المنتخب للطريحي
المنتخب
في جمع المراثي والخطب
المشتهر بـ(الفخري)
هوية الكتاب
* اسم الكتاب : مُنتخب الطريحي.
* المؤلف : الشّيخ فخر الدّين الطريحي.
* النّاشر : انتشارات المكتبة الحيدريّة.
* عدد الصّفحات : ٤٩٦ , صفحة وزيري.
* الطّبعة : الأولى ١٤٢٦ - ١٣٨٤.
* المطبعة : شريعت.
* عدد المطبوع : ٢٠٠٠ نسخة.
* ردمك : x - ٠٥١ - ٥٠٣ - ٩٦٤
* x - ٠٥١ - ٥٠٣ - ٩٦٤ ISBN
المـُنتخب
في جمع المراثي والخطب
المشتهر بـ (الفخري)
تأليف
الإمام الكبير والمُصنّف الشّهير الشّيخ
فخر الدّين الطريحي النّجفي المُتوفى سنة : ١٠٨٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله الذي جعل الدُّنيا جنّة لأعدائه ، وسجناً ومحنة لأوليائه وأحبائه ؛ ليبلوهم فيها بالاكتئاب ، ويجازيهم من الثّواب والعقاب ، والصّلاة والسّلام على مُحمّد وآله الأكرمين الأنجاب ، وعلى مَن سلك سبيلهم من التّابعين والأصحاب.
وبعد : فيقول الفقير إلى الله , فخر الدّين بن مُحمّد عليّ بن أحمد بن عليّ بن أحمد بن طريح النّجفي ، إنّي مورد في هذا الكتاب , ما استطرفته من فضائل أهل البيت (عليهمالسلام ) ومراثيهم ، وذكر مصائبهم وتعازيهم ، وجعلته مُرتّباً على عشرين مجلساً وأبواباً ، طالباً بذلك الرِّضا وجزيل الثّواب من الكريم الوهّاب ، وسمّيته بكتاب : (المـُنتخب) في جمع المراثي والخُطب.
وها أنا ذا أشرع وأقول , والله الثّقة والمأمول :
المجلس الأوّل
في الليلة الأولى من عشر المُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
البابُ الأوّل
أيّها المؤمنون المـُخلصون والاُمناء الصّالحون : اعلموا إنّ الله عزّ وجلّ قد ابتلى ابن بنت نبيّه وأهل بيته (عليهمالسلام ) , بمصائب جليلة ورزايا عظيمة وبلايا جسيمة , لم يبتل بها أحد من نبيّ أو وليّ أو شريف أو دنيّ من ؛ القتل والصّلب والحرق والضّرب , والغيلة والحبس والسّبي والخلس , وضروب النّكال والوبال ، حتّى بنوا عليهم الأبنية وضيّقوا عليهم الأودية , فتفرّقوا في البلاد , وتركوا الأهل والأولاد , وكتموا الأنساب من الأحباب ؛ خوفاً من الأعداء والطّلاب ، ولم يزل السّيف يقطر من دمائهم , والسّجون مشحونة بأحرارهم وإمائهم , ولله درّ مَن قال من الرّجال :
ولقد بكيت لقتل آل محمّد |
بالطف حتّى كل عضو مدمع |
|
عفرت بنات الأعوجية هل درت |
ما يستباح بها وماذا يصنع |
|
وحريم آل محمّد بين العدى |
نهباً تقاسمها اللئام الوضع |
|
تلك الضعائن كالإماء متى تُسق |
يعنف بهن وبالسياط تقنع |
|
من فوق أقتاب المطى يشلها |
لكع على حنق وعبد أكوع |
|
مثل السبايا بل أذل يشق منهن |
الخمار ويستباح البرقع |
|
فمضفد في قيده لا يفتدى |
وكريمة تسبى وفرط ينزع |
|
تالله لا أنسى الحُسين وشلوه |
تحت السنابك بالعراء موزع |
متلفعاً حمر الثياب وفي غد |
بالخضر من فردوسها يتلفع |
|
تطأ السنابك صدره وجبينه |
والأرض ترجف خيفة وتضعضع |
|
والشمس ناشرة الذوائب ثاكل |
والدهر مشقوق الرداء مقنع |
|
لهفي على تلك الدماء تراق في |
أيدي اُمية عنوة وتضيع |
روى الصّدوق القُمّي : أنّ جميع الأئمّة (عليهمالسلام ) خرجوا من الدّنيا على الشّهادة ؛ قُتل عليّ (ع) فتكاً ، وسُمّ الحسن (ع) سرّاً ، وقُتل الحُسين (ع) جهراً , وسمّ الوليد زين العابدين (ع) ، وسمّ إبراهيم بن الوليد الباقر (ع) ، وسمّ جعفر المنصور الصّادق (ع) ، وسمّ الرّشيد الكاظم (ع) ، وسمّ المأمون الرّضا (ع) ، وسمّ المـُعتصم مُحمّد الجواد (ع) ، وسمّ المـُعتز عليّ بن مُحمّد الهادي (ع) ، وسمّ المـُعتمد الحسن بن عليّ العسكري (ع) ، وأمّا القائم المهدي ( عجّل الله تعالى فرجه الشّريف) فروي : أنّه هرب خوفاً من المـُتوكل ؛ لأنّه أراد قتله :( وَيَأْبَى اللّهُ إِلّا أَن يُتِمّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (١) .
وكان أوّل من استفتح بالظّلم ؛ مَن أخّر عليّاً (عليهالسلام ) عن الخلافة , وغصب فاطمة (عليهاالسلام ) ميراث أبيها , وقتل المـُحسن في بطن اُمّه , ووجأ عنق سلمان ، وقتل سعد بن عُبادة ومالك بن نويرة ، وداس بطن عمّار بن ياسر , وكسر أضلاع عبد الله بن مسعود بالمدينة ، ونفى أبا ذر إلى الرّبذة , وأشخص عمّار بن قيس ، وغرب الأشتر النّخعي ، وأخرج عدي بن حاتم الطّائي ، وسيّر عميراً بن زرارة إلى الشّام , ونفى كُميل بن زياد إلى العراق , وخاض في دم مُحمّد بن أبي بكر , ونكب كعب بن جبل , ونفى جارية بن قُدامة , وعذّب عثمان بن حُنيف , وعمل ما عمل بحبّاب بن زهير وشريح بن هاني , ونحو هؤلاء ممّن مضى قتيلاً أو عاش في غصّة ذليلاً ، ولله درّ مَن قال :
لو لا حدود من صوارم |
أمضى مضاربها الخليفة |
|
لنشرت من أسرار آل |
محمّد نكتاً لطيفة |
|
وأريتكم أن الحُسين |
اُصيب في يوم السقيفة |
|
ولأي شيء ألحدت |
بالليل فاطمة الشريفة |
فانظروا يا إخواني إلى فعل أوائلهم واقتفاء أرجاس بني اُميّة آثارهم , يقتلون مَن قاربهم , ويُعذّبون مَن ظاهرهم , كقتل معاوية ؛ عمّار بن ياسر , وزيد بن صوحان وصعصعة بن صوحان , وحُنيف بن ثابت وأويس القرني , ومالك الأشتر
____________________
(١) سورة التّوبة / ٣٢.
ومحمّد بن أبي بكر , وهاشم المرقال وعبد الرّحمن بن حسّان , وغيرهم.
وتسليط زياد بن سُمّية على قتل الألوف من الشّيعة بالكوفة , وهو الذي دسّ في قتل الحسن (عليهالسلام ) إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس , وتبعه ابنه يزيد على ذلك , حتّى قتل الحُسين بن عليّ في نيف وسبعين رجُلاً ، منهم ؛ تسعة من بني عقيل ، وثلاثة من بني جعفر , وتسعة من بني عليّ (عليهمالسلام ) ، وأربعة من بني الحسن (عليهالسلام ) , وستّة من بني الحُسين (عليهالسلام ) , والباقي من أصحابه , مثل ؛ حبيب بن مُظاهر ومُسلم بن عوسجة , ونافع بن هلال وأحزابهم.
ثمّ تسلّط على الشّيعة عُبيد الله بن زياد (لع) , فجعل يصلبهم على جذوع النّخل ، ويقتلهم ألوان القتل ، وهو الذي خرّب سناباد لمـّا رجم أهلها مَن كان مع رأس الحُسين (عليهالسلام ) , فبقيت خراباً إلى يومنا هذا.
ثمّ تسلّط آل الزّبير على الحجاز والعراق , فقتلوا ؛ المـُختار بن أبي عُبيدة الثّقفي , والسّائب بن مالك وعبد الله بن كامل ونحوهم ، وكانوا قد حبسوا مُحمّد بن الحنفيّة ؛ يُريدون إحراقه ، ونفوا عبد الله بن العبّاس إلى الطّائف ومات بها.
ثمّ استولى عبد الملك بن مروان , وسلّط الحجاج على الحجازيين والعراقيين , فقتل ؛ سعيد بن جُبير بن اُمّ الطّويل , وميثم التّمار , وكُميل بن زياد , وقنبر عبد عليّ بن أبي طالب (عليهالسلام ) , وأشباههم , حتّى محى آثار أهل البيت (عليهمالسلام ) , وقُتل زيد بن عليّ بن الحُسين (عليهالسلام ) على يد نصر بن خُزيمة الأسدي , وصلبه يوسف بن عمر بالكناسة ( اسم موضع الكوفة ) عرياناً , فكسى من بطنه جلدة سترت عورته , وبقي مصلوباً أربع سنوات , وكان لا يقدر أحد أن يندب عليه , وألقوا امرأة زيد بن عليّ على المزبلة , بعدما دُقّت بالضّرب حتّى ماتت.
ثمّ تبعه الوليد بن زيد , وأنفذ إلى يحيى , بن مُسلم بن جون في عشرة آلاف فارس , وليس مع يحيى - يومئذٍ - إلّا مئة وخمسون رجُلاً , فقُتلوا أجمعين وبقي يحيى يُقاتل حتّى قُتل يوم الجُمعة ، ثمّ صُلب واُحرق وذُرّي.
وهكذا فعل بأشياعهم والتّابعين لهم ، ولله درّ مَن قال :
أبيت كأن الدهر يهوي إلى الأسى |
فأقداره طول الزمان به تسري |
|
ففي كل يوم تنتحبني صروفه |
وقد خانني صبري وضيّعني فكري |
|
كأن الرزايا ظل آل محمّد |
إذا مرّ قوم جاء قوم على الأثر |
فانظروا يا إخواني إلى حال مَن تبع بني اُميّة الأرجاس , إلى أن ظهرت الدّولة العبّاسية.
افتتح أبو مُسلم بقتل عبد الله بن الحسن بن الحسن بخراسان , ثمّ سلّ المنصور سيفه في آل عليّ (عليهمالسلام ) , فقتلهم في كلّ ناحية , وقصدهم بالجيوش من كُلّ وجه , وحُمل عبد الله بن الحسن بن عليّ في أحد عشر رجُلاً , وهم ؛ عليّ بن الحسن بن عليّ ، والحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن عليّ , ونحوّهم من الحجاز إلى العراق فوق الأقتاب بالقيود والأغلال , وخلّدهم في سجنه معذّبين حتّى ماتوا كلّهم.
وخرج مُحمّد بن عبد الله , وقاتل حتّى قتله حميد بن قحطبة بن عيسى بن موسى ، وبنى جامع المنصور وجعل أساسه على السّادات من آل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , ويُقال : إنّه دسّ في سوق الرّقة كثيراً منهم.
نُقل : إنّه لمـّا بنى المنصور الأبنية ببغداد , جعل يطلب العلويّين طلباً شديداً , وجعل مَن ظفر به منهم , بالإسطوانات المجوّفة المبنيّة من الجصّ والآجر , فظفر ذات يوم بغلام منهم حسن الوجه عليه شعر أسود من ولد الحسن بن عليّ بن أبي طالب , فسلّمه إلى البنّاء الذي كان يبني له , فأمر أن يجعله في جوف إسطوانة ويبني عليه , فوكّل به من ثقاته من يرعى ذلك حتّى يجعله في جوف إسطوانة بمشهده , فجعله البنّاء في جوف إسطوانة , فدخلته رقّة عليه ورحمة له , فترك في الإسطوانة فرجة يدخل منها الرّوح , وقال للغُلام : لا بأس عليك فاصبر , فإنّي سأخرجك من هذه الإسطوانة إذا جنّ الليل فلمّا جنّ الليل , جاء البنّاء في ظلمته وأخرج ذلك العلوي من جوف تلك الإسطوانة , وقال له : إتّق الله في دمي ودماء الفعلة الذين معي وغيّب شخصك , فإنّي إنّما أخرجتك في ظلمة هذا الليل من جوف هذه الإسطوانة ؛ إلاّ خفت إن تركتك في جوفها , يكون جدّك رسول الله خصمي يوم القيامة بين يدي الله عزّ وجلّ.
ثمّ أخذ شعره بألآت الجصّاصين ما أمكن , وقال له : غيّب شخصك وانج بنفسك ولا ترجع إلى اُمّك قال الغُلام : إن كان هكذا , فعرّف اُمّي إنّي قد نجوت وهربت ؛ لتطبب نفسها ويقلّ جزعها وبكاؤها , وإنّه لم يكن لعودي إليها وجه.
فهرب الغُلام ولا يدري إلى أين قصد من أرض الله تعالى , ولا أيّ بلد وقع , قال البنّاء : وكان الغُلام عرّفني مكان اُمّه وأعطاني شعره , فانتهيت إليها في الموضع الذي دلّني عليه , فسمعت دويّاً كدويّ النّحل من البكاء , فعلمت أنّها اُمّه , فدنوت منها
وعرّفتها خبر ابنها , وأعطيتها شعره وانصرفت كذا في (عيون أخبار الرّضا)
فلمّا ولي الدّوانيقي قتل عبد الله بن مُحمّد بن عبد الله الحُسيني , بالسّند على يد هشام بن عمر التّغلبي , وخنق عبد الله بن الحسن في حبسه , وقتل ابنيه مُحمّداً وإبراهيم على يد عيسى بن موسى العبّاسي , وهزم إدريس بفخّ حتّى وقع على الأندلس فريداً.
وما مات الدّوانيقي , إلّا أن ملأ سجونه من أهل بيت النّبوة والرّسالة , واقتفيت هذه الآثار حتّى قُتل في أيّام المهدي ؛ الحُسين بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهمالسلام ) ، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن عليّ (عليهمالسلام ) ، وعبد الله بن الحسن بن عليّ بن الحسن (عليهمالسلام ) - المعروف بالأفطس - وكان مع القوم بفخّ.
وسمّ هارون الرّشيد موسى بن جعفر (عليهمالسلام ) , وقتل يحيى بن زيد بالسّجن بالجوع والعطش , ويحيى بن الحسن , إلى تمام السّتمئة رجل من أولاد فاطمة (عليهمالسلام ) , قُتلوا في مقام واحد.
وقتل المأمون مُحمّد بن إبراهيم بن إسماعيل بن الحسن بن الحسن بن عليّ (عليهمالسلام ) , وكان قد خرج ومعه أبو السّرايا , عليّ بن هرثمة بن أعين ، وقتلوا من أصحاب زين العابدين (ع) مثل : خالد الكابُلي وسعيد بن جُبير ، ومن أصحاب الباقر (عليهالسلام ) مثل : بشر الرّحال والكُميت بن زيد , ومن أصحاب الصّادق (عليهالسلام ) مثل : المـُعلّى بن خُنيس ، وقتل المـُتوكل من أصحاب الرّضا (عليهالسلام ) مثل : يعقوب بن السّكّيت - الأديب - وسبب قتله ؛ إنّه كان مُعلّماً للمُعين والمؤيد ابني المتوكل , إذ أقبل فقال له : يا يعقوب , أهُما أحبّ إليك أم الحسن والحُسين ؟ فقال : والله , إنّ قنبراً غلام عليّ خير منهما ومن أبيهما فقال المـُتوكل : سلّوا لسانه من قفاه فسلّوه فمات (رحمة الله عليه) , ومثل دعبل الخُزاعي.
وانتهت بالمـُتوكل العداوة لأهل البيت (عليهمالسلام ) , إلى أن أمر بهجو عليّ وفاطمة وأولادها (عليهمالسلام ) , فهجاهم ؛ ابن المـُعتز وابن الجهم , وابن سكرة وآل أبي حفصة , ونحوهم لعنهم الله جميعاً , وصار من أمر المتوكل إلى أن أمر بهدم البناء على قبر الحُسين (عليهالسلام ) , وإحراق مقابر قُريش , وفي ذلك أنشد حيث قال :
قام الخليفة من بني العبّاس |
بخلاف أمر إلهه في الناس |
|
ضاها بهتك حريم آل محمّد |
سفهاً فعال اُميّة الأرجاس |
|
والله ما فعلت اُميّة فيهم |
معشار ما فعلوا بنو العبّاس |
ما قتلهم عندي بأعظم مأتماً |
من حرقهم من بعد في الأرماس |
ثمّ جرى الظُلم على ذلك , إلى أن هدم سبكتكين مشهد الرّضا (عليهالسلام ) , وأخرج أبوابه وأخرج منه وقر ألف جمل مالاً وثياباً , وقتل عدّة من الشّيعة.
قيل : وممّن دُفن حيّاً من الطّالبيين ؛ عبد العظيم الحسني بالرّي , ومُحمّد بن عبد الله بن الحُسين , ولم يبق في بيضة الإسلام بلدة إلاّ قُتل فيها طالبي أو شيعي , حتّى ترى الظَّلَمة يُسلّمون على مَن يعرفونه ؛ دهريّاً أو يهوديّاً أو نصرانيّاً ويقتلون مَن عرفوه شيعيّاً , ويسفكون دم مَن اسمه عليّ , ألا تسمعون ؛ بيحيى المـُحدّث , كيف قطعوا لسانه ويديه ورجليه , وضربوه ألف سوط ثمّ صلبوه ؟ وبعليّ بن يقطين كيف اتهموه ؟ وزرارة بن أعين كيف جبهوه ؟ وأبي تراب الرّموزي كيف حبسوه ؟ ومنصور بن الزّبرقان من قبره كيف نبشوه ؟
ولقد لعن بنو اُميّة عليّاً (عليهالسلام ) ألف شهر في الجُمع والأعياد , وطافوا بأولاده في الأمصار والبلاد وليس فيها مُسلم ينكر ذلك , حتّى أنّ خطيباً من خُطبائهم بمصر , نسي اللعنة في الخطبة , فلمّا ذكرها , قضاها في الطّريق , فبني في ذلك الموضع مسجداً وسمّوه مسجد الذّكر يتبرّكون به.
ثمّ إنّهم لم يرضوا بذلك حتّى قالوا : مات أبو طالب كافراً ولا تزال تسمع بذلك , دون أن تسمع عن أبي أو عن أو عن.. شيئاً من ذلك.
فيا عجباه , بقيت آثار كسرى إلى الآن وآثار رسول الله دارسة وأعلامه طامسة ! استولوا على ماله بعده وخرّبوا بيته , وأضرموا ناراً على أهل العبا , وحرّفوا كتاب الله , وغيرّوا السّنن وأبدعوا في الدّين , وخذلوا الأوصياء وقتلوا العترة ، وسبوا نساء النّبي وذرّيّته , وذبحوا أطفاله وصبيته , وداروا برؤوسهم في البُلدان من فوق عالي السّنان , فهذه رزيّة لم تُماثلها رزيّة , وبليّة عظمت على كُلّ بليّة ، ولله درّ مَن قال - وهو على ما نُقل : أوّل شعر قيل في الحُسين (عليهالسلام ) - :
إذا العين قرت في الحياة وأنتم |
تخافون في الدنيا فأظلم نورها |
|
مررت على قبر الحُسين بكربلا |
ففاض عليه من دموعي غزيرها |
|
فما زلت أبكيه وأرثي لشجوه |
ويسعد عيني دمها وزفيرها |
|
وأبكيت من بعد الحُسين عصائباً |
أطافت به من جانبيه قبورها |
|
سلام على أهل القبور بكربلا |
وقُل لها مني سلام يزورها |
|
سلام بآصال العشي وبالضحى |
تؤدّيه نكبات الرياح ومورها |
ولا يبرح الوفاد زوار قبره |
يفوح عليهم مسكها وعبيرها |
وممّا يحسن في هذا الباب , ذكرُ مَن قتله الرّشيد من أولاد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , بعد قتله لموسى بن جعفر (عليهالسلام ) بالسّم في ليلة واحدة , سوى مَن قُتل منهم في الليالي والأيّام :
روي عن عبد الله البزاز النّيسابوري , قال : كان بيني وبين حميد بن قحطبة الطّائي معاملة , فدخلت في بعض الأيّام فبلغه قدومي , فاستحضرني للوقت وعليّ ثياب السّفر لم أغيّرها , وذلك في شهر رمضان وقت صلاة الظّهر , فلمّا دخلت عليه , رأيته في بيت يجري فيه الماء , فسلّمت عليه وجلست , فأتى بطشت وإبريق فغسّل يده وأمرني فغسلت يدي , واُحضرت المائدة وذهب عنّي , فقلت : إنّي صائم وإنّي في شهر رمضان ثمّ ذكرت فأمسكت يدي , فقال حميد : مالك لا تأكل ؟ فقلت : أيّها الأمير , هذا شهر رمضان ولست بمريض ولا بي علّة توجب الإفطار , وإنّي لصحيح البدن ثمّ دمعت عيناه وبكى , فقلت له - بعدما فرغ من طعامه - : ما يبكيك أيّها الأمير ؟ فقال : أنفذ إليّ هارون الرّشيد وقت كونه بطوس في بعض الليل أن أجب الأمير ، فلمّا دخلت عليه , رأيت بين يديه خادماً واقفاً , فلمّا قمت بين يديه , أذِن لي بالانصراف , فلم ألبث في منزلي حتّى عاد إليّ الرّسول وقال : أجب الأمير فقلت في نفسي : إنّا لله وإنّا إليه راجعون وأخاف على نفسي أن يكون قد عزم على قتلي , وإنّه لمّا رآني , استحى منّي فعدت إلى بين يديه , فرفع رأسه وقال : كيف طاعتك لأمير المؤمنين ؟ قلت بالنّفس والمال والأهل والولد فتبسّم ضاحكاً ، ثمّ قال : أذنت لك بالإنصراف فلمّا دخلت منزلي , لم ألبث أن عاد إليّ الرّسول , فقال : أجب أمير المؤمنين فحضرت بين يديه وهو على حاله , فرفع رأسه وقال : كيف طاعتك لأمير المؤمنين ؟ فقلت : بالنّفس والمال والأهل والولد والدّين فضحك ثمّ قال : خُذ هذا السّيف , وامتثل ما يأمرك به هذا الخادم.
قال : فتناول الخادم السّيف وناولنيه , وجاء إلى بيت بابه مُغلق ففتحه , فإذا فيه بئر في وسطه , وثلاث بيوت أبوابها مُغلقة , ففتح باب بيت منها , فإذا فيه عشرون نفساً عليهم الشّعور والذّوائب , شيوخ وكهول وشبّان مقيّدون , فقال لي : إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء - وكانوا كلّهم علويين من ولد عليّ وفاطمة (عليهمالسلام ) - فجعل يخرج إليّ واحداً بعد واحد
فاضرب عُنقه , حتّى أتيت على آخرهم , فرمى بأجسامهم ورؤوسهم في البئر.
ثمّ فتح باب آخر , فإذا فيه أيضاً عشرون نفساً من العلويين من ولد عليّ وفاطمة مقيّدون , فقال لي : إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء فجعل يخرج إليّ واحداً بعد واحد , فاضرب عُنقه ويرمي به في تلك البئر , حتّى اتيت على أخرهم.
ثمّ فتح باب البيت الثّالث , فإذا فيه مثلهم عشرون نفساً من ولد عليّ وفاطمة مقيّدون , عليهم الشّعور والدّوائب , فقال لي : إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء أيضاً أتيت على تسعة عشر نفساً منهم , وبقي شيخ منهم عليه شعر , فقال لي : تبّاً لك يا ميشوم , أيّ عذر لك يوم القيامة إذا قدمت على جدّنا رسول الله , وقد قتلت من أولاده ستّين نفساً من ولد عليّ وفاطمة (عليهاالسلام ) ؟! ثمّ قال : فارتعشت يدي وارتعدت فرائصي , فنظر إليّ الخادم فزجرني , فاتيت على ذلك الشّيخ أيضاً فقتلته ورميت به في تلك البئر , فإذا كان فعلي هذا وقد قتلت ستّين نفساً من ولد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , فما ينفعني صومي ولا صلاتي , وأنا لا أشكّ إنّي مُخلد في النّار كذا في (عيون أخبار الرّضا).
فيا إخواني , أيّ قلب يستر بعد قتلهم ؟! وأيّ فؤاد يفرح بعد فقدهم ؟! أم أيّة عين تحبس دمعها وتبخل بأنّهما لها ودفعها ؟! كيف وقد بكت لهم ؛ السّبع الشّداد والجبال والأوتاد , والأرض بأرجائها والأشجار بأغصانها , والحيتان في لجج البحار , ومَن في جميع الأمصار والأقطار , والملائكة المقرّبون وأهل السّماوات أجمعين , وكيف لا , وقد أصبح أهل البيت ؛ مطرّدين مشرّدين مذوّدين عن الدّيار , والأوطان والأهل والولدان.
فيا إخواني , اجتهدوا في النّياحة والعويل , وتساعدوا على إقامة هذا المصاب الجليل , والبسوا لباس الأحزان , وتخلّقوا بجلباب الأشجان , وخاطبوا السّلوة خطاب الهجر متمثّلين بقول مَن قال : أيا سلوة الأيّام موعدك الحشر.
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم.
القصيدة للشيخ الخليعي (رحمهالله )
لم أبك ربعاً للأحبّة قد خلا |
وعفا وغيره الجديد وامحلا |
|
كلا ولا كلفت صحبي وقفة |
في الدار إن لم أشف صباً عللا |
ومطارح النادي وغزلان النقا |
والجزع لم أحفل بها متغزلا |
|
وبواكر الأضعان أسكب لها |
دمعاً ولا خل نأى وترحلا |
|
لكن بكيت لفاطم ولمنعها |
(فدكاً) وقد أتت الخؤون الأولا |
|
إذ طالبته بإرثها فروى لها |
خبراً ينافي المحكم المتنزلا |
|
لهفي لها وجفونها فرحى وقد |
حملت من الأحزان عبئاً مثقلا |
|
وقد اعتدت منفية وحميها |
متطيراً ببكائها متثقلا |
|
تخفي تفجعها وتخفض صوتها |
وتظل نادبة أباها المرسلا |
|
تبكي على تكدير دهر ما صفا |
من بعده وقرير عيش ما حلا |
|
لم أنسها إذ أقبلت في نسوة |
من قومها تروي مدامعها الملا |
|
وتنفست صعداً ونادت أيها |
الأنصار يا أهل الحماية والكلا |
|
أخذ الإله لك العهود على الورى |
في الذر لما أن يرى وبك ابتلى |
|
في يوم قال لهم : ألست بربكم |
وعلي مولاكم معاً قالوا : بلى |
|
قسماً بوردي من حياض معارفي |
وبشربتي العذب الرحيق السلسلا |
|
ومن استجارك من نبي مرسلا |
ودعى بحقك ضارعاً متوسلا |
|
لو قلت إنك رب كل فضيلة |
ما كنت فيما قلته متنحلا |
|
أو بحت بالخطر الذي أعطاك رب |
العرش كادوني وقالوا قد غلا |
|
فإليك من تقصير عبدك عذره |
فكثير ما أبكي أراه مقللا |
|
بل كيف يبلغ كنه وصفك قائل |
وأبيه في علياك أبلغ مقولا |
|
ونفائس القرآن فيك تنزّلت |
وبك اغتدى متحلياً متجملا |
|
فاستحلها بكراً فأنت مليكها |
وعلى سواك تجل من أن يجتلى |
|
ولئن بقيت لأنظمن قلائداً |
ينسى ترصعها النظام الأولا |
|
شهد الإله بأني متبرئ |
من حبتر ومن الدلام ونعثلا |
|
وبراءة الخلعي من عصب الخنا |
تبنى على أن البرا أصل الولا |
الباب الثّاني
أيّها الإخوان , الطّريق واضح والحقّ بيّن لائح , لا يضلّ عنه إلّا مَن دان الله على قلبه , وطبع على عقله ولبّه.
علم النّبي فيما اُوحي إليه , أنّ أصحابه من بعده
يبتزّون نحلة ابنته ويشجعون ببلغة ذرّيّته , قال : (( فاطمة بضعة منّي , مَن آذاها فقد آذاني )) فلم يسمعوا , وقال: (( فاطمة يغضب الله لغضبها )) فلم يرتدعوا ، ثمّ علم أنّ آله يُشرّدون عن الأوطان , ويُقتلون في كلّ مكان ، فقال - بعدما ورد في حقّهم من القُرآن - : (( مَن أحبّ أن ينسى له في أجله , وأن يُمتّعه الله بما خوّله الله؟ فليخلفني في أهلي خلافة حسنة , فمَن لم يخلفني فيهم , بتر الله عمره , وورد عليّ يوم القيامة مسودّاً وجهه )) فلم يرجعوا.
فصبروا (عليهمالسلام ) على مضض الأحزان , واحتسبوا ذلك في جنب الرّحمن , وكان القادر على هلاكهم ذو الجلال على استئصالهم في الحال دون المآل , إلّا أنّ الحكم من الحكيم اقتضت تأخيرهم من العذاب الأليم ؛ رجاء أن يخرج من أصلابهم قوم , يعبدون الله ويسبّحونه ويهلّلونه ويقدّسونه.
قيل : لـمـّا بلغ فاطمة (عليهاالسلام ) إصرار أبي بكر على منعها فدكاً والعوالي , قامت ولاثت خمارها واشتملت بإزارها , وأقبلت في لـمـّة من حفدتها ونسائها تطأ في أذيالها من شدّة الحياء , حتّى دخلت على أبي بكر وهو في مسجد أبيها وحوله جمع من المهاجرين والأنصار , فأمرت أن يُضرب بينها وبينهم ستر ، ثمّ إنّها أنّت أنّة أجهش القوم بالبكاء والنّحيب ؛ رحمة لها ، ثمّ أمهلت حتّى سكنوا من فورتهم , فقالت : (( يا معشر الـمـُسلمين , كيف ابتزّ إرث أبي وأنتم الآن تزعمون إنّه إرث لي :( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (١) ؟! فكيف اُحرم ميراث أبي وأنت ( تعني أبا بكر ) ترث أباك :( لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ) (٢) ؟! )) فقال لها : ما أرّثك أبوك شيئاً , وإنّه قال : إنّ الأنبياء لا يورّثون شيئاً فقالت : (( لهذا يُخالف ما أنزل في كتابه العزيز , حيث يقول :( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) (٣) .
ولم يجعل ذلك خاصّاً بالاُمّة دونه , وكيف تروي عن أبي (صلىاللهعليهوآله ) أنّه قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث , وقد قال تعالى :( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) (٤) وقال تعالى عن زكريا , قَالَ رَبّ :( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) (٥) ؟! )).
فلمّا ألحّت عليه بالجدال , قال : هاتي أسود وأبيض يشهدا لك بذلك فقام إليه رجل من المؤمنين وقال له : مَن شهد لعلي ببيعته يوم الغدير من ذلك , الجم الغفير حتّى يشهد لفاطمة بفدك والعوالي ؟ فجاءت اُمّ أيمن وشهدت لها بذلك , قال : هذه امرأة لا يُقبل قولها مع أنّ جميع الصّحابة رووا أنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( إنّ اُمّ أيمن من أهل الجنّة )) ثمّ جاء عليّ
____________________
(١) سورة المائدة / ٥٠
(٢) سورة مريم / ٢٧.
(٣) سورة النّساء / ١١.
(٤) سورة النّمل / ١٦.
(٥) سورة مريم / ٥ - ٦.
(عليهالسلام ) وشهد لها بذلك , فقال : هذا بعلك يجرّ النّفع إلى نفسه ولا نحكم بشهادته لك مع أنّهم رووا جميعاً , إنّ رسول الله قال : (( عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ , يدور حيث ما دار , لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض )).
قال : فعند ذلك غضبت فاطمة (عليهاالسلام ) وانصرفت , وحلفت أن لا تكلّمه وصاحبه , حتّى تلقى أباها وتشكو إليه ما نالها منهما.
وروي من كرامتها (عليهاالسلام ) وعظمتها عند الله.
لـمّا مُنعت حقّها , اخذت بعضادتي حجرة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وقالت : (( ليست ناقة صالح عند الله بأعظم منّي )) ثمّ رفعت جنب قناعها إلى السّماء وهمّت أن تدعو , فارتفعت جدران المسجد عن الأرض وتَدلّ العذاب , فجاء أمير المؤمنين (عليهالسلام ) فمسك يدها الشّريفة وقال : (( يا بنت الصّفوة وبقيّة النّبوة وشمس الرّسالة ومعدن الرّحمة, إنّ أباك رحمة للعالمين , فلا تكوني عليهم نقمة , أقسمت عليك بالرّؤوف الرّحيم أن ترجعي )) فعادت إلى مصلاها (عليهاالسلام ) , ولله درّ مَن قال :
دكدك القوم مسجدك |
منعوا فاطماً فدك |
|
فعلى القوم لعنة |
كلما حرك الفلك |
الله بعليّ , وهو أشرف أهل بيتك حسباً , وأعلاهم منصباً , وأرحمهم بالرّعية , وأعدلهم بالسّوية , وأبصرهم بالقضية وقد سألت ربّي أن تكوني أوّل من يلحقني )) فلم تبقَ بعده إلّا خمسة وسبعون يوماً , حتّى ألحقها الله به.
وبالإسناد المذكور قال : قال رسول لله (ع) : (( فيأتي المهدي وقد نزل عيسى بن مريم كأنّما يقطر من شعره الماء, فيقول المهدي : تقدّم صلّ بالنّاس فيقول عيسى : إنّما اُقيمت الصّلاة لك فيُصلّي عيسى ثمّ خلفه رجل من ولدي , فإذا صُلّيت الصّلاة , قام عيسى حتّى جلس في المقام فبايعه , فيمكث أربعين سنة )) أوّل الآيات في زمان الدّجال , ثمّ نزول عيسى , ثمّ نار تخرج من بحر عدن تسوق النّاس إلى المحشر.
فيا إخواني , أيّ فضل أعظم من فضل أئمتكم ؟ وأيّ حقّ أوجب من حقّ صفوتكم ؟ شهد القرآن بفضلهم وأكّد الله على النّاس بحقّهم , فقال - فيما أوحى على لسان الرّسول (صلىاللهعليهوآله ) - :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) فجعل جزاء الإسلام والخلاص من النّار محبّة الآل الأطهار , فانظروا إلى البلاء الذي رُفع بسبب مودّتهم عنكم , ولكن على قدرة المحبّة لهم منكم , ولله درّ مَن قال :
وإني قد علقت بحب قوم |
إذا ناداهم المضطر جاءوا |
|
هم القوم الذي إذا ألمت |
من الأيام مظلمة أضاءوا |
|
وإن بلادهم ما قد علمتم |
على الأيام أن يقع البلاء |
بمديحهم يسعتين المادحون , فيتسع لهم المقال فيما يقول , كأنّ لهم الصّيب الكامل , بل الكلّ لديهم حاصل , وإن كان لغيرهم شيء من الشّرف , فمن بحرهم أخذ واغترف.
روى جمع من الصّحابة قالوا : دخل النّبي دار فاطمة فقال : (( يا فاطمة , إنّ أباك اليوم ضيفك )) فقالت : (( يا أبة , إنّ الحسن والحُسين يطالباني بشيء من الزّاد , فلم أجد لهما شيئاً يقتاتان به )) ثمّ إنّ النّبي دخل وجلس مع ؛ عليّ والحسن والحُسين وفاطمة (عليهمالسلام ) , وفاطمة مُتحيّرة ما تدري كيف تصنع , ثمّ إنّ النّبي نظر إلى السّماء ساعة , وإذا بجبرائيل قد نزل وقال : يا مُحمّد , العلي الأعلى يقرؤك السّلام ويخصّك بالتّحية والإكرام ويقول لك : (( قُل لعليّ وفاطمة والحسن والحُسين , أيّ شيء يشتهون من فواكه الجنّة ؟ )) فقال النّبي : (( يا عليّ ويا فاطمة ويا حسن ويا حُسين , إنّ ربّ العزّة
____________________
(١) سورة الشّورى / ٢٣.
علم أنّكم جياع , فأيّ شيء تشتهون من فواكه الجنّة ؟ )) فأمسكوا عن الكلام ولم يردّوا جواباً ؛ حياء من النّبي (ص) , فقال الحُسين (ع) : (( عن إذنك يا أباه يا أمير المؤمنين , وعن إذنك يا اُمّاه يا سيدة نساء العالمين , وعن إذنك يا أخاه الحسن الزّكي , أختار لكم شيئاً من فواكه الجنّة ؟ )) فقالوا جميعاً (عليهمالسلام ) : (( قُل يا حُسين ما شئت , فقد رضينا بما تختاره لنا )) فقال : (( يا رسول الله , قُل لجبرائيل إنّا نشتهي رُطباً جنيّاً )) فقال النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( قد علم الله ذلك )) ثمّ قال : (( يا فاطمة , قومي ادخلي البيت واحضري إلينا ما فيه )) فدخلت فرأت فيه طبقاً من البلّور مُغطّى بمنديل من السّندس الأخضر , وفيه رُطب جني في غير أوانه , فقال النّبي : (( أنّى لك هذا ؟! )) قالت : (( هو من عند الله , إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب )) (كما قالت بنت عمران) فقام النّبي وتناوله منها وقدّمه بين أيديهم , ثمّ قال : (( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )) ثمّ أخذ رطبة فوضعها في فم الحُسين , فقال : (( هنيئاً مريئاً يا حُسين )) ثمّ أخذ رطبة فوضعها في فم الحسن , وقال : (( هنيئاً مريئاً يا حسن )) ثمّ أخذ رطبة ثالثة فوضعها في فم فاطمة الزّهراء ، وقال : (( هنيئاً مريئاً لك يا فاطمة الزّهراء )) ثمّ أخذ رطبة رابعة فوضعها في فم عليّ , وقال : (( هنيئاً مريئاً لك يا عليّ )) ثمّ ناول عليّاً رطبة اُخرى , والنّبي يقول له : (( هنيئاً لك يا عليّ )) ثمّ وثب النّبي قائماً ثمّ جلس , ثمّ أكلوا جميعاً من ذلك الرُطب , فلمّا اكتفوا وشبعوا , ارتفعت المائدة إلى السّماء بإذن الله تعالى , فقالت فاطمة : (( يا أبة , لقد رأيت اليوم منك عجباً ! )) فقال : (( يا فاطمة , أمّا الرّطبة الأولى التي وضعتها في فم الحُسين وقلت له : هنيئاً يا حُسين فإنّي سمعت ميكائيل وإسرافيل يقولان : هنيئاً لك يا حُسين فقلت أيضاً موافقاً لهما بالقول : هنيئاً لك يا حُسين ثمّ أخذت الثّانية فوضعتها في فم الحسن , فسمعت جبرائيل وميكائيل يقولان : هنيئاً لك يا حسن فقلت أنا موافقاً لهما في القول , ثمّ أخذت الثّالثة فوضعتها في فمك يا فاطمة , فسمعت الحور العين مسرورين مشرفين علينا من الجنان , وهنّ يقلنّ : هنيئاً لك يا فاطمة فقلت موافقاً لهنّ بالقول , ولـمّا أخذت الرّابعة فوضعتها في فم عليّ , سمعت النّداء من الحقّ سبحانه وتعالى يقول : هنيئاً مريئاً لك يا عليّ فقلت موافقاً لقول الله عزّ وجلّ , ثمّ ناولت عليّاً رطبة اُخرى ثمّ اُخرى , وأنا أسمع صوت الحقّ سبحانه وتعالى يقول : هنيئاً مريئاً لك يا عليّ ثمّ قمت إجلالاً لرّب العزّة جلّ جلاله , فسمعته يقول : يا
محمّد , وعزّتي وجلالي , لو ناولت عليّاً من هذه السّاعة إلى يوم القيامة رُطبة رُطبة , لقلت له هنيئاً مريئاً بغير انقطاع )).
فيا إخواني , هذا هو الشّرف الرّفيع والفضل المنيع , ولله درّ مَن قال :
لمثل علاهم ينتهي المجد والفخر |
وعند نداهم يخجل الغيث والبحر |
|
وعمر سواهم في العلى مثل يومهم |
إذا ما علا قدراً ويومهم عمر |
|
وأيامهم بيض إذا اسود حادث |
وأسيافهم حمر وأكنافهم خضر |
|
ملكتم فلا عدوى حكمتم فلاهوى |
علمتم فلا دعوى علوتم فلا كبر |
|
وذكركم في كل شرق ومغرب |
على الناس يتلى كلما تلي الذكر |
فيا إخواني , كيف الصّبر لـمَن يتأمّل مولاه الحُسين (عليهالسلام ) واقفاً في عرصة كربلاء , وهو ينادي : (( ألا هل من نصير ينصر آل مُحمّد المختار ؟ ألا هل من ذاب يذبّ عن الذرّيّة الأطهار ؟ أين الثُقاة البررة ؟ أين الأتقياء ؟ أين مَن أوجب حقّاً عليه الإسلام ؟ أين الوصيّة فينا من الرّسول (صلىاللهعليهوآله ) ؟ )).
فوا عجباه من غفلة أهل هذا الزّمان واشتغالهم عن إقامة عزاء الشّهيد العطشان ! وما عذر أهل الإيمان في إضاعة البكاء والأحزان على سيّد شباب أهل الجنان ونسل سيّد ولد عدنان , ألم يعلموا أنّ النّبي (ص) أضحى لمصابه موتوراً ولقتله مضطهداً مقهوراً ؟!
وكيف لا نبكي لبكاء الزّهراء (عليهاالسلام ) ؟! وكيف لا نحزن لحزن الـمُرتضى ؟! وكيف لا ننوح لقتل الإمام المنبوذ بالعراء ؛ لنفوز بثواب هذا المصاب ونحوز الجنّة يوم المآب.
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم.
القصيدة للشيخ الجليل ابن حماد:
أهجرت يا ذات الجمال دلالا |
وجعلت جسمي للصدود خيالا |
|
وسقيتني كأس الفراق مرارة |
ومنعت عذب رضا بك السلسالا |
|
أسفاً كما منع الحُسين بكربلا |
ماء الفرات وأوسعوه خيالا |
|
وسقوه أطراف الأسنة والقنا |
ويزيد يشرب في القصور زلالا |
|
لم أنس مولاي الحُسين بكربلا |
ملقى طريحاً بالدماء رمالا |
واحسرتا كم يستغيث بجده |
والشمر منه يقطع الأوصالا |
|
ويقول يا جداه ليتك حاضراً |
فعساك تمنع دونا الأنذالا |
|
ويقول للشمر اللعين وقد علا |
صدراً تربى في تقى ودلالا |
|
يا شمر تقتلني بغير جناية |
حقاً ستجزى في الجحيم نكالا |
|
فاحتز بالغضب المهند رأسه |
ظلماً وهز برأسه العسالا |
|
وعلا به فوق السنان وكبروا |
لله جلّ جلاله وتعالى |
|
فارتجت السبع الطباق وأظلمت |
وتزلزلت لمصابه زلزالا |
|
وبكين أطباق السماء وأمطرت |
أسفاً لمصرعه دما قد سالا |
|
يا ويلكم اتكبرون لفقد من |
قتلوا به التكبير والتهليلا |
|
تركوه شلواً في الفلاة وصيروا |
للخيل في جسد الحُسين مجالا |
|
ولقد عجبت من الإله وحلمه |
في الحال جلّ جلاله وتعالى |
|
كفروا فلم يخسف بهم أرضاً بما |
فعلوا وأمهلهم به إمهالا |
|
وغدا الحصان من الوقيعة عارياً |
ينعي الحُسين وقد مضى إجفالا |
|
متوجهاً نحو الخيام مخضباً |
بدم الحُسين وسرجه قد مالا |
|
وتقول زينب ياسكينة قد أتى |
فرس الحُسين فانظري ذا الحالا |
|
قامت سكينة عاينته محمحماً |
ملقي العنان فأعولت إعوالا |
|
فبكت وقالت وا شماتة حاسدي |
قتلوا الحُسين وأيتموا الأطفالا |
|
يا عمتاه جاء الحصان مخضباً |
بدم الشهيد ودمعه قد سالا |
|
لما سمعن الطاهرات سكينة |
تنعي الحُسين وتظهر الأعوالا |
|
ابرزن من وسط الخدور صوارخا |
يندبن سبط محمّد المفضالا |
|
فلطمن منهن الخدود وكشفت |
منها الوجوه وأعولت إعوالا |
|
وخمشن منهن الوجوه لفقد من |
نادى مناد في السماء وقالا |
|
قتل الإمام ابن الإمام بكربلا |
ظلماً وقاسى منهم الأهوالا |
|
وتقول يا جداه نسل اُميّة |
قتلوا الحُسين وذبحوا الأطفالا |
|
يا جدنا فعلوا علوج اُمية |
فعلا شنيعاً يدهش الأفعالا |
|
يا جدنا هذا الحُسين بكربلا |
قد بضعوه أسنة ونصالا |
ملقى على شاطئ الفرات مجدلا |
في الغاضرية للورى أمثالا |
|
ثم استباحوا في الطفوف حريمه |
نهبوا السراة وقوضوا الاجمالا |
|
وغدوا بزين العابدين مكتفا |
فوق المطية يشتكي الأهوالا |
|
يبكي أباه بعبرة مسفوحة |
أسروه مضنى لا يطيق نزالا |
|
وأتوا به نحو الخيام واُمّه |
تبكي وتسحب خلفه الأذيالا |
|
وتقول ليت الموت جاء ولم أرى |
هذي الفعال وانظر الأنذالا |
|
لو كان والده عليّ المرتضى |
حياً لجندل دونه الأبطالا |
|
ولفر جيش المارقين هزيمة |
من سيفه لا يستطيع قتالا |
|
يا ويلكم فستسحبون أذلة |
وستحملون بفعلكم أثقالا |
|
فعلى ابن سعد واللعين عبيدة |
لعن تجدد لا يزول زوالا |
|
وعلى محمّد ثم آل محمّد |
روح وريحان يدوم مقالا |
|
وعليهم صلّى المهيمن ما حدا |
في البيد ركبان تسير عجالا |
|
فمتى تعود لآل أحمد دولة |
ونرى لملك الظالمين زوالا |
|
يا آل أحمد أنتم سفن النجا |
وأنا وحقكم لكم أتوالا |
|
أرجوكم لي في المعاد ذريعة |
وبكم أفوز وأبلغ الآمالا |
|
فلأنتم حجج الإله على الورى |
من لم يقل ما قلت قال محالا |
|
والله أنزل هل أتى في مدحكم |
والنمل والحجرات والأنفالا |
|
والمرتقى من فوق منكب أحمد |
منكم ولو رام السماء لنالا |
|
وعليكم نزل الكتاب مفضلا |
والله أنزله لكم إنزالا |
|
نص بإذن الله لا من نفسه |
ذو العرش به نص لكم إفضالا |
|
فتكلم المختار لما جاءه |
من ربه جبريلهم إرسالا |
|
إذ قال هذا وارثي وخليفتي |
في اُمّتي فلتسمعوا ما قالا |
|
أفديكم آل النّبي بمهجتي |
وأبي وأبذل فيكم الأموالا |
|
وأنا ابن حماد وليكم الذي |
لم يرض غيركم ولم يتوالا |
|
أصبحت معتصماً بحبل ولائكم |
جسداً وإن قصر الزمان وطالا |
|
وأنا الذي أهواكم يا سادتي |
أرجو بذاك عناية ونوالا |
|
بعد الصلاة على النّبي محمّد |
ما غرد القمري وأرخى البالا |
المجلس الثّاني
في أوّل يوم من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
يا إخواني , لو تصوّر الـمُحب لآل الرّسول , ما لاقوا من الخطب المهول , لاختاروا الموت والفنا على الحياة والبقا، وكيف لا , والحُسين (عليهالسلام ) مجدّل فوق الرّمال , معلّى رأسه على رأس رمح ميّال , وذراريه تُسبى حسراً على الجمال , يُطاف بهم في البلاد مقيّدين في الأصفاد , كلّ هذا والدّموع جامدة , والعيون راقدة والأصوات خامدة , فسيلوا رحمكم الله على هذا المصاب شآبيب الهتان , وتجلببوا جلابيب الإكتئاب والأحزان , واظهروا النّوح والعويل على هذا الرّزء الجليل , أما علمتم أنّكم توافقون الملائكة في ثوابهم , وتواسون النّبي في الحزن على مصابهم ؟ أما تحبّون أن يرضى عنكم مبدع الموجودات ؟ أما تُريدون أن تكونوا بذلك آمنين من الكُربات يوم عرض الخلائق على ربّ السّماوات ؟ فإنّ مَن لم يحزن لمصابهم فليس هو من أتباعهم وأحبائهم ، ولله درّ مَن قال :
يا لكرب بكربلاء عظيم |
ولرزء على النّبي ثقيل |
|
كم بكى جبريل مما دهاه |
في بنيه صلوا على جبريل |
|
سوف تأتي الزهراء تلتمس |
الحكم إذا حان محشر التعديل |
|
وأبوها وبعلها وبنوها |
حولها والخصام غير قليل |
|
وتنادي يا رب ذبح أولادي |
لماذا وأنت خير مديل |
فيناد بمالك إلهب النار |
وأجج وخذ بأهل الغلول |
|
يا بني المصطفى بكيت وأبكي |
ونفسي لم تأت بعد بسول |
|
ليت روحي ذابت دموعاً |
فأبكي للذي نالكم من التذليل |
|
ومتى كادني النواصب فيكم |
حسبي الله وهو خير وكيل |
روي عن سيّد البّشر فيما جاء من الخبر , أنّه قال : (( مَن ذُكر الحُسين (عليهالسلام ) عنده , فخرج من عينه من الدّموع بقدر جناح الذّبابة , كان ثوابه على الله تعالى , ولم يرض له بدون الجنّة جزاء )).
وعن أبي هارون المكفوف أنّه قال : قال لي الصّادق (عليهالسلام ) : (( يا أبا هارون , أنشد لي في الحُسين شعراً )) فأنشدته قصيدة , فبكا بكاءاً شديداً وكذلك أصحابه , فقال : (( زدني قصيدة اُخرى )) فأنشدته , فبكى طويلاً وسمعت أيضاً نحيباً من وراء السّتر من أهل بيته , ولم أزل أسمع نحيب عياله وأهل بيته حتّى فرغت من إنشاد القصيدة, فلمّا فرغت , قال لي : (( يا أبا هارون , مَن أنشد في الحُسين (عليهالسلام ) شعراً فبكى أو أبكى واحداً , كتب الله له (ولهما) الجنّة )).
وحكى دعبل الخُزاعي , قال : دخلت على سيّدي ومولاي عليّ بن موسى الرّضا (عليهالسلام ) في مثل هذه الأيام , فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب وأصحابه من حوله , فلمّا رآني مُقبلاً , قال لي : (( مرحباً بك يا دعبل , مرحباً بناصرنا بيده ولسانه )) ثمّ إنّه وسع لي وأجلسني إلى جانبه , ثمّ قال لي : (( يا دعبل , أحبّ أن تنشدني شعراً , فإنّ هذه الأيّام أيّام حزن كانت علينا أهل البيت , وأيّام سرور كانت على أعدائنا خصوصاً بني اُميّة يا دعبل , مَن بكى أو أبكى على مصابنا ولو كان واحداً أجره على الله يا دعبل , مَن ذرفت عيناه على مصابنا وبكى لما أصابنا من أعدائنا , حشره الله معنا في زمرتنا يادعبل , مَن بكى على مصاب جدّي الحُسين غفر الله له ذنوبه البّتة )) ثمّ إنّه (عليهالسلام ) نهض وضرب ستراً بيننا وبين حرمه , وأجلس أهل بيته من وراء السّتر ؛ ليبكوا على مصاب جدّهم الحُسين (عليهالسلام ) , ثمّ التفت إليّ وقال : (( يا دعبل , ارث الحُسين , فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيّاً , فلا تقصّر عن نصرتنا ما استطعت )).
قال دعبل : فاسعبرت وسالت عبرتي , وأنشأت أقول :
أفاطم لو خلت الحُسين مجدلا |
وقد مات عطشاناً بشط فرات |
|
إذاً للطمت الخد فاطم عنده |
وأجريت دمع العين في الوجنات |
أفاطم قومي يابنة الخير واندبي |
نجوم سماوات بأرض فلات |
|
قبور (بكوفان) واُخرى بطيبة |
واُخرى (بفخ) نالها صلوات |
|
قبور ببطن النهر من جنب (كربلا) |
معرسهم فيها بشط فرات |
|
توفوا عطاشى بالعرى فليتني |
توفيت فيهم قبل حين وفاة |
|
إلى الله أشكوا لوعة عند ذكرهم |
سقتني بكأس الثكل والصعقات |
|
إذا فخروا يوماً أتوا بمحمّد |
وجبريل والقرآن والسورات |
|
وعدوا علياً ذا المناقب والعلى |
وفاطمة الزهراء خير بنات |
|
وحمزة والعبّاس ذا الدين والتقى |
وجعفرها الطيار في الحجبات |
|
أولئك مشؤمون هنداً وحربها |
سمية من نوكى ومن قذرات |
|
هم منعوا الآباء من أخذ حقهم |
وهم تركوا الأبناء رهن شتات |
|
سأبكيهم ما حج لله راكب |
وما ناح قمري على الشجرات |
|
فيا عين أبكيهم وجودي بعبرة |
فقد آن للتسكاب والهملات |
|
بنات زياد في القصور مصونة |
وآل رسول الله منهتكات |
|
وآل زياد في الحصون منيعة |
وآل رسول الله في الفلوات |
|
ديار رسول الله أصبحن بلقعاً |
وآل زياد تسكن الحجرات |
|
وآل رسول الله نحف جسومهم |
وآل زياد غلظ القصرات |
|
وآل رسول الله تدمى نحورهم |
وآل زياد ربة الحجلات |
|
وآل رسول الله تسبى حريمهم |
وآل زياد آمنوا السربات |
|
إذا وتروا مدوا إلى واترهم |
أكفاً عن الأوتار منقبضات |
|
سأبكيهم ما در في الأرض شارق |
ونادى منادي الخير للصلوات |
|
وما طلعت شمس وحان غروبها |
وبالليل أبكيهم وبالغدوات |
فيا إخواني , كيف لا يحقّ لنا البُكاء عليهم وإظهار الجزع والإكتئاب لديهم , وهم أعلام الرّحمن واُمناء القرآن ؟!
روي عن الباقر (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( أيما مؤمن ذرفت عيناه على مصاب الحُسين (عليهالسلام ) حتّى تسيل على خدّه, بوأه الله في الجنّة غُرفاً , يسكنها أحقاباً وأيما مؤمن مسّه أذى فينا , صرف الله عن وجهه الأذى يوم القيامة, وآمنه من سخط النّار )).
وعن الصّادق (عليهالسلام ) أنّه قال : (( مَن ذُكرنا عنده
ففاض من عينه دمع ولو مثل رأس الذُبابة , غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زَبد البحر )).
وعنه (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( رحم الله شيعتنا , لقد شاركونا في المصيبة , بطول الحزن والحسرة على مصاب الحُسين (عليهالسلام ) )).
وعنه (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( مَن بكى أو أبكى فينا مئة فله الجنّة , ومَن بكى أو أبكى عشرة فله الجنّة , ومَن بكى أو أبكى واحداً فله الجنّة , ومَن تباكى فله الجنّة ، ومَن لم يستطع أن يبكي , فليقشعر جلده من الحزن فينا )).
فيا إخواني , انظروا إلى عظم فضيلة البُكاء على هذا الشّخص الرّباني , واغسلوا درن ذنوبكم بماء دموعكم ، ونعوذ بالله من عين لا تدمع وقلب لا يخشع.
روي : أنّه لـمّا أخبر النّبي (صلىاللهعليهوآله ) ابنته فاطمة بقتل ولدها الحُسين , وما يجري عليه من المحن , بكت فاطمة (عليهاالسلام ) بُكاءاً شديداً , وقالت : (( يا أبي ؛ متى يكون ذلك ؟ )) قال (ص) : (( في زمان خال منّي ومنك ومن عليّ )) فاشتدّ بكاؤها وقالت : (( يا أبة ؛ فمَن يبكي عليه ؟ ومَن يلتزم بإقامة العزاء له ؟ )).
فقال النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( يا فاطمة , إنّ نساء اُمّي يبكون على نساء أهل بيتي , ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي ، ويجددون العزاء جيلاً بعد جيل في كُلّ سنة ، فإذا كان يوم القيامة , تشفعين أنت للنساء وأنا أشفع للرجال ، وكُلّ مَن بكى منهم على مصاب الحُسين أخذنا بيده وأدخلناه الجنّة يا فاطمة , كُلّ عين باكية يوم القيامة , إلّا عين بكت على مصاب الحُسين , فإنّها ضاحكة مُستبشرة بنعيم الجنّة )).
فيا إخواني , أكثروا البكاء والعويل على هذا العزيز الجليل ؛ لتفوزوا بالثّواب الجزيل من الرّبّ الجليل , فإنّ الله جعل متابعتنا لهم فيما أمكن من الفعال ، وبكاؤنا عليهم بالدّمع السّجال ، وبعث عيوب أعدائهم أهل الضّلال قائماً مقام الجهاد معهم في يوم القتال ، كما ورد في الخبر عن وصي سيّد البشر , أنّه قال لأصحابه : (( الزموا بيوتكم واصبروا على البلاء , ولا تتحركوا بأيديكم وسيوفكم وهوى ألسنتكم , ولا تستعجلوا بما لم يعجّله الله لكم , فإنّه مَن مات منكم على فراشه , وهو على معرفة من حقّ ربّه وحقّ رسوله وآل رسوله , كان كمن مات شهيداً ووقع أجره على الله تعالى , واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله , وقامت النّية مقام إصالته وجهاده بسيفه ويده , وإنّ لكُلّ شيء أجلاً
وانتهاءاً )).
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون ، وإيّاهم فليندب النّادبون ، ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان ، فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ الخليعي (رحمهالله )
أي عذر لمهجة لا تذوب |
وحشاً لا يشب فيها لهيب |
|
ولقلب يفيق من ألم للحزن |
ولعين دموعها لا تصوب |
|
وابن بنت النّبي بالطف مطروح |
ملقى والجبين منه تريب |
|
حوله مني بني أبيه شباب |
صرعتهم أيدي المنايا وشيب |
|
وحريم النّبي عبرى من الئكل |
وحرى خمارها منهوب |
|
تلك تدعو أخي وتلك تنادي |
يا أبي وهو شاخص لا يجيب |
|
لهف قلبي وطفله في يديه |
يتلظى والنحر منه خضيب |
|
لهف قلبي لأخته زينب تأوي |
اليتامى ودمعها مسكوب |
|
لهف قلبي لفاطم خيفة السبي |
تجافي وقلبها مرعوب |
|
لهف قلبي لاُم كلثوم والخدان |
منها قد خددتها الندوب |
|
وهي تدعو يا واحدي يا شقيقي |
يا مغيثي قد برحت بي الخطوب |
|
ثم تشكو إلى النّبي ودمع العين |
في خدها الأسيل وصيب |
|
جد يا جد لو ترانا حيارى |
قد عرتنا بكربلاء الكروب |
|
جد يا جد لم يفد ذلك النصح |
وذاك الترغيب والترهيب |
|
جد لم تقبل الوصية في الأهل |
ولم يرحم الوحيد الغريب |
|
يصبح الجاحد البعيد من الحقّ |
قريباً منهم ويقضي القريب |
|
أين عيناك والحُسين قتيل |
وعلي مغلل مضروب |
|
لو ترى سبطك المفدى طريحاً |
عارياً والرداء منه سليب |
|
لو ترانا نساق بالذل ما بين |
العدى قد قسمت علينا القلوب |
|
لو ترانا حرى وقد أبرزت منا |
وجوه صينت وشقت جيوب |
|
بأبي الطاهرات تحدى بهن العيس |
بين الملا وطوى السهوب |
|
بأبي رأس جل فاطمة |
يشهره للعيون رمح كعوب |
يا بن أزكى الورى نجاراً على |
مثلك يستحسن البكا والنحيب |
|
هاجفوني لما اُصيبت به |
قرحي وقلبي لما رزيت كئيب |
|
أين قلبي الشجي والفارغ البال |
وأين المحق والمستريب |
|
لا هناني عيشي ومبسمك الدرى |
باد وقد علاه ق-ضيب |
|
ليت أبي فداك لو كان بالعبد |
يفدي المولى الحسيب النسيب |
|
سهم بغي الأولى أصابك من قبـ |
ـ ل ولله عنك سهم مصيب |
|
أظهروا فيك حقد بدر من قبـ |
ـل دعوا للهدى ولم يستجيبوا |
|
يا بني أحمد إلى مدحكم قلب |
الخليعي مستهام طروب |
|
كيف صبر امرئ برى الود في |
القربى وجوباً وإرثكم مغصوب |
|
أنتم حجة الإله على الخلق |
وأنتم للطالب المطلوب |
|
بولاكم وبغض أعدائكم تقبل |
أعمالنا وتمحى الذنوب |
|
لثناكم شاهت وجوه ذوي النـ |
ـصب وشقت من النغول القلوب |
الباب الثّاني
اعلموا أيّها الأخوان , إنّ نفثات الأحزان إذا صدر عن زفير نيران الأشجان , فرجت بعض الكروب عن الواله المكروب ، والدّموع الهتان إذا أسبلت عن مقرحات الأجفان ، نفس ذلك الدّمع المصبوب ما يجده المتيم المتعوب , فليلبس كلّ واحد منكم شعار أحزانه , وليتجلبب بجلباب كآبته واشجانه.
أما تعلمون أنّ لكلّ واحد منكم تمام إيمانه ؟ أما تحبّون أن يرجع ذلك لكلّ واحد منكم بميزانه ؟ أأبلغ شاهد من هذا تريدون ؟ فلِمَ عن إقامة العزاء متقاصرون ؟ أما بلغكم أنّ بعينهم جميع ما تصنعون ؟ أما قال عزّ وجلّ :( وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (١) ؟ بل والله أنّه قول لا مرية فيه ولا شكّ يعتريه , ولله درّ مَن قال :
يا من بجاههم الظليل وعزهم |
لذوي المراتب في البرايا سادوا |
|
فلهم على السبع الطرايق منصب |
عالي البناء له العلاء عماد |
|
وحياض وردهم لكل مؤمل |
يروي به الرواد والوراد |
____________________
(١) سورة آل عمران / ١٦٩.
إن أوعدوا صفحوا عن الجاني وإن |
وعدوا بخير انجزوا الميعاد |
|
تضع الملوك جباههم في أرضهم |
ولزهدهم تتأدب الزهاد |
|
إن كان غيري ناسياً لمصابكم |
فالحزن في قلبي له تزداد |
|
بالله أقسم لا تعدي دينكم |
إلّا زنيم دينه الحاد |
عن الصّادق (عليهالسلام ) : (( إذا كان يوم القيامة , نُصب لفاطمة (عليهاالسلام ) قبّة من نور , ويقبل الحُسين (عليهالسلام ) ماشياً ورأسه في يده , فإذا رأته فاطمة (عليهاالسلام ) , شهقت شهقة عظيمة , فلا يبقى في ذلك الموقف ملك ولا نبيّ إلّا وبكى لبكائها , فيمثل الله الحُسين في أحسن صور , فيخاصم قتلته وهو بلا رأس , فيجمع الله قتلته والمجهزين عليه ومن شرك في قتاله فيقتلهم عليّ ، ثمّ يُنشرون فيقتلهم الحسن , ثمّ يُنشرون فيقتلهم الأئمة )).
وفي خبر آخر عن النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , قال : (( إذا كان يوم القيامة , جاءت فاطمة الزّهراء في لـمّة من نساء أهل الجنّة , فيُقال لها : ادخلي فتقول : لا ادخل حتّى أعلم ما صُنع بولدي الحُسين فيُقال لها : انظري في قلب القيامة فتنظر يميناً وشمالاً فترى الحُسين وهو قائم ليس عليه رأس , فتصرخ صرخة عالية وتصرخ الملائكة لصرختها , وتقول : وا ولداه وا ثمرة فؤاداه ! قال : فيشتدّ غضب الله عند ذلك , فيأمر الله ناراً اسمها هبهب , قد أوقدوا عليها ألف عام حتّى اسودّت واظلمّت , لا يدخلها روح ولا يخرج منها همّ ولا غمّ أبداً , فيُقال لها : التّقطي قتلة الحُسين فتلتقطهم جميعاً واحداً بعد واحد , فإذا صاروا في حوصلتها , صهلت بهم وصهلوا بها , وشهقت بهم وشهقوا بها , واشتدّ عليهم العذاب , فيقولون : ربّنا لِمَ أوجبت علينا النّار قبل عَبدة الأوثان ؟ فيأتيهم الجواب عن الله : إنّ مَن علم ليس كمن لا يعلم ))( فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ) (١) ولله درّ مَن قال :
عين تروم فراق شخصك ساعة |
كحلت بأميال العمى آماقها |
|
نفس للحظك لم تكن مشتاقة |
ضربت بأسياف العدى أعناقها |
روي عن الفضل بن شاذان قال : سمعت الرّضا (عليهالسلام ) يقول : (( لـمّا أمر الله إبراهيم (عليهالسلام ) أن يذبح مكان إسماعيل الكبش - الذي أنزله عليه - , تمنّى إبراهيم أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل بيده , وإنّه يؤمر بذبح الكبش مكانه ؛ ليرجع إلى قلبه ما
____________________
(١) سورة الأحقاف / ٢٠.
يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعزّ ولده , فيستحقّ بذلك أرفع درجات أهل الثّواب على المصائب , فأوحى الله عزّ وجلّ إليه : يا إبراهيم , مَن أحبّ خلقي إليك ؟ فقال : يا ربّ , ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ من حبيبك مُحمّد (صلىاللهعليهوآله ) فأوحى الله إليه : يا إبراهيم , هو أحبّ إليك أمّ نفسك ؟ فقال : بل هو أحبّ إليّ من نفسي قال : فولده أحبّ إليك أم ولدك ؟ قال : بل ولده قال : فذبح ولده ظُلماً على يدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي ؟ قال : يا ربّ , بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي قال : يا إبراهيم , إنّ طائفة تزعم أنّها من اُمّته , ستقتل الحُسين ابنه من بعده ظُلماً وعدواناً كما يُذبح الكبش , ويستوجبون بذلك بيدك ؛ بجزعك على الحُسين وقتله , وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثّواب على المصائب , وذلك قول الله تعالى :( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) (١) )) ولله درّ مَن قال :
عليك ابن خير المرسلين تأسفي |
وحزني وإن طال الزمان طويل |
|
جللت فجل الرزء فيك على الورى |
كذا كل رزء للجليل جليل |
فوا حسرتاه لتلك الجسوم المرمّلة بالدّماء ! ووا لهفتاه لتلك الأفواه اليابسة من الظّماء ! وواحرّ قلباه لمولاي الحُسين وهو يُنادي فلا يُجاب , ويستغيث وليس مَن يرد الخطاب , ويطلب شربة من الماء فلا يُسقى أو لا يدارى , وقد حرّموه عليه وحلّلوه على اليهود والنّصارى , ومنعوه من توديع الأحباب والأولاد , وأظهروا في الإسلام حُزناً لا ينقضي حتّى المعاد ! فلا غرو إن بكت عليه محاجري أو فرّ السّهاد عن ناظري.
فيا إخواني , كيف يحسن نوح النّائحين وبكاء الباكين على إلف وخدين ؟ ولا يحسن على ابن أمير المؤمنين وابن سيّدة نساء العالمين , بلى والله والحقّ الـمُبين , ولله درّ مَن قال :
يا أهل بيت محمد دمعي لكم |
جار وقلبي ما حييت كئيب |
|
أنتم ولاة المسلمين وحبكم |
فرض ونهج هداكم ملحوب |
|
طبتم فحبكم النجاة وبغضكم |
كفر برب العالمين وحوب |
نُقل عن ابن عبّاس أنّه قال : لـمّا حضرت رسول الله الوفاة , بكى بكاء شديداً حتّى بلّت دموعه لحيته ، فقلت له : يا رسول الله , ما يبكيك ؟ فقال :
____________________
(١) سورة الصّافات / ١٠٧.
(( أبكي لذرّيّتي وما يصنع بهم من بعدي , وما يفعلون بهم أشرار اُمّتي , فكأنّي بفاطمة (عليهاالسلام ) ابنتي وقد ظُلمت من بعدي , وغُصب حقّها وقُهر بعلها وغُصبت على ميراثها , فكأنّي بها وهي تُنادي : يا أبتاه يا أبتاه ! فلا يعينها أحد من اُمّتي )) فسمعت فاطمة كلام أبيها فبكت , فقال لها النّبي : (( اسكتي يا فاطمة , ابشري يا بنت مُحمّد بسرعة اللحاق بي , ولم تلبثي بعدي إلّا قليلاً , وأنّك أوّل مَن يلحق بي من أهل بيتي )) فسرّت بذلك سروراً عظيماً.
وفي بعض الأخبار عن أبي جعفر (عليهالسلام ) , قال : (( ما راُيت فاطمة ضاحكة بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) )) وقيل: ما كان في الدُنيا أعبد من فاطمة , كانت تقوم للصّلاة حتّى تتورّم قدماها وقيل : لـمّا دُفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ورجعت فاطمة إلى بيتها , اجتمع إليها نساؤها , فقالت : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، انقطع عنّا خبر السّماء )) ثمّ قالت :
أغبر آفاق البلاد وكورت |
شمس النهار وأظلم العصران |
|
والأرض من بعد النّبي حزينة |
أسفاً عليه كثيرة الرجفان |
|
فليبكه شرق البلاد وغربها |
وليبكه مصر وكل يمان |
|
نفسي فداؤك ما لرأسك مائلاً |
ما وسدوك وسادة الوسنان |
ونُقل : إنّها وقعت على قبره , وقالت :
ما ضر من شم تربة أحمد |
أن لا يشم مدى الزمان غواليا |
|
صبت عليّ مصائب لو أنها |
صبت على الأيام صرن لياليا |
فيا إخواني , إن رغبتم في المنزل الكريم والثّواب العظيم الجسيم , فأديموا الحزن عليهم والجزع والكآبة لديهم ، فإنّه يكتب لكم في صحائف الحسنات ويمحو عنكم الذّنوب المعضلات فعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون، وإيّاهم فليندب النّادبن , ولمثلهم تذرف دموع العيون ، أولا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان، فنظم وقال :
القصيدة للشيخ ابن حماد (رحمهالله )
خواطر فكري في الحشاء تجول |
وحزني على آل النبي طويل |
|
أراق دموعي ظلم آل محمد |
وقتلي لنفسي في الهداة قليل |
تهون الرزايا عند ذكر مصابهم |
ورزؤهم في العالمين جليل |
|
لعمرك خطب لو علمت جليل |
وأمر عنيف لو علمت مهول |
|
مصارع أولاد النبي بكربلا |
عليهن حزني ما حييت يطول |
|
قبور عليها النور يزهو عندها |
صعود لأملاك السما ونزول |
|
قبور بها يستدفع الضر والأذى |
ويعطي بها رب السما وينيل |
|
ولما رأيت الحير حارت مدامعي |
وكان لها من قبل ذاك همول |
|
ومثل لي يوم الحُسين وقوله |
لأعدائه بالطف وهو يقول : |
|
أما فيكم يا أيها الناس راحم |
لعترة أولاد النبي وصول |
|
أأقتل مظلوماً وقدما علمتم |
بأن ليس لي في العالمين عديل |
|
أليس أبي خير الوصيين كلهم |
أما أنا للطهر النبي سليل |
|
أما فاطم الزهراء اُمي ويلكم |
وعمّاي أيضاً جعفر وعقيل |
|
دعوني أرد ماء الفرات ودونكم |
لقتلي فعندي للظماء غليل |
|
فنادوه مهلاً يابن بنت محمّد |
فليس إلى ما تبتغيه سبيل |
|
فداؤك روحي يا حسين وعترتي |
وأنت غفير في التراب جديل |
|
فديتك لما مر مهرك عارياً |
ورأسك في رأس السنان مثيل |
|
بناتك تسبى كالإماء حواسراً |
وسبطك ما بين العداة قتيل |
|
وزينب تدعو بالحُسين وقلبها |
حزين لفقدان السلو ثكول |
|
أخي يا أخي قد كنت عزي ومنعتي |
فأصبح عزي فيك وهو ذليل |
|
أخي يا أخي لم أعط سؤلي ولم يكن |
لأختك مأمول سواك وسول |
|
أخي لو ترى عيناك ما فعل العدا |
بنا لرأت أمراً هناك يهول |
|
ترانا سبايا كالأماء حواسراً |
يجد بنا نحو الشئام رحيل |
|
أخي لاهنتي بعد فقدك عيشتى |
ولا طاب لي حتى الممات مقيل |
|
فإن كنت أزمعت المغيب فقل لنا |
أما لك من بعد المغيب قفول |
|
أقول كما قد قال عني والدي |
وأدمعه بعد البتول همول |
|
أرى علل الدنيا عليّ كثيرة |
وصاحبها حتى الممات عليل |
|
لكل اجتماع من خليلين فرقة |
وإن بقائي بعدكم لقليل |
يريد الفتى أن لا يفارق خله |
وليس إلى ما يبتغيه سبيل |
|
وإن افتقادي فاطماً بعد أحمد |
دليل على أن لا يدوم خليل |
|
عليكم سلام الله يا خيرة الورى |
ومن فضلهم عند الإله جليل |
|
بكم طاب ميلادي وإن ودادكم |
بان على ما في الأمور دليل |
|
لأنكم أعلى الورى عند ربكم |
إذ الطرف في اليوم المعاد كليل |
|
وإن موازين الخلائق حبكم |
خفيف لما يأتي به وثقيل |
|
وأصفيتكم ودي ودنت بحبكم |
مقيم عليه لست عنه أحول |
|
وإنكم يوم المعاد وسيلتي |
ومالي سواكم إن علقت وسيل |
|
تسمع لها بكر الغواني إذا بدت |
تتيه على أقرانها وتصول |
|
منمقة الألفاظ من قول قادر |
على الشعر إن رام القريض يقول |
|
لساني حسامي مرهف الحد قاطع |
ورأيي سديد في الأمور دليل |
|
وذلك فضل من إلهي وطوله |
وفضل إلهي للعباد جزيل |
|
ألا رب مغرور تناسى ولو درى |
لكان إلى ما في الأمور يؤول |
|
تشبه لي في الشعر عز فهل ترى |
يكون سواء عالم وجهول |
|
ولو لا حفاظ العهد بيني وبينه |
لقلت ولكن الجميل جميل |
|
كفى أن من يهوى غوات أراذل |
لأم تناشوا في الخنا ونغول |
|
وإني بحمد الله ما بين عصبة |
لهم شيم محمودة وعقول |
|
بحبكم يرجو ابن حماد سؤله |
ويعلوه ظل في الجنان ظليل |
|
فقل للذي يبغي عنادي لحينه |
رويداً رويداً فالحديث يطول |
الباب الثّالث
اتظنون أيّها المؤمنون إخوانكم أصحاب الحُسين (عليهمالسلام ) عظمت عليهم تلك الآلام , أو أضرّت بهم تلك الجراح في ميدان الكفاح ؟ لا وخالق الأرواح , أليس هُم بعين الملك الجبّار ؟ أليس هُم في نصرة النّبي الـمُختار ؟ أما هُم الذين باعوا الدُنيا بالآخرة في نصرة الذّرية الطّاهرة ؟ لقد والله , شاهدوا مقاعدهم في الجنان مشاهدة الحضور والعيان، وعلموا أنّهم قادمون عليها فبذلوا وسارعوا إليها , ولله درّ مَن قال فيهم :
قوم إذا حضر الوغى لم يسألوا |
حذر المنية عن سبيل الهارب |
|
وإذا الكماة تطاعنوا ألفيتهم |
يتقدمون إلى مكان الضارب |
فيا حبّذا نجم سعدهم اللائح ويا طيب نشر عطرهم الفائح ، كيف لا وقد تحقق أنّ القتيل منهم في سبيل الـمَلك الجليل لا يجب له التّغسيل ؛ لما ورد في الخبر عن سيّد البشر (ص) : (( رمّلوهم بدمائهم ؛ فإنّهم يُحشرون يوم القيامة تشخب أوداجهم دماً , اللون لون الدّم والرّيح ريح المسك )).
فيا إخواني , هل هذا إلّا لمكرمة حصلوها وفضيلة أدركوها ؟ وذلك هو الحظّ العظيم والنّيل الجسيم.
نُقل أنّه لـمّا قدم الحُسين (عليهالسلام ) إلى أرض كربلاء , كان معه اثنان وسبعون رجُلاً , وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً, وكان عسكر ابن سعد سبعين ألف فارس , فحملوا بأجمعهم على الحُسين وأصحابه (عليهمالسلام ) , فأمر ابن سعد برميهم في السّهام , فرموهم بها حتّى صار جسد الحُسين كالقنفذ , وجرحوه في بدنه ثلاثمئة ونيفاً وعشرين جرحاً ؛ بالرّماح والسّيوف والنّبل والحجارة ، حتّى أنّه (عليهالسلام ) حجم عنهم وضعف عن القتال , فطعنه سنان بسنانه فصرعه إلى الأرض , فابتدر إليه خولي ؛ ليحتز رأسه فارتعد ورجع عن قتله ، فقال له الشّمر : فتّ الله عضدك , ما لك ترعد ؟ ثمّ إنّ الشّمر نزل عن فرسه ودنا إلى الحُسين , فذبحه كما يُذبح الكبش , ألا لعنة الله على القوم الظّالمين.
وكان عدد مَن قُتل مع الحُسين من أهل بيته وعشيرته (عليهالسلام ) ثمانية عشر نفساً ، فمن أولاد عليّ ستة وهم ؛ العبّاس وعبد الله , وجعفر وعثمان , وعُبيد الله وأبو بكر ، ومن أولاد الحُسين (عليهالسلام ) اثنان , وهما ؛ عليّ بن الحُسين , وعبد الله الطّفل المذبوح بالسّهم ، ومن أولاد الحسن (عليهالسلام ) ثلاثة , وهم ؛ القاسم وأبو بكر وعبد الله ، ومن أولاد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب اثنان , وهما ؛ مُحمّد وعون ، ومن أولاد عقيل ثلاثة , وهم ؛ عون وجعفر وعبد الرّحمن , ومن أولاد مُسلم بن عقيل اثنان , وهما ؛ عبد الله بن مُسلم وعُبيد الله بن مُسلم فهؤلاء ثمانية عشر نفساً من أهل البيت (عليهمالسلام ) قُتلوا مع الحُسين (عليهالسلام ) , وكلّهم مدفونون مما يلي رجلي الحُسين في مشهده ، وإنّهم حُفر لهم حفيرة عميقة , واُلقوا فيها جميعاً وسوّي عليهم التّراب (رحمة الله عليهم) ، وأمّا العبّاس , فإنّه دُفن ناحية عنهم في موضع المعركة عند (المسناة) , وقبره ظاهر على ما هو الآن ، وليس لقبور إخوته
وبني عمّه الذين سمعنا لهم أثر ظاهر , وإنّما يزورهم الزّائر عند رجلي الحُسين (ع) , ويومي إلى الأرض ويشير إليهم بالسّلام , وعليّ بن الحُسين من جملتهم ، وقيل : إنّه أقرب منهم إلى قبر أبيه.
وأمّا أصحاب الحُسين الذين قُتلوا معه من سائر النّاس , وهم ثلاثة وخمسون رجُلاً , فإنّهم دُفنوا حوله , وليس لهم أجداث على الحقيقة ، ولا شكّ أنّهم في الحائر الـمُقدّس على ما نُقل من الثُقاة , والحائر مُحيط بهم (رضوان الله عليهم أجمعين).
وأمّا رأس الحُسين (عليهالسلام ) , فنُقل عن بعض علمائنا , إنّه رُدّ من الشّام ودُفن مع جسده الشّريف وفي خبر آخر عن الصّادق (عليهالسلام ) , إنّه بلغ في مسيره من المدينة إلى الغري شرّفه الله تعالى , ومعه ابنه إسماعيل وجماعة من أصحابه (عليهالسلام ) , نزل عن دابته في موضع عند الغري قريباً من القبر مما يلي الرأس , وزار الحُسين وصلّى عنده ركعتين , فقال له بعض مَن كان معه : يابن رسول الله , أليس رأس الحُسين بُعث إلى الشّام إلى يزيد ؟ فقال : (( بلى , ولكنّه رجل من موالينا اشتراه من بعد موت يزيد , وأتى به إلى هذا الموضع ودفنه هُنا )) وليس هذا ببعيد , وكذلك اشتهر بين الأصحاب زيارته من عند رأس قبر أبيه.
وجاء في بعض الأخبار , أنّه كان للحُسين أربعة أولاد ذكور , وهم ؛ عليّ بن الحُسين الأكبر , وكان عمره يوم قُتل مع أبيه سبع عشر سنة ، وعليّ بن الحُسين الأصغر , وهو الإمام (عليهالسلام ) الذي عاش بعد حياة أبيه , وجعفر بن الحُسين (عليهالسلام ) , مات في حياة أبيه ودُفن بالمدينة ولا بقية له ، وعبد الله بن الحُسين (عليهالسلام ) , هو الطّفل الذي قُتل في حجر أبيه , جاءه سهم ميشوم وهو يستقي له من القوم ماءاً , فجاءه السّهم في نحره , فذبحه من الاُذن إلى الاُذن , فجعل أبوه الحُسين (ع) يلقي الدّم من نحره ويرمي به إلى السّماء , فلا يسقط منه قطرة , وهو مع ذلك يبدي الشّكاية إلى الله تعالى ويبكي ويقول : (( قتل الله قوماً قتلوك يا بُني , ما أجرأهم على انتهاك حُرمة الرّسول , على الدُنيا بعدك العفا )).
فانظروا يا إخواني بعيون بصائركم إلى مصاب العترة الطّاهرة, واعملوا فكركم فيما أصابهم من الفئة الفاجرة, أتدرون إذا حزنتم على المصاب أيّ شيء تحوزون من الأجر والثّواب؟.
لقد طال ما أسهر أجفاني |
تمثلهم في خاطري وجناني |
ولله درّ مَن قال :
حتى متى وإلى متى تتصبر |
فلمثل هذا اليوم دمعك يذخر |
|
اليوم فلتذب النفوس كآبة |
وعلى الخدود من المحاجر تقطر |
روي عن الإمام أبي عبد الله (ع) , قال : (( سمعت أبي يقول : إنّ فاطمة (عليهاالسلام ) كانت تأتي قبور الشُهداء فتبكي , ثمّ تأتي قبور البقيع بين اليوم واليومين , فكانت إذا وهجها الشّمس تفيّأت بظل أراكة هُناك , فبلغ الرّجلين ذلك فبعثا فقطعا الإراكة )) فلا جرم , لقد كانت الأراكة سبباً لإعمال سيوف فتّاكة في نسلها وبنيها وولدها وذرّيّتها , ولله درّ من قال :
ستعلم في الحساب إذا التقينا |
غداً عند الإله من الظلوم |
|
إلى ديان يوم الدين نمضي |
وعند الله تجتمع الخصوم |
روي عن الصّادق (عليهالسلام ) , أنّه إذا هلّ هلال عاشور , اشتدّ حزنه وعظم بكاؤه على مصاب جدّه الحُسين (عليهالسلام ) , والنّاس يأتون إليه من كُلّ جانب ومكان ؛ يُعزّونه بالحُسين ويبكون وينوحون على مصاب الحُسين (عليهالسلام ) , فإذا فرغوا من البكاء , يقول لهم : (( أيّها النّاس , اعلموا أنّ الحُسين حيّ عند ربّه يُرزق من حيث يشاء , وهو (عليهالسلام ) دائماً ينظر إلى موضع عسكره ومصرعه ومَن حلّ فيه من الشُهداء , وينظر إلى زوّاره والباكين عليه والمقيمين العزاء عليه , وهو أعرف بهم وباسمائهم واسماء آبائهم وبدرجاتهم ومنازلهم في الجنّة , وإنّه ليرى مَن يبكي عليه فيستغفر له , ويسأل جدّه وأباه واُمّه وأخاه أن يستغفروا للباكين على مصابه والمقيمين عزاءه , ويقول : لو يعلم زائري والباكي عليّ ما له من الأجر عند الله تعالى , لكان فرحه أكثر من جزعه , وأنّ زائري والباكي عليّ لينقلب إلى أهله مسروراً , وما يقوم من مجلسه إلاّ وما عليه ذنب , وصار كيوم ولدته اُمّه )).
وعنه (عليهالسلام ) أنّه قال : (( لـمّا قُتل الحُسين (عليهالسلام ) , بكت عليه السّماوات السّبع , ومَن فيهنّ من الجن والإنس , والوحوش والدّواب , والأشجار والأطيار , ومَن في الجنّة والنّار وما لا يرى , كلّ ذلك يبكون على الحُسين (عليهالسلام ) ويحزنون لأجله , إلاّ ثلاث طوائف من النّاس , فإنّها لم تبك عليه أبداً )) فقيل : فمَن هذه الثّلاثة التي لم تبك على الحُسين ؟ فقال : (( هُم ؛ أهل دمشق ، وأهل البصرة , وبنو اُميّة , لعنة الله على الظّالمين )).
فيا عجباً من القلوب القاسية والنّفوس العاصية , كيف لا تبكي لـمَن بكاه مُحمّد الـمُصطفى , وعليّ الـمُرتضى وفاطمة الزّهراء سيّدة
النّساء , وملائكة السّماء وما بينهما وما تحت الثّرى ؟!
فعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ الخليعي (رحمهالله )
ألا يا عين لا لمراتع وخيامي |
أودت بساكنها يد الأيام |
|
لا ينفع الغل الدموع بربها |
ألا إذا ندب القتيل الظامي |
|
ما عذر من لم يبكي يوم مصابه |
متأسفاً بدم ودمع هام |
|
سحي الدموع على الحُسين وحا |
ذري تستزلك ألسن اللوام |
|
وتمثليه بكربلا يا ظامياً |
يرنو إلى ماء الفرات الطامي |
|
وأبكي على الشيب التريب معفراً |
وأبكي على النحر الخضيب الدامي |
|
وتمثيله إخوانه وبناته |
يندبنه بتفجع ولطامي |
|
هذي تنوح وهذي تبكي لما |
سلب العدى من برقع ولثام |
|
وأبكي اليتامى للطغاة خواضعا |
وارحمتاه لتخضع الأيتام |
|
وأبكي مصارع فتية علوية |
شربوا على ظمأ كؤوس حمام |
|
أحشاء فاطمة لهم مقروحة |
وعلى النبي توجع الأيتام |
|
وأبكي لزينب تستغيث باُمها |
ذات المفاخر والمحل السامي |
|
يا اُم قومي من ثراك وسارعي |
وتبيني ذلي وسوء مقامي |
|
وقفي على المقتول وانفجعي له |
وأبكي له فرداً بغير محمامي |
|
وأبكي على الطفل الصغير مضمخاً |
بدماه بعد تحرق وأوام |
|
وأبكي عزيزات الحُسين حواسراً |
يسترن أوجههن بالأكمام |
|
وأبكي لزين العابدين مقيداً |
في الأسر يشكو كربة الأسقام |
|
وأبكي لنا نسبي على الأقتاب ما |
بين الملأ في مهمه وأكام |
|
وأبكي لرأس السبط يشهر في القنا |
كالبدر يجلو حندس الأظلام |
|
يا للرجال لثار عترة أحمد |
الهادي وبالحمية الإسلام |
|
أيكون صاحب شرعة الأحكام |
والداعي الأنام منكس الأعلام |
|
تبيد آل زياد آل محمّد |
قتلاً بحد صوارم وسهام |
ويبيت جسم ابن النّبي مرملاً |
ترباً يوطئ الخيل والأقدم |
|
وإلى ابن آكلة الكبود برأسه |
يسري بعين الواحد العلام |
|
ويمكن الرجس القضيب بجهله |
وبضغنة من ثغره البسام |
|
لكنه أملى لهم فتمردوا |
في الكفر وازدادوا من الآثام |
|
يا سادة شرف الكتاب بما حوى |
فيهم من الإجلال والإعظام |
|
يا من إذا ذكر اللبيب مصابهم |
هانت عليه مصائب الأيام |
|
قسماً بمن فرض الولاء على الورى |
لكم وذلك أعظم الأقسام |
|
ما أطمع الأرجاس فيما أبدعوا |
فيكم وجرأهم على الأقدام |
|
إلّا الذين تعاقدوا أن ينقضوا |
ما أحكم الهادي من الإبرام |
|
يا قاسم النيران يا من حبه |
فرض عليّ مؤكد الإلزام |
|
أنا عبدك الخلعي لا أخشى لظى |
وعليك معتمدي وأنت عصامي |
|
فلقد عرفت بغير نكر خالقي |
ونبي الهادي معاً وإمامي |
|
ولقد دللت على وجوب رئاسة |
المعصوم لا حصر ولا متعامي |
|
فلتعطفن على يوم تقول للأشياع |
طبتم فادخلو بسلام |
|
وتقاد أعداء الرسول إلى الردى |
عصب الخنا والرجس والآثام |
|
ويعجل الله العذاب لمعشر |
غدروا فأبلغ من عداك مرامي |
المجلس الثّالث
في الليلة الثّانية من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
اعلموا أعزّكم الله بقيام الدّين واحياكم واماتكم على سنّة سيّد الـمُرسلين , إنّ نور الإسلام ما ظهر ولا استقام إلّا بعليّ (عليه الصّلاة والسّلام) ، وجهاده بين يدي سيّد الأنام لاظهار الإسلام ، فقتل الرّجال وجدّل الأبطال في حومة النّزال ، فلم يبق بيت من قُريش إلّا وعمل صليل حسامه في جوانبه ، وأخنى على أهله وأقاربه ، لا جرم بغضه أهل الشّقاق , فأبطنوا الخلاف وأظهروا الوفاق , فحين عرف النّبي ذلك من ضمائرهم - إذ هو الـمُطّلع على ما في سرائرهم - قام فيهم بالوصية فيه وفي ذرّيّته وبنيه , مقاماً بعد مقام حتّى أسمع كافة الإسلام , فلم يسعهم إلّا القبول في الظّاهر لما يقول , فلمّا توفي (صلىاللهعليهوآله ) , ارتدّوا وقصدوه وأساءوا إلى وصيه وقتلوه , وثنوا ببنيه وأشياعه ومواليه , فحقّت عليهم كلمة الكفر ؛ بالإرتداد التي وعدهم بها ربّ العباد.
روي عن ابن عبّاس قال : حضرت مسألة فعجز عمر عن ردّها ، فقال ما تقولون يا صحابة رسول الله , مَن ترون يقوم بجواب هذه المسألة ؟ فقالوا : أنت أعرف منّا قال : كُلّنا والله يعلم ابن بجدتها والخبير بها فقالوا : لعلّك أردت عليّ بن أبي طالب قال : وإنّى يعدل بي عنه قالوا : لوبعثت إليه لأتاك قال : هيهات هُناك شمخ من هاشم وأثره من علم يؤتى لا يأتي ، قوموا بنا إليه فقام القوم بأجمعهم , فإذا هو (عليهالسلام ) في حائط له مُتّك على مسحاة في يده ,
يتلو قوله تعالى :( أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ) (١) . ودموعه تجري على خدّيه , فأجهش القوم لبكائه ثمّ سكن وسكنوا ، فأصدر إليه عمر مسألته وأدّى عليّ جوابها ، فقال : يا أبا الحسن , لقد أرادك الحقّ ولكن أبى قومك فقال (ع) : (( يا أبا حفص , خفّظ عليك من هُنا ومن هُناك :( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ) (٢) )) فلمّا أراد عمر الإنصراف , قال : أؤنسك يابن عباس ؟ قال ابن عبّاس : فأخذ بيدي وقال : يابن عبّاس , لقد كان ابن عمّك أحقّ بهذا الأمر لو لا ثلاث قُلت : وما هي ؟ قال : حداثة سنّه ومحبّته لأهل بيته وبغض قُريش له قال , فقلت : يا أمير المؤمنين , أتأذن لي في الجواب ؟ فقال : قُل فقلت : أمّا حداثة سنّه , فوالله ما استحدثه الله حين جعله أخاً لنبيّه , وجعل نفسه كنفسه ، وأمّا محبّته لأهل بيته , فقد عمل بقول الله تعالى فيهم :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٣) وأمّا بغض قُريش له , فعلى مَن نقمت قُريش , أعلى الله حيث أمر رسوله بحربها ؟ أم على رسوله حيث أمر عليّاً بقتالها ؟ أم على عليّ حيث أطاع رسوله فيها ؟ قال : فجذب يده وقال : يابن عبّاس , إنّك لتغرق من بحر.
فانظروا يا إخواني إلى ما في ضمائرهم من الأحقاد , حيث قتل بسيفه منهم الآباء والأولاد ؛ امتثالاً لأمر ربّ العباد ، طلبوا نيل مفاخرة الجميلة , فعجزوا عنها وأعيتهم وجوه الحيلة , فلمّا صارت أزمة الاُمور إليهم ووردوها عليهم , صوّبوا صوائب المصائب في ذرّيّته وبنيه وشيعته ومُحبّيه , فلا ترى إلاّ قتيلاً على وجه الثّرى , أو مأسوراً قد أضربه طول السّرى , أو نسوة حواسر على أقتاب الجمال , تصفح وجوههم الرّجال , يندبن جدّهم الـمُصطفى وأباهم الـمُرتضى واُمّهم الزّهراء , يُسار بهم بالعنف الشّديد إلى أشر العبيد , كأنّهم اُسارى بعض اليهود والنّصارى ، ولله درّ مَن قال من الرّجال :
يا للرجال لعظم هول مصيبة |
جلّت مصيبتها وخطب هايل |
|
الشمس كاسفة لفقد إمامنا |
خير الخلائق والإمام العادل |
|
يا خير من ركب المطى ومن مشى |
فوق الثرى من محتف أو ناعل |
|
يابن النّبي لرزءكم هدم الهدى |
والحق أصبح خاضعاً للباطل |
روي عن أبي سلمة قال : حججت مع عمر بن الخطاب , فلمّا صرنا بالأبطح , فإذا بأعرابي قد أقبل علينا فقال: يا عمر , إنّي خرجت من منزلي وأنا حاج
____________________
(١) سورة القيامة / ٣٧.
(٢) سورة النّبأ / ١٧.
(٣) سورة الشّورى / ٢٣.
مُحرم , فأصبت بيض النّعام فاجتنيت وشويت وأكلت , فما يجب عليّ ؟ قال : ما يحضرني في ذلك شيء فاجلس , لعلّ الله يُفرّج عنك ببعض أصحاب مُحمّد (صلىاللهعليهوآله ) فإذا بأمير المؤمنين (عليهالسلام ) قد أقبل والحُسين يتلوه , فقال عمر : يا أعرابي , هذا عليّ بن أبي طالب فدونك ومسألتك فقام الأعرابي فسأله , فقال عليّ (عليهالسلام ) : (( يا أعرابي , سل هذا الغلام عندك )) ( يعني : الحُسين (عليهالسلام ) ) فقال الأعرابي : إنّما يحيلني كلّ واحد منكم على الآخر فأشار النّاس إليه : ويحك ! هذا ابن رسول الله فاسأله فقال الأعرابي : يابن رسول الله , إنّي خرجت من بيتي حاجّاً مُحرماً وقصّ عليه القصّة فقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( ألك إبل ؟ )) قال : نعم قال : (( خُذ بعدد البيض الذي أصبت نوقاً , فاضربها بالفحولة , فما فضلت فاهدها إلى بيت الله الحرام )) فقال عمر : يا حُسين , النّوق يزلقن فقال الحُسين : (( يا عمر , إنّ البيض يمرقن )) فقال : صدقت وبررت فقام عليّ (عليهالسلام ) وضمّه إلى صدره , وقال :( ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (١) .
فوا عجباه من قوم عرفوا فضائلهم الكريمة وارتكبوا منهم هذه الأفعال العظيمة ! ولكنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور , ولله درّ مَن قال :
مطهرون نقيات ثيابهم |
تجري الصلاة عليهم أين ما ذُكروا |
|
من لم يكن علوياً حين تنسبه |
فما له من قديم الدهر مفتخر |
|
والله لما بدأ خلقاً فأتقنه |
صفاكم واصطفاكم أيها البشر |
|
فأنتم الملأ الأعلا وعندكم |
علم الكتاب وما جاءت به السور |
روى بشّار بن عبد الله قال : دخلت على مولاي الصّادق (عليهالسلام ) وهو يومئذٍ مُقيم بالكوفة , فرأيت قدّامه طبقاً فيه رطب وهو يأكل منه , فقال لي : (( يا بشّار , ادن فكلّ معي من هذا الرّطب )) فقلت : هنّاك الله به وجعلني فداك فقال لي : (( لِمَ لا تأكُل ؟ )) فقلت : إنّي في همّ عظيم من شيء رأيته الآن في طريقي هذا , قد أوجع قلبي وأهاج حزني , فقال لي : (( بحقّي عليك , إلاّ ما أخبرتني بما رأيت )) فقلت : يا مولاي , رأيت ظالماً يضرب امرأة ويسوقها إلى الحبس , وهي تنادي : الـمُستغاث بالله وبرسول الله ولم يغثها أحد من النّاس ، فقال : (( ولِمَ فُعل بها ذلك ؟ )) فقلت : سمعت من النّاس يقولون : إنّها عثرت بحجر وهي تمشي , فقالت : لعن الله ظالميك يا فاطمة
____________________
(١) سورة آل عمران / ٣٤.
الزّهراء فسمعها هذا الجلواز فصنع بها ما سمعت ، قال : فقطع الصّادق (عليهالسلام ) أكله وتظاهر حزنه , ولم يزل يبكي حتّى ابتلّ منديله ولحيته , وقال لي : (( نغّصت عليّ يا بشّار , قُم بنا إلى مسجد سهيل ؛ لندعوا الله عزّ وجلّ ونسأله خلاص هذه المرأة )) قال : ووجّه بعض أصحابه إلى باب السّلطان , وقال له : (( لا تبرح حتّى تأتيني بالخبر الصّحيح , فإن حدث في المرأة حدث , سر إلينا حيث كُنّا )) فسرنا إلى مسجد السّهلة , وصلّى كلّ منّا ركعتين لله عزّ وجلّ ، ثمّ رفع الصّادق (عليهالسلام ) يديه بالدُعاء , وابتهل إلى الله تعالى بالثّناء , ثمّ خرّ ساجداً لله ساعة ثمّ رفع رأسه , وقال : (( الحمد لله ، قُم يا بشّار اُطلقت المرأة )) فبينما نحن على الطّريق , إذ أتانا الرّجل الذي وجهه الصّادق إلى باب السّلطان , فقال له : (( ما الخبر ؟ )) فقال : اُطلقت المرأة فقال (( كيف كان إطلاقها ؟ )) قال : كنت واقفاً عند باب السّلطان , إذ خرج الحاجب فدعا المرأة وقال لها : ما الذي تكلّمت به ؟ قالت: عثرت بحجر فقلت : لعن الله ظالميك يا فاطمة الزّهراء ففُعل بي ما ترون قال : فناولها مئتي درهم وقال : خُذي هذا المال واجعلى السّلطان في حلّ فأبت أن تأخذها وانصرفت إلى منزلها , فقال الصّادق (عليهالسلام ) : (( أبت أن تأخذها وهي والله محتاجة إليها )) ثمّ إنّه (عليهالسلام ) أخرج من جيبه صرّة فيها سبعة دنانير لم يكن عنده غيرها ، وقال لي : (( اذهب أنت يا بشّار إلى منزلها , واقرأها عنّي السّلام وادفع إليها هذه الدّنانير )) فقال : فمضيت إليها واقرأتها منه السّلام , فقالت : بالله عليك , اقرأني مولاي الصّادق السّلام ؟ فقلت : أي والله فخرّت ساجدة لله ساعة ورفعت رأسها , وقالت : اقرأني مولاي السّلام ؟ فقلت : نعم فسجدت لله شكراً حتّى فعلت ذلك ثلاث مرّات ، فقلت لها : يا أمة الله , خُذي ما أرسله إليك سيدي وابشري بالجنّة فأخذت واستبشرت وشكرته على ذلك , وقالت : يا بشّار , اسأله أن يستوهب أمة الله من الله تعالى قال فرجعت إليه وحدّثته بما جرى , فجعل يبكي ويقول : (( غفر الله لها )).
فتفكّروا يا إخواني بمصائب سادة النّاس وما حلّ بهم من الكفرة الأرجاس , أزالوهم عن مناصبهم التي أحلّهم الله فيها , ودفعوهم عن الدّرجة التي لم يصلوا إليها ، فهذه القضية أصل كلّ بليّة إن كنت تعيها , ولأن علا نحيبي من هذا المصاب ؛ فلعظم ما في قلبي من الحزن والاكتئاب , وعظم شوقي وتزايد زفرتي , غير خفيّ على مواليّ وسادتي , ولله درّ مَن قال :
سلوا ضمائركم عني فإن وجدت |
غير الصفا فلوموني على الكدر |
|
فإن وفت فأنا ذاك الوفي على |
ما تعهدون إلى أن ينقضي عمري |
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أولا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ الخليعي (رحمهالله )
العين عبرى دمعها مسفوح |
والقلب من ألم الأسى مقروح |
|
ما عذر مثلي يوم عاشورا إذا |
لم أبك آل محمّد وأنوح |
|
أم كيف لا أبكي الحُسين وقد غدا |
شلواً بأرض الطف وهو ذبيح |
|
والطاهرات حواسر من حوله |
كل تنوح ودمعها مسفوح |
|
هذي تقول أخي وهذي والدي |
ومن الرزية قلبها مقروح |
|
أسفي لذاك الشيب وهو مضمخ |
بدمائه والوجه فيه قروح |
|
ولفاطم تبكي عليه بحرقة |
وتقبل الوجنات هي تصيح |
|
ظلت تلعلع حاسراً مسبية |
وسكينة ولهى عليه تنوح |
|
يا والدي لا كان يومك إنه |
يوم لباب مصائبي مفتوح |
|
اليوم مات محمّد يا والدي |
والطهر موسى والمسيح ونوح |
|
اليوم آدم في العزاء وعرسه |
حوى وقد جل المصاب جموح |
|
اليوم تبكيك السماء بأدمع |
مثل الدماء أسفاً ويكسف نوح |
|
لهفي عليه مرملاً بدمائه |
ومن السوافي كفنته الريح |
|
لهفي له يبغى النصيح وماله |
في كربلاء من الأنام نصوح |
|
لهفي له والجسم مه مجدلا |
فوق الثرى حتّى حواه ضريح |
|
لهفي لرأس ابن النّبي محمّد |
كالبدر من فوق السنان يلوح |
|
والطهر زين العابدين مقيد |
يمشي وقد أردى به التبريح |
|
والطاهرات على المطايا حسر |
تغدوا العداة عليهم وتروح |
|
قد أقفلوهن الشئام بلا وطا |
وعلى الجسوم لباسهن مسفوح |
|
وإلى الذبول جيوبهن وقد غدت |
تلك الجسوم بها القروح تسيح |
والجو معتكر الظلام بلا ضحى |
باد وفي وجه الثراء كلوح |
|
والأرض ترجف من رزية أحمد |
وعليه وحش الفلا مقروح |
|
وعلى الزمان من الكآبة ذلة |
وإليه طرف الحادثات لموح |
|
يا آل أحمد أن شعري فيكم |
والمدح ما طال المدى تسبيح |
|
شرفي بكم وبمدحكم ولطال ما |
في الناس شرف مادحاً ممدوح |
|
أترى أرى المهدي يظهر قبل ما |
يوماً على جسدي يضم ضريح |
|
فهنالك الخلعي يبلغ ما نوى |
وبظاهر السر الخفي يبيح |
|
وإليكم مرثية ما أنشدت |
إلّا ومنها المسك ظلٍ يفوح |
|
شعر الورى في غير آل محمّد |
جسم بلا روح وشعري روح |
|
ولقد روى عن جعفر بن محمّد |
خبر أتى والنقل عنه صحيح |
|
إن الولاء بلا براء ما ينفع المولى |
وهذا واضح مشروح |
|
صلّى الإله عليكم يا سادتي |
ما غاب نجم في السماء يلوح |
الباب الثّاني
أيّها المؤمنون , اجروا ماء العيون ، ويا أيّها الباكون , سلوا لذيذ الرّقاد من جفون الجفون ، أما تنظرون إلى هذا الخطب الفادح وهذا المصاب الفادح ؟ أما تستحقّ مواليكم أهل العُلا الممادح بكاء باك ونوح نائح ؟ بلى والله ؛ لأنّه خطب تذلّ له النّفوس وتحلّ بين أطباق الثّرى والرّموس مصاب أبكى فاطمة البتول وأحزن قلب الـمُصطفى الرّسول , مصاب بكت عليه السّماء دماً واُقيم له فوق الطّباق مأتماً ، افيُعذر أحدٌ من ذوي الألباب في ترك الحزن والإكتئاب على المصاب ، كيف ؟ وهم الذين فيهم قال بعض مادحيهم :
أمحب آل محمّد جد بالبكا |
إن كنت من يهوى النبي المرسلا |
|
واسكب شآبيب الدموع فإن تكن |
فيه الأخير فقد تبعت الأولا |
|
وابك الفروع الطيبات تفرعت |
من دوحة لمحمّد فسقت علا |
|
وابك الغصون الناظرات ومن علا |
ذرواتها ناحت حمامات البلا |
|
وابك البدور الطالعات كواملا |
حاق المحاق بها فأمست أفلا |
|
وابك البحور الزاخرات ووردها |
قد كان للوارد عذباً سلسلا |
وأبك الجبال الراسخات ومن بنى |
مجداً أسمى سما العلاء مؤثلا |
|
فمصابه أبكى السماء كأبة |
والشهب حزناً والسماك الأعزلا |
|
من أجل ذلك أن قلبي لم يزل |
متقلقاً لمصابهم متقلقلا |
|
والعيش في الدنيا إذا ما نغصوا |
فيها فما يحلو فكيف وما حلا |
روي : أنّ آدم (عليهالسلام ) لـمّا هبط إلى الأرض , لم ير حواء فصار يطوف الأرض في طلبها , فمرّ بكربلاء , فاعتلّ وأعاق وضاق صدره من غير سبب , وعثر في الموضع الذي قُتل فيه الحُسين (عليهالسلام ) حتّى سال الدّم من رجله , فرفع رأسه إلى السّماء وقال : إلهي هل حدث منّي ذنب آخر فعاقبتني به , فإنّي طفت جميع الأرض ما أصابني سوء مثل ما أصابني في هذه الأرض ؟ فأوحى الله إليه : (( يا آدم , ما حدث منك ذنب , ولكن يُقتل في هذه الأرض ولدك الحُسين (عليهالسلام ) ظُلماً , فسال دمك موافقة لدمه )) فقال آدم : يا ربّ , أيكون الحُسين نبيّاً ؟ قال : (( لا , ولكنّه سبط النّبي مُحمّد )) فقال : ومَن القاتل له ؟ قال : (( قاتله يزيد )) فقال آدم : فأيّ شيء أصنع يا جبرائيل ؟ فقال : العنه يا آدم فلعنه أربع مرّات , ومشى خطوات إلى جبل عرفات , فوجد حواء هُناك.
وروي : أنّ نوحاً (عليهالسلام ) لـمّا ركب في السّفينة , طافت به جميع الدُنيا , فلمّا مرّت بكربلاء , أخذته الأرض وخاف نوح الغرق , فدعا ربّه وقال : إلهي طفت جميع الدّنيا وما أصابني فزع مثل ما أصابني في هذه الأرض فنزل جبرائيل وقال : يا نوح , في هذا الموضع يُقتل الحُسين (عليهالسلام ) سبط مُحمّد خاتم الأنبياء وابن خاتم الأوصياء فقال : ومَن القاتل له يا جبرائيل ؟ قال : قاتله لعين أهل سبع سماوات وسبع أرضين فلعنه نوح أربع مرّات , فسارت السّفينة حتّى بلغت الجودي واستقرّت عليه.
وروي : أنّ إبراهيم مرّ في أرض كربلاء وهو راكب فرساً , فعثرت به وسقط إبراهيم (عليهالسلام ) وشج رأسه وسال دمه , فأخذ في الاستغفار وقال : إلهي أيّ شيء حدث منّي ؟ فنزل إليه جبرائيل وقال : يا إبراهيم , ما حدث منك ذنب , ولكن هُنا يُقتل سبط خاتم الأنبياء وابن خاتم الأوصياء ؛ فسال دمك موافقة لدمه قال : يا جبرائيل , ومَن يكون قاتله ؟ قال : لعين أهل السّماوات والأرض , والقلم جرى على اللوح بلعنه بغير إذن ربّه , فأوحى الله تعالى إلى القلم : أنّك استحقّيت الثّناء بهذا اللعن فرفع إبراهيم (عليهالسلام ) يديه ولعن يزيداً لعناً كثيراً ,
وأمّن فرسه بلسان فصيح , فقال إبراهيم لفرسه : أيّ شيء عرفت حتّى تؤمّن على دُعائي ؟ فقال : يا إبراهيم , أنا أفتخر بركوبك عليّ , فلمّا عثرت وسقطت عن ظهري , عظمت خجلتي , وكان سبب ذلك من يزيد.
وروي : أنّ إسماعيل (عليهالسلام ) كانت أغنامه ترعى بشط الفرات , فأخبره الرّاعي أنّها لا تشرب الماء من هذه المشرعة منذ كذا يوماً , فسأل ربّه عن سبب ذلك , فنزل جبرائيل (عليهالسلام ) , وقال : يا إسماعيل , سل غنمك فإنّها تجيبك عن سبب ذلك فقال : لِمَ لا تشربين من هذا الماء ؟ فقالت بلسان فصيح : قد بلغنا أنّ ولدك الحُسين (عليهالسلام ) سبط مُحمّد يُقتل عطشاناً , فحن لا نشرب من هذه المشرعة حُزناً عليه فسألها عن قاتله , فقالت : يقتله لعين أهل السّماوات والأرضين والخلائق أجمعين فقال إسماعيل : اللهمّ العن قاتل الحُسين.
وروي : أنّ موسى كان ذات يوم سائراً ومعه يوشع بن نون , فلمّا جاء إلى أرض كربلاء , انخرق نعله وانقطع شراكه ودخل الحسك في رجليه وسال دمه , فقال : إلهي ! أيّ شيء حدث منّي ؟ فأوحى الله إليه : (( إنّ هُنا يُقتل الحُسين , وهُنا يُسفك دمك موافقة لدمه )) فقال : ربّ ومَن يكون الحُسين ؟ فقيل له : (( هو سبط مُحمّد الـمُصطفى وابن عليّ الـمُرتضى )) فقال : ومَن يكون قاتله ؟ فقيل : (( هو لعين السّمك في البحار , والوحوش في القفار , والطّير في الهواء )) فرفع موسى يديه ولعن يزيد ودعى عليه , وأمّن يوشع بن نون على دعائه ومضى لشأنه.
وروي : أنّ سُليمان (عليهالسلام ) كان يجلس على بساطه ويسير في الهواء , فمرّ ذات يوم وهو سائر في أرض كربلاء , فأدارت الرّيح بساطه ثلاث دورات حتّى خافوا السّقوط , فسكنت الرّيح ونزل البساط في أرض كربلاء , فقال سُليمان للريح : لِمَ سكنتي ؟ فقالت : إنّ هُنا يُقتل الحُسين (عليهالسلام ) فقال : ومَن يكون الحُسين ؟ قال : هو سبط مُحمّد الـمُختار وابن عليّ الكرار فقال : ومَن قاتله ؟ قالت : لعين أهل السّماوات والأرض يزيد فرفع سُليمان يديه ولعنه ودعى عليه , وأمّن دعائه الإنس والجن , فهبّت الرّيح وسار البساط.
وروي : أنّ عيسى (عليهالسلام ) كان سائحاً في البراري ومعه الحواريون , فمرّوا بكربلاء , فرأوا أسداً كاسراً قد أخذ الطّريق , فتقدّم عيسى إلى الأسد , وقال له : لِمَ جلست في هذا الطّريق ولا تدعنا نمرّ فيه ؟ فقال الأسد بلسان فصيح : إنّي لم أدع لكم الطّريق حتّى تلعنوا يزيد قاتل الحُسين فقال عيسى
ومَن يكون الحُسين ؟ قال : سبط مُحمّد النّبي الاُمّي وابن عليّ الوليّ قال : ومَن قاتله ؟ قال: قاتله لعين الوحوش والذّئاب والسّباع أجمع خصوصاً أيّام عاشوراء فرفع عيسى (عليهالسلام ) يديه ولعن يزيد ودعى عليه , وأمّن الحواريون على دعائه , فتنحّى الأسد عن طريقهم ومشوا لشأنهم.
فيا إخواني الذين اقتدوا بالأنبياء والمرسلين والملائكة الـمُقرّبين , باللعن على يزيد الغوي العنيد , ألا لعنة الله على الظّالمين ولله درّ مَن قال :
إذا جاء عاشوراء تضاعف حسرتي |
لآل رسول الله وانهل عبرتي |
|
هو اليوم فيه اغبرت الأرض كلها |
وجوماً عليهم والسماء اقشعرت |
|
مصائب ساءت كل من كان مسلماً |
ولكن عيون الفاجرات أقرت |
|
إذا ذكرت نفسي مصيبة كربلا |
وأشلاء سادات بها قد تفرت |
|
أضاقت فؤادي واستباحت تجارتي |
وعظم كربي ثمّ عيشي أمرت |
|
أريقت دماء الفاطميات بالملا |
فلو عقلت شمس النهار لخرت |
|
ألا بأبي تلك الدماء التي جرت |
بأيدي كلاب في الجحيم استقرت |
|
توابيت من نار عليهم قد أطبقت |
لهم زفرة في جوفها بعد زفرة |
|
فشتان من في النار قد كان هكذا |
ومن هو في الفردوس فوق الأسرة |
روي عن طريق الخصم ، مما صح روايته عن أبي هريرة , قال : خرج علينا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ومعه حسن وحُسين (عليهماالسلام ) , هذا على عاتقه الأيمن وهذا على عاتقه الأيسر , وهو يلثم هذا مرّة وهذا اُخرى حتّى انتهى إلينا , فقال له رجل : إنّك لتحبّهما ؟ قال : (( ومَن أحبّهما فقد أحبّني ، ومَن أبغضهما فقد أبغضني )).
وبالطّريق المذكور عن ابن عبّاس : إنّ النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , قال للحسن والحُسين : (( مَن أحبّكما كان معي في الجنّة , ومَن أبغضكما ففي النّار )).
فيا عاذلي خل عن عذلي |
أيحسن أن يسلو مثلهم مثلي |
أتروم ويحك سلواني ، أو تحاول إطفاء نيراني وتبريد وجدي وأشجاني ؟ هيهات هيهات هذا لا يكون ، وحيل بينهم وبين ما يشتهون ، فيا حرقي تزايدي ويا نار وجدي توقّدي ، ويا فؤادي القريح من الحزن والكآبة لا يستريح ، ويا
قلبي الولهان دم في العناء والأحزان ، ولله درّ مَن قال :
لا أضحك الله سن الدهر إن ضحكت |
وآل أحمد مظلومون قد قهروا |
|
مشردون نفوا عن عقر دارهم |
كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر |
روي عن بعض الأخبار : أنّ النّبي (صلىاللهعليهوآله ) أجلس يوماً الحُسين (عليهالسلام ) على فخذه الأيمن , وولده إبراهيم على فخذه الأيسر , وجعل يلثم هذا مرّة وهذا اُخرى ؛ من شدّة شغفه بهما , فهبط جبرائيل من ربّ العالمين , وقال : يا مُحمّد , إنّ الله لم يكُن ليجمع لك بينهما , فاختر من شئت منهما ؛ فإنّ الله قد أمر بقبض روح واحد منهما فقال : (( يا أخي جبرائيل , إن مات الحُسين , بكى عليه عليّ وفاطمة والحسن وأنا ، وإن مات ولدي إبراهيم بكيت أنا وحدي , فسل ربّك إليه يقبض إبراهيم ولدي )) فمات إبراهيم بعد ثلاثة أيّام ، فكان النّبي (صلىاللهعليهوآله ) إذا رأى حُسيناً مُقبلاً إليه , يقول له : (( مرحباً بمن فديته بابني إبراهيم )).
فانظروا يا إخوتي إلى هذا الشّخص العظيم الرّباني , أيفديه سيّد الـمُرسلين بولده الذي هو من فلذة أحشائه وكبده ؟ ويقتله أولاد الزّواني وتخون فيه الأماني , اُولئك هم الخاسرون :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم فيهم وقال :
القصيدة للخليعي (رحمهالله )
جفون لا تمل من الهمول |
وجسم لا يفك من النحول |
|
وقلب لا يفيق من الرزايا |
لتذكار القتيل ابن القتيل |
|
قتيل بالطفوف أطال نوحي |
وأسلمني إلى الحزن الطويل |
|
قتيل أورث المختار حزناً |
وأذكى النار في قلب البتول |
|
بنفسي وهو يسري والمنايا |
أمام الركب تسري بالحمول |
|
بنفسي وهو يسري مستدلا |
وضوء سناه نهج هذا الدليل |
|
يقول ألا أخبروني ما اسم أرض |
أراني كارهاً فيها نزولي |
|
أبينوا ما اسمها المشهور عنها؟ |
فقالوا كربلا يابن الرسول |
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
فقال هي البلا وفي ثراها |
تريق دماؤنا أيدي النغول |
|
بها تضحى أعزتنا أسارى |
يلوح عليهم كسر الذليل |
|
بها تسبى كرائمنا وفيها |
يتامانا تعثر في الذيول |
|
إلى الرحمن أستعدي وأشكو |
على عضب رموني بالذحول |
|
أضاعوا عهد جدي عن قريب |
وساقوني إلى الورد الوبيل |
|
ألا حطوا رحالكم وقيلوا |
فليس من المنية من مقيل |
|
ومن رام النجاة وحاد عني |
إلى الدنيا ففي دعة الجليل |
|
فقالوا ما لنا فيها خلود |
وليس متاعها غير القليل |
|
وكيف يلذ بعدك طيب عيش |
لأرباب البصائر والعقول |
|
أنا وأبيك لا نلوي وظل |
سيوف مظنة الظل الظليل |
|
فمر إلى المضارب غير وأن |
بقلب عاطف بر وصول |
|
ونادى زينباً يا أخت قومي |
إلى التوديع من قبل الرحيل |
|
أوصيكم بتقوى الله إنا |
قبيل مُحمّد خير القبيل |
|
عليك بطاعة السجاد بعدي |
محل الذكر والعلم الجزيل |
|
وإن نودي بقتل أخيك بين |
الورى فعليك بالصبر الجميل |
|
وقولي في سبيلي الله إني |
رزيت فإنه خير السبيل |
|
ولطم الخد يقبح بالموالي |
وشق الجيب يرزي بالأصيل |
|
ومر مشمراً للحرب يسطو |
على الأبطال بالسيف الصقيل |
|
فلما أثخنوا وخر ملقى |
وراح المهر يعلن بالصهيل |
|
برزن الطاهرات مهتكات |
حيارى لا يفقن من العويل |
|
ونادت زينب لما رأته |
يجود بنفسه تحت الخيول |
|
أخي هل للسبايا من ولي |
أخي هل لليتامى من كفيل |
|
وخرت فوقه تلقي دماءاً |
براحتها على الخد الأسيل |
|
وتدعو أمها الزّهراء وتطفي |
بسح دموعها حر الغليل |
|
ألا يا اُم قومي وساعديني |
على نكبات دهري واندبي لي |
|
ترى هل أنت عالمة بأنا |
نجرر بالحزون وبالسهول |
وهل أخبرت بالسجاد أضحى |
مع الأعداء في قيد ثقيل |
|
عليلا يشتكي مرضاً وأسراً |
فوا أسفي على العاني العليل |
|
ويدعو السبط وهو لقي رميل |
يلاحظها بناظره الكليل |
|
فيا لله من نوب رمتنا |
بأسهمها ومن خطب جليل |
|
أيحمل رأس مولى الخلق طراً |
إلى الأمصار في رمح طويل |
|
وتهدى الطاهرات إلى يزيد |
سبايا بالمذلة والخمول |
|
ألا يابن النّبي ومن هداني |
بحبكم إلى نهج السبيل |
|
مصابك يا قتيل الطف أدمى |
جفوني لا البكاء على الطلول |
|
وبعدي عن مزار ثراك أضنى |
فؤادي لا مفارقة الخليل |
|
وإن وليك الخلعي يرجو |
الشفاعة منك في اليوم المهول |
|
محبكم وعارفكم يقيناً |
بإيضاح المحجة والدليل |
|
يواليكم ويبرئ من عداكم |
ولا يصغي إلى عذل العذول |
|
ينوح عليكم ما دام حيا |
ويبكيكم وما هو بالملول |
|
لقد بلغ المنى عبد عطفتم |
عليه وفاز منكم بالقبول |
الباب الثّالث
أيّها الإخوان , ألا تستنهضون مُضمرات الأحزان , فتجرونها في ميادين الأشجان ؟ ألا تمتطون كواهل عوامل الأشواق وتحثونها في ميادين السّباق , فتحوزوا قصب السّبق التي أنتم أولى بها وأحقّ ؟ أما علمتم أنّ الـمُقصّر عن هذه الغاية بنفسه قصّر , والـمُتأخر عن بلوغ النّهاية لحظة اُخرى :( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ ) (١) ؟ ولئن سحت من جفوني الدّموع , فإنّها عن نيران بين الضّلوع ، ولئن جزعت من هذا المصاب , فلعظم ما في قلبي من الوجد والاكتئاب ولله درّ مَن قال من الرّجال :
لأي مصاب يذرف الشان ماءه |
وتقضي نفوس أو تفت كبود |
|
لأعظم من هذا المصاب وخطبه |
عظيم على أهل السّماء شديد |
|
مصاب له في قلب كلّ مصيبة |
سهام لحبات القلوب تبيد |
|
وللهم هم والرزايا رزية |
وللحزن حزن زايد ويزيد |
____________________
(١) سورة فصلّت / ٤٦.
روي في بعض الأخبار عن الصّحابة الأخيار , قال : رأيت النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , يمصّ لعاب الحُسين كما يمصّ الرّجل السّكرة , وهو يقول : (( حُسين منّي وأنا من حُسين , أحبّ الله مَن أحبّ حُسيناً , وأبغض الله مَن أبغض حُسيناً ، حُسين سبط من الأسباط لعن الله قاتله )) فنزل جبرائيل , وقال : يا مُحمّد , إنّ الله قتل بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً من الـمُنافقين , وسيقتل بابن ابنتك الحُسين , سبعين ألفاً من الكافرين وسبعين ألفاً من الـمُعتدين , وإنّ قاتل الحُسين في تابوت من نار , ويكون عليه نصف عذاب أهل الدّنيا , وقد شُدّت يداه ورجلاه بسلاسل من نار , وهو منكس على اُمّ رأسه في قعر جهنّم , وله ريح يتعوذ أهل النّار من شدّة نتنها , وهو فيها خالد ذائق العذاب الأليم لا يفتر عنه , ويسقى من حميم جهنم.
وروي عن الصّادق (عليهالسلام ) أيضاً في بعض الأخبار : (( أنّ ملكاً من ملائكة الصّف الأعلى , اشتاق لرؤية النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , واستأذن ربّه بالنّزول إلى الأرض لزيارته , وكان ذلك الملك لم ينزل إلى الأرض أبداً مُنذ خُلق , فلمّا أراد النّزول , أوحى الله تعالى إليه يقول : أيّها الملك , أخبر مُحمّداً أنّ رجلاً من اُمّته اسمه يزيد , يقتل فرخه الطّاهر بن الطّاهرة , نظيرة البتول مريم بنت عمران فقال الملك : لقد نزلت إلى الأرض وأنا مسرور برؤية نبيك مُحمّد (صلىاللهعليهوآله ) , فكيف أخبره بهذا الخبر الفظيع , وإنّني لاستحي منه أن أفجعه بقتل ولده , فليتني لم أنزل إلى الأرض ، قال فنودي الملك من فوق رأسه : أن أفعل ما اُمرت به فدخل الملك إلى رسول الله ونشر أجنحته بين يديه , وقال: يا رسول الله , اعلم أنّي أستأذنت ربّي في النّزول إلى الأرض ؛ شوقاً لرؤيتك وزيارتك , فليت ربّي كان حطّم أجنحتي ولم آتك بهذا الخبر , ولكن لا بدّ من إنفاذ أمر ربّي عزّ وجلّ ، اعلم يا مُحمّد , إنّ رجُلاً من اُمّتك اسمه يزيد , ( زاده الله لعناً في الدُنيا وعذاباً في الآخرة ) , يقتل فرخك الطّاهر ابن الطّاهرة , ولن يتمتّع قاتله في الدُنيا من بعده إلّا قليلاً , ويأخذه الله مُقاصّاً له على سوء عمله , ويكون مُخلّداً في النّار فبكى النّبي (صلىاللهعليهوآله ) بُكاءاً شديداً , وقال: أيّها الملك , هل تفلح اُمّة تقتل ولدي وفرخ ابنتي ؟ قال : لا يا مُحمّد , بل يرميهم الله باختلاف قلوبهم وألسنتهم في دار الدّنيا , ولهم في الآخرة عذاب أليم )).
وعن كعب الأحبار حين أسلم في أيّام خلافة عمر بن الخطاب , وجعل النّاس يسألونه عن الملاحم التي تظهر في آخر الزّمان ,
فصار كعب يخبرهم بأنواع الأخبار والملاحكم والفتن التي تظهر في العالم , ثمّ قال : وأعظمها فتنة وأشدّها مصيبة لا تنسى إلى أبد الآبدين , مصيبة الحُسين (عليهالسلام ) , وهي الفساد الذي ذكره الله تعالى في كتابه المجيد , حيث قال :( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ ) (١) وإنّما فُتح الفساد بقتل هابيل بن آدم , وخُتم بقتل الحُسين (عليهالسلام ) , أو لا تعلمون أنّه تُفتح يوم قتله أبواب السّماوات , ويؤذن للسماء بالبكاء فتبكي دماً , فرأيتم الحمرة في السّماء قد ارتفعت , فاعلموا أنّ السّماء تبكي حُسيناً.
فقيل : يا كعب , لِمَ لا تفعل السّماء كذلك ولا تبكي دماً لقتل الأنبياء ممّن كان أفضل من الحُسين ؟ فقال : ويحكم ! إنّ قتل الحُسين أمر عظيم , وإنّه ابن سيّد الـمُرسلين , وإنّه يُقتل علانية مبارزة ظُلماً وعدواناً , ولا تُحفظ فيه وصيّة جدّه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وهو مزاج مائه وبضعة من لحمه , يُذبح بعرصة كربلاء ، فو الذي نفس كعب بيده , لتبكينّه زمرة من الملائكة في السّماوات السّبع , لا يقطعون بكاءهم عليه إلى آخر الدّهر ، وإنّ البقعة التي يُدفن فيها خير البقاع , وما من نبيّ إلّا ويأتي إليها ويزورها ويبكي على مصابه , ولكربلاء في كلّ يوم زيارة من الملائكة والجن والإنس , فإذا كانت ليلة الجُمُعة , ينزل إليها تسعون ألف ملك , يبكون على الحُسين ويذكرون فضله، وإنّه يُسمّى في السّماء حُسيناً المذبوح , وفي الأرض أبا عبد الله المقتول - وفي البحار : الفرخ الأزهر المظلوم - وإنّه يوم قتله , تنكسف الشّمس بالنّهار , ومن الليل ينخسف القمر , وتدوم الظُلمة على النّاس ثلاثة أيّام , وتمطر السّماء دماً , وتدكدك الجال وتغطمط البحار ؛ ولو لا بقية من ذرّيّته وطائفة من شيعته الذين يطلبون بدمه ويأخذون بثاره , لصبّ الله عليهم ناراً من السّماء , أحرقت الأرض ومَن عليها.
ثمّ قال كعب : يا قوم , كأنّكم تتعجبون بما اُحدّثكم فيه من أمر الحُسين (عليهالسلام ) , وإنّ الله تعالى لم يترك شيئاً كان أو يكون من أوّل الدّهر إلى آخره , إلّا وقد فسّره لموسى (عليهالسلام ) , وما نسمة خُلقت إلّا وقد رُفعت إلى آدم (عليهالسلام ) في عالم الذّر وعُرضت عليه ، ولقد عُرضت عليه هذه الاُمّة , ونظر إليها وإلى اختلافها وتكالبها على هذه الدّنيا الدّنية ، فقال آدم : يا ربّ , ما لهذه الاُمّة الزّكية وبلاء الدّنيا وهم أفضل الاُمم ؟ فقال له : (( يا آدم , إنّهم اختلفوا فاختلفت قلوبهم , وسيظهرون الفساد في الأرض , كفساد قابيل حين قتل هابيل , وأنّهم يقتلون فرخ
____________________
(١) سورة الرّوم / ٤١.
حبيبي مُحمّد الـمُصطفى )) ثمّ مثّل لآدم (عليهالسلام ) مقتل الحُسين ومصرعه , ووثوب اُمّة جدّه عليه , فنظر إليهم فرآهم مسودّة وجوههم ، فقال : يا ربّ , أبسط عليهم الانتقام , كما قتلوا فرخ نبيك الكريم عليه أفضل الصّلاة ولله درّ مَن قال من الرّجال :
إذا أبصرتك العين من بعد غاية |
وعارض فيك الشك أثبتك القلب |
|
ولو أن قوماً يمموك لقادهم |
باسمك حتّى يستدل بك الركب |
وروي عن ريان بن شبيب , قال : دخلت على الرّضا (عليهالسلام ) في أوّل يوم من الـمُحرّم , فقال لي : (( يابن شبيب , أصائم أنت ؟ )) فقلت : لا فقال : (( إنّ هذا اليوم هو اليوم الذي دعا زكريا ربّه عزّ وجلّ , فقال :( رَبّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرّيّةً طَيّبَةً إِنّكَ سَمِيعُ الدّعَاءِ ) (١) فاستجاب الله تعالى له , وأمر الملائكة فنادت زكريا :( وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ) (٢) فمن صام هذا اليوم ثمّ دعا الله تعالى , استجاب الله له كما استجاب لزكريا يابن شبيب , إنّ الـمُحرّم هو الشّهر الذي كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه القتال لحُرمته , فما عرفت هذه الاُمّة حُرمة شهرها ولا حُرمة نبيّها , لقد قتلوا في هذا الشّهر ذرّيّته , وسبوا نساءه وانتهبوا ثقله , فلا غفر الله لهم ذلك أبداً يابن شبيب , إن كُنت باكياً لشيء , فابك للحُسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهمالسلام ) , فإنّه ذُبح كما يُذبح الكبش , وقُتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجُلاً ما لهم في الأرض شبيه , ولقد بكت السّماء والأرض لقتله , ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصرته فلم يؤذن لهم , فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم (عليهالسلام ) فيكونون من أنصاره , وشعارهم يا لثارات الحُسين (عليهالسلام ) يابن شبيب , لقد حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه (عليهالسلام ) , أنّه لـمّا قُتل جدّي الحُسين (عليهالسلام ) , أمطرت السّماء دماً وتراباً أحمراً.
يابن شبيب , إن بكيت على الحُسين , ثمّ تصير دموعك على خدّيك , غفر الله لك كُلّ ذنب أذنبته صغيراً كان أو كبيراً يابن شبيب , إن سرّك أن تلقى الله ولا ذنب عليك , فزر الحُسين (عليهالسلام ) يابن شبيب , إن سرّك أن تسكن الغرف المبنية في الجنّة مع النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , فالعن قاتل الحُسين يابن شبيب , إن سرّك أن يكون لك من الثّواب مثل ما لمن استشهد مع الحُسين (عليهالسلام ) , فقُل متى ما ذكرته : يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً ! يابن شبيب , إن سرّك أن تكون معنا في الدّرجات العُلى من الجنات , فاحزن لحزننا وافرح لفرحنا
____________________
(١) سورة آل عمران / ٣٨.
(٢) سورة آل عمران / ٣٩.
وعليك بولايتنا , فلو أنّ رجُلاً أحبّ حجراً , لحشره الله معه يوم القيامة )).
فيا أيّها الأبرار , لا تبخلوا بالدّموع الغزار على عترة النّبي الـمُختار , ألا تحبّون أن يغفر الله لكم ويجزل ثوابكم ؟ أليس هم شفعاءكم يوم المعاد إذا وقفتم بين يدي ربّ العباد ؟ أليس بهم تحطّ الأوزار ؟ أليس هم الجنن الواقية من النّار ؟ فسارعوا رحمكم الله إلى النّوح والبكاء عليهم , فإنّ ذلك من أعظم القرب إلى الله وإليهم ، فيا عجباً ممّن يطيل النّوح على الدّيار , ويندب الرّبوع المقفرة والآثار , ولا يبكي لمصاب السّادة الأطهار وأولاد عليّ الكرّار ! ولكنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القُلوب التي في الصّدور.
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم فيهم وقال :
القصيدة للنيلي (رحمهالله )
لا تنكري إن ألفت الهم والأرقا |
وبت من بعدهم حلف الأسى قلقا |
|
قد كنت آمل روحي أن تفارقني |
ولا أرى شملنا الملتام مفترقا |
|
ليث الركائب لازمت لبينهم |
وليت ناعق يوم البين لا نعقا |
|
كم هد ركني وكم أوهى قوى جلدي |
وكم دم بمواضي جوره هرقا |
|
لا تطلبوا أبداً مني البقاء فهل |
يرجى مع البين من أهل الغرام بقا |
|
يحق لي أن بكت عيني دماً لهم |
وإن غدوت بنار الحزن محترقا |
|
يا منزلا لعبت أيدي الشتات به |
لعب النحول بجسمي إذ به علقا |
|
مالي على ربعك البالي غدوت به |
وظلت أسأل عن أهليه ما نطقا |
|
أبكي عليه ولو أن البكاء على |
سوى بني أحمد المختار ما خلقا |
|
تحكمت فيهم الأعداء ويلهم |
ومن نجيع الدما أسقوهم علقا |
|
تداركت منهم الأعداء ثارهم |
يوم الطفوف وداروا حولهم حلقا |
|
ذادوهم عن ورود الماء ويلهم |
ومن نجيعهم اسقوهم العلقا |
|
تا لله كم قصموا ظهراً لحيدرة |
وكم بروا للرسول الـمُصطفى عنقا |
|
والله ما قبلوا بالطف يومهم |
إلّا بما يوم (بدر) فيهم سبقا |
|
وقد رواه حديثاً صادقاً لهم |
زيد بن أرقم إذ كان أمره حذقا |
إذا قال كنت مقيماً في دمشق |
جاءت سبايا حسين تذرف الأمقا |
|
حتّى إذا أحضروهن الطغاة إلى |
يزيد إذ زاده من كفره حنقا |
|
حتّى إذا أبرزت للسبي جارية |
كأنها البدر من حسن إذا اتسقا |
|
فقال من هذه قالوا سكينة بنت |
الخارجي الذي عن حكمنا أبقا |
|
فقال كيف رأيت الله مكنني |
رقابكم إذ لنا صرتم من العتقا |
|
أخذت ثأري من ابن النّبي ومن |
غدا من أسلافنا من جدكم سبقا |
|
هناك قالت أمه أنى ثكلتك يا |
أردى الأنام ويا من ليس فيه تقا |
|
اسمع مناماً رأت عيناي بارحتّى |
يزيد قلبك هماً عندما طفقا |
|
فقال قصي لنا رؤياك فابتدرت |
تقص والدمع منها يسبق النطقا |
|
فبينما أنا إذ صلّيت نافلتي |
أثنى عليّ خالقي والليل قد غسقا |
|
إذ الحُسين أبي قد جاء ملتثماً |
فرقى وقد مد لي كفيه معتنقا |
|
وعاينت مقلتي من بعد ذاك إلى |
قصر من النور يزهو أبيضاً يققا |
|
عال شرانفه الياقوت حمرتها |
للناظرين إليها يدهش الامقا |
|
فبينما أنا نحو القصر ناظرة |
إذ شرع الباب لي من بعدما غلقا |
|
وعاينت مقلتي خمساً وقد برزوا |
من المشايخ في ترتيبهم نسقا |
|
ومن بين أيديهم شخص فقلت له |
والقلب مني لما عاينت قد خفقا |
|
لمن ترى يا فتى ذا القصر قالوا لمو |
لاك الحُسين ولولاه لما خلقا |
|
وهذه الخمسة الأشباح آدم |
ثمّ الطهر نوح الذي في حبكم سقا |
|
وذا الخليل وهناك الكليم وذا |
عيسى النّبي الذي يبرئ بغير رقا |
|
وعاينت مقلتي شخصاً لطلعته |
نور علا الشمس لما تبلغ الأفقا |
|
وكفه قابض من فوق لمته |
باك بعبرته قد صار مختنقا |
|
وقد قطعت زفرات الحزن مهجته |
والقلب منه لما قد ناله حنقا |
|
فقلت من ذا فقالوا يا سكينة ذا |
النّبي جدك ينجو من به علقا |
|
فقمت اسعى إليه ثمّ قلت له |
يا جد لم يبق منا من به وثقا |
|
يا جدنا لو ترى بالطف قد قتلت |
رجالنا وإبنك السبط الشهيد لقا |
|
يا جدنا لو ترانا نستغيث فلا |
نغاث قد قطعوا من دوننا الطرقا |
يا جدنا لو ترانا إذ نحث على |
الأقتاب نطلب من أعدائنا الرفقا |
|
فعندها ضمني جدي وقبلني |
وخر من عظم ما حدثته صعقا |
|
ومد كفي وصيف القوم أدخلني |
في القصر وهو بطيب المسك قد عبقا |
|
وفيه خمس نساء لو برزن إلى |
الشمس الظهيرة خلتا نورها شفقا |
|
وبين تلك النساء الخمس باكية |
قد أكثرت دونهن النوح والحرقا |
|
أثوابها من سود قد صبغن وفي |
أزياقها الدمع في الأردان قد خرقا |
|
وشعرها فوق كتفيها تنشره |
على الحُسين ومنها الجيب قد مزقا |
|
فقلت أخبرني يا ذا الوصف فمن |
هذي النساء فقل لي لا لقيت شقا |
|
فقال هاتيك يا سكينة و |
الاُخرى خديجة أو في العالمين تقا |
|
وهذه مريم أيضاً وسارتها |
مع هاجر قد ملكن الخلق والخلقا |
|
وذي القميص الذي قد ضمخته دماً |
بنت النّبي الذي فوق البراق رقا |
|
فقمت أسعى إليها ثمّ قلت لها |
أخبرك أن أبي بالبيض قد مزقا |
|
يا جدنا لو ترى عيناك إبنك |
بين الرأس منه وبين الجسم قد مزقا |
|
يا جدنا لو رأيتنا وليس لنا |
عن أعين الناس من فوق المطى وقا |
|
فعندها صرخت في الحل فاطمة |
حتّى لقد خلت أن القصر قد طبقا |
|
وأقبلت وهي تشكي تستغيث على |
قتل الحُسين وتذري الدمع مندفقا |
|
والهفتاه لحزني فيك يا ولدي |
وا حسرتا يا قتيل الصحب والرفقا |
|
وا طول لهفي عليك اليوم يا ولدي |
لأهجرن سهادي فيك والأرقا |
|
وظل من حولها النسوان في ثكل |
يندبن للسبط لا لهواً ولا ملقا |
|
هنا قامت وضمتني براحتها |
لصدرها فسكبت الدمع مندفقا |
|
وأقبلت وهي تذري الدمع تسألني |
عن الحُسين وعن طاغ به طرقا |
|
وتستغيث وتدعو يا سكينة من |
أضحى يغسل إبني من به رفقا |
|
ويلاه ويلاه من أضحى يكفنه |
ومن رأى وجهه والنحر والحدقا |
|
ويلاه ويلاه من عبى الحنوط |
ومن ترى سار حول النعش والنطلقا |
|
ويلاه ويلاه من صلّى عليه ومن |
أيضاً ترى للثرى في لحده طبقا |
|
ومن ترى يكفل الأيتام ويحك بعد |
ابني الحُسين ومن في حبنا صداقا |
وكيف خلف زين العابدين ومن |
أوصى إليه من الأصحاب والرفقا |
|
متى أرى القائم المهدي يقدم جيش |
الله والسنجق المنصور قد خفقا |
|
هناك أظهر عن ما لو أردت به |
خرق السموات من دون الورى خرقا |
|
يا آل طه لقد نال الأمان بكم |
في البعث كلّ ولي مؤمن صدقا |
|
أحب أعدائي فيكم إذ تحبكم |
وإنني أهجر الأهلين والرفقا |
|
فهانموها من النيلي رائقة |
تحكي الحيا رقة لفظاً ومنتسقا |
|
إذا تلا نائح يوماً محاسنها |
أزرت على كلّ من بالشعر قد نطقا |
|
من شاعر في مجال الشعر خاطره |
إلى طريق العلا والمجد قد سبقا |
|
بها سموت على من قال مقتدما |
حي الفريق الحي فافترقا |
|
وأزفت ما قال نصر في قصيدته |
طيف لخنساء من بعد الكرى طرقا |
|
بعد الصلاة على المختار سيدنا |
خير الورى شرفاً ما مثله خلقا |
المجلس الرّابع
في اليوم الثّاني من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
أيّها المؤمنون , ألم تسمعوا بمصائب آل الرّسول وأولاد الزّهراء البتول ؟ أم سمعتم وأنتم غافلون بإهراق الدّموع متباخلون ؟ ليس هذا من فعل الـمُحبّين ولا من دأب الـمُريدين , وكيف لا يحزن على مثلهم وهم اُمناء الرّحمن , ومَن شهد بفضلهم القرآن , وبكى عليهم كلّ مخلوق كان , والمخدومون والملائكة الكرام , والـمُباهي بفضلهم النّبي (صلىاللهعليهوآله ) ؟! تركهم الأعداء بين مقتول بالسّم , وشهيد مضرّج بالدّم , وفقيد لا يُعرف قبره وإلى أيّ شيء آل أمره , وبين رأس على سنان , وبدن بلا رأس بين الأبدان , وبين شيبة بالدّماء مخضوبة , وبنت لرسول الله مسلوبة , وحرمة الرّسول مهتوكة , وطريدة بالعلى منهوكة فيا شوهاً لطوائف الأدعياء وقُبحاً لأولئك الأشقياء , كيف ترونهم ينظر إليهم النّبي أو يسقيهم من الحوض الوصي ؟! وكيف بهم إذا أتت بنت سيّد الثّقلين , مصبوغة ثيابها بدماء الحُسين , وتعلّقت بقائمة العرش وهي تقول : (( يا عدل يا حكيم , احكم بيني وبين قاتل ولدي )) فهنالك حقّت عليهم كلمة العذاب , ولهم عذاب شديد غير مبيد , ولله درّ بعض ذوي العقول حيث يقول :
بنفسي طريحاً نازحاً عن دياره |
تريب المحيا عاري الجسم مجتلا |
|
بنفسي نساء السبط يبكين حوله |
ظمايا حيارى حاسرات وثكلا |
بنفسي عليّ بن الحُسين مقيداً |
بقيد ثقيل بالحديد مكبلا |
|
تناديه بالشجو العظيم سكينة |
أيا أبتا ماذا دهانا وأثكلا |
|
وزينب تدعو جدها يا مُحمّد |
أيا جدنا صفوة الله ذي العلا |
|
أيا جدنا يعزز عليك بأن يرى |
حبيبك مقتولاً عفيراً مجدلا |
|
وساقوا السايا حاسرات أذلة |
وقادوا عليّ بن الحُسين مغللا |
|
وساروا برأس الطاهرين وخلفوا |
حسيناً بأرض الطف شلواً مجدلا |
|
تجر عليه العاصفات ذيولها |
ويبكي عليه الوحش والطير في الفلا |
|
الا لعن الرّحمن آل اُميّة |
وعجلهم ثمّ الدلام ونعثلا |
|
وأشياعهم أو من رضي بفعالهم |
واتبعهم أو من لهم كان قد تلا |
|
عليكم سلام الله ما در شارق |
وما أن حدي الحادي وركب تحملا |
روى شرحبيل بن أبي عون , أنّه قال : لـمّا ولد الحُسين (عليهالسلام ) , هبط ملك من ملائكة الفردوس الأعلى ونزل إلى البحر الأعظم , ونادى في أقطار السّموات والأرض : يا عباد الله , البسوا ثوب الأحزان واظهروا التّفجع والأشجان ؛ فإنّ فرخ مُحمّد مذبوح مظلوم مقهور ثمّ جاء ذلك الملك إلى النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , وقال : يا حبيب الله , يُقتل على هذه الأرض قوم من أهل بيتك , تقتلهم فرقة باغية من اُمّتك , ظالمة معتدية فاسقة , يقتلون فرخك الحُسين ابن ابنتك الطّاهرة , يقتلوه بأرض كربلاء وهذه تربته ثمّ ناوله قبضة من أرض كربلاء , وقال له : يا مُحمّد , احفظ هذه التّربة عندك حتّى تراها وقد تغيّرت واحمرّت وصارت كالدّم , فاعلم أنّ ولدك الحُسين قد قُتل.
ثمّ إنّ ذلك الملك , حمل من تربة الحُسين (عليهالسلام ) على بعض أجنحته وصعد إلى السّماء بها , فلم يبق ملك في السّماء إلّا وشمّ تربة الحُسين (عليهالسلام ) وتبرّك بها , قال : ولـمّا أخذ النّبي (صلىاللهعليهوآله ) تربة الحُسين (عليهالسلام ) , جعل يشمّها ويبكي وهو يقول : (( قتل الله قاتلك يا حُسين , وأصلاه في نار الجحيم ، اللّهمّ لا تُبارك في قاتله , واصله حرّ نار جهنّم وبئس المصير )) ثمّ دفع تلك التّربة من تربة الحُسين إلى زوجته اُمّ سلمة , وأخبرها بقتل الحُسين (عليهالسلام ) بطفّ كربلاء , وقال لها : (( يا اُمّ سلمة , خُذي هذه التّربة إليك وتعاهديها بعد وفاتي , فإذا رأيتيها وقد تغيّرت واحمرّت وصارت دماً عبيطاً , فاعلمي أنّ ولدي الحُسين قد قُتل بطفّ كربلاء )) فلمّا أتى للحُسين سنة
كاملة من مولده , هبط إلى رسول الله اثني عشر ألف ملك على صور شتّى , محمرّة وجوههم باكية عيونهم , ونشروا أجنحتهم بين يدي رسول الله وهم يقولون : يا مُحمّد , إنّه سينزل بولدك الحُسين مثل ما نزل بهابيل من قابيل.
قال : ولم يبق ملك في السّماء إلّا ونزل على رسول الله ؛ يُعزّيه بولده الحُسين , ويخبره بما يُعطى من الأجر لزائره والباكي عليه , والنّبي مع ذلك يبكي ويقول : (( اللهمّ اخذل من خذله واقتل من قتله , ولا تمتعه بما أمله في الدّنيا , واصله حرّ نارك في الآخرة )) ولله درّ مَن قال :
أزالوهم بالقهر عن إرث جدهم |
عناداً وما شاءوا أحلوا وحرموا |
|
وقادوا علياً في حمائل سيفه |
وعمار دقوا ضلعه وتهجموا |
|
على بيت بنت الـمُصطفى وإمامهم |
ينادي ألا في بيتها النار فاضرم |
|
فو الله ما أدري الحُسين ورهطه |
وصبرهم فيئاً يحاز ويقسم |
|
سوى حبتر ثم الدلام ونعثل |
لأنهم في كلّ ظلم تقدموا |
|
وتلك التي جاءت تقود عسكراً |
على جمل يحدوا بها المترنم |
|
أبوها يولي الدبر في كلّ موقف |
وابنته عند اللقا تتقدم |
|
ألا لعن الله المهيمن حبترا |
وابنته تعداد ما الله يعلم |
روي في بعض الأخبار عن ثقاة الأخيار : أنّ نصرانياً أتى رسولاً من ملك الرّوم إلى يزيد , وقد حضر في مجلسه الذي أتى فيه برأس الحُسين (عليهالسلام ) , فلمّا رأى النّصراني رأس الحُسين , بكى وصاح وناح حتّى ابتلّت لحيته بالدّموع , ثمّ قال : اعلم يا يزيد , إنّي دخلت المدينة تاجراً في أيّام حياة النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , وقد أردت أن آتيه بهدية , فسألت من أصحابه : أيّ شيء أحبّ إليه من الهدايا ؟ فقالوا : الطّيب أحبّ إليه من كُلّ شيء , وإنّ له رغبة فيه قال : فحملت من المسك فارتين , وقدراً من العنبر الأشهب , وجئت به إليه وهو يومئذ في بيت زوجته اُمّ سلمة (رضياللهعنه ) , فلمّا شاهدت جماله , أزاد لعيني من لقائه نوراً ساطعاً , وزادني منه سروراً , وقد تعلّق قلبي بمحبّته , فسلّمت عليه ووضعت العطر بين يديه , فقال : (( ما هذا ؟ )) قُلت : هدية محقرة أتيت بها إلى حضرتك فقال لي : (( ما اسمك ؟ )) فقلت : اسمي عبد شمس فقال لي : (( بدّل اسمك , فأنا أسمّيك عبد الوهاب إن قبلت منّي الإسلام قبلت منك الهدية )) قال : فنظرته وتأمّلته , فعلمت أنّه نبيّ وهو الذي أخبرنا عنه عيسى , حيث قال : إنّي
مبشر لكم برسول يأتي من بعدي , اسمه أحمد فاعتقدت ذلك وأسلمت على يده في تلك السّاعة , ورجعت إلى الرّوم وأنا أخفي الإسلام , ولي مدّة من السّنين وأنا مُسلم مع خمس من البنين وأربع من البنات , وأنا اليوم وزير ملك الرّوم , وليس لأحد من النّصارى اطلاع على حالنا.
واعلم يا يزيد , إنّي يوم كنت في حضرة النّبي وهو في بيت اُمّ سلمة , رأيت هذا العزيز الذي رأسه وضع بين يديك مُهاناً حقيراً , قد دخل على جدّه من باب الحجرة , والنّبي فاتح بابه ليتناوله , وهو يقول : (( مرحباً بك يا حبيبي )) حتّى أنّه تناوله واجلسه في حجره , وجعل يُقبّل شفتيه ويرشف ثناياه , وهو يقول : (( بُعداً , لا رحمه الله م َن قتلك يا حسين وأعان على قتلك )) والنّبي مع ذلك يبكي , فلمّا كان اليوم الثّاني , كنت مع النّبي (صلىاللهعليهوآله ) في مسجده , إذ أتاه الحسن (عليهالسلام ) مع أخيه الحُسين (عليهالسلام ) , وقال : (( يا جدّاه , قد تصارعت مع أخي الحُسين (عليهالسلام ) , ولم يغلب أحدنا الآخر , وإنّما نريد أن نعلم أيّنا أشدّ قوّة من الآخر )) فقال لهُما النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( يا حبيبي ويا مهجتي , إنّ التّصارع لا يليق لكما , اذهبا فتكاتبا , فمَن كان خطّه أحسن , كذلك تكون قوّته أكثر )) قال : فمضيا وكتب كُلّ واحد منهما سطراً , وأتيا إلى جدّهما النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , فأعطياه اللوح ليقضي بينهما , فنظر النّبي إليهما ساعة ولم يرد أن يكسر قلب أحدهما , فقال لهما : (( يا حبيبي , إنّي اُمّيّ لا أعرف الخط , اذهبا إلى أبيكما ليحكم بينكما , وينظر أيّكما أحسن خطّاً )) قال : فمضيا إليه وقام النّبي (صلىاللهعليهوآله ) أيضاً معهما , ودخلوا جميعاً إلى منزل فاطمة (عليهاالسلام ) , فما كان إلّا ساعة وإذا النّبي (صلىاللهعليهوآله ) مُقبل وسلمان الفارسي معه , وكان بيني وبين سلمان صداقة ومودّة , فسألته : كيف حكم أبوهما , وخطّ أيّهما أحسن ؟ قال سلمان (رضياللهعنه ) : إنّ النّبي (صلىاللهعليهوآله ) لم يجبهما بشيء ؛ لأنّه تأمّل أمرهما وقال : (( لو قُلت خطّ الحسن أحسن كان يغتمّ الحُسين , ولو قُلت خطّ الحُسين أحسن كان يغتمّ الحسن , فوجهتهما إلى أبيهما )) فقلت : يا سلمان , بحقّ الصّداقة والإخوّة التي بيني وبينك , وبحقّ دين الإسلام , إلّا ما أخبرتني كيف حكم أبوهما بينهما ؟ فقال : لـمّا أتيا إلى أبيهما وتأمّل حالهما , رقّ لهما ولم يرد أن يكسر قلب أحدهما , قال لهما : (( امضيا إلى اُمّكما فهي تحكم بينكما )) فأتيا إلى اُمّهما وعرضوا عليها ما كتبا في اللوح وقالا : (( يا اُمّاه , إنّ جدّنا أمرنا أن نتكاتب , فكلّ مَن كان خطّه أحسن تكون قوّته أكثر , فتكاتبنا وجئنا إليه , فوجّهنا إلى أبينا فلم
يحكم بيننا , ووجّهنا إلى عندك )) فتفكّرت فاطمة (عليهاالسلام ) بأنّ جدّهما وأباهما ما أرادا كسر خاطرهما , أنا ما أصنع وكيف أحكم بينهما , فقالت لهما : (( يا قرّتي عيني , إنّي أقطع قلادتي على رأسكما , فأيّكما يلتقط من لؤلؤها أكثر , كان خطّه أحسن وتكون قوّته أكثر )) قال : وكان في قلادتها سبع لؤلؤات ثمّ إنّها قامت فقطعت قلادتها على رأسهما , فالتقط الحسن ثلاث لؤلؤات , والتقط الحُسين ثلاث لؤلؤات وبقيت الاُخرى , فأراد كُلّ منهما تناولها , فأمر الله تعالى جبرائيل (عليهالسلام ) بنزوله إلى الأرض , وأن يضرب بجناحيه تلك اللؤلؤة ويقدّها نصفين بالسّوية , ليأخذ كُلّ منهما نصفاً ؛ لئلا يغتمّ قلب أحدهما , فنزل جبرائيل (عليهالسلام ) كطرفة عين وقدّ اللؤلؤة نصفين , فأخذ كُلّ منهما نصفاً فانظر يا يزيد , إنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لم يدخل على أحدهما ألم التّرجيح في الكتابة , ولم يرد كسر قلبهما , وكذلك أمير المؤمنين (عليهالسلام ) وفاطمة (عليهاالسلام ) , وكذلك ربّ العزّة لم يرد كسر قلب أحدهما , بل أمر مَن يقسم اللؤلؤة بينهما ؛ لجبر قلبهما , وأنت هكذا تفعل بابن بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ؟! أفّ لك ولدينك يا يزيد.
ثمّ إنّ النّصراني نهض إلى رأس الحُسين (عليهالسلام ) , واحتضنه وجعل يُقبّله , وهو يبكي ويقول : يا حُسين , اشهد لي عند جدّك مُحمّد الـمُصطفى , وعند أبيك الـمُرتضى , وعند اُمّك فاطمة الزّهراء (صلوات الله عليهم أجمعين).
فيا إخواني , أديموا رحمكم الله الحزن الطّويل , وواظبوا على النّدب والعويل , فعلى مثل أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للخليعي (رحمهالله )
لم أبك ربعاً دارس العرصات |
أضحت معارفه من النكرات |
|
درست معاهده وغيرها البلى |
ونأت بساكنها يد الغربات |
|
عفت الوقوف على الديار تجنبي |
منها الصدى بتردد الكلمات |
|
لكن بكيت على حريم مُحمّد |
يشهرن فوق غوارب البدنات |
|
وتذكري رفع الكريم أعاد لي |
حزناً كيوم مصارع السادات |
|
بأبي ربيبات البتول نوادباً |
من عظم أحزان وطول شتات |
|
لما قفلن إلى الشآم قريحة |
أجفانهن سواكب العبرات |
والرأس منتصب وزينب عنده |
ودموعها تجري على الوجنات |
|
تشكو إليه ووجهه متوقد |
كالبدر يجلو حندس الظلمات |
|
وتصيح وا حزاني وتدعو يا أخي |
وخليفتي لعظائم النكبات |
|
لهفي عليك وأنت ثاو بالعرى |
ملقى على الرمضاء في الفلوات |
|
لهفي عليك وأنت تشتكي |
حر الظما وتلهب الزفرات |
|
لهفي على ما نيل منك بكربلا |
من قتل أبناء وسبي بنات |
|
لهفي لهن مسلبات حسرا |
فواضل الأردان مختمرات |
|
لهفي لما أودعت قلب مُحمّد |
وفؤاد فاطمة من الحسرات |
|
يا واحدي لو كنت شاهد ما جرى |
من ذلنا وتعزز الشمات |
|
صبت علي مصائب لا تنقضي |
من فقد أحباب وقتل حمات |
|
وتعج والأيام سكرى حولها |
قرحى الجفون خوافت الأصوات |
|
ولرأس مولاي الحُسين ترنّم |
في الليل يتلو محكم الآيات |
|
والسيد السجاد يدعوها ألا |
اصطبري فإت كلما هو آت |
|
وكفي الدموع ورأفتي رب العلا |
فعليك منه أفضل الصلوات |
|
وتيقني أن الشهيد مخلد |
لا تحسبيه يعد في الأموات |
|
واستبشري يا عمتي فلك الهنا |
بقيام دولة آخذ الثارات |
|
والقائم المهدي والمولى الذي |
يستأصل الأعداء بالنقمات |
|
يا سادتي يا من بنور هداهم |
وسناهم يجلي دجى الظلمات |
|
بولاكم يا خير وطأ الثرى |
نيل المنى وتقبل الطاعات |
|
وكذا البراءة من أعاديكم بها |
يعفو الإله غدا من الزلات |
|
واليتكم ونصبت حرب عداكم |
فرفعتم فوق العلى درجات |
|
وتناوشوني حاسد ومعاند |
وتظاهرا بالحقد والأحنات |
|
يا رب فاشهد أنني متبرء |
منهم وممن خان عقد ولات |
|
من معشر جحدوا النّبي حقوقه |
وتحاملوا ظلما على مولاتي |
|
نال الخليعي الأمان بحبكم |
ونجا من النيران أي نجات |
|
لا تحسب الشعراء إن قد أدركوا |
تحديد فضلكم بكنه صفات |
لكنهم نظروا الكتاب فضمنوا |
من مدحكم ما جاء في الآيات |
|
ليبدلن الله خوف وليكم |
أمناً ويجزيه على الحسنات |
|
ويمكن الدين الذي لكم ارتضى |
جهراً على رغم الزنيم العات |
الباب الثّاني
اعلموا تقبّل الله أعمالكم وأحسن لديه آلكم , إنّ الله تعالى لا يقبل الأعذار في ترك المآتم على الآل الأطهار ؛ لأنّه تعالى جرت عادته بتكليف العباد بعد إلهامهم الرّشاد ؛ ليفيض عليهم من الخيرات فيصلون إلى الكمالات , ولا شيء لعمري , اُدّعى لحصول الثّواب العظيم وإزالة العذاب الأليم , من إظهار شعائر الأحزان وإجراء الدّموع الهتان , على ما أصابهم في ذلك الزّمان من أهل الغدر والخذلان , فكم من دم مسفوح وطفل مذبوح وقلب مقروح , ومرمّل بالدّماء ومسلوب للرداء , ومنبوذ بالعرى ومذبوح من القفا , وقرّة عين الـمُصطفى , وثمرة فؤاد الزّهراء بنت خاتم الأنبياء , فيا لله ! ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حُرمة الرّسول , فنوحوا أيّها الإخوان , وضجّوا بالعويل وعجّوا بالبكاء على هذا الرّزء الجليل , ولله در مَن قال من الرّجال :
بنفسي خدوداً في التراب تعفرت |
بنفسي جسوماً بالعراء تعرت |
|
بنفسي رؤوساً معليات على القنا |
إلى الشام تهدي بارقات الأسنتى |
|
بنفسي شفات ذابلات من الظما |
ولم تحظ من ماء الفرات بقطرة |
|
بنفسي عيونا غابرات شواهرا |
الى الماء منها نظرة بعد نظرة |
|
بنفسي من آل النّبي خرائد |
حواسر لم تغدف عليهم بسترة |
|
تفيض دموعاً بالدماء مشوبة |
كقطر الغوادي من مدامع ثرت |
|
على خير جيل من كهول وفتية |
مصاليت انجاد إذا الخيل كرت |
|
ربيع اليتامى والأرامل فابكها |
مدارس للقرآن في كل سحرة |
|
وأعلام دين الـمُصطفى وولاته |
وأصحاب قربان وحج وعمرة |
|
ينادون يا جداه أية محنة |
نراها علينا من اُمية مرّت |
|
ضغائن بدر بعد ستين أظهرت |
وكانت أجنت في الحشا وأسرت |
كأني ببنت الـمُصطفى قد تعلقت |
يداها بساق العرش والدمع أذرت |
|
وفي حجرها ثوب الحُسين مضمخا |
وعنها جميع العالمين بحسرت |
|
تقول أيا عدل أقض بيني وبين من |
تعدى على ابني بعد قهر وقسرت |
|
أجالوا عليه بالصوارم والقنا |
وأسقوه كأس الموتّ طعم الممرت |
|
هم أول العادين ظلماً على الورى |
ومن سار فيهم بالأذى والمضرت |
|
مضوا وانقضت أيامهم وعهودهم |
سوى لعنة باءوا بها واستمرت |
روي عن السّيد السّعيد عبد الحميد يرفعه إلى مشايخه , عن منذر الثّوري , عن أبيه , عمّن أخبره , قال : قال الحُسين (عليهالسلام ) : (( أنا قتيل العبرة , ما ذُكرت عند مؤمن إلّا بكى واغتمّ لمصابي )).
وروى أيضاً عبد الحميد يرفعه إلى مشايخه إلى جابر الجعفي , يرويه عن أبي عبد الله , ثمّ قال : (( يا جابر , كم بينكم وبين قبر الحُسين (عليهالسلام ) ؟ )) قال , قُلت : يوم وبعض آخر قال , فقال لي : (( أتزوره ؟ )) قال , قلت : نعم قال : (( ألا اُفرّحك ألا اُبشرّك بثوابه ؟ )) قلت : بلى جعلت فداك ! قال : (( إنّ الرّجل منكم ليتهيأ لزيارته , فتباشر به أهل السّماء , فإذا خرج من باب منزله راكباً أو ماشياً , وكّل الله عزّ وجلّ به أربعين ألفاً من الملائكة , يُصلّون عليه حتّى يوافي قبر الحُسين (عليهالسلام ) , وثواب كُلّ قدم يرفعها , كثواب المتشحّط بدمه في سبيل الله , فإذا سلّمت على القبر , فاستلمه بيدك وقُل : السّلام عليك يا حُجّة الله في أرضه ثمّ انهض إلى صلاتك , فإنّ الله تعالى يُصلّي عليك وملائكته حتّى تفرغ من صلاتك , ولك بكُلّ ركعة تركعها عنده ؛ ثواب مَن حجّ ألف حجّة , واعتمر ألف عُمرة , وأعتق ألف رقبة , وكمَن وقف في سبيل الله ألف مرّة مع نبي مرسل , فإذا أنت قمت من عند القبر , نادى مناد لو سمعت مقالته , لأفنيت عمرك عند قبر الحُسين (عليهالسلام ) , وهو يقول : طوبى لك أيّها العبد , لقد غنمت وسلمت , قد غفر الله لك ما سلف فاستأنف العمل )) قال : (( فإن مات من عامه أو من ليلته أو من يومه , لم يقبض روحه إلّا الله تعالى )) قال : (( ويقوم معه الملائكة يُسبّحون ويُصلّون عليه حتّى يوافي منزله , فتقول الملائكة : ربّنا , عبدك وافى قبر وليّك وقد وافى منزله , فأين نذهب ؟ فيأتيهم النّداء من قبل السّماء : يا ملائكتي , قفوا بباب عبدي , فسبّحوني وقدّسوني وهلّلوني , واكتبوا ذلك في حسناته إلى يوم وفاته فإذا توفّي ذلك العبد , شهدوا غسله
وكفنه والصّلاة عليه , ثمّ يقولون : ربّنا , وكلتنا بباب عبدك وتوفّي , فأين نذهب ؟ فيأتيهم النّداء : يا ملائكتي , قفوا بقبر عبدي , فسبّحوني وقدّسوني وهلّلوني , واكتبوا ذلك في حسناته إلى يوم القيامة )).
فيا طوبى لـمَن أحبّهم ووالاهم , ويا خسران مَن أبغضهم وعاداهم :
عدوي عن محبتكم فنادى |
وموتي تحت أرجلكم صلاحي |
|
هواكم قبلة تهوي إليها |
قلوب الناس من كلّ النواحي |
|
فلا والله لا أسلو هواكم |
ولا أصبو إلى قول اللواحي |
فلعمري , لو تضاعفت أحزاني فتزايدت أشجاني , واُجريت عوض الدّموع دماً , وجعلت عمري كلّه مأتماً , وبقيت من شدّة الجزع والاكتئاب كالخلال , لم أوف ببعض ما يجب عليّ من حقّ الآل.
روي عن عاصم , عن أبي عبدالله (عليهالسلام ) قال : (( يا عاصم , مَن زار الحُسين (عليهالسلام ) وهو مغموم , أذهب الله غمّه , ومَن زاره وهو فقير , أذهب الله الفقر عنه , ومَن كانت به عاهة فدعى الله أن يذهبها , اُستجيبت دعوته وفرّج همّه وغمّه , فلا تدع زيارته , فكأنّك كُلمّا أتيته , كتب الله لك بكُلّ خطوة تخطوها عشر حسنات , ومحى عنك عشر سيئات , وكتب لك ثواب شهيد في سبيل الله أهريق دمه , فإيّاك أن تفوتك زيارته , وأمّا في الآخرة , فبولايتهم يحصل الفوز بالنّعيم الدّائم الـمُقيم , وبحبّهم يحصل الخلاص من العذاب الأليم )).
وعن الإمام أبي عبد الله (ع) قال : (( قال الحُسين (عليهالسلام ) : مَن زارني بعد موتي , زرته يوم القيامة ولو لم يكُن إلّا في النّار لأخرجته )) :
يا عترة الهادي النّبي ومن هم |
عزي وكنزي والرجا والمفزع |
|
واليتكم وبرئت من أعدائكم |
فأنا بغير ولاكم لا أقنع |
|
صلّى الإله عليكم ما أحييت |
فكروا وقضت العيون الهجع |
روي عن إسحاق بن عمّار , عن أبي عبد الله (عليهالسلام ) , قال : (( ما بين قبر الحُسين (عليهالسلام ) إلى السّماء مُختلف الملائكة )) وعن بشير الدّهان قال , قُلت لأبي عبدالله : ربّما فاتني الحجّ وأعرف عند قبر الحُسين قال : (( أحسنت يا بشير , أيما مؤمن أتى قبر الحُسين (عليهالسلام ) , عارفاً بحقّه في غير يوم عيد , كتب الله له عشرين حجّة وعشرين
عمرة مبرورات مُتقبّلات , وألف غزوة مع نبيّ مُرسل أو إمام عادل )) قال , قلت : وكيف لي مثل الموقف ؟ قال : فنظر إليّ شبه الـمُغضب , ثمّ قال : (( يا بشير , إنّ المؤمن إذا أتى قبر الحُسين يوم عرفة , فاغتسل بالفُرات ثمّ توجّه إليه , كتب الله عزّ وجلّ له بكُلّ خطوة حجّة بمناسكها )) ولا أعلمه إلّا وقال : (( عمرة )).
وعن أبي جعفر الباقر (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( خلق الله تعالى كربلاء قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام , ثمّ قدّسها وبارك فيها , فما زالت أرض كربلاء مُقدّسة مباركة طاهرة , قبل أن يخلق الله الخلق وقبل أن يكون الكون , ولم تزل كذلك حتّى جعلها الله أفضل أرض في الجنّة , وأفضل منزل ومسكن يسكن الله أولياءه في الجنّة , وهي أعلا وأرفع مساكن الجنّة , وأنّها إذا زلزل الله الأرض وسيّرها , رُفعت كما هي بتربتها نورانية صافية , فجُعلت أوّل روضة من رياض الجنّة , وأفضل مسكن في الجنّة , لا يسكنها إلّا النّبيون والمرسلون وأولوا العزم من الرّسل , وأنّها لتزهو بين رياض الجنّة , كما يزهو الكوكب الدّرّي لأهل الأرض , يغشي نورها أبصار أهل الجنّة جميعاً , وهي تُنادي: أنا الأرض الـمُقدّسة والطّينة الـمُباركة التي تضمّنت جسد سيّد الشُهداء , وسيّد شباب أهل الجنّة أبا عبد الله الحُسين )).
وفي بعض الأخبار : إنّ الله تعالى لـمّا خلق أرض الكعبة , افتخرت وابتهجت وقالت : مَن مثلي وقد بُني بيت الله على ظهري , ويأتيني النّاس من كلّ فجّ عميق , وجُعلت حرم الله وأمنه ؟! فاوحى الله تعالى إليها : (( يا أرض الكعبة , كفّي وقرّي , فوعزّتي وجلالي , ما فضّلتك به فيما أعطيت كربلاء , إلّا بمنزلة الإبرة التي اُغمست في البحر , ولو لا تربة كربلاء ما فضّلتك , ولو لا ما تضمّنته أرض كربلاء , ما خلقتك ولا خلقت البيت الذي افتخرت به , فقرّي واستقرّي وكوني متواضعة ذليلة مهينة , غير مستنكفة ولا مستكبرة على أرض كربلاء , وإلّا سخت بك وأهويت بك في نار جهنّم )) كلّ ذلك تعظيماً للحُسين (عليهالسلام ) وإجلالاً له :
ما لي إذا وضع الحساب وسيلة |
أنجو بها من حر نار الموعد |
|
إلّا اعترافي بالذنوب وانني |
متمسك بولاء آل مُحمّد |
روي في بعض الأخبار , إنّ رجلاً جاء إلى الصّادق (عليهالسلام ) وشكا إليه من علّة أردته , فقال له الصّادق (عليهالسلام ) : (( يا هذا , استعمل تربة جدّي الحُسين (عليهالسلام ) , فإنّ الله
تعالى جعل الشّفاء فيها من جميع الأمراض , وأماناً من جميع الخوف , وإذا أراد أن يستعملها للشفاء , فليأخذ من تلك التّربة , ثمّ يقبّلها ويضعها على وجهه وعينيه وينزلها على جميع بدنه , ويقول : اللّهمّ بحقّ هذه التّربة وبحقّ مَن حلّ بها وثوى فيها , وبحقّ جدّه وأبيه واُمّه وأخيه والأئمة من ولده , بحقّ الملائكة الحافّين به , إلّا جعلتها شفاء من كلّ داء , وبرء من كلّ مرض , ونجاة من كلّ خوف , وحرزاً مما أخاف وأحذر , برحمتك يا أرحم الرّاحمين ثمّ استعمل من تلك التّربة أقل من الحمّصة , فإنّك تبرئ بإذن الله تعالى )) قال الرّجل : فو الله , إنّي فعلت ذلك فشفيت من علّتي في وقتي وساعتي , من بركات سيدي وابن سيدي أبي عبد الله الحُسين (عليهالسلام ).
وعن إسحاق بن إسماعيل , أنّه قال : سمعت من الصّادق (عليهالسلام ) , يقول : (( إنّ لموضع قبر الحُسين (عليهالسلام ) حرمة معروفة , مَن عرفها واستجار بها اُجير )) فقلت : يا مولاي , فصف لي موضعها جعلت فداك ! فقال : (( امسح من موضع قبره الآن خمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رأسه , ومن ناحية رجليه كذلك , وعن يمينه كذلك وعن شماله , واعلم أنّ ذلك روضة من رياض الجنّة , ومنه معراج الملائكة تعرج فيه إلى السّماء بأعمال زوّاره , وليس ملك في السّموات ولا في الأرض , إلّا وهم يسألون الله عزّ وجلّ في زيارة قبر الحُسين , ففوج منهم ينزل وفوج يعرج إلى يوم القيامة )).
يا جوهر قام الوجود به |
والناس بعدك كلهم عرض |
|
أسهرت عيناً أنت قرتها |
ولهي عليك وليس تغمض |
|
وأتهت قلباً أنت منيته |
القصوى بحزن فيك يعترض |
روي : أنّ الصّادق (عليهالسلام ) أصابه مرض , فأمر مولى أن يستأجر له أجيراً يدعو له بالعافية عند قبر الحُسين (عليهالسلام ) , فخرج المولى فوجد رجلاً مؤمناً على الباب , فحكى له ما أمر به الصّادق , فقال الرّجل : أنا أمضي , لكنّ الحُسين إمام مُفترض الطّاعة , والصّادق إمام مُفترض الطّاعة , فكيف ذلك ؟! فرجع مولاه وعرّفه بمقالة الرّجل، فقال الصّادق : (( صدق الرّجل في مقالته , لكنّ لله بقاعاً يُستجاب فيها الدُعاء , فتلك البقعة من تلك البقاع , وإنّ الله عزّ وجلّ عوّض الحُسين (عليهالسلام ) من قتله بثلاثة أشياء ؛ إجابة الدُعاء تحت قُبّته والشّفاء في تُربته والأئمّة من ذُرّيّته )) :
يا بفعة مات بها سيد |
ما مثله في الناس من سيد |
مات الهدى من بعده والندا |
والعلم والحلم مع السؤدد |
روي في بعض الأخبار : إنّ رجُلاً صالحاً , قال : رفعت إليّ امرأة غزلاً أبيض , فقالت لي : ادفع هذا الغزل إلى سدنة مكّة , ليخيط بها كسوة الكعبة فكرهت أن أدفعه إلى الحجبة , فقال (عليهالسلام ) : (( اشتر به عسلاً وزعفراناً , وخُذ قليلاً من طين قبر الحُسين (عليهالسلام ) , واعجنه بماء السّماء , واجعل فيه العسل والزّعفران , وفرّقه على أوليائنا المؤمنين ليداووا به مرضاهم )) ففعلت ما أمرني مولاي , فكلّ مريض أخذ منه شفي بإذن الله تعالى.
فيا إخواني , ما أطيب نشر فضائلهم الفاضلة , وما أعذب ذكر مدائحهم الكاملة , تقدست أنفس امتنعت عليهم من الهجوع , وطهرت أعين أسبلت عليهم شآبيب الدّموع , وظفر بالنّصيب الوافر مَن والاهم , وحصل الشّرف الظّاهر مَن مال عمّن عاداهم ، ما ضرّهم ما تجرّعوه من الآلام , لم تكن لحظة واحدة فيحلّون دار السّلم جوار الملك العلام فيا عيني سحّي دموعي ويا جفوني وافقي وأطيعي.
فعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ مُحمّد السمين (رحمهالله )
بان صبري وبان خافي شجوني |
واستهلت بالدمع مني جفوني |
|
واستهلت لما استهلت بدمع |
حين جادت به شؤون شؤوني |
|
وقلت مقلتي الرقاد ارتقاباً |
بالسهي والسهاد ألف عيوني |
|
وأستسرت مسرت السر لما |
بان خوفي من سرها المكنون |
|
فتبدت مصونة الحزن من قلبي |
المعنى المتيم المحزون |
|
ثمّ قالت للطرف أبرز ما كان |
مصاناً من دمعك المسجون |
|
واستمد الدماء أن نفد الدمع |
فبالدمع أنت غير ضنين |
|
واندب السبط في الطفوف فريداً |
قد تخلا من مسعد ومعين |
|
يتمنى لكي يبل غليلاً |
وشربه من مباح ماء معين |
|
فسقاه العدو كأساً دهاقا |
من كؤوس الردى وماء المنون |
|
لهف قلبي عليه وهو فؤول |
يهدو في قوله وسكون |
ويحكم لا تهونوا بقتل حسين |
فتذوقوا طعم العذاب المهين |
|
لا تقولوا يوم القيامة إنا |
ما علمنا وإنكم تجهلوني |
|
تعرفوني بأنني خير خلق الله |
قدماً وآنفاً تنكروني |
|
تنكروني فلم بغير اجترام |
تقتلوني وأنتم تعرفوني |
|
إن جدي النّبي أشرف خلق الله |
ذو الفضل والفخار المبين |
|
وأبي المرتضى الوصي عليّ |
وهو رب الإمكان والتمكين |
|
والبتول الزّهراء بنت رسول الله |
أمي لأجلها راقبوني |
|
فأجابوه قد علمنا يقيناً |
أن هذا الكلام حق اليقين |
|
غير أنا نروم منك مراماً |
فاعطياه بالطوع يابن الأمين |
|
قل رضينا يزيد مولا ولياً |
والياً حاكماً بحق مبين |
|
فمتى قلت أنت في دعة الله |
وحرز من بأسنا بيقين |
|
عندما أفحشوا الجواب اجتراءاً |
آب عنهم بصفقة المغبون |
|
ثمّ نادى أهل الخيام ودمع العين |
جازية برقة وبلين |
|
أم كلثوم يا سكينة يا زينب |
يا بنت فاطمة جاوبيني |
|
أنت في عترتي وفي أهل بيتي |
وعيالي وصبيتي تخلفيني |
|
ثمّ قومي إذا أردت وداعاً |
ودعيني من قبل أن تفقديني |
|
إن هذا الأوان آن انتقالي |
وارتحالي وحان يا أخت حيني |
|
أخت ابني عليّ بعد وليي |
وإمام هاد لدنيا ودين |
|
أخت صبراً صبراً فليس يضيع |
الله أجر الصبور والمستكين |
|
لا تشقي جيباً عليّ وابكي |
كلّ حين بفيض دمع هتون |
|
وإذا ما مررت بالجسد الملقى |
على الأرض شاحباً فاندبيني |
|
وإذا ما تلوت نافلة الذكر |
وصلّيت دائماً فاذكريني |
|
والعني ما شربت ماء فرات |
من عن الماء ظامياً منعوني |
|
فأجابته عزّ والله ما قلت |
علينا وليس ذاك بهون |
|
لو قدرنا على الفداء فديناك |
وبأرواحنا وبالمخزون |
|
وشربنا من شربك كاسات |
المنايا من كف ساقي المنون |
ثمّ لما رأته ملقى على الترب |
تريب الخدين دامي الجبين |
|
صرخت صرخة وقالت أجدة |
العيس رفقاً هنية أوقفوني |
|
لأودعه كي أبل غليلي |
بوداعي منه ولا تمنعوني |
|
فهو روحي فأين عنه رواحي |
وهو قلبي فعنه لا تقلبوني |
|
وهو شخصي فأين عنه شخوصي |
فاشخصوا ثمّ عنه لا تشخصوني |
|
وهو عدلي فأين عنه عدولي |
فاعدلوا ثمّ عنه لا تعدلوني |
|
فأجابوا صوت الشجي بسوط |
وبضرب يبدي خفي الأنين |
|
فاستغاثت بجدها وأبيها |
وأخيها الزاكي الإمام المبين |
|
بدموع على الخدود تجاري |
من جفون قرحى وقلب حزين |
|
ثمّ قالت يا موئلي يا مآلي |
يا حصوني وأين مني حصوني |
|
آه يا كسرتي لفقد حماتي |
آه يا خذلتي لفقد معين |
|
آه يا حسرتي ويا طول وحدي |
أه يا ذلتي ويا طول هوان |
|
جدي هذا القناع يسلب مني |
ثم بالسوط بعد قنعوني |
|
جدي هذا صدر الحُسين فقد ديس |
عناداً له بقب البطون |
|
رضضوه بغير إفراض غسل |
جامع للحنوط والتكفين |
|
جدي هذا الكريم فوق سنان |
وسنان يغله باليمين |
|
جدي هذي الرؤوس فوق قناها |
وهي تهدي إلى يزيد اللعين |
|
جدي هذي سكينة أسكنوها |
بعد دار الأعزاز في دار هون |
|
والسبايا على المطايا عرايا |
مبديات لكل وجه مصون |
|
سائرات بنا بغير وطاء |
في سهول من بيدها وحزون |
|
وإذا قلت للحداء رويداً |
أزعجوا العيس عامداً وأزعجوني |
|
وإذا قلت استروني بثوب |
سلبوني ثوبي وما ستروني |
|
وإذا قلت احجبوني عن الناس |
تعدوا كفراً وما حجبوني |
|
وإذا ما شكوت ضراً وبؤساً |
رجموني بغياً وما رحموني |
|
وإلى الله مشتكانا وما نلقاه |
فيه من الأذى والهون |
|
يا ذوي البيت والمشاعر والأركان |
والحجر والصفا والحجون |
|
يا ذوي الذاريات والطور |
والأعراف والنحل والنساء ونون |
فاز من مكن اليدين من الود |
وفازت يداه بالتمكين |
|
فاز بالصدق في الولاء كما |
فاز بصدق الولاء نجل السمين |
|
عبدكم أهدى إليكم نظاماً |
فاق في نظمه نظام الثمين |
|
فعليكم من ربكم صلوات |
وسلام في كل وقت وحين |
الباب الثّالث
تفكّروا يا إخواني في الدّين ، فيما قدم عليه الأنصار من إخوانكم المؤمنين , لكنّهم ظهر لهم السّر المكنون فعلموا ما كان وما يكون ، ورضوا عن الرّحمن فسمحوا في محبته بالأرواح ، وغضبوا الملك الدّيان فأجادوا في سبيله بالكفاح , آساد غيل غرير عرينها قليل قرينها ، جاهدوا في سبيل ذي الجلال وبذلوا نفوسهم في محاربة أهل الزّيغ والضّلال ، رموهم بالجياد حتّى انطوين , وضربوهم بالسّيوف حتّى انحنين ، وطعنوهم بالرّماح حتّى ارتوين , أو ليس هم القوم الذين إذا دعوا لم يقولوا أين أين ولم يخافوا الحين ، ولا سقطوا بين بين وأين ؟ لكم مثل أنصار مولاكم الحُسين أين ؟ ولله درّ مَن قال فيهم من الرّجال :
هم القوم أقيال مناجيد سادة |
مذ أو يد أبطال لها الحرب منزل |
|
كماة حماة يرهب الموت بأسهم |
وليس لهم عن حومة الضرب معدل |
|
فكم غادروا من غادر في كريهة |
وكم عقلوا من كافر ليس يعقل |
|
وحادوا وجادوا بالنفوس أمامه |
وذاك من الجود العظيم المؤمل |
|
وسادوا فشادوا منزلاً متطاولاً |
دعائمه فوق السماكين أطول |
|
وحاموا فحاموا دون سبط محمد |
إلى أن تداعوا للمنايا وقتلوا |
|
فلهفي لهم صرعى أمام إمامهم |
ومن دمهم وجهه الثرى متبلل |
|
وقد نسجت أيدي الرياح من الثرى |
لهم حللاً من فوقهم تتجلل |
|
فلو أنني شاهدت مشهد كربلا |
وسيفي بكفي كنت للنفس أبذل |
|
وواسيتهم بالطعن والضرب والقنا |
فذاك المنى لو أن ذلك يحصل |
روي من طريق الخصم ، وعن أنس بن مالك , قال : قرأ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) :( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ
لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ ) (١) . فقام إليه رجل , فقال : أيّ بيوت هذه يا رسول الله ؟ فقال : (( بيوت الأنبياء )) فقام الأوّل فقال : يا رسول الله , هذا البيت منها - يعني بيت عليّ وفاطمة - ؟ قال : (( نعم ، من أفاضلها )).
ومن طريقهم أيضاً في الصّحيحين , قال : لـمّا نزل قوله تعالى :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٢) قالوا : يا رسول الله , ومَن قرابتك التي أوجبت علينا مودتهم ؟ فقال : (( عليّ وفاطمة وابناهما )).
ومن طريقهم أيضاً , ما رواه الفقيه المغازلي الشّافعي , بإسناده عن ابن عبّاس , قال : سُئل النّبي (صلىاللهعليهوآله ) عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه فقال : (( سأله بمُحمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحُسين إلّا تبت عليّ , فتاب عليه )) :
آل طه يا من بهم يغفر الله |
ذنوبي وما جنته يميني |
|
وإمامي في يوم بعثي وأمني |
عند خوفي في كلّ خطب وضيني |
|
أنتموا قبلتي وحجي وفرضي |
وصلاتي وأصل نسكي وديني |
|
من تمسك بكم وأم إليكم |
قد نجا والتجا بحصن حصين |
|
لا أبالي وإن تعاظم ذنبي |
يوم بعثي لكن يقيني يقيني |
|
كل عزى بين الأنام وفخري |
يوم أخشى بابكم تقبلوني |
|
أنا منكم لكم بكم واليكم |
فرط وجدي وذا حنين أنيني |
|
فعليكم من الإله صلاة |
كلما ناح طائر بالغصون |
يا إخواني , مَن علق بحبّهم سلم , والتجأ إلى كهف عزّهم ربح وغنم , ومَن اقتفى أثرهم حصل على سواء الطّريق، ومَن تنكّب عن سمتهم وقع في المضيق بالتّحقيق , إذا أحبّ الله عبداً القى حجّتهم عليه ، وإن أبغض عبداً ألقى الشّيطان بغضهم إليه ، فمحبّتهم المقرّبة إلى الملك العلام , المؤدّية إلى أعظم المرام , لا تحصل بمجرّد الكلام ما لم تفترق بإعتقاد يحصل به برد الإيمان , وتشبّ به على مصابهم نيران الأحزان.
روى قتادة : أنّ أروى بنت الحارث بن عبد الملك , دخلت على معاوية بن أبي سفيان وقد قدم المدينة - وهي عجوز كبيرة - , فلمّا رآها معاوية , قال : مرحباً بك يا خالة , كيف كنت بعدي ؟ قالت : كيف أنت يابن أختي , لقد كفرت النّعمة وأسأت لابن عمّك الصّحبة , وتسمّيت بغير اسمك
____________________
(١) سورة النّور / ٣٦ - ٣٧.
(٢) سورة الشّورى / ٢٣.
, واخذت غير حقّك بلا بلاء كان منك ولا من آبائك في ديننا , ولا سابقة كانت لكم , بل كفرتم بما جاء به مُحمّد (صلىاللهعليهوآله ) , فانغس الله الخدود , وأصغر منكم الخدود , وردّ الحقّ إلى أهله ، فكانت كلمتنا هي العليا , ونبينا هو المنصور على مَن ناواه ، فوثبت قُريش علينا من بعده حسداً لنا وبغياً , فكنّا بحمد الله ونعمته , أهل بيت فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون ، وكان سيّدنا فيكم بعد نبيّنا (صلىاللهعليهوآله ) , بمنزلة هارون من موسى ، غايتنا الجنّة وغايتكم النّار.
فقال لها عمرو بن العاص : كفّى أيّتها العجوز الضّالة , واقصري من قولك مع ذهاب عقلك , إذ لا تجوز شهادتك وحدك فقالت : وأنت يا بن الباغية , تتكلّم واُمّك أشهر بغي بمكّة وأقلّهم أجرة , وادعاك خمسة من قُريش , فسألت اُمّك عن ذلك , فقالت : كلّ أتاها فانظروا أشبههم به فالحقوه به , فغلب شبه العاص بن وايل جزار قُريش , ألأمهم مكراً وأبهتهم خبراً , فما ألومك ببغضاً.
قال مروان بن الحكم : كفّى أيّتها العجوز واقصدي لما جئت له فقالت : وأنت يابن الزّرقاء تتكلّم , والله وأنت ببشير مولى ابن كلدة أشبه منك بالحكم بن العاص , وقد رأيت الحكم سبط الشّعر مديد القامة , وما بينكما قرابة إلّا كقرابة الفرس الضّامر من الأتان المقرف ، فاسأل عمّا أخبرتك به اُمّك , فإنّها ستخبرك بذلك.
ثمّ التفتت إلى معاوية , فقالت : والله , ما جرّأ هؤلاء غيرك , وإنّ اُمّك القائلة في قتل حمزة :
نحن جزيناكم بيوم بدر |
والحرب بعد الحرب ذات السعر |
إلى آخر الأبيات , فأجابتها ابنة عمّي :
خزيت في بدر وغير بدري |
يا بنت وقاح عظيم الكفر |
إلى آخر الأبيات.
فالتفت معاوية إلى مروان وعمرو , وقال : والله , ما جرّأها عليّ غيركما , ولا أسمعني هذا الكلام سواكما ، ثمّ قال : يا خالة , اقصدي ودعي أساطير النّساء عنك قالت : تعطيني ألفي دينار وألفي دينار وألفي دينار قال : ما تصنعين بألفي دينار ؟ قالت : أزوّج فقراء بني الحارث بن عبد الـمُطلب قال : هي لك ، فما تصنعين بألفي دينار ؟ قالت : أستعين بها على شدّة الزّمان وزيارة بيت الله الحرام قال : قد أمرت بها لك قال : فما تصنعين بألفي دينار ؟ قالت :
أشتري بها عيناً خرّارة في أرض خوّارة , تكون لفقراء بني الحارث بن عبد الملك قال : هي لك يا خالة ، أما والله لو كان ابن عمّك على ما أمر لك بها قالت : تذكر عليّاً فضّ الله فاك وأجهد بلاك ثمّ علا نحيبها وبكاؤها وجعلت تقول :
ألا يا عين ويحك فاسعدينا |
ألا فابكي أمير المؤمنينا |
|
رزينا خير من ركب المطايا |
وجال بها ومن رب السفينا |
|
ومن لبس النعال ومن حذاها |
ومن قرأ المثاني والمبينا |
|
إذا استقبلت وجه أبي حسين |
رأيت البدر راق الناظرينا |
|
ألا فابلغ معاوية بن حرب |
فلا قرت عيون الشامتينا |
|
أفي الشهر الحرام فجعتمونا |
بخير الخلق طراً أجمعينا |
|
مضى بعد النّبي فدته نفسي |
أبو حسن وخير الصالحينا |
|
كأن الناس إذ فقدوا علياً |
نعام جال في بلد سنينا |
|
فلا والله لا أنسى علياً |
وحسن صلاته في الراكعينا |
|
لقد علمت قريش حيث كانت |
بأنك خيرها حسباً ودينا |
|
فلا يفرح معاوية بن حرب |
فإن بقية الخلفاء فينا |
قال : فبكى معاوية ثمّ قال : يا خالة , لقد كان كما قُلت وأفضل.
فانظروا يا إخوان الدّين إلى هؤلاء الكفرة الملاعين , يعترفون بالحقّ ويرغبون عنه , ويتطلّعون إليه ويفرّون منه , استحوذ عليهم الشّيطان فسلك بهم في أودية الهوان , وقادتهم أزمّة الباطل وأرخت لهم العنان , فباءوا بالخيبة والخسران واستحقّوا عذاب النّيران :( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (١) .
روي عن بعض الصّادقين , أنّه قال : دخلت إلى جامع بني اُميّة لاُصلّي صلاة الصّبح , وإذا أنا برجل من بني اُميّة جاء ووقف يصلّي قريباً منّي , فلمّا طأطأ رأسه للسجود , سقطت عمامته عن رأسه , فإذا رأسه ووجهه كرأس الخنزير وشعره كشعر الخنزير , فلمّا نظرته , طار عقلي وطاش لبّي , ولم اعلم ما صلّيت ولا ما قلت في صلاتي , فلمّا فرغ من الصّلاة , تنفّس الصّعداء وقال : لا حول ولا قوة إلّا بالله ، يا أخي , إنّي أخبرك بقصّتي وأظهرك على حالي. ثمّ إنّه كشف عن رأسه ونزع قميصه , فإذا رأسه ووجهه كالخنزير , وبدنه وشعره مثل جلد الخنزير , فتعجبت منه وقلت له : ما الذي أرى
____________________
(١) سورة النّحل / ١١٨.
بك من البلاء ؟ فقال : اعلم أنّي كنت مؤذّناً لبني اُميّة , وكنت كلّ يوم العن عليّ بن أبي طالب ألف مرّة بين الأذان والإقامة , وإذا كان يوم الجُمُعة العنه أربعين ألف مرّة , فبينما أنا نائم ليلة الجُمُعة , رأيت في منامي كأنّ القيامة قد قامت , ورأيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وعليّاً والحسن والحُسين وماء الكوثر مترع , وبيد الحسن (عليهالسلام ) إبريق من نور , وبيد الحُسين (عليهالسلام ) كأس من نورهما , يسقيان النّاس كافّة وأنا في عطش شديد , فدنوت من الحُسين (عليهالسلام ) وقلت له : اسقني يابن رسول الله فقال لي : (( ستشرب من حميم جهنّم )) فقال له النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( لِمَ لا تسقيه ؟ )) فقال : (( يا جدّاه , كيف اسقيه وهو يلعن أبي كلّ يوم ألف مرّة ؟ )) فالتفت إليّ النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , وقال لي : (( ما لك يا لعين يا شقي ! أتلعن أخي وخليفتي وابن عمّي عليّ بن أبي طالب ؟! )) ثمّ بصق في وجهي , وقال : (( غيّر الله ما بك من نعمة )) فانتبهت من منامي مرعوباً وإذا هو قد مُسخ كما ترى , وصار عبرة لمن يسمع ويرى , وأنا أحمد الله تعالى مما كان منّي , وواليت عليّ بن أبي طالب وتبرأت من أعدائه :
أيا من هم فلك النجاة ومن هم |
هداة وغوث للأنام وجود |
|
ولولاهم ما كان نور ولا دجا |
ظلام ولا للخلق كان وجود |
|
عليكم سلام الله حيث ثناءكم |
حكى نشره نداً يضوع وعود |
|
وحيث بكم هبت نسيم ونسمة |
هبوب وللعيدان رنح عود |
|
وأزهر من زهر البروج زواهر |
وورد من زهر المروج ورود |
فالويل الدّائم لمن عاداهم ! والخيبة لمن ضلّ عن هُداهم وما والاهم !
روي : أنّه دخل أبو أمامة الباهلي على معاوية , فقرّبه وأدناه ثمّ دعا بالطّعام ، فجعل يطعم أبا أمامة بيده , ثمّ أوسع رأسه ولحيته طيباً بيده , وأمر له ببدرة من دنانير فدفعها إليه , ثمّ قال : يا أبا أمامة , أبالله أنا خير أم عليّ بن أبي طالب ؟ فقال أبو أمامة : نعم ولا كذب , ولو بغير الله سألتني لصدقت ، عليّ والله خير منك وأكرم , وأقدم إسلاماً وأقرب إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قرابة , وأشدّ في الـمُشركين نكاية ، وأعظم عند الاُمّة غناء , أتدري مَن عليّ يا معاوية ؟ عليّ ابن عمّ رسول الله وزوج ابنته سيّدة نساء العالمين ، وأبو الحسن والحُسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، وابن أخي حمزة سيّد الشّهداء , وأخو جعفر ذي الجناحين ، فأين تقع أنت من
هذا يا معاوية ؟! أظننت أنّي اخترك على عليّ بألطافك وإطعامك وعطائك , فأدخل إليك مؤمناً وأخرج منك كافراً، بئس ما سوّلت لك نفسك يا معاوية ! ثمّ نهض وخرج من عنده , فاتبعه بالمال , فقال : لا والله , لا أقبل منك ديناراً واحداً.
فهذه هي المحبّة النّاصحة والمودّة الرّائقة الخالصة ، وعلى مثل أهل البيت فليبك الباكون ، وإيّاهم فليندب النّادبون، ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال :
القصيدة للشيخ الخليعي (رحمه الله تعالى )
ألا ما لجفني بالسهاد توكل |
وقلبي لأعباء الهوى يتحمل |
|
وما بال عيني ليس ترقى دموعها |
وقلبي بعبء السم يذوي فينحل |
|
ولم يشجني فقد الأنيس ولم أطل |
وقوفي على الربع الدريس فأسأل |
|
ولا قلت للحادي ترفق هنيئة |
وللركب لما سار أين ترحل |
|
ولم ارتقيت طيف الخيال من الكرى |
ولا أنا ممن بالمنى يتعلل |
|
ولكن شجتني عصبة علوية |
تداعوا جميعاً بالفتى ثمّ قتلوا |
|
لهم طال حزني وأسكنت أظالعي |
على جمرة في عشرة عاشور تشعل |
|
ولم أنس مولاي الحُسين وقد غدا |
يودع أهليه ويوصي ويعجل |
|
ينادي ألا يا أهل بيت محمد |
أصيخوا لما أوصيكموا وتقبلوا |
|
عليكم بتقوى الله لا تتغيروا |
لعظم رزاياكم ولا تتبدلوا |
|
ودوموا على أعمالكم وابتهالكم |
وقوموا إذا جن الدجى وتقبلوا |
|
وإن نابكم خطب فلا تتضعضوا |
لوقع الرزايا واصبروا وتحملوا |
|
وفاطمة الصغرى تقول لاختها |
هلمي إلى التوديع فالأمر مهول |
|
أرى والدي يوصي بنا اخواته |
وعيناه من حزن تفيض وتهمل |
|
وتدعو ألا يا سيدي بلغ العدا |
بنا ما تمنوا في النفوس واملوا |
|
فيحنوا عليها باكياً ويضمها |
ويدني إليه وجهها ويقبل |
|
ومر إلى حرب الطغاة ولم يزل |
يفلق هامات العدى ويقلّل |
|
إلى أن هوى فوق التراب مجدلا |
قتيلاً وراح المهر ينعي ويعول |
|
فقمن النساء الفاطميات ولهاً |
فأبصرن منه ما يسوء ويذهل |
وخرت عليه زينب مستغيثة |
ومعجرها من نحرها متبلل |
|
وتشكو إلى الزّهراء فاطم حالها |
وتندب مما نالها وتولول |
|
أيا أم قومي من ثرى القبر وانظري |
حبيبك ملقى في الثرى لا يغسل |
|
ترى هل شهدت اليوم يا بنت أحمد |
وخيري مكسور وعزي مذلل |
|
وهل أنت يا ست النساء عليمة |
بأنا حيارى نستجير ونسأل |
|
وهل لك علم من عليّ بأنه |
أسير عليل في القيود مغلل |
|
علمتم وما أعلمتمونا برزئنا |
وحملتمونا اليوم ما ليس يحمل |
|
فيا حسرة لا تنقضي ومصيبة |
لقد نزلت بالناس دهياء معضل |
|
ويا عثرة للدهر لينت مقالة |
ويا صفقة مغبونها متزلزل |
|
أيشتهر الرأس السماوي في القنى |
ويهدي إلى الرجس اللعين ويحمل |
|
وتسبى بنيات الرّسول حواسر |
وينهرهن المارق المتنحل |
|
ويعنف السجاد وهو ممرض |
عليل بأصفاد الحديد مثقل |
|
وينظر في تلك الوجوه التي لها |
تدين البدور المشرقات وتخجل |
|
وتلك الأنوف الشامخات برغمها |
تهتك ما بين الملأ وتبذل |
|
ولم يعجل الله العذاب لمعشر |
أراقوا دماء الـمُصطفى وتأولوا |
|
لقد أورثتنا قتلة الطف قرحة |
وحزناً على مرّ الزمان مطول |
|
فلا حزنه يسلي ولا الوجد نازح |
ولا مدمعي يرقى ولا الجرح يدمل |
|
ألا يا بني المختار يا من بحبهم |
إلى الله فيما نابني أتوسل |
|
خذوا بيد العبد الخليعي في غد |
فقد فاز من أضحى عليكم يعول |
|
وأفلح من والاكم متبرء |
إلى الله من قوم أضاعوا وبدلوا |
المجلس الخامس
في الليلة الثّالثة من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
أيّها الإخوان , دعوا التّشاغل عن الأهل والأوطان ، وتفكّروا فيما أصاب سادات الزّمان , الذين بموالاتهم استحققتم دخول الجنان , فلو أنصف الـمُحبّ الولهان لاُضرمت في جسمه نيران الأحزان ، ولو صدق في المحبّة العشّاق ما شجوا بالدّمع المهراق , ولعجّلوا السّماح بالأرواح يوم التّلاق.
فلو تلفت نفس من شدّة الأحزان , لتلفت نفس محبّهم عليهم , ولو تفتت كبده من شدّة الأشجان , لتفتت أكباد مواليهم بالنّسبة إليهم وهيهات هيهات لا وفاء للأحباء بعد الممات ، أو ما بلغكم مقال الحُسين (عليهالسلام ) وهو يُنادي على رؤوس الأشهاد , وما لاقاه به أهل الزّيغ والفساد , حيث أظهروا له العناد وأجابوه بخلاف ما طلب وأراد ، أسرعوا فيه وفي بنيه وبني أبيه النّبال ، فصرعوهم على الآكام والرّمال ، فهم مُلقون على غير فراش ولا مهاد ، ولا وطأ ولا وساد ، تهبّ عليهم الصّبا والدّبور , وتغدوا عليهم العقبان والنّسور ، ولله درّ بعض محبّيهم حيث قال فيهم :
ليبك على الإسلام من كان باكياً |
فقد ضيعت أحكامه واستحلت |
|
غداة حسين والرماح رمية |
وقد نهلت منه السيوف وعلت |
|
وغودر في الصحراء لحماً مبدداً |
عليه عتاق الطير باتت وظلت |
|
فما نصرته اُمة السوء إذا دعا |
لقد طاشت الأحلام منها وظلت |
ولكن محوا أنوارهم بأكفهم |
فلا سلمت تلك الأكف وشلت |
|
أذاقته حر القتل اُمة جده |
هفت نعلها في كربلاء وزلت |
|
فلا قدس الرحمن اُمة جده |
وإن هي صامت للإله وصلت |
|
كما فجعت بنت الرّسول بنسلها |
وكانوا حماة الحرب حين استقلت |
روي عن اُمّ سلمة زوجة النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , قالت : دخل عليّ رسول الله ذات يوم , ودخل في أثره الحسن والحُسين (عليهماالسلام ) وجلسا إلى جانبيه , فأخذ الحسن على ركبته اليُمنى , والحُسين على ركبته اليُسرى , وجعل يُقبّل هذا تارة وهذا اُخرى ، وإذا بجبرائيل قد نزل وقال : يا رسول الله , إنّك لتحبّ الحسن والحُسين فقال : (( وكيف لا أحبّهما وهما ريحانتاي من الدّنيا وقرّتا عيني ؟ )) فقال جبرائيل : يا نبي الله , إنّ الله قد حكم عليهما بأمر فاصبر له فقال: (( وما هو يا أخي ؟ )) فقال : قد حكم على هذا الحسن أن يموت مسموماً , وعلى هذا الحُسين أن يموت مذبوحاً ، وإنّ لكُلّ نبي دعوة مستجابة , فإن شئت كانت دعوتك لولديك الحسن والحُسين , فادع الله أن يسلّمهما من السّم والقتل ، وإن شئت كانت مصيبتهما ذخيرة في شفاعتك للعُصاة من اُمّتك يوم القيامة فقال النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( يا أخي جبرائيل , أنا راض بحكم ربّي لا أريد إلّا ما يريده ، وقد أحببت أن تكون دعوتي ذخيرة لشفاعتي في العصاة من اُمّتي , ويقضي الله في ولدي ما يشاء )).
وروي : أنّ النّبي (صلىاللهعليهوآله ) كان ذات يوم جالساً , وحوله عليّ وفاطمة والحسن والحُسين (عليهمالسلام ) , فقال لهم : (( يا أهل بيتي , كيف لي بكم إذا كنتم صرعى وقبوركم شتى ؟ )) فقال له الحُسين (عليهالسلام ) : (( يا جدّي , نموت موتاً أو نُقتل قتلاً ؟ )) قال : (( يا بُني , بل تُقتل ظُلماً وعُدواناً , وتشرّد ذراريكم في الأرض شرقاً وغرباً )) فقال الحُسين : (( ومَن يقتلنا يا جد ؟ )) فقال : (( يقتلكم أشرار النّاس )) قال : (( فهل يزورنا بعد قتلنا أحد من اُمّتك ؟ )) فقال : (( نعم , طائفة من اُمّتي يزورون قبوركم ويبكون عليكم ويندبون وينوحون ؛ حزناً على مصابكم ؛ يُريدون بذلك برّي وصلتي , فإذا كان يوم القيامة , جئتهم إلى الموقف فآخذ بأعضادهم فأخلّصهم من أهوال يوم القيامة وشدائدها )) :
عجباً لمصقول أصابك حده |
في الرأس منك وقد علاه غبار |
|
لم لا تقطعت السيوف بأسرها |
حزناً عليك وطنت الأو |
فويل لأولئك الكفرة اللئام ! أما علموا أنّه أشرف المقول والأحلام ؟ أليس هو ممّن باهل الله به أهل نجران صغيراً؟ وقال :( وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيرًا ) (١) فضمّه مع أبيه واُمّه وأخيه , فوصف بالكمال وأن يبلغ مبالغ الرّجال.
روي عن الليث بن سعد , قال : إنّ النّبي (صلىاللهعليهوآله ) كان يُصلّي في فئة من أصحابه , وكان الحُسين (عليهالسلام ) صغيراً جالساً بالقرب منه , فلمّا سجد النّبي , قام الحُسين وركب على ظهره , فصار النّبي يُطيل الذّكر في سجوده , فإذا أراد النّبي أن يرفع رأسه , أخذه أخذاً رفيقاً ووضعه إلى جانبه , فإذا سجد عاد الحُسين على ظهره , ولـمّا يفعل هكذا حتّى فرغ النّبي من صلاته , وكان رجل يهودي واقفاً ينظر ما يصنع الحُسين بجدّه رسول الله ، فقال اليهودي : يا مُحمّد , إنّكم لتفعلون بصبيانكم شيئاً لم نفعله نحن ! فقال النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( لو أنّكم تؤمنون بالله وبرسوله , لرحمتم الصّبيان الصّغار )) فقال اليهودي : ما أحسن سجيتك وما أحسن خُلقك ثمّ إنّه أسلم على يد رسول الله لـمّا رأى كرم أخلاقه مع جلالة قدره.
ومن طرقهم : أنّ الحُسين (عليهالسلام ) كان يركب على ظهر جدّه في بعض صلاته , فيبلغ به التّعظيم للحُسين أن يُطيل الذّكر في سجوده إلى أن ينزل الحُسين عن ظهر جدّه باختياره , فإذا فرغ النّبي من صلاته , يأخذه إليه ويجلسه على ركبتيه , ويقبّله ويرشف ثناياه ويضمّه إلى صدره ، فقال له بعض الأنصار : يا رسول الله , إنّ لي ابناً قد نشأ وكبر وما قبّلته قط فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( أرأيت كان الله قد نزع الرّحمة من قلبك , فما أصنع بك ؟ مَن لم يرحم صغيراً ولم يوقّر كبيراً , فليس منّا في شيء )) ثمّ قال : (( مَن لا يَرحم لا يُرحم )) :
يا اُمة قتلت حسيناً عنوة |
لم ترع حق الله فيه فتهتدي |
|
قتلوه يوم الطف طعناً بالقنا |
وبكل بيض صارم ومهند |
|
ولطال ما ناداهم بكلامه |
جدي النّبي خصيمكم في المشهد |
|
جدي النّبي وأبي عليّ فاعلموا |
والفخر فاطمة الزكية محتدي |
|
يا قوم إن الماء يشربه الورى |
ولقد ظمئت وقل منه تجلدي |
|
قد شقني عطشي وأقلقني الذي |
ألقاه من ثقل الحديد الموتد |
|
قالوا له هذا عليك محرم |
حتّى تبايع للبغي الأسود |
____________________
(١) سورة الإنسان / ٨.
فأتاه سهم من يد مشؤومة |
من قوس ملعون خبيث المولد |
|
يا عين جودي بالدموع وجودي |
وابكي الحُسين السيد ابن السيد |
روي عن عبد الله بن عمر , قال : رأيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يخطب على المنبر , إذ أقبل الحُسين من عند اُمّه وهو طفل صغير , فوطأ الحُسين (عليهالسلام ) على ذيل ثوبه فكبى وسقط على وجهه فبكى , فنزل النّبي إليه وضمّه إلى صدره وسكّته من البكاء ، وقال : (( قاتل الله الشّيطان ! إنّ الولد لفتنة ، والذي نفسي بيده , لـمّا كبى ابني هذا , رأيت كأنّ فؤادي قد وهى منّي )) ؛ لأنّه (صلىاللهعليهوآله ) كان رحيم القلب سريع الدّمعة , كما قال تعالى :( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيم ) (١) .
وعن أبي السّعادات , قال : خرج النّبي (صلىاللهعليهوآله ) من بيت عائشة , فمرّ على باب دار ابنته فاطمة الزّهراء (عليهاالسلام ) , فسمع الحُسين يبكي , فقال لها : (( يا فاطمة , سكّتيه ألم تعلمي أنّ بكاءه يؤذيني ؟ )) أخذه إليه ومسح الدّموع عن عينيه , وقبّله وضمّه إليه (صلوات الله وسلامه عليه) ، فكيف ولو رآه مُلقى على الرّمضاء مذبوحاً من القفا , مرمّلاً بالدّماء يتلظّى من الظّماء , والشّمر جاث على صدره وأولغ السّيف في نحره , وهو يستغيث فلا يُغاث، ويستجير فلا يُجار ؟ فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ولقد صدق فيما قال ( لسان الحال ) :
وما حيلة المضني وقد شط إلفه |
وحال التنائي دون نيل مراده |
|
هو الشوق لا دمع يضن وكوفه |
إذ ضن وكاف الحيا بعهاده |
|
وزفرة أشجان يكاد مرورها |
يذيب الحصى من حره واتقاده |
روي عن الإمام جعفر الصّادق (عليهالسلام ) , قال : (( مرّ أمير المؤمنين (عليهالسلام ) بكربلاء , فبكى حتّى اغرورقت عيناه بالدّموع , وقال : هذا مناخ ركابهم ، هذا ملقى رحالهم , ها هُنا تُراق دماؤهم ، طوبى لك من تربة عليها تُراق دم الأحبّة ، مناخ ركاب ومنازل شهداء لا يسبقهم مَن كان قبلهم ولا يلحقهم مَن كان بعدهم )).
فيا إخواني , كيف لا يستحقّون هذه الأوصاف من صاحب الأعراف ؟ وقد وقوا ولده بأنفسهم من مصارع الهوان ، وعرضوا أرواحهم دونه للحدثان ، فوا حسرتاه على تلك الجسوم المرمّلة بالدّماء ! ويا لهفتاه على تلك الأفواه اليابسة من الظّماء ! حسدوهم على الكمال ، وجلّ وعلا مجّدهم أن ينال فأخذوا في تحصيل الفرص
____________________
(١) سورة الأحزاب / ٤٣.
فما أمكنتهم ، جرّعوهم الغصص فخالفوا في أفعالهم الملك الجليل , فضلّوا عن الإهتداء إلى سواء السّبيل ، فالويل لمن شفعاؤه يوم القيامة خصماؤه , ومن خصماؤه يوم القيامة شفعاؤه ! وما ضرّهم ما تجرّعوه من الغصص والآلام ما هي إلّا لحظة واحدة , وإذا هم في دار السّلام وجوار الملك العلام , ولله درّ مَن قال فيهم من بعض محبّيهم :
هنيئاً لكم روح الجنان وطيبها |
نعيماً مقيماً دائماً يتجدد |
|
ديار من الياقوت والأرض فضة |
وخيمات مرجان وفيها محمد |
|
وأنهارها خمر ومسك ترابها |
وفيها قصور لؤلؤ وزبرجد |
|
وأشجارها مملؤة من ثمارها |
وأطيارها من فوقها تتغرد |
روي : أنّه لـمّا ثقل رسول الله في مرضه والبيت غاص بمن فيه , قال : (( ادعوا إليّ الحسن والحُسين )) قال : فجعل يلثمهما حتّى اُغمي عليه , قال : فجعل عليّ يرفعهما عن وجه رسول الله , ففتح النّبي عينيه وقال : (( دعهما يتمتعان منّي وأتمتع منهما , فإنّهما سيصيبهما بعدي أثرة )) ثمّ قال : (( أيّها النّاس , قد خلّفت فيكم كتاب الله وسنّتي , سيصيبهما بعدي أثرة )) ثمّ قال : (( أيّها النّاس , قد خلّفت فيكم كتاب الله وسنّتي وعترتي أهل بيتي , فالـمُضيع لكتاب الله كالـمُضيع لسنّتي , والـمُضيع لسنّتي كالـمُضيع لعترتي )).
وعن ابن عبّاس في حديث اُمّ الفضل بنت الحارث , حين أدخلت حُسيناً على رسول الله , فأخذه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وبكى وأخبرها بمقتله , إلى أن قال : ثمّ هبط جبرائيل (عليهالسلام ) في قبيل من الملائكة , قد نشروا أجنحتهم يبكون حزناً منهم على الحُسين (عليهالسلام ) , وجبرائيل معه قبضة من تُربة الحُسين تفوح مسكاً أذفر , فدفعها على الحُسين (عليهالسلام ) , وقال : يا حبيب الله , هذه تربة ولدك الحُسين بن فاطمة , وستقتله اللعناء بأرض كربلاء قال , فقال النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( حبيبي جبرائيل , وهل تفلح اُمّة تقتل فرخي وفرخ ابنتي ؟ )) فقال جبرائيل : لا , بل يضربهم الله بالإختلاف , فتختلف قلوبهم وألسنتهم إلى آخر الدّهر وعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ مُحمّد بن السّمين
دمع عين يجود غير نحيل |
وغرام يقوى بجسم نحيل |
|
ماء عين لم يطف حر غرام |
وعليل فيه شفاء عليل |
|
كيف يشقى الفؤاد من ألم الحزن |
وداء بين الضلوع دخيل |
|
وجو الحزن لا يزال مقيماً |
فيه والصبر مؤذن بالرحيل |
|
أين صبري إذا ذكرت قتيل |
الطف ملقى أكرم به من قتيل |
|
ما ذكرت القتيل إلّا وسالت |
عبرتي في الخدود كل مسيل |
|
وذكى الوجد في الفؤاد وشبت |
نار حزني ولوعتي وعويلي |
|
لست أنساه في الطفوف ينادي |
جيله الأكرمين أكرم جيل |
|
وينادي عياله أخت : قومي |
لوداعي من قبل وشك الرحيل |
|
أخت : أوصيك في العيال جميلا |
وتلقي البلا بصبر جميل |
|
نحن قوم إذا بلينا بأمر |
نتلقاه بالرضى والقبول |
|
ثم أبدأ عذراً وقال مقالاً |
واضحاً بيناً لأهل العقول |
|
أيها الناس قد علمتم بأني |
للنبي الأمي خير سليل |
|
وأبي المرتضى وربي ارتضاه |
لهداه فما له من مثيل |
|
والبتول الطهر الزكية اُمي |
خير اُم أكرم بها من بتول |
|
راقبوا الله واسمعوا ما أتانا |
في الوصايا على يدي جبريل |
|
واحذروا زلة الفعال وخافوا |
عثرات وما لها من مقيل |
|
فأبى الأشقياء إلّا عدولا |
عنه في البغي ما له من عدول |
|
عندها قال للمواسين قوموا |
أيها القوم للثواب الجزيل |
|
قاتلوا القوم ساعة ثمّ قيلوا |
في ظلال الجنان خير مقيل |
|
فأجاب النداء كلّ نجيب |
طيب النجر رب أصل أصيل |
|
فأحبوا كره الفنا وأجابوا |
داعي الله للبقا الطويل |
|
وغدا بعدهم فريداً ينادي |
هل معين لأهل بيت الرسول |
|
فأعينوا ولم يعينوه وأردوه |
بسمر القنا وبيض النصول |
|
وغدا المهر باكياً يندب السبط |
ويبدي بكاءه بالصهيل |
فرأى النسوة الكرائم بدر التم |
قد غيبته حجب الأفول |
|
وهو ملقى على ثرى الأرض في البيداء |
قد رضضته أيدي الخيول |
|
أسفي للنساء يندبن ندباً |
بغرام من الأسى مشغول |
|
وينادين جدهن رسول الله |
يا خير مرسل ورسول |
|
لو ترانا يا جدنا قد فقدنا |
نعم مولى لنا وخير كفيل |
|
وغياث العباد إن أجدب الدهر |
وخصب البلاد عند المحول |
|
لو ترانا ونحن بين أسير |
وجريح دامي وبين قتيل |
|
قتلوا كلّ ماجد وكريم |
سيّد من شبابنا وكهول |
|
أو ترى ابنك العليل أسيراً |
زدت حزناً على الأسير العليل |
|
أو ترى أوجهاً فقدن وجيهاً |
كلّ وجه لناظر مبذول |
|
وكسينا لما سلبن لباساً |
من هوان وذلة وخمول |
|
أو ترانا ونحن نسري أسارى |
في حزون من الفلا وسهول |
|
أو ترانا والرؤوس وهي أمام الركب |
فوق الرماح بين الحمول |
|
كنت جاهدت دوننا بمواض |
ورماح خطية ونصول |
|
غير يا جد أننا قد سمعنا |
هاتف الجن بين تلك الطلول |
|
يندب السبط باكياً وحزيناً |
ثمّ يبدي نظام سعر مقول |
|
أيها القاتلون ظلماً حسيناً |
أبشروا بالعذاب والتنكيل |
|
كل أهل السّماء تدعوا عليكم |
من مليك ومرسل وقبيل |
|
قد لعنتم على لسان ابن داود |
وموسى وصاحب الإنجيل |
|
يا لها من مصيبة عمت الإسلام |
شؤماً وخطب أمر جليل |
|
يا لها محنة ولم ينج منها |
غير نزر من الأنام قليل |
|
آل ياسين سدتم الخلق طراً |
وسموتم أعلا العلا الأثيل |
|
وحللتم أسما سماء المعالي |
فسمى شأن قدرها بالحلول |
|
وكرمتم عناصراً ونجاراً |
فزكى فرعكم لطيب الأصول |
|
جدكم للهدى مدينة علم |
وأبوكم للعلم باب الدخول |
|
فلهذا والله لو لا هديكم |
ما اهتدينا إلى سواء السبيل |
فهديكم هو الدليل وقد قام |
بهذا الدليل صدق الدليل |
|
وولاكم فرض به قد أتتنا |
بينات التنزيل والتأويل |
|
من تلقى الولا بحسن قبول |
تتلقونه بحسن القبول |
|
تسكنوه وقد نجى من حميم |
تحت ظل من الجنان ظليل |
|
حبكم جنة له وولاكم |
جنة من عذاب يوم مهول |
|
فاز نجل السمين من بعد هذا |
مذ تولاكم بخير جزيل |
|
أنتم سؤله وأقصى مناه |
ورجاه وغاية المأمول |
|
فعليكم آل النّبي صلاة |
كلّ يوم في بكرة وأصيل |
الباب الثّاني
اعلموا وفقكم الله تعالى لتحصيل الكمالات والارتقاء إلى معالي أعلى الدّرجات , أنّ كلّ جزع في المصائب قبيح إلّا على أهل هدايتكم ، والأسف على الفائت مذموم عند العقلاء إلاّ على أئمتكم السّادات النّجباء ، فيا ليت لفاطم وأبيها عيناً تنظر ما صُنع ببناتها وبنيها ؛ ما بين مسلوب وجريح ، ومسموم وذبيح ، ومقتول وطريح ، ومشققات للجيوب , ومفجوعات بقتل المحبوب شاكيات بين يدي علام الغيوب ، ناشرات للشعور , بارزات من الخدور , لا طمات للخدود ، فاقدات للآباء والأبناء والجدود , يسترن وجوههن بالأردان حذراً من أهل العناد والطّغيان , فيا لها من حسرات لا تنقضي أبداً , ومن أحزان مجددات طول المدى :
يا أهل عاشور يا لهفي على الدين |
خذوا حدادكم يا آل ياسين |
|
اليوم شقق جيب الدين وانتهبت |
بنات أحمد نهب الروم والصين |
|
اليوم قام بأعلى الطف نادبهم |
يقول من ليتيم أو لمسكين |
|
اليوم خر نجوم الفخر من مضر |
على مناخر تذليل وتوهين |
|
اليوم أطفى نور الله متقداً |
وجررت لهم التقوى على الطين |
|
اليوم هتك أستار الهدى مزقاً |
وبرقت غرة الإسلام بالهون |
|
اليوم زعزع قدس من جوانبه |
وهاج بالخيل سادات الميادين |
|
اليوم شقوا على الزّهراء كلتها |
وساوروها بتكئيب وتوهين |
اليوم نال بنو حرب طوايلهم |
مما صلوه ببدر ثمّ صفين |
|
اليوم جدك سبط ال ـ مُصطفى شرفاً |
من نفسه بنجيع غير مسنون |
|
نالوا أزمة دنياهم ببيعهم |
فليتهم سمحوا منها بماعون |
|
آل الرّسول عباديد السيوف فمن |
هام على وجهه خوفاً ومسجون |
|
يا عين لا تدعي شبا لغادته |
تهمي ولا تدعي دمعاً لمخزون |
|
قومي على جدث بالطف فانتقضي |
بكل لؤلؤ دمع فيك مكنون |
فيا إخواني , تعساً لمن أردى تلك العصابة الكرام ! وخيبة لـمَن نكس أعلام أولئك الأعلام !
روي عن سعيد بن المسيب , قال : لـمّا استشهد سيّدي ومولاي الحُسين (عليهالسلام ) وحجّ النّاس من قابل , دخلت على عليّ بن الحُسين , فقلت له : يا مولاي , قد قرب الحجّ فماذا تأمرني ؟ فقال : (( امض على نيتك وحج )) فحججت , فبينما أنا أطوف بالكعبة , وإذا أنا برجل مقطوع اليدين ووجهه كقطع الليل الـمُظلم , وهو مُتعلّق بأستار الكعبة وهو يقول : اللّهمّ ربّ هذا البيت الحرام اغفر لي , وما احسبك تفعل ولو تشفّعت في سكّان سماواتك وأراضيك وجميع ما خلقت ؛ لعظم جرمي.
قال سعيد بن المسيب : فشُغلت وشغل النّاس عن الطّواف , حتّى حفّ به النّاس واجتمعنا عليه , فقلنا : يا ويلك ! لو كنت إبليس ما كان ينبغي لك أن تيأس من رحمة الله , فمَن أنت وما ذنبك ؟! فبكى وقال : يا قوم , أنا أعرف بنفسي وذنبي وما جنيت فقلنا له : تذكره لنا ؟ فقال : أنا كنت جمّالاً لأبي عبد الله الحُسين (عليهالسلام ) لـمّا خرج من المدينة إلى العراق , وكنت أراه إذا أراد الوضوء للصّلاة يضع سراويله عندي , فأرى تكّته تغشي الأبصار بحسن إشرافها , وكنت أتمناها تكون لي , إلى أن صرنا بكربلاء وقُتل الحُسين (عليهالسلام ) وهي معه , فدفنت نفسي في مكان من الأرض , فلمّا جنّ الليل , خرجت من مكاني فرأيت في تلك المعركة , نوراً لا ظلمة ونهاراً لا ليلاً , والقتلى مُطرّحين على وجه الأرض , فذكرت لحيني وشقاني التّكّة , فقلت : والله , لأطلبنّ الحُسين وأرجو أن تكون التّكّة في سرواله فآخذها ولم أزل أنظر في وجوه القتلى حتّى أتيت إلى الحُسين , فوجدّته مكبوباً على وجهه وهو جثّة بلا رأس ونوره مشرق , مرمّل بدمائه والرّياح سافية عليه , فقلت : هذا والله الحُسين فنظرت إلى سرواله كما كنت أراها , فدنوت منه وضربت بيدي إلى التّكّة لآخذها , فإذا هو قد
عقدها عقداً كثيرة , فلم أزل أحلّها حتّى حللت عقدة منها , فمدّ يده اليُمنى وقبص على التّكّة , فلم أقدر على أخذ يده عنها ولا أصل إليها , فدعتني النّفس الملعونة إلى أن أطلب شيئاً أقطع به يده , فوجدت قطعة سيف مطروح فأخذتها , واتكيت على يده ولم أزل أحزّها حتّى فصلتها عن زنده , ثمّ نحيتها عن التّكّة ومددت يدي لأحلّها , فمدّ يده اليُسرى فقبض عليها , فلم أقدر على أخذها , فأخذت قطعة السّيف ولم أزل أحزّها حتّى فصلتها عن التّكّة , ومددت يدي إلى التّكّة لآخذها , فإذا الأرض ترجف والسّماء تهتزّ , وإذا بجلبة عظيمة وبكاء ونداء وقائل يقول : (( وا أبتاه ! وا مقتولاه ! وا ذبيحاه ! وا حسيناه ! وا غريباه ! يا بُني قتلوك وما عرفوك ومن شرب الماء منعوك ! )) فلمّا رأيت ذلك , صعقت ورميت نفسي بين القتلى , وإذا بثلاثة نفر وامرأة وحولهم خلائق وقوف , وقد امتلئت الأرض بصور النّاس واجنحة الملائكة ، إذ بواحد منهم يقول : (( يا ابتاه يا حسين ! فداؤك جدّك وأبوك واُمّك وأخوك ! )) وإذا بالحُسين قد جلس ورأسه على بدنه , وهو يقول : (( لبّيك يا جدّاه يا رسول الله , ويا أبتاه يا أمير المؤمنين , ويا اُمّاه يا فاطمة الزّهراء , ويا أخاه المقتول بالسّم , عليكم منّي السّلام )) ثمّ إنّه بكى وقال : (( يا جدّاه قتلوا والله رجالنا ! يا جدّاه سلبوا والله نساءنا ! يا جدّاه نهبوا والله رحالنا ! يا جدّاه ذبحوا والله أطفالنا ! يا جدّاه يعزّ والله عليك أن ترى رحالنا , وما فعل الكفّار بنا ! )) وإذا هُم جلسوا يبكون على ما أصابه , وفاطمة تقول : (( يا أباه يا رسول الله ! أما ترى ما فعلت اُمّتك بولدي ؟! أتأذن لي أن آخذ من دم شيبه وأخضب به ناصيتي , وألقى الله عزّ وجلّ وأنا مختضبة بدم ولدي الحُسين )) فقال لها : (( خُذي وأنا آخذ يا فاطمة )) فرأيتهم يأخذون من دم شيبه وتمسح به فاطمة ناصيتها , والنّبي وعليّ والحسن يمسحون به نحورهم وصدورهم وأبدانهم إلى المرافق , وسمعت رسول الله يقول : (( فديتك يا حُسين ! يعزّ والله عليّ أن أراك مقطوع الرأس , مرمّل الجبينين دامي النّحر , مكبوباً على قفاك قد كساك الذّاري من الرّمول وأنت طريح مقتول مقطوع الكفّين , يا بُني ! مَن قطع يدك اليُمنى وثنى باليُسرى ؟ )) فقال : (( يا جدّاه ! كان معي جمّال من المدينة , وكان يراني إذا وضعت سراويلي للوضوء , فيتمنّى أن تكون تكّتي له , فما منعني أن أدفعها إليه لا لعلمي أنّه صاحب هذا الفعل , فلمّا قُتلت خرج يطلبني بين القتلى , فقد وجدني جثّة بلا رأس ,
فتفقّد سراويلي , فرأى التّكّة وقد عقدتها عقداً كثيرة , فضرب بيده إلى التّكّة فخلّ عقدة منها , فمددت يدي اليمنى فقبضت على التّكّة , فطلب المعركة فوجد قطعة سيف مكسور فقطع يميني , ثمّ حلّ عقدة اُخرى , فقبضت على التّكّة بيدي اليُسرى كي لا يحلّها فتكشف عورتي , فحزّ يدي اليسرى , فلمّا أراد حلّ التّكّة حسّ بك , فرمى نفسه بين القتلى )).
فلمّا سمع النّبي كلام الحُسين , بكى بُكاءاً شديداً وأتى إليّ بين القتلى إلى أن وقف نحوي , فقال : (( مالي ومالك يا جمّال , تقطع يدين طالما قبّلهما جبرائيل وملائكة الله أجمعين , وتباركت بهما أهل السّماوات والأرضين ؟ أما كفاكك ما صنع به الملاعين من الذّل والهوان , هتكوا نساءه من بعد الخدور وانسدال السّتور ؟! سوّد الله وجهك يا جمّال في الدّنيا والآخرة , وقطع الله يديك ورجليك , وجعلك في حزب مَن سفك دماءنا وتجرأ على الله )) فما استتم دعاؤه (صلىاللهعليهوآله ) حتّى شُلّت يداي , وحسست بوجهي كأنّه ألبس قطعاً من الليل مظُلماً , وبقيت على هذه الحالة , فجئت إلى هذا البيت استشفع , وأنا اعلم أنّه لا يغفر لي أبداً فلم يبق في مكّة أحد إلّا وسمع حديثه وتقرّب إلى الله تعالى بلعنه , وكلّ يقول : حسبك ما جنيت يا لعين :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .
وإني لمطوي الضلوع على جوى |
متى حل فوق الجمر يحترق الجمر |
|
أحن إلى أنفاسكم ونسيمكم |
واذكركم والصب يقلقه الذكر |
|
فقربكم مع قلة المال لي غنى |
وبعدكم مع كثرة المال لي فقر |
روي عن الصّادق (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( البكّاؤن خمسة : آدم ويعقوب ويوسف , وفاطمة بنت مُحمّد , وعليّ بن الحُسين (عليهمالسلام ) , فأمّا آدم فبكى على الجنّة حتّى صارت في خدّيه أمثال الأودية , وأمّا يعقوب فبكى على يوسف حتّى ذهب بصره , حتّى قيل له :( تَاللّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ) (٢) وأمّا يوسف فبكى على يعقوب حتّى تأذّى به أهل السّجن , فقالوا : إمّا تبكي بالليل وتسكت النّهار , أو تبكي بالنّهار وتسكت الليل , فصالحهم على واحد منهما ، وأمّا فاطمة بنت مُحمّد , فبكت على رسول الله حتّى تأذّى بها أهل المدينة , وقالوا لها : قد آذيتينا ببكائك , فكانت تخرج إلى مقابر الشّهداء , فتبكي حتّى تقضي حاجتها ثمّ تنصرف , وأمّا عليّ بن الحُسين (عليهالسلام ) , فإنّه بكى على الحُسين (عليهالسلام ) أربعين سنة , وما
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
(٢) سورة يوسف / ٨٥.
وضع بين يديه طعام إلّا بكى , حتّى قال مولى له : جُعلت فداك يابن رسول الله , إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين , فيقول :( إِنّمَا أَشْكُوا بَثّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (١) إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلّا خنقتني العبرة )).
تعودت مس الضر حتّى ألفته |
وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر |
|
وصيرني يأسي من الناس واثقاً |
بحسن صنيع الله من حيث لا أدري |
روي عن بعض المشايخ , قالوا : دخلنا كنيسة في الرّوم , فإذا في الحائط صخرة مكتوب عليها :
أترجو اُمة قتلت حسيناً |
شفاعة جده يوم الحساب |
فقلنا لشيخ في الكنيسة : مُنذ كم هذه الكتابة في هذه الصّخرة ؟ قال : قبل أن يُبعث صاحبكم بثلاثمئة عام فأكثروا أيّها الإخوان من النّوح والأحزان على ما أصاب سادات الزّمان من أهل البغي والعدوان , ولا تبخلوا بالدّموع الهتان , فإنّها السّبب التّام لدخول الجنان والحور والولدان.
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ راشد بن سُليمان الحرير ي (رحمه الله ت عالى)
خليلي مرّا بي على أرض كربلا |
نزور الإمام الفاضل المتفضلا |
|
سليل رسول الله وابن وصيه |
وسيد شبان الجنان المؤملا |
|
حسين ابن بنت الـمُصطفى خيرة الورى |
وأكرم خلق الله طراً وأفضلا |
|
قتيل بني حرب وآل اُمية |
فديت القتيل المستظام المجدلا |
|
دعيت بكتب الخدع أن سر مبادراً |
إلينا وشمّر للمسير وعجلا |
|
فليس لنا الّا جنابك سيد |
إمام رشيد بالفخار تسربلا |
|
فسار حسين الطهر من أرض يثرب |
بذرية والأهل والصحب والملا |
|
وجد السير يطوي الفيافي ميمماً |
إلى أن أتى في سيره أرض كربلا |
____________________
(١) سورة يوسف / ٨٦.
فلم ينبعث مهر الحُسين بخطوة |
فقال ألا يا صاحبي ما هذه الفلا |
|
فقالوا : تسمى كربلا قال هونوا |
مسيركم يا قوم قد نزل البلا |
|
ففي هذه يا قوم قتلي ومصرعي |
وهتك حريمي عاجلاً لا مؤجلا |
|
وفي هذه تضحى الرؤوس على القنا |
تسير بها الأقوام أن تتمهلا |
|
وفي هذه نبقى على الأرض صرعا |
بلا كفن نلقى ولن نتغسلا |
|
قفوا وانزلوا يا قوم إن بهذه |
نعّلا على رؤوس القنا وننزّلا |
|
فلا حول لي يا قوم بل لا قوة |
ولا حكم لي إلّا لذي الطول والعلى |
|
فما كان إلّا ساعة ثمّ أقبلت |
جيوش ابن سعد جحفلاً ثمّ جحفلا |
|
وحاطوا بمولاي الحُسين وصحبه |
فقال لهم ما شأنكم أيها الملا |
|
ألا تكتبوا لي بالمسير إليكم |
فقالوا له دع عنك هذا التطولا |
|
فليس لنا كتب إليك ولا أتى |
رسول فأقصر عن كلامك مجملا |
|
فقال اتركوني نحو يثرب راجعاً |
فقالوا له هيهات لن تتحولا |
|
لقد علقت فيكم مخالبنا فلا |
براح إلى أن تقتلن وتخذلا |
|
فصال عليهم صولة علوية |
فحكم فيهم اسمراً ثمّ منصلا |
|
إلى أن سقوا أصحابه جمرة الردى |
وظل وحيداً للأذى متحملا |
|
يكر عليهم كرة إثر كرة |
إلى أن أتاه سهم رجس فجدلا |
|
فخر عن الطرف الجواد لوجهه |
عفيراً خضيباً بالدماء مغسلا |
|
وأقبل شمر الرجس فاحتز رأسه |
وكبر لله العلي وهللا |
|
وركب رأس السبط فوق قناته |
كبدر الدجى في دمه قد ترملا |
|
وأقبل مهر السبط يصرخ ناعياً |
إلى خيمة النسوان يبكي معولا |
|
فلما رأين المهر قد جاء خالياً |
خرجن من الفسطاط يبكين حفلا |
|
وشققن منهن الجيوب بحسرة |
وأبرزن من بعد الخدور إلى الملا |
|
وصحن ألا وا سيداه بربه |
تكاد لها الأطواد أن تتزلزلا |
|
وهبت خيول الظالمين بركظها |
لتجري على جثمانه وتهرولا |
|
وهشمت الصدر الكريم وظهره |
وقطعت الأوصال عال واسفلا |
|
وأظلمت الدنيا وأكسفت شمسها |
وزلزلت الأرضون منه تزلزلا |
وناحت عليه من عظم شجوها |
وجبريل نادى في السّماء وأعولا |
|
وهتكت النسوان من بعد صونها |
يصحن بشجو لا طمات وذللا |
|
بنفسي صريعاً ظامياً مرضضاً |
بنفسي ذبيحاً بالتراب مغسلا |
|
بنفسي طريحاً نازحاً عن دياره |
تريب المحيى عاري الجسم مجدلا |
|
بنفسي نساء السبط يبكين حوله |
ظمايا حيارى حاسرات وثكلا |
|
بنفسي علي بن الحُسين مقيداً |
بقيد ثقيل بالحديد مكبلا |
|
تناديه بالشجو العظيم سكينة |
أيا أبتا ماذا دهانا واثكلا |
|
وزينب تدعو جدها يا محمد |
أيا جدنا يا صفوة الله ذي العلا |
|
أيا جدنا يعزز عليك بأن ترى |
حبيبك مقتولا عفيراً مجدلا |
|
ونادى ابن سعد بالطغاة ألا ارحلو |
إلى الشام لم نلبث ولن نتمهلا |
|
وساقوا السبايا حاسرات أذلة |
وغاروا على ابن الحُسين مغللا |
|
وساروا برؤوس الطاهرين وخلفوا |
حسيناً بأرض الطف شلواً مجدلا |
|
تجر عليه السافيات ذيولها |
وتبكي عليه الوحوش والطير في الفلا |
|
أيا لهف نفسي يوم سير برأسه |
على رأس رمح نوره قد تهللا |
|
ونسوته فوق المطايا حواسراً |
بلا وطاء بين الخلائق والملا |
|
ويروى لنا عن جابر أن فاجراً |
لئيماً على فعل النقي لن يعولا |
|
وقد كان جمالاً لمولاي آنفاً |
وكان الحُسين الطهر للرجس موئلا |
|
وكان كثيراً قد يرى معه تكة |
حجازية حازت نساجاً مكملا |
|
وتغشى سنا الأبصار حسناً ورونقاً |
وتشرق إشراقاً كبدر تهللا |
|
وكان يقول الرجس يا ليتها تكن |
لمثلي ملبوساً عطاء معجلا |
|
فلما أتى أرض العراق ميمماً |
وجدل مولاي الحُسين بكربلا |
|
وقد قصد الملعون بطن مغارة |
إلى أن دجي الليل البهيم والبلا |
|
فقام اللعين الرجس جذلان باسماً |
وجاء إلى نحر الحُسين معجلا |
|
ومد إلى نحو الحُسين يمينه |
ليأخذ منه تكة لن تعولا |
|
فلما أراد الرجس حل عقودها |
فمانعه مولاي أن تتحللا |
|
وشد بها يمنى يديه مدافعاً |
فلم يقدر الملعون أن يتوصلا |
فحز يمين السبط بالسيف عامداً |
من الزند أبراها عظاماً ومفصلا |
|
وأهوى إليها كي يحل عقودها |
إذا يسار السبط صار محولا |
|
فلم يستطع تحريك كف إمامنا |
فطير منه الكف بالسيف معجلا |
|
فحل سراويل الإمام فأرجفت |
به الأرض رجفاً فانثنى وتزلزلا |
|
فاُسمع ذات الرجس صوت مهول |
فقام اللعين الرجس حيران مجفلا |
|
وجاء إلى القتلى فألقى بنفسه |
إذا برسول الله في الأرض أنزلا |
|
وأهبطت الأملاك من كلّ جانب |
تسبح لله المهيمن ذي العلا |
|
فنادى رسول الله يا سبط أحمد |
يعز علينا أن نراك مجدلا |
|
يعز علينا أن نراك مرضضاً |
عفيراً نحيراً بالدماء مغسلا |
|
إذا بحسين الطهر قد صار جالساً |
وقال ألا لبيك يا سيّد الملا |
|
ألا يا رسول الله صالت اُميّة |
علينا وأسقونا العذاب معجلا |
|
فصاح رسول الله إذ ذاك صيحة |
وأبدى بكاءاً عاجلاً وتوجلا |
|
وجاء على الطهر يبكيه ناعياً |
لوجنة مولاي الحُسين مقبلا |
|
وقال ألا يا ليتني كنت حاضراً |
فأسقيهم كأس المنون معجلا |
|
يعز علينا يا حسين بأن نرى |
لرأسك من فوق القناة محملا |
|
حسين ألا يا شق روحي ومنيتي |
فلم يك جبار السّماء ليغفلا |
|
فديتك لا قبراً ولا كفناً أرى |
ولا غاسلاً يأتي إليك ليغسلا |
|
وأقبلت الزّهراء تمسح فرقها |
بدم الحُسين الطهر حتّى تبللا |
|
فقالت الاقي الله في يوم حشرنا |
وأشكو إليه ما الاقي من البلا |
|
فقال رسول الله يا سبط أحمد |
فما فعل الرجس اللعين المضللا |
|
ومن قطع الكفين منك بسيفه |
ولا راقب الله المهيمن ذا العلا |
|
فقال له يا جد قد كان صحبتي |
إلى الطف جمّال وكان مضللا |
|
وقد كان ينظر في سراويل تكتي |
فلما قتلت الآن قام معجلا |
|
ليأخذها مني فمانعته وقد |
أقام على الطغيان لن يتبدلا |
|
فقص يدي اليمنى وثنى باُختها |
وأهوى إلى تلك العقود ليحللا |
|
فلما أحسن الرجس أنك هابط |
رمى نفسه كي لا تراه فيقتلا |
فمد رسول الله في الطف طرفه |
رأى الرجس في وسط المغارة قد خلا |
|
فقال رسول الله يا أرذل الورى |
ويا شر خلق الله طراً وأنذلا |
|
عليك من الله المهيمن لعنة |
وسود منك الوجه يا أرذل الملا |
|
وأشلل منك الكف يمنى ويسرة |
وأصلاك ناراً حرها لن يبدلا |
|
فلما استتم الطهر منه دعاؤه |
إذ بيديه قد أبينت من العلا |
|
وسود منه وجهه فكأنه |
ظلامة ليل حالك ليس يجتلا |
|
ألا لعن الرحمن آل اُمية |
وعجلهم ثمّ الدلام ونعثلا |
|
عليهم من الله المهيمن لعنة |
تغشاهم ما دامت الأرض والفلا |
|
وتغشى يزيد الرجس وابن سمية |
وخولى وشمراً وابن سعد المضللا |
|
وأشياعهم أو من رضي رفعالهم |
وأتباعهم أو من لهم كان قد تلى |
|
أيا سادتي يا آل أحمد أنتم |
ملاذي وذخري لا اُبالي بمن قلى |
|
وإني عليكم وافد متوكل |
ولا خيب الرحمن من قد توكلا |
|
أؤمل أن أحظى بحور وجنة |
وحاشاكموا أن تحرموا المتأملا |
|
فدونكم ابن الحريري مذحة |
منمقة الألفاظ تحلو لمن قلى |
|
بها يرتجى منكم شفاعتكم غداً |
ويعلوه ظل في الجنان مظللا |
|
عليكم سلام الله ما در شارق |
وما أن حدى الحادي وركب تحملا |
الباب الثّالث
يا إخواني , شهد لهم بالفوز الجليل والثّناء الجميل الرّبّ الجليل , فقال تعالى في كتابه المكنون لا يمسّه إلّا المطهرون :( الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدَوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (١) ولا جهاد أعظم من جهاد أنصار الإمام الحُسين (عليهالسلام ) , أذن لهم في ترك القتال ومقاسات الأهوال , فأبوا واختاروا الموت على الحياة في طاعته , واحبوا مُفارقة الدّنيا دون مفارقته :
جادوا بأنفسهم في حب سيدهم |
والجود بالنفس أقصى غاية الجود |
يُعد أحدهم مصافحة الصّفاح غنيمة باردة ، ومزاحمة الرّماح فائدة زائدة ،
____________________
(١) سورة التّوبة / ٢٠.
ومكافحة الكتاب مكرمة عائدة ، ومناوحة المقانب منقبة شاهدة :
يرى الموت أولى من ركوب دنية |
ولا يغتدي للناقصين عديلا |
|
ويستعذب التعذيب فيما يفيده |
نزاهة عن أن لا يكون ذليلا |
فوا حر قلباه على تلك الأجساد بلا مهاد ووساد !
روي : أنّ فاطمة (عليهاالسلام ) أتت النّبي (صلىاللهعليهوآله ) وهي تبكي وتقول : (( خرج الحسن والحُسين ولا أدري أين هُما ؟ )) فقال : (( يا فاطمة , طيبي نفساً فهما في ضمان الله تعالى حيث كانا )) فنزل جبرائيل (عليهالسلام ) , فقال : هُما في حائط بني النّجار نائمان متعانقان ، وقد بعث الله إليهما ملكاً , فبسط جناحاً تحتهما وجناحاً فوقهما فخرج رسول الله وأصحابه معه , فرآهما هُناك ( وحيّة ) دائرة كالحلقة حولهما ، فأخذهُما رسول الله على سكينة فحملهما ، فقال أصحابه : نحملهما عنك يا رسول الله فقال : (( نعم المطية مطيتهما , ونعم الرّاكبان هُما , وأبوهما خير منهما )).
ألا فيا إخواني , هذا هو الشّرف الرّفيع والفضل الشّامخ المنيع ، ولذا حسدوهم على الكمال فجلّ وعلا مجّدهم أن ينال :
إليكم كلّ منقبة تؤول |
إذا ما قيل جدكم الرسول |
|
وفيكم كلّ مكرمةٍ تجول |
إذا ما قيل أمكم البتول |
|
فلا يبقى لمادحكم كلام |
إذا تمّ الكلام فما أقول |
روي : أنّ فاطمة (عليهاالسلام ) جاءت إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وهي تبكي , فقال : (( ما يبكيك ؟ )) فقالت : (( ضاع منّي الحُسين فلا أجده )) فقام النّبي (صلىاللهعليهوآله ) واغرورقت عيناه وذهب ليطلبه , فلقيه يهودي فقال : ((يا مُحمّد ما لك تبكي ؟ )) فقال : (( ضاع ابني )) فقال : لا تحزن فإنّي رأيته على تل كذا نائماً فقصده النّبي (صلىاللهعليهوآله ) واليهودي معه , فلمّا قرب من التّل , رأى ضبّاً بفمه غصن أخضر يروح به إلى الحُسين , فلمّا رأى الضبّ النّبي , قال بلسان فصيح : السّلام عليك يا زين القيامة وشهد له بشهادة الحقّ , ثمّ قال : لم أر أهل بيت أكثر بركة من أهل بيتك ؛ لأنّ ولدي ضاع منّي ثلاث سنين , فطفت العالم أطلبه فلم أجده , فببركة ولدك وجدته الآن فأكافيه ثمّ قال ولد الضبّ : يا رسول الله , أخذني السّيل فادخلني البحر , ثمّ ضربت بي الأمواج إلى أن وقعت
بجزيرة كذا , فلم أجد سبيلاً ومخرجاً منها حتّى أهبّ الله ريحاً فأخذتني وألقتني في هذا الموضع عند أبي فقال (صلىاللهعليهوآله ) : (( من تلك الجزيرة إلى ههنا ألف فرسخ )) فأسلم اليهودي وقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله :
لآل مُحمّد أصبحت عبداً |
وآل مُحمّد خير البرية |
|
اُناس حل فيهم كلّ خير |
مواريث النبوة والوصية |
روى ابن عبّاس , أنّه قال : لـمّا ولد الحُسين (ع) , أمر الله عزّ وجلّ جبرائيل أن يهبط إلى الأرض بألف من الملائكة المقرّبين ؛ ليهنئ مُحمّداً خاتم النّبيين بمولود سيّدة نساء العالمين ، قال : فهبط جبرائيل مع الملائكة على جزيرة من جزائر البحر , فرأى فيها ملكاً يُقال له ( فطرس ) - وكان قد أرسله الله إلى أمر من أموره , فأبطأ عليه فغضب عليه , فكسّر جناحه وألقاه في تلك الجزيرة مدّة طويلة , فمكث الملك يعبد الله تعالى سبعمئة عام حتّى ولد الحُسين (عليهالسلام ) - فقال الملك : يا أخي جبرائيل , أين تريد ؟ فقال : إنّ الله تعالى أنعم على مُحمّد بمولود من ابنته , فبُعثت إليه اُهنئه عن الله تعالى فقال الملك : يا جبرائيل , قد مكثت في هذه الجزيرة سبعمئة سنة , وقد ضاق صدري وعيل صبري أريد أن تحملني معك إليه ؛ لعل مُحمّداً يدعو لي بالعافية , ويشفع لي عند الله تعالى في جبر جناحي المكسور قال : فحمله جبرائيل معه على طرف ريشة من جناحه حتّى اُدخل به على النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , فهنأه جبرائيل من الله تعالى ومنه , وأخبره بحال الملك فطرس , فقال النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( يا جبرائيل , قُل له : يقوم ويمسح بجناحه بهذا المولود وعد إليّ )) قال : فقام الملك ومسح جناحه المكسور بالحُسين (عليهالسلام ) , فعوفي من ساعته وصار كما كان , فقال الملك فطرس : يا رسول الله , اعلم أنّ اُمّتك تقتل ولدك هذا - يعني الحُسين (عليهالسلام ) - وله عليّ مكافأة يا مُحمّد , لا يزوره زائر إلّا أبلغته عنه الزّيارة , ولا يسلّم عليه مُسلّم إلّا أبلغته سلامه ، ولا يُصلّي عليه مُصلّ إلّا ابلغته صلاته ثمّ ارتفع طائراً إلى السّماء ؛ ببركة الحُسين سيّد الشّهداء , وهو يقول : مَن مثلي وأنا عتيق الحُسين بن فاطمة , وعتيق جدّه النّبي الاُمّيّ قال ابن عباس : فهذا الملك لا يُعرف في السّماء بين الملائكة إلّا أن يُقال : هذا مولى الحُسين (عليهالسلام ).
ونُقل عن أبي جعفر الطّوسي في ( مصباح الأنوار ) , إنّ الله عزّ وجلّ لـمّا
غضب على هذا الملك , خيّره في عذاب الدّنيا أو عذاب الآخرة , فاختار عذاب الدّنيا , فكسّر جناحه وألقاه في تلك الجزيرة , وكان مُعلّقاً بأشفار عينيه سبعمئة سنة , لا يمرّ به حيوان من تحته إلّا احترق من دخان يخرج منه غير منقطع , فلمّا أحسّ بجبرائيل والملائكة النّازلين من السّماء , كان ما كان من أمره بإذن الله تعالى , فعفى الله عنه ببركة الحُسين (عليهالسلام ).
فانظروا يا أهل المعالي إلى هذا الشّرف العالي , جعلنا الله وإيّاكم من أشياعهم وأتباعهم ومواليهم :
نعم بإذكاري كربلاء ومن بها |
تفاقم كربي واستحم بلائي |
|
وأنفذ عيني ماءها ببكائها |
عليهم وقد أمددها بدمائي |
|
وسيق بنو بنت النّبي مُحمّد |
إلى الشام للذبح العنيف كشائي |
|
فيا ويح قوم قاتلوهم إذا بدا |
شفيعتهم في معرض الخصماء |
عن ابن عباس , قال : لـمّا نزلت هذه الآية :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) قالوا : يا رسول الله , مَن قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودتهم ؟ قال : (( عليّ وفاطمة وابناهما )).
وعن الحُسين بن عليّ (عليهمالسلام ) , قال : (( قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : فاطمة بهجة قلبي , وابناها ثمرة فؤادي بعلها نور بصري , والأئمة من ولدها اُمنائي وحبله الممدود بينه وبين خلقه ، ومَن اعتصم بهم نجى , ومَن تخلّف عنهم هوى )).
وعن بلال بن حمامة , قال : طلع علينا النّبي (صلىاللهعليهوآله ) ذات يوم ووجهه مشرق كدائرة القمر , فقام عبد الرّحمن بن عوف , فقال : يا رسول الله , ما هذا النّور ؟ فقال : (( بشارة أتتني من ربّي في أخي وابن عمّي وابنتي , وإنّ الله تعالى زوّج عليّاً من فاطمة , وأمر رضوان خازن الجنان فهزّ شجرة طوبى , فحملت رقاقاً - يعني : صكاكاً - بعدد محبّي أهل بيتي , وأنشأ من تحتها ملائكة من نور ودفع إلى كلّ ملك صكّاً ، فإذا استوت القيامة بأهلها , نادت الملائكة في الخلائق ، فلا تلقى مُحبّاً لنا أهل البيت إلاّ دفعت إليه صكّاً , فيه فكاكه من النّار بأخي وابن عمّي وإبنتي )).
عن جابر قال : رأى رسول الله على فاطمة كساء من أوبار الإبل وهي تطحن , فبكى وقال : (( يا فاطمة , اصبري على مرارة الدّنيا لنعيم الآخرة غداً )) قال : فنزلت عند ذلك :( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبّكَ فَتَرْضَى ) (٢) :
محن الزمان سحائب مترادفة |
هي بالفوادح والفواجع ساجمة |
____________________
(١) سورة الشّورى / ٢٣.
(٢) سورة الضّحى / ٥.
وإذا الهموم تعاورتك فسلها |
بمصاب أولاد البتولة فاطمة |
عن ابن عباس قال : كنت جالساً بين يدي النّبي (صلىاللهعليهوآله ) ذات يوم , وبين يديه عليّ وفاطمة والحسن والحُسين (عليهمالسلام ) , إذ هبط جبرائيل ومعه تفّاحة , فتحيّا بها النّبي وحيّا بها عليّ بن أبي طالب , فتحيّا بها عليّ وقبّلها وردّها إلى رسول الله , فتحيّا بها رسول الله وحيّا بها الحسن , فتحيّا بها الحسن وقبّلها وردّها إلى رسول الله , فتحيّا بها رسول الله وحيّا بها الحُسين , فتحيّا بها الحُسين وقبّلها وردّها إلى النّبي , فتحيّا بها (صلىاللهعليهوآله ) وحيّا بها فاطمة , فتحيّت بها فاطمة وقبّلتها وردّتها إلى النّبي , فتحيّا بها الرّابعة وحيّا بها عليّ بن أبي طالب , فتحيّا بها عليّ بن أبي طالب , فلمّا همّ أن يردّها إلى النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , سقطت التّفاحة من بين أنامله فانفلقت نصفين , فسطع منها نور حتّى بلغ السّماء , فإذا عليها سطران مكتوبان : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , تحيّة من الله تعالى إلى مُحمّد الـمُصطفى , وعليّ وفاطمة الزّهراء , والحسن والحُسين سبطي رسول الله , وأمان لمحبّيهما يوم القيامة من النّار.
وعن أبي سلمان - راعي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) - قال : سمعت رسول الله يقول : (( ليلة اُسري بي إلى السّماء , قال لي الجليل جلّ جلاله :( آمَنَ الرّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبّهِ ) (١) قُلت : والمؤمنون قال : صدقت يا مُحمّد , مَن خلّفت في اُمّتك ؟ قُلت : خيرها قال : عليّ بن أبي طالب ؟ قُلت : نعم يا رب قال : يا مُحمّد , إنّي اطلعت على الأرض إطلاعة فاخترتك منها , فشققت لك اسماً من اسمائي , فلا اُذكر في موضع إلاّ ذُكرت معي , فأنا المحمود وأنت مُحمّد , ثمّ اطلعت الثّانية , فاخترت منها عليّاً وشققت له اسماً من اسمائي , فأنا الأعلى وهو عليّ يا مُحمّد , إنّي خلقتك وخلقت عليّاً وفاطمة , والحسن والحُسين والأئمة من ولده من سنخ نور من نوري ، وعرضت ولايتكم على أهل السّماوات وأهل الأرض , فمَن قبلها كان عندي من المؤمنين , ومَن جحدهما كان عندي من الكافرين يا مُحمّد , لو أنّ عبداً من عبيدي , عبدني حتّى ينقطع أو يصير كالشّن البالي , ثمّ اتاني جاحداً لولايتكم , ما غفرت له حتّى يقرّ بولايتكم يا مُحمّد , تحبّ أن تراهم ؟ قُلت : نعم يا رب فقال لي : التفت إلى يمين العرش فالتفت , وإذا أنا بعليّ وفاطمة , والحسن والحُسين , وعليّ بن الحُسين , ومُحمّد بن عليّ , وجعفر بن مُحمّد , وموسى بن جعفر , وعليّ بن
____________________
(١) سورة البقرة / ٢٨٥.
موسى , ومُحمّد بن عليّ , وعليّ بن مُحمّد , والحسن بن عليّ , والمهدي , في ضحضاح من نور , قيام يُصلّون وهو في وسطهم - يعني المهدي - كأنّه كوكب درّي , وقال : يا مُحمّد , هؤلاء الحجج ، وإنّه - يعني المهدي (عليهالسلام ) - الحجّة الواجبة لأوليائي والمنتقم من أعدائي )) :
هم النور نور الله جلّ جلاله |
هم التين والزيتون والشفع والوتر |
|
مهابط وحي الله خزان علمه |
ميامين في أبياتهم نزل الذكر |
|
وأسماؤهم مكتوبة فوق عرشه |
ومكنونة من قبل أن يخلق الذر |
|
فلولاهم لم يخلق الله آدماً |
ولا كان زيد في الأنام ولا عمرو |
|
ولا سطحت أرض ولا رفعت سما |
ولا طلعت شمس ولا أشرق البدر |
|
ونوح بهم في الفلك لـمّا دعا نجى |
وغيض به طوفانه وقضي الأمر |
|
ولو لاهم نار الخليل لـمّا غدت |
سلاماً وبرداً وانطفى ذلك الجمر |
|
ولولاهم يعقوب ما زال حزنه |
ولا كان عن أيوب ينكشف الضر |
|
ولان لداود الحديد بسرهم |
وقدر في سر يحير به الفكر |
|
ولما سليمان البساط بهم دعا |
اسيلت له عين يفيض بها القطر |
|
وسخرت الريح الرحاء بأمره |
فغدوتها شهر وروحتها شهر |
|
وهم سر موسى في العصا عندما عصى |
أوامره فرعون والتقف السحر |
|
ولولاهم ما كان عيسى بن مريم |
يغادر من طي اللحود له نشر |
|
سرى سرهم في الكائنات وفضلهم |
فكل نبي فيه من سرهم سر |
|
مصابكم يا آل طه مصيبة |
ورزء على الإسلام أحدثه الكفر |
فيا إخواني , على مثل هؤلاء فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم فيهم وقال :
القصيدة للشيخ ابن حماد (رحمهالله )
أيفرح من له كبد يذوب |
وقلب من صبابته كئيب |
|
وقفت بكربلاء فهيجت لي |
كروباً ليس يشفيها طبيب |
ومثل لي الحُسين بها غريباً |
بنفسي ذلك الثاوي الغريب |
|
فلا سعد ابن سعد حين حرب |
إلى حرب الحُسين به الحروب |
|
عجبت لهم وحلم الله عنهم |
وكل فعالهم تعس عجيب |
|
حبيب مُحمّد فيهم صريع |
يناديهم وليس له مجيب |
|
بنات مُحمّد فيهم سبايا |
ورحل مُحمّد فيهم نهيب |
|
كأني بالنساء مهتكات |
عليهن الكآبة والشحوب |
|
فلما أن بصرن به صريعاً |
له خد على الرمضا تريب |
|
سقطن على الوجوه مولولات |
وادمعهن وأكفة تصوب |
|
وشققن الثياب عليه حزناً |
وشقت منهم أسفاً جيوب |
|
وأنت زينب من حزن قلب |
بنار الوجد محترق يذوب |
|
ونادت ليت أمي لم تلدني |
ولم أرى ما الذي بك يا غريب |
|
تنادي اختها يا أخت قومي |
فموتك بعد سيدنا قريب |
|
فيا ليت المنية قدمتنا |
ومتنا قبل ما قتل الحبيب |
|
أخية لا حيينا بعد هذا |
فإن حياتنا ليست تطيب |
|
فوا حزناً ووا سلباً إذا ما |
تراءى جسمه العاري السليب |
|
فيا رب السماء إليك نشكو |
فأنت على فعالهم رقيب |
|
سأبكي ما حييت لهم وأبكي |
وقل لهم بكائي والنحيب |
|
صلاة الله والأملاك تترى |
عليهم ما سرت في الأرض نيب |
|
سأنشر فضلهم سراً وجهراً |
وألعن ثمّ من لهم يعيب |
|
وحسبي مدح ساداتي حبيباً |
بهم أرجو النجاة ولا أخيب |
|
هم نجباء خير الخلق طراً |
وليس يحبهم إلّا نجيب |
|
وذكرهم يبيّن كل أصل |
بهم عرف المطهر والمشوب |
|
لعبدكم ابن حماد قريض |
يلذ سماعه الفطن اللبيب |
المجلس السّادس
في اليوم الثّالث من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
أيّها المؤمنون النّاصحون والأتقياء الصّالحون , إجروا الدّماء من العيون واهجروا لذيذ الرّقاد من الجفون , لهذا الخطب العظيم والرّزء الجسيم ، مصاب أبكى الرّسول والزّهراء البتول والسّماء دماً , واُقيم له فوق الطّباق مأتماً ، فوا أسفاه على ما تجرّعوه من الحتوف ومرارات حرّ السّيوف !
فيا إخواني , بالغوا في النّوح والإجتهاد , وأعدّوه أكرم الزّاد ليوم المعاد , على قوم بهم اُفيضت عليكم النّعم الفاخرة في الحياة الدّنيا والآخرة , وكيف لا نحزن لفتية عصمهم الله من الخطأ والزّلل , وجعلهم سفن النّجاة لِمَن بهم اتصل , كما ورد في الخبر عن سيّد البشر , أنّه قال : (( أهل بيتي كسفينة نوح في قومه , مَن ركبها نجى ومن تخلّف عنها هلك )) أعلام الله في أرضه وحججه على عباده , فرسان الكلام وولاة الإسلام , المجاهدون في سبيل ذي الجلال بالأنفس والأموال , الصّابرون على عظم النّكال وشديد الوبال :
لهم وجوه على الأنوار مشرقة |
تضيء نوراً بإشراق ولمعان |
|
تضيء أنوار آثار السجود لها |
لما بها من علامات وعنوان |
|
لله كم لهم بالطف من جسد |
مسربل بقميص النقع عريان |
|
ملقى على الأرض هوناً بعد غربته |
بلا حنوط ولا غسل وأكفان |
لهفي وقد صرعوا من حوله نفر |
زهر المناقب من شيب وشبان |
|
كأنهم أنجم تنقض من فلك |
وكل نجم هوى رجم لشيطان |
|
لهفي وقد خرّ والرمضاء من دمه |
تروي ويقتل فيها غير ديان |
|
لهفي على مهره إذ مرّ منقلباً |
يشكو إلى الله من فقد ووجدان |
|
لهفي لنسوته يندبنه أسفاً |
لهفي لملهوفة تشكو للهفان |
|
لهفي لفاطمة تدعوه صارخة |
بكسر قلب من الأحزان ملآن |
|
وكل عين على هذا المصاب جرت |
فكيف لم تجر من عيني عينان |
|
يا آل أحمد يا من طيب ذكرهم |
إذا تنشقته في الترب أحياني |
|
حزني لكم مثل ودي دائماً أبداً |
لا ينقضي وصباباتي وأشجاني |
روي عن طريق أهل البيت (عليهمالسلام ) : (( أنّه لـمّا استشهد الحُسين , بقي في كربلاء صريعاً ودمه على الأرض مسفوحاً , وإذا بطائر أبيض قد أتى ومسح بدمه , وجاء والدّم يقطر منه , فرأى صوراً تحت الظّلال على الغصون والأشجار , وكلّ منهم يذكر الحبّ والعلف والماء , فقال لهم ذلك الطّير المتلطخ بالدّم : يا ويلكم , أتشتغلون بالملاهي وذكر الدّنيا والمناهي , والحُسين في أرض كربلاء في هذا الحرّ مُلقى على الرّمضاء , ظام مذبوح ودمعه مسفوح ؟! فعادت الطّيور كلّ منها قاصدة كربلاء , فرأوا سيدنا الحُسين (عليهالسلام ) مُلقى في الأرض , جثّة بلا رأس ولا غُسل ولا كفن , قد سفت عليه السّوافي , وبدنه مرضوض قد هشمته الخيل بحوافرها ، زوّاره وحوش القفار ، وندبته جنّ السّهول والأوغار ، قد أضاء التّراب من أنواره , وأزهر الجو من إزهاره , فلمّا رأته الطّيور , تصايحن وأعلنّ بالكباء والثّبور , وتواقعن على دمه يتمرّغن فيه , وطار كلّ واحد منهم إلى ناحية يُعلم أهلها عن قتل أبي عبد الله الحُسين (عليهالسلام ) , فمن القضاء والقدر أنّ طيراً من هذه الطّيور قصد مدينة الرّسول , وجاء يرفرف والدّم يتقاطر من أجنحته , ودار حول قبر سيّدنا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يعلن بالنّداء : ألا قُتل الحُسين بكربلاء ! ألا ذُبح الحُسين بكربلاء! فاجتمعت الطّيور عليه وهم يبكون عليه وينوحون , فلمّا نظر أهل المدينة من الطّيور ذلك النّوح , وشاهدوا الدّم يتقاطر من الطّير , ولم يعلموا ما الخبر حتّى انقضت مدّة من الزّمن , وجاء خبر مقتل الحُسين (عليهالسلام ) , علموا أنّ ذلك الطّير كان يخبر رسول الله بقتل ابن فاطمة
البتول , وقرّة عيّن الرّسول )).
وقد نُقل أنّه في ذلك اليوم الذي جاء فيه الطّير إلى المدينة , أنّه كان في المدينة رجل يهودي , وله بنت عمياء زمنة طرشاء مشلولة , والجذام قد أحاط ببدنها , فجاء ذلك الطّائر والدّم يتقاطر منه , ووقع على شجرة يبكي طول ليلته , وكان اليهودي قد أخرج ابنته تلك المريضة إلى خارج المدينة إلى بستان , وتركها في البستان الذي جاء الطّير ووقع فيه , فمن القضاء والقدر أنّ تلك الليلة عرض لليهودي عارض , فدخل المدينة لقضاء حاجته , فلم يقدر أن يخرج تلك الليلة إلى البستان التي فيها ابنته المعلولة ، والبنت لـمّا نظرت أباها لم يأتها تلك الليلة , لم يأتها نوم لوحدتها ؛ لأنّ أباها كان يحدّثها ويسلّيها حتّى تنام , فسمعت عند السّحر بكاء الطّير وحنينه , فبقيت تتقلب على وجه الأرض إلى أن صارت تحت الشّجرة التي عليها الطّير , فصارت كلّما حنّ ذلك الطّير , تجاوبه من قلب محزون , فبينما هي كذلك إذ وقع من الطّير قطرة من الدّم , فوقعت على عينها ففتحت , ثمّ قطرة اُخرى على عينها الاُخرى فبرئت , ثمّ قطرة على يديها فعوفيت , ثمّ على رجليها فبرئت , وعادت كلّما قطرت قطرة من الدّم , تلطخ بها جسدها , فعوفيت من جميع مرضها من بركات دم الحُسين (عليهالسلام ) , فلمّا أصبح الصّباح , أقبل أبوها إلى البستان فرأى بنتاً تدور ولم يعلم أنّها ابنته , فسألها : أنّه كان لي في البستان بنت عليلة لم تقدر أن تتحرّك فقالت ابنته : والله أنا ابنتك فلمّا سمع كلامها وقع مغشيّاً عليه , فلمّا أفاق قام على قدميه , فأتت به إلى ذلك الطّير , فرآه واكراً على الشّجرة يئنّ من قلب حزين محترق ؛ مما فُعل بالحُسين (عليهالسلام ) , فقال له اليهودي : بالذي خلقك أيّها الطّير , أن تكلمني بقدرة الله تعالى فنطق الطّير مستعبراً , ثمّ قال : اعلم أنّي كنت واكراً على بعض الأشجار مع جملة من الطّيور قبالة الظّهر , وإذا بطير ساقط علينا وهو يقول : أيّها الطّيور ! تأكلون وتتنعّمون والحُسين في أرض كربلاء في هذا الحرّ على الرّمضاء طريحاً ظامياً , والنّحر دام ورأسه مقطوع على الرّمح مرفوع , ونساءه سبايا حفاة عرايا فلمّا سمعن بذلك , تطايرن إلى كربلاء فرأيناه في ذلك الوادي طريحاً ، الغسل من دمه والكفن الرّمل السّافي عليه ، فوقعنا كلّنا ننوح عليه ونتمرّغ بدمه الشّريف , وكان كلّ منّا طار إلى ناحية , فوقعت أنا في هذا المكان فلمّا سمع اليهودي ذلك , تعجّب وقال : لو لم
يكُن الحُسين ذا قدر رفيع عند الله , ما كان دمه شفاء من كلّ داء ثمّ أسلم اليهودي وأسلمت البنت وأسلم خمسمئة من قومه :
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها |
قتل الحُسين فأدمعي مدرار |
|
الجسم منه بكربلاء مضرج |
والرأس منه على القناة يدار |
روي : أنّ فاطمة الزّهراء (عليهاالسلام ) ندبت ولدها الحُسين من قبل أن تحمل به , ولقد ندبته بالغريب العطشان , البعيد عن الأوطان , الظّامي اللهفان , المدفون بلا غسل ولا أكفان , ثمّ قالت لابيها : (( يا رسول الله , مَن يبكي على ولدي الحُسين من بعدي ؟ )) فنزل جبرائيل من الرّب الجليل يقول : إنّ الله تعالى ينشئ له شيعة تندبه جيلاً بعد جيل فلمّا سمعت كلام جبرائيل , سكن بعض ما كان عندها من الوجل.
القصيدة للسيّد الـمُرتضى (رحمهالله )
شغل الدموع عن الديار بكاؤها |
لبكاء فاطمة على أولادها |
|
وا لهفتاه لعصبة علوية |
تبعت اُمية بعد ذل قيادها |
|
الله سابقكم إلى أرواحها |
وكسبتم الآثام في أجسادها |
|
إن قوضت تلك القباب فانها |
خرت عماد الدين قبل عمادها |
|
هي صفوة الله التي أحيى لها |
وقضى أوامره إلى أمجادها |
|
تروي مناقب فضلها أعداؤها |
أبداً فتسندها إلى أضدادها |
|
يا فرقة ضاعت دماء مُحمّد |
وبنيه بين يزيدها وزيادها |
|
صفدت بمال الله ملأ أكفها |
وأكف آل الله في أصفادها |
|
ضربوا بسيف مُحمّد أبناءه |
ضرب الغرائب عدن بعد زيادها |
|
يا يوم عاشوراء كم لك لوعة |
تترقص الأحشاء في إيقادها |
|
ما عدت إلّا عاد قلبي غلة |
حزني ولو بالغت في إيرادها |
روي عن رسول الله (ص) أنّه قال : (( بي اُنذرتم , ثمّ بعلي بن أبي طالب اهتديتم )) وقرأ : ((( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) (١) وبالحسن اُعطيتم الإحسان , وبالحُسين تسعدون وبه تشقون , ألا وإنّما الحُسين باب من أبواب الجنّة , مَن عانده حرّم الله
____________________
(١) سورة الرّعد / ٧.
عليه رائحة الجنّة )).
وروي : أنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) خرج مع أصحابه إلى طعام دُعوا له , فتقدم رسول الله أمام القوم والحُسين مع غلمان يلعب , فأراد رسول الله أن يأخذه , فطفق يفرّ ههنا مرّة وههنا مرّة , فجعل رسول الله أيضاً يضاحكه حتّى أخذه ، قال : فوضع إحدى يديه تحت فاه والاُخرى تحت ذقنه , فوضع فاه على فيه فقبّله ، وقال : (( حُسين منّي وأنا من حُسين , أحبّ الله مَن أحبّ حُسيناً ، حُسين سبط من الأسباط )) :
حسب الذي قتل الحُسين |
من الخسارة والندامة |
|
إن الشفيع لدى الإله |
خصيمه يوم القيامة |
ذكر أحمد بن أعثم الكوفي : إنّ الفرزدق لقي الحُسين (ع) وسلّم عليه ودنا منه فقبّل يده , فقال له الحُسين (عليهالسلام ) : (( من أين أقبلت يا أبا فراس ؟ )) فقال : من الكوفة يابن رسول الله قال : (( فكيف خلّفت أهل الكوفة ؟ )) قال : خلّفت , قلوب النّاس معك وسيوفهم مع بني اُميّة , والقضاء ينزل من السّماء , والله يفعل ما يشاء فقال له الحُسين : (( صدقت وبررت , إنّ الأمر لله يفعل ما يشاء , ربّنا تبارك وتعالى كلّ يوم هو في شأن , فإن نزل القضاء بما نحبّ , فالحمد لله على نعمائه وهو الـمُستعان على أداء الشّكر , وإن حال القضاء دون الرّجاء , فلن تبعد من الحقّ بلية )) فقال له الفرزدق : يابن رسول الله , وكيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمّك مُسلم بن عقيل وشيعته ؟! قال : فاستعبر الحُسين باكياً , ثمّ قال : (( رحم الله مُسلماً , فلقد صار إلى روح الله وريحانه وتحيّته ورضوانه , أما إنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا )) قال : ثمّ أنشأ يقول :
فإن تكن الدنيا تعد نفيسة |
فدار ثواب الله أعلى وأنبل |
|
وإن تكن الأبدان للموت اُنشئت |
فقتل امرئ في الله بالسيف أفضل |
|
وإن تكن الأرزاق قسماً مقدراً |
فقلة حرص المرء في الرزق أجمل |
|
وإن تكن الأموال للترك جمعها |
فما بال متروك به المرء يبخل |
ثمّ ودّعه الفرزدق في نفر من أصحابه ومضى يُريد مكّة , فأقبل عليه ابن عمّ له من بني مجاشع , فقال : يا أبا فراس , هذا الحُسين بن عليّ ؟ فقال الفرزدق : هذا
الحُسين بن فاطمة الزّهراء بنت مُحمّد الـمُصطفى , هذا والله ابن خير الله وأفضل من مشى على الأرض من ولد آدم أبي البشر , وقد كنت قلت أبياتاً قبل اليوم , فلا عليك أن تسمعها فقال له ابن عمّه : ما أكره ذلك يا أبا فراس , فإن رأيت أن تنشدني ما قلت فيه ؟ فقال الفرزدق : نعم , أنا القائل فيه وفي أبيه وأخيه وجدّه هذه الأبيات :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته |
والبيت يعرفه والحل والحرم |
|
هذا ابن خير عباد الله كلهم |
هذا التقي النقي الطاهر العلم |
|
هذا حسين رسول الله والده |
أمست بنور هداه تهتدي الأمم |
|
هذا ابن فاطمة الزّهراء عترتها |
أئمة الدين مجرياً به القلم |
|
إذا رأته قريش قال قائلها |
إلى مكارم هذا ينتهي الكرم |
|
يكاد يمسكه عرفان راحته |
ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم |
|
بكفه خيزران ريحه عبق |
بكف أروع في عرنينه شمم |
|
يغضي حياء من مهابته |
فلا يكلم إلّا حين يبتسم |
|
ينشق نور الدجى عن نور غرته |
كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم |
|
مشتقة من رسول الله نبعته |
طابت أرومته والخيم والشيم |
|
من معشر حبهم دين وبغضهم |
كفر وقربهم فوز ومعتصم |
|
يستدفع الظلم والبلوى بحبهم |
ويستقيم به الإحسان والنعم |
|
إن عد أهل الندى كانوا أئمتهم |
أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم |
|
لا يستطيع جوازاً بعد غايتهم |
ولا يدانيهم قوم وإن كرموا |
|
بيوتهم في قريش يستضاء بها |
في النائبات وعند الحكم إن حكموا |
|
وجده من قريش في أرومتها |
مُحمّد وعلي بعده علم |
|
بدر له شاهد والشعب من أحد |
والخندقان ويوم الفتح قد علموا |
|
وخيبر وحنين يشهدان له |
وفي قريضة يوم صيلم قتم |
|
مواطن قد علت في كل نائبة |
على الصحابة لم أكتم كما كتموا |
ثمّ أقبل الفرزدق على ابن عمّه ذلك , فقال : والله , لقد قلت فيه الأبيات غير متعرّض لمعروفة , ولكن أردت الله بذلك والدّار الآخرة.
فعلى مثل هؤلاء الأطائب
فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ الخليعي (رحمهالله )
هاج حزني وهاج حر لهيبي |
وشجاني ذكر القتيل الغريب |
|
وجفت مقلتي كراها وسحت |
سحب أجفانها بدمع سكوب |
|
وقليل لمن يمثل مولاه |
لدى الطف ذا حيين تريب |
|
فيض دمع على الخدود وتسهاد |
جفون قرحى وطول نحيب |
|
كربلا كم تركت عندي كروباً |
برزايا تذيب حب القلوب |
|
كم هوى في ثراك من بدر تم |
وأضر النوى بغصن رطيب |
|
لهف نفسي على ابن بنت رسول الله |
يدعو وما له من مجيب |
|
قائلاً : ليس في الأنام ابن بنت |
لنبي غيري فلا تغدروا بي |
|
هل على بدعة أبحتم دمي ، أم |
كنت قصرت ساهياً عن وجوب |
|
لهف قلبي لطفلة فوق كفيه |
بصدر ظام ونحر خضيب |
|
وهو يستقبل الدماء ويلقيها |
ويبدي شكواه للمستجيب |
|
لهف نفسي لزينب تلطم الوجه |
فتدمي خدودها بالندوب |
|
وتناديه يا أخي يا بن أمي |
يا شقيقي أسلمتني للخطوب |
|
أين جدي أين البتول ألا أين |
عليّ وا وحدتي وا لهيبي |
|
لهف نفسي لسبي فاطمة الصغرى |
ولهفي لقلبها المرعوب |
|
لهف نفسي على سكينة من خوف |
الأعادي تبكي بدمع صبيب |
|
لهف نفسي لأم كلثوم من سلب |
نقاب ومحجر منهوب |
|
لست أنسى رأس الحُسين كبدر |
التم يبدو في رأس رمح كعوب |
|
يا لثارات أحمد وعلي |
من شنيع جرى وأمر عصيب |
|
أيرى ثغر ابن فاطمة يقرعه |
أرذل الورى بالقضيب |
|
يا ابن بنت النّبي يابن الذي |
أودعه الله سر علم الغيوب |
|
ليت أن الوصي وافاك بالطف |
فلم تخش من أذى وكروب |
|
ولقد أخبر الرواة عن الشيخ المفيد |
الحبر الصدوق الأريب |
يسند النقل عن رجال ذوي |
عدل ثقاة لا نقل أفك وحوب |
|
أخبر العامري عن جابر بن الحر |
يوماً بغير شك مريب |
|
قال يرويه عن جويرية العبدي |
فيما رواه غير كذوب |
|
قال : لـمّا توجه الـمُرتضى يطلب |
صفين مؤذناً للحروب |
|
مرّ في كربلاء فقام بها |
مستعبراً باكياً بقلب كئيب |
|
ثم نادى هذا مناخ ركاب |
القوم يفنون من شباب وشيب |
|
ومحط الرحال منهم وتفوق |
المنايا بكل سهل مصيب |
|
وكأني بهم وهم بين مقتول |
بكرب الظما وعار سليب |
|
يدخلون الجنان ولم يسألوا عن |
واجب كلفوا ولا مندوب |
|
بأبي افتديتهم وإلى الله |
احتسابي والله خير حسيب |
|
فعجبنا من أمره حيث لا ينفك |
يأتي بكل أمر عجيب |
|
فعرفنا لـمّا رأينا حسيناً |
ثمّ ملقى فضل الإمام النجيب |
|
وعلمنا بأن كشف الطويات |
وتكليمه لجان وذيب |
|
وخطاب الإله بالطائر المشهور |
جهراً ورد شمس المغيب |
|
لم تكن في الأنام إلّا لمستودع |
سر من القريب المجيب |
|
يا بني أحمد إليكم تطربت |
بمدحي وأنتم مطلوبي |
|
بكم يرتجي الخليعي في الحشر |
أماناً من موبقات الذنوب |
الباب الثّاني
أيّها المؤمنون الصّالحون ! كيف لا تحزنون على سادات العباد , وأنوار الله في جميع الأقطار والبلاد , وحجج الله على الخلائق ولسانه النّاطق , والشّهداء على الاُمم بين يدي بارئ النّسم ، وهم بين قتيل بالسّم وآخر مضرّج بالدّم ؟! أترونهم ما علموا فضلهم الذي أجمع عليه كافة الـمُسلمين , أم عساهم جهلوا رتبتهم العالية عند ربّ العالمين ؟ كلا , ولكن أغواهم الشّيطان وأوصلهم إلى دار الهوان( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) :
أيأمن وحش البر غائلة الورى |
وآل النّبي الـمُصطفى غير آمن |
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
تكدرت الدنيا عليهم وقد صفت |
لكل عنيد جاهل متماجن |
فيا خيبة ظالميهم كيف لم يتفطّنوا بما ورد فيهم ؟ فممّا صح روايته من طريق الخصم , مرفوعاً إلى أحمد بن حنبل , عن عليّ (عليهالسلام ) , قال : (( أخذ النّبي (صلىاللهعليهوآله ) بيد الحسن والحُسين , فقال : مَن أحبّني وأحبّ هذين وأباهما واُمّهما , كان معي يوم القيامة )).
وبالإسناد المذكور , مرفوعاً إلى عليّ (عليهالسلام ) , قال : (( دخل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وأنا نائم في المنام , فاستسقى الحسن والحُسين )) قال (ع) : (( فقام النّبي إلى شاة لنا كي يحلبها فدرّت , فجاء الحُسين فنحّاه النّبي , فقالت فاطمة : يا رسول , كان الحسن أحبّهما إليك ؟ فقال : لا , لكن استسقي قبله ثمّ قال (ص) : إنّي وإيّاك وهذين وهذا الرّاقد في مكان واحد يوم القيامة )).
وبالإسناد المذكور , قال (ع) : (( كان الحسن والحُسين يأتيان رسول الله وهو في الصّلاة فيثبان عليه , فإذا نهيا عن ذلك , أشار بيده دعوهما , فإذا قضى الصّلاة , ضمّهما وقال : مَن أحبّني فليحب هذين )).
وبالإسناد المذكور , عن عليّ (عليهالسلام ) : (( قال (ص) : في الجنّة درجة تُسمّى الوسيلة , وهي لنبيّ أو لرسول , فإذا سألتموها لي ؟ قالوا : ومَن يسكن معك فيها ؟ قال (ص) : فاطمة والحسن والحُسين )) :
أيا بني الوحي والتنزيل يا أملي |
يا من ولاهم غداً في البر يؤنسني |
|
حزني عليكم جديد دائم أبداً |
ما دمت حياً إلى أن ينقضي زمني |
روي : أنّه لـمّا كان من أمر الحُسين (عليهالسلام ) ما كان , وقُتل شهيداً وقُطع رأسه الشّريف , أمر عمر بن سعد (لعنه الله) بدفن جميع الخوارج والمنافقين من بني اُميّة , وتركوا الحُسين (عليهالسلام ) على وجه الأرض ملقى بغير دفن وكذلك أصحابه , وجاءوا بالنّساء قصداً وعناداً وعبّروهم على مصارع آل الرّسول , فلمّا رأت اُمّ كلثوم أخاها الحُسين (عليهالسلام ) وهو مطروح على وجه الأرض , تسفوا عليه الرّياح وهو مكبوب مسلوب , وقعت من أعلى البعير إلى الأرض , وحضنت أخاها الحُسين , وهي تقول ببكاء وعويل : يا رسول الله , انظر إلى جسد ولدك ملقى على الأرض بغير غسل ، كفنه الرّمل السّافي عليه وغسله الدّم الجاري من وريده , وهؤلاء أهل بيته يُساقون اُسارى في سبي الذي ما لهم محام يمانع عنهم , ورؤوس أولاده مع رأسه الشّريف
على الرّماح كالأقمار فلمّا أحسّوا بها , عنّفوها وأركبوها وصاروا بها , باكية لا ترقى لها دمعة ولا تبطل لها حسرة :
ستسأل تيم عنهم وعديها |
وبيعتهم من أفجر الفجرات |
|
هم منعوا الآباء عن أخذ حقهم |
وهم تركوا الأبناء رهن شتات |
|
وهم عدلوها عن وصي مُحمّد |
فبيعتهم جاءت على الفلتات |
روي : أنّ فاطمة (عليهاالسلام ) لا زالت بعد رسول الله معصبة الرّأس ناحلة الجسم , منهدّة الرّكن من المصيبة بموت النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , وهي ؛ مغمومة مهمومة , محزونة مكروبة , كئيبة باكية العين , محترقة القلب , يُغشى عليها ساعة بعد ساعة حين تذكره , وتذكر السّاعات التي كان يدخل فيها عليها , فيعظم حزنها مرّة بعد مرّة , وتنظر مرّة إلى الحسن ومرّة إلى الحُسين وهما بين يديها , فتقول : (( أين أبوكما النّبي كان يكرمكما ويحملكما مرّة بعد مرّة ؟ أين أبوكما النّبي كان أشدّ النّاس شفقة عليكما , فلا يدعكما تمشيان على وجه الأرض ؟ فإنّا لله وإنا إليه راجعون , فُقد والله جدّكما وحبيب قلبي , ولا أراه يفتح هذا الباب أبداً , ولم يحملكما على عاتقه كما لم يزل يفعل بكما )).
ثمّ إنّها مرضت مرضاً شديداً , ومكثت أربعين ليلة في مرضها الذي توفّيت فيه , فلمّا نُعيت إليها نفسها , دعت اُمّ أيمن وأسماء بنت عميس , ووجّهت خلف عليّ وأحضرته , وقالت : (( يابن العمّ , إنّه قد نُعيت إليّ نفسي , وإنّني لأرى ما بي لا شك , إلا أنّني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة , وأنا أوصيك بأشياء في قلبي )) قال لها عليّ (عليهالسلام ) : (( أوصيني بما أحببت يابنة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) )) فجلس عند رأسها وأخرج مَن كان في البيت , ثمّ قالت: (( ابن العم , ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني ؟ )) فقال (عليهالسلام ) : (( معاذ الله ! أنت أعلم بالله وأتقى وأكرم , وأشدّ خوفاً من الله أن أوبّخك بمخالفتي , فقد عزّ عليّ مفارقتك وفقدك إلا أنّه أمر لا بدّ منه , والله جدّدت عليّ مصيبة رسول الله , وقد عظمت وفاتك وفقدك , فإنّا لله وإنّا إليه راجعون , مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها , هذه والله مصيبة لا عزاء لها ورزيّة لا خلف لها )) ثمّ بكيا جميعاً ساعة واحدة على رأسها وضمّها إلى صدره , ثمّ قال : (( أوصيني بما شئت تجديني وفيّاً , امضي كلّ ما امرتيني به وأختار أمرك على أمري )) ثمّ قالت : (( جزاك الله عنّي خير الجزاء , يابن العم , أوصيك أوّلاً أن تتزوّج
بعدي بابنة أختي أمامة ؛ فإنّها تكون لولدي مثلي , فإنّ الرّجال لا بدّ لهم من النّساء , ثمّ أوصيك يابن العم , أنّ تتخذ لي نعشاً , فقد رأيت الملائكة صوروا صورته )) فقال لها : (( صفيه لي )) فوصفته , فاتخذه لها ، فأوّل نعش عُمل على وجه الأرض ذلك , وما رأى أحد قبله , ثمّ قالت : (( أوصيك أن لا يشاهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني واخذوا حقّي , فإنّهم أعدائي وأعداء رسول الله , ولا تترك أن يُصلّي عليّ أحد منهم ومن أتباعهم , وادفني في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار )) ثمّ توفيت (صلوات الله عليها).
وعن ابن عباس , أنّه قال : لـمّا جاء فاطمة الأجل , لم تحل ولم تصدع ولكن أخذت بيد الحسن والحُسين , فذهبت بهما إلى قبر النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , فاجلستهما عنده , ثمّ وقفت بين المنبر والقبر فصلّت ركعتين , ثمّ ضمّت الحسن والحُسين إلى صدرها والتزمتهما , وقالت : (( يا أولادي , اجلسا عند أبيكما ساعة )) وعليّ (عليهالسلام ) يفتي في المسجد , ثمّ رجعت من عندهما نحو المنزل , فحملت ما فضل من حنوط النّبي , فاغتسلت به ولبست فضل كفنه , وقالت : (( يا أسماء )) ( وهي : امرأة جعفر الطّيار ) فقالت : لبيك يا بنت رسول الله قالت : (( تعاهديني , فإنّي أدخل هذا البيت فأضع جنبي ساعة , فإذا مضت ساعة ولم أخرج فناديني ثلاثاً , فإن أجبتك , وإلّا فاعلمي أنّي لحقت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) )) ثمّ قامت مقام رسول الله في بيتها , فصلّت ركعتين , ثمّ جلّلت وجهها بطرف ردائها , وقضت نحبها.
وفي نقل آخر : أنّها ماتت في سجودها , فلمّا مضت ساعة , أقبلت أسماء فنادت : يا فاطمة الزّهراء ! يا اُمّ الحسن والحُسين ! يا بنت رسول الله ! يا سيّدة نساء العالمين ! فلم تجب , فإذا هي ميتة - قيل لابن عباس : كيف عَلمت وقت وفاتها ؟ قال : اعلمها أبوها - ثمّ إنّ أسماء شقّت جيبها , وقالت : كيف أجترئ أن أخبر ابني رسول الله بوفاتك ؟ ثمّ خرجت فتلقّاها الحسن والحُسين , فقالا : (( أين اُمّنا ؟ )) فسكتت فدخلا البيت فإذا هي ممتدة , فحرّكها الحُسين فإذا هي ميتة , فقال : (( يا أسماء , آجرك الله في الوالدة )) وخرجا يُناديان : (( يا مُحمّداه ! يا أحمداه ! اليوم جُدّد لنا موتك إذ ماتت اُمّنا )) ثمّ أخبرا عليّاً وهو في المسجد , فغشي عليه حتّى رُشّ عليه الماء ، فلمّا أفاق حملهما حتّى أدخلهما إلى بيت فاطمة , وعند رأسها أسماء تبكي وتقول : وا ابنا محمداه ! كنّا نتعزّى بفاطمة بعد موت جدّكما , فيمن نتعزى بعدها ؟ فكشف
عليّ عن وجهها , فإذا برقعة عند رأسها , فنظر إليها فإذا فيها : (( بسم الله الرّحمن الرّحيم , هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول الله , وهي تشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمداً عبده ورسوله , وأنّ الجنّة حقّ والنّار حقّ , وأنّ السّاعة آتية لا ريب فيها , وأنّ الله يبعث مَن في القبور يا عليّ , أنا فاطمة بنت مُحمّد , زوّجني الله منك ؛ لأكون لك في الدّنيا والآخرة , أنت أولى بي من غيرك , حنّطني وغسّلني وكفّني , وصلّ عليّ , وادفنّي بالليل , ولا تعلم أحداً , واستودعك الله , واقرأ ولدي السّلام إلى يوم القيامة )) فلمّا جنّ الليل , غسّلها عليّ ووضعها على السّرير , وقال للحُسين : (( ادع لي أبا ذر )) فدعاه , فحملاها إلى الـمُصلّى , فصلّى عليها , ثمّ صلّى ركعتين ورفع يده إلى السّماء , فنادى : (( هذه بنت نبيك فاطمة , اخرجها من الظّلمات إلى النّور )) فأضاءت الأرض ميلاً في ميل , فلمّا أرادوا أن يدفنوها , نادوا من بقعة من البقع : إليّ إليّ , فقد رفع تربتها منّي فنظروا فإذا بقبر محفور , فحملوا السّرير إليه فدفنوها , فلمّا أنزلها عليّ والحسن والحُسين (عليهمالسلام ) , جلس عليّ على شفير القبر , فقال : (( يا أرض استودعتك وديعتي , هذه فاطمة بنت رسول الله )) فنودي منها : (( يا عليّ , أنا أرفق بها منك , فارجع ولا تهتم )) فرجع وانسدّ القبر واستوت الأرض , فلم يُعلم اين كان إلى يوم القيامة.
وفي نقل آخر : أنّها لـمّا توفيت (عليهاالسلام ) , صاح أهل المدينة صيحة واحدة , واجتمعت نساء بني هاشم في دارها , فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة أن تتزعزع من صراخهنّ , وهنّ يقلنّ : يا سيدتاه ! يا بنت رسول الله ! وأقبل النّاس إلى عليّ وهو جالس والحسن والحُسين بين يديه يبكيان والنّاس يبكون لبكائهما , وخرجت اُمّ كلثوم عليها برقعها وهي تجرّ ذيلها , متجللة برداء عليها تسحبه وهي تقول : يا أبتاه ! يا رسول الله ! الآن فقدناك فقداً لا لقاء بعده أبداً واجتمع النّاس فجلسوا وهم يرجون أن تخرج الجنازة ليصلّوا عليها , فخرج أبو ذر , فقال : انصرفوا , فإنّ بيت مُحمّد قد أخّر إخراجها في هذه العشيّة فانصرف النّاس , فلمّا أن هدأت العيون ومضى شطر من الليل , أخرجها ؛ عليّ والحسنان , وعمار والمقداد , وعقيل وأبوذر وسلمان , ونفر من بني هاشم , ودفنوها في جوف الليل , وسوّى عليّ (عليهالسلام ) حولها قبوراً مزوّرة ؛ حتّى لا يُعرف قبرها , وقال عند دفنها : (( السّلام عليك يا رسول الله عنّي , ومن ابنتك النّازلة في جوارك السّريعة اللحاق بك , قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري
ورقّ عنها تجلدي , إلا أنّ لي في التّأسّي بعظم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعزّ ، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك , وفاضت بين نحري وصدري نفسك , فإنّا لله وإنّا إليه راجعون , فلقد استرجعت الوديعة وأخذت الرّهينة , أمّا حزني فسرمد , وأمّا ليلي فمسهد إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم , وستنبئك فاحفها السؤال واستخبرها الحال , هذا ولم يطل العهد , والسّلام عليكما سلام مودّع لا قال ولا سئم , فإن انصرف لا عن ملالة , وإن أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد الله الصّابرين )).
قال الأصبغ بن نباتة : سُئل أمير المؤمنين (عليهالسلام ) عن علّة دفن فاطمة ليلاً ، فقال (عليهالسلام ) : (( إنّها كانت ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها , وحرام على مَن لا أتولاهم أن يصلّي على أحد من ولدها )).
قال عبد الرّحمن الهمداني : لـمّا دفن عليّ فاطمة , قام على شفير القبر وأنشأ يقول :
لكل اجتماع من خليلين فرقة |
وكل الذي دون الفراق قليل |
|
وإن افتقادي فاطماً بعد أحمد |
دليل على أن لا يدوم خليل |
|
سيعرض عن ذكري وينسى مودتي |
ويحدث بعدي للخليل خليل |
فتفكّروا يا إخوان الدّين على هؤلاء الكفرة الملاعين , كيف انتهزوا في أهل بيت الرّسول الفرص , وجرّعوهم كاسات الغصص , ضيّعوا من الرّسول وصيته , وابتزّوا نحلته , وشحّوا ببلغة ذرّيّته , وغدروا ببيته وعترته شرّدوهم عن الأوطان , وتتبعوهم في كلّ مكان , فوا حسرتاه عليهم ! ووا لهفتاه لديهم ! فعلى مثل هؤلاء فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , وعليهم فلتذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ عليّ بن عبد الحميد (رحمه الله تع الى)
أيحسن من بعد الفراق سرور |
وكيف وعيشي بعد ذاك مرير |
|
تنكرت الأيام من بعد بعدهم |
فعيني عبرى والفؤاد كسير |
|
على لذة العيش الحشاء وهل ترى |
يلذذ مكروب الفؤاد أسير |
|
يقول عذولي أين صبرك إننا |
عهدناك لا تخشى وأنت صبور |
|
تروح عليك النائبات وتغتدي |
وما أنت مما يعتريك ضجور |
إذا ما عرى الخطب المهول وأصبحت |
له نوب أمواجهن تمور |
|
لبست له الصبر الجميل ذريعة |
فقلبك مرتاح وأنت قرير |
|
فأي مصاب هد ركنك وقعه |
فقلبك فيه حرفة وزفير |
|
لحى الله عذالي أما علموا الذي |
عراني ومما الدمع ظل يفور |
|
أعاذل خل اللوم عني فإنه |
أصابك إثمّ لو علمت كبير |
|
أتنسى مصاب السبط نفسي له الفدا |
مصاب له قتل النفوس حقير |
|
أبى الذل لـمّا حاولوا منه بيعة |
وإن حسيناً بالإباء جدير |
|
وراح إلى البيت الحرام يؤمه |
بعزم شديد ليس فيه قصور |
|
فجاءته كتب الغادرين بعهده |
فأقدم إلينا فالنصير كثير |
|
فقدم من قبل القدوم بمسلم |
فأسلمه العادون وهو كسير |
|
فألقوه من فوق الجدار معفراً |
له طيب جنات الخلود مصير |
|
ووافاهم حتّى أناخ بكربلا |
على أنهم عون له ونصير |
|
فلما أتاه الحر بالخيل ضمراً |
جياد على أصواتهن شرور |
|
فقال علينا أم لنا قال بل إلى |
قتالك يا بن الأكرمين نسير |
|
فقال أما كاتبتموني وقلتم |
إلينا فها كل إليك يشير |
|
فقالوا كذبنا كي يحط بك الردى |
ونشفي بأخذ الثأر منك صدور |
|
وجاء ابن سعد بالجيوش كأنها |
عمام تفاديها صبا ودبور |
|
فقال لهم يا عصبة الكفر إنني |
لعمري على مر الزمان صبور |
|
أما فاطم أمي أما حيدر أبي |
وجعفر عمي في الجنان يطير |
|
أما جدي الهادي أما أنا سبطه |
أما بذوي القربى إلي يشير |
|
بأي إجترام أم بأي جناية |
أبحتم قتلي أن ذا لغور |
|
فقالوا أطع حكم الأمير فإننا |
إلى أمره فيما يقول نصير |
|
وإلّا فدع عنك الجدال وقم إلى |
القتال فإن القول منك كثير |
|
فلما رأى أن لا مناص من الردى |
وإن مراد القوم منه كبير |
|
فقال لأهليه وباقي صحبه |
ألا إن لبثي فيكم ليسير |
|
عليكم بهذا الليل فاستتروا به |
وقوموا وجدوا في الظلام وسيروا |
ويأخذ كل منكم يد واحد |
من الآن واخفوا في البلاد وغوروا |
|
فما بغية الأرجاس غيري وخالقي |
على كل شيء يبتغيه قدير |
|
فقالوا معاذ الله نسلمك للعدى |
وتضفي علينا للحياة ستور |
|
فأي حياةٍ بعد فقدك نرتجي |
وأي فؤادٍ يعتريه سرور |
|
ولكن نقي عنك الردى بسيوفنا |
لتحظى بنا دار النعيم وحور |
|
فقال جزيتم كل خير فأنتم |
لكل الورى يوم القيامة نور |
|
فأصبح يدعو هل مغيث يغيثنا |
فقلّ مجيبوه وعز نصير |
|
ولم تبق إلّا عصبة علوية |
لهم عزمات ما بهن قصور |
|
ولما شبت نار الحروب وأضرمت |
وقت نفسه هام لهم ونحور |
|
ولم أنسه يوم الهياج كأنه |
هزبر له وقع السيوف زئير |
|
يكر عليهم والحسام بكفه |
فلم ير إلّا صارخ وعفير |
|
وراح إلى نحو الخيام مودعاً |
يهمهم بالقرآن حيث يسير |
|
فقمن إليه الفاطميات حسراً |
يفدينه والمعولات كثير |
|
فقال استعينوا بالإله فإنه |
عليم بما يخفي العباد بصير |
|
الا لا تشققن الجيوب ولا يرى |
لكن عويل إن ذاك غرور |
|
ألم تعلمي يا أخت أن جميع من |
على الأرض كل للمماة يصير |
|
عليك بزين العابدين فإنه |
إمامك بل للمؤمنين أمير |
|
أطيعي له إن قال مولى فإنه |
المطاع بأحكام الكتاب خبير |
|
عليّ بطفلي كي أودعه انني |
عليه لعمري مشفق وحذير |
|
فلما أقل الطفل يطلب لثمه |
ومن حوله خيل العداة تدور |
|
رموه بسهم ظل منه معفراً |
وظل دم الأوداج منه يفور |
|
فقال إلهي أنت أعلم بالذي |
لقيت وهذا في رضاك يسير |
|
وشد عليهم شدة علوية |
تكاد لها الصم الصلاد تمور |
|
فقاتلهم فرداً وحيداً وإذا هم |
ثلاثون ألفاً دارع وحسير |
|
يفرون كالمعزى إذا شد نحوهم |
أبو أشبل عبل الذراع مبير |
|
إذا ما سطا شاهدت هاماً مفلقاً |
وأيد من الضرب الدراك تطير |
|
بخط يخطي القنا فهي ظهورهم |
خطوطاً لها وقع السيوف سطور |
إذا جردت يوم الهياج سيوفه |
فلا سيف إلّا والرقاب حفير |
|
رقا فوق أطباق الطباق وقد غدا |
له فوق أملاك السماء سرير |
|
له زجل كالرعد والبرق سيفه |
فيمطرهم حتفاً لهم فيبير |
|
فلما رأوا أن لا وصول إلى الذي |
يريدون والأمر المراد خطير |
|
تنادوا ألا بالنبل نيل مرادكم |
وإلّا فخلوا عن لقاه وسيروا |
|
فظلت بنو الزرقاء ترشق وجهه |
بنبل له نحو الحسين دروروا |
|
رموه بسهم طاح في وسط لبه |
وآخر في نحر الحُسين يفور |
|
فخر صريعاً لليدين مرمل |
الترائب لا يلوي عليه نصير |
|
وجاء سنان فارتقى فوق صدره |
وظل لأوداج الحُسين يبير |
|
وعلا كريم السبط من فوق ذابل |
كبدر مطل في البلاد يسير |
|
فيا ذلة الإسلام من بعد عزه |
ويا لك رزء في الأنام خطير |
|
وأي حياة بعد ذي الرزء يرتجى |
وأي فؤاد يعتريه سرور |
|
فيا عبرتي سحي ويا حرقتي ازدري |
ويا نفس ذوبي فالمصاب كبير |
|
على طيب عيش لو صفا بعدك العفا |
وظلمة حزني لا أضاء لك نور |
|
ومر جواد السبط يبدي صهيله |
إلى نعي مولاي الحُسين يشير |
|
فقمن إليه الفاطميات حسراً |
يقلن ألا ويل لكم وثبور |
|
قتلتم حسيناً ليت لا در فوقكم |
سحاب هطول صوبهن درور |
|
وراحوا إلى سلب الفواطم جهرة |
وظل عليّ في القيود أسير |
|
ولم أنس بنت الـمُرتضى زينباً وقد |
رأته صريعاً والدماء تفور |
|
فنادت بأعلى صوتها مستجيرة |
ألا هل لنا مما نراه مجير |
|
أيا جد لو عاينت سبطك بالعرا |
قتيلاً بأرض الطف وهو عفير |
|
أيا جد لو عاينتنا ورأيتنا |
اسارى إلى نحو الشئام نسير |
|
أخي يا أخي ما كان أسرع فرقتي |
ألا أن دهري بالكرام عثور |
|
حيارى على الأقتاب تبدو وجوهها |
وكان لعمري دونهن ستور |
|
بناتك ياجداه تبدوا جسومها |
ونسوة حرب دونهن قصور |
|
ألسنا ذوي القربى أما حقنا على |
الأنام به نص الكتاب يشير |
أما قلت يا جد احفظوهم فإنهم |
لكم عصم فيها الحياة ونور |
|
فلو لم تقل هذا ترى كان أمرنا |
إلى بعض ما قد صيروه يصير |
|
فأبكت جميع النّاس طراً بنوحها |
لعمري كبير منهم وصغير |
|
لقد هدموا الدين الحنيف بقتله |
وظل عمود الدين وهو كسير |
|
وأني ليعرفوني إذا ما ذكرتهم |
غرام تكاد النفس منه تطير |
|
أفكر في هذا المصاب فأغتدي |
كأني رغاء في الرغاء أغور |
|
وقال أناس جل أن ير هالكاً |
ولكن لعيش راح وهو نظير |
|
وليس كما قالوا ولكن إلهنا |
ابتلاه لكي يلقاه وهو صبور |
|
فيجزيه بالفضل العميم وجنة |
النعيم ويجزي قاتليه سعير |
|
أيا آل طه والحواميم والنسا |
ومن بهم يرجو النجاة أسير |
|
وعودكم دار الرضا ووعيدكم |
سعير لها في الظالمين سعير |
|
علي فتى عبد الحميد بمدحكم |
طروب بكم يوم الحساب قرير |
|
بحبكم يعلو على قمم العلا |
وأنتم له يوم القيامة نور |
|
ومن أنتم عون له في وجودكم |
فمتن بأن يلقى الرسا وجدير |
|
منحتكم مدحي رجاء شفاعة |
لدى الحشر والراجي لذاك كثير |
|
خذوها قصيداً يخجل الشمس نورها |
ويعجز عنها جرول وجرير |
|
إذا نثرت بين الملأ بمديحكم |
تضوع منها مندل وعبير |
|
محررة قد زانها بث مدحكم |
وما شأنها عما يراد قصور |
|
عليكم سلام الله ما لاح بارق |
وما غردت فوق الغصون طيور |
الباب الثالث
يا إخواني , سارعوا إلى الخيرات وارتقوا إلى علي الدّرجات , واجتهدوا في شكر من يفضلّه أولاكم , ودلكم على موالات وليّكم ومولاكم , فتابعوه إن كنتم تحبّوه فما أمكنكم من الأقوال والأعمال , فإنّه لا خير في قول تكذبه الفعال ، واعدّوا ذلك من أتمّ النّعم الواصلة إليكم والتي أفاضها الله واسبغها عليكم ، فيا لها نعمة فاز بها المؤمنون , فاغنت عنهم يوم لا ينفع مال ولا بنون.
فيا إخواني , إنّ نظرتم ببصر بصيرتكم , عرفتم مَن تقصدونه بعزيّتكم ، إنّكم والله تعزّون البتول
والنّبي الـمُصطفى الرّسول , والوصي الـمُرتضى والزّكي المجتبى , وأئمة الهُدى وذوي النّهى , وحجج الله في الورى.
فبالله عليكم أيّها المحبّون لأولاد فاطمة الزّهراء , نوحوا واندبوا على المنبوذين بالعراء , المسلوبين لأولاد الأدعياء , المحمولين على أقتاب الجمال بلا مهاد ولا وطاء :
اُصيبت ذراري الـمُصطفى بمصيبة |
تجدد حزني كل يوم مجدد |
|
أذاب فؤادي رزؤهم فبكيتهم |
لأنهم فخري وذخري وسؤدد |
|
فكيف ألذ العيش أو أعرف الكرى |
وقلبي على جمر الغضا يتوقد |
روي عن بعض الثُقاة الأخيار : أنّ الحسن والحُسين (عليهماالسلام ) دخلا يوم عيد على حجرة جدّهما رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , فقالا : (( يا جدّاه , اليوم يوم العيد , وقد تزيّن أولاد العرب بألوان اللباس ولبسوا جديد الثّياب , وليس لنا ثوب جديد , وقد توجّهنا لجنابك لنأخذ عيديتنا منك , ولا نريد سوى ثياب نلبسها )) فتأمّل النّبي (صلىاللهعليهوآله ) إلى حالهما وبكى , ولم يكن عنده في البيت ثياب تليق بهما , ولا رأى أن يمنعهما فيكسر خاطرهما , فتوجّه إلى الأحدية وعرض الحال على الحضرة الصّمدية , وقال : (( إلهي , اجبر قلبهما وقلب اُمّهما )) فنزل جبرائيل من السّماء تلك الحال , ومعه حلّتان بيضاوتان من حلل الجنّة , فسّر النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , وقال لهما : (( يا سيّدي شباب أهل الجنّة , هاكما أثوابكما خاطهما خيّاط القدرة على طولكما , أتتكما مخيطة من عالم الغيب )) فلمّا رأيا الخلع بيضاً , قالا : (( يا جدّاه , كيف هذا وجميع صبيان العرب لا بسون ألوان الثّياب ؟! )) فأطرق النّبي (صلىاللهعليهوآله ) ساعة متفكّراً في أمرهما , فقال جبرائيل : يا مُحمّد , طب نفساً وقُر عيناً , إنّ صابغ صبغة الله عزّ وجلّ يقضي لهما هذا الأمر , ويفرّح قلوبهما بأيّ لون شاء , فأمر يا مُحمّد , بإحضار الطّشت والإبريق فحضرا , فقال جبرائيل : يا رسول الله , أنا أصبّ الماء على هذه الخلع , وأنت تفركهما بيدك , فتصبغ بأيّ لون شاءا فوضع النّبي حلّة الحسن في الطّشت , فأخذ جبرائيل يصبّ الماء ، ثمّ أقبل النّبي على الحسن , وقال : (( يا قرّة عيني , بأيّ لون تريد حلّتك ؟ )) فقال : (( أريدها خضراء )) ففركها النّبي (صلىاللهعليهوآله ) بيده في ذلك الماء , فأخذت بقدرة الله لوناً أخضر فابقاً كالزّبرجد الأخضر , فأخرجها النّبي (صلىاللهعليهوآله ) وأعطاها للحسن فلبسها , ثمّ وضع حلّة الحُسين (عليهالسلام ) في الطّشت , وأخذ جبرائيل يصبّ الماء , فالتفت النّبي إلى نحو
الحُسين , وكان له من العمر خمس سنين , وقال له : (( يا قرّة عيني , أيّ لون تريد حلّتك ؟ )) فقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( يا جدّاه , أريدها حمراء )) ففركها النّبي بيده في ذلك الماء , فصارت حمراء كالياقوت الأحمر فلبسها الحُسين , فسرّ النّبي (صلىاللهعليهوآله ) بذلك , وتوجّه الحسن والحُسين إلى اُمّهما فرحين مسرورين , فبكى جبرائيل لـمّا شاهد تلك الحال , فقال النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( يا أخي , في مثل هذا اليوم الذي فرح فيه ولداي تبكي وتحزن , فبالله عليك إلّا ما أخبرتني ؟ )) فقال جبرائيل : اعلم يا رسول الله , إنّ اختيار ابنيك على اختلاف اللون , فلا بدّ للحسن أن يسقوه السّم , ويخضر لون جسده من عظم السّم , ولابدّ للحُسين أن يقتلوه ويذبحوه ويخضّب بدنه من دمه فبكى النّبي (صلىاللهعليهوآله ) وزاد حزنه لذلك.
وروى هشام بن عروة , عن اُمّ سلمة , أنّها قالت : رأيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يُلبس ولده الحُسين (عليهالسلام ) حلّة ليست من ثياب أهل الدّنيا , وهو يُدخل أزرار الحُسين بعضها ببعض , فقلت له : يا رسول الله , ما هذه الحلّة ؟ فقال : (( هذه هدية أهداها إليّ ربّي لأجل الحُسين , وأنّ لحمتها من زغب جناح جبرائيل , وها أنا اُلبسه إيّاها وأزيّنه بها , فإنّ اليوم يوم الزّينة وأنا أحبّه )).
وروى أبو عبد الله المفيد النّيسابوري في أماليه , أنّه قال : قال الرّضا (عليهالسلام ) : (( عري الحسن والحُسين (عليهماالسلام ) وقد أدركهما العيد , فقالا لاُمّهما فاطمة : يا اُمّاه , قد تزيّن صبيان المدينة إلّا نحن , فما بالك لا تزيّنيننا بشيء من الثّياب , فها نحن عرايا كما ترين ؟ فقالت لهُما : يا قُرّة العينين , إنّ ثيابكما عند الخياط , فإذا خاطها وأتى بها زيّنتكما بها يوم العيد تطيب خواطرهما , قال : فلمّا كانت ليلة العيد , أعادا القول على اُمّهما وقالا : يا اُمّاه , الليلة ليلة العيد فبكت فاطمة رحمة لهما , وقالت لهما : يا قُرّة العينين طيبا نفساً , إذا أتاني الخيّاط بها , زيّنتكما إن شاء الله تعالى قال : فلمّا مضى وهن من الليل وكانت ليلة العيد , إذ قرع الباب قارع , فقالت فاطمة : مَن هذا ؟ فنادى : يا بنت رسول الله , افتحي الباب أنا الخيّاط قد جئت بثياب الحسن والحُسين قالت فاطمة : ففتحت الباب , فإذا هو رجل لم أر أهيب منه شيبة ولا أطيب منه رائحة , فناولني منديلاً مشدوداً ثمّ انصرف لشأنه , فدخلت فاطمة وفتحت المنديل , فإذا فيه قميصان ودراعتان وسروالان ورداءان وعمامتان وخفّان , فسرّت فاطمة بذلك سروراً عظيماً , فلمّا استيقظ الحسنان , ألبستهما وزيّنتهما
بأحسن زينة , فدخل النّبي إليهما يوم العيد وهما مزيّنان , فقبّلهما وهنأهما بالعيد , وحملهما على كتفيه ومشى بهما إلى اُمّهما , ثمّ قال : يا فاطمة , رأيت الخيّاط الذي أعطاك الثّياب هل تعرفيه ؟ قالت : لا والله , لست أعرفه ولست أعلم أنّ لي ثياباً عند الخياط , فالله ورسوله أعلم بذلك فقال : يا فاطمة , ليس هو خيّاط , وإنّما هو رضوان خازن الجنان , والثّياب من حلل الجنّة , أخبرني بذلك جبرائيل عن ربّ العالمين )) :
فضائلهم جلت مناقبهم علت |
مدائحهم شهد منائحهم ند |
|
علوا في الورى جداً واُماً ووالداً |
وطابوا وطاب الاُم والأب والجد |
|
بأسمائهم يستجاب البر والرضا |
بذكرهم يستدفع الضر والجهد |
روى بعض الأخيار : أنّ أعرابياً أتى الرّسول , فقال له : يا رسول الله , لقد صدت خشفة غزالة وأتيت بها إليك؛ هدية لولديك الحسن والحُسين , فقبّلها النّبي ودعا له بالخير , فإذا الحسن واقف عند جدّه , فرغب إليها وأعطاها إيّاه , فمضى ساعة إلّا والحُسين قد أقبل , فراى الخشفة عند أخيه يلعب بها , فقال : (( يا أخي , من أين لك هذه الخشفة ؟ )) فقال الحسن : (( أعطانيها جدّي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) )) فسار الحُسين مسرعاً إلى جدّه , فقال : (( يا جدّاه , أعطيت أخي خشفة يلعب بها ولم تعطني مثلها ؟ )) وجعل يكرر القول على جدّه وهو ساكت , لكنّه يسلّي خاطره ويلاطفه بشيء من الكلام , حتّى أفضى من أمر الحُسين إلى أن همّ يبكي , فبينما هو كذلك , إذ نحن بصياح قد ارتفع عند باب المسجد , فنظرنا فإذا ظبية ومعها خشفها , ومن خلفها ذئبة تسوقها إلى رسول الله وتضربها بأحد أطرافها , حتّى أتت بها إلى النّبي , ثمّ نطقت الغزالة بلسان فصيح , وقالت : يا رسول الله , قد كانت لي خشفتان , إحداهما صادها الصّياد وأتى بها إليك , وبقيت لي هذه الاُخرى وأنا بها مسرورة , وإنّي كنت الآن أرضعها , فسمعت قائلاً يقول : أسرعي أسرعي يا غزالة بخشفك إلى النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , وأوصليه سريعاً ؛ لأنّ الحُسين واقف بين يدي جدّه وقد همّ أن يبكي , والملائكة بأجمعهم قد رفعوا رؤوسهم من صوامع العبادة , ولو بكى الحُسين , لبكت الملائكة المقرّبون لبكائه وسمعت أيضاً قائلاً يقول : أسرعي يا غزالة , قبل جريان الدّموع على خدّ الحُسين , فإن لم تفعلي سلّطت عليك هذه الذّئبة تأكلك مع خشفك.
فأتيت بخشفي إليك يا رسول الله , وقطعت مسافة بعيدة , لكن طويت الأرض حتّى أتيتك سريعة , وأنا أحمد الله ربّي كيف جئتك قبل جريان دموع الحُسين على خدّه فارتفع التّكبير والتّهليل من الأصحاب , ودعا النّبي (صلىاللهعليهوآله ) للغزالة بالخير والبركة , وأخذ الحُسين الخشفة وأتى بها إلى اُمّه الزّهراء (عليهاالسلام ) , فسرّت بذلك سروراً عظيماً.
فيا أيّها السّامعون تأمّلوا وتبصّروا وتدبّروا وتفكّروا , إذا كان النّبي (صلىاللهعليهوآله ) يحزنه حزنهما ويسرّه سرورهما , وكذلك الزّهراء اُمّهما , وكذلك الأنزع البطين أبوهما , فكيف لو نظروه مطروحاً على الرّمضاء , يتلظّى من الظّمأ بين الأعداء , وذراريه وأولاده يُحملون على الأقتاب بغير غطاء ولا وطاء ؟! حزناً والله لا ينفذ وحسرة في طول الزّمان تجدد فعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فقال فيهم :
القصيدة للشيخ الخليع ي (رحمه الله تع الى)
لم أبك من وقفة على الدمن |
ولا لخل نأى ولا سكن |
|
ولم تهجني الديار موحشة |
ولا شجتني بواكر الظعن |
|
لكن شجاني بكاء فاطمة |
على أبيها بمدمع هتن |
|
وبيت أحزانها ووحدتها |
فيه حمى مقلتي عن الوسن |
|
ومنعها من حقوقها بأباطيل |
أحاديثهم يروعني |
|
وقولهم ليس للنبي مواريث |
خلاف الفروض والسنن |
|
ومشيها في ملاءة مثل مشي |
الـمُصطفى راعني وأرقني |
|
مع نسوة من قريش تحجبها |
وهي تشكو من لوعة الحزن |
|
وا حر قلبي لها وأَنتها |
قد أجهشتهم والدمع كالمزن |
|
ثم تنادي الأنصار يا بيضة الإسلام |
هل من ناصر فينصرني |
|
أنا ابنة الـمُصطفى النّبي ومن |
أطفأ نار الضلال والفتن |
|
إن لم تكونوا أنصار آل رسول |
الله فما ينوبهم فمن |
|
خذوا بحقي من المكذب بالدين |
فقد دعّني ودافعني |
|
بأي شرع يزوى تراث أبي |
عني ويجتاحني ويظلمني |
هل دنت ربي بغير ملته |
أو لم أطعه فلا يورثني |
|
أم خصّ هذا دوني وعلمه |
ما لم يكن والدي يعلمني |
|
حتى احتوى نحلتي وبلغة أطفالي |
عناداً منه وأعوزني |
|
فليرتحلها مخطومة ذللا |
تكون في قبره مع الكفن |
|
ويوم حشر العباد ألقاه والحاكم |
رب الأنام ذو المنن |
|
ويلاه من كل شارق بهج |
ويلاه من كل غارب وجن |
|
مات اعتمادي وفت في عضدي |
ونيل مني وقد وهى ركني |
|
وجار في حكم ظالمي سفهاً |
فحسبي الله فهو ينصفني |
|
وحسب خصمي والدي وبما |
أودعني قبل أن يودعني |
|
يا سادتي يا بني النّبي ومن |
مديحهم في المعاد ينقذني |
|
حبكم في الورى يشرفني |
وبغض أعدائكم يخلصني |
|
ديني هو الله والنبي ومولاي |
إمام الهدى أبو حسن |
|
عرفتهم بالدليل والنظر |
المبضر لا كالمقلد اللكن |
|
والقول عندي بالعدل معتقدي |
من غير شك فيه يخامرني |
|
لست أرى أن خالقي أبداً |
يفعل بي ما به يعاقبني |
|
ولا على طاعة ومعصية |
يحيرني كارهاً ويلزمني |
|
وكيف يعزى إلى القبيح من الفعل |
وحاشاه وهو عنه غني |
|
لكن أفعال تناط بنا ما |
كان من سيء ومن حسن |
|
وبالدليل القطعي أوجب للمعصوم |
حكم الحضور والزمن |
|
ولا أولي حكم الكتاب إلى |
من لا على سورة بمؤتمن |
|
وكل من يدعي الإمامة بالباطل |
عندي كعابد الوثن |
|
يا محنة الله في العباد ومن |
رميت فيه بسائر المحن |
|
يا نافذ الأمر في السماء وفي الأرض |
ويا من إليه مرتكن |
|
تكليمك الجنان والجنيين وإحياؤك |
للميت ليس يقنعني |
|
وردك الشمس بعدما غربت |
تدهش غيري وليس تدهشني |
|
والماء لـمّا طغى الفرات وما |
حدّث سلمان لا يغيرني |
أوردت قلبي ماء الحياة ولم |
تزل بكأس اليقين تنهلني |
|
فمشربي منك لم يزل أبداً |
يورد عني وعنك يوردني |
|
ونشوئي من شراب معرفتي |
تطرب مني طوراً وتطربني |
|
دعاك سري بحيث تسمع نجواي |
وتدعو سري فتسمعني |
|
وكلما ازددت فيك معرفة |
ينكرني حاسدي ويجحدني |
|
ولست آسي بالقرب منك على |
مقصر في هواك يبعدني |
|
تمنعت أعين المعارف أن تدرك |
إلّا للباحث اللسن |
|
والعلم يأبى أن ينال بغير الجد |
فلينتبه ذووا الفطن |
|
فاسمع لها درة مهذبة |
تعرف عن صدر عارف لقن |
|
تكرم في نائلها وغرابتها |
والمندل الرطب هين العطن |
|
بك الخليعي يستجير فكن |
عوناً له من طوارق الفتن |
المجلس السّابع
في الليلة الرّابعة من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
أيّها الاُمناء الصّالحون والأتقياء الصّادقون , اعلموا أنّ الله تعالى جعل أعمار العباد مضمار السّباق إلى دار السّلام ، فيا خيبة مَن أفنى عمره فيما ليس له بل عليه ! ويا حسرته إذا جاء الأجل ووافى إليه ! :( حَتّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبّ ارْجِعُونِ * لَعَلّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيَما تَرَكْتُ كَلّا إِنّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (١) لا سيّما إذا كان الخصم في يوم المعاد رسول الله الشّاهد على العباد ، فيا ليت علمي ماذا هناك الظّالم لعترة الرّسول , جهدوا في إطفاء نور خاتم النّبيين , ومحوا ذرّيّته من بين العالمين , ومنعوهم من الأخماس التي جعلها الله تعالى لهم عوضاً عن أوساخ النّاس , وانتزعوا ما انتحلهم الرّسول (صلىاللهعليهوآله ) , ولم يرقبوا ربّهم ولم يلتفتوا إليه حتّى أذاقوهم حرّ السّيوف ومرارات الحتوف , فهم ما بين قتيل مرمّل بدمائه , ومشرّد عن أوطانه وأحبّائه , أو طريح ملقى بالعراء يودّ أنّه يكون تحت طباق الثّرى حتّى لا يُرى ، أهكذا أمرهم الرّحمن ؟ اُمّ على هذا دلّهم الرّسول والدّيان ؟ :
الفيء منقسم لغيرهم |
وأكفهم من فيئهم صفر |
|
المال حل للعصات ويحرمه |
الكرام السادة الغر |
|
والناس في أمن وليس لهم |
عن طارق يغشاهم حذر |
____________________
(١) سورة المؤمنون / ٩٩ - ١٠٠.
ويكاد من خوف ومن فزع |
بهم يضيق البر والبحر |
|
حال تسود ذوي النهي وبها |
يستبشر المتجاهل العمر |
روي عن الصّادق جعفر بن مُحمّد (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( لـمّا ولي أبو بكر بن أبي قحافة , قال له عمر : إنّ النّاس عبيد هذه الدُنيا لا يريدون غيرها , فامنع عن عليّ وأهل بيته الخمس والفيء وفد كاً , فإنّ شيعته إذا علموا ذلك , تركوا عليّاً وأقبلوا إليك ؛ رغبة في الدّنيا وإيثاراً لها ومحاباة عليها ففعل أبوبكر ذلك وأضرب عنهم جميع ذلك , فلمّا أقام مناديه : مَن كان له عند رسول الله دين أو عدّة , فليأتني حتّى أقضيه ؟ قال عليّ لفاطمة (عليهماالسلام ) : سيري إلى أبي بكر وذكّريه فسارت فاطمة إليه , وذكرت له فدكاً مع الخمس والفيء , فقال لها : هاتي بيّنة يا بنت رسول الله فقالت : أمّا فدك , فإنّ الله أنزل على نبيّه قُرآناً يأمره بأن يعطيني وولدي حقّي , قال الله تعالى :( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّهُ ) (١) فكنت أنا وولدي أقرب الخلائق إلى رسول الله , فنحلني وولدي خاصّة فدكاً , فلمّا تلا جبرائيل :( وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ ) (٢) قال رسول الله : أين حقّ المسكين وابن السّبيل ؟ فأنزل الله تعالى :( وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنّ للّهِِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ ) (٣) فقسّم الله الخمس ستة أقسام , فقال :( مَا أَفَاءَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلّهِ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ ) (٤) كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم , فما لله فهو لرسول الله , وما لرسول الله فهو لذي القُربى , وقد قال الله تعالى :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٥) فنظر أبو بكر إلى عمر , وقال له : ما تقول ؟ فقال عمر : فأريّ الخمس والفيء , كلّه لكم ولمواليكم وأشياعكم ؟! فقالت فاطمة (عليهاالسلام ) : أمّا فدك , فقد أوجبها الله لي ولولدي من دون موالينا وشيعتنا , وأمّا الخمس , فقسّمه الله لنا ولموالينا وشيعتنا , ما تقرأ في كتاب الله تعالى ؟! قال عمر : فما لسائر المهاجرين والأنصار والتّابعين بإحسان ؟ فقالت فاطمة : إن كانوا من موالينا وأشياعنا , فلهم ما لنا وعليهم ما علينا , وإن لم يكونوا من أشياعنا , فلهم الصّدقات التي أوجبها الله في كتابه , فقال :( إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ ) (الآية)(٦) فقال عمر : فدك خاصّة والخمس والفيء لكم ولأوليائكم , ما أحسب
____________________
(١) سورة الرّوم / ٣٨.
(٢) سورة الإسراء / ٢٦.
(٣) سورة الأنفال / ٤١.
(٤) سورة الحشر / ٧.
(٥) سورة الشّورى / ٢٣.
(٦) سورة التّوبة / ٦٠.
أصحاب مُحمّد يرضون بهذا فقالت فاطمة : إنّ الله تعالى رضي بذلك ورسوله رضي له , وقسّمه على الموالاة والمتابعة لا على المعاداة والمخادعة , ومَن عادانا فقد عادا الله , ومَن خالفنا فقد خالف الله , ومَن خالف الله فقد استوجب من الله العذاب الأليم والعقاب الشّديد في الدُنيا والآخرة فقال عمر : هاتي بيّنة على ما تدّعين فقالت فاطمة : قد صدّقتم جابر بن عبد الله وجريراً بن عبد الله , ولم تسألوهما البيّنة وبيّنتي في كتاب الله ؟! فقال عمر : إنّ جابراً وجريراً ذكرا أمراً هيّناً , وأنت تدّعين أمراً عظيماً تقع به الرّدة من المهاجرين والأنصار فقالت (عليهاالسلام ) : إنّ المهاجرين برسول الله وأهل بيت رسول الله هاجروا إلى دينه , والأنصار بالإيمان بالله وبرسوله وبذي القربى أحسنوا , فلا هجرة إلّا إلينا , ولا نصرة إلّا لنا , ولا اتباع بإحسان إلّا لنا , ومَن ارتدّ عنّا فإلى الجاهلية فقال لها عمر : دعينا من أباطليلك وأحضرينا مَن يشهد لك بما تقولين.
فبعثت إلى عليّ والحسن والحُسين واُمّ أيمن وأسماء بنت عميس - وكانت يومئذ تحت أبي بكر , وكانت من قبل زوجة جعفر بن أبي طالب - فشهدوا لها بجميع ما قالت ، فردّ عمر شهادة الجميع , وقال : كلّ هؤلاء يجرّون النّفع إلى أنفسهم , فقال له عليّ : أمّا فاطمة فبضعة رسول الله , ومَن آذاها فقد آذى رسول الله , ومَن كذّبها فقد كذّب رسول الله , وأمّا الحسن والحُسين فابنا رسول الله , وسيّدا شباب أهل الجنّة , مَن كذّبهما فقد كذّب رسول الله إذ كان أهل الجنّة صادقين , وأمّا أنا , فقد قال رسول الله : أنت منّي وأنا منك , وأنت أخي في الدّنيا والآخرة , والرّاد عليك كالرّاد عليّ , مَن أطاعك فقد أطاعني , ومَن عصاك فقد عصاني , وأمّا اُمّ أيمن , فقد شهد لها النّبي بالجنّة , ودعا لأسماء بنت عميس وذرّيّتها فقال عمر : أنتم كما وصفتم به أنفسكم , ولكن شهادة الجار إلى نفسه لا تُقبل فقال عليّ (عليهالسلام ) : إذا كنُا بحيث تعرفون ولا تنكرون , وشهادتنا لأنفسنا لا تُقبل , وشهادة رسول الله لا تُقبل , فإنّا لله وإنّا إليه راجعون إذا دعينا لأنفسنا سُئلنّا البيّنة , أفما من معين يعين ؟ وقد وثبتم على سُلطان الله وسُلطان رسوله , فأخرجتموه من بيته إلى بيت غيره من غير بيّنة ولا حجّة :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) ثمّ قال لفاطمة : انصرفي حتّى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين )).
قال الـمُفضل بن عمر : قال مولاي جعفر بن مُحمّد الصّادق (عليهالسلام ) : (( كلّ ظلامة حدثت في الإسلام
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
أو تحدث , وكلّ دم مسفوك حرام , أو منكر مشهور , وأمر غير محمود , فوزره في أعناقهما وأعناق من شايعهما وتابعهما وأعانهما , ورضي ولايتهما إلى يوم تقوم السّاعة )).
وعن الحارث البصري , قال : دخلت على أبي جعفر (عليهالسلام ) , فجلست عنده , فإذا نجبة قد استأذن عليه , فأذن له فدخل , فجثي على ركبتيه , ثمّ قال : جعلت فداك ! إنّي أريد أن أسألك عن مسألة , ما أريد بها إلّا فكاك رقبتي من النّار فكأنّه رقّ له فاستوى جالساً , فقال : جعلت فداك ! ما تقول في فلان وفلان ؟ فقال : (( يا نجبة , لنا الخمس في كتاب الله , ولنا الأنفال ولنا صفو المال ، هُما والله أوّل من ظلمنا حقّنا في كتاب الله , وأوّل من حمل النّاس على رقابنا , ودماؤنا في أعناقهما إلى يوم القيامة ؛ بظلمنا أهل البيت )) فقال نجبة : إنّا لله وإنّا إليه راجعون (ثلاث مرّات) , هلكنا وربّ الكعبة فرفع (ع) فخذه عن الوسادة واستقبل القبلة , ودعا بدعاء فلم أفهم منه شيئاً , إلّا إنّا سمعناه في آخر دعائه وهو يقول : (( اللّهمّ , إنّا أحللنا ذلك لشيعتنا )) قال : ثمّ أقبل إلينا بوجهه , وقال : (( يا نجبة , ما على فطرة إبراهيم غيرنا وغير شيعتنا )).
فيا إخواني , هل يجب الإقتداء في الدّين بالذين اتخذوا دينهم لهواً , وغرّتهم الدُنيا وقنعوا بعاجلها , ورضوا برئاستها وبما نالوه من حطامها , وجلسوا غير مجالسهم , ووردوا غير مشاربهم , ونازعوا الأمر مستحقّيه , وولوا في دين الله بالرّأي , وحكموا بغير ما أنزل الله , فأتبعهم السّواد الأغلب , وأهل الفاقة والاحتياج , ورعاع المدن كبني اُميّة وبني العباس , ومَن تابعهم في المآكل والمشارب والمناكح , ومَن أبدع في الفجور وشرب الخمور ، وعبث بالمردان بخلاف ما أمر الرّحمن ، والتّواريخ والكتب تنطق بأعمالهم , فهل هؤلاء أئمة الدّين ؟! أم عليّ وأولاده المعصومون , المأمونون على سرّ الله , المحتجون بغيبته , المستسرون بدينه , المعلنون به , الواصفون لعظمته , المتنزّهون عن معاصيه , الدّاعون إلى سبيله , السّابقون في علمه , المجاهدون في طاعته , تلامذة الرّسول في المنقول والمعقول , أهل العلوم والأذكار , نقلة الأسرار ، حملة الكتاب , أولوا الألباب , الذين حفظوا في جوارحهم من العبث ونفوسهم من الوعث , الزّهاد العبّاد الأتقياء الأمجاد.
فيا إخواني , أيّ الفريقين على الحقّ , وأولى بالأمر وأحق ؟ ولكن الشّمس تطمس أعين الخفاش , والحقّ مضرّ باستماع الأوباش :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) :
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
شعر للخليعي (رحمه الله تعالى )
ألا من يدعي الإيمان فأبذل |
حنيناً باحتراق واكتئاب |
|
وعزى المرتضى في السبط وأذرف |
من الأجفان دمعاً ذا انسكاب |
|
وقل لو أن عينك عاينته |
طعيناً في ثرى الرمضاء كأبي |
|
ولو عاينت بنتك تستجير |
الطغاة وتختفي بين الشعاب |
|
صفيت القلب من أرجاس قوم |
ومكنت الحسام من الرقاب |
|
فيا رب السّماء إليك نشكو |
من الفجار نسل بني كلاب |
روي : أنّ النّبي (صلىاللهعليهوآله ) لـمّا مرض مرض الموت , اتفق يوماً كان رأسه في حجر اُمّ الفضل - امرأة العباس - فاستعبرت اُمّ الفضل وبكت , وقطرت دموعها على خدّ رسول الله , فقال لها : (( ما يبكيك يا اُمّ الفضل ؟ )) قالت : بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ! إنّك نعيت لنا نفسك , فقُلت : قال الله تعالى :( إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُم مَيّتُونَ ) (١) فإن كان هذا الأمر فينا , فبيّنه لنا , وإن كان في غيرنا فأوص بنا ؟ فقال (صلىاللهعليهوآله ) : (( ابعثي إلى ابني الحسن والحُسين )) ففعلت , فلمّا أقبلا , استدناهما إلى صدره , ووضع خدّ أحدهما على خدّه الأيمن , وخدّ الآخر على خدّه الآخر , ثمّ استعبر فبكى وبكى مَن كان حاضراً , وصاحت فاطمة وقالت شعراً :
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه |
ثمال اليتامى عصمة للأرامل |
فقال رسول الله (ص) : (( يا فاطمة , هذا قول عمّك ولكن قولي :( وَمَا مُحمّد إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) (٢) أنتم المقهورون بعدي المستضعفون , فمَن صبر منكم واحتسب في دار البوار , كان له الدّائم الباقي في دار القرار :( وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (٣) )) قالت اُمّ الفضل : يا رسول الله , إلى مَن نفرغ بعدك ؟ قال (ص) : (( إلى أخي ووصيي وخليفتي , أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب )) فلمّا اشتدّ الأمر برسول الله , خلا بعليّ (عليهالسلام ) يوم الإثنين , وقال لعائشة وسائر نسائه وأصحابه وأهل بيته : (( هذا يوم لا يجتمع فيه عندي غير عترتي أهل بيتي ؛ عليّ وفاطمة والحسن والحُسين , فإنّهم شُركائي في ديني ودقيق أموري وجليلها )) فكان عليّ (عليهالسلام ) عند رأسه ويده اليمنى على ذقنه , وفاطمة من الجانب الآخر ,
____________________
(١) سورة الزّمر / ٣٠
(٢) سورة آل عمران / ١٤٤.
(٣) سورة الأعلى / ١٧.
والحسن والحُسين إلى جانبهما , ثمّ إنّ عليّاً غمّض رسول الله , فلمّا مات النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , سُمع هاتف من ناحية البيت يتلو :( كُلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عِنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدّنيا إِلّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) (١) لنبلونّ آل مُحمّد في أموالكم وأنفسكم , ولتسمعنّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا , أذى كثيراً , في الله خلف من كلّ هالك , ودرك من كلّ فائت , وعزّ من كلّ مصيبة , ألا إنّ المحروم مَن حُرم ثوابه , والمغبون مَن غيّر دينه , والمصائب من ذهب يقينه.
فيا إخواني , إذا رجعنا إلى أنفسنا وتركنا عبادة الهوى ومتابعة مَن ضلّ وغوى , أترى تكون فاطمة (عليهاالسلام ) راضية حين عصرها خالد بن الوليد , فأسقطت محسناً , وضربها قنفذ مولى أبي بكر فأثّر فيها الضّرب ؟ أفتراها تكون راضية حين سُحب زوجها وابن عمّها وأبو السبطين ؟ أفترى منع إرثها وتكذيب شهودها على دعواها ترضاها ؟ أتراها لو شاهدت عساكر بني اُميّة , وقد استداروا على ولدها الحُسين (عليهالسلام ) يريدون قتله , ويكيدونه بالعطش , ويمنعونه شرب الماء الـمُباح , ويرشقونه بالنّبال حتّى خرقوا جلدته , ويضربونه بالسّيوف حتّى رُويت الأرض من دمه , ويطعنونه بالرّماح حتّى خرّ إلى الأرض مجدّلاً , وأحروا السّكاكين على أوداجه ورقبته حتّى فصلوا رأسه عن بدنه , وسلخوا جلد وجهه , وألقوا عظامه وجسده أشلاء للطير والوحش , وقتلوا أهله ورجاله , ونهبوا حرمه , وتتبّعوا شيعته قتلاً وتمثيلاً ، فهل تكون راضية بذلك أم غضبانة ؟ وإذا كانت غضبانة , أيكون الله عزّ وجلّ غضباناً ؟ أم يكون هذا كلّه في رضا الأوّل والثّاني والثّالث , ومعاوية ويزيد بن معاوية , هيّناً عند الله ؟ كلا , ولكن راجعون على الأعقاب القهقري :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (٢) .
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ مفلح الصيمري (رحمه الله تعالى )
أعد لك يا هذا الزمان محرم |
أم الجور مفروض عليك محتم |
|
أم أنت ملوم والجدود لئيمة |
فلم ترع إلّا للذي هو ألأم |
____________________
(١) سورة آل عمران / ١٨٥.
(٢) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
فشأنك تعظيم الأراذل دائماً |
وعرنين أرباب الفصاحة ترغم |
|
إذا زاد فضل المرء زاد امتحانه |
وترعى لمن لا فضل فيه وترحم |
|
إذا اجتمع المعروف والدين والتقى |
لشخص رماه الدهر وهو مصمم |
|
وكم جامع أسباب كل رذيلة |
وليس لما قد قال أو قيل هم |
|
فأضحى وقد ألقى الزمان جراءه |
لديه فيقضي ما يشاء ويحكم |
|
وذاك لأن الدين والعلم والندى |
له معدن أهلوه يؤخذ عنهم |
|
فمعدنه آل النّبي مُحمّد |
وخيرهم صنو النّبي الأعظم |
|
فاقبلت الدّنيا عليه بزينة |
وألقت إليهم نفسها وهي تبسم |
|
فاعرض عنها كارهاً لنعيمها |
وقابلها منه الطلاق المحرم |
|
فمالت إلى أهل الرذائل والخنا |
وأومت إليهم أيها القوم أقدموا |
|
فجاءوا إليها يهرعون فأقبلت |
عليهم وقالت فاسمعوا ثمّ افهموا |
|
صداقي عليكم ظلم آل مُحمّد |
وشيعتهم أهل الفضائل منهم |
|
فقالوا رضينا بالصداق وأسرجوا |
على حربهم خيل الضلال وألجموا |
|
وشنوا بها الغارات من كل جانب |
وخصّوا بها آل النّبي وصمموا |
|
أزالوهم بالقهر عن إرث جدهم |
عناداً وما شاءوا أحلوا وحرموا |
|
وقادوا عليّاً في حمائل سيفه |
وعمار دقوا ضلعه وتهجموا |
|
على بيت بنت المصطفى وإمامهم |
ينادي ألا في بيتها النار أضرموا |
|
وتغصب ميراث النّبي مُحمّد |
وتوجع ضرباً بالسياط وتلطم |
|
وأعظم من كل الرزايا رزية |
مصارع يوم الطّفّ أدهى وأعظم |
|
فما أحدث الأيام من يوم أنشئت |
ولا حادث فيها إلى يوم تعدم |
|
بأعظم منها في الزمان رزية |
يقام لها حتّى القيامة مأتم |
|
ولم أنس سبط المصطفى وهو ظامي |
يذاد عن الماء المباح ويحرم |
|
وقد صرعت أنصاره وهو مفرد |
ينادي ألا هل راحم يترحم |
|
ألسنا أولي القربى الذي أجبت لنا |
مودتنا آي الكتاب عليكم |
|
ألسنا آل النّبي مُحمّد |
يصلّى عليهم دائماً ويسلم |
|
تموت عطاشى آل بيت مُحمّد |
ويشرب هذا الماء ترك وديلم |
|
أهذا الذي أوصى النّبي بآله |
ألم تسمعوا أم ليس في القوم مسلم |
فقالوا له إن شئت ترجع سالماً |
وتسقى من الماء الزلال وتطعم |
|
فبايع طوعاً للأمير مسالماً |
وإلّا فحد السيف فيك محكم |
|
فقال لهم لا تزعمون بأنني |
أبايع رهباً خيفة الموت فاعلموا |
|
وما هي إلّا ساعة ثمّ ألتقي |
بجدي وأحظى بالجنان وأنعم |
|
ويجمعنا يوم القيامة معشر |
وأقبل فيه شاكياً أتظلم |
|
فخصمكم فيه النّبي وحيدر |
وفاطمة والسجن فيها جهنم |
|
أهل تخصمون المصطفى وابن عمه |
وفاطمة لم ذلك اليوم تخصموا |
|
فما زادهم ما قال إلّا تجبراً |
وصاح ابن سعد عجلوا وتهجموا |
|
فمالوا عليه بالسيوف وبالقنا |
فبارزهم وهو الهزبر الغشمشم |
|
وحكم فيهم سمهريا مقوماً |
وأبيض لا ينبو ولا يتثلم |
|
وصال عليهم صولة علوية |
فكانوا كضأن صال فيهم ضيغم |
|
فصاروا عريناً كلما فر فوقه |
ومال إلى الأخرى ففي الحال تهزم |
|
فنادى ابن سعد بالرماة ألا أقصدوا |
إليه جميعاً بالسهام ويمموا |
|
ففوق كل سهمه وهو مغرق |
من النزع نحو السبط وهو مصمم |
|
فصادته في النحر سهم مصرد |
له شعب قعب المنية تعلم |
|
فخرّ طريحاً في التراب معفراً |
يعالج نزع السهم والسهم محكم |
|
ويأخذ من دم الوريد بكفه |
ويرمي به نحو السما يتظلم |
|
فنادى ابن سعد من يجيء برأسه |
فسار إليه الشمر لا يتبرم |
|
وأضجعه فوق التراب معفراً |
ينادي أيا جداه هل أنت تعلم |
|
بأني صريع في التراب مجدلا |
أو ينحر نحري والضلوع تحطم |
|
فقال له من أنت يا ذا ألا أنتمي |
فإنك أقسى كل قلب وأجرم |
|
فقال هو أنا الشمر الضبابي راجياً |
بقتلك أن اُحبى عظيماً وأكرم |
|
فقال له إن الحبي عند والدي |
وجدي واُمي في القيامة أعظم |
|
فما زاد قلب الرجس إلّا قساوة |
وميز عنه الرأس لا يترحم |
|
تكاد السماوات الشداد لقتله |
تفطرن والأرضون تخسف فيهم |
|
وكور أنوار النجوم جميعها |
وأمطرت الدم السّماء عليهم |
|
وبادر ينعاه الحصان مسارعاً |
إلى خيم النسوان وهو يحمحم |
فلما رأين المهر والسرج خالياً |
خرجن وكل حاسر وهي تلطم |
|
ونادين هذا اليوم مات مُحمّد |
ومات عليّ والزكي وفاطم |
|
فهذا الذي أبقى لنا الدهر بعدهم |
نصان به من كل سوء ونعصم |
|
وهذا الذي كنا نعيش بظله |
يلوذ به طفل رضيع وايم |
|
وهذا هو الحصن الذي كان محصناً |
لنا من صروف الدهر فهو مهدم |
|
فهذا حسين في التراب مجدلا |
ونحن سبايا نستباح ونغنم |
|
فشن عليهم ابن سعد بغارة |
ونادى مباح ما حواه المخيم |
|
وصرن بأيدي المجرمين غنيمة |
وتسلب كل ما عليها وتلطم |
|
فيا لك من يوم به الكفر ناطق |
ودين الهدى أعمى أصم وأبكم |
|
فو الله ما أدري الحُسين ورهطه |
وصيرهم فيئاً يحاز ويقسم |
|
سوى حبتر ثمّ الدلام ونعثل |
لأنهم في كل ظل تقدموا |
|
وتلك التي جاءت تقود عساكراً |
على جمل يحدو بها المترنم |
|
وخالفت القرآن ثمّ تبرجت |
تبرج أهل الجهل بل هي أعظم |
|
لنفرق شمل الدين بعد اجتماعه |
وتنقض ما قد أبرموه وأحكموا |
|
أبوها يولي الدبر في كل موقف |
وابنته عند اللقاء تتقدم |
|
ألا لعن الله المهيمن حبتراً |
وابنته تعداد ما الله يعلم |
|
وبعدهما فالعن دلاماً ونعثلاً |
وهنداً ونغليها ومن مال معهم |
|
والعن مرواناً وآل اُميّة |
كذلك دعى العاص فهو المزنم |
|
ولا تنسى أبا موسى وضاعف لعنه |
ومن قد رضي في أنه يتحكم |
|
برئت إلى الرّحمن ثمّ مُحمّد |
وحيدرة وابنيه والأم منهم |
|
ومن دان في أقوالهم وأفعالهم |
ومن كل شيعي ففي اللعن عنهم |
|
فلعنهم للدين أصل مؤصل |
ودين بلا أصل فذاك مهدم |
|
أيا سادتي يا آل بيت مُحمّد |
بكم مفلح مستعصم متلزم |
|
فأنتم له حصن منيع وجنة |
وعروته الوثقى بداريه أنتم |
|
ألا فاقبلوا من عبدكم ما استطاعه |
فعبدكم عبد مقل ومعدم |
|
فأنتم مما قلت أو قال قائل |
من النّاس طراً يا موالي أعظم |
الباب الثّاني
اعلموا أيّها المؤمنون , إنّ فضل ساداتكم لا يُحصى ولو اجتمع له العالمون , وما جهد المادحون في مدح مَن ورد في مدحهم القرآن المُبين ؟ ولعمري , إنّ في فضيلة مَن فضائلهم عبرة للمعتبرين وتبصرة للمتبصّرين , إلّا مَن أغواه الشّيطان , فأصمّ سمعه وعميت منه العينان ، فتبّاً لـمَن أعمتهم أطماعهم الدّنيّة ، وأهواؤهم المرديّة الرّديّة ، فجعلوا يركضون على مطايا الأطماع , ويتحمّلون من الأثقال ما لا يُستطاع ، فتعساً لهم ما حملهم على غصب البتول وقتل ذرّيّة الرّسول , أليس هي إلّا أيّام قلائل ؟ حتّى يردوا على الهول الهائل :( نَاراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (١) .
فيا إخواني , كيف لا تتمايل أعطافي وتظهر نشوتي , وقد شربت بالكأس المترع من رحيق محبّتي لمواليي وساداتي ؟:
حديث فإن ربي العقيق ويثمد |
يحلى بطيب حديثها قلبي الصد |
|
إيه بعيشك كيف خلفت الحمى |
قد طال عهدي بالديار فجدد |
|
بالله قص عليّ من أنبائهم |
فإذا ثملت بها وملت فردد |
فيا إخواني , إذا ذكرت ما أصابهم من الآلام في تلك الأوقات والأيام , اعتراني الهمّ والحزن حتّى أكاد أن تُسلب روحي من البدن , فاشتهي مَن أبثّ حزني إليه ؛ ليساعدني ما أنا عليه.
روي : أنّه لـمّا قدم آل الله وآل رسوله على يزيد في الشّام , أفرد لهم داراً , وكانوا مشغولين بإقامة العزاء , وإنّه كان لمولانا الحُسين (عليهالسلام ) بنتاً عمرها ثلاث سنوات , ومن يوم استشهد الحُسين ما بقيت تراه , فعظم ذلك عليها واستوحشت لأبيها , وكانت كلّما طلبته , يقولون لها : غداً يأتي ومعه ما تطلبين إلى أن كانت ليلة من الليالي رأت أباها بنومها , فلمّا انتبهت , صاحت وبكت وانزعجت , فهجعوها وقالوا : لما هذا البكاء والعويل ؟ فقالت : آتوني بوالدي وقرّة عيني وكلّما هجعوها , ازدادت حزناً وبكاءاً , فعظم ذلك على أهل البيت , فضجّوا بالبكاء وجدّدوا الأحزان , ولطموا الخدود وحثوا على رؤوسهم التّراب , ونشروا الشّعور وقام الصّياح , فسمع يزيد صيحتهم وبكاءهم , فقال : ما الخبر ؟ قالوا : إنّ بنت الحُسين الصّغيرة رأت أباها بنومها , فانتبهت وهي تطلبه وتبكي
____________________
(١) سورة التّحريم / ٦.
وتصيح فلمّا سمع يزيد ذلك , قال : ارفعوا رأس أبيها وحطّوه بين يديها ؛ لتنظر إليه وتتسلّى به فجاءوا بالرّأس الشّريف إليها مُغطّى بمنديل ديبقي , فوضع بين يديها وكُشف الغطاء عنه ، فقالت : ما هذا الرّأس ؟ قالوا لها : رأس أبيك فرفعته من الطّشت حاضنة له , وهي تقول : يا أباه ! مَن ذا الذي خضّبك بدمائك ؟ يا أبتاه ! مَن ذا الذي قطع وريدك ؟ يا أبتاه ! مَن ذا الذي أيتمني على صغر سنّي ؟ يا أبتاه ! مَن بقي بعدك نرجوه ؟ يا أبتاه ! مَن لليتيمة حتّى تكبر ؟ يا أبتاه ! مَن للنساء الحاسرات ؟ يا أبتاه ! مَن للأرامل المسبيّات ؟ يا أبتاه ! مَن للعيون الباكيات ؟ يا أبتاه ! مَن للضائعات الغريبات ؟ يا أبتاه ! مَن للشعور المنشرات ؟ يا أبتاه ! مَن بعدك ؟ واخيبتنا ! يا أبتاه ! مَن بعدك ؟ واغربتنا ! يا أبتاه ! ليتني كنت الفدى ، يا أبتاه ! ليتني كنت قبل هذا اليوم عميا يا أبتاه ! ليتني وسدت الثّرى ولا أرى شيبك مخضّباً بالدّماء.
ثمّ إنّها وضعت فمها على فمه الشّريف , وبكت بُكاءاً شديداً حتّى غشي عليها ، فلمّا حرّكوها , فإذا بها قد فارقت روحها الدُنيا ، فلمّا رأوا أهل البيت ما جرى عليها , أعلنوا بالبكاء واستجدّوا العزاء , وكلّ مَن حضر من أهل دمشق , فلم ير في ذلك اليوم إلّا باك وباكية ، فقامت زينب بنت أمير المؤمنين , وقالت : أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض , فأصبحنا نُساق كأنّا اُسراء الزّنج والحبش ، إنّ بنا على الله كرامة وبك عليه هواناً ، وإنّ ذلك لعظم خطرك عند الله ، شمخت بأنفك ونظرت في عطفك ، جذلان مسروراً حين رأيت الدُنيا بك مستوسقة , والأمور متّسقة ، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا ، مهلاً مهلاً ، أنسيت قول الله تعالى :( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ِلأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (١) أمن العدل يابن الطُلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا ؟! هتكت ستورهنّ وأبديت وجوههنّ , يحدوا بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد ، ويستشرفهنّ أهل المناهل والمناقل , ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد والدّني والشّريف ، ليس معهنّ من رجالهنّ ولي ، ولا من حماتهنّ حمى ، كيف تستبطي ظلمنا أهل البيت ؟! ثمّ تقول , غير مستأنف ولا مستعظم :
لأهلوا واستهلوا فرحاً |
ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل |
____________________
(١) سورة آل عمران / ١٧٨.
منحنياً على ثنايا أبي عبد الله الحُسين , ريحانة رسول الله سيّد شباب أهل الجنّة , تنكثها بمخصرتك ، وكيف لا تقول ذلك ؟! أو قد نكأت القرحة وأنصلت الشّأفة بإراقتك دماء ذرّيّة مُحمّد (صلىاللهعليهوآله ) , نجوم الأرض من آل عبد الـمُطلب , وتهتف بأشياخك زعمت تناديهم , لتردن وشيكاً موردهم , ولتودّن أنّك شللت قبل فعلتك هذه وبكمت ولم تكن قلت ما قلت.
ثمّ قالت : اللّهمّ , خُذ بحقّنا وانتقم ممّن ظلمنا , واحلل غضبك بمن سفك دماء ذرّيّته , وانتهاك حرمته في عترته , حيث يُجمع شملهم ويُلم شعثهم ويؤخذ بحقّهم :( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (١) وحسبك الله حاكماً ومُحمّد خصيماً وجبرائيل ظهيراً , فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النّجباء بحزب الشّيطان الطُلقاء ، فهذه الأيدي تنفط من دمائنا والأفواه تتحلّب من لحومنا , وتلك الجثث الطّواهر الزّواكي , تتناهبها العوائل وتعفّرها اُمّهات الفواعل ، وإن اتخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً , حين لا تجد إلّا ما قدّمت يداك , والله ليس بظلام للعبيد ، فإلى الله الـمُشتكى وعليه المعوّل , فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك ، فو الله , لا تمحو ذكرنا ولا تمت وحينا ولا تدرك أمدنا , ولا تدحض عنك عارها ، وهل رأيك إلّا فند وأيّامك إلّا عدد وجمعك إلّا بدد , يوم ينادي المنادي : ألا لعنة الله على القوم الظّالمين.
قال : فنظر رجل من الشّام إلى يزيد (لعنه الله) , وقال : يا أمير , هب لي هذه الجارية فقالت فاطمة لعمّتها زينب : يا عمّتاه ! قُتلت رجالنا , ليت الموت أعدمني الحياة ولا كنت اُسبى بين الأعداء فقالت زينب : لا حبّاً ولا كرامة لهذا الفاسق فقال الشّامي : مَن هذه الجارية ؟ قال يزيد (لعنه الله) : هذه فاطمة الصّغرى بنت الحُسين , وتلك زينب بنت أمير المؤمنين فقال الشّامي : لعنك الله يا يزيد , تقتل عترة نبيّك وتسبي ذرّيّته فقال يزيد : لألحقنّك بهم.
فيا إخواني , رحم الله قوماً باعوا أنفسهم بالآخرة , وتركوا العيش الأهنى والنّعيم الأسنى , فنالوا السّعادة الأبدية والدّولة السّرمدية , فقطّعوا القلوب واشتروا النّعيم الدّائم بقليل من المحن والكروب :
وفاطمة الصغرى تقول لأختها |
سكينة خوف السبي وهو مكيد |
|
وزينب ما بين السّماء وقلبها |
قريح وبالأحزان فهو كميد |
|
تقول وللأحزان في القلب مبدع |
ومبدي لاسرار الهموم مقيد |
____________________
(١) سورة آل عمران / ١٦٩.
أخي يابن اُمي يا شقيقي وسيد |
ومن لي دون الأنام عميد |
|
عليك جفوني الذاريات ذوارف |
وأما دموعي المرسلات نجود |
|
أخي ثل عرش الدين وانهد ركنه |
وعطل منه إذ أصبت حدود |
يا ويلهم ! كأنّهم لم يسمعوا ما اُنزل في حقّهم , ولم يعتبروا ما قاله النّبي في نعتهم , بل والله قد عرفوا وانكروهم وأساءوا إليهم بعدما أخبروهم.
روي عن ابن عبّاس في تفسير قوله تعالى :( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السّماءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ) (١) إنّه إذا قبض الله إليه نبيّاً من الأنبياء , بكت عليه السّماء والأرض أربعين سنة , وإذا مات إمام من الأئمة الأوصياء , تبكي عليه السّماء والأرض أربعين شهراً , وإذا مات العالم العامل بعلمه , بكيا عليه أربعين يوماً , وأمّا الحُسين (عليهالسلام ) فتبكي عليه السّماء طول الدّهر ، وتصديق ذلك أنّ يوم قتله قطرت السّماء دماً , وإنّ هذه الحُمرة التي تُرى في السّماء , ظهرت يوم قُتل الحُسين ولم تُر قبله أبداً ، وإنّ يوم قتله لم يُرفع حجر في الدُنيا إلّا وجد تحته دم حُكي في بعض الأخبار : إنّ الحُسين لـمّا سقط عن سرجه يوم الطّفّ , عفيراً بدمه رامقاً بطرفه , يستغيث فلا يُغاث ويستجير فلا يُجار , بكت ملائكة السّماء , وقالوا : إلهنا وسيدنا , يُفعل هذا كلّه بابن بنت نبيّك وأنت بالمرصاد , تنظر وترى وأنت شديد الإنتقام فأوحى الله إليهم يقول : (( يا ملائكتي , انظروا عن يمين العرش )) فينظرون , فيمثّل الله لهم شخص القائم المهدي , فيرونه يُصلّي عن يمين العرش راكعاً وساجداً , فيقول : (( يا ملائكتي , سأنتقم لهذا بهذا )) ثمّ يقول : (( يا ملائكتي , إنّي قتلت بثأر يحيى بن زكريا , سبعين ألفاً من بني إسرائيل , وسأقتل بثأر الحُسين بن فاطمة الزّهراء , سبعين ألفاً وسبعين ألفاً من بني اُميّة على يد القائم المهدي , ولهم في الآخرة عذاب عظيم )) :
إلى أي عدل أم إلى أي رأفة |
سواهم يؤم الظاعن المتحمل |
|
لأهل العمى فيهم جلاء من العمى |
مع النصح لو أن النصيحة تقبل |
روى صاحب زهرة الكمال , قال : لمّا اُخرج آدم (عليهالسلام ) من الجنّة , انحدر ببلدة من بلاد الهند تسمّى سرانديب , وبقي يبكي على مصيبته مدّة طويلة , حتّى نُقل أنّه ظهرت لمحاكيه ولم يبق لها لحم بفيه , فمنّ عليه الملك الجليل بإرسال جبرائيل , فكشف له عن بصره حتّى أراه ساق العرش , فرأى أنواراً ساطعة كالنّجوم اللامعة ,
____________________
(١) سورة الدّخان / ٢٩.
فتلاها وإذا هي ؛ مُحمّد وعليّ وفاطمة , والحسن والحُسين والأئمة من ولده (عليهمالسلام ) , حصناً مَن دخله كان آمناً فقال : يا أخي جبرائيل , هل خلق الله خلقاً أكرم منّي ؟ قال : نعم قال : متى خُلقوا ؟ قال : قبل خلق السّماوات والأرضين وقبلك بألفي عام , ولولاهم ما خلقك الله تعالى , وهم من ولدك فقال : اللّهمّ , يا مَن شرّفت هذا الوالد على الولد , إغفر لي خطيئتي فغفر له.
وروى صاحب درّ الثّمين في تفسير قوله تعالى :( فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) (١) إنّه رأى ساق العرش والأسماء عليه , فلقّنه جبرائيل وقال له : قُل يا حميد بحقّ مُحمّد , يا عليّ بحقّ عليّ , يا فاطر بحقّ فاطمة , يا مُحسن بحقّ الحسن , يا قديم الإحسان بحقّ الحُسين فلمّا ذكرت الحُسين (عليهالسلام ) , سالت دموعه وانخشع قلبه , وقال : يا أخي جبرائيل , في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي ؟ قال جبرائيل : ولدك هذا يُصاب بمصيبة وتقصر عندها المصائب فقال : يا أخي , وما هي ؟ قال : يُقتل عطشاناً غريباً وحيداً فريداً , ليس له ناصر ولا مُعين , ولو تراه يا آدم يُنادي : وا عطشاه ! وا قلّة ناصراه ! حتّى يحول العطش بينه وبين السّماء كالدّخان , فلم يجبه أحد إلّا بالسّيوف وشرب الحتوف , فيُذبح ذبح الشّاة من قفاه , ويكسب رحله أعداء , وتُشهر رؤوسهم هو وأنصاره في البلدان ومعهم النّسوان , سبق في علم الواحد المنّان فبكى آدم مع جبرائيل بكاء الثّكلى ولله درّ مَن قال من الرّجال :
يا قتيلاً بكاه آدم حقاً |
ونعاه من السما جبريل |
|
وبكى الجنان والملائك جمعاً |
أي عين دموعها لا تسيل |
|
وغدا الطير في السّماء ينادي |
آه وا سيداه اين المثيل |
وعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونوا كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ مفلح الصّيم ري (رحمه الله تعال ى)
إلى كم مصابيح الدجى ليس تطلع |
وحتام غيم الجو لا يتقشع |
|
لقد طبق الآفاق شرقاً وغربها |
فلا ينجلي آناً ولا يتقطع |
____________________
(١) سورة البقرة / ٣٧.
وأمطر في كل البلاد صواعقاً |
وهبت له ريح من الشر زعزع |
|
فلم ينج منهم غير من باع دينه |
وقال بما يرضي الضلوع ويقنع |
|
ولا عز إلّا من أتى بنميمة |
ولا ذل إلّا مؤون متورع |
|
منازل أهل الجور في كل بلدة |
عمار وأهل العدل في تلك بلقع |
|
يقولون في أرض العراق مشعشع |
وهل بقعة إلّا وفيها مشعشع |
|
فلا فرق إلّا عجزهم واقتداره |
وظلمهم فيما يطيقون اشنع |
|
لقد صاقت الآفاق وارتق الفضا |
فليس لأهل الدين في الأرض موضع |
|
فهل عامر في الأرض بل أو مفازة |
وليس لها في الظلم جمع مجمع |
|
وما سن فيها الظلم إلّا عصابة |
تقول على آل النّبي تجمع |
|
فأولهم نسل القحافي حبتر |
لئيم له في اللؤم أصل وموضع |
|
أبوه دعى لابن جذعان خادم |
وحبترة أدنى محل وأوضع |
|
وتابعه ابن الصهاكي أدلم |
عتل زنيم فاجر متبدع |
|
إذا كان منسوباً لسبع |
فهل عجب فيما يقول ويصنع |
|
وتابعه في الظلم آل اُميّة |
تواطوا على ظلم الوصي وأجمعوا |
|
فلم يتركوا للدين أصلاً يقله |
ولم يتركوا فرعاً له يتفرع |
|
وقادوا عليّاً في حمائل سيفه |
وكسر أسيافاً لقوم وأضلع |
|
كسيف زبير ثمّ ضلع ابن ياسر |
وضلع ابن مسعود وللصحف قطع |
|
إذا فعلوا هذا بأصحاب أحمد |
وقالوا لنا إن الصحابة أجمعوا |
|
على حبتر ثمّ ارتضوه أميرهم |
فهل عاقل يرضى بهذا ويقنع |
|
وفاطمة الزّهراء حازوا تراثها |
عناداً فجاءت حبتراً تتشفع |
|
فقال أبوك المصطفى قال معلناً |
بأن أولي القربى من الإرث يمنعوا |
|
فقالت فهاتوا نحلتي وعطيتي |
فقالوا لها هل شاهد لك يسمع |
|
فقالت شهودي أذهب الرجس عنهم |
لهم آية التطهير ما فيه مدفع |
|
هم حيدر وابناه مع اُمّ أيمن |
فهل لك في رد الشهادة مطمع |
|
فقال لها ظلماً وكفراً وقسوة |
فلسنا بقول البعل والابن نقنع |
|
فلما رأت تصميمه في ضلاله |
وليس عن العصيان أو الظلم يقلع |
فقامت وأنت عند ذلك أنة |
يكاد لها صم الصفا يتصدع |
|
وتابعت الزفرات والنوح والبكا |
إلى أن قضت لم يرق للطهر مدمع |
|
فيا عجباً من رده لشهودها |
وقول أناس ليس في الكفر تطمع |
|
ألم يفقهوا أقواله وفعاله |
ألم ينظروا يا ويلهم ثمّ يسمعوا |
|
فهل رد إلّا من نفى الرجس عنهم |
ورد الذي قد جاء بالوحي يصدع |
|
يزكي إله العالمين وأحمد |
أناساً ويأتي نغل تيم ويمنع |
|
فتباً لها من اُمة ضل سعيها |
توالي كفراً بالإله وتتبع |
|
وأعظم من كل الرزايا رزية |
مصارع يوم الطّفّ أدهى واشنع |
|
بها لبس الدين الحنيفي خلعة |
من الذل لا تبلى ولا تتقطع |
|
فما أنس لا أنس الحُسين ورهطه |
وعترته بالطف ظلماً تصرع |
|
ولم أنسه والشمر من فوق رأسه |
يهشم صدراً وهو للعلم مجمع |
|
ولم أنس مظلوماً ذبيحاً من القنا |
وقد كان نور الله في الأرض يلمع |
|
يقبله الهادي النّبي بنحره |
وموضع تقبيل النّبي يقطع |
|
إذا حز عضو منه نادى بجده |
وشمر على تصميمه ليس يرجع |
|
وميز عنه الرأس ظلماً وقسوة |
ولا عينه تندو ولا القلب يخشع |
|
تزلزلت الأفلاك من كل جانب |
تكاد السما تنقض والأرض تقلع |
|
وعرج جبرائيل ينوح بحرقة |
ويشجي أملاك السما ويفجع |
|
وضجت أملاك السّماء وتناوحت |
طيور الفلا والوحش والجن أجمع |
|
وجئن كريمات الرّسول حواسراً |
ولم يبق جيب لا يشق ويرقع |
|
تقبل جثمان الحُسين سكينة |
وشمر لها بالسوط ضرباً يقنع |
|
فيؤلمها ضرب السياط فتلتجي |
لعمتها من حيث بالضرب توجع |
|
تقول له يا شمر ويحك خلها |
إذا كان بالتقبيل ترضى وتقنع |
|
وترفع صوتاً اُمّ كلثوم بالبكا |
وتشكو إلى الله العلي وتضرع |
|
وتندب من عظم الرزية جدها |
فلو جدنا ينظر إلينا ويسمع |
|
أيا جدنا نشكو إليك اُميّة |
فقد بالغوا في ظلمنا وتبدعوا |
|
أيا جدنا لو أن رأيت مصابنا |
لكنت ترى أمراً له الصخر يصدع |
|
أيا جدنا هذا الحُسين معفراً |
على الترب محزوز الوريدين مقطع |
فجثمانه تحت الخيول ورأسه |
عناداً بأطراف الأسنة برقع |
|
أيا جدنا لم يتركوا من رجالنا |
كبيراً ولا طفلاً على الثدي يرضع |
|
أيا جدنا لم يتركوا لنسائنا |
خماراً ولا ثوباً ولم يبق برقع |
|
أيا جدنا سرنا عرايا حواسرا |
كأنا سبايا الروم بل نحن أوضع |
|
أيا جدنا لو أن ترانا أذلة |
أسارى إلى أعدائنا نتضرع |
|
ايا جدنا نسترحم القوم لم نجد |
شفيعاً ولا من ذي الإساءة يدفع |
|
أيا جدنا شمر يبز قناعنا |
ويضربنا ضرب الإماء ويوجع |
|
أيا جدنا زين العباد مكبل |
عليل سقيم مدنف متوجع |
|
إذا ما رآنا حاسرات بلا غطا |
تكاد الحشا تنفت والروح تنزع |
|
فيصرف عنا الوجه من غير بغضة |
ويرنو إلى الرأسُ الحُسينُ فيجزع |
|
فما فعلت عاد كفعل اُميّة |
ولكنهم آثار قوم تتبع |
|
فما قتل السبط الشهيد ورهطه |
سوى عصبة يوم السقيفة أجمعوا |
|
وما ذاك إلّا سامري وعجله |
أهم أصلوا للظلم والقوم فرعوا |
|
ألا لعن الله الذين توازروا |
على ظلم آل المصطفى وتجمعوا |
|
أيا سادتي يا آل بيت مُحمّد |
بكم مفلح مستعصم متمنع |
|
وأنتم ملاذي عند كل كريهة |
وأنتم له حصن منيع ومفزع |
|
إذا كنتم درعي ورمحي ومنصلي |
فلا اختشي بأساً ولا أتروع |
|
بك أتقي هول المهمات في الدنا |
وأهوال روعات القيامة أدفع |
|
فدونكموها من محب ومبغض |
له كبد حرى وقلب مفجع |
|
ولا طاقتي إلّا المدائح والهجا |
وليس بهذا علة القلب تنفع |
|
الا ساعة فيها أجرد صارماً |
وأضرب هام القوم حتّى يصرع |
|
فحينئذ يشفي الفؤاد وحزنه |
مقيم ولو لم يبق للقوم موضع |
|
فكيف ولو بالحر قسنا جميعهم |
لزاد عليهم للرياحي اصبع |
|
أيا سادتي يا آل بيت مُحمّد |
ويا من بهم يعطي الإله ويمنع |
|
ألا فاقبلوا من عبدكم ومحبكم |
قليلاً فإن الحر يرضى ويقنع |
|
فإن كان تقصير بما قد أتيته |
فساحة غدري يا موالي مهيع |
|
فلست بقوال ولست بشاعر |
ولكن من فرط الأسى أتولع |
الباب الثّالث
أيّها الإخوان , كيف تخفي زفرات الأحزان ؟ أم كيف تطفي لهبات الأشجان ؟ أتراكم ما تعلمون ما جرى على سادات الزّمان في تلك الأماكن والأوطان ؟ قسماً بالبيت العتيق , لو فكّر المؤمن فيما اصابهم من المحن , لغدى روحه أن تخرج من البدن , كيف لا وهم أنوار الله في أرضه وسمائه , وأصفياء الله وأبناء أصفيائه ! اجتروا عليهم فقطّعوا منهم الأوصال , وجدّلوهم على الرّمال , وجرّعوهم كؤوس الحتوف بأرض الطّفوف , وأخذوا نساءهم سبايا على أقتاب المطايا , عرايا حفايا على أيدي أهل العناد وأشرّ العباد , أمر تكاد السّماوات أن يتفطّرن منه , وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّا :
والله ما عاد بأعظم جرأة |
منهم ولا فعلت ثمود وتبع |
|
وناداهم لما به حفوا معاً |
زمراً ولم يك من لقاهم يجزع |
|
يا شر خلق الله ما من مسلم |
منكم له دين يكف ويردع |
|
حرم النّبي تموت من حر الظما |
والوحش في ماء الشريعة يترع |
|
ألكم طلائب عندنا تبغونها ؟ |
أم ما عرفتم ويلكم ما يصنع |
فيا لهف نفسي على الكهول والشّبان ! ويا تأسّفي على تلك الأجسام والأبدان ! فيا ليتني كنت تراباً لأقدامهم , وخادماً من جملة خدّامهم.
روي عن المفضل بن عمر , قال : قُلت لأبي عبد الله (عليهالسلام ) : كيف كانت ولادة فاطمة (عليهاالسلام ) ؟ فقال : (( نعم , إنّ خديجة لـمّا تزوج بها رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , هجرتها نساء مكّة , وكنّ لا يدخلنّ إليها ولا يسلّمنّ عليها ولا يتركن امرأة تدخل إليها , فاستوحشت خديجة لذلك , فلمّا حملت بفاطمة , كانت فاطمة تحدّثها في بطنها وتصبّرها , وكانت تكتم ذلك عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , فدخل يوماً فسمع خديجة تحدّث فاطمة , فقال لها : يا خديجة , مَن تحدثين ؟ قالت : الجنين في بطني يحدّثني ويؤنسني قال : يا خديجة , هذا جبرائيل يبشّرني أنّها ابنتي , وأنّها النّسلة الطّاهرة الميمونة , وأنّ الله سيجعل نسلي منها , وسيجعل من نسلها أئمة , ويجعلهم خلفاء في أرضه بعد انقضاء وحيه.
فلم تزل خديجة (عليهاالسلام ) على ذلك حتّى حضرت ولادتها , فوجّهت إلى نساء قُريش
وبني هاشم : أن تعالين لتلين منّي ما تلي النّساء من النّساء فأرسلنّ إليها : عصيتينا ولم تقبلي قولنا , وتزوجت مُحمّداً يتيم أبي طالب فقيراً لا مال له , فلسنا نجيء ولا نلي من أمرك شيئاً فاغتمّت خديجة (عليهاالسلام ) لذلك , فبينما هي كذلك , إذ دخل عليها أربع نسوة سمر طوال كأنّهن من نساء بني هاشم , ففزعت منهنّ لـمّا رأتهن , فقالت إحداهنّ : لا تحزني يا خديجة , إنّا رسل ربّك ونحن أخواتك ؛ أنا سارة , وهذه آسية بنت مزاحم وهي رفيقتك في الجنّة , وهذه مريم بنت عمران , وهذه كلثم أخث موسى بن عمران , بعثنا الله إليك ؛ لنلي منك ما تلي النّساء من النّساء فجلست واحدة عن يمينها واُخرى عن يسارها , والثّالثة بين يديها والرّابعة من خلفها , فوضعت فاطمة (عليهاالسلام ) طاهرة مطهّرة , فلمّا سقطت إلى الأرض , أشرق منها النّور حتّى دخل بيوت مكّة , ولم يبق في شرق الأرض ولا في غربها إلّا أشرق فيه ذلك النّور , ودخل عشر من الحور العين , كلّ واحدة منهنّ معها طشت من الجنّة وإبريق من الجنّة , وفي الإبريق ماء من ماء الكوثر , فتناولتها المرأة التي كانت بين يديها , فغسّلتها بماء الكوثر , وأخرجت خرقتين بيضاوين , أشدّ بياضاً من اللبن وأطيب ريحاً من المسك والعنبر , فلفّتها بواحدة وقنّعتها بالثّانية , ثمّ استنطقتها فنطقت فاطمة (عليهاالسلام ) بالشّهادتين , فقالت : أشهد أن لا إله إلّا الله , وأنّ أبي مُحمّد رسول الله سيّد الأنبياء , وأنّ بعلي سيّد الأوصياء , وولدي سادة الأسباط , ثمّ سلّمت عليهنّ واحدة وسمّت كلّ واحدة باسمها , وأقبلنّ يضحكن إليها , وتباشرت الحور العين , وبشّر أهل السّماء بعضهم بعضاً بولادة فاطمة , وحدث في السّماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك , ثمّ قالت النّسوة : خذيها يا خديجة , طاهرة مطهّرة زكية ميمونة , بورك فيها وفي نسلها فتناولتها فرحة مستبشرة , وألقمتها ثديها فدرّ عليها , وكانت فاطمة تنمو في اليوم كما ينمو الصّبي في الشّهر , وفي الشّهر كما ينمو الصّبي في السّنة )).
وعن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , قال : (( فاطمة سيدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين , وأنّها لتقوم في محرابها , فيسلّم عليها سبعون ألف مَلك من الملائكة المقرّبين , وينادونها بما نادت به الملائكة مريم , فيقولون : يا فاطمة , إنّ الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين ثمّ يلتفت إلى عليّ (عليهالسلام ) , فيقول له : يا عليّ , فاطمة بضعة منّي وهي نور عيني وثمرة فؤادي , يسوءني ما ساءها
ويسرّني ما سرّها , وإنّها أوّل من يلحقني من أهل بيتي , فأحسن إليها بعدي )) :
يا نفس إن تتلقي صبراً فقد ظلمت |
بنت النّبي رسول الله وإبناها |
|
تلك التي أحمد المختار والدها |
وجبرائيل أمين الله رباها |
|
الله طهرها من كل فاحشة |
من كل ريب وزكاها وصفاها |
فهذا يا إخوان الدّين ما وصل إلينا في ولادة بنت سيّد المرسلين.
وأمّا ولادة الحُسين بن عليّ (عليهماالسلام ) , فقد روي فيها عن ابن عبّاس , قال : لـمّا أراد الله أن يهب لفاطمة الزّهراء , وكان في رجب في اثني عشر ليلة خلت منه ، فلمّا وقعت في طلقها , أوحى الله عزّ وجلّ إلى لعيا ( وهي : حوراء من الجنّة ) وأهل الجنان إذا أرادوا أن ينظروا إلى شيء حسن نظروا إلى لعيا ، قال : ولها سبعون ألف وصيفة , وسبعون ألف قصر , وسبعون ألف مقصورة , وسبعون ألف غرفة مكلّلة بأنواع الجواهر والمرجان , وقصر لعيا أعلا من تلك القصور ومن كلّ القصور في الجنّة , إذا أشرفت على الجنّة , نظرت جميع ما فيها وأضاءت الجنّة من ضوء خدّها وجبينها , فأوحى الله إليها : (( أن اهبطي إلى دار الدّنيا , إلى بنت حبيبي مُحمّد فآنسي لها )) فأوحى الله إلى رضوان خازن الجنان : (( أن زخرف الجنّة وزيّنها ؛ كرامة لمولود يولد في دار الدّنيا )) وأوحى الله إلى الملائكة : (( أن قوموا صفوفاً بالتّسبيح والتّقديس والثّناء على الله تعالى )) وأوحى إلى جبرائيل وميكائيل وإسرافيل : (( أن اهبطوا إلى الأرض في قنديل من الملائكة )) قال ابن عباس : والقنديل ألف ألف ملك , فبينما هبطوا من سماء إلى سماء , إذا في السّماء الرّابعة ملك يُقال له (صلصائيل) , له سبعون ألف جناح قد نشرها من المشرق إلى المغرب , وهو شاخص نحو العرش ؛ لأنّه ذكر في نفسه فقال : ترى الله يعلم ما في قرار هذا البحر , وما يسير في ظلمة الليل وضوء النّهار ؟ فعلم الله تعالى في نفسه , فأوحى الله إليه : (( أن أقم مكانك لا تركع ولا تسجد ؛ عقوبة لك لما فكّرت )).
قال : فهبطت لعيا على فاطمة , وقالت لها : مرحباً بك يا بنت مُحمّد كيف حالك ؟ قالت (عليهاالسلام ) لها : (( بخير )) ولحق فاطمة الحياء من لعيا لم تدري ما تفرش لها , فبينما هي متفكّرة , إذ هبطت حوراء من الجنّة ومعها درنوك من درانيك الجنّة , فبسطته في منزل فاطمة فجلست عليه لعيا , ثمّ إنّ فاطمة (عليهاالسلام ) ولدت الحُسين (عليهالسلام ) في وقت الفجر , فقبّلته لعيا وقطعت سرّته ونشّفته بمنديل من
مناديل الجنّة , وقبّلت عينيه وتفلت في فيه , وقالت له : بارك الله فيك من مولود وبارك في والديك وهنأت الملائكة جبرائيل , وهنأ جبرائيل مُحمّداً سبعة أيّام بلياليها , فلمّا كان في اليوم السّابع , قال جبرائيل : يا مُحمّد , آتنا بابنك هذا حتّى نراه قال : فدخل النّبي (صلىاللهعليهوآله ) على فاطمة , فأخذ الحُسين وهو ملفوف بقطعة صوف صفراء , فأتى به إلى جبرائيل , فحلّه وقبّله بين عينيه وتفل في فيه , وقال : بارك الله فيك من مولود , وبارك في والديك يا صريع كربلاء ! ونظر إلى الحُسين وبكى , وبكى النّبي (صلىاللهعليهوآله ) وبكت الملائكة , وقال جبرائيل : اقرأ فاطمة ابنتك السّلام , وقُل لها : تُسمّيه الحُسين , فقد سمّاه الله جلّ إسمه , وإنّما سُمّي الحُسين ؛ لأنّه لم يكُن في زمانه أحسن منه وجهاً فقال رسول الله (ص) : (( يا جبرائيل , تهنيني وتبكي ؟! )) قال : نعم يا مُحمّد , آجرك الله في مولودك هذا فقال (ص) : (( يا حبيبي جبرائيل ومَن يقتله ؟ )) قال : شراذمة من اُمّتك يرجون شفاعتك لا أنالهم الله ذلك فقال النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( خابت اُمّة قتلت ابن بنت نبيّها )) قال جبرائيل : خابت ثمّ خابت من رحمة الله , وخاضت في عذاب الله ودخل النّبي (صلىاللهعليهوآله ) على فاطمة , فأقرأها من الله السّلام , وقال لها : (( يا بنيّة , سمّيه الحُسين فقد سمّاه الله الحُسين )) فقالت : (( من مولاى السّلام وإليه يعود السّلام , والسّلام على جبرائيل )) وهنأها النّبي وبكى ، فقالت : (( يا أبتاه ! تهنئني وتبكي ؟ )) قال : (( نعم يا بنيّة ! آجرك الله في مولودك هذا )). فشهقت شهقة وأخذت في البكاء وساعدتها لعيا ووصائفها , وقالت : (( يا أبتاه ! مَن يقتل ولدي وقرّة عيني وثمرة فؤادي ؟ )) قال : (( شراذمة من اُمّتي يرجون شفاعتي لا أنالهم الله ذلك )) قالت فاطمة : (( خابت اُمّة قتلت ابن بنت نبيّها )) قالت لعيا : خابت ثمّ خابت من رحمة الله , وخابت في عذابه (( يا أبتاه ! اقرىء جبرائيل عنّي السّلام , وقُل له في أيّ موضع يُقتل ؟ )) قال : (( في موضع يُقال له كربلاء , فإذا نادى الحُسين لم يجبه أحد منهم , فعلى القاعد من نصرته لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين ، ألا أنّه لن يُقتل حتّى يخرج من صلبه تسعة من الأئمة , ثمّ سمّاهم بأسمائهم إلى آخرهم , وهو الذي يخرج آخر الزّمان مع عيسى بن مريم ، فهؤلاء مصابيح الرّحمن وعروة السّلام , محبّهم يدخل الجنّة ومبغضهم يدخل النّار )).
قال : وعرج جبرائيل وعرج الملائكة وعرجت لعيا , فبقي الملك صلصائيل , فقال : يا حبيبي , أقامت القيامة على أهل
الأرض ؟ قال : لا ، ولكن هبطنا إلى الأرض , فهنئنا مُحمّداً بولده الحُسين قال : حبيبي جبرائيل , فاهبط إلى الأرض , فقل له : يا مُحمّد , اشفع إلى ربّك في الرّضا عنّي ؛ فإنّك صاحب الشّفاعة قال : فقام النّبي (صلىاللهعليهوآله ) ودعا بالحُسين (عليهالسلام ) , فرفعه بكلتا يديه إلى السّماء , وقال : (( اللّهمّ , بحقّ مولودي هذا عليك إلّا رضيت على الملك )) فإذا النّداء من قبل العرش : (( يا مُحمّد , قد فعلت وقدرك كبير عظيم )) قال ابن عباس : والذي بعث مُحمّداً بالحقّ نبيّاً , إنّ صلصائيل يفخر على الملائكة ؛ أنّه عتيق الحُسين , ولعيا تفخر على الحور العين ؛ بأنّها قابلة الحُسين.
فيا إخواني , يحقّ لمَن فارقته ساداته الذين بهم سعادته , ولم يتمكّن من الوصول إليهم , ولبذل نفسه في الجهاد بين يديهم , أن تسيل دموعه الهاطلة وتزيد حرقته المواصلة , ويواصل النّوح بالعويل لا سيّما لو كان بذاك رضا الجليل ، فنوحوا يا إخواني على ساداتكم الكرام , وتمثّلوا ما أصابهم من الكفرة اللئام , قتلوا رجالهم وذبحوا أطفالهم ونهبوا أموالهم ، فعلى مثلهم فليبك الباكون , وعلى مثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة لابن المتوج ( رحمه الله تعالى )
ألا نوحوا وضجوا بالبكاء |
على السبط الشهيد بكربلاء |
|
ألا نوحوا بسكب الدمع حزناً |
عليه وامزجوه بالدماء |
|
الا نوحوا على من قد بكاه |
رسول الله خير الأنبياء |
|
ألا نوحوا على من قد بكاه |
عليّ الطهر خير الأوصياء |
|
ألا نوحوا على من قد بكته |
حبيبة أحمد ست النساء |
|
ألا نوحوا على من قد بكاه |
لعظم الشجو أملاك السماء |
|
ألا نوحوا على قمر منير |
عراه الخسف من بعد الضياء |
|
ألا نوحوا على غصن رطيب |
ذوي بعد النظارة والبهاء |
|
ألا نوحوا لخامس آل طه |
وياسين وأصحاب العباء |
|
ألا نوحوا على شرف القوافي |
ومتخرة المرائي والثناء |
|
ألا نوحوا عليه وقد أحاطت |
به خيل البغاء الأشقياء |
إذ أقبل واعظاً فيهم خطيباً |
وبالغ في النصيحة والدعاء |
|
ألا يا قوم أنشدكم فردوا |
جوابي هل يحل لكم دمائي |
|
وجدي أحمد وأبي عليّ |
وأمي فاطم ست النساء |
|
فقالوا هل نطقت بقول صدق |
وقد أخبرت بالحق السواء |
|
ولكن قد أمرنا لا نخلي |
سبيلك أو تبايع بالوفاء |
|
وإلّا بالقواضب والعوالي |
نجرعكم بها غصص الظماء |
|
فقال أبالقتال تخوفوني |
وهل تخشى الأسود من الظباء |
|
فنادوا للقتال معاً ونادى |
أخيل الله هبي للقاء |
|
فكافحهم على غصص إلى أن |
أبادوا ناصريه ذوي الوفاء |
|
وصادفهم بمهجته إلى أن |
أتاه سهم أشقى الأشقياء |
|
فخرّ وبادر الملعون شمر |
وحز وريده بعد ارتقاء |
|
وعلا رأسه في رأس رمح |
وخلى الجسم شلواً بالعراء |
|
ومالوا في الخيام فحرقوها |
وعاثوا في الذراري والنساء |
|
وساقوا الطاهرات مهتكات |
على قتب الجمال بلا وطاء |
|
ألا يا آل ياسين فؤادي |
لذكري مصابكم حلف الضناء |
|
فأنتم عدتي لي في يوم معادي |
إذا حشر الخلائق للجزاء |
|
وما أرجو لآخرتي سواكم |
وحاشا أن يخيب بكم رجائي |
|
أنا ابن متوج توجتموني |
بتاج الفخر طراً والبهاء |
|
صلاة الخلق والخلاق تترى |
عليكم بالصباح وبالمساء |
|
ولعنته على قوم أباحوا |
دماءكم بظلم وافتراء |
المجلس الثّامن
في اليوم الرّابع من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأول
تفكّروا أيّها الإخوان في أهل الظّلم والعدوان , كيف حملتهم الأحقاد والغلّ الكامن في الفؤاد , على انتهاك حرمة الرّسول وذرّيّة الزّهراء البتول , فصرعوهم على الرّمال ولم يراقبوا الكبير المتعال , ولا بما قيل وقال , بل رفعوا رؤوس آل النّبي على الرّماح , وتركوا أجسادهم شاحبة تسفى عليها الرّمال ، فهم ما بين قتيل يجري منه الصّديد وأسير مكبّل بالحديد ، وامرأة تحنّ ومريض يئنّ ، وسبايا كسبي العبيد ، يُقادون بالعنف إلى يزيد , كأنّهم اُسارى بني الأصفر وليسوا من ذرّيّة النّبي المطهّر :
قليل لهذا الرزء تكوير شمسها |
وإن تفطر السبع الشداد له قطرا |
|
مصاب بكت منه السّماء وأهلها |
وأشقت به الشم الرعان على المسرى |
|
وخطب جليل قليل حين حلوله |
لدمع رسول الله من عينه أجرى |
|
ليبك بنو السلام طراً عليهم |
كما بكت الآيات والملّة الغرا |
حملتهم الدُنيا الدّنيّة على قتل العترة النّبوية وقد ورد في الخبر عن سادات البشر , حبّها من أعظم الأخطار الموجبة للسخط ودخول النّار.
وفي الحديث القدسي : (( لو صلّى عبدي صلاة أهل السّماوات وأهل الأرضين , وصام صيام أهل السّماوات وأهل الأرضين , وحجّ حجيج أهل السّماوات وأهل الأرضين
وطوى عن أكل الطّعام مثل الملائكة المقرّبين , ثمّ أرى في قلبه من حبّ الدّنيا ذرّة , أو من سمعتها أو من رئاستها , أو من محمدتها أو من حليتها , أو من زينتها أدنى من ذرّة , فإنّه لا يجاورني في دار كرامتي ، ولأنزعنّ من قلبه محبّتي , ولأظلمنّ قلبه حتّى ينسى ذكري ؛ حتّى لا أذيقه رحمتي يوم القيامة )).
وفي الخبر عن الصّادق (عليهالسلام ) , قال : (( إذا كان يوم القيامة , يمرّ رسول الله بشفير جهنّم , ومعه عليّ بن أبي طالب والحسن والحُسين (عليهمالسلام ) , فيراهم المختار وهو يومئذ في النّار , فينادي بصوت عال : يا شفيع المذنبين ! أنقذني من النّار فلم يجبه ، فينادي : يا عليّ ! أغثني من النّار فلم يجبه ، فينادي : يا حسن يا سيّد شباب أهل الجنّة ! أدركني فلم يجبه ، فينادي : يا حُسين يا سيّد الشّهداء ! أنا الذي قتلت أعداءك وأخذت لك بالثأر , أنقذني من النّار فيقول النّبي : يا حُسين , إنّ المختار قد احتجّ عليك بأخذ الثّأر من أعدائك , فأنقذه من النّار قال : فينتفض الحُسين (عليهالسلام ) سريعاً كالبرق الخاطف , ويخرجه من النّار , ويغمسه في نهر الحيوان , ويدخله الجنّة مع الأخيار ببركة النّبي المختار )).
فسُئل الصّادق (ع) : يابن رسول الله , فلِمَ اُدخل المختار النّار وهو من الأخيار والشّيعة الأبرار , وأفضل الأنصار لأهل بيت النّبي المختار ؟! فقال (عليهالسلام ) : (( إنّ المختار كان يحبّ السّلطنة , وكان يحبّ الدّنيا وزينتها وزخرفها , وأنّ حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة ؛ لأنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال : والذي بعثني بالحقّ نبياً , لو أنّ جبرائيل أو ميكائيل كان في قلبهما ذرّة من حبّ الدّنيا , لأكبّهما الله على وجوههما في نار جهنّم )).
فنزّهوا أيّها الإخوان أنفسكم عن الرّاكعون إلى الدُنيا , وإيّاكم وطلب الرّئاسة والعليا ؛ فإنّها دار لا يدوم فيها نعيم , ولم يبق أحد من شرّها سليم , وكيف يرضى العاقل بالدّنيا دار بعد آل الرّسول وسلالة الطّاهرة البتول ؟! هذه والله دار غدرت بمواليها , فلا خير والله فيها إلّا مَن اتخذ فيها الزّاد ليوم المعاد ، ولعمري , لا عمل فيها أفضل من موالاة الآل , الدّافعة لتلك الأهوال يوم الحشر والمآل :
هم السادة الأطهار آل محمد |
هم الدين والدنيا لمن يتعقل |
|
هم الطور والأعراف والنور والضحى |
وياسين والأحقاف والمترمل |
|
مهابط وحي الله في حجراتهم |
وتبيان برهان الكتاب المنزل |
فما مثلهم في الكون إن عد مفخر |
أعد نظراً يا صاح إن كنت تعقل |
|
خلت منهم أرض العقيق وعطلت |
منازل آيات بها الوحي ينزل |
|
منازل تنزيل بها الحزن قد ثوى |
ومجلس أنس قد خلا منه نزل |
|
حدا بهم حادي المنايا معجلا |
وسارت بهم عنفاً على الابن نزل |
|
أصابتهم أيدي المصائب فاغتدوا |
أماثيل في الدّنيا لمن يتمثل |
|
فما منهم إلّا قتيل وهالك |
بسم ومذبوح وذاك مكبل |
|
على مثلهم فليبك بالمدى المدى |
ويذرف دمعاً كالمسيل مسبل |
روي عن عليّ بن عاصم الكوفي الأعمى , قال : دخلت على سيدي ومولاي الحسن العسكري (عليهالسلام ) , فسلّمت عليه , فردّ عليّ السّلام وقال : (( مرحباً بك يابن عاصم , اجلس مكانك , هنيئاً لك يابن عاصم , أتدري ما تحت قدميك ؟ )) فقلت : يا مولاي , إنّي أرى تحت قدمي هذا البساط , كرّم الله وجه صاحبه فقال لي : (( يا بن عاصم , اعلم أنّك على بساط جلس عليه كثير من النّبيين والمرسلين )) فقلت : يا سيدي , ليتني لا أفارقك ما دمت في دار الدّنيا ثمّ قلت في قلبي : ليتني أرى هذا البساط فعلم الإمام ما في ضميري , فقال : (( ادن منّي )) فدنوت منه , فمسح يده على وجهي , فصرت بصيراً بإذن الله ، ثمّ قال لي : (( هذا قدم أبينا آدم , وهذا أثر هابيل , وهذا أثر شيث , وهذا أثر إدريس , وهذا أثر هود , وهذا أثر صالح , وهذا أثر لقمان , وهذا أثر إبراهيم , وهذا أثر لوط , وهذا أثر شعيب , وهذا أثر موسى , وهذا أثر داود , وهذا أثر سُليمان , وهذا أثر الخضر , وهذا أثر دانيال , وهذا أثر ذي القرنين الاسكندر , وهذا أثر عدنان , وهذا أثر عبد الـمُطّلب , وهذا أثر عبد الله , وهذا أثر عبد مُناف , وهذا أثر جدّي رسول الله , وهذا أثر جدّي عليّ بن أبي طالب ))
قال عليّ بن عاصم : فأهويت على الأقدام كلّها وقبّلتها , وقبّلت يد الإمام العسكري (عليهالسلام ) , وقلت له : يا سيدي , إنّي عاجز عن نصرتكم بيدي , وليس أملك غير موالاتكم , والبراءة من أعدائكم واللعن لهم في خلواتي , فكيف حالي يا سيدي ؟ فقال : (( حدّثني أبي عن جدّي عن رسول الله , قال : مَن ضعف عن نصرتنا أهل البيت , ولعن في خلواته أعداءنا , بلغ الله صوته إلى جميع الملائكة , فكلّما لعن أحدكم أعداءنا , ساعدته الملائكة ولعنوا من لا يلعنهم ، فإذا بلغ صوته إلى الملائكة , استغفروا له
وأثنوا عليه , وقالوا : اللّهمّ صلّ على روح عبدك , هذا الذي بذل في نصرة أوليائه جهده , ولو قدر على أكثر من ذلك لفعل فإذا النّداء من قبل الله تعالى يقول : يا ملائكتي , إنّي قد أجبت دعائكم في عبدي هذا , وسمعت نداءكم , وصلّيت على روحه مع أرواح الأبرار , وجعلته من الـمُصطفين الأخيار )).
وكذلك قال عليّ بن أبي طالب (عليهالسلام ) لأصحابه الذين كانوا معه لـمّا غُصبت الخلافة منه , حيث قال : (( يا أصحابي , الزموا بيوتكم واصبروا على البلاء , ولا تحرّكوا بأيديكم وسيوفكم وأهواء ألسنتكم , ولا تستعجلوا بما يُعجّله الله لكم ؛ فإنّه مَن مات منكم على فراشه وهو على معرفة من حقّ ربّه , وحقّ نبيّه وآل نبيّه , كان كمن مات شهيداً , أو أجره على الله , واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله , وقامت النّية مقام صلاته وجهاده بسيفه ويده , وإنّ لكلّ شيء أجلاً وانتهاء )).
فيا إخوتي , لله درّ الشّيعة الـمُخلصين , والأتباع الـمُتّقين , وأهل الولاية أجمعين , الذين بذلوا قلوبهم في المحبّة , واستعملوها في المودّة والمسبّة.
روي في الخبر عن سيّد البشر (صلىاللهعليهوآله ) , أنّه كان يقول للحسن والحُسين : (( أنتما زينة عرش الرّحمن , أنتما اللؤلؤة والمرجان )) فقيل له : يا رسول الله , وكيف ذلك , وكيف يكونان تزيين عرش الرّحمن ؟ فقال النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( إذا كان يوم القيامة , يزيّن عرش ربّ العالمين بكلّ زينة , ثمّ يؤتى بمنبرين من نور , كلّ منبر طوله مئة ميل , فيوضع أحدهما عن يمين العرش , والآخر عن يسار العرش ، ثمّ يؤتى بالحسن والحُسين (عليهماالسلام ) , فيقف الحسن على أحدهما والحُسين على الآخر , يزيّن الرّب تبارك وتعالى بهما عرشه كما تزيّن المرأة قرطاها )) ثمّ قال (صلىاللهعليهوآله ) : (( ويوضع يوم القيامة منابر تحت العرش لشيعتي , ولشيعة أهل بيتي المخلصين في ولايتنا , فيقول الله عزّ وجلّ : هلمّوا يا عبادي إليّ لأنشر عليكم كرامتي , فقد أوذيتم في دار الدُنيا )).
وقال أيضاً (صلىاللهعليهوآله ) : (( أنا الشّجرة وفاطمة فرعها وعليّ لقاحها , والحسن والحُسين ثمرها , وشيعتنا أهل البيت أوراقها , قد أفلح من تمسّك بهذه الشّجرة )).
وفي الخبر أيضاً عنه (صلىاللهعليهوآله ) , أنّه قال : (( يدخل الجنّة من اُمّتي سبعون ألفاً بلا حساب عليهم ولا عذاب يصل إليهم )) ثمّ التفت إلى عليّ (عليهالسلام ) , فقال : (( شيعتك هُم وأنت إمامهم )).
وعن أبي عبد الله (عليهالسلام ) , قال : (( إذا بلغت نفس المؤمن الحنجرة , وأهوى ملك الموت بيده إليها , يرى قرّة عين , يُقال له : انظر عن يمينك فيرى رسول الله
وعليّاً وفاطمة والحسن والحُسين , فيقولون له : إلينا إلى الجنّة والله لو بلغت روح عدوّنا إلى صدره , وأهوى ملك الموت بيده إليها , لا بدّ أن يُقال : انظر عن يسارك فيرى مُنكراً ونكيراً يُهدّدانه بالعذاب , نعوذ بالله منه )) :
مناقبهم بين الورى مستنيرة |
لها غرر مجلوة وحجول |
|
مناقب جلت أن يحاط بحصرها |
نمتها فروع قد زكت وأصول |
|
مناقب وحي الله أثبتها لهم |
بما قام منه شاهد ودليل |
|
مناقب من خلق النّبي وخلقه |
ظهرت فما يغتالهن أفول |
|
أمولاي آمالي تؤمل نصركم |
وقلبي إليكم بالولاء يميل |
|
وقد طال عمر الصبر في أخذ ثاركم |
كما آن للظلم المقيم رحيل |
|
متى يشتفي حر الغليل ويشتفي |
فؤاد بآلام المصاب عليل |
|
ويجبر هذا الكسر في ظل دولة |
لها النصر جند والأمان دليل |
|
هنالك يضحى دين آل محمد |
عزيزاً ويمسي الكفر وهو ذليل |
|
ويطوي بساط الحزن بعد كآبة |
وتنشر نشراً للهناء ذيول |
|
فيا آل طه الطاهرين رجوتكم |
ليوم به فصل الخطاب طويل |
|
أقيلوا إعثاري يوم فقري وفاقتي |
فظهري بأعباء الذنوب ثقيل |
فيا إخواني , دعوا التّشاغل عنكم بالأهل والأوطان والأتراب والأخدان , تفكّروا فيما أصاب سادات الزّمان الذين تمّ لكم بهم الإيمان , واستحققتهم بموالاتهم دخول الجنان ورضاء الرّحمن.
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ الخليعي (رحمه الله تع الى)
يا عين لا لخلو الربع والدمن |
باكي الرزايا سوى الباكي على السكن |
|
وآسى بني الهدى فيما أصيبت به |
وساعدي البضعة الزّهراء على الحزن |
|
وقابليها بارض الطف صارخة |
على القتيل الغريب النازح الوطن |
تشكو إلى الله والأملاك محدقة |
بالعرض تستصرخ المولى أبا حسن |
|
من حولها مريم العذراء وآسية |
تكرر النوح بالتذكار والحزن |
|
والنوح من نادبات الجن مرتفع |
وقلبها موجع بالثكل والمحن |
|
لهفي على قول مولاتي وقد نظرت |
شلو الحُسين بلا غسل ولا كفن |
|
ملقى على الأرض عاري الجسم منعفر |
الخدين مختضب الأوداج والذقن |
|
لهفي على زينب حرى مجردة |
مسلوبة تستر الأكتاف بالردن |
|
تقول يا واحدي من لي إذا نزلت |
بي الحوادث يحميني ويكفيني |
|
لهفي على فاطم الصغرى مقرحة |
بالدمع أجفانها مسلوبة الوسن |
|
تدعو إلى زينب يا عمتا سلب العلج |
القناع ليسبيني ويهتكني |
|
فرمت أستر وجهي عند رؤيته |
فظل يشتمني عمداً ويضربني |
|
أين الحماة وأين الناصرون لنا |
وا خيبتي جار دهري واعتدى زمني |
|
لهفي على السيد السجاد معتقلاً |
في أسرهم مستذلا ناحل البدن |
|
إذا شكا اسمعوه قبح شتمهم |
وإن ونى قنعوه فاضل الرسن |
|
وا حسرتاه لكريم السبط مشتهراً |
كالبدر يشرق فوق الدل واللدن |
|
فيا لها محنة عمت مصيبتها |
ويا لها حسرة في قلب ذي شجن |
|
يهني يزيد برأس طال ما رشف |
المختار من ثغره تقبيل مفتتن |
|
وتستحث بنات المصطفى ذللا |
على المطايا إلى الأطراف والمدن |
|
قد قابلونا بنو حرب بما صنعوا |
ولا شفوا غلل الأحقاد والضغن |
|
بفعلهم كفروا فينا واعتقدوا |
أن لا جزاء على قبح ولا حسن |
|
مضوا على سنن الماضين وارتكبوا |
نهج الضلال ومالوا عن هدى السنن |
|
كأنني بالبتول الطهر واقفة |
في الحشر تشكو إلى الرّحمن ذي المنن |
|
تأتي وقد ضمخت ثوب الحُسين دماً |
من نحره وهي تبدي الحزن في حزن |
|
تدعو الا ابن مسمومي ويا أسفي |
على قتيلي ويا كربي ويا حزني |
|
يا رب من نوزعت ميراث والدها |
مثلي ومن طولبت بالحقد والإحن |
|
ومن ترى جرعت في ولدها غصص |
كما ابن مرجانة الملعون جرعني |
|
ومن ترى كذبت قبلي وقد علموا |
أن الإله من الأرجاس طهرني |
|
وهل لبنت نبي أضرمت شعل |
كما أطيف به بيتي ليحرقني |
خرجت أطلب للأطفال بلغتهم |
دفعني ظالمي عنها ودافعني |
|
رب انتصف لي ممن خان عهدك |
في ولدي وممن زوى إرثي فأفقرني |
|
وتستغيث أمام العرش ساجدة |
والمصطفى واقف والدمع كالمزن |
|
فيبرز الأمر أني قد سمعت وقد |
نقمت ممن عصى أمري وخالفني |
|
أعظم بها ومنادي الحشر يسمع بالصوت |
الرفيع لديها كل ذي أذن |
|
غضوا العيون فخاتون القيامة قد |
جاءت لتشفع فيمن بالولاء كنى |
|
من كل محترق من عظم فجعتها |
بكى وساعدها بالمدمع والهتن |
|
يا سادتي الهادي النّبي ومن |
أخلصت ودي لهم في السر والعلن |
|
عرفتكم بدليل العقل والنظر المهدي |
فلم أخش كيد الجاهل اللكني |
|
ظفرت بالكنز في علم اليقين فلم |
أخش اعتراضاً لدى شك ينازعني |
|
فلست آسى على من ظل يبعدني |
بالقرب منكم ومن بالغت ترحمني |
|
وإنني أرتجي أن سوف يلطف بي |
ربي فيصفح عن جرمي ويرحمني |
|
وأن فاطمة الزّهراء تشفع لي |
والمرتضى لجنان الخلد يقسمني |
|
فاز الخليعي كل الفوز واتضحت |
بكم له سبل الإرشاد والسنن |
الباب الثّاني
أيّها المؤمنون الأخيار , لا تبخلوا بالدّموع الغزار على عترة النّبي الـمُختار ، ألا تحبّون أن يغفر الله لكم ويجزل لديه ثوابكم ؟ أليس هُم شفعاؤكم يوم المعاد إذا وقفتم بين يدي ربّ العباد ؟ أليس هُم العدّة لكم بكلّ شدّة ؟ أليس بهم تحطّ الأوزار ؟ أليس هُم الجنان الواقية من النّار ؟ فمَن بخل منكم عليه بإثارة الأحزان والأشجان , فعلى نفسه بخل ولقدر مواليه وساداته حقر وجهل , أيبكي الباكون منكم على الأهل والأولاد والآباء والأجداد ؟ فيا عجباً لمن أساء إليهم وظلمهم وقصّر في حقّهم وما أكرمهم ! وما ارتكب منهم ما يوجب السّخط العظيم , والعدل عن النّهج القويم والصّراط الـمُستقيم ؟! أمر :( تَكَادُ السّماوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقّ الْأَرْضُ وَتَخِرّ الْجِبَالُ هَدّاً ) (١) :
إن كنت في شك فسل عن حالهم |
سنن الرّسول ومحكم التنزيل |
|
فهناك أعدل شاهد لذوي النهى |
وبيان فضلهم على التفصيل |
____________________
(١) سورة مريم / ٩٠.
ووصية سبقت لأحمد فيهم |
جاءت إليه على يدي جبرائيل |
روي عن اُمّ سلمة : أنّ الحسن والحُسين دخلا على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وكان عنده جبرائيل (عليهالسلام ) , فجعلا يدوران حوله يشبّهانه بدحية الكلبي , فجعل جبرائيل يومي بيده نحو السّماء كالـمُتناول شيئاً , فإذا بيد جبرائيل تفّاحة وسفرجلة ورمّانة , فناولهما الجميع , فتهلّلت وجوههما فرحاً وسعيا إلى جدّهما , فقبّلهما وقال لهُما : (( اذهبا إلى منزلكما وابدءوا بأبيكما )) ففعلا كما أمرهما جدّهما , ولم يأكلوا منها شيئاً حتّى جاء النّبي إليهم , فجلسوا جميعاً وأكلوا حتّى شبعوا , ولم يزالوا يأكلون من ذلك السّفرجل والتّفّاح والرّمان , وهو يرجع كما كان أوّلاً حتّى قُبض النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , ولم يلحقه التّغيير والنّقصان في مدّة أيّام حياة فاطمة (عليهاالسلام ).
قال الحُسين (عليهالسلام ) : (( فلمّا توفّيت اُمّي فاطمة , فقدنا الرّمان وبقي التّفّاح والسّفرجل أيّام حياة أبي ، فلمّا استشهد أبي عليّ بن أبي طالب (عليهالسلام ) , فقدنا السّفرجل وبقي التّفاح عليَّ إلى وقت مُنعت فيه شرب الماء , فكنت أشمّها إذا عطشت , فيسكن لهيب عطشي ، فلمّا دنا أجلي , رأيتها قد تغيّرت فأيقنت بالفناء )).
قال عليّ بن الحُسين : (( سمعت أبي يقول ذلك قبل مقتله بساعة , فلمّا قضى نحبه , وجد ريح التّفّاح في مصرعه , فالتمست التّفّاحة فلم أجد لها أثراً , فبقي ريحها بعد مقتله (عليهالسلام ) , ولقد زرت قبره فشممت منه رائحة التّفّاح تفوحّ من قبره صلوات الله عليه , فمَن أراد ذلك من شيعتنا الصّالحين الزّائرين قبر الحُسين , فيلتمس ذلك في أوقات السَّحر , فإنّه يجد رائحة التّفّاح عند قبر الحُسين إن كان مخلصاً موالياً صادقاً )).
وعن الصّادق (عليهالسلام ) : (( أنّ جبرائيل نزل إلى النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , فقال : يا مُحمّد , إنّ الله يقرؤك السّلام ويبشّرك بمولود من ابنتك فاطمة الزّهراء (عليهاالسلام ) , وتقتله اُمّتك من بعدك فقال : يا جبرائيل , قُل لربّي , لا حاجة لي في مولد يولد من فاطمة وتقتله اُمّتي من بعدي قال : فعرج جبرائيل (عليهالسلام ) إلى السّماء في أسرع من طرفة عين , ثمّ هبط وقال : يا مُحمّد , إنّ ربّك يقرأ عليك السّلام , ويبشّرك أنّه جاعل في ذرّيّته الأمانة والولاية والوصيّة فقال النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : رضيت بذلك ثمّ أرسل النّبي إلى ابنته فاطمة (عليهاالسلام ) , يقول : إنّ الله يبشّرك بمولود يولد منك وتقتله اُمّتي من بعدي فجزعت فاطمة وأرسلت إليه تقول : لا حاجة لي في مولود يولد منّي وتقتله اُمّتك من بعدنا فأرسل إليها يقول : إنّ الله
جاعل من ذرّيّته الإمامة والولاية والوصيّة فأرسلت إليه تقول : إنّي قد رضيت :( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ) (١) [ فلو أنّه قال : اصلح لي ذريتي ، لـ ] كانت ذرّيّته كلّهم أئمة )) فهذه الآية نزلت في شأن الحُسين (ع).
وروي : أنّ الحُسين لم يرضع من ثدي فاطمة شيئاً , ولا رضع من اُنثى لبناً , ولكنّه كان يؤتى به إلى جدّه رسول الله , فيضع إبهامه في فيه , فيمصّ منها لبناً يكفيه ويُغذّيه يومين أو ثلاثة أيّام , فنبت لحم الحُسين من لحم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , ودمه من دمه وعظمه من عظمه , ومخّه من مخّه وشعره من شعره , ولم يولد مولود لستة أشهر , إلّا عيسى بن مريم والحُسين بن فاطمة (عليهمالسلام ).
وفي خبر آخر : أنّ فاطمة (عليهاالسلام ) لـمّا اغتسلت بعدما ولدت الحُسين , جفّ لبنها , فطلب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) مرضعة , فلم يجد له مرضعة , فكان يأتيه الحُسين مع اُمّ سلمة فيلقمه إبهامه فيمصّه , ويجعل الله له من إبهام النّبي رزقاً يغذّى به بقدرة الله تعالى.
وفي خبر آخر : بل كان رسول الله يُدخل لسانه في فم الحُسين , فيغّره كما يغّر الطّير فرخه , فيجعل الله له في ذلك رزقاً بقدرة الله تعالى , ففعل ذلك به أربعين يوماً وليلة ، فنبت لحمه من لحم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
أيقتل ظمآناً حُسين بكربلا |
وفي كل عضو من أنامله بحر |
|
ووالده الساقي على الحوض في غد |
وفاطمة ماء الفرات لها مهر |
|
فوا لهف نفسي للحسين وما جنى |
عليه غداة الطف في حربه شمر |
|
سنان سنان خارق منه في الحشا |
وصارم شمر في الوريد له شمر |
|
تجر عليه العاصفات ذيولها |
ومن نسج أيدي الصافنات له طمر |
|
فيا لك مقتولاً بكته السّماء دماً |
فمغبر وجه الأرض بالدم محمر |
|
مصابكم يا آل طة مصيبة |
ورزء على السّلام أحدثه الكفر |
حكى عبد الله بن العبّاس , قال : جاءني رجل من بني اُميّة , فقال : أريد أن أسألك عن سؤال ؟ فقلت له : سل عمّا تُريد فقال لي : يا عبد الله , ما تقول في دم البعوضة , هل يُنقض الوضوء أم لا ؟ وهل هو طاهر أم نجس ؟ فقلت له : ثكلتك اُمّك يا عديم الرأي ! تسأل عن دم البعوضة فلِمَ لا سألت عن دم الحُسين ابن بنت
____________________
(١) سورة الأحقاف / ١٥.
رسول الله ؟! سفكتم دمه وقطعتم لحمه وكسرتم عظمه , وقتلتم أولاده وأطفاله وأنصاره , وسبيتم حريمه ومنعتموه من شرب الماء , ألا لعنة الله على الظّالمين ثمّ التفت عبدالله إلى جلسائه , وقال : انظروا إلى هذا اللعين , كيف يسألني عن دم البعوضة , ولا يخاف أن يسأله الله عن دم الحُسين ابن بنت رسول الله ؟! ثمّ قال لأصحابه : والله , إنّي سمعت بهاتي أذني من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول مراراً كثيرة : (( الحسن والحُسين ريحانتاي في الدُنيا , وهُما منّي وأنا منهُما , أحبّ الله مَن أحبّهما , وأبغض الله مَن أبغضهما , وآذى الله مَن آذاهما , ووصل الله مَن وصلهما , وقطع الله مَن قطعهما , فإنّهما ابناي وسبطاي وقرّتا عيني , وسيّدي شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين )) فقلت : يا رسول الله , أيّ أهل بيتك أحبّ إليك ؟ فقال : (( الحسن والحُسين أحبّ النّاس إليّ )) وكان يقول (صلىاللهعليهوآله ) : (( يا فاطمة , ادعى لي ابني )) فيأتيان إليه فيضمّهما إليه , ويشمّهما ويقبّلهما ويقول : (( أحبّ الله مَن أحبّ الحسن والحُسين ومَن أحبّ ذرّيّتهما , فمَن أحبّهم لم تمس جسده نار جهنّم ولو كانت ذنوبه بعدد رمل عالج , إلّا أن يكون له ذنب يخرجه عن الإيمان )).
وعن الأوزاعي , عن عبد الله بن شداد , عن اُمّ الفضل بنت الحرث , أنّها دخلت على رسول الله فقالت : يا رسول الله , رأيت البارحة حلماً مُنكراً شديداً قال : (( وما هو يا اُمّ الفضل ؟ )) قالت : رأيت كأنّ قطعة من جسدك قُطعت ووضعت في حجري فقال رسول الله : (( يا اُمّ الفضل , ستلد ابنتي فاطمة غُلاماً , فتكون تربيته في حجرك )) قالت : فولدت فاطمة الحُسين وكان كما قال رسول الله , فربّيته في حجري ، فدخلت به يوماً على النّبي فوضعته في حجره ، ثمّ حانت منّي إلتفاتة , فإذا عينا رسول الله تهرقان بالدّموع , فقلت : بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ، ما لك تبكي ؟! فقال : (( أتاني جبرائيل أخي , وأخبرني أنّ اُمّتي ستقتل ابني هذا , وأتاني بقبضة من تربة حمراء فأرانيها )).
ومن طرقهم : أنّ عيسى بن مريم (عليهالسلام ) مرّ بكربلاء , فرأى عدّة من الظّباء هناك مجتمعة , فأقبلت إليه وهي تبكي , وأنّه جلس وجلس الحواريّون , فبكى وأبكى الحواريّين وهم لا يدرون لِمَ جلس ولِمَ بكى , فقالوا : ياروح الله وكلمته , ما يبكيك ؟ قال : أتعلمون أيّ أرض هذه ؟ قالوا : لا قال : هذه أرض يُقتل فيها فرخ لرسول أحمد , وفرخ الخيّرة الطّاهرة البتول شبيهة اُمّي , ويُلحد فيها , وهي أطيب من المسك ؛ لأنّها طيبة الفرخ المستشهد , وهكذا تكون طينة الأنبياء وأولاد الأنبياء (عليهمالسلام ) , وهذه الظّباء
تكلّمني وتقول : إنّها ترعى في هذه الأرض ؛ شوقاً إلى تربة الفرخ الـمُبارك وزعمت أنّها آمنة في هذه الأرض ثمّ ضرب بيده إلى ثغر تلك الظّباء فشمّها , وقال : اللّهمّ , ابقها حتّى يشمّها أبوه فتكون له عزاء فبقيت إلى أيّام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) , فشمّها وبكى وأخبر بقصّتها.
وعن سلمان الفارسي , أنّه قال : كان سيّدنا أمير المؤمنين (عليهالسلام ) يحدّثنا كثيراً بالأشياء والمغيّبات , التي تحدث على مرور السّنين والأوقات , وأنّه يوم الجُمُعة يخطب على منبره في جامع الكوفة , فقال في خطبته : (( أيّها النّاس , سلوني قبل أن تفقدوني , فو الله , لا تسألوني عن فئة تضلّ مئة وتهدي مئة , إلّا أنبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة )) قال : فقام إليه رجل فاجر فاسق , وقال له : يا عليّ , أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر ؟ فقال له (عليهالسلام ) : (( والله , لقد أخبرني بسؤالك هذا ابن عمّي رسول الله , ونبّأني بما سألت عنه , وإنّ على كلّ طاقة من شعر رأسك ولحيتك شيطاناً يغويك ويستفزّك , وإنّ على كلّ شعرة من بدنك شيطاناً يلعنك ويلعن ولدك ونسلك , وإنّ لك ولداً رجساً ملعوناً , يقتل ولدي الحُسين بن بنت رسول الله , وأنت وولدك بريئان من الإيمان , ولولا أنّ الذي سألتني عنه يعسر برهانه لأخبرتك به , ولكن حسبك فيما نبأتك به من لعنتك ورجسك , وولدك الملعون الذي يقتل ولدي ومهجة قلبي الحُسين )) قال : وكان له ولد صغير في ذلك الوقت , فلمّا نشأ وكبر وكان من أمر الحُسين ما كان , نمى الصّبي وتجبّر وتولّى قتل الحُسين (عليهالسلام ) وقيل : إنّ ذلك الصّبي كان اسمه خولّى بن يزيد الأصبحي , وهو الذي طعن الحُسين برمحه , فخرج السّنان من ظهره , فسقط الحُسين على وجهه يخور في دمه ويشكو إلى ربّه :( أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظّالِمِينَ ) (١) فيا ويلهم ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حُرمة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , كأنّهم ما سمعوا ما ورد في حقّهم , أم سمعوا وهم غافلون ! :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (٢) .
فعلى الأطائب من آل بيت مُحمّد فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ ابن حماد (رحمه الله ت عالى)
أرى الصبر يفنى والهموم تزيد |
وجسمي يبلى والسقام جديد |
____________________
(١) سورة هود / ١٨.
(٢) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
إذا ما تعمدت السلو في خاطري |
أباه فؤادي للهموم عنيد |
|
وذكرني بالحزن والنوح والبكا |
غريب بأكناف الطفوف فريد |
|
يودع أهليه وداع مفارق |
لهم أبد الأيام ليس يعود |
|
كأني بمولاي الحُسين وصحبه |
كأنهم تحت الوطيس أسود |
|
عطاشى على شاطئ الفرات فمالهم |
سبيل إلى قرب المياه ورود |
|
فياليتني يوم الطفوف شهدتهم |
وكنت كما جادوا هناك أجود |
|
لقد صبروا لا ضيع الله صبرهم |
إلى أن قتلوا من حوله وأبيدوا |
|
وقد خرّ مولاي الحُسين مولاي الحُسين مجدلاً |
قتيلاً عفيراً في التراب وحيد |
|
وأقبل شمر الرجس واحتز رأسه |
بقلب مشؤوم فارقته سعود |
|
وساقوا السبايا من بنات محمد |
يسوقهم قاسي الفؤاد عتيد |
|
وفاطمة الصغرى تقول لاختها |
وقد كضها جهد هناك جهيد |
|
يا أخت قد ذابت من السير مهجتي |
سلي سائق الأضعان أين يزيد |
|
تنادي وقد أبدت من الثكل صبرها |
بصوت تكاد الأرض منه تميد |
|
بكى رحمة لي حاسدي ومعاندي |
فيا سوء حال إذ بكاه حسود |
|
فني جلدي يابن الوصي وليس |
فؤادي على ما لقيت جليد |
|
فيا غائباً لا يرتجى منه أوبة |
مزارك من قرب الديار بعيد |
|
ظننت بأن تبقى فأيسني الرجا |
ويأسي المرجى يابن أمي شديد |
|
تبيد الليالي والدهور ومهجتي |
وحزني على مولاي ليس يبيد |
|
سيعلم أعداء الحُسين ورهطه |
إذا ما هم يوم المعاد أعيدوا |
|
واقبلت الزّهراء فاطم حولها |
من أملاك رب العالمين جنود |
|
تنادي إلهي خذ بحق ظالمي |
فإنك عدل للخصوم عنيد |
|
فهذا يزيد قاتل إبني ورهطه |
على ظمأ حتّى فنوا وأبيدوا |
|
وساقوا بناتي حاسرات أذلة |
كما سيل من نسل العبيد عنيد |
|
فتبكي لها الأملاك جمعاً وعندها |
ينادي منادي الحق أين يزيد |
|
فيؤتى به سحباً ويؤتى برهطه |
وجوههم بين الخلائق سود |
|
فيأمر مولاي الجليل بقتلهم |
إذ قتلوا من بعد ذاك أعيدوا |
وتقتلهم أولاد فاطم كلهم |
وشيعتهم والعالمون شهود |
|
ويحشرهم ربي إلى ناره التي |
يكون بها للظالمين خلود |
|
إذا نضجت فيها هناك جلودهم |
أعيد لهم من بعد ذلك جلود |
|
فما فعلت عاد كقبح فعالهم |
ولا استحسنت ما استحسنته ثمود |
|
شهدت بمن حج الملبون بيته |
وربي على ما قد شهدت شهيد |
|
بأن رسول الله أكرم من مشى |
ومن حملته في المهامة قود |
|
وعترته أزكى وأطهر عترة |
ومن جاد حتّى لا يكون يجود |
|
ولولاهم لم يخلق الله خلقه |
ولم يك وعد فيهم ووعيد |
|
وما خلقوا إلّا ليمتحن الورى |
فيشقى شقي فيهم وسعيد |
|
عليهم سلام الله ما در شارق |
وما اخضر يوماً في الأرائك عود |
|
وإني ابن حماد بمدح أئمتي |
أعيش وعيشي في الزمان حميد |
|
أحبر في آل النّبي مدائحي |
وأحسن ما حبرته وأجيد |
الباب الثّالث
يا إخواني , تفكّروا في أنوار الله في أرضه وسمائه , وأصفياء الله وحججه وخلفائه , كيف تُقطّع منهم الأوصال , ويُجدّلون على الرّمال , ويتجرّعون الحتوف بأراضي الطّفوف ؟ ولعمري , هذا دأب الصّالحين وأولياء الله الـمُقرّبين ، فإنّ الله يذود أولياءه عن لذّات الدُنيا , كما يذود لراعي الشّفيق إبله عن مراتع الهلكة وتأكيد ذلك ما روي : أنّ موسى (عليهالسلام ) لـمّا توجّه إلى مناجاة ربّه , اعترضه رجل من عباده الصّالحين , فقال له : يا موسى , أبلغ ربّك أنّي أحبّه وأنا مُطيع له فلمّا فرغ موسى من المُناجاة , نودي : (( يا موسى , ألا تبلغني رسالة عبدي ؟ )) فقال : يا إلهي , أنت العالم بما قال عبدك فقال ذو الجلال : (( يا موسى , أنا أيضاً أحبّه )) فازداد ذلك الرّجل في يقين موسى إنّه عبد صالح , فلمّا رجع موسى من مُناجاة ربّه , جعل يتفقّد ذلك الرّجل في مكانه , فإذا هو بالأسد قد افترسه , فتعجّب موسى (عليهالسلام ) وحزن عليه , وقال : يا إلهي , رجل صالح تحبّه ويحبّك , تسلّط عليه كلباً من كلابك يفترسه ؟! فأتاه النّداء : (( نعم يا موسى , وهكذا أفعل بأحبابي وأوليائي , ابتليهم في دار الهوان , وأسكنهم عندي في غرفات الجنان )).
وروي أيضاً : أنّ رجُلاً جاء إلى رسول الله , فوقف بين
يديه , فقال : يا رسول الله , إنّي أحبّ الله عزّ وجلّ ، فقال : (( استعد للبلاء )) فقال : يا رسول الله , وإنّي أحبّك فقال له : (( استعد للفقر )) فقال : وإنّي أحبّ عليّ بن أبي طالب فقال : (( استعد لكثرة الأعداء )).
ولـمّا كان الإمام الحُسين حبيب الملك الدّيان , وولي الواحد المنّان , وحجّة الله على العباد , لا جرم ابتلاه الله بأهل العناد والفساد ، وهل اصابته تلك السّهام والمحن العظام ، إلاّ من القوس الذي وتر على أبيه واُمّه وأخيه ؟( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) (١) ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (٢) فتعساً لِمَن أردى تلك العصابة الكرام ! وسحقاً لِمَن نكّس أعلام أولئك الأعلام ! أما خافوا من أهوال يوم القيامة ؟! أما راقبوا جدّهم صاحب الغمامة ؟! أما راجعوا عقولهم فعلموا في المحشر كيف يكون ؟! وبماذا يتعللون إذا بكت الزّهراء على ما حلّ بولدها الذي هو قطعة من كبدها ؟( هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقّ وَضَلّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) (٣) .
روي : أنّ النّبي خرج من المدينة غازياً وأخذ معه عليّاً , وبقي الحسن والحُسين (عليهماالسلام ) عند اُمّهما لأنّهما صغيران , فخرج الحُسين (عليهالسلام ) ذات يوم من دار اُمّه يمشي في شوارع المدينة , وكان عمره يومئذ ثلاث سنين , فوقع بين نخيل وبساتين حول المدينة , فجعل يسير في جوانبها ويتفرّج في مضاربها , فمرّ عليه يهودي يُقال له صالح بن رقعة اليهودي , فأخذه إلى بيته , وأخفاه عن اُمّه حتّى بلغ النّهار إلى وقت العصر , والحُسين لم يتبيّن له أثر , فقاد قلب فاطمة بالهمّ والحزن على ولدها الحُسين (عليهالسلام ) , فصارت تخرج من دارها إلى باب مسجد النّبي (صلىاللهعليهوآله ) سبعين مرّة , فلم تر أحداً تبعثه في طلب الحُسين (عليهالسلام ) , ثمّ أقبلت إلى ولدها الحسن (عليهالسلام ) , وقالت له : (( يا مُهجة قلبي وقُرّة عيني , قُم فاطلب أخاك الحُسين , فإنّ قلبي يحترق من فراقه )) فقام الحسن وخرج من المدينة , وأتى إلى دور حولها نخل كثير , وجعل يُنادي : (( يا حُسين بن عليّ ! يا قرّة عين النّبي ! أين أنت يا أخي ؟ )) قال : فبينما الحسن يُنادي , إذ بدا له غزالة في تلك السّاعة , فألهم الله الحسن أن يسأل الغزالة , فقال : (( يا ظبية , هل رأيت أخي حُسيناً ؟ )) فأنطق الله الغزالة ببركات رسول الله ، وقالت : يا حسن , يا نور عين الـمُصطفى وسرور قلب الـمُرتضى , ويا مُهجة فؤاد الزّهراء , اعلم أنّ أخاك أخذه صالح اليهودي وأخفاه في بيته فسار الحسن حتّى
____________________
(١) سورة إبراهيم / ٤٢.
(٢) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
(٣) سورة يونس / ٣٠.
أتى دار اليهودي , فناداه فخرج صالح , فقال له الحسن : (( إليّ الحُسين من دارك وسلّمه إليّ , وإلاّ أقول لاُمّي تدعو عليك في أوقات السّحر , وتسأل ربّها حتّى لا يبقى على وجه الأرض يهودي , ثمّ أقول لأبي يضرب بحسامه لجمعكم حتّى يلحقكم بدار البوار , وأقول لجدّي يسأل الله سبحانه أن لا يدع يهودياً إلّا وقد فارق روحه )) فتحيّر صالح اليهودي من كلام الحسن ، وقال له : يا صبي مَن اُمّك ؟ فقال : (( اُمّي الزّهراء بنت مُحمّد الـمُصطفى , قلادة الصّفوة ودرّة صدف العصمة , وعزّة جمال العالم والحكمة , وهي نقطة دائرة المناقب والمفاخر , ولمعة من أنوار المحامد والمآثر ، خمرة طينة وجودها من تفّاحة من تفّاح الجنّة , وكتب الله في صحيفتها عتق عصاة الاُمّة ، وهي اُمّ السّادة النُجباء وسيّدة النّساء , البتول العذراء فاطمة الزّهراء (عليهاالسلام ) )) فقال اليهودي : أمّا اُمّك فعرفتها ، فمَن أبوك ؟ فقال الحسن (عليهالسلام ) : (( إنّ أبي أسد الله الغالب عليّ بن أبي طالب , الضّارب بالسّيفين , والطّاعن بالرّمحين , والـمُصلّي مع النّبي في القبلتين , والمفدي نفسه لسيّد الثّقلين , أبو الحسن والحُسين )) فقال صالح : يا صبي , قد عرفت أباك , فمَن جدّك ؟ فقال : (( جدّي [ درّة ] من صف [ صدف ](١) الجليل ، وثمرة من شجرة إبراهيم الخليل ، الكوكب الدّرّي , والنّور المضيء من مصباح التّبجيل المعلقة في عرش الجليل , سيّد الكونين ورسول الثّقلين , ونظام الدّارين وفخر العالمين , ومُقتدى الحرمين , وإمام المشرقين والمغربين , وجدّ السّبطين أنا الحسن وأخي الحُسين )).
قال : فلمّا فرغ الحسن من تعداد مناقبه , انجلى صداه الكفر عن قلب صالح , وهملت عيناه بالدّموع , وجعل ينظر كالمتحيّر , متعجّباً من حسن منطقه وصغر سنّه وجودة فهمه , ثمّ قال : يا ثمرة فؤاد الـمُصطفى , ويا نور عين الـمُرتضى , ويا سرور صدر الزّهراء , يا حسن , أخبرني من قبل أن أسلّم إليك أخاك عن أحكام دين الإسلام , حتّى أذعن لك وأنقاد إلى الإسلام ثمّ إنّ الحسن عرض عليه أحكام الإسلام , وعرّفه الحلال والحرام , فأسلم صالح وأحسن الإسلام على يد الإمام , وسلّمه أخاه الحُسين , ثمّ نثر على رأسيهما طبقاً من الذّهب والفضّة , وتصدّق به على الفُقراء والمساكين ببركة الحسن والحُسين (عليهماالسلام ) ، ثمّ إنّ الحسن أخذ بيد أخيه الحُسين وأتيا إلى اُمّهما ، فلمّا رأتهما اطمأنّ قلبها وزاد سرورها بولديها.
قال : فلمّا كان اليوم الثّاني , أقبل
____________________
(١) ما في المعقوفتين هي من إضافات ( موقع معهد الإمامَين الحسنَين).
صالح ومعه سبعون رجُلاً من رهطه وأقاربه , وقد دخلوا جميعهم في الإسلام على يد الإمام ابن الإمام أخى الإمام (عليهم أفضل الصّلاة والسّلام) ، ثمّ تقدّم صالح إلى الباب - باب الزّهراء - رافعاً صوته بالثّناء للسادة الاُمناء , وجعل يمرّغ وجهه وشيبته على عتبة دار فاطمة , وهو يقول : يا بنت مُحمّد الـمُصطفى , عملت سوءاً بابنك وآذيت ولدك , وأنا على فعلي نادم , فاصفحي عن ذنبي فأرسلت إليه فاطمة تقول : (( يا صالح , أمّا أنا فقد غفرت عنك من حقّي ونصيبي , وصفحت عمّا سوءتني به , لكنّهما ابناي وابنا عليّ الـمُرتضى , فاعتذر إليه ممّا آذيت ابنه )) ثمّ إنّ صالحاً انتظر عليّاً حتّى أتى من سفره , وعرض عليه حاله واعترف عنده بما جرى له , وبكى بين يديه واعتذر مما أساء إليه , فقال له : (( يا صالح , أمّا أنا فقد رضيت عنك وصفحت عن ذنبك , لكن هؤلاء ابناي وريحانتا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , فامض إليه واعتذر ممّا أسأت بولده )) قال : فأتى صالح إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) باكياً حزيناً , وقال : يا سيّد الـمُرسلين , أنت قد اُرسلت رحمة للعالمين , وإنّي قد أسأت وأخطأت , وإنّي قد سرقت ولدك الحُسين , وأدخلته داري وأخفيته عن أخيه واُمّه , وقد سوءتهما في ذلك , وأنا الآن قد فارقت الكفر ودخلت في دين الإسلام فقال له النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( أمّا أنا فقد رضيت عنك وصفحت عن جرمك , لكن يجب عليك أن تعتذر إلى الله , وتستغفره ممّا أسأت به قرّة عين الرّسول ومهجة فؤاد البتول , حتّى يعفو الله عنك سبحانه )) قال : فلم يزل صالح يستغفر ربّه ويتوسّل إليه , ويتضرّع بين يديه في أسحار الليل وأوقات الصّلوات , حتّى نزل جبرائيل إلى النّبي بأحسن التّبجيل , وهو يقول : (( يا مُحمّد , قد صفح الله عن جرم صالح حيث دخل في دين الإسلام على يد الإمام ابن الإمام عليهم أفضل الصّلوات والسّلام )) :
فقل لحساده موتوا بغيضكم |
فإنه بعطاء الله ممنوح |
|
وحرفوا ما استطعتم من إمامته |
فشأنه بلسان الحق ممدوح |
|
بيوتكم بفنون اللهو مفعمة |
وبيته فيه تقديس وتسبيح |
|
فإنكم جسد ميت بكثرتكم |
وفضله بين أبدان الورى روح |
عن أبي ذر الغفاري , قال : كان سيدي عليّ بن أبي طالب يحدّثنا في بعض الأوقات بالمغيّبات , فبينما نحن جلوس معه في جامع الكوفة , إذ دخل إليه رجل
وسلّم عليه , وقال له : يا أمير المؤمنين , إنّي مررت بوادي القُرى , فرأيت خالد بن عرفطة مقتولاً مطروحاً في البر فقال له عليّ (عليهالسلام ) : (( كذبت , أنّ خالداً لم يمت حتّى يقود جيش الضّلال ابن زياد , ويكون حامل لوائه حبيب بن جماز لعنه الله تعالى )) فقام حبيب بن جماز من بينهم , وقال : يا أمير المؤمنين , أراك تقول هكذا وإنّي لك شيعة , وأنا موال لك , وإنّي لك محبّ ؟! فقال له : (( مَن أنت ؟ )) فقال : أنا حبيب بن جماز فقال له : (( إيّاك إيّاك أن تحملها يا شقي ! ولكن لا بدّ أن تحملها وتدخل بها من هذا الباب )) وأومى بيده إلى باب الفيل بمسجد الكوفة , (( وتُقاتل ولدي الحُسين بعد وفاتي )) فلمّا كان من أمر الحُسين ما كان وحان من حينه ما حان , بعث ابن زياد بعمر بن سعد إلى حرب الحُسين (عليهالسلام ) , وجعل خالد بن عرفطة على مقّدمته بأربعة آلاف فارس , وحبيب بن جماز حامل رايته , فسار بها حتّى دخل مسجد الكوفة من باب الفيل كما أخبر أمير المؤمنين (عليهالسلام ).
ومن أخباره بالمغيّبات : أنّه (عليهالسلام ) التفت إلى البرّاء بن عازب ، وقال له : (( يابن عازب , يُقتل ولدي الحُسين وأنت حيّ حاضر ولم تنصره , وتزعم أنّك مُحبّ لنا )) فلمّا قُتل الحُسين , كان البرّاء بن عازب يُظهر الحسرة والنّدم , ويقول : حدّثني سيّدي عليّ بن أبي طالب أنّه يُقتل ولده الحُسين ولم أنصره وظلّ يُكثر الحسرة والنّدم مدّة عمره.
فانظروا يا إخواني إلى ما خصّ الله به هذا الشّخص الرّباني من الفضائل العظيمة والعطايا الجسيمة فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ الدرمكي (رحمه الله تعال ى)
نحول جسمي لا ينفك عني |
وقد صار البكا شغلي وفني |
|
وقلبي فيه نيران ووجد |
وهمي صار ممزوجاً بحزني |
|
يطيب لي البكا في كل وقت |
وأسعف في الرزايا من سعفني |
|
كفاني موت خير الخلق طراً |
بأن النفس في السلوان أشني |
|
أخذتم نحلتي ظلماً وإرثي |
وحلتم دون ما ربي رزقني |
|
وسب البضعة الزّهراء لـمّا |
أتت زفراً وقالت ما نصفني |
أما في هل أتى وفيت نذري |
فيا ويل لملعون عصبني |
|
سلوا عم وطة إن شككتم |
سلوا ياسين ما ربي رزقني |
|
فقال الرجس ما نرضى بهذا |
ولا ذا القول في ذا اليوم يغني |
|
فماتت وهي في حرق وكرب |
تواصل حر زفرتها بغين |
|
وقتل الطهر في المحراب لـمّا |
أتته كتب ملعون ولكني |
|
بأنا طائعون بكل أمر |
وأنت محكم في كل فن |
|
فعجل بالمسير يظن خيراً |
يحسب البيد سرعاً لا يوني |
|
إلى أن صار في نقع المنايا |
وحادي العيس مسرور يغني |
|
فمانعه الجواد السير عنها |
فقال لصحبته يا من حضرني |
|
فما اسم الأرض يا قوم انبؤني |
ففي أكنافها قد طاش ذهني |
|
فقالوا ذي منازل كربلايا |
فقال الكرب فيها قد شملني |
|
ألا حطوا الرحال فلا مسير |
ففي هذه الفلاة يكون دفني |
|
وفيها يقتل العباس ظلماً |
ويقتل كل صديق نصرني |
|
وفيها تقتل أولادي وصحبي |
وتسبى نسوتي بالرغم مني |
|
وفي هذي الفلاة نزار حقاً |
وقد جاز السعادة من نصرني |
|
وأقتل ظامياً والماء طام |
ويشربه هنيئاً من منعني |
|
إذا شرب المحب الماء بعدي |
فطاب له التنغص إذ ذكرني |
|
وما لي مهرب عن أمر ربي |
فقد لاحت دلائل ما وعدني |
|
فلما كان وقت الظهر بانت |
لهم خيل لأشقى الخلق تدني |
|
فقال أتتكم أرجاس حرب |
بأعلام تخالف ما وردني |
|
فما للقوم قصدكم سبيلاً |
وكل بالمنايا قد قصدني |
|
فضجوا بالبكاء حزناً عليه |
وقالوا بعدكم لا عيش يهني |
|
فلا والله لا نرضى بذل |
ولا نستقبل الأعداء يجني |
|
ولكن نبذل الأرواح منا |
ونرضى خير مسؤول ومغني |
|
ونفحم عند نيران الأعادي |
ونوصل فيهم ضربا بطعن |
|
فيا لله كم قطعوا رؤوساً |
وكم قد ألحقوا قرناً بقرن |
إلى أن جدلوا بالترب جمعاً |
عليهم جاريات الريح تبني |
|
وظل الطهر يفترس الأعادي |
كليث ثار في إبل وضان |
|
إلى أن خر مطعوناً طريحاً |
دنيفاً بإنكسار الطرف يرني |
|
ينادي بعد عز وامتناع |
أما أحد على أهلي يجرني |
|
أليس البضعة الزّهراء أمي |
وجدي أحمد يا من جهلني |
|
فقال الشمر أقصر يا حُسين |
وما تعديدك المعروف بغني |
|
وحز الرأس كرهاً من قفاه |
وبراه وعلاه بلدن |
|
وخلا الجسم منعفراً طريحاً |
غسيلاً بالدما من غير دفن |
|
تلوذ به الأرامل واليتامى |
حيارى يا أباه منيع ركني |
|
يعز عليك يا أبتاه ما لي |
بلا وطأ وقيد قد جرحني |
|
أبي من لليتيمة إن سبتها |
علوج أمية واستصرختني |
|
وفاطمة الصغيرة في بكاها |
تقول إليك يا أبتاه خذني |
|
وأسكن روعتي مما جرى لي |
لأن مصيبة عظمى دهتني |
|
فلو بنت النّبي ترى مكاني |
لماتت غصة لـمّا رأتني |
|
وليت الموت قدمني بأخذ |
وإلّا عند مصرعكم صرعني |
|
أبي أصبحت منفرداً غريباً |
فوا حزناه مما قد دهمني |
|
أبي ساروا بنا فوق المطايا |
بأعنف حادي يحدي ببدن |
|
فلما أن أتين إلى يزيد |
فقال لساقي الصهباء زدني |
|
وقرب رأس مولانا إليه |
ليقرع منه سناً بعد سن |
|
فلعنة ذي الجلال على يزيد |
بعد الخلق أنسى وجني |
|
وتغشي أدلماً وأبا فلان |
وقرمانا فافهم ما أكني |
|
إليكم يا بني طه عروساً |
تربت بين أتراب وخدن |
|
زهت إذ ألبست حلل المعاني |
وتوجها مديحكم بحسن |
|
منظمها مديح درمكي |
بها يرجو جواركم بعدن |
|
فمن فضل الإله أبي محب |
وأمي من محبتكم سقتني |
إذا ما نلت من ربي ولاكم |
فلا أسفي على شيء منعني |
|
لأنكم أجل الخلق أصلاً |
وأعلمهم وأفضلهم بلسن |
|
وأعبدهم وأهداهم وأتقى |
وأخوفهم لمن يغني ويفني |
|
صلاة الله دائمة عليكم |
تضاعف ما شدت ورقا تغني |
المجلس التّاسع
في الليلة الخامسة من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
يا إخواني في الدّين , هل يحسن إصاخة سمعي إلى لوم اللائمين , أو يميل طبعي إلى عذل العاذلين في ترك أحزاني وشجوني , وبثّ أشجاني وأنيني , وقد فتكت أيدي الكفرة الفجرة المارقين بمولاي الحُسين بن أمير المؤمنين ؟ بل أموت وأحزانه في فؤادي وبها ألاقي الله في معادي , فأطيلوا رحمكم الله النّوح والأحزان على سادات الزّمان واُمناء الملك الدّيان , وليكن نوحكم على شفعائكم يوم النّشور أكثر من نوح الحمام والطّيور , وكيف لا ينهدّ ركني لمصابهم ولم أتجرّع بعض ما تجرّعوه من غصصهم وأوصابهم ؟ أأطمع أن أشاركهم في الفضل والأنعام ولا أشاركهم في تلك الأهوال العظام ؟ :
أذل لمن أهوى لأحظى بعزة |
وكم عزة قد نالها المرء بالذل |
|
إذا كان من تهوى عزيزاً ولم تكن |
ذليلاً له فأقر السّلام على الوصل |
ولعمري , كم من باك على ربع خراب , وكم من هائم على سكن التّراب , وهو غافل عن تمثّل هذا الرّزء العظيم والمصاب الجسيم ، فلا خير والله في قلوب لا تميل إليهم ودموع لا تسح عليهم ، وما لي لا أبكيهم حتّى تنقطع أوصالي ؟ كيف وهم مرجعي وبهم اتصالي :
آل الرّسول الألي لا زال حبهم |
للقلب من كل داء للمحب شفا |
ومن خذلهم فلا تشفى بشافية |
قلوبهم ولهم فوق الجحيم شفا |
|
ضاعت حقوقهم حتّى طريقتهم |
قد ضل عنها عقول سيرهم عنفا |
روي عن الإمام العسكري (ع) في تفسير قوله تعالى :( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (الآية)(١) قال : (( قال لي أبي عن آبائه عن رسول الله (ص) : لـمّا نزلت هذه الآية في ذمّ اليهود الذين نقضوا عهود الله , وحادوا عن أمر الله , وكذّبوا رسول الله , وقتلوا أنبياء الله , فقال النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : يا أصحابي , أفلا أنبئكم بما يضاهيكم من يهود اُمّتي ؟ فقالوا : بلى يا رسول الله صلّى الله عليك وعلى آلك فقال : قوم من بني اُميّة يزعمون أنّهم من اُمّتي , ويظنون أنّهم من أهل ملّتي , يقتلون أفاضل ذرّيّتي وأطائب أرومتي وذرّيّة ابنتي , ويبذلون شريعتي ويتركون سنّتي , ويقتلون ولديَّ الحسن والحُسين كما قتل أسلاف هؤلاء اليهود زكريا ويحيى (عليهماالسلام ) , ألا وأنّ الله يلعنهم كما لعنهم من قبل , ويبعث الله على بقايا ذراريهم يوم القيامة إماماً هادياً مهديّاً من ولد الحُسين , فيقتلهم عن آخرهم ويأخذ بثأر جدّه الحُسين , ولهم يوم القيامة أشدّ العذاب وبئس المصير ، ألا لعن الله قتلة الحُسين ومحبّيهم وناصريهم والشّاكّين في لعنهم من غير تقية , ألا وصلّى الله على الباكين على الحُسين والمقيمين عزاءه , ألا وصلّى الله على مَن بكى على الحُسين رحمة وشفقة ورقّة له ، ألا وصلّى الله على اللاعنين لأعدائهم والممتلين عليهم غيضاً وحنقاً ، ألا وإنّ الرّاضين بقتل الحُسين هُم شُركاء قتلته ، ألا وإنّ قتلته وأعوانهم وأشياعهم والمتقدّمين والمتأخّرين براءة من دين الله , وعليهم لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين ، ألا وأنّ الله يأمر ملائكته المقرّبين أن يتلقّوا دموع الباكين على مصاب الحُسين (عليهالسلام ) , فيجمعون دموعهم وينقلونها إلى خزنة الجنان , فيمزجونها بماء الحيوان فيزيد في عذبها وطيبها وطعمها ألف ضعفها , وإنّ الملائكة المقرّبين ليتلقّون دموع الفرحين الضّاحكين لقتل الحُسين ومصاب الحُسين , فيلقونها في الهاوية , فيمزجونها بحميم جهنّم وصديدها وغساقها وغسيلها , فتزيد في شدّة حرارتها وعظيم عذابها ألف ضعفها , يشدّد الله على المنقولين إليها من أعداء آل
____________________
(١) سورة البقرة / ٨٤ - ٨٥.
محمد في عذابهم يوم القيامة )) قال : (( فقام ثوبان مولى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , فقال : بأبي واُمّي يا رسول الله ! أخبرني متى قيام الساعة ؟ فقال رسول الله : ماذا أعددت لها ؟ فقال ثوبان : ما أعددت لها كثير عمل إلّا أنّي أحبّ الله ورسوله وأهل بيت رسوله فقال رسول الله : وإلى ماذا بلغ حبّك لرسول الله وأهل بيته ؟ قال : والذي بعثك بالحقّ نبيّاً , إنّ في قلبي محبّتكم ما لو أنّي قُطّعت بالسّيوف ونُشّرت بالمناشير , وقُرّضت بالمقارض واُحرقت بالنّيران , وطُحنت برحى الحجارة , كان أحبّ إليّ وأسهل عليّ من أن أجد لك في قلبي منك غشّاً أو دغلاً أو بُغضاً , ولا لأحد من أهل بيتك ومن عترتك , فهم أحبّ الخلق إليّ من بعدك , وإنّ أبغض النّاس إليّ مَن لا يحبّك ولا يحبّ أهل بيتك وعرتك يا رسول الله , فهذا ما عندي من حبّك وحبّ مَن يحبّك , وبغض من يبغضك أو يبغض أحداً من أهل بيتك , فإن قُبل منّي , فقد سعدت , وإن ترد منّي عملاً غيره , فما أعلم أنّ لي عملاً غير هذا أعتمد عليه وأعتدّ به يوم القيامة مع مَن أحبّ.
فقال (ص) : واعلم يا ثوبان , لو أنّ عليك من الذّنوب ملأ ما بين الثّرى إلى عنان السّماء , لانحسرت وزالت عنك بهذه الموالاة , أسرع من انحسار الظّل عن الصّخرة الملساء المستوية إذا طلعت عليها الشّمس , ومن انحسار الشّمس إذا غابت عنها , ولعمري , لا عمل فيها أفضل من موالات الآل ؛ لدفع تلك الأهوال والأمور العضال )) :
يا آل طة أنتم القصد والمنى |
وفي يدكم يوم اللقا النفع والضر |
|
رجوتكم ذخري وفخري وعدتي |
وما خاب من أنتم له الفخر والذخر |
|
إذا كل من عاداكموا بجهنم |
وشيعتكم والمؤمنون بكم سروا |
|
وادخلتموهم للجنان فهم بها |
وجوههم بيض ملابسهم خضر |
|
عليكم سلام الله ما ناح صادح |
على عذبات الدوح وابتسم الزهر |
روي : أنّ الرّشيد لـمّا أراد أن يقتل الإمام موسى بن جعفر (عليهالسلام ) , أعرض قتله على سائر جنده وفرسانه , فلم يقتله أحد منهم ، فأرسل إلى عُمّاله في بلاد الأفرنج يقول لهم : التمسوا إليّ قوماً لا يعرفون الله ولا يعرفون رسول الله , فإنّي أريد أن أستعين بهم على مُهمّ قال : فأرسلوا إليه قوماً لا يعرفون من شرائط الإسلام كلمة واحدة , ولا يعرفون من اللغة العربية كلمة واحدة أبداً ، وكانوا خمسين رجلاً , فلمّا
دخلوا إليه , أكرمهم وأعزّهم وأنزلهم في دار الكرامة , وحمل لهم الهدايا والتُحف والخُلع السّنيّة , ثمّ استدعاهم وسألهم : مَن ربّكم , ومَن نبيّكم ؟ فقالوا : لا نعرف لنا ربّاً ولا نبيّاً أبداً فقال لهم : هذا مرادي وهذا قصدي فقال لوزيره : قُل لهم , إنّ الملك له عدو في هذا البيت جالس - يعني موسى بن جعفر (عليهالسلام ) - , فادخلوا إليه واقتلوه ولكم الجائزة العُظمى فقالوا : سمعاً وطاعة , وهذا أمر هيّن علينا , فإن أردتم قطعناه قطعاً وأكلنا لحمه قال : فقاموا جميعاً بأسلحتهم كأنّهم السّباع الضّارية ودخلوا على الإمام موسى بن جعفر (عليهالسلام ) , والرّشيد ينظر إليهم من طاقة حجرته ويبصر ما يفعلون , قال : فلمّا رأوه , رموا أسلحتهم وارتعدت فرائضهم وخرّوا سجّداً يبكون رحمة له ، قال : فجعل الإمام (عليهالسلام ) يمرّ يده الشّريفة على رؤوسهم وهم يبكون , ومع ذلك يخاطبهم بلحنهم ولغتهم ، قال : فلمّا رأى الرّشيد ذلك منهم , خشي من الفضيحة وصاح بالوزير : اخرجهم عنه فخرجوا وهُم يمشون القهقرى إجلالاً للإمام (عليهالسلام ) , ثمّ إنّهم ركبوا خيولهم وأخذوا الهدايا والتُحف التي وصلتهم منه , ومضوا لشأنهم من غير إذن الرّشيد.
فانظروا يا إخواني إلى هذه العداوة العظيمة والشّقاوة المعضلة الجسيمة :( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (١) :
قوم علا بنيانهم من هاشم |
فرع أشم وسؤدد ما ينقل |
|
قوم بهم نصر الإله رسوله |
وعليهم نزل الكتاب المنزل |
|
وبهديهم رضي الإله لخلقه |
وبجدهم نصر النّبي المرسل |
روي : أنّ رجُلاً من الخوارج قال لـمُحمّد بن الحنفية : لِمَ غرر بك أبوك في الحروب ولم يغرر الحسن والحُسين ؟ فقال له : ويا ويلك ! أما علمت أنّهما عيناه وأنا يمينه , فهو يدفع بيمينه عن عينيه.
وعن ابن عباس , قال : لـمّا كنُا في حرب صفّين , إذ دعا عليّ ابنه مُحمّد بن الحنفية , وقال له : (( يا بني , شد على عسكر معاوية )) ففعل ما أمره أبوه وحمل على ميمنة عسكر معاوية فكشفهم , ثمّ رجع إلى أبيه وقد جُرح , فقال له : يا أبي العطش العطش ! فسقاه جرعة من الماء , ثمّ صبّ الباقي بين درعه وجلده , فو الله لقد رايت علق الدّم يخرج من الدّرع , ثمّ أمهله ساعة , ثمّ قال له : (( يا بُني , شد على الميسرة )) فحمل على ميسرة عسكر معاوية فكشفهم , ثمّ رجع وبه جراحات وهو يقول : الماء الماء يا أبتاه ! فسقاه جرعة من الماء وصبّ باقي الماء
____________________
(١) سورة الصّف / ٨.
بين درعه وجلده ، ثمّ قال له : (( يا بُني , شد على القلب )) فحمل عليهم فكشفهم وقتل منهم فُرساناً , ثمّ رجع إلى أبيه وهو يبكي وقد أثقلته الجروح , فقام إليه أبوه وقبّل ما بين عينيه , وقال له : (( فداك أبوك ! فقد سررتني والله يا بني بجهادك هذا بين يدي , فما يبكيك , أفرح أم جزع ؟ )) فقال : يا أبتي كيف لا أبكي وقد عرّضتني للموت ثلاث مرّات فسلّمني الله , وها أنا مجرح كما ترى ؟ وكلّما رجعت إليك لتمهلني عن الحرب ساعة , فما تمهلني وهذان أخواي الحسن والحُسين ما تأمرهما بشيء من الحرب فقام إليه أمير المؤمنين وقبّل وجهه , وقال له : (( يا بُني , أنت ابني وهذان ابنا رسول الله , أفلا أصونهما من القتل ؟ )) فقال : بلى يا أبتاه , جعلني الله فداك وفداهما من كلّ سوء ! :
فليت شعري هل توازي مصيبة |
مصيبتكم يا آل بيت محمد |
|
رزيتم رزايا لا يطيق بحملها |
سماء ولا أرض ولا كل جامد |
روي : أنّ الحسن الزّكي لـمّا دنت وفاته ونفذت أيّامه وجرى السّم في بدنه وأعضائه , وتغيّر لون وجهه ومال بدنه إلى الزّرقة والخضرة ، قال له أخوه الحُسين (عليهالسلام ) : (( ما لي أرى لون وجهك مائلاً إلى الخضرة ؟ )) فبكى الحسن (عليهالسلام ) , وقال له : (( يا أخي , لقد صحّ حديث جدّي فيّ وفيك )) ثمّ مدّ يده إلى أخيه الحُسين واعتنقه طويلاً وبكيا كثيراً , فقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( يا أخي , ما حدّثك جدّك وماذا سمعت منه ؟ )) فقال : (( أخبرني جدّي رسول الله , أنّه قال : لـمّا مررت ليلة المعراج بروضات الجنان ومنازل أهل الإيمان , فرأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة , لكن أحدهما من الزّبرجد الأخضر والآخر من الياقوت الأحمر , فاستحسنتهما وشاقني حسنهما , فقلت : يا أخي جبرائيل , لِمَن هذين القصرين ؟ فقال : أحدهما لولدك الحسن والآخر لولدك الحُسين فقلت : يا جبرائيل , فلِمَ لا يكونا على لون واحد ؟ فسكت ولم يردّ عليّ جواباً , فقلت : يا أخي , لِمَ لا تتكلّم ؟ فقال : حياء منك يا مُحمّد فقلت له : تالله عليك إلّا ما أخبرتني ؟ فقال : أمّا خضرة قصر الحسن , فإنّه يُسمّ ويخضر لونه عند موته ، وأمّا حُمرة قصر الحُسين , فإنّه يُقتل ويُذبح ويُخضب وجهه وشيبته وبدنه من دمائه فعند ذلك بكيا وضجّ النّاس بالبكاء والنّحيب على فقد حبيبيّ الحبيب )).
وحكي عن السّدي , قال : ضافني
رجل في ليلة كنت أحبّ الجليس , فرحّبت به وقرّبته وأكرمته وجلسنا نتسامر , وإذا به ينطلق بالكلام كالسّيل إذا قصد الحضيض , فطرقت له فانتهى في سمره طفّ كربلاء , وكان قريب العهد من قتل الحُسين (عليهالسلام ) , فتأوّهت الصّعداء وتزفّرت كمداً , فقال : ما بالك ؟ قلت : ذكرت مصاباً يهون عنده كلّ مصاب قال : أما كُنت حاضراً يوم الطّفّ ؟ قلت : لا ، والحمد لله قال : أراك تحمد على أيّ شيء ؟ قلت : على الخلاص من دم الحُسين ؛ لأنّ جدّه (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( مَن طولب بدم ولدي الحُسين يوم القيامة , لخفيف الميزان )) قال : قال هكذا جدّه ؟ قلت : نعم ، وقال (صلىاللهعليهوآله ) : (( ولدي الحُسين يُقتل ظُلماً وعدواناً , ألا ومَن قتله يدخل في تابوت من نار , ويُعذّب نصف عذاب أهل النّار , وقد غلت يداه ورجلاه , وله رائحة يتعوّذ أهل النّار منها , هو ومَن شايع وبايع أو رضي بذلك :( كُلّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ) (١) لا يفتر عنهم ساعة , ويسقون من حميم جهنّم ، فالويل لهم من عذاب جهنم ! )) قال : لا تُصدّق هذا الكلام يا أخي فقلت : كيف هذا وقد قال (صلىاللهعليهوآله ) : (( لا كَذِبتُ ولا كُذِّبت )) ؟ قال : ترى قالوا : قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( قاتل ولدي الحُسين لا يطول عمره )) ها أنا وحقّك قد تجاوزت التّسعين مع أنّك لا تعرفني قُلت : لا والله قال : أنا الأخنس بن زيد قُلت : وما صنعت يوم الطّفّ ؟ قال : أنا الذي اُمّرت على الخيل الذين أمرهم عمر بن سعد بوطء جسم الحُسين بسنابك الخيل , وهشّمت أضرعه , وجررت نطفاً من تحت عليّ بن الحُسين وهو عليل حتّى كببته على وجهه , وخرمت أذني صفيّة بنت الحُسين لقرطين كانا في إذنيها قال السّدي : فبكى قلبي هجوعاً وعيناي دموعاً , وخرجت أعالج على إهلاكه , وإذا بالسّراج قد ضعفت فقمت أظهرها , فقال : اجلس , وهو يحكي لي مُتعجّباً من نفسه وسلامته , ومدّ إصبعه ليظهرها فاشتعلت به , ففركها في التّراب فلم تنطفئ , فصاح بي : أدركني يا أخي ! فكببت الشّربة عليها وأنا غير محبّ لذلك , فلمّا شمّت النّار رائحة الماء , إزدادت قوّة , وصاح بي : ما هذه النّار وما يطفئها ؟ قلت : إلق نفسك في النّهر فرمى بنفسه , فكُلّما ركس جسمه في الماء , اشتعلت في جميع بدنه كالخشبة البالية في الرّيح البارح ، هذا وأنا أنظره فو الله الذي لا إله إلّا هو , لم تطف حتّى صار فحماً وسار على وجه الماء , ألا لعنة الله على الظالمين
____________________
(١) سورة النّساء / ٥٦.
( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ الفاضل مُحمّد بن نقيح (رحمه الله تعالى )
عجباً لقلب فيكم لا يفجع |
ولأنفس في رزئكم لا تجزع |
|
لله در مراركم بمصابكم |
لم تنصدع ونواظر لا تدمع |
|
ما هل عاشورا إلّا وهاج لي |
حزن فصرت كبومة استبشع |
|
لم أنس مولاي الحُسين بمكة |
عن بيعة الباغي غداً يتمنع |
|
تباً لقوم خالفوه وخالفوا |
أمر الرسول وللوصية ضيعوا |
|
كتبوا إليه من العراق وأجمعوا |
أن ينصروه فمذ أتى لم يزمعوا |
|
وتقاعدوا عن نصره وتعاقدوا |
في خذله وعلى الأذية أجمعوا |
|
فأراد لـمّا أن تبين غدرهم |
جزماً إلى حرم المدينة يرجع |
|
بعثوا إليه الحر عند قدومه |
فبقى يساير تارة ويجعجع |
|
ساروا فوافوا في العشية كربلا |
أرض الطفوف من البراري سلقع |
|
قال انزلوا فهنا مناخ ركابنا |
وهنا محط رحالنا والمصرع |
|
وأتى ابن سعد مقبلاً في عصبة |
نحو الأطائب والعساكر تتبع |
|
وتأهبوا للحرب بعد تظاهر |
والعلج في إضرامها يتشجع |
|
فاستمهل السبط الطغاة لعله |
يدعو إلى الله العلي ويضرع |
|
فأقام ليلته يناجي ربه |
طوراً ويسجد في الظلام ويركع |
|
ويقول إن القوم لا بغيا لهم |
غيري وإني عارف من يرجع |
|
فأقام بين يديه كل موفق |
وغدا يقهقر كل من يتطمع |
|
وأتى الحُسين يناشد القوم الذي |
لم يبق فيهم من ينيب ويخشع |
|
وغدا ابن سعد راشقاً بسهامه |
قوم الإمام وفي الأذية يسرع |
|
وأتت سهام القوم بعد كأنها |
مطر تدفعه الرياح الزعزع |
|
ذادوه عن ماء الفرات بجحفل |
فيه الصوارم والسلاح يقعقع |
|
فتيقن السبط اللقاء لربه |
فأتى الخيام بدرعه يتلفع |
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
يوصي سكينة بالسكينة بعده |
بالصبر عند مصابه ويودع |
|
وبقى رجال السبط يقتل واحد |
منهم وآخر بعده يتوقع |
|
حتى بقى فرداً وحيداً ظامياً |
لا مانع عنه ولا من يدفع |
|
حملوا عليه بالطعان فصدهم |
بالسيف وهو اللوذعي الأشجع |
|
مذ اثخنوه بالجراح وأضعفوا |
منه الجوارح وهو لا يتروع |
|
وشكى النساء إلى الحُسين من الظما |
وأتينه بالطفل مضى يرضع |
|
فمضى به نحو الطغاة كأنه |
بدر بدا من برجه يتطلع |
|
ودعا له ماء يبل غليله |
ويقول هل قلب يرق ويخشع |
|
وأتاه سهم مارق من مارق |
بغروره وبكفره يتمتع |
|
قطع الوريد من الوليد وأقبلت |
منه الدماء واحمر منه البرقع |
|
أخذ الدماء بكفه فرمى به |
نحو السّماء والعين منه تدمع |
|
ومضى يجدل كل صل صائل |
ويقد هاماً منهم ويدرع |
|
حتى دنى أجل الكتات ولم يكن |
من بغدما حتم المقدر ينفع |
|
أردوه عن ظهر الجواد كأنه |
جبل لخشية ربه متصدع |
|
لهفي له يبغي هنالك شربة |
فيجاب بالشتم الشنيع ويمنع |
|
لهفي لمصرعه الشريف على الثرى |
بين اللئام وعز ذاك المصرع |
|
لهفي لجثته الشريفة في الثرى |
مطروحة يسفى عليها الزوبع |
|
لهفي له إذ يستغيث فلم يغث |
أفلم يكن عند النداء من يسمع |
|
ذبحوه ظمآناً وكوثر جدّه |
بالماء في يوم القيامة مترع |
|
حملوا الكريم على القناة مضمخاً |
والنور من أعضائه يتشعشع |
|
قطع اللعين سنان منه وريده |
هل كان يدري أي عضو يقطع |
|
تبت يداه لقد أساء بفعله |
وله جهنم في القيامة تسفع |
|
وأتى الجواد إلى الخيام منهما |
بصهيله والسرج منه بلقع |
|
وأتت سكينة وهي تندب حاسراً |
بأبي الشجاع الاريحي الأروع |
|
وا سيداه عدمت بعدك صحتي |
فإلى الإله المشتكى والمفزع |
|
فالدين أضحى بعد فقدك ثاكلا |
والدهر أمسى وهو بعدك أجدع |
أين الحماة وأين جدّي الـمُصطفى |
بل أين حيدرة البطين الأنزع |
|
اليوم مات مُحمّد واستوسرت |
أولاده من بعده وتضعضعوا |
|
كم حرمة ظهرت محاسن وجهها |
وكريمة قد مال عنها البرقع |
|
فالطيبات الطاهرات حواسر |
وتماط عنهن الثياب وتنزع |
|
والسيد السجاد في أيدي العدا |
مضني على حمل الشدائد يرفع |
|
هذا وما سكنت به اضغانهم |
وبما جرى في حقه لم يقنع |
|
سلبوه من أثوابه ودروعه |
ولنزع خاتمه تبين الإصبع |
|
رضوا جناجن صدره بخيولهم |
بغياً وعن أحقادهم لا يقلع |
|
ويزيد ينكث ثغره بقضيبه |
متمثلاً بالشعر لا يتنعنع |
|
فليأتين غداً بقبح صنيعه |
من الندامة في القيامة يقرع |
|
تالله لا عاد ولا فرعونها |
كلا ولا فعلت ثمود وتبع |
|
كفعال هذا النكس ابن أميّة |
ومقامه في يه يتسكع |
|
أين الصحابة أين حزب مُحمّد |
لا منكر منهم ولا متوجع |
|
خص الكرام بكل خطب فادح |
فيه العقول مع القلوب تروع |
|
صبروا على البلوى بكل كريهة |
والسر فيهم لا محالة يودع |
|
طوبى لأرض حل في أكنافها |
جسد الحُسين وطاب ذاك الموضع |
|
قد قدست أرض الطفوف وبوركت |
لـمّا اغتدى لك في ثراها مضجع |
|
لك تربة فيها الشفاء وقبة |
فيها الدعاء إلى المهيمن يرفع |
|
هم سادة الدنيا ويوم معادنا |
في الحشر منهم شافع ومشفع |
|
ولسوف يدرك ثأرهم مهديهم |
وأنا ليوم ظهوره أتوقع |
|
إن لم أكن أدركت نصرة جدّه |
فبنصره فيما بقي اتطمع |
|
يابن الإمام العسكري ومن له |
صيد الملوك إذا تمثل تخضع |
|
يا سيّدي ظهر الفساد وأظلمت |
سبل الرشاد فهل لنورك مطمع |
|
وجرت علينا في الزمان ملاحم |
لم ندر في تدبيرها ما نصنع |
|
لم يبق إلّا عالم متصنع |
أو جاهل متنسك أو مبدع |
|
جعل العلوم على الفساد ذريعة |
أكلوا بها الدنيا ولم يتورعوا |
يبغون في الأرض العلو وقصدهم |
قبل العوام إليهم كي يخدعوا |
|
كل يريد رئاسة بوقاحة |
وإذا رأى أهل النهى لا يتبع |
|
يتنافسون على المناصب والعلى |
والله يخفض ما يشاء ويرفع |
|
والله يصلح شأنهم ويصدهم |
عن غيهم وعن المعاصي يرجع |
|
وبقي رجال أخلصوا في ودهم |
خصوا ببلوى للجبال تصدع |
|
أما طريد أو شريد ضائع |
بين البرية أو فقير مدقع |
|
فالله يجبر كسرهم بظهوره |
يا من بهم جل المكاره تدفع |
|
ويعين منا الصالحين بعصمة |
من كل فعل موثق يستبشع |
|
وبه نؤمل أن ينجي كل من |
يبغي الهدى ولسبله تتبع |
|
ونعوذ من خطب يهول وفتنة |
فيها المعارف والحقوق تضيع |
|
يا عترة الهادي النّبي ومن هم |
عزي وكنزي والرجا والمفزع |
|
واليتكم وبرئت من أعدائكم |
وأنا بغير ولاكم لا أقنع |
|
ونظمت في علياكم من مقولي |
دراً لها وشى القريض يرصع |
|
علماً بأن مديحكم لي نافع |
ومديح قوم غيركم لا ينفع |
|
وأنا بكم متنسك وبحبكم |
متمسك وبجدكم مستشفع |
|
لم أهو ديناً أصله من غيركم |
حسبي إفتخاري أنني أتشيع |
|
وإلى نقيح نسبتي ومحمد |
إسمي فكم لي منكر ومضيع |
|
لم استعن في نظمها بسواكم |
كلا ولست لمن تقدم اتبع |
|
بل هذه بكر أتت من فكرتي |
وقريحتي للبكر دوماً تقرع |
|
وقبولها يا سادتي مهر لها |
إن صح فزت بنعمة لا تقطع |
|
صلّى الإله عليكم ما أحييت |
فكر وأوقضت العيون الهجع |
|
أبغي الشفاعة في معادي يوم لا |
مال هناك ولا بنون ينفع |
|
بكم اؤمل نجح سعيي دائماً |
وإلى الإله بحبكم أتدرع |
الباب الثّاني
أيّها المؤمنون النّاصحون , اقطعوا رقاد العيون وواصلوا سهاد الجفون ،
وامسكوا أنفسكم عن اللذّات وابذلوا الدّموع الجاريات ، فقد أعزّ دينه وأحرزه مَن أحمل دمعه وأبرزه ، فإنّ إظهار الدّموع البادية , دليل على ما بطن من الأحزان الخافية ، أما علمتم أنّ هذه الدّموع الهتان نفئة مصدور ، وردّ شرائع الأحزان ، وعجز عن الصّدور وإنّي كُلّما تزايدت عليّ الأفكار , يتوقّد في قلبي لهيب النّار ، فلا أجد ملجأ التّجئ إليه ولا معولاً أصبر إليه , سوى ماء الشّؤون المتحادرة من مقرحات الجفون :
إن الحزين إذا ما الحزن خالطه |
كان البكاء له ملجأ من الفكر |
|
لا تعذلوني عذولي إنني رجل |
لـمّا تزايد حزني قل مصطبري |
وكيف لا تحزن على سادات العباد وأنوار الله في البلاد , فليتني شاهدتهم يوم الطّفوف وفديتهم بروحي من الحتوف ، ولكن ليس إلّا ما أراد الله ولا حول ولا قوة إلّا بالله.
روي : أنّ بعض الصّالحين من المؤمنين , رأى في منامه فاطمة الزّهراء في أرض كربلاء , بعد قتل الحُسين مع جملة من نساء أهل الجنّة وهم يندبون الحُسين (عليهالسلام ) , وفاطمة تقول : (( يا أبي يا رسول الله ! أما تنظر إلى اُمّتك ما فعلوا بولدي الحُسين ؟ قتلوه ظُلماً وعدواناً , قتلوه ومن شرب الماء منعوه , وللمنايا والغصص جرّعوه , وبالسّيوف قطّعوه , وعلى وجهه قلبوه , ومن القفا ذبحوه , فيا بئس ما فعلوه ! يا ابتاه ! أترى فُعل بولد أحد من الأنبياء كما فُعل بولدي ؟! فوا حرّ قلبه ! كأنّ ربّنا ما خلقنا إلّا للبلاء والابتلاء , فإنّا لله وإنّا إليه راجعون يا أبتاه ! قتلوا بعلي أمير المؤمنين , واُدير الحطب على بيتي واُضرمت النّار فيه , وفُتح باب داري عليّ كُرهاً , وقُتل ولدي الـمُحسن سقطاً , كأنّي لم أكُن بضعة منك يا رسول الله ! ولا أنا الذي قُلت فيّ : فاطمة بضعة منّي يُريبني ما يُريبها , ويُزريني ما يُزريها يا أبتي ! أتعلم ما صُنع بي ؟ كسر اللعين ضلعي حتّى متّ بأسفي , مقروحة عليك وعلى الـمُحسن وعلى ولديّ الحسن والحُسين , إنّا لله وإنّا إليه راجعون )).
ثمّ قالت (عليهاالسلام ) : (( يا أبة يا رسول الله ! وأعظم من هذا , أنّهم منعوني من البكاء عليك في المدينة , وقالوا : آذيتينا بكثرة بكائك حتّى عدت إذا ذكرتك واشتقت إلى النّدب عليك , صرت
أخرج إلى وراء قبور الشُهداء , فأقضي شأني من البكاء حتّى ألحقني الله بك في المدّة القليلة )).
فعند ذلك رفع رسول الله (ص) رداءه , وقال : (( وا كرباه لكربك يا فاطمة الزّهراء ! وا ابنتاه وا ثمرة فؤاداه ! وا حمزتاه وا عليّاه وا حسناه وا حُسيناه ! وا عبّاساه وا أبا طالباه ! قُتل ولدي الحُسين بالغاضريات ولم تحضره ليوث الغزوات ولا عليّ كاشف الكُربات فكم من دم مسفوك وستر عن حرمة الإسلام مهتوك ؟ وكم من شيبة بالدّماء مخضوبة , وكريمة من النّساء مسلوبة , وابنتي فاطمة الزّهراء بين الأعداء مروعة , وعترتي بالأشجان ملوعة , وقد قتلوا صغيرهم وكبيرهم , وذبحوا رضيعهم وفطيمهم , واستباحوا نساءهم وحريمهم ؟ فيا سُحقاً لأولئك الأشقياء ! ويا بُعداً لأولاد الأدعياء ! كيف أنظر إليهم يوم القيامة وسيوفهم تقطر من دماء أهل بيتي ؟! أم كيف ترونهم إذا نودي بهم في يوم القيامة : يا أهل هذا الموقف , غضّوا أبصاركم حتّى تجوز فاطمة بنت الـمُختار فتأتي وثيابها بدم الحُسين مصبوغة , ومعها قميص آخر مُلطّخ بالسّم , فتنادي : يا اُمّة مُحمّد ! أين مسمومي وأين مذبوحي ؟ وما فعلتم بشبابي وشيوخي ؟ وما فعلتم ببناتي وأطفالي ؟ وما فعلتم بأهل بيتي وعيالي ؟ تصرخ صرخة عالية , وتقول : يا عدل يا حكيم ! احكم بيني وبين قاتل ولديّ فيُقال لها : يا فاطمة الزّهراء , ادخلي الجنّة فتقول : لا أدخل الجنّة حتّى أعلم ما صُنع بولدي الحُسين من بعدي فيُقال لها : انظري أهل القيامة فتنظر يميناً وشمالاً فترى الحُسين (عليهالسلام ) وهو واقف بلا رأس , فتصرخ صرخة عالية وتصرخ الملائكة معها , وتقول : وا ولداه ! وا ثمرة فؤاداه ! وا حرّ قلباه ! على تلك الأجسام العارية والجسوم المُرمّلة , وا لهفاه على تلك الأعضاء الـمُتقطّعة ! تهبّ عليها الصّبا والدّبور , وتفنهم العقبان والنّسور ، قال : فلم يبقى في ذلك الموقف أحد إلّا وبكى لبكائها , قال : فعند ذلك يمثل الله الحُسين في أحسن صورة , فيخاصم ظالميه ، ثمّ يأمر الله تعالى ناراً اسمها هبهب , قد أوقدوا عليها ألف عام حتّى اسودّت وأظلمت , فتلتقطهم عن آخرهم , ألا لعنة الله على القوم الظّالمين )).
فيا إخواني , كيف تطفي لهبات الأشجان , أم كيف تخفي زفرات الأحزان وكريم الحُسين (عليهالسلام ) يعلي على السّنان , وأيدي ذرّيّته تغلّ بالحديد إلى الأذقان ؟ رزء والله بكت له السّماء دماً , وتفطّرت له الصّم الصّلاد عظماً :
إن رزء الحُسين أضرم ناراً |
لابثاً في القلوب ذات الوقود |
|
إن رزء الحُسين نجل عليّ |
هدّ ركناً ما كان بالمهدود |
|
يا لها نكبة أباحت جسمي |
السقم وأجرت مدامعاً بالخدود |
|
قتلوه مع علمهم أنه خير البرايا |
من سيّد ومسود |
|
اسخطوا الله في رضى ابن زياد |
وأعطوه قضاء حق يزيد |
روي : أنّ الحُسين لـمّا رأى وحدته وفقد عترته وأنصاره , تقدّم على فرسه نحو القوم حتّى واجههم , وقال : (( أيّها النّاس , أنسبوني وانظروا مَن أنا , ثمّ راجعوا أنفسكم وعاتبوها , فانظروا هل يحلّ لكم سفك دمي وانتهاك حُرمي ؟ ألست أنا ابن نبيّكم مُحمّد ؟ أما كان موصياً فيكم لي ولأخي ؟ أما أنا سيّد شباب أهل الجنّة ؟ أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي وانتهاك حُرمتي ؟ )) فقالوا : ما نعرف شيئاً ممّا تقول فقال : (( إنّ فيكم مَن لو سألتموه عنّي لأخبركم إنّه سمع ذلك من جدّي رسول الله فيّ وفي أخي الحسن , سلوا زيد بن ثابت والبرّاء بن عازب وأنس بن مالك , فإنّهم يخبرونكم أنّهم سمعوا من جدّي رسول الله فيّ وفي أخي , فإن كنتم تشكّون إنّي لست ابن بنت نبيّكم , فوالله ما تعمدت الكذب وقد عرفت أنّ الله تعالى يمقت على الكذب أهله ويعذّب مَن استعمله , فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري , ثمّ أنا ابن إمامكم خاصّة دون غيري , خبّروني هلى تطلبوني بقتل قتلته منكم , أو بقصاص من جراحة , أو بمال استملكته منكم , أم على سنّة غيّرتها , أم على شريعة فرض بذاتها ؟ )) قال : فسكتوا ولم يقبلوا هذا القول منه.
وإنّه (عليهالسلام ) كان عالماً بما يؤول أمره إليه , عارفاً بما هو قادم عليه , عرف ذلك من أبيه وجدّه (عليهماالسلام ) , واطلّع على حقيقة ما خصّه الله به من بين الأنام , وإنّما كان ذلك القول وتكراره عليهم ؛ لإقامة الحجّة عليهم , وتنبيهاً لمن يقول لا أعلم واشتبه عليّ الأمر فلم أهتد لوجه الصّواب , ففي هذه الاحتمالات بإنذاره.
فتبّاً لآرائهم الفاسدة وعقولهم الجامدة , ولقد أعماهم القضاء إذ عليهم نزل , وحتم عليهم العذاب ربّ لم يزل , فما منهم إلّا من حاد عن الصّواب وعدل , فما أنصف ولا عدل بل مالت نفوسهم إلى حُبّ الدُنيا الدّنيّة فخيّبهم الأمل ، ألا تتفكّرون فيما صدر من كبيرهم المدعو بأميرهم يزيد (لعنه الله) , مما تمثّل به بين جلسائه , حيث يقول :
ليت أشياخي ببدر شهدوا |
وقعة الخروج من وقع الأسل |
|
لأهلوا واستهلوا فرحاً |
ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل |
|
لعبت هاشم في الملك فلا |
خبر جاء ولا وحي نزل |
فعلى هذا كانت عقيدتنا وعلى ذلك كان دينه وطريقته.
فلهذا ارتكبوا مركباً وعراً وفعلوا نكراً ، قالوا قولاً هجراً واستحلّوا مذاقاً مرّاً , وبلغوا الغاية في العصيان ووصلوا النّهاية في رضا الشّيطان ، وكم ذكّرهم الحُسين (عليهالسلام ) عذاب الله فما ذكروا , وزجرهم على تقحّم نار الجحيم , فما انزجروا , وأصرّوا واستكبروا استكباراً على خطيئاتهم اغرقوا , فاُدخلوا ناراً فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً , ثمّ قال (عليهالسلام ) :( رّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيّاراً ) (١) ( إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ) (٢) . فاستجاب الله دعاءه (عليهالسلام ) , ووقع الفناء ببني اُميّة اللئام , ودارت عليهم دوائر الإنتقام , فقُتلوا في كلّ أرض بكلّ لدن وحسام , وانتقلوا إلى نار الجحيم والإضرام , فصارت ألوفهم آحاداً وجموعهم أفراداً , ولبسوا العار آباءاً وأجداداً وأولاداً.
فوا حسرتاه لما حلّ بآل الرّسول في تلك المنازل والتّلول ! أتُحمل ذرّيّة حبيب الملك الوهاب حسراً على الأقتاب , ونسوة آل حرب يُضرب عليهنّ الحجاب ويرفلنّ في الفاخر من الثّياب ؟! :( تَكَادُ السّماوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقّ الْأَرْضُ وَتَخِرّ الْجِبَالُ هَدّاً ) (٣) :
لقد منعوا الحُسين الماء ظلماً |
وذاك الماء ورد للكلاب |
|
ولو لا زينب قتلوا علياً |
صغيراً قتل بق أو ذباب |
|
بنات مُحمّد في الشمس عطشى |
وآل يزيد في ظل القباب |
|
لآل يزيد من أدم خيام |
وأصحاب الكساء بلا ثياب |
حُكي : أنّ فاطمة الصّغرى قالت : كنت واقفة بباب الخيمة وأنا أنظر أبي وأصحابه مجرّدين كالأضاحي على الرّمال , والخيول على أجسادهم تجول , وأنا أفكّر ما يصدر علينا بعد أبي من بني اُميّة , أيقتلوننا أو يأسروننا , وإذا برجل على ظهر جواده يسوق النّساء بكعب رُمحه , وهن يلذن بعضهنّ في بعض , وقد أخذ ما عليهنّ من أخمرة وأسورة , وهن يصحن : وا جدّاه وا أبتاه وا عليّاه ! وا قلّة ناصراه وا حُسيناه !
____________________
(١) سورة نوح / ٢٦.
(٢) سورة نوح / ٢٧.
(٣) سورة مريم / ٩٠.
أما من مُجير يجيرنا ؟ أما من ذائد يذود عنّا ؟ قالت : فطار فؤادي وارتعدت فرائصي , وجعلت أجيل طرفي يميناً وشمالاً على عمّتي اُمّ كلثوم ؛ خشية منه أن يأتيني , فبينما أنا على هذه الحالة , وإذا به قد قصدني , فقلت : ما لي إلّا إلى البرّ ففررت منهزمة وأنا أظنّ إنّي اسلم منه , وإذا به قد تبعني فذهلت خشية منه , وإذا بكعب الرّمح بين كتفي فسقطت لوجهي , فخرم أذني وأخذ قرطي وأخذ مقنعتي من رأسي , وترك الدّماء تسيل على خدّي ورأسي تصهره الشّمس , وولّى راجعاً إلى الخيم وأنا مغشى عليَّ , وإذا بعمّتي عندي تبكي وهي تقول : قومي نمضي , ما أعلم ما صدر على البنات وأخيك العليل فقمت وقلت : يا عمّتاه ! هل من خرقة أستر بها رأسي عن أعين النّظارة ؟ فقالت : يا بنتاه ! وعمّتك مثلك وإذا برأسها مكشوف ومتنها قد اسودّ من الضّرب , فما رجعنا إلى الخيمة إلّا وهي قد نُهبت وما فيها , وأخي عليّ بن الحُسين مكبوب على وجهه , لا يطيق الجلوس من كثرة الجوع والعطش والسّقام , فجعلنا نبكي عليه ويبكي علينا :
وإني ليشجيني ادكاري عصابة |
بأكناف أرض الغاضريات قتل |
|
ومن بينهم سبط النّبي مُحمّد |
طريح ومن فوق الصعيد مجدل |
|
وقد طحنت منه جناجن صدره |
ورض ومنه الرأس في الرمح بحمل |
|
ورحل بني الهادي النّبي موزع |
تقاسمه قوم أضاعوا وبدلوا |
|
رجالهم صرعى بكل تنوفة |
ونسوتهم في السبي حسرى وثكل |
|
وأطفالهم غرثى يمضهم الطوى |
وليس لهم بر هنالك يكفل |
فيا حرقي تزايدي ويا عيوني تساعدي ؛ فإنّه رزء عظيم ومصاب جسيم , ولمثل هؤلاء الكرام فليبك الباكون ، وإيّاهم فليندب النّادبون , وتذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ الخليعي (رحمه الله تعالى )
لست ممن يبكي رسولاً محمولاً |
ودياراً أعفى البلا وطلولا |
|
لا ولم تلهني ملاعب أترابي |
ولم أبكي مربعاً مأهولا |
ما شجاني النوى فاستوقف الحادي |
ولا أحبس الركاب قليلا |
|
بل شجاني ناعي الحُسين فأجريت |
دموعاً لـمّا شجاني همولا |
|
كيف لا أندب الغريب الوحيد |
المستظام المشرد المقتولا |
|
كيف لا أساعد البتول على الحزن |
وقد بات قلبها مبتولا |
|
يوم ذاقت مر المذاق وكان |
السبط في حجره محمولا |
|
والنبي الهادي به قرح يحنو |
عليه ويكثر التقبيلا |
|
فأتاه الأمين جبريل ينعاه |
به فاغتدى يطيل العويلا |
|
فأتت فاطم إليه وقالت |
قد تبينت منك أمراً مهمولا |
|
سيدي ما الذي دهاك ولم |
تعرض ما دمت بي رحيماً وصولا |
|
قال إنّي أأبى لقلبك أن يصبح |
يوماً للنائبات همولا |
|
إن هذا الحُسين يضحي بأرض |
الطف من بعدنا طريحاً قتيلا |
|
بعد أن يطلب النصير فلا |
ينظر إلّا محارباً وخذولا |
|
والعزيزات من بناتك يشهرن |
حزوناً بين الورى وسهولا |
|
فدعت عند قوله وا غريباه |
وواعظم ذاك خطباً جليلا |
|
من ترى يلحد الغريب ومن ذا |
يتولى التكفين والتغسيلا |
|
من ترى يعمل العزاء ومن يبكي |
عليه ومن يراعي الرسولا |
|
فبكى الـمُصطفى فأوحى إليه الله |
قل للبتول قولاً جميلا |
|
سوف أنشئ قوماً كراماً يقيمون |
عزاء الحُسين جيلاً فجيلا |
|
وأجازيهم على الود للقربى |
وأعطيهم العطاء الجزيلا |
|
فتولت تثني على الشيعة الغر |
وتدعو دعاءها المقبولا |
|
فإذا كان قلبها من كلام قبل |
لاقى أسى وداء دخيلا |
|
كيف لو أبصرته ملقى على الترب |
تجيل العدى عليه الخيولا |
|
والسبايا من حوله يتصارخن |
وقد نالت الجيوب الذيولا |
|
واليتامى كل تخفي من الخوف |
وتدمي باللطم خداً أسيلا |
|
وبدور السما صرعى على الأرض |
تلاقي عند التمام أفولا |
|
وقدود الغصون من بعد ذاك |
اللين فوق الثرى تعاني الذبولا |
والإمام السجاد في الأسر موثوقاً |
بنفسي أفدي الأسير العليلا |
|
إذ رأت زينب تمرغ خديها |
عليه وتستغيث الجليلا |
|
وتنادي وا فجعتي وا شقائي |
يا لها حسرة وحزناً طويلا |
|
ليتني كنت فدته لك من كرب |
المنايا وكان ذاك قليلا |
|
يا أخي ما ترى سكينة خوف |
السبي تومي إليك طرفاً كليلا |
|
يا أخي هل لفاطم من كفيل |
حيث قد أعوز الزمان الكفيلا |
|
يا أخي ما ترى علياً بذل |
وبرغم يضحى العزيز ذليلا |
|
لو رأت صفوة النساء كريمات |
حسين على المسير عجولا |
|
متعبات يعثرن في بهرج السير |
وحادي السرى يجد الرحيلا |
|
أو رأت رأسه على الرمح مشهوراً |
إلى أرذل الورى محمولا |
|
لرأت ما يسؤها من جوى الثكل |
وأمسى لها العراء نزيلا |
|
وروى الحميري وهو صدوق |
قال عاينت في المنام البتولا |
|
مع لفيف من الملائكة قد زارت |
ضريح الحُسين عبرى ثكولا |
|
ثم قالت ووابل الدمع لا يطفي |
لهيباً ولا يبل غليلا |
|
لم تقلبه يوم أردي كف |
غير كفي نجيه جبريلا |
|
يا بني أحمد ذكرتم فرعاً |
عطرات الحنا وطبتم أصولا |
|
وشرعتم محجة الرشد للناس |
ولولاكم لضلوا السبيلا |
|
شهد الله جاهداً في يميني |
وكفى الله شاهداً ووكيلا |
|
ما أراقت أرجاس حرب دم |
السبط وأغرت به الطغاة النغولا |
|
واستطالوا إلّا بمن جحد النص |
وفي حكمه غداً مستقيلاً |
|
وبيوم التناد فهو المنادي |
ليتني لم اتخذ فلاناً خليلا |
|
فإليكم جواهر من ولي |
عارف يتبع المقال الدليلا |
|
لازم ما أمرتموه من التقوى |
مقيم على الولاء لن يحولا |
|
تعس القائلون أن الخليعي |
بغى بالهداة يوماً بديلا |
|
حاش لله ليس يدعي لبيباً |
من ياسوي بالفاضل المفضولا |
الباب الثّالث
قابلوا رحمكم الله نعمة الموالاة بالشّكر والحمد ، وابذلوا في ذلك أوسع الطّاقة والجهد ، وأحسنوا إلى الذّريعة النّبوية , وأطيعوا الله فيما أمركم بحقّهم من الوصيّة ، وتمسّكوا بحبلهم المتين , واجعلوهم جنناً واقية من العذاب المهين ، ولا شيء لعمري , أدعى إلى حصول الثّواب العظيم وإزالة العقاب الأليم ، وأقرب إليهم صلوات الله عليهم من إظهار شعائر الأحزان وإجراء الدّمع الهتان ، على ما أصابهم في ذلك الزّمان ، فكم لهم رأس على سنان وبدن بلا رأس بين الأبدان ؟ فيا لها من رزية ما أجل خطبها بين الأنام ، ومن مصيبة ما أعظمها في الإسلام.
روي عن بعض الثُقاة : أنّ يزيد (لعنه الله تعالى) دعا برأس الحُسين (عليهالسلام ) وكان بيده قضيب خيزران , فجعل ينكث ثناياه ويفرق بين شفتيه وجلساؤه ينظرون إليه ، فقال زيد بن أرقم (رض) : يا يزيد , ارفع قضيبك عن شفتي حبيب الله , فو الله , لقد رأيت رسول الله يقبّلهما مراراً كثيرة , ويقول له ولأخيه الحسن : (( اللّهمّ إنّ هذين وديعتي عند الـمُسلمين )) وأنت يا يزيد مثل هذا تفعل بودائع رسول الله ؟! ثمّ إنّ يزيد جعل يبكي وينوح ، وفي هذا المعنى قال الشّاعر :
كان النّبي يحب يلثم ثغره |
قعد اللعين يدق أكرم ملثم |
|
وغدا يعفر خده فوق الثرى |
ظلماً وضرج عارضيه بالدم |
|
قتل الحُسين فيا سماء تفطري |
حزناً ويا دار السرور تهدمي |
|
يا أعين السحب اقتدي بي في البكا |
يا ورق من نوحي عليه تعلمي |
عن ابن عبّاس (رض) , قال : عطش الـمُسلمون في مدينة الرّسول في بعض السّنين عطشاً شديداً , حتّى أنّهم عادوا لا يجدون الماء في المدينة , فجاءت فاطمة الزّهراء بولديها الحسن والحُسين (عليهماالسلام ) إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , فقالت : (( يا أبتي , إنّ ابني الحسن والحُسين صغيران لا يتحمّلان العطش )) فدعا النّبي (صلىاللهعليهوآله ) بالحسن فأعطاه لسانه حتّى روي , ثمّ دعا بالحُسين فأعطاه أيضاً لسانه فمصّه حتّى روي ، فلمّا رويا , وضعهما على ركبتيه وجعل يُقبّل هذا مرّة وهذا اُخرى , ثمّ يلثم هذا لثمة وهذا لثمة , ثمّ يضع لسانه الشّريف في أفواههما وهو معهما في غبطة
ونعمة , فبينما هُم كذلك , إذ هبط الأمين جبرائيل بالتّحية من الرّب الجليل إلى النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , فقال : يا مُحمّد , ربّك يقرؤك السّلام ويقول : (( إنّ هذا ولدك الحسن يموت مسموماً مظلوماً ، وهذا ولدك الحُسين يموت عطشاناً مذبوحاً )) فقال : (( يا أخي جبرائيل , مَن يفعل ذلك بهما ؟ )) قال : قوم من بني اُميّة يزعمون أنّهم من اُمّتك , يقتلون أبناء صفوتك ويشرّدون ذرّيّتك فقال : (( يا جبرائيل , هل تفلح اُمّة تفعل هذا بذرّيّتي ؟ )) قال : لا والله , بل يبليهم الله في الدُنيا بمن يقتل أولادهم ويسفك دماءهم ويستحيي نساؤهم , ولهم في الآخرة عذاب أليم ، طعامهم الزّقوم وشرابهم الصّديد ، ولهم في درك الجحيم عذاب مكيد ، ويُقال لجهنّم هل امتلأت ؟ فتقول هل من مزيد ؟ ثمّ قال جبرائيل (عليهالسلام ) : يا مُحمّد , إنّ الله عزّ وجلّ حمد نفسه عند هلاك الظّالمين , حيث قال :( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (١) قال : فجعل النّبي (صلىاللهعليهوآله ) تارة ينظر إلى الحسن وتارة ينظر إلى الحُسين وعيناه تهملان من الدّموع , ويقول : (( لعن الله قاتلكما , ولعن الله من غصبكما حقّكما من الأولين والآخرين )).
فيا لها من مرتبة ما نالها إلّا الفائزون , ويا لها من درجة لم يحظ بها إلّا الفائزون , فيا طول حزني عليهم واشتياقي إليهم :
لو فهم الورق حنيني نحوهم |
ناحت معي وقطعت أطواقها |
|
ولو يذوق عاذلي صبابتي |
صبا معي لكنه ما ذاقها |
روي عن الإمام الصّادق (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( كان الحُسين (عليهالسلام ) يوماً في حجر جدّه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وهو يلاعبه ويلاطفه ويقبّله ويضاحكه , فقالت له عائشة : ما أشدّ حبّك لهذا الصّبي , وما أشغفك به وما أشدّ اعجابك به ؟ فقال لها : ويلك ! وكيف لا أحبّه ولا أعجب به وهو ثمرة فؤادي وقرّة عيني ومهجة قلبي , ولكن اعلمي يا عائشة , إنّ قوماً من أشرار اُمّتي تقتله من بعدي , ويكون قاتله مُخلّداً في النّار , وعليه غضب من الله تعالى , ومَن زاره بعد وفاته , كتب الله له الثّواب حجّة من حجّتي فقالت عائشة : يا رسول الله , حجّة من حججك يكتبها الله لزائر الحُسين ؟ قال : نعم وحجّتين قالت عائشة : وحجّتين من حججك ؟! قال : نعم بل ثلاث حجج )).
قال : (( ولم تزل عائشة تزيده بالقول وهو (صلىاللهعليهوآله ) يُضاعف لها الحجج , حتّى بلغ سبعين حجّة من حجج رسول الله ، ثمّ قال (صلىاللهعليهوآله ) : يا
____________________
(١) سورة الأنعام / ٤٥.
عائشة , مَن أراد الله به الخير , قذف في قلبه محبّة الحُسين (عليهالسلام ) وحُب زيارته ومَن زار الحُسين عارفاً بحقّه , كتبه الله من أعلى علّيين مع الملائكة المقرّبين )).
وعن سُليمان الأعمش , أنّه قال : كنت نازلاً بالكوفة وكان لي جار , وكنت آتي إليه وأجلس عنده , فأتيت ليلة الجُمُعة إليه , فقلت له : يا هذا , ما تقول في زيارة الحُسين (عليهالسلام ) ؟ قال لي : هي بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ذي ضلالة في النّار قال سُليمان : فقمت من عنده وأنا ممتلئ عليه غيظاً , فقلت في نفسي : إذا كان وقت السّحر , آتيه وأحدّثه شيئاً من فضائل الحُسين (عليهالسلام ) , فإن أصرّ على العناد قتلته قال سُليمان : فلمّا كان وقت السّحر , أتيته وقرعت عليه الباب ودعوته باسمه , فإذا بزوجته تقول : إنّه قصد إلى زيارة الحُسين من أوّل الليل قال سُليمان : فسرت في أثره إلى زيارة الحُسين (عليهالسلام ) , فلمّا دخلت إلى القبر , فإذا أنا بالشّيخ ساجد لله عزّ وجلّ , وهو يدعو ويبكي في سجوده ويسأله التّوبة والمغفرة , ثمّ رفع رأسه بعد زمان طويل فرآني قريباً منه , فقلت : يا شيخ , بالأمس كنت تقول , زيارة الحُسين بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة بالنّار ، واليوم أتيت تزوره ؟! فقال : يا سُليمان لا تلمني , فإنّي ما كنت أثبت لأهل البيت إمامة حتّى كانت ليلتي تلك , فرأيت رؤيا هالتني وروّعتني فقلت له : ما رأيت أيّها الشّيخ ؟ قال : رأيت رجُلاً جليل القدر , لا بالطّويل الشّاهق ولا بالقصير اللاصق , لا أقدر أن أصفه من عظم جلاله وجماله وبهائه وكماله , وهو مع أقوام يحفّون به حفيفاً ويزفّونه زفيفاً , وبين يديه فارس وعلى رأسه تاج , وللتاج أربعة أركان وفي كلّ ركن جوهرة تضيء من مسيرة ثلاثة أيّام , فقلت لبعض خدّامه : مَن هذا ؟ فقال : هذا مُحمّد الـمُصطفى قلت : ومَن هذا الآخر ؟ فقال : عليّ الـمُرتضى , وصي رسول الله ثمّ مددت نظري , فإذا أنا بناقة من نور وعليها هودج من نور وفيه امرأتان , والنّاقة تطير بين السّماء والأرض , فقلت : لِمَن هذه النّاقة ؟ فقال: لخديجة الكبرى وفاطمة الزّهراء فقلت : ومَن هذا الغُلام ؟ فقال : هذا الحسن بن عليّ فقلت : وإلى أين يريدون بأجمعهم ؟ فقال : لزيارة المقتول ظُلماً شهيد كربلاء , الحُسين بن عليّ الـمُرتضى ثمّ إنّي قصدت نحو الهودج الذي فيه فاطمة الزّهراء , وإذا أنا برقاع مكتوبة تتساقط من السّماء , فسألت : ما هذه الرّقاع ؟ فقال : فيها أمان من النّار لزوّار الحُسين (عليهالسلام ) في ليلة الجُمُعة.
فطلبت منه رقعة , فقال لي : إنّك تقول زيارته بدعة , فإنّك لا تنلها حتّى تزور الحُسين وتعتقد فضله وشرفه فانتبهت من نومي فزعاً مرعوباً , وقصدت من وقتي وساعتي إلى زيارة سيّدي الحُسين (عليهالسلام ) , وأنا تائب إلى الله تعالى ، فو الله يا سُليمان , لا أفارق قبر الحُسين (عليهالسلام ) حتّى تُفارق روحي جسدي.
وعن داود بن كثير , عن أبي عبد الله (عليهالسلام ) , قال : (( إنّ فاطمة بنت مُحمّد (صلىاللهعليهوآله ) تحضر زوّار قبر الحُسين فتستغفر لهم )) :
فيا نكبة هدت قوى دين أحمد |
وعظم مصاب في القلوب له سعر |
|
أيرتفع الرأس الكريم على القنا |
ويهدى إلى الرجس قد اغتاله الكفر |
|
ويمنع شرب الماء عمداً وكفه |
به من عطايا جود أنعامه بحر |
|
ويقتل ضمآناً كئيباً وجدّه |
نبي له الاقبال والعز والنصر |
|
حبيب أجل المرسلين مقامه |
رسول به ترجى الشفاعة والبشر |
|
ووالده الهادي الوصي خليفة |
النّبي أبو الأطهار والصنو والصهر |
|
إمام له السر العظيم وشأنه |
القديم وفي أوصافه نزل الذكر |
|
له الشرف العالي له النور والبهاء |
له الرتبة له المجد والفخر |
|
إذا ما انتضى يوم الكريهة عزمه |
فمن ذا ترى زيداً ومن ذا ترى عمرو |
حُكي عن رجل كوفي حداد قال : لـمّا خرج العسكر من الكوفة لحرب الحُسين بن عليّ (عليهالسلام ) , جمعت حديداً عندي وأخذت آلتي وسرت معهم , فلمّا وصلوا وطنبوا خيمهم , بنيت خيمة وصرت أعمل أوتاداً للخيم ، وسككاً ومرابط للخيل , وأسنّة للرماح , وما اُعوج من سنان أو خنجراً أو سيف كنت بكلّ ذلك بصيراً , فصار رزقي كثيراً وشاع ذكري بينهم حتّى أتى الحُسين مع عسكره , فارتحلنا إلى كربلاء وخيّمنا على شاطئ العلقمي , وقام القتال فيما بينهم وحموا الماء عليه وقتلوه وأنصاره وبنيه , وكان مدّة إقامتنا وارتحالنا تسعة عشر يوماً , فرجعت غنيّاً إلى منزلي والسّبايا معنا , فعُرضت على عُبيد الله فأمر أن يشهروهم إلى يزيد إلى الشّام ، فلبثت في منزلي أيّاماً قلائل , وإذا أنا ذات ليلة راقد على فراشي , فرأيت طيفاً :
كأنّ القيامة قامت والنّاس يموجون على الأرض كالجراد إذ فقدت دليلها , وكلّهم دالع لسانه على صدره من شدّة الظّمأ , وأنا اعتقد أنّ فيهم أعظم منّي
عطشاً ؛ لأنّه كلّ سمعي وبصري من شدته , هذا غير حرارة الشّمس تغلي منها دماغي , والأرض تغلي كأنّها القير إذ اُشعل تحته نار , فخلت أنّ رجلي قد تقلّعت قدماها , فو الله العظيم , لو أنّي خُيّرت بين عطشي وتقطيع لحمي حتّى يسيل دمي لأشربه , لرأيت شربه خيراً من عطشي ، فبينما أنا في العذاب الأليم والبلاء العميم , إذ أنا برجل قد عمّ الموقف نوره وابتهج الكون بسروره راكب على فرس , وهو ذو شيبة قد حفّت به ألوف من كلّ ؛ نبيّ ووصيّ وصديق وشهيد وصالح , فمرّ كأنّه ريح أو سيران فلك ، فمرّت ساعة وإذا أنا بفارس على جواد أغر , له وجه كتمام القمر , تحت ركابه ألوف إن أمر ائتمروا وإن زجر انزجروا ، فاقشعرّت الأجسام من لفتاته وارتعدت الفرائص من خطواته , فتأسفت عن الأوّل ما سألت عنه خيفة من هذا , وإذا به قد قام في ركابه وأشار إلى أصحابه وسمعت قوله: خذوه وإذا بأحدهم قابض بعضدي كلبّة حديد خارجة من النّار , فمضى بي إليه , فخلت كتفي اليمنى قد إنقلعت , فسألته الخفّة فزادني ثقلاً , فقلت له : سألتك بمَن أمرك عليّ , مَن تكون ؟ قال : ملك من ملائكة الجبّار قُلت : ومَن هذا ؟ قال : عليّ الكرار قُلت : والذي قبله ؟ قال : مُحمّد الـمُختار قُلت : والذين حوله ؟ قال : النّبيون والصّديقون والشُهداء والصّالحون والمؤمنون قُلت : أنا ما فعلت حتّى أمرك عليّ ؟ قال : إليه يرجع الأمر وحالك حال هؤلاء فحقّقت النّظر وإذا بعمر بن سعد أمير العسكر وقوم لم أعرفهم , وإذا بعنقه سلسلة من حديد والنّار خارجة من عينيه وأذنيه , فأيقنت بالهلاك , وباقي القوم منهم مغلّل ومنهم مقيد ومنهم مقهور بعضده مثلي , فبينما نحن نسير , وإذا برسول الله الذي وصفه الملك , جالس على كرسي عال يزهو أظنّه من اللؤلؤ , ورجُلين ذي شيبتين بهيتين عن يمينه , فسألت الملك عن الرّجلين , فقال : آدم ونوح وإذا برسول الله يقول : (( ما صنعت يا عليّ ؟ )) قال : (( ما تركت أحداً من قاتلي الحُسين إلاّ وأيت به )) فحمدت الله تعالى بأنّي لم أكن منهم وردّ إليّ عقلي , وإذا برسول الله يقول : (( قدّموهم )) فقدّموهم إليه وجعل يسألهم ويبكي ويبكي كلّ مَن في الموقف لبكائه ؛ لأنّه يقول للرجل : (( ما صنعت بطفّ كربلاء بولدي الحُسين ؟ )) فيجيب : يا رسول الله , أنا حميت الماء عليه وهذا يقول : أنا قتلته وهذا يقول : أنا سلبته وهذا يقول : أنا وطأت صدره بفرسي ومنهم يقول :
أنا ضربت ولده العليل فصاح رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وقال : (( وا ولداه ! وا قلّة ناصراه ! وا حُسيناه ! وا عليّاه ! هكذا صدر عليكم بعدي أهل بيتي ؟ انظر يا أبي يا آدم ! انظر يا أخي يا نوح ! كيف أخلفوني في ذرّيّتي )) فبكوا حتّى ارتجّ المحشر , فأمر بهم زبانية جهنّم يجرّونهم أوّلاً فأوّلاً إلى النّار , وإذا بهم قد أتوا برجل , فسأله (ص) , قال : ما صنعت شيئاً قال : (( أما أنت نجّار ؟ )) قال : صدقت يا سيّدي , لكنّي ما عملت شيئاً إلّا عموداً لخيمة الحصين بن نمير ؛ لأنّه انكسر من ريح عاصف فوصلته فبكى (صلىاللهعليهوآله ) وقال : (( كثّرت السّواد على ولدي , خذوه للنار )) وصاحوا : لا حكم إلّا لله ولرسوله ووصيه قال الحداد : فأيقنت بالهلاك فأمر بي فقدّموني , فاستخبرني فأخبرته , فأمر بي إلى النّار , فلمّا سحبوني , إلّا وانتبهت وحكيت لكلّ من لقيته وقد يبس لسانه ومات نصفه وتبرّأ كلّ من يحبّه ومات فقيراً لا رحمه الله تع الى( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ ابن حما د (رحمه الله تعا لى)
زر ضريحاً (بجورقان) ونائي |
الحُسين بن فاطمة الزهراء |
|
لغريب بكربلا يا صريع |
طال كربي لذكره وبلائي |
|
ووحيد بين الأعادي غريب |
جرعته العدى كؤوس الرداء |
|
فإذا زرته فقل يا قتيلا |
حزنه قاتلي بسيف شجائي |
|
يا غريباً لأجله صرت أبكي |
أسفاً بعده على الغرباء |
|
يا خضيب المشيب خضبت خدي |
بدموع ممزوجة بدماء |
|
ليتني بالطفوف كنت فداء |
لك يا سيّدي وقلّ فدائي |
|
بأبي جسمك الذي وطأته |
الخيل من بعد لين الوطاء |
|
بأبي رأسك المسير في الرمح |
كبدر يلوح في الظلماء |
|
بأبي أختك التي هتكت بعدك |
من بعد سرها والخباء |
|
تستر الوجه وهي تعثر في |
فاضل أذيالها لفرط الحياء |
|
ثم تدعوك يا أخي كم أناديك |
تشجو فلا تجيب ندائي |
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
يا أخي لو رأيتنا لرأت عيناك |
فينا شماتة الأعداء |
|
كنت أرجوك للشدائد كهفاً |
فأبى الدهر أن يحق رجائي |
|
ليتني مت قبل هذا فقد |
كان مماتي أحق من بقائي |
|
لأنوحن ما حييت على من |
ناح حزناً طير السماء |
|
وكذا الأرض والسماء بكته |
وقليل له كثير البكاء |
|
وبكى جبرائيل في الملأ العلوي |
أيضاً وكل من في السماء |
|
وبه عزي النّبي وعزي |
فيه مولاي سيّد الأوصياء |
|
وغدت فاطم البتولة تبكيه |
بثكل قريحة الأحشاء |
|
لعن الله عصبة قتلته |
ولحاها بكرة وعشاء |
|
ليس تهنى الحياة بعد قتيل |
الطف إلّا امرؤ قليل الحياء |
|
وسيبكي له ابن حماد في كل |
صباح من عمره ومساء |
المجلس العاشر
في اليوم الخامس من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
لو علم النّاس فضل هذا المقام لأجلوه عن الوطء بالأقدام , ولجعلوا هذا الرّغام شفاءاً وافياً من الأسقام , وكيف لا , وفيه تُقام مآتم الآل وما جرى عليهم من الأسر والقتال من الكفرة الفجرة الأنذال.
فيا إخواني , أكثروا من التّلهّف والأسف على أهل الفضائل والشّرف ، وكيف الصّبر لِمَن يمثل مولاه الحُسين (عليهالسلام ) واقفاً يُنادي في ميدان القتال : (( ألا هل من نصير ينصر الآل ؟ ألا هل من معين يعين عترة المختار ويذبّ عن الذرّيّة الأطهار ؟ أين من حقّنا عليه ؟ أين من الوصية فينا من الرّسول (صلىاللهعليهوآله ) حيث يقول :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) )).
فالعجب كلّ العجب من غفلة أهل الزّمان عن إقامة العزاء وإثارة الأحزان , على الشّهيد العطشان المدفون بلا غسل ولا أكفان ، كيف لا تبكي لِمَن بكته الزّهراء ؟ وكيف لا تنوح على المنبوذين بالعراء ؟ لعلّنا نفوز بثواب المصاب , ونحوز بدخول الجنّة يوم المرجع والمآب :
يحق لي أن أدم ما عشت في حزن |
أذري الدّموع على الخدين والذفن |
|
يا آل أحمد ماذا كان فعلكم |
كأن خيركم في الناس لم يكن |
|
رجالكم قتلوا من غير ذي سبب |
وأهلكم هتكوا جهراً على البدن |
روي : أنّ عمر بن العاص قال لمعاوية بن أبي سفيان : يا معاوية , لِمَ لا تأمر
____________________
(١) سورة الشّورى / ٢٣.
الحسن بن عليّ أن يصعد المنبر فيخطب يوم الجُمُعة ؛ فلعلّه يحصل له خجل وحصر , فيكون ذلك نقصاً لقدره عند النّاس قال : فلمّا غصّ المسجد بالنّاس , أمر معاوية الحسن أن يصعد المنبر , قال : فقام الحسن (عليهالسلام ) وصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال : (( أيّها النّاس ، مَن عرفني فقد عرفني , ومَن لم يعرفني فساُبيّن له نفسي ، أنا الحسن بن عليّ بن أبي طالب ، أنا ابن أوّل القوم إسلاماً وأوّلهم إيماناً ، أنا ابن عليّ المُرتضى وابن فاطمة الزّهراء بنت الـمُصطفى , أنا ابن البشير النّذير , أنا ابن السّراج المنير , أنا ابن مَن بُعث رحمة للعالمين وسوط عذاب على الكافرين. أيّها النّاس , لو طلبتم ابناً لنبيّكم , لم تجدوا غيري وغير أخي الحُسين )) قال : فناداه معاوية , وقال : يا حسن , حدّثنا بنعت الرّطب كيف يكون ؟ أراد بذلك أن يخجّله ويقطع عليه كلامه ، فقال الحسن : (( نعم يا معاوية ، إنّ الرّطب أوّلاً تلقحه الشّمال وتخرجه الجنوب ، وتنفحه الشّمس ويصبغه القمر ، وتنفحه الرّيح والحرّ ينضجه , والليل يبرّده والبرودة تحلّيه وتطيّبه )) ثمّ استمر في كلامه , وقال : (( أيّها النّاس , أنا ابن المروة والصّفا , أنا ابن النّبي الـمُصطفى , أنا ابن مَن على الجبال الرّواسي علا ، أنا ابن من كسى محاسن وجهه الحيا ، أنا ابن فاطمة الزّهراء ، أنا ابن سيّدة النّساء ، أنا ابن عديمات العيوب , أنا ابن نجيّات الجيوب ، أنا ابن أزكى الورى وأعظمهم أمراً وكفاني بهذا فخراً )) قال : ثمّ إنّ معاوية أمر المؤذّن أن يؤذّن ليقطع كلامه , فلمّا قال المؤذّن : أشهد أنّ مُحمّداً رسول الله , قال الحسن : (( يا معاوية , مُحمّد أبي أم أبوك ؟ فإن قُلت إنّه ليس بأبي فقد كفرت , وإن قُلت نعم فقد أقررت بحقّي , وأنت تغصبنا ما هو لنا ولا ترد إلينا حقّنا )) فقال معاوية : يا حسن , أنا خير منك فقال الحسن : (( وكيف ذلك يابن هند , يابن آكلة الأكباد ؟! )) فقال معاوية : لأنّ النّاس أجمعوا عليّ ولم يجمعوا عليك فقال الحسن (عليهالسلام ) : (( هيهات هيهات ، إنّ هذا شرّ علوت به يابن هند , ألم تعلم أنّ الـمُجمعين عليك رجلان ؛ مطيع ومكره , فالطّائع لك عاص لله , والمكره معذور عند الله , وحاشا لله أن أقول أنا خير منك ؛ لأنّك لا خير فيك ، وإنّ الله برّأني من الرّذائل كما برّأك من الفضائل يا معاوية )) قال : فقام يزيد بن معاوية , وقال : يا حسن , إنّي منذ صرت أبغضك فقال الحسن : (( يا يزيد , اعلم أنّ إبليس شارك
أباك في نكاحه حين علقت فيك اُمّك , فاختلط الماءان , فولدت على ذلك وصرت من تلك النّطفتين ؛ فلأجل ذلك تبغضني وتحمّلت أنت وأبوك عداوتي , وكذلك الشّيطان , شارك جدّك حرباً عند نكاحه , فولد جدّك صخر , فلذلك جدّك يبغض جدّي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لقوله تعالى :( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوالِ وَالأَولاَدِ ) (١) واعلم يا يزيد , لا يبغضنا إلّا من خبث أصله وكان من إبليس نسله )) فقال معاوية : يا عمرو بن العاص , هذه مشورتك لنا فقال عمرو : والله , ما ظننت أنّ مثله هذا على صغر سنّه يقدر يتكلم فوق المنبر بكلمة واحدة , ولكنّه لا شك من معدن الفصاحة ومن بيت الكرم والسّماحة قال معاوية : وأنا أيضاً أفتخر وأقول : أنا ابن بطحاء مكّة وأغزرها جوداً وأكرمها جدوداً , أنا ابن من ساد على قُريش ناشئاً وكهلاً فقال الحسن : (( يا معاوية , أعليّ تفتخر وأنا ابن مأوى التّقى , وأنا ابن مَن جاء بالهُدى , وأنا ابن مَن ساد على أهل الدّين بالفضل السّابق والحسب الفائق , وأنا ابن مَن طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله ؟! فهل لك أب كأبي تباهيني به ؟! أو لك قدم كقدمي تساميني به ؟ هل تقول نعم يا معاوية أو تقول لا ؟ )) فقال : بل أقول لا , وهي لك تصديق فتعجّب الحاضرون من كلام الحسن (عليهالسلام ) وأجوبته وحسن براعته.
فانظروا يا إخوتي إلى هذا النّور الجسماني والشّخص الرّباني , كيف تفوح آثار النّبوة منه والإمامة ، ومن غيره آثار المكر والخدع واللئامة , ولكنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور :
والله لو لا نكث عهد الـمُصطفى |
يوم الغدير وظلم حيدر فاسمعوا |
|
ما استضهدت آل النّبي أمية |
كلا ولا لخلافة يوماً دعوا |
روي : أنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كان يوماً مع جماعة من أصحابه مارّاً في بعض الطّرق , وإذا هُم بصبيان يلعبون في ذلك الطّريق , فجلس النّبي عند صبي منهم وجعل يُقبّل ما بين عينيه ويلاطفه , ثمّ أقعده في حجره وهو مع ذلك يكثر تقبيله , فقال له بعض الأصحاب : يا رسول الله , ما نعرف هذا الصّبي الذي قد شرّفته بتقبيلك وجلوسك عنده وأجلسته في حجرك ؟ ولا نعلم ابن مَن هو ؟ فقال النّبي : (( يا أصحابي لا تلوموني , فإنّي رأيت هذا الصّبي يوماً يلعب مع الحُسين , ورأيته يرفع التّراب من تحت أقدامه ويمسح به وجهه وعينيه مع صغر سنّه , فأنا من ذلك
____________________
(١) سورة الإسراء / ٦٤.
اليوم بقيت أحبّ هذا الصّبي , حيث إنّه يحبّ ولدي الحُسين , فأجبته لحبّ الحُسين , وفي يوم القيامة أكون شفيعاً له ولأبيه ولاُمّه كرامة له , ولقد أخبرني جبرائيل أنّه يكون هذا الصّبي من أهل الخير والصّلاح , ويكون من أنصار الحُسين في وقعة كربلاء , فلأجل هذا أحببته وأكرمته كرامة للحُسين (عليهالسلام ) )) :
على مثلهم فليبك بالمدى المدى |
ويذرف دمعاً منه كالسيل مسبل |
|
فما منهم إلّا قتيل وهالك |
بسم ومذبوح وذاك مكبل |
|
أصابتهم أيدي المصائب فاغتدوا |
أماثيل في الدنيا لمن يتمثل |
روي عن الحُسين (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( أتيت يوماً جدّي رسول الله , فرأيت اُبي بن كعب جالساً عنده , فقال لي جدّي : مرحباً بك يا زين السّماوات والأرض فقال اُبي : يا رسول الله , وهل أحد سواك يكون زين السّماوات والأرض ؟ فقال النّبي : يا اُبي بن كعب , والذي بعثني بالحقّ نبيّاً , إنّ الحُسين بن عليّ في السّماوات أعظم مما هو في الأرض , واسمه مكتوب عن يمين العرش , إنّ الحُسين مصباح الهُدى وسفينة النّجاة )).
قال : ثمّ إنّ النّبي (صلىاللهعليهوآله ) أخذ بيد الحُسين (عليهالسلام ) وقال : (( أيّها النّاس ، هذا الحُسين بن عليّ , ألا فاعرفوه وفضلّوه كما فضلّه الله عزّ وجلّ , فو الله , لجدّه على الله أكرم من جدّ يوسف بن يعقوب ، هذا الحُسين ؛ جدّه في الجنّة واُمّه في الجنّة , وأبوه في الجنّة وأخوه في الجنّة , وعمّه في الجنّة وعمّته في الجنّة , وخاله في الجنّة وخالته في الجنّة , ومحبّوهم في الجنّة ومحبّوا محبّيهم في الجنّة )).
وروي في بعض الأخبار : أنّ الحُسين (عليهالسلام ) مرّ على عبد الله بن عمرو بن العاص , فقال عبد الله : مَن أحبّ أن ينظر إلى أحبّ أهل الأرض إلى أهل السّماء ؟ فلينظر إلى هذا المختار , وإنّي ما كلّمته قط منذ وقعة صفّين فقال له الحُسين : (( يا عبد الله , إذا كنت تعلم إنّي أحبّ أهل الأرض إلى أهل السّماء , فلم تقاتلني وتقاتل أبي وأخي يوم صفّين ؟ فو الله , إنّ أبي خير منّي عند الله ورسوله )) قال : فاستعذر إليه عبد الله وقال : يا حُسين , إنّ جدّك رسول الله أمر النّاس بإطاعة الآباء , وإنّي قد أطعت أبي في حرب صفّين فقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( أما سمعت قول الله
تعالى في كتابه الـمُبين :( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا ) (١) ؟ فكيف خالفت الله تعالى وأطعت أباك وحاربت أبي وقد قال رسول الله : إنّما الطّاعة للآباء بالمعروف لا بالمنكر ، وإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ؟! )) فسكت عبد الله بن عمرو ولم يرد جواباً ؛ لعلمه أنّه خسر الدُنيا والآخرة ذلك هو الخُسران الـمُبين.
وعن الطّبري عن طاووس اليماني : أنّ الحُسين بن عليّ كان إذا جلس في المكان الـمُظلم , يهتدي إليه النّاس ببياض جبينه ونحره ، وإنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كثيراً ما يقبّل الحُسين (عليهالسلام ) بنحره وجبهته ، وإنّ جبرائيل (عليهالسلام ) نزل يوماً إلى الأرض , فوجد الزّهراء نائمة والحُسين في مهده يبكي على جاري عادة الأطفال مع اُمّهاتهم , فجلس جبرائيل عند الحُسين , وجعل يناغيه ويسكته عن البكاء ويسليه , ولم يزل كذلك حتّى استيقظت فاطمة (عليهاالسلام ) من منامها , فسمعت إنساناً يُناغي الحُسين , فالتفتت إليه ولم تر أحداً , فأعلمها أبوها رسول الله أنّ جبرائيل كان يُناغي الحُسين.
وعن أنس بن مالك , قال : رأيت الحُسين (عليهالسلام ) مع جنازة لبعض أصحابه , فصلّينا عليها معه , فلمّا فرغنا من الصّلاة , رأيت أبا هريرة ينفض التّراب عن أقدام الحُسين ويمسح بها وجهه , فقال له الحُسين (عليهالسلام ) : (( لِمَ تفعل هذا يا أبا هريرة ؟ )) فقال : دعني يابن رسول الله , فو الله لو تعلم النّاس مثل ما أعلمه من فضلك , لحملوك على أحداقهم فضلاً عن أعناقهم ، يابن رسول الله , في هاتي أذني سمعت من جدّك رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول على منبره : (( إنّ هذا ولدي الحُسين سيّد شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين , وإنّه سيموت مذبوحاً ظمآناً مظلوماً لعن الله من قتله )).
فيا إخواني , كيف لا نبكي لأحبّ أهل الأرض والسّماء ؟ وكيف لا نحزن على قتيل الظّماء والماء حوله ؟ قد بادروه بالسّيوف والرّماح وصادموه في ميدان الكفاح , وقالوا له لا سعة ولا فصاح , فيا ويحهم ! ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة رسول الله.
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون ، ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :
____________________
(١) سورة العنكبوت / ٨.
القصيدة للخليعي (رحمه الله تعالى )
سل جيرة القاطنين ما فعلوا |
وهل أقاموا بالحي أم رحلوا |
|
وقف معي وقفة الحزين عسى |
أنشد ربعاً ضلت به السبل |
|
ولا تلمني على البكاء فالدموع |
ري تطفى به الغلل |
|
بانوا فلي مقلة مقرحة |
ومهجة بالزفير تشتعل |
|
جسمي لشوك القتاد مفترس |
وناظري بالسهاد مكتحل |
|
قد كان قلبي والدار جامعة |
والعيش غض والشمل مشتمل |
|
مروعاً خائفاً فكيف به |
غدا التنائي والركب مرتحل |
|
فوا ضلالي تبكي لوحشتهم |
عين وبين الضلوع قد نزلوا |
|
وأسأل النطق من صدى طلل |
بال وأني يجيبني الطلل |
|
فما لقلبي والنائبات وكم |
يرمي بسهم النوى وينتبل |
|
يا نفس صبراً فكل نائبة |
سوى مصاب الحُسين تحتمل |
|
ويا جفوني سحي عليه فلي |
عن كل رزء برزئه شغل |
|
لم أنسه ينشد الطغاة وقد |
حفت به السمهرية الذبل |
|
الا ارجعوا عن قتالنا وذروا |
سفك دماء النّبي واعتزلوا |
|
أنا ابن خير الأنام قاطبة |
وخير خلق يحفي وينتعل |
|
بذا امرتم أن تقطعوا رحم |
المختار من بعده ولا تصلوا |
|
لهفي له يشتكي الأوام وللبيض |
المواضي من نحره بلل |
|
لهفي لذلك الجبين منعفراً |
كالشمس أنى بدا لها الخجل |
|
لهفي لنسوانه وقد كشفت |
عن صدرهن السجوف والكلل |
|
مسلوبة قد تقنعت فاضل الردن |
وعبرى قد شفها الثكل |
|
هذي تنادي أخي وتلك أبي |
والدمع فوق الخدود منهمل |
|
وزينب مستجيرة ولها |
على أخيها ندب ومرتجل |
|
تصيح من حسرة ومن أسف |
والقلب منها مروع وجل |
|
أين عليّ بن الحُسين ألا |
اين المحامي والفارس البطل |
|
تبكى وتستصرخ البتول وللشعت |
اليتامى من حولها زجل |
يا أمّ قومي وسارعي فمفداك |
طريح في التراب منجدل |
|
قومي فقد نالنا لفقد أخي |
خطب مهول وحادث جلل |
|
حتى إذا ثوروا لرحلتهم |
وحث بالركب سائق عجل |
|
وعلق الرأس يستنير به الأفق |
وسارت تطوي الفلا الإبل |
|
ظلت تنادي وا ذلنا يا رسول الله |
وصيتهم وما قبلوا |
|
ما حفظوا ما أمرت من ود ذي |
القربي ولا عن ضلالهم عدلوا |
|
وفاطم تستغيث عمتها |
صارخة دمع عينها خضل |
|
يا عمتي ما لهؤلاء وللحريم |
لا يعطفون إن سألوا |
|
وما لذا السائق العنيف من |
الأدلاج لا ضجرة ولا ملل |
|
لهفي لزين العباد يرفل في القيد |
كئيباً تذيبه العلل |
|
يجول نحو الحريم محتسباً |
يدعو إلى ربه ويبتهل |
|
حتى إذا أقبلت ركائبهم |
على يزيد يقودها السفل |
|
صاح غراب فقال قل ما تشأ |
أو لا تقل فالسرور مكتمل |
|
قتلت أسماهم فخاراً وأزكاهم |
تجاراً وحق الأمل |
|
قابلت يوماً بيوم بدر وعاجلت |
انتصاري لمعشر خذلوا |
|
وظل بالعود قارعاً ثغر |
مولانا سروراً لامه الهبل |
|
فما ترى عذر آل حرب إذ جاءوا |
وقد أيقنوا لمن قتلوا |
|
وإن جني الـمُصطفى النّبي لهم |
بأي شيء تعارض الرسل |
|
وما يقولون في الجواب وقتلاهم |
بنوه وما له فعلوا |
|
يا سادتي يا بني النّبي ومن |
عليهم في المعاد أتكل |
|
ما راعني فقد من ألفت به |
ولم يهجني التشبيب والغزل |
|
ولا شجاني إلّا مصابكم |
فما بدمعي عليكم تحل |
|
ما أنا والله عن محبتكم |
ولعن أهل العناد منتقل |
|
والله لي شاهد ولست إذا |
اتقيت قوماً أرضى إذا جهلوا |
|
والعادل المستدل لا يدخل |
الشك عليه قول ولا عمل |
|
ما للخليعي عبد أنعمكم |
الا ولاكم إذا انقضى الأجل |
يكفيه عند الأعراف علمكم |
يوماً بسيماه يعرف الرجل |
|
ما عنكم لابن حرة عوض |
وليس منكم لعارف بدل |
|
وأين عنكم بالولاء لكم |
تمحى الخطايا ويغفر الزلل |
الباب الثّاني
يا إخواني , لو فكّر الـمُحب الولهان فيما جرى على سادات الزّمان , وما أصابهم من البلاء والمحن , لقال لروحه أن تخرج من البدن , تُقطّع منهم الأوصال ويجدّلون على الرّمال , ويتجرّعون الحتوف بأرض الطّفوف ، على أيدي أهل الفساد وأشرّ العباد فكم وكم من نفس معصومة أزهقوها , وكم من دماء محرّمة أراقوها , وكم من رؤوس شريفة فوق الأسنّة رفعوها , وأخذوها بالأسنّة الحداد كما يُفعل بأهل الإلحاد ، هذا مع علمهم بأنّهم الذرّيّة النّبويّة والعترة الهاشميّة فيا لها من مُصيبة ما أعظمها في الإسلام وأعظم رزيتها بين سائر الأنام , فإنّا لله ولا حول ولا قوة إلّا بالله :
الشّعر للشافعي مُحمّد بن إدريس
تأوب همي والفؤاد كئيب |
وأرق نومي فالرقاد غريب |
|
ومما نعى جسمي وشيب لمتى |
تصاريف ايام لهن خطوب |
|
فرى كبدي من حزن آل مُحمّد |
ومن زفرات ما لهن طبيب |
|
فمن مبلغ عني الحُسين رسالة |
وإن كرهتها أنفس وقلوب |
|
قتيل بلا جرم كأن قميصه |
صبيغ بماء الأرجوان خضيب |
|
فللسيف أعوال وللرمح رنة |
وللخيل من بعد الصهيل نحيب |
|
تزلزلت الدنيا لآل مُحمّد |
فكادت لهم صم الجبال تذوب |
|
وغابت نجوم واقشعرت كواكب |
وهتك أستار وشق جيوب |
|
يصلّي على المهدي من آل هاشم |
ويغزي بنوه إن ذا لعجيب |
|
لئن كان ذنبي حُبّ آل مُحمّد |
فذلك ذنب لست عنه أتوب |
روي عن الصّادق (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( لـمّا حضرت الحسن بن عليّ الوفاة , أوصى إلى أخيه الحُسين , فقال له : يا أخي , إذا أنا مت فاحملني على سريري وادفني في
البقيع ، وستعلم يا ابن اُمّ , إنّ القوم إذا علموا أنّكم تريدون دفني عند جدّي , يجدّون في منعكم , فبالله عليك , لا تهرق في أمري محجمة دم )) قال : (( فلمّا غسّله وكفّنه وحمله على سريره وتوجه به إلى قبر جدّه ؛ ليجدد به عهداً عند جدّه , أتى مروان بن الحكم ومعه جمع من بني اُميّة , وقالوا : يُدفن عثمان في أقصى المدينة ويُدفن الحسن مع جدّه ؟! لا يكون ذلك أبداً ثمّ أقبلت عائشة راكبة على بغل , وهي تقول : أتريدون أن تدفنوا ببيتي مَن لا أحبّ ؟! فقال لها ابن عبّاس : ارجعي إلى منزلك واستعملي الحياء , فنحن ندفنه في البقيع كما أوصى (عليهالسلام ) , وإنّما جئنا لنجدد به العهد عند جدّه فقالت : إنّي لا أنصرف حتّى تخرجوا به إلى البقيع فقال لها ابن عبّاس : وا سوأتاه لك يا عائشة ! يوماً تجمّلت ويوماً تبغّلت وإن عشت تفيّلت )) وفي هذا المعنى قال بعض محبّيهم فيهم :
يعظمون له أعواد منبره |
وتحت أرجلهم أولاده وضعوا |
|
بأي وجه بنوه يتبعونكم |
وفخركم أنكم صحب له تبع |
|
وكيف ضاقت عن الأهلين تربته |
وللأجانب عن جنبيه متسع |
|
وكيف صيرتم الإجماع حجتكم |
والقوم ما اتفقوا فيه ولا اجتمعوا |
|
أمر عليّ بعيد من مشورته |
مسكوه فيه والعباس يمتنع |
|
وتدعيه قريش بالقرابة |
لا رفعوا فيه ولا وضعوا |
|
فأي خلف كخلف كان بينكم |
لو لا تلفق أخبار وتصطنع |
|
هذي وصايا رسول الله مهملة |
غدراً وشمل رسول الله منصدع |
فيا حرّ قلبي لما جرى للآل أهل الجود والمجد والافضال من الكفرة الفجرة الأنذال ، حسدوهم على معاليهم حيث عجزوا عن إدراك الفضل الذي أودعه الله فيهم , فحملتهم تلك الأحقاد على الكفر والإرتداد ، وإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور.
روي : أنّ الحُسين (عليهالسلام ) كان جالساً بمسجد جدّه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وذلك بعد وفاة أخيه الحسن (عليهالسلام ) , وكان عبد الله بن الزّبير جالساً في ناحية المسجد , وعتبة بن أبي سفيان في ناحية اُخرى , فجاء أعرابي على ناقة حمراء , فعلقها بباب المسجد ودخل , فوقف على عتبة بن أبي سفيان وسلّم عليه , فردّعليهالسلام , فقال له الأعرابي : اعلم , إنّي قتلت ابن عمّ لي عمدا وطولبنا بالدّية , فهل لك أن تعطيني شيئاً ؟ فرفع رأسه إلى غلامه , وقال : ادفع إليه
مائة درهم فقام الأعرابي مغضباً وانتهره وقال : ما أريد إلّا الدّية تماماً ثمّ تركه وأتى عبد الله بن الزّبير , وقال له : إنّي قتلت ابن عمّ لي وقد طولبت بالدّية , فهل لك أن تعطيني شيئاً ؟ فقال لغلامه : ادفع إليه مائتي درهم فقام الأعرابي مغضباً وقال : ما أريد إلّا الدّية تماماً ثمّ تركه وأتى إلى الحُسين فسلّم عليه , وقال له : يابن رسول الله , إنّي قتلت ابن عمّ لي وقد طولبت بالدّية , فهل لك أن تعطيني شيئاً ؟ فقال له : (( يا أعرابي , نحن قوم لا نعطي المعروف إلّا قدر المعرفة )) فقال له : سل ما تريد يابن رسول الله فقال له الحُسين (عليهالسلام ) : (( ما النّجاة من الهلكة ؟ )) قال : التّوكل على الله عزّ وجلّ فقال له : (( ما أروع الهمّة ؟ )) قال : الثّقة بالله فقال له : (( وما يتحصن به العبد ؟ )) قال : محبّتكم أهل البيت فقال : (( ما أزين ما يتزين به الرّجل ؟ )) قال : عِلم وعمل يزيّنه حلم فقال له : (( فإن أخطأ ذلك كلّه ؟ )) قال : فعقل يزيّنه تقاء فقال له : (( فإن أخطأ ذلك كلّه ؟ )) قال : سخاء يزيّنه حسن خلق فقاله له : (( فإن أخطأ ذلك ؟ )) قال شجاعة يزيّنها ترك عجب قال : (( فإن أخطأ ذلك ؟ )) قال : والله يابن رسول الله , إن أخطأ هذه الخصال , فالموت له خير من الحياة فأمر الحُسين له بعشرة آلاف درهم , وقال له : (( هذه لقضاء دينك , وعشرة آلاف درهم اُخرى , تلمّ بها شعثك وتحسن بها حالك وتنفق بها على عيالك )) فأنشأ الأعرابي يقول :
طربت وما هاج لي مغبق |
ولا بي مقام ولا معشق |
|
ولكن طربت لآل الرسول |
فلذ لي الشعر والمنطق |
|
هم الأكرمون هم الأنجبون |
نجوم السّماء بهم تشرق |
|
سبقت الأنام إلى المكرمات |
وأنت الجواد فلا تلحق |
|
أبوك الذي ساد بالمكرمات |
فقصر عن سبقه السبق |
|
بكم فتح الله باب الرشاد |
وباب العثار بكم تغلق |
فيا إخواني , كيف لا يحقّ لِمَن فارقته ساداته الذين بهم سعاداته , أن يجري عليهم الدّموع الهاطلة , ويزيد في الحرق المتواصلة , ويكثر النّوح والعويل على هذا الرّزء الجليل ؟! سارعوا بالإساءة إليهم بعدما اختبروهم , وعجّلوا بالدّموع فيهم بعدما عرفوهم ، كأنّهم أنكروهم , فأولئك عليهم لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين.
روى الشّيخ الصّدوق , عن الهيثم بن عدي بن أرطأة : قال معاوية
لعمرو بن العاص : يا أبا عبد الله أينا أدهى ؟ فقال عمرو : أنا للبديهة وأنت للرواية فقال له معاوية : قد قضيت لي على نفسك , فأنا أدهى منك للبديهة أيضاً فقال له عمرو : أين كان دهاؤك يوم رفعت المصاحف على الرّماح ؟ فقال : بها غلبتني , أفلا أسألك عن شيء تصدقني فيه ؟ فقال : والله , وإن الكذب لقبيح , فسل عمّا بدا لك فإنّي أصدقك فقال له : أغششتني مذ نصحتني ؟ قال : لا قال : بلى والله قد غششتني , أمّا إنّي لا أقول في كلّ المواطن ولكن في موطن واحد قال : وأيّ موطن هذا ؟ قال : يوم دعاني عليّ بن أبي طالب للمبارزة إلى الحرب فاستشرتك , فقلت لك : ما ترى يا عمرو ؟ فقلت : كفو كريم فأشرت عليّ بمبارزته وأنت تعلم مَن هو , فعلمت أنّك غششتني فقال عمرو : يا معاوية , دعاك للمبارزة رجل عظيم الشّأن جليل القدر , فكنت من مبارزته على إحدى الحسنيين ؛ إمّا أن تقتله فتكون قد قتلت قاتل الفرسان وقاهر الشّجعان , وتزداد شرفاً إلى شرفك في طول الزّمان , وتخلو بملكك وتقهر عدوّك ، وإمّا أن تعجل إلى مرافقة الشّهداء في دار الجنان , وحسُن أولئك رفيقاً فقال معاوية : هذه الكلمة أشرّ من الأولى , والله , إنّي أعلم إنّي لو قتلته دخلت النّار وإن قتلني دخلت النّار فقال له عمرو : يا معاوية , إذا كنت تعلم هذا , فما الذي حملك على قتاله ؟! فقال : ويلك ! إنّ الملك عقيم , ولن يسمعها منّي أحد بعدك , فلا تخبر النّاس بما سمعت منّي.
فانظروا يا إخواني إلى صنيع الكفرة الفجرة مع العترة الكرام البررة , أترونهم ماذا يقولون حين يعرضون على الله ؟ وبكى الرّسول لمصاب عترته في ذلك الزّمان , وبكى لبكائه ؛ آدم ونوح , وعيسى وموسى , وإبراهيم خليل الرّحمن :( هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمْ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) (١) :
رأس ابن بنت مُحمّد ووصيه |
للمسلمين على قناة يرفع |
|
والمسلمون بمنظر وبمسمع |
لا جازع منهم ولا متوجع |
|
أيقظت أجفاناً وكنت لها كرى |
وأنمت عيناً لم تكن بك تهجع |
|
كحلت بمنظرك العيون عماية |
وأصم رزءك كلّ أذن تسمع |
|
ما روضة إلّا تمنت أنها |
لك مضجع ولخط قبرك موضع |
حُكي : أنّ امرأة ذات فحش كانت معهودة بالمدينة , ولها جار وكان مواظباً
____________________
(١) سورة يونس / ٣٠.
على مأتم الحُسين (عليهالسلام ) , وكان عنده ذات يوم رجال ينشدون ويبكون على الحُسين (عليهالسلام ) , وأمر لهم باصطناع طعام , فدخلت المرأة الفاحشة تريد ناراً , وإذا بالنّار قد انطفت من غفلتهم عنها , فعالجتها تلك الفاحشة بالنّفخ ساعة طويلة , حتّى اتسخت يداها وذرفت عيناها , فلمّا اتقدت , أخذت منها ومضت لقضاء مآربها ، فلمّا صار الظّهر وكان الوقت صيفاً , فوقدت وكان لها عادة بالقيلولة ساعة , وإذا هي ترى طيفاً : كأنّ القيامة قامت , وإذا بزبانية جهنّم يسحبونها بسلاسل من نار وهم يقولون : يا زانية , غضب الله عليك وأمرنا نلقيك في قعر جهنّم وهي تستغيث وتستجير فلا تُجار ، قالت : والله , لقد صرت على شفير جهنّم , وإذا برجل أقبل يصيح بهم : (( خلّوها )) قالوا : يابن رسول الله وما سببه ؟ قال : (( نعم , دخلت على قوم يعملون عزائي , وقد أوقدت لهم ناراً يعملون بها طعاماً )) فقالوا : كرامة لك يابن الشّافع والسّاقي قالت , فقلت : مَن أنت الذي منّ الله عليّ بك ؟ قال : (( أنا الحُسين بن عليّ )) فانتبهت وأنا مذهولة , ومضيت إلى المجلس قبل أن يتفرّقون , فحكيت لهم فتعجّبوا ، وقام البكاء والعويل , وتبت على أيديهم من فعل القبيح فعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ الخ ليعي (رحمه الله تعا لى)
هجرت مقلتي لذيذ كراهاً |
لمصاب الشهيد من آل طه |
|
واستعدت في شهر عاشور أجفاني |
لطول البكاء على مولاها |
|
وقيل لمصرع السبط مجراها |
ولو أن دمعها من دماها |
|
لقتيل ساءت رزيته الأملاك |
واستعبرت عليه سماها |
|
لقتيل أضحت له البضعة الزهرا |
ثكل والوجد حشو حشاها |
|
كاتبته العصابة الغدر والتبديل |
تشكوا اُميّة وأذاها |
|
وتوالت عهودها والمواثيق |
وآلت أن تحل عراها |
|
وأتاها للحكم بالعدل فارتدت |
وجدت بالغدر لـمّا أتاها |
بأبي ركبة المجد تجوب البيد |
وخدا وهادها ورباها |
|
بأبي الفتية الميامين تسري |
حوله والردى أمام سراها |
|
بأبي حين حل في كربلا يسأل |
عنها مستشقاً لثراها |
|
قائلاً : ههنا تراق دماها |
وتنال الطغاة فينا مناها |
|
ههنا تهتك الكرائم منا |
وتذل الآبطال من آل طه |
|
لهف قلبي له وقد خطب القوم |
وكأن البليغ من خطباها |
|
ثم قال : ارجعوا سلمتم أكباد |
الأعادي مرضى وقتلى وشفاها |
|
فأجابوا لا سلم الله نفساً في |
غد من قلاك يوم لقاها |
|
حاش لله بل نموت كراماً |
ونروي من السيوف ظماها |
|
فجزاهم خيراً ومرّ ينادي |
أخته زينباً بكسر خباها |
|
أخت يا زينب احفظي القول عني |
زادك الله يقظة وانتباها |
|
إن نعاني إليك ناع فبالصبر |
ينال المصاب أجراً وجاها |
|
لا تشقي جيباً ولا تلطمي خداً |
ولا تندبي بحلم سفاها |
|
ومضى مسرعاً يقيم قناة الدين |
من بعد ميلها والتواها |
|
مستعداً للحرب حتّى إذا كسر |
خطبها وقل ظباها |
|
فرمته أيدي الطغاة بسهم |
البغي عن قوس غدرها وجفاها |
|
ومضى المهر ناعياً فاستغاثت |
زينب وغدت تطيل بكاها |
|
وأتت وهو في السباق تناديه |
بشجو ولا يجيب نداها |
|
حر قلبي لها تضج وتدعو |
من جوى الثكل أمها وأباها |
|
أم يا أم عجلي وانظري فاطم |
في السبي تستجير عداها |
|
أم قد خمرت سكينة منها |
الرأس بالردن بعد سلب رداها |
|
أين جدّي أين البتول ألا أين |
عليّ ، وا ذلها وا سباها |
|
لهف قلبي لأم كلثوم خوف |
السبي تبكي وتستغيث أخاها |
|
يا أخي كيف حال من سلب |
الناصر منها وخاف فيه رجاها |
|
ثم تشكو إلى النّبي وقد كان |
لدى الطف سامعاً شكواها |
|
جد هل أمة هداة نبي |
اشترت بعد العمى بهداها |
فأقام النّبي فيها فشقت |
حين غاب العصي على مولاها |
|
وسبت بعده الذراري واضحى |
المال نهباً والآل من قتلاها |
|
وسرت تقطع البلاد سروراً |
وبنوه الأدنون من أسراها |
|
لا رعى الله أمة نقضت عهدك |
فينا ومن بنا أغراها |
|
كيف صبر أمرئ يود ذوي القربى |
ورأس الحُسين فوق قناها |
|
ويزيد اللعين يقرع بالعود |
ثنايا ذاق النّبي لماها |
|
قتلته عصابة الكفر عطشاناً |
فلا بل ذو الجلال ثراها |
|
ليست لناقة التي دمدم الله |
على معشر أبو سقياها |
|
كحسين وسوف ينتقم الله |
له عند بعثه أشقاها |
|
قبحت أنفس أطاعت هواها |
وعصت من بلطفه سواها |
|
ألهمت رشده وعلمها الله |
فجور انفوس من تقواها |
|
وعداها نهج السبيل وقد |
أفلح من بالولاء قد زكاها |
|
مؤمناً عارفاً وجوه البر أمن |
كلّ باغ وخاب من دساها |
|
يابن بنت النّبي يومك أذكى |
في الحشا جمرة تشب لظاها |
|
ليت إنّي لك الفدا يابن مولاي |
قليل لو صح منك رضاها |
|
كم لمملوكك الخليعي فيكم |
مدحاً يهتدي بها رواها |
|
فتجلى بها عقول ذوي اللب |
وتجلو عن القلوب صداها |
|
ومراث قد اكمن الطيب فيها |
كلما أنشدت بطيب شذاها |
|
راجياً منكم الأمان إذا عد |
ذنوباً يخاف من عقباها |
الباب الثّالث
أيّها المؤمنون , لو علمتم أيّ أجر تؤجرون وأيّ ثواب تحرزون , لتمنيتم دام هذا الحال إلى يوم يُبعثون ، فأنشدكم يا إخواني , أتدرون لِمَن تعزّون ؟ ولأيّ شيء أنتم مجتمعون ؟ والله بعين ديّان الدّين أنتم , والله في عزيّة مُحمّد خاتم النّبيين , وعليّ أمير المؤمنين , وفاطمة الزّهراء سيدة نسوة العالمين , وجميع الأئمة المعصومين , وعيونهم ناظرة إليكم , وهُم الشُهداء عليَّ وعليكم ، وتصديق ذلك ما
روي عن الإمام عليّ بن موسى الرّضا (عليهالسلام ) , حيث قال : (( أيّها النّاس ، اعلموا وتيقّنوا , أنّ لنا مع كلّ وليّ لنا أعيناً ناظرة لا تشبه أعين النّاس , وفيها نور من نور الله وحكمة من حكم الله تعالى , ليس للشيطان فيها نصيب , وكلّ بعيد قريب ، وإنّ لنا مع وليّ لنا أعيناً ناظرة , وألسناً ناطقة وقلوباً وافية , وليس يخفى علينا شيء من أعمالكم وأقوالكم وأفعالكم , بدليل قوله تعالى :( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (١) ولو لم يكن كذلك ما كان لنا على النّاس فضل )).
ومما يدلّ على ذلك أيضاً , ما روي عن أبي سدير الصّيرفي , قال : كنت نائماً ليلة الجُمُعة , فرأيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في منامي وبين يديه طبقاً مغطّى , فدنوت منه وسلّمت عليه , فردّ عليّ السّلام , فكشف لي عن الطّبق , وإذا فيه رطب جني , فقلت : يا رسول الله , ناولني من هذا الطّبق رطبة ؟ فناولني رطبة فأكلتها , ثمّ طلبت منه اُخرى , فناولني اُخرى فأكلتها , ولم يزل يناولني رطبة بعد رطبة حتّى أكلت ثمان رطبات , ثمّ طلبت منه اُخرى , فقال : (( حسبك )) فانتبهت وأنا مسرور بنومي , فلمّا أصبحت على الإمام جعفر بن مُحمّد (عليهالسلام ) لأقصّ عليه رؤياي , وإذا بين يديه طبق مُغطّى كأنّه الطّبق الذي رأيته قدّام النّبي في منامي وهو مغطّى , فلمّا استقرّ بي المجلس عنده , التفت إليّ وكشف عن الطّبق , وإذا فيه رطب , فقلت : يا مولاي , ناولني رطبة فناولنيها فأكلتها , ثمّ سألته اُخرى فأعطانيها حتّى ناولني ثمان رطبات فأكلتها , ثمّ سألته اُخرى فقال لي : (( حسبك يا أحمد , فلو زادك جدّي لزدتك )) فقلت : يا سبحان الله مَن أخبرك برؤياي يا سيّدي ؟ فقال (عليهالسلام ) : (( والله , لا يخفى علينا شيء من أفعالكم وأعمالكم , قال الله عزّ وجلّ :( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) )).
ومن ذلك أيضاً ما رواه الثّقاة عن أبي مُحمّد الكوفي , عن دعبل بن مُحمّد الخزاعيرحمهالله , قال : لـمّا انصرفت عن أبي الحسن الرّضا (عليهالسلام ) بقصيدتي التّائية , نزلت في الرّي ، وإنّي في ليلة من الليالي وأنا أصيغ قصيدة وقد ذهب من الليل شطره , فإذا طارق يطرق الباب , فقلت : مَن هذا ؟ فقال : أخ لك فبدرت إلى الباب ففتحته , فدخل شخص اقشعر منه بدني وذهلت منه نفسي , فجلس ناحية , وقال لي : لا ترع أنا أخوك من الجنّ , ولدت في الليلة التي ولدت فيها ونشأت معك , وأنّي جئت أحدّثك بما يسرّك ويقوّي نفسك وبصيرتك قال : فرجعت نفسي وسكن قلبي ,
____________________
(١) سورة التّوبة / ١٠٥.
فقال : يا دعبل , إنّي كنت من أشدّ خلق الله بُغضاً وعداوة لعلي بن أبي طالب , فخرجت في نفر من الجن المردة العتاة , فمررنا بنفر يريدون زيارة قبر الحُسين (عليهالسلام ) قد جنّهم الليل , فهممنا بهم , وإذا ملائكة تزجرنا من السّماء وملائكة من الأرض تزجر عنهم هوامها , فكأنّي كنت نائماً فانتبهت أو غافلاً فتيقظت , وعلمت أنّ ذلك لعناية بهم من الله تعالى لمكان من قصدوا له وتشرّفوا بزيارته , فأحدثت توبة وجددت نية ، زرت مع القوم ووقفت بوقوفهم ودعوت بدعائهم , وحججت بحجّهم تلك السّنة , وزرت قبر النّبي (صلىاللهعليهوآله ) ومررت برجل حوله جماعة , فقلت : مَن هذا ؟ فقالوا : هذا ابن رسول الله الصّادق قال : فدنوت منه وسلّمت عليه , فقال لي : (( مرحباً بك يا أهل العراق , اتذكر ليلتك ببطن كربلاء وما رأيت من كرامة الله تعالى لأوليائنا ؟ إنّ الله قد قبل توبتك وغفر خطيئتك )). فقلت : الحمد لله الذي منّ عليّ بكم , ونوّر قلبي بنور هدايتكم , وجعلني من المعتصمين بحبل ولايتكم , فحدّثني يابن رسول الله بحديث أنصرف به إلى أهلي وقومي فقال : (( نعم , حدّثني أبي مُحمّد بن عليّ , عن أبيه عليّ بن الحُسين , عن أبيه الحُسين , عن أبيه عليّ بن أبي طالب (عليهالسلام ) , قال : قال لي رسول الله : يا عليّ , الجنّة مُحرّمة على الأنبياء حتّى أدخلها أنا ، وعلى الأوصياء حتّى تدخلها أنت , وعلى الاُمم حتّى تدخلها اُمّتي حتّى يقرّوا بولايتك ويدينوا بإمامتك يا عليّ , والذي بعثني بالحقّ , لا يدخل الجنّة أحد إلّا مَن أخذ منك بنسب أو سبب )). ثمّ قال : خذها يا دعبل , فلن تسمع بمثلها من مثلي أبداً ثمّ ابتلعته الأرض فلم أره ولله درّ الشّاعر البرسي حيث قال :
هم القوم آثار النبوة فيهم |
تلوح وأنوار الإمامة تلمع |
|
مهابط وحي الله خزان علمه |
وعندهم سر المهيمن مودع |
|
إذا جلسوا للحكم فالكل أبكم |
فإن نطقوا فالدهر ، أذن ومسمع |
|
وإن ذكروا فالكون ند ومندل |
له أرج من طيبهم يتضوع |
|
وإن بارزوا فالدهر يخفق قلبه |
لسطوتهم والأسد بالغاب تجزع |
|
وإن ذكر المعروف والجود في الورى |
فبحر نداهم زاخر يتدفع |
|
أبوهم سماء المجد والأم شمسه |
نجوم لها برج الجلالة مطلع |
|
فيا نسباً كالشمس أبيض مشرق |
ويا شرفاً من هامة المجد أرفع |
فمن مثلهم إن عد في النّاس مفخر |
أعد نظراً يا صاح إنكنت تسمع |
|
ميامين قوامون عز نظيرهم |
هداة ولاة للرسالة منبع |
|
فلا فضل إلّا حين يذكر فضلهم |
ولا علم إلّا علمهم حين يرفع |
|
ولا عمل ينجي غداً غير حبهم |
إذا قام يوم البعث للخلق مجمع |
|
ولو أن عبداً جاء في الله عابداً |
بغير ولا (آل العبا) ليس ينفع |
|
فيا عترة المختار يا راية الهدى |
إليكم غداً في موقفي أتطلع |
|
خذوا بيدي يا آل بيت مُحمّد |
فمن غيركم يوم القيامة بشفع |
روي في بعض الأخبار عن حذيفة اليماني , قال : مرّ ابن عبّاس على قوم من بني اُميّة , فسمعهم يسبّون عليّ بن أبي طالب (عليهالسلام ) - وكان ابن عبّاس مكفوف البصر كبير السّن - فقال لقائده : ما يقولون هؤلاء الأنذال ؟ فقال : إنّهم يسبّون علياً فقال له : يا غلام قرّبني إليهم فلمّا صار بالقرب منهم , قال : أيّكم السّاب الله عزّ وجلّ ؟ فقالوا : معاذ الله ! فمَن يسبّ الله فقد كفر وخلد في سقر فقال : أيّكم السّاب رسول الله ؟ فقالوا : معاذ الله أن نُسب رسول الله ! فمَن سبّه فقد افترى إثماً كبيراً فقال : أيّكم السّاب عليّ بن أبي طالب ؟ فنكّسوا رؤوسهم حياء منه , وقالوا : قد كان ذلك منّا فقال لهم : يا أشرّ الاُمم ! ويا أهل جهنّم ! وحقّ ربّ الكعبة , إنّي سمعت رسول الله يقول : (( مَن سبّ عليّاً فقد سبّني ، ومَن سبّني فقد سبّ الله , ومَن سبّ الله تعالى , أكبّه الله على منخريه في نار جهنّم مُخلداً فيها )) فأبشروا بالعذاب الأليم في أسفل درك الجحيم فلم يردّوا له جواباً , فتركهم وانصرف لشأنه , فقال : يا غلام , كيف رأيت وجوههم حين أوردت الحديث ؟ فقال : اسمع يا مولاي منّي الشّعر :
نظروا إليك بأعين مزورة |
نظر التيوس إلى شفار الجازر |
فقال له : يا غلام , زدني بارك الله فيك ! فقال :
خزر الحواجب ناكسوا أذقانهم |
نظر الذليل إلى العزيز القاهر |
فقال : زدني فداك أبوك يا غلام ! فقال :
أحباؤهم خزى على أمواتهم |
والميتون فضيحة للغابر |
فقال : زدني بارك الله فيك ! فقال :
يوم القيامة يسكنون جهنما |
بئس المصير لكلّ عبد فاجر |
فقاله له : زدني بارك الله فيك ! فقال :
وكذا النّبي خصيمهم مع حيدر |
نعم الخصيم غداً وخير الناصر |
فقال له : بارك الله فيك يا غلام ! وأنت حرّ لوجه الله تعالى.
فانظروا يا إخواني إلى أهل الضّلال , كيف يبالغون في سبّ الآل وسبّ عليّ محكّ أولاد الحلال , ولا يخشون من الله ذي الجلال , ولا يحذرون من المرجع والمآل ، ولله درّ من قال بعض من الرّجال :
إذا ما التبر حك على محك |
تبين غشه من غير شك |
|
وفينا الدر والذهب المصفى |
وحيدر بيننا شبه المحك |
روي عن ابن عبّاس , أنّه قال : والله , لقد رايت جابر الأنصاري (رض) وهو يمشي في سكك المدينة , ويقف عند بيوت المهاجرين والأنصار وهو يقول : معاشر النّاس , أدّبوا أولادكم على حُبّ عليّ بن أبي طالب , فمَن أبى فانظروا في شأن اُمّه.
وفي خبر آخر ، عن الصّادق (عليهالسلام ) , قال : (( مَن وجد برد حبّنا أهل البيت في قلبه , فليكثر الدّعاء لاُمّه حيث أنّها لم تخن أباه فيه )) ولله درّ صاحب الكشكول :
إليك جميع الكائنات تشير |
بأنك هاد منذر وبشير |
|
وإنك من نور الإله مكون |
على كلّ نور من جلالك نور |
|
وروحك روح القدس فيها منزل |
وقلبك في قلب الوجود ضمير |
|
وشخصك قطب الكائنات فسر بها |
على سره في العالمين تدور |
|
نزلت من الله العظيم بمنزل |
يسير إليه الطرف وهو حسير |
قال الله تعالى :( وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) (١) قال الثّعلبي ورواه ابن عبّاس ، أنّها نزلت في عليّ لـمّا خرج النّبي (صلىاللهعليهوآله ) من مكّة خائفاً من الـمُشركين إلى الغار , خلّفه لقضاء ديونه ورد ودائعه , فبات عليّ على
____________________
(١) سورة البقرة / ٢٠٧.
فراشه وأحاط المشركون بالدّار , فأوحى الله تعالى إلى جبرائيل وميكائيل : (( إنّي قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر , فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ )) فاختار كلّ منهما الحياة ، فأوحى الله تعالى إليهما : (( ألا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب , آخيت بينه وبين مُحمّد , فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره الحياة ؟! اهبطا إلى الأرض , فاحفظاه من عدوّه )) فنزلا , فكان جبرائيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه , فقال : بخ بخ مَن مثلك يابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ! هذا في تفسير هذه الآية ، وأمّا آية المباهلة , فأجمع المفسّرون منهم على أنّ أبناءنا إشارة إلى الحسن والحُسين ، ونساءنا إشارة إلى فاطمة ، وأنفسنا إشارة إلى عليّ فجعله الله نفس مُحمّد، المراد المساواة ومساوي الأكمل , الأولى بالتّصرف أكمل وأولى بالتّصرف فهذه الآية أدلّ دليل على علو مرتبته (عليهالسلام ) ؛ لأنّه تعالى حكم بمساواته لنفس الرّسول , وأنّه تعالى عيّنه في استعانة النّبي به في الدّعاء , وأيّ فضيلة أعظم من أن يأمر الله نبيّه بأن يستعين به على الدّعاء إليه والتّوسل به , مع ما ورد فيه ما يزيد على هذا , مثل قوله تعالى :( إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي ) (١) روى الجمهور عن ابن مسعود , قال رسول الله: (( انتهت الدّعوى إليّ وإلى عليّ , لم يسجد أحدنا لصنم قط , فاتخذني نبيّاً واتخذ عليّاً وصيّاً )).
ومثل قوله تعالى :( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) (٢) نقل الجمهور عن ابن عبّاس , قال : قال رسول الله (ص) : (( أنا الـمُنذر وعليّ الهادي , وبك يا عليّ يهتدي المهتدون )).
ومثل قوله تعالى :( وَقِفُوهُمْ إِنّهُم مّسْؤُولُونَ ) (٣) روى الجمهور عن ابن عبّاس وأبي سعيد الخدري , عن النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , أنّه قال : (( عن ولاية عليّ بن أبي طالب )).
ومثل قوله تعالى :( وَلَتَعْرِفَنّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) (٤) روى الجمهور عن أبي سعيد الخدري , قال : ببغضهم عليّاً (عليهالسلام ).
ومثل قوله تعالى :( وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرّبُونَ ) (٥) روى الجمهور عن ابن عبّاس , قال : سابق هذه الاُمّة عليّ بن أبي طالب.
وروي من طرقهم في قوله تعالى :( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَا ) (٦) قال : إنّ النّبي (صلىاللهعليهوآله ) ليلة اُسري به , جمع الله بينه وبين الأنبياء , ثمّ قال : (( سلهم يا مُحمّد على ماذا بعثتم ؟ )) فقالوا : بعثنا على شهادة أن لا إله إلّا الله , وعلى الإقرار بنبوّتك , والولاية لعلي بن أبي طالب.
ومن طرقهم أيضاً في قوله تعالى :
____________________
(١) سورة البقرة / ١٢٤.
(٢) سورة الرّعد / ٧.
(٣) سورة الصّافات / ٢٤.
(٤) سورة مُحمّد / ٣٠.
(٥) سورة الواقعة / ١٠ - ١١.
(٦) سورة الزّخرف / ٤٥.
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (١) روى الجمهور عن ابن عبّاس , قال : لـمّا نزلت هذه الآية , قال رسول الله لعلي : (( هُم أنت وشيعتك يا عليّ ، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين , ويأتي أعداؤك غضابا مقمحين )).
وعن الحسن البصري(٢) في تفسير قوله تعالى :( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ . ) (٣) فقال : المشكاة فاطمة ، والمصباح الحسن والحُسين , و( الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) قال : كانت فاطمة كوكباً درّياً بين نساء العالمين( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ) قال : الشّجرة المباركة إبراهيم( لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ) لا يهودية ولا نصرانية( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) قال : يكاد العلم أن ينطق منها( وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ ) قال : فيها إمام بعد إمام( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ) قال : يهدي الله لولايتنا من يشاء , فهنيئاً للمحبّين والشّيعة الموالين أولئك الذين أنعم الله عليهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
ولنذكر في آخر هذا الجزء طرفاً من أنساب ما يجري على الحُسين (عليهالسلام ) , وذراريه وأصحابه ومواليه ؛ ليعلم النّاظر أنّه لا يُفعل بهم ذلك - كما جاء في الخبر عن سيّد البشر - إلاّ من خبث مولده , وكان مطعوناً عليه في أصله ونسبه.
أمّا يزيد (عليه اللعنة) فإنّه كان جبّاراً عنيداً خبيث الولادة :( وَالّذِي خَبُثَ لاَيَخْرُجُ إِلّا نَكِداً ) (٤) وقد مرّ قول الحُسين (عليهالسلام ) فيه وفي أبيه , أنّهما شُركاء الشّيطان.
وأمّا عُبيد الله بن زياد , اُمّه مرجانة وأبوه زياد دعيّ لأبي سفيان , وكان يُسمّى بين النّاس زياد بن أبيه ؛ لأنّه لا يُعرف له أب , وكانت اُمّه سوداء نتنة الرّائحة يُقال لها سميّة , وكانت عاهرة ذات علم تُعرف به , وقد وطأها أبو سفيان وهو سكران , فعلقت منه بزياد على فراش بعلها , فدعاها أبو سفيان سرّاً ، فلمّا آل الأمر إلى معاوية , قرّبه إليه وأدناه ورفع منزلته , وعلاه واستخلفه في بلاد الأهواز , وأمّره على ثلاثمئة ألف فارس وأمره بحرب الحسن (عليهالسلام ) , ولم يزل يحاربه زماناً طويلاً حتّى دسّ إليه سمّاً فقتله , فمات مسموماً رحمة الله عليه.
ولـمّا آل الأمر إلى يزيد بن معاوية لعنه الله تعالى , جعل عُبيد الله بن زياد أميراً على الكوفة وأمره بقتل الحُسين (عليهالسلام ) , فجهّز العساكر والجنود وحالوا بينه وبين ماء الفرات حتّى أنّهم قتلوه عطشاناً مظلوماً , وذبحوا أطفاله وسبوا عياله , ففعل ابن زياد لعنه الله أضعاف ما فعل يزيد عليه اللعنة( وَالَّذِي خَبُثَ لَا
____________________
(١) سورة البيّنة / ٧.
(٢) هكذا ورد التّفسير في الأصل ، والصّحيح أنّ التّفسير ورد عن أبي الحسن (ع) ، كما في أغلب المصادر ( موقع معهد الإمامين الحسنَين)
(٣) سورة النّور / ٣٥.
(٤) سورة الأعراف / ٥٨.
يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ) (١) .
وأمّا هند بنت عتبة , عتبة عليه اللعنة قتله حمزة عمّ رسول الله , وكان عتبة أميراً في زمن الجاهلية , وهو الذي حارب النّبي في وقعة اُحد حرباً عظيماً , حتّى إنّه أنكسر عسكر النّبي (صلىاللهعليهوآله ) وشاع الخبر إلى المدينة بقتل النّبي , ورفع الصّراخ بالمدينة أنّه قُتل النّبي , فانخشعت القلوب وبكت العيون , وحزن الأقرباء وبكت السّماء وفرح الأعداء ، وكانت هند - جدّة يزيد - واقفة تضرب بالدّف من شدّة فرحتها بقتل النّبي (صلىاللهعليهوآله ) :( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (٢) .
وكان عتبة لعنه الله تعالى , وهو الذي رمى النّبي بحجر ؛ فكسر رباعيته , وشقّ شفتيه , وشج رأسه الشّريف , فوثب حمزة عمّ النّبي فقتل عتبة , فجاءت هند بنت عتبة لوحشي بهبة على أن يقتل لها رسول الله , أو أن يقتل عليّاً أو حمزة ، فقال لها وحشي : أمّا رسول الله فلا سبيل لي عليه ؛ لأنّ أصحابه حافّين من حوله ، وأمّا عليّ بن أبي طالب , فإنّه إذا حارب , فهو أحذر من الذّئب وأروغ من الثّعلب , ولا طاقة لي به ، وأمّا حمزة , فإنّي أقدر عليه ؛ لأنّه إذا حارب وهاج في الحرب , لم يعد يبصر ما بين يديه وما خلفه قال : فلمّا هاج حمزة في الحرب , كمن وحشي وضربه على اُمّ رأسه فقتله , فخرّ صريعاً إلى الأرض , فجاءت هند بنت عتبة عليهما اللعنة , ووقفت على جسد حمزة , وجذعت أذنيه وأنفه , وشقت بطنه , وقطعت أصابعه ونظمتها بخيط وجعلتها قلادة في عنقها , ثمّ أخرجت كبد حمزة وأخذت منه قطعة بأسنانها ومضغتها ؛ حنقاً منها عليه , وأرادت بلعها فلم تقدر على بلعها فقذفتها ؛ لأنّ الله تعالى صان كبد حمزة أن يحل في معدة تُحرق بالنّار فهل سمعتم أو رأيتم امرأة أكلت كبد إنسان غير هند لعنها الله تعالى ؟! :( وَالّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلّا نَكِداً ) .
وأمّا عمر بن سعد , فهو الذي ولاه ابن زياد حرب الحُسين (عليهالسلام ) , وأمّره على سبعين ألف فارس , وأمره بقتل الحُسين وأصحابه وأطفاله وأهل بيته وسبي نسائه , ففعل ما أمره.
فجرى كلّ واحد من هؤلاء الملاعين على عرقه الخبيث :( وَالّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلّا نَكِداً ) ولقد اختبروا قتلة الحُسين (عليهالسلام ) , فوجدوهم كلّهم أولاد زنا لصحة قول النّبي فيهم.
فيا إخواني , انظروا إلى هؤلاء الكفرة الفجرة , كيف بالغوا في ظلم الآل ونهب الأموال , وذبح الأطفال وقتل الرّجال وأيّ رجال ، أولئك عليهم لعنة الله
____________________
(١) سورة الأعراف / ٥٨.
(٢) سورة التّوبة / ٣٢.
تعالى والملائكة والنّاس أجمعين ، فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم:
القصيدة للشيخ داود البحراني
هلموا نبك أصحاب العباء |
ونرثي سبط خير الأنبياء |
|
هلموا نبك مقتولاً بكته |
ملائكة الإله من السماء |
|
هلموا نبك مقتولاً عليه |
بكى وحش المهامة في الفلاء |
|
ألا فابكوا قتيلاً قد بكته |
البتولة فاطم ست النساء |
|
ألا فابكوا لثاوي الطف حزناً |
ألا فابكو لمذبوح القفاء |
|
ألا فابكوا لمن أضحت عليه |
تنوح الجن حزناً بالبكاء |
|
ألا فابكوا المعفر ذبيح |
على الرمضاء شلو بالثراء |
|
ألا فابكوا قتيلاً مستباحاً |
ألا فابكوا المرمل بالدماء |
|
بنفسي جسم منطرح جريح |
على حر الصعيد بلا وطاء |
|
بنفسي من تجول الخيل ركضاً |
عليه وهو مسلوب الرداء |
|
بنفسي هاشميات سبايا |
يقدن وهن في ذل السباء |
|
بنفسي نسوة جاءت إليه |
وهن مولولات بالشجاء |
|
أخي ودع يتامى قد أهينوا |
وقد أضحوا باسر الأدعياء |
|
أخي هل بعد بعدك لي محام |
لقد أخذ الزمان بكم حماء |
|
أخي أصبحت رهن الطف شلوا |
عليك الدهر مشقوق الرداء |
|
أخي أضحى كريمك فوق رمح |
يشال كبدر تم في السماء |
|
يعز على أبينا أن يرانا |
بأرض الطف نسبى كالإماء |
|
يعز على البتول بأن ترانا |
ونحن نضج حولك بالبكاء |
|
وزين العابدين تراه يكبو |
يقيد وهو في ضر البلاء |
|
أخي هذي سكينة من حناها |
تجرر بامتحان وابتلاء |
|
وتسلب قرطها ظلماً وتدعو |
أبي وا ذل حالي يا بلائي |
|
أبي هذي اُميّة ذات صون |
ونحن نساق جهراً بالفلاء |
تصان اُميّة ولها خدور |
ونبرز من خبانا للسباء |
|
كأنا من بنات الزنج نسبى |
ونضرب بالسياط بلا خطاء |
|
أيا حصني أيا ذخري وفخري |
فقدتك يا سنادي يا رجائي |
|
ألا وأبذل وجهي بعد صون |
وضعفي وانتهاكي في الوراء |
|
أخي يابن الرسول أذاب جسمي |
حلولك في الثراء بلا وطاء |
|
تدوس الخيل منك قفاك حتّى |
وضضن الصدر ظلماً بافتراء |
|
الا يا سيّدي أمسيت أبكي |
ويسعدني الحمام على بكائي |
|
ألا يا آل أحمد يا حماتي |
وعوني في الشدائد والرخاء |
|
مصابكموا يوقد نار قلبي |
ويغريني على كثر البكاء |
|
وهد قواي رزؤكموا وأضحى |
نحولي لا يزول ولا عزائي |
|
لقد أمسيت بعدكم حزيناً |
قريح الجفن مشغول بداء |
|
إليكم من عبيدكم نظاماً |
به أرجو من الباري جزائي |
|
بها يرجو الفتى داود فوزاً |
بمحو الذنب يا أهل العباء |
|
وسامعها ومنشدها بشجو |
ومن يبكي بحزن لا مراء |
|
وصلّى الله والأملاك طراً |
على الهادين من أهل الهداء |
ذكر أهل التأريخ , أنّ سبط بن الجوزي كان يعظ على الكرسي بجامع دمشق , فطلب منه أهل المجلس أن يذكر شيئاً في مصرع الحُسين بن عليّ (عليهالسلام ) , فعند ذلك أنشد يقول :
ويل لمن شفعاؤه خصماؤه |
والصور في نشر الخلائق ينفخ |
|
لا بد أ، ترد القيامة فاطم |
وقميصها بدم الحُسين ملطخ |
ثمّ إنّه وضع المنديل على رأسه واستعبر طويلاً ونزل عن الكرسي وبذلك ختم.
قال بعضهم :
الا عج يوم الطف لا زلت واريا |
وللقلب لم تبرح على الصعب لاويا |
|
كم انصدعت أمعاء مهجة أنفس |
فليس لها من جرحك الدهر آسيا |
وما زال زند الغيض للوجد مضرماً |
وضلعي على جمر الغضا منه حانيا |
|
بك انطمست آثار دين مُحمّد |
وأصبح فيك الكون بالحزن داجيا |
|
وهد م المجد الأثيل قوامه |
فقوض للعليا قباباً رواسيا |
|
وفاضت عيون المكرمات كآية |
وجفن العلا ما أنفك بالدمع جاريا |
|
وقامت لحشر الأنبياء قيامة |
نرى لكلّ فيها للجريمة جاثيا |
|
بها صور صعق الخلق حرك للفنا |
فأصبح فيها حجّة الله ثاويا |
|
ألا أيّها اليوم المشؤوم على الورى |
تركت جفون المكرمات دواميا |
|
ضربت بسيف الجور كيوان عزها |
فغودر فيه العدل أجدر ضاحيا |
|
سرت منكفي جنح الظلام قوائم |
فكورن من ضوء النهاء الدراريا |
|
وسعرن نيران الحروب فزعزعت |
قوى العرش حتّى قد برحن الثوانيا |
|
قضت فيك جوراً آل حرب ذحولها |
وساءت بآل الأكرمين التقاضيا |
|
وشقت على آل النّبي ستورها |
وثجت لها بحراً من الدم ساجيا |
|
لقد أثكل الدنيا لواعجك التي |
صببن على كلّ الأنام الدواهيا |
|
وقدّ لها طود الهداية قلبه |
وأصبح من ثكل لرزئك واهيا |
|
غداة قضى سبط النّبي مُحمّد |
على سغب طاوي الحشاشة ظاميا |
|
حمى حوزة المجد المؤثل وانثنى |
يجلي عن الدين الحنيف الغواشيا |
قد تمّ الجزء الأول من كتاب (الـمُنتخب)
وسيتلوه (الجزء الثّاني) إن شاء الله تعالى
الفهرس
كلمةُ المؤلّف : ٤
المجلس الأوّل ٥
في الليلة الأولى من عشر المُحرّم ٥
وفيه أبواب ثلاثة ٥
البابُ الأوّل ٥
الباب الثّاني ١٣
المجلس الثّاني ٢٦
في أوّل يوم من عشر الـمُحرّم ٢٦
وفيه أبواب ثلاثة ٢٦
الباب الأوّل ٢٦
الباب الثّاني ٣١
الباب الثّالث ٣٦
المجلس الثّالث ٤٢
في الليلة الثّانية من عشر الـمُحرّم ٤٢
وفيه أبواب ثلاثة ٤٢
الباب الأوّل ٤٢
الباب الثّاني ٤٧
الباب الثّالث ٥٣
المجلس الرّابع ٦١
في اليوم الثّاني من عشر الـمُحرّم ٦١
وفيه أبواب ثلاثة ٦١
الباب الأوّل ٦١
الباب الثّاني ٦٧
الباب الثّالث ٧٥
المجلس الخامس ٨٢
في الليلة الثّالثة من عشر الـمُحرّم ٨٢
وفيه أبواب ثلاثة ٨٢
الباب الأوّل ٨٢
الباب الثّاني ٨٩
الباب الثّالث ٩٧
المجلس السّادس ١٠٤
في اليوم الثّالث من عشر الـمُحرّم ١٠٤
وفيه أبواب ثلاثة ١٠٤
الباب الأوّل ١٠٤
الباب الثّاني ١١١
الباب الثالث ١٢٠
المجلس السّابع ١٢٧
في الليلة الرّابعة من عشر الـمُحرّم ١٢٧
وفيه أبواب ثلاثة ١٢٧
الباب الأوّل ١٢٧
الباب الثّاني ١٣٦
الباب الثّالث ١٤٤
المجلس الثّامن ١٥٠
في اليوم الرّابع من عشر الـمُحرّم ١٥٠
وفيه أبواب ثلاثة ١٥٠
الباب الأول ١٥٠
الباب الثّاني ١٥٦
الباب الثّالث ١٦٢
المجلس التّاسع ١٧٠
في الليلة الخامسة من عشر الـمُحرّم ١٧٠
وفيه أبواب ثلاثة ١٧٠
الباب الأوّل ١٧٠
الباب الثّاني ١٧٩
الباب الثّالث ١٨٧
المجلس العاشر ١٩٤
في اليوم الخامس من عشر الـمُحرّم ١٩٤
وفيه أبواب ثلاثة ١٩٤
الباب الأوّل ١٩٤
الباب الثّاني ٢٠١
الباب الثّالث ٢٠٧