الـمُنتخب في جمع المراثي والخطب المشتهر بـ (الفخري)
التجميع الإمام الحسين عليه السلام
الکاتب الإمام الكبير والـمُصنّف الشّهير الشّيخ فخر الدّين الطريحي النّجفي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

المنتخب للطريحي

ال ـ مُنتخب

في جمع المراثي والخطب



الـمُنتخب

في جمع المراثي والخطب

المشتهر بـ (الفخري)

تأليف

الإمام الكبير والـمُصنّف الشّهير الشّيخ

فخر الدّين الطريحي النّجفي الـمُتوفى سنة : ١٠٨٥


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كلمةُ المؤلّف :

الحمدُ لله الذي جعل الدُّنيا جنّة لأعدائه ، وسجناً ومحنة لأوليائه وأحبائه ؛ ليبلوهم فيها بالاكتئاب ، ويجازيهم من الثّواب والعقاب ، والصّلاة والسّلام على مُحمّد وآله الأكرمين الأنجاب، وعلى مَن سلك سبيلهم من التّابعين والأصحاب.

وبعد : فيقول الفقير إلى الله , فخر الدّين بن مُحمّد عليّ بن أحمد بن عليّ بن أحمد بن طريح النّجفي ، إنّي مورد في هذا الكتاب , ما استطرفته من فضائل أهل البيت (عليهم‌السلام ) ومراثيهم ، وذكر مصائبهم وتعازيهم ، وجعلته مُرتّباً على عشرين مجلساً وأبواباً ، طالباً بذلك الرِّضا وجزيل الثّواب من الكريم الوهّاب ، وسمّيته بكتاب : (الـمُنتخب) في جمع المراثي والخُطب.

وها أنا ذا أشرع وأقول , والله الثّقة والمأمول :


المجلس الأوّل

في الليلة الأولى من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

البابُ الأوّل

أيّها المؤمنون الـمُخلصون والاُمناء الصّالحون : اعلموا إنّ الله عزّ وجلّ قد ابتلى ابن بنت نبيّه وأهل بيته (عليهم‌السلام ) , بمصائب جليلة ورزايا عظيمة وبلايا جسيمة , لم يبتل بها أحد من نبيّ أو وليّ أو شريف أو دنيّ من ؛ القتل والصّلب والحرق والضّرب , والغيلة والحبس والسّبي والخلس , وضروب النّكال والوبال ، حتّى بنوا عليهم الأبنية وضيّقوا عليهم الأودية , فتفرّقوا في البلاد , وتركوا الأهل والأولاد , وكتموا الأنساب من الأحباب ؛ خوفاً من الأعداء والطّلاب ، ولم يزل السّيف يقطر من دمائهم , والسّجون مشحونة بأحرارهم وإمائهم , ولله درّ مَن قال من الرّجال :

ولقد بكيت لقتل آل محمّد

بالطف حتّى كل عضو مدمع

عفرت بنات الأعوجية هل درت

ما يستباح بها وماذا يصنع

وحريم آل محمّد بين العدى

نهباً تقاسمها اللئام الوضع

تلك الضعائن كالإماء متى تُسق

يعنف بهن وبالسياط تقنع

من فوق أقتاب المطى يشلها

لكع على حنق وعبد أكوع

مثل السبايا بل أذل يشق منهن

الخمار ويستباح البرقع

فمضفد في قيده لا يفتدى

وكريمة تسبى وفرط ينزع

تالله لا أنسى الحُسين وشلوه

تحت السنابك بالعراء موزع


متلفعاً حمر الثياب وفي غد

بالخضر من فردوسها يتلفع

تطأ السنابك صدره وجبينه

والأرض ترجف خيفة وتضعضع

والشمس ناشرة الذوائب ثاكل

والدهر مشقوق الرداء مقنع

لهفي على تلك الدماء تراق في

أيدي اُمية عنوة وتضيع

روى الصّدوق القُمّي : أنّ جميع الأئمّة (عليهم‌السلام ) خرجوا من الدّنيا على الشّهادة ؛ قُتل عليّ (ع) فتكاً ، وسُمّ الحسن (ع) سرّاً ، وقُتل الحُسين (ع) جهراً , وسمّ الوليد زين العابدين (ع) ، وسمّ إبراهيم بن الوليد الباقر (ع) ، وسمّ جعفر المنصور الصّادق (ع) ، وسمّ الرّشيد الكاظم (ع) ، وسمّ المأمون الرّضا (ع) ، وسمّ الـمُعتصم مُحمّد الجواد (ع) ، وسمّ الـمُعتز عليّ بن مُحمّد الهادي (ع) ، وسمّ الـمُعتمد الحسن بن عليّ العسكري (ع) ، وأمّا القائم المهدي ( عجّل الله تعالى فرجه الشّريف) فروي : أنّه هرب خوفاً من الـمُتوكل ؛ لأنّه أراد قتله :( وَيَأْبَى اللّهُ إِلّا أَن يُتِمّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (١) .

وكان أوّل من استفتح بالظّلم ؛ مَن أخّر عليّاً (عليه‌السلام ) عن الخلافة , وغصب فاطمة (عليها‌السلام ) ميراث أبيها , وقتل الـمُحسن في بطن اُمّه , ووجأ عنق سلمان ، وقتل سعد بن عُبادة ومالك بن نويرة ، وداس بطن عمّار بن ياسر , وكسر أضلاع عبد الله بن مسعود بالمدينة ، ونفى أبا ذر إلى الرّبذة , وأشخص عمّار بن قيس ، وغرب الأشتر النّخعي ، وأخرج عدي بن حاتم الطّائي ، وسيّر عميراً بن زرارة إلى الشّام , ونفى كُميل بن زياد إلى العراق , وخاض في دم مُحمّد بن أبي بكر , ونكب كعب بن جبل , ونفى جارية بن قُدامة , وعذّب عثمان بن حُنيف , وعمل ما عمل بحبّاب بن زهير وشريح بن هاني , ونحو هؤلاء ممّن مضى قتيلاً أو عاش في غصّة ذليلاً ، ولله درّ مَن قال :

لو لا حدود من صوارم

أمضى مضاربها الخليفة

لنشرت من أسرار آلـ

ـمحمّد نكتاً لطيفة

وأريتكم أن الحُسين

اُصيب في يوم السقيفة

ولأي شيء ألحدت

بالليل فاطمة الشريفة

فانظروا يا إخواني إلى فعل أوائلهم واقتفاء أرجاس بني اُميّة آثارهم , يقتلون مَن قاربهم , ويُعذّبون مَن ظاهرهم , كقتل معاوية ؛ عمّار بن ياسر , وزيد بن صوحان وصعصعة بن صوحان , وحُنيف بن ثابت وأويس القرني , ومالك الأشتر

____________________

(١) سورة التّوبة / ٣٢.


ومحمّد بن أبي بكر , وهاشم المرقال وعبد الرّحمن بن حسّان , وغيرهم.

وتسليط زياد بن سُمّية على قتل الألوف من الشّيعة بالكوفة , وهو الذي دسّ في قتل الحسن (عليه‌السلام ) إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس , وتبعه ابنه يزيد على ذلك , حتّى قتل الحُسين بن عليّ في نيف وسبعين رجُلاً ، منهم ؛ تسعة من بني عقيل ، وثلاثة من بني جعفر , وتسعة من بني عليّ (عليهم‌السلام ) ، وأربعة من بني الحسن (عليه‌السلام ) , وستّة من بني الحُسين (عليه‌السلام ) , والباقي من أصحابه , مثل ؛ حبيب بن مُظاهر ومُسلم بن عوسجة , ونافع بن هلال وأحزابهم.

ثمّ تسلّط على الشّيعة عُبيد الله بن زياد (لع) , فجعل يصلبهم على جذوع النّخل ، ويقتلهم ألوان القتل ، وهو الذي خرّب سناباد لمـّا رجم أهلها مَن كان مع رأس الحُسين (عليه‌السلام ) , فبقيت خراباً إلى يومنا هذا.

ثمّ تسلّط آل الزّبير على الحجاز والعراق , فقتلوا ؛ الـمُختار بن أبي عُبيدة الثّقفي , والسّائب بن مالك وعبد الله بن كامل ونحوهم ، وكانوا قد حبسوا مُحمّد بن الحنفيّة ؛ يُريدون إحراقه ، ونفوا عبد الله بن العبّاس إلى الطّائف ومات بها.

ثمّ استولى عبد الملك بن مروان , وسلّط الحجاج على الحجازيين والعراقيين , فقتل ؛ سعيد بن جُبير بن اُمّ الطّويل , وميثم التّمار , وكُميل بن زياد , وقنبر عبد عليّ بن أبي طالب (عليه‌السلام ) , وأشباههم , حتّى محى آثار أهل البيت (عليهم‌السلام ) , وقُتل زيد بن عليّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) على يد نصر بن خُزيمة الأسدي , وصلبه يوسف بن عمر بالكناسة ( اسم موضع الكوفة ) عرياناً , فكسى من بطنه جلدة سترت عورته , وبقي مصلوباً أربع سنوات , وكان لا يقدر أحد أن يندب عليه , وألقوا امرأة زيد بن عليّ على المزبلة , بعدما دُقّت بالضّرب حتّى ماتت.

ثمّ تبعه الوليد بن زيد , وأنفذ إلى يحيى , بن مُسلم بن جون في عشرة آلاف فارس , وليس مع يحيى - يومئذٍ - إلّا مئة وخمسون رجُلاً , فقُتلوا أجمعين وبقي يحيى يُقاتل حتّى قُتل يوم الجُمعة ، ثمّ صُلب واُحرق وذُرّي.

وهكذا فعل بأشياعهم والتّابعين لهم ، ولله درّ مَن قال :

أبيت كأن الدهر يهوي إلى الأسى

فأقداره طول الزمان به تسري

ففي كل يوم تنتحبني صروفه

وقد خانني صبري وضيّعني فكري

كأن الرزايا ظل آل محمّد

إذا مرّ قوم جاء قوم على الأثر


فانظروا يا إخواني إلى حال مَن تبع بني اُميّة الأرجاس , إلى أن ظهرت الدّولة العبّاسية.

افتتح أبو مُسلم بقتل عبد الله بن الحسن بن الحسن بخراسان , ثمّ سلّ المنصور سيفه في آل عليّ (عليهم‌السلام ) , فقتلهم في كلّ ناحية , وقصدهم بالجيوش من كُلّ وجه , وحُمل عبد الله بن الحسن بن عليّ في أحد عشر رجُلاً , وهم ؛ عليّ بن الحسن بن عليّ ، والحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن عليّ , ونحوّهم من الحجاز إلى العراق فوق الأقتاب بالقيود والأغلال , وخلّدهم في سجنه معذّبين حتّى ماتوا كلّهم.

وخرج مُحمّد بن عبد الله , وقاتل حتّى قتله حميد بن قحطبة بن عيسى بن موسى ، وبنى جامع المنصور وجعل أساسه على السّادات من آل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , ويُقال : إنّه دسّ في سوق الرّقة كثيراً منهم.

نُقل : إنّه لمـّا بنى المنصور الأبنية ببغداد , جعل يطلب العلويّين طلباً شديداً , وجعل مَن ظفر به منهم , بالإسطوانات المجوّفة المبنيّة من الجصّ والآجر , فظفر ذات يوم بغلام منهم حسن الوجه عليه شعر أسود من ولد الحسن بن عليّ بن أبي طالب , فسلّمه إلى البنّاء الذي كان يبني له, فأمر أن يجعله في جوف إسطوانة ويبني عليه , فوكّل به من ثقاته من يرعى ذلك حتّى يجعله في جوف إسطوانة بمشهده , فجعله البنّاء في جوف إسطوانة , فدخلته رقّة عليه ورحمة له , فترك في الإسطوانة فرجة يدخل منها الرّوح , وقال للغُلام : لا بأس عليك فاصبر , فإنّي سأخرجك من هذه الإسطوانة إذا جنّ الليل .فلمّا جنّ الليل , جاء البنّاء في ظلمته وأخرج ذلك العلوي من جوف تلك الإسطوانة , وقال له : إتّق الله في دمي ودماء الفعلة الذين معي وغيّب شخصك , فإنّي إنّما أخرجتك في ظلمة هذا الليل من جوف هذه الإسطوانة ؛ إلّا خفت إن تركتك في جوفها, يكون جدّك رسول الله خصمي يوم القيامة بين يدي الله عزّ وجلّ.

ثمّ أخذ شعره بألآت الجصّاصين ما أمكن , وقال له : غيّب شخصك وانج بنفسك ولا ترجع إلى اُمّك .قال الغُلام : إن كان هكذا , فعرّف اُمّي إنّي قد نجوت وهربت ؛ لتطبب نفسها ويقلّ جزعها وبكاؤها , وإنّه لم يكن لعودي إليها وجه.

فهرب الغُلام ولا يدري إلى أين قصد من أرض الله تعالى , ولا أيّ بلد وقع , قال البنّاء : وكان الغُلام عرّفني مكان اُمّه وأعطاني شعره , فانتهيت إليها في الموضع الذي دلّني عليه , فسمعت دويّاً كدويّ النّحل من البكاء , فعلمت أنّها اُمّه , فدنوت منها


وعرّفتها خبر ابنها , وأعطيتها شعره وانصرفت .كذا في (عيون أخبار الرّضا)

فلمّا ولي الدّوانيقي قتل عبد الله بن مُحمّد بن عبد الله الحُسيني , بالسّند على يد هشام بن عمر التّغلبي , وخنق عبد الله بن الحسن في حبسه , وقتل ابنيه مُحمّداً وإبراهيم على يد عيسى بن موسى العبّاسي , وهزم إدريس بفخّ حتّى وقع على الأندلس فريداً.

وما مات الدّوانيقي , إلّا أن ملأ سجونه من أهل بيت النّبوة والرّسالة , واقتفيت هذه الآثار حتّى قُتل في أيّام المهدي ؛ الحُسين بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهم‌السلام ) ، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن عليّ (عليهم‌السلام ) ، وعبد الله بن الحسن بن عليّ بن الحسن (عليهم‌السلام ) - المعروف بالأفطس - وكان مع القوم بفخّ.

وسمّ هارون الرّشيد موسى بن جعفر (عليهم‌السلام ) , وقتل يحيى بن زيد بالسّجن بالجوع والعطش , ويحيى بن الحسن , إلى تمام السّتمئة رجل من أولاد فاطمة (عليهم‌السلام ) , قُتلوا في مقام واحد.

وقتل المأمون مُحمّد بن إبراهيم بن إسماعيل بن الحسن بن الحسن بن عليّ (عليهم‌السلام ) , وكان قد خرج ومعه أبو السّرايا , عليّ بن هرثمة بن أعين ، وقتلوا من أصحاب زين العابدين (ع) مثل : خالد الكابُلي وسعيد بن جُبير ، ومن أصحاب الباقر (عليه‌السلام ) مثل : بشر الرّحال والكُميت بن زيد , ومن أصحاب الصّادق (عليه‌السلام ) مثل : الـمُعلّى بن خُنيس ، وقتل الـمُتوكل من أصحاب الرّضا (عليه‌السلام ) مثل : يعقوب بن السّكّيت - الأديب - وسبب قتله ؛ إنّه كان مُعلّماً للمُعين والمؤيد ابني المتوكل , إذ أقبل فقال له : يا يعقوب , أهُما أحبّ إليك أم الحسن والحُسين ؟ فقال : والله , إنّ قنبراً غلام عليّ خير منهما ومن أبيهما .فقال الـمُتوكل : سلّوا لسانه من قفاه .فسلّوه فمات (رحمة الله عليه) , ومثل دعبل الخُزاعي.

وانتهت بالـمُتوكل العداوة لأهل البيت (عليهم‌السلام ) , إلى أن أمر بهجو عليّ وفاطمة وأولادها (عليهم‌السلام ) , فهجاهم ؛ ابن الـمُعتز وابن الجهم , وابن سكرة وآل أبي حفصة , ونحوهم لعنهم الله جميعاً , وصار من أمر المتوكل إلى أن أمر بهدم البناء على قبر الحُسين (عليه‌السلام ) , وإحراق مقابر قُريش , وفي ذلك أنشد حيث قال :

قام الخليفة من بني العبّاس

بخلاف أمر إلهه في الناس

ضاها بهتك حريم آل محمّد

سفهاً فعال اُميّة الأرجاس

والله ما فعلت اُميّة فيهم

معشار ما فعلوا بنو العبّاس


ما قتلهم عندي بأعظم مأتماً

من حرقهم من بعد في الأرماس

ثمّ جرى الظُلم على ذلك , إلى أن هدم سبكتكين مشهد الرّضا (عليه‌السلام ) , وأخرج أبوابه وأخرج منه وقر ألف جمل مالاً وثياباً , وقتل عدّة من الشّيعة.

قيل : وممّن دُفن حيّاً من الطّالبيين ؛ عبد العظيم الحسني بالرّي , ومُحمّد بن عبد الله بن الحُسين , ولم يبق في بيضة الإسلام بلدة إلّا قُتل فيها طالبي أو شيعي , حتّى ترى الظَّلَمة يُسلّمون على مَن يعرفونه ؛ دهريّاً أو يهوديّاً أو نصرانيّاً ويقتلون مَن عرفوه شيعيّاً , ويسفكون دم مَن اسمه عليّ , ألا تسمعون ؛ بيحيى الـمُحدّث , كيف قطعوا لسانه ويديه ورجليه , وضربوه ألف سوط ثمّ صلبوه ؟ وبعليّ بن يقطين كيف اتهموه ؟ وزرارة بن أعين كيف جبهوه ؟ وأبي تراب الرّموزي كيف حبسوه ؟ ومنصور بن الزّبرقان من قبره كيف نبشوه ؟

ولقد لعن بنو اُميّة عليّاً (عليه‌السلام ) ألف شهر في الجُمع والأعياد , وطافوا بأولاده في الأمصار والبلاد وليس فيها مُسلم ينكر ذلك , حتّى أنّ خطيباً من خُطبائهم بمصر , نسي اللعنة في الخطبة, فلمّا ذكرها , قضاها في الطّريق , فبني في ذلك الموضع مسجداً وسمّوه مسجد الذّكر يتبرّكون به.

ثمّ إنّهم لم يرضوا بذلك حتّى قالوا : مات أبو طالب كافراً .ولا تزال تسمع بذلك , دون أن تسمع عن أبي أو عن ..أو عن..شيئاً من ذلك.

فيا عجباه , بقيت آثار كسرى إلى الآن وآثار رسول الله دارسة وأعلامه طامسة ! استولوا على ماله بعده وخرّبوا بيته , وأضرموا ناراً على أهل العبا , وحرّفوا كتاب الله , وغيرّوا السّنن وأبدعوا في الدّين , وخذلوا الأوصياء وقتلوا العترة ، وسبوا نساء النّبي وذرّيّته , وذبحوا أطفاله وصبيته , وداروا برؤوسهم في البُلدان من فوق عالي السّنان , فهذه رزيّة لم تُماثلها رزيّة , وبليّة عظمت على كُلّ بليّة ، ولله درّ مَن قال وهو على ما نُقل : أوّل شعر قيل في الحُسين (عليه‌السلام ) :

إذا العين قرت في الحياة وأنتم

تخافون في الدنيا فأظلم نورها

مررت على قبر الحُسين بكربلا

ففاض عليه من دموعي غزيرها

فما زلت أبكيه وأرثي لشجوه

ويسعد عيني دمها وزفيرها

وأبكيت من بعد الحُسين عصائبا

أطافت به من جانبيه قبورها

سلام على أهل القبور بكربلا

وقُل لها مني سلام يزورها

سلام بآصال العشي وبالضحى

تؤدّيه نكبات الرياح ومورها


ولا يبرح الوفاد زوار قبره

يفوح عليهم مسكها وعبيرها

وممّا يحسن في هذا الباب , ذكرُ مَن قتله الرّشيد من أولاد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , بعد قتله لموسى بن جعفر (عليه‌السلام ) بالسّم في ليلة واحدة , سوى مَن قُتل منهم في الليالي والأيّام :

روي عن عبد الله البزاز النّيسابوري , قال : كان بيني وبين حميد بن قحطبة الطّائي معاملة , فدخلت في بعض الأيّام فبلغه قدومي , فاستحضرني للوقت وعليّ ثياب السّفر لم أغيّرها , وذلك في شهر رمضان وقت صلاة الظّهر , فلمّا دخلت عليه , رأيته في بيت يجري فيه الماء , فسلّمت عليه وجلست , فأتى بطشت وإبريق فغسّل يده وأمرني فغسلت يدي , واُحضرت المائدة وذهب عنّي , فقلت : إنّي صائم وإنّي في شهر رمضان .ثمّ ذكرت فأمسكت يدي , فقال حميد : مالك لا تأكل ؟ فقلت : أيّها الأمير , هذا شهر رمضان ولست بمريض ولا بي علّة توجب الإفطار , وإنّي لصحيح البدن .ثمّ دمعت عيناه وبكى , فقلت له - بعدما فرغ من طعامه - : ما يبكيك أيّها الأمير ؟ فقال : أنفذ إليّ هارون الرّشيد وقت كونه بطوس في بعض الليل أن أجب الأمير ، فلمّا دخلت عليه , رأيت بين يديه خادماً واقفاً , فلمّا قمت بين يديه , أذِن لي بالانصراف , فلم ألبث في منزلي حتّى عاد إليّ الرّسول وقال : أجب الأمير .فقلت في نفسي : إنّا لله وإنّا إليه راجعون .وأخاف على نفسي أن يكون قد عزم على قتلي , وإنّه لمـّا رآني , استحى منّي فعدت إلى بين يديه , فرفع رأسه وقال : كيف طاعتك لأمير المؤمنين ؟ قلت بالنّفس والمال والأهل والولد .فتبسّم ضاحكاً ، ثمّ قال : أذنت لك بالإنصراف .فلمّا دخلت منزلي , لم ألبث أن عاد إليّ الرّسول , فقال : أجب أمير المؤمنين .فحضرت بين يديه وهو على حاله , فرفع رأسه وقال : كيف طاعتك لأمير المؤمنين ؟ فقلت : بالنّفس والمال والأهل والولد والدّين .فضحك ثمّ قال : خُذ هذا السّيف , وامتثل ما يأمرك به هذا الخادم.

قال : فتناول الخادم السّيف وناولنيه , وجاء إلى بيت بابه مُغلق ففتحه , فإذا فيه بئر في وسطه , وثلاث بيوت أبوابها مُغلقة , ففتح باب بيت منها , فإذا فيه عشرون نفساً عليهم الشّعور والذّوائب , شيوخ وكهول وشبّان مقيّدون , فقال لي : إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء .- وكانوا كلّهم علويين من ولد عليّ وفاطمة (عليهم‌السلام ) - فجعل يخرج إليّ واحداً بعد واحد


فاضرب عُنقه , حتّى أتيت على آخرهم , فرمى بأجسامهم ورؤوسهم في البئر.

ثمّ فتح باب آخر , فإذا فيه أيضاً عشرون نفساً من العلويين من ولد عليّ وفاطمة مقيّدون , فقال لي : إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء .فجعل يخرج إليّ واحداً بعد واحد , فاضرب عُنقه ويرمي به في تلك البئر , حتّى اتيت على أخرهم.

ثمّ فتح باب البيت الثّالث , فإذا فيه مثلهم عشرون نفساً من ولد عليّ وفاطمة مقيّدون , عليهم الشّعور والدّوائب , فقال لي : إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء أيضاً .أتيت على تسعة عشر نفساً منهم , وبقي شيخ منهم عليه شعر , فقال لي : تبّاً لك يا ميشوم , أيّ عذر لك يوم القيامة إذا قدمت على جدّنا رسول الله , وقد قتلت من أولاده ستّين نفساً من ولد عليّ وفاطمة (عليها‌السلام ) ؟! ثمّ قال : فارتعشت يدي وارتعدت فرائصي , فنظر إليّ الخادم فزجرني , فاتيت على ذلك الشّيخ أيضاً فقتلته ورميت به في تلك البئر , فإذا كان فعلي هذا وقد قتلت ستّين نفساً من ولد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فما ينفعني صومي ولا صلاتي , وأنا لا أشكّ إنّي مُخلد في النّار .كذا في (عيون أخبار الرّضا).

فيا إخواني , أيّ قلب يستر بعد قتلهم ؟! وأيّ فؤاد يفرح بعد فقدهم ؟! أم أيّة عين تحبس دمعها وتبخل بأنّهما لها ودفعها ؟! كيف وقد بكت لهم ؛ السّبع الشّداد والجبال والأوتاد , والأرض بأرجائها والأشجار بأغصانها , والحيتان في لجج البحار , ومَن في جميع الأمصار والأقطار , والملائكة المقرّبون وأهل السّماوات أجمعين , وكيف لا , وقد أصبح أهل البيت ؛ مطرّدين مشرّدين مذوّدين عن الدّيار , والأوطان والأهل والولدان.

فيا إخواني , اجتهدوا في النّياحة والعويل , وتساعدوا على إقامة هذا المصاب الجليل , والبسوا لباس الأحزان , وتخلّقوا بجلباب الأشجان , وخاطبوا السّلوة خطاب الهجر متمثّلين بقول مَن قال: أيا سلوة الأيّام موعدك الحشر.

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم.

القصيدة للشيخ الخليعي (رحمه‌الله )

لم أبك ربعاً للأحبّة قد خلا

وعفا وغيره الجديد وامحلا

كلا ولا كلفت صحبي وقفة

في الدار إن لم أشف صباً عللا


ومطارح النادي وغزلان النقا

والجزع لم أحفل بها متغزلا

وبواكر الأضعان أسكب لها

دمعاً ولا خل نأى وترحلا

لكن بكيت لفاطم ولمنعها

(فدكاً) وقد أتت الخؤون الأولا

إذ طالبته بإرثها فروى لها

خبراً ينافي المحكم المتنزلا

لهفي لها وجفونها فرحى وقد

حملت من الأحزان عبئاً مثقلا

وقد اعتدت منفية وحميها

متطيراً ببكائها متثقلا

تخفي تفجعها وتخفض صوتها

وتظل نادبة أباها المرسلا

تبكي على تكدير دهر ما صفا

من بعده وقرير عيش ما حلا

لم أنسها إذ أقبلت في نسوة

من قومها تروي مدامعها الملا

وتنفست صعداً ونادت أيها

الأنصار يا أهل الحماية والكلا

أخذ الإله لك العهود على الورى

في الذر لما أن يرى وبك ابتلى

في يوم قال لهم : ألست بربكم

وعلي مولاكم معاً قالوا : بلى

قسماً بوردي من حياض معارفي

وبشربتي العذب الرحيق السلسلا

ومن استجارك من نبي مرسلا

ودعى بحقك ضارعاً متوسلا

لو قلت إنك رب كل فضيلة

ما كنت فيما قلته متنحلا

أو بحت بالخطر الذي أعطاك رب

العرش كادوني وقالوا قد غلا

فإليك من تقصير عبدك عذره

فكثير ما أبكي أراه مقللا

بل كيف يبلغ كنه وصفك قائل

وأبيه في علياك أبلغ مقولا

ونفائس القرآن فيك تنزّلت

وبك اغتدى متحلياً متجملا

فاستحلها بكراً فأنت مليكها

وعلى سواك تجل من أن يجتلى

ولئن بقيت لأنظمن قلائداً

ينسى ترصعها النظام الأولا

شهد الإله بأني متبرئ

من حبتر ومن الدلام ونعثلا

وبراءة الخلعي من عصب الخنا

تبنى على أن البرا أصل الولا

الباب الثّاني

أيّها الإخوان, الطّريق واضح والحقّ بيّن لائح, لا يضلّ عنه إلّا مَن دان الله على قلبه, وطبع على عقله ولبّه .علم النّبي فيما اُوحي إليه ,أنّ أصحابه من بعده


يبتزّون نحلة ابنته ويشجعون ببلغة ذرّيّته , قال : (( فاطمة بضعة منّي , مَن آذاها فقد آذاني )) .فلم يسمعوا , وقال : (( فاطمة يغضب الله لغضبها )) .فلم يرتدعوا ، ثمّ علم أنّ آله يُشرّدون عن الأوطان , ويُقتلون في كلّ مكان ، فقال - بعدما ورد في حقّهم من القُرآن - : (( مَن أحبّ أن ينسى له في أجله , وأن يُمتّعه الله بما خوّله الله ؟ فليخلفني في أهلي خلافة حسنة , فمَن لم يخلفني فيهم , بتر الله عمره , وورد عليّ يوم القيامة مسودّاً وجهه )) .فلم يرجعوا.

فصبروا (عليهم‌السلام ) على مضض الأحزان , واحتسبوا ذلك في جنب الرّحمن , وكان القادر على هلاكهم ذو الجلال على استئصالهم في الحال دون المآل , إلّا أنّ الحكم من الحكيم اقتضت تأخيرهم من العذاب الأليم ؛ رجاء أن يخرج من أصلابهم قوم , يعبدون الله ويسبّحونه ويهلّلونه ويقدّسونه.

قيل : لمـّا بلغ فاطمة (عليها‌السلام ) إصرار أبي بكر على منعها فدكاً والعوالي , قامت ولاثت خمارها واشتملت بإزارها , وأقبلت في لـمّة من حفدتها ونسائها تطأ في أذيالها من شدّة الحياء , حتّى دخلت على أبي بكر وهو في مسجد أبيها وحوله جمع من المهاجرين والأنصار , فأمرت أن يُضرب بينها وبينهم ستر ، ثمّ إنّها أنّت أنّة أجهش القوم بالبكاء والنّحيب ؛ رحمة لها ، ثمّ أمهلت حتّى سكنوا من فورتهم , فقالت : (( يا معشر الـمُسلمين , كيف ابتزّ إرث أبي وأنتم الآن تزعمون إنّه إرث لي :( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (١) ؟! .فكيف اُحرم ميراث أبي وأنت ( تعني أبا بكر ) ترث أباك :( لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ) (٢) ؟! )) .فقال لها : ما أرّثك أبوك شيئاً , وإنّه قال : إنّ الأنبياء لا يورّثون شيئاً .فقالت : (( لهذا يُخالف ما أنزل في كتابه العزيز , حيث يقول :( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) (٣) .ولم يجعل ذلك خاصّاً بالاُمّة دونه , وكيف تروي عن أبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنّه قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث , وقد قال تعالى :( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) (٤) .وقال تعالى عن زكريا , قَالَ رَبّ :( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) (٥) ؟! )).

فلمّا ألحّت عليه بالجدال , قال : هاتي أسود وأبيض يشهدا لك بذلك .فقام إليه رجل من المؤمنين وقال له : مَن شهد لعلي ببيعته يوم الغدير من ذلك , الجم الغفير حتّى يشهد لفاطمة بفدك والعوالي ؟ فجاءت اُمّ أيمن وشهدت لها بذلك , قال : هذه امرأة لا يُقبل قولها .مع أنّ جميع الصّحابة رووا أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( إنّ اُمّ أيمن من أهل الجنّة )) .ثمّ جاء عليّ

____________________

(١) سورة المائدة / ٥٠

(٢) سورة مريم / ٢٧.

(٣) سورة النّساء / ١١.

(٤) سورة النّمل / ١٦.

(٥) سورة مريم / ٥ - ٦.


(عليه‌السلام ) وشهد لها بذلك , فقال : هذا بعلك يجرّ النّفع إلى نفسه ولا نحكم بشهادته لك .مع أنّهم رووا جميعاً , إنّ رسول الله قال : (( عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ , يدور حيث ما دار , لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض )).

قال : فعند ذلك غضبت فاطمة (عليها‌السلام ) وانصرفت , وحلفت أن لا تكلّمه وصاحبه , حتّى تلقى أباها وتشكو إليه ما نالها منهما.

كرامتها (عليها‌السلام ) وعظمتها عند الله

وروي من كرامتها (عليها‌السلام ) وعظمتها عند الله.لـمّا مُنعت حقّها , اخذت بعضادتي حجرة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وقالت : (( ليست ناقة صالح عند الله بأعظم منّي )) .ثمّ رفعت جنب قناعها إلى السّماء وهمّت أن تدعو , فارتفعت جدران المسجد عن الأرض وتَدلّ العذاب , فجاء أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) فمسك يدها الشّريفة وقال : (( يا بنت الصّفوة وبقيّة النّبوة وشمس الرّسالة ومعدن الرّحمة , إنّ أباك رحمة للعالمين , فلا تكوني عليهم نقمة , أقسمت عليك بالرّؤوف الرّحيم أن ترجعي )) .فعادت إلى مصلاها (عليها‌السلام ) , ولله درّ مَن قال :

دكدك القوم مسجدك

منعوا فاطماً فدك

فعلى القوم لعنة

كلما حرك الفلك

فلمّا حضرتها الوفاة , أوصت إلى عليّ (عليه‌السلام ) أن يدفنها ليلاً ولم يدعُ أحداً منهم يصلّي عليها , مع أنّهم رووا جميعاً أنّ النّبي (ص) قال : (( فاطمة بضعة منّي , مَن آذاها فقد آذاني )) .كما تقدّم القول فيه.

ولو كان قول أبي بكر صحيحاً فيما رواه من : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث .ما كان ترك البغلة والسّيف والعمامة عند عليّ (عليه‌السلام ) , وما كان حكم بها لعلي لمـّا ادّعاها العبّاس , مع أنّ الأمر على خلاف ذلك.

وتفكّروا يا معاشر الإخوان , كيف أنّ المرأة لمـّا حاربت عليّاً أطاعها على حربها عشرات الألوف , وساعدوها على الحرب , ولم يساعد أحد منهم سيّدة نساء العالمين لمـّا طالبت بحقّها , وسمّوا المرأة اُمّ المؤمنين ولم يسمّوا مُحمّد بن أبي بكر خال المؤمنين ؛ حيث كان مُلازماً لعليّ (عليه‌السلام ) , وسمّوا أخته اُمّ المؤمنين , وسمّوا معاوية خال المؤمنين مع أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( لعن الله معاوية الطّليق ابن الطّليق )) .وقال (( إذا رأيتم معاوية على منبري , فاقتلوه )). وكان معاوية من المؤلّفة


قلوبهم , وقد قاتل عليّاً , وعليّ عندهم إنّه رابع الخُلفاء , وهو إمام حقّ , وكلّ مَن حارب إماماً حقّاً فهو باغ وطاغ , وسمّوا معاوية كاتب الوحي ولم يكتب كلمة واحدة منه , وإنّما نُقل إنّه كان من كتّاب الرّسائل , والذين كانوا يكتبون الوحي أربع عشرة نفساً , أخصّهم وأقربهم عليّ ، وأمّا معاوية , فلم يزل مُشركاً مدّة كون النّبي مبعوثاً , وكان يُكذّب بالوحي ويستهزئ بالشّرع , وكان في بلاد اليمن يوم فتح مكّة , وكان يطعن على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وكان يكتب إلى أبيه صخر يعيّره بإسلامه , ويقول له : صبوت إلى دين مُحمّد بن عبد الله , بئس ما فعلت ! وكان يراسله بالشّعر قبل إسلامه وينهاه عن ذلك.

وكان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد فتح مكّة في شهر رمضان لثمان سنين من قدومه إلى المدينة , ومعاوية يومئذ مُقيم على شركه , هارب من النّبي إلى بلاد اليمن ؛ لأنّ النّبي كان قد هدر دمه فهرب على وجهه , فلمّا لم يجد له مأوى , صار إلى النّبي مضطرّاً وأظهر الإسلام , وكان إسلامه قبل وفاة النّبي بخمسة أشهر , وطرح نفسه على العبّاس عمّ رسول الله , فتشفّع فيه رسول الله فعفى عنه , ثمّ إنّ العبّاس تشفّع لمعاوية عند الرّسول (ص) أن يجعله من جُملة كتّاب الرّسائل , وكان النّبي (ع) لا يحب مُخالفة عمّه العبّاس , فأجابه إلى ذلك.

ولو سُلّم أنّه كان من كتّاب الوحي , فكم يستحق من الكتابة الـمُتداولة بين أربع عشرة نفساً حتّى استحقّ أن يوصف بذلك دون غيره ، كيف وقد حكى عبد الله بن عمر قال : أتيت النّبي وهو في مسجده , فسمعته يقول لجلسائه : (( الآن يطلع عليكم رجل يموت على غير سنّتي )) .فما استتم كلامه إذ طلع معاوية وجلس معناً في المسجد , فقام النّبي يخطب , فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد وخرج ولم يسمع الخطبة , فلمّا رآه النّبي خارجاً مع ابنه , قال: (( لعن الله القايد والمقود )).

ثمّ إنّ معاوية بعد وفاة الرّسول بالغ في محاربة الإمام عليّ , وقتل جمعاً كثيراً من خيار الصّحابة , وطال حربه معه حتّى هلك عالم كثير , ثمّ إنّه استمرّ مع قومه على سبّ عليّ ثمانين سنة , ولم يكفه ذلك حتّى سمّ الحسن الزّكي (عليه‌السلام ).

ولـمّا هلك معاوية , تولّى من بعده ولده يزيد (لعنه الله) , فنهض إلى حرب الحُسين (عليه‌السلام ) , وجهّز له العساكر وجيّش له الجيوش , وأمّر عليهم عُبيد الله بن زياد , وأمرهم بقتل الحُسين (ع) وقتل رجاله وذبح أطفاله , وسبى عياله ونهب أمواله , ولم يقنعهم ذلك حتّى إنّهم بعد قتله رضّوا أضلاعه وصدره بحوافر الخيول , عادمي الرّأي والعقول ,


وحملوا رؤوسهم على القنا وحريمهم على أقتاب الجمال في أشدّ العنا , مع أنّ مشايخهم رووا : إنّ يوم قُتل الحُسين قطرت السّماء دماً.

ونُقل عن الشّافعي في شرح الوجيز : أنّ هذه الحمرة إلتي ترى في السّماء , ظهرت يوم قُتل الحُسين ولم تُرى قبله أبداً .ونُقل عنه أيضاً : إنّه ما رُفع حجر في الدّنيا يوم قُتل الحُسين , إلّا وجد تحته دم عبيط .ولقد مطرت السّماء يوم قتله دماً , حتّى بقي أثره على النّبات حتّى فني :

واخجلتا من أبيهم يوم يشهدهم

مضرّجين نشاو من دم قان

يقول يا اُمّة حف الضلال بها

واستبدلت للعمى كفراً بإيمان

ماذا جنيت عليكم إذ أتيتكم

بخير ما جاء من آي وفرقان

ألم أجركم وأنتم في ضلالتكم

على شفا حفرة من حر نيران

قتلتم ولدي صبراً على ظمأ

هذا وترجون عند الحوض إحسائي

قتلتم ولدي صبراً على ظمأ

هذا وترجون عند الحوض إحسائي

سبيتم ثكلتكم أمهاتكم

بني البتول وهم لحمي وجثماني

وماذا تجيبون والزهراء خصمكم

والحاكم الله للمظلوم والجاني

عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( تُحشر ابنتي فاطمة الزّهراء يوم القيامة ومعها ثياب مصبوغة بدم , فتعلّق بقائمة من قوائم العرش , فتقول : يا عدل يا جبّار , احكم بيني وبين قاتل ولدي )) .قال رسول الله (ص) : (( فيحكم لابنتي وربّ الكعبة )).

وعنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , أنّه قال لسلمان : (( يا سلمان , مَن أحبّ فاطمة ابنتي فهو في الجنّة معي , ومَن أبغضها فهو في النّار .يا سلمان , حُبّ فاطمة ينفع مئة موطن من المواطن , أيسر تلك المواطن ؛ الموت والقبر والميزان , والمحشر والسّراط والـمُحاسبة , فمَن رضيت عنه ابنتي فاطمة رضيت عنه , ومَن رضيت عنهرضي‌الله‌عنه , ومَن غضبت عليه غضبت عليه , ومَن غضبت عليه غضب الله عليه .يا سلمان , ويل لـمَن يظلمها ويظلم بعلها ! وويل لمن يظلم ذرّيّتها ! )).

وعنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنّه قال : (( أنا شجرة وفاطمة فرعها وعليّ لقاحها , والحسن والحُسين ثمرتها وشيعتنا ورقها , فالشّجرة أصلها في جنّة عدن , والأصل والفرع واللقاح , والورق والثّمر في الجنّة )) :

يا حبّذا دوحة في الخُلد نابتة

ما مثلها نبتت في الخُلد من شجر

المصطفى أصلها والفرع فاطمة

ثمّ اللقاح عليّ سيّد البشر


والهاشميان سبطاه لها ثمر

والشيعة الورق الملتف بالثمر

إني بحبهم أرجو النجاة غداً

والفوز في زمرة من أفضل الزمر

هذا مقال رسول الله جاء به

أهل الرواية في العالي من الخبر

فيا إخواني , كيف لا نبكي على اُمناء الرّحمن وسادات أهل الزّمان ؟ وكيف لا نُجدّد النّوح والأحزان في كُلّ آن ومكان , على الشّهيد العطشان النّائي عن الأهل والأوطان , المدفون بلا غسل ولا أكفان ؟

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول (ص) فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم.

القصيدة للشيخ مُحمّد , وكأنّه لابن حماد:

مصاب شهيد الطف جسمي انحلا

وكدر من دهري وعيشي ما حلا

فما هلّ شهر العشر إلّا تجددت

بقلبي أحزان توسد في البلا

واذكر مولاي الحُسين وما جرى

عليه من الأرجاس في طفّ كربلا

فو الله لا أنساه بالطفّ قائلاً

لعترته الغر الكرام ومن تلا

ألا فانزلوا في هذه الأرض واعلموا

بأني بها أمسي صريعاً مجدلا

وأسقى بها كأس المنون على ظما

ويصبح جسمي بالدماء مغسلا

ولهفي له يدغو اللئام تأملوا

مقالي يا شر الأنام وارذلا

ألم تعلموا إني ابن بنت محمّد

ووالدي الكرار للدين كملا

فهل سنّة غيرتها أو شريعة

وهل كنت في دين الإله مبدلا

أأحللت ما قد حرّم الطهر أحمد

أحرمت ما قد كان قبل محللا

فقالوا له دع ما تقول فإننا

سنسقيك كأس الموت غصباً معجلا

كفعل أبيك المرتضى بشيوخنا

ونشفي صدوراً من ضغاينكم ملا

فاثنى إلى نحو النساء جواده

وأحزانه منها الفؤاد قد امتلى

ونادى ألا أهل بيتي تصبروا

على الضر بعدي والشدائد والبلا

فإني بهذا اليوم أرحل عنكم

على الرغم مني لا ملال ولا قلى

فقوموا جميعاً أهل بيتي واسرعوا

أودعكم والدمع في الخد مسبلا

فصبراً جميلاً واتقوا الله إنه

سيجزيكم خير الجزاء وأفضلا

فاثنى على أهل العناد مبادراً

يحامي عن دين المهيمن ذي العلا


وصال عليهم كالهزبر مجاهداً

كفعل أبيه لن يذل ويخذلا

فمال عليه القوم من كل جانب

فألقوه عن ظهر الجواد معجلا

وحز كريم السبط يا لك نكبة

بها أصبح الدين القويم معطلا

فارتجت السبع الشداد وزلزلت

وناجت عليه الجن والوحش في الفلا

وراح جواد السبط نحو نسائه

ينوح وينعي الظامي المترملا

خرجن بنيات البتول حواسراً

فعاينّ مهر السبط والسرج قد خلا

قادمين باللطم الخدود لفقده

واسكبن دمعاً حره ليس يصطلى

ولم أنس زينب تستغيث سكينة

أخي كنت لي حصناً حصيناً وموئلا

أخي يا قتيل الأدعياء كسرتني

وأورثتني حزناً مقيماً مطولا

أخي كنت أرجو أن أكون لك الفدا

فقد خبت فيما كنت فيه أؤملا

أخي ليتني أصبحت عميا ولا أرى

جبينك والوجه الجميل مرملا

وتدعو إلى الزهراء بنت محمّد

أيا اُمّ ركني قد وهى وتزلزلا

أيا اُم قد أمسى حبيبك بالعرى

طريحاً ذبيحاً بالدماء مغسلا

أيا أم نوحي فالكريم على القنا

يلوح كالبدر المنير إذا انجلا

ونوحي على النحر الخضيب واسكبي

دموعاً على الخد التريب المرملا

ونوحي على السجاد في الأسر بعده

يقاد إلى الرجس اللعين مغللا

فيا حسرة ما تنقضي ومصيبة

إلى أن نرى المهدي بالنصر أقبلا

إمام مقيم الدين بعد خفائه

إمام له رب السماوات فضلا

أيا آل طه يا رجائي وعدتي

وعوني ويا أهل المفاخر والعلى

يميناً بأني ما ذكرت مصابكم

أيا سادتي إلّا أبيت مقلقلا

فحزني عليكم كل آن مجدد

مقيم إلى أن أسكن الترب والبلا

عبيدكم العبد الحقير محمّد

كئيب وقد أمسى عليكم معولا

يؤملكم يا سادتي تشفعوا له

إذا ما أتى يوم الحساب ليسألا

فو الله ما أرجو النجاة بغيركم

غداً يوم آتي خائفاً متوجلا

إذا فر مني والدي ومصاحبي

وعاينت ما قدّمت في زمن خلا


ومنوا على الحضار بالعفو في غد

لأن بكم قدري وقدرهم علا

عليكم سلام الله يا آل أحمد

سلام على مرّ الزمان مطولا

الباب الثالث

اعلموا أيّها الاُمّة , إنّ الأئمّة كثيرة جمّة , كلّما كتمها المبغضون نمت اشتهاراً , وكلّما سترها الحاسدون انكشفت إظهاراً , حتّى من الخصوم في مصنفاتهم وأخبارهم ورواياتهم , وفي ذلك تكمل الحجّة وتستتم عليهم المحجّة , ولله درّ مَن قال :

ومليحة شهدت لها ضرائها

والفضل ما شهدت به الضراء

روي من طريق الخصم ، عن البلخي يرويه متصلاً عن مشايخه , قال : كانت فاطمة عند رسول الله في شكاته التي قُبض فيها , فبكت حتى ارتفع صوتها , فرفع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) طرفه إليها فقال : (( حبيبتي فاطمة , ما الذي يبكيك ؟ )) .قالت : (( أخشى الضّيعة من بعدك )) .فقال : (( يا حبيبتي , أما علمت أنّ الله قد اطّلع إلى الدّنيا اطلاعة , فاختار منها أباك فبعثه برسالته , واطّلع إطلاعة اُخرى فاختار منها بعلك , وأوحى إليّ أن أزوّجك به .يا فاطمة , نحن أهل بيت قد أعطانا الله سبع خصال , لم يعطها لأحد قبلنا ولا يعطي لأحد بعدنا , أنا خاتم النّبيين وأكرم النّبيين على الله وأحبّ المخلوقين إليه , ووصيي خير الأوصياء وأحبّهم إلى الله تعالى وهو بعلك , وشهيدنا خير الشّهداء وأحبّهم إلى الله تعالى , وهو حمزة بن عبد الـمُطلب عمّ أبيك وبعلك ، ومنّا مَن له جناحان أخضران , يطير بهما في الجنّة مع الملائكة حيث يشاء , وهو ابن عمّ أبيك وأخو بعلك ، ومنّا سبطا هذه الاُمّة ؛ وهما ابناك الحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) , وهما سيّدا شباب أهل الجنّة , وأبوهما والذي بعثني بالحقّ , خير منهما .يا فاطمة , والذي بعثني بالحقّ , إنّ منهما مهديّ هذه الاُمّة , إذا صارت الدُنيا هرجاً ومرجاً , وتظاهرت الفتن وتقطّعت السّبل , وأغار بعضهم على بعض , فلا كبير يرحم صغيراً , ولا صغير يوقر كبيراً , فيبعث الله عند ذلك , مَن يفتح حصون الضّلالة , ويقوم بالدّين في آخر الزّمان ما قمت به أوّل الزّمان , ويملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً ، لا تحزني ولا تبكي فإنّ الله أرحم بك وأرأف عليك ؛ لمكانك منّي وموقعك من قلبي , وزوّجك


الله بعليّ , وهو أشرف أهل بيتك حسباً , وأعلاهم منصباً , وأرحمهم بالرّعية , وأعدلهم بالسّوية , وأبصرهم بالقضية .وقد سألت ربّي أن تكوني أوّل من يلحقني )) .فلم تبقَ بعده إلّا خمسة وسبعون يوماً , حتّى ألحقها الله به.

وبالإسناد المذكور قال : قال رسول لله (ع) : (( فيأتي المهدي وقد نزل عيسى بن مريم كأنّما يقطر من شعره الماء , فيقول المهدي : تقدّم صلّ بالنّاس .فيقول عيسى : إنّما اُقيمت الصّلاة لك .فيُصلّي عيسى ثمّ خلفه رجل من ولدي , فإذا صُلّيت الصّلاة , قام عيسى حتّى جلس في المقام فبايعه , فيمكث أربعين سنة )) أوّل الآيات في زمان الدّجال , ثمّ نزول عيسى , ثمّ نار تخرج من بحر عدن تسوق النّاس إلى المحشر.

فيا إخواني , أيّ فضل أعظم من فضل أئمتكم ؟ وأيّ حقّ أوجب من حقّ صفوتكم ؟ شهد القرآن بفضلهم وأكّد الله على النّاس بحقّهم , فقال - فيما أوحى على لسان الرّسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) .فجعل جزاء الإسلام والخلاص من النّار محبّة الآل الأطهار , فانظروا إلى البلاء الذي رُفع بسبب مودّتهم عنكم , ولكن على قدرة المحبّة لهم منكم , ولله درّ مَن قال :

وإني قد علقت بحب قوم

إذا ناداهم المضطر جاءوا

هم القوم الذي إذا ألمت

من الأيام مظلمة أضاءوا

وإن بلادهم ما قد علمتم

على الأيام أن يقع البلاء

بمديحهم يسعتين المادحون , فيتسع لهم المقال فيما يقول , كأنّ لهم الصّيب الكامل , بل الكلّ لديهم حاصل , وإن كان لغيرهم شيء من الشّرف , فمن بحرهم أخذ واغترف.

روى جمع من الصّحابة قالوا : دخل النّبي دار فاطمة فقال : (( يا فاطمة , إنّ أباك اليوم ضيفك )) .فقالت : (( يا أبة , إنّ الحسن والحُسين يطالباني بشيء من الزّاد , فلم أجد لهما شيئاً يقتاتان به )) .ثمّ إنّ النّبي دخل وجلس مع ؛ عليّ والحسن والحُسين وفاطمة (عليهم‌السلام ) , وفاطمة مُتحيّرة ما تدري كيف تصنع , ثمّ إنّ النّبي نظر إلى السّماء ساعة , وإذا بجبرائيل قد نزل وقال : يا مُحمّد , العلي الأعلى يقرؤك السّلام ويخصّك بالتّحية والإكرام ويقول لك : (( قُل لعليّ وفاطمة والحسن والحُسين , أيّ شيء يشتهون من فواكه الجنّة ؟ )) .فقال النّبي : (( يا عليّ ويا فاطمة ويا حسن ويا حُسين , إنّ ربّ العزّة

____________________

(١) سورة الشّورى / ٢٣.


علم أنّكم جياع , فأيّ شيء تشتهون من فواكه الجنّة ؟ )) .فأمسكوا عن الكلام ولم يردّوا جواباً ؛ حياء من النّبي (ص) , فقال الحُسين (ع) : (( عن إذنك يا أباه يا أمير المؤمنين , وعن إذنك يا اُمّاه يا سيدة نساء العالمين , وعن إذنك يا أخاه الحسن الزّكي , أختار لكم شيئاً من فواكه الجنّة ؟ )) .فقالوا جميعاً (عليهم‌السلام ) : (( قُل يا حُسين ما شئت , فقد رضينا بما تختاره لنا )) .فقال : (( يا رسول الله , قُل لجبرائيل إنّا نشتهي رُطباً جنيّاً )) .فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( قد علم الله ذلك )) .ثمّ قال : (( يا فاطمة , قومي ادخلي البيت واحضري إلينا ما فيه )) .فدخلت فرأت فيه طبقاً من البلّور مُغطّى بمنديل من السّندس الأخضر , وفيه رُطب جني في غير أوانه , فقال النّبي : (( أنّى لك هذا ؟! )) .قالت : (( هو من عند الله , إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب )) .(كما قالت بنت عمران) .فقام النّبي وتناوله منها وقدّمه بين أيديهم , ثمّ قال : (( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )) .ثمّ أخذ رطبة فوضعها في فم الحُسين , فقال : (( هنيئاً مريئاً يا حُسين )) .ثمّ أخذ رطبة فوضعها في فم الحسن , وقال : (( هنيئاً مريئاً يا حسن )) .ثمّ أخذ رطبة ثالثة فوضعها في فم فاطمة الزّهراء ، وقال : (( هنيئاً مريئاً لك يا فاطمة الزّهراء )) .ثمّ أخذ رطبة رابعة فوضعها في فم عليّ , وقال : (( هنيئاً مريئاً لك يا عليّ )) .ثمّ ناول عليّاً رطبة اُخرى , والنّبي يقول له : (( هنيئاً لك يا عليّ )) .ثمّ وثب النّبي قائماً ثمّ جلس , ثمّ أكلوا جميعاً من ذلك الرُطب , فلمّا اكتفوا وشبعوا , ارتفعت المائدة إلى السّماء بإذن الله تعالى , فقالت فاطمة : (( يا أبة , لقد رأيت اليوم منك عجباً ! )) .فقال : (( يا فاطمة , أمّا الرّطبة الأولى التي وضعتها في فم الحُسين وقلت له : هنيئاً يا حُسين .فإنّي سمعت ميكائيل وإسرافيل يقولان : هنيئاً لك يا حُسين .فقلت أيضاً موافقاً لهما بالقول : هنيئاً لك يا حُسين .ثمّ أخذت الثّانية فوضعتها في فم الحسن , فسمعت جبرائيل وميكائيل يقولان : هنيئاً لك يا حسن .فقلت أنا موافقاً لهما في القول , ثمّ أخذت الثّالثة فوضعتها في فمك يا فاطمة , فسمعت الحور العين مسرورين مشرفين علينا من الجنان , وهنّ يقلنّ : هنيئاً لك يا فاطمة .فقلت موافقاً لهنّ بالقول , ولـمّا أخذت الرّابعة فوضعتها في فم عليّ , سمعت النّداء من الحقّ سبحانه وتعالى يقول : هنيئاً مريئاً لك يا عليّ .فقلت موافقاً لقول الله عزّ وجلّ , ثمّ ناولت عليّاً رطبة اُخرى ثمّ اُخرى , وأنا أسمع صوت الحقّ سبحانه وتعالى يقول : هنيئاً مريئاً لك يا عليّ .ثمّ قمت إجلالاً لرّب العزّة جلّ جلاله , فسمعته يقول : يا


محمّد , وعزّتي وجلالي , لو ناولت عليّاً من هذه السّاعة إلى يوم القيامة رُطبة رُطبة , لقلت له هنيئاً مريئاً بغير انقطاع )).

فيا إخواني , هذا هو الشّرف الرّفيع والفضل المنيع , ولله درّ مَن قال :

لمثل علاهم ينتهي المجد والفخر

وعند نداهم يخجل الغيث والبحر

وعمر سواهم في العلى مثل يومهم

إذا ما علا قدراً ويومهم عمر

وأيامهم بيض إذا اسود حادث

وأسيافهم حمر وأكنافهم خضر

ملكتم فلا عدوى حكمتم فلاهوى

علمتم فلا دعوى علوتم فلا كبر

وذكركم في كل شرق ومغرب

على الناس يتلى كلما تلي الذكر

فيا إخواني , كيف الصّبر ل ـ مَن يتأمّل مولاه الحُسين (عليه‌السلام ) واقفاً في عرصة كربلاء , وهو ينادي : (( ألا هل من نصير ينصر آل مُحمّد المختار ؟ ألا هل من ذاب يذبّ عن الذرّيّة الأطهار ؟ أين الثُقاة البررة ؟ أين الأتقياء ؟ أين مَن أوجب حقّاً عليه الإسلام ؟ أين الوصيّة فينا من الرّسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟ )).

فوا عجباه من غفلة أهل هذا الزّمان واشتغالهم عن إقامة عزاء الشّهيد العطشان ! وما عذر أهل الإيمان في إضاعة البكاء والأحزان على سيّد شباب أهل الجنان ونسل سيّد ولد عدنان , ألم يعلموا أنّ النّبي (ص) أضحى لمصابه موتوراً ولقتله مضطهداً مقهوراً ؟!

وكيف لا نبكي لبكاء الزّهراء (عليها‌السلام ) ؟! وكيف لا نحزن لحزن الـمُرتضى ؟! وكيف لا ننوح لقتل الإمام المنبوذ بالعراء ؛ لنفوز بثواب هذا المصاب ونحوز الجنّة يوم المآب.

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم.

القصيدة للشيخ الجليل ابن حماد:

أهجرت يا ذات الجمال دلالا

وجعلت جسمي للصدود خيالا

وسقيتني كأس الفراق مرارة

ومنعت عذب رضا بك السلسالا

أسفاً كما منع الحُسين بكربلا

ماء الفرات وأوسعوه خيالا

وسقوه أطراف الأسنة والقنا

ويزيد يشرب في القصور زلالا

لم أنس مولاي الحُسين بكربلا

ملقى طريحاً بالدماء رمالا


واحسرتا كم يستغيث بجده

والشمر منه يقطع الأوصالا

ويقول يا جداه ليتك حاضراً

فعساك تمنع دونا الأنذالا

ويقول للشمر اللعين وقد علا

صدراً تربى في تقى ودلالا

يا شمر تقتلني بغير جناية

حقاً ستجزى في الجحيم نكالا

فاحتز بالغضب المهند رأسه

ظلماً وهز برأسه العسالا

وعلا به فوق السنان وكبروا

لله جلّ جلاله وتعالى

فارتجت السبع الطباق وأظلمت

وتزلزلت لمصابه زلزالا

وبكين أطباق السماء وأمطرت

أسفاً لمصرعه دما قد سالا

يا ويلكم اتكبرون لفقد من

قتلوا به التكبير والتهليلا

تركوه شلواً في الفلاة وصيروا

للخيل في جسد الحُسين مجالا

ولقد عجبت من الإله وحلمه

في الحال جلّ جلاله وتعالى

كفروا فلم يخسف بهم أرضاً بما

فعلوا وأمهلهم به إمهالا

وغدا الحصان من الوقيعة عارياً

ينعي الحُسين وقد مضى إجفالا

متوجهاً نحو الخيام مخضباً

بدم الحُسين وسرجه قد مالا

وتقول زينب ياسكينة قد أتى

فرس الحُسين فانظري ذا الحالا

قامت سكينة عاينته محمحماً

ملقي العنان فأعولت إعوالا

فبكت وقالت وا شماتة حاسدي

قتلوا الحُسين وأيتموا الأطفالا

يا عمتاه جاء الحصان مخضباً

بدم الشهيد ودمعه قد سالا

لما سمعن الطاهرات سكينة

تنعي الحُسين وتظهر الأعوالا

ابرزن من وسط الخدور صوارخا

يندبن سبط محمّد المفضالا

فلطمن منهن الخدود وكشفت

منها الوجوه وأعولت إعوالا

وخمشن منهن الوجوه لفقد من

نادى مناد في السماء وقالا

قتل الإمام ابن الإمام بكربلا

ظلماً وقاسى منهم الأهوالا

وتقول يا جداه نسل اُميّة

قتلوا الحُسين وذبحوا الأطفالا

يا جدنا فعلوا علوج اُمية

فعلا شنيعاً يدهش الأفعالا

يا جدنا هذا الحُسين بكربلا

قد بضعوه أسنة ونصالا


ملقى على شاطئ الفرات مجدلا

في الغاضرية للورى أمثالا

ثم استباحوا في الطفوف حريمه

نهبوا السراة وقوضوا الاجمالا

وغدوا بزين العابدين مكتفاً

فوق المطية يشتكي الأهوالا

يبكي أباه بعبرة مسفوحة

أسروه مضنى لا يطيق نزالا

وأتوا به نحو الخيام واُمّه

تبكي وتسحب خلفه الأذيالا

وتقول ليت الموت جاء ولم أرى

هذي الفعال وانظر الأنذالا

لو كان والده عليّ المرتضى

حياً لجندل دونه الأبطالا

ولفر جيش المارقين هزيمة

من سيفه لا يستطيع قتالا

يا ويلكم فستسحبون أذلة

وستحملون بفعلكم أثقالا

فعلى ابن سعد واللعين عبيدة

لعن تجدد لا يزول زوالا

وعلى محمّد ثم آل محمّد

روح وريحان يدوم مقالا

وعليهم صلّى المهيمن ما حدا

في البيد ركبان تسير عجالا

فمتى تعود لآل أحمد دولة

ونرى لملك الظالمين زوالا

يا آل أحمد أنتم سفن النجا

وأنا وحقكم لكم أتوالا

أرجوكم لي في المعاد ذريعة

وبكم أفوز وأبلغ الآمالا

فلأنتم حجج الإله على الورى

من لم يقل ما قلت قال محالا

والله أنزل هل أتى في مدحكم

والنمل والحجرات والأنفالا

والمرتقى من فوق منكب أحمد

منكم ولو رام السماء لنالا

وعليكم نزل الكتاب مفضلا

والله أنزله لكم إنزالا

نص بإذن الله لا من نفسه

ذو العرش به نص لكم إفضالا

فتكلم المختار لما جاءه

من ربه جبريلهم إرسالا

إذ قال هذا وارثي وخليفتي

في اُمّتي فلتسمعوا ما قالا

أفديكم آل النّبي بمهجتي

وأبي وأبذل فيكم الأموالا

وأنا ابن حماد وليكم الذي

لم يرض غيركم ولم يتوالا

أصبحت معتصماً بحبل ولائكم

جسداً وإن قصر الزمان وطالا

وأنا الذي أهواكم يا سادتي

أرجو بذاك عناية ونوالا

بعد الصلاة على النّبي محمّد

ما غرد القمري وأرخى البالا


المجلس الثّاني

في أوّل يوم من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

يا إخواني , لو تصوّر الـمُحب لآل الرّسول , ما لاقوا من الخطب المهول , لاختاروا الموت والفنا على الحياة والبقا ، وكيف لا , والحُسين (عليه‌السلام ) مجدّل فوق الرّمال , معلّى رأسه على رأس رمح ميّال , وذراريه تُسبى حسراً على الجمال , يُطاف بهم في البلاد مقيّدين في الأصفاد , كلّ هذا والدّموع جامدة , والعيون راقدة والأصوات خامدة , فسيلوا رحمكم الله على هذا المصاب شآبيب الهتان , وتجلببوا جلابيب الإكتئاب والأحزان , واظهروا النّوح والعويل على هذا الرّزء الجليل , أما علمتم أنّكم توافقون الملائكة في ثوابهم , وتواسون النّبي في الحزن على مصابهم ؟ أما تحبّون أن يرضى عنكم مبدع الموجودات ؟ أما تُريدون أن تكونوا بذلك آمنين من الكُربات يوم عرض الخلائق على ربّ السّماوات ؟ فإنّ مَن لم يحزن لمصابهم فليس هو من أتباعهم وأحبائهم ، ولله درّ مَن قال :

يا لكرب بكربلاء عظيم

ولرزء على النّبي ثقيل

كم بكى جبريل مما دهاه

في بنيه صلوا على جبريل

سوف تأتي الزهراء تلتمس

الحكم إذا حان محشر التعديل

وأبوها وبعلها وبنوها

حولها والخصام غير قليل

وتنادي يا رب ذبح أولادي

لماذا وأنت خير مديل


فيناد بمالك إلهب النار

وأجج وخذ بأهل الغلول

يا بني المصطفى بكيت وأبكي

ونفسي لم تأت بعد بسول

ليت روحي ذابت دموعاً

فأبكي للذي نالكم من التذليل

ومتى كادني النواصب فيكم

حسبي الله وهو خير وكيل

روي عن سيّد البّشر فيما جاء من الخبر , أنّه قال: (( مَن ذُكر الحُسين (عليه‌السلام ) عنده , فخرج من عينه من الدّموع بقدر جناح الذّبابة , كان ثوابه على الله تعالى , ولم يرض له بدون الجنّة جزاء )).

وعن أبي هارون المكفوف أنّه قال : قال لي الصّادق (عليه‌السلام ) : (( يا أبا هارون , أنشد لي في الحُسين شعراً )) .فأنشدته قصيدة , فبكا بكاءاً شديداً وكذلك أصحابه , فقال : (( زدني قصيدة اُخرى )) .فأنشدته , فبكى طويلاً وسمعت أيضاً نحيباً من وراء السّتر من أهل بيته , ولم أزل أسمع نحيب عياله وأهل بيته حتّى فرغت من إنشاد القصيدة , فلمّا فرغت , قال لي : (( يا أبا هارون , مَن أنشد في الحُسين (عليه‌السلام ) شعراً فبكى أو أبكى واحداً , كتب الله له (ولهما) الجنّة )).

وحكى دعبل الخُزاعي , قال : دخلت على سيّدي ومولاي عليّ بن موسى الرّضا (عليه‌السلام ) في مثل هذه الأيام , فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب وأصحابه من حوله , فلمّا رآني مُقبلاً , قال لي : (( مرحباً بك يا دعبل , مرحباً بناصرنا بيده ولسانه )) .ثمّ إنّه وسع لي وأجلسني إلى جانبه , ثمّ قال لي : (( يا دعبل , أحبّ أن تنشدني شعراً , فإنّ هذه الأيّام أيّام حزن كانت علينا أهل البيت , وأيّام سرور كانت على أعدائنا خصوصاً بني اُميّة .يا دعبل , مَن بكى أو أبكى على مصابنا ولو كان واحداً أجره على الله .يا دعبل , مَن ذرفت عيناه على مصابنا وبكى لما أصابنا من أعدائنا , حشره الله معنا في زمرتنا .يادعبل , مَن بكى على مصاب جدّي الحُسين غفر الله له ذنوبه البّتة )) .ثمّ إنّه (عليه‌السلام ) نهض وضرب ستراً بيننا وبين حرمه , وأجلس أهل بيته من وراء السّتر ؛ ليبكوا على مصاب جدّهم الحُسين (عليه‌السلام ) , ثمّ التفت إليّ وقال : (( يا دعبل , ارث الحُسين , فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيّاً , فلا تقصّر عن نصرتنا ما استطعت )).

قال دعبل : فاسعبرت وسالت عبرتي , وأنشأت أقول :

أفاطم لو خلت الحُسين مجدلا

وقد مات عطشاناً بشط فرات

إذاً للطمت الخد فاطم عنده

وأجريت دمع العين في الوجنات


أفاطم قومي يابنة الخير واندبي

نجوم سماوات بأرض فلات

قبور (بكوفان) واُخرى بطيبة

واُخرى (بفخ) نالها صلوات

قبور ببطن النهر من جنب (كربلا)

معرسهم فيها بشط فرات

توفوا عطاشى بالعرى فليتني

توفيت فيهم قبل حين وفاة

إلى الله أشكوا لوعة عند ذكرهم

سقتني بكأس الثكل والصعقات

إذا فخروا يوماً أتوا بمحمّد

وجبريل والقرآن والسورات

وعدوا علياً ذا المناقب والعلى

وفاطمة الزهراء خير بنات

وحمزة والعبّاس ذا الدين والتقى

وجعفرها الطيار في الحجبات

أولئك مشؤمون هنداً وحربها

سمية من نوكى ومن قذرات

هم منعوا الآباء من أخذ حقهم

وهم تركوا الأبناء رهن شتات

سأبكيهم ما حج لله راكب

وما ناح قمري على الشجرات

فيا عين أبكيهم وجودي بعبرة

فقد آن للتسكاب والهملات

بنات زياد في القصور مصونة

وآل رسول الله منهتكات

وآل زياد في الحصون منيعة

وآل رسول الله في الفلوات

ديار رسول الله أصبحن بلقعاً

وآل زياد تسكن الحجرات

وآل رسول الله نحف جسومهم

وآل زياد غلظ القصرات

وآل رسول الله تدمى نحورهم

وآل زياد ربة الحجلات

وآل رسول الله تسبى حريمهم

وآل زياد آمنوا السربات

إذا وتروا مدوا إلى واترهم

أكفاً عن الأوتار منقبضات

سأبكيهم ما در في الأرض شارق

ونادى منادي الخير للصلوات

وما طلعت شمس وحان غروبها

وبالليل أبكيهم وبالغدوات

فيا إخواني , كيف لا يحقّ لنا البُكاء عليهم وإظهار الجزع والإكتئاب لديهم , وهم أعلام الرّحمن واُمناء القرآن ؟!

روي عن الباقر (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( أيما مؤمن ذرفت عيناه على مصاب الحُسين (عليه‌السلام ) حتّى تسيل على خدّه , بوأه الله في الجنّة غُرفاً , يسكنها أحقاباً .وأيما مؤمن مسّه أذى فينا , صرف الله عن وجهه الأذى يوم القيامة , وآمنه من سخط النّار)).

وعن الصّادق (عليه‌السلام ) أنّه قال : (( مَن ذُكرنا عنده


ففاض من عينه دمع ولو مثل رأس الذُبابة , غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زَبد البحر )).

وعنه (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( رحم الله شيعتنا , لقد شاركونا في المصيبة , بطول الحزن والحسرة على مصاب الحُسين (عليه‌السلام ) )).

وعنه (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( مَن بكى أو أبكى فينا مئة فله الجنّة , ومَن بكى أو أبكى عشرة فله الجنّة , ومَن بكى أو أبكى واحداً فله الجنّة , ومَن تباكى فله الجنّة ، ومَن لم يستطع أن يبكي , فليقشعر جلده من الحزن فينا )).

فيا إخواني , انظروا إلى عظم فضيلة البُكاء على هذا الشّخص الرّباني , واغسلوا درن ذنوبكم بماء دموعكم ، ونعوذ بالله من عين لا تدمع وقلب لا يخشع.

روي : أنّه لمـّا أخبر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ابنته فاطمة بقتل ولدها الحُسين , وما يجري عليه من المحن , بكت فاطمة (عليها‌السلام ) بُكاءاً شديداً , وقالت : (( يا أبي ؛ متى يكون ذلك ؟ )) .قال (ص) : (( في زمان خال منّي ومنك ومن عليّ )) .فاشتدّ بكاؤها وقالت : (( يا أبة ؛ فمَن يبكي عليه ؟ ومَن يلتزم بإقامة العزاء له ؟ )).

فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يا فاطمة , إنّ نساء اُمّي يبكون على نساء أهل بيتي , ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي ، ويجددون العزاء جيلاً بعد جيل في كُلّ سنة ، فإذا كان يوم القيامة , تشفعين أنت للنساء وأنا أشفع للرجال ، وكُلّ مَن بكى منهم على مصاب الحُسين أخذنا بيده وأدخلناه الجنّة .يا فاطمة , كُلّ عين باكية يوم القيامة , إلّا عين بكت على مصاب الحُسين , فإنّها ضاحكة مُستبشرة بنعيم الجنّة )).

فيا إخواني , أكثروا البكاء والعويل على هذا العزيز الجليل ؛ لتفوزوا بالثّواب الجزيل من الرّبّ الجليل , فإنّ الله جعل متابعتنا لهم فيما أمكن من الفعال ، وبكاؤنا عليهم بالدّمع السّجال ، وبعث عيوب أعدائهم أهل الضّلال قائماً مقام الجهاد معهم في يوم القتال ، كما ورد في الخبر عن وصي سيّد البشر , أنّه قال لأصحابه : (( الزموا بيوتكم واصبروا على البلاء , ولا تتحركوا بأيديكم وسيوفكم وهوى ألسنتكم , ولا تستعجلوا بما لم يعجّله الله لكم , فإنّه مَن مات منكم على فراشه , وهو على معرفة من حقّ ربّه وحقّ رسوله وآل رسوله , كان كمن مات شهيداً ووقع أجره على الله تعالى , واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله , وقامت النّية مقام إصالته وجهاده بسيفه ويده , وإنّ لكُلّ شيء أجلاً


وانتهاءاً )).

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون ، وإيّاهم فليندب النّادبون ، ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان ، فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ الخليعي (رحمه‌الله )

أي عذر لمهجة لا تذوب

وحشاً لا يشب فيها لهيب

ولقلب يفيق من ألم للحزن

ولعين دموعها لا تصوب

وابن بنت النّبي بالطف مطروح

ملقى والجبين منه تريب

حوله مني بني أبيه شباب

صرعتهم أيدي المنايا وشيب

وحريم النّبي عبرى من الئكل

وحرى خمارها منهوب

تلك تدعو أخي وتلك تنادي

يا أبي وهو شاخص لا يجيب

لهف قلبي وطفله في يديه

يتلظى والنحر منه خضيب

لهف قلبي لأخته زينب تأوي

اليتامى ودمعها مسكوب

لهف قلبي لفاطم خيفةالسبي

تجافي وقلبها مرعوب

لهف قلبي لاُم كلثوم والخدان

منها قد خددتها الندوب

وهي تدعو يا واحدي يا شقيقي

يا مغيثي قد برحت بي الخطوب

ثم تشكو إلى النّبي ودمع العين

في خدها الأسيل وصيب

جد يا جد لو ترانا حيارى

قد عرتنا بكربلاء الكروب

جد يا جد لم يفد ذلك النصح

وذاك الترغيب والترهيب

جد لم تقبل الوصية في الأهل

ولم يرحم الوحيد الغريب

يصبح الجاحد البعيد من الحقّ

قريباً منهم ويقضي القريب

أين عيناك والحُسين قتيل

وعلي مغلل مضروب

لو ترى سبطك المفدى طريحاً

عارياً والرداء منه سليب

لو ترانا نساق بالذل ما بين

العدى قد قسمت علينا القلوب

لو ترانا حرى وقد أبرزت منا

وجوه صينت وشقت جيوب

بأبي الطاهرات تحدى بهن العيس

بين الملا وطوى السهوب

بأبي رأس جل فاطمة

يشهره للعيون رمح كعوب


يا بن أزكى الورى نجاراً على

مثلك يستحسن البكا والنحيب

هاجفوني لما اُصيبت به

قرحي وقلبي لما رزيت كئيب

أين قلبي الشجي والفارغ البال

وأين المحق والمستريب

لا هناني عيشي ومبسمك الدرى

باد وقد علاه قضيب

ليت أبي فداك لو كان بالعبد

يفدي المولى الحسيب النسيب

سهم بغي الأولى أصابك من قبـ

ـل ولله عنك سهم مصيب

أظهروا فيك حقد بدر من قبـ

ـل دعوا للهدى ولم يستجيبوا

يا بني أحمد إلى مدحكم قلب

الخليعي مستهام طروب

كيف صبر امرئ برى الود في

القربى وجوباً وإرثكم مغصوب

أنتم حجة الإله على الخلق

وأنتم للطالب المطلوب

بولاكم وبغض أعدائكم تقبل

أعمالنا وتمحى الذنوب

لثناكم شاهت وجوه ذوي النـ

ـصب وشقت من النغول القلوب

الباب الثّاني

اعلموا أيّها الأخوان , إنّ نفثات الأحزان إذا صدر عن زفير نيران الأشجان , فرجت بعض الكروب عن الواله المكروب ، والدّموع الهتان إذا أسبلت عن مقرحات الأجفان ، نفس ذلك الدّمع المصبوب ما يجده المتيم المتعوب , فليلبس كلّ واحد منكم شعار أحزانه , وليتجلبب بجلباب كآبته واشجانه.

أما تعلمون أنّ لكلّ واحد منكم تمام إيمانه ؟ أما تحبّون أن يرجع ذلك لكلّ واحد منكم بميزانه ؟ أأبلغ شاهد من هذا تريدون ؟ فلِمَ عن إقامة العزاء متقاصرون ؟ أما بلغكم أنّ بعينهم جميع ما تصنعون ؟ أما قال عزّ وجلّ :( وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (١) ؟ .بل والله أنّه قول لا مرية فيه ولا شكّ يعتريه , ولله درّ مَن قال :

يا من بجاههم الظليل وعزهم

لذوي المراتب في البرايا سادوا

فلهم على السبع الطرايق منصب

عالي البناء له العلاء عماد

وحياض وردهم لكل مؤمل

يروي به الرواد والوراد

____________________

(١) سورة آل عمران / ١٦٩.


إن أوعدوا صفحوا عن الجاني وإن

وعدوا بخير انجزوا الميعاد

تضع الملوك جباههم في أرضهم

ولزهدهم تتأدب الزهاد

إن كان غيري ناسياً لمصابكم

فالحزن في قلبي له تزداد

بالله أقسم لا تعدي دينكم

إلّا زنيم دينه الحاد

عن الصّادق (عليه‌السلام ) : (( إذا كان يوم القيامة , نُصب لفاطمة (عليها‌السلام ) قبّة من نور , ويقبل الحُسين (عليه‌السلام ) ماشياً ورأسه في يده , فإذا رأته فاطمة (عليها‌السلام ) , شهقت شهقة عظيمة , فلا يبقى في ذلك الموقف ملك ولا نبيّ إلّا وبكى لبكائها , فيمثل الله الحُسين في أحسن صور , فيخاصم قتلته وهو بلا رأس , فيجمع الله قتلته والمجهزين عليه ومن شرك في قتاله فيقتلهم عليّ ، ثمّ يُنشرون فيقتلهم الحسن , ثمّ يُنشرون فيقتلهم الأئمة )).

وفي خبر آخر عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , قال : (( إذا كان يوم القيامة , جاءت فاطمة الزّهراء في لـمّة من نساء أهل الجنّة , فيُقال لها : ادخلي .فتقول : لا ادخل حتّى أعلم ما صُنع بولدي الحُسين .فيُقال لها : انظري في قلب القيامة .فتنظر يميناً وشمالاً فترى الحُسين وهو قائم ليس عليه رأس , فتصرخ صرخة عالية وتصرخ الملائكة لصرختها , وتقول : وا ولداه وا ثمرة فؤاداه ! قال : فيشتدّ غضب الله عند ذلك , فيأمر الله ناراً اسمها هبهب , قد أوقدوا عليها ألف عام حتّى اسودّت واظلمّت , لا يدخلها روح ولا يخرج منها همّ ولا غمّ أبداً , فيُقال لها : التّقطي قتلة الحُسين .فتلتقطهم جميعاً واحداً بعد واحد , فإذا صاروا في حوصلتها , صهلت بهم وصهلوا بها , وشهقت بهم وشهقوا بها , واشتدّ عليهم العذاب , فيقولون : ربّنا لِمَ أوجبت علينا النّار قبل عَبدة الأوثان ؟ فيأتيهم الجواب عن الله : إنّ مَن علم ليس كمن لا يعلم ))( فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ) (١) ولله درّ مَن قال :

عين تروم فراق شخصك ساعة

كحلت بأميال العمى آماقها

نفس للحظك لم تكن مشتاقة

ضربت بأسياف العدى أعناقها

روي عن الفضل بن شاذان قال : سمعت الرّضا (عليه‌السلام ) يقول : (( لمـّا أمر الله إبراهيم (عليه‌السلام ) أن يذبح مكان إسماعيل الكبش - الذي أنزله عليه - , تمنّى إبراهيم أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل بيده , وإنّه يؤمر بذبح الكبش مكانه ؛ ليرجع إلى قلبه ما

____________________

(١) سورة الأحقاف / ٢٠.


يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعزّ ولده , فيستحقّ بذلك أرفع درجات أهل الثّواب على المصائب , فأوحى الله عزّ وجلّ إليه : يا إبراهيم , مَن أحبّ خلقي إليك ؟ فقال : يا ربّ , ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ من حبيبك مُحمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) .فأوحى الله إليه : يا إبراهيم , هو أحبّ إليك أمّ نفسك ؟ فقال : بل هو أحبّ إليّ من نفسي .قال : فولده أحبّ إليك أم ولدك ؟ قال : بل ولده .قال : فذبح ولده ظُلماً على يدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي ؟ قال : يا ربّ , بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي .قال : يا إبراهيم , إنّ طائفة تزعم أنّها من اُمّته , ستقتل الحُسين ابنه من بعده ظُلماً وعدواناً كما يُذبح الكبش , ويستوجبون بذلك بيدك ؛ بجزعك على الحُسين وقتله , وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثّواب على المصائب , وذلك قول الله تعالى :( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) (١) )) .ولله درّ مَن قال :

عليك ابن خير المرسلين تأسفي

وحزني وإن طال الزمان طويل

جللت فجل الرزء فيك على الورى

كذا كل رزء للجليل جليل

فوا حسرتاه لتلك الجسوم المرمّلة بالدّماء ! ووا لهفتاه لتلك الأفواه اليابسة من الظّماء ! وواحرّ قلباه لمولاي الحُسين وهو يُنادي فلا يُجاب , ويستغيث وليس مَن يرد الخطاب , ويطلب شربة من الماء فلا يُسقى أو لا يدارى , وقد حرّموه عليه وحلّلوه على اليهود والنّصارى , ومنعوه من توديع الأحباب والأولاد , وأظهروا في الإسلام حُزناً لا ينقضي حتّى المعاد ! فلا غرو إن بكت عليه محاجري أو فرّ السّهاد عن ناظري.

فيا إخواني , كيف يحسن نوح النّائحين وبكاء الباكين على إلف وخدين ؟ ولا يحسن على ابن أمير المؤمنين وابن سيّدة نساء العالمين , بلى والله والحقّ الـمُبين , ولله درّ مَن قال :

يا أهل بيت محمد دمعي لكم

جار وقلبي ما حييت كئيب

أنتم ولاة المسلمين وحبكم

فرض ونهج هداكم ملحوب

طبتم فحبكم النجاة وبغضكم

كفر برب العالمين وحوب

نُقل عن ابن عبّاس أنّه قال : لمـّا حضرت رسول الله الوفاة , بكى بكاء شديداً حتّى بلّت دموعه لحيته ، فقلت له : يا رسول الله , ما يبكيك ؟ فقال :

____________________

(١) سورة الصّافات / ١٠٧.


(( أبكي لذرّيّتي وما يصنع بهم من بعدي , وما يفعلون بهم أشرار اُمّتي , فكأنّي بفاطمة (عليها‌السلام ) ابنتي وقد ظُلمت من بعدي , وغُصب حقّها وقُهر بعلها وغُصبت على ميراثها , فكأنّي بها وهي تُنادي : يا أبتاه يا أبتاه ! فلا يعينها أحد من اُمّتي )).فسمعت فاطمة كلام أبيها فبكت , فقال لها النّبي : (( اسكتي يا فاطمة , ابشري يا بنت مُحمّد بسرعة اللحاق بي , ولم تلبثي بعدي إلّا قليلاً , وأنّك أوّل مَن يلحق بي من أهل بيتي )) .فسرّت بذلك سروراً عظيماً.

وفي بعض الأخبار عن أبي جعفر (عليه‌السلام ) , قال : (( ما راُيت فاطمة ضاحكة بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) )) .وقيل : ما كان في الدُنيا أعبد من فاطمة , كانت تقوم للصّلاة حتّى تتورّم قدماها .وقيل : لمـّا دُفن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ورجعت فاطمة إلى بيتها , اجتمع إليها نساؤها , فقالت : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، انقطع عنّا خبر السّماء )) .ثمّ قالت :

أغبر آفاق البلاد وكورت

شمس النهار وأظلم العصران

والأرض من بعد النّبي حزينة

أسفاً عليه كثيرة الرجفان

فليبكه شرق البلاد وغربها

وليبكه مصر وكل يمان

نفسي فداؤك ما لرأسك مائلاً

ما وسدوك وسادة الوسنان

ونُقل : إنّها وقعت على قبره , وقالت :

ما ضر من شم تربة أحمد

أن لا يشم مدى الزمان غواليا

صبت عليّ مصائب لو أنها

صبت على الأيام صرن لياليا

فيا إخواني , إن رغبتم في المنزل الكريم والثّواب العظيم الجسيم , فأديموا الحزن عليهم والجزع والكآبة لديهم ، فإنّه يكتب لكم في صحائف الحسنات ويمحو عنكم الذّنوب المعضلات .فعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون ، وإيّاهم فليندب النّادبن , ولمثلهم تذرف دموع العيون ، أولا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان ، فنظم وقال :

القصيدة للشيخ ابن حماد (رحمه‌الله )

خواطر فكري في الحشاء تجول

وحزني على آل النبي طويل

أراق دموعي ظلم آل محمد

وقتلي لنفسي في الهداة قليل


تهون الرزايا عند ذكر مصابهم

ورزؤهم في العالمين جليل

لعمرك خطب لو علمت جليل

وأمر عنيف لو علمت مهول

مصارع أولاد النبي بكربلا

عليهن حزني ما حييت يطول

قبور عليها النور يزهو عندها

صعود لأملاك السما ونزول

قبور بها يستدفع الضر والأذى

ويعطي بها رب السما وينيل

ولما رأيت الحير حارت مدامعي

وكان لها من قبل ذاك همول

ومثل لي يوم الحُسين وقوله

لأعدائه بالطف وهو يقول :

أما فيكم يا أيها الناس راحم

لعترة أولاد النبي وصول

أأقتل مظلوماً وقدما علمتم

بأن ليس لي في العالمين عديل

أليس أبي خير الوصيين كلهم

أما أنا للطهر النبي سليل

أما فاطم الزهراء اُمي ويلكم

وعمّاي أيضاً جعفر وعقيل

دعوني أرد ماء الفرات ودونكم

لقتلي فعندي للظماء غليل

فنادوه مهلاً يابن بنت محمّد

فليس إلى ما تبتغيه سبيل

فداؤك روحي يا حسين وعترتي

وأنت غفير في التراب جديل

فديتك لما مر مهرك عارياً

ورأسك في رأس السنان مثيل

بناتك تسبى كالإماء حواسراً

وسبطك ما بين العداة قتيل

وزينب تدعو بالحُسين وقلبها

حزين لفقدان السلو ثكول

أخي يا أخي قد كنت عزي ومنعتي

فأصبح عزي فيك وهو ذليل

أخي يا أخي لم أعط سؤلي ولم يكن

لأختك مأمول سواك وسول

أخي لو ترى عيناك ما فعل العدا

بنا لرأت أمراً هناك يهول

ترانا سبايا كالأماء حواسراً

يجد بنا نحو الشئام رحيل

أخي لاهنتي بعد فقدك عيشتى

ولا طاب لي حتى الممات مقيل

فإن كنت أزمعت المغيب فقل لنا

أما لك من بعد المغيب قفول

أقول كما قد قال عني والدي

وأدمعه بعد البتول همول

أرى علل الدنيا عليّ كثيرة

وصاحبها حتى الممات عليل

لكل اجتماع من خليلين فرقة

وإن بقائي بعدكم لقليل


يريد الفتى أن لا يفارق خله

وليس إلى ما يبتغيه سبيل

وإن افتقادي فاطماً بعد أحمد

دليل على أن لا يدوم خليل

عليكم سلام الله يا خيرة الورى

ومن فضلهم عند الإله جليل

بكم طاب ميلادي وإن ودادكم

بان على ما في الأمور دليل

لأنكم أعلى الورى عند ربكم

إذ الطرف في اليوم المعاد كليل

وإن موازين الخلائق حبكم

خفيف لما يأتي به وثقيل

وأصفيتكم ودي ودنت بحبكم

مقيم عليه لست عنه أحول

وإنكم يوم المعاد وسيلتي

ومالي سواكم إن علقت وسيل

تسمع لها بكر الغواني إذا بدت

تتيه على أقرانها وتصول

منمقة الألفاظ من قول قادر

على الشعر إن رام القريض يقول

لساني حسامي مرهف الحد قاطع

ورأيي سديد في الأمور دليل

وذلك فضل من إلهي وطوله

وفضل إلهي للعباد جزيل

ألا رب مغرور تناسى ولو درى

لكان إلى ما في الأمور يؤول

تشبه لي في الشعر عز فهل ترى

يكون سواء عالم وجهول

ولو لا حفاظ العهد بيني وبينه

لقلت ولكن الجميل جميل

كفى أن من يهوى غوات أراذل

لأم تناشوا في الخنا ونغول

وإني بحمد الله ما بين عصبة

لهم شيم محمودة وعقول

بحبكم يرجو ابن حماد سؤله

ويعلوه ظل في الجنان ظليل

فقل للذي يبغي عنادي لحينه

رويداً رويداً فالحديث يطول

الباب الثّالث

اتظنون أيّها المؤمنون إخوانكم أصحاب الحُسين (عليهم‌السلام ) عظمت عليهم تلك الآلام , أو أضرّت بهم تلك الجراح في ميدان الكفاح ؟ لا وخالق الأرواح , أليس هُم بعين الملك الجبّار ؟ أليس هُم في نصرة النّبي الـمُختار ؟ أما هُم الذين باعوا الدُنيا بالآخرة في نصرة الذّرية الطّاهرة ؟ لقد والله , شاهدوا مقاعدهم في الجنان مشاهدة الحضور والعيان ، وعلموا أنّهم قادمون عليها فبذلوا وسارعوا إليها , ولله درّ مَن قال فيهم :


قوم إذا حضر الوغى لم يسألوا

حذر المنية عن سبيل الهارب

وإذا الكماة تطاعنوا ألفيتهم

يتقدمون إلى مكان الضارب

فيا حبّذا نجم سعدهم اللائح ويا طيب نشر عطرهم الفائح ، كيف لا وقد تحقق أنّ القتيل منهم في سبيل الـمَلك الجليل لا يجب له التّغسيل ؛ لما ورد في الخبر عن سيّد البشر (ص) : (( رمّلوهم بدمائهم ؛ فإنّهم يُحشرون يوم القيامة تشخب أوداجهم دماً , اللون لون الدّم والرّيح ريح المسك )).

فيا إخواني , هل هذا إلّا لمكرمة حصلوها وفضيلة أدركوها ؟ وذلك هو الحظّ العظيم والنّيل الجسيم.

نُقل أنّه لمـّا قدم الحُسين (عليه‌السلام ) إلى أرض كربلاء , كان معه اثنان وسبعون رجُلاً , وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً , وكان عسكر ابن سعد سبعين ألف فارس , فحملوا بأجمعهم على الحُسين وأصحابه (عليهم‌السلام ) , فأمر ابن سعد برميهم في السّهام , فرموهم بها حتّى صار جسد الحُسين كالقنفذ , وجرحوه في بدنه ثلاثمئة ونيفاً وعشرين جرحاً ؛ بالرّماح والسّيوف والنّبل والحجارة، حتّى أنّه (عليه‌السلام ) حجم عنهم وضعف عن القتال , فطعنه سنان بسنانه فصرعه إلى الأرض , فابتدر إليه خولي ؛ ليحتز رأسه فارتعد ورجع عن قتله ، فقال له الشّمر : فتّ الله عضدك , ما لك ترعد ؟ ثمّ إنّ الشّمر نزل عن فرسه ودنا إلى الحُسين , فذبحه كما يُذبح الكبش , ألا لعنة الله على القوم الظّالمين.

وكان عدد مَن قُتل مع الحُسين من أهل بيته وعشيرته (عليه‌السلام ) ثمانية عشر نفساً ، فمن أولاد عليّ ستة وهم ؛ العبّاس وعبد الله , وجعفر وعثمان , وعُبيد الله وأبو بكر ، ومن أولاد الحُسين (عليه‌السلام ) اثنان , وهما ؛ عليّ بن الحُسين , وعبد الله الطّفل المذبوح بالسّهم ، ومن أولاد الحسن (عليه‌السلام ) ثلاثة , وهم ؛ القاسم وأبو بكر وعبد الله ، ومن أولاد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب اثنان , وهما ؛ مُحمّد وعون ، ومن أولاد عقيل ثلاثة , وهم ؛ عون وجعفر وعبد الرّحمن , ومن أولاد مُسلم بن عقيل اثنان , وهما ؛ عبد الله بن مُسلم وعُبيد الله بن مُسلم .فهؤلاء ثمانية عشر نفساً من أهل البيت (عليهم‌السلام ) قُتلوا مع الحُسين (عليه‌السلام ) , وكلّهم مدفونون مما يلي رجلي الحُسين في مشهده ، وإنّهم حُفر لهم حفيرة عميقة , واُلقوا فيها جميعاً وسوّي عليهم التّراب (رحمة الله عليهم) ، وأمّا العبّاس , فإنّه دُفن ناحية عنهم في موضع المعركة عند (المسناة) , وقبره ظاهر على ما هو الآن ، وليس لقبور إخوته


وبني عمّه الذين سمعنا لهم أثر ظاهر , وإنّما يزورهم الزّائر عند رجلي الحُسين (ع) , ويومي إلى الأرض ويشير إليهم بالسّلام , وعليّ بن الحُسين من جملتهم ، وقيل : إنّه أقرب منهم إلى قبر أبيه.

وأمّا أصحاب الحُسين الذين قُتلوا معه من سائر النّاس , وهم ثلاثة وخمسون رجُلاً , فإنّهم دُفنوا حوله , وليس لهم أجداث على الحقيقة ، ولا شكّ أنّهم في الحائر الـمُقدّس على ما نُقل من الثُقاة , والحائر مُحيط بهم (رضوان الله عليهم أجمعين).

وأمّا رأس الحُسين (عليه‌السلام ) , فنُقل عن بعض علمائنا , إنّه رُدّ من الشّام ودُفن مع جسده الشّريف .وفي خبر آخر عن الصّادق (عليه‌السلام ) , إنّه بلغ في مسيره من المدينة إلى الغري شرّفه الله تعالى , ومعه ابنه إسماعيل وجماعة من أصحابه (عليه‌السلام ) , نزل عن دابته في موضع عند الغري قريباً من القبر مما يلي الرأس , وزار الحُسين وصلّى عنده ركعتين , فقال له بعض مَن كان معه : يابن رسول الله , أليس رأس الحُسين بُعث إلى الشّام إلى يزيد ؟ فقال : (( بلى , ولكنّه رجل من موالينا اشتراه من بعد موت يزيد , وأتى به إلى هذا الموضع ودفنه هُنا )) وليس هذا ببعيد , وكذلك اشتهر بين الأصحاب زيارته من عند رأس قبر أبيه.

وجاء في بعض الأخبار , أنّه كان للحُسين أربعة أولاد ذكور , وهم ؛ عليّ بن الحُسين الأكبر , وكان عمره يوم قُتل مع أبيه سبع عشر سنة ، وعليّ بن الحُسين الأصغر , وهو الإمام (عليه‌السلام ) الذي عاش بعد حياة أبيه , وجعفر بن الحُسين (عليه‌السلام ) , مات في حياة أبيه ودُفن بالمدينة ولا بقية له ، وعبد الله بن الحُسين (عليه‌السلام ) , هو الطّفل الذي قُتل في حجر أبيه , جاءه سهم ميشوم وهو يستقي له من القوم ماءاً , فجاءه السّهم في نحره , فذبحه من الاُذن إلى الاُذن , فجعل أبوه الحُسين (ع) يلقي الدّم من نحره ويرمي به إلى السّماء , فلا يسقط منه قطرة , وهو مع ذلك يبدي الشّكاية إلى الله تعالى ويبكي ويقول : (( قتل الله قوماً قتلوك يا بُني , ما أجرأهم على انتهاك حُرمة الرّسول , على الدُنيا بعدك العفا )).

فانظروا يا إخواني بعيون بصائركم إلى مصاب العترة الطّاهرة , واعملوا فكركم فيما أصابهم من الفئة الفاجرة , أتدرون إذا حزنتم على المصاب أيّ شيء تحوزون من الأجر والثّواب ؟.

لقد طال ما أسهر أجفاني

تمثلهم في خاطري وجناني

ولله درّ مَن قال :


حتى متى وإلى متى تتصبر

فلمثل هذا اليوم دمعك يذخر

اليوم فلتذب النفوس كآبة

وعلى الخدود من المحاجر تقطر

روي عن الإمام أبي عبد الله (ع) , قال : (( سمعت أبي يقول : إنّ فاطمة (عليها‌السلام ) كانت تأتي قبور الشُهداء فتبكي , ثمّ تأتي قبور البقيع بين اليوم واليومين , فكانت إذا وهجها الشّمس تفيّأت بظل أراكة هُناك , فبلغ الرّجلين ذلك فبعثا فقطعا الإراكة )) .فلا جرم , لقد كانت الأراكة سبباً لإعمال سيوف فتّاكة في نسلها وبنيها وولدها وذرّيّتها , ولله درّ من قال :

ستعلم في الحساب إذا التقينا

غداً عند الإله من الظلوم

إلى ديان يوم الدين نمضي

وعند الله تجتمع الخصوم

روي عن الصّادق (عليه‌السلام ) , أنّه إذا هلّ هلال عاشور , اشتدّ حزنه وعظم بكاؤه على مصاب جدّه الحُسين (عليه‌السلام ) , والنّاس يأتون إليه من كُلّ جانب ومكان ؛ يُعزّونه بالحُسين ويبكون وينوحون على مصاب الحُسين (عليه‌السلام ) , فإذا فرغوا من البكاء , يقول لهم : (( أيّها النّاس , اعلموا أنّ الحُسين حيّ عند ربّه يُرزق من حيث يشاء , وهو (عليه‌السلام ) دائماً ينظر إلى موضع عسكره ومصرعه ومَن حلّ فيه من الشُهداء , وينظر إلى زوّاره والباكين عليه والمقيمين العزاء عليه , وهو أعرف بهم وباسمائهم واسماء آبائهم وبدرجاتهم ومنازلهم في الجنّة , وإنّه ليرى مَن يبكي عليه فيستغفر له , ويسأل جدّه وأباه واُمّه وأخاه أن يستغفروا للباكين على مصابه والمقيمين عزاءه , ويقول : لو يعلم زائري والباكي عليّ ما له من الأجر عند الله تعالى , لكان فرحه أكثر من جزعه , وأنّ زائري والباكي عليّ لينقلب إلى أهله مسروراً , وما يقوم من مجلسه إلّا وما عليه ذنب , وصار كيوم ولدته اُمّه )).

وعنه (عليه‌السلام ) أنّه قال : (( لمـّا قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) , بكت عليه السّماوات السّبع , ومَن فيهنّ من الجن والإنس , والوحوش والدّواب , والأشجار والأطيار , ومَن في الجنّة والنّار وما لا يرى , كلّ ذلك يبكون على الحُسين (عليه‌السلام ) ويحزنون لأجله , إلّا ثلاث طوائف من النّاس , فإنّها لم تبك عليه أبداً )) .فقيل : فمَن هذه الثّلاثة التي لم تبك على الحُسين ؟ فقال : (( هُم ؛ أهل دمشق ، وأهل البصرة , وبنو اُميّة , لعنة الله على الظّالمين )).

فيا عجباً من القلوب القاسية والنّفوس العاصية , كيف لا تبكي لـمَن بكاه مُحمّد الـمُصطفى , وعليّ الـمُرتضى وفاطمة الزّهراء سيّدة


النّساء , وملائكة السّماء وما بينهما وما تحت الثّرى ؟!

فعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ الخليعي (رحمه‌الله )

ألا يا عين لا لمراتع وخيامي

أودت بساكنها يد الأيام

لا ينفع الغل الدموع بربها

ألا إذا ندب القتيل الظامي

ما عذر من لم يبكي يوم مصابه

متأسفاً بدم ودمع هام

سحي الدموع على الحُسين وحا

ذري تستزلك ألسن اللوام

وتمثليه بكربلا يا ظامياً

يرنو إلى ماء الفرات الطامي

وأبكي على الشيب التريب معفراً

وأبكي على النحر الخضيب الدامي

وتمثيله إخوانه وبناته

يندبنه بتفجع ولطامي

هذي تنوح وهذي تبكي لما

سلب العدى من برقع ولثام

وأبكي اليتامى للطغاة خواضعا

وارحمتاه لتخضع الأيتام

وأبكي مصارع فتية علوية

شربوا على ظمأ كؤوس حمام

أحشاء فاطمة لهم مقروحة

وعلى النبي توجع الأيتام

وأبكي لزينب تستغيث باُمها

ذات المفاخر والمحل السامي

يا اُم قومي من ثراك وسارعي

وتبيني ذلي وسوء مقامي

وقفي على المقتول وانفجعي له

وأبكي له فرداً بغير محمامي

وأبكي على الطفل الصغير مضمخاً

بدماه بعد تحرق وأوام

وأبكي عزيزات الحُسين حواسراً

يسترن أوجههن بالأكمام

وأبكي لزين العابدين مقيداً

في الأسر يشكو كربة الأسقام

وأبكي لنا نسبي على الأقتاب ما

بين الملأ في مهمه وأكام

وأبكي لرأس السبط يشهر في القنا

كالبدر يجلو حندس الأظلام

يا للرجال لثار عترة أحمد

الهادي وبالحمية الإسلام

أيكون صاحب شرعة الأحكام

والداعي الأنام منكس الأعلام

تبيد آل زياد آل محمّد

قتلاً بحد صوارم وسهام


ويبيت جسم ابن النّبي مرملاً

ترباً يوطئ الخيل والأقدم

وإلى ابن آكلة الكبود برأسه

يسري بعين الواحد العلام

ويمكن الرجس القضيب بجهله

وبضغنة من ثغره البسام

لكنه أملى لهم فتمردوا

في الكفر وازدادوا من الآثام

يا سادة شرف الكتاب بما حوى

فيهم من الإجلال والإعظام

يا من إذا ذكر اللبيب مصابهم

هانت عليه مصائب الأيام

قسماً بمن فرض الولاء على الورى

لكم وذلك أعظم الأقسام

ما أطمع الأرجاس فيما أبدعوا

فيكم وجرأهم على الأقدام

إلّا الذين تعاقدوا أن ينقضوا

ما أحكم الهادي من الإبرام

يا قاسم النيران يا من حبه

فرض عليّ مؤكد الإلزام

أنا عبدك الخلعي لا أخشى لظى

وعليك معتمدي وأنت عصامي

فلقد عرفت بغير نكر خالقي

ونبي الهادي معاً وإمامي

ولقد دللت على وجوب رئاسة

المعصوم لا حصر ولا متعامي

فلتعطفن على يوم تقول للأشياع

طبتم فادخلو بسلام

وتقاد أعداء الرسول إلى الردى

عصب الخنا والرجس والآثام

ويعجل الله العذاب لمعشر

غدروا فأبلغ من عداك مرامي


المجلس الثّالث

في الليلة الثّانية من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

اعلموا أعزّكم الله بقيام الدّين واحياكم واماتكم على سنّة سيّد الـمُرسلين , إنّ نور الإسلام ما ظهر ولا استقام إلّا بعليّ (عليه الصّلاة والسّلام) ، وجهاده بين يدي سيّد الأنام لاظهار الإسلام ، فقتل الرّجال وجدّل الأبطال في حومة النّزال ، فلم يبق بيت من قُريش إلّا وعمل صليل حسامه في جوانبه ، وأخنى على أهله وأقاربه ، لا جرم بغضه أهل الشّقاق , فأبطنوا الخلاف وأظهروا الوفاق , فحين عرف النّبي ذلك من ضمائرهم - إذ هو الـمُطّلع على ما في سرائرهم - قام فيهم بالوصية فيه وفي ذرّيّته وبنيه , مقاماً بعد مقام حتّى أسمع كافة الإسلام , فلم يسعهم إلّا القبول في الظّاهر لما يقول , فلمّا توفي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , ارتدّوا وقصدوه وأساءوا إلى وصيه وقتلوه , وثنوا ببنيه وأشياعه ومواليه , فحقّت عليهم كلمة الكفر ؛ بالإرتداد التي وعدهم بها ربّ العباد.

روي عن ابن عبّاس قال : حضرت مسألة فعجز عمر عن ردّها ، فقال ما تقولون يا صحابة رسول الله , مَن ترون يقوم بجواب هذه المسألة ؟ فقالوا : أنت أعرف منّا .قال : كُلّنا والله يعلم ابن بجدتها والخبير بها .فقالوا : لعلّك أردت عليّ بن أبي طالب .قال : وإنّى يعدل بي عنه .قالوا : لوبعثت إليه لأتاك .قال : هيهات هُناك شمخ من هاشم وأثره من علم يؤتى لا يأتي ، قوموا بنا إليه .فقام القوم بأجمعهم , فإذا هو (عليه‌السلام ) في حائط له مُتّك على مسحاة في يده ,


يتلو قوله تعالى :( أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ) (١) .ودموعه تجري على خدّيه , فأجهش القوم لبكائه ثمّ سكن وسكنوا ، فأصدر إليه عمر مسألته وأدّى عليّ جوابها ، فقال : يا أبا الحسن , لقد أرادك الحقّ ولكن أبى قومك .فقال (ع) : (( يا أبا حفص , خفّظ عليك من هُنا ومن هُناك :( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ) (٢) )) .فلمّا أراد عمر الإنصراف , قال : أؤنسك يابن عباس ؟ قال ابن عبّاس : فأخذ بيدي وقال : يابن عبّاس , لقد كان ابن عمّك أحقّ بهذا الأمر لو لا ثلاث .قُلت : وما هي ؟ قال : حداثة سنّه ومحبّته لأهل بيته وبغض قُريش له .قال , فقلت : يا أمير المؤمنين , أتأذن لي في الجواب ؟ فقال : قُل .فقلت : أمّا حداثة سنّه , فوالله ما استحدثه الله حين جعله أخاً لنبيّه , وجعل نفسه كنفسه، وأمّا محبّته لأهل بيته , فقد عمل بقول الله تعالى فيهم :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٣) .وأمّا بغض قُريش له , فعلى مَن نقمت قُريش , أعلى الله حيث أمر رسوله بحربها ؟ أم على رسوله حيث أمر عليّاً بقتالها ؟ أم على عليّ حيث أطاع رسوله فيها ؟ قال : فجذب يده وقال : يابن عبّاس , إنّك لتغرق من بحر.

فانظروا يا إخواني إلى ما في ضمائرهم من الأحقاد , حيث قتل بسيفه منهم الآباء والأولاد ؛ امتثالاً لأمر ربّ العباد ، طلبوا نيل مفاخرة الجميلة , فعجزوا عنها وأعيتهم وجوه الحيلة , فلمّا صارت أزمة الاُمور إليهم ووردوها عليهم , صوّبوا صوائب المصائب في ذرّيّته وبنيه وشيعته ومُحبّيه , فلا ترى إلّا قتيلاً على وجه الثّرى , أو مأسوراً قد أضربه طول السّرى , أو نسوة حواسر على أقتاب الجمال , تصفح وجوههم الرّجال , يندبن جدّهم الـمُصطفى وأباهم الـمُرتضى واُمّهم الزّهراء , يُسار بهم بالعنف الشّديد إلى أشر العبيد , كأنّهم اُسارى بعض اليهود والنّصارى ، ولله درّ مَن قال من الرّجال :

يا للرجال لعظم هول مصيبة

جلّت مصيبتها وخطب هايل

الشمس كاسفة لفقد إمامنا

خير الخلائق والإمام العادل

يا خير من ركب المطى ومن مشى

فوق الثرى من محتف أو ناعل

يابن النّبي لرزءكم هدم الهدى

والحق أصبح خاضعاً للباطل

روي عن أبي سلمة قال : حججت مع عمر بن الخطاب , فلمّا صرنا بالأبطح , فإذا بأعرابي قد أقبل علينا فقال : يا عمر , إنّي خرجت من منزلي وأنا حاج

____________________

(١) سورة القيامة / ٣٧.

(٢) سورة النّبأ / ١٧.

(٣) سورة الشّورى / ٢٣.


مُحرم , فأصبت بيض النّعام فاجتنيت وشويت وأكلت , فما يجب عليّ ؟ قال : ما يحضرني في ذلك شيء فاجلس , لعلّ الله يُفرّج عنك ببعض أصحاب مُحمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) .فإذا بأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) قد أقبل والحُسين يتلوه , فقال عمر : يا أعرابي , هذا عليّ بن أبي طالب فدونك ومسألتك .فقام الأعرابي فسأله , فقال عليّ (عليه‌السلام ) : (( يا أعرابي , سل هذا الغلام عندك )) .( يعني : الحُسين (عليه‌السلام ) ) فقال الأعرابي : إنّما يحيلني كلّ واحد منكم على الآخر .فأشار النّاس إليه : ويحك ! هذا ابن رسول الله فاسأله .فقال الأعرابي : يابن رسول الله , إنّي خرجت من بيتي حاجّاً مُحرماً وقصّ عليه القصّة .فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( ألك إبل ؟ )) .قال : نعم .قال : (( خُذ بعدد البيض الذي أصبت نوقاً , فاضربها بالفحولة , فما فضلت فاهدها إلى بيت الله الحرام )) .فقال عمر : يا حُسين , النّوق يزلقن .فقال الحُسين : (( يا عمر , إنّ البيض يمرقن )) .فقال : صدقت وبررت .فقام عليّ (عليه‌السلام ) وضمّه إلى صدره , وقال :( ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (١) .

فوا عجباه من قوم عرفوا فضائلهم الكريمة وارتكبوا منهم هذه الأفعال العظيمة ! ولكنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور , ولله درّ مَن قال :

مطهرون نقيات ثيابهم

تجري الصلاة عليهم أين ما ذُكروا

من لم يكن علوياً حين تنسبه

فما له من قديم الدهر مفتخر

والله لما بدأ خلقاً فأتقنه

صفاكم واصطفاكم أيها البشر

فأنتم الملأ الأعلا وعندكم

علم الكتاب وما جاءت به السور

روى بشّار بن عبد الله قال : دخلت على مولاي الصّادق (عليه‌السلام ) وهو يومئذٍ مُقيم بالكوفة , فرأيت قدّامه طبقاً فيه رطب وهو يأكل منه , فقال لي : (( يا بشّار , ادن فكلّ معي من هذا الرّطب )) .فقلت : هنّاك الله به وجعلني فداك .فقال لي : (( لِمَ لا تأكُل ؟ )) .فقلت : إنّي في همّ عظيم من شيء رأيته الآن في طريقي هذا , قد أوجع قلبي وأهاج حزني , فقال لي : (( بحقّي عليك , إلّا ما أخبرتني بما رأيت )) .فقلت : يا مولاي , رأيت ظالماً يضرب امرأة ويسوقها إلى الحبس , وهي تنادي : الـمُستغاث بالله وبرسول الله .ولم يغثها أحد من النّاس ، فقال : (( ولِمَ فُعل بها ذلك ؟ )) .فقلت : سمعت من النّاس يقولون : إنّها عثرت بحجر وهي تمشي , فقالت : لعن الله ظالميك يا فاطمة

____________________

(١) سورة آل عمران / ٣٤.


الزّهراء .فسمعها هذا الجلواز فصنع بها ما سمعت ، قال : فقطع الصّادق (عليه‌السلام ) أكله وتظاهر حزنه , ولم يزل يبكي حتّى ابتلّ منديله ولحيته , وقال لي : (( نغّصت عليّ يا بشّار , قُم بنا إلى مسجد سهيل ؛ لندعوا الله عزّ وجلّ ونسأله خلاص هذه المرأة )) .قال : ووجّه بعض أصحابه إلى باب السّلطان , وقال له : (( لا تبرح حتّى تأتيني بالخبر الصّحيح , فإن حدث في المرأة حدث , سر إلينا حيث كُنّا )) .فسرنا إلى مسجد السّهلة , وصلّى كلّ منّا ركعتين لله عزّ وجلّ ، ثمّ رفع الصّادق (عليه‌السلام ) يديه بالدُعاء , وابتهل إلى الله تعالى بالثّناء , ثمّ خرّ ساجداً لله ساعة ثمّ رفع رأسه , وقال : (( الحمد لله ، قُم يا بشّار اُطلقت المرأة )) .فبينما نحن على الطّريق , إذ أتانا الرّجل الذي وجهه الصّادق إلى باب السّلطان , فقال له : (( ما الخبر ؟ )) .فقال : اُطلقت المرأة .فقال (( كيف كان إطلاقها ؟ )) .قال : كنت واقفاً عند باب السّلطان , إذ خرج الحاجب فدعا المرأة وقال لها: ما الذي تكلّمت به ؟ قالت : عثرت بحجر فقلت : لعن الله ظالميك يا فاطمة الزّهراء .ففُعل بي ما ترون .قال : فناولها مئتي درهم وقال : خُذي هذا المال واجعلى السّلطان في حلّ .فأبت أن تأخذها وانصرفت إلى منزلها , فقال الصّادق (عليه‌السلام ) : (( أبت أن تأخذها وهي والله محتاجة إليها )) .ثمّ إنّه (عليه‌السلام ) أخرج من جيبه صرّة فيها سبعة دنانير لم يكن عنده غيرها ، وقال لي: (( اذهب أنت يا بشّار إلى منزلها , واقرأها عنّي السّلام وادفع إليها هذه الدّنانير )) .فقال : فمضيت إليها واقرأتها منه السّلام , فقالت : بالله عليك , اقرأني مولاي الصّادق السّلام ؟ فقلت : أي والله .فخرّت ساجدة لله ساعة ورفعت رأسها , وقالت : اقرأني مولاي السّلام ؟ فقلت : نعم .فسجدت لله شكراً حتّى فعلت ذلك ثلاث مرّات ، فقلت لها : يا أمة الله , خُذي ما أرسله إليك سيدي وابشري بالجنّة .فأخذت واستبشرت وشكرته على ذلك , وقالت : يا بشّار , اسأله أن يستوهب أمة الله من الله تعالى .قال فرجعت إليه وحدّثته بما جرى , فجعل يبكي ويقول : (( غفر الله لها )).

فتفكّروا يا إخواني بمصائب سادة النّاس وما حلّ بهم من الكفرة الأرجاس , أزالوهم عن مناصبهم التي أحلّهم الله فيها , ودفعوهم عن الدّرجة التي لم يصلوا إليها ، فهذه القضية أصل كلّ بليّة إن كنت تعيها , ولأن علا نحيبي من هذا المصاب ؛ فلعظم ما في قلبي من الحزن والاكتئاب , وعظم شوقي وتزايد زفرتي , غير خفيّ على مواليّ وسادتي , ولله درّ مَن قال :


سلوا ضمائركم عني فإن وجدت

غير الصفا فلوموني على الكدر

فإن وفت فأنا ذاك الوفي على

ما تعهدون إلى أن ينقضي عمري

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أولا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ الخليعي (رحمه‌الله )

العين عبرى دمعها مسفوح

والقلب من ألم الأسى مقروح

ما عذر مثلي يوم عاشورا إذا

لم أبك آل محمّد وأنوح

أم كيف لا أبكي الحُسين وقد غدا

شلواً بأرض الطف وهو ذبيح

والطاهرات حواسر من حوله

كل تنوح ودمعها مسفوح

هذي تقول أخي وهذي والدي

ومن الرزية قلبها مقروح

أسفي لذاك الشيب وهو مضمخ

بدمائه والوجه فيه قروح

ولفاطم تبكي عليه بحرقة

وتقبل الوجنات هي تصيح

ظلت تلعلع حاسراً مسبية

وسكينة ولهى عليه تنوح

يا والدي لا كان يومك إنه

يوم لباب مصائبي مفتوح

اليوم مات محمّد يا والدي

والطهر موسى والمسيح ونوح

اليوم آدم في العزاء وعرسه

حوى وقد جل المصاب جموح

اليوم تبكيك السماء بأدمع

مثل الدماء أسفاً ويكسف نوح

لهفي عليه مرملاً بدمائه

ومن السوافي كفنته الريح

لهفي له يبغى النصيح وماله

في كربلاء من الأنام نصوح

لهفي له والجسم مه مجدلا

فوق الثرى حتّى حواه ضريح

لهفي لرأس ابن النّبي محمّد

كالبدر من فوق السنان يلوح

والطهر زين العابدين مقيد

يمشي وقد أردى به التبريح

والطاهرات على المطايا حسر

تغدوا العداة عليهم وتروح

قد أقفلوهن الشئام بلا وطا

وعلى الجسوم لباسهن مسفوح

وإلى الذبول جيوبهن وقد غدت

تلك الجسوم بها القروح تسيح


والجو معتكر الظلام بلا ضحى

باد وفي وجه الثراء كلوح

والأرض ترجف من رزية أحمد

وعليه وحش الفلا مقروح

وعلى الزمان من الكآبة ذلة

وإليه طرف الحادثات لموح

يا آل أحمد أن شعري فيكم

والمدح ما طال المدى تسبيح

شرفي بكم وبمدحكم ولطال ما

في الناس شرف مادحاً ممدوح

أترى أرى المهدي يظهر قبل ما

يوماً على جسدي يضم ضريح

فهنالك الخلعي يبلغ ما نوى

وبظاهر السر الخفي يبيح

وإليكم مرثية ما أنشدت

إلّا ومنها المسك ظلٍ يفوح

شعر الورى في غير آل محمّد

جسم بلا روح وشعري روح

ولقد روى عن جعفر بن محمّد

خبر أتى والنقل عنه صحيح

إن الولاء بلا براء ما ينفع المولى

وهذا واضح مشروح

صلّى الإله عليكم يا سادتي

ما غاب نجم في السماء يلوح

الباب الثّاني

أيّها المؤمنون , اجروا ماء العيون ، ويا أيّها الباكون , سلوا لذيذ الرّقاد من جفون الجفون ، أما تنظرون إلى هذا الخطب الفادح وهذا المصاب الفادح ؟ أما تستحقّ مواليكم أهل العُلا الممادح بكاء باك ونوح نائح ؟ بلى والله ؛ لأنّه خطب تذلّ له النّفوس وتحلّ بين أطباق الثّرى والرّموس .مصاب أبكى فاطمة البتول وأحزن قلب الـمُصطفى الرّسول , مصاب بكت عليه السّماء دماً واُقيم له فوق الطّباق مأتماً ، افيُعذر أحدٌ من ذوي الألباب في ترك الحزن والإكتئاب على المصاب ، كيف ؟ وهم الذين فيهم قال بعض مادحيهم :

أمحب آل محمّد جد بالبكا

إن كنت من يهوى النبي المرسلا

واسكب شآبيب الدموع فإن تكن

فيه الأخير فقد تبعت الأولا

وابك الفروع الطيبات تفرعت

من دوحة لمحمّد فسقت علا

وابك الغصون الناظرات ومن علا

ذرواتها ناحت حمامات البلا

وابك البدور الطالعات كواملا

حاق المحاق بها فأمست أفلا

وابك البحور الزاخرات ووردها

قد كان للوارد عذباً سلسلا


وأبك الجبال الراسخات ومن بنى

مجداً أسمى سما العلاء مؤثلا

فمصابه أبكى السماء كأبة

والشهب حزناً والسماك الأعزلا

من أجل ذلك أن قلبي لم يزل

متقلقاً لمصابهم متقلقلا

والعيش في الدنيا إذا ما نغصوا

فيها فما يحلو فكيف وما حلا

روي : أنّ آدم (عليه‌السلام ) لمـّا هبط إلى الأرض , لم ير حواء فصار يطوف الأرض في طلبها , فمرّ بكربلاء , فاعتلّ وأعاق وضاق صدره من غير سبب , وعثر في الموضع الذي قُتل فيه الحُسين (عليه‌السلام ) حتّى سال الدّم من رجله , فرفع رأسه إلى السّماء وقال : إلهي هل حدث منّي ذنب آخر فعاقبتني به , فإنّي طفت جميع الأرض ما أصابني سوء مثل ما أصابني في هذه الأرض ؟ فأوحى الله إليه : (( يا آدم , ما حدث منك ذنب , ولكن يُقتل في هذه الأرض ولدك الحُسين (عليه‌السلام ) ظُلماً , فسال دمك موافقة لدمه )) .فقال آدم : يا ربّ , أيكون الحُسين نبيّاً ؟ قال : (( لا , ولكنّه سبط النّبي مُحمّد )) .فقال : ومَن القاتل له ؟ قال : (( قاتله يزيد )) .فقال آدم : فأيّ شيء أصنع يا جبرائيل ؟ فقال : العنه يا آدم .فلعنه أربع مرّات , ومشى خطوات إلى جبل عرفات , فوجد حواء هُناك.

وروي : أنّ نوحاً (عليه‌السلام ) لمـّا ركب في السّفينة , طافت به جميع الدُنيا , فلمّا مرّت بكربلاء , أخذته الأرض وخاف نوح الغرق , فدعا ربّه وقال : إلهي طفت جميع الدّنيا وما أصابني فزع مثل ما أصابني في هذه الأرض .فنزل جبرائيل وقال : يا نوح , في هذا الموضع يُقتل الحُسين (عليه‌السلام ) سبط مُحمّد خاتم الأنبياء وابن خاتم الأوصياء .فقال : ومَن القاتل له يا جبرائيل ؟ قال : قاتله لعين أهل سبع سماوات وسبع أرضين .فلعنه نوح أربع مرّات , فسارت السّفينة حتّى بلغت الجودي واستقرّت عليه.

وروي : أنّ إبراهيم مرّ في أرض كربلاء وهو راكب فرساً , فعثرت به وسقط إبراهيم (عليه‌السلام ) وشج رأسه وسال دمه , فأخذ في الاستغفار وقال : إلهي أيّ شيء حدث منّي ؟ فنزل إليه جبرائيل وقال : يا إبراهيم , ما حدث منك ذنب , ولكن هُنا يُقتل سبط خاتم الأنبياء وابن خاتم الأوصياء ؛ فسال دمك موافقة لدمه .قال : يا جبرائيل , ومَن يكون قاتله ؟ قال : لعين أهل السّماوات والأرض , والقلم جرى على اللوح بلعنه بغير إذن ربّه , فأوحى الله تعالى إلى القلم : أنّك استحقّيت الثّناء بهذا اللعن.فرفع إبراهيم (عليه‌السلام ) يديه ولعن يزيداً لعناً كثيراً ,


وأمّن فرسه بلسان فصيح , فقال إبراهيم لفرسه : أيّ شيء عرفت حتّى تؤمّن على دُعائي ؟ فقال : يا إبراهيم , أنا أفتخر بركوبك عليّ , فلمّا عثرت وسقطت عن ظهري , عظمت خجلتي , وكان سبب ذلك من يزيد.

وروي : أنّ إسماعيل (عليه‌السلام ) كانت أغنامه ترعى بشط الفرات , فأخبره الرّاعي أنّها لا تشرب الماء من هذه المشرعة منذ كذا يوماً , فسأل ربّه عن سبب ذلك , فنزل جبرائيل (عليه‌السلام ) , وقال : يا إسماعيل , سل غنمك فإنّها تجيبك عن سبب ذلك .فقال: لِمَ لا تشربين من هذا الماء ؟ فقالت بلسان فصيح : قد بلغنا أنّ ولدك الحُسين (عليه‌السلام ) سبط مُحمّد يُقتل عطشاناً , فحن لا نشرب من هذه المشرعة حُزناً عليه .فسألها عن قاتله , فقالت : يقتله لعين أهل السّماوات والأرضين والخلائق أجمعين .فقال إسماعيل : اللهمّ العن قاتل الحُسين.

وروي : أنّ موسى كان ذات يوم سائراً ومعه يوشع بن نون , فلمّا جاء إلى أرض كربلاء , انخرق نعله وانقطع شراكه ودخل الحسك في رجليه وسال دمه , فقال : إلهي ! أيّ شيء حدث منّي ؟ فأوحى الله إليه : (( إنّ هُنا يُقتل الحُسين , وهُنا يُسفك دمك موافقة لدمه )) .فقال : ربّ ومَن يكون الحُسين ؟ فقيل له : (( هو سبط مُحمّد الـمُصطفى وابن عليّ الـمُرتضى )) .فقال: ومَن يكون قاتله ؟ فقيل : (( هو لعين السّمك في البحار , والوحوش في القفار , والطّير في الهواء )) .فرفع موسى يديه ولعن يزيد ودعى عليه , وأمّن يوشع بن نون على دعائه ومضى لشأنه.

وروي : أنّ سُليمان (عليه‌السلام ) كان يجلس على بساطه ويسير في الهواء , فمرّ ذات يوم وهو سائر في أرض كربلاء , فأدارت الرّيح بساطه ثلاث دورات حتّى خافوا السّقوط , فسكنت الرّيح ونزل البساط في أرض كربلاء , فقال سُليمان للريح : لِمَ سكنتي ؟ فقالت : إنّ هُنا يُقتل الحُسين (عليه‌السلام ) .فقال : ومَن يكون الحُسين ؟ قال : هو سبط مُحمّد الـمُختار وابن عليّ الكرار.فقال : ومَن قاتله ؟ قالت : لعين أهل السّماوات والأرض يزيد .فرفع سُليمان يديه ولعنه ودعى عليه , وأمّن دعائه الإنس والجن , فهبّت الرّيح وسار البساط.

وروي : أنّ عيسى (عليه‌السلام ) كان سائحاً في البراري ومعه الحواريون , فمرّوا بكربلاء , فرأوا أسداً كاسراً قد أخذ الطّريق , فتقدّم عيسى إلى الأسد , وقال له : لِمَ جلست في هذا الطّريق ولا تدعنا نمرّ فيه ؟ فقال الأسد بلسان فصيح : إنّي لم أدع لكم الطّريق حتّى تلعنوا يزيد قاتل الحُسين .فقال عيسى


ومَن يكون الحُسين ؟ قال : سبط مُحمّد النّبي الاُمّي وابن عليّ الوليّ .قال : ومَن قاتله ؟ قال: قاتله لعين الوحوش والذّئاب والسّباع أجمع خصوصاً أيّام عاشوراء .فرفع عيسى (عليه‌السلام ) يديه ولعن يزيد ودعى عليه , وأمّن الحواريون على دعائه , فتنحّى الأسد عن طريقهم ومشوا لشأنهم.

فيا إخواني الذين اقتدوا بالأنبياء والمرسلين والملائكة الـمُقرّبين , باللعن على يزيد الغوي العنيد , ألا لعنة الله على الظّالمين.ولله درّ مَن قال :

إذا جاء عاشوراء تضاعف حسرتي

لآل رسول الله وانهل عبرتي

هو اليوم فيه اغبرت الأرض كلها

وجوماً عليهم والسماء اقشعرت

مصائب ساءت كل من كان مسلماً

ولكن عيون الفاجرات أقرت

إذا ذكرت نفسي مصيبة كربلا

وأشلاء سادات بها قد تفرت

أضاقت فؤادي واستباحت تجارتي

وعظم كربي ثمّ عيشي أمرت

أريقت دماء الفاطميات بالملا

فلو عقلت شمس النهار لخرت

ألا بأبي تلك الدماء التي جرت

بأيدي كلاب في الجحيم استقرت

توابيت من نار عليهم قد أطبقت

لهم زفرة في جوفها بعد زفرة

فشتان من في النار قد كان هكذا

ومن هو في الفردوس فوق الأسرة

روي عن طريق الخصم ، مما صح روايته عن أبي هريرة , قال : خرج علينا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ومعه حسن وحُسين (عليهما‌السلام ) , هذا على عاتقه الأيمن وهذا على عاتقه الأيسر , وهو يلثم هذا مرّة وهذا اُخرى حتّى انتهى إلينا , فقال له رجل : إنّك لتحبّهما ؟ قال : (( ومَن أحبّهما فقد أحبّني ، ومَن أبغضهما فقد أبغضني )).

وبالطّريق المذكور عن ابن عبّاس : إنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , قال للحسن والحُسين : (( مَن أحبّكما كان معي في الجنّة , ومَن أبغضكما ففي النّار ))

فيا عاذلي خل عن عذلي

أيحسن أن يسلو مثلهم مثلي

أتروم ويحك سلواني ، أو تحاول إطفاء نيراني وتبريد وجدي وأشجاني ؟ هيهات هيهات هذا لا يكون ، وحيل بينهم وبين ما يشتهون ، فيا حرقي تزايدي ويا نار وجدي توقّدي ، ويا فؤادي القريح من الحزن والكآبة لا يستريح ، ويا


قلبي الولهان دم في العناء والأحزان ، ولله درّ مَن قال :

لا أضحك الله سن الدهر إن ضحكت

وآل أحمد مظلومون قد قهروا

مشردون نفوا عن عقر دارهم

كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر

روي عن بعض الأخبار : أنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أجلس يوماً الحُسين (عليه‌السلام ) على فخذه الأيمن , وولده إبراهيم على فخذه الأيسر , وجعل يلثم هذا مرّة وهذا اُخرى ؛ من شدّة شغفه بهما , فهبط جبرائيل من ربّ العالمين , وقال : يا مُحمّد , إنّ الله لم يكُن ليجمع لك بينهما , فاختر من شئت منهما ؛ فإنّ الله قد أمر بقبض روح واحد منهما .فقال : (( يا أخي جبرائيل , إن مات الحُسين , بكى عليه عليّ وفاطمة والحسن وأنا ، وإن مات ولدي إبراهيم بكيت أنا وحدي , فسل ربّك إليه يقبض إبراهيم ولدي )) .فمات إبراهيم بعد ثلاثة أيّام ، فكان النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إذا رأى حُسيناً مُقبلاً إليه , يقول له : (( مرحباً بمن فديته بابني إبراهيم )).

فانظروا يا إخوتي إلى هذا الشّخص العظيم الرّباني , أيفديه سيّد الـمُرسلين بولده الذي هو من فلذة أحشائه وكبده ؟ ويقتله أولاد الزّواني وتخون فيه الأماني , اُولئك هم الخاسرون :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم فيهم وقال :

القصيدة للخليعي (رحمه‌الله )

جفون لا تمل من الهمول

وجسم لا يفك من النحول

وقلب لا يفيق من الرزايا

لتذكار القتيل ابن القتيل

قتيل بالطفوف أطال نوحي

وأسلمني إلى الحزن الطويل

قتيل أورث المختار حزناً

وأذكى النار في قلب البتول

بنفسي وهو يسري والمنايا

أمام الركب تسري بالحمول

بنفسي وهو يسري مستدلا

وضوء سناه نهج هذا الدليل

يقول ألا أخبروني ما اسم أرض

أراني كارهاً فيها نزولي

أبينوا ما اسمها المشهور عنها ؟

فقالوا كربلا يابن الرسول

___________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


فقال هي البلا وفي ثراها

تريق دماؤنا أيدي النغول

بها تضحى أعزتنا أسارى

يلوح عليهم كسر الذليل

بها تسبى كرائمنا وفيها

يتامانا تعثر في الذيول

إلى الرحمن أستعدي وأشكو

على عضب رموني بالذحول

أضاعوا عهد جدي عن قريب

وساقوني إلى الورد الوبيل

ألا حطوا رحالكم وقيلوا

فليس من المنية من مقيل

ومن رام النجاة وحاد عني

إلى الدنيا ففي دعة الجليل

فقالوا ما لنا فيها خلود

وليس متاعها غير القليل

وكيف يلذ بعدك طيب عيش

لأرباب البصائر والعقول

أنا وأبيك لا نلوي وظل

سيوف مظنة الظل الظليل

فمر إلى المضارب غير وأن

بقلب عاطف بر وصول

ونادى زينباً يا أخت قومي

إلى التوديع من قبل الرحيل

أوصيكم بتقوى الله إنا

قبيل مُحمّد خير القبيل

عليك بطاعة السجاد بعدي

محل الذكر والعلم الجزيل

وإن نودي بقتل أخيك بين

الورى فعليك بالصبر الجميل

وقولي في سبيلي الله إني

رزيت فإنه خير السبيل

ولطم الخد يقبح بالموالي

وشق الجيب يرزي بالأصيل

ومر مشمراً للحرب يسطو

على الأبطال بالسيف الصقيل

فلما أثخنوا وخر ملقى

وراح المهر يعلن بالصهيل

برزن الطاهرات مهتكات

حيارى لا يفقن من العويل

ونادت زينب لما رأته

يجود بنفسه تحت الخيول

أخي هل للسبايا من ولي

أخي هل لليتامى من كفيل

وخرت فوقه تلقي دماءاً

براحتها على الخد الأسيل

وتدعو أمها الزّهراء وتطفي

بسح دموعها حر الغليل

ألا يا اُم قومي وساعديني

على نكبات دهري واندبي لي

ترى هل أنت عالمة بأنا

نجرر بالحزون وبالسهول


وهل أخبرت بالسجاد أضحى

مع الأعداء في قيد ثقيل

عليلا يشتكي مرضاً وأسراً

فوا أسفي على العاني العليل

ويدعو السبط وهو لقي رميل

يلاحظها بناظره الكليل

فيا لله من نوب رمتنا

بأسهمها ومن خطب جليل

أيحمل رأس مولى الخلق طراً

إلى الأمصار في رمح طويل

وتهدى الطاهرات إلى يزيد

سبايا بالمذلة والخمول

ألا يابن النّبي ومن هداني

بحبكم إلى نهج السبيل

مصابك يا قتيل الطف أدمى

جفوني لا البكاء على الطلول

وبعدي عن مزار ثراك أضنى

فؤادي لا مفارقة الخليل

وإن وليك الخلعي يرجو

الشفاعة منك في اليوم المهول

محبكم وعارفكم يقيناً

بإيضاح المحجة والدليل

يواليكم ويبرئ من عداكم

ولا يصغي إلى عذل العذول

ينوح عليكم ما دام حياً

ويبكيكم وما هو بالملول

لقد بلغ المنى عبد عطفتم

عليه وفاز منكم بالقبول

الباب الثّالث

أيّها الإخوان , ألا تستنهضون مُضمرات الأحزان , فتجرونها في ميادين الأشجان ؟ ألا تمتطون كواهل عوامل الأشواق وتحثونها في ميادين السّباق , فتحوزوا قصب السّبق التي أنتم أولى بها وأحقّ ؟ أما علمتم أنّ الـمُقصّر عن هذه الغاية بنفسه قصّر, والـمُتأخر عن بلوغ النّهاية لحظة اُخرى :( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ ) (١) ؟ ولئن سحت من جفوني الدّموع , فإنّها عن نيران بين الضّلوع ، ولئن جزعت من هذا المصاب , فلعظم ما في قلبي من الوجد والاكتئاب .ولله درّ مَن قال من الرّجال :

لأي مصاب يذرف الشان ماءه

وتقضي نفوس أو تفت كبود

لأعظم من هذا المصاب وخطبه

عظيم على أهل السّماء شديد

مصاب له في قلب كلّ مصيبة

سهام لحبات القلوب تبيد

وللهم هم والرزايا رزية

وللحزن حزن زايد ويزيد

____________________

(١) سورة فصلّت / ٤٦.


روي في بعض الأخبار عن الصّحابة الأخيار , قال : رأيت النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , يمصّ لعاب الحُسين كما يمصّ الرّجل السّكرة , وهو يقول : (( حُسين منّي وأنا من حُسين , أحبّ الله مَن أحبّ حُسيناً , وأبغض الله مَن أبغض حُسيناً ، حُسين سبط من الأسباط لعن الله قاتله )) .فنزل جبرائيل , وقال : يا مُحمّد , إنّ الله قتل بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً من الـمُنافقين , وسيقتل بابن ابنتك الحُسين , سبعين ألفاً من الكافرين وسبعين ألفاً من الـمُعتدين , وإنّ قاتل الحُسين في تابوت من نار , ويكون عليه نصف عذاب أهل الدّنيا , وقد شُدّت يداه ورجلاه بسلاسل من نار , وهو منكس على اُمّ رأسه في قعر جهنّم , وله ريح يتعوذ أهل النّار من شدّة نتنها , وهو فيها خالد ذائق العذاب الأليم لا يفتر عنه , ويسقى من حميم جهنم.

وروي عن الصّادق (عليه‌السلام ) أيضاً في بعض الأخبار : (( أنّ ملكاً من ملائكة الصّف الأعلى , اشتاق لرؤية النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , واستأذن ربّه بالنّزول إلى الأرض لزيارته , وكان ذلك الملك لم ينزل إلى الأرض أبداً مُنذ خُلق , فلمّا أراد النّزول , أوحى الله تعالى إليه يقول : أيّها الملك , أخبر مُحمّداً أنّ رجلاً من اُمّته اسمه يزيد , يقتل فرخه الطّاهر بن الطّاهرة , نظيرة البتول مريم بنت عمران .فقال الملك : لقد نزلت إلى الأرض وأنا مسرور برؤية نبيك مُحمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فكيف أخبره بهذا الخبر الفظيع , وإنّني لاستحي منه أن أفجعه بقتل ولده , فليتني لم أنزل إلى الأرض ، قال فنودي الملك من فوق رأسه : أن أفعل ما اُمرت به.فدخل الملك إلى رسول الله ونشر أجنحته بين يديه , وقال : يا رسول الله , اعلم أنّي أستأذنت ربّي في النّزول إلى الأرض ؛ شوقاً لرؤيتك وزيارتك , فليت ربّي كان حطّم أجنحتي ولم آتك بهذا الخبر , ولكن لا بدّ من إنفاذ أمر ربّي عزّ وجلّ ، اعلم يا مُحمّد , إنّ رجُلاً من اُمّتك اسمه يزيد , ( زاده الله لعناً في الدُنيا وعذاباً في الآخرة ) , يقتل فرخك الطّاهر ابن الطّاهرة , ولن يتمتّع قاتله في الدُنيا من بعده إلّا قليلاً , ويأخذه الله مُقاصّاً له على سوء عمله , ويكون مُخلّداً في النّار .فبكى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بُكاءاً شديداً , وقال : أيّها الملك , هل تفلح اُمّة تقتل ولدي وفرخ ابنتي ؟ قال : لا يا مُحمّد , بل يرميهم الله باختلاف قلوبهم وألسنتهم في دار الدّنيا , ولهم في الآخرة عذاب أليم )).

وعن كعب الأحبار حين أسلم في أيّام خلافة عمر بن الخطاب , وجعل النّاس يسألونه عن الملاحم التي تظهر في آخر الزّمان ,


فصار كعب يخبرهم بأنواع الأخبار والملاحكم والفتن التي تظهر في العالم , ثمّ قال : وأعظمها فتنة وأشدّها مصيبة لا تنسى إلى أبد الآبدين , مصيبة الحُسين (عليه‌السلام ) , وهي الفساد الذي ذكره الله تعالى في كتابه المجيد , حيث قال :( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ ) (١) .وإنّما فُتح الفساد بقتل هابيل بن آدم , وخُتم بقتل الحُسين (عليه‌السلام ) , أو لا تعلمون أنّه تُفتح يوم قتله أبواب السّماوات , ويؤذن للسماء بالبكاء فتبكي دماً , فرأيتم الحمرة في السّماء قد ارتفعت , فاعلموا أنّ السّماء تبكي حُسيناً.

فقيل : يا كعب , لِمَ لا تفعل السّماء كذلك ولا تبكي دماً لقتل الأنبياء ممّن كان أفضل من الحُسين ؟ فقال : ويحكم ! إنّ قتل الحُسين أمر عظيم , وإنّه ابن سيّد ال ـ مُرسلين , وإنّه يُقتل علانية مبارزة ظُلماً وعدواناً , ولا تُحفظ فيه وصيّة جدّه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وهو مزاج مائه وبضعة من لحمه , يُذبح بعرصة كربلاء ، فو الذي نفس كعب بيده , لتبكينّه زمرة من الملائكة في السّماوات السّبع , لا يقطعون بكاءهم عليه إلى آخر الدّهر ، وإنّ البقعة التي يُدفن فيها خير البقاع , وما من نبيّ إلّا ويأتي إليها ويزورها ويبكي على مصابه , ولكربلاء في كلّ يوم زيارة من الملائكة والجن والإنس , فإذا كانت ليلة الجُمُعة , ينزل إليها تسعون ألف ملك , يبكون على الحُسين ويذكرون فضله ، وإنّه يُسمّى في السّماء حُسيناً المذبوح , وفي الأرض أبا عبد الله المقتول - وفي البحار : الفرخ الأزهر المظلوم - وإنّه يوم قتله , تنكسف الشّمس بالنّهار , ومن الليل ينخسف القمر , وتدوم الظُلمة على النّاس ثلاثة أيّام , وتمطر السّماء دماً , وتدكدك الجال وتغطمط البحار ؛ ولو لا بقية من ذرّيّته وطائفة من شيعته الذين يطلبون بدمه ويأخذون بثاره , لصبّ الله عليهم ناراً من السّماء , أحرقت الأرض ومَن عليها.

ثمّ قال كعب : يا قوم , كأنّكم تتعجبون بما اُحدّثكم فيه من أمر الحُسين (عليه‌السلام ) , وإنّ الله تعالى لم يترك شيئاً كان أو يكون من أوّل الدّهر إلى آخره , إلّا وقد فسّره لموسى (عليه‌السلام ) , وما نسمة خُلقت إلّا وقد رُفعت إلى آدم (عليه‌السلام ) في عالم الذّر وعُرضت عليه ، ولقد عُرضت عليه هذه الاُمّة , ونظر إليها وإلى اختلافها وتكالبها على هذه الدّنيا الدّنية ، فقال آدم : يا ربّ , ما لهذه الاُمّة الزّكية وبلاء الدّنيا وهم أفضل الاُمم ؟ فقال له : (( يا آدم , إنّهم اختلفوا فاختلفت قلوبهم , وسيظهرون الفساد في الأرض , كفساد قابيل حين قتل هابيل , وأنّهم يقتلون فرخ

____________________

(١) سورة الرّوم / ٤١.


حبيبي مُحمّد الـمُصطفى )) .ثمّ مثّل لآدم (عليه‌السلام ) مقتل الحُسين ومصرعه , ووثوب اُمّة جدّه عليه , فنظر إليهم فرآهم مسودّة وجوههم ، فقال : يا ربّ , أبسط عليهم الانتقام , كما قتلوا فرخ نبيك الكريم عليه أفضل الصّلاة .ولله درّ مَن قال من الرّجال:

إذا أبصرتك العين من بعد غاية

وعارض فيك الشك أثبتك القلب

ولو أن قوماً يمموك لقادهم

باسمك حتّى يستدل بك الركب

وروي عن ريان بن شبيب , قال : دخلت على الرّضا (عليه‌السلام ) في أوّل يوم من الـمُحرّم , فقال لي : (( يابن شبيب , أصائم أنت ؟ )) .فقلت : لا .فقال : (( إنّ هذا اليوم هو اليوم الذي دعا زكريا ربّه عزّ وجلّ , فقال :( رَبّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرّيّةً طَيّبَةً إِنّكَ سَمِيعُ الدّعَاءِ ) (١) .فاستجاب الله تعالى له , وأمر الملائكة فنادت زكريا :( وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ) (٢) .فمن صام هذا اليوم ثمّ دعا الله تعالى , استجاب الله له كما استجاب لزكريا .يابن شبيب , إنّ الـمُحرّم هو الشّهر الذي كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه القتال لحُرمته , فما عرفت هذه الاُمّة حُرمة شهرها ولا حُرمة نبيّها , لقد قتلوا في هذا الشّهر ذرّيّته , وسبوا نساءه وانتهبوا ثقله , فلا غفر الله لهم ذلك أبداً .يابن شبيب , إن كُنت باكياً لشيء , فابك للحُسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم‌السلام ) , فإنّه ذُبح كما يُذبح الكبش , وقُتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجُلاً ما لهم في الأرض شبيه , ولقد بكت السّماء والأرض لقتله , ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصرته فلم يؤذن لهم , فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم (عليه‌السلام ) فيكونون من أنصاره , وشعارهم يا لثارات الحُسين (عليه‌السلام ) .يابن شبيب , لقد حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه (عليه‌السلام ) , أنّه لمـّا قُتل جدّي الحُسين (عليه‌السلام ) , أمطرت السّماء دماً وتراباً أحمراً.

يابن شبيب , إن بكيت على الحُسين , ثمّ تصير دموعك على خدّيك , غفر الله لك كُلّ ذنب أذنبته صغيراً كان أو كبيراً.يابن شبيب , إن سرّك أن تلقى الله ولا ذنب عليك , فزر الحُسين (عليه‌السلام ) .يابن شبيب , إن سرّك أن تسكن الغرف المبنية في الجنّة مع النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فالعن قاتل الحُسين .يابن شبيب , إن سرّك أن يكون لك من الثّواب مثل ما لمن استشهد مع الحُسين (عليه‌السلام ) , فقُل متى ما ذكرته : يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً ! يابن شبيب , إن سرّك أن تكون معنا في الدّرجات العُلى من الجنات , فاحزن لحزننا وافرح لفرحنا

____________________

(١) سورة آل عمران / ٣٨.

(٢) سورة آل عمران / ٣٩.


وعليك بولايتنا , فلو أنّ رجُلاً أحبّ حجراً , لحشره الله معه يوم القيامة )).

فيا أيّها الأبرار , لا تبخلوا بالدّموع الغزار على عترة النّبي الـمُختار , ألا تحبّون أن يغفر الله لكم ويجزل ثوابكم ؟ أليس هم شفعاءكم يوم المعاد إذا وقفتم بين يدي ربّ العباد ؟ أليس بهم تحطّ الأوزار ؟ أليس هم الجنن الواقية من النّار ؟ فسارعوا رحمكم الله إلى النّوح والبكاء عليهم , فإنّ ذلك من أعظم القرب إلى الله وإليهم ، فيا عجباً ممّن يطيل النّوح على الدّيار , ويندب الرّبوع المقفرة والآثار , ولا يبكي لمصاب السّادة الأطهار وأولاد عليّ الكرّار ! ولكنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القُلوب التي في الصّدور.

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم فيهم وقال :

القصيدة للنيلي (رحمه‌الله )

لا تنكري إن ألفت الهم والأرقا

وبت من بعدهم حلف الأسى قلقا

قد كنت آمل روحي أن تفارقني

ولا أرى شملنا الملتام مفترقا

ليث الركائب لازمت لبينهم

وليت ناعق يوم البين لا نعقا

كم هد ركني وكم أوهى قوى جلدي

وكم دم بمواضي جوره هرقا

لا تطلبوا أبداً مني البقاء فهل

يرجى مع البين من أهل الغرام بقا

يحق لي أن بكت عيني دماً لهم

وإن غدوت بنار الحزن محترقا

يا منزلا لعبت أيدي الشتات به

لعب النحول بجسمي إذ به علقا

مالي على ربعك البالي غدوت به

وظلت أسأل عن أهليه ما نطقا

أبكي عليه ولو أن البكاء على

سوى بني أحمد المختار ما خلقا

تحكمت فيهم الأعداء ويلهم

ومن نجيع الدما أسقوهم علقا

تداركت منهم الأعداء ثارهم

يوم الطفوف وداروا حولهم حلقا

ذادوهم عن ورود الماء ويلهم

ومن نجيعهم اسقوهم العلقا

تا لله كم قصموا ظهراً لحيدرة

وكم بروا للرسول الـمُصطفى عنقا

والله ما قبلوا بالطف يومهم

إلّا بما يوم ( بدر ) فيهم سبقا

وقد رواه حديثاً صادقاً لهم

زيد بن أرقم إذ كان أمره حذقا


إذا قال كنت مقيماً في دمشق

جاءت سبايا حسين تذرف الأمقا

حتّى إذا أحضروهن الطغاة إلى

يزيد إذ زاده من كفره حنقا

حتّى إذا أبرزت للسبي جارية

كأنها البدر من حسن إذا اتسقا

فقال من هذه قالوا سكينة بنت

الخارجي الذي عن حكمنا أبقا

فقال كيف رأيت الله مكنني

رقابكم إذ لنا صرتم من العتقا

أخذت ثأري من ابن النّبي ومن

غدا من أسلافنا من جدكم سبقا

هناك قالت أمه أنى ثكلتك يا

أردى الأنام ويا من ليس فيه تقا

اسمع مناماً رأت عيناي بارحتّى

يزيد قلبك هماً عندما طفقا

فقال قصي لنا رؤياك فابتدرت

تقص والدمع منها يسبق النطقا

فبينما أنا إذ صلّيت نافلتي

أثنى عليّ خالقي والليل قد غسقا

إذ الحُسين أبي قد جاء ملتثماً

فرقى وقد مد لي كفيه معتنقا

وعاينت مقلتي من بعد ذاك إلى

قصر من النور يزهو أبيضاً يققا

عال شرانفه الياقوت حمرتها

للناظرين إليها يدهش الامقا

فبينما أنا نحو القصر ناظرة

إذ شرع الباب لي من بعدما غلقا

وعاينت مقلتي خمساً وقد برزوا

من المشايخ في ترتيبهم نسقا

ومن بين أيديهم شخص فقلت له

والقلب مني لما عاينت قد خفقا

لمن ترى يا فتى ذا القصر قالوا لمو

لاك الحُسين ولولاه لما خلقا

وهذه الخمسة الأشباح آدم

ثمّ الطهر نوح الذي في حبكم سقا

وذا الخليل وهناك الكليم وذا

عيسى النّبي الذي يبرئ بغير رقا

وعاينت مقلتي شخصاً لطلعته

نور علا الشمس لما تبلغ الأفقا

وكفه قابض من فوق لمته

باك بعبرته قد صار مختنقا

وقد قطعت زفرات الحزن مهجته

والقلب منه لما قد ناله حنقا

فقلت من ذا فقالوا يا سكينة ذا

النّبي جدك ينجو من به علقا

فقمت اسعى إليه ثمّ قلت له

يا جد لم يبق منا من به وثقا

يا جدنا لو ترى بالطف قد قتلت

رجالنا وإبنك السبط الشهيد لقا

يا جدنا لو ترانا نستغيث فلا

نغاث قد قطعوا من دوننا الطرقا


يا جدنا لو ترانا إذ نحث على

الأقتاب نطلب من أعدائنا الرفقا

فعندها ضمني جدي وقبلني

وخر من عظم ما حدثته صعقا

ومد كفي وصيف القوم أدخلني

في القصر وهو بطيب المسك قد عبقا

وفيه خمس نساء لو برزن إلى

الشمس الظهيرة خلتا نورها شفقا

وبين تلك النساء الخمس باكية

قد أكثرت دونهن النوح والحرقا

أثوابها من سود قد صبغن وفي

أزياقها الدمع في الأردان قد خرقا

وشعرها فوق كتفيها تنشره

على الحُسين ومنها الجيب قد مزقا

فقلت أخبرني يا ذا الوصف فمن

هذي النساء فقل لي لا لقيت شقا

فقال هاتيك يا سكينة و

الاُخرى خديجة أو في العالمين تقا

وهذه مريم أيضاً وسارتها

مع هاجر قد ملكن الخلق والخلقا

وذي القميص الذي قد ضمخته دماً

بنت النّبي الذي فوق البراق رقا

فقمت أسعى إليها ثمّ قلت لها

أخبرك أن أبي بالبيض قد مزقا

يا جدنا لو ترى عيناك إبنك

بين الرأس منه وبين الجسم قد مزقا

يا جدنا لو رأيتنا وليس لنا

عن أعين الناس من فوق المطى وقا

فعندها صرخت في الحل فاطمة

حتّى لقد خلت أن القصر قد طبقا

وأقبلت وهي تشكي تستغيث على

قتل الحُسين وتذري الدمع مندفقا

والهفتاه لحزني فيك يا ولدي

وا حسرتا يا قتيل الصحب والرفقا

وا طول لهفي عليك اليوم يا ولدي

لأهجرن سهادي فيك والأرقا

وظل من حولها النسوان في ثكل

يندبن للسبط لا لهواً ولا ملقا

هنا قامت وضمتني براحتها

لصدرها فسكبت الدمع مندفقا

وأقبلت وهي تذري الدمع تسألني

عن الحُسين وعن طاغ به طرقا

وتستغيث وتدعو يا سكينة من

أضحى يغسل إبني من به رفقا

ويلاه ويلاه من أضحى يكفنه

ومن رأى وجهه والنحر والحدقا

ويلاه ويلاه من عبى الحنوط

ومن ترى سار حول النعش والنطلقا

ويلاه ويلاه من صلّى عليه ومن

أيضاً ترى للثرى في لحده طبقا

ومن ترى يكفل الأيتام ويحك بعد

ابني الحُسين ومن في حبنا صداقا


وكيف خلف زين العابدين ومن

أوصى إليه من الأصحاب والرفقا

متى أرى القائم المهدي يقدم جيش

الله والسنجق المنصور قد خفقا

هناك أظهر عن ما لو أردت به

خرق السموات من دون الورى خرقا

يا آل طه لقد نال الأمان بكم

في البعث كلّ ولي مؤمن صدقا

أحب أعدائي فيكم إذ تحبكم

وإنني أهجر الأهلين والرفقا

فهانموها من النيلي رائقة

تحكي الحيا رقة لفظاً ومنتسقا

إذا تلا نائح يوماً محاسنها

أزرت على كلّ من بالشعر قد نطقا

من شاعر في مجال الشعر خاطره

إلى طريق العلا والمجد قد سبقا

بها سموت على من قال مقتدما

حي الفريق الحي فافترقا

وأزفت ما قال نصر في قصيدته

طيف لخنساء من بعد الكرى طرقا

بعد الصلاة على المختار سيدنا

خير الورى شرفاً ما مثله خلقا


المجلس الرّابع

في اليوم الثّاني من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

أيّها المؤمنون , ألم تسمعوا بمصائب آل الرّسول وأولاد الزّهراء البتول ؟ أم سمعتم وأنتم غافلون بإهراق الدّموع متباخلون ؟ ليس هذا من فعل الـمُحبّين ولا من دأب الـمُريدين , وكيف لا يحزن على مثلهم وهم اُمناء الرّحمن , ومَن شهد بفضلهم القرآن , وبكى عليهم كلّ مخلوق كان , والمخدومون والملائكة الكرام , والـمُباهي بفضلهم النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟! تركهم الأعداء بين مقتول بالسّم , وشهيد مضرّج بالدّم , وفقيد لا يُعرف قبره وإلى أيّ شيء آل أمره , وبين رأس على سنان , وبدن بلا رأس بين الأبدان, وبين شيبة بالدّماء مخضوبة , وبنت لرسول الله مسلوبة , وحرمة الرّسول مهتوكة , وطريدة بالعلى منهوكة .فيا شوهاً لطوائف الأدعياء وقُبحاً لأولئك الأشقياء , كيف ترونهم ينظر إليهم النّبي أو يسقيهم من الحوض الوصي ؟! وكيف بهم إذا أتت بنت سيّد الثّقلين , مصبوغة ثيابها بدماء الحُسين , وتعلّقت بقائمة العرش وهي تقول : (( يا عدل يا حكيم , احكم بيني وبين قاتل ولدي )) .فهنالك حقّت عليهم كلمة العذاب , ولهم عذاب شديد غير مبيد , ولله درّ بعض ذوي العقول حيث يقول :

بنفسي طريحاً نازحاً عن دياره

تريب المحيا عاري الجسم مجتلا

بنفسي نساء السبط يبكين حوله

ظمايا حيارى حاسرات وثكلا


بنفسي عليّ بن الحُسين مقيداً

بقيد ثقيل بالحديد مكبلا

تناديه بالشجو العظيم سكينة

أيا أبتا ماذا دهانا وأثكلا

و زينب تدعو جدها يا مُحمّد

أيا جدنا صفوة الله ذي العلا

أيا جدنا يعزز عليك بأن يرى

حبيبك مقتولاً عفيراً مجدلا

وساقوا السايا حاسرات أذلة

وقادوا عليّ بن الحُسين مغللا

وساروا برأس الطاهرين وخلفوا

حسيناً بأرض الطف شلواً مجدلا

تجر عليه العاصفات ذيولها

ويبكي عليه الوحش والطير في الفلا

الا لعن الرّحمن آل اُميّة

وعجلهم ثمّ الدلام ونعثلا

وأشياعهم أو من رضي بفعالهم

واتبعهم أو من لهم كان قد تلا

عليكم سلام الله ما در شارق

وما أن حدي الحادي وركب تحملا

روى شرحبيل بن أبي عون , أنّه قال : لمـّا ولد الحُسين (عليه‌السلام ) , هبط ملك من ملائكة الفردوس الأعلى ونزل إلى البحر الأعظم , ونادى في أقطار السّموات والأرض : يا عباد الله , البسوا ثوب الأحزان واظهروا التّفجع والأشجان ؛ فإنّ فرخ مُحمّد مذبوح مظلوم مقهور .ثمّ جاء ذلك الملك إلى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وقال : يا حبيب الله , يُقتل على هذه الأرض قوم من أهل بيتك, تقتلهم فرقة باغية من اُمّتك , ظالمة معتدية فاسقة , يقتلون فرخك الحُسين ابن ابنتك الطّاهرة , يقتلوه بأرض كربلاء وهذه تربته.ثمّ ناوله قبضة من أرض كربلاء , وقال له : يا مُحمّد , احفظ هذه التّربة عندك حتّى تراها وقد تغيّرت واحمرّت وصارت كالدّم , فاعلم أنّ ولدك الحُسين قد قُتل.

ثمّ إنّ ذلك الملك , حمل من تربة الحُسين (عليه‌السلام ) على بعض أجنحته وصعد إلى السّماء بها , فلم يبق ملك في السّماء إلّا وشمّ تربة الحُسين (عليه‌السلام ) وتبرّك بها , قال : ولـمّا أخذ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تربة الحُسين (عليه‌السلام ) , جعل يشمّها ويبكي وهو يقول : (( قتل الله قاتلك يا حُسين , وأصلاه في نار الجحيم ، اللّهمّ لا تُبارك في قاتله , واصله حرّ نار جهنّم وبئس المصير )) .ثمّ دفع تلك التّربة من تربة الحُسين إلى زوجته اُمّ سلمة , وأخبرها بقتل الحُسين (عليه‌السلام ) بطفّ كربلاء , وقال لها : (( يا اُمّ سلمة , خُذي هذه التّربة إليك وتعاهديها بعد وفاتي , فإذا رأيتيها وقد تغيّرت واحمرّت وصارت دماً عبيطاً , فاعلمي أنّ ولدي الحُسين قد قُتل بطفّ كربلاء )) .فلمّا أتى للحُسين سنة


كاملة من مولده , هبط إلى رسول الله اثني عشر ألف ملك على صور شتّى , محمرّة وجوههم باكية عيونهم , ونشروا أجنحتهم بين يدي رسول الله وهم يقولون : يا مُحمّد , إنّه سينزل بولدك الحُسين مثل ما نزل بهابيل من قابيل.

قال : ولم يبق ملك في السّماء إلّا ونزل على رسول الله ؛ يُعزّيه بولده الحُسين , ويخبره بما يُعطى من الأجر لزائره والباكي عليه, والنّبي مع ذلك يبكي ويقول : (( اللهمّ اخذل من خذله واقتل من قتله , ولا تمتعه بما أمله في الدّنيا , واصله حرّ نارك في الآخرة )) .ولله درّ مَن قال :

أزالوهم بالقهر عن إرث جدهم

عناداً وما شاءوا أحلوا وحرموا

وقادوا علياً في حمائل سيفه

وعمار دقوا ضلعه وتهجموا

على بيت بنت الـمُصطفى وإمامهم

ينادي ألا في بيتها النار فاضرم

فو الله ما أدري الحُسين ورهطه

وصبرهم فيئاً يحاز ويقسم

سوى حبتر ثم الدلام ونعثل

لأنهم في كلّ ظلم تقدموا

وتلك التي جاءت تقود عسكراً

على جمل يحدوا بها المترنم

أبوها يولي الدبر في كلّ موقف

وابنته عند اللقا تتقدم

ألا لعن الله المهيمن حبترا

وابنته تعداد ما الله يعلم

روي في بعض الأخبار عن ثقاة الأخيار : أنّ نصرانياً أتى رسولاً من ملك الرّوم إلى يزيد , وقد حضر في مجلسه الذي أتى فيه برأس الحُسين (عليه‌السلام ) , فلمّا رأى النّصراني رأس الحُسين , بكى وصاح وناح حتّى ابتلّت لحيته بالدّموع , ثمّ قال : اعلم يا يزيد , إنّي دخلت المدينة تاجراً في أيّام حياة النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وقد أردت أن آتيه بهدية , فسألت من أصحابه : أيّ شيء أحبّ إليه من الهدايا ؟ فقالوا : الطّيب أحبّ إليه من كُلّ شيء , وإنّ له رغبة فيه .قال : فحملت من المسك فارتين , وقدراً من العنبر الأشهب , وجئت به إليه وهو يومئذ في بيت زوجته اُمّ سلمة (رضي‌الله‌عنه ) , فلمّا شاهدت جماله , أزاد لعيني من لقائه نوراً ساطعاً , وزادني منه سروراً , وقد تعلّق قلبي بمحبّته , فسلّمت عليه ووضعت العطر بين يديه , فقال : (( ما هذا ؟ )) .قُلت : هدية محقرة أتيت بها إلى حضرتك .فقال لي : (( ما اسمك ؟ )) .فقلت : اسمي عبد شمس .فقال لي : (( بدّل اسمك , فأنا أسمّيك عبد الوهاب .إن قبلت منّي الإسلام قبلت منك الهدية )) .قال : فنظرته وتأمّلته , فعلمت أنّه نبيّ وهو الذي أخبرنا عنه عيسى , حيث قال : إنّي


مبشر لكم برسول يأتي من بعدي , اسمه أحمد .فاعتقدت ذلك وأسلمت على يده في تلك السّاعة , ورجعت إلى الرّوم وأنا أخفي الإسلام , ولي مدّة من السّنين وأنا مُسلم مع خمس من البنين وأربع من البنات , وأنا اليوم وزير ملك الرّوم , وليس لأحد من النّصارى اطلاع على حالنا.

واعلم يا يزيد , إنّي يوم كنت في حضرة النّبي وهو في بيت اُمّ سلمة , رأيت هذا العزيز الذي رأسه وضع بين يديك مُهاناً حقيراً , قد دخل على جدّه من باب الحجرة , والنّبي فاتح بابه ليتناوله , وهو يقول : (( مرحباً بك يا حبيبي )) .حتّى أنّه تناوله واجلسه في حجره , وجعل يُقبّل شفتيه ويرشف ثناياه , وهو يقول : (( بُعداً , لا رحمه ‌الله مَ ن قتلك يا حسين وأعان على قتلك )) .والنّبي مع ذلك يبكي , فلمّا كان اليوم الثّاني , كنت مع النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في مسجده , إذ أتاه الحسن (عليه‌السلام ) مع أخيه الحُسين (عليه‌السلام ) , وقال : (( يا جدّاه , قد تصارعت مع أخي الحُسين (عليه‌السلام ) , ولم يغلب أحدنا الآخر , وإنّما نريد أن نعلم أيّنا أشدّ قوّة من الآخر )) .فقال لهُما النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يا حبيبي ويا مهجتي , إنّ التّصارع لا يليق لكما , اذهبا فتكاتبا , فمَن كان خطّه أحسن , كذلك تكون قوّته أكثر )) .قال : فمضيا وكتب كُلّ واحد منهما سطراً , وأتيا إلى جدّهما النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فأعطياه اللوح ليقضي بينهما , فنظر النّبي إليهما ساعة ولم يرد أن يكسر قلب أحدهما , فقال لهما : (( يا حبيبي , إنّي اُمّيّ لا أعرف الخط , اذهبا إلى أبيكما ليحكم بينكما , وينظر أيّكما أحسن خطّاً )) .قال : فمضيا إليه وقام النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أيضاً معهما , ودخلوا جميعاً إلى منزل فاطمة (عليها‌السلام ) , فما كان إلّا ساعة وإذا النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مُقبل وسلمان الفارسي معه , وكان بيني وبين سلمان صداقة ومودّة , فسألته : كيف حكم أبوهما , وخطّ أيّهما أحسن ؟ قال سلمان (رضي‌الله‌عنه ) : إنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يجبهما بشيء ؛ لأنّه تأمّل أمرهما وقال : (( لو قُلت خطّ الحسن أحسن كان يغتمّ الحُسين , ولو قُلت خطّ الحُسين أحسن كان يغتمّ الحسن , فوجهتهما إلى أبيهما )) .فقلت : يا سلمان , بحقّ الصّداقة والإخوّة التي بيني وبينك , وبحقّ دين الإسلام , إلّا ما أخبرتني كيف حكم أبوهما بينهما ؟ فقال : لمـّا أتيا إلى أبيهما وتأمّل حالهما , رقّ لهما ولم يرد أن يكسر قلب أحدهما , قال لهما : (( امضيا إلى اُمّكما فهي تحكم بينكما )) .فأتيا إلى اُمّهما وعرضوا عليها ما كتبا في اللوح وقالا : (( يا اُمّاه , إنّ جدّنا أمرنا أن نتكاتب , فكلّ مَن كان خطّه أحسن تكون قوّته أكثر , فتكاتبنا وجئنا إليه , فوجّهنا إلى أبينا فلم


يحكم بيننا , ووجّهنا إلى عندك )) .فتفكّرت فاطمة (عليها‌السلام ) بأنّ جدّهما وأباهما ما أرادا كسر خاطرهما , أنا ما أصنع وكيف أحكم بينهما , فقالت لهما : (( يا قرّتي عيني , إنّي أقطع قلادتي على رأسكما , فأيّكما يلتقط من لؤلؤها أكثر , كان خطّه أحسن وتكون قوّته أكثر )) .قال : وكان في قلادتها سبع لؤلؤات .ثمّ إنّها قامت فقطعت قلادتها على رأسهما , فالتقط الحسن ثلاث لؤلؤات , والتقط الحُسين ثلاث لؤلؤات وبقيت الاُخرى , فأراد كُلّ منهما تناولها , فأمر الله تعالى جبرائيل (عليه‌السلام ) بنزوله إلى الأرض , وأن يضرب بجناحيه تلك اللؤلؤة ويقدّها نصفين بالسّوية , ليأخذ كُلّ منهما نصفاً ؛ لئلا يغتمّ قلب أحدهما , فنزل جبرائيل (عليه‌السلام ) كطرفة عين وقدّ اللؤلؤة نصفين , فأخذ كُلّ منهما نصفاً .فانظر يا يزيد , إنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يدخل على أحدهما ألم التّرجيح في الكتابة , ولم يرد كسر قلبهما , وكذلك أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) وفاطمة (عليها‌السلام ) , وكذلك ربّ العزّة لم يرد كسر قلب أحدهما , بل أمر مَن يقسم اللؤلؤة بينهما ؛ لجبر قلبهما , وأنت هكذا تفعل بابن بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟! أفّ لك ولدينك يا يزيد.

ثمّ إنّ النّصراني نهض إلى رأس الحُسين (عليه‌السلام ) , واحتضنه وجعل يُقبّله , وهو يبكي ويقول : يا حُسين , اشهد لي عند جدّك مُحمّد الـمُصطفى , وعند أبيك الـمُرتضى , وعند اُمّك فاطمة الزّهراء (صلوات الله عليهم أجمعين).

فيا إخواني , أديموا رحمكم الله الحزن الطّويل , وواظبوا على النّدب والعويل , فعلى مثل أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للخليعي (رحمه‌الله )

لم أبك ربعاً دارس العرصات

أضحت معارفه من النكرات

درست معاهده وغيرها البلى

ونأت بساكنها يد الغربات

عفت الوقوف على الديار تجنبي

منها الصدى بتردد الكلمات

لكن بكيت على حريم مُحمّد

يشهرن فوق غوارب البدنات

وتذكري رفع الكريم أعاد لي

حزناً كيوم مصارع السادات

بأبي ربيبات البتول نوادباً

من عظم أحزان وطول شتات

لما قفلن إلى الشآم قريحة

أجفانهن سواكب العبرات


والرأس منتصب وزينب عنده

ودموعها تجري على الوجنات

تشكو إليه ووجهه متوقد

كالبدر يجلو حندس الظلمات

وتصيح وا حزاني وتدعو يا أخي

وخليفتي لعظائم النكبات

لهفي عليك وأنت ثاو بالعرى

ملقى على الرمضاء في الفلوات

لهفي عليك وأنت تشتكي

حر الظما وتلهب الزفرات

لهفي على ما نيل منك بكربلا

من قتل أبناء وسبي بنات

لهفي لهن مسلبات حسرا

فواضل الأردان مختمرات

لهفي لما أودعت قلب مُحمّد

وفؤاد فاطمة من الحسرات

يا واحدي لو كنت شاهد ما جرى

من ذلنا وتعزز الشمات

صبت علي مصائب لا تنقضي

من فقد أحباب وقتل حمات

وتعج والأيام سكرى حولها

قرحى الجفون خوافت الأصوات

ولرأس مولاي الحُسين ترنّم

في الليل يتلو محكم الآيات

والسيد السجاد يدعوها ألا

اصطبري فإت كلما هو آت

وكفي الدموع ورأفتي رب العلا

فعليك منه أفضل الصلوات

وتيقني أن الشهيد مخلد

لا تحسبيه يعد في الأموات

واستبشري يا عمتي فلك الهنا

بقيام دولة آخذ الثارات

والقائم المهدي والمولى الذي

يستأصل الأعداء بالنقمات

يا سادتي يا من بنور هداهم

وسناهم يجلي دجى الظلمات

بولاكم يا خير وطأ الثرى

نيل المنى وتقبل الطاعات

وكذا البراءة من أعاديكم بها

يعفو الإله غدا من الزلات

واليتكم ونصبت حرب عداكم

فرفعتم فوق العلى درجات

وتناوشوني حاسد ومعاند

وتظاهرا بالحقد والأحنات

يا رب فاشهد أنني متبرء

منهم وممن خان عقد ولات

من معشر جحدوا النّبي حقوقه

وتحاملوا ظلما على مولاتي

نال الخليعي الأمان بحبكم

ونجا من النيران أي نجات

لا تحسب الشعراء إن قد أدركوا

تحديد فضلكم بكنه صفات


لكنهم نظروا الكتاب فضمنوا

من مدحكم ما جاء في الآيات

ليبدلن الله خوف وليكم

أمناً ويجزيه على الحسنات

ويمكن الدين الذي لكم ارتضى

جهراً على رغم الزنيم العات

الباب الثّاني

اعلموا تقبّل الله أعمالكم وأحسن لديه آلكم , إنّ الله تعالى لا يقبل الأعذار في ترك المآتم على الآل الأطهار ؛ لأنّه تعالى جرت عادته بتكليف العباد بعد إلهامهم الرّشاد ؛ ليفيض عليهم من الخيرات فيصلون إلى الكمالات , ولا شيء لعمري , اُدّعى لحصول الثّواب العظيم وإزالة العذاب الأليم , من إظهار شعائر الأحزان وإجراء الدّموع الهتان , على ما أصابهم في ذلك الزّمان من أهل الغدر والخذلان , فكم من دم مسفوح وطفل مذبوح وقلب مقروح , ومرمّل بالدّماء ومسلوب للرداء , ومنبوذ بالعرى ومذبوح من القفا , وقرّة عين الـمُصطفى , وثمرة فؤاد الزّهراء بنت خاتم الأنبياء , فيا لله ! ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حُرمة الرّسول , فنوحوا أيّها الإخوان , وضجّوا بالعويل وعجّوا بالبكاء على هذا الرّزء الجليل , ولله در مَن قال من الرّجال :

بنفسي خدوداً في التراب تعفرت

بنفسي جسوماً بالعراء تعرت

بنفسي رؤوساً معليات على القنا

إلى الشام تهدي بارقات الأسنتى

بنفسي شفات ذابلات من الظما

ولم تحظ من ماء الفرات بقطرة

بنفسي عيونا غابرات شواهرا

الى الماء منها نظرة بعد نظرة

بنفسي من آل النّبي خرائد

حواسر لم تغدف عليهم بسترة

تفيض دموعاً بالدماء مشوبة

كقطر الغوادي من مدامع ثرت

على خير جيل من كهول وفتية

مصاليت انجاد إذا الخيل كرت

ربيع اليتامى والأرامل فابكها

مدارس للقرآن في كل سحرة

وأعلام دين الـمُصطفى وولاته

وأصحاب قربان وحج وعمرة

ينادون يا جداه أية محنة

نراها علينا من اُمية مرّت

ضغائن بدر بعد ستين أظهرت

وكانت أجنت في الحشا وأسرت


كأني ببنت الـمُصطفى قد تعلقت

يداها بساق العرش والدمع أذرت

وفي حجرها ثوب الحُسين مضمخا

وعنها جميع العالمين بحسرت

تقول أيا عدل أقض بيني وبين من

تعدى على ابني بعد قهر وقسرت

أجالوا عليه بالصوارم والقنا

وأسقوه كأس الموتّ طعم الممرت

هم أول العادين ظلماً على الورى

ومن سار فيهم بالأذى والمضرت

مضوا وانقضت أيامهم وعهودهم

سوى لعنة باءوا بها واستمرت

روي عن السّيد السّعيد عبد الحميد يرفعه إلى مشايخه , عن منذر الثّوري , عن أبيه , عمّن أخبره , قال : قال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( أنا قتيل العبرة , ما ذُكرت عند مؤمن إلّا بكى واغتمّ لمصابي )).

وروى أيضاً عبد الحميد يرفعه إلى مشايخه إلى جابر الجعفي , يرويه عن أبي عبد الله , ثمّ قال : (( يا جابر , كم بينكم وبين قبر الحُسين (عليه‌السلام ) ؟ )) .قال , قُلت : يوم وبعض آخر .قال , فقال لي : (( أتزوره ؟ )) .قال , قلت : نعم .قال : (( ألا اُفرّحك ألا اُبشرّك بث وابه ؟ )) .قلت : بلى جعلت فداك ! قال : (( إنّ الرّجل منكم ليتهيأ لزيارته , فتباشر به أهل السّماء , فإذا خرج من باب منزله راكباً أو ماشياً , وكّل الله عزّ وجلّ به أربعين ألفاً من الملائكة , يُصلّون عليه حتّى يوافي قبر الحُسين (عليه‌السلام ) , وثواب كُلّ قدم يرفعها , كثواب المتشحّط بدمه في سبيل الله , فإذا سلّمت على القبر , فاستلمه بيدك وقُل : السّلام عليك يا حُجّة الله في أرضه .ثمّ انهض إلى صلاتك , فإنّ الله تعالى يُصلّي عليك وملائكته حتّى تفرغ من صلاتك , ولك بكُلّ ركعة تركعها عنده ؛ ثواب مَن حجّ ألف حجّة , واعتمر ألف عُمرة , وأعتق ألف رقبة , وكمَن وقف في سبيل الله ألف مرّة مع نبي مرسل , فإذا أنت قمت من عند القبر , نادى مناد لو سمعت مقالته , لأفنيت عمرك عند قبر الحُسين (عليه‌السلام ) , وهو يقول: طوبى لك أيّها العبد , لقد غنمت وسلمت , قد غفر الله لك ما سلف فاستأنف العمل )) .قال : (( فإن مات من عامه أو من ليلته أو من يومه , لم يقبض روحه إلّا الله تعالى )) .قال : (( ويقوم معه الملائكة يُسبّحون ويُصلّون عليه حتّى يوافي منزله , فتقول الملائكة : ربّنا , عبدك وافى قبر وليّك وقد وافى منزله , فأين نذهب ؟ فيأتيهم النّداء من قبل السّماء : يا ملائكتي , قفوا بباب عبدي , فسبّحوني وقدّسوني وهلّلوني , واكتبوا ذلك في حسناته إلى يوم وفاته .فإذا توفّي ذلك العبد , شهدوا غسله


وكفنه والصّلاة عليه , ثمّ يقولون : ربّنا , وكلتنا بباب عبدك وتوفّي , فأين نذهب ؟ فيأتيهم النّداء : يا ملائكتي , قفوا بقبر عبدي , فسبّحوني وقدّسوني وهلّلوني , واكتبوا ذلك في حسناته إلى يوم القيامة )).

فيا طوبى لـمَن أحبّهم ووالاهم , ويا خسران مَن أبغضهم وعاداهم :

عدوي عن محبتكم فنادى

وموتي تحت أرجلكم صلاحي

هواكم قبلة تهوي إليها

قلوب الناس من كلّ النواحي

فلا والله لا أسلو هواكم

ولا أصبو إلى قول اللواحي

فلعمري , لو تضاعفت أحزاني فتزايدت أشجاني , واُجريت عوض الدّموع دماً , وجعلت عمري كلّه مأتماً , وبقيت من شدّة الجزع والاكتئاب كالخلال , لم أوف ببعض ما يجب عليّ من حقّ الآل.

روي عن عاصم , عن أبي عبدالله (عليه‌السلام ) قال : (( يا عاصم , مَن زار الحُسين (عليه‌السلام ) وهو مغموم , أذهب الله غمّه , ومَن زاره وهو فقير , أذهب الله الفقر عنه , ومَن كانت به عاهة فدعى الله أن يذهبها , اُستجيبت دعوته وفرّج همّه وغمّه , فلا تدع زيارته , فكأنّك كُلمّا أتيته , كتب الله لك بكُلّ خطوة تخطوها عشر حسنات , ومحى عنك عشر سيئات , وكتب لك ثواب شهيد في سبيل الله أهريق دمه , فإيّاك أن تفوتك زيارته , وأمّا في الآخرة , فبولايتهم يحصل الفوز بالنّعيم الدّائم الـمُقيم , وبحبّهم يحصل الخلاص من العذاب الأليم )).

وعن الإمام أبي عبد الله (ع) قال : (( قال الحُسين (عليه‌السلام ) : مَن زارني بعد موتي , زرته يوم القيامة ولو لم يكُن إلّا في النّار لأخرجته )) .:

يا عترة الهادي النّبي ومن هم

عزي وكنزي والرجا والمفزع

واليتكم وبرئت من أعدائكم

فأنا بغير ولاكم لا أقنع

صلّى الإله عليكم ما أحييت

فكروا وقضت العيون الهجع

روي عن إسحاق بن عمّار , عن أبي عبد الله (عليه‌السلام ) , قال : (( ما بين قبر الحُسين (عليه‌السلام ) إلى السّماء مُختلف الملائكة )).وعن بشير الدّهان قال , قُلت لأبي عبدالله : ربّما فاتني الحجّ وأعرف عند قبر الحُسين .قال : (( أحسنت يا بشير , أيما مؤمن أتى قبر الحُسين (عليه‌السلام ) , عارفاً بحقّه في غير يوم عيد , كتب الله له عشرين حجّة وعشرين


عمرة مبرورات مُتقبّلات , وألف غزوة مع نبيّ مُرسل أو إمام عادل )) .قال , قلت : وكيف لي مثل الموقف ؟ قال : فنظر إليّ شبه الـمُغضب , ثمّ قال : (( يا بشير , إنّ المؤمن إذا أتى قبر الحُسين يوم عرفة , فاغتسل بالفُرات ثمّ توجّه إليه , كتب الله عزّ وجلّ له بكُلّ خطوة حجّة بمناسكها )) .ولا أعلمه إلّا وقال : (( عمرة )).

وعن أبي جعفر الباقر (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( خلق الله تعالى كربلاء قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام , ثمّ قدّسها وبارك فيها , فما زالت أرض كربلاء مُقدّسة مباركة طاهرة , قبل أن يخلق الله الخلق وقبل أن يكون الكون , ولم تزل كذلك حتّى جعلها الله أفضل أرض في الجنّة , وأفضل منزل ومسكن يسكن الله أولياءه في الجنّة , وهي أعلا وأرفع مساكن الجنّة , وأنّها إذا زلزل الله الأرض وسيّرها , رُفعت كما هي بتربتها نورانية صافية , فجُعلت أوّل روضة من رياض الجنّة , وأفضل مسكن في الجنّة , لا يسكنها إلّا النّبيون والمرسلون وأولوا العزم من الرّسل , وأنّها لتزهو بين رياض الجنّة , كما يزهو الكوكب الدّرّي لأهل الأرض , يغشي نورها أبصار أهل الجنّة جميعاً , وهي تُنادي : أنا الأرض الـمُقدّسة والطّينة الـمُباركة التي تضمّنت جسد سيّد الشُهداء , وسيّد شباب أهل الجنّة أبا عبد الله الحُسين )).

وفي بعض الأخبار : إنّ الله تعالى لمـّا خلق أرض الكعبة , افتخرت وابتهجت وقالت : مَن مثلي وقد بُني بيت الله على ظهري , ويأتيني النّاس من كلّ فجّ عميق , وجُعلت حرم الله وأمنه ؟! فاوحى الله تعالى إليها : (( يا أرض الكعبة , كفّي وقرّي , فوعزّتي وجلالي , ما فضّلتك به فيما أعطيت كربلاء , إلّا بمنزلة الإبرة التي اُغمست في البحر , ولو لا تربة كربلاء ما فضّلتك, ولو لا ما تضمّنته أرض كربلاء , ما خلقتك ولا خلقت البيت الذي افتخرت به , فقرّي واستقرّي وكوني متواضعة ذليلة مهينة , غير مستنكفة ولا مستكبرة على أرض كربلاء , وإلّا سخت بك وأهويت بك في نار جهنّم )) .كلّ ذلك تعظيماً للحُسين (عليه‌السلام ) وإجلالاً له :

ما لي إذا وضع الحساب وسيلة

أنجو بها من حر نار الموعد

إلّا اعترافي بالذنوب وانني

متمسك بولاء آل مُحمّد

روي في بعض الأخبار , إنّ رجلاً جاء إلى الصّادق (عليه‌السلام ) وشكا إليه من علّة أردته , فقال له الصّادق (عليه‌السلام ) : (( يا هذا , استعمل تربة جدّي الحُسين (عليه‌السلام ) , فإنّ الله


تعالى جعل الشّفاء فيها من جميع الأمراض , وأماناً من جميع الخوف , وإذا أراد أن يستعملها للشفاء , فليأخذ من تلك التّربة , ثمّ يقبّلها ويضعها على وجهه وعينيه وينزلها على جميع بدنه , ويقول : اللّهمّ بحقّ هذه التّربة وبحقّ مَن حلّ بها وثوى فيها , وبحقّ جدّه وأبيه واُمّه وأخيه والأئمة من ولده , بحقّ الملائكة الحافّين به , إلّا جعلتها شفاء من كلّ داء , وبرء من كلّ مرض , ونجاة من كلّ خوف , وحرزاً مما أخاف وأحذر , برحمتك يا أرحم الرّاحمين .ثمّ استعمل من تلك التّربة أقل من الحمّصة , فإنّك تبرئ بإذن الله تعالى )) .قال الرّجل : فو الله , إنّي فعلت ذلك فشفيت من علّتي في وقتي وساعتي , من بركات سيدي وابن سيدي أبي عبد الله الحُسين (عليه‌السلام ).

وعن إسحاق بن إسماعيل , أنّه قال : سمعت من الصّادق (عليه‌السلام ) , يقول : (( إنّ لموضع قبر الحُسين (عليه‌السلام ) حرمة معروفة, مَن عرفها واستجار بها اُجير )) .فقلت : يا مولاي , فصف لي موضعها جعلت فداك ! فقال : (( امسح من موضع قبره الآن خمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رأسه , ومن ناحية رجليه كذلك , وعن يمينه كذلك وعن شماله , واعلم أنّ ذلك روضة من رياض الجنّة , ومنه معراج الملائكة تعرج فيه إلى السّماء بأعمال زوّاره, وليس ملك في السّموات ولا في الأرض, إلّا وهم يسألون الله عزّ وجلّ في زيارة قبر الحُسين, ففوج منهم ينزل وفوج يعرج إلى يوم القيامة ))

يا جوهر قام الوجود به

والناس بعدك كلهم عرض

أسهرت عيناً أنت قرتها

ولهي عليك وليس تغمض

وأتهت قلباً أنت منيته

القصوى بحزن فيك يعترض

روي : أنّ الصّادق (عليه‌السلام ) أصابه مرض , فأمر مولى أن يستأجر له أجيراً يدعو له بالعافية عند قبر الحُسين (عليه‌السلام ) , فخرج المولى فوجد رجلاً مؤمناً على الباب , فحكى له ما أمر به الصّادق , فقال الرّجل : أنا أمضي , لكنّ الحُسين إمام مُفترض الطّاعة , والصّادق إمام مُفترض الطّاعة , فكيف ذلك ؟! فرجع مولاه وعرّفه بمقالة الرّجل ، فقال الصّادق : (( صدق الرّجل في مقالته , لكنّ لله بقاعاً يُستجاب فيها الدُعاء , فتلك البقعة من تلك البقاع , وإنّ الله عزّ وجلّ عوّض الحُسين (عليه‌السلام ) من قتله بثلاثة أشياء ؛ إجابة الدُعاء تحت قُبّته والشّفاء في تُربته والأئمّة من ذُرّيّته )) .:

يا بفعة مات بها سيد

ما مثله في الناس من سيد


مات الهدى من بعده والندا

والعلم والحلم مع السؤدد

روي في بعض الأخبار : إنّ رجُلاً صالحاً , قال : رفعت إليّ امرأة غزلاً أبيض , فقالت لي : ادفع هذا الغزل إلى سدنة مكّة, ليخيط بها كسوة الكعبة .فكرهت أن أدفعه إلى الحجبة , فقال (عليه‌السلام ) : (( اشتر به عسلاً وزعفراناً , وخُذ قليلاً من طين قبر الحُسين (عليه‌السلام ) , واعجنه بماء السّماء , واجعل فيه العسل والزّعفران , وفرّقه على أوليائنا المؤمنين ليداووا به مرضاهم )).ففعلت ما أمرني مولاي , فكلّ مريض أخذ منه شفي بإذن الله تعالى.

فيا إخواني , ما أطيب نشر فضائلهم الفاضلة , وما أعذب ذكر مدائحهم الكاملة , تقدست أنفس امتنعت عليهم من الهجوع , وطهرت أعين أسبلت عليهم شآبيب الدّموع , وظفر بالنّصيب الوافر مَن والاهم , وحصل الشّرف الظّاهر مَن مال عمّن عاداهم ، ما ضرّهم ما تجرّعوه من الآلام , لم تكن لحظة واحدة فيحلّون دار السّلم جوار الملك العلام .فيا عيني سحّي دموعي ويا جفوني وافقي وأطيعي.

فعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ مُحمّد السمين (رحمه‌الله )

بان صبري وبان خافي شجوني

واستهلت بالدمع مني جفوني

واستهلت لما استهلت بدمع

حين جادت به شؤون شؤوني

وقلت مقلتي الرقاد ارتقاباً

بالسهي والسهاد ألف عيوني

وأستسرت مسرت السر لما

بان خوفي من سرها المكنون

فتبدت مصونة الحزن من قلبي

المعنى المتيم المحزون

ثمّ قالت للطرف أبرز ما كان

مصاناً من دمعك المسجون

واستمد الدماء أن نفد الدمع

فبالدمع أنت غير ضنين

واندب السبط في الطفوف فريداً

قد تخلا من مسعد ومعين

يتمنى لكي يبل غليلاً

وشربه من مباح ماء معين

فسقاه العدو كأساً دهاقا

من كؤوس الردى وماء المنون

لهف قلبي عليه وهو فؤول

يهدو في قوله وسكون


ويحكم لا تهونوا بقتل حسين

فتذوقوا طعم العذاب المهين

لا تقولوا يوم القيامة إنا

ما علمنا وإنكم تجهلوني

تعرفوني بأنني خير خلق الله

قدماً وآنفاً تنكروني

تنكروني فلم بغير اجترام

تقتلوني وأنتم تعرفوني

إن جدي النّبي أشرف خلق الله

ذو الفضل والفخار المبين

وأبي المرتضى الوصي عليّ

وهو رب الإمكان والتمكين

والبتول الزّهراء بنت رسول الله

أمي لأجلها راقبوني

فأجابوه قد علمنا يقيناً

أن هذا الكلام حق اليقين

غير أنا نروم منك مراماً

فاعطياه بالطوع يابن الأمين

قل رضينا يزيد مولا ولياً

والياً حاكماً بحق مبين

فمتى قلت أنت في دعة الله

وحرز من بأسنا بيقين

عندما أفحشوا الجواب اجتراءاً

آب عنهم بصفقة المغبون

ثمّ نادى أهل الخيام ودمع العين

جازية برقة وبلين

أم كلثوم يا سكينة يا زينب

يا بنت فاطمة جاوبيني

أنت في عترتي وفي أهل بيتي

وعيالي وصبيتي تخلفيني

ثمّ قومي إذا أردت وداعاً

ودعيني من قبل أن تفقديني

إن هذا الأوان آن انتقالي

وارتحالي وحان يا أخت حيني

أخت ابني عليّ بعد وليي

وإمام هاد لدنيا ودين

أخت صبراً صبراً فليس يضيع

الله أجر الصبور والمستكين

لا تشقي جيباً عليّ وابكي

كلّ حين بفيض دمع هتون

وإذا ما مررت بالجسد الملقى

على الأرض شاحباً فاندبيني

وإذا ما تلوت نافلة الذكر

وصلّيت دائماً فاذكريني

والعني ما شربت ماء فرات

من عن الماء ظامياً منعوني

فأجابته عزّ والله ما قلت

علينا وليس ذاك بهون

لو قدرنا على الفداء فديناك

وبأرواحنا وبالمخزون

وشربنا من شربك كاسات

المنايا من كف ساقي المنون


ثمّ لما رأته ملقى على الترب

تريب الخدين دامي الجبين

صرخت صرخة وقالت أجدة

العيس رفقاً هنية أوقفوني

لأودعه كي أبل غليلي

بوداعي منه ولا تمنعوني

فهو روحي فأين عنه رواحي

وهو قلبي فعنه لا تقلبوني

وهو شخصي فأين عنه شخوصي

فاشخصوا ثمّ عنه لا تشخصوني

وهو عدلي فأين عنه عدولي

فاعدلوا ثمّ عنه لا تعدلوني

فأجابوا صوت الشجي بسوط

وبضرب يبدي خفي الأنين

فاستغاثت بجدها وأبيها

وأخيها الزاكي الإمام المبين

بدموع على الخدود تجاري

من جفون قرحى وقلب حزين

ثمّ قالت يا موئلي يا مآلي

يا حصوني وأين مني حصوني

آه يا كسرتي لفقد حماتي

آه يا خذلتي لفقد معين

آه يا حسرتي ويا طول وحدي

أه يا ذلتي ويا طول هوان

جدي هذا القناع يسلب مني

ثم بالسوط بعد قنعوني

جدي هذا صدر الحُسين فقد ديس

عناداً له بقب البطون

رضضوه بغير إفراض غسل

جامع للحنوط والتكفين

جدي هذا الكريم فوق سنان

وسنان يغله باليمين

جدي هذي الرؤوس فوق قناها

وهي تهدي إلى يزيد اللعين

جدي هذي سكينة أسكنوها

بعد دار الأعزاز في دار هون

والسبايا على المطايا عرايا

مبديات لكل وجه مصون

سائرات بنا بغير وطاء

في سهول من بيدها وحزون

وإذا قلت للحداء رويداً

أزعجوا العيس عامداً وأزعجوني

وإذا قلت استروني بثوب

سلبوني ثوبي وما ستروني

وإذا قلت احجبوني عن الناس

تعدوا كفراً وما حجبوني

وإذا ما شكوت ضراً وبؤساً

رجموني بغياً وما رحموني

وإلى الله مشتكانا وما نلقاه

فيه من الأذى والهون

يا ذوي البيت والمشاعر والأركان

والحجر والصفا والحجون

يا ذوي الذاريات والطور

والأعراف والنحل والنساء ونون


فاز من مكن اليدين من الود

وفازت يداه بالتمكين

فاز بالصدق في الولاء كما

فاز بصدق الولاء نجل السمين

عبدكم أهدى إليكم نظاماً

فاق في نظمه نظام الثمين

فعليكم من ربكم صلوات

وسلام في كل وقت وحين

الباب الثّالث

تفكّروا يا إخواني في الدّين ، فيما قدم عليه الأنصار من إخوانكم المؤمنين , لكنّهم ظهر لهم السّر المكنون فعلموا ما كان وما يكون ، ورضوا عن الرّحمن فسمحوا في محبته بالأرواح ، وغضبوا الملك الدّيان فأجادوا في سبيله بالكفاح , آساد غيل غرير عرينها قليل قرينها ، جاهدوا في سبيل ذي الجلال وبذلوا نفوسهم في محاربة أهل الزّيغ والضّلال ، رموهم بالجياد حتّى انطوين , وضربوهم بالسّيوف حتّى انحنين ، وطعنوهم بالرّماح حتّى ارتوين , أو ليس هم القوم الذين إذا دعوا لم يقولوا أين أين ولم يخافوا الحين ، ولا سقطوا بين بين وأين ؟ لكم مثل أنصار مولاكم الحُسين أين ؟ ولله درّ مَن قال فيهم من الرّجال :

هم القوم أقيال مناجيد سادة

مذ أو يد أبطال لها الحرب منزل

كماة حماة يرهب الموت بأسهم

وليس لهم عن حومة الضرب معدل

فكم غادروا من غادر في كريهة

وكم عقلوا من كافر ليس يعقل

وحادوا وجادوا بالنفوس أمامه

وذاك من الجود العظيم المؤمل

وسادوا فشادوا منزلاً متطاولاً

دعائمه فوق السماكين أطول

وحاموا فحاموا دون سبط محمد

إلى أن تداعوا للمنايا وقتلوا

فلهفي لهم صرعى أمام إمامهم

ومن دمهم وجهه الثرى متبلل

وقد نسجت أيدي الرياح من الثرى

لهم حللاً من فوقهم تتجلل

فلو أنني شاهدت مشهد كربلا

وسيفي بكفي كنت للنفس أبذل

وواسيتهم بالطعن والضرب والقنا

فذاك المنى لو أن ذلك يحصل

روي من طريق الخصم ، وعن أنس بن مالك , قال : قرأ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) :( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ


لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ ) (١) .فقام إليه رجل , فقال : أيّ بيوت هذه يا رسول الله ؟ فقال : (( بيوت الأنبياء)).فقام الأوّل فقال : يا رسول الله , هذا البيت منها - يعني بيت عليّ وفاطمة - ؟ قال : (( نعم ، من أفاضلها )).

ومن طريقهم أيضاً في الصّحيحين , قال : لمـّا نزل قوله تعالى :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى‏ ) (٢) .قالوا : يا رسول الله , ومَن قرابتك التي أوجبت علينا مودتهم ؟ فقال : (( عليّ وفاطمة وابناهما )).

ومن طريقهم أيضاً , ما رواه الفقيه المغازلي الشّافعي , بإسناده عن ابن عبّاس , قال : سُئل النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه .فقال : (( سأله بمُحمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحُسين إلّا تبت عليّ , فتاب عليه )) .:

آل طه يا من بهم يغفر الله

ذنوبي وما جنته يميني

وإمامي في يوم بعثي وأمني

عند خوفي في كلّ خطب وضيني

أنتموا قبلتي وحجي وفرضي

وصلاتي وأصل نسكي وديني

من تمسك بكم وأم إليكم

قد نجا والتجا بحصن حصين

لا أبالي وإن تعاظم ذنبي

يوم بعثي لكن يقيني يقيني

كل عزى بين الأنام وفخري

يوم أخشى بابكم تقبلوني

أنا منكم لكم بكم واليكم

فرط وجدي وذا حنين أنيني

فعليكم من الإله صلاة

كلما ناح طائر بالغصون

يا إخواني , مَن علق بحبّهم سلم , والتجأ إلى كهف عزّهم ربح وغنم , ومَن اقتفى أثرهم حصل على سواء الطّريق ، ومَن تنكّب عن سمتهم وقع في المضيق بالتّحقيق , إذا أحبّ الله عبداً القى حجّتهم عليه ، وإن أبغض عبداً ألقى الشّيطان بغضهم إليه ، فمحبّتهم المقرّبة إلى الملك العلام , المؤدّية إلى أعظم المرام , لا تحصل بمجرّد الكلام ما لم تفترق بإعتقاد يحصل به برد الإيمان , وتشبّ به على مصابهم نيران الأحزان.

روى قتادة : أنّ أروى بنت الحارث بن عبد الملك , دخلت على معاوية بن أبي سفيان وقد قدم المدينة - وهي عجوز كبيرة - , فلمّا رآها معاوية , قال : مرحباً بك يا خالة , كيف كنت بعدي ؟ قالت : كيف أنت يابن أختي , لقد كفرت النّعمة وأسأت لابن عمّك الصّحبة , وتسمّيت بغير اسمك

____________________

(١) سورة النّور / ٣٦ - ٣٧.

(٢) سورة الشّورى / ٢٣.


, واخذت غير حقّك بلا بلاء كان منك ولا من آبائك في ديننا , ولا سابقة كانت لكم , بل كفرتم بما جاء به مُحمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فانغس الله الخدود , وأصغر منكم الخدود , وردّ الحقّ إلى أهله ، فكانت كلمتنا هي العليا , ونبينا هو المنصور على مَن ناواه ، فوثبت قُريش علينا من بعده حسداً لنا وبغياً , فكنّا بحمد الله ونعمته , أهل بيت فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون ، وكان سيّدنا فيكم بعد نبيّنا (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , بمنزلة هارون من موسى ، غايتنا الجنّة وغايتكم النّار.

فقال لها عمرو بن العاص : كفّى أيّتها العجوز الضّالة , واقصري من قولك مع ذهاب عقلك , إذ لا تجوز شهادتك وحدك.فقالت : وأنت يا بن الباغية , تتكلّم واُمّك أشهر بغي بمكّة وأقلّهم أجرة , وادعاك خمسة من قُريش , فسألت اُمّك عن ذلك , فقالت : كلّ أتاها .فانظروا أشبههم به فالحقوه به , فغلب شبه العاص بن وايل جزار قُريش , ألأمهم مكراً وأبهتهم خبراً, فما ألومك ببغضاً.

قال مروان بن الحكم : كفّى أيّتها العجوز واقصدي لما جئت له .فقالت : وأنت يابن الزّرقاء تتكلّم , والله وأنت ببشير مولى ابن كلدة أشبه منك بالحكم بن العاص , وقد رأيت الحكم سبط الشّعر مديد القامة , وما بينكما قرابة إلّا كقرابة الفرس الضّامر من الأتان المقرف ، فاسأل عمّا أخبرتك به اُمّك , فإنّها ستخبرك بذلك.

ثمّ التفتت إلى معاوية , فقالت : والله , ما جرّأ هؤلاء غيرك , وإنّ اُمّك القائلة في قتل حمزة :

نحن جزيناكم بيوم بدر

والحرب بعد الحرب ذات السعر

إلى آخر الأبيات , فأجابتها ابنة عمّي :

خزيت في بدر وغير بدري

يا بنت وقاح عظيم الكفر

إلى آخر الأبيات.

فالتفت معاوية إلى مروان وعمرو , وقال : والله , ما جرّأها عليّ غيركما , ولا أسمعني هذا الكلام سواكما ، ثمّ قال : يا خالة , اقصدي ودعي أساطير النّساء عنك .قالت : تعطيني ألفي دينار وألفي دينار وألفي دينار .قال : ما تصنعين بألفي دينار ؟ قالت : أزوّج فقراء بني الحارث بن عبد الـمُطلب .قال : هي لك ، فما تصنعين بألفي دينار ؟ قالت : أستعين بها على شدّة الزّمان وزيارة بيت الله الحرام .قال : قد أمرت بها لك .قال : فما تصنعين بألفي دينار ؟ قالت :


أشتري بها عيناً خرّارة في أرض خوّارة , تكون لفقراء بني الحارث بن عبد الملك .قال : هي لك يا خالة ، أما والله لو كان ابن عمّك على ما أمر لك بها .قالت : تذكر عليّاً فضّ الله فاك وأجهد بلاك .ثمّ علا نحيبها وبكاؤها وجعلت تقول :

ألا يا عين ويحك فاسعدينا

ألا فابكي أمير المؤمنينا

رزينا خير من ركب المطايا

وجال بها ومن رب السفينا

ومن لبس النعال ومن حذاها

ومن قرأ المثاني والمبينا

إذا استقبلت وجه أبي حسين

رأيت البدر راق الناظرينا

ألا فابلغ معاوية بن حرب

فلا قرت عيون الشامتينا

أفي الشهر الحرام فجعتمونا

بخير الخلق طراً أجمعينا

مضى بعد النّبي فدته نفسي

أبو حسن وخير الصالحينا

كأن الناس إذ فقدوا علياً

نعام جال في بلد سنينا

فلا والله لا أنسى علياً

وحسن صلاته في الراكعينا

لقد علمت قريش حيث كانت

بأنك خيرها حسباً ودينا

فلا يفرح معاوية بن حرب

فإن بقية الخلفاء فينا

قال : فبكى معاوية ثمّ قال : يا خالة , لقد كان كما قُلت وأفضل.

فانظروا يا إخوان الدّين إلى هؤلاء الكفرة الملاعين , يعترفون بالحقّ ويرغبون عنه , ويتطلّعون إليه ويفرّون منه , استحوذ عليهم الشّيطان فسلك بهم في أودية الهوان , وقادتهم أزمّة الباطل وأرخت لهم العنان , فباءوا بالخيبة والخسران واستحقّوا عذاب النّيران :( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (١) .

روي عن بعض الصّادقين , أنّه قال : دخلت إلى جامع بني اُميّة لاُصلّي صلاة الصّبح , وإذا أنا برجل من بني اُميّة جاء ووقف يصلّي قريباً منّي , فلمّا طأطأ رأسه للسجود , سقطت عمامته عن رأسه , فإذا رأسه ووجهه كرأس الخنزير وشعره كشعر الخنزير , فلمّا نظرته , طار عقلي وطاش لبّي , ولم اعلم ما صلّيت ولا ما قلت في صلاتي , فلمّا فرغ من الصّلاة , تنفّس الصّعداء وقال : لا حول ولا قوة إلّا بالله ، يا أخي , إنّي أخبرك بقصّتي وأظهرك على حالي .ثمّ إنّه كشف عن رأسه ونزع قميصه , فإذا رأسه ووجهه كالخنزير , وبدنه وشعره مثل جلد الخنزير , فتعجبت منه وقلت له : ما الذي أرى

____________________

(١) سورة النّحل / ١١٨.


بك من البلاء ؟ فقال : اعلم أنّي كنت مؤذّناً لبني اُميّة , وكنت كلّ يوم العن عليّ بن أبي طالب ألف مرّة بين الأذان والإقامة , وإذا كان يوم الجُمُعة العنه أربعين ألف مرّة , فبينما أنا نائم ليلة الجُمُعة , رأيت في منامي كأنّ القيامة قد قامت , ورأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعليّاً والحسن والحُسين وماء الكوثر مترع , وبيد الحسن (عليه‌السلام ) إبريق من نور , وبيد الحُسين (عليه‌السلام ) كأس من نورهما , يسقيان النّاس كافّة وأنا في عطش شديد , فدنوت من الحُسين (عليه‌السلام ) وقلت له : اسقني يابن رسول الله .فقال لي : (( ستشرب من حميم جهنّم )) .فقال له النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( لِمَ لا تسقيه ؟ )) .فقال : (( يا جدّاه , كيف اسقيه وهو يلعن أبي كلّ يوم ألف مرّة ؟ )) .فالتفت إليّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وقال لي : (( ما لك يا لعين يا شقي ! أتلعن أخي وخليفتي وابن عمّي عليّ بن أبي طالب ؟! )) .ثمّ بصق في وجهي , وقال : (( غيّر الله ما بك من نعمة )) .فانتبهت من منامي مرعوباً وإذا هو قد مُسخ كما ترى , وصار عبرة لمن يسمع ويرى , وأنا أحمد الله تعالى مما كان منّي , وواليت عليّ بن أبي طالب وتبرأت من أعدائه.:

أيا من هم فلك النجاة ومن هم

هداة وغوث للأنام وجود

ولولاهم ما كان نور ولا دجا

ظلام ولا للخلق كان وجود

عليكم سلام الله حيث ثناءكم

حكى نشره نداً يضوع وعود

وحيث بكم هبت نسيم ونسمة

هبوب وللعيدان رنح عود

وأزهر من زهر البروج زواهر

وورد من زهر المروج ورود

فالويل الدّائم لمن عاداهم ! والخيبة لمن ضلّ عن هُداهم وما والاهم !

روي : أنّه دخل أبو أمامة الباهلي على معاوية , فقرّبه وأدناه ثمّ دعا بالطّعام ، فجعل يطعم أبا أمامة بيده , ثمّ أوسع رأسه ولحيته طيباً بيده , وأمر له ببدرة من دنانير فدفعها إليه , ثمّ قال : يا أبا أمامة , أبالله أنا خير أم عليّ بن أبي طالب ؟ فقال أبو أمامة : نعم ولا كذب , ولو بغير الله سألتني لصدقت ، عليّ والله خير منك وأكرم , وأقدم إسلاماً وأقرب إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قرابة , وأشدّ في الـمُشركين نكاية ، وأعظم عند الاُمّة غناء , أتدري مَن عليّ يا معاوية ؟ عليّ ابن عمّ رسول الله وزوج ابنته سيّدة نساء العالمين ، وأبو الحسن والحُسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، وابن أخي حمزة سيّد الشّهداء , وأخو جعفر ذي الجناحين ، فأين تقع أنت من


هذا يا معاوية ؟! أظننت أنّي اخترك على عليّ بألطافك وإطعامك وعطائك , فأدخل إليك مؤمناً وأخرج منك كافراً ، بئس ما سوّلت لك نفسك يا معاوية ! ثمّ نهض وخرج من عنده , فاتبعه بالمال , فقال : لا والله , لا أقبل منك ديناراً واحداً.

فهذه هي المحبّة النّاصحة والمودّة الرّائقة الخالصة ، وعلى مثل أهل البيت فليبك الباكون ، وإيّاهم فليندب النّادبون ، ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال :

القصيدة للشيخ الخليعي ( رحمه ‌الله تعالى )

ألا ما لجفني بالسهاد توكل

وقلبي لأعباء الهوى يتحمل

وما بال عيني ليس ترقى دموعها

وقلبي بعبء السم يذوي فينحل

ولم يشجني فقد الأنيس ولم أطل

وقوفي على الربع الدريس فأسأل

ولا قلت للحادي ترفق هنيئة

وللركب لما سار أين ترحل

ولم ارتقيت طيف الخيال من الكرى

ولا أنا ممن بالمنى يتعلل

ولكن شجتني عصبة علوية

تداعوا جميعاً بالفتى ثمّ قتلوا

لهم طال حزني وأسكنت أظالعي

على جمرة في عشرة عاشور تشعل

ولم أنس مولاي الحُسين وقد غدا

يودع أهليه ويوصي ويعجل

ينادي ألا يا أهل بيت محمد

أصيخوا لما أوصيكموا وتقبلوا

عليكم بتقوى الله لا تتغيروا

لعظم رزاياكم ولا تتبدلوا

ودوموا على أعمالكم وابتهالكم

وقوموا إذا جن الدجى وتقبلوا

وإن نابكم خطب فلا تتضعضوا

لوقع الرزايا واصبروا وتحملوا

وفاطمة الصغرى تقول لاختها

هلمي إلى التوديع فالأمر مهول

أرى والدي يوصي بنا اخواته

وعيناه من حزن تفيض وتهمل

وتدعو ألا يا سيدي بلغ العدا

بنا ما تمنوا في النفوس واملوا

فيحنوا عليها باكياً ويضمها

ويدني إليه وجهها ويقبل

ومر إلى حرب الطغاة ولم يزل

يفلق هامات العدى ويقلّل

إلى أن هوى فوق التراب مجدلا

قتيلاً وراح المهر ينعي ويعول

فقمن النساء الفاطميات ولهاً

فأبصرن منه ما يسوء ويذهل


وخرت عليه زينب مستغيثة

ومعجرها من نحرها متبلل

وتشكو إلى الزّهراء فاطم حالها

وتندب مما نالها وتولول

أيا أم قومي من ثرى القبر وانظري

حبيبك ملقى في الثرى لا يغسل

ترى هل شهدت اليوم يا بنت أحمد

وخيري مكسور وعزي مذلل

وهل أنت يا ست النساء عليمة

بأنا حيارى نستجير ونسأل

وهل لك علم من عليّ بأنه

أسير عليل في القيود مغلل

علمتم وما أعلمتمونا برزئنا

وحملتمونا اليوم ما ليس يحمل

فيا حسرة لا تنقضي ومصيبة

لقد نزلت بالناس دهياء معضل

ويا عثرة للدهر لينت مقالة

ويا صفقة مغبونها متزلزل

أيشتهر الرأس السماوي في القنى

ويهدي إلى الرجس اللعين ويحمل

وتسبى بنيات الرّسول حواسر

وينهرهن المارق المتنحل

ويعنف السجاد وهو ممرض

عليل بأصفاد الحديد مثقل

وينظر في تلك الوجوه التي لها

تدين البدور المشرقات وتخجل

وتلك الأنوف الشامخات برغمها

تهتك ما بين الملأ وتبذل

ولم يعجل الله العذاب لمعشر

أراقوا دماء الـمُصطفى وتأولوا

لقد أورثتنا قتلة الطف قرحة

وحزناً على مرّ الزمان مطول

فلا حزنه يسلي ولا الوجد نازح

ولا مدمعي يرقى ولا الجرح يدمل

ألا يا بني المختار يا من بحبهم

إلى الله فيما نابني أتوسل

خذوا بيد العبد الخليعي في غد

فقد فاز من أضحى عليكم يعول

وأفلح من والاكم متبرء

إلى الله من قوم أضاعوا وبدلوا


المجلس الخامس

في الليلة الثّالثة من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

أيّها الإخوان , دعوا التّشاغل عن الأهل والأوطان ، وتفكّروا فيما أصاب سادات الزّمان , الذين بموالاتهم استحققتم دخول الجنان , فلو أنصف الـمُحبّ الولهان لاُضرمت في جسمه نيران الأحزان ، ولو صدق في المحبّة العشّاق ما شجوا بالدّمع المهراق , ولعجّلوا السّماح بالأرواح يوم التّلاق.

فلو تلفت نفس من شدّة الأحزان , لتلفت نفس محبّهم عليهم , ولو تفتت كبده من شدّة الأشجان , لتفتت أكباد مواليهم بالنّسبة إليهم .وهيهات هيهات لا وفاء للأحباء بعد الممات ، أو ما بلغكم مقال الحُسين (عليه‌السلام ) وهو يُنادي على رؤوس الأشهاد , وما لاقاه به أهل الزّيغ والفساد , حيث أظهروا له العناد وأجابوه بخلاف ما طلب وأراد ، أسرعوا فيه وفي بنيه وبني أبيه النّبال ، فصرعوهم على الآكام والرّمال ، فهم مُلقون على غير فراش ولا مهاد ، ولا وطأ ولا وساد ، تهبّ عليهم الصّبا والدّبور , وتغدوا عليهم العقبان والنّسور ، ولله درّ بعض محبّيهم حيث قال فيهم :

ليبك على الإسلام من كان باكياً

فقد ضيعت أحكامه واستحلت

غداة حسين والرماح رمية

وقد نهلت منه السيوف وعلت

وغودر في الصحراء لحماً مبدداً

عليه عتاق الطير باتت وظلت

فما نصرته اُمة السوء إذا دعا

لقد طاشت الأحلام منها وظلت


ولكن محوا أنوارهم بأكفهم

فلا سلمت تلك الأكف وشلت

أذاقته حر القتل اُمة جده

هفت نعلها في كربلاء وزلت

فلا قدس الرحمن اُمة جده

وإن هي صامت للإله وصلت

كما فجعت بنت الرّسول بنسلها

وكانوا حماة الحرب حين استقلت

روي عن اُمّ سلمة زوجة النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , قالت : دخل عليّ رسول الله ذات يوم , ودخل في أثره الحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) وجلسا إلى جانبيه , فأخذ الحسن على ركبته اليُمنى , والحُسين على ركبته اليُسرى , وجعل يُقبّل هذا تارة وهذا اُخرى، وإذا بجبرائيل قد نزل وقال : يا رسول الله , إنّك لتحبّ الحسن والحُسين .فقال : (( وكيف لا أحبّهما وهما ريحانتاي من الدّنيا وقرّتا عيني ؟ )) .فقال جبرائيل : يا نبي الله , إنّ الله قد حكم عليهما بأمر فاصبر له .فقال : (( وما هو يا أخي ؟ )) .فقال : قد حكم على هذا الحسن أن يموت مسموماً , وعلى هذا الحُسين أن يموت مذبوحاً ، وإنّ لكُلّ نبي دعوة مستجابة , فإن شئت كانت دعوتك لولديك الحسن والحُسين , فادع الله أن يسلّمهما من السّم والقتل ، وإن شئت كانت مصيبتهما ذخيرة في شفاعتك للعُصاة من اُمّتك يوم القيامة .فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يا أخي جبرائيل , أنا راض بحكم ربّي لا أريد إلّا ما يريده ، وقد أحببت أن تكون دعوتي ذخيرة لشفاعتي في العصاة من اُمّتي , ويقضي الله في ولدي ما يشاء )).

وروي : أنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان ذات يوم جالساً , وحوله عليّ وفاطمة والحسن والحُسين (عليهم‌السلام ) , فقال لهم : (( يا أهل بيتي , كيف لي بكم إذا كنتم صرعى وقبوركم شتى ؟ )) .فقال له الحُسين (عليه‌السلام ) : (( يا جدّي , نموت موتاً أو نُقتل قتلاً ؟ )) .قال : (( يا بُني , بل تُقتل ظُلماً وعُدواناً , وتشرّد ذراريكم في الأرض شرقاً وغرباً )) .فقال الحُسين : (( ومَن يقتلنا يا جد ؟ )) .فقال : (( يقتلكم أشرار النّاس )) .قال : (( فهل يزورنا بعد قتلنا أحد من اُمّتك ؟ )) .فقال : (( نعم , طائفة من اُمّتي يزورون قبوركم ويبكون عليكم ويندبون وينوحون ؛ حزناً على مصابكم ؛ يُريدون بذلك برّي وصلتي , فإذا كان يوم القيامة , جئتهم إلى الموقف فآخذ بأعضادهم فأخلّصهم من أهوال يوم القيامة وشدائدها )) .:

عجباً لمصقول أصابك حده

في الرأس منك وقد علاه غبار

لم لا تقطعت السيوف بأسرها

حزناً عليك وطنت الأوتار


فويل لأولئك الكفرة اللئام ! أما علموا أنّه أشرف المقول والأحلام ؟ أليس هو ممّن باهل الله به أهل نجران صغيراً ؟ وقال :( وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى‏ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيرًا ) (١) .فضمّه مع أبيه واُمّه وأخيه , فوصف بالكمال وأن يبلغ مبالغ الرّجال.

روي عن الليث بن سعد , قال : إنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يُصلّي في فئة من أصحابه , وكان الحُسين (عليه‌السلام ) صغيراً جالساً بالقرب منه , فلمّا سجد النّبي , قام الحُسين وركب على ظهره , فصار النّبي يُطيل الذّكر في سجوده , فإذا أراد النّبي أن يرفع رأسه , أخذه أخذاً رفيقاً ووضعه إلى جانبه , فإذا سجد عاد الحُسين على ظهره , ولـمّا يفعل هكذا حتّى فرغ النّبي من صلاته , وكان رجل يهودي واقفاً ينظر ما يصنع الحُسين بجدّه رسول الله ، فقال اليهودي : يا مُحمّد , إنّكم لتفعلون بصبيانكم شيئاً لم نفعله نحن ! فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( لو أنّكم تؤمنون بالله وبرسوله , لرحمتم الصّبيان الصّغار )) .فقال اليهودي : ما أحسن سجيتك وما أحسن خُلقك .ثمّ إنّه أسلم على يد رسول الله لمـّا رأى كرم أخلاقه مع جلالة قدره.

ومن طرقهم : أنّ الحُسين (عليه‌السلام ) كان يركب على ظهر جدّه في بعض صلاته , فيبلغ به التّعظيم للحُسين أن يُطيل الذّكر في سجوده إلى أن ينزل الحُسين عن ظهر جدّه باختياره , فإذا فرغ النّبي من صلاته , يأخذه إليه ويجلسه على ركبتيه , ويقبّله ويرشف ثناياه ويضمّه إلى صدره ، فقال له بعض الأنصار : يا رسول الله , إنّ لي ابناً قد نشأ وكبر وما قبّلته قط .فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( أرأيت كان الله قد نزع الرّحمة من قلبك , فما أصنع بك ؟ مَن لم يرحم صغيراً ولم يوقّر كبيراً , فليس منّا في شيء )) .ثمّ قال : (( مَن لا يَرحم لا يُرحم )) .:

يا اُمة قتلت حسيناً عنوة

لم ترع حق الله فيه فتهتدي

قتلوه يوم الطف طعناً بالقنا

وبكل بيض صارم ومهند

ولطال ما ناداهم بكلامه

جدي النّبي خصيمكم في المشهد

جدي النّبي وأبي عليّ فاعلموا

والفخر فاطمة الزكية محتدي

يا قوم إن الماء يشربه الورى

ولقد ظمئت وقل منه تجلدي

قد شقني عطشي وأقلقني الذي

ألقاه من ثقل الحديد الموتد

قالوا له هذا عليك محرم

حتّى تبايع للبغي الأسود

____________________

(١) سورة الإنسان / ٨.


فأتاه سهم من يد مشؤومة

من قوس ملعون خبيث المولد

يا عين جودي بالدموع وجودي

وابكي الحُسين السيد ابن السيد

روي عن عبد الله بن عمر , قال : رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يخطب على المنبر , إذ أقبل الحُسين من عند اُمّه وهو طفل صغير , فوطأ الحُسين (عليه‌السلام ) على ذيل ثوبه فكبى وسقط على وجهه فبكى , فنزل النّبي إليه وضمّه إلى صدره وسكّته من البكاء ، وقال : (( قاتل الله الشّيطان ! إنّ الولد لفتنة ، والذي نفسي بيده , لمـّا كبى ابني هذا , رأيت كأنّ فؤادي قد وهى منّي )) ؛ لأنّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان رحيم القلب سريع الدّمعة , كما قال تعالى :( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيم ) (١) .

وعن أبي السّعادات , قال : خرج النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من بيت عائشة , فمرّ على باب دار ابنته فاطمة الزّهراء (عليها‌السلام ) , فسمع الحُسين يبكي , فقال لها : (( يا فاطمة , سكّتيه ألم تعلمي أنّ بكاءه يؤذيني ؟ )) .أخذه إليه ومسح الدّموع عن عينيه , وقبّله وضمّه إليه (صلوات الله وسلامه عليه) ، فكيف ولو رآه مُلقى على الرّمضاء مذبوحاً من القفا , مرمّلاً بالدّماء يتلظّى من الظّماء , والشّمر جاث على صدره وأولغ السّيف في نحره , وهو يستغيث فلا يُغاث ، ويستجير فلا يُجار ؟ فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ولقد صدق فيما قال ( لسان الحال ) :

وما حيلة المضني وقد شط إلفه

وحال التنائي دون نيل مراده

هو الشوق لا دمع يضن وكوفه

إذ ضن وكاف الحيا بعهاده

وزفرة أشجان يكاد مرورها

يذيب الحصى من حره واتقاده

روي عن الإمام جعفر الصّادق (عليه‌السلام ) , قال : (( مرّ أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بكربلاء , فبكى حتّى اغرورقت عيناه بالدّموع , وقال : هذا مناخ ركابهم ، هذا ملقى رحالهم , ها هُنا تُراق دماؤهم ، طوبى لك من تربة عليها تُراق دم الأحبّة ، مناخ ركاب ومنازل شهداء لا يسبقهم مَن كان قبلهم ولا يلحقهم مَن كان بعدهم )).

فيا إخواني , كيف لا يستحقّون هذه الأوصاف من صاحب الأعراف ؟ وقد وقوا ولده بأنفسهم من مصارع الهوان ، وعرضوا أرواحهم دونه للحدثان ، فوا حسرتاه على تلك الجسوم المرمّلة بالدّماء ! ويا لهفتاه على تلك الأفواه اليابسة من الظّماء! حسدوهم على الكمال ، وجلّ وعلا مجّدهم أن ينال فأخذوا في تحصيل الفرص

____________________

(١) سورة الأحزاب / ٤٣.


فما أمكنتهم ، جرّعوهم الغصص فخالفوا في أفعالهم الملك الجليل , فضلّوا عن الإهتداء إلى سواء السّبيل ، فالويل لمن شفعاؤه يوم القيامة خصماؤه , ومن خصماؤه يوم القيامة شفعاؤه ! وما ضرّهم ما تجرّعوه من الغصص والآلام ما هي إلّا لحظة واحدة , وإذا هم في دار السّلام وجوار الملك العلام , ولله درّ مَن قال فيهم من بعض محبّيهم :

هنيئاً لكم روح الجنان وطيبها

نعيماً مقيماً دائماً يتجدد

ديار من الياقوت والأرض فضة

وخيمات مرجان وفيها محمد

وأنهارها خمر ومسك ترابها

وفيها قصور لؤلؤ وزبرجد

وأشجارها مملؤة من ثمارها

وأطيارها من فوقها تتغرد

روي : أنّه لمـّا ثقل رسول الله في مرضه والبيت غاص بمن فيه , قال : (( ادعوا إليّ الحسن والحُسين )) .قال : فجعل يلثمهما حتّى اُغمي عليه , قال : فجعل عليّ يرفعهما عن وجه رسول الله , ففتح النّبي عينيه وقال : (( دعهما يتمتعان منّي وأتمتع منهما , فإنّهما سيصيبهما بعدي أثرة )) .ثمّ قال : (( أيّها النّاس , قد خلّفت فيكم كتاب الله وسنّتي , سيصيبهما بعدي أثرة )) .ثمّ قال : (( أيّها النّاس , قد خلّفت فيكم كتاب الله وسنّتي وعترتي أهل بيتي , فالـمُضيع لكتاب الله كالـمُضيع لسنّتي , والـمُضيع لسنّتي كالـمُضيع لعترتي )).

وعن ابن عبّاس في حديث اُمّ الفضل بنت الحارث , حين أدخلت حُسيناً على رسول الله , فأخذه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبكى وأخبرها بمقتله , إلى أن قال : ثمّ هبط جبرائيل (عليه‌السلام ) في قبيل من الملائكة , قد نشروا أجنحتهم يبكون حزناً منهم على الحُسين (عليه‌السلام ) , وجبرائيل معه قبضة من تُربة الحُسين تفوح مسكاً أذفر , فدفعها على الحُسين (عليه‌السلام ) , وقال : يا حبيب الله , هذه تربة ولدك الحُسين بن فاطمة , وستقتله اللعناء بأرض كربلاء .قال , فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( حبيبي جبرائيل , وهل تفلح اُمّة تقتل فرخي وفرخ ابنتي ؟ )) .فقال جبرائيل : لا , بل يضربهم الله بالإختلاف , فتختلف قلوبهم وألسنتهم إلى آخر الدّهر.وعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :


القصيدة للشيخ مُحمّد بن السّمين

دمع عين يجود غير نحيل

وغرام يقوى بجسم نحيل

ماء عين لم يطف حر غرام

وعليل فيه شفاء عليل

كيف يشقى الفؤاد من ألم الحزن

وداء بين الضلوع دخيل

وجو الحزن لا يزال مقيماً

فيه والصبر مؤذن بالرحيل

أين صبري إذا ذكرت قتيل

الطف ملقى أكرم به من قتيل

ما ذكرت القتيل إلّا وسالت

عبرتي في الخدود كل مسيل

وذكى الوجد في الفؤاد وشبت

نار حزني ولوعتي وعويلي

لست أنساه في الطفوف ينادي

جيله الأكرمين أكرم جيل

وينادي عياله أخت : قومي

لوداعي من قبل وشك الرحيل

أخت : أوصيك في العيال جميلا

وتلقي البلا بصبر جميل

نحن قوم إذا بلينا بأمر

نتلقاه بالرضى والقبول

ثم أبدأ عذراً وقال مقالاً

واضحاً بيناً لأهل العقول

أيها الناس قد علمتم بأني

للنبي الأمي خير سليل

وأبي المرتضى وربي ارتضاه

لهداه فما له من مثيل

والبتول الطهر الزكية اُمي

خير اُم أكرم بها من بتول

راقبوا الله واسمعوا ما أتانا

في الوصايا على يدي جبريل

واحذروا زلة الفعال وخافوا

عثرات وما لها من مقيل

فأبى الأشقياء إلّا عدولا

عنه في البغي ما له من عدول

عندها قال للمواسين قوموا

أيها القوم للثواب الجزيل

قاتلوا القوم ساعة ثمّ قيلوا

في ظلال الجنان خير مقيل

فأجاب النداء كلّ نجيب

طيب النجر رب أصل أصيل

فأحبوا كره الفنا وأجابوا

داعي الله للبقا الطويل

وغدا بعدهم فريداً ينادي

هل معين لأهل بيت الرسول

فأعينوا ولم يعينوه وأردوه

بسمر القنا وبيض النصول

وغدا المهر باكياً يندب السبط

ويبدي بكاءه بالصهيل


فرأى النسوة الكرائم بدر التم

قد غيبته حجب الأفول

وهو ملقى على ثرى الأرض في البيداء

قد رضضته أيدي الخيول

أسفي للنساء يندبن ندباً

بغرام من الأسى مشغول

وينادين جدهن رسول الله

يا خير مرسل ورسول

لو ترانا يا جدنا قد فقدنا

نعم مولى لنا وخير كفيل

وغياث العباد إن أجدب الدهر

وخصب البلاد عند المحول

لو ترانا ونحن بين أسير

وجريح دامي وبين قتيل

قتلوا كلّ ماجد وكريم

سيّد من شبابنا وكهول

أو ترى ابنك العليل أسيراً

زدت حزناً على الأسير العليل

أو ترى أوجهاً فقدن وجيهاً

كلّ وجه لناظر مبذول

وكسينا لما سلبن لباساً

من هوان وذلة وخمول

أو ترانا ونحن نسري أسارى

في حزون من الفلا وسهول

أو ترانا والرؤوس وهي أمام الركب

فوق الرماح بين الحمول

كنت جاهدت دوننا بمواض

ورماح خطية ونصول

غير يا جد أننا قد سمعنا

هاتف الجن بين تلك الطلول

يندب السبط باكياً وحزيناً

ثمّ يبدي نظام سعر مقول

أيها القاتلون ظلماً حسيناً

أبشروا بالعذاب والتنكيل

كل أهل السّماء تدعوا عليكم

من مليك ومرسل وقبيل

قد لعنتم على لسان ابن داود

وموسى وصاحب الإنجيل

يا لها من مصيبة عمت الإسلام

شؤماً وخطب أمر جليل

يا لها محنة ولم ينج منها

غير نزر من الأنام قليل

آل ياسين سدتم الخلق طراً

وسموتم أعلا العلا الأثيل

وحللتم أسما سماء المعالي

فسمى شأن قدرها بالحلول

وكرمتم عناصراً ونجاراً

فزكى فرعكم لطيب الأصول

جدكم للهدى مدينة علم

وأبوكم للعلم باب الدخول

فلهذا والله لو لا هديكم

ما اهتدينا إلى سواء السبيل


فهديكم هو الدليل وقد قام

بهذا الدليل صدق الدليل

وولاكم فرض به قد أتتنا

بينات التنزيل والتأويل

من تلقى الولا بحسن قبول

تتلقونه بحسن القبول

تسكنوه وقد نجى من حميم

تحت ظل من الجنان ظليل

حبكم جنة له وولاكم

جنة من عذاب يوم مهول

فاز نجل السمين من بعد هذا

مذ تولاكم بخير جزيل

أنتم سؤله وأقصى مناه

ورجاه وغاية المأمول

فعليكم آل النّبي صلاة

كلّ يوم في بكرة وأصيل

الباب الثّاني

اعلموا وفقكم الله تعالى لتحصيل الكمالات والارتقاء إلى معالي أعلى الدّرجات , أنّ كلّ جزع في المصائب قبيح إلّا على أهل هدايتكم ، والأسف على الفائت مذموم عند العقلاء إلّا على أئمتكم السّادات النّجباء ، فيا ليت لفاطم وأبيها عيناً تنظر ما صُنع ببناتها وبنيها ؛ ما بين مسلوب وجريح ، ومسموم وذبيح ، ومقتول وطريح ، ومشققات للجيوب , ومفجوعات بقتل المحبوب شاكيات بين يدي علام الغيوب ، ناشرات للشعور , بارزات من الخدور , لا طمات للخدود ، فاقدات للآباء والأبناء والجدود , يسترن وجوههن بالأردان حذراً من أهل العناد والطّغيان , فيا لها من حسرات لا تنقضي أبداً , ومن أحزان مجددات طول المدى :

يا أهل عاشور يا لهفي على الدين

خذوا حدادكم يا آل ياسين

اليوم شقق جيب الدين وانتهبت

بنات أحمد نهب الروم والصين

اليوم قام بأعلى الطف نادبهم

يقول من ليتيم أو لمسكين

اليوم خر نجوم الفخر من مضر

على مناخر تذليل وتوهين

اليوم أطفى نور الله متقداً

وجررت لهم التقوى على الطين

اليوم هتك أستار الهدى مزقاً

وبرقت غرة الإسلام بالهون

اليوم زعزع قدس من جوانبه

وهاج بالخيل سادات الميادين

اليوم شقوا على الزّهراء كلتها

وساوروها بتكئيب وتوهين


اليوم نال بنو حرب طوايلهم

مما صلوه ببدر ثمّ صفين

اليوم جدك سبط ال ـ مُصطفى شرفاً

من نفسه بنجيع غير مسنون

نالوا أزمة دنياهم ببيعهم

فليتهم سمحوا منها بماعون

آل الرّسول عباديد السيوف فمن

هام على وجهه خوفاً ومسجون

يا عين لا تدعي شبا لغادته

تهمي ولا تدعي دمعاً لمخزون

قومي على جدث بالطف فانتقضي

بكل لؤلؤ دمع فيك مكنون

فيا إخواني , تعساً لمن أردى تلك العصابة الكرام ! وخيبة لـمَن نكس أعلام أولئك الأعلام !

روي عن سعيد بن المسيب , قال : لمـّا استشهد سيّدي ومولاي الحُسين (عليه‌السلام ) وحجّ النّاس من قابل , دخلت على عليّ بن الحُسين , فقلت له : يا مولاي , قد قرب الحجّ فماذا تأمرني ؟ فقال : (( امض على نيتك وحج )) .فحججت , فبينما أنا أطوف بالكعبة , وإذا أنا برجل مقطوع اليدين ووجهه كقطع الليل الـمُظلم , وهو مُتعلّق بأستار الكعبة وهو يقول : اللّهمّ ربّ هذا البيت الحرام اغفر لي , وما احسبك تفعل ولو تشفّعت في سكّان سماواتك وأراضيك وجميع ما خلقت ؛ لعظم جرمي.

قال سعيد بن المسيب : فشُغلت وشغل النّاس عن الطّواف , حتّى حفّ به النّاس واجتمعنا عليه , فقلنا : يا ويلك ! لو كنت إبليس ما كان ينبغي لك أن تيأس من رحمة الله , فمَن أنت وما ذنبك ؟! فبكى وقال : يا قوم , أنا أعرف بنفسي وذنبي وما جنيت .فقلنا له : تذكره لنا ؟ فقال : أنا كنت جمّالاً لأبي عبد الله الحُسين (عليه‌السلام ) لمـّا خرج من المدينة إلى العراق , وكنت أراه إذا أراد الوضوء للصّلاة يضع سراويله عندي , فأرى تكّته تغشي الأبصار بحسن إشرافها , وكنت أتمناها تكون لي , إلى أن صرنا بكربلاء وقُتل الحُسين (عليه‌السلام ) وهي معه , فدفنت نفسي في مكان من الأرض , فلمّا جنّ الليل , خرجت من مكاني فرأيت في تلك المعركة , نوراً لا ظلمة ونهاراً لا ليلاً , والقتلى مُطرّحين على وجه الأرض , فذكرت لحيني وشقاني التّكّة , فقلت: والله , لأطلبنّ الحُسين وأرجو أن تكون التّكّة في سرواله فآخذها .ولم أزل أنظر في وجوه القتلى حتّى أتيت إلى الحُسين , فوجدّته مكبوباً على وجهه وهو جثّة بلا رأس ونوره مشرق , مرمّل بدمائه والرّياح سافية عليه , فقلت : هذا والله الحُسين .فنظرت إلى سرواله كما كنت أراها , فدنوت منه وضربت بيدي إلى التّكّة لآخذها , فإذا هو قد


عقدها عقداً كثيرة , فلم أزل أحلّها حتّى حللت عقدة منها , فمدّ يده اليُمنى وقبص على التّكّة , فلم أقدر على أخذ يده عنها ولا أصل إليها , فدعتني النّفس الملعونة إلى أن أطلب شيئاً أقطع به يده , فوجدت قطعة سيف مطروح فأخذتها , واتكيت على يده ولم أزل أحزّها حتّى فصلتها عن زنده , ثمّ نحيتها عن التّكّة ومددت يدي لأحلّها , فمدّ يده اليُسرى فقبض عليها , فلم أقدر على أخذها , فأخذت قطعة السّيف ولم أزل أحزّها حتّى فصلتها عن التّكّة , ومددت يدي إلى التّكّة لآخذها , فإذا الأرض ترجف والسّماء تهتزّ , وإذا بجلبة عظيمة وبكاء ونداء وقائل يقول : (( وا أبتاه ! وا مقتولاه ! وا ذبيحاه ! وا حسيناه ! وا غريباه ! يا بُني قتلوك وما عرفوك ومن شرب الماء منعوك ! )) .فلمّا رأيت ذلك , صعقت ورميت نفسي بين القتلى , وإذا بثلاثة نفر وامرأة وحولهم خلائق وقوف , وقد امتلئت الأرض بصور النّاس واجنحة الملائكة ، إذ بواحد منهم يقول : (( يا ابتاه يا حسين ! فداؤك جدّك وأبوك واُمّك وأخوك ! )) .وإذا بالحُسين قد جلس ورأسه على بدنه , وهو يقول : (( لبّيك يا جدّاه يا رسول الله , ويا أبتاه يا أمير المؤمنين , ويا اُمّاه يا فاطمة الزّهراء , ويا أخاه المقتول بالسّم , عليكم منّي السّلام )) .ثمّ إنّه بكى وقال : (( يا جدّاه قتلوا والله رجالنا ! يا جدّاه سلبوا والله نساءنا ! يا جدّاه نهبوا والله رحالنا ! يا جدّاه ذبحوا والله أطفالنا! يا جدّاه يعزّ والله عليك أن ترى رحالنا , وما فعل الكفّار بنا ! )) .وإذا هُم جلسوا يبكون على ما أصابه , وفاطمة تقول : (( يا أباه يا رسول الله ! أما ترى ما فعلت اُمّتك بولدي ؟! أتأذن لي أن آخذ من دم شيبه وأخضب به ناصيتي , وألقى الله عزّ وجلّ وأنا مختضبة بدم ولدي الحُسين )) .فقال لها : (( خُذي وأنا آخذ يا فاطمة )) .فرأيتهم يأخذون من دم شيبه وتمسح به فاطمة ناصيتها , والنّبي وعليّ والحسن يمسحون به نحورهم وصدورهم وأبدانهم إلى المرافق , وسمعت رسول الله يقول : (( فديتك يا حُسين ! يعزّ والله عليّ أن أراك مقطوع الرأس , مرمّل الجبينين دامي النّحر , مكبوباً على قفاك قد كساك الذّاري من الرّمول وأنت طريح مقتول مقطوع الكفّين , يا بُني ! مَن قطع يدك اليُمنى وثنى باليُسرى ؟ )) .فقال : (( يا جدّاه ! كان معي جمّال من المدينة , وكان يراني إذا وضعت سراويلي للوضوء , فيتمنّى أن تكون تكّتي له , فما منعني أن أدفعها إليه لا لعلمي أنّه صاحب هذا الفعل , فلمّا قُتلت خرج يطلبني بين القتلى , فقد وجدني جثّة بلا رأس ,


فتفقّد سراويلي , فرأى التّكّة وقد عقدتها عقداً كثيرة , فضرب بيده إلى التّكّة فخلّ عقدة منها , فمددت يدي اليمنى فقبضت على التّكّة , فطلب المعركة فوجد قطعة سيف مكسور فقطع يميني , ثمّ حلّ عقدة اُخرى , فقبضت على التّكّة بيدي اليُسرى كي لا يحلّها فتكشف عورتي , فحزّ يدي اليسرى , فلمّا أراد حلّ التّكّة حسّ بك , فرمى نفسه بين القتلى )).

فلمّا سمع النّبي كلام الحُسين , بكى بُكاءاً شديداً وأتى إليّ بين القتلى إلى أن وقف نحوي , فقال : (( مالي ومالك يا جمّال, تقطع يدين طالما قبّلهما جبرائيل وملائكة الله أجمعين , وتباركت بهما أهل السّماوات والأرضين ؟ أما كفاكك ما صنع به الملاعين من الذّل والهوان , هتكوا نساءه من بعد الخدور وانسدال السّتور ؟! سوّد الله وجهك يا جمّال في الدّنيا والآخرة , وقطع الله يديك ورجليك , وجعلك في حزب مَن سفك دماءنا وتجرأ على الله )) .فما استتم دعاؤه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتّى شُلّت يداي , وحسست بوجهي كأنّه ألبس قطعاً من الليل مظُلماً , وبقيت على هذه الحالة , فجئت إلى هذا البيت استشفع , وأنا اعلم أنّه لا يغفر لي أبداً .فلم يبق في مكّة أحد إلّا وسمع حديثه وتقرّب إلى الله تعالى بلعنه , وكلّ يقول : حسبك ما جنيت يا لعين :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١)

وإني لمطوي الضلوع على جوى

متى حل فوق الجمر يحترق الجمر

أحن إلى أنفاسكم ونسيمكم

واذكركم والصب يقلقه الذكر

فقربكم مع قلة المال لي غنى

وبعدكم مع كثرة المال لي فقر

روي عن الصّادق (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( البكّاؤن خمسة : آدم ويعقوب ويوسف , وفاطمة بنت مُحمّد , وعليّ بن الحُسين (عليهم‌السلام ) , فأمّا آدم فبكى على الجنّة حتّى صارت في خدّيه أمثال الأودية , وأمّا يعقوب فبكى على يوسف حتّى ذهب بصره , حتّى قيل له :( تَاللّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى‏ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ) (٢) .وأمّا يوسف فبكى على يعقوب حتّى تأذّى به أهل السّجن , فقالوا : إمّا تبكي بالليل وتسكت النّهار , أو تبكي بالنّهار وتسكت الليل , فصالحهم على واحد منهما ، وأمّا فاطمة بنت مُحمّد , فبكت على رسول الله حتّى تأذّى بها أهل المدينة , وقالوا لها : قد آذيتينا ببكائك , فكانت تخرج إلى مقابر الشّهداء , فتبكي حتّى تقضي حاجتها ثمّ تنصرف , وأمّا عليّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) , فإنّه بكى على الحُسين (عليه‌السلام ) أربعين سنة , وما

____________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.

(٢) سورة يوسف / ٨٥.


وضع بين يديه طعام إلّا بكى , حتّى قال مولى له : جُعلت فداك يابن رسول الله , إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين , فيقول :( إِنّمَا أَشْكُوا بَثّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (١) .إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلّا خنقتني العبرة ))

تعودت مس الضر حتّى ألفته

وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر

وصيرني يأسي من الناس واثقاً

بحسن صنيع الله من حيث لا أدري

روي عن بعض المشايخ , قالوا : دخلنا كنيسة في الرّوم , فإذا في الحائط صخرة مكتوب عليها :

أترجو اُمة قتلت حسيناً

شفاعة جده يوم الحساب

فقلنا لشيخ في الكنيسة : مُنذ كم هذه الكتابة في هذه الصّخرة ؟ قال : قبل أن يُبعث صاحبكم بثلاثمئة عام .فأكثروا أيّها الإخوان من النّوح والأحزان على ما أصاب سادات الزّمان من أهل البغي والعدوان , ولا تبخلوا بالدّموع الهتان , فإنّها السّبب التّام لدخول الجنان والحور والولدان.

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ راشد بن سُليمان الحريري ( رحمه ‌الله تعالى )

حسين ابن بنت الـمُصطفى خيرة الورى

وأكرم خلق الله طراً وأفضلا

قتيل بني حرب وآل اُمية

فديت القتيل المستظام المجدلا

دعيت بكتب الخدع أن سر مبادراً

إلينا وشمّر للمسير وعجلا

فليس لنا الّا جنابك سيد

إمام رشيد بالفخار تسربلا

فسار حسين الطهر من أرض يثرب

بذرية والأهل والصحب والملا

وجد السير يطوي الفيافي ميمماً

إلى أن أتى في سيره أرض كربلا

____________________

(١) سورة يوسف / ٨٦.


فلم ينبعث مهر الحُسين بخطوة

فقال ألا يا صاحبي ما هذه الفلا

فقالوا : تسمى كربلا قال هونوا

مسيركم يا قوم قد نزل البلا

ففي هذه يا قوم قتلي ومصرعي

وهتك حريمي عاجلاً لا مؤجلا

وفي هذه تضحى الرؤوس على القنا

تسير بها الأقوام أن تتمهلا

وفي هذه نبقى على الأرض صرعا

بلا كفن نلقى ولن نتغسلا

قفوا وانزلوا يا قوم إن بهذه

نعّلا على رؤوس القنا وننزّلا

فلا حول لي يا قوم بل لا قوة

ولا حكم لي إلّا لذي الطول والعلى

فما كان إلّا ساعة ثمّ أقبلت

جيوش ابن سعد جحفلاً ثمّ جحفلا

وحاطوا بمولاي الحُسين وصحبه

فقال لهم ما شأنكم أيها الملا

ألا تكتبوا لي بالمسير إليكم

فقالوا له دع عنك هذا التطولا

فليس لنا كتب إليك ولا أتى

رسول فأقصر عن كلامك مجملا

فقال اتركوني نحو يثرب راجعاً

فقالوا له هيهات لن تتحولا

لقد علقت فيكم مخالبنا فلا

براح إلى أن تقتلن وتخذلا

فصال عليهم صولة علوية

فحكم فيهم اسمراً ثمّ منصلا

إلى أن سقوا أصحابه جمرة الردى

وظل وحيداً للأذى متحملا

يكر عليهم كرة إثر كرة

إلى أن أتاه سهم رجس فجدلا

فخر عن الطرف الجواد لوجهه

عفيراً خضيباً بالدماء مغسلا

وأقبل شمر الرجس فاحتز رأسه

وكبر لله العلي وهللا

وركب رأس السبط فوق قناته

كبدر الدجى في دمه قد ترملا

وأقبل مهر السبط يصرخ ناعياً

إلى خيمة النسوان يبكي معولا

فلما رأين المهر قد جاء خالياً

خرجن من الفسطاط يبكين حفلا

وشققن منهن الجيوب بحسرة

وأبرزن من بعد الخدور إلى الملا

وصحن ألا وا سيداه بربه

تكاد لها الأطواد أن تتزلزلا

وهبت خيول الظالمين بركظها

لتجري على جثمانه وتهرولا

وهشمت الصدر الكريم وظهره

وقطعت الأوصال عال واسفلا

وأظلمت الدنيا وأكسفت شمسها

وزلزلت الأرضون منه تزلزلا


وناحت عليه من عظم شجوها

وجبريل نادى في السّماء وأعولا

وهتكت النسوان من بعد صونها

يصحن بشجو لا طمات وذللا

بنفسي صريعاً ظامياً مرضضاً

بنفسي ذبيحاً بالتراب مغسلا

بنفسي طريحاً نازحاً عن دياره

تريب المحيى عاري الجسم مجدلا

بنفسي نساء السبط يبكين حوله

ظمايا حيارى حاسرات وثكلا

بنفسي علي بن الحُسين مقيداً

بقيد ثقيل بالحديد مكبلا

تناديه بالشجو العظيم سكينة

أيا أبتا ماذا دهانا واثكلا

وزينب تدعو جدها يا محمد

أيا جدنا يا صفوة الله ذي العلا

أيا جدنا يعزز عليك بأن ترى

حبيبك مقتولا عفيراً مجدلا

ونادى ابن سعد بالطغاة ألا ارحلو

إلى الشام لم نلبث ولن نتمهلا

وساقوا السبايا حاسرات أذلة

وغاروا على ابن الحُسين مغللا

وساروا برؤوس الطاهرين وخلفوا

حسيناً بأرض الطف شلواً مجدلا

تجر عليه السافيات ذيولها

وتبكي عليه الوحوش والطير في الفلا

أيا لهف نفسي يوم سير برأسه

على رأس رمح نوره قد تهللا

ونسوته فوق المطايا حواسراً

بلا وطاء بين الخلائق والملا

ويروى لنا عن جابر أن فاجراً

لئيماً على فعل النقي لن يعولا

وقد كان جمالاً لمولاي آنفاً

وكان الحُسين الطهر للرجس موئلا

وكان كثيراً قد يرى معه تكة

حجازية حازت نساجاً مكملا

وتغشى سنا الأبصار حسناً ورونقاً

وتشرق إشراقاً كبدر تهللا

وكان يقول الرجس يا ليتها تكن

لمثلي ملبوساً عطاء معجلا

فلما أتى أرض العراق ميمماً

وجدل مولاي الحُسين بكربلا

وقد قصد الملعون بطن مغارة

إلى أن دجي الليل البهيم والبلا

فقام اللعين الرجس جذلان باسماً

وجاء إلى نحر الحُسين معجلا

ومد إلى نحو الحُسين يمينه

ليأخذ منه تكة لن تعولا

فلما أراد الرجس حل عقودها

فمانعه مولاي أن تتحللا

وشد بها يمنى يديه مدافعاً

فلم يقدر الملعون أن يتوصلا


فحز يمين السبط بالسيف عامداً

من الزند أبراها عظاماً ومفصلا

وأهوى إليها كي يحل عقودها

إذا يسار السبط صار محولا

فلم يستطع تحريك كف إمامنا

فطير منه الكف بالسيف معجلا

فحل سراويل الإمام فأرجفت

به الأرض رجفاً فانثنى وتزلزلا

فاُسمع ذات الرجس صوت مهول

فقام اللعين الرجس حيران مجفلا

وجاء إلى القتلى فألقى بنفسه

إذا برسول الله في الأرض أنزلا

وأهبطت الأملاك من كلّ جانب

تسبح لله المهيمن ذي العلا

فنادى رسول الله يا سبط أحمد

يعز علينا أن نراك مجدلا

يعز علينا أن نراك مرضضاً

عفيراً نحيراً بالدماء مغسلا

إذا بحسين الطهر قد صار جالساً

وقال ألا لبيك يا سيّد الملا

ألا يا رسول الله صالت اُميّة

علينا وأسقونا العذاب معجلا

فصاح رسول الله إذ ذاك صيحة

وأبدى بكاءاً عاجلاً وتوجلا

وجاء على الطهر يبكيه ناعياً

لوجنة مولاي الحُسين مقبلا

وقال ألا يا ليتني كنت حاضراً

فأسقيهم كأس المنون معجلا

يعز علينا يا حسين بأن نرى

لرأسك من فوق القناة محملا

حسين ألا يا شق روحي ومنيتي

فلم يك جبار السّماء ليغفلا

فديتك لا قبراً ولا كفناً أرى

ولا غاسلاً يأتي إليك ليغسلا

وأقبلت الزّهراء تمسح فرقها

بدم الحُسين الطهر حتّى تبللا

فقالت الاقي الله في يوم حشرنا

وأشكو إليه ما الاقي من البلا

فقال رسول الله يا سبط أحمد

فما فعل الرجس اللعين المضللا

ومن قطع الكفين منك بسيفه

ولا راقب الله المهيمن ذا العلا

فقال له يا جد قد كان صحبتي

إلى الطف جمّال وكان مضللا

وقد كان ينظر في سراويل تكتي

فلما قتلت الآن قام معجلا

ليأخذها مني فمانعته وقد

أقام على الطغيان لن يتبدلا

فقص يدي اليمنى وثنى باُختها

وأهوى إلى تلك العقود ليحللا

فلما أحسن الرجس أنك هابط

رمى نفسه كي لا تراه فيقتلا


فمد رسول الله في الطف طرفه

رأى الرجس في وسط المغارة قد خلا

فقال رسول الله يا أرذل الورى

ويا شر خلق الله طراً وأنذلا

عليك من الله المهيمن لعنة

وسود منك الوجه يا أرذل الملا

وأشلل منك الكف يمنى ويسرة

وأصلاك ناراً حرها لن يبدلا

فلما استتم الطهر منه دعاؤه

إذ بيديه قد أبينت من العلا

وسود منه وجهه فكأنه

ظلامة ليل حالك ليس يجتلا

ألا لعن الرحمن آل اُمية

وعجلهم ثمّ الدلام ونعثلا

عليهم من الله المهيمن لعنة

تغشاهم ما دامت الأرض والفلا

وتغشى يزيد الرجس وابن سمية

وخولى وشمراً وابن سعد المضللا

وأشياعهم أو من رضي رفعالهم

وأتباعهم أو من لهم كان قد تلى

أيا سادتي يا آل أحمد أنتم

ملاذي وذخري لا اُبالي بمن قلى

وإني عليكم وافد متوكل

ولا خيب الرحمن من قد توكلا

أؤمل أن أحظى بحور وجنة

وحاشاكموا أن تحرموا المتأملا

فدونكم ابن الحريري مذحة

منمقة الألفاظ تحلو لمن قلى

بها يرتجى منكم شفاعتكم غداً

ويعلوه ظل في الجنان مظللا

عليكم سلام الله ما در شارق

وما أن حدى الحادي وركب تحملا

الباب الثّالث

يا إخواني , شهد لهم بالفوز الجليل والثّناء الجميل الرّبّ الجليل , فقال تعالى في كتابه المكنون لا يمسّه إلّا المطهرون :( الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدَوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (١) .ولا جهاد أعظم من جهاد أنصار الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) , أذن لهم في ترك القتال ومقاسات الأهوال , فأبوا واختاروا الموت على الحياة في طاعته , واحبوا مُفارقة الدّنيا دون مفارقته :

جادوا بأنفسهم في حب سيدهم

والجود بالنفس أقصى غاية الجود

يُعد أحدهم مصافحة الصّفاح غنيمة باردة ، ومزاحمة الرّماح فائدة زائدة ،

____________________

(١) سورة التّوبة / ٢٠.


ومكافحة الكتاب مكرمة عائدة ، ومناوحة المقانب منقبة شاهدة :

يرى الموت أولى من ركوب دنية

ولا يغتدي للناقصين عديلا

ويستعذب التعذيب فيما يفيده

نزاهة عن أن لا يكون ذليلا

فوا حر قلباه على تلك الأجساد بلا مهاد ووساد !

روي : أنّ فاطمة (عليها‌السلام ) أتت النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهي تبكي وتقول : (( خرج الحسن والحُسين ولا أدري أين هُما ؟ )) .فقال : (( يا فاطمة , طيبي نفساً فهما في ضمان الله تعالى حيث كانا )) .فنزل جبرائيل (عليه‌السلام ) , فقال : هُما في حائط بني النّجار نائمان متعانقان ، وقد بعث الله إليهما ملكاً , فبسط جناحاً تحتهما وجناحاً فوقهما .فخرج رسول الله وأصحابه معه , فرآهما هُناك (وحيّة) دائرة كالحلقة حولهما ، فأخذهُما رسول الله على سكينة فحملهما ، فقال أصحابه : نحملهما عنك يا رسول الله.فقال : (( نعم المطية مطيتهما , ونعم الرّاكبان هُما , وأبوهما خير منهما )).

ألا فيا إخواني , هذا هو الشّرف الرّفيع والفضل الشّامخ المنيع ، ولذا حسدوهم على الكمال فجلّ وعلا مجّدهم أن ينال :

إليكم كلّ منقبة تؤول

إذا ما قيل جدكم الرسول

وفيكم كلّ مكرمةٍ تجول

إذا ما قيل أمكم البتول

فلا يبقى لمادحكم كلام

إذا تمّ الكلام فما أقول

روي : أنّ فاطمة (عليها‌السلام ) جاءت إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهي تبكي , فقال : (( ما يبكيك ؟ )) .فقالت : (( ضاع منّي الحُسين فلا أجده )) .فقام النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) واغرورقت عيناه وذهب ليطلبه , فلقيه يهودي فقال : ((يا مُحمّد ما لك تبكي ؟ )).فقال : (( ضاع ابني )) .فقال : لا تحزن فإنّي رأيته على تل كذا نائماً .فقصده النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) واليهودي معه , فلمّا قرب من التّل , رأى ضبّاً بفمه غصن أخضر يروح به إلى الحُسين , فلمّا رأى الضبّ النّبي , قال بلسان فصيح : السّلام عليك يا زين القيامة .وشهد له بشهادة الحقّ , ثمّ قال : لم أر أهل بيت أكثر بركة من أهل بيتك ؛ لأنّ ولدي ضاع منّي ثلاث سنين , فطفت العالم أطلبه فلم أجده , فببركة ولدك وجدته الآن فأكافيه .ثمّ قال ولد الضبّ : يا رسول الله , أخذني السّيل فادخلني البحر , ثمّ ضربت بي الأمواج إلى أن وقعت


بجزيرة كذا , فلم أجد سبيلاً ومخرجاً منها حتّى أهبّ الله ريحاً فأخذتني وألقتني في هذا الموضع عند أبي .فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( من تلك الجزيرة إلى ههنا ألف فرسخ )) .فأسلم اليهودي وقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله .:

لآل مُحمّد أصبحت عبداً

وآل مُحمّد خير البرية

اُناس حل فيهم كلّ خير

مواريث النبوة والوصية

روى ابن عبّاس , أنّه قال : لمـّا ولد الحُسين (ع) , أمر الله عزّ وجلّ جبرائيل أن يهبط إلى الأرض بألف من الملائكة المقرّبين ؛ ليهنئ مُحمّداً خاتم النّبيين بمولود سيّدة نساء العالمين ، قال : فهبط جبرائيل مع الملائكة على جزيرة من جزائر البحر , فرأى فيها ملكاً يُقال له ( فطرس ) - وكان قد أرسله الله إلى أمر من أموره , فأبطأ عليه فغضب عليه , فكسّر جناحه وألقاه في تلك الجزيرة مدّة طويلة , فمكث الملك يعبد الله تعالى سبعمئة عام حتّى ولد الحُسين (عليه‌السلام ) - فقال الملك : يا أخي جبرائيل , أين تريد ؟ فقال : إنّ الله تعالى أنعم على مُحمّد بمولود من ابنته , فبُعثت إليه اُهنئه عن الله تعالى .فقال الملك : يا جبرائيل , قد مكثت في هذه الجزيرة سبعمئة سنة , وقد ضاق صدري وعيل صبري أريد أن تحملني معك إليه ؛ لعل مُحمّداً يدعو لي بالعافية , ويشفع لي عند الله تعالى في جبر جناحي المكسور .قال : فحمله جبرائيل معه على طرف ريشة من جناحه حتّى اُدخل به على النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فهنأه جبرائيل من الله تعالى ومنه , وأخبره بحال الملك فطرس , فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يا جبرائيل , قُل له : يقوم ويمسح بجناحه بهذا المولود وعد إليّ )) .قال : فقام الملك ومسح جناحه المكسور بالحُسين (عليه‌السلام ) , فعوفي من ساعته وصار كما كان , فقال الملك فطرس : يا رسول الله , اعلم أنّ اُمّتك تقتل ولدك هذا - يعني الحُسين (عليه‌السلام ) - وله عليّ مكافأة .يا مُحمّد , لا يزوره زائر إلّا أبلغته عنه الزّيارة , ولا يسلّم عليه مُسلّم إلّا أبلغته سلامه ، ولا يُصلّي عليه مُصلّ إلّا ابلغته صلاته .ثمّ ارتفع طائراً إلى السّماء ؛ ببركة الحُسين سيّد الشّهداء , وهو يقول : مَن مثلي وأنا عتيق الحُسين بن فاطمة , وعتيق جدّه النّبي الاُمّيّ .قال ابن عباس : فهذا الملك لا يُعرف في السّماء بين الملائكة إلّا أن يُقال : هذا مولى الحُسين (عليه‌السلام ).

ونُقل عن أبي جعفر الطّوسي في ( مصباح الأنوار ) , إنّ الله عزّ وجلّ لـمّا


غضب على هذا الملك , خيّره في عذاب الدّنيا أو عذاب الآخرة , فاختار عذاب الدّنيا , فكسّر جناحه وألقاه في تلك الجزيرة, وكان مُعلّقاً بأشفار عينيه سبعمئة سنة , لا يمرّ به حيوان من تحته إلّا احترق من دخان يخرج منه غير منقطع , فلمّا أحسّ بجبرائيل والملائكة النّازلين من السّماء , كان ما كان من أمره بإذن الله تعالى , فعفى الله عنه ببركة الحُسين (عليه‌السلام ).

فانظروا يا أهل المعالي إلى هذا الشّرف العالي , جعلنا الله وإيّاكم من أشياعهم وأتباعهم ومواليهم :

نعم بإذكاري كربلاء ومن بها

تفاقم كربي واستحم بلائي

وأنفذ عيني ماءها ببكائها

عليهم وقد أمددها بدمائي

وسيق بنو بنت النّبي مُحمّد

إلى الشام للذبح العنيف كشائي

فيا ويح قوم قاتلوهم إذا بدا

شفيعتهم في معرض الخصماء

عن ابن عباس , قال : لمـّا نزلت هذه الآية :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) .قالوا : يا رسول الله, مَن قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودتهم ؟ قال : (( عليّ وفاطمة وابناهما )).

وعن الحُسين بن عليّ (عليهم‌السلام ) , قال : (( قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : فاطمة بهجة قلبي , وابناها ثمرة فؤادي .بعلها نور بصري, والأئمة من ولدها اُمنائي وحبله الممدود بينه وبين خلقه ، ومَن اعتصم بهم نجى , ومَن تخلّف عنهم هوى )).

وعن بلال بن حمامة , قال : طلع علينا النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذات يوم ووجهه مشرق كدائرة القمر , فقام عبد الرّحمن بن عوف , فقال : يا رسول الله , ما هذا النّور ؟ فقال : (( بشارة أتتني من ربّي في أخي وابن عمّي وابنتي , وإنّ الله تعالى زوّج عليّاً من فاطمة , وأمر رضوان خازن الجنان فهزّ شجرة طوبى , فحملت رقاقاً - يعني : صكاكاً - بعدد محبّي أهل بيتي , وأنشأ من تحتها ملائكة من نور ودفع إلى كلّ ملك صكّاً ، فإذا استوت القيامة بأهلها , نادت الملائكة في الخلائق ، فلا تلقى مُحبّاً لنا أهل البيت إلّا دفعت إليه صكّاً , فيه فكاكه من النّار بأخي وابن عمّي وإبنتي )).

عن جابر قال : رأى رسول الله على فاطمة كساء من أوبار الإبل وهي تطحن , فبكى وقال : (( يا فاطمة , اصبري على مرارة الدّنيا لنعيم الآخرة غداً )) .قال : فنزلت عند ذلك :( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبّكَ فَتَرْضَى ) (٢) :

محن الزمان سحائب مترادفة

هي بالفوادح والفواجع ساجمة

____________________

(١) سورة الشّورى / ٢٣.

(٢) سورة الضّحى / ٥.


وإذا الهموم تعاورتك فسلها

بمصاب أولاد البتولة فاطمة

عن ابن عباس قال : كنت جالساً بين يدي النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذات يوم , وبين يديه عليّ وفاطمة والحسن والحُسين (عليهم‌السلام ) , إذ هبط جبرائيل ومعه تفّاحة , فتحيّا بها النّبي وحيّا بها عليّ بن أبي طالب , فتحيّا بها عليّ وقبّلها وردّها إلى رسول الله , فتحيّا بها رسول الله وحيّا بها الحسن , فتحيّا بها الحسن وقبّلها وردّها إلى رسول الله , فتحيّا بها رسول الله وحيّا بها الحُسين , فتحيّا بها الحُسين وقبّلها وردّها إلى النّبي , فتحيّا بها (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وحيّا بها فاطمة , فتحيّت بها فاطمة وقبّلتها وردّتها إلى النّبي , فتحيّا بها الرّابعة وحيّا بها عليّ بن أبي طالب , فتحيّا بها عليّ بن أبي طالب , فلمّا همّ أن يردّها إلى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , سقطت التّفاحة من بين أنامله فانفلقت نصفين , فسطع منها نور حتّى بلغ السّماء , فإذا عليها سطران مكتوبان : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , تحيّة من الله تعالى إلى مُحمّد الـمُصطفى , وعليّ وفاطمة الزّهراء , والحسن والحُسين سبطي رسول الله , وأمان لمحبّيهما يوم القيامة من النّار.

وعن أبي سلمان - راعي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - قال : سمعت رسول الله يقول : (( ليلة اُسري بي إلى السّماء , قال لي الجليل جلّ جلاله :( آمَنَ الرّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبّهِ ) (١) .قُلت : والمؤمنون .قال : صدقت يا مُحمّد , مَن خلّفت في اُمّتك ؟ قُلت : خيرها .قال : عليّ بن أبي طالب ؟ قُلت : نعم يا رب .قال : يا مُحمّد , إنّي اطلعت على الأرض إطلاعة فاخترتك منها , فشققت لك اسماً من اسمائي , فلا اُذكر في موضع إلّا ذُكرت معي , فأنا المحمود وأنت مُحمّد , ثمّ اطلعت الثّانية , فاخترت منها عليّاً وشققت له اسماً من اسمائي , فأنا الأعلى وهو عليّ .يا مُحمّد , إنّي خلقتك وخلقت عليّاً وفاطمة , والحسن والحُسين والأئمة من ولده من سنخ نور من نوري ، وعرضت ولايتكم على أهل السّماوات وأهل الأرض , فمَن قبلها كان عندي من المؤمنين , ومَن جحدهما كان عندي من الكافرين .يا مُحمّد , لو أنّ عبداً من عبيدي , عبدني حتّى ينقطع أو يصير كالشّن البالي , ثمّ اتاني جاحداً لولايتكم , ما غفرت له حتّى يقرّ بولايتكم .يا مُحمّد , تحبّ أن تراهم ؟ قُلت : نعم يا رب.فقال لي : التفت إلى يمين العرش .فالتفت , وإذا أنا بعليّ وفاطمة , والحسن والحُسين , وعليّ بن الحُسين , ومُحمّد بن عليّ , وجعفر بن مُحمّد , وموسى بن جعفر , وعليّ بن

____________________

(١) سورة البقرة / ٢٨٥.


موسى , ومُحمّد بن عليّ , وعليّ بن مُحمّد , والحسن بن عليّ , والمهدي , في ضحضاح من نور , قيام يُصلّون وهو في وسطهم - يعني المهدي - كأنّه كوكب درّي , وقال : يا مُحمّد , هؤلاء الحجج ، وإنّه - يعني المهدي (عليه‌السلام ) - الحجّة الواجبة لأوليائي والمنتقم من أعدائي )) .:

هم النور نور الله جلّ جلاله

هم التين والزيتون والشفع والوتر

مهابط وحي الله خزان علمه

ميامين في أبياتهم نزل الذكر

وأسماؤهم مكتوبة فوق عرشه

ومكنونة من قبل أن يخلق الذر

فلولاهم لم يخلق الله آدماً

ولا كان زيد في الأنام ولا عمرو

ولا سطحت أرض ولا رفعت سما

ولا طلعت شمس ولا أشرق البدر

ونوح بهم في الفلك لمـّا دعا نجى

وغيض به طوفانه وقضي الأمر

ولو لاهم نار الخليل لمـّا غدت

سلاماً وبرداً وانطفى ذلك الجمر

ولولاهم يعقوب ما زال حزنه

ولا كان عن أيوب ينكشف الضر

ولان لداود الحديد بسرهم

وقدر في سر يحير به الفكر

ولما سليمان البساط بهم دعا

اسيلت له عين يفيض بها القطر

وسخرت الريح الرحاء بأمره

فغدوتها شهر وروحتها شهر

وهم سر موسى في العصا عندما عصى

أوامره فرعون والتقف السحر

ولولاهم ما كان عيسى بن مريم

يغادر من طي اللحود له نشر

سرى سرهم في الكائنات وفضلهم

فكل نبي فيه من سرهم سر

مصابكم يا آل طه مصيبة

ورزء على الإسلام أحدثه الكفر

فيا إخواني , على مثل هؤلاء فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم فيهم وقال :

القصيدة للشيخ ابن حماد (رحمه‌الله )

أيفرح من له كبد يذوب

وقلب من صبابته كئيب

وقفت بكربلاء فهيجت لي

كروباً ليس يشفيها طبيب


ومثل لي الحُسين بها غريباً

بنفسي ذلك الثاوي الغريب

فلا سعد ابن سعد حين حرب

إلى حرب الحُسين به الحروب

عجبت لهم وحلم الله عنهم

وكل فعالهم تعس عجيب

حبيب مُحمّد فيهم صريع

يناديهم وليس له مجيب

بنات مُحمّد فيهم سبايا

ورحل مُحمّد فيهم نهيب

كأني بالنساء مهتكات

عليهن الكآبة والشحوب

فلما أن بصرن به صريعاً

له خد على الرمضا تريب

سقطن على الوجوه مولولات

وادمعهن وأكفة تصوب

وشققن الثياب عليه حزناً

وشقت منهم أسفاً جيوب

وأنت زينب من حزن قلب

بنار الوجد محترق يذوب

ونادت ليت أمي لم تلدني

ولم أرى ما الذي بك يا غريب

تنادي اختها يا أخت قومي

فموتك بعد سيدنا قريب

فيا ليت المنية قدمتنا

ومتنا قبل ما قتل الحبيب

أخية لا حيينا بعد هذا

فإن حياتنا ليست تطيب

فوا حزناً ووا سلباً إذا ما

تراءى جسمه العاري السليب

فيا رب السماء إليك نشكو

فأنت على فعالهم رقيب

سأبكي ما حييت لهم وأبكي

وقل لهم بكائي والنحيب

صلاة الله والأملاك تترى

عليهم ما سرت في الأرض نيب

سأنشر فضلهم سراً وجهراً

وألعن ثمّ من لهم يعيب

وحسبي مدح ساداتي حبيباً

بهم أرجو النجاة ولا أخيب

هم نجباء خير الخلق طراً

وليس يحبهم إلّا نجيب

وذكرهم يبيّن كل أصل

بهم عرف المطهر والمشوب

لعبدكم ابن حماد قريض

يلذ سماعه الفطن اللبيب


المجلس السّادس

في اليوم الثّالث من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

أيّها المؤمنون النّاصحون والأتقياء الصّالحون , إجروا الدّماء من العيون واهجروا لذيذ الرّقاد من الجفون , لهذا الخطب العظيم والرّزء الجسيم ، مصاب أبكى الرّسول والزّهراء البتول والسّماء دماً , واُقيم له فوق الطّباق مأتماً ، فوا أسفاه على ما تجرّعوه من الحتوف ومرارات حرّ السّيوف !

فيا إخواني , بالغوا في النّوح والإجتهاد , وأعدّوه أكرم الزّاد ليوم المعاد , على قوم بهم اُفيضت عليكم النّعم الفاخرة في الحياة الدّنيا والآخرة , وكيف لا نحزن لفتية عصمهم الله من الخطأ والزّلل , وجعلهم سفن النّجاة لِمَن بهم اتصل , كما ورد في الخبر عن سيّد البشر , أنّه قال : (( أهل بيتي كسفينة نوح في قومه , مَن ركبها نجى ومن تخلّف عنها هلك )) .أعلام الله في أرضه وحججه على عباده , فرسان الكلام وولاة الإسلام , المجاهدون في سبيل ذي الجلال بالأنفس والأموال , الصّابرون على عظم النّكال وشديد الوبال :

لهم وجوه على الأنوار مشرقة

تضيء نوراً بإشراق ولمعان

تضيء أنوار آثار السجود لها

لما بها من علامات وعنوان

لله كم لهم بالطف من جسد

مسربل بقميص النقع عريان

ملقى على الأرض هوناً بعد غربته

بلا حنوط ولا غسل وأكفان


لهفي وقد صرعوا من حوله نفر

زهر المناقب من شيب وشبان

كأنهم أنجم تنقض من فلك

وكل نجم هوى رجم لشيطان

لهفي وقد خرّ والرمضاء من دمه

تروي ويقتل فيها غير ديان

لهفي على مهره إذ مرّ منقلباً

يشكو إلى الله من فقد ووجدان

لهفي لنسوته يندبنه أسفاً

لهفي لملهوفة تشكو للهفان

لهفي لفاطمة تدعوه صارخة

بكسر قلب من الأحزان ملآن

وكل عين على هذا المصاب جرت

فكيف لم تجر من عيني عينان

يا آل أحمد يا من طيب ذكرهم

إذا تنشقته في الترب أحياني

حزني لكم مثل ودي دائماً أبداً

لا ينقضي وصباباتي وأشجاني

روي عن طريق أهل البيت (عليهم‌السلام ) : (( أنّه لمـّا استشهد الحُسين , بقي في كربلاء صريعاً ودمه على الأرض مسفوحاً , وإذا بطائر أبيض قد أتى ومسح بدمه , وجاء والدّم يقطر منه , فرأى صوراً تحت الظّلال على الغصون والأشجار , وكلّ منهم يذكر الحبّ والعلف والماء , فقال لهم ذلك الطّير المتلطخ بالدّم : يا ويلكم , أتشتغلون بالملاهي وذكر الدّنيا والمناهي , والحُسين في أرض كربلاء في هذا الحرّ مُلقى على الرّمضاء , ظام مذبوح ودمعه مسفوح ؟! فعادت الطّيور كلّ منها قاصدة كربلاء , فرأوا سيدنا الحُسين (عليه‌السلام ) مُلقى في الأرض , جثّة بلا رأس ولا غُسل ولا كفن , قد سفت عليه السّوافي , وبدنه مرضوض قد هشمته الخيل بحوافرها ، زوّاره وحوش القفار ، وندبته جنّ السّهول والأوغار ، قد أضاء التّراب من أنواره , وأزهر الجو من إزهاره, فلمّا رأته الطّيور , تصايحن وأعلنّ بالكباء والثّبور , وتواقعن على دمه يتمرّغن فيه , وطار كلّ واحد منهم إلى ناحية يُعلم أهلها عن قتل أبي عبد الله الحُسين (عليه‌السلام ) , فمن القضاء والقدر أنّ طيراً من هذه الطّيور قصد مدينة الرّسول , وجاء يرفرف والدّم يتقاطر من أجنحته , ودار حول قبر سيّدنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يعلن بالنّداء : ألا قُتل الحُسين بكربلاء ! ألا ذُبح الحُسين بكربلاء ! فاجتمعت الطّيور عليه وهم يبكون عليه وينوحون , فلمّا نظر أهل المدينة من الطّيور ذلك النّوح , وشاهدوا الدّم يتقاطر من الطّير , ولم يعلموا ما الخبر حتّى انقضت مدّة من الزّمن , وجاء خبر مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) , علموا أنّ ذلك الطّير كان يخبر رسول الله بقتل ابن فاطمة


البتول , وقرّة عيّن الرّسول )).

وقد نُقل أنّه في ذلك اليوم الذي جاء فيه الطّير إلى المدينة , أنّه كان في المدينة رجل يهودي , وله بنت عمياء زمنة طرشاء مشلولة , والجذام قد أحاط ببدنها , فجاء ذلك الطّائر والدّم يتقاطر منه , ووقع على شجرة يبكي طول ليلته , وكان اليهودي قد أخرج ابنته تلك المريضة إلى خارج المدينة إلى بستان , وتركها في البستان الذي جاء الطّير ووقع فيه , فمن القضاء والقدر أنّ تلك الليلة عرض لليهودي عارض , فدخل المدينة لقضاء حاجته , فلم يقدر أن يخرج تلك الليلة إلى البستان التي فيها ابنته المعلولة ، والبنت لمـّا نظرت أباها لم يأتها تلك الليلة , لم يأتها نوم لوحدتها ؛ لأنّ أباها كان يحدّثها ويسلّيها حتّى تنام , فسمعت عند السّحر بكاء الطّير وحنينه , فبقيت تتقلب على وجه الأرض إلى أن صارت تحت الشّجرة التي عليها الطّير , فصارت كلّما حنّ ذلك الطّير , تجاوبه من قلب محزون , فبينما هي كذلك إذ وقع من الطّير قطرة من الدّم , فوقعت على عينها ففتحت , ثمّ قطرة اُخرى على عينها الاُخرى فبرئت , ثمّ قطرة على يديها فعوفيت , ثمّ على رجليها فبرئت , وعادت كلّما قطرت قطرة من الدّم , تلطخ بها جسدها , فعوفيت من جميع مرضها من بركات دم الحُسين (عليه‌السلام ) , فلمّا أصبح الصّباح , أقبل أبوها إلى البستان فرأى بنتاً تدور ولم يعلم أنّها ابنته , فسألها : أنّه كان لي في البستان بنت عليلة لم تقدر أن تتحرّك.فقالت ابنته : والله أنا ابنتك .فلمّا سمع كلامها وقع مغشيّاً عليه , فلمّا أفاق قام على قدميه , فأتت به إلى ذلك الطّير , فرآه واكراً على الشّجرة يئنّ من قلب حزين محترق ؛ مما فُعل بالحُسين (عليه‌السلام ) , فقال له اليهودي : بالذي خلقك أيّها الطّير , أن تكلمني بقدرة الله تعالى .فنطق الطّير مستعبراً , ثمّ قال : اعلم أنّي كنت واكراً على بعض الأشجار مع جملة من الطّيور قبالة الظّهر , وإذا بطير ساقط علينا وهو يقول : أيّها الطّيور ! تأكلون وتتنعّمون والحُسين في أرض كربلاء في هذا الحرّ على الرّمضاء طريحاً ظامياً , والنّحر دام ورأسه مقطوع على الرّمح مرفوع , ونساءه سبايا حفاة عرايا .فلمّا سمعن بذلك , تطايرن إلى كربلاء فرأيناه في ذلك الوادي طريحاً ، الغسل من دمه والكفن الرّمل السّافي عليه ، فوقعنا كلّنا ننوح عليه ونتمرّغ بدمه الشّريف , وكان كلّ منّا طار إلى ناحية , فوقعت أنا في هذا المكان .فلمّا سمع اليهودي ذلك , تعجّب وقال : لو لم


يكُن الحُسين ذا قدر رفيع عند الله , ما كان دمه شفاء من كلّ داء .ثمّ أسلم اليهودي وأسلمت البنت وأسلم خمسمئة من قومه .:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها

قتل الحُسين فأدمعي مدرار

الجسم منه بكربلاء مضرج

والرأس منه على القناة يدار

روي : أنّ فاطمة الزّهراء (عليها‌السلام ) ندبت ولدها الحُسين من قبل أن تحمل به , ولقد ندبته بالغريب العطشان , البعيد عن الأوطان , الظّامي اللهفان , المدفون بلا غسل ولا أكفان , ثمّ قالت لابيها : (( يا رسول الله , مَن يبكي على ولدي الحُسين من بعدي ؟ )) .فنزل جبرائيل من الرّب الجليل يقول : إنّ الله تعالى ينشئ له شيعة تندبه جيلاً بعد جيل .فلمّا سمعت كلام جبرائيل , سكن بعض ما كان عندها من الوجل.

القصيدة للسيّد الـمُرتضى (رحمه‌الله )

شغل الدموع عن الديار بكاؤها

لبكاء فاطمة على أولادها

وا لهفتاه لعصبة علوية

تبعت اُمية بعد ذل قيادها

الله سابقكم إلى أرواحها

وكسبتم الآثام في أجسادها

إن قوضت تلك القباب فانها

خرت عماد الدين قبل عمادها

هي صفوة الله التي أحيى لها

وقضى أوامره إلى أمجادها

تروي مناقب فضلها أعداؤها

أبداً فتسندها إلى أضدادها

يا فرقة ضاعت دماء مُحمّد

وبنيه بين يزيدها وزيادها

صفدت بمال الله ملأ أكفها

وأكف آل الله في أصفادها

ضربوا بسيف مُحمّد أبناءه

ضرب الغرائب عدن بعد زيادها

يا يوم عاشوراء كم لك لوعة

تترقص الأحشاء في إيقادها

ما عدت إلّا عاد قلبي غلة

حزني ولو بالغت في إيرادها

روي عن رسول الله (ص) أنّه قال : (( بي اُنذرتم , ثمّ بعلي بن أبي طالب اهتديتم )) .وقرأ ((:( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) (١) .وبالحسن اُعطيتم الإحسان , وبالحُسين تسعدون وبه تشقون , ألا وإنّما الحُسين باب من أبواب الجنّة , مَن عانده حرّم الله

____________________

(١) سورة الرّعد / ٧.


عليه رائحة الجنّة )).

وروي : أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خرج مع أصحابه إلى طعام دُعوا له , فتقدم رسول الله أمام القوم والحُسين مع غلمان يلعب , فأراد رسول الله أن يأخذه , فطفق يفرّ ههنا مرّة وههنا مرّة , فجعل رسول الله أيضاً يضاحكه حتّى أخذه ، قال : فوضع إحدى يديه تحت فاه والاُخرى تحت ذقنه , فوضع فاه على فيه فقبّله ، وقال : (( حُسين منّي وأنا من حُسين , أحبّ الله مَن أحبّ حُسيناً ، حُسين سبط من الأسباط )) .:

حسب الذي قتل الحُسين

من الخسارة والندامة

إن الشفيع لدى الإله

خصيمه يوم القيامة

ذكر أحمد بن أعثم الكوفي : إنّ الفرزدق لقي الحُسين (ع) وسلّم عليه ودنا منه فقبّل يده , فقال له الحُسين (عليه‌السلام ) : (( من أين أقبلت يا أبا فراس ؟ )) .فقال : من الكوفة يابن رسول الله .قال : (( فكيف خلّفت أهل الكوفة ؟ )) .قال : خلّفت, قلوب النّاس معك وسيوفهم مع بني اُميّة , والقضاء ينزل من السّماء , والله يفعل ما يشاء .فقال له الحُسين : (( صدقت وبررت , إنّ الأمر لله يفعل ما يشاء , ربّنا تبارك وتعالى كلّ يوم هو في شأن , فإن نزل القضاء بما نحبّ , فالحمد لله على نعمائه وهو الـمُستعان على أداء الشّكر , وإن حال القضاء دون الرّجاء , فلن تبعد من الحقّ بلية )) .فقال له الفرزدق : يابن رسول الله , وكيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمّك مُسلم بن عقيل وشيعته ؟! قال : فاستعبر الحُسين باكياً , ثمّ قال : (( رحم الله مُسلماً , فلقد صار إلى روح الله وريحانه وتحيّته ورضوانه , أما إنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا )) .قال: ثمّ أنشأ يقول :

فإن تكن الدنيا تعد نفيسة

فدار ثواب الله أعلى وأنبل

وإن تكن الأبدان للموت اُنشئت

فقتل امرئ في الله بالسيف أفضل

وإن تكن الأرزاق قسماً مقدراً

فقلة حرص المرء في الرزق أجمل

وإن تكن الأموال للترك جمعها

فما بال متروك به المرء يبخل

ثمّ ودّعه الفرزدق في نفر من أصحابه ومضى يُريد مكّة , فأقبل عليه ابن عمّ له من بني مجاشع , فقال : يا أبا فراس , هذا الحُسين بن عليّ ؟ فقال الفرزدق : هذا


الحُسين بن فاطمة الزّهراء بنت مُحمّد الـمُصطفى , هذا والله ابن خير الله وأفضل من مشى على الأرض من ولد آدم أبي البشر , وقد كنت قلت أبياتاً قبل اليوم , فلا عليك أن تسمعها .فقال له ابن عمّه : ما أكره ذلك يا أبا فراس , فإن رأيت أن تنشدني ما قلت فيه ؟ فقال الفرزدق : نعم , أنا القائل فيه وفي أبيه وأخيه وجدّه هذه الأبيات :

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم

هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا حسين رسول الله والده

أمست بنور هداه تهتدي الأمم

هذا ابن فاطمة الزّهراء عترتها

أئمة الدين مجرياً به القلم

إذا رأته قريش قال قائلها

إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

يكاد يمسكه عرفان راحته

ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

بكفه خيزران ريحه عبق

بكف أروع في عرنينه شمم

يغضي حياء من مهابته

فلا يكلم إلّا حين يبتسم

ينشق نور الدجى عن نور غرته

كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم

مشتقة من رسول الله نبعته

طابت أرومته والخيم والشيم

من معشر حبهم دين وبغضهم

كفر وقربهم فوز ومعتصم

يستدفع الظلم والبلوى بحبهم

ويستقيم به الإحسان والنعم

إن عد أهل الندى كانوا أئمتهم

أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

لا يستطيع جوازاً بعد غايتهم

ولا يدانيهم قوم وإن كرموا

بيوتهم في قريش يستضاء بها

في النائبات وعند الحكم إن حكموا

وجده من قريش في أرومتها

مُحمّد وعلي بعده علم

بدر له شاهد والشعب من أحد

والخندقان ويوم الفتح قد علموا

وخيبر وحنين يشهدان له

وفي قريضة يوم صيلم قتم

مواطن قد علت في كل نائبة

على الصحابة لم أكتم كما كتموا

ثمّ أقبل الفرزدق على ابن عمّه ذلك , فقال : والله , لقد قلت فيه الأبيات غير متعرّض لمعروفة , ولكن أردت الله بذلك والدّار الآخرة.

فعلى مثل هؤلاء الأطائب


فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ الخليعي (رحمه‌الله )

هاج حزني وهاج حر لهيبي

وشجاني ذكر القتيل الغريب

وجفت مقلتي كراها وسحت

سحب أجفانها بدمع سكوب

وقليل لمن يمثل مولاه

لدى الطف ذا حيين تريب

فيض دمع على الخدود وتسهاد

جفون قرحى وطول نحيب

كربلا كم تركت عندي كروباً

برزايا تذيب حب القلوب

كم هوى في ثراك من بدر تم

وأضر النوى بغصن رطيب

لهف نفسي على ابن بنت رسول الله

يدعو وما له من مجيب

قائلاً : ليس في الأنام ابن بنت

لنبي غيري فلا تغدروا بي

هل على بدعة أبحتم دمي ، أم

كنت قصرت ساهياً عن وجوب

لهف قلبي لطفلة فوق كفيه

بصدر ظام ونحر خضيب

وهو يستقبل الدماء ويلقيها

ويبدي شكواه للمستجيب

لهف نفسي لزينب تلطم الوجه

فتدمي خدودها بالندوب

وتناديه يا أخي يا بن أمي

يا شقيقي أسلمتني للخطوب

أين جدي أين البتول ألا أين

عليّ وا وحدتي وا لهيبي

لهف نفسي لسبي فاطمة الصغرى

ولهفي لقلبها المرعوب

لهف نفسي على سكينة من خوف

الأعادي تبكي بدمع صبيب

لهف نفسي لأم كلثوم من سلب

نقاب ومحجر منهوب

لست أنسى رأس الحُسين كبدر

التم يبدو في رأس رمح كعوب

يا لثارات أحمد وعلي

من شنيع جرى وأمر عصيب

أيرى ثغر ابن فاطمة يقرعه

أرذل الورى بالقضيب

يا ابن بنت النّبي يابن الذي

أودعه الله سر علم الغيوب

ليت أن الوصي وافاك بالطف

فلم تخش من أذى وكروب

ولقد أخبر الرواة عن الشيخ المفيد

الحبر الصدوق الأريب


يسند النقل عن رجال ذوي

عدل ثقاة لا نقل أفك وحوب

أخبر العامري عن جابر بن الحر

يوماً بغير شك مريب

قال يرويه عن جويرية العبدي

فيما رواه غير كذوب

قال : لمـّا توجه الـمُرتضى يطلب

صفين مؤذناً للحروب

مرّ في كربلاء فقام بها

مستعبراً باكياً بقلب كئيب

ثم نادى هذا مناخ ركاب

القوم يفنون من شباب وشيب

ومحط الرحال منهم وتفوق

المنايا بكل سهل مصيب

وكأني بهم وهم بين مقتول

بكرب الظما وعار سليب

يدخلون الجنان ولم يسألوا عن

واجب كلفوا ولا مندوب

بأبي افتديتهم وإلى الله

احتسابي والله خير حسيب

فعجبنا من أمره حيث لا ينفك

يأتي بكل أمر عجيب

فعرفنا لمـّا رأينا حسيناً

ثمّ ملقى فضل الإمام النجيب

وعلمنا بأن كشف الطويات

وتكليمه لجان وذيب

وخطاب الإله بالطائر المشهور

جهراً ورد شمس المغيب

لم تكن في الأنام إلّا لمستودع

سر من القريب المجيب

يا بني أحمد إليكم تطربت

بمدحي وأنتم مطلوبي

بكم يرتجي الخليعي في الحشر

أماناً من موبقات الذنوب

الباب الثّاني

أيّها المؤمنون الصّالحون ! كيف لا تحزنون على سادات العباد , وأنوار الله في جميع الأقطار والبلاد , وحجج الله على الخلائق ولسانه النّاطق , والشّهداء على الاُمم بين يدي بارئ النّسم ، وهم بين قتيل بالسّم وآخر مضرّج بالدّم ؟! أترونهم ما علموا فضلهم الذي أجمع عليه كافة الـمُسلمين , أم عساهم جهلوا رتبتهم العالية عند ربّ العالمين ؟ كلا , ولكن أغواهم الشّيطان وأوصلهم إلى دار الهوان( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .:

أيأمن وحش البر غائلة الورى

وآل النّبي الـمُصطفى غير آمن

____________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


تكدرت الدنيا عليهم وقد صفت

لكل عنيد جاهل متماجن

فيا خيبة ظالميهم كيف لم يتفطّنوا بما ورد فيهم ؟ فممّا صح روايته من طريق الخصم , مرفوعاً إلى أحمد بن حنبل , عن عليّ (عليه‌السلام ) , قال : (( أخذ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بيد الحسن والحُسين , فقال : مَن أحبّني وأحبّ هذين وأباهما واُمّهما , كان معي يوم القيامة )).

وبالإسناد المذكور , مرفوعاً إلى عليّ (عليه‌السلام ) , قال : (( دخل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأنا نائم في المنام , فاستسقى الحسن والحُسين )) .قال (ع) : (( فقام النّبي إلى شاة لنا كي يحلبها فدرّت , فجاء الحُسين فنحّاه النّبي , فقالت فاطمة : يا رسول , كان الحسن أحبّهما إليك ؟ فقال : لا , لكن استسقي قبله .ثمّ قال (ص) : إنّي وإيّاك وهذين وهذا الرّاقد في مكان واحد يوم القيامة )).

وبالإسناد المذكور , قال (ع) : (( كان الحسن والحُسين يأتيان رسول الله وهو في الصّلاة فيثبان عليه , فإذا نهيا عن ذلك , أشار بيده دعوهما , فإذا قضى الصّلاة , ضمّهما وقال : مَن أحبّني فليحب هذين )).

وبالإسناد المذكور , عن عليّ (عليه‌السلام ) : (( قال (ص) : في الجنّة درجة تُسمّى الوسيلة , وهي لنبيّ أو لرسول , فإذا سألتموها لي ؟ قالوا : ومَن يسكن معك فيها ؟ قال (ص) : فاطمة والحسن والحُسين )) .:

أيا بني الوحي والتنزيل يا أملي

يا من ولاهم غداً في البر يؤنسني

حزني عليكم جديد دائم أبداً

ما دمت حياً إلى أن ينقضي زمني

روي : أنّه لمـّا كان من أمر الحُسين (عليه‌السلام ) ما كان , وقُتل شهيداً وقُطع رأسه الشّريف , أمر عمر بن سعد (لعنه الله) بدفن جميع الخوارج والمنافقين من بني اُميّة , وتركوا الحُسين (عليه‌السلام ) على وجه الأرض ملقى بغير دفن وكذلك أصحابه , وجاءوا بالنّساء قصداً وعناداً وعبّروهم على مصارع آل الرّسول , فلمّا رأت اُمّ كلثوم أخاها الحُسين (عليه‌السلام ) وهو مطروح على وجه الأرض , تسفوا عليه الرّياح وهو مكبوب مسلوب , وقعت من أعلى البعير إلى الأرض , وحضنت أخاها الحُسين , وهي تقول ببكاء وعويل : يا رسول الله , انظر إلى جسد ولدك ملقى على الأرض بغير غسل ، كفنه الرّمل السّافي عليه وغسله الدّم الجاري من وريده , وهؤلاء أهل بيته يُساقون اُسارى في سبي الذي ما لهم محام يمانع عنهم , ورؤوس أولاده مع رأسه الشّريف


على الرّماح كالأقمار .فلمّا أحسّوا بها , عنّفوها وأركبوها وصاروا بها , باكية لا ترقى لها دمعة ولا تبطل لها حسرة :

ستسأل تيم عنهم وعديها

وبيعتهم من أفجر الفجرات

هم منعوا الآباء عن أخذ حقهم

وهم تركوا الأبناء رهن شتات

وهم عدلوها عن وصي مُحمّد

فبيعتهم جاءت على الفلتات

روي : أنّ فاطمة (عليها‌السلام ) لا زالت بعد رسول الله معصبة الرّأس ناحلة الجسم , منهدّة الرّكن من المصيبة بموت النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وهي ؛ مغمومة مهمومة , محزونة مكروبة , كئيبة باكية العين , محترقة القلب , يُغشى عليها ساعة بعد ساعة حين تذكره , وتذكر السّاعات التي كان يدخل فيها عليها , فيعظم حزنها مرّة بعد مرّة , وتنظر مرّة إلى الحسن ومرّة إلى الحُسين وهما بين يديها , فتقول : (( أين أبوكما النّبي كان يكرمكما ويحملكما مرّة بعد مرّة ؟ أين أبوكما النّبي كان أشدّ النّاس شفقة عليكما, فلا يدعكما تمشيان على وجه الأرض ؟ فإنّا لله وإنا إليه راجعون , فُقد والله جدّكما وحبيب قلبي , ولا أراه يفتح هذا الباب أبداً , ولم يحملكما على عاتقه كما لم يزل يفعل بكما )).

ثمّ إنّها مرضت مرضاً شديداً , ومكثت أربعين ليلة في مرضها الذي توفّيت فيه , فلمّا نُعيت إليها نفسها , دعت اُمّ أيمن وأسماء بنت عميس , ووجّهت خلف عليّ وأحضرته , وقالت : (( يابن العمّ , إنّه قد نُعيت إليّ نفسي , وإنّني لأرى ما بي لا شك , إلا أنّني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة , وأنا أوصيك بأشياء في قلبي )) .قال لها عليّ (عليه‌السلام ) : (( أوصيني بما أحببت يابنة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) )) .فجلس عند رأسها وأخرج مَن كان في البيت , ثمّ قالت : (( ابن العم , ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني ؟ )) .فقال (عليه‌السلام ) : (( معاذ الله ! أنت أعلم بالله وأتقى وأكرم , وأشدّ خوفاً من الله أن أوبّخك بمخالفتي , فقد عزّ عليّ مفارقتك وفقدك إلا أنّه أمر لا بدّ منه , والله جدّدت عليّ مصيبة رسول الله , وقد عظمت وفاتك وفقدك , فإنّا لله وإنّا إليه راجعون , مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها , هذه والله مصيبة لا عزاء لها ورزيّة لا خلف لها )) .ثمّ بكيا جميعاً ساعة واحدة على رأسها وضمّها إلى صدره , ثمّ قال : (( أوصيني بما شئت تجديني وفيّاً , امضي كلّ ما امرتيني به وأختار أمرك على أمري )) .ثمّ قالت : (( جزاك الله عنّي خير الجزاء , يابن العم , أوصيك أوّلاً أن تتزوّج


بعدي بابنة أختي أمامة ؛ فإنّها تكون لولدي مثلي , فإنّ الرّجال لا بدّ لهم من النّساء , ثمّ أوصيك يابن العم , أنّ تتخذ لي نعشاً , فقد رأيت الملائكة صوروا صورته )) .فقال لها : (( صفيه لي )) .فوصفته , فاتخذه لها ، فأوّل نعش عُمل على وجه الأرض ذلك , وما رأى أحد قبله , ثمّ قالت : (( أوصيك أن لا يشاهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني واخذوا حقّي , فإنّهم أعدائي وأعداء رسول الله , ولا تترك أن يُصلّي عليّ أحد منهم ومن أتباعهم , وادفني في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار )) .ثمّ توفيت (صلوات الله عليها).

وعن ابن عباس , أنّه قال : لمـّا جاء فاطمة الأجل , لم تحل ولم تصدع ولكن أخذت بيد الحسن والحُسين , فذهبت بهما إلى قبر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فاجلستهما عنده , ثمّ وقفت بين المنبر والقبر فصلّت ركعتين , ثمّ ضمّت الحسن والحُسين إلى صدرها والتزمتهما , وقالت : (( يا أولادي , اجلسا عند أبيكما ساعة )) .وعليّ (عليه‌السلام ) يفتي في المسجد , ثمّ رجعت من عندهما نحو المنزل , فحملت ما فضل من حنوط النّبي , فاغتسلت به ولبست فضل كفنه , وقالت : (( يا أسماء )) ( وهي : امرأة جعفر الطّيار ) فقالت : لبيك يا بنت رسول الله .قالت : (( تعاهديني , فإنّي أدخل هذا البيت فأضع جنبي ساعة , فإذا مضت ساعة ولم أخرج فناديني ثلاثاً , فإن أجبتك , وإلّا فاعلمي أنّي لحقت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) )) .ثمّ قامت مقام رسول الله في بيتها , فصلّت ركعتين , ثمّ جلّلت وجهها بطرف ردائها , وقضت نحبها.

وفي نقل آخر : أنّها ماتت في سجودها , فلمّا مضت ساعة , أقبلت أسماء فنادت : يا فاطمة الزّهراء ! يا اُمّ الحسن والحُسين ! يا بنت رسول الله ! يا سيّدة نساء العالمين ! فلم تجب , فإذا هي ميتة - قيل لابن عباس : كيف عَلمت وقت وفاتها ؟ قال : اعلمها أبوها - ثمّ إنّ أسماء شقّت جيبها , وقالت : كيف أجترئ أن أخبر ابني رسول الله بوفاتك ؟ ثمّ خرجت فتلقّاها الحسن والحُسين , فقالا : (( أين اُمّنا ؟ )) .فسكتت فدخلا البيت فإذا هي ممتدة , فحرّكها الحُسين فإذا هي ميتة , فقال : (( يا أسماء , آجرك الله في الوالدة )) .وخرجا يُناديان : (( يا مُحمّداه ! يا أحمداه ! اليوم جُدّد لنا موتك إذ ماتت اُمّنا )) .ثمّ أخبرا عليّاً وهو في المسجد , فغشي عليه حتّى رُشّ عليه الماء ، فلمّا أفاق حملهما حتّى أدخلهما إلى بيت فاطمة , وعند رأسها أسماء تبكي وتقول : وا ابنا محمداه ! كنّا نتعزّى بفاطمة بعد موت جدّكما , فيمن نتعزى بعدها ؟ فكشف


عليّ عن وجهها , فإذا برقعة عند رأسها , فنظر إليها فإذا فيها : (( بسم الله الرّحمن الرّحيم , هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول الله , وهي تشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمداً عبده ورسوله , وأنّ الجنّة حقّ والنّار حقّ , وأنّ السّاعة آتية لا ريب فيها , وأنّ الله يبعث مَن في القبور .يا عليّ , أنا فاطمة بنت مُحمّد , زوّجني الله منك ؛ لأكون لك في الدّنيا والآخرة , أنت أولى بي من غيرك , حنّطني وغسّلني وكفّني , وصلّ عليّ , وادفنّي بالليل , ولا تعلم أحداً , واستودعك الله , واقرأ ولدي السّلام إلى يوم القيامة )) .فلمّا جنّ الليل , غسّلها عليّ ووضعها على السّرير , وقال للحُسين : (( ادع لي أبا ذر )) .فدعاه , فحملاها إلى الـمُصلّى , فصلّى عليها , ثمّ صلّى ركعتين ورفع يده إلى السّماء , فنادى : (( هذه بنت نبيك فاطمة , اخرجها من الظّلمات إلى النّور )) .فأضاءت الأرض ميلاً في ميل , فلمّا أرادوا أن يدفنوها , نادوا من بقعة من البقع : إليّ إليّ , فقد رفع تربتها منّي.فنظروا فإذا بقبر محفور , فحملوا السّرير إليه فدفنوها , فلمّا أنزلها عليّ والحسن والحُسين (عليهم‌السلام ) , جلس عليّ على شفير القبر , فقال : (( يا أرض استودعتك وديعتي , هذه فاطمة بنت رسول الله )) .فنودي منها : (( يا عليّ , أنا أرفق بها منك , فارجع ولا تهتم )) .فرجع وانسدّ القبر واستوت الأرض , فلم يُعلم اين كان إلى يوم القيامة.

وفي نقل آخر : أنّها لمـّا توفيت (عليها‌السلام ) , صاح أهل المدينة صيحة واحدة , واجتمعت نساء بني هاشم في دارها , فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة أن تتزعزع من صراخهنّ , وهنّ يقلنّ : يا سيدتاه ! يا بنت رسول الله ! وأقبل النّاس إلى عليّ وهو جالس والحسن والحُسين بين يديه يبكيان والنّاس يبكون لبكائهما , وخرجت اُمّ كلثوم عليها برقعها وهي تجرّ ذيلها , متجللة برداء عليها تسحبه وهي تقول : يا أبتاه ! يا رسول الله ! الآن فقدناك فقداً لا لقاء بعده أبداً .واجتمع النّاس فجلسوا وهم يرجون أن تخرج الجنازة ليصلّوا عليها , فخرج أبو ذر , فقال : انصرفوا , فإنّ بيت مُحمّد قد أخّر إخراجها في هذه العشيّة.فانصرف النّاس , فلمّا أن هدأت العيون ومضى شطر من الليل , أخرجها ؛ عليّ والحسنان , وعمار والمقداد , وعقيل وأبوذر وسلمان , ونفر من بني هاشم , ودفنوها في جوف الليل , وسوّى عليّ (عليه‌السلام ) حولها قبوراً مزوّرة ؛ حتّى لا يُعرف قبرها, وقال عند دفنها : (( السّلام عليك يا رسول الله عنّي , ومن ابنتك النّازلة في جوارك السّريعة اللحاق بك , قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري


ورقّ عنها تجلدي , إلا أنّ لي في التّأسّي بعظم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعزّ ، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك , وفاضت بين نحري وصدري نفسك , فإنّا لله وإنّا إليه راجعون , فلقد استرجعت الوديعة وأخذت الرّهينة , أمّا حزني فسرمد , وأمّا ليلي فمسهد إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم , وستنبئك فاحفها السؤال واستخبرها الحال , هذا ولم يطل العهد , والسّلام عليكما سلام مودّع لا قال ولا سئم , فإن انصرف لا عن ملالة , وإن أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد الله الصّابرين )).

قال الأصبغ بن نباتة : سُئل أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) عن علّة دفن فاطمة ليلاً ، فقال (عليه‌السلام ) : (( إنّها كانت ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها , وحرام على مَن لا أتولاهم أن يصلّي على أحد من ولدها )).

قال عبد الرّحمن الهمداني : لمـّا دفن عليّ فاطمة , قام على شفير القبر وأنشأ يقول :

لكل اجتماع من خليلين فرقة

وكل الذي دون الفراق قليل

وإن افتقادي فاطماً بعد أحمد

دليل على أن لا يدوم خليل

سيعرض عن ذكري وينسى مودتي

ويحدث بعدي للخليل خليل

فتفكّروا يا إخوان الدّين على هؤلاء الكفرة الملاعين , كيف انتهزوا في أهل بيت الرّسول الفرص , وجرّعوهم كاسات الغصص , ضيّعوا من الرّسول وصيته , وابتزّوا نحلته , وشحّوا ببلغة ذرّيّته , وغدروا ببيته وعترته شرّدوهم عن الأوطان , وتتبعوهم في كلّ مكان , فوا حسرتاه عليهم ! ووا لهفتاه لديهم ! فعلى مثل هؤلاء فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , وعليهم فلتذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ عليّ بن عبد الحميد (رحمه‌ الله ت عالى)

أيحسن من بعد الفراق سرور

وكيف وعيشي بعد ذاك مرير

تنكرت الأيام من بعد بعدهم

فعيني عبرى والفؤاد كسير

على لذة العيش الحشاء وهل ترى

يلذذ مكروب الفؤاد أسير

يقول عذولي أين صبرك إننا

عهدناك لا تخشى وأنت صبور

تروح عليك النائبات وتغتدي

وما أنت مما يعتريك ضجور


إذا ما عرى الخطب المهول وأصبحت

له نوب أمواجهن تمور

لبست له الصبر الجميل ذريعة

فقلبك مرتاح وأنت قرير

فأي مصاب هد ركنك وقعه

فقلبك فيه حرفة وزفير

لحى الله عذالي أما علموا الذي

عراني ومما الدمع ظل يفور

أعاذل خل اللوم عني فإنه

أصابك إثمّ لو علمت كبير

أتنسى مصاب السبط نفسي له الفدا

مصاب له قتل النفوس حقير

أبى الذل لمـّا حاولوا منه بيعة

وإن حسيناً بالإباء جدير

وراح إلى البيت الحرام يؤمه

بعزم شديد ليس فيه قصور

فجاءته كتب الغادرين بعهده

فأقدم إلينا فالنصير كثير

فقدم من قبل القدوم بمسلم

فأسلمه العادون وهو كسير

فألقوه من فوق الجدار معفراً

له طيب جنات الخلود مصير

ووافاهم حتّى أناخ بكربلا

على أنهم عون له ونصير

فلما أتاه الحر بالخيل ضمراً

جياد على أصواتهن شرور

فقال علينا أم لنا قال بل إلى

قتالك يا بن الأكرمين نسير

فقال أما كاتبتموني وقلتم

إلينا فها كل إليك يشير

فقالوا كذبنا كي يحط بك الردى

ونشفي بأخذ الثأر منك صدور

وجاء ابن سعد بالجيوش كأنها

عمام تفاديها صبا ودبور

فقال لهم يا عصبة الكفر إنني

لعمري على مر الزمان صبور

أما فاطم أمي أما حيدر أبي

وجعفر عمي في الجنان يطير

أما جدي الهادي أما أنا سبطه

أما بذوي القربى إلي يشير

بأي إجترام أم بأي جناية

أبحتم قتلي أن ذا لغور

فقالوا أطع حكم الأمير فإننا

إلى أمره فيما يقول نصير

وإلّا فدع عنك الجدال وقم إلى

القتال فإن القول منك كثير

فلما رأى أن لا مناص من الردى

وإن مراد القوم منه كبير

فقال لأهليه وباقي صحبه

ألا إن لبثي فيكم ليسير

عليكم بهذا الليل فاستتروا به

وقوموا وجدوا في الظلام وسيروا


ويأخذ كل منكم يد واحد

من الآن واخفوا في البلاد وغوروا

فما بغية الأرجاس غيري وخالقي

على كل شيء يبتغيه قدير

فقالوا معاذ الله نسلمك للعدى

وتضفي علينا للحياة ستور

فأي حياةٍ بعد فقدك نرتجي

وأي فؤادٍ يعتريه سرور

ولكن نقي عنك الردى بسيوفنا

لتحظى بنا دار النعيم وحور

فقال جزيتم كل خير فأنتم

لكل الورى يوم القيامة نور

فأصبح يدعو هل مغيث يغيثنا

فقلّ مجيبوه وعز نصير

ولم تبق إلّا عصبة علوية

لهم عزمات ما بهن قصور

ولما شبت نار الحروب وأضرمت

وقت نفسه هام لهم ونحور

ولم أنسه يوم الهياج كأنه

هزبر له وقع السيوف زئير

يكر عليهم والحسام بكفه

فلم ير إلّا صارخ وعفير

وراح إلى نحو الخيام مودعاً

يهمهم بالقرآن حيث يسير

فقمن إليه الفاطميات حسراً

يفدينه والمعولات كثير

فقال استعينوا بالإله فإنه

عليم بما يخفي العباد بصير

الا لا تشققن الجيوب ولا يرى

لكن عويل إن ذاك غرور

ألم تعلمي يا أخت أن جميع من

على الأرض كل للمماة يصير

عليك بزين العابدين فإنه

إمامك بل للمؤمنين أمير

أطيعي له إن قال مولى فإنه

المطاع بأحكام الكتاب خبير

عليّ بطفلي كي أودعه انني

عليه لعمري مشفق وحذير

فلما أقل الطفل يطلب لثمه

ومن حوله خيل العداة تدور

رموه بسهم ظل منه معفراً

وظل دم الأوداج منه يفور

فقال إلهي أنت أعلم بالذي

لقيت وهذا في رضاك يسير

وشد عليهم شدة علوية

تكاد لها الصم الصلاد تمور

فقاتلهم فرداً وحيداً وإذا هم

ثلاثون ألفاً دارع وحسير

يفرون كالمعزى إذا شد نحوهم

أبو أشبل عبل الذراع مبير

إذا ما سطا شاهدت هاماً مفلقاً

وأيد من الضرب الدراك تطير

بخط يخطي القنا فهي ظهورهم

خطوطاً لها وقع السيوف سطور


إذا جردت يوم الهياج سيوفه

فلا سيف إلّا والرقاب حفير

رقا فوق أطباق الطباق وقد غدا

له فوق أملاك السماء سرير

له زجل كالرعد والبرق سيفه

فيمطرهم حتفاً لهم فيبير

فلما رأوا أن لا وصول إلى الذي

يريدون والأمر المراد خطير

تنادوا ألا بالنبل نيل مرادكم

وإلّا فخلوا عن لقاه وسيروا

فظلت بنو الزرقاء ترشق وجهه

بنبل له نحو الحسين دروروا

رموه بسهم طاح في وسط لبه

وآخر في نحر الحُسين يفور

فخر صريعاً لليدين مرمل

الترائب لا يلوي عليه نصير

وجاء سنان فارتقى فوق صدره

وظل لأوداج الحُسين يبير

وعلا كريم السبط من فوق ذابل

كبدر مطل في البلاد يسير

فيا ذلة الإسلام من بعد عزه

ويا لك رزء في الأنام خطير

وأي حياة بعد ذي الرزء يرتجى

وأي فؤاد يعتريه سرور

فيا عبرتي سحي ويا حرقتي ازدري

ويا نفس ذوبي فالمصاب كبير

على طيب عيش لو صفا بعدك العفا

وظلمة حزني لا أضاء لك نور

ومر جواد السبط يبدي صهيله

إلى نعي مولاي الحُسين يشير

فقمن إليه الفاطميات حسراً

يقلن ألا ويل لكم وثبور

قتلتم حسيناً ليت لا در فوقكم

سحاب هطول صوبهن درور

وراحوا إلى سلب الفواطم جهرة

وظل عليّ في القيود أسير

ولم أنس بنت الـمُرتضى زينباً وقد

رأته صريعاً والدماء تفور

فنادت بأعلى صوتها مستجيرة

ألا هل لنا مما نراه مجير

أيا جد لو عاينت سبطك بالعرا

قتيلاً بأرض الطف وهو عفير

أيا جد لو عاينتنا ورأيتنا

اسارى إلى نحو الشئام نسير

أخي يا أخي ما كان أسرع فرقتي

ألا أن دهري بالكرام عثور

حيارى على الأقتاب تبدو وجوهها

وكان لعمري دونهن ستور

بناتك ياجداه تبدوا جسومها

ونسوة حرب دونهن قصور

ألسنا ذوي القربى أما حقنا على

الأنام به نص الكتاب يشير


أما قلت يا جد احفظوهم فإنهم

لكم عصم فيها الحياة ونور

فلو لم تقل هذا ترى كان أمرنا

إلى بعض ما قد صيروه يصير

فأبكت جميع النّاس طراً بنوحها

لعمري كبير منهم وصغير

لقد هدموا الدين الحنيف بقتله

وظل عمود الدين وهو كسير

وأني ليعرفوني إذا ما ذكرتهم

غرام تكاد النفس منه تطير

أفكر في هذا المصاب فأغتدي

كأني رغاء في الرغاء أغور

وقال أناس جل أن ير هالكاً

ولكن لعيش راح وهو نظير

وليس كما قالوا ولكن إلهنا

ابتلاه لكي يلقاه وهو صبور

فيجزيه بالفضل العميم وجنة

النعيم ويجزي قاتليه سعير

أيا آل طه والحواميم والنسا

ومن بهم يرجو النجاة أسير

وعودكم دار الرضا ووعيدكم

سعير لها في الظالمين سعير

علي فتى عبد الحميد بمدحكم

طروب بكم يوم الحساب قرير

بحبكم يعلو على قمم العلا

وأنتم له يوم القيامة نور

ومن أنتم عون له في وجودكم

فمتن بأن يلقى الرسا وجدير

منحتكم مدحي رجاء شفاعة

لدى الحشر والراجي لذاك كثير

خذوها قصيداً يخجل الشمس نورها

ويعجز عنها جرول وجرير

إذا نثرت بين الملأ بمديحكم

تضوع منها مندل وعبير

محررة قد زانها بث مدحكم

وما شأنها عما يراد قصور

عليكم سلام الله ما لاح بارق

وما غردت فوق الغصون طيور

الباب الثالث

يا إخواني , سارعوا إلى الخيرات وارتقوا إلى علي الدّرجات , واجتهدوا في شكر من يفضلّه أولاكم , ودلكم على موالات وليّكم ومولاكم , فتابعوه إن كنتم تحبّوه فما أمكنكم من الأقوال والأعمال , فإنّه لا خير في قول تكذبه الفعال ، واعدّوا ذلك من أتمّ النّعم الواصلة إليكم والتي أفاضها الله واسبغها عليكم ، فيا لها نعمة فاز بها المؤمنون , فاغنت عنهم يوم لا ينفع مال ولا بنون.

فيا إخواني , إنّ نظرتم ببصر بصيرتكم , عرفتم مَن تقصدونه بعزيّتكم ، إنّكم والله تعزّون البتول


والنّبي الـمُصطفى الرّسول , والوصي الـمُرتضى والزّكي المجتبى , وأئمة الهُدى وذوي النّهى , وحجج الله في الورى.

فبالله عليكم أيّها المحبّون لأولاد فاطمة الزّهراء , نوحوا واندبوا على المنبوذين بالعراء , المسلوبين لأولاد الأدعياء , المحمولين على أقتاب الجمال بلا مهاد ولا وطاء :

اُصيبت ذراري الـمُصطفى بمصيبة

تجدد حزني كل يوم مجدد

أذاب فؤادي رزؤهم فبكيتهم

لأنهم فخري وذخري وسؤدد

فكيف ألذ العيش أو أعرف الكرى

وقلبي على جمر الغضا يتوقد

روي عن بعض الثُقاة الأخيار : أنّ الحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) دخلا يوم عيد على حجرة جدّهما رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فقالا: (( يا جدّاه , اليوم يوم العيد , وقد تزيّن أولاد العرب بألوان اللباس ولبسوا جديد الثّياب , وليس لنا ثوب جديد , وقد توجّهنا لجنابك لنأخذ عيديتنا منك , ولا نريد سوى ثياب نلبسها )) .فتأمّل النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى حالهما وبكى , ولم يكن عنده في البيت ثياب تليق بهما , ولا رأى أن يمنعهما فيكسر خاطرهما , فتوجّه إلى الأحدية وعرض الحال على الحضرة الصّمدية , وقال : (( إلهي , اجبر قلبهما وقلب اُمّهما )) .فنزل جبرائيل من السّماء تلك الحال , ومعه حلّتان بيضاوتان من حلل الجنّة , فسّر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وقال لهما : (( يا سيّدي شباب أهل الجنّة , هاكما أثوابكما خاطهما خيّاط القدرة على طولكما , أتتكما مخيطة من عالم الغيب )) .فلمّا رأيا الخلع بيضاً , قالا : (( يا جدّاه , كيف هذا وجميع صبيان العرب لا بسون ألوان الثّياب ؟!)).فأطرق النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ساعة متفكّراً في أمرهما , فقال جبرائيل : يا مُحمّد , طب نفساً وقُر عيناً , إنّ صابغ صبغة الله عزّ وجلّ يقضي لهما هذا الأمر , ويفرّح قلوبهما بأيّ لون شاء , فأمر يا مُحمّد , بإحضار الطّشت والإبريق .فحضرا , فقال جبرائيل : يا رسول الله , أنا أصبّ الماء على هذه الخلع , وأنت تفركهما بيدك , فتصبغ بأيّ لون شاءا .فوضع النّبي حلّة الحسن في الطّشت , فأخذ جبرائيل يصبّ الماء ، ثمّ أقبل النّبي على الحسن , وقال : (( يا قرّة عيني , بأيّ لون تريد حلّتك ؟ )) .فقال : (( أريدها خضراء )) .ففركها النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بيده في ذلك الماء , فأخذت بقدرة الله لوناً أخضر فابقاً كالزّبرجد الأخضر , فأخرجها النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأعطاها للحسن فلبسها , ثمّ وضع حلّة الحُسين (عليه‌السلام ) في الطّشت , وأخذ جبرائيل يصبّ الماء , فالتفت النّبي إلى نحو


الحُسين , وكان له من العمر خمس سنين , وقال له : (( يا قرّة عيني , أيّ لون تريد حلّتك ؟ )) فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( يا جدّاه , أريدها حمراء )) .ففركها النّبي بيده في ذلك الماء , فصارت حمراء كالياقوت الأحمر فلبسها الحُسين , فسرّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بذلك , وتوجّه الحسن والحُسين إلى اُمّهما فرحين مسرورين , فبكى جبرائيل لمـّا شاهد تلك الحال , فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يا أخي , في مثل هذا اليوم الذي فرح فيه ولداي تبكي وتحزن , فبالله عليك إلّا ما أخبرتني ؟ )) .فقال جبرائيل : اعلم يا رسول الله , إنّ اختيار ابنيك على اختلاف اللون , فلا بدّ للحسن أن يسقوه السّم , ويخضر لون جسده من عظم السّم , ولابدّ للحُسين أن يقتلوه ويذبحوه ويخضّب بدنه من دمه .فبكى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وزاد حزنه لذلك.

وروى هشام بن عروة , عن اُمّ سلمة , أنّها قالت : رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يُلبس ولده الحُسين (عليه‌السلام ) حلّة ليست من ثياب أهل الدّنيا , وهو يُدخل أزرار الحُسين بعضها ببعض , فقلت له : يا رسول الله , ما هذه الحلّة ؟ فقال : (( هذه هدية أهداها إليّ ربّي لأجل الحُسين , وأنّ لحمتها من زغب جناح جبرائيل , وها أنا اُلبسه إيّاها وأزيّنه بها , فإنّ اليوم يوم الزّينة وأنا أحبّه )).

وروى أبو عبد الله المفيد النّيسابوري في أماليه , أنّه قال : قال الرّضا (عليه‌السلام ) : (( عري الحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) وقد أدركهما العيد , فقالا لاُمّهما فاطمة : يا اُمّاه , قد تزيّن صبيان المدينة إلّا نحن , فما بالك لا تزيّنيننا بشيء من الثّياب , فها نحن عرايا كما ترين ؟ فقالت لهُما : يا قُرّة العينين , إنّ ثيابكما عند الخياط , فإذا خاطها وأتى بها زيّنتكما بها يوم العيد .تطيب خواطرهما , قال : فلمّا كانت ليلة العيد , أعادا القول على اُمّهما وقالا : يا اُمّاه , الليلة ليلة العيد .فبكت فاطمة رحمة لهما , وقالت لهما : يا قُرّة العينين طيبا نفساً , إذا أتاني الخيّاط بها , زيّنتكما إن شاء الله تعالى .قال : فلمّا مضى وهن من الليل وكانت ليلة العيد , إذ قرع الباب قارع , فقالت فاطمة : مَن هذا ؟ فنادى : يا بنت رسول الله , افتحي الباب أنا الخيّاط قد جئت بثياب الحسن والحُسين .قالت فاطمة : ففتحت الباب , فإذا هو رجل لم أر أهيب منه شيبة ولا أطيب منه رائحة , فناولني منديلاً مشدوداً ثمّ انصرف لشأنه , فدخلت فاطمة وفتحت المنديل , فإذا فيه قميصان ودراعتان وسروالان ورداءان وعمامتان وخفّان , فسرّت فاطمة بذلك سروراً عظيماً , فلمّا استيقظ الحسنان , ألبستهما وزيّنتهما


بأحسن زينة , فدخل النّبي إليهما يوم العيد وهما مزيّنان , فقبّلهما وهنأهما بالعيد , وحملهما على كتفيه ومشى بهما إلى اُمّهما , ثمّ قال : يا فاطمة , رأيت الخيّاط الذي أعطاك الثّياب هل تعرفيه ؟ قالت : لا والله , لست أعرفه ولست أعلم أنّ لي ثياباً عند الخياط , فالله ورسوله أعلم بذلك .فقال : يا فاطمة , ليس هو خيّاط , وإنّما هو رضوان خازن الجنان , والثّياب من حلل الجنّة , أخبرني بذلك جبرائيل عن ربّ العالمين )) .:

فضائلهم جلت مناقبهم علت

مدائحهم شهد منائحهم ند

علوا في الورى جداً واُماً ووالداً

وطابوا وطاب الاُم والأب والجد

بأسمائهم يستجاب البر والرضا

بذكرهم يستدفع الضر والجهد

روى بعض الأخيار : أنّ أعرابياً أتى الرّسول , فقال له : يا رسول الله , لقد صدت خشفة غزالة وأتيت بها إليك ؛ هدية لولديك الحسن والحُسين , فقبّلها النّبي ودعا له بالخير , فإذا الحسن واقف عند جدّه , فرغب إليها وأعطاها إيّاه , فمضى ساعة إلّا والحُسين قد أقبل , فراى الخشفة عند أخيه يلعب بها , فقال : (( يا أخي , من أين لك هذه الخشفة ؟ )) .فقال الحسن : (( أعطانيها جدّي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) )) .فسار الحُسين مسرعاً إلى جدّه , فقال : (( يا جدّاه , أعطيت أخي خشفة يلعب بها ولم تعطني مثلها ؟ )) .وجعل يكرر القول على جدّه وهو ساكت , لكنّه يسلّي خاطره ويلاطفه بشيء من الكلام , حتّى أفضى من أمر الحُسين إلى أن همّ يبكي , فبينما هو كذلك , إذ نحن بصياح قد ارتفع عند باب المسجد , فنظرنا فإذا ظبية ومعها خشفها , ومن خلفها ذئبة تسوقها إلى رسول الله وتضربها بأحد أطرافها , حتّى أتت بها إلى النّبي , ثمّ نطقت الغزالة بلسان فصيح , وقالت : يا رسول الله , قد كانت لي خشفتان , إحداهما صادها الصّياد وأتى بها إليك , وبقيت لي هذه الاُخرى وأنا بها مسرورة , وإنّي كنت الآن أرضعها , فسمعت قائلاً يقول : أسرعي أسرعي يا غزالة بخشفك إلى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وأوصليه سريعاً ؛ لأنّ الحُسين واقف بين يدي جدّه وقد همّ أن يبكي , والملائكة بأجمعهم قد رفعوا رؤوسهم من صوامع العبادة , ولو بكى الحُسين , لبكت الملائكة المقرّبون لبكائه .وسمعت أيضاً قائلاً يقول : أسرعي يا غزالة , قبل جريان الدّموع على خدّ الحُسين , فإن لم تفعلي سلّطت عليك هذه الذّئبة تأكلك مع خشفك.


فأتيت بخشفي إليك يا رسول الله , وقطعت مسافة بعيدة , لكن طويت الأرض حتّى أتيتك سريعة , وأنا أحمد الله ربّي كيف جئتك قبل جريان دموع الحُسين على خدّه .فارتفع التّكبير والتّهليل من الأصحاب , ودعا النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للغزالة بالخير والبركة , وأخذ الحُسين الخشفة وأتى بها إلى اُمّه الزّهراء (عليها‌السلام ) , فسرّت بذلك سروراً عظيماً.

فيا أيّها السّامعون تأمّلوا وتبصّروا وتدبّروا وتفكّروا , إذا كان النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يحزنه حزنهما ويسرّه سرورهما , وكذلك الزّهراء اُمّهما , وكذلك الأنزع البطين أبوهما , فكيف لو نظروه مطروحاً على الرّمضاء , يتلظّى من الظّمأ بين الأعداء , وذراريه وأولاده يُحملون على الأقتاب بغير غطاء ولا وطاء ؟! حزناً والله لا ينفذ وحسرة في طول الزّمان تجدد .فعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فقال فيهم :

القصيدة للشيخ الخليعي ( رحمه ‌الله تعالى )

لم أبك من وقفة على الدمن

ولا لخل نأى ولا سكن

ولم تهجني الديار موحشة

ولا شجتني بواكر الظعن

لكن شجاني بكاء فاطمة

على أبيها بمدمع هتن

وبيت أحزانها ووحدتها

فيه حمى مقلتي عن الوسن

ومنعها من حقوقها بأباطيل

أحاديثهم يروعني

وقولهم ليس للنبي مواريث

خلاف الفروض والسنن

ومشيها في ملاءة مثل مشي

الـمُصطفى راعني وأرقني

مع نسوة من قريش تحجبها

وهي تشكو من لوعة الحزن

وا حر قلبي لها وأَنتها

قد أجهشتهم والدمع كالمزن

ثم تنادي الأنصار يا بيضة الإسلام

هل من ناصر فينصرني

أنا ابنة اـلمُصطفى النّبي ومن

أطفأ نار الضلال والفتن

إن لم تكونوا أنصار آل رسول

الله فما ينوبهم فمن

خذوا بحقي من المكذب بالدين

فقد دعّني ودافعني

بأي شرع يزوى تراث أبي

عني ويجتاحني ويظلمني


هل دنت ربي بغير ملته

أو لم أطعه فلا يورثني

أم خصّ هذا دوني وعلمه

ما لم يكن والدي يعلمني

حتى احتوى نحلتي وبلغة أطفالي

عناداً منه وأعوزني

فليرتحلها مخطومة ذللا

تكون في قبره مع الكفن

ويوم حشر العباد ألقاه والحاكم

رب الأنام ذو المنن

ويلاه من كل شارق بهج

ويلاه من كل غارب وجن

مات اعتمادي وفت في عضدي

ونيل مني وقد وهى ركني

وجار في حكم ظالمي سفهاً

فحسبي الله فهو ينصفني

وحسب خصمي والدي وبما

أودعني قبل أن يودعني

يا سادتي يا بني النّبي ومن

مديحهم في المعاد ينقذني

حبكم في الورى يشرفني

وبغض أعدائكم يخلصني

ديني هو الله والنبي ومولاي

إمام الهدى أبو حسن

عرفتهم بالدليل والنظر

المبضر لا كالمقلد اللكن

والقول عندي بالعدل معتقدي

من غير شك فيه يخامرني

لست أرى أن خالقي أبداً

يفعل بي ما به يعاقبني

ولا على طاعة ومعصية

يحيرني كارهاً ويلزمني

وكيف يعزى إلى القبيح من الفعل

وحاشاه وهو عنه غني

لكن أفعال تناط بنا

ما كان من سيء ومن حسن

وبالدليل القطعي أوجب للمعصوم

حكم الحضور والزمن

ولا أولي حكم الكتاب إلى

من لا على سورة بمؤتمن

وكل من يدعي الإمامة بالباطل

عندي كعابد الوثن

يا محنة الله في العباد ومن

رميت فيه بسائر المحن

يا نافذ الأمر في السماء وفي الأرض

ويا من إليه مرتكن

تكليمك الجنان والجنيين وإحياؤك

للميت ليس يقنعني

وردك الشمس بعدما غربت

تدهش غيري وليس تدهشني

والماء لمـّا طغى الفرات وما

حدّث سلمان لا يغيرني


أوردت قلبي ماء الحياة ولم

تزل بكأس اليقين تنهلني

فمشربي منك لم يزل أبداً

يورد عني وعنك يوردني

ونشوئي من شراب معرفتي

تطرب مني طوراً وتطربني

دعاك سري بحيث تسمع نجواي

وتدعو سري فتسمعني

وكلما ازددت فيك معرفة

ينكرني حاسدي ويجحدني

ولست آسي بالقرب منك على

مقصر في هواك يبعدني

تمنعت أعين المعارف أن تدرك

إلّا للباحث اللسن

والعلم يأبى أن ينال بغير الجد

فلينتبه ذووا الفطن

فاسمع لها درة مهذبة

تعرف عن صدر عارف لقن

تكرم في نائلها وغرابتها

والمندل الرطب هين العطن

بك الخليعي يستجير فكن

عوناً له من طوارق الفتن


المجلس السّابع

في الليلة الرّابعة من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

أيّها الاُمناء الصّالحون والأتقياء الصّادقون , اعلموا أنّ الله تعالى جعل أعمار العباد مضمار السّباق إلى دار السّلام ، فيا خيبة مَن أفنى عمره فيما ليس له بل عليه ! ويا حسرته إذا جاء الأجل ووافى إليه ! :( حَتّى‏ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبّ ارْجِعُونِ * لَعَلّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيَما تَرَكْتُ كَلّا إِنّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (١) .لا سيّما إذا كان الخصم في يوم المعاد رسول الله الشّاهد على العباد ، فيا ليت علمي ماذا هناك الظّالم لعترة الرّسول , جهدوا في إطفاء نور خاتم النّبيين , ومحوا ذرّيّته من بين العالمين , ومنعوهم من الأخماس التي جعلها الله تعالى لهم عوضاً عن أوساخ النّاس , وانتزعوا ما انتحلهم الرّسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , ولم يرقبوا ربّهم ولم يلتفتوا إليه حتّى أذاقوهم حرّ السّيوف ومرارات الحتوف , فهم ما بين قتيل مرمّل بدمائه , ومشرّد عن أوطانه وأحبّائه , أو طريح ملقى بالعراء يودّ أنّه يكون تحت طباق الثّرى حتّى لا يُرى ، أهكذا أمرهم الرّحمن؟ اُمّ على هذا دلّهم الرّسول والدّيان ؟ :

الفيء منقسم لغيرهم

وأكفهم من فيئهم صفر

المال حل للعصات ويحرمه

الكرام السادة الغر

والناس في أمن وليس لهم

عن طارق يغشاهم حذر

____________________

(١) سورة المؤمنون / ٩٩ - ١٠٠.


ويكاد من خوف ومن فزع

بهم يضيق البر والبحر

حال تسود ذوي النهي وبها

يستبشر المتجاهل العمر

روي عن الصّادق جعفر بن مُحمّد (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( لمـّا ولي أبو بكر بن أبي قحافة , قال له عمر : إنّ النّاس عبيد هذه الدُنيا لا يريدون غيرها , فامنع عن عليّ وأهل بيته الخمس والفيء وفد كاً , فإنّ شيعته إذا علموا ذلك , تركوا عليّاً وأقبلوا إليك ؛ رغبة في الدّنيا وإيثاراً لها ومحاباة عليها .ففعل أبوبكر ذلك وأضرب عنهم جميع ذلك , فلمّا أقام مناديه : مَن كان له عند رسول الله دين أو عدّة , فليأتني حتّى أقضيه ؟ قال عليّ لفاطمة (عليهما‌السلام ) : سيري إلى أبي بكر وذكّريه .فسارت فاطمة إليه , وذكرت له فدكاً مع الخمس والفيء , فقال لها : هاتي بيّنة يا بنت رسول الله .فقالت : أمّا فدك , فإنّ الله أنزل على نبيّه قُرآناً يأمره بأن يعطيني وولدي حقّي , قال الله تعالى :( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى‏ حَقّهُ ) (١) .فكنت أنا وولدي أقرب الخلائق إلى رسول الله , فنحلني وولدي خاصّة فدكاً , فلمّا تلا جبرائيل :( وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ ) (٢) .قال رسول الله : أين حقّ المسكين وابن السّبيل ؟ فأنزل الله تعالى :( وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْ‏ءٍ فَأَنّ للّهِ‏ِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى‏ وَالْيَتَامَى‏ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ ) (٣) .فقسّم الله الخمس ستة أقسام , فقال :( مَا أَفَاءَ اللّهُ عَلَى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى‏ فَلِلّهِ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى‏ وَالْيَتَامَى‏ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ ) (٤) .كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم , فما لله فهو لرسول الله , وما لرسول الله فهو لذي القُربى , وقد قال الله تعالى :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٥) .فنظر أبو بكر إلى عمر , وقال له : ما تقول ؟ فقال عمر : فأريّ الخمس والفيء , كلّه لكم ولمواليكم وأشياعكم ؟! فقالت فاطمة (عليها‌السلام ) : أمّا فدك , فقد أوجبها الله لي ولولدي من دون موالينا وشيعتنا , وأمّا الخمس , فقسّمه الله لنا ولموالينا وشيعتنا , ما تقرأ في كتاب الله تعالى ؟! قال عمر : فما لسائر المهاجرين والأنصار والتّابعين بإحسان ؟ فقالت فاطمة : إن كانوا من موالينا وأشياعنا , فلهم ما لنا وعليهم ما علينا , وإن لم يكونوا من أشياعنا , فلهم الصّدقات التي أوجبها الله في كتابه , فقال :( إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ ) (الآية)(٦) .فقال عمر : فدك خاصّة والخمس والفيء لكم ولأوليائكم , ما أحسب

____________________

(١) سورة الرّوم / ٣٨.

(٢) سورة الإسراء / ٢٦.

(٣) سورة الأنفال / ٤١.

(٤) سورة الحشر / ٧.

(٥) سورة الشّورى / ٢٣.

(٦) سورة التّوبة / ٦٠.


أصحاب مُحمّد يرضون بهذا .فقالت فاطمة : إنّ الله تعالى رضي بذلك ورسوله رضي له , وقسّمه على الموالاة والمتابعة لا على المعاداة والمخادعة , ومَن عادانا فقد عادا الله , ومَن خالفنا فقد خالف الله , ومَن خالف الله فقد استوجب من الله العذاب الأليم والعقاب الشّديد في الدُنيا والآخرة .فقال عمر : هاتي بيّنة على ما تدّعين .فقالت فاطمة : قد صدّقتم جابر بن عبد الله وجريراً بن عبد الله , ولم تسألوهما البيّنة وبيّنتي في كتاب الله ؟! فقال عمر : إنّ جابراً وجريراً ذكرا أمراً هيّناً , وأنت تدّعين أمراً عظيماً تقع به الرّدة من المهاجرين والأنصار .فقالت (عليها‌السلام ) : إنّ المهاجرين برسول الله وأهل بيت رسول الله هاجروا إلى دينه , والأنصار بالإيمان بالله وبرسوله وبذي القربى أحسنوا , فلا هجرة إلّا إلينا , ولا نصرة إلّا لنا , ولا اتباع بإحسان إلّا لنا , ومَن ارتدّ عنّا فإلى الجاهلية .فقال لها عمر : دعينا من أباطليلك وأحضرينا مَن يشهد لك بما تقولين.

فبعثت إلى عليّ والحسن والحُسين واُمّ أيمن وأسماء بنت عميس - وكانت يومئذ تحت أبي بكر , وكانت من قبل زوجة جعفر بن أبي طالب - فشهدوا لها بجميع ما قالت ، فردّ عمر شهادة الجميع , وقال : كلّ هؤلاء يجرّون النّفع إلى أنفسهم , فقال له عليّ : أمّا فاطمة فبضعة رسول الله , ومَن آذاها فقد آذى رسول الله , ومَن كذّبها فقد كذّب رسول الله , وأمّا الحسن والحُسين فابنا رسول الله , وسيّدا شباب أهل الجنّة , مَن كذّبهما فقد كذّب رسول الله إذ كان أهل الجنّة صادقين , وأمّا أنا , فقد قال رسول الله : أنت منّي وأنا منك , وأنت أخي في الدّنيا والآخرة , والرّاد عليك كالرّاد عليّ , مَن أطاعك فقد أطاعني , ومَن عصاك فقد عصاني , وأمّا اُمّ أيمن , فقد شهد لها النّبي بالجنّة , ودعا لأسماء بنت عميس وذرّيّتها .فقال عمر : أنتم كما وصفتم به أنفسكم , ولكن شهادة الجار إلى نفسه لا تُقبل .فقال عليّ (عليه‌السلام ) : إذا كنُا بحيث تعرفون ولا تنكرون , وشهادتنا لأنفسنا لا تُقبل , وشهادة رسول الله لا تُقبل , فإنّا لله وإنّا إليه راجعون إذا دعينا لأنفسنا سُئلنّا البيّنة , أفما من معين يعين ؟ وقد وثبتم على سُلطان الله وسُلطان رسوله , فأخرجتموه من بيته إلى بيت غيره من غير بيّنة ولا حجّة :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .ثمّ قال لفاطمة : انصرفي حتّى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين )).

قال الـمُفضل بن عمر : قال مولاي جعفر بن مُحمّد الصّادق (عليه‌السلام ) : (( كلّ ظلامة حدثت في الإسلام

____________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


أو تحدث , وكلّ دم مسفوك حرام , أو منكر مشهور , وأمر غير محمود , فوزره في أعناقهما وأعناق من شايعهما وتابعهما وأعانهما , ورضي ولايتهما إلى يوم تقوم السّاعة )).

وعن الحارث البصري , قال : دخلت على أبي جعفر (عليه‌السلام ) , فجلست عنده , فإذا نجبة قد استأذن عليه , فأذن له فدخل , فجثي على ركبتيه , ثمّ قال : جعلت فداك ! إنّي أريد أن أسألك عن مسألة , ما أريد بها إلّا فكاك رقبتي من النّار.فكأنّه رقّ له فاستوى جالساً , فقال : جعلت فداك ! ما تقول في فلان وفلان ؟ فقال : (( يا نجبة , لنا الخمس في كتاب الله , ولنا الأنفال ولنا صفو المال ، هُما والله أوّل من ظلمنا حقّنا في كتاب الله , وأوّل من حمل النّاس على رقابنا , ودماؤنا في أعناقهما إلى يوم القيامة ؛ بظلمنا أهل البيت )) .فقال نجبة : إنّا لله وإنّا إليه راجعون (ثلاث مرّات) , هلكنا وربّ الكعبة .فرفع (ع) فخذه عن الوسادة واستقبل القبلة , ودعا بدعاء فلم أفهم منه شيئاً , إلّا إنّا سمعناه في آخر دعائه وهو يقول : (( اللّهمّ , إنّا أحللنا ذلك لشيعتنا )) .قال : ثمّ أقبل إلينا بوجهه , وقال : (( يا نجبة , ما على فطرة إبراهيم غيرنا وغير شيعتنا )).

فيا إخواني , هل يجب الإقتداء في الدّين بالذين اتخذوا دينهم لهواً , وغرّتهم الدُنيا وقنعوا بعاجلها , ورضوا برئاستها وبما نالوه من حطامها , وجلسوا غير مجالسهم , ووردوا غير مشاربهم , ونازعوا الأمر مستحقّيه , وولوا في دين الله بالرّأي , وحكموا بغير ما أنزل الله , فأتبعهم السّواد الأغلب , وأهل الفاقة والاحتياج , ورعاع المدن كبني اُميّة وبني العباس , ومَن تابعهم في المآكل والمشارب والمناكح , ومَن أبدع في الفجور وشرب الخمور ، وعبث بالمردان بخلاف ما أمر الرّحمن ، والتّواريخ والكتب تنطق بأعمالهم , فهل هؤلاء أئمة الدّين ؟! أم عليّ وأولاده المعصومون , المأمونون على سرّ الله , المحتجون بغيبته , المستسرون بدينه , المعلنون به , الواصفون لعظمته , المتنزّهون عن معاصيه , الدّاعون إلى سبيله , السّابقون في علمه , المجاهدون في طاعته , تلامذة الرّسول في المنقول والمعقول , أهل العلوم والأذكار , نقلة الأسرار ، حملة الكتاب , أولوا الألباب , الذين حفظوا في جوارحهم من العبث ونفوسهم من الوعث , الزّهاد العبّاد الأتقياء الأمجاد.

فيا إخواني , أيّ الفريقين على الحقّ , وأولى بالأمر وأحق ؟ ولكن الشّمس تطمس أعين الخفاش , والحقّ مضرّ باستماع الأوباش :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .:

____________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


شعر للخليعي(رحمه ‌الله تع الى)

ألا من يدعي الإيمان فأبذل

حنيناً باحتراق واكتئاب

وعزى المرتضى في السبط وأذرف

من الأجفان دمعاً ذا انسكاب

وقل لو أن عينك عاينته

طعيناً في ثرى الرمضاء كأبي

ولو عاينت بنتك تستجير

الطغاة وتختفي بين الشعاب

صفيت القلب من أرجاس قوم

ومكنت الحسام من الرقاب

فيا رب السّماء إليك نشكو

من الفجار نسل بني كلاب

روي : أنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لمـّا مرض مرض الموت , اتفق يوماً كان رأسه في حجر اُمّ الفضل - امرأة العباس - فاستعبرت اُمّ الفضل وبكت , وقطرت دموعها على خدّ رسول الله , فقال لها : (( ما يبكيك يا اُمّ الفضل ؟ )) .قالت : بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ! إنّك نعيت لنا نفسك , فقُلت : قال الله تعالى :( إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُم مَيّتُونَ ) (١) .فإن كان هذا الأمر فينا , فبيّنه لنا , وإن كان في غيرنا فأوص بنا ؟ فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( ابعثي إلى ابني الحسن والحُسين )) .ففعلت , فلمّا أقبلا , استدناهما إلى صدره , ووضع خدّ أحدهما على خدّه الأيمن , وخدّ الآخر على خدّه الآخر , ثمّ استعبر فبكى وبكى مَن كان حاضراً , وصاحت فاطمة وقالت شعراً :

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه

ثمال اليتامى عصمة للأرامل

فقال رسول الله (ص) : (( يا فاطمة , هذا قول عمّك ولكن قولي :( وَمَا مُحمّد إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ ) (٢) .أنتم المقهورون بعدي المستضعفون , فمَن صبر منكم واحتسب في دار البوار , كان له الدّائم الباقي في دار القرار :( وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (٣) )) .قالت اُمّ الفضل : يا رسول الله , إلى مَن نفرغ بعدك ؟ قال (ص) : (( إلى أخي ووصيي وخليفتي , أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب )) .فلمّا اشتدّ الأمر برسول الله , خلا بعليّ (عليه‌السلام ) يوم الإثنين , وقال لعائشة وسائر نسائه وأصحابه وأهل بيته : (( هذا يوم لا يجتمع فيه عندي غير عترتي أهل بيتي ؛ عليّ وفاطمة والحسن والحُسين , فإنّهم شُركائي في ديني ودقيق أموري وجليلها )) .فكان عليّ (عليه‌السلام ) عند رأسه ويده اليمنى على ذقنه , وفاطمة من الجانب الآخر ,

____________________

(١) سورة الزّمر / ٣٠

(٢) سورة آل عمران / ١٤٤.

(٣) سورة الأعلى / ١٧.


والحسن والحُسين إلى جانبهما , ثمّ إنّ عليّاً غمّض رسول الله , فلمّا مات النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , سُمع هاتف من ناحية البيت يتلو :( كُلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عِنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدّنيا إِلّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) (١) .لنبلونّ آل مُحمّد في أموالكم وأنفسكم , ولتسمعنّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا , أذى كثيراً , في الله خلف من كلّ هالك , ودرك من كلّ فائت , وعزّ من كلّ مصيبة , ألا إنّ المحروم مَن حُرم ثوابه , والمغبون مَن غيّر دينه , والمصائب من ذهب يقينه.

فيا إخواني , إذا رجعنا إلى أنفسنا وتركنا عبادة الهوى ومتابعة مَن ضلّ وغوى , أترى تكون فاطمة (عليها‌السلام ) راضية حين عصرها خالد بن الوليد , فأسقطت محسناً , وضربها قنفذ مولى أبي بكر فأثّر فيها الضّرب ؟ أفتراها تكون راضية حين سُحب زوجها وابن عمّها وأبو السبطين ؟ أفترى منع إرثها وتكذيب شهودها على دعواها ترضاها ؟ أتراها لو شاهدت عساكر بني اُميّة , وقد استداروا على ولدها الحُسين (عليه‌السلام ) يريدون قتله , ويكيدونه بالعطش , ويمنعونه شرب الماء الـمُباح , ويرشقونه بالنّبال حتّى خرقوا جلدته , ويضربونه بالسّيوف حتّى رُويت الأرض من دمه , ويطعنونه بالرّماح حتّى خرّ إلى الأرض مجدّلاً , وأحروا السّكاكين على أوداجه ورقبته حتّى فصلوا رأسه عن بدنه , وسلخوا جلد وجهه , وألقوا عظامه وجسده أشلاء للطير والوحش , وقتلوا أهله ورجاله , ونهبوا حرمه , وتتبّعوا شيعته قتلاً وتمثيلاً ، فهل تكون راضية بذلك أم غضبانة ؟ وإذا كانت غضبانة , أيكون الله عزّ وجلّ غضباناً ؟ أم يكون هذا كلّه في رضا الأوّل والثّاني والثّالث , ومعاوية ويزيد بن معاوية , هيّناً عند الله ؟ كلا , ولكن راجعون على الأعقاب القهقري :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (٢) .

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون, أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان, فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ مفلح الصيمري (رحمه‌الله تعالى)

أعد لك يا هذا الزمان محرم

أم الجور مفروض عليك محتم

أم أنت ملوم والجدود لئيمة

فلم ترع إلّا للذي هو ألأم

____________________

(١) سورة آل عمران / ١٨٥.

(٢) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


فشأنك تعظيم الأراذل دائماً

وعرنين أرباب الفصاحة ترغم

إذا زاد فضل المرء زاد امتحانه

وترعى لمن لا فضل فيه وترحم

إذا اجتمع المعروف والدين والتقى

لشخص رماه الدهر وهو مصمم

وكم جامع أسباب كل رذيلة

وليس لما قد قال أو قيل هم

فأضحى وقد ألقى الزمان جراءه

لديه فيقضي ما يشاء ويحكم

وذاك لأن الدين والعلم والندى

له معدن أهلوه يؤخذ عنهم

فمعدنه آل النّبي مُحمّد

وخيرهم صنو النّبي الأعظم

فاقبلت الدّنيا عليه بزينة

وألقت إليهم نفسها وهي تبسم

فاعرض عنها كارهاً لنعيمها

وقابلها منه الطلاق المحرم

فمالت إلى أهل الرذائل والخنا

وأومت إليهم أيها القوم أقدموا

فجاءوا إليها يهرعون فأقبلت

عليهم وقالت فاسمعوا ثمّ افهموا

صداقي عليكم ظلم آل مُحمّد

وشيعتهم أهل الفضائل منهم

فقالوا رضينا بالصداق وأسرجوا

على حربهم خيل الضلال وألجموا

وشنوا بها الغارات من كل جانب

وخصّوا بها آل النّبي وصمموا

أزالوهم بالقهر عن إرث جدهم

عناداً وما شاءوا أحلوا وحرموا

وقادوا عليّاً في حمائل سيفه

وعمار دقوا ضلعه وتهجموا

على بيت بنت المصطفى وإمامهم

ينادي ألا في بيتها النار أضرموا

وتغصب ميراث النّبي مُحمّد

وتوجع ضرباً بالسياط وتلطم

وأعظم من كل الرزايا رزية

مصارع يوم الطّفّ أدهى وأعظم

فما أحدث الأيام من يوم أنشئت

ولا حادث فيها إلى يوم تعدم

بأعظم منها في الزمان رزية

يقام لها حتّى القيامة مأتم

ولم أنس سبط المصطفى وهو ظامي

يذاد عن الماء المباح ويحرم

وقد صرعت أنصاره وهو مفرد

ينادي ألا هل راحم يترحم

ألسنا أولي القربى الذي أجبت لنا

مودتنا آي الكتاب عليكم

ألسنا آل النّبي مُحمّد

يصلّى عليهم دائماً ويسلم

تموت عطاشى آل بيت مُحمّد

ويشرب هذا الماء ترك وديلم

أهذا الذي أوصى النّبي بآله

ألم تسمعوا أم ليس في القوم مسلم


فقالوا له إن شئت ترجع سالماً

وتسقى من الماء الزلال وتطعم

فبايع طوعاً للأمير مسالماً

وإلّا فحد السيف فيك محكم

فقال لهم لا تزعمون بأنني

أبايع رهباً خيفة الموت فاعلموا

وما هي إلّا ساعة ثمّ ألتقي

بجدي وأحظى بالجنان وأنعم

ويجمعنا يوم القيامة معشر

وأقبل فيه شاكياً أتظلم

فخصمكم فيه النّبي وحيدر

وفاطمة والسجن فيها جهنم

أهل تخصمون المصطفى وابن عمه

وفاطمة لم ذلك اليوم تخصموا

فما زادهم ما قال إلّا تجبراً

وصاح ابن سعد عجلوا وتهجموا

فمالوا عليه بالسيوف وبالقنا

فبارزهم وهو الهزبر الغشمشم

وحكم فيهم سمهريا مقوماً

وأبيض لا ينبو ولا يتثلم

وصال عليهم صولة علوية

فكانوا كضأن صال فيهم ضيغم

فصاروا عريناً كلما فر فوقه

ومال إلى الأخرى ففي الحال تهزم

فنادى ابن سعد بالرماة ألا أقصدوا

إليه جميعاً بالسهام ويمموا

ففوق كل سهمه وهو مغرق

من النزع نحو السبط وهو مصمم

فصادته في النحر سهم مصرد

له شعب قعب المنية تعلم

فخرّ طريحاً في التراب معفراً

يعالج نزع السهم والسهم محكم

ويأخذ من دم الوريد بكفه

ويرمي به نحو السما يتظلم

فنادى ابن سعد من يجيء برأسه

فسار إليه الشمر لا يتبرم

وأضجعه فوق التراب معفراً

ينادي أيا جداه هل أنت تعلم

بأني صريع في التراب مجدلا

أو ينحر نحري والضلوع تحطم

فقال له من أنت يا ذا ألا أنتمي

فإنك أقسى كل قلب وأجرم

فقال هو أنا الشمر الضبابي راجياً

بقتلك أن اُحبى عظيماً وأكرم

فقال له إن الحبي عند والدي

وجدي واُمي في القيامة أعظم

فما زاد قلب الرجس إلّا قساوة

وميز عنه الرأس لا يترحم

تكاد السماوات الشداد لقتله

تفطرن والأرضون تخسف فيهم

وكور أنوار النجوم جميعها

وأمطرت الدم السّماء عليهم

وبادر ينعاه الحصان مسارعاً

إلى خيم النسوان وهو يحمحم


فلما رأين المهر والسرج خالياً

خرجن وكل حاسر وهي تلطم

ونادين هذا اليوم مات مُحمّد

ومات عليّ والزكي وفاطم

فهذا الذي أبقى لنا الدهر بعدهم

نصان به من كل سوء ونعصم

وهذا الذي كنا نعيش بظله

يلوذ به طفل رضيع وايم

وهذا هو الحصن الذي كان محصناً

لنا من صروف الدهر فهو مهدم

فهذا حسين في التراب مجدلا

ونحن سبايا نستباح ونغنم

فشن عليهم ابن سعد بغارة

ونادى مباح ما حواه المخيم

وصرن بأيدي المجرمين غنيمة

وتسلب كل ما عليها وتلطم

فيا لك من يوم به الكفر ناطق

ودين الهدى أعمى أصم وأبكم

فو الله ما أدري الحُسين ورهطه

وصيرهم فيئاً يحاز ويقسم

سوى حبتر ثمّ الدلام ونعثل

لأنهم في كل ظل تقدموا

وتلك التي جاءت تقود عساكراً

على جمل يحدو بها المترنم

وخالفت القرآن ثمّ تبرجت

تبرج أهل الجهل بل هي أعظم

لنفرق شمل الدين بعد اجتماعه

وتنقض ما قد أبرموه وأحكموا

أبوها يولي الدبر في كل موقف

وابنته عند اللقاء تتقدم

ألا لعن الله المهيمن حبتراً

وابنته تعداد ما الله يعلم

وبعدهما فالعن دلاماً ونعثلاً

وهنداً ونغليها ومن مال معهم

والعن مرواناً وآل اُميّة

كذلك دعى العاص فهو المزنم

ولا تنسى أبا موسى وضاعف لعنه

ومن قد رضي في أنه يتحكم

برئت إلى الرّحمن ثمّ مُحمّد

وحيدرة وابنيه والأم منهم

ومن دان في أقوالهم وأفعالهم

ومن كل شيعي ففي اللعن عنهم

فلعنهم للدين أصل مؤصل

ودين بلا أصل فذاك مهدم

أيا سادتي يا آل بيت مُحمّد

بكم مفلح مستعصم متلزم

فأنتم له حصن منيع وجنة

وعروته الوثقى بداريه أنتم

ألا فاقبلوا من عبدكم ما استطاعه

فعبدكم عبد مقل ومعدم

فأنتم مما قلت أو قال قائل

من النّاس طراً يا موالي أعظم


الباب الثّاني

اعلموا أيّها المؤمنون , إنّ فضل ساداتكم لا يُحصى ولو اجتمع له العالمون , وما جهد المادحون في مدح مَن ورد في مدحهم القرآن الـمُبين ؟ ولعمري , إنّ في فضيلة مَن فضائلهم عبرة للمعتبرين وتبصرة للمتبصّرين , إلّا مَن أغواه الشّيطان , فأصمّ سمعه وعميت منه العينان ، فتبّاً لـمَن أعمتهم أطماعهم الدّنيّة ، وأهواؤهم المرديّة الرّديّة ، فجعلوا يركضون على مطايا الأطماع , ويتحمّلون من الأثقال ما لا يُستطاع ، فتعساً لهم ما حملهم على غصب البتول وقتل ذرّيّة الرّسول , أليس هي إلّا أيّام قلائل ؟ حتّى يردوا على الهول الهائل :( نَاراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (١) .

فيا إخواني , كيف لا تتمايل أعطافي وتظهر نشوتي , وقد شربت بالكأس المترع من رحيق محبّتي لمواليي وساداتي ؟ :

حديث فإن ربي العقيق ويثمد

يحلى بطيب حديثها قلبي الصد

إيه بعيشك كيف خلفت الحمى

قد طال عهدي بالديار فجدد

بالله قص عليّ من أنبائهم

فإذا ثملت بها وملت فردد

فيا إخواني , إذا ذكرت ما أصابهم من الآلام في تلك الأوقات والأيام , اعتراني الهمّ والحزن حتّى أكاد أن تُسلب روحي من البدن , فاشتهي مَن أبثّ حزني إليه ؛ ليساعدني ما أنا عليه.

روي : أنّه لمـّا قدم آل الله وآل رسوله على يزيد في الشّام , أفرد لهم داراً , وكانوا مشغولين بإقامة العزاء , وإنّه كان لمولانا الحُسين (عليه‌السلام ) بنتاً عمرها ثلاث سنوات , ومن يوم استشهد الحُسين ما بقيت تراه , فعظم ذلك عليها واستوحشت لأبيها , وكانت كلّما طلبته , يقولون لها : غداً يأتي ومعه ما تطلبين .إلى أن كانت ليلة من الليالي رأت أباها بنومها , فلمّا انتبهت , صاحت وبكت وانزعجت , فهجعوها وقالوا : لما هذا البكاء والعويل ؟ فقالت : آتوني بوالدي وقرّة عيني .وكلّما هجعوها , ازدادت حزناً وبكاءاً , فعظم ذلك على أهل البيت , فضجّوا بالبكاء وجدّدوا الأحزان , ولطموا الخدود وحثوا على رؤوسهم التّراب , ونشروا الشّعور وقام الصّياح , فسمع يزيد صيحتهم وبكاءهم , فقال : ما الخبر ؟ قالوا : إنّ بنت الحُسين الصّغيرة رأت أباها بنومها , فانتبهت وهي تطلبه وتبكي

____________________

(١) سورة التّحريم / ٦.


وتصيح .فلمّا سمع يزيد ذلك , قال : ارفعوا رأس أبيها وحطّوه بين يديها ؛ لتنظر إليه وتتسلّى به .فجاءوا بالرّأس الشّريف إليها مُغطّى بمنديل ديبقي , فوضع بين يديها وكُشف الغطاء عنه ، فقالت : ما هذا الرّأس ؟ قالوا لها : رأس أبيك .فرفعته من الطّشت حاضنة له , وهي تقول : يا أباه ! مَن ذا الذي خضّبك بدمائك ؟ يا أبتاه ! مَن ذا الذي قطع وريدك ؟ يا أبتاه ! مَن ذا الذي أيتمني على صغر سنّي ؟ يا أبتاه ! مَن بقي بعدك نرجوه ؟ يا أبتاه ! مَن لليتيمة حتّى تكبر ؟ يا أبتاه ! مَن للنساء الحاسرات ؟ يا أبتاه ! مَن للأرامل المسبيّات ؟ يا أبتاه ! مَن للعيون الباكيات ؟ يا أبتاه ! مَن للضائعات الغريبات ؟ يا أبتاه ! مَن للشعور المنشرات ؟ يا أبتاه ! مَن بعدك ؟ واخيبتنا ! يا أبتاه ! مَن بعدك ؟ واغربتنا ! يا أبتاه ! ليتني كنت الفدى ، يا أبتاه ! ليتني كنت قبل هذا اليوم عميا .يا أبتاه ! ليتني وسدت الثّرى ولا أرى شيبك مخضّباً بالدّماء.

ثمّ إنّها وضعت فمها على فمه الشّريف , وبكت بُكاءاً شديداً حتّى غشي عليها ، فلمّا حرّكوها , فإذا بها قد فارقت روحها الدُنيا ، فلمّا رأوا أهل البيت ما جرى عليها , أعلنوا بالبكاء واستجدّوا العزاء , وكلّ مَن حضر من أهل دمشق , فلم ير في ذلك اليوم إلّا باك وباكية ، فقامت زينب بنت أمير المؤمنين , وقالت : أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض , فأصبحنا نُساق كأنّا اُسراء الزّنج والحبش ، إنّ بنا على الله كرامة وبك عليه هواناً ، وإنّ ذلك لعظم خطرك عند الله ، شمخت بأنفك ونظرت في عطفك ، جذلان مسروراً حين رأيت الدُنيا بك مستوسقة , والأمور متّسقة ، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا ، مهلاً مهلاً ، أنسيت قول الله تعالى :( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ِلأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (١) .أمن العدل يابن الطُلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا ؟! هتكت ستورهنّ وأبديت وجوههنّ , يحدوا بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد ، ويستشرفهنّ أهل المناهل والمناقل , ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد والدّني والشّريف ، ليس معهنّ من رجالهنّ ولي ، ولا من حماتهنّ حمى ، كيف تستبطي ظلمنا أهل البيت ؟! ثمّ تقول , غير مستأنف ولا مستعظم :

لأهلوا واستهلوا فرحاً

ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل

____________________

(١) سورة آل عمران / ١٧٨.


منحنياً على ثنايا أبي عبد الله الحُسين , ريحانة رسول الله سيّد شباب أهل الجنّة , تنكثها بمخصرتك ، وكيف لا تقول ذلك ؟! أو قد نكأت القرحة وأنصلت الشّأفة بإراقتك دماء ذرّيّة مُحمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , نجوم الأرض من آل عبد الـمُطلب , وتهتف بأشياخك زعمت تناديهم , لتردن وشيكاً موردهم , ولتودّن أنّك شللت قبل فعلتك هذه وبكمت ولم تكن قلت ما قلت.

ثمّ قالت : اللّهمّ , خُذ بحقّنا وانتقم ممّن ظلمنا , واحلل غضبك بمن سفك دماء ذرّيّته , وانتهاك حرمته في عترته , حيث يُجمع شملهم ويُلم شعثهم ويؤخذ بحقّهم :( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (١) .وحسبك الله حاكماً ومُحمّد خصيماً وجبرائيل ظهيراً , فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النّجباء بحزب الشّيطان الطُلقاء، فهذه الأيدي تنفط من دمائنا والأفواه تتحلّب من لحومنا , وتلك الجثث الطّواهر الزّواكي , تتناهبها العوائل وتعفّرها اُمّهات الفواعل ، وإن اتخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً , حين لا تجد إلّا ما قدّمت يداك , والله ليس بظلام للعبيد ، فإلى الله الـمُشتكى وعليه المعوّل , فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك ، فو الله , لا تمحو ذكرنا ولا تمت وحينا ولا تدرك أمدنا , ولا تدحض عنك عارها ، وهل رأيك إلّا فند وأيّامك إلّا عدد وجمعك إلّا بدد , يوم ينادي المنادي : ألا لعنة الله على القوم الظّالمين.

قال : فنظر رجل من الشّام إلى يزيد (لعنه الله) , وقال : يا أمير , هب لي هذه الجارية .فقالت فاطمة لعمّتها زينب : يا عمّتاه ! قُتلت رجالنا , ليت الموت أعدمني الحياة ولا كنت اُسبى بين الأعداء .فقالت زينب : لا حبّاً ولا كرامة لهذا الفاسق .فقال الشّامي : مَن هذه الجارية ؟ قال يزيد (لعنه الله) : هذه فاطمة الصّغرى بنت الحُسين , وتلك زينب بنت أمير المؤمنين.فقال الشّامي : لعنك الله يا يزيد , تقتل عترة نبيّك وتسبي ذرّيّته .فقال يزيد : لألحقنّك بهم.

فيا إخواني , رحم الله قوماً باعوا أنفسهم بالآخرة , وتركوا العيش الأهنى والنّعيم الأسنى , فنالوا السّعادة الأبدية والدّولة السّرمدية , فقطّعوا القلوب واشتروا النّعيم الدّائم بقليل من المحن والكروب :

وفاطمة الصغرى تقول لأختها

سكينة خوف السبي وهو مكيد

وزينب ما بين السّماء وقلبها

قريح وبالأحزان فهو كميد

تقول وللأحزان في القلب مبدع

ومبدي لاسرار الهموم مقيد

____________________

(١) سورة آل عمران / ١٦٩.


أخي يابن اُمي يا شقيقي وسيد

ومن لي دون الأنام عميد

عليك جفوني الذاريات ذوارف

وأما دموعي المرسلات نجود

أخي ثل عرش الدين وانهد ركنه

وعطل منه إذ أصبت حدود

يا ويلهم ! كأنّهم لم يسمعوا ما اُنزل في حقّهم , ولم يعتبروا ما قاله النّبي في نعتهم , بل والله قد عرفوا وانكروهم وأساءوا إليهم بعدما أخبروهم.

روي عن ابن عبّاس في تفسير قوله تعالى :( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السّماءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ) (١) .إنّه إذا قبض الله إليه نبيّاً من الأنبياء , بكت عليه السّماء والأرض أربعين سنة , وإذا مات إمام من الأئمة الأوصياء , تبكي عليه السّماء والأرض أربعين شهراً , وإذا مات العالم العامل بعلمه , بكيا عليه أربعين يوماً , وأمّا الحُسين (عليه‌السلام ) فتبكي عليه السّماء طول الدّهر ، وتصديق ذلك أنّ يوم قتله قطرت السّماء دماً , وإنّ هذه الحُمرة التي تُرى في السّماء , ظهرت يوم قُتل الحُسين ولم تُر قبله أبداً ، وإنّ يوم قتله لم يُرفع حجر في الدُنيا إلّا وجد تحته دم .حُكي في بعض الأخبار : إنّ الحُسين لمـّا سقط عن سرجه يوم الطّفّ , عفيراً بدمه رامقاً بطرفه , يستغيث فلا يُغاث ويستجير فلا يُجار , بكت ملائكة السّماء , وقالوا : إلهنا وسيدنا , يُفعل هذا كلّه بابن بنت نبيّك وأنت بالمرصاد , تنظر وترى وأنت شديد الإنتقام .فأوحى الله إليهم يقول : (( يا ملائكتي , انظروا عن يمين العرش )) .فينظرون , فيمثّل الله لهم شخص القائم المهدي , فيرونه يُصلّي عن يمين العرش راكعاً وساجداً , فيقول : (( يا ملائكتي , سأنتقم لهذا بهذا )) .ثمّ يقول : (( يا ملائكتي , إنّي قتلت بثأر يحيى بن زكريا , سبعين ألفاً من بني إسرائيل , وسأقتل بثأر الحُسين بن فاطمة الزّهراء , سبعين ألفاً وسبعين ألفاً من بني اُميّة على يد القائم المهدي , ولهم في الآخرة عذاب عظيم )) .:

إلى أي عدل أم إلى أي رأفة

سواهم يؤم الظاعن المتحمل

لأهل العمى فيهم جلاء من العمى

مع النصح لو أن النصيحة تقبل

روى صاحب زهرة الكمال , قال : لمـّا اُخرج آدم (عليه‌السلام ) من الجنّة , انحدر ببلدة من بلاد الهند تسمّى سرانديب , وبقي يبكي على مصيبته مدّة طويلة , حتّى نُقل أنّه ظهرت لمحاكيه ولم يبق لها لحم بفيه , فمنّ عليه الملك الجليل بإرسال جبرائيل , فكشف له عن بصره حتّى أراه ساق العرش , فرأى أنواراً ساطعة كالنّجوم اللامعة ,

____________________

(١) سورة الدّخان / ٢٩.


فتلاها وإذا هي ؛ مُحمّد وعليّ وفاطمة , والحسن والحُسين والأئمة من ولده (عليهم‌السلام ) , حصناً مَن دخله كان آمناً .فقال : يا أخي جبرائيل , هل خلق الله خلقاً أكرم منّي ؟ قال : نعم .قال : متى خُلقوا ؟ قال : قبل خلق السّماوات والأرضين وقبلك بألفي عام , ولولاهم ما خلقك الله تعالى , وهم من ولدك .فقال : اللّهمّ , يا مَن شرّفت هذا الوالد على الولد , إغفر لي خطيئتي .فغفر له.

وروى صاحب درّ الثّمين في تفسير قوله تعالى :( فَتَلَقّى‏ آدَمُ مِنْ رَبّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) (١) .إنّه رأى ساق العرش والأسماء عليه , فلقّنه جبرائيل وقال له : قُل يا حميد بحقّ مُحمّد , يا عليّ بحقّ عليّ , يا فاطر بحقّ فاطمة , يا مُحسن بحقّ الحسن , يا قديم الإحسان بحقّ الحُسين .فلمّا ذكرت الحُسين (عليه‌السلام ) , سالت دموعه وانخشع قلبه , وقال : يا أخي جبرائيل , في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي ؟ قال جبرائيل : ولدك هذا يُصاب بمصيبة وتقصر عندها المصائب .فقال : يا أخي , وما هي ؟ قال : يُقتل عطشاناً غريباً وحيداً فريداً , ليس له ناصر ولا مُعين , ولو تراه يا آدم يُنادي : وا عطشاه ! وا قلّة ناصراه ! حتّى يحول العطش بينه وبين السّماء كالدّخان , فلم يجبه أحد إلّا بالسّيوف وشرب الحتوف , فيُذبح ذبح الشّاة من قفاه , ويكسب رحله أعداء , وتُشهر رؤوسهم هو وأنصاره في البلدان ومعهم النّسوان , سبق في علم الواحد المنّان .فبكى آدم مع جبرائيل بكاء الثّكلى .ولله درّ مَن قال من الرّجال :

يا قتيلاً بكاه آدم حقاً

ونعاه من السما جبريل

وبكى الجنان والملائك جمعاً

أي عين دموعها لا تسيل

وغدا الطير في السّماء ينادي

آه وا سيداه اين المثيل

وعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونوا كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ مفلح الصّيمري (رحمه ‌الله تعالى )

إلى كم مصابيح الدجى ليس تطلع

وحتام غيم الجو لا يتقشع

لقد طبق الآفاق شرقاً وغربها

فلا ينجلي آناً ولا يتقطع

____________________

(١) سورة البقرة / ٣٧.


وأمطر في كل البلاد صواعقاً

وهبت له ريح من الشر زعزع

فلم ينج منهم غير من باع دينه

وقال بما يرضي الضلوع ويقنع

ولا عز إلّا من أتى بنميمة

ولا ذل إلّا مؤون متورع

منازل أهل الجور في كل بلدة

عمار وأهل العدل في تلك بلقع

يقولون في أرض العراق مشعشع

وهل بقعة إلّا وفيها مشعشع

فلا فرق إلّا عجزهم واقتداره

وظلمهم فيما يطيقون اشنع

لقد صاقت الآفاق وارتق الفضا

فليس لأهل الدين في الأرض موضع

فهل عامر في الأرض بل أو مفازة

وليس لها في الظلم جمع مجمع

وما سن فيها الظلم إلّا عصابة

تقول على آل النّبي تجمع

فأولهم نسل القحافي حبتر

لئيم له في اللؤم أصل وموضع

أبوه دعى لابن جذعان خادم

وحبترة أدنى محل وأوضع

وتابعه ابن الصهاكي أدلم

عتل زنيم فاجر متبدع

إذا كان منسوباً لسبع

فهل عجب فيما يقول ويصنع

وتابعه في الظلم آل اُميّة

تواطوا على ظلم الوصي وأجمعوا

فلم يتركوا للدين أصلاً يقله

ولم يتركوا فرعاً له يتفرع

وقادوا عليّاً في حمائل سيفه

وكسر أسيافاً لقوم وأضلع

كسيف زبير ثمّ ضلع ابن ياسر

وضلع ابن مسعود وللصحف قطع

إذا فعلوا هذا بأصحاب أحمد

وقالوا لنا إن الصحابة أجمعوا

على حبتر ثمّ ارتضوه أميرهم

فهل عاقل يرضى بهذا ويقنع

وفاطمة الزّهراء حازوا تراثها

عناداً فجاءت حبتراً تتشفع

فقال أبوك المصطفى قال معلناً

بأن أولي القربى من الإرث يمنعوا

فقالت فهاتوا نحلتي وعطيتي

فقالوا لها هل شاهد لك يسمع

فقالت شهودي أذهب الرجس عنهم

لهم آية التطهير ما فيه مدفع

هم حيدر وابناه مع اُمّ أيمن

فهل لك في رد الشهادة مطمع

فقال لها ظلماً وكفراً وقسوة

فلسنا بقول البعل والابن نقنع

فلما رأت تصميمه في ضلاله

وليس عن العصيان أو الظلم يقلع


فقامت وأنت عند ذلك أنة

يكاد لها صم الصفا يتصدع

وتابعت الزفرات والنوح والبكا

إلى أن قضت لم يرق للطهر مدمع

فيا عجباً من رده لشهودها

وقول أناس ليس في الكفر تطمع

ألم يفقهوا أقواله وفعاله

ألم ينظروا يا ويلهم ثمّ يسمعوا

فهل رد إلّا من نفى الرجس عنهم

ورد الذي قد جاء بالوحي يصدع

يزكي إله العالمين وأحمد

أناساً ويأتي نغل تيم ويمنع

فتباً لها من اُمة ضل سعيها

توالي كفراً بالإله وتتبع

وأعظم من كل الرزايا رزية

مصارع يوم الطّفّ أدهى واشنع

بها لبس الدين الحنيفي خلعة

من الذل لا تبلى ولا تتقطع

فما أنس لا أنس الحُسين ورهطه

وعترته بالطف ظلماً تصرع

ولم أنسه والشمر من فوق رأسه

يهشم صدراً وهو للعلم مجمع

ولم أنس مظلوماً ذبيحاً من القنا

وقد كان نور الله في الأرض يلمع

يقبله الهادي النّبي بنحره

وموضع تقبيل النّبي يقطع

إذا حز عضو منه نادى بجده

وشمر على تصميمه ليس يرجع

وميز عنه الرأس ظلماً وقسوة

ولا عينه تندو ولا القلب يخشع

تزلزلت الأفلاك من كل جانب

تكاد السما تنقض والأرض تقلع

وعرج جبرائيل ينوح بحرقة

ويشجي أملاك السما ويفجع

وضجت أملاك السّماء وتناوحت

طيور الفلا والوحش والجن أجمع

وجئن كريمات الرّسول حواسراً

ولم يبق جيب لا يشق ويرقع

تقبل جثمان الحُسين سكينة

وشمر لها بالسوط ضرباً يقنع

فيؤلمها ضرب السياط فتلتجي

لعمتها من حيث بالضرب توجع

تقول له يا شمر ويحك خلها

إذا كان بالتقبيل ترضى وتقنع

وترفع صوتاً اُمّ كلثوم بالبكا

وتشكو إلى الله العلي وتضرع

وتندب من عظم الرزية جدها

فلو جدنا ينظر إلينا ويسمع

أيا جدنا نشكو إليك اُميّة

فقد بالغوا في ظلمنا وتبدعوا

أيا جدنا لو أن رأيت مصابنا

لكنت ترى أمراً له الصخر يصدع

أيا جدنا هذا الحُسين معفراً

على الترب محزوز الوريدين مقطع


فجثمانه تحت الخيول ورأسه

عناداً بأطراف الأسنة برقع

أيا جدنا لم يتركوا من رجالنا

كبيراً ولا طفلاً على الثدي يرضع

أيا جدنا لم يتركوا لنسائنا

خماراً ولا ثوباً ولم يبق برقع

أيا جدنا سرنا عرايا حواسرا

كأنا سبايا الروم بل نحن أوضع

أيا جدنا لو أن ترانا أذلة

أسارى إلى أعدائنا نتضرع

ايا جدنا نسترحم القوم لم نجد

شفيعاً ولا من ذي الإساءة يدفع

أيا جدنا شمر يبز قناعنا

ويضربنا ضرب الإماء ويوجع

أيا جدنا زين العباد مكبل

عليل سقيم مدنف متوجع

إذا ما رآنا حاسرات بلا غطا

تكاد الحشا تنفت والروح تنزع

فيصرف عنا الوجه من غير بغضة

ويرنو إلى الرأسُ الحُسينُ فيجزع

فما فعلت عاد كفعل اُميّة

ولكنهم آثار قوم تتبع

فما قتل السبط الشهيد ورهطه

سوى عصبة يوم السقيفة أجمعوا

وما ذاك إلّا سامري وعجله

أهم أصلوا للظلم والقوم فرعوا

ألا لعن الله الذين توازروا

على ظلم آل المصطفى وتجمعوا

أيا سادتي يا آل بيت مُحمّد

بكم مفلح مستعصم متمنع

وأنتم ملاذي عند كل كريهة

وأنتم له حصن منيع ومفزع

إذا كنتم درعي ورمحي ومنصلي

فلا اختشي بأساً ولا أتروع

بك أتقي هول المهمات في الدنا

وأهوال روعات القيامة أدفع

فدونكموها من محب ومبغض

له كبد حرى وقلب مفجع

ولا طاقتي إلّا المدائح والهجا

وليس بهذا علة القلب تنفع

الا ساعة فيها أجرد صارماً

وأضرب هام القوم حتّى يصرع

فحينئذ يشفي الفؤاد وحزنه

مقيم ولو لم يبق للقوم موضع

فكيف ولو بالحر قسنا جميعهم

لزاد عليهم للرياحي اصبع

أيا سادتي يا آل بيت مُحمّد

ويا من بهم يعطي الإله ويمنع

ألا فاقبلوا من عبدكم ومحبكم

قليلاً فإن الحر يرضى ويقنع

فإن كان تقصير بما قد أتيته

فساحة غدري يا موالي مهيع

فلست بقوال ولست بشاعر

ولكن من فرط الأسى أتولع


الباب الثّالث

أيّها الإخوان , كيف تخفي زفرات الأحزان ؟ أم كيف تطفي لهبات الأشجان ؟ أتراكم ما تعلمون ما جرى على سادات الزّمان في تلك الأماكن والأوطان ؟ قسماً بالبيت العتيق , لو فكّر المؤمن فيما اصابهم من المحن , لغدى روحه أن تخرج من البدن , كيف لا وهم أنوار الله في أرضه وسمائه , وأصفياء الله وأبناء أصفيائه ! اجتروا عليهم فقطّعوا منهم الأوصال , وجدّلوهم على الرّمال , وجرّعوهم كؤوس الحتوف بأرض الطّفوف , وأخذوا نساءهم سبايا على أقتاب المطايا , عرايا حفايا على أيدي أهل العناد وأشرّ العباد , أمر تكاد السّماوات أن يتفطّرن منه , وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّا :

والله ما عاد بأعظم جرأة

منهم ولا فعلت ثمود وتبع

وناداهم لما به حفوا معاً

زمراً ولم يك من لقاهم يجزع

يا شر خلق الله ما من مسلم

منكم له دين يكف ويردع

حرم النّبي تموت من حر الظما

والوحش في ماء الشريعة يترع

ألكم طلائب عندنا تبغونها ؟

أم ما عرفتم ويلكم ما يصنع

فيا لهف نفسي على الكهول والشّبان ! ويا تأسّفي على تلك الأجسام والأبدان ! فيا ليتني كنت تراباً لأقدامهم , وخادماً من جملة خدّامهم.

روي عن المفضل بن عمر , قال : قُلت لأبي عبد الله (عليه‌السلام ) : كيف كانت ولادة فاطمة (عليها‌السلام ) ؟ فقال : (( نعم , إنّ خديجة لمـّا تزوج بها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , هجرتها نساء مكّة , وكنّ لا يدخلنّ إليها ولا يسلّمنّ عليها ولا يتركن امرأة تدخل إليها , فاستوحشت خديجة لذلك , فلمّا حملت بفاطمة , كانت فاطمة تحدّثها في بطنها وتصبّرها , وكانت تكتم ذلك عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فدخل يوماً فسمع خديجة تحدّث فاطمة , فقال لها : يا خديجة , مَن تحدثين ؟ قالت : الجنين في بطني يحدّثني ويؤنسني .قال : يا خديجة , هذا جبرائيل يبشّرني أنّها ابنتي , وأنّها النّسلة الطّاهرة الميمونة , وأنّ الله سيجعل نسلي منها , وسيجعل من نسلها أئمة , ويجعلهم خلفاء في أرضه بعد انقضاء وحيه.

فلم تزل خديجة (عليها‌السلام ) على ذلك حتّى حضرت ولادتها , فوجّهت إلى نساء قُريش


وبني هاشم : أن تعالين لتلين منّي ما تلي النّساء من النّساء .فأرسلنّ إليها : عصيتينا ولم تقبلي قولنا , وتزوجت مُحمّداً يتيم أبي طالب فقيراً لا مال له , فلسنا نجيء ولا نلي من أمرك شيئاً .فاغتمّت خديجة (عليها‌السلام ) لذلك , فبينما هي كذلك , إذ دخل عليها أربع نسوة سمر طوال كأنّهن من نساء بني هاشم , ففزعت منهنّ لمـّا رأتهن , فقالت إحداهنّ : لا تحزني يا خديجة , إنّا رسل ربّك ونحن أخواتك ؛ أنا سارة , وهذه آسية بنت مزاحم وهي رفيقتك في الجنّة , وهذه مريم بنت عمران , وهذه كلثم أخث موسى بن عمران , بعثنا الله إليك ؛ لنلي منك ما تلي النّساء من النّساء .فجلست واحدة عن يمينها واُخرى عن يسارها, والثّالثة بين يديها والرّابعة من خلفها , فوضعت فاطمة (عليها‌السلام ) طاهرة مطهّرة , فلمّا سقطت إلى الأرض , أشرق منها النّور حتّى دخل بيوت مكّة , ولم يبق في شرق الأرض ولا في غربها إلّا أشرق فيه ذلك النّور , ودخل عشر من الحور العين , كلّ واحدة منهنّ معها طشت من الجنّة وإبريق من الجنّة , وفي الإبريق ماء من ماء الكوثر , فتناولتها المرأة التي كانت بين يديها , فغسّلتها بماء الكوثر , وأخرجت خرقتين بيضاوين , أشدّ بياضاً من اللبن وأطيب ريحاً من المسك والعنبر , فلفّتها بواحدة وقنّعتها بالثّانية , ثمّ استنطقتها فنطقت فاطمة (عليها‌السلام ) بالشّهادتين , فقالت : أشهد أن لا إله إلّا الله , وأنّ أبي مُحمّد رسول الله سيّد الأنبياء , وأنّ بعلي سيّد الأوصياء , وولدي سادة الأسباط , ثمّ سلّمت عليهنّ واحدة وسمّت كلّ واحدة باسمها , وأقبلنّ يضحكن إليها , وتباشرت الحور العين , وبشّر أهل السّماء بعضهم بعضاً بولادة فاطمة , وحدث في السّماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك , ثمّ قالت النّسوة : خذيها يا خديجة , طاهرة مطهّرة زكية ميمونة , بورك فيها وفي نسلها .فتناولتها فرحة مستبشرة , وألقمتها ثديها فدرّ عليها , وكانت فاطمة تنمو في اليوم كما ينمو الصّبي في الشّهر , وفي الشّهر كما ينمو الصّبي في السّنة )).

وعن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , قال : (( فاطمة سيدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين , وأنّها لتقوم في محرابها , فيسلّم عليها سبعون ألف مَلك من الملائكة المقرّبين , وينادونها بما نادت به الملائكة مريم , فيقولون : يا فاطمة , إنّ الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين .ثمّ يلتفت إلى عليّ (عليه‌السلام ) , فيقول له : يا عليّ , فاطمة بضعة منّي وهي نور عيني وثمرة فؤادي , يسوءني ما ساءها


ويسرّني ما سرّها , وإنّها أوّل من يلحقني من أهل بيتي , فأحسن إليها بعدي )) .:

يا نفس إن تتلقي صبراً فقد ظلمت

بنت النّبي رسول الله وإبناها

تلك التي أحمد المختار والدها

وجبرائيل أمين الله رباها

الله طهرها من كل فاحشة

من كل ريب وزكاها وصفاها

فهذا يا إخوان الدّين ما وصل إلينا في ولادة بنت سيّد المرسلين.

وأمّا ولادة الحُسين بن عليّ (عليهما‌السلام ) , فقد روي فيها عن ابن عبّاس , قال : لمـّا أراد الله أن يهب لفاطمة الزّهراء , وكان في رجب في اثني عشر ليلة خلت منه ، فلمّا وقعت في طلقها , أوحى الله عزّ وجلّ إلى لعيا ( وهي : حوراء من الجنّة ) وأهل الجنان إذا أرادوا أن ينظروا إلى شيء حسن نظروا إلى لعيا ، قال : ولها سبعون ألف وصيفة , وسبعون ألف قصر , وسبعون ألف مقصورة , وسبعون ألف غرفة مكلّلة بأنواع الجواهر والمرجان , وقصر لعيا أعلا من تلك القصور ومن كلّ القصور في الجنّة , إذا أشرفت على الجنّة , نظرت جميع ما فيها وأضاءت الجنّة من ضوء خدّها وجبينها , فأوحى الله إليها : (( أن اهبطي إلى دار الدّنيا , إلى بنت حبيبي مُحمّد فآنسي لها )) .فأوحى الله إلى رضوان خازن الجنان : (( أن زخرف الجنّة وزيّنها ؛ كرامة لمولود يولد في دار الدّنيا )) .وأوحى الله إلى الملائكة : (( أن قوموا صفوفاً بالتّسبيح والتّقديس والثّناء على الله تعالى )) .وأوحى إلى جبرائيل وميكائيل وإسرافيل : (( أن اهبطوا إلى الأرض في قنديل من الملائكة )) .قال ابن عباس : والقنديل ألف ألف ملك , فبينما هبطوا من سماء إلى سماء , إذا في السّماء الرّابعة ملك يُقال له (صلصائيل) , له سبعون ألف جناح قد نشرها من المشرق إلى المغرب , وهو شاخص نحو العرش ؛ لأنّه ذكر في نفسه فقال : ترى الله يعلم ما في قرار هذا البحر , وما يسير في ظلمة الليل وضوء النّهار ؟ فعلم الله تعالى في نفسه , فأوحى الله إليه : (( أن أقم مكانك لا تركع ولا تسجد ؛ عقوبة لك لما فكّرت )).

قال : فهبطت لعيا على فاطمة , وقالت لها : مرحباً بك يا بنت مُحمّد كيف حالك ؟ قالت (عليها‌السلام ) لها : (( بخير )) .ولحق فاطمة الحياء من لعيا لم تدري ما تفرش لها , فبينما هي متفكّرة , إذ هبطت حوراء من الجنّة ومعها درنوك من درانيك الجنّة , فبسطته في منزل فاطمة فجلست عليه لعيا , ثمّ إنّ فاطمة (عليها‌السلام ) ولدت الحُسين (عليه‌السلام ) في وقت الفجر , فقبّلته لعيا وقطعت سرّته ونشّفته بمنديل من


مناديل الجنّة , وقبّلت عينيه وتفلت في فيه , وقالت له : بارك الله فيك من مولود وبارك في والديك .وهنأت الملائكة جبرائيل , وهنأ جبرائيل مُحمّداً سبعة أيّام بلياليها , فلمّا كان في اليوم السّابع , قال جبرائيل : يا مُحمّد , آتنا بابنك هذا حتّى نراه .قال : فدخل النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على فاطمة , فأخذ الحُسين وهو ملفوف بقطعة صوف صفراء , فأتى به إلى جبرائيل , فحلّه وقبّله بين عينيه وتفل في فيه , وقال : بارك الله فيك من مولود , وبارك في والديك يا صريع كربلاء ! ونظر إلى الحُسين وبكى , وبكى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبكت الملائكة , وقال جبرائيل : اقرأ فاطمة ابنتك السّلام , وقُل لها : تُسمّيه الحُسين , فقد سمّاه الله جلّ إسمه , وإنّما سُمّي الحُسين ؛ لأنّه لم يكُن في زمانه أحسن منه وجهاً .فقال رسول الله (ص) : (( يا جبرائيل , تهنيني وتبكي ؟! )) .قال: نعم يا مُحمّد , آجرك الله في مولودك هذا .فقال (ص) : (( يا حبيبي جبرائيل ومَن يقتله ؟ )) .قال : شراذمة من اُمّتك يرجون شفاعتك لا أنالهم الله ذلك .فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( خابت اُمّة قتلت ابن بنت نبيّها )) .قال جبرائيل : خابت ثمّ خابت من رحمة الله , وخاضت في عذاب الله .ودخل النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على فاطمة , فأقرأها من الله السّلام , وقال لها : (( يا بنيّة , سمّيه الحُسين فقد سمّاه الله الحُسين )) .فقالت : (( من مولاى السّلام وإليه يعود السّلام , والسّلام على جبرائيل )) .وهنأها النّبي وبكى ، فقالت : (( يا أبتاه ! تهنئني وتبكي ؟ )) .قال : (( نعم يا بنيّة ! آجرك الله في مولودك هذا )) .فشهقت شهقة وأخذت في البكاء وساعدتها لعيا ووصائفها , وقالت : (( يا أبتاه ! مَن يقتل ولدي وقرّة عيني وثمرة فؤادي ؟ )) .قال : (( شراذمة من اُمّتي يرجون شفاعتي لا أنالهم الله ذلك )) قالت فاطمة : (( خابت اُمّة قتلت ابن بنت نبيّها )) .قالت لعيا : خابت ثمّ خابت من رحمة الله , وخابت في عذابه .(( يا أبتاه ! اقرىء جبرائيل عنّي السّلام , وقُل له في أيّ موضع يُقتل ؟ )).قال : (( في موضع يُقال له كربلاء , فإذا نادى الحُسين لم يجبه أحد منهم , فعلى القاعد من نصرته لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين ، ألا أنّه لن يُقتل حتّى يخرج من صلبه تسعة من الأئمة , ثمّ سمّاهم بأسمائهم إلى آخرهم , وهو الذي يخرج آخر الزّمان مع عيسى بن مريم ، فهؤلاء مصابيح الرّحمن وعروة السّلام , محبّهم يدخل الجنّة ومبغضهم يدخل النّار )).

قال : وعرج جبرائيل وعرج الملائكة وعرجت لعيا , فبقي الملك صلصائيل , فقال : يا حبيبي , أقامت القيامة على أهل


الأرض ؟ قال : لا ، ولكن هبطنا إلى الأرض , فهنئنا مُحمّداً بولده الحُسين .قال : حبيبي جبرائيل , فاهبط إلى الأرض , فقل له: يا مُحمّد , اشفع إلى ربّك في الرّضا عنّي ؛ فإنّك صاحب الشّفاعة .قال : فقام النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ودعا بالحُسين (عليه‌السلام ) , فرفعه بكلتا يديه إلى السّماء , وقال : (( اللّهمّ , بحقّ مولودي هذا عليك إلّا رضيت على الملك )) .فإذا النّداء من قبل العرش : (( يا مُحمّد , قد فعلت وقدرك كبير عظيم )) .قال ابن عباس : والذي بعث مُحمّداً بالحقّ نبيّاً , إنّ صلصائيل يفخر على الملائكة؛ أنّه عتيق الحُسين , ولعيا تفخر على الحور العين ؛ بأنّها قابلة الحُسين.

فيا إخواني , يحقّ لـمَن فارقته ساداته الذين بهم سعادته , ولم يتمكّن من الوصول إليهم , ولبذل نفسه في الجهاد بين يديهم, أن تسيل دموعه الهاطلة وتزيد حرقته المواصلة , ويواصل النّوح بالعويل لا سيّما لو كان بذاك رضا الجليل ، فنوحوا يا إخواني على ساداتكم الكرام , وتمثّلوا ما أصابهم من الكفرة اللئام , قتلوا رجالهم وذبحوا أطفالهم ونهبوا أموالهم ، فعلى مثلهم فليبك الباكون , وعلى مثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة لابن المتوج (رحمه ‌الله ت عالى)

ألا نوحوا وضجوا بالبكاء

على السبط الشهيد بكربلاء

ألا نوحوا بسكب الدمع حزناً

عليه وامزجوه بالدماء

الا نوحوا على من قد بكاه

رسول الله خير الأنبياء

ألا نوحوا على من قد بكاه

عليّ الطهر خير الأوصياء

ألا نوحوا على من قد بكته

حبيبة أحمد ست النساء

ألا نوحوا على من قد بكاه

لعظم الشجو أملاك السماء

ألا نوحوا على قمر منير

عراه الخسف من بعد الضياء

ألا نوحوا على غصن رطيب

ذوي بعد النظارة والبهاء

ألا نوحوا لخامس آل طه

وياسين وأصحاب العباء

ألا نوحوا على شرف القوافي

ومتخرة المرائي والثناء

ألا نوحوا عليه وقد أحاطت

به خيل البغاء الأشقياء


إذ أقبل واعظاً فيهم خطيباً

وبالغ في النصيحة والدعاء

ألا يا قوم أنشدكم فردوا

جوابي هل يحل لكم دمائي

وجدي أحمد وأبي عليّ

وأمي فاطم ست النساء

فقالوا هل نطقت بقول صدق

وقد أخبرت بالحق السواء

ولكن قد أمرنا لا نخلي

سبيلك أو تبايع بالوفاء

وإلّا بالقواضب والعوالي

نجرعكم بها غصص الظماء

فقال أبالقتال تخوفوني

وهل تخشى الأسود من الظباء

فنادوا للقتال معاً ونادى

أخيل الله هبي للقاء

فكافحهم على غصص إلى أن

أبادوا ناصريه ذوي الوفاء

وصادفهم بمهجته إلى أن

أتاه سهم أشقى الأشقياء

فخرّ وبادر الملعون شمر

وحز وريده بعد ارتقاء

وعلا رأسه في رأس رمح

وخلى الجسم شلواً بالعراء

ومالوا في الخيام فحرقوها

وعاثوا في الذراري والنساء

وساقوا الطاهرات مهتكات

على قتب الجمال بلا وطاء

ألا يا آل ياسين فؤادي

لذكري مصابكم حلف الضناء

فأنتم عدتي لي في يوم معادي

إذا حشر الخلائق للجزاء

وما أرجو لآخرتي سواكم

وحاشا أن يخيب بكم رجائي

أنا ابن متوج توجتموني

بتاج الفخر طراً والبهاء

صلاة الخلق والخلاق تترى

عليكم بالصباح وبالمساء

ولعنته على قوم أباحوا

دماءكم بظلم وافتراء


المجلس الثّامن

في اليوم الرّابع من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب

الباب الأول

تفكّروا أيّها الإخوان في أهل الظّلم والعدوان , كيف حملتهم الأحقاد والغلّ الكامن في الفؤاد , على انتهاك حرمة الرّسول وذرّيّة الزّهراء البتول , فصرعوهم على الرّمال ولم يراقبوا الكبير المتعال , ولا بما قيل وقال , بل رفعوا رؤوس آل النّبي على الرّماح , وتركوا أجسادهم شاحبة تسفى عليها الرّمال ، فهم ما بين قتيل يجري منه الصّديد وأسير مكبّل بالحديد ، وامرأة تحنّ ومريض يئنّ ، وسبايا كسبي العبيد ، يُقادون بالعنف إلى يزيد , كأنّهم اُسارى بني الأصفر وليسوا من ذرّيّة النّبي المطهّر :

قليل لهذا الرزء تكوير شمسها

وإن تفطر السبع الشداد له قطرا

مصاب بكت منه السّماء وأهلها

وأشقت به الشم الرعان على المسرى

وخطب جليل قليل حين حلوله

لدمع رسول الله من عينه أجرى

ليبك بنو السلام طراً عليهم

كما بكت الآيات والملّة الغرا

حملتهم الدُنيا الدّنيّة على قتل العترة النّبوية .وقد ورد في الخبر عن سادات البشر , حبّها من أعظم الأخطار الموجبة للسخط ودخول النّار.

وفي الحديث القدسي : (( لو صلّى عبدي صلاة أهل السّماوات وأهل الأرضين , وصام صيام أهل السّماوات وأهل الأرضين , وحجّ حجيج أهل السّماوات وأهل الأرضين


وطوى عن أكل الطّعام مثل الملائكة المقرّبين , ثمّ أرى في قلبه من حبّ الدّنيا ذرّة , أو من سمعتها أو من رئاستها , أو من محمدتها أو من حليتها , أو من زينتها أدنى من ذرّة , فإنّه لا يجاورني في دار كرامتي ، ولأنزعنّ من قلبه محبّتي , ولأظلمنّ قلبه حتّى ينسى ذكري ؛ حتّى لا أذيقه رحمتي يوم القيامة )).

وفي الخبر عن الصّادق (عليه‌السلام ) , قال : (( إذا كان يوم القيامة , يمرّ رسول الله بشفير جهنّم , ومعه عليّ بن أبي طالب والحسن والحُسين (عليهم‌السلام ) , فيراهم المختار وهو يومئذ في النّار , فينادي بصوت عال : يا شفيع المذنبين ! أنقذني من النّار .فلم يجبه ، فينادي : يا عليّ ! أغثني من النّار .فلم يجبه ، فينادي : يا حسن يا سيّد شباب أهل الجنّة ! أدركني .فلم يجبه ، فينادي : يا حُسين يا سيّد الشّهداء ! أنا الذي قتلت أعداءك وأخذت لك بالثأر , أنقذني من النّار .فيقول النّبي : يا حُسين , إنّ المختار قد احتجّ عليك بأخذ الثّأر من أعدائك , فأنقذه من النّار .قال : فينتفض الحُسين (عليه‌السلام ) سريعاً كالبرق الخاطف , ويخرجه من النّار , ويغمسه في نهر الحيوان , ويدخله الجنّة مع الأخيار ببركة النّبي المختار )).

فسُئل الصّادق (ع) : يابن رسول الله , فلِمَ اُدخل المختار النّار وهو من الأخيار والشّيعة الأبرار , وأفضل الأنصار لأهل بيت النّبي المختار ؟! فقال (عليه‌السلام ) : (( إنّ المختار كان يحبّ السّلطنة , وكان يحبّ الدّنيا وزينتها وزخرفها , وأنّ حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة ؛ لأنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : والذي بعثني بالحقّ نبياً , لو أنّ جبرائيل أو ميكائيل كان في قلبهما ذرّة من حبّ الدّنيا , لأكبّهما الله على وجوههما في نار جهنّم )).

فنزّهوا أيّها الإخوان أنفسكم عن الرّاكعون إلى الدُنيا , وإيّاكم وطلب الرّئاسة والعليا ؛ فإنّها دار لا يدوم فيها نعيم , ولم يبق أحد من شرّها سليم , وكيف يرضى العاقل بالدّنيا دار بعد آل الرّسول وسلالة الطّاهرة البتول ؟! هذه والله دار غدرت بمواليها , فلا خير والله فيها إلّا مَن اتخذ فيها الزّاد ليوم المعاد ، ولعمري , لا عمل فيها أفضل من موالاة الآل , الدّافعة لتلك الأهوال يوم الحشر والمآل :

هم السادة الأطهار آل محمد

هم الدين والدنيا لمن يتعقل

هم الطور والأعراف والنور والضحى

وياسين والأحقاف والمترمل

مهابط وحي الله في حجراتهم

وتبيان برهان الكتاب المنزل


فما مثلهم في الكون إن عد مفخر

أعد نظراً يا صاح إن كنت تعقل

خلت منهم أرض العقيق وعطلت

منازل آيات بها الوحي ينزل

منازل تنزيل بها الحزن قد ثوى

ومجلس أنس قد خلا منه نزل

حدا بهم حادي المنايا معجلا

وسارت بهم عنفاً على الابن نزل

أصابتهم أيدي المصائب فاغتدوا

أماثيل في الدّنيا لمن يتمثل

فما منهم إلّا قتيل وهالك

بسم ومذبوح وذاك مكبل

على مثلهم فليبك بالمدى المدى

ويذرف دمعاً كالمسيل مسبل

روي عن عليّ بن عاصم الكوفي الأعمى , قال : دخلت على سيدي ومولاي الحسن العسكري (عليه‌السلام ) , فسلّمت عليه , فردّ عليّ السّلام وقال : (( مرحباً بك يابن عاصم , اجلس مكانك , هنيئاً لك يابن عاصم , أتدري ما تحت قدميك ؟ )).فقلت : يا مولاي , إنّي أرى تحت قدمي هذا البساط , كرّم الله وجه صاحبه .فقال لي : (( يا بن عاصم , اعلم أنّك على بساط جلس عليه كثير من النّبيين والمرسلين )) .فقلت : يا سيدي , ليتني لا أفارقك ما دمت في دار الدّنيا .ثمّ قلت في قلبي : ليتني أرى هذا البساط .فعلم الإمام ما في ضميري , فقال : (( ادن منّي )) .فدنوت منه , فمسح يده على وجهي , فصرت بصيراً بإذن الله ، ثمّ قال لي : (( هذا قدم أبينا آدم , وهذا أثر هابيل , وهذا أثر شيث , وهذا أثر إدريس , وهذا أثر هود , وهذا أثر صالح , وهذا أثر لقمان , وهذا أثر إبراهيم , وهذا أثر لوط , وهذا أثر شعيب , وهذا أثر موسى , وهذا أثر داود , وهذا أثر سُليمان , وهذا أثر الخضر , وهذا أثر دانيال , وهذا أثر ذي القرنين الاسكندر , وهذا أثر عدنان , وهذا أثر عبد الـمُطّلب , وهذا أثر عبد الله , وهذا أثر عبد مُناف , وهذا أثر جدّي رسول الله , وهذا أثر جدّي عليّ بن أبي طالب ))

قال عليّ بن عاصم : فأهويت على الأقدام كلّها وقبّلتها , وقبّلت يد الإمام العسكري (عليه‌السلام ) , وقلت له : يا سيدي , إنّي عاجز عن نصرتكم بيدي , وليس أملك غير موالاتكم , والبراءة من أعدائكم واللعن لهم في خلواتي , فكيف حالي يا سيدي ؟ فقال : (( حدّثني أبي عن جدّي عن رسول الله , قال : مَن ضعف عن نصرتنا أهل البيت , ولعن في خلواته أعداءنا , بلغ الله صوته إلى جميع الملائكة , فكلّما لعن أحدكم أعداءنا , ساعدته الملائكة ولعنوا من لا يلعنهم ، فإذا بلغ صوته إلى الملائكة , استغفروا له


وأثنوا عليه , وقالوا : اللّهمّ صلّ على روح عبدك , هذا الذي بذل في نصرة أوليائه جهده , ولو قدر على أكثر من ذلك لفعل.فإذا النّداء من قبل الله تعالى يقول : يا ملائكتي , إنّي قد أجبت دعائكم في عبدي هذا , وسمعت نداءكم , وصلّيت على روحه مع أرواح الأبرار , وجعلته من الـمُصطفين الأخيار )).

وكذلك قال عليّ بن أبي طالب (عليه‌السلام ) لأصحابه الذين كانوا معه لمـّا غُصبت الخلافة منه , حيث قال : (( يا أصحابي , الزموا بيوتكم واصبروا على البلاء , ولا تحرّكوا بأيديكم وسيوفكم وأهواء ألسنتكم , ولا تستعجلوا بما يُعجّله الله لكم ؛ فإنّه مَن مات منكم على فراشه وهو على معرفة من حقّ ربّه , وحقّ نبيّه وآل نبيّه , كان كمن مات شهيداً , أو أجره على الله , واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله , وقامت النّية مقام صلاته وجهاده بسيفه ويده , وإنّ لكلّ شيء أجلاً وانتهاء )).

فيا إخوتي , لله درّ الشّيعة الـمُخلصين , والأتباع الـمُتّقين , وأهل الولاية أجمعين , الذين بذلوا قلوبهم في المحبّة , واستعملوها في المودّة والمسبّة.

روي في الخبر عن سيّد البشر (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , أنّه كان يقول للحسن والحُسين : (( أنتما زينة عرش الرّحمن , أنتما اللؤلؤة والمرجان)) .فقيل له : يا رسول الله , وكيف ذلك , وكيف يكونان تزيين عرش الرّحمن ؟ فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( إذا كان يوم القيامة , يزيّن عرش ربّ العالمين بكلّ زينة , ثمّ يؤتى بمنبرين من نور , كلّ منبر طوله مئة ميل , فيوضع أحدهما عن يمين العرش , والآخر عن يسار العرش ، ثمّ يؤتى بالحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) , فيقف الحسن على أحدهما والحُسين على الآخر , يزيّن الرّب تبارك وتعالى بهما عرشه كما تزيّن المرأة قرطاها )) .ثمّ قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( ويوضع يوم القيامة منابر تحت العرش لشيعتي , ولشيعة أهل بيتي المخلصين في ولايتنا , فيقول الله عزّ وجلّ : هلمّوا يا عبادي إليّ لأنشر عليكم كرامتي , فقد أوذيتم في دار الدُنيا )).

وقال أيضاً (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( أنا الشّجرة وفاطمة فرعها وعليّ لقاحها , والحسن والحُسين ثمرها , وشيعتنا أهل البيت أوراقها , قد أفلح من تمسّك بهذه الشّجرة )).

وفي الخبر أيضاً عنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , أنّه قال : (( يدخل الجنّة من اُمّتي سبعون ألفاً بلا حساب عليهم ولا عذاب يصل إليهم )).ثمّ التفت إلى عليّ (عليه‌السلام ) , فقال : (( شيعتك هُم وأنت إمامهم )).

وعن أبي عبد الله (عليه‌السلام ) , قال : (( إذا بلغت نفس المؤمن الحنجرة , وأهوى ملك الموت بيده إليها , يرى قرّة عين , يُقال له : انظر عن يمينك .فيرى رسول الله


وعليّاً وفاطمة والحسن والحُسين , فيقولون له : إلينا إلى الجنّة .والله لو بلغت روح عدوّنا إلى صدره , وأهوى ملك الموت بيده إليها , لا بدّ أن يُقال : انظر عن يسارك .فيرى مُنكراً ونكيراً يُهدّدانه بالعذاب , نعوذ بالله منه )) .:

مناقبهم بين الورى مستنيرة

لها غرر مجلوة وحجول

مناقب جلت أن يحاط بحصرها

نمتها فروع قد زكت وأصول

مناقب وحي الله أثبتها لهم

بما قام منه شاهد ودليل

مناقب من خلق النّبي وخلقه

ظهرت فما يغتالهن أفول

أمولاي آمالي تؤمل نصركم

وقلبي إليكم بالولاء يميل

وقد طال عمر الصبر في أخذ ثاركم

كما آن للظلم المقيم رحيل

متى يشتفي حر الغليل ويشتفي

فؤاد بآلام المصاب عليل

ويجبر هذا الكسر في ظل دولة

لها النصر جند والأمان دليل

هنالك يضحى دين آل محمد

عزيزاً ويمسي الكفر وهو ذليل

ويطوي بساط الحزن بعد كآبة

وتنشر نشراً للهناء ذيول

فيا آل طه الطاهرين رجوتكم

ليوم به فصل الخطاب طويل

أقيلوا إعثاري يوم فقري وفاقتي

فظهري بأعباء الذنوب ثقيل

فيا إخواني , دعوا التّشاغل عنكم بالأهل والأوطان والأتراب والأخدان , تفكّروا فيما أصاب سادات الزّمان الذين تمّ لكم بهم الإيمان , واستحققتهم بموالاتهم دخول الجنان ورضاء الرّحمن.

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ الخليعي (رحمه ‌الله تع الى)

يا عين لا لخلو الربع والدمن

باكي الرزايا سوى الباكي على السكن

وآسى بني الهدى فيما أصيبت به

وساعدي البضعة الزّهراء على الحزن

وقابليها بارض الطف صارخة

على القتيل الغريب النازح الوطن


تشكو إلى الله والأملاك محدقة

بالعرض تستصرخ المولى أبا حسن

من حولها مريم العذراء وآسية

تكرر النوح بالتذكار والحزن

والنوح من نادبات الجن مرتفع

وقلبها موجع بالثكل والمحن

لهفي على قول مولاتي وقد نظرت

شلو الحُسين بلا غسل ولا كفن

ملقى على الأرض عاري الجسم منعفر

الخدين مختضب الأوداج والذقن

لهفي على زينب حرى مجردة

مسلوبة تستر الأكتاف بالردن

تقول يا واحدي من لي إذا نزلت

بي الحوادث يحميني ويكفيني

لهفي على فاطم الصغرى مقرحة

بالدمع أجفانها مسلوبة الوسن

تدعو إلى زينب يا عمتا سلب العلج

القناع ليسبيني ويهتكني

فرمت أستر وجهي عند رؤيته

فظل يشتمني عمداً ويضربني

أين الحماة وأين الناصرون لنا

وا خيبتي جار دهري واعتدى زمني

لهفي على السيد السجاد معتقلاً

في أسرهم مستذلا ناحل البدن

إذا شكا اسمعوه قبح شتمهم

وإن ونى قنعوه فاضل الرسن

وا حسرتاه لكريم السبط مشتهراً

كالبدر يشرق فوق الدل واللدن

فيا لها محنة عمت مصيبتها

ويا لها حسرة في قلب ذي شجن

يهني يزيد برأس طال ما رشف

المختار من ثغره تقبيل مفتتن

وتستحث بنات المصطفى ذللا

على المطايا إلى الأطراف والمدن

قد قابلونا بنو حرب بما صنعوا

ولا شفوا غلل الأحقاد والضغن

بفعلهم كفروا فينا واعتقدوا

أن لا جزاء على قبح ولا حسن

مضوا على سنن الماضين وارتكبوا

نهج الضلال ومالوا عن هدى السنن

كأنني بالبتول الطهر واقفة

في الحشر تشكو إلى الرّحمن ذي المنن

تأتي وقد ضمخت ثوب الحُسين دماً

من نحره وهي تبدي الحزن في حزن

تدعو الا ابن مسمومي ويا أسفي

على قتيلي ويا كربي ويا حزني

يا رب من نوزعت ميراث والدها

مثلي ومن طولبت بالحقد والإحن

ومن ترى جرعت في ولدها غصص

كما ابن مرجانة الملعون جرعني

ومن ترى كذبت قبلي وقد علموا

أن الإله من الأرجاس طهرني

وهل لبنت نبي أضرمت شعل

كما أطيف به بيتي ليحرقني


خرجت أطلب للأطفال بلغتهم

دفعني ظالمي عنها ودافعني

رب انتصف لي ممن خان عهدك

في ولدي وممن زوى إرثي فأفقرني

وتستغيث أمام العرش ساجدة

والمصطفى واقف والدمع كالمزن

فيبرز الأمر أني قد سمعت وقد

نقمت ممن عصى أمري وخالفني

أعظم بها ومنادي الحشر يسمع بالصوت

الرفيع لديها كل ذي أذن

غضوا العيون فخاتون القيامة قد

جاءت لتشفع فيمن بالولاء كنى

من كل محترق من عظم فجعتها

بكى وساعدها بالمدمع والهتن

يا سادتي الهادي النّبي ومن

أخلصت ودي لهم في السر والعلن

عرفتكم بدليل العقل والنظر المهدي

فلم أخش كيد الجاهل اللكني

ظفرت بالكنز في علم اليقين فلم

أخش اعتراضاً لدى شك ينازعني

فلست آسى على من ظل يبعدني

بالقرب منكم ومن بالغت ترحمني

وإنني أرتجي أن سوف يلطف بي

ربي فيصفح عن جرمي ويرحمني

وأن فاطمة الزّهراء تشفع لي

والمرتضى لجنان الخلد يقسمني

فاز الخليعي كل الفوز واتضحت

بكم له سبل الإرشاد والسنن

الباب الثّاني

أيّها المؤمنون الأخيار , لا تبخلوا بالدّموع الغزار على عترة النّبي الـمُختار ، ألا تحبّون أن يغفر الله لكم ويجزل لديه ثوابكم ؟ أليس هُم شفعاؤكم يوم المعاد إذا وقفتم بين يدي ربّ العباد ؟ أليس هُم العدّة لكم بكلّ شدّة ؟ أليس بهم تحطّ الأوزار ؟ أليس هُم الجنان الواقية من النّار ؟ فمَن بخل منكم عليه بإثارة الأحزان والأشجان , فعلى نفسه بخل ولقدر مواليه وساداته حقر وجهل , أيبكي الباكون منكم على الأهل والأولاد والآباء والأجداد ؟ فيا عجباً لمن أساء إليهم وظلمهم وقصّر في حقّهم وما أكرمهم! وما ارتكب منهم ما يوجب السّخط العظيم , والعدل عن النّهج القويم والصّراط الـمُستقيم ؟! أمر :( تَكَادُ السّماوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقّ الْأَرْضُ وَتَخِرّ الْجِبَالُ هَدّاً ) (١) :

إن كنت في شك فسل عن حالهم

سنن الرّسول ومحكم التنزيل

فهناك أعدل شاهد لذوي النهى

وبيان فضلهم على التفصيل

____________________

(١) سورة مريم / ٩٠.


ووصية سبقت لأحمد فيهم

جاءت إليه على يدي جبرائيل

روي عن اُمّ سلمة : أنّ الحسن والحُسين دخلا على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وكان عنده جبرائيل (عليه‌السلام ) , فجعلا يدوران حوله يشبّهانه بدحية الكلبي , فجعل جبرائيل يومي بيده نحو السّماء كالـمُتناول شيئاً , فإذا بيد جبرائيل تفّاحة وسفرجلة ورمّانة , فناولهما الجميع , فتهلّلت وجوههما فرحاً وسعيا إلى جدّهما , فقبّلهما وقال لهُما : (( اذهبا إلى منزلكما وابدءوا بأبيكما )).ففعلا كما أمرهما جدّهما , ولم يأكلوا منها شيئاً حتّى جاء النّبي إليهم , فجلسوا جميعاً وأكلوا حتّى شبعوا , ولم يزالوا يأكلون من ذلك السّفرجل والتّفّاح والرّمان , وهو يرجع كما كان أوّلاً حتّى قُبض النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , ولم يلحقه التّغيير والنّقصان في مدّة أيّام حياة فاطمة (عليها‌السلام ).

قال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( فلمّا توفّيت اُمّي فاطمة , فقدنا الرّمان وبقي التّفّاح والسّفرجل أيّام حياة أبي ، فلمّا استشهد أبي عليّ بن أبي طالب (عليه‌السلام ) , فقدنا السّفرجل وبقي التّفاح عليَّ إلى وقت مُنعت فيه شرب الماء , فكنت أشمّها إذا عطشت , فيسكن لهيب عطشي ، فلمّا دنا أجلي , رأيتها قد تغيّرت فأيقنت بالفناء )).

قال عليّ بن الحُسين : (( سمعت أبي يقول ذلك قبل مقتله بساعة , فلمّا قضى نحبه , وجد ريح التّفّاح في مصرعه , فالتمست التّفّاحة فلم أجد لها أثراً , فبقي ريحها بعد مقتله (عليه‌السلام ) , ولقد زرت قبره فشممت منه رائحة التّفّاح تفوحّ من قبره صلوات الله عليه , فمَن أراد ذلك من شيعتنا الصّالحين الزّائرين قبر الحُسين , فيلتمس ذلك في أوقات السَّحر , فإنّه يجد رائحة التّفّاح عند قبر الحُسين إن كان مخلصاً موالياً صادقاً )).

وعن الصّادق (عليه‌السلام ) : (( أنّ جبرائيل نزل إلى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فقال : يا مُحمّد , إنّ الله يقرؤك السّلام ويبشّرك بمولود من ابنتك فاطمة الزّهراء (عليها‌السلام ) , وتقتله اُمّتك من بعدك .فقال : يا جبرائيل , قُل لربّي , لا حاجة لي في مولد يولد من فاطمة وتقتله اُمّتي من بعدي .قال : فعرج جبرائيل (عليه‌السلام ) إلى السّماء في أسرع من طرفة عين , ثمّ هبط وقال : يا مُحمّد , إنّ ربّك يقرأ عليك السّلام , ويبشّرك أنّه جاعل في ذرّيّته الأمانة والولاية والوصيّة .فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : رضيت بذلك .ثمّ أرسل النّبي إلى ابنته فاطمة (عليها‌السلام ) , يقول : إنّ الله يبشّرك بمولود يولد منك وتقتله اُمّتي من بعدي .فجزعت فاطمة وأرسلت إليه تقول : لا حاجة لي في مولود يولد منّي وتقتله اُمّتك من بعدنا .فأرسل إليها يقول : إنّ الله


جاعل من ذرّيّته الإمامة والولاية والوصيّة .فأرسلت إليه تقول : إنّي قد رضيت :( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ) (١) .[ فلو أنّه قال : اصلح لي ذريتي ، لـ ] كانت ذرّيّته كلّهم أئمة )) .فهذه الآية نزلت في شأن الحُسين (ع).

وروي : أنّ الحُسين لم يرضع من ثدي فاطمة شيئاً , ولا رضع من اُنثى لبناً , ولكنّه كان يؤتى به إلى جدّه رسول الله , فيضع إبهامه في فيه , فيمصّ منها لبناً يكفيه ويُغذّيه يومين أو ثلاثة أيّام , فنبت لحم الحُسين من لحم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , ودمه من دمه وعظمه من عظمه , ومخّه من مخّه وشعره من شعره , ولم يولد مولود لستة أشهر , إلّا عيسى بن مريم والحُسين بن فاطمة (عليهم‌السلام ).

وفي خبر آخر : أنّ فاطمة (عليها‌السلام ) لمـّا اغتسلت بعدما ولدت الحُسين , جفّ لبنها , فطلب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مرضعة , فلم يجد له مرضعة , فكان يأتيه الحُسين مع اُمّ سلمة فيلقمه إبهامه فيمصّه , ويجعل الله له من إبهام النّبي رزقاً يغذّى به بقدرة الله تعالى.

وفي خبر آخر : بل كان رسول الله يُدخل لسانه في فم الحُسين , فيغّره كما يغّر الطّير فرخه , فيجعل الله له في ذلك رزقاً بقدرة الله تعالى , ففعل ذلك به أربعين يوماً وليلة ، فنبت لحمه من لحم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

أيقتل ظمآناً حُسين بكربلا

وفي كل عضو من أنامله بحر

ووالده الساقي على الحوض في غد

وفاطمة ماء الفرات لها مهر

فوا لهف نفسي للحسين وما جنى

عليه غداة الطف في حربه شمر

سنان سنان خارق منه في الحشا

وصارم شمر في الوريد له شمر

تجر عليه العاصفات ذيولها

ومن نسج أيدي الصافنات له طمر

فيا لك مقتولاً بكته السّماء دماً

فمغبر وجه الأرض بالدم محمر

مصابكم يا آل طة مصيبة

ورزء على السّلام أحدثه الكفر

حكى عبد الله بن العبّاس , قال : جاءني رجل من بني اُميّة , فقال : أريد أن أسألك عن سؤال ؟ فقلت له : سل عمّا تُريد.فقال لي : يا عبد الله , ما تقول في دم البعوضة , هل يُنقض الوضوء أم لا ؟ وهل هو طاهر أم نجس ؟ فقلت له : ثكلتك اُمّك يا عديم الرأي ! تسأل عن دم البعوضة فلِمَ لا سألت عن دم الحُسين ابن بنت

____________________

(١) سورة الأحقاف / ١٥.


رسول الله ؟! سفكتم دمه وقطعتم لحمه وكسرتم عظمه , وقتلتم أولاده وأطفاله وأنصاره , وسبيتم حريمه ومنعتموه من شرب الماء , ألا لعنة الله على الظّالمين .ثمّ التفت عبدالله إلى جلسائه , وقال : انظروا إلى هذا اللعين , كيف يسألني عن دم البعوضة , ولا يخاف أن يسأله الله عن دم الحُسين ابن بنت رسول الله ؟! ثمّ قال لأصحابه : والله , إنّي سمعت بهاتي أذني من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول مراراً كثيرة : (( الحسن والحُسين ريحانتاي في الدُنيا , وهُما منّي وأنا منهُما , أحبّ الله مَن أحبّهما , وأبغض الله مَن أبغضهما , وآذى الله مَن آذاهما , ووصل الله مَن وصلهما , وقطع الله مَن قطعهما , فإنّهما ابناي وسبطاي وقرّتا عيني , وسيّدي شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين )) .فقلت : يا رسول الله , أيّ أهل بيتك أحبّ إليك ؟ فقال : (( الحسن والحُسين أحبّ النّاس إليّ )) .وكان يقول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يا فاطمة , ادعى لي ابني )) .فيأتيان إليه فيضمّهما إليه , ويشمّهما ويقبّلهما ويقول : (( أحبّ الله مَن أحبّ الحسن والحُسين ومَن أحبّ ذرّيّتهما , فمَن أحبّهم لم تمس جسده نار جهنّم ولو كانت ذنوبه بعدد رمل عالج , إلّا أن يكون له ذنب يخرجه عن الإيمان )).

وعن الأوزاعي , عن عبد الله بن شداد , عن اُمّ الفضل بنت الحرث , أنّها دخلت على رسول الله فقالت : يا رسول الله , رأيت البارحة حلماً مُنكراً شديداً .قال : (( وما هو يا اُمّ الفضل ؟ )) .قالت : رأيت كأنّ قطعة من جسدك قُطعت ووضعت في حجري .فقال رسول الله : (( يا اُمّ الفضل , ستلد ابنتي فاطمة غُلاماً , فتكون تربيته في حجرك )) .قالت : فولدت فاطمة الحُسين وكان كما قال رسول الله , فربّيته في حجري ، فدخلت به يوماً على النّبي فوضعته في حجره ، ثمّ حانت منّي إلتفاتة , فإذا عينا رسول الله تهرقان بالدّموع , فقلت : بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ، ما لك تبكي ؟! فقال : (( أتاني جبرائيل أخي , وأخبرني أنّ اُمّتي ستقتل ابني هذا , وأتاني بقبضة من تربة حمراء فأرانيها )).

ومن طرقهم : أنّ عيسى بن مريم (عليه‌السلام ) مرّ بكربلاء , فرأى عدّة من الظّباء هناك مجتمعة , فأقبلت إليه وهي تبكي , وأنّه جلس وجلس الحواريّون , فبكى وأبكى الحواريّين وهم لا يدرون لِمَ جلس ولِمَ بكى , فقالوا : ياروح الله وكلمته , ما يبكيك ؟ قال : أتعلمون أيّ أرض هذه ؟ قالوا : لا .قال : هذه أرض يُقتل فيها فرخ لرسول أحمد , وفرخ الخيّرة الطّاهرة البتول شبيهة اُمّي , ويُلحد فيها , وهي أطيب من المسك ؛ لأنّها طيبة الفرخ المستشهد , وهكذا تكون طينة الأنبياء وأولاد الأنبياء (عليهم‌السلام ) , وهذه الظّباء


تكلّمني وتقول : إنّها ترعى في هذه الأرض ؛ شوقاً إلى تربة الفرخ الـمُبارك .وزعمت أنّها آمنة في هذه الأرض .ثمّ ضرب بيده إلى ثغر تلك الظّباء فشمّها , وقال : اللّهمّ , ابقها حتّى يشمّها أبوه فتكون له عزاء .فبقيت إلى أيّام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) , فشمّها وبكى وأخبر بقصّتها.

وعن سلمان الفارسي , أنّه قال : كان سيّدنا أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) يحدّثنا كثيراً بالأشياء والمغيّبات , التي تحدث على مرور السّنين والأوقات , وأنّه يوم الجُمُعة يخطب على منبره في جامع الكوفة , فقال في خطبته : (( أيّها النّاس , سلوني قبل أن تفقدوني , فو الله , لا تسألوني عن فئة تضلّ مئة وتهدي مئة , إلّا أنبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة )) قال : فقام إليه رجل فاجر فاسق , وقال له : يا عليّ , أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر ؟ فقال له (عليه‌السلام ) : (( والله , لقد أخبرني بسؤالك هذا ابن عمّي رسول الله , ونبّأني بما سألت عنه , وإنّ على كلّ طاقة من شعر رأسك ولحيتك شيطاناً يغويك ويستفزّك , وإنّ على كلّ شعرة من بدنك شيطاناً يلعنك ويلعن ولدك ونسلك , وإنّ لك ولداً رجساً ملعوناً , يقتل ولدي الحُسين بن بنت رسول الله , وأنت وولدك بريئان من الإيمان , ولولا أنّ الذي سألتني عنه يعسر برهانه لأخبرتك به , ولكن حسبك فيما نبأتك به من لعنتك ورجسك , وولدك الملعون الذي يقتل ولدي ومهجة قلبي الحُسين )) قال : وكان له ولد صغير في ذلك الوقت , فلمّا نشأ وكبر وكان من أمر الحُسين ما كان , نمى الصّبي وتجبّر وتولّى قتل الحُسين (عليه‌السلام ) .وقيل : إنّ ذلك الصّبي كان اسمه خولّى بن يزيد الأصبحي , وهو الذي طعن الحُسين برمحه , فخرج السّنان من ظهره , فسقط الحُسين على وجهه يخور في دمه ويشكو إلى ربّه :( أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظّالِمِينَ ) (١) .فيا ويلهم ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حُرمة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , كأنّهم ما سمعوا ما ورد في حقّهم , أم سمعوا وهم غافلون ! :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (٢) .

فعلى الأطائب من آل بيت مُحمّد فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ ابن حماد (رحمه‌ الله تعال ى)

أرى الصبر يفنى والهموم تزيد

وجسمي يبلى والسقام جديد

____________________

(١) سورة هود / ١٨.

(٢) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


إذا ما تعمدت السلو في خاطري

أباه فؤادي للهموم عنيد

وذكرني بالحزن والنوح والبكا

غريب بأكناف الطفوف فريد

يودع أهليه وداع مفارق

لهم أبد الأيام ليس يعود

كأني بمولاي الحُسين وصحبه

كأنهم تحت الوطيس أسود

عطاشى على شاطئ الفرات فمالهم

سبيل إلى قرب المياه ورود

فياليتني يوم الطفوف شهدتهم

وكنت كما جادوا هناك أجود

لقد صبروا لا ضيع الله صبرهم

إلى أن قتلوا من حوله وأبيدوا

وقد خرّ مولاي الحُسين مجدلاً

قتيلاً عفيراً في التراب وحيد

وأقبل شمر الرجس واحتز رأسه

بقلب مشؤوم فارقته سعود

وساقوا السبايا من بنات محمد

يسوقهم قاسي الفؤاد عتيد

وفاطمة الصغرى تقول لاختها

وقد كضها جهد هناك جهيد

يا أخت قد ذابت من السير مهجتي

سلي سائق الأضعان أين يزيد

تنادي وقد أبدت من الثكل صبرها

بصوت تكاد الأرض منه تميد

بكى رحمة لي حاسدي ومعاندي

فيا سوء حال إذ بكاه حسود

فني جلدي يابن الوصي وليس

فؤادي على ما لقيت جليد

فيا غائباً لا يرتجى منه أوبة

مزارك من قرب الديار بعيد

ظننت بأن تبقى فأيسني الرجا

ويأسي المرجى يابن أمي شديد

تبيد الليالي والدهور ومهجتي

وحزني على مولاي ليس يبيد

سيعلم أعداء الحُسين ورهطه

إذا ما هم يوم المعاد أعيدوا

واقبلت الزّهراء فاطم حولها

من أملاك رب العالمين جنود

تنادي إلهي خذ بحق ظالمي

فإنك عدل للخصوم عنيد

فهذا يزيد قاتل إبني ورهطه

على ظمأ حتّى فنوا وأبيدوا

وساقوا بناتي حاسرات أذلة

كما سيل من نسل العبيد عنيد

فتبكي لها الأملاك جمعاً وعندها

ينادي منادي الحق أين يزيد

فيؤتى به سحباً ويؤتى برهطه

وجوههم بين الخلائق سود

فيأمر مولاي الجليل بقتلهم

إذ قتلوا من بعد ذاك أعيدوا


وتقتلهم أولاد فاطم كلهم

وشيعتهم والعالمون شهود

ويحشرهم ربي إلى ناره التي

يكون بها للظالمين خلود

إذا نضجت فيها هناك جلودهم

أعيد لهم من بعد ذلك جلود

فما فعلت عاد كقبح فعالهم

ولا استحسنت ما استحسنته ثمود

شهدت بمن حج الملبون بيته

وربي على ما قد شهدت شهيد

بأن رسول الله أكرم من مشى

ومن حملته في المهامة قود

وعترته أزكى وأطهر عترة

ومن جاد حتّى لا يكون يجود

ولولاهم لم يخلق الله خلقه

ولم يك وعد فيهم ووعيد

وما خلقوا إلّا ليمتحن الورى

فيشقى شقي فيهم وسعيد

عليهم سلام الله ما در شارق

وما اخضر يوماً في الأرائك عود

وإني ابن حماد بمدح أئمتي

أعيش وعيشي في الزمان حميد

أحبر في آل النّبي مدائحي

وأحسن ما حبرته وأجيد

الباب الثّالث

يا إخواني , تفكّروا في أنوار الله في أرضه وسمائه , وأصفياء الله وحججه وخلفائه , كيف تُقطّع منهم الأوصال , ويُجدّلون على الرّمال , ويتجرّعون الحتوف بأراضي الطّفوف ؟ ولعمري , هذا دأب الصّالحين وأولياء الله الـمُقرّبين ، فإنّ الله يذود أولياءه عن لذّات الدُنيا , كما يذود لراعي الشّفيق إبله عن مراتع الهلكة .وتأكيد ذلك ما روي : أنّ موسى (عليه‌السلام ) لمـّا توجّه إلى مناجاة ربّه , اعترضه رجل من عباده الصّالحين , فقال له : يا موسى , أبلغ ربّك أنّي أحبّه وأنا مُطيع له .فلمّا فرغ موسى من الـمُناجاة , نودي : (( يا موسى , ألا تبلغني رسالة عبدي ؟ )) .فقال : يا إلهي , أنت العالم بما قال عبدك .فقال ذو الجلال : (( يا موسى , أنا أيضاً أحبّه )) .فازداد ذلك الرّجل في يقين موسى إنّه عبد صالح , فلمّا رجع موسى من مُناجاة ربّه , جعل يتفقّد ذلك الرّجل في مكانه , فإذا هو بالأسد قد افترسه , فتعجّب موسى (عليه‌السلام ) وحزن عليه , وقال : يا إلهي , رجل صالح تحبّه ويحبّك , تسلّط عليه كلباً من كلابك يفترسه ؟! فأتاه النّداء : (( نعم يا موسى , وهكذا أفعل بأحبابي وأوليائي , ابتليهم في دار الهوان , وأسكنهم عندي في غرفات الجنان )).

وروي أيضاً : أنّ رجُلاً جاء إلى رسول الله , فوقف بين


يديه , فقال : يا رسول الله , إنّي أحبّ الله عزّ وجلّ ، فقال : (( استعد للبلاء )) .فقال : يا رسول الله , وإنّي أحبّك .فقال له : (( استعد للفقر )) .فقال : وإنّي أحبّ عليّ بن أبي طالب .فقال : (( استعد لكثرة الأعداء )).

ولـمّا كان الإمام الحُسين حبيب الملك الدّيان , وولي الواحد المنّان , وحجّة الله على العباد , لا جرم ابتلاه الله بأهل العناد والفساد ، وهل اصابته تلك السّهام والمحن العظام ، إلّا من القوس الذي وتر على أبيه واُمّه وأخيه ؟( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) (١) ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (٢) .فتعساً لِمَن أردى تلك العصابة الكرام ! وسحقاً لِمَن نكّس أعلام أولئك الأعلام ! أما خافوا من أهوال يوم القيامة ؟! أما راقبوا جدّهم صاحب الغمامة ؟! أما راجعوا عقولهم فعلموا في المحشر كيف يكون ؟! وبماذا يتعللون إذا بكت الزّهراء على ما حلّ بولدها الذي هو قطعة من كبدها ؟( هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقّ وَضَلّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) (٣) .

روي : أنّ النّبي خرج من المدينة غازياً وأخذ معه عليّاً , وبقي الحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) عند اُمّهما لأنّهما صغيران , فخرج الحُسين (عليه‌السلام ) ذات يوم من دار اُمّه يمشي في شوارع المدينة , وكان عمره يومئذ ثلاث سنين , فوقع بين نخيل وبساتين حول المدينة , فجعل يسير في جوانبها ويتفرّج في مضاربها , فمرّ عليه يهودي يُقال له صالح بن رقعة اليهودي , فأخذه إلى بيته , وأخفاه عن اُمّه حتّى بلغ النّهار إلى وقت العصر , والحُسين لم يتبيّن له أثر , فقاد قلب فاطمة بالهمّ والحزن على ولدها الحُسين (عليه‌السلام ) , فصارت تخرج من دارها إلى باب مسجد النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سبعين مرّة , فلم تر أحداً تبعثه في طلب الحُسين (عليه‌السلام ) , ثمّ أقبلت إلى ولدها الحسن (عليه‌السلام ) , وقالت له : (( يا مُهجة قلبي وقُرّة عيني , قُم فاطلب أخاك الحُسين , فإنّ قلبي يحترق من فراقه )) .فقام الحسن وخرج من المدينة , وأتى إلى دور حولها نخل كثير , وجعل يُنادي : (( يا حُسين بن عليّ ! يا قرّة عين النّبي ! أين أنت يا أخي ؟ )) .قال : فبينما الحسن يُنادي , إذ بدا له غزالة في تلك السّاعة , فألهم الله الحسن أن يسأل الغزالة , فقال : (( يا ظبية , هل رأيت أخي حُسيناً ؟ )) .فأنطق الله الغزالة ببركات رسول الله ، وقالت : يا حسن , يا نور عين الـمُصطفى وسرور قلب الـمُرتضى , ويا مُهجة فؤاد الزّهراء , اعلم أنّ أخاك أخذه صالح اليهودي وأخفاه في بيته .فسار الحسن حتّى

____________________

(١) سورة إبراهيم / ٤٢.

(٢) سورة الشّعراء / ٢٢٧.

(٣) سورة يونس / ٣٠.


أتى دار اليهودي , فناداه فخرج صالح , فقال له الحسن : (( إليّ الحُسين من دارك وسلّمه إليّ , وإلّا أقول لاُمّي تدعو عليك في أوقات السّحر , وتسأل ربّها حتّى لا يبقى على وجه الأرض يهودي , ثمّ أقول لأبي يضرب بحسامه لجمعكم حتّى يلحقكم بدار البوار , وأقول لجدّي يسأل الله سبحانه أن لا يدع يهودياً إلّا وقد فارق روحه )) .فتحيّر صالح اليهودي من كلام الحسن ، وقال له : يا صبي مَن اُمّك ؟ فقال : (( اُمّي الزّهراء بنت مُحمّد الـمُصطفى , قلادة الصّفوة ودرّة صدف العصمة , وعزّة جمال العالم والحكمة , وهي نقطة دائرة المناقب والمفاخر , ولمعة من أنوار المحامد والمآثر ، خمرة طينة وجودها من تفّاحة من تفّاح الجنّة , وكتب الله في صحيفتها عتق عصاة الاُمّة ، وهي اُمّ السّادة النُجباء وسيّدة النّساء , البتول العذراء فاطمة الزّهراء (عليها‌السلام ) )).فقال اليهودي : أمّا اُمّك فعرفتها ، فمَن أبوك ؟ فقال الحسن (عليه‌السلام ) : (( إنّ أبي أسد الله الغالب عليّ بن أبي طالب , الضّارب بالسّيفين , والطّاعن بالرّمحين , والـمُصلّي مع النّبي في القبلتين , والمفدي نفسه لسيّد الثّقلين , أبو الحسن والحُسين )).فقال صالح : يا صبي , قد عرفت أباك , فمَن جدّك ؟ فقال : (( جدّي [ درّة ] من صف [ صدف ](١) الجليل ، وثمرة من شجرة إبراهيم الخليل ، الكوكب الدّرّي , والنّور المضيء من مصباح التّبجيل المعلقة في عرش الجليل , سيّد الكونين ورسول الثّقلين , ونظام الدّارين وفخر العالمين , ومُقتدى الحرمين , وإمام المشرقين والمغربين , وجدّ السّبطين أنا الحسن وأخي الحُسين )).

قال : فلمّا فرغ الحسن من تعداد مناقبه , انجلى صداه الكفر عن قلب صالح , وهملت عيناه بالدّموع , وجعل ينظر كالمتحيّر, متعجّباً من حسن منطقه وصغر سنّه وجودة فهمه , ثمّ قال : يا ثمرة فؤاد الـمُصطفى , ويا نور عين الـمُرتضى , ويا سرور صدر الزّهراء , يا حسن , أخبرني من قبل أن أسلّم إليك أخاك عن أحكام دين الإسلام , حتّى أذعن لك وأنقاد إلى الإسلام .ثمّ إنّ الحسن عرض عليه أحكام الإسلام , وعرّفه الحلال والحرام , فأسلم صالح وأحسن الإسلام على يد الإمام , وسلّمه أخاه الحُسين , ثمّ نثر على رأسيهما طبقاً من الذّهب والفضّة , وتصدّق به على الفُقراء والمساكين ببركة الحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) ، ثمّ إنّ الحسن أخذ بيد أخيه الحُسين وأتيا إلى اُمّهما ، فلمّا رأتهما اطمأنّ قلبها وزاد سرورها بولديها.

قال : فلمّا كان اليوم الثّاني , أقبل

____________________

(١) ما في المعقوفتين هي من إضافات ( موقع معهد الإمامَين الحسنَين).


صالح ومعه سبعون رجُلاً من رهطه وأقاربه , وقد دخلوا جميعهم في الإسلام على يد الإمام ابن الإمام أخى الإمام (عليهم أفضل الصّلاة والسّلام) ، ثمّ تقدّم صالح إلى الباب - باب الزّهراء - رافعاً صوته بالثّناء للسادة الاُمناء , وجعل يمرّغ وجهه وشيبته على عتبة دار فاطمة , وهو يقول : يا بنت مُحمّد الـمُصطفى , عملت سوءاً بابنك وآذيت ولدك , وأنا على فعلي نادم , فاصفحي عن ذنبي .فأرسلت إليه فاطمة تقول : (( يا صالح , أمّا أنا فقد غفرت عنك من حقّي ونصيبي , وصفحت عمّا سوءتني به , لكنّهما ابناي وابنا عليّ الـمُرتضى , فاعتذر إليه ممّا آذيت ابنه )) .ثمّ إنّ صالحاً انتظر عليّاً حتّى أتى من سفره , وعرض عليه حاله واعترف عنده بما جرى له , وبكى بين يديه واعتذر مما أساء إليه , فقال له : (( يا صالح , أمّا أنا فقد رضيت عنك وصفحت عن ذنبك , لكن هؤلاء ابناي وريحانتا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فامض إليه واعتذر ممّا أسأت بولده )) .قال : فأتى صالح إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) باكياً حزيناً , وقال : يا سيّد الـمُرسلين , أنت قد اُرسلت رحمة للعالمين , وإنّي قد أسأت وأخطأت , وإنّي قد سرقت ولدك الحُسين , وأدخلته داري وأخفيته عن أخيه واُمّه , وقد سوءتهما في ذلك , وأنا الآن قد فارقت الكفر ودخلت في دين الإسلام .فقال له النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( أمّا أنا فقد رضيت عنك وصفحت عن جرمك , لكن يجب عليك أن تعتذر إلى الله , وتستغفره ممّا أسأت به قرّة عين الرّسول ومهجة فؤاد البتول , حتّى يعفو الله عنك سبحانه )) .قال : فلم يزل صالح يستغفر ربّه ويتوسّل إليه , ويتضرّع بين يديه في أسحار الليل وأوقات الصّلوات , حتّى نزل جبرائيل إلى النّبي بأحسن التّبجيل , وهو يقول : (( يا مُحمّد , قد صفح الله عن جرم صالح حيث دخل في دين الإسلام على يد الإمام ابن الإمام عليهم أفضل الصّلوات والسّلام )) .:

فقل لحساده موتوا بغيضكم

فإنه بعطاء الله ممنوح

وحرفوا ما استطعتم من إمامته

فشأنه بلسان الحق ممدوح

بيوتكم بفنون اللهو مفعمة

وبيته فيه تقديس وتسبيح

فإنكم جسد ميت بكثرتكم

وفضله بين أبدان الورى روح

عن أبي ذر الغفاري , قال : كان سيدي عليّ بن أبي طالب يحدّثنا في بعض الأوقات بالمغيّبات , فبينما نحن جلوس معه في جامع الكوفة , إذ دخل إليه رجل


وسلّم عليه , وقال له : يا أمير المؤمنين , إنّي مررت بوادي القُرى , فرأيت خالد بن عرفطة مقتولاً مطروحاً في البر .فقال له عليّ (عليه‌السلام ) : (( كذبت , أنّ خالداً لم يمت حتّى يقود جيش الضّلال ابن زياد , ويكون حامل لوائه حبيب بن جماز لعنه الله تعالى )) .فقام حبيب بن جماز من بينهم , وقال : يا أمير المؤمنين , أراك تقول هكذا وإنّي لك شيعة , وأنا موال لك , وإنّي لك محبّ ؟! فقال له : (( مَن أنت ؟ )) .فقال : أنا حبيب بن جماز .فقال له : (( إيّاك إيّاك أن تحملها يا شقي ! ولكن لا بدّ أن تحملها وتدخل بها من هذا الباب )) .وأومى بيده إلى باب الفيل بمسجد الكوفة , (( وتُقاتل ولدي الحُسين بعد وفاتي )) .فلمّا كان من أمر الحُسين ما كان وحان من حينه ما حان , بعث ابن زياد بعمر بن سعد إلى حرب الحُسين (عليه‌السلام ) , وجعل خالد بن عرفطة على مقّدمته بأربعة آلاف فارس , وحبيب بن جماز حامل رايته , فسار بها حتّى دخل مسجد الكوفة من باب الفيل كما أخبر أمير المؤمنين (عليه‌السلام ).

ومن أخباره بالمغيّبات : أنّه (عليه‌السلام ) التفت إلى البرّاء بن عازب ، وقال له : (( يابن عازب , يُقتل ولدي الحُسين وأنت حيّ حاضر ولم تنصره , وتزعم أنّك مُحبّ لنا )) .فلمّا قُتل الحُسين , كان البرّاء بن عازب يُظهر الحسرة والنّدم , ويقول : حدّثني سيّدي عليّ بن أبي طالب أنّه يُقتل ولده الحُسين ولم أنصره .وظلّ يُكثر الحسرة والنّدم مدّة عمره.

فانظروا يا إخواني إلى ما خصّ الله به هذا الشّخص الرّباني من الفضائل العظيمة والعطايا الجسيمة .فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ الدرمكي ( رحمه ‌الله تعالى )

نحول جسمي لا ينفك عني

وقد صار البكا شغلي وفني

وقلبي فيه نيران ووجد

وهمي صار ممزوجاً بحزني

يطيب لي البكا في كل وقت

وأسعف في الرزايا من سعفني

كفاني موت خير الخلق طراً

بأن النفس في السلوان أشني

أخذتم نحلتي ظلماً وإرثي

وحلتم دون ما ربي رزقني

وسب البضعة الزّهراء لـمّا

أتت زفراً وقالت ما نصفني


أما في هل أتى وفيت نذري

فيا ويل لملعون عصبني

سلوا عم وطة إن شككتم

سلوا ياسين ما ربي رزقني

فقال الرجس ما نرضى بهذا

ولا ذا القول في ذا اليوم يغني

فماتت وهي في حرق وكرب

تواصل حر زفرتها بغين

وقتل الطهر في المحراب لـمّا

أتته كتب ملعون ولكني

بأنا طائعون بكل أمر

وأنت محكم في كل فن

فعجل بالمسير يظن خيراً

يحسب البيد سرعاً لا يوني

إلى أن صار في نقع المنايا

وحادي العيس مسرور يغني

فمانعه الجواد السير عنها

فقال لصحبته يا من حضرني

فما اسم الأرض يا قوم انبؤني

ففي أكنافها قد طاش ذهني

فقالوا ذي منازل كربلايا

فقال الكرب فيها قد شملني

ألا حطوا الرحال فلا مسير

ففي هذه الفلاة يكون دفني

وفيها يقتل العباس ظلماً

ويقتل كل صديق نصرني

وفيها تقتل أولادي وصحبي

وتسبى نسوتي بالرغم مني

وفي هذي الفلاة نزار حقاً

وقد جاز السعادة من نصرني

وأقتل ظامياً والماء طام

ويشربه هنيئاً من منعني

إذا شرب المحب الماء بعدي

فطاب له التنغص إذ ذكرني

وما لي مهرب عن أمر ربي

فقد لاحت دلائل ما وعدني

فلما كان وقت الظهر بانت

لهم خيل لأشقى الخلق تدني

فقال أتتكم أرجاس حرب

بأعلام تخالف ما وردني

فما للقوم قصدكم سبيلاً

وكل بالمنايا قد قصدني

فضجوا بالبكاء حزناً عليه

وقالوا بعدكم لا عيش يهني

فلا والله لا نرضى بذل

ولا نستقبل الأعداء يجني

ولكن نبذل الأرواح منا

ونرضى خير مسؤول ومغني

ونفحم عند نيران الأعادي

ونوصل فيهم ضربا بطعن

فيا لله كم قطعوا رؤوساً

وكم قد ألحقوا قرناً بقرن


إلى أن جدلوا بالترب جمعاً

عليهم جاريات الريح تبني

وظل الطهر يفترس الأعادي

كليث ثار في إبل وضان

إلى أن خر مطعوناً طريحاً

دنيفاً بإنكسار الطرف يرني

ينادي بعد عز وامتناع

أما أحد على أهلي يجرني

أليس البضعة الزّهراء أمي

وجدي أحمد يا من جهلني

فقال الشمر أقصر يا حُسين

وما تعديدك المعروف بغني

وحز الرأس كرهاً من قفاه

وبراه وعلاه بلدن

وخلا الجسم منعفراً طريحاً

غسيلاً بالدما من غير دفن

تلوذ به الأرامل واليتامى

حيارى يا أباه منيع ركني

يعز عليك يا أبتاه ما لي

بلا وطأ وقيد قد جرحني

أبي من لليتيمة إن سبتها

علوج أمية واستصرختني

وفاطمة الصغيرة في بكاها

تقول إليك يا أبتاه خذني

وأسكن روعتي مما جرى لي

لأن مصيبة عظمى دهتني

فلو بنت النّبي ترى مكاني

لماتت غصة لمـّا رأتني

وليت الموت قدمني بأخذ

وإلّا عند مصرعكم صرعني

أبي أصبحت منفرداً غريباً

فوا حزناه مما قد دهمني

أبي ساروا بنا فوق المطايا

بأعنف حادي يحدي ببدن

فلما أن أتين إلى يزيد

فقال لساقي الصهباء زدني

وقرب رأس مولانا إليه

ليقرع منه سناً بعد سن

فلعنة ذي الجلال على يزيد

بعد الخلق أنسى وجني

وتغشي أدلماً وأبا فلان

وقرمانا فافهم ما أكني

إليكم يا بني طه عروساً

تربت بين أتراب وخدن

زهت إذ ألبست حلل المعاني

وتوجها مديحكم بحسن

منظمها مديح درمكي

بها يرجو جواركم بعدن

فمن فضل الإله أبي محب

وأمي من محبتكم سقتني


إذا ما نلت من ربي ولاكم

فلا أسفي على شيء منعني

لأنكم أجل الخلق أصلاً

وأعلمهم وأفضلهم بلسن

وأعبدهم وأهداهم وأتقى

وأخوفهم لمن يغني ويفني

صلاة الله دائمة عليكم

تضاعف ما شدت ورقا تغني


المجلس التّاسع

في الليلة الخامسة من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

يا إخواني في الدّين , هل يحسن إصاخة سمعي إلى لوم اللائمين , أو يميل طبعي إلى عذل العاذلين في ترك أحزاني وشجوني , وبثّ أشجاني وأنيني , وقد فتكت أيدي الكفرة الفجرة المارقين بمولاي الحُسين بن أمير المؤمنين ؟ بل أموت وأحزانه في فؤادي وبها ألاقي الله في معادي , فأطيلوا رحمكم الله النّوح والأحزان على سادات الزّمان واُمناء الملك الدّيان , وليكن نوحكم على شفعائكم يوم النّشور أكثر من نوح الحمام والطّيور , وكيف لا ينهدّ ركني لمصابهم ولم أتجرّع بعض ما تجرّعوه من غصصهم وأوصابهم ؟ أأطمع أن أشاركهم في الفضل والأنعام ولا أشاركهم في تلك الأهوال العظام ؟ :

أذل لمن أهوى لأحظى بعزة

وكم عزة قد نالها المرء بالذل

إذا كان من تهوى عزيزاً ولم تكن

ذليلاً له فأقر السّلام على الوصل

ولعمري , كم من باك على ربع خراب , وكم من هائم على سكن التّراب , وهو غافل عن تمثّل هذا الرّزء العظيم والمصاب الجسيم ، فلا خير والله في قلوب لا تميل إليهم ودموع لا تسح عليهم ، وما لي لا أبكيهم حتّى تنقطع أوصالي ؟ كيف وهم مرجعي وبهم اتصالي :

آل الرّسول الألي لا زال حبهم

للقلب من كل داء للمحب شفا


ومن خذلهم فلا تشفى بشافية

قلوبهم ولهم فوق الجحيم شفا

ضاعت حقوقهم حتّى طريقتهم

قد ضل عنها عقول سيرهم عنفا

روي عن الإمام العسكري (ع) في تفسير قوله تعالى :( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (الآية)(١) .قال : (( قال لي أبي عن آبائه عن رسول الله (ص) : لمـّا نزلت هذه الآية في ذمّ اليهود الذين نقضوا عهود الله , وحادوا عن أمر الله , وكذّبوا رسول الله , وقتلوا أنبياء الله , فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : يا أصحابي , أفلا أنبئكم بما يضاهيكم من يهود اُمّتي ؟ فقالوا : بلى يا رسول الله صلّى الله عليك وعلى آلك .فقال : قوم من بني اُميّة يزعمون أنّهم من اُمّتي , ويظنون أنّهم من أهل ملّتي , يقتلون أفاضل ذرّيّتي وأطائب أرومتي وذرّيّة ابنتي , ويبذلون شريعتي ويتركون سنّتي , ويقتلون ولديَّ الحسن والحُسين كما قتل أسلاف هؤلاء اليهود زكريا ويحيى (عليهما‌السلام ) , ألا وأنّ الله يلعنهم كما لعنهم من قبل , ويبعث الله على بقايا ذراريهم يوم القيامة إماماً هادياً مهديّاً من ولد الحُسين , فيقتلهم عن آخرهم ويأخذ بثأر جدّه الحُسين , ولهم يوم القيامة أشدّ العذاب وبئس المصير ، ألا لعن الله قتلة الحُسين ومحبّيهم وناصريهم والشّاكّين في لعنهم من غير تقية , ألا وصلّى الله على الباكين على الحُسين والمقيمين عزاءه , ألا وصلّى الله على مَن بكى على الحُسين رحمة وشفقة ورقّة له ، ألا وصلّى الله على اللاعنين لأعدائهم والممتلين عليهم غيضاً وحنقاً ، ألا وإنّ الرّاضين بقتل الحُسين هُم شُركاء قتلته ، ألا وإنّ قتلته وأعوانهم وأشياعهم والمتقدّمين والمتأخّرين براءة من دين الله , وعليهم لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين ، ألا وأنّ الله يأمر ملائكته المقرّبين أن يتلقّوا دموع الباكين على مصاب الحُسين (عليه‌السلام ) , فيجمعون دموعهم وينقلونها إلى خزنة الجنان , فيمزجونها بماء الحيوان فيزيد في عذبها وطيبها وطعمها ألف ضعفها , وإنّ الملائكة المقرّبين ليتلقّون دموع الفرحين الضّاحكين لقتل الحُسين ومصاب الحُسين , فيلقونها في الهاوية , فيمزجونها بحميم جهنّم وصديدها وغساقها وغسيلها , فتزيد في شدّة حرارتها وعظيم عذابها ألف ضعفها , يشدّد الله على المنقولين إليها من أعداء آل

____________________

(١) سورة البقرة / ٨٤ - ٨٥.


محمد في عذابهم يوم القيامة )) .قال : (( فقام ثوبان مولى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فقال : بأبي واُمّي يا رسول الله ! أخبرني متى قيام الساعة ؟ فقال رسول الله : ماذا أعددت لها ؟ فقال ثوبان : ما أعددت لها كثير عمل إلّا أنّي أحبّ الله ورسوله وأهل بيت رسوله .فقال رسول الله : وإلى ماذا بلغ حبّك لرسول الله وأهل بيته ؟ قال : والذي بعثك بالحقّ نبيّاً , إنّ في قلبي محبّتكم ما لو أنّي قُطّعت بالسّيوف ونُشّرت بالمناشير , وقُرّضت بالمقارض واُحرقت بالنّيران , وطُحنت برحى الحجارة , كان أحبّ إليّ وأسهل عليّ من أن أجد لك في قلبي منك غشّاً أو دغلاً أو بُغضاً , ولا لأحد من أهل بيتك ومن عترتك , فهم أحبّ الخلق إليّ من بعدك , وإنّ أبغض النّاس إليّ مَن لا يحبّك ولا يحبّ أهل بيتك وعرتك .يا رسول الله , فهذا ما عندي من حبّك وحبّ مَن يحبّك , وبغض من يبغضك أو يبغض أحداً من أهل بيتك , فإن قُبل منّي , فقد سعدت , وإن ترد منّي عملاً غيره , فما أعلم أنّ لي عملاً غير هذا أعتمد عليه وأعتدّ به يوم القيامة مع مَن أحبّ.

فقال (ص) : ...واعلم يا ثوبان , لو أنّ عليك من الذّنوب ملأ ما بين الثّرى إلى عنان السّماء , لانحسرت وزالت عنك بهذه الموالاة , أسرع من انحسار الظّل عن الصّخرة الملساء المستوية إذا طلعت عليها الشّمس , ومن انحسار الشّمس إذا غابت عنها , ولعمري , لا عمل فيها أفضل من موالات الآل ؛ لدفع تلك الأهوال والأمور العضال )) .:

يا آل طة أنتم القصد والمنى

وفي يدكم يوم اللقا النفع والضر

رجوتكم ذخري وفخري وعدتي

وما خاب من أنتم له الفخر والذخر

إذا كل من عاداكموا بجهنم

وشيعتكم والمؤمنون بكم سروا

وادخلتموهم للجنان فهم بها

وجوههم بيض ملابسهم خضر

عليكم سلام الله ما ناح صادح

على عذبات الدوح وابتسم الزهر

روي : أنّ الرّشيد لمـّا أراد أن يقتل الإمام موسى بن جعفر (عليه‌السلام ) , أعرض قتله على سائر جنده وفرسانه , فلم يقتله أحد منهم ، فأرسل إلى عُمّاله في بلاد الأفرنج يقول لهم : التمسوا إليّ قوماً لا يعرفون الله ولا يعرفون رسول الله , فإنّي أريد أن أستعين بهم على مُهمّ .قال : فأرسلوا إليه قوماً لا يعرفون من شرائط الإسلام كلمة واحدة , ولا يعرفون من اللغة العربية كلمة واحدة أبداً ، وكانوا خمسين رجلاً , فلمّا


دخلوا إليه , أكرمهم وأعزّهم وأنزلهم في دار الكرامة , وحمل لهم الهدايا والتُحف والخُلع السّنيّة , ثمّ استدعاهم وسألهم : مَن ربّكم , ومَن نبيّكم ؟ فقالوا : لا نعرف لنا ربّاً ولا نبيّاً أبداً .فقال لهم : هذا مرادي وهذا قصدي .فقال لوزيره : قُل لهم , إنّ الملك له عدو في هذا البيت جالس - يعني موسى بن جعفر (عليه‌السلام ) - , فادخلوا إليه واقتلوه ولكم الجائزة العُظمى .فقالوا : سمعاً وطاعة , وهذا أمر هيّن علينا , فإن أردتم قطعناه قطعاً وأكلنا لحمه .قال : فقاموا جميعاً بأسلحتهم كأنّهم السّباع الضّارية ودخلوا على الإمام موسى بن جعفر (عليه‌السلام ) , والرّشيد ينظر إليهم من طاقة حجرته ويبصر ما يفعلون , قال : فلمّا رأوه , رموا أسلحتهم وارتعدت فرائضهم وخرّوا سجّداً يبكون رحمة له ، قال : فجعل الإمام (عليه‌السلام ) يمرّ يده الشّريفة على رؤوسهم وهم يبكون , ومع ذلك يخاطبهم بلحنهم ولغتهم ، قال : فلمّا رأى الرّشيد ذلك منهم , خشي من الفضيحة وصاح بالوزير : اخرجهم عنه .فخرجوا وهُم يمشون القهقرى إجلالاً للإمام (عليه‌السلام ) , ثمّ إنّهم ركبوا خيولهم وأخذوا الهدايا والتُحف التي وصلتهم منه , ومضوا لشأنهم من غير إذن الرّشيد.

فانظروا يا إخواني إلى هذه العداوة العظيمة والشّقاوة المعضلة الجسيمة :( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (١) :

قوم علا بنيانهم من هاشم

فرع أشم وسؤدد ما ينقل

قوم بهم نصر الإله رسوله

وعليهم نزل الكتاب المنزل

وبهديهم رضي الإله لخلقه

وبجدهم نصر النّبي المرسل

روي : أنّ رجُلاً من الخوارج قال لـمُحمّد بن الحنفية : لِمَ غرر بك أبوك في الحروب ولم يغرر الحسن والحُسين ؟ فقال له : ويا ويلك ! أما علمت أنّهما عيناه وأنا يمينه , فهو يدفع بيمينه عن عينيه.

وعن ابن عباس , قال : لمـّا كنُا في حرب صفّين , إذ دعا عليّ ابنه مُحمّد بن الحنفية , وقال له : (( يا بني , شد على عسكر معاوية )) .ففعل ما أمره أبوه وحمل على ميمنة عسكر معاوية فكشفهم , ثمّ رجع إلى أبيه وقد جُرح , فقال له : يا أبي العطش العطش ! فسقاه جرعة من الماء , ثمّ صبّ الباقي بين درعه وجلده , فو الله لقد رايت علق الدّم يخرج من الدّرع , ثمّ أمهله ساعة , ثمّ قال له : (( يا بُني , شد على الميسرة )) .فحمل على ميسرة عسكر معاوية فكشفهم , ثمّ رجع وبه جراحات وهو يقول : الماء الماء يا أبتاه ! فسقاه جرعة من الماء وصبّ باقي الماء

____________________

(١) سورة الصّف / ٨.


بين درعه وجلده ، ثمّ قال له : (( يا بُني , شد على القلب )) .فحمل عليهم فكشفهم وقتل منهم فُرساناً , ثمّ رجع إلى أبيه وهو يبكي وقد أثقلته الجروح , فقام إليه أبوه وقبّل ما بين عينيه , وقال له : (( فداك أبوك ! فقد سررتني والله يا بني بجهادك هذا بين يدي , فما يبكيك , أفرح أم جزع ؟ )) .فقال : يا أبتي كيف لا أبكي وقد عرّضتني للموت ثلاث مرّات فسلّمني الله , وها أنا مجرح كما ترى ؟ وكلّما رجعت إليك لتمهلني عن الحرب ساعة , فما تمهلني وهذان أخواي الحسن والحُسين ما تأمرهما بشيء من الحرب .فقام إليه أمير المؤمنين وقبّل وجهه , وقال له : (( يا بُني , أنت ابني وهذان ابنا رسول الله , أفلا أصونهما من القتل ؟ )) .فقال : بلى يا أبتاه , جعلني الله فداك وفداهما من كلّ سوء ! :

فليت شعري هل توازي مصيبة

مصيبتكم يا آل بيت محمد

رزيتم رزايا لا يطيق بحملها

سماء ولا أرض ولا كل جامد

روي : أنّ الحسن الزّكي لمـّا دنت وفاته ونفذت أيّامه وجرى السّم في بدنه وأعضائه , وتغيّر لون وجهه ومال بدنه إلى الزّرقة والخضرة ، قال له أخوه الحُسين (عليه‌السلام ) : (( ما لي أرى لون وجهك مائلاً إلى الخضرة ؟ )) .فبكى الحسن (عليه‌السلام ) , وقال له : (( يا أخي , لقد صحّ حديث جدّي فيّ وفيك )) .ثمّ مدّ يده إلى أخيه الحُسين واعتنقه طويلاً وبكيا كثيراً , فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( يا أخي , ما حدّثك جدّك وماذا سمعت منه ؟ )) .فقال : (( أخبرني جدّي رسول الله , أنّه قال : لمـّا مررت ليلة المعراج بروضات الجنان ومنازل أهل الإيمان , فرأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة , لكن أحدهما من الزّبرجد الأخضر والآخر من الياقوت الأحمر , فاستحسنتهما وشاقني حسنهما , فقلت : يا أخي جبرائيل , لِمَن هذين القصرين ؟ فقال : أحدهما لولدك الحسن والآخر لولدك الحُسين .فقلت : يا جبرائيل , فلِمَ لا يكونا على لون واحد ؟ فسكت ولم يردّ عليّ جواباً , فقلت : يا أخي , لِمَ لا تتكلّم ؟ فقال : حياء منك يا مُحمّد .فقلت له : تالله عليك إلّا ما أخبرتني ؟ فقال : أمّا خضرة قصر الحسن , فإنّه يُسمّ ويخضر لونه عند موته، وأمّا حُمرة قصر الحُسين, فإنّه يُقتل ويُذبح ويُخضب وجهه وشيبته وبدنه من دمائه.فعند ذلك بكيا وضجّ النّاس بالبكاء والنّحيب على فقد حبيبيّ الحبيب )).

وحكي عن السّدي , قال : ضافني


رجل في ليلة كنت أحبّ الجليس , فرحّبت به وقرّبته وأكرمته وجلسنا نتسامر , وإذا به ينطلق بالكلام كالسّيل إذا قصد الحضيض , فطرقت له فانتهى في سمره طفّ كربلاء , وكان قريب العهد من قتل الحُسين (عليه‌السلام ) , فتأوّهت الصّعداء وتزفّرت كمداً , فقال : ما بالك ؟ قلت : ذكرت مصاباً يهون عنده كلّ مصاب .قال : أما كُنت حاضراً يوم الطّفّ ؟ قلت : لا ، والحمد لله .قال : أراك تحمد على أيّ شيء ؟ قلت : على الخلاص من دم الحُسين ؛ لأنّ جدّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( مَن طولب بدم ولدي الحُسين يوم القيامة , لخفيف الميزان )) .قال : قال هكذا جدّه ؟ قلت : نعم ، وقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( ولدي الحُسين يُقتل ظُلماً وعدواناً , ألا ومَن قتله يدخل في تابوت من نار , ويُعذّب نصف عذاب أهل النّار , وقد غلت يداه ورجلاه , وله رائحة يتعوّذ أهل النّار منها , هو ومَن شايع وبايع أو رضي بذلك :( كُلّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ) (١) .لا يفتر عنهم ساعة , ويسقون من حميم جهنّم ، فالويل لهم من عذاب جهنم ! )) .قال : لا تُصدّق هذا الكلام يا أخي .فقلت : كيف هذا وقد قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( لا كَذِبتُ ولا كُذِّبت )) ؟ قال : ترى قالوا : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( قاتل ولدي الحُسين لا يطول عمره )) ها أنا وحقّك قد تجاوزت التّسعين مع أنّك لا تعرفني .قُلت : لا والله .قال: أنا الأخنس بن زيد .قُلت : وما صنعت يوم الطّفّ ؟ قال : أنا الذي اُمّرت على الخيل الذين أمرهم عمر بن سعد بوطء جسم الحُسين بسنابك الخيل , وهشّمت أضرعه , وجررت نطفاً من تحت عليّ بن الحُسين وهو عليل حتّى كببته على وجهه , وخرمت أذني صفيّة بنت الحُسين لقرطين كانا في إذنيها .قال السّدي : فبكى قلبي هجوعاً وعيناي دموعاً , وخرجت أعالج على إهلاكه , وإذا بالسّراج قد ضعفت فقمت أظهرها , فقال : اجلس , وهو يحكي لي مُتعجّباً من نفسه وسلامته , ومدّ إصبعه ليظهرها فاشتعلت به , ففركها في التّراب فلم تنطفئ , فصاح بي : أدركني يا أخي ! فكببت الشّربة عليها وأنا غير محبّ لذلك , فلمّا شمّت النّار رائحة الماء , إزدادت قوّة , وصاح بي : ما هذه النّار وما يطفئها ؟ قلت : إلق نفسك في النّهر .فرمى بنفسه , فكُلّما ركس جسمه في الماء , اشتعلت في جميع بدنه كالخشبة البالية في الرّيح البارح ، هذا وأنا أنظره فو الله الذي لا إله إلّا هو , لم تطف حتّى صار فحماً وسار على وجه الماء , ألا لعنة الله على الظالمين

____________________

(١) سورة النّساء / ٥٦.


( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ الفاضل مُحمّد بن نقيح (رحمه ‌الله تعال ى)

عجباً لقلب فيكم لا يفجع

ولأنفس في رزئكم لا تجزع

لله در مراركم بمصابكم

لم تنصدع ونواظر لا تدمع

ما هل عاشورا إلّا وهاج لي

حزن فصرت كبومة استبشع

لم أنس مولاي الحُسين بمكة

عن بيعة الباغي غداً يتمنع

تباً لقوم خالفوه وخالفوا

أمر الرسول وللوصية ضيعوا

كتبوا إليه من العراق وأجمعوا

أن ينصروه فمذ أتى لم يزمعوا

وتقاعدوا عن نصره وتعاقدوا

في خذله وعلى الأذية أجمعوا

فأراد لمـّا أن تبين غدرهم

جزماً إلى حرم المدينة يرجع

بعثوا إليه الحر عند قدومه

فبقى يساير تارة ويجعجع

ساروا فوافوا في العشية كربلا

أرض الطفوف من البراري سلقع

قال انزلوا فهنا مناخ ركابنا

وهنا محط رحالنا والمصرع

وأتى ابن سعد مقبلاً في عصبة

نحو الأطائب والعساكر تتبع

وتأهبوا للحرب بعد تظاهر

والعلج في إضرامها يتشجع

فاستمهل السبط الطغاة لعله

يدعو إلى الله العلي ويضرع

فأقام ليلته يناجي ربه

طوراً ويسجد في الظلام ويركع

ويقول إن القوم لا بغيا لهم

غيري وإني عارف من يرجع

فأقام بين يديه كل موفق

وغدا يقهقر كل من يتطمع

وأتى الحُسين يناشد القوم الذي

لم يبق فيهم من ينيب ويخشع

وغدا ابن سعد راشقاً بسهامه

قوم الإمام وفي الأذية يسرع

وأتت سهام القوم بعد كأنها

مطر تدفعه الرياح الزعزع

ذادوه عن ماء الفرات بجحفل

فيه الصوارم والسلاح يقعقع

فتيقن السبط اللقاء لربه

فأتى الخيام بدرعه يتلفع

____________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


يوصي سكينة بالسكينة بعده

بالصبر عند مصابه ويودع

وبقى رجال السبط يقتل واحد

منهم وآخر بعده يتوقع

حتى بقى فرداً وحيداً ظامياً

لا مانع عنه ولا من يدفع

حملوا عليه بالطعان فصدهم

بالسيف وهو اللوذعي الأشجع

مذ اثخنوه بالجراح وأضعفوا

منه الجوارح وهو لا يتروع

وشكى النساء إلى الحُسين من الظما

وأتينه بالطفل مضى يرضع

فمضى به نحو الطغاة كأنه

بدر بدا من برجه يتطلع

ودعا له ماء يبل غليله

ويقول هل قلب يرق ويخشع

وأتاه سهم مارق من مارق

بغروره وبكفره يتمتع

قطع الوريد من الوليد وأقبلت

منه الدماء واحمر منه البرقع

أخذ الدماء بكفه فرمى به

نحو السّماء والعين منه تدمع

ومضى يجدل كل صل صائل

ويقد هاماً منهم ويدرع

حتى دنى أجل الكتات ولم يكن

من بغدما حتم المقدر ينفع

أردوه عن ظهر الجواد كأنه

جبل لخشية ربه متصدع

لهفي له يبغي هنالك شربة

فيجاب بالشتم الشنيع ويمنع

لهفي لمصرعه الشريف على الثرى

بين اللئام وعز ذاك المصرع

لهفي لجثته الشريفة في الثرى

مطروحة يسفى عليها الزوبع

لهفي له إذ يستغيث فلم يغث

أفلم يكن عند النداء من يسمع

ذبحوه ظمآناً وكوثر جدّه

بالماء في يوم القيامة مترع

حملوا الكريم على القناة مضمخاً

والنور من أعضائه يتشعشع

قطع اللعين سنان منه وريده

هل كان يدري أي عضو يقطع

تبت يداه لقد أساء بفعله

وله جهنم في القيامة تسفع

وأتى الجواد إلى الخيام منهما

بصهيله والسرج منه بلقع

وأتت سكينة وهي تندب حاسراً

بأبي الشجاع الاريحي الأروع

وا سيداه عدمت بعدك صحتي

فإلى الإله المشتكى والمفزع

فالدين أضحى بعد فقدك ثاكلا

والدهر أمسى وهو بعدك أجدع


أين الحماة وأين جدّي الـمُصطفى

بل أين حيدرة البطين الأنزع

اليوم مات مُحمّد واستوسرت

أولاده من بعده وتضعضعوا

كم حرمة ظهرت محاسن وجهها

وكريمة قد مال عنها البرقع

فالطيبات الطاهرات حواسر

وتماط عنهن الثياب وتنزع

والسيد السجاد في أيدي العدا

مضني على حمل الشدائد يرفع

هذا وما سكنت به اضغانهم

وبما جرى في حقه لم يقنع

سلبوه من أثوابه ودروعه

ولنزع خاتمه تبين الإصبع

رضوا جناجن صدره بخيولهم

بغياً وعن أحقادهم لا يقلع

ويزيد ينكث ثغره بقضيبه

متمثلاً بالشعر لا يتنعنع

فليأتين غداً بقبح صنيعه

من الندامة في القيامة يقرع

تالله لا عاد ولا فرعونها

كلا ولا فعلت ثمود وتبع

كفعال هذا النكس ابن أميّة

ومقامه في يه يتسكع

أين الصحابة أين حزب مُحمّد

لا منكر منهم ولا متوجع

خص الكرام بكل خطب فادح

فيه العقول مع القلوب تروع

صبروا على البلوى بكل كريهة

والسر فيهم لا محالة يودع

طوبى لأرض حل في أكنافها

جسد الحُسين وطاب ذاك الموضع

قد قدست أرض الطفوف وبوركت

لـمّا اغتدى لك في ثراها مضجع

لك تربة فيها الشفاء وقبة

فيها الدعاء إلى المهيمن يرفع

هم سادة الدنيا ويوم معادنا

في الحشر منهم شافع ومشفع

ولسوف يدرك ثأرهم مهديهم

وأنا ليوم ظهوره أتوقع

إن لم أكن أدركت نصرة جدّه

فبنصره فيما بقي اتطمع

يابن الإمام العسكري ومن له

صيد الملوك إذا تمثل تخضع

يا سيّدي ظهر الفساد وأظلمت

سبل الرشاد فهل لنورك مطمع

وجرت علينا في الزمان ملاحم

لم ندر في تدبيرها ما نصنع

لم يبق إلّا عالم متصنع

أو جاهل متنسك أو مبدع

جعل العلوم على الفساد ذريعة

أكلوا بها الدنيا ولم يتورعوا


يبغون في الأرض العلو وقصدهم

قبل العوام إليهم كي يخدعوا

كل يريد رئاسة بوقاحة

وإذا رأى أهل النهى لا يتبع

يتنافسون على المناصب والعلى

والله يخفض ما يشاء ويرفع

والله يصلح شأنهم ويصدهم

عن غيهم وعن المعاصي يرجع

وبقي رجال أخلصوا في ودهم

خصوا ببلوى للجبال تصدع

أما طريد أو شريد ضائع

بين البرية أو فقير مدقع

فالله يجبر كسرهم بظهوره

يا من بهم جل المكاره تدفع

ويعين منا الصالحين بعصمة

من كل فعل موثق يستبشع

وبه نؤمل أن ينجي كل من

يبغي الهدى ولسبله تتبع

ونعوذ من خطب يهول وفتنة

فيها المعارف والحقوق تضيع

يا عترة الهادي النّبي ومن هم

عزي وكنزي والرجا والمفزع

واليتكم وبرئت من أعدائكم

وأنا بغير ولاكم لا أقنع

ونظمت في علياكم من مقولي

دراً لها وشى القريض يرصع

علماً بأن مديحكم لي نافع

ومديح قوم غيركم لا ينفع

وأنا بكم متنسك وبحبكم

متمسك وبجدكم مستشفع

لم أهو ديناً أصله من غيركم

حسبي إفتخاري أنني أتشيع

وإلى نقيح نسبتي ومحمد

إسمي فكم لي منكر ومضيع

لم استعن في نظمها بسواكم

كلا ولست لمن تقدم اتبع

بل هذه بكر أتت من فكرتي

وقريحتي للبكر دوماً تقرع

وقبولها يا سادتي مهر لها

إن صح فزت بنعمة لا تقطع

صلّى الإله عليكم ما أحييت

فكر وأوقضت العيون الهجع

أبغي الشفاعة في معادي يوم لا

مال هناك ولا بنون ينفع

بكم اؤمل نجح سعيي دائماً

وإلى الإله بحبكم أتدرع

الباب الثّاني

أيّها المؤمنون النّاصحون , اقطعوا رقاد العيون وواصلوا سهاد الجفون ،


وامسكوا أنفسكم عن اللذّات وابذلوا الدّموع الجاريات ، فقد أعزّ دينه وأحرزه مَن أحمل دمعه وأبرزه ، فإنّ إظهار الدّموع البادية , دليل على ما بطن من الأحزان الخافية ، أما علمتم أنّ هذه الدّموع الهتان نفئة مصدور ، وردّ شرائع الأحزان ، وعجز عن الصّدور .وإنّي كُلّما تزايدت عليّ الأفكار , يتوقّد في قلبي لهيب النّار ، فلا أجد ملجأ التّجئ إليه ولا معولاً أصبر إليه , سوى ماء الشّؤون المتحادرة من مقرحات الجفون :

إن الحزين إذا ما الحزن خالطه

كان البكاء له ملجأ من الفكر

لا تعذلوني عذولي إنني رجل

لـمّا تزايد حزني قل مصطبري

وكيف لا تحزن على سادات العباد وأنوار الله في البلاد , فليتني شاهدتهم يوم الطّفوف وفديتهم بروحي من الحتوف ، ولكن ليس إلّا ما أراد الله ولا حول ولا قوة إلّا بالله.

روي : أنّ بعض الصّالحين من المؤمنين , رأى في منامه فاطمة الزّهراء في أرض كربلاء , بعد قتل الحُسين مع جملة من نساء أهل الجنّة وهم يندبون الحُسين (عليه‌السلام ) , وفاطمة تقول : (( يا أبي يا رسول الله ! أما تنظر إلى اُمّتك ما فعلوا بولدي الحُسين ؟ قتلوه ظُلماً وعدواناً , قتلوه ومن شرب الماء منعوه , وللمنايا والغصص جرّعوه , وبالسّيوف قطّعوه , وعلى وجهه قلبوه , ومن القفا ذبحوه , فيا بئس ما فعلوه ! يا ابتاه ! أترى فُعل بولد أحد من الأنبياء كما فُعل بولدي ؟! فوا حرّ قلبه ! كأنّ ربّنا ما خلقنا إلّا للبلاء والابتلاء , فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .يا أبتاه ! قتلوا بعلي أمير المؤمنين , واُدير الحطب على بيتي واُضرمت النّار فيه , وفُتح باب داري عليّ كُرهاً , وقُتل ولدي الـمُحسن سقطاً , كأنّي لم أكُن بضعة منك يا رسول الله ! ولا أنا الذي قُلت فيّ : فاطمة بضعة منّي يُريبني ما يُريبها , ويُزريني ما يُزريها .يا أبتي ! أتعلم ما صُنع بي ؟ كسر اللعين ضلعي حتّى متّ بأسفي , مقروحة عليك وعلى الـمُحسن وعلى ولديّ الحسن والحُسين , إنّا لله وإنّا إليه راجعون )).

ثمّ قالت (عليها‌السلام ) : (( يا أبة يا رسول الله ! وأعظم من هذا , أنّهم منعوني من البكاء عليك في المدينة , وقالوا : آذيتينا بكثرة بكائك .حتّى عدت إذا ذكرتك واشتقت إلى النّدب عليك , صرت


أخرج إلى وراء قبور الشُهداء , فأقضي شأني من البكاء حتّى ألحقني الله بك في المدّة القليلة )).

فعند ذلك رفع رسول الله (ص) رداءه , وقال : (( وا كرباه لكربك يا فاطمة الزّهراء ! وا ابنتاه وا ثمرة فؤاداه ! وا حمزتاه وا عليّاه وا حسناه وا حُسيناه ! وا عبّاساه وا أبا طالباه ! قُتل ولدي الحُسين بالغاضريات ولم تحضره ليوث الغزوات ولا عليّ كاشف الكُربات .فكم من دم مسفوك وستر عن حرمة الإسلام مهتوك ؟ وكم من شيبة بالدّماء مخضوبة , وكريمة من النّساء مسلوبة , وابنتي فاطمة الزّهراء بين الأعداء مروعة , وعترتي بالأشجان ملوعة , وقد قتلوا صغيرهم وكبيرهم , وذبحوا رضيعهم وفطيمهم , واستباحوا نساءهم وحريمهم ؟ فيا سُحقاً لأولئك الأشقياء ! ويا بُعداً لأولاد الأدعياء ! كيف أنظر إليهم يوم القيامة وسيوفهم تقطر من دماء أهل بيتي ؟! أم كيف ترونهم إذا نودي بهم في يوم القيامة : يا أهل هذا الموقف , غضّوا أبصاركم حتّى تجوز فاطمة بنت الـمُختار .فتأتي وثيابها بدم الحُسين مصبوغة , ومعها قميص آخر مُلطّخ بالسّم , فتنادي : يا اُمّة مُحمّد ! أين مسمومي وأين مذبوحي ؟ وما فعلتم بشبابي وشيوخي ؟ وما فعلتم ببناتي وأطفالي ؟ وما فعلتم بأهل بيتي وعيالي ؟ تصرخ صرخة عالية , وتقول : يا عدل يا حكيم ! احكم بيني وبين قاتل ولديّ .فيُقال لها : يا فاطمة الزّهراء , ادخلي الجنّة .فتقول : لا أدخل الجنّة حتّى أعلم ما صُنع بولدي الحُسين من بعدي .فيُقال لها : انظري أهل القيامة .فتنظر يميناً وشمالاً فترى الحُسين (عليه‌السلام ) وهو واقف بلا رأس , فتصرخ صرخة عالية وتصرخ الملائكة معها , وتقول : وا ولداه ! وا ثمرة فؤاداه ! وا حرّ قلباه ! على تلك الأجسام العارية والجسوم الـمُرمّلة , وا لهفاه على تلك الأعضاء الـمُتقطّعة ! تهبّ عليها الصّبا والدّبور , وتفنهم العقبان والنّسور ، قال : فلم يبقى في ذلك الموقف أحد إلّا وبكى لبكائها , قال : فعند ذلك يمثل الله الحُسين في أحسن صورة , فيخاصم ظالميه ، ثمّ يأمر الله تعالى ناراً اسمها هبهب , قد أوقدوا عليها ألف عام حتّى اسودّت وأظلمت , فتلتقطهم عن آخرهم , ألا لعنة الله على القوم الظّالمين )).

فيا إخواني , كيف تطفي لهبات الأشجان , أم كيف تخفي زفرات الأحزان وكريم الحُسين (عليه‌السلام ) يعلي على السّنان , وأيدي ذرّيّته تغلّ بالحديد إلى الأذقان ؟ رزء والله بكت له السّماء دماً , وتفطّرت له الصّم الصّلاد عظماً :


إن رزء الحُسين أضرم ناراً

لابثاً في القلوب ذات الوقود

إن رزء الحُسين نجل عليّ

هدّ ركناً ما كان بالمهدود

يا لها نكبة أباحت جسمي

السقم وأجرت مدامعاً بالخدود

قتلوه مع علمهم أنه خير البرايا

من سيّد ومسود

اسخطوا الله في رضى ابن زياد

وأعطوه قضاء حق يزيد

روي : أنّ الحُسين لمـّا رأى وحدته وفقد عترته وأنصاره , تقدّم على فرسه نحو القوم حتّى واجههم , وقال : (( أيّها النّاس , أنسبوني وانظروا مَن أنا , ثمّ راجعوا أنفسكم وعاتبوها , فانظروا هل يحلّ لكم سفك دمي وانتهاك حُرمي ؟ ألست أنا ابن نبيّكم مُحمّد ؟ أما كان موصياً فيكم لي ولأخي ؟ أما أنا سيّد شباب أهل الجنّة ؟ أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي وانتهاك حُرمتي ؟ )) .فقالوا : ما نعرف شيئاً ممّا تقول .فقال : (( إنّ فيكم مَن لو سألتموه عنّي لأخبركم إنّه سمع ذلك من جدّي رسول الله فيّ وفي أخي الحسن , سلوا زيد بن ثابت والبرّاء بن عازب وأنس بن مالك , فإنّهم يخبرونكم أنّهم سمعوا من جدّي رسول الله فيّ وفي أخي , فإن كنتم تشكّون إنّي لست ابن بنت نبيّكم , فوالله ما تعمدت الكذب وقد عرفت أنّ الله تعالى يمقت على الكذب أهله ويعذّب مَن استعمله , فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري , ثمّ أنا ابن إمامكم خاصّة دون غيري , خبّروني هلى تطلبوني بقتل قتلته منكم , أو بقصاص من جراحة , أو بمال استملكته منكم , أم على سنّة غيّرتها , أم على شريعة فرض بذاتها ؟ )) .قال : فسكتوا ولم يقبلوا هذا القول منه.

وإنّه (عليه‌السلام ) كان عالماً بما يؤول أمره إليه , عارفاً بما هو قادم عليه , عرف ذلك من أبيه وجدّه (عليهما‌السلام ) , واطلّع على حقيقة ما خصّه الله به من بين الأنام , وإنّما كان ذلك القول وتكراره عليهم ؛ لإقامة الحجّة عليهم , وتنبيهاً لمن يقول لا أعلم واشتبه عليّ الأمر فلم أهتد لوجه الصّواب , ففي هذه الاحتمالات بإنذاره.

فتبّاً لآرائهم الفاسدة وعقولهم الجامدة , ولقد أعماهم القضاء إذ عليهم نزل , وحتم عليهم العذاب ربّ لم يزل , فما منهم إلّا من حاد عن الصّواب وعدل , فما أنصف ولا عدل بل مالت نفوسهم إلى حُبّ الدُنيا الدّنيّة فخيّبهم الأمل ، ألا تتفكّرون فيما صدر من كبيرهم المدعو بأميرهم يزيد (لعنه الله) , مما تمثّل به بين جلسائه , حيث يقول :


ليت أشياخي ببدر شهدوا

وقعة الخروج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحاً

ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل

لعبت هاشم في الملك فلا

خبر جاء ولا وحي نزل

فعلى هذا كانت عقيدتنا وعلى ذلك كان دينه وطريقته.

فلهذا ارتكبوا مركباً وعراً وفعلوا نكراً ، قالوا قولاً هجراً واستحلّوا مذاقاً مرّاً , وبلغوا الغاية في العصيان ووصلوا النّهاية في رضا الشّيطان ، وكم ذكّرهم الحُسين (عليه‌السلام ) عذاب الله فما ذكروا , وزجرهم على تقحّم نار الجحيم , فما انزجروا , وأصرّوا واستكبروا استكباراً على خطيئاتهم اغرقوا , فاُدخلوا ناراً فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً , ثمّ قال (عليه‌السلام ) :( رّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيّاراً ) (١) ( إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إلّا فَاجِرًا كَفَّارًا ) (٢) .فاستجاب الله دعاءه (عليه‌السلام ) , ووقع الفناء ببني اُميّة اللئام , ودارت عليهم دوائر الإنتقام , فقُتلوا في كلّ أرض بكلّ لدن وحسام , وانتقلوا إلى نار الجحيم والإضرام , فصارت ألوفهم آحاداً وجموعهم أفراداً , ولبسوا العار آباءاً وأجداداً وأولاداً.

فوا حسرتاه لما حلّ بآل الرّسول في تلك المنازل والتّلول ! أتُحمل ذرّيّة حبيب الملك الوهاب حسراً على الأقتاب , ونسوة آل حرب يُضرب عليهنّ الحجاب ويرفلنّ في الفاخر من الثّياب ؟! :( تَكَادُ السّماوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقّ الْأَرْضُ وَتَخِرّ الْجِبَالُ هَدّاً ) (٣) :

لقد منعوا الحُسين الماء ظلماً

وذاك الماء ورد للكلاب

ولو لا زينب قتلوا علياً

صغيراً قتل بق أو ذباب

بنات مُحمّد في الشمس عطشى

وآل يزيد في ظل القباب

لآل يزيد من أدم خيام

وأصحاب الكساء بلا ثياب

حُكي : أنّ فاطمة الصّغرى قالت : كنت واقفة بباب الخيمة وأنا أنظر أبي وأصحابه مجرّدين كالأضاحي على الرّمال , والخيول على أجسادهم تجول , وأنا أفكّر ما يصدر علينا بعد أبي من بني اُميّة , أيقتلوننا أو يأسروننا , وإذا برجل على ظهر جواده يسوق النّساء بكعب رُمحه , وهن يلذن بعضهنّ في بعض , وقد أخذ ما عليهنّ من أخمرة وأسورة , وهن يصحن : وا جدّاه وا أبتاه وا عليّاه ! وا قلّة ناصراه وا حُسيناه !

____________________

(١) سورة نوح / ٢٦.

(٢) سورة نوح / ٢٧.

(٣) سورة مريم / ٩٠.


أما من مُجير يجيرنا ؟ أما من ذائد يذود عنّا ؟ قالت : فطار فؤادي وارتعدت فرائصي , وجعلت أجيل طرفي يميناً وشمالاً على عمّتي اُمّ كلثوم ؛ خشية منه أن يأتيني , فبينما أنا على هذه الحالة , وإذا به قد قصدني , فقلت : ما لي إلّا إلى البرّ .ففررت منهزمة وأنا أظنّ إنّي اسلم منه , وإذا به قد تبعني فذهلت خشية منه , وإذا بكعب الرّمح بين كتفي فسقطت لوجهي , فخرم أذني وأخذ قرطي وأخذ مقنعتي من رأسي , وترك الدّماء تسيل على خدّي ورأسي تصهره الشّمس , وولّى راجعاً إلى الخيم وأنا مغشى عليَّ , وإذا بعمّتي عندي تبكي وهي تقول : قومي نمضي , ما أعلم ما صدر على البنات وأخيك العليل .فقمت وقلت: يا عمّتاه ! هل من خرقة أستر بها رأسي عن أعين النّظارة ؟ فقالت : يا بنتاه ! وعمّتك مثلك .وإذا برأسها مكشوف ومتنها قد اسودّ من الضّرب , فما رجعنا إلى الخيمة إلّا وهي قد نُهبت وما فيها , وأخي عليّ بن الحُسين مكبوب على وجهه , لا يطيق الجلوس من كثرة الجوع والعطش والسّقام , فجعلنا نبكي عليه ويبكي علينا :

وإني ليشجيني ادكاري عصابة

بأكناف أرض الغاضريات قتل

ومن بينهم سبط النّبي مُحمّد

طريح ومن فوق الصعيد مجدل

وقد طحنت منه جناجن صدره

ورض ومنه الرأس في الرمح بحمل

ورحل بني الهادي النّبي موزع

تقاسمه قوم أضاعوا وبدلوا

رجالهم صرعى بكل تنوفة

ونسوتهم في السبي حسرى وثكل

وأطفالهم غرثى يمضهم الطوى

وليس لهم بر هنالك يكفل

فيا حرقي تزايدي ويا عيوني تساعدي ؛ فإنّه رزء عظيم ومصاب جسيم , ولمثل هؤلاء الكرام فليبك الباكون ، وإيّاهم فليندب النّادبون , وتذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ الخليعي (رحمه ‌الله تعالى )

لست ممن يبكي رسولاً محمولاً

ودياراً أعفى البلا وطلولا

لا ولم تلهني ملاعب أترابي

ولم أبكي مربعاً مأهولا


ما شجاني النوى فاستوقف الحادي

ولا أحبس الركاب قليلا

بل شجاني ناعي الحُسين فأجريت

دموعاً لمـّا شجاني همولا

كيف لا أندب الغريب الوحيد

المستظام المشرد المقتولا

كيف لا أساعد البتول على الحزن

وقد بات قلبها مبتولا

يوم ذاقت مر المذاق وكان

السبط في حجره محمولا

والنبي الهادي به قرح يحنو

عليه ويكثر التقبيلا

فأتاه الأمين جبريل ينعاه

به فاغتدى يطيل العويلا

فأتت فاطم إليه وقالت

قد تبينت منك أمراً مهمولا

سيدي ما الذي دهاك ولم

تعرض ما دمت بي رحيماً وصولا

قال إنّي أأبى لقلبك أن يصبح

يوماً للنائبات همولا

إن هذا الحُسين يضحي بأرض

الطف من بعدنا طريحاً قتيلا

بعد أن يطلب النصير فلا

ينظر إلّا محارباً وخذولا

والعزيزات من بناتك يشهرن

حزوناً بين الورى وسهولا

فدعت عند قوله وا غريباه

وواعظم ذاك خطباً جليلا

من ترى يلحد الغريب ومن ذا

يتولى التكفين والتغسيلا

من ترى يعمل العزاء ومن يبكي

عليه ومن يراعي الرسولا

فبكى الـمُصطفى فأوحى إليه الله

قل للبتول قولاً جميلا

سوف أنشئ قوماً كراماً يقيمون

عزاء الحُسين جيلاً فجيلا

وأجازيهم على الود للقربى

وأعطيهم العطاء الجزيلا

فتولت تثني على الشيعة الغر

وتدعو دعاءها المقبولا

فإذا كان قلبها من كلام قبل

لاقى أسى وداء دخيلا

كيف لو أبصرته ملقى على الترب

تجيل العدى عليه الخيولا

والسبايا من حوله يتصارخن

وقد نالت الجيوب الذيولا

واليتامى كل تخفي من الخوف

وتدمي باللطم خداً أسيلا

وبدور السما صرعى على الأرض

تلاقي عند التمام أفولا

وقدود الغصون من بعد ذاك

اللين فوق الثرى تعاني الذبولا


والإمام السجاد في الأسر موثوقاً

بنفسي أفدي الأسير العليلا

إذ رأت زينب تمرغ خديها

عليه وتستغيث الجليلا

وتنادي وا فجعتي وا شقائي

يا لها حسرة وحزناً طويلا

ليتني كنت فدته لك من كرب

المنايا وكان ذاك قليلا

يا أخي ما ترى سكينة خوف

السبي تومي إليك طرفاً كليلا

يا أخي هل لفاطم من كفيل

حيث قد أعوز الزمان الكفيلا

يا أخي ما ترى علياً بذل

وبرغم يضحى العزيز ذليلا

لو رأت صفوة النساء كريمات

حسين على المسير عجولا

متعبات يعثرن في بهرج السير

وحادي السرى يجد الرحيلا

أو رأت رأسه على الرمح مشهوراً

إلى أرذل الورى محمولا

لرأت ما يسؤها من جوى الثكل

وأمسى لها العراء نزيلا

وروى الحميري وهو صدوق

قال عاينت في المنام البتولا

مع لفيف من الملائكة قد زارت

ضريح الحُسين عبرى ثكولا

ثم قالت ووابل الدمع لا يطفي

لهيباً ولا يبل غليلا

لم تقلبه يوم أردي كف

غير كفي نجيه جبريلا

يا بني أحمد ذكرتم فرعاً

عطرات الحنا وطبتم أصولا

وشرعتم محجة الرشد للناس

ولولاكم لضلوا السبيلا

شهد الله جاهداً في يميني

وكفى الله شاهداً ووكيلا

ما أراقت أرجاس حرب دم

السبط وأغرت به الطغاة النغولا

واستطالوا إلّا بمن جحد النص

وفي حكمه غداً مستقيلاً

وبيوم التناد فهو المنادي

ليتني لم اتخذ فلاناً خليلا

فإليكم جواهر من ولي

عارف يتبع المقال الدليلا

لازم ما أمرتموه من التقوى

مقيم على الولاء لن يحولا

تعس القائلون أن الخليعي

بغى بالهداة يوماً بديلا

حاش لله ليس يدعي لبيباً

من ياسوي بالفاضل المفضولا


الباب الثّالث

قابلوا رحمكم الله نعمة الموالاة بالشّكر والحمد ، وابذلوا في ذلك أوسع الطّاقة والجهد ، وأحسنوا إلى الذّريعة النّبوية , وأطيعوا الله فيما أمركم بحقّهم من الوصيّة ، وتمسّكوا بحبلهم المتين , واجعلوهم جنناً واقية من العذاب المهين ، ولا شيء لعمري , أدعى إلى حصول الثّواب العظيم وإزالة العقاب الأليم ، وأقرب إليهم صلوات الله عليهم من إظهار شعائر الأحزان وإجراء الدّمع الهتان ، على ما أصابهم في ذلك الزّمان ، فكم لهم رأس على سنان وبدن بلا رأس بين الأبدان ؟ فيا لها من رزية ما أجل خطبها بين الأنام ، ومن مصيبة ما أعظمها في الإسلام.

روي عن بعض الثُقاة : أنّ يزيد (لعنه الله تعالى) دعا برأس الحُسين (عليه‌السلام ) وكان بيده قضيب خيزران , فجعل ينكث ثناياه ويفرق بين شفتيه وجلساؤه ينظرون إليه ، فقال زيد بن أرقم (رض) : يا يزيد , ارفع قضيبك عن شفتي حبيب الله , فو الله , لقد رأيت رسول الله يقبّلهما مراراً كثيرة , ويقول له ولأخيه الحسن : (( اللّهمّ إنّ هذين وديعتي عند الـمُسلمين )) .وأنت يا يزيد مثل هذا تفعل بودائع رسول الله ؟! .ثمّ إنّ يزيد جعل يبكي وينوح ، وفي هذا المعنى قال الشّاعر :

كان النّبي يحب يلثم ثغره

قعد اللعين يدق أكرم ملثم

وغدا يعفر خده فوق الثرى

ظلماً وضرج عارضيه بالدم

قتل الحُسين فيا سماء تفطري

حزناً ويا دار السرور تهدمي

يا أعين السحب اقتدي بي في البكا

يا ورق من نوحي عليه تعلمي

عن ابن عبّاس (رض) , قال : عطش الـمُسلمون في مدينة الرّسول في بعض السّنين عطشاً شديداً , حتّى أنّهم عادوا لا يجدون الماء في المدينة , فجاءت فاطمة الزّهراء بولديها الحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فقالت : (( يا أبتي , إنّ ابني الحسن والحُسين صغيران لا يتحمّلان العطش )) .فدعا النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالحسن فأعطاه لسانه حتّى روي , ثمّ دعا بالحُسين فأعطاه أيضاً لسانه فمصّه حتّى روي ، فلمّا رويا , وضعهما على ركبتيه وجعل يُقبّل هذا مرّة وهذا اُخرى , ثمّ يلثم هذا لثمة وهذا لثمة , ثمّ يضع لسانه الشّريف في أفواههما وهو معهما في غبطة


ونعمة , فبينما هُم كذلك , إذ هبط الأمين جبرائيل بالتّحية من الرّب الجليل إلى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فقال : يا مُحمّد , ربّك يقرؤك السّلام ويقول : (( إنّ هذا ولدك الحسن يموت مسموماً مظلوماً ، وهذا ولدك الحُسين يموت عطشاناً مذبوحاً )) .فقال : (( يا أخي جبرائيل , مَن يفعل ذلك بهما ؟ )) .قال : قوم من بني اُميّة يزعمون أنّهم من اُمّتك , يقتلون أبناء صفوتك ويشرّدون ذرّيّتك .فقال : (( يا جبرائيل , هل تفلح اُمّة تفعل هذا بذرّيّتي ؟ )) .قال : لا والله , بل يبليهم الله في الدُنيا بمن يقتل أولادهم ويسفك دماءهم ويستحيي نساؤهم , ولهم في الآخرة عذاب أليم ، طعامهم الزّقوم وشرابهم الصّديد ، ولهم في درك الجحيم عذاب مكيد ، ويُقال لجهنّم هل امتلأت ؟ فتقول هل من مزيد ؟ ثمّ قال جبرائيل (عليه‌السلام ) : يا مُحمّد , إنّ الله عزّ وجلّ حمد نفسه عند هلاك الظّالمين , حيث قال :( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (١) .قال : فجعل النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تارة ينظر إلى الحسن وتارة ينظر إلى الحُسين وعيناه تهملان من الدّموع , ويقول : (( لعن الله قاتلكما , ولعن الله من غصبكما حقّكما من الأولين والآخرين )).

فيا لها من مرتبة ما نالها إلّا الفائزون , ويا لها من درجة لم يحظ بها إلّا الفائزون , فيا طول حزني عليهم واشتياقي إليهم :

لو فهم الورق حنيني نحوهم

ناحت معي وقطعت أطواقها

ولو يذوق عاذلي صبابتي

صبا معي لكنه ما ذاقها

روي عن الإمام الصّادق (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( كان الحُسين (عليه‌السلام ) يوماً في حجر جدّه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وهو يلاعبه ويلاطفه ويقبّله ويضاحكه , فقالت له عائشة : ما أشدّ حبّك لهذا الصّبي , وما أشغفك به وما أشدّ اعجابك به ؟ فقال لها : ويلك ! وكيف لا أحبّه ولا أعجب به وهو ثمرة فؤادي وقرّة عيني ومهجة قلبي , ولكن اعلمي يا عائشة , إنّ قوماً من أشرار اُمّتي تقتله من بعدي , ويكون قاتله مُخلّداً في النّار , وعليه غضب من الله تعالى , ومَن زاره بعد وفاته , كتب الله له الثّواب حجّة من حجّتي .فقالت عائشة : يا رسول الله , حجّة من حججك يكتبها الله لزائر الحُسين ؟ قال : نعم وحجّتين .قالت عائشة : وحجّتين من حججك ؟! قال : نعم بل ثلاث حجج )).

قال : (( ولم تزل عائشة تزيده بالقول وهو (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يُضاعف لها الحجج , حتّى بلغ سبعين حجّة من حجج رسول الله ، ثمّ قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : يا

____________________

(١) سورة الأنعام / ٤٥.


عائشة , مَن أراد الله به الخير , قذف في قلبه محبّة الحُسين (عليه‌السلام ) وحُب زيارته .ومَن زار الحُسين عارفاً بحقّه , كتبه الله من أعلى علّيين مع الملائكة المقرّبين )).

وعن سُليمان الأعمش , أنّه قال : كنت نازلاً بالكوفة وكان لي جار , وكنت آتي إليه وأجلس عنده , فأتيت ليلة الجُمُعة إليه , فقلت له : يا هذا , ما تقول في زيارة الحُسين (عليه‌السلام ) ؟ قال لي : هي بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ذي ضلالة في النّار.قال سُليمان : فقمت من عنده وأنا ممتلئ عليه غيظاً , فقلت في نفسي : إذا كان وقت السّحر , آتيه وأحدّثه شيئاً من فضائل الحُسين (عليه‌السلام ) , فإن أصرّ على العناد قتلته .قال سُليمان : فلمّا كان وقت السّحر , أتيته وقرعت عليه الباب ودعوته باسمه , فإذا بزوجته تقول : إنّه قصد إلى زيارة الحُسين من أوّل الليل .قال سُليمان : فسرت في أثره إلى زيارة الحُسين (عليه‌السلام ) , فلمّا دخلت إلى القبر , فإذا أنا بالشّيخ ساجد لله عزّ وجلّ , وهو يدعو ويبكي في سجوده ويسأله التّوبة والمغفرة , ثمّ رفع رأسه بعد زمان طويل فرآني قريباً منه , فقلت : يا شيخ , بالأمس كنت تقول , زيارة الحُسين بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة بالنّار ، واليوم أتيت تزوره ؟! فقال : يا سُليمان لا تلمني , فإنّي ما كنت أثبت لأهل البيت إمامة حتّى كانت ليلتي تلك , فرأيت رؤيا هالتني وروّعتني .فقلت له : ما رأيت أيّها الشّيخ ؟ قال : رأيت رجُلاً جليل القدر , لا بالطّويل الشّاهق ولا بالقصير اللاصق , لا أقدر أن أصفه من عظم جلاله وجماله وبهائه وكماله , وهو مع أقوام يحفّون به حفيفاً ويزفّونه زفيفاً , وبين يديه فارس وعلى رأسه تاج , وللتاج أربعة أركان وفي كلّ ركن جوهرة تضيء من مسيرة ثلاثة أيّام , فقلت لبعض خدّامه : مَن هذا ؟ فقال : هذا مُحمّد الـمُصطفى .قلت : ومَن هذا الآخر ؟ فقال : عليّ الـمُرتضى , وصي رسول الله .ثمّ مددت نظري , فإذا أنا بناقة من نور وعليها هودج من نور وفيه امرأتان , والنّاقة تطير بين السّماء والأرض , فقلت : لِمَن هذه النّاقة ؟ فقال : لخديجة الكبرى وفاطمة الزّهراء .فقلت : ومَن هذا الغُلام ؟ فقال : هذا الحسن بن عليّ .فقلت : وإلى أين يريدون بأجمعهم ؟ فقال : لزيارة المقتول ظُلماً شهيد كربلاء , الحُسين بن عليّ الـمُرتضى .ثمّ إنّي قصدت نحو الهودج الذي فيه فاطمة الزّهراء , وإذا أنا برقاع مكتوبة تتساقط من السّماء , فسألت : ما هذه الرّقاع ؟ فقال : فيها أمان من النّار لزوّار الحُسين (عليه‌السلام ) في ليلة الجُمُعة.


فطلبت منه رقعة , فقال لي : إنّك تقول زيارته بدعة , فإنّك لا تنلها حتّى تزور الحُسين وتعتقد فضله وشرفه .فانتبهت من نومي فزعاً مرعوباً , وقصدت من وقتي وساعتي إلى زيارة سيّدي الحُسين (عليه‌السلام ) , وأنا تائب إلى الله تعالى ، فو الله يا سُليمان , لا أفارق قبر الحُسين (عليه‌السلام ) حتّى تُفارق روحي جسدي.

وعن داود بن كثير , عن أبي عبد الله (عليه‌السلام ) , قال : (( إنّ فاطمة بنت مُحمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تحضر زوّار قبر الحُسين فتستغفر لهم )) .:

فيا نكبة هدت قوى دين أحمد

وعظم مصاب في القلوب له سعر

أيرتفع الرأس الكريم على القنا

ويهدى إلى الرجس قد اغتاله الكفر

ويمنع شرب الماء عمداً وكفه

به من عطايا جود أنعامه بحر

ويقتل ضمآناً كئيباً وجدّه

نبي له الاقبال والعز والنصر

حبيب أجل المرسلين مقامه

رسول به ترجى الشفاعة والبشر

ووالده الهادي الوصي خليفة

النّبي أبو الأطهار والصنو والصهر

إمام له السر العظيم وشأنه

القديم وفي أوصافه نزل الذكر

له الشرف العالي له النور والبهاء

له الرتبة له المجد والفخر

إذا ما انتضى يوم الكريهة عزمه

فمن ذا ترى زيداً ومن ذا ترى عمرو

حُكي عن رجل كوفي حداد قال : لمـّا خرج العسكر من الكوفة لحرب الحُسين بن عليّ (عليه‌السلام ) , جمعت حديداً عندي وأخذت آلتي وسرت معهم , فلمّا وصلوا وطنبوا خيمهم , بنيت خيمة وصرت أعمل أوتاداً للخيم ، وسككاً ومرابط للخيل , وأسنّة للرماح , وما اُعوج من سنان أو خنجراً أو سيف كنت بكلّ ذلك بصيراً , فصار رزقي كثيراً وشاع ذكري بينهم حتّى أتى الحُسين مع عسكره , فارتحلنا إلى كربلاء وخيّمنا على شاطئ العلقمي , وقام القتال فيما بينهم وحموا الماء عليه وقتلوه وأنصاره وبنيه , وكان مدّة إقامتنا وارتحالنا تسعة عشر يوماً , فرجعت غنيّاً إلى منزلي والسّبايا معنا , فعُرضت على عُبيد الله فأمر أن يشهروهم إلى يزيد إلى الشّام ، فلبثت في منزلي أيّاماً قلائل , وإذا أنا ذات ليلة راقد على فراشي , فرأيت طيفاً :

كأنّ القيامة قامت والنّاس يموجون على الأرض كالجراد إذ فقدت دليلها , وكلّهم دالع لسانه على صدره من شدّة الظّمأ , وأنا اعتقد أنّ فيهم أعظم منّي


عطشاً ؛ لأنّه كلّ سمعي وبصري من شدته , هذا غير حرارة الشّمس تغلي منها دماغي , والأرض تغلي كأنّها القير إذ اُشعل تحته نار , فخلت أنّ رجلي قد تقلّعت قدماها , فو الله العظيم , لو أنّي خُيّرت بين عطشي وتقطيع لحمي حتّى يسيل دمي لأشربه , لرأيت شربه خيراً من عطشي ، فبينما أنا في العذاب الأليم والبلاء العميم , إذ أنا برجل قد عمّ الموقف نوره وابتهج الكون بسروره راكب على فرس , وهو ذو شيبة قد حفّت به ألوف من كلّ ؛ نبيّ ووصيّ وصديق وشهيد وصالح , فمرّ كأنّه ريح أو سيران فلك ، فمرّت ساعة وإذا أنا بفارس على جواد أغر , له وجه كتمام القمر , تحت ركابه ألوف إن أمر ائتمروا وإن زجر انزجروا ، فاقشعرّت الأجسام من لفتاته وارتعدت الفرائص من خطواته , فتأسفت عن الأوّل ما سألت عنه خيفة من هذا , وإذا به قد قام في ركابه وأشار إلى أصحابه وسمعت قوله : خذوه .وإذا بأحدهم قابض بعضدي كلبّة حديد خارجة من النّار , فمضى بي إليه , فخلت كتفي اليمنى قد إنقلعت , فسألته الخفّة فزادني ثقلاً , فقلت له : سألتك بمَن أمرك عليّ , مَن تكون ؟ قال : ملك من ملائكة الجبّار .قُلت : ومَن هذا ؟ قال : عليّ الكرار .قُلت : والذي قبله ؟ قال : مُحمّد الـمُختار .قُلت : والذين حوله ؟ قال : النّبيون والصّديقون والشُهداء والصّالحون والمؤمنون .قُلت : أنا ما فعلت حتّى أمرك عليّ ؟ قال : إليه يرجع الأمر وحالك حال هؤلاء .فحقّقت النّظر وإذا بعمر بن سعد أمير العسكر وقوم لم أعرفهم , وإذا بعنقه سلسلة من حديد والنّار خارجة من عينيه وأذنيه , فأيقنت بالهلاك , وباقي القوم منهم مغلّل ومنهم مقيد ومنهم مقهور بعضده مثلي , فبينما نحن نسير , وإذا برسول الله الذي وصفه الملك , جالس على كرسي عال يزهو أظنّه من اللؤلؤ , ورجُلين ذي شيبتين بهيتين عن يمينه , فسألت الملك عن الرّجلين , فقال : آدم ونوح .وإذا برسول الله يقول : (( ما صنعت يا عليّ ؟ )) .قال : (( ما تركت أحداً من قاتلي الحُسين إلّا وأيت به )) .فحمدت الله تعالى بأنّي لم أكن منهم وردّ إليّ عقلي , وإذا برسول الله يقول : (( قدّموهم )) .فقدّموهم إليه وجعل يسألهم ويبكي ويبكي كلّ مَن في الموقف لبكائه ؛ لأنّه يقول للرجل : (( ما صنعت بطفّ كربلاء بولدي الحُسين ؟ )) .فيجيب : يا رسول الله , أنا حميت الماء عليه .وهذا يقول : أنا قتلته .وهذا يقول : أنا سلبته .وهذا يقول : أنا وطأت صدره بفرسي .ومنهم يقول :


أنا ضربت ولده العليل .فصاح رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقال : (( وا ولداه ! وا قلّة ناصراه ! وا حُسيناه ! وا عليّاه ! هكذا صدر عليكم بعدي أهل بيتي ؟ انظر يا أبي يا آدم ! انظر يا أخي يا نوح ! كيف أخلفوني في ذرّيّتي )) .فبكوا حتّى ارتجّ المحشر , فأمر بهم زبانية جهنّم يجرّونهم أوّلاً فأوّلاً إلى النّار , وإذا بهم قد أتوا برجل , فسأله (ص) , قال : ما صنعت شيئاً .قال : (( أما أنت نجّار ؟ )) .قال : صدقت يا سيّدي , لكنّي ما عملت شيئاً إلّا عموداً لخيمة الحصين بن نمير ؛ لأنّه انكسر من ريح عاصف فوصلته .فبكى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقال : (( كثّرت السّواد على ولدي , خذوه للنار )) .وصاحوا : لا حكم إلّا لله ولرسوله ووصيه .قال الحداد : فأيقنت بالهلاك .فأمر بي فقدّموني , فاستخبرني فأخبرته , فأمر بي إلى النّار , فلمّا سحبوني , إلّا وانتبهت وحكيت لكلّ من لقيته .وقد يبس لسانه ومات نصفه وتبرّأ كلّ من يحبّه ومات فقيراًلا رحمه ‌الله تعا لى( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ ابن حماد (رحمه‌ الله تعالى )

زر ضريحاً (بجورقان) ونائي

الحُسين بن فاطمة الزهراء

لغريب بكربلا يا صريع

طال كربي لذكره وبلائي

ووحيد بين الأعادي غريب

جرعته العدى كؤوس الرداء

فإذا زرته فقل يا قتيلا

حزنه قاتلي بسيف شجائي

يا غريباً لأجله صرت أبكي

أسفاً بعده على الغرباء

يا خضيب المشيب خضبت خدي

بدموع ممزوجة بدماء

ليتني بالطفوف كنت فداء

لك يا سيّدي وقلّ فدائي

بأبي جسمك الذي وطأته

الخيل من بعد لين الوطاء

بأبي رأسك المسير في الرمح

كبدر يلوح في الظلماء

بأبي أختك التي هتكت بعدك

من بعد سرها والخباء

تستر الوجه وهي تعثر في

فاضل أذيالها لفرط الحياء

ثم تدعوك يا أخي كم أناديك

تشجو فلا تجيب ندائي

____________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


يا أخي لو رأيتنا لرأت عيناك

فينا شماتة الأعداء

كنت أرجوك للشدائد كهفاً

فأبى الدهر أن يحق رجائي

ليتني مت قبل هذا فقد

كان مماتي أحق من بقائي

لأنوحن ما حييت على من

ناح حزناً طير السماء

وكذا الأرض والسماء بكته

وقليل له كثير البكاء

وبكى جبرائيل في الملأ العلوي

أيضاً وكل من في السماء

وبه عزي النّبي وعزي

فيه مولاي سيّد الأوصياء

وغدت فاطم البتولة تبكيه

بثكل قريحة الأحشاء

لعن الله عصبة قتلته

ولحاها بكرة وعشاء

ليس تهنى الحياة بعد قتيل

الطف إلّا امرؤ قليل الحياء

وسيبكي له ابن حماد في كل

صباح من عمره ومساء


المجلس العاشر

في اليوم الخامس من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

لو علم النّاس فضل هذا المقام لأجلوه عن الوطء بالأقدام , ولجعلوا هذا الرّغام شفاءاً وافياً من الأسقام , وكيف لا , وفيه تُقام مآتم الآل وما جرى عليهم من الأسر والقتال من الكفرة الفجرة الأنذال.

فيا إخواني , أكثروا من التّلهّف والأسف على أهل الفضائل والشّرف ، وكيف الصّبر لِمَن يمثل مولاه الحُسين (عليه‌السلام ) واقفاً يُنادي في ميدان القتال : (( ألا هل من نصير ينصر الآل ؟ ألا هل من معين يعين عترة المختار ويذبّ عن الذرّيّة الأطهار ؟ أين من حقّنا عليه ؟ أين من الوصية فينا من الرّسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حيث يقول :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) )).

فالعجب كلّ العجب من غفلة أهل الزّمان عن إقامة العزاء وإثارة الأحزان , على الشّهيد العطشان المدفون بلا غسل ولا أكفان ، كيف لا تبكي لِمَن بكته الزّهراء ؟ وكيف لا تنوح على المنبوذين بالعراء ؟ لعلّنا نفوز بثواب المصاب , ونحوز بدخول الجنّة يوم المرجع والمآب :

يحق لي أن أدم ما عشت في حزن

أذري الدّموع على الخدين والذفن

يا آل أحمد ماذا كان فعلكم

كأن خيركم في الناس لم يكن

رجالكم قتلوا من غير ذي سبب

وأهلكم هتكوا جهراً على البدن

روي : أنّ عمر بن العاص قال لمعاوية بن أبي سفيان : يا معاوية , لِمَ لا تأمر

____________________

(١) سورة الشّورى / ٢٣.


الحسن بن عليّ أن يصعد المنبر فيخطب يوم الجُمُعة ؛ فلعلّه يحصل له خجل وحصر , فيكون ذلك نقصاً لقدره عند النّاس .قال : فلمّا غصّ المسجد بالنّاس , أمر معاوية الحسن أن يصعد المنبر , قال : فقام الحسن (عليه‌السلام ) وصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال : (( أيّها النّاس ، مَن عرفني فقد عرفني , ومَن لم يعرفني فساُبيّن له نفسي ، أنا الحسن بن عليّ بن أبي طالب ، أنا ابن أوّل القوم إسلاماً وأوّلهم إيماناً ، أنا ابن عليّ الـمُرتضى وابن فاطمة الزّهراء بنت الـمُصطفى , أنا ابن البشير النّذير , أنا ابن السّراج المنير , أنا ابن مَن بُعث رحمة للعالمين وسوط عذاب على الكافرين .أيّها النّاس , لو طلبتم ابناً لنبيّكم , لم تجدوا غيري وغير أخي الحُسين )) .قال : فناداه معاوية , وقال : يا حسن , حدّثنا بنعت الرّطب كيف يكون ؟ أراد بذلك أن يخجّله ويقطع عليه كلامه ، فقال الحسن : (( نعم يا معاوية ، إنّ الرّطب أوّلاً تلقحه الشّمال وتخرجه الجنوب ، وتنفحه الشّمس ويصبغه القمر ، وتنفحه الرّيح والحرّ ينضجه , والليل يبرّده والبرودة تحلّيه وتطيّبه )) .ثمّ استمر في كلامه , وقال : (( أيّها النّاس , أنا ابن المروة والصّفا , أنا ابن النّبي الـمُصطفى , أنا ابن مَن على الجبال الرّواسي علا ، أنا ابن من كسى محاسن وجهه الحيا ، أنا ابن فاطمة الزّهراء ، أنا ابن سيّدة النّساء ، أنا ابن عديمات العيوب , أنا ابن نجيّات الجيوب ، أنا ابن أزكى الورى وأعظمهم أمراً وكفاني بهذا فخراً )) .قال : ثمّ إنّ معاوية أمر المؤذّن أن يؤذّن ليقطع كلامه , فلمّا قال المؤذّن : أشهد أنّ مُحمّداً رسول الله , قال الحسن : (( يا معاوية , مُحمّد أبي أم أبوك ؟ فإن قُلت إنّه ليس بأبي فقد كفرت , وإن قُلت نعم فقد أقررت بحقّي , وأنت تغصبنا ما هو لنا ولا ترد إلينا حقّنا )) .فقال معاوية : يا حسن , أنا خير منك .فقال الحسن : (( وكيف ذلك يابن هند , يابن آكلة الأكباد ؟! )) .فقال معاوية : لأنّ النّاس أجمعوا عليّ ولم يجمعوا عليك .فقال الحسن (عليه‌السلام ) : (( هيهات هيهات ، إنّ هذا شرّ علوت به يابن هند , ألم تعلم أنّ الـمُجمعين عليك رجلان ؛ مطيع ومكره , فالطّائع لك عاص لله , والمكره معذور عند الله , وحاشا لله أن أقول أنا خير منك ؛ لأنّك لا خير فيك ، وإنّ الله برّأني من الرّذائل كما برّأك من الفضائل يا معاوية )) .قال : فقام يزيد بن معاوية , وقال : يا حسن , إنّي منذ صرت أبغضك .فقال الحسن : (( يا يزيد , اعلم أنّ إبليس شارك


أباك في نكاحه حين علقت فيك اُمّك , فاختلط الماءان , فولدت على ذلك وصرت من تلك النّطفتين ؛ فلأجل ذلك تبغضني وتحمّلت أنت وأبوك عداوتي , وكذلك الشّيطان , شارك جدّك حرباً عند نكاحه , فولد جدّك صخر , فلذلك جدّك يبغض جدّي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لقوله تعالى :( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوالِ وَالأَولاَدِ ) (١) واعلم يا يزيد , لا يبغضنا إلّا من خبث أصله وكان من إبليس نسله )) فقال معاوية : يا عمرو بن العاص , هذه مشورتك لنا .فقال عمرو : والله , ما ظننت أنّ مثله هذا على صغر سنّه يقدر يتكلم فوق المنبر بكلمة واحدة , ولكنّه لا شك من معدن الفصاحة ومن بيت الكرم والسّماحة .قال معاوية : وأنا أيضاً أفتخر وأقول : أنا ابن بطحاء مكّة وأغزرها جوداً وأكرمها جدوداً , أنا ابن من ساد على قُريش ناشئاً وكهلاً.فقال الحسن : (( يا معاوية , أعليّ تفتخر وأنا ابن مأوى التّقى , وأنا ابن مَن جاء بالهُدى , وأنا ابن مَن ساد على أهل الدّين بالفضل السّابق والحسب الفائق , وأنا ابن مَن طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله ؟! فهل لك أب كأبي تباهيني به ؟! أو لك قدم كقدمي تساميني به ؟ هل تقول نعم يا معاوية أو تقول لا ؟ )) .فقال : بل أقول لا , وهي لك تصديق .فتعجّب الحاضرون من كلام الحسن (عليه‌السلام ) وأجوبته وحسن براعته.

فانظروا يا إخوتي إلى هذا النّور الجسماني والشّخص الرّباني , كيف تفوح آثار النّبوة منه والإمامة ، ومن غيره آثار المكر والخدع واللئامة , ولكنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور :

والله لو لا نكث عهد الـمُصطفى

يوم الغدير وظلم حيدر فاسمعوا

ما استضهدت آل النّبي أمية

كلا ولا لخلافة يوماً دعوا

روي : أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يوماً مع جماعة من أصحابه مارّاً في بعض الطّرق , وإذا هُم بصبيان يلعبون في ذلك الطّريق , فجلس النّبي عند صبي منهم وجعل يُقبّل ما بين عينيه ويلاطفه , ثمّ أقعده في حجره وهو مع ذلك يكثر تقبيله , فقال له بعض الأصحاب : يا رسول الله , ما نعرف هذا الصّبي الذي قد شرّفته بتقبيلك وجلوسك عنده وأجلسته في حجرك ؟ ولا نعلم ابن مَن هو ؟ فقال النّبي : (( يا أصحابي لا تلوموني , فإنّي رأيت هذا الصّبي يوماً يلعب مع الحُسين , ورأيته يرفع التّراب من تحت أقدامه ويمسح به وجهه وعينيه مع صغر سنّه , فأنا من ذلك

____________________

(١) سورة الإسراء / ٦٤.


اليوم بقيت أحبّ هذا الصّبي , حيث إنّه يحبّ ولدي الحُسين , فأجبته لحبّ الحُسين , وفي يوم القيامة أكون شفيعاً له ولأبيه ولاُمّه كرامة له , ولقد أخبرني جبرائيل أنّه يكون هذا الصّبي من أهل الخير والصّلاح , ويكون من أنصار الحُسين في وقعة كربلاء , فلأجل هذا أحببته وأكرمته كرامة للحُسين (عليه‌السلام ) )) .:

على مثلهم فليبك بالمدى المدى

ويذرف دمعاً منه كالسيل مسبل

فما منهم إلّا قتيل وهالك

بسم ومذبوح وذاك مكبل

أصابتهم أيدي المصائب فاغتدوا

أماثيل في الدنيا لمن يتمثل

روي عن الحُسين (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( أتيت يوماً جدّي رسول الله , فرأيت اُبي بن كعب جالساً عنده , فقال لي جدّي : مرحباً بك يا زين السّماوات والأرض .فقال اُبي : يا رسول الله , وهل أحد سواك يكون زين السّماوات والأرض ؟ فقال النّبي : يا اُبي بن كعب , والذي بعثني بالحقّ نبيّاً , إنّ الحُسين بن عليّ في السّماوات أعظم مما هو في الأرض , واسمه مكتوب عن يمين العرش , إنّ الحُسين مصباح الهُدى وسفينة النّجاة )).

قال : ثمّ إنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أخذ بيد الحُسين (عليه‌السلام ) وقال : (( أيّها النّاس ، هذا الحُسين بن عليّ , ألا فاعرفوه وفضلّوه كما فضلّه الله عزّ وجلّ , فو الله , لجدّه على الله أكرم من جدّ يوسف بن يعقوب ، هذا الحُسين ؛ جدّه في الجنّة واُمّه في الجنّة , وأبوه في الجنّة وأخوه في الجنّة , وعمّه في الجنّة وعمّته في الجنّة , وخاله في الجنّة وخالته في الجنّة , ومحبّوهم في الجنّة ومحبّوا محبّيهم في الجنّة )).

وروي في بعض الأخبار : أنّ الحُسين (عليه‌السلام ) مرّ على عبد الله بن عمرو بن العاص , فقال عبد الله : مَن أحبّ أن ينظر إلى أحبّ أهل الأرض إلى أهل السّماء ؟ فلينظر إلى هذا المختار , وإنّي ما كلّمته قط منذ وقعة صفّين .فقال له الحُسين : (( يا عبد الله , إذا كنت تعلم إنّي أحبّ أهل الأرض إلى أهل السّماء , فلم تقاتلني وتقاتل أبي وأخي يوم صفّين ؟ فو الله , إنّ أبي خير منّي عند الله ورسوله )) .قال : فاستعذر إليه عبد الله وقال : يا حُسين , إنّ جدّك رسول الله أمر النّاس بإطاعة الآباء , وإنّي قد أطعت أبي في حرب صفّين .فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( أما سمعت قول الله


تعالى في كتابه الـمُبين :( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى‏ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا ) (١) ؟ فكيف خالفت الله تعالى وأطعت أباك وحاربت أبي وقد قال رسول الله : إنّما الطّاعة للآباء بالمعروف لا بالمنكر ، وإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ؟! )) .فسكت عبد الله بن عمرو ولم يرد جواباً ؛ لعلمه أنّه خسر الدُنيا والآخرة ذلك هو الخُسران الـمُبين.

وعن الطّبري عن طاووس اليماني : أنّ الحُسين بن عليّ كان إذا جلس في المكان الـمُظلم , يهتدي إليه النّاس ببياض جبينه ونحره ، وإنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كثيراً ما يقبّل الحُسين (عليه‌السلام ) بنحره وجبهته ، وإنّ جبرائيل (عليه‌السلام ) نزل يوماً إلى الأرض , فوجد الزّهراء نائمة والحُسين في مهده يبكي على جاري عادة الأطفال مع اُمّهاتهم , فجلس جبرائيل عند الحُسين , وجعل يناغيه ويسكته عن البكاء ويسليه , ولم يزل كذلك حتّى استيقظت فاطمة (عليها‌السلام ) من منامها , فسمعت إنساناً يُناغي الحُسين , فالتفتت إليه ولم تر أحداً , فأعلمها أبوها رسول الله أنّ جبرائيل كان يُناغي الحُسين.

وعن أنس بن مالك , قال : رأيت الحُسين (عليه‌السلام ) مع جنازة لبعض أصحابه , فصلّينا عليها معه , فلمّا فرغنا من الصّلاة , رأيت أبا هريرة ينفض التّراب عن أقدام الحُسين ويمسح بها وجهه , فقال له الحُسين (عليه‌السلام ) : (( لِمَ تفعل هذا يا أبا هريرة ؟ )).فقال : دعني يابن رسول الله , فو الله لو تعلم النّاس مثل ما أعلمه من فضلك , لحملوك على أحداقهم فضلاً عن أعناقهم، يابن رسول الله , في هاتي أذني سمعت من جدّك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول على منبره: (( إنّ هذا ولدي الحُسين سيّد شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين , وإنّه سيموت مذبوحاً ظمآناً مظلوماً لعن الله من قتله)).

فيا إخواني , كيف لا نبكي لأحبّ أهل الأرض والسّماء ؟ وكيف لا نحزن على قتيل الظّماء والماء حوله ؟ قد بادروه بالسّيوف والرّماح وصادموه في ميدان الكفاح , وقالوا له لا سعة ولا فصاح , فيا ويحهم ! ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة رسول الله.

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون ، ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :

____________________

(١) سورة العنكبوت / ٨.


القصيدة للخليعي (رحمه ‌الله تعالى )

سل جيرة القاطنين ما فعلوا

وهل أقاموا بالحي أم رحلوا

وقف معي وقفة الحزين عسى

أنشد ربعاً ضلت به السبل

ولا تلمني على البكاء فالدموع

ري تطفى به الغلل

بانوا فلي مقلة مقرحة

ومهجة بالزفير تشتعل

جسمي لشوك القتاد مفترس

وناظري بالسهاد مكتحل

قد كان قلبي والدار جامعة

والعيش غض والشمل مشتمل

مروعاً خائفاً فكيف به

غدا التنائي والركب مرتحل

فوا ضلالي تبكي لوحشتهم

عين وبين الضلوع قد نزلوا

وأسأل النطق من صدى طلل

بال وأني يجيبني الطلل

فما لقلبي والنائبات وكم

يرمي بسهم النوى وينتبل

يا نفس صبراً فكل نائبة

سوى مصاب الحُسين تحتمل

ويا جفوني سحي عليه فلي

عن كل رزء برزئه شغل

لم أنسه ينشد الطغاة وقد

حفت به السمهرية الذبل

الا ارجعوا عن قتالنا وذروا

سفك دماء النّبي واعتزلوا

أنا ابن خير الأنام قاطبة

وخير خلق يحفي وينتعل

بذا امرتم أن تقطعوا رحم

المختار من بعده ولا تصلوا

لهفي له يشتكي الأوام وللبيض

المواضي من نحره بلل

لهفي لذلك الجبين منعفراً

كالشمس أنى بدا لها الخجل

لهفي لنسوانه وقد كشفت

عن صدرهن السجوف والكلل

مسلوبة قد تقنعت فاضل الردن

وعبرى قد شفها الثكل

هذي تنادي أخي وتلك أبي

والدمع فوق الخدود منهمل

وزينب مستجيرة ولها

على أخيها ندب ومرتجل

تصيح من حسرة ومن أسف

والقلب منها مروع وجل

أين عليّ بن الحُسين ألا

اين المحامي والفارس البطل

تبكى وتستصرخ البتول وللشعت

اليتامى من حولها زجل


يا أمّ قومي وسارعي فمفداك

طريح في التراب منجدل

قومي فقد نالنا لفقد أخي

خطب مهول وحادث جلل

حتى إذا ثوروا لرحلتهم

وحث بالركب سائق عجل

وعلق الرأس يستنير به الأفق

وسارت تطوي الفلا الإبل

ظلت تنادي وا ذلنا يا رسول الله

وصيتهم وما قبلوا

ما حفظوا ما أمرت من ود ذي

القربي ولا عن ضلالهم عدلوا

وفاطم تستغيث عمتها

صارخة دمع عينها خضل

يا عمتي ما لهؤلاء وللحريم

لا يعطفون إن سألوا

وما لذا السائق العنيف من

الأدلاج لا ضجرة ولا ملل

لهفي لزين العباد يرفل في القيد

كئيباً تذيبه العلل

يجول نحو الحريم محتسباً

يدعو إلى ربه ويبتهل

حتى إذا أقبلت ركائبهم

على يزيد يقودها السفل

صاح غراب فقال قل ما تشأ

أو لا تقل فالسرور مكتمل

قتلت أسماهم فخاراً وأزكاهم

تجاراً وحق الأمل

قابلت يوماً بيوم بدر وعاجلت

انتصاري لمعشر خذلوا

وظل بالعود قارعاً ثغر

مولانا سروراً لامه الهبل

فما ترى عذر آل حرب إذ جاءوا

وقد أيقنوا لمن قتلوا

وإن جني الـمُصطفى النّبي لهم

بأي شيء تعارض الرسل

وما يقولون في الجواب وقتلاهم

بنوه وما له فعلوا

يا سادتي يا بني النّبي ومن

عليهم في المعاد أتكل

ما راعني فقد من ألفت به

ولم يهجني التشبيب والغزل

ولا شجاني إلّا مصابكم

فما بدمعي عليكم تحل

ما أنا والله عن محبتكم

ولعن أهل العناد منتقل

والله لي شاهد ولست إذا

اتقيت قوماً أرضى إذا جهلوا

والعادل المستدل لا يدخل

الشك عليه قول ولا عمل

ما للخليعي عبد أنعمكم

الا ولاكم إذا انقضى الأجل


يكفيه عند الأعراف علمكم

يوماً بسيماه يعرف الرجل

ما عنكم لابن حرة عوض

وليس منكم لعارف بدل

وأين عنكم بالولاء لكم

تمحى الخطايا ويغفر الزلل

الباب الثّاني

يا إخواني , لو فكّر الـمُحب الولهان فيما جرى على سادات الزّمان , وما أصابهم من البلاء والمحن , لقال لروحه أن تخرج من البدن , تُقطّع منهم الأوصال ويجدّلون على الرّمال , ويتجرّعون الحتوف بأرض الطّفوف ، على أيدي أهل الفساد وأشرّ العباد .فكم وكم من نفس معصومة أزهقوها , وكم من دماء محرّمة أراقوها , وكم من رؤوس شريفة فوق الأسنّة رفعوها , وأخذوها بالأسنّة الحداد كما يُفعل بأهل الإلحاد ، هذا مع علمهم بأنّهم الذرّيّة النّبويّة والعترة الهاشميّة .فيا لها من مُصيبة ما أعظمها في الإسلام وأعظم رزيتها بين سائر الأنام , فإنّا لله ولا حول ولا قوة إلّا بالله :

الشّعر للشافعي مُحمّد بن إدريس

تأوب همي والفؤاد كئيب

وأرق نومي فالرقاد غريب

ومما نعى جسمي وشيب لمتى

تصاريف ايام لهن خطوب

فرى كبدي من حزن آل مُحمّد

ومن زفرات ما لهن طبيب

فمن مبلغ عني الحُسين رسالة

وإن كرهتها أنفس وقلوب

قتيل بلا جرم كأن قميصه

صبيغ بماء الأرجوان خضيب

فللسيف أعوال وللرمح رنة

وللخيل من بعد الصهيل نحيب

تزلزلت الدنيا لآل مُحمّد

فكادت لهم صم الجبال تذوب

وغابت نجوم واقشعرت كواكب

وهتك أستار وشق جيوب

يصلّي على المهدي من آل هاشم

ويغزي بنوه إن ذا لعجيب

لئن كان ذنبي حُبّ آل مُحمّد

فذلك ذنب لست عنه أتوب

روي عن الصّادق (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( لمـّا حضرت الحسن بن عليّ الوفاة , أوصى إلى أخيه الحُسين , فقال له : يا أخي , إذا أنا مت فاحملني على سريري وادفني في


البقيع ، وستعلم يا ابن اُمّ , إنّ القوم إذا علموا أنّكم تريدون دفني عند جدّي , يجدّون في منعكم , فبالله عليك , لا تهرق في أمري محجمة دم )) .قال : (( فلمّا غسّله وكفّنه وحمله على سريره وتوجه به إلى قبر جدّه ؛ ليجدد به عهداً عند جدّه , أتى مروان بن الحكم ومعه جمع من بني اُميّة , وقالوا : يُدفن عثمان في أقصى المدينة ويُدفن الحسن مع جدّه ؟! لا يكون ذلك أبداً.ثمّ أقبلت عائشة راكبة على بغل , وهي تقول : أتريدون أن تدفنوا ببيتي مَن لا أحبّ ؟! فقال لها ابن عبّاس : ارجعي إلى منزلك واستعملي الحياء , فنحن ندفنه في البقيع كما أوصى (عليه‌السلام ) , وإنّما جئنا لنجدد به العهد عند جدّه .فقالت : إنّي لا أنصرف حتّى تخرجوا به إلى البقيع .فقال لها ابن عبّاس : وا سوأتاه لك يا عائشة ! يوماً تجمّلت ويوماً تبغّلت وإن عشت تفيّلت )) .وفي هذا المعنى قال بعض محبّيهم فيهم :

يعظمون له أعواد منبره

وتحت أرجلهم أولاده وضعوا

بأي وجه بنوه يتبعونكم

وفخركم أنكم صحب له تبع

وكيف ضاقت عن الأهلين تربته

وللأجانب عن جنبيه متسع

وكيف صيرتم الإجماع حجتكم

والقوم ما اتفقوا فيه ولا اجتمعوا

أمر عليّ بعيد من مشورته

مسكوه فيه والعباس يمتنع

وتدعيه قريش بالقرابة

لا رفعوا فيه ولا وضعوا

فأي خلف كخلف كان بينكم

لو لا تلفق أخبار وتصطنع

هذي وصايا رسول الله مهملة

غدراً وشمل رسول الله منصدع

فيا حرّ قلبي لما جرى للآل أهل الجود والمجد والافضال من الكفرة الفجرة الأنذال ، حسدوهم على معاليهم حيث عجزوا عن إدراك الفضل الذي أودعه الله فيهم , فحملتهم تلك الأحقاد على الكفر والإرتداد ، وإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور.

روي : أنّ الحُسين (عليه‌السلام ) كان جالساً بمسجد جدّه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وذلك بعد وفاة أخيه الحسن (عليه‌السلام ) , وكان عبد الله بن الزّبير جالساً في ناحية المسجد , وعتبة بن أبي سفيان في ناحية اُخرى , فجاء أعرابي على ناقة حمراء , فعلقها بباب المسجد ودخل , فوقف على عتبة بن أبي سفيان وسلّم عليه , فردّعليه‌السلام , فقال له الأعرابي : اعلم , إنّي قتلت ابن عمّ لي عمدا وطولبنا بالدّية , فهل لك أن تعطيني شيئاً ؟ فرفع رأسه إلى غلامه , وقال : ادفع إليه


مائة درهم .فقام الأعرابي مغضباً وانتهره وقال : ما أريد إلّا الدّية تماماً .ثمّ تركه وأتى عبد الله بن الزّبير , وقال له : إنّي قتلت ابن عمّ لي وقد طولبت بالدّية , فهل لك أن تعطيني شيئاً ؟ فقال لغلامه : ادفع إليه مائتي درهم .فقام الأعرابي مغضباً وقال : ما أريد إلّا الدّية تماماً .ثمّ تركه وأتى إلى الحُسين فسلّم عليه , وقال له : يابن رسول الله , إنّي قتلت ابن عمّ لي وقد طولبت بالدّية , فهل لك أن تعطيني شيئاً ؟ فقال له : (( يا أعرابي , نحن قوم لا نعطي المعروف إلّا قدر المعرفة )) .فقال له : سل ما تريد يابن رسول الله .فقال له الحُسين (عليه‌السلام ) : (( ما النّجاة من الهلكة ؟ )) .قال : التّوكل على الله عزّ وجلّ .فقال له : (( ما أروع الهمّة ؟ )) .قال : الثّقة بالله .فقال له : (( وما يتحصن به العبد ؟ )) .قال : محبّتكم أهل البيت .فقال : (( ما أزين ما يتزين به الرّجل ؟ )) .قال : عِلم وعمل يزيّنه حلم .فقال له : (( فإن أخطأ ذلك كلّه ؟ )) .قال : فعقل يزيّنه تقاء .فقال له : (( فإن أخطأ ذلك كلّه ؟ )) .قال : سخاء يزيّنه حسن خلق .فقاله له : (( فإن أخطأ ذلك ؟ )) .قال شجاعة يزيّنها ترك عجب .قال : (( فإن أخطأ ذلك ؟ )) .قال : والله يابن رسول الله , إن أخطأ هذه الخصال , فالموت له خير من الحياة .فأمر الحُسين له بعشرة آلاف درهم , وقال له : (( هذه لقضاء دينك , وعشرة آلاف درهم اُخرى , تلمّ بها شعثك وتحسن بها حالك وتنفق بها على عيالك )) .فأنشأ الأعرابي يقول :

طربت وما هاج لي مغبق

ولا بي مقام ولا معشق

ولكن طربت لآل الرسول

فلذ لي الشعر والمنطق

هم الأكرمون هم الأنجبون

نجوم السّماء بهم تشرق

سبقت الأنام إلى المكرمات

وأنت الجواد فلا تلحق

أبوك الذي ساد بالمكرمات

فقصر عن سبقه السبق

بكم فتح الله باب الرشاد

وباب العثار بكم تغلق

فيا إخواني , كيف لا يحقّ لِمَن فارقته ساداته الذين بهم سعاداته , أن يجري عليهم الدّموع الهاطلة , ويزيد في الحرق المتواصلة, ويكثر النّوح والعويل على هذا الرّزء الجليل ؟! سارعوا بالإساءة إليهم بعدما اختبروهم , وعجّلوا بالدّموع فيهم بعدما عرفوهم، كأنّهم أنكروهم , فأولئك عليهم لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين.

روى الشّيخ الصّدوق , عن الهيثم بن عدي بن أرطأة : قال معاوية


لعمرو بن العاص : يا أبا عبد الله أينا أدهى ؟ فقال عمرو : أنا للبديهة وأنت للرواية .فقال له معاوية : قد قضيت لي على نفسك , فأنا أدهى منك للبديهة أيضاً .فقال له عمرو : أين كان دهاؤك يوم رفعت المصاحف على الرّماح ؟ فقال : بها غلبتني, أفلا أسألك عن شيء تصدقني فيه ؟ فقال : والله , وإن الكذب لقبيح , فسل عمّا بدا لك فإنّي أصدقك .فقال له : أغششتني مذ نصحتني ؟ قال : لا .قال : بلى والله قد غششتني , أمّا إنّي لا أقول في كلّ المواطن ولكن في موطن واحد .قال : وأيّ موطن هذا ؟ قال : يوم دعاني عليّ بن أبي طالب للمبارزة إلى الحرب فاستشرتك , فقلت لك : ما ترى يا عمرو ؟ فقلت: كفو كريم .فأشرت عليّ بمبارزته وأنت تعلم مَن هو , فعلمت أنّك غششتني .فقال عمرو : يا معاوية , دعاك للمبارزة رجل عظيم الشّأن جليل القدر , فكنت من مبارزته على إحدى الحسنيين ؛ إمّا أن تقتله فتكون قد قتلت قاتل الفرسان وقاهر الشّجعان , وتزداد شرفاً إلى شرفك في طول الزّمان , وتخلو بملكك وتقهر عدوّك ، وإمّا أن تعجل إلى مرافقة الشّهداء في دار الجنان , وحسُن أولئك رفيقاً .فقال معاوية : هذه الكلمة أشرّ من الأولى , والله , إنّي أعلم إنّي لو قتلته دخلت النّار وإن قتلني دخلت النّار .فقال له عمرو : يا معاوية , إذا كنت تعلم هذا , فما الذي حملك على قتاله ؟! فقال : ويلك ! إنّ الملك عقيم , ولن يسمعها منّي أحد بعدك , فلا تخبر النّاس بما سمعت منّي.

فانظروا يا إخواني إلى صنيع الكفرة الفجرة مع العترة الكرام البررة , أترونهم ماذا يقولون حين يعرضون على الله ؟ وبكى الرّسول لمصاب عترته في ذلك الزّمان , وبكى لبكائه ؛ آدم ونوح , وعيسى وموسى , وإبراهيم خليل الرّحمن :( هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمْ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) (١) :

رأس ابن بنت مُحمّد ووصيه

للمسلمين على قناة يرفع

والمسلمون بمنظر وبمسمع

لا جازع منهم ولا متوجع

أيقظت أجفاناً وكنت لها كرى

وأنمت عيناً لم تكن بك تهجع

كحلت بمنظرك العيون عماية

وأصم رزءك كلّ أذن تسمع

ما روضة إلّا تمنت أنها

لك مضجع ولخط قبرك موضع

حُكي : أنّ امرأة ذات فحش كانت معهودة بالمدينة , ولها جار وكان مواظباً

____________________

(١) سورة يونس / ٣٠.


على مأتم الحُسين (عليه‌السلام ) , وكان عنده ذات يوم رجال ينشدون ويبكون على الحُسين (عليه‌السلام ) , وأمر لهم باصطناع طعام , فدخلت المرأة الفاحشة تريد ناراً , وإذا بالنّار قد انطفت من غفلتهم عنها , فعالجتها تلك الفاحشة بالنّفخ ساعة طويلة , حتّى اتسخت يداها وذرفت عيناها , فلمّا اتقدت , أخذت منها ومضت لقضاء مآربها ، فلمّا صار الظّهر وكان الوقت صيفاً , فوقدت وكان لها عادة بالقيلولة ساعة , وإذا هي ترى طيفاً : كأنّ القيامة قامت , وإذا بزبانية جهنّم يسحبونها بسلاسل من نار وهم يقولون : يا زانية , غضب الله عليك وأمرنا نلقيك في قعر جهنّم .وهي تستغيث وتستجير فلا تُجار ، قالت : والله , لقد صرت على شفير جهنّم , وإذا برجل أقبل يصيح بهم : (( خلّوها )) .قالوا : يابن رسول الله وما سببه ؟ قال : (( نعم , دخلت على قوم يعملون عزائي , وقد أوقدت لهم ناراً يعملون بها طعاماً )) .فقالوا : كرامة لك يابن الشّافع والسّاقي .قالت , فقلت : مَن أنت الذي منّ الله عليّ بك ؟ قال : (( أنا الحُسين بن عليّ )) .فانتبهت وأنا مذهولة , ومضيت إلى المجلس قبل أن يتفرّقون , فحكيت لهم فتعجّبوا ، وقام البكاء والعويل , وتبت على أيديهم من فعل القبيح .فعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ الخليعي (رحمه‌ الله تعالى )

هجرت مقلتي لذيذ كراهاً

لمصاب الشهيد من آل طه

واستعدت في شهر عاشور أجفاني

لطول البكاء على مولاها

وقيل لمصرع السبط مجراها

ولو أن دمعها من دماها

لقتيل ساءت رزيته الأملاك

واستعبرت عليه سماها

لقتيل أضحت له البضعة الزهرا

ثكل والوجد حشو حشاها

كاتبته العصابة الغدر والتبديل

تشكوا اُميّة وأذاها

وتوالت عهودها والمواثيق

وآلت أن تحل عراها

وأتاها للحكم بالعدل فارتدت

وجدت بالغدر لمـّا أتاها


بأبي ركبة المجد تجوب البيد

وخدا وهادها ورباها

بأبي الفتية الميامين تسري

حوله والردى أمام سراها

بأبي حين حل في كربلا يسأل

عنها مستشقاً لثراها

قائلاً : ههنا تراق دماها

وتنال الطغاة فينا مناها

ههنا تهتك الكرائم منا

وتذل الآبطال من آل طه

لهف قلبي له وقد خطب القوم

وكأن البليغ من خطباها

ثم قال : ارجعوا سلمتم أكباد

الأعادي مرضى وقتلى وشفاها

فأجابوا لا سلم الله نفساً في

غد من قلاك يوم لقاها

حاش لله بل نموت كراماً

ونروي من السيوف ظماها

فجزاهم خيراً ومرّ ينادي

أخته زينباً بكسر خباها

أخت يا زينب احفظي القول عني

زادك الله يقظة وانتباها

إن نعاني إليك ناع فبالصبر

ينال المصاب أجراً وجاها

لا تشقي جيباً ولا تلطمي خداً

ولا تندبي بحلم سفاها

ومضى مسرعاً يقيم قناة الدين

من بعد ميلها والتواها

مستعداً للحرب حتّى إذا كسر

خطبها وقل ظباها

فرمته أيدي الطغاة بسهم

البغي عن قوس غدرها وجفاها

ومضى المهر ناعياً فاستغاثت

زينب وغدت تطيل بكاها

وأتت وهو في السباق تناديه

بشجو ولا يجيب نداها

حر قلبي لها تضج وتدعو

من جوى الثكل أمها وأباها

أم يا أم عجلي وانظري فاطم

في السبي تستجير عداها

أم قد خمرت سكينة منها

الرأس بالردن بعد سلب رداها

أين جدّي أين البتول ألا أين

عليّ ، وا ذلها وا سباها

لهف قلبي لأم كلثوم خوف

السبي تبكي وتستغيث أخاها

يا أخي كيف حال من سلب

الناصر منها وخاف فيه رجاها

ثم تشكو إلى النّبي وقد كان

لدى الطف سامعاً شكواها

جد هل أمة هداة نبي

اشترت بعد العمى بهداها


فأقام النّبي فيها فشقت

حين غاب العصي على مولاها

وسبت بعده الذراري واضحى

المال نهباً والآل من قتلاها

وسرت تقطع البلاد سروراً

وبنوه الأدنون من أسراها

لا رعى الله أمة نقضت عهدك

فينا ومن بنا أغراها

كيف صبر أمرئ يود ذوي القربى

ورأس الحُسين فوق قناها

ويزيد اللعين يقرع بالعود

ثنايا ذاق النّبي لماها

قتلته عصابة الكفر عطشاناً

فلا بل ذو الجلال ثراها

ليست لناقة التي دمدم الله

على معشر أبو سقياها

كحسين وسوف ينتقم الله

له عند بعثه أشقاها

قبحت أنفس أطاعت هواها

وعصت من بلطفه سواها

ألهمت رشده وعلمها الله

فجور انفوس من تقواها

وعداها نهج السبيل وقد

أفلح من بالولاء قد زكاها

مؤمناً عارفاً وجوه البر أمن

كلّ باغ وخاب من دساها

يابن بنت النّبي يومك أذكى

في الحشا جمرة تشب لظاها

ليت إنّي لك الفدا يابن مولاي

قليل لو صح منك رضاها

كم لمملوكك الخليعي فيكم

مدحاً يهتدي بها رواها

فتجلى بها عقول ذوي اللب

وتجلو عن القلوب صداها

ومراث قد اكمن الطيب فيها

كلما أنشدت بطيب شذاها

راجياً منكم الأمان إذا عد

ذنوباً يخاف من عقباها

الباب الثّالث

أيّها المؤمنون , لو علمتم أيّ أجر تؤجرون وأيّ ثواب تحرزون , لتمنيتم دام هذا الحال إلى يوم يُبعثون ، فأنشدكم يا إخواني , أتدرون لِمَن تعزّون ؟ ولأيّ شيء أنتم مجتمعون ؟ والله بعين ديّان الدّين أنتم , والله في عزيّة مُحمّد خاتم النّبيين , وعليّ أمير المؤمنين , وفاطمة الزّهراء سيدة نسوة العالمين , وجميع الأئمة المعصومين , وعيونهم ناظرة إليكم , وهُم الشُهداء عليَّ وعليكم ، وتصديق ذلك ما


روي عن الإمام عليّ بن موسى الرّضا (عليه‌السلام ) , حيث قال : (( أيّها النّاس ، اعلموا وتيقّنوا , أنّ لنا مع كلّ وليّ لنا أعيناً ناظرة لا تشبه أعين النّاس , وفيها نور من نور الله وحكمة من حكم الله تعالى , ليس للشيطان فيها نصيب , وكلّ بعيد قريب ، وإنّ لنا مع وليّ لنا أعيناً ناظرة , وألسناً ناطقة وقلوباً وافية , وليس يخفى علينا شيء من أعمالكم وأقوالكم وأفعالكم , بدليل قوله تعالى :( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (١) .ولو لم يكن كذلك ما كان لنا على النّاس فضل )).

ومما يدلّ على ذلك أيضاً , ما روي عن أبي سدير الصّيرفي , قال : كنت نائماً ليلة الجُمُعة , فرأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في منامي وبين يديه طبقاً مغطّى , فدنوت منه وسلّمت عليه , فردّ عليّ السّلام , فكشف لي عن الطّبق , وإذا فيه رطب جني , فقلت : يا رسول الله , ناولني من هذا الطّبق رطبة ؟ فناولني رطبة فأكلتها , ثمّ طلبت منه اُخرى , فناولني اُخرى فأكلتها , ولم يزل يناولني رطبة بعد رطبة حتّى أكلت ثمان رطبات , ثمّ طلبت منه اُخرى , فقال : (( حسبك )) .فانتبهت وأنا مسرور بنومي , فلمّا أصبحت على الإمام جعفر بن مُحمّد (عليه‌السلام ) لأقصّ عليه رؤياي , وإذا بين يديه طبق مُغطّى كأنّه الطّبق الذي رأيته قدّام النّبي في منامي وهو مغطّى , فلمّا استقرّ بي المجلس عنده , التفت إليّ وكشف عن الطّبق , وإذا فيه رطب , فقلت : يا مولاي , ناولني رطبة .فناولنيها فأكلتها , ثمّ سألته اُخرى فأعطانيها حتّى ناولني ثمان رطبات فأكلتها , ثمّ سألته اُخرى فقال لي : (( حسبك يا أحمد , فلو زادك جدّي لزدتك )) .فقلت : يا سبحان الله مَن أخبرك برؤياي يا سيّدي ؟ فقال (عليه‌السلام ) : (( والله , لا يخفى علينا شيء من أفعالكم وأعمالكم , قال الله عزّ وجلّ :( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) )).

ومن ذلك أيضاً ما رواه الثّقاة عن أبي مُحمّد الكوفي , عن دعبل بن مُحمّد الخزاعيرحمه‌الله , قال : لمـّا انصرفت عن أبي الحسن الرّضا (عليه‌السلام ) بقصيدتي التّائية , نزلت في الرّي ، وإنّي في ليلة من الليالي وأنا أصيغ قصيدة وقد ذهب من الليل شطره , فإذا طارق يطرق الباب , فقلت : مَن هذا ؟ فقال : أخ لك .فبدرت إلى الباب ففتحته , فدخل شخص اقشعر منه بدني وذهلت منه نفسي , فجلس ناحية , وقال لي : لا ترع أنا أخوك من الجنّ , ولدت في الليلة التي ولدت فيها ونشأت معك , وأنّي جئت أحدّثك بما يسرّك ويقوّي نفسك وبصيرتك .قال : فرجعت نفسي وسكن قلبي ,

____________________

(١) سورة التّوبة / ١٠٥.


فقال : يا دعبل , إنّي كنت من أشدّ خلق الله بُغضاً وعداوة لعلي بن أبي طالب , فخرجت في نفر من الجن المردة العتاة , فمررنا بنفر يريدون زيارة قبر الحُسين (عليه‌السلام ) قد جنّهم الليل , فهممنا بهم , وإذا ملائكة تزجرنا من السّماء وملائكة من الأرض تزجر عنهم هوامها , فكأنّي كنت نائماً فانتبهت أو غافلاً فتيقظت , وعلمت أنّ ذلك لعناية بهم من الله تعالى لمكان من قصدوا له وتشرّفوا بزيارته , فأحدثت توبة وجددت نية ، زرت مع القوم ووقفت بوقوفهم ودعوت بدعائهم , وحججت بحجّهم تلك السّنة , وزرت قبر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ومررت برجل حوله جماعة , فقلت : مَن هذا ؟ فقالوا : هذا ابن رسول الله الصّادق .قال : فدنوت منه وسلّمت عليه , فقال لي : (( مرحباً بك يا أهل العراق , اتذكر ليلتك ببطن كربلاء وما رأيت من كرامة الله تعالى لأوليائنا ؟ إنّ الله قد قبل توبتك وغفر خطيئتك )) .فقلت : الحمد لله الذي منّ عليّ بكم , ونوّر قلبي بنور هدايتكم , وجعلني من المعتصمين بحبل ولايتكم , فحدّثني يابن رسول الله بحديث أنصرف به إلى أهلي وقومي .فقال : (( نعم , حدّثني أبي مُحمّد بن عليّ , عن أبيه عليّ بن الحُسين , عن أبيه الحُسين , عن أبيه عليّ بن أبي طالب (عليه‌السلام ) , قال : قال لي رسول الله : يا عليّ , الجنّة مُحرّمة على الأنبياء حتّى أدخلها أنا ، وعلى الأوصياء حتّى تدخلها أنت , وعلى الاُمم حتّى تدخلها اُمّتي حتّى يقرّوا بولايتك ويدينوا بإمامتك .يا عليّ , والذي بعثني بالحقّ , لا يدخل الجنّة أحد إلّا مَن أخذ منك بنسب أو سبب )) .ثمّ قال : خذها يا دعبل , فلن تسمع بمثلها من مثلي أبداً .ثمّ ابتلعته الأرض فلم أره .ولله درّ الشّاعر البرسي حيث قال :

هم القوم آثار النبوة فيهم

تلوح وأنوار الإمامة تلمع

مهابط وحي الله خزان علمه

وعندهم سر المهيمن مودع

إذا جلسوا للحكم فالكل أبكم

فإن نطقوا فالدهر ، أذن ومسمع

وإن ذكروا فالكون ند ومندل

له أرج من طيبهم يتضوع

وإن بارزوا فالدهر يخفق قلبه

لسطوتهم والأسد بالغاب تجزع

وإن ذكر المعروف والجود في الورى

فبحر نداهم زاخر يتدفع

أبوهم سماء المجد والأم شمسه

نجوم لها برج الجلالة مطلع

فيا نسباً كالشمس أبيض مشرق

ويا شرفاً من هامة المجد أرفع


فمن مثلهم إن عد في النّاس مفخر

أعد نظراً يا صاح إنكنت تسمع

ميامين قوامون عز نظيرهم

هداة ولاة للرسالة منبع

فلا فضل إلّا حين يذكر فضلهم

ولا علم إلّا علمهم حين يرفع

ولا عمل ينجي غداً غير حبهم

إذا قام يوم البعث للخلق مجمع

ولو أن عبداً جاء في الله عابداً

بغير ولا (آل العبا) ليس ينفع

فيا عترة المختار يا راية الهدى

إليكم غداً في موقفي أتطلع

خذوا بيدي يا آل بيت مُحمّد

فمن غيركم يوم القيامة بشفع

روي في بعض الأخبار عن حذيفة اليماني , قال : مرّ ابن عبّاس على قوم من بني اُميّة , فسمعهم يسبّون عليّ بن أبي طالب (عليه‌السلام ) - وكان ابن عبّاس مكفوف البصر كبير السّن - فقال لقائده : ما يقولون هؤلاء الأنذال ؟ فقال : إنّهم يسبّون علياً .فقال له : يا غلام قرّبني إليهم .فلمّا صار بالقرب منهم , قال : أيّكم السّاب الله عزّ وجلّ ؟ فقالوا : معاذ الله ! فمَن يسبّ الله فقد كفر وخلد في سقر .فقال : أيّكم السّاب رسول الله ؟ فقالوا : معاذ الله أن نُسب رسول الله ! فمَن سبّه فقد افترى إثماً كبيراً .فقال : أيّكم السّاب عليّ بن أبي طالب ؟ فنكّسوا رؤوسهم حياء منه , وقالوا : قد كان ذلك منّا .فقال لهم : يا أشرّ الاُمم ! ويا أهل جهنّم ! وحقّ ربّ الكعبة , إنّي سمعت رسول الله يقول : (( مَن سبّ عليّاً فقد سبّني ، ومَن سبّني فقد سبّ الله , ومَن سبّ الله تعالى , أكبّه الله على منخريه في نار جهنّم مُخلداً فيها )) .فأبشروا بالعذاب الأليم في أسفل درك الجحيم .فلم يردّوا له جواباً , فتركهم وانصرف لشأنه , فقال : يا غلام , كيف رأيت وجوههم حين أوردت الحديث ؟ فقال : اسمع يا مولاي منّي الشّعر :

نظروا إليك بأعين مزورة

نظر التيوس إلى شفار الجازر

فقال له : يا غلام , زدني بارك الله فيك ! فقال :

خزر الحواجب ناكسوا أذقانهم

نظر الذليل إلى العزيز القاهر

فقال : زدني فداك أبوك يا غلام ! فقال :

أحباؤهم خزى على أمواتهم

والميتون فضيحة للغابر


فقال : زدني بارك الله فيك ! فقال :

يوم القيامة يسكنون جهنما

بئس المصير لكلّ عبد فاجر

فقاله له : زدني بارك الله فيك ! فقال :

وكذا النّبي خصيمهم مع حيدر

نعم الخصيم غداً وخير الناصر

فقال له : بارك الله فيك يا غلام ! وأنت حرّ لوجه الله تعالى.

فانظروا يا إخواني إلى أهل الضّلال , كيف يبالغون في سبّ الآل وسبّ عليّ محكّ أولاد الحلال , ولا يخشون من الله ذي الجلال , ولا يحذرون من المرجع والمآل ، ولله درّ من قال بعض من الرّجال :

إذا ما التبر حك على محك

تبين غشه من غير شك

وفينا الدر والذهب المصفى

وحيدر بيننا شبه المحك

روي عن ابن عبّاس , أنّه قال : والله , لقد رايت جابر الأنصاري (رض) وهو يمشي في سكك المدينة , ويقف عند بيوت المهاجرين والأنصار وهو يقول : معاشر النّاس , أدّبوا أولادكم على حُبّ عليّ بن أبي طالب , فمَن أبى فانظروا في شأن اُمّه.

وفي خبر آخر ، عن الصّادق (عليه‌السلام ) , قال : (( مَن وجد برد حبّنا أهل البيت في قلبه , فليكثر الدّعاء لاُمّه حيث أنّها لم تخن أباه فيه )) .ولله درّ صاحب الكشكول :

إليك جميع الكائنات تشير

بأنك هاد منذر وبشير

وإنك من نور الإله مكون

على كلّ نور من جلالك نور

وروحك روح القدس فيها منزل

وقلبك في قلب الوجود ضمير

وشخصك قطب الكائنات فسر بها

على سره في العالمين تدور

نزلت من الله العظيم بمنزل

يسير إليه الطرف وهو حسير

قال الله تعالى :( وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) (١) .قال الثّعلبي ورواه ابن عبّاس ، أنّها نزلت في عليّ لمـّا خرج النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من مكّة خائفاً من الـمُشركين إلى الغار , خلّفه لقضاء ديونه ورد ودائعه , فبات عليّ على

____________________

(١) سورة البقرة / ٢٠٧.


فراشه وأحاط المشركون بالدّار , فأوحى الله تعالى إلى جبرائيل وميكائيل : (( إنّي قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر , فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ )) .فاختار كلّ منهما الحياة ، فأوحى الله تعالى إليهما : (( ألا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب , آخيت بينه وبين مُحمّد , فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره الحياة ؟! اهبطا إلى الأرض , فاحفظاه من عدوّه )).فنزلا , فكان جبرائيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه , فقال : بخ بخ مَن مثلك يابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ! هذا في تفسير هذه الآية ، وأمّا آية المباهلة , فأجمع المفسّرون منهم على أنّ أبناءنا إشارة إلى الحسن والحُسين ، ونساءنا إشارة إلى فاطمة ، وأنفسنا إشارة إلى عليّ فجعله الله نفس مُحمّد ، المراد المساواة ومساوي الأكمل , الأولى بالتّصرف أكمل وأولى بالتّصرف .فهذه الآية أدلّ دليل على علو مرتبته (عليه‌السلام ) ؛ لأنّه تعالى حكم بمساواته لنفس الرّسول , وأنّه تعالى عيّنه في استعانة النّبي به في الدّعاء , وأيّ فضيلة أعظم من أن يأمر الله نبيّه بأن يستعين به على الدّعاء إليه والتّوسل به , مع ما ورد فيه ما يزيد على هذا , مثل قوله تعالى :( إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي ) (١) .روى الجمهور عن ابن مسعود , قال رسول الله : (( انتهت الدّعوى إليّ وإلى عليّ , لم يسجد أحدنا لصنم قط , فاتخذني نبيّاً واتخذ عليّاً وصيّاً )).

ومثل قوله تعالى :( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) (٢) .نقل الجمهور عن ابن عبّاس , قال : قال رسول الله (ص) : (( أنا الـمُنذر وعليّ الهادي , وبك يا عليّ يهتدي المهتدون )).

ومثل قوله تعالى :( وَقِفُوهُمْ إِنّهُم مّسْؤُولُونَ ) (٣) .روى الجمهور عن ابن عبّاس وأبي سعيد الخدري , عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , أنّه قال : (( عن ولاية عليّ بن أبي طالب )).

ومثل قوله تعالى :( وَلَتَعْرِفَنّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) (٤) .روى الجمهور عن أبي سعيد الخدري , قال : ببغضهم عليّاً (عليه‌السلام ).

ومثل قوله تعالى :( وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرّبُونَ ) (٥) .روى الجمهور عن ابن عبّاس , قال : سابق هذه الاُمّة عليّ بن أبي طالب.

وروي من طرقهم في قوله تعالى :( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَا ) (٦) .قال : إنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليلة اُسري به , جمع الله بينه وبين الأنبياء , ثمّ قال : (( سلهم يا مُحمّد على ماذا بعثتم ؟ )) .فقالوا : بعثنا على شهادة أن لا إله إلّا الله , وعلى الإقرار بنبوّتك , والولاية لعلي بن أبي طالب.

ومن طرقهم أيضاً في قوله تعالى :

____________________

(١) سورة البقرة / ١٢٤.

(٢) سورة الرّعد / ٧.

(٣) سورة الصّافات / ٢٤.

(٤) سورة مُحمّد / ٣٠.

(٥) سورة الواقعة / ١٠ - ١١.

(٦) سورة الزّخرف / ٤٥.


( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (١) .روى الجمهور عن ابن عبّاس , قال : لمـّا نزلت هذه الآية , قال رسول الله لعلي : (( هُم أنت وشيعتك يا عليّ ، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين , ويأتي أعداؤك غضابا مقمحين )).

وعن الحسن البصري(٢) في تفسير قوله تعالى :( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ) (٣) .فقال : المشكاة فاطمة ، والمصباح الحسن والحُسين , و( الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) قال : كانت فاطمة كوكباً درّياً بين نساء العالمين( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ) قال : الشّجرة المباركة إبراهيم( لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ) لا يهودية ولا نصرانية( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِءُ ) قال : يكاد العلم أن ينطق منها.( وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ ) قال : فيها إمام بعد إمام( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ) قال : يهدي الله لولايتنا من يشاء , فهنيئاً للمحبّين والشّيعة الموالين أولئك الذين أنعم الله عليهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

ولنذكر في آخر هذا الجزء طرفاً من أنساب ما يجري على الحُسين (عليه‌السلام ) , وذراريه وأصحابه ومواليه ؛ ليعلم النّاظر أنّه لا يُفعل بهم ذلك - كما جاء في الخبر عن سيّد البشر - إلّا من خبث مولده , وكان مطعوناً عليه في أصله ونسبه.

أمّا يزيد (عليه اللعنة) فإنّه كان جبّاراً عنيداً خبيث الولادة :( وَالّذِي خَبُثَ لاَيَخْرُجُ إِلّا نَكِداً ) (٤) .وقد مرّ قول الحُسين (عليه‌السلام ) فيه وفي أبيه , أنّهما شُركاء الشّيطان.

وأمّا عُبيد الله بن زياد , اُمّه مرجانة وأبوه زياد دعيّ لأبي سفيان , وكان يُسمّى بين النّاس زياد بن أبيه ؛ لأنّه لا يُعرف له أب , وكانت اُمّه سوداء نتنة الرّائحة يُقال لها سميّة , وكانت عاهرة ذات علم تُعرف به , وقد وطأها أبو سفيان وهو سكران , فعلقت منه بزياد على فراش بعلها , فدعاها أبو سفيان سرّاً ، فلمّا آل الأمر إلى معاوية , قرّبه إليه وأدناه ورفع منزلته , وعلاه واستخلفه في بلاد الأهواز , وأمّره على ثلاثمئة ألف فارس وأمره بحرب الحسن (عليه‌السلام ) , ولم يزل يحاربه زماناً طويلاً حتّى دسّ إليه سمّاً فقتله , فمات مسموماً رحمة الله عليه.

ولـمّا آل الأمر إلى يزيد بن معاوية لعنه الله تعالى , جعل عُبيد الله بن زياد أميراً على الكوفة وأمره بقتل الحُسين (عليه‌السلام ) , فجهّز العساكر والجنود وحالوا بينه وبين ماء الفرات حتّى أنّهم قتلوه عطشاناً مظلوماً , وذبحوا أطفاله وسبوا عياله , ففعل ابن زياد لعنه الله أضعاف ما فعل يزيد عليه اللعنة( وَالَّذِي خَبُثَ لاَ

____________________

(١) سورة البيّنة / ٧.

(٢) هكذا ورد التّفسير في الأصل ، والصّحيح أنّ التّفسير ورد عن أبي الحسن (ع) ، كما في أغلب المصادر .( موقع معهد الإمامين الحسنَين)

(٣) سورة النّور / ٣٥.

(٤) سورة الأعراف / ٥٨.


يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ) (١) .

وأمّا هند بنت عتبة , عتبة عليه اللعنة قتله حمزة عمّ رسول الله , وكان عتبة أميراً في زمن الجاهلية , وهو الذي حارب النّبي في وقعة اُحد حرباً عظيماً , حتّى إنّه أنكسر عسكر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وشاع الخبر إلى المدينة بقتل النّبي , ورفع الصّراخ بالمدينة أنّه قُتل النّبي , فانخشعت القلوب وبكت العيون , وحزن الأقرباء وبكت السّماء وفرح الأعداء ، وكانت هند - جدّة يزيد - واقفة تضرب بالدّف من شدّة فرحتها بقتل النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) :( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (٢) .

وكان عتبة لعنه الله تعالى , وهو الذي رمى النّبي بحجر ؛ فكسر رباعيته , وشقّ شفتيه , وشج رأسه الشّريف , فوثب حمزة عمّ النّبي فقتل عتبة , فجاءت هند بنت عتبة لوحشي بهبة على أن يقتل لها رسول الله , أو أن يقتل عليّاً أو حمزة ، فقال لها وحشي : أمّا رسول الله فلا سبيل لي عليه ؛ لأنّ أصحابه حافّين من حوله ، وأمّا عليّ بن أبي طالب , فإنّه إذا حارب , فهو أحذر من الذّئب وأروغ من الثّعلب , ولا طاقة لي به ، وأمّا حمزة , فإنّي أقدر عليه ؛ لأنّه إذا حارب وهاج في الحرب , لم يعد يبصر ما بين يديه وما خلفه .قال : فلمّا هاج حمزة في الحرب , كمن وحشي وضربه على اُمّ رأسه فقتله , فخرّ صريعاً إلى الأرض , فجاءت هند بنت عتبة عليهما اللعنة , ووقفت على جسد حمزة , وجذعت أذنيه وأنفه , وشقت بطنه , وقطعت أصابعه ونظمتها بخيط وجعلتها قلادة في عنقها , ثمّ أخرجت كبد حمزة وأخذت منه قطعة بأسنانها ومضغتها ؛ حنقاً منها عليه , وأرادت بلعها فلم تقدر على بلعها فقذفتها ؛ لأنّ الله تعالى صان كبد حمزة أن يحل في معدة تُحرق بالنّار .فهل سمعتم أو رأيتم امرأة أكلت كبد إنسان غير هند لعنها الله تعالى ؟! :( وَالّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلّا نَكِداً ) .

وأمّا عمر بن سعد , فهو الذي ولاه ابن زياد حرب الحُسين (عليه‌السلام ) , وأمّره على سبعين ألف فارس , وأمره بقتل الحُسين وأصحابه وأطفاله وأهل بيته وسبي نسائه , ففعل ما أمره.

فجرى كلّ واحد من هؤلاء الملاعين على عرقه الخبيث :( وَالّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلّا نَكِداً ) .ولقد اختبروا قتلة الحُسين (عليه‌السلام ) , فوجدوهم كلّهم أولاد زنا لصحة قول النّبي فيهم.

فيا إخواني , انظروا إلى هؤلاء الكفرة الفجرة , كيف بالغوا في ظلم الآل ونهب الأموال , وذبح الأطفال وقتل الرّجال وأيّ رجال ، أولئك عليهم لعنة الله

____________________

(١) سورة الأعراف / ٥٨.

(٢) سورة التّوبة / ٣٢.


تعالى والملائكة والنّاس أجمعين ، فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ داود البحراني

هلموا نبك أصحاب العباء

ونرثي سبط خير الأنبياء

هلموا نبك مقتولاً بكته

ملائكة الإله من السماء

هلموا نبك مقتولاً عليه

بكى وحش المهامة في الفلاء

ألا فابكوا قتيلاً قد بكته

البتولة فاطم ست النساء

ألا فابكوا لثاوي الطف حزناً

ألا فابكو لمذبوح القفاء

ألا فابكوا لمن أضحت عليه

تنوح الجن حزناً بالبكاء

ألا فابكوا المعفر ذبيح

على الرمضاء شلو بالثراء

ألا فابكوا قتيلاً مستباحاً

ألا فابكوا المرمل بالدماء

بنفسي جسم منطرح جريح

على حر الصعيد بلا وطاء

بنفسي من تجول الخيل ركضاً

عليه وهو مسلوب الرداء

بنفسي هاشميات سبايا

يقدن وهن في ذل السباء

بنفسي نسوة جاءت إليه

وهن مولولات بالشجاء

أخي ودع يتامى قد أهينوا

وقد أضحوا باسر الأدعياء

أخي هل بعد بعدك لي محام

لقد أخذ الزمان بكم حماء

أخي أصبحت رهن الطف شلوا

عليك الدهر مشقوق الرداء

أخي أضحى كريمك فوق رمح

يشال كبدر تم في السماء

يعز على أبينا أن يرانا

بأرض الطف نسبى كالإماء

يعز على البتول بأن ترانا

ونحن نضج حولك بالبكاء

وزين العابدين تراه يكبو

يقيد وهو في ضر البلاء

أخي هذي سكينة من حناها

تجرر بامتحان وابتلاء

وتسلب قرطها ظلماً وتدعو

أبي وا ذل حالي يا بلائي

أبي هذي اُميّة ذات صون

ونحن نساق جهراً بالفلاء


تصان اُميّة ولها خدور

ونبرز من خبانا للسباء

كأنا من بنات الزنج نسبى

ونضرب بالسياط بلا خطاء

أيا حصني أيا ذخري وفخري

فقدتك يا سنادي يا رجائي

ألا وأبذل وجهي بعد صون

وضعفي وانتهاكي في الوراء

أخي يابن الرسول أذاب جسمي

حلولك في الثراء بلا وطاء

تدوس الخيل منك قفاك حتّى

وضضن الصدر ظلماً بافتراء

الا يا سيّدي أمسيت أبكي

ويسعدني الحمام على بكائي

ألا يا آل أحمد يا حماتي

وعوني في الشدائد والرخاء

مصابكموا يوقد نار قلبي

ويغريني على كثر البكاء

وهد قواي رزؤكموا وأضحى

نحولي لا يزول ولا عزائي

لقد أمسيت بعدكم حزيناً

قريح الجفن مشغول بداء

إليكم من عبيدكم نظاماً

به أرجو من الباري جزائي

بها يرجو الفتى داود فوزاً

بمحو الذنب يا أهل العباء

وسامعها ومنشدها بشجو

ومن يبكي بحزن لا مراء

وصلّى الله والأملاك طراً

على الهادين من أهل الهداء

ذكر أهل التأريخ , أنّ سبط بن الجوزي كان يعظ على الكرسي بجامع دمشق , فطلب منه أهل المجلس أن يذكر شيئاً في مصرع الحُسين بن عليّ (عليه‌السلام ) , فعند ذلك أنشد يقول :

ويل لمن شفعاؤه خصماؤه

والصور في نشر الخلائق ينفخ

لا بد أ، ترد القيامة فاطم

وقميصها بدم الحُسين ملطخ

ثمّ إنّه وضع المنديل على رأسه واستعبر طويلاً ونزل عن الكرسي وبذلك ختم.

قال بعضهم :

الا عج يوم الطف لا زلت واريا

وللقلب لم تبرح على الصعب لاويا

كم انصدعت أمعاء مهجة أنفس

فليس لها من جرحك الدهر آسيا


وما زال زند الغيض للوجد مضرماً

وضلعي على جمر الغضا منه حانيا

بك انطمست آثار دين مُحمّد

وأصبح فيك الكون بالحزن داجيا

وهد م المجد الأثيل قوامه

فقوض للعليا قباباً رواسيا

وفاضت عيون المكرمات كآية

وجفن العلا ما أنفك بالدمع جاريا

وقامت لحشر الأنبياء قيامة

نرى لكلّ فيها للجريمة جاثيا

بها صور صعق الخلق حرك للفنا

فأصبح فيها حجّة الله ثاويا

ألا أيّها اليوم المشؤوم على الورى

تركت جفون المكرمات دواميا

ضربت بسيف الجور كيوان عزها

فغودر فيه العدل أجدر ضاحيا

سرت منكفي جنح الظلام قوائم

فكورن من ضوء النهاء الدراريا

وسعرن نيران الحروب فزعزعت

قوى العرش حتّى قد برحن الثوانيا

قضت فيك جوراً آل حرب ذحولها

وساءت بآل الأكرمين التقاضيا

وشقت على آل النّبي ستورها

وثجت لها بحراً من الدم ساجيا

لقد أثكل الدنيا لواعجك التي

صببن على كلّ الأنام الدواهيا

وقدّ لها طود الهداية قلبه

وأصبح من ثكل لرزئك واهيا

غداة قضى سبط النّبي مُحمّد

على سغب طاوي الحشاشة ظاميا

حمى حوزة المجد المؤثل وانثنى

يجلي عن الدين الحنيف الغواشيا

قد تمّ الجزء الأول من كتاب (الـمُنتخب)

وسيتلوه (الجزء الثّاني) إن شاء الله تعالى



الـمُنتخب

في جمع المراثي والخطب

المشتهر بـ (الفخري)

تأليف

الإمام الكبير والـمُصنّف الشّهير الشّيخ

فخر الدّين الطّريحي النّجفي المتوفى سنة / ١٠٨٥.

الجزء الثّاني



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المجلس الأوّل

في الليلة السّادسة من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

اعلموا أيّها الإخوان ، إنّه لا خير والله في دمع يُصان عن سادات الزّمان وأولياء الملك الدّيان , فوا حرّ قلباه على تلك الأجساد المطرّحات بغير وطاء ولا وساد ! وا أسفاه على تلك الجسوم المرمّلات بغير فراش ولا مهاد ! جسوم والله طال ما أتعبوها في عبادة الرّحمن وقراءة القرآن ، فوا عجباه ! كيف شمخت عليهم اُنوف الظّالمين حتّى فعلوا ما أغضبوا ربّ العالمين ، وأبكوا به عين الرّسول ، وأحرقوا به فؤاد البتول ؟! فليت فاطمة الزّهراء تنظر إلى الفاطميات وهن بين الأعداء مروّعات ، وما بين نادبة تأنّ وثاكلة تحنّ .فيا خيبة من عرف حال الآل وسارع إليهم بالمحاربة والقتال ، ولكنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور :

لقد أورثتنا قتلة الطف قرحة

وحزناً على طول الزمان مطول

فلا حزنه يسلي ولا الوجد نازح

ولا مدمعي يرقي ونوحي يكمل

روي : أنّ هند اُمّ معاوية جاءت إلى دار الرّسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عند وقت الصّبح , فدخلت وجلست إلى جنب عائشة وقالت لها : يا بنت أبي بكر , رأيت رؤيا عجيبة وأريد أن أقصّها عليك لتقصّيها على رسول الله - وذلك قبل إسلام ولدها معاوية - ,


فقالت لها عائشة : خبّريني بها حتّى أخبر بها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) .فقالت : إنّي رأيت في نومي شمساً مشرقة على الدُنيا كلّها , فولد من تلك الشّمس قمر , فأشرق نوره على الدُنيا كلّها , ثمّ ولد ذلك القمر نجمان زاهران قد أزهر من نورهما المشرق والمغرب , فبينما أنا كذلك , إذ بدت سحابة سوداء مُظلمة كأنّها الليل الـمُظلم , فولد من تلك السّحابة السّوداء حيّة رقطاء , فدّبت الحيّة إلى النّجمين فابتلعتهما , فجعلوا النّاس يبكون ويتأسّفون على ذينك النّجمين.

قال : فجاءت عائشة إلى النّبي(ص) وقصّت الرّؤيا عليه ، فلمّا سمع النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كلامها , تغيّر لونه واستعبر وبكى , فقال : (( يا عائشة , أمّا الشّمس الـمُشرقة فأنا , وأمّا القمر فهي فاطمة ابنتي , وأمّا النّجمان فهما الحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) , وأمّا السّحابة السّوداء فهي معاوية , وأمّا الحيّة الرّقطاء فهي يزيد بن معاوية )).

وكان الأمر كما قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فإنّه لمـّا توفّي الرّسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , نهض معاوية إلى حرب عليّ (عليه‌السلام ) , ولازم حربه ثمانين شهراً حتّى هلك من الفريقين خلق كثير ، ثمّ إنّ معاوية استمر مع قومه على سبّ عليّ ثمانين شهراً ، ثمّ لم يكفه حتّى توصّل إلى سمّ الحسن (عليه‌السلام ).

ولمّا هلك معاوية , تولّى الأمر ولده يزيد لعنه الله تعالى , فنهض إلى حرب الحُسين (عليه‌السلام ) وبالغ في قتاله وقتال رجاله , وذبح أطفاله وسبى عياله ونهب أمواله ، ألا لعنة الله على القوم الظّالمين :

أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي

وخدك معفور وأنت سليب

أأشرب ماء المزن أم غير مائه

ويدخل في الأحشاء منك لهيب

بكائي طويل والدموع غزيرة

وأنت بعيد والمزار قريب

أروح بغم ، ثمّ أغدو بمثله

كئيباً ودمع المقلتين سكوب

فللعين منّي عبرة بعد عبرة

وللقلب منّي عبرة ونحيب

روي : أنّ الإمام زين العابدين (عليه‌السلام ) مع كثرة علمه وحلمه , كان كثير البكاء لتلك البلوى وعظيم البثّ والشّكوى , وإنّه بكى على مصاب أبيه أربعين سنة , وهو مع ذلك صائم نهاره قائم ليله , وكان إذا حضر الطّعام لإفطاره , يبكي بكاءاً شديداً , فيُقال له : كُل يا مولاي .فيقول : (( كيف آكل وقد قُتل ابن رسول الله جائعاً عطشاناً مظلوماً ؟! )) .ولم يزل يكرّر هذا القول , وهو مع ذلك يبكي حتّى يبلّ طعامه بدموعه


ويمزج بشرابه , ولم يزل كذلك مدّة حياته حتّى لحق بربّه.

وحدّث مولى له , أنّه (عليه‌السلام ) برز يوماً إلى الصّحراء , قال : فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة , فوقفت من ورائه وأنا أسمع شهيقه وبكاءه زماناً طويلاً , فأحصيت عليه حتّى قال ألف مرّة : (( لا إله إلّا الله تعبّداً ورقّاً , لا إله إلّا الله إيماناً وصدقاً )) .ثمّ رفع رأسه من سجوده , وإذا لحيته ووجهه قد غمرا بالدّموع والتّراب , فقلت له : يا سيّدي , ما آن لحزنك أن ينقضي ولبكائك أن يقلّ ؟ فقال لي : (( يا هذا , ألا تعلم أنّ يعقوب بن إسحاق كان نبيّاً ابن نبيّ , وكان له اثني عشر ابناً , فغيّب الله عنه ولداً واحداً منهم , فشاب رأسه من الحزن وذهب بصره من البكاء , هذا وابنه حيّ في دار الدُنيا , وأنا قد رأيت إخوتي وأبي وسبعة عشر صالحاً من أهل بيتي , مقتولين مطرّحين حولي صرعى في الفلا مجدّلين , قد غيّرت الشّموس محاسنهم وأتلفت الأرض جسومهم والرّمال تسفى عليهم ؟! )).

فاعلموا(١) يا إخواني صوائب الفكر , وأطيلوا النّظر في حال هذا الإمام وما فعل به القوم اللئام , فإنّه مصاب تحير فيه الأفكار ، وتذهل في معانيه القلوب والأبصار , ولكن المرجع إلى الله ولا حول ولا قوة إلّا بالله :

بنفسي مجروح الجوارح آيساً

من النصر خلوا ظهره من ظهيرها

بنفسي محزوز الوريد معفراً

على ظمأ من فوق حر صخورها

يتوق إلى ماء الفرات ودونه

حدود شفار أحدقت بشفيرها

قضى ظامياً والماء يلمع ظامياً

وغودر مقتولا روين غديرها

هلال دجى أمسى بحد غروبها

غروباً على قيعانها ووعورها

فيا لك مقتولاً علت مهجة العلا

به ظلمة من بعد ضوء سفورها

فيا لك عيناً لا تجف عيونها

وناراً يذيب القلب حر زفيرها

على مثل هذا الحزن يستحسن البكا

وتقلع منا أنفس من سرورها

أيقتل خير الخلق أماً ووالداً

وأكرم خلق الله وابن نذيرها

ويمنع من ماء الفرات وتغتذي

وحوش الفلا ريانة من نميرها

يدير على رأس السنان برأسه

سنان ألا شلت يمين مديرها

ويؤتى بزين العابدين مكبلاً

أسيراً ألا روحي الفدا لاسيرها

يقاد ذليلاً في القيود ممثلا

لأكفر خلق الله وابن كفورها

____________________

(١) هكذا ورد , ولكن الظّاهر أنّ الصّحيح هو : فاعملوا (معهد الإمامين الحسنين).


ويمشي يزيد رافلاً في حريره

ويمسي حسيناً عارياً في حرورها

ودار بني صخر ابن حرب أنيسة

بنشد أغانيها وسكب خمورها

ودار عليّ والبتول وأحمد

وشبرها مولى الورى وشبيرها

معالمها تبكي على علمائها

وزائرها يبكي لفقد مزورها

متى يظهر المهدي من آل هاشم

على سيرة لم يبق إلّا يسيرها

هنالك تعلو همة طال همها

لإدراك ثأر سالف من مثيرها

روي عن ابن محبوبرضي‌الله‌عنه , قال : خرجت من الكوفة قاصداً زيارة الحُسين (عليه‌السلام ) في زمان ولاية آل مروان لعنهم الله تعالى، وكانوا قد أقاموا اُناساً من بني اُميّة على جميع الطّرق ؛ يقتلون من يظفروا به من زوّار الحُسين (عليه‌السلام ) , فأخفيت نفسي إلى الليل , ثمّ دخلت الحائر الشّريف في الليل , فلمّا أردت الدّخول للزيارة , إذ خرج إليّ رجل وقال لي : يا هذا , ارجع من حيث جئت فقد قبل الله زيارتك عافاك الله ؛ فإنّك لا تقدر على الزّيارة في هذه السّاعة .فرجعت إلى مكاني , فسرت حتّى مضى أكثر من نصف الليل ثمّ أقبلت للزيارة , فخرج إليّ ذلك الرّجل وقال لي : يا هذا , ألم أقُل لك إنّك لا تقدر على زيارة الحُسين (عليه‌السلام ) في هذه الليلة ؟ فقلت له : ولِمَ تمنعني من ذلك وأنا قد أقبلت من الكوفة على خوف ووجل من بني اُميّة أن يقتلوني ؟ فقال : يابن محبوب , اعلم أنّ إبراهيم خليل الرّحمن وموسى كليم الله , وعيسى روح الله ومُحمّد حبيب الله , قد استأذنوا الله عزّ وجلّ في هذه الليلة أن يزوروا الحُسين (عليه‌السلام ) , فأذن لهم بزيارته , فهم عنده من أوّل الليل إلى آخره في جمع من الملائكة المقرّبين والأنبياء والمرسلين , لا يحصي عددهم إلّا الله تعالى , فهم يسبّحون الله ويقدّسونه لا يفترون إلى الصّباح , فإذا أصبحت فأقبل إلى زيارته إن شاء الله تعالى .فقلت له : وأنت مَن تكون عافاك الله ؟ فقال : أنا من الملائكة الموكلين بقبر الحُسين (عليه‌السلام ) .فطار قلبي ورجعت إلى مكاني أحمد ربّي وأشكره حيث لم يردني لقبح عملي , وصبرت إلى أن أصبحت فأتيت لزيارة مولاي الحُسين (عليه‌السلام ) ولم يردني أحد , وبقيت نهاري كلّه في زيارته إلى أن هجم الليل , وانصرفت على خوف من بني اُميّة فنجّاني الله منهم.

فانظروا يا ذوي الأسماع والأبصار , وتفكّروا في هؤلاء الكفرة الفجّار , ما كفاهم قتل


العترة الأطهار , وذرّيّة النّبي الـمُختار حتّى دعتهم أنفسهم اللعينة إلى أن يمنعوا الزّوار :( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (١) :

فيا ذلة الإسلام من بعد عزه

ويا لك رزء في الأنام خطير

فيا عبرتي سحي ويا حرقتي ازددي

ويا نفس ذوبي فالمصاب كبير

روى مُحمّد بن إسماعيل , عن موسى بن القاسم الحضرمي , قال : ورد أبو عبد الله الصّادق من المدينة إلى الكوفة في أوّل ولاية أبي جعفر العباسي , فقال (عليه‌السلام ) : (( يا موسى , اذهب إلى الطّريق الأعظم فقف هُنيئة , فإنّه سيأتيك رجل من ناحية القادسية , فإذا دنا منك , فقُل له : هُنا رجل من ولد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يدعوك , فإنّه يسرّ بذلك وسيجيء معك )) .قال موسى : فمضيت ووقفت على الطّريق وكان الحَرّ شديداً , فمددت بصري في الفلاة , فنظرت شيئاً مُقبلاً من بعيد , فتأمّلته وإذا هو رجل على بعير , فلمّا دنا منّي , قلت له : يا هذا , إنّ هُنا رجل من ولد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يدعوك وقد وصف لي بجميع صفاتك .فزاد إعجابه وسرّ بذلك وقال : اذهب بنا إليه .قال : فجاء الرّجل حتّى أناخ بعيره على باب خيمة الصّادق (عليه‌السلام ) , ودخل إليه وسلّم عليه وقبّل يديه ورجليه , فقال الصّادق : (( من أين أقبلت ؟ )) .فقال : من أقصى بلاد اليمن .فقال له : (( أنت من وضع كذا وكذا ؟ )) .قال : نعم .قال : (( فيما جئت ؟ )) .قال : جئت لزيارة الحُسين (عليه‌السلام ) .فقال له الصّادق (عليه‌السلام ) : (( جئت من غير حجّة ليس إلّا للزيارة ؟ )) .قال : نعم , إلّا أن أصلّي عند قبره ركعتين وأزوره وأسلّم عليه وأرجع إلى أهلي .فقال له الصّادق (عليه‌السلام ) : (( وما ترون من زيارته ؟ )) .قال : إنّا نرى من زيارته ؛ البركة والشّفاء والعافية في أنفسنا وأهالينا وأولادنا , ومعائشنا وأموالنا وقضاء حوائجنا .فقال له الصّادق (عليه‌السلام ) : (( أفلا تحبّ أن أزيدك من فضل زيارته يا أخا اليمن ؟ )) .فقال : أي والله , زدني يابن رسول الله .فقال : (( اعلم أنّ زيارة الحُسين (عليه‌السلام ) تعدل حجّة مبرورة مقبولة زاكية مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) )) .فتعجّب الرّجل من ذلك , فقال الصّادق (عليه‌السلام ) : (( لا تعجب يا أخا اليمن , بل تعدل حجّتين متقبّلتين زاكيتين مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) )) .فتعجّب الرّجل من ذلك ، قال : فلم يزل الصّادق (عليه‌السلام ) يزيده من فضل زيارته حتّى قال له : (( تعدل ثلاثين حجّة مبرورة مقبولة زاكية مع رسول الله

____________________

(١) سورة الصّف / ٨.


(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، فقال الرّجل : إذا كان هذا فضل زيارة الحُسين (عليه‌السلام ) , فو الله , لا اُفارقه حتّى أموت .قال : ولم يزل الرّجل لائذاً بقبر الحُسين (عليه‌السلام ) حتّى أتاه الموت.

فتفكّروا يا إخواني في هذا الشّخص الرّباني , كيف تجرّأ عليه أهل الضّلال وبارزوه بالحرب والقتال , وسارعوا إليه بالسّيوف والرّماح وصادموه في ميدان الكفاح , فقالوا لا براح ولا سعة ولا فساح , كأنّهم قد نسوا المعاد إلى ربّ العباد .فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم فيهم وقال :

القصيدة للشيخ الكامل الدّرمكي

خل الحزين بهمه وبلائه

وبوجده وحنينه وبكائه

لا تعذل المحزون تجرح قلبه

فالبين أورى النّار في أحشائه

إن الشقاء على الحزين مسلط

لا يستطيع الصبر في اخفائه

يكفيك عن عذل الحزين سقامه

قد ملّت العواد من إيتائه

وتجمعت كل الأطبا حوله

وتفرقوا لم يظفروا بشفائه

وتعاهدوا كتباً لهم مخزونة

عجزوا وما قدروا على استشفائه

فهو المحن لمـّا تضمن صدره

يخفى لعل العذل في اخفائه

يخفي من الأعداء ما في نفسه

ويذيعه سراً إلى أمنائه

فاستخبروه ذوا البصائر والتقى

عما يحن ليعلموا بأذائه

قالوا له يا صاح بالله أنبئنا

وبجملة النعماء من آلائه

ما الذي تشكوه من ألم وما

تخفي لعل البر في إبدائه

قالوا اسمعوا الله أكرم عادل

لا ينكر المقدور من إمضائه

لو نال رضوي بعض ما قد نلته

هد البلاء لصخره وصفائه

والله ما أجرى الدما من مقلتي

إلّا الحُسين مغسلاً بدمائه

أبكي له أم لليتامى حوله

أم للجواد أنوح أم لنسائه

أم أسكب الدمع المصون لفتية

عافوا الحياة وطيبها لفدائه

فكأنه طود هوى وكأنهم

أعجاز نخل جثم بفنائه


يا عين سحي للغريب واسكبي

وتعودي سهر الدجى لنعائه

وابكي لزينب إذ رأته مجدلاً

فوق الصعيد معفراً بدمائه

عريان مبتول الجبين مجرحاً

وا حسرتاه لذله وعرائه

لهفي له والشمر يقطع رأسه

وخيولهم تجري على أعضائه

والمهر يندبه ويلثم نحره

ويقول عاري السرج في بيدائه

قتل الحُسين وهتكت نسوانه

وغدا يباح المحتمي بحمائه

فلأبكينك يابن بنت مُحمّد

حتّى يذوب القلب عن أفضائه

ويزيدني حزناً ويسهر مقلتي

خبر روى الصدوق من روّائه

اسفاده عن ابن عباس التقي

أكرم به وبزهده وتقائه

قال : اجتمعنا والنبي جليسنا

وشعاعه يعلو على جلسائه

قد طيبت كل البقاع بطيبه

وتلامعت حيطانها بضيائه

في غبطة بالقرب منه فبينما

بعض يهني بعضنا بولائه

فإذا بسبطيه الكرام وكف ذا

في كف ذا يسراه في يمنائه

وهما يجران الذيول غوافلا

كل يصول بجده وآبائه

فرآهما الهادي النّبي بنعمة

فتنفس السعداء من صعدائه

فتظاهرت زفراته وتحادرت

عبراته سحاً لعظم بلائه

حزناً وقال بحرقة وكآبة

ودموعه كالسيل في إجرائه

يعزز عليّ ومن توالى ملتي

من كل بر ماحض بولائه

ما يلقيان من الإهانة والأذى

بعدي وقلبي واله بشجائه

فدعاهما فتساقطا في حجره

فرحاً به ولذاذة بلقائه

فترشف الحسن الزكي وضمه

مترشف الشفتين لثم لمائه

وأتى إلى نحر الحُسين وشمه

والدمع يسقيه بساكب مائه

فبكى الحُسين وسرها في نفسه

وغدا يهرول مسرعاً بخطائه

نحو البتول فساء ما قد ساءه

فاستعبرت وتحسرت لبكائه

فأتت تقبله وتمسح دمعه

ودموعها كالغيث في إهمائه

وتقول والعبرات تسبق نطقها

يا من حياتي اردفت ببقائه


ماذا الذي يبكيك يا من حبه

في القلب مشتمل على إفصائه

قال الحُسين كان جدّي ملني

ما كنت قبل معوداً لجفائه

جئنا أنا وأخي إليه نزوره

فدعا الزكي وشمه في فائه

وأتى إلى نحري وأعرض عن فمي

إعراض من أبدى عظيم جفائه

وأنا أظن بأن ما فيّ من

شيء يخاف الجد من لقيائه

فتخمرت ست النساء ويممت

نحو النّبي شجية لشجائه

في الذيل عاثرة ومعها إبنها

فرآهما المختار من خلصائه

يبكون قال لهم فما هذا البكا

يا صفوة الرحمن من خلصائه

قالت حبيبي كيف تكسر خاطري

لم لا تقبل شبّراً كأخائه

قال النّبي لها بقلب موجع

سر أخاف عليك من ابدائه

قالت بحقك يا أبتاه أبنه لي

وبحق من أنشئت في نعمائه

فبكى وأطرق ساعة مسترجعاً

والدمع يسقيه بساكب مائه

فتعاهدته فقال ربي عالم

والكل في تدبيره وقضائه

أما ترشف شبّر في فيه قد

ظلماً يذوق السم من أعدائه

وترشفي نحر الحُسين فإنه

بالسيف ينحرنا زخا بظمائه

فجعلت ألثم ذا بموضع سمه

وأشم ذا في نحره لأذائه

فتجسرت ست النساء بحرقة

أسفاً عليه ولوعة لعزائه

فأتت تقبله وتلثم نحره

والجيب قد مزقته عن أقصائه

حزناً وتلطم خدها وتقول ذا

لهفي عليه وخيبتي لربائه

يا قرة العينين يا ثمرة الحشا

هل في زماني أم زمان آبائه

إن كان في زمني أقمت عزائه

وصبغت ثوبي من نجيع دمائه

ونشرت شعري فوق كتفي شاملاً

وندبته يا أب في يتمائه

قال النّبي إذا مضينا كلنا

دار المنون عليه قطب رحائه

بئس الزمان ومن تولى أمره

فالغوث كل الغوث من ولائه

قالت بأي الأرض يقطع رأسه

وبأي شهر كان كون فنائه

قال النّبي يكون ذا بمحرم

في يوم عاشورا شنيع نعائه


ويكون مصرعه المهول بكربلا

ومصارع الأنصار في صحرائه

قالت غريباً قال أعظم غربة

قالت وحيداً قال من نصرائه

فبكت وقالت وا شماتة حاسدي

وا صفوة الجبار من خلصائه

من ذا يغسله ويحمل نعشه

من ذا يواري جسمه بثرائه

من يكفل الأيتام بعد وفاته

من ذا يقيم مأتماً لعزائه

فبكى الحُسين وقال رزئي فادح

فتصارخوا أهل العبا لبكائه

فاتى الأمين إلى الأمين يقول قد

أوحى إله العرش في أنحائه

أن قل لسيدة النساء بأنني

أنشي كراماً شيعة لعزائه

الناهظين إلى منازل كربلا

الخايظين غبارها لهوائه

الساكبين دموعهم لمصابه

المظهرين الحزن عن أقصائه

يتوالدون فينسلون أطائباً

حتّى يصير الحق في ولائه

ويقوم قائم آل مُحمّد

ويطير طير النصر فوق لوائه

قال الحُسين فما يكون جزاءهم

عند الإله غداة يوم جزاءه

قال النّبي أنا أكون شفيعهم

وأجيب كلا منهم بندائه

قال الوصي أنا الذي أسقيهم

يوماً يفر المرء من ابنائه

قالت حبيبة أحمد فوحق من

ربيت مذ أنشئت في نعمائه

فلأوقفن وشعر رأسي ناشر

والجيب ممزوق إلى أقصائه

حتى يشفعني إلهي فيهم

ويمد كلا منهم برضائه

قال الحُسين وحق من خلق الورى

طراً وسقف أرضه بسمائه

لا أدخل الجنات حتّى يدخلوا

والله يهدي من يشأ بهدائه

يا أيّها الزوار مشهد كربلا

كل يقصر منكم لخطائه

فلكل عبد حجّة مبرورة

في كل ما يخطوه من مسعائه

ولكم بما أنفقتم من درهم

في جنة حرصاً على إيتائه

في جنة الفردوس ألف مدينة

في قصرها الإعلاء من إعلائه

ولمن بكاه تفجعاً لمصابه

وتأسفاً بالحزن عن اقصائه

في الحشر قصر لا يقاس علوه

در ومرجان بحسن جزائه


وجميع أملاك السما يستغفروا

لكم ومن ظل لكم بسمائه

يا رب مد الدرمكي بسؤله

عجلاً وبلغه جميل رجائه

صلّى الإله على النّبي مُحمّد

وعلى الكرام الغر من أبنائه

الطيبين الطاهرين من الخنا

سفن النجاة لمن حضى بولائه

الباب الثّاني

أيّها المؤمنون الأخيار والأتقياء الكرام الأبرار , تفكّروا فيمن تعدّى على العترة الأطهار وذرّيّة النّبي الـمُختار , كيف أذاقوهم الحتوف بأرض الطّفوف , فكم من جسد مرمّل بالدّماء , وكم من كبد محترق من الظّماء والماء من حوله قد طمي , وكم من رأس شريف على السّنان , وكم من كريم يسام الخسف والهوان , وكم من معولة حاسرة , وكم نابذة بشعرها ناشرة , وكم من ربّة خدر بارزة كالهلال مبذولة الوجه أسيرة على أقتاب الجمال , وكم من قلب يحنّ , وكم من جسم يأنّ , وكم من طفل مذبوح , وكم من دم لرسول الله مسفوح ! فيا حرّ قلبي لما جرى للآل من الكفرة الفجرة الأنذال , حسدوهم على معاليهم حيث عجزوا عن الوصول إلى ما أودعه الله فيهم , فحملتهم تلك الأحقاد على المعصية والعناد والزّيغ عن طريق الرّشاد والسّداد:

يغيضهم كغيضي بنقصهم

وليس لأهل الفضل ضد سوى الجهل

فما لي لا أندب تلك الأوطان وأسكب دموعي على سادات الزّمان , الممدوحين في محكم القرآن على لسان النّبي الكريم الصّادق العليم ؟

روي عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنّه خرج في سفر له , فلمّا كان في بعض الطّريق , إذ وقف جواده , فقال : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون )) .ثمّ دمعت عيناه وبكى بكاء شديداً , فسُئل عن ذلك , فقال : (( هذا جبرائيل يخبرني عن هذه الأرض يُقال لها كربلاء , يُقتل فيها ولدي الحُسين (عليه‌السلام ) , وأنّي أنظر إليه وإلى مصرعه ومدفنه , وكأنّي أنظر إلى السّبايا على أقتاب المطايا , وقد اُهدي رأس ولدي الحُسين إلى يزيد لعنه الله , فو الله , ما ينظر أحد إلى رأس الحُسين (عليه‌السلام ) ويفرح إلّا خالف الله بين قلبه ولسانه وعذّبه عذاباً أليماً )).

ثمّ رجع النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من سفره ؛ مغموماً مهموماً كئيباً حزيناً , فصعد المنبر وأصعد معه الحسن والحُسين وخطب ووعظ النّاس , فلمّا فرغ


من خطبته , وضع يده اليمنى على رأس الحسن ويده اليسرى على رأس الحُسين (عليه‌السلام ) , وقال : (( اللّهمّ , إنّ مُحمّداً عبدك ورسولك , وهذان أطائب عترتي وأرومتي وأفضل ذرّيّتي ومن أخلفهما في اُمّتي , وقد أخبرني جبرائيل أنّ ولدي هذا مقتول بالسّم والآخر شهيد مضرّج بالدّم .اللّهمّ , فبارك له في قتله واجعله من سادات الشّهداء .اللّهمّ , ولا تبارك في قاتله وخاذله واصله حرّ نارك , واحشره في أسفل درك الجحيم )).

قال : فضجّ النّاس بالبكاء والعويل ، فقال لهم النّبي (ص) : (( أيّها النّاس , أتبكونه ولا تنصرونه ؟! اللّهمّ , فكُن أنت له وليّاً وناصراً )) .ثمّ قال : (( يا قوم , إنّي مُخلّف فيكم الثّقلين , كتاب الله , وعترتي وأرومتي ومزاج مائي وثمرة فؤادي ومهجتي , لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض , ألا وإنّي لا أسألكم في ذلك , إلّا ما أمرني ربّي أن أسألكم عن المودة في القُربى , واحذروا أن تلقوني غداً على الحوض وقد آذيتم عترتي وقتلتم أهل بيتي وظلمتموهم , ألا إنّه سترد عليّ يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الاُمّة , الأولى : راية سوداء مُظلمة قد فزعت منها الملائكة , فتقف علي , فأقول لهم : مَن أنتم ؟ فينسون ذكري ويقولون نحن أهل التّوحيد من العرب .فأقول لهم : أنا أحمد نبيّ العرب والعجم .فيقولون : نحن من اُمّتك .فأقول : كيف خالفتموني من بعدي في أهل بيتي وعترتي وكتاب ربّي ؟ فيقولون : أمّا الكتاب فضيّعناه , وأمّا عترتك فحرصنا أن نبيدهم عن جديد الأرض.فلمّا أسمع ذلك منهم , أعرض عنهم وجهي , فيصدرون عُطاشاً مسودّة وجوههم.

ثمّ ترد عليّ راية اُخرى أشدّ سواداً من الأولى , فأقول لهم : كيف أخلفتموني من بعدي الثّقلين ؛ كتاب الله وعترتي ؟ فيقولون : أمّا الأكبر فخالفناه , وأمّا الأصغر فخذلناه ومزّقناه كُلّ ممزّق .فأقول : إليكم عنّي .فيصدرون عُطاشاً مسودّة وجوههم.

ثمّ ترد عليّ راية يلمع وجوههم نوراً , فأقول لهم : مَن أنتم ؟ فيقولون : نحن أهل كلمة التّوحيد والتّقوى من اُمّة مُحمّد الـمُصطفى , ونحن بقية أهل الحقّ , حملنا كتاب الله ربّنا وحللنا حلاله وحرّمنا حرامه , وأجبنا ذرّيّة نبيّنا (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ونصرناهم من كلّ ما نصرنا به أنفسنا .فأقول لهم : أبشروا فأنا نبيّكم مُحمّد , ولقد كنتم في الدُنيا كما قُلتم , ثمّ أسقيهم من حوضي , فيصدرون مرويين مستبشرين ، ثمّ يدخلون الجنّة خالدين فيها أبد الآبدين )).

وعن عليّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) , أنّه كان يقول وهو في أسر بني اُميّة : (( أيّها النّاس , إنّ كلّ صمت ليس


فيه فكر فهو غيّ , وكلّ كلام ليس فيه ذكر فهو هباء , ألا وإنّ الله تعالى أكرم أقواماً بآبائهم , فحفظ الأبناء بالآباء لقوله تعالى :( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ) (١) فأكرمهما , ونحن والله عترة الرّسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فأكرمونا لأجل رسول الله ؛ لأنّ جدّي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يقول فوق منبره : احفظوني في عترتي وأهل بيتي , فمَن حفظني حفظه الله , ومَن آذاني فعليه لعنة الله .ونحن والله أهل بيت أذهب الله عنّا الرّجس والفواحش ما ظهر منها وما بطن , ونحن والله أهل بيت اختار الله لنا الآخرة , وزوي عنّا الدُنيا ولذّاتها ولم يمتّعنا بلذّاتها )).

فيا إخواني من أهل العقول , كيف ترضون بالدُنيا داراً بعد آل الرّسول ؟ أم كيف تتّخذون فيها لأنفسكم قراراً بعد أولاد البتول ؟ مع ما فيها من الهموم والغموم والابتلاء والالتواء , وقد ورد ذمّها في الخبر عن سيّد البشر ، روى سلمان الفارسي قال: كنت يوماً عند رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فبدأ يذّم الدُنيا , فقال : (( يا سلمان , قال الله تعالى ما خلقت خلقاً أبغض عليّ من الدُنيا )) .ثمّ قال : (( لو كانت الدُنيا وما فيها تزن عند الله جناح بعوضة , ما سقى كافراً منها شربة ماء أبداً )) .ثمّ قال لي : (( يا سلمان ألا أريك الدُنيا وما فيها ؟ )) .قلت : بلى يا رسول الله .فأخذ بيدي وأتى إلى مزبلة من مزابل المدينة , وإذا فيها؛ خرق كثيرة وخزف وعظام وعذرات وقذرات كثيرة , فقال لي : (( يا سلمان , هذه الدُنيا وما فيها وعلى هذا يحرص النّاس , وهذه العذرات ألوان أطعمتهم التي اكتسبوها من الحلال والحرام ، ثمّ قذفوها من بطونهم , وهذه الخرق البالية كانت زينتهم ولباسهم فأصبحت الرّياح تصفقها يميناً وشمالاً , وهذه العظام عظام دوابهم وأنعامهم وأغنامهم التي كانوا يتشاجرون عليها , وهذه الخزف كانت أوانيهم التي كانوا يأكلون ويشربون فيها , فهذه الدُنيا وهذا مُنتهاها , فمَن ركن إليها ندم , ومَن تجنّب عنها غنم وسلم )) :

هون الدُنيا وما فيها عليك

واجعل الهم لما بين يديك

إن هذا الدهر يدنيك إلى

ملك الموت ويدنيه إليك

فاجعل العدة ما عشت له

إنه يأتيك إحدى ليلتيك

فيا إخواني , لا يفتنكم إقبال الدُنيا على أعداء الرّسول بعدما علمتم حالها إلى هذا يؤول , وعليكم بتقوى الله ولا قوّة إلّا بالله , وتفكّروا فيما ابتلى الله به هذا القبيل , ليس على سبيل الهوان بل على سبيل التّفضيل , فلو بكيتم عليهم بدل

____________________

(١) سورة الكهف / ٨٢.


الدّموع دماً , وجعلتم العمر كلّه مأتماً , لكان أقلّ القليل لهذا الخطب الجليل :

ومن العجائب بعد قتل المجتبى

تسبى كما تسبى بنات الأصفر

نسل النبي المصطفى وحريمه

تسبى كما تسبى بنات الأصفر

ويشهرون ويلبسون مدارعاً

ومقانعاً من بعد سلب المعجر

ويسيرون على المطايا كالأما

بين الملأ وبكل واد مقفر

روي : أنّ الحُسين (عليه‌السلام ) لمـّا رأى اشتداد الأمر عليه وكثرة العساكر عاكفة عليه كلّ منهم يُريد قتله , أرسل إلى عمر بن سعد يستعطفه ويقول : (( أريد أن ألقاك فأخلو معك ساعة )) .فخرج عمر بن سعد من الخيمة وجلس مع الحُسين (عليه‌السلام ) ناحية عن النّاس فتناجيا طويلاً , فقال له الحُسين (عليه‌السلام ) : (( ويحك يابن سعد ! أما تتقي الله الذي إليه معادك , أراك تُقاتلني وتُريد قتلي وأنا ابن مَن قد علمت , ذر هؤلاء القوم واتركهم وكُن معي ؛ فإنّه أقرب لك إلى الله تعالى )) .فقال له : يا حُسين , إنّي أخاف أن تُهدم داري بالكوفة وتُنهب أموالي .قال له الحُسين (عليه‌السلام ) : (( أنا أبني لك خيراً من دارك )) .فقال : أخشى أن تؤخذ ضياعي بالسّواد .فقال له الحُسين (عليه‌السلام ) : (( أنا أعطيك من مالي البغية )) .- وهي : عين عظيمة بالحجاز .وكان معاوية أعطاه في ثمنها ألف ألف دينار من الذّهب فلم يبعه إيّاها - فلم يقبل عمر بن سعد شيئاً من ذلك , فانصرف عنه الحُسين (عليه‌السلام ) وهو غضبان عليه وهو يقول : (( ذبحك الله يا بن سعد على فراشك عاجلاً , ولا غفر الله لك يوم حشرك ونشرك , فو الله , إنّي لأرجو أن لا تأكل من برّ العراق إلّا قليلاً )) .فقال عمر بن سعد - مستهزئاً - : يا حُسين , إنّ في الشّعير عوضاً عن البرّ .ثمّ رجع إلى عسكره , فجاء برير بن خضير الهمداني الزّاهد العابد , وقال : يابن رسول الله , أتأذن لي أن أدخل إلى خيمة هذا الفاسق عمر بن سعد فأعظه ؛ فلعلّه يرجع عن غيّه .فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( افعل ما أحببت )).فاقبل برير حتّى دخل على عمر بن سعد , فجلس معه ولم يُسلّم عليه , فغضب ابن سعد وقال له : يا أخا همذان , ما الذي منعك من السّلام عليّ , ألست مُسلماً أعرف الله ورسوله ؟! فقال له برير : لو كنت مُسلماً تعرف الله ورسوله , ما خرجت إلى عترة نبيّك مُحمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تريد قتلهم وسبيهم , وبعد , فهذا ماء الفُرات يلوح بصفائه يتلألأ تشربه الكلاب والخنازير , وهذا الحُسين (عليه‌السلام ) ابن فاطمة الزّهراء ونسائه


وعياله وأطفاله يموتون عطشاً , قد حلت بينهم وبين ماء الفُرات أن يشربوا منه , وتزعم أنّك تعرف الله ورسوله ؟! قال : فأطرق ابن سعد رأسه إلى الأرض ساعة ، ثمّ قال : والله يا برير , إنّي لأعلم علماً يقيناً أنّ كلّ من قاتلهم وغصب حقّهم مُخلّد في النّار لا محالة , ولكن يا برير , أتشير عليّ أن أترك ولاية الرّي فتصير لغيري , والله ما أجد نفسي تجيبني إلى ذلك أبداً.

قال : فرجع برير إلى الحُسين (عليه‌السلام ) وقال له : إنّ عمر بن سعد قد رضي بقتلك بولاية الرّي .فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : ((لا يأكل من برّها إلّا قليلاً ويذبح على فراشه )).

وكان الأمر كما قال الحُسين (عليه‌السلام ) , وسيعلم الذين ظلموا أيّ مُنقلب ينقلبون , وعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ الدّرمكي

جواهر الفكر تزري لؤلؤ الصدف

وكل ذي دنف يرزي به دنف

هلا حييت يواسيني ويسعدني

على مصابي لأهل المجد والشرف

لأن حزني لهم لا ينقضي أبداً

لو مات جسمي به أودعته خلف

يا لائمي في مصابي كف لومك قد

أتعبت نفسك يا مغرور في عنف

فالغيث والسبعة الأبحار قد خلقوا

من دمع عيني سجع الطير من شغف

والوحش من وحشتي والموت من سقمي

والريح من زفرتي والموت من أسف

يحق لي سكب دمع العين إذ نظرت

هلال عاشور موفيا وغير وفي

أمثل السبط في أرض الطفوف وقد

دارت عليه رحى الأعداء بالتلف

من بعدما قتلت أصحابه ومضوا

معطشين وحر الصيف لم يصف

يا ليتني ذقت طعم الموت دونهم

لـمّا أخصهم الرحمن من زلف

لهفي لسبط رسول الله بعدهم

يجود بالنفس بين البيض والحجف

يخوض بحر المنايا وهو مختطف

الأبطال بالسيف يردي كل مختطف

فعندها أحرقوا من حوله زمراً

وصار كالصارم المصقول في الغلف

كل يهز القنا ويطعنه

ما بين متفق فيه ومختلف

حتى رموه بسهم في مقاتله

فخر من سرجه هاو على الأنف


يا فجعة فجعت آل الرسول ومن

والاهم صار منها في شفا جرف

كأنهم كسبوا إثماً فحاق بهم

أو خالفوا ما أوحاه الله في الصحف

وزادني ما روت أهل البصائر عن

زيد بن أرقم في قول بلا خلف

إذا قال كنت مقيماً بالشآم إذا

بالناس في رجف يعلو على رجف

والجو مستحكك الآفاق منطبق

والبدر محترق والشمس في كسف

فقال ما هذه الأعلام قيل أما

ترى الرؤوس على الخطية الألف

فحين عاينت رأس السبط يتبعه

رؤوس أنصاره والسبي في طرف

لطمت وجهي وبان الصبر من جلدي

وقلت يابن رسول الله وا أسف

يعزز على الـمُصطفى المختار حالكم

يا سادتي وعلى المدفون بالنجف

وأقبلوا بالسبايا والرؤوس إلى

نحوة اللعين يزيد الكافر الجنف

ومد طرفاً إلى سبي الكرام رأى

بنت الحُسين تغطي الوجه بالكتف

فقال من هذه الحسنى التي ملكت

وجهاً كبدر على كما الألف

قالوا سكينة بنت الخارجي من

جميع ملكك منه يا أمير عفى

فقال كيف رأيت السبي قالت صه

أليس قلبك منا يا لعين شفي

اسمع منّي ما رأت عيناي إذ نظرت

في ليلتي هذه قال اللعين صفي

فالنطق أعوزها والدمع عاجلها

فقال قصي لنا الرؤيا ولا تخفي

قالت نعم بينما صليت إذ هجعت

عيني إذ بأبي قد جء مرتشف

وأسبل الدمع من عينيه غرقني

وقال ها حالكم من بعد منصرف

فالرأس والقلب والأحشاء عندكم

والجسم سلو بأكناف الطفوف نفي

ما حال ابني من عظيم السقام لعلي

الجسم عنه من السقم الشديد شفي

وكل حزن حواه الخلق مقترف

وحزن قلبي عليكم غير مقترف

فمن تباكى وأبكى أو بكي لكم

أولى ضمنت له في الخلد بالزلف

فقلت يا أبتا حال يشيب له

رأس الرضيع ويرمي الطفل بالجرف

وراح عني وخلى النّار في كبدي

وعاينت مقلتي أيضاً كأني في

قصر شرائفه الياقوت ملتمع

بالنور يرصف يزري كل مرتصف

وفي ذراه وصيف قلت اخبرني

يا ذا الوصيف لمن ذا القصر ذو الشرف


فقال هذا لمولاك الحُسين معاً

سيرى اخبرك ما في القصر من طرف

فسرت أسعى وأصغي ما يقول به

إذ نخبة أشياخ بلا لحف

وجوههم تتلألأ كالبدور وفي

أوساطهم ثاكل ذو مدمع ذرف

يبكي وكفاه طوراً فوق لمته

وتارة يمسك الاحشا من الضعف

إذا بكى بكت الأشياخ وانتحبوا

لـمّا به من أذى الأحزان والنحف

فقلت بالله يا هذا الوصيف فمن

هذي المشايخ مع ذا الشيخ ذو الدنف

فقال ذا آدم أب العباد وذا

نوح وذاك خليل الله خير وفي

ذلك موسى بن عمران الكليم وذا

عيسى المسيح بلا شك ولا خلف

وذا الذي بلظى الأحزان محترق

مُحمّد الـمُصطفى عيسية بصفي

يبكي لمـّا نالكم حزناً فقلت ألا

يا جد أخبرك نور للإله طفي

يا جد لو عاينت عيناك ما صنعت

بنا اُميّة بعد العز والشرف

ولو رأيت أبي في الترب منجدلاً

والشمر يذبحه قهراً بلا رئف

ولو ترانا نخوفه الإله على

قتل الحُسين فلا يخشى ولم يخف

ولو ترانا على الأجمال في عنف

بلا وطاء ولا ستر ولا عطف

مكشفات النواصي لا نصير لنا

كأننا سلف من أسقط السلف

ولو ترى ضربنا بالسوط إن عثرت

بنا المطي وما نلقى من العنف

فعندها صار جدّي ذاهلاً صعقاً

وقال وا حر قلبي واشقا خلف

هذا يكون جزائي إذ نصحت لهم

لا قدس الله أهل الظلم والسرف

فبينما هو يدنيني ويلثمني

إذا بخمس نساء داخل الغرف

عليهم حلل الأحزان قد برزوا

وبين تلك النسا ذو مدمع ذرف

أثوابها بسواد الحزن قد صبغت

تنوح والشعر منشور على الكتف

قد عطرت بتراب الأرض مفرقها

والجيب ممتزق والقلب فيّ وجف

فقلت بالله يا هذا الوصيف فمن

هذي النساء ابن لي والضمير نفي

فقال هاتيك حوا يا سكينة والأخرى

خديجة في التقوى فلا تصف

ومريم بنت عمران وسارة الأخرى

آسية ذو الفضل والعفف

وهذا الكبد الحري التي جمعت

كل المصائب لا تهدئ ولم تقف


تنوح طوراً وتبكي تارة وإذا

هاج المصاب تعض الكف بالأسف

بنت الرسول أمين الله فاطمة

تبكي أباك قتيل الكافر الجلف

فمذ تحققتها قلت السلام على من

نور مقلتها تحت الظلام خفي

قالت سكينة قلت الحزن سكنني

في حرقة ما وراها قط من حرف

قالت وما حالكم بعد القتيل ومن

أحنى عليكم بكف الجود واللطف

فقلت لا تسألني عن حالنا وسلي

عن الذبيح الذي بأرض الطفوف نفي

زواره الوحش والأملاك تندبه

وجسمه بسوافي السافيات سفي

قالت أحرقتي قلبي يا سكينة من

حز الوريدين لن يخشى ولم يخف

فقلت شمر فقالت آه وا والدي

راح العزيز وخلى الحزن مؤتلف

لم لا فديتنه طراً بأنفسكم

أنتم أحق وأولى منه بالتلف

فقلت لو قبل الأعداء له بدلاً

كنا فداء له كلا على خلف

قالت ألا وا حبيبي أضني جسدي

لا قدس الله أهل البغي والسرف

ربيته وهجرت الغمض فيه ولا

أدري بأن زماني فيه ليس يفي

من كان غامضه من كان غاسله

من كان دارجه في القطن واللفف

ومن تقدم في وقت الصلاة ومن

سعى إلى قبره النائي عن النجف

لأبكينك طول العمر يا ولدي

وأقطع الدهر بالتذكار والأسف

من كان دافنك تحت التراب هل رفقت

كفاه بالجسد المحطوم بالجفف

دفنت جسماً بلا رأس ولا كفن

ولا حنوط ولا غسل بمعترف

ومن ترى كفل أيتام النّبي ومن

بأمره قام مثل الوالد العطف

يا آل طه ويا سفن النجاة ويا

خير البرية من باد ومعتكف

هواكم في قلوب المؤمنين له

وقع لأمكم من أطهر النطف

أنا العبد الضعيف الدرمكي ومن

بمدحكم يا بني خير الورى كلف

لا تسلموني إذا ما قمت من جدثي

والعين ذو مدمع والقلب في وجف

وأنقذوني من النيران يا عددي

يوم التغابن والزلزال والمخف

يوم يقول إلهي للجحيم هل إمتلأت

يا نار من أعدائنا انتصف

تقول هل من مزيد يا إله ولو

لاحب حيدر كان الكل في كنف


لكن أمري إلى زوج البتول فمن

يشاء قال خذي أو شاء قال عفي

هو القسم وقسام النعم فلا

يجوز في حكمه كلا ولم يحف

صلّى الإله على الهادي وعترته

أهل الحمية والإحسان والأنف

ما لاح نجم وما سارت بمهجته

أو صاح طير على الأغصان والعطف

الباب الثّالث

أيّها المؤمنون المتّقون ، اسكبوا ماء العيون من مقرحات الجفون ، وتساعدوا على النّدب والعويل ، ونوحوا لفقد مَن اهتزّ له عرش الجليل , واسكبوا العبرات على الغريب القتيل ، فليتني كنت أذود عنهم خطوب الحمام , وأدفع عنهم تلك الكروب العظام ومواقع تلك الآلام ؛ حتّى أقضي حقّ جدّهم الـمُرسل وأحول بينهم وبين القدر الـمُنزل.

فنح أيّها الـمُحب لآل الرّسول على مصاب أبناء الرّسول , وابك عليهم بالدّموع السّجام ؛ لأنّهم الرّؤساء الأعلام , لعلّك تواسيهم في المصاب , بإظهار الجزع والإكتئاب والحنين والإنتحاب ، فوا عجباه كيف يرافق بهم رسول الخلائق ويقع بهم أهل الكفر والنّفاق ؟! ما هو إلّا شيء تكاد السّماوات أن تتفطّرن منه , وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّاً :

كيف صبر المحب وهو يرى

الأحباب بعد عزة وجلال

وحبيب الحبيب بين قتيل

وجريح وموثق بالحبال

ووجوهاً لا تنظر الشمس إلّا

حذراً أن يفوت وقت الزوال

مسفرات من بعد ستر حجاب

مبديات من سجف بعد حجال

حُكي عن سلمان الفارسي قال : خطب فينا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يوم الجُمُعة خطبة بليغة , فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : (( أيّها النّاس , إنّي راحل عن قريب ومنطلق للمغيب , وإنّي أوصيكم في عترتي خيراً , فلا تخالفوهم ولا تخاصموهم ولا تنابذوهم ، وإيّاكم والبدع , فإنّ كلّ بدعة ضلالة والضّلالة وأهلها بالنّار .معاشر النّاس , مَن افتقد منكم الشّمس فليتمسّك بالقمر , ومَن افتقد القمر فليتمسّك بالفرقدين , وإن افتقدتم الفرقدين فتمسّكوا بالنّجوم الزّاهرة .أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والحمد لله ربّ العالمين )) .ثمّ نزل عن منبره وسار إلى


منزله .قال سلمان : فتبعته حتّى دخل حجرته وأنا معه , فقلت : يا رسول الله , سمعتك تقول : (( إذا فقدتم الشّمس فتمسّكوا بالقمر , وإذا فقدتم القمر فتمسّكوا بالفرقدين , وإذا فقدتم الفرقدين فتمسّكوا بالنّجوم الزّاهرة )) .فما الشّمس وما القمر وما الفرقدان , وما النّجوم الزّاهرة ؟ فقال النّبي : (( أنا الشّمس وعليّ القمر , فإذا فقدتموني فتمسّكوا به , وأمّا الفرقدان فهما الحسن والحُسين , فإذا افتقدتم القمر فتمسّكوا بهما , وأمّا النّجوم الزّواهر , فهم الأئمة التّسعة من نسل الحُسين تاسعهم قائمهم )) .ثمّ قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( إنّهم هُم الأولياء والأوصياء والخُلفاء من بعدي , أئمة أبرار وأوصياء أطهار , وهُم بعدد أسباط يعقوب (عليه‌السلام ) وعدد حواري عيسى وعدد نُقباء بني إسرائيل )) .فقلت : سمهم لي يا رسول الله , فقال : (( أوّلهم وسيّدهم عليّ بن أبي طالب وسبطاه بعده , وبعدهُما عليّ بن الحُسين زين العابدين , وبعده مُحمّد الباقر للعلم , وبعده الصّادق جعفر , وبعده الكاظم موسى سمي النّبي بن عمران , والذي يُقتل مسموماً بأرض الغُربة على دينه وإيمانه وإنّه عليّ بن موسى الرّضا , وابنه مُحمّد الجواد , والصّادقان عليّ والحسن , ثمّ الحجة القائم بالأمر الـمُنتظر .فإنّهم ؛ عترتي ولحمي ودمي ومخّي وعظمي وعروقي , علمهم علمي وحكمهم حكمي , فمَن آذاني فيهم فلا أناله الله شفاعتي يوم القيامة )) :

فلله أمر فادح شمل الورى

ورزء على الإسلام منه خمول

وخطب جليل جل في الأرض وقعه

عظيم على أهل السّماء ثقيل

بنو الوحي في أرض الطفوف حواسر

وأبناء حرب في الديار نزول

ويسري بزين العابدين مقيداً

على النزل مأسور اللثام عليل

ويصبح في تخت الخلافة جالساً

يزيد وفي الطف الحُسين قتيل

ويقتل ظلماً ظامياً سبط أحمد

إمام لخير الأنبياء سليل

حبيب النّبي المجتبى خامس العبا

وقرة عين للنبي رسول

أمولاي آمالي تؤمل نصركم

وقلبي إليكم بالولاء يميل

وقد طال عمر الصبر في أخذ ثاركم

أما آن للظلم المقيم رحيل

متى ينطوي حر الغليل ويشتفي

فؤادي بآلام المصاب عليل

ويجبر هذا الكسر في ظل دولة

لها النصر جند والأمان دليل

وينشر للمهدي عدل وينطوي

به الظلم حتماً والعناد يزول


هناك يضحى دين آل مُحمّد

عزيزاً ويمسي الكفر وهو ذليل

فيا آل طه الطاهرين رجوتكم

ليوم به فصل الخطاب طويل

عليكم سلام كل ما ذكر اسمكم

وذاك مدى الأيام ليس يزول

روي عن اُمّ أيمن (رضي ‌الله‌ عنها) , قالت : مضيت ذات يوم إلى منزل ستّي ومولاتي فاطمة الزّهراء (عليها‌السلام ) ؛ لأزورها في منزلها , وكان يوماً حارّاً من أيّام الصّيف , فأتيت إلى باب دارها , وإذا أنا بالباب مُغلق , فنظرت من سقوف الباب , وإذا بفاطمة الزّهراء (عليها‌السلام ) نائمة عند الرّحى , ورأيت الرّحى تطحن البرّ وهي تدور من غير يد تديرها , والمهد أيضاً إلى جانبها والحُسين (عليه‌السلام ) نائم فيه , والمهد يهتزّ ولم أر من يهزّه , ورأيت كفّاً يُسبّح لله تعالى قريباً من كفّ فاطمة الزّهراء .قالت اُمّ أيمن: فتعجّبت من ذلك , فتركتها ومضيت إلى سيّدي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وسلّمت عليه وقلت له : يا رسول الله , إنّي رأيت عجباً ما رأيت مثله أبداً , فقال لي : (( ما رأيت يا اُمّ أيمن ؟ )) .فقلت : إنّي قصدت منزل ستّي فاطمة الزّهراء , فلقيت الباب مُغلقاً وإذا بالرّحى تطحن البرّ وهي تدور من غير يد تديرها , ورأيت مهد الحُسين (عليه‌السلام ) يهتزّ من غير يد تهزّه , ورأيت كفّاً يُسبّح لله تعالى قريباً من كفّ فاطمة ولم أر شخصه , فتعجّبت من ذلك يا سيّدي .فقال : (( يا اُمّ أيمن , اعلمي أنّ فاطمة الزّهراء صائمة وهي متعبة جائعة والزّمان قيّض , فألقى الله عليها النّعاس فنامت , فسبحان مَن لا ينام , فوكّل الله ملكاً يطحن عنها قوت عيالها , وأرسل الله ملكاً آخر يهزّ مهد ولدها الحُسين ؛ لئلا يزعجها من نومها , ووكّل الله ملكاً آخر يُسبّح لله عزّ وجلّ قريباً من كفّ فاطمة , يكون ثواب تسبيحه لها ؛ لأنّ فاطمة لم تفتر عن ذكر الله عزّ وجلّ , فإذا نامت جعل الله ثواب تسبيح ذلك الملك لفاطمة )) .فقلت : يا رسول الله , أخبرني مَن يكون الطّحان ومَن الذي يهزّ مهد الحُسين ويناغيه ومَن يُسبّح ؟ فتبسّم النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ضاحكاً وقال : (( أمّا الطّحان فجبرائيل ، وأمّا الذي يهزّ مهد الحُسين فهو ميكائيل ، وأمّا الملك الـمُسبّح فهو إسرافيل )) :

أتسبل دمع العين بالعبرات

وبت تقاسي شدة الزفرات

وتبكي لآثار لآل مُحمّد

فقد ضاق منك الصدر بالحسرات

ألا فابكهم حقاً وبل عليهم

عيوناً لريب الدهر منسكبات


ولا تنس في يوم الطفوف مصابهم

وداهية من أعظم النكبات

سقى الله أجداثاً على أرض كربلا

مرابيع أمطار من المزنات

وصلّى على روح الحُسين حبيبه

قتيلاً لدى النهرين بالفلوات

قتيلاً بلا جرم فجعنا بفقده

فريداً ينادي أين أين حماتي

أنا الظامي العطشان في أرض غربة

قتيل ومظلوم بغير ترات

وقد رفعوا رأس الحُسين على القنا

وساقوا نساء ولهى حسرات

فقل لإبن سعد عذب الله روحه

ستلقى عذاب النّار باللعنات

سأقنت طول الدهر ما هبت الصبا

وأقنت بالإيصال والغدوات

على معشر ضلوا جميعاً وضيعوا

مقال رسول الله بالشبهات

روي : أنّ المتوكل من خُلفاء بني العبّاس كان تحت ملكه (بسرّ من رأى) , فاستدعى الإمام عليّ الهادي إلى مجلسه , وأعرض عليه جميع عساكره وحجّابه ونوابّه وأرباب دولته ؛ ليرهبه بهم , وأمر كلّ فارس من جنده أن يملأ مخلاة فرسه تراباً ويطرحه في مكان واحد , فصار كالجبل العظيم وسمّاه ( تلّ المخالي ) , وهو حتّى الآن موجود بسرّ من رأى .قال : ثمّ إنّ المتوكل أخذ بيد الإمام عليّ الهادي (عليه‌السلام ) وصعد معه إلى الجبل , وقال له : ما أصعدتك معي إلى هُنا إلّا لترى خيولي وعسكري وقومي وجندي .وكان قد ألبس عسكره الدّروع المجلية واعتلوا بالرّماح الخطّية وتقلّدوا بالسّيوف الهندية ، وأمرهم أن يعرضوا على الإمام الهادي بأحسن زينة وأتمّ عدّة وأعظم هيبة , وهو مع ذلك جالس مع الإمام (عليه‌السلام ) , فقال له الإمام (عليه‌السلام ) : (( يا خليفة الزّمان , أتحبّ أن أعرض عليك عسكري كما عرضت عليّ عسكرك ؟ )) .فقال المتوكل : ومن أين لك عسكر مثل عسكري ؟ فإن كان لك عسكر فأرينه ؟ فقال له : (( انظر يميناً )) .فنظر , فرأى الملائكة بعدد الرّمل والنّمل وهم محيطون بالدُنيا بصور مختلفة , وبأيديهم حراب من نار لا يحصي عددهم إلّا الله تعالى ، فغشي الخليفة ؛ من شدّة رعب دخله منهم ، فلمّا أفاق من غشيته , قال له الإمام : (( يا خليفة الزّمان , إنّا نحن لا نشاجركم على زينة الدُنيا وزخارفها , وإنّا نحن مشغولون عنكم باُمور الآخرة )).

وكذلك الحُسين (عليه‌السلام ) لمـّا أحاط به الكفرة اللئام بنو


اُميّة , أتته أفواج كثيرة من الملائكة وفي أيديهم أعمدة من نار وحراب من نار , وهم راكبون على نجب من نجب الجنّة , وقالوا له : يا حُسين , أنت حجّة الله على الخلق بعد جدّك وأبيك , وإنّ الله عزّ وجلّ قد أمدّ جدّك وأباك بنا في سائر الحروب , وإنّ الله تعالى قد أمدّك بنا ؛ لننصرك على عدوّك , فمرنا بأمرك نقتل عدوّك .فقال : (( أما قرأتم قوله تعالى :( لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى‏ مَضَاجِعِهِمْ ) (١) ؟ وإنّ الله تعالى كتب عليّ القتل , فإذا قتلتم أعدائي فبما يبتلي الله هذا الخلق المتعوس ؟ ومَن ذا يكون ساكناً بحفرتي في أرض كربلاء وقد اختارها الله يوم دحو الأرض , وقد جعلها معقلاً لشيعتي وزوّاري , وتكون لهم أماناً في الدُنيا والآخرة ؟ ولكن تحضرون عندي يوم العاشر من شهر عاشوراء , ففي آخره اُقتل ولا يبقى بعدي مطلوب من أهل بيتي , ويُسار برأسي إلى يزيد لعنه الله تعالى )) .فقالت له الملائكة : يابن رسول الله , لو لا أنّ أمرك طاعة وإنّه لا يجوز لنا مخالفتك , لقتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك بسوء أبداً , حتّى لا يبقى على وجه الأرض منهم أحداً .فقال لهم : (( جزيتم خيراً , ولكن نحن والله أقدر منكم عليهم , والله على كلّ شيء قدير )).

فعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ ابن حماد (رحمه‌الله )

أآمر بالصبر أسرفت في أمري

أيؤمر مثلي لا أبا لك بالصبر

أفي يوم عاشورا ألام على البكا

ولو أن عيني دمعها من دمي يجر

إذا لم أقم في يوم عاشوراء مأتماً

ولم أندب الأطهار فيه فما عذر

أأنسى حسيناً حين أصبح مفرداً

غريباً بأرض الطف في مهمه قفر

وشمر عليه لعنة الله راكب

على صدره أكرم بذلك من صدر

يقطع أوداج الحُسين بسيفه

على حنق منه يهبر بالنحر

برزن نساء السبط يمشين حسراً

على عجل حتّى تعلقن بالشمر

وقلن له يا شمر فرقت بيننا

والبستنا ثوب الأسى أبد الدهر

أتقتل أولاد النّبي مُحمّد

وترجو بأن تحضى الشفاعة في الحشر

____________________

(١) سورة آل عمران / ١٥٤.


وقد فرّ ينعاه إلى الأهل مهره

سليباً فلمّا أن نظرن إلى المهر

هتكن حجاب الخدر عنهن جهرة

يعز عليهن الخروج من الخدر

وبادرن حتّى إذ رأين مكانه

وشيبته مخضوبة من النحر

فلما رأين الرأس في رأس ذابل

كبدر الدجى إذ لاح في رابع العشر

سقطن على حر الوجوه بدهشة

وأيقن بالتهتيك والسبي والكسر

وقد قبضت أحشائها بيمينها

وقد قبضت إحدى يديها على العشر

تضم علياً تارة نحو صدرها

وفاطمة الصغرى مدامعها تجر

وتدعو حسيناً يا ابن أم تركتني

وفي كبدي ثكل أحر من الجمر

أخي لو ترانا في السبايا ولو تر

بناتك حولي بالمذلة والأسر

سأبكيك دهراً يابن بنت مُحمّد

وأسعد من يبكيك ما مد في عمر

متى ينجز الوعد الذي قد وعدته

وتأتي به الأجناد في غابر الدهر

حقيق على الرحمن إنجاز وعده

وتبلغه حتّى نرى راية النصر

قيام إمام لا محالة قائم

يقيم عماد الدين بالبيض والسمر

لعل ابن حماد يجرد سيفه

ويقتص من أعدائه باقي الدهر

فإن قصرت كفاي عن قتلهم غداً

سأقتلهم باللعن في محكم الشعر

أيا شيعة الأطهار صبراً على الأذى

فإن منال النجح عاقبة الصبر

عليكم سلام الله يا آل أحمد

سلام محب دائم مدة العمر


المجلس الثّاني

في اليوم السّادس من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

لو صفّت أفكار المتفكّرين لأشرقت عليها أنوار اليقين , ولو طُلب طريق الحقّ بالتّحقيق لأدرك الطّالب سؤاله وخرج عن المضيق ، ولكن كثرة الشّوائب يصدر عنها الرّأي العازب , كيف وقد شهد بفضلهم التّوراة والإنجيل وبمدحهم العظيم الجليل في مُحكم التّنزيل.

يا إخواني , أيّ شرف أعظم من شرف من يخدم بالملائكة المقرّبين إلى ربّ العالمين ، أخلاقهم طاهرة ومعجزاتهم ظاهرة ودولتهم مستمرّة دائمة إلى الرّشاد , إمام الصّادقين البررة قاتل الجاحدين الكفرة , نور الله في العالمين مدمّر النّاكثين والقاسطين والمارقين , أصل الفخار غرّة شمس النّهار , شجرة أصلها النّبي المختار وفرعها بنوه المعصومون الأطهار , في مدحه نزل القُرآن وفي التّمسك به يكمل الإيمان :

كم بين من شك في عقيدته

وبين من قيل أنه الله

روي عن كعب بن مُحمّد القرطي , قال : افتخر طلحة بن عبد الدّار والعبّاس بن عبد الـمُطّلب وعليّ بن أبي طالب (ع) , فقال طلحة : معي مفتاح الكعبة ولو شئت أبت بها .وقال العبّاس : أنا صاحب السّقاية القائم عليها ولو شئت أبت في المسجد .فقال عليّ (عليه‌السلام ) : (( ما أدري ما تقولان ؟! لقد صلّيت إلى القبلة ستة


أشهر قبل النّاس , وأنا صاحب الجهاد الأكبر )) .فأنزل الله تعالى فيه :( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَيَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ ) (١) :

يقولون لي قل في عليّ مدائحاً

فإن أنا لم أفعل يقولوا معاند

وما صنعت عنه الشعر عن ضعف هاجر

ولا إنني عن مذهب الحق حائد

ولكن عن الأشعار والله صنت من

عليه بني قرآننا والمساجد

فلو أن ماء الأبحر السبعة التي

خلقن مداداً والسماوات كاغد

وأشجار خلق الله أقلام كاتب

إذا الخط أفناهن عادت عوائد

وكان جميع الجن والإنس كتبا

إذا كل منهم واحد قام واحد

وخطوا جميعاً منقب بعد منقب

لـمّا خط من تلك المناقب واحد

فوا عجباً ممّن أنكر الوصية بالأمر إليه وخالف في النّص بالخلافة عليه , مع اعترافهم بعصبة الرّسول التي دلّ عليهم المعقول والمنقول ! ووا عجباً كيف ينكرون نصّه عليه يوم غدير خم في حجّة الوداع وقد ملأ بذلك الأسماع ! أما قال له عمر : بخ بخ لك أصبحت مولى كلّ مؤمن ! كأنّهم زعموا أنّ ذلك كان في النّوم فغفلوا عن ذلك اليوم , كلا ولكنّهم رجعوا على الأعقاب كما وعدهم به في الكتاب الله العزيز الوهاب , يقول :( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (٢) .تركوا أخا الرّسول وعكفوا على الأوّل كقوم موسى حيث تركوا أخاه وعكفوا على العجل , تصديقاً لكلام الرّسول حيث يقول : (( تحذو اُمّتي حذو بني إسرائيل النّعل بالنّعل والقذّة بالقذّة )).

ومن طريقهم ما رواه أحمد بن حنبل عن أنس بن مالك , قال : قُلت لسلمان : سلّ النّبي (ص) عن وصيّه .وقال سلمان : مَن وصيّك ؟ فقال (ص) : (( يا سلمان , مَن كان وصي موسى (عليه‌السلام ) ؟ )) .فقال : يوشع بن نون .قال , فقال (ص) : (( وصيي ووارثي يقضي ديني وينجز وعدي عليّ بن أبي طالب )) .فقد هبلت الهبول شانىء آل الرّسول :

إذا كان كل الناس سبعين فرقة

ونيفاً كما قد جاء في واضح النقل

____________________

(١) سورة التّوبة / ١٩.

(٢) سورة آل عمران / ١٤٤.


ولم يك منهم ناجياً غير فرقة

فماذا ترى يا ذا البصيرة والعقل

أفي الفرقة الناجين آل مُحمّد

أم الفرقة الهلاك أيهما قل لي

رضيت علياً لي إماماً وسيداً

وأنت من الباقين في سائر الحل

فابشروا أيّها الإخوان بموالات مولاكم الذي هو سبب هديكم وبه تحصلون الفوز في آخرتكم , واعلموا أنّه لا بدّ لكم من معاينته في سياق الموت وكربته كما أشار إليه في قوله سلام الله عليه يقول :

يا حار همدان من يمت يرني

من مؤمن أو منافق قبلا

يعرفني شخصه وأعرفه

بعينه واسمه وما فعلا

وأنت يا حار إن نمت ترني

فلا تخف عثرة ولا زللا

أسقيك من بارد على ظمأ

تخاله في الحلاوة العسلا

أقول للنار حين تعرض للحشر

ذريه لا تقربي الرجلا

ذرية لا تقربيه إن له

حبلاً بحبل الوصي متصلا

روي من طريقهم عن أبي مريم عن عليّ (عليه‌السلام ) , قال : (( انطلقت أنا والنّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتّى انتهينا إلى الكعبة , فقال لي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : اجلس .فصعد على منكبي وذهبت أنهض به فرأى منّي ضعفاً , فجلس لي نبي الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وقال : اصعد على منكبي .فصعدت على منكبيه , قال (ع) : فنهض فيّ , فخُيّل لي أنّي لو شئت لنلت اُفق السّماء , حتّى سقطت على البيت وعليه تمثال صفراً ونحاس , فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه حتّى استمسكت منه , فقال لي رسول الله : نستيق(١) أقذف به .فقذفت به فتكسّر كالقوارير , ثمّ نزلت وانطلقت أنا ورسول الله نستيق(٢) , حتّى توارينا بالبيوت؛ خشية أن يلقانا أحد من النّاس )).

وروي من طرقهم أيضاً عن ابن عبّاس , قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( لو أنّ الرّياض أقلام والبحر مداد والجن حساب والإنس كتاب , ما أحصوا فضائل عليّ (عليه‌السلام ) )) :

وإذا الدر زان حسن نحور

كان للدر حسن بحرك زينا

وتزين طيب الطيب طيباً

عند ذكراك أين مثلك أينا

فضائله لا تُحصى ومناقبه لا تُستقصى , ولو لم يكُن إلّا مبارزته لعمرو بن ودّ

____________________

(١) لم أجد هذه الكلمة في المصادر الاُخرى , ولعلّها من اشتباهات النّساخ .المقوم.

(٢) هذا ما ورد في الكتاب , ولكن الوارد في مسند احمد : ١/٨٤ , ينابيع المودة لذوي القربى ٣/٢٣٣ , وغيرهم : نستبق ...(معهد الإمامين الحسنين).


الذي قال فيها النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( برز الإسلام كلّه إلى الشّرك كلّه )) .فلمّا قتله قال : (( ضربة عليّ لعمرو , توازي عمل اُمّتي إلى يوم القيامة )) .ولقد اُحصيت برزاته (عليه‌السلام ) بين يدي النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فكانت ألفاً وسبعين .فإذا كان جزء واحد من نيف وسبعين من قوّته العمليّة , بمقدار عمل جميع أهل الإسلام إلى يوم القيامة , فما ظنّك بباقي أعماله صلوات الله عليه في سائر أحواله.

فتبّاً لقوم غرّتهم الدُنيا فاختاروها على الأخرى وهو الآفة الكبرى , كان منتهاهم إلى الذّل والهوان وفي الآخرة عذاب النّيران.

روي : أنّ عمرو بن العاص قال لمعاوية بن أبي سفيان : يا معاوية , ما أشدّ حُبّك للمال ؟ فقال : ولِمَ لا أحبّه وأنا استعبد به مثلك وأبتاع به دينك ومروّتك ؟ فلعمري , ما ربحوا بل خسروا وما جبروا بل كسروا وسيندمون ويعلمون أيّ منقلب ينقلبون.

روي : أنّ معاوية بن أبي سفيان لمـّا مرض الموت , رقي المنبر وخطب النّاس - وكانت آخر خطبة خطبها للنّاس في جامع بني اُميّة - وأنّه قال : أيّها النّاس , إنّ من زرع قد استحصد , وإنّي وليتكم ولم يتولكم أحد من بعدي إلّا مَن هو شرّ منّي كما كان من قبلي هو خير منّي , يا ليتني رجُلاً من قُريش ولم أتوّل من أمور النّاس شيئاً .ثمّ قال :( يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ ) (١) .فوالله , لو علمت هكذا عمري قصيراً ما فعلت .ثمّ بكى وقال : وا بُعد سفراه ! وا قلّة زاداه ! ثمّ نزل عن المنبر ودخل داره وثقل حاله وازدادت علّته , فعادوه إخوانه وجلسوا حوله وقالوا له : يا معاوية , أوصي إلينا بما تريد .فقال: يا إخواني , أحذّركم مصرعي هذا , فإنّه لا بدّ لكم منه .ثمّ قال : اجلسوني وسندوني .فأجلسوه وسندوه , فقال : إلهي , أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت .ثمّ قال : الآن تذكر ربّك يا معاوية بعد الهرم والانحطاط , فلِمَ لا كان هذا وغصن الشّباب نظر ريّان ؟! فقيل له : يا معاوية , كأنّك تحبّ الحياة ؟ فقال : لا , ولكن القدوم على الله شديد .قال : ودخل عليه قوم آخرون , فقالوا له : كيف أصبحت يا معاوية ؟ فقال : أصبحت من الدُنيا راحلاً وللإخوان مفارقاً ولسوء عملي ملاق .ثمّ انصرف النّاس عنه , قالت زوجته : فسمعته يقول عند موته :( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (٢) .ثمّ سكت فجعلت لا أسمع له كلاماً أبداً , فقلت لوصيف كان عنده : انظر أنائم هو أم يقظان ؟ فنظر إليه فوجده قد مات.

وأمّا مروان بن الحكم

____________________

(١) سورة الحاقة /٢٧- ٢٨.

(٢) سورة القصص / ٨٣.


لـمّا مرض مرضه الذي مات فيه , مرّ على غسّال يغسل ثياباً بجانب نهر في دمشق , فنظر إليه وهو يلوي ثوباً بيده ثمّ يضرب به في المسلّة , فقال مروان : ليتني كنت غسّالاً آكل من كسب يدي يوماً بيوم ولم أكن والياً على الـمُسلمين ! قال : فبلغ كلامه إلى أبي حازم الغسّال , فقال : الحمد لله الذي جعل الملوك إذا حضرهم الموت يتمنون ما نحن فيه من الغسل .قال : فدخلوا عليه إخوانه يعودونه في مرضه , فقالوا له : كيف نجدك يا أمير ؟ قال : تجدوني كما قال الله تعالى :( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى‏ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوّلَ مَرّةٍ وَتَرَكْتُم مَا خَوّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ) (١) .ثمّ بكى فقيل له : وما يبكيك يا أمير ؟ فقال : ما أبكي جزعاً على الدُنيا , ولكن عهد إلينا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنّه قال : (( يكون بلغة أحدكم من الدُنيا كزاد راكب )) .ثمّ قال: وا بُعد سفراه ! وا قلّة زاداه ! ثمّ اُغمي عليهفمات لا رحمه ‌الله.

وأمّا عمرو بن العاص , فإنّه لمـّا دنت منه الوفاة وقد نظر إلى خزائنه وصناديق ماله , قال : مَن يأخذها بما فيها ؟ وليتني كنت أعيش أبداً .فبكت امرأته , فقال لها : إن كنت باكية فابكي على نفسك ؟ ثمّ اُغمي عليه فمات لا رحمه‌ الله تعالى

وأمّا المأمون لمـّا ذنت منه الوفاة وأيس من الحياة , فرش رماداً واضطجع عليه وجعل يقول : يا مَن لا يزول ملكه , ارحم مَن قد زال ملكه .فقيل له : لا بأس عليك .فقال : ليس إلّا هذا , لقد ذهبت منّي الدُنيا والآخرة .ثمّ اُغمي عليه فمات لا رحمه ‌الله تعالى.

وأمّا الحجاج بن عُبيدة الثّقفي , فإنّه كان يقول عند موته : اللّهمّ اغفر لي , فإنّ الخلق مجتمعون على أنّك لا تغفر لي .ثمّ اُغمي عليه فمات لا رحمه ‌الله تعالى

وأمّا الشّمر اللعين , فإنّه كان عاقبته أن قتله الـمُختار أشرّ قتلة , وأحرق داره بمن فيها من أهله وعشيرته , ألا لعنة الله على الكافرين :

ستعلم أمة قتلت حسيناً

بأن عذاب قاتله وبيل

إذا عرضوا على الرحمن صفاً

وجاءت ثمّ فاطمة البتول

وفي يدها قميص السبط تشكو

ظلامتها فينصفها الجليل

ويهوي الظّالمين بها جميعاً

إلى قعر الجحيم لهم عويل

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته

____________________

(١) سورة الأنعام / ٩٤.


الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ صالح بن عبد الوهاب

نوحوا يا شيعة المولى أبا الحسن

على الحُسين غريب الدار والوطن

وابكوا عليه طريحاً بالطفوف على

الرمضاء مختضب الأوداج والذقن

وابكوا على صدره بالطف ترضضه

خيول أهل الخنا والحقد والإحن

وابكوا على رأسه بالرمح مشتهراً

إلى يزيد اللعين الفاجر الكني

وابكوا بنات رسول الله بين بني

اللئام يشهرن في الأمصار والمدن

وابكوا على السيد السجاد معتقلاً

في أسره مستذلاً ناحل البدن

وا حر قلباه وا حزني لا بنته

سكينة حاسراً والدمع كالمزن

تقول واضيتي بعد الحُسين أبي

وا ذلتي وا عنا قلبي ووا حزني

أبعد صوني وخدري والحجاب أرى

جهراً وينظرني الطاغي ويرمقني

والطهر فاطمة الصغرى تنوح على

الحُسين نوح كئيب القلب ذي شجن

وتستغيث أباها يا أباه ترى

من ذا يجود على يتمي فيرحمني

وزينب أخته للخد لاطمة

تشكو إليه بقلب موجع حزن

أيا أخي يا ضيا عيني ويا أملي

فقدانكم يا كفيل اليوم ضيعني

يا واحدي يابن أمي يا حسين أما

ترى مقامي أيا حصني ومرتكن

أمسيت بين الأعادي لا كفيل ولا

مساعد في ملماتي يساعدني

يا كافلي يا أخي ما كان في خلدي

إنّي أراك ومنك الرأس في لدن

كلا ولا خلت يا حصني وملتجئي

هتكي وسبي ولا بعدي عن الوطن

يا ليت عيني قبل الآن قد عميت

وليتني قبل هذا اليوم لم أكن

أيا بن امي قد أورثتني كمداً

أو هي فؤادي وابلاني وانحلني

أيا كفيلي لقد عز الكفيل فمن

أرى نصيراً على الأعداء ينصرني

أيا نصيري لقد عز النصير فلا

أرى نصيرا على الأعداء ينصرني

وا ذلتي يا أخي من بعد عزك لي

هتكت بين أهل الظغن والأحن

يا ليتني قبل هذا ايوم في جدث

ولا أراك خضيب الشيب والذقن

وأم كلثوم تدعو وهي باكية

بمدمع هامل كالعارض الهتن


أخي أخي يابن أمي يا حسين لقد

تجددت لي أحزان على حزن

أخي أخي بعد جدّي والوصي أبي

وفقدكم لثياب الحزن ألبسني

أخي أخي بعدكم من ذا ألوذ به

ومن يساعدني في حادث الزمن

أخي أخي بعد صوني يا حسين لقد

أصبحت أسبى كسبي الروم في المدن

فآه يا ضيعتي من بعد فقدك يا

حصني الحصين ويا سؤلي ويا سكني

يا ليت عين رسول الله ناظرة

إلي والفاجر الملعون يسلبني

يا ليت عين أمير المؤمنين أتى

بين الأعادي بهذا اليوم تنظرني

حسري مجردة وا ويلتاه فلا

أرى كفيلاً بهذا اليوم يكفلني

وتستغيث إلى الزّهراء فاطمة

بنت النّبي ودمع العين كالمزني

يا أم قومي من الأجداث نادبة

على الحُسين مقيم الفرض والسنن

يا أم قومي وانظري رأس الحُسين أخي

كالبدر يشرق فوق الذبل اللدن

يا أم قومي انظري السجاد معتقلاً

يساق نحو يزيد الفاجر الكني

فيا لها حسرة لا تنقضي أبداً

حتّى ترى حجّة الرحمن ذا المنن

سمي خير الورى المختار من مضر

خليفة الله فينا صاحب الزمن

الآخذ الثأئر من أهل العناد ومفني

كل رجس خؤون غير مؤتمن

الناصر للدين والمحيي معالمه

الناشر العدل في الأطراف والمدن

يزيل ما أسس الأرجاس من بدع

بالإفك منهم وبالأحقاد والظغن

يا حجّة الله يابن العسكري إلى

متى تكابد أهل البغي والفتن

عجل وخلص محبيك الضعاف فقد

تشرد الناس عن أهل وعن وطن

وما لهم ناصر مولاي غيرك يا

محيي فرائض دين الله والسنن

فخذ بنصرهم واشفي الغليل وخذ

بثأر جدك يا سؤلي ومرتكني

أيا بني الوحي والتنزيل يا أملي

يا من ولاهم غداً في القبر يؤنسني

حزني عليكم جديداً دائماً أبداً

ما دمت حياً إلى أن ينقضي زمني

وما تذكرت يوم الطف رزءكم

إلا تجدد لي حزن على حزن

وأصبح القلب منّي وهو مكتئب

والدمع منسكب كالعارض الهتن

لكم لكم يا بني المختار ذا أسفي

لا للتنائي عن الأهلين والوطن


فهماكموها ولاة الأمر مرثية

من الكئيب العبير القلب ذو الشجن

يا عدتي واعتمادي والرجا ومن

هم أنيسي إذا أدرجت في كفني

إني بحبكم أرجو النجاة غداً

إذا أتيت وذنبي قد تكابدني

وعاينت مقلتي ما قدمته يدي

من الخطيات في سر وفي علن

لأن حبكم زاد لآخرتي

به إلهي من النيران ينقذني

صلّى عليكم إله العرش ما سجعت

حمامسة أو شدى ورق على غضن

الباب الثّاني

يا إخواني في الدّين , لو أحاط النّاس بفضل أولاد أمير المؤمنين , لذهلت عقولهم وغدوا والهين , كيف وقد جُمعت فيهم فضائل الأنبياء الـمُتقدّمين خصوصاً على أبيهم عليّ أمير المؤمنين(ع) , وقد قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يا عليّ , لو لا خوفي أن تقول النّاس فيك كما قالت النّصارى في عيسى بن مريم , لقلت فيك مقالاً لا تمر بأحد إلّا وأخذ التّراب من تحت قدميك )) .ولهذا اُطلق عليهم لفظ الأشباح ؛ لأنّ الشّبح هو الذي ترى صورته ولا تعلم حقيقته .أو لا ترون يا أهل البصائر إلى رجل أخفى أعداءه فضائله ؛ بغضاً له , وستر أولياءه مناقبه ؛ خوفاً على أنفسهم , ثمّ ظهر بين هذين الاخفائين مناقب ملأت الخافقين ، ولقد أجاد ابن سرايا حيث ذكر له جمع بعض المزايا , حيث قال :

جمعت في صفاتك الأضداد

فلهذا عزت لك الأنداد

زاهد حاكم حليم شجاع

ناسك فاتك فقير جواد

خلق يشبه النسيم من اللطف

وبأس يذوب منه الجماد

شيم ما جمعن في بشر قط

ولا حاز مثلهم العباد

فلهذا تعمقت فيك أقوام

بأقوالهم فرانوا وزادوا

وغلت في صفات فضلك (يس

وطه) وآل ياسين وصاد

ظهرت منك للورى معجزات

فأقرت بفضلك الحساد

إن يكذب بها عداك فقد

كذب من قبل قوم لوط وعاد

أنت سر النّبي والصنو وبن

العم والصهر والأخ المستجاد


لو رأى مثلك النّبي لآخاه

وإلّا فائط الإنتقاد

فيكم بأهل النّبي ولم

يلق لكم خامساً سواه يزاد

كنت نفساً له وعرسك وإبناك

لديه النساء والأولاد

جل معناك أن يحمل به البشر

ويحصي صفاته النقاد

إنما الله عنكم أذهب الرجس

فردت بغيضها الأضداد

ذاك مدح الإله فيكم فإن

فهت بمدح فذاك قول يعاد

روي من طرقهم عن أحمد بن سعيد الثّقفي , قال : كُنّا يوماً وقوفاً على باب أبي نعيم الفضل بن دكين , ونحن جماعة فينا أحمد بن حنبل وغيره من نقلة الحديث ؛ نتوقع خروجه لنسمع منه ، فاطلع علينا من خوخة على باب داره , فقال : إنّ لي وعكة وعلّة صداع , فاعذروا وانصرفوا مأجورين .فقام إليه رجل فقال : مسألة .فقال : هاتها وأوجز .فقال : ما تقول في رجُل شهد أن لا إله إلّا الله , وأقرّ أنّ مُحمّداً رسول الله , وأقام الصّلاة وأتى الزّكاة , وصام شهر رمضان وحجّ البيت مع الأركان , وجاهد عند دعاء الحاجة إلى الجهاد , وأمر بالمعروف ونهى عن الـمُنكر , واجتهد بعد ذلك في أفعال الخير , ثمّ مات وهو لا يعرف ...أبي قحافة , هل مات مؤمناً ولا بأس فيما جهل .قال : فإن فعل مثل ذلك وهو لا يعرف الثّاني .فأجاب مثل الجواب الأول , قال : فإن فعل مثل ما تقدم ومات ولم يعرف عليّ بن أبي طالب .قال : لا يسعه ذلك , لأنّ الصّلاة لا تفتقر إلى ذكر غير عليّ كما تفتقر إلى ذكره , وقد كان من مُحمّد بمكان لا كغيره.

ومن طريقهم أيضاً عن سعد بن أبي وقاص , قال : أمر معاوية سعداً بالسّب , فأبى , فقال ما يمنعك أن تسبّ أبا تراب ؟ فقال : ثلاث قالهن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فلن أسبّه , ولئن تكُن لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النّعم , سمعته يقول لعلي - وقد خلّفه في بعض مغازيه - فقال له عليّ (ع) : (( خلّفتني مع النّساء والصّبيان ؟ )) .فقال له رسول الله (ص) : (( أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى , إلّا أنّه لا نبي بعدي ؟ )) .وسمعته يقول (ص) يوم خيبر : (( لأعطينّ الرّاية غداً رجُلا يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله )) .قال : فتطاولنا إليها , فقال : (( ادعوا إليّ عليّ )) .فأتاه وبه رمد , فبصق في عينيه ودفع الرّاية إليه , ففتح الله عليه , ولـمّا نزلت( قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ) (١) ، دعا رسول الله (ص) فاطمة وعليّاً والحسن والحُسين , فقال (ص) : (( اللّهمّ هؤلاء أهلي )).

____________________

(١) سورة آل عمران / ٦١.


حديث الكساء

روي عن فاطمة الزّهراء (عليها‌السلام ) بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، قال : سَمِعتُ فَاطِمَةَ الزَّهراءِعليها‌السلام بِنتِ رَسُول اللهِ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أَنِّها قالَت : (( دَخَلَ عَلَيَّ أبي رَسُولُ اللهِ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فِي بَعضِ الأيَّامِ , فَقَالَ : أَلسَّلامُ عَلَيكِ يا فاطِمَةُ .فَقُلتُ : وَعَلَيكَ السَّلامُ .قالَ : إنّي أَجِدُ في بَدَني ضَعفاً .فَقُلتُ لَهُ : أُعِيذُكَ باللهِ يا أَبَتاهُ مِنَ الضَّعفِ .فَقَالَ : يا فاطِمَةُ إِيتيني بِالكِساءِ اليَمانِيِّ فَغَطّينِي بهِ.فَأَتَيتُهُ بِالكِساءِ اليَمانِيِّ فَغَطّيتُهُ بِهِ وَصِرتُ أَنظُرُ إِلَيهِ , وَإِذا وَجهُهُ يَتَلَأ لَأ كَأَنَّهُ البَدرُ فِي لَيلَةِ تمامِهِ وَكَمالِهِ.

فَما كَانَت إِلّا ساعَةً وإذا بوَلَدِيَ الحَسَنِ قَد أَقبَلَ وَقالَ : أَلسَّلامُ عَلَيكِ يا أُمّاهُ .فَقُلتُ : وَعَلَيكَ السَّلامُ يا قُرَّةَ عَيِني وَثَمَرَةَ فُؤادِي .فَقالَ : يا أُمّاهُ , إِنّي أَشَمُّ عِندَكِ رائِحَةً طَيِّبَةً كَأَنَّها رائِحَةُ جَدِّي رَسُولِ اللهِ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟ فَقُلتُ : نَعَم , إِنَّ جَدَّكَ تَحتَ الكِساء .فَأَقبَلَ الحَسَنُ نَحوَ الكِساء وَقالَ : أَلسَّلامُ عَلَيكَ يا جَدّاهُ يا رَسُولَ اللهِ , أَتَأذَنُ لي أَن أَدخُلَ مَعَكَ تَحتَ الكِساءِ ؟ فَقالَ: وَعَلَيكَ السَّلامُ يا وَلَدِي وَيا صاحِبَ حَوضِي قَد أَذِنتُ لَكَ .فَدَخَلَ مَعَهُ تَحتَ الكِساءِ.

فَما كانَت إِلّا سَاعَةً وَإِذا بِوَلَدِيَ الحُسَينِ (عليه‌السلام ) أَقبَلَ وَقال : أَلسَّلامُ عَلَيكِ يا أُمّاهُ .فَقُلتُ : وَعَلَيكَ السَّلامُ يا قُرَّةَ عَيِني وَثَمَرَةَ فُؤادِي .فَقالَ : يا أُمّاهُ , إِنّي أَشَمُّ عِندَكِ رائِحَةً طَيِّبَةً كَأَنَّها رائِحَةُ جَدّي رَسُولِ اللهِ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟ فَقُلتُ : نَعَم , إِنَّ جَدَّكَ وَأَخاكَ تَحتَ الكِساءِ .فَدَنَا الحُسَينُ (عليه‌السلام ) نحوَ الكِساءِ وَقالَ : أَلسَّلامُ عَلَيكَ يا جَدَّاهُ يا مَنِ أختارَهُ اللهُ ، أَتَأذَنُ لي أَن أَكونَ مَعَكُما تَحتَ الكِساءِ ؟ فَقالَ : وَعَلَيكَ السَّلامُ يا وَلَدِي وَيا شافِع أُمَّتِي قَد أَذِنتُ لَكَ .فَدَخَلَ مَعَهُما تَحتَ الكِساء ، فَأَقبَلَ عِندَ ذلِكَ أَبو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ وَقال : أَلسَّلامُ عَلَيكِ يا بِنتَ رَسُولِ اللهِ .فَقُلتُ : وَعَلَيكَ السَّلامُ يا أَبَا الحَسَن وَيا أَمِيرَ الـمُؤمِنينَ .فَقالَ : يا فاطِمَةُ , إِنّي أَشَمُّ عِندَكِ رائِحَةً طَيِّبَةً كَأَنَّها رائِحَةُ أَخي وَابِنِ عَمّي رَسُولِ اللهِ ؟ فَقُلتُ : نَعَم ها هُوَ مَعَ وَلَدَيكَ تَحتَ الكِساءِ .فَأقبَلَ عَلِيٌّ نَحوَ الكِساءِ وَقالَ : أَلسَّلامُ عَلَيكَ يا رَسُولَ اللهِ , أَتَأذَنُ لي أَن أَكُونَ مَعَكُم تَحتَ الكِساءِ ؟ قالَ لَهُ : وَعَلَيكَ السَّلامُ يا أَخِي وَيا وَصِيّيِ وَخَلِيفَتِي وَصاحِبَ لِوائِي , قَد أَذِنتُ لَكَ.


فَدَخَلَ عَلِيٌّ تَحتَ الكِساءِ.

ثُمَّ أَتَيتُ نَحوَ الكِساءِ وَقُلتُ : أَلسَّلامُ عَلَيكَ يا أبَتاهُ يا رَسُولَ الله , أَتأذَنُ لي أَن أَكونَ مَعَكُم تَحتَ الكِساءِ ؟ قالَ : وَعَليكَ السَّلامُ يا بِنتِي وَيا بَضعَتِي , قَد أَذِنتُ لَكِ .فَدَخَلتُ تَحتَ الكِساءِ ، فَلَمَّا اكتَمَلنا جَمِيعاً تَحتَ الكِساءِ , أَخَذَ أَبي رَسُولُ اللهِ بِطَرَفَيِ الكِساءِ وَأَومَأَ بِيَدِهِ اليُمنى إِلىَ السَّماءِ , وقالَ : أَللّهُمَّ , إِنَّ هؤُلاءِ أَهلُ بَيتِي وخَاصَّتِي وَحَامَّتي ، لَحمُهُم لَحمِي وَدَمُهُم دَمِي، يُؤلِمُني ما يُؤلِمُهُم وَيُحزِنُني ما يُحزِنُهُم ، أَنَا حَربٌ لِمَن حارَبَهُم وَسِلمٌ لِمَن سالَمَهُم , وَعَدوٌّ لِمَن عاداهُم وَمُحِبٌّ لِمَن أَحَبَّهُم ، إنًّهُم مِنّي وَأَنا مِنهُم , فَاجعَل صَلَواتِكَ وَبَرَكاتِكَ وَرَحمَتكَ وغُفرانَكَ وَرِضوانَكَ عَلَيَّ وَعَلَيهِم , وَاَذهِب عَنهُمُ الرَّجسَ وَطَهِّرهُم تَطهِيراً.

فَقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : يا مَلائِكَتي وَيا سُكَّانَ سَماواتي , إِنّي ما خَلَقتُ سَماءً مَبنَّيةً وَلا أرضاً مَدحيَّةً , وَلا قَمَراً مُنيراً وَلا شَمساً مُضيِئةً , وَلا فَلَكاً يَدُورُ وَلا بَحراً يَجري وَلا فُلكاً يَسري , إِلّا في مَحَبَّةِ هؤُلاءِ الخَمسَةِ الَّذينَ هُم تَحتَ الكِساء ِ .فَقالَ الأَمِينُ جِبرائِيلُ : يا رَبِّ , وَمَنْ تَحتَ الكِساءِ ؟ فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ : هُم أَهلُ بَيتِ النُّبُوَّةِ وَمَعدِنُ الرِّسالَةِ , هُم فاطِمَةُ وَأَبُوها وَبَعلُها وَبَنوها.فَقالَ جِبرائِيلُ : يا رَبِّ , أَتَأذَنُ لي أَن أَهبِطَ إلىَ الأَرضِ لأِكُونَ مَعَهُم سادِساً ؟ فَقالَ اللهُ : نَعَم قَد أَذِنتُ لَكَ.

فَهَبَطَ الأَمِينُ جِبرائِيلُ وَقالَ : أَلسَّلامُ عَلَيكَ يا رَسُولَ اللهِ ، العَلِيُّ الأَعلَى يُقرِئُكَ السَّلامَ ، وَيَخُصُّكَ بِالتًّحِيَّةِ وَالإِكرَامِ وَيَقُولُ لَكَ : وَعِزَّتي وَجَلالي , إِنّي ما خَلَقتُ سَماءً مَبنيَّةً ولا أَرضاً مَدحِيَّةً , وَلا قَمَراً مُنِيراً وَلا شَمساً مُضِيئَةً , ولا فَلَكاً يَدُورُ ولا بَحراً يَجري وَلا فُلكاً تَسري , إِلّا لِأجلِكُم وَمَحَبَّتِكُم ، وَقَد أَذِنَ لي أَن أَدخُلَ مَعَكُم ، فَهَل تَأذَنُ لي يا رَسُول الله ِ؟ فَقالَ رَسُولُ الله : وَعَلَيكَ السَّلامُ يا أَمِينَ وَحيِ اللهِ ، إِنَّهُ نَعَم قَد أَذِنتُ لَكَ .فَدَخَلَ جِبرائِيلُ مَعَنا تَحتَ الكِساءِ ، فَقالَ لأِبي : إِنَّ اللهَ قَد أَوحى إِلَيكُم يَقولُ :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (١) .

فَقالَ : عَلِيٌّ لِأَبِي : يا رَسُولَ اللهِ , أَخبِرنِي ما لِجُلُوسِنا هَذا تَحتَ الكِساءِ مِنَ الفَضلِ عِندَ اللهِ ؟ فَقالَ النَّبيُّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : وَالَّذي بَعَثَنِي بِالحَقِّ نَبِيّاً وَاصطَفانِي بِالرِّسالَةِ نَجِيّاً ، ما ذُكِرَ خَبَرُنا هذا فِي مَحفِلٍ مِن مَحافِل أَهلِ الأَرَضِ ,

____________________

(١) سورة الأحزاب / ٣٣.


وَفِيهِ جَمعٌ مِن شِيعَتِنا وَ مُحِبِيِّنا , إِلّا وَنَزَلَت عَلَيهِمُ الرَّحمَةُ ، وَحَفَّت بِهِمُ الـمَلائِكَةُ وَاستَغفَرَت لَهُم إِلى أَن يَتَفَرَّقُوا .فَقالَ عَلِيٌّ (عليه‌السلام ) : إذَاً وَاللهِ فُزنا وَفازَ شِيعَتنُا وَرَبِّ الكَعبَةِ .فَقالَ أَبي رَسُولُ اللهِ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : يا عَلِيُ , وَالَّذي بَعَثَني بِالحَقِّ نَبِيّاً وَاصطَفاني بِالرِّسالَةِ نَجِيّا ، ما ذُكِرَ خَبَرُنا هذا في مَحفِلٍ مِن مَحافِلِ أَهلِ الأَرضِ , وَفِيهِ جَمعٌ مِن شِيعَتِنا وَمُحِبّيِنا وَفِيهِم مَهمُومٌ , إِلّا وَ فَرَّجَ اللهُ هَمَّهُ وَلا مَغمُومٌ إِلّا وَكَشَفَ اللهُ غَمَّهُ وَلا طالِبُ حاجَةٍ إِلّا وَقَضى اللهُ حاجَتَهُ .فَقالَ عَلِيٌّ (عليه‌السلام ) : إذَاً والله فُزنا وَسُعِدنا ، وَكَذلِكَ شِيعَتُنا فَازوا وَسُعِدوا في الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَ رَبِّ الكَعبَةِ )).

ولله درّ بعض من قال من الرّجال في مدح عليّ (عليه‌السلام ) حين طاف حول قبره (عليه‌السلام ) :

هو الشمس ام نور الضريح يلوح

هو المسك أم طيب الوصي يفوح

وبحر ندى أم روضة حوت الهدى

وآدم أم سر المهيمن نوح

وداود هذا أم سليمان بعده

وهارون ام موسى العصى ومسيح

وأحمد هذا الـمُصطفى أم وصيه

على نماه هاشم وذبيح

حبيب حبيب الله بل سر سره

وعين الورى بل للخلائق روح

له النص من يوم الغدير ومدحه

من الله في الذكر المبين صريح

إمام إذا ما المرء جاد يحبه

فميزانه يوم المعاد رجيح

له شيعة مثل النجوم زواهر

إذا جادلت تلقى العدو طريح

عليك سلام الله يا راية الهدى

سلام سليم يغتدي ويروح

روي عن سلمان الفارسي , قال : اُهدي إلى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قطف من العنب في غير أوانه , فقال لي : (( يا سلمان , آتيني بولدي الحسن والحُسين ؛ ليأكلا معي من هذا العنب )) .قال سلمان الفارسي : فذهبت أطرق عليهما منزل اُمّهما فلم أرهما , فأتيت منزل أختهما اُمّ كلثوم فلم أرهما , فجئت فخبرت النّبي بذلك , فاضطرب ووثب قائماً وهو يقول : (( وا ولداه ! وا قرّة عيناه ! مَن يرشدني عليهما فله على الله الجنّة )) .فنزل جبرائيل من السّماء وقال : يا مُحمّد , علام هذا الانزعاج ؟ فقال : (( على ولدي الحسن والحُسين ؛ فإنّي خائف عليهما من كيد اليهود )) .فقال جبرائيل : يا


مُحمّد , بل خف عليهما من كيد الـمُنافقين ؛ فإنّ كيدهم أشدّ من كيد اليهود ، واعلم يا مُحمّد , إنّ ابنيك الحسن والحُسين نائمان في حديقة أبي الدّحداح .فسار من وقته وساعته إلى الحديقة وأنا معه حتّى دخلنا الحديقة , وإذا هُما نائمان وقد اعتنق أحدهما الآخر , وثعبان في فيه طاقة ريحان يروح بها وجهيهما ، فلمّا رأى الثّعبان النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , ألق ما كان في فيه , وقال : السّلام عليك يا رسول الله , لست أنا ثعباناً ولكنّي ملك من ملائكة الله المكروبين , غفلت عن ذكر ربّي طرفة عين , فغضب عليّ ربّي ومسخني ثعبان كما ترى , وطردني من السّماء إلى الأرض , ولي منذ سنين كثيرة أقصد كريماً على الله فأسأله أن يشفع لي عند ربّي ؛ عسى أن يرحمني ويعيدني ملكاً كما كنت أوّلاً إنّه على كلّ شيءٍ قدير .قال فجثي النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقبّلهما حتّى استيقظا , فجلسا على ركبتي النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فقال لهما النّبي (ص) : (( انظرا يا ولدي , هذا ملك من ملائكة الله المكروبين , قد غفل عن ذكر ربّه طرفة عين , فجعله الله هكذا , وأنا مستشفع إلى الله تعالى بكما فاشفعا له )) .فوثب الحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) فاصبغا الوضوء وصلّيا ركعتين , وقالا : (( اللّهمّ , بحقّ جدّنا الجليل الحبيب مُحمّد الـمُصطفى , وبأبينا عليّ الـمُرتضى, وباُمّنا فاطمة الزّهراء , إلّا ما رددته إلى حالته الأولى )) .قال : فما استتم دعاؤهما , وإذا بجبرائيل قد نزل من السّماء في رهط من الملائكة , وبشرّ ذلك برضى الله عليه وبردّه إلى سيرته الأولى ، ثمّ ارتفعوا به إلى السّماء وهم يُسبّحون الله تعالى ، ثمّ رجع جبرائيل (عليه‌السلام ) إلى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو مُبتسم وقال : يا رسول الله , إنّ ذلك الملك يفتخر على ملائكة السّبع السّماوات , ويقول لهم : مَن مثلي وأنا في شفاعة السّيدين السّبطين.

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم فلتذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ عبد الله بن داوُد الدّرمكي

أسهر طرفي وانحل البدنا

واجتاح صبري وزادني حزنا

وحول القلب من مساكنه

وصير النايبات لي سكنا

ذكر غريب الطفوف يوم سرى

بالأهل والمال يعنف البدنا

إلى الذي كاتبوه واجتهدوا

أن يقتلوه ويخربوا الوطنا


فحين لمـّا أتى مخبرهم

بأنه قد أجابهم ودنا

تألبوا للقتال واجتهدوا

واتخذوا دون ربهم وثنا

فقال مولاي لا أبا لكم

لم خنتم عهدنا وموثقنا

أما كتبتم إلى أنكم

من بعض أنصارنا وشيعتنا

قالوا له كف ما لنا كتب

ولا بعثنا بأن تقاربنا

لكن زورت ما أتيت به

تريد يا بن البتول تخدعنا

نسيت في يوم بدر ما صنعت

كف عليّ وفي حنين بنا

أباد أبطالنا بصارمه

وقدّ بالمشرفي ساداتنا

فاصبر لأخذ الحقوق منك فقد

أوقعك الدهر في مخالبنا

فقال لي صبراً على جلادكم

فالله حرب لمن يحاربنا

إن قيل من أشرف الورى نسباً

وأصبر العالمين قلت أنا

أنظر إلى ماء الفرات كيف به

الخنزير والكلب يمرغ البدنا

ولم أذق منه شربة وإذا

سطوت في الحرب ما ونيت أنا

إن كان أغررتم بكثرتكم

فلا نولي إذا لقلتنا

وصطفت القوم للقتال معاً

وكل ضد لضدّه كمنا

وامتد جنح القيام بينهما

فما ترى العين للنهار سنا

ما كان إلّا هنيئة فإذا

السبط وحيد وما له قرنا

ينظر أصحابه على ظما

بين ذبيح وطائح طعنا

قد صبغ الترب من دمائهم

وما غنوا عن الحُسين غنا

فقال وا حسرتاه لفقدكم

فرقنا الدهر بعد الفتنا

وأم نحو الخيام مبتدراً

ودمع عينيه يحرق الردنا

يقول ودعتكم إلاهكم

يا أهل بيتي أرى الفراق دنا

فلتاح للطاهرين منطقة

منكسر القلب باكياً حزنا

فأقبلت زينب تقول له

في يد من يا حسين تتركنا

أراك يا بن البتول منكسر

بمثل هذا الكلام تزعجنا

فقال أنصارنا غدو زمراً

وانتهكت بالطفوف حرمتنا


أوصيك خيراً إذا قتلت فلا

تقاربوا كل من يدنسنا

فنشركم للشعور نكرهه

وشقكم للجيوب يوكسنا

نحن بنو الـمُصطفى وعترته

والله قد عزنا وشرفنا

فاستعلى الصبر دائماً أبداً

فالصبر في النائبات شيمتنا

قالت عزيز عليّ يا أملي

صبري على حزننا وغربتنا

من ذا يفك الأسير بعدك أو

يكفل أيتامنا ويؤنسنا

ويشترينا ببذل مهجته

أو يتقي الله عن هضيمتنا

فضمها رحمة وقبلها

وقال سيري إلى مضاربنا

فمذ رأته النساء يلثمها

وهي تناديه وا شقاوتنا

مالوا إلى جزهم شعورهم

وأكثروا من مقال وا حزنا

فانتحب السبط رحمة لهم

وقال للنائبات مقدمنا

لا تحرقوني بدمعكم فلقد

أبيح للمعضلات جانبنا

والله ضرب السيوف في جسدي

أهون من ذلنا وشهرتنا

أخاف بعد الخدور تنهتكوا

في يد من خاننا وخادعنا

قالوا له يا حسين راجعهم

لعلهم يعرفون موضعنا

ويوصلونا بشربة فلقد

أحرق حرّ الأوام مهجتنا

قال عسى الله وانثنى عجلاً

يقول هل ناصر فينصرنا

هل فيكم محسن نلوذ به

هل فيكم راحم فيرحمنا

نموت يا قوم بينكم عطشاً

ما تحذروا الله في تعطشنا

قالوا له يا حسين مت ظمأ

لا تعترينا ولا تماطلنا

نسقيك طعن الرماح في عجل

وأوجع الضرب من صوارمنا

ودارت القوم حوله حلقاً

كل يناديه صرت في يدنا

وانتهبوا بالنبال جثته

وخبطوا من دمائه الذقنا

وجاءه الشمر مسرعاً عجلاً

ورجله فوق منكبيه ثنى

فاقبلت زينب تقول له

يا شمر يا شمر خل سيدنا

يا شمر نفديه النفوس فإن

قتلته فالمصاب يقتلنا


يا شمر درّ الحسام عن دمه

وفي جنان عداً تجاورنا

فقال خلوا لكم جنانكم

لا أبتغي دون قتله ثمنا

وميز الرأس ثمّ شال به

قابض منه بكفه الأذنا

وخلف الجسم عارياً شحباً

من حركات الحياة قد سكنا

فلو ترى فاطماً تقبله

أصابعه من دمائه الردنا

قائلة يا أخي مصابك قد

أسهر أجفاننا وأنحلنا

عزّ عليّ جدنا ووالدنا

وأمنا أن ترى وعمتنا

إذ كل شخص تراه يسلبنا

وبعد سلب الثياب يضربنا

وإن يروك الغداة منجدلا

معفراً في التراب مرتهنا

يا عمتاه قربوا جهازهم

ما تنظري في جوار سيدنا

قالت فما حيلتي وخيلهم

تجري على صدره وتدفعنا

لكن تنادي عليه وابتدرت

تقول يا قوم من يكرمنا

غريب مقتول ما له أحد

من ذا على دفنه يساعدنا

من يكسب الأجر من يلحده

ومن يعبي الحنوط والكفنا

فلم يجبها من الورى أحد

فقالت الغوث من مصيبتنا

أودعتك الله يا حسين متى

يا سيّدي باللقا تواعدنا

وزينب في النساء قائلة

أين مراد المنافقين بنا

لم يكفهم ذلنا وغربتنا

فالشتم والضرب فوق عاتقنا

يسيرونا على المطي بلا

ستر وفي كسبهم براقعنا

يا ويلهم ما أشد كفرهم

ما يرحمونا لوجه خالقنا

يا حادي العيس لا رحمت فكم

في السير يا بن الزنيم تعنفنا

كم نطلب الرفق ما نحصله

والرأس فوق القناة يقدّمنا

وا ذلنا بعدهم وغربتهم

وا طول تشتيتنا ومحنتنا

يا آل بيت النّبي رزءكم

أنحل أبداننا وأزعجنا

قد حول الكل من مسرتنا

وقبل أن المشيب شيبتنا

لا رحم الله من معى لكم

في الظلم قدماً ومن عليه بنا


ويل ابن سلما وويل صاحبه

قد فتنا العالمين وافتتنا

فلعنة الله لا تزال على

روحيهما عد من قصي ودنا

ومن توالاهما ومال إلى

قوليهما وإليهما ركنا

يا صفوة الله لا نظير لكم

يا من بهم سميت مناً بمنى

عبدكم الدرمكي باعكم

مهجته إذ نقدتم الثمنا

في قولهم لا يخاف من مسكت

كفاه في حشره ولايتنا

يا آل طه وهل (أتى) (وسب)

ومن إلى قصدهم توجهنا

صلّى عليكم إلهكم أبدا

ما صاح طير وما علا غصنا

الباب الثّالث

أو لا ينتبه من الضّلال من رغب عن الآل وتحمّل الذّنوب الثّقال , أم على القلوب الأقفال ؟ ولكن اعلموا رحمكم الله وهداكم الطّريق القويم والصّراط المُستقيم , إنّ أهل البيت ومَن تابعهم من الأنام , لم يزالوا مُضطهدين في الدُنيا إلى يوم القيامة والرّزايا تعمّهم ؛ ليعظم لهم الثّواب ويوفون بأجورهم يوم الحساب , وليس سبي الذرّيّة وقتل العترة النّبويّة بأوّل منكر نهض أهل الشّنآن إليه وحملهم الشّيطان عليه , بل تقدّمته أحوال كانت له كالأساس وترتّب عليها هذا الرّزء , فكان أعظم منها على النّاس.

روي : أنّه لمـّا جاءت فاطمة إلى أبي بكر وكلّمته في أمر فدك والعوالي , قال لها : يا بنت رسول الله , ما أورثكي أبوك لا درهماً ولا ديناراً , وأنّه قال : الأنبياء لا يورّثون .فقالت له : (( يا أبا بكر , إنّ فدكاً والعوالي قد وهبهما لي أبي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) )) .فقال لها : مَن يشهد لك بذلك ؟ فجاء عليّ فشهد لها بذلك , ثمّ جاءت اُمّ أيمن فقالت : يا أبا بكر , إنّ السّماء تشهد إنّي من أهل الجنّة , وإنّي ما أقول إلّا حقّاً , وإنّي أشهد أنّ رسول الله أعطى فدكاً والعوالي لابنته فاطمة .فقال أبو بكر : يا بنت رسول الله , صدق عليّ وصدقت , ولكن رسول الله يدفع إليكم من فدك والعوالي قوتكم , ويُقسّم الباقي على المؤمنين من أصحابه , وينفق الباقي في سبيل الله , وأنت فما تصنعين بها ؟ فقالت : (( وأنا أصنع بها ما كان يصنع بها أبي )).فارتجّ الأمر بينهم وغضب أبو بكر من قولها وخرجت فاطمة ,


[ولم](١) تزل فدك والعوالي في أيديهم إلى أن ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان , فاقتطع مروان بن الحكم ثلثها واقتطع يزيد بن معاوية ثلثها , ولم يزالوا يتداولونها إلى أن انحصرت كلّها في يد مروان بن الحكم في أيّام خلافته , فوهبها مروان لولده عبد العزيز ولابنه عمر ، فلمّا تولّى الأمر عمر بن عبد العزيز , كانت فدك أوّل ظلامة ردّها على أهل بيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , ورفع السّب عن عليّ (عليه‌السلام ) , ثمّ إنّ عمر بن عبد العزيز دعا بعلي بن الحُسين (عليه‌السلام ) , فدفع فدك إليه وصارت فدك بيد أولاد فاطمة الزّهراء (عليها‌السلام ) مدّة خلافة عمر بن عبد العزيز , فلمّا توفي وصار الأمر إلى بني اُميّة , جعلوا يتداولونها إلى أن نُقلت الخلافة عنهم , فلمّا آل الأمر إلى السّفاح , ردّها إلى أهل البيت , ثمّ غصبها منهم موسى بن المهدي وأخوه هارون الرّشيد ، ولم تزل في أيدي بني العبّاس إلى أن آل الأمر إلى المأمون , فردّها إلى نسل فاطمة (عليها‌السلام ).

قال صاحب الحديث : فلمّا جلس المأمون [على](٢) تخت الـمُلك , ناول رقعة وقعت في يد المأمون قصّة فدك , فنظر إليها طويلاً وبكى وقال لبعض غلمانه : ادع لي أولاد فاطمة .فقدّم إليه شيخ كبير علوي من نسل فاطمةعليها‌السلام , فجعل العلوي يُناظر المأمون ويُباحثه فيها , والمأمون يحتجّ عليه والعلوي يحتجّ المأمون إلى أن حصحص الحقّ , فأمر المأمون له بها وأمر القاضي أن يسجّلها , فلمّا كتب السّجل وقرأ عليه الواقعة استحسنه.

ولم تزل فدك في أيدي أولاد فاطمةعليها‌السلام إلى أيّام سلطنة الـمُتوكل من بني العبّاس , وقد تبقّى من نخل فدك أحد عشر نخلة من غرس رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وكان بنو فاطمة يأخذون ثمرها ويحفظونه عندهم في مدينة الرّسول , فإذا قدم الحاج إلى المدينة , أهدوا إليهم ثمراً من غرس رسول الله , فيتبرّكون به ويأخذونه إلى بلادهم وأهاليهم , ثمّ يوصلون أولاد فاطمة نفقة من الدّراهم والدّنانير , فيصير إليهم من ذلك مال جزيل فيتعيشون به طول سنتهم ؛ وذلك كلّه من بركات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , ولم تزل بركات رسول الله إلى آخر الدّهر.

فانظروا يا أهل العقول والإفهام إلى فعل هؤلاء الكفرة اللئام , كيف تطاولت أيديهم على غصب ميراث ابنة رسول الملك العلام وابنة خيرة الله في الأنام , واستمرّ ظلمهم لفاطمة إلى الذرّيّة والعترة النّبوية , فشرّدهم في أطراف البلاد , وقتلوا منهم الآباء والأجداد والأبناء والأولاد , وسبوا حريمهم على الأقتاب بالمذلّة والاكتئاب ,

____________________

(١) من إضافات المقوّم .(معهد الإمامين الحسنين).

(٢) من إضافات المقوّم .(معهد الإمامين الحسنين).


ولم يخشوا من أهوال يوم الحساب , فلعنة الله تغشاهم أجمعين إلى يوم الجزاء والدّين.

روي عن عبد الله بن عامر , قال : لمـّا أتى نعي الحُسين (عليه‌السلام ) إلى المدينة , خرجت اُمّ أسماء بنت عقيل بن أبي طالب في جماعة من نسائها , حتّى انتهت إلى قبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فلاذت به وشهقت عنده ، ثمّ التفتت إلى المهاجرين والأنصار وهي تقول :

ماذا تقولون إذ قال النّبي لكم

يوم الحساب وصدق القول مسموع

خذلتم عترتي أو كنتم غيباً

والحق عند ولي الأمر مجموع

أسلمتموهم بأيدي الظّالمين فما

منكم له اليوم عند الله مشفوع

ما كان عبد غداة الطف إذ حضروا

تلك المنايا ولا عنهن مدفوع

قال : فما رأينا باكياً ولا باكية أكثر ما رأينا ذلك اليوم.

وفي الخبر عن أبي سعيد الخدري , قال : لمـّا كان يوم اُحد , شُجّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في وجهه وكُسرت رُباعيته , فقام (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) رافعاً يديه يقول : (( إنّ الله تعالى اشتدّ غضباً على اليهود إذ قالوا العزيز ابن الله , واشتد غضبه على النّصارى إذ قالوا المسيح ابن الله , وإنّ الله قد اشتد عضبه على مَن أراق دمي وآذاني في عترتي )).

ألا لعنة الله على القوم الظّالمين ، ألا وإنّ الجنّة مُحرّمة عليهم أجمعين كما جاء بذلك الخبر عن سيّد البشر , حيث قال : (( حرمت الجنّة على مَن ظلم أهل بيتي وقاتلهم والمعترض عليهم والسّاب لهم , أولئك لا خلاق لهم في الآخرة , ولا يكلّمهم الله يوم القيامة , ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم )) .إلّا وعلى محبّي أهل البيت رحمة الله وبركاته , ولهم في الحياة الدُنيا والآخرة , كما وردت به الأخبار عن المكرمين الأبرار ، فعن رسول الله (ص) : (( حُبّنا أهل البيت يُكفّر الذّنوب ويُضاعف الحسنات , وإنّ الله تعالى ليتحمّل عن محبّينا أهل البيت ما عليهم من مظالم العباد , إلّا ما كان منهم فيهم على إصرار وظلم للمؤمنين , فيقول للسيئات كوني حسنات )).

وعن جعفر بن مُحمّد (عليه‌السلام ) , قال : (( نفس المهموم لظلمنا تسبيح , وهمّه لنا عبادة , وكتمان سرّه جهاد في سبيل الله )).ثمّ قال أبو عبد الله (عليه‌السلام ) : (( يجب أن يُكتب هذا الحديث بماء الذّهب )) .وعنه (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( رحم الله شيعتنا , أنّهم أوذوا فينا ولم نود [نؤذ](١) فيهم , شيعتنا منّا قد خُلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بنور ولايتنا , رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة ,

____________________

(١) من إضافات المقوّم .(معهد الإمامين الحسنين).


يصيبهم مصابنا ويبكيهم ما أصابنا , ويحزنهم حزننا ويسرّهم سرورنا , ونحن أيضاً نتألّم لتألّمهم ونطّلع على أحوالهم , فهم معنا لا يفارقونا ولا نفارقهم ؛ لأنّ مرجع العبد إلى سيّده ومعوّله على مولاه , فهم يهجرون مَن عادانا , ويجهرون بمدح مَن والانا , ويباعدون مَن آذانا .اللّهمّ , أحيي شيعتنا في دولتنا وابقهم في مُلكنا .اللّهمّ ملكتنا .اللّهمّ , إنّ شيعتنا منّا ومضافين إلينا , فمَن ذكر مصابنا وبكى لأجلنا أو تباكى , استحى الله أن يُعذّبه بالنّار )) :

فيا لك مقتولا أصيب بقتله

ملائكة الرحمن والجن معهم

ويا لك من رزء عظيم إذا به

تقاس الرزايا كلها فهو أعظم

ويا لك من يوم مهول تزلزلت

له الأرض والأطيار بالجو حوم

ويا لك من حزن كان مذاقه

على شيعة المختار صأب وعلقم

روي عن عبد الله بن العبّاس , قال : كُنّا مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وإذا بفاطمة الزّهراء قد أقبلت تبكي , فقال لها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( ما يبكيك يا فاطمة ؟ )) .فقالت : (( يا أبه , إنّ الحسن والحُسين قد غابا عنّي هذا اليوم , وقد طلبتهما في بيوتك فلم أجدهما ولا أدري أين هُما , وإنّ عليّاً راح إلى الدّالية مُنذ خمسة أيّام ؛ يسقي بستاناً له )) .إذ أبو بكر قائم بين يدي النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فقال (ص) له : (( يا أبا بكر , اطلب لي قرّة عيني )) .ثمّ قال : (( يا عمر ويا سلمان ويا أباذر ويا فلان ويا فلان , قوموا فاطلبوا قرّة عيني )) .قال : فأحصينا على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنّه وجد سبعين رجُلاً في طلبهما , فغابوا ساعة ورجعوا ولم يصيبوهما , فاغتمّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) غمّاً شديداً , فوقف عند باب المسجد وقال : (( اللّهمّ , بحقّ إبراهيم خليلك , وبحقّ آدم صفيّك , إن كان قرّتا عيني وثمرتا فؤادي أخذا برّاً أو بحراً , فاحفظهما وسلّمهما من كلّ سوء يا أرحم الرّاحمين )).فإذا بجبرائيل (عليه‌السلام ) قد هبط من السّماء , وقال : يا رسول الله , لا تحزن ولا تغتم فإنّ الحسن والحُسين فاضلان في الدُنيا والآخرة , وقد وكّل الله بهما ملكاً يحفظهما إن ناما أو قعدا أو قاما , وهما في حضيرة بني النّجار .ففرح النّبي بذلك وسار وجبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله والـمُسلمون من حوله , حتّى دخلوا حضيرة بني النّجّار , وذلك الموكّل بهما قد جعل أحد جناحيه تحتهما والآخر فوقهما , وعلى كلّ واحد منهما دراعة من صوف , والمداد على شفتيهما , وإذا الحسن مُعانق


الحُسين وهما نائمان , فجثي النّبي على ركبتيه ولم يزل يقبّلهما حتّى استيقظا , فحمل النّبي الحُسين (عليه‌السلام ) وحمل جبرائيل الحسن, وخرج النّبي من الحضيرة وهو يقول : (( معاشر النّاس , اعلموا أنّ مَن أبغضهما فهو في النّار , ومَن أحبّهما فهو في الجنّة , ومن كرمهما على الله تعالى سمّاهما في التّوراة شبّراً وشبيراً )).

فيا إخواني , هذا والله الشّرف الرّفيع والفضل المنيع , والمجد الفاخر والنّور الزّاهر , والعنصر الطّيب الطّاهر .فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيد للشيخ ابن حماد (رحمه ‌الله تعالى )

إبك ما عشت بالدموع الغزاري

لذراري مُحمّد المختار

شردوا في البلاد شرقاً وغرباً

وخلت منهم عراص الديار

وغزتهم بالجند أرجاس حقد

بغليل من الصدور الحرار

وكأني بهم عطاشا يسقون

كؤوس الردا بحد الشفار

وكأني أرى الحُسين وقد نكس

عن سرجه تريب العذار

وهوى شمر اللعين عليه

ففرى رأسه بماضي الجمار

ثم علاه في السنان سنان

يتلألأ كضوء شمس النهار

وكأني بالطاهرات وقد

أبرزن للسبي من سجوف الديار

وأني بزينب إذ رأته

وهو ملقى على الجنادل عار

سقطت دهشة ونادت بصوت

يترك الصخر ذكره ذا انفطار

يا أخي لا حييت بعدك بل لا

نعمت مقلتي بطيب القرار

أبرزت للسباء منا وجوه

طال ما صينتها عن الأبصار

يا أخي لو ترى سكينة قد

ألبسها اليتم حلة الإنكسار

لو تراها تخمر الرأس بالكم

حياءاً من بعد سلب الخمار

تستر الوجه باليمين وقد

تمسك حزناً أحشاءها باليسار

كلما حث حادي العيس بالسير

وحدت في حداتها باشتهار

هتفت عمتاه ما لي أرى

السائق مستعجلاً بحث القطار


عمتاه ليته يرفق بالسير

فأعطيه دملجي وسواري

وعزيز عليّ أبي لو أبي يراني

أتلافاه خيفة وأداري

لعن الله ظالميكم من الناس

معا بالعشي والإبكار

لو درى زائر الحُسين بما

أوجبه ذو الجلال للزوار

فلهم عفوه ورضوانه عنهم

وحط الذنوب والأوزار

وتناديهم الملائكة قد أعطيتهم

الأمن من عذاب النار

بشروهم بأنهم أوليائي

في منّي وذمتي وجواري

وخطاهم محسوبة حسنات

هبة من إلهنا الجبار

وعليهم أخلاف ما انفقوه

ضعف من درهم ومن دينار

فإذا زرته فزده بأخبار

ونسك وخشية ووقار

وادع من يسمع الدعاء من

الزائر في جهرة وفي الاسرار

ويرد الجواب إذ هو حي

لم يمت عند ربه الغفار

ثم طف حول قبره والتثم

تربة قبر معظم المقدار

فيه تفاحة النّبي وعلي

وابن بر وخامس الأبرار

وهو خير الورى أباً ثمّ أماً

وأبو السادة الهداة الخيار

جده الـمُصطفى وولده الهادي

عليّ من مثله في الفخار

سبط الحمى بلحمهم ودمي

فهو محل الشعار ثمّ الدثار

فعليهم صلّى المهيمن ما غرد

طير على ذري الأحجار

وأنا الشاعر ابن حماد الناظم

فيهم قلائد الأشعار


المجلس الثّالث

من الجزء الثّاني في الليلة السّابعة من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

أيّها الإخوان , كيف تخفي زفرات الأحزان , أم كيف تطفي لهفات الأشجان وقد جرى ما جرى لسادات الزّمان ؟! تُقطّع منهم الأوصال , ويجدّلون على الرّمال , ويجرعون كؤوس الحتوف بأرض الطّفوف , وتُجرّ نساءهم سبايا على أقتاب المطايا.

فوا عجباه من تلك القلوب القاسية والنّفوس الملعونة العاصية , أما اختبروهم أنّهم ودائع الرّحمن ؟! أما سمعوا مدحهم في مُحكم القُرآن ؟!

فيا ويل مَن تجرّأ على اُمرائه وساداته الذين هُم أصل دينه وهُداته ! فبالله عليكم أيّها الإخوان , أطيلوا البكاء عليهم , وعجّوا بالابتهال في قبول الطّاعات عند ذي الجلال إليهم , وأسيلوا الدّموع الهتان واكثروا النّوح والأحزان , وكيف لا تشبّ نار أشجاني من ضلوعي كُلّما قرحت أجفاني سواكب دموعي ؟! :

وحقك لا ترى بي من ملال

ولا يثني عناني عنك ثاني

كفاني أن دمعي فيك جار

وحسبي أنني بهواك عاني

روي عن الصّادق أنّه قال : (( لمـّا خرج أمير المؤمنين إلى حرب صفّين , فلم يزل سائراً حتّى إذا كان قريباً من كربلاء على مسيرة ميل أو ميلين , تقدّم يسير أمام النّاس حتّى إذا صار بمصارع الشُهداء رضوان الله عليهم , قال : أيّها النّاس , اعلموا أنّه قُبض في هذه الأرض مئتا نبيّ ومئتا سبط من أولاد الأنبياء كلّهم شُهداء ,


وأتباعهم معهم استشهدوا معهم .ثمّ إنّه (عليه‌السلام ) طاف على بغلته في تلك البقعة , ومع ذلك خارج رجليه من الرّكاب وهو يقول: هُنا والله مناخ ركاب ومصارع شهداء , لا يسبقهم بالفضل مَن كان قبلهم ولا يلحقهم مَن كان بعدهم .ثمّ نزل (عليه‌السلام ) وجعل يبكي وهو يقول : آه , وا حزناه ! ما لي وما لآل بني سُفيان ، ومالي وما لآل حرب حزب الشّيطان ، صبراً صبراً يا أبا عبد الله , لقد لقي أبوك منهم مثل ما تلقى منهم .ثمّ إنّه توضئ وصلّى ثمّ ذكر كلامه الأوّل , ثمّ نعس فخفق خفقة وانتبه وهو يقول : إنّا لله وإنّا إليه راجعون .فقال له ابن عبّاس : رأيت رؤيا خير إن شاء الله تعالى ؟ فقال (ع) له : يابن عبّاس , رأيت كأنّي برجال قد نزلوا من السّماء وهم مقلدين بسيوفهم ومعهم غلام أبيض , وقد خطّوا حول هذه الأرض خطّة ، ثمّ رأيت كأنّ هذا النّخل قد ضربت بأغصانها الأرض , وصارت تضطرب بدم عبيط , وكأنّي بالحُسين ولدي ونجلي وقومي ومضغتي , يستغيث فلا يُغاث ويستجير فلا يُجار , والرّجال الذين نزلوا من السّماء يقولون له : صبراً صبراً يابن رسول الله يا أبا عبد الله , فإنّكم تُقتلون على يدي أشرّ النّاس , وهذه الجنّة مشتاقة إليكم .ثمّ إنّهم أقبلوا يعزونني بولدي الحُسين , ويقولون لي : صبراً صبراً يا أبا الحسن ! أحسن أحسن الله لك العزاء بولدك الحُسين , فقد أقرّ الله به عينيك يوم القيامة , يوم يقوم النّاس لربّ العالمين ))

فيا لك من أمر فظيع على الورى

ومن عثرة ما أن يقال ولا تعفا

فلله ما أعمى رجال عن الهدى

ولله ما أقسى قلوباً وما أجفى

ولا عجباً أن يفسدوا دين أحمد

وإن يلحدوا فيه وقد أسلموا عنفا

روي عن مسمع بن عبد الملك كردين البصري , قال : قال لي أبو عبد الله (عليه‌السلام ) : (( يا مسمع , أنت من أهل العراق , أما تأتي قبر الحُسين ؟ )) .قُلت : لا , إنّما أنا رجل مشهور عند أهل البصرة , وعندنا مَن يتبع هذا الخليفة , وأعداؤنا كثير من أهل القبائل من النّصّاب وغيرهم , ولست آمنهم أن يدفعوا عليّ عند ولد سُليمان فيمثلوني .قال (ع) : (( أفما تذكر ما صُنع به ؟ )) .قُلت : بلى والله .قال : (( فتجزع ؟ )) .قُلت : أي والله , واستعبر حتّى يرى أهلي أثر ذلك عليّ , فامتنع من الطّعام والشّراب حتّى يستبين ذلك في وجهي .قال : (( رحم الله دمعتك , أما أنّك من


الذين يُعدّون من أهل الجزع لنا , والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا , ويخافون لخوفنا ويأمنون إذا آمنّا , أما أنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيّتهم ملك الموت بك , وما يلقونك به من البشارة أفضل , ولملك الموت أرقّ عليك وأشدّ رحمة لك من الاُمّ الشّفيقة على ولدها )) .قال : ثمّ استعبر واستعبرت معه ، فقال : (( الحمد لله الذي فضلّنا على خلقه بالوصية , وخصّنا أهل البيت بالرّحمة .يا مسمع , إنّ الأرض والسّماء ليبكيان مُنذ قُتل أمير المؤمنين رحمة لنا , وما بكي لنا من الملائكة أكثر , وما رقت دموع الملائكة منذ قُتلنا , وما بكى أحد رحمة لنا ولِمَ لقينا إلّارحمه ‌الله قبل أن تخرج الدّمعة من عينيه , فإذا سالت دموعه على خدّه , فلو أنّ قطرة من دموعه سقطت في جهنّم لأطفأت حرّها حتّى لا يوجد لها حرّ , وإنّ الموجع قلبه [لنا](١) ليفرح [يوم](٢) يرانا عند موته فرحة , ولا تزال تلك الفرحة في قلبه حتّى يرد علينا الحوض , وإنّ الكوثر ليفرح بمحبّنا إذا ورد عليه حتّى ليذيقه من ضروب الطّعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه , يا مسمع , مَن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها ولم يسق بعدها أبداً , وهو في برد الكافور وريح المسك وطعم الزّنجبيل , أحلى من العسل وألين من الزّبد , وأصفى من الدّمع وأزكى من العنبر , يخرج من تسنيم ويمرّ بأنهار الجنان , يجري على رياض الدّر والياقوت , وفيه القدحان أكثر من عدد نجوم السّماء , يوجد ريحه من مسيرة ألف عام , قدحاته من الذّهب والفضّة وألوان الجواهر , يفوح في وجه الشّارب منه كلّ فائحة , حتّى يقول الشّارب منه ليتني تركت ههنا لا أبغي بهذا بدلاً ولا عنه تحوّلاً , أما أنّك يا كردين , ممّن تروي منه , وما من عين بكت لنا إلّا أنعمت بالنّظر إلى الكوثر وسُقيت منه , وإنّ الشّارب منه ليُعطى من اللذّة والطّعم والشّهوة له أكثر ممّا يُعطاه من دونه في حبّنا , وإنّ على الكوثر أمير المؤمنين وفي يده عصا عوسج ؛ يحطّم بها أعداءنا , فيقول الرّجل منهم : إنّي أشهد الشّهادتين.فيقول له : انطلق إلى إمامك فلان فاسأله أن يشفع لك .فيقول : تبرّأ منّي إمامي الذي تذكره .فيقول له : ارجع إلى وراءك فقُل للذي كُنت تتولاه وتقدّمه على الخلق أن يشفع لك , فإنّ خير الخلق حقيق أن لا ير إذا شفع .فيقول : إنّي أهلك عطشاً .فيقول له : زادك الله ظمأً وزادك الله عطشاً )) .قُلت : جُعلت فداك ! وكيف يقدر على الدّنو من الحوض ولم يقدر عليه غيره ؟.

____________________

(١) و (٢) من إضافات المقوّم .(معهد الإمامين الحسنين).


قال : (( ودع عن أشياء قبيحة , وكف عن شتمنا إذا ذكرنا , وترك أشياء اجترأ عليها غيره , وليس ذلك لحبّنا ولهوى منه لنا, ولكن ذلك لشدّة اجتهاده في عبادته وتدينه , ولما قد شغل به نفسه عن ذكر النّاس , وأمّا في قلبه فمنافق ودينه النّصب واتباعه أهل النّصب , قد تولّى الماضين وقدمهما على كلّ أحد )) :

وإني ليشجيني إدكاري عصابة

بأكناف أرض الغاضريات قتيل

ومن بينهم سبط النّبي مُحمّد

ومهجته فوق الصعيد مجدل

وقد طحنت منه جناجن صدره

تقاسمه قوم أضاعوا وبدل

ورحل بني الهادي النبي الموزع

تقاسمه قوم أضاعوا وبدل

رجالهم صرعى بكل تنوفة

ونسوتهم في السبي حسرى وثكل

وأطفالهم غرثى يمضهم الطوى

وليس لهم بر هنالك يكفل

فيا إخواني , حسدوهم على الكمال وجلّ وعلا مجدهم أن ينال ، أمّا أمير المؤمنين , فإنّهم أغروا به المرادى اللعين وأبرزوا له قطام فهواها , فأبت أن تبلغ نفسه أمانيها إلّا بشيء من الحطام وقتل عليّ (عليه‌السلام ) , فتعهّد بمهرها وطاوعها على أمرها , وفيه تقول من تعجّب من إقدامه وعلو مرامه :

ثلاثة آلاف وضرب وقينة

وضرب عليّ بالحسام المصمم

فلا مهر أغلى من عليّ وإن غلا

ولا فتك إلّا دون فتك ابن ملجم

فلمّا كان وقت الغداة , ضربه بالسّيف وهو يوقظ للصلاة , فدعاه إلى جنّته فمات من ضربته.

وأمّا الإمام الحسن (عليه‌السلام ) , فدسّوا إليه السّم فمات كما فعلوا بجدّه مُحمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

عن الإمام الصّادق (عليه‌السلام ) : (( أنّ الحسن قال لأهل بيته : إنّي أموت بالسّم كما مات به جدّي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) .قالوا: ومَن يفعل ذلك ؟ قال : امرأتي جعدة بنت الأشعث بن قيس , فإنّ معاوية يدسّ إليها ويأمرها بذلك .فقالوا : اخرجها من منزلك وباعدها من نفسك .قال : كيف أخرجها ولم تفعل بعد شيئاً ؟ ولو أخرجتها , ما قتلني غيرها وكان لها عذري عند النّاس .فما ذهبت الأيّام والليالي حتّى بعث إليها معاوية مالاً جسيماً , وجعل يُمنّيها بأن يعطيها مئة ألف درهم وأيضاً يزوّجها من


يزيد , وحمل إليها شربة من السّم لتسقيها الحسن , فانصرف (عليه‌السلام ) إلى منزله وهو صائم وكان يوم شديد الحرّ , فأخرجت له وقت الإفطار شربة من لبن قد ألقت فيها ذلك السّم , فشربها فقال : يا عدوة الله ! قتلتيني قتلك الله , والله لا تصيبين منّي خلقاً ولقد غرّك وسخر منك , والله يخزيه ويخزيك .فمكث (عليه‌السلام ) يوماً ومضى إلى رضوان الله , فغدر معاوية بها ولم يف لها)).

وأمّا الحُسين (عليه‌السلام ) , فقد غرّوه بالمكاتيب وزخرفوا له الأكاذيب , وقالوا : اقدم على السّعة والتّرحيب والمنزل الخصيب , ونحن لك أجناد وأرقّاء وعباد .فلمّا أناخ بساحتهم , سارعوا إليه بالسّيوف والرّماح وصادموه في ميدان الكفاح , وقالوا : لا براح ولا سعة ولا فساح .فجاهدهم بمَن معه من أوليائه وبني أبيه وأحبّائه , فأتوا على آخرهم وأذاقوهم الحتوف ؛ رشقاً بالنّبال وطعناً بالرّماح وضرباً بالسّيوف .فيا ويحهم ما أجرأهم على سفك دم رسول الله ! ويا ويلهم ما أسرعهم إلى تقريح كبد البتول ! وكأنّهم قد نسوا المعاد إلى ربّ العباد.

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة لابن السّمين (عليه الرّحمة)

من لقلب عن الهوى في اشتعال

وللب من الجوى في اشتغال

ولجسم من الضنا في سقام

ولبال من العنا في وبال

ولطرف من الأسى في سهاد

ولدمع من البكا في انهمال

ولوجد من البلا في مقام

ولصبر من البلا في ارتحال

أي عذر لمن يبيت خليا

من جوى نار قلبه غير صال

خل يا خل ذا الملام فقلبي

قد تخلى عن القلوب الخوالي

لا يبالي بقول حُبّ محب

في ملائم ولائم قال قالي

ما شجاه هجر الحبيب ولا فقد

قرين ولا تغير حال

بل شجاه مصاب آل رسول الله

خير الورى وأشرف آل

ما أهل الشهر المحرم إلّا

هلّ طرفي بمدمع هطال

وتمثلت ما جرى لموال

يتعالى مصابهم عن مقال


كيف صبر المحب وهو يرى

الأحباب من بعد عزة وجلال

وحبيب الحبيب بين قتيل

وجريح وموثق بالحبال

ووجوهاً لا تنظر الشمس إلّا

حذراً أن يفوت وقت الزوال

مسفرات من بعد ستر حجاب

مبديات من بعد سجف حجال

لست أنسى الحُسين روحي فداه

وقليل يفدى بنفسي ومالي

قائلاً للعدو ألين قول

لبيان وحجة في المقال

قد عرفتم أبي وجدي وأمي

وعرفتم أخي وعمي وخالي

لم جعلتم عزاء أحمد فينا

بعد حسن الفعال قبح الفعال

ولماذا نهجتم منهج القتل

ولم آت موجباً للقتال

أتروني حرمت غير حرام

أم تروني حللت غير حلال

فاهتدوا منهج الرشاد وحيدوا

عن طريق الردى وسبل الضلال

واعلموا إنني الولي فيا حزن

المعادي وقرحة المتوالي

وإلينا حكم المعاد جميعاً

ومآل الحساب يوم المآل

فبماذا تجادلون يوم لا ينفع

عند الجدال واهي الجدال

مذ تناهى قوم الإمام تناهوا

في إذاء وضيقوا في المجال

وأبادوا الأبرار من حزبه الأخيار

فتكاً بالمرهفات الصقال

بددوا جمعهم ببيض قصار

ونصال زرق وسمر طوال

لست أنساه بعد قتل أحباه

وقتل الفرسان والأبطال

قاصداً منهج الخيام إلى الفسطاط

هوناً موصياً للعيال

أجملوا الصبر آل بيت رسول الله

فالأجر فيه للإجمال

أخت طفلي الصغير أوصيك فيه

دون كل العيال والأطفال

ناولينيه كي أزود منه

ناظري بالوداع قبل ارتحال

فاتته به وكان محياه

منيراً يفوق نور الهلال

فرآه والجسم يذوي ذبولاً

وهو ظامي وحاله غير حالي

عندها قال والجوى في اتقاد

ليس يطفي ودمعه في انهمال

أين من يرحم الصغير ويطفي

حر صدر ببرد ماء زلال


طلب الماء منهم فسقوه

من كؤوس المنون ماء وبال

ورماه رام بسهم مشؤوم

جاء في نحره العزيز المثال

فملأ من دمائه راحتيه

قائلاً في سبيل رب الجلال

وأتته النبال من كل وجه

وهو لا يختشي لوقع النبال

عندما حان حينه وأتاه

الأجل الـمُرتضى من الآجال

خر ملقى عن مهره في هبوط

من ثراه وقده في نفال

وغدا مهره إلى الأهل ينعاه

بشجو وسرجه منه خالى

فابتدرن النساء يندبن ندباً

بضروب التعويل والإعوال

لهف قلبي وقد مررن بمثواه

قتيلاً ملقى بتلل التلال

رض منه صدر وخر كريم

وهو عاري السربال والسروال

فتصارخن صرخة رجّت الأعداء

منها وأيقنوا في الوبال

وبكت أعين السّماء دماء

وسفت بالرماد ريح الشمال

لهف قلبي لأم كلثوم تنعاه

بقلب بجمر البين صالي

وتناديه يا أخي يا مألي

ومأل الرجال والآمال

يا أخي يا مؤملي يا منيلي

ومنيل السؤال قبل السؤال

بأبي جسمك السليب لباساً

وعليه ملابس من رمال

بأبي رأسك المعلي يفوق البذر

في تمه أوان الكمال

يا أخي لو رأيت إبنك في الأسر

وثقل القيود والأغلال

يا أخي لو رأيتنا كيف نسري

في الفيافي على ظهور الجمال

سلبوا لباسنا حيث لا نستر

عن أعين النساء والرجال

بعدما أضرموا الضرام وشنوا

غارة في خيامنا والرجال

ورمونا عن قوس حقد قديم

وحديث بأسهم في نكال

حيث وصيتنا بصبر جميل

في جميع الأمور والأحوال

فعلى الصبر قد جعلت اعتمادي

وعلى الأجر قد جعلت اتكالي

يا ذوي الحجر والطواسين والرعد

وأهل الإنعام والإفضال

لكم يا بني عليّ علاء

في وداد وسؤدد في كمال


ومحل في رفعة ومعال

في فعال وعزة في جلال

وبهاء في بهجة وضياء

في تلال ورونق في جمال

ومغان رضعن در المعاني

ومعان رضغن در المعالي

فلهذا إن قيل فيكم نظام

قيل هذا جواهر أم لئالي

ولهذا قد زان نظماً بمدح

في علاكم فتى السمين الموالي

أنتم الحرز والذريعة والذخر

غداً يوم حشره والمآل

يوم لا ظل في القيامة إلّا ظلكم

فاسكنوه تحت الظلال

فعليكم من الإله صلاة

جمة بالغدو والآصال

الباب الثّاني

نوحوا أيّها المحبّون لآل الرّسول على مصاب أبناء الزّهراء البتول , وابكوا عليهم بالدّموع السّجام ؛ لأنّهم الهُداة الأعلام وأئمة أهل الإسلام , فلا خير والله في البكاء على الأطلال الخالية , ولا خير والله في الحزن على الرّمم البالية , ولا فضيلة والله في البكاء على الآباء والأجداد والأبناء والأولاد , ما لم يكن على مصاب العترة النّبوية والذرّيّة العلوية.

كما ورد في الخبر عن سيّد البشر , أنّه قال : (( مَن ذُكرنا عنده فبكى لمصابنا وحزن لما نابنا من نوب الدّهر , غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر )) .وفي الخبر أيضاً عن عليّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة , أو دمعت عيناه فينا دمعة , إلّا بوّأه الله في الجنّة حقباً )) .وعنهم (عليهم‌السلام ) , أنّهم قالوا : (( مَن بكى وأبكى ولو واحداً, ضمنّا له على الله الجنّة , ومَن لم يتأتّ له البكاء فتباكى , فله الجنّة )).

فهذه يا إخواني النّعمة العظمى والفضيلة الكبرى , وفّقنا الله وإيّاكم للأجر العظيم والثّواب الجسيم , والخلود في جنان النّعيم مع مُحمّد وأخيه وعترته وذراريه :

حتى متى وإلى متى تتصبر

فلمثل هذا اليوم دمعك يذخر

اليوم فلتذهب النفوس كآبة

وعلى الخدود من المحاجر تقطر

وجدي يزيد وحسرتي ما تنقضي

وجواً يحل ومدمع يتحدر


ظفرت علوج أمية بإمامنا

ظفراً تكاد له الصخور تفجر

قتل الحُسين فيا سماء تفطري

فلمثل مصرعه المرائر تفطر

ومن العجائب أن مولانا اشتكى

ظمأ وفي كلتا يديه أبحر

أخذ الحُسين بكفه طفلاً له

عطشان من فرط الظمأ يتضور

خرجت سكينة والحُسين مرمل

دامي الترائب والجبين معفر

فغدت تعفر وجهها بدمائه

وتقول وا كرباه مثلك ينحر

وغدت تناجي جدها وتقول قد

حكمت بنا قوم عتوا وتجبروا

يا آل أحمد ما رأينا نكبة

إلّا ونكبتكم أجل وأكبر

صلّى الإله عليكم ما غردت

ورق الحمام ولان غصن مثمر

فيا ويلهم باعوا الآخرة بالأولى واستبدلوا بالأرذل الأدنى !

قيل : لمـّا جمع ابن زياد لعنه الله تعالى قومه لحرب الحُسين (عليه‌السلام ) , كانوا سبعين ألف فارس , فقال ابن زياد : أيّها النّاس, مَن منكم يتولّى قتل الحُسين وله ولاية أي بلد شاء ؟ فلم يجبه أحد منهم , فاستدعى بعمر بن سعد لعنه الله , وقال له : أريد أن تتولّى حرب الحُسين بنفسك .فقال له : أعفني من ذلك .فقال ابن زياد : قد أعفيتك يا عمر , فاردد علينا عهدنا الذي كتبناه إليك بولاية الرّي .فقال عمر : أمهلني الليلة .فقال له : قد أمهلتك .فانصرف عمر بن سعد إلى منزله , وجعل يستشير قومه وإخوانه ومَن يثق به من إخوانه , فلم يشر عليه أحد بذلك , وكان عند عمر بن سعد رجل من أهل الخير يُقال له كامل , وكان صديقاً لأبيه من قبله , فقال له : يا عمر , ما لي أراك بهيئة وحركة فما الذي أنت عازم عليه ؟ - وكان كامل كاسمه ذا رأي وعقل ودين كامل - فقال له ابن سعد لعنه الله : إنّي قد ولّيت أمر هذا الجيش في حرب الحُسين , وإنّما قتله عندي وأهل بيته كآكلة آكل أو كشربة ماء , وإذا قتلته خرجت إلى ملك الرّي .فقال له كامل : أفّ لك يا عمر بن سعد ! تريد تقتل الحُسين ابن بنت رسول الله ؟! أفّ لك ولدينك يا عمر ! أسفهت الحقّ وضللت الهُدى ؟ أما تعلم إلى حرب مَن تخرج ولِمَن تُقاتل ؟! إنّا لله وإنّا إليه راجعون , والله , لو اُعطيت الدُنيا وما فيها على قتل رجل واحد من اُمّة مُحمّد لما فعلت , فكيف تُريد قتل الحُسين ابن بنت رسول الله ؟! وما الذي تقول غداً لرسول الله إذا وردت عليه وقد


قتلت ولده وقرّة عينه وثمرة فؤاده , ابن سيّدة نساء العالمين وابن سيّد الوصيين , وهو سيّد شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين , وإنّه في زماننا بمنزلة جدّه في زمانه , وطاعته فرض علينا كطاعته , وإنّه باب الجنّة والنّار , فاختر لنفسك ما أنت مختار , وإنّي أشهد بالله , إن حاربته أو قتلته أو أعنت عليه أو على قتله , لا تلبث في الدُنيا بعده إلّا قليلاً .فقال له عمر بن سعد : فبالموت تخوّفني ؟! وإنّي إذا فرغت من قتله أكون أميراً على سبعين ألف فارس وأتولّى مُلك الرّي.

فقال له كامل : إنّي أحدّثك بحديث صحيح أرجو لك فيه النّجاة إن وفّقت لقبوله , اعلم إنّي سافرت مع أبيك سعد إلى الشّام , فانقطعت بي مطيتي عن أصحابي وتهت وعطشت , فلاح لي دير راهب , فملت إليه ونزلت عن فرسي وأتيت إلى باب الدّير ؛ لأشرب ماء , فأشرف عليّ راهب من ذلك الدّير , وقال : ما تُريد ؟ فقلت له : إنّي عطشان .فقال لي : أنت من اُمّة هذا النّبي الذي يقتل بعضهم بعضاً على حُبّ الدُنيا مكالبة , ويتنافسون فيها على حطامها ؟ فقلت له : أنا من الاُمّة المرحومة اُمّة مُحمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) .فقال : إنّكم أشرّ اُمّة , فالويل لكم يوم القيامة وقد عدوتم إلى عترة نبيّكم تسبّون نساءه وتنهبون أمواله ! فقلت له : يا راهب , نحن نفعل ذلك ؟ قال : نعم ، وإنّكم إذا فعلتم ذلك , عجّت ؛ السّماوات والأرضون , والبحار والجبال , والبراري والقفار , والوحوش والأطيار , باللعنة على قاتله , ثمّ لا يلبث قاتله في الدُنيا إلّا قليلاً , ثمّ يظهر رجل يطلب بثأره فلا يدع أحداً أشرك في دمه إلّا قتله وعجّل الله بروحه إلى النّار.

ثمّ قال الرّاهب : إنّي لا أرى لك قرابة من قاتل هذا ابن الطّيب , والله , إنّي لو أدركت أيّامه لوقيته في نفسي من حرّ السّيوف .فقلت : يا راهب , إنّي أعيذ نفسي أن أكون ممّن يُقاتل ابن بنت رسول الله .فقال : إن لم تكُن أنت فرجل قريب منك , وإنّ قاتله عليه نصف عذاب أهل النّار , وإنّ عذابه أشدّ عذاباً من عذاب فرعون وهامان .ثمّ ردّ الباب في وجهي ودخل يعبد الله تعالى وأبى أن يسقيني الماء.

قال كامل : فركبت فرسي ولحقت أصحابي ، فقال لي أبوك سعد : ما أبطأك عنّا يا كامل ؟ فحدّثته بما سمعته من الرّاهب , فقال لي : صدقت .ثمّ إنّ سعداً أخبرني أنّه نزل بدير هذا الرّاهب مرّة من قبل , فأخبره أنّه هو الرّجل ابن بنت رسول الله , فخاف أبوك سعد من ذلك وخشي أن تكون أنت قاتله , فأبعدك عنه وأقصاك , فاحذر


يا عمر أن تخرج عليه يكون عليك نصف عذاب أهل النّار .قال : فبلغ الخبر إلى ابن زياد , فاستدعى بكامل وقطع لسانه , فعاش يوم أو بعض يوم ومات رحمه ‌الله تعالى

وروي : أنّ عليّ بن أبي طالب (عليه‌السلام ) لقي عمر بن سعد يوماً , فقال له : (( كيف تكون إذا قمت مقاماً تتخيّر فيه بين الجنّة والنّار فتختار لنفسك النّار ؟ )) .فقال له : معاذ الله , أيكون ذلك ؟ فقال له (عليه‌السلام ) : (( سيكون ذلك بلا شك )).

قال الرّاوي : ثمّ إنّ عمر بن سعد نزل على شاطئ الفُرات , فحالوا بين الحُسين وبين الماء حتّى كظهم العطش , فأخذ الحُسين (عليه‌السلام ) فأساً وجاء إلى وراء الخيمة - خيمة النّساء - فحفر قليلاً فنبع الماء , فشرب وأسقى حرمه وأطفاله وجميع أصحابه , وملأ القرب وأسقى الخيل , ثمّ غار الماء فعلم الحُسين أنّه آخر ماء يشربه :

باعوا بدار الفناء دار البقاء وشروا

نار اللظى بنعيم غير منتقل

يا حسرة في فؤادي لا انقضاء لها

يزول أحدو رضوي وهي لم تزل

بنات أحمد في الأسفار سافرة

وجوهها وبنو سفيان في الكلل

يحملن من بعد ذاك العز وا حزني

أسرى حواسر فوق الأنيق الذلل

والرأس يحمله الباغي سنان على

سنان لدن أصم الكف معتدل

مصيبة بكت السبع الشداد لها

دماً ورزء عظيم غير محتمل

نُقل أنّ عليّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) كان عمره يوم قُتل أبوه عشر سنين أو أحد عشر سنة , فدخل جامع بني اُميّة في يوم الجُمُعة , واستأذن الخطيب أن يأذن له بالصّعود على المنبر ؛ ليتكلّم بكلام يرضي الله ورسوله , فأذن له , فصعد المنبر وقال : (( أيّها النّاس , مَن عرفني فقد عرفني ومَن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي , أنا عليّ بن الحُسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم‌السلام ) , وأنا ابن المذبوح بشاطئ الفُرات عطشاناً , أنا ابن المقتول ظُلماً بلا ذحل ولا تراث , أنا ابن مَن ؛ انتهك حريمه وقطع كريمه , وذبح فطيمه وسُلب قميصه , ونهب من ماله وسبي عياله , أنا ابن مَن قُتل في الله صبراً وكفاني بهذا فخراً.

أيّها القوم ! هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي ودعوتموه , وأرسلتم إليه وخدعتموه , وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق وخنتموه , وقلتم له نحن أنصارك فقاتلتموه .فتبّاً لما قدّمتم لأنفسكم ! وسوءاً لكم فيما فعلتم ! بأيّ عين تنظرون


رسول الله , وبأيّ لسان تخاطبون به حبيب الله , إذ يقول لكم قتلتم عترتي وأهل بيتي , وانتهكتم حرمتي فلستم من اُمّتي ؟!)).قال : فارتفعت أصوات النّاس بالبكاء والنّحيب من كلّ ناحية , وقال بعضهم لبعض : أهلكتم والله أنفسكم وما تعلمون.فقال لهم زين العابدين : (( يا قوم , رحم الله أمرءاً قبل نصيحتي وحفظ وصيتي في الله ورسوله وأهل بيت رسوله , فإنّ لنا في رسول الله أسوة حسنة )) .قالوا بأجمعهم : قُل يابن رسول الله , فإنّا لقولك سامعون ولأمرك طائعون ولذممك حافظون , غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك , فأمرنا بأمرك يرحمك الله ونحن حرب لِمَن حاربك وسلم لِمَن سالمك , ونبرأ ممّن ظلمكم وغصب حقّكم , ألا لعنة الله على القوم الظّالمين.

فقال عليّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) : (( هيهات هيهات أيّها الغدرة المكرة , حيل بينكم وبين ما تشتهون , أتريدون أن تأتوا إليّ ما أتيتم إلى أبي وأخي وبني عمّي , ووجدهم بلهاتي ومرارة مصابهم بين حناجري وغصصهم في فراش صدري , وقولي هذا لكم؛ لئلا تكونوا لنا ولا علينا , ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم )) :

رموا باسهم بغي عن قسي رداً

من كف كفر رماها الله بالشلل

فغودروا في عراص الطف قاطبة

صرعى بحد حسام الغدر والدجل

سقوا بكأس القنا خمر الفنا فغدى

الحمام تشدوا ببيت صار كالمثل

لله كم قمر حاقي المحاق به

وخادر دون باب الخدر منجدل

نجوم سعد بأرض الطف آفلة

وأسد غيل دهاها حادث الغيل

وأصبح السبط فرداً لا نصير له

يلقى الحمام بقلب غير منذهل

يشكو الظمأ ونمير الماء مبتذل

يعل منه وحوش السهل والجبل

صاد يصد عن الورد المباح ومن

وريده مورد الخطية الذبل

لهفي له عافر ملقى لا كفن

سوى السوافي بلا لحد ولا غسل

مترب الخد دامي النحر منعفر

الجبين بحر قضا ظام إلى الوشل

ذا فادح هد أركان الهدى ودها

غرار صارم دين الله بالقلل

فانظروا يا إخواني إلى هؤلاء الظّلمة الكفرة الطّغاة الحسدة , كيف انتهكوا حُرمة الرّسول وفتكوا في ذرّيّة البتول بغير ذنب أذنبوه ولا جرم اجترموه ، اللّهمّ , فاحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً , ولا تغفر لهم


أبداً , وعذّبهم العذاب الأليم في أسفل درك من الجحيم .وعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ مغامس

فصلت صروف الحادثان مفاصلي

وأصاب سهم النائبات مقاتلي

قطع الزمان عري قواي وكلما

قطع الزمان فما له من واصل

لا غرو من جد الزمان هزله

عز النصير على الزمان الهازل

خلط الزمان بغيمه بغمومه

عذراً وشاب زلاله بزلاله

بعداً لوصلك يا زمان فإنما

حلواك من صأب وسم قاتل

أين الذي كانوا ونحن بقربهم

في طيبات مشارب ومآكل

دارت رحاك عليهم فتمزقوا

فالقومتحت صفائح وجنادل

أفنيتهم وتركتنا من بعدهم

بين الصديق أو العدو الخاذل

صرفت إرادتهم إليك فكلهم

يتكالبون على النعيم الزائل

طلبوا حلاوات المعاش بجهلهم

ونسوا مرارات الحمام النازل

فاحذر زمانك يا أخي فإنها

فعل الحزامة من صنيع العاقل

لا يخدعنك ما ترى من صفوة

إن الخديعة مصرع للجاهل

أم كيف تعشق دهر سوء همه

بغض المحب له وضرم الواصل

مغري بحفظ البارعين من الورى

بالنائبات ورفع ركن الحامل

أخنى على آل النّبي مُحمّد

فأصيب شملهم ببين شامل

كانوا غياثاً للورى وسعادة

وغيوث خصب في الزمان الماحل

كانوا سحائب رحمة فتقشعت

بفجائع في كربلاء وشلاشل

كانوا بدوراً يستضاء بنورها

وكواكباً للحق غير أوافل

فالمجد مهضوم الجنان لحزنهم

والدين في كرب وشغل شاغل

لهفي لمولاي الحُسين وقد غدا

بالطف بين مجالد ومجادل

لهفي له فرد أحاط برحله

من رامح للظالمين ونابل


لهفي له عند الشريعة يشتكي

عطشاً وليس إلى الورود بواصل

لهفي لأنصار له قد غودروا

في كربلاء بذوابل ومناضل

لهفي له يرنو مصارع أهله

كملا وإن صاروا لديه أفاضل

لهفي له يأتي الحريم مودعاً

توديع من لا للحياة بآمل

لهفي له يحمي الحريم بسيفه

من فارس يسطو هناك وراجل

لهفي له والقوم تنهب جسمه

عن ناقط بالذابلات وشاكل

لهفي له فوق الصعيد مجدلا

قد خر يهوي عن سراة الفاضل

لهفي وقد ذبح الحُسين بسيفه

والشيب مخضوب بقان سائل

لهفي وقد قطع الزنيم كريمه

كفراً وقد علاه فوق الذابل

لهفي وخيلهم ترض نعالها

لأبر حاف في الأنام وناعل

لهفي لفسطاط الحُسين وقد غدا

نهباً وفيه بنو النّبي الفاضل

لهفي لرأس ابن النّبي هدية

لابن الدعي على سنان الغامل

لهفي لزين العابدين مكتفاً

يكبو له يقتاد بين عقائل

لهفي على حرم الحُسين يسقن في

ذل السبا وما لها من كافل

لهفي لهن وقد برزن حواسراً

من بعد قصم أساور وخلاخل

لهفي لهن وقد سلبن معاجراً

شعثاً وقد ركبن فوق رواحل

فدعت بعمتها الزكية فاطم

بنت النّبي دعا حزين ثاكل

يا عمتاه ابن الحُسين وما بنا

بين العداة كأننا من كابل

قالت بصرت له على عفر الثرى

ومترب ما منه رجاء الآمل

متخضباً بدمائه متعفراً

في القاع بين جوامع وعواسل

قالت ألا يا عمتاه وا حسرتا

لشقاء أيتام له وأرامل

يا عمتا كان الحُسين يحوطنا

وبه نصول على الزمان الصائل

يا عمتا كان الحُسين وسيلة

ترجى وقد قطع الزمان وسائلي

يا عمتا ماذا نؤمل ومن

يعتادنا بعوارف وفواضل

يا عمتا ليس الصديق بزائر

أبداً وليس عدونا بمجامل

يا عمتا وا شقوتا من بعده

ضغناً فليس لكلنا من حامل


فبكت وقالت زينب لا تصدعي

قلبي فحزن أبيك غير مزائل

يا بنت مولاي الحُسين ترفقي

بحشاشة مسجورة ببلابل

فابوك فارقني ففارقه العزا

لكن حزني في أبيك مواصلي

حجب الحمام حمامه عن ناظري

وخياله طول الزمان مقابل

أسفاً على نور الإله وقد هوى

أسفاً على الليث الهمام الباسل

أأخي إن ذهل الحزين مصابه

يوماً فليس القلب عنك بذاهل

أأخي ما مدمعي عليك بجامد

كلا ولا حزني عليك بزائلي

فبكت ملائكة السّماء لبكائها

وبكى النّبي لها بدمع هائل

هذي الرزية للنبي وآله

جلت فما رزء لها بممائل

لم تفعل الأمم الأوائل مثلها

هيهات ما أحد لذاك بفاعل

فعلام يا شيعتي تذخر مدمعاً

تبكي به لمعالم ومنازل

فاحبس دموعك عن تذكر دمنة

درست معالمها بشعبي نائل

واسمع بها في رزء آل مُحمّد

فعساك تحضى بالنعيم الآجل

إني إذا هل المحرم هاج لي

حزن يذيب حشاشتي من داخل

يفنى الزمان ولا أرى لمصابهم

إلّا أخاً حرق وجسم ناحل

فلعل تعذيبي بهم ألقى به

غفران ذنب هدّ منه كاهل

يا أهل بيت مُحمّد يا سادة

حازوا الورى بمكارم وفواضل

أنتم أئمتنا الهداة وأنتم

في الدين أهل فضائل وفواضل

أنتم رعات المسلمين فمن يزغ

عنكم فليس له الإله بقابل

أنتم بنو المختار غير مدافع

لكم ولا أحد لكم بمشاكل

وإليكم منّي قصيدة شاعر

لهج بمدحكم إليكم مائل

منظومة جاءت تزف إليكم

بكمالها من لج بحر الكامل

قول ابن داغر والمحب مغامس

والقول برهان لعقل القائل

فتقبلوها وعجلوا بكرامتي

فالنفس مولعة بحب العاجل

صلّى الإله عليكم وسقاكم

صوب الغمام بمستهل الوابل


الباب الثّالث

أيّها المؤمنون , أتدرون أيّ مزيّة تحصلون وفي أيّ مرتبة تحلّون ؟ أنتم والله المحبورون الفائزون المجاهدون الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون , أليس في الكتاب الـمُبين بعد إثبات الولاية لأمير المؤمنين وأولاده الغرّ الميامين :( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ ) (١) ؟ وهذا الخطاب نصّ صريح في هذا الباب , واعلموا أنّ هذه الآية سرّاً عجيباً لا يتفطّن له إلّا الأريب , فلو تصوّر الـمُحبّ لآل الرّسول ما لاقوه من الخطب المهول وأخلص في ولائه , لاختار لمواساتهم في الموت على بقائه , أيُجندل الحُسين وبنو أبيه على الرّمال ويعلى كريمه الشّريف على القنا كالهلال , وتُسبى ذراريه محمولين حسراً على الجمال , يُطاف بهم في البلاد مقرنين في الأصفاد , هذا والدّموع جامدة والعيون راقدة ؟! لا والله , لا يحسن هذا من أهل الإيمان ولا ممّن يدّعي أنّه من حزب الرّحمان ، بل والله , قُل لهذا المصاب خروج الأرواح من شدّة الاكتئاب:

جار العدو عليهم حتّى غدوا

أيدي سبا في سوء حال منكر

ما بين مضروب بأبيض صارم

أو بين مطعون بلدن أسمر

أو بين مسحوب ليذبح بالعرى

أو بين مشهور وآخر موسر

أو بين من يكبو لثقل قيوده

أو بين مغلول اليدين معفر

كم من أذى متهضم قد مسهم

من ظالم باغ عليهم ومفتر

روي عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , أنّه قال لعليّ بن أبي طالب : (( يا عليّ , إنّ الله زوّجك ابنتي فاطمة الزّهراء وجعل صداقها الأرض , فمَن مشى عليها وكان مُبغضاً لها , كان مشيه على الأرض حراماً ولها في يوم القيامة شأن عظيم )).

وعن الصّادق (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( إذا كان يوم القيامة , جاءت فاطمة في لـمّة من نساء أهل الجنّة , فيُقال لها : يا فاطمة ادخلي الجنّة .فتقول : والله لا أدخل حتّى أنظر ما صُنع بولدي الحُسين من بعدي في دار الدُنيا .فيُقال لها : انظري في قلب القيامة .فتنظر يميناً وشمالاً فترى الحُسين (عليه‌السلام ) وهو واقف ليس عليه رأس , فتصرخ صرخة عالية من حرقة قلبها , فتصرخ الملائكة لصرختها , وتقول : وا ولداه ! وا مهجة قلباه ! وا حسيناه !

____________________

(١) سورة المائدة / ٥٦.


قال : فلم يبق في ذلك الموقف ملك ولا نبيّ ولا وصي إلّا وبكى لأجلها وحزن لحزنها .قال : فعند ذلك يشتدّ غضب الله على أعداء الرّسول , فيأمر الله تعالى ناراً اسمها هبهب - قد أوقدوا عليها ألف عام حتّى اسودّت واظلمّت لا يدخلها روح - فيُقال لها : يا هبهب , التقطي قتلة الحُسين (عليه‌السلام ) ومَن أعان على قتله .فتلتقطهم جميعاً واحداً بعد واحد , فإذا صاروا في حوصلتها , صهلت بهم وصهلوا بها وشهقت بهم وشهقوا بها واشتدّ عليهم العذاب الأليم , فيقولون : ربّنا لِمَ اوجبت علينا حرق النّار قبل عبدة الأصنام ؟ فيأتيهم الجواب : يا أشقياء , إنّ مَن علم ليس كمن لا يعلم )) .فذوقوا عذاب الهون بما كنتم تعملون :

لمصابهم تتزلزل الأطواد

ولقتلهم تتفتت الأكباد

كل الرزايا بعد وقت حلولها

تنسى ورزءهم الجليل يعاد

روي عن سهل بن سعيد الشّهرزوري , قال : خرجت من شهرزوري أريد بيت المقدس , فصار خروجي أيّام قتل الحُسين (عليه‌السلام ) , فدخلت الشّام فرأيت ؛ الأبواب مفتحة والدّكاكين مُغلقة , والخيل مُسرجة , والأعلام منشورة والرّايات مشهورة , والنّاس أفواجاً امتلأت منهم السّكك والأسواق , وهُم في أحسن زينة يفرحون ويضحكون , فقلت لبعضهم : أظنّ حدث لكم عيد لا نعرفه ؟ قالوا : لا .قُلت : فما بال النّاس كافّة فرحين مسرورين ؟ فقالوا : أغريب أنت أم لا عهد لك بالبلد ؟ قُلت : نعم ، فماذا ؟ قالوا : فُتح لأمير الـمُفسدين فتح عظيم .قُلت : وما هذا الفتح ؟ قالوا : خرج عليه في أرض العراق خارجي فقتله والمنّة لله وله الحمد .قُلت : ومَن هذا الخارجي ؟ قالوا : الحُسين بن عليّ بن أبي طالب .قُلت : الحُسين ابن فاطمة بنت رسول الله ؟ قالوا : نعم .قُلت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون , وإنّ هذا الفرح والزّينة لقتل ابن بنت نبيّكم , وما كفاكم قتله حتّى سمّيتموه خارجياً ؟! فقالوا : يا هذا , أمسك عن هذا الكلام واحفظ نفسك ؛ فإنّه ما من أحد يذكر الحُسين بخير إلّا ضُربت عنقه .فسكتّ عنهم باكياً حزيناً ، فرأيت باباً عظيماً قد دخلت فيه الأعلام والطّبول , فقالوا : الرّأس يدخل من هذا الباب.فوقفت هُناك , وكلّما تقدّموا بالرّأس , كان أشدّ لفرحهم وارتفعت أصواتهم , وإذا برأس الحُسين والنّور يسطع من فيه كنور رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فلطمت على وجهي وقطعت أطماري


وعلا بكائي ونحيبي , وقُلت : وا حزناه للأبدان السّليبة النّازحة عن الأوطان المدفونة بلا أكفان ! وا حزناه على الخدّ التّريب والشّيب الخضيب ! يا رسول الله ! ليت عينيك ترى رأس الحُسين في دمشق يُطاف به في الأسواق , وبناتك مشهورات على النّياق مشقّقات الذّيول والأرياق , ينظر إليهم شرار الفسّاق , أين عليّ بن أبي طالب يراكم على هذا الحال ! ثمّ بكيت وبكى لبكائي كلّ مَن سمع منهم صوتي , وأكثرهم لا يلتفتون بي ؛ لكثرتهم وشدّة فرحهم واشتغالهم بسرورهم وارتفاع أصواتهم , وإذا بنسوة على الأقتاب بغير وطاء ولا ستر , وقائلة منهنّ تقول : وا مُحمّداه ! وا عليّاه ! وا حسناه ! لو رأيتم ما حلّ بنا من الأعداء .يا رسول الله ! بناتك اُسارى كأنّهن بعض أسارى اليهود والنّصارى .وهي تنوح بصوت شجيّ يقرح القلوب على الرّضيع الصّغير , وعلى الشّيخ الكبير المذبوح من القفا ومهتوك الخبا العريان بلا رداء .وا حزناه لما نالنا أهل البيت ! فعند الله نحتسب مصيبتنا.

قال : فتعلّقت بقائمة المحمل وناديت بأعلى الصّوت : السّلام عليكم يا آل بيت مُحمّد ورحمة الله وبركاته .وقد عرفت أنّها اُمّ كلثوم بنت عليّ (عليه‌السلام ) , فقالت : مَن أنت أيّها الرّجل الذي لم يسلّم علينا أحد غيرك مُنذ قُتل أخي وسيّدي الحُسين (عليه‌السلام ) ؟ فقلت : يا سيّدتي ! أنا رجل من شهرزور اسمي سهل , رأيت جدّك مُحمّد الـمُصطفى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) .قالت : يا سهل ! ألا ترى ما قد صُنع بنا ؟ أما والله لو عشنا في زمان لم يُر مُحمّد , ما صنع بنا أهله بعض هذا , قُتل والله أخي وسيّدي الحُسين , وسُبينا كما تُسبى العبيد والإماء , وحُملنا على الأقتاب بغير وطاء ولا ستر كما ترى .فقلت : يا سيّدتي , يعزّ والله على جدّك وأبيك واُمّك وأخيك سبط نبي الهُدى .فقالت : يا سهل ! اشفع لنا عند صاحب المحمل أن يتقدّم بالرّؤوس ؛ ليشتغل النّظّارة عنّا بها فقد خزينا من كثرة النّظر إلينا .فقلت : حُبّاً وكرامة.

ثمّ تقدّمت إليه وسألته بالله وبالغت معه , فانتهرني ولم يفعل ، قال سهل : وكان معي رفيق نصراني يُريد بيت المقدس وهو مُتقلد سيفاً تحت ثيابه , فكشف الله عن بصره , فسمع رأس الحُسين وهو يقرأ القُرآن ويقول :( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) (١) .فقد أدركته السّعادة , فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له , وأنّ مُحمّداً عبده ورسوله .ثمّ انقضى سيفه وشدّ به على القوم وهو يبكي , وجعل يضرب فيهم فقتل منهم جماعة كثيرة , ثمّ تكاثروا عليه فقتلوه رحمه‌ الله ، فقالت اُمّ كلثوم : ما هذه

____________________

(١) سورة إبراهيم / ٤٢.


الصّيحة ؟ فحكيت لها الحكاية , فقالت : وا عجباه ! النّصارى يحتشمون لدين الإسلام , واُمّة مُحمّد الذين يزعمون أنّهم على دين مُحمّد , يقتلون أولاده ويسبون حريمه , ولكن العاقبة للمتقين :( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (١) .ولقد عجبت لتلك الأطواد كيف لا تتزلزل , وكذلك النّادي كيف لا ينخسف ويتحوّل , ولكن أرتفع موجود اللطف من بين أظهرهم وهم لا يعلمون :( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (٢) :

يا أمة السوء لم تجازوا رسول الله

فيكم إذ لم يزل متعوبا

كل يوم تهتكون حريماً

من بنيه وتقتلون حبيبا

كيف تلقونه شفيعاً وترجون

غدا أن يزيل عنكم كروبا

لا وربي ينال وذاك سوى

من كان مولاهم موال منيبا

حُكي أنّ موسى بن عمران رآه إسرائيلي مستعجلاً , وقد كسته الصّفرة واعترى بدنه الضّعف وحكم بفرائصه الرّجف , وقد اقشعرّ جسمه وغارت عيناه ونحف ؛ لأنّه كان إذا دعاه ربّه للمُناجاة يصير عليه ذلك من خيفة الله تعالى , فعرفه إسرائيلي وهو ممّن آمن به , فقال له : يا نبي الله , أذنبت ذنباً عظيماً , فاسأل ربّك أن يعفو عنّي فأنعم .وسار , فلمّا ناجى ربّه , قال له : يا ربّ العالمين , أسألك وأنت العالم قبل نطقي به .فقال تعالى : (( يا موسى , ما تسألني أعطيك وما تريد أبلغك )) .قال : ربّي , إنّ فلاناً عبدك إسرائيلي أذنب ذنباً ويسألك العفو .قال : (( يا موسى , اعفو عمّن استغفرني إلّا قاتل الحُسين )) .قال موسى : يا ربّ , مَن الحُسين ؟ قال له : (( الذي مرّ ذكره عليك بجانب الطّور )) .قال : ربّ , ومَن يقتله ؟ قال : (( يقتله اُمّة جدّه الباغية الطّاغية في أرض كربلاء , وتنفر فرسه وتحمحم وتصهل وتقول في صهيلها : الظّليمة الظّليمة من اُمّة قتلت ابن بنت نبيّها , فيبقى مُلقى على الرّمال من غير غسل ولا كفن , ويُنهب رحله وتُسبى نساءه في البلدان , ويُقتل ناصروه وتُشهر رؤوسهم مع رأسه على أطراف الرّماح .يا موسى , صغيرهم يميته العطش وكبيرهم جلده منكمش , يستغيثون ولا ناصر , ويستجيرون ولا خافر )) .قال : فبكى موسى وقال : يا ربّ , ما لقاتليه من العذاب ؟ قال : (( يا موسى , عذاب يستغيث منه أهل النّار بالنّار , لا تنالهم رحمتي ولا شفاعة جدّه , ولو لم تكن كرامة له لخسفت

____________________

(١) سورة البقرة / ٥٧.

(٢) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


بهم الأرض )) .قال موسى : برئت إليك اللّهمّ منهم وممّن رضي بفعالهم .فقال سبحانه : (( يا موسى , كتبت رحمة لتابعيه من عبادي , واعلم أنّه من بكى عليه وأبكى أو تباكى , حرمت جسده على النّار )) :

بني أمية مات الدين عندكم

وأصبح الحق قد وارته أكفان

أضحت منازل آل السبط مقفرة

من الأنيس وما فيهن سكان

باهوا بمقتله ظلماً وقد هدمت

لفقده من ذوي الإسلام أركان

رزية عمت الدُنيا وساكنها

فالدمع في أعين الباكين هتان

قيل : افتخر إسرافيل على جبرائيل , فقال : إنّي من حملة العرش وصاحب الصّور والنّفخة , وأنا أقرب الملائكة إلى حضرة الجلال .فقال جبرائيل : أنا خير منك .قال : لماذا ؟ قال : أنا أمين الله على وحيه , وصاحب الكسوف والخسوف والزّلازل والرّسائل .فاختصما إلى الله تعالى , فأوحى إليهما : (( أن اسكتا , فوعزّتي وجلالي , لقد خلقت مَن هو خير منكما , انظرا إلى ساق العرش )) .فنظروا وإذا على ساق العرش : لا إله إلّا الله مُحمّد رسول الله , عليّ وفاطمة والحسن والحُسين خير خلق الله .فقال جبرائيل : بحقّهم عليك , إلّا ما جعلتني خادماً لهم .فقال : (( لك ذلك )) .فافتخر جبرائيل على الملائكة أجمع لمـّا صار خادماً لهم .فقال : مَن مثلي وأنا خادم آل مُحمّد ؟ فانكسرت الملائكة أن يفاخروه.

فتفكّروا أيّها الأعلام وتأمّلوا في هذا الإمام , وانظروا إلى ما فعل به القوم اللئام , وإلى صبره على التّجرّع والغصص والآلام , وتجرّع كؤوس الحمام , ولقد فاق على جدّه إبراهيم في هذا المقام العظيم ؛ لأنّ إبراهيم (عليه‌السلام ) ابتلي في نفسه لا غير حين اُلقي في النّار , والحُسين (عليه‌السلام ) صُرع حوله بنوه وبنو أبيه الأطهار ، واغتصبوا نفسه أيضاً , فقابل الجميع بالإستغفار والرّضا والإصطبار , فهذا مرام لم يصل قبله ولا بعده أحداً إليه إلّا هو صلوات الله وسلامه عليه ، نعم قد زاد على هذا المقام أبوه عليّ (عليه‌السلام ) , وذلك أنّ النّبي (ص) لمـّا أدركته الوفاة وكان رأسه الشّريف في حجر عليّ (ع) , بكى , فقال له : (( ما يبكيك يا أخي ؟ )) .فقال(ع) : (( يا سيّدي , كنت وقد وعدتني بالشّهادة وأنت مُعافى , وقد كنت أرجو أن اُقتل بين يديك )).فقال(ص) : (( ابشر فإنّها من ورائك , فكيف صبرك إذاً ؟ )) .فقال : (( يا رسول الله , ليس ذاك موطن الصّبر , وإنّما هو موطن الشّكر )).


فقد جعل الحُسين (عليه‌السلام ) موطن الشّهادة موطن الصّبر , وعليّ (عليه‌السلام ) جعلها موطن البُشرى والشّكر , والصّبر لا يكون إلّا عن أمر مكروه , والشّكر لا يكون إلّا عن أمر محبوب , والفرق بين هذين الموطنين العظيمين , كالفرق بين هذين الإمامين الكريمين ، فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ مغامس (رحمه‌ الله تعا لى)

كيف السلو والخطوب تنوب

ومصائب الدُنيا عليك تصوب

إن البقاء على اختلاف طبائع

ورجاي أن ينجو الفتى لعجيب

والدهر أطوار وليس لأهله

إن فكروا في حالتيه نصيب

ليس اللبيب من استقر بعيشه

إن المفكر في الأمور لبيب

يا غافلاً والموت ليس بغافل

عش ما تشاء فإنك المطلوب

أبرزت لهوك إذ زمانك مقبل

زاه وإذ غصن الشباب رطيب

فمن النصير من الخطوب إذ أتت

وعلا على شرخ الشباب مشيب

عمل الفتى من علمه مكتوبة

حتّى الممات وعمره مكتوب

فتراه يكدح في المعاش ورزقه

في الكائنات مقدر محسوب

إن الليالي لا تزال مجدة

في الخلق أحداث لها وخطوب

من سر فيها ساءه من صرفها

ريب له طول الزمان قريب

عصفت بخير الخلق آل مُحمّد

صر شأمية لها وصبوب

أما النّبي فخانه من قومه

في أقربيه محاكم وصحيب

من بعدما ردوا عليه وصاله

حتّى كأن مقاله مكذوب

ونسوا رعاية أحمد في حيدر

في (خم) وهو وزيره المصحوب

فأقام فيهم برهة حتّى قضى

في الفرض وهو بغضبهم مغضوب

والطهر فاطمة زوى ميراثها

شر الأنام ودمعها مسكوب

من بعدما رمت الجنين بضربة

فقضت وحقها مغصوب

وسليلها الهادي سقته جعيدة

سما له سبط الفؤاد لهيب


وجرى من الجفن الغريق بمائه

دمع على قتل الحُسين صبيب

يا يومه ما كان أقبح منظراً

وأمر طعماً أنه لعصيب

بأبي الإمام المستظام بكربلا

يدعو وليس لمـّا يقول مجيب

بأبي الوحيد وما له من راحم

يشكو الظمأ والماء منه قريب

بأبي الحبيب إلى النّبي مُحمّد

ومحمد عند الإله حبيب

يا كربلاء أفيك يقتل جهرة

سبط المطهر إن ذا لعجيب

ما أنت إلّا كربة وبلية

كل الأنام بهولها مكروب

هل لا انتصرت له من القوم الأولى

قتلوه ظلماً وهو فيك غريب

فتدكدكت فيهم رباك وغورت

منك المياه وضاق منك رحيب

لهفي وقد زحفت إليه جموعهم

فلهم رفيف نحوه ووثوب

لهفي له فرداً وحيداً بينهم

لـمّا قضت أنصاره وأصيب

لهفي وقد وافى إليه منهم

سهم لمقلته الشريف مصيب

لهفي عليه وقد هوى متعفراً

وبه أوام فادح ولغوب

لهفي عليه بالطفوف مجدلاً

تسفى عليه شمائل وجنوب

لهفي عليه والخيول ترضه

فلهم ركض حوله وخبيب

لهفي له والرأس منه مميز

والشيب من دمه الشريف خضيب

لهفي عليه ودرعه مسلوبة

لهفي عليه ورحله منهوب

لهفي على حرم الحُسين حواسراً

شعثاً وقد رعبت لهن قلوب

أبصرت شمراً فوقه فزجرته

عنه وقلن وللقلوب وجيب

يا شمر ويحك خله لبناته

ولك المهيمن إن فعلت يثبت

يا شمر ويحك من أبوه وأمه

فكر لعلك تهتدي وتثيب

حتى إذا قطع الكريم بسيفه

لم يثنه خوف ولا ترغيب

جددن ثمّ على الحُسين مأتماً

فحريمه تبكي له وحريب

لله كم لطمت خدود عنده

جزعاً وكم شقت عليه جيوب

ما أنس لا أنس الزكية زينباً

تبكي له وقناعها مسلوب

تدعو وتندب والمصاب يكضها

بين الطفوف ودمعها مسلوب


وتقول أي شقوة أولى لها

صرف الزمن وحظنا المتعوب

أأخي بعدك ما صفى متكدر

ولخاطري عما يطيب نكوب

أأخي بعدك قد شقيت ورابني

دهر لأخبار الرجال مريب

أأخي بعدك لا حييت بغبطة

واغتالني خسف إلى قريب

أأخي بعدك من أطول به ومن

أسطو به والنائبات تنوب

أأخي بعدك من يدافع جاهلاً

عني ويسمع دعوتي ويجيب

لم يلق خلق ما لقيت ولا ابتلى

يوماً بمثل بليتي أيوب

حزني تذرف به الجبال وعنده

يسلو وينسى يوسفاً يعقوب

فأتت إليه أم كلثوم لها

ذبل على وجه الثرى مسحوب

قالت مصابك يا حسين أصابني

حزناً ونوري فاحم وغريب

ما كنت أحسب يابن أمي أنني

أشقي وإن الظن فيك يخيب

قد كنت دخراً لي ولكن الفتى

أبداً إليه حمامه مجلوب

فالآن بعدك ظل مجدي قالص

ولماء وجهي جفة وتصوب

ودعت سكينة بالصغيرة فاطم

قومي أخية فالمصاب يصوب

هذا أبوك معفراً ثاو له

خد على عفر الثراء تريب

فابكي أخية دائماً لمصابه

فمصابه منه الجبال تذوب

قتلت أحبائي وأهل مودتي

كملاً فليس لمـّا شكوت طبيب

ودعا ابن سعد برزوا نسوانه

فسليبة مكشوفة وسليب

قال أوقدوا النيران في أبياته

فسما لها بين البيوت لهيب

قال اقصدوا بأرض الشآم فقربت

أنقاض بزل للحريم ونيب

فركبن يندبن النّبي محمداً

وهم على حر الركاب ركوب

يا جدنا ساقوا علينا موثقاً

بالقيد وهو خائف المرعوب

يا جدنا ساقوا بناتك حسراً

حتّى تهتك سترها المحجوب

يا للرجال الأكرمين لمـّا جرى

والدهر فيه مصائب وخطوب

آل النّبي الـمُصطفى الهادي لهم

بالأرض في آفاقها تغريب

يحدوا بهم زجر ليرضى منهم

رجس لكأس مدامه شريب


فالرأس بين يديه ينكت ثغره

ويرجع الألحان وهو طريب

يدعو بأشياخ له لا قدسوا

فهم الذين عليهم مغضوب

فعلى الذي ساس المضالم أولا

لعن مدى الأيام ليس يغيب

وعلى أمية أجمعين ومن لهم

يهوى من اللعن الشديد ضروب

يا أهل بيت مُحمّد دمعي لكم

جار وقلبي ما حييت كئيب

أنتم ولاة المسلمين وحبكم

فرض ونهج هديكم ملحوب

طبتم فحبكم النجاة وبغضكم

كفر برب العالمين وجوب

أولاكم الفضل الجسيم لأنه

أبداً يعاقب فيكم ويثيب

وإليكم منّي قصيدة شاعر

ذي مقول من طبعه التهذيب

أهداكم مدحاً لكي تمحي بها

عنه جرائم جمة وذنوب

فانظم مغامس ما تشاء منقحاً

بالرغم ممن يزدري ويعيب

ثم الصلاة على النّبي وآله

ما ماس من مر النسيم قضيب


المجلس الرّابع

من الجزء الثّاني في السّابع من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

أيّها المؤمنون , أيّ قُربة يتقرّب بها المتقرّبون , وأيّ سعادة يحضى بها الفائزون , أعظم من هذه القُربات التي يرضى بها ربّ السّماوات والأئمة الهُداة , حسدوهم الظّلمة الطُغاة على ما حصل لهم من الكمالات وعلو الدّرجات عند خالق الأرضين والسّماوات , واعتضد ذلك بحبّ الدُنيا الدّنيّة , فحملهم ذلك على ارتكاب هذه الرّزيّة .فقد نُقل عن عمر بن سعد لعنه الله عندما وبّخه الرّجل الهمداني على خروجه على الحُسين ومنعه الماء وأهل بيته , أنّه قال في جوابه : يا أخا همدان , والله إنّي أَعرف النّاس بحقّ الحُسين (عليه‌السلام ) وحرمته عند الله تعالى وعند رسوله , ولكنّي حائر في أمري ما أدري كيف أصنع في هذا الوقت , كنت أتفكّر في أمري وخطر ببالي أبيات من الشّعر , فقال :

دعاني عبيد الله من دون قومه

إلى بدعة فيها خرجت لحيني

فوالله ما أدري وإني لصادق

أفكر في أمري على خطرين

أأترك ملك الري والري منيتي

أم أرجع مأثوماً بقتل حسين

وفي قتله النّار ليس دونها

حجاب وملك الري قرة عيني

ثمّ قال : يا أخا همدان , إنّ نفسي لأمّارة بالسّوء ما تحسن لي ترك مُلك الرّي , وإنّي إذا قتلت حُسيناً أكون أميراً على سبعين ألف فارس.

فيا إخواني , اعلموا


أنّ التّوفيق عزيز المثال , ومَن حقّت عليه كلمة العذاب لم يفد فيه عذل العذال , ومَن غلبته نفسه تورّط في أعظم الأمور ودخل في الضّلال ، وكما أنّ للجنّة رجالاً وفي النّار لها رجال , ومَن زُحزح عن النّار واُدخل الجنّة فقد فاز , وما الحياة الدُنيا إلّا لهو , فتعساً لِمَن ظلم تلك العصابة الكرام ! وسحقاً لِمَن نكّس أعلام أولئك الأعلام ! فويل لهم ماذا يقولون حين يُعرضون وبماذا يُجيبون حين يُسألون ! هُنالك تبلو كلّ نفس ما أسلفت وردّوا إلى الله مولاهم الحقّ وضلّ عنهم ما كانوا يفترون.

حُكي : أنّ الأشعث بن قيس وجويرة الجبلي قالا يوماً لعليّ (عليه‌السلام ) : يا أمير المؤمنين , حدّثنا عن بعض خلواتك مع فاطمة (عليها‌السلام ) .فقال : (( نعم , بينما أنا وفاطمة في كساء واحد نائمان , إذ أقبل رسول الله إلينا نصف الليل , وكان (عليه‌السلام ) يأتيها بالتّمر واللبن ؛ ليعينها على تربية الحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) , فدخل علينا ونحن نيام , فوضع رجلاً بحيالي ورجلاً بحيالها , فلمّا رأت فاطمة أباها واقفاً , همّت أن تجلس فلم تستطع , فبكت , فقال لها النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : وما يبكيك يا بنت مُحمّد الـمُصطفى؟ فقالت : أما ترى حالنا ونحن في كساء واحد نصفه تحتنا ونصفه فوقنا ؟ فقال لها : يا بنيّة , أما تعلمين أنّ الله اطلع إطلاعة من سمائه إلى أرضه , فاختار منها بعلك عليّ بن أبي طالب , وأمرني أن أزوّجك به , وأنّ الله عزّ وجلّ اتخذه لي وصيّاً وخليفة من بعدي .يا فاطمة , أما أنّ العرش سأل ربّه أن يزيّنه بزينة لم يزيّن بها شيئاً من خلقه , فزيّنه بالحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) , وجعلهما في ركنين من أركان العرش , فالعرش يفتخر بزينته على كلّ شيء )).

وفي رواية اُخرى , أنّ فاطمة (عليها‌السلام ) لمـّا شكت عند أبيها ضعف الحال وفقر بعلها عليّاً ، قال لها : (( يا بنيّة , أتعلمين ما منزلة عليّ عندي ؟ )) .قالت : (( الله ورسوله أعلم )) .قال : (( كفاني أمري وهو ابن اثني عشر سنة , وقاتل الأبطال ولاقى الأهوال وهو ابن ثمانية عشر سنة , وفرّج همّي وجلى غمّي وأزال كربي وهو ابن عشرين سنة , وقلع باب خيبر وهو ابن اثنين وعشرين سنة )) .فاستبشرت فاطمة بذلك سروراً عظيماً.

وقد ورد فيه من الفضل ما لا يُعد ولا ينتهي إلى حد ، فمن ذلك ما روي عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , أنّه قال : (( مررت ليلة المعراج بقوم تشرشر أشداقهم , فقلت : يا جبرائيل , مَن هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين يقطعون على النّاس بالغيبة )) .قال : (( ثمّ


عدلنا عن ذلك الطّريق ، فلمّا انتهينا إلى السّماء الرّابعة , رأيت عليّاً يُصلّي ، فقلت : يا جبرائيل , هذا عليّ قد سبقنا ؟ فقال: ليس هذا عليّاً .قُلت : فمَن هو ؟ قال : إنّ الملائكة المكروبين لمـّا سمعت بفضائل عليّ (عليه‌السلام ) , وسمعت قولك فيه : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي من بعدي .اشتاقت إلى عليّ , فخلق الله ملكاً على صورة عليّ ، فكلّما اشتاقت إلى عليّ, جاءت إلى ذلك الملك فكأنّها قد رأت عليّاً )).

وعن ابن عبّاس , قال : رأيت أباذر وهو متعلّق بأستار الكعبة , وهو يقول : مَن عرفني فقد عرفني ومَن لم يعرفني فأنا أبوذر, لو صمتم حتّى تكونوا كالأوتاد ولو صلّيتم حتّى تكونوا كالحنايا , ما ينفعكم ذلك حتّى تحبّوا عليّاً.

وعن أبي شعيب الخراساني , قال : دخلت على الإمام أبي عبد الله , فقلت : فداك أبي واُمّي ! إنّي اشتقت إلى الغري .قال: (( وما يشوّقك إليه ؟ )) .قُلت : جُعلت فداك ! أحبّ أن أزور أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) .فقال : (( هلى تعرف فضل زيارته ؟ )).فقلت : يابن رسول الله عرّفني ذلك .قال : (( إذا أردت زيارة أمير المؤمنين ، فاعلم أنّك زائر عظام آدم وبدن نوح وجسم أمير المؤمنين )) .فقلت : جعلت فداك ! إنّ آدم بسرنديب بمطلع الشّمس , وزعموا أنّ عظامه في البيت الحرام , فكيف صارت عظامه بالكوفة ؟ فقال : (( إنّ الله أوحى إلى نوح (عليه‌السلام ) وهو في السّفينة أن يطوف بالبيت أسبوعاً , فطاف أسبوعاً , ثمّ نزل في الماء إلى ركبتيه فاستخرج تابوتاً فيه عظام آدم , فلم يزل معه التّابوت في جوف السّفينة حتّى طاف ما شاء الله أن يطوف , ثمّ ورد إلى الكوفة في مسجدها وفيه يقول الله للأرض : اقلعي ماءك .فقلعت ماءها وتفرّق الجمع الذي كانوا مع نوح في السّفينة ودفعها , فرجعت إلى بيت الله الحرام ، وأخذ نوح التّابوت فدفنه في الغري , وهو قطعة من الجبل الذي كلّم الله فيه موسى تكليماً , وقدّس الله عليه عيسى تقديساً , واتّخذ الله إبراهيم خليلاً ومُحمّداً (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حبيبا , وجعله للمتنسّكين منسكاً , والله , ما سكن فيه بعد آبائه الطّاهرين آدم ونوح أكرم من أمير المؤمنين , وأنّك تزور الآباء الأوّلين ومُحّمداً خاتم النّبيين وعليّاً سيّد الوصيين ، وأنّ زائره يفتح له أبواب السّماء عند دعوته , فلا تكن عن الخير نوّاماً )).

وكان أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) يأتي هذه البُقعة الشّريفة ويصلّي فيها , فبينما هو ذات يوم يصلّي بالغري , إذ أقبل رجلان


معهما تابوت على ناقة , فحطّا التّابوت وأقبلا إليه فسلّما عليه ، فقال(ع) : (( من أين أقبلتما ؟ )) .قالا : من اليمن .قال : (( وما هذه الجنازة ؟ )) .فقالا : كان لنا أب شيخ كبير , فلمّا أدركته الوفاة , أوصى إلينا أن نحمله وندفنه في الغري ، فقلنا : يا أبانا , إنّه موضع شاسع بعيد عن بلدنا , وما الذي تريد بذلك ؟ فقال : إنّه سيُدفن هُناك رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر .فقال أمير المؤمنين (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( الله أكبر الله أكبر , أنا والله ذلك الرّجل )) .ثمّ قام فصلّى عليه ودفناه ومضيا حيث أقبلا.

فسبحان من جعلهم رحمة للعالمين وسبباً مودياً إلى الفوز باليقين ، وجودهم لطف في حقّ الأنام , وحط أجسادهم عصم لمن ثوي فيها وأقام , وبحبّهم تُمحى الآثام ، وبصحّة الإعتقاد فيهم تمحّص الذّنوب العظام , وباتباعهم يحصل الخلاص من أهوال يوم القيامة ودخول الجنّة بسلام :

طوبى لمن أضحى هواكم قصده

وإلى محبتكم إشارة رمزه

في قربكم نيل المسرة والمنى

وجنانكم مستنزه المتنزه

قلب يهيم بحبكم تفريطه

في مثلكم والله غاية عجزه

يضحى كدود القز يتعب نفسه

في نسجه وهلاكه في قزه

طرف رآكم ثمّ شاهد غيركم

تطهيره بسوى الدما لم يجزه

نزه فؤادك عن سواهم والقهم

فوصالهم حل لكل منزه

الصبر طلسم لكنز وصالهم

من حل ذا الطلسم فاز بكنزه

فوا عجباً من قوم استطاعوا على ساداتهم فقتلوهم , وخرجوا على أهل هدايتهم فقهروهم ! أتراهم ما علموا أو علموا وما رعوا فاعتدوا وظلموا ؟ فلا غرو إن بكت عليهم محاجري أو قرح السّهاد ناظري , أو تزايدت أوصابي أو أضرمت نار وجدي واكتئابي , فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ الجليل ابن مغامس ( رحمه الله تعالى )

أتطلب دنيا بعد شيب قذال

وتذكر أياماً مضت وليال


وتظهر عن بان الغوير تجلداً

وتصبو إلى نور له وضلال

إذا كنت تستحي من العار خالياً

فما لك تهوي قد كل غزال

فكم تركب الأخطار في تبع الهوى

ولا يخطر الذكر الجميل ببال

أما كان في شيب القذال هداية

فيهديك نور الشيب بعد ضلال

أتأمل في دار الغرور إقامة

لأنت حريص في طلاب محال

تيقض فأني قد رأيتك مقبلاً

عليها وللأخرى رأيتك قالي

تمسكت فيها بالغرور كمثل ما

تمسكت من نوم بطيف خيالي

فيا زلة أسرفت فيها تنغصت

لخيفتها نفسي بكل زلال

فيا سوأتاه إن حان بيني وهذه

سبيلي ولم أحذر قبيح فعالي

وكان جديراً أن يموت صبابة

فتى حاله في المذنبين كحالي

فيا قلب هل لا تستقيل من الخطا

وليس مصر في غد بمقال

تزود من الأيام خيراً فإنها

بلاغ لمشغوف بحسن مآل

اتخدعني الدُنيا وقد شاب مفرقي

وأصبحت معقولاً لها بعقالي

وانسي مساربها وما طال عهدها

وأسعى لها بالجهل سعي خيال

ولي أسرة فيها بآل مُحمّد

بني خير مبعوث وأكرم آل

تقسمهم ريب المنون فاصبحوا

عباديد أشتاتاً بكل محال

فبين شريد ترتمي غربة النوى

به بين غيطان وبين جبال

وبين صليب ماثل فوق جذعه

تهب عليه من صبي وشمال

وبين دفين وهو حي ومختف

يراقب خوفاً من وقوع نكال

وبين سميم قد سرى في عظامه

من السم قتال بغير قتال

فيا ليت شعري من أنوح ومن له

أروح وما قلبي عليه بسال

أأشجو علياً حين عمم رأسه

بمنصلت ذي رونق وصقال

له أم لبنت الـمُصطفى بعدما مضى

قضت لم تفز من إرثها بخلال

أم الحسن الزاكي سقته جعيدة

قضى بين أنصار له وموال

وإن حنيني للشهيد بكربلا

لباق فلا يقضى له بزوال

فديت إماماً بالطواف كإنما

ركائبه قد قيدت بحبال


فأول لأنصار لديه وكلهم

ركوب على خيل لهم وجمال

أفيكم خبير باسمها قيل بكربلا

فقال انزلوا فيها ليوم نزال

ففي هذه حقاً محط رحالنا

وفلق رؤوس بيننا وقلال

وفي هذه حقاً ستسبي بذلة

لنا خير نسوان وخير رجال

وفي هذه حقاً ستغدوا رؤوسنا

تعلى على سمر لها وعوال

فديتك من ناع إلى الناس نفسه

ومؤذن أهليه بوشك وبال

كأن حياة النفس غير أحينة

فما لك لا ترو لها بوصال

لعمرك إن الموت مر مذاقه

فما بال طعم الموت عندك خالي

فديت وحيداً قد أحاط برحله

لآل أبي سفيان جيش ضلال

يقول لأنصار له قد ابحتكم

ذمامي وعهدي فاسمعوا لمقال

ألا فارحلوا فالليل مرخ سدوله

عليكم ومنهاج البسيطة خال

فما لهم من مطلب قد تألبوا

عليه سوى قتلي ونهب رحالي

فقالوا جميعاً ما يقال لنا وما

نقول جواباً عند رد سؤال

تقيك من الموت الشديد نفوسنا

ويرخص عند النفس ما هو غال

أمن فرق نبغي الفريق وكلنا

لأولاده والعيش بعدك قال

فطوبى لهم قد فاز والله سعيهم

فكلهم في روضة وظلال

فديت إماماً بعد قتل حماته

ينادي بصوت في البرية عال

يقول لهم إن تتقوا الله ربكم

فقتلي لكم والله غير حلال

فديت الذي يرنو الفرات بغلة

وما بلها من بردها ببلال

فديت فتى قد خر من سرج مهره

كما خر طود من منيف جبال

فديت صريعاً قد علا الشمر صدره

لقطع وريد أو لحز قذال

فديت طريحاً تركض الخيل فوقه

ترض جناجي صدره بنعال

فديت طريحاً أجمعوا بعد قتله

على نهب نسوان له وعيال

فديت قتيلاً رأسه فوق ذابل

كالبدر يزهو في أتم كمال

فديت علياً في آثاره يغتدي

به في قيود للعدو ثقال

فديت لنسوان الحُسين وأهله

أسارى حيارى في سبي ووبال


فديت وقد قامت تناديه زينب

بصوت مبين عن فجيعة بال

أخي ليس دمعي ما حييت بجامد

عليك ولا قلبي عليك بسال

أخي أن تكن فارقت لا عن ملالة

فقد كنت قداماً زينتي وجمال

أخي كيف أرجو في زماني مسيرة

وقد فارقت كف اليمين شمال

أخي كيف أدعو لا تجيب كأنما

تركت وصالي أو صرمت حبالي

أخي كيف بعد القرب منك طردتني

وبعد دنوي يا أخي وجلالي

أخي لو رأت عيناك ما قد أصابني

أساءك فيما نالني وجرا لي

أخي إن وجهي قد تبدل حسنه

ومما جرى لي قد تغير حالي

أخي إن فدت نفس لنفس من الردى

فنفسي إذاً تفديك منه ومالي

أخي قد دهتني الحادثات وقد برت

نوائبها جسمي كبرى خلال

أخي كيف يفني الدهر عني خطوبه

وقد كنت فيه عدتي وثمالي

وسار ابن سعد بالسبايا حواسراً

على خلس انقاض لهم ورحال

ينادين بالمختار يا خير مرسل

وأكرم ماض في الزمان وتال

أيا جدنا ما عبد شمس فدورهم

جوار وأما دورنا فخوال

أيا جدنا عض الزمان بنانه

وصالت بنا الأيام أي مصال

أيا جدنا أما الرزايا فإننا

نقاسي لظى نيرانها بنصال

أيا جد ما أبقوا علينا بقية

ولا فتروا في أخذنا بنكال

أيا جد لم يربع بنا لاستراحة

على ما نلاقي من جوى وكلال

أيا جد لأردن تغطى رؤوسنا

ولا انتعلت أقدامنا بنعال

أيا جد جد الدهر من بعد هزله

على لاغبات في المصاب هزال

أيا جد هذا السبط في كنف كربلا

لقي بين دكداك وبين تلالي

دعوهم إليهم طالبين قدومه

لإرشاد غاو أو لبذل نوال

فلما أتاهم صار فرداً لديهم

قرين جلاد بينهم وجدال

شكا عطشاً والماء طام ودونه

رغال لهم قد اردفت برغال

يحاول منهم شربة فترده

بسمر لها قد أشرعت ونصال

فذاق الردى صبراً وما ذاق شربه

نزيل أواما مؤذناً بزوال


بنوك أبيدوا والبنات بذلة

يسقن هدايا فوق نيب جمال

أيا جد لو شاهدت ما قد جرى لنا

لابصرتنا شعثاً بأسوء حال

وحسن وجوه قد تولى سعودها

توالي عليها الحزن أي نوال

بني الـمُصطفى يا صفوة الله إن لي

فؤاداً من الترنيح ليس بخال

حنيني إليكم لا يقاس بمثله

حنين حمام أم حنين فصال

ولو مر في تالي الزمان متيم

بشجو رثى فيكم لرثى لي

وهل أملك السلوان عن حُبّ سادة

إليهم إذا حل الحساب مآلي

فإن فاتني في عرصة الطف نصركم

وأجر به أن لا يفوت مقالي

ودونكم منّي عروساً زففتها

إليكم كما زفت عروس حجال

منظمة الألفاظ بكر كأنما

على جيدها يزهو عقود لآل

وما كلمت إلّا لأن كلامهما

جرى من معانيكم صفات كمال

فإن صح قبلان لها من مغامس

فلست بعقبى ما جنوت أبالي

عليكم سلام الله ما لاح بارق

وما لاح وسمى بصوت سجالي

الباب الثّاني

إنّ فضل أئمة الـمُسلمين لا يُحصى كثرة ولو اجتمع له كافّة العالمين , ولعمري , إنّ في فضيلة من فضائلهم عبرة للمعتبرين وذكرى للمتبصّرين , إلّا مَن أغواه الشّيطان فأصمّ سمعه وعميت منه العينان , فتصير عاصية عليه وإن كان ينظر بعينيه.

روي عن الإمام الصّادق (عليه‌السلام ) , قال : (( كان من بني مخزوم لهم خولة من عليّ (عليه‌السلام ) , فأتاه شابّ منهم فقال : يا خال , مات قريب لي فحزنت عليه حزناً شديداً .قال : أفتحبّ أن تراه ؟ قال : نعم .قال : فانطلق بنا إلى قبره .فلمّا وافى إليه , وقف عليه ودعى الله تعالى , وقال : يا فلان , قُم بإذن الله تعالى .فإذا الميت جالس على شفير القبر وهو يقول : زينة شالا - معناه : لبيك لبيك سيّدنا - فقال أمير المؤمنين : ما هذا اللسان , ألم تمت وأنت رجل من العرب ؟ قال : بلى ، ولكنّي متّ وأنا على ولاية غيرك , فاُدخلت النّار وانقلب لسانى إلى لسان أهل النّار ))

وعن


صالح بن عقبة عن جعفر بن مُحمّد (عليه‌السلام ) , قال : (( لمـّا هلك أبو بكر [و](١) استخلف عمر , رجع [عمر] إلى المسجد فدخل عليه رجل , فقال : يا أمير المؤمنين , إنّي رجل من اليهود وأنا من ملّتهم , وقد أردت أن أسألك عن مسائل إن أجبتني فيها أسلمت ، قال : وما هي ؟ قال : ثلاث وثلاث وواحدة ، فإن سألتك وإن كان في قومك أحد أعلم منك فارشدني إليه.قال : عليك بذاك الشّاب - يعني : عليّ بن أبي طالب (عليه‌السلام ) - فأتى عليّاً فسأله ، فقال له : [لِمَ] قُلت : ثلاثاً [و] ثلاثاً وواحدة ألا قُلت سبعاً ؟ قال : أنا إذاّ جاهل , إن لم تجبني في الثّلاث اكتفيت .قال : فإن أجبتك تسلم ؟ .[ قال : نعم.قال : سل .] قال : أسألك عن أوّل حجر وضع على وجه الأرض , وأوّل عين نبعت , وأوّل شجرة نبتت ؟ قال : يا يهودي , أنتم تقولون أوّل حجر وضع على وجه الأرض الحجر الذي في بيت المقدس , كذبتم هو الحجر الذي نزل به آدم من الجنّة .قال : صدقت والله , إنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى (عليه‌السلام ) .قال : وأنتم تقولون أوّل عين نبعت على وجه الأرض العين التي ببيت المقدس , كذبتم هي عين الحياة التي غسل فيها يوشع بن نون السّمكة , وهي العين التي شرب منها الخضر (عليه‌السلام ) , وليس يشرب منها أحد إلّا حي .قال : صدقت والله , إنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى (عليه‌السلام ) .قال : وأنتم تقولون إنّ أوّل شجرة نبتت على وجه الأرض الزّيتون , وكذبتم بل هي العجوة [التي] نزل بها [آدم](عليه‌السلام ) من الجنّة معه .قال : صدقت والله , إنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى (عليه‌السلام ) .قال : والثّلاث الاُخرى , كم لهذه الاُمّة من إمام هُدى لا يضرّهم مَن خذلهم ؟ قال : اثنا عشر إماماً .قال : صدقت والله , وإنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى .قال : فأين يسكن نبيّكم من الجنّة ؟ قال : في أعلاها ذروة وأشرفها مكاناً في جنّات عدن .قال : صدقت والله , إنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى (عليه‌السلام ) .قال : فمَن ينزل معه في منزله ؟ قال : اثنا عشر إماماً .قال : صدقت [والله] , إنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى (عليه‌السلام ) .قال : السّابعة وأسلم , كم يعيش وصيّه بعده ؟ قال : ثلاثين سنة .قال : ثمّ يموت أو يُقتل ؟ قال : يُقتل , يُضرب على قرنه فيخضب لحيته .قال : صدقت والله , وإنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى (عليه‌السلام ) )).

فانظروا يا إخواني , هل يوجد مثل هذا الشّخص الرّباني ؟

____________________

(١) كلّ ما هو موجود بين المعقوفتين في هذه الرّواية , هو منقول من كتاب الخصال للشيخ الصّدوق / ٤٧٦ - ٤٧٧ .(معهد الإمامين الحسنين).


الله ألبسه في يوم مغرسه

ثياب حمد نقيات من العار

رفاع معضلة حمال مثقلة

دراك وتر ودفاع لا وتار

بنوه المعصومون سادات الدُنيا وشفعاء الخلق في الاُخرى ، الجنّة دار مَن والاهم والنّار سجن مَن عاداهم , أخذ الله لهم على الخلق المواثيق , وأكّد لهم على عباده العهد الوثيق.

نُقل أنّه افتخرت النّار على الجنّة , وقالت : أنا مسكن الملوك والجبابرة والقساورة , وأنت لا يسكنك إلّا الفقراء والمساكين.فشكت الجنّة إلى ربّها , فأتاها النّداء : (( اسكتي وعزّتي وجلالي , لأزينك يوم القيامة بمُحمّد خيرتي من بريّتي , وعليّ ولي أمري وخليفتي , وفاطمة الزّهراء التي مَن أحبّها اُفطم من النّار بإرادتي , والحسن والحُسين سيّدي شباب أهل الجنّة رحمتي , والأئمة المعصومين زبدة خليقتي , وشيعتهم يتنافسون في قصورك بعطيتي )).

فيا إخواني , لقد اُصيب الإسلام بمصيبة ما أعظمها وأدهى بداهية دهماء ما أدهمها , مصيبة نكّست رؤوس أهل الإيمان وعلت مناكب الطّغيان , فليت شعري , مَن أوصى بقتلهم ومَن أمر بتبديد شملهم ؟ ويلهم كأنّهم نسوا المعاد إلى ربّ العباد ! وسيعلمون إلى أيّ مُنقلب ينقلبون :

تريدون منّي يا عواذل سلوة

عن الحزن هذا مطلب ليس يعقل

فو الله لا أنسى مصابي بسادتي

إلى أن يواريني لحود وجندل

إذا ذكرت نفسي مصاب أحبتي

يظل فؤادي والحشا يتقلقل

فاوطان قلبي بالهموم ملاءته

وباب سرور القلب بالهم مقفل

وأي نعيم خلف السبط بعده

ففي القلب حزن ثابت لا يحول

كأني به والطير يحجل حوله

سليباً رداه في التراب مرمل

كأني به والشمر ينحر نحره

ومولاي من حر الظما يتململ

ولم أنسها بنت الحُسين سكينة

تشير إلى عماتها وهي تسأل

أيا عمتا ما للأصاغر ذبحوا

وما بال قومي بالصوارم قتلوا

أيا عمتا ما للحرائر سلبوا

وما ذنبنا حتّى نهان ونرذل

ايا عمتا هذا الحُسين على الثرى

سليب الردا من حوله الطير يخجل

أيا عمتا لو تنظرين لنحره

تفيض دماء مثل ما فاض جدول


ولو عاينت عيناك ما نال جسمه

وما فعلت فيه سيوف وذبل

لقد نصعوه بالصوارم والقنا

فللسمر نقط والصوارم تشكل

ألا لعن الرحمن آل أمية

وآل زياد كلما حن بزل

نُقل عن لوط بن يحيى في تاريخه , قال : قال عبد الله بن قيس بن ورقة : كنت ممّن غزا مع أمير المؤمنين عليّ (عليه‌السلام ) في صفّين , وقد أخذ أبو أيوب الأعور السّلمي الماء وحرزه عن النّاس , فشكى الـمُسلمون العطش , فأرسل فوارس على كشفه , فانصرفوا خائبين فضاق صدره , فقال له ولده الحُسين (عليه‌السلام ) : (( أمضي إليه يا أبتاه )) فقال : (( امض يا ولدي )).فمضى مع فوارس , فهزم أبا أيوب عن الماء وبنى خيمته وحطّ فوارسه , وأتى إلى إبيه وأخبره , فبكى عليّ (عليه‌السلام ) ، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين وهذا أوّل فتح بوجه الحُسين ؟ قال : (( صحيح يا قوم , ولكن سيُقتل عطشاناً بطفّ كربلاء حتّى تنفر فرسه وتحمحم وتقول : الظّليمة الظّليمة من اُمّة قتلت ابن بنت نبيّها ))

تخيرتهم رشداً لأمري أنهم

على الحق بل هم خيرة الخيرات

فيا رب زدني في يقيني بصيرة

وزد حبهم يا رب في حسناتي

روى سلمان الفارسي , قال : دخلت إلى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فإذا الحُسين (عليه‌السلام ) على فخذه وهو يقبّل عينيه ويلثم فاه وهو يقول : (( أنت سيّد ابن السّيّد , أنت الإمام ابن الإمام , أنت حجّة ابن الحجّة أبو الحجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم)).

وعن ابن عباس , قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( فاطمة مهجة قلبي , وابناها ثمرة فؤادي , وبعلها نور بصري , والأئمّة من ولده اُمناء ربّي وحبله الممدود بينه وبين خلقه , مَن اعتصم بهم نجى ومَن تخلّف عنهم هلك )).

وعن أبي جعفر (عليه‌السلام ) , قال : (( سأل ابن الكوا أمير المؤمنين , فقال : ما معنى قوله تعالى :( وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ) (١) ؟ فقال : نحن أصحاب الأعراف , نعرف أصحابنا بسيماهم , نقف بين الجنّة والنّار , فلا يدخل الجنّة إلّا مَن عرفنا وعرفناه , ولا يدخل النّار إلّا مَن أنكرنا وأنكرناه )) :

فمن مثل مولانا عليّ الذي له

مُحمّد خير المرسلين خليل

____________________

(١) سورة الأعراف / ٤٦.


فيا دافع الإسلام من بعد خفضه

وناصب دين الله حيث يميل

ويا أسد الله الذي مر بأسه

لأعدائه مرّ المذاق وبيل

ويا من له قلب الحوادث خافق

ويا من له صعب الأمور ذلول

أيا سيّدي يا حيدر الطهر إنني

أتيتك محزوناً وفهت أقول

أعزيك بالسبط الشهيد فرزءه

ثقيل على أهل السّماء جليل

دعته إلى كوفان شر عصابة

عصاة وعن طرق الصواب عدول

فلما أتاهم واثقاً بعهودهم

فمالوا وطبع الغادرين يميل

أحاطوا وحطوا بالفرات ولم يكن

لآل رسول الله منه نهول

فلما تناهى الأمر واقترب الردى

وذل عزيز واستعز ذليل

فمال عليه الجيش حملة واحد

ببيض وسمر ذبل ونصول

فوافاه في النحر المقدس عبطل

به أصبح الدين الحنيف عليل

فخر صريعاً ظامياً عن جواده

فاضحت ربوع السعد وهي محول

وراح إلى نحو الخيام جواده

خلياً من الندب الجواد يجول

برزن إليه الطاهرات حواسراً

لهن على المولى الحُسين عويل

فلله أمر فادح شمل الورى

ورزء على الإسلام منه خمول

بنو الوحي في أرض الطفوف حواسراً

وأبناء حرب في الديار نزول

ويسرى بزين العابدين مقيداً

على البزل مأسور اللئام عليل

ويصبح في تحت الخلافة جالساً

يزيد وفي الطف الحُسين قتيل

سليل النّبي الـمُصطفى وابن فاطم

وأين لذين الوالدين مثيل

لقد صدق الشيخ السعيد أخو العلى

عليّ وجاز الفضل حيث يقول

فما كلّ جد في الرجال محمداً

ولا كلّ أم في النساء بتول

أمولاي آمالي تأمل نصركم

وقلبي إليكم بالولاء يميل

وقد طال عمر الصبر في أخذ ثاركم

أما أن للظلم المقيم رحيل

فدونكم من عبدكم ووليكم

عروساً ولكن في الزفاف ثكول

عليكم سلام الله ما ذكر اسمكم

وذاكي مدى الأيام ليس يزول

روى السّعيد عبد الحميد عن مشايخه يرفعه إلى أنس بن مالك , قال : قال


: جاء أبو بكر إلى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فجلس بين يديه , وقال : يا رسول الله , قد علمت مناصحتي وقدمي في الإسلام وإنّي وإنّي.قال(ص) : (( وماذا ؟ )) .قال : تزوّجني فاطمة .فأعرض عنه , فرجع أبو بكر إلى عمر ، فقال : هلكت .قال : وما ذاك؟ قال : خطبت فاطمة إلى النّبي فاعرض عنّي .فقال : مكانك حتّى آتيه فاطلب منه مثل الذي طلبت .فأتى عمر إلى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فجلس بين يديه , وقال : يا رسول الله , قد علمت قدمي في الإسلام ومناصحتي وإنّي وإنّي .قال(ص) : (( وماذا ؟ )) .قال : تزوّجني فاطمة .فأعرض عنه , فرجع إلى أبي بكر ، فقال : إنّه لينظر أمراً فيها , قُم بنا إلى عليّ نأمره أن يطلب ما طلبنا .قال عليّ (عليه‌السلام ) : (( فاتياني وأنا أعالج فسيلاً لي , فقالا : إنّا جئنا من عند ابن عمّك لخطبة فاطمة , فأعرض عنّا فقم فاخطبها ))

قال عليّ (عليه‌السلام ) : (( فقمت وأنا أجرّ ردائي إلى طرف عاتقي وطرف على الأرض , حتّى أتيت النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فجلست بين يديه وقلت : يا رسول الله , قد علمت قدمي في الإسلام وإنّي وإنّي .قال(ص) : وماذا ؟ )) .قال(ع) : (( زوّجني فاطمة.قال(ص) : وما عندك ؟ )) .قال(ع) : (( قُلت : فرسي وبدني .قال(ص) : أمّا فرسك فلا بدّ لك منها ، وأمّا بدنك فبعها )) .قال(ع) : (( فبعتها بأربعمئة درهم وجئت بها حتّى وضعتها في حجره , فقبض منها قبضة , فقال : أين بلال ؟ اشتري بها طيباً .وأمرهم أن يجهّزوها , فجعل لها سريراً مشروطاً بالشّرط , ووسادة من آدم حشوها ليف , وملأ البيت كثيباً , وقال : يا عليّ , إذا أتتك فلا تحدث شيئاً حتّى آتيك .فجاءت مع اُمّ أيمن , فقعدت في جانب البيت وأنا في جانب , وجاء النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فقال : ههنا أخي ؟ فقالت اُمّ أيمن : أخوك أخوك وقد زوجته ابنتك ؟! قال : نعم .ودخل رسول الله البيت , فقال : يا فاطمة , آتيني بماء .فقامت إلى قعب في البيت فأتته بماء فمج فيه , وقال لها : قومي .فصبّ بين يديها وعلى رأسها وقال : اللّهمّ , إنّي أعيذها بك وذرّيّتها من الشّيطان الرّجيم ، ثمّ قال : آتوني بماء )).

قال عليّ (عليه‌السلام ) : (( فقمت فملأت العقب ماء وأتيت به فمج فيه ، ثمّ قال لي : تقدّم .فصبّ على رأسي وبين يدي وقال : اللّهمّ , إنّي أعيذه بك وذرّيّته من الشّيطان الرّجيم ، ثمّ قال : أدبر .فأدبرت فصبّ بين كتفي وقال : اللّهمّ , إنّي أعيذه بك وذرّيّته من الشّيطان الرّجيم .ثمّ قال : ادخل بأهلك باسم الله والبركة )) فيا إخواني , ألا تتفكّرون في هؤلاء الأقوام , هلا


نظروا في كلام النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين عوّذ الذّرية من الشّيطان , فيقفوا عمّا قدموا عليه من الطّغيان ؟ ولكنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور , فتبّاً لهم ما أجرأهم على انتهاك حُرمة خاتم النّبيين , وما أقسى قلوبهم على ذرّيّته الطّاهرين الـمُطهّرين , ويحهم أين يُتاه بهم عن قصد السّبيل , وحتّى متى لا يرعون عن هذا التّضليل , كلّ هذه الدُنيا ونعيمها الزّائل المشوب بالغصص والوهم الباطل ! ولعمري , سيفارقوها عن قليل ويُقال لهم انطلقوا إلى ظلّ لا ظليل

يا موثر الدُنيا على دينه

والحائر التائه عن قصده

أصبحت ترجو الخلد فيها وقد

أبرز ناب الموت عن حده

هيهات أن الموت ذو أسهم

من يرمه يوماً بها يرده

لا يفرج الواعظ قلب أمرء

لا يعزم الله على رشده

وعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للسيد عبد الحميد (رحمه‌ الله تعا لى)

عز صبري وعز يوم التلاق

آه وا حسرتاه مما الاقي

أرقتني مذ فارقتني أحبابي

برغمي غداة يوم الفراق

وفؤادي أضحى غريم غرام

واصطباري نأى ووجدي باق

أحدقوا بي عواذلي يعذلوني

حين فاز الدّموع من أحداق

يا عذولي إنّي لسيع فراق

ما له بعد لسعة من راقي

أعجبوا من متيم حكم الوجد

عليه بالماء والإحتراق

نار حزني تشب بين ضلوعي

ودموعي تفيض من آماقي

حق لي بالبكاء ما لا دموعاً

وأشق الفؤاد لا أخلاق

وأزيد الحزن الشديد لرزء

السبط سبط الراقي لظهر البراق

قتلوه ظلماً ولم يرقبوا فيه

لعمري وصية الخلاق

لست أنساه يوم ظل ينادي

القوم يا عصبة الخنا والشقاق

أتراكم بم استبحتم قتالي

ورأيتم حلا عليكم شقاقي


ونكثتم عهدي وكذبتموني

وشرعتم قتلي وقتل رفاقي

هل علمتم بأن جدّي رسول الله

خير الأنام بالإطلاق

وعلي أبي الذي كسر الأصنام

قسراً وفي القيامة ساقي

والبتول الزّهراء فاطم أمي

ثمّ عمي الطيار في الخلد راقي

هل مغيث يغيثنا وعلينا

الأجر يوم المحيا ويوم التلاق

فأجابوه قد علمنا الذي قلت

وما أنت بعد ذا اليوم باق

ثم حفوا به ببيض صقال

ودروع زغف وسمر رشاقي

ورجال إلى الحروب سراع

فوق خيل مضمرات عتاق

فغدا للقتال لا يختشي الموت

لعمري والموت مر المذاق

يورد السمر والضبا في الأعادي

فيرويهما دم الأعناق

فأحاطوا به فاردوه لـمّا

عز نصاره وقتل الباقي

ثم علوا كريمه فوق رمح

وهو يبدو كالبدر في الإشراق

وبنات النّبي يندبن لـمّا

عاينوه قد خر منه التراقي

وغدت زينب تنادي بشجو

يا أخي يا قتيل أهل النفاق

يا نبي الهدى بناتك أسرى

بتناجين من ألم الفراق

عاريات يحملن فوق المطايا

حاسرات يسحبن في الأسواق

وعلي السجاد يرفل في القيد

عليلاً مضني شديد الوثاق

يا لها من رزية تهدم الدين

لعمري لو أن دينك باق

يابن بنت الرسول يا غاية المأمول

يا عدتي غدا للتلاقي

ابن عبد الحميد عبدك ما زال

محباً لكم بغير النفاق

إن تفت نصرتي لكم واقتحامي

دونك الهول عند ضيق الخناق

لم تفت لوعتي وطول حنيني

واكتثابي وحرقتي واشتياقي

ومقامي على الكآبة والأحزان

باك بدمعة مهراق

قسماً بالحجيج والبيت والركن

وطاها وحرمة الخلاق

ما تجري يوم الطفوف على السبط

جهاراً معاشر الفساق

وسقوه كأس المنية إلّا

بعتيق ونعثل ذي النفاق


فهت بالحق والذي يقصد الحق

يأمن فإنه لا يتاقي

حبكم عدتي وأنتم ملاذي

يوم حشري ومنكم أعراقي

فصلاة الرب الرّحيم عليكم

ما تغني الحداة خلف النياق

الباب الثّالث

أيّها المؤمنون , قاطعوا رقاد العيون واصلوا سهاد الجفون , وامسكوا عن اللذّات وابذلوا الدّموع الجاريات , فإنّ إظهار الدّموع البادية دليل على إظهار الأحزان الخافية ، وإنّي كلّما تزايدت عليّ الأفكار , يتوقّد في قلبي لهيب النّار , فلا أجد مَن ألتجىء إليه ولا أعول في بثّ حزني عليه , وكيف لا تحزن على سادات العباد وأنوار الله في البلاد , وحجج الله على الخلاق ولسانه النّاطق , والشّهود على الاُمم بين يدي بارىء النّسم ؟ :

وأعظم ما بي شجو زينب إذ رأت

أخاها طريحاً للمنايا يمارس

تقول أخي يا واحدي شمت العدا

بنا واشتفى فينا الحسود المنافس

أخي يا أخي يا خير ذخر فقدته

وأنفس شيء صابني فيه نافس

أخي يا أخي قد كان غاية منيتي

بأن يحتويني قبل فقدك غامس

أخي اليوم مات المُصطفى ووصيه

ولم يبق للإسلام بعدك حارس

أخي من لأطفال النبوة يا أخي

ومن لليتامى إن قضيت يوانس

أخي من يحامي عن حريم مُحمّد

ويصلح أحوالاً لها الدهر مائس

وفاطمة الصغرى تخاطب جدها

ونحو أبيها طرفها متشاوس

تقول له يا جد ليتك شاهد

وقد حكمت فينا الكلاب النواهس

لتنظر يا جدّه سبطك ظامياً

وسابحه في لجة الموت طامس

فللّه ذا من فادح ما أجله

ورزء له عرش المهيمن رائس

روي : أنّ العبّاس بن عليّ (عليه‌السلام ) كان حامل لواء أخيه الحُسين (عليه‌السلام ) , فلمّا رأى جميع عسكر الحُسين (عليه‌السلام ) قُتلوا وإخوانه وبنو عمّه , بكى وأنَّى إلى لقاء ربّه اشتاق وحنّ , فحمل الرّاية وجاء نحو أخيه الحُسين (عليه‌السلام ) وقال : يا أخي , هل رخصة ؟ فبكى الحُسين (عليه‌السلام ) بكاءاً شديداً حتّى ابتلت لحيته المباركة بالدّموع (عليه‌السلام ) ، ثمّ قال : (( يا


أخي ! كنت العلامة من عسكري ومجمع عددنا , فإذا أنت غدوت , يؤول جمعنا إلى الشّتات وعمارتنا تنبعث إلى الخراب)).فقال العبّاس : فداك روح أخيك يا سيّدي ! قد ضاق صدري من حياة الدُنيا وأريد أخذ الثّأر من هؤلاء المنافقين .فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( إذا غدوت إلى الجهاد , فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء )) .فلمّا أجاز الحُسين (عليه‌السلام ) أخاه العبّاس للبراز , برز كالجبل العظيم وقلبه كالطّود الجسيم ؛ لأنّه كان فارساً هماماً وبطلاً ضرغاماً , وكان جسوراً على الطّعن والضّرب في ميدان الكفاح والحرب , فلمّا توسّط الميدان , وقف وقال : يا عمر بن سعد , هذا الحُسين بن بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول : إنّكم قتلتم أصحابه وإخوته وبني عمّه , وبقي فريداً مع أولاده وهم عُطاشا قد أحرق الظّمأ قلوبهم , فاسقوه شربة من الماء ؛ لأنّ أطفاله وعياله وصلوا إلى الهلاك , وهو مع ذلك يقول لكم : دعوني أخرج إلى أطراف الرّوم والهند , وأخلّي لكم الحجاز والعراق , والشّرط لكم , إنّ غداً في القيامة لا أخاصمكم عند الله حتّى يفعل الله بكم ما يريد.

فلمّا أوصل العبّاس إليهم الكلام عن أخيه , فمنهم من سكت ولم يرد جواباً , ومنهم من جلس يبكي , فخرج الشّمر وشبث بن ربعي لعنهما الله , فجاء نحو العبّاس وقال : يابن أبي تراب , قُل لأخيك , لو كان كلّ وجه الأرض ماءاً وهو تحت أيدينا , ما أسقيناكم منه قطرة إلّا أن تدخلوا في بيعة يزيد .فتبسّم العبّاس ومضى إلى أخيه الحُسين وعرض عليه ما قالوا ، فطأطأ رأسه إلى الأرض وبكى حتّى بلّ أزياقه , فسمع الحُسين (عليه‌السلام ) الأطفال ينادون العطش , فلمّا سمع العبّاس ذلك , رمق بطرفه إلى السّماء وقال : إلهي وسيّدي , أريد اعتدّ بعدّتي وأملىء لهؤلاء الأطفال قربة من الماء.

فركب فرسه وأخذ رمحه والقربة في كتفه , وكان قد جعل عمر بن سعد لعنه الله تعالى أربعة آلاف خارجي موكلين على الماء , لا يدعون أحداً من أصحاب الحُسين يشربون منه , فلمّا رأوا العبّاس قاصداً إلى الفُرات , أحاطوا به من كلّ جانب ومكان , فقال لهم : يا قوم , أنتم كفرة أم مُسلمون ؟ هل يجوز في مذهبكم أو في دينكم أن تمنعوا الحُسين وعياله شرب الماء , والكلاب والخنازير يشربون منه والحُسين مع أطفاله وأهل بيته يموتون من العطش ؟ أما تذكرون عطش القيامة ؟! فلمّا سمعوا كلام العبّاس , وقف خمسمئة رجل ورموه بالنّبل والسّهام , فحمل عليهم , فتفرّقوا عنه


هاربين كما تتفرّق الغنم عن الذّئب , وغاص في أوساطهم وقتل منهم على ما نُقل تقريباً من ثمانين فارساً , فهمز فرسه إلى الماء وأراد أن يشرب , فذكر عطش الحُسين وعياله وأطفاله , فرمى الماء من يده وقال : والله , لا أشربه وأخي الحُسين (عليه‌السلام ) وعياله وأطفاله عُطاشا , لا كان ذلك أبداً .ثمّ ملأ القربة وحملها على كتفه الأيمن وهمز فرسه وأراد أن يوصل الماء إلى الخيمة , فاجتمع عليه القوم فحمل عليهم , فتفرقوا عنه وصار نحو الخيمة , فقطعوا عليه الطّريق , فحاربهم محاربة عظيمة , فصادفه نوفل الأزرق وضربه على يده اليمنى فبراها , فحمل العبّاس القربة على كتفه الأيسر , فضربه نوفل أيضاً فبرا كتفه الأيسر من الزّند , فحمل القربة باسنانه , فجاء سهم فأصاب القربة فانفرت واُريق ماءها , ثمّ جاء سهم آخر في صدره , فانقلب عن فرسه إلى الأرض وصاح إلى أخيه الحُسين : أدركني ! فساق الرّيح الكلام إلى الخيمة , فلمّا سمع كلامه , أتاه فرماه طريحاً فصاح : (( وا أخاه ! وا عبّاساه ! وا قرّة عيناه ! وا قلّة ناصراه ! )) .ثمّ بكا بكاءاً شديداً وحمل العبّاس إلى الخيمة , فجدّدوا الأحزان وأقاموا العزاء( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) :

لهفي على العبّاس لمـّا أن دنى

نحو الفرات بقلبه الحران

فأراد شرب الماء وقال بنفسه

وا لهفتاه للسيد الظمآن

عاف الشراب ولم يبل أو أمه

وجد الوجد أخيه والإخوان

لهفي على العبّاس إذ حاطوا به

من كلّ فج اقبلوا ومكان

حاطوا به واستفردوه وخرقوا

قرباً ملأها قاصد النسوان

ثاروا عليه بطعنهم وبضربهم

وبطعنهم أردوه في الميدان

فعلاه رجس فاجر بحسامه

قطع اليمين بمشرفي ويماني

وهواه آخر ضربة في رأسه

حتّى رماه بحوبة الجولاني

فأتى الحُسين إليه وهو مسارع

فرآى أخاه مكابد الحدثان

فبكى وقال جزيت خيراً من أخ

واسى أخاه بشدة وهوان

أديت حقاً للأخوة يا أخي

وحضيت وصل الحور والولدان

يا أول الشّهداء يابن الـمُرتضى

صلّى عليك الله كلّ أوان

والله تلك مصيبة لم أنساها

إلّا إذا أدرجت في الأكفان

____________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


حُكي عن عليّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) , أنّه منذ وفاة أبيه الحُسين ما أكل لحم الرؤوس ؛ حزناً على رأس أبيه ، وكان عمره يومئذ أحد عشر سنة ولم يزل يبكي على مصاب أبيه أربعين سنة , وهو مع ذلك صائم نهاره قائم ليله , فإذا اُحضر الطّعام لإفطاره , قال : (( وا كرباه لكربك يا أباه ! وا أسفاه لقتلك يا أباه ! )) .ثمّ يبكي طويلاً وهو يقول : (( قُتل ابن بنت رسول الله جائعاً , قُتل ابن بنت رسول الله عطشاناً وأنا آكل الزّاد وأشرب الماء , لا هناني الأكل والشّرب , يعزّ عليك يا أبي , ليتني لم أر مصرعك )).

قال : ولم يزل يبكي حتّى تبلّ الدّموع وجهه ولحيته ويغشى عليه , فإذا أفاق أكل قليلاً وحمد الله كثيراً وقام إلى عبادة ربّه وأصبح صائماً , ولم يزل هكذا حتّى مات رحمة الله عليه ورضوانه :

وأبلج وضاح الجبين تجمعت

به من معاني المكرمات فنون

إذا أسهرت عيناه من خوف ربه

أقرت به للأولياء عيون

حكى فضيل بن عبد ربّه , أنّه قال : دخلت على الإمام موسى بن جعفر (عليه‌السلام ) , فقلت له : يا سيّدي , إنّي أنشدك قصيدة للسيد إسماعيل الحميري ؟ قال : (( أجل )) .ثمّ إنّه (عليه‌السلام ) أمر بستور فسدلت وأبواب ففتحت , وأجلس حريمه من وراء السّتر ، ثمّ قال : (( أنشد يا فضيل بارك الله فيك )) .فانشدته قصيدة للسيد التي أوّلها : لأم عمر باللوى مربع .فلمّا بلغت إلى : ووجهه كالشّمس إذ تطلع .سمعت نحيباً من وراء السّتر وذلك بكاء أهل بيته وعياله ، وبكى هو أيضاً (عليه‌السلام ) ؛ لأنّه كان رقيق القلب سريع العبرة , فقال لي : (( يا فضيل , لِمَن هذه القصيدة ؟ )) .فقلت : هذه للسيد الحميري .فقال : (( ي رحمه‌ الله ! )) .فقلت : يا مولاي , إنّي رأيته يرتكب المعاصي .فقال : (( يرحمه‌ الله ! )) .فقلت : إنّي رأيته يشرب النّبيذ , نبيذ الرّستاق .فقال : (( تعني الخمر ؟ )) .قُلت : نعم .قال : (( يرحمه‌ الله ! وما ذاك على الله بعسير أن يغفر لمحبّ جدّي عليّ بن أبي طالب شارب الخمر )) .فقلت : الحمد لله على ولايته ومحبّته .ثمّ إنّي أكملت القصيدة إلى آخرها وهو (عليه‌السلام ) مع ذلك يبكي.

وحكى سهيل بن ذبيان بن فضل هذه القصيدة أيضاً , حيث قال : دخلت على الإمام عليّ بن موسى الرّضا في بعض الأيّام قبل أن يدخل عليه أحد من النّاس , فقال لي : (( مرحباً بك يابن ذبيان , السّاعة أراد رسولنا يأتيك لتحضر عندنا )).فقلت : لماذا يابن رسول


الله ؟ فقال(ع) : (( لمنام رأيته البارحة وقد أزعجني وأرقني )) .فقلت : خيراً يكون إن شاء الله تعالى .فقال : (( يابن ذبيان , رأيت كأنّي قد نُصب لي سلّم فيه مئة مرقاة , فصعدت إلى أعلاه )) .فقلت : يا مولاي , أهنئك بطول العمر وربّما تعيش مئة سنة لكلّ مرقاة سنة ؟ فقال لي : (( ما شاء الله كان )) .ثمّ قال : (( يابن ذبيان , فلمّا صعدت إلى أعلى السّلّم , رأيت كأنّي دخلت في قبّة خضراء يرى ظاهرها من باطنها , ورأيت جدّي رسول الله جالساً فيها وإلى يمينه وشماله غلامان حسنان يشرق النّور من وجوههما , ورأيت امرأة بهيّة الخلقة , ورأيت بين يديه شخصاً بهيّ الخلقة جالساً عنده , ورأيت رجلاً واقفاً بين يديه وهو يقرأ هذه القصيدة : لأم عمر باللوي مربع .فلمّا رآني النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , قال لي : مرحباً بك يا ولدي يا عليّ بن موسى الرّضا, سلّم على أبيك عليّ .فسلّمت عليه ، ثمّ قال لي : سلّم على اُمّك فاطمة الزّهراء .فسلّمت عليها ، فقال لي : سلّم على أبويك الحسن والحُسين .فسلّمت عليهما ، ثمّ قال لي : وسلّم على شاعرنا ومادحنا في دار الدُنيا السّيد إسماعيل الحميري.فسلّمت عليه وجلست , فالتفت النّبي إلى السّيد إسماعيل وقال له : عد إلى ما كنّا فيه من إنشاد القصيدة .فأنشد يقول :

لأم عمرو باللوى مربع

طامسة أعلامه بلقع

فبكى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فلمّا بلغ إلى قوله : ووجهه كالشّمس إذ تطلع .بكى النّبي وفاطمة (عليهما‌السلام ) معه ومَن معه , ولـمّا بلغ إلى قوله : قالوا لو شئت أعلمتنا إلى من الغاية والمفزع .رفع النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يديه , وقال : إلهي أنت الشّاهد عليّ وعليهم , إنّي أعلمتهم أنّ الغاية والمفزع عليّ بن أبي طالب .وأشار بيده إليه وهو جالس بين يديه صلوات الله عليه )).

قال عليّ بن موسى الرّضا : (( فلمّا فرغ السّيد إسماعيل الحميري من إنشاد القصيدة , التفت النّبي إليّ وقال لي : يا عليّ بن موسى الرّضا , احفظ هذه القصيدة وأمر شيعتنا بحفظها , واعلمهم إنّ مَن حفظها وأدمن قراءتها , ضمنت له الجنّة على الله)).

قال الرّضا : (( ولم يزل يكرّرها عليّ حتّى حفظتها منه )).

ونحن نتبرّك بإيراد هذه القصيدة ونجعلها خاتمة الباب وإلى الله المرجع وإليه المآب , والقصيدة هذه :


القصيدة للسيد إسماعيل الحميري (رحمه‌الله )

لأم عمرو باللوى مربع

طامسة أعلامه بلقع

تروح عنه الطير وحشية

والأسد من خيفته تفزع

برسم دار ما بها مؤنس

إلّا ظلال في الثرى وقع

رقش يخات الموت من نفثها

والسم في أنيابها منقع

لما وقفن العيس من رسمها

والعين من عرفانه تدمع

ذكرت من قد كنت ألهو به

فبت والقلب شج موجع

كأن بالنّار لمـّا شفني

من حُبّ أروى كبد تلذع

عجبت من قوم أتوا أحمداً

بخطبة ليس لها موضع

قالوا له لو شئت أعلمتنا

إلى من الغاية والمفزع

إذا توفيت وفارقتنا

وفيهم في الملك من يطمع

فقال لو أعلمتكم مفزعاً

كنتم عسيتم فيه إن تصنعوا

صنيع أهل العجل إذ فارقوا

هارون فالترك له أودع

وفي الذي قال بيان لمن

كان إذا يعقل أو يسمع

ثم أتته بعد ذا عزمة

من ربه ليس لها مدفع

أبلغ وإلّا لم تكن مبلغاً

والله منهم عاصم يمنع

فعندها قام النّبي الذي

كان بما يأمره يصدع

يخطب مأمور وفي كفه

كف عليّ ظاهراً يلمع

رافعها أكرم بكف الذي

يرفع والكف الذي ترفع

يقول والأملاك من حوله

والله فيهم شاهد يسمع

من كنت مولاه فهذا له

مولى فلم يرضوا ولم يقنع

فاتهموه وجنت منهم

على خلاف الصّادق الأضلع

وظل قوم غاضهم فعله

كأنما آنافهم تجدع

حتى إذا واروه في قبره

وانصرفوا عن دفنه ضيع

ما قال بالأمس وأوصى به

واشتروا الضر بما ينفع

وقطعوا أرحامه بعده

فسوف يجزون بما قطع


وازمعوا غدراً بمولاهم

تباً لمـّا كان به أزمع

لا هم عليه يردوا حوضه

غداً ولا هو فيهم يشفع

حوض له ما بين صنعا إلى

أيلة والعرض به أوسع

ينصب فيه علم للهدى

والحوض من ماء له مترع

يفيض من رحمته كوثر

أبيض كالفضة أو انصع

حصاه ياقوت ومرجانة

ولؤلؤ لم تجنه أصبع

بطحاءه مسك وحافاته

يهتز منها مونق مربع

أخضر ما دون الورى ناضر

وفاقع أصفر أو انصع

فيه أباريق وقد حانه

يذب عنها الرجل الأصلع

يذب عنها ابن أبي طالب

ذباً كجرباء إبل شرع

والعطر والريحان أنواعه

ذاك وقد هبت به زعزع

ريح من الجنّة مأمورة

ذاهبة ليس لها مرجع

إذا دنوا منه لكي يشربوا

قال لهم تباً لكم فارجع

دونكم فالتمسوا منهلا

يرويكم أو مطمع يشبع

هذا لمن والى بني أحمد

ولم يكن غيرهم يتبع

فالفوز للشارب من حوضه

والويل والذل لمن يمنع

والناس يوم الحشر راياتهم

خمس فمنها هالك أربع

فراية العجل وفرعونها

وسامري الأمة المشنع

وراية يقدمها أذلم

عبد لئيم لكع أكوع

وراية يقدمها حبتر

للزور والبهتان قد أبدع

وراية يقدمها نعثل

لا برد الله له مضجع

أربعة في سقر أودعوا

ليس لهم من قعرها مطلع

وراية يقدمها حيدر

وراية الحمد له ترفع

غدا يلاقي المصطفى حيدر

وراية الحمد له ترفع

مولا له الجنّة مأمورة

والنار من إجلاله تفزع

إمام صدق وله شيعة

يرووا من الحوض ولم يمنع


بذاك جاء الوحي من ربنا

يا شيعة الحق فلا تجزع

الحميري مادحكم لم يزل

ولو يقطع أصبع أصبع

وبعدها صلوا على الـمُصطفى

وصنوه حيدرة الأصلع


المجلس الخامس

من الجزء الثّاني في الليلة الثّامنة من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

أيّها الإخوان والأصحاب ، كيف لا يعظم عليكم المصاب والحزن والاكتئاب , وقد أصبح لهم آل الرّسول ثاوياً على التّراب، وتلك الأبدان المعظّمة عارية من الثّياب , ودماءهم مسفوكة بسيوف أهل الضّلال , ووجوه بناته مبذولة لأعين الأنذال ؟

فياليت فاطمة تنظر إلى الفاطميات بين العدى حاسرات , وهن ما بين نادبة : وا أخاه ! وقائلة : وا أباه ! وصارخة : يا جدّاه ! وباكية : وا كرباه ! مشققات الجيوب , مفجوعات بفقد المحبوب , ناشرات للشعور , بارزات من الخدور , لا طمات للخدود , عادمات للجدود , متعبات بالنّياحة والعويل , فاقدات للمحامي والكفيل .فيا عظم ما اُصيب به الرّسول وابتلي فيه أولاد البتول ! فالحكم لله ولا حول ولا قوّة إلّا بالله :

ألا يا رسول الله لو كنت فيهم

لشاهدتهم في حالة تذهل الفكرا

فهم بين أطفال يتامى ونسوة

أيامى وصرعى كالندامى سقوا خمرا

رؤوسهم فوق القنا وعيالهم

بأيدي أعاديهم تسوقهم قهرا

ومن أفظع الأشياء يا خير مرسل

مساومة استرقاق فاطمة الصغرى

مصاب بكت منه السّماء وأهلها

واشفت به الشم الرعان على المسرا

فيا ويلهم كأنّهم لم يسمعوا ما قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( إنّ الله عزّ وجلّ قد حرّم الجنّة على مَن ظلم أهل بيتي وقاتلهم وسالبهم والمعرض عنهم , أولئك


لاخلاق لهم في الآخرة , ولا يكلّمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم )) .آياتهم باهرة ومعجزاتهم واضحة ظاهرة وهم أعلام الـمُسلمين في الدُنيا والآخرة.

روي عن يحيى اُمّ الطّويل , أنّه قال : كنت عند مولاي الحُسين (عليه‌السلام ) إذ دخل عليه شاب وهو يبكي , فقال له الحُسين (عليه‌السلام ) : (( ما الذي يبكيك يا شاب ؟ )) .قال : يابن رسول الله , إنّ اُمّي ماتت في هذه السّاعة وقد تركت مالاً عظيماً , ولم توصي إليّ شيء ولم أعلم أين دفنته , وقد حرمته .فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( ما الذي قالت لك عند موتها ؟ )) .قال : قالت لي : إذا أردت أن تفعل أمراً من الاُمور لا تعلمه إلّا بما يشير به إليك الحُسين ابن بنت رسول الله .فما تأمرني به يا مولاي؟ فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( أتحبّ أن يحيي الله اُمّك وتخبرك بما تريد ؟ )) .فقال الشّاب : يا حبّذا .فقام الحُسين (عليه‌السلام ) مع الشّاب والنّاس معهما حتّى أتى منزل اُمّه , فوقف عليها ودعا إلى الله تعالى بدعوات لم نفهمها , ثمّ قال لها : (( قومي يا أمة الله بإذن الله تعالى , وأوصي إلى ابنك بما تريدين )) .فقامت وهي تشهد وتقول : السّلام عليك يابن رسول الله , اعلم أنّ عندي مالاً جزيلاً موضوعاً في مكان كذا وكذا , فاستخرجه وخذ ثلثيه لك أنفقه بما شئت , وثلثه الآخر ادفعه لابني هذا إن كنت تعلم أنّه محبّ لكم وموال لكم , وإن كان مخالفاً فامنعه عنه ؛ لأنّ مالي مُحرّم على مَن يبغضكم أهل البيت .ثمّ إنّها ماتت رحمها الله تعالى , فأمر الحُسين (عليه‌السلام ) بتغسيلها وتكفينها وصلّى عليها ودفنها.

انظروا يا إخواني إلى هذا الأمر العظيم والخطب الجسيم , وهو ليس بكثير منهم ولا بمستبعد عنهم , وقد ظهر لهم من الفضل ما لا يحصى ومن المعجزات ما لا يستقصى , فالويل لِمَن خذلهم وهوى غيرهم ورد لهم.

وروي عن أبي الحصين (رضي‌الله‌عنه ) , قال : رأيت شيخاً مكفوف البصر فسألته عن السّبب , فقال : إنّي من أهل الكوفة وقد رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام , وبين يديه طشت فيه دم عظيم من دم الحُسين (عليه‌السلام ) , وأهل الكوفة كلّهم يُعرضون عليه فيلطخهم بالدّم دم الحُسين (عليه‌السلام ) , حتّى انتهيت إليه وعُرضت عليه , فقلت : يا رسول الله , ما ضربت بسيف ولا رميت بسهم ولا كثرت السّواد عليه .فقال لي : (( صدقت , ألست من أهل الكوفة ؟ )) .فقلت : بلى .قال : (( فلِمَ لا نصرت ولدي ولِمَ لا


أجبت دعوته ؟ ولكنّك هويت قتلة الحُسين وكنت من حزب ابن زياد )) ثمّ إنّ النّبي أومى إليّ بإصبعه فأصبحت أعمى , فوالله , ما يسرّني أن يكون لي حمر النّعيم , ووددت أن أكون شهيداً بين يدي الحُسين (عليه‌السلام ).

وروي في بعض الأخبار : أنّ رسول الله كان نائماً في بيت عائشة وقت القائلة , فاستيقظ من نومه وهو يبكي , فقالت له عائشة : ما يبكيك يا رسول الله فداك أبي واُمّي ونفسي ؟! قال لها : (( إنّ جبرائيل أتاني في نومي وقال : ابسط يدك يا مُحمّد.فناولني قبضة من تراب أحمر , وقال لي : هذه تربة من أرض كربلاء يُقتل فيها ابنك الحُسين (عليه‌السلام ) , تقتله اُمّتك يا محمد)).

قالت عائشة : فجعل النّبي يحدّثني وهو يبكي ويقول : (( مَن ذا يقتل ابني حُسيناً ؟ مَن ذا يقتل قرّة عيني حُسيناً ؟ لا أناله الله شفاعتي يوم القيامة )).

ثمّ قالت عائشة : والله , لقد قال لي رسول الله : (( ادع لي ابنتي فاطمة الزّهراء )) .فأسرعت إليها , فجاءت وهي تقود ابنيها الحسن والحُسين كلّ واحد منهما بيد , وجاء عليّ (عليه‌السلام ) يمشي خلفهما حتّى دخلوا حجرة النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فأجلس عليّاً عن يمينه وأجلس فاطمة عن شماله وأجلس الحسنين بين يديه , ثمّ تناول كساء جرباً فلفّهم فيه جميعاً , وأخذ بيده اليمنى طرفاً من الكساء وبيده اليسرى الطّرف الآخر , ورفع رأسه إلى نحو السّماء وقال : (( اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي ، اللّهمّ اذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً )) .حتّى قالها ثلاث مرّات .فقالت عائشة : ثمّ جاءت جارية فاطمة ومعها إناء فيه عصيدة وخبز في طبق , فوضعته بين أيديهم , فجعلوا يأكلون جميعاً والنّبي يقول لهم : (( كلوا هنيئاً مريئاً قد أذهب الله عنكم الرّجس وطهّركم تطهيراً )) :

أعيني جودا في دموع غزيرة

فقد حق إشفاقي وما كنت أحذر

أعيني هذا شافعوا الناس واصلوا

المنايا فمنهم دارعون وحسر

من الأكرمين الغر من آل هاشم

لهم سلف من واضح المجد يذكر

مصابيح أمثال الأهلة إذ هم

لدى الجود أو دفع الكريهة أبصر

بهم فجعتنا والفوادح كأسمها

تميم أو بكر والسكون وحمير

وهمدان قد جاشت علينا وأجلست

هوازن في أفناء قيس واعصر

وفي كلّ حي نضحة من دمائنا

بني هاشم يعلو سناها ويشهر


فللّه محيانا وكان مماتنا

وللّه قتلانا تدان وتنشر

لكل دم مولى ومولى دمائنا

لمرتقب يعلو عليكم ويظهر

فسوف يرى أعداءنا حين نلتقي

لأي الفريقين النّبي المطهر

روى ابن وهب (رضي‌الله‌عنه ) , قال : دخلت يوم عاشوراء إلى دار إمامي جعفر الصّادق (عليه‌السلام ) فرأيته ساجداً في محرابه , فجلست من ورائه حتّى فرغ , فأطال في سجوده وبكائه , فسمعته يناجي ربّه وهو ساجد يقول : (( اللّهمّ , يا مَن خصّنا بالكرامة ووعدنا الشّفاعة , وحملنا الرّسالة وجعلنا ورثة الأنبياء , وختم بنا الاُمم السّالفة وخصّنا بالوصية , وأعطانا علم ما مضى وما بقي , وجعل الأفئدة من النّاس تهوي إلينا .اغفر اللّهمّ لإخواني ولزوّار أبي عبد الله الحُسين (عليه‌السلام ) , الذين انفقوا أموالهم في حبّه وشخصوا أبدانهم , رغبة في برّنا ورجاء لما عندك في صلتنا , وسروراً أدخلوه على نبيّك مُحمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , واجابة منهم لأمرنا وغيظاً أدخلوه على عدوّنا ؛ وأرادوا بذلك رضوانك.

اللّهمّ , فكافهم عنّا بالرّضوان , واكلأهم بالليل والنّهار , واخلفهم في أهاليهم وأولادهم الذين خلفوا أحسن الخلف , واكفهم شرّ كلّ جبّار عنيد , وكلّ صعيف من خلقك وشديد , وشرّ شياطين الإنس والجن , واعطهم أفضل ما أملوه منك في غربتهم عن أوطانهم , وما آثرونا به على أبنائهم وأهاليهم وأقربائهم.

اللّهمّ , إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجهم , فلم ينههم ذلك عن النّهوض والشّخوص إلينا ؛ خلافاً منهم على مَن خالفنا , فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشّمس , وارحم تلك الخدود التي تقلّبت على قبر أبي عبد الله الحُسين , وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا , وارحم تلك القلوب التي حزنت لأجلنا واحترقت بالحزن , وارحم تلك الصّرخة التي كانت لأجلنا.

اللّهمّ , إنّي استودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتّى ترويهم من الحوض يوم العطش الأكبر , وتدخلهم الجنّة وتسهّل عليهم في يوم الحساب , إنّك أنت الكريم الوهّاب )).

قال : فما زال الإمام (عليه‌السلام ) يدعو لأهل الإيمان ولزوّار قبر الحُسين وهو ساجد في محرابه , فلمّا رفع رأسه , أتيت إليه وسلّمت عليه وتأمّلت وجهه , وإذا هو كاشف اللون متغيّر الحال ظاهر الحزن , ودموعه تنحدر على خدّيه كاللؤلؤ الرّطب , فقلت : يا سيّدي , ممّ بكاؤك لا أبكى الله لك عيناً ؟ وما الذي حلّ بك ؟ فقال لي : (( أوفي غفلة عن


هذا اليوم ؟ أما علمت أنّ جدّي الحُسين قد قُتل في مثل هذا اليوم ؟! )) .فبكيت لبكائه وحزنت لحزنه , فقلت له : يا سيّدي, فما الذي أفعل في مثل هذا اليوم ؟ فقال لي : (( يابن وهب , زر الحُسين (عليه‌السلام ) من بعيد أقصى ومن قريب أدنى , وجدّد الحزن عليه واكثر البكاء والشّجون له )) .فقلت : يا سيّدي , لو أنّ الدّعاء الذي سمعته منك وأنت ساجد كان كمن لا يعرف الله تعالى , لظننت أنّ النّار لا تطعم منه شيئاً , والله , لقد تمنّيت إنّي كنت زرته قبل أن أحج .فقال لي : (( فما الذي يمنعك من زيارته يابن وهب ؟ ولِمَ تدع ذلك ؟ )).

فقلت : جعلت فداك ! لم أدر أنّ الأجر يبلغ كلّه حتّى سمعت دعاءك لزوّاره .فقال لي : (( يابن وهب , إنّ الذي يدعو لزوّاره في السّماء أكثر ممّن يدعو لهم في الأرض , فإيّاك أن تدع زيارته لخوف من أحد , فمَن تركها لخوف , رأى الحسرة والنّدم حتّى أنّه يتمنّى أنّ قبره نبذه .يابن وهب , أما تحبّ أن يرى الله شخصك ؟ أما تحبّ أن تكون غداً ممّن رأى وليس عليه ذنب يتبع به ؟ أما تحبّ أن تكون غداً ممّن يصافحه رسول الله يوم القيامة ؟ )).

قُلت : يا سيّدي , فما قولك في غير تبييت ؟ فقال لي : (( لا تجعله صوم يوم كامل , وليكن إفطارك العصر بساعة على شربة من ماء ؛ فإنّه في ذلك الوقت انجلت الهيجاء عن آل الرّسول وانكشفت الغمّة عنهم , ومنهم في الأرض ثلاثون قتيلاً من مواليهم من أهل البيت , يعزّ على رسول الله مصرعهم ولو كان حيّاً لكان هو المعزّى بهم )).

قال : وبكى الصّادق (عليه‌السلام ) حتّى اخضلت لحيته بدموعه , ولم يزل حزيناً كئيباً طول يومه ذلك وأنا معه أبكي لبكائه وأحزن لحزنه ، وها نحن كيف لا نبكي لِمَن بكى لفقده الرّسول ! وكيف لا نحزن لِمَن حزنت لأجله البتول ! وكيف لا نبكي لبكاء سادتنا ! وكيف لا نحزن لفقد هُداتنا ! أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ مغامس ( رحمه ‌الله تع الى)

لغيرك يا دنيا نعيت عناني

وذاك لأمر عن غناك غناني

ومن كان في الدُنيا مثلي عارفاً

لواه الذي عن حبهن لواني

نعيت إلى نفسي زمان شبيبتي

وشيبي إلى هذا الزمان نعاني

وانفذت في اللذات أيام صحتي

فلمّا لحى عظمي السقام لحاني


لقد ستر الستار حتّى كأنه

بعفو عن اسم المذنبين محاني

ولو أنني أديت في ذاك شكره

لكنت رعيت الحق حين رعاني

ولكنني بارزته بجرائم

كأن لم يكن عن مثلهن نهاني

أقول لنفسي إن أردت سلامة

فديني فما لي في الغداة بداني

ذري حذري يذري دموعي لعله

إذا ما سقاني بالدموع شفاني

فإني لأخشى أن يقول امرته

بأمر وقد امهلته فعصاني

ولي عنده يوم النشور وسيلة

بها أنا راج صفح ما أنا جاني

بنو الـمُصطفى الغر الذين اصطفاهم

وميزهم من خلقه بمعاني

أناف بهم في الفخر عبد منافهم

فما لهم عند المدان مداني

أبروا حمى من يرجي ويتقي

ليوم طعام أو ليوم طعان

وإن لهم في سالف الدهر وقعة

لدى الطف تجري الدمع بالهملان

غداة ابن سعد يستعد لحربهم

بكل معدي وكل يماني

غداة تسمى مسلماً وهو خادم

لنجل عقيل مسلم ولهاني

غداة دعوا النصاب سبط مُحمّد

خداعاً بإيمان لهم وأماني

غداة أتى من أهله في عصابة

يجوبوا بها البيداء بغير تواني

غداة دعوة فيهم أقبلت قاصداً

لأنت مريب قاصداً لبيان

غداة دعا كاتبتموني فاقبلت

هجائن عزمي نحوكم وهجاني

غداة دعوا فأنزل الحكم أميرنا

وإلّا لحرب يا حسين عواني

غداة دعا أن لم تنيبوا لربكم

فخلوا سبيلي والرجوع لشاني

غداة أبو أن يرجع السبط فانثنى

وما هو فيما بينهم بمعاني

غداة استحث اليعملات فلم تسر

وقد ضربت في كربلاء بحران

غداة دعا انصاره الآن فانزلوا

نزول تفان لا نزول تهان

ففي هذه حقاً تجول رجالنا

وقطع أكف بيننا وبنان

وفي هذه حقاً تجول خيولنا

مجال قتال لا مجال رهان

وفي هذه حقاً تعلى رؤوسنا

على مستقيمات الكعوب لدان

ودارت بهم خيل الأعادي فجرعوا

كؤوس المنايا والحتوف دواني


فلم يبق إلّا السبط يحمل فيهم

لدى لبدة في حومة الجولان

إذا ما التقاه الجحفل اللحب رده

بعضب له ذي رونق وسنان

إلى حيث أرداه سنان برمحه

فخر كطوب من هضاب رهان

واقبل شمر ساحب الذيل نحوه

وفي كفه ماضي الغروب يماني

فقال له من أنت قال أنا الذي

اسمي بشمر والضباب نماني

فقال وهل بي أنت يا شمر عارف

أم أنت كفور أم جهلت مكاني

فقال له أنت الحُسين ابن فاطم

وما لك في هذه البرية ثاني

فجاءته تمشي زينب إبنة فاطم

مقرحة الأحشاء في لهفاني

فقالت لشمر ذي الخنا وهو مثخن

بحلق حسين للمهند حاني

أيا شمر أم والله لو كنت مسلماً

لربك أو أيقنت أنك فان

لما كنت يا شمر أجترءت عظيمة

بها يوم تأتي يشهد الملكان

أيا شمر جهلاً قد جنيت جناية

لأمثالها لم يجن قبلك جاني

أيا شمر إن الخصم فيها مُحمّد

وحيدر والزهراء والحسنان

أيا شمر أبشر سوف تلقى مُحمّد

فتشقى ولا تسقى رحيق جنان

أيا شمر هذا واحدي قد قتلته

وحسبي به حسبي به وكفاني

أيا شمر من ذا للزمان نعده

إذا ما زماني بالخطوب رماني

أيا شمر ألا قبل ذاك قتلتني

فما لي عيش بعد ذاك بهاني

أيا شمر من ذا يرعوي لأرامل

أراها تسح الدمع حين تراني

ولما رنت نحو الحُسين ونحوه

خضيب بما قد اسبل الودجان

دعت يا أخي يعز عليك بأنني

أراك قطيع الرأس رأي عياني

أخي إن بكت نفسي أساً فلعلني

بكيت لأمر عن أساك عنان

أخي ما الحجالي عن حجالي بحاجب

ولا عنك إذا بكى نهاي نهاني

أخي أي أحداث الطوارق اشتكي

فقد قض دمعي طارق الحدثان

اخي من عمادي في الزمان وناصري

ولم يبق إلّا شقوتي وهوان

أخي إن رمتني الحادثات بريبها

فقد كنت فيها عدتي وأماني

أخي ليس للمبقي لحالي بقية

عليك مصاب شفني وبراني


أخي للرزايا حرقة مستمرة

فيا سواتا منها يجن جناني

أخي إن يكن في الموت من ذاك راحة

فراحة نفسي أن يكون أتاني

أخي لو تراني في السبايا أسيرة

بشجو مصاب هدني ودهاني

لا بصرت مس الضر كيف أصابني

بكف عدو سبني وسباني

وفاطمة الصغرى تنادي بزينب

وتشكو فؤاداً دائم الخفقان

أيا عمتاه ما للضبابي ترني

قناعي وبغيا بالقطيع علاني

أيا عمتا مالي إذا رمت من أبي

دنوا حماني قربة ولحاني

أيا عمتا كم استغيث بوالدي

ولو كان حياً سامعاً لوعاني

أيا عمتا قد كنت أملت أنني

فداه ولكن الحُسين فداني

أيا عمتا أما الأسى فاطاعني

وأما العزا عن والدي فعصاني

أيا عمتا أما السلو فخانني

غداة سلا عني الحيا وجفاني

أيا عمتا وجدي عليه مجدد

وما فرط أحزاني عليه بواني

أيا عمتا ما أخيب الحزن مطعماً

بحلق معان للمصيبة عان

أيا عمتا أن نيح مضني من الأسا

فإن الأسى قد شجني وشجاني

وتدعو بخير العالمين مُحمّد

وبالدمع جفنا عليتها بكفاني

أيا جد هذا السبط في طف كربلاء

مضمخ جثمان باحمر قاني

أيا جد أما جسمه فضيوفه

ضباع الفلا معلومة العسلان

أيا جد ما رأسه لو نظرته

تجده رفيعاً في سنان سنان

أيا جد قد رضته بالجرد منهم

بنو أمهات قد عرفن زواني

أيا جد لم يسقوه ماء وإنه

ليكرع فيه سائر الحيوان

أيا جدنا قد هدم القوم كلما

له قبل هذا اليوم مجدل بان

أيا جدنا هذي بناتك بينهم

فمن أيم مسبية وحصان

أيا جدنا هذا عليّ مصفداً

يرى ما يلاقي من أذى وهوان

أيا جد لو عاينته في قيوده

رثيت لمغلول اليدين مهان

وأعظم شيء أن يشاء على الطوا

بهم من مكان نازح لمكان

يسار بهم نحو الشام هدية

إلى كافر ذي قسوة وشنان


فلما رأتهم في القيود غداً لهم

يقول بإلحاظ الشماتة ران

ويندب أشياخاً ببدر مغرداً

بترجيع ألحان ورشف دنان

ويقرع سنا فاضلا كان قبل ذا

يقبله من أحمد الشفتان

على ظالم الأطهار من آل أحمد

أشد نكال في غد ولعان

بني صفوة الجبار عيناي كلما

ذكرتم لهم بالدمع تبتدران

وإني من حزن على فوت نصركم

لأقرع سني حسرة ببناني

ولكنه إن أخر العصر عنكم

ففات سناني لا يفوت لساني

وأنتم موالي الذي اقتدى بهم

فلا فلان اقتدى وفلان

ولي موبقات من ذنوب أخافها

إذا ما إلهي للحساب دعاني

وما قيل يوم الحشر يؤتى بشافع

لناج ولكن الشفيع لجاني

على أنني راج سماحة منعم

لقصدكم قبل السؤال هداني

وما أنا من عفو الإله بقانط

ولكنه ذو رحمة وحنان

وكيف وقد ابدعت إذ قمت خاطباً

لكم في معاني حسنكم بمعاني

ولن يخش يوماً من عذاب مغامس

إذا كنتم مما أخاف أماني

عليكم سلام الله ما در شارق

وما قام داعي فرضه لأذان

الباب الثّاني

أيّها الإخوان والأصحاب , إذا عرفتم أنّ الحزن على هذا المصاب مما يزيد في الأجر والثّواب , فلِمَ لا تحزنون على ما حلّ بسادات النّاس من اللئام الكفرة الأرجاس ؟ أزالوهم عن مراتبهم التي رتّبهم الله فيها , وهذه القضية أصل كلّ بلية إن كنت تعيها, ثمّ لم يكفهم ذلك حتّى منعوهم من الأخماس التي عوّضهم الله تعالى بها عن أوساخ النّاس , فقالوا : هذه للمُسلمين كافّة.فحرّموها عليهم ومنعوها من الوصول إليهم ، ثمّ ارتقوا إلى أبلغ من ذلك , فقالوا لفاطمة (عليها‌السلام ) : فدك لنا لا لك.فانتزعوا منها بلغتها وبلغة بعلها وبنيها ، ثمّ ارتقوا على ذلك , فمنعوها إرثها من أبيها , فلمّا رأى أهل الشّقاق والنّفاق ما فعل بهم الصّدر الأوّل الذي على زعمهم عليه المعوّل , وكان في صدورهم الغل الكامن الدّفين ؛ من أجل بغضهم لأمير المؤمنين, لا جرم انتهزوا فيهم الفرص فجرّعوهم الغصص.

فواعجباً من


الأوائل والأواخر وظلمهم الزّائد وعقلهم القاصر ! فيا حرقي تزايدي على ما حلّ بساداتي ! ويا جفوني سحّي دموعاً على أصول ديني وأهل هداتي ! :

مضينا إلى الأرض التي تسكنونها

أقبل ترب الأرض في كلّ منزل

وحزناً على ما قد لقيتم من الظمأ

اغص بشرب الماء في كلّ منهل

فإنّا لله وإنّا إليه راجعون :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .

حُكي : أنّه لمـّا قُتل الحُسين وأراد القوم وطأه بالخيل , قالت فضّة لزينب : يا سيدتي , إنّ سفينه صاحب رسول الله كان بمركب , فضربته الرّيح فتكسّر , فسبّح فقذفه البحر إلى جزيرة , وإذا هو بأسد , فدنا منه فخشي سفينه أن يأكله , فقال له : يا أبا حارث , أنا مولى لرسول الله .فهمهم بين يديه مشيراً له برأسه , ومشى قدّامه حتّى أوقفه على طريق فركبه ونجا سالماً , وأرى أسداً خلف مخيّمنا , فدعيني أذهب إليه وأخبره بما هُم صانعون غداً بسيّدي الحُسين .فقالت : شأنك .قالت فضة : فمضيت إليه حتّى قربت منه وقلت : يا أسد , أتدري ما يريدون صنعه غداة غد بنو اُميّة بأبي عبد الله ؟ يريدون يوطئون الخيل ظهره .قال : نعم .فقام الأسد ولم يزل يمشي وأنا خلفه حتّى وقف على جثّة الحُسين (عليه‌السلام ) , فوضع يديه عليه , وجعل يمرّغ وجهه بدم الحُسين ويبكي إلى الصّباح , فلمّا أصبح بنو اُميّة , أقبلت الخيل يقدمهم ابن الأخنس لعنه الله تعالى ، فلمّا نظروه , صاح بهم ابن سعد إنّها لفتنة لا تثيروها , فرجعوا عليهم لعائن الله تعالى ، وهو من بعض فضائلهم عليهم رحمة الله.

حُكي عن رجل أسدي , قال : كنت زارعاً على نهر العلقمي بعد ارتحال عسكر بني اُميّة , فرأيت عجائب لا أقدر أحكي إلّا بعضها ، منها : أنّه إذا هبّت الرّيح , تمرّ عليّ نفحات كنفحات المسك والعنبر ، وإذا سكنت , أرى ما تنزل من السّماء إلى الأرض ويرقى من الأرض إلى السّماء مثلها ، وأنا مفرد مع عيالي ولا أرى أحداً أسأله عن ذلك ، وعند غروب الشّمس , يقبل أسد من القبلة فأولّي عنه إلى منزلي ، فإذا أصبح الصّباح وطلعت الشّمس وذهبت من منزلي , أراه مستقبل القبلة ذاهباً ، فقلت في نفسي , إنّ هؤلاء خوارج قد خرجوا على عُبيد الله بن زياد فأمر بقتلهم ، وأرى منهم ما لم أره من سائر القتلى ، فوالله , هذه الليلة لأبدأ من المساهرة لأبصر هذا الأسد يأكل من هذه الجثث أم لا .فلمّا صار غروب

____________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


الشّمس , وإذا به أقبل فحقّقته وإذا هو هائل المنظر , فارتعدت منه وخطر ببالي , إن كان مراده لحوم بني آدم , فهو يقصدني , وأنا أحاكي بهذا فمثلته , وهو يتخطّى القتلى حتّى وقف على جسد كأنّه الشّمس إذا طلعت , فبرك عليه ، فقلت : يأكل منه؟ وإذا به يمرّغ وجهه عليه وهو يهمهم ويدمدم ، فقلت : الله أكبر ما هذا إلّا أعجوبة .فجعلت أحرسه حتّى اعتكر الظّلام , وإذا بشموع مُعلّقة ملأت الأرض ، وإذا ببكاء ونحيب ولطم مفجع ، فقصدت تلك الأصوات , فإذا هي تحت الأرض ، ففهمت من ناع فيهم يقول : وا حسيناه ! وا إماماه ! فاقشعرّ جلدي , فقربت من الباكي وأقسمت عليه بالله وبرسوله : مَن تكون ؟ فقال : إنّا نساء من الجن .فقلت : وما شأنكن ؟ فقلنّ : في كلّ يوم وليلة هذا عزاؤنا على الحُسين الذّبيح العطشان .فقلت : هذا الحُسين الذي يجلس عنده الأسد ؟ قلنّ : نعم , أتعرف هذا الأسد ؟ قلت : لا .قلنّ : هذا أبوه عليّ بن أبي طالب.فرجعت ودموعي تجري على خدّي :

سلوا سيوف مُحمّد بمحمد

ففزوا بها هامات آل محمد

فكأن عترة أحمد اعداؤه

وكأنما الأعداء عترة أحمد

فاكثروا رحمكم الله الأحزان ، واظهروا شعائر الأشجان ، فإنّه رزء عظيم ومصاب جسيم ، تتزلزل منه الأطواد ، وتتفتت منه الأكباد.

حُكي : أنّه لمـّا فرغ عمر بن سعد من حرب الحُسين , واُدخلت الرؤوس والأسارى إلى عُبيد الله بن زياد لعنه الله تعالى , جاء عمر بن سعد لعنه الله ودخل على عُبيد الله بن زياد ؛ يريد منه أن يمكّنه من ملك الرّي ، فقال له ابن زياد : آتني بكتابي الذي كتبته لك في معنى قتل الحُسين وملك الرّي .فقال له عمر بن سعد : والله إنّه قد ضاع منّي ولا أعلم أين هو .فقال له ابن زياد : لا بدّ أن تجئني به في هذا اليوم , وإن لم تأتني به , فليس لك عندي جائزة أبداً ؛ لأنّي كنت أراك مستحياً معتذراً في أيّام الحرب من عجائز قُريش ، ألست أنت القائل :

فوالله ما أدري وإني لصادق

أفكر في أمري على خطرين

أأترك ملك الري والري منيتي

أم أرجع مأثوماً بقتل حسين


؟ وهذا كلام معتذر مستح متردد في رأيه .فقال عمر بن سعد : والله يا أمير , لقد نصحتك في حرب الحُسين نصيحة صادقة , لو ندبني إليها أبي سعد , لما كنت أدّيت حقّه كما أدّيت حقّك في حرب الحُسين .فقال له عبيد الله بن زياد : كذبت يا لكع.فقال عثمان بن زياد - أخو عبيد الله بن زياد - : والله يا أخي , لقد صدق عمر بن سعد في مقالته , وإنّي لوددت أنّه ليس من بني زياد رجل إلّا وفي أنفه خزمة إلى يوم القيامة , وأنّ حُسيناً لم يُقتل أبداً.

فقال عمر بن سعد : فوالله يابن زياد , ما رجع أحد من قتلة الحُسين بشرّ ممّا رجعت به أنا .فقال له : وكيف ذلك ؟ فقال: لأنّي عصيت الله وأطعت عبيد الله , وخذلت الحُسين بن رسول الله ونصرت أعداء الله , وبعد ذلك , إنّي قطعت رحمي ووصلت خصمي وخالفت ربّي ، فيا عظم ذنبي ويا طول كربي في الدُنيا والآخرة .ثمّ نهض من مجلسه مغضباً مغموماً ، وهو يقول : و( ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (١) .

قال أبو السّدي : والله إنّي لأعجب ممّن يسعى في قتل أئمته , وهو يعلم أنّهم منتقمون منه في آخرته ، فهذا عاقبة أمره في حكومة الرّي وقد خسرها.

وأمّا هو نفسه , فحكي عن الهيثم بن الأسود ، قال : كنت جالساً عند المختار بالكوفة , فابتدأ يقول لجلسائه : والله , لأقتلنّ رجلاً عريض القدمين غائر العينين مرفوع الحاجبين عدو الحسن والحُسين ، وقتله يرضى فيه ربّ العالمين ، ويرضي عليّاً أمير المؤمنين وفاطمة الزّهراء سيّدة نساء العالمين .قال الهيثم : فلمّا سمعت كلام المختار , علمت أنّه يريد بهذه الأوصاف قتل عمر بن سعد.

قال : فلمّا نهض الهيثم من مجلسه , مشى إلى عمر بن سعد وعرّفه بمقالة المختار ، قال : وكان عبد الله بن جعد أعزّ النّاس عند المختار ؛ لأنّه رئيس قومه ، فجاء إلى المختار وتشفّع في عمر بن سعد , وأخذ له كتاب أمان من المختار يقول فيه : أمّا بعد , إنّك يا عمر بن سعد , آمن بأمان الله ورسوله على نفسك وأهلك وولدك ومالك , ولا تؤاخذ بذنب كان منك قديماً ، فمن لقي عمر بن سعد من شرطة الأمير , فلا يعرض له إلى سبيل الخير .فلمّا وصل الكتاب إلى عمر بن سعد , طاب قلبه ، وظهر بعدما كان مختفياً ، وصار يحضر في مجلس المختار في كلّ أسبوع مرّة ، والمختار يكرمه ويدنيه ويجلسه معه على سريره ، كلّ هذا وعمر بن سعد يحسّ قلبه بالشّر , ويظنّ أنّ المختار يقتله لا محالة ، فعزم على الخروج ليلاً من الكوفة ,

____________________

(١) سورة الحج / ١١.


فعلم المختار بخروجه من لكوفة ، فقال : الله أكبر وفيناه وغدر ، واعطيناه ومكر والله خير الماكرين ، ولكن والله في عنقه سلسلة, لو جهد عمر بن سعد أن يفلّها لما استطاع أبداً حتّى اقتله إن شاء الله تعالى عن قريب.

قال : فبينما عمر بن سعد سائر في الطّريق بالليل , فنام على ظهر النّاقة , فرجعت النّاقة به إلى الكوفة وقت الصّبح , فلم يشعر إلّا وهو على باب داره , فنوخ ناقته ودخل داره واستسلم للقتل , فلمّا أصبح عمر بن سعد , دعا بابنه حفص وقال له : امض إلى المختار وانظر هل علم بخروجي أم لا ، واكشف لي عن سريرته.

قال : فجاء حفص إلى المختار وسلّم عليه , وقال له : أيّها الأمير , أبي يقرؤك السّلام ويقول لك اتفي لنا بالأمان أم لا ؟ فقال له : وأين أبوك ؟ فقال : ها هو في داره .فقال له : أليس أبوك قد هرب البارحة وكان يريد الشّام ؟ فقال : معاذ الله , إنّ أبي في داره لم يتغيّب أبداً .فقال : كذبت وكذب أبوك , اجلس هُنا حتّى يأتي أبوك .ثمّ إنّ المختار استدعى رجلاً من جلاوزته، وقال له : انطلق إلى عمر بن سعد وآتني برأسه .فمضى مسرعاً , فما لبث هنيئة إذ جاء وبيده رأس عمر بن سعد , فألقاه في حجر ابنه ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون .فقال له المختار : يا حفص , أتعرف صاحب هذا الرأس ؟ قال : نعم , هذا رأس أبي ولا خير الله في الحياة بعده .فقال المختار : وإنّي لا أبقيك بعده .ثمّ أمر بقتله في الحال لا رضي‌ الله ‌عنهما .ووضع الرّأسان بين يديه، فسرّ بهما سروراً عظيماً ، فقال بعض من حضر : أيّها الأمير رأس عمر بن سعد برأس الحُسين ، ورأس حفص برأس عليّ بن الحُسين .فقال له المختار : صه يا لكع الرّجال , يا ويلك ! أتقيس رأس عمر بن سعد برأس الحُسين , ورأس حفص برأس عليّ بن الحُسين ؟! فوالله , لو قتلت ثلاثة أرباع أهل الأرض , ما وفوا بأنملة من أنامل الحُسين.

قال : وكان مُحمّد بن الحنفيّة بمكّة يجلس مع أصحابه ويذمّ المختار ويعتب عليه ؛ لمجالسته مع عمر بن سعد على سريره وتأخيره قتله ، قال : فحمل الرأسان إليه إلى مكّة ، قال : فبينما مُحمّد بن الحنفيّة جالس , فنظر الرأسان بين يديه , فخرّ لله ساجداً شاكراً ، ثمّ رفع يديه يدعو للمختار بالخير , ويقول : اللّهمّ , لا تنس المختار من رحمتك .اللّهمّ , أجزه عنّا أهل بيت نبيّك خير الجزاء.


وعن ابن مسعود , قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله في مسجده , إذ دخل علينا فتية من قُريش ومعهم عمر بن سعد لعنه الله , فتغيّر لون رسول الله , فقلنا له : يا رسول الله , ما شأنك ؟ فقال : (( إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدُنيا, وإنّي ذكرت ما يلقى أهل بيتي من اُمّتي من بعدي من ؛ قتل وضرب وشتم وسبّ وتطريد وتشريد , وإنّ أهل بيتي سيشرّدون ويطردون ويقتلون ، وإنّ أوّل رأس يُحمل على رمح في الإسلام رأس ولدي الحُسين , أخبرني بذلك أخي جبرائيل عن الرّبّ الجليل )) .وكان الحُسين حاضراً عند جدّه في ذلك الوقت ، فقال : (( يا جدّاه , فمَن يقتلني من اُمّتك ؟ )) .فقال : (( يقتلك شرار النّاس )) .وأشار النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى عمر بن سعد لعنه الله , فصار أصحاب رسول الله إذا رأوا عمر بن سعد داخلاً من باب المسجد , يقولون : هذا قاتل الحُسين (عليه‌السلام ) .قال : وجعل عمر بن سعد كلّما لقي الحُسين يقول : يا أبا عبد الله , إنّ في قومنا اُناساً سفهاء يزعمون إنّي أقتلك .فيقول له الحُسين (عليه‌السلام ) : (( والله إنّهم ليسوا سفهاء , ولكنّهم اُناس حُلماء ، أما إنّه ستقرّ عيني حيث لا تأكل من برّ الرّي من بعد قتلي إلّا قليلاً ، ثمّ تُقتل من بعدي عاجلاً )).

وكان الباقر (عليه‌السلام ) يقول : (( إنّ قاتل يحيى بن زكريا ولد زنا ، وقاتل الحُسين ولد زنا , ولم تمطر السّماء دماً إلّا يوم قتلهما , ولم يحمر الاُفق إلّا في قتلهما ، وإنّ هذه الحمرة التي تظهر في السّماء لم تر قبل قتل الحُسين ولا رؤيت بعد قتله )).

قال الرّاوي : فلمّا نزل الحُسين يوم الطّف في أرض كربلاء , أوّل من حال بينه وبين ماء الفُرات عمر بن سعد لعنه الله تعالى, فاشتدّ العطش بالحُسين وأطفاله وأهل بيته (عليهم‌السلام ) ، فقام رجل من أصحاب الحُسين قال : يابن رسول الله , أتأذن لي أن أمضي إلى ابن سعد فاكلمه في أمر الماء , وأعرّفه بعطش الحرم والأطفال ؛ فعساه يرتدع عن القتال ؟ فقال (عليه‌السلام ) : (( ذلك إليك , افعل ما شئت )).

قال : فجاء الهمداني ووبّخه بكلام - قد مرّ ذكره سابقاً - , فكان من عذره أن قال : يا أخا همدان , والله إنّي أعرف النّاس بحقّ الحُسين وحرمته عند رسول الله , ولكنّي حائر في أمري ما أدري كيف أصنع , وفي هذا الوقت كنت اتفكّر في أمري بين ترك ملك الرّي وقتل الحُسين .ثمّ قال : نفسي لأمّارة بالسّوء ما تحسن لي ترك مُلك الرّي ، وإنّي إذا قتلت حُسيناً أكون أميراً على سبعين ألف فارس.

قال : فنهض


من عنده مكسور القلب ورجع إلى الحُسين (عليه‌السلام ) , وقال : يا مولاي , إنّ القوم استحوذ عليهم الشّيطان , وإنّ عمر بن سعد قد عزم على قتلك وقتل أصحابك وأهل بيتك , ورضي بدخول النّار بولاية الرّي :( ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (١) .

فيا إخواني , كيف لا يبكيهم مَن يزعم أنّ له بهم الاتصال حتّى تنقطع منه عليهم الأوصال ؟ وكيف لا يتحمّل الحزن عليهم في هذا الحال وفي كلّ حال حتّى المآل ؟ فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون ، وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ نعمان (رحمه ‌الله تعالى )

جزع بكى وأخو الصبابة يجزع

وجرت بوادر دمعه تندفع

صب إذا هل المحرم هاجه

وجد تفيض العين منه وتدمع

وجوى لمـّا نال الحُسين وآله

نيرانه بين الأضالع تسفع

في كربلاء في كربها وبلائها

لـمّا استجابوا حوله وتجمعوا

واتوه بالبيض الصوارم والقنا

والخيل مسرجة تعد وتمنع

بغياً وعدواً لم يخافوا حاكماً

عدلاً يرى ما يفعلون ويسمع

من بعدما كتبوا إليه خديعة

منهم وهم من كل قوم أجدع

حتى إذا ما جاءهم متحملاً

خدعوا به وكأنهم لم يسمعوا

بالأمس ما قال النّبي مُحمّد

فيه وما أوصاهم بل ضيعوا

وحموه عن ماء الفرات وقد شكا

ظمأ ولم يخشوا ولما يفزعوا

ويل لهم باعوا الهداية بالعمى

وترددوا في غيهم وتسلعوا

والله ما عاد بأعظم حرمة

منهم ولا فعلت ثمود وتبع

قوم كفعلهم الشنيع وما أتوا

بل فعلهم من كل فعل أشنع

ناداهم لمـّا به حفوا معاً

زمراً ولم يك من لقاهم يجزع

يا شر خلق الله ما من مسلم

منكم له دين يكف ويردع

حرم النّبي تموت من حر الظمأ

والوحش في ماء الشريعة يترع

____________________

(١) سورة الحج / ١١.


ألكم طلائب عندنا تبغونها

اُمّ ما عرفتم ويلكم ما تصنعوا

انفذتم كتباً إلي فجئتكم

فالآن إذ خنتم دعوني ارجع

قالوا له هيهات بل لاميرنا

تعطى القياد وتستكين وتخضع

أو بالسيوف المرهفات وبالقنا

نوليكم طعناً وضرباً يفظع

فهناك جرد سيفه لقتالهم

وهو الشجاع اللوذعي السلفع

في فتية بذلوا نفوسهم معاً

من دون مهجته إلى أن صرعوا

من حوله فوق التراب كأنهم

أقمار أدحية ضياها يلمع

وبقي حبيب مُحمّد بين العدا

فردا يذب عن الحريم ويمنع

كالليث منصلتاً إلى أن غاله

سهم المنون فخر وهو الموجع

عن سرجه يرنو إلى فسطاطه

والعين منه تستهل وتدمع

أسفي على النسوان في ذل السبا

إذ لم يعد أحد هنالك يسمع

ومضى الجواد إلى الخيام محمحماً

ينعي الحُسين ودمعه يتدفع

فسمعن رنته النساء فقلن قد

وقع الذي كنا له نتوقع

فخرجن من فسطاطهن صوارخا

جزعاً صراخاً للصخور يصدع

وأتينه والشمر جاث فوقه

بحسامه للرأس منه يقطع

فرقى الحُسين وقلن ويلك يا عدو

الله ماذا بالمطهر تصنع

هذا جزاء مُحمّد في آله

منكم لفعلك يا أمية اشنع

فاحتز رأس السبط يا لك لوعة

لم يبق للإسلام شمل يجمع

فاهتز عرش الله جل وسبحت

أملاكه وبكوا أسى وتفجعوا

وهوت نجوم عند ذاك من السما

وبكت دما بعض لبعض تتبع

والأرض مادت والجبال تزعزعت

والجو مسود هنالك اسفع

والطير في جو السّماء بكت له

أسفاً وا عرضت الوحوش الرتع

عن وعيها جزعاً عليه ولم يزل

للجن نوح في الأماكن يسمع

وعلى سنان الرمح شالوا رأسه

كالبدر يزهو نوره ويشعشع

وجرت خيولهم على جثمانه

حتّى تحطم صدره والأضلع

وتناهبوا رحل الحُسين وسلبوا

نسوانه باخبث ما قد صنعوا


يا عين أبكي للحسين وأهله

بدم إذا ما قل منك المدمع

ابكي غريب مُحمّد وجيبه

فمصابه مما سواه أفظع

ابكي عليه مفرداً بين العدا

والبيض فيه والأسنة تشرع

ابكي عليه ورأسه في ذابل

والجسم منه بالسيوف مبضع

ابكي له ملقى بلا غسل ولا

كفن ولا نعش هناك يشيع

ابكي لنسوان الحُسين حواسراً

في البيد ما فيهن من يتقنع

ابكي لهن يسقن بعد صيانة

قسراً وهن إذاً عطاشى جوع

ابكي على السجاد وهو مقيد

بالقيد مكتوف اليدين مكنع

ابكي لزينب إذ تقول لاختها

لـمّا تنادوا للرحيل وازمعوا

يا أخت قد عزوا عليّ ترحالهم

قومي إلى جسد الحُسين نودع

قومي إليه فما لنا من نظرة

منه سوى هذي العشية نطمع

يا أخت هذا اليوم آخر عهدنا

لا يوم فيه بعده نتجمع

هذا بآل مُحمّد فعل العدى

أفبعده لهم نحب ونتبع

بل منهم نبرأ ونلعنهم معاً

لعناً يدوم مجدداً لا يقطع

فالأولان هما لهذا أسساً

والآخرون بنوا عليه ورفعوا

والله لو لا نكث عهد الـمُصطفى

يوم الغدير وظلم حيدر فاسمعوا

ما استنهضت آل النّبي أمية

كلا ولا لخلافة يوم دعوا

لا زال لعن الله يغشاهم ومن

يرضى بفعلهم الشنيع ويقنع

وعلى بني الزّهراء صلّى ربهم

ما دام صبح خلف ليل يصدع

يا آل بيت مُحمّد إنّي لكم

يوم القيامة في السلام أطمع

أنا عبدكم نعمان حبكم معاً

ذخري إذا ظم الأنام المضجع

واليتكم لأكون تحت ولائكم

وغدا إذا فرغ الورى لا أفزع

وإذا منعتم حين يشتد الظمأ

أعداءكم من حوضكم لا امنع

مني السلام عليكم ما غردت

ورقاء نهتف في الغصون وتسجع

الباب الثّالث

أيّها المؤمنون النّاصحون والاخلاء الصّالحون ، عجّوا بالبكاء والعويل ،


واندبوا أهل الإيمان والتّنزيل ، ويا أهل الأمانة والطّاعة , ساعدوا أهل الكرامة والشّفاعة ، أو لم تسمعوا يا ذوي العقول بمصيبة آل الرّسول ؟! فواعجباه من هذه المصائب التي تسكب العبرات ! ويا تعجباه ممّن لا يساوي مواليه في النّكبات ! فكيف يدّعي المحبّة مَن لا ينوح على أولاد الرّسول وثمرة فؤاد البتول ؟ فهل تحسن المراثي والنّدب إلّا على المقتولين من غير سبب ؟!

فيا وقعة ما أمرّها ! ويا قتلة ما أحرّها ! منعوهم من الماء المباح وسقوهم السّيوف والرّماح ، فليت شعري ما كان السّبب لذلك حتّى أوردوهم تلك المهالك , مشرّدين عن البلاد مفجوعين في الأهل والأولاد ؟ فمنهنّ من تخمش وجهها بيديها ، ومنهنّ من ينزع قرطيها من أذنيها.

فيا لها من مصيبة في الأنام تضعضعت لها سائر بلاد الإسلام ! فنحتسب أجرها عند الله ، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

نُقل عن اُمّ سلمة , قالت : كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذات يوم معي , فبينما هو راقد على الفراش ، جاعل رجله اليمنى على اليسرى وهو على قفاه , وإذا بالحُسين (عليه‌السلام ) - وهو ابن ثلاث سنين وأشهر - أتى إليه , فلمّا رآه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , قال : (( مرحباً بقرّة عيني مرحباً بثمرة فؤادي )) .ولم يزل يمشي حتّى ركب على صدر جدّه فأبطأ ، فخشيت أنّ النّبي تعب فأحببت أنحيه عنه ، فقال : (( دعيه يا اُمّ سلمة , متى أراد الانحدار ينحدر ، واعلمي مَن آذى منه شعرة فقد آذاني )) .قالت : فتركته ومضيت فما رجعت إلّا ورسول الله يبكي , فعجبت من بعد الضّحك والفرح ، فقربت منه وقلت : يا سيّدي , ما يبكيك لا أبكى الله عينك ؟ وهو ينظر لشيء بيده ويبكي ، قال : (( ما تنظرين ؟ )) .فنظرت وإذا بيده تربة , فقلت : ما هي ؟ قال : (( أتاني بها جبرائيل هذه السّاعة ، وقال لي : يا رسول الله , هذه طينة من أرض كربلاء , وهي طينة ولدك الحُسين وتربته التي يُدفن فيها، فصيّريها عندك في قاروره , فإذا رأيتها قد صارت دماً عبيطاً ، فاعلمي أنّ ولدي الحُسين قد قُتل , وسيصير ذلك من بعدي وبعد أبيه واُمّه وجدّته وأخيه )).

قالت : فبكيت وأخذتها من يده وائتمرت بما أمرني , وإذا لها رائحة كأنّها المسك الأذفر ، فما مضت الأيّام والسّنون إلّا وقد سافر الحُسين إلى أرض كربلاء ، فحسّ قلبي بالشّر وصرت كلّ يوم اتجسس القارورة , فبينما أنا كذلك وإذا بالقارورة انقلبت دماً عبيطاً , فعلمت أنّ الحُسين قد


قُتل ، فجعلت أنوح وأبكي يومي كلّه إلى الليل , ولم اتهنّ بطعام ولا منام إلى طائفة من الليل ، فأخذني النّعاس , وإذا أنا بالطّيف برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مُقبل وعلى رأسه ولحيته دم كثير , فجعلت انفضه بكمّي وأقول : نفسي لنفسك الفداء ! متى أهملت نفسك هكذا يا رسول الله ؟! من أين لك هذا التّراب ؟ قال : (( هذه السّاعة فرغت من دفن ولدي الحُسين )).

قالت اُمّ سلمة : فانتبهت مرعوبة لم أملك على نفسي , فصحت : وا حسيناه ! وا ولداه ! وا مهجة قلباه ! حتّى علا نحيبي, فأقبلت إليّ نساء الهاشميات وغيرهن , وقلنّ : ما الخبر يا اُمّ المؤمنين ؟! فحكيت لهنّ بالقصة فعلا الصّراخ وقام النّياح ، وصار كأنّه حين ممات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، وسعين إلى قبره مشقوقة الجيب ومكشوفة الرّأس , فصحن : يا رسول الله قُتل الحُسين ! .فو الله الذي لا إله إلّا هو ، فقد حسسنا كأنّ القبر يموج بصاحبه حتّى تحرّكت الأرض من تحتنا , فخشينا أنّها تسيخ بنا , فانحرفنا بين مشقوقة الجيب ومنشورة الشّعر وباكية العين.

فيا إخواني , مصابهم هو الذي أحرمنا الهجوع وأسكب من أعيننا سحائب الدّموع , وقلّل صبرنا وأذهل فكرنا , وهدّ منّا الأركان وأسلمنا الذّل والهوان , فالحكم لله ولا حول ولا قوة إلّا بالله :

غريبون عن أوطانهم وديارهم

تنوح عليهم في البراري وحوشها

وكيف ولا تبكي العيون لمعشر

سيوف الأعادي في العلاء تنوشها

بدور تواري نورها فتغيرت

محاسنها ترب الفلا نعوشها

وروي : أنّ المتوكل من خلفاء بني العبّاس ، كان كثير العداوة شديد البغض لأهل بيت الرّسول ، وهو الذي أمر الحارثين بحرث قبر الحُسين (عليه‌السلام ) , وأن يجروا عليه الماء من نهر العلقمي ، بحيث لا يبقى له أثر ولا أحد يقف له على خبر ، وتوعّد النّاس بالقتل لِمَن زار قبره , وجعل رصداً من أجناده وأوصاهم : كلّ مَن وجدتموه يريد زيارة الحُسين فاقتلوه ؛ يريد بذلك إطفاء نور الله وإخفاء آثار ذرّيّة رسول الله , فبلغ الخبر إلى رجل من أهل الخير يُقال له زيد المجنون , ولكنّه ذو عقل شديد ورأي رشيد، وإنّما لُقّب بالمجنون ؛ لأنّه أفحم كلّ لبيب ، وقطع حجّة كلّ أديب ، وكان لا يعبأ من الجواب ولا يملّ من الخطاب ، فسمع بخراب قبر الحُسين وحرث مكانه , فعظم ذلك عليه واشتدّ حزنه وتجدد مصابه


بسيده الحُسين (عليه‌السلام ) , وكان يومئذ بمصر , فلمّا غلب عليه الوجد والغرام لحرث قبر الإمام (عليه‌السلام ) , خرج من مصر ماشياً هائماً على وجهه شاكياً وجده إلى ربّه ، وبقي حزيناً كئيباً حتّى بلغ الكوفة وكان البهلول يومئذ بالكوفة , فلقيه زيد المجنون وسلّم عليه فردّعليه‌السلام , فقال له البهلول : من أين لك معرفتي ولم ترني قط ؟ فقال زيد : يا هذا , اعلم أنّ قلوب المؤمنين جنود مجنّدة , ما تعارف منها إئتلف وما تناكر منها اختلف.

فقال له البهلول : يا زيد , ما الذي أخرجك من بلادك بغير دابّة ولا مركب ؟ فقال : والله , ما خرجت إلّا من شدّة وجدي وحزني , وقد بلغني أنّ هذا اللعين أمر بحرث قبر الحُسين (عليه‌السلام ) وخراب بنيانه وقتل زوّاره ، فهذا الذي أخرجني من موطني ونغّص عيشي , وأجرى دموعي وأقلّ هجوعي .فقال البهلول : وأنا والله كذلك .فقال له : قم بنا نمضي إلى كربلاء لنشاهد قبور أولاد عليّ الـمُرتضى.

قال : فأخذ كلّ بيد صاحبه حتّى وصلا إلى قبر الحُسين , وإذا هو على حاله لم يتغير وقد هدموا بنيانه ، وكلمّا أجروا عليه الماء , غار وحار واستدار بقدرة العزيز الجبّار ، ولم يصل قطرة واحدة إلى قبر الحُسين (عليه‌السلام ) , وكان القبر الشّريف إذا جاءه الماء , ترتفع أرضه بإذن الله تعالى ، فتعجّب زيد المجنون مما شاهده , وقال : انظر يا بهلول( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (١) .قال : ولم يزل المتوكل يأمر بحرث قبر الحُسين مدّة عشرين سنة ، والقبر على حاله لم يتغير ولا تعلوه قطرة من الماء ، فلمّا نظر الحارث إلى ذلك ، قال : آمنت بالله وبمُحمّد رسول الله ، والله , لاهربنّ على وجهي وأهيم في البراري ولا أحرث قبر الحُسين ابن بنت رسول الله ، وإنّ لي مدّة عشرين سنة أنظر آيات الله وأشاهد براهين آل بيت رسول الله ، ولا اتعظ ولا اعتبر .ثمّ أنّه حلّ الثّيران وطرح الفدان وأقبل يمشي نحو زيد المجنون وقال له : من أين اقبلت يا شيخ ؟ قال : من مصر .فقال له : ولأيّ شيء جئت إلى هُنا ؟ وإنّي أخشى عليك من القتل .فبكى زيد وقال: والله قد بلغني حرث قبر الحُسين (عليه‌السلام ) , فأحزنني ذلك وهيّج حزني ووجدي .فانكب الحارث على أقدام زيد يقبّلهما , وهو يقول : فداك أبي واُمّي ! فو الله يا شيخ , من حين ما أقبلت إليّ , أقبلت إليّ الرّحمة واستنار قلبي بنور

____________________

(١) سورة التّوبة / ٣٢.


الله , وإنّي آمنت بالله ورسوله , وإنّ لي مدّة عشرين سنة وأنا أحرث هذه الأرض ، وكلّما أجريت الماء إلى قبر الحُسين , غار وحار واستدار ولم تصل إلى قبر الحُسين منه قطرة ، وكأنّي كنت في سكر وأفقت الآن ببركة قدومك إليّ .فبكى زيد وتمثّل بهذه الأبيات :

تالله إن كانت أمية قد أتت

قتل ابن بنت نبيها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثله

هذا لعمرك قبره مهدوما

اسفوا على أن لا يكونوا شاركوا

في قتله فتتبعوه رميما

فبكي الحارث وقال : يا زيد , قد أيقظتني من رقدتي وأرشدتني من غفلتي , وها أنا الآن ماض إلى المتوكل بسر من رأى أعرّفه بصورة الحال , إن شاء أن يقتلني وإن شاء يتركني .فقال له زيد : وأنا أيضاً أسير معك إليه وأساعدك على ذلك .قال : فلمّا دخل الحارث إلى المتوكل وأخبره بما شاهد من برهان قبر الحُسين (عليه‌السلام ) , استشاط غيظاً وازداد بغضاً لأهل بيت رسول الله , وأمر بقتل الحارث , وأمر أن يشد حبل في رجليه ويسحب على وجهه في الأسواق ، ثمّ يُصلب في مجتمع النّاس ؛ ليكون عبرة لِمَن اعتبر ، ولا يبقى أحد يذكر أهل البيت بخير أبداً.

أمّا زيد المجنون فإنّه ازداد حزنه واشتدّ عزاؤه وطال بكاؤه ، وصبر حتّى انزلوه من الصّلب وألقوه على مزبلة هُناك ، فجاء إليه زيد فاحتمله إلى دجلة وغسّله وكفّنه وصلّى عليه ودفنه ، وبقي ثلاثة أيّام لا يفارق قبره وهو يتلو كتاب الله عنده ، فبينما هو ذات يوم جالس , إذ سمع صراخاً عالياً ونوحاً شجياً وبكاء عظيماً , ونساء بكثرة منشرات الشّعور مشققات الجيوب مسودّات الوجوه ، ورجالاً بكثرة يندبون بالويل والثّبور , والنّاس كافّة في اضطراب شديد , وإذا بجنازة محمولة على أعناق الرّجال وقد نشرت لها الأعلام والرّايات , والنّاس من حولها أفواجاً قد انسدّت الطّرق من الرّجال والنّساء ، قال زيد : فظننت أنّ المتوكل قد مات .فتقدمت إلى رجل منهم وقلت له : مَن يكون هذا الميت ؟ فقال : هذه جنازة جارية المتوكل , وهي جارية سوداء حبشية وكان اسمها ريحانة ، وكان يحبّها حبّاً شديداً .ثمّ إنّهم عملوا لها شأناً عظيماً , ودفنوها في قبر جديد وفرشوا فيه الورد والرّياحين والمسك والعنبر , وبنوا عليها قبّة عالية ، فلمّا نظر زيد إلى ذلك , إزدادت


أشجانه وتصاعدت نيرانه , وجعل يلطم وجهه ويمزّق أطماره , وحثى التّراب على رأسه وهو يقول : وا ويلاه ! وا أسفاه عليك يا حُسين ! أتقتل بالطّفّ غريباً وحيداً ظمآناً شهيداً ، وتُسبى نساؤك وبناتك وعيالك وتُذبح أطفالك , ولم يبك عليك أحد من النّاس , وتُدفن بغير غسل ولا كفن , ويُحرث بعد ذلك قبرك ؛ ليطفئوا نورك وأنت ابن عليّ الـمُرتضى وابن فاطمة الزّهراء , ويكون هذا الشّأن العظيم لموت جارية سوداء , ولم يكن الحزن والبكا لابن مُحمّد الـمُصطفى.

قال : ولم يزل يبكي وينوح حتّى غشي عليه والنّاس كافّة ينظرون إليه ، فمنهم من رقّ له ومنهم من جثى عليه , فلمّا أفاق من غشوته ، أنشأ يقول :

أيحرث بالطف قبر الحُسين

ويعمر قبر بني الزانية

لعل الزمان بهم قد يعود

ويأتي بدولتهم ثانية

ألا لعن الله أهل الفساد

ومن يأمن الدنية الفانية

قال : ثمّ إنّ زيداً كتب هذه الأبيات في ورقة وسلّمها لبعض حجّاب المتوكل , قال : فلمّا قرأها , اشتدّ غيظه وأمر باحضاره فاحضر , وجرى بينهما من الوعظ والتّوبيخ ما أغاظه حتّى أمر بقتله ، فلمّا مثل بين يديه , سأله عن أبي تراب : مَن هو ؟ استحقاراً له ، فقال : والله , إنّك عارف به وبفضله وشرفه وحسبه ونسبه ، فوالله , ما يجحد فضله إلا كلّ كافر مرتاب ولا يبغضه إلا كلّ منافق كذّاب .وشرع يعدد فضله ومناقبه , حتّى ذكر منها ما أغاظ المتوكل , فأمر بحبسه فحبس , فلمّا أسدل الظّلام وهجع ، جاء إلى المتوكل هاتف ورفسه برجله ، وقال له : قُم وأخرج زيداً وإلّا أهلكك الله عاجلاً .فقام هو بنفسه وأخرج زيداً من حبسه وخلع عليه خلعة سنية , وقال له : اطلب ما تريد .قال : أريد عمارة قبر الحُسين وأن لا يتعرض أحد بزوّاره .فأمر له بذلك ، فخرج من عنده فرحاً مسروراً , وجعل يدور في البلدان وهو يقول : مَن أراد زيارة قبر الحُسين , فله الأمان طول الأزمان.

وعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون ، ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :


القصيدة للشيخ مُحمّد بن السّمين (رحمه‌الله )

أيعذب من ورد الجفاء ورود

أيزهر من ورد الوفاء ورود

وينبع من غرس الوداد ثمارها

ويورق من غصن المودة عود

فيا من بدا ذا الود بالصد والجفا

أيحمل من بعد الوصال صدود

فإن تبخلوا بالوصل إنّي مواصل

وبالنفس إن ضن الجواد أجود

وإن عدتم يوماً بما قد بدأتم

من الغدر إنّي بالوفاء أعود

وحبل ذمامي لا تحل عقوده

إذا حل من حبل الذمام عقود

وإن نقضوا عهد الوداد فإنني

مراع لأسباب الوداد ودود

وما حال حال العهد عما عهدتم

وإن رث عقد العهد فهو جديد

وما كادني أمر يكيد احتماله

ولكما نقض العهود يكيد

ولا بدع إن أبدعتم نقض عهدكم

فقد نقضت لابن النّبي عهود

فكم تنقض الأرجاس عهداً وعقده

وثيق على كل العباد وكيد

وقد جاءه تترى صحائف جمة

كأوجههم عند التوجه سود

يقولون إن الضد باد وفي غد

له في لظى بعد الدخول خلود

ونحن بلا وال وأنت ولينا

وأولى بنا منا ونحن عبيد

فسر قصدنا قصداً فلا زلت مقصداً

فقصدك في كل الأمور حميد

فإن لم تسر فارسل من الآل سيداً

فأنت لسادات الأنام عميد

فأرسل سهماً من كنانة آل

مصيباً لدفع النائبات عتيد

فبايعه منهم ألوف تألفت

عليه ولا يحصى لهن عديد

فلم يأتي إلّا الليل حتّى تخاذلوا

وبان لهم بعد الوفاء صدود

وألقوه مذ ألقوه قد جاء رائداً

لمرعى يولي في الصدور بزود

عتواً من القصر المشيد مبوءاً

له قصر در في الجنان مشيد

ففرق جند الحق من بعد قتله

وجمع من جند الضلال جنود

لها ابن زياد مرسل ومجهز

وأما ابن سعد للجنود يقود

إلى حرب مولانا الحُسين وآله

تسارع منهم قائد ومقود

طبولهم في الخافقين خوافق

وتخفق رايات لهم وبنود


يذاد عن الماء المباح وقد غدا

لجل عباد الله منه ورود

ويمنعه من ورده ووروده

كفور لآلاء الإله كنود

ولست بناس قوله حال ما بدا

يخاطبهم بالطف ثمّ يعيد

يقول وقد أبدأ مقالة معذر

ويعلم أن القول ليس يفيد

إلى سبل فيها الهداية فاعدلوا

وعن طريق فيها الضلالة حيدوا

ولا تكحلوا الأبصار بالبغي أعيناً

مراضاً بأميال العتو ثمود

وكونوا أناساً أصلحوا ذات بينهم

وآرائهم في ابن النّبي سديد

ألم تعلموا إنّي الإمام عليكم

وإني لله الشهيد شهيد

وإن لنا حكم المعاد وامره

يؤول إلينا والحساب يعود

وإن أبي يسقي على الحوض معشراً

ويطرد عنه معشراً ويذود

ولولاه لم يخضر للدين عوده

ولا قام للإسلام قط عميد

وقد قلت هذا القول والله عالم

وقاض به والعالمون شهود

فقالوا علمنا ما تقول فلا تزد

فقولك هذا ما عليه مزيد

ولكنما انفاذ أمر أميرنا

يزيد له دون الأنام نريد

نريد بأن تأتي يزيد مبائعاً

فرشدك أن تأتي يزيد نريد

فقال وللعين المبرح في الحشا

كلام وفي القلب الكليم وقود

سلام على الإسلام بعد رعاته

إذا كان راعي المسلمين يزيد

وكيف وأبناء الكرام بذلة

تسام وأبناء اللئام تسود

وآب إلى أنصاره يطلب الرجا

ويوعد إذ حقت لديه وعود

يقول ابشروا فالقول من بعد هذه

مهد وعيش في الجنان رغيد

وحور حسان ما لهن مناظر

يضاهي وفي دار الخلود خلود

وباتوا ومنهم ذاكر ومسبح

وراع ومنهم ركع وسجود

فمذ بزغت شمس الهياج مضيئة

بأفق سماء البغي وهو مديد

به النقع غيم والبروق بوارق

به الويل نبل والصراخ وعود

دعاهم فثابوا للثواب تسابقاً

إلى الموت إذ فيه الحياة تعود

حفو حفيفاً مقدمين كأنهم

ليوث الشرى عند اللقاء أسود


فأورد كل نفسه مورداً له

صدور ومن بعد الصدور ورود

إلى أن تفانوا واحد بعد واحد

لديهم فمنهم قائم وحصيد

وظل بأرض الطف فرداً وحوله

لآل زياد عدة وعديد

وتنظره شزراً من السمر والقنا

نواظر إلّا أنهن حديد

ينادي أما من مسلم ذي حمية

يحامي وعن آل الرسول يذود

أما من شهاب ثاقب يحرق العدا

بنار فشيطان الطغاة عنيد

أما من نصير ينصر الفرد نصرة

لينصر يوم الجمع وهو فريد

أما واحد يأتي الوحيد موصلاً

ليوصل يوم الفصل وهو وحيد

أما جابر يأتي مجيراً ويجيره

إذا حق في يوم الوعيد وعيد

أما من شقي والنفوس تخوفه

توافيه إن وافى لدي سعود

أما أكمه في ليل غي فإن وفي

أرى الفخر فخر الرشيد وهو رشيد

أما فاسد رأياً إذا آب ناصراً

يبلج وجه الرأي وهو سديد

فلما رمى عن قوس حقد بأسهم

حداد وكل للجلاد مريد

ثنى صده قصد الخيام مودعاً

لهم موصياً بالثبر وهو حميد

يقول اصبروا فالله جلّ جلاله

يوف لأجر الصابرين مزيد

وصبراً جميلاً آل بيت مُحمّد

فمجدكم والفضل ليس يبيد

إذا مات منا سيّد قام سيّد

رقيب على كل الأنام شهيد

وبعد فزين العابدين خليفتي

على من له في ذا الوجود وجود

واستودع الرحمن ولدي وعترتي

ومن جاء منهم والد ووليد

وألوى على جيش العداة بعزمه

تكاد لها شم الجبال تميد

ففر العدى من بأسه خيفة الردى

كما فر من بأس الأسود صيود

فغادرهم صرعى لديه ومنهم

جريح تولى هارباً وطريد

فمذ حان حين أرسل القوم اسهما

أصيب بها نحر له ووريد

هوى ثاوياً فوق الثرى ومحله

له فوق آفاق السّماء صعود

وظل صريعاً بالطفوف ونفسه

بها من سياق الموت وهو يجود

إلى أن قصى نحباً وعهداً وموعداً

به جاء من سر النّبي وعود


تقي نقي طاهر ، طاهر الوفا

وفي مجيد في الفعال حميد

ولما غدا الحر الجواد وسرجه

خلى وللحر الجواد فقيد

برزن نساء الهاشميات حسراً

عليهن من نسج الثكول برود

توادين يخدشن الوجوه تفجعاً

وتلطم بالأيدي لهن خدود

وفاطمة الصغرى تعانق اختها

سكينة خوف السبي وهو مكيد

وزينب ما بين النساء وقلبها

قريح وبالأحزان فهو كميد

تقول وللأحزان في القلب مبدع

ومبد لأسرار الهموم معيد

أخي يابن أمي يا شقيقي وسيدي

ومن لي من دون الأنام عميد

عليك جفوني الذاريات ذوارف

وأما دموعي المرسلات تجود

أخي مهجة الإسلام مقضي كآبة

ومتن الهدى قد قدّ وهو عميد

أخي ثل عرش الدين وانهد ركنه

وعطل منه إذا أصبت حدود

أخي من يلئم الشمل بعد شتاته

ومن لبناء المكرمات يشيد

أخي من ترى للجود والندى

إذا سار وفد أو أقام وفود

فأنت لمن يبغي الوفادة والجدي

بأنفس ما يسخو المفيد تفيد

وإن أجدبت أرض فأنت ربيعها

وإن ضن صوب المزن أنت مجيد

وكل مصاب جاء بعدك هين

وما هان في هذا المصاب شديد

فيا شيعة المختار نوحوا لمصرع

الشهيد وبالدمع الغزير فجودوا

تطأه خيول المجريات تجبراً

ويسفي عليه بعد ذاك صعيد

وآل رسول الله يشهرن في الملأ

وآل ابن هند في الخدور رقود

يسار بآل الـمُصطفى فوق ضمر

وترفعهم بيد وتخفض بيد

ورأس إمام السبط في رأس ذابل

طويل على رأس السنان يميد

وينكثه بالخيزران شماتة

به وسروراً كافر وعنيد

ويؤتى بزين العابدين مصفداً

وفي قدميه للحديد حدود

فقوموا بأعباء العزاء فإنه

جليل وأما غيره فزهيد

لأي مصاب يذرف الشأن ماءه

وتقضى نفوس أو تفت كبود

لأعظم من هذا المصاب وخطبه

عظيم على أهل السّماء شديد


مصاب له في كل قلب مصيبة

سهام لحبات القلوب تبيد

وللهم هم والرزايا رزية

وللحزن حزن زائد ويزيد

إليكم يا بني الزّهراء يا من سمت بهم

إلى المجد آباء لهم وجدود

أوجه وجه المدح منّي لأنه

قلائد في جيد العلى وعقود

لأني لكم عبد محب وحبه

قديم فمنه طارف وتليد

وما قدر مدح قاله في علاكم

ومدحكم في المحكمات عتيد

ولكن يسر الأولياء استماعه

ويكبت أعداء لكم وحسود

فيا من هم فلك النجاة ومن هم

هداة وغوث في الأنام وجود

فمذ كان بدء الفضل منكم تفضلوا

وجودوا على نجل السمين وعودوا

فأنتم له ذخر إذا جاء في غد

ومع كل نفس سائق وشهيد

عليكم سلام الله حيث ثناؤكم

حكى نشره ند يضوع وعود

وحيث بكم هبت نسيم ونسمت

هبوب وللعيدان رنح عود

وأزهر من زهر البروج زواهر

وورد من زهر المروج ورود


المجلس السّادس

من الجزء الثّاني في اليوم الثّامن من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

أيّها المؤمنون , جودوا بماء العيون المخزون ، وأيّها السّامعون جدّدوا ثياب الأشجان والحزون ، وتساعدوا على النّياحة والعويل ، واسكبوا العبرات على الغريب القتيل , واندبوا لِمَن اهتزّ لفقده عرش الجليل , ونوحوا أيّها المحبّون لآل الرّسول وابكوا على مصاب أبناء البتول ، وسحوا عليهم بالدّموع فإنّهم أعلام الأنام وأئمة أهل الإسلام ؛ فلعلّكم تواسونهم في المصاب بإظهار الجزع والإكتئاب , والاعلام بالحنين والانتحاب ، فيا خيبة من جهل فضلهم وانكر قدرهم , ولكنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور :

وقفت على الدار التي كنتم بها

فمغناكم من بعد معناكم قفر

وقد درست منها الرسوم وطالما

بها درس العلم الإلهي والذكر

فراق فراق الروح بعد بعدكم

ودار برسم الدار في خاطري الفكر

روي عن زين العابدين عليّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) , قال : (( لمـّا أتوا برأس أبي إلى يزيد , فكان يتخذه بمجالس الشّراب ويأتي برأس أبي ويضعه بين يديه ويشرب عليه , فحضر في مجلسه ذات يوم رسول ملك الرّوم وكان من أشرافهم وعظمائهم ، فقال : يا ملك العرب , هذا رأس مَن ؟ قال يزيد لعنه الله : مالك بذلك حاجة ، قال : إنّى إذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كلّ شيء رأيته ,


فأحببت أن أخبره بقصّة هذا الرّأس حتّى يشاركك في الفرح والسّرور .فقال له يزيد : هذا رأس الحُسين بن عليّ بن أبي طالب.قال : ومَن اُمّه ؟ قال : فاطمة الزّهراء بنت مُحمّد الـمُصطفى .قال النّصراني : أما تراني إذا حققت النّظر إليه يقشعرّ جسمي ، واسمعه يقرأ آيات من كتابك , أف لك ولدينك ، ديني خير من دينك ، اعلم أنّ أبي من حوافد داود (عليه‌السلام ) , وبيني وبينه آباء كثيرة , والنّصارى يعصمونني ويأخذون من تراب أقدامي ؛ تبرّكاً فيّ , وأنتم تقتلون ابن بنت نبيّكم رسول الله , وما بينكم وبينه إلّا اُمّ واحدة ، فأيّ دين أحسن من دينكم ؟ أما سمعت يا يزيد كنيسة الحافر ؟ فقال : لا والله .قال له : اعلم أنّ بين عمان والصّين بحر مسيرة سنة , ليس فيه عمران إلّا بلدة واحدة في وسط الماء , طولها ثمانون فرسخاً وعرضها مثله , ما على وجه الأرض بلدة أكبر منها , ومنها يحمل الكافور والياقوت , وأشجارهم العود والعنبر , وهي في أيدي النّصارى لا ملك عليهم , وفيها كنائس كثيرة , لكن أعظمها كنيسة الحافر في محرابها حقّة من ذهب ، معلّق بها حافر يزعمون أنّه حمار عيسى (عليه‌السلام ) , وقد زخرفوا حول الحقّة بالذّهب والدّيباج , يقصدها في كلّ عام عالم من النّصارى , يطوفون حولها ويقبّلونها ويرفعون حوائجهم إلى الله تعالى ، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيّكم ؟! لا بارك الله فيكم ولا في دينكم.

فاغتاظ يزيد لعنه الله وقال : اقتلوا هذا النّصراني ؛ لكي لا يفضحنا في بلاده .فلمّا أحسّ النّصراني بذلك , قال : أمرت بقتلي ؟ قال : نعم .فخرّ ساجداً إلى الأرض شكراً لله تعالى ، وقال : اعلم إنّي رأيت البارحة نبيّكم في المنام وهو يقول : (( يا نصراني , أنت من أهل الجنّة )) .فعجبت غاية العجب ، فوثب إلى الرّأس وضمّه إلى صدره ونادى : السّلام عليك يا أبا عبد الله الحُسين ورحمة الله وبركاته ، إشهد لي عند ربّك وجدّك وأبيك واُمّك وأخيك , بأنّي : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ مُحمّداً رسول الله ، وأنّ عليّاً ولي الله.

فغاروا عليه بالسّيوف وقطّعوه رحمه ‌الله تعالى :

هدأت العيون ودمع عينك يهمل

سحاً كما وكف الضباب المخضل

وكأنما بين الجوانح والحشا

مما تأويني شهاب مدخل


وجداً على النفر الذين تتابعوا

يوماً بموته اسندوا لم يقفلوا

فتغير القمر المنير لفقدهم

والشمس قد كسفت وكادت تأفل

قوم علا بنيانهم من هاشم

فرع اشم وسؤدد ما ينقل

قوم بهم نصروا الإله رسوله

وعليهم نزل الكتاب المنزل

وبهديهم رضي الإله لخلقه

وبجدهم نصر النّبي المرسل

روي : أنّ رجلاً مؤمناً من أكابر بلاد بلخ , كان يحجّ بيت الله الحرام ويزور قبر النّبي في أكثر الأعوام ، وكان يأتي عليّ بن الحُسين فيزوره ، ويحمل إليه الهدايا والتّحف ويأخذ مصالح دينه منه ثمّ يرجع إلى بلاده ، فقالت له زوجته : أراك تهدي تحفاً كثيرة ولا أراه يجازيك عنها بشيء ؟ فقال : إنّ الرّجل الذي نهدي إليه هدايانا هو ملك الدُنيا والآخرة ، وجميع ما في أيدي النّاس تحت مُلكه ؛ لأنّه خليفة الله في أرضه وحجّته على عباده ، وهو ابن رسول الله ، وهو إمامنا ومولانا ومقتدانا .فلمّا سمعت ذلك منه , امسكت عن ملامته ، قال : ثمّ إنّ الرّجل تهيّأ للحج مرّة اُخرى في السّنة القابلة وقصد عليّ بن الحُسين , فاستأذن له فدخل فسلّم عليه وقبّل يديه , ووجد بين يديه طعاماً فقرّبه إليه وأمره بالأكل معه ، فأكل الرّجل حسب كفايته ، ثمّ استدعى بطشت وإبريق فيه ماء , فقام الرّجل فأخذ الإبريق وصبّ الماء على يدي الإمام ، فقال الإمام : (( يا شيخ , أنت ضيفنا فكيف تصبّ على يدي الماء ؟ )) .فقال : إنّي أحبّ ذلك .فقام الإمام (عليه‌السلام ) : (( حيث أنّك أحببت ذلك , فوالله لأريك ما تحبّ وترضى به وتقرّ به عيناك )) .فصبّ الرّجل الماء على يديه حتّى امتلأت ثلث الطّشت ، فقال الإمام للرجل : (( ما هذا ؟ )) .قال : ماء .فقال الإمام : (( بل هو ياقوت أحمر )) .فنظر الرّجل إليه , فإذا هو قد صار ياقوتاً أحمر بإذن الله تعالى، ثمّ قال الإمام (عليه‌السلام ) : (( يا رجل , صبّ الماء أيضاً )) .فصبّ الماء على يدي الإمام مرّة اُخرى حتّى امتلأ ثلثي الطّشت ، فقال له : (( ما هذا ؟ )) .قال : هذا ماء .فقال الإمام : (( بل هذا زمرّد أخضر )) .فنظر الرّجل إليه , فإذا هو زمرّد أخضر ، ثمّ قال الإمام أيضاً : (( صبّ الماء يا رجل )) .فصبّ الماء على يدي الإمام حتّى امتلأ الطّشت ، فقال للرجل : (( ما هذا ؟ )) .فقال : ماء .قال : (( بل هذا درّ أبيض )) .فنظر الرّجل إليه , فإذا هو درّ أبيض بإذن الله تعالى ، وصار الطّشت ملآناً


من ثلاثة ألوان ؛ درّ ، وياقوت ، وزمرّد , فتعجّب الرّجل غاية العجب وانكبّ على يدي الإمام يقبّلهما ، فقال له : (( يا شيخ, لم يكن عندنا شيء نكافيك على هداياك إلينا , فخذ هذه الجواهر فإنّها عوض هديتك , واعتذر لنا عند زوجتك ؛ لأنّها عتبت علينا )).

فأطرق الرّجل رأسه خجلاً ، وقال : يا سيّدي , مَن أنبأك بكلام زوجتي ؟ فلا شكّ أنّك من بيت النّبوة .ثمّ إنّ الرّجل ودّع الإمام وأخذ الجواهر وسار بها إلى زوجته وحدّثها بالقصّة ، قالت : ومَن أعلمه بما قُلت ؟ فقال : ألم أقل لك إنّه من بيت العلم والآيات الباهرات ؟ فسجدت لله شكراً وأقسمت على بعلها بالله العظيم , أن يحملها معه إلى زيارته والنّظر إلى طلعته ، فلمّا تجهّز بعلها للحج في السّنة القابلة , أخذها معه فمرضت المرأة في الطّريق وماتت قريباً من مدينة الرّسول ، فجاء الرّجل إلى الإمام باكياً حزيناً وأخبره بموت زوجته , وإنّها كانت قاصدة إلى زيارته وزيارة جدّه رسول الله ، فقام الإمام وصلّى ركعتين ودعا الله سبحانه بدعوات لم تحجب ، ثمّ التفت إلى الرّجل ، فقال له : (( قُم وارجع إلى زوجتك , فإنّ الله عزّ وجلّ قد أحياها بقدرته وحكمته ,( وهو يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ) (١) )).

فقام الرّجل مسرعاً وهو فرح بين مصدّق ومكذّب ، فدخل إلى خيمته ، فرأى زوجته جالسة في الخيمة على حال الصّحة , فزاد سروره واعتقد ضميره ، وقال لها : كيف أحياك الله تعالى ؟ فقالت : والله , لقد جاءني ملك الموت وقبض روحي وهمّ أن يصعد بها , وإذا برجل صفته كذا وكذا , وجعلت تعدد أوصافه الشّريفة وبعلها يقول لها : نعم صدقتي , هذه صفة سيّدي ومولاي عليّ بن الحُسين (عليهما‌السلام ) , قالت : فلمّا رآه ملك الموت مُقبلاً , انكبّ على قدميه يقبّلهما ويقول : السّلام عليك يا حجّة الله في أرضه ، السّلام عليك يا زين العابدين .فردّعليه‌السلام وقال له : (( يا ملك الموت , أعد روح هذه المرأة إلى جسدها ؛ فإنّها قاصدة إلينا , وإنّي قد سألت ربّي أن يبقيها ثلاثين سنة اُخرى ويحييها حياة طيّبة ؛ لقدومها إلينا زائرة لنا , فإنّ للزائر علينا حقّاً واجباً )) .فقال له الملك : سمعاً وطاعة لك يا ولي الله .ثمّ أعاد روحي إلى جسدي وأنا أنظر إلى ملك الموت قبّل يده الشّريفة وخرج عنّي .فأخذ الرّجل بيد زوجته وأتى بها إلى مجلس الإمام وهو بين أصحابه ، وانكبّت على ركبتيه تقبّلهما وهي تقول : هذا والله سيّدي ومولاي , هذا الذي أحياني الله

____________________

(١) سورة يس / ٧٨.


ببركة دعائه.

قال : ولم تزل المرأة مع بعلها مجاورين عند الإمام بقية أعمارهما بعيشة طيّبة في البلدة الطّيبة إلى أن ماتا رحمة الله عليهما.

فيا إخواني : إذا كان الإمام زين العباد هذه حالته عند الله , كيف يستحق أن تغل يداه وتسبى نساؤه ويحملنّ على أقتاب الجمال بغير وطاء , ويطاف بهنّ البلدان بين أهل العناد حزب الشّيطان , فلا حول ولا قوة إلّا بالله وعلى ظالمي أهل البيت لعنة الله.

روي عن حذلم بن بشير , قال : قدمت الكوفة في المحرّم سنة إحدى وستين , وقت منصرف عليّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) بالنّسوة من كربلاء ومنهم الأجناد يحيطون بهم , وقد خرج النّاس لينظروا إليهم ، فلمّا أقبل بهم على الجمال بغير وطاء ولا غطاء, جعلنّ نساء الكوفة يبكين ويندبن ، فسمعت عليّ بن الحُسين وهو يقول - وقد نهكته العلّة وفي عنقه الجامعة ويده مغلولة إلى عنقه - : (( إنّ هؤلاء النّسوة يبكين , فمَن قتلنا ؟! )) .قال : ورأيت زينب بنت عليّ (عليهما‌السلام ) ولم أر خفرة أنطق منها ، كأنّها تفرغ من لسان أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ، قال : وقد أومت إلى النّاس أن اسكتوا ، فارتدّت الأنفاس وسكنت الأصوات , فقالت : الحمد لله والصّلاة على أبي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , أمّا بعد , يا أهل الكوفة , فلا رقّت لكم العبرة ولا هدأت الرّنة ، فإنّما مثلكم كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة انكاثاً ، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ، ألا وهل فيكم إلّا الصّلف الظّلف ، والصّرم السّرف ، خوارون في اللقاء عاجزون عن الأعداء , ناكثون في البيعة مضيعون للذمة ، فبئس ما قدمت لكم أنفسكم إن سخط الله عليكم , وفي العذاب أنتم خالدون ، أتبكون ؟ أي والله , فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً ، فلقد فزتم بعارها وشنارها ، ولن تغسلوا دنسها عنكم أبداً ، فسليل خاتم الرّسالة وسيّد شباب أهل الجنّة , وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم, وإمارة محجتكم ومدرجة حجتكم , خذلتم وله قتلتم ، ألا ساء ما تزرون فتعساً ونكساً , ولقد خاب السّعي وتبت الأيدي وخسرت الصّفقة , وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذّلة والمسكنة , ويلكم أتدرون أيّ كبد لـمُحمّد فريتم ؟! وأيّ دم له سفكتم ؟ وأيّ كريمة له أبرزتم ؟ لقد جئتم شيئاً إدّا( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ) (١) ولقد أتيتم بها ؛ خرقاء شوهاء بلاغ الأرض والسّماء ، أفعجبتم أن قطرت السّماء دماً ، ولعذاب الآخرة

____________________

(١) سورة مريم / ٩٠.


أخزى ، فلا يستخفنّكم المهل , فإنّه لا يحقره البدار ولا يخاف عليه فوت النّار , كلا إنّ ربّك لبالمرصاد قال : ثمّ سكتت ، فرأيت النّاس حيارى قد ردّوا أيديهم على أفواههم ، ورأيت شيخاً قد بكى حتّى اُخضبت لحيته وهو يقول :

كهولهم خير الكهول ونسلهم

إذا عد نسل لا يخيب ويخزي

وعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون ، ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ صالح بن العرندس (رحمه‌الله )

طوايا نظامي في الزمان لها نثر

يعطرها من طيب ذكركم نشر

قصائد ما خابت لهن مقاصد

ظواهرها حمد ، بواطنها شكر

مطالعها تحكي النجوم طوالعاً

وأنوارها زهر واخلاقها زهر

عرائس تجلى حين تجلى قلوبنا

أكاليلها در وتيجانها تبر

حسان لها حسان بالفضل شاهد

على وجهها بشر يدين لها بشر

أنظمها نظم اللئالي وأسهر الليالي

ليحيى لي بكم وبها ذكر

فيا ساكني أرض الطفوف عليكم

سلام محب ما له عنكم صبر

نشرت دواوين الثنا بعد طيبها

ففي كل طرس من مديحي لكم سطر

فطابق شعري فيكم دمع ناظري

فسر غرامي شائع بكم جهر

لئالي نظامي في عقيق مدامعي

فمبيض ذا نظم ومحمر ذا نثر

فلا تتهموني بالسلو فإنما

مواعيد سلواني وحقكم الحشر

فذلي بكم عز وفقري بكم غنى

وكسري بكم جبر وعسري بكم يسر

تروق بروق السحب لي من دياركم

فينهل من دمعي بيارقها القطر

فعيناي كالخنساء تجري دموعها

وقلبي شديد في محبتكم صخر

وقفت على الدار التي كنتم بها

ومغناكم من بعد معناكم قفر

وقد درست منها الرسوم وطالما

بها درّس العلم الإلهي والذكر

فراق فراق الروح من بعد بعدكم

ودار برسم الدار في خاطرى الفكر


وسالت عليها من دموعي سحائب

إلى أن تروي ألبان بالدكمع والسدر

وقد أقلعت عنها السحاب ولا تجد

ولا در من بعد الحُسين لها در

إمام الهدى سبط النبوة والد

الأئمة رب النهى مولى له الأمر

أبوه إمام الـمُرتضى علم الهدى

وصي رسول الله والصنو والصهر

إمام بكته الإنس والجن والسما

ووحش الفلا والطير والبر والبحر

له القبة البيضاء بالطف لم تزل

يطوف بها حزناً ملائكة غر

وفيه رسول الله قال وقوله

صحيح صريح ليس في ذلكم نكر

حي بثلاث ما أحاط بمثلها

ولي فمن زيد سواه ومن عمرو

له تربة فيها الشفاء وقبة

يجاب بها الداعي إذا مسه الضر

وذرية ذرية منه تسعة

أئمة حق لا ثمان ولا عشر

أيقتل ظمآناً حسين بكربلا

وفي كل عضو من أنامله بحر

ووالده الساقي على الحوض في غد

وفاطمة ماء الفرات لها مهر

فوا لهف نفسي للحسين وما جنى

عليه غداة الطف في حرية الشمر

رماه بجيش كالظلام قسيه

الأهلة والخرصان أنجمه الزاهر

لراياته نصب وأسيافه جزم

وللنقع رفع والرماح لها جر

تجمع فيه من طغاة أمية

عصائب غدر لا يقوم لها عذر

وأرسلها الطاغي يزيد ليملك

العراق وما اغنته شام وما مصر

وشد لهم أسراً سليل زيادها

فحل بهم من شد أزرهم الوزر

وأمّر فيهم نجل سعد لنحسه

فما طال في الري اللعين له عمرو

فلما التقى الجمعان في أرض كربلا

تباعد فمل الخير واقترب الشر

فداروا به في عشر شهر محرم

وبيض للمواضي في الأكف لها شمر

فقام الفتى لمـّا تشاجرت القنا

وصال وقد أودى بمهجته الحر

وجال يطوف في المجال كأنه

دجى الليل في لألاء غرته الفجر

له أربع للريح فيهن أربع

لقد زانه كر وما شأنه الفر

ففرق جمع القوم حتّى كأنهم

طيور بغاث شت شملهم الصقر

فأذكرهم ليل الهرير فأجمع

الكلاب على ذاك الهرير وقد هر


هناك فدته الصالحون بأنفس

يضاعف في يوم الحساب لها الأجر

وحادوا عن الكفار طوعاً لنصره

وجادله بالنفس من سعده الحر

ومدوا إليه ذبلاً سمهرية

لطول حياة السبط من مدها جزر

فغادره في مأزق الحرب مارق

بشهم لنحر السبط من وقعه نحر

فمال عن الطرف الجواد أخو الندى

الجواد قتيلاً حوله يصهر المهر

سنان سنان خارق منه في الحشا

وصارم شمر في الوريد له شمر

تجر عليه العاصفات ذيولها

ومن نسج أيدي الصافنات له طمر

زجت له السبع الشداد وزلزلت

رواسي جبال الأرض والتطم البحر

فيا لك مقتولاً بكته السما دماً

فمغبر وجه الأرض بالدم محمر

ملابسه في الحرب حمر من الدما

وهن غداة الحشر من سندس خضر

ولهفي لزين العابدين وقد سرى

أسيراً عليلاً لا يفك له أسر

وآل رسول الله تسبى نساؤهم

ومن حولهن الستر يهتك والخدر

سبايا بأكوار المطايا حواسراً

يلاحظهن العبد في الناس والحر

ورملة في ظل القصور مصانة

يناط على أقراطها النير والدر

فويل يزيد من عذاب جهنم

إذا اقبلت في الحشر فاطمة الطهر

ملابسها ثوب من السم أسود

وآخر قان من دم السبط محمرد

تنادي وأبصار الأنام شواخص

وفي كل قلب من مهابتها ذعر

وتشكو إلى الله العلي وصوتها

عليّ ومولانا عليّ لها ظهر

فلا ينطق الطاغي يزيد بما جنى

وإني له عذر ومن شأنه الغدر

فيؤخذ منه بالقصاص فيحرم

النعيم ويصلّى في الجحيم له قعر

أيقرع جهراً ثغر سبط مُحمّد

وصاحب ذاك الثغر يحمى به الثغر

ويشدو له الشادي فيطربه الغنا

ويسكب في الكأس النظار له الخمر

فداك الغنا في البعث تصحيفه العنا

وتصحيف ذاك الخمر في قلبه الجمر

وليس لأخذ الثار إلّا خليفة

يكون لكسر الدين من عدله جبر

تطوف به الأملاك من كل جانب

ويقدمه الإقبال والعز والنصر

عوامله في الدار عين خوارق

وحاجبه عيسى وناصره الخضر

تظلله حقاً غمامة جدّه

إذا ما الملوك الصيد ظللها الحتر


محيط على علم النبوة صدره

فطوبى لعلم ضمه ذلك الصدر

هو ابن الإمام العسكري مُحمّد

التقي النقي العالم العلم الحبر

سليل عليّ الهادي نجل مُحمّد

الجواد ومن بأرض طوس له قبر

علي الرضا وهو ابن موسى الذي قضى

ففاح على بغداد من نشره عطر

وصادق قول إنه نجل صادق

إمام به في العلم يفتخر الفخر

نتيجة مولانا الإمام مُحمّد

إمام لعلم الأنبياء به بقر

سلالة زين العابدين الذي بكى

فمن دمعه يبس الأعاشيب مخضر

سليل الحُسين الفاطمي وحيدر

الوصي فمن طهر نمى ذلك الطهر

له الحسن المسموم عم فحبذا

الإمام الذي عم الورى جوده الغمر

سمي رسول الله وارث علمه

إمام على آبائه نزل الذكر

هم النور نور الله جل جلاله

هم التين والزيتون والشفع والوتر

مهابط وحي الله خزان علمه

ميامين في أبياتهم يقبل النذر

وأسماؤهم مكتوبة فوق عرشه

ومكنونة من قبل أن يخلق الذر

فلولاهم لم يخلق الله آدماً

ولا كان زيد في الأنام ولا عمرو

ولا سطحت أرض ولا رفعت سماً

ولا طلعت شمس ولا أشرق البدر

ونوح بهم في الفلك لمـّا دعا نجا

وغيض به طوفانه وقضي الأمر

ولولا نارهم نار الخليل لمـّا غدت

سلاماً وبرداً وانطفأ ذلك الجمر

ولولاهم يعقوب ما زال حزنه

ولا كان عن أيوب يكشف الضر

ولان لداود الحديد بسرهم

فقدر في سرد يحير له الفكر

ولما سليمان البساط بهم دعا

أسيلت له عين يفيض بها القطر

وسخرت الريح الرخاء بأمره

فغدوتها شهر وروحتها شهر

ولولاهم ما كان عيسى بن مريم

لغادر من طي اللحود له نشر

سرى سرهم في الكائنات وفضلهم

فكل نبي فيه من سرهم سر

مصابكم يا آل طه مصيبة

ورزء على الإسلام أحدثه الكفر

سأندبكم يا عدتي عند شدتي

وأندبكم حزناً إذا أقبل العشر

وأبكيكم ما دمت حياً فإن أمت

ستبكيكم بعدي المراثي والشعر


وكيف يحيط الواصفون بمدحكم

وفي مدح آيات الكتاب لكم ذكر

ومولدكم بطحاء مكة والصفا

وزمزم والبيت المحرم والحجر

جعلتكم يوم المعاد ذخيرتي

فطوبى لمن أمسى وأنتم له ذخر

عرائس فكر الصالح بن عرندس

قبولكم يا آل طه لها مهر

سيبلى الجديدان الجديد وحبكم

جديد بقلبي ليس يخنقه الدهر

عليكم سلام الله ما لاح بارق

وحلت عقود المزن وانتثر القطر

الباب الثّاني

العجب من يرضى من ذوي العقول بالدُنيا داراً بعد آل الرّسول ! غدرت بمواليها فلا خير والله ولا بركة فيها ، فرحم الله من اتخذ فيها الزّاد ليوم الحشر والمعاد , وجعلها إلى ما تقدم من صالح الأعمال بعد انقضاء الأعمار والآجال .ولعمري , لا عمل فيها أعظم من موالاة الآل ؛ لدفع تلك الأثقال العضال والمشاق والأهوال.

فواعجباه ممّن مال من الحقّ إلى الباطل ، وارتكب مثل هذا الخطب الهائل , وتجرّئ على انتهاك ذرّيّة الرّسول وأولاد فاطمة البتول ، وما ذاك إلّا لطلب الدُنيا ونعيمها , وما قدره لو صح بالنّسبة إلى النّار وجحيمها :

هب الدُنيا تساقي إليك عفواً

أليس مصير ذاك إلى زوال

وهل دنياك إلّا مثل فيء

أضلك ثمّ أذن بانتقال

فما ترجو لشيء ليس يبقى

سريع لا يدوم على الليالي

لعلّهم ما عرفوا حالاتهم ولم يبلغهم شيء من معجزاتهم , بلى والله , لقد سمعوا وعرفوا وعاهدوا وما وفوا( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .

نُقل : أنّه لمـّا رجع النّبي من غزاة خيبر إلى المدينة , جاءته امرأة يهودية قد أظهرت له الإسلام , ومعها لحم ذراع جمل مشوي فيه سمّ , فوضعته بين يديه , فقال لها : (( ما هذا ؟ )) .فقالت له : فداك أبي واُمّي يا رسول الله ! لقد همّني أمرك في غزوتك إلى خيبر , فإنّي أعرفهم رجالاً شجعاناً , وهذا لحم ذراع جمل لي قد ربّيته صغيراً , وعلمت أن حُبّ الأطعمة إليك الشّواء من لحم الذّراع , فنذرت لله نذراً إن سلّمك الله من وقعة خيبر وظفرك الله بهم , لأذبحنّ جملي واجعل لحمه صدقة عنك, وقد جئت بهذا منه إليك ؛ لأوفي نذري ، قال : وكان من جلساء رسول الله رجل يُقال

____________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


له البرّاء(١) فمد يده وأخذ من ذلك اللحم فوضعها في فيه ، فقال له عليّ : (( يا برا , لا تتقدم على رسول الله أبداً )) .فقال البرّاء - وكان أعرابياً - : يا عليّ , كأنّك تبخل رسول الله ؟ فقال عليّ : (( لا والله , ما أبخل رسول الله ، ولكنّي اُبجّله واُوقّره واُعظّمه ، وليس لي ولا لك ولا لأحد من خلق الله أن يتقدم على رسول الله ؛ بقول ولا فعل ولا أكل ولا شرب )) .فقال البرّاء: لست تريد هذا , ولكنّك تبخل رسول الله .فقال عليّ : (( يا برا , هذا طعام جاءت به امرأة وكانت من قبل يهودية ولسنا نعرف حالها , فإذا أكلت به بأمر رسول الله فهو الضّامن لسلامتك منه , وإذا أكلت بغير إذنه وكّلك الله نفسك , فربّما يكون هذا الطّعام مسموم )) .قال : فبينما عليّ يخاطب البرّاء بهذا الكلام والبرّاء يلوك اللقمة في فمه , إذ أنطق الله الذّراع بلسان فصيح يقول : يا رسول الله , لا تأكلني فإنّي مسموم .فسقط البرّاء مغشيّاً عليه , ولم يرفع من مكانه إلّا ميتاً.

فقال رسول الله : (( ائتوني بالمرأة )) .فأتوا بها فقال لها بلطف ورفق : (( ما حملك على ذلك ؟ )) .فقالت : يا مُحمّد , قد قتلت أبي وعمّي وأخي وبعلي وولدي , فهذا الذي حملني على ذلك , فجئت إليك بهذا السّم وقُلت في نفسي : إن كان مُحمّد نبيّاً حقّاً , فسيمنعه الله من أكله أو يأكله ولا يضرّه السّم ، وإن كان كاذباً , فإنّي أنتقم منه حيث قتل قومي ورجالي .فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يا هذانة , لن يضرّنا موت البرّاء , فإنّما امتحنه الله ؛ لتقدمه عليّ , ولو أنّه كان يأكل بأمري , لكفاه الله أذية السّم )).

ثمّ إنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( هلمّ يا سلمان ويا عمار ويا مقداد ويا أبا ذر , هلمّوا جميعاً فكلوا من هذا الطّعام )).فمد رسول الله يده وقال : (( بسم الله الشّافي , بسم الله الكافي , بسم الله المعافي , بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السّماء وهو السّميع العليم )) .ثمّ أكل مع جميع أصحابه حتّى شبعوا والمرأة واقفة تنظر إليهم ، فقال لها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( أليس أكلنا بحضرتك من هذا الطّعام المسموم ؟ فكيف رأيت دفع الله عن نبيّه وأصحابه أذية السّم ؟ )).فقالت : يا رسول الله , إنّي كنت شاكّة في نبوّتك , والآن قد أيقنت أنّك رسول الله حقّاً وصدقاً , وأنا : أشهد أن لا إله إلّا الله , وأنّك مُحمّداً رسول الله .وأسلمت وأحسنت اسلامها.

قال : فلمّا حُملت جنازة البرّاء إلى رسول الله

____________________

(١) الظّاهر أنّه ليس ابن عازب ، لأنّه بقي إلى أن قُتل الحُسين , كما تقدم القول فيه في الباب الثّالث من المجلس الثّامن ، من مجالس هذا الكتاب في الجزء الأول.


ليصلّي عليها , قال رسول الله : (( أين عليّ بن أبي طالب ؟ )) .فقيل له : قد ذهب في حجّة .فجلس رسول الله ينتظره ولم يصل على جنازة البرّاء ، فقيل له : يا رسول الله , ما لك لا تصلّي على جنازة هذا العبد المؤمن ؟ فقال : (( إنّ الله عزّ وجلّ أمرني أن لا أصلّي عليها حتّى يحضر عليّ بن أبي طالب , فيجعله في حلّ ممّا كلّمه ؛ ليجعل الله موتة البرّاء بهذا السّم كفّارة لذنبه )).

فقال من حضر وشاهد الخبر وسمع الكلام الذي قاله البرّاء لعلي : يا رسول الله , إنّما كان كلام البرّاء مزاحاً مازح به عليّاً , ولم يكن جدّاً منه فيؤاخذه الله بذلك .فقال رسول الله : (( لو كان كلام البرّاء جدّاً , لأحبط الله أعماله كلّها ولو كان تصدّق بملء ما بين الثّرى إلى عنان السّما ذهباً وفضّة , لكنّه كان مزاحاً وهو في حلّ من ذلك , إلّا أنّ رسول الله يريد أن لا يعتقد أحد منكم أنّ عليّاً (عليه‌السلام ) واجد عليه , فيحلّه عليّ بن أبي طالب بحضرتكم ؛ إجلالاً للبرّاء ويستغفر له ليزيده الله زلفة في جنانه )).

قال : فبينما هُم في الكلام , إذ دخل عليّ (عليه‌السلام ) فوقف عند جنازة البرّاء وقال : (( يرحمك الله يا برّاء ! لقد كنت صوّاماً ولقد متّ في سبيل الله ولقد جاهدت بين يدي رسول الله , فرضي الله عنك )) .فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( فوالله , لو كان أحد من الموتى يستغني عن صلاة رسول الله , لاستغنى صاحبكم هذا بدعاء عليّ بن أبي طالب )) .ثمّ قام رسول الله فصلّى على جنازة البرّاء وأمر بدفنه رحمة الله عليه.

فانظروا يا ذوي العقول إلى حقد هذه المرأة التي عزمت على قتل الرّسول وأب الطّهر البتول , وكذلك بنو اُميّة حقدوا وهم من قديم الزّمان والأعوام من فتك عليّ فيهم ؛ إطاعة للملك العلام , ولكن إلى الله مرجع الخصام في يوم القيام :

فرى كبدي من حزن آل مُحمّد

ومن زفرات ما لهن طبيب

فمن مبلغ عني الحُسين رسالة

وإن كرهتها أنفس وقلوب

قتيل بلا جرم كأن قميصه

صيغ بماء الأرجوان خضيب

فللسيف أعوال وللرمح رنة

وللخيل من بعد الصهيل نحيب

تزلزلت الدُنيا لآل مُحمّد

وكادت لهم صم الجبال تذوب

حكى عروة البارقي , قال : حججت في بعض السّنين فدخلت مسجد رسول الله , فوجدت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جالساً وحوله غلامان يافعان , وهو يقبّل هذا


مرّة وهذا اُخرى , فإذا رآه النّاس يفعل ذلك , أمسكوا عن كلامهم حتّى يقضي وطره منهما , وما يعرفون لأيّ سبب حبّه إيّاهما، فجئته وهو يفعل ذلك بهما , فقلت : يا رسول الله , هذان ابناك ؟ فقال : (( إنّهما ابنا ابنتي , وابنا أخي وابن عمّي وأحبّ الرّجال إلي , ومَن هو سمعي وبصري , ومن نفسه نفسي ونفسي نفسه , ومَن أحزن لحزنه ويحزن لحزني )).

فقلت له : قد عجبت يا رسول الله من فعلك بهما وحبّك لهما ؟ فقال لي : (( أحدّثك أيّها الرّجل , إنّي لمـّا عُرج بي إلى السّماء ودخلت الجنّة , انتهيت إلى شجرة في رياض الجنّة فعجبت من طيب رائحتها , فقال لي جبرائيل : يا مُحمّد , لا تعجب من هذه الشّجرة , فثمرها أطيب من ريحها .فجعل جبرائيل يتحفني من ثمرها ويطعمني من فاكهتها وأنا لا أملّ منها ، ثمّ مررنا بشجرة اُخرى , فقال لي جبرائيل : يا مُحمّد , كُل من هذه الشّجرة , فإنّها تشبه الشّجرة التي أكلت منها الثّمر , فإنّها أطيب طعماً وأزكى رائحة )).

قال : (( فجعل جبرائيل يتحفني بثمرها ويشمّني من رائحتها وأنا لا أملّ منها ، فقلت : يا أخي جبرائيل , ما رأيت في الأشجار أطيب ولا أحسن من هاتين الشّجرتين ! فقال : يا مُحمّد , أتدري ما اسم هاتين الشّجرتين ؟ فقلت : لا أدري .فقال: إحداهما الحسن والاُخرى الحُسين , فإذا هبطت يا مُحمّد إلى الأرض من فورك , فأت زوجتك خديجة وواقعها من وقتك وساعتك ؛ فإنّه يخرج منك طيب رائحة الثّمر الذي أكلته من هاتين الشّجرتين , فتلد لك فاطمة الزّهراء ، ثمّ زوّجها أخاك عليّاً فتلد له ابنين , فسمّ أحدهما الحسن والآخر الحُسين )).

قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( ففعلت ما أمرني أخي جبرائيل , فكان الأمر ما كان , فنزل إليّ جبرائيل بعد ما ولد الحسن والحُسين ، فقلت له : يا جبرائيل , ما أشوقني إلى تينك الشّجرتين .فقال لي : يا مُحمّد , إذا اشتقت إلى الأكل من ثمر تينك الشّجرتين , فشمّ الحسن والحُسين )).

قال : فجعل النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كلّما اشتاق إلى الشّجرتين , يشمّ الحسن والحُسين ويلثمهما وهو يقول : (( صدق أخي جبرائيل )) .ثمّ يُقبّل الحسن والحُسين ويقول : (( يا أصحابي , إنّي أودّ أن أقاسمهما حياتي ؛ لحبّي لهما , فهما ريحانتاي من الدُنيا )) .فتعجب الرّجال من وصف النّبي للحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) ، فكيف لو شاهد النّبي من سفك دمائهم وقتل رجالهم وذبح أطفالهم , ونهب أموالهم وسبي


حريمهم ؟ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .وعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون ، وإيّاهم فليندب النّادبون ، ولمثلهم تذرب الدّموع من العيون .أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ النّقي التّقي مُحمّد عليّ بن طريح النّجفي

(رحمه‌الله )

جاد ما جاد من دموعي السجاد

لمصاب الكريم نسل الكرام

حل من فادح على الناس طراً

ومصاب أصيب في الإسلام

كيف يلتذ طاعم بطعام

كيف يهنى اللبيب طيب المنام

قل صبري وزاد حزني ووجدي

فهمومي سكرى ودمعي مدامي

أضرم الشوق جذوره في فؤادي

للأسى خل لأئمي عن ملامي

لم أزل في تفكر وانقياد

لهموم تعلني بالسقام

بدموع حكت سحائب مزن

وفؤاد متيم مستهام

برحت مهجتي لتبريح وجدي

فعلى جيرتي وأهلي سلامي

ظللت أشكو إلى الحمام غرامي

يا حمامي أدنيتني لحمامي

هيجتني بلابلي وامتحاني

بالتحاني إذ الغريم غرامي

لست أبكي لفقد أهل وخل

فتكت فيهم يد الأيام

وديار خلا الأحبة منها

فهي بعد الأنيس مأوى الهوام

لا ولا هالني فراق حبيب

بأن عني مقوضاً للخيام

إنما حسرتي وحزني ووجدي

ونحيبي وزفرتي واضطرام

لسليل البتول سبط رسول الله

نور الإله خير الأنام

فتكت فيه عصبة الكفر حتّى

قتلوه ظلماً بغير إجرام

منعوه ماء الفرات مباحاً

لسواه تمرّدا بالخصام

لست أنسى الحُسين بالطف ملقى

عافر الخد ناحر النحر دامي

لست أنساه وهو فيهم وحيد

قد أحاطت به علوج اللئام

منعوه الماء الزلال وحاطوه

دونه بالمهند الصمصام

____________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


وا حسيناه إذ أحاط الأعادي

فيه كل مجرد للحسام

وا حسيناه وهو فيهم ينادي

يا لقومي هل كيف خنتم ذمامي

وا حسيناه إذ قضى وهو ممنوع

من الماء حوله وهو ظامي

وا شهيداه لست أنساه يدعو

رب فاحكم بيني وبين اللئام

وا إماماه ما له من نصير

وا إماماه ما له من محامي

وا إماماه إد يودع أهليه

ويرمي بطرفه للخيام

زينب أخته تنوح بشجو

ثمّ تدعو لواحد العلام

وتناديه يا أخي يابن أمي

أظلمت بعد فقدكم أيامي

يا أخي هذه سكينة تبكي

قد أهلت دموعها بالسجام

تستجير العدا بطرف كليل

وفؤاد مؤله مستهام

يا أخي فاطم تدور وترتاع

لـمّا نالها من الآلام

خانها دهرها فاضحت بذّل

بعد عز ونعمة واحتشام

يا أخي هذه بناتك بالذل

أسارى وما لهن محامي

يا أخي هذه الاسارى حيارى

ساترات الوجوه بالأكمام

كم حسان وكم ربيبة خدر

صرن من غير برقع ولثام

يا أخي لو ترى علياً بقيد

ناكس الرأس ذلة للرغام

يا أخي هدّ حزن فقدك ركني

وكساني النحول ثوب سقام

يا أخي خانني الزمان بصبري

وجفا عن جفون عيني منام

يا أخي أظلم الزمان علينا

بعدما كان ضاحكاً بابتسام

لهف قلبي على الحُسين طريحاً

بين تلك الأوهاد والأوكام

لهف قلبي عليه والشمر يسعى

نحوه وهو مشهر للحسام

قال يا شمر هل علمت بأني

ابن بنت الرسول بدر التمام

وأبي خيرة الأنام وجديّ

صفوة الله والنبي التهامي

قال شمر عرفت هذا ولكن

نلت اليوم يابن طه مرامي

قال يا شمر خل قتلي لتحضى

يوم حشري الورى بدار السلام

قال شمر ما للجنان ومالي

بل عطاء يزيد والأنعام


ثم انحنى على الإمام مكباً

ذابحاً بالمهند الصمصام

ثم على سنان كريم السبط

كالبدر في ليالي التمام

لعنة الله لا تزال على الشمر

ومن خان أحمد بالذمام

أي نكراني وأي فجور

حسبه في الحساب نار الضرام

أيعلى على السنان سنان

الرجس رأس الحُسين بين الأنام

ثم يسري به يأم السبايا

قاصداً بالمسير نحو الشآم

لعن الله آل حرب الكفر

والغدر عابد الأصنام

ويزيد اللعين نسل اللعين

عصبة الكفر والخنا والحرام

وزياداً ونسل آل زياد

وابن سعد اللعين نسل اللئام

وكذا اللعين يعثري كل رجس

نعقل ثمّ حبتر والدلام

زادهم ربنا إلى لعناً لعناً

سرمدياً مخلداً بالدوام

يا بني أحمد وركن المعالي

أنتم النور والبحور الطوامي

أنتم عدّتي ليوم معادي

تنقذوني من الذنوب العظام

أنتم العارفون حبي وبغضي

فهو كاف عن منطقي وكلامي

قلت في حبكم واخصلت ودي

يا رجائي وسادتي واعتصامي

فخذوها من مسلمي ولى

يختفي مهذب للنظام

تحفتي منكم غداً في حياتي

تنقذوني من زلتي واجترامي

فعليكم من السلام صلاة

وسلام بالف الف سلام

ما اضمحل الدجى واسفر صبح

وأضاءت كواكب بظلام

الباب الثّالث

أيّها المؤمنون الأخيار والاُمناء الأبرار , أليس بإظهار الأسف تحطّ الأوزار ؟ أليس أئمتكم هُم الجنن الواقية من النّار ؟ أليس هُم العدّة لكلّ هول وشدّة ؟ أيبكي الباكون منكم على فقد الأولاد والآباء والأجداد ، ولا يبكي على سادات العباد وأنوار الله في البلاد ؟! لو بكيتم بدل الدّمع دماً وجعلتم جميع العمر مأتماً , لكان أقلّ القليل بالنّسبة إلى هذا الخطب الجليل ، كيف لا وقد جاء في الخبر عن سيّد البشر : (( مَن شرب الماء فذكر عطش الحُسين وعطش أطفاله وعياله وانصاره ))


فلعن الله قاتليهم وظالميهم (( كتب الله له أربعة آلاف حسنة وحطّ أربعة آلاف سيئة , ورفع له أربعة آلاف درجة , وكان كمن اعتق أربعة آلاف نسمة , وحشره الله يوم القيامة ثلج الفؤاد لن يضمأ أبداً )) .فهل هذا إلّا لعظم المصاب وشدّة الوجد الدّاخل عليهم والإكتئاب ؟

فيا إخواني تساعدوا على النّدب والعويل ، وتحاضوا على الثّواب الجزيل , فإنّكم تعزّون فاطمة البتول بل جميع أهل بيت الرّسول (عليهم‌السلام ) :

فيا لك عيناً لا تجف عيونها

وناراً لها بين الضلوع ذحول

أيقتل ظمآناً حسين وجدّه

إلى النسا من رب العباد رسول

ويمنع شرب الماء والشرب آمن

على الشرب منها صادر ونهول

مصاب أصيب الدين منه بفادح

تكاد له شم الجبال تزول

حُكي : أنّه لمـّا توفت فاطمة (عليها‌السلام ) , حزن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لفقدها حزناً عظيماً , وانفرد بالعزاء وحده وتحجّب من النّاس مدّة طويلة ، فاجتمع جماعة من إخوانه المؤمنين وشيعته الصّادقين , وقالوا : إنّ عليّا بن أبي طالب إمامنا وولينا وأميرنا وأمير المؤمنين أجمع , قد احتجب عنّا وصرنا لا نراه إلّا في وقت أداء الفرائض , وانقطع عنّا ما كان يفيدنا به من أحاديثه ويرشدنا به من أخباره ، وقد طال ذلك علينا منه وصرنا كالغنم بغير راع .فوقع عين الجماعة على عمّار بن ياسر وقالوا له : يا عمّار , امض إلى أمير المؤمنين وكلّمه في ذلك , فلعلّك تأنينا به أو تستأذن لنا بالدّخول عليه .قال عمّار : فقمت ودخلت عليه , فوجدته جالساً في بيته ومعه ولداه الحسن والحُسين (عليهم‌السلام ) وهو مع ذلك يبكي , فسلّمت عليه وجلست بين يديه ساعة , فقلت له : يا سيّدي , أتأذن لي أن أقول أو أسكت ؟ فقال لي : (( قُل ما شئت )) .[قُلت] : يا سيّدي , ما بالكم تأمرونا بالصّبر على المصيبة ونراكم تجزعون .[ قال : فالتفت إليّ وقال] : (( يا عمّار , إنّ العزاء عن مثل مَن فقدته لعزيز .يا عمّار , لمـّا فقدت رسول الله كانت فاطمة الزّهراء هي الخلف منه والعوض عنه , وكانت صلوات الله عليها إذا نطقت ملأت سمعي بكلامه , وإن مشت حكت كريم قوائمه , فوالله يا عمار , ما أحسست بوجع المصيبة إلّا بوفاتها , وما أحسست بألم الفراق إلّا بفراقها )).

قال عمّار : فأبكاني كلامه وبكاؤه فبكيت رحمة له , فقلت : يا أمير المؤمنين , اعلم أنّ النّاس صنفان مقرر ومفتقر إليك وقول النّاصح ثقيل .فقال لي : (( يا عمّار , إنّي أحدّثك بحديث


سمعته من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , قال : لمـّا قُتل النّبي يحيى بن زكريا (عليه‌السلام ) ووجم عيسى بن مريم وجوماً , فقطعه ذلك من الكلام واحتجب من الأنام , ودخل عليه أحد الحواريين , فقال له : يا روح الله , لا تقطع عادتك المباركة عنّا واخبرنا بالأحاديث الصّحيحة ؛ لعلّ الله يرحمنا , ولعلّ حديثك ينبّه أبناء الدُنيا من رقدة الغفلة ويخرجهم من ظلمة الجهل , فربّ كلمة قد أحيت سامعاً بعد الموت ورفعته بعد الضّعة , ونعشته بعد الصّرعة واغنته بعد الفقر , وجبرته بعد الكسر وأيقظته بعد الغفلة, وبقيت في قلبه ففجّرت ينابيع الحياة , فسالت منه أودية الحكمة ونبتت فيه غرائس الحكمة , إذا وافق ذلك القضاء من الله عزّ وجلّ .قال له عيسى : نعم يا عبد الله , إنّ مثلك من يستدعي من العالم الكلام , ولا بأس عليك.

وأمّا أنت : اعلم أنّ هذه المفقودة الماضية بنت رسول الله , وعند الله أحتسبها )).

ثمّ نهض ودموعه تنحدر على لحيته , فتلقّوه الجماعة وصاروا بين عاذر وعاذل , فقال لهم : (( رويداً , فإنّ القلوب إذا خلت قالت وإذا كرهت مالت , ألستم تعلمون أنّه لمـّا توفّيت اُمّ المؤمنين خديجة الكبرى , جزع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جزعاً شديداً حتّى إنّي أشفقت عليه من شدّة الجزع ؟ فقلت له : يا رسول الله , أنت والله القبلة وإليك الإشارة وبك القدوة , وعليك المعتمد ومنك التعليم , وأنت السّراج إذا ضللنا , وأنت الصّلاح إذا فسدنا , وأنت الهادي إذا تهنا , وحولك حاسد وحاقد ومحبّ وواجد , وقُريش شاخصة الأبصار إليك مصغية الأذان نحوك .وبعد , فأنت يا رسول الله ممّن إذا قال فعل وإذا أمر عمل.

فقال لي : مهلاً يا أبا الحسن , برّدت دمعي وسكنت جزعي .ثمّ إنّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) صار يحبّ الخلوة بنفسه ويتطرّق الأمكنة الخالية , فبينما هو ذات يوم بظاهر مكّة شرّفها الله تعالى , إذ سمع هاتفاً ينشد بيتاً من الشّعر وهو :

وكل ذي سفرة يؤوب

وغائب الموت لا يؤوب

فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : إنّ من الشّعر لحكمة.

ثمّ قال لي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : يا عليّ حفظته ؟ قلت : نعم .فاستعاده منّي نوباً كثيرة , وكان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول :

(وكل ذي سفرة يؤوب

ولا يؤوب غائب الموت)


ثمّ قال (عليه‌السلام ) : (( يا عمّار , والله ما ذكرت اُمّها خديجة إلّا وجابهها رسول الله في ذكرها , ولا رآها تبكيها إلّا وسبقتها عبرة عليها , ولا جرى ذكرها إلّا وأسهب في وصفها وطال الثّناء عليها وتلهّف على فراقها .ولـمّا مات ولده إبراهيم (عليه‌السلام ) , بكى رسول الله حتّى جرت دموعه على لحيته صلوات الله عليه , فقيل له : يا رسول الله , أتنهى عن البكاء وأنت تبكي هكذا ؟! فقال : ليس هذا بكاء وإنّما هو رحمة , ومَن لا يَرحم لا يُرحم , وإنّما البكاء الذي هو رنّة وصراخ عال , ومَن لا يَرحم لا يُرحم )).

ثمّ التفت إلى أصحابه , وقال : (( أتلومونني على فقد بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وإنّي اقتدي برسول الله ؛ لأنّه بكى على خديجة الكبرى وليست بنت نبيّ , وإنّ فاطمة الزّهراء ست النّساء بنت أشرف الأنبياء , ووالدة سيّد الشّهداء صلوات الله عليه وعلى أبيها )).

نُقل أنّه من إنشاد عليّ (عليه‌السلام ) بعد وفاة فاطمة (عليها‌السلام ) :

نفسي على زفراتها محبوسة

يا ليتها خرجت مع الزفرات

لا خير بعدك في الحياة وإنما

أبكي مخافة أن تطول حياتي

كمالهم لا يخفى ونورهم بيّن لا يطفئ ، حسدوهم على الفضل والكمال وجلّ وعلا مجدهم أن ينال.

حُكي عن السّيّد الحسني (ره) , قال : كنت مجاوراً في مشهد مولاي عليّ بن موسى الرّضا (عليه‌السلام ) مع جماعة من المؤمنين , فلمّا كان اليوم العاشر من شهر عاشوراء , ابتدأ رجل من أصحابنا يقرأ مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) , فوردت رواية عن الباقر (عليه‌السلام ), أنّه قال : (( مَن ذرفت عيناه على مصاب الحُسين (عليه‌السلام ) ولو مثل جناح البعوضة , غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر )) .وكان في المجلس معنا جاهل مركّب يدّعي العلم ولا يعرفه , فقال : ليس هذا بصحيح والعقل لا يعتقده .وكثر البحث بيننا, وافترقنا من ذلك المجلس وهو مصرّ على العناد في تكذيب الحديث , فنام ذلك الرّجل تلك الليلة , فرأى في منامه , كأنّ القيامة قد قامت وحشر النّاس في صعيد صفصف لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً , وقد نُصبت الموازين وامتدّ الصّراط ووضع الحساب , ونُشرت الكتب واشعلت النّيران , وزخرفت الجنان واشتدّ الحر عليه , وإذا هو قد عطش عطشاً شديداً وبقي يطلب الماء فلا يجده , فالتفت يميناً وشمالاً , وإذا هو بحوض عظيم الطّول والعرض , قال : فقلت في نفسي هذا هو الكوثر .فإذا فيه ماء أبرد من الثّلج وأحلى من العذب , وإذا عند الحوض رجلان


وامرأة , أنوارهم تشرق على الخلائق , وهُم مع ذلك لبسهم السّواد وهُم باكون محزونون , فقلت : مَن هؤلاء ؟ فقيل : هذا مُحمّد الـمُصطفى , وهذا الإمام عليّ الـمُرتضى , وهذه الطّاهرة فاطمة الزّهراء .فقلت : ما لي أراهم لابسين السّواد باكين ومحزونين ؟ فقيل لي : أليس هذا يوم عاشوراء , يوم مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) ؟! فهم محزونون لأجل ذلك .قال : فدنوت إلى ستّ النّساء فاطمة , وقلت لها : ما أفضل الأعمال بعد إتيان الواجبات ؟ قالت : (( فضل البكاء على مصاب ولدي الحُسين (عليه‌السلام ) ومهجة قلبي وقرّة عيني , الشّهيد المقتول ظلماً وعدواناً , لعن الله قاتليه وظالميه ومانعيه من شرب الماء )).

قال الرجل : فانتبهت من نومي فزعاً مرعوباً واستغفرت الله كثيراً وندمت على ما كان منّي , وأتيت إلى أصحابي الذي كنت معهم وأخبرتهم برؤياي , وتبت إلى الله عزّ وجلّ :

تبارك من أجلك من شبيه

ومن أعطى محاسنك الكمالا

مديحك عدتي وهواك قصدي

ومن عاداك لا أهواه لا لا

روى شعيب بن عبد الرّحمن الخزاعي , أنّه قال : لمـّا قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) في طفّ كربلاء , وجد في ظهره أثر , فسئل زين العابدين (عليه‌السلام ) : ما هذا الأثر الذي نراه في ظهر أبيك ؟ فبكى طويلاً وقال : (( هذا ممّا كان يحمل قوتاً على ظهره إلى منازل الفقراء والأرامل واليتامى والمساكين , وأنّه كان ينقل لهم طعاماً في جراب , وينقله إلى دورهم طول ليلته , وكانت نفقته سرّاً لا جهراً ؛ لأنّ صدقة السّر تطفئ غضب الرّب )) :

هو الذي كل آية نزلت

أحاط في علمها وأولها

حوى الكرامات بعد والده

آخرها ملكه وأوّلها

نُقل : رجل يُسمى عبد الرّحمن كان مُعلماً للأولاد في المدينة , فعلّم ولداً للحُسين يُقال له جعفر , فعلّمه الحمد لله ربّ العالمين , فلمّا قرأها على أبيه الحُسين (عليه‌السلام ) , استدعى الـمُعلّم واعطاه ألف دينار وألف حلّة وحشى فاه درّاً , فقيل له : قد استكثرت ؟ فقال (عليه‌السلام ) : (( وهل تساوي ما أعطيته هذه بتعليمه ولدي ؟ )).

الحمد لله ربّ العالمين , فوا حرّ قلباه لتلك الأجساد الـمُلقاة على الرّمضاء بلا مهاد , هي والله جسوم طالما أتعبوها في عبادة الرّحمن وتلاوة القُرآن , تبكيهم المحراب والصّلوات ,


وتنوح عليهم المطايا والكرامات , لقد هدموا بقتلهم الدّين المتين , واذلّوا بمصابهم رقاب المؤمنين , وأغضبوا بغضبهم ربّ العالمين والملائكة المقرّبين أجمعين( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة لابن السّمين (رحمه ‌الله تعالى )

كيف أخفي وجدي واكتم شأني

ودموعي تسيح من سحب شأني

وفؤادي لا يستنفيق غراماً

وهيامي لشدة الخفقان

وجفوني جفون طيب رقادي

واصطباري نأي ووجدي دان

فلو جدّي أبرزت من طي فكري

ناشرات الهموم والأحزان

ولوجدي شخصان عيني قالا

حين سحت سحائب الأجفان

لست ممن تخشى خف الله فينا

نحن في لجة البكا غرقان

قال إقرأ أو لا تقرأ فعذري

قد بدا واضحاً فلا تعذراني

كف صبري على الحُسين ومولاي

حسين رمى بسهم الهوان

من أكف البغاة آل زياد

وذوي البغي آل أبي سفيان

فوقوا نحوه ينال عناد

ورموه بأسهم العدوان

نبذوا عهده وأبدوا جهاراً

كل خاف من كامن الأضغان

كيف أنساه بالطفوف فريداً

بعد فقد الأنصار والأعوان

وينادي هل ذايد هل نصير

ينصر الطهر من بني عدنان

ويلكم ما علمتم أن جدّي

دينه الـمُرتضى من الأديان

ويلكم ما سمعتم أي قول

جاء فينا في محكم القرآن

فأجاب النداء غير معين

ورماه بنبل حرب عوان

قتلوه ظلماً وبغياً وعدواً

وانتهاكاً لحرمة الرحمن

ثم رضوا الصدر الشريف عناداً

بخيول العصيان والطغيان

ثم حز الكريم واحتزّ هام

الآل أهل الالحاد والكفران

وتولوا سلب النسا وإلهاب

خباه بمضرم النيران

____________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


ثم ساروا برأسه والسبايا

تتهادى بذلة وهوان

حيث وافوا يزيد زاد سروراً

ثمّ أبدى مسرة الجذلان

قائلاً ارجعوا فلسنا نبالي

حيث نلنا أمالنا والأماني

ثم ردوا الكريم أزهر في الأفق

ضياء من نوره النيران

فادكارى رد الكريم شجاني

وعويل الرجال والنسوان

حين وافوا من الشآم ولا قوا

جابراً زائراً لتلك المغاني

فأقاموا له عزاً يقرح القلب

ويبدي كواً من الأشجان

آه لهفي لزينب تندب السبط

وتذري مدامع الأجفان

وتنادي بلوعة واكتئاب

وجفون عبرى وقلب عان

أين من يسعد النوائح بالنوح

ويرثو الفاقد الولهان

أين من وجدّه كوجدي وشجوي

حيث يشجي فؤاده ما شجاني

أين من قلبه كقلبي المعنى

لعياني من العنا ما عناني

أين من يندب المصارع بالطف

ومثوى الكهول والشبان

أين من يعرف المودة للقربى

بنص النّبي والقرآن

أين أهل الوفا وأهل التأسي

ليسوا بالهم والأحزان

أين من يندب الوحيد من الناصر

يشكو من قلة الأعوان

أين من يندب الحُسين ويذري

من مآقي شونة ما شآن

أين من يندب الإمام إمام

الخلق طراً من أنسها والجان

أين من يندب الشجاع المحامي

عن حمى الدين فارس الفرسان

ومفيد العفاة يوم طعام

ومبيد العراة يوم طعان

وكمال الورى وزين البرايا

وجمال الأقران والإخوان

اين من يندب الحماة حماة

الدين أهل المعروف والإحسان

وبدوراً غابوا فلسنا نراهم

في سماء السّماء والجنان

أين من يندب الكريم كريم سبط

يسمو على سنان سنان

ويزيد اللعين ينكث منه

ثغره الجوهري بالخيزران


ظلمونا فويل من ظلم الآل

ولم يخش سطوة الرحمن

يوم يجثو الحُسين بين يد الله

وما رأسه على الجثمان

وتراه البتول وهو بلا رأس

فتبدي الأشجان عند العيان

فتنادي يا رب هذا حسين

قتلوه الأعداء بالعدوان

فانتصف لي من الظلوم وخذ لي

يا إلهي من كل قاص وداني

عندها يغضب الإله فتأتي

هبهب تلقط الظلوم الجاني

يا بني الـمُصطفى سموتم محلاً

سامياً في المكان والإمكان

أنتم منهج المحجة في الدين

ونهج الإرشاد والإيمان

وجمال لأوجه الدهر يبدو

كل شخص منكم جمال زمان

وجرى ماء حبكم ذوي الإيمان

مجرى الأرواح في الأبدان

فهو نجوى لمن أراد نجاة

من ولاكم وسر علم البيان

فلهذا نجل السمين مواليه

أراد البيان بعد المعاني

ثم أهدى إليك در نظام

وعقوداً يفقن نظم الجمان

يتولاكم بوجه ويبدي

بوجوه من المديح حسان

مدح تبهج الولي سروراً

وتهيج العداوة بالأحزان

فعليكم من السلام سلام

كل آن وساعة وزمان


المجلس السّابع

من الجزء الثّاني في الليلة التّاسعة من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

أيّها المؤمنون الأتقياء العارفون , أما تحبّون أن يرجح لكلّ واحد منكم ميزانه ؟ أما تريدون أن يعطى كلّ واحد منكم على حزنه ثواباً جزيلاً وثناءاً جميلاً ؟ أما بلغكم عن الفصيح النّاطق الإمام الصّادق (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( نفس المهموم المحزون لنا تسبيح , وحزنه لمصابنا عبادة , وكتمان سرّنا عنده جهاد في سبيل الله , ونوحه على مصابنا أفضل العبادة , وبكائه على ما أصابنا من أعدائنا تمحيص لذنوبه )) .وإذا كان الحال هذه , فينبغي للمؤمن أن يتجلبب أشجانه ويلبس شعار وجده وأحزانه , فإنّ الرّقة على الآل من أحسن الأحوال وأكملها عند ذي الجلال , كما جاءت به الرّواية عن الصّادق حيث قال : (( إنّ اكمال المؤمنين أحسنهم خُلقاً وأكثرهم رقّة علينا أهل البيت , وأشدّهم حبّاً لنا وأكثرهم حزناً علينا وأكثرهم مودّة لنا )).

فيا إخواني , محبّتهم من النّار تقيكم وولايتهم عند كلّ كريهة حتّى الموت تكفيكم ، كما ورد بذلك الخبر عن الصّادق (عليه‌السلام ) , حيث قال : (( مرض مؤمن صالح فافتقده سلمان الفارسي , فقال : أين صاحبنا فلان ؟ فقيل له : إنّه مريض .قال: امشوا بنا إليه لنعوده .فقاموا معه جميعاً , فدخلوا عليه فوجدوه في حال النّزع وهو يجود بنفسه , فبكى سلمان وقال : يا ملك الموت , ارفق بولي أهل البيت .فقال له ملك الموت بلسان فصيح يسمعه مَن حضر : يا عبد الله , اعلم أنّي لرقيق بالمؤمنين ولو ظهرت لك .فتعجّب الحاضرون من هذا الكلام ولم يروا المتكلم )) .وإذا كان الأمر


كذلك , فكيف لا ننوح على أولاد مُحمّد الـمُصطفى وعليّ المُرتضى وفاطمة البتول الزّهراء ؟! ويلهم تواثبوا عليهم جهراً فقتلوهم وعن شرب الماء منعوهم كأنّهم ما عرفوهم , فتبّاً لهم ما أجرأهم على انتهاك حُرمة الرّسول وتقريح كبد الزّهراء البتول , فكأنّهم نسوا المعاد إلى ربّ العباد.

القصيدة للصاحب بن عباد (رحمه‌الله )

عيني جودي على الشهيد القتيل

واتركي الخد كالمحل المحل

كيف يشفي البكاء في قتل مولاي

إمام التنزيل والتأويل

قاتلوا الله والنبي ومولاهم علياً

إذ قاتلوا ابن الرسول

فجعوه من غدرهم برضيع

هل سمعتم بمر ضع مقتول

ثم لم يشفهم سوى قتل نفس

هي نفس التكبير والتهليل

هي نفس الحُسين نفس رسول الله

نفس الوصي نفس البتول

ذبحوه ذبح الأضاحي فيا قلب

تصدع على الغريب الذليل

نُقل : أنّه لمـّا وصل الحُسين (عليه‌السلام ) في مسيره إلى الكوفة إلى منزل اسمه سوق ، جلس (عليه‌السلام ) ناحية عن النّاس , وإذا برجل قد قدم من الكوفة , فسأله الحُسين (عليه‌السلام ) وقال : (( ما الخبر ؟ )) .فقال : يا سيّدي , ما خرجت من الكوفة حتّى رأيت هانياً ومُسلماً بن عقيل مقتولين وبُعث برأسيهما إلى يزيد .فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون )) .وسار الرّجل ولم يعلم به أحد من أصحابه.

قال : وكان لـمُسلم بنت عمرها احدى عشرة سنة مع الحُسين (عليه‌السلام ) , فلمّا قام الحُسين من مجلسه , جاء إلى الخيمة فعزّز البنت وقرّبها من منزله , فحسّت البنت بالشّر ؛ لأنّ (عليه‌السلام ) كان قد مسح على رأسها وناصيتها كما يُفعل بالأيتام , فقالت : يا عم , ما رأيتك قبل هذا اليوم تفعل بي مثل ذلك ؟! أظن أنّه قد استشهد والدي ؟ فلم يتمالك الحُسين (عليه‌السلام ) من البكاء , وقال : (( يا ابنتي , أنا أبوك وبناتي اخواتك )) .فصاحت ونادت بالويل , فسمع أولاد مُسلم ذلك الكلام وتنفسوا الصّعداء , وبكوا بكاءاً شديداً ورموا بعمائمهم إلى الأرض.

قال : لمـّا تأمّل الحُسين (عليه‌السلام ) هذا الحال وقتل مُسلم , وأنّ أهل الكوفة هُم الذين أعانوا على قتل أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ونهب الحسن وضربه بالخنجر على


فخذه , فبكى بكاءاً شديداً حتّى اخضلت لحيته بالدّموع.

ونُقل أيضاً : لمـّا آل أمر الحُسين إلى القتال بكربلاء وقُتل جميع أصحابه , ووقعت النّوبة على أولاد أخيه , جاء القاسم بن الحسن وقال : يا عم , الإجازة لأمضي إلى هؤلاء الكفرة .فقال له الحُسين : (( يابن الأخ , أنت من أخي علامة وأريد أن تبقى ؛ لأتسلّى بك )) .ولم يعطه إجازة للبراز , فجلس مهموماً مغموماً باكي العين حزين القلب , وأجاز الحُسين إخوته للبراز ولم يجزه , فجلس القاسم متألماً ووضع رأسه على رجليه.

وذُكر : أنّ أباه قد ربط له عوذة في كتفه الأيمن ، وقال له : (( إذا أصابك ألم وهمّ , فعليك بحلّ العوذة وقراءتها وفهم معناها , واعمل بكلّ ما تراه مكتوباً فيها )) .فقال القاسم لنفسه : مضى سنين عليّ ولم يصبني من مثل هذا الألم .فحلّ العوذة وفضّها ونظر إلى كتابتها , وإذا فيها : (( يا ولدي قاسم , أوصيك إنّك إذا رأيت عمّك الحُسين (عليه‌السلام ) في كربلاء وقد أحاطت به الأعداء , فلا تترك البراز والجهاد لاعداء رسول الله ولا تبخل عليه بروحك , وكلّما نهاك عن البراز , عاوده ليأذن لك في البراز ؛ لتحضى في السّعادة الأبدية )).

فقام القاسم من ساعته وأتى إلى الحُسين (عليه‌السلام ) وعرض ما كتب الحسن على عمّه الحُسين , فلمّا قرأ الحُسين العوذة , بكى بكاءاً شديداً ونادى بالويل والثّبور وتنفّس الصّعداء , وقال : (( يابن الأخ , هذه الوصية لك من أبيك , وعندي وصية اُخرى منه لك , ولا بدّ من إنفاذها )) .فمسك الحُسين (عليه‌السلام ) على يد القاسم وأدخله الخيمة وطلب عوناً وعباساً وقال لاُمّ القاسم: (( ليس للقاسم ثياب جدد ؟ )) .قالت : لا .فقال لأخته زينب : (( ايتيني بالصّندوق )) .فأتته به ووضع بين يديه , ففتحه وأخرج منه قباء الحسن وألبسه القاسم , ولفّ على رأسه عمامة الحسن , ومسك بيد ابنته التي كانت مُسماة للقاسم فعقد له عليها , وأفرد له خيمة , وأخذ بيد البنت ووضعها بيد القاسم وخرج عنهما , فعاد القاسم ينظر إلى ابنة عمّه ويبكي إلى أن سمع الأعداء يقولون : هل من مبارز ؟ فرمى بيد زوجته وأراد الخروج وهي تقول له : ما يخطر ببالك وما الذي تريد أن تفعله ؟ قال لها : أريد ملاقاة الأعداء , فإنّهم يطلبون البراز وأنّي أريد ملاقاتهم .فلزمته ابنة عمّه , فقال لها : خلّي ذيلي , فإنّ عرسنا أخّرناه إلى الآخرة .فصاحت وناحت وأنّت من قلب حزين , ودموعها جارية على خدّيها وهي تقول : يا قاسم , أنت تقول عرسنا أخّرناه إلى الآخرة , وفي القيامة بأيّ شيء أعرفك وفي أيّ


مكان أراك ؟ فمسك القاسم يده وضربها على ردنه وقطعها , وقال : يا بنة العم , اعرفيني بهذه الرّدن المقطوعة .قال : فانفجع أهل البيت بالبكاء لفعل القاسم , وبكوا بكاءاً شديداً ونادوا بالويل والثّبور.

قال مَن روى : فلمّا رأى الحُسين أنّ القاسم يريد البراز , قال له : (( يا ولدي , أتمشي برجلك إلى الموت ؟ )) .قال : وكيف يا عم وأنت بين الأعداء وحيداً فريداً لم تجد محامياً ولا صديقاً ؟! روحي لروحك الفداء ونفسي لنفسك الوقاء ! ثمّ إنّ الحُسين (عليه‌السلام ) شقّ أزياق القاسم وقطع عمامته نصفين ثمّ أدلاها على وجهه ، ثمّ ألبسه ثيابه بصورة الكفن وشدّ سيفه بوسط القاسم وأرسله إلى المعركة , ثمّ إنّ القاسم قدم إلى عمر بن سعد ، وقال : يا عمر , أما تخاف الله أما تراقب الله يا أعمى القلب؟! أما تراعي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟ فقال عمر بن سعد : أما كفاكم التّجبّر , أم تطيعون يزيد ؟ فقال القاسم : لا جزاك الله خيراً , تدّعي الإسلام وآل رسول الله عطاشا ظمآ.

قد اسودّت الدُنيا باعينهم , فوقف هنيهة فما رأى أحداً يقدم إليه , فرجع إلى الخيمة فسمع صوت ابنة عمّه تبكي , فقال لها : ها أنا جئتك .فنهضت قائمة على قدميها وقالت : مرحباً بالعزيز , الحمد لله الذي أراني وجهك قبل الموت .فنزل القاسم في الخيمة وقال : يا بنت العم , مالي اصطبار أن أجلس معك والكفّار يطلبون البراز .فودّعها وخرج وركب جواده وحماه في حومة الميدان ، ثمّ طلب المبارزة , فجاء إليه رجل يُعدّ بألف فارس , فقتله القاسم وكان له أربعة أولاد مقتولين , فضرب القاسم فرسه بسوط وعاد يقتل بالفرسان إلى أن ضعفت قوّته , فهمّ بالرّجوع إلى الخيمة , وإذا بالأزرق الشّامي قد قطع عليه الطّريق وعارضه , فضربه القاسم على اُمّ رأسه فقتله , وسار القاسم إلى الحُسين وقال : يا عمّاه ! العطش العطش أدركني بشربة من الماء ! فصبّره الحُسين واعطاه خاتمه وقال : (( حطه في فمك ومصه )).

قال القاسم : فلمّا وضعته في فمي , كأنّه عين ماء فارتويت وانقلبت إلى الميدان .ثمّ جعل همّته على حامل اللوى وأراد قتله , فاحتاطوا به بالنّبل , فوقع القاسم على الأرض , فضربه شيبة بن سعد الشّامي بالرّمح على ظهره فأخرجه من صدره , فوقع القاسم يخور بدمه ونادى : يا عم أدركني ! فجاءه الحُسين (عليه‌السلام ) وقتل قاتله , وحمل القاسم إلى الخيمة فوضعه فيها , ففتح القاسم عينه فرأى الحُسين قد احتضنه وهو يبكي ويقول : (( يا ولدي لعن الله


قاتليك , يعزّ والله على عمّك أن تدعوه وأنت مقتول .يا بني , قتلوك الكفّار كأنّهم ما عرفوا مَن جدّك وأبوك )) .ثمّ إنّ الحُسين (عليه‌السلام ) بكى بكاءاً شديداً , وجعلت ابنة عمّه تبكي وجميع مَن كان منهم ؛ لطموا الخدود وشقّوا الجيوب ونادوا بالويل والثّبور وعظائم الأمور.

فيا إخواني , اكثروا النّوح وجددوا الأحزان على ما جرى على سادات الزّمان .فواحزناه لما أصاب أهل بيت الرّسول وبني الزّهراء البتول من الأشقياء النّغول ! فتبّاً لهم فيما فعلوه وتعساً لهم فيما تحمّلوه ! فبأيّ شيء يتعللون حين يسئلون ؟ وبم يجيبون حين يستنطقون ؟ كلا , والله ليس لهم جواب مانع ولا خطاب دافع , وسيردّون إلى العذاب الأليم والعقاب الجسيم ، وعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان فتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ مُحمّد السّبيعي (رحمه‌ الله تعالى )

مشيب تولى للشباب وأقبلا

نذيراً لمن امسى وأضحى مغفلاً

يرى الناس منهم ظاعن أثر ظاعن

فظن سواه الطاعن المتحملا

ترحلت الجيران عنه إلى البلا

وما رحل الجيران إلّا ليرحلا

ولكنه لمـّا مضى العمر ضائعاً

بكى عمره الماضي فحن وأعولا

تذكر ما افنى الزمان شبابه

فبات يسح الدمع في الخد مسبلا

ولم يبك من فقد الشباب وإنما

بكى ما جناه ضارعاً متنصلا

تصرمت اللذات عنه وخلفت

ذنوباً غداً من أجلها متوجلا

حنانيك يا من عاش خمسين حجّة

وخمساً ولم يعدل عن الشر مغدلا

وليس له في الخير مثقال ذرة

وكم ألف مثقال من الشر حصلا

وقد جاءه في الذرتين كفاته

إذا ما تلي في محكم الذكر منزلا

أعاتب نفسي في الخلا ولم يفد

عتابي على ما فات في زمن خلا

فيا ليت إنّي قبل ما قد جنت يدي

على نفسها لاقيت حتفاً معجلا

ويا ليت إنّي كنت في الوحش هاملاً

ولم أك للطاعات في العمر مهملا

ويا ليت أمي لا غدت حاملاً بمن

غدا حاملاً وزراً يوازن أجيلا


ويا ليت شعري هل تفيد ندامتي

على ما به أمسى وأضحى مثقلاً

عذيري من الذنب الذي صار موجباً

عذاب إلهي عاجلاً ومؤجلاً

يدي قد جنت يا صبي على يدي

ونفسي لنفسي حرت العذل فاعذلا

ولا تعذل عيناً على عينها بكت

فطرفي على طرفي جني وتأملا

سأبكي على ما فات منّي ندامة

إذا الليل أرخى الستر منه وأسبلا

سأبكي على ذنبي وآفات غفلتي

وأبكي قتيلاً بالطفوف مجدلا

سأبكي على ما مات منّي بعبرة

تجود إذا جاء المحرم مقبلا

حنيني على ذاك القتيل وحسرتي

عليه غريباً في المهامة والفلا

حنيني على الملقى ثلاثاً معفراً

طريحاً ذبيحاً بالدماء مغسلا

سأبكي عليه والمذاكي بركضها

تكفنه مما أثارته قسطلا

سأبكي عليه وهي من صدره

ترض عظاماً أو تفصل مفصلا

سأبكي على الحران قلباً من الظما

وقد منعوه أن يعل وينهلا

إلى أن قضى يا لهف نفسي على الذي

قضى بغليل يشبه الجمر مشعلا

سأبكي على المحروز رأساً من القفا

إلى أن برى السيف الوريدين والطلا

سأبكي عليه يوم اضحى بكربلاء

يكابد من أعدائه الكرب والبلا

وقد أصبحت أفراسه وركابه

وقوفاً بهم لم تنبعث فتوجلا

فقال بأي الأرض تعرف هذه

فقالوا له هذي تسمى بكربلا

فقال على اسم الله حطوا رحالكم

فليس لنا أن نستقل ونرحلا

ففي هذه مهراق جاري دمائنا

ومهراق دمع الهاشميات ثكلا

وفي هذه والله تضحى جسومنا

وزوارها سيّد يعاقب فرعلا

وفي هذه والله تضحى رؤوسنا

مشهرة تعلو من الخط ذبلاً

وفي هذه والله تسبى حريمنا

وتضحى بأنواع العذاب وتبتلا

وفيها تساق الهاشميات حسراً

وتضرب ضرب الشدقميات جفلا

فلهفي على مضروبة الجسم وهي من

ضروب الأسى تبكي هماماً مبجلا

ولهفي على أطفالها في جحورها

تمج عقيب الثدي سهماً ومنصلا

ولهفي على الطفل المفارق أمه

ولهفي تبكي على الطفل مطفلا


ولهفي عليها وهي في غربة النوى

تجوب الفيافي مجهلاً أثر مجهلا

أشيعة آل الـمُصطفى من يكون لي

عويناً على رزء الشهيد مولولا

أشيعة آل الـمُصطفى من ينوح لي

وينعي الإمام الفاضل المتفضلا

قفا نبك من ذكرى حبيب مُحمّد

وخلوا لذكراكم حبيباً ومنزلا

قفا نبك من تذكاره ومصابه

فتذكاره ينسي الذخول فحرملا

فوالله لا أنسى وإن بعد المدى

قتل ضبابي من الدين قد خلا

فوالله لا أنساه يخفض في الثرى

وشمر على الصدر المعظم قد علا

يهبر أوداج الحُسين بسيفه

إلى حيث رواه نجيعاً وخضلا

ولم أنس أخت السبط زينب أقبلت

لتقبيله ثمّ انثنت لم تقبلا

وقد قنع الرجس المزنم رأسه

ومنكبها الزاكي قطيعاً مفتلا

فقالت له يا شمر دعني هنيهة

أعلل قلباً باللقا لن يعللا

فإن لم يكن إلّا تعلل ساعة

فإني بها أشقى فؤاداً معللا

أيا شمر دع عيني إلى نور عينه

به تشتفي من قبل أن تتحملا

اتمنع عيني نظرة من حبيبه

ولا لذ في قلبي سواه ولا حلا

اتمنعني من نظرة يشتفي بها

فؤادي بمن لي كان كهفاً وموئلا

اتفردني وحدي وابن والدي

وتحتز رأساً منه رأس على الملا

فما رق منه القلب عنه خضوعه

وأوجعها بالسوط ضرباً مثكلا

وميز رأس السبط ثمّ رمى به

فسبحت الأملاك في سبعها العلا

وسحت عليه سبعها الدم قاني

ولا عجباً من أن تسح وتهملا

ولا عجباً إن مادت الأرض بالورى

وأرجف منها جانباها وزلزلا

ومالوا إلى سبي الحريم فحللو

بجهلهم ما ليس في الشرع حللا

فكم سالب درعاً وكم هاتك خب

وقاصم خلخال فادمى المخلخلا


سأبكي له وهو العليل وفي الحشا

غليل ببرد الماء أن يتبللا

سأبكي لبنت السبط فاطم قد غدت

قريحة جفن وهي تبكيه معولا

تحن فيشجي كل قلب حنينها

وتصدع من صم الصياخيد جندلا

تقول أبي أبكيك يا خير من مشى

ومن ركب الطرف الجواد المحجلا

أبي كنت للدين الحنيفي موضحاً

ومذ ثكلتك البيض أصبح مثكلا

أبي يا ثمال الأرملات وكهفها

إذا عاينت خطباً من الدهر معضلا

أبي يا ربيع المجد بين ومن به

يغاث من السقيا إذا الناس أمحلا

أبي يا غياث المستغيثين والذي

غداً لهم كنزاً وذخراً وموئلا

أبي أن سلا المشتاق أو وجد العزى

فإن فؤادي بعدك ماسلا

سأبكيك تبكيك المحارب شجوها

وقد فقدت مفروضها والتنقلا

سأبكيك تبكيك المحارب شجوها

وقد فقدت مفروضها والتنقلا

سأبكيك تبكيك المناجاة في الدجى

سأبكيك يبكيك الكتاب مرتلا

سأبكيك إذ تبكي عليه سكينة

ومدمعها كالغيث جاد وأسبلا

ونادت رباب أمتاه فاقبلت

وقد كضها فقد الحُسين وأثكلا

وقالت لها يا أمنا ما لوالدي

مضى مزمعاً عنا الرحيل إلى البلا

أنادي به يا والدي وهو لم يجب

وقد كان طلقاً ضاحكاً متهللا

أظن أبي قد حال عما عهدته

وإلّا فقد أمسى بنا متبدلا

ألا أبتا قد شقت البين شملنا

وجرعنا في الكأس صبراً وحنظلا

ونادى المنادي بالرحيل فقربوا

من الهاشميات الفواطم نزلا

وصار بها الحادي يغني مغرداً

سل الدار عمن قد نأى وترحلا

تسير ورأس السبط يسري أمامها

كبدر الدجى وافى السعود فاكملا

فلهفي لها عن كربلا قد ترحلت

مخلفة أزكى الأنام وأنبلا

ولهفي لها بين العراق وجلق

إذ هو جلا خلفن قابلن هو جلا

ولهفي لها في اعنف السير والسرى

تأم زينب بالشآم مضللا

فلما رآها في حبائل سره

تهلل مسروراً وأبدى التغزلا

ونادى برأس السبط ينكث ثغره

وينشد أشعاراً بها قد تمثلا


نفلق هاماً من رجال أعزة

علينا وهم كانوا أحق وأجملا

الا فاعجبوا من ناكث ثغر سيداً

له أحمد يمسي ويضحى مقبلا

له عذب الرحمن ماسح وابل

وعذب أصحاب السقيفة أولا

أولئك في يوم السقيفة أفسدوا

جميع الورى جيلاً فجيلاً لهم تلا

أولئك من أردى الحُسين بكربلا

ومن خان لله المهيمن مرسلا

قضوا ما قضوا من أمرهم بعدما قضى

نبيهم واستعجلوا أن يغسلا

وجاءهم إبليس في زي عابد

فأطنب في شكر الإله وطولا

ولم يشكر الملعون إلّا لأنه

رأى حبترا صار الإمام فحمدلا

وقال أبا ...........تهن فإنني

أبايع قبل الناس لن اتشكلا

فقل لرجيم جاء نحو رجيمه

فبايعه قبل العصاة وعجلا

أويلك لم تذعن لآدم ساجداً

وبايعت أدنى العالمين وأنذلا

تغشاك باللعن الإله مضاعفاً

وخص ابن سلما والدلام ونعثلا

بني الوحي والتنزيل من لي بمدحكم

ومدحكم في محكم الذكر أنزلا

وإن كان نظمي كالفريد مفصلا

فقد أنزل الرحمن فيكم مفصلا

ولكني أرجو شفاعة جدكم

لـمّا فقت فيه دعبلاً ثمّ جرولا

فهنيتموا بالمدح من خالق الورى

فقد نلتموا أعلا محلاً وأفضلا

فسمعاً من السبعي نظم غرائب

يظل لديها احظل الفحل احضلا

غرائب يهويها الكميت ودعبل

كما فيكم أهوى الكميت ودعبلا

أجاهر فيها بالولاء مصرحاً

وبغضي لشانيكم مزجت به الولا

لقد سيط لحمي في هواكم وفي دمي

وما قل منّي في عدوكم القلا

عليكم سلام الله يا خير من مشى

ويا خير من لبي وطاف وهللا

فما ارتضى إلّا كموالي سادة

وما سواكم فالبراءة والخلا

الباب الثّاني

أيّها المؤمنون السّامعون والاُمناء الصّالحون , اعلموا أنّ الله تعالى قد ابتلى ابن نبيّكم الحُسين (عليه‌السلام ) ببلاء عظيم , بكت من أجله السّموات بأركانها ، والأرض بأرجائها والأشجار بأطيارها وأغصانها ، والملائكة المقرّبون وأهل


السّماوات أجمعون.

فأيّ قلب لا ينصدع لقتله , وأيّ فؤاد لا يحزن من أجله ؟! وكيف لا وقد أصبح أهل البيت مطرّدين مشرّدين مذودين عن الأوطان والدّيار , شاسعين في البراري والأمصار كأنّهم أولاد اليهود والكفّار ، فيا لها من مصيبة عظمت في الإسلام وجليل خطب عمّ سائر الأنام.

فيا إخواني , لا تُقصّروا في البكاء والعويل وتساعدوا على هذا الرّزء الجليل , وابرزوا الدّموع الهتان ومخفيات الأشجان والأحزان على ما أصاب سادات الزّمان من الذّل والهوان :

يا مؤمناً متشياً بولائه

يرجو النجا والفوز يوم المحشر

أبك الحُسين بلوعة وبحرقة

إن لم تجدها لم فؤادك وأكثر

وامزج دموعك بالدماء وقل ما

في حقه حقاً إذا لم تنصر

والبس ثياب الحزن يوم مصابه

وما بين أسود حالك أو أصفر

فعساك تحضى في المعاد بشربة

من حوضهم ماء لذيذ سكر

روي عن أبي مخنف , قال : لمـّا قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) , اُسر من عسكره غلامان صغيران , فاُتي بهما إلى عُبيد الله بن زياد لعنه الله , فدعا بسجّان له وقال له : خُذ هذين الغلامين واسجنهما , ومن طيب الطّعام فلا تطعمهما ومن بارد الماء فلا تسقهما , وضيّق عليهما سجنهما.

قال : فأخذهما السّجان ووضعهما في السّجن إلى أن صار لهما سنة كاملة حتّى ضاقت صدورهما ، فقال الصّغير للكبير : يا أخي , يوشك أن تُفنى أعمارنا وتُبلى أبداننا في هذا السّجن , أفلم تخبر السّجان بخبرنا ونتقرّب إليه بمُحمّد الـمُصطفى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟ فقال : هكذا يكون.

فلمّا جنّهما الليل , أتى السّجان إليهما بقرصين من شعير وكوز من ماء ، فقام إليه الصّغير فقال له : يا شيخ , أتعرف مُحمّد الـمُصطفى ؟ قال : وكيف لا أعرفه وهو نبيي وشفيعي يوم القيامة ! قال له : يا شيخ , أتعرف عليّ بن أبي طالب ؟ قال: وكيف لا أعرفه وهو إمامي وابن عمّ نبيي ! قال له : يا شيخ , أتعرف مُسلم بن عقيل ؟ قال : بلى أعرفه وهو ابن عمّ رسول الله .فقال له : يا شيخ , نحن من عترة مُسلم بن عقيل , نسألك من طيب الطّعام فلا تطعمنا ومن بارد الماء فلا تسقينا , وقد ضيّقت علينا سجننا , فما لك وما لنا لا ترحمنا لصغر سننا ؟ أما ترعانا لأجل سيّدنا رسول الله ؟ فلمّا سمع السّجان كلامهما , بكى بكاءاً شديداً وانكبّ على أقدامهما يقبّلهما ويقول :


نفسي لنفسكما الفداء وروحي لروحكما الوقا ! يا عترة مُحمّد الـمُصطفى , والله لا يكون مُحمّد خصمي في القيامة , هذا باب السّجن مفتوح فخذوا أيّ طريق شئتما , يا حبيبي سيروا بالليل واكمنا بالنّهار.

قال : فلمّا خرجا لم يدريا إلى أيّ جهة يمضيان , فلمّا جهجه الصّبح عليهما , دخلا بستاناً وصعدا على شجرة واكتنا بها , فلمّا طلعت الشّمس , وإذا بجارية قد رأتهما , فأقبلت إليهما وسألتهما عن حالهما وطيب قلوبهما , وقالت لهما : سيرا معي إلى مولاتي فإنّها محبّة لكما .فسارا معها , فسبقتهم الجارية فاعلمت مولاتها , فلمّا سمعت بهما , قامت حافية إليهما واستقبلتهما بالبشرى , وقالت لهما : ادخلا على رحب وسعة .فلمّا دخلا , أنزلتهما في مكان لم يدخل إليه أحد من النّاس , وخدمتهما خدمة تليق بهما.

ثمّ إنّ ابن زياد لعنه الله نادى في شوارع الكوفة : أنّ مَن جاءني بأولاد مُسلم بن عقيل , فله الجائزة العظمى .وكان زوج تلك المرأة من جملة من طلبهما , فلمّا جنّ الليل , أقبل اللعين إلى داره وهو تعبان من كثرة الطّلب ، فقالت له زوجته الصّالحة : أين كُنت , فإنّي أرى في وجهك آثار التّعب ؟ قال : إنّ ابن زياد قد نادى بأزقّة الكوفة : أنّ مَن جاءني بأولاد مُسلم بن عقيل , كان له عندي الجائزة العظيمة .وقد خرجت في الطّلب فلم أجد لهما أثراً ولا خبراً .فقالت له زوجته : يا ويلك أما تخاف من الله ! ما لك وأولاد الرّسول تسعى إلى الظّالم بقتلهم , فلا تغرّنّك الدُنيا .قال : أطلب الجائزة من الأمير .قالت : تكون أقلّ النّاس وأحقرهم عنده إن سعيت بهذا الأمر.

فبينما هو بين النّائم واليقظان , إذ سمع الهمهمة من داخل البيت ، فقال لزوجته : ما هذه الهمهمة ؟ فلا ترد عليه الجواب كأنّها [لا] تسمع , فقعد وطلب مُصباحاً , فتناوم أهل البيت كأنّهم لم يسمعوا , فقام وأشعل المصباح وأراد فتح الباب ، فقالت له زوجته : ما تريد من فتح الباب ؟ ومانعته , فقاتلها ومانعها وفتح الباب , وإذا بأحد الولدين قد انتبه , فقال لأخيه : يا أخي , اجلس فإنّ هلاكنا قد قرب .فقال له أخوه : وما رأيت يا أخي ؟ قال : بينما أنا نائم وإذا بأبي واقف عندي , وإذا بالنّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعليّ والحسن والحُسين وقوف وهم يقولون لأبي : ما لك تركت أولادك بين الكلاب والملاعين ؟ فقال لهما أبي : وها هُما باثري قادمين .فلمّا سمع الملعون كلامهما , جاء إليهما وقال لهما : مَن أنتما ؟ قالوا : من آل الرّسول .[قال] : ومَن أبوكم ؟ قالوا :


مُسلم بن عقيل .فقال الملعون : إنّي أتعبت اليوم فرسي ونفسي في طلبكما وأنتما عندي.

ثمّ إنّه لطم الأكبر منهما لطمة أكبّه على الأرض حتّى تهشّم وجهه وأسنانه من شدّة الضّربة , وسال الدّم من وجهه وأسنانه، ثمّ إنّه كتّفهما كتافاً وثيقاً , فلمّا نظرا إلى ما فعل به [بهم] اللعين , قالا : ما لك يا هذا تفعل بنا هذا الفعل , وامرأتك قد أضافتنا وأكرمتنا وأنت هكذا تفعل بنا ؟ أما تخاف الله فينا ؟ أما تراعي يتمنا وقربنا من رسول الله ؟

فلم يعبأ اللعين بكلامهما ولا رحمهما ولا رقّ لهما ، ثمّ دفعهما إلى خارج البيت , وبقيا مكتّفين إلى الفجر وهُما يتوادعان ويبكيان ؛ لما جرى عليهما , وأمّا الملعون , فلمّا أصبح الصّبح , أخرجهما من داره وقصد بهما جانب الفُرات ؛ ليقتلهما وزوجته وولده وعبده خلفه وهم يخوّفونه الله تعالى ويلومونه على فعله , فلم يرتدع اللعين ولم يلتفت إليهم حتّى وصلوا إلى جانب الفُرات , فأشهر اللعين سيفه ؛ لقتلهما فوقعت زوجته على يديه ورجليه تقبّلهما وتقول له : يا رجل , اعف عن هذين الولدين اليتيمين , واطلب من الله الذي تطلبه من أميرك عُبيد الله بن زياد , فإنّ الله يرزقك عوض ما تطلبه منه أضعافاً مضاعفة .فزعق الملعون عليها زعقة الغضب حتّى طار عقلها وذهل لبّها ، ثمّ قال للعبد : يا أسود , خُذ هذا السّيف واقتل هذين الغلامين , وائتني برأسيهما حتّى انطلق بهما إلى عُبيد الله بن زياد , وآخذ جائزتي منه ألفي درهماً وفرساً .فلمّا همّ بقتلهما , قال له أحد الغلامين : يا أسود , ما أشبه سوادك بسواد بلال مؤذّن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , يا أسود , ما لك وما لنا حتّى تقتلنا ؟ امض عنّا حتّى لا نطالبك بدمنا عند رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) .فقال لهما الغلام [العبد] : يا حبيبي مَن أنتما ؟ فإنّ مولاي أمرني بقتلكما.فقالوا: يا أسود , نحن من عترة نبيّك مُحمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , نحن أولاد مُسلم بن عقيل , أضافتنا عجوزكم هذه الليلة ومولاك يريد قتلنا.

قال : فانكبّ العبد على أقدامهما يقبّلهما ويقول : نفسي لنفسكما الفداء وروحي لروحكما الوقاء يا عترة مُحمّد الـمُصطفى! والله لا يكون مُحمّد خصمي يوم القيامة .ثمّ رمى السّيف من يده ناحية وطرح نفسه في الفُرات وعبر إلى الجانب الآخر , فصاح به مولاه : عصيتني ؟ فقال : اطعتك ما دمت لا تعصي الله , فلمّا عصيت الله عصيتك ؛ أحبّ إليّ من أن أعصي الله وأطيعك .فقال اللعين : والله , ما يتولّى قتلكما أحد غيري .فأخذ السّيف وأتى إليهما وسلّ السّيف


من جفنه , فلمّا همّ بقتلهما , جاء إليه ولده وقال له : يا أبه , قدّم حلمك وأخّر غضبك وتفكّر فيما يصيبك في القيامة .قال: فضربه بالسّيف فقتله .فلمّا رأت الحُرمة ولدها مقتولاً , أخذت بالصّياح والعويل.

قال : فتقدم الملعون إلى الولدين , فلمّا رأياه تباكيا ووقع كلّ منهما على الآخر يودّعه ويعتنقه , والتفتا إليه وقالا له : يا شيخ , لا تدعنا نطالبك بدمائنا عند جدّنا يوم القيامة , خذنا حيّين إلى ابن زياد يصنع بنا ما يريد .فقال : ليس إلى ذلك سبيل .فقالا له : يا شيخ , بعنا في السّوق وانتفع بأثماننا ولا تقتلنا .فقال : لا بدّ من قتلكما .قالا له : يا شيخ , ألا ترحم يتمنا وصغرنا ؟ فقال لهما : ما جعل الله لكما في قلبي من الرّحمة شيئاً .فقالا : يا شيخ , دعنا نصلّي كلّ منّا ركعتين .قال : صلّيا ما شئتما إن نفعتكما الصّلاة.

قال : فصلّيا أربع ركعات , فلمّا فرغا رفعا طرفيهما إلى السّماء وبكيا وقالا : يا عادل يا حكيم , أحكم بيننا وبينه بالحقّ.ثمّ قالا له : يا هذا , ما أشدّ بغضك لأهل البيت ؟ فعندها عمد الملعون وضرب عنق الأكبر , فسقط إلى الأرض يخور في دمه , فصاح أخوه وجعل يتمرّغ بدم أخيه وهو ينادي : وا أخاه ! وا قلّة ناصراه ! وا غربتاه ! هكذا ألقى الله وأنا متمرّغ بدم أخي.فقال له الملعون : لا عليك سوف ألحقك بأخيك في هذه السّاعة .ثمّ ضرب عنقه , ووضع رأسيهما في المخلاة ورمى أبدانهما في الفُرات , وسار بالرّأسين إلى عُبيد الله بن زياد , فلمّا مثل بين يديه , وضع المخلاة فقال له : ما في المخلاة يا هذا؟ قال : رؤوس أعدائك أولاد مُسلم بن عقيل .فكشف عن وجهيهما , فإذا هُما كالأقمار المشرقة , فقال : لِمَ قتلتهما ؟ قال : بطمع الفرس والسّلاح .فقام ابن زياد ثمّ قعد ثلاثاً وقال : ويلك وأين ظفرت بهما ؟! قال : في داري , وقد أضافتهم عجوز لنا.فقال ابن زياد : أفلا عرفت لهما حقّ الضّيافة وأتيت بهما حيّين إليّ ؟ فقال : خشيت أن يأخذهما أحد منّي ولا أقدر على الوصول إليك .فأمر ابن زياد أن يغسلوهما من الدّم , فلمّا غسلوهما واُتي بهما إليه ونظرهما , تعجّب من حسنهما وقال له : يا ويلك ! لو أتيتني بهما حيّين , لضاعفت لك الجائزة .فتعذّر بعذره الأوّل ، ثمّ قال له : يا ويلك ! حين أردت قتلهما ما قالا لك ؟ قال , قالا لي : يا شيخ , ألا تحفظ قرابتنا من رسول الله ؟ قال : فما قُلت لهما ؟ قال : قُلت لهما : مالكما من رسول الله قرابة .قال : فماذا قالا لك أيضاً ؟


قال : قالا لي : ألا ترحم صغر سننا ؟ فقلت لهما : ما جعل الله لكما في قلبي من الرّحمة شيئاً .قال : فما قالا لك أيضاً ؟ قال : قالا لي : امض إلى السّوق فبعنا وانتفع بأثماننا ؟ فقلت لهما : لا بدّ من قتلكما .قال : فماذا قالا لك أيضاً ؟ قال : قالا لي : ألا تمضي بنا إلى ابن زياد يحكم فينا بأمره ؟ فقلت لهما : ليس إلى ذلك من سبيل .قال : فماذا قالا لك أيضاً ؟ قال : قالا لي : دعنا نُصلي كلّ واحد منّا ركعتين ؟ فقلت لهما : فصلّيا إن نفعتكما الصّلاة .فصلّيا أربع ركعات , فلمّا فرغا من الصّلاة , رفعا طرفيهما إلى السّماء ودعيا وقالا : يا حي يا حكيم , أحكم بيننا وبينه بالحقّ.

ثمّ نظر ابن زياد إلى ندمائه وكان فيهم محبّ لأهل البيت , وقال له : خُذ هذا الملعون وسر به إلى موضع قتل فيه الغلامين , واضرب عنقه ولا تدع أن يختلط دمه بدمهما , وخُذ هذين الرّأسين وارمهما في موضع رمي به أبدانما.

قال : فأخذه وسار به وهو يقول : والله , لو أعطاني ابن زياد جميع سلطنته , ما قبلت هذه العطية .وكان كلّما مرّ بقبيلة , أراهم الرّأسين وحكى لهم بالقصّة , وما يريد يفعل بذلك اللعين .ثمّ سار به إلى موضع قتل فيه الغلامان , فقتله بعد أن عذّبه بقطع عينيه وقطع أذنيه ويديه ورجليه ورمى بالرّأسين في الفُرات.

قال : فخرجت الأبدان وركبت الرّؤوس عليها بقدرة الله تعالى , ثمّ تحاضنا وغاصا في الفُرات ، ثمّ إنّ ذلك الرّجل المحب أتى بالرّأس - رأس ذلك اللعين - فنصبه على قناة وجعل الصّبيان يرجمونه بالحجارة .ألا لعنة الله على القوم الظّالمين( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .وعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان فتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ ابن حماد (رحمه ‌الله تعالى )

دا قلبه الداعي الوعيد فاسمعا

وداع لبادي شيبه فتودعا

وأيقن بالترحال فاعتد زاده

وحاذر من عقبى الذنوب فاقلعا

إلى كم وحتى ما اشتغالك بالمنى

وقد مر منك الأطيبان فودعا

____________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


أيقنع بالتفريط في الزاد عاقل

رأى الرأس منه بالمشيب تقنعا

إذا نزع الإنسان ثوب شبابه

فليس ترى إلّا إلى الموت مسرعا

وشيبك توقيع المنون مقدماً

بأنك لموت في غد متوقعا

أتطمع أن تبقى وغيرك ما بقي

فليس نرى للنفس في العيش مطمعا

تدافع بالآمال عن أخذ أهبة

ليوم إذا ما حم لم يغن مدفعا

وتسأل عند الموت ربك رجعة

ويهات أن تعطي هنالك مرجعا

أما لك إخوان شهدت رفاتهم

وكنت لهم نحو القبور مشيعا

وأنت فعن قرب إلى الموت صائر

وينعاك للإخوان ناع لهم نعى

جرت عينه النجلى عن صحن خده

فاصبح بين الدود نهباً موزعا

وأنت كضيف لا محالة راحل

ومسترجع ما كان عندك مودعا

تلاقي الذي فرطت واستدرك الذي

مضى باطلاً واصنع من الخير مصنعا

ولا تدع الدُنيا الغرور فإنما

هلاكك فيها إن تغر وتخدعا

فقد جعلت دار الفجائع والأسى

فلست ترى إلّا مزاراً مفجعا

كفاك بخير الخلق آل مُحمّد

أصابهم هم المصائب أجمعا

تخطفهم ريب المنون بصرفه

فاغرب بالارزاء فيهم وابدعا

وقفت على أبياتهم فرأيتها

خراباً أراباً قفرة الجو بلقعا

وإن لهم في عرصة الطف وقعة

تكاد لها الأطواد أن تتزعزعا

غزتهم بجيش الحقد أمة جدهم

ولم ترع فيهم من لهم كان قد رعا

كأني بمولاي الحُسين وصحبه

وجيش ابن سعد حولهم قد تجمعا

وقد قام فيهم خاطباً قائلاً لهم

ولم يك من ريب المنون ليجزعا

ألم تأتني يا قوم بالكتب رسلكم

تقولون عجل نحونا السير مسرعا

وأنا جميعاً شيعة لك لا نرى

لغيرك في حق الإمامة موضعا

وقد جئت للعهد الذي عليكم

فما عندكم في ذاك قولوا لأسمعا

فقالوا له ما هذه الكتب كتبنا

فقال لهم خلوا سبيلي لارجعا

فقالوا له هيهات بل لنسوقكم

إلى ابن زياد كارهين وخضعا

فإن لم تجيبوا فالأسنة بيننا

يجرعكم أطرافها السم منقعا


فقال لهم يا ويلكم فتباعدوا

عن الماء كي نروي فقالوا له معاً

سنوردكم حوض الردى قبل ورده

ومالوا عليه بالأسنة شرعا

فبادر أصحاب الحُسين إليهم

فرادى ومثنى حاسرين ودرعا

إذا ما أتوا نحو الشريعة للظما

رأوا دونها زرق الأسنة شرعا

لقد صبروا لا ضيع الله صبرهم

ولم يك عند الله صبر مضيعا

إلى أن ثووا صرعى على الترب حوله

فلله ذاك المصرع الطف مصرعا

ووافوا إلى مولاي إذا ظل وحده

فلا قوة إذ لاقوا شجاعاً سميدعا

فشد عليهم شدة علوية

فخلى نياط القوم منها مقطعا

كفعل أبيه في الحروب وضربه

وهل تلد الشجعان إلّا مشجعا

إلى أن ثوى عن سرجه متعفراً

يلاحظ فسطاط النساء مودعا

وأقبل شمر الرجس فاحتز رأسه

وخلف منه الجسم شلوا مبضعا

وشال سنان في السنان برأسه

كبدر الدجى وافى من التم مطلعا

ومالوا على رحل الحُسين وأهله

فيا يومهم ما كان أدهى واشنعا

فلو تنظر النسوان في ذلة السبا

يسقن على رغم عطاشى وجوعا

وزينب ما تنفك تدعو باختها

أيا أخت ركني قد وهى وتضعضعا

أيا أخت أخت من بعد الحُسين نعده

لحادثة الأيام حصناً ممنعا

أيا أخت هذا اليوم آخر عهدنا

فبعد حسين قط لن نتجمعا

أيا أخت لو أن الذي بي من الأسى

برضوي إذاً لانهدا ولتزعزعا

أيا أخت أبكي لليتامى بذلة

ونوحي وابكي للأرامل ضيعا

فيا مؤمناً في زعمه متشيعاً

ولا مؤمن إلّا الذي قد تشيعا

أتذبح في يوم به ذبح العدى

أمامك فاعفر عفر خديك لالعا

ويألف في عاشور جنبك مضجعاً

وترب الفلا أضحى لمولاك مضجعا

أيضحك منك الثغر من بعد أن غدى

به ثغر مولاك الحُسين مقرعا

أينهب فيه رحل آل مُحمّد

وبيتك فيه لا تزال موسعا

فيا ليت سمعي صم عن ذكر يومه

ويا ليت لم يخلق لي الله مسمعا

سأبكي دماً بعد الدّموع لفقده

وإن لم يكن يترك لي الحزن مربعا


أشيعة آل الـمُصطفى من يلومني

على بغض من يشني الشفيع المشفعا

برئت إلى الرحمن ممن شناهم

ولا زلت أبكيهم إلى أن أشيعا

ولائي لهم شفع البرا من عدوهم

بذلك أرجوهم غداً لي شفعا

أوالي الذي سمى لكثرة علمه

بطيناً كما سمى من الشرك انزعا

ومدح ابن حماد لآل مُحمّد

يرجى بأن يجزى لدى البعث ما سعا

الباب الثّالث

أيّها الأصحاب والإخوان , أطيلوا الأشجان والأحزان وابكوا لسادات الزّمان ، فيا ليت علمي ماذا يقول ظالم بضعة الرّسول، إذ حاولوا إطفاء نور خاتم النّبيين ومحو آثار ذرّيّته من بين العالمين , فتعساً لهم ! ما حملهم على غصب البتول ابنة النّبي الرّسول ؟ وعلى ماذا أنفسهم وطّنوا وعلى أيّ شيء اعتمدوا وركنوا ؟ فهل كانت إلّا أيّام قلائل وفيء زائل ، ثمّ يردون على الهول الطّائل :( نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (١) .

فيا إخواني , إذا ذكرت مصابهم في تلك الأيّام وما حلّ بهم من الآلام العظام , يعتريني الهمّ والحزن حتّى تكاد تخرج روحي من البدن , فاتمنّى مَن أبثّ حزني إليه ؛ ليساعدني ويسعفني على ما أنا عليه

لا تحسبوا مدمعي المبيض غير دمي

وإنما نار أنفاسي تصعده

روي عن عبد الحميد (ره) , قال : بينما الحُسين (عليه‌السلام ) واقف في ميدان الحرب يوم الطّفّ وهو يستعطف القوم شربة ماء , وهو ينادي : (( هل من راحم يرحم آل الرّسول الـمُختار ؟ هل من ناصر ينصر الذّرّيّة الأطهار ؟ هل من مجير لأبناء البتول , هل من ذاب يذّب عن حرم الرّسول ؟ )) .إذ أتى الشّمر اللعين إليه حتّى صار بالقرب منه , ونادى : أين أنت يا حُسين ؟ فقال : (( ها أنا ذا )) .فقال : أتطلب منّا شربة من الماء ؟ هذا مطلب محال , ولكن ابشر بالنّار الحمراء وشرب الحميم .فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( من أنت يا لعين ؟ )) .فقال : الشّمر .فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( الله أكبر , صدق جدّي رسول الله في رؤياه من قبل )) .فقال له الشّمر : في أيّ شيء صدق جدك ؟ فقال (عليه‌السلام ) : (( قال جدّي : رأيت في منامي كلباً أبقع يأكل من لحوم أهل بيتي ويلعق

____________________

(١) سورة التّحريم / ٦.


من دمائهم .وأمّا أنا فإنّي رقدت الآن , فرأيت في منامي كلاباً كثيرة تريد تنهش من لحمي وتشرب من دمي , وكان فيهم كلب أبقع وكان أشدّهم عليّ جرأة وأكثرهم عليّ حنقاً , وهو أنت يا شمر )) .- وكان الشّمر لعنه الله أبقع الجسد - قال : فغضب الشّمر من كلام الحُسين وازداد حنقاً وبغضاً ، وقال : والله لا يقتلك غيري , ولأذبحنّك من قفاك ؛ ليكون ذلك أشدّ بك :

ليبك على الإسلام من كان باكياً

فقد هدمت أركانه ومعالمه

وقد ذهب الإسلام إلّا بقية

قليل من الدُنيا الذي هو لازمه

فيا لهفاه على مصاب الإسلام بعصابة جعلهم الله تعالى رحمة للأنام , بهم تتحصّل الخيرات وتكتسب الفضائل والكمالات، فيا خيبة من ناوأهم ويا خسران من أبغضهم وعاداهم !

روي عن بعض الثُقاة : أنّ عبد الله بن عمر لمـّا بلغه أنّ الحُسين (عليه‌السلام ) متوجه إلى العراق , جاء إليه وأشار عليه بالطّاعة والإنقياد لابن زياد وحذّره من مشاقّة أهل العناد ، فقال له الحُسين (عليه‌السلام ) : (( يا عبد الله , إنّ من هوان هذه الدُنيا على الله, أنّ رأس يحيى بن زكريا (عليه‌السلام ) اُهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل , فامتلأ به سروراً ولم يعجّل الله عليهم بالإنتقام , وعاشوا في الدُنيا مغتبطين .ألم تعلم يا عبد الله , أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس سبعين نبيّاً ، ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأنّهم لم يفعلوا شيئاً , ولم يعجّل الله عليهم بانتقام , بل أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ؟ )).

ثمّ قال (( يا عبد الله , اتق الله ولا تدعن نصرتي ولا تركنن إلى الدُنيا ؛ لأنّها دار لا يدوم فيها نعيم ولا يبقى أحد من شرّها سليم , متواترة محنها متكاثرة فتنها , أعظم النّاس فيها بلاء الأنبياء ، ثمّ الأئمة الاُمناء ثمّ المؤمنون ثمّ الأمثل بالأمثل )).

قال (عليه‌السلام ) : (( يا عبد الله , قد خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة , وما أولهني إلى لقاء أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف , وخير مصرع أنا لاقيه , كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النّواويس وكربلاء , فيملأنّ منّي أكراشاً جوفاً وأجوفة سغباً , لا محيص يوم خطّ بالقلم , رضا الله رضانا أهل البيت , نصبر على بلائه ليوافينا أجور الصّابرين , لن تشذّ عن رسول الله لحمته , هي مجموعة لنا في حظيرة القدس , تقربهم عينه وينجز لهم وعده , فمن كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه ؟


فليرحل معي , فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى )).

ثمّ لقيه أبو هريرة الأسدي , فقال له : يابن رسول الله , ما الذي أخرّك من حرم جدّك مُحمّد الـمُصطفى ؟ فقال : (( يا أبا هريرة , إنّ بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت , وشتموا عرضي فحملت , وطلبوا دمي فهربت عن حرم جدّي )) .وكان يزيد أنفذ عمر بن العاص في جيش عظيم وولاه أمر الحاج , وأوصاه أن يقبض على الحُسين سرّاً ويقتله غيلة , ألا لعنة الله على القوم الظّالمين.

قال : ثمّ جاء إليه عبد الرّحمن بن الحرث , وأشار عليه بترك ما يجزم عليه من المسير إلى الكوفة وبالغ معه , وذكّره ما فعله أهل الكوفة بأبيه وأخيه من قبله , وحذّره منهم غاية الحذر , فشكر له الحُسين (عليه‌السلام ) ، وقال : (( لقد اجتهدت برأيك هذا ولكن مهما يقض الله يكن , وأيم الله , لتقتضي [ليقتلني] الفئة الباغية , وليسلبنّهم الله بعد قتلي ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً في رقابهم ، ثمّ يسلّط الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ , إذ ملكتهم امرأة فحكمت في أموالهم وأولادهم ودمائهم, وكذلك اُميّة )) :

إن كان منزل دمعي لا أنيس له

فإن رسم الكرى عن مقلتي درسا

ما زلت أجحد ما القى وادفعه

فاستشهد العاذلون الدمع والنفسا

روي عن الصّادق (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( دخل جابر الأنصاري إلى أبي في مدينة الرّسول , فقال له : يا جابر , بحقّ جدّي رسول الله , ألا أخبرتني عن اللوح , أرأيته عند اُمّي فاطمة الزّهراء ؟ فقال جابر (ره) : أشهد بالله العظيم ورسوله النّبي الكريم , لقد أتيت إلى فاطمة الزّهراء في بعض الأيّام ؛ لأهنئها بولدها الحُسين (عليه‌السلام ) بعدما وضعته بستة أيّام , فإذا هي جالسة وبيدها لوح أخضر من زبرجدة خضراء , وفيه كتابة أنوار الشّمس , وله رائحة أطيب من المسك , فقلت لها : ما هذا اللوح يا بنت رسول الله ؟ فقالت : هذا اللوح أهداه الله إلى أبي رسول الله , فيه اسم مُحمّد الـمُصطفى واسم عليّ الـمُرتضى واسم ولدي الحسن والحُسين ، واسماء الأئمة الباقين من ولدي .فسألتها أن تدفعه إلي ؛ لانظر ما فيه , فدفعته إلي فسررت به سروراً عظيماً، فقلت لها : يا ستّ النّساء , هل تأذنين لي أن اكتب نسخته ؟ فقالت : افعل .فأخذته ونسخته عندي , فقال له الباقر (عليه‌السلام ) : هل لك أن تريني


النّسخة بعينها الآن ؟ فمضى جابر إلى منزله فأتى بصحيفة من كاغذ , مكتوب فيها : بسم الله الرّحمن الرّحيم , هذا كتاب من العليم أنزله الرّوح الأمين على خاتم النّبيين أجمعين ، أمّا بعد , يا مُحمّد , عظّم اسمائي واشكر نعمائي , ولا تجحد آلائي ولا ترج سوائي ولا تخشى غيري , فمَن يرجو ويخشى غيري , أعذّبه عذاباً لا أعذّب به أحداً من العالمين .يا مُحمّد , إنّي اصطفيتك على سائر الأنبياء , وفضلّت وصيّك عليّاً على سائر الأوصياء , وجعلت ولدك الحسن عيبة علمي بعد انقضاء مدّة أبيه , وجعلت الحُسين خير أولاد الأوّلين والآخرين ومن نسله الأئمة المعصومين , وعليه تشب فتنة صمّاء , فالويل كلّ الويل لِمَن حاربه وغصبه حقّه ! ومنه يعقب زين العابدين , وبعده مُحمّد الباقر لعلمي والدّاعي إلى سبيلي على منهاج الحقّ , ومن بعده جعفر الصّادق القول والعمل , ومن بعده الإمام المطهّر موسى بن جعفر , ومن بعده عليّ بن موسى الرّضا , يقتله كافر عنيد ذو بأس شديد , ومن بعده مُحمّد الجواد يُقتل مسموماً , ومن بعده عليّ الهادي يُقتل بالسّم , ومن بعده الحسن العسكري يُقتل بالسّم , ومن بعده القائم المهدي , وهو الذي يقيم اعوجاج الدّين ويأخذ ثأر الأئمة الطّاهرين صلوات الله عليهم أجمعين , وهو رحمة للعالمين وسوط عذاب على الظّالمين , وسألقي عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيّوب , فتذلّ أوليائي قبل ظهوره وتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس التّرك والدّيلم , فيظهر حجّتي فيهم , فيُقتلون ويُحرقون وتُصبغ الأرض من دمائهم , ويفشوا الويل والرنة في نسائهم , أولئك أوليائي حقّاً , بهم أدفع كلّ فتنة عمياء حندسية , وبهم أكشف الزّلازل وأرفع الأسلال(١) والأغلال :( أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ) (٢) )).

فقال بعض أصحاب الصّادق (عليه‌السلام ) : يا مولانا , لو لم نسمع في دهرنا إلّا فضل هذا الحديث , لكفانا فضله .وقال (عليه‌السلام )(٣) : (( ولكن فصنه إلّا عن أهله )).

فانظروا أيّها الإخوان الأبرار إلى ما فعل بالأئمة الأطهار , الأشقياء الكفرة الفجّار , فيا ويلهم ماذا يجيبون عند بكاء الرّسول لمصاب ذرّيّة البتول , وبكاء إبراهيم خليل الرّحمن وغضب لغضبهما الملك الدّيان ! :( هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمْ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) (٤) .

فعلى الأطائب من أهل الرّسول فليبك الباكون وأيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا

____________________

(١) الموجود في الكافي : ١/ ٥٢٨ : وأدفع الآصار .(مؤسسة الإمامين الحسنين).

(٢) سورة البقرة / ١٥٧.

(٣) ولكن الوارد في المصادر المعتبرة كالكافي ٢/٥٢٨ , وغيره : قال أبو بصير : لو لم تسمع في دهرك ، إلا هذا الحديث لكفاك ، فصنه إلا عن أهله .(معهد الإمامين الحسنين).

(٤) سورة يونس / ٣٠.


تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ محمود بن طريح النّجفي (رحمه‌الله )

هجوعي وتلذاذي عليّ محرم

إذا هل في دور الشهور المحرم

أجدد حزناً لا يزال مجدداً

ولي مدمع هام همول مسجم

وأبكي على الأطهار من آل هاشم

وما ظفرت أيدي أولي البغي منهم

هم العروة الوثقى هم المعدن التقى

هم الشرف السامي نور الهدى هم

هم العترة الداعي إلى الرشد حبهم

ينبئنا فيه الكتاب المعظم

بهم نطقت مدحاً من الله (هل أتى)

(وطه) (ويس) (وعم) (ومريم)

وجدهم الهادي النّبي وأمهم

بتول ومولانا عليّ أبوهم

يعز على المختار والطهر حيدر

وفاطمة بالطف رزء معظم

وقد سار بالرهط الحُسين بن فاطمة

لكتب من الطاغين بالخدع تقدم

إلى أن أتى أرض الطفوف بأهله

فلم ينبعث مهر ولم يجر منسم

فقال فما هذي البقاع التي بها

وقفن تسمى (كربلاء) قال خيموا

فقال تسمى نينوى نينوى قال أوضحوا

فقالوا تسمى (كربلاء) قال خيموا

نعم هذه والله أخبر جدنا

بأن بها تسبى نسانا وتظلم

وفي هذه الآذان تهوي إلى الثرى

وفي هذه الأطفال بالرغم تيتم

وفي هذه تبدوا البنات حواسراً

وتوجع ضرباً بالسياط وتشتم

وفي هذه النسوان يبرزن هتكاً

بغير شعور والسعور ترنم

وتخرم أقراط وتدمي أساور

وتسلب خمر والخلاخل تقصم

وتستعطف النسوان آل أمية

فلم تر من يحنو عليها ويرحم

وسار ابن سعد واللعين ابن خولة

وشمر وطم الأرض جيش عرمرم

فلما أحاطوا بالحسين تناوبوا

وأكيفهم ليل من الكفر مظلم

وأقبلت الأعداء من كل جانب

على الظلم واشتاقت إليهم جهنم

وصال امامي بالطغاة مجادلاً

كما صال بالأغنام ليث غشمشم

وجالدهم بالبيض ضرباً وبالقنا

طعاناً وروى الأرض بالدم منهم

إلى أن فنوا أصحابه ورجاله

وأضحى فريداً ألفه الترب والدم


فنادى ألا هل ناصراً ومجاهداً

يجاهد عن آل النّبي ويغنم

فلم يلق إلّا سمهرياً يجيبه

وإلّا يمانياً به الموت يعلم

وداروا عليه بالقسي فأرسلت

لجثمانه نبل فرادى وتوأم

فأصدفه سهم الردى متشعباً

ثلاثاً تلقاها الوريد المكرم

فجد له الأرض ملقى على الثرى

طريحاً له الذراري شراب ومطعم

فقام إليه الشمر يسعى وقد جثى

على صدره والشمر رجس مزنم

وأقبل مهر السبط نحو خيامه

يحمحم عرياناً وينعي ويلطم

فلما رأين الطاهرات خرجن في

أذل السبا كل إليه تقدم

وبادرن نحو السبط وهو مرمل

يكلمنه شجواً ولا يتكلم

رأت زينب صدر الحُسين مرضضاً

فصاحت ونار الحزن في القلب تضرم

وصكت من الضرب المبرح وجهها

ولم تر صبراً من جوى الثكل يعصم

تقول أخي قد كنت نوراً لشملنا

فيا سورنا لم أنت فينا مهدم

أخي يا أخي قد كنت كنزاً لفقرنا

فها أنت في أيدي العدى تتقسم

أخي يا أخي قد كنت كهفاً لعزنا

الم ترنا بالذل نسبى ونشتم

أخي زود الأطفال وعداً وأوبة

فليس سوى الباري وإياك يرحم

أخي زود الولهى سكينة نظرة

فمهجتها حرى وعبرتها دم

أخي تهتوي التقبيل منك سكينة

وشمر لها بالسوط ضرباً يؤلم

أخي فاطم الصغرى تحب التفاتة

وحقك هذا قلبها فيك مغرم

أخي بنتك الأخرى رقية ضمها

إليك فأحشاها من الوجد تضرم

تقولا هلمي يا سكينة نرتمي

على والدي دعنا من الموت نسلم

وإلّا فقومي ودعيه فإنه

يروم إرتحالاً بعده ليس يقدم

ولم أنس وجداً أم كلثوم تشتكي

إلى جدها يا جد لو كنت تعلم

أيا جد هل تنظر حسيناً مرملاً

لأضلعه خيل العدة تحطم

وهل تنظر السجاد بالقيد موثقاً

يضربه التكبيل سحباً ويشتم

أيا جدنا هذي بناتك حسراً

أسارى قرط ابن بنتك تقسم

أيا جدنا ساقوا علياً مكبلاً

لينظره الطاغي يزيد المزنم


أيا جدنا رأس الحُسين يقله

سنان سناه بالقناة محكم

فيا لك مقتولا أصيب بقتله

ملائكة الرحمن والجن معهم

ويا لك من رزء عظيم إذا به

تقاس الرزايا كلها فهو أعظم

ويا لك من يوم مهول تزلزلت

له الأرض والأطيار بالجو حوم

ويا لك من حزن كأن مذاقه

على شيعة المختار صاب وعلقم

أتسبى كريمات الحُسين على الضنا

ويكنف نسوان العلوج المخيم

أل لعن الرحمن آل أمية

وأشياخهم مع من تناسل منهم

وأشياعهم والتابعين لقولهم

ومن لهم بالقلب يهوى ويرحم

فيا عترة الهادي خذوها بمدحكم

مدبجة كالدر حين ينظم

على كل بيت للمديح يتيمة

بأسماع من يهواكم تتقسم

تزف إليكمم كل عشر محرم

يتوق إليها الشاعر المترنم

مديحاً لمحمود العزيزي عبدكم

له باعاديكم من اللعن أسهم

موالي مواليكم معادي عدوكم

مودته في حبكم لا تكتم

ويرجي بها يوم القيامة شربة

من الحوض يا أهل الشفاعة منكم

خذوا لي وآبائي وأمي ووالدي

أماناً من أذى النّار وأرحم

ورهطي وإخواني وقارئن مدحتي

ومستمعيها واعطفوا وترحم

وفي الخلد نرجو تدخلونا بجاهكم

فليس لنا إلّا النّبي وأنتم

صلاة وتسليم مساء وبكرة

من الله عد الذر تترى عليكم


المجلس الثّامن

من الجزء الثّاني ، في التّاسع من عشر الـمُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

أيّها الإخوان , اكثروا رحمكم الله النّوح والأشجان , واظهروا شعائر الأحزان على سادات الزّمان , واُولي الكرم والفضل والإحسان خصوصاً في شهر عاشوراء ، وإن كان حزنهم خليقاً في كل الشّهور.

وكيف لا نبكي على مصاب من لا يحصل لنا من النّار الخلاص إلّا إذا قمنا في محبّتهم بالإخلاص ؟! وما لنا لا نعادي أعداء قوم محبّهم يحبّهم الجبار ومبغضهم يورده موارد أهل النّار ؟! ففي الخبر عن سيّد البشر , أنّه قال ذات يوم لبعض أصحابه: (( يا عبد الله , احبب في الله وابغض في الله ووال في الله وعاد في الله ، فإنّه لا تنال ولاية الله إلّا بذلك , ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه , حتّى يكون ذلك كذلك )) .فقال له : يا رسول الله , وكيف لي أن اعلم أنّي قد واليت في الله وعاديت في الله ، ومَن وليّ الله عزّ وجلّ حتّى أواليه ، ومَن عدوه حتّى أعاديه ؟ فأشار رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى عليّ (عليه‌السلام ) ، فقال : (( أترى هذا ؟ )) .قال : بلى .قال : (( وليّ هذا وليّ الله ، وعدو هذا عدو الله ، فوال ولي هذا لو أنّه أبوك , وعاد عدوه لو أنّه أبوك )) :

إذا كنت تهوى القوم فاسلك طريقهم

فما وصلوا إلّا بعد العلائق

وما نقل الهندي وهو حديدة

على الكتف إلّا بعد دق المطارق

فيا هذا : أيلام من شقّ الجيوب ، جيوب القلوب لا جيوب الثّياب , أو يعنّف مَن أجرى الدّماء لا الدّموع على هذا المصاب ؟ كلا , حاشا لله حقّهم لا


يقضي وشكرهم لا يؤدي ، لكن من بذل الاجتهاد كان جديراً أن يحصل المراد.

روي عن أبي حمزة الثّمالي , قال : أتيت إلى سيّدي ومولاي عليّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) وهو في داره في مدينة الرّسول , فاستأذنت عليه بالدّخول فاذن لي , فدخلت عليه فوجدته جالساً , وإذا على فخذه صبي صغير وهو مشغوف به ، وهو يقبّله ويحنو عليه ، فقام الصّبي يمشي فعثر فوقع على عتبة الباب , فانشج رأسه فوثب إليه مهرولاً وقد أحزنه ذلك , فجعل ينشّف دمه بخرقة وهو يقول له : (( يا بني , أعيذك بالله أن تكون المصلوب في الكناس )) .فقلت له : يا مولاي فداك أبي واُمّي وأيّ كناس ؟! فقال : (( يُصلب ابني هذا في موضع يُقال له الكناس من أعمال الكوفة )) .فقلت : يا مولاي أو يكون ذلك ؟! قال : (( والله سيكون ذلك , والذي بعث مُحمّداً بالحقّ نبيّاً , لئن عشت بعدي لترين هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة وهو مقتول مسحوب ، ثمّ يُدفن ويُنبش ويُصلب في الكناسة ، ثمّ يُنزل بعد زمان طويل فيُحرق ويُذرى في الهوى )) .فقلت : جعلت فداك ! وما اسم هذا الغلام ؟ قال : (( هذا ابني زيد )) .وهو مع ذلك يحدّثني ويبكي ، ثمّ قال لي : (( أتحبّ أن أحدّثك بحديث ابني هذا ؟ )) .قلت : بلى.

قال : (( بينما أنا ليلة ساجداً في محرابي , إذ ذهب بي النّوم فرأيت كأنّي إلى الجنّة , وكأنّ رسول الله وعليّاً والحسن والحُسين وقد زوجوني بحورية من حور العين , فواقعتها واغتسلت عند سدرة الـمُنتهى , وإذا أنا بهاتف يقول : أتحبّ أن أبشّرك بولد اسمه زيد ؟ فاستيقظت من نومي وقمت وصلّيت صلاة الفجر , وإذا أنا بطارق الباب ، فخرجت إليه , فإذا معه جارية وهي مخمرة بخمار ، فقلت له : ما حاجتك ؟ فقال : أريد عليّ بن الحُسين .فقلت : أنا هو .فقال : أنا رسول الـمُختار إليك , وهو يقرئك السّلام ويقول : قد وقعت هذه الجارية بأيدينا , فاشتريتها بستمائة دينار وقد وهبتها لك , وهذه أيضاً ستمائة دينار اُخرى فاستعن بها على زمانك .فدفع إليّ المال ومعه كتاب , فقبضت المال والجارية ، فقلت لها : ما اسمك ؟ قالت : اسمي حورية .فقلت : صدق الله ورسوله ، هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربّي حقّاً .فدخلت بها تلك الليلة فإذا هي غاية الصّلاح , فعلقت منّي بهذا الغلام ، فلمّا وضعته سمّيته زيداً ، وسترى ما قُلت لك )).


قال أبو حمزة الثّمالي : فو الله لقد رأيت زيداً مقتولاً , ثمّ سُحب ثمّ دُفن ثمّ نُشر ثمّ صُلب ، ولم يزل مصلوباً زماناً طويلاً حتّى عشعشت الفاختاة في جوفه ، ثمّ اُحرق وذري في الهواء رحمة الله عليه.

وروى فضله عن بعض الأخبارين , قال : سألت خالد بن فضله عن فضل زيد بن زين العابدين (عليه‌السلام ) , فقال : أيّ رجل كان .فقلت : وما علمت عن فضله ؟ قال : كان يبكي من خشية الله تعالى حتّى تختلط دموعه بدمه طول ليله , حتّى اعتقد كثير من النّاس فيه الإمامة , وكان سبب اعتقادهم ذلك منه ؛ لخروجه بالسّيف يدعو بالرّضى من آل مُحمّد (عليهم‌السلام ) , فظنوه يريد بذلك نفسه ولم يكن يريدها ؛ لمعرفته باستحقاق من قبله ، وكان سبب خروجه ؛ الطّلب بدم جدّه الحُسين (عليه‌السلام ) , وأنّه دخل يوماً على هشام بن عبد الملك ، وقد كان جمع له هشام بني اُميّة , وأمرهم أن يتضايقوا في المجلس ؛ حتّى لا يتمكن زيد من الوصول إلى قربه ، فوقف زيد مقابله وقال له : يا هشام , ليس أحد من عباد الله فوق أن يوصي بتقوى الله في عباده ، وأنا اُوصيك بتقوى الله فاتقه .فقال هشام : يا زيد , أنت المؤهل نفسك للخلافة ، وأنت الرّاجي لها ؟! وما أنت وذاك لا اُمّ لك , وإنّما أنت ابن أمة .فقال له زيد : إنّي لا اعلم أحداً أعظم عند الله من نبي بعثه , فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية لم يبعث الله إسماعيل نبيّاً وهو ابن أمة , فالنّبوة أعظم أم الخلافة ؟ وبعد , فما يقصر في رجل جدّه رسول الله وهو ابن عليّ بن أبي طالب أن يكون ابن أمة.

قال : فنهض هشام مغضباً ودعا قهرمانه وقال : والله , لآتين هذا بعسكر يضيق به الفضاء .وخرج زيد وهو يقول : لم يكره قوم قط حرّ السّيوف إلّا ذلّوا .ثمّ إنّه توجه إلى الكوفة فاجتمع عليه أهلها وبايعوه على الحرب معه .فنقضوا ببيعته وسلّموه لعدوه , فقُتل رحمة الله عليه وصُلب في موضع يُقال له الكناس , وبقي مصلوباً بينهم أربع سنوات لا ينكر أحد منهم بيد ولا لسان , وقد عشعشت الفاختاة في جوفه , وقد خانوا به أهل الكوفة ونقضوا بيعته كما خانوا آبائه وأجداده من قبل ، ألا لعنة الله على القوم الظّالمين.

قال : فلمّا بلغ قتله إلى الصّادق (عليه‌السلام ) , حزن عليه حزناً عظيماً وجعل يئنّ من وجده عليه , وفرّق من ماله صدقة عنه وعمّن اُصيب معه من أصحابه لكلّ بيت منهم ألف دينار ، وكان مقتله يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر صفر سنة عشرين


ومئة من الهجرة ، وكان عمره يوم قُتل اثنين وأربعين سنة ، قال : فلمّا قُتل زيد , سرّ بقتله المنافقون وحزن له المؤمنون ، وأمّا هشام بن الحكم , فإنّه فرح بقتله وعمل يوم قتله عيداً , وأنشد يقول :

صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة

ولم نر مهدياً على الجذع يصلب

وقستم بعثمان علياً سفاهة

وعثمان خير من عليّ وأطيب

قال : فبلغ قوله إلى الصّادق (عليه‌السلام ) , فاغتم منه غمّاً شديداً ، ورفع يديه إلى نحو السّماء وهما يرتعدان من شدّة عرقه , وقال : (( اللّهمّ , إن كان عبدك الحكم كاذباً , فسلّط عليه كلباً من كلابك يأكله )).

قال : فأرسله بنو اُميّة إلى الكوفة , فافترسه الأسد لعنة الله عليه , فوصل خبره إلى الصّادق (عليه‌السلام ) , فخرّ ساجداً لله ؛ لسرعة إجابة دعائه , وقال : (( الحمد لله الذي انجز وعده وأهلك عدوه( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) )).لقد غرّتهم الدُنيا الدّنية حتّى أردتهم وأهلكتهم , فحسبهم جهنّم وساءت مصيراً ، يوم لا يجدون من الله وليّاً ولا نصيراً

ألا يا بايعاً ديناً بدنيا

غروراً لا يدوم لها نعيم

إلى ديان يوم الدين نمضي

وعند الله تجتمع الخصوم

نُقل : أنّه كانت الدّولة لبني اُميّة ألف شهر ، وكانوا لا يزالون يأمرون الخطباء بسبّ عليّ بن أبي طالب على رؤوس المنابر ، فأوّل من تأمّر منهم معاوية عليه اللعنة ومدّة خلافته عشرون سنة ، ثمّ تخلّف من بعده ولده يزيد عليه اللعنة ثلاثة سنين وثمانية أشهر وأربعة عشر يوماً ، ثمّ تخلّف من بعده معاوية بن يزيد شهراً واحداً وأحد عشر يوماً ، وترك الخلافة ؛ خوفاً من عذاب الله, واعترف بظلم آبائه وعرّف النّاس ذلك وهو قائم على المنبر , حتّى أنّ اُمّه لامته على ذلك ، فقالت له : ليتك كنت حيضة ولم تكن بشراً , أتعزل نفسك عن منصب آبائك ؟! فقال لها : يا اُمّاه , وأنا والله وددت أن أكون حيضة , ولا أطأ موطئاً لست له بأهل , ولا ألقى الله عزّ وجلّ بظلم آل مُحمّد.

ثمّ تخلّف من بعده عبد الملك بن مروان عليه اللعنة إحدى وعشرين سنة وشهراً ، ثمّ تخلّف من بعده الوليد بن عبد الملك بن مروان عليه اللعنة إحدى وعشرين سنة وشهراً ، ثمّ تخلّف من بعده الوليد بن عبد الملك تسع سنين

____________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


وثمانية أشهر ويوماً واحداً , ثمّ تخلّف من بعده أخوه هشام بن عبد الملك , تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة أيّام ، ثمّ تخلّف مروان الحمار خمس سنين وشهراً وثلاثة عشر يوماً , فملك بنو اُميّة ثلاثة وثمانون سنة وأربعة أشهر ، يكون المجموع ألف شهر , وهم مع ذلك يسبّون عليّاً (عليه‌السلام ) .ثمّ تخلّف عمر بن عبد العزيز وأبطل السّب عن عليّ.

فلمّا قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) لم تقم لبني اُميّة قائمة حتّى سلبهم الله ملكهم واضمحلّ ذكرهم ، فلمّا تولّى السّفاح , أحمد بن مُحمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس , عمّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فاستأصل الأكثر منهم ، ألا لعنة الله على القوم الظّالمين .وعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون ، وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أولا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة لابن حماد (رحمة الله)

ويك يا عين سحي دمعاً سكوباً

ويك يا قلب كن حزيناً كئيبا

ساعداني سعدتما فعسى

أشفي غليلاً من لوعة وكروبا

إن يوم الطفوف لم يبق لي من

لذة العيش والرقاد نصيبا

يوم صارت إلى الحُسين بنو حرب

بجيش فنازلوه الحروبا

وحموه من الفرات فما ذاق

سوى الموت دونه مشروبا

في رجال باعوا النفوس على الله

فنالوا ببيعها المرغوبا

لست أنساه حين أيقن بالموت

دعاهم فقام فيهم خطيبا

ثم قال الحقوا بأهليكم إذ

ليس غيري أرى لهم مطلوبا

شكر الله سعيكم إذ نصحتم

ثمّ أحسنتم لي المصحوبا

فأجابوه ما وفيناك إن نحن

تركناك بالطفوف غريبا

أي عذر لنا يوم نلقى

الله والطهر جدك المندوبا

حاش لله بل نواسيك أو يأخذ

كل من المنون نصيبا

فبكى ثمّ قال جوزيتم الخير

فما كان سعيكم ان يخيبا

ثم قال أجمعوا الرجال وشبوا

النّار فيها حتّى تصير لهيبا

وغدا للقتال في يوم عاشوراء

فأبدى طعناً وضرباً مصيبا


فكأني بصحبه حوله صرعى

لدى كربلاء شباباً وشيبا

فكأني أراه فرداً وحيداً

ظامياً بينهم يلاقي الكروبا

حاملاً طفله بقبله حتّى

قد هو الطفل بالدماء خضيبا

وكأني أراه إذ خر مطعوناً

على حر وجهه مكبوبا

وكأني بمهره قاصداً الفسطاط

يبدي تحمحماً ونحيبا

وبرزن النساء حتّى إذا أبصرن

حيارى وقد شققن الجيوبا

فكأني بزينب إذ رأته

عارياً دامي الجبين تريبا

أقبلت نحو اختها ثمّ قالت

وديه وداع من لا يؤوبا

أخت يا أخت كيف صبرك عنه

وهو كان المؤمل المحبوبا

ثم خرت عليه تلثم خديه

وقد صار دمعها مسكوبا

وتناديه يا أخي لو رأت عيناك

حالي رأيت أمراً عجيباً

يا أخي لا حييت بعدك هيهات

حياتي من بعدكم لن تطيبا

كنت حصني من الزمان إذا ما

خفت خطباً دفعت عني الخطوبا

ضاقت الأرض بي وكانت علينا

بك يا سيّدي فناءاً رحيبا

يا هلالاً لمـّا استتم كمالاً

غاله خسفه فأهوى غروبا

يا قضيباً اغضى ما كان أودته

رياح الورى وكان رطيبا

ما توهمت يا شقيق فؤادي

كأن هذا مقدراً مكتوبا

عد يتاماك إن أردت منيباً

يا أخي بالرجوع وعداً قريبا

فلعلي أسر فيك ولياً

وأسوء الحسود فيك المريبا

يا أخي حق فيك ما كنت أخشاه

فظني قد بان فيك كذوبا

يا أخي فاطم الصغيرة كلمها

فقد كاد قلبها أن يذوبا

يا أخي قلبك الشفيق علينا

ما له قد قسى وصار صليبا

ما أذل اليتيم حين ينادي

بأبيه ولا يراه مجيبا

يا أخي لو ترى علياً لدى اليتم

مع الأسر ما يطيق وجوبا

يا أخي لو ترى علياً لقد صار

لدى القيد بينهم مسحوبا

يا أخي ضمه إليك وقربه

وسكن فؤاده المرعوبا


لا تباعده يا أخي بعد إذا

عودته منك ذلك التقريبا

يا أخي لو تراه مستضعفاً بين

الأعادي مقيداً مصحوبا

كلما أوجعوه بالضرب ناداك

وقد صار دمعه مسكوبا

يا أخي هل يعز فيك على

حين أضحى مكبلاً مضروبا

يا أخي زود اليتيم اعتناقا

والتزاماً إذا أردت المغيبا

عندها قد بكت ملائكة الله

واهتز عرش ربي غضوبا

ثم سيرن حاسرات حيارى

ما يفترن رنة ونحيبا

وإذا ما رأين بالرأس قد شيل

على رأس ذابل منصوبا

يتساقطن بالوجوه على الأرض

ويندبن بالعويل ندوبا

وينادين : يا أقل البرايا

كلها رحمة وأقسى قلوبا

باعدوا الرأس وارحمونا ورقوا

لا تزيدوا قلوبنا تعذيبا

ما لنا بيننا وبينكم الله

لدى الحشر حاكماً وحسيبا

يوم عاشور لا رعيت لقد

كنت مشوماً على الهداة عصيبا

يا بني الـمُصطفى السلام عليكم

ما أقل الغصون طيراً طروبا

هدني الحزن بعدكم مثل ما هد

من الحزن يوسف يعقوبا

ولقد زاد ذكر زيد غليلي

حين أضحى على الكناس صليبا

ثم أذري من بعد قبر ونبش

وحريق بين الرياح نهيبا

أمة السوء لم تجازوا رسول الله

فيكم إذ لم يزل متعوبا

كل يوم تهتكون حريماً

من بنيه وتقتلون حبيبا

وتبيحون ما حمى وتشنون

على أهله الأذى والحروبا

كيف تلقونه شفيعاً وترجون

غداً أن يزيل عنكم كروبا

لا وربي ينال ذاك سوى من

كان مولاهم موال منيبا

وإليكم يا سادتي قد توجهت

مطيعاً لأمركم مستجيبا

بكم طاب مولد علم الله

وزادت بصيرتي تهذيبا

ويقيني صفا لكم فصفا سري

وودي قتلت حصنا عجيبا

وخلعت العذار فيكم فلن

أقبل عذلا فيكم ولا تأنيبا


وأنا الشاعر ابن حماد لا ينكر

فضلي من كان طبا لبيبا

الباب الثّاني

أيّها المؤمنون السّامعون , اعملوا رحمكم الله الفكر وأطيلوا التّأمل والنّظر , وانظروا إلى هذا الإمام وشدّة صبره على المضض والآلام , وتجرّع كؤوس الحمام في رضى الملك العلام , فإنّه أمر تحير فيه الأفكار وتذهل في معانيه القلوب والأبصار .ألا ترون إلى إبراهيم الخليل (عليه‌السلام ) ابتلى بنفسه لا غير حين اُلقي في النّار , والحُسين (عليه‌السلام ) صُرع حوله بنوه وبنو أبيه الأطهار وآله وصحبه الأخيار , واغتصبوا نفسه الزّكية , فقابل الجمع بالرّضى والاصطبار ؟! وهذا أمر لم يصل أحد قبل ولا بعد إليه إلّا أبوه الإمام عليه أفضل الصّلاة والسّلام :

كفاك قسماً لو أكتفيت به

إنك في المجد والعلى علم

بمن يلوذ الراجي سواك ومن

به يعوذ اللاجي ويعتصم

فلا غرو إن بكينا الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) بدمع يخجل صوب الغمام .أليس هو ابن حبيب الملك العلام ؟ أليس هو سبط سيّد الأنام ؟ أليس هو ثمرة فؤاد الزّهراء ؟ أليس من خدّامه جبرائيل ؟ أليس من عتقائه دردائيل ؟ فيا ويل من ظلمهم وغصبهم حقّهم وهضمهم !

نُقل : أنّه لمـّا أنفذ ابن زياد برأس الحُسين (عليه‌السلام ) إلى يزيد لعنه الله , التفت يزيد إلى عبد الملك بن مروان , وقال له : انطلق حتّى تأتي عمر بن سعيد بن العاص بالمدينة , فبشره بقتل الحُسين .قال عبد الملك : فركبت ناقتي وسريت نحو المدينة , فلمّا دخلت المدينة , لقيني رجل من قُريش فقال لي : ما الخبر ؟ فقلت : عند الأمير تسمعه .فبكى الرّجل وقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون , قُتل والله الحُسين .قال عبد الملك : فلمّا دخلت على عمر بن سعيد , قال لي : ما وراءك ؟ قُلت : ما يسرّ الأمير , قُتل والله الحُسين بن عليّ .فاسترّ بذلك سروراً عظيماً , [و] قال لي : اخرج فناد في شوارع المدينة بقتل الحُسين ؛ لتسرّ بذلك بني اُميّة وتكمد بني هاشم .قال : فخرجت فناديت في شوارع المدينة , فلم أسمع واعية قطة [قط] مثل واعية بني هاشم في دورهم ينوحون على


الحُسين (عليه‌السلام ) حين سمعوا النّداء بقتله , ثمّ رجعت إلى عمر بن سعيد بن العاص , فلمّا رآني تبسّم ضاحكاً ثمّ قال :

عجت نساء بني زياد عجة

كعجيج نسوتنا غداة الأرنب

فالآن أشفينا القلوب بقتله

وسقى حسين جرعة لم تشرب

ثمّ قال : هذه والله واعية بواعية عثمان .ثمّ خرج إلى المسجد ورقى المنبر وأعلمَ النّاس بقتل الحُسين (عليه‌السلام ) , ودعا ليزيد بدوام الـمُلك وشدّة السّلطان , وسبّ الحُسين وذمّه , ثمّ نزل عن المنبر .فإزداد البكاء والنّوح في دور بني هاشم , وقال : وخرجت اُمّ لقمان بنت عقيل بن أبي طالب حين سمعت نعي الحُسين وهي حاسرة ومعها أخواتها ؛ اُمّ هاني وأسماء ورملة وزينب بنات عقيل , وهن يبكين قتلاهن بطفّ كربلاء , وواحدة منهنّ تقول :

ماذا تقولون إذ قال النّبي لكم

ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي

منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم

ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم

أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي

قال : فلمّا كان الليل من ذلك اليوم الذي خطب فيه عمر بن سعيد , إذ سمع أهل المدينة في جوف الليل منادياً ينادي ولا يُرى شخصه :

أيها القاتلون ظلماً حسيناً

إبشروا بالعذاب والتنكيل

كل من في السّماء يدعو عليكم

من نبي وملائك وقبيل

قد لعنتم على لسان ابن داود

وموسى وصاحب الإنجيل

فتبّاً لهم ما أجرأهم على انتهاك حرمة خاتم النّبيين ! وما أقسى قلوبهم على الذّرّيّة الطّاهرين , كأنّهم لم يسمعوا بفضلهم في القُرآن الـمُبين على لسان الرّسول وجبرائيل الأمين , بلى والله قد سمعوا وعرفوا وعاهدوا عليه وما وفوا( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .

وابشروا أيّها الشّيعة وبشروا , فإنّ لكم عند الله الأجر العظيم والثّواب الجسيم ، وتصديق ذلك ما روي عن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) , أنّه كان يقول لغلامه قنبر : (( أبشر وبشّر المؤمنين , أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.


مات وهو ساخط على اُمّته إلّا الشّيعة ، ألا وإنّ لكلّ شيء عروة , وعروة الإسلام الشّيعة , ألا وإنّ لكلّ شيء دعامة , ودعامة الإسلام الشّيعة ، ألا وإنّ لكلّ شيء شرفاً , وشرف الإسلام الشّيعة ، ألا وإنّ لكلّ شيء سيّداً , وسيّد المجالس مجالس الشّيعة .والله , لولا من في الأرض منكم , ما أنعم الله على أهل الخلاف وما لهم في الآخرة من نصيب , وإنّ تعبّدوا واجتهدوا وصاموا وصلّوا كثيراً , لن يدخلوا الجنّة , وإنّ شيعتنا ينظرون بنور الله ومن خالفنا ينقلب بسخط الله .والله , إنّ فقراءكم أهل الغنى وإنّ أغنياءكم أهل القنوع , وإنّ كلّكم أهل دعوة الله وأهل إجابته ، أنتم الطّيبون ونساءكم الطّيبات ، كلّ مؤمن منكم صدّيق في الجنّة , وكلّ مؤمنة حوراء في الجنّة )).

فيا إخواني , ما عذر أهل الإيمان في إضاعة البكاء ولبس أثواب الأحزان ؛ لمصاب سيّد الشّهداء من ولد عدنان ؟ كيف لا ؟! وهو حبيب ربّ العالمين وابن سيّد الوصيين وآية الله في العالمين.

ففي الخبر عن ابن مسعود , أنّه قال : دخلت يوماً على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فقلت : يا رسول الله , أرني الحقّ حتّى أنظر إليه .فقال لي : (( يابن مسعود الج المخدع )) .فولجت , فرأيت عليّ بن أبي طالب راكعاً ساجداً وهو يقول عقيب كلّ صلاة : (( اللّهمّ , بحرمة مُحمّد عبدك ورسولك اغفر للخاطئين من شعيتي )) .قال ابن مسعود : فخرجت أخبر رسول الله بذلك , فرأيته راكعاً وساجداً وهو يقول : (( اللّهمّ , بحرمة عليّ بن أبي طالب عبدك اغفر للعاصين من اُمّتي )) .قال ابن مسعود : فأخذني الهلع حتّى غشي عليّ .فرفع النّبي رأسه فقال : (( يابن مسعود , أكفرت بعد إيمانك ؟ )) .فقلت : معاذ الله , ولكنّي رأيت عليّاً يسأل الله تعالى بك وتسأل الله به , ولا أدري أيّكما أفضل ! فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يابن مسعود , إنّ الله عزّ وجل خلقني وعلقني [وعليّ] والحسن والحُسين من نور عظمته قبل الخلق بألف عام حين لا تسبيح ولا تقديس ، ففتق نوري فخلق منه السّماوات ، وفتق نور عليّ فخلق منه العرش والكرسي ، وعلي أجلّ من العرش والكرسي ، وفتق نور الحسن فخلق منه اللوح والقلم ، والحسن أجلّ من اللوح والقلم , وفتق نور الحُسين فخلق منه الجنان والحور والولدان ، والحُسين أفضل منهم ، فاظلمت المشارق والمغارب , فشكت الملائكة إلى الله عزّ وجلّ الظُلمة وقالت : اللّهمّ , بحرمة هذه الأشباح التي خلقتهم إلّا ما فرّجت عنّا من هذه الظُلمة.


فخلق الله روحاً وقرنها باُخرى فخلق منها نوراً ، ثمّ أضارت الرّوح(١) , فخلق منها الزّهراء فأضاءت منها المشارق والمغارب ؛ فمن ذلك سمّيت الزّهراء .يابن مسعود , إذا كان يوم القيامة , يقول الله عزّ وجلّ لي ولعلي : ادخلا الجنّة مَن شئتما وادخلا النّار من شئتما , وذلك قوله تعالى :( أَلْقِيَا فِي جَهَنّمَ كُلّ كَفّارٍ عَنِيدٍ ) (٢) .والكافر من جحد نبوّتي والعنيد من عادى عليّاً وأهل بيته وشيعته )).

ولله درّ دعبل الخزاعي , حيث قال :

ولو قلدوا الموصى إليه أمورهم

لزمت بمأمون على العثرات

أخو خاتم الرسل الصفي من القذا

ومفترس الأبطال في الغمرات

فإن جحدوا كان الغدير شهودهم

وبدر وأحد شامخ الهضبات

وآي من القرآن يتلى بفضله

وإيثاره بالقوت في اللزبات

نحى لجبرائيل الأمين وأنتم

عكوف على العزى معاً ومنات

روى الشّيخ أبو عليّ الطّبرسي في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى :( إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً إلى قوله وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) (٣) .قال : نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحُسين وجارية لهم تُسمّى فضّة .وذكر القصّة بإسناد عن الصّادق (عليه‌السلام ) وابن عبّاس , قالا : (( مرض الحسن والحُسين وهما صبيّان صغيران , عادهما رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ومعه رجلان , فقال أحدهما لأمير المؤمنين : يا أبا الحسن , لو نذرت في ابنيك نذراً عافاهما الله تعالى , فقال عليّ : أصوم ثلاثة أيّام شكراً لله سبحانه , وكذلك قالت فاطمة وكذا الصّبيّان وكذا جاريتهم فضّة , فألبسهما الله العافية , فأصبحوا صياماً وليس عندهم شيء من الطّعام ، فانطلق أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) إلى جار له يهودي يعالج الصّوف اسمه شمعون , فقال له أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) : هل لك أن تعطيني جزراً من الصّوف تغزلها لك ابنة مُحمّد بثلاثة أصواع من شعير ؟ فقال اليهودي : نعم.وأعطاه , فجاء بالصّوف والشّعير وأخبر فاطمة بذلك , فقبلت وأطاعت ثمّ عمدت فغزلت ثلثه ، ثمّ أخذت صاعاً من الشّعير فطحنته فخبزت منه خمسة أقراص ، وصلّى أمير المؤمنين صلاة المغرب مع رسول الله ، ثمّ أتى المنزل فوضع الخوان بين يديه وجلسوا يتعشون خمستهم , فأوّل لقمة كسرها أمير المؤمنين إذا مسكين قد وقف

____________________

(١) في المصدر : ثم أضاف النور بالروح .(معهد الإمامين الحسنين).

(٢) سورة ق / ٢٤.

(٣) سورة الإنسان/٥ - ٢٢.


على الباب وقال : السّلام عليكم يا أهل بيت النّبوة , أنا مسكين من مساكين الـمُسلمين , اطعموني مما تأكلون اطعمكم الله من موائد الجنّة .فوضع أمير المؤمنين اللقمة من يده ثمّ قال : يا فاطمة ادفعيه إليه .فعمدت فاطمة إلى ما كان على الخوان جميعه فدفعته إلى المسكين , وباتوا جياعاً وأصبحوا صياماً ولم يذوقوا إلّا الماء القراح ، ثمّ عمدت إلى الثّلث الثّاني من الصّوف فغزلته , ثمّ أخذت صاعاً من الشّعير فطحنته وخبزت منه خسمة أقراص لكلّ واحد قرص ، وصلّى أمير المؤمنين مع رسول الله صلاة المغرب ، ثمّ أتى المنزل , فلمّا وضع الخوان بين يديه وجلسوا خمستهم , فأوّل لقمة كسرها أمير المؤمنين إذا بيتيم ينادي بالباب : السّلام عليكم يا أهل بيت النّبوة , أنا يتيم من يتامى الـمُسلمين , أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله من موائد الجنّة .فرمى أمير المؤمنين اللقمة وقال لفاطمة : ادفعيه إليه .ثمّ عمدت فاطمة إلى جميع ما على الخوان من الخبز فأعطته لليتيم , وباتوا جياعاً لم يذوقوا إلّا الماء وأصبحوا صائمين ، فعمدت فاطمة إلى الثّلث الباقي من الصّوف فغزلته وطحنت الباقي من الشّعير وعجنته , وخبزته خمسة أقراص لكلّ واحد قرص , فصلّى أمير المؤمنين مع رسول الله صلاة المغرب وأتى المنزل فوضع الخوان وجلسوا يتعشون خمستهم , فأوّل لقمة كسرها أمير المؤمنين وأراد وضعها في فمه , إذا بأسير من أسارى المشركين ينادي بالباب : السّلام عليكم يا أهل بيت النّبوة , تأسروننا وتشرّدوننا ولا تطعموننا مما تأكلون , أطعمونا أطعمكم الله من موائد الجنّة .فرمى أمير المؤمنين اللقمة من يده وعمدت فاطمة إلى ما كان على الخوان فجمعته ودفعته إلى الأسير , وباتوا ليلتهم جياعاً وأصبحوا مفطرين وليس عندهم شيء )).

قال شعيب في حديثه : وأقبل عليّ بالحسن والحُسين نحو رسول الله وهما يرتعشان كالفراخ من شدّة الجوع , فلمّا نظرهما رسول الله قال : (( يا أبا الحسن , ما أشدّ ما يسوءني ما أراكم فيه )) .فقال : (( يا رسول الله , انطلق معي إلى فاطمة )).فانطلق , فإذا هي في محرابها وقد لصقت بطنها بظهرها من شدّة الجوع وغارت عيناها في وجهها , فلمّا نظرها رسول الله , ضمّها إليه وقال : (( وا غوثاه ! أنتم منذ ثلاثة أيّام على ما أرى )) .فهبط جبرائيل (عليه‌السلام ) وقال : خُذ يا مُحمّد مما هنّاك الله في أهل بيتك .قال : (( وما آخذ يا جبرائيل ؟ )) .قال :( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ


مِنَ الدَّهْرِ إلى قوله إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) (١) :

بأهلي ومالي ثمّ قومي وأسرتي

فداء لمن أضحى قتيل ابن ملجم

علي رقا فوق الخلائق في الورى

فهدّت له أركان بيت المحرم

تكاد الصفا والمشعران كلاهما

تهدّر وبان النقص في ماء زمزم

وأصبحت الشمس المنير ضياؤها

لقتل عليّ لونها لون أدهم

وضل له أفق السّماء كأنه

شقيقة ثوب لونها لون عندم

وناحت عليه الأرض إذ فجعت به

حنيناً لثكلى نوحها بترنم

وأضحى التقي والخير والعلم والنهى

وبات العلي في قبره المتهدم

وقال غيره من أهل الفضل :

إلى م الام وحتى متى

أعنف في حُبّ هذا الفتى

فهل زوجت فاطم غيره

وفي غيره (هل أتى) هل أتى

فيا إخواني , العنوا من ظلمهم وغصبهم حقّهم وهضمهم , فعلى مثل هؤلاء الأشراف فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ الخليعي (رحمه‌الله )

سجعت فوق الغصون فاقدات للقرين

فاستهلت سحب أجفاني وهزتني شجوني

غردت لاشجوها شجوي ولاحنت حنيني

لا ولا قلت لها يا ورق بالنوح أسعديني

ماشجي الباكي طروباً وشجي الباكي الحزين

حق لي أبكي دماء عوض الدمع الهتوني

لغريب نازح الدار خلى من معين

لتريب الخددامي الوجه مرضوض الجبين

لحبيب أسلم القلب إلى داء دفين

لست أنساه بأرض الطف إذا قال أخبروني

ما اسم هذه الأرض قالوا كربلاء يابن الأمين

فبكى شجواً ونادى يا لقومي حان حيني

أرض كرب وبلاء في رباها يدفنوني

وبها تهتك نسواني وفيها يقتلوني

وبها يمتحن الله رجالاً ينصروني

فارجعوا جزيتم خير جزاء واتركوني

ليس للقوم سوى قتلي قصد فاسمعوني

فأجابوا لا ومن خصك بالفضل المبين

لا رجعنا أو سنسقي القوم كاسات المنون

فانثنى نحو الحريم الفاطميات بلين

____________________

(١) سورة الإنسان /١ - ٢٢.


قائلاً يا أخت يا أخت هلمي ودعيني

أخت يا زينب ضمي شمل أهلي خلفيني

واحرسي السجاد واحميه بأجفان العيون

فهو القائم من بعدي بعلم وبدين

وإن اشتد عليكن مصابي فاندبيني

وإذا نحت فنوحي بشجون وسكون

واتقي الله وكوني خير أسلاف القرون

وإذا قمت إلى نافلة الليل اذكروني

وإذا استعبدت مولاك صلاة فصليني

وغداً نحو العدى يرتاح للحرب الزبون

جاثلاً يشبه في سطوته ليث العرين

فرمته أسهم الأحقاد عن أيدي الضغون

فهوى شلواً طعيناً آه للشلو الطعين

وغدت زينب تبكي بعويل ورنين

وتنادي وا رجالاه فقد خابت طنوني

أين جدّي أين حملات أبي أين حصوني

ليرونا والعدى هتكوا كل مصون

حاسرات يسحبونا في سهول وحزون

وتنادي والمطايا تشتكي شد الوضين

واضلالي لوجوه كبدور في دجون

واعنائي في يتامي في البكا قد أقرحوني

وأشقائي في أسارى في قيود يرمقوني

يا لها صفقة مغبون ولوعات حزين

يحمل الرأس السماوي إلى الرجس اللعين

وبنات الـمُصطفى تهدي إلى كلب مهين

يا بني (طه ويس وحم ونون)

بكم استعصمت من شر خطوب تعتريني

فإذا خفت فأنتم لنجاتي كالسفين

وعليكم ثقل ميزاني وأنتم تنقذوني

فاحشروا العبد الخليعي إلى ذات اليمين

واليكم مدحاً أسنى من الدر الثمين

يا حجاب الله والمحمي عن رجم الظنون

فيك داريت أناساً عزموا أن يقتلوني

وتحصنت بقول الصّادق الحبر الأمين

إتقوا إن التقي من دين آبائي وديني

ولأوصافك وريت كلامي وحنيني

وإلى مدحكم أظهرت ظهوري وبطوني

وكفاني علمك الشاهد للسر المصون

ومعاذ الله أن ألوي عن الحبل المتين

وأساوي بين مفضال ومفضول ضنين

وعليم وعديم وأمين وخئوني

بين من قال : أقيلوني ومن قال : اسألوني

هل يساويه بعلم أو فضل أو بدين

الباب الثّالث

أيّها الرّؤساء الأعلام , كيف يلتذّ العاقل منكم بطعام وقد حكمت في مواليه الكفرة اللئام ، أو بشراب وقد قُتلوا في الظّلماء [الظّماء] والماء حولهم قد طما , أو


يسكن بعدهم إلى الطّمأنينة والدّعة وقد ضيّقوا عليهم الأرحبة والسّعة ، أو يقلّ من النّوح والأحزان وقد لاقوا الهوان من أبناء الزّمان ؟! ولِمَ لا نموت صبابة في هواهم ؛ طلباً لرّضى الله ورضاهم ؟ :

الموت مر ولكني إذا ظمئت

نفسي إلى المجد مستحل لمشربه

رئاسة ماض في رأسي وساوسها

تدور فيه وأخشى أن تدور به

حُكي عن زيد النّساج , قال : كان لي جار وهو شيخ كبير عليه آثار النّسك والصّلاح ، وكان يدخل إلى بيته ويعتزل عن النّاس ولا يخرج إلّا يوم الجُمُعة.

قال زيد النّساج : فمضيت يوم الجُمُعة إلى زيارة زين العابدين (عليه‌السلام ) , فدخلت إلى مشهده , وإذا أنا بالشّيخ الذي هو جاري قد أخذ من البئر ماء وهو يريد أن يغتسل الجُمُعة والزّيارة ، فلمّا نزع ثيابه , وإذا في ظهره ضربة عظيمة فتحتها أكثر من شبر وهي تسيل قيحاً ودماً , فاشمأزّ قلبي منها ، فحانت منه التفاتة فرآني فخجل , فقال لي : أنت زيد النّساج ؟ فقلت : نعم.فقال لي : يا بني , عاونّي على غسلي .فقلت : لا والله لا أعاونك حتّى تخبرني بقصّة هذه الضّربة التي بين كتفيك , ومن كفّ من خرجت , وأيّ شيء كان سببها ؟ فقال لي : يا زيد , أخبرك بها بشرط أن لا تحدّث بها أحداً من النّاس إلّا بعد موتي.فقلت : لك ذلك .فقال : عاونّي على غسلي فإذا لبست أطماري حدّثتك بقصّتي.

قال زيد : فساعدته , فاغتسل ولبس ثيابه وجلس في الشّمس وجلست إلى جانبه وقلت له : حدّثني .فقال لي : اعلم إنّا كنّا عشرة أنفس قد تواخينا على الباطل وتوافقنا على قطع الطّريق وارتكاب الآثام , وكانت بيننا نوبة نديرها في كلّ ليلة على واحد منّا ؛ ليصنع لنا طعاماً نفيساً وخمراً عتيقاً وغير ذلك ، فلمّا كانت الليلة التّاسعة وكنّا قد تعشّينا عند واحد من أصحابنا وشربنا الخمر ، ثمّ تفرّقنا وجئت إلى منزلي وهدوت ونمت ، أيقظتني زوجتي وقالت لي : إنّ الليلة الآتية نوبتها عليك ولا في البيت عندنا حبّة من الحنطة .قال : فانتبهت وقد طار السّكر من رأسي وقلت : كيف أعمل وما الحيلة وإلى أين أتوجه ؟ فقالت لي زوجتي : الليلة ليلة الجُمُعة ولا يخلو مشهد مولانا عليّ بن أبي طالب من زوّار يأتون إليه يزورونه , فقم وامض وأكمن على الطّريق , فلا بدّ أن ترى أحداً فتأخذ ثيابه فتبيعها وتشتري شيئاً من


الطّعام ؛ لتتم مروتك عند أصحابك وتكافيهم على صنيعهم .قال : فقمت وأخذت سيفي وجحفتي ومضيت مبادراً , وكمنت في الخندق الذي في ظهر الكوفة , وكانت ليلة مُظلمة ذات رعد وبرق ، فأبرقت برقة فإذا أنا بشخصين مقبلين من ناحية الكوفة, فلمّا قربا منّي , برقت برقة اُخرى فإذا هُما امرأتان ، فقلت في نفسي : في مثل هذه السّاعة تأتي امرأتان ! ففرحت ووثبت إليهما وقلت لهما : اطرحا ثيابكما سريعاً .ففزعتا منّي ونزعتا ثيابهما ، فحسست عليهما حلياً , فقلت لهما : وانزعا الحلي التي عليكما سريعاً .فطرحتاه ، فابرقت السّماء برقة اُخرى , فإذا إحداهما عجوز والاُخرى شابّة من أحسن النّساء وجهاً كأنّها ظبية قنّاص أو درّة غوّاص , فوسوس لي الشّيطان على أن أفعل بها القبيح , وقلت في نفسي : مثل هذه الشّابة التي لا يوجد مثلها حصلت عندي في هذا الموضع وأخلّيها ! فراودتها عن نفسها ، فقالت العجوز : يا هذا , أنت في حلّ مما أخذته منّا من الثّياب والحلي , فخلنا نمضي إلى أهلنا , فوالله أنّها بنت يتيمة من اُمّها وأبيها وأنا خالتها , وفي هذه الليلة القابلة تُزفّ إلى بعلها ، وإنّها قالت لي : يا خالة , إنّ الليلة القابلة اُزفّ إلى ابن عمّي , وأنا والله راغبة في زيارة سيّدي عليّ بن أبي طالب (عليه‌السلام ) , وإنّي إذا مضيت إلى بعلي رُبّما لا يأذن لي بزيارته .فلمّا كانت هذه الليلة الجُمُعة , خرجت بها لأزوّرها مولاها وسيّدها أمير المؤمنين ، فبالله عليك لا تهتك سترها ولا تفض ختمها ولا تفضحها بين قومها.

فقلت لها : إليك عنّي .وضربتها وجعلت أدور حول الصّبيّة وهي تلوذ بالعجوز , وهي عريانة ما عليها غير السّروال , وهي في تلك الحال تعقد تكّتها وتوثّقها عقداً ، فدفعت العجوز عن الجارية وصرعتها إلى الأرض , وجلست على صدرها ومسكت يديها بيد واحدة , وجعلت أحلّ عقد التكّة باليد الاُخرى وهي تضطرب تحتي كالسّمكة في يد الصّياد , وهي تقول : الـمُستغاث بك يا الله ! المستغاث بك يا عليّ بن أبي طالب , خلّصني من يد هذا الظّالم ! قال : فوالله , ما استتم كلامها إلا وأحسّ حافر فرس خلفي , فقلت في نفسي : هذا فارس واحد وأنا أقوى منه .وكانت لي قوّة زائدة وكنت لا أهاب الرّجال قليلاً أو كثيراً , فلمّا دنى منّي , فإذا عليه ثياب بيض وتحته فرس أشهب تفوح منه راحة المسك ، فقال لي : (( يا ويلك خلّ المرأة ! )) .فقلت له : اذهب لشأنك , فأنت نجوت بنفسك وتريد تنجي


غيرك .قال : فغضب من قولي ونفحني بذبال سيفه بشيء قليل , فوقعت مغشيّاً عليّ لا أدري أنا في الأرض أو في غيرها , وانعقد لساني وذهبت قوّتي لكنّي أسمع الصّوت وأعي الكلام ، فقال لهما : (( قوما البسا ثيابكما وخذا حليكما وانصرفا لشأنكما )) .فقالت العجوز : فمن أنت يرحمك الله وقد مَنّ الله علينا بك ؟ وإنّي أريد أن توصلنا إلى زيارة سيّدنا عليّ بن أبي طالب.

قال : فتبسّم في وجوههما وقال لهما : (( أنا عليّ بن أبي طالب ارجعا إلى أهلكما فقد قبلت زيارتكما )) .قال : فقامت العجوز والصّبيّة وقبّلا يديه ورجليه وانصرفا في سرور وعافية.

قال الرّجل : فأفقت من غشوتي وانطلق لساني , فقلت له : يا سيّدي , أنا تائب إلى الله على يدك , وإنّي لاعدت أدخل معصية أبداً .فقال : (( إن تبت تاب الله عليك )) .فقلت له : تبت والله على ما أقول شهيد .ثمّ قلت له : يا سيّدي , إن تركتني في هذه الضّربة هلكت بلا شكّ .قال : (( فرجع إليّ )) .وأخذ بيده قبضة من تراب ، ثمّ وضعها على الضّربة ومسح بيده الشّريفة عليها , فالتحمت بقدرة الله تعالى.

قال زيد النّساج : فقلت له : كيف التحمت وهذا حالها ؟! فقال لي : والله , إنّها كانت ضربة مهولة أعظم مما تراه الآن , ولكنّها بقيت موعظة لمن يسمع ويرى .ولا شكّ أنّ عليّاً والأئمة (عليهم‌السلام ) أحياء عند ربّهم يُرزقون :

بني الوحي والآيات يا من مديحهم

علوت به قدراً وطبت به ذكرا

مهابط سر الله خزان علمه

وأعلى الورى فخراً وأرفعهم قدرا

ركائب آمالي إليكم حثثتها

فلا أرتجي في النّاس زيداً ولا عمرا

ومن ذا الذي أضحى بربع نداكم

نزيلاً فما أبدلتم عسره يسرا

عن ابن عبّاس وأبي رافع , قالا : كنّا جلوساً عند النّبي إذ هبط جبرائيل ومعه جام من البلّور الأحمر مملوء مسكاً وعنبراً ، فقال له : السّلام عليك ، الرّبّ يقرؤك السّلام ويحيّيك بهذه التّحية ويأمرك أن تحيّي بها عليّاً وولديه .فلمّا صارت في كفّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , هلّلت ثلاثاً وكبّرت ثلاثاً ، ثمّ قالت بلسان ذرب :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) (١) .فشمّها النّبي ثمّ حيّى بها عليّاً , فلمّا صارت في كفّ عليّ , قالت :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (٢) .فاشتمّها عليّ (عليه‌السلام ) وحيّى بها

____________________

(١) سورة طه / ١ - ٢.

(٢) سورة المائدة / ٥٥.


الحسن ، فلمّا صارت في كفّ الحسن , قالت :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ) (١) .فاشتمّها الحسن وحيّى بها الحُسين (عليه‌السلام ) , فلمّا صارت في كفّ الحُسين , قالت :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٢) .ثمّ رجعت إلى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فقالت :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) .فلم ندري صعدت في السّماء أم نزلت في الأرض بقدرة الله تعالى.

وهل هذا يا إخواني إلّا من بعض كراماتهم وفضائلهم ونكاتهم ؟ الآيات الباهرة والمعجزات بيّنة ظاهرة ، وساداتنا هُم والله شفعاء المذنبين في الآخرة ، فيحقّ لمثلهم أن يبكي الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ حسن النّجفي (رحمه‌الله )

لمصاب الكريم زاد شجوني

فاعذلوني أو شئتموا فاعذروني

كيف لا أندب الكريم بجفن

مقرح بالبكاء وقلب حنيني

وقليل أن سح من غير عين

دمع عيني من ذاريات جفوني

يا لها من محاجر هاميات

بخلت وابل الغمام الهتوني

وجفون أن أصبح الماء غوراً

من بكاها جاءت بماء معين

لقتيل بكت له الجن والإنس

وسكان سهلها والحزون

لهف قلبي عليه وهو جديل

فوق وجه الصعيد امي الجبين

يتلظى من الصدى وعلى الخد

جواري عيونه كالعيون

لهف قلبي لثغره وهو يفتر

نظاماً كاللؤلؤ المكنون

قد علاه قضيب كف يزيد

الباغي الطاغي الظلوم الخؤون

لست أنساه بالطفوف فريداً

منشداً من لواعج وشجون

ليت شعري لأي ذنب ويا ليت

على أي بدعة يقتلوني

إن يكن قد جهلتموا الفضل منا

فاسألوا محكم الكتاب المبين

والدي أشرف الورى بعد جدّي

وأخي أصل كلّ فضل ودين

والبتول الزّهراء أمي وعمي

ذو الجناحين صاحب التمكين

____________________

(١) سورة النّبأ / ٢.

(٢) سورة الشّورى / ٢٣.


وينادي يا أم كلثوم قومي

قبل تفريق شملنا ودّعيني

واذرفي دمعك المصون على الخد

ونوحي عليّ ثمّ اندبيني

وإذا ما رأيت مقتول ظلم

منعوه عن حقه فاذكروني

لهف قلبي لزينب وهي تبكي

وتنادي من قلبها المحزون

يا أخي يا مؤملي يا رجائي

يا منائي يا مسعدي يا معيني

كنت أمناً للخائفين ويمناً

للبرايا في كلّ وقت وحين

بم تشدي من خاطري مستهام

موثق بالأسى وقلب رهين

يا هلالاً لمـّا استتم ضياءاً

غيبته بالطف أيدي المنون

ليت عينيك يا شقيقي ترانا

حاسرات من بعد خدر وصون

سافرات الوجوه متهتكات

بين عبد باغ ووغد لعين

آل طه يا من بهم يغفر الله

ذنوبي وما جنته يميني

وأماني في يوم بعثي وأمني

عند خوفي من كلّ خطب وضيني

أنتم قبلتي وحجتي وفرضي

وصلاتي وأصل نسكي وديني

من تمسك بكم وأمّ إليكم

قد نجا والتجا بحصن حصين

لا أبالي وإن تعاظم ذنبي

يوم بعثي لكن يقيني يقيني

كل عزي بين الأنام وفخري

يوم حشري بأنكم تقبلوني

بعتكم مهجتي بعد صحيح

عن تراض ولست بالمغبون

أنا منكم لكم بكم وإليكم

فرط وجدي وذا حنين أنيني

قد بذلت المجهود بالمدح منّي

حسب جهدي ولم أكن بضنين

ذركم لم يزل جليسي أنيسي

مسعفي عند حركتي وسكوني

أنتم لا سواكم وإليكم

لا إلى غيركم تساق ظعوني

لا أبالي إذا حضيت لديكم

قربوني الأنام أو أبعدوني

سوف أصفيكم الوداد بقلب

ولسان كالصارم المسنوني

وإذا ما قضيت بحبي ستبقى

بعد مودتي مدائحي وفنوني

وإليكم من عبدكم حسن النجفي

قصيداً تزهو كدر ثمين

بكر نظم لها القبول صداق

فاقبلوها يا سادتي وارحموني

وعليكم من الإله صلاة

كلما ناح طائر في الغصون


المجلس التّاسع

من الجزء الثّاني في الليلة العاشرة من الـمُحرّم

وفي ابتداء مصرع الحُسين (عليه‌السلام )

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

أمّا بعد ، أيّها المؤمنون , فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة ، فتحه الله لخاصّته وأوليائه وأحبّائه وخُلصائه ، وهو لباس التّقوى ودرع الله الحصينة وجنّته الوثيقة ، فمَن تركه رغبة عنه , ألبسه الله ثوب الذّل وشمله البلاء , وديث بالصّغار وضرب على قلبه بالإسهاب , وأديل الحقّ بتضييع الجهاد , وسيم الخسف ومُنع النّصف .ألا وإنّ مَن أهَّله الله لذلك الشّهداء من الأنصار والأقرباء , فإنّهم لمـّا علموا أنّهم لا ينالون لبس الخلعة السّنية , إلّا بخلع الحياة وركوب المنيّة , وإنّهم لا يعلون إلى مطلوبهم , إلّا ببذل النّفوس في طاعة محبوبهم ، وتيقّنوا أنّها المرتبة العالية والبيعة الرّاجحة الغالية , وبذلوا الأرواح يوم الكفاح , واتلفوا الأجساد يوم الجلاد والأبدان يوم الطّعان ، فلو شاهدت كلّ واحد منهم يوم الطّفوف وهو يبادر إلى طعن الرّماح وضرب السّيوف ، لرأيت الأمر العظيم والخطب الجسيم ، ولمثل هذا فليعمل العاملون وفي ذلك فليتنافس المتنافسون :

يلقى الرماح بنحره فكأنها

في قلبه عود من الريحان

ويرى السيوف وصوت وقع حديدها

عرساً يجليها عليه غواني

فيا لها من منيّة حصلوها وفضيلة أحرزوها , فاقوا بها الأوّلين والآخرين في رضى مولاهم الحُسين بن أمير المؤمنين .ولعمري , أنّه جهاد أعظم من جهاد


أنصار الإمام أبي عبد الله (عليه‌السلام ) , أَذِن لهم في ترك القتال وقال : (( اذهبوا في هذا الليل بمن معي من الآل , فأنا بغية هؤلاء الأرجاس وقتلى مرادهم دون النّاس )) .فأبوا واختاروا الموت على الحياة في طاعته والفناء لإجابته , ولله درّ مَن قال فيهم :

جادوا بأنفسهم في حُبّ سيدهم

والجود بالنفس أقصى غاية الجود

فلو رأيتهم وقد أقبلوا على القتال يجالدون بالسّيوف في حومة النّزال , يستبشرون بذهاب الأعمار لمـّا كشف عن أبصارهم فشاهدوا الجنّة والنّار .ولله درّ بعض مادحيهم حيث نظم وقال فيهم :

قوم إذا نودوا لدفع ملمة

والقوم بين مدعس ومكردس

لبسوا القلوب على الدروع وأقبلوا

يتهافتون على ذهاب الأنفس

وقوا بنفوسهم نفوس الطّاهرين البررة , حتّى اُبيدوا عن آخرهم بأيدي الطُغاة الفجرة ، فكم يومئذ من كبد مقروحة ودمعة مسفوحة , ومن لاطمة خدّها ونادبة جدّها ومنشور شعرها ومهتوك سترها , وكم من مريض يئنّ وثاكلة تحنّ , وكم من كريم على رأس السّنان وشريف يسام الخسف والهوان , وكم من طفل مذبوح ودم لآل رسول الله مسفوح , وكم من أكباد محترقة من الظّماء وأجساد مرمّلة بالدّماء , وربّات خدر بارزات ومغلولات حاسرات ؟! فوا عجباه بما حلّ بالآل من اللئام الكفرة الأنذال!:

وجرع كأس الموت بالطف أنفس

كرام وكانوا للرسول ودائعا

وبدل سعد التم من آل هاشم

بنحس وكانوا كالبدور طوالعا

وقال آخر :

أديرت كؤوس للمنايا عليهم

فأعفوا عن الدُنيا كاعفاء ذي السكر

فأجسامهم في الأرض قتلى بحبه

وأرواحهم في الحجب نحو العلى تسري

فما عرسوا إلّا بقرب حبيبهم

وما عرجوا من مس بؤس ولا ضر

روي عن سعيد بن جبير , عن ابن عبّاس , قال : كنت عند رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جالساً إذ أقبل الحسن (عليه‌السلام ) , فلمّا رآه بكى وقال : (( إليّ إليّ )) .فأجلسه على فخذه


اليمنى ، ثمّ أقبل الحُسين (عليه‌السلام ) , فلمّا رآه بكى وقال : مثل ذلك .وأجلسه على فخذه اليسرى ، ثمّ أقبلت فاطمة (عليها‌السلام ) , فلمّا رآها بكى وقال : مثل ذلك .وأجلسها بين يديه ، ثمّ أقبل عليّ (عليه‌السلام ) , فرآه فبكى وقال : مثل ذلك.فأجلسه إلى جانبه الأيمن , فقال له أصحابه : يا رسول الله , ما ترى واحداً من هؤلاء إلّا وبكيت له وما فيهم إلّا من تسرّ برؤيته ؟ فقال : (( والذي بعثني بالنّبوة واصطفاني بالرّسالة على جميع البرية ! ما على وجه الأرض نسمة أحبّ إليّ منهم , وإنّما بكيت لما يحلّ بهم بعدي , وذكرت ما يُصنع بولدي هذا الحُسين , فكأنّي به وقد استجار بحرمي وقبري فلا يُجار , فيرتحل إلى أرض مقتله ومصرعه أرض كربلاء , تنصره عصابة من الـمُسلمين , أولئك سادات شهداء اُمّتي يوم القيامة , كأنّي أنظر إليه وقد رُمي بسهم فخرّ عن سرجه طريحاً(١) ، ثمّ يُذبح كما يُذبح الكبش مظلوماً )) .ثمّ انتحب وبكى وأبكى مَن كان حوله , وارتفعت أصواتهم بالضّجيج , ثمّ قام وهو يقول : (( اللّهمّ , إنّي أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي من بعدي )).

وفي بعض الأخبار : أنّ الحُسين دخل على أخيه الحسن , فلمّا نظر إليه بكى , فقال : (( ما يبكيك يا أبا عبد الله الحُسين؟ )) .فقال : (( بلى , لِما يُصنع بك )) .فقال الحسن : (( إن الذي يؤتى إلي بالسم فاُقتل به(٢) , ولكن لا يوم كيومك ! يزدلف إليك ثلاثون ألف رجُل يدّعون أنّهم من اُمّة جدّنا , فيجتمعون على قتلك وسفك دمك , وانتهاك حُرمتك وسبي ذراريك ونسائك , وانتهاك رحلك وثقلك , فعندها تحلّ على اُميّة اللعنة وتمطر السّماء دماً , ويبكي عليك كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار )).

فيا إخواني , تساعدوا على النّياحة والعويل واسكبوا عبراتكم على الغريب القتيل الذي اهتزّ لمصابه عرش الجليل ، ولئن حجبتكم عن نصرتهم الأقدار على ما يشاء القادر الـمُختار , فلا عذر لكم عن لبس جلابيب العزاء وإظهار شعار الحزن والبكاء , وهو من أقلّ القليل في هذا القبيل :

يا سادة شرف الكتاب بما حوى

فيهم من الإجلال والإعظام

يا من إذا ذكر اللبيب مصابهم

هانت عليه مصائب الأيام

قسماً بمن فرض الولاء على الورى

لكم وذلك أعظم الإقسام

ما أطمع الارجاس فيما أبدعوا

فيكم وجرّأهم على الإقدام

____________________

(١) في المصادر الاُخرى : صريعاً .(معهد الإمامين الحسنين).

(٢) ورد في آمالي الشّيخ الصّدوق /١٧٧, هكذا : إنّ الذي يؤتى إليّ سمّ يدسّ إليّ فاُقتل به .(معهد الإمامين الحسنين).


إلّا الذين تعاقدوا أن ينقضوا

ما أحكم الهادي من الإبرام

روي : أنّه لمـّا قُبض الحسن (عليه‌السلام ) , اجتمع نفر من أهل الكوفة في دار رجل منهم , وكتبوا إلى الحُسين كتاباً يعزّونه على أخيه الحسن , ويذكرون فيه : إنّا شيعتك والمصابون لمصيبتك والمحزونون لحزنك والمنتظرون لأمرك , شرح الله صدرك وغفر ذنبك ورفع ذكرك وعلا قدرك وردّ عليك حقّك , والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته.

وصار النّاس يقولون : إن هلك معاوية , يكن الأمر للحُسين (عليه‌السلام ) .فبلغ ذلك معاوية , فبعث يستعتب الحُسين بكلام يذكر فيه : أمّا بعد , فقد بلغني عنك اُمور وأسباب وأظنّها باطلة , فلا تُسمعني إلى قطيعتك يا أبا عبدالله ، فمتى أكرمتني أكرمتك ومتى أهنتني أهنتك ، فلا تشق عصا هذه الاُمّة , فقد جرّبتهم وبلوتهم , وأبوك من قبلك كان أفضل منك وقد أفسدوا عليه رأيه ، وإيّاك تسمع كلام السّفهاء الذين لا يعلمون بعواقب الاُمور.

فكتب الحُسين (عليه‌السلام ) كتاباً إليه يعتذر فيه , إلى أن دنا من معاوية الموت , أوصى إلى ابنه يزيد وكان غائباً , وكتب له كتاباً يذكر فيه : اعلم يابني , إنّي قد وطّأت لك البلاد وذللت لك الرّقاب الشّداد ، ولست أخشى عليك إلّا من أربعة أنفر , فإنّهم لا يبايعونك على هذا الأمر .وذكر منهم الحُسين , ودفع الكتاب إلى الضّحاك بن قيس وأمره أن يوصله إلى يزيد عند قدومه من غيبته ، ثمّ إنّ معاوية قضى نحبه , فأرسل الضّحاك إلى يزيد رسولاً يخبره بموت أبيه , فجزع جزعاً عظيماً وبقي أيّاماً لا يخرج من داره , فلمّا خرج بعد ذلك , جاء النّاس يعزّونه ويهنونه , وكان من جملتهم الضّحاك بن قيس , فدفع إليه الوصية , فلمّا فضّها وقرأها , بكى حتّى غُشي عليه , فلمّا أفاق , خرج فرقى المنبر وخطبهم خطبة يذكر فيها موت أبيه وأنّه ولاه الأمر من بعده ، ثمّ نزل عن المنبر وكتب إلى الوليد بن عتبة - وكان يومئذ والياً على المدينة - كتاباً يأمره أن يأخذ البيعة على أهلها , وبعث إلى عمر بن سعد بالرّي وأمره أن يأخذ البيعة على أهلها , ونفذ إلى جميع الأمصار بذلك , فبايعوه إلّا أهل الكوفة والمدينة.

وكان فيما بعث إلى الوليد يقول : خُذ لنا البيعة على من قبلك عامة وعلى هؤلاء الأربعة أنفر خاصة وهم ؛ عبد الرّحمن بن بكر , وعبد الله بن عمر بن الخطاب , وعبد الله بن الزّبير , والحُسين بن عليّ , فمَن لم يبايعك منهم , فانفذ إليّ برأسه.

فلمّا قرأ الكتاب , بعث


إلى مروان بن الحكم - وكان قد جفاه من أجل الإمارة , لأنّه كان والياً من قبله على المدينة - فلمّا دخل عليه , قرّبه وأدناه وقرأ عليه الكتاب , فقال له مروان : الرّأي , أن ترسل إلى هؤلاء الأربعة وتدعوهم إلى البيعة والدّخول في الطّاعة , فإن أبوا , فاضرب أعناقهم .فأرسل في طلبهم , فقالوا للرسول : انصرف.

أقبل عبد الله بن الزّبير على الحُسين (عليه‌السلام ) , وقال : يابن رسول الله , أتدري ما يُريد الوليد منّا ؟ قال : (( نعم ، اعلموا أنّه قد مات معاوية وتولّى الأمر من بعده ابنه يزيد , وقد وجّه الوليد في طلبكم ؛ ليأخذ البيعة عليكم , فما أنتم قائلون ؟ )).فقال عبد الرّحمن : أمّا أنا , فأدخل بيتي وأغلق بابي ولا أبايعه .وقال عبد الله بن عمر : أمّا أنا , فعليّ بقراءة القُرآن ولزوم المحراب .وقال عبد الله بن الزّبير : أمّا أنا , فما كنت بالذي أبايع يزيد.

وقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( أمّا أنا , فأجمع فتياني وأتركهم بفناء الدّار وأدخل على الوليد , وأناظره وأطالب بحقّي )) .فقال له عبدالله بن الزّبير : إنّي أخاف عليك منه .قال : (( لست آتيه إلّا وأنا قادر على الإمتناع منه إن شاء الله تعالى )) .ثمّ إنّه (عليه‌السلام ) نهض إلى منزله , فأرسل إلى أهله وشيعته ومواليه فاقبلوا إليه , فأتى إلى دار الوليد وقال لهم : (( إنّي داخل على هذا الرّجل , فإن سمعتم صوتي فاهجموا عليه , وإلّا فلا تبرحوا حتّى أخرج إليكم )) .ثمّ دخل على الوليد , فقرّبه وأدناه وأراه الكتاب ودعاه إلى البيعة ، فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( إنّ مثلي لا يبايع خلف الأبواب سرّاً دون الجهر , ولكن إذا خرجت ودعوت النّاس , كنت أوّل من بايع )) .فقال : انصرف يا أبا عبد الله واتنا غداً مع النّاس .فقال مروان : فإنّك الثّعلب فلا ترى إلا غباره(١) , واحذر أن يخرج حتّى يبايعك أو تضرب عنقه .فلما سمع الحُسين , وثب قائماً وقال : (( يابن الزّرقاء , أنت تقتلني أم هؤلاء لا أم لك ؟! يابن اللخناء , والله لقد أهجت عليك وعلى صاحبك منّي حرباً طويلاً )) .ثمّ خرج , فقال مروان للوليد : عصيتني , والله لا قدرت على مثلها أبداً .فقال له الوليد : ويحك لقد اخترت لي ما فيه هلاكي وهلاك ذرّيّتي ! فوالله ما أحبّ أن يكون لي ملك الدُنيا وأنا مُطالب بدم الحُسين , وإنّ كلّ أمرئ يكون مطالباً بدمه , لخفيف الميزان يوم القيامة .فقال له مروان : مثلك ينبغي أن يكون سائحاً في البراري والقفار ولا

____________________

(١) هكذا هو الموجود, والظّاهر إنّ الصّحيح هو : فإن فاتك الثّعلب فلا ترى إلا غباره .(معهد الإمامين الحسنين).


يكون أميراً .ثمّ إنّ الوليد أرسل إلى الحُسين (عليه‌السلام ) رُسلاً بالليل وقال لهم : لا ترجعوا إلّا به .فساروا إليه مستعدّين لذلك , فوجدوه قد طلع يُريد مكّة بأهله وبني عمّه إلّا مُحمّد بن الحنفيّة.

فيا حرّ قلبي تزايدي , ويا نار وجدي توقّدي , ويا فؤادي القريح من الحزن والكآبة لا تستريح ! ولله درّ مَن قال من الرّجال:

ويل لمن شفعاؤه خصماؤه

والصور في نشر الخلائق ينفخ

لا بد أن ترد القيامة فاطم

وقميصها بدم الحُسين ملطخ

روي عن بعض نقلة الآثار : أنّه لمـّا أراد الحُسين (عليه‌السلام ) الخروج إلى مكّة , قال له مُحمّد بن الحنفيّة : يا أخي , إنّي خائف عليك أن تأتي مصراً من هذه الأمصار فيختلفون عليك , فتكون قتيلاً بينهم ويذهب دمك وتهتك حرمك .قال له الحُسين : (( إنّي أقصد مكّة , فإنّ اطمأنّت بي البلاد , أقمت بها , وإن كان الاُخرى , لحقت بالرّمال والشّعاب حتّى ننظر ما يكون )).

ثمّ أتى قبر جدّه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والتزمه وبكى بكاءاً شديداً , وقال : (( بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ! لقد خرجت من جوارك كُرهاً وقد فُرّق بيني وبينك ؛ حيث إنّي لم اُبايع ليزيد بن معاوية شارب الخمور وراكب الفجور , وها أنا خارج من جوارك على الكراهة , فعليك منّي السّلام )) .ثمّ أخذته النّعسة , فرأى في منامه رسول الله وإذا هو قد ضمّه إلى صدره وقبّل ما بين عينيه , وقال : (( حبيبي يا حُسين , كأنّي أراك عن قليل مُرمّلاً بدمائك مذبوحاً بأرض كرب وبلاء بين عصابة من اُمّتي , وأنت في ذلك عطشان ولا تُسقى وظمآن لا تُروى , وهم في ذلك يرجون شفاعتي , ما لهم لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة , فما لهم عند الله من خلاف .حبيبي يا حُسين , إنّ أباك واُمّك وأخاك قد قدموا عليّ وهم إليك مشتاقون , إنّ لك في الجنّة درجات لن تنالها إلّا بالشّهادة )).

قال : فجعل الحُسين (عليه‌السلام ) في منامه ينظر إلى جدّه ويسمع كلامه وهو يقول : (( يا جدّاه ! لا حجّة لي في الرّجوع إلى الدُنيا , فخذني إليك وادخلني معك إلى قبرك )) .فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يا حُسين , إنّه لا بدّ لك من الرّجوع إلى الدُنيا ؛ حتّى تُرزق الشّهادة وما قد كتب الله لك فيها من الثّواب العظيم , فإنّك وأباك وأخاك وعمّك وعم أبيك , تُحشرون في زمرة واحدة حتّى تدخلوا الجنّة )).

قال : فانتبه الحُسين (عليه‌السلام ) من نومه فزعاً مرعوباً , فقصّ رؤياه على أهل بيته وبني عبد الـمُطلب , فلم يكن في ذلك اليوم


في شرق ولا غرب قوم أشدّ غمّاً من أهل البيت ولا أكثر باكية ولا باك.

قال : وتهيّأ الحُسين وعزم على الخروج ودعا بمُحمّد بن الحنفيّة وقال له : (( يا أخي , إنّي عازم على الخروج إلى مكّة , وقد تهيأت لذلك أنا وأخوتي وبنو أخي وشيعتي , وأمرهم أمري ورأيهم رأيي , وأمّا أنت يا أخي , فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عيناً عليهم , ولا تخف عليّ شيئاً من أمورهم )).

قال : ثمّ دعا الحُسين (عليه‌السلام ) لأخيه بدواة وبياض فكتب : (( هذه وصية الحُسين لأخيه مُحمّد : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , هذا ما أوصى به الحُسين بن عليّ بن أبي طالب إلى أخيه مُحمّد بن عليّ , المعروف بابن الحنفيّة : إنّ الحُسين بن عليّ يشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له , وأنّ مُحمّداً عبده ورسوله جاء بالحقّ من عند الحقّ , وأنّ الجنّة والنّار حقّ , وأنّ السّاعة آتية لا ريب فيها , وأنّ الله يبعث مَن في القبور ، وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مُفسداً ولا ظالماً , وإنّما خرجت أطلب(١) الإصلاح في اُمّة جدّي مُحمّد , أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر , وأسير بسيرة جدّي مُحمّد وسيرة عليّ بن أبي طالب وسيرة الخُلفاء الرّاشدين المهديين , فمَن قبلني بقول الحقّ , فالله أولى بالحقّ , ومَن ردّ عليّ هذا , أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ , ويحكم بيني وبينهم وهو خير الحاكمين .هذه وصيتي إليك يا أخي , وما توفيقي إلّا بالله العليّ العظيم )).

ثمّ طوى الحُسين كتابه وختمه بخاتمه ودفعه إلى أخيه مُحمّد بن الحنفيّة ، ثمّ ودّعه وخرج في جوف الليل يُريد مكّة في جمع من أهل بيته , وذلك لثلاث ليال مضين من شعبان سنة ستّين من الهجرة .فلزم الطّريق الأعظم , فجعل يسير وهو يتلو هذه الآية :( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (٢) .

وعن سكينة بنت الحُسين (عليهما‌السلام ) , قالت : لمـّا خرجنا من المدينة , ما كان أحد أشدّ خوفاً منّا أهل البيت ، ثمّ إنّ الحُسين ركب الجادّة , فقال له ابن عمّه مُسلم بن عقيل : يابن رسول الله , لو عدلنا عن الطّريق وسلكنا غير الجادّة كما فعل عبد الله بن الزّبير , كان عندي الرّأي , فإنّا نخاف أن يلحقنا الطّلب .فقال له الحُسين (عليه‌السلام ) : (( لا والله يابن العم , لا فارقت هذا الطّريق أبداً , أو أنظر إلى أبيات مكّة , أو يقضي الله في ذلك ما يحبّ ويرضى )).

قال : فسار الحُسين (عليه‌السلام ) وهو يقول :

إذا المرء لم يحم بنيه وعرسه

ونسوته كان اللئيم المسببا

____________________

(١) الموجود في المصادر المعتبرة هو : لطلب .(معهد الإمامين الحسنين).

(٢) سورة القصص / ٢١.


وفي دون ما يبغي بنا غداً

نخوض حياض الموت شرقاً ومغرباً

ويضرب ضرباً كالحريق مقدماً

إذا ما رآه ضيغم راح هاربا

قال : فبينما الحُسين كذلك بين مكّة والمدينة , إذ استقبله عبد الله بن مطيع العدوي ، فقال له : أين تريد يا أبا عبد الله جعلني الله فداك ؟! فقال : (( أمّا في وقتي هذا , فإنّي أريد مكّة , فإذا سرت فيها , استخرت الله في أمري )) .فقال له عبد الله: خار الله لك يابن رسول الله فيما قد عزمت عليه ، غير إنّي أشير عليك مشورة فاقبلها منّي .فقال الحُسين : (( وما هي يابن مطيع ؟ )) .فقال : إذا أتيت مكّة فاحذر أن يغرّك أهل الكوفة ، فيها قُتل أبوك , وأخوك بطعنة طعنوه كادت أن تأتي على نفسه فيها , فالزم الحرم فأنت سيّد العرب في دهرك هذا , فوالله لئن هلكت , ليهلكنّ أهل بيتك بهلاكك , والسّلام.فودّعه الحُسين ودعا له بالخير وسار حتّى وافى مكّة , فلمّا نظر إلى جبالها من بعيد , جعل يتلو هذه الآية :( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيل ) (١) .

قال : فلمّا قدم الحُسين إلى مكّة , قال : (( اللّهمّ , خر لي وقرّ عيني واهدني سواء السّبيل )) .ثمّ دخل مكّة وجعل النّاس يترددون إليه ولا ينقطعون عنه , فلمّا بلغ أهل الكوفة وفاة معاوية , امتنعوا من البيعة ليزيد , فاجتمعوا وكتبوا إلى الحُسين كتاباً يقولون فيه : أقدم إلينا يكون ذلك ما لنا وعليك ما علينا , فلعلّ الله يجمع بيننا وبينك على الهُدى ودين الحقّ(٢) .ورغّبوه في القدوم إليهم إلى أن قالوا : فإن لم تقدر على الوصول إلينا , فأنفذ إلينا برجل يحكم فينا بحكم الله ورسوله .وكتبوا بهذا المعنى كُتباً كثيرة ، فلمّا وقف الحُسين على الكتب وقرأ ما فيها , سألهم عن أمور النّاس , وكتب إليهم كتاباً يذكر فيه : (( إنّي قد أنفذت إليكم أخي وابن عمّي والمفضّل عندي مُسلم بن عقيل بن أبي طالب , فاسمعوا له وأطيعوا رأيه , وقد أمرته باللطف فيكم وان ينفذ إلي بحسن رأيكم وما أنتم عليه , وأنا أقدم عليكم إن شاء الله )) .ثمّ دعا بمُسلم فأنفذه مع دليلين يدلانه على الطّريق , فلمّا صار أثناء الطّريق , ضلّ الدّليلان عن الطّريق ومات أحدهما عطشاً ، فنظر مُسلم ممّا هو متوجّه إليه , فبعث إلى الحُسين يخبره بذلك ويستعفيه عن المسير إلى الكوفة , فبعث إليه الحُسين يأمره بالمسير إلى ما أمره به ، فسار من وقته وساعته إلى أن قدم الكوفة فدخلها ليلاً , فنزل في دار

____________________

(١) سورة القصص / ٢٢.

(٢) الوارد في ينابيع المودّة للقندوزي ٣/٥٥ , وغيره , هكذا : ...يقولون فيه : لك مالنا وعليك ما علينا ، فلعلّ الله أن يجمع بيننا وبينك على الهُدى ودين الحقّ .(معهد الإمامين الحسنين).


المختار بن أبي عُبيدة ، ثمّ صار النّاس يختلفون إليه , فأقرأهم كتاب الحُسين (عليه‌السلام ) , فمنهم من تداخل السّرور عليه ، فاجتمعوا عليه وبايعوه حتّى نُقل أنّه بايعه في ذلك اليوم ثمانية عشر ألف رجل.

فكتب مُسلم إلى الحُسين كتاباً بمبايعة أهل الكوفة وإنّك تعجّل بالإقبال إلينا .فبلغ الخبر إلى النّعان بن بشير - وكان هو خليفة يزيد بن معاوية - , فصعد المنبر خطيباً , فقال في خطبته : احذروا مخالفة الخليفة يزيد , وأيّ رجل أصبح مخالفاً لقولي لأضربنّ عُنقه.

ثمّ إنّ رجُلاً من القوم يُقال له عبد الله الحضرمي , استضعف رأي النّعمان وبعث كتاباً إلى يزيد يذكر فيه اجتماع النّاس على مُسلم بن عقيل , وأنّه يبعث إلى الكوفة رجُلاً أقوى رأياً من النّعمان ، فلمّا قرأ يزيد الكتاب , أنفذ إلى الكوفة عمر بن سعد لعنه الله , وكتب إلى عُبيد الله بن زياد - وكان في البصرة - كتاباً يستنهضه على الرّحيل إلى الكوفة , ولا يدع من نسل عليّ إلّا قتله , فلمّا قرأ الكتاب , تجهّز للمسير إلى الكوفة مجدّاً في مسيره , فلمّا وصل الكوفة , دخلها وهو مُلتثّم وبيده قضيب خيزران وأصحابه من حوله , فجعل لا يمرّ بملأ إلّا وسلّم عليهم بالقضيب , والنّاس يردّونعليه‌السلام ويزعمون أنّه الحُسين ؛ لأنّهم كانوا يتوقّعون قدومه , فلمّا قرب من قصر الإمارة , قال لهم مُسلم الباهلي : يا ويلكم ! هذا الأمير ابن زياد ليس هو طلبتكم.فأسفر ابن زياد عن لثامه وقال للنعمان وهو في أعلى القصر : يا نعمان , حفظت نفسك وضيعت مصرك .ثمّ نادى بالنّاس , فرقى المنبر فخطب خطبة ذكر فيها : إنّ الخليفة يزيد قد ولاني مصركم هذا , وقد أوصاني بالإحسان إلى محسنكم والتّجاوز عن مسيئكم وأنا مطيع أمره فيكم , فلمّا نزل من المنبر , جعل النّاس ينظر بعضهم إلى بعض ويقولون : ما لنا والدّخول بين السّلاطين .فنقضوا بيعة الحُسين وبايعوا عبيد الله بن زياد .قيل : وكان يوم الجُمُعة وكان مُسلم بن عقيل موعوكاً لم يقدر على الحضور للإجتماع , فلمّا كان وقت صلاة العصر , خرج إلى الجامع , فأذّن وأقام الصّلاة وصلّى وحده ولم يصل معه أحد من أهل الكوفة , فخرج فرأى رجل , فقال له : ماذا فعل أهل مصركم ؟ قال : يا سيّدي , نقضوا بيعة الحُسين وبايعوا يزيد .فصفق بيده وجعل يخترق السّكك والمحال هارباً حتّى بلغ إلى محلّة بني خزيمة , فرأى باباً شاهقة في الهواء وجعل ينظر إليها , فخرجت جارية


فقال لها : يا جارية لِمَن هذه الدّار ؟ قالت : لهاني بن عروة .فقال لها : أدخلي فقولي : إنّ رجلاً من أهل البيت واقف بالباب.فإن قال : ما اسمه .فقولي : مُسلم بن عقيل .فدخلت الجارية ثمّ خرجت إليه , وقالت له : أدخل .وكان هانئ يومئذ عليلاً , فنهض ليعتنقه فلم يطق , وجعلا يتحادثان إلى أن وصلا إلى ذكر عُبيد الله بن زياد , فقال هانئ : يا أخي , إنّه صديقي وسيبلغه مرضي , فإذا أقبل إليّ يعودني , خُذ هذا السّيف واحذر أن يفوتك , والعلامة بيني وبينك أن أقلع عمامتي عن رأسي , فإذا رأيت ذلك , فاخرج لقتله .قال مُسلم : أفعل إن شاء الله .ثمّ إنّ هانئ أرسل إلى ابن زياد يستجفيه , فبعث إليه معتذراً إنّي رائح العشية , فلمّا صلّى ابن زياد العشاء يعود هانياً أقبل , فلمّا وصل استأذن للدخول , قال هانئ : يا جارية , ادفعي هذا السّيف إلى مُسلم بن عقيل .فدفعته إليه , ودخل عُبيد الله بن زياد ومعه حاجبه , وجعل يحادثه ويسأله عن حاله وهو يشكو إليه ألمه ويستبطي مُسلماً في خروجه , فقلع عمامته عن رأسه وتركها على الأرض ثمّ رفعها ثلاث مرّات ، ثمّ رفع صوته بشعر أنشده ؛ كلّ ذلك يريد به إشعار مُسلم وإعلامه .فلمّا كثرت الحركات والإشارات من هانئ , أنكر عليه ابن زياد , فنهض هارباً وركب جواده وانصرف , لمـّا خرج مُسلم من المخدع , فقال له هانئ : يا سبحان الله ما منعك من قتله ؟ قال : منعني كلام سمعته من أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( لا إيمان لمن قتل مسلماً )) .فقال له هانئ : والله , لو قتلته لقتلت فاجراً كافراً.

ثمّ إنّ ابن زياد بعث في طلب مُسلم وبذل على ذلك الجوائز والعطايا الخطيرة , وكان ممّن رغب في ذلك العطاء مولى لابن زياد يُقال له معقل , فخرج يدور الكوفة ويتحيل للاستطلاع على خبر مُسلم إلى أن وقع على خبره أنّه عند هانئ ، أرشده عليه رجل يُقال له مُسلم بن عوسجة , قال له : إنّي ثقة من ثقاته وعندي كتمان أمره , وقد أحببت أن ألقاه ؛ لأبايعه .وحلف لذلك الرّجل بالأيمان المؤكّدة على ذلك ، فلمّا أدخله على مُسلم وهانئ , أخذ أخبارهما على الحقيقة وأوصلهما إلى ابن زياد ، فبعث ابن زياد في طلب هانئ ، فلمّا وصل إليه وسلّم عليه , أعرض عنه ولم يرد عليه جواباً , فأنكر هانئ أمره , فقال : لماذا أصلح الله الأمير ؟ فقال : يا هانئ , أخبيت مُسلماً وأدخلته دارك وجمعت له الرّجال والسّلاح , وظننت أنّ ذلك


يخفى عليّ .فقال هانئ : معاذ الله أيّها الأمير ما فعلت ذلك .فقال : بلى قد فعلته .فقال هانئ : الذي بلغك عنّي باطل.فقال ابن زياد : يا معقل , أخرج إليه وكذّبه .فخرج معقل وقال : يا هانئ أما تعرفني ؟ فقال : نعم أعرفك فأجراً غادراً .ثمّ إنّه علم كان عيناً لابن زياد , فقال له ابن زياد : يا هانئ , آتني بمُسلم وإلّا فرّقت بين رأسك وجسدك .فغضب من قوله وقال : إنّك لا تقدر على ذلك أو تهرق بنو مذحج دمك .فغضب ابن زياد فضرب وجهه بقضيب كان عنده , فضربه هانئ بسيف كان عنده فقطع أطماره وجرحه جرحاً منكراً , فاعترضه معقل لعنه الله فقطع وجهه بالسّيف , فجعل هانئ يضرب بهم يميناً وشمالاً حتّى قتل من القوم رجالاً , وهو يقول : والله , لو كانت رجلي على طفل من أطفال أهل البيت , ما رفعتها حتّى تُقطع .حتّى تكاثر عليه الرّجال فأخذوه وأوثقوه كتافاً وأوقفوه بين يدي ابن زياد , وكان بيده عمود من حديد , فضربه به فقتله رحمة الله عليه وعذّب قاتله وأصلاه جهنّم وبئس المصير , ولله درّ مَن قال :

سأصبر حتّى تنجلي كلّ غمة

وتأتي بما تختار نفسي من البشائر

وإني لبئس العبد إن كنت آيساً

من الله إن دارت عليّ الدوائر

قال النّاقلون : لمـّا وصل خبر هانئ إلى مُسلم , خرج من الدّار هارباً حتّى انتهى إلى الحيرة , فأضافته امرأة هُناك بعد ما سألته عن حاله وقصّته ، فلمّا أدخلته الدّار , أكرمته وقدّمت إليه المأكول فأبى عن ذلك ؛ لما به من الوجل والألم , فلمّا أمسى المساء , أقبل ولد المرأة إلى الدّار - وكان من أتباع ابن زياد - فنظر إلى اُمّه رآها تكثر الدّخول والخروج إلى المكان , فأنكر شأنها وسألها عن ذلك فنهرته , فألحّ عليها في المسألة , فأخذت عليه العهد فأخبرته , فأمسك عنها وأسرّ ذلك في نفسه إلى أن طلع الفجر , وإذا بالمرأة قد جاءت إلى مُسلم بماء ليتوضأ وقالت له : يا مولاي , ما رأيتك رقدت في هذه الليلة ؟ فقال لها : اعلمي إنّي رقدت رقدة فرأيت في منامي عمّي أمير المؤمنين وهو يقول : الوحاء الوحاء , العجل العجل .وما أظنّ إلّا أنّه آخر أيامي من الدُنيا :

يا طالب الصفوة في الدُنيا بلا كدر

طلبت معسرة فآيس من الظفر

واعلم بأنك ما عمرت ممتحن

بالخير والشر والإيسار والعسر

في الجبن عار وفي الإقدام مكرمة

ومن يفرّ فلا ينجو من القدر


ثمّ إنّ ولد تلك المرأة لمـّا حقّق الخبر عن مُسلم , مضى إلى اللعين ابن زياد فأخبره بخبر مُسلم ، ثمّ إنّ ابن زياد دعا بمُحمّد بن الأشعث الكندي وضمّ إليه ألف فارس وخمسمائة راجل , وأمرهم بالانطلاق إلى مُسلم , فسار ابن الأشعث حتّى وصل الدّار , ولـمّا سمعت المرأة صهيل الخيل وقعقعة اللجم , أقبلت إلى مُسلم وأخبرته بذلك , فلبس درعه وشدّ وسطه وجعل يدير عينيه ، فقالت المرأة : ما لي أراك تهيأت للموت ؟ فقال : ما طلبه القوم غيري , وأنا أخاف أن يهجموا عليّ في الدّار ولا يكون لي فسحة ولا مجال .ثمّ إنّه عمد إلى الباب وخرج إلى القوم , فقاتلهم قتالاً عظيماً حتّى قتل منهم خلقاً كثيراً , فلمّا نظر ابن الأشعث إلى ذلك , أنفذ إلى ابن زياد يستمدّه بالخيل والرّجال , فانفذ إليه ابن زياد يقول : ثكلتك اُمّك ! رجل واحد يقتل منكم هذه المقتلة العظيمة , فكيف لو أرسلتك إلى مَن هو أشدّ منه قوة وبأساً ؟! (يعني الحُسين) فبعث إليه الجواب : عساك أرسلتني إلى بقّال من بقاقيل الكوفة أو إلى جرمقان من جرامقة الكوفة , وإنّما أرسلتني إلى سيف من أسياف مُحمّد بن عبد الله.فلمّا بلغ ذلك ابن زياد , أمدّه بالعسكر الكثير , فلمّا رأى مُسلم ذلك , رجع إلى الدّار وتهيأ وحمل عليهم حتّى قتل كثيراً منهم , وصار جلده كالقنفذ من كثرة النّبل ,

فبعث [ابن الأشعث](١) إلى ابن زياد يستمدّه بالجند والرّجال , فأرسل إليه بذلك وقال لهم : يا ويلكم ! أعطوه الأمان وإلّا أفناكم عن آخركم .فنادوه بالأمان ، فقال لهم : لا أمان لكم يا أعداء الله وأعداء رسوله .ثمّ حمل عليهم فقاتلهم , ثمّ إنّهم احتالوا عليه وحفروا له حفرة عميقة في وسط الطّريق , وأخفوا رأسها بالدّغل والتّراب , ثمّ انطردوا بين يديه , فوقع بتلك الحفرة وأحاطو به , فضربه ابن الأشعث على محاسن وجهه , فلعب السّيف في عرنين أنفه ومحاجر عينيه , حتّى بقيت أضراسه تلعب في فمه , فأوثقوه وأخذوه إلى ابن زياد , فنظر مُسلم إلى برادة هُناك فيها ماء وكان له يومان ما شرب الماء , فقال لِمَن يليها : اسقني ماء والجزاء على الله تعالى وعلى رسوله .فرفع إليه البرادة , فلمّا تناولها منه , ردّها إليه وقال : خذها لا حاجة لي فيها .ثمّ أدخلوه إلى ابن زياد , فقال له القوم : سلّم على الأمير .فقال : السّلام على مَن اتبع الهُدى وخشي عواقب الرّدى وأطاع الملك الأعلى .فضحك ابن زياد , فقال له بعض الحجبة : أما ترى الأمير يضحك في وجهك , فلِمَ لا تسلّم عليه

____________________

(١) من إضافات المقوم .(معهد الإمامين الحسنين).


بالإمارة ؟ فقال مُسلم : والله , ما لي أمير غير الحُسين بن عليّ (عليه‌السلام ) , وإنّما يُسلّم عليه بالإمارة مَن يخاف منه الموت .ولله درّ من قال من الرّجال :

أصبر لكل مصيبة وتجلد

واعلم بأن المرء غير مخلد

وإذا ذكرت مصيبة تشجى بها

فاذكر مصيبة آل بيت محمّد

واصبر كما صبر الكرام فإنها

نوب تنوب اليوم تكشف في غد

ثمّ إنّ ابن زياد قال له : سواء عليك سلّمت أم لم تسلّم فإنّك مقتول .فقال : إذا كان لا بدّ من قتلي , فلي إليكم حاجة.قالوا : وما هي ؟ قال : أريد رجُلاً قرشياً أوصيه .فنهض عمر بن سعد لعنه الله , فقال له : ما وصيتك ؟ فقال له : إدن منّي .فدنى منه.

فقال له : أوّل وصيتي , فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ مُحمّداً رسول الله , وأنّ عليّاً وليّ الله ووصي رسوله وخليفته في اُمّته.وثانياً : تأخذ درعي تبيعه وتقضي عنّي سبعمائة درهم ؛ استقرضتها منذ دخلت إلى مصركم هذا .[و](١) ثالثاً : أن تكتب إلى سيّدي الحُسين يرجع ولا يأتي إلى بلدكم ؛ فيصيبه ما أصابني , فقد بلغني أنّه توجّه بأهله وأولاده إلى الكوفة.

فقال عمر بن سعد : أمّا ما ذكرت من الشّهادة فكلّنا نشهدها ، وأمّا ما ذكرت من بيع الدّرع وقضاء الدّين , فذلك إلينا إن شئنا قضيناه وإن شئنا لم نقض ، وأمّا ما ذكرت من أمر الحُسين , فلا بدّ أن يقدم علينا ونذيقه الموت غصّة بعد غصّة .ثمّ إنّ ابن زياد سمع بذلك , فقال : قبّحك الله من مستودع سرّاً , وحيث أنّك أفشيت سرّه , فلا يخرج إلى حرب الحُسين غيرك.

ثمّ أمر بمُسلم أن يُصعد به إلى أعلى القصر ويُرمى منه منكساً على رأسه , فعند ذلك بكى مُسلم على فراق الحُسين (عليه‌السلام ), وقال :

جزى الله عنا قومنا شر ما جزى

شرار الموالي بل أعق وأظلم

هم منعونا حقنا وتظاهروا

علينا ورامونا نذل ونرغم

وغاروا علينا يسفكون دماءنا

فحسبهم الله العظيم المعظم

ونحن بنو المختار لا شيء مثلنا

نبي صدوق مكرم ومكرم

قال ثمّ اُلقي من أعلى القصر وعجّل الله بروحه إلى الجنّة .ثمّ إنّهم أخذوا مُسلماً وهانئاً يسحبونهما في الأسواق , فبلغ خبرهما إلى مذحج , فركبوا خيولهم

____________________

(١) من إضافات المقوم .(معهد الإمامين الحسنين).


وقاتلوا القوم , وأخذوهما ودفنوهما رحمة الله عليهما وعذّب قاتليهما بالعذاب الشّديد يوم الوعيد .ولله درّ من قال من الرّجال :

فإن كنت لا تدرين بالموت فانظري

إلى هانئ في السوق وابن عقيل

إلى بطل قد هشم السيف وجهه

وآخر يهوي من طمار قتيل

أصابهما أمر الأمير فأصبحا

أحاديث من يسري بكل سبيل

ترى جسداً قد غير الموت لونه

ونضيح دم قد سال كلّ مسيل

فتى كان أحيى من فتاة حيية

وأقطع من ذي شفرتين صقيل

وأشج من ليث ببطن مسبل

وأجرأ من ليث بغابة غيل

ثمّ إنّ ابن زياد لعنه الله بعث كتاباً إلى يزيد لعنه الله يخبره بقصّتهما , فكتب إليه الجواب يقول : كنت كما أردت وفعلت ما أحببت وصدقت ظنّي فيك , وقد بلغني أنّ الحُسين متوجه إلى العراق , فضع عليه المراصيد واكتب إليّ بما يحدث من الأمور , والسّلام.

فانظروا يا إخواني إلى ما صُنع بأهل الفضل والمعاني , جرّعوهم الكؤوس وأذاقوهم الحتوف , واستأصلوهم طعناً بالرّماح وضرباً بالسّيوف , فيا ويحهم ! كأنّهم لم يخافوا الإنتقام في يوم الحشر والقيامة , ولم يراقبوا الملك العلام ولا برسوله المظلل بالغمام.

وبالله عليكم يا إخواني , لما ترحّمتم على مُسلم بن عقيل وتفكّرتم فيما امتحن الله فيه هذا الجيل , فليس ذلك على سبيل الهوان وإنّما هو على سبيل التّبجيل والتّفضيل , فلو ذابت نفوسكم من الأحزان بذلتم أرواحكم في النّوح والأشجان , لكان ذلك من أقلّ القليل لهذا الخطب الجليل , فيحقّ على مثل هؤلاء الكرام أن يبكي الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة للشيخ الدّرمكي (رحمه‌الله )

قلب المتيم بالأحزان موغور

وطرفه عن لذيذ النوم محجور

ودمعه فوق صحن الخد منحدر

وجسمه بقيود السقم مقهور

وودي الصير منه مقفر خرب

وعمره بالبكاء والنوح معمور


قد عاهد الله إيماناً مغلظة

لا يترك الحزن حتّى ينفخ الصور

حزناً مقيماً مديماً لا على ولد

ولا حبيب ولا أبكاء مخدور

ولا لحسن رياض قد زهت ونمت

وقت الربيع بالزهر تزهير

ولا لنوح حمام الايك إذ سجعت

فوق الغصون لها في النوح تجهير

ولا لطيب الصبا واللهو إذ ذهبا

غداة ذيل حلى البال مجدور

لكن تصرم شهر الحج فاحترقت

أحشاه بالحزن لمـّا هل عاشور

أمثل الأتقياء الأصفياء ومن

لولاهم مارجاً القرآن مأزور

غداة سار ابن سعد بالجيوش إلى

حرب الحُسين له في السير تكبير

من بعد ما وردت بالأمس كتبهم

أقدم فأنت بعون الله منصور

فحين لمـّا دنا من قرب دارهم

مبلغاً ما به بالنص مأمور

ثاروا عليه وحالوا دون مشربه

وأظهروا رشك في الصدر مذخور

فقال يا قوم كفوا عن ضلالتكم

فالكل منا بتقوى الله مأمور

فلا تغركم الدُنيا وزينته

فالخير والشر للإنسان مسطور

إني أحذركم بطش الإله بكم

ومن تقدم بالإنذار معذور

عذرتموني وجددتم عهودكم

فجئت أسعى لمـّا في الكتب مسطور

قالوا له كفّ عن هذا الكلام فما

ينجيك من كيدنا ذا اليوم تعذير

فإن أردت النجا بايع يزيد وإن

تأبى فدمك بالأسياف مهدور

فقال يا قوم إن الله أمرّنا

وما لصاحبكم في الحكم قطمير

وقسمة النّار والجنات في يدنا

وما علينا لخلق الله قط تأمير

قالوا له حكمكم ظلم وطاعتكم سقم

وخذلانكم ما فيه تخسير

فإن أطعت على هونٍ نجوت وإن

تأبى فأنت بحد السيف مقهور

فقال خلوا سبيلي إن لي فكراً

باقي نهاري ولي في الليل تفكير

فامّ منزله والدمع يسبقه

كأنه درر في الخد منثور

فحين لمـّا دجى الليل البهيم وقد

أمسى على وجل والطرف مسهور

دعا بأصحابه جميعاً فاحضرهم

وقال يا قوم ما في الأمر تأخير

إن النواصب قد نامت عيونهم

والبر خال وجنح الليل مستور


من كان منكم يواسينا بمهجته

فأجره ثابت والذنب مغفور

ومن أبى فهو في حل وفي دعة

فما لنا في رقاب النّاس تحجير

فأكثروا بالبكاء والوجد وانتحبوا

وجددوا قولهم والدمع محدور

حاشا وكلا بأن نعطي الظهور معاً

وأنت في عرصات الصف محصور

فالموت لا بد أن نلقي مرارته

فاصدع بما أنت ملزوم ومأمور

فقال لا خيب الرّحمن قصدكم

ولا هفا لكم ذكر ولا نور

يا ليتني كنت ذاك اليوم بينهم

وفي يدي مرهف الخدين مشهور

لله درهم ما كان أصبرهم

كأنهم في الوغى أسد مغاوير

من كلّ محتزم بالصبر مدرع

بالفضل متشح بالخير مذكور

كانوا كأصحاب بدر في الوغا لهم

شأن ومجد وتعظيم وتوفير

لله كم قسموا بالروع من بطل

مجرّب وهو في الهيجاء مذكور

حتى أذيقوا الردى ظلماً على ظمأ

والماء يشربه كلب وخنزير

وأصبح السبط فرداً لا نصير له

وقلبه بلظى الأحزان موغور

إذا دنوا منه أفناهم بصارمه

وإن ولى فله في الدين تبصير

حتى رموه بسهم في مقاتله

فخرّ ملقى له في التراب تعفير

وأدبر المهر ينعاه ويندبه

والسرج منتكس والرمح مكسور

فحين أبصرنه النسوان مختضباً

خرجن كلّ لها في الذيل تعثير

كل تقول فجعنا بالذي فجعت

به البتول وخانتنا المقادير

أين الحُسين يرانا نستغيث فلا

نغاث قد أحكمت فينا الخنازير

واغبرت الأرض والآفاق وانكسفت

شمس النهار ووافى البدر تكوير

وأصبحت عرصات العلم دارسة

وشرد الحق واستعلى المناكير

فحين أبصرته النسوان منجدل

والشّمر يذبحه والسيف مشهور

سقطن كلّ توقيه بمهجته

ودمعنا فوق صحن الخد محدور

والشمر يدفعهم عنه ويوجعهم

ضرباً بوشحهم والنحر منحور

وميز الرأس في كفيه ينظره

الدم منه على زنديه تقطير

لهفي لزينب تنعاه وتندبه

والنحر في يدها والرأس مبتور


يا عارياً كست الأرياح جثته

قميص ترب بدم النحر مزرور

وغسلته الضبا من دم منحره

وشيبه قطنه والترب كافور

ونعشه من قنى الخطى أرفعها

والقبر في قلب من والاه محفور

يا سيّدي ما ترى الأيام حولك

والسجاد يسحب في الأقياد مأسور

وأم كلثوم للأيتام جامعة

وقلبها بسيوف الحزن مشطور

وبينهم فاطمة الصغراء صارخة

وشعرها من وراء الكتف منشور

تقول يا أبتا خلفتنا عبر

وفي بعض ما نالنا النّاس تعبير

من للأرامل والأيتام يا أبتا

وأنت تحت طباق الأرض مقبور

ما كان أطيبنا والشمل مجتمع

ونحن في نعمة والقلب مسرور

تبدل الأمن خوفاً والنعيم شقا

واليسر عسراً وضد الصفو تكبير

ما كنت أحسب أن الدهر يعذرني

وبذل وجهي وهتك الستر مذخور

لا زلت أحذر حتّى صرت في حذري

وحاذر الدهر لم ينفعه تحذير

يعز على البضعة الزّهراء لو نظرت

أولادها الغر كلّ وهو مضرور

كان الحُسين لنا سوراً وقصر حمى

فاليوم هدّم ذاك القصر والسور

يا عمتاه قربوا الأجمال يرتحلوا

والرأس يقدمهم في الرمح مشهور

قومي نودع جثمان الحُسين فقد

حان الرحيل وما للقوم تأخير

فغردت برفيع الصوت عمتها

أما لزلتنا يا قوم تكبير

تسيرونا على الأقتاب عارية

شعثاً عراة لنا في السير تعثير

يا ليت أسماعنا من قبل ذا طرشت

جمعاً وأعيننا من رزئنا عور

بأي وجه تلاقي الله ويلك يا

حادي اتق الله أين الله محذور

فحين لمـّا أتو أرض الشام معاً

نحو اللعين وباب القصر محصور

وأقبلوا بالسبايا والرؤوس معاً

نحو اللعين وباب القصر محصور

فكبروا قال ما هذا فقيل له

رأس الحُسين فأنشأ وهو مسرور

أخذت ثأري بقتلي لابن فاطمة

ظلماً وخالفت ما في الكتب مسطور

فلعنة الله تغشاه ووالده

مخلد في أطباق النّار مدحور

وجاد أجداث آل الـمُصطفى أبداً

غيث مقيم مدى الأيام مهمور


متى نرى الشمس من غرب وقد طلعت

لها شعاع على الآفاق مظهور

والعدل بالأرض والأيام باسمة

والظلم والفسق والطغيان مطمور

أنا العبد الذليل الدرمكي ومن

شخصي على فطرة الإسلام مفطور

صلّى الإله على من حبهم سكن

ومدحهم في جميع الكتب مسطور

الباب الثّاني

أيّها المؤمنون والاُمناء الصّالحون , أجروا مياه العيون من مقرحات الجفون ، على هذا الخطب العظيم والمصاب الجسيم ، خطب يقلّ فيه بذل الأرواح ويهون فيه الضّرب والكفاح ، خطب أبكى الرّسول وأحرق كبد البتول .فواعجباه ممّن تقدّم إليهم بذلك وخاض بنفسه تلك المهالك ! كيف لم تُحفظ فيهم القرابة والنّسب والشّرف والحسب , حتّى تركوا رجالهم بنجيع الدّماء مخضوبة , وأبدانهم على التّراب مسلوبة , ومخدراتهم سبايا منهوبة ؟ فكم من جرم أجترموه وعظيم أمر ارتكبوه ، فما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة رسول الله.

فيا إخواني , كيف لا نبكي عليهم ونحن قلوبنا إليهم ؟ وقد ورد في الخبر عن الإمام الصّادق (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( مَن ذُكرنا عنده فبكى لما أصابنا من نوب الدّهر , غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر )) .فلذلك يجب علينا لبس سراويل الجزع والأشجان وإرسال الدّموع الهتان ، وأن نضجّ ضجيج الثّكلى بين العباد ، ونواسي بهذا التّعداد عليّ بن الحُسين السّجاد ؛ لما روي أنّه بكى على أبيه الحُسين أربعين سنة , وما وضع بين يديه طعام إلّا وبكى ، حتّى قال مولى له : جُعلت فداك يا بن رسول الله ! إنّي أخشى عليك أن تكون من الهالكين .فيقول :( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (١) .ثمّ قال : (( إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلّا وخنقتني العبرة )) :

إن كنت محزوناً فما لك ترقد

هلاّ بكيت لمن بكاه محمد

ولقد بكته في السّماء ملائك

زهر كرام راكعون سجد

والشمس والقمر المنير كلاهما

حول النجوم تباكيا والفرقد

____________________

(١) سورة يوسف / ٨٦.


أنسيت قتل المصطفين بكربلا

حول الحُسين ذبائح لم يلحدوا

فسقوه من جرع الحتوف بمشد

كثر العدو به وقل المسعد

ثم استناحوا الصائنات حواسراً

فالشمل من بعد الحُسين مبدد

كيف السلو وفي السبايا زينب

تدعو بحرقة قلبها يا أحمد

يا جد حولي من يتامى إخوتي

في الذل قد سلبوا القناع وجردوا

يا جد قد منعوا الفرات وقتلوا

عطشاً فليس لهم هناك مورد

يا جد من ثكلي وطول مصيبتي

ولما أعانيه أقوم وأقعد

يا جد لو أبصرتني ورأيتني

والخد منّي بالدماء مخدد

يا جد ذا نحر الحُسين مضرج

بالدم والجسم الشريف مجرد

يا جد ذا صدر الحُسين مرضض

والخيل تنزل من علاء وتصعد

يا جد ذا ابن الحُسين معلل

ومغلل في قيده ومصفد

يرنو لوالده وينظر حاله

وبنو اُميّة في العمى لم يهتدوا

يا جد ذا شمر يروم بفتكه

ذبح الحُسين فأي عين ترقد

ليحوز جائزة الزنيم عليه من

لعن المهيمن ما به يتضهد

حتى إذا أهوى عليه بسيفه

نادى بفاضل صوته يا واحد

يا خالقي أنت الرقيب عليهم

في فعلهم ظلماً وأنت الشاهد

وتعج طوراً بالنبي وآله

وتقول يا جدّه ألا يا أحمد

يا والدي الساقي على الـمُرتضى

نال العدو بنا كما قد مهدوا

يا أمي الزّهراء قومي جددي

وجميع أملاك السّماء لك ينجد

هذا حبيبك بالحديد قتلى مقطع

ومخضب بدمائه مستشهد

والطيبون بنوك قتلى حوله

فوق الصعيد مبضع ومجرد

هذا مصاب ما أصيب بمثله

بشر من المخلوق إلّا واحد

وإليكم من عبدكم ومحبكم

بعض النظام عساه فيه يسعد

صلّى الإله عليكم يا سادتي

ما دام طير في الغصون يغرد

روي عن نقلة الأخبار : أنّ اليوم الذي قُتل فيه مُسلم بن عقيل وهو يوم الثّلاثاء لثمان خلون من ذي الحجّة يوم التّروية ، كان فيه خروج الحُسين من مكّة


إلى العراق بعد أن طاف وسعى وأحلّ من إحرامه وجعل حجّة عمرة مفردة ؛ لأنّه (عليه‌السلام ) لم يتمكّن من إتمام الحج مخافة أن يُبطش به ؛ وذلك لأنّ يزيد لعنه الله أنفذ عمر بن سعد بن العاص في عسكر عظيم , وولاه أمر الموسم وأمره على الحاج كلّه , وكان قد أوصاه بقبض الحُسين (عليه‌السلام ) سرّاً , وإن لم يتمكن منه يقتله غيلة .ثمّ إنّه لعنه الله دسّ مع الحجاج في تلك السّنة ثلاثين رجُلاً من شياطين بني اُميّة , وأمرهم بقتل الحُسين على كلّ حال اتفق , فلمّا علم الحُسين بذلك , حلّ من إحرام الحج وجعلها عمرة مفردة.

وعن بعض النّاقلين : أنّ مُحمّد بن الحنفيّة لمـّا بلغه الخبر : أنّ أخاه الحُسين خارج من مكّة يُريد العراق , كان بين يديه طشت فيه ماء وهو يتوضأ , فجعل يبكي بكاءاً شديداً حتّى سُمع , وكفّ دموعه في الطشت مثل المطر ، ثمّ إنّه صلّى المغرب ثمّ سار إلى أخيه الحُسين , فلمّا صار إليه , قال له : يا أخي , إنّ أهل الكوفة قد عرفت غدرهم ومكرهم بأبيك وأخيك من قبلك , وإنّي أخشى عليك أن تكون حالك كحال من مضى من قبلك , فإن أطعت رأيي , قم بمكّة وكُن أعزّ مَن في الحرم المشرّف.

فقال : (( يا أخي , إنّي أخشى أن تغتالني أجناد بني اُميّة في حرم مكّة , فأكون كالذي يُستباح دمه في حرم الله )) .فقال : يا أخي , فسر إلى اليمن فإنّك أمنع النّاس به .فقال الحُسين : (( والله يا أخي , لو كنت في جحر هامة من هوام الأرض , لاستخرجوني منه حتّى يقتلوني )) .ثمّ قال : (( يا أخي سأنظر فيما قُلت )).

قال : فلمّا كان وقت السّحر , عزم الحُسين على الرّحيل إلى العراق , فجاءه أخوه مُحمّد بن الحنفيّة وأخذ بزمام ناقته التي هو راكبها ، وقال : يا أخي , ألم تعدني النّظر فيما أشرت به عليك ؟ فقال : (( بلى )) .قال : فما حداك على الخروج عاجلاً ؟ فقال : (( يا أخي , إنّ جدّي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أتأني بعدما فارقتك وأنا نائم , فضمّني إلى صدره وقبّل ما بين عيني وقال : يا حُسين يا قُرّة عيني , اخرج إلى العراق , فإنّ الله عزّ وجلّ قد شاء أن يراك قتيلاً مخضّباً بدمائك )) .فبكى ابن الحنفيّة بكاءاً شديداً , وقال له : يا أخي , إذا كان الحال هكذا , فما معنى حملك هذه النّسوة وأنت ماض إلى القتل ؟ فقال : (( يا أخي , قد قال لي جدّي أيضاً : إنّ الله عزّ وجلّ قد شاء أن يراهم سبايا مهتكات يسقن في أسر الذّل , وهن أيضاً لا يفارقنني ما دمت حيّاً )) .فبكى ابن الحنفيّة بكاءاً شديداً وجعل يقول : أودعتك الله


يا حُسين , في وداعة الله يا حُسين.

ونُقل : أنّه لمـّا خرج من مكّة , اعترضه رسول عمر بن سعد وفيهم يحيى بن سعيد ليردّوه , فأبى عليهم , وتدافع الفريقان وتضاربوا بالسّياط , ثمّ امتنع عليهم الحُسين امتناعاً شديداً ومضى لوجهه , فنادوه وقالوا : يا حُسين , ألا تتقي الله تخرج من الجماعة وتفرّق بين هذه الاُمّة ؟ فقال لهم : (( لي عملي ولكم عملكم , أنتم بريئون ممّا أعمل وأنا بريء ممّا تعملون )).

وروي عن الطّرماح بن حكيم , قال : لقيت حُسيناً وقد امترت لأهلي ميرة ، فقلت : اذكر الله في نفسك , لا يغرّنك أهل الكوفة , والله إن دخلتها لتقتُلن , وأنّي أخاف أن لا تصل إليها , فإن كنت مجمعاً على الحرب , فانزل أجاء فإنّه جبل منيع , والله ما لنا فيه ذلّ قط , وعشيرتي جميعاً يرون نصرتك ما أقمت فيهم .فقال : (( إنّ بيني وبين القوم موعداً أكره أن أخلفها , فإن يدفع الله , فقديماً ما أنعم علينا وكفى , وإن يكن ما لا بدّ منه , ففوز وشهادة إن شاء الله )) .ومضى لوجهه.

ونُقل أيضاً : أنّ الحُسين (عليه‌السلام ) لمـّا عزم على الخروج إلى العراق من المدينة , جاءت إليه اُمّ سلمة - زوجة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - وقالت له : يا بُني , لا تحزّني بخروجك إلى العراق فإنّي سمعت من جدّك رسول الله يقول : (( يُقتل ولدي الحُسين بأرض العراق في أرض يُقال لها كربلاء )) .فقال : (( يا اُمّاه , وأنا والله أعلم ذلك , وإنّي مقتول لا محالة وليس لي من هذا بدّ, وإنّي والله لأعرف اليوم الذي اُقتل فيه وأعرف مَن يقتلني وأعرف البقعة التي اُدفن فيها , وإنّي أعرف من يُقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي , وإن أردت يا اُمّاه أريتك حفرتي ومضجعي ومكاني )) .ثمّ أشار بيده الشّريفة إلى جهة كربلاء , فانخفضت الأرض حتّى أراها مضجعه ومدفنه وموضع معسكره وموقفه ومشهده كما هو الآن , وهي من بعض فضائله صلوات الله وسلامه عليه.

فعند ذلك بكت اُمّ سلمة بكاءاً عظيماً وسلّمت أمرها إلى الله تعالى .فقال لها : (( يا اُمّاه , قد شاء الله عزّ وجلّ أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظُلماً وعدواناً , وقد شاء الله أن يرى حرمي ورهطي ونسائى مسبيين مشرّدين , وأطفالي مذبوحين مظلومين مأسورين مقيّدين , وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا مُعيناً ))

:فداؤك روحي يا حسين وعترتي

وأنت عفير في التراب جديل

وجسمك عريان طريح على الثرى

عليك خيول الظّالمين تجول

بناتك تسبى كالإماء حواسرا

وسبطك ما بين العداة قتيل


ثمّ إنّ الحُسين (عليه‌السلام ) بعدما توجّه إلى العراق , كتب كتاباً إلى أهل العراق يقول فيه : (( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : من الحُسين بن عليّ إلى إخوانه المؤمنين ، سلام عليكم , وإنّي أحمد الله إليكم الذي لا إله إلّا هو , أمّا بعد : فإنّ كتاب مُسلم بن عقيل أتاني يخبرني بحسن رأيكم واجتماع ملّتكم على نصرتنا والطّلب بحقّنا , فسألت الله أن يحسن لنا ولكم الصّنيع وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر ، وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثّلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة يوم التّروية , فإذا قدم عليكم رسولي , فاكتموا أمركم وخذوا حذركم , فإنّي قادم عليكم في أيّامي هذه إن شاء الله تعالى , والسّلام )).

فلمّا أقبل الرّسول بالكتاب , اعترضه الحصين بن نمير وبعث به إلى ابن زياد , فاستخرج الكتاب فلم يقبل تسليمه إليه ومزّقه ولم يمكّنه منه , فقال ابن زياد : من أنت ؟ قال : أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين .قال : ممّن الكتاب وإلى مَن ؟ قال : من الحُسين إلى أهل الكوفة .فغضب ابن زياد , فقال له : اصعد على المنبر وسب الكذّاب ابن الكذّاب الحُسين بن عليّ .قال : لمـّا صعد المنبر : حمد الله وأثنى عليه وقال : أيّها النّاس , إنّ هذا الحُسين بن عليّ خير خلق الله ابن فاطمة الزّهراء بنت رسول الله , وأنا رسوله إليكم وقد فارقته بالحجاز , فأجيبوه .ثمّ لعن عُبيد الله ابن زياد وأباه واستغفر لعليّ بن أبي طالب.

قال : فأمر ابن زياد بأن يُلقى من أعلى القصر .ففُعل به فمات من ساعته وعجّل الله بروحه إلى الجنّة.

قال الرّاوي : فبينما الحُسين في المسير , إذ طلع عليه ركب مقبلون من الكوفة وفيهم هلال بن نافع البجلي وعمرو بن خالد, فسألهما عن النّاس , فقال : أمّا الأشراف فقد استمالهم ابن زياد بالأموال ، وأمّا باقي النّاس فقلوبهم معك وسيوفهم عليك .وبلّغاه الخبر عن مُسلم بن عقيل وهانئ بن عروة أنّهما قُتلا .فقال : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون )) .ثمّ قال للركب : (( ولكم عِلم برسولي ؟ )) .قالوا : نعم ، قتله ابن زياد .فاسترجع وبكى ، وقال : (( جعل الله له الجنّة ثواباً , اللّهمّ اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً إنّك على كل شيء قدير )) .ثمّ إنّه (عليه‌السلام ) قام خطيباً بالنّاس وقال : (( إنّه قد نزل بنا من الأمر ما ترون , وإنّ الدُنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها , ولم يبق منها إلّا صبابة كصبابة


الإناء , ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به وإلى الباطل لا يُنتهى عنه , ليرغب المؤمنين في لقاء الله محقّاً , ولا يرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظّالمين إلّا برماً ))(١) .ثمّ سار (عليه‌السلام ) إلى نصف النّهار , فرقد واستيقظ وقال : (( رأيت هاتفاً يقول : أنتم تسيرون والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة )) .فقال له ابنه : يا أبتاه , ألسنا على الحقّ ؟ قال : (( يا بُني , أي والذي مرجع العباد إليه )).قال : إذاً لا نُبالي بالموت .ثمّ أنّه (عليه‌السلام ) سار حتّى أتى إلى موضع يُقال له زبالة , فنزل بها وخطب النّاس فقال : (( أيّها النّاس , إنّما جمعتكم على أنّ العراق لي(٢) وقد أتاني خبر فظيع عن ابن عمّي مُسلم , يدلّ على أنّ شيعتنا قد خذلتنا , فمَن كان منكم يصبر على حرّ السّيوف وطعن الأسنّة فليتم معنا , وإلّا فلينصرف عنّا )).

قال : فجعل القوم يتفرّقون يميناً وشمالاً حتّى لم يبق معه من أهل بيته ومواليه نيف وسبعون رجلاً , وهم الذين خرجوا معه من مكّة , فساربهم إلى الثّعلبية , فاعترضهم الحرّ بن يزيد الرّياحي قادماً من نحو القادسية في أربعة آلاف فارس ، فلم يزل الحرّ يساير الحُسين حتّى جاء وقت الظّهر , فخرج وصلّى بالنّاس وقال : (( أيّها النّاس , المعذرة إلى الله وإليكم , اعلموا أنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم بـ : أنّ لك ما لنا وعليك ما علينا .فإن كنتم على ذلك فقد أتيتكم , وإن كنتم كارهين لقدومي انصرفت عنكم )) .فقال له الحرّ : لا نعرف ما تقول ولا نعرف من كتب إليك ولا من أرسل , وإنّما اُمرنا أن لا نفارقك إلّا عند عُبيد الله بن زياد .فقال الحُسين : (( يا ويلك ! الموت أدنى إليكم من ذلك )) .ثمّ إنّه (عليه‌السلام ) همّ بالرّجوع , فمنعه الحرّ أشدّ المنع , فلمّا كثر بينهم الخطاب , قال الحرّ : فإذا أبيت ذلك , فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يرجع بك إلى المدينة.

قال : فسار الحُسين (عليه‌السلام ) والحرّ يساره حتّى انتهى إلى قصر بني مقاتل , وإذا بفسطاط مضروب , فقال (عليه‌السلام ) : (( لِمَن هذا السّفطاط ؟ )) .فقيل : لرجل يقطع الطّريق .فأرسل الحُسين إليه , فقال له : (( يا هذا , إنّك قد جمعت على نفسك ذنوباً كثيرة , فهل لك من توبة تمحّص بها عنك الذّنوب ؟ )) .قال : فماذا ؟ قال : (( تنصر ابن بنت رسول الله )) .فقال : والله , ما خرجت من الكوفة إلّا خوفاً أن تقدم إليها , فأكون أوّل من يحاربك مع ابن زياد , ولكن هذه فرسي وهذا سيفي واعفني من ذلك .فأعرض عن الحُسين , فقال : (( إذا بخلت بنفسك , فلا حاجة لنا في مالك )) .وتلا هذه الآية :( وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ) (٣) .

____________________

(١) هكذا ورد في هذا الكتاب , ولكن الوارد في مناقب آل أبي طالب : ٣/٢٢٤, وفي غيره من الكتب هو : (( قد نزل ما ترون من الأمر , وأنّ الدّنيا قد تنكّرت وتغيّرت وأدبر معروفها , واستمرّت حتّى لم يبق منها إلا كصبابة الإناء ، وإلا خسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون الحقّ لا يُعمل به ، والباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء الله ، وإنّي لا أرى الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظّالمين إلا برما )) .(معهد الإمامين الحسنين).

(٢) هكذا موجود في الكتاب .(معهد الإمامين الحسنين).

(٣) سورة الكهف / ٥١.


قال : سمعت جدّي رسول الله يقول : (( مَن سمع نداء أهل البيت ولم يجبه , أكبّه الله على منخريه في النّار )) .ثمّ إنّه سار (عليه‌السلام ) فلمّا فارقه الرّجل , ندم على ما فاته من نصرة الحُسين.

قال : فبينما هم يسيرون , وإذا براكب على نجيب قد أقبل من نحو الكوفة , فلمّا وصل , سلّم على الحرّ ولم يُسلّم على الحُسين , ثمّ دفع إلى الحرّ كتاباً من ابن زياد يأمره فيه بالتّعجيل , فساروا جميعاً إلى أن انتهوا [إلى](١) أرض كربلاء , إذ وقف الجواد الذي تحت الحُسين ولم ينبعث من تحته , وكلّما حثّه على المسير لم ينبعث خطوة واحدة , فنزل عنه وركب غيره فلم ينبعث خطوة واحدة ، فقال الإمام (عليه‌السلام ) : (( يا قوم , ما يُقال لهذه الأرض ؟ )) .فقالوا : نينوي .فقال : (( هل لها اسم غير هذا ؟ )) .قالوا : نعم , شاطئ الفُرات .فقال : (( هل لها اسم غير هذا ؟ )) .قالوا : نعم ، تُسمّى كربلاء .فعند ذلك تنفّس الصُعداء ، فقال : (( هذه والله كرب وبلاء , وههنا والله تُرمّل النّسوان وتُذبح الأطفال , وههنا والله تُهتك الحريم , فانزلوا بنا يا كرام , فههنا محلّ قبورنا , وههنا والله محشرنا ومنشرنا , وبهذه أوعدني جدّي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ولا خلف لوعده ! )) .ثمّ إنّه نزل عن فرسه وجلس بعد ذلك يصلح سيفه وهو يقول :

يا دهر أف لك من خليلي

كم لك بالإشراق والأصيل

من طالب وصاحب قتيل

والدهر لا يقنع بالبديل

وكل حي سالك سبيلي

ومنتهى الأمر إلى الجليل

ولم يزل يكرّر هذه الأبيات حتّى سمعت أخته زينب , فوثبت تجرّ ذيلها حتّى انتهت إليه , وقالت له : يا أخي وقرّة عيني , ليت الموت أعدمني الحياة يا خليفة الماضين وثمال الباقين , هذا كلام مَن أيقن بالموت , وا ثكلاه ! اليوم مات جدّي مُحمّد الـمُصطفى وأبي عليّ الـمُرتضى واُمّي فاطمة الزّهراء وأخي الحسن الرّضي.

قال لها : (( يا أختاه , لا يذهب بحلمك الشّيطان تعزّي بعزاء الله , فإنّ أهل السّماء والأرض يموتون , وكلّ شيء هالك إلّا وجهه ، أبي خير منّي وأخي خير منّي ولكلّ مسلم برسول الله أسوة )) .فقالت : يا أخي , تُقتل وأنا أنظر إليك ؟ فردت غصته وتغرغرت عيناه بالدّموع .فقالت : يا أخي , ردنا إلى حرم جدّنا .فقال : (( لو ترك القطا لغفا ونام )) .قالت : والله يا أخي , لا فرحت بعدك أبداً .ثمّ إنّها

____________________

(١) من إضافات المقوم .(معهد الإمامين الحسنين).


لطمت وجهها وأهوت إلى جيبها فشقّته وخرّت مغشية عليها , ثمّ قام الحُسين إليها وقال لها : (( يا أختاه , بحقّي عليك إذا أنا قُتلت فلا تشقّي عليّ جيباً ولا تخمشي وجهاً ولا تدعين بالويل والثّبور )) .ثمّ حملها حتّى أدخلها الخيمة , ثمّ خرج إلى أصحابه وأمرهم أن يقرّبوا البيوت بعضها إلى بعض , ففعلوا ذلك.

ثمّ إنّ ابن زياد لعنه الله نادى في عسكره : معاشر النّاس , مَن يأتيني برأس الحُسين وله الجائزة العُظمى , وأعطه ولاية الرّي سبع سنين ؟ فقام إليه عمر بن سعد لعنه الله , وقال : أصلح الله الأمير .وقال : امض إليه وامنعه من شرب الماء وآتني برأسه.فقال : أيّها الأمير أخّرني شهراً .قال : لا أفعل .قال : ليلتي هذه .قال : قد فعلت .ثمّ نهض من وقته وساعته ودخل مضربه ، فدخل عليه أولاد المهاجرين والأنصار وقالوا له : يابن سعد , تخرج إلى حرب الحُسين وأبوك سادس الإسلام ! فقال : لست أفعل ذلك .ثمّ جعل يفكّر في مُلك الرّي وقتل الحُسين , فأضلّه الشّيطان وأعمى قلبه فاختار قتل الحُسين (عليه‌السلام ) وملك الرّي , واستعدّ للحرب ومدّ العساكر إلى أن تكمّلت عشرين ألفاً , فضيّقوا على الحُسين وأصحابه.

ثمّ إنّ الحُسين قام متكئاً على سيفه وقال : (( أمّا بعد , أيّها النّاس , انسبوني مَن أنا وراجعوا إلى أنفسكم فعاتبوها ؟ هل يحلّ لكم سفك دمي وانتهاك حُرمي ؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن عمّه أولى النّاس بالمؤمنين من أنفسكم(٢) ؟ أو ليس حمزة سيّد الشّهداء عمّ أبي ؟ أو لم يبلغكم قول رسول الله فيّ وفي أخي ؟ سلوا زيد بن أرقم وجابر بن عبد الله الأنصاري وسهل بن سعد السّاعدي وأنس بن مالك , يخبروكم عن هذا القول ؟ فإن كنتم تشكّون إنّي ما أنا ابن بنت نبيكم , فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري , والله , ما تعمدت الكذب منذ نشأت وعرفت أنّ الله يمقت الكذب وأهله , هل تطالبونني بقتل منكم قتلته أو بمال استهلكته أو بقصاص من جراحة ؟ )) .فسكتوا.

فلمّا كان اليوم التّاسع من الـمُحرّم , دعاهم عمر بن سعد إلى المحاربة , فأرسل الحُسين (عليه‌السلام ) أخاه العبّاس يلتمس منهم التّأخير في تلك الليلة ، فقال أبن سعد للشمر : ما تقول ؟ فقال : أمّا أنا , فلو كنت الأمير لم أنظره .فقال عمر بن سلمة(٢) : سبحان الله , والله لو كانوا من التّرك أو الدّيلم وسألوك هذا , ما كان لك أن تمنعهم , فيحنئذٍ أمهلهم .فكان لهم في تلك الليلة دويّ كدوي

____________________

(١) هكذا ورد في هذا الكتاب , ولكن الوارد في الإرشاد للشيخ المفيد ٢/٩٧ , وغيره هو : ثمّ قال : أمّا بعد , فانسبوني فانظروا مَن أنا ، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها ، فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيّكم وابن وصيه وابن عمّه , وأوّل المؤمنين المصدّق لرسول الله بما جاء به من عند ربّه ؟ ...(معهد الإمامين الحسنين).

(٢) ورد في كتاب الفتوح لأحمد بن أعثم الكوفي ٥/٩٨.: فقال رجل من أصحابه يُقال له عمرو بن الحجاج : ...(معهد الإمامين الحسنين).


النّحل من الصّلاة والتّلاوة.

ثمّ إنّ الحُسين جمع أصحابه فحمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال : (( أمّا بعد ، لا أعلم أنّ أصحاباً أوفى ولا أخير من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عنّي خيراً ، ألا وإنّي قد أذنت لكم فانطلقوا فأنتهم في حلّ ليس عليكم منّي ذمام ، وقد غشيكم الليل فاتخذوه ستراً جميلاً )) .فقال له إخوته وأبناؤه وأبناء عبد الله بن جعفر : لا نفعل ذلك ولا نبقى بعدك , لا أرانا الله ذلك أبداً .فدعا لهم العبّاس وإخوته ثمّ بايعوه , وقال لبني مُسلم بن عقيل : (( حسبكم من القتل ما تقدّم في مُسلم , اذهبوا فقد أذنت لكم )) .قالوا : لا والله لا نفارقك أبداً حتّى نضرب بسيوفنا ونُقتل بين يديك.

ثمّ إنّ الحُسين ركب فرسه وتهيّأ للقتال ، ثمّ إنّ القوم أقبلوا يزحفون نحو الحُسين , فرمى عمر بن سعد إلى أصحاب الحُسين سهماً , وقال : اشهدوا لي عند الأمير إنّي أوّل مَن رمى .فقال الحُسين لأصحابه : (( قوموا إلى الموت الذي لا مفرّ لكم عنه )).فنهضوا جميعاً والتقى العسكران وامتاز الرّجال من الفرسان , واشتدّ الجدال بين العسكرين إلى أن علا النّهار , فاشتدّ العطش بالحُسين وأصحابه , فدعا بأخيه العبّاس وقال له : (( اجمع أهل بيتك واحفر بئراً )) .ففعلوا ذلك فطمّوها ثمّ حفروا أُخرى فطمّوها , فتزايد العطش عليهم .فقال العبّاس لأخيه الحُسين : يا أخي , ما ترى ما حلّ بنا من العطش , وأشدّ الأشياء علينا عطش الأطفال والحرم ؟ فقال الإمام (عليه‌السلام ) : (( امض إلى الفُرات وآتنا بشيء من الماء )) .فقال : سمعاً وطاعة .فضمّ إليه رجالاً وسار حتّى أشرفوا على المشرعة , فوثبوا عليهم الرّجال وقالوا لهم : ممّن القوم ؟ قالوا : نحن من أصحاب الحُسين .قالوا : وما تصنعون ؟ قالوا : فقد كضّنا العطش , وأشدّ ذلك علينا عطش الحرم والأطفال .فلمّا سمعوا ذلك , حملوا عليهم فمنعوهم ، فحمل عليهم العبّاس فقتل منهم رجالاً وجدّل أبطالاً حتّى كشفهم عن المشرعة , ونزل فملأ قربته ومدّ يده ليشرب , فتذكّر عطش الحُسين (عليه‌السلام ) , فنفض يده وقال : والله لا ذقت الماء وسيّدي الحُسين عطشان .ثمّ صعد المشرعة فأخذه النّبل من كلّ مكان حتّى صار جلده كالقنفذ من كثرته , فحمل عليه رجل من القوم فضربه ضربة قطع بها يمينه , فأخذ السّيف بشماله فحمل عليه آخر فقطعها , فانكبّ وأخذ السّيف بفمه , فحمل عليه رجل فضربه بعمود من حديد على رأسه ففلق هامته , فوقع على


الأرض وهو يُنادي : يا أبا عبد الله عليك منّي السلام ! فلمّا رأى الحُسين أخاه وقد انصرع , صرخ : (( وا أخاه ! وا عبّاساه مهجة قلباه ! يعزّ والله عليَّ فراقك )) .ثمّ حمل على القوم وكشفهم عنه , ثمّ نزل إليه فحمله على ظهر جواده , وأقبل به إلى الخيمة فطرحه وهو يبكي حتّى أغمي عليه .ولله درّ مَن قال :

أحق الناس أن يبكى عليه

فتى أبكى الحُسين بكربلاء

أخوه وابن والده عليّ

أبو الفضل المضرج بالدماء

ومن ساواه لا يثنيه شيء

وجادله على ظمأ بماء

ومن قال أيضاً :

وما زال في حرب الطغاة مجاهداً

إلى أن هوى فوق الصعيد مجدلا

وقد رشقوه بالنبال وخرقوا

له القربة الماء الذي كان قد ملا

فنادى حسيناً والدموع هوامل

أيا ابن أبي قد خاب ما كنت آملا

عليك سلام الله يا بن مُحمّد

على الرغم منّي يا أخي نزل البلا

فلما رآه السبط ملقى على الثرى

يعالج كرب الموت والدمع أهملا

فجاء إليه والفؤاد مقرح

ونادى بقلب بالهموم قد امتلا

أخي كنت عوني في الأمور جميعها

أبا الفضل يا من كان للنفس باذلا

يعز علينا أن نراك على الثرى

طريحاً ومنك الوجه أضحى مرملا

عليك من الرحمن ألف تحية

فقدرك عندي يا أخي الآن قد علا

فأبشر بجنات من الله في غد

وبالحور والولدان والفوز والعلى

روي : أنّه لمـّا قُتل العبّاس , تدافعت الرّجال على أصحاب الحُسين (عليه‌السلام ) , فلمّا نظر ذلك , نادى : (( يا قوم , أما من مجير يجيرنا ؟ أما من مغيث يغيثنا ؟ أما من طالب حقّ فينصرنا ؟ أما من خائف من النّار فيذّب عنّا ؟ أما من أحد يأتينا بشربة من الماء لهذا الطّفل ؛ فإنّه لا يطيق الظّمأ ؟ )) .فقام إليه ولده الأكبر - وكان له من العمر سبعة عشر سنة - فقال : أنا آتيك بالماء يا سيّدي .فقال : (( امض بارك الله فيك )) .قال : فأخذ الرّكوة بيده ، ثمّ اقتحم الشّريعة وملأ الرّكوة وأقبل بها نحو أبيه , فقال : يا أبة , الماء لِمَن طُلب , اسق أخي وإن بقى شيء فصبه علىَّ , فإنّي والله عطشان .فبكى الحُسين


وأخذ ولده الطّفل فأجلسه على فخذه , وأخذ الرّكوة وقرّبها إلى فيه ، فلمّا همّ الطّفل أن يشرب , أتاه سهم مسموم فوقع في حلق الطّفل , فذبحه قبل أن يشرب من الماء شيئاً , فبكى الحُسين ورمى الرّكوة من يده ونظر بطرفه إلى السّماء ، وقال : (( أللّهمَّ أنت الشّاهد على قوم قتلوا أشبه الخلق بنبيّك وحبيبك ورسولك )) :

والله ما لي أنيس بعد فرقتكم

إلّا البكاء وقرع السن من ندم

ولا ذكرت الذي أبدى الزمان لكم

إلّا جرت أدمعي ممزوجة بدمي

ثمّ إنّه اشتدّ القتال بين الفريقين حتّى قتل مقتلة عظيمة ورجع إلى أبيه يستغيث من العطش , فقال له : (( اصبر قليلاً حتّى تلقى جدّك أمير المؤمنين فيسقيك بكفّه شربة لا ظمأ بعدها )) .فرجع وحمل عليهم فقتل مقتلة عظيمة , ثمّ كمن له ملعون من أصحاب عمر بن سعد , فضربه ضربة على مفرق رأسه فانصرع فنادى : يا أباه , هذا جدّي مُحمّد الـمُصطفى , وهذا جدّي عليّ الـمُرتضى , وهذه جدّتي فاطمة الزّهراء , وهذه جدّتي خديجة , وهم إليك مشتاقون .فأقبل الحُسين وفرّق القوم عنه وصاح بأعلى صوته , فتصارخن النّساء , فقال لهن الحُسين : (( اسكتن , فإنّ البكاء أمامكن )) .فأخذ رأس ولده ووضعه في حجره, وجعل يمسح الدّم عن وجهه وهو يقول : (( قتلوك يا بني , ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرم رسول الله , قتل الله قوماً قتلوك يا بني )) .واغرورقت عيناه بالدّموع.

قال مَن شهد الوقعة : كأنّي أنظر إلى امرأة خرجت من فسطاط الحُسين وهي كالشّمس الزّاهرة وهي تُنادي : وا ولداه ! وا قرّة عيناه ! فقلت : مَن هذه ؟ قالوا : زينب بنت عليّ.

فانظروا يا إخواني إلى أهل المكر والعناد , كيف حملهم الغل الكامن في الفؤاد على قتل أولاد الرّسول وثمرة فؤاد الزّهراء البتول, فتركوهم مصرعين على الرّمال في أذلّ الأحوال غير مراقبين فيهم ذا الجلال ، رؤوسهم في أعالي الرّماح وأجسادهم شاحبة تسفى عليها الرّياح ، فهم ما بين قتيل يجري منه الصّديد وأسيراً مكبّل بالحديد.

فيا عيوني سحّي دموعاً ويا فؤادي ذبّ كمداً وخشوعاً , فيحقّ على هؤلاء الأطائب أن يبكي الباكون ويندب النّادبون وتذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :


القصيدة لسيف بن عمير (رحمه‌الله )

جل المصاب بمن أصبنا فاعذري

يا هذه ، وعن الملامة فاقصري

أفما علمت بأن ما قد نالنا

رزء عظيم مثله لم يذكر

رزء عظيم لا يقاس بمثله

رزء فلم تسمع به أو تبصر

رزء به عشر الإله مصابه

والشمس كاسفة ولما تزهر

رزء النّبي الـمُصطفى ومصيبة

جلت لدى الملك المجليل الأكبر

رزء الحُسين الطهر أكرم من برى

بارىء الورى من سوقة ومؤمر

من جدّه الهادي النّبي الـمُصطفى

وأبوه حيدرة عظيم المفخر

والبضعة الزّهراء فاطم أمه

حوراء طاهرة وبنت الأطهر

فأحق سبط الـمُصطفى وحبيبه

هذا الشبير وصنو ذاك الشبر

فأحق أن يرثى وأن نبكي له

بتفجع وتوجع وتحسر

وأحق من ألف ناء أو دمنة

درست معالمها بسطح المجحر

هذا الحُسين ملقى بشاطىء كربلاء

ظمآن دامي الخد ثمّ المنحر

عار بلا كفن ولا غسل سوى

مور الرياح ثلاثة لم يقبر

مقطوع رأس هشمت أضلاعه

وكسير ظهر كسره لم يجبر

ومباعد عن داره وحماته

ومنازل بحجوفها والمشعر

ويظام مضطهداً غريباً نازحاً

نائي المزار بذلة لم ينصر

ويذاد عن ماء الفرات ووردها

ذود البعير لخمسة لم يصدر

ويداس بعد ركوبه خير الورى

بحوافر وسنابك وبعسكر

ودق ثغر كان أحمد لم يزل

عن لثمه في الخد غير مفتر

وحريمه من حوله وحماته

ماتوا ضمأ فورودهم من كوثر

لم ينثنوا من نصره حتّى غدوا

أيدي سبا في سوء حال منكر

ما بين مضروب بأبيض صارم

أو بين مطعون بلدن أسمر

أو بين مسحوب ليذبح بالعرى

أو بين مشهور وآخر موسر

أو بين من يكبو لثقل قيوده

أو بين مغلول اليدين معفر

ورضيع حول بالحسام فطامه

وصغير سن عن أذى لم يكبر


هذا وزين العابدين مكتفاً

بالقيد بين عصابة لم تنظر

قد أثخنوه بضربهم وبقيدهم

قد أوثقوه فكان كالمتضور

فكأن مولاي الحُسين وقد غدا

متأهباً لقتالهم لم يحذر

ذو لبدة عز المعين مجاهداً

ثبت الجنان أشد كل غضنفر

يغشى النزال ولا يزال محامياً

حتّى رماه سهم رجس أبتر

فهوى الصعيد مجدلاً ومعفراً

ثبت الجنان أشد كل غضنفر

يدعو الإله ويستغيث بجده

في حاله المستضعف المستنصر

يومي إلى نحو الخيام وتارة

نحو العدو كخائف متحذر

فكأنما قد ألبسوه من الظبا

ثوبين بين معصفر ومزعفر

وأتاه أشقاها لقطع كريمه

ولحز أوداج وقطع الأبهر

لم يدر ذاك الرجس أي عظيمة

أم أي داهية أتى أم منكر

لما ابان الرأس بان به الهدى

وعلا الظلام على الضياء الأزهر

وهوى إلى السفل الحضيض مكرم

والظلم شاد وساد كل مغشمر

والجن ناحت شجوة في أرضها

والغيث غاض ماء الأبحر

وعليه أمطرت السّماء وقبله

يحيي دماً وسواهما لم تمطر

وهوى يدور الأُفق في أفلاكها

فكأنها من قبله لم تبدر

وكأنها أفلاكها في كربلاء

أو كربلاء صارت فريق المنبر

يا كربلاء حويت ما لم تحوه

أرض السواك من الضياء النير

غيبت بطن الأرض منك معظماً

وغدوت تفتخري بكل غنضفر

كنت مجازاً ثمّ صرت حقيقة

بين البلا والكرب للمتبصر

ومن العجائب بعد قتل المجتبى

بدع وأحداث لنسل الأطهر

نسل النّبي الـمُصطفى وحريمه

تسبى كما تسبى بنات الأصفر

ويشهرون ويسلبون مدارعاً

ومقانعاً من بعد سلب المعجر

ويسيرون على المطايا كالإماء

أسرى كأنهم لأسرة قيصر

شعثا مثاكيل عطاشى جوعا

أسرى كأنهم لأسرة قصير

ويصغرون ويشتمون عداوة

بأوامر من كافر متجبر


لم أنس زينب وهي حسرى حائر

في نسوة متبرجات حسر

تمشي إلى نحو الحُسين وتشتكي

ما نالها من ظلم ذاك المعشر

تدعو وتندب يا ثمال أرامل

وربيع أيتام أطفال صغر

يا بن النّبي الـمُصطفى خير الورى

وابن البتولة والإمام الأطهر

قد جل رزؤك يا أخي وجل ما

ألقاه من ثكل وطول تضرر

أأخي رزؤك ملبسي ثوب الضنا

ومغيراً جسمي بلون أصفر

أأخي مذ فارقت فارقني العرا

وعلى عليّ تحسري وتزفري

أأخي واصلني العزاء وهجرتني

ولقد عهدتك واصلاً لم تهجر

أأخي حالي بعد بعدك ما صفا

وحلاوتي ممزوجة بتمرمر

أأخي بعد البعد منك تقربت

منّي المصائب في الزمان الأعسر

أأخي دار أُمية معمورة

وديار فاطم عاطل لم تعمر

أأخي شمل أُمية مستجمع

وبنات أحمد شملهم يتكدر

أأخي أولاد لآل أُمية

مخفورة وبناتنا لم تخفر

يا سيّدي يا واحدي وموئلي

يا من إليه شكايتي وتجأري

يا غايتي يا بغيتي يا منيتي

يا من يقيني نائبات الأعصر

كم من أسى متهضم قد مسنا

من ظالم باغ علينا مفتر

كنا نعدك للحوادث ملجأ

فإذا فقدت فكسرنا لم يجبر

ظفر العدو بنا ونال مراده

لـمّا مضيت وقبل ذا لم يظفر

في ربع جدك آمنون وغفل

أخرجتنا لمصائب لم تشعر

فإذا ارعوت أهوت إليه تضمه

وقناعها سلب ولم تتخمر

وسكينة عنها السكينة فارقت

لـمّا ابتديت بفرقة وتغير

ورقية رق الحسود لضعفها

وغدا ليعذرها الذي لم يعذر

ولأم كلثوم يجد جديدها

لثم عثيب دموعها لم يكرر

لم أنسها وسكينة ورقية

يبكينه بتحسر وتزفر

يدعون أُمهم البتولة فاطماً

دعوى الحزين الواله المتحير

يا أُمنا هذا الحُسين مجدلا

ملقى عفيراً مثل بدر مزهر


في تربها متعفراً ومضمخاً

جثمانه بنجيع دم أحمر

ظمآن فارق رأسه جثمانه

عريان مسلوب الرداء والمئزر

يا أمنا نوحي عليه وعولي

في قبرك المستور بين الأقبر

يا أمنا لو تعلمين بحالنا

لرأيت ذا حال قبيح المنظر

أما الرجال فمو سر ومعفر

والمحصنات ففي سبي وتشهر

هذا وكيف يحمل والعزا

منا عقيب مصابنا بالمنذر

أم كيف تسلو النفس عن تطلابه

بلا بالبكاء عليهم بتحسر

يا مؤمناً متشيعاً بولائه

يرجو النجا والفوز يوم المحشر

ابك الحُسين بلوعة وبعبرة

إن لم تجد هاذب فؤادك واكثر

وامزج دموعك بالدماء وقل ما

في حقه حقاً إذا لم تنصر

والبس ثياب الحزن يوم مصابه

ما بين أسود حالك أو أخضر

فعساك تحظى في المعاد بشربة

من حوضهم ماء لذيذ سكر

ويزيدني حزناً بأن رؤوسهم

تهدى إلى الطاغي يزيد المفتر

فكأنها فوق العوالي أنجم

زهرت بأنوار الهدى للمنظر

لما رأى الملعون أحوال النسا

والرأس ظل بحاله المستبشر

فعلى أمية كلها وعتيقها

ودلامها لعن أبي لم يحصر

هذا مصاب للنبي وآله

يوم الطفوف جرى بصحة مخبر

ما في الرزايا الهائلات رزية

بأجل منها في الأمور وأكبر

كل المصائب لو تعاظم شأنها

هي دون ذلك في المحل الأكبر

عدت على أفعال عاد واعتدت

ما عقر ناقة صالح من أحمر

وإليكم يا سادتي وأحبتي

شعر كنظم الدر أو الجوهر

حبرت ألفاظاً فجاءت درة

هذبتها بجوانحي وتفكري

ألبستها حلل المعاني فاغتدت

تسبي العقول بمسمع وبمنظر

أبهى واسنى من عروس تجتلي

وأرق من صهباء تروق بمحضر

سادات إذا قرئت على أمثالها

نظم يعيب لجرول ولحبتر

أرثي الحُسين بها وارجو منكم

يوم المعاد كرامتي وتوفري


والعفو عما قد جنيت من الخطا

وجرائم لولاكم لا تغفر

وعبيدكم سيف فتى ابن عميرة

عبد لعبد عبيد حيدر قنبر

وعليكم صلّى المهيمن ما سرى

أو سار ركب في دجى أو مقمر

الباب الثّالث

يا إخواني في الدّين , هل يحسن نوح النّائحين إلّا على الذّرية الطّاهرة ؟ وهل يليق بكاء الباكين إلّا على أولاد عليّ أمير المؤمنين ؟ فوا حسرتاه على تلك الأجساد المرمّلة بالدّماء وعلى تلك الأفواه اليابسة من الظماء ! ويا لهفاه على مولاي الحُسين ينادي فلا يجاب قد شغله المصاب عن توديع الأولاد والأحباب ! زخرفوا له الأكاذيب وقالوا له أقدم على السّعة والتّرحيب وعلى النّزل الخصيب , فنحن لك ما تريد أرقّاء وعبيد ، فحين أناخ برحلهم وحطّ بمحلهم , سارعوا إليه بالسّيوف والرّماح وصارعوا في ميدان الكفاح , فجاهدهم بمن معه من أبنائه وأهل بيته وأحبّابه إلى أن سقوا الحتوف رشقاً بالنّبال , وطعناً بالرّماح وضرباً بالسّيوف.

فيا ويلهم ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة رسول الله , ولكن سيعلمون أيّ منقلب ينقلبون .فبالله عليكم يا إخواني , أديموا عليهم الحزن الطّويل فإن مصابهم عظيم جليل :

يا نفس صبراً فكل نائبة

سوى مصاب الحُسين تحتمل

ويا جفوني سحي عليه فلي

عن كل رزء برزئه شغل

لهفي له يشتكي الأوام وللبيض

المواضي من نحره بلل

لهفي لذاك الجبين معفراً

كالشمس أنى بدا لها الخجل

لهفي لنسوانه وقد كشفت

عن صدرهن السجوف والكلل

هذي تنادي أخي وتلك أبي

والدمع فوق الخدود منهمل

وزينب مستجيرة ولها

على أخيها ندب ومرتجل

تصيح من حسرة ومن أسف

والقلب منها مرّوع وجل

أين عليّ بن الحُسين ألا

أين المحامي والفارس البطل

وفاطم تستغيث عمتها

صارخة دمع عينها خضل

يا سادتي يا بني النّبي ومن

عليهم في المعاد أتكل


ما عنكم لابن حرة عوض

وليس منكم ملعارف بدل

وأين عنكم بالولاء لكم

تمحى الخطايا ويغفر الزلل

فلا يفرح الظّالمون بما هم عليه عاكفون وسيعلمون إلى ما إليه يرجعون , فتبّاً لمن أعمتهم أطماعهم الدّنيوية وأهواؤهم المرديّة الرّدية ، جعلوا يركضون في أودية الضّلال على مطايا الأطماع , فنكستهم إلى الأذقان في أمر حمله لا يستطاع , ولكن لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور , ألا ترون يا إخواني إلى أوّل الرّجلين عند نزول الموت حيث قال , كما نقله الثّقات من الرّجال : يا ليتني كنت تبنة في لبنة .وهل هذا إلّا نظير قوله تعالى :( وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا ) (١) .وإلى الثّاني حيث قال : لو أنّ لي ملئ الأرض ذهباً لافتديت به من هول المطّلع .وهل هذا إلّا مثل قوله تعالى :( وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (٢) .فشتّان ما بين ذين وبين مَن قال حين ضُرب على اُمّ رأسه : (( فزت وربّ الكعبة )).

ولعمري , إنّ نسبة هؤلاء وأضرابهم إليه افتراء على الله وعليه .فيا سعد من تمسّك بذراريه , ويا فلاح من اعتقده وكان من حزبه ومواليه .بنوه المعصومين سادات الدُنيا وشفعاء الخلق في الآخرة , أزالوهم عن مراتبهم التي رتّبهم الله في العالمين , فبذلك استحقّوا منه العذاب المهين واللعنة إلى يوم الدّين.

نُقل : أنّه لمـّا قُتل عليّ بن الحُسين في طفّ كربلاء , أقبل عليه الحُسين وعليه جبّة خزّ دكناء وعمامة موردة وقد أرخى لها غرّتين , فقال مخاطباً له : (( أما أنت يا بني , فقد استرحت من كرب الدُنيا وغمّها وما أسرع اللحوق بك )) .ثمّ وثب على قدميه ببردة رسول الله والتّحف بها , وأفرغ عليه درعه الفاضل وتقلّد سيفه , واستوى على متن جواده وهو غائص في الحديد , فأقبل على اُمّ كلثوم وقال لها : (( أوصيك يا اُخيّه بنفسك خيراً , وإنّي بارز إلى هؤلاء القوم )) .فأقبلت سكينة وهي صارخة وكان يحبّها حبّاً شديداً , فضمّها إلى صدره ومسح دموعها بكمّه وقال :

سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي

منك البكاء إذا الحمام دهاني

لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة

ما دام منّي الروح في جثماني

فإذا قتلت فأنت أولى بالذي

تأتينه يا خيرة النسوان

ونقل آخر وهو : أنّه لمـّا قُتل أصحاب الحُسين كلّهم وتفانوا وابيدوا ولم يبق

____________________

(١) سورة النّبأ / ٤٠.

(٢) سورة الزّمر / ٤٧.


أحد , بقي (عليه‌السلام ) يستغيث فلا يُغاث وأيقن بالموت , أتى إلى نحو الخيمة وقال لأخته : (( آتيني بثوب عتيق لا يرغب فيه أحد من القوم أجعله تحت ثيابي ؛ لئلا اُجرّد منه بعد قتلي )).

قال : فارتفعت أصوات النّساء بالبكاء والنّحيب , ثمّ أوتي بثوب فخرّقه ومزّقه من أطرافه وجعله تحت ثيابه , وكان له سروال جديد فخرّقه أيضاً ؛ لئلا يُسلب منه , فلمّا قُتل , عمد إليه رجل فسلبهما منه وتركه عرياناً بالعراء مجرّداً على الرّمضاء , فشلّت يداه في الحال وحلّ به العذاب والنّكال.

قال : فلمّا لبس الحُسين (عليه‌السلام ) ذلك الثّوب المخرّق , ودّع أهله وأولاده وداع مفارق لا يعود , قال : وكان عبد الله بن الحسن الزّكي واقفاً بإزار الخيمة وهو يسمع وداع عمّه الحُسين , فخرج في أثره وهو يبكي ويقول : والله لا أفارق عمّي .فلحقته زينب لتحبسه ؛ لأنّه صغير لم يبلغ الحُلم والحُسين يقول لها : (( يا أختي احبسيه )) .فانفلت الصّبي من يدها وقال : والله لا أفارق عمّي .فأقبل حرملة بن كاهل اللعين إلى الحُسين (عليه‌السلام ) , فضرب الصّبي بالسّيف فأطنّ يمينه إلى الجلد , فإذا هي معلقة, فصاح الصّبي : يا عمّاه أدركني ! فأخذه الحُسين وضمّه إليه وقال : (( يابن أخي , صبراً على ما نزل بك يا ولدي )) .فبينما هو يخاطبه , إذا رماه اللعين حرملة بسهم فذبحه في حجره , فصاحت زينب : وابن أخاه , ليت الموت أعدمني الحياة , ليت السّماء أطبقت على الأرض , وليت الجبال تدكدكت على السّهل .وكان عمر بن سعد اللعين قريباً منها , فقالت : ويحك يا عمر , يُقتل ابن بنت رسول الله وأنت تنظر إليه ؟! فلم يجبها.

قال من شهد الوقعة : ثمّ إنّ الحُسين (عليه‌السلام ) أقبل على عمر بن سعد , وقال له : (( أخيّرك في ثلاث خصال )) .قال : وما هي ؟ قال : (( تتركني حتّى أرجع إلى المدينة إلى حرم جدّي رسول الله )) .قال : ما لي إلى ذلك سبيل .قال : (( اسقوني شربة من الماء , فقد نشفت كبدي من الظّمأ )) .فقال : ولا إلى الثّانية سبيل .قال : (( وإن كان لا بدّ من قتلي , فليبرز إليّ رجل بعد رجل )) .فقال : ذلك لك.

فحمل على القوم وهو يقول :

أن ابن عليّ الطهر من آل هاشم

كفاني بهذا مفخر حين أفخر

وفاطم أمي ثمّ جدّي مُحمّد

وعمي يدعى ذا الجناحين جعفر

بنا بيّن الله الهدى من ضلالة

ويغمر بنا آلاءه ويطهر


علينا وفينا أنزل الوحي والهدى

ونحن سراج الله في الأرض نزهر

ونحن ولاة الحوض نسقي محبنا

بكأس رسول الله من ليس ينكر

إذا ما أتى يوم القيامة ظامياً

إلى الحوض يسقيه بكفيه حيدر

إمام مطاع أوجب الله حقه

على الناس جمعاً والذي كان ينظر

وشيعتنا في الناس أكرم شيعة

ومبغضنا يوم القيامة يخسر

فطوبى لعبد زارنا بعد موتنا

بجنة عدن صفوها لا يكدّر

قال : ثمّ إنّ الحُسين (عليه‌السلام ) نظر إلى اثنين وسبعين رجلاً من أهل بيته صرعى , فالتفت إلى الخيمة ونادى : (( يا سكينة يا فاطمة يا زينب يا اُمّ كلثوم , عليكنّ منّي السّلام )) .فنادته سكينة : يا أبة , استسلمت للموت ؟ فقال : (( كيف لا يستسلم من لا ناصر له ولا معين )) .فقالت : يا أبة , ردنا إلى حرم جدّنا .فقال : (( هيهات , لو تُرك القطا لنام )) .فتصارخن النّساء فسكتهنّ الحُسين , ثمّ حمل على القوم وهو يقول :

كفر القوم وقدماً رغبوا

عن ثواب الله رب الثقلين

حنقاً منهم وقالوا إننا

نأخذ الأول قدماً بالحسين

يا لقومي من أناس قد بغوا

جمعوا الجمع لأهل الحرمين

لا لذنب كان منّي سابقاً

غير فخري بضياء الفرقدين

بعلي الطهر من بعد النّبي

ذاك خيرة هاشم في الخافقين

خيرة الله من الخلق أبي

وارث العلم ومولى الثقلين

اُمي الزهراء حقا وأبي

وارث العلم ومولى الثقلين

فضة قد صفيت من ذهب

فأنا الفضة ابن الذهبين

ذهب في ذهب في ذهب

ولجين في لجين في لجين

والدي شمس وأمي قمر

فأنا الكوكب وابن القمرين

عبد الله غلاماً يافعاً

وقريش يعبدون الوثنين

يعبدون اللات والعزى معاً

وعلي قائم بالحسنين

مع رسول الله سبعاً كاملاً

ما على الأرض مصل غير ذين

هجر الأصنام لا يعبدها

مع قريش لا ولا طرفة عين

من له جد كجدي في الورى

أو كأمي في جميع المشرقين


خصه الله بفضل وتقى

فأنا الأزهر ابن الأزهرين

جوهر من فضة مكنونة

فأنا الجوهر ابن الدرتين

نحن أصحاب العبا خمستنا

قد ملكنا شرقها والمغربين

نحن جبريل لنا سادسنا

ولنا البيت ومثوى الحرمين

كل ذا العالم يرجو فضلنا

غير ذا الرجس لعين الوالدين

جدي المرسل مصباح الدجى

وأبي الموفى له بالبيعتين

والدي خاتمه جاد به

حين وافى رأسه للركعتين

قتل الأبطال لمـّا برزوا

يوم أحد وببدر وحنين

أظهر الإسلام رغماً للعدى

بحسام صارم ذي شفرتين

قال : ولم يزل يحمل على القوم يجالدهم بالسّيف يميناً وشمالاً , حتّى قتل منهم مقتلة عظيمة , إلى أن انكشفوا من بين يديه واقتحم المشرعة ونزل إلى الماء , وقد كضّه العطش العظيم وكذلك فرسه.

قال : فلمّا حسّ الفرس ببرد الماء يجري تحت قدميه , حطّ رأسه ليشرب , فصبر عليه حتّى شرب ونفض ناصيته ، ثمّ جعل ذوائب السّيف في يده وغرف غرفة ليشرب , وإذا بصائح : يا حُسين , أدرك خيمة النّساء .فرمى الماء من يده وأقبل مسرعاً نحو الخيمة , فرآها سالمة , فعلم أنّها كانت حيلة من الكفرة اللئام ؛ ليحرموه شرب الماء ويحولوا بينه :

وا لهفتاه على معين سيادة

أكدى وكان على الزمان معينا

أبكي أعز كأن ضوء جبينه

فلق صدوقاً في الحديث أمينا

طابت مآزره وطاب ثناؤه

فوجدته بالمدحتين قمينا

إن المحامد لا تقوم بفضله

فاقصص له (الأنفال) أو (ياسينا)

اليوم سلطت الدئور على العلى

ولقد بررت المكرمات سنينا

حتى أغارت للمنون كتائب

لم أدر أن لها عليكم كمينا

هتكت حمى المجد المصون ولم تدع

دمعاً لذي حلم عليك مصونا

وقال آخر :

لهفي عليه وقد أحاط به العدى

والبيض تبرق والخيول صواهل

ويقول وهو يجود بينهم وقد

فقد النصير وثم تم الخاذل


هل مسعد هل منجد هل ناصر

هل ذائد هل فارس هل راجل

هل راغب هل واهب هل هارب

هل ناصح هل راشد هل عاقل

يأتي إلينا ناصراً ومحامياً

فيرى لنا حقاً نفاه الباطل

يا سعدة إن قرّ وهو مفارق

يا فوزة إن قرّ وهو مواصل

لا تجهلوا فالجهل داء معضل

لا يشتفى من داء جهل جاهل

فأنا الإمام عليكم دون الورى

وبذاك قد قامت هناك دلائل

جدي النّبي مُحمّد من فضله

فضل على كل البرية شامل

وأبي الوصي أبر من وطأ الثرى

من بعده حاف غدا أو ناعل

والام فاطمة البتول ومن لها

فضل به ضرع الفضائل حافل

وأخي الزكي وجعفر عمي فمن

في الفضل من كل الأنام يماثل

ولنا المعاد يعود فضل قضائه

فهناك نحكم فيكم أو نسأل

فهناك أوقد كل باغ خارج

نيران حرب وهو فينا داخل

فيا إخواني , كيف لا تبكي عليهم محاجري ؟! وكيف لا يقرح السّهاد ناظري أو تتزايد أوصابي أو تضرم نار وجدي واكتئابي؟! فيا جفوني سحّي دماً , ويا قلبي ازدد ألماً , ويا حرقي اشتدّى عليهم , ويا أشواقي تزايدي إليهم ، فإنّه يحقّ على مثلهم أن يبكي الباكون ويندب النّادبون وتذرف الدّموع من العيون .أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة لأبي الحُسين بن أبي سعيد (رحمه‌الله )

أيها الباكي المطيل بكاه

كل ما آن صبحه ومساه

إبك ما عشت للحسين بشجو

لا ترد بالبكا الطويل سواه

فهو سبط النّبي أكرم سبط

فاز عبد بنفسه واساه

يوم أضحى بكربلاء بين قوم

خذلوه وأظهروا بغضاه

وهو يدعوهم إلى منهج الحق

وهم في عمى الضلالة تاهوا

كتبوا نحوه يقولون إنا

قد رضينا بكل ما ترضاه

سر إلينا فلا إمام نراه

يهتدي ذا الورى إذاً بهداه


غيرك اليوم يابن من فرض الله

على سائر الأنام ولاه

كن إلينا مسارعاً فعلينا

حين تأتي جميع ما تهواه

فأتى مسرعاً إليهم فلمّا

عاينوه وعنده أقرباه

أعرضوا عن وداده ثمّ أبدى

منهم الحقد من له أخفاه

ثم صالوا عليه صولة بغي

لم يريدوا من الأنام سواه

فتحامت إليه إخوان صدق

رغبة في قتال من عاداه

بذلو دونه النفس اختيارا

للمنايا ولم يعد إلّا هو

ما ونوا ساعة إلا ابيدوا

للمنايا ولم يعد إلا هو

تارة بطعن الطغاة وطوراً

بالحسام الصقيل يحمي حماه

إذ رماه اللعين خولى بسهم

وهو عن ذاك غافل لا يراه

وعلاه اللعين أعني سنانا

طعنة بالسنان شلت يداه

فهوى بالجراح يخفض في الأرض

صريعاً أبي وأمي فداه

وأتى مسرعاً إلى نحره الشمر

بعد أن سل سيفه وانتضاه

فبرى رأسه وكبر لـمّا

أن على رأس رمحه علاه

فبكت من فعاله الجن والإنس

ومن حل في رفيع سماه

وبكى البيت والمقام ونادى

مذهب الحق آه وا ويلاه

وغدا الدين بعد هذا حزينا

وعليه الزمان شق رداه

وتولى الجواد يبكي عليه

أسفاً وهو بالبكا ينعاه

ورأت زينب أخاها على الأرض

صريعاً معفراً بدماه

ثاوياً بالعرى قتيلاً سليبا

عارياً من قميصه ورداه

ثم نادت بأختها أخت يا أخت

حق لي في الحُسين ما أخشاه

أخت يا أخت خيّب الدهر فيه

ما ارتجيناه آه وا خيبتاه

ما توهمت في جنود يزيد

أنهم يهرقون ظلماً دماه

أخت يا أخت آه وا طول حزني

بعد آه ثمّ وا حسرتاه

أخت يا أخت قد جفاني حبيب

ما تعمدت في الزمان جفاه

أخت يا أخت ودعيه وقولي

لحسين متى يعدنا لقاه


أخت يا أخت اسكبي الدمع حزناً

لقتيل ما غمضت عيناه

أخت يا أخت قاتل الله قوماً

قتلوه وحرموه لقاه

أخت يا أخت اندبيه بشجو

ندب صب تقلقت أحشاه

أخت يا أخت اندبيه وقولي

يا وحيداً أبيد بعد ظماه

يا شهيداً لموته أفل البدر

واعتراه الخسوف بعد ضياه

يا قضيباً حين استوى وتدلى

أقصفته المنون بعد استواه

يا قتيلاً بكت له الجن والإنس

طويلاً واستوحشت لجفاه

لهف نفسي وجميع خيل الأعادي

قد أهدت بركضها أعضاه

لهف نفسي على بنات حسين

حاسرات يصحن وا جده

لهف نفسي على الحُسين وشمر

قد برى الرأس عامداً من قفاه

آه وا ذلتاه من بعد عز

آه وا ضيعتاه يا جداه

آه وا خيبتاه بعد حسين

آه وا غربتاه وا وحدتاه

آه يا جد لو رأيت حسيناً

بعد أن أحدقت به أعداه

حرموا مورد الفرات عليه

إفتراء وذبحوا ابناه

وسقوه الحمام ظلماً وجوراً

واستباحوا أمواله ونساه

جد يا جد لو رأيت علياً

ناحلاً والسقام قد أضناه

لو تراه بقيد وهو يبكي

بين قوم لا يرحمون بكاه

وإذا ما رأى أم كلثوم نادى

أتعبوني بالقيد يا عمتاه

فبكت رحمة له أم كلثوم

وأجابت من بعد ذاك نداه

ثم قالت له ألا إن ذا الحال

عزيز لجدنا أن يراه

وعزيز عليه أن لو يرى اليوم

بعينيه بعض ما نلناه

لو يرانا ونحن فوق المطايا

عند رجس نسير في مسراه

وإذا ما وقفن في السير عنه

ساعة لم يكف عنا أذاه

طالباً للشآم نحو يزيد

جعلت في جهنم مثواه

ثم لمـّا أتيته في دمشق

بهت الرجل إذ رأت عيناه

رأس سبط النّبي فوق قناه

والسبايا يصحن وا سنداه


ثم قال الزنيم ويل ابن مرجان

على الطاهرين ما أعداه

ويحه ما أشده من عتل

ويحه في الفعال ما أقساه

كنت أرضى بدون ذا الفعل منه

لكن الأمر ما أراد الله

ودعا الرجس بعد ذاك بالرأس

فأوتي به فلمّا رآه

ساطعاً بالضيا تعجب منه

ثمّ منه تعجبت جلساه

وعلا بالقضيب رأس حسين

ثمّ في طست عسجد ألقاه

وانثنى الرجس ثمّ أنشد شعراً

وترنم وقال في منشاه

ليت أشياخنا تشاهد ذا اليوم

الذي قد أسرنا لقاه

يا لها اليوم فرحة وسروراً

حيث نال الصديق فيه مناه

فعلى الطاغي اللعين يزيد

لعنة الله دائماً تغشاه

فالعنوه ببكرة وأصيل

فلقد طال في المعاد شقاه

والعنوا ما استطعتم ابن زياد

وابن سعد ومن سعى في رضاه

فلقد باع دينه من يزيد

بالزهيد القليل من دنياه

جددوا اللعن ما بقيتم عليه

وأطيلوا مدى الزمان سجاه

فلعنهم من المهيمن لعن

ليس يفنى ولا يزول بقاه

يا بني المـُصطفى سلام عليكم

ما أضاء الصبح واستنار ضياه

أنتم صفوة العلى من الخلق

جميعاً وأنتم أمناه

أنتم منهج القويم وأنتم

يا بني أحمد منار هداه

أنتم حبله المتين فطوبى

لمحب تمسكته يداه

أنتم يا بني النّبي حجج الله

في البرايا وأنتم خلفاه

حبكم في المعاد ذخري وكنزي

يوم يلقى المسيء ما قد جناه

وإذا ما أبو الحُسين ارتجاكم

حاش لله أن يخيب رجاه

ابن أبي سعد مخلص الود فيكم

في غد يرتجيكم شفعاه

ويرجي الخلود في جنة الخلد

وأن تصفحوا له عن جناه

وعليكم من ربكم صلوات

ليس يحصي عظيمها إلّا هو

ما دعا الله مخلص حين صلّى

في مقام وما استجيب دعاه


المجلس العاشر

من الجزء الثّاني ، في العاشر من شهر المـُحرّم

وفيه أبواب ثلاثة

الباب الأوّل

عباد الله , إنّ المصيبة بالحُسين (عليه‌السلام ) أعظم المصائب ، فصبّوا فيها شآبيب الدّموع السّواكب بتصعيد الزّفرات الغوالب , واستنزفوا بالبكاء الدّماء , واعقبوا الكرب والبلاء بتذكّركم كربلاء.

نعم , إنّ المصيبة بالمقتول نجل الرّسول والبتول وعلى الليث الصّؤول , مصيبة لا يُجبر كسرها ، وشعلة في صدور المؤمنين لا يطفئ جمرها , وعظيمة من العظائم يتجدد على الأيّام ذكرها ، ورزية لا يتنفّس فجرها , وقارعة زلزلت منها الأرض برّها وبحرها عجباً لمن يتذكر مصارع هؤلاء الأتقياء الشّهداء العظماء من أهل بيت صفوة الخلق خاتم الأنبياء ، ثمّ يتمتع بعدهم بشربة من الماء !

سبحان الله ! أيّ ظُلم جرى على أهل الحراب والمحراب وأرباب الكتيبة والكتاب , وفتيان الطّعان والضّراب ورجال القب والقباب , قاصمي الأصلاب وقاسمي الأسباب وقاصمي الرّقاب , وهازمي الأحزاب وفالقي جماجم الأتراب , اُمراء الخطاب المستطاب ملوك يوم الحساب سلاطين يوم الثّواب والعقاب.

ما عذر أرجاس بني اُميّة إذ منعوهم من الطّعام والشّراب والفُرات يومئذ مكرعة الكلاب , حبسوا سادة الخلق في صحراء الاكتئاب , ثمّ ذبحوا تلك النّفوس الزّكية وعرضوها للنسور والذّئاب , وعفروا تلك الوجوه البدرية في التّراب .هيهات , لا عذر إلّا أن يُساقوا - بعد عتاب ربّ الأرباب , بأيدي الملائكة الغلاظ الشّداد الغضاب - إلى دار العذاب الشّديد الالتهاب الضّيقة


المسالك والشّعاب.

صفت الدُنيا للطغاة ذوي العناد , واتسقت أحوال الوجاهة للأنكاد ذوي الأحقاد , ونفذّت أوامرهم على رقاب العباد , ولفظت إليهم الخزائن نفائس الطّارف والتّلاد , وآل الرّسول مشرّدين في البلاد منحجرون في كلّ شعب بغير بزّة وزاد ، مستشعرون للخوف مكتحلون بالسّهاد , قد ضربت عليهم الأرض بالسّهاد ، بنات الظّلمة في الدّور والقصور مسبلات السّتور ، وبنات الرّسول في حرّ الشّمس في مهبّ الصّبا والدّبور ، ضاربات الصّدور على هؤلاء البدور وغروبها في مغارب القبور ، ومصيرها إلى بطون السّباع وحواصل الطّيور , تمتّعت اليزيدية تمتّعاً قليلاً وسيعذبون بذلك طويلاً , يورثهم ذلك العذاب رنّة وعويلاً , إذ نسوا وراءهم يوماً ثقيلاً , يوم لا ينفع خليل خليلاً ولا يغني عنه فتيلاً إن هم إلّا كالأنعام بل هُم أضل ظليلاً.وفواكه ذلك قطوفها ويسقون لما مُنعوا من ماء الفُرات(١) ( كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً * عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى‏ سَلْسَبِيلاً ) (٢) .وجدوا إلهاً رحيماً كريماً قد أسدى إليهم نعيماً مُقيما , وهؤلاء وجدوا الرّسول خصيماً , وسكنوا سعيراً وجحيماً , سقوا صديداً وغساقاً وحميماً :( يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) (٣) .

فيا إخواني : لو تصوّر المُحبّ لآل الرّسول ما لاقوا من الخطب المهول , لاختار مواساتهم في الموت الشّديد وجعله عدّة للعيش الرّغيد ، ليجدل الحُسين وأهل بيته وأصحابه على الرّمال , وبعليّ كريمه الشّريف على القنا كالهلال , وتسبى ذراريه محمولين حسراً على الجمال , يُطاف بهم في البلاد مقرنين في الأصفاد , هذا والدّموع جامدة ونيران الأحزان هامدة والأشجان متباعدة , لا يحسن ذلك من أهل الإيمان ولا من كاملي العقول والأديان , بل والله , قلّ لهذا المصاب خروج الأرواح من شدّة الاكتئاب.

فيا إخواني : اسكبوا الدّموع وأقلّوا الهجوع على من فقدهم عظيم ومصابهم جسيم , فقد ورد في الخبر عن أهل العلم والأثر عن منذر النّوري : سمعت الحُسين (عليه‌السلام ) يقول : (( من دمعت عينه فينا دمعة أو قطرت عيناه فينا قطرة , بوأه الله في الجنّة حقباً )) .وعنه (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( أنا قتيل العبرة , ما ذكرت عند مؤمن إلّا بكى واغتمّ لمصابي )) .وعن عليّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( أيما مؤمن ذرفت عيناه لقتل أبي عبد الله الحُسين حتّى تسيل على خدّه , بوأه الله في الجنّة غرفاً يسكنها أحقاباً )).

فهذه والله النّعمة العظمى والثّواب الهني

____________________

(١) يقصد هُنا (قدس‌سره ) : آل الرّسول (ص) .(معهد الإمامين الحسنين).

(٢) سورة الإنسان /١٧ - ١٨.

(٣) سورة الإنسان / ٣١.


الأهنى.

وعن الباقر (عليه‌السلام ) , أنّه قال : (( رحم الله شيعتنا , لقد شاركونا بطول الحزن على مصاب جدّي الحُسين , وأيما مؤمن دمعت عيناه حتّى تسيل على خدّه ؛ حزناً على ما مسّنا من الأذى من عدونا في دار الدُنيا , بوأه الله منزل صدق في الجنّة )).

وروي عن الصّدوق القمّي في كتاب كامل الزّيارات بإسناده إلى زرارة(١) , قال : أبو عبد الله : (( يا زرارة , إنّ السّماء بكت على الحُسين أربعين صباحاً بالدّم , وإنّ الأرض بكت أربعين صباحاً بالسّواد , وإنّ الشّمس بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة , وإنّ الجبال تقطّعت وابتزت , وإنّ البحار تفجّرت , وإنّ الملائكة بكت أربعين صباحاً على الحُسين , وما اختضبت منّا امرأة ولا ادهنت ولا اكتحلت ولا رجل , حتّى أتانا رأس عُبيد الله بن زياد , وما زلنا في عبرة بعده , وكان جدّي إذا ذكره , بكى حتّى تملأ عيناه لحيته وحتى يبكي لبكائه رحمة من رآه , وإنّ الملائكة الذين عند قبره ليبكون فيبكي لبكائهم كلّ مَن في الهواء والسّماء من الملائكة , ولقد خرجت نفسه (عليه‌السلام ) فزفرت جهنّم زفرة كادت الأرض تنشقّ لزفرتها , ولقد جرت نفس عُبيد الله بن زياد ويزيد بن معاوية , فشهقت جهنّم شهقة لو لا أنّ الله حبسها بخزانها , لأحرقت مَن على فوق الأرض من فورها , ولو يؤذن لها ما بقي شيء إلّا ابتلعته ولكنّها مأمورة مصفودة , ولقد عتت على الخزان غير مرّة حتّى أتاها جبرائيل فضربها بجناحه فسكنت , وإنّها لتبكيه وتندبه وإنّها لتتلظّى على قاتله , ولولا مَن على الأرض من حجج الله , لتفطّرت الأرض وأكفت ما عليها , وما يكثر الزّلازل إلّا عند اقتراب السّاعة , وما عين أحبّ إلى الله ولا عبرة من عين بكت ودمعت عليه , وما من باك يبكيه إلّا وقد وصل فاطمة وساعدها عليه , وما من عبد يُحشر إلّا وعيناه باكية إلّا الباكين على جدّي , فإنّه يحشر وعينه قريرة والبشارة بلقائه والسّرور على وجهه , والخلق في الفزع وهم آمنون , والخلق يعرضون وهم خدّام الحُسين (عليه‌السلام ) تحت العرش وفي ظل العرش لا يخافون سوء الحساب , يقال لهم : ادخلوا الجنّة .فيأبون ويختارون مجلسه وحديثه , وأنّ الحور لترسل إليهم : إنّا قد اشتقناكم مع الولدان المخلدون .فما يرفعون رؤوسهم إليهم ؛ لما يرون في مجلسهم من السّرور والكرامة , وأنّ أعداءهم من بين مسحوب بناصيته إلى النّار ومن قائل ما لنا من شافعين ولا صديق حميم , وإنّهم ليرون منزلهم وما يقدرون أن يدنوا إليهم ولا يصلون إليهم ,

____________________

(١) الوارد في كامل الزّيارات / ١٦٧ , هكذا : عن زرارة ، قال : قال : أبو عبد الله ...(معهد الإمامين الحسنين).


وإنّ الملائكة لتأتيهم من أزواجهم ومن خزانهم ما أعطوا من كرامة , فيقولون : نأتيكم إن شاء الله تعالى .فيرجعون إليّ بمقالاتهم(١) , فيزدادون إليهم شوقاً ؛ إذ هم خيّروا بما هم فيه من الكرامة وقربهم من الحُسين , فيقولون : الحمد لله الذي كفانا الفزع الأكبر وأهوال القيامة ونجّانا ممّا كنّا نخاف .ويؤتون بالمراكب والرّجال على النّجائب فيستوون , وهم في الثّناء على الله والصّلاة على مُحمّد وآله حتّى ينتهوا إلى منازلهم )).

وعن زيد الشّحام , قال : كنّا عند أبي عبد الله ونحن جماعة من الكوفيين , إذ دخل جعفر بن عفان على أبي عبد الله فقرّبه وأدناه ، ثمّ قال : (( يا جعفر )) .قال : لبيك جعلني الله فداك ! قال : (( بلغني أنّك تقول الشّعر في الحُسين وتجيد ؟ )) .قال : نعم جعلني الله فداك ! قال : (( قُل )) .فأنشده ومن حوله حتّى سالت له الدّموع على وجهه ولحيته ، ثمّ قال : (( يا جعفر , والله لقد شهد الملائكة المقرّبون ههنا يسمعون قولك في الحُسين (عليه‌السلام ) , ولقد بكوا كما بكينا أو أكثر , ولقد أوجب الله لك يا جعفر في ساعته الجنّة بأسرها وغفر لك )).

وقال أيضاً : (( يا جعفر ألا أزيدك ؟ )) .قال : نعم يا سيّدي .قال : (( ما من أحد قال في الحُسين شعراً فبكى وأبكى به , إلّا أوجب الله له الجنّة وغفر له )).

وعنه (عليه‌السلام ) , قال : (( إذا كان يوم العاشر من المـُحرّم , تنزل الملائكة من السّماء ومع كلّ ملك منهم قارورة من البلّور الأبيض , ويدورون في كلّ بيت ومجلس ؛ يبكون فيه على الحُسين (عليه‌السلام ) , فيجمعون دموعهم في تلك القوارير ، فإذا كان يوم القيامة , فتلتهب نار جهنّم , فيضربون من تلك الدّموع على النّار , فتهرب النّار عن الباكي على الحُسين مسيرة ستين ألف فرسخ )).

أيا شيعة المختار نوحوا لمصرع

الشهيد وبالدمع الغزير فجودوا

تطأه الخيول الحادثات بركضها

ويسفى عليه بعد ذاك صعيد

وآل رسول الله يشهرون في الملأ

وآل ابن هند في الخدور قعود

ورأس إمام السبط في رأس ذابل

طويل على رأس سنان يميد

وينكثه بالخيزران شماتة

به وسروراً كافر وعنيد

برزن النساء الهاشميات حسراً

عليهن من نسج الثكول برود

نوادب يخدش الوجوه تفجعاً

وتلطم بالأيدي لهن خدود

____________________

(١) والذي ورد في كامل الزّيارات : ١٦٩ , هو : فيرجعون إلى أزواجهم بمقالاتهم ...(معهد الإمامين الحسنين).


فقوموا بأعباء العزاء فإنه

جليل وأما غيره فزهيد

فيا إخواني , يحقّ لي أن أجعل النّوح عليهم دأبي وأن أظهر عليهم جزعي واكتئابي , وكيف لا والعيش بعدهم لا يصفو والزّفرة عليهم لا تقفو ؟! وكيف الصّبر لمن يمثل مولاه الحُسين (عليه‌السلام ) وهو واقف ينادي في ميدان القتال : ألا هل من نصير ينصر الآل ؟ ألا هل من معين يعين عترة المختار ؟ ألا هل من ذابّ يذبّ عن الذّرية الأطهار ؟ أين الثقاة البررة والأتقياء الخيرة؟ أين من أوجب حقّاً عليه الإسلام ؟ أين الوصية فينا من الرّسول ؟ فما عذر أهل الزّمان عن إقامة العزاء للإمام الشّهيد العطشان؟

نُقل أنّ الحُسين (عليه‌السلام ) لمـّا كان في موقف كربلاء , أتته أفواج من الجنّ الطّيّارة , وقالوا له : نحن أنصارك فمرنا بما تشاء , فلو أمرتنا بقتل عدو لكم لفعلنا .فجزاهم خيراً , وقال لهم : (( إنّي لا أخالف قول جدّي رسول الله حيث أمرني بالقدوم عليه عاجلاً , وإنّي الآن قد رقدت ساعة , فرأيت جدّي رسول الله قد ضمّني إلى صدره وقبّل ما بين عيني وقال لي : يا حُسين , إنّ الله عزّ وجلّ شاء أيراك مقتولاً ملطخاً بدمائك , مخضّباً شيبتك بدمائك مذبوحاً من قفاك , وقد شاء الله أن يرى حرمك سبايا على أقتاب المطايا .وإنّي والله , سأصبر حتّى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين )).

ثمّ إنّه (عليه‌السلام ) لم يزل يحمل على القوم ويقاتلهم حتّى قتل من القوم ألوفاً ، فلمّا نظر الشّمر لعنه الله إلى ذلك , قال لعمر بن سعد : أيّها الأمير , والله لو برز إلى الحُسين أهل الأرض لأفناهم عن آخرهم , فالرّأي أن نفترق عليه , ونملأ الأرض بالفرسان والرّماح والنّبل تحيط به من كلّ جانب.

قال : ففعلوا ذلك , وجعل الحُسين يحمل تارة على الميمنة واُخرى على الميسرة , حتّى قتل على ما نُقل ما يزيد على عشرة آلاف فارس ولا يبين فيهم لكثرتهم حتّى اثخنوه بالجراح.

نُقل : أنّه وقع فيه ثمانون جرحاً ما بين طعنة ونبلة , فبينما هو كذلك , إذ رماه اللعين خولّى بن يزيد الأصبحي بسهم فوقع في لبّته فأرداه صريعاً على الأرض , فجعل ينزع السّهم ويأخذ الدّم بكفّه فيخضب به رأسه ولحيته , فقيل له : ما هذا يا أبا عبد الله ؟ فقال : (( حتّى ألقى جدّي وأنا مخضوب بدمي , فأشكو إليه ما نزل بي )).

قال : فنادى شمر بن [ذي](١) الجوشن لعنه الله : ما انتظاركم فيه احملوا عليه من كلّ جانب .فضربه زرعة بن شريك لعنه الله على عاتقه الأيسر , وضربه الآخر

____________________

(١) من إضافات المقوم .(معهد الإمامين الحسنين).


من كندة على وجهه , وآخر ضربه على مفرق رأسه , وحمل عليه جوشن(١) فقطعه وأصاب السّيف رأسه فسال الدّم منه وأخذ منه البرنس ، فقال له الحُسين (عليه‌السلام ) : (( لا أكلت بيمينك ولا شربت بها وحشرك الله مع القوم الظّالمين )).

قال : فأقبل الكندي بالبرنس إلى منزله , فقال لزوجته : هذا برنس الحُسين فاغسليه من الدّم ، فبكت وقالت له : ويلك قتلت الحُسين وسلبت برنسه ! والله لا صبحتك أبداً .فوثب إليها ليلطمها فانحرفت عن اللطمة , فأصابت يده الباب التي في الدّار , فدخل مسمار في يده فعملت عليه حتّى قطعت من وقته , ولم يزل فقيراً حتّى ما ت لا رضي ‌الله ‌عنه

وطعنه سنان بن أنس النّخعي برمح , وبادر إليه خولّى بن يزيد ليجتز رأسه , فرمقه بعينيه فارتعدت فرائصه منه فلم يجسر عليه وولّى عنه .ثمّ ابتدر إليه أربعون فارساً كلّ يريد قطع رأسه وعمر بن سعد لعنه الله يقول : عجّلوا عليه عجّلوا عليه .فدنا إليه شبث بن ربعي وبيده سيف ليجتز رأسه , فرمقه (عليه‌السلام ) بطرفه فرمى السّيف من يده وولّى هارباً وهو ينادي : معاذ الله يا حُسين أن ألقى أباك بدمك.

قال : فأقبل إليه رجل قبيح الخلقة كوسج اللحية أبرص اللون يُقال له سنان , فنظر إليه (عليه‌السلام ) فلم يجسر عليه وولّى هارباً وهو يقول : ما لك يا عمر بن سعد غضب الله عليك , أردت أن يكون مُحمّد خصمي.

فنادى ابن سعد : من يأتيني برأسه وله ما يتهنى به ؟ فقال الشّمر : أنا أيّها الأمير .فقال : أسرع ولك الجائزة العُظمى .فأقبل إلى الحُسين - وقد كان غشي عليه - فدنا إليه وبرك على صدره , فحسّ به (عليه‌السلام ) وقال : (( يا ويلك من أنت فقد ارتقيت مرتقى عظيماً ؟! )) .فقال : هو الشّمر .فقال له : (( ويلك مَن أنا ؟! )) .فقال : أنت الحُسين بن عليّ وابن فاطمة الزّهراء وجدّك مُحمّد المـُصطفى .فقال الحُسين : (( ويلك إذا عرفت هذا حسبي ونسبي فلِمَ تقتلني ؟! )) .فقال الشّمر : إن لم أقتلك فمن يأخذ الجائزة من يزيد ؟ فقال (عليه‌السلام ) : (( أيما أحبّ إليك الجائزة من يزيد أو شفاعة جدّي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟ )) .فقال اللعين : دانق من الجائزة أحبّ إليّ منك ومن جدّك .فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( إذا كان لا بدّ من قتلي فاسقني شربة من الماء )) .فقال له : هيهات والله لا ذقت قطرة واحدة من الماء حتّى تذوق الموت غصّة بعد غصّة .فقال له : (( ويلك اكشف لي عن وجهك وبطنك ! )) .فكشف له , فإذا هو أبقع أبرص

____________________

(١) هكذا هو الوارد في هذا الكتاب , ولكن الوارد في شرح الأخبار ٣/١٦٣ : من كندة يُقال له مالك بن بشير .وفي الإرشاد ٢/١١٠ : مالك بن النّسر الكندي .وفي روضة الواعظين /١٨٨ : رجل يقال له مالك بن انس .وفي مثير الأحزان /٥٥ : فجاء مالك بن النّثر .وفي أعلام الورى بأعلام الهدى ١/٤٦٧ : مالك الكندي .وغيرهم قالوا غير ذلك .(معهد الإمامين الحسنين).


له صورة تشبه الكلاب والخنازير , فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( صدق جدّي فيما قال )) .فقال : وما قال جدّك ؟ قال : ((يقول لأبي : يا عليّ , يقتل ولدك هذا رجل أبقع أبرص أشبه الخلق بالكلاب والخنازير )) .فغضب الشّمر من ذلك وقال : تشبهني بالكلاب والخنازير , فو الله لأذبحنّك من قفاك .ثمّ قلبه على وجهه وجعل يقطع أوداجه روحي له الفداء وهو ينادي : (( وا جدّه ! وا مُحمّداه ! وا أبا قاسماه ! وا أبتاه وا عليّاه ! أأقتل عطشاناً وجدّي مُحمّد المـُصطفى ؟! أأقتل عطشاناً وأبي عليّ المـُرتضى واُمّي فاطمة الزّهراء ؟! )) .فلمّا احتز الملعون رأسه , شاله في قناة فكبّر وكبّر العسكر معه , وشرع الحُسين في سلبه(١) , فأخذ سراويله بحر بن كعب , وأخذ عمامته أحبش بن يزيد ، وأخذ سيفه رجل من بني دارم , وانتهبوا رحله , فتزلزلت الأرض وأظلم الشّرق والغرب , وأخذت النّاس الصّواعق والرّجفة من كلّ جانب , وامطرت السّماء دماً ، وانكسفت الشّمس لقتله ، وفيه يقول الشّاعر :

ألم تر أن الشمس أضحت مريضة

لقتل حسين والبلاد اقشعرت

وإن قتيل الطف من آل هاشم

أذلّ رقاب المسلمين فذّلت

فيا فؤادي القريح من الكآبة والحزن لا تستريح ، أو ما يحقّ لهذا الرّزء الجليل أن تشق عليه القلوب فضلاً عن الجيوب.

نُقل أنّه لمـّا قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) , جعل جواده يصهل ويحمحم ويتخطى القتلى في المعركة واحداً بعد واحد ، فنظر إليه عمر بن سعد , فصاح بالرّجال : خذوه وآتوني به .وكان من جياد خيل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , قال : فتراكضت الفرسان إليه , فجعل يرفس برجليه ويمانع عن نفسه ويكدم بفمه , حتّى قتل جماعة من النّاس ونكس فرساناً عن خيولهم ولم يقدروا عليه , فصاح ابن سعد : ويلكم تباعدوا عنه ودعوه لننظر ما يصنع ! فتباعدوا عنه ، فلمّا أمن الطّلب , جعل يتخطى القتلى ويطلب الحُسين (عليه‌السلام ) , حتّى إذا وصل إليه , جعل يشمّ رائحته ويقبّله بفمه ويمرغ ناصيته عليه , وهو مع ذلك يصهل ويبكي بكاء الثّكلى حتّى أعجب كلّ من حضر ، ثمّ انفلت يطلب خيمة النّساء وقد ملأ البيداء صهيلاً , فسمعت زينب صهيله , فأقبلت على سكينة وقالت : هذا فرس أخي الحُسين(ع) قد أقبل لعلّ معه شيئاً من الماء .فخرجت متخمّرة من باب الخباء تتطلع إلى الفرس , فلمّا نظرتها , فإذا هي عارية من راكبها والسّرج خال منه , فهتكت عند

____________________

(١) هذا ما ورد في الكتاب , ولكن ورد في الكامل في التاريخ ٤/٧٨ , تاريخ الطبري ٤/٣٤٦ , وغيرهم هو : وسُلب الحُسين ما كان عليه ...(معهد الإمامين الحسنين).


ذلك خمارها ونادت : والله قُتل الحُسين ! فسمعت زينب قولها فصرخت وبكت وأنشأت تقول :

شرقت بالريق في أخٍ فجعت به

وكنت من قبل أرعى كل ذي جاري

فالوهم أحسبه شيئاً فأندبه

لولا التخيل ضاعت فيه أفكاري

قد كنت آمل آمال أسر بها

لولا القضاء الذي في حكمه جاري

جاد الجواد فلا أهلاً بمقدمه

إلّا بوجه حسين مدرك الثار

ما للجواد لحاه الله من فرس

أنلا يجد دون الضيغم الجاري

يا نفس صبراً على الدُنيا ومحنتها

هذا الحُسين قتيل بالعرى عاري

قال : فخرجن النّساء فلطمن الخدود وشققن الجيوب وصحن : وا محمداه ! وا عليّاه ! وا فاطماه ! وا حسناه ! وا حُسيناه ! وارتفع الضّجيج وعلا الصّراخ , فصاح ابن سعد : أضرموا عليهم النّار في الخيمة .فقيل : يا ويلك يا عمر ! ما كفاك ما صنعت بالحُسين وتريد أن تحرق حرم رسول الله بالنّار , لقد عزمت أن تخسف بنا الأرض ؟! .فأمرهم بعد ذلك بنهب ما في الخيم.

فيا ويلهم , ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة رسول الله من غير جرم اجترموه ولا مكروه ارتكبوه ! فيا لها من مصيبة ما أوجعها ومن رزية ما أفجعها ! فكيف لا يحزن المحبّون وقد ذبح المبغضون ذرّيّة رسول الله من غير سبب ، وداروا برؤوسهم البلدان من غير أمر قد وجب ، وسبوا نساءهم على الجمال وادخلوهم على يزيد في أذلّ الأحوال ؟! ما هو إلّا شيء( تَكَادُ السّماوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقّ الْأَرْضُ وَتَخِرّ الْجِبَالُ هَدّاً ) (١) :

ولم أنس من بين النساء سكينة

تقول ودمع العين يهمي ويهمل

أبي يا أبي يا خير ذخر فقدته

فيا ضيعتي من ذا لضيمي أؤمل

أبي يا أبي ما كان أسرع فرقتي

لديك فمن لي بعدك اليوم يكفل

أبي يا أبي من للشدائد يرتجي

ومن لي إذا ما غبت كهف وموئل

أبي يا أبي هل لا تعود لثاكل

تعلّ من الأحزان طوراً وتنهل

ومن لليتامى بعد بعدك سيّدي

ومن للأيامى كافل ومتكفل

فعذب حياتي بعد فقدك والدي

وما دمت حتّى للقيامة حنظل

____________________

(١) سورة مريم / ٩٠.


وتشكو إلى الزّهراء بنت مُحمّد

بقلب حزين بالكآبة مقفل

أيا جدتا قومي من القبر وانظري

حبيبك متروب الجبين مرمل

عرايا على عادي العرى متعفراً

قتيلاً خضيباً بالدماء مغسل

وقد قطعوا دون الوريد وريده

وديس ومنه الرأس في الرمح يحمل

وقد حرموا ماء الفرات عتاوة

علينا وسلب الفاطميات حللوا

وتلك الوجوه المشرقات برغمها

تهتك ما بين الأنام وتهزل

وتلك الجباه الشامخات على القنا

تشج وترمي بالتراب وترمل

وساروا بنا يا جدّه حواسرا

وأوجهنا بعد التخفر تبذل

سبايا على الأقتاب تبدو جسومنا

عرايا بلا ظل به نتظلل

وقال آخر :

وزينب من فرط الأسى تكثر البكا

تقول أخي من لي إذا نابني الدهر

أخي يابن أمي يا حسين أما ترى

نساءك حسبرى عز عندهم الستر

أخي يا كفيلي يا شقيقي وعدتي

ومعتمدي إن مسني العسر واليسر

أخي كنت ركني في الشدائد ملجأ

وعوني ومن في حكمه النهي والأمر

أخي قد رمانا الدهر بالضر والعنا

أخي قد علانا بعدك الذل والكسر

أخي قل صبري واحتمالي ومن تكن

فقيداً لها من أين يلقي لها الصبر

أخي بعدك السجاد في قيد أسرهم

فلهفي لمن قد مضه القيد والأسر

أخي لو ترانا فوق أقتاب بدنهم

يسار بنا حسرى يعالجنا القهر

أخي كل خطب هان عند حلوله

سوى يومك الجاري فمطعمه مرّ

فيا نكبة هدّت قوى دين أحمد

وعظم مصاب في القلوب له شعر

قال آخر : (ويُنقل أنّه لزينب بنت فاطمة (عليهما‌السلام ) :

تمسك بالكتاب ومن تلاه

فأهل البيت هم أهل الكتاب

بهم نزل الكتاب وهم تلوه

وهم أهل الهداية للصواب

إمامي وحد الرّحمن طفلاً

وآمن قبل تشديد الخطاب

علي كان صديق البرايا

عليّ كان فاروق العذاب


شفيعي في القيامة عند ربي

نبيي والوصي أبو تراب

وفاطمة البتول وسيدا من

يخلد في الجنان من الشباب

على الطف السلام وساكنيه

وروح الله في تلك القباب

نفوس قدست في الأرض قدماً

وقد خلصت من النطف العذاب

مضاجع فتية عهدوا فناموا

هجوداً في الفوافد والشعاب

علتهم في مضاجعهم كعاب

بأرواق منعمة رطاب

وصيرت القبور لهم قصوراً

مناخاً ذات أفنية رحاب

بنات مُحمّد أضحت سبايا

يسقن مع الأسارى والتهاب

معثرة الذيول مكشفات

كسبي الروم دامية الكعاب

لئن أبرزن كرهاً من حجاب

فهن من التعفف في حجاب

أيبخل بالفرات على حسين

وقد أضحى مباحاً للكلاب

فلي قلب عليه ذو التهاب

ولي جفن عليه ذو انسكاب

نُقل عن زينب بنت عليّ (عليهما‌السلام ) قالت : في اليوم الذي أمر ابن سعد بسلبنا ونهبنا , كنت واقفة على باب الخيمة , إذ دخل الخيمة رجل أزرق العينين وأخذ جميع ما كان فيها وأخذ جميع ما كان عليّ , ونظر إلى زين العابدين فرآه مطروحاً على نطع من الأديم وهو عليل , فجذب النّطع من تحته , وجاء إليّ وأخذ قناعي وقرطين كانا في أذني , وهو مع ذلك يبكي , فقلت له : لعنك الله هتكتنا وأنت مع ذلك تبكي ؟! قال : أبكي مما جرى عليكم أهل البيت .قالت زينب : فقد غاضني , فقلت له : قطع الله يديك ورجليك وأحرقك بنار الدُنيا قبل الآخرة .فوالله ما مرّت به الأيّام حتّى ظهر المختار وفعل به ذلك ، ثمّ أحرقه بالنّار.

وأمّا عليّ بن الحُسين (عليهما‌السلام ) , فإنّه أقبل إليه الشّمر مع جماعة وأرادوا قتله ، فقيل له : صبي عليل لا يحلّ قتله .ثمّ أقبل عليهم عمر بن سعد لعنه الله , فضج النّساء في وجهه بالبكاء والنّحيب حتّى ذهل اللعين وارتعدت فرائصه , وقال لهم : لا تقربوا هذا الصّبي .ووكّل بعليّ بن الحُسين وعياله من حضر , وقال لهم : أحفظوا واحذروا أن يخرج منهم أحد .فلمّا رأت اُمّ كلثوم ما حلّ بهم , بكت وأنشأت :

يا سائلي عن فتية صرعوا

بالطف أضحوا رهن أكفاني


وفتية ليس يجارى بهم

بنو عقيل خير فرسان

ثم بعون وأخيه معاً

فذكرهم هيج أحزاني

من كان مسروراً بما مسنا

أو شامتاً يوماً بنا شاني

لقد ذللنا بعد عز فما

أرفع ضيماً حين يغشاني

لقد هتكنا بعد صون لنا

وسامني وجدي وأشجاني

قال : ثمّ إنّ عمر بن سعد اللعين نادى بأصحابه : مَن يبتدر إلى الحُسين فيوطئ ظهره وصدره بفرسه ؟ فابتدر من القوم عشرة رجال منهم إسحاق بن حنوة الحضرمي(١) وهو الذي يقول : نحن رضضنا الصّدر بعد الظّهر [بكلّ يعبوب شديد الأسر](٢) فداسوه بخيولهم حتّى هشموا صدره وظهره ، ورجع عمر بن سعد من ذلك .وقيل : أقام إلى الغد فجمع قتلاه فصلّى بهم ودفنهم وترك الحُسين وأصحابه ، فلمّا ارتحلوا إلى الكوفة وتركوهم على تلك الحال , عمد أهل الغاضرية من بني أسد , فكفّنوا أصحاب الحُسين وصلّوا عليهم ودفنوهم ، وكانوا اثنين وسبعين رجلاً.

ثمّ إنّ عمر بن سعد أمر بالرّحيل , فأخذوا السّبايا على الجمال , وحملوا عليّ بن الحُسين أسيراً , وحملوا الرؤوس على الأسنّة , وتركوا القتلى مطرحين بأرض الغاضريات.

ونُقل عن الشّعبي أنّه قال : سمع أهل الكوفة ليلة قتال الحُسين قائلاً يقول :

أبكي قتيلاً بكربلاء

مضرج الجسم بالدماء

أبكي قتيل الطغاة ظلماً

بغير جرم سوى الوفاء

أبكي قتيلاً بكى عليه

من ساكن الأرض والسماء

هتك أهلوه واستحلوا

ما حرم الله في الإماء

يا بأبي جسمه المعرى

إلّا من الدين والحياء

كل الرزايا لها عزاء

وماذا لرزء من عزاء

قال : ثمّ إنّ عمر بن سعد لمـّا أذن للناس بالرّحيل إلى الكوفة , وأمر بحمل السّبايا من بنات الحُسين وإخوته وذراريهم , فمرّوا بجثّة الحُسين ومَن معه , صاحت النّساء ولطمن وجوههن , ونادت زينب بنت عليّ : يا مُحمّداه ! صلّى عليك مليك السّماء , هذا حُسين بالعراء مرمّل بالدّماء معفّر بالتّراب مقطّع الأعضاء , يا محمداه ! بناتك في العسكر سبايا وذرّيّتك مقتّلة تسفى عليهم الصّبا , هذا أبيك(٣) محزوز

____________________

(١) هكذا ورد في الكتاب , ولكن الوارد في بحار الأنوار ٤٥/٥٩ , والعوالم ، الإمام الحسين (ع) /٣٠٣ , ولواعج الأشجان /١٩٥ , وأعيان الشّيعة ١/٦١٢ , واللهوف في قتلى الطّفوف /٨٠ , وغيرهم , هو : أسيد بن مالك .وفي بعض غيرهم غيره .(معهد الإمامين الحسنين).

(٢) كما في مثير الأحزان /٦٠ , ولواعج الأشجان /١٩٥ , وغيرهم .(معهد الإمامين الحسنين).

(٣) هكذا ورد في الكتاب , ولكن الوارد في بحار الأنوار ٤٥/٥٩ , والعوالم ، الإمام الحسين (ع) /٣٠٣ , واللهوف في قتلى الطّفوف /٧٨ , وغيرهم , هو : وهذا حسين ...(معهد الإمامين الحسنين).


الرّأس من القفا , لا هو غائب فيرجى ولا جريح فيداوى .فما زالت تقول هذا القول حتّى أبكت كلّ صديق وعدو , حتّى رأينا دموع الخيل تنحدر على حوافرها .ولله درّ بعض المحبّين حيث يقول :

قفوا ودعونا قبل بعدكم عنا

وداعاً فإن الجسم من أجلكم مضني

فقد نقضت منّي الحياة وأصبحت

على فجاج الأرض من بعدك سجنا

سلامي عليكم ما أمرّ فراقكم

فيا ليتنا من قبل ذاك اليوم قد متنا

وإني لارثي للغريب وإنني

غريب بعيد الدار والأهل والمعنى

إذا طلعت شمس النهار ذكرتكم

وإن غربت جددت من أجلكم حزنا

لقد كان عيشي بالأحبة صافياً

وما كنت أدري أن صحبتنا تفنى

زمان نعمنا فيه حتّى إذا انقضى

بكينا على أيامنا بدم أقنى

فوالله قد زاد اشتياقي إليكم

ولم يدع التغميض لي بعدكم جفنا

وقد بارحتني لوعة البين والأسى

وقد صرت دون الخلق مقترعاً سنا

وقد رحلوا عني أحبة خاطري

فما أحد منهم على غربتي حنا

عسى ولعل الدهر يجمع بيننا

وترجع أيام الهنا مثل ما كنافيا

إخواني , كيف لا نلبس جلابيب الأحزان وسرابيل الأشجان على سادات الزّمان واُمناء الملك الدّيان , المبرّئين من الزّيادة والنّقصان , الممدوحين بكلّ جارحة ولسان ! فتعساً لمن أرداهم وسحقاً وخيبة لمن خالفهم وعصاهم ! وليتني حضرتهم يوم الطّفوف ووقيتهم بنفسي من الحتوف , ولكن الأمر ما أراد الله ولا حول ولا قوة إلّا بالله.

روى الثّقاة من أصحاب الحديث بأسانيدهم عن هند بنت الحرث , قالت : نزل رسول الله خيمة خالتي اُمّ سعد فنام ، ثمّ قام عن رقدته فدعا بماء يغسل يديه ، ثمّ تمضمض ومج في عوسجة إلى جانب الخيمة , فأصبحنا فإذا هي أعظم دوحة , وجاءت بثمر كأعظم ما يكون في لون الورس ورائحة العنبر وطعم الشّهد , ما أكل منها جائع إلّا شبع ولا ظمأ إلّا روي ولا سقيم إلّا بريء , ولا أكلت من ورقها شاة إلّا درّ لبنها , فكنّا نسمّيها المباركة , حتّى أصبحت ذات يوم تساقط ثمرها واصفر ورقها , ففزعنا ممّا رأينا , فما راعنا إلّا نعي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , ثمّ إنّه بعد ثلاثين سنة , أصبحت ذات شوكة من أسفلها إلى أعلاها ,


وتساقط ثمرها وذهبت نضرتها , فما شعرنا إلّا بقتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليهما‌السلام ) ، فما أثمرت بعد ذلك وكنّا ننتفع بورقها ، ثمّ أصبحنا وإذا بها قد نبع من ساقها دم عبيط وقد ذبل ورقها , فبينما نحن فزعين مهمومين , إذ أتانا مقتل الحُسين السّبط ويبست الشّجرة على أثر ذلك وذهبت.

وروي عن ابن عباس , قال : كنت نائماً في منزلي في المدينة قابلة الظّهر , فرأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو مقبل من نحو كربلاء , وهو أشعث أغبر والتّراب على شيبته وهو باكي العين حزين القلب , ومعه قارورتان مملؤتان دماً ، فقلت له : يا رسول الله , ما هذه القارورتان المملؤتان دماً ؟ فقال : (( هذه فيها من دم الحُسين , وهذه الاُخرى من دم أهل بيته وأصحابه , وإنّي رجعت الآن من دفن ولدي الحُسين )) .وهو مع ذلك لا يفيق من البكاء والنّحيب.

قال ابن عباس : فاستيقظت من نومي فزعاً مرعوباً حزيناً على الحُسين ولم أعلم بقتله , فبقيت في الهمّ والغمّ أربعة وعشرين يوماً , حتّى جاء النّاعي إلى المدينة بقتل الحُسين (عليه‌السلام ) , فحسبت من يوم الرؤيا إلى ذلك اليوم , فإذا هو يوم قتل الحُسين وفي تلك السّاعة كان مقتله , فتعجبت من ذلك وتزايدت أحزاني وتصاعدت أشجاني.

فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونوا كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة لمحمد بن حماد (رحمه‌الله )

لغير مصاب السبط دمعك ضائع

ولم نحظ بالحظ الذي أنت طامع

ولا أنت فيما تدعيه من الولاء

إذا لم يذب من لوعة الحزن سامع

فكل مصاب دون رزء ابن فاطم

حقير ورزء السبط والله فازع

فدعني عذولي والبكاء فإنني

اراك خلياً لم ترعك الفواجع

لأي مصاب اُمّ لأي رزية

تصان لها دون الحُسين المدامع

لحا الله طرفاً لم يسح دموعه

بقان فما دمع على السبط ضائع

فأين ادعاك الود والعهد والولاء

وقولك إنّي تابع ومتابع

يبيت حسين ساهر الطرف خائفاً

وطرفك ريان من النوم هاجع


وجسم حسين بالدماء مرمل

وجسمك في ثوب من الحزن دارع

أيا عين ابكي للحسين وما جرى

عليه وما جرت عليه الخدائع

لقد كاتبوه الناكثون وكثروا

لقولهم أقدم فسعدك طالع

وليس لنا إلاك يابن مُحمّد

إماماً وإن الدين والحق ضائع

وأنفسنا دون النفوس وأهلها

وأموالنا تفديك والكل طائع

فأقبل مولاي الحُسين بأهله

يحدبهم حدب الظهور الجراشع

فلم يلق إلّا غادراً ومنافقاً

وكل لعين أحرقته المطامع

يسائله ماذا الذين أنت طالب

وفي أي قول جئت فيه وطامع

فقال لهم كتب لكم ورسائل

تخبر أن الكل للحق طائع

فأبدوا جحوداً واغتدوا وتجبروا

وباحوا بما كانوا بذكراه طالعوا

وأصبح ممنوعاً من الماء ورده

وقد ملكت دون الحُسين الشرائع

فيا لهف قلبي للشهيد وأهله

وأصحابه كل هناك يطالع

إلى الماء يجري واللئام تحوطه

كلون سماء موجه متدافع

وللفاطميات العفاف تلهف

على شربه والذئب والكلب شارع

فلما رأى السبط الشهيد ضلالهم

وكل لكل في الغواية تابع

أتى نحوهم في نعله وردائه

ولا راعه من كثرة القوم رائع

وقال لهم يا قوم أي شريعة

مبدلها اُمّ أي بدعة بادع

يحل لكم قتلي بغير جناية

ألا فانسبوني من أنا ثمّ راجعوا

نفوسكم قبلي الندامة والأسى

فما الحزن من بعد التفرط نافع

إذا لم تكونوا ترتضون قدومنا

دعوني عنكم إنّي الآن راجع

فقالوا له خل التعل والمنى

وصحبك جمعاً سلموا ثمّ بايعوا

وإلّا فكاسات المنون مليئة

بها السم من زرق الأسنة ناقع

فشأنك والحالين أي كلاهما

تريد فأخبرنا بما أنت صانع

فقال لهم كفوا عن الحرب إنني

أفكر فيما قلتم وأطالع

ولما دجي الليل البهيم عليهم

وطاب لخالين القلوب المضاجع

دعا السبط أنصاراً كراماً أعفة

وما منهم إلّا حمى وطائع


فقال لهم بالحل أمضوا واسلكوا

سبيل النجا بالليل فالبر واسع

فقالوا جميعاً لا رعى الله عيشة

نعيش بها والسبط للموت جارع

فقاموا يرون الموت أكبر مغنم

وما منهم إلّا عن السبط دافع

وقام لهم سوق من الموت حامياً

وتجاره سمر القنا والقواطع

وبادي منادي الموت واشتجر القنا

وقد نشرت للبيع ثمّ البضائع

فكم بائع نال السعادة والمنى

وكم خاب ذاك اليوم شار وبائع

فلله من أقمار ثمّ تساقطت

على الأرض صرعى فهي فيها طوالع

وآساد غيل بعد بأس وسطوة

مذللة من بعد عز خواضع

وعاد حسين مثل ما قال شاعر

كما مثل كف طار عنها الأصابع

ونسوانه من بين سبي وغارة

حزانا حيارى نادبات جوازع

وبنت عليّ لا تمل من البكا

بقلب لها قلب الأحبة لاسع

تقول أخي هذا الفراق متى اللقا

وفي أي وقت يجمع الشمل جامع

أخي من لنا من بعد فقدك كافل

وفيمن تلوذ البائسات الضوائع

وصاح ابن سعد إذ رأى السبط وسلبه

ونهب خيام النساء وسارعوا

ألا عجلوا قتل الحسين وسلبه

ونهب خيام النساء وسارعوا

فمال عليه القوم بالبيض والقنا

ورشق سهام رميه متتابع

فأردوه مخضوب الثياب كأنه

شمام هوى من سرجه أو مقالع

كأني بشمر جالساً فوق صدره

لرأس حسين بالمهند قاطع

وعلى سنان رأسه في سنانه

ونور حسين السبط كالبدر ساطع

فيا لك من يوم عظيم مصابه

عجيب أمور للشواهق ضارع

ففحم الغوى والجهل والبطل جامع

ونهر الهدى والدين والحق ضائع

وفيه حسين بالدماء مرمل

وفيه يزيد بالمسرة رائع

وزواره عود وخمرة وقينة

وزوار مولاي الحُسين الجوامع

وطفل يزيد بالمهود ممهد

وطفل حسين بالمنية راضع

وأطلال أولاد الدعي عوامر

وأطلال أولاد النّبي بلاقع

وآل زياد بالستور أعزة

وآل رسول الله فيها ضوارع


كمثل لمـّا يضربن من كل جانب

وقد أخذت عن رؤوسهن المقانع

إذا نظروا رأس الحُسين إمامهم

إلى الأرض من فوق المطايا تواقع

ولم أنس زين العابدين مكبلاً

وشمر له بالسب والضرب واجع

وفخذاه نضاخان قان وقلبه

من الوجد والتبريح بالذل خاشع

فكل مصاب هان دون مصابهم

وكل بلاء دونه متواضع

أيا سادتي يا آل طه عليكم

سلام متى ناح الحمام المراجع

فوالله ما لي في المعاد ذخيرة

ولا عمل فيه انمحى الذنب طائع

سوى حبكم يا خيرب من وطأ الثرى

وإني بذاك الذخر راض وقانع

لعل ابن حماد مُحمّد عبدكم

له في غد خير البرية شافع

عليكم سلام الله ما هبت الصبا

وما لاح نجم في دجى الليل لا مع

الباب الثّاني

يا إخواني , وكيف لا تحزنون على حبيب ربّ العالمين ، وثمرة فؤاد الزّهراء بنت خاتم النّبيين ، وقرّة عين عليّ أمير المؤمنين ؟! وكيف لا يكون كذلك وقد ورد في الخبر عن سيّد البشر , أنّه قال في الحسن والحُسين : (( اللّهمّ أحبّهما وأحبّ من يحبّهما )) .وقال : (( مَن أحبّ الحسن والحُسين أحببته , ومَن أحببته أحبّه الله , ومَن أحبّه الله أدخله الجنّة , ومَن بغضهما بغضته , ومَن أبغضته أبغضه الله , ومَن أبغضه الله أدخله النّار )).

فوا عجباه ممّن يحبّهما رسول الملك الخلاق , كيف يقع بهما أهل الضّلال والنّفاق ؟! فأيّ فؤاد لا يحزن لفقدهم ؟ وأيّ عين تحبس دمعها من بعدهم ؟ وكيف تستقرّ القلوب وقد أصبح أهل بيت الرّسول مطرودين على[عن](١) الأوطان , مشرّدين في البراري والبلدان , شاسعين في الأمصار كأنّهم مع سبايا الكفّار , من غير جرم اجترموه أو مكروه ارتكبوه .فكم من ورع اُريق دمه وذي كمال نكّس علمه , فلو سمعتم كيف ينوح عليه لسان الصّلوات ويحنّ إليهم إنسان الخلوات , وتبكيهم محاريب المساجد وتناديهم أندية الفوائد , لشجاكم سماع تلك الواعية النّازلة , وعرفتم تقصيركم في هذه المصيبة الشّاملة .ولله درّ مَن قال من الرّجال :

ولم أنس مولاي الحُسين وقد غدا

يودع أهليه ويوصي ويعجل

____________________

(١) من إضافات المقوم .(معهد الإمامين الحسنين).


ينادي ألا يا أهل بيت مُحمّد

أصيغوا لمـّا أوصيكموا وتقبلوا

عليكم بتقوى الله لا تتغيروا

لعظم رزاياكم ولا تتبدلوا

ودوموا على أعمالكم وانتهالكم

وقوموا إذا جن الدجى وتنفلوا

وإن نابكم خطب فلا تتضعضعوا

لوقع الرزايا واصبروا وتحملوا

وفاطمة الصغرى تقول لأختها

هلمي إلى التوديع فالأمر مهول

ألى والدي يوصني بنا أخواته

وعيناه من حزن تفيض وتهمل

وتدعو ألا يا سيّدي بلغ العدى

بنا ما تمنوا في النفوس وأمّلوا

وقمن النساء الفاطميات ولهاً

فأبصرن منه ما يسوء ويذهل

وخرت عليه زينب مستغيثة

ومعجزها من نحره متبلل

وتشكو إلى الزّهراء فاطم حالها

وتندب مما نالها وتولول

أيا اُمّ قومي من ثرى القبر وانظري

حبيبك ملقى في الثرى لا يغسل

وهل أنت يا ست النساء عليمة

بأنا حيارى نستجير ونسأل

وهل لك علم من عليّ فإنه

أسير عليل في القيود مغلل

علمتم وما أعلمتمونا برزئكم

وحملتمونا اليوم ما ليس يحمل

فيا حسرة لا تنقضي ومصيبة

لقد نزلت بالناس دهياء معضل

نُقل أنّ الحُسين لمـّا أراد الخروج إلى العراق , قالت له اُمّ سلمه : يا مولاي لا تخرج , قد سمعت جدّك رسول الله يقول : (( يُقتل ابني الحُسين بالعراق )) .وعندي تربة دفعها إليّ في قارورة ، فقال : (( والله إنّي مقتول كذلك , وإن لم أخرج إلى العراق يقتلوني أيضاً )) .ثمّ أخذ تربة فجعلها في قارورة وأعطاها إيّاها وقال : (( اجعليها مع القارورة التي أعطاك إيّاها جدّي , فإذا فاضتا دماً , فاعلمي أنّي قد قُتلت )) قالت اُمّ سلمه : فلمّا كان يوم عاشوراء , نظرت إلى القارورتين بعد الظّهر , فإذا هُما قد صارتا دماً .فصاحت وأعلمت من كان عندها , فصرخوا وأقاموا عليه العزاء .ولم يُقلب ذلك اليوم حجر ولا مدر إلّا ووجد تحته دم عبيط.

علم جدّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنّه مقتول فأوعز إليه , فاستقرّ ذلك في الخاطر وانعقدت عليه السّرائر , فهان عليه ما يلقاه في طاعة ربّه ومولاه حتّى جاهد على الضّلال ممتثلاً لرضا ذي الجلال .فويل لمن خصماؤه شفعاؤه وشفعاؤه خصماؤه !

فيا إخواني , لا تساموا في إقامة


الأحزان ولا ترغبوا عن إظهار الجزع والأشجان , فإنّه قليل في جنب هذا الخطب الجليل.

نُقل أنّه لمـّا ارتحل عمر بن سعد لعنه الله ومن معه من أرض كربلاء متوجهاً إلى الكوفة , ومعهم حرم رسول الله ورؤوس العلويين ورأس الحُسين بمقدمهم , سمعوا هاتفاً يقول :

نُقل أنّ الأبيات لسُليمان بن قتيبة

مررت على أبيات آل مُحمّد

فلم أرها أمثالها يوم حلت

فلا أبعد الله الديار وأهلها

وإن أصبحت عنها برغم تخلت

وكانوا رجاء ثمّ صاروا رزية

لقد عظمت تلك الرزايا وجلت

ألا أن قتل السبط من آل هاشم

أذل رقاب المسلمين فذلت

ألم تر أن الشمس أضحت مريضة

لقتل حسين والبلاد اقشعرت

فليت الذي أهوى إليه بسيفه

أصاب به يمنى يديه فشلت

عن مُسلم الجصاص , قال : دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة , فبينما أنا أجصص الأبواب , وإذا بالزّعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة ، فأقبلت على خادم وكان يعمل معنا , فقلت : ما لي أرى الكوفة تضجّ ؟ قال : السّاعة أتوا برأس خارجي , خرج على يزيد بن معاوية .فقلت : مَن هذا الخارجي ؟ قال : الحُسين بن عليّ .قال : فتركت الخادم حتّى خرجت ولطمت وجهي حتّى خشيت على عيني أن تذهبا , وغسلت يدي من الجص وخرجت من ظهر القصر وأتيت إلى الكناس , فبينما أنا واقف والنّاس يتوقعون وصول السّبايا والرّؤوس , إذ قد أقبلت نحو أربعين شقة تحمل على أربعين جملاً فيها الحرم والنّساء وأولاد فاطمة , وإذا بعليّ بن الحُسين على بعير بغير وطاء وأوداجه تشجب دماً وهو مع ذلك يبكي ويقول :

يا أمة السوء لا سقياً لربعكم

يا أمة لم تراعي جدنا فينا

لو أننا ورسول الله يجمعنا

يوم القيامة ما كنتم تقولونا














فاتكا فيهم كفتك أمية

يوم بدر بالصارم المصقول

فأتاه سهم اللعين فأرداه

صريعاً يرض تحت الخيول

ومضى المهر ناعياً يقصد الفسطاط

في كسره وضعف صهيل

فبرزن النسوان من خلل السجف

حيارى في رنة وعويل

وأتت زينب إليه تنادي

وا أخي وا مؤملي وا كفيلي

يا بن أمي يا واحدي ي شقيقي

وا سبائي وا ذلتي وا غليلي

ثم تدعو بأمها أم يا أم

أدركيني وعجلي واندبي لي

واخرجي من ثرى القبور ونوحي

لي على غربتي وحزني الطويل

واسعديني وابكي على النازح

الدار الغريب المشرد المقتول

ثم تدمي الخد الأسيل من النحر

المدمى باللثم والتقبيل

وتنادي أيا أخي ما ترى الأيتام

يعثرن دهشة بالذيول

ما ترى نجلك المفدي بذل

وسقام باد وداء دخيل

يشتكي ثقل الحديد عليلا

لهف قلبي على الأسير العليل

ثم تبكي والسبط ملقى على الأرض

رميلا وا حسرتا للرميل

كلما أفحمت وملت من الندى

رنا نحوها وخطب جليل

يا لها من مصيبة أضعفت أركان

دين الهدى وخطب جليل

أيعلى رأس الحُسين على الرمح

ويهدى إلى الطغاة النغول

يا بن بنت النّبي جفني بتسكاب

دموعي عليك غير نجيلي

ما شجاني إلّا مصابك لا فقد

حبيب ولا فراق خليلي

عبدك النابع الخليعي محزون

بكم عارف لكم بالدليل

ما ثنته عنكم خطوب كما قيل

ولا قاس عالماً بجهول

حاش لله كيف يمضي مع الفاضل

دعوى إمامة المفضول

لكن الجاهل المقلد لا يفرق

بين الدليل والمدلول

أنتم الآمرون للناس بالتقوى

وأهل التنزيل والتأويل

حكمكم في العباد ماض فيهم بينٍ

ضلال مرد وضل ضليل

فأقسموني إذا قسمتم نعماً

وجحيماً إلى ثواب جزيل


الباب الثّالث

يا إخواني , كيف لا ينهدّ ركني لمصابهم وأتجرّع بعض ما تجرّعوه من غصصهم وأوصابهم , وهُم شفعائي في يوم الدّين إلى ربّ العالمين ؟ حاش لله , بل طال ما شبّت نار أحزاني فأكتمها عن من ينظر إليّ ويراني ، وكم كادت مدامعي أن تظهر كتماني فأزيلها بإرادتي ؛ لئلا يظهر عليها جلسائي وخلاني ، ولِمَ لا أموت في هواهم وأتلف مهجتي في رضاهم ؛ لأفوز بالأجر العظيم والثّواب الجسيم ؟.

حُكي عن الشّعبي الحافظ لكتاب الله تعالى , أنّه قال : استدعاني الحجاج بن يوسف في يوم عيد الضّحية , فقال لي : أيّها الشّيخ , أيّ يوم هذا ؟ فقلت : هذا يوم الضّحية .قال : بِمَ يتقرّب النّاس في مثل هذا اليوم ؟ فقلت : بالأضحيّة والصّدقة وأفعال البرّ والتّقوى .فقال : اعلم إنّي قد عزمت أن أضّحي برجل حُسيني .قال الشّعبي : فبينما هو يخاطبني , إذ سمعت من خلفي صوت لسلسلة وحديد , فخشيت أن التفت فيستخفّني , وإذا قد مثل بين يديه رجل علوي وفي عنقه سلسلة وفي رجليه قيد من حديد ، فقال له الحجاج : ألست فلان بن فلان العلوي ؟ قال : نعم أنا ذلك الرّجل .فقال له : أنت القائل : إنّ الحسن والحُسين من ذرّيّة رسول الله ؟ قال : ما قلت ولا أقول , ولكن أقول : إنّ الحسن والحُسين ولدا رسول الله , وإنّهما دخلا في ظهره وخرجا من صلبه على رغم أنفك يا حجاج .قال : وكان متّكئاً على مسندة فاستوى جالساً , وقد اشتدّ غيظه وغضبه وانتفخت أوداجه حتّى تقطّعت أزرار بردته , فدعا ببردة غيرها فلبسها ، ثمّ قال للرجل : يا ويلك أن تأتيني بدليل من القرآن يدلّ أنّ الحسن والحُسين ولدا رسول الله , دخلا في ظهره وخرجا من صلبه , وإلاّ قتلتك في هذا الحين أشرّ قتلة , وإن أتيتني بما يدلّ على ذلك , أعطيتك هذه البردة التي بيدي وخلّيت سبيلك.

قال : وكنت حافظاً كتاب الله تعالى كلّه وأعرف وعده ووعيده وناسخه ومنسوخه , فلم تخطر على بالي آية تدلّ على ذلك , فحزنت في نفسي يعزّ والله عليّ ذهاب هذا الرّجل العلوي ، قال : فابتدأ الرّجل يقرأ الآية فقال :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) .فقطع عليه الحجاج قراءته , وقال : لعلّك تريد أن تحتجّ عليّ بآية المباهلة , وهي قوله تعالى :( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا


وَنِسَاءَكُمْ ) (١) ؟ فقال العلوي : هي والله حجّة مؤكّدة معتمدة , ولكنّي آتيك بغيرها .ثمّ ابتدأ يقرأ :( بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ * وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى ) (٢) .وسكت , فقال له الحجاج : فلِم لا قلت : ( وَعِيسَى ) ؟ أنسيت عيسى ؟ فقال : نعم صدقت يا حجاج , فبأيّ شيء دخل عيسى في صلب نوح (عليه‌السلام ) وليس له أب ؟ فقال له الحجاج : إنّه دخل في صلب نوح من حيث اُمّه .فقال العلوي : وكذلك الحسن والحُسين دخلا في صلب رسول الله باُمّهما فاطمة الزّهراء .قال : فبقي الحجاج كأنّما اُلقم حجراً , فقال له الحجاج : ما الدّليل على أنّ الحسن والحُسين إمامان ؟ فقال العلوي : يا حجاج , لقد ثبتت لهما الإمامة بشهادة النّبي في حقّهما ؛ لأنّه قال في حقّهما : (( ولداي هذان إمامان فاضلان إن قاما وإن قعدا , تميل عليهما الأعداء فيسفكون دمهما ويسبون حرمهما )) .ولقد شهد النّبي لهما بالإمامة أيضاً حيث قال : (( ابني هذا - يعني الحُسين - إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة )) .فقال الحجاج : وكم عمر الحُسين في دار الدُنيا ؟ فقال : ست وخمسون سنة .فقال له : وفي أيّ يوم قُتل ؟ قال : يوم العاشر في شهر مُحرّم بين الظّهر والعصر .فقال له : ومَن قتله ؟ فقال : يا حجاج , لقد جنّد الجنود ابن زياد بأمر اللعين يزيد , فلمّا اصطفّت العساكر لقتاله , فقتلوا حماته وأنصاره وأطفاله وبقي فريداً , فبينما هو يستغيث فلا يُغاث ويستجير فلا يُجار يطلب جرعة من الماء ليطفىء بها حرّ الظّمأ , فبينما هو واقف يستغيث إلى ربّه , جاءه سنان فطعنه بسنانه , ورماه خولّى بسهم ميشوم فوقع في لبّته وسقط عن ظهر جواده إلى الأرض يجول في دمه , فجاءه الشّمر لعنه الله فاجتزّ رأسه بحسامه ورفعه فوق قناته , واخذ قميصه إسحاق الحضرمي , وأخذ سيفه قيس النّهشلي , وأخذ بلغته حارث الكندي , وأخذ خاتمه زيد بن ناجية الشّعبي , وأحاط القوم بخيامه وعاثوا في باقي أثاثه , وأسبوا حريمه ونساءه.

فقال الحجاج : هكذا جرى عليهم يا علوي ؟ والله , لو تأتيني بهذا الدّليل من القرآن وبصحة إمامتهما , لأخذت الذي فيه عيناك , ولقد نجاك الله تعالى مما عزمت عليه من قتلك , ولكن خذ هذه البردة لا بارك الله لك فيها .فأخذها العلوي وهو يقول : هذا من عطاء الله وفضله لا من عطائك يا حجاج .ثمّ إنّ العلوي بكى وجعل يقول :

____________________

(١) سورة آل عمران / ٦١.

(٢) سورة الأنعام /٨٤ - ٨٥.


صلّى الإله ومن يحف بعرشه

والطيبون على النّبي الناصح

وعلى قرابته الذين نهضوا

بالنائبات وكل خطب فادح

طلبوا الحقوق فأبعدوا عن دارهم

وعوى عليهم كل كلب نائح

نُقل : أنّه لمـّا دعا اللعين يزيد بسبي الحُسين واعرضوا عليه , قالت له زينب بنت عليّ : يا يزيد , أما تخاف الله سبحانه من قتل الحُسين ؟ وما كفاك حتّى تستحث حرم رسول الله من العراق إلى الشّام ؟ وما كفاك انتهاك حرمتهنّ حتّى تسوقنا إليك كما تُساق الإماء على المطايا بغير وطاء من بلد إلى بلد ؟ فقال لها يزيد لعنه الله : إنّ أخاك الحُسين قال : (( أنا خير من يزيد , وأبي خير من أبيه , واُمّي خير من اُمّه , وجدّي خير من جدّه )) .فقد صدق في بعض وألحن في بعض , أمّا جدّه رسول الله فهو خير البرية ، وأمّا أنّ اُمّه خير من اُمّي وأباه خير من أبي , كيف ذلك وقد حاكم أبوه أبي ؟ ثمّ قرأ :( قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (١) .قال : فقالت :( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (٢) .ثمّ قالت : يا يزيد , ما قتل الحُسين غيرك , ولولاك لكان ابن مرجانة أقلّ وأذلّ ، أما خشيت من الله بقتله ؟ وقد قال رسول الله فيه وفي أخي : (( الحسن والحُسين سيدا شباب أهل الجنّة )) .فإن قُلت لا , فقد كذبت , وإن قُلت نعم ، فقد خصمت نفسك .فقال يزيد :( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ) (٣) .وبقي خجلاناً .وهو مع ذلك لم يرتدع عن غيّه وبيده قضيب ينكث ثنايا الحُسين(ع) ، فدخل عليه رجل من الصّحابة - ونُقل أنّه زيد بن أرقم - فقال له : يا يزيد , فوالله الذي لا إله إلّا هو , لقد رأيت رسول الله يقبّلهما مراراً كثيرة , ويقول له ولأخيه الحسن : (( اللّهمّ , إنّ هذان وديعتي عند المُسلمين )) .وأنت يا يزيد هكذا تفعل بودائع رسول الله ؟! قال : ثمّ إنّ يزيد غضب عليه وأمر به فسجن , حتّى نُقل أنّه مات وهو في السّجن .ألا لعنة الله على القوم الظّالمين.

ونُقل : أنّ سكينة بنت الحُسين قالت : يا يزيد , رأيت البارحة رؤيا إن سمعتها منّي قصصتها عليك ؟ فقال يزيد : هاتي ما رأيت .قالت : بينما أنا ساهرة وقد كللت من البكاء بعد أن صلّيت ودعوت الله بدعوات , رقدت عيني , رأيت أبواب

____________________

(١) سورة آل عمران / ٢٦.

(٢) سورة آل عمران /١٦٩ - ١٧٠.

(٣) سورة آل عمران / ٣٤.


السّماء قد تفتّحت , وإذا أنا بنور ساطع من السّماء إلى الأرض , وإذا أنا بوصائف من وصائف الجنّة , وإذا أنا بروضة خضراء وفي تلك الرّوضة قصر , وإذا أنا بخمس مشايخ يدخلون إلى ذلك القصر وعندهم وصيف , فقلت : يا وصيف , أخبرني لمن هذا القصر ؟ فقال : هذا لأبيك الحُسين أعطاه الله ثواباً لصبره .فقلت : ومَن هؤلاء المشايخ ؟ فقال : أمّا الأوّل فآدم أبو البشر ، وأمّا الثّاني فنوح نبي الله ، وأمّا الثّالث فإبراهيم خليل الرّحمن ، وأمّا الرّابع فموسى الكليم .فقلت : ومَن الخامس الذي أراه قابضاً على لحيته باكياً حزيناً من بينهم ؟ فقال لي : يا سكينة أما تعرفينه ؟ فقلت : لا .فقال : هذا جدّك رسول الله .فقلت له : إلى أين يريدون ؟ فقال : إلى أبيك الحُسين ، فقلت : والله , لألحقنّ جدّي واخبرنّه بما جرى علينا .فسبقني ولم ألحقه , فبينما أنا متفكّرة , وإذا بجدّي عليّ بن أبي طالب وبيده سيفه وهو واقف , فناديته : يا جدّاه قُتل والله ابنك من بعدك ! فبكى وضمّني إلى صدره وقال : (( يا بنية , صبراً وبالله المستعان )) .ثمّ إنّه مضى ولم أعلم إلى أين ، فبقيت متعجّبة كيف لم أعلم به , فبينما أنا كذلك , إذا بباب قد فُتح من السّماء ، وإذا بالملائكة يصعدون وينزلون على رأس أبي .قال : فلمّا سمع يزيد ذلك , لطم على وجهه وبكى وقال : ما لي ولقتل الحُسين.

وفي نقل آخر : أنّ سكينة قالت : ثمّ أقبلت على رجل ؛ دري اللون قمري الوجه حزين القلب ، فقلت للوصيف : مَن هذا؟ فقال : جدّك رسول الله .فدنوت منه وقلت له : يا جدّاه ! قُتلت والله رجالنا وسفكت والله دماؤنا ، وهتكت والله حريمنا ، وحملنا على الأقتاب بغير وطاء ، نساق إلى يزيد .فأخذني إليه وضمّني إلى صدره ، ثمّ أقبل على آدم ونوح وإبراهيم وموسى , ثمّ قال لهم : (( ماترون إلى ما صنعت اُمّتي بولدي من بعدي ؟ )) .ثمّ قال الوصيف : يا سكينة , اخفضي صوتك فقد أبكيت رسول الله .ثمّ أخذ الوصيف بيدي وادخلني المصر , وإذا بخمس نسوة قد عظم الله خلقتهن وزاد في نورهن , وبينهنّ امرأة عظيمة الخلقة ناشرة شعرها وعليها ثياب سود وبيدها قميص مضمّخ بالدّم , وإذا قامت يقمن معها وإذا جلست يجلسن معها ، فقلت للوصيف : مَن هؤلاء النّسوان اللواتي قد عظم الله خلقتهن ؟ فقال : يا سكينة , هذه حواء اُمّ البشر ، وهذه مريم ابنة عمران ، وهذه خديجة بنت


خويلد ، وهذه هاجر ، وهذه سارة ، وهذه التي بيدها القميص المضمّخ بالدّم وإذا قامت يقمن معها وإذا جلست يجلسن معها , هي جدّتك فاطمة الزّهراء .فدنوت منها وقلت لها : يا جدتاه ! قُتل والله أبي وأوتمت على صغر سني .فضمّتني إلى صدرها وبكت بكاءاً شديداً وبكين النّسوة كلّهن وقلن لها : يا فاطمة , يحكم الله بينك وبين يزيد يوم فصل القضاء .ثمّ إنّ يزيد تركها ولم يعبأ بقولها :( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .

قتلتم أبي ظلماً فويل لأمكم

ستجزون ناراً حرها تتوقد

سفتكم دماء حرم الله سفكها

وحرمها القرآن ثمّ محم

ألا فابشروا بالنّار إنكم غداً

لفي سقر حقاً يقيناً تخلدوا

وإني لأبكي في حياتي على أبي

على خير من بعد النّبي سيولد

بدمع غزير مستهل مكفكف

على الخد منّي ذائب ليس يجمد

قال : ثمّ إنّ يزيد لعنه الله أمر الخطيب أن يصعد المنبر يسبّ عليّاً والحسن والحُسين , قال : فصعد ففعل ذلك ، فقال له زين العابدين : (( سألتك بالله إلّا ما أذنت لي بالصّعود على المنبر , وأتكلم بكلام لله فيه رضى وللاُمّة فيه صلاح )) .فاستحى منه فأذن له ، ثمّ إنّ زين العابدين جعل بعذوبة منطقه وفصاحة لسانه ودلائل النّبوة بعد أن حمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال : (( معاشر النّاس , مَن عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فإنّي أعرّفه بنفسي , أنا عليّ بن الحُسين بن عليّ بن أبي طالب ، أنا ابن من حجّ ولبّى , أنا ابن من طاف وسعى , أنا ابن زمزم والصّفا ، أنا ابن مكّة ومنى ، أنا ابن البشير النّذير ، أنا ابن الدّاعي إلى الله بإذنه ، أنا ابن من دنى فتدلّى ، أن ابن مُحمّد المـُصطفى ، أنا ابن عليّ المـُرتضى ، أنا ابن فاطمة الزّهراء ، أنا ابن خديجة الكبرى ، أنا ابن صريع كربلاء ، أنا ابن محزوز الرّأس من القفا ، أن ابن العطشان حتّى قضى ، أنا ابن الذي افترض الله ولايته : فقال :( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) (٢) .ألا أنّ الاقتراف مودّتنا أهل البيت.

أيّها النّاس , فضّلنا الله بخمس خصال , فينا الشّجاعة والسّماحة والهُدى والحكم بين النّاس بالحقّ والحمية في قلوب المؤمنين)) .قال : فقام المؤذّن فقطع خطبته , فلمّا قال : الله أكبر الله أكبر .قال

____________________

(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.

(٢) سورة الشّورى / ٢٣.


الإمام زين العابدين : (( كبّرت كبيراً وعظمت عظيماً وقُلت حقّاً جليلاً )) .فقال المؤذّن : أشهد أن لا إله إلا الله .فقال الإمام : (( وأنا أشهد أن لا إله إلا الله )) .فقال المؤذّن : أشهد أنّ مُحمّداً رسول الله .فبكى زين العابدين وقال : (( يا يزيد , مُحمّد جدّي أم جدّك ؟ )) .فقال : بل جدّك .قال : لِم قتلت ولده ؟ فلم يرد جواباً ، حتّى نُقل أنّه قال : ما لي بالصّلاة حاجة .فخرج ولم يصل.

قال : ثمّ إنّ المنهال لقي عليّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) ، فقال : كيف أصبحت يا بن رسول الله ؟ فقال : (( كيف أصبح من قُتل بالأمس أبوه وأهله وهو يتوقّع الموت بعدهم )) .ثمّ قال : (( أصبحت العرب تفتخر على العجم ؛ لأنّ مُحمّداً منهم , ونحن أهل البيت أصبحنا مظلومين مقتولين مشردين )) .قال : فعلت الأصوات بالبكاء والنّحيب حتّى أنّ يزيد لعنه الله خشي الفتنة.

ونُقل عن هند زوجة يزيد , قالت : كنت أخذت مضجعي , فرأيت باباً من السّماء قد فتحت والملائكة ينزلون كتائب كتائب إلى رأس الحُسين , وهم يقولون : السّلام عليك يا أبا عبد الله , السّلام عليك يا بن رسول الله .فبينما أنا كذلك , إذ نظرت إلى سحابة قد نزلت من السّماء وفيها رجال كثيرون , وفيهم رجل دري اللون قمري الوجه , فأقبل يسعى حتّى انكبّ على ثنايا الحُسين يقبّلهما وهو يقول : (( يا ولدي قتلوك , أتراهم ما عرفوك ومن شرب الماء منعوك , يا ولدي , أنا جدّك رسول الله , وهذا أبوك عليّ المـُرتضى , وهذا أخوك الحسن , وهذا عمّك جعفر وهذا عقيل , وهذان الحمزة والعبّاس )) .ثمّ جعل يعدّد أهل بيته واحداً بعد واحد .قالت هند : فانتبهت من نومي فزعة مرعوبة , وإذا بنور قد انتشر على رأس الحُسين , فجعلت أطلب يزيد وهو قد دخل إلى بيت مظلم وقد دار وجهه إلى الحائط , وهو يقول : ما لي وللحسين .وقد وقعت عليه الهمومات , فقصصت عليه المنام وهو منكس الرّأس.

قال : فلمّا أصبح , استدعى بحرم رسول الله , فقال لهم : أيما أحبّ إليكنّ , المقام عندي أو الرّجوع إلى المدينة ولكم الجائزة السّنية ؟ قالوا : نحبّ أوّلاً أن ننوح على الحُسين .قال : افعلوا ما بدا لكم .ثمّ اُخليت لهنّ الحجر والبيوت في دمشق , ولم تبق هاشمية ولا قريشة إلّا ولبست السّواد على الحُسين , وندبوه على ما نُقل سبعة أيّام ، فلمّا كان اليوم الثّامن , دعاهم يزيد وعرض عليهم المقام , فأبوا وأرادوا الرّجوع إلى المدينة


فأحضر لهم المحامل وزيّنها , وأمر بالأنطاع من الإبريسم وصبّ عليها الأموال , وقال : يا اُمّ كثلوم , خذوا هذا المال عوض ما أصابكم .فقالت اُمّ كلثوم : يا يزيد , ما أقلّ حياءك وأصلف وجهك , أتقتل أخي وأهل بيتي وتعطيني عوضهم مالاً ؟! والله لا كان ذلك أبداً.

فيا ذلة الإسلام من بعد عزه

ويا لك رزء في الأنام خطير

فيا عبرتي سحي ويا حرقتي إزددي

ويا نفس ذوبي فالمصاب كبير

فأي حياة بعد ذا الرزء ترتجي

وأي فؤاد يعتريه سرور

نُقل : اللعين يزيد أوعد عليّ بن الحُسين بثلاث حاجات يقضيها له ، فلمّا أحضره , قال له : اذكر لي حاجاتك اللاتي وعدتك بهن .فقال له : (( الأولى : أن تريني وجه سيّدي ومولاي الحُسين , فأتزوّد منه وأودّعه .والثّانية : أن ترد علينا ما أخذت منّا .والثّالثة : إن كنت قد عزمت على قتلي , فوجّه مع هؤلاء النّسوة من يردّهن إلى حرم جدّهن )).

فقال : أمّا وجه أبيك لن تراه أبداً ، وأمّا قتلك فقد عفونا عنك ، وأمّا النّسوة فلا يسير بهن إلى المدينة غيرك ، وأمّا ما اُخذ منكم فأنا أعوّضكم عنه .فقال (عليه‌السلام ) : (( أمّا مالك فهو موفور عليك ، وإنّما طلبت ما اُخذ منّا ؛ لأنّ فيها مغزل فاطمة بنت مُحمّد ومقنعتها وقلادتها وقميصها )) .فأمر اللعين برد ذلك وأمر برد الأسارى إلى أوطانهم.

قال : فسار القائد وكان يتقدمهم تارة ويتأخّر عنهم تارة , فقلن النّساء له : بحقّ الله عليك إلّا ما عرجت بنا على طريق كربلاء .ففعل ذلك حين وصل إلى قرب النّاحية , وكان قدومهم إلى ذلك المصرع يوم العشرين من صفر , فوجدوا هناك جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من نساء بني هاشم , فتلاقوا في وقت واحد , فأخذوا بالنّوح والبكاء وإقامة المآتم إلى ثلاثة أيّام , فلمّا انقضت , توجّهوا إلى نحو المدينة.

قال بشر بن حذلم : لمـّا صرنا قريباً من المدينة , نزل عليّ بن الحُسين وحطّ رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه , وقال لي : (( يا بشر , ادخل المدينة وانع أهلها بأبي عبد الله وأخبرهم بقدومنا )) .قال بشر : فركبت ودخلت المدينة ورفعت صوتي بالبكاء والنّحيب , فقلت : يا أهل المدينة , هذا عليّ بن الحُسين قد قدم إليكم مع عمّاته وأخواته , وقد نزل قريباً منكم , وأنا رسوله إليكم أعرّفكم بمكانه .قال : فما بقيت في المدينة مخدّرة ولا محجّبة , إلّا


وبرزن من خدورهن خمشة وجوههن لاطمات يدعون بالويل والثّبور وعظائم الأمور .قال : فلم أر باكياً أكثر من ذلك اليوم(١) .قال : ثمّ إنّ أهل المدينة تبادروا مسرعين إلى نحو زين العابدين وأنا معهم , فوجدت النّاس قد ملأوا الطّرق والأمكنة , فنزلت عن فرسي وبقيت أتخطى رقاب النّاس حتّى قربت من باب الخيمة وكان زين العابدين (عليه‌السلام ) داخلاً , فخرج وبيده منديل يمسح به دموعه - وكان عمره يومئذ على ما نُقل أحد عشر سنة - فجلس على كرسي له وهو لا يتمالك على نفسه من شدّة البكاء , والنّاس يعزونه وهم مع ذلك يبكون وينحبون , فأومى إليهم أن اسكتوا , فقام وقال : (( الحمد لله ربّ العالمين , مالك يوم الدّين , بارئ الخلائق أجمعين , الذي بعد فارتفع في السّماوات العلى , وقرب فشهد النّجوى , نحمده على عظائم الاُمور ومجامع الدّهور , وألم الفجائع ومضاضة اللواذع , وجليل الرّزء وعظيم المصائب.

أيّها النّاس , إنّ الله له الحمد وله الشّكر قد ابتلانا بمصائب جليله ، ومصيبتنا ثلمة عظيمة في الإسلام ورزء جليل في الأنام ، قُتل أبي الحُسين وعترته وأنصاره وشيعته ، وسبيت نساؤه وذرّيّته ، وطيف برأسه في البلدان من فوق عالي السّنان فهذه الرّزيّة تعلو على كلّ رزية ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

أيّها النّاس , مَن منكم يسر قلبه بعد قتل أبي وهو ابن بنت رسول الله ؟ أم أيّة عين تحبس وتضن بانهمالها فلقد بكت السّبع الشّداد لقتله ، والسّبع الطّباق لفقده ، وبكت البحار بأمواجها , والسّماوات بأركانها وسكّانها ، والأرضون بأرجائها , والأشجار بأغصانها , والطّيور بأوكارها , والحيتان في لجج البحار , والوحوش في البراري والقفار ، والملائكة المقرّبون , والسّماوات والأرضون.

أيّها النّاس , أيّ قلب لا ينصدع لقتله ولا يحزن لأجله ؟

أيّها النّاس , أصبحنا مشردين لائذين شاسعين عن الأمصار , كأننا من أولاد الكفّار من غير جرم اجترمناه أو مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ، ولا فاحشة فعلناها .فوالله , لو أنّ النّبي أوصى إليهم في قتالنا , لما زادوا على ما فعلوه بنا .فإنّا لله وإنّا إليه راجعون )) .ثمّ قام يمشي إلى دار الرّسول ليدخلها .وأمّا اُمّ كلثوم , فحين توجّهت إلى المدينة , جعلت تبكي وتقول :

مدينة جدنا لا تقبلينا

فبالحسرات والأحزان جينا

____________________

(١) هكذا ورد في هذا الكتاب , ولكن الوارد في اللهوف في قتلى الطّفوف /١١٥ , وغيره : قال : فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدورهن , مكشوفة شعورهن , مخمشة وجوههن , ضاربات خدودهن , يدعون بالويل والثّبور , فلم أر باكياً أكثر من ذلك اليوم , ولا يوما أمر على المسلمين منه ...(معهد الإمامين الحسنين).


ألا فاخبر رسول الله عنا

بأنا قد فجعنا في أخينا

وإن رجالنا في الطف صرعى

بلا رؤوس وقد ذبحوا البنينا

وأخبر جدنا أنا أسرنا

وبعد الأسر يا جد سبينا

ورهطل يا رسول الله أضحوا

عاريا بالطفوف مسلبينا

وقد ذبحوا لحسين ولم يراعوا

جنابك يا رسول الله فينا

فلو نظرت عيونك لأسارى

على أقتاب الجمال محملينا

رسول الله بعد الصون صارت

عيون الناس ناظرة إلينا

وكنت تحوطنا حتّى تولت

عيونك ثارت الأعدا علينا

أفاطم لو نظر إلى السبايا

بناتك في البلاد مشتتينا

أفاطم لو نظرت إلى الحيارى

ولو أبصرت زين العابدينا

أفاطم لو رأيتنا سهارى

ومن سهر الليالي قد عمينا

أفاطم ما لقيت من عداكي

ولا قيراط مما لقينا

فلو دامت حياتك لم تزالي

إلى يوم القيامة تندبينا

وعرج بالبقيع وقف وناد

أأين حبيب رب العالمينا

وقل يا عم يا الحسن المزكى

عيال أخيك اضحوا ضائعينا

أيا عماه إن أخاك أضحى

بعيداً عنك بالرمضاء رهينا

بلا رأس تنوح عليه جهراً

طيور والوحوش الموحشينا

ولو عاينت يا مولاي ساقوا

حريماً لا يجدن لهم معينا

على متن النياق بلا وطاء

وشاهدت العيال مشكفينا

مدينة جدنا لا تقبلينا

فبالحسرات والأحزان جينا

خرجنا منك بالأهلين جمعاً

رجعنا لا رجال ولا بنينا

وكنا في الخروج بجمع شمل

رجعنا حاسرين مسلبينا

ونحن في أمان الله جهراً

رجعنا بالقطيعة خائفينا

ومولانا الحُسين لنا أنيس

رجعنا والحُسين به رهينا

فنحن الضائعات بلا كفيل

ونحن النائحات على أخينا

ونحن السائرات على المطايا

نشال على جمال المبغضينا


ونحن بنات (يس) و(طه)

ونحن الباكيات على أبينا

ونحن الطاهرات بلا خفاء

ونحن المخلصون المصطفونا

ونحن الصابرات على البلايا

ونحن الصادقون الناصحونا

ألا يا جدنا قتلوا حسيناً

ولم يرعوا جناب الله فينا

لقد هتكوا النساء وحملوها

على الأقتاب قهراً أجمعينا

وزينب أخرجوها من خباها

وفاطم والهةً تبدي الأنينا

سكينة تشتكي من حر وجد

تنادي الغوث رب العالمينا

وزين العابدين بقيد ذل

وراموا قتله أهل الخؤنا

فبعدهم على الدُنيا تراب

فكأس الموت فيها قد سقينا

وهذي قصتي مع شرح حالي

ألا يا سامعون أبكوا علينا

قال الرّاوي : أمّا زينب , فأخذت بعضادتي باب المسجد ونادت : يا جدّاه إنّي ناعية إليك أخي الحُسين ! وهي مع ذلك لا تجفّ لها عبرة ولا تفتر من البكاء والنّحيب , وكلّما نظرت إلى عليّ بن الحُسين , تجدد حزنها وزاد وجدها.

وأمّا عليّ بن الحُسين (عليهما‌السلام ) ، فلمّا دخل إلى دار الرّسول , وجدها مقفرة الطّلول خالية من سكّانها حاكية أحزانها , وقد غشيها القدر النّازل ، وساورها الخطب الهائل , وأطلّت عليها عذبات المنايا , واظلّتها جحافل الرّزايا ، فهي موحشة العرصات لفقد الأئمة الهداة ، لهوام لي معاهدها صياح ، وللرياح في محو آثارها إلحاح ، ولسان حالها يندب ندب الفاقد ويذري دمعاً من عين ساهرة ، وقد جالت عواصف الشّمال والدّبور في تلك المعالم والقصور ، وقالت بلسان حالها : يا قوم , ساعدوني على الحزن على اُناس كنت آنس بهم في الخلوات ، واسمع تهجدهم في الصّلوات , فيا ليتني حيث لم احطّ بالمساواة عند النّزال , وحرمت معالجة تلك الأهوال , كنت لأجسادهم الشّريفة محلاً لجثثهم موطناً ومجناً ، فكيف لا أندب الأطلال والدّوارس ، واوقض الأعين النّواعس ؟ وقد كان سكّانها سماري في ليلي ونهاري وهم شموسي وأقماري , وافتخر على أمثالي بجوارهم , واتمتع مواطىء أقدامهم وآثارهم ، فكيف يقلّ جزعي وحزني عليهم ؟


وكيف لا تنهدّ أركاني تشوّقاً إليهم ؟! ولله درّ مَن قال :

وقفت على دار النّبي مُحمّد

فلقيتها قد أقفرت عرصاتها

وامت خلاء من تلاوة قارئ

وعطل منها صومها وصلاتها

وكانت ملاذاً للأنام وجنة

من الخطب يغني المعتفين صلاتها

فأقفرت من السادات من آل هاشم

ولم يجتمع بعد الحُسين شتاتها

فعيني لقتل السبط عبرى ولوعتي

على فقدهم ما تنقضي زفراتها

فيا كبدي كم تصبرين على الأذى

أما آن أن تقني إذاً حسراتها

أيّها المفتون بهذا المصاب ملاذ الحماة من سفرة الكتاب , بلزوم الأحزان على أئمة الأنام ورؤساء الإيمان ، فقد روي عن الباقر (عليه‌السلام ) , أنّ زين العابدين (عليه‌السلام ) كان مع علمه وصبره , شديد الجزع والشّكوى لهذه المصيبة والبلوى ، وأنّه بكى على أبيه أربعين سنة بدمع مسفوح وقلب مقروح, يقطع نهاره بصيامه وليله بقيامه، فإذا حضر الطّعام لإفطاره , ذكر قتلاه ونادى: (( وا أباه ! )) ثمّ يقول : (( قُتل ابن رسول الله جائعاً , قُتل ابن رسول الله عطشاناً ، وأنا آكل طيباً وأشرب بارداً )) .ثمّ يبكي كثيراً حتّى يبلّ ثيابه بدموعه ، ولله درّ من قال :

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا

شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا

نكاد حين تناجيكم ضمائرنا

يقضي علينا الأسى لولا تآسينا

حالت لبعدكم أيامنا فغدت

سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا

إن الزمان الذي قد كان يضحكنا

أنساً بقربكم قد عاد يبكينا

نُقل : أنّه قيل لعلي بن الحُسين (عليه‌السلام ) : إلى متى هذا البكاء يا مولاي ؟ فيقول : (( يا قوم , إنّ يعقوب النّبي فقد سبطاً من أولاده الاثني عشر , فبكى عليه حتّى ابيضّت عيناه من الحزن , وابنه حيّ في دار الدُنيا ويعلم أنّه لم يمت ، وأنا قد نظرت بعيني إلى أبي وسبعة عشر من أهل بيتي قتلوا في ساعة واحدة ، فترون حزنهم يذهب من قلبي ، وذكرهم يخلو من لساني ، وشخصهم يغيب عن عيني ، لا والله , لا أنساهم حتّى أموت )).

فيا إخواني , على مثل هؤلاء الأبرار يحقّ أن يبكي الباكون ، وإيّاهم يندب النّادبون ، ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا


تكونون كبعض مادحيهم حيث عرتهم الأحزان , فنظم وقال فيهم :

القصيدة لابن حماد (رحمه‌الله )

نُقل : أنّ بعض الرّجال في يوم عاشوراء أتاه ليهنئه بالعيد على ما هو معروف بينهم , فقال :

هن بالعيد إن أردت سوائي

أي عيد لمستباح العزاء

إن في مأتمي عن العيد شغلاً

فاله عني وخلني بشجائي

فإذا الناس عيدوا بسرور

كان عيدي بزفرة وبكائي

وإذا جددوا الأبزة جددت

ثياباً من لوعتي وضنائي

وإذا أدمنوا الشراب فشربي

من دموعي ممزوجة بدمائي

وإذا استشعروا الغناء فنوحي

وعويلي على الحُسين غنائي

وقليل لو مت هماً ووجداً

لمصاب الغريب في كربلاء

أيهنا بعيده من مواليه

أياديهم يد الأعداء

آه يا كربلاء كم فيك من كرب

لنفس شجية وبلاء

أألذ الحياة بعد قتيل الطف

ظلماً إذاً لقل حيائي

كيف ألتذ شرب الماء وقد

جرع كأس الردى بكرب الظماء

كيف لا أسلب العزاء إذا ما

أنا مثلته سليب الرداء

كيف لا تسكب الدّموع جفوني

بعد تضريج شبيه بالدماء

تطأ الخيل جسمه في ثرى الطف

وجسمي يلتذ لين الوطاء

بأبي زينب وقد سبيت بالذل

من خدرها كسبي الإماء

فإذا عاينتيه ملقى على الترب

معرّى مجدلاً بالعراء

أقبلت نحوه فيمنعها الشمر

فتدعو في خفية وخفاء

أيها الشمر خلني اتزود

نظرة منه فهي أقصى منائي

ما لجدي عليك حق فلم

تضربني جاهراً بسوء مراء

ثم تدعو الحُسين يا شقيق روحي

ثم تدعو الحُسين يا شقيق روحي

يا أخي يومك المشؤوم برى جسمي

وعظمي وأوهى قوائي


يا أخي كنت أرتجيك لموتي

وحياتي فالآن خاب رجائي

يا أخي لو فداك من الموت شخص

كنت أفديك بي وقل فدائي

يا أخي لا حييت بعدك بل لا

عشت إلّا بمقلة عمياء

آه وا حسرتاه لفاطمة الصغرى

وقد أبرزت بذل السباء

كفها فوق رأسها من جوى الثكلٍ

فلهفي لها على الأحشاء

فإذا عاينت أباها صريعاً

فاحصاً باليدين في الرمضاء

لم تطق نهضة إليه من الضعف

تناديه في خفي النداء

يا أبا من ترى ليتمي وضعفي

بعدكم يا أبا ومن لضنائي

فإذا لم يطق جواباً هلما إلّا

بغمر الجفون بالإيماء

أقبلت نحو عمتيها وقالت

ما أرى والدي مع الأحياء

عمتا ما له جفاني وما كان

له قط عادة بالجفاء

يا بني أحمد السلام عليكم

ما أدارت كواكب الجوزاء

أنتم صفوة الإله من الخلق

ومن بعد خاتم الأنبياء

يا نجوم الهدى بنوركم يهدى

الورى في حنادس الظلماء

أنا مولاكم ابن حماد أعدتكم

في غد ليوم الجزاء

قد تمّ الجزء الثّاني من كتاب المـُنتخب

وبه تمّ الكتاب



الفهرس

كلمةُ المؤلّف : ٤

المجلس الأوّل في الليلة الأولى من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة البابُ الأوّل ٥

الباب الثّاني ١٣

الباب الثالث ٢٠

المجلس الثّاني في أوّل يوم من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٢٦

الباب الثّاني ٣١

الباب الثّالث ٣٦

المجلس الثّالث في الليلة الثّانية من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٤٢

الباب الثّاني ٤٧

الباب الثّالث ٥٣

المجلس الرّابع في اليوم الثّاني من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٦١

الباب الثّاني ٦٧

الباب الثّالث ٧٥

المجلس الخامس في الليلة الثّالثة من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٨٢

الباب الثّاني ٨٩

الباب الثّالث ٩٧

المجلس السّادس في اليوم الثّالث من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ١٠٤

الباب الثّاني ١١١

الباب الثالث ١٢٠

المجلس السّابع في الليلة الرّابعة من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ١٢٧

الباب الثّاني ١٣٦

الباب الثّالث ١٤٤

المجلس الثّامن في اليوم الرّابع من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب الباب الأول ١٥٠


الباب الثّاني ١٥٦

الباب الثّالث ١٦٢

المجلس التّاسع في الليلة الخامسة من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ١٧٠

الباب الثّاني ١٧٩

الباب الثّالث ١٨٧

المجلس العاشر في اليوم الخامس من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ١٩٤

الباب الثّاني ٢٠١

الباب الثّالث ٢٠٧

المجلس الأوّل في الليلة السّادسة من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٢٢١

الباب الثّاني ٢٣٠

الباب الثّالث ٢٣٨

المجلس الثّاني في اليوم السّادس من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٢٤٤

الباب الثّاني ٢٥١

الباب الثّالث ٢٦٠

المجلس الثّالث من الجزء الثّاني في الليلة السّابعة من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٢٦٦

الباب الثّاني ٢٧٣

الباب الثّالث ٢٨١

المجلس الرّابع من الجزء الثّاني في السّابع من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٢٩٠

الباب الثّاني ٢٩٧

الباب الثّالث ٣٠٥

المجلس الخامس من الجزء الثّاني في الليلة الثّامنة من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٣١٣

الباب الثّاني ٣٢١

الباب الثّالث ٣٢٩

المجلس السّادس من الجزء الثّاني في اليوم الثّامن من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٣٤٠

الباب الثّاني ٣٤٩

الباب الثّالث ٣٥٥


المجلس السّابع من الجزء الثّاني في الليلة التّاسعة من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٣٦٣

الباب الثّاني ٣٧١

الباب الثّالث ٣٧٩

المجلس الثّامن من الجزء الثّاني ، في التّاسع من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٣٨٦

الباب الثّاني ٣٩٣

الباب الثّالث ٣٩٩

المجلس التّاسع من الجزء الثّاني في الليلة العاشرة من الـمُحرّم وفي ابتداء مصرع الحُسين ( عليه‌السلام ) وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٤٠٥

الباب الثّاني ٤٢٢

الباب الثّالث ٤٣٧

المجلس العاشر من الجزء الثّاني ، في العاشر من شهر المـُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٤٤٦

الباب الثّاني ٤٦١

الباب الثّالث ٤٧٧

الفهرس ٤٩١