التبيان ان «ما» زائدة جاءت مؤكدة للكلام وزاد في مجمع البيان بإجماع المفسرين. ودعواه الإجماع في غير محلها فقد حكى في التبيان عن الحسين بن علي المغربي ان «ما» بمعنى «أي» أي بأي رحمة. وحكاه ابن هشام عن جماعة وان أورد عليه ما لا يرد وفي حواشي المغني للشمني عن أبي البقا عن الأخفش وغيره وحكى نقله أيضا عن ابن كيسان. وقال السيد الرضي في حقائق التأويل ولأبي العباس المبرد مذهب انا اذهب إليه وهو انه ليس شيء من الحروف جاء في القرآن إلّا لمعنى مفيد وقال الرضي أيضا ان «ما» معناها تفخيم قدر الرحمة التي لان بها لهم. ومرجعه إلى ما قاله الحسين واليه يرجع اختيار الرازي ان المعنى فبأي رحمة. والمقصود أيّ المفيدة للتفخيم كما تقول أيّ رجل هذا. وكثير ممن ذكرنا متقدمون على مجمع البيان وهم أساطين الفن وصيارفة اللغة والمرجع في أمثال ذلك. وقال الرازي في تفسيره قال المحققون دخول اللفظ المهمل الوضع في كلام احكم الحاكمين غير جائز : وقال عنتر في معلقته

يا شاة ما قنص لمن حلت له

حرمت علي وليتها لم تحرم

فإن معنى «ما» معنى «اي» التعجبية لغرض التفخيم وكرامة قنصها بكرامتها ظاهر من


مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٧)إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٥٨)وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ

____________________________________

الشعر وقال الفند الزماني :

أيا طعنة ما شيخ

كبير يفن بال

إلى ان قال : تفتيت بها إذ ك

ره الشكة أمثالي

فإن قوله تفتيت بها يدل على ان «ما» للتعجب بتعظيم أمر الشيخ في طعنه وقال الفرزدق :

ناديت انك ان نجوت فبعد ما

يأس وقد نظرت إليك شعوب

أي بعد أيّ يأس شديد. هذا والذين رأيناهم يقولون بزيادة «ما» في الآية يقولون انها زيدت للتأكيد. أفلا قائل يقول لهم على أي وجه يكون التأكيد ولماذا يؤكد. نعم يجدون لها معنى لا تنطبق عليه قواعدهم القاصرة المستحدثة فيلتجئون إلى تسميته بالتأكيد( مِنَ اللهِ ) عليهم بل على سائر البشر( لِنْتَ لَهُمْ ) وصرت تحتملهم وتعطف عليهم في اختلاف آرائهم وأحوالهم ومما يصدر منهم مما لا يرتضى لكي ينضموا إليك ويهتدوا بهداك فيقام عمود الدين وتنتظم جماعة الإسلام وتنقمع شوكة الكفر والضلال( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ) فسره في التبيان والكشاف بالجافي قاسي القلب وهو نحو من أنحاء ما ذكره اللغويون( لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) وتفرقوا عنك ولكنك على خلق عظيم وبالمؤمنين رؤوف رحيم( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) الذي يعرض أي واستصلحهم واستمل قلوبهم بالمشاورة. لا لأنهم يفيدونه سدادا أو علما بالصالح. كيف وان الله مسدده( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إلّا وَحْيٌ يُوحى )( فَإِذا عَزَمْتَ ) على ما أراك الله بنور النبوة وسددك فيه( فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) عليه ١٥٧( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ) ويكلكم إلى أنفسكم( فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ) شبه جل شأنه في خذلانه لهم باستحقاقهم الخذلان بمن اعرض عنهم وجاوزهم( وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) واليه يكون التجائهم ١٥٨( وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَ ) بفتح الياء والغلول هو الخيانة في الغنيمة. والمعنى لا يقع الغلول من الأنبياء وما وقع هذا من أحدهم


وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٥٩)أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ

____________________________________

لأنهم معصومون وأمناء الله. وأورد في الدر المنثور روايات عن ابن عباس وفي تفسير البرهان عن الصدوق بسند فيه جهالة عن الصادق (ع) ان الآية نزلت في شأن قطيفة حمراء فقدت من الغنيمة يوم بدر فقال بعض الناس أخذها رسول الله «ص». وفي الرواية عن الصادق «ع» فأظهر الله رسوله على القطيفة ونزلت هذه الآية. وفي الروايات عن ابن عباس تعارض( وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) ويفضحه الله به من أول حشره( ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ) أي توفى جزاء ما كسبت عند ما يكون الحساب والجزاء فيوفى جزاء ما كسب من الغلول وغيره كما توفى كل نفس جزاء ما كسبت ان خيرا فخير وان شرا فشر تجزاه وافيا أي تاما ما لم يتب المذنب في الدنيا ويتوب الله عليه فيكون كمن لا ذنب له( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) بجزاء المسيء بغير ما كسب ولا ينقص جزاء المحسن ١٥٩( أَفَمَنِ اتَّبَعَ ) في اعماله وأقواله وتروكه ودينه وانقياده بالطاعة والاقتداء والاهتداء والاتباع لمن جعل الله ولي امره وفي معاملته مع الناس ومداخلته في أمورهم الخاصة وما يعود إلى الهيئة الاجتماعية( رِضْوانَ اللهِ ) بأن نظر في كل أمر من هذه إلى رضا الله فيه بحسب ما يدل عليه دين الحق وشريعة الله. ونور الحق المبرأ من الأهواء. ورشاد الفطرة وحاسب نفسه فيه وجعل رضوان الله مقصوده الأصلي ومتبوعه الوحيد الذي يسير به في نهج الحق والصراط المستقيم والسعادة العظمى. قال من رأينا كلامه من اللغويين والمفسرين الرضوان كالرضا مصدر رضي : لكن الظاهر من موارد الاستعمال كونه اسم مصدر وان معناه أوفر من معنى الرضا. وهل يكون المتبع لرضوان الله على ما ذكر( كَمَنْ باءَ ) أي رجع بسوء اعماله ومعاصيه ونكوصه عن النهج القويم( بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ ) وصار بذلك عضوا فاسدا وبيئا في المجتمع البشري( وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) ولعمر الحق ان هذا التعليم الفائق على إيجازه ليضمن اتباعه وسلوك نهجه فضيلة الصلاح وفوز السعادة الفردية والاجتماعية وان كل تخلق بالأخلاق الحسنة لا تقوم حياته بروح الاتباع لرضوان الله انما هو كصورة المرآة وظل زائل ، وسراب خادع ، ولئن راقت صورته المموهة فإنما هو للهيئة الاجتماعية كالسم في


(١٦٠)هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ

____________________________________

الدسم : وحكى في التبيان ومجمع البيان والدر المنثور حمل الآية على موارد خاصة ولا مستند لذلك في مخالفة ظاهر الآية في العموم إلّا أقوال سعيد بن جبير ، والضحاك وابن جريح ومجاهد وفي تفسير البرهان عن الكافي بسند فيه ضعف وعن العياشي مرسلا عن عمار عن الصادق «ع» ان الذين اتبعوا رضوان الله هم الأئمةعليهم‌السلام . والرواية لا تنهض حجّة على الحصر. نعم هم صلوات الله عليهم في هذه الأمة اظهر الأفراد وأعلاهم درجة ١٦٠( هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ ) في التبيان والمجمع تقدير الآية هم ذووا درجات. المؤمنون ذووا درجات رفيعة والكفار ذووا درجات خسيسة وفي الكشاف نسب هذا إلى القيل «وقال قبله ولم يبين مرجع الضمير أي هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات» : يعني انهم شبهوا في تفاوتهم بالدرجات فأخبر عنهم بها على نحو الاستعارة كما يقال زيد اسد بالنظر إلى الشجاعة وهو باب من أبواب البلاغة واولى من التقدير وأظهر والرازي في تفسيره جعل عود الضمير على خصوص من اتبع رضوان الله اولى واستدل لذلك بوجوه اربعة لا تنهض حجّة نعم في رواية عمار المشار إليها ما يقتضي ذلك بوجه آخر لو كانت حجّة( وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ١٦١لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) وأنعم عليهم بالنعمة العظيمة( إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ ) ليبتدئ بهم بحسب الحكمة في الدعوة العامة لجميع البشر( رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) اضافة الأنفس إليهم باعتبار العربية والقومية والنشأة معهم بحيث يكونون مطلعين على أحواله ووجوه كماله وملكاته الفائقة في الصدق والأمانة ونحو ذلك مما يقتضي ركون النفس إليه ويدعو إلى تصديقه والإقبال على الإيمان به. ويعرفون بكونه منهم لسانه ومحاوراته وينقادون إليه ولا تمنعهم نخوة العربية وعصبية القومية من أن ينقادوا إليه لو كان من غير العرب. فكان من عظيم اللطف بالعرب والمنة عليهم ان سهل عليهم طريق الإيمان برسول الله بجعله منهم فرفع بذلك ما يقتضيه جهلهم ونخوة القومية والعربية من المعاثر. ومن منه جلت آلاؤه ان جعل الدليل على الرسالة ومعجزها بلغتهم كما ذكرنا ذلك في المقدمة في حكمة كون المعجز للعرب هو القرآن الكريم. فصار الرسول «ص»( يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ) آيات الله من القرآن فيفهمون معانيها واشاراتها بدون ترجمة تعسر عليهم( وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ) بتلاوته


وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٢)أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٣)وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٤)وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا

____________________________________

وتبليغه وخطبه ومواعظه وبيانه( الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا ) الواو للحال و «ان» المكسورة مخففة من المثقلة تفيد التأكيد والتحقيق لأنهم( مِنْ قَبْلُ ) أي من قبل ان يبعث فيهم ويؤمنوا به( لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) من حيث المعارف والشريعة والأخلاق والصلاح والعدل والمدنية : يا ايها المسلمون من اصحاب احد بحسب نوعكم ١٦٢( أَوَلَمَّا ) خالفتم أمر الرسول واخليتم مراكزكم للجهاد وانهمكتم بالغنيمة وفررتم ذلك الفرار و( أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ) لم تكن اصابتكم في أول جهادكم وثباتكم مع عافية المشركين المحاربين لكم بل( قَدْ أَصَبْتُمْ ) من المشركين( مِثْلَيْها ) فقد قتل منهم في بدر واحد مثلي ما قتل منكم في يوم أحد. أو ان مصيبة المشركين في يوم بدر بقتلاهم واسراهم مثلا مصيبتكم في يوم أحد( قُلْتُمْ ) جواب لما( أَنَّى هذا ) الذي أصابنا ومن اين جاءنا تقولون ذلك استيحاشا واستعظاما( قُلْ ) يا رسول الله في جوابهم( هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) إذ خالفتم الرسول وأسرعتم إلى الغنيمة. أو إذ خالفتم الرسول كما رواه في الدر المنثور عن ابن عباس. أو إذ طمعتم في وقعة بدر بفداء الأسرى وأنذركم رسول الله بأنه يقتل منكم بعددهم فرضيتم كما في الدر المنثور انه أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه عن عليّ أمير المؤمنينعليه‌السلام وفي مجمع البيان وهو المروي عن الباقر «ع». ان الله قادر على ان ينصركم كنصر بدر وأعز منه كما رأيتم مظهر النصر في أول الحرب يوم احد( إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ١٦٣وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ) من قتل وجراح( فَبِإِذْنِ اللهِ ) وتقديره للحرب والجهاد في سبيله لينال الشهادة من فاز بها( وَ ) فيه غاية اخرى وهي تمييز الطيب بجهاده من الخبيث بنفاقه ورجوعه من الجيش( لِيَعْلَمَ ) ليثبت علمه الأزلي التابع ويقارن في استمراره وجود المعلوم( الْمُؤْمِنِينَ ) الذين اتبعوا رسول الله للجهاد ١٦٤( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا ) وهم عبد الله بن أبي سلول واتباعه( وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أو ادْفَعُوا ) عن قومكم وبلادكم وحفائظكم ان لم تكن لكم رغبة في


قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أو ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٥)الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٦)وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٧)فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ

____________________________________

الجهاد في سبيل الله( قالُوا ) في التعلل والنفاق مع ان العدو نزل بعدته وعديده بساحتهم وهو يتغيظ حنقا. والقتال معلوم بمجاري العادة واحوال العرب( لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لَاتَّبَعْناكُمْ ) وكذبوا( هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ ) بنفاقهم( أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) من النفاق والتحيز للكفر( وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ١٦٥الَّذِينَ ) صفة للذين نافقوا( قالُوا لِإِخْوانِهِمْ ) أي في شأن إخوانهم بحسب القبيلة والقومية( وَقَعَدُوا ) الجملة اما حالية بإضمار «قد» على رأي البصريين والفراء أو بعدم الإضمار على رأي الكوفيين والأخفش. واما معطوفة بالواو التي هي لمطلق الجمع أي قعدوا عن القتال ورجعوا من الجيش إلى المدينة( لَوْ أَطاعُونا ) بالقعود وعدم الذهاب إلى الحرب( ما قُتِلُوا ) وقولهم هذا يرجع إلى جحودهم لكون أمر الموت أو القتل بيذ الله وبتقديره وقضائه بل ينسبونهما إلى اسباب يمكن دفعها والتحرز عنها. فكأنهم لا ينظرون إلى انه كم شجاع يقذف نفسه في وطيس الحرب ولهوات الموت ثم يرجع إلى اهله بإذن الله سالما. وكم من صحيح وادع في اهله قد طرقه الموت بإذن الله في مأمنه( قُلْ ) يا رسول الله لهم في رد زعمهم ان كان الموت مما يستدفع ويتحرز منه( فَادْرَؤُا ) وادفعوا( عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في زعمكم ومغزى قولكم لو أطاعونا ما قتلوا ١٦٦( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً ) على ما يتوهم المتوهمون من بطلان ادراكهم وصيرورتهم كالجمادات. والخطاب صورته للرسول الأكرم ومنحاه تعليم الناس( بَلْ ) هم( أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) القادر الرحيم( يُرْزَقُونَ ) ما يتنعمون به في تلك الحياة السعيدة والعالم الحميد حال كونهم ١٦٧( فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) من النعيم ويعرفون احوال أهل الدنيا ويسرون بصلاحهم ونجاتهم به من استحقاق العقاب( وَيَسْتَبْشِرُونَ ) عطف على فرحين( بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ


خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٦٨)يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٩)الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ

____________________________________

خَلْفِهِمْ ) بالموت أو الشهادة اي يستبشرون بسعادتهم بصلاحهم( أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) في الآخرة اي بأن لا خوف عليهم( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) في يوم الجزاء ١٦٨( يَسْتَبْشِرُونَ ) حال آخر كفرحين( بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ ) عليهم في نعيمهم( وَفَضْلٍ وَ ) ب( أَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) بل يوفيهم جزاءهم ١٦٩( الَّذِينَ ) مبتدأ( اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ) إذ دعاهم الرسول إلى اتباع جيش المشركين في رجوعهم من حرب احد ارهابا لهم فلبوا دعوته( مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ ) بتلك النكبة وكثرة الجراح فتبعوهم مع رسول الله إلى حمراء الأسد وهو سوق للعرب على ثمانية أميال من المدينة ورجعوا ولم يلاقوا حربا(١) ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ) اعمالهم في الحياة

__________________

(١) وعلى هذا اكثر ما وجدناه من حديث الفريقين كما هو المحكي عن اكثر المفسرين. والمأثور ان وقعة أحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة في يوم الأحد السادس عشر من شوال وخرجوا باستجابتهم إلى حمراء الأسد يوم الاثنين ومكثوا فيها إلى الأربعاء ثم انقلبوا على وجههم هذا إلى المدينة وقد تكرر في الأحاديث انهم خرجوا وهم جرحى من حرب احد «والوجه الثاني» ما في الدر المنثور عن ابن شهاب ومجاهد وعكرمة في احدى روايتيه ان الآية نزلت في خروج رسول الله بمن معه لموعد أبي سفيان في غزوة بدر الصغرى في السنة الرابعة. وفي التبيان روى ذلك عن أبي جعفر (ع) وفي مجمع البيان رواه أبو الجارود عن الباقر (ع). وابو الجارود ضعيف. والذي اعتمد عليه القمّي في تفسيره هو الأول وكذا الشيخ في التبيان ونسب الثاني إلى القيل. وكانت غزوة بدر الصغرى في السنة الرابعة للهجرة في شعبان في رواية الدر المنثور عن مغازي ابن عقبة ودلائل البيهقي وفي تاريخ ابن جرير عن ابن إسحاق. وفي ذي القعدة رأس الحول من وقعة احد عن الواقدي.

وقد كان أبو سفيان جعل الموعد مع رسول الله يوم احد لاعادة الحرب هو بدر في العام المقبل كما عن ابن إسحاق. وعن مجاهد قال أبو سفيان موعدكم بدر حيث قتلتم إخواننا. وسميت غزوة بدر الصغرى غزوة السويق لأن أبا سفيان وجيشه خرجوا من مكّة للحرب فلما سمعوا باستعداد رسول الله (ص) للقائهم في الموعد فشلوا ورجعوا من «مجنة» من ناحية مر الظهران أو مما فوق ـ


أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ

____________________________________

الدنيا ودار العمل أي جعلوا أعمالهم حسنة نحو قوله تعالى( مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً )( مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ) الجملة خبر «الذين» وكم وكم ينبغي للإنسان ان يتحذر ويلازم التقوى ، ويراقب عاقبته ، ويحاسب نفسه في أيّام عمره ويتحرى الإخلاص لله في اعماله فإن هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول في تلك الشدة وذلك القرح لم يجر شكر الاستجابة والوعد بالأجر لجميعهم على رسله بل قسمهم مفاد الآية في تبعيضها إلى اللذين أحسنوا منهم واتقوا وإلى عيرهم وخص الوعد بالأجر بالقسم الأول. فيكون الثناء والأجر في حقيقة الأمر في هذه الآية واللتين بعدها إنما هو للبعض وان كانت صورته جارية على نوعهم. كما جرى مثل ذلك في الآية الأخيرة من سورة الفتح في قوله تعالى( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) وذكر الثناء الجميل إلى أن قال جل وعلا( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) فقسمهم بكلمة «منهم» أيضا ذلك التقسيم المرعب وكشف بتقسيم هاتين الآيتين عن حال الإطلاق أو العموم في غيرهما وابان ان جريانه في نفس الأمر إنما هو على البعض لا الكل ويا للأسف وفي الكشاف ان «من» في «منهم» للتبيين مثلها في قوله تعالى في آخر سورة الفتح( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً ) لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا. وحكى ابن هشام في المغني نحوه عن ابن الانباري. ومن الغريب ممن يعد من النوابغ في النحو والعربية والخبرة بكرامة القرآن الكريم في فصاحته وبلاغته وكيف يخفى عليه انه يلزم في «من» التي لبيان الجنس أن يكون ما تبينه فيه إبهام في جنسه ويكون في مجرورها بيان يرفع ذلك الإبهام ويتكفل بإيضاح المراد ويصح ان يحمل على ما يبينه حملا مفيدا ببيانه. إذن فما ذا في قوله تعالى «منهم» من الإيضاح الجديد الرافع للإبهام وما هي الفائدة في البيان في قول القائل الذين أحسنوا منهم واتقوا : وحكى في تفسير المنار عن استاذه اختياره لكون «من» في الآية للتبعيض لأن من المؤمنين الصادقين من لم يخرج إلى حمراء الأسد يعني ان الضمير في «منهم» يعود إلى المؤمنين في آخر الآية السابقة أقول وهذا

__________________

ـ «عسفان» على نحو مرحلتين من مكّة فسماهم أهل مكّة جيش السويق ويقولون لهم انما خرجتم تشربون السويق.


(١٧٠)الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ

____________________________________

لا يصح إذا كان الموصول وهو «الذين» في أول الآية مبتدأ لأن خبره وهو جملة «للذين» يبقى بلا رابط ولذا بنى التلميذ صحة ما قاله استاذه على نصب «الذين» على المدح وأقول ان النصب على المدح مبني على أن يكون الموصول وهو «الذين» صفة للمؤمنين نحو قول الخرنق بنت عفان من بني قيس :

لا يبعدن قومي الذين هم

سم العداة وآفة الجزر

النازلين بكل معترك

والطيبون معاقد الأزر

وليس في هذا النصب على المدح عطف يدل على المغايرة. بل لو كان هناك عطف لما اقتضى المغايرة بل جرى على نهج قوله تعالى في سورة البقرة ١٧٢( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ ) وفي سورة النساء ١٦٠( وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ) إذن فيعود التبعيض والتقسيم إلى الذين استجابوا ومن أين يعرف؟ ان «الذين» هنا منصوب على المدح فيتأمل في كلام صاحب المنار واستاذه في هذا المقام. وليت شعري ما هذا التكلف في تفسير الآية مع اجماع الأمة على انه ليس كل الصحابة معصومين ١٧٠( الَّذِينَ ) بدل من «الذين» التي هي مبتدأ باعتبار البعض أو من المجرورة باللام باعتبار الكل وهو الأظهر( قالَ لَهُمُ النَّاسُ ) أي بعضهم. قيل ركب من التجار وقيل نعيم بن مسعود الأشجعي(١) وفي التبيان والمجمع وهو قول أبي جعفر وأبي عبد الله اي الباقر والصادقعليهما‌السلام( إِنَّ النَّاسَ ) اي المشركين( قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ) جندا لحربكم( فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ ) ذلك القول( إِيماناً ) بالله ودين الحق ووجوب نصره والجهاد في سبيله أو بوعده بالنصر( وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ ) ناصرا على جموعهم( وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) عليهم وفي التبيان والمجمع والكشاف الذي يوكل إليه الأمر. وفي الدر المنثور اخرج ابن مردويه عن أبي رافع ان النبي (ص) وجه عليا (ع) في نفر معه في طلب أبي سفيان فلقيهم اعرابي من خزاعة

__________________

(١) قبل إسلامه وهو الذي القى التخاذل بين بني قريضة وبين جيش الأحزاب من قريش وغطفان واتباعهم في السنة الخامسة في شوال وبعد ذلك اظهر إسلامه كما هو مأثور في تاريخ غزوة الأحزاب والخندق.


(١٧١)فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٢)إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ

____________________________________

فقال ان القوم قد جمعوا لكم فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فنزلت فيهم هذه الآية أقول ويمكن أن يكون امير المؤمنين (ع) مع النفر كانوا في مقدمة الطلب أو طلبوهم من حمراء الأسد ١٧١( فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ ) ولا تخفى دلالة التفريع بالفاء على ان هذا الانقلاب بالنعمة والفضل كان من المسير الذي استجابوا به لله والرسول كما ذكر في الآيتين السابقتين فلا وجه ولا صحة لجعل المراد بالاستجابة هو المسير إلى حمراء الأسد والمراد من الانقلاب بالنعمة والفضل هو الرجوع من غزوة بدر الصغرى في العام الثاني كما في الرواية التي ذكر في الدر المنثور انها أخرجها النسائي وابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس وجرى تفسير الكشاف على نهجها في التفريق على خلاف التفريع في الآية الكريمة( لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ) من حرب أو نكبة( وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ ) في استجابتهم هذه. وهنيئا لمن دام على الإحسان والتقوى كما شرطه الله ففاز بسعادة الأجر العظيم( وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) ومن فضله وفقوا لهذه الاستجابة وانقلبوا بنعمة منه وفضل ١٧٢( إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ ) هذا تشجيع للمؤمنين على الاقدام على الجهاد وحاصله ان الذين أرادوا ان تخافوا المشركين بقولهم ان الناس قد جمعوا لكم انما نشأ من تسويل الشيطان ودسائسه في ترويج الضلال فإنه يخوف المؤمنين أولياءه الضالين حماية منه للكفر والضلال( يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ ) تتعدى خاف إلى مفعول واحد تقول خفت الكلب وتتعدى بالتشديد إلى مفعول ثان كما تقول خوفني عمرو الكلب وقد يحذف المفعول الثاني كما تقول خوفني عمرو وقد يحذف المفعول الأول كما تقول خوف عمرو الكلب وكما في الآية فهي كما إذا قيل يخوفكم أولياءه كما يروى من قراءتي ابن عباس وابن مسعود ولكن لفظ «يخوف» في القراءة العامة أعم وأتم من الفائدة في مقام الذم لإبليس وعموم تخويفه للناس أولياءه وعموم أوليائه في النهي عن خوفهم بنحو يفيد البشرى بالأمن من شرهم لا خصوص قريش( فَلا تَخافُوهُمْ ) أي اولياء الشيطان فإن الله ناصركم كما وعدكم ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكتبهم فينقلبوا خائفين( وَخافُونِ ) فإن السعادة في خوف العبد ربه


إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٣)وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللهُ أَلّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٤)إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَلَهُمْ

____________________________________

وتقواه( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) بالله ووعده بالنصر وانه يجب ان يطاع في امره ونهيه وانه مالك أمر النفع والضر ، شديد العقاب واليه يرجعون : يا رسول الله ١٧٣( وَلا يَحْزُنْكَ ) بفتح الياء وضم الزاي يجيء «يحزن» بفتح الياء والزاي للقاصر وبضم الزاي للمتعدي وفي المصباح وهي لغة قريش أقول وعليها استعمال القرآن الكريم كما في هذه الآية وثمانية موارد من سائر السور وعلى هذه اللغة جاء محزون في اسم المفعول في اللغة العامة. والحزن معروف( الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ) ويقتحمون جامحين في وجوه ضلاله ونزغات غيه من دون تريث في اتباع الهوى ومحادة الله والتمرد عليه ولا ترو للنظر في حجج الإيمان ودلائل الحق ، ولا إصغاء إلى داعي الهدى. ومن المعلوم ان هؤلاء وأمثالهم قد خرجوا بتمردهم عن اهليتهم للطف الله ورحمة الرسول فلا يحزن الرسول رحمة لهم بل يحزن لمحادتهم لله وتمردهم على الإيمان به ولذا كانت تسلية الله لرسوله بقوله جل اسمه( إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً ) فإن الله غني عن العالمين و «شيئا» واقع موقع المصدر أي شيئا من الضرر ولوقوعه في حيز النفي يفيد العموم. ولأجل ما ذكر من تمردهم ومسارعتهم في الكفر خرجوا عن اهلية اللطف وحرموا أنفسهم خيره فلأجل ذلك( يُرِيدُ اللهُ أَلّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا ) أي نصيبا من الخير( فِي الْآخِرَةِ ) أي يريد حرمانهم وعبر بالارادة تأكيدا لبيان وقوع الحرمان بأنه تعلقت به ارادة الله وما ربك بظلام للعبيد( وَلَهُمْ ) فوق ذلك( عَذابٌ عَظِيمٌ ) جزاء بما كانوا يكفرون ١٧٤( إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ ) بعد ما اتضحت حجج الحق وبراهين الإيمان من الفطرة والآيات ودعوة الرسول ونور الدلالة فكان الإيمان بعد ذلك كأنه في حوزتهم فرغبوا فيه وتركوه واختاروا الكفر كما يرغب المشتري عن الثمن ويستبدل به المبيع الذي يرغب فيه. ويحتمل ان يراد منهم في هذه الآية أولئك المسارعون في الكفر فتكون الآية تأكيدا للتي قبلها في الأمر الذي يناسب الحال تأكيده. ويحتمل أن يكون المراد من يعم أولئك المسارعين ومن هو دونهم في التمرد فتفيد الآية عموما وتأكيدا في ضمنه ولعله اظهر( لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ١٧٥ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ )


عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٥)وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٦)ما كانَ اللهُ

____________________________________

في أعمارهم وترخي لهم في آجالهم لا نعاجلهم بالعقوبة والإهلاك( خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ) اي لكل واحد بحسب نفسه التي هي أعز الأنفس عليه وأولاها بطلبه الخير لها. وليجري الكلام على هذا النص فلا يوهم ان الخير وازدياد الإثم يرجعان إلى المجموع كما لو قيل «لهم»( إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً ) اللام في «ليزدادوا» للعاقبة مثلها في قوله تعالى في سورة القصص ٧( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ) والحصر في «إنما» إنما هو باعتبار العاقبة وان الاملاء لهم ليس في عاقبته ما داموا على الكفر خير( وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) يرون به هوانهم بما كفروا ١٧٦( ما كانَ اللهُ ) في الآية بحسب الأقوال وجوه «الاول» في الدر المنثور اخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ان الخطاب في هذه الآية للكفار وذكر احتمال ذلك في التبيان وكذا في مجمع البيان بنحو تشويش. ولم يذكره في الكشاف وتفسيري الرازي والمنار من اسناده فكأنهم لم يعتنوا به. ومقتضى تفسير أبي السعود ان مختار المحققين غيره. وعليه يكون المعنى يا ايها الكافرون ما كان الله بحسب لطفه بعباده ان يتركهم بلا إرسال رسول ولا دعوة حق ويذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر بل يقيم الحجّة وينير البرهان فيؤمن الطيبون وان عاند أشقياء الضلال وطواغيت الكفر فيميز بذلك الخبيث بضلاله من الطيب الذي يختار هدى الإيمان وربما يستشهد لهذا الاحتمال بقوله تعالى في الآية الثانية في طرد الخطاب( فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ولكن لا شهادة في ذلك إذ قد جرى أمثاله في خطاب المؤمنين كما في سورة النساء ٥٨( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) ١٣٥( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ) ومحمد (ص) بعد خطاب الذين آمنوا في الآية الثانية وثلاثين ٣٥( وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ) والأنفال في خطاب المؤمنين بخمس الغنائم( إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا ) وغير ذلك. مضافا إلى ان الظاهر في خطاب القرآن كونه خطابا للمؤمنين وحمله على غيرهم يحتاج إلى قرينة وهي مفقودة فضلا عن كون السياق في الآيات المتقدمة لخطاب المؤمنين «الوجه الثاني» أن يكون الخطاب للمؤمنين والمراد بالخبيث هم المنافقون كما حكاه في التبيان والمجمع وقال به في الكشاف وبعض


لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ

____________________________________

كتب التفسير «وعليه» فإن أريد من المنافق هو من يظهر الإسلام ويبطن الكفر من حينه لم يوافق ذلك اصطلاح القرآن الكريم فإنه يجعل المنافقين قسما مقابلا للمؤمنين لا قسما منهم كما في قوله تعالى في هذه السورة ١٦٦( وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا ) وسورة العنكبوت ١٠( وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ ) والأحزاب ٧٢( لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) والحديد ١٣( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) . «الثالث» وهو الأظهر الأقرب ان يراد بالخبيث هو من تشرف حينئذ بالإيمان ثم يتمرد بكبائر المعاصي والعظائم لأنّه كان سلس القياد للهوى والشيطان فيسرع إلى موبقات الآثام والارتداد والانقلاب على الأعقاب والبغي والفساد في الأرض والمروق من الدين فينشأ خبثه عن الامتحان فيكون معنى الآية. ما كان الله وليس من شأنه الكريم وحكمته ولطفه( لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ ) مطلقا وهم المتشرفون بصفة الإيمان( عَلى ما أَنْتُمْ ) ايها الموجودون حين الخطاب من المؤمنين( عَلَيْهِ ) من اشتباه الحال في الظاهر( حَتَّى ) تصدر أوامره ونواهيه بلطفه وحكمته بالشريعة وأساسياتها في سعادة البشر وإكمال الدين وإتمام النعمة والنظام الصالح ويجري مقاديره بحسب الحكمة فيما يكون عاقبته الابتلاء والامتحان فتسرع النفوس الأمارة التي لم تروض إلى اختيارها خبث التمرد والجماح في الغي. ومن آثار ذلك ان( يَمِيزَ الْخَبِيثَ ) باسراعه في اختياره لما أشرنا إليه من موبقات الآثام : يميز بفتح الياء وكسر الميم وسكون الياء مضارع ماز بمعنى فرق وبين( مِنَ الطَّيِّبِ ) الدائب على طاعة الله واتباع الحق ومخالفة الهوى. ويؤيد هذا الوجه ما في تفسير البرهان عن العياشي عن عجلان بن صالح عن الصادق (ع)( وَما كانَ اللهُ ) ولا يليق بحكمته ولطفه وجلال شأنه( لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ) في شؤون الشريعة وما أشرنا إليه من أساسياتها وموارد الامتحان لأن ذلك مقام كبير لستم أهلا له بل يخل ذلك بجامعتكم وشؤون الإسلام وان الاعلام بهذا الغيب إنما يليق بحسب الحكمة بمقام الرسول والله أعلم حيث يجعل رسالته ممن هو أهل بكماله الاختياري لها( وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ ) بحسب اهلية الرسول واقتضاء المصلحة وحكمته جلت آلاؤه


فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٧)وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ

____________________________________

لا بالجبر على اجتباء من لم يكن أهلا ولا تقتضي الحكمة اجتباءه. قال في التبيان و «من» هنا لتبيين الصفة لا للتبعيض لأن الأنبياء كلهم مجتبون انتهى يريد بذلك انها لتبيين جهة الاجتباء بتبيين جنس المجتبى كما في قوله تعالى( ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ ) .( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) وكما في قولك عندي عشرون من الدراهم إذا قصدت بالدراهم جنسها المعروض للجمع والعدد دون ما إذا قصدت بها دراهم معينة هي اكثر من عشرين كما أوضحه الشيخ الرضي في شرح الكافية. ولم أجد عاجلا من صرّح بالتبيين هنا في غير التبيان وإن لاح من كلام بعضهم. وان كانت «من» للتبعيض يكون الاجتباء إنما هو بما يفضل به بعض الرسل على بعض لا بأصل الرسالة ويكون المعنى والله يجتبي من بين رسله من يشاء منهم ويفضله بمقام ممتاز من علم الغيب والكرامة ولكن هذا المعنى لا يناسب السياق ولا التفريع بقوله تعالى( فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ) فيما جاؤا به عند الله لأن الله اجتباهم لذلك( وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ١٧٧وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) فيما أوجبه الله من الإنفاق( بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) وفي ذلك احتجاج على الباخلين فيما فرضه الله بأن ما يبخلون به إنما هو من عطاء الله والفاضل الزائد على حاجتهم الفعلية( هُوَ خَيْراً لَهُمْ ) «خيرا» مفعول ثان ليحسبن والمفعول هو البخل المدلول عليه بقوله تعالى( يَبْخَلُونَ ) أو الذي بخلوا به مما آتاهم الله وعلى كل تقدير يجلوه لمقام مفعوليته وتقديره ضمير الفصل «هو» فلا يقولوا انا حفظنا أموالنا لخيرنا ومنافعنا( بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ) لما في ذلك من خسة المعصية ورذيلة الشح وسوء الظن بالله ووبال العقاب وحرمان الثواب وخسران فضيلة الطاعة وحسن السماحة والرحمة والاعانة في المجتمع. وفسر ذلك بمنع الزكاة كما رواه في تفسير البرهان عن الكافي في صحيحة محمد بن مسلم وعن الكافي ومجالس الشيخ في معتبرة أيوب ابن راشد عن الصادق (ع). وعن تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع) وعن ابن سنان عن الصادق عن آبائه عن رسول اللهعليهم‌السلام وعن يوسف الطاهري عن الصادق (ع). ورواه في الدر المنثور مما أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله (ص). وأخرجه أحمد وعبد بن حميد والترمذي ، وصححه. وابن ماجه والنسائي وابن جرير وابن خزيمة وابن


سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٧٨)لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ

____________________________________

المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصحّحه عن ابن مسعود عن النبي (ص) وما أخرجه جماعة وصحّحه الحاكم أيضا من الحديث الآخر عن ابن مسعود عن النبي (ص). وروى في الدر المنثور أيضا روايات أخر تفسير الآية بغير هذا المعنى ولا اعتداد بها خصوصا ما كانت في البخل على ذي الرحم فإنها لا تناسب التشديد والإنذار بقوله تعالى( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) وفيما أشرنا إليه من أحاديث الفريقين ما معناه ان الله يجعل عقاب ذلك ثعبانا في عنقه مطوقا به ينهش به. وما هو من نحو هذا المعنى. فلماذا يبخلون ولماذا يدخرون وهم عن قريب فانون وتاركون لما بخلوا به( وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ١٧٨لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ ) في الدر المنثور عن ابن عباس من طريق عكرمة ان القائل لذلك «فنحاص» قال ذلك لأبي بكر لما دخل بيت المدارس على اليهود. وعن ابن عباس أيضا من طريق سعيد بن جبير ان اليهود أتوا رسول الله (ص) لما أنزل الله( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً ) فقالوا أفقير ربنا يسأل عباده القرض. فأنزل الله الآية. وبين الروايتين تعارض وفيهما جهات أخر. وفي تفسير القمّي قال «رأوا اولياء الله فقراء فقالوا لو كان الله غنيا لأغنى أولياءه» ولا تعرف نسبة هذا النقل إلى إمام والله العالم نعم يعرف مما بعد الآية ان القائلين من اليهود( سَنَكْتُبُ ما قالُوا ) أي سنحفظ في الثبوت ما قالوا ليلاقوا نكال جزائه. وهذا أبلغ في الوعيد من أن يقال «كتبنا ما قالوا» لأن الكتابة في الماضي ربما تحتمل العفو والتفكير( وَ ) نكتب( قَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ ) نسبة قتل الأنبياء إليهم اما باعتبار القبيلة أي ونحفظ على قومهم الذين هم مثلهم في التمرد قتلهم الأنبياء والقوم أبناء القوم. أو باعتبار رضا هؤلاء بقتل أسلافهم للأنبياء فيحفظ عليهم إثمهم ونسب إليهم القتل باعتبار القبيلة والأسلاف. ففي الكافي بسند عن مروك عن رجل عن الصادق (ع) ان بين القائلين ان الله عهد إلينا وهم( الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ ) وبين القائلين للأنبياء خمسمائة عام «وأظن ان هذا التقدير على سبيل المثال في الكثرة أو ان الأصل الف وخمسمائة عام»


وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٧٩)ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٠)الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ

____________________________________

فألزمهم الله القتل برضاهم بما فعلوا ونحوه روايات العياشي عن سماعة وعن معمر وعن محمد بن هاشم عمن حدثه عن الصادق (ع). وفي الدر المنثور ذكر من اخرج عن الشعبي مثل ذلك وعن العلا بن بدر انه سأل عن نسبة قتل الأنبياء إليهم وهم لم يدركوا ذلك فقال بموالاتهم من قتل أنبياء الله( وَنَقُولُ ) لهؤلاء( ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ١٧٩ذلِكَ بِما ) اي بسبب ما( قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ ) بفتح الهمزة وتشديد النون( لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) أي وبأن الله لا يظلم عباده بعد ان اقتضت حكمته ورحمته ان يخلقهم مختارين في أفعالهم بأن لا يجعل لهم رادعا نوعيا عن الشر من النهي والوعيد والجزاء. أو بأن الله لا يظلم من له الحق بل لا بد من أن يجعل له ما يتشفى به من عقاب الجاني أو يعوضه عنه لكن الجاني هنا ليس أهلا للتعويض عنه. أو بأن الله ليس بظلام يساوي بين الأنبياء وقتلتهم في السلامة يوم القيامة والنجاة ١٨٠( الَّذِينَ ) بدل من «الذين» في الآية المتقدمة( قالُوا ) كذبا وافتراء( إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ ) الظاهر ان مرادهم من يدعي الرسالة لا من يعترفون برسالته ويعلقون الإيمان به على ما قالوه. بل قالوا «برسول» مداهنة ومغالطة في الكلام( حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ) ليدل ذلك باعجازه على صدقه في دعواه الرسالة. في تفسير القمّي كان عند بني إسرائيل طست كانوا يقربون القربان فيضعونه في الطست فيجيء نار فتقع فيه فتحرقه. وفي الدر المنثور عن ابن عباس في حديث فإذا تقبل منه أنزلت عليه نار من السماء فأكلته. وهذا وان كان قاصرا عن الحجية لكن ظاهر الآية يقارب الصراحة بأن أكل النار للقربان إنما هو من نحو المعجز الخارق للعادة لا من إحراق البشر له بالنار. وفي صحيح الكافي بسنده عن الباقر (ع) في قصة ابني آدم المذكورة في الآية الثلاثين من سورة المائدة كما عن العياشي في تفسيره قولهعليه‌السلام كان القربان تأكله النار. وفي الدر المنثور اخرج ابن جرير عن ابن مسعود عن ناس من الصحابة في حديث فنزلت النار فأكلت قربان هابيل. واخرج ابن جرير أيضا عن ابن عباس في حديث فجاءت النار فنزلت فأكلت الشاة : أقول وهذا غير مستحيل عقلا وان كان


خارقا للعادة(١) ١٨١( قُلْ ) يا رسول الله في بيان كذبهم في كلامهم من انهم يؤمنون بالرسول

__________________

(١) لكن صاحب المنار عدل عما ذكرناه من ظهور الآية المقارب للصراحة وفسرها بما حكاه عن استاذه من قوله يجوز وهو الأظهر أن يكون المعنى ان يفرض «أي في شريعته» علينا تقريب قربان يحرق فقد كان في احكام الشريعة عندهم أن يحرقوا بعض القربان بالنار انتهى والتلميذ قبل ذلك في استشهاده ذكر التسعة اعداد الأول من الفصل الأول من سفر اللاويين إلى ان قال فمن هنا تعلم انهم كانوا يوقدون النار بأيديهم ويحرقون بها القرابين ولكن اليهود كانوا يلقون إلى المسلمين اخبارا من خرافاتهم أو مخترعاتهم ليودعوها «يعني المسلمين» في كتبهم ويمزجوها بدينهم ولذا تجد في كتب قومنا من الإسرائيليات ما لا أصل له في العهد القديم ولا يزال يوجد فينا من يقدس كل ما روي عن اوائلنا في التفسير وغيره ويرفعه عن النقد والتمحيص ولا يتم تمحيص ذلك إلّا لمن اطلع على كتب بني إسرائيل انتهى فلينظر من الجزء الرابع من تفسيره في الصفحة ال ٢٦٧ و ٢٦٨ وليت شعري إذا كانت التوراة الرائجة تعلم منها الأمور ويستشهد بها كما استشهد وأن تمام التمحيص يكون لمن اطلع على كتب بني إسرائيل فلماذا لم يمحص آراء التجدد ويرفعها إلى النقد بما صرحت به هذه التوراة وكتب العهد القديم من نزول النار من السماء أو خروجها من الصخرة بالنحو المعجز الخارق للعادة فتحرق القربان وتأكله كما تذكر انه جرى هذا الخارق للعادة لموسى وهارون كما في العدد الرابع والعشرين من الفصل التاسع من سفر اللاويين. ولجدعون كما في العدد الحادي والعشرين من الفصل السادس من سفر القضاة. ولداود كما في العدد السادس والعشرين من الفصل الحادي والعشرين من سفر الأيام الاول. ولسليمان كما في العدد الأول من الفصل السابع من سفر الأيام الثاني. ولا يليا كما في العدد الثامن والثلاثين من الفصل الثامن عشر من سفر الملوك الأول.

ومما يلزم الالتفات إليه هو ان الآية والتي بعدها لا يخفى من سوقهما كما يقتضيه حال هؤلاء الكاذبين المكذبين المتمردين القائلين «ان الله عهد إلينا ان لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار» انهم يريدون بقولهم هذا ان يتعللوا ويستريحوا من دعوة الرسول بأن يعلقوا إيمانهم على أمر يعتقدون بعنادهم انه بعيد إذن فكيف يعلقونه على تشريع إحراق القرابين. فإنهم ان كانوا يعرفون انه رسول الله ويعاندون دعوته تعصبا لم يأمنوا ان يأتي في شريعته بإحراق القرابين وان كانوا يكذبونه لم يأمنوا ان يشرع بزعمهم كذبا ومصانعة لهم. وايضا ان الذي جاءهم وفرض عليهم تقريب قربان يحرق إنما هو موسى على ما تقول التوراة الرائجة ولم يقتل. والقرآن يقول ان الذين جاؤوا بقربان تأكله النار وقتلوهم هم رسل متعددون فلا مساغ لصرف الآية عن ظهورها ـ


(١٨١)قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٢)فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٣)كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٤)لَتُبْلَوُنَّ

____________________________________

الذي يأتيهم بما قالوه ودع كذبهم بأن الله عهد إليهم ما زعموه( قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي ) بالمعجزات( بِالْبَيِّناتِ ) الدالة على صدقهم في ادعائهم الرسالة ودعوتهم الصالحة( وَبِالَّذِي قُلْتُمْ ) من القربان الذي تأكله النار( فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ ) أي قتلهم اسلافكم والقوم أبناء القوم( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في زعمكم ان الله عهد إليكم وانكم تجرون على عهد الله وتتبعون البينات وعهد الله في الإيمان. هذا ولم اعرف من الحديث من هم الرسل الذين جاؤوا بقربان تأكله النار وقتلهم بنو إسرائيل ١٨٢( فَإِنْ كَذَّبُوكَ ) يا رسول الله مع ما جئت به من الحجج الباهرة والكتاب المنير فهذا دأب الضالين( فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ ) في حججهم والمعجزات( وَالزُّبُرِ ) قيل انها الكتب المشتملة على الحكم والمواعظ( وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ ) بشرائعه ومعارفه وحكمه ١٨٣( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) وفي ذلك تسلية لرسول الله والمؤمنين فإن دنيا هؤلاء الضالين فانية وليس عليكم من أوزارهم من شيء( وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) الخطاب للمؤمنين كما يتضح من الآية الآتية وفيه بشرى للمؤمنين بأن التوفية بالجزاء التام انما هي في الأجر واما جزاء ما يتفق من السيئات فهو معرض للمسامحة والتكفير والغفران لمن يشاء الله( فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ ) أي نخي عنها( وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ) وليس الإدخال في الجنة قيدا زائدا إذ لا واسطة بين الجنة والنار بل المراد انه من يزحزح عن النار يكون من أهل الجنة( فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا ) التي هي قبل الموت( إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ) أي متاع زائل يغتر به المغترون ١٨٤( لَتُبْلَوُنَ ) بلاه وابتلاه بمعنى واحد ويجيء في الخير والشر كما في سور الأعراف ١٦٧ والأنبياء ٣٤ والنمل ٣٩ والفجر ١٤ و ١٦ ومعناه ان يورد عليهم في هذه الحياة الدنيا تكاليف

__________________

الواضح. رقد الجاني الحال إلى ذكر هذا وأمثاله فإني رأيت بعض الناس يمشون في خوارق العادة وراء النزعة العصرية فتنبث من كلماتهم بذور سيئة في منابت السوء


فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٥)وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٦)لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا

____________________________________

على مقتضى المصالح وتعريضهم للسعادة ومقادير على حسب ما اقتضت الحكمة ان يقدر في هذه الدنيا الفانية من الأسباب. ويكون من غايات ذلك ان تظهر في الوجود اعمالهم في الطاعة والكمال أو في المعصية والشقاء( فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) أي مشركي العرب( أَذىً كَثِيراً ) من شر كلامهم كما يؤثر من كلام بعض اليهود وبعض المشركين وتحريضهم على حرب المسلمين( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ) وتمسكتم بالطاعة لله ولم تجزعوا جزعا يبلغ الإثم والأظهر ان يراد مطلق التقوى اللازمة كمطلق الصبر فيما يرد عليهم من التكاليف والمقادير وما يسمعونه من الأذى( فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) يقال عزم الأمر بنصب الأمر على المفعولية كقوله تعالى في سورة البقرة ٢٢٧( عَزَمُوا الطَّلاقَ ) و ٢٣٥ و( لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ ) ، والعزم يرجع إلى عقد الضمير والجزم في العمل والظاهر انه في الآية من اضافة المصدر إلى مفعوله وان المراد ان الصبر والتقوى يحتاجان إلى حزم وبصيرة وقوة في الإرادة ورسوخ في الفضيلة وثبات في الكمال تؤدي إلى العزم والجزم والعمل ١٨٥( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ) ومن ذلك بشراه برسول الله وقرآنه كما أشرنا إليه مرارا( فَنَبَذُوهُ ) القوه وطرحوه( وَراءَ ظُهُورِهِمْ ) كناية عن انهم اعرضوا عنه وتركوه ولم يعملوا به ولم يبينوه وعملوا به ما هو أشد من الكتمان( وَاشْتَرَوْا بِهِ ) واستبدلوا به( ثَمَناً قَلِيلاً ) من حطام الدنيا أو نزعات الأهواء( فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ) إياه ذلك الثمن الخسيس ١٨٦( لا تَحْسَبَنَ ) الضلال المضلين( الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا ) به( وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ) وهذه الصفة منهم تدل على انهم كانوا يفرحون بما أتوا به مما هو رياء أو تشريع فيزيدون على فساده برذيلة العجب. وروى في الدر المنثور في اسباب النزول ومعنى الآية ما الله أعلم به. والمفعول الثاني ل «تحسين» محذوف للتهويل ولأن يقدره


فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٧)وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٨)إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٨٩)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ

____________________________________

السامع بما يليق بهؤلاء من ذمهم. وهذا باب من أبواب البلاغة ذكرنا شواهده صفحة ٨١ و ٨٢ ثم فرع على ما أشير إليه من خستهم في الدنيا بعاقبتهم السيئة في الآخرة بقوله تعالى( فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ ) فسر المفازة في التبيان ومجمع البيان والكشاف بالمنجاة وذكر اللغويون في معاني الفوز النجاة( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) تأكيد في الأخبار بعذابهم والوعيد لهم ١٨٧( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي وما فيها من الموجودات وذلك يعم جميع العالم( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ١٨٨إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ) الذين يلتفتون بقلوبهم وعقولهم إلى ما في ذلك من وجوه الحكم الدالة على انها من صنع الإله الحكيم الواحد القادر وقد تقدم شيء من الإشارة إلى ذلك في الصفحة ١٤٣ و ١٤٤ وفي تفسير الآية السادسة والعشرين من هذه السورة ١٨٩( الَّذِينَ ) صفة لأولي الألباب( يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً ) جمع قائم وهو حال( وَقُعُوداً ) جمع قاعد وهو حال أيضا( وَ ) مضطجعين( عَلى جُنُوبِهِمْ ) إلى الدائبين في ذكر الله في جميع أحوالهم فعن امالي المفيد وأمالي الشيخ عنه بسند جيد عن الباقر (ع) لا يزال العبد في صلاة ما كان في ذكر الله قائما أو جالسا أو مضطجعا ان الله يقول وتلا الآية. وفي الكافي عن الباقر أيضا قال في الآية الصحيح يصلي قائما وقعودا «أي بالقيام والقعود كالقعود بين السجدتين وللتشهد والتسليم» والمريض يصلي جالسا وعلى جنوبهم المريض الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلي جالسا انتهى والمراد من ذلك بيان بعض المصاديق لكن في الدر المنثور مما أخرجه الفريابي وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود في الآية إنما هذا في الصلاة إذا لم يستطع قائما فقاعدا وإن لم يستطع قاعدا فعلى جنبيه( وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) وما في ذلك من عجائب الصنع وآثار القدرة والحكم الباهرة معتبرين بذلك وموقنين انه من صنع الإله القادر الحكيم شاهدين ومعترفين لله


رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩٠)رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩١)رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٢)رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا

____________________________________

وعابدين له بشهادتهم واعترافهم قائلين( رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا ) المخلوق( باطِلاً ) وأنت العليم الحكيم( سُبْحانَكَ ) تقديسا وتنزيها لك( فَقِنا عَذابَ النَّارِ ) ولعل ذلك من أجل ما يشاهدونه من الحكمة وآثار العظمة وعظيم النعمة على الإنسان فيأخذهم الخوف من التقصير في طاعة الإله وعبادته وشكر نعمه فيسألون منه التوفيق الذي يقيهم عذاب النار معترفين بأن في دخول النار خزيا وفصيحة تكشف عن خبث وسوء اعمال ١٩٠( رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ) في الكشاف أي أبلغت في اخزائه ونحوه في كلامهم من أدرك مرعى الضمان فقد أدرك. ومن سبق فلانا فقد سبق. وهو حسن. وعليه يخرج ما أخرجه ابن جرير والحاكم عن جابر قوله «وما أخزاه الله حين أحرقه بالنار وإن دون ذلك خزيا» بأن يكون المراد ما أحدث اخزاءه حين أحرقه بالنار بل الاخزاء بدخولها أشد أقسام الاخزاء وأفظعها( وَما لِلظَّالِمِينَ ) اي هؤلاء الذين يدخلون ويخزون وأشير إليهم بهذه الصفة بيانا لأنهم ظلموا أنفسهم إذ أوقعوها بكفرهم وعصيانهم في استحقاق النار( مِنْ أَنْصارٍ ) ومن ذا الذي ينصرهم على الله ١٩١( رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ ) أي سمعنا ما نادى به وهو معنى قوله( أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ ) خالقكم ومربيكم ومدبر أموركم( فَآمَنَّا ) في مجمع البيان عن ابن عباس وابن مسعود المنادي هو رسول الله (ص) وبذلك فسره القمي. وفي الدر المنثور عن محمد بن كعب القرطي «هو القرآن ليس كل الناس يسمع النبي «ص» وكأنه رأي منه فهو مردود عليه بأن المسموع ما نادى به وهو ما يعم حكاية دعوته كقوله في سورة التوبة ٦( حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ) ولو أبقى المنادي على إطلاقه لينطبق على جميع الرسل وتشمل الآيات كل ما تنطبق عليه من مؤمني الأمم لكان انسب بسياق الآيات وربما يشهد له قوله تعالى في الآية الآتية( عَلى رُسُلِكَ رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا ) اي ولنكن عند أخذك لنا( مَعَ الْأَبْرارِ ) وفي زمرتهم ١٩٢( رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا ) اي وفقنا للايمان والتقوى والعمل الصالح لنكون أهلا لما وعدتنا


عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٣)فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أو أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٤)لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٥)مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ

____________________________________

به ان آمنا واتقينا فإن وعد الله كما في القرآن مشروط بالموافاة على الإيمان والتقوى( عَلى رُسُلِكَ ) جيء بكلمة «على» للاشارة إلى ان الوعد هو وحي منزل من الله على رسله في بشرى المؤمنين المتقين أي وآتنا ما أنزلته على رسلك من وعدك لنا في جملة من آمن واتقى وعمل صالحا( وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ) قالوا ذلك تمجيدا لله واعترافا بقدسه ١٩٣( فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي ) بفتح الهمزة أي بقوله اني محذوف القول لظهور الكلام وناب معنى المقول في دخول الباء عليه( لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ ) أي أجيب دعاءكم وأعطيكم ما وعدتكم على شرطه فإن تقواكم وعملكم للصالحات يؤهلكم للثواب وغفران الذنوب وتكفير السيئات( مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أو أُنْثى ) «من» لبيان جنس العامل( بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) أي من جنس بعض في صفة الايمان والطاعة والعمل فكيف يضيع عمل بعضكم فليعمل كل منكم للجزاء. وفي هذا حث على العمل وزاده بيانا بقوله تعالى( فَالَّذِينَ هاجَرُوا ) من ديارهم لما نالهم من الأذى في سبيل الإيمان والنصرة لدعوة الحق( وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا ) جرى التنصيص على ذلك لأنّه من أفضل الأعمال وللدلالة على انه كله بعين الله( لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللهِ ) صرح باسم الثواب والجزاء على العمل لأنّه أكمل في اللذة وصرح باسم الجلالة تنويها بشرف الثواب وكرامته وعظمه( وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ ) برحمته الواسعة وقدرته التامة ١٩٤( لا يَغُرَّنَّكَ ) خطاب للرسول والمعنى به غيره أو لغيره( تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ) ممتعين بالصحة والامهال فإنه ١٩٥( مَتاعٌ قَلِيلٌ ) في مدته القصيرة أيّام حياتهم( ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ) الممهد لهم بكفرهم وسوء اعمالهم ١٩٦( لكِنِ ) استدراك من سوء حال الكافرين ووعيدهم بذكر سعادة


(١٩٦)لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٧)وَإِنَّ مِنْ أهل الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٨)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

____________________________________

المتقين وبشراهم( الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ) حال كونها( نُزُلاً ) والنزل بضمتين ما أعد للضيف وإكرامه من قرى ومنزل وفي ذلك الكرامة العظيمة والبهجة الكبيرة إذ كانت نزلا لهم لكرامتهم( مِنْ عِنْدِ اللهِ ) ويا لها من حظوة( وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ١٩٧وَإِنَّ مِنْ أهل الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) بنزوله على رسول الله ولازمه الإيمان برسوله وقيل إليكم باعتبار ابتداء الدعوة بهم وإلّا فهو منزل لكل البشر في دعوتهم إلى السعادة ودين الحق وشريعته( وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ) بنزوله على أنبيائهم يؤمنون حال كونهم( خاشِعِينَ لِلَّهِ ) مر ذكر الخشوع في صفحة ٩٠( لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) فلا تأخير في توفيتهم أجورهم يوم الجزاء ١٩٨( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ) على ما يحمد الصبر عليه وفيما يحمد فيه وان فسر فيما جمعه تفسير البرهان والدر المنثور من الأحاديث ببعض المصاديق لما أمر بالصبر عليه أو فيه( وَصابِرُوا ) من باب المفاعلة ومقابلة الصبر بالصبر ويفهم من المقام زيادة الصبر في مقام المقابلة( وَرابِطُوا ) الذي يتحصل من الأحاديث التي أشرنا إليها في تفسيري البرهان والدر المنثور أنَّ المرابطة هنا ليس على المعنى المترائى من المفاعلة بل هي مثل عاين وسافر وضاعف فتكون هنا بمعنى اثبتوا وواظبوا ولازموا( وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) أي لغاية ان تفلحوا. وقيل «لعلكم» لأن الفلاح غير لازم لمجرد ان تحصل هذه الأمور بل شرطه الاستمرار عليها مع الإيمان الصحيح إلى الموت

وفقنا الله وجميع المؤمنين لذلك وثبتنا عليه انه ارحم الراحمين وخير المسؤولين.

تمَّ الجزء الأوّل من التفسير «آلاء الرحمن» والحمد لله والشكر كما هو أهله

ويتلوه الجزء الثاني إن شاء الله أوله سورة النساء


فهرست مصنفات المفسِّر

المطبوع منها : (١) في التفسير هذا الجزء الأول (وفي الفقه) (٢) تعليقه على مباحث البيع من مكاسب المرحوم آ ية الله الأنصاري (٣) بعض العقود المفصلة في حل المسائل المشكلة. ومنها عقد في العلم الاجمالي وحاله مع الأصول (وفي الدين وقمع الاهواء) (٤) كتاب الهدى إلى دين المصطفى جزء آن (٥) انوار اله دى (٦) نصائح الهدى (٧) الرحلة المدرسية والمدرسة السيارة ثلاثة أجزاء ، وترجمة بعضها بالفارسية ثلاثة أجزاء أيضا (٨) أعاجيب الأكاذيب ، وترجمته بالفارسية (٩) رسالة التوحيد والتثليث (١٠) أجوبة المسائل البغدادية (١١) الرسالة الأولى في نقد الفتوى بهدم القبور الشريفة في الحرمين (١٢) الثانية أيضا في هذا الموضوع (١٣) البلاغ المبين في الإلهيّة. (١٤) المصابيح في بعض من أبدع في الدين في القرن الثالث عشر (١٥) مختصر بالانكليزية في أنّ وضوء الإماميّة وصلاتهم وصومهم هي بحسب أدلة الإسلام تكون على الوجه الأحوط والاقرب إلى اليقين بالبراءة من سائر اقوال المسلمين.

وأمّا كتبه التي لم تطبع إلى الآن : فهي في الفقه (١٦) الأصل العربي لهذا المترجم بالانكليزية (١٧) تعليقة بحثية علمية على الجزء الأول من العروة الوثقى (١٨) في التقليد، لم يتم (١٩) في صلاة الجمعة لمن سافر بعد الزوال (٢٠) في الخيارات لم يتم (٢١) رسالة فتوائية في مسائل الرضاع على مذهب الإمامية والمذاهب الاربعة لأهل السنة (٢٢) في المتمم كرا (٢٣) في الغسالة (٢٤) في حرمة مس القر آ ن على المحدِثْ (٢٥) في ذكر ما يدل على مذهب الإمامية في الأحكام الشرعية زيادة على أدلتهم القيمة وذلك مما جاء في أحاديث أهل السنة كتب منه مباحث الطهارة وكثير من مباحث الصلاة ثم انشغل عنه بما هو أهم في نظره (٢٦) في القبلة وفي مواقع البلدان في المسكونة بالنسبة إلى مكّة المعظمة بحسب الاختلاف في الطول والعرض. وأوضح أثناء ذلك بعض الخطأ في الاعتماد على التقويم القديم. وعاقه فقدان بعض ال آلات عن إتمام الكتاب ببيان الانحراف لكل من البلدان عن مكّة ومقداره (٢٧) في مواقيت الإحرام ومحاذاتها من الطرق إلى مكّة براً وبحراً مع تشكيل الطرق المذكورة وموازين مسافتها وتعيين مواضع المحاذاة للميقات (٢٨) في منجّزات المريض (٢٩) في اقراره (٣٠) في الرضاع (٣١) تعليق على كتاب الشفعة من جواهر الكلام (٣٢) في العول والتعصيب كتبه في شبابه (٣٣) في ذبائح أهل الكتاب (٤٣) في حرمة حلق اللحية (٣٥) في الزام المتدين بما عليه في احكام دينه بتحرير وجمع وتفريع لم يسبقه إليه.

في أصول الفقه : (٣٦) رسالة في الأوامر.

كتبه المتنوعة في غير الفقه : (٣٧) رسالة في شأن التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري (ع) (٣٨) داعي الإسلام وداعي النصارى


(٣٩) في الرد على جرجيس سايل. وهاشم العربي (٤٠) في الرد على كتاب تعليم العلماء (٤١) الشهاب في الرد على كتاب حياة المسيح لبعض القاديانيين (٤٣) في الرد على كتاب ينابيع الإسلام لبعض النصارى وله رسائل كثيرة متنوعة يبلغ مجموعها مجلدا ضخما. وهي في أجوبة المسائل الواردة إليه من البلدان فيما يعود إلى اصول الدين في الإلهيّات والنبوّة والمعراج. والإمامة والمهدي (ع) وما يتعلق بذلك. وفي الرد لشبهات بعض النصارى

وقد كان ملتزما بأن لا يكتب اسمه في مطبوعات كتبه لبعض الأمور. وحذرا من أن يختلسه الرياء ونخوة التبجج. ولكن بعض الأمور ألجأته بعد ذلك إلى كتابه اسمه.

فهرست الجزء الأول من كتاب آلاء الرحمن في تفسير القرآن

صفحة

صفحة

٣

في المعجز ووجه شهادته

٢١

الرجم. والشيخ والشيخة فارجموهما

٤

حكمة تنوع المعجز وكونه للعرب هو القر آن

٢٣

حكاية سورتي القنوت

٥

امتیاز القرآن عن غیره من المعجزات

٢٤

حكاية دبستان المذاهب

٧

تعجیزه للعرب بطلب معارضته وعجزهم

٢٥

قول الإمامية بعدم النقيصة في القر آن

٩

اعجازه من وجهة التاريخ وحال العهدين فيها

٢٦

کتاب فصل الخطاب. ونقده

١١

اعجاز من وجهة الاحتجاج. وحال الاناجيل فيها

٢٩

قراءة القر آن. والقراآ ت السبع وقراؤها وروائها روايات السبعة أحرف

١٢

اعجازه من وجهة الاستقامة والسلامة من الاختلاف والتناقض. وحال العهدين في ذلك

٣٠

وما جاء في بعضها من الغرائب

١٣

اعجازه من وجهة التشريع العادل. ونظام المدنية وحال العهدين في ذلك

٣٢

في تفسيره. واللغويين

١٤

اعجازه من جهة الأخلاق. وحال العهدين فيها

٣٣

الاضطراب في معنى التوفي. وما هو التحقيق فيه

١٥

اعجاز من وجهة علم الغيب. وحال الاناجيل فيها

٣٦

آ ية تنوء بالعصبة

١٧

في جمع القر آ ن في مصحف واحد

٣٧

مجازات القر آ ن. واسلوبه. وخبط المولدين في اللغة العربية

١٩

اضطراب الروايات في جمعه

٣٨

لا اقسم. وما وقع للكشاف وغيره فيها وما زعموه من زيادة «لا»

بعض ما الصق بكرامة القر آن

٣٩

لئلا يعلم. ان لا تسجد. ان لا تتبعني

حکایة الوادي والواديين

٤٠

لا يرجعون. لا يأمركم


صفحة

صفحة

٤١

فلا وربك. والكشاف

٦٠

الاستشفاع إلى الله بالمقربين

دعوى زيادة الواو

٦١

الاستشفاع بالمقربين من الأموات

مجازات القر آن ، المراد من الاضلال المنسوب إلى الله. وقرائن التجوز

بقاء النفس بعد الموت

٤٢

فيه من المحكمات

٦٢

الشفاعة

على العرش استوى. والظاهرين

٦٣

اهدنا الصراط المستقيم

٤٣

النبهاني. ابوحيان. الشهرستاني

٦٤

سورة البقرة والمتقين

ابن تيمية والعرش

٦٥

الموقنون بال آ خرة. والمفلحون

حديث الثقلين. وتواتره

٦٦

الخذلان. ختم الله على قلوبهم

٤٤

رواته من الصحابة

٦٧

الجبر والاختيار

٤٥

استدرك الحاكم على البخاري ومسلم

٦٩

في المنافقين

محمد بن سلمة. الجوزجاني. ابن عدي

٧٠

يخادعون الله. في قلوبهم مرض

الرجوع في التفسير إلى امثال عكرمة ومجاهد

٧١

في احوال المنافقين

٤٦

احوالهم في كتب الرجال. وخرافة الغرانيق

٧٢

مثلهم في الإسلام كمثل الذي استوقد نارا

٤٧

التردد في الوقف

٧٤

مثل الإسلام معهم كصيب من السماء

٤٨

مركز التعقل. والقلب. والدماغ

٧٥

تتمة المثل. يا ايها الناس اعبدوا.

٤٩

ما يحضرني من الكتب

الامتنان بل الاحتجاج بما خلق الله للانسان

٥٠

سورة القاتحة. تسميتها. محل نزولها

٧٦

والنهي عن جعل الانداد

٥١

بسملتها. الجهر بها. اعرابها

الاحتجاج على الرسالة باعجاز القر آن

٥٢

خلق القر آن. الرحمن

٧٧

بشرى المؤمنين

٥٣

الرحیم

٧٨

لا يستحي ان يضرب مثلا ما

٥٤

الحمدلله

٧٩

الذين ينقضون عهد الله

٥٥

رب العالمين. مالك يوم الدين

٨٠

كيف ينقضون عهد الله

٥٦

اياك نعبد واياك نستعين

٨١

والاحتجاج بخلق ما في الأرض. والسماوات

٥٧

العبادة ودسائس التحزّب في معناها

تنبيه في الحذف في العربية

٥٨

تفسير العبادة ومحمد عبده

٨٢

إخبار الملائكة بخلق البشر

٥٩

حصر الاستعانة بالله

٨٣

وسؤالهم عن الحكمة

٨٤

علم آ دم الأسماء. انبأهم بأسمائهم


وما هي الأسماء

١٠٥

في الرسل بعد موسى

٨٥

السجود ل آ دم. كفر ابليس

١٠٦

رسول الله والقر آن ، كان اليهود يستفتحون برسول الله

نهي آ دم وحوا عن الأكل من الشجرة

١٠٧

بئس ما اشتروا

٨٦

اذلهما الشيطان

١٠٨

اشربوا العجل

٨٧

اهباطهم إلى الأرض. توبة آ دم

١٠٩

تمنوا الموت ، لو بعد رد

الكلمات محمد (ص) علي وفاطمة والحسنان(ع)

١١٠

عدوّاً لجبريل

٨٨

خطاب بني اسرائيل وتذكيرهم والوفاء بعهد الله

١١١

هاروت وماروت

٨٩

آ منوا بما انزلت مصدقا

١١٣

الإيمان والتقوى

٩٠

واستعينوا بالصبر والصلاة

علي (ع) اميرالمؤمنين

الذي يظنون انهم ملاقوا ربهم

راعنا في العبرانية

٩١

واتقوا يوما لا تجزي ، تذكير بني اسرائيل بنجاتهم من آل فرعون

١١٤

ما ننسخ من آ ية أو ننسها

٩٢

فرقنا بکم البحر ، اتخذتم العجل

١١٦

تحذير المؤمنين من أهل الكتاب

٩٣

فتوبوا. واقتلوا انفسكم

١١٧

اليهود والنصارى يذم بعضهم بعضا

٩٤

نرى الله جهرة، ثم بعثناكم، الغمام، المن والسلوى

١١٨

منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه

٩٥

ادخلوا هذه القرية. وقولوا حطة

١١٩

اينما تولوا وجوهكم فثم وجه الله

الخمر والتوراة الرائجة

١٢٢

ابراهيم والكلمات. والإمامة

٩٦

اضرب بعصاك الحجر

١٢٤

البيت مثابة وأمن

لن نصبر على طعام واحد

١٢٥

مقام ابراهيم

٩٧

ضربت عليهم الذلة ، الذين هادوا والنصارى والصابئين

١٢٧

مكة حرم آ من

٩٩

الطور ، كونوا قردة

١٢٨

دعوة إبراهيم واسماعيل بالإسلام وببعثه الرسول من ذريتهما

١٠٠

١٠٢

قصة ذبح البقرة وتمرّدهم

تحريف اليهود ونفاقهم

١٢٩

اصطفاء ابراهيم. اسلامه. وصيته به

١٠٣

في أهل الكتاب

١٣٠

في أهل الكتاب والإيمان

١٣١

صبغة الله

١٣٢

في تحويل القبلة إلى الكعبة

١٣٣

أمة وسطا


صفحة

صفحة

١٣٤

وما جعلنا القبلة ، وانها لكبيرة

١٦٤

لاتأكلوا اموالكم بالباطل

١٣٥

تحويل القبلة إلى الكعبة

١٦٤

يسألونك عن الأهلة

١٣٧

اهل الكتاب ، ولكل وجهة

قاتلوا في سبيل الله

١٣٨

فاستبقوا الخيرات. والتوجه إلى الكعبة

١٦٦

الشهر الحرام بالشهر الحرام

١٣٩

في الاستقبال ، رسولا منكم

١٦٨

اتموا الحج والعمرة لله

١٤٠

استعينوا باصبر والصلاة ، في الصابرين

١٧٠

حج التمتع

١٤١

الصفا والمروة ، فمن تطوع خيرا

١٧٣

الهدي. بدله. أيّام التشريق

١٤٢

يكتمون ما أنزل الله ، في التوحيد

١٧٤

حاضري المسجد الحرام

١٤٣

آیات خلق السماوات وال أرض. والفلك والمطر والرياح

١٧٥

الحج اشهر معلومات

١٤٥

اتخاذ الشركاء ، تبري المضل من الضال

١٧٧

لارفث ولافسوق ولا جدال

١٤٦

اماني تابعيهم ، كلوا مما في الأرض

١٧٩

افضتم من عرفات

١٤٨

تحريم الخبائث ، فمن اضطر غير باغ

ثم من حيث افاض الناس

١٤٩

يكتمون ما أنزل الله

١٨١

اذكروا الله في أيّام معدودات

١٥٠

ليس البر. ولكن البر من آ من بالله

١٨٢

التكبير في أيّام التشريق

١٥١

في القصاص ومسائله

التعجل لاتمام الحج في النفر الأول

الوصية للوالدين والأقربين

١٨٣

ليفسد فيها ، العزة بالاثم

١٥٥

من خاف من موص جنفا

يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله

١٥٦

فرض الصيام على المسلمين

اميرالمؤمنين ومبيته على فراش الرسول

١٥٧

من كان مريضا اوعلى سفر

١٨٦

ادخلوا في السلم كافة

وعلى الذين يطيقونه فدية

١٨٨

زين للذين كفروا

١٥٩

لا صوم في السفر

١٨٩

كان الناس أمة واحدة

١٦٠

شهر رمضان. المريض والمسافر

١٩١

ام حسبتم ان تدخلوا الجنة

يريد الله بكم اليسر

يسألونك ماذا ينفقون

١٦٢

الرفث إلى نسائكم

١٩٢

كتب عليكم القتال

١٦٣

الفجر، والليل وقت الافطار

يسألونك عن الشهر الحرام

١٩١

يسألونك عن الخمر والميسر

١٩٥

ويسألونك ماذا ينفقون


صفحة

صفحة

١٩٦

ويسألونك عن اليتامى

٢٢٣

فلما فصل طالوت بالجنود

ولا تنكحوا المشركات

٢٢٤

احوال المؤمنين من الجنود

١٩٨

ويسألونك عن المحيض

٢٢٥

داوود وجالوت. دفع الله الناس بعضهم ببعض

١٩٩

نساؤكم حرث لكم

تكليم الله لرسوله

٢٠١

ولا تجعلوا الله عرضه لإيمانكم

٢٢٦

اختلاف أمم الأنبياء

٢٠٢

في الايلاء

٢٢٧

آ ية الكرسي

٢٠٣

عدة المطلقة. القرء. لا يكتمن

٢٢٨

الكرسي. لا اكراه. الطاغوت

٢٠٤

الرجوع في العدة

٢٣٠

الذي حاج ابراهيم. النمرود

٢٠٥

الطلاق مرتان

٢٣١

اماته مائة عام. والمنار

٢٠٦

في الخلع

٢٣٢

كيف يحيي الموتى. اربعة من الطير

٢٠٧

طلاق الثلاث ، من احكام المطلقات

٢٣٣

انبتت سبع سنابل

٢٠٨

حرمة عضل المطلقات

٢٣٤

لا تبطلوا صدقاتكم. صفوان

٢٠٩

الوالدات واحكام الارضاع

٢٣٥

كمثل حبة بربوة

٢١١

عدة الوفاة

٢٣٦

فاحترقت

٢١٢

التعريض بالخطبة فيها

انفقوا - ولا تيممو الخبيث

٢٠٣

الطلاق قبل الدخول

٢٣٧

الشيطان يعدكم الفقر

٢١٥

حافظوا على الصلوات

٢٣٨

الحكمة ـ ابداء الصدقات

الصلاة الوسطى

٢٣٩

الانفاق ـ للفقرا. الذين احصروا

٢١٦

صلاة الخوف

٢٤٠

لا يسألون الناس الحافا

٢١٧

الوصية للمطلقات والمتاع

٢٤١

علي أمير المؤمنين (ع)

٢١٨

قال لهم موتوا ثم احياهم

٢٤٢

في الربا

بعض المفسرين المصريين

٢٤٣

حرمته والحث على التوبة منه

٢١٩

من ذا الذي يقرض الله

٢٤٦

في امهال المعسر

٢٢٠

بنو اسرائيل. اجعل لنا ملكا

٢٤٧

كتابة الدين واحكامه

٢٢١

طالوت. آ ية ملكه

٢٥٠

الرهن واداء الأمانة

تاريخ الطنطاوي

٢٥٠

كتمان الشهادة

٢٢٢

التابوت تحمله الملائكة

٢٥٣

سورة آل عمران


صفحة

صفحة

٢٥٤

تصویر الإنسان

٢٨٤

كلامه في المهدي. سؤال مريم

٢٥٥

المحكات. ام الكتاب. المتشابهات

٢٨٥

معجزات مريم

٢٥٦

الراسخون في العلم يعلمون التأويل

٢٨٦

المسيح وبنو اسرائيل الحواريون

٢٥٩

لن تغني عنهم من الله

٢٨٧

ومكروا ومكر الله

٢٦٠

الكشاف. المغني. تفسير المنار

حكمة التشبيه بالمسيح

٢٦١

الإشارة إلى غزوة بدر

٢٨٨

اني متوفيك

٢٦٢

من هو المزين لحب الشهوات

٢٨٩

مثل عيسى عند الله

٢٦٤

بعض صفات المتقين

٢٩٠

آ ية المباهلة

شهد الله ـ واولو العلم

٢٩١

حديث المباهلة : أهل البيت

٢٩٥

ان الدين عند الله الإسلام

٢٩٢

علي (ع) نفس رسول الله (ص).

٢٦٦

فإن حاجوك

ابن تيمية

٢٦٨

يدعون إلى كتاب الله

٢٩٣

محمد عبده وكلامه الغريب

٢٦٩

قل اللهم مالك الملك

٢٩٥

تعالوا إلى كلمة سواء

٢٧١

تولج الليل في النهار و ـ

٢٩٦

لم تحاجون في ابراهيم

٢٧٢

تخرج الحي من الميت ـ

٢٩٧

ما كان إبراهيم يهوديا و ـ

٢٧٣

ان تخفوا ما في صدوركم

٢٩٨

اهل الكتاب. وطائفة منهم

٢٧٤

يوم تجد كل نفس

٢٩٩

ومن أهل الكتاب

٢٧٥

اتباع الرسول. والطاعة

٣٠٠

اوفي بعهده

٢٧٦

اصطفى آ دم ونوحا ـ

٣٠١

النبي لا يدعي الإلهية

٢٧٩

الحمل بمريم ووضعها

٣٠٢

الأناجيل والمسيح. الربانيين

٢٨٠

كفالة زكريا. رزقا. الزهراء

٣٠٣

ميثاق النبيين

دعا زكريا. بشراء بيحيى

٣٠٤

الميثاق ودخول اللام في جوابه

٢٨١

استفهام زكريا. طلبه ال آ ية

٣٠٥

الإيمان بالرسول ونصره

٢٨٢

اصطفاء مريم

٣٠٦

وله أسلم = طوعا وكرها

فاطمة (ع) سيدة نساء العالمين

٣٠٧

الإيمان بالله والنبيين

٢٨٣

بشرى مريم بالمسيح

٣٠٨

في التوبة

٣٠٩

الذين ماتوا وهم كفار


صفحة

صفحة

٣١٠

لن تنالوا البر. كل الطعام كان حلا

٣٤٢

الانفاق. كظم الغيظ

٣١٣

بكّة والبيت الحرام

٣٤٣

العفو. ذكرو الله

٣١٤

آ يات البيت. مقام ابراهيم

٣٤٤

ومن يغفر. قد خلت سنن

٣١٥

صاحب المنار. والطنطاوي

٣٤٥

لاتهنوا. المنار. انتم الأعلون.

٣١٦

حج البيت والاستطاعة

٣٤٦

ان يمسسكم. نداولها

٣١٨

يا أهل الكتاب لم تصدون

٣٤٧

ليعلم. ليمحص. ام حسبتم.

٣١٩

تبغونها عوجا

٣٤٨

علي وصبره ومواساته

٣٢٠

تحذير المؤمنين من المضلين

٣٤٩

لاسيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلاعلي.

الاعتصام بالله

التشيع

٣٢١

حق تقاته

٣٥١

الطنطاوي. تمنون الموت

٣٢٢

اعتصوا بحبل الله

٣٥٢

وما محمد (ص). وما كان لنفس ان تموت

٣٢٣

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

٣٥٣

وكأين. ربيون كثير

٣٢٦

تبيض وجوه وتسود وجوه

٣٥٤

فما وهنوا

٣٢٧

كنتم خير امة

٣٥٦

ما لم ينزل. ولقد صدقكم

٣٣٠

لن يضركم إلّا أذى

٣٥٧

تحسونهم إذا فشلتم

٣٣١

ضربت عليهم الذلة. ليسوا سواء

٣٥٨

تصعدون. غما بغم

٣٣٢

امة قائمة يتلون

٣٥٩

أمنة نعاسا

٣٣٣

لن تغني عنهم اموالهم. والصّر

٣٦٠

تولوا منكم

٣٣٤

احوال المنافقين

٣٦١

فبما رحمة. عدم زيادة «ما»

٣٣٥

ذات الصدور

٣٦٣

اتبع رضوان الله

٣٣٦

ان تمسكم حسنة تسؤهم

٣٦٤

هم درجات. رسولا من انفسهم

٣٣٧

واقعة احد. همت طائفتان

٣٦٥

اصبتم مثليها

٣٣٨

الطنطاوي. نصركم الله ببدر

٣٦٦

اقوال المنافقين

٣٣٩

من فورهم. يمددكم. مسومين

٣٦٧

يستبشرون. الذين استجابوا

٣٤٠

إلا بشرى. ليقطع. ليس لك

٣٦٨

للذين احسنوا منهم. الكشاف وغيره

٣٤١

او يعذبهم. دعا النبي (ص)

والمنار واستاذه

٣٤٢

عرضها السماوات والأرض

٣٦٩

جمعوا لكم. زادهم ايمانا


صفحة

صفحة

٣٧٠

فانقلبوا بنعمة... واتبعوا رضوان الله. الشيطان يخوف أولياءه

كل نفس ذائقة الموت

٣٧١

لايحزنك. اشتروا الكفر بالإيمان

٣٧٩

لتبلون. ميثاق الذين أوتوا الكتاب.لاتحسبن الذين يفرحون.

٣٧٢

إنما نملي لهم

٣٧٣

ما كان الله ليذر ، حتى يميز

٣٨٠

الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم

٣٧٤

ف آ منوا بالله ورسله. ولا تحسبن الذين يبخلون

٣٨١

قولهم سمعنا مناديا ينادي للإيمان ، دعاؤهم

٣٧٥

الذين قالوا إن الله فقير وقتلهم الأنبياء

٣٧٢

استجابة دعائهم. الذين هاجروا. في الذين كفروا

٣٧٦

الله ليس بظلام للعبيد. قربان تأكله النار

٣٨٣

في المتقى. أهل الكتاب. اصبروا وصابروا

٣٧٧

صاحب المنار وأستاذه

انتهاء الجزء الأول

٣٧٨

قد جاءكم رسل من قبلي. فإن كذّبوك

٣٨٤

فهرست مصنفات المفسر


الفهرس

الفصل الأوّل في إعجازه ٣

وجه شهادة المعجز٣

توضيح ذلك ٣

حكمة تنوع المعجز٤

حكمة كون المعجز للعرب هو القرآن ٤

إمتيازه عن غيره من المعجزات ٥

إعجازه من وجهة التاريخ ٩

إعجازه في وجهة الاحتجاج ١١

إعجازه من وجهة الاستقامة والسلامة من الاختلاف والتناقض١٢

إعجازه في وجهة التشريع العادل ونظام المدنيّة١٣

اعجازه من وجهة الأخلاق ١٤

اعجازه في وجهة علم الغيب ١٥

الفصل الثاني في جمعه في مصحف واحد ١٧

اضطراب الروايات في جمع القرآن ١٩

بعض ما الصق بكرامة القرآن الكريم ١٩

الأمر الرابع ٢٣

الأمر الخامس ٢٤

قول الإمامية بعدم النقيصة في القرآن ٢٥

الفصل الثالث في قراءته٢٩

الفصل الرابع في تفسيره٣٢

المقام الثاني ٣٧

المقام الثالث ٤٣

المقام الرابع ٤٨

فاتحة الكتاب ٥٠


تسميتها٥٠

بركتها٥٠

محل نزولها٥٠

بسملتها٥٠

الجهر بالبسملة٥١

اعراب البسملة٥١

خلق القرآن ٥٢

العبادة٥٧

حصر الاستعانة بالله جلّ اسمه٥٩

الاستشفاع إلى الله ٦٠

الاستشفاع بالمقربين من الأموات ٦١

بقاء النفس بعد الموت ٦١

الشفاعة٦٢

سورة البقرة٦٣

سورة آل عمران ٢٥٣

فهرست مصنفات المفسِّر٣٨٤

فهرست الجزء الأول من كتاب آلاء الرحمن في تفسير القرآن٣٨٥