مقتل الحسين للخوارزمى- الجزء 1
التجميع الإمام الحسين عليه السلام
الکاتب الموفق بن أحمد بن محمّد المكي الخوارزمي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

مقتل الحسين للخوارزمى

المؤلف: أبي المؤيّد بن أحمد المكّي أخطب خوارزم [ خوارزمي ]

تحقيق الشيخ محمّد السماوي



مقدمة الناشر

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله خير الخلق أجمعين وعلى آله الطيبين الطاهرين.

إن مأساة الامام الحسينعليه‌السلام هزّت الوجدان الانساني ، وتوهجت في أحاسيس المسلمين ووعيهم الجماعي ، وأحرقت ضمائرهم وأدمت قلوبهم ، وجرحت مشاعرهم النبيلة ، وأسالت قنوات دموعهم المتدفقة بغزارة وحرقة ، وأقضّت مضاجع آل بيت الوحي والرسالة وأثارت هواجسهم ، وأرقت محبيهم من كل الطوائف الاسلامية من مختلف الملل والنحل ، المؤمنة برسالة جدهم المصطفى خاتم الأنبياء والمرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد أحدثت هذه الواقعة الشجية ـ ولا زالت ـ جروحا في النفوس النقية لا تندمل ، وكلما تجدد سقف الزمن تزداد مساحة هذه المأساة أسى ولوعة ، وآفاقها سموا وفخرا. وسبق لجده طه الأمينصلى‌الله‌عليه‌وآله منقذ البشرية وقائد الأمّة الاسلامية الأعلى ان قلّده وسام استحقاق النسب الشريف والجهاد المقدس حينما قال : «حسين مني وأنا من حسين» وهذا الحديث شهادة البداية


والديمومة للدين الاسلامي الحنيف ، حيث بدايته بالرسالة المحمدية المقدّسة وديمومته بالشهادة الحسينية المباركة ومآسيها والتي بعثت بتضحيته بكيانه الانساني المقدسعليه‌السلام وأهل بيته وخيرة أصحابه سر حياة الاسلام وبقائه. ولسان حاله يردد مع دورة الزمن (إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي إلا بقتلي فيا سيوف خذيني) لأن الحسينعليه‌السلام حمل هموم أمنه وأوجاع الناس ومعاناتهم في قلبه ووجدانه وأحلامه وآماله الناظرة الى واقعهم السيئ ، والمتطلعة الى مستقبل الاسلام المشرق وإقامة حكومة العدل الإلهي ، حيث عبّر عن ذلك أصدق تعبير عند ما قال : (إنّي لم أخرج أشرا ولا بطرا ، وإنّما خرجت لطلب الاصلاح في أمّة جدّي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ). وكانت تجربة الطف الرائدة تحمل حرارة صدق الجهاد ووضوح رؤيته النضالية فكان لهذه التجربة صداها الواسع على امتداد مراحل التاريخ والتي التصقت بالحدود العالمية للجهاد الصادق واستحقت أن تتصدر عناوينه العالمية أيضا.

إنّ كتاب مقتل الامام الحسينعليه‌السلام لمؤلفه الموفق محمد بن أحمد المؤيد أبي سعيد اسحاق المكي الحنفي الخوارزمي يعتبر بحق وثيقة تأريخية ترصد أحداث الرزيّة الكربلائية وتؤرخ وقائعها المفجعة بموضوعية متميزة ، لا سيما وقد سجلت بقلم مؤرخ قدير ولغوي بارع ، وان القدر المتيقن في التراجم التي ترجمت له من قبل رجال الحديث المشهورين ، تشهد بنزاهته وإنصافه بهذا الصدد.

وقد تضمن هذا الكتاب مآثر أهل البيت الأطهارعليهم‌السلام وفضائلهم في قسمه الأول وتفاصيل موجزة عن سيرتهم العطرة ، وتضمن القسم الآخر صور مروّعة من مقتل السبط الشهيد وأنصاره ، والذي رافق مسيرته التأريخية وخروجه من مدينة الوحي المنورة الى ساعة استشهاده على رمضاء


الألم الكربلائي التي تعبق بأريج الشهادة الفواح ، والمطرزة بدماء الأحرار الأبرار ، والندبة بفيض دموع الولاء والانتماء ، والتي تقبع تحت خيمة الحزن السرمدي حتى قيام الساعة.

ونظرا لفضاعة المأساة وشموليتها ، وأهمية هذا المقتل الجليل وإلحاح جمهور من محبي سيد الشهداءعليه‌السلام والمتلهفين الى طلب الاستزادة من الاغتراف من مصادر تأريخ الحدث الحسيني الجلل ليكون لهم عبرة وعبرة وذكرى ، وينهلوا من معين الواقعة الفارحة معاني التضحية والبطولة والفداء والاصلاح الاجتماعي والوقوف بوجه الطغاة ومقارعة الظالمين في كل زمان ومكان كل هذه العوامل وغيرها وندرة المطبوع من نسخة السابقة في المكتبات ، وبغية إظهاره بحلّة قشيبة تتناسب وأهمية هذا الكتاب التأريخية وتيسيره للدارسين والخطباء وعشاق المنبر الحسيني المقدس ، فقد بادرت دار (أنوار الهدى) الى طبعه بعد بذل الجهود الفنية في خبط نصوصه ومقابلتها مع النسخ المطبوعة سابقا وتصحيح الأخطاء اللغوية والتأريخية قدر المستطاع وطباعته بحروف جديدة ، وقد أخذت على عاتقها طبع هذا الكتاب ، والذي يعتبر إضافة نوعية جديدة الى مكتبة أهل البيتعليهم‌السلام ، والتي ما انفكت هذه الدار عن نشر كل ما يتعلّق بتأريخهم وفضائلهم وعلومهم وآدابهم ، أفراحهم وأتراحهم.

وستبقى هذه المأساة المؤلمة حلمنا الآتي ليوم الخلاص العظيم والآمال المتجددة للتحرير من الظلم تحت راية صاحب الأمر والزمان (عج) ، والله من وراء القصد وهو المستعان في كل الأمور إنّه أرحم الراحمين.

دار

أنوار الهدى

رمضان المبارك ١٤١٨ ه‍ ق



مقدمة المحقق

بقلم : العلامة الجليل والمحقق الكبير

الشيخ محمد الشيخ طاهر السماوي

أما نفس الكتاب فهو غني عن التعريف لشهرته ، نقل عنه جماعة منهم ابن حجر في لسان الميزان ، وابن الوزير اليماني في الروض الباسم ، وقال فيه : وهو عندي في جزءين ، واستقصى السيد العلامة صاحب العبقات في المجلد السادس ذكر حاله ومن نقل عنه ، وكل هذه الكتب مطبوعة في حيدرآباد ومصر والهند.

وأمّا نسخته فإني استجلبتها من تبريز للاستنساخ عليها وكان كتبها السيد الفاضل السيد محمد المهدي بن علي بن يوسف الحسني الطباطبائي سنة ست وثلاثمائة وألف من الهجرة على نسخة بخط السيد العالم الفاضل محمد بن الحسين العميدي النجفي ، كتبها سنة ست وثمانين وتسعمائة في قزوين وكانت هذه النسخة التي بخط محمد المهدي الطباطبائي سمعت بها قبل عشر سنين وأنّها موجودة في تبريز ، فكلفت جملة من الأفاضل باستنساخها لقلّة وجودها أو لعدمه في العراق فلم يتهيأ لي ذلك فبقيت


مشغوفا بها حتى هيأ الله تعالى لي العلامة الفاضل الجليل الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ أحمد الأميني التبريزي صاحب شهداء الفضيلة والغدير وغيرهما سلّمه الله ، فذاكرته بهذا الكتاب فوعدني أن يكلّف من يستنسخه على يد والده الفاضل الشيخ أحمد الأميني سلّمه الله ، ولتقاه وحبه آل بيت الله كتب إلى أبيه وأكد فما هو إلا أن استعاره أبوه للاستنساخ ثم عزم على زيارة النجف فاستأذن من صاحبه أن يصحبه ذهابا وإيابا وضمن له سلامته فأتى به وتفضل علي بأن استنسخه بيدي ويبقى مدة الاستنساخ ثم يعود به إلى صاحبه.

فاستنسخته في شهر بحمد الله ومنه فجاءت هذه النسخة صحيحة كاملة وذلك لأن الكاتب الثاني السيد محمد المهدي كان حسن الخط والمعرفة فزاد فيها بعض أخبار نقلها من كتب ولكن كان يكتب على الخبر المزيد في أوله : قال الكاتب ، ويذكر الزيادة ثم يقول انتهى ، ويذكر الأصل بسنده ، على أنه لو لم ينبه هذا التنبيه لعلم ، فإنّه يروي عن كتب معلومة لم يكن فيها سند ، والمقتل مذكور بأخبار أسندها الموفق ، فمن حصل له هذا الكتاب فهو مدين بالفضل لمن جاء به من تبريز والله يجزيه الجزاء الأوفى عن سعيه وما ذلك على الله بعزيز.

وأمّا التعريف بمصنف هذا الكتاب فهو أبو المؤيد الملقب بصدر الأئمة ، وبأخطب خوارزم ، وبخليفة الزمخشري ، الموفق محمّد بن أحمد المؤيد بن أبي سعيد إسحاق المؤيد المكي الخوارزمي ، كما ذكر صاحب كتاب الفوائد البهية في طبقات الحنفية وصاحب التعليقات عليها المطبوعين بمطبعة الخانجي في مصر قالا فيهما : ولد سنة أربع وثمانين وأربعمائة ، وقرأ على ابيه وغيره وطاف في طلب الحديث بلاد فارس والعراق والحجاز ومصر والشام وكاتب


العلماء فأجازوه وأجازهم ـ كما ستطلع عليه من سند حديثه ـ وخطب في خوارزم ، وتلمذ على الزمخشري في العربية ، وتضلّع فيها فكان يقال له خليفة الزمخشري ، وتلمذ عليه جماعة منهم : ولده أحمد المؤيد ، ومنهم ناصر الدين المطرزي صاحب المغرب في اللغة المطبوع في حيدرآباد ، وشرح مقامات الحريري المطبوع في إيران ، وذكر في الثاني في ترجمة أويس رواية عنه مفخما له غاية التفخيم ، وكما ذكره السيوطي في البلغة المطبوعة في مطبعة الخانجي بمصر باسم الموفق.

ونقل عن القفطي والصفدي له مديحا وإعجابا بفضله.

ونقل عن كتابه هذا صاحب الروض الباسم ، وصاحب كفاية الطالب ، وصاحب الفصول المهمة ، وصاحب الصواعق ، وكل مطبوع متلقى بالقبول وصاحب لسان الميزان في ضمن بعض مشايخه مضعفا له ، ومن الغريب أنه يضعف مثل راوي حديث الطير ، والتشبيه بالأنبياء ، وباب مدينة العلم ، وهذه الأحاديث يرويها كثير بطرق متعدّدة ، وأغرب من هذا أنه يجعل سبب التضعيف الرواية نفسها.

وللموفق من المصنفات :

١ ـ كتاب الأربعين في أحوال سيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ذكر في هذا الكتاب.

٢ ـ مناقب علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، مطبوع في إيران.

٣ ـ مناقب أبي حنيفة ، مطبوع في الهند في جزءين.

٤ ـ مقتل الحسينعليه‌السلام في جزءين ، وهو هذا الكتاب الذي بين يديك.

٥ ـ مسانيد على البخاري وغيره ، ذكرت ولم أقف عليها.

وكل من ذكر الموفق ذكره بالشعر ، وأنا أذكر لك من شعره الذي ذكره هو في المناقب الأولى والثانية في مديح أمير المؤمنينعليه‌السلام وفي مديح أبي


حنيفة النعمان بن ثابت ، وما ذكره ياقوت الحموي في ترجمة بعض مشايخه منتخبا أبياتا تستدل بها على منهجه ، فمن ذلك قوله في مدح أمير المؤمنينعليه‌السلام ذكره في آخر مناقبه من قصيدة طويلة :

هل أبصرت عيناك في المحراب

كأبي تراب من فتى محراب

لله در أبي تراب أنه

أسد الحراب وزينة المحراب

هو ضارب وسيوفه كثواقب

هو مطعم وجفانه كجواب

لو لا علي ما اهتدى في مشكل

عمر ولا أبدى صواب جواب

وقوله في مديحهعليه‌السلام أيضا من قصيدة طويلة :

ألا هل من فتى كأبي تراب

إمام طاهر فوق التراب

إذا ما مقلتي رمدت فكحلي

تراب مس نعل أبي تراب

هو البكاء في المحراب لكن

هو الضحاك في يوم الحراب

هو المولى المفرق في الموالي

خزائن قد حواها بالحراب

ونازع صهره الطير المهادي

وكاد يرد منه عند باب

وقال في مديحهعليه‌السلام من قصيدة طويلة أيضا :

لقد تجمع في الهادي أبي حسن

ما قد تفرق في الأصحاب من حسن

ولم يكن في جميع الناس من حسن

ما كان في المرتضى الهادي أبي الحسن

هل سابق مثله في السابقين فقد

جلى إماما وما صلى إلى وثن

وقال في مديح أبي حنيفة النعمان بن ثابت من قصيدة طويلة ، ذكرها في مناقبه :


ما لنعمان في الأنام نظير

دوح فتيه ذو ثمار نضير

كل ذي إمرة أسير هواه

وهواه له أسير اسير

علم فتواه والهجد منه

في لياليه روضة وغدير

وقال في مديح أستاذه الحسن بن أحمد الهمداني من قصيدة ذكرها ياقوت الحموي في ترجمة الحسن المذكور :

حفظ الإمام أبي العلاء الحافظ

بالرجل ينكت هام حفظ الجاحظ

ما أن رأينا قبل بحر الشيخ من

بحر طفوح باللئالئ لامظ

كم واعظ لي أن أجاوز مدحه

لو كان ينفع في وعظ الواعظ

وله شعر كثير ، وتوفي في خوارزم سنة ثمان وستين وخمسمائة أو تسع كما نقله صاحب التعليقات ، ومن أراد استقصاء حاله فعليه بالعبقات فإنّها استغرقت من صفحة (٢٧٨ إلى ٣١٢). أو بكتاب الغدير فإن العلامة الأميني في آخر المجلد الرابع قد ترجمه هنالك بما لا مزيد عليه فذكره وذكر مشايخه وتلامذته ، وفصل في ذلك تفصيلا لا يستغنى عنه ، فليراجعه من شاء يجد ترجمته مذكورة من صفحة (٣٤٠ إلى ٣٤٩).

وأمّا ناشره بالطبع فجماعة مقدمهم الشريف الفاضل الذكي الزكي المحامي السيد محمد رضا آل السيد سلمان النجفي العريق نسبا وحسبا فإنّه من ذريّة السيد العلامة المقدّس السيد هاشم الشهير بالحطاب من سلالة السيد النقيب فخار بن معد العلوي ، والشيخ الفاضل الشيخ هادي نجل العالم الشيخ عباس من سلالة الشيخ أسد الله صاحب المقاييس ، وصاحب مطبعة الزهراء النجفيّة الفاضل ميرزا الخليلي من سلالة الميرزا خليل الرازي النجفي المشتهرة بعلمي الأديان والأبدان ، فجزاهم الله عن مودّة القربى خير جزاء المحسنين وجعل ذلك العمل الصالح ذخيرة لهم في العقبى يوم الدين


وحق لهم أن ينشروا مثل هذا المقتل المفصّل فإنّ المقاتل القديمة المفصلة كمقتل أبي مخنف لم يبق منها شيء إلا ما نقله الطبري والجزري وأمثالهما في ضمن كتبهم ، فأمّا أعيانها فلم يبق منها لأن مقتل أبي مخنف لم يوجد منذ خمسة أو ستة قرون وكذلك أمثاله.

وأمّا هذا المقتل القديم ، المفصل المروي بالإسناد المعنعن عن الأفضل فالأفضل ، فلم يوجد بالأيدي مثله ، فهو الكنز الدفين أثاروه ، والكوكب الخفي أظهروه وأناروه ، وهذه يد لهم على كل من احب النبي المصطفى وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين) ، ونعمة أسدوها على محبي الحسينعليه‌السلام ، والمتعطشين إلى ذكره على الكمال والتمام ، فلنشكر يدهم البيضاء ، وليدع محب الحسين لهم بأحسن الجزاء ، على إسداء هذه النعماء ، وقد قلت في تاريخ طبع هذا الكتاب الثمين ، وأسماء ناشريه للمحبين :

أبهج قلب المصطفى والمرتضى

وفاطم الزهراء محمد الرضا

بطبع تأليف الموفق الذي

حاز به الفضل وأدرك الرضا

في مقتل الحسين سبط المصطفى

ومهجة الزهراء وقلب المرتضى

واشترك الهادي وميرزا معه

فنهضا بما له قد نهضا

فقل لمن يسأل عن تاريخه

(طبعه ميرزا وهاد ورضا)

سنة ١٣٦٧ ه‍. ق

النجف الأشرف

الشيخ محمد السماوي


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مقدمة المؤلف

الحمد لله ، وسلام على عباده الّذين اصطفى ، وأخصّ بالصّلاة والسّلام نبيّه المصطفى ، واوجّه الرّضوان إلى ذريّته أولاد فاطمة البتول ، وعليّ المجالد الصؤول ، يوم نطاح الكباش والوعول ، الّذين لحمهم لحم الرّسول ، قد جعل الله سيرهم حججه على كافه الأنام ، وصيّرهم أسنمة أئمّة الإسلام ، الداعين الى دار السّلام ، ورحض عنهم الدّنس ووقّرهم توقيرا ، وأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا ، وافترض مودّتهم على الخلق وجعلها من جملة الإيمان ، وأمرنا بها من تأرج بقدمه الحرمان ، ونزلت الملائكة لنصرته يوم التقى الجمعان ، كما في سورة «الشورى» من القرآن على ما قال عزّ من قائل حكاية عنهم :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) الشورى / ٢٣.

روي : أنّه لمّا نزلت هذه الآية ، قيل : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجب علينا مودّتهم؟ فقالعليه‌السلام : «عليّ وفاطمة وابناهما».


وحديث «المباهلة» يؤكدها ويعضدها ويؤيدها ، وهو ما أخبرنا الشيخ الصالح العالم الأوحد عبد الملك بن أبي القاسم بن أبي سهل الكروخي الهروي ـ ببغداد ـ منصرفي من السفرة الحجازية على شط دجلة ، عن مشايخه الثلاثة : القاضي أبي عامر محمود بن القاسم الأزدي ؛ وأبي نصر عبد العزيز بن محمّد الترياقي ؛ وأبي بكر أحمد بن عبد الصمد الغورجي (رحمهم‌الله) ثلاثتهم ، عن أبي محمّد عبد الجبار بن محمّد الجراحي ، عن أبي العبّاس محمّد بن أحمد المحبوبي ، عن الإمام الحافظ أبي عيسى محمّد ابن عيسى الترمذي ، قال : أخبرنا قتيبة ، قال : أخبرنا حاتم بن إسماعيل ، عن بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص ، عن أبيه ، قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا(١) فقال : ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟

قال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلن أسبّه لئن يكون لي واحدة منهن أحبّ إليّ من حمر النعم ، سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لعليّ وخلفه في بعض مغازيه ، فقال له عليّعليه‌السلام : «يا رسول الله! أتخلفني مع النساء والصبيان»؟ فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبوة بعدي» ، وسمعته يوم خيبر يقول : «لاعطين الراية رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله» فتطاولنا لها فقال: «ادعوا لي عليّا» فأتى وبه رمد ، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه ، وانزلت هذه الآية :( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) آل عمران / ٦١ ، فدعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّا وفاطمة وحسنا وحسينا (عليهم الصلاة والسّلام)

__________________

(١) هكذا في جامع الترمذي وفيه اجمال وتفصيله أمر معاوية بسبّ علي فامتنع سعد فقال له ، الخ.


فقال : «اللهمّ! هؤلاء أهلي».

وأخبرنا الشيخ الثقة العدل الحافظ أبو بكر محمّد بن عبد الله بن نصر الزاغوني ـ بمدينة السّلام ـ ، قال : أخبرنا أبو الحسين محمّد بن إسحاق بن إبراهيم بن مخلف الباقرحي ، قال : أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن عليّ بندار ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمّد بن شاذان ، قال : أخبرنا : أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي ، قال : أخبرني أبي أحمد بن عامر بن سليمان ، قال : حدّثني أبو الحسن عليّ بن موسى الرّضاعليه‌السلام قال : «حدّثني أبي موسى بن جعفر ، قال : حدّثني أبي جعفر بن محمّد ، قال : حدّثني أبي محمّد بن عليّ ، قال : حدّثني أبي عليّ ابن الحسين ، قال : حدّثني أبي الحسين بن عليّ ، قال : حدّثني أبي علي بن أبي طالب ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا علي! إنّ الله قد غفر لك ولأهلك وشيعتك ، ومحبّي شيعتك ومحبّي محبّي شيعتك ، فابشر فإنّك الأنزع البطين ، منزوع من الشرك ، بطين من العلم».

وأخبرنا الإمام الأجل الكبير أخي سراج الدين ركن الإسلام شمس الأئمة إمام الحرمين أبو الفرج محمّد بن أحمد المكي (رحمة الله عليه) ، قال : أخبرنا الإمام الزاهد أبو محمّد إسماعيل بن عليّ بن إسماعيل ، قال : أخبرنا السيّد الإمام الأجل المرشد بالله أبو الحسين يحيى بن الموفق بالله ، قال : أخبرنا أبو طاهر محمّد بن علي بن محمّد بن يوسف الواعظ ، قال : أخبرنا أبو جعفر محمّد بن أحمد بن محمّد بن حمّاد المعروف ب ـ ابن ميثم ـ ، قال : أخبرنا أبو محمّد القاسم بن جعفر بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ، قال : حدّثني أبي جعفر بن محمّد بن عبد الله بن محمّد ، عن أبيه محمّد ، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد ، عن أبيه محمّد بن عليّ


الباقر ، عن أبيه عليّ بن الحسين زين العابدين ، عن أبيه الحسين بن عليّ الشهيدعليهم‌السلام ، قال : «سمعت جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : من أحبّ أن يحيى حياتي ، ويموت ميتتي ، ويدخل الجنّة التي وعدني ربّي ، فليتولّ عليّ بن أبي طالب وذرّيته الطّاهرين ، أئمة الهدى ومصابيح الدجى من بعده ، فإنّهم لن يخرجوك من باب الهدى الى باب الضلالة».

وأخبرنا العلّامة فخر خوارزم محمود بن عمر الزمخشري ، قال : أخبرني الأستاذ الأمين عليّ بن مردك الرّازي ، قال : أخبرنا الشيخ الزّاهد الحافظ أبو سعد احمد بن محمّد المالني ـ بقراءتي عليه ـ ، قال : أخبرنا أبو بكر محمّد بن حيان الديرعاقولي ، قال : أخبرنا محمّد بن الحسين بن حفص الأشناني ، قال : أخبرنا محمّد بن يحيى الفارسي ، عن سليمان بن حرب ، عن يونس بن سليمان التيمي ، عن أبيه ، عن زيد بن يثيع ، قال : سمعت أبا بكر الصدّيق قال : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خيّم خيمة ، وهو يتّكئ على قوس عربية ، وفي الخيمة عليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام ، فقال : «معشر المسلمين! أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة ، وحرب لمن حاربهم ، ولي لمن والاهم ، لا يحبّهم إلّا سعيد الجد طيب المولد ، ولا يبغضهم إلّا شقي الجد رديء الولادة».

فقال رجل : يا زيد! أأنت سمعت منه؟ قال : إي ، وربّ الكعبة.

وأنبأني مهذب الأئمة أبو المظفر عبد الملك بن عليّ الهمداني ـ نزيل بغداد ـ ، قال : أنبأنا محمّد بن الحسين بن عليّ المقري ، قال : أخبرنا محمّد ابن محمّد بن أحمد الشّاهد ، قال : أخبرنا هلال بن محمّد بن جعفر ، قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الحلواني ، قال : أخبرنا محمّد بن إسحاق المقري ، قال : أخبرنا عليّ بن حمّاد الخشّاب ، قال : أخبرنا عليّ بن المديني ،


قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح ، قال : أخبرنا سليمان بن مهران ، قال : أخبرنا جابر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لمّا عرج بي الى السّماء رأيت على باب الجنّة : لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، عليّ حبيب الله ، الحسن والحسين صفوة الله ، فاطمة أمة الله ، على مبغضهم لعنة الله».

وممّا قلته في أهل البيتعليهم‌السلام :

يزيد لظى(١) قد رام أن يتسفلوا

وأن يتردوا في مهاوي المعاطب

وقد رشح العدل المهيمن حالهم

بمنزلة قعساء فوق الكواكب

فضائلهم ليست تعد فتنتهي

وإن عددت يوما قطار السحائب

ومن خذلان مبغضيهم المستحكم القواعد ، وادبارهم المستحصف المقاعد ، وغوايتهم التي حشرتهم الى دار البوار ، وشقاوتهم التي كبّتهم على مناخرهم في دركات النار ، أن حملهم بغض أحباء الله وأحباء رسول الله ، على أن أنكروا أولاد عليّ من فاطمة أولاد الرّسول ، فمن أولئك الحجاج المحجوج ، الحقود اللجوج ، على ما أخبرنا الشيخ الإمام الزّاهد الحافظ زين الدّين والأئمّة عليّ بن أحمد العاصمي ، قال : أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل ابن أحمد ، قال : أخبرنا والدي ـ شيخ السنّة ـ أحمد بن الحسين البيهقي ، قال : أخبرنا أبو الحسين ابن بشران العدل ـ ببغداد ـ ، قال : أخبرنا أبو عمرو ابن السماك ، قال : أخبرنا حنبل بن إسحاق ، قال : أخبرنا داود بن عمرو ، قال : أخبرنا صالح بن موسى ، قال : أخبرنا عاصم بن بهدلة ، عن يحيى ابن يعمر العامري ، قال : بعث إليّ الحجاج فقال : يا يحيى! أنت الّذي تزعم أنّ ولد عليّ من فاطمة ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ قلت له : إن أمنتني تكلّمت،

__________________

(١) بالاضافة أي يزيد النار.


قال : فأنت آمن.

قلت : أقرأ عليك كتاب اللهعزوجل إنّ الله يقول :( وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ) إلى قوله :( وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ) الأنعام / ٨٤ ـ ٨٥ ؛ وعيسى كلمة الله وروحه ألقاها إلى البتول العذراء ، وقد نسبه الله تعالى إلى إبراهيم ، قال : ما دعاك إلى نشر هذا وذكره؟ قلت : ما أوجب الله تعالى على أهل العلم في علمهم :( لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ) آل عمران / ١٨٧.

قال : صدقت ، لا تعودن لذكر هذا ولا نشره.

وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يقول : «كل بني أم ينتمون إلى عصبتهم إلّا ولد فاطمة فإنّي أنا أبوهم وعصبتهم» ، والأخبار في أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يسمي ـ الحسن والحسين ـ ابنيه ، كالحصا لا تعد ولا تحصى ، وقد ابتلي المكابر الحجاج ، بالمحجاج ـ يحيى بن يعمر ـ المؤيّد من الله بالجواب الصواب ، الّذي اوتي عند سؤاله فصل الخطاب ، ومن ثقابة فهمه ، وغزارة علمه ، أن أخذ بكظمه ، حين تلا عليه آية فيها : أنّ عيسى من ذرية إبراهيم ، وهو يدلي إليه بامّه ، فألقمه جندلة حجته ، فدمت(١) مجرى أنفاسه ، وأوضح له الحجة مثل موضحة رأسه ، وتركه يهيم في وادي وسواسه ، لعن الله الحجاج وكل ملعون من نسله ، وكل من انضوى الى حفله ، واحتطب في حبله ، من مبغضي أهل البيت ، ولعن الله من لم يلعن مبغضيهم ، وقاتليهم ، وسافكي دمائهم ، والّذين أعانوا على قتلهم ، وأشاروا إليه ، ودلّوا عليه ، أليس قد عرف من دين الإسلام ، أنّ من دلّ على قتل صيد الحرام ، كمن قتل صيد الحرم في الأحكام فهذا حكم الله في الدّال على صيد الحرم ، فكيف يكون

__________________

(١) لعله فكظمت.


حكم الله في من انتهك حرمة رسوله في الحرم ، وسفك من دم سبط شفيع يوم العرض ، ولم يكن حينئذ ابن بنت نبي غيره في بسيط الأرض.

وأنا لمّا عجزت لتأخير زماني عن المناضلة دونه وإراقة دمي والمثول بين يديه على قدمي ، أحببت أن أجمع مقتله بلعباب قلمي ، واطاعن دونه ودون ذريته باللسان ، إذ لم أطاعن دونهم بالسنان ، واضارب قراهم(١) بالبيان المساعد ؛ إذ لم اضارب دونهم بالبنان والساعد ، ليجدد مطالع مجموعي اللعن على قاتليهم ، ويوجه اللائمة الى خاذليهم وخاتليهم ؛ وليكون لي حظ في شفاعة جدّهم محمّد المجتبى من بريته ، مع الأولياء من ذريته ، يوم ينادي المنادي من وراء حجب العرش : «يا أهل الموقف! غضوا أبصاركم لتجوز فاطمة بنت محمّد فتمضي في عرصات القيامة متلففة بثوب مخضوب بدم الحسين ؛ فتحتوي على ساق العرش ، ثمّ تقول : أنت الجبار العدل اقض بيني وبين قتلة ولدي ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فيقضي الله لبنتي ورب الكعبة ، ثم تقول : شفعني فيمن بكى على مصيبتي ، فيشفعها الله تعالى فيهم».

وكسرت هذا المجموع على خمسة عشر فصلا :

الفصل الأوّل : في ذكر شيء من فضائل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

الفصل الثاني : في فضائل خديجة بنت خويلد سابقة نساء العالمين إيمانا بالله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

الفصل الثالث : في فضائل فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف أم عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

الفصل الرابع : في انموذج من فضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام

__________________

(١) لعله عداهم.


ومن فضائل ذريته الطاهرين.

الفصل الخامس : في فضائل فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

الفصل السادس : في فضائل الحسن والحسينعليهما‌السلام .

الفصل السابع : في فضائل الحسينعليه‌السلام خاصة.

الفصل الثامن : في إخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الحسين وأحواله فكان كما أخبرصلى‌الله‌عليه‌وآله .

الفصل التاسع : في بيان ما جرى بينه وبين الوليد بن عتبة ؛ ومروان بن الحكم ، حال حياة معاوية وبعد وفاته.

الفصل العاشر : في بيان أحواله ، مدة مقامه بمكة ، وبيان ما ورد عليه من كتب أهل الكوفة ، وإرسال مسلم بن عقيل إلى الكوفة ومقتله بها.

الفصل الحادي عشر : في خروجه من مكّة إلى العراق ، وما جرى عليه في طريقه ، ونزوله بالطف من كربلاء ومقتله بها (صلى الله عليه) ورزقنا شفاعته.

الفصل الثاني عشر : في بيان عقوبة قاتليه وخاذليه (صلّى الله عليه) ولعن قاتليه.

الفصل الثالث عشر : في ذكر المصيبة به ومرثيتهعليه‌السلام .

الفصل الرابع عشر : في زيارة تربته وفقنا الله لزيارته.

الفصل الخامس عشر : في انتقام المختار بن أبي عبيد الثقفي (رحمه‌الله) من قاتليه وخاذليه (صلّى الله عليه) ولعنهم لعنة يستحقونها.

وتوخيت أن اودع هذا المؤلّف المعرف ، ما لا يمجه سمع السماع ،


وقصدت أن احلي هذا المصنف المشنّف بما لا يرده جمع الإجماع ، وأردت أن يرتفع مستطير الشعاع ، مكشوف القناع ، ولم المظه ما يرويه الغلاة ، ولم احبّره بما يستلذه الغواة ، وختمت مجموعي هذا بقصة المختار ، الذي شفى صدور الأبرار ، من تلك الأوتار ، وبمقتل عبيد الله بن زياد الأبتر ، بصمصام إبراهيم بن الأشتر ، لا طفئ من قلوب أهل الإسلام نائرة أرثتها عصابة لا تنطفي في الآجلة نارها ، واسترحض عار باغية لا يرحض في العاجلة عارها ، حين استهانوا برد المعقول ، وعصوا دواعي العقول ، وباءوا من الله بالغضب والمقت ، واستحقوا منه ما استحق أصحاب السبت ، وإن استمرت في خلال ذلك للأشقياء جولة على السعداء ، واستفحلت للبغاة وطأة على الشهداء ، ليكرم الله تعالى منقلب ذريه الرسول ومآبهم. ويجزل لهم بالشهادة ثوابهم ، ثمّ إنّ الله تعالى أرسل على عبيد الله بن زياد ، صاعقة ابراهيم بن الأشتر الكمي ابن الكمي ، والسري ابن السري ، فأزهق نفسه ، وكوّر شمسه ؛ فاذاقه شطر وبال ما احتطب ، وجزاء ما اكتسب ، وجعل الذي بجبينه معصوبا ، والسيف على رأسه مصبوبا ، وسلّ عليه وعلى من انحاز إليه ؛ من تلك الفرقة اللعينة ، وضامه من تلك الجثث الخبيثة ، سيفا دامي الغرار ، يحكم على رقاب هؤلاء الأغرار ، ومد يده الطويلة الباع الى اجتياحهم ، وأشرع رمحا مسبوكا من ريقة الرقشاء الى انتهاكهم ، وطهر أديم الأرض من أدناس هؤلاء العارمين الالمين ، وتركهم في مصابهم جاثمين ،( فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) الأنعام / ٤٥.



الفصل الاول

في ذكر شيء من فضائل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله



١ ـ انبأني شيخ الدّين أبو الحسن عليّ بن أحمد بن حمويه الجويني ، أخبرنا أحمد بن قتيبة الحروجردي ، أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الله العبدي ، أخبرنا محمّد بن أحمد بن أبي العوام ، أخبرنا بهلول بن المورق ، أخبرنا موسى بن عبيدة ، أخبرنا عمرو بن عبد الله بن نوفل ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن عائشة قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «قال لي جبرائيلعليه‌السلام : قلبت الأرض مشارقها ومغاربها ، فلم أجد رجلا أفضل من محمّد ، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها ، فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم».

٢ ـ وأخبرنا الشيخ الصالح العالم العدل أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم بن أبي سهل الكروخي الهروي ، عن مشايخه الثلاثة : القاضي أبي عامر محمود بن القاسم الأزدي ؛ وأبي نصر عبد العزيز بن محمّد الترياقي ؛ وأبي بكر أحمد بن عبد الصمد الغورجي (رحمهم‌الله ) ثلاثتهم ، عن أبي محمّد عبد الجبار بن محمّد الجراحي ، عن أبي العبّاس محمّد بن أحمد


المحبوبي ، عن الإمام الحافظ عيسى بن محمّد بن عيسى الترمذي ، أخبرنا الحسين بن زيد الكوفي ، أخبرنا عبد السلم بن حرب ، عن ليث ، عن الرّبيع ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا أوّل النّاس خروجا إذا بعثوا ، وأنا خطيبهم إذا وفدوا ، وأنا مبشرهم إذا يئسوا ، لواء الحمد يومئذ بيدي ، وأنا أكرم ولد آدم على ربّي ولا فخر».

٣ ـ وبهذا الإسناد عن أبي عيسى الترمذي ، أخبرنا الحسين بن يزيد ، أخبرنا عبد السلم بن حرب ، عن يزيد بن أبي جالد ، عن المنهال بن عمرو ، عن أبي عبد الله بن الحرث ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا أوّل من تنشق عنه الأرض فأكسى الحلّة من حلل الجنّة ، ثمّ أقوم عن يمين العرش وليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري».

٤ ـ وبهذا الإسناد عن أبي عيسى الترمذي ، أخبرنا محمّد بن بشار ، أخبرنا أبو عاصم ، أخبرنا سفيان الثوري ، عن ليث ـ وهو ابن أبي سليم ـ حدّثني كعب ، حدّثني : أبو هريرة ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «سلوا الله لي الوسيلة» قالوا : يا رسول الله! وما الوسيلة؟ قال : «أعلى درجة في الجنّة لا ينالها إلّا رجل واحد أرجو أن أكون أنا».

٥ ـ وبهذا الإسناد عن أبي عيسى الترمذي ، أخبرنا ابن أبي عمر ، أخبرنا سفيان ، عن ابن جدعان ، عن أبي نصرة ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما من نبيّ يومئذ ، آدم فمن سواه إلّا تحت لوائي ، وأنا أوّل من تشقّ عنه الأرض ولا فخر».

٦ ـ وبهذا الإسناد عن أبي عيسى الترمذي ، أخبرنا عليّ بن نصر بن عليّ الجهضمي ، أخبرنا عبد الله بن عبد المجيد ، أخبرنا رفعة بن صالح ، عن


سلمة بن وهرام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : جلس ناس من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ينتظرونه ، قال : فخرج حتّى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم ، فقال بعضهم : عجبا انّ الله اتّخذ من خلقه خليلا اتّخذ إبراهيم خليلا! وقال آخر : ما ذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليما! وقال آخر : فعيسى كلمة الله وروحه! وقال آخر : آدم اصطفاه الله!

فخرج عليهم فسلّم وقال : «قد سمعت كلامكم وعجبكم ان ابراهيم خليل الله وهو كذلك ، وموسى نجي الله وهو كذلك ، وعيسى روح الله وكلمته وهو كذلك ، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك ، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر ، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أوّل شافع وأوّل مشفع يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أوّل من يحرك حلق الجنّة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر ، وأنا أكرم الأوّلين والآخرين ولا فخر».

٧ ـ أخبرنا العلّامة فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ره) ، أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام أبو عليّ الحسن بن علي بن أبي طالب الفرزادي ـ بالري ـ ، أخبرنا الشيخ الفقيه الزاهد أبو بكر طاهر بن الحسين بن عليّ السّمان ، أخبرنا عمّي الشيخ الزاهد الحافظ أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسين السّمان الرّازي ، أخبرنا أبو عمر ؛ وعبد الواحد ابن محمّد بن عبد الله الفارسي ، أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن أحمد بن إسحاق المصري ، أخبرنا الرّبيع بن سليمان المرادي ، أخبرنا عبد الله بن وهب ، أخبرني سليمان بن بلال ، حدّثني العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «فضلت على الأنبياء بست : اعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، واحلّت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طهورا


ومسجدا ، وأرسلت إلى النّاس كافة ، وختم بيّ الأنبياء».

٨ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي سعد السّمان هذا ، أخبرنا أبو نصر محمّد ابن عليّ بن الحسين الخفاف ، وعليّ بن محمّد بن أحمد بن يعقوب ـ قراءة عليهما ـ قالا : حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن خالد ، أخبرنا أبو سهل موسى ابن نصر ، أخبرنا يعلى بن عبيد ، عن أبي سنان ، عن عبد الله بن مالك ، عن مكحول ، قال : كان لعمر على رجل من اليهود حق فأتاه فطلبه ، فقال عمر : لا ، والّذي اصطفى محمّدا على البشر لا افارقك وأنا أطلبك بشيء ، فقال اليهودي : ما اصطفى محمّدا على البشر.

فلطمه عمر ، فقال : بيني وبينك أبو القاسم ، فجاءه فقال : إنّ عمر قال : والّذي اصطفى محمّدا على البشر ، فقلت : ما اصطفى محمّدا على البشر فلطمني ، فقال (صلّى الله عليه) : «أنت يا عمر! فارضه من لطمه. بلى يا يهودي! آدم صفي الله ؛ وإبراهيم خليل الله ؛ وموسى نجي الله ؛ وعيسى روح الله ؛ وأنا حبيب الله. بلى يا يهودي! تسمى الله باسمين سمى بهما امتي : هو السّلام وسمى أمّتي المسلمين ، وهو المؤمن وسمى أمّتي المؤمنين. بلى يا يهودي! طلبتم يوما ذخر لنا اليوم ، وغد لكم ، وبعد غد للنصارى. بلى يا يهودي! أنتم الأوّلون ونحن الآخرون السّابقون يوم القيامة. بلى يا يهودي! إنّ الجنّة محرمة على الأنبياء حتّى أدخلها ، وهي محرمة على الامم حتّى تدخلها امتي».

٩ ـ قال : وفي «المراسيل» عن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ـ في حديث طويل ـ : «إذا كان يوم القيامة فأوّل من يقوم من قبره الصّادق النّاطق النّاصح المشفق محمّدعليه‌السلام فيأتيه جبرائيل بالبراق ، وميكائيل بالتاج ، وإسرافيل بالقضيب ، ورضوان بالحلتين ، ثمّ ينادي جبرائيل : أين قبر


محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فتقول الأرض : حملتني الرياح مع الجبال فدكتا دكة واحدة ، فلا أدري أين قبر محمّدعليه‌السلام ؟ فيرتفع من قبره عمود من نور إلى عنان السماء ، فيبكي جبرائيل بكاء شديدا ، فيقول له ميكائيل : ما يبكيك؟ فيقول : وما يمنعني من البكاء وهذا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله يقوم من قبره ويسألني عن امته ، وأنا لا أدري أين أمّته؟

قال : ثم ينصدع القبر فإذا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله قاعد ينفض التراب من رأسه ولحيته ، ثمّ يلتفت يمينا وشمالا ، فلا يرى من العمران شيئا ، فيقول : يا جبرائيل! بشرني ، فيقول ابشّرك بالبراق السباق الطائر في الآفاق ، فيقول : بشرني ، فيقول : ابشرك بالتاج ، فيقول بشّرني ، فيقول : ابشرك بالقضيب والخلتين ، فيقول : بشّرني بامتي لعلّك خلفتهم بين أطباق النيران ، أو لعلّك تركتهم على شفير جهنم ، أو لعلّك تركتهم في أيدي الزبانية ، فيقول : ما رأيتهم؟ ولكنّهم بعد في لحودهم ، وما انشقّت الأرض عن آدمي قبلك؟ فيقوم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويخرج من قبره ، ويمسح جبرائيل التراب من رأسه ولحيته ، ويضع التّاج على رأسه ، ويأخذ القضيب بيده ، فيدنو الى البراق ليركبها فتفرّ عنه ، فيقول جبرائيل : أما تستحين أيّتها البراق ، فهذا محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! فتقول البراق : وعزة ربّي وجلاله ، لا يركبني حتّى يضمن لي أن أكون في شفاعته ، فإنّ ربّي غضب اليوم غضبا لم يغضبه فيما مضى ، ولا يغضبه فيما بقي ، فيضمن لها محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله شفاعته فتخضع برأسها ثمّ يركبها ، فإذا هو ـ بيت المقدس ـ على درّة بيضاء ، والكعبة بجنبها ، والمساجد حولها.

قال : فيسجد النبيّعليه‌السلام ، ويثني على الله بما لم يثن عليه أحد قبله ، فيقول له الجبّار: يا محمّد! فيقول : لبيك وسعديك ، والخير بين يديك ؛


والمهدي من هديت ، عبدك بين يديك ، لا ملجأ ولا منجأ إلّا إليك ، تباركت ربّنا وتعاليت ، وهذا هو المقام المحمود في قوله تعالى :( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) الاسراء / ٧٩ ، فيقول تعالى : ارفع رأسك ، سل تعط واشفع تشفع ، وإذا نداء : يا رضوان! زخرف الجنان ، ويا مالك! سعر النيران ، ويا محمّد! قرب امتك الى الميزان ، فيقولعليه‌السلام : هلموا إلى العرض على الرحمن ، فيقولون : دعنا نشبع من النظر إلى وجهك فقد عشنا في حبّك ومتنا في حبّك وبعثنا في حبّك ؛ وإذا اكتحلنا من عزتك فسقنا الى من شئت ، فإنّ شوقنا إليك أكبر من شوقنا إلى الجنان والجواري والغلمان.

فينظرون إلى وجهه ساعة ثمّ يسوقهم سوق الراعي الشفيق غنمه ، وهو مع الملائكة جاث بين يدي الجبّار ، فيتعلّق بإزاء محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أربعة من الرّسل : إبراهيم خليل الرّحمن ؛ فيقول : لا أسألك ولدي ؛ وموسى كليم الله ، فيقول : لا أسألك أخي هارون ؛ وداود صفي الله ، ويقول : لا أسألك سليمان ؛ وعيسى روح الله ، ويقول : لا أسألك مريم ؛ ومحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يقول : لا أسألك نفسي أسألك المذنبين من أمّتي.

فتقول جهنم : من هذا الّذي يشفع كلّ إنسان لنفسه وهو يشفع لامته؟ فيقول جبرائيل : هذا محمّد المصطفى ، فتقول جهنم : يا ربّي وإلهي وسيّدي! نج محمّد وامّته من حرّي وبردي وهوامي وسلاسلي وأغلالي وألوان عذابي» ـ والقصة طويلة.

١٠ ـ وقال أهل التذكر : فضل الحبيب على الخليل ، لأن الخليل طلب الطهارة لنفسه ولأهل بيته على ما قال :( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) ابراهيم / ٣٥ ، والحبيب اعطي ذلك من غير مسألة على ما قال تعالى :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) الأحزاب / ٣٣.


والخليل طلب الذكر على ما قال :( وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ) الشعراء / ٨٤ ، والحبيب كفي ذلك على ما قال تعالى :( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) الشرح / ٤.

والخليل سأله الجنّة على ما قال :( وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ) الشعراء / ٨٥ ، والحبيب اعطي ذلك من غير مسألة على ما قال :( إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ) الكوثر / ١.

والخليل يحتسب الله عند المحنة فيقول :( حَسْبُنَا اللهُ ) آل عمران / ١٧٣ ، والحبيب كفي ذلك على ما قال :( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ ) الأنفال / ٦٤.

والخليل يقتدى به في خصلة من خصاله على ما قال تعالى :( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) البقرة / ١٢٥. والحبيب يقتدى به في جميع خصاله على ما قال تعالى :( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) الأحزاب / ٢١.

والخليل يطلب الهداية على ما قال :( إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ) الصافات / ٩٩ ، والحبيب كفي ذلك على ما قال تعالى :( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) الضحى / ٧ ،( وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ) الفتح / ٢.

والخليل يقول :( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) الشعراء / ٨٢ ، والحبيب يقال له :( لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ) الفتح / ٢.

والخليل سأل الرؤية للمناسك على ما قال :( وَأَرِنا مَناسِكَنا ) البقرة / ١٢٨ ، والحبيب أري الآيات من غير مسألة على ما قال :( لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا ) الإسراء / ١.

وقالوا أيضا : فضل الحبيب على الكليم ؛ لأن الكليم سأل شرح الصدر على ما قال:( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ) طه / ١٢٥ ، والحبيب اعطي ذلك من غير مسألة على ما قال تعالى :( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) الشرح / ١.


والكليم سجدت السحرة لعصاه ؛ والحبيب سجدت الأوثان لقضيبه.

والكليم قال في حقّ قومه( فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) المائدة / ٢٥ ؛ والحبيب قال : «اللهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون».

والكليم حصل عند ضرب عصاه على ما قال :( فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) الشعراء / ٦٣ ؛ والحبيب حصل عند تفرق أصابعه على ما قال :( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) القمر / ١.

والكليم طلب رضى الله على ما قال :( وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ) طه / ٨٤ ؛ والحبيب يطلب رضاه على ما قال :( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) الضحى / ٥.

والكليم معراجه الى الطور ؛ والحبيب معراجه الى البيت المعمور وإلى بساط النور.

والكليم ضرب الحجر فانفجر منه الماء ؛ والحبيب انفجر من أصابعه الماء.

ونوح له السفينة على الماء ؛ ومحمّد له البراق الطيار في الهواء (صلى‌الله‌عليه‌وآله وعليهم‌السلام ).

١١ ـ أخبرنا عين الأئمة أبو الحسن عليّ بن أحمد الكرباسي ، أخبرنا عماد الدّين محمّد بن إبراهيم الوتري ، أخبرنا الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد البخاري ، أخبرنا إسحاق الرّازي ، أخبرنا القاضي أبو العباس أحمد ابن محمّد بن إبراهيم ـ بخوارزم الري ـ ، أخبرنا أبو بكر محمّد بن حمويه النيشابوري بها ، أخبرنا محمّد بن الوليد البغدادي ـ بمكة ـ ، أخبرنا إبراهيم ابن صرمة ، عن يحيى بن سعيد ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «فضلت على آدم بخصلتين : كان شيطاني كافرا فأعانني الله تعالى


عليه حتى أسلم ، وأزواجي كنّ عونا لي ، وكان شيطان آدم كافرا وزوجته كانت عونا له على خطيئته».

١٢ ـ وفي رواية أبي سعيد الخدري ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : جاء جبرائيل إلى النبيّعليه‌السلام وقال : إنّ ربّك يقرؤك السّلام ، ويقول : أتدري بما رفعت ذكرك؟ قال : «لا أدري» ، قال : يقول : إذا ذكرت ذكرت معي.

١٣ ـ أخبرنا الشيخ الإمام فخر الأئمّة أبو الفضل بن عبد الرّحمن الحفر بندي إجازة ، أخبرنا الشيخ الإمام أبو محمّد الحسن بن أحمد السمرقندي ، أخبرنا أبو القاسم عبد الرّحمن بن أحمد بن محمّد بن عبدان العطار ؛ وإسماعيل بن أبي نصر عبد الرّحمن الصابوني ؛ وأحمد بن الحسين البيهقي ، قالوا : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا عليّ بن حمّاد العدل إملاء ، أخبرنا هارون بن العبّاس الهاشمي ، أخبرنا جندل بن والق ، أخبرنا عمرو ابن أوس الأنصاري ، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة عن سعيد بن المسيّب ، عن ابن عبّاس ، قال : أوحى اللهعزوجل إلى عيسى : يا عيسى! آمن بمحمّد ، ومر من أدركه من أمّتك أن يؤمنوا به ؛ فلولا محمّد ما خلقت آدم ، ولو لا محمّد ما خلقت الجنّة والنّار ، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه : لا إله إلا الله مح ـ أي نصف اسم محمّد ـ فسكن.

قال أبو عبد الله الحافظ : هذا حديث صحيح الإسناد ؛ ولم يخرجه الشيخان.

١٤ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو سعد عمرو ابن محمّد بن منصور العدل ، أخبرنا أبو الحسن محمّد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، أخبرنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري ، أخبرنا إسماعيل بن مسلمة ، أخبرنا عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن


جدّه ، عن عمر بن الخطّاب قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لما اقترف آدم الخطيئة ، قال : يا ربّ! أسألك بمحمّد لما غفرت لي ، فقال الله تعالى : يا آدم! كيف عرفت محمّدا ولم أخلقه؟ قال : يا ربّ! لأنّك لمّا خلقتني بيدك ، ونفخت فيّ من روحك ؛ رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا : لا إله إلّا الله محمّد رسول الله ، فعلمت أنّك لم تضف لاسمك إلّا أحبّ الخلق إليك.

فقال اللهعزوجل : صدقت يا آدم! إنّه لا حبّ الخلق إليّ إذا سألتني بحقّه فقد غفرت لك ، ولو لا محمّد ما خلقتك.

قال أبو عبد الله الحافظ : وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجه الشيخان.

١٥ ـ أخبرنا الثقة أبو بكر محمّد بن عبيد الله بن نصر بن الزاغوني ـ بمدينة السّلام ـ ، أخبرنا محمّد بن إسحاق أبو الحسن الباقرحي ، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي ، أخبرنا أبي أحمد بن عامر ، أخبرنا أبو الحسن عليّ بن موسى الرّضا ، حدّثني أبي موسى بن جعفر ، حدّثني أبي جعفر بن محمّد ، حدّثني أبي محمّد بن عليّ الباقر ، حدّثني أبي عليّ بن الحسين ، حدّثني أبي الحسين بن عليّ ، حدّثني أبي عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ موسى سأل ربّه فقال : يا ربّ! اجعلني من أمّة أحمد؟ فأوحى الله إليه : يا موسى! إنّك لا تصل إلى ذلك».

١٦ ـ أخبرنا عين الأمّة أبو الحسن علي بن أحمد الكرباسي ، أخبرنا عماد الدّين أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم التوبري ، أخبرنا الشيخ الإمام شمس الأئمّة أبو محمّد عبد العزيز بن أحمد الحلواني (ره) ، حدّثنا الشيخ


الحافظ أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن محمّد ، أخبرنا الشيخ الفقيه أبو نصر أحمد بن سهل ، أخبرنا ابن شهاب قال : قال عليّ بن إبراهيم ، قال مقاتل ابن سليمان ـ رفعه ـ :

إنّما فضل الله تعالى نبيّه محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله على النبيّينعليهم‌السلام ، وفضل امّته على جميع الامم لفضل منزلته عنده : إنّه من أسرع النّاس خروجا من الارض يوم القيامة إذا بعثوا ، وسيّد النبيين إذا حشروا ، وإمامهم إذا سجدوا ، وخطيبهم إذا وفدوا ، وشافعهم إذا جنوا ، وقائدهم إلى الجنّة إذا دخلوا ، وأقربهم مجلسا من الله تعالى إذا اجتمعوا ، يتكلّم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عند الربّ تعالى فيصدقه ، ويسأله فيعطيه ، ويشفع فيشفعه ، ويعطيه الحوض المورود ، والشفاعة المقبولة ، ويبعثه المقام المحمود ، والكرم يومئذ له ، ومفاتيح الجنّة بيده ، وقد اتّخذه الله خليلا ، وكلّمه تكليما ، وجعله حكيما ، وبعثه نبيّا ، واتخذه شهيدا ، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ، وغفر له ما لم يعلم ومما هو عامل ، وعلّمه الأسماء ، وزينه بالتقوى ، ودنا إليه فتدلّى عند سدرة المنتهى ، وأعطاه مكان التوراة السبع المثاني ، ومكان الزبور المئين ، وفضله ربّه بالحواميم والمفصل ، وأعطاه جوامع الخير وفواتحه ، وأعطاه اسمه الأعظم ، وخواتيم سورة البقرة ـ وهو كنز الرّحمن ـ ، وأعطاه الكوثر ـ وهو نهر في الجنّة حافتاه قباب الدر ـ فيها أزواجه ، وذلك النهر يطرّد مثل الشهد أشدّ بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، طينته مسك أذفر ورضراضه الدر.

ومما فضله الله تعالى به أنّ ليلة أسرى به مثل له النبيّونعليه‌السلام فصلّى بهم وهم خلفه يقتدون به ، وممّا فضله الله تعالى به أنّه عاين تلك الليلة الجنّة والنّار فلما عرج الى السّماء وسلّمت عليه الملائكة عاين قوم موسى فآمنوا به وهم الّذين من وراء الصين ، وذلك أنّ بني إسرائيل حين عملوا بالمعاصي ،


وقتلوا الّذين يأمرون بالقسط ، دعا قوم موسى وهم بالأرض المقدّسة ، فقالوا : اللهم! اخرجنا من بين أظهرهم ، فاستجاب الله لهم فجعل لهم سربا في الأرض فدخلوا فيه ، وجعل لهم نهرا يجري ، وجعل لهم مصباحا من نور بين أيديهم فساروا فيه سنة ونصفا وذلك من بيت المقدس إلى مجلسهم الّذي هم فيه ، فأخرجهم الله تعالى إلى الأرض الّتي يجتمع فيها الهوام والبهائم والسباع مختلطين فيها ليست لهم ذنوب ولا معاصي ، فأتاهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تلك الليلة ومعه جبرائيل فآمنوا به وصدقوه ، فعلمهم الصّلاة ثم قالوا : إنّ موسى قد بشرهم به.

ومما فضله الله تعالى به أنّه بعث إليه ملكا يخبره بملك من كان قبله ، وملك من يكون بعده الى يوم القيامة ، وملك الآخرة ، فقال : «اللهمّ! اجمعهما لي في الآخرة».

وممّا فضله الله تعالى به أنّ ملك الموت أتاه ليقبض روحه فلم يدخل عليه إلا بإذنه ، وأمر ملك الموت أن يخيره بين تركه وقبض روحه ، فاستنظره النبيّ حتّى يلقى أخاه جبرائيل ـ صلوات الله عليهما ـ ، فعرج ملك الموت ولقي جبرائيل ، فخيره جبرائيل : إما ميتة طيبة ، واما حياة لا هرم فيها.

وممّا فضله الله تعالى به أنّ اسرافيل هبط عليه ولم يهبط على أحد من الرّسل قبله ولا بعده ، وميكائيل عن يساره فعرض عليه : إمّا أن يكون نبيّا عبدا ، وإمّا أن يكون ملكا ، فأوما إليه جبرائيل بالتواضع ، فقال نبيّا عبدا ، قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله «فرأيت بين عيني إسرافيل كلّ شيء نزل عليّ قبل نزوله».

ومما فضله الله به أنّه أعطاه خمسا لم يعطهن أحد قبله : أنّه بعث إلى الجن والإنس الى يوم القيامة ، وإنما كان يبعث الأنبياء إلى قومهم والى أرضهم ، وأنّه جعلت له الأرض طهورا ومسجدا ، وأنّه حلت له الغنائم ولم


تكن للأنبياء والرّسل حلالا ، وأنّه نصر على عدوه بالرعب مسيرة شهر ، وأنّه اعطي الشفاعة دون النبيّين في الآخرة وتلك الشفاعة العامة ، وذلك أنّ الله جعل لكلّ نبيّ دعوة في الدّنيا والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أخّرها في الآخرة لامته.

وهذه الخصال لم تكن لأحد من ولد آدم.

ومما فضله الله به ان السماء لم تحرس ولم ترم بالكواكب قبل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فلمّا بعث حرست الملائكة السماء ، ورمت الشياطين بالشهب.

ومما فضله الله بن أنّه أخذ الله ميثاقه قبل النبيّين وأخذ له ميثاق النبيين بالتسليم والرضا والتصديق به.

وممّا فضله الله به في الآخرة أنّه أوّل من يسأل ، وأوّل من يدعى ، وأوّل من يشفع ، وأوّل من يأخذ بحلقة الجنّة.

ومما فضله الله به أنّ في الجنّة درجة تسمى ـ الوسيلة ـ في أعلى عليين من الجنان فهي له خاصة. وكانعليه‌السلام كثيرا ما يقول : «إنّ في الجنّة درجة لا ينالها إلا رجل واحد ـ يعني نفسه ـ وهي الوسيلة.

وممّا فضله الله به انّه جعل نساءه معه في الجنّة في خير البقاع ، ورفع ذكره في العالمين ، فكلما ذكر اللهعزوجل ذكر النبيعليه‌السلام معه في : يوم الجمعة ، وفي العيدين ، وفي مواقف الحج والعمرة ، وحول البيت والصفا والمروة ، وعند الجهاد ، وفي كل خطبة ـ حتّى خطبة النساء عند النكاح ـ ، وفي الأذان والإقامة والصلاة ، فكلّما ذكر الله تعالى ذكرعليه‌السلام معه ، وهو قوله :( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) الشرح / ٤.

وممّا فضله الله به أنّ الشيطان لم يسلط عليه في شيء.

وممّا فضله الله به أنّه أمر جبرائيل أن يأمر خازن النّار أن يكشف عن باب من أبواب النّار لينظر إليها.


ومما فضله الله تعالى به أنّ ابليس أمر ماردا من الجن يقال له : «الأبيض» أن يأتيه فأتى ، وتمثل بصورة كأنّه يوحى إليه وهو يصلي ، فبعث الله جبرائيل ، فلمّا انصرف النبيّ إذا جبرائيل بينه وبين الشيطان فدفعه جبرائيل بيده ، فوقع من «مكّة» إلى «الهند» فانزل الله فيه :( ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) التكوير / ٢١ ، فتلك قوة جبرائيلعليه‌السلام .

وممّا فضله الله تعالى به أنّ جبرائيل أتاه بسورة الأنعام ، ومعه سبعون ألف ملك ـ لهم زجل من التسبيح والتحميد ـ حتّى كادت الأرض ترج فخر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ساجدا.

ومما فضله الله تعالى به أنّ الله تعالى أمر ملائكته يحفظونه من بين يديه ومن خلفه.

ومما فضله الله تعالى به أنّ الشياطين كانوا يختلسون من الأنبياء عند الوحي ، ثمّ تلقي الشياطين على ألسن الكهنة والعرافين ممّا يستمعون من السّماء ، ثمّ يخبرون النّاس بما هو كائن ، فإذا قال نبيّهم : يكون كذا وكذا ، قالوا : قد سمعنا هذا قبل هذا ، فعصم الله تعالى نبيّه (صلواته عليه وآله) وآمنه ، وحرست السماء بالملائكة ، ورميت الشياطين بالشهب ، وحفظت الملائكة محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله عند الوحي فلا يستمعون.

وممّا فضله الله تعالى به أنّه لا يدخل جنّة عدن احد قبله ـ وهي دار الرّحمن وموضع عرشه ـ ، وجنّة عدن قصبة الجنّة وهي مشرفة على الجنان ، وباب جنّة عدن لها مصراعان من زمرد من نور بينهما كما بين المشرق والمغرب.

ومما فضله الله تعالى به أنّه جعلت له ليلة القدر خيرا من ألف شهر يستبشر بها حملة العرش.


ومما فضله الله تعالى به أنّه غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ، وفتح له فتحا يسيرا ، ونصره نصرا عزيزا ، وهداه صراطا مستقيما.

١٧ ـ أخبرنا سيّد الحفّاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، قال : سمعت في «مسند» أحمد بن حنبل ، و «معجم» الطبراني ، باسنادهما عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا محمّد النبيّ الأمين ـ ثلاث مرات ـ ولا نبيّ بعدي ، اوتيت فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه ، وعلمت كم خزنة النّار؟ وكم حملة العرش؟ ومحو ربّي ، وعوفيت امتي ، فاسمعوا واطيعوا ما دمت فيكم ، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله ، أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه.

١٨ ـ قال : وسمعت في «المفاريد» برواية ابن عباس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا حبيب الله ولا فخر ، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر ، إنّي لا افتخر بالعطاء والنعم ، وإنّما أفتخر بالمعطي والمنعم».

١٩ ـ قال : وفي ـ رواية عائشة ـ قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا أشبه بأبي آدم ، وكان إبراهيم خليل الرّحمن أشبه النّاس بيّ خلقا وخلقا».

٢٠ ـ قال : وفي ـ رواية أنس ـ قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا أوّل من يأخذ بحلقة الجنّة فاقعقعها».

٢١ ـ قال : وفي ـ رواية ابن عمر ـ وهو في «جامع» أبي عيسى ، و «معجم» الطبراني ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا أوّل من تنشق عنه الأرض فأجلس جالسا في قبري فينفتح لي باب الى السماء بحيال رأسي حتّى أنظر إلى العرش ، ثمّ ينفتح لي باب من تحتي إلى الأرض السّابعة فأنظر إلى الثرى ، ثمّ ينفتح لي باب عن يميني فأنظر إلى الجنّة ومنازل أصحابي ، وأنّ الأرض تحرّكت تحتي ، فقلت لها : مالك ، أيتها الأرض؟


قالت : إنّ ربي أمرني أن ألقي ما في جوفي فأكون كما كنت إذ لا شيء فيّ».

٢٢ ـ قال : وفي ـ رواية أبي هريرة ؛ وأبي سعيد ـ قالا : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا أوّل من يوضع له الصراط على النّار فأمر عليه فأدخل الجنّة».

وفضائل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أكثر من أن نحيط بها ، وإنّما أشرنا إلى نبذ منها ليتبرك بيداءة الكتاب ، فمن أراد الاكثار من ذلك فعليه بمجموعي في فضائل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في كتابي الموسوم «بالأربعين» ، وصلّى الله على محمّد وآله وسلّم.


الفصل الثانى

في فضائل خديجة بنت خويلد



١ ـ أخبرنا الإمام مجد الدّين أبو الفتوح محمّد بن محمّد الطائي ـ فيما كتبه إليّ من همدان ـ ، أنبأني شيخ القضاة أبو عليّ إسماعيل بن أحمد البيهقي ـ بباب المدينة بمرو ـ ، أخبرنا والدي شيخ السنّة أبو بكر أحمد بن الحسين ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو العبّاس أحمد ، أخبرنا يونس ، عن ابن إسحاق ، حدّثني إسماعيل بن أبي الحكم ـ مولى الزبير ـ أنّه حدّث عن خديجة بنت خويلد ، أنّها قالت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيما يثبته ممّا أكرمهالله به من نبوته : يا بن عم! تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال : «نعم» ، قالت : إذا جاءك فأخبرني ، فبينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عندها إذ جاء جبرائيلعليه‌السلام فرآه رسول الله فقال : «يا خديجة! هذا جبرائيل» ، قالت : أتراه الآن؟ فقال : «نعم» ، قالت : فاجلس الى شقي الأيمن فتحول فجلس فقالت : أتراه الآن؟ قال : «نعم» قالت : فتحول فاجلس في حجري ، فتحول فجلس فقالت : أتراه الآن؟ قال : «نعم» ، فحسرت عن رأسها وألقت خمارها ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جالس في حجرها ،


فقالت : هل تراه الآن؟ قال : «لا».

قالت : ما هذا بشيطان! إن هذا لملك ، يا بن عم! فاثبت وابشر ، ثمّ آمنت به وشهدت أنّ الذي جاء به الحق.

٢ ـ وبهذا الإسناد ، عن ابن إسحاق ، حدّثني عبد الملك بن عبد الله الثقفي ، عن بعض أهل العلم ـ وساق حديث المبعث بطوله ـ إلى أن قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لخديجة: «إنّي أخاف الجنون» ، فقالت له خديجة : اعيذك بالله يا أبا القاسم! من ذلك ، ما كان الله ليفعل بك ذلك مع ما أعلم من صدق حديثك ، وعظم أمانتك ، وحسن خلقك ، وصلة رحمك.

وما ذاك يا بن العم؟ لعلّك قد رأيت شيئا أو سمعته. فأخبرها : «أنّه رأى جبرائيل واقفا في الهواء يقول له :( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) » العلق / ١.

فقالت له : أبشر يا بن عم! واثبت له ، فو الّذي يحلف به ، إنّي لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمّة ، ثمّ قامت فجمعت ثيابها عليها وانطلقت إلى ـ ورقة بن نوفل ـ وهو ابن عمّها ، وكان قد قرأ الكتب وتنصر ، وسمع من ـ التوراة والانجيل ـ ، فأخبرته الخبر وقصّت عليه ما قصّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليها.

فقال ورقة : قدّوس قدّوس. والّذي نفس ورقة بيده ، لئن كنت صدقتني يا خديجة! لهو نبيّ هذه الامّة ، وأنّه ليأتيه الناموس الأكبر الّذي كان يأتي موسى ، فقولي له : فليثبت.

فرجعت إلى رسول الله فأخبرته الخبر فسهل ذلك عليه بعض ما فيه من الهم ، فلمّا قضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جواره من «حراء» بدأ بالكعبة فطاف بها ، فلقيه ورقة ـ وهو يطوف بالكعبة ـ ، فقال : يا ابن أخي! خبّرنا بالذي رأيت وسمعت؟ فأخبره بذلك.

فقال له : إنّك لنبيّ هذه الامّة ، ولتؤذين ، ولتكذبن ، ولتقاتلن


ولتنصرن ، ولئن أدركت ذلك لأنصرنك نصرا يعلمه الله ، ثمّ أدنى إليه رأسه فقبّل يافوخه ، ثمّ انصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد زاده قول ورقة ثباتا ، وخفّف عنه بعض ما كان فيه من الهم. وقال ورقة لخديجة (رضي الله عنها) في ذلك :

فإن يك حقّا يا خديجة! فاعلمي

حديثك إيّانا فأحمد مرسل

يفوز به من فاز فيها بتوبة

ويشقى به العاتي الغوي المضلّل

فريقان منهم : فرقة في جناته

واخرى برجوان الجحيم تغلل

وقال ورقة بن نوفل في ذلك أيضا :

يا للرّجال! لصرف الدهر والقدر

وما لشيء قضاه الله من غير

أتت خديجة تدعوني لاخبرها

وما لها بخفي الغيب من خبر

جاءت تساءلني عنه لاخبرها

أمرا أراه سيأتي النّاس في آخر

بأنّ أحمد يأتيه فيخبره

جبريل : انّك مبعوث إلى البشر

فقلت : عل الّذي ترجين ينجزه

لك الإله فرّجي الخير وانتظري

وأرسليه إلينا كي نسائله

عن أمره ما يرى في النوم والسّهر

فقال حين أتانا : منطقا عجبا

يقفّ منه اعالي الجلد والشّعر

إنّي رأيت أمين الله واجهني

في صورة اكملت من أهيب الصّور

ثمّ استمر فكاد الخوف يذعرني

ممّا يسلم من حولي من الشّجر

فقلت : ظنّي وما أدري أيصدقني؟

إن سوف تبعث تتلو منزل السّور

وسوف تأتيك إن أعلنت دعوتهم

من الجهاد بلا منّ ولا كدر

٣ ـ أخبرنا الشيخ زين الأئمة أبو الحسن عليّ بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن احمد البيهقي ، أخبرنا والدي أحمد بن الحسين ، أخبرنا أبو الحسن بن الفضل ، أخبرنا عبد الله بن جعفر ، أخبرنا


يعقوب بن سفيان ، حدّثني إبراهيم بن المنذر ، حدّثني عمرو بن ابي بكر ، حدّثني عبد الله بن أبي عبيدة ، عن أبيه ، عن مقسم ، عن عبد الله بن الحرث : أنّ ـ عمّار بن ياسر ـ كان إذا سمع ما يتحدّث به النّاس عن تزوّج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خديجة ، وما يكثرون منه ، يقول : أنا أعلم النّاس بذلك : كنت له تربا وخذنا ، وإنّي خرجت معه (صلوات الله عليه) ذات يوم حتّى إذا كنا ـ بالحزورة ـ جزنا على اخت خديجة وهي جالسة تبيع أدما لها ، فنادتني فانصرفت إليها فقالت : أما لصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة؟

قال عمّار : فأخبرته ، فقال : «بلى ، لعمري» فذكرت لها قول رسول الله ، فقالت : اغدوا علينا ، فغدونا عليهم ، فوجدناهم قد ذبحوا بقرة ، وألبسوا أبا خديجة حلّة ، وصفروا لحيته ، وقد سقي خمرا ، وكلّمت أخاها فكلّم أباه ، فذكر له رسول الله ومكانه وسأله أن يزوّجه فزوّجه خديجة ، وصنعوا من البقرة طعاما فأكلنا منه ، ونام أبو هاشم ثمّ استيقظ صاحيا ، وقال : ما هذه الحلّة وهذه البقرة وهذا الطعام؟ فقالت له ابنته ـ التي كلّمت عمّارا ـ هذه حلّة كساكها محمّد بن عبد الله ختنك ، وبقرة أهداها لك فذبحناها حين زوجته خديجة ، فأنكر أن يكون زوّجه ، وخرج يصيح حتّى جاء الحجر ، وخرجت ـ بنو هاشم ـ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى جاءوه فكلّموه ، فلمّا نظر إلى ـ ختنه ـ قال : إن كنت زوجته فسبيله ذاك ، وإن كنت لم أفعل فقد زوّجته.

قال أحمد بن الحسين : المجمع عليه أنّ عمرو بن أسد عمّها هو الّذي زوّجها ، وفي غير هذه الرواية : لمّا جحد التزويج ، قالت له خديجة : ما تقول في نسبه؟ قال : هو أعلى منّا نسبا إلّا أنّه في عيال عمّه ، فقالت له : لي


من المال ما يسعه.

وقد اختلفت الرواية في سبب تزويج خديجة ، والصحيح اخبار ميسرة غلامها ، أتاها بما رأى عنده من الآيات العجيبة في طريق الشّام ، وما أخبر به الرّاهب بحيرا ، وما رأت خديجة من اظلال الغمام على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حين تقدّم ليخبرها بقدوم عيرها من الشّام ، (والقصّة طويلة).

خطبة أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ

حين تزوّج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بخديجة ـ رضي الله عنها

الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم خليله ، ومن نسل إسماعيل صفيّه ، وجعل لنا حرما آمنا ، وبيتا محجوجا ، يأتيه النّاس من كلّ فج عميق ، وبلد سحيق ، فرفع به بيضتنا ، وجمع به الفتنا ، فالعزيز من وافقنا ، والذليل من خالفنا.

ألا وإنا قد جئناكم بسيّد من ساداتنا لا يدافع ، وشريف من أشرافنا لا يمانع ، محمّد بن عبد الله ، الذي لا يوزن بأحد من قريش إلّا رجح عليه ، ولا يعدل بأحد إلّا عاد عليه ، وهو يخطب إليكم كريمتكم ـ خديجة بنت خويلد ـ ، ولها فيه رغبة ، وله فيها إربة ، فإن كان في المال قلّة ، فالمال ظل حائل ، ورزق زائل ، فزوّجوه ، ولكم عندي ما سألتموه ، على أنّ لابن أخي هذا شأنا عظيما ، ونبأ عاليا ،( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) ص / ٨٨.

٤ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين البيهقي ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب ، أخبرنا أحمد بن عبد الجبّار العطاردي ، أخبرنا يونس بن بكير ، عن محمّد بن إسحاق بن يسار ، قال : كانت أوّل امرأة تزوّجها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد


العزى بن قصي.

٥ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو عبد الحافظ ، أخبرنا أبو العبّاس القيم بن القاسم السيّاري ـ بمرو ـ ، أخبرنا أبو الوجه ، أخبرنا صدقة ، أخبرنا عبدة بن سليمان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : سمعت عبد الله بن جعفر يقول : سمعت عليا يقول : «سمعت النبيّ ـصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ يقول : خيرة نسائها مريم ابنة عمران ؛ وخيرة نسائها خديجة بنت خويلد».

قال : اتّفق الشيخان على صحته ، وسمعت الحديث أيضا في جامع أبي عيسى ـ برواية عليّعليه‌السلام أيضا.

٦ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، حدّثنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أحمد بن جعفر ، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : وجدت في كتاب أبي بخطّ يده ، أخبرنا سعد بن إبراهيم بن سعد ، ويعقوب ابن إبراهيم قالا : حدّثنا أبونا ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، عن عروة قال : قالت عائشة لفاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ألا ابشّرك أنّي سمعت رسول الله يقول : «سيدات نساء أهل الجنّة أربع : مريم بنت عمران ؛ وفاطمة بنت محمّد ؛ وخديجة بنت خويلد ؛ وآسية بنت مزاحم».

وسمعت مثل هذا الحديث على عين الأئمة برواية أبيه ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ في حديث طويل ـ : «إنّ الله اختار من الأيام أربعة ، ومن الشّهور أربعة ، ومن النساء أربعا» ، وساق الحديث إلى أن قال : «وأما النساء : فمريم بنت عمران ؛ وخديجة بنت خويلد ـ سابقة نساء العالمين إيمانا بالله ورسوله ـ ؛ وآسية امرأة فرعون ؛ وفاطمة بنت محمّد ـ سيّدة نساء أهل الجنّة».

وسمعت هذا الحديث أيضا في ـ جامع أبي عيسى ـ برواية أنس في غير


هذه الالفاظ ، وهي : «حسبك من نساء العالمين : مريم بنت عمران ؛ وخديجة بنت خويلد ؛ وفاطمة بنت محمّد ؛ وآسية بنت مزاحم ـ امرأة فرعون».

٧ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين ، أخبرنا أبو عمرو محمّد بن عبد الله الأديب ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ، أخبرنا أبو يعلى ، أخبرنا أبو بكر بن شيبة ؛ وابن نمير قالا : حدّثنا محمّد بن فضيل ، عن عمارة ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة قال : أتى جبرائيل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : يا رسول الله! هذه خديجة أتتك بإناء فيه أدام أو طعام أو شراب ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها من ربّها السّلام ، وبشرها ببيت في الجنّة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

وزاد ابن نمير : من ربّها السلام ومنّي ، قال : اتّفق الشيخان على صحته ، وروى هذا الحديث عبد الله بن أبي أوفى وعائشة ، وسمعت هذا الحديث في ـ جامع أبي عيسى ـ برواية عائشة قالت : ما حسدت امرأة ما حسدت خديجة ، وما تزوجني رسول الله إلّا بعد ما ماتت ، وذلك أنّه بشرها ـ الحديث.

٨ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين قال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ؛ وأبو بكر أحمد بن الحسن قالا : أخبرنا أبو العباس محمّد بن يعقوب ، أخبرنا محمّد بن الحكم الرملي ، أخبرنا عتيق بن يعقوب ، حدّثني عبد الله ومحمّد ـ ابنا المنذر ـ ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله ابن جعفر ، عن عليّ بن ابي طالبعليه‌السلام قال : «بشّر رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ خديجة بنت خويلد ببيت في الجنّة من قصب ، مفصل بالذّهب ، بعيد من اللهب ، لا يسمع فيه أذى ولا نصب».

٩ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو عمرو


البسطامي ، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي ، أخبرنا الحسن بن سفيان ؛ وسهل ابن مردويه قالا : حدّثنا سهل بن عثمان ، أخبرنا حفص بن غياث ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ إذا ذبح الشّاة يقول : «اذهبوا بذي إلى أصدقاء خديجة» ، قالت : فأغضبته يوما فقلت : خديجة ، فقال : «إنّي رزقت حبّها» ، قال : اتّفق الشيخان على صحته.

١٠ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا محمّد بن عبد الله الحافظ ، أخبرني أحمد بن جعفر القطيعي ، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدّثني أبي ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : لم يتزوّج النبيّ ـصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ على خديجة حتّى ماتت ، قالت : وما رأيت خديجة قطّ ، ولا غرت على امرأة من نسائه أشد من غيرتي على خديجة ، وذلك من كثرة ما كان يذكرها.

أخرجه مسلم في «الصحيح».

وسمعت هذا الحديث في ـ جامع أبي عيسى ـ ، وزاد في آخره : وإن كان ليذبح الشّاة فيتتبع بها صدائق خديجة فيهديها لهن.

١١ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (ره) ، أخبرنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب ، أخبرنا أحمد بن عبد الجبّار ، أخبرنا يونس بن بكير ، عن عبد الواحد بن أيمن المخزومي ، أخبرنا أبو نجيح عبد الله بن أبي نجيح قال : اهدي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جزور ولحم ، فأخذ عظما منها فناوله الرّسول بيده ، فقال له : «اذهب بهذا إلى فلانة» ، فقالت عائشة : لم غمرت يديك؟ فقالعليه‌السلام : «إنّ خديجة أوصتني بها» ، فغارت عائشة من كلامه ، وقالت : كأنّما ليس في الأرض امرأة إلا خديجة.


فقام رسول الله مغضبا ، فلبث ما شاء الله ، ثمّ رجع فإذا ـ أم رومان ـ فقالت : يا رسول الله! ما لك ولعائشة إنّها لحدثة؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أليست القائلة : كأنّما ليس في الأرض امرأة إلّا خديجة ، والله ، لقد آمنت بي إذ كفر قومك ، ورزقت مني الولد وحرّمتيه».

١٢ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو بكر محمّد ابن أحمد بالويه ، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدّثني محمّد بن أحمد بن أيوب ، أخبرنا إبراهيم بن سعيد ، عن محمّد بن إسحاق : أنّ ـ أبا طالب وخديجة ـ هلكا في عام واحد ، وذلك قبل مهاجرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بثلاث سنين ، ودفنت خديجة ـ بالحجون ـ ونزل في قبرها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان له يوم تزوّجها ثمان وعشرون سنة.

قال محمّد وكنيت خديجة أمّ هند ، وكان لها ابن وبنت حين تزوجها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأمّ خديجة ـ فاطمة بنت زائدة بن الأصم ـ وامها ـ هالة بنت عبد مناف ـ.

١٣ ـ وأخبرنا الشيخ الإمام سعيد بن محمّد بن أبي بكر الفقيمي ـ إذنا ـ أخبرنا القاضي الإمام الأجل جمال الدّين أبو بكر محمّد بن أحمد بن عبد الرّحمن الريغدموني ، أخبرنا الشيخ الفقيه جدّي أبو أحمد عبد الرّحمن بن إسحاق بن أحمد ، أخبرنا الشيخ أبو يعقوب صالح بن محمّد السنجاري ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن سعد بن نصر الزّاهد ، أخبرنا أبو سهل ؛ وأبي قالا : أخبرنا أبو عبد الله بن أبي حفص ، أخبرنا يحيى بن اسحاق ، أخبرنا عبد الله ابن المبارك ، أخبرنا مجالد بن سعيد ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا ذكر ـ خديجة ـ أحسن عليها الثناء ، فذكرها يوما فغرت وقلت له : لم تذكرها ـ حمراء الشدق ـ وقد أبدلك الله خيرا منها؟


فغضب وقال : «ما أبدلني الله خيرا منها ، وقد آمنت بي إذ كفر بي النّاس ، وصدّقتني إذ كذّبني النّاس ، وواست بمالها إذ حرّمني النّاس ، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء».

١٤ ـ وبهذا الإسناد ، عن الشيخ الفقيه أبي أحمد عبد الرّحمن بن إسحاق بن أحمد هذا ، أخبرنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن العبّاس ، أخبرنا الشيخ أبو سهل الأنماطي ، أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن يوسف الرزماناخي ، أخبرنا الحسين بن موسى بن أحمد القمي ، أخبرنا أبو يحيى معاذ بن سليمان الهروي ، أخبرنا محمّد بن يزيد بن عبد الله السلمي ، أخبرنا عبد المنعم بن ادريس ، عن أبان ، عن شعافة الخزاعي : أنّ أبا امامة الباهلي قال : دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على خديجة بنت خويلد امرأته وهي بالموت ، فشكت إليه شدّة كرب الموت ، فبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ودعا لها ، ثمّ قال لها : «أقدمي خير مقدم يا خديجة! أنت خير امّهات المؤمنين وأفضلهن ، وسيّدة نساء العالمين ، إلّا مريم بنت عمران ؛ وآسية امرأة فرعون ، أسلمتك يا خديجة! على كره منّي ، قد جعل الله للمؤمنين بالكره خيرا كثيرا ، الحقي يا خديجة! بامّك ـ حواء ـ في الجنة ؛ وباختك ـ سارة ـ أمّ إسحاق آمنت بالله جلّ جلاله.

بعث إبراهيمعليه‌السلام إلى مهاجرة الأرض المقدّسة وهي أرض الأنبياء وإليها يحشر العباد ، فتزوّجها إبراهيم فولدت له إسحاق ، فما ولدت النساء ولا تلد مولودا يسمى «إسحاق» مثله إلى يوم القيامة ، وهو أبو الموالي ، فما يمنع الموالي أن يفاخروا بأبيهم إسحاق ؛ وجدّهم إبراهيم ؛ وامهم سارةعليهم‌السلام ألا ولا فخر إلّا بالإسلام.

وكانت أمّ إسماعيل عجميّة قبطيّة اتّخذها إبراهيم سرية ، فولدت له


إسماعيل قبل تولد إسحاق بسبع سنين ـ فما ولدت النساء ولا تلد غلاما اسمه «اسماعيل» مثله إلى يوم القيامة ، وهو أبو العرب ، فما بال العرب يفاخرون الموالي؟ وهما زوجتا ابراهيم في الجنّة مع أزواج كثير ، أنشأهنّ الله تعالى من نهر سائح في وسط الجنّة ينفجر من تحت العرش وإلى العرش يعود ، يرجع أوّله إلى آخره ، ويكر آخره على أوّله.

أقدمي يا خديجة! على اختك أمّ موسى وهارونعليهما‌السلام التي ربط الله على قلبها بالصبر لتكون من المؤمنين ، وأوحى الله إليها كما أوحى إلى الأنبياء والمرسلين ، واسمها ـ صافية بنت الأكلب ـ ، واقدمي على اختك كلثم بنت عمران اخت موسى وهارون الّتي قالت لها صافية :( قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) القصص / ١١.

أخبرني جبرائيل أنّ ـ كلثمة ـ من أستر نساء العالمين ، وأشدهنّ حياء ، ماتت عذراء لحيائها وعبادتها ، وأقدمي على اختيك يا خديجة ـ آسية ومريم ـ لا مثل لهما من نساء العالمين ، جعلهما اللهعزوجل مثلا للّذين آمنوا من الرجال والنساء يقتدي بهما كلّ مؤمن ومؤمنة ، لم يحلفا بالله تعالى يمينا قطّ وجلا من الله وتعظيما له ، كانتا لا تحيضان طهّرهما الله وفضلهما به على نساء العالمين ، وإنّ ربي زوجنيهما ليلة أسرى بي عند ـ سدرة المنتهى ـ فهما ضرتاك يا خديجة! مع عائشة في الجنّة(١) ، وأخواتهن من امهات المؤمنين».

ولم يكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تزوّج ـ عائشة ـ ولا غيرها ولا تحته يومئذ غير خديجة وحدها ، فضحكت خديجة وهي ثقيلة بالموت ثمّ قالت له : هنيئا ، يا رسول الله! بارك الله لهما فيك ، وبارك لك فيهما ، الحمد لله الّذي أقرّ

__________________

(١) هذا الخبر لا تذكره الشيعة لأنهم لم يعرفوا شعافة خصوصا وقد صرح بتثنية ضمير آسية ومريم ولم يجمع للثلاث.


عينك بهما ، ما هما ضرتاي يا رسول الله! لانّه لا غيرة بيننا ، ولكنّهما اختاي.

فقال النبيّعليه‌السلام : «هذا ، والله ، الحقّ المبين ، وتمام اليقين ، والفضل في الدّين» ، فقيل : يا رسول الله! أفمن أمّهات المؤمنين هما؟ قال : «أمّا في الدّنيا فلا ، لأنّهما مضتا لسبيلهما قبل أن ابعث في أمّتي وسبقني موتهما».

١٥ ـ وأخبرني الحافظ سيّد الحفّاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الدّيلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرني الرئيس العالم محيي السنّة أبو الفتح عبدوس بن عبد الله الهمداني ـ كتابة ـ ، أخبرني أبو طالب ، أخبرني ابن مردويه ، أخبرني محمّد بن عبد الرّحمن ، أخبرني الفضل بن محمّد ، اخبرني عبد الرّحمن بن محمّد ، أخبرني عبد الرزاق ، أخبرني أبو معشر المدني ، عن أبي سعيد ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «كنت ـ بأجياد الصغير ـ أرعى الغنم قبل أن يوحى إليّ ، فأتاني جبرائيل فبشّرني بالنبوّة ، ثمّ ركض برجله الأرض ركضة فإذا بعين قد نبعت ، فتوضّأ جبرائيل وعلّمني الوضوء وصلّى وعلّمني الصلاة ، ثمّ انصرفت إلى منزلي فلم أمر بحجر ولا شجر إلّا قال : السّلام عليك يا رسول الله! حتّى أتيت خديجة فأريتها كما أراني جبرائيل ، وعلّمتها كما علّمني.

فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ونحن كذلك فقال : ما هذا الدّين يا ابن عم؟ فقلت : دين الله يا ابن عم! أدعوك إليه ، فقال لي : اشاور أبا طالب ، فقلت : يا بن عم! إما أن تتبعنا وإمّا أن تكتم علينا ، قال : فخرج ثمّ رجع ، فقال : بل أتبعك».

قال : وكانت خديجة تقول : أنا أوّل من أسلم ثمّ عليّ ، قال : وفي ـ رواية ابن مسعود ـ قال العباس بن عبد المطلب : ما أحد على وجه الأرض


يعبد الله إلا هؤلاء الثلاثة : رسول الله ؛ وخديجة ؛ وعليّ بن أبي طالب (صلوات الله عليهم).

١٦ ـ وأخبرنا سيّد الحفاظ أبو منصور ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرني أبو علي الحدّاد ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ في كتاب «معرفة الصحابة» ، قال : تزوّج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خديجة قبل نزول الوحي عليه وهو ابن خمس وعشرين سنة ، وقيل : إحدى وعشرون سنة ، وقيل : أربعون سنة ، ولها أربعون سنة.

فمكثت عنده إلى أن مضى من النبوّة سبع سنين ، فتوفيت قبل أن تفرض الصّلاة ، وقبل الهجرة بثلاث سنين بعد أبي طالب بثلاثة أيّام ، ولم ينكح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غيرها ولا عليها حتّى توفيت ، ونزل رسول الله في قبرها ، ولها يوم ماتت خمس وستون سنة. فكان مكثها عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خمسا وعشرين سنة.

١٧ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي نعيم هذا ، أخبرني محمّد بن أحمد ، أخبرني محمّد بن نصر ، أخبرني سعيد بن سليمان ، أخبرني مبارك بن فضالة ، عن ثابت بن أنس ، قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا اتي بشيء قال : «اذهبوا به إلى فلانة فإنّها كانت صديقة خديجة ـ رضي الله عنها ـ ، اذهبوا به إلى فلانة فإنّها كانت تحبّ خديجة».

قال أبو نعيم : وكانت خديجة تدعى في الجاهلية «الطاهرة».

قال (جزاه الله خيرا) : وأخبرني أبو علي الحدّاد ـ مناقلة ـ ، أخبرني أبو نعيم الحافظ «ح» ، وأخبرنا محمود بن إسماعيل ، أخبرني أحمد بن فادشاه قالا : أخبرنا الطبراني ، عن عمرو بن طاهر ، عن أبي صالح الحرّاني ، عن ابن لهيعة ، عن عمرو بن الحرث ، عن أبي يزيد الحميري ، عن


عمّار بن ياسر (رضي الله عنه) قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «فضلت خديجة على نساء امتي كما فضلت مريم على نساء العالمين».


الفصل الثالث

في فضائل فاطمه بنت أسد



١ ـ أخبرنا الحافظ صدر الحفّاظ أبو العلا الحسن بن أحمد بن الحسن العطّار الهمداني ، أخبرنا محمّد بن الحسين بن محمّد القاضي ؛ ويحيى بن الحسن بن أحمد البغدادي ، قالا : أخبرنا محمّد بن أحمد بن محمّد المعدّل ، أخبرنا محمّد بن عبد الرّحمن الدهني ، أخبرنا أحمد بن سليمان الطوسي ، أخبرنا الزبير بن بكار ، قال : ولد أبو طالب بن عبد المطلب : طالبا لا عقب له ؛ وعقيلا ؛ وجعفرا ؛ وعليّا ، كلّ واحد منهم أسن من صاحبه بعشر سنين على الولاء ، وأمّ هاني واسمها «فاختة» وأمّهم كلّهم ـ فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ـ وهي أوّل هاشمية ولدت لهاشمي ، وقد أسلمت وهاجرت إلى الله تعالى ورسولهعليه‌السلام بالمدينة ، وماتت بها. وشهدها رسول الله ؛ وعليّ بن أبي طالب (صلوات الله عليهما).

٢ ـ وأخبرنا الحافظ سيّد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الدّيلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرنا الحافظ محيي السنّة عبدوس بن عبد الله الهمداني ـ كتابة ـ في كتابه المعروف ب «الفوز بالمطالب في فضائل علي


ابن أبي طالبعليه‌السلام » قال : كان الحسن والحسين يسمّيان ـ ابني الفواطم ـ لأنّ امّهما فاطمة ، وجدّتهما فاطمة بنت أسد أمّ عليّ بن أبي طالب ، وأم خديجة جدّتهما فاطمة بنت زائدة بن الأصم ، وجدّة جدّهما النبي اسمها فاطمة بنت عبد الله بن عمرو ـ من بني مخزوم ـ وهي أم أبي النبيّ (صلوات الله عليه وسلامه).

٣ ـ وأخبرنا الشيخ الإمام الزّاهد الحافظ زين الأئمّة أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة أبو علي إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا والدي شيخ السّنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد ، أخبرنا الكديمي ، أخبرنا الحسن بن بشر ، أخبرنا سعدان بن الوليد ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : لما ماتت فاطمة أمّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بعث إليها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قميصه واضطجع في قبرها ، فقيل له : يا رسول الله! لقد فعلت بهذه شيئا لم تفعله بأحد؟ فقال : «إنّي كنت يتيما في حجرها فاحسنت إليّ ، وكانت من أحسن النّاس إليّ صنعا بعد أبي طالب».

٤ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا سليمان بن أحمد بن أيوب ، أخبرنا أحمد بن حمّاد بن رغبة المصري ، أخبرنا روح بن صلاح ، أخبرنا الثوري ، عن عاصم الأحول ، عن أنس بن مالك قال : لمّا ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أمّ عليّ بن أبي طالب دخل عليها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فجلس عند رأسها فقال : «رحمك الله يا أمي! كنت امّي بعد أمي : تجوعين وتشبعيني ، وتعرين وتكسيني ، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعميني ، تريدين بذلك وجه اللهعزوجل والدار الآخرة».


ثمّ أمر أن تغسل ـ ثلاثا ـ ، فلمّا بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بيده عليها ، ثمّ خلع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قميصة فألبسها إيّاه ، وكفنت فوقه ، ثمّ دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري ؛ وعمر بن الخطاب ؛ وغلاما أسود ، فحفروا قبرها فلمّا بلغوا اللحد حفره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بيده ، وأخرج ترابه بيده ، فلمّا فرغ دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاضطجع فيه ثمّ قال : «يا الله! الّذي يحيي ويميت ، وهو حي لا يموت ، اغفر لامي فاطمة بنت أسد ولقنها حجّتها ، ووسع عليها مدخلها ، بحقّ نبيّك محمّد ، والأنبياء الّذين من قبلي ، فإنك أرحم الرّاحمين» وكبّر عليها أربعا ، وأدخلها اللحد هو ؛ والعبّاس ؛ وأبو بكر ، لم أكتبه إلّا من حديث ـ روح بن صلاح ـ هكذا.

٥ ـ وأخبرني الحافظ سيّد الحفاظ أبو منصور ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرني أبو علي الحسن بن أحمد الحدّاد ، أخبرني أبو نعيم أحمد ابن عبد الله الحافظ ، أخبرني ابن خلّاد ، أخبرني محمّد بن غالب ، أخبرني الحسن بن بشر ، أخبرني سعدان بن الوليد ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس قال : لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أمّ عليّ نزع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قميصه فألبسها إيّاه ، فلما سوى عليها التراب ، قال أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : رأيناك صنعت شيئا ما صنعته بأحد؟ قال : «ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنّة ، واضطجعت في قبرها ليخفف عنها عذاب القبر».

وقال عليعليه‌السلام : «قلت لأمّي فاطمة بنت أسد بن هاشم : أكفي فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سقاية الماء والذّهاب في الحاجة ، وتكفيك خدمة الدّاخل : الطحن والعجن».

٦ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي نعيم الحافظ ، أخبرنا عبد الله بن محمّد ،


أخبرنا أبن أبي عاصم ، أخبرنا يعقوب بن حميد ، أخبرنا عمران بن عيينة ، أخبرنا يزيد بن أبي زياد ، عن أبي فاختة ، عن جعدة بن أبي هبيرة ، عن عليّعليه‌السلام قال : «اهدي إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حلّة مسيرة بحرير ، فقال لي : اجعلها خمرا بين الفواطم ، فشققت منها أربعة أخمرة : خمارا لفاطمة بنت أسد ؛ وخمارا لفاطمة بنت محمّد ـ صلّى الله عليهما ـ ؛ وخمارا لفاطمة بنت حمزة» ، ولم يذكر الرابعة.

٧ ـ وأخبرني الشيخ الإمام سيف الدّين أبو جعفر محمّد بن عمر بن أبي عليّ ـ كتابة ـ ، أخبرنا الشيخ الإمام أبو الحسين زيد بن الحسن بن علي البيهقي ، أخبرنا السيّد النقيب الإمام علي بن محمّد بن جعفر الحسني ، أخبرنا السيّد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني (ره) ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن ابراهيم الحسني ، أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن أبي قتيبة الغنوي ـ بالكوفة ـ ، أخبرنا محمّد بن سليمان الخواص ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أبو صالح الخراز ، عن قدامة بن سعد بن طريف ، عن الأصبغ بن نباتة ، عن عليّعليه‌السلام قال : «ماتت أمي فاطمة فجئت الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقلت : ماتت امّي فاطمة ، فقالعليه‌السلام : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وأخذ عمامته ودفعها إليّ وقال لي : كفّنها فيها فإذا وضعتها على الأعواد فلا تحدثن شيئا حتّى آتي ، فاقبل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في المهاجرين وهم يمشون ولا ينظرون إليه إعظاما له ، حتّى تقدّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فكبر عليها أربعين تكبيرة ، ثم نزل في قبرها ووضعها في اللحد ، ثمّ قرأ آية الكرسي.

ثمّ قال : اللهمّ اجعل من بين يديها نورا ، ومن خلفها نورا ، وعن يمينها نورا ، وعن شمالها نورا ، اللهمّ املأ قلبها(١) .

__________________

(١) هكذا في النسخة ولعلّها املأ قلبها أو قبرها نورا.


ثم خرج من قبرها ، فقال له المهاجرون : يا رسول الله! قد كبّرت على أمّ عليّ ما لم تكبره على أحد؟ فقالعليه‌السلام : كان خلفي أربعون صفا من الملائكة فكبّرت لكلّ صف تكبيرة».

وروي : أنّه لمّا قبرها كانصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «هذه أمي من بعد امّي ، ثمّ قال : ابنك ابنك».

فروى أهل العلم : أنّها سئلت في تلك الحال : من نبيّك؟ فلقّنها رسول اللهعليه‌السلام بقول : «ابنك ابنك».



الفصل الرابع

في انموذج

من فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام



١ ـ أنبأني الإمام الحافظ صدر الحفّاظ أبو العلاء الحسن بن أحمد العطّار الهمداني بها ، أخبرني الحسن بن أحمد المقري ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، أخبرنا محمّد بن إسحاق ، أخبرنا بهلول بن إسحاق ، أخبرني سعيد بن منصور ، أخبرني الدراوردي ، عن العلاء بن عبد الرّحمن ، عن عبد خير ، عن عليّعليه‌السلام قال : اهدي إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قنو موز ، فجعل يقشر الموز ويجعله في فمي ، فقال له قائل : يا رسول الله! إنّك تحبّ عليّا؟ فقال : أو ما علمت أنّ عليّا منّي وأنا منه».

٢ ـ وأنبأني أبو العلاء هذا ، أخبرني أبو القاسم الواعظ ، أخبرني أبو الحسين أحمد بن محمّد بن أحمد ، أخبرني أبو القاسم عيسى بن عليّ ، أخبرني أبو القاسم عبد الله بن محمّد البغوي ، أخبرني عبيد الله بن عمر القواريري ، أخبرني حرمي بن عمّار ، حدّثني الفضل بن عميرة ، حدّثني ميمون الكردي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال : «كنت أمشي مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعض طرق المدينة ، فأتينا على حديقة ،


فقلت : يا رسول الله! ما أحسن هذه الحديقة؟ فقال : ما أحسنها ولك في الجنّة أحسن منها ، ثمّ اتينا على حديقة اخرى ، فقلت : يا رسول الله! ما أحسنها من حديقة؟ فقال : لك في الجنّة أحسن منها ، حتّى أتينا على سبع حدائق ، أقول : يا رسول الله! ما أحسنها؟ فيقول : لك أحسن منها.

فلما خلا له الطريق اعتنقني وأجهش باكيا ، فقلت : يا رسول الله! ما يبكيك؟ فقال : ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلّا بعدي ، فقلت : في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك».

٣ ـ أخبرني الإمام الحافظ سيّد الحفّاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الدّيلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أنبأني أبو عليّ الأديب ، أخبرني الحافظ أبو بكر بن مردويه ، أخبرني سليمان بن أحمد ، أخبرني أحمد بن رشد بن المصري ، أخبرني أحمد بن ابراهيم العزي ، أخبرني أحمد بن ابي الحكم ، عن شريك بن عبد الله النخعي ، عن أبي الوقّاص ، عن محمّد بن حمّاد بن ثابت ، عن أبيه قال : سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «إنّ حافظي عليّ ليفخران على سائر الحفظة لكينونتهما مع عليّ ، وذلك أنّهما لم يصعدا الى اللهعزوجل بشيء منه يسخطه».

٤ ـ وأخبرني سيّد الحفاظ هذا ـ فيما كتب إليّ ـ أخبرني أبي ، أخبرني أبو الحسن الميداني الحافظ ، أخبرني أبو محمّد الخلال ، أخبرني محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب ، حدّثني أبو محمّد الحسن بن نعيم ـ بالطّائف ـ ، أخبرني عقبة بن منهال ، أخبرني عبد الله بن حميد ، حدّثني موسى بن إسماعيل بن موسىعليه‌السلام ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جابر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «جاءني جبرئيل ـعليه‌السلام ـ من عند اللهعزوجل بورقة آس خضراء مكتوب فيها ببياض : إنّي قد


افترضت محبّة عليّ بن أبي طالب على خلقي فبلغهم ذلك».

٥ ـ وأخبرني شهردار هذا ـ فيما كتب إليّ ـ ، أخبرني أبو الفتح الرئيس ـ كتابة ـ ، أخبرني ابو طاهر الحسين بن عليّ ، أخبرني الفضل بن الفضل بن العبّاس ، أخبرني أبو عبد الله محمّد بن سهل ، أخبرني عبد الله بن محمّد البلوي ، حدّثني إبراهيم بن عبد الله بن العلاء ، حدّثني أبي ، عن زيد بن عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، عن أبيه ، عن جدّه عليّعليه‌السلام ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال لعليّ : «يا علي! لو أنّ عبدا عبد اللهعزوجل مثلما أقام نوح في قومه ، وكان له مثل أحد ذهبا فانفقه في سبيل الله ، ومدّ في عمره حتّى حجّ الف عام على قدميه ، ثمّ قتل بين الصفا والمروة مظلوما ، ثمّ لم يوالك يا عليّ! لم يشم رائحة الجنّة ولم يدخلها».

٦ ـ وأخبرني شهردار هذا ـ فيما كتب إليّ ـ ، أخبرني أبي ، أخبرني أبو طالب الحسين ، أخبرني أحمد بن الطبري ، أخبرني أبو الفضل الشيباني ، أخبرني ناصر بن الحسين ، أخبرني محمّد بن منصور ، عن يحيى بن طاهر اليربوعي ، أخبرني أبو معاوية ، عن ليث بن أبي سليم ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لو اجتمع النّاس على حبّ عليّ لما خلق الله تعالى النار».

٧ ـ وأخبرني سيّد الحفاظ شهردار هذا ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرني محمود بن إسماعيل ، أخبرني أحمد بن الحسين ، أخبرني الطبراني ، عن محمّد بن عثمان ، عن زكريا بن يحيى ، عن أشعث ، عن مسعر ، عن جابر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مكتوب على باب الجنّة : محمّد رسول الله ، علي بن أبي طالب أخو رسول الله ، قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام».


٨ ـ وأخبرني سيّد الحفاظ هذا ، أخبرني أبو الفتح ـ كتابة ـ ، أخبرني أبو طاهر ، أخبرني أبو الفرج ، حدّثني الحسن بن عليّ ، حدّثني صهيب بن عبّاد ، حدّثني أبي ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن عليّ بن الحسين ، عن أبيه ، عن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أتاني جبرئيل وقد نشر جناحيه ، فإذا فيهما مكتوب على أحدهما : لا إله إلّا الله ، محمّد النبيّ ، وعلى الآخر : لا إله إلّا الله عليّ الوصيّ».

٩ ـ أخبرني شهاب الدين أبو النجيب سعد بن عبد الله الهمداني ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرني الحافظ أبو عليّ الحدّاد ـ إجازة ـ ، أخبرني الأديب أبو يعلى عبد الرزّاق بن عمر الطبراني ، أخبرني الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني ، أخبرني عبد الرّحمن بن محمّد ، أخبرني القاسم بن عليّ الطائي ، أخبرني إسماعيل بن أبان ، أخبرني عبد الله بن مسلم الملائي ، عن أبيه ، عن إبراهيم ، عن علقمة ؛ والأسود ، عن عائشة قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو في بيتي لما حضره الموت : «ادعوا لي حبيبي»؟ فدعوت أبا بكر فنظر إليه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) ووضع رأسه ، ثمّ قال : «ادعوا لي حبيبي»؟ فقلت : ويلكم ، ادعوا له عليّ بن أبي طالب ، فرأيته ما يريد غيره ، فلمّا رآه فرج الثوب الّذي كان عليه ، ثمّ أدخله فيه ، فلم يزل يحتضنه حتّى قبض ويده عليه.

١٠ ـ وذكر الإمام محمّد بن أحمد بن عليّ بن شاذان ، حدّثني محمّد ابن حميد الخراز ، عن الحسن بن عبد الصمد ، عن يحيى بن محمّد بن القاسم القزويني ، عن محمّد بن الحسن الحافظ ، عن أحمد بن محمّد ، عن هدبة بن خالد ، عن حمّاد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أبيه ، عن أنس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «خلق الله من نور وجه عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام سبعين


ألف ملك يستغفرون له ولمحبيه إلى يوم القيامة».

١١ ـ وذكر محمّد بن أحمد بن عليّ بن شاذان هذا ، أخبرني محمّد بن حمّاد التستري ، عن محمّد بن أحمد بن ادريس ، عن محمّد بن عبد الله الأصبهاني ، عن أبيه عن هشيم ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن البصري ، عن عبد الله قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إذا كان يوم القيامة يقعد عليّ بن أبي طالب على الفردوس ـ وهو جبل قد علا على الجنّة ـ ، وفوقه عرش ربّ العالمين ، ومن سفحه تنفجر أنهار الجنّة ، وتتفرق في الجنان ، وهو جالس على كرسي من نور تجري بين يديه التسنيم ، فلا يجوز أحد الصراط إلّا ومعه براءة بولايته وولايته أهل بيته ، يشرف فيدخل محبّيه الجنّة ومبغضيه النار».

١٢ ـ وذكر محمّد بن أحمد بن شاذان هذا ، أخبرني الحسن بن أحمد ابن سختويه المجاور ، عن محمّد بن أحمد البغدادي ، عن عيسى بن مهران ، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني ، عن قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أوّل من اتّخذ عليّ بن أبي طالب أخا من أهل السّماء إسرافيل ؛ ثمّ ميكائيل ؛ ثمّ جبرئيل ، وأوّل من أحبّه من أهل السماء حملة العرش ؛ ثمّ رضوان خازن الجنّة ؛ ثمّ ملك الموت ، وأنّ ملك الموت يترحم على محبي عليّ بن أبي طالب كما يترحم على الأنبياء».

١٣ ـ وذكر محمّد بن أحمد بن شاذان هذا ، أخبرنا طلحة بن محمّد النيشابوري ، عن سابور بن عبد الرّحمن ، عن عليّ بن عبد الله ، عن هشيم ، عن شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «ليلة اسري بي إلى السّماء ادخلت الجنّة فرأيت نورا ضرب به وجهي ، فقلت لجبرئيل : ما هذا النور الذي رأيته؟


قال : يا محمّد! ليس هذا نور الشمس ولا نور القمر ، ولكن جارية من جواري عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام اطلعت من قصورها ، فنظرت إليك وضحكت ، فهذا النور خرج من فيها وهي تدور في الجنّة إلى أن يدخلها أمير المؤمنين».

١٤ ـ وذكر محمّد بن أحمد بن شاذان هذا ، حدّثني أحمد بن محمّد ابن موسى ، عن محمّد بن عثمان المعدل ، عن محمّد بن عبد الملك ، عن يزيد بن هارون ، عن حمّاد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لي : «يا أنس! ما حملك على أن لا تؤدي ما سمعت مني في علي بن أبي طالب؟ حتّى أدركتك العقوبة ، ولو لا استغفار عليّ بن أبي طالب لك ما شممت رائحة الجنّة أبدا ، ولكن أبشر في بقية عمرك أنّ عليّا وذرّيته ومحبّيهم السّابقون الأوّلون إلى الجنّة وهم جيران أولياء الله ، وأولياء الله : حمزة ؛ وجعفر ؛ والحسن ؛ والحسين ؛ وأمّا عليّ فهو الصدّيق الأكبر ، لا يخشى يوم القيامة من أحبّه».

١٥ ـ وذكر محمّد بن أحمد بن شاذان هذا ، حدّثني القاضي أبو محمّد الحسن بن محمّد بن موسى ، عن عليّ بن ثابت ، عن حفص بن عمر ، عن يحيى بن جعفر ، عن عبد الرّحمن بن إبراهيم ، عن مالك بن أنس ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من أحبّ عليّا قبل الله صلاته وصيامه واستجاب دعاءه ، ألا ومن أحبّ عليّا أعطاه الله في كلّ عرق في بدنه مدينة في الجنّة ، ألا ومن أحبّ آل محمّد أمن من الحساب والميزان والصراط ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فأنا كفيله بالجنّة مع الأنبياء ، ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه : آيس من رحمة الله».


١٦ ـ وذكر محمّد بن أحمد بن شاذان هذا ، أخبرني أحمد بن الفضل الأهوازي ، أخبرني بكر بن أحمد ، عن محمّد بن عليّ ، عن فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام ، عن أبيها ؛ وعمّها الحسن بن عليّعليهما‌السلام قالا : «أخبرنا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لمّا دخلت الجنّة رأيت فيها شجرة تحمل الحلي والحلل : أسفلها خيل بلق ، وأوسطها حور العين ، وفي أعلاها الرضوان ، فقلت : يا جبرائيل! لمن هذه الشجرة؟ قال : هذه لابن عمّك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، إذا أمر الله الخليقة بالدخول إلى الجنّة يؤتى بشيعة عليّ حتّى ينتهى بهم إلى هذه الشجرة ، فيلبسون الحلي والحلل ، ويركبون الخيل البلق ، وينادي مناد : هؤلاء شيعة علي صبروا في الدّنيا على الأذى فحسبوا اليوم».

١٧ ـ وذكر محمّد بن أحمد بن شاذان هذا ، أخبرني محمّد بن محمّد ابن مرّة ، عن الحسن بن عليّ العاصمي ، عن محمّد بن عبد الملك ، عن جعفر بن سليمان الضبعي ، عن سعد بن طريف ، عن الأصبغ قال : سئل سلمان الفارسي عن عليّ بن أبي طالب وفاطمةعليهما‌السلام فقال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «عليكم بعليّ بن أبي طالب فإنّه مولاكم فأحبّوه ، وكبيركم فاكرموه ، وعالمكم فاتبعوه ، وقائدكم الى الجنّة فعززوه. إذا دعاكم فأجيبوه ، وإذا أمركم فأطيعوه ، أحبّوه بحبي ، وأكرموه بكرامتي. ما قلت لكم في عليّ إلّا ما أمرني به ربي جلت عظمته».

١٨ ـ وأخبرنا القاضي الإمام عين الأئمة أبو الحسن عليّ بن أحمد الكرباسي (ره) ، أخبرنا القاضي الإمام أحمد بن عبد الرّحمن ، أخبرنا محمّد بن إبراهيم ، أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن محمّد الأسدي ، أخبرنا أبو بكر محمّد بن الحسن المقري ، أخبرنا محمّد بن الحسين الخثعمي ؛ وأبو


الطيب الورّاق قالا : أخبرنا محمّد بن الوليد العقيلي ، أخبرنا عليّ بن سليمان المصري ، أخبرنا عياش ، عن ابن لهيعة ، عن الحرث بن يزيد ، عن أبي علقمة ـ مولى بني هاشم ـ قال : صلّى بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الصبح ثمّ التفت إلينا فقال : «معاشر أصحابي! رأيت البارحة عمّي حمزة بن عبد المطلب ؛ وأخي جعفر بن أبي طالب ، وبين أيديهما طبق من نبق فأكلا ساعة ثمّ تحوّل النبق عنبا ، فأكلا ساعة ثمّ تحوّل العنب رطبا ، فأكلا ساعة فدنوت منهما ، فقلت : بأبي أنتما ، أي الأعمال وجدتما أفضل؟ قالا : فديناك بالآباء والامهات ، وجدنا أفضل الأعمال : الصلاة عليك ، وسقي الماء ، وحبّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ».

١٩ ـ وأنبأني مهذب الأئمّة أبو المظفر عبد الملك بن عليّ الهمداني ، أخبرني شجاع بن المظفر ، أخبرني أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان القشيري ، أخبرني الحاكم أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني أبو بكر بن أبي دارم الكوفي الحافظ ، أخبرني المنذر بن محمّد بن المنذر القابوسي ، حدّثني أبي ، حدّثني عمّي الحسين بن سعيد ، عن أبان بن تغلب ، عن نفيع بن الحرث ، حدّثني أبو برزة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ونحن جلوس ذات يوم : «والّذي نفسي بيده ، لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتّى يسأله الله تعالى عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وعن جسده فيما أبلاه ، وعن ماله ممّا كسبه وفيما أنفقه ، وعن حبّنا أهل البيت». فقال عمر : فما آية حبّكم من بعدكم؟ قال : فوضع يده على رأس عليّ وهو إلى جانبه (صلوات الله عليهما) وقال : «إنّ آية حبّي من بعدي حبّ هذا».

٢٠ ـ وأنبأني مهذّب الأئمّة هذا ، أخبرنا أبو القاسم نصر بن محمّد المقري ، أخبرنا والدي قال : قال أبو علي عبد الرحمن بن محمّد النيشابوري :


أخبرني أحمد بن محمّد البغدادي ـ من حفظه بالدينور ـ ، أخبرنا محمّد بن جرير الطبري ، حدّثني محمّد بن حميد الرّازي ، أخبرني العلاء بن الحسين الهمداني ، أخبرني أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي ، عن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ وسئل بأي لغة خاطبك ربّك؟ ـ قال : «خاطبني بلغة عليّ بن أبي طالب فالهمت أن قلت : يا ربّ! خاطبتني أم عليّ؟ فقالعزوجل : يا أحمد! أنا شيء لا كالأشياء ، لا اقاس بالنّاس ، ولا اوصف بالشبهات ، خلقتك من نوري وخلقت عليّا من نورك ، فاطلعت على سرائر قلبك فلم أجد في قلبك أحبّ إليك من عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام فخاطبتك بلسانه كيما يطمئن قلبك».

٢١ ـ وأخبرني سيّد الحفاظ أبو منصور الدّيلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرني أبو إسحاق القفال ـ باصفهان ـ ، أخبرني أبو إسحاق بن خرشيد قال : أخبرني أبو سعيد أحمد بن زياد بن الأعرابي ، أخبرني بخيع ابن إبراهيم ، أخبرني أبو نعيم ضرار بن صرد ، أخبرني عليّ بن هاشم ، أخبرني محمّد بن عبد الله الهاشمي ، عن أبي بكر محمّد بن عمرو بن حزم ، عن عبّاد بن عبد الله ، عن سلمان (رضي الله عنه) عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «أعلم أمّتي من بعدي عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ».

٢٢ ـ وأخبرني سيّد الحفّاظ الدّيلمي هذا ـ فيما كتب إليّ ـ أخبرني أبي ، أخبرني الميداني الحافظ ، أخبرني أبو محمّد الخلال ، أخبرني محمّد بن العباس ، أخبرني الحسين بن عليّ الدّهان ، أخبرني محمّد بن عبيد الكندي ، أخبرني أبو هاشم محمّد بن علي الدّهني ، أخبرني أحمد بن عمران ، عن سفيان بن سعيد ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «قسمت الحكمة على عشرة أجزاء :


فاعطي عليّ تسعة أجزاء ، والنّاس جزءا واحدا».

٢٣ ـ وأخبرني سيّد الحفاظ هذا ـ فيما كتب إليّ ـ ، أخبرني عبدوس بن عبد الله ـ إذنا ـ ، عن الشريف أبي طالب الجعفري ـ باصبهان ـ ، عن الحافظ أبي بكر بن مردويه الأصبهاني ، أخبرني أحمد بن محمّد بن عبد الله ، أخبرني الحسين بن الهيثم ، أخبرني محمّد بن الصباح ، أخبرني هشيم(١) ، عن حجاج بن أرطاة ، عن عمرو بن شعيب ، عن جدّه قال : قالت عائشة للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : من خير النّاس بعدك يا رسول الله؟ قال : «أبو بكر» ، قالت: فمن خير النّاس بعد أبي بكر؟ قال : «عمر».

فقالت فاطمة : «لم تقل في عليّ شيئا؟ قال : عليّ نفسي فمن رأيته يقول في نفسه شيئا»؟!

٢٤ ـ وأخبرنا الشيخ الزّاهد الحافظ أبو الحسن عليّ بن أحمد العاصمي ، أخبرني شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد الواعظ ، أخبرني أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، أخبرني أبو الحسن محمّد بن الحسن العلوي ، أخبرني محمّد بن محمّد بن سعد الهروي ، أخبرني محمّد بن عبد الرحمن ، أخبرني أبو الصلت الهروي ، أخبرني أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا مدينة العلم ، وعليّ بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب».

٢٥ ـ وبهذا الإسناد عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرني ابو عبد الله الحافظ ، أخبرني أبو جعفر بن محمّد بن أحمد ، أخبرني محمّد بن مسلم بن دارة ، أخبرني عبد الله بن موسى العبسي ، أخبرني أبو عمرو الأزدي ، عن أبي راشد ، عن أبي الحمراء قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من أراد أن ينظر إلى

__________________

(١) في رجال السند جملة مقدوح فيهم بالوضع أشهرهم هشيم.


آدم في علمه ؛ وإلى نوح في فهمه ؛ وإلى يحيى بن زكريا في زهده ؛ وإلى موسى بن عمران في بطشه ، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

٢٦ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرني أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني أبو محمّد أحمد بن عبد الله المزكي ـ إملاء ـ أخبرني أحمد ابن محمّد بن حرب ، أخبرني أبو طاهر أحمد بن عيسى بن محمّد ، أخبرني يحيى بن عبد الله العلويّ ـ خال جعفر بن محمّد ـ ، أخبرني نوح بن قيس ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرّة ، عن أبي البختري قال : رأيت عليّاعليه‌السلام صعد المنبر ـ بالكوفة ـ وعليه مدرعة كانت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، متقلدا بسيف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومعتما بعمامة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي اصبعه خاتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقعد على المنبر وكشف عن بطنه وقال : «سلوني قبل أن تفقدوني ، فإنّما بين الجوانح علم جمّ ، هذا سفط العلم ، هذا لعاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذا ما زقّني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله زقا من غير وحي اوحي إليّ.

فو الله ، لو ثنيت لي الوسادة ، وجلست عليها ، لأفتيت لأهل التوراة بتوراتهم ، ولأهل الإنجيل بإنجيلهم ، حتّى ينطق الله التوراة والإنجيل ، فيقولا : صدق عليّ قد أفتاكم بما انزل فينا ، وأنتم تتلون الكتاب فلا تعقلون».

٢٧ ـ وأخبرنا عين الأئمة ابو الحسن عليّ بن أحمد الكرباسي ، أخبرنا شمس القضاة أحمد بن عبد الرّحمن بن إسحاق ، أخبرنا الفقيه أبو سهل محمّد بن إبراهيم ، أخبرنا محمّد بن جعفر بن هارون الكوفي ، أخبرنا أبو القاسم عبد الرّحمن بن حامد التميمي ، حدّثني حميد بن مسعدة ، أخبرني يونس بن أرقم ، أخبرنا الجارود ، عن عديّ بن ثابت ، عن ابن عباس (ره) قال : العلم ستة أسداس : فلعلي بن أبي طالب من ذلك خمسة أسداس ،


وللناس سدس ، ولقد شاركنا في سدسنا حتّى هو أعلم به منا.

٢٨ ـ أخبرنا العلّامة فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري ، أخبرنا الاستاذ الأمين أبو الحسن عليّ بن الحسين بن مردك الرّازي ، أخبرنا أبو عبد الله الحسن بن يحيى بن الحسين العاصمي ، أخبرنا أبو بكر محمّد بن أبي صفوان الثقفي ، أخبرنا مومل بن إسماعيل ، عن ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد بن المسيب ، قال : سمعت عمر يقول : اللهمّ لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب حيّا.

٢٩ ـ وبهذا الإسناد عن أبي سعد السّمان هذا ، أخبرنا أبو القاسم عليّ ابن محمّد البزاز ـ بقراءتي عليه ـ ، أخبرنا عبد الباقي بن قانع ، أخبرنا ابن أبي شيبة ، أخبرنا جندل بن والق ، أخبرنا محمّد بن عمر المازني ، عن عبّاد الكلبي ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جابر قال : قال عمر : كانت لأصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ثماني عشرة سابقة : فخص عليّ منها بثلاث عشرة ، وشركنا في خمس.

٣٠ ـ أخبرنا الإمام الحافظ أبو الفتح عبد الواحد بن الحسن الباقرحي ، أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن محمّد الجويني قال : قرأت على أبي الحسن عليّ بن أحمد الواحدي ، أخبرنا عبد الرّحمن بن حمدان السعدي ، أخبرنا لؤلؤ القيصري ، أخبرنا إبراهيم بن محمّد الصوفي ، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن شدّاد ، حدّثني محمّد بن سنان الحنظلي ، أخبرنا إسحاق بن بشر القرشي ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال «لمبارزة عليّ بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود ـ يوم الخندق ـ أفضل من عمل امتي إلى يوم القيامة».

٣١ ـ أخبرنا سيّد الحفّاظ أبو منصور ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ،


أخبرنا محمود بن إسماعيل ، أخبرنا أحمد بن فادشاه ، أخبرنا الطبراني ، عن أحمد بن محمّد القنطري ، عن حرب بن الحسين ، عن يحيى بن يعلى ، عن محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا علي! والذي نفسي بيده ، لو لا أن يقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم ، لقلت اليوم فيك مقالا لا تمر بأحد من المسلمين إلّا أخذ التراب من أثر قدميك يطلبون به البركة».

٣٢ ـ وأخبرنا شهاب الدّين أبو النجيب سعد بن عبد الله الهمداني ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ أنبأنا أبو عليّ الحدّاد ، أخبرنا أبو يعلى الأديب الطبراني ، أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني ، أخبرنا محمّد بن الحسن ، أخبرنا أحمد بن محمّد بن عبد الرّحمن ، أخبرنا جعفر بن محمّد بن سعيد ، اخبرنا محول بن إبراهيم ، أخبرنا أبو داود الطبري ، أخبرنا عبد الأعلى التغلبي ، عن أنس قال : اتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ بطائر ـ ، فوضع بين يديه فقال : «اللهمّ! ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير» فقرع الباب فقلت : اللهمّ! اجعله رجلا من الأنصار ، فإذا هو علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، فقلت : سبحان الله! سأل نبي الله ربّه أن يأتيه بأحبّ خلقه إليه. قال : ففتحت الباب فلمّا دخل مسح رسول الله وجهه ، ثمّ مسحه رسول الله بوجه عليّ ، ثمّ مسح وجه عليّ فمسحه بوجهه ـ فعل ذلك ثلاث مرات ـ فبكى عليّ ، ثمّ قال : «ما هذا يا رسول الله؟ فقال : ولم لا أفعل بك هذا؟ وأنت تسمع صوتي ، وتؤدي عنّي ، وتبيّن لهم ما اختلفوا فيه من بعدي».

ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اللهمّ! إني سألتك أن تأتيني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير فجئت به ؛ اللهمّ! وانّه أحبّ خلقك إليّ».


أخرج الحافظ ابن مردويه هذا الحديث بمائة وعشرين إسنادا ، وقال أبو عبد الله الحافظ : صحّ ـ حديث الطير ـ وإن لم يخرّجاه ، يعني : البخاري ومسلما.

٣٣ ـ وذكر الإمام محمّد بن أحمد بن شاذان ، أخبرنا سهل بن أحمد ، عن أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري ، عن هناد بن السري ، عن محمّد بن هشام ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن محمّد بن المنكدر ، عن جابر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ الله لما خلق السماوات والأرض دعاهن فأجبنه ، وعرض عليهنّ نبوّتي وولاية عليّ بن أبي طالب فقبلتاهما ، ثمّ خلق الخلق وفوّض إلينا أمر الدّين ، فالسعيد من سعد بنا ، والشقيّ من شقي بنا ، نحن المحلّون لحلاله ، والمحرّمون لحرامه».

٣٤ ـ وذكر ابن شاذان هذا ، أخبرنا عبد الله بن يوسف ، عن حامد بن محمّد الهروي ، عن عليّ بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن عكاشة ، عن محمّد بن الحسن ، عن محمّد بن سلمة ، عن خصيف ، عن مجاهد قال : قيل لابن عبّاس : ما تقول في عليّ بن أبي طالب؟ فقال : ذكرت والله ، أحد الثقلين ، سبق بالشهادتين ، وصلّى القبلتين ، وبايع البيعتين ، واعطي السبطين ـ الحسن والحسين ـ ، وردّت عليه الشمس مرّتين ، بعد ما غابت عن المقلتين ، وجرّد السيف تارتين ، وهو صاحب الكرّتين ؛ فمثله في الامّة مثل ـ ذي القرنين ـ ، ذلك مولاي عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

٣٥ ـ وأخبرني سيّد الحفاظ ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرني الرئيس أبو الفتح ـ كتابة ـ ، أخبرني عبد الله بن إسحاق البغوي ، أخبرني الحسن بن عليّ الغنوي ، أخبرني محمّد بن عبد الرّحمن الذارع ، أخبرني قيس بن حفص ، حدّثني عليّ بن الحسين العبدي ، عن أبي هارون العبدي ،


عن أبي سعيد الخدري : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم دعا النّاس إلى عليّ في ـ غدير خم ـ أمر بما كانت الشجرة من شوك فقم(١) وذلك يوم الخميس ، ثمّ دعا النّاس إلى عليّ فأخذ بضبعه ، ثمّ رفعه حتّى نظر النّاس إلى بياض ابطيه (صلّى الله عليه) ، ثمّ لم يتفرقا حتّى نزلت هذه الآية :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ) المائدة / ٣.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الله أكبر على إكمال الدّين وإتمام النعمة ، ورضا الربّ برسالتي ، والولاية لعليّ ، ثمّ قال : اللهمّ! وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله».

فقال حسان بن ثابت : يا رسول الله! ائذن لي أقل ، قال : «قل ببركة الله» فقال حسان : ما مشيخة قريش! اسمعوا شهادة رسول الله ، ثمّ أنشا يقول :

يناديهم يوم الغدير نبيّهم

بخمّ واسمع بالنبيّ مناديا

ألست أنا مولاكم ووليكم؟

فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت ولينا

ولا تجدن في الخلق للأمر عاصيا

فقال له : قم يا عليّ! فإنّني

رضيتك من بعدي وليا وهاديا

روي هذا الحديث بدون الأبيات من الصحابة : عمر ؛ وعليّ ؛ والبرآء ابن عازب ؛ وسعد بن أبي وقاص ؛ وطلحة بن عبيد الله ؛ والحسين بن عليّ ، وابن مسعود وعمار بن ياسر ؛ وأبو ذر ؛ وأبو أيوب ؛ وابن عمر ؛ وعمران ابن حصين ؛ وبريدة بن الحصيب ؛ وأبو هريرة ؛ وجابر بن عبد الله ؛ وأبو رافع ـ مولى رسول الله ـ واسمه أسلم ؛ وحبشي بن جنادة ؛ وزيد بن شراحيل ؛ وجرير بن عبد الله ؛ وأنس ؛ وحذيفة بن أسيد الغفاري ؛ وزيد بن

__________________

(١) يعني : كنس.


أرقم ؛ وعبد الرحمن بن يعمر الدؤلي ؛ وعمرو بن الحمق ؛ وعمر بن شرحبيل ؛ وناجية بن عمر ؛ وجابر بن سمرة ؛ ومالك بن الحويرث ؛ وأبو ذويب الشاعر ؛ وعبد الله بن ربيعة (رضي الله عنهم).

وروى حديث «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» من الصحابة : عليّ ؛ وعمر ؛ وعامر بن سعد ؛ وسعد بن أبي وقاص ؛ وأمّ سلمة ؛ وأبو سعيد ؛ وابن عباس ؛ وجابر ؛ وأبو هريرة ؛ وجابر بن سمرة ؛ وحبشي بن جنادة ؛ وأنس ؛ ومالك بن الحويرث ؛ وأبو أيوب ؛ ويزيد بن أبي أوفى ؛ وأبو رافع ؛ وزيد بن أرقم ؛ والبرآء ؛ وعبد الله بن أبي أوفى ؛ ومعاوية بن أبي سفيان ؛ وابن عمر ؛ وبريدة بن الحصيب ؛ وخالد بن عرفطة ؛ وحذيفة بن أسد ؛ وأبو الطفيل ؛ وأسماء بنت عميس ؛ وفاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب (رضي الله عنهم) ، وأخرجه الشيخان في «صحيحيهما».

٣٦ ـ وأنبأني مهذّب الأئمّة عبد الملك بن عليّ الهمداني ، أخبرني أبو طالب عبد القادر بن محمّد ـ إذنا ـ ، أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي ، أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك ، أخبرنا الحسن بن عليّ البصري ، أخبرنا الحسن بن راشد الطفاوي ، أخبرنا قيس بن الربيع ، أخبرنا سعد بن الخفّاف ، عن عطية ، عن محدوج بن زيد الألهاني : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله آخى بين المسلمين ، ثمّ قال : «يا عليّ! أنت أخي ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ، غير أنّه لا نبيّ بعدي ، أمّا علمت يا عليّ! أنّي أوّل من يدعى بي ـ يوم القيامة ـ فأقوم عن يمين العرش وظله ، فأكسى حلّة خضراء من حلل الجنّة ، ثمّ يدعى بالنبيين بعضهم على أثر بعض فيقومون سماطين عن يمين العرش ، ويكسون حلل خضرا من حلل الجنّة.


ألا وإنّي اخبرك يا عليّ! إنّ أمّتي أوّل الامم يحاسبون يوم القيامة ، ثمّ أنت أوّل من يدعى لقرابتك منّي ومنزلتك عندي ، ويدفع إليك لوائي ـ وهو لواء الحمد ـ ، فتسير به بين السماطين.

فآدم وجميع خلق الله يستظلون بظل لوائي يوم القيامة ، وطوله مسيرة ألف سنة : سنانه ياقوته حمراء ، وقصبته فضة بيضاء ، وزجه درة خضراء ، له ثلاث ذوائب من نور : ذؤابة في المشرق ، وذؤابة في المغرب ، والثالثة وسط الدّنيا مكتوب عليه ثلاثة أسطر : الأوّل ـ بسم الله الرّحمن الرّحيم ، والثاني ـ الحمد لله ربّ العالمين ، والثالث ـ لا إله إلّا الله محمّد رسول الله.

طول كلّ سطر ألف سنة وعرضه مسيرة ألف سنة ، تسير بلوائي : الحسن عن يمينك ، والحسين عن يسارك ، حتّى تقف بيني وبين إبراهيم في ظل العرش ، ثمّ تكسى حلّة خضراء من الجنّة ، ثمّ ينادي مناد من تحت العرش : نعم الأب أبوك إبراهيم ، ونعم الأخ أخوك عليّ ، أبشر يا علي! إنّك تكسى إذا كسيت وتحبى إذا حبيت».

٣٧ ـ وأخبرني سيد الحفاظ أبو منصور الديلمي فيما كتب إلي من همدان ، أخبرني الحافظ عبدوس بن عبد الله كتابة ، أخبرني أبو الفرج أحمد ابن سهل ، أخبرني أبو العباس أحمد بن إبراهيم ، أخبرني زكريا بن عثمان ، أخبرني محمّد بن زكريا الغلابي ، أخبرني الحسن بن موسى ، أخبرني عبد الرّحمن بن القاسم الهمداني ، أخبرني أبو حاتم محمّد بن محمّد الطالقاني ، عن الخالص الحسن بن عليّ بن محمّد ، عن أبيه الناصح عليّ بن محمّد بن عليّ ، عن أبيه النقي محمّد بن علي بن موسى ، عن أبيه الرّضا عليّ ، عن أبيه الأمين موسى بن جعفر ، عن أبيه الصّادق جعفر بن محمّد عن أبيه الباقر محمّد ، عن أبيه زين العابدين عليّ بن الحسين ، عن أبيه البر الشهيد الحسين


ابن عليّ ، عن أبيه المرتضى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام ، عن المصطفى محمّد الأمين سيّد الأوّلين والآخرينصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : «يا أبا الحسن! كلّم الشمس فإنّها تكلّمك؟ فقال عليّعليه‌السلام : السّلام عليك ، أيّها العبد المطيع لله! فقالت الشمس : وعليك السّلام ، يا أمير المؤمنين ، وإمام المتقين ، وقائد الغرّ المحجلين ، يا عليّ! أنت وشيعتك في الجنّة ، يا عليّ! أوّل من تنشق عنه الأرض محمّد ثمّ أنت ، وأوّل من يحيى محمّد ثمّ أنت ، وأول من يكسى محمّد ثمّ أنت ، فانكبّ عليّ ساجدا وعيناه تذرفان دموعا ، فانكبّ عليه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال : يا أخي وحبيبي! ارفع رأسك فقد باهى الله بك أهل سبع سماوات».

٣٨ ـ وأخبرني سيّد الحفّاظ هذا ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرني أبو الفتح ـ كتابة ـ ، أخبرني الشريف أبو طالب ، أخبرني الحافظ بن مردويه ، أخبرني إسحاق بن محمّد ، أخبرني أحمد بن زكريا ، أخبرني ابن طهمان ، أخبرني محمّد بن خالد ، أخبرني الحسن بن إسماعيل ، عن أبيه ، عن زيد بن المنذر ، عن محمّد بن عليّ بن الحسين ، عن أبيه ، عن جدّهعليهم‌السلام قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : كنت أنا وعليّ نورا بين يدي الله تعالى من قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلمّا خلق الله آدم سلك ذلك النور في صلبه ، فلم يزل الله ينقله من صلب إلى صلب ، حتّى أقرّه في صلب عبد المطلب ، ثمّ أخرجه من صلب عبد المطلب ، وقسّمه قسمين : قسما في صلب عبد الله ؛ وقسما في صلب ابي طالب ، فعليّ مني وأنا منه ، لحمه لحمي ودمه دمي ، فمن أحبّه فبحبي أحبّه ، ومن أبغضه فببغضي أبغضه».

٣٩ ـ وأخبرني سيّد الحفّاظ هذا ـ كتابة ـ ، أخبرني الميداني ، أخبرني الخلال : كتب إليّ محمّد بن يزيد ، أخبرني محمّد ، حدّثني محمّد بن


إسماعيل ، حدّثني الحسين بن موسى ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عليّ بن الحسين ، عن أبيه ، عن عليّعليهم‌السلام قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم الخندق : اللهمّ إنّك أخذت مني عبيدة بن الحرث ـ يوم بدر ـ ؛ وحمزة بن عبد المطلب ـ يوم احد ـ ، وهذا عليّ فلا تدعني فردا وأنت خير الوارثين».

وفضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام أكثر من أن يحملها هذا «الفصل» فمن أراد الاستقصاء فيها ، والإحاطة بها ، فعليه ـ بمجموعي ـ في فضائله الموسوم : «بالأربعين».



الفصل الخامس

في فضائل

فاطمة الزهراء بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله



١ ـ أخبرنا الشيخ الإمام الزّاهد الحافظ أبو الحسن عليّ بن أحمد العاصمي (ره) ، أخبرنا شيخ القضاة أبو عليّ إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا والدي شيخ السنّة أبو بكر أحمد بن الحسين الحافظ ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا إبراهيم بن يحيى المزكى ؛ وأبو الحسين بن يعقوب ، أخبرنا محمّد بن إسحاق بن إبراهيم : سمعت عبد الله بن محمّد بن سليمان ابن جعفر الهاشمي ـ يذكر ـ ، عن أبيه ، عن جدّه قال : ولدت فاطمة سنة ـ إحدى وأربعين ـ من مولد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وزعم محمّد بن إسحاق بن يسار : أنّ فاطمة ولدت قبل أن يوحى إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكذلك سائر أولاده من خديجة (رضي الله عنها).

في روايتي عن الحافظ أبي منصور الدّيلمي ـ بروايته ـ ، عن أبي علي الحدّاد ، عن أبي نعيم الحافظ في كتابه «معرفة الصحابة» : أنّ فاطمة كانت أصغر بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سنّا ، ولدت وقريش تبني الكعبة ، وكانت فيما قبل تكنى : «أم أسماء».


٢ ـ وباسنادي ، عن أحمد بن الحسين الحافظ ، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمّد بن حبيب بن المعزاء ، أخبرنا أبو بكر محمّد ابن عبد الله ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي ـ في البصرة ـ ، قال : حدّثني أبي قال : حدّثني عليّ بن موسى ، حدّثني موسى بن جعفر ، حدّثني أبي جعفر بن محمّد ، حدثني أبي محمّد بن علي ، حدّثني أبي علي بن الحسين ، حدّثني أبي الحسين بن عليّ ، حدّثني أبي عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّما سميت ابنتي ـ فاطمة ـ لأن اللهعزوجل فطمها وفطم من أحبّها من النار» ، وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله «إنّ اللهعزوجل يغضب لغضب فاطمة ، ويرضى لرضاها».

٣ ـ وأخبرنا الشيخ الإمام الثقة أبو بكر محمّد بن عبد الله بن نصر الزاغوني ـ بمدينة السّلام ـ منصرفي من السفرة الحجازية ، أخبرنا الشيخ الجليل أبو الحسن محمّد بن إسحاق الباقرحي ، أخبرنا أبو عبد الله الحسين ابن الحسين بن عليّ بن بندار ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمّد بن شاذان البزاز ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي ، حدّثني أبي أحمد بن عامر ، أخبرنا أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا ، حدّثني أبي موسى بن جعفر ، حدّثني أبي جعفر بن محمّد ، حدّثني أبي محمّد بن علي ، حدّثني أبي عليّ بن الحسين ، حدّثني أبي الحسين بن عليّ ، حدّثني ابي عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة ، ومعها ثياب مصبوغة بدم ، فتتعلّق بقائمة من قوائم العرش ، فتقول : يا عدل! يا جبّار! احكم بيني وبين قاتل ولدي ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فيحكم الله لابنتي وربّ الكعبة».

٤ ـ وبهذا الإسناد : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : تحشر ابنتي فاطمة ، عليها


حلّة الكرامة قد عجنت بماء الحيوان ، فتنظر إليها الخلائق فيتعجبون منها ، ثمّ تكسى أيضا حلّة من حلل الجنّة ـ وهي ألف حلة ـ مكتوب على كلّ حلّة بخط أخضر : ادخلوا ابنة محمّد الجنّة ، على أحسن الصورة ، وأحسن الكرامة ، وأحسن المنظر ، فتزف إلى الجنّة كما تزف العروس ، ويوكّل بها سبعون ألف جارية».

٥ ـ وأخبرنا الشيخ الإمام الزّاهد الحافظ أبو الحسن عليّ بن أحمد العاصمي (ره) ، أخبرنا الشيخ القضاة إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا والدي أحمد بن الحسين ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، أخبرنا محمّد بن جعفر الأنباري ، أخبرنا محمّد بن أحمد بن أبي العوام ، أخبرنا عبد الوهاب ، أخبرنا عوف ، عن عطية الطفاوي ، أخبرنا أبي ، عن أمّ سلمة ـ زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قالت : بينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بيتي إذ أقبل عليّ وفاطمة بالسدة ، فقال : «قومي عن أهل بيتي»؟ فقمت فتنحيت في ناحية البيت قريبا.

فدخل عليّ وفاطمة ومعهما الحسن والحسين ـ وهما صبيان صغيران ـ فأخذ الصبيّين فقبلهما ووضعهما في حجره ، واعتنق عليّا وفاطمة ، ثمّ أغدف عليهم ببردة له ، وقال : «اللهمّ! إليك لا إلى النّار أنا وأهل بيتي» ، قالت : فقلت : يا رسول الله! وأنا فقال : «وأنت».

٦ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو عليّ الرودباري ، أخبرنا أبو بكر محمّد بن داسة ، أخبرنا أبو داود ، أخبرنا محمّد ابن يونس ، أخبرنا الليث بن سعد ، حدّثني عبد الله بن عبيد الله القرشي : أنّ المسور بن مخرمة حدّثه : أنّه سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على المنبر يقول : «إنّ بني هاشم بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم من عليّ بن أبي طالب فلا


إذن لهم ، ثمّ لا إذن له ، إلّا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلّق ابنتي ، وينكح ابنتهم ، فإنّما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما آذاها»(١) .

وسمعت ـ هذا الحديث ـ على الإمام الأجل ركن الإسلام أبي الفضل الكرماني في «أمالي» فخر القضاة الأرسابندي ـ برواية ـ المسور بن مخرمة أيضا ، وقال : هذا حديث متّفق على صحته.

وسمعته أيضا في ـ جامع أبي عيسى ـ بهذا السياق مختصرا ، وفي رواية عليّ بن الحسين ، عن المسور بن مخرمة ، عن عليّ أنّه خطب بنت ابي جهل وعنده فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلمّا سمعت بذلك فاطمة أتت رسول الله ، فقالت له : «إنّ قومك يتحدّثون بأنّك لا تغضب لبناتك ، وهذا عليّ ناكح بنت أبي جهل».

قال المسور : فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فسمعته يخطب حتى تشهد ، ثمّ قال : «أما بعد ـ فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع ، فحدّثني فصدّقني ، وأنّ فاطمة بضعة مني وأنا أكره أن يفتنوها ، وأنّه والله ، لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل أبدا». فترك علي الخطبة ، اجتمع الشيخان على صحته.

٧ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو عمرو محمّد ابن عبد الله الأديب ، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي ، أخبرني الحسن بن سفيان ، أخبرني أبو كامل ، أخبرني أبو عوانة ، عن فراس ، عن عامر ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : كنّا أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عنده لم يغادر منهنّ واحدة ، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(١) هذا الحديث وما بعده وضعهما المسور ببذل بني أمية له المال ، كما ذكر ذلك المرتضى في الشافي ، وكيف يخطب علي على فاطمة وهي أجمل النساء وفتاة والله تعالى هو الّذي زوجه بها في السماء؟! كما ذكر المصنف الروايات في ذلك ، إن هذا لغريب!!


شيئا فلما رآها رحّب بها ، وقال : «مرحبا بابنتي» ثمّ أجلسها عن يمينه أو عن شماله ، ثمّ سارها فبكت بكاء شديدا ، فلمّا رأى جزعها سارها ثانيا فضحكت ، فقلنا لها : خصك رسول الله بين نسائه بالسرار ، ثمّ أنت تبكين؟

فلما قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سألتها : ما قال رسول الله؟ فقالت : «ما كنت لأفشي على رسول الله سرّه» ، فلمّا توفي رسول الله قلت لها : عزمت عليك بما لي من الحقّ لما حدّثتني ما قال رسول الله ، قالت : «أما الآن فنعم ، أمّا حين سارني في المرّة الاولى فأخبرني : أنّ جبرائيل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرّة ، وأنّه عارضه العام مرتين ، وإنّي لا أرى الأجل إلّا قد اقترب ، فاتقي الله واصبري ، فإنّه نعم السلف أنا لك ، قالت : فبكيت بكائي الّذي رأيت ، فلمّا رأى جزعي سارني الثانية ، فقال : يا فاطمة! أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين أو سيّدة نساء هذه الأمّة فضحكت ضحكي الّذي رأيت».

وفي ـ رواية ـ بنت طلحة ، عن عائشة : أنّها قالت : ما رأيت أحدا كان أشبه كلاما وحديثا من فاطمة برسول الله (صلّى الله عليهما) ، وكانت إذا دخلت عليه رحّب بها وقام إليها فأخذ بيدها فقبّلها وأجلسها في مجلسه ، وكان إذا دخل عليها رحبت به وقامت إليه فأخذت بيده فقبّلتها وأجلسته في مجلسها ، ثمّ ساق الحديث.

وسمعت ـ هذا الحديث ـ في جامع أبي عيسى ، وزاد فيه عند قوله : فلمّا رآها رحّب بها ، قالت عائشة : فلمّا مرض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دخلت فاطمة عليه فأكبت عليه فقبّلته ، ثمّ رفعت رأسها فبكت ، ثمّ أكبت ، ثمّ رفعت رأسها فضحكت ، فقلت : إنّي كنت لأظنّ إنّ هذه من أعقل نسائنا ، فإذا هي من النساء ، ثم ساق الحديث.


٨ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا محمّد بن يعقوب ، أخبرنا الحسن بن عليّ ، أخبرنا إسحاق ابن منصور ، أخبرنا إسرائيل ، عن ميسرة بن حبيب ، عن منهال بن عمرو ، عن زر بن حبيش ، عن حذيفة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «نزل ملك من السّماء فاستأذن الله تعالى أن يسلّم عليّ لم ينزل قبلها ، فبشّرني : أنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة».

٩ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو نصر بن قتادة ، أخبرنا محمّد بن الحسن السّراج ، أخبرنا مطين ، أخبرنا محمّد بن العلا ، أخبرنا معاوية بن هشام ، عن عمرو بن غياث ، عن عاصم ، عن زرّ ، عن عبد الله قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرمها الله وذرّيتها على النار».

١٠ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا ابن بابويه ، أخبرنا محمّد بن عثمان ، أخبرنا محمّد بن عبد الله بن نمير ، أخبرنا أبو مسلم ـ قائد الأعمش ـ ، عن الأعمش ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «تبعث الأنبياء يوم القيامة على الدواب ليوافوا بالمؤمنين من قومهم المحشر ، ويبعث صالحعليه‌السلام على ناقته ، وابعث على البراق خطوها عند أقصى طرفها ، وتبعث فاطمة أمامي».

١١ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا محمّد بن الحسين العلوي (ره) ، أخبرنا محمّد بن عمر الأزدي ، أخبرنا محمّد بن يونس بن موسى ، أخبرنا الحسين بن الحسن الفزاري ، أخبرنا قيس بن الرّبيع ، عن سعد بن طريف ، عن الأصبغ بن نباتة ، عن أبي أيوب


الأنصاري قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ينادي مناد من بطنان العرش : يا أهل الجمع! نكسوا رءوسكم وغضوا أبصاركم حتّى تجوز فاطمة بنت محمّد على الصراط ، قال : فتمرّ ومعها سبعون ألف جارية من الحور العين كالبرق اللامع».

وسمعت ـ هذا الحديث ـ ، عن الشيخ الإمام عبد الحميد البراتقيني ـ مختصرا ـ في «أمالي» الريغدموني ، برواية عليّعليه‌السلام .

١٢ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد هذا ، أخبرني محمّد بن الحسن بن فورك ، أخبرني عبد الله بن جعفر ، أخبرني يونس بن حبيب ، أخبرني أبو داود الطيالسي ، أخبرني أبو عوانة ، عن عمرو بن أبي سلمة ، عن امّه ، عن اسامة قال : مررت بعليّ والعبّاس وهما قاعدان في المسجد ، فقالا : «يا اسامة! استأذن لنا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله » ، فقلت : يا رسول الله! هذا عليّ والعبّاس يستأذنان. فقال : «هل تدري ما جاء بهما»؟ قلت : لا والله ، ما أدري؟ قال : «لكنّي أدري ما جاء بهما فأذن لهما» ، فدخلا وسلّما وقعدا وقالا : «يا رسول الله! أيّ أهلك أحبّ إليك»؟ فقالعليه‌السلام : «فاطمة».

١٣ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد هذا ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا مكرم بن أحمد ، أخبرنا أحمد بن يوسف ، أخبرنا عبد المؤمن بن عليّ : حدّثني عبد السّلام بن حرب ، عن عبد الله بن عمر ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر ، أنّه دخل على فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : يا فاطمة! والله ، ما رأيت أحدا أحبّ إلى رسول الله منك ، والله ، ما كان أحد من النّاس بعد أبيك أحبّ إليّ منك.

١٤ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد هذا ، حدّثني أبو عبد الله الحافظ : حدّثني محمّد بن يعقوب ، حدّثني عبّاس بن محمّد الدوري ، حدّثني يحيى


ابن إسماعيل ، حدّثني محمّد بن فضيل ، عن العلاء بن المسيّب ، عن إبراهيم بن قعيس ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا سافر كان آخر الناس به عهدا فاطمة ، فإذا قدم من سفره كان أوّل النّاس به عهدا فاطمة.

١٥ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد هذا ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ : حدّثني محمّد بن أحمد الفقيه ـ بمرو ـ ، حدّثني جعفر بن محمّد النيسابوري ـ بمرو ـ ، حدّثني علي بن مهران ، حدّثني سلمة بن الفضل ، حدّثني محمّد ابن إسحاق ، عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة : أنّها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قالت : «ما رأيت أحدا أصدق لهجة منها إلّا أن يكون الّذي ولدها».

وفي ـ رواية ـ أبي العلاء ـ وكان بينهما شيء ـ ، فقالت : يا رسول الله! سلها ، فإنّها لا تكذب.

١٦ ـ وأنبأني الحافظ صدر الحفّاظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني ، أخبرني زاهر بن طاهر الكاتب ، أخبرنا محمّد بن عبد الرحمن ، أخبرنا محمّد بن أحمد ، أخبرنا أحمد بن عليّ التميمي ، أخبرنا إبراهيم بن سعيد ، أخبرنا حسين بن محمّد ، عن عمرو بن ثابت ، عن أبي فاختة ، عن عليعليه‌السلام قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لفاطمةعليها‌السلام إنّي وإياك وهذا ـ يعني علي ـ وهذين ـ يعني الحسن والحسين ـ يوم القيامة في مكان واحد».

١٧ ـ وأنبأني أبو العلاء هذا ، أخبرنا محمّد بن إسماعيل الصيرفي ، أخبرنا أحمد بن محمّد بن الحسين ، أخبرنا سليمان بن أحمد ، أخبرنا محمّد ابن عبد الله ، أخبرنا جرير بن الحسين ، أخبرنا حسين الأشقر ، عن قيس بن الرّبيع ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس قال : لما نزلت :


( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) الشورى / ٢٣ ، قالوا : يا رسول الله! من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «عليّ وفاطمة وابناهماعليهم‌السلام ».

١٨ ـ وأخبرنا الإمام الأجل ركن الإسلام أبو الفضل عبد الرحمن بن محمّد الكرماني ، أخبرنا إمام الأئمّة أبو بكر محمّد بن الحسين الأرسابندي (ره) ، أخبرنا القاضي الإمام أبو الحسن علي بن الحسين السعدي ، أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمّد بن أحمد ، أخبرنا محمّد بن محمّد بن علي الطوسي ، أخبرنا محمّد بن إسحاق الثّقفي ، أخبرني الحسن بن يزيد الطحان ، أخبرني عبد السّلام بن حرب ، عن داود بن أبي عوف ، عن جميع ابن عمير قال : دخلت مع عليّ بن أبي طالب على عائشة ، فسألت : أيّ النّاس كان أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ قالت : فاطمة ، قيل : فمن الرّجال؟ قالت : زوجها.

وسمعت ـ هذا الحديث ـ أيضا في جامع أبي عيسى ، بهذا السياق إلّا أنّه زاد في خبره : إن كان ما علمت صوّاما قوّاما ـ تعني عليّاعليه‌السلام .

١٩ ـ وأخبرنا القاضي الأجل ظهير الإسلام أبو الفتح عبد الواحد بن الحسن الباقرحي ، أخبرنا أبو الفضل العبّاس بن أبي العبّاس الشفائي ـ قراءة عليه ـ ، أخبرنا الإمام أبو الحسن عليّ بن أحمد الواحدي ، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمّد الثعلبي ، أخبرنا عبد الله بن حامد ، أخبرنا أبو محمّد المزني ، أخبرنا أبو يعلى الموصلي ، أخبرنا سهل بن زنجلة الرّازي ، أخبرنا عبد الله بن صالح ، أخبرني ابن لهيعة ، عن محمّد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أقام أيّاما لم يطعم طعاما حتّى شقّ ذلك عليه ، وطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة شيئا ، فأتى فاطمةعليها‌السلام فقال :


«يا بنية! هل عندك شيء آكله فاني جائع؟ فقالت : لا ، والله ، بأبي أنت وأمي».

فلما خرج من عندها بعثت إليها جاريتها برغيفين وقطعة لحم ، فأخذته منها ووضعته في جفنة لها وغطت عليها ، وقالت : «لاوثرن بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على نفسي ومن عندي».

وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام ، وبعثت حسنا وحسيناعليهما‌السلام إلى رسول الله فرجع إليها فقالت : «بأبي أنت وأمي ، قد آتانا الله بشيء فخبأته ، قال : هلمي».

فأتته فكشفت عن الجفنة ، فإذا هي مملوءة خبزا ولحما ، فلمّا نظرت إليه بهتت فعرفت أنّها كرامة من الله تعالى ، فحمدت الله تعالى وصلّت على نبيّه ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله «أنّى لك هذا بنية؟ قالت : هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب ، فقال : الحمد لله الّذي جعلك شبيهة بسيدة نساء العالمين في نساء بني إسرائيل في وقتهم ، فإنّها كانت إذا رزقها الله تعالى فسئلت ، قالت : هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب».

فبعث رسول الله اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عليّ فأكل رسول الله هو ؛ وعليّ ؛ وفاطمة ؛ والحسن ؛ والحسين ؛ وجميع نساء النبيّ ؛ وأهل بيته جميعا ؛ وشبعوا وبقيت الجفنة كما هي ، قالت فاطمةعليها‌السلام : «فأوسعت منها على جميع جيراني فجعل الله فيها البركة والخير ، كما فعل اللهعزوجل لمريمعليها‌السلام ».

وسمعت ـ هذا الحديث ، عن الشيخ الإمام عبد الحميد البرايقني ـ مختصرا ـ برواية جابر بن عبد الله أيضا.

٢٠ ـ أخبرنا جار الله العلّامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري ، أخبرنا الأستاذ الأمين أبو الحسن علي بن مردك الرّازي ـ بالري ـ ، أخبرنا


الحافظ أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسن السّمان الرّازي ، أخبرنا عبد الرّحمن بن محمّد النيسابوري ـ بقراءتي عليه ـ ، أخبرنا عبد الله بن محمّد الحلواني ، أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن محمّد ، أخبرنا هارون بن محمّد ، أخبرنا عثمان بن طالوت ، أخبرنا بشر بن أبي عمرو ، أخبرنا أبي ، أخبرنا عبد الله بن عمر ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطّاب ، أنّه دخل على فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : يا فاطمة! إنّه والله ، ما كان أحد من النّاس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أعزّ عليّ منك ، وفي رواية اخرى : أكرم عليّ بعد أبيك منك.

٢١ ـ وذكر الإمام محمّد بن أحمد بن عليّ بن شاذان ، أخبرني الحسن ابن حمزة ، عن علي بن محمّد بن قتيبة ، عن الفضل بن شاذان ، عن محمّد ابن زياد ، عن حميد بن صالح ، عن جعفر بن محمّدعليه‌السلام قال : «حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن الحسينعليه‌السلام ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فاطمة بهجة قلبي ، وابناها ثمرة فؤادي ، وبعلها نور بصري ، والأئمة من ولدها امناء ربّي ، وحبله الممدود بينه وبين خلقه ، من اعتصم بهم نجا ، ومن تخلّف عنهم هوى».

٢٢ ـ وذكر محمّد بن شاذان هذا ، أخبرنا أبو عبد الله الحسن بن محمد بالمحمدية ، عن الحسين بن جعفر ، عن محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن عيسى ، عن نصر بن حماد ، عن شعبة بن الحجاج ، عن أيوب السختياني ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من أراد التوكل على الله فليحبّ أهل بيتي ، ومن أراد أن ينجو من عذاب القبر فليحبّ أهل بيتي ، ومن أراد الحكمة فليحبّ أهل بيتي ، ومن أراد دخول الجنّة بغير حساب فليحبّ أهل بيتي ، فو الله ، ما أحبّهم أحد إلّا ربح الدّنيا والآخرة».


٢٣ ـ وذكر محمّد بن شاذان هذا ، أخبرنا أبو الطيب محمّد بن الحسن التيملي ، عن علي بن العبّاس ، عن بكار بن محمّد ، عن نصر بن مزاحم ، عن زياد بن المنذر ، عن زاذان ، عن سلمان قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا سلمان! من أحبّ فاطمة ابنتي فهو في الجنّة معي ، ومن أبغضها فهو في النّار.

يا سلمان! حبّ فاطمة ينفع في مائة من المواطن ، أيسر تلك المواطن : الموت ؛ والقبر ؛ والميزان ؛ والمحشر ؛ والصراط ؛ والمحاسبة ، فمن رضيت عنه ابنتي فاطمة رضيت عنه ، ومن رضيت عنه رضي الله عنه ، ومن غضبت عليه ابنتي فاطمة غضبت عليه ، ومن غضبت عليه غضب الله عليه.

يا سلمان! ويل لمن يظلمها ويظلم بعلها أمير المؤمنين عليّا ، وويل لمن يظلم ذرّيتها وشيعتها».

٢٤ ـ وذكر ابن شاذان هذا ، حدّثني النقيب أبو الحسن محمّد بن محمّد الحسني ، عن أحمد بن إبراهيم ، عن محمّد بن زكريا ، عن العبّاس ابن بكار ، عن أبي بكر الهذلي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعبد الرّحمن ابن عوف : «يا عبد الرّحمن! أنتم أصحابي ، وعليّ بن أبي طالب منّي ، وأنا من عليّ ، فمن قاسه بغيره فقد جفاني ، ومن جفاني آذاني ، ومن آذاني فعليه لعنة ربّي.

يا عبد الرّحمن! إنّ الله أنزل عليّ كتابا مبينا ، وأمرني أن ابين للنّاس ما نزل إليهم ، ما خلا عليّ بن أبي طالب فإنّه لم يحتج إلى بيان ، لأنّ الله تعالى جعل فصاحته كفصاحتي ، ودرايته كدرايتي. ولو كان الحلم رجلا لكان عليا ، ولو كان العقل رجلا لكان حسنا ، ولو كان السخاء رجلا لكان حسينا ، ولو كان الحسن شخصا لكان فاطمة ، بل هي أعظم ، إنّ فاطمة


ابنتي خير أهل الأرض عنصرا وشرفا وكرما».

٢٥ ـ وذكر ابن شاذان هذا ، أخبرني إبراهيم بن محمّد الدّاري ، عن أحمد بن محمّد بن سعيد ، عن أحمد بن عليل ، عن عبد الله بن داود الأنصاري ، عن موسى بن عليّ القرشي ، عن قنبر بن أحمد ، عن بلال بن حمامة قال : طلع علينا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم ووجهه مشرق كدارة القمر ، فقام عبد الرّحمن بن عوف فقال : يا رسول الله! ما هذا النور؟ فقال : «بشارة أتتني من ربّي في أخي وابن عمّي وابنتي ، فإنّ الله زوّج عليّا من فاطمة ، وأمر رضوان خازن الجنان فهزّ شجرة طوبى فحملت رقاعا ـ يعني صكاكا ـ بعدد محبّي أهل بيتي ، وأنشأ من تحتها ملائكة من نور ، ودفع إلى كلّ ملك صكّا ، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق فلا تلقي محبّا لنا أهل البيت إلّا دفعت إليه صكّا فيه فكاكه من النّار ، فأخي وابن عمّي وابنتي ، بهم فكاك رقاب رجال ونساء من أمّتي من النّار».

٢٦ ـ وأخبرني الشيخ الصالح أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي ـ بمدينة السّلام ـ ، عن مشايخه الثلاثة : القاضي أبي عامر محمود ابن القاسم الأزدي ؛ وأبي نصر بن عبد العزيز بن محمّد الترياقي ؛ وأبي بكر أحمد بن عبد الصمد الفورجي ـ ثلاثتهم ـ ، عن أبي محمّد عبد الجبّار بن محمّد الجراحي ، عن أبي العباس محمّد بن أحمد المحبوبي ، عن الحافظ أبي عيسى الترمذي ، أخبرنا عليّ بن قادم ، أخبرنا أسباط بن نصر ، عن السدّي ، عن صبيح ـ مولى أمّ سلمة ـ ، عن زيد بن أرقم : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام : «أنا سلم لمن سالمتم ، وحرب لمن حاربتم».

٢٧ ـ وأنبأني الحافظ صدر الحفاظ أبو العلاء بن الحسن الهمداني ،


أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن احمد ، أخبرنا إسماعيل بن مسعدة الجرجاني ، أخبرنا حمزة بن يوسف ، أخبرنا عبد الله بن عديّ الحافظ ، أخبرنا عمر بن سنان ، أخبرنا الحسن بن عليّ الأزدي ، أخبرنا أبو عبد الله المفتي ، أخبرنا عبد الرزّاق ، عن أبيه ، عن مينا بن أبي مينا ـ مولى عبد الرحمن بن عوف ـ أنّه قال : ألا تسألوني قبل أن تشاب الأحاديث بالأباطيل ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا شجرة ، وفاطمة فرعها ، وعليّ لقاحها ، والحسن والحسين ثمرتها ، وشيعتنا ورقها ، فالشجرة أصلها في جنّة عدن ، والأصل والفرع واللقاح والثمر والورق في الجنّة»؟

ولأحد الشعراء في هذا المعنى قوله :

يا حبّذا دوحة في الخلد نابتة

ما مثلها نبتت في الخلد من شجر

المصطفى أصلها والفرع فاطمة

ثمّ اللقاح عليّ سيّد البشر

والهاشميان سبطاه لها ثمر

والشيعة الورق الملتف بالثّمر

إنّي بحبّهم أرجو النجاة غدا

والفوز في زمرة من أفضل الزمر

هذا مقال رسول الله جاء به

أهل الرواية في العالي من الخبر

٢٨ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي العلاء ، أخبرنا محمود بن إسماعيل ، أخبرنا أحمد بن محمّد ، أخبرنا الطبراني ، أخبرنا عليّ بن عبد العزيز ، أخبرنا أبو نعيم ، أخبرنا ابن أبي عتبة ، عن أبي الخطاب الهجري ، عن محدوج الباهلي ، عن جسرة قالت : أخبرتني أمّ سلمة قالت: خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى هذا المسجد ، فقال بأعلى صوته : «ألا إنّ هذا المسجد لا يحل لجنب ، ولا لحائض ، إلّا للنبيّ وأزواجه ، وفاطمة وعليّ ، ألا بينت لكم أن تضلوا»(١) .

__________________

(١) في هذا الحديث زيادات لعلّها من محدوج فإنّه مجهول كما في التقريب.


٢٩ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي العلاء ، أخبرنا أبو عليّ الحدّاد ، أخبرنا أبو نعيم ، أخبرنا إبراهيم بن أحمد ، أخبرنا جدّي أبو حصين ، أخبرنا يحيى الحماني ، أخبرنا قيس ، عن عبد الله بن عمران ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيّب ، عن عليعليه‌السلام انّه قال لفاطمةعليها‌السلام : «ما خير النساء؟ قالت : أن لا يرين الرّجال ولا يرونهنّ» فذكر ذلك للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : «إنّما فاطمة بضعة منّي».

٣٠ ـ وبه ، عن أبي نعيم هذا ، أخبرنا سليمان بن أبي أحمد ، أخبرنا عليّ بن سعيد ، أخبرنا عبد الله بن عمر بن أبان ، أخبرنا مسهر بن عبد الملك ، أخبرنا عتبة أبو معاذ البصري ، عن عكرمة ، عن عمران بن الحصين قال : إنّي لجالس عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ أقبلت فاطمة فقامت بحذاء النبيّ مقابلة ، فقال : «ادني يا فاطمة!» فدنت دنوة ، ثمّ قال : «ادني يا فاطمة» فدنت حتّى قامت بين يديه.

قال عمران : فرأيت صفرة قد ظهرت على وجهها وذهب الدم ، فبسط رسول الله بين أصابعه ثمّ وضع كفّه بين ترائبها ، ثمّ قال : «اللهمّ مشبع الجوعة ، وقاضي الحاجة ، ورافع الوضعة ، لا تجع فاطمة بنت محمّد» فرأيت صفرة الجوع قد ذهبت عن وجهها وظهر الدم ، ثمّ سألتها بعد ذلك فقالت : «ما جعت بعد ذلك يا عمران»!.

٣١ ـ وبه ، عن أبي نعيم هذا ، أخبرنا أبو بكر بن خلّاد ، أخبرنا محمّد ابن يونس ، أخبرنا حمّاد بن عيسى ، أخبرنا جعفر ، عن أبيهعليهما‌السلام ، عن جابر قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام قبل موته بثلاث : «سلام الله عليك أبا الريحانتين! اوصيك بريحانتي من الدّنيا ، فعن قليل ينهد ركناك ، والله خليفتي عليك».


فلما قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال عليّعليه‌السلام : «هذا أحد ركني الّذي قال لي رسول الله».

فلمّا ماتت فاطمةعليها‌السلام قال عليّعليه‌السلام : «هذا الثاني الّذي قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ».

٣٢ ـ وأخبرني الشيخ الإمام فخر الأئمّة أبو الفضل بن عبد الرّحمن الحفربندي ، أخبرنا أبو محمّد الحسن بن محمّد السمرقندي ، أخبرنا أبو القاسم عبد الرّحمن بن أحمد العطّار ؛ وإسماعيل بن أبي نصر الصابوني ؛ وأحمد بن الحسين البيهقي ؛ قالوا : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو أحمد الحسين بن علي التميمي ، أخبرنا عبد الله بن محمّد البغوي ، أخبرنا سعيد بن يحيى الاموي ، حدّثني أبي ، حدّثني يزيد بن سنان ، أخبرنا عتبة ابن رويم : سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول : كان رسول الله إذا رجع من غزاة وسفر أتى المسجد فصلّى ركعتين ، ثمّ ثنّى بفاطمة ، ثمّ يأتي أزواجه ، فلمّا رجع خرج من المسجد تلقته فاطمة عند البيت تلثم فاه وعيناها تبكي ، فقال : «يا بنيّة! ما يبكيك؟ قالت : يا رسول الله! أراك شعثا نصبا قد اخلولقت ثيابك؟ فقال : لا تبكي ، فإنّ اللهعزوجل بعث أباك لأمر لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا شعر إلّا أدخل اللهعزوجل به عزا أو ذلا حتّى يبلغ حيث بلغ الليل».

٣٣ ـ وأخبرني الإمام الحافظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الدّيلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرنا محمود بن إسماعيل ، أخبرني أحمد بن فادشاه [ح] ؛ وأخبرنا أبو عليّ الحدّاد ـ مناولة ـ ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ قالا : أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني ، عن عبد الله بن سعد الرّقي ، عن أحمد بن شيبة ، عن أبي قتادة الحرّاني ، عن سفيان الثوري ، عن هشام بن


عروة ، عن أبيه عن عائشة قالت : كنت أرى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقبّل فاطمة ، فقلت : يا رسول الله! إنّي أراك تفعل شيئا ما كنت أراك تفعله من قبل؟

فقال : «يا حميراء! إنّه لما كان ليلة اسري بي إلى السّماء ادخلت الجنّة فوقفت على شجرة من شجر الجنّة لم أر في الجنة شجرة هي أحسن حسنا ولا أبضّ منها ورقة ، ولا أطيب ثمرة ، فتناولت ثمرة من ثمرتها فأكلتها فصارت نطفة في صلبي ، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ، فإذا اشتقت إلى رائحة الجنّة شممت رائحة فاطمة.

يا حميراء! إنّ فاطمة ليست كنساء الآدميين ولا تعتل كما يعتللن».

وأورد ـ هذا الحديث ـ أبو عبد الله في «المستدرك» مختصرا ، عن سعد ابن مالك قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ليلة اسري بي إلى السماء أتاني جبرائيلعليه‌السلام بسفرجلة من الجنّة فأكلتها فعلقت خديجة بفاطمة ، فكنت إذا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رقبة فاطمة».

٣٤ ـ وأخبرني سيّد الحفاظ أبو منصور هذا ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرنا أبو العلاء أحمد بن نصر المؤدّب ووالدي (ره) بقراءتي عليهما قالا : أخبرنا أبو الفرج عليّ بن محمّد البجلي ، أخبرنا أبو بكر أحمد ابن عليّ بن بلال الفقيه ، أخبرنا أحمد بن كامل ، أخبرنا محمّد بن يونس ، أخبرنا حمّاد بن عيسى ، أخبرنا جعفر بن محمّدعليه‌السلام ، عن أبيه ، عن جابر ابن عبد الله الأنصاري قال : رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على فاطمة كساء من أوبار الابل وهي تطحن فبكى ، وقال : «يا فاطمة! اصبري على مرارة الدّنيا ، لنعم الآخرة غدا» قال : فنزلت عند ذلك الآية( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) الضحى / ٥.

٣٥ ـ وأخبرني سيّد الحفّاظ هذا ـ فيما كتب إليّ ـ ، أخبرنا أبو عليّ


الحسن بن أحمد الحدّاد ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، عن محمّد بن عمر السلفي ، عن أبيه ، عن محمّد بن موسى ، عن الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا فاطمة! زوّجتك سيّدا في الدّنيا وإنّه في الآخرة لمن الصالحين.

لما أراد اللهعزوجل أن املكك أمر جبرائيل فقام في السّماء الرابعة وصفّ الملائكة صفوفا ، ثمّ خطب عليهم فزوّجك من عليّ ، ثمّ أمر الله شجر الجنان فحمل الحلي والحلل فنثرت على الملائكة ، فمن أخذ منهم شيئا أكثر مما أخذه غيره افتخر به إلى يوم القيامة».

٣٦ ـ أخبرنا عين الأئمة أبو الحسن عليّ بن أحمد الكرباسي ، أخبرنا القاضي الإمام أحمد بن عبد الرّحمن الريغدموني ، أخبرنا أبي ، أخبرنا أبو بكر محمّد بن أحمد الثعالبي ، أخبرنا أبو بكر محمّد بن جعفر البغدادي ـ بمرو ـ ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي ـ بواسط ـ ، حدّثني أبو الحسن عليّ بن موسى الرّضا ، حدّثني أبي موسى بن جعفر ، حدّثني أبي جعفر بن محمّد ، حدّثني أبي محمّد بن عليّ ، حدّثني أبي عليّ ابن الحسين ، حدّثني أبي الحسين بن علي ، حدّثني أبي علي بن أبي طالبعليهم‌السلام قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أتاني ملك الموت ، فقال : يا محمّد! إنّ الله يقرأ عليك السّلام ، ويقول : قد زوجت فاطمة من عليّ فزوّجها منه ، وقد أمرت شجرة طوبى أن تحمل الدرّ والياقوت والمرجان ، وإنّ أهل السماء قد فرحوا بذلك ، وسيولد لهما ولدان سيّدا شباب أهل الجنة ، فابشر يا محمّد! فإنّك خير الاوّلين والآخرين».

٣٧ ـ وأخبرني ثقة الحفاظ أبو داود محمود بن سليمان بن محمّد الهمداني ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرني أبو بكر محمّد بن عبد


الباقي ؛ ويحيى بن الحسن البناء ـ ببغداد ـ قالا : أخبرنا القاضي الشريف أبو الحسين محمّد بن عليّ بن محمّد بن المهتدي بالله ، أخبرنا أبو حفص عمر ابن أحمد بن عثمان بن شاهين الواعظ ، أخبرنا عبد الله بن محمّد بن جعفر ابن شاذان ـ في تربة نزلها عند حفيرة الخيزران ـ ، أخبرنا أحمد بن محمّد بن مهران ، حدّثني مولاي الحسن بن عليّ ـ صاحب العسكر ـ ، حدّثني أبي عليّ ابن محمّد ، حدّثني أبي محمّد بن عليّ ، حدّثني أبي علي بن موسى ، حدّثني أبي موسى بن جعفر ، حدّثني أبي جعفر بن محمّد ، حدّثني أبي محمّد بن عليعليهم‌السلام قال : «حدّثني جابر بن عبد الله قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لمّا خلق الله تعالى آدم وحوا تبخترا بالجنّة ، وقالا : ما خلق الله خلقا أحسن منّا ، فبينا هما كذلك إذا هما بصورة جارية لم ير الراءون أحسن منها ، لها نور شعشعاني يكاد يطفئ الأبصار ، على رأسها تاج ، وفي اذنيها قرطان ، فقالا : يا ربّ! ما هذه الجارية؟ قال : صورة فاطمة بنت محمّد سيّد ولدك ، فقالا : ما هذا التاج على رأسها؟ قال : هذا بعلها عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فقالا : ما هذا القرطان؟ قال : ابناهما الحسن والحسين ، وجد ذلك في غامض علمي قبل أن أخلقكما بألفي عام».

٣٨ ـ وأخبرني سيّد الحفاظ ـ فيما كتب إليّ ـ قال : وممّا سمعته في «المفاريد» باسنادي ، عن أمّ سلمة قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لو لم يكن عليّ ما كان لفاطمة كفؤ».

قال : ومما سمعته في «المفاريد» باسنادي ، عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا عليّ! إنّ الله تعالى زوّجك فاطمة ، وجعل صداقها الأرض ، فمن مشى عليها مبغضا لها مشى حراما».

٣٩ ـ قال سيد الحفاظ هذا : وأخبرنا أبو الفتح بن عبد الله ـ كتابة ـ


أخبرنا أبو الفضل بن عبدان ، أخبرنا عليّ بن الحسن الرّازي ، أخبرنا أحمد ابن محمّد ، أخبرنا عبّاد بن يعقوب ، أخبرنا يحيى بن سالم ، عن إسرائيل ، عن ميسرة بن حبيب ، عن المنهال بن عمرو ، عن حذيفة قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا ينام حتى يقبّل عرض(١) وجه فاطمة وبين ثديها.

٤٠ ـ وبه ، عن أبي الفضل بن عبدان ، أخبرنا محمّد بن عمر ، أخبرنا عبد الله بن محمّد ، أخبرنا الحسين بن علي الصوفي ، أخبرنا أحمد بن محمّد بن مخلد ، أخبرنا يحيى بن حمّاد ، أخبرنا أبو عوانة ، عن العلاء بن المسيّب ، عن ابراهيم ، عن يعيش ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قبّل رأس فاطمة ، وقال : «فداك أبوك كما كنت فكوني».

٤١ ـ قال سيّد الحفّاظ هذا (جزاه الله عنّا خيرا) : وأخبرنا محيي السنّة عبدوس بن عبد الله ـ اجازة ـ أخبرنا أبو طاهر ، أخبرنا محمّد بن إبراهيم العاصمي ، أخبرنا المفضل بن محمّد ، أخبرنا توبة بن علوان ، أخبرنا شعبة ، عن أبي حمزة ، عن ابن عباس قال : لمّا أن كانت ليلة زفت فيها فاطمة إلى عليّ بن أبي طالب ، كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قدّامها ، وجبرائيل عن يمينها ، وميكائيل عن يسارها ، وسبعون ألف ملك من ورائها يسبحون الله ويقدّسونه ، حتّى طلع الفجر.

٤٢ ـ وبه ، عن محيي السنّة هذا ، أخبرنا أبو طاهر الحسين بن عليّ ، أخبرنا الفضل بن الفضل ، أخبرنا محمّد بن سهل ، أخبرنا عبد الله بن محمّد البلوي ، حدّثني إبراهيم بن عبد الله ، حدّثني أبي ، عن زيد بن عليّ ، عن أبيه عليّ بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن عليّ ، عن أبيه عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام قال : «دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على عليّ وفاطمة وأخذ بعضادتي

__________________

(١) كذا في النسخة ولعلّه عارضي وجه فاطمة.


الباب ، وقال : السّلام عليكم ، يا أهل بيت الرحمة! وموضع الرسالة ، ومنزل الملائكة ، يا بنية! إنّ الله سبحانه وتعالى اطلع على أهل الأرض اطلاعة فاختار أباك ، فجعله نبيّا ، ثمّ اطلع الثانية ، فاختار منهم زوجك عليّا ، فجعله لي أخا ووصيّا ، ثمّ اطلع الثالثة ، فاختارك وامّك ، فجعلكما سيّدتي نساء العالمين ، ثمّ اطلع الرابعة ، فاختار ابنيك فجعلهما سيّدي شباب أهل الجنّة.

فقال العرش : أي ربّي ، ابني نبيّك ، وابني وصيّ نبيّك ، زيني بهما فهما يوم القيامة في ضفتي العرش بمنزلة الشنفين من الوجه ، ومدّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شحمتي اذنيها حتّى احمرتا».

٤٣ ـ وبه ، عن محيي السنّة هذا ، أخبرنا الشّريف المفضل بن محمّد الجعفري ـ بأصبهان ـ في سكة الخوز ، أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه ، أخبرنا عبد الباقي بن قانع ، أخبرنا محمّد بن زكريا بن دينار ، أخبرنا عمير بن عمران ، أخبرنا سليمان بن عمرو النخعي ، عن ربعي ابن خراش ، عن حذيفة قال : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله آخذ بيد الحسين بن عليّ ، فقال : «أيّها النّاس! جدّ الحسين أكرم على الله من جدّ يوسف بن يعقوب ، وأنّ الحسين في الجنّة ، وأباه في الجنّة ، وأمه في الجنة ، وأخاه في الجنّة ، ومحبّهم في الجنّة ، ومحبّ محبّهم في الجنّة».

٤٤ ـ وبه ، عن الحافظ أبي بكر بن مردويه ، أخبرنا عبد الله بن محمّد ابن عيسى ، أخبرنا الحسين بن معاذ بن حرب ، أخبرنا عبد الحميد بن بحر ، أخبرنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن الحرث ، عن عليعليه‌السلام ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «في الجنّة درجة تدعى ـ الوسيلة ـ فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه لي الوسيلة ، قالوا : يا رسول الله! من يسكن معك فيها؟ قال : عليّ ؛ وفاطمة ؛


والحسن ؛ والحسين».

٤٥ ـ قال سيّد الحفّاظ هذا (جزاه الله عنّا خيرا) : أخبرنا والدي (ره) ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن عمر البزاز ، أخبرنا أبو منصور محمّد بن عيسى ، أخبرنا صالح بن أحمد الحافظ ، أخبرنا القاسم بن أبي صالح ، أخبرنا إبراهيم بن الحسين ، أخبرنا سويد بن سعيد ، أخبرنا محمّد بن عمر الكلاعي ، أخبرنا عامر الشعبي ، عن ميمونة بنت الحرث : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لها : «اذهبي بهذا الصاع إلى فاطمة تطحنه لنا».

فبينما هي تطحن إذ غلبتها عينها فذهب بها النوم ، فقال نبيّ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «قد أبطأ علينا طعامنا فانظري ما حبسها»؟

فذهبت ميمونة فاطلعت من الباب فإذا الرحى تدور وإذا فاطمة نائمة فرجعت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت : رأيت فاطمة نائمة والرحى تدور ، فقال : «ما أحد يديرها»؟ قالت : ما أحد يديرها ، فقال : «رحم الله ـ جل جلاله ـ أمته حيث رأى ضعفها ، فأوحى الله إلى الرحى فدارت» فجاءت ميمونة إلى طعامها وقد فرغ الرحى من طحنه.

٤٦ ـ قال سيّد الحفاظ هذا : وأخبرني والدي (ره) ، أخبرنا أبو منصور محمّد بن الحسين المقري ـ بقزوين ـ ، أخبرنا الحسن بن الحسين الراشدي ، أخبرنا محمّد بن عيسى ، أخبرنا أبو بكر الشعفي ـ ببغداد ـ حدّثتنا سمانة بنت حمدان بن موسى ، حدّثني أبي ، حدّثني عمرو بن زياد الثوباني ، أخبرنا عبد العزيز بن محمّد ، حدّثني زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لما أن مات ولدي من خديجة أوحى الله إليّ أن أمسك عن خديجة وكنت لها عاشقا ، فسألت الله أن يجمع بيني وبينها ، فأتاني جبرئيل في ـ شهر رمضان ليلة جمعة لأربع وعشرين ـ ، ومعه


طبق من رطب الجنّة ، فقال لي : يا محمّد! كل هذا وواقع خديجة الليلة ، ففعلت فحملت بفاطمة ، فما لثمت فاطمة إلّا وجدت ريح ذلك الرطب ، وهو في عترتها الى يوم القيامة».

٤٧ ـ أخبرني شهاب الدّين أبو النجيب سعد بن عبد الله ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرنا الحافظ أبو عليّ الحسن بن أحمد الحدّاد ـ إذنا ـ ، أخبرنا الأديب أبو يعلى عبد الرزاق بن عمر الطبراني ، أخبرنا الإمام الحافظ طراز المحدّثين أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني ، أخبرنا سليمان بن أحمد ، أخبرنا محمّد بن موسى ، أخبرنا الحسن بن كثير ، أخبرنا سليمان بن عقبة ، أخبرنا عكرمة بن عمّار ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : «يا رسول الله! أيما أحبّ إليك أنا أم فاطمة؟ ، قال : فاطمة أحبّ إليّ منك ، وأنت أعزّ عليّ منها ، وكأنّي بك وأنت على حوضي تذود عنه النّاس ، وأنّ عليه الأباريق مثل عدد نجوم السّماء ، وإنّي وأنت والحسن والحسين وفاطمة وعقيلا وجعفرا في الجنة ، إخوانا على سرر متقابلين لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه».

٤٨ ـ وأخبرني أبو النجيب هذا ـ فيما كتب إليّ ـ بإسناده عن الحافظ أبي بكر بن مردويه ، أخبرنا إبراهيم بن أبان بن رستة ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله ، أخبرنا عبد الرّحمن بن حمّاد ، أخبرنا أبو عبد الرّحمن المدني ، عن محمّد بن عليّ ، عن أبيهعليهما‌السلام أنه ذكر تزويج فاطمةعليها‌السلام ، ثمّ ذكر أنّ فاطمة سألت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خادما إلى أن قال : «ثمّ غزا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ساحل البحر ، فأصاب سبيا فقسمه فأمسك امرأتين : إحداهما شابة والأخرى امرأة قد دخلت في السن ليست بشابة ، فبعث إلى فاطمة وأخذ


بيد المرأة فوضعها في يد فاطمة ، وقال : يا فاطمة! هذه لك ولا تضربيها ، فإنّي رأيتها تصلّي وأنّ جبرئيل نهاني أن أضرب المصلّين ، وجعل رسول الله يوصيها بها ، فلمّا رأت فاطمة ما يوصيها بها التفتت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقالت : يا رسول الله! عليّ يوم وعليها يوم ، ففاضت عينا رسول الله بالبكاء وقال : الله أعلم حيث يجعل رسالته ، ذرّية بعضها من بعض والله سميع عليم».

٤٩ ـ وبهذا الإسناد ، عن [ابن] مردويه هذا ، أخبرنا عثمان بن محمّد البصري ، حدّثنا محمّد بن الحسين : سمعت الحسن بن عبد العزيز : سمعت عبيد الله القواريري يقول : اختلف أصحابنا ـ يعني ـ يحيى بن سعيد ؛ وعبد الرّحمن بن مهدي ، في ـ عائشة وفاطمة ـ أيتهما أفضل؟ فأرسلوني إلى عبد الله بن داود الخريبي ، فسألته ، فقال : أمّا فاطمة فإن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «إنّما فاطمة بضعة منّي» ، ولم أكن أفضل على بضعة من رسول الله أحدا.

٥٠ ـ أنبأني الإمام فخر الأئمّة أبو الفضل الحفر بندي ، أخبرنا الحسن بن أحمد السمرقندي ، أخبرنا أبو القاسم بن أحمد ؛ وإسماعيل بن أبي نصر ؛ وأحمد بن الحسين قالوا : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا الحسن بن محمّد ، حدّثنا محمّد بن زكريا ، حدّثنا عبد الله بن المثنى ، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس ، عن أنس بن مالك قال : سألت امّي عن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت : كانت كالقمر ليلة البدر ، أو كالشّمس كفر عاما(١) إذا خرجت من السحاب ، بيضاء مشربة حمرة ، لها شعر أسود ، من أشدّ النّاس برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شبها ، كانت والله ، كما قال الشاعر :

بيضاء وتسحب من قيام شعرها

وتغيب فيه وهو جثل أسحم

__________________

(١) كذا في النسخة ولعل الأصل أو كالشمس كفرها الغمام.


فكأنّها فيه نهار مشرق

وكأنّه ليل عليها مظلم

٥١ ـ أخبرنا سيّد الحفّاظ الدّيلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ أخبرنا الحسن بن محمد المقري ـ إذنا ـ ، أخبرنا عبد الرّزاق بن عمر ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه ، حدّثني محمّد بن إبراهيم ، حدّثني إبراهيم بن إسماعيل ، حدّثني محمّد بن خلف ، حدّثني محمّد بن أبي السري ، حدّثني عبد الرّزاق بن معمر ، عن الزهري ، عن أنس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «بينما أهل الجنّة في الجنّة ينعمون ، وأهل النّار في النّار يعذّبون ، إذ لأهل الجنّة نور ساطع فيقول بعضهم لبعض : ما هذا النور؟ لعلّه ربّ العزّة اطلع فنظر إلينا ، فيقول لهم رضوان : لا ، ولكن عليّعليه‌السلام مازح فاطمةعليها‌السلام فتبسمت فأضاء ذلك النور من ثناياها».

٥٢ ـ قال سيّد الحفّاظ : وأخبرنا محيي السنّة أبو الفتح عبدوس بن عبد الله الهمداني ـ إجازة ـ ، حدّثنا القاضي أبو نصر شعيب بن عليّ ، حدّثنا موسى بن سعيد ، حدّثنا الوليد بن عليّ ، حدّثنا عبّاد بن يعقوب ، حدّثنا عليّ بن عياش ، عن فضيل ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : لمّا نزلت آية :( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) الاسراء / ٢٦ ، دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمةعليها‌السلام فأعطاها «فدكا».

٥٣ ـ قال سيد الحفاظ هذا : أخبرنا محيي السنّة هذا إجازة ، أخبرنا أبو الفرج ، حدثنا عبد الرحمن بن أحمد ، حدثنا أبو علي الدقيقي ، حدثنا إبراهيم بن الحسين ، حدثنا إسماعيل بن موسى ، حدثنا عمر بن سعيد ، حدثني عبد العزيز ؛ ويحيى بن سليم ؛ وسليمان الأعمش ، عن عطاء بن السائب ـ دخل حديث بعضهم في بعض ـ ، عن عليعليه‌السلام ، وابن عبّاس (ره) قالا : «لما اسري برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى السماء بلغ السماء الرابعة ، وهي من


ذهب صفراء اسمها «الماهون» ، وخازنها مؤمن باليل ، وفيها ادريس النبي» ، وذكر فيها قصّة مريم وقصرها ؛ وآسيا بنت مزاحم وقصرها ؛ وخديجة بنت خويلد وقصرها ، إلى أن بلغ فاطمة بنت رسول اللهعليها‌السلام فذكر قصرها.

قالا : فرأى سبعين قصرا من مرجانة حمراء ، مكللة باللؤلؤ ، أبوابها وحيطانها وأسرّتها من عرق واحد».

٥٤ ـ وحدثنا أخي الإمام الأجل سراج الدين شمس الأئمة إمام الحرمين أبو الفرج محمّد بن أحمد المكي ـ إملاء ـ (جزاه الله عني خيرا) ، حدثنا القاضي الإمام الأجل جمال القضاة أبو الفتح المظفر بن أحمد بن عبد الواحد ـ بحلوان ـ ، في شهر الله المبارك رمضان سنة عشر وخمسمائة ، أخبرنا الشيخ الفقيه أبو بكر محمد بن علي الحلواني في جامع حلوان في جمادى الأولى سنة أربع وستين واربعمائة ، أخبرتنا كريمة بنت أحمد بن محمد المروزي ـ بمكة ـ حرسها الله سنة خمس وخمسين واربعمائة ـ قراءة عليها ـ وأنا حاضر أسمع.

[ح] وأخبرني بهذا الحديث عاليا قاضي القضاة نجم الدين أبو منصور محمد بن الحسين بن محمد البغدادي فيما كتب إليّ من همدان ، بروايته عن الإمام نور الهدى أبي طالب الحسين بن محمد بن علي الزينبي بروايته عن الكريمة فاطمة بنت أحمد بن محمد المروزية بمكة حرسها الله ، بهذا الإسناد هذه السياقة ، قيل لها : أخبركم الشيخ الإمام أبو عليّ زاهر بن أحمد ، حدثنا معاذ بن يوسف الجرجاني ، حدثنا أحمد بن محمد بن غالب ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا نمير ، عن مجالد ، عن ابن عبّاس قال : خرج أعرابي من ـ بني سليم ـ يبتدئ في البرية ، فإذا هو بضب قد نفر من بين يديه ، فسعى وراءه حتّى اصطاده ، ثم جعله في كمه وأقبل يزدلف نحو


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فلما وقف بازائه ناداه : يا محمد! يا محمد! وكان من أخلاق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا قيل له : يا محمد! قال : «يا محمد!» ، وإذا قيل له : يا أحمد قال : «يا أحمد» ، وإذا قيل له : يا أبا القاسم قال : «يا أبا القاسم» ، وإذا قيل له : يا رسول الله قال «لبيك وسعديك» ، ويتهلل وجهه. فلما أن ناداه الأعرابيّ : يا محمد يا محمد! قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا محمد يا محمد» ، فقال له : أنت الساحر الكذاب الذي ما أظلّت الخضراء ، ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أكذب منك؟ أنت الذي تزعم أنّ لك في هذه الخضراء إلها بعث بك إلى الأسود والأبيض؟ فو اللات والعزى ، لو لا أني أخاف أن يسميني قومي «العجول» لضربتك بسيفي هذا ضربة أقتلك فيها فأسود بك الأولين والآخرين؟

فوثب إليه عمر بن الخطاب ليبطش به ، فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اجلس أبا حفص! فقد كاد الحليم أن يكون نبيا» ، ثم التفت النبي إلى الأعرابي ، فقال له : «يا اخا بني سليم أهكذا تفعل العرب؟ يتهجمون علينا في مجالسنا ويجاهروننا بالكلام الغليظ ، يا أعرابي والذي بعثني بالحقّ نبيّا ، إنّ أهل السماء السابعة ليسمونني «أحمد الصّادق» ، يا أعرابي أسلم تسلم من النار ، ويكون لك مالنا ، وعليك ما علينا ، وتكون أخانا في الإسلام». قال : فغضب الاعرابي وقال : واللات والعزى ، لا أومن بك يا محمد! أو يؤمن هذا الضبّ ، ورمى بالضبّ عن كمه ، فلما وقع الضبّ ولى هاربا ، فناداه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله «أيها الضب أقبل إليّ» ، فأقبل الضبّ ينظر إلى النبي ، فقال له النبيّ : «أيها الضبّ من أنا»؟ فإذا هو ينطق بلسان فصيح ذرب غير متلكئ ، ويقول : أنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. فقال له النبي : «من تعبد»؟ فقال : أعبد اللهعزوجل الذي فلق الحبة ، وبرأ


النسمة ، واتخذ إبراهيم خليلا ، واصطفاك يا محمد حبيبا ، ثمّ أطبق على فم الضب فلم يحر جوابا ، فلما نظر الاعرابي إلى ذلك ، قال : وا عجبا ضب اصطدته من البرية ، ثم أتيت به في كمي لا يفقه ، ولا ينقه ، ولا يعقل ، يكلم محمدا بهذا الكلام ، ويشهد له بهذه الشهادة ، لا أطلب أثرا بعد عين ، مدّ يمينك فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله ، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله ، فأسلم وحسن إسلامه ، ثمّ أنشأ شعرا في ذلك وقال :

ألا يا رسول الله! أنّك صادق

فبوركت مهديا وبوركت هاديا

شرعت لنا دين الحنيفة بعد ما

عبدنا كأمثال الحمير الطواغيا

فيا خير مدعو! ويا خير مرسل

إلى إنسها والجن لبيك داعيا

أتيت ببرهان من الله واضح

فأصبحت فينا صادق القول زاكيا

فبوركت في الأحوال حيا وميتا

وبوركت مولودا وبوركت ناشيا

ونحن اناس من سليم وأننا

أتيناك نرجو أن ننال العواليا

قال : فالتفت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أصحابه ، وقال : «علموا الأعرابي سورا من القرآن» فلما علم الأعرابيّ شيئا من القرآن ، قال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «هل لك شيء من المال؟» قال : والذي بعثك بالحق نبيا ، إنّ بني سليم أربعة آلاف رجل ما فيهم أفقر مني ، ولا أقل مالا ، فالتفت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أصحابه ، وقال لهم : «من يحمل الأعرابي على ناقة وأنا أضمن له على الله ناقة من نوق الجنّة؟»

فوثب عبد الرحمن بن عوف فقال : فداك أبي وأمي ، عندي ناقة حمراء عشراء ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ألا أصف لك الناقة التي تعطاها بدلا من ناقة الأعرابي»؟ قال : بلى ، فداك أبي وأمي ، فقال : «يا عبد الرحمن! ناقة من ذهب أحمر ، قوامها من العنبر ، ووبرها من الزعفران ، وعيناها من


ياقوت احمر ، وعنقها من زبر جد أخضر ، وسنامها من كافور أشهب ، ودفتها من الدر وخطامها من اللؤلؤ الرطب ، عليها قبّة من درّة بيضاء يرى باطنها من ظاهرها ، وظاهرها من باطنها ، تطير بك في الجنّة».

ثم التفت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أصحابه فقال : «من يتوج الأعرابي وأنا أضمن له على الله تاج التقى»؟ فوثب إليه علي بن أبي طالبعليه‌السلام فقال : «فداك أبي وأمي ، وما تاج التقى»؟ فذكر صفته فنزع عليعليه‌السلام عمامته فعمّم بها الأعرابي ، ثم التفت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : «من يزود الأعرابي وأنا اضمن له على الله زاد التقوى»؟ فوثب إليه سلمان وقال : فداك أبي وأمي ، وما زاد التقوى؟ فقال : «يا سلمان إذا كان آخر يوم من الدنيا لقنك الله شهادة أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله ، فإن أنت قلتها لقيتني ولقيتك ، وإن أنت لم تقلها لم تقلني ولم ألقك أبدا».

قال : فمضى سلمان حتى طاف تسعة أبيات من بيوت رسول الله (صلوات الله عليه) فلم يجد عندهن شيئا ، فلمّا ولى راجعا نظر إلى حجرة فاطمة ، فقال : إن يكن خير فمن منزل فاطمة ، فقرع الباب فأجابته من وراء الباب : «من بالباب»؟ فقال : أنا سلمان الفارسي ، فقالت : «وما تريد»؟ فشرح لها قصة الأعرابي والضب وما ضمنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لزاده ، فقالت : «يا سلمان والذي بعث بالحق محمدا نبيا ، إن لنا ثلاثا ما طعمنا ، وأنّ الحسن والحسين قد اضطربا عليّ من شدة الجوع ، ثم رقدا كأنهما فرخان منتوفان ، ولكن يا سلمان لا ارد الخير يأتي ، خذ درعي هذا ثم امض به إلى شمعون اليهود ، وقل له : تقول فاطمة بنت محمد : أقرضني عليه صاعا من تمر ، وصاعا من شعير ، أرده عليك إن شاء الله تعالى».

فأخذ سلمان الدرع ، وأتى به إلى شمعون اليهودي ، فأخذ شمعون


الدرع وجعل يقلبه في كفه وعيناه تذرفان بالدموع ، وهو يقول : يا سلمان هذا هو الزهد في الدنيا ، هذا الذي أخبرنا به موسى بن عمران في «التوراة» ، فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، فأسلم وحسن إسلامه ، ودفع لسلمان صاعا من تمر ، وصاعا من شعير ، فأتى به سلمان إلى فاطمة فطحنته بيدها واختبزته ، وأنت به إلى سلمان ، وقالت له : «خذه وامض به الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله » ، فقال سلمان : يا فاطمة خذي منه قرصا تعللين به الحسن والحسين؟ فقالت : «يا سلمان! هذا شيء أمضيناه للهعزوجل ، فلسنا نأخذ منه شيئا» ، فاخذه سلمان وأتى النبي ، فلما نظرهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «يا سلمان من أين لك هذا»؟ قال : من منزل ابنتك فاطمة.

قال : وكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يطعم طعاما منذ ـ ثلاث ـ ، فقام حتى أتى حجرة فاطمة فقرع الباب ، وكان إذا قرع الباب لا يفتح له إلّا فاطمة فلمّا فتحت له نظر إلى صفرة وجهها وتغير حدقتيها ، فقال : «يا بنية! ما الذي اراه من صفرة وجهك ، وتغير حدقتيك» قالت : «يا أبة إن لنا ـ ثلاثا ـ ما طعمنا ، وأنّ الحسن والحسين اضطربا عليّ من شدة الجوع ، ثم رقدا كأنهما فرخان منتوفان».

قال : فنبههما النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأجلس واحدا على فخذه الأيمن ، وواحدا على فخذه الأيسر ، وأجلس فاطمة بين يديه ، واعتنقهم ، فدخل عليّ بن أبي طالب فاعتنق النبي من ورائه ، ثم رفع النبيّ طرفه إلى السماء ، وقال : «إلهي وسيدي ومولاي هؤلاء أهل بيتي ، اللهمّ فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» ، ثم وثبت فاطمة إلى مخدعها فصفت قدميها وصلّت ركعتين ، ثم رفعت باطن كفيها إلى السماء ، وقالت : «إلهي وسيدي هذا نبيك محمد ؛ وهذا عليّ ابن عم نبيك ؛ وهذان الحسن والحسين سبطا نبيك ،


إلهي! فأنزل علينا مائدة كما أنزلتها على ـ بني إسرائيل ـ أكلوا منها وكفروا بها ، اللهمّ فأنزلها فإنا بها مؤمنون».

قال ابن عباس : فو الله ، ما استتمت الدّعوة إلّا وهي ترى جفنة من ورائها يفوح قتارها ، وإذا قتارها أذكى من المسك الأذفر فاحتضنتها ، وأتت بها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وعلي ؛ والحسن ؛ والحسينعليهم‌السلام فلما نظرها عليّ ، قال : «يا فاطمة أنى لك هذا»؟ ولم يكن يعهد عندها شيئا ، فقال النبيّ : «كل يا ابا الحسن ولا تسل ، الحمد لله الذي لم يمتني حتى رزقني ولدا مثله ، مثل مريم( كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) » آل عمران / ٣٧.

قال : فأكل النبي ؛ وعليّ ؛ وفاطمة ؛ والحسن ؛ والحسينعليهم‌السلام ، وخرج النبيّ وتزود الأعرابي فاستوى على راحلته ، وأتى بني سليم وهم يومئذ أربعة آلاف رجل ، فلما حلّ في وسطهم ، ناداهم بأعلى صوته : قولوا : لا إله إلّا الله ، محمد رسول الله.

فلمّا سمعوا هذه المقالة أسرعوا إلى سيوفهم فجرّدوها ، وقالوا : صبوت إلى دين محمد الساحر الكذاب؟ فقال لهم : والله ، يا بني سليم ما هو بساحر ولا كذاب ، إنّ إله محمد خير إله ، وانّ محمدا خير نبي أتيته جائعا فأطعمني ، وعاريا فكساني ، وراجلا فحملني ، ثمّ شرح لهم ـ قصّة الضب ـ وما قاله ، وقال لهم : يا معشر بني سليم أسلموا تسلموا من النار ، فأسلم ذلك اليوم أربعة آلاف رجل ـ وهم أصحاب الرايات الخضر حول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٥٥ ـ وروي في «المراسيل» أن ـ الحسن والحسين ـ كان عليهما ثوبان خلقان وقد قرب العيد ، فقالا لامهما فاطمة : إنّ بني فلان خيطت لهم ثياب


فاخرة للعيد ، أفلا تخيطين يا أمّاه لنا ثيابا للعيد؟ فقالت لهما : يخاط لكما إن شاء الله. فلمّا جاء العيد جاء جبرائيل بقميصين من حلل الجنّة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال له رسول الله : «ما هذان يا أخي يا جبرائيل؟» فأخبره بقول الحسن والحسين لفاطمة ، وبقول فاطمة : «يخاط لكما إن شاء الله» ، قال جبرائيل : فلما سمع الله قولها قال : «لا تكذبن فاطمة بقولها فقد شئت».

٥٦ ـ وعن أبي هريرة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «أول شخص يدخل عليّ الجنّة فاطمة ، مثلها في هذه الامة كمثل مريم بنت عمران في بني إسرائيل».

٥٧ ـ وأخبرنا سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ (جزاه الله خيرا) ، أخبرنا محيي السنّة أبو الفتح عبدوس بن عبد الله الهمداني كتابة ، أخبرنا أبو منصور ، أخبرنا عليّ بن مكي ، أخبرنا القاسم ، أخبرنا إبراهيم ، أخبرنا إسماعيل بن بنت السدّي ، أخبرنا بشر بن الوليد الهاشمي ، أخبرنا عبد النور المسمعي ، عن شعبة بن الحجاج ، عن عمرو بن مرّة ، عن إبراهيم بن علي ، عن مسروق قال : لما قدم علينا عبد الله بن مسعود ـ الكوفة ـ قلنا له : حدثنا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فذكر الجنّة ، ثمّ قال : سأحدثكم بحديث سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فلم أزل أطلب الشهادة للحديث فلم ارزقها ، سمعته يقول في ـ غزوة تبوك ـ ونحن نسير معه ، يقول : «إنّ الله أمرني أن ازوج فاطمة من علي ففعلت ، فقال لي جبرائيل : إنّ الله قد بنى جنة عدن من لؤلؤ قصب رطب ، بين كلّ قصبة إلى قصبة لؤلؤة من ياقوت مشذرة بالذهب ، فلبنة من در ، ولبنة من ياقوت ، ولبنة من زبرجد ، ثم جعل فيها عيونا تنبع في نواحيها وحيطت بالأنهار ، وجعل الأنهار قبابا قد شعبت بسلاسل الذهب ، وحفّت بأنواع الشجر ، وبين كلّ غصنين بيت ، وجعل في كلّ أريكة من درّة بيضاء


غشاؤها السندس والاستبرق ، وفرشت أرضها بالزعفران وفتيق المسك والعنبر ، وجعل في كلّ قبة حوراء ، والقبة لها مائة باب على كلّ باب جاريتان وشجرتان ، وفي كل قبّة مفرش وكتاب مكتوب حول القباب ـ آية الكرسي ـ فقلت : يا جبرائيل! لمن بنى الله هذه الجنّة؟ فقال : هذه جنّة بناها الله لعليّ وفاطمة ابنتك ، سوى جنانهما تحفة لهما أتحفها الله بها يا محمّد».

٥٨ ـ وأخبرني الإمام شهاب الإسلام أبو النجيب سعد بن عبد الله الهمداني ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرني الحافظ سليمان بن إبراهيم ـ فيما كتب إليّ من أصبهان سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ـ ، أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه ، فيما أذن لي قال : حدثت عن جعفر بن محمّد بن مروان ، أخبرنا أبي ، أخبرنا سعيد بن محمد الجرمي ، أخبرنا عمرو بن ثابت ، عن أبيه ، عن حبّة ، عن عليّعليه‌السلام قال : «غسلت النبيّ في قميصه فكانت فاطمة تقول : إرثي القميص فإذا شمته غشي عليها ، فلمّا رأيت ذلك غيّبته».

٥٩ ـ وبهذا الإسناد ، عن الحافظ أبي بكر هذا ، أخبرنا عبد الله بن إسحاق ، أخبرنا محمد بن عبيد ، أخبرنا محمد بن زياد ، أخبرنا شرقي بن قطامي(١) ، عن صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أنها قالت : لمّا بلغ فاطمة أن أبا بكر أظهر منعها «فدكا» لاثت خمارها على رأسها ، واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم مشية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فنيطت دونها ملاءة ، ثمّ أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء ، ثم امهلت هنيهة حتى إذا سكنت فورتهم ،

__________________

(١) في السند ، الشرقي بن قطامي طعن فيه ابن حجر في الميزان فالحديث مزيد فيه.


افتتحت كلامها بحمد الله والثناء عليه ، ثم قالت : «( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) التوبة / ١٢٨ ، فإن تعزوه تجدوه أبي دون نسائكم ، وأخا ابن عمي دون رجالكم ، فبلغ الرسالة ، صادعا بالنذارة ، مائلا عن مدرجة المشركين ، ضاربا لحدتهم ، يجذ الأصنام ، وينكث الهام ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، حتى تفرى الليل عن صبحه ، وأسفر الحق عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق الشياطين ، وتمت كلمة الإخلاص ، وكنتم على شفا حفرة من النار ، نهزة الطامع ومذقة الشارب ، وقبسة العجلان ، وموطئ الأقدام ، تشربون الطرق ، وتقتاتون القد ، أذلة خاسئين ، حتى استنقذكم الله ورسوله ، بعد اللتيا والتي ، وبعد أن مني ببهم الرجال ، وذؤبان العرب ، ومردة أهل الكتاب ، كلما أوقدوا نارا للحرب ، وفغرت فاغرة ، قذف أخاه في لهواتها فلا ينكفي ، حتى يطأ صماخها بأخمصه ، ويطفئ عادية لهبها بسيفه ، وأنتم في رفاهية آمنون ، وادعون حتى اذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ، اطلع الشيطان رأسه ، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين ، وللغرة ملاحظين ، ثم استنهضكم فوجدكم غضابا فوسمتم غير إبلكم ، ووردتم غير شربكم ، هذا والعهد قريب والكلم رحيب ، والجرح لما يندمل ، إنما زعمتم خوف الفتنة ،( أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ) التوبة / ٤٩ ، ثمّ لم تلبثوا حيث تسرون حسوا في ارتغاء ونصبر منكم على مثل حز المدى ، وأنتم تزعمون أنّ لا إرث لنا ، أفحكم الجاهلية تبغون ،( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) المائدة / ٥٠.

يا معشر المسلمين أأبتز إرث أبي؟ أبى الله أن ترث أباك ، ولا أرث أبي ، لقد جئت شيئا فريا ، فدونكها مرحولة مخطومة ، تلقاك يوم حشرك ، فنعم


الحكم الله ، والزعيم محمد ، والموعد القيامة ،( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ) » الجاثية / ٢٧. ثم انكفأت الى قبر أبيها تقول :

قد كان بعدك أنباء وهنبثة

لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها

واختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا

فلما فرغت من مقالتها ، حمد الله أبو بكر ، وصلّى على نبيه ، ثم قال : يا خير النساء! ويا ابنة خير الأنبياء! والله ، ما تجاوزت رأي أبيك رسول الله ، ولا خالفت أمره ، إن الرائد لا يكذب أهله ، إني أشهد الله وكفى به شهيدا ، إني سمعت رسول الله يقول : «إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ، ولا دارا ولا عقارا ، وإنما نورث الكتاب والحكمة والنبوة»؟

قالت : فلما سمعت فاطمة ذلك رضيت وانصرفت ، قالوا : ولما أفضى الأمر إلى عليّعليه‌السلام تكلّم معه أن يرد «فدكا» ، فقال : «معاذ الله ، إني لاستحي أن أردّ شيئا منع منه أبو بكر وأمضاه عمر» ، وأبى أن يردّها.

٦٠ ـ أخبرني الإمام الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني ـ إجازة بهمدان ـ ، أخبرنا الحسن بن أحمد المقري ، أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو حامد بن جبلة ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثنا محمد ابن الصباح ، حدثنا علي بن هاشم ، عن كثير النواء ، عن عمران بن حصين : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لي : ألا تنطلق بنا نعود فاطمة فانها تشتكي؟ قلت : بلى ، فانطلقنا حتى إذا انتهينا إلى بابها فسلّم واستأذن ، فقال : أأدخل أنا ومن معي؟ قالت : نعم ، ومن معك يا أبتاه فو الله ، ما عليّ إلّا عباءة ، فقال لها : اصنعي بها كذا ، واصنعي بها كذا ، وعلّمها كيف تسترها؟ فقالت : والله ، ما على رأسي من خمار ، فأخذ خلق ملاءة كانت عليه فقال : اختمري بها ، ثمّ أذنت لنا فدخلنا ، فقال : كيف تجدينك يا بنية؟ قالت : إني وجعة ، وإني


ليزيدني أنه مالي طعام آكله ، قال : يا بنية أما ترضين انّك سيدة نساء العالمين؟ فقالت : يا أبت فأين مريم بنت عمران؟ قال : تلك سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء العالمين ، أم والله لقد زوجتك سيدا في الدّنيا والآخرة.

٦١ ـ وأخبرني سيد الحفاظ أبو منصور الديلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ (جزاه الله خيرا) ، أنبأنا الحسن بن أحمد المقري ، أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو حامد بن جبلة ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثنا عبد الجبّار بن العلا ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : ما رأيت فاطمة ضاحكة بعد رسول الله إلّا يوما افترت بطرف نابها.

٦٢ ـ وقال : ومكثت بعد رسول الله ستة أشهر.

٦٣ ـ وقال الحسن : ما كان في الدنيا أعبد من فاطمةعليها‌السلام كانت تقوم حتى تتورم قدماها.

٦٤ ـ قيل : ولما دفن رسول الله رجعت فاطمة إلى بيتها واجتمع إليها نساؤها فقالت: «إنا لله وإنا إليه راجعون ، انقطع عنا والله خير السماء» ، ثمّ أنشأت تقول :

اغبر آفاق البلاد وكورت

شمس النهار واظلم العصران

والأرض من بعد النبي حزينة

أسفا عليه كثيرة الرجفان

فليبكه شرق البلاد وغربها

ولتبكه مضر وكل يمان

نفسي فداؤك ما لرأسك مائلا

ما وسدوك وسادة الوسنان

ووقفت على قبره فقالت :

ما ضر من قد شم تربة أحمد

أن لا يشم مدى الزمان غواليا

صبّت عليّ مصائب لو أنّها

صبّت على الأيام صرن لياليا

٦٥ ـ أخبرني الشيخ الإمام سيف الدين أبو جعفر محمد بن عمر بن


أبي علي كتابة ، أخبرنا الإمام أبو الحسين النقيب بن زيد بن الحسن البيهقي ، أخبرنا علي بن محمد الحسني ، حدثنا الإمام أبو جعفر محمد بن جعفر بن علي الحسني ، أخبرنا السيد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسن الحسيني ، أخبرنا أحمد بن إبراهيم الحسيني ، أخبرنا محمد بن أبي عمار ، حدثنا محمد بن خلف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، عن أحمد بن نوح ، عن يحيى ابن علي ، عن أبان بن تغلب ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبيه عليعليهم‌السلام قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنما أنا بشر مثلكم أتزوج فيكم وازوجكم إلّا فاطمة فإنه نزل تزويجها من السماء».

٦٦ ـ وأخبرنا العالم الأوحد أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي (ره) ، عن مشايخه الثلاثة : القاضي أبي عامر محمود بن القاسم الأزدي ؛ وأبي نصر عبد العزيز بن محمد الترياقي ؛ وأبي بكر أحمد بن عبد الصمد الغورجي ثلاثتهم ، عن أبي محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، عن الحافظ أبي عيسى الترمذي ، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن ؛ وإسحاق بن منصور قالا : حدثنا محمد ابن يوسف ، عن إسرائيل ، عن ميسرة بن حبيب ، عن المنهال ، عن زر ، عن حذيفة قال : سألتني أمي قالت : متى عهدك بالنبي؟ فقلت : ما لي عهد به منذ كذا وكذا ، فنالت مني فقلت : دعيني آتي النبي فاصلي معه المغرب وأسأله أن يستغفر لي ولك ، فأتيت النبي فصليت معه المغرب ، فصلّى حتى صلى العشاء ، ثم انفتل فتبعته فسمع صوتي ، فقال : من هذا أحذيفة؟ قلت : نعم ، قال : ما حاجتك؟ غفر الله لك ولأمك ، ؛ إن هذا ملك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني : بأنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة».


٦٧ ـ أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي (ره) قال : أخبرنا شيخ القضاة أبو عليّ إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا والدي شيخ السنة أحمد بن الحسين البيهقي ، حدثنا أبو الحسين بن بشران ـ ببغداد ـ ، أخبرنا محمد بن عمرو ، حدثنا الحسن بن مكرم ، حدثنا أبو النصر ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن علي بن أبي رافع ، عن أبيه ، عن امّه سلمى قالت : اشتكت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شكواها التي قبضت فيها ، فكنت امرضها فأصبحت يوما كأمثل ما رأيتها في شكواها تلك ، فخرج عليّ لبعض حاجته ، فقالت : يا اماه اسكبي لي غسلا ، فسكبت لها غسلا فاغتسلت كأحسن ما رأيتها تغتسل ، ثم قال : يا اماه اعطيني ثيابي الجدد ، فأعطيتها فلبستها ، ثم قالت : يا اماه قدمي فراشي وسط البيت ، ففعلت فاضطجعت واستقبلت القبلة ، وجعلت يديها تحت خدها ، ثم قالت : يا اماه إني مقبوضة الآن وقد تطهرت فلا يكشفني أحد فقبضت مكانها ، فجاء عليّ فأخبرته ، فقال : والله ، لا يكشفها أحد ، فدفنها بغسلها.

٦٨ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو حازم العبدري الحافظ ، أخبرنا أبو أحمد الحافظ ، أخبرنا أحمد بن عمير الدمشقي ، حدثنا عبد الله بن حمزة الزبيري ، حدثنا عبد الله بن نافع ، عن محمد بن موسى ، عن عون بن محمد الهاشمي ، عن أمه ، عن أسماء بنت عميس : أنّ فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أوصت أن يغسلها زوجها عليّ ، فغسلها هو وأسماء بنت عميس.

قال أحمد بن الحسين : وهذا أشبه ، لأنّ غسل الميت في مذاهب أهل العلم إنما يجب بالوفاة ، فلا يقوم الغسل قبلها مقامه.


٦٩ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى العلوي ، حدثنا جدي يحيى بن الحسن ، حدثنا بكر بن عبد الوهاب ، حدثنا محمد بن عمر الواقدي ، حدثنا عمر بن محمد بن عمر بن علي ، عن أبيه ، عن عليّ بن الحسين ، عن ابن عباس قال : كانت فاطمة مرضت مرضا شديدا فقالت لأسماء بنت عميس : ألا ترين إلى ما بلغت أحمل على السرير ظاهرا؟ فقالت : أسماء : لا ، لعمري ، ولكن أصنع لك نعشا كما رأيته يصنع ـ بأرض الحبشة ـ ، قالت : فأرنيه ، فأرسلت أسماء الى جرائد رطبة فقطعت من الأسواق ، وجعل على السرير نعشا ، وهو أوّل نعش كان ، فتبسمت فاطمة وما رأيتها متبسمة بعد أبيها (صلوات الله عليه) إلّا يومئذ ، ثم حملناها فدفناها ليلا.

٧٠ ـ وأخبرني سيد الحفاظ أبو منصور الديلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أنبأنا الحسن بن أحمد المقري ، أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، حدثنا أبو العباس السراج ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا محمد بن موسى المخزومي ، عن عون بن محمد بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام عن أمه أم جعفر [ح] وعن عبادة بن المهاجر ، عن أم جعفر : أنّ فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قالت : يا أسماء! إنّي قد استقبحت ما يصنع بالنساء ، أنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها ، فقالت أسماء : يا بنت رسول الله ألا اريك شيئا رأيته ـ بالحبشة ـ؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ، ثم طرحت عليها ثوبا ، فقالت فاطمة : ما أحسن هذا وأجمله؟ لا تعرف به المرأة من الرجل ، فإذا أنا مت فغسليني أنت وعليّ ، ولا يدخل عليّ أحد ، فلما توفيت غسلها عليّ وأسماء.


٧١ ـ أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا والدي شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، أخبرنا أبو الحسين بن الفضل ، أخبرنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا أبو اليمان ، أخبرني شعيب ، عن الزهري ، حدثني عروة : أنّ عائشة أخبرته قالت : عاشت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعده ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها علي بن أبي طالبعليه‌السلام ليلا ، ولم يؤذن بها أبو بكر ، وصلّى عليها عليّ. واختلفت الروايات في وقت وفاتها ، ففي رواية : أنها بقيت بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شهرين ، وفي رواية : ثلاثة أشهر ، وفي رواية : مائة يوم ، وفي رواية : ثمانية أشهر.

٧٢ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا محمد بن أحمد ، حدثنا الحسن بن الجهمي ، حدثنا الحسين ابن الفرج ، حدثنا محمد بن عمر قال : توفيت فاطمة بنت محمد (صلوات الله عليهما) لثلاث ليال خلون من شهر رمضان ، وهي بنت تسع وعشرين أو نحوها.

٧٣ ـ وذكر أبو عبد الله بن مندة الأصبهاني في كتاب المعرفة : أنّ عليا تزوج فاطمة ـ بالمدينة ـ بعد سنة من الهجرة ، وابتنى بها بعد ذلك بنحو من سنة ، وولدت لعليّ : الحسن ؛ والحسين ؛ والمحسن ؛ وأمّ كلثوم الكبرى ؛ وزينب الكبرى.

٧٤ ـ قال محمد بن إسحاق : توفيت ولها من العمر ثمان وعشرون سنة ، وقيل : سبع وعشرون سنة ، وفي رواية : أنها ولدت على رأس سنة إحدى وأربعين من مولد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيكون سنها على هذا ثلاثا وعشرين


سنة ، والأكثر على أنها كانت بنت تسع وعشرين سنة أو ثلاثين سنة.

٧٥ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثني أحمد بن عبيد الأسدي ـ بهمدان ـ ، حدثني إبراهيم بن الحسين ، حدثني إسماعيل بن أبي أويس ، حدثني موسى بن جعفر بن محمد ابن علي ، عن أبيه ، عن جده محمّد بن علي ، عن أبيه ، عن عليّعليه‌السلام : «أن فاطمة لما توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت تقول : وا أبتاه! من ربه ما أدناه ، وا أبتاه جنان الخلد مثواه ، وا أبتاه! يكرمه ربّه إذا أتاه ، وا أبتاه! الربّ والرسل يسلمون عليه إذا يلقاه». ولما ماتت فاطمةعليها‌السلام قال علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) يرثيها :

لكلّ اجتماع من خليلين فرقة

وكلّ الذي دون الفراق قليل

وإن افتقادي فاطما بعد أحمد

دليل على أن لا يدوم خليل

وذكر الحاكم : أنّ فاطمةعليها‌السلام لما ماتت أنشأ عليعليه‌السلام يقول :

نفسي على زفراتها محبوسة

يا ليتها خرجت مع الزفرات

لا خير بعدك في الحياة وإنما

أبكي مخافة أن تطول حياتي

٧٦ ـ أخبرنا سيد الحفاظ أبو منصور الديلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أنبأني الرئيس أبو الفتح عبدوس بن عبد الله السبائي بهمدان إذنا ، حدثنا أبو الحسن عليّ بن الحسن ، حدثنا محمد بن الحسين الزعفراني ، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب ، حدثنا الزبير بن بكار ، عن محمد بن الحسن ، عن إبراهيم بن أبي يحيى ، عن صالح ـ مولى التوأمة ـ : أنّ عبد الله ابن الحسن بن الحسن دخل على هشام بن عبد الملك وعنده الكلبي ، فقال هشام لعبد الله بن الحسن : يا أبا محمد! كم بلغت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من السن؟ فقال : بلغت ثلاثين ، فقال للكلبي : ما تقول؟ فقال : بلغت خمسا


وثلاثين ، فقال هشام لعبد الله : ألا تسمع ما يقول الكلبي وقد عني بهذا الأمر؟ فقال عبد الله بن الحسن : يا أمير المؤمنين! سلني عن أمي فأنا أعلم بها ، وسل الكلبي عن امّه فهو أعلم بها.

٧٧ ـ وذكر وهب بن منبّه ، عن ابن عباس فصلا طويلا في وفاة فاطمةعليها‌السلام ، كتبنا منه ما هو المقصود من ذلك.

ذكر أنّ أعرابيا جاء من الشام وابن عباس كان في المسجد الحرام يفتي الناس ، فسأله عن أبناء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبناته ، فأخبره أنّ أبناءه كانوا خمسة : القاسم ؛ والطاهر ؛ والمطهر ؛ والطيب ؛ وهم من خديجة (رضي الله عنها) وابراهيم من مارية ؛ وبناته كن أربعا : زينب ؛ ورقية ؛ وأمّ كلثوم ؛ وفاطمة ؛ وكن أيضا من خديجة ، وكلّهم مات في حياته (صلوات الله عليه) إلّا فاطمة فإنها بقيت أربعين يوما من بعده.

قال : ولما جاء فاطمة الأجل لم تحتم ولم تصدع ، ولكن أخذت بيدي الحسن والحسين فذهبت بهما الى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فأجلستهما عنده ، ثم وقفت فصلت بين المنبر والقبر ركعتين ، ثم ضمتهما إلى صدرها والتزمتهما ، وقالت : يا ولدي اجلسا عند أبيكما ساعة ، وعليّعليه‌السلام يصلي في المسجد ، ثم رجعت نحو المنزل فحملت ما فضل من حنوط النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فاغتسلت به ولبست فضل كفنه ، ثم نادت : يا أسماء! وهي امرأة جعفر الطيار ، فقالت لها : لبيك ، يا بنت رسول الله ، فقالت : تعاهديني فإني أدخل هذا البيت فأضع جنبي ساعة ، فإذا مضت ساعة ولم أخرج فناديني ثلاثا فإن أجبتك وإلّا فاعلمي أني لحقت برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم قامت مقام رسول الله في بيتها فصلّت ركعتين ، ثم جللت وجهها بطرف ردائها وقضت نحبها.

وقيل : بل ماتت في سجدتها ، فلما مضت ساعة أقبلت أسماء ،


فنادت : يا فاطمة الزهراء! يا أمّ الحسن والحسين! يا بنت رسول الله يا سيدة نساء العالمين! فلم تجب ، فدخلت فإذا هي ميتة.

فقال الأعرابي : كيف علمت وقت وفاتها يا ابن عباس؟ قال : أعلمها أبوها ، ثم شقت أسماء جيبها ، وقالت : كيف اجترئ فاخبر ابني رسول الله بوفاتك ، ثم خرجت فتلقاها الحسن والحسين ، فقالا : أين امنا؟ فسكتت فدخلا البيت فإذا هي ممتدة فحركها الحسين فإذا هي ميتة ، فقال : يا أخاه آجرك الله في أمّنا ، وخرجا يناديان : يا محمداه! اليوم جدد لنا موتك إذ ماتت امنا ثم أخبر عليا وهو في المسجد فغشي عليه حتى رشّ عليه الماء ، ثمّ أفاق فحملهما حتى أدخلهما بيت فاطمة الزهراء فرآها وعند رأسها أسماء تبكي ، وتقول : وا يتامى محمداه! كنا نتعزى بفاطمةعليها‌السلام بعد موت جدكما ، فبمن نتعزى بعدها؟ ثم كشف عليّعليه‌السلام عن وجهها فإذا برقعة عند رأسها فنظر فيها ، فإذا فيها : «بسم الله الرّحمن الرّحيم ـ هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمد ، أوصت وهي تشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا عبده ورسوله ، وأن الجنّة حق وأن النار حق ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ الله يبعث من في القبور ، يا علي! أنا فاطمة بنت محمد زوجني الله منك لأكون لك في الدنيا والآخرة ، فأنت أولى بي من غيرك ، فحنطني وكفني وغسلني بالليل ، وصلّ عليّ وادفني بالليل ولا تعلم أحدا ، وأستودعك الله واقرأ على ولدي السلام الى يوم القيام».

فلما جن الليل غسلها عليّ ووضعها على السرير وقال للحسن : ادع لي أبا ذر ، فدعاه فحملاها إلى المصلّى ، فصلّى عليها ، ثم صلّى ركعتين ورفع يديه الى السماء ، ونادى : هذه بنت نبيك فاطمة أخرجها من الظلمات إلى النور ، فأضاءت الأرض ميلا في ميل ، فلما أراد أن يدفنها نودي من


بقعة من البقيع : إليّ إليّ فقد رفع تربتها ، فنظر فإذا بقبر محفور ، فحمل السرير إليه فدفنها.

فلما رجع علي ؛ والحسن ؛ والحسين ، جلس عليّ وقال : يا ارض! استودعك وديعتي هذه بنت رسول الله فنودي منها : يا علي أنا أرفق بها منك فارجع ولاتهم ، فرجع وانسد القبر واستوى في الأرض فلم يعلم أين كان إلى يوم القيامة؟

٧٨ ـ وذكر الثقة وهو الذي جاء في المشاهير : أنها دفنت بين العشاء والمغرب ، وشهدها أبو بكر ؛ وعمر ؛ والزبير ؛ وابن عوف ؛ وناس من الصحابة ، فقال عليّ لأبي بكر : تقدم فصلّ عليها ، فقال أبو بكر : ما كنت لأصلي على فاطمة وعليّ حاضر ، فقال علي : والله ، لا يصلي عليها غيرك؟ فتقدم أبو بكر وصلّى عليها(١) ودفنوها ليلا.

__________________

(١) هذه الرواية موضوعة إذ المعروف أنها لم يصل عليها غير أمير المؤمنينعليه‌السلام كما تقدم.


الفصل السادس

في فضائل الحسن والحسينعليهم‌السلام



١ ـ أخبرنا الإمام الزّاهد الحافظ أبو الحسن عليّ بن أحمد العاصمي ، أخبرنا أبو عليّ إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا والدي أحمد بن الحسين ، أنبأنا أبو عبد الرّحمن السلمي ، أخبرنا أبو عبد الله العكبري ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد ، حدّثني عمّي ، حدّثنا الزبير بن بكار قال : ولد الحسن بن علي للنصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة.

وفي ـ رواية ـ قتادة : ولدت فاطمة حسنا بعد «احد» بسنتين ، وكان بين وقعة «احد» وقدوم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله سنتان وستة أشهر ونصف ، فولدت الحسن لأربع سنين وستة أشهر ونصف من مقدمه.

وهذه الرواية تخالف أكثر الروايات في التواريخ ، فإنّهم اتفقوا على أن الحسن ولد سنة ثلاث من الهجرة.

٢ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد المفسر ، أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الله الحفيد ، حدّثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي ـ بالبصرة ـ ، حدّثني أبي ،


حدّثني علي بن موسى ، حدّثني أبي موسى بن جعفر ، حدّثني أبي جعفر بن محمّد ، حدّثني أبي محمّد بن عليّ ، حدّثني أبي علي بن الحسينعليهم‌السلام قال : «حدّثتني أسماء بنت عميس ، قالت : قبّلت جدّتك فاطمة بالحسن والحسين ، فلمّا ولد الحسن جاءني النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : يا أسماء! هاتي ابني ، فدفعته إليه في خرقة صفراء ، فرمى بها النبيّ ، وقال : يا أسماء! ألم أعهد إليكم أن لا تلفوا لي الولد بخرقة صفراء ، فلففته في خرقة بيضاء ، ودفعته إلى النبي فأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، ثمّ قال لعليّ : أي شيء سمّيت ابني؟ قال : ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله! كنت احبّ أن اسميه ـ حربا ـ ، فقال النبيّعليه‌السلام : ولا أنا أيضا أسبق باسمه ربيعزوجل فهبط جبرئيلعليه‌السلام ، فقال : السلام عليك يا محمد! العليّ الأعلى يقرئك السّلام ، ويقول : عليّ منك بمنزلة هارون من موسى ولا نبيّ بعدك ، سم ابنك هذا باسم ـ ابن هارون ـ ، قال : وما اسم ابن هارون؟ قال : شبر ، قال : لساني عربي ، قال : سمه الحسن ، قالت أسماء : فسمّاه الحسن ، فلمّا كان يوم سابعه عقّ عنه النبيّ بكبشين أملحين ، فأعطى القابلة فخذا ، وحلق رأسه وتصدّق بوزن الشعر ورقا ، وطلى رأسه بالخلوق ، ثمّ قال : يا أسماء! الدم من فعل الجاهلية.

قالت أسماء : فلمّا كان بعد حول من مولد الحسن ولدت الحسين فجاءني النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : يا أسماء! هاتي ابني ، فدفعته إليه في خرقة بيضاء فأذّن في اذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، ثم وضعه في حجره وبكى ، قالت أسماء : فقلت : فداك أبي وامّي! ممّ بكاؤك؟ قال : على ابني هذا ، قلت : إنّه ولد الساعة ، قال : يا أسماء! تقتله الفئة الباغية لا أنالهم الله شفاعتي ، ثمّ قال : يا أسماء! لا تخبري فاطمة بهذا فإنّها قريبة عهد بولادته ، ثمّ قال


لعليّ : أي شيء سمّيت ابني؟ قال : ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله! وقد كنت احبّ أن اسميه ـ حربا ـ ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ولا أنا أسبق باسمه ربّيعزوجل ، فهبط جبرئيلعليه‌السلام وقال : يا محمّد! العليّ الأعلى يقرئك السّلام ويقول : عليّ منك بمنزلة هارون من موسى ولا نبيّ بعدك ، سم ابنك باسم ـ ابن هارون ـ ، قال : ما اسم ابن هارون؟ قال : شبير ، قال : لساني عربي يا جبرئيل! قال : سمّه حسينا ، قالت أسماء فسمّاه الحسين ، فلمّا كان يوم سابعه عقّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عنه بكبشين أملحين ، وأعطى القابلة فخذا ، وحلق رأسه ؛ وتصدّق بوزن الشعر ورقا ، وطلى رأسه بالخلوق وقال : يا أسماء الدم فعل الجاهلية.

٣ ـ وبهذا الإسناد ، عن عليّ بن الحسينعليه‌السلام أنّه سمي حسنا يوم سابعه ، واشتق من اسم حسن الحسين ، وذكر أنّه لم يكن بينهما إلا الحمل.

٤ ـ وبذلك الإسناد ، عن أحمد بن الحسين ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو محمّد الخراساني ، حدّثنا أبو بكر بن أبي العوّام ، حدّثنا أبي ، حدّثنا جرير بن عبد الحميد ، عن شبيب بن نعيم ، عن فاطمة بنت الحسين ، عن فاطمة الكبرى قالت : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : كلّ بني أمّ ينتمون إلى عصبة إلّا ولد فاطمة فأنا أبوهم وعصبتهم».

وتقدّم في ـ الباب ـ ، عن جابر بن عبد الله مثله.

٥ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا محمّد بن إبراهيم المزكى ، حدّثنا الحسين بن محمّد بن زياد ، حدّثنا عمر بن عليّعليه‌السلام قال : يكنى الحسن بن عليّ أبا محمّد ، ويكنى الحسين بن عليّ أبا عبد الله.

٦ ـ أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ـ ببغداد ـ ، أخبرنا أبو عمرو بن


السمال ، حدّثنا حنبل بن إسحاق ، حدّثنا داود بن عمرو ، حدّثنا صالح بن موسى ، حدّثنا عاصم ـ هو ابن بهدلة ـ ، عن يحيى بن يعمر العامري قال : بعث إليّ الحجاج فقال: يا يحيى! أنت الذي تزعم أنّ ولد عليّ من فاطمة ولد رسول الله؟ فقلت له : إن أمنتني تكلّمت! قال : فأنت آمن ، فقلت له : نعم ، أقرأ عليك كتاب الله ، إنّ الله يقول :( وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ) إلى أن قال :( وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ) الانعام / ٨٤ ـ ٨٥ ، وعيسى كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول ، وقد نسبه الله تعالى إلى إبراهيم ، قال : ما دعاك إلى نشر هذا وذكره؟ فقلت : ما استوجب الله على أهل العلم في علمهم ليبيننّه للنّاس ولا يكتمونه.

قال : صدقت ، فلا تعد إلى ذكر هذا ولا نشره.

٧ ـ وجاء هذا ـ الحديث ـ مرسلا ، اطول من هذا ، عن عامر الشعبي أنّه قال : بعث إليّ الحجاج ذات ليلة فخشيت فقمت فتوضأت وأوصيت ، ثمّ دخلت عليه فنظرت فإذا نطع منشور وسيف مسلول ، فسلمت عليه فردّ عليّ السّلام وقال : لا تخف ، فقد أمنتك الليلة وغدا إلى الظهر ، ثمّ أجلسني وأشار فأتي برجل مقيد بالكبول والأغلال فوضعوه بين يديه ، فقال : إنّ هذا الشيخ يقول : إنّ الحسن والحسين كانا ابني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فليأتني بحجة من القرآن أو لأضربن عنقه ، فقلت : يجب أن يحلّ قيده فإنّه إن احتج فلا محالة يذهب ، وإن لم يحتج فالسيف لا يقطع هذا الحديد ، فحلّوا قيوده وكبوله ، فنظرت فإذا هو سعيد بن جبير فحزنت له ، وقلت : كيف يجد على ذلك حجّة من القرآن ، فقال له الحجاج : آتني بحجّة من القرآن على ما دعيت وإلّا ضربت عنقك ، فقال : انتظر ، فسكت ساعة وقال له : مثل ذلك ، فقال : انتظر ، فسكت ساعة ، وقال له : مثل ذلك ، فقال : أعوذ بالله


من الشيطان الرّجيم ، بسم الله الرّحمن الرّحيم ، ثمّ قرأ( وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ) إلى قوله تعالى :( وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) وسكت ثمّ قال للحجاج : اقرأ ما بعده ، فقرأ :( وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ ) الانعام / ٨٤ ـ ٨٥ ، ثمّ قال سعيد : كيف يليق عيسى هاهنا؟ فقال : إنّه كان من ذرّيته ، فقال : إن كان عيسى من ذرية إبراهيم ولم يكن له أب بل كان ابن بنت فنسب إليه على بعده ، فالحسن والحسين أولى أن ينسبا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لقربهما منه ، فأمر له بعشرة آلاف دينار وأمر بأن يحملوها معه إلى داره وأذن له في الرجوع.

قال الشعبي : فلمّا أصبحت ، قلت في نفسي : قد وجب عليّ أن آتي هذا الشيخ فأتعلم منه معاني القرآن لأني كنت أظن أني أعرفها فإذا أنا لا أعرفها ، فأتيته فإذا هو في المسجد وتلك الدنانير بين يديه يفرقها عشرة عشرة ويتصدق بها ، ويقول : هذا كلّه ببركة الحسن والحسينعليهما‌السلام لئن كنّا أغممنا واحدا فقد أفرحنا ألفا وأرضينا الله تعالى ورسوله.

٨ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو بكر محمّد ابن الحسن بن فورك ، أخبرنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني ، عن يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود ، حدّثني قيس ، حدّثنا أبو إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّعليه‌السلام قال : «كان الحسن أشبه الناس بالنبي من وجهه إلى سرّته ، وكان الحسين أشبه النّاس بالنبيّ من سرّته إلى قدمه».

وسمعت ـ هذا الحديث ـ أيضا في ـ جامع أبي عيسى ـ بهذا السياق.

٩ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، حدّثنا إبراهيم بن عبد الله ، حدّثنا حجاج بن منهال ؛ وأبو عمرو الخوصي ، حدّثنا مهدي بن ميمون ،


أخبرني محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب ، عن أبي نعيم قال : كنت عند ابن عمر فسأله رجل عن دم البعوض ، فقال : ممّن أنت؟ قال : من أهل العراق ، فقال : انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض ، وقد قتلوا ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد سمعت رسول الله يقول : «هما ريحانتاي من الدنيا».

وأخرجه البخاري في «الصحيح» ، وقال : «هما ريحاني» ، وفي رواية ـ شعبة ـ : كنت عند ابن عمر فسئل عن المحرم يقتل الذباب؟ فقال : يا أهل العراق! تسألوني عن المحرم يقتل الذباب ، وقد قتلتم ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد قال رسول الله : «هما ريحاناي من الدّنيا».

وسمعت ـ هذا الحديث ـ في ـ جامع أبي عيسى ـ على هذا السياق.

١٠ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرني أبو الحسين بن بشران ـ ببغداد ـ أخبرنا إسماعيل بن محمّد الصفار ، حدّثنا سعدان بن نصر ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن أبي سويد ، عن عمر بن عبد العزيز قال : زعمت المرأة الصالحة ـ خولة بنت حكيم ـ امرأة ـ عثمان بن مظعون ـ : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج وهو محتضن أحد ابني بنته ، وهو يقول : والله ، إنّكم لتجهلون وتجبنون وتبخلون ، وإنكم لمن ريحان الله».

قال الفراء : الريحان في كلام العرب ـ الرزق.

١١ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، حدّثنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني أحمد بن جعفر القطيعي ، حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدّثني أبي ، حدّثني بن نمير ، حدّثني حجاج بن دينار الواسطي ، عن جعفر بن اياس ، عن عبد الرّحمن ، عن ابن مسعود ، عن أبي هريرة قال : خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه الحسن والحسين ، هذا على عاتقه وهذا على عاتقه ، وهو يلثم هذا مرّة وهذا مرّة ، حتى انتهى إلينا ، فقال له رجل:


يا رسول الله! إنّك تحبهما؟ فقال : «من أحبّهما فقد أحبّني ومن أبغضهما فقد أبغضني».

١٢ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أخبرنا أبو جعفر محمّد بن عمرو ، حدّثنا الحسن بن سلام ، حدّثنا عبد الله بن موسى ، حدثنا علي بن صالح ، عن عاصم ، عن زرّ ، عن عبد الله ابن مسعود قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره ، فأرادوا أن يمنعوهما ، فلمّا قضى الصلاة ضمهما إليه وقال : «من أحبّني فليحب هذين».

١٣ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرني أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني محمّد بن يعقوب ، حدّثنا العباس بن محمّد ، حدّثنا خالد ابن مخلد ، حدّثنا موسى بن يعقوب الزمعي ، عن عبد الله بن أبي بكر بن زيد ، أخبرني مسلم بن أبي سهل ، أخبرني الحسن بن اسامة بن زيد بن حارثة ، أخبرني أبي أسامة قال : طرقت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات ليلة لبعض الحاجة ، فخرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو؟ فلمّا فرغت من حاجتي قلت : ما هذا الذي أنت مشتمل عليه فكشف فإذا حسن وحسين على ركبتيه ، فقال : «هذان ابناي وابنا بنتي ، اللهمّ! تعلم أنّي أحبّهما فأحبهما ، اللهمّ تعلم أنّي احبهما فأحبهما».

وسمعت ـ هذا الحديث ـ برواية اسامة في ـ جامع أبي عيسى ـ إلّا أنّه زاد في آخره : «وأحب من يحبهما» ، وقال بمكان «على ركبتيه» «على وركيه».

١٤ ـ وأخبرنا جار الله العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري ، حدّثنا الاستاذ الأمين أبو الحسن عليّ بن الحسين بن مردك الرّازي ، أخبرنا الحافظ أبو سعد إسماعيل بن عليّ بن الحسين السمان ،


أخبرنا أبو زكريا أحمد بن محمّد الصوفي ـ بقراءتي عليه بدمشق ـ ، حدّثنا أحمد بن محمّد العمركي ، حدثنا محمّد بن معاذ الهروي ، حدّثنا أحمد الفريابي ، حدثنا عمرو بن جرير البجلي ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن ابن مسعود ، عن أبي بكر الصدّيق ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة».

وسمعت ـ هذا الحديث ـ في «الصحاح» وعلى الإمام الأجل ركن الإسلام أبي الفضل الكرماني في «أمالي» فخر القضاة الأرسابندي برواية ابن عباس.

١٥ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي سعيد السمان هذا ، أخبرنا أبو سعد عبد الله بن محمّد بن بدر ـ بقراءتي عليه ـ ، حدّثنا أحمد بن محمّد القطّان ، حدّثنا عبد الكريم بن أبي الهيثم ، حدّثنا الحسين بن عبد الله بن حرب ، حدّثنا عمر بن عطية العوفي ، عن أبي سعيد : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان ذات يوم يصلّي إذ جاء الحسن والحسين ، فوثبا على ظهر نبيّ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو ساجد ، فتناولهما نبيّ الله وأخذهما أخذا رفيقا حتّى وضعهما بإزائه ، قال : فلقد رأيتهما أمامينا ، فقال : ورأيت أبا بكر يحملهما على عنقه ممّا قد علم من حبّ رسول الله إياهما.

١٦ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي سعد السّمان هذا ، أخبرنا أبو بكر محمد ابن عبد الله الحمدوني ـ بقراءتي عليه ـ ، حدّثنا أبو حاتم محمّد بن عيسى ، أخبرنا أبو حاتم محمّد بن ادريس ، حدّثنا سعيد بن سلام ، حدّثنا عمر بن سعيد ، عن أبي مليكة ، عن عقبة بن الحرث قال : صلّيت مع أبي بكر العصر ، فخرج وهو بيني وبين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام فمررنا بصبيان يلعبون فيهم : الحسن بن عليّ ، فأخذه أبو بكر فاحتمله وجعل يقول : بأبي شبيه


بالنبيّ ، ليس شبيها بعلي ، وعليّعليه‌السلام يضحك من قول أبي بكر.

وأخرج هذا الحديث أبو عبد الله الحافظ في «المستدرك» بهذا السياق.

١٧ ـ وبهذا الإسناد عن أبي سعد السّمان هذا ، أخبرنا أبو محمّد النخشبي ـ بقراءتي عليه بمصر ـ ، حدّثنا أبو سعيد بن الأعرابي ، حدّثنا أحمد ابن حازم ، حدّثنا جعفر بن عون ، حدّثنا اسامة بن زيد ، عن عبد الرّحمن الأصبهاني قال : جاء الحسن بن عليّ إلى أبي بكر وهو على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : «انزل عن مجلس أبي» قال : صدقت ، إنّه مجلس أبيك ، ثمّ أجلسه في حجره وبكى ، فقال عليّ : «والله ، ما هذا عن أمري»؟ قال: صدقت ، والله ما اتهمتك.

١٨ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي سعد السّمان هذا ، أخبرنا قاضي القضاة ـ بقراءتي عليه ـ ، أخبرنا أبو القاسم بن أبي صالح ـ بقراءة والدي وأنا حاضر أسمع ـ ، حدّثنا إبراهيم بن الحسين بن عليّ ، حدّثنا موسى بن إسماعيل المنقري ، حدثنا وهيب بن خالد ، حدّثنا جعفر بن محمّد ، عن أبيهعليهما‌السلام : «أنّه قدم على عمر بن الخطاب حلل من اليمن فكسا النّاس وراحوا في الحلل وعمر بين القبر والمنبر ، وناس جلوس ، وناس يأتون يسلّمون عليه ، ويدعون له ، فخرج حسن وحسين من بيت فاطمة يتخطيان النّاس ، وكان بيت فاطمة في جوف المسجد ليس عليهما من تلك الحلل شيء وهما بين عينيه ، فقال للنّاس : والله ، ما هنأني أن أكسوكم! قالوا : لم يا أمير المؤمنين! كسوت رعيتك وأحسنت ، قال : من أجل الغلامين يتخطّيان النّاس وليس عليهما شيء ، كبرت عنهما ، وصغرا عنها.

ثمّ كتب إلى صاحب اليمن : أن ابعث إليّ حلّتين للحسن والحسين ، وعجل فبعث إليه بحلتين وكساهما».


١٩ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي سعد السّمان هذا ، أخبرنا أبو محمّد الحسن بن عثمان ـ ببغداد بقراءتي عليه ـ ، حدّثنا الحسن بن محمّد ، حدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، حدّثنا إبراهيم بن بشار ، حدّثنا سفيان ، حدّثنا عمرو ، عن أبي جعفرعليه‌السلام : «إنّ عمر لمّا دوّن الدواوين وأراد أن يفرض للنّاس ، قال : بمن أبدا؟ قالوا : بنفسك ، يا أمير المؤمنين! فقال : قد أنكرتموني ، فبدأ ببني هاشم ففرض للحسن والحسين خمسمائة دينار خمسمائة دينار.

وفي رواية ـ الليث بن سعد ـ ، قالوا : بمن نبدأ يا أمير المؤمنين؟! أبك فإنّك إمام المسلمين ، قال : بل رسول الله الإمام ، فابدءوا برهطه الأقرب فالأقرب حتّى يدعى عمر في بني عدي.

٢٠ ـ وأخبرني العالم الأوحد أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي ، عن محمود بن القاسم الأزدي ، وأبي نصر الترياقي ؛ وأبي بكر الغورجي ، عن أبي محمّد الجراحي ، عن العبّاس المحبوبي ، عن الحافظ أبي عيسى الترمذي ، حدّثنا الحسين بن حريث ، حدثنا عليّ بن الحسين بن واقد ، حدّثني أبي ، حدّثني عبد الله بن بريدة : سمعت أبي بريدة يقول : بينا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخطب إذ جاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ، فنزل رسول الله من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ، ثمّ قال : «صدق الله تعالى :( إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) التغابن / ١٥ نظرت هذين الصبيين يمشيان ويعثران ، فلم أصبر حتّى قطعت حديثي ورفعتهما».

٢١ ـ وذكر الإمام محمّد بن أحمد بن عليّ بن شاذان ، حدّثنا محمّد بن عليّ بن الفضل ، عن محمّد بن القاسم ، عن عباد بن يعقوب ، عن موسى


ابن عثمان ، عن الأعمش ، حدّثني أبو إسحاق ، عن الحرث ؛ وسعيد بن بشير ، عن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنا واردكم على الحوض ، وأنت يا عليّ السّاقي ؛ والحسن الذائد ؛ والحسين الآمر ، وعلي بن الحسين الفارط ، ومحمّد بن عليّ الناشر ، وجعفر بن محمّد السائق ، وموسى بن جعفر محصي المحبين والمبغضين وقامع المنافقين ، وعليّ بن موسى مزين المؤمنين ، ومحمّد بن عليّ منزل أهل الجنّة درجاتهم ، وعليّ بن محمّد خطيب شيعته ومزوّجهم الحور العين ، والحسن بن عليّ سراج أهل الجنّة يستضيؤون به ، والمهديّ شفيعهم يوم القيامة حيث لا يأذن الله إلّا لمن يشاء ويرضى».

٢٢ ـ وذكر ابن شاذان هذا ، حدّثنا القاضي المعافى بن زكريا ، عن عبد الله بن محمّد البغوي ، عن يحيى الحماني ، عن محمّد بن الفضيل ، عن الكلبي ، عن ابن صالح ، عن ابن عباس ، قال : كنت جالسا بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم ، وبين يديه : عليّ ؛ وفاطمة ؛ والحسن ؛ والحسينعليهم‌السلام إذ هبط جبرائيل ومعه تفاحة ، فحيّا بها النبيّ فتحيى بها ، وحيى عليّ بن أبي طالب بها فتحيى بها وقبّلها ، وردّها إلى رسول الله فتحيى بها ، وحيى بها الحسن فتحيى بها الحسن وقبلها ، وردّها إلى رسول الله فتحيى بها ، وحيى بها الحسين فتحيى بها وقبلها ، وردّها الى رسول الله فتحيى بها ، وحيى بها فاطمة فتحيت بها وقبّلتها ، وردّتها إلى رسول الله فتحيى بها الرابعة ، وحيى بها عليّ بن أبي طالب فتحيى بها.

ولمّا همّ أن يردّها إلى رسول الله سقطت التفاحة من بين أنامله ، فانفلقت نصفين ، فسطع منها نور حتى بلغ السماء الدنيا ، فإذا عليها سطران مكتوبان : بسم الله الرّحمن الرّحيم تحيّة من الله تعالى إلى محمّد المصطفى ،


وعليّ المرتضى ، وفاطمة الزهراء ، والحسن والحسين سبطي رسول الله ، وأمان لمحبيهم يوم القيامة من النار.

٢٣ ـ وذكر ابن شاذان هذا ، حدّثنا أحمد بن محمّد بن عبد الله الحافظ ، حدّثني عليّ بن عليّ بن سنان الموصلي ، عن أحمد بن محمد بن صالح ، عن سلمان بن محمد ، عن زياد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن سلامة ، عن أبي سلمى ـ راعي إبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «ليلة اسري بي إلى السماء ، قال لي الجليل جلّ وعلا :( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ) البقرة / ٢٨٥ ، قلت : والمؤمنون ، قال : صدقت يا محمّد! من خلفت في امتك؟ قلت : خيرها ، قال : علي بن أبي طالب؟ قلت : نعم ، يا ربّ! قال : يا محمّد! إنّي اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فشققت لك اسما من أسمائي ، فلا أذكر في موضع إلّا ذكرت معي ، فأنا المحمود وأنت محمّد.

ثم اطلعت الثانية فاخترت عليّا وشققت له اسما من أسمائي ، فأنا الأعلى وهو عليّ ، يا محمّد! إنّي خلقتك ؛ وخلقت عليّا ؛ وفاطمة ؛ والحسن ؛ والحسين ؛ والأئمة من ولده ، من سنخ نور من نوري ، وعرضت ولايتكم على أهل السّماوات وأهل الأرض ، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين ، ومن جحدها كان عندي من الكافرين.

يا محمّد! لو أنّ عبدا من عبيدي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي ، ثمّ أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتّى يقرّ بولايتكم.

يا محمّد! أتحب أن تراهم؟ قلت : نعم ، يا ربّ ، فقال لي : التفت عن يمين العرش ، فالتفت فإذا أنا : بعليّ ؛ وفاطمة ؛ والحسن ؛ والحسين ؛ وعليّ ابن الحسين ؛ ومحمّد بن عليّ ؛ وجعفر بن محمّد ؛ وموسى بن جعفر ؛


وعليّ بن موسى ؛ ومحمّد بن علي ؛ وعليّ بن محمّد ؛ والحسن بن عليّ ؛ والمهدي ، في ضحضاح من نور قياما يصلّون وهو في وسطهم ـ يعني المهدي ـ كأنه كوكب دري.

قال : يا محمّد! هؤلاء الحجج وهو الثائر من عترتك ، وعزّتي وجلالي ، إنه الحجة الواجبة لأوليائي والمنتقم من أعدائي».

٢٤ ـ وذكر ابن شاذان هذا ، حدّثنا أبو الطيب محمّد بن الحسين التيملي ، عن محمّد بن عبد الله ، عن يحيى الحماني ، عن هشيم ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما مررت ليلة اسري بي بشيء من ملكوت السماء ، وعلى شيء من ملكوت الحجب فوقها ، إلّا وجدتها مشحونة بكرام ملائكة الله تعالى ، يناجونني : هنيئا لك يا محمّد! فقد اعطيت ما لم يعطه أحد قبلك ، ولا يعطاه أحد بعدك ، اعطيت عليّ بن ابي طالب أخا ؛ وفاطمة زوجته ابنة ؛ والحسن والحسين أولادا ؛ ومحبيهم شيعة ، يا محمد! إنّك أفضل النبيّين ؛ وعليّا أفضل الوصيّين ؛ وفاطمة سيّدة نساء العالمين ؛ والحسن والحسين أكرم من دخل الجنان من أولاد المرسلين ، وشيعتهم أفضل من تضمنته عرصات القيامة ، واشتملت عليه غرف الجنان وقصورها ومتنزهاتها ، فلم يزالوا يقولون ذلك في مصعدي ومرجعي ، فلولا أنّ الله حجب عنهم آذان الثقلين ، لم يبق أحد إلا سمعهم».

٢٥ ـ وذكر محمّد بن شاذان هذا ، أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد ، عن الحسين بن محفوظ ، عن أحمد بن إسحاق ، حدّثنا الغطريف ، عن عبد السلام ـ بصنعاء اليمن ـ ، عن عبد الرّزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي بكر عبد الله بن عبد الرّحمن قال : سمعت عثمان بن عفان قال : سمعت عمر


ابن الخطاب قال : سمعت أبا بكر بن أبي قحافة قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «إنّ الله خلق من نور وجه عليّ بن أبي طالب ، ملائكة يسبّحون ويقدّسون ، ويكتبون ثواب ذلك لمحبّيه ومحبّي ولده».

٢٦ ـ وذكر ابن شاذان هذا ، حدّثني القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا ـ في جامع الرصافة ـ ، عن محمّد بن عليّ بن عبد الحميد بن زيار بن يحيى القرشي ، عن عبد الرّزاق ، عن صدقة العبسي ، أخبرنا زاذان ، عن سلمان قال : أتيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فسلمت عليه ، ثمّ دخلت على فاطمة فقالت : «يا أبا عبد الله! هذان الحسنان جائعان يبكيان ، فخذ بأيديهما واخرج بهما إلى جدّهما» فأخذت بأيديهما وحملتهما حتّى أتيت بهما إلى النبي فقال : «ما لكما يا حبيبيّ؟ فقالا : نشتهي طعاما ، يا رسول الله»! فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اللهمّ! أطعمهما ـ ثلاثا ـ» فنظرت فإذا سفر جلة في يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شبهتها بقلّة من قلال هجر أشدّ بياضا من الثلج ، وأحلى من العسل ، وألين من الزبد ، ففركها بيده وصيرها نصفين ، ودفع إلى الحسن نصفا وإلى الحسين نصفا ، فجعلت أنظر الى النصفين في أيديهما وأنا أشتهيهما ، فقال لي : «يا سلمان! لعلّك تشتهيهما»؟ قلت : نعم ، قال : «يا سلمان! هذا طعام من الجنّة لا يأكله أحد حتّى ينجو من الحساب ، وإنّك لعلى خير إن شاء الله».

٢٧ ـ أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن عليّ بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة أبو علي إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا والدي شيخ السنّة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا محمّد بن يعقوب ، حدّثنا الحسن بن عليّ الحفار ، حدّثنا عبيد الله بن موسى ، حدّثنا كامل بن العلاء ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : صلّى بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلاة العشاء ، وكان إذا سجد وثب الحسن والحسين على


ظهره ، فإذا أراد أن يرفع رأسه أخذهما بيده فوضعهما وضعا رفيقا ، حتى إذا عاد عادا ، حتّى قضى صلاته فوضع واحدا على فخذه الأيمن ، والآخر على فخذه الآخر.

فقمت إليه وقلت : يا رسول الله! ألا أذهب بهما ، قال : «لا» ، فبرقت برقة ، فقال : «الحقا بامّكما» فلم يزالا في ضوئها حتّى دخلا.

٢٨ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أخبرنا أبو جعفر الرزاز ، حدثنا محمّد بن إسحاق بن صالح ؛ ومحمّد بن عبيد قالا : حدّثنا عمرو بن مرزوق ، أخبرنا سهم المازني : سمعت الحسن يحدّث ، عن عتبة بن غزوان قال : بينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي الضحى إذ جاء الحسن والحسين فركبا ظهره ، فانصرف ووضعهما في حجره ، وجعل يقبّل هذا مرّة ويشم هذا مرّة ، فقال القوم : أتحبهما يا رسول الله؟ فقال : «وما لي لا أحبّ ريحانتيّ من الدنيا! أما إنّهما سيلقيان من بعدي من البلاء كذا وكذا».

٢٩ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو سعد الماليني ، أخبرنا أبو أحمد بن عديّ الحافظ ، أخبرنا أبو يعلى ، حدّثنا محمّد ابن مرزوق ، حدّثني حسين الأشقر ، حدّثنا عليّ بن هاشم أو هشيم ، عن ابن أبي رافع ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر قال : رأيت الحسن والحسين على عاتقي رسول الله ، فقلت : نعم الفرس تحتكما؟ فقال : «ونعم الفارسان هما».

٣٠ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، حدّثنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو بكر بن محمّد الصيرفي ، حدّثنا أبو الأحوص ، حدثنا يزيد بن موهب ، حدثنا مسروح أبو شهاب ، عن سفيان الثوري ، عن أبي


الزبير ، عن جابر ـ ح ـ قال أبو عبد الله الحافظ : وحدّثنا محمّد بن صالح ، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدّثنا محمّد بن مصطفى ، حدّثنا مسروح أبو شهاب ، عن سفيان الثوري ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يمشي على أربع وعلى كتفه ، وفي رواية ـ ابن مصفى ـ وعلى ظهره الحسن والحسين وهم يقول : «نعم الجمل جملكما ، ونعم العدلان أنتما».

وذكر الحاكم شيخ الإسلام الحنتمي : أنّ السيّد إسماعيل الحميري نظم ـ هذا الحديث ـ في قصيدة طويلة بمدحهما فقال :

أتى حسنا والحسين الرسول

وقد برزا ضحوة يلعبان

فضمّهما وتغذاهما

وكانا لديه بذاك المكان

ومرّ وتحتهما منكباه

فنعم المطية والراكبان

٣١ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا عليّ بن أحمد ابن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد ، حدّثنا أحمد بن علي ، حدّثنا أحمد بن حاتم الطويل ، حدّثنا تليد بن سليمان ، عن أبي الجحاف ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : نظر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عليّ ؛ وفاطمة ؛ والحسن ؛ والحسينعليهم‌السلام ، فقال : «أنا حرب لمن حاربكم ، وسلم لمن سالمكم».

وفي رواية ـ زيد بن أرقم ـ : جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى بيت فاطمة فأخذ بعضادتي الباب وفي البيت : عليّ ؛ وفاطمة ؛ والحسن ؛ والحسينعليهم‌السلام فقال : «أنا حرب لمن حاربتم ، وسلم لمن سالمتم».

٣٢ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، حدّثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا محمّد بن يعقوب ، حدثنا محمّد بن النضر ، حدّثنا عياش ابن عبد العظيم العنبري ، حدّثنا النضر بن محمّد ، حدثني عكرمة بن عمّار ،


حدّثني إياس بن سلم ، عن أبيه قال : لقد قدت نبيّ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ والحسن ؛ والحسين على بغلته الشهباء ، حتى أدخلتهم حجرة النبيّ : هذا قدامه ، وهذا خلفه ، وأخرجه مسلم في «الصحيح».

٣٣ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا أبو الصقر أحمد بن الفضل الكاتب ، حدثنا إبراهيم بن الحسين ، حدثنا سعيد بن كثير ، حدّثنا الفضل بن مختار ، عن أبان بن أبي عيّاش ، عن أنس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا يقم أحد لأحد إلّا للحسن والحسين وذريتهما».

قال أحمد بن الحسين : أبان بن أبي عيّاش متروك ؛ والفضل ضعيف ، قال : وفي رواية ـ أبي امامة ـ قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يقوم الرجل للرّجل إلا بني هاشم فإنّهم لا يقومون لأحد» ، قال : وهذه أيضا رواية ضعيفة.

٣٤ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا محمد بن الحسن الحسني ، أخبرنا أبو حامد الشرقي ، حدّثنا أبو الأزهر حدّثنا أبو النضر ، حدّثنا ورقاء ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبي هريرة قال : كنت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في سوق من أسواق المدينة ، فانصرف وانصرفت معه ، فجاء إلى فناء فاطمة ، فنادى الحسن ، فنادى : «أين لكع أثم لكع»؟ فلم يحبه أحد ، فانصرف وانصرفت معه فجاء إلى فناء عائشة فقعد فجاء الحسن.

قال أبو هريرة : ظننت أنّ امّه قد حبسته لتجعل في عنقه السخاب ، فلما جاء التزمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال : «اللهمّ إني احبه فأحبه ، وأحب من يحبه ـ ثلاث مرات ـ.


٣٥ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا عبد الله بن محمّد الفاكهي ، أخبرنا أبو يحيى عبد الله بن أحمد ، أخبرنا خلاد بن يحيى ، أخبرنا هشام بن سعد ، أخبرنا نعيم بن المحمر قال : قال أبو هريرة : ما رأيت الحسن بن عليّعليه‌السلام إلّا فاضت عيناي دموعا ، وذلك أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج يوما وأنا في المسجد ، فأخذ بيدي فاتكأ عليّ حتّى جئنا ـ سوق بني قينقاع ـ ، فنظر فيه ثم رجعت معه حتى جلس في المسجد فاحتبى ، ثم قال لي : «ادع لكع» ، قال : فأتاه ـ حسن ـ يشتدّ حتّى وقع في حجره ، ثم جعل يقول ويده في لحية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وجعل رسول الله يفرح ، ثمّ يدخل فمه في فمه ، ويقول : «اللهمّ! إني أحبه فأحبه ـ ثلاث مرات يقولها ـ».

وسمعت ـ هذا الحديث ـ من قوله : «اللهمّ! إني أحبه فأحبه» ـ في جامع أبي عيسى ـ ولم يذكر فيه : «ثلاث مرات».

٣٦ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا محمّد بن يعقوب ، حدّثنا الخضر بن أبان ، حدّثنا أزهر السّمان ، عن ابن عون ، عن أبي محمّد عمير بن إسحاق ، عن أبي هريرة ولقي الحسن بن عليّعليهما‌السلام فقال : رأيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قبّل بطنك ، فاكشف الموضع الذي قبّله رسول الله حتّى اقبله؟ قال : فكشف له الحسن فقبّله.

٣٧ ـ وبهذا الإسناد قال : أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل قال : أخبرنا أبو عبد الله الصفار ، حدّثنا محمّد بن غالب ، حدثنا عبد الله بن مسلمة ، حدثنا عليّ بن عابس ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن البهي ـ مولى الزبير ـ قال : تذاكرنا : من أشبه النّاس به من أهله ـ يعني بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فدخل علينا عبد الله بن الزبير ، فقال عبد الله : أنا احدثكم بأشبه أهله به ، وأحبّهم


إليه ـ الحسن بن عليّ ـ فقد رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته ـ أو قال : ظهره ـ فما ينزله حتّى هو الذي ينزل ، ولقد رأيته وهو يجيء وهو راكع فيفرج له رجليه حتّى يخرج من الجانب الآخر.

٣٨ ـ وبهذا الإسناد ، قال : أخبرنا أبو محمد جناح بن نذير المحاربي ـ بالكوفة ـ ، حدثنا محمّد بن علي الشيباني ، حدثنا إبراهيم بن إسحاق ، حدثنا جعفر بن عون ، عن معاوية بن أبي مزرد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : بصرت عيناي هاتان ، وسمعت اذناي هاتان ، رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله آخذا بيدي ـ الحسن والحسين ـ ، وهو يقول : «ترقه عين بقه».

قال : فيضع الغلام قدمه على قدم النبيّ ، فيرفعه إلى صدره ، قال : ثمّ قال له : «افتح فاك» ففتح فاه فقبّله النبي ، ثم قال : «اللهمّ! إني احبه فأحبه».

ورواه غيره فزاد فيه : «حزقه حزقه ، ترقه عين بقه» ـ يريد ضعفه ، وشبّه عينه في الصغر بعين بقه.

٣٩ ـ وبهذا الإسناد ، أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني ، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن ، حدّثنا أبو ميسرة ، حدثنا وهب بن بقية ، حدّثنا خالد بن عبد الله ، عن محمّد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يدلع لسانه للحسن ، فيرى الصبي حمرة لسانه ، فيهش إليه ، فقال له عييّة بن بدر : ألا أراك تضع هذا بهذا ، فو الله ، إنه ليكون لي ابن ، قد خرج وجهه ، وما قبّلته قط.

فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من لا يرحم لا يرحم».

٤٠ ـ وسمعت مثل هذا الحديث ، عن الإمام الأجل ركن الإسلام أبي الفضل بن محمد الكرماني ، بروايته عن الإمام الأجل فخر القضاة محمّد


ابن الحسين الأرسابندي ، عن الحافظ أبي محمّد التميمي ، عن أبي عمرو عبد الواحد بن محمّد ، عن أبي عبد الله محمّد بن مخلد بن حميد بن الربيع ، عن هشيم ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : دخل الأقرع بن حابس على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فرآه يقبل : إما حسنا أو حسينا ، فقال : تقبّله ولي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم؟

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّه من لا يرحم لا يرحم».

هذا الحديث صحيح أخرجه مسلم في «صحيحه» ، وفي رواية الزبير : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إن كان الله نزع الرحمة من قلبك فما ذنبي».

٤١ ـ وبالإسناد ـ الذي مرّ آنفا ، عن أحمد بن الحسين هذا ، قال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا محمّد بن يعقوب ، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدّثنا سفيان ، حدثنا إسرائيل ، عن الحسن : سمعت أبا بكر يقول : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على المنبر ، والحسن بن عليّ إلى جنبه ، وهو يلتفت إلى النّاس مرّة وإليه مرّة ، ويقول : «إنّ ابني هذا سيّد ، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين».

اخرجه البخاري في «الصحيح» ، وفي الباب ، عن جابر بن عبد الله.

٤٢ ـ وبهذا الإسناد ، قال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا محمّد بن يعقوب ، حدّثنا محمّد بن عبد الوهاب ، أخبرنا يعلى بن عبيد ، حدثنا عبد الله بن الوليد ، عن عبد الله بن عبيد ، عن عمير قال : لقد حجّ ـ الحسن بن علي ـ خمسا وعشرين حجة ماشيا ، وأنّ النجائب لتقاد معه.

قال : وفي رواية اخرى : ولقد قاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات ، حتّى أنّه يعطي الخف ويمسك النعل.

٤٣ ـ وبهذا الإسناد قال : أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا


أحمد بن عبيد الصفار ، حدّثنا محمّد بن يونس ، حدثنا علي بن مرّة ، حدثني أبي ، حدثني نجيح القصاب قال : رأيت ـ الحسن بن عليّ ـ يأكل ، وبين يديه كلب كلّما أكل لقمة طرح للكلب مثلها ، فقلت له : يا ابن رسول الله! ألا أرجم هذا الكلب عن طعامك؟ فقال : «دعه ، إني لأستحيي من اللهعزوجل أن يكون ذو روح ، ينظر في وجهي ، وأنا آكل ثمّ لا اطعمه».

٤٤ ـ أنبأني الإمام الحافظ صدر الحفّاظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني ، أخبرنا الحسن بن أحمد المقري ، أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ ، أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني ، حدّثنا محمّد بن نوح بن حرب ، حدّثنا منير بن ميمون البصري ، حدثنا عبّاد بن صهيب ، حدثنا سلمان بن المغيرة ، عن المختار بن فلفل ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «فخرت الجنّة على النّار ، فقالت : أنا خير منك ، فقالت النّار : بل ، أنا خير منك ، فقالت لها الجنّة استفهاما : ومم؟ قالت : لأن فيّ : الجبابرة ؛ وفرعون ؛ ونمرود ، فأسكتت ، فأوحى الله تبارك وتعالى إليها : لا تخضعنّ لازينن ركنيك بالحسن والحسين ، فماست كما تميس العروس في خدرها».

٤٥ ـ وأنبأني الحافظ أبو العلاء هذا ، أخبرنا محمود بن إسماعيل الأصبهاني ، أخبرنا أحمد بن محمّد بن الحسين ، أخبرنا سلمان بن أحمد الطبراني ، حدّثنا محمّد بن حيان المازني ، حدثنا كثير بن يحيى ، حدّثنا سعيد بن عبد الكريم بن سليط الجعفي ، عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه ، عن أبي فاختة ، عن عليعليه‌السلام قال : «دخل علينا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا نائم ، فاستسقى الحسن فقام إلى منيحة لنا بكية ، فنض منها ثم جاء بالإناء فقام إليه الحسين يستسقيه ، فقال : أخوك استسقى قبلك يشرب ثمّ تشرب.

فقالت فاطمة : كأنّه أحبهما إليك ، فقال : ما هو بأحبّهما إلي؟ وإنما


هما عندي لبمكان واحد ، وإني وإياك وهما وهذا الراقد لفي مكان واحد».

٤٦ ـ وبهذا الإسناد ، عن الطبراني ، حدثنا الحسين بن محمد ، حدثنا أحمد بن رشيد بن خثيم ، حدّثنا عمي سعيد بن خثيم ، حدثنا مسلم الملائي ، عن حبّة العرني ؛ وأبي البختري ، عن سلمان قال : كنا حول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فجاءت ـ أم أيمن ـ ، فقالت : يا رسول الله! ضلّ ـ الحسن والحسين ـ ، قال : وذلك راد النهار (يقول : ارتفاع النهار). فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «قوموا ، فاطلبوا ابنيّ» ، فأخذ كلّ رجل تجاه وجهه ، فأخذت نحو النبيّ ، فلم نزل حتّى أتى سفح الجبل وإذا ـ الحسن والحسينعليهما‌السلام ـ ، ملتزق كلّ واحد منهما صاحبه ، وإذا شجاع قائم على ذنبه ، يخرج من فيه شبه النّار.

فأسرع إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فالتفت مخاطبا إلى رسول الله ، ثم انساب فدخل بعض الجحرة ، ثم أتاهما فأفرق بينهما ومسح وجوههما ، وقال : «بأبي وأمي أنتما ، ما أكرمكما على الله تعالى»؟ ثم حمل أحدهما على عاتقه الأيمن ، والآخر على عاتقه الأيسر ، فقلت : طوبى لكما! نعم المطية مطيتكما ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ونعم الراكبان هما ، وأبوهما خير منهما».

٤٧ ـ وأنبأني الحافظ أبو العلاء هذا ، أخبرنا زاهر بن طاهر ، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن ، أخبرنا محمد بن محمد الحيري ، أخبرنا محمد بن الموصلي ، حدثنا بشر بن الوليد ، عن محمّد بن طلحة ، عن الأعمش ، عن عطية بن سعد ، عن أبي سعيد : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «إني اوشك أن ادعى فاجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض ؛ وعترتي أهل بيتي ، ألا وإن اللطيف الخبير ، أخبرني : أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا ما تخلفوني فيهما».

٤٨ ـ وبإسناده الذي تقدم عن الطبراني ، حدّثنا عليّ بن عبد العزيز ،


حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدّثنا الحسن بن أبي جعفر ، حدّثنا عليّ بن زيد ابن جدعان ، عن سعيد بن المسيّب ، عن أبي ذر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ؛ من ركب فيها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ، ومن قاتلنا في آخر الزمان فكأنما قاتل في الدّجال».

٤٩ ـ وأنبأني الحافظ أبو العلاء هذا ، أخبرنا عبد القادر بن محمّد البغدادي ، أخبرنا الحسن بن عليّ الجوهري ، أخبرنا محمّد بن العبّاس ، أخبرنا محمد بن معروف ، حدثنا حسين بن محمّد ، حدّثنا محمّد بن سعد ، أخبرنا عليّ بن محمّد ، عن حمّاد بن سلمة ، عن عمّار بن أبي عمّار ، عن ابن عبّاس قال : انتجد(١) الحسن والحسين عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فجعل يقول : «هيه ، يا حسن! خذ يا حسن!» فقالت عائشة : تعين الكبير على الصغير؟ فقال : «إنّ جبرئيل يقول : خذ يا حسين!».

وسمعت ـ هذا الحديث ـ على فخر خوارزم محمود بن عمر الزمخشري ، رواه عن أنس بن مالك ـ بهذا السياق.

٥٠ ـ وبإسناده ، عن السيد أبي طالب ، بإسناده إلى عليّ قال : «اصطرع ـ الحسن والحسين ـ بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال رسول الله : هيه ، يا حسن! فخذ حسينا ، فقالت فاطمة : تستنهض الكبير على الصغير؟ فقال : هذا جبرئيل يقول : هيه يا حسين! فخذ حسنا ، فلم يصرع واحد منهما صاحبه».

٥١ ـ قال أبو العلاء : وأخبرنا أبو عليّ الحداد قال : أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، حدثنا الطبراني ، حدثنا الحسين بن إسحاق ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا عبد الأعلى ، عن هشام بن حسّان ، عن ابن سيرين قال : تزوّج

__________________

(١) انتجد : بمعنى استبق أي تسابقا في عدو أو صراع.


الحسن بن عليّ امرأة فأرسل إليها مائة جارية مع كل جارية ألف درهم.

٥٢ ـ وبه ، عن الطبراني ، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم ، عن عبد الرّزاق ، عن سفيان الثوري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله ، عن أبيه ، عن الحسن بن سعد ، عن أبيه قال : متع الحسن امرأتين بعشرين ألفا وزقاق من عسل ، فقالت إحداهما ـ وأراها الحنفية ـ : متاع قليل من حبيب مفارق.

٥٣ ـ وأنبأني الحافظ أبو العلاء هذا ، أخبرنا محمّد بن محمّد الفقيه ، أخبرنا محمّد بن أحمد المعدل ، أخبرنا محمد بن عبد الرّحمن ، أخبرنا أحمد ابن سليمان ، أخبرنا الزبير بن بكار ، حدّثني إبراهيم بن حمزة ، عن إبراهيم ابن عليّ الرافعي ، عن أبيه ، عن جدّته زينب بنت أبي رافع قالت : أتت فاطمة بنت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله بابنيها إلى رسول الله في شكواه التي توفي فيها فقالت : «يا رسول الله! هذان ابناك فورّثهما شيئا؟ فقال : أما حسن فإنّ له هيبتي وسؤددي ، وأمّا حسين فإنّ له جرأتي وجودي».

٥٤ ـ قال : وفي روايتي ، عن السيّد الحافظ أبي منصور الديلمي بإسناده إلى ـ أم أيمن ـ قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «نحلت هذا الكبير المهابة ، ونحلت الصغير المحبّة والرّضا».

٥٥ ـ قال أبو العلاء : وأخبرنا عبد القادر بن محمّد البغدادي ، أخبرنا الحسن بن عليّ الجوهري ، أخبرنا محمّد بن العبّاس ، أخبرنا أحمد بن معروف ، أخبرنا حسين بن محمّد ، أخبرنا محمّد بن سعد ، أخبرنا مسلم بن إبراهيم ، أخبرنا ديلم بن غزوان ، حدّثنا وهب بن أبي ذبي الهنائي ، عن أبي حرب ـ أو أبي الطفيل ـ قال : قال الحسن بن عليّ : «ما بين جابلقا وجابرسا رجل جدّه نبيّ غيري ، ولقد سقيت السمّ مرّتين».

٥٦ ـ وبه ، عن الحسن بن عليّ الجوهري ، أخبرنا أحمد بن جعفر


القطيعي ، حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، حدّثنا هاشم بن القاسم ، حدّثنا جرير ، عن عبد الرحمن بن عوف : أنّ معاوية قال : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يمصّ لسانه ـ أو قال : شفته ـ يعني : الحسن بن عليّ ، وأنّه لم يعذّب لسان أو شفتان مصّهما رسول الله.

٥٧ ـ وأخبرنا الشيخ الفقيه العدل الحافظ أبو بكر محمّد بن عبد الله بن نصر الزاغوني ـ بمدينة السلام ـ منصرفي من السفرة الحجازية ، أخبرنا الشيخ الجليل الإمام أبو الحسن محمّد بن إسحاق الباقرحي ، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن عليّ بن بندار ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمّد بن شاذان البزاز ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر بن سليمان ـ ببغداد ـ في باب المحوّل ، حدّثني أبي أحمد بن عامر بن سليمان الطائي ، حدّثنا أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا ، حدّثني أبي موسى ابن جعفر ، حدّثني أبي جعفر بن محمد ، حدثني أبي محمّد بن علي ، حدّثني أبي عليّ بن الحسين ، حدثني أبي الحسين بن علي ، حدثني أبي علي ابن أبي طالبعليهم‌السلام قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله ، وأخذت يا علي! بحجزتي ، وأخذ ولدك بحجزتك ، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم ، فترى أين يؤمر بنا»؟

قال أبو القاسم : سألت أبا العبّاس ثعلبا عن الحجزة ، فقال : هو السبب.

٥٨ ـ وبهذا الإسناد قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا كان يوم القيامة كنت وولدك على خيل بلق ، متوّجين بالدر والياقوت ، فيأمر الله بكم إلى الجنّة ، والنّاس ينظرون».

٥٩ ـ وأخبرني الإمام الحافظ سيد الحفّاظ أبو منصور شهردار بن


شيرويه الديلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرنا أبو عليّ المقري ، أخبرنا أبو نعيم الأصبهاني ، أخبرت عن الحسين بن الحكم الحيري ، حدّثنا حسن بن حسين العرني ، حدثني عيسى بن عبد الله بن عمر بن عليّ ، عن أبيه ، عن جدّهعليه‌السلام قال : «ما سمّاني الحسن والحسين يا أبتي! حتّى توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كانا يقولان لرسول الله : يا أبتي! وكان الحسن يقول لي : يا أبا الحسين! وكان الحسين يقول لي : يا أبا الحسن!».

٦٠ ـ وأخبرني سيد الحفاظ هذا ـ فيما كتب إليّ ـ ، أخبرني والدي ، أخبرني أبو خلف عبد الرحيم بن محمّد الفقيه ـ بالرّي ـ ، ـ وسألني أن لا أبذله ـ ، حدّثني أبو الفتح عبيد بن مردك الرّازي ، ـ وسألني أن لا أبذله ـ ، حدثني يوسف بن عبد الله ـ بأردبيل ـ ، ـ وسألني أن لا أبذله ـ ، حدّثني الحسين بن صدقة الشيباني ، ـ وسألني أن لا أبذله ـ ، أخبرني أبي ؛ وسليمان ابن نصر ، ـ وسألاني أن لا أبذله ـ ، حدثني إسحاق بن سيّار ، ـ واستحلفني أن لا أبذله ـ ، حدّثني عبد الله بن موسى ، ـ واستحلفني أن لا أبذله ـ ، حدّثني الأعمش ، ـ واستحلفني أن لا أبذله ـ ، حدثني مجاهد ، عن ابن عباس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا ميزان العلم ؛ وعليّ كفّتاه ؛ والحسن والحسين خيوطه ؛ وفاطمة علاقته ؛ والأئمة من امتي عموده ، يوزن فيه أعمال المحبين لنا ، والمبغضين لنا».

٦١ ـ وأخبرني سيد الحفاظ هذا ـ فيما كتب إليّ ـ ، أخبرني الإمام أبو بكر أحمد بن محمّد بن زنجويه بزنجان سنة خمسمائة ، أخبرني الحسين بن الغلابي ، أخبرني أحمد بن جعفر القطيعي ، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، أخبرني أبي ، عن حياة بن شريح ، عن بقيّة ، عن بحير بن سعيد ، عن خالد بن معدان ، عن المقدام بن معدي كرب قال : قال


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الحسن مني والحسين من عليّ».

٦٢ ـ قال (جزاه الله عنّي خيرا) : وأخبرني محمود بن إسماعيل ، أخبرني أحمد بن فادشاه [ح] ؛ وأخبرني عليّ مناولة ، عن أبي نعيم قالا : أخبرنا الطبراني ، عن أحمد بن رشد بن حميد بن عليّ البجلي ، عن ابن لهيعة ، عن أبي عشانة ، عن عقبة بن عامر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الحسن والحسين يوم القيامة عن جنبي عرش الرحمن بمنزلة الشنفين من الوجه».

قال : والشنف : القرط المعلّق في الأذن.

٦٣ ـ قال (جزاه الله عني خيرا) : وأخبرنا أبو الفتح عبدوس بن عبد الله ـ إجازة ـ ، أخبرنا الشريف أبو طالب المفضل بن محمّد الجعفري ، أخبرنا الحافظ أبو بكر محمّد بن موسى بن مردويه ، حدّثني جدّي ، حدثني محمّد ابن عليّ ، حدثني عليّ بن شهمرد ، حدثني جعفر بن أحمد ، حدثني موسى ابن إسماعيل بن موسى بن جعفر ، عن أبيه ، عن جدّه موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمّد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي ، عن أبيه عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لما اسري بي إلى السماء ، رأيت على باب الجنّة مكتوبا بالذهب : لا إله إلّا الله ، محمّد حبيب الله ، عليّ وليّ الله ، فاطمة أمة الله ، الحسن والحسين صفوة الله ، على مبغضيهم لعنة الله».

٦٤ ـ قال (جزاه الله عني خيرا) : أخبرنا أبو عليّ الحداد ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، أخبرنا محمّد بن جعفر ، حدثني عليّ بن محمّد ، حدثنا عبد الله بن الحسن ، حدثنا عبد الملك بن قريب الأصمعي ، حدّثنا كرام بن مسعر بن كرام ، عن أبيه ، عن قتادة ، عن أنس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :


«نحن بني عبد المطلب سادات أهل الجنّة : أنا ؛ وعليّ ؛ وحمزة ؛ وجعفر ؛ والحسن ؛ والحسين ؛ والمهدي».

٦٥ ـ قال (جزاه الله عني خيرا) : ومما سمعته في «المفاريد» ، بإسنادي عن عليّ ؛ وابن عبّاس قالا : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : النجوم أمان لأهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض».

٦٦ ـ قال (جزاه الله عني خيرا) : أخبرني الحسين بن أحمد ، أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ ، حدّثنا محمّد بن أحمد ، حدّثنا يحيى بن محمد الحناني ، حدثنا عثمان بن عبد الله القرشي ، حدثنا ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي : «يا علي! ادن مني وضع خمسك في خمسي ، يا عليّ! خلقت أنا وأنت من شجرة : أنا أصلها ؛ وأنت فرعها ، والحسن والحسين أغصانها ، من تعلّق بغصن منها أدخله الله الجنّة».

٦٧ ـ قال (جزاه الله عنّي خيرا) : وأخبرنا أبو عليّ ، أخبرنا أبو نعيم ، أخبرنا الطبراني ، عن أحمد بن محمّد القنطري ، بإسناده إلى أبي رافع قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا عليّ! أوّل من يدخل الجنّة أربعة : أنا ؛ وأنت ؛ والحسن ؛ والحسين ؛ وذرارينا خلف ظهورنا ؛ وأزواجنا خلف ذرارينا ؛ وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا».

٦٨ ـ قال (جزاه الله عني خيرا) : وأخبرنا أبو الفتح بن عبد الله ـ كتابة ـ أخبرنا المفضل الجعفري ، حدّثنا أبو بكر بن مردويه ، حدثنا محمّد بن عبد الله ابن سعيد ، حدّثنا عبد الله بن أحمد بن عامر ، حدثني أبي أحمد بن عامر الطائي ، حدّثني عليّ بن موسى ، حدّثني أبي موسى بن جعفر ، حدّثني أبي جعفر بن محمد ، حدّثني أبي محمّد بن عليّ ، حدّثني أبي عليّ بن الحسين ،


حدّثني أبي الحسين ، حدّثني أبي عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا علي! اعطيت ثلاث خصال ، فقلت : فداك أبي وأمي! ما أعطيت؟ قال : اعطيت صهرا مثلي ، واعطيت زوجة مثل فاطمة ، واعطيت ولدين مثل الحسن والحسن صلوات الله عليهم أجمعين».

وسمعت هذا الحديث في «الصحيفة» من طريق ابن الزاغوني.

٦٩ ـ قال (جزاه الله عنّي خيرا) : وأخبرنا أبو الفتح هذا ـ كتابة ـ ، حدّثنا أبو طاهر الحسين بن عليّ بن سلمة من «مسند» زيد بن عليعليه‌السلام ، حدّثنا الفضل بن الفضل بن عبّاس ، حدّثنا محمّد بن سهل ، حدّثنا عبد الله ابن محمّد البلوي ، حدّثني إبراهيم بن عبيد الله ، حدّثني أبي ، عن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : والذي نفسي بيده ، لا تفارق روح جسد صاحبها حتّى يأكل من ثمر الجنّة ، أو من شجر الزقوم ، وحتّى يرى ملك الموت ، ويراني ؛ ويرى عليّا ؛ وفاطمة ؛ والحسن ؛ والحسين ؛ فإن كان يحبّنا ، قلت : يا ملك الموت! ارفق به ، فإنه كان يحبّني وأهل بيتي ، وإن كان يبغضني ويبغض أهل بيتي ، قلت : يا ملك الموت! شدد عليه ، فإنّه كان يبغضني ويبغض أهل بيتي ، لا يحبّنا إلّا مؤمن ، ولا يبغضنا إلّا منافق شقيّ».

٧٠ ـ قال (جزاه الله عنّي خيرا) : وأخبرني والدي ، حدّثنا أبو بكر محمّد بن إبراهيم الإمام ، أخبرنا قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبّار بن أحمد الأسدآبادي ، حدّثنا أبو حاتم أحمد بن الحسن بن هارون ـ بالرّي ـ ، حدّثنا عبد الله بن محمّد البغدادي ، حدّثنا محمّد بن سهل مولى عمر بن عبد العزيز ، حدّثنا عمرو بن عبد الجبار ، عن أبيه ، عن موسى بن جعفر ، عن


أبيه جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن عليّعليهم‌السلام : «أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا عطس ، قال له عليّ : أعلى الله ذكرك يا رسول الله! وإذا عطس عليّعليه‌السلام قال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أعلى الله عقبك يا علي».

٧١ ـ قال (جزاه الله عني خيرا) : وأخبرني والدي ، أخبرنا أبو الفتح إسماعيل بن عثمان ـ ببروجرد ـ ، أخبرنا أبو الفرج الحسن بن عليّ التميمي ـ بالكرج ـ ، حدّثنا أبو يعقوب يوسف بن مكي الزنجاني ـ بهمدان في الجامع ـ ، حدّثنا أبو بكر محمّد بن سلمان ـ ببغداد ـ ، قال : قرئ على هلال ابن العلاء الرقي ـ وأنا أسمع ـ ، حدّثني أبي ، عن الدراوردي ، عن مكحول ، عن محمّد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اهتدوا بالشّمس ، فإذا غابت الشّمس فاهتدوا بالقمر ، فإذا غاب القمر فاهتدوا بالزهرة ، فإذا غابت الزهرة فاهتدوا بالفرقدين» ، فقيل : يا رسول الله! ما الشمس؟ وما القمر؟ وما الزهرة؟ وما الفرقدين؟ قال : «الشمس أنا ؛ والقمر عليّ ؛ والزهرة فاطمة ؛ والفرقدان الحسن والحسين».

٧٢ ـ أخبرنا شهاب الإسلام أبو النجيب سعد بن عبد الله الهمداني ـ فيما كتب إلي من أصبهان ـ ، حدّثنا الحافظ أبو بكر بن مردويه ، حدّثنا محمّد بن عبد الله ، حدثنا أحمد بن خالد ، حدّثنا يحيى بن هاشم ، حدّثنا زياد بن المنذر ، عن الأصبغ بن نباتة ، عن عليّعليه‌السلام قال : «إنّ لكل شيء ذروة ، وأنّ ذروة الجنان الفردوس في بطنان العرش ، فيها قصران من لؤلؤتين : واحدة بيضاء ، وواحدة صفراء ، وأنّ في البيضاء : لسبعين ألف قصر ـ مسكن محمّد وآل محمّد ـ ، وأنّ في الصفراء : لسبعين ألف قصر


ـ مسكن إبراهيم وآل إبراهيم ـ ، فإذا صلّيتم على محمّد وآل محمّد ، فصلّوا على إبراهيم وآل إبراهيم.

٧٣ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي بكر بن مردويه ، حدثنا سليمان بن أحمد ، حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي ، حدّثنا جندل بن والق ، حدثنا محمّد بن حبيب ، عن إبراهيم بن حسن ، عن زياد بن المنذر ، عن عبد الرحمن بن مسعود ، عن عويم ، عن سلمان قال : انزلوا آل محمّد بمنزلة الرأس من الجسد ، وبمنزلة العين من الرأس ، فإنّ الجسد لا يهتدي إلّا بالرأس ، وان الرأس لا يهتدي إلّا بالعين».

٧٤ ـ أخبرنا الإمام الزاهد برهان الدين أبو الحسن علي بن الحسن الغزنوي ـ بمدينة السّلام في داره سلخ ربيع الأول من سنة أربع وأربعين وخمسمائة ـ ، أخبرنا الشيخ الإمام أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث السمرقندي ، وأخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي ـ في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ـ ، أخبرنا أبو القاسم حمزة ابن يوسف السهمي الرّجل الصالح ، أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمّد الحافظ ، أخبرنا أبو عليّ الحسين بن عفير بن حماد بن زياد العطار ـ بمصر ـ ، حدّثنا أبو يعقوب يوسف بن عدي بن رزيق بن إسماعيل الكوفي التميمي ، حدّثنا جرير بن عبد الحميد الضبيّ ، حدّثني سليمان بن مهران الأعمش في ـ حديث طويل ـ ، وهو «حديث الحنوط والكفن» ، كتبنا منه ما هو اللائق بهذا الباب.

قال : حدّثنا أمير المؤمنين المنصور أبو جعفر ، قال : حدّثني والدي ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : كنت ذات يوم جالسا عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ أقبلت فاطمة ـ بنته ـعليها‌السلام ، فدخلت عليه فقالت : «يا أبة! إن الحسن والحسين


خرجا من عندي آنفا ، وما أدري أين هما؟ فقد طار عقلي ، وقلق فؤادي ، وقل صبري» ، وبكت وشهقت حتّى علا بكاؤها ، فرحمها ورقّ لها ، وقال : «لا تبكي ، يا فاطمة! فو الذي نفسي بيده ، إنّ الذي خلقهما هو ألطف بهما منك ، وأرحم بصغرهما منك».

ثمّ قام من ساعته ، ورفع يديه إلى السماء ، وقال «اللهمّ! إنّهما ولداي وقرّة عيني ، وثمرة فؤادي ، وأنت أرحم بهما وأعلم بموضعهما ، يا لطيف! بلطفك الخفي ، أنت عالم الغيب والشهادة ، اللهمّ! إن كانا أخذا برّا وبحرا فاحفظهما وسلّمهما حيثما كانا ، وحيثما توجّها».

فما استتم رسول الله دعاءه ، حتّى هبط جبرئيل من السماء ، ومعه عظماء الملائكة وهم يؤمنون على دعاء النبيّ ، فقال جبرئيل : يا حبيبي! يا محمد! لا تحزن ، ولا تغتم ، وابشر فإنّ ولديك فاضلان في الدّنيا ، وفاضلان في الآخرة ، وأبوهما خير منهما ، وهما نائمان في حظيرة ـ بني النجار ـ قد وكل الله بهما ملكا يحفظهما ، فلما قال جبرئيل ذلك ، سرى عنه ، وقام ومعه أصحابه ، وهو فرح حتّى أتوا حظيرة ـ بني النجار ـ ، فإذا الحسن والحسين نائمان ، وإذا الحسين معانق للحسن ، وإذا الملك الموكل قد وضع أحد جناحيه في الأرض ، وطاء تحتهما يقيهما من حرّ الأرض ، وجللهما بالجناح الآخر ، غطاء يقيهما حرّ الشمس ، فانكبّ عليهما النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقبلهما واحدا فواحدا ، ويمسحهما بيده حتّى أيقظهما من نومهما ، فلما أيقظهما حمل النبيّ الحسن على عاتقه ، وحمل جبرئيل الحسين على ريشة من جناحه ، حتّى خرجا بهما من الحظيرة ، والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «والله لأشرّفنكما اليوم كما شرّفكما الله تعالى في سماواته».

فبينما النبيّ وجبرائيل يمشيان حاملين لهما ، وقد تمثّل جبرائيل ـ بدحية


الكلبي ـ ، إذ أقبل أبو بكر ، فقال : يا رسول الله! ناولني أحد الصبيين اخفف عنك أو عن صاحبك ، وأنا أحفظه حتى اوديه إليك ، فقال له : «لا ، يا أبا بكر! دعهما ، فنعم الحاملان نحن ، ونعم الراكبان هما ، وأبوهما خير منهما».

فجاءا يحملانهما وأبو بكر معهما حتّى أتوا بهما الى ـ مسجد المدينة ـ ، وأقبل بلال ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «هلم ، يا بلال! وناد في النّاس واجمعهم لي في المسجد». فلمّا اجتمعوا قام على قدميه ، وخطب النّاس بخطبة أبلغ فيها ، حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ومستحقه.

ثم قال : «يا معشر المسلمين! هل ادلكم على خير النّاس جدّا وجدة»؟ قالوا : بلى ، يا رسول الله! قال : «عليكم بالحسن والحسين ، فإن جدّهما محمّد ؛ وجدتهما خديجة بنت خويلد : سيّدة نساء أهل الجنة ، وأوّل من سارعت الى تصديق ما أنزل الله على نبيه محمّد ، وإلى الايمان بالله وبرسوله ، يا معشر المسلمين! هل ادلكم على خير النّاس أبا واما»؟ قالوا : بلى ، يا رسول الله! قال : «عليكم بالحسن والحسين ، فإنّ أباهما عليّ بن أبي طالب : يحبّ الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، وامّهما فاطمة بنت رسول الله شرّفها الله في سماواته وأرضه».

ثمّ قال : «يا معشر المسلمين! هل ادلكم على خير النّاس خالا وخالة»؟ ، قالوا : بلى ، يا رسول الله! قال : «عليكم بالحسن والحسين ، فإنّ خالهما القاسم بن رسول الله ، وخالتهما زينب بنت رسول الله» ، ثمّ قال : «يا معشر المسلمين! هل ادلكم على خير الناس عمّا وعمّة»؟ قالوا : بلى ، يا رسول الله! قال : «عليكم بالحسن والحسين ، فإنّ عمهما جعفر ذو الجناحين : الطيار مع الملائكة في الجنّة ؛ وعمتهما أم هانئ بنت أبي طالب» ، ثم قال : «اللهمّ! إنك تعلم أنّ الحسن والحسين في الجنّة ؛ وجدّهما في الجنّة ؛


وجدتهما في الجنّة ؛ وأباهما في الجنّة ؛ وامهما في الجنّة ؛ وخالهما في الجنّة ؛ وخالتهما في الجنّة ؛ وعمهما في الجنّة ؛ وعمتهما في الجنّة ؛ ومن يحبّهما في الجنّة ؛ ومن يبغضهما في النّار».

٧٥ ـ وأخبرني سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الدّيلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، حدثنا الرئيس أبو الفتح بن عبد الله الهمداني ـ كتابة ـ ، حدثنا الإمام عبد الله بن عبدان ، حدّثنا أبو عبد الله نافع بن عليّ ، حدثنا علي بن إبراهيم القطّان ، حدثنا أحمد بن حمّاد الكوفي ، حدثنا محمّد بن زيدان الهاشمي ، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الموصلي ، حدثنا محمّد بن يوسف الفريابي ، عن سفيان بن سعيد الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى :( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ) الرحمن / ١٩ ، قال : عليّ وفاطمة ،( بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ) الرحمن / ٢٠ قال : ودّ لا يتباغضان( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ) الرحمن / ٢٢ قال : الحسن والحسين.

٧٦ ـ وأخبرني المبارك بن محمّد السقطي ـ بقراءتي عليه بدير العاقول ـ ، حدثنا أبو بكر محمّد بن عبد الله ـ ببغداد ـ ، حدثنا محمّد بن إسماعيل السلمي ، حدثنا أصبغ بن الفرج ، حدّثنا عبد الله بن وهب ، أخبرني عمرو بن الحرث : أنّ بكر بن سوادة حدّثه ، عن عبد الرّحمن بن جبير بن نفير ، عن عبد الله بن عمر ، قال : دخل الحسن والحسين على ـ عائشة ـ ، وعليها خمارها ، فشقته نصفين : ووشحت الحسن بأحدهما ؛ والحسين بالآخر ، ودفعت إليهما دينارا ، فانطلقا إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال لهما «يا ولديّ من برّكما بهذا؟» قالا : «دفعته إلينا امنا عائشة» ، فقال رسول الله : «صدقتما ، هي امكما وأم امكما برّ الله من برّكما ، وقطع من قطعكما ، ووصل من وصلكما».


قال : في روايتي في «فضائل الصحابة» ، عن مسروق ، عن عائشة ، أنها قالت : فو الله ، ما صنعت وما سمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحبّ. قال احسب قالت : أحب إليّ من الدنيا وما فيها.

٧٧ ـ وأخبرني الشيخ الإمام سيف الدين أبو جعفر محمّد بن عمر ـ كتابة ـ ، أخبرنا الإمام زيد بن الحسين البيهقي ، أخبرنا النقيب عليّ بن محمّد الحسني ، أخبرنا السيد الإمام أبو جعفر محمّد بن جعفر الحسيني ، أخبرنا السيد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين الحسني ، حدثنا أحمد بن محمّد البغدادي ، حدّثنا عبد العزيز بن إسحاق ، حدثنا علي بن محمّد النخعي ، حدثني سليمان بن إبراهيم ، حدثني نصر بن مزاحم ، حدّثني إبراهيم بن الزبرقان ، حدّثنا أبو خالد الواسطي ، حدّثني زيد بن عليّ ، عن أبيه ، عن جدّه الحسين ، عن أبيه عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام قال : «لمّا ثقل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مرضه والبيت غاصّ بمن فيه قال : «ادعوا لي ـ الحسن والحسين ـ ، فجاءا فجعل يلثمهما حتّى اغمي عليه ، فجعل عليّ يرفعهما عن وجه رسول الله ، ففتح عينيه وقال : دعهما يتمتعا مني وأتمتّع منهما ، فستصيبهما بعدي أثرة.

ثمّ قال : أيها النّاس! قد خلّفت فيكم : كتاب الله ؛ وسنتي ؛ وعترتي أهل بيتي ، فالمضيع لكتاب الله تعالى كالمضيع لسنّتي ، والمضيع لسنّتي كالمضيع لعترتي ، أما إنّ ذلك لن يفترق حتّى اللقاء على الحوض».

٧٧ ـ وروى يزيد بن ابي حبيب ؛ والحرث بن يزيد ؛ وابن هبيرة ، قالوا : اجتمع عند معاوية : عمرو بن العاص ؛ وعتبة بن أبي سفيان ؛ والوليد بن عقبة ؛ والمغيرة بن شعبة ؛ فقالوا لمعاوية : أرسلنا إلى الحسن لنسبّ أباه ونصغره بذلك؟ فقال : إني أخاف أن لا تنتصروا منه ، واعلموا أنّي إن أرسلت إليه أمرته أن يتكلم كما تتكلّمون ، قالوا : افعل ، فو الله ،


لنخزينه اليوم.

فأرسل إليه يدعوه ، والحسن لا يدري لما دعاه ، فلمّا قعد ، تكلّم معاوية فقال : إنّي لم أدعك ، ولكن هؤلاء أزعجوني حتّى أرسلت إليك وهم دعوك ليخبروك : إنّ ـ عثمان ـ قتل مظلوما ، وإنّ أباك قتله ، فاسمع منهم ، ثم أجبهم ، ولا تمنعك هيبتي أن تجيبهم بلسانك كلّه.

فقال له الحسن : ألا أعلمتني حتّى أجيء بعدّتهم من بني عبد المطلب وما بي أن أكون مستوحشا إلى أحد ، فإنّ الله لمعي اليوم ، وفيما قبل اليوم ، وفيما بعده ، فليتكلّموا أسمع منهم».

فتكلم ـ عمرو بن العاص ـ ، فقال : إنكم ـ بني عبد المطلب ـ لم يكن الله ليعطيكم الملك : بقتلكم الخلفاء ، واستحلالكم ما حرّم الله من الدماء ، أنت يا حسن! تحدّث نفسك أن تكون أمير المؤمنين ، وليس عندك عقل ذلك ، ولا رأيه ، فكيف تراك سلبته؟ وتركت أحمق قريش ، وذلك من سوء عمل أبيك ، فإنا دعوناك لنسبّك وأباك ، ثمّ لا ترد علينا شيئا مما نقول ، فإن كنت تراني كذبت فردّ عليّ وإلا فاعلم بأنّك وأباك من شرّ خلق الله ـ فقضى خطبته ـ.

ثم تكلّم ـ عتبة بن ابي سفيان ـ فقال : إنكم ـ بني عبد المطلب ـ قتلة عثمان ، فو الله ، إنّ لنا فيكم دم عثمان ، وإنّ في الحق أن نقتلك به ، فأما أبوك فقد تفرّد الله به ، وكفانا إياه ، وأما أنت ، فو الله ، ما علينا إن قتلناك ـ بعثمان ـ حرج ولا إثم ـ فقضى خطبته ـ.

ثم تكلّم الوليد بن عقبة فقال : أنتم ـ بني عبد المطلب ـ كنتم أخوال عثمان ، فنعم الولد كان لكم ، وكنتم أصهاره ، فنعم الصهر كان لكم ، يعطيكم حقكم ، ثمّ كنتم أوّل من حنق عليه وحسده ، وكنتم قتلته ، فكيف


ترون الله طالب دمه ـ فقضى خطبته ـ.

ثم تكلم ـ المغيرة بن شعبة ـ ، فقال : إنّ عليّا ناصب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حياته ، وأجلب عليه قبل موته ، وأراد قتله ، فعلم ذلك من أمره رسول الله ، ثمّ كره أن يبايع ـ أبا بكر ـ حتّى أتى به قودا ، ثم نازع ـ عمر ـ حتّى هم أن يضرب عنقه ، ثم طعن على ـ عثمان ـ حتّى قتله ، وقد جعل الله سلطانا لولي المقتول في كتابه المنزّل ، فمعاوية وليّ المقتول بغير حق ، فلو قتلناك وأخاك كان من الحقّ ، فو الله ما ـ دم ولد عليّ ـ عندنا بخير من ـ دم عثمان ـ ، وما كان الله ليجمع فيكم الملك مع النبوّة ـ فقضى خطبته ـ.

فتكلّم ـ الحسن بن عليّ ـ ، فقال : «الحمد لله الذي هدى أوّلكم بأوّلنا ، وآخركم بآخرنا ، اسمعوا مني مقالتي ، وأعيروني فهمكم ، وبك أبدا يا معاوية! فو الله ، ما هؤلاء سبّوني؟ ولكنّك يا معاوية! سببتني فحشا ، وخلقا سيئا ، وبغيا علينا ، وعداوة لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ولأهل بيتهعليهم‌السلام قديما وحديثا ، وأيم الله ، لو أني وإياهم في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحولنا أهل المدينة ، ما استطاعوا أن يتكلّموا بما تكلموا به.

ولكن بك يا معاوية! أبدا ، فاسمع مني ، وليسمع الملأ ، فاسمعوا أيّها الملأ : ولا تكتموا حقّا علمتموه ، ولا تصدّقوا باطلا إن نطقت به ، انشدكم الله ، هل تعلمون أنّ الرجل الذي تشتمونه صلّى القبلتين كلتيهما ، وأنت يا معاوية! كافر بهما تراهما ضلالا ، وتعبد اللات والعزى ، وبايع البيعتين كلتيهما ـ بيعة الفتح وبيعة الرضوان ـ ، وأنت يا معاوية بالاولى كافر ، وبالثانية ناكث.

ثم انشدكم الله ، هل تعلمون ، أنّ نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعنكم يوم «بدر» ومع عليّ راية النبيّ والمؤمنين ، ولعنكم يوم «الأحزاب» ومع علي راية النبي


والمؤمنين ، ومعك يا معاوية! راية المشركين من ـ بني اميّة ـ؟ فعليّ بذلك يفلج الله حجته ، ويحقّ الله دعوته ، وينصر دينه ، ويصدق حديثه ، وعليّ بذلك رسول الله راض عنه والمسلمون عنه راضون.

ثمّ أنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حاصر ـ أهل خيبر ـ فبعث ـ عمر بن الخطاب ـ براية المهاجرين ؛ وبعث ـ سعد بن معاذ ـ براية الأنصار؟ فأما سعد فجيء به جريحا ، وأما عمر فجاء يجبن أصحابه حتّى قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لاعطين الراية غدا رجلا يحبّه الله ورسوله ؛ ويحبّ الله ورسوله ، ثمّ لا ينثني حتّى يفتح الله له إن شاء الله ، فتعرّض لها : أبو بكر ؛ وعمر ؛ ومن ثمّ المهاجرين والأنصار ، وعليّ يومئذ أرمد شديد الرّمد ، فدعاه رسول الله فتفل في عينيه وأعطاه الراية ، وقال : اللهمّ! قه الحرّ والبرد ، فلم ينثن حتّى فتح الله له ، واستنزلهم على حكم الله ، وحكم رسوله ، وأنت يومئذ يا معاوية! مشرك بمكة عدوّ لله ولرسوله.

ثم انشدكم الله ، هل تعلمون أنّ عليّا ممن حرّم الشهوات من أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فأنزل الله فيه :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) المائدة / ٨٧ ، وأمّا أنت يا معاوية! فلا أذكر لك إلا حقّا قد علمته ، وعلمه أصحابك الّذين حولك ، إنّك كنت ذات يوم تسوق بأبيك ، ويقود به أخوك ـ هذا القاعد ـ وهو على جمل أحمر بعد ما عمي أبو سفيان ، فلعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الجمل ؛ وراكبه ؛ وقائده ؛ وسائقه ؛ وكان أبوك الراكب ؛ وأخوك القائد ؛ وأنت السائق.

ثم انشدكم الله ، هل تعلمون أنّ معاوية كان يكتب بين يدي رسول الله فأرسل إليه ذات يوم ليكتب إلى ـ بني خليد ـ ، فقالوا : إنّه يأكل ، فقال : لا أشبع الله بطنه؟ وانشدك الله يا معاوية! هل تعرف تلك الدعوة في أكلك ،


ونهمتك ، ورغبتك؟ ثمّ انشدكم الله ، هل تعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن :

أولهن : يوم خرج إلى المدينة فلعنه.

والثانية : يوم العير حين طردها ليحرزها من رسول الله.

والثالثة : يوم احد إذ قال : (أعل هبل أعل هبل) فقال رسول الله : الله أعلى وأجل ، فقال : (إنّ لنا عزّى ولا عزى لكم) ، فقال رسول الله : الله مولانا ولا مولى لكم ، فلعنه الله يومئذ ورسوله والمؤمنون.

والرابعة : يوم الأحزاب حين جاء أبو سفيان بجميع قريش ، فأنزل الله آيتين في ـ سورة الأحزاب ـ كل آية منها يسمّي ـ أبا سفيان وأصحابه ـ : الذين كفروا.

والخامسة : يوم الهدي معكوفا أن يبلغ محلّه ، إذ رددتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنت ومشركو قريش عن المسجد الحرام ، فرجع لم يقض نسكه ، ولم يطف بالبيت.

والسادسة : يوم جاء أبو سفيان بجميع قريش ؛ وعيينة بن حصن بجميع غطفان ، فلعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله القادة والأتباع.

والسابعة : يوم حملوا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهمّوا به في «الثنية» وهم اثنا عشر رجلا : سبعة من بني اميّة ؛ وخمسة من سائر الناس ، وقد كان من حقك يا معاوية! أن تستحي من كتابك إلى أبيك حين أراد أن يسلم وأنت كافر ، فكتبت إليه :

يا صخر! لا تسلمن طوعا فتفضحنا

بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا

جدي وعمي وخال الامّ يا لهم

قوما وحنظلة المهدي لنا الأرقا


لا تركننّ إلى أمر تقلّدنا

والراقصات به في مكة الخرقا

فالموت أيسر من قول الصباة لنا

خلي معاونة العزى لنا فرقا

فهل تستطيع يا معاوية! أن تردّ شيئا مما قلت.

وأما أنت يا عمرو بن العاص! فما أحسبك إلّا لزنية ، احتج فيها ـ خمسة من قريش ـ كلّهم يزعم : أنك ابنه ، فغلب عليك جزار قريش ، ألأمهم حسبا ؛ وأشرّهم منصبا ، وأعظمهم لعنة ، ثمّ قمت خطيبا فقلت : أنا شانئ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأنزل اللهعزوجل في «كتابه» :( إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) الكوثر / ٣.

ثمّ هجوت نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بسبعين بيتا ، فقال : اللهمّ! إني لا أحسن الشعر ، فالعنه بكل بيت لعنة ، ثمّ كنت في ـ أصحاب السفينة ـ الذين أتوا النجاشي يكذبون جعفرا عنده ، فكذبك الله بغيظك ، فأنت عدو ـ بني هاشم ـ في الجاهلية والإسلام ، فلست ألومك على ذلك ، ولا اعاتبك عليه ، وبعد فأنت القائل في مسيرك إلى النجاشي :

يقولون لي : أين هذا المسير

وما السير مني بمستنكر

فقلت : دعوني فإني امرؤ

اريد النجاشي في جعفر

لأكويه عنده كيّة

اقيم بها نخوة الأصعر

ولا أنثني عن بني هاشم

بما استطعت في الغيب والمحضر

وأما أنت يا عتبة! فما أنت بحصيف فاجيبك ، ولا عاقل فاعاتبك ، وما فيك من خير يرجى ، ولا من شرّ يتقى ، وما أنت وامك إلّا سواء ، فأما وعيدك لي بالقتل ، أفلا قتلت الذي وجدته على فراشك وشركك في عرسك ، ولو كنت قاتلا أحدا لقتلته ، ثم أمسكتها عندك من بعد ما كان من بغيها ما كان ، وو الله ، ما ألومك على سبّك عليا ؛ وقد قتل ـ خالك ـ مبارزة ؛ واشترك هو وحمزة في قتل جدّك فقتلاه.


وأما أنت يا ابن أبي معيط! فو الله ، ما ألومك إن سببت عليّا ، وقد جلدك في الخمر ثمانين ، وحدّك في الزنا مثلها ، وقتل أباك صبرا بأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو يقول لرسول الله ، ولقريش : علام اقتل؟ فقال له رسول الله : لعداوتك لله ولرسوله ، فقال : من للصبية؟ فقال : النّار ، وقتل ، فأنت من ـ صبية النّار ـ ، وكيف تسبّ عليا ومن حولك يعلمون أنّ عليا مؤمن ، وأنت كافر فاسق؟ وكيف تسبّ رجلا سمّاه الله مؤمنا في عشر آيات ، ورضي عنه في عشر آيات وسمّاك تعالى في «القرآن» فاسقا؟ حتى قال فيك شاعر المسلمين وفيه ، طبقا لقول الله تعالى :

انزل الله في الكتاب علينا

في عليّ وفي الوليد بيانا

فتبوا الوليد حادث فسق

وعلي تبوّأ الإيمانا

ليس من كان مؤمنا عمرك الله

كمن كان فاسقا خوّانا

سوف يدعى الوليد بعد قليل

وعليّ إلى الجزاء عيانا

فعليّ يجزى هناك جنانا

ووليد يجزى هناك هوانا

ثمّ إنما أنت علج من ـ أهل صفورية ـ ، واقسم بالله لأنت أكبر من أبيك الذي تدّعي له.

وأمّا أنت يا مغيرة! فإنما مثلك مثل البقة قالت للنخلة : استمسكي فإني اريد أن أنزل عنك ؛ فقالت : والله ، ما شعرت بوقوعك عليّ ، فكيف أهتم بنزولك عني ، فقل لي : على أي الخصال تسبّ عليا : لبعده من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أم لسوء بلائه في الإسلام ، أم لرغبته في الدّنيا ، أم لجوره في الأحكام؟ فإن قلت بواحدة منهن ، فقد كذبك الله ورسوله.

فأمّا زعمك : أنّ عليا قتل ـ عثمان ـ فلست من ذلك في شيء ، وأمّا قولك : في الملك ، فإنّ الله تعالى يقول لنبيهعليه‌السلام :( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ


وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ) الأنبياء / ١١١ ، ويقول تعالى :( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها ) الآية. الاسراء / ١٦».

ثمّ إنّهعليه‌السلام نفض رداءه وقام ، فقال معاوية لأصحابه : ذوقوا وبال أمركم ، فقالوا : والله ، ما ذقنا مثل ما ذقت ، فقال : ألم أقل لكم : إنكم لم تنتصروا من الرّجل فلا أطعتموني إذ نهيتكم ، ولا انتصرتم إذ فضحكم ، والله ، ما قام حتّى أظلم عليّ البيت ، وهممت أن أبطش به ؛ فليس فيكم خير اليوم ، ولا قبل اليوم ، ولا بعده.

وسمع ـ مروان بن الحكم ـ ما لقي ـ معاوية ـ وأصحابه من ـ الحسن ـ ، فأتى معاوية فوجد عنده عمرا ؛ والوليد بن عقبة ؛ وعمرو بن عثمان ؛ وعتبة ؛ والمغيرة ؛ فسألهم عمّا بلغه من أمر الحسن؟ فقالوا : قد كان ذلك ، فقال لهم مروان : أفلا أحضرتموني؟ فلو حضرت لسببته وأهل بيته سبّا تتغنّى به الإماء والعبيد؟ فقالوا له : الآن لم يفتك شيء ، لما يعلمون من ذرابة لسان مروان وفحش منطقه ، فأرسل إليه معاوية ، فأتى ـ الحسن ـ فجلس على السرير بين ـ معاوية وعمرو ـ فقال معاوية : ما أرسلت إليك ، ولكن مروان أرسل إليك ، فقال مروان : أنت ، يا حسن! السّاب رجال قريش؟ فو الله ، لأسبّنك وأباك وأهل بيتك سبّا تتغنى به الإماء والعبيد؟

فقال الحسن : «الحمد لله ما زادك الله يا مروان! بما خوفت إلا طغيانا ، كما قال اللهعزوجل :( وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً ) الاسراء / ٦٠ ، ألست أنت وذريتك يا مروان! الشجرة الملعونة في القرآن الكريم؟ سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يلعنك ـ ثلاث مرات».

فكبّر معاوية ، وخرّ ساجدا ، وكان ذلك نصرة للحسن بن عليعليهما‌السلام ثم قاموا وتفرقوا ، ولبعض شعراء أهل البيتعليهم‌السلام فيهم من المدح :


إليكم كلّ منقبة تؤول

إذ ما قيل : جدّكم الرّسول

وفيكم كلّ مكرمة تجلى

إذ ما قيل : امكم البتول

فلا يبقى لمادحكم كلام

إذا تم الكلام فما يقول

٧٩ ـ وذكر الشعبي : أن ـ عبد الله بن جعفر ـ دخل على ـ معاوية ـ ، وعنده ـ يزيد ـ ، فجعل يزيد يعرض بعبد الله بن جعفر في كلامه ، وينسبه إلى الإسراف ، فقال عبد الله ليزيد : إني لأرفع نفسي عن جوابك ولو كلّمني صاحب السرير لأجبته.

فقال معاوية : كأنك تظن أنّك أشرف منه؟ قال : أي والله ، ومنك ومن أبيك وجدّك.

فقال معاوية : ما كنت أحسب أحدا في عصر ـ حرب ـ يزعم أنّه أشرف منه!

فقال عبد الله : بلى ، إنّ أشرف من ـ حرب ـ من كفأ عليه إناءه ، وأجاره إذ ألبسه رداءه.

فقال معاوية : صدقت يا أبا جعفر! وقضى حوائجه فخرج.

قال الشعبيّ : ومعنى قول عبد الله : أشرف منه من كفا عليه إناءه ، وأجاره إذ ألبسه رداءه هو أنّ ـ حرب بن اميّة ـ كان إذا كان في سفره ، وعرضت له ثنية أو عقبة ، تنحنح فلا تجوز النّاس حتّى يجوزها.

فجاء غلام من ـ بني تميم ـ ثمّ من ـ بني أسد ـ ، فقيل له : قف ، حتّى يجوز ـ حرب ـ ، قال : ومن حرب؟ ثمّ تقدّمه ، ونظر إليه حرب ، فتهدّده وقال : سيمكنني الله منك إن دخلت مكة ، ثمّ إن ـ التميمي ـ بعد ذلك بدت له حاجة بمكة ، فسأل عن أعزّ أهل مكة ، فقيل له : عبد المطلب بن هاشم ، فخرج إليه وأناخ راحلته ـ ببابه ـ ، فقيل : ادخل الدار ، فقال : ما أردت دون ـ


عبد المطلب ـ ، فخرج إليه ـ الزبير بن عبد المطلب ـ ، فقال : مالك؟ إن كنت مستجيرا آجرناك ، وإن كنت طالب قرى قريناك ، فأنشأ يقول :

لاقيت حربا بالثنية مقبلا

والصبح أبلج ضوؤه للساري

فأصات بي : قف وانتم ليروعني

ودعا بدعوة معلن بشعار

فتركته خلفي وجزت أمامه

وكذا كنت أكون في الأسفار

فمضى يهدّدني الوعيد ببلدة

فيها الزبير كمثل ليث ضار

فتركته كالكلب ينبح حوله

وأتيت قرم مكارم ونجّار

ليثا هزبرا يستجار بقربه

رحب المباءة مكرما للجار

وحلفت بالبيت العتيق وركنه

وبزمزم والحجر ذي الأستار

إنّ الزبير لمانعي بمهنّد

عضب المهزّة صارم بتار

فقال الزبير : قد آجرتك ، وأنا ابن عبد المطلب ، فسر أمامي ، فإنا ـ بني عبد المطلب ـ ، إذا أجرنا رجلا لم نتقدّمه ، فمضى بين يديه ، والزبير في أثره فلقيه ـ حرب ـ ، فقال : التميمي! وربّ الكعبة؟ ثم شدّ عليه ، فاخترط الزبير سيفه ، ونادى في إخوته ، فمضى حرب يسرع المشي ، والزبير في أثره حتّى صار إلى دار عبد المطلب ، فلقيه ـ عبد المطلب ـ خارجا من الدار.

فقال : مهيم(١) يا حرب! فقال : ابنك الزبير ، فقال : ادخل الدار ، فدخل فكفا عليه جفنة ـ هاشم ـ التي كان يهشم فيها الثريد ، وتلاحق ـ بنو عبد المطلب ـ بعضهم على أثر بعض ، فلم يجسروا أن يدخلوا دار عبد المطلب ، فاحتبوا بحمائل سيوفهم ، وجلسوا على الباب ، فخرج ـ عبد المطلب ـ ، فلما نظر إليهم سرّه ما رأى منهم ، ثمّ دخل إلى حرب ، فقال له : قم واخرج.

__________________

(١) مهيم كلمة بمعنى ما وراءك وهي وزان مريم والميم الثانية ساكنة.


فقال : يا أبا الحرث هربت من واحد ، وأخرج إلى عشرة؟ فقال : خذ ردائي هذا فالبسه ، واخرج.

فلبسه وخرج ، فرفعوا رءوسهم فلمّا نظروا إلى رداء أبيهم نكسوا رءوسهم فمضى حرب. فذلك ، معنى قوله : إن أشرف من حرب من كفا عليه إناءه ، وأجاره إذ ألبسه رداءه.

٨٠ ـ وقال ـ معاوية ـ لعقيل بن أبي طالب : يا بني هاشم! إني أرى فيكم خصلة ما تعجبني؟ قال : وما هي؟ قال : أرى فيكم لينا ، قال : أجل ، والله ، في غير ضعف ، وعزا في غير كبر ، وأما أنتم يا بني اميّة! فإن فيكم لينا تحته غدر ، وكبرا فيه كفر.

٨١ ـ قيل : كان ـ العبّاس ـ الذي يسمّى : السقّاء ـ يوم كربلاء ـ ، وزينب ـ ولدا عليّعليه‌السلام ـ صغيرين ، وكانا عند أبيهما : العبّاس عن يمينه ؛ وزينب عن شماله ، فالتفت إلى العبّاس ، وقال : «قل : واحد» فقالها ، فقال : «قل : اثنين» فقال : إني أستحي أن أقول اثنين باللسان الذي قلت به : واحد ، فقبّل ـ عليّ ـ عينيه.

والتفت إلى ـ زينب ـ ، فقالت له زينب : يا أبتاه! أتحبنا؟ قال : «نعم ، أولادنا أكبادنا» ، فقالت : يا أبتاه! حبّان لا يجتمعان في قلب مؤمن : حبّ الله ، وحبّ الأولاد ، فإن كان لا بدّ فالشفقة لنا ، والحبّ لله خالصا ، فازداد لهما حبا.

وقيل : بل القائل الحسين.

٨٢ ـ وقال الحسن : «من لم يعرف سوء ما اتينا(١) ، كان شريك من أساء إلينا».

__________________

(١) لعله شرف ما اوتينا أو يصرف سوء.


٨٣ ـ وجاء في «الآثار» : إنّ جبرئيل كان يأتي إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في صورة ـ دحية الكلبي ـ ، فهبط إليه ذات يوم ، وجلس عنده ، إذ دخل الحسن والحسين ، فأدخلا أيديهما في كمّ جبرئيل ، وكانا يظنان أنّه دحية ، فالتفت جبرئيل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسأله عن فعلهما؟ فقال : «اذا دخل ـ دحية ـ وهما عندي ، يدفع لهما تفاحتين ، فلذلك أدخلا أيديهما في كمّيك» ، فرفع ـ جبرئيل ـ جناحه ، وأخذ من الفردوس تفاحتين ، فدفعهما إلى ـ الحسن والحسين ـ إكراما لهما من الله تعالى.

٨٤ ـ وروي : أنّ الحسن بن عليعليه‌السلام دخل على معاوية وهو مضطجع على سريره ، فسلّم عليه ، فقام إليه وصافحه ، ثمّ اضطجع فجلس الحسن عند رجليه ، فقال : يا أبا محمّد ألا تعجب من أم المؤمنين عائشة تزعم : أني لست أهلا للخلافة.

فقال الحسن : «أو عجبت ممّا قالت»؟ قال : بلى ، كلّ العجب ، فقال الحسن : «فاعجب من ذلك جلوسي عند رجليك وأنت مضطجع»؟

فاستحى معاوية ، وقام وأقبل عليه ، ثم قال له : أقسمت عليك ، كم عليك من الدّين؟ قال له : «مائة ألف» ، فقال : يا غلام! احمل معه ثلاثمائة ألف.

فلما خرج قال له ابنه يزيد : يا أبة! إنّه استقبلك بكل مكروه وأعطيته ما أعطيته؟ فقال : يا بنيّ إنّ الحقّ ، والله ، حقّهم وأخذناه ، أفلا نردفهم يا بني! على دابتهم التي ركبناها.

٨٥ ـ وروي في «المراسيل» أنّ الحسن والحسين ـ كانا يكتبان ، فقال الحسن للحسين : «خطي أحسن من خطّك» ، فقال الحسين : «بل ، خطي أحسن». فقالا لأمهما ـ فاطمة ـ : «احكمي بيننا : من أحسن منّا خطا»؟


فكرهت فاطمة أن تؤذي أحدهما بتفضيل خط أحدهما على الآخر ، فقالت لهما : «سلا أباكما عليا» فسألاه فكره أن يؤذي أحدهما ، فقال : «سلا جدّكما» ، فسألاه فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا أحكم بينكما حتّى أسأل جبرئيل» ، فلمّا جاء جبرئيل قال : لا أحكم بينهما ، ولكن إسرافيل يحكم ، فقال إسرافيل : لا أحكم بينهما ولكن أسأل الله تعالى أن يحكم بينهما.

فقال الله تعالى : «لا أحكم بينهما ، ولكن امّهما فاطمة تحكم بينهما» ، فقالت ـ فاطمة ـ : «أحكم بينهما ، يا ربّ!» وكانت لها قلادة فقالت : «أنا أنثر بينكما هذه القلادة ، فمن أخذ من جواهرها أكثر ، فخطه أحسن» ، فنثرتها وكان جبرئيل وقتئذ عند قائمة العرش ، فأمره الله أن يهبط إلى الأرض ، وينصف الجواهر بينهما ، كيلا يتأذى أحدهما ففعل ذلك ـ جبرئيل ـ إكراما لهما وتعظيما.

فالعجب من أقوام (لعنهم الله تعالى) قتلوا أحدهما بالسم ، والآخر بالسيف ، وهما ذانك الرّجلان ، وللحسين في الفخر :

من كان يبأى بجدّ

فإنّ جدي الرسول

أو كان يبأى بامّ

فإنّ أمي البتول

أو كان يبأى بزور

فزورنا جبرئيل

فنحن لم نبأ إلّا

بما يطاع الجليل

٨٦ ـ وروي أنّ معاوية كتب إلى ـ مروان ـ ، وهو عامله على المدينة أن يخطب ـ ليزيد ـ بنت عبد الله بن جعفر ، على حكم أبيها في الصداق وقضاء دينه بالغا ما بلغ ، وعلى صلح الحيين ـ بني هاشم وبني اميّة ـ ، فبعث مروان إلى عبد الله بن جعفر يخطب إليه ، فقال عبد الله : انّ أمر نسائنا إلى ـ الحسن ابن عليّ فاخطب إليه ، فأتى مروان ـ الحسن ـ خاطبا ، فقال له الحسن :


«اجمع من أردت» ، فأرسل مروان فجمع الحيين بني هاشم وبني اميّة ، وتكلّم مروان فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال :

أما بعد ، فإنّ أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أخطب زينب بنت عبد الله ابن جعفر ليزيد بن معاوية على حكم أبيها في الصداق ، وقضاء دينه بالغا ما بلغ ، وعلى صلح الحيين بني هاشم وبني أميّة ، ويزيد بن معاوية كفؤ من لا كفؤ له ، ولعمري ، لمن يغبطكم بيزيد أكثر ممن يغبط يزيد بكم ، فيزيد ممن يستسقى بوجهه الغمام ، ثم سكت.

فتكلّم ـ الحسن ـ فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : «أما ما ذكرت من حكم أبيها في الصداق ، فإنا لم نكن لنرغب عن سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في أهله وبناته ، وأما قضاء دين أبيها فمتى قضت نساؤنا بمهورهن ديون آبائهن؟! وأما صلح الحيين : فنحن عاديناكم لله وفي الله ، فلا نصالحكم للدّنيا ، وأما قولك : يزيد كفؤ من لا كفؤ له ، فأكفاؤه اليوم أكفاؤه بالأمس ، لم يزده سلطانه ، وأما قولك من يغبطنا بيزيد أكثر ممن يغبطه بنا ، فإن كانت الخلافة قادت النبوّة(١) فنحن المغبوطون ، وإن كانت النبوّة قادت الخلافة فهو المغبوط بنا ، وأما قولك : إن الغمام يستسقى بوجه يزيد فإن ذلك لم يكن إلا لآل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد رأينا أن نزوجها من ابن عمها ـ القاسم بن محمد ابن جعفر ـ وقد زوجتها منه ، وجعلت مهرها ضيعتي الّتي لي بالمدينة ، وقد أعطاني بها معاوية عشرة آلاف دينار ، ولها فيها غنى وكفاية».

فقال مروان : أغدرا يا بني هاشم؟! فقال الحسن : «واحدة بواحدة».

وكتب مروان بذلك الى معاوية ، فقال معاوية : خطبنا إليهم فلم يفعلوا ، ولو خطبوا إلينا لما رددنا.

__________________

(١) كذا في الأصل فعليه يعني أن الخلافة تابعة للنبوة والنبوة قائدة لها إن صحت العبارة.


ولمنصور الفقيه (ره) :

إذا فخرت بنو الإسلام يوما

على من ليس فيهم من رسول

قضيت لها كما اقضي عليها

بأن خيارها ولد البتول

وللصاحب (رحمه‌الله) :

لآل محمّد أصبحت عبدا

وآل محمّد خير البريّة

أناس حلّ فيهم كلّ خير

مواريث النبوّة والوصية

٨٧ ـ وروي أنّ معاوية نظر إلى الحسن بن عليّعليهما‌السلام وهو بالمدينة ، وقد احتفّ به خلق من قريش يعظمونه ، فتداخله حسد فدعا أبا الأسود الدؤلي ؛ والضحاك بن قيس الفهري ، فشاورهما في أمر ـ الحسن ـ والذي يهم به من الكلام.

فقال له أبو الأسود : رأي أمير المؤمنين أفضل ، وأرى ألّا يفعل ، فإنّ أمير المؤمنين لن يقول فيه قولا إلا أنزله سامعوه منه به حسدا ، ورفعوا به صعدا ، والحسن يا أمير المؤمنين! معتدل شبابه ، احضر ما هو كائن جوابه ، فأخاف أن يردّ عليك كلامك ، بنوافذ تردع سهامك ، فيقرع بذلك ظنبوك ويبدي به عيوبك ، فإذن كلامك فيه صار له فضلا وعليك كلا ، إلّا أن تكون تعرف له عيبا في أدب ، أو وقيعة في حسب ، وأنّه لهو المهذّب ، قد أصبح من صريح العرب ، في عز لبابها ، وكريم محتدها ، وطيب عنصرها ، فلا تفعل يا أمير المؤمنين!.

وقال الضحاك بن قيس الفهري : امض يا أمير المؤمنين! فيه برأيك ، ولا تنصرف عنه بدائك ، فإنّك لو رميته بقوارص كلامك ، ومحكم جوابك ، لذلّ لك كما يذلّ البعير الشارف من الإبل.

فقال : أفعل ، وحضرت الجمعة فصعد معاوية على المنبر ، فحمد الله


واثنى عليه وصلّى على نبيه ، وذكر عليّ بن أبي طالب فتنقصه.

ثم قال : أيها النّاس! إنّ صبية من قريش ، ذوي سفه وطيش ، وتكدر من عيش ، أتعبتهم المقادير ، فاتخذ الشيطان رءوسهم مقاعد وألسنتهم مبارد ، فباض وفرخ في صدورهم ، ودرج في نحورهم ، فركب بهم الزلل ، وزين لهم الخطل ، وأعمى عليهم السبل ، وأرشدهم الى البغي والعدوان ، والزور والبهتان ، فهم له شركاء وهو لهم قرين( وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً ) النساء / ٣٨ ، وكفى لهم مؤدبا ، والمستعان الله.

فوثب الحسن بن عليّ وأخذ بعضادتي المنبر ، فحمد الله وصلّى على نبيه ، ثمّ قال : «أيها النّاس! من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن عليّ بن أبي طالب ، أنا ابن نبي الله ، أنا ابن من جعلت له الأرض مسجدا وطهورا ، أنا ابن السراج المنير ، أنا ابن البشير النذير ، أنا ابن خاتم النبيين ، وسيد المرسلين ، وإمام المتقين ، ورسول ربّ العالمين ، أنا ابن من بعث إلى الجن والإنس ، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين».

فلما سمع كلامه معاوية غاظه منطقه ، وأراد أن يقطع عليه ، فقال : يا حسن! عليك بصفة الرطب ، فقال الحسن : «الريح تلقحه ، والحرّ ينضجه ، والليل يبرده ويطيبه ، على رغم أنفك يا معاوية»!

ثمّ أقبل على كلامه ، فقال : «أنا ابن المستجاب للدّعوة ، انا ابن الشفيع المطاع ، أنا ابن أوّل من ينفض رأسه من التراب ، ويقرع باب الجنّة ، أنا ابن من قاتلت الملائكة معه ولم تقاتل مع نبيّ قبله ، أنا ابن من نصر على الأحزاب ، أنا ابن من ذلّ له قريش رغما».

فقال معاوية : أما إنّك تحدّث نفسك بالخلافة ولست هناك.

فقال الحسن : «أمّا الخلافة فلمن عمل بكتاب الله وسنّة نبيه ، ليست


الخلافة لمن خالف كتاب الله وعطل السنّة ، انما مثل ذلك مثل رجل أصاب ملكا فتمتع به ، وكأنه انقطع عنه وبقيت تبعاته عليه».

فقال معاوية : ما في قريش رجل إلّا ولنا عنده نعم جزيلة ، ويد جميلة.

قال : «بلى ، من تعزّزت به بعد الذلّة ، وتكثرت به بعد القلّة». فقال معاوية : من اولئك؟ يا حسن! قال : «من يلهيك عن معرفته».

ثم قال الحسن : «أنا ابن من ساد قريش شابا وكهلا ، أنا ابن من ساد الورى كرما ونبلا ، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالجود الصادق ، والفرع الباسق ، والفضل السابق ، أنا ابن من رضاه رضى الله وسخطه سخطه ، أفهل لك أن تساميه؟ يا معاوية»! فقال : أقول لا تصديقا لقولك.

فقال له الحسن : «الحقّ أبلج ، والباطل لجلج ، ولم يندم من ركب الحقّ ، وقد خاب من ركب الباطل والحقّ يعرفه ذوو الألباب».

ثمّ نزل معاوية ، وأخذ بيد الحسن ، وقال : لا مرحبا بمن ساءك.

٨٨ ـ وروي : أنّ أحد العلويين قال ـ ليحيى بن معاذ ـ : ما تقول فينا؟ قال : ما أقول في طينة عجنت بماء النبوّة ، وغرست بتربة الرّسالة ، فهل ينفح منها إلا أريج الندى ، وعبير التقوى ، فأمر العلويّ فملأ فمه درا.

٨٩ ـ وقيل : كان ـ للحسن بن عليعليه‌السلام ـ شاة تعجبه ، فوجدها يوما مكسورة الرّجل ، فقال للغلام : «من كسر رجلها»؟ قال : أنا ، قال : «لم»؟ قال : لأغمنّك ، قال الحسن : «لأفرحنّك ، أنت حرّ لوجه الله تبارك وتعالى». وفي رواية اخرى : قال : لأغمّنّ من أمرك بغمي ، يعني : أنّ الشيطان أمره أن يغمّه.

٩٠ ـ وذكر «الجاحظ» ـ فصلا طويلا ـ في كتاب «الزرع والنخل» في ـ


مدح قريش وبني هاشم خاصة ـ ، فمما قال في ـ بني هاشم ـ : العرب كالبدنة ، وقريش روحها ، وهاشم سرّها ولبابها ، وموضع غاية الدّين منها ، وهاشم ملح الأرض ، وزينة الدّنيا ، وجبهة العالم ، والسنام الأضخم ، والكاهل الأعظم ، ولباب كلّ جوهر كريم ، وسرّ كل عنصر شريف ، والطينة البيضاء والمغرس المبارك ، وهم الركن الوثيق ، معدن الفهم ، وينبوع العلم ، وثهلان ذو الهضبات في الحلم ، والسيف الحسام في العزم ، مع الأناة والحزم ، والصفح عن الجرم ، والقصد بعد المعرفة والمغفرة بعد القدرة ، وهم الأنف المقدم ، والسنام الأكرم ، والعز المشمخر والصيانة والسؤدد ، كالماء الذي لا ينجسه شيء ، وكالشّمس لا تخفى بكلّ مكان ، وكالذهب لا يعرف بنقصان ، وكالنجم للحيران ، وكالماء البارد للظمآن.

منهم الثقلان ؛ والأطيبان ؛ والسبطان ؛ والشهيدان ؛ وأسد الله ؛ وذو جناحيها وسيد الوادي ؛ وساقي الحجيج ؛ وسيد البطحاء ؛ والحبر ؛ والبحر ؛ فالأنصار أنصارهم ؛ والمهاجرون من هاجر معهم ؛ والصديق من صدّقهم ؛ والفاروق من فرّق بين الحق والباطل بهم ؛ والحواري حواريهم ؛ ولا خير إلّا فيهم أولهم أو معهم أوليهم ، وكيف لا يكونون كذلك؟ ومنهم : رسول الله رب العالمين ؛ وإمام الأولين والآخرين ؛ ونخبة المرسلين ؛ وخاتم النبيين ، الذي لم تتم لنبيّ نبوّة إلّا بعد التصديق به ، والبشارة بمجيئه ، الّذي عمّ برسالته ما بين الخافقين ، وأظهره الله على الدين كلّه ولو كره المشركون ، وأقسم الله تعالى بحياته في القرآن فقال :( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) الحجر / ٧٢ ، وقال :( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) القلم / ٤ ، فلا عظم أعظم ممّا عظم الله تعالى ، ولا صغر أصغر ممّا صغره الله ، ولا عظيم أعظم ، ولا فخر ، ولا أسنى ، ولا أكبر ، من ممدوح


مادحه الله ، وناقل مديحه وراويه جبرئيل ، والممدوح محمّد ، والمديح القرآن.

فمن أفخر من قوم صاحب هذا النعت منهم؟ ومن أفخر من عمّه وبني عمّه؟ ومن ولده وولد ولده؟

٩١ ـ وقيل : افتخر رجل من بني هاشم ورجل من بني اميّة ، فقال الاموي للهاشمي : اذهب ، فسل أهلك واذهب فاسأل أهلي ، فأتى الامويّ عشيرته ، فسأل عشرة منهم فأمروا له بمائة ألف درهم ، وأتى الهاشمي عبيد الله بن عبّاس فأمر له بمائة ألف درهم ، ثمّ أتى ـ الحسن ـ فأمر له بمائة وثلاثين ألف درهم ، ثمّ أتى ـ الحسين ـ فأمر له بمائة وعشرين ألف درهم ، وقال : «لا اساوي أخي في الفضل».

فجاء الاموي بما أعطاه أهله ، وجاء الهاشميّ بما أعطاه ثلاثة من أهله ، فغضب الاموي فردّها على أصحابها فقبلوها ، وردّها الهاشمي على أصحابها فلم يقبلوها ، فكانت الأخيرة أشدّ على الاموي من الاولى.

٩٢ ـ أخبرنا الإمام سيف الدين أبو جعفر الجمحي ـ كتابة ـ ، أخبرنا الشيخ الإمام أبو الحسين زيد بن الحسن بن عليّ البيهقي ، أخبرنا السيد الإمام عليّ بن محمّد الحسيني ، حدثنا السيّد الإمام زين الإسلام أبو جعفر محمّد بن جعفر بن عليّ الحسيني (ره) ، أخبرنا محمّد بن زيد الحسيني ، حدّثنا الناصر للحق الحسن بن عليّ ، حدثنا بشر بن عبد الوهاب ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، حدّثنا قطري الخشاب ، عن مدرك بن راشد ، قال : كنا في حيطان لابن عبّاس فجاء الحسن والحسينعليهما‌السلام فطافا بالبستان ، فقال الحسن : «أعندك غداء يا مدرك»؟! فقلت له : طعام الغلمان ، فجئته بخبز وملح جريش وطاقات بقل فأكل ، ثمّ جيء بطعامه وكان كثير الطعام طيبه ،


فقال : «يا مدرك! اجمع غلمان البستان» ، فجمعتهم فأكلوا ، ولم يأكل ، فقلت له : في ذلك ، فقال : «ذاك كان عندي أشهى من هذا».

ثمّ توضأ ثم جيء له بدابته ، فأمسك ـ ابن عبّاس ـ له بالركاب وسوى عليه ، ثمّ مضى فجيء بدابة ـ الحسين ـ فأمسك ـ ابن عباس ـ له بالركاب وسوى عليه ، ثمّ مضى.

فقلت لابن عبّاس : أنت أسنّ منهما ، أفتمسك لهما؟ قال : يا لكع! أما تدري من هذان؟ هذان ابنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو ليس ممّا أنعم الله عليّ أن أمسك لهما واسوي عليهما.

٩٣ ـ أخبرنا الشيخ الإمام ركن الأئمة عبد الحميد بن ميكائيل البراقعيني ، حدّثنا أبو يعقوب يوسف بن منصور السّاوي ـ إملاء ـ ، حدثنا أبو محمّد عبد الله بن محمد الأزدي ، حدّثنا سهل بن عثمان ، حدثنا منصور ابن محمّد النسفي ، حدثنا عبد الله بن عمرو البرزدي ، حدّثنا الحسن بن موسى ، عن سعدان ، عن مالك بن سليمان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عائشة قالت : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جائعا ، لا يقدر على ما يأكل ، فقال لي : «هات ردائي»؟ فقلت : أين تريد؟ قال : «إلى فاطمة ابنتي فأنظر إلى الحسن والحسين ، فيذهب ما بيّ من جوع» ، فخرج حتّى دخل على فاطمة ، فقال : «يا فاطمة! أين ابناي؟ فقالت : يا رسول الله! خرجا من الجوع وهما يبكيان».

فخرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في طلبهما ، فرأى أبا الدرداء فقال : «يا عويمر! هل رأيت ابنيّ»؟ قال : نعم ، يا رسول الله! هما نائمان تحت ظل حائط ـ بني جدعان ـ ، فانطلق النبيّ فضمّهما وهما يبكيان ، وهو يمسح الدموع عنهما ، فقال له أبو الدرداء : دعني أحملهما.


فقال : «يا أبا الدرداء! دعني أمسح الدموع عنهما ، فو الذي بعثني نبيا ، لو قطرت قطرة في الأرض لبقيت المجاعة في أمّتي إلى يوم القيامة» ، ثمّ حملهما وهما يبكيان وهو يبكي.

فجاء جبرئيل ، فقال : السّلام عليك يا محمّد! ، ربّ العزّة يقرؤك السّلام ويقول : ما هذا الجزع؟ فقال : «يا جبرئيل! ما أبكي من جزع ، بل أبكي من ذلّ الدّنيا» ، فقال جبرئيل : إنّ الله تعالى يقول : أيسرّك أن احوّل لك ـ أحدا ـ ذهبا ، ولا ينقص لك ممّا عندي شيء؟ قال : «لا» ، قال : «لم»؟ قال : «لأنّ الله لم يحب الدّنيا ولو أحبّها لما جعل للكافر أكلة».

فقال جبرائيل : يا محمّد! ادع بالجفنة المنكوسة التي في ناحية البيت ، فدعا بها فلما حملت إذا فيها ثريد ولحم كثير ، فقال : كل يا محمّد! واطعم ابنيك وأهل بيتك ، قال : فأكلوا وشبعوا ، ثمّ أرسل بها إلى أبي بكر الصديق فأكلوا وشبعوا ، وهي على حالها.

فقال أبو بكر : ما أعظم بركة هذه الجفنة! فرفعت عنهم ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «والذي بعثني بالحقّ ، لو سكت لتداولها فقراء امتي إلى يوم القيامة.

٩٤ ـ وأخبرنا الشيخ الإمام عبد الحميد هذا ، حدّثني الإمام الزاهد مسعود بن الحسين الكسائي ـ إملاء ـ ، حدّثني الإمام أبو نصر أحمد بن المهذب ، حدّثني الفقيه أبو سهل عبد الكريم بن عبد الرّحمن ، حدّثني القاضي أبو سعيد الخليل بن أحمد بن الخليل ، حدّثني أبو العبّاس الثقفي ، حدّثني سعيد بن يحيى الاموي ، حدّثني أبو معاوية ، حدّثني إسماعيل ؛ ومسلم ، عن الحسن ، عن أبي بكر قال : رأيت ـ الحسن والحسين ـ يثبان على ظهر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يصلّي ، فيمسكهما بيده حتّى يرفع صلبه ،


ويقومان على الأرض ، فلما انصرف أجلسهما في حجره ، ومسح رأسيهما ، ثمّ قال : «إنّ ابنيّ هذين ريحانتاي من الدّنيا ، وهذا يعني : ـ الحسن ـ سيّد ، وأرجو أن يصلح الله به فئتين عظيمتين من المسلمين في آخر الزمان».

أخرج البخاري آخر الحديث وهو قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إن ابني هذا سيد» بدون قوله : «في آخر الزمان».

٩٥ ـ وأخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن عليّ بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا والدي شيخ السنّة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ محمّد بن يعقوب ، حدّثنا الحسن بن عليّ ، حدثنا زيد بن الحبّاب ، حدثني إسرائيل ، عن ميسرة ، عن المنهال ، عن زرّ ، عن حذيفة قال : قالت لي أمي : متى عهدك بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ قلت : مالي عهد به منذ كذا وكذا ، فذهبت تنال مني ، قلت : دعيني حتى اذهب إليه فلا أدعه حتّى يستغفر لي ويستغفر لك ، فأتيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فصليت معه المغرب ، ثمّ قام يصلي حتّى صلى العشاء فخرج ، فتبعته فإذا عارض قد عرض له ، ثمّ خرج فتبعته.

فقال : «يا حذيفة! هل رأيت العارض الذي عرض لي»؟ قلت : نعم ، قال : «ذلك ملك من الملائكة ، استأذن ربّه فسلّم عليّ ، وبشرني ـ بالحسن والحسين ـ : أنهما سيّدا شباب أهل الجنّة ، وأنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة».

فذكرت له حاجتي ، فقال : «اللهمّ! اغفر لحذيفة ولأمّه» ، قلت : ورويت ـ هذا الحديث ـ في فضائل فاطمةعليها‌السلام في ـ جامع أبي عيسى الترمذي ـ بألفاظ قريبة برواية ـ حذيفة ـ أيضا.

٩٦ ـ وذكر الثقة : أنّ مروان بن الحكم شتم الحسن بن عليعليهما‌السلام فلمّا فرغ ، قال الحسن : «إني ، والله ، لا أمحو عنك شيئا ، ولكن موعدك الله ،


فلئن كنت صادقا فجزاك الله بصدقك ، وإن كنت كاذبا فجزاك الله بكذبك ، والله أشد نقمة منّي».

٩٧ ـ وقال رجل من ـ أهل الشّام ـ قدمت المدينة بعد ـ صفين ـ ، فرأيت رجلا حضرنا ، فسألت عنه ، فقيل : الحسن بن عليّ ، فحسدت عليّا أن يكون له ابن مثله ، فقلت له : أنت ابن أبي طالب؟ قال : «أنا ابن ابنه».

فقلت له : بك وبأبيك ، فشتمته وشتمت أباه؟ وهو لا يردّ شيئا ، فلمّا فرغت أقبل عليّ ، قال : «أظنّك غريبا ، ولعلّ لك حاجة ، فلو استعنت بنا لأعناك ، ولو سألتنا لأعطيناك ، ولو استرشدتنا أرشدناك ، ولو استحملتنا حملناك».

قال الشّامي : فولّيت عنه ، وما على الأرض أحد أحبّ إليّ منه ، فما فكرت بعد ذلك فيما صنع وفيما صنعت إلّا تصاغرت إلى نفسي.

٩٨ ـ وروي : أنّ غلاما ـ للحسن ـ جنى جناية توجب العقاب ، فأمر به أن يضرب ، فقال : يا مولاي! والعافين عن النّاس ، قال : «عفوت عنك» قال : والله يحبّ المحسنين ، قال : «أنت حرّ لوجه الله ، ولك ضعف ما أعطيتك».

٩٩ ـ وروي : أنّ الحسن والحسين ـ خرجا لحاجة لهما فجاعا وعطشا ، فمرّا بعجوز في خباء لها ، فقالا : «هل من شراب»؟ قالت : نعم ، فأناخا عليها ، وليس لها إلّا شويهة.

فقالت : احلبوها ، وامتذقوا لبنها ، ففعلوا فقالا : «هل من طعام»؟ فقالت : لا ، إلّا عنزنا هذه فليذبحها أحدكم حتّى أصنع لكم ، فذبحاها فشوت وأكلا وقالوا عندها حتّى أبردوا ، ثم قالوا : «نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه ، فإذا انصرفنا سالمين فألمي بنا ، فإنا صانعون بك خيرا» ، ثمّ


انصرفا وأقبل زوجها ، فقال : أين عنزنا؟ فأخبرته الخبر فضربها حتّى شجها ، وقال : تذبحين عنزي لا عبد لا تدرين عنهم ، تقولين : نفر من قريش ، حتى ألجأتهما الحاجة إلى المدين ، فدخلت العجوز ومعها زوجها فأبصرها ـ الحسن ـ فعرفها فقال لها : «تعرفيني» ، قالت: لا ، فذكر لها العنز ، فقالت : بأبي وأمي ، فلأنت ذاك؟ قال : «نعم ، أفما لقيت صاحبي»؟ قالت : لا ، فأمر أن يشتري لها من شياه الصدقة ألف شاة ، وأعطاها ألف دينار ، وبعث بها مع رسول إلى ـ الحسين ـ ، فسأل عمّا أعطاها ـ الحسن ـ ، فأعطاها ألف شاة وألف دينار أيضا.

١٠٠ ـ وروي : أنّ ـ مروان ـ قال يوما لابن أبي عتيق وهو ـ محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي بكر ـ إني مشغوف ببغلة ـ الحسن بن علي ـ ، فقال له : إن دفعتها إليك! أتقضي لي ثلاثين حاجة؟ قال : نعم ، قال : فإذا اجتمع النّاس عندك العشية فإني آخذ في مناقب قريش ، وأمسك عن ـ الحسن ـ ، فلمني على ذلك.

فلما أخذ القوم مجالسهم تلك العشيّة أخذ في أوليّة قريش ، فقال له مروان : أولا تذكر مناقب أبي محمّد ، فله في هذا ما ليس لأحد؟ فقال ابن أبي عتيق : إنّا كنا في ذكر الأشراف ، ولو كنّا في ذكر الأنبياء لقدّمنا أبا محمّد.

فلما خرج ـ الحسن ـ ليركب بغلته تبعه ابن أبي عتيق ، فقال له الحسن وتبسم : «ألك حاجة»؟ قال : نعم ، هذه البغلة ، فنزل عنها الحسن من ساعته ، وقال : «هي لك فخذها» ، فأخذها.

١٠١ ـ وقيل إنّ معاوية قدم المدينة ، وجلس للعطاء ، فكان يعطي ما بين خمسين ألف الى مائة ألف ، فأبطأ عليه الحسن ، فلمّا كان آخر النهار دخل


عليه ، فقال معاوية : أبطأت علينا يا أبا محمّد! لعلّك أردت أن تبخلنا ، ثم قال : اعطه ، يا غلام! مثل ما أعطيت اليوم أجمع ، ثمّ قال : خذها! يا أبا محمّد ، وأنا ابن هند. فقال الحسن : «لقد رددتها عليك ، وأنا ابن فاطمة».

١٠٢ ـ أخبرنا الحافظ صدر الحفاظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني ـ إجازة ـ ، أخبرنا عبد الخالد بن محمّد اليوسفي ، أخبرنا الحسن بن عليّ الجوهري ، أخبرنا محمّد بن العبّاس الخراز ، أخبرنا أحمد بن معروف الخشاب ، أخبرنا حسين بن محمّد ، أخبرنا محمّد بن سعد ، أخبرنا ابن عبيد هو ـ محمّد بن عبيد ـ ، عن مجالد ، عن الشعبي ؛ وعن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه ؛ وعن أبي السفر ، وغيرهم ، قالوا : بايع أهل العراق بعد عليّعليه‌السلام ابنه الحسن ، ثمّ قالوا له : سر إلى هؤلاء القوم الذين عصوا الله ورسوله ، وارتكبوا العظيم ، وابتزوا النّاس أمورهم ، فإنا نرجو أن يمكن الله منهم ، فسار ـ الحسن ـ إلى ـ أهل الشّام ـ ، وجعل على مقدّمته ـ قيس بن سعد بن عبادة ـ في اثني عشر ألفا ، وكان يسمّون : «شرطة الخميس» ، وقال غيرهم : وجه إلى أهل الشّام ـ عبيد الله بن عبّاس ـ ومعه قيس بن سعد ، حتّى نزلا «مسكن» و «الأنبار» وناحيتيهما ، وسار ـ الحسن ـ فنزل «المدائن» ، وأقبل ـ معاوية ـ في أهل الشام يريد الحسن ، حتّى نزل «جسر منبج» فبينا الحسن بالمدائن ، إذ نادى مناد في عسكره : ألا إن ـ قيس بن سعد ـ قد قتل ، قال : فاشتدّ الناس على حجزة الحسن ، فانتهبوها حتّى انتهب فسطاطه وجواريه ، وأخذوا رداءه من ظهره ، وطعنه رجل من ـ بني أسد ـ ، يقال له «ابن اقيصر» بخنجر مسموم في أليته ، فتحوّل من مكانه الذي انتهب فيه متاعه ، ونزل «الأبيض» قصر كسرى وقال : «عليكم لعنة الله من أهل قرية ، فقد علمت أن لا خير فيكم ، قتلتم أبي بالأمس ، واليوم تفعلون بي هذا».


ثمّ دعا ـ عمرو بن سلمة الأرحبي ـ ، وكتب معه إلى معاوية بن أبي سفيان ، يسأله الصلح ، ويسلم له الأمر ، على أن يسلم له ثلاث خصال : يسلّم له بيت المال فيقضي منه ديونه ، ومواعيده الّتي عليه ، ويتحمل منه هو ومن معه من عيال أبيه وولده وأهل بيته ، وأن لا يسب عليّا وهو يسمع ، وأن يحتمل إليه خراج «فسا» و «دارابجرد» من أرض فارس كلّ عام إلى المدينة ما بقي.

فأجابه معاوية إلى ذلك وأعطاه ما سأل.

ويقال : بل أرسل الحسن ـ عبد الله بن الحرث بن نوفل ـ إلى معاوية حتّى أخذ له ما سأل ، وأرسل معاوية عبد الله بن عامر بن كريز ؛ وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس ، فقدما ـ المدائن ـ إلى الحسن بن علي ، فأعطياه ما اراد ووثقا له ، فكتب إليه الحسن : «أن أقبل» ، فأقبل من «جسر منبج» إلى «مسكن» في خمسة أيام ، ودخل في اليوم السّادس ، فسلّم إليه الحسن الأمر ، وبايعه ثم سارا جميعا حتى قدما «الكوفة» فنزل الحسن «القصر» ونزل معاوية «النخيلة» فأتاه الحسن في عسكره غير مرّة ، ووفى معاوية للحسن ببيت المال ، وكان فيه يومئذ ستة ألف ألف درهم فاحتملها الحسن ، وتجهّز بها هو وأهل بيته إلى المدينة وكفّ معاوية عن سبّ عليّ والحسن يسمع ، ودس معاوية إلى ـ أهل البصرة ـ ، فطردوا وكيل الحسن ، وقالوا : لا تحمل «فسا» إلى غيرنا ، يعنون ـ خراج فسا ؛ ودارابجرد ـ فأجرى معاوية للحسن كلّ سنة ألف ألف درهم ، وعاش الحسن بعد ذلك عشر سنين.

١٠٣ ـ وأخبرني أبو العلاء هذا ، بإسناده عن محمد بن سعد ، أخبرني موسى بن سعد ، أخبرنا محمّد بن إسماعيل ، حدّثنا عون بن موسى :


سمعت هلال بن حباب ، يقول : جمع الحسن بن عليّ رءوس أصحابه في ـ قصر المدائن ـ ، فقال : يا أهل العراق! لو لم تذهل عنكم نفسي لثلاث خصال لذهلت : لمقتلكم أبي ؛ ومطعنكم بغلتي ، وانتهابكم ثقلي ـ أو قال : ردائي عن عاتقي ، وإنكم قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت ، فإني قد بايعت معاوية ، فاسمعوا له وأطيعوا» ، ثم نزل ودخل القصر.

١٠٤ ـ وأخبرني سيّد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي ـ فيما كتب إلي من همدان ـ ، أخبرنا محمود بن إسماعيل ، أخبرنا أحمد بن محمد [ح] وأنبأني أبو عليّ الحداد ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، قالا : أخبرنا الطبراني ، حدّثنا أبو خليفة ، حدّثنا عليّ بن المديني ، حدثنا سفيان ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : شهدت ـ الحسن بن عليّ ـ حين صالحه معاوية ، فقال له معاوية : إذا كان ذا فقم وتكلّم وأخبر النّاس : إنّك سلّمت هذا الأمر إليّ ، أو تركت هذا الأمر لي.

فقام وخطب النّاس على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، قال الشعبي : وأنا أسمع ، ثمّ قال : «أمّا بعد ـ فإن أكيس الكيس التقى ، وأحمق الحمق الفجور ، وإن هذا الأمر الّذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إما أن يكون حقا لي تركته لمعاوية إرادة صلاح هذه الأمّة وحقن دمائهم ، أو يكون حقّا لامرئ كان أحق به مني ففعلت ذلك ، وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين».

قال : وفي ـ رواية الزهري ـ : أنّ الحسن قال : «أما بعد ، أيها النّاس! فإنّ الله هداكم بأوّلنا ، وحقن دماءكم بآخرنا ، وأنّ لهذا الأمر مدّة ، والدنيا دول ، والباقي يعرف بعضها من بعض».

قال : وفي ـ رواية رباح بن الحرث ـ قال : سمعت الحسن بن عليّ وهو


يخطب ـ بالمدائن ـ النّاس ، فقال : «ألا إنّ أمر الله واقع وإن كره النّاس ، وإني ما أحبّ أن يكون لي من أمر امة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله مثقال حبة من خردل ، يهراق فيه ملؤ محجمة من دم ، إذ علمت ما ينفعني مما يضرني ، وإني لا أجدي لأحد لي ولكم ، فالحقوا بطمأنينتكم» ـ يعني بأمنكم.

وروي : أن الحسين قال للحسن : «والله ، لا أرضى بصنيعك هذا ، تصالح معاوية وتسلّم إليه الأمر» ، فغضب الحسن وقال : «والله ، ما هممت بأمر إلّا خالفتني فيه ، أولست تعلم أن أبي أوصى بهذا الأمر لي»؟ قال : «نعم» ، فقال الحسن : «لقد هممت أن ادخلك بيتا ، واطبقه عليك حتّى أصنع ما اريد» ، فسكت الحسين ، ثمّ قال : «أنت سيدنا وكبيرنا ، نقضك نقضنا ، وإبرامك إبرامنا ، فاصنع ما بدا لك».

١٠٥ ـ وأخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا والدي شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، حدّثنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا محمّد بن عبد الله ـ ببغداد ـ ، حدّثنا أحمد بن زهير ، حدثنا موسى ، عن محمّد بن إسماعيل ، حدثنا القاسم بن الفضل ، حدثنا يوسف بن مازن الراسبي ، قال : قام رجل إلى الحسن بن عليّ فقال : يا مسود وجه المؤمنين! فقال الحسن : «لا تؤنبني رحمك الله فإن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رأى بني أميّة يخطبون على منبره رجلا فرجلا ، فساءه ذلك فنزلت :( إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ) الكوثر / ١ ، نهر في الجنة و( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) القدر / ١ ـ ٣ ، يملكه بنو اميّة» ، قال : فحسبنا ذلك فإذا هو لا يزيد ولا ينقص.

وفي رواية اخرى : أنّ سفيان بن الليل يكنى : «أبا عامر» قال للحسن


ابن عليّ : السّلام عليك ، يا مذل المؤمنين! فقال : «يا أبا عامر! إني لم أذلّ المؤمنين ، ولكن كرهت أن أقتلهم في طلب الملك».

١٠٦ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو الحسين ابن المفضل ، أخبرنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدّثنا أبو بشّار ، حدثنا أبو داود ، حدّثنا شعبة ، عن يزيد بن خمير : سمعت عبد الرحمن بن جبير بن نفير يحدث ، عن أبيه قال : قلت للحسن بن عليّ : إنّ النّاس يزعمون أنّك تريد الخلافة ، قال : «كانت جماجم العرب بيدي ، يسالمون من سالمت ، ويحاربون من حاربت ، فتركتها ابتغاء وجه الله ، ثم أثيرها بإبساس أهل الحجاز».

وزاد فيه «غندر» ، عن «شعبة» : «وحقن دماء أمّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».

١٠٧ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرني أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني طاهر بن محمّد ، حدثنا إبراهيم بن حماد ، حدثنا عبّاس ابن محمد الدوري ، حدثنا عثمان بن عمر ، أخبرنا ابن عون ، عن عمير بن إسحاق قال : كنا عند ـ الحسن بن عليّ ـ ، فقام فدخل المخرج ثم خرج فقال : «لقد سقيت السّم مرارا ، فما سقيته مثل هذه ، ولقد لفظت طائفة من كبدي ، فرأيتني اقلبها بعود».

فقال له الحسين : «يا أخي! من سقاك! فقال : ما تريد إليه؟ أتريد أن تقتله؟ قال : نعم ، قال : إن كان الذي أظن فالله أشد نقمة له منك ، وإن كان غيره فما احبّ أن يؤخذ بي بريء».

قال : وفي رواية اخرى ، عن عمير بن إسحاق ، قال الحسن بن عليّ : «كان لنا طبيب يختلف إلينا ، فدس إليه شربة فسقانيها ، فلقد رأيتني دخلت


الخلاء فلفظت كبدي ، فسلوني قبل أن لا تجدوني».

١٠٨ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أنبأني أبو عبد الله الحافظ ، حدّثني أبو بكر أحمد بن محمّد بن بالويه ، حدثني أحمد بن عليّ ، حدثني عبيد بن الصباح ، حدثني جرير ، عن مغيرة قال : أرسل ـ معاوية ـ إلى ـ جعدة بنت الاشعث بن قيس ـ : إني مزوّجك بيزيد على أن تسمي ـ الحسن ـ ، وبعث إليها بمائة ألف درهم ففعلت ، فسوغها المال ، ولم يزوجها ، فخلف عليها رجل من ـ آل طلحة ـ فأولدها ، وكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام ، عيروهم ، وقالوا : يا ابن مسممة الأزواج!.

قال مغيرة بن مقسم : توفي الحسن بن عليعليهما‌السلام ، وسعد بن أبي وقاص في أسبوع واحد ، وكانوا يقولون : إنّه سقاهما جميعا.

وأورد ـ هذا الحديث ـ الإمام عبد الكريم بن محمّد بن حمدان في «تاريخه» ، وزاد فيه : بعث إليها بمنديل ملطخ بالسمّ ، وقال : إذا جامعك فامسحي بهذا المنديل فرجه ، ففعلت ذلك وكان فيه هلاكه ، فبعث إليها معاوية بخمسين ألف درهم ، وقال لابنه يزيد : لا بد لك أن تنكحها ، فقال : كلا ، والله ، إنها فعلت بالحسن بن عليّ ما فعلت ، فما خطري عندها؟

١٠٩ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا محمّد بن الحسين الحسني ، أخبرنا عبد الله بن محمّد ، سمعت أحمد بن سعيد ، سمعت السندي ، سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : لما اشتد بسفيان المرض ، جزع جزعا شديدا فدخل عليه مرحوم بن عبد العزيز ـ وكان شيخا عاقلا ـ ، فقال : يا أبا عبد الله! ما هذا الجزع؟ تقدم على ربّ عبدته ستين سنة صمت له ، وصليت له ، وحججت له ، أرأيتك لو كان لك عند رجل يد ، أليس كنت تحبّ أن تلقاه حتى يكافئك؟ قال : فسري عنه.


قال أحمد بن سعيد : حدّث بهذا السندي ، ونحن مع أبي نعيم ، فقال أبو نعيم : لما اشتد المرض ـ بالحسن بن عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام جزع ، فدخل عليه رجل فقال : يا أبا محمّد! ما هذا الجزع؟ ما هو إلّا أن يفارق روحك جسدك ، فتقدم على أبويك ـ عليّ وفاطمة ـ ، وعلى جديك ـ النبي وخديجة ـ (صلوات الله عليهم) ، وعلى أعمامك ـ حمزة وجعفر ـ ، وعلى أخوالك ـ القاسم والطيب المطهر وإبراهيم ـ ، وخالاتك ـ رقية وأمّ كلثوم وزينب ـ ، قال : فسري عنه.

وقال رقبة بن مصقلة : لما نزل بالحسن بن عليعليهما‌السلام الموت قال : «اخرجوا فراشي إلى صحن الدّار» ، فاخرج فقال : «اللهمّ! إني أحتسب نفسي عندك ، فإني لم أحتسب بمثلها».

١١٠ ـ وأخبرني أبو العلاء الحافظ ـ بهمدان ـ إجازة ، أخبرنا إسماعيل ابن أحمد ، أخبرنا محمّد بن هبة الله ، أخبرنا عليّ بن محمد ، أخبرنا الحسين بن صفوان ، حدثنا عبد الله بن محمّد ، حدثني يوسف بن موسى ، حدّثني سلم بن أبي حبّة ، حدّثني جعفر بن محمّد ، عن أبيهعليهما‌السلام قال : «لما حضر الحسن بن عليعليهما‌السلام الموت ، بكى بكاء شديدا ، فقال له الحسين : ما يبكيك يا أخي؟ إنما تقدم على : رسول الله ؛ وعليّ ؛ وفاطمة ؛ وخديجة ؛عليهم‌السلام فهم ولدوك ، وقد أخبرك الله على لسان نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّك سيد شباب أهل الجنّة ، وقد قاسمت الله مالك ثلاث مرات ، ومشيت إلى بيت الله على قدميك خمس عشرة مرّة حاجا» وإنما أراد أن يطيب نفسه ، قال : فو الله ، ما زاده إلّا بكاء وانتحابا ، وقال : يا أخي! إني أقدم على أمر عظيم ، وهول لم يقدم على مثله قط».

١١١ ـ وبالإسناد الذي تقدّم ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو


عبد الله الحافظ ، حدّثنا محمّد بن يعقوب ، حدثنا إبراهيم بن سليمان ، حدثنا مسدد ، حدثنا اميّة ، حدثنا سلام بن مسكين ، عن عمران بن عبد الله ، عن سعيد بن المسيب قال : رأى الحسن بن عليّ كأنّ بين عينيه :( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) الاخلاص / ١ ، فاستبشر بذلك أهله ، وقالوا : هذه هي الخلافة.

فقال سعيد : لئن صدقت رؤياه ، إن هذا إلا عبد حضر أجله ، فما لبث إلّا يسيرا حتّى مات.

وقيل : بل رأى( وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ) الضحى / ١.

١١٢ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أنبأني أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني يحيى بن محمّد العنبري ، حدثني محمد بن النضر ، حدثني يحيى بن حكيم ، حدثني عثمان بن عمر ، حدثني ابن عون ، عن عمير بن إسحاق ـ وساق حديثا طويلا الى أن قال ـ : فأوصى الحسن بن عليّ أن يدفن مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فمنع ذلك مروان بن الحكم ، وركبت مواليه بالسلاح ، وجعل مروان يقول : يا ربّ هيجا هي خير من دعة ، أيدفن عثمان في أقصى البقيع ، ويدفن الحسن في بيت النبي؟ والله ، لا يكون ذلك ، وأنا أحمل السيف.

وكادت الفتنة أن تقع ، وأبى الحسين إلّا أن يدفنه مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال له عبد الله بن جعفر : عزمت عليك بحقي أن لا تكلّم بكلمة ، فمضى به إلى البقيع فانصرف ودفن الحسن في قبر فاطمة بنت رسول الله في البقيع.

١١٣ ـ وأخبرني سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أنبأني أبو عليّ الحدّاد ، أخبرني أبو نعيم الحافظ ، حدثنا محمد بن عليّ ، حدّثنا أبو عروبة الحرّاني ، حدثنا سليمان ابن عمر ، حدثنا ابن علية ، عن ابن عون ، عن عمير بن إسحاق قال : دخلت


أنا ورجل على الحسن بن عليعليهما‌السلام نعوده ، فقال : «يا فلان! سلني» فقال : لا ، والله ، لا نسألك حتى يعافيك الله ، ثمّ نسألك.

قال : ثمّ دخل إلى الخلاء ثم خرج إلينا ، وقال له : «سلني قبل أن لا تسألني» ، قال : بل يعافيك الله فأسألك ، قال : «قد ألقيت طائفة من كبدي ، وإني قد سقيت السم مرارا فلم اسق مثل هذه المرة».

ثم دخلت عليه من الغد ، وهو يجود بنفسه ، والحسين عند رأسه ، قال له : «يا أخي! من تتهم؟ قال له : «لتقتله»؟ قال : «نعم» ، قال : إن يكن الذي أظن ، فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا ، وإن لم يكن فما احبّ أن يقتل بي بريء ثم قضى.

١١٤ ـ وأخبرني صدر الحفّاظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني ـ إجازة بها ـ ، أخبرني عبد القادر بن محمّد البغدادي ، أخبرني الحسن بن عليّ الجوهري ، أخبرني محمّد بن العبّاس ، أخبرني محمّد بن معروف ، أخبرني حسين بن محمّد بن فهم ، أخبرني محمّد بن سعد ، أخبرني يحيى بن حمّاد ، حدثني أبو عوانة ، عن حصين ، عن أبي حازم قال : لمّا احتضر الحسن قال للحسين : «ادفنوني عند أبي يعني : النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلا أن تخافوا الدّماء ، فإن خفتم الدماء فلا تهريقوا فيّ دما ، ادفنوني عند مقابر المسلمين».

قال : فلما قبض تسلح الحسين ، وجميع مواليه ، فقال له أبو هريرة : أنشدك الله ووصية أخيك ، فإنّ القوم لن يدعوك حتّى يكون بينكم وبينهم دما ، قال : فلم يزل به حتى رجعوا ، قال : ثم دفنوه في بقيع الغرقد. فقال أبو هريرة : أرأيتم لو جيء بابن مؤمن ليدفن مع أبيه فمنع ، أكانوا قد ظلموه؟ فقالوا : نعم ، قال : فهذا ابن نبيّ الله قد جيء به ليدفن مع أبيه.

وذكر عبد الكريم بن محمّد بن حمدان في «تاريخه» هذا الحديث ،


وزاد فيه : فقال أبو هريرة : أيمنع الحسن أن يدفن مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد سمعته يقول : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»؟!

فقال مروان : دعنا منك ، فلقد ضاع حديث رسول الله إن كان لا يحفظه غيرك ؛ وغير أبي سعيد الخدري ، وإنّما أسلمت أنت أيام «خيبر».

فقال : بلى ، أسلمت أيام خيبر ، ولكن لزمت رسول الله ولم افارقه ، حتّى عرفت من أحبّ ومن أبغض ، ومن نفى ومن قرّب.

١١٥ ـ وأخبرنا الشيخ الإمام أبو الحسن عليّ بن أحمد العاصمي ، عن شيخ القضاة ، عن أبيه أحمد بن الحسين ، أخبرنا أبو الحسين بن المفضل ، حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدّثنا محمد بن يحيى ، حدثنا سفيان ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيهعليهما‌السلام قال : «قتل عليّعليه‌السلام وهو ابن ثمان وخمسين ، ومات لها الحسن ؛ وقتل لها الحسينعليهما‌السلام ».

١١٦ ـ وذكر الزبير بن بكار : إنّ الحسن بن عليّعليهما‌السلام ولد للنصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة ، ومات لليال خلون من شهر ربيع الأول سنة خمسين.

١١٧ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا محمد بن أحمد المحبوبي ـ بمرو ـ ، حدثنا سعيد بن مسعود ، حدثنا عبد الله بن موسى ، أخبرنا سفيان ، عن سالم بن أبي حفصة : سمعت أبا الحازم يقول : إني لشاهد يوم مات الحسن بن عليّ فرأيت الحسين بن عليعليهما‌السلام يقول لسعيد بن العاص ، ويطعن في عنقه : «تقدم فلولا أنها سنّة ما قدمت». وكان سعيد أميرا على المدينة.

١١٨ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو الحسين الآدمي ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، حدثنا محمّد بن أبي بكر ، حدثنا


سعيد بن عامر ، عن جويرية بن أسماء قال : لمّا مات الحسن بن عليعليهما‌السلام جعل مروان يبكيه ، فقال له الحسينعليه‌السلام : «أتبكيه؟ وأنت كنت تجرعه ما تجرعه»؟ فقال : إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا ـ يعني الجبل ـ.

١١٩ ـ وذكر في كتاب «نزهة الظرف وبستان الطرف» : أنّ رجلا قال للحسن البصري : يا أبا سعيد! معاوية أحلم أم الحسن؟ فقال : بل الحسن ، فقال : إنما أعني معاوية الذي كان أمير المؤمنين؟ فقال : وهل كان ذلك إلّا حمارا نهاقا؟

١٢٠ ـ وقيل : ولما مات الحسن بن عليعليهما‌السلام قام ـ محمد بن الحنفية ـ على قبره فقال : رحمك الله ، أبا محمّد! لئن عززتني حياتك ، فقد هدتني وفاتك ، ولنعم البدن بدن تضمّن روحك ، ولنعم الكفن كفن تضمّن بدنك ، وكيف لا تكون كذلك؟ وأنت : سليل الهدى ، وحليف التقى ، وخامس أهل الكساء ، وابن الخيرة سيّدة النساء ، وأبوك الذائد عن الحوض غدا ، وجدّك النبي محمّد المصطفى ، غذتك أكف الحقّ ، وربيت في حجر الإسلام ، ورضعت ثدي الإيمان ، فطبت حيا وميتا ، فإنك والحسين غدا سيدا شباب أهل الجنّة ، ثم ضرب بيده إلى ـ الحسين ـ فقال : قم ، بأبي أنت وأمي! فعلى أبي محمّد السلام.

١٢١ ـ وقيل : لمّا أتى معاوية نعيه بعث إلى ابن عبّاس ، وهو لا يعلم الخبر ، فقال له : هل عندك خبر من المدينة؟ قال : لا ، قال معاوية : أتاني نعي الحسن ، وأظهر سرورا ، فقال ابن عباس : إذن ، لا ينسأ في أجلك ، ولا يسد حفرتك.

قال : أحسبه ترك صبية صغارا ، قال : كلّنا كان صغيرا فكبر ، قال : وأحسبه بلغ الستين ، قال : أبمثل مولده يجهل؟ قال معاوية : لو قال قائل :


إنّك أصبحت سيد قومك ، قال : أما وأبو عبد الله الحسين حي فلا.

فلمّا كان من غد ، أتى يزيد بن معاوية ابن عباس ، وهو في المسجد يعزي ، فجلس بين يديه جلسة المعزي ، وأظهر حزنه ، فلما نهض أتبعه ابن عباس بصره ، وقال : إذا ذهب آل حرب ذهب حلم قريش.

١٢٢ ـ وروي : أنّه لمّا أتى نعي الحسن عزى معاوية ابن عبّاس فاسترجع ابن عباس ثلاثا ، ثم قال : إنّه والله ، يا معاوية! لم يمهل من أجلك ، ولم يدفن في حفرتك ، ولقد رزئنا بمن كان خيرا منه ، فكفانا الله فقده ، ولم يضيعنا بعده ، يعني : النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ قال : والله ، لا اقيم ببلدة يشمت فيها بموت ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

١٢٣ ـ أخبرنا صدر الحفاظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني ـ بها إجازة ـ ، أخبرنا عبد القادر بن محمّد البغدادي ، أخبرنا الحسن بن عليّ الجوهري ، أخبرنا محمّد بن العبّاس ، أخبرنا أحمد بن معروف ، حدّثنا حسين بن محمّد ، أخبرنا محمد بن سعد ، أخبرنا محمّد بن عمر ، حدّثنا عبد العزيز بن محمّد ، عن عمرو بن ميمون ، عن أبيه قال : لمّا جاء معاوية نعي الحسن بن علي استأذن ابن عباس على معاوية ، وكان ابن عباس قد ذهب بصره ، وكان يقول لقائده : إذا دخلت بي على معاوية فلا تقدني ، فإن معاوية يشمت بي ، فلمّا جلس ابن عباس ، قال معاوية : لأخبرنه بما هو أشدّ عليه من أن أشمت به ، ثمّ قال له : يا ابن عباس! هلك الحسن بن عليّ ، فقال ابن عبّاس : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وعرف ابن عبّاس : أنّه شامت به ، فقال : أم والله ، يا معاوية! لا يسد حفرتك ولا تخلد ، ولقد اصبنا بأعظم منه فجبرنا الله بعده ، ثمّ قام.

قال معاوية : لا ، والله ، ما كلّمت أحدا قط أعدّ جوابا ، ولا أعقل من


ابن عبّاس ، فقال الفضل بن عبّاس يذكر ذلك ، ويرثي الحسنعليه‌السلام :

أصبح اليوم ابن هند شامتا

ظاهر النخوة إذ مات الحسن

رحمة الله عليه إنما

طالما أشجى ابن هند وأرن

استراح اليوم منه بعده

إذ ثوى رهنا لأحداث الزمن

فارتع اليوم ابن هند آمنا

إنما يقمص بالعير السمن

لست بالباقي فلا تشمت به

كلّ حيّ بالمنايا مرتهن

يا ابن هند إن تذق كأس الردى

تك في الدهر كشيء لم يكن

وقال الحسينعليه‌السلام يرثي أخاه الحسنعليه‌السلام :

أأدهن رأسي أم اطيب محاسني

ورأسك معفور وأنت تريب

وأستمتع الدّنيا بشيء احبه

بلى ، كل ما أدنى إليك حبيب

فلا زلت أبكي ما تغنت حمامة

عليك وما هبت صبا وجنوب

وما هملت عين من الماء قطرة

وما اخضر في دوح الحجاز قضيب

بكائي طويل والدموع غزيرة

وأنت بعيد والمزار قريب

وليس حريبا من اصيب بماله

ولكن من وارى أخاه حريب

غريب وأطراف البيوت تحوطه

ألا كلّ من تحت التراب غريب

فلا يفرح الباقي ببعد الّذي مضى

فكلّ فتى للموت فيه نصيب

وقال بعض الشعراء :

تعز بمن قد مضى اسوة

فإنّ العزاء يسلي الحزن

بموت النبي وقتل الوصيّ

وذبح الحسين وسمّ الحسن



الفصل السابع

في فضائل الحسينعليه‌السلام الخاصة به



١ ـ أنبأني الإمام الحافظ صدر الحفّاظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني ، أخبرنا عبد القادر بن محمّد اليوسفي ، أخبرنا الحسن بن علي الجوهري ، حدّثنا محمّد بن العباس الخراز ، أخبرنا محمد بن معروف الخشاب ، أخبرنا حسين بن محمّد بن فهم ، أخبرنا محمد بن سعد ، قال : علقت فاطمة بالحسينعليهما‌السلام لخمس ليال من ذي القعدة لسنة ثلاث من الهجرة ، وكان بين ذلك وبين ولادة الحسنعليه‌السلام خمسون ليلة.

وولد الحسين في ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة ، وكنيته «أبو عبد الله» ، فولد الحسين ـ عليا الأكبر ـ قتل مع أبيه ـ بالطّف ـ لا بقية له ، وأمّه آمنة بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود بن معتب الثقفي ، وامّها ابنة أبي سفيان بن حرب ، وفيها يقول حسان بن ثابت الأنصاري :

أطافت بنا شمس النهار فمن رأى

من النّاس شمسا بالعشاء تطيف

أبو امّها أو في قريش بذمة

وأعمامها أما سألت ثقيف

وعليا الأصغر ، وله العقب من ولد الحسين ، وأمه أمّ ولد ، وآخر لا بقية له ، وامّه السلافة امرأة من بلي بن عمرو بن الحرث بن قضاعة ، وفاطمة ؛


امّها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله ، وعبد الله ؛ قتل مع أبيه الحسين ، وسكينة امها الرّباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس من ـ بني ثور ـ بن كلب ، وفي الرباب وسكينة يقول الحسينعليه‌السلام :

«لعمرك ، إنني لأحبّ دارا

تقيم بها سكينة والرّباب

احبّهما وأبذل جلّ مالي

وليس للائمي فيها عتاب

ولست لهم وإن رغبوا مطيعا

حياتي أو يغيبني التراب»

٢ ـ وأنبأني الشيخ الإمام فخر الأئمّة أبو الفضل بن عبد الرحمن الحفر بندي ، أخبرنا الشيخ الإمام أبو محمّد الحسن بن أحمد السمرقندي ، أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن العطار ؛ وإسماعيل بن أبي نصر الصابوني ؛ وأحمد بن الحسين البيهقي ، قالوا : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا الحسين ابن عليّ الحافظ ، أخبرنا يحيى بن محمّد بن صاعد ، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، حدثنا حسين بن زيد العلوي ، عن جعفر ابن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن أبيه ، عن جدّه عليّعليهم‌السلام قال : «إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر فاطمةعليها‌السلام ، فقال : زني شعر الحسين وتصدّقي بوزنه فضّة ، وأعطى القابلة رجل العقيقة».

٣ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمّد ، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي ، حدّثنا أبو اليمان ، حدثنا إسماعيل ابن عياش ، حدّثنا عطاء بن عجلان ، عن عكرمة ، عن ابن عبّاس ، عن أمّ الفضل قالت : دخل عليّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا أرضع الحسين بن علي بلبن ابن كان لي ، يقال له : «قثم» فتناوله رسول الله ، وناولته إيّاه فبال عليه ، فأهويت بيدي إليه ، فقال : «لا تزرمي(١) ابني» ورشّه بالماء.

__________________

(١) أي لا تقطعي عليه بوله بتقديم الزاء المعجمة على الراء المهملة.


قال ابن عباس : بول الغلام الذي لم يأكل يرش ، وبول الجارية يغسل.

٤ ـ وجاء في «المرسل» : أنّ فاطمةعليها‌السلام جاءت الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهي تبكي ، فقال : ما يبكيك؟ قالت : ضاع مني الحسين فلا أجده ، فقام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد اغرورقت عيناه ، وذهب ليطلبه فلقيه يهودي ، فقال : يا محمد! مالك تبكي؟ فقال : «ضاع ابني» ، فقال : لا تحزن ، فإني رأيته على تل كذا نائما ، فقصدهعليه‌السلام واليهودي معه ، فلمّا قرب من التل رأى ضبا بفمه غصن أخضر وارق يروحه به ، فلمّا رأى الضبّ النبيّ ، قال له ـ بلسان فصيح ـ : السّلام عليك ، يا زين القيامة! وشهد له بالحق ، وكان معه حسل صغير له ، فقال : لم أر أهل بيت أكثر بركة من أهل بيتك ، لأنّ ولدي ضاع مني لثلاث سنين ، فطفت عليه أطلبه فلم أجده ، فلمّا رأيت ولدك آنفا وجدته ، فأنا اكافئه.

وقال الحسل(١) : يا رسول الله! أخذني السيل فأدخلني البحر ، ثمّ ضربت بي الأمواج إلى جزيرة كذا ، فلم أجد سبيلا ومخرجا حتّى هبت ريح فأخذتني وألقتني عند أبي.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من تلك الجزيرة إلى هنا ألف فرسخ» ، فأسلم اليهودي بذلك ، وقال : أشهد أن لا إله إلّا الله ، وأنك رسول الله.

٥ ـ أخبرنا جار الله العلّامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري ، حدثنا الاستاذ الأمين أبو الحسن عليّ بن الحسين بن مردك الرازي ، حدّثنا الحافظ ابو سعد إسماعيل بن عليّ بن الحسين السّمان ، اخبرنا أبو العبّاس أحمد بن محمد الكرجي ـ بمكة ـ بقراءتي عليه ، حدثنا أحمد بن كامل القاضي ، حدثنا عبد الملك بن محمد ، حدثني أبي ، حدثني حماد بن زيد ،

__________________

(١) الحسل : ولد الضب.


حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري ، حدثني عبيد بن حسين ، حدثني الحسين ابن عليّعليهما‌السلام قال : «اتيت عمر بن الخطّاب وهو يخطب على المنبر ، فقلت له : انزل من منبر أبي ، فقال : منبر أبيك ، والله ، لا منبر أبي».

قال : ثم قال : من علّمك هذا؟ قلت : «ما علمني أحد» ، فقال : لا تزل تأتينا. ، فجئت يوما وهو خال بمعاوية وابن عمر على الباب ، فرجعت فلقيني ، فقال : ألم أقل لك تأتينا؟ قلت : «قد جئت وأنت خال بمعاوية ، وابن عمر على الباب». قال : أفأنت مثل ابن عمر ، وهل أنبت على رءوسنا الشعر إلّا الله ، ثمّ أنتم ، إذا جئت فلا تستأذن.

٦ ـ وذكر الإمام محمد بن أحمد بن عليّ بن شاذان ، حدثني أحمد بن محمد بن الجراح ، حدثني القاضي عمر بن الحسن ، حدثتني آمنة بنت أحمد ابن ذهل بن سليمان الأعمش ، قالت : حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن سليمان ابن مهران ، عن محمّد بن كثير ، حدّثني أبو خثيمة ، عن عبد الله قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «بي انذرتم ، ثم بعليّ بن أبي طالب اهتديتم ، وقرأ :( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) الرعد / ٧ ، وبالحسن اعطيتم الإحسان ، وبالحسين تسعدون وبه تشقون ، ألا وإنّ الحسين باب من أبواب الجنّة ، من عانده حرّم الله عليه رائحة الجنّة».

٧ ـ وذكر ابن شاذان هذا ، حدّثنا أبو محمد الحسن بن عليّ العلوي الطبري ، عن أحمد بن عبد الله ، حدثني جدي أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن عمرو بن اذينة ، حدثني أبان بن أبي عيّاش ، عن سليم بن قيس الهلالي ، عن سلمان المحمّدي قال : دخلت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وإذا الحسين على فخذه وهو يقبل عينيه ، ويلثم فاه ، ويقول : «إنك سيد ابن سيد أبو سادة ، إنّك إمام ابن إمام أبو أئمة ، إنّك حجة ابن حجة أبو حجج ،


تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم».

٨ ـ أخبرنا الإمام الزّاهد الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة أبو علي إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا شيخ السنّة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا محمد ابن صالح ، حدثنا الحسين بن الفضل ، حدثنا عثمان بن مسلم ، حدثنا وهيب ، حدثنا عبد الله بن عثمان ، عن سعيد بن أبي راشد ، عن يعلى العامري : أنّه خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى طعام دعي له ، فاستقبل في طريق ـ حسينا ـ يلعب فأراد أن يأخذه ، فطفق الصبيّ يفرّ هاهنا مرّة وهاهنا مرّة ، فجعل رسول الله يضاحكه حتّى أخذه.

قال : فوضع إحدى يديه تحت قفائه والاخرى تحت ذقنه ، ووضع فاه على فيه ، فقبّله ، وقال : «حسين مني وأنا من حسين ، أحبّ الله من أحبّ حسينا ، حسين سبط من الأسباط».

وسمعت هذا الحديث أيضا في ـ جامع أبي عيسى ـ مختصرا ، من قوله : «حسين مني إلى آخر الحديث».

٩ ـ وذكر أحمد بن الحسين ـ برواية اخرى ـ عن يعلى العامري ، فقال : «الحسن والحسين سبطان من الأسباط».

١٠ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا محمّد بن يعقوب ، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني ، حدثنا محمّد بن عمران بن أبي ليلى ، حدّثني أبي ، عن أبيه أبي ليلى ، قال : كنا عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فجاء الحسين وأقبل يتمرّغ عليه ، فرفع قميصه وقبّل زبيبه.

١١ ـ وبهذا الإسناد قال : أخبرنا جامع بن أحمد الوكيل ، أخبرنا محمد بن الحسن المحمدآبادي ، حدثنا عثمان بن سعيد ، حدثنا موسى بن


إسماعيل ، حدثنا حماد ، أخبرنا ابن عون ، عن أبي محمد عمير بن إسحاق : انّ أبا هريرة قال للحسينعليه‌السلام : ارفع قميصك عن بطنك ، حتى اقبل حيث رأيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقبل ، فرفع قميصه فقبل سرته.

قال : والمعروف عن ابن عون في هذا الحديث الحسنعليه‌السلام .

١٢ ـ وبهذا الإسناد ، قال : أخبرنا أبو عليّ بن شاذان ، أخبرنا عبد الله ابن جعفر ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا محمّد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا أبي ، حدثنا ربيع ، عن عبد الرحمن بن سابط قال : كنت مع جابر ، فدخل الحسين بن عليّ ، فقال جابر : «من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا» ، فأشهد لسمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقوله.

١٣ ـ وبهذا الإسناد قال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أحمد بن كامل القاضي ، أنشدنا عبد الله بن إبراهيم النحوي للحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهما‌السلام :

اغن عن المخلوق بالخالق

تغن عن الكاذب والصادق

واسترزق الرحمن من فضله

فليس غير الله من رازق

من ظنّ أن الناس يغنونه

فليس بالرّحمن بالواثق

أو ظنّ انّ المال من كسبه

زلّت به النعلان من حالق

١٤ ـ وبهذا الإسناد قال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا محمد بن يعقوب ، حدثنا العباس بن محمد ، حدثنا يحيى بن معين ، حدثنا الأصمعي : بلغنا عن ابن عون قال : كتب الحسن للحسين يعتب عليه في إعطائه الشعراء ، فكتب إليه : «إنّ خير المال ما وفي به العرض».

١٥ ـ وبهذا الإسناد قال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ : سمعت الحافظ الزبير بن عبد الواحد ، سمعت : ابن أحمد بن زكريا ، سمعت إسماعيل بن


يحيى المزني ، سمعت : الشافعي يقول : مات ابن للحسينعليه‌السلام فلم ير به كآبة ، فعوتب على ذلك ، فقال : إنّا أهل بيت نسأل اللهعزوجل فيعطينا ، فإذا أراد ما نكره فيما يحب رضينا».

١٦ ـ وبهذا الإسناد ، قال : أخبرنا الإمام أبو القاسم الحسن بن محمد ابن حبيب ـ بنيسابور سنة أربعمائة ـ ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد ، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي ـ بالبصرة ـ ، حدثني أبي ، حدثني عليّ بن موسى ، حدثني أبي موسى بن جعفر ، حدثني أبي جعفر بن محمد ، حدثني أبي محمد بن علي ، حدثني أبي علي بن الحسينعليهم‌السلام : «إنّ أباه الحسين بن عليّ دخل المستراح ، فوجد لقمة ملقاة ، فدفعها الى غلام له ، فقال : يا غلام! اذكرني في هذه اللقمة إذا خرجت ، فأكلها الغلام ، فلمّا خرج الحسين قال : يا غلام! اللقمة؟ قال : أكلتها يا مولاي! قال : أنت حرّ لوجه الله تعالى ، فقال له رجل : أعتقته يا سيدي! قال : نعم ، سمعت جدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : من وجد لقمة ملقاة : فمسح منها ما مسح ، وغسل منها ما غسل ، وأكلها لم يسغها في جوفه حتّى يعتقه الله من النار ، ولم أكن لأستعبد رجلا أعتقه الله من النّار».

١٧ ـ وأنبأني الإمام الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني ، أخبرنا محمود بن إسماعيل الصيرفي ، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين ، أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي ، حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا يحيى بن حماد ، حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي إدريس ، حدثنا المسيب بن نجبة ، قال : قال عليّعليه‌السلام : «ألا احدّثكم عن خاصة نفسي وأهل بيتي»؟ قلنا : بلى ، قال : «أما حسن : فصاحب جفنة وخوان ، وفتى من الفتيان ،


ولو قد التقت حلقتا البطان لم يغن عنكم في الحرب حبالة عصفور(١) .

وأما عبد الله بن جعفر : فصاحب ظل ولا يغرنكم ابنا عبّاس.

وأمّا أنا وحسين فإنا منكم وأنتم منّا» ، في حديث طويل لا يتعلق بما نحن فيه.

١٨ ـ وأخبرني الحافظ سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الدّيلمي ـ فيما كتب إلي من همدان ـ ، قال : ومما سمعت من «المفاريد» أن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الحسين اعطي من الفضل ما لم يعطه أحد من ولد آدم ما خلا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن».

١٩ ـ قال : وأخبرني والدي ، أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد بن الميداني الحافظ ـ إجازة ـ ، أخبرني محمد بن عبد الملك الفقيه القزويني ، حدثني محمد بن ميسرة القزويني ، حدثني وصيف بن عبد الله القزويني ـ وكان ثقة أمينا ـ ، حدثني إسماعيل بن محمّد المقري ، حدثني جعفر بن محمد الرازي ، حدثني الحسن بن شجاع البلخي ، حدثني سعيد بن سليمان الواسطي ، حدثني أبو اسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يحل إزار الحسين ، فقلت : ما هذا؟ يا رسول الله! فقال : «البسه هدية ربي ، ألا إنّ ربي أهدى إليه مدرعة ، وأن لحمتها من زغب جناح جبرئيل».

قال جعفر بن أحمد الرازي : قال أبو زرعة ـ يوما وقد كتبنا هذا الحديث ـ : إن كان في الدنيا حديث يستأهل أن يكتب بالذّهب فهذا.

__________________

(١) كيف يقول علي هذا وكان هو وأخوه يبادران في حروبه ويقول : املكوا عني هذين الغلامين؟!.


٢٠ ـ أنبأني الإمام فخر الأئمة أبو الفضل الحفربندي ، أخبرنا الإمام الحسين بن أحمد ، أخبرنا أبو القاسم بن أحمد ؛ وإسماعيل بن أبي نصر ؛ وأحمد بن الحسين ، قالوا : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا أبو بكر محمّد ابن أحمد ، حدّثنا حسن بن علي بن شبيب ، حدّثنا أبو عبيدة ، عن فضل بن عياض ، حدّثنا مالك بن شعبي ، حدّثنا هشام بن سعد ، حدثنا نعيم بن عبد الله المجمر ، عن أبي هريرة قال : ما رأيت الحسين بن عليّ إلّا فاضت عيناي دموعا ، وذلك أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج يوما فوجدني في المسجد ، فأخذ بيدي واتكأ عليّ فانطلقت معه حتى جاء سوق ـ بني قينقاع ـ فطاف ونظر ثمّ رجع ورجعت معه.

قال : وما كلّمني ، ثم جلس في المسجد واحتبى ، فقال : «ادع لي لكع» فاتي ـ بحسين ـ يشتدّ حتّى وقع في حجره ، ثم أدخل يده في لحية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فجعل رسول الله يفتح فم الحسين ، ويدخل فمه فيه ، ويقول : «اللهمّ! إني احبه فأحبه».

وأورد هذا الحديث أحمد بن الحسين في «فضائل الحسنعليه‌السلام » ، فلذلك كتبناه في فضائله هناك.

٢١ ـ وأخبرني الإمام الأجل مجد الدين قوام السنّة أبو الفتوح محمد ابن أبي جعفر الطائي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرنا شيخ القضاة أبو علي إسماعيل بن أحمد البيهقي ـ سنة اثنتين وخمسمائة بباب المدينة بمرو في الجامع ـ ، أخبرنا الإمام حقّا وشيخ الإسلام صدقا أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرّحمن الصابوني ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن محمد ـ بهراة ـ ، أخبرنا أبو عليّ أحمد بن محمد بن عليّ ، حدثنا عليّ بن خشرم : سمعت يحيى بن عبد الله بن بشير الباهلي ، حدثنا ابن المبارك أو غيره ـ شك


الباهلي ـ ، قال : بلغني أن معاوية قال ليزيد : هل بقيت لذّة من الدنيا لم تنلها؟ قال : نعم ، أم أبيها ـ هند بنت سهيل بن عمرو ـ ، خطبتها وخطبها ـ عبد الله بن عامر بن كريز ـ ، فتزوجته وتركتني.

فأرسل معاوية إلى ـ عبد الله بن عامر ـ وهو عامله على البصرة ، فلمّا قدم عليه ، قال : انزل عن أم أبيها لولي عهد المسلمين يزيد ، قال : ما كنت لأفعل؟ قال : أقطعك البصرة ، فإن لم تفعل عزلتك عنها ، قال : وإن.

فلمّا خرج من عنده ، قال له مولاه : امرأة بامرأة ، أتترك البصرة بطلاق امرأة؟ فرجع إلى معاوية فقال : هي طلاق ، فردّه إلى البصرة ، فلمّا دخل تلقته «أم أبيها» فقال : استتري؟ فقالت : فعلها اللعين ، واستترت.

فقال : فعدّ معاوية الأيام حتى اذا انقضت العدّة وجّه أبا هريرة يخطبها ليزيد ، وقال له : أمهرها بألف الف ، فخرج أبو هريرة فقدم المدينة ، فمرّ بالحسين بن عليّعليهما‌السلام ، فقال : «ما أقدمك المدينة يا أبا هريرة»؟ قال : اريد البصرة أخطب «أم أبيها» لولي عهد المسلمين «يزيد»؟ قال : «فترى أن تذكرني لها»؟ قال : إن شئت ، قال : قد شئت؟ فقدم أبو هريرة البصرة ، فقال لها : يا أم أبيها! إنّ «أمير المؤمنين» يخطبك لولي عهد المسلمين يزيد ، وقد بذل لك في الصداق ألف ألف ، ومررت بالحسين بن عليّ فذكرك ، قالت : فما ترى يا أبا هريرة! قال : ذلك إليك ، قال : فشفة قبّلها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحبّ إليّ.

قال : فتزوّجت ـ الحسين بن عليّ ـ ، ورجع أبو هريرة فأخبر معاوية ، قال : فقال له : يا حمار! ليس لهذا وجهناك؟ قال : فلمّا كان بعد ذلك حجّ عبد الله بن عامر فمر بالمدينة ، فلقي الحسين بن عليّ ، فقال له : يا ابن رسول الله! تأذن لي في كلام أم أبيها ، فقال : إذا شئت ، فدخل معه البيت واستأذن على أمّ أبيها فأذنت له ، ودخل معه الحسين ، فقال لها عبد الله بن عامر : يا أم


أبيها! ما فعلت الوديعة التي استودعتك؟ قالت : عندي ، يا جارية! هاتي سفط كذا ، فجاءت به ففتحته وإذا هو مملوء لئالئ ، وجوهر يتلألأ ، فبكى ابن عامر.

فقال الحسين : ما يبكيك؟ فقال : يا ابن رسول الله! أتلومني على أن أبكي على مثلها في ورعها وكمالها ووفائها؟ قال : «يا ابن عامر! نعم المحلل كنت لكما ، هي طلاق» ، فحجّ فلمّا رجع تزوج بها.

٢٢ ـ قلت : وأورد هذه الحكاية أبو العلاء الحافظ ، وساقها عن الحسن ابن عليّ ، على ما أخبرني ـ إجازة ـ ، قال : أخبرني عبد القادر بن محمّد اليوسفي ، أخبرني الحسن بن عليّ الجوهري ، أخبرني محمّد بن العباس ، أخبرني أحمد بن معروف الخشاب ، أخبرني حسين بن محمّد ، أخبرني محمد ابن سعد ، أخبرني عليّ بن محمّد ، عن الهذلي ، عن ابن سيرين ، قال : كانت هند بنت سهيل بن عمرو عند عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ، وكان أبا عذرتها ، ثم طلقها فتزوجها عبد الله بن عامر بن كريز ، ثم طلقها فكتب معاوية إلى أبي هريرة أن يخطبها ليزيد بن معاوية ، فلقيه الحسن بن علي ، فقال : «أين تريد»؟ قال : أخطب هند بنت سهيل ليزيد بن معاوية ، قال : «فاذكرني لها» ، فأتاها أبو هريرة فأخبرها الخبر ، فقالت : اختر لي ، قال : أختار لك الحسن فتزوجها.

قال : فقدم عبد الله بن عامر المدينة ، فقال للحسن : إنّ لي عندها وديعة ، فدخل إليها والحسن معه ، وجلست بين يديه فرقّ ابن عامر ، فقال الحسن : «ألا أنزل لك عنها ، فلا أراك تجد محللا خيرا لكما مني»؟ فقال : وديعتي ، فأخرجت سفطين فيهما جوهر ففتحهما وأخذ من كل واحدة قبضة وترك الباقي.


وكانت تقول : سيدهم حسن ، وأسخاهم ابن عامر ، وأحبهم إلي عبد الرحمن بن عتاب.

وفي رواية ـ حماد ـ ، عن عليّ بن زيد : أنها شاورت أبا هريرة ، فقال أبو هريرة : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقبل فاه ، فإن استطعت أن تقبلي مقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فافعلي.

٢٣ ـ وأخبرني سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرني الرئيس أبو الفتح بن عبد الله النسائي الهمداني ـ كتابة ـ ، حدثني الإمام أبو الفضل عبد الله بن عبدان ، حدثني شعيب بن علي القاضي ، حدثنا موسى بن سعيد الفراء ، حدثنا الحسين بن عمر الثقفي ، حدثنا أبي عمر بن إبراهيم ، حدثنا عبد الكريم بن يعقوب الجعفي ، عن جابر ، عن أبي الشعثاء ، عن بشر بن غالب ، قال : لقيت أبا هريرة وقد لقي الحسين بن عليّعليهما‌السلام فسمعته وهو يقول له وكان يطوف بالبيت : ستملكون أبا عبد الله سنين حسنة ، فو الذي نفس أبي هريرة بيده ، لا يملكون سنة إلّا ملكتم سنتين ، ولا شهرا إلّا شهرين ، ولا يوما إلّا يومين ، وقد رأيتك على ذراعي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد خضبتهما دما ، حيث لفّك في خرقتك ، وقطع سرّتك ، وحنكك بتمرة ، وتفل في فيك ، وتكلّم بكلام لست أدري ما هو؟ ، وذلك لأنّ فاطمة سبقته بقطع الحسن فأمرها أن لا تسبقه فأرسلت بك إليه.

٢٤ ـ أخبرنا العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري ، حدثنا الفقيه الإمام أبو عليّ الحسن بن علي بن أبي طالب الفرزادي ـ بالري ـ ، أخبرنا الفقيه أبو بكر طاهر بن الحسين بن عليّ السّمان ، حدّثنا عمي الشيخ الزاهد الحافظ أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسين السّمان الرازي ، أخبرنا


عبد الرحمن بن أحمد ـ بقراءتي عليه ـ ، حدثنا عبد الله بن أحمد الفارسي ، حدثنا أحمد بن بديل ، حدثنا وهب بن إسماعيل ، حدثنا جعفر بن محمد ، عن أبيهعليهما‌السلام ، عن جابر ، قال : كنا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه الحسين بن عليّ ، فعطش فطلب له النبيّ ماء فلم يجده ، فأعطاه لسانه فمصّه حتّى روي.

٢٥ ـ وروي في «المراسيل» أن ـ شريحا ـ قال : دخلت مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فإذا الحسين بن عليّ فيه ساجد يعفر خده على التراب ، وهو يقول : «سيدي! ومولاي! المقامع لحديد خلقت أعضائي ، أم لشرب الحميم خلقت أمعائي؟ إلهي! لئن طالبتني بذنوبي لاطالبنّك بكرمك ، ولئن حبستني مع الخاطئين لأخبرنهم بحبّي لك ، سيدي! إنّ طاعتك لا تنفعك ، ومعصيتي لا تضرّك ، فهب لي ما لا ينفعك ، واغفر لي ما لا يضرّك ، فإنك أرحم الراحمين».

٢٦ ـ وقيل : تهاجر ـ الحسن والحسين ـ فأراد قوم أن يصلحوا ما بينهما فسألوا الحسين أن يبدأ بالحسن ، فقال : «إنّ أبا محمّد ـ يعني : الحسن ـ ، أكبر مني ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما من اثنين تهاجرا ثمّ بدأ أحدهما بمصالحة الآخر إلّا كانت درجته أعلى من درجة الآخر ، وإني لا احبّ أن تكون درجتي أعلى من درجة أخي ، فأخبروا الحسن بذلك ، فقال : صدق» ، فقام إليه وبدأ بالسّلام عليه.

٢٧ ـ وقيل : سأل رجل الحسين حاجة ، فقال له : «يا هذا! سؤالك إياي يعظم لديّ ، ومعرفتي بما يجب لك يكبر عليّ ، ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله ، والكثير في ذات الله قليل ، وما في ملكي وفاء بشكرك ، فإن قبلت بالميسور ، دفعت عنّي مرارة الاحتيال لك ، والاهتمام بما أتكلف من واجب حقّك».


فقال الرجل : أقبل ، يا ابن رسول الله! اليسير ، وأشكر العطيّة ، وأعذر على المنع ، فدعا الحسين بوكيله ، وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها ، ثم قال له : «هات الفاضل من الثلاثمائة ألف»؟ فأحضر خمسين ألفا ، قال : «فما فعلت الخمسمائة دينار»؟ قال : هي عندي ، قال : «أحضرها» ، قال : فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل ، وقال : «هات من يحمل معك هذا المال ، فأتاه بالحمالين فدفع إليهم الحسين رداءه لكراء حملهم ، حتى حملوه معه. فقال مولى له : والله ، ما بقي عندنا درهم واحد ، فقال : «لكني أرجو أن يكون لي بفعلي هذا أجر عظيم».

٢٨ ـ وقيل : خرج الحسنعليه‌السلام إلى سفر فأضلّ طريقه ليلا ، فمرّ براعي غنم فنزل عنده فألطفه وبات عنده ، فلمّا أصبح دلّه على الطريق.

فقال له الحسن : «إني ماض إلى ضيعتي ، ثمّ أعود إلى المدينة» ، ووقّت له وقتا ، وقال له : تأتيني به ، فلمّا جاء الوقت شغل الحسن بشيء من اموره عن قدوم المدينة ، فجاء الراعي وكان عبدا لرجل من أهل المدينة ، فصار إلى الحسين وهو يظنه الحسن ، فقال : أنا العبد الذي بت عندي ليلة كذا ، ووعدتني أن أصير إليك في هذا الوقت ، وأراه علامات عرف الحسين أنّه الحسن ، فقال الحسين له : «لمن أنت يا غلام»؟ فقال : لفلان ، فقال : كم غنمك؟ قال : ثلاثمائة ، فأرسل إلى الرجل فرغبه حتّى باعه الغنم والعبد ، فأعتقه ووهب له الغنم مكافأة لما صنع مع أخيه ، وقال : «إن الذي بات عندك أخي ، وقد كافأتك بفعلك معه».

٢٩ ـ وقال الحسن البصري : كان الحسين بن عليّ سيدا زاهدا ورعا صالحا ناصحا حسن الخلق ، فذهب ذات يوم مع أصحابه إلى بستانه ، وكان في ذلك البستان غلام له ، اسمه «صاف» فلما قرب من البستان رأى الغلام


قاعدا يأكل خبزا ، فنظر الحسين إليه وجلس عند نخلة مستترا لا يراه ، فكان يرفع الرغيف فيرمي بنصفه إلى الكلب ويأكل نصفه الآخر ، فتعجّب الحسين من فعل الغلام ، فلما فرغ من أكله قال : الحمد لله ربّ العالمين ، اللهمّ! اغفر لي واغفر لسيدي ، وبارك له كما باركت على أبويه برحمتك يا أرحم الراحمين!.

فقام الحسين وقال : يا صافي! فقام الغلام فزعا وقال : يا سيدي! وسيد المؤمنين! إني ما رأيتك فاعف عني ، فقال الحسين : «اجعلني في حلّ يا صافي! لأني دخلت بستانك بغير إذنك» ، فقال صافي : بفضلك يا سيدي! وكرمك وسؤددك تقول هذا ، فقال الحسين : «رأيتك ترمي بنصف الرغيف للكلب ، وتأكل النصف الآخر فما معنى ذلك»؟ ، فقال الغلام : إنّ هذا الكلب ينظر إليّ حين آكل ، فاستحي منه يا سيدي! لنظره إليّ ، وهذا كلبك يحرس بستانك من الأعداء فأنا عبدك ، وهذا كلبك ، فأكلنا رزقك معا.

فبكى الحسين وقال : «أنت عتيق لله ، وقد وهبت لك ألفي دينار ، بطيبة من قلبي» ، فقال الغلام : إن اعتقتني فأنا اريد القيام ببستانك ، فقال الحسين : «إنّ الرجل إذا تكلم بكلام فينبغي أن يصدقه بالفعل ، فأنا قد قلت : دخلت بستانك بغير إذنك ، فصدقت قولي ، ووهبت البستان وما فيه لك ، غير أن أصحابي هؤلاء جاءوا لأكل الثمار والرطب ، فاجعلهم أضيافا لك ، وأكرمهم من أجلي أكرمك الله يوم القيامة ، وبارك لك في حسن خلقك وأدبك» ، فقال الغلام : إن وهبت لي بستانك ، فأنا قد سبلته لأصحابك وشيعتك.

قال الحسن : فينبغي للمؤمن أن يكون كنافلة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

__________________

(١) النافلة : الذرية من الأحفاد والأسباط.


٣٠ ـ وذكر السيد أبو طالب ، بإسنادي إليه ، عن محمد بن محمد بن العبا ، عن علي بن شاكر ، عن عبد الله بن محمد الضبي ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الله بن إبراهيم ، عن أبي رافع قال : كنت ألاعب الحسينعليه‌السلام وهو صبي بالمداحي(١) ، فإذا أصابت مدحاتي مدحاته ، قلت : احملني ، قال لي : «ويحك ، أتركب ظهرا حمله رسول الله» فأتركه ، وإذا أصابت مدحاته مدحاتي ، قلت : لا أحملك كما لا تحملني.

قال : «أما ترضى أن تحمل بدنا حمله رسول الله»؟ قال : فأحمله.

٣١ ـ وروي : أنّ الحسين بن عليّعليهما‌السلام حجّ خمسا وعشرين حجة ماشيا ، وكان يجالس المساكين ، ويقرأ : «إن الله لا يحبّ المتكبرين» ومرّ على صبيان معهم كسرة ، فسألوه أن يأكل معهم فأكل ، ثمّ حملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم ، وقال : «إنهم أسخى مني ، لأنهم بذلوا جميع ما قدروا عليه ، وأنا بذلت بعض ما أقدر عليه».

٣٢ ـ وروي : أنّ أعرابيا من البادية قصد الحسينعليه‌السلام فسلم عليه ، فردعليه‌السلام ، وقال : «يا أعرابي! فيم قصدتنا»؟ قال : قصدتك في دية مسلمة إلى أهلها ، قال : «أقصدت أحدا قبلي»؟ قال : عتبة بن أبي سفيان ، فأعطاني خمسين دينارا فرددتها عليه ، وقلت : لأقصدنّ من هو خير منك ، وأكرم. فقال عتبة : ومن هو خير مني وأكرم لا أمّ لك؟ فقلت : إما الحسين بن علي وإما عبد الله بن جعفر ، وقد أتيتك بدءا لتقيم بها عمود ظهري ، وتردّني إلى أهلي.

فقال الحسين : «والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، وتجلّى بالعظمة ، ما في ملك بن بنت نبيك إلّا مأتا دينار فأعطه إياها يا غلام! وإني أسألك عن

__________________

(١) المدحاة : خزفة يلعب بها الصبيان.


ثلاث خصال إن أنت أجبتني عنها أتممتها خمسمائة دينار ، وإن لم تجبني ألحقتك فيمن كان قبلي». فقال الأعرابي : أكل ذلك احتياجا إلى علمي ، أنتم أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة؟

فقال الحسين : «لا ، ولكن سمعت جدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : اعطوا المعروف بقدر المعرفة» ، فقال الأعرابي : فسل ، ولا حول ولا قوة إلّا بالله.

فقال الحسين : ما أنجى من الهلكة؟ فقال : التوكل على الله ، فقال : ما أروح للمهم؟ قال : الثقة بالله ، فقال : أي شيء خير للعبد في حياته؟ قال : عقل يزينه حلم ، فقال : فإن خانه ذلك ، قال : ما يزينه سخاء وسعة ، فقال : فإن أخطأه ذلك ، قال : الموت والفناء خير له من الحياة والبقاء ، قال : فناوله الحسين خاتمه ، وقال : بعه بمائة دينار ، وناوله سيفه ، وقال : بعه بمائتي دينار ، واذهب فقد أتممت لك خمسمائة دينار ، فأنشأ الأعرابي يقول :

قلقت وما هاجني مقلق

وما بي سقام ولا موبق

ولكن طربت لآل الرسول

ففاجأني الشعر والمنطق

فأنت الهمام وبدر الظلام

ومعطي الأنام إذا أملقوا

أبوك الذي فاز بالمكرمات

فقصر عن وصفه السبق

وأنت سبقت إلى الطيبات

فأنت الجواد وما تلحق

بكم فتح الله باب الهدى

وباب الضلال بكم مغلق

وجاءت هذه الحكاية بألفاظ اخرى ، فروي : أنّ هذا الأعرابي سلّم على الحسين بن عليّ ، فسأله حاجة ، وقال : سمعت جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة : إما من عربي شريف ؛ أو مولى كريم ؛ أو حامل القرآن ؛ أو ذي وجه صبيح.

فأما العرب ـ فشرفت بجدّك ؛ وأما الكرم ـ فدأبكم وسيرتكم ؛ وأمّا


القرآن ـ ففي بيوتكم نزل ؛ وأما الوجه الصبيح ـ فإني سمعت جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «إذا أردتم أن تنظروا إلي فانظروا إلى الحسن والحسين».

فقال الحسين له : «ما حاجتك»؟ فكتبها على الأرض ، فقال له الحسين : «سمعت أبي علياعليه‌السلام يقول : قيمة كلّ امرئ ما يحسنه ؛ وسمعت جدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : المعروف بقدر المعرفة ، فأسألك عن ثلاث خصال ، فإن أجبتني عن واحدة ، فكل ثلث ما عندي ؛ وإن أجبتني عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي ؛ وإن أجبتني عن الثلاث ، فلك كلّ ما عندي ؛ وقد حملت إليّ صرة مختومة ، وأنت أولى بها».

فقال : سل ، عما بدا لك ، فإن أجبت وإلّا تعلمت منك ، فأنت من أهل العلم والشرف ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم.

فقال الحسين : أي الأعمال أفضل؟ قال : الإيمان بالله ، والتصديق برسوله ، قال : فما نجاة العبد من الهلكة؟ فقال : الثقة بالله ، قال : فما يزين المرء؟ قال : علم معه حلم ، قال : فإن أخطأه ذلك؟ قال : فمال معه كرم ، قال : فإن أخطأه ذلك؟ قال : ففقر معه صبر ، قال : فإن أخطأه ذلك؟ قال : فصاعقة تنزل عليه من السماء فتحرقه.

فضحك الحسينعليه‌السلام ، ورمى له بالصرّة ، وفيها ألف دينار ، وأعطاه خاتمه وفيه فص قيمته مائتا درهم ، وقال : «يا أعرابي! اعط الذهب إلى غرمائك ، واصرف الخاتم في نفقتك» ، فأخذ ذلك الأعرابي ، وقال : «الله أعلم حيث يجعل رسالته».

وجاءت رواية اخرى ، بسندي المتّصل : أنّ أعرابيا جاء إلى الحسين بن عليّ ، فقال له : يا ابن رسول الله! إني قد ضمنت دية كاملة ، وعجزت عن أدائها ، فقلت في نفسي : أسأل أكرم النّاس ، وما رأيت أكرم من أهل بيت


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال الحسين : «يا اخا العرب! أسألك عن ثلاث مسائل ، فإن أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال ، وإن أجبت عن اثنتين أعطيتك ثلثي المال ، وإن أجبت عن كلّ أعطيتك المال كلّه».

فقال الأعرابي : يا ابن رسول الله! أمثلك يسأل من مثلي ، وأنت من أهل العلم والشرف؟

فقال الحسين : بلى ، سمعت جدي رسول الله يقول : المعروف بقدر المعرفة. فقال الأعرابي : سل عما بدا لك ، فإن أجبت ، وإلّا تعلمت الجواب منك ، ولا قوة إلّا بالله.

فقال الحسين : «أي الأعمال أفضل؟ فقال : الإيمان بالله ، قال : فما النجاة من الهلكة؟ قال : الثقة بالله ، قال : فما يزين الرجل؟ قال : علم معه حلم ، قال : فإن أخطأه ذلك؟ قال : فمال معه مروءة ، قال : فإن أخطأه ذلك؟ قال : ففقر معه صبر ، قال : فإن أخطأه ذلك؟ قال : فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه.

فضحك الحسين ، ورمى بصرة إليه فيها ألف دينار ، وأعطاه خاتمه وفيه فص قيمته مائتا درهم ، وقال له : «يا أعرابي اعط الذّهب لغرمائك ، واصرف الخاتم في نفقتك» فأخذ الأعرابي ذلك منه ومضى وهو يقول : «الله أعلم حيث يجعل رسالته».



الفصل الثامن

في اخبار

رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الحسين وأحواله



١ ـ أخبرنا جار الله العلّامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري ، حدثنا الإمام الفقيه أبو علي الحسن بن عليّ بن أبي طالب الفرزادي بالري ، أخبرنا الفقيه أبو بكر طاهر بن الحسين بن علي السمان ، حدثنا عمي الشيخ الزاهد الحافظ أبو سعد إسماعيل بن عليّ بن الحسين السمان الرازي ، أخبرنا أبو عبد الله الجعفي بالكوفة ـ بقراءتي عليه ـ ، حدثنا محمد بن جعفر بن محمّد ، حدثنا عباد بن يعقوب ، أخبرنا عليّ بن هاشم ، عن موسى الجهني ، عن صالح بن أربد النخعي ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لام سلمة (رضي الله عنها) : «اجلسي على الباب فلا يلجن عليّ أحد» ، فجاء الحسين وهو وحف(١) .

قال : فذهبت أمّ سلمة تناوله فسبقها ، قالت أمّ سلمة : فلمّا طال عليّ خفت أن يكون قد وجد عليّ ، فتطلعت من الباب ، فوجدته يقلّب بكفيه شيئا ، والصبيّ نائم على بطنه ودموعه تسيل. فلما أمرني أن أدخل ، قلت :

__________________

(١) الوحف : المسرع.


يا نبي الله! إن ابنك جاء فذهبت أتناوله فسبقني ، فلما طال عليّ خفت أن تكون قد وجدت عليّ ، فتطلعت من الباب فوجدتك تقلّب بكفيك [تعني شيئا] ودموعك تسيل والصبيّ نائم على بطنك.

فقال : «إنّ جبرئيل أتاني بالتربة التي يقتل عليها ، وأخبرني أنّ امتي تقتله».

٢ ـ وأخبرنا الشيخ الإمام الزاهد الحافظ أبو الحسن عليّ بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة أبو عليّ إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا والدي شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، حدثنا أبو عبد الله الحافظ ـ إملاء ـ ، أخبرنا محمّد بن عليّ الجوهري ، حدثنا أبو الأحوص ، حدثنا محمّد بن مصعب ، حدثنا الأوزاعي ، عن شداد بن عبد الله ، عن أمّ الفضل بنت الحرث : أنها دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت : يا رسول الله! إني رأيت حلما منكرا الليلة؟

قال : وما هو؟ قالت : إنّه شديد ، قال : وما هو؟ قالت : رأيت كأنّ قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «رأيت خيرا ، تلد فاطمة إن شاء الله غلاما ، فيكون في حجرك». فولدت فاطمة الحسين ، فكان في حجري ، كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فدخلت يوما على رسول الله فوضعته في حجره ، ثمّ حانت مني التفاتة ، فإذا عينا رسول الله تهريقان الدموع ، فقلت : يا نبي الله! بأبي أنت وأمي مالك؟

فقال : «أتاني جبرئيل ، فأخبرني أنّ امتي ستقتل ابني هذا» ، فقلت : هذا ، فقال : «نعم ، وأتاني بتربة من تربته حمراء».

قال وفي ـ رواية أمّ سلمة ـ : «أخبرني جبرئيل أنّ هذا يقتل بأرض


العراق ـ يعني : الحسين ـ ، فقلت : يا جبرائيل! أرني تربة الأرض التي يقتل بها؟ قال : فهذه تربتها».

٣ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي عبد الله الحافظ ، أخبرنا أحمد بن علي المقري ، حدثنا محمّد بن عبد الوهاب ، حدثني أبي عبد الوهاب بن حبيب ، حدثني إبراهيم بن أبي يحيى المدني ، عن عمارة بن يزيد ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أبي سلمة ، عن عائشة : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أجلس ـ حسينا ـ على فخذه ، فجاء جبرئيل إليه ، فقال : هذا ابنك؟ قال : «نعم» ، قال : أما إنّ امتك ستقتله بعدك؟ فدمعت عينا رسول الله ، فقال جبرئيل: إن شئت أريتك الأرض التي يقتل فيها؟ قال : «نعم» ، فأراه جبرئيل ترابا من تراب الطّف.

٤ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي عبد الله الحافظ ، أخبرني خلف بن محمد البخاري ، حدثني صالح بن محمد الحافظ ، حدثني محمد بن يحيى الذهلي ، حدثني سعيد بن عبد الملك ، حدثني عطاء بن مسلم ، عن أشعث ـ ـ يعني : ابن سحيم ـ ، عن أبيه ، عن أنس ـ يعني ابن الحرث ـ ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «إنّ ابني هذا ـ يعني : الحسين ـ ، يقتل بأرض العراق ، فمن أدركه منكم فلينصره» ، قال : فقتل أنس بن الحرث مع الحسين بن عليعليهما‌السلام .

٥ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي عبد الله الحافظ ، حدثني أبو بكر محمّد بن أحمد ، حدثني إبراهيم بن عبد الله بن الحجاج ، حدثني حجاج بن نصير ، حدّثني قرّة بن خالد ، حدّثني عامر بن عبد الواحد ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس قال : ما كنّا نشك أهل البيت ، وهم متوافرون : أنّ الحسين بن علي يقتل بالطف.


٦ ـ وأنبأني الإمام صدر الحفّاظ أبو العلاء الحسين بن أحمد الهمداني ، أخبرني زاهر بن طاهر الكاتب ، أخبرني محمّد بن عبد الرحمن الخبزرودي ، أخبرني محمد بن أحمد بن حمدان الخيري ، أخبرني أحمد بن عليّ بن المثنى ، حدثني شيبان ، حدثني عمارة بن زاذان ، حدثني ثابت البناني ، عن أنس بن مالك قال : استأذن ملك ـ القطر والمطر ـ ربّه أن يزور النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأذن تعالى له ، وكان في يوم أمّ سلمة ، فقال النبيّ : «يا أمّ سلمة! احفظي علينا الباب ، لا يدخل علينا أحد».

قال : فبينما هي على الباب ، إذ جاء ـ الحسين بن علي ـ فاقتحم الباب فدخل ، فجعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يلتزمه ويقبّله ، فقال الملك : أتحبه؟ قال : «نعم» ، قال : إنّ أمّتك ستقتله ، إن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه؟ قال : «نعم» ، فقبض قبضة من المكان الذي يقتل فيه ، فأراه فجاء بسهلة أو تراب أحمر ، فأخذته أمّ سلمة فجعلته في ثوبها.

قال ثابت : فكنّا نقول : إن ـ الحسين ـ يقتل ، فقتل في «كربلاء».

٧ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي العلاء هذا ، أخبرنا محمد بن إسماعيل الصيرفي ، أخبرنا أحمد بن محمّد بن الحسين ، أخبرنا سليمان بن أحمد اللخمي ، أخبرنا الحسن بن عباس الرازي ، حدثنا سليم بن

منصور بن عمّار ، حدثنا أبي [ح] ، قال سليمان بن أحمد : وحدثني أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي ، حدثني عمرو بن بكير القعيني ، حدثني مجاشع بن عمرو ، قالا : حدثنا عبد الله بن لهيعة ، عن أبي قبيل ، حدّثني عبد الله بن عمرو بن العاص : أنّ معاذ بن جبلة أخبره قال : خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مصفر اللون ، فقال : «أنا محمّد اوتيت جوامع الحكم فواتحها وخواتمها فأطيعوني ما دمت بين أظهركم ، فإذا ذهب بي فعليكم : بكتاب اللهعزوجل


أحلوا حلاله وحرّموا حرامه ، أتتكم الموتة ، أتتكم بالروح والراحة ، كتاب من الله سبق ، أتتكم فتن كقطع الليل المظلم ، كلّما ذهب رسل جاء رسل ، تناسخت النبوة ، فصارت ملكا ، رحم الله من أخذها بحقها ، وخرج منها كما دخلها ، أمسك يا معاذ! واحص».

قال : فلما بلغت خمسة بالاحصاء ، قال : «يزيد! لا بارك الله في يزيد» ، ثمّ ذرفت عيناه بالدّموع ، ثم قال : «نعي إليّ الحسين ، ثمّ أتيت بتربته ، وأخبرت بقتله ؛ وقاتله أو قتلته ، والذي نفسي بيده ، لا يقتل بين ظهراني قوم لا يمنعونه إلا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم ، وسلّط عليهم شرارهم وألبسهم شيعا ، ثم قال : آه لفراخ آل محمّد من خليفة مستخلف مترف ، يقتل خلفي وخلف الخلف ، امسك يا معاذ»!

فلمّا بلغت عشرة قال : «الوليد اسم فرعون هادم شرائع الإسلام يبوء بدمه رجل من أهل بيته ، يسل الله سيفه فلا غماد له ، ويختلف النّاس فكانوا هكذا ـ وشبك بين أصابعه ـ ، ثم قال : وبعد العشرين والمائة موت سريع ؛ وقتل ذريع ؛ فيه هلاكهم ، ويلي عليهم رجل من ولد العبّاس».

٨ ـ وبهذا الإسناد ، عن سليمان بن أحمد ، حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ، حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي ، حدثنا إسماعيل بن أبان ، حدثنا حيان بن علي ، عن سعد بن طريف ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ ، عن أبيهعليهم‌السلام ، عن أمّ سلمة قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يقتل الحسين على رأس ستين من مهاجري».

٩ ـ وبهذا الإسناد ، عن سليمان بن أحمد ، حدثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي ، حدثنا محمّد بن يحيى بن أبي سمينة ، حدثنا يحيى بن حماد ، عن أبي عوانة ، عن عطاء بن السائب ، عن ميمون بن مهران ، عن شيبان بن


محزم ـ وكان عثمانيا ـ قال : إني لمع عليّ إذ أتى كربلاء ، فقال : «يقتل في هذا الموضع شهداء ليس مثلهم شهداء ليس مثلهم شهداء ، إلا شهداء بدر».

فقلت : بعض كذباته ، ثمّ رأيت رجل حمار ميت ، فقلت لغلامي : خذ رجل هذا الحمار ، فأوتدها في مقامه ، وعينها ، ثمّ ضرب الدهر ضربانه ، ولمّا قتل الحسين انطلقت ومعي أصحاب لي ، فإذا جثة الحسين على رجل ذاك الحمار ، وإذا أصحابه ربض حوله.

١٠ ـ وذكر شيخ الإسلام الحاكم الجشمي : أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لما سار إلى «صفين» نزل «بكربلاء» ، وقال لابن عبّاس : «أتدري ما هذه البقعة»؟ قال : لا ، قال : «لو عرفتها لبكيت بكائي» ، ثم بكى بكاء شديدا ، ثمّ قال : «ما لي ولآل أبي سفيان»؟ ثم التفت الى ـ الحسين ـ ، وقال : «صبرا يا بني! فقد لقي أبوك منهم مثل الذي تلقى بعده».

١١ ـ وذكر الإمام أحمد بن أعثم الكوفي في «تاريخه» بأسانيد له كثيرة ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله منها : ما ذكر من حديث ابن عباس ؛ ومنها : ما ذكر من حديث أمّ الفضل بنت الحرث ـ حين أدخلت حسينا على رسول الله ، فأخذه رسول الله صلّى الله عليه وبكى ، وأخبرها : بقتله إلى أن قال : ثم هبط جبرئيل في قبيل من الملائكة ، قد نشروا أجنحتهم ، يبكون حزنا على الحسين ؛ وجبرئيل معه قبضة من تربة الحسين تفوح مسكا أذفر ؛ فدفعها إلى النبي وقال : يا حبيب الله! هذه تربة ولدك الحسين بن فاطمة؟ وسيقتله اللعناء بأرض كربلاء.

فقال النبي : «حبيبي جبرئيل وهل تفلح أمّة تقتل فرخي وفرخ ابنتي»؟ فقال جبرئيل: لا ، بل يضربهم الله بالاختلاف ، فتختلف قلوبهم وألسنتهم آخر الدهر.


١٢ ـ وقال شرحبيل بن أبي عون : إن الملك الذي جاء إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إنما كان ـ ملك البحار ـ ، وذلك أنّ ملكا من ملائكة الفراديس نزل إلى البحر ، ثم نشر أجنحته عليه ، وصاح صيحة قال فيها : يا أهل البحار! البسوا ثياب الحزن ، فإن فرخ محمد مقتول مذبوح ، ثمّ جاء إلى النبي فقال : يا حبيب الله! تقتتل على هذه الأرض فرقتان من امتك : احداهما ظالمة متعدية فاسقة تقتل فرخك الحسين ابن ابنتك بأرض ـ كرب وبلاء ـ ، وهذه التربة عندك ، وناوله قبضة من أرض «كربلاء» ، وقال له : تكون هذه التربة عندك حتى ترى علامة ذلك ، ثم حمل ذلك الملك من تربة الحسين في بعض أجنحته ، فلم يبق ملك في سماء الدنيا إلا شمّ تلك التربة ، وصار لها عنده أثر وخبر.

قال : ثم أخذ النبي تلك القبضة التي أتاه بها الملك ، فجعل يشمها ويبكي ، ويقول في بكائه : «اللهمّ! لا تبارك في قاتل ولدي ، وأصله نار جهنم» ثم دفع تلك القبضة إلى أمّ سلمة وأخبرها بقتل الحسين ـ بشاطئ الفرات ـ ، وقال : «يا أمّ سلمة! خذي هذه التربة إليك ، فإنها إذا تغيرت وتحوّلت دما عبيطا ، فعند ذلك يقتل ولدي الحسين».

فلما أتى على الحسين من ولادته سنة كاملة ، هبط على رسول الله اثنا عشر ملكا : أحدهم على صورة الأسد ، والثاني : على صورة الثور ، والثالث : على صورة التنين ، والرابع : على صورة ولد آدم ، والثمانية الباقون : على صور شتى ، محمرة وجوههم ، قد نشروا أجنحتهم ، وهم يقولون : يا محمد! سينزل بولدك الحسين ما نزل بهابيل من قابيل ، وسيعطى مثل أجر هابيل ، ويحمل على قاتله مثل وزر قابيل.

قال : ولم يبق في السماء ملك إلا ونزل على النبي يعزيه بالحسين ، ويخبره : بثواب ما يعطى ، ويعرض عليه تربته ، والنبي يقول : «اللهمّ!


اخذل من خذله ، واقتل من قتله ، ولا تمتعه بما طلبه».

١٣ ـ وقال المسوّر بن مخرمة : ولقد أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ملك من ملائكة الصفيح الأعلى ، لم ينزل إلى الأرض منذ خلق الله الدّنيا ، وإنما استأذن ذلك الملك ربّه ، ونزل شوقا منه إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلما نزل إلى الأرض ، أوحى اللهعزوجل إليه : أيها الملك! اخبر محمدا بأنّ رجلا من امته يقال له : «يزيد» يقتل فرخك الطّاهر وابن الطاهرة ـ نظيرة البتول مريم ابنة عمران ـ ، فقال الملك : إلهي! وسيدي! لقد نزلت وأنا مسرور بنزولي إلى نبيّك ، فكيف اخبره بهذا الخبر؟ ليتني لم أنزل عليه ، فنودي الملك من فوق رأسه : أن امض لما امرت.

فجاء وقد نشر أجنحته حتى وقف بين يديه ، فقال : السلام عليك يا حبيب الله! إني استأذنت ربي في النزول إليك ، فليت ربي دقّ جناحي ولم آتك بهذا الخبر ، ولكني مأمور يا نبي الله! اعلم أن رجلا من امتك يقال له : يزيد يقتل فرخك الطاهر ابن فرختك الطاهرة نظيرة البتول مريم ابنة عمران ، ولم يمتع من بعد ولدك ، وسيأخذه الله معافصة على أسوأ عمله ، فيكون من أصحاب النار.

قال : ولما أتت على الحسين من مولده سنتان كاملتان ، خرج النبي في سفر ، فلما كان في بعض الطريق وقف فاسترجع ودمعت عيناه ، فسئل عن ذلك ، فقال : «هذا جبرئيل ، يخبرني عن أرض ـ بشاطئ الفرات ـ يقال لها «كربلاء» يقتل فيها ولدي الحسين بن فاطمة» ، فقيل : من يقتله يا رسول الله؟ فقال : «رجل يقال له يزيد لا بارك الله في نفسه ، وكأني أنظر إلى منصرفه ومدفنه بها ، وقد اهدي رأسه ، والله ما ينظر أحد إلى رأس ولدي الحسين فيفرح إلّا خالف الله بين قلبه ولسانه» ، يعني : ليس في قلبه ما يكون بلسانه


من الشهادة.

قال : ثمّ رجع النبيّ من سفره ذلك مغموما ، فصعد المنبر فخطب ووعظ والحسين بين يديه مع الحسن ، فلمّا فرغ من خطبته ، وضع يده اليمنى على رأس الحسين ورفع رأسه إلى السماء وقال : «اللهمّ إني محمّد عبدك ونبيك ، وهذان أطائب عترتي ، وخيار ذريتي وارومتي ، ومن أخلفهما في امتي ، اللهم! وقد أخبرني جبرئيل : بأنّ ولدي هذا مقتول مخذول ، اللهم! فبارك لي في قتله ، واجعله من سادات الشهداء ، إنّك على كل شيء قدير ، اللهم! ولا تبارك في قاتله وخاذله».

قال : فضجّ النّاس في المسجد بالبكاء ، فقال النبيّ : «أتبكون ولا تنصرونه؟ اللهمّ! فكن له أنت وليا وناصرا».

١٤ ـ وقال ابن عبّاس : خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل موته بأيام يسيرة إلى سفر له ، ثمّ رجع وهو متغير اللون ، محمّر الوجه ، فخطب خطبة بليغة موجزة ، وعيناه تهملان دموعا ، قال فيها : «أيّها النّاس! إني خلفت فيكم الثقلين : كتاب الله ؛ وعترتي ؛ وارومتي ؛ ومزاج مائي ؛ وثمرتي ؛ ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، ألا وإني أنتظرهما ، ألا وإني أسألكم في ذلك إلا ما أمرني ربي أن أسألكم به المودّة في القربى ، فانظروا لا تلقوني على الحوض وقد أبغضتم عترتي ، وظلمتوهم.

ألا وإنه سترد عليّ في القيامة ـ ثلاث رايات ـ من هذه الامة : راية سوداء مظلمة : فتقف عليّ ، فأقول : من أنتم؟ فينسون ذكري ، ويقولون : أهل التوحيد من العرب ، فأقول : أنا أحمد نبيّ العرب والعجم ، فيقولون : نحن من امتك يا أحمد! فأقول لهم : كيف خلفتموني من بعدي في أهلي وعترتي وكتاب ربي؟ فيقولون : أما الكتاب ـ فضيعناه ومزّقناه ؛ وأما


عترتك ـ فحرصنا على أن ننبذهم عن جديد الأرض ، فأولّي وجهي عنهم ، فيصدرون ظماء عطاشا مسودة وجوههم.

ثم ترد عليّ راية اخرى أشد سوادا من الاولى ، فأقول لهم : من أنتم؟ فيقولون كالقول الأوّل ، بأنهم من أهل التوحيد ، فإذا ذكرت لهم اسمي عرفوني ، وقالوا : نحن أمّتك ، فاقول له : كيف خلفتموني في الثقلين : الأكبر والأصغر؟ فيقولون : أما الأكبر ـ فخالفناه ، وأما الأصغر ـ فخذلناه ومزّقناهم كل ممزق ، فأقول لهم : إليكم عني ، فيصدرون ظماء عطاشا مسودة وجوههم.

ثم ترد عليّ راية اخرى تلمع نورا ، فأقول لهم : من أنتم؟ فيقولون : نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى ، نحن أمّة محمد ، ونحن بقية أهل الحقّ الذين حملنا كتاب ربنا فحللنا حلاله ، وحرمنا حرامه ، وأحببنا ذريّة محمد فنصرناهم بما نصرنا به أنفسنا ، وقاتلنا معهم ، وقتلنا من ناوأهم ، فأقول لهم : ابشروا ، فأنا نبيكم محمّد ، ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم ، ثم أسقيهم من حوضي فيصدرون رواء.

ألا وإن جبرئيل قد أخبرني بأن امتي تقتل ولدي ـ الحسين ـ بأرض كرب وبلاء ، ألا فلعنة الله على قاتله وخاذله آخر الدّهر».

قال : ثم نزل عن المنبر ، ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلّا وتيقن بأنّ الحسين مقتول حتّى إذا كان في أيام ـ عمر بن الخطاب ـ وأسلم كعب الأحبار ، وقدم المدينة جعل أهل المدينة يسألونه عن الملاحم التي تكون في آخر الزمان ، وكعب يحدثهم بأنواع الملاحم والفتن.

فقال كعب لهم : وأعظمها ملحمة هي الملحمة التي لا تنسى أبدا وهو الفساد الذي ذكره الله تعالى في الكتب ، وقد ذكره في «كتابكم» في قوله :


( ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) الروم / ٤١ ، وإنما فتح بقتل «هابيل» ، ويختم بقتل «الحسين بن علي».

١٥ ـ وأخبرنا الشيخ الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي ، عن شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد البيهقي ، عن أبيه ، حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا خلف بن محمد البخاري ، حدثنا صالح بن محمد الحافظ ، حدثنا أحمد بن حيان المصيصي ، حدثنا عيسى بن يونس السبيعي ، عن الأعمش ، عن نشيط أبي فاطمة قال : جاء مولاي أبو هرثمة من «صفين» فأتيناه فسلمنا عليه ، فمرت شاة وبعرت ، فقال : لقد ذكرتني هذه الشاة حديثا ، أقبلنا مع ـ عليّ ـ ، ونحن راجعون من صفين فنزلنا «كربلاء» فصلّى بنا الفجر بين شجرات ، ثمّ أخذ بعرات من بعر الغزال ، ففتها في يده ، ثمّ شمها فالتفت إلينا ، وقال : «يقتل في هذا المكان قوم يدخلون الجنّة بغير حساب».

١٦ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي عبد الله الحافظ ، حدثنا محمّد بن يعقوب ، حدثنا الحسن بن علي بن عفان ، حدثنا أبو اسامة ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الله بن عبد الله بن الأصم ، عن عمه يزيد بن الأصم ، قال : خرجت مع الحسن بن علي من الحمام فبينما هو جالس يحك ظفره من الحناء ، إذ أتت إضبارة من الكتب ، فما نظر في شيء منها حتّى دعا الخادم ـ بالمخضب والماء ـ فألقاها فيه ، ثمّ دلكها ، فقلت : يا أبا محمد! ومن أين هذه الكتب؟ قال : «من العراق ، من عند قوم لا يقصرون عن باطل ، ولا يرجعون إلى حقّ».

قال سفيان : فزادني غير عبد الله في ـ هذا الحديث ـ ، أنّه قال : «أما إني لست أخشاهم على نفسي ، ولكني أخشاهم على ذاك» ، وأشار إلى الحسين.


١٧ ـ وأخبرنا عين الأئمة أبو الحسن علي بن أحمد الكرباسي ، حدثنا القاضي الإمام أبو نصر أحمد بن عبد الرحمن الريغدموني ـ سنة خمس وثمانين وأربعمائة ـ ، حدثني والدي ، حدثني الفقيه أبو شعيب صالح بن محمد بن صالح السخاوي ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الباقي ، أخبرني أبي ، أخبرني يوسف بن الجراح ، حدثنا أبو الأحوص القاضي البصري ـ بعكبراء وهو من ولد حمّاد ـ ، أتيته ومعنا أبو العباس الهمداني ، وجماعة من الرازيين ، منهم : أبو القاسم بن أبي زرعة الرازي ، فمما روى لنا هذا الحديث.

حدثني محمد بن عبيد الله بن محمّد العجلي ثمّ التيمي ، حدثني أبي ، حدثني وكيع بن الجراح ، حدثني محمد بن سهل ـ خال ولد أبي صالح السمان ـ ، عن مولى لابن عباس اسمه ـ خالد بن نافع ـ ، قال : سمعت ابن عباس يقول(١) : أخذ بيدي علي بن أبي طالبعليه‌السلام وقال : «يا عبد الله بن عباس! كيف بك إذا قتلنا ، وولغت الفتنة في أولادنا ، وسبيت ذرارينا كما تسبى الأعاجم»؟ قال : فقلت : أعيذك بالله ، يا أبا الحسن! يا ابن عم! لقد كلمتني بشيء ساءني ، وما ظننت أنّه يكون هذا؟ أما ترى الإيمان ما أحسنه! والإسلام ما أزينه! أتراهم فاعلين ذلك بنا؟ لعلّها أمّة غير هذه الامة ، قال : «لا ، والله ، بل هذه الامة».

قال : فأمرض قلبي وساءني فصرت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأخبرته على استحياء وخوف ، قلت : ـ وشاركتني بالحديث ميمونة ـ وكأني اريد بالحديث إياها.

فقال النبيّ : «الله أكبر! من أخبرك بذلك»؟ فقلت إنه حدثني ـ يعني :

__________________

(١) هذا الحديث سنده مظلم ولفظه مضطرب فهو من الموضوعات أو المزيد فيها.


عليّا ـ ، فقال لي رسول الله : «ائت عليا فادعه» ، فإذا هو بالباب ، وإذا هو عند ميمونة فسلم فأمره بالقعود ، وقال له : «يا حبيبي! مالي أراك متغيرا لونك»؟ قال : «خيرا! يا رسول الله» قال : «لعلك ذكرت أمرا فأحزنك» ، قال : «قد كان ذلك» قال : «إنّ عبد الله حدّث عنك بما حدّث ، فمن أين قلت لقد أمرضت قلبي وأحزنتني»؟

قال : «إنّ ابنتك ـ فاطمة ـ أخبرتني أنها رأت رؤيا أقلقتني ، عند ما قصتها عليّ ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما هي»؟ قال : «إنها أخبرتني كأن الشمس انكسفت ، وأن قمرين طلعا فقاما مقامها ، قالت : فقلت : فما بال الشمس انكسفت؟ فقيل لي : هذه الشمس رسول الله يموت ، وأنّ هذين القمرين ـ أبو بكر وعمر ـ يقومان مقامه بالدّين ، ويسوسان الأمّة ، وطلع نجم زاهر بينهما كان وضيئا ، فاذا خمد القمران أزهر هذا بنوره ، وأمدهما هذا بضوئه ، فما هو إلّا أن لبث قليلا حتّى ذهب أحد القمرين ذات اليمين ، فقلت : الى أين ذهب هذا فقد كان وضيئا؟ فقيل : إلى حيث ذهبت الشمس ، ثمّ ما لبث القمر الآخر حتى صار أحمر ، ثم انكسف وغاب ، والنجم طالع زاهر نوره لا ينقص بل يزيد نوره ، فقلت : اوه! إلى أين ذهب الآخر ، فقيل لي : ذهب إلى حيث ذهبت الشمس وأخوها ، فقلت : ما القمران اللذان غابا؟ فقيل : صاحبا رسول الله والخليفتان بعده ، فبينا أنا اسأل عن ذلك ، إذ طلع قمر آخر بين القمرين مثل حسنهما ، ثم اجتمعت النجوم كلّها عليه وذلك القمر الزاهر طلع معه نجمان آخران بقربه يزهران كزهر النجم ، ولقد اعجبت منهما ولقد مددت يدي إليهما ، فجاءاني وجاء الأوّل بينهما ، ثمّ ضممتهما إلى صدري فما هو إلّا أن تفرقا على القرب مني ، إذا اشتقت فمالي إليهما سبيل ، وكانت النجوم قد اشتبكت فنظرت


فيها ، فإذا هم يزهرون ، وأقام القمر على ذلك ما شاء ، وكانوا يقصدونه مرة ، ويتأخرون عنه مرّة ، ثم صار أحدهما ملازما له حتى ما رأيت إلّا أن الطالع الأكبر منهم قد أفل وهو الذي قد طلع بعد ذهاب ذينك ، فقلت : ما هذا؟ فقيل لي : هذا رجل يملك الدّنيا ، ثم يقتل ويتفرق عنه من رأيت من قومه ، فقلت : إن هذا لعجب ولقد وافاني أحد تلك النجوم حتى دخل إلى بيتي فرأيته محزونا خامدا نوره فكلمته وكلّمني ، فقلت : مالك؟ فقال لي : لا احسن الكلام ، ثم بكى ، فقلت : مم بكاؤك؟ فقال : إن صاحبي يقتل وولدك يقتلون ظلما ، كما قتل اللّذان رأيت ظلما ، وأنه سيكون بعدك فتنة ، وأنه يؤخذ منك ولدك وولد ولدك ، فلو لا أن الله يريد أن لا يهلك العباد كلّهم لرجمهم كما رجم قوم لوط بالحجارة».

قال : فقام رسول الله ، وقمت معه ، وبيده علي حتى دخل على فاطمة ، فقامت مستقبلة له وهي تبكي ، فضمّها إلى صدره وقبلها في رأسها وهو يبكي ، وسألها عن الرؤيا؟ فأخبرته فقال : «إن عشت سترين ، غير أنّك لا تعيشين ، وسيعيش زوجك ويرى ذلك أنه قد نزل عليّ في هذه الليلة ألف ملك ، يعزونني في نفسي وفيك ، وإنك لا تعيشين من بعدي إلّا يسيرا ، والذي رأيت من الأقمار ، هم كما رأيت ـ أبو بكر وعمر ـ ، والقمر الثالث : رجل من بعدهما مني ، هو شيخ قريش وأوسعها حلما وأفضلها سخاء وأكثرها عطاء ، يا علي! لا تختلف عليه بذلك.

أخبرني حبيبي وإنّك ستراه في مقامك هذا ـ فطلع عثمان بن عفان ـ ، وأنّ ولدك يقتل ، وأن ذريتك تقتل ، وتحمل نسائي وبناتي إلى الشّام ، والملائكة بذلك يخبروني ، وجاءني جبرئيل يقرؤك السلام ، ويقرئ عليا السلام ، ويعزيني فيكما وفي ولديكما ، ولا تسكن الفتنة إلّا بكما ، وأنّ الله


تعالى وعدكما الأجر والثواب ، ولك عنده فضيلة ليست لغيرك ، لصبرك واحتسابك على ما أبلاك ، وأبلى ولدك بعدك ، وأنه ليعطيك قلما من نور فتقعد على حوضي وبين يديك ولدان من نور ، فكل من أراد الشرب من النّاس ، والصديقين غير المرسلين ، والشهداء ـ البحريين والبريين ـ ، تكتب لهم برق من نور فيأخذه الولدان ، وتملأ أواني من نور فيسقون اولئك بإذنك ، وإذا أذن لأحد منهم أن يذهب إلى الجنّة كتبت له رقعة الى ـ رضوان ـ فهي جوازه حتّى يدخله الجنّة فعليك السلام من بعدي ، وأنت الوصي على أزواجي ، والخليفة على كتابي ، وكتاب ربي وسنتي ، فلا تكن من القاعدين ، ولا الكسلين ، وإنّ الله قد منعك من حرام الدّنيا ولم يجعل لها عليك سبيلا ، ولا على ولدك ، وجعل قوتكم قدرا منها ليقل الحساب ، ووهب لمن تمسك بسيرتك ، واعتقد بحبك ، ونصر ولدك ، شفاعتك والنظر إليك جزاء بما كانوا يكسبون لا يصرفون عنها ، ولهم فيها ما تشتهي أنفسهم ، وإن كانت لهم حاجة عند ربهم في آبائهم وأزواجهم وأولادهم قضاها ؛ فبشر امتي وعرفها ذلك ، فإنّ السعيد يقبل والشقي يحرم». انتهى.

١٨ ـ وأخبرني الحافظ سيد الحفاظ أبو منصور الديلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرنا أبو منصور محمد بن إسماعيل الأشقر ـ بقراءتي عليه بداره في أصبهان ـ ، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن الحسين بن فادشاه ، أخبرنا الطبراني [ح] وأخبرني أبو علي الحداد ـ مناولة ـ ، أخبرني أبو نعيم الحافظ ، أخبرني الطبراني قال : أخبرني أبو بكر محمد بن الحسين المقري ـ فيما كتب إليّ من قزوين سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة ـ ، أخبرني أبو القاسم بن أبي المنذر الخطيب ، أخبرني علي بن إبراهيم ، أخبرني محمد بن يزيد ؛ وابن ماجه القزويني ؛ بإسنادهما إلى الحسين بن عليعليهما‌السلام قال : «قال لي رسول


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا حسين! آخر شربة من الدنيا تشربها من ماء تشربها على ظمأ».

١٩ ـ وروي : أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لما دخل الجنّة ليلة المعراج ، رأى فيها قصرين من ياقوتتين : إحداهما خضراء ؛ والأخرى حمراء ، فسأل جبرئيل عنهما ، فقال : اسأل رضوان عنهما ، فسأل رضوان ، فقال : الخضراء للحسن ؛ والحمراء للحسين ، فقال : «يا رضوان! لم خلق الله الخضراء للحسن ؛ والحمراء للحسين»؟ فقال رضوان : إن الحسن تقتله امتك بالسم فيصير أخضر ؛ والحسين تقتله امتك بالسيف فيتلطخ بدمه فيصير أحمر ، فأعلم الله قصريهما بهاتين العلامتين ، فبكى رسول الله ، فقال الله : يا محمد! لم تبكي؟ وأن دموعك لا قيمة لها عندي(١) ، ولكن إن رضيت أن تحفظهما ولا شفاعة لك يوم القيامة فعلنا ، فقال رسول الله : «بل الشفاعة أحبّ إليّ يا رب ، وإن قتلت قرّة عيني معهما فاطمة».

٢٠ ـ وذكر عبد الله بن المبارك : أن يحيى الحضرمي كان صاحب مطهرة عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام فلما سار الى صفين وحاذى «نينوى» وهو منطلق إلى «صفين» ، نادى : «صبرا أبا عبد الله! صبرا أبا عبد الله!» وهو بشط الفرات ، فقلت : مالك يا أمير المؤمنين؟ قال : «دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعيناه تفيضان ، فقلت : بأبي وأمي أنت! ما لعينيك تفيضان؟ قال : قام من عندي جبرئيل آنفا فأخبرني إنّ الحسين يقتل بالفرات ، وقال : فهل لك أن اشمك من تربته؟ قلت : نعم ، فقبض قبضة من تراب وأعطانيها ، فلم أملك عيني أن فاضتا».

وقيل : لما أتى جبرئيل بالتربة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من موضع يهراق فيه دم أحد ولديه ، ولم يخبره باسمه ، شمها ، وقال : «هذه رائحة ابني

__________________

(١) أي عزيزة غالية لا ثمن لها.


الحسين» ، وبكى ، فقال جبرئيل : صدقت.

٢١ ـ وذكر أبو عليّ السلامي البيهقي في «تاريخه» : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال للحسين بن عليعليهما‌السلام : «إنّ لك في الجنّة درجة لا تنالها إلا بالشهادة».

قال السلامي : فكان يعلم وقت اجتماع العسكر عليه أنه مقتول ، فصبر ولم يجزع حتى نال الشهادة (عليه أفضل السّلام).



الفصل التاسع

في بيان ما جرى

بينه وبين الوليد بن عتبة ومروان

بن الحكم بالمدينة في حياة معاوية وبعد وفاته



١ ـ أخبرنا سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرنا الرئيس محيي السنة أبو الفتح بن عبد الله كتابة ، أخبرنا الشيخ العدل أبو الفرج عليّ بن محمد ، حدثنا أبو بكر ، حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السّراج ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثني من أدرك ـ مروان بن الحكم ـ ، أنه خطب النّاس على المنبر ، ليدعو إلى ـ يزيد بن معاوية ـ ، فقام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، فجلس على قوائم المنبر ، فقال : لا ، ولا نعمة عين لك ، أدين الهرقلية كلّما ذهب واحد جاء آخر ، هلك أبو بكر فترك ولدا هم أطيب وأكثر من ولد معاوية ، ثمّ نحاها عنهم وجعلها إلى رجل من بني عدي بن كعب ، ثم هلك عمر بن الخطاب فترك ولدا هم أطيب وأكثر من ولد معاوية ، فنحاها عنهم وجعلها شورى بين النّاس.

قال : وقالت عائشة : يا مروان! أما والله ، إنكم للشجرة الملعونة التي ذكر الله في القرآن.


٢ ـ وذكر هذه القصة ـ الإمام أحمد بن أعثم الكوفي (ره) في «تاريخه» أطول من هذه. قال : كتب معاوية إلى مروان بن الحكم يأمره أن يدعو النّاس إلى بيعة يزيد ، ويخبره في كتابه : إن أهل ـ مصر والشام والعراق ـ قد بايعوا. فأرسل مروان إلى وجوه أهل المدينة فجمعهم في المسجد الأعظم ، ثمّ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر الطاعة وحضّ عليها ، وذكر الفتنة وحذّر منها ، ثمّ قال في بعض كلامه : أيها النّاس! إن أمير المؤمنين قد كبر سنه ، ودقّ عظمه ، ورق جلده ، وخشي الفتنة من بعده ، وقد أراه الله رأيا حسنا ، وقد أراد أن يختار لكم ولي عهد يكون لكم من بعده مفزعا ، يجمع الله به الالفة ، ويحقن به الدّماء ، وأراد أن يكون ذلك عن مشورة منكم ، وتراض ، فما ذا تقولون؟

قال : فقال النّاس من جانب : إنا ما نكره ذلك إذا كان رضا ، فقال مروان : فإنه قد اختار لكم الرّضا الذي يسير فيكم بسيرة الخلفاء الراشدين المهتدين ـ وهو ابنه يزيد ـ ، قال : فسكت النّاس ، وتكلّم عبد الرّحمن بن أبي بكر ، فقال : كذبت والله ، وكذب من أمرك بهذا ، والله ، ما يزيد بمختار ، ولا رضا ، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية.

وقال في غير هذا الموضع : في يزيد الخمور ، يزيد القرود ؛ يزيد الفهود ، فقال مروان: إنّ هذا المتكلم هو الذي أنزل الله فيه :( وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ) الأحقاف / ١٧.

قال : فغضب عبد الرحمن ، وقال : يا ابن الزرقاء! أفينا تتأوّل القرآن ، وأنت الطريد ابن الطريد؟ ثمّ بادر إليه فأخذ برجليه ، وقال : انزل ، يا عدوّ الله! عن منبر رسول الله ، فليس مثلك من يتكلم على أعواده.

قال : فضجّت ـ بنو اميّة ـ في المسجد ، وبلغ ذلك عائشة ، فخرجت


من منزلها متلفعة ـ بملاءة ـ لها ، ومعها نسوة من قريش ، حتّى دخلت المسجد ، فلمّا نظر إليها ـ مروان ـ كأنّه فزع من ذلك ، فقال : سألتك بالله ، يا أم المؤمنين! إن قلت إلّا حقا. فقالت عائشة : لا أقول إلا حقا ، أشهد لقد لعن رسول الله أباك ، ولعنك فأنت فضض من لعنة رسول الله ، وأنت الطريد ابن الطريد ، أتكلم أخي ـ عبد الرحمن ـ بما تكلّمه ، فسكت مروان ، ولم يرد عليها شيئا ، وتفرق الناس.

وكتب مروان إلى معاوية يخبره بما كان من عبد الرحمن بن أبي بكر ، فلما قرأ معاوية كتاب مروان أقبل على جلسائه ، وقال : عبد الرحمن شيخ قد خرف ، وذهب عقله ، ونحن أن نكف ونحتمل ما كان منه ، فليس هذا من رأيه ، ولكن رأي غيره.

٣ ـ أخبرني سيد الحفاظ أبو منصور الديلمي ـ كتابة ـ ، أخبرنا محمود ابن إسماعيل الصيرفي ، أخبرنا أحمد بن فادشاه [ح] وأخبرنا أبو علي الحداد إجازة ، أخبرنا أبو نعيم ، قالا : أخبرنا الطبراني ، عن أحمد بن رشدين المصري ، عن محمد بن سفيان الحضرمي ، عن ابن لهيعة ، عن أبي قبيل : أنّ ابن موهب أخبره : أنه كان عند معاوية بن أبي سفيان فدخل عليه مروان فكلمه في حوائجه ، وقال : اقض حاجتي ، يا أمير المؤمنين! فو الله ، إن مئونتي لعظيمة ، إني أصبحت أبا عشرة ، وأخا عشرة ، وعمّ عشرة ، فلما أدبر مروان ، قال معاوية لابن عباس ـ وكان جالسا معه على سريره ـ : أنشدك الله ، يا ابن عباس! أما تعلم أن رسول الله قال : «إذا بلغ ـ بنو الحكم ـ ثلاثين رجلا : اتخذوا مال الله بينهم دولا ، وعباده خولا ، وكتابه دغلا ، فإذا بلغوا تسعة وتسعين وأربعمائة ، كان هلاكهم أسرع من التمرة.

فقال ابن عباس : اللهمّ! نعم ، ثم قال : أنشدك الله يا ابن عباس! أما


تعلم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذكر هذا ، فقال : «أبو الجبابرة الأربعة» ، فقال ابن عباس : اللهمّ! نعم.

٤ ـ وبهذا الإسناد ، عن الطبراني أيضا ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن يزيد بن ربيعة ، عن أبي الأشعث ، عن ثوبان قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «رأيت ـ بني مروان ـ يتعاورون على منبري ، فساءني ذلك ، ورأيت بني العبّاس يتعاورون على منبري فسرى ذلك عني».

٥ ـ وأخبرني سيد الحفاظ أبو منصور الديلمي ـ كتابة ـ ، أخبرني زاهر ابن طاهر الشحامي ، أخبرني عبد الرحمن بن محمد ، أخبرني أحمد بن محمد بن حمدان ، أخبرني أبو العلاء الموصلي ، عن مصعب بن عبد الله ، عن أبي حازم ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «رأيت في النوم ـ بني الحكم بن أبي العاص ـ ينزون على منبري ، كما تنزو القردة» ، فأصبح كالمتغيظ ، فما رؤي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مستجمعا ضاحكا بعد ذلك ، حتّى مات.

٦ ـ وذكر الإمام أحمد بن أعثم الكوفي : أن معاوية لما حجّ حجته الأخيرة ارتحل من «مكة» فلما صار ـ بالأبواء ـ ونزلها ، قام في جوف الليل لقضاء حاجته ، فاطلع في ـ بئر الأبواء ـ فلما اطلع فيها اقشعر جلده ، وأصابته اللقوة في وجهه ، فأصبح وهو لما به مغموم ، فدخل عليه النّاس يعودونه ، فدعوا له وخرجوا من عنده ، وجعل ـ معاوية ـ يبكي لما قد نزل به ، فقال له مروان بن الحكم : أجزعت يا أمير المؤمنين؟ فقال : لا يا مروان! ولكني ذكرت ما كنت عنه عزوفا ، ثم إني بكيت في إحني ، وما يظهر للناس مني ، فاخاف أن يكون عقوبة عجلت لي لما كان من دفعي حق علي بن أبي


طالبعليه‌السلام ، وما فعلت ـ بحجر بن عدي ـ وأصحابه ، ولو لا هواي من يزيد لأبصرت رشدي ، وعرفت قصدي.

قال : ولما أخذ البيعة ـ ليزيد ـ أقبل عليه ، فقال : يا بني! أخبرني الآن ما أنت صانع في هذه الأمة؟ أتسير فيهم بسيرة ـ أبي بكر الصديق ـ الذي قاتل أهل الردّة ، وقاتل في سبيل الله ، حتى مضى والنّاس عنه راضون؟ فقال : يا أمير المؤمنين! إني لا اطيق أن أسير بسيرة أبي بكر ، ولكن آخذهم بكتاب الله وسنّة رسوله.

فقال : يا بني! أتسير فيهم بسيرة ـ عمر بن الخطاب ـ الذي مصر الأمصار ، وفتح الديار ، وجنّد الأجناد ، وفرض الفروض ، ودوّن الدواوين ، وجبا الفيء ، وجاهد في سبيل الله ، حتّى مضى والنّاس عنه راضون؟ فقال يزيد : لا أدري ما صنع عمر؟ ولكن آخذ الناس بكتاب الله والسنّة.

فقال معاوية : يا بني! أفتسير فيهم بسيرة ابن عمك ـ عثمان بن عفّان ـ الذي أكلها في حياته ، وورثها بعد مماته ، واستعمل أقاربه ، فقال يزيد : قد أخبرتك يا أمير المؤمنين! إنّ الكتاب بيني وبين هذه الامة : به آخذهم ، وعليه أقتلهم.

قال : فتنفس معاوية الصعداء ، وقال : إني من أجلك آثرت الدّنيا على الآخرة ، ودفعت حق ـ عليّ بن أبي طالب ـ ، وحملت الوزر على ظهري ، وإني لخائف أنّك لا تقبل وصيتي فتقتل خيار قومك ، ثم تغزو حرم ربّك فتقتلهم بغير حقّ ، ثم يأتي الموت بغتة ، فلا دنيا أصبت ، ولا آخرة أدركت.

يا بني! إني جعلت هذا الملك مطعما لك ولولدك من بعدك ، وإني موصيك بوصية فاقبلها ، فإنك تحمد عاقبتها ، وانّك بحمد الله صارم


حازم ، انظر أن تثب على أعدائك كوثوب الهزبر البطل ، ولا تجبن كجبن الضعيف النكل ، فإني قد كفيتك الحلّ والترحال ، وجوامع الكلم والمنطق ، ونهاية البلاغة ، ورفع المؤنة ، وسهولة الحفظ ، ولقد وطأت لك يا بني البلاد ، وذلك لك رقاب العرب الصعاب ، وأقمت لك المنار ، وسهلت لك السبل ، وجمعت لك اللجين والعقيان ، فعليك يا بني! من الأمور بما قرب مأخذه ، وسهل مطلبه ، وذر عنك ما اعتاص عليك ، واعلم يا بنيّ! أن سياسة الخلافة لا تتم إلا بثلاث : بقلب واسع ؛ وكف بسيط ؛ وخلق رحيب ، وثلاث أخر : علم ظاهر ؛ وخلق طاهر ؛ ووجه طلق ، ثم تردف ذلك بعشر آخر : بالصبر ؛ والأناة ؛ والتودد ؛ والوقار ؛ والسكينة ؛ والرزانة ؛ والمروءة الظاهرة ؛ والشجاعة ؛ والسخاء ؛ والاحتمال للرعية بما تحب وتكره.

ولقد علمت يا بني! أني قد كنت في أمر الخلافة جائعا شبعان ، بشما شهوان ، اصبح عليها جزعا ، وامسي هلعا ، حتّى أعطاني النّاس ثمرة قلوبهم ، وبادروا إلى طاعتي ، فادخل يا بنيّ! من هذه الدنيا في حلالها ، واخرج من حرامها ، وانصف الرعية ، وأقسم فيهم بالسوية ، واعلم يا بنيّ! أني أخاف عليك من هذه الامة ـ أربعة نفر ـ من قريش : عبد الرحمن بن أبي بكر ؛ وعبد الله بن عمر ؛ وعبد الله بن الزبير ؛ وشبيه أبيه الحسين بن عليّ.

فأما ـ عبد الرحمن بن أبي بكر ـ فإنه إذا صنع أصحابه صنع مثلهم ، وهو رجل همته النساء ، ولذة الدنيا ، فذره يا بني! وما يريد ، ولا تأخذ عليه شيئا من أمره ، فقد علمت ما لأبيه من الفضل على هذه الامة ، وقد يحفظ الولد في أبيه.

وأما ـ عبد الله بن عمر ـ فإنه رجل صدق ، وحش من النّاس ، قد أنس بالعبادة ، وخلا بالوحدة ، فترك الدنيا وتخلى منها ، فهو لا يأخذ منها


شيئا ، وإنما تجارته من الدنيا كتجارة أبيه ـ عمر بن الخطاب ـ ، فاقرأ عليه يا بني! منك السلام ، وابعث إليه بعطاياه موفرة مهنأة.

وأما ـ عبد الله بن الزبير ـ فما أخوفني منه عنتا ، فإنّه صاحب خلل في القول ، وزلل في الرأي ، وضعف في النظر ، مفرط في الامور ، مقصر عن الحقّ ، وأنه ليجثو لك كما يجثو الأسد في عرينه ، ويراوغك روغان الثعلب ، فإذا امكنته منك فرصة لعب بك كيف شاء ، فكن له يا بني! كذلك واحذه كحذو النعل بالنعل ، إلا أن يدخل لك في الصلح والبيعة ، فأمسك عنه ، واحقن دمه ، وأقمه على ما يريد.

وأمّا ـ الحسين بن علي ـ فأوه أوه يا يزيد! ما ذا أقول لك فيه؟ فاحذر أن تتعرض له إلّا بسبيل خير ، وامدد له حبلا طويلا ، وذره يذهب في الأرض كيف يشاء ، ولا تؤذه ، ولكن ارعد له وأبرق ، وإياك والمكاشفة له : في محاربة بسيف ، أو منازعة بطعن رمح ، بل أعطه وقربه وبجله ، فإن جاء إليك أحد من أهل بيته فوسع عليهم وارضهم ، فإنهم أهل بيت لا يسعهم إلّا الرضا والمنزلة الرفيعة.

وإياك يا بني! أن تلقى الله بدمه ، فتكون من الهالكين ، فقد حدثني ـ ابن عبّاس ـ ، فقال : حضرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند وفاته ، وهو يجود بنفسه ، وقد ضمّ الحسين إلى صدره ، وهو يقول : «هذا من اطائب ارومتي ، وأبرار عترتي ، وخيار ذريتي ، لا بارك الله فيمن لم يحفظه من بعدي» ، قال ابن عباس : ثم اغمي على رسول الله ساعة ، ثم أفاق فقال : «يا حسين! إنّ لي ولقاتلك يوم القيامة مقاما بين يدي ربي ، وخصومة ، وقد طابت نفسي إذ جعلني الله خصما لمن قاتلك يوم القيامة.

يا بني! فهذا حديث ابن عباس ، وأنا احدثك عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه


قال : «أتاني يوما حبيبي جبرئيل ، فقال : يا محمد! إن امتك تقتل ابنك ـ حسينا ـ وقاتله لعين هذه الأمة» ، ولقد لعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قاتل حسين مرارا ، فانظر يا بني! ثم انظر أن تتعرض له بأذى ، فإنه مزاج ماء رسول الله ، وحقه والله ، يا بنيّ! عظيم ، وقد رأيتني كيف كنت أحتمله في حياتي ، وأضع له رقبتي ، وهو يجبهني بالكلام القبيح الذي يوجع قلبي ، فلا اجيبه ولا أقدر له على حيلة ، لأنه بقية أهل الله بأرضه في يومه هذا ، وقد أعذر من أنذر.

ثمّ أقبل ـ معاوية ـ على ـ الضحاك بن قيس الفهري ؛ ومسلم بن عقبة المري ـ وهما من اعظم قواده ، وهما اللذان كانا يأخذان البيعة ليزيد ، فقال لهما : اشهدا على مقالتي هذه ، فو الله ، لو فعل بي الحسين وفعل ، لاحتملته ، ولم يكن الله تعالى يسألني عن دمه ، أفهمت عني يا بني! ما أوصيتك به؟

قال : قد فهمت يا أمير المؤمنين! ثم قال معاوية : وانظر إلى ـ أهل الحجاز ـ فإنهم أصلك ، وفرعك فأكرم من قدم عليك منهم ، ومن غاب عنك فلا تجفهم ولا تعقهم ، وانظر إلى ـ أهل العراق ـ فإنهم لا يحبونك أبدا ، ولا ينصحونك ، ولكن دارهم ما أمكنك واستطعت ، وإن سألوك أن تعزل عنهم في كل يوم عاملا فافعل ، فإن عزل عامل واحد أيسر عليك ، وأخف من أن يشهروا عليك مائة ألف سيف ، وانظر يا بني ـ أهل الشام ـ ، فإنهم بطانتك وظهارتك ، وقد بلوتهم وخبرتهم وعرفت نياتهم ، وهم : صبر عند اللقاء ، حماة في الوغى ، فإن دار بك أمر من عدوّ يخرج عليك فانتصر بهم ، فإذا أصبت منهم حاجتك فارددهم إلى بلادهم يكونوا بها إلى وقت حاجتك إليهم.

قال : ثم تنفّس الصعداء ، ثمّ غشي عليه ، فلم يفق من غشيته يومه


ذلك ، فلما أفاق قال : اوه( جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ ) الإسراء / ٨١ ، ثم جعل يقول :

إن تناقش يكن نقاشك يا رب

عذابا لا صبر لي بالعذاب

أو تجاوز فأنت ربّ رحيم

عن مسيء ذنوبه كالتراب

ثمّ التفت إلى أهل بيته وقرابته وبني عمّه ، فقال : اتقوا الله حق تقاته ، فإنّ تقوى الله جنة حصينة ، وويل لمن لم يتّق الله من عذابه ، وأليم عقابه ، ثم قال : اعلموا أني كنت بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم ، وهو يقلّم أظفاره ، فأخذت القلامة ، وأخذت بمشقص من شعره على الصفا ، وجعلتها في قارورة هي عندي ، فاجعلوا أظفاره وشعره في فمي واذني وصلّوا عليّ وواروني في حفرتي ، وذروني وربي فإنّه غفور رحيم.

ثمّ انقطع كلامه فلم ينطق بشيء(١) .

قال : وكان يزيد خرج من يومه ذلك إلى «حوران» موضع من الشام ليتصيد هنالك ، وقال للضحاك بن قيس : انظر ، لا تخف عليّ شيئا من أمر أمير المؤمنين ، فتوفي معاوية في غد ذلك اليوم ، وليس يزيد عنده ، فكان ملكه تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر ، وتوفي ـ بدمشق ـ يوم الأحد لأيام خلت من شهر رجب سنة ستين وهو ابن ثمان وسبعين سنة.

قال : ثمّ خرج الضحاك بن قيس من دار معاوية وهو لا يكلّم أحدا ، والأكفان معه ، فدخل المسجد الأعظم ، ونودي له في الناس ، فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ، ثم قال: أيها الناس! إنّ أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان قد ذاق الموت ، وشرب كأس الحتف ، وهذه أكفانه ، نحن مدرجوه فيها ، ومدخلوه قبره ، ومخلون بينه وبين عمله ، فمن كان منكم يريد أن

__________________

(١) هذا الخبر يناقض ما بعده من كون يزيد بحوران.


يشهده فليحضر بين الصلاتين ، ولا تقعدوا عن الصلاة عليه ، ثمّ نزل عن المنبر ، وكتب إلى يزيد.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي لبس رداء البقاء ، وكتب على عباده الفناء ، فقالعزوجل :( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ) الرحمن / ٢٦ ـ ٢٧ ، لعبد الله يزيد أمير المؤمنين من الضحاك بن قيس :

أما بعد ، فكتابي إلى أمير المؤمنين : كتاب تهنئة ؛ ومصيبة ، فأما ـ التهنئة ـ فالخلافة التي جاءتك عفوا ، وأما ـ المصيبة ـ فموت أمير المؤمنين معاوية فإنا لله وإنا إليه راجعون ، فإذا قرأت كتابي هذا فالعجل العجل لتأخذ النّاس ببيعة اخرى مجددة ، ثم كتب في أسفل «كتابه» هذين البيتين :

مضى ابن أبي سفيان فردا لشأنه

وخلفت فانظر بعده كيف تصنع؟

أقمنا على المنهاج واركب محجّة

سدادا فأنت المرتجى حين نفزع

فلما ورد الكتاب على يزيد وقرأه ، وثب باكيا ، وأمر باسراج دوابه ، وسار يريد «دمشق» فصار إليها بعد ثلاثة أيام من مدفن معاوية ، وخرج النّاس إلى استقباله ، فلم يبق أحد يطيق حمل السلاح إلا ركب وخرج ، حتّى إذا قرب من دمشق جعل الناس يتلقونه ويبكون ، ويبكي معهم ، وأيمن ابن خريم الأسدي بين يديه ينشده ويقول :

رمى الحدثان نسوة آل حرب

بمقدار سمدن له سمودا

فرد شعورهن السّود بيضا

وردّ وجوههن البيض سودا

وإنّك لو سمعت بكاء هند

ورملة إذ يلطمن الخدودا

بكيت بكاء موجعة بحزن

أصاب الدّهر واحدها الفريدا

فصبرا يا بني حرب! تعزّوا

فمن هذا الذي يرجو الخلودا؟


تلقفها يزيد عن أبيه

ودونكها معاوي عن يزيدا

أديروها ـ بني حرب ـ عليكم

ولا ترموا بها الغرض البعيدا

فإن دنياكم بكم اطمأنت

فأولوا أهلها خلقا جديدا

وإن عصفت عليكم فاعصفوها

عصافا تستقم لكم شديدا

ثم نزل يزيد في قبة خضراء لأبيه ، وهو معتم بعمامة خزّ سوداء ، متقلد بسيف أبيه ، فلما دخل نظر ، فإذا قد فرش له فيها فرش كثير ، بعضه على بعض ، فرقى عليها بالكرسي ، وصعد حتى جلس على تلك الفرش ، فدخل الناس عليه يهنونه بالخلافة ويعزونه ، وهو يقول : نحن أهل الحقّ ، وأنصار الدّين فابشروا يا أهل الشام! فإن الخير لم يزل فيكم ، وسيكون بينكم وبين أهل العراق ملحمة ، فإني رأيت في منامي قبل ثلاث ليال ، كأنّ بيني وبين أهل العراق نهرا يطرد بالدم العبيط ، ويجري جريا شديدا ، وجعلت أجهد في منامي أن أجوز ذلك النهر ، فلم أقدر على ذلك ، حتى جاءني ـ عبيد الله بن زياد ـ فجازه بين يدي وأنا أنظر إليه.

فأجابه أهل الشّام وقالوا : امض بنا يا أمير المؤمنين! حيث شئت ، فنحن بين يديك ، وسيوفنا هي التي عرفها أهل العراق في يوم «صفين» ، فقال لهم : أنتم لعمري ، كذلك ، ثمّ قال : أيها الناس! إن معاوية كان عبدا من عباد الله ، أنعم الله عليه ، ثمّ قبضه إليه ، وهو خير ممن كان بعده ، ودون من كان قبله ، ولا ازكيه على الله ، فهو أعلم به مني ، فإن عفا عنه فبرحمته ، وإن عاقبه فبذنبه ، وقد وليت هذا الأمر من بعده ولست اقصر عن طلب حقّ ، ولا أعتذر من تفريط في باطل ، وإذا أراد الله شيئا كان.

فصاح الناس من كل جانب : سمعنا وأطعنا ، يا أمير المؤمنين!

قال : وبايعه النّاس كلهم ، وبايعوا ابنه ـ معاوية بن يزيد ـ بعده ،


وفتح بيوت الأموال ، فأخرج لأهل الشام أموالا جزيلة وفرقها عليهم ، وكتب إلى جميع البلاد بأخذ البيعة له ، فكان على المدينة يومئذ مروان بن الحكم فعزله وولى مكانه ابن عمّه ـ الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ـ وكتب إليه :

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

من عبد الله يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة :

أما بعد ، فإن معاوية كان عبدا من عبيد الله أكرمه واستخلفه ومكن له ، ثمّ قبضه إلى روحه وريحانه ورحمته وثوابه ، عاش بقدر ومات بأجل ، وقد كان عهد إلي وأوصاني : أن أحذر ـ آل أبي تراب ـ وجرأتهم على سفك الدّماء ، وقد علمت يا وليد أن الله تعالى منتقم للمظلوم عثمان بن عفان من آل أبي تراب بآل سفيان ، لأنهم أنصار الحقّ وطلاب العدل ، فإذا ورد عليك كتابي هذا ، فخذ البيعة لي على جميع أهل المدينة.

قال : ثمّ كتب ـ صحيفة صغيرة ـ كأنها اذن فارة فيها :

أما بعد ـ فخذ الحسين ؛ وعبد الله بن عمر ؛ وعبد الرحمن بن أبي بكر ؛ وعبد الله بن الزبير ، بالبيعة أخذا عنيفا ليست فيه رخصة ، فمن أبى عليك منهم ، فاضرب عنقه ، وابعث إلي برأسه والسّلام.

٧ ـ أخبرني سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي ـ فيما كتب إلي من همدان ـ ، أخبرني زاهر بن طاهر النيسابوري ، أخبرني عبد الرحمن بن محمد الخسروردي ، أخبرني أحمد بن محمد بن حمدان ، أخبرني أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي ، عن الحكم بن موسى ، عن الوليد ابن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن مكحول ، عن أبي عبيدة بن الجراح قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا يزال أمر امتي قائما بالقسط ، حتى يكون أول من


يثلمه رجل من بني أميّة يقال له : يزيد». قال الحافظ : وأخرج هذا الخبر الحافظ ابن أبي اسامة ؛ وابن منيع في «مسنديهما».

٨ ـ أخبرني أبو منصور هذا ، أخبرنا أبو علي الحداد ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، أخبرنا العتابي ، أخبرنا أبو بكر بن عاصم ، حدثنا عبيد الله بن معاذ ، حدثني أبي ، حدثني عوف ، عن المهاجر بن مخلد ، عن أبي العالية ، عن أبي ذرّ ، أنه قال ليزيد بن معاوية : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «أوّل من يبدل ديني رجل من بني اميّة».

٩ ـ قال أحمد بن أعثم الكوفي : فلمّا ورد الكتاب على الوليد بن عتبة وقرأه ، قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، يا ويح الوليد! ممن أدخله في هذه الامارة؟ مالي وللحسين بن فاطمة؟ ثمّ بعث إلى مروان فدعاه وأقرأه الكتاب فاسترجع مروان ، ثمّ قال : يرحم الله أمير المؤمنين معاوية ، فقال له الوليد : أشر عليّ برأيك في أمر هؤلاء القوم ، فقال مروان : أرى أن تبعث إليهم الساعة فتدعوهم إلى البيعة والدخول في طاعة يزيد ، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم ، وكففت عنهم ، وإن أبوا قدّمتهم وضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية ، فإنهم إن علموا بذلك ، وثب كلّ واحد منهم ، وأظهر الخلاف ، ودعا الى نفسه ، فعند ذلك أخاف أن يأتيك من قبلهم ما لا قبل لك به وما لا تقوم به ، إلا عبد الله بن عمر فإنه لا أراه ينازع في هذا أحد ، إلّا أن تأتيه الخلافة فيأخذها عفوّا ، فذر عنك ابن عمر ، وابعث الى الحسين بن علي ؛ وعبد الرحمن بن أبي بكر ؛ وعبد الله بن الزبير ، فادعهم إلى ـ البيعة ـ ، مع أني أعلم أن الحسين خاصة لا يجيبك إلى بيعة يزيد أبدا ، ولا يرى له عليه طاعة ، وو الله ، إني لو كنت بموضعك لم اراجع الحسين بكلمة واحدة حتى أضرب عنقه كائنا في ذلك ما كان.


فأطرق الوليد برأسه إلى الأرض ساعة ، ثمّ رفع رأسه ، وقال : ليت الوليد لم يولد ، ولم يكن شيئا مذكورا ، ثم دمعت عيناه ، فقال له مروان : أيها الأمير! لا تجزع ممّا ذكرت لك ، فإن ـ آل أبي تراب ـ هم الأعداء من قديم الدهر ، ولا يزالون ، وهم الذين قتلوا عثمان ، وهم الذين ساروا إلى أمير المؤمنين معاوية فحاربوه ، وبعد فإني لست آمن أيها الأمير! إن لم تعاجل الحسين بن علي خاصة ، أن تسقط منزلتك من أمير المؤمنين يزيد؟

فقال له الوليد : مهلا ، ويحك دعني من كلامك هذا ، وأحسن القول في ـ ابن فاطمة ـ فإنّه بقيّة ولد النبيين ، ثم بعث الوليد إلى الحسين بن علي ؛ وعبد الرحمن بن أبي بكر ؛ وعبد الله بن عمر ؛ وعبد الله بن الزبير ؛ فدعاهم وأقبل إليهم رسوله ، وهو عمرو بن عثمان ـ ، فلم يصب القوم في منازلهم ، فمضى نحو ـ المسجد ـ فإذا هم عند قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فسلم عليهم ، ثم قال : الأمير يدعوكم فصيروا إليه.

فقال الحسين : «نفعل ذلك إذا نحن فرغنا من مجلسنا إن شاء الله».

قال : فانصرف الرسول إلى الوليد وأخبره بذلك ، وأقبل ـ عبد الله بن الزبير ـ على ـ الحسين ـ فقال : يا أبا عبد الله! إنّ هذه ساعة لم يكن الوليد بن عتبة يجلس فيها للناس ، وإني قد أنكرت بعثه إلينا ودعاءه إيانا في مثل هذا الوقت ، أفترى لما ذا بعث إلينا؟

فقال له الحسين : «أنا اخبرك : أظن أنّ معاوية قد مات ، وذلك إني رأيت البارحة في منامي كأنّ معاوية منكوس ، ورأيت النّار تشتعل في داره ، فتأولت ذلك في نفسي أن قد مات معاوية». فقال ابن الزبير : فاعلم أنّ ذلك كذلك ، فما ذا ترى نصنع يا أبا عبد الله! إن دعينا إلى ـ بيعة يزيد ـ.

فقال الحسين : «أما أنا فلا ابايع أبدا ، لأن الأمر كان لي بعد أخي


الحسن ، فصنع معاوية ما صنع ، وكان حلف لأخي الحسن : أن لا يجعل الخلافة لأحد من ولده ، وأن يردّها عليّ إن كنت حيا ، فان كان معاوية خرج من دنياه ولم يف لي ، ولا لأخي بما ضمن ، فقد جاءنا ما لا قرار لنا به ، أتظن أبا بكر! أني ابايع ليزيد ، ويزيد رجل فاسق ، معلن بالفسق ، يشرب الخمر ، ويلعب بالكلاب والفهود ، ونحن بقية آل الرسول ، لا ، والله ، لا يكون ذلك أبدا».

قال : فبينا هما كذلك في المحاورة إذ رجع الرسول فقال : أبا عبد الله! إنّ الأمير قاعد لكما خاصة ، فقوما إليه ، فزبره الحسين وقال : «انطلق إلى أميرك لا أمّ لك ، فمن أحب أن يصير إليه منا فإنه صائر إليه ، فأما أنا فإني أصير إليه الساعة إن شاء الله ، ولا قوة إلّا بالله».

فرجع الرسول أيضا إلى الوليد ، فقال : أصلح الله الأمير ، أما الحسين ابن عليّ خاصة ، فإنه صائر إليك في أثري فقد أجاب ، فقال مروان : غدر والله الحسين ، فقال الوليد : مهلا ، فليس مثل الحسين يغدر ، ولا يقول شيئا ثمّ لا يفعل.

قال : ثمّ إن الحسين أقبل على من معه ، وقال : «صيروا إلى منازلكم ، فإني صائر إلى الرجل فانظر ما عنده ، وما يريد»؟ ، فقال له ابن الزبير : جعلت فداك! إني خائف عليك أن يحبسوك عندهم ، فلا يفارقونك أبدا ، دون أن تبايع أو تقتل.

فقال الحسين : «إني لست أدخل عليه وحدي ، ولكني أجمع إلي أصحابي وخدمي وأنصاري وأهل الحق من شيعتي ، ثمّ آمرهم أن يأخذ كلّ واحد منهم سيفه ، مسلولا تحت ثيابه ، ثم يصيروا بازائي ، فإذا أنا أومأت إليهم ، وقلت : يا آل الرسول! ادخلوا ، فعلوا ما أمرتهم به ، فأكون على


الامتناع دون المقادة والمذلة في نفسي ، فقد علمت ، والله أنه جاء من الأمر ما لا أقوم به ، ولا أقرّ له ، ولكن قدر الله ماض ، وهو الذي يفعل في أهل بيت رسول الله ما يشاء ويرضى».

ثم قام وصار إلى منزله ، فدعا بماء فتطهر واغتسل ، وصلّى ركعتين ، ودعا ربه بما أحبّ أن يدعو به ، فلما انفتل من صلاته أرسل إلى فتيانه وعشيرته ومواليه وأهل بيته ، وأعلمهم شأنه ، وقال : «كونوا بباب هذا الرجل ، فإني ماض إليه ومكلّمه ، فإن سمعتم صوتي وكلامي قد علا مع القوم ، وصحت بكم : يا آل الرسول! فاقتحموا بغير إذن ، ثمّ اشهروا السيوف ولا تعجلوا ، فإن رأيتم ما تخشون فضعوا سيوفكم فيهم ، واقتلوا من أراد قتلي».

ثمّ خرج الحسين من منزله وفي يده قضيب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو في ثلاثين رجلا من أهل بيته ومواليه وشيعته ، فوقفهم على باب الوليد ، ثمّ قال : «انظروا ما أوصيتكم به ، فلا تعدوه ، وأنا أرجو أن أخرج إليكم سالما إن شاء الله» ، ثمّ دخل على الوليد فسلّم عليه بالإمرة ، وقال : كيف أصبح الأمير اليوم؟ وكيف حاله؟ فردّ عليه الوليد ردا حسنا ، ثمّ أدناه وقربه ، ومروان هنالك جالس ، وقد كان بين مروان والوليد منافرة ومنازعة ، فلما نظر الحسين إلى مروان جالسا في مجلس الوليد ، قال : «أصلح الله الأمير ، الصلاح خير من الفساد ، والصلة خير من الشحناء ، وقد آن لكما أن تجتمعا ، فالحمد لله الذي أصلح ذات بينكما» ، فلم يجيباه في هذا بشيء ، فقال الحسين : هل ورد عليكم من معاوية خبر ، فإنه كان عليلا ، وقد طالت علته ، فكيف هو الآن ، فتأوّه الوليد وتنفس الصعداء ، وقال : يا أبا عبد الله! آجرك الله في معاوية ، فقد كان لكم عمّ صدق ووالي عدل ، لقد ذاق الموت ،


وهذا كتاب أمير المؤمنين يزيد.

فقال الحسين : «إنا لله وإنا إليه راجعون ، وعظّم الله لك الأجر أيها الأمير! ، ولكن لما ذا دعوتني»؟ فقال : دعوتك للبيعة التي قد اجتمع الناس عليها ، فقال الحسين : «أيها الأمير! إنّ مثلي لا يعطي بيعته سرا ، وإنما يجب أن تكون البيعة علانية بحضرة الجماعة ، فإذا دعوت النّاس غدا إلى البيعة دعوتنا معهم ، فيكون الأمر واحدا» ، فقال الوليد : أبا عبد الله! والله ، لقد قلت فأحسنت القول ، وأجبت جواب مثلك ، وهكذا كان ظني بك ، فانصرف راشدا ، وتأتينا غدا مع النّاس.

فقال مروان : أيها الأمير! إن فارقك الساعة ولم يبايع ، فإنك لم تقدر منه على مثلها أبدا ، حتّى تكثر القتلى بينك وبينه ، فاحبسه عندك ، ولا تدعه يخرج ، أو يبايع وإلا فاضرب عنقه.

فالتفتّ إليه الحسين وقال : «ويلي عليك ، يا ابن الزرقاء! أتأمر بضرب عنقي ، كذبت والله ، ولؤمت ، والله لو رام ذلك أحد لسقيت الأرض من دمه قبل ذلك ، فإن شئت ذلك فرم أنت ضرب عنقي إن كنت صادقا» ثمّ أقبل الحسين على الوليد ، فقال : «أيها الأمير! إنّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ؛ ومختلف الملائكة ؛ ومهبط الرحمة ؛ بنا فتح الله وبنا ختم ؛ ويزيد رجل فاسق شارب خمر ؛ قاتل نفس ؛ معلن بالفسق ، فمثلي لا يبايع لمثله ولكن نصبح وتصبحون ؛ وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة»؟

قال : وسمع من بالباب صوت الحسين ، وقد علا فهمّوا أن يقتحموا عليهم بالسيوف ، ولكن خرج إليهم الحسين ، فأمرهم بالانصراف إلى منازلهم ، وذهب إلى منزله.

فقال مروان للوليد : عصيتني أيها الأمير! حتى أفلت الحسين من


يديك ، أم والله ، لا تقدر منه على مثلها أبدا ، وو الله ، ليخرجنّ عليك وعلى أمير المؤمنين فاعلم ذلك ، فقال الوليد لمروان : ويحك ، إنك قد أشرت عليّ بقتل الحسين ، وفي قتله : ذهاب ديني ودنياي ، والله ، إني لا احب أن أملك الدّنيا بأسرها شرقها وغربها وإني قتلت ـ الحسين بن فاطمة ـ ، والله ، ما أظن أحدا يلقى الله يوم القيامة بدمه إلّا وهو خفيف الميزان عند الله ، لا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.

قال : وأصبح الحسين من غده يستمع الأخبار فاذا هو بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه ، فقال : أبا عبد الله! إني لك ناصح فأطعني ترشد وتسدد ، فقال : «وما ذاك؟ قل أسمع» ، فقال : إني أرشدك لبيعة يزيد ، فإنها خير لك في دينك وفي دنياك ، فاسترجع الحسين ، وقال : «إنا لله وإنا إليه راجعون ، وعلى الإسلام السّلام إذا بليت الامة براع مثل يزيد ، ثم قال : يا مروان! أترشدني لبيعة يزيد ، ويزيد رجل فاسق ، لقد قلت شططا من القول وزللا ، ولا ألومك فإنك ـ اللعين ـ الذي لعنك رسول الله ، وأنت في صلب أبيك ـ الحكم بن العاص ـ ، ومن لعنه رسول الله فلا ينكر منه أن يدعو لبيعة يزيد ، إليك عني يا عدو الله! فإنّا أهل بيت رسول الله ، الحقّ فينا ينطق على ألسنتنا ، وقد سمعت جدّي رسول الله يقول : الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان الطلقاء وأبناء الطلقاء ، فإذا رأيتم معاوية على منبري فأبقروا بطنه ، ولقد رآه أهل المدينة على منبر رسول الله فلم يفعلوا به ما امروا ، فابتلاهم بابنه يزيد».

فغضب مروان من كلام الحسين فقال : والله ، لا تفارقني حتّى تبايع ليزيد صاغرا ، فإنكم ـ آل أبي تراب ـ قد ملئتم شحناء ، واشربتم بغض ـ آل أبي سفيان ـ ، وحقيق عليهم أن يبغضوكم.


فقال الحسين : «إليك عني ، فإنك رجس ، وإني من أهل بيت الطهارة قد أنزل الله فينا :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) » الأحزاب / ٣٣ ، فنكس رأسه ولم ينطق. ثمّ قال له الحسين : «ابشر ، يا ابن الزرقاء! بكل ما تكره من رسول الله ، يوم تقدم على ربّك فيسألك جدي عن حقي وحق يزيد» ، فمضى مروان الى الوليد وأخبره بمقالة الحسين.

قال : وكان ـ عبد الله بن الزبير ـ مضى إلى مكة حين اشتغلوا بمحاورة الحسين ، وتنكب الطريق ، فبعث الوليد بثلاثين رجلا في طلبه ، فلم يقدروا عليه ، فكتب الوليد إلى يزيد يخبره بما كان من أمر ابن الزبير ؛ ومن أمر الحسين ، وأنّه لا يرى عليه طاعة ولا بيعة.

فلما ورد الكتاب على يزيد غضب غضبا شديدا ، وكان إذا غضب احولّت عيناه ، فكتب إلى الوليد :

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة

أما بعد ، فإذا ورد عليك كتابي هذا ، فخذ البيعة ثانية على ـ أهل المدينة ـ توكيدا منك عليهم ، وذر عبد الله بن الزبير فإنه لن يفوتنا ، ولن ينجو منا أبدا ما دمنا أحياء ، وليكن مع جواب كتابي هذا رأس الحسين ، فإن فعلت ذلك ، جعلت لك أعنة الخيل ، ولك عندي الجائزة العظمى ؛ والحظ الأوفر ، والسّلام.

فلما ورد الكتاب على الوليد أعظم ذلك ، وقال : والله ، لا يراني الله ، وأنا قاتل الحسين بن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولو جعل لي يزيد الدنيا وما فيها.

قال : وخرج الحسين من منزله ذات ليلة وأتى قبر جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : «السلام عليك يا رسول الله! أنا الحسين بن فاطمة ، فرخك وابن فرختك ،


وسبطك والثقل الذي خلفته في امتك ، فاشهد عليهم ، يا نبيّ الله! أنهم قد خذلوني ، وضيّعوني ، ولم يحفظوني ، وهذه شكواي إليك حتّى ألقاك ـ صلّى الله عليك». ثم صفّ قدميه ، فلم يزل راكعا ساجدا.

قال : وأرسل الوليد بن عتبة إلى منزل الحسين لينظر : أخرج من المدينة أم لا؟ فلم يصب في منزله ، فقال : الحمد لله إذ خرج ولم يبتلني الله في دمه ، قال : ورجع الحسين إلى منزله عند الصبح.

وذكر الثقة ، عن أبي سعيد المقبري ، أنه قال : رأيت الحسين يدخل مسجد المدينة معتمدا على رجلين يمينا وشمالا ، حين ورد خبر وفاة معاوية فسمعته ينشد :

لا ذعرت السوام في فلق الصبح

مغيرا ولا دعيت يزيدا

يوم اعطي مخافة الموت كفّا

والمنايا يرصدنني أن أحيدا

قال أبو سعيد : فعلمت حين سمعت ذلك منه أنّه سيمتنع.

رجعنا إلى حديث ابن أعثم الكوفي ، قال : فلما كانت الليلة الثالثة خرج إلى القبر أيضا ، فصلّى ركعات ، فلما فرغ من صلاته جعل يقول : «اللهمّ! إنّ هذا قبر نبيك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنا ابن بنت نبيك ، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت ، اللهمّ! إني احب المعروف وأنكر المنكر ، وإني أسألك يا ذا الجلال والإكرام! بحق هذا القبر ومن فيه إلّا اخترت لي من أمري ما هو لك رضى ، ولرسولك رضى ، وللمؤمنين رضى».

ثم جعل يبكي عند القبر حتى إذا كان قريبا من الصبح ، وضع رأسه على القبر فأغفى ، فإذا هو برسول الله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وشماله ، وبين يديه ومن خلفه ، فجاء حتى ضم الحسين إلى صدره ، وقبّل بين عينيه ، وقال : «حبيبي يا حسين! كأني أراك عن قريب مرملا بدمائك ،


مذبوحا بأرض كربلاء ، بين عصابة من امتي ، وأنت في ذلك عطشان لا تسقى ، وظمآن لا تروى ، وهم في ذلك يرجون شفاعتي ، ما لهم لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة؟ وما لهم عند الله من خلاق ، حبيبي يا حسين! إن أباك وامك وأخاك قدموا عليّ وهم إليك مشتاقون ، وان لك في الجنّة لدرجات لن تنالها إلّا بالشهادة».

قال : فجعل الحسين في منامه ينظر إلى جده محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ويسمع كلامه ، ويقول له : «يا جداه! لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا ، فخذني إليك وأدخلني معك إلى قبرك» ، فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا حسين! لا بدّ لك من الرجوع الى الدّنيا حتى ترزق الشهادة ، وما قد كتب الله لك من الثواب العظيم ، فإنك ؛ وأباك ؛ وامّك ؛ وأخاك ؛ وعمك ؛ وعمّ أبيك ، تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلوا الجنّة».

قال : فانتبه الحسين من نومه فزعا مرعوبا ، فقص رؤياه على أهل بيته ؛ وبني عبد المطلب ، فلم يكن في ذلك اليوم في شرق ولا غرب قوم أشد غماء من أهل بيت رسول الله ولا أكثر باكيا ولا باكية. قال : وتهيأ الحسينعليه‌السلام ، وعزم على الخروج من المدينة ، ومضى في جوف اللّيل الى قبر أمه ، فصلّى عند قبرها وودعها ، ثم قام من قبرها ، وصار إلى قبر أخيه الحسنعليه‌السلام ففعل كذلك ، ثم رجع إلى منزله في وقت الصبح ، فأقبل إليه أخوه ـ محمد بن الحنفية ـ ، فقال له : يا أخي! فديتك نفسي أنت أحبّ الناس إلي وأعزهم عليّ ، ولست والله أدخر النصيحة لأحد من الخلق ، وليس أحد أحق بها منك لأنك مزاج مائي ونفسي وروحي وبصري ، وكبير أهل بيتي ، ومن وجب طاعته في عنقي ، لأنّ الله تبارك وتعالى قد شرفك وجعلك من سادات أهل الجنّة ، إني اريد أن اشير عليك فاقبل مني.


فقال له الحسين : «قل ، يا أخي! ما بدا لك»؟ فقال : اشير عليك أن تتنحى بنفسك عن يزيد بن معاوية ، وعن الأمصار ما استطعت ، وأن تبعث رسلك إلى الناس فتدعوهم إلى بيعتك ، فإن بايعك الناس حمدت الله على ذلك ، وقمت فيهم بما كان يقومه رسول الله ، والخلفاء الراشدون المهديون من بعده ، حتى يتوفاك الله وهو عنك راض ، والمؤمنون عنك راضون ، كما رضوا عن أبيك وأخيك ، وإن اجتمع الناس على غيرك حمدت الله على ذلك وسكت ولزمت منزلك ، فإني خائف عليك أن تدخل مصرا من الأمصار ، أو تأتي جماعة من النّاس فيقتتلون ، فتكون طائفة منهم معك ، وطائفة عليك فتقتل بينهم.

فقال له الحسين : «يا أخي! فإلى أين أذهب»؟ قال : تخرج إلى مكة فإن اطمأنت بك الدار بها ، فذاك الذي تحب ، وإن تكن الاخرى خرجت إلى ـ بلاد اليمن ـ فإنهم أنصار جدك وأبيك وأخيك ، وهم أرأف وأرق قلوبا ، وأوسع الناس بلادا ، وأرجحهم عقولا ، فإن اطمأنت بك ـ أرض اليمن ـ فذاك ، وإلّا لحقت بالرمال ، وشعوب الجبال ، وصرت من بلد إلى بلد ، حتى تنظر ما يؤول إليه أمر الناس ، ويحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين.

فقال له الحسين : «يا أخي! والله ، لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى ، لما بايعت يزيد بن معاوية ، قد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : اللهمّ! لا تبارك في يزيد ، فقطع محمد الكلام وبكى ، فبكى معه الحسين ساعة ، ثم قال : «يا أخي! جزاك الله عني خيرا ، فلقد نصحت ، وأشرت بالصواب ، وأرجو أن يكون رأيك موفقا مسددا ، وأنا عازم على الخروج إلى مكة ، وقد تهيأت لذلك : أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي ، ممن أمرهم أمري ورأيهم رأيي ، وأما أنت ، يا أخي! فلا عليك أن تقيم في ـ المدينة ـ فتكون لي عينا عليهم ،


ولا تخف عليّ شيئا من امورهم». ثم دعا الحسينعليه‌السلام بدواة وبياض ، وكتب فيها هذه الوصية لأخيه محمد.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

«هذا ما أوصى به ـ الحسين بن عليّ بن أبي طالب ـ إلى أخيه ـ محمد ابن علي ـ المعروف «بابن الحنفية» ، إن الحسين بن علي يشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمدا عبده ورسوله ، جاء بالحق من عند الحق ، وأن الجنّة والنار حقّ ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ الله يبعث من في القبور.

إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما ، وإنما خرجت أطلب الإصلاح في أمّة جدي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدي محمد ، وسيرة أبي علي بن أبي طالب ، وسيرة الخلفاء الراشدين.

فمن قبلني بقبول الحق ، فالله أولى بالحقّ ، ومن ردّ عليّ هذا ، صبرت حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ ، ويحكم بيني وبينهم ، وهو خير الحاكمين. هذه وصيتي إليك ، يا أخي! وما توفيقي إلّا بالله عليه توكلت وإليه انيب ، والسلام عليك ، وعلى من اتّبع الهدى ، ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم».

ثمّ طوى الحسين كتابه هذا ، وختمه بخاتمه ، ودفعه إلى أخيه محمّد ، ثمّ ودّعه وخرج في جوف اللّيل يريد «مكّة» في جميع أهل بيته ، وذلك لثلاث ليال مضين من شهر شعبان سنة ستين ، فلزم الطريق الأعظم فجعل يسير وهو يتلو هذه الآية :( فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) القصص / ٢١.


فقال له ابن عمه ـ مسلم بن عقيل بن أبي طالب ـ : يا بن رسول الله! لو عدلنا عن الطريق ، وسلكنا غير الجادة ، كما فعل ـ عبد الله بن الزبير ـ كان عندي خير رأي ، فإني أخاف أن يلحقنا الطلب.

فقال له الحسين : «لا ، والله يا ابن عم! لا فارقت هذا الطريق أبدا ، أو أنظر إلى أبيات مكة ويقضي الله في ذلك ما يحب ويرضى».

فبينا ـ الحسين ـ كذلك بين ـ مكة والمدينة ـ إذ استقبله ـ عبد الله بن مطيع العدوي ـ ، فقال له : اين تريد؟ يا أبا عبد الله! جعلني الله فداك ، فقال : «أما في وقتي هذا ، فإني اريد مكة فإذا صرت إليها استخرت الله في أمري بعد ذلك» فقال له عبد الله بن مطيع : خار الله لك ، يا ابن رسول الله! فيما قد عزمت عليه ، غير أني اشير عليك بمشورة فاقبلها مني ، فقال له الحسين : «وما هي؟ يا ابن مطيع! فقال : إذا أتيت مكة فاحذر أن يغرك ـ أهل الكوفة ـ فإنّ فيها قتل أبوك ؛ وطعن أخوك بطعنة كادت أن تأتي على نفسه فيها ، فالزم الحرم فأنت سيد العرب في دهرك هذا ، فو الله ، لئن هلكت ليهلكن أهل بيتك بهلاكك!.

فودعه الحسين ودعا له بالخير ، وسار حتى وافى مكة فلما نظر إلى جبالها من بعيد ، جعل يتلو هذه الآية :( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ) القصص / ٢٢ ، انتهى.


الفصل العاشر

في ما جرى من أحوال الحسينعليه‌السلام مدة

مقامه بمكة وما ورده من كتب أهل الكوفة

وارسال مسلم بن عقيل الى الكوفة ومقتله بهاقدس‌سره



١ ـ قال الإمام أحمد بن أعثم الكوفي : ولما دخل الحسين مكة ، فرح به أهلها فرحا شديدا ، وجعلوا يختلفون إليه غدوة وعشية ، وكان قد نزل بأعلى مكة وضرب هناك فسطاطا ضخما ، ونزل ـ عبد الله بن الزبير ـ داره «بقيقعان».

ثم تحوّل الحسين إلى ـ دار العباس ـ حوله إليها ـ عبد الله بن عباس ـ ، وكان أمير مكّة من قبل ـ يزيد ـ يومئذ ـ عمر بن سعد بن أبي وقاص ـ ، فأقام الحسين مؤذنا يؤذن رافعا صوته فيصلي بالناس ، وهاب ابن سعد أن يميل الحجاج مع الحسين لما يرى من كثرة اختلاف الناس إليه من الآفاق ، فانحدر إلى المدينة ، وكتب بذلك إلى ـ يزيد ـ ، وكان ـ الحسين ـ أثقل خلق الله على عبد الله بن الزبير لأنه كان يطمع أن يتابعه أهل مكة ، فلما قدم الحسين اختلفوا إليه وصلوا معه ، ومع ذلك فقد كان عبد الله يختلف إليه بكرة وعشية ويصلّي معه.

قال : وبلغ أهل الكوفة : إن الحسين صار إلى مكة ، وأقام الحسين بمكة


باقي شهر شعبان ؛ وشهر رمضان ؛ وشوال ؛ وذي القعدة ، وبمكة يومئذ ـ عبد الله بن عبّاس ؛ وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، فأقبلا جميعا وقد عزما أن ينصرفا إلى المدينة ، حتى دخلا على الحسين ، فقال عبد الله بن عمر : يا أبا عبد الله! اتّق الله ، رحمك الله الذي إليه معادك ، فقد عرفت عداوة هذا البيت لكم ؛ وظلمهم إياكم ؛ وقد ولي النّاس هذا الرجل يزيد بن معاوية ، ولست آمن أن يميل الناس إليه لمكان هذه الصفراء والبيضاء فيقتلوك ، ويهلك فيك بشر كثير ، فإني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «حسين مقتول ، فلئن خذلوه ولم ينصروه ليخذلنهم الله إلى يوم القيامة» ، وأنا اشير عليك أن تدخل في صلح ما دخل فيه النّاس ، وتصبر كما صبرت لمعاوية من قبل ، فلعلّ الله أن يحكم بينك وبين القوم الظالمين.

فقال له الحسين : «يا أبا عبد الرّحمن! أنا ابايع يزيد ، وأدخل في صلحه ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه وفي أبيه ما قاله».

فقال ابن عبّاس : صدقت ، يا أبا عبد الله! قد قال النبي : «مالي وليزيد ، لا بارك الله في يزيد ، فإنه يقتل ولدي ، وولد ابنتي الحسين بن علي ، فو الذي نفسي بيده ، لا يقتل ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه ، إلّا خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم» ، ثمّ بكى ابن عباس وبكى معه الحسين.

ثمّ قال له : «يا بن عباس! أتعلم أني ابن بنت رسول الله»؟ فقال : اللهمّ! نعم ، لا نعرف في الدنيا أحدا هو ابن بنت رسول الله غيرك ، وإن نصرك لفرض على هذه الأمّة كفريضة الصيام والزكاة ؛ التي لا تقبل إحداهما دون الأخرى.

فقال الحسين : «يا بن عبّاس! فما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول الله من وطنه وداره ؛ وموضع قراره ومولده ؛ وحرم رسوله ؛


ومجاورة قبره ؛ ومسجده ؛ وموضع مهاجرته وتركوه خائفا مرعوبا : لا يستقر في قرار ، ولا يأوي إلى وطن ، يريدون بذلك قتله ، وسفك دمه ، وهو لم يشرك بالله شيئا ، ولا اتخذ دون الله وليا ، ولم يتغير عما كان عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وخلفاؤه من بعده».

فقال ابن عباس : ما أقول فيهم ، إلّا أنهم كفروا بالله ورسوله( وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى ) التوبة / ٥٤ ،( يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ ) النساء / ١٤٢ و ١٤٣ ، فعلى مثل هؤلاء تنزل البطشة الكبرى ، وأما أنت أبا عبد الله! فإنّك رأس الفخار ، ابن رسول الله ، وابن وصيه ، وفرخ الزهراء نظيرة البتول ، فلا تظن يا ابن رسول الله بأنّ الله غافل عما يعمل الظالمون ، وأنا أشهد أنّ من رغب عن مجاورتك ومجاورة بنيك( وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) البقرة / ٢٠٠.

فقال الحسين : اللهمّ! اشهد ، فقال ابن عباس : جعلت فداك ، يا ابن رسول الله! كأنك تنعى إليّ نفسك ، وتريد مني أن أنصرك ، فو الله ، الذي لا إله إلّا هو لو ضربت بين يديك بسيفي حتى ينقطع وتنخلع يداي جميعا لما كنت أبلغ من حقك عشر العشير ، وها أنا بين يديك فمرني بأمرك.

فقال ابن عمر : اللهمّ! عفوا ، ذرنا من هذا يا ابن عباس! ثم اقبل ابن عمر على الحسين ، وقال له : مهلا ، أبا عبد الله عما أزمعت عليه ، وارجع معنا إلى المدينة ، وادخل في صلح القوم ، ولا تغب عن وطنك ، وحرم جدّك ، ولا تجعل لهؤلاء القوم الذين لا خلاق لهم على نفسك حجّة وسبيلا ، وإن أحببت أن لا تبايع فإنك متروك حتّى ترى رأيك ، فإنّ يزيد بن معاوية عسى أن لا يعيش إلّا قليلا ، فيكفيك الله أمره.

فقال الحسين : «اف لهذا الكلام أبدا! ما دامت السماوات والأرض ،


أسألك بالله يا أبا عبد الرّحمن! أعندك أني على خطأ من أمري هذا ، فإن كنت على خطأ فردني عنه ، فإني أرجع وأسمع وأطيع».

فقال ابن عمر : اللهمّ! لا ، ولم يكن الله تبارك وتعالى ليجعل ابن بنت رسوله على خطأ ، وليس مثلك في طهارته وموضعه من الرسول ، أن يسلم على يزيد بن معاوية باسم الخلافة ، ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف ، وترى من هذه الامة ما لا تحب ، فارجع معنا إلى المدينة ، وإن شئت أن لا تبايع فلا تبايع أبدا ، واقعد في منزلك.

فقال له الحسين : «هيهات ، يا بن عمر! إنّ القوم لا يتركوني ، إن أصابوني وإن لم يصيبوني ، فإنهم يطلبوني ابدا حتى ابايع وأنا كاره ، أو يقتلوني ، ألا تعلم ، أبا عبد الرحمن! أنّ من هوان هذه الدنيا على الله أن يؤتى برأس ـ يحيى بن زكريا ـ إلى بغي من بغايا بني إسرائيل ، والرأس ينطق بالحجة عليهم ، فلم يضر ذلك يحيى بن زكريا بل ساد الشهداء ، فهو سيدهم يوم القيامة؟ ألا تعلم ، أبا عبد الرحمن أن ـ بني إسرائيل ـ كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ـ سبعين نبيا ـ ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون ، كأنهم لم يصنعوا شيئا ، فلم يعجل الله عليهم ، ثم أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر ذي انتقام؟ فاتّق الله ، يا أبا عبد الرحمن! ولا تدعن نصرتي ، واذكرني في صلاتك ، فو الذي بعث جدي محمدا بشيرا ونذيرا ، لو أن أباك ـ عمر بن الخطاب ـ أدرك زماني ، لنصرني كما نصر جدي ، ولقام من دوني كقيامه من دون جدي ، يا بن عمر! فإن كان الخروج معي يصعب عليك ويثقل ، فأنت في أوسع العذر ، ولكن لا تتركن لي الدعاء في دبر كلّ صلاة واجلس عن القوم ولا تعجل بالبيعة لهم ، حتّى تعلم ما تؤول إليه الامور». ثم أقبل على عبد الله بن عبّاس ، وقال له :


«وأنت ، يا بن عبّاس! ابن عمّ أبي ، ولم تزل تأمر بالخير مذ عرفتك ، وكنت مع أبي تشير عليه بما فيه الرشاد والسداد ، وقد كان أبي يستصحبك ويستنصحك ويستشيرك ، وتشير عليه بالصواب ، فامض إلى المدينة في حفظ الله ، ولا تخف عليّ شيئا من أخبارك ، فإني مستوطن هذا الحرم ومقيم به ، ما رأيت أهله يحبونني وينصرونني ، فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم ، واستعصمت بالكلمة التي قالها ـ إبراهيم ـ يوم القي في النّار : حسبي الله ونعم الوكيل ، فكانت النار عليه بردا وسلاما».

فبكى ابن عبّاس ؛ وابن عمر ذلك الوقت بكاء شديدا ، وبكى الحسين معهما ، ثمّ ودّعهما فصار ابن عبّاس وابن عمر إلى المدينة ، وأقام الحسين بمكة ولزم الصلاة في الصلاة.

قال : ولما علم بحال ـ الحسين ـ وإقامته ـ بمكة ـ اجتمعت ـ الشيعة ـ بالكوفة في منزل ـ سليمان بن صرد الخزاعي ـ ، فلما تكاملوا في منزله قام فيهم خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر النبي فصلّى عليه ، ثم ذكر أمير المؤمنين ومناقبه وترحم عليه ، ثم قال : يا معشر الشيعة! إنكم علمتم أن معاوية قد هلك ، فصار إلى ربه وقدم على عمله وسيجزيه الله تعالى بما قدم من خير وشر ، وقد قعد بموضعه ابنه يزيد ، وهذا الحسين بن علي قد خالفه وصار إلى «مكة» هاربا من طواغيت ـ آل أبي سفيان ـ ، وأنتم شيعته وشيعة أبيه من قبله ، وقد احتاج إلى نصرتكم اليوم ، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه ، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرّجل من نفسه ، فقال القوم : بل ، نأويه وننصره ، ونقاتل عدوه ، ونقتل أنفسنا دونه ، حتّى ينال حاجته ، فأخذ عليهم ـ سليمان بن صرد ـ على ذلك عهدا وميثاقا أنهم لا يغدرون ولا ينكثون ، ثم قال : فاكتبوا إليه الآن كتابا


من جماعتكم : أنّكم له كما ذكرتم ، وسلوه القدوم عليكم ، فقالوا : أفلا تكفينا أنت الكتاب ، قال : بل تكتب إليه جماعتكم ، فكتب القوم إلى الحسينعليه‌السلام

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

للحسين بن عليّ أمير المؤمنين من سليمان بن صرد ، والمسيب بن نجبة ، وحبيب بن مظاهر ، ورفاعة بن شداد ، وعبد الله بن وال ، وجماعة شيعته من المؤمنين ، سلام عليك.

أما بعد : فالحمد لله الذي قصم عدوك وعدوّ أبيك من قبل الجبار العنيد ، الغشوم الظلوم ، الذي ابتز هذه الامّة أمرها ، وغصبها فيئها ، وتأمّر عليها بغير رضى منها ، ثمّ قتل خيارها ، واستبقى شرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وعتاتها ، فبعدا له كما بعدت ثمود ، ثمّ انه قد بلغنا أنّ ولده ـ اللعين ـ قد تأمر على هذه الامّة بلا مشورة ولا اجماع ، ولا علم من الأخيار.

وبعد فإنا مقاتلون معك ، وباذلون أنفسنا من دونك ، فأقبل إلينا فرحا مسرورا ، مباركا منصورا ، سعيدا سديدا ، إماما مطاعا ، وخليفة مهديا ، فإنه ليس علينا إمام ، ولا أمير إلّا ـ النعمان بن بشير ـ وهو في قصر الامارة ، وحيد طريد ، لا نجتمع معه في جمعة ، ولا نخرج معه إلى عيد ، ولا نؤدي إليه الخراج ، يدعو فلا يجاب ، ويأمر فلا يطاع ، ولو بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه عنّا حتى يلحق بالشام ، فأقدم إلينا فلعلّ الله تعالى أن يجمعنا بك على الحقّ ، والسلام عليك يا ابن رسول الله وعلى أبيك وأخيك ورحمة الله وبركاته.

ثمّ طووا الكتاب وختموه ودفعوه إلى عبد الله بن سبيع الهمداني ؛


وعبد الله بن مسمع البكري ، فتوجها به إلى الحسين ، فقرأ كتاب ـ أهل الكوفة ـ فسكت ولم يجبهم بشيء ، ثم قدم إليه بعد ذلك ـ قيس بن مسهر الصيداوي ؛ وعبد الله بن عبد الرحمن الأرحبي ؛ وعامر بن عبيد السلولي ؛ وعبد الله بن وال التيمي ـ ، ومعهم نحو من خمسين ومائة كتاب ؛ الكتاب من ـ الرجلين والثلاثة والأربعة ـ يسألونه القدوم عليهم ، والحسين يتأنى في أمره ولا يجيبهم في شيء.

ثم قدم عليه بعد ذلك ـ هانئ بن هانئ السبيعي ؛ وسعيد بن عبد الله الحنفي بكتاب ؛ وهو آخر ما ورد إليه من ـ أهل الكوفة ـ وفيه :

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

للحسين بن عليّ أمير المؤمنين ـ من شيعته وشيعة أبيه.

أما بعد ـ فإنّ النّاس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك ، فالعجل العجل يا ابن رسول الله! فقد اخضر الجناب ؛ وأينعت الثمار ؛ وأعشبت الأرض ؛ وأورقت الأشجار ؛ فاقدم إذا شئت ؛ فإنما تقدم إلى جند مجندة لك ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ، وعلى أبيك من قبل.

فقال ـ الحسين ـ لهانئ بن هانئ السبيعي ؛ وسعيد بن عبد الله الحنفي : «خبراني من اجتمع على هذا الكتاب الذي كتب معكما»؟ فقالا له : يا ابن رسول الله! اجتمع عليه : شبث بن ربعي ؛ وحجار بن أبجر ؛ ويزيد بن الحرث ؛ ويزيد بن رويم ؛ وعزرة بن قيس ؛ وعمرو بن الحجاج ؛ ومحمد بن عمير بن عطارد.

فعندها قام ـ الحسين ـ وتوضأ وصلّى ركعتين بين الركن والمقام ، ولما انفتل من صلاته ، سأل ربه الخير فيما كتب إليه ـ أهل الكوفة ـ ، ثمّ رجع إلى الرسل ، فقال لهم : «إني رأيت جدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في منامي ، وقد أمرني


بأمر ، وأنا ماض لأمره ، فعزم الله لي بالخير ، فإنه ولي ذلك والقادر عليه». ثم أمر بجواب كتب ـ أهل الكوفة ـ على هذا النحو :

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين ، سلام عليكم ،

أما بعد ـ فإنّ هانئ بن هانئ ؛ وسعيد بن عبد الله ، قدما عليّ من رسلكم ، وقد فهمت الذي اقتصصتم وذكرتم ، ولست اقصر عمّا أحببتم ، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي ـ مسلم بن عقيل بن أبي طالب ـ ، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وخبركم ورأيكم ورأي ذوي الحجى والفضل منكم ، وهو متوجه إليكم إن شاء الله ، ولا قوة إلا بالله ، فإن كنتم على ما قدمت به رسلكم ، وقرأت في كتبكم ، فقوموا مع ابن عمي وبايعوه ولا تخذلوه ، فلعمري ، ما الإمام العامل بالكتاب القائم بالقسط ، كالذي يحكم بغير الحقّ ، ولا يهتدي سبيلا ، جمعنا الله وإياكم على الهدى ، وألزمنا وإياكم كلمة التقوى ، إنه لطيف لما يشاء ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

ثم طوى الكتاب وختمه ودعا ـ بمسلم بن عقيل ـ فدفع إليه الكتاب ، وقال : «إني موجهك إلى ـ أهل الكوفة ـ ، وسيقضي الله من أمرك ما يحب ويرضى ، وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء ، فامض ببركة الله وعونه حتى تدخل الكوفة ، فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها ، وادع الناس إلى طاعتي ، فإن رأيتهم مجتمعين على بيعتي ، فعجل عليّ بالخبر حتى أعمل على حسب ذلك إن شاء الله تعالى» ، ثمّ عانقه الحسين وودعه وبكيا جميعا.


ذكر خروج مسلم بن عقيل نحو العراق

قال : فخرج «مسلم» من «مكة» نحو «المدينة» مستخفيا ليلا لئلا يعلم أحد من بني أميّة ، فلما دخل المدينة بدأ بمسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فصلّى ركعتين ، ثم خرج في جوف اللّيل ، وودع أهل بيته ، واستأجر دليلين من ـ قيس عيلان ـ يدلانه على الطريق ، ويمضيان به إلى «الكوفة» على غير الجادة ، فخرج به الدليلان من المدينة ليلا ، فسارا فأضلا الطريق ، جارا عن القصد واشتد بهما العطش ، فماتا جميعا عطشا ، وصار ـ مسلم بن عقيل ـ ومن معه إلى الماء ، وقد كادوا أن يهلكوا عطشا.

فكتب مسلم بن عقيل إلى الحسين : بسم الله الرّحمن الرّحيم للحسين ابن عليّ من مسلم بن عقيل ،

أما بعد ـ فإني خرجت من المدينة مع دليلين استأجرتهما فضلا عن الطريق واشتد بهما العطش فماتا ، ثم إنا صرنا إلى الماء بعد ذلك ، وقد كدنا أن نهلك فنجونا بحشاشة أنفسنا ، وقد أصبنا الماء بموضع يقال له : «المضيق» وقد تطيرت من وجهي الذي وجهتني فيه ، فرأيك في اعفائي عنه والسلام.

فلما ورد كتابه على الحسين علم أنه قد تشأم وتطير من موت الدليلين ، وأنه جزع ، فكتب إليه : «بسم الله الرّحمن الرّحيم من الحسين بن عليّ إلى مسلم بن عقيل ،

أما بعد ـ فقد خشيت أن لا يكون حملك على الكتاب إليّ ، والاستعفاء من وجهك هذا الذي أنت فيه إلّا الجبن والفشل ، فامض لما امرت به ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته».

فلما ورد كتاب الحسين على مسلم كأنه وجد من ذلك في نفسه ،


فقال : لقد نسبني أبو عبد الله إلى الجبن والفشل ، وهذا شيء لم أعرفه من نفسي ساعة قط.

ثم سار من موضعه ذلك يريد «الكوفة» ، فإذا هو برجل يرمي الصيد فنظر إليه مسلم فإذا هو رمى ظبيا فصرعه ، فقال : نصرع أعداءنا إن شاء الله ، وأقبل حتى دخل الكوفة ، فنزل في دار «مسلم بن المسيّب» ، وهي دار «المختار بن أبي عبيد الثقفي» ، فجعلت الشيعة تختلف إليه ، وهو يقرأ عليهم كتاب ـ الحسين ـ والقوم يبكون شوقا إلى مقدم الحسين ، ثم تقدم إلى مسلم رجل من همدان يقال له : «عابس الشاكري» ، فقال : أما بعد ـ فإني لا اخبرك عن الناس بشيء ، فإني لا أعلم ما في أنفسهم ، ولكن أخبرك عما أنا موطن عليه نفسي ، إني ، والله لأجيبنكم إذا دعوتم ، ولاقاتلنّ معكم عدوكم ، ولأضربنّ بسيفي دونكم أبدا ، حتى ألقى الله ، وأنا لا اريد بذلك إلا ما عنده ، ثم قام «حبيب بن مظاهر الأسدي الفقعسي» ، فقال : أنا ، والله ، الذي لا إله إلّا هو ، لعلي مثل ما أنت عليه ، وتتابعت «الشيعة» على مثل كلام هذين الرجلين ، ثم بذلوا الأموال فلم يقبل مسلم منهم شيئا.

قال : وبلغ ـ النعمان بن بشير ـ قدوم مسلم بن عقيل الكوفة ، واجتماع الشيعة إليه ، والنعمان يومئذ أمير الكوفة ، فخرج من قصر الإمارة مغضبا حتى دخل المسجد الأعظم ، ونادى بالنّاس فاجتمعوا إليه ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ـ يا أهل الكوفة! فاتقوا الله ربكم ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة ، فإنّ فيها سفك الدماء وقتل الرجال ، وذهاب الاموال ، واعلموا أني لست اقاتل إلا من قاتلني ، ولا أثب إلّا على من واثب عليّ ؛ ولا أنبه نائمكم ولا أحرش يقظانكم ؛ ولا آخذ بالقرف والظنة والتهمة ، غير أنكم قد ابديتم صفحتكم ، ونقضتم بيعتكم ، وخالفتم


إمامكم ، فإن أنتم انتهيتم عن ذلك ، ورجعتم وإلا فوالذي ، لا إله إلّا هو لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، ولو لم يكن منكم لي ناصر ، مع أني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممّن يريد الباطل.

فقام إليه ـ مسلم بن سعيد الحضرمي ـ ، فقال : أيها الأمير! أصلحك الله ، إنّ هذا الذي عليه من رأيك إنما هو رأي المستضعفين ، فقال له النعمان : يا هذا! لئن اكونن من المستضعفين في طاعة الله تعالى أحبّ إلي من أن أكون من الغاوين في معصية الله ، ثم نزل عن المنبر ، ودخل «قصر الامارة».

فكتب عبد الله بن مسلم إلى يزيد بن معاوية : بسم الله الرّحمن الرّحيم لعبد الله يزيد أمير المؤمنين من شيعته من ـ أهل الكوفة ـ ،

أما بعد ـ فإنّ مسلم بن عقيل قدم الكوفة ، وبايعته الشيعة للحسين بن عليّ ، وهم خلق كثير فإن كان لك حاجة بالكوفة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ فيها أمرك ، ويعمل فيها كعملك في عدوك ، فإن النعمان بن بشير ضعيف أو هو يتضعف ، والسلام.

وكتب إليه أيضا ـ عمارة بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط ؛ وعمر بن سعد بن أبي وقاص بمثل ذلك ، فلما اجتمعت الكتب عند يزيد ، دعا بغلام كان كاتبا عند أبيه يقال له : «سرجون» فأعلمه بما ورد عليه ، فقال : اشير عليك بما تكره ، قال : وإن كرهت ، قال : استعمل ـ عبيد الله بن زياد ـ على الكوفة ، قال : إنّه لا خير فيه ، وكان يبغضه ، فأشر بغيره ، قال : لو كان معاوية حاضرا ، أكنت تقبل قوله وتعمل بقوله؟ قال : نعم ، قال : فهذا عهد عبيد الله على الكوفة ، أمرني معاوية أن أكتبه فكتبته وخاتمه عليه ، فمات وبقي العهد عندي ، قال : ويحك ، فامضه.

وكتب : من عبد الله يزيد أمير المؤمنين الى عبيد الله بن زياد سلام عليك.


أما بعد ـ فإنّ الممدوح مسبوب يوما ، وإن المسبوب ممدوح يوما ، ولك ما لك ، وعليك ما عليك ، وقد انتميت ونميت إلى كلّ منصب كما قال الأول :

رفعت فما زلت السحاب تفوقه

فمالك إلّا مقعد الشمس مقعد

وقد ابتلي بالحسين زمانك من بين الأزمان ، وابتلي به بلدك من بين البلدان ، وابتليت به بين العمال ، وفي هذه تعتق أو تكون عبدا تعبد كما تعبد العبيد ، وقد أخبرتني شيعتي من أهل الكوفة أن مسلم بن عقيل بالكوفة ، يجمع الجموع ، ويشق عصا المسلمين ، وقد اجتمع إليه خلق كثير من ـ شيعة أبي تراب ـ ، فإذا أتاك كتابي هذا ، فسر حين تقرأه حتّى تقدم الكوفة فتكفيني أمرها فقد ضممتها إليك وجعلتها زيادة في عملك ـ وكان عبيد الله أمير البصرة ـ ، وانظر أن تطلب مسلم بن عقيل كطلب الحرد ، فإذا ظفرت به فخذ بيعته أو اقتله إن لم يبايع. واعلم أنه لا عذر لك عندي ، وما أمرتك به فالعجل العجل ، والوحاء الوحاء ، والسلام.

ثمّ دفع يزيد كتابه إلى مسلم بن عمرو الباهلي ، وأمره أن يسرع السير إلى عبيد الله ، فلمّا ورد الكتاب إلى عبيد الله ، وقرأه أمر بالجهاز وتهيأ للمسير إلى الكوفة ، وقد كان الحسينعليه‌السلام كتب إلى رؤساء أهل البصرة مثل : الأحنف بن قيس ؛ ومالك بن مسمع ؛ والمنذر بن الجارود ؛ وقيس بن الهيثم ؛ ومسعود بن عمرو ؛ وعمرو بن عبيد الله بن معمر ؛ يدعوهم لنصرته والقيام معه في حقه لكل واحد كتابا فكل من قرأ كتاب الحسين كتمه إلّا ـ المنذر بن الجارود ـ فإنه خشي أن يكون هذا الكتاب دسيسا من ابن زياد ، وكانت بحرة بنت المنذر بن الجارود تحت عبيد الله بن زياد ، فأتى ابن زياد وأخبره فغضب ، وقال : من رسول الحسين إلى أهل البصرة؟ فقال المنذر : رسوله إليهم مولى يقال له : «سليمان» ، قال : فعليّ به ، فاتي به


وكان مختفيا عند بعض الشيعة بالبصرة ، فلمّا رآه ابن زياد لم يكلّمه بشيء دون أن قدمه فضرب عنقه صبرا ، ثم أمر بصلبه ، ثم صعد المنبر ، وقال : يا أهل البصرة! إني نكل بمن عاداني ، سمام لمن نابذني ، وإني لا تقرن بي الصعبة ، ولا يقعقع لي بالشنآن ، قد انصف القارة من راماها.

يا أهل البصرة! إن أمير المؤمنين يزيد قد ولاني الكوفة ، وأنا سائر إليها غدا ، وقد استخلفت عليكم أخي ـ عثمان بن زياد ـ فإياكم والخلاف والأرجاف ، فو الذي لا إله غيره لئن بلغني أنّ رجلا منكم خالف لأقتلنه ؛ وعريفه ، ووليه ، ولآخذن الأقصى بالأدنى حتّى تستقيموا لي ، فلا يكون فيكم مخالف ولا مشاق ، أنا ابن زياد اشبهه من بين وطأ الحصا ؛ ولم ينزعني شبه خال ولا عم.

فلما كان من الغد نادى في الناس ، وخرج من البصرة يريد «الكوفة» ومعه : أبو قتيبة مسلم بن عمرو الباهلي ؛ والمنذر بن الجارود العبدي ، وشريك بن عبد الله الهمداني ، فلم يزل يسير حتّى بلغ قريبا من الكوفة ، ثمّ نزل فلمّا أمسى وجاء الليل دعا بعمامة سوداء ، فاعتجر بها متلثما ، ثمّ تقلّد سيفه ، وتوشح قوسه ، وتنكّب كنانته ، وأخذ في يده قضيبا ، واستوى على بغلة له شهباء ، وركب أصحابه ، وسار حتى دخل الكوفة من طريق البادية ، وذلك في ليلة مقمرة ، والناس يتوقعون قدوم الحسين.

فجعلوا ينظرون إليه وإلى أصحابه ، وهو في ذلك يسلم عليهم ، وهم لا يشكون في أنّه ـ الحسين بن عليّ ـ ، فهم يمشون بين يديه ويقولون : مرحبا بك ، يا ابن رسول الله! قدمت خير مقدم ، فرأى عبيد الله من تباشير النّاس ما ساءه ، فسكت ولم يكلّمهم ولا ردّ عليهم شيئا.

فتكلّم مسلم بن عمرو الباهلي ، فقال : إليكم عن الأمير ، يا ترابية!


فليس هذا من تظنون ، هذا الأمير عبيد الله بن زياد ، فتفرق النّاس عنه ، وتحصن النعمان بن بشير منه ، وهو يظن : أنّه الحسين ، فجعل يناشده الله والفتنة ، وهو ساكت من وراء الحائط.

ثمّ قال له : افتح الباب لعنك الله ، فسمعها جماعة ، فقالوا : ابن مرجانة والله ، ففتحوا الباب وتفرق النّاس ، ونودي بالصلاة جامعة ، فاجتمع الناس فخرج ابن زياد وقام خطيبا ، فقال : إنّ أمير المؤمنين ولاني مصركم وثغركم ، وأمرني بانصاف مظلومكم ، وإعطاء محرومكم ، والإحسان إلى سامعكم ، والشدّة على مريبكم ، وأنا متبع أمره ، ومنفذ فيكم عهده ، وأنا لمحبكم ومطيعكم كالوالد البرّ ، وسيفي وسوطي على من ترك أمري.

وسمع مسلم بن عقيل بمجيء عبيد الله ومقالته ، فانتقل من موضعه حتى أتى دار ـ هانئ بن عروة المرادي ـ ، فدخل ثمّ أرسل إليه : إني أتيتك لتجيرني وتأويني ، فإن ابن زياد قد قدم الكوفة ، وأنا أتقيه على نفسي ، فخرج إليه هانئ ، وقال : قد كلفتني شططا ، ولو لا دخولك داري لأحببت أن تنصرف عني ، غير أني أجد ذلك عارا عليّ بأن رجلا أتاني مستجيرا فلا أجيره ، فانزل على بركة الله ، وجعل عبيد الله يسأل عن مسلم فلا يجد أحدا يرشده إليه ، وجعلت الشيعة تختلف إلى مسلم في دار هانئ بن عروة المذحجي ، ويبايعون الحسين سرا ، ومسلم بن عقيل يكتب أسماءهم ويأخذ عليهم العهود أنهم لا ينكثون ولا يغدرون ، حتى بايعه ما ينيف على عشرين ألفا ، وهم مسلم أن يثب بعبيد الله بن زياد ، فمنعه من ذلك هانئ بن عروة ، فقال له. جعلت فداك ، لا تعجل ، فإنّ العجلة لا خير فيها.

ودعا عبيد الله بن زياد مولى له ، يقال له : «معقل» ، فقال : هذه ثلاثة


ألف درهم ، خذها إليك ، والتمس مسلم بن عقيل حيثما كان بالكوفة ، فإذا عرفت موضعه ، فادخل إليه وأعلمه أنك من شيعته ، وعلى مذهبه ، وادفع إليه هذه الدراهم ، وقل له : استعن بها على عدوّك ، فإنّك إذا دفعت إليه هذه الدراهم : وثق بك ، واطمأنّ إليك ، ولم يكتمك من أمره شيئا ، ثم اغد عليّ بالأخبار عنه.

فأقبل معقل حتى دخل المسجد الأعظم ، فنظر إلى رجل من الشيعة ، يقال له : «مسلم بن عوسجة الأسدي» ، فجلس إليه ثم قال له : يا عبد الله! إني رجل من أهل الشام ، غير أني احبّ أهل هذا البيت ، واحبّ من يحبهم ، ومعي ثلاثة آلاف درهم أحببت أن أدفعها إلى رجل بلغني أنه قد قدم إلى بلدكم هذا ، يأخذ البيعة لابن بنت رسول الله ، فإن رأيت أن تدلني عليه حتّى أدفع هذا المال إليه وابايعه ، وإن شئت فخذ بيعتي له قبل أن تدلّني عليه.

فظن مسلم بن عوسجة أنّ القول على ما يقوله ، فأخذ عليه الأيمان والعهود أنّه ناصح ، وأنه يكون مع مسلم بن عقيل على ابن زياد ، فأعطاه معقل من العهود ما وثق بها مسلم بن عوسجة ، ثم قال له : انصرف عني الآن يومي هذا حتى أنظر في ذلك ، فانصرف عنه.

ونزل ـ شريك بن عبد الله الأعور الهمداني ـ عند هانئ بن عروة ، وكان شريك شيعيا ، وكان يرى رأي عليعليه‌السلام ، ثمّ مرض شريك في دار هانئ ، وعزم ابن زياد على أن يصير إليه عائدا ، فدعا شريك مسلما ، وقال له : غدا يأتيني هذا الفاسق عائدا ، وإني شاغله لك في الكلام ، فإذا فعلت ذلك فاخرج إليه من هذه الداخلة ، واقتله واجلس في «قصر الامارة» ، وإن أنا عشت فإني سأكفيك أمر «البصرة» إن شاء الله.


ثم جاء ابن زياد حين أصبح عائدا ، فجعل يسأله ، وهم مسلم أن يخرج عليه فيقتله ، فمنعه صاحب المنزل هانئ ، وقال له : جعلت فداك ، إن في داري نسوة وصبية ، وإني لا آمن الحدثان ، فأمسك مسلم عن ذلك ، وجعل شريك يرمق الداخلة وينشد :

ما الانتظار بسلمى أن تحييها

فحيّ سلمى وحيّ من يحييها

ثم اسقنيها وإن تجلب عليّ ردى

فتلك أحلى من الدّنيا وما فيها

وفي رواية : أنه كان يقول : اسقوني شربتي ، ولو كان فيها منيتي ، من غير أن يقول البيتين ، فقال ابن زياد : ما يقول الشيخ؟ فقيل : إنه مبرسم ، فوقع في قلب ابن زياد شيء ، فركب من ساعته ، ورجع إلى القصر ، وخرج مسلم إلى شريك من داخل الدار ، فقال شريك : ما منعك من الخروج إلى هذا الفاسق؟ وقد أمرتك بقتله ، وشغلته لك بالكلام ، فقال : منعني من ذلك حديث سمعته من عمي عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : «الإيمان قيد الفتك» ، على أني لم احب أن أقتله في منزل هذا الرجل ، فقال له شريك : لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا منافقا كافرا.

فلم يلبث شريك بعد ذلك ثلاثة أيام ، حتّى مات (رحمه‌الله) ، وكان من خيار الشيعة وعبّادها ، غير أنه كان يكتم ذلك إلّا عن من يثق به من إخوانه.

فخرج ابن زياد وصلّى عليه ، ورجع إلى قصره ، فلما كان من الغد أقبل معقل إلى مسلم بن عوسجة ، فقال له : إنّك قد كنت وعدتني أن تدخلني على هذا الرجل ، فأدفع إليه هذا المال ، فما الذي بدا لك من ذلك؟ فقال له : إنا اشتغلنا بموت هذا الرجل ، شريك بن عبد الله ، وقد كان من خيار الشيعة ، ويتولى أهل هذا البيت ، فقال له معقل : ومسلم بن عقيل في


منزل هانئ بن عروة ، فقال له : نعم ، هو في منزل هانئ بن عروة ، فقال معقل : قم بنا إليه حتى أدفع له هذا المال ، فأخذ بيده وأدخله على مسلم بن عقيل فرحّب به مسلم وأدناه ، وأخذ بيعته ، وأمر أن يقبض ما معه من المال.

وأقام معقل في منزل هانئ بن عروة يومه ، حتى إذا أمسى انصرف إلى ابن زياد فأخبره بأمر مسلم فبقي ابن زياد متعجبا ، وقال لمعقل : انظر أن تختلف إلى مسلم في كلّ يوم ، ولا تنقطع عنه ، فإنّك إن قطعته استرابك ، وتنحى عن منزل هانئ إلى منزل آخر ، فألقى في طلبه عناء.

ثم دعا عبيد الله محمد بن الأشعث ؛ وأسماء بن خارجة الفزاري ؛ وعمرو بن الحجاج الزبيدي ، وكانت ـ رويحة بنت عمرو ـ تحت هانئ بن عروة ، فقال : أخبروني : ما الذي يمنع هانئ بن عروة من المصير إلينا؟ فقالوا : إنه مريض أصلح الله الأمير ، فقال ابن زياد : إنّه كان مريضا غير أنه برأ ، وجلس على باب داره ، فلا عليكم أن تصيروا إليه ، وتأمروه أن لا يدع ما يجب عليه من حقنا ، فإني لا احبّ أن تفسد عندي منزلة مثله من أشراف العرب ، فقالوا : نفعل ذلك.

فبينا عبيد الله مع القوم في هذه المحاورة ، إذ دخل رجل من أصحابه ، يقال له : ـ مالك بن يربوع التميمي ـ ، فقال : أصلح الله الأمير ، هاهنا خبر ، فقال ابن زياد : ما ذاك؟ قال : كنت خارج الكوفة أجول على فرسي ، إذ نظرت رجلا خرج من الكوفة مسرعا ، يريد البادية فأنكرته ، ثمّ إني لحقته وسألته عن حاله؟ فذكر : أنه من المدينة فنزلت عن فرسي ، وفتشته فأصبت معه هذا الكتاب.

فأخذه ابن زياد فإذا منه مكتوب : بسم الله الرّحمن الرّحيم للحسين ابن علي : أما بعد ، فإني اخبرك أنه قد بايعك من أهل الكوفة ما ينيف على


عشرين ألفا ، فإذا أتاك كتابي هذا فالعجل العجل ، فإنّ الناس كلهم معك ، وليس لهم في يزيد بن معاوية هوى ولا رأي ، والسلام.

فقال ابن زياد : أين هذا الرجل الذي أصبت معه الكتاب؟ قال : هو بالباب ، قال : آتوني به ، فادخل فلما وقف بين يدي ابن زياد ، قال له : من أنت؟ قال : مولى لبني هاشم ، قال : ما اسمك؟ قال : عبد الله بن يقطر ، قال : من دفع إليك هذا الكتاب؟ قال : امرأة لا أعرفها ، فضحك ابن زياد ، وقال : اختر واحدة من اثنتين : إما أن تخبرني من دفع إليك هذا الكتاب ؛ أو تقتل.

فقال : أما الكتاب ، فإني لا اخبرك من دفعه إليّ ، وأما القتل فإني لا أكرهه ، لأني لا أعلم قتيلا عند الله أعظم أجرا من قتيل يقتله مثلك ، فأمر ابن زياد فضرب عنقه صبرا.

قال : ثمّ أقبل على محمد بن الأشعث ؛ وعمرو بن الحجاج ؛ وأسماء ابن خارجة ، فقال : صيروا إلى هانئ بن عروة المذحجي ، فسلوه : أن يصير إلينا ، فإنّا نريد مناظرته ، فركب القوم ثم صاروا إلى هاني فوجدوه جالسا على باب داره ، فسلّموا عليه ، وقالوا : ما يمنعك من إتيان هذا الأمير ، فقد ذكرك غير مرّة؟ فقال : ما منعني ، والله ، من المصير إليه إلّا العلّة التي كانت بي ، فقالوا : صدقت ، ولكنه بلغه أنك تقعد على باب دارك في كلّ عشية ، وقد استبطاك والإبطاء والجفاء لا يحتمله السلطان من مثلك ، لأنّك سيد في قومك ، ونحن نقسم عليك إلّا ركبت معنا إليه.

فدعا هانئ بثيابه فلبسها ، ثم دعا ببغلة فركبها ، وسار مع القوم إلى باب قصر الامارة فكأن نفسه أحست بالشرّ ، فالتفت إلى ـ حسان بن أسماء ـ فقال : يا بن أخي! إنّ نفسي تحدثني بالشر ، فقال له حسان : سبحان الله ،


يا عم! ما أتخوف عليك؟ فلا تحدثن نفسك بشيء من هذا ، ثمّ دخل القوم على ابن زياد فلما نظر إليهم من بعيد ، التفت إلى شريح القاضي وكان عنده في مجلسه فقال : أتتك بخائن رجلاه تسعى ، ثم التفت الى هانئ فأنشد :

اريد حياته ويريد قتلي

عذيري من خليل من مراد

فقال هاني : وما ذاك ، أيها الأمير؟ فقال إيها يا هانئ جئت بمسلم بن عقيل ، وجمعت له الرجال والسلاح في الدار حولك ، وظننت أن ذلك يخفى علينا فقال : ما فعلت ، قال : بلى ، فعلت ، قال : ما فعلت ، قال ابن زياد : أين معقل؟ فجاء معقل حتّى وقف بين يديه ، فقال ابن زياد : أتعرف هذا يا هاني؟ فنظر هانئ إلى معقل فعلم أنه كان عينا عليهم ، وأنه أخبر ابن زياد عن مسلم ، فقال : أصلح الله الأمير ، ما بعثت إلى مسلم ، ولا دعوته ، ولكنه جاءني مستجيرا فاستحييت من ردّه ، وأخذني من ذلك ذمام. فأما إذا قد علمت ، فخل سبيلي حتى أرجع إليه ، وآمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء ، واعطيك من العهود والمواثيق بها ، إني أرجع إليك ، وأضع يدي في يدك ، فقال ابن زياد : لا والله ، لا تفارقني أبدا أو تأتيني بمسلم بن عقيل؟ فقال : إذن ، والله ، لا آتيك بضيفي فتقتله ، أيكون هذا في العرب؟ فقال ابن زياد : والله ، لتأتيني به ، فقال هانئ : لا والله لا آتيك به أبدا.

فتقدم مسلم بن عمرو الباهلي فقال : أصلح الله الأمير ، ائذن لي في كلامه ، فقال : كلمه بما أحببت ، ولا تخرجه من القصر ، فأخذ مسلم بن عمرو الباهلي بيد هانئ بن عروة فنحاه ناحية ، ثم قال له : ويحك يا هانئ! أنشدك الله أن تقتل نفسك ، وتدخل البلاء على عشيرتك بسبب مسلم بن عقيل ، يا هذا! سلمه إليه ، فإنه لا يقدم عليه بالقتل أبدا. وأخرى فإنه سلطان ، وليس عليك في ذلك عار ولا منقصة.


فقال هانئ : بلى ، والله ، عليّ في ذلك أعظم العار ، والسبّة ، وأكبر الخزي ، أن اسلم جاري وضيفي ، ورسول ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنا حي صحيح ، شديد الساعدين ، كثير الأعوان ، والله ، لو لم أكن إلا وحدي لا ناصر لي لما أسلمت أبدا ضيفي حتّى أموت من دونه.

فردّه مسلم بن عمرو الباهلي إلى ابن زياد ، فقال له : أيها الأمير! إنه قد أبى أن يسلم مسلما أبدا أو يقتل كما يزعم ، فغضب ابن زياد ، ثمّ قال : والله لتأتين به ، أو لأضربن عنقك ، فقال : إذن والله ، تكثر البارقة حول دارك ، فقال ابن زياد : أبالبارقة تخوفني؟ ثمّ أخذ قضيبا كان بين يديه ، فضرب به وجه هانئ فكسر أنفه ، وشج حاجبه ، وضرب هانئ بيده إلى قائم سيف رجل من أصحاب عبيد الله بن زياد ، فجاذبه ذلك الرجل ، ومنعه من السيف ، فصاح ابن زياد : خذوه ، فأخذوه وألقوه في بيت من بيوت القصر وأغلقوا عليه الباب.

ثم وثب ـ أسماء بن خارجة ـ فقال له : أيها الأمير! إنّك أمرتنا أن نأتيك بالرجل ، فلما جئناك به هشمت وجهه ، وأسلت دمه ، فقال : وأنت هاهنا أيضا ، ثمّ أمر به فضرب حتّى وقع لجنبه ، فجلس أسماء بن خارجة ناحية من القصر ، وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، إلى نفسي أنعاك يا هانئ!.

قال : وبلغ ذلك ـ بني مذحج ـ فركبوا بأجمعهم وعليهم ـ عمرو بن الحجاج الزبيدي ـ فوقفوا بباب القصر ، ونادى عمرو : يا عبيد الله! هذه فرسان مذحج لم تخلع طاعة ، ولم تفرّق جماعة ، فلم تقتل صاحبنا؟ فقال ابن زياد لشريح القاضي : أدخل عليّ صاحبهم ، فانظر إليه ، ثمّ أخرج إليهم فأعلمهم أنه لم يقتل ، قال شريح : فدخلت عليه ، فقال : ويحك هلكت


عشيرتي ، أين أهل الدين فلينقذوني من يد عدوهم وابن عدوهم؟ ثم قال والدماء تسيل على لحيته : يا شريح! هذه أصوات عشيرتي ، أدخل منهم عشرة ينقذوني ، فلما خرجت تبعني حمير بن بكير(١) وقد بعثه ابن زياد عينا عليّ ، فلولا مكانه لكنت أبلغ أصحابه ما قال ، ثمّ خرج شريح ، فقال : يا هؤلاء! لا تعجلوا بالفتنة ، فإن صاحبكم لم يقتل ، فانصرف القوم.

ثم خرج ابن زياد حتّى دخل المسجد الأعظم ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم التفت فنظر إلى أصحابه عن يمين المنبر وشماله ، في أيديهم الأعمدة والسيوف المسلّلة ، فقال:

أما بعد ـ يا أهل الكوفة! فاعتصموا بطاعة الله ؛ وطاعة رسول الله وطاعة أئمتكم ، ولا تختلفوا وتفرّقوا ، فتهلكوا وتندموا ، وتذلوا وتقهروا وتحرموا ، ولا يجعلن أحد على نفسه سبيلا ، وقد أعذر من أنذر ، فما أتمّ الخطبة حتّى سمع الصيحة ، فقال : ما هذا؟ فقيل له : أيها الأمير! الحذر الحذر ، فهذا مسلم بن عقيل قد أقبل في جمع ممّن بايعه ، فنزل عن المنبر مسرعا ، وبادر حتى دخل القصر ، وأغلق الأبواب.

وأقبل مسلم بن عقيل في وقته ذلك ، ومعه ثمانية عشر ألفا أو يزيدون ، وبين يديه الأعلام والسلاح الشاك ، وهم في ذلك يشتمون ابن زياد ويلعنون أباه ، وكان شعارهم : يا منصور! أمت ، وكان قد عقد مسلم ابن عقيل ـ لعبد الله الكندي ـ على كندة ، وقدمه أمام الخيل ، وعقد ـ لمسلم بن عوسجة ـ على مذحج وأسد ، وعقد ـ لأبي ثمامة بن عمر الصائدي ـ على تميم وهمدان ، وعقد ـ للعباس بن جعدة الجدلي ـ على أهل المدينة ، وأقبل مسلم يسير حتى خرج في ـ بني الحرث بن كعب ـ ثمّ خرج على مسجد

__________________

(١) كذا في النسخة والمعروف حمران بن بكير.


الأنصار حتى أحاط بالقصر ، وليس في القصر إلّا نحو من ثلاثين رجلا من الشرط ، ومقدار عشرين من الأشراف وأهل بيته ومواليه ، وركب أصحاب ابن زياد واختلط القوم فاقتتلوا قتالا شديدا ، وابن زياد في جماعة من الأشراف قد وقفوا على جدار القصر ينظرون إلى محاربة النّاس.

قال : وجعل رجل من أصحاب ابن زياد يقال له : ـ كثير بن شهاب ـ ؛ ومحمّد بن الأشعث ؛ والقعقاع بن شور ؛ وشبث بن ربعي ، ينادون فوق القصر بأعلى أصواتهم : ألا يا شيعة مسلم بن عقيل! ألا يا شيعة الحسين بن علي الله ، الله في أنفسكم وأهليكم وأولادكم ، فإن جنود أهل الشام قد أقبلت ، وأن الأمير عبيد الله قد عاهد الله : لئن أنتم أقمتم على حربكم ولم تنصرفوا من يومكم هذا ، ليحرمنكم العطاء ، وليفرقن مقاتلتكم في مغازي أهل الشام ، وليأخذن البريء بالسقيم ، والشّاهد بالغائب ، حتى لا يبقي منكم بقية من أهل المعصية إلّا أذاقها وبال أمرها.

فلما سمع ذلك الناس جعلوا يتفرقون ، ويتخاذلون عن مسلم بن عقيل ، ويقول بعضهم لبعض ما نصنع بتعجيل الفتنة وغدا تأتينا جموع أهل الشام ، فينبغي أن نقعد في منازلنا وندع هؤلاء القوم حتى يصلح الله ذات بينهم.

قال : وكانت المرأة تأتي أخاها وأباها أو زوجها أو بنيها فتشرّده ، ثمّ جعل القوم يتسللون والنهار يمضي فما غابت الشمس حتّى بقي مسلم بن عقيل في عشرة من أصحابه ، واختلط الظلام فدخل مسلم المسجد الأعظم ليصلي المغرب فتفرق عنه العشرة ، فلما رأى ذلك استوى على فرسه ، ومضى في بعض أزقة الكوفة ، وقد اثخن بالجراحات ، لا يدري أين يذهب؟ حتى صار إلى امرأة يقال لها : «طوعة» ، وقد كانت قبل ذلك أمّ ولد للأشعث بن قيس فتزوجها رجل من «حضر موت» يقال له «أسيد الحضرمي»


فولدت له «بلال بن أسيد» ، وكانت المرأة واقفة على باب دارها تنتظر ابنها ، فسلّم عليها مسلم فردتعليه‌السلام ، فقال : يا أمة الله! اسقيني فسقته ، فجلس على بابها ، فقالت له : يا عبد الله! ما شأنك؟ أليس قد شربت ، قال : بلى ، والله ، ولكن مالي بالكوفة منزل ، وإني لغريب قد خذلني من كنت أثق به ، فهل لك في معروف تصطنعيه إليّ؟ فإني رجل من أهل بيت شرف وكرم ، ومثلي من يكافأ بالإحسان؟

قالت : فكيف ذلك؟ ومن أنت؟ فقال : يا هذه ذري عنك التفتيش في هذا الوقت ، وادخليني منزلك ، فعسى الله أن يكافئك عنّا بالحسنة ، فقالت : يا عبد الله! أخبرني باسمك ، ولا تكتمني شيئا من أمرك فإني أكره أن تدخل منزلي من قبل معرفة خبرك ، وهذه فتنة قائمة ، وهذا ابن زياد بالكوفة ، فأخبرني : من أنت؟ فقال : أنا مسلم بن عقيل ، فقالت المرأة : قم فأدخل رحمك الله.

فأدخلته منزلها وجاءته بمصباح ، ثمّ جاءته بطعام فأبى أن يأكل ، فلم ، يكن بأسرع من أن جاء ابنها ، فلما دخل رأى من امّه أمرا منكرا من دخولها ذلك البيت ، وخروجها منه ، وهي باكية ، فقال لها : يا اماه! ما قصتك؟ فقالت له : يا بني! أقبل على شأنك ، فألح عليها ، فقالت : يا بني! إذا أخبرتك بشيء فلا تفشه لأحد ، فقال لها : قولي : ما أحببت. فقالت : مسلم بن عقيل في ذلك البيت ، وكان من قصته كذا وكذا ، فسكت الغلام ولم يقل شيئا ، ثمّ أخذ مضجعه ونام ، فلما أصبح ابن زياد نادى في النّاس : أن يجتمعوا ، ثمّ خرج من القصر فدخل المسجد ثمّ صعد المنبر ، فقال : أيها الناس! إنّ مسلم بن عقيل السفيه الجاهل أتى هذا البلد ، وأظهر الخلاف ، وشقّ عصا المسلمين ، وقد برأت الذمة من رجل أصبناه في داره ،


ومن جاء به ، فله ديته ، والمنزلة الرفيعة من أمير المؤمنين ، وله كلّ يوم حاجة مقضية ، ثمّ نزل عن المنبر ودعا ـ الحصين بن نمير السكوني ـ ، فقال له : ثكلتك امك! إن فاتتك سكة من سكك الكوفة ، ولم تضيق على أهلها ، أو يأتوك بمسلم بن عقيل ، فو الله لو خرج من الكوفة سالما لتزهقن أنفسنا في طلبه ، فانطلق الآن فقد سلطتك على دور الكوفة وسككها ، فانصب المراصد ، وخذ في الطلب حتى تأتيني بهذا الرجل.

وأقبل ـ محمد بن الأشعث ـ حتى دخل على عبيد الله بن زياد فلما رآه ، قال : مرحبا بمن لا يتهم في مشورة ، وأقبل ابن تلك المرأة التي مسلم في دارها الى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، فأخبره : بمكان مسلم ، فقال : اسكت إذن ، ولا تخبر أحدا ، وأقبل عبد الرحمن إلى أبيه فساره في اذنه : بأنّ مسلم في منزل طوعة ، ثم تنحى.

فقال ابن زياد : ما الذي قال لك عبد الرحمن؟ فقال : أصلح الله لأمير ، البشارة الكبرى ، قال : وما تلك؟ فمثلك من يبشر بخير ، فأخبره بذلك ، فسرّ عدوّ الله وقال له : قم فأتني به ، ولك ما بذلت من الجائزة الكبرى ، والحظ الأوفى ، ثمّ أمر ابن زياد خليفته ـ عمرو بن حريث المخزومي ـ أن يبعث مع محمد بن الأشعث ثلاثمائة رجل من صناديد أصحابه ، فركب محمد بن الأشعث حتى وافى الدار التي فيها مسلم بن عقيل ، فسمع مسلم وقع حوافر الخيل ، وأصوات الرجال ، فعلم أنه قد أتي ، فبادر مسرعا إلى فرسه ، فأسرجه وألجمه ، وصبّ عليه درعه ، واعتجر بعمامته ، وتقلّد سيفه ، والقوم يرمون الدار بالحجارة ، ويلهبون النار في هواري القصب ، فتبسم مسلم ثمّ قال : يا نفسي! اخرجي إلى الموت الذي ليس منه محيص ولا محيد.


ثم قال للمرأة : رحمك الله ، وجزاك خيرا ، اعلمي أني ابتليت من قبل ابنك ، فافتحي الباب ففتحته ، وخرج مسلم في وجوه القوم كالأسد المغضب ، فجعل يضاربهم بسيفه حتى قتل جماعة ، وبلغ ذلك ابن زياد ، فأرسل إلى محمد بن الأشعث : سبحان الله ، أبا عبد الرحمن! بعثناك إلى رجل واحد لتأتينا به ، فثلم من أصحابك ثلمة عظيمة ، فأرسل إليه محمد ابن الأشعث : أيها الأمير! أتظن أنك بعثتني إلى بقال من بقاقيل الكوفة أو جرمقاني من جرامقة الحيرة ، أفلا تعلم أيها الأمير أنك بعثتني إلى أسد ضرغام ؛ وبطل همام ؛ في كفه سيف حسام ، يقطر منه الموت الزؤام؟ فأرسل إليه ابن زياد : أن اعطه الأمان فانّك لن تقدر عليه إلّا بالأمان المؤكد بالايمان.

فجعل محمد بن الأشعث يناديه : ويحك ، يا بن عقيل! لا تقتل نفسك ، لك الأمان ، فيقول مسلم : لا حاجة لي في أمان الغدرة الفجرة وينشد :

أقسمت لا اقتل إلّا حرّا

وإن رأيت الموت شيئا مرّا

كل امرئ يوما ملاق شرّا

ردّ شعاع النفس فاستقرّا

أضربكم ولا أخاف ضرّا

ضرب همام يستهين الدهرا

ويخلط البارد سخنا مرّا

ولا اقيم للأمان قدرا

أخاف أن اخدع أو اغرّا

فناداه محمد بن الأشعث : ويحك ، يا مسلم! إنّك لن تغر ، ولن تخدع والقوم ليسوا بقاتليك ، فلا تقتل نفسك ، فلم يلتفت إليه ، فجعل يقاتلهم حتى اثخن بالجراح ، وضعف عن الكفاح ، وتكاثروا عليه من كل جانب ، وجعلوا يرمونه بالنبل والحجارة. فقال مسلم : ويلكم ، مالكم


ترموني بالحجارة ، كما ترمى الكفار؟ وأنا من أهل بيت النبي المختار ، ويلكم ، أما ترعون حقّ رسول الله ، ولا حقّ قرباه ، ثمّ حمل عليهم في ضعفه فهزمهم وكسرهم في الدروب والسكك ، ثم رجع وأسند ظهره على باب دار من تلك الدور ورجع القوم إليه فصاح بهم محمد بن الأشعث : ذروه ، حتّى اكلمه بما اريد ، فدنا منه ، وقال : ويحك ، يا ابن عقيل! لا تقتل نفسك ، أنت آمن ، ودمك في عنقي ، وأنت في ذمتي.

فقال مسلم : أتظن يا ابن الأشعث! إني اعطي بيدي ، وأنا أقدر على القتال؟ لا ، والله ، لا يكون ذلك أبدا ، ثم حمل عليه فألحقه بأصحابه ، ثم رجع إلى موضعه ، وهو يقول : اللهمّ! إنّ العطش قد بلغ مني فلم يجترئ أحد أن يسقيه الماء ويدنو منه ، فقال ابن الأشعث لأصحابه : إن هذا لهو العار والشنار ، أتجزعون من رجل واحد هذا الجزع؟ احملوا عليه بأجمعكم حملة رجل واحد ، فحملوا عليه وحمل عليهم وقصده رجل من أهل الكوفة ، يقال له : «بكير بن حمران الأحمري» فاختلفا بضربتين ، ضربه «بكير» على شفته العليا ، وضربه مسلم فبلغت الضربة جوفه ، فأسقطه قتيلا ، وطعن من ورائه فسقط إلى الأرض ، فاخذ أسيرا ، ثم اخذ فرسه وسلاحه ، وتقدم رجل من بني سليم يقال له : «عبيد الله بن العباس» فأخذ عمامته ، فجعل يقول : اسقوني شربة من الماء ؛ فقال له مسلم بن عمرو الباهلي : لا ، والله ، لا تذوق الماء ، يا ابن عقيل! حتى تذوق الموت ، فقال له مسلم : ويلك ، ما أجفاك ، وأفظك ، وأقسى قلبك؟ أشهد عليك إن كنت من قريش فإنّك ملصق ، وإن كنت من غير قريش فأنت دعي ، من أنت؟ يا عدو الله! قال : أنا من عرف الحق إذ أنكرته ، ونصح الإمام إذ غششته ، وأطاع إذ خالفته ، أنا مسلم بن عمرو الباهلي ، فقال له مسلم : لامّك الهبل ، يا ابن


باهلة! أنت أولى بالحميم ؛ والخلود في نار الجحيم ؛ إذ آثرت طاعة آل أبي سفيان على طاعة آل محمد.

ثم قال : ويحكم ، يا أهل الكوفة! اسقوني شربة من ماء ، فأتاه غلام لعمرو بن حريث المخزومي بقلة فيها ماء وقدح من قوارير ، فصب القلّة في القدح وناوله ، فأخذ مسلم القدح بيده ، فكلما أراد أن يشرب امتلأ القدح دما ، فلم يقدر أن يشرب من كثرة الدم ، وسقطت ثنيتاه في القدح ، فامتنع من شرب ذلك الماء.

وفي رواية : أن محمد بن الأشعث لما أعطاه الأمان رمى بسيفه ، فأخذوه وحملوه على بغلة فدمعت عيناه ، فقال محمّد : إني لأرجو أن لا بأس عليك ، فقال : ويحك ، ما هو إلّا الرجاء ، فأين أمانكم؟ إنا لله وإنا إليه راجعون ، وبكى فقال ـ عبيد الله بن العبّاس السلمي ـ : من يطلب مثل الذي طلبت لا يبكي ، فقال : إني ، والله ، ما على نفسي أبكي ، لكني أبكي على أهلي المقبلين إليكم ، أبكي على الحسين وآل الحسين.

ولما ركب على البغلة ونزع منه السيف استرجع وقال : هذا أوّل الغدر ، وآيس من نفسه ، وعلم أن لا أمان له من القوم ، فقال لمحمد بن الأشعث : إني لأظنك أن تعجز عن أماني ، أفتستطيع أن تبعث رجلا عن لساني يبلغ حسينا فإني لا أراه إلّا قد خرج إلى ما قبلكم ، هو وأهل بيته ، فيقول له : إنّ مسلما بعثني إليك ، وهو أسير في يد العدو ، يذهبون به إلى القتل ، فارجع بأهلك ولا يغرنّك أهل الكوفة ، فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل. إن أهل الكوفة قد كذبوني ، فكتبت إليك وليس لمكذوب رأي ، فقال محمد : والله ، لأفعلن ، ودعا ـ بإياس الطائي ـ وكتب معه إلى الحسين ما قاله مسلم عن لسان مسلم ، وأعطاه راحلة


وزادا ، فذهب فاستقبل الحسين بزبالة ، وكان مسلم حين تحول إلى دار هانئ كتب إلى الحسين كتابا ذكر فيه : كثرة من بايعه ، فهو قوله : كذبوني فكتبت إليك ، ثم اتي به فادخل على ابن زياد فاوقف ولم يسلم عليه ، فقال له الحرسي : سلّم على الأمير ، فقال مسلم : أسكت لا أم لك مالك والكلام ما هو لي بأمير فأسلّم عليه ، واخرى ما ينفعني سلامي وهو يريد قتلي ، فإن استبقاني فسيكثر.

فقال ابن زياد : لا عليك ، سلمت أو لم تسلم ، فإنّك مقتول ، فقال مسلم : إن قتلتني فلقد قتل من هو شرّ منك من هو خيرا مني ، ثمّ قال له : إن القوم قد آمنوني ، فقال محمد بن الأشعث إني قد آمنته ، فقال ابن زياد : وما أنت وذاك؟ كأني إنما أرسلتك لتؤمنه ، ثمّ قال لمسلم : يا شاق يا عاق! خرجت على إمامك وشققت عصا المسلمين ، وألقحت الفتنة ، فقال : كذبت يا ابن زياد إنما شقّ عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد ، وإنما ألقح الفتنة أنت وأبوك زياد بن عبيد بن علاج من ثقيف ، وأنا أرجو أن يرزقني الله الشهادة على يدي شرّ بريته ، فو الله ، ما خلعت وما غيرت ، وإنما أنا في طاعة الحسين ابن علي وابن فاطمة بنت رسول الله ، فهو أولى بالخلافة من معاوية وابنه وآل زياد ، فقال له ابن زياد : يا فاسق! ألم تكن تشرب الخمر بالمدينة؟ فقال مسلم : الله يعلم أني ما شربتها قط ، وأحق مني بشرب الخمر من يقتل النفس الحرام ، ويقتل على الغضب والعداوة والظن ، وهو في ذلك يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئا.

فقال له ابن زياد : يا فاسق! منتك نفسك أمرا حال الله دونه ، وجعله لأهله ، فقال مسلم : ومن أهله يا ابن مرجانة؟ فقال له : يزيد بن معاوية ، فقال مسلم : الحمد لله ، رضينا بالله حكما بيننا وبينكم ، فقال ابن زياد :


أتظن أنّ لك من الأمر شيئا ، فقال : لا ، والله ، ما هو بالظن ولكنّه اليقين ، فقال ابن زياد له : قتلني الله إن لم أقتلك شرّ قتلة ، فقال له مسلم : أما انّك لا تدع سوء القتلة ، وقبح المثلة ، وخبث السريرة ، ولؤم الفعلة لأحد غيرك أولى منك ، والله ، لو كان معي عشرة ممّن أثق بهم ، وقدرت على شربة ماء ، لطال عليك أن تراني في هذا القصر ، ولكن إن كنت قد عزمت على قتلي فأقم لي رجلا من قريش حتّى أوصي إليه بما اريد.

ثم نظر مسلم إلى ـ عمر بن سعد بن أبي وقاص ـ ، فقال له : إنّ بيني وبينك قرابة فاسمع مني ، فامتنع ، فقال له ابن زياد : ما يمنعك من الاستماع لابن عمك؟ فقام عمر إليه ، فقال له مسلم : اوصيك بتقوى الله فإنّ التّقوى درك كلّ خير ، ولي إليك حاجة ، فقال عمر : قل ما أحببت ، فقال : حاجتي إليك أن تسترد فرسي وسلاحي من هؤلاء القوم فتبيعه ، وتقضي عني سبعمائة درهم استدنتها في مصركم هذا ، وأن تستوهب جثتي إن قتلني هذا الفاسق ، فتواريني في التراب ، وأن تكتب للحسين : أن لا يقدم ، فينزل به ما نزل بي ، فقال عمر بن سعد : أيها الأمير! إنه يقول كذا وكذا ، فقال ابن زياد : يا ابن عقيل! أما ما ذكرت من دينك فإنما هو مالك ، تقضي به دينك ولسنا نمنعك أن تصنع به ما أحببت ، وأما جسدك فإنا إذا قتلناك فالخيار لنا ولسنا نبالي ما صنع الله بجثتك ، وأما الحسين فإنه إن لم يردنا لم نرده ، وان أرادنا لم نكف عنه.

وفي رواية : أنه قال : وأما الحسين فلا ولا كرامة ، ولكن اريد أن تخبرني يا بن عقيل! لما ذا أتيت أهل هذا البلد ، وأمرهم جميع ، وكلمتهم واحدة ، فأردت أن تفرّق عليهم أمرهم ، وتحمل بعضهم على بعض؟ فقال له مسلم : ليس لذلك أتيت ، ولكن أهل هذا المصر زعموا أن ـ أباك ـ قتل


خيارهم ، وسفك دماءهم ، وأن معاوية حكم فيهم ظلما بغير رضى منهم ، وغلبهم على ثغورهم التي أفاء الله بها عليهم ، وأن عاملهم يتجبر ويعمل أعمال كسرى وقيصر ، فأتينا لنأمر بالعدل ، وندعو إلى الحكم بكتاب الله إذ كنا أهله ، ولم تزل الخلافة لنا ، وإن قهرنا عليها ، رضيتم بذلك أم كرهتم ، لأنكم أول من خرج على إمام هدى وشق عصا المسلمين ، ولا نعلم لنا ولكم مثلا ، إلّا قول الله تعالى :( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) الشعراء / ٢٢٧.

قال : فجعل ابن زياد يشتمه ، ويشتم عليا ؛ والحسن ؛ والحسين ، فقال مسلم : أنت وأبوك أحقّ بالشتم والسبّ ، فاقض ما أنت قاض يا عدوّ الله! فنحن أهل بيت موكل بنا البلاء ، فقال ابن زياد : اصعدوا به إلى أعلى القصر ، واضربوا عنقه ، واتبعوا رأسه جسده ، فقال مسلم : أم والله ، يا ابن زياد! لو كنت من قريش أو كان بيني وبينك رحم لما قتلتني ، ولكنك ابن أبيك ، فازداد ابن زياد غضبا ، ودعا برجل من أهل الشام قد كان مسلم ضربه على رأسه ضربة منكرة ، فقال له : خذ مسلما إليك واصعده إلى أعلى القصر ، وأضرب أنت عنقه بيدك ، ليكن ذلك أشفى لصدرك.

قال : فأصعد مسلم إلى أعلى القصر ، وهو يسبّح الله ويستغفره ، ويقول : اللهم! احكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا ، حتى اتي به إلى أعلى القصر ، فتقدم ذلك الشامي ، وضرب عنقه ، ثمّ نزل الشامي وهو مذعور مدهوش ، فقال له ابن زياد : ما شأنك أقتلته؟ قال : نعم ، إلّا أنه عرض عارض ، فأنا به مرعوب ، قال : وما الذي عرض؟ قال : رأيت ساعة قتلته رجلا بحذائي : أسود شديد السواد ؛ كريه المنظر ، عاضا على إصبعه أو قال شفته ، ففزعت منه فزعا لم افزع مثله قط ، فتبسم ابن زياد ، وقال : دهشت


من شيء لم تعتده قبل ذلك.

قال : ثم أمر ابن زياد بهانئ بن عروة أن يخرج فيلحق بمسلم بن عقيل ، فقال محمد بن الأشعث : أصلح الله الأمير! إنّك قد عرفت منزلته في المصر ، وشرفه وعشيرته ، وقد علم به قومه أني وأسماء بن خارجة جئنا به إليك ، فانشدك الله أيها الأمير! إلّا وهبته لي ، فإني أخاف عداوة أهل بيته فإنهم سادات أهل الكوفة وأكثرهم عددا ، قال : فزبره ابن زياد وأخرج هانئ إلى السوق إلى موضع تباع فيه الغنم وهو مكتوف ، فعلم هانئ أنه مقتول ، فجعل يقول : وا مذحجاه! وأين مني مذحج؟ وا عشيرتاه! وأين مني عشيرتي؟ ثمّ أخرج من الكتاف يده للمدافعة ، وقال : أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يجاحش به الرجل عن نفسه ، فوثبوا إليه وشدّوه ، ثمّ قالوا له : امدد عنقك ، فقال : ما أنا بها سخي ، ولا بمعينكم على نفسي ، فضربه غلام تركي لعبيد الله بن زياد بالسيف ضربة لم يصنع بها شيئا ، فقال هاني : إلى الله المعاد والمنقلب ، اللهم! إلى رحمتك ورضوانك ، اللهم! اجعل هذا اليوم كفارة لذنوبي ، فإني إنما غضبت لابن نبيك محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فتقدم إليه أيضا الغلام التركي واسمه «رشيد» فضربه فقتله.

ثم أمر ابن زياد بمسلم وبهانئ فصلبنا منكسين.

٢ ـ أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن عليّ بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة أبو علي إسماعيل بن أحمد بن الحسين البيهقي ، عن أبيه ، أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أخبرنا أبو عمرو بن السّماك ، حدثنا حنبل بن إسحاق ، حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، حدّثنا عمرو ابن دينار ، قال : أرسل الحسينعليه‌السلام مسلم بن عقيل إلى الكوفة ، وكان مثل الأسد لقد كان من قوته أنه يأخذ الرجل بيده فيرمي به فوق البيت إلى أن


قتل بالكوفة. عدنا إلى ما نحن فيه.

٣ ـ قال الإمام أحمد بن أعثم الكوفي في «تاريخه» : ولما صلب مسلم ابن عقيل ؛ وهانئ بن عروة ، قال فيهما عبد الله بن الزبير الأسدي :

إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري

إلى هانئ بالسوق وابن عقيل

الى بطل قد هشم السيف وجهه

وآخر يهوي من طمار قتيل

ترى جسدا قد غير الموت لونه

ونضح دم قد سال كل مسيل

فتى كان أحي من فتاة حييّة

وأقطع من ذي شفرتين صقيل

وأشجع من ليث بخفان مصحر

وأجرأ من ضار بغابة غيل

أصابهما أمر الأمير فأصبحا

أحاديث من يسري بكل سبيل

أيركب أسماء الهماليج آمنا

وقد طلبته مذحج بذحول

تطوف حواليه مراد وكلهم

على رقبة من سائل ومسول

فإن أنتم لم تثأروا لأخيكم

فكونوا بغايا ارضيت بقليل

قال : ثم كتب ابن زياد إلى يزيد : بسم الله الرّحمن الرّحيم لعبد الله يزيد ـ أمير المؤمنين ـ من عبيد الله بن زياد : الحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه ، وكفاه مئونة عدوّه ، ثمّ ذكر قدوم مسلم بن عقيل ، وذكر هانئ بن عروة ، وكيف أخذهما؟ وكيف قتلهما؟ ثمّ قال : وقد بعثت برأسيهما مع هانئ بن حيّة الوداعي ؛ والزبير بن الأروح التميمي ، وهما من أهل الطاعة والسنّة والجماعة ، فليسألهما أمير المؤمنين عما أحبّ ، فإنّ عندهما علما وفهما وصدقا وورعا.

فلما ورد الكتاب والرأسان جميعا نصبهما على باب دمشق ، ثمّ كتب لابن زياد :

أما بعد ـ فإنّك عملت عمل الحازم ، وصلت صولة الشجاع الرابط


الجاش ، فكفيت ووفيت ، وقد سألت رسوليك فوجدتهما كما زعمت ، وقد أمرت لكلّ واحد منهما بعشرة آلاف درهم وسرّحتهما إليك ، فاستوص بهما خيرا ، وقد بلغني : أنّ الحسين بن علي قد عزم على المصير إلى العراق ، فضع المراصد والمناظر والمسالح ، واحترس واحبس على الظن ، واقتل على التهمة ، واكتب في ذلك إليّ كلّ يوم بما يحدث من خبر.

قال : وبلغ الحسين : أنّ مسلم بن عقيل قد قتل ، وذلك أنه قدم عليه رجل من أهل الكوفة ، فسأله : عن مسلم؟ فقال : والله ، يا ابن رسول الله! ما خرجت من الكوفة ، حتى نظرت إلى مسلم بن عقيل ، وهانئ بن عروة المذحجي ، قتيلين جميعا مصلوبين منكسين في سوق القصابين ، وقد وجّه برأسيهما إلى يزيد.

فاستعبر الحسين باكيا ، ثمّ قال : «إنا لله وإنا إليه راجعون» ، وعزم على المسير الى العراق ، فدخل عليه ـ عمر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام المخزومي ـ ، فقال : يا ابن رسول الله! أتيتك لحاجة اريد أن أذكرها لك ، وأنا غير غاش لك فيها ، فهل لك أن تسمعها؟ فقال : «قل : ما أحببت» فقال : أنشدك الله ، يا ابن عم! أن لا تخرج إلى العراق ، فإنهم من قد عرفت ، وهم أصحاب أبيك ، وولاتهم عندهم ، وهم يجبون البلاد ، والناس عبيد المال ، ولا آمن أن يقاتلك من كتب إليك يستقدمك.

فقال الحسين : «سأنظر فيما قلت ، وقد علمت أنك أشرت بنصح ، ومهما يقض الله من أمر فهو كائن البتة ، أخذت برأيك أم تركت» فانصرف عنه عمر بن عبد الرّحمن ، وهو يقول :

ربّ مستنصح سيعصي ويؤذي

ونصيح بالغيب يلفى نصيحا

وقدم ابن عباس في تلك الأيام إلى مكة ، وقد بلغه أن الحسين عزم


على المسير ، فأتى إليه ودخل عليه مسلّما ، ثم قال له : جعلت فداك! إنّه قد شاع الخبر في الناس ، وارجفوا بأنّك سائر الى العراق ، فبين لي ما أنت عليه؟

فقال : «نعم ، قد أزمعت على ذلك في أيامي هذه إن شاء الله ، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم» ، فقال ابن عباس : اعيذك بالله ، من ذلك فإنك إن سرت إلى قوم قتلوا أميرهم ، وضبطوا بلادهم ، واتقوا عدوهم ، ففي مسيرك إليهم لعمري الرشاد والسداد ، وإن سرت إلى قوم دعوك إليهم ، وأميرهم قاهر لهم ، وعمالهم يجبون بلادهم ، فإنما دعوك إلى الحرب والقتال ، وأنت تعلم أنّه بلد قد قتل فيه أبوك ؛ واغتيل فيه أخوك ؛ وقتل فيه ابن عمّك ، وقد بايعه أهله ، وعبيد الله في البلد يفرض ويعطي ، والناس اليوم عبيد الدينار والدرهم ، فلا آمن عليك أن تقتل ، فاتّق الله والزم هذا الحرم ، فإن كنت على حال لا بدّ أن تشخص ، فصر إلى اليمن فإن بها حصونا لك ، وشيعة لأبيك ، فتكون منقطعا عن الناس.

فقال الحسين : «لا بدّ من العراق» ، قال : فإن عصيتني فلا تخرج أهلك ونساءك ، فيقال : إنّ دم عثمان عندك وعند أبيك ، فو الله ، ما آمن أن تقتل ونساؤك ينظرن كما قتل عثمان.

فقال الحسين : «والله يا ابن عم! لئن أقتل بالعراق أحبّ إليّ من أن اقتل بمكة ، وما قضى الله فهو كائن ، ومع ذلك أستخير الله وأنظر ما يكون».

وأقبل إليه ـ عبد الله بن مطيع العدوي ـ ، فقال : جعلت فداك ، يا ابن رسول الله! لا تخرج إلى العراق فإنّ حرمتك من الله حرمة ، وقرابتك من رسول الله قرابة ، وقد قتل ابن عمّك بالكوفة ، وإنّ بني اميّة إن قتلوك لم يرتدعوا عن حرمة الله أن ينتهكوها ، ولم يهابوا أحدا بعدك أن يقتلوه ، فالله ، الله ، أن تفجعنا بنفسك ، فلم يلتفت الحسين إلى كلامه.


ثمّ أقبل عبد الله بن الزبير فسلّم عليه ، وجلس ساعة ، ثمّ قال : أما والله ، يا بن رسول الله! لو كان لي بالعراق مثل شيعتك لما أقمت بمكة يوما واحدا ، ولو أنك أقمت بالحجاز ما خالفك أحد ، فعلى ما ذا نعطي هؤلاء الدنية ، ونطمعهم في حقنا ، ونحن أبناء المهاجرين وهم أبناء المنافقين؟ قال : وكان هذا الكلام مكرا من ابن الزبير لأنّه لا يحبّ أن يكون بالحجاز أحد يناويه ، فسكت عنه الحسين وعلم ما يريد.

ثم عاد عليه ابن عباس مرّة ثانية ، فأشار عليه بما أشار عليه أوّلا ، ونهاه أن يخرج إلى العراق ، وأن يخرج بنسائه وأهله فيقتل وهم ينظرون إليه ، كما قتل عثمان وأهله ينظرون إليه ، فلا يقدرون له على حيلة ، ثمّ قال : والله ، يا ابن رسول الله! لقد أقررت عيني ابن الزبير بخروجك عن مكة ، وتخليتك إياه في هذه البلدة ، فهو اليوم لا ينظر إليه أحد ، وإذا خرجت نظر النّاس إليه بعدك. فقال الحسين : «فإني أستخير الله في هذا الأمر وأنظر ما يكون» فخرج ابن عبّاس ، وهو يقول : وا حسيناه! ثمّ إن ابن عبّاس مرّ بابن الزبير في طريقه ، وقال له :

يا لك من قبرة بمعمر

خلا لك الجو فبيضي واصفري

ونقري ما شئت أن تنقري

إن ذهب الصائد عنك فابشري

قد رفع الفخ فما من حذر

هذا الحسين سائر فانتشري

ثمّ قال له : قرّت عيناك يا ابن الزبير! فهذا الحسين يخرج إلى العراق ، ويخليك والحجاز ، واتصل الخبر بالمدينة ، وبلغهم أنّ الحسين عزم على الخروج إلى العراق ، فكتب إليه ـ عبد الله بن جعفر الطيار ـ :

بسم الله الرّحمن الرّحيم للحسين بن عليّ من عبد الله بن جعفر :

أما بعد ـ فإني انشدك الله أن تخرج من مكة ، فإني خائف عليك من


هذا الأمر الذي قد أزمعت عليه أن يكون فيه هلاكك ، واستئصال أهل بيتك ، فإنّك إن قتلت خفت أن يطفأ نور الله ، فأنت علم المهتدين ، ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل بالمسير إلى العراق ، فإني آخذ لك الأمان من يزيد ومن جميع بني اميّة لنفسك ولمالك وأولادك وأهلك ، والسلام.

فكتب إليه الحسين :

«أما بعد ـ فإنّ كتابك ورد عليّ فقرأته وفهمت ما فيه ، اعلم أني قد رأيت جدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في منامي ، فأخبرني بأمر أنا ماض له ؛ كان لي الأمر أو عليّ ، فو الله ، يا ابن عم! لو كنت في حجر هامة من هوام الأرض لاستخرجوني حتى يقتلوني ، وو الله ، ليعتدن عليّ كما اعتدت اليهود في يوم السبت ، والسّلام».

وكتب إليه ـ عمرو بن سعيد بن العاص ـ من المدينة :

أما بعد ـ فقد بلغني أنك قد عزمت على الخروج إلى العراق ، ولقد علمت ما نزل بابن عمك مسلم بن عقيل وشيعته ، وأنا اعيذك بالله تعالى من الشقاق ، فإني خائف عليك منه ، ولقد بعثت إليك بأخي ـ يحيى بن سعيد ـ فأقبل إليّ معه ، فلك عندنا الأمان والصلة ، والبر والإحسان وحسن الجوار ، والله بذلك عليّ شهيد ووكيل ، وراع وكفيل ، والسلام.

فكتب إليه الحسين :

«أما بعد ـ فإنّه لم يشاق من دعا إلى الله وعمل صالحا ، وقال : إنني من المسلمين ، وقد دعوتني إلى البر والإحسان ، وخير الأمان أمان الله ، ولن يؤمن الله يوم القيامة من لا يخافه في الدّنيا ، ونحن نسأله لك ولنا في هذه الدنيا عملا يرضى لنا يوم القيامة ، فإن كنت بكتابك هذا إليّ أردت بري وصلتي ، فجزيت بذلك خيرا في الدّنيا والآخرة ، والسلام».


ثم أتى كتاب من يزيد بن معاوية إلى عمرو بن سعيد ، يأمره فيه : أن يقرأه على أهل الموسم وفيه :

يا أيها الراكب الغادي لطيته

على عذافرة في سيرها قحم

أبلغ قريشا على نأي المزار بها

بيني وبين الحسين الله والرّحم

وموقف بفناء البيت ينشده

عهد الإله وما توفي به الذمم

عنيتم قومكم فخرا بامكم

أم لعمري حصان عمّها الكرم

هي التي لا يداني فضلها أحد

بنت الرسول وكلّ النّاس قد علموا

وفضلها لكم فضل وغيركم

من قومكم لهم من فضلها قسم

إني أظن وخير القول أصدقه

والظن يصدق أحيانا وينتظم

إن سوف يترككم ما تدعون به

قتلى تهاداكم العقبان والرخم

يا قومنا! لا تشبوا الحرب إذ سكنت

واستمسكوا بحبال الخير واعتصموا

قد عضت الحرب من قد كان قبلكم

من القرون وقد بادت بها الامم

فأنصفوا قومكم لا تشمخوا بذخا

فربّ ذي بذخ زلّت به القدم

وأتى مثله إلى ـ أهل المدينة ـ من قريش وغيرهم ، قال الشعبي : لكأنه ينظر إلى مصارع القوم ، قال : فوجه أهل المدينة بهذه الأبيات إلى الحسين ، ولم يعلموه أنها من يزيد ، فلما نظرها الحسين علم أنها منه ، وكتب إليهم في الجواب : «بسم الله الرّحمن الرّحيم( وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) يونس / ٤١.

٤ ـ أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد الحافظ أبو الحسن عليّ بن أحمد العاصمي ، عن شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد ، عن والده أحمد بن الحسين البيهقي ، أخبرنا أبو محمد عبد الله السكري ـ ببغداد ـ ، أخبرنا إسماعيل بن أحمد الصفار ، حدثنا أحمد بن منصور ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا ابن


عيينة ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس ، قال : سمعت ـ ابن عبّاس ـ يقول : استشارني الحسين بن علي في الخروج من مكة ، فقلت : لو لا أن يزري بي وبك لتشبثت بيدي في رأسك ، قال : فقال : «ما احبّ أن تستحلّ بي» ـ يعني : مكّة.

٥ ـ قال : وبهذا الإسناد ، عن والدي ، أخبرنا أبو الحسين بن الفضل ، أخبرنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا أبو بكر الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عبد الله بن شريك ، عن بشر بن غالب ، قال : قال عبد الله بن الزبير للحسين بن عليعليه‌السلام : أين تذهب إلى قوم قتلوا أباك ، وطعنوا أخاك؟! فقال له الحسين : «لأن اقتل بمكان كذا وكذا ، أحبّ إليّ من أن تستحلّ بيّ» ـ يعني مكّة.

[انتهى «الفصل العاشر» والحمد لله ربّ العالمين]


الفصل الحادى عشر

في خروجه من مكة

الى العراق وما جرى عليه في

طريقه ونزوله بالطف من كربلاء ومقتلهعليه‌السلام



١ ـ قال الإمام الأجل والشيخ المبجل أحمد بن أعثم الكوفي في «تاريخه» : ثمّ جمع الحسينعليه‌السلام أصحابه الذين عزموا على الخروج معه إلى العراق ، فأعطى كل واحد منهم : عشرة دنانير ، وجملا يحمل عليه رحله وزاده ، ثمّ إنه طاف بالبيت ، وطاف بالصفا والمروة ، وتهيأ للخروج ، فحمل بناته وأخواته على المحمل ، وفصل من مكة يوم الثلاثاء ـ يوم التروية ـ لثمان مضين من ذي الحجّة ، ومعه اثنان وثمانون رجلا من شيعته ومواليه وأهل بيته.

فلمّا خرج اعترضه أصحاب الأمير عمرو بن سعيد بن العاص فجالدهم بالسياط ، ولم يزد على ذلك فتركوه ، وصاحوا على أثره : ألا تتق الله تخرج من الجماعة ؛ وتفرق بين هذه الامّة؟ فقال الحسين : «لي عملي ولكم عملكم» ، وسارعليه‌السلام حتّى مرّ «بالتنعيم» فلقي هناك عيرا تحمل الورس والحلل إلى يزيد بن معاوية من عامله باليمن ـ بحير بن ريسان الحميري ـ ، فأخذ الحسين ذلك كلّه ، وقال لأصحاب الإبل : «لا أكرهكم : من أحبّ أن


يمضي معنا للعراق أوفيناه كراه ، وأحسنا صحبته ، ومن أحبّ أن يفارقنا من مكاننا هذا ، أعطيناه من الكرى ما قطع من الأرض».

فمن فارقه منهم حوسب وأوفاه حقّه ، ومن مضى معه أعطاه كراه وكساه ، ثمّ سار حتى إذا صار «بذات عرق» لقيه رجل من ـ بني أسد ـ يقال له : بشر بن غالب ، فقال له الحسين : «ممّن الرجل»؟ قال : من بني أسد ، قال : «فمن أين أقبلت»؟ قال : من العراق ، قال : «فكيف خلفت أهل العراق»؟ فقال : يا ابن رسول الله! خلفت القلوب معك ، والسيوف مع بني اميّة ، فقال له الحسين : «صدقت يا أخا بني أسد! إنّ الله تبارك وتعالى يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد» ، فقال له الأسدي : يا بن رسول الله! أخبرني عن قول الله تعالى :( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) الإسراء / ٧١ ، فقال له الحسينعليه‌السلام : «نعم ، يا أخا بني أسد! هما إمامان : إمام هدى دعا إلى هدى ؛ وإمام ضلالة دعا إلى ضلالة ، فهذا ومن أجابه إلى الهدى في الجنّة ، وهذا ومن أجابه إلى الضلالة في النار».

قال : واتصل الخبر ـ بالوليد بن عتبة ـ أمير المدينة : بأنّ الحسين بن عليّ توجه إلى العراق ، فكتب إلى عبيد الله بن زياد : أما بعد : فإن الحسين ابن علي قد توجه إلى العراق ، وهو ابن فاطمة البتول ، وفاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاحذر يا ابن زياد! أن تأتي إليه بسوء فتهيج على نفسك في هذه الدنيا ما لا يسدّه شيء ، ولا تنساه الخاصة والعامة أبدا ما دامت الدنيا.

قال : فلم يلتفت عدوّ الله إلى كتاب الوليد بن عتبة.

٢ ـ أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد الحافظ أبو الحسن عليّ بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا والدي أحمد بن الحسين ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا محمد بن يعقوب ،


حدثنا يحيى بن أبي طالب ، حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا يحيى بن إسماعيل الأسدي ، قال : سمعت الشعبي يحدث ، عن ابن عمر : أنه كان بماء له ، فبلغه : أن ـ الحسين بن علي ـ توجه إلى العراق ، فلحقه على مسيره ثلاث ليال ، فقال له : أين تريد؟ قال : «العراق» وإذا معه طوامير وكتب ، فقال : «هذه كتبهم وبيعتهم». فقال : لا تأتهم ، فأبى ، فقال : إني محدّثك حديثا : أنّ جبرئيلعليه‌السلام أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فخيره بين الدنيا والآخرة ، فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا ، وأنتم بضعة من رسول الله لا يليها أحد منكم ، وما صرفها الله عنكم إلّا للذي هو خير لكم ، قال : فأبى أن يرجع ، فاعتنقه ابن عمر وبكى ، وقال : أستودعك الله من قتيل.

٣ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو الحسين بن الفضل ، أخبرنا عبد الله بن جعفر ، أخبرنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا أبو بكر الحميدي ، حدثنا سفيان [ح] قال أحمد بن الحسين : أخبرنا عبد الله بن يحيى ، حدثنا إسماعيل بن محمد ، حدثنا أحمد بن منصور بن عبد الرزاق ، أخبرنا سفيان بن عيينة ، حدثنا لبطة بن الفرزدق ، عن أبيه الفرزدق بن غالب قال : خرجنا حجاجا ، فلمّا كنا «بالصفاح» إذا نحن بركب عليهم اليلامق(١) ومعهم الدرق ، فلمّا دنوت منهم ، إذا أنا بالحسين بن عليعليه‌السلام فقلت : أبو عبد الله! وسلمت عليه.

فقال : «ويحك ، يا فرزدق! ما وراك»؟ فقلت : خير ، أنت أحبّ الناس إلى الناس ، والقضاء في السماء ، والسيوف مع بني أميّة ، ثم فارقناه وسرنا ، فلما قضينا حجنا وكنا ـ بمنى ـ ، قلنا : لو أتينا عبد الله بن عمرو فسألناه عن الحسين ، وعن مخرجه ، فأتينا منزله فإذا نحن بصبية له سود

__________________

(١) اليلامق : جمع يلمق وهو القباء.


مولدين ، فقلنا : أين أبوكم فقالوا : في الفسطاط يتوضأ ، فلم يلبث أن خرج إلينا ، فسألناه عن الحسين ومخرجه ، فقال : أما إنّه لا يحيك(١) فيه السلاح ، فقلت له : أتقول هذا فيه ، وأنت بالأمس تقاتله وأباه؟ فسبني فسببته ، وخرجنا من عنده ، فأتينا ماء لنا ، يقال له : «تعشار» فجعل لا يمر بنا أحد إلّا سألناه عن الحسين حتّى مرّ بنا ركب ، فسألناهم : ما فعل الحسين؟ قالوا : قتل ، فقلت : فعل الله ـ بعبد الله بن عمرو ـ وفعل.

وفي رواية ـ عبد الرزاق ـ قال : فرفعت يدي ، وقلت : اللهم! افعل بعبد الله بن عمرو إن كان قد سخر بي.

قال الحميدي : قال سفيان : أخطأ الفرزدق التأويل ، إنما أراد ـ عبد الله بن عمر ـ وبقوله : لا يحيك فيه السلاح : أنه لا يضره السلاح مع ما قد سبق له ، ليس أنه لا يقتل ، كقولك : حاك في فلان ما قيل فيه.

٤ ـ وبهذا الإسناد ، قال أحمد بن الحسين : والذي يؤكد قول سفيان من اعتقاد ـ عبد الله بن عمرو ـ في الحسين بن علي ، ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني مسلم بن الفضل الآدمي ـ بمكة ـ ، حدثني أبو شعيب الحراني ، حدثني داود بن عمرو ، حدثني علي بن هاشم بن البريد ، عن أبيه ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن أبيه ، قال : كنت في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حلقة فيها : أبو سعيد الخدري ؛ وعبد الله بن عمرو بن العاص ، فمرّ بنا ـ الحسين بن عليّ ـ فسلّم فردّ عليه القوم ، فسكت عبد الله بن عمرو حتى إذا فرغوا رفع عبد الله بن عمرو صوته ، فقال : وعليك السّلام ورحمة الله وبركاته ، ثمّ أقبل على القوم فقال : ألا اخبركم بأحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء؟ قالوا : بلى ، قال : هذا هو المقتفي ، والله ، ما كلمني بكلمة من

__________________

(١) يحيك : أي يؤثر.


ليالي صفين ، ولأن رضي عني أحبّ إلي من أن تكون لي حمر النعم.

٥ ـ وذكر الإمام أحمد بن أعثم الكوفي : أنّ الفرزدق إنما لقيه «بالشقوق» فسلّم عليه الفرزدق ، ثمّ دنا منه فقبّل يده ، فقال له الحسين : «من أين أقبلت يا أبا فراس»؟ فقال : من الكوفة يا بن رسول الله! قال : «فكيف خلفت أهل الكوفة»؟ قال : خلفت قلوب النّاس معك ، وسيوفهم مع بني اميّة ، والقضاء ينزل من السماء ، والله يفعل في خلقه ما يشاء ، فقال له الحسين : «صدقت وبررت ، إن الأمر لله تبارك وتعالى كلّ يوم هو في شأن ، فإن نزل القضاء بما نحبّ فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء فلن يبعد من الحق بغيته».

فقال الفرزدق : جعلت فداك يا ابن رسول الله؟ كيف تركن إلى أهل الكوفة ، وهم الذين قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل وشيعته؟ فاستعبر الحسين باكيا ، ثم قال : «رحم الله مسلما فلقد صار إلى روح الله وريحانه ، وتحيته وغفرانه ورضوانه ، أما إنه قضى ما عليه ، وبقي ما علينا». ثم أنشأ في ذلك يقول :

«فإن تكن الدّنيا تعدّ نفيسة

فإنّ ثواب الله أعلى وأنبل

وإن تكن الأبدان للموت أنشئت

فقتل امرئ في الله بالسيف أفضل

وإن تكن الأرزاق قسما مقدرا

فقلة حرص المرء في الرزق أجمل

وإن تكن الأموال للترك جمعها

فما بال متروك به المرء يبخل»؟

ثم ودعه الفرزدق في نفر من أصحابه ، ومضى يريد مكة ، فأقبل عليه ابن عم له من ـ بني مجاشع ـ ، فقال له : يا أبا فراس أهذا الحسين بن علي؟ فقال له الفرزدق : هذا الحسين بن فاطمة الزهراء بنت محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذا والله ، خيرة الله وأفضل من مشى على وجه الأرض من خلق الله ، وقد


كنت قلت فيه أبياتا قبل اليوم ، فلا عليك أن تسمعها ، فقال له ابن عمّه : أنشدنيها يا أبا فراس! فأنشده :

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحلّ والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلّهم

هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله

بجدّه أنبياء الله قد ختموا

مشتقة من رسول الله نبعته

طابت عناصره والخيم والشيم

إذا رأته قريش قال قائلها

إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

ينمى الى ذروة العزّ التي قصرت

عن نيلها عرب الإسلام والعجم

يكاد يمسكه عرفان راحته

ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

يغضي حياء ويغضى من مهابته

فلا يكلّم إلا حين يبتسم

ينشق ثوب الدجى عن نور غرته

كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم

الله شرّفه قدما وعظّمه

جرى بذاك له في لوحه القلم

فليس قولك من هذا بضائره

العرب تعرف من أنكرت والعجم

كلتا يديه غياث عمّ نفعهما

تستو كفان ولا يعروها العدم

من جدّه دان فضل الأنبياء له

وفضل امته دانت له الامم

سهل الخليقة لا تخشى بوادره

يزينه اثنان حسن الخلق والشيم

حمال أثقال أقوام إذا فدحوا

حلو الشمائل تحلو عنده نعم

لا يخلف الوعد ميمون نقيبته

رحب الفناء أريب حين يعتزم

عمّ البرية بالإحسان فانقشعت

عنها الغيابة والإملاق والعدم

من معشر حبهم دين وبغضهم

كفر وقربهم منجى ومعتصم

يستدفع السوء والبلوى بحبهم

ويستزاد به الإحسان والنعم

إن عدّ أهل التقى كانوا أئمتهم

أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

لا يستطيع جواد بعد غايتهم

ولا يدانيهم قوم وإن كرموا

هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت

والاسد اسد الشرى والبأس محتدم


يأبى له أن يحل الذّمّ ساحتهم

خيم كريم وأيد بالندى هضم

لا يقبض العسر بسطا من أكفهم

سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا

مقدّم بعد ذكر الله ذكرهم

في كلّ بدء ومختوم به الكلم

أيّ الخلائق ليست في رقابهم

لأولية هذا أو له نعم؟

من يعرف الله يعرف أولية ذا

فالدّين من بيت هذا ناله الامم

قال : ثم قال الفرزدق لابن عمه : قد قلت فيه هذه الأبيات غير متعرض لمعروفه ، ولكن أردت الله تبارك وتعالى والدار الآخرة والفوز والنعيم(١) .

وذكر غيره : إنّ الحسين بن عليّعليه‌السلام دخل المسجد الحرام وقت ما كان بمكة ، وهو يخطر في مشيته ، فقال الفرزدق : من هذا؟ فقيل : الحسين بن عليّ ، فقال : حقّ له ، ثمّ وقف عليه فأنشده الأبيات.

٦ ـ قال الإمام أحمد بن أعثم : ثمّ مضى «الحسين» فلقيه «زهير بن القين» ، فدعاه الحسين إلى نصرته فأجابه لذلك ، وحمل إليه فسطاطه ، وطلّق امرأته ، وصرفها إلى أهلها ، وقال لأصحابه : إني كنت غزوت «بلنجر» مع «سلمان الفارسي» فلما فتح علينا اشتدّ سرورنا بالفتح ، فقال لنا سلمان : لقد فرحتم بما أفاء الله عليكم ، قلنا : نعم ، قال : فإذا أدركتم شباب آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فكونوا أشدّ فرحا بقتالكم معه منكم بما أصبتم اليوم ، فأنا أستودعكم الله تعالى ، ثمّ ما زال مع الحسين حتّى قتل.

٧ ـ قال : ولما نزل الحسين «بالخزيمية» قام بها يوما وليلة فلما أصبح جاءت إليه اخته «زينب بنت علي» فقالت له : يا أخي! ألا اخبرك بشيء

__________________

(١) قال الأربلي : الذي أظن أنها قالها في مدح الحسين ثم أنشدها في ابنه علي بمكة حين سأل هشام عنه كما هي مشهورة.


سمعته البارحة؟ فقال لها : «وما ذاك يا اختاه»؟ فقالت : إني خرجت البارحة في بعض اللّيل لقضاء حاجة ، فسمعت هاتفا يقول :

ألا يا عين فاحتفلي بجهد

فمن يبكي على الشهداء بعدي

على قوم تسوقهم المنايا

بمقدار إلى انجاز وعد

فقال لها الحسين : «يا اختاه! كلّ ما قضي فهو كائن» ، وسار الحسين حتى نزل «الثعلبية» وذلك في وقت الظهيرة ، ونزل أصحابه فوضع رأسه فأغفى ، ثمّ انتبه باكيا من نومه ، فقال له ابنه «علي بن الحسين» : «ما يبكيك يا أبة؟ لا أبكى الله عينيك» ، فقال له : «يا بني! هذه ساعة لا تكذب فيه الرؤيا ، فاعلمك أني خفقت برأسي خفقة ، فرأيت فارسا على فرس وقف عليّ وقال : يا حسين! إنكم تسرعون والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة ، فعلمت أنّ أنفسنا نعيت إلينا» ، فقال له ابنه عليّ : «يا أبة! أفلسنا على الحق»؟ قال : «بلى ، يا بني! والذي إليه مرجع العباد» ، فقال ابنه عليّ : إذن لا نبالي بالموت ، فقال له الحسين : «جزاك الله يا بني! خير ما جزى به ولدا عن والده».

ولما أصبح إذا برجل من أهل الكوفة ، يكنى ـ أبا هرة الأزدي ـ قد أتاه فسلّم عليه ، ثمّ قال له : يا ابن رسول الله! ما الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدّك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقال له الحسين : «يا أبا هرّة! إنّ بني اميّة قد أخذوا مالي فصبرت ، وشتموا عرضي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت ، يا أبا هرة! لتقتلني الفئة الباغية ، وليلبسنّهم الله تعالى ذلا شاملا ، وسيفا قاطعا ، وليسلطن الله عليهم من يذلّهم ، حتّى يكونوا أذل من قوم «سبأ» إذ ملكتهم امرأة منهم ، فحكمت في أموالهم ودمائهم».

ثمّ سار الحسين حتى نزل «قصر بني مقاتل» فإذا هو بفسطاط


مضروب ، ورمح مركوز ، وسيف معلّق ، وفرس واقف على مذود(١) ، فقال الحسين : «لمن هذا الفسطاط»؟ فقيل : لرجل يقال له : «عبيد الله بن الحر الجعفي» ، فأرسل إليه الحسين برجل من أصحابه ، يقال له : «الحجاج بن مسروق الجعفي» فأقبل حتى دخل عليه في فسطاطه ، فسلّم عليه فردّ عليه عبيد الله السلام ، ثمّ قال له : ما وراءك؟ قال : ورائي ، والله ، يا ابن الحر! الخير ، إنّ الله تعالى قد أهدى إليك كرامة عظيمة إن قبلتها ، فقال عبيد الله : ما ذاك؟ قال الحجاج : هذا ـ الحسين بن علي ـ يدعوك إلى نصرته ، فإن قاتلت بين يديه اجرت ، وإن قتلت استشهدت ، فقال عبيد الله : والله ، يا حجاج! ما خرجت من الكوفة إلّا مخافة أن يدخلها الحسين وأنا فيها لا أنصره ، فإنه ليس له فيها : شيعة ؛ ولا أنصار ، إلّا مالوا إلى الدنيا وزخرفها ، إلّا من عصم الله منهم ، فارجع إليه وأخبره بذلك.

قال : فجاء الحجاج الى الحسين وأخبره ، فقام الحسينعليه‌السلام فانتعل ، ثمّ صار إليه في جماعة من أهل بيته وإخوانه ، فلما دخل عليه وثب عبيد الله بن الحر عن صدر المجلس ، وأجلس الحسين فيه ، فحمد الله الحسين وأثنى عليه ، ثمّ قال :

«أما بعد ـ يا ابن الحر! فإن أهل مصركم هذا كتبوا إليّ ، وأخبروني أنهم مجتمعون على أن ينصروني ، وأن يقوموا من دوني ، وأن يقاتلوا عدوي ، وسألوني القدوم عليهم ، فقدمت ولست أرى الأمر على ما زعموا ، لأنهم قد أعانوا على قتل ابن عمي ـ مسلم بن عقيل ـ وشيعته ، وأجمعوا على ـ ابن مرجانة ـ عبيد الله بن زياد ، مبايعين ليزيد بن معاوية ، يا ابن الحر! إنّ الله تعالى مؤاخذك بما كسبت وأسلفت من الذنوب في الأيام الخالية ، وإني

__________________

(١) المذود : معتلف الفرس.


أدعوك إلى توبة تغسل ما عليك من الذنوب ، أدعوك إلى نصرتنا أهل البيت ، فإن اعطينا حقنا حمدنا الله تبارك وتعالى على ذلك وقبلناه ، وإن منعنا حقنا وركبنا بالظلم كنت من أعواني على طلب الحقّ».

فقال له عبيد الله : يا ابن رسول الله! لو كان بالكوفة لك شيعة وأنصار يقاتلون معك لكنت أنا من أشدّهم على عدوّك ، ولكن يا ابن رسول الله! رأيت شيعتك ـ بالكوفة ـ قد لزموا منازلهم خوفا من سيوف ـ بني أميّة ـ ، فأنشدك الله ، يا ابن رسول الله! أن تطلب مني غير هذه المنزلة ، وأنا اواسيك بما أقدر عليه ، خذ إليك فرسي هذه «الملحفة» فو الله ، إني ما طلبت عليها شيئا قط إلّا وقد لحقته ، ولا طلبت قط وأنا عليها فادركت ، وخذ سيفي هذا ، فو الله ما ضربت به شيئا إلّا أذقته حياض الموت.

فقال له الحسين : «يا بن الحر! إنا لم نأتك لفرسك وسيفك ، إنما أتيناك نسألك النصرة ، فإن كنت بخلت علينا في نفسك فلا حاجة لنا في شيء من مالك ، ولم أكن بالذي أتخذ المضلّين عضدا ، لأني قد سمعت جدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : من سمع بواعية أهل بيتي ثم لم ينصرهم على حقهم كبّه الله على وجهه في نار جهنم».

ثم قام الحسين من عنده وصار إلى رحله ، وندم عبيد الله بن الحر على ما فاته من صحبة الحسين ونصرته ، فأنشأ يقول :

أيا لك حسرة ما دمت حيا

تردد بين صدري والتراقي

غداة يقول لي بالقصر قولا

أتتركنا وتعزم بالفراق

حسين حين يطلب بذل نصري

على أهل العداوة والشقاق

فلو فلق التلهف قلب حيّ

لهمّ القلب مني بانفلاق

ولو آسيته يوما بنفسي

لنلت كرامة يوم التلاق

مع ابن محمد تفديه نفسي

فودع ثم أسرع بانطلاق


لقد فاز الأولى نصروا حسينا

وخاب الآخرون ذوو النفاق

قال : ولما وصل كتاب ـ يزيد ـ إلى ـ ابن زياد ـ أن يأخذ على ـ الحسين ـ بالمراصد والمسالح والثغور ، أنفذ ابن زياد ـ للحصين بن نمير التميمي ـ ، وكان على شرطته أن ينزل القادسية ، وينظم المسالح ما بين «القطقطانية» إلى «حفان» ، وتقدم إلى ـ الحر بن يزيد الرياحي ـ أن يتقدم بين يدي الحصين في ألف فارس ، وكان الحسين قد بعث بأخيه من الرضاعة ـ عبد الله بن يقطر ـ إلى أهل الكوفة ، فأخذه الحصين وأنفذه الى ابن زياد ، فقال له ابن زياد ، اصعد المنبر فالعن الحسين وأباه ، فصعد المنبر ودعا للحسين ، ولعن يزيد بن معاوية ؛ وعبيد الله بن زياد ؛ وأبويهما ، فرمي به من فوق القصر فجعل يضطرب وبه رمق ، فقام إليه ـ عبد الملك بن عمير اللخمي ـ فذبحه وليم عبد الملك ، فاعتذر أنه أراد أن يريحه مما فيه من العذاب.

قال : وسار «الحسين» حتى بلغ «زرود» فلقي رجلا على راحلة له ، وكان الحسين وقف ينتظره ، فلما رأى الرجل ذلك عدل عن الطريق فتركه الحسين ومضى.

قال عبد الله بن سليمان ؛ والمنذر بن المشمعل ـ الأسديان ـ : كنا نساير الحسين ، فلما رأينا الحسين وقف للرجل والرجل عدل عن طريقه ، لحقنا بالرجل فسلّمنا عليه فرد علينا السلام ، فقلنا : ممّن الرجل؟ قال : أسدي ، قلنا : ونحن أسديان ، فما الخبر؟ قال : الخبر ، أن مسلم بن عقيل ؛ وهاني ابن عروة ، قد قتلا ورأيتهما يجران في السوق بأرجلهما ، فأقبلنا نساير الحسين حتى نزل «الثعلبية» ممسيا ، فجئناه فسلمنا عليه فردّ علينا السلام ، فقلنا : رحمك الله ، إنّ عندنا لخبرا إن شئت حدثناك علانية ، وإن شئت سرا ، فنظر إلينا وإلى أصحابه ، وقال : «مادون هؤلاء سرّ»! فقلنا له : أرأيت


الراكب الذي استقبلته أمس ، وعدل عنك ، قال : «نعم ، وأردت مسألته» ، قلنا : فقد والله ، استبرأنا لك خبره ، وكفيناك مسألته ، وهو امرؤ منّا : ذو رأي ؛ وصدق ؛ وعقل ، وقد حدثنا أنّه لم يخرج من الكوفة حتّى قتل مسلم بن عقيل ؛ وهاني بن عروة ورآهما يجران في السوق بأرجلهما ، فقال : «إنا لله وإنّا إليه راجعون ، رحمة الله عليهما ـ يردد ذلك مرارا» ، فقلنا : ننشدك الله : في نفسك ؛ وأهل بيتك ؛ وهؤلاء الصبية ، إلّا انصرفت من مكانك هذا ، فإنّه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة ، بل نتخوف منهم أن يكونوا عليك.

فنظر الحسين إلى ـ بني عقيل ـ فقال لهم : «ما ترون فقد قتل مسلم»؟ فبادر بنو عقيل وقالوا : والله ، لا نرجع ، أيقتل صاحبنا وننصرف؟ لا ، والله ، لا نرجع حتى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق صاحبنا ، فأقبل علينا ، وقال : «لا خير في العيش بعد هؤلاء» ، فعلمنا أنّه قد عزم رأيه على المسير ، فقلنا له : خار الله لك ، فقال : «رحمكما الله تعالى» ، فقال له أصحابه : إنّك ، والله ما أنت بمثل مسلم ، ولو قدمت الكوفة ونظر النّاس إليك لكانوا إليك أسرع ، وما عدلوا عنك ولا عدلوا بك أحدا ، فسكت.

قال : ثمّ سار «الحسين» حتى انتهى إلى «زبالة» فورد عليه هناك مقتل أخيه من الرضاعة ـ عبد الله بن يقطر ـ ، وكان قد تبع الحسين خلق كثير من المياه التي يمرّ بها لأنهم كانوا يظنون استقامة الأمور لهعليه‌السلام فلما صار بزبالة قام فيهم خطيبا ، فقال : «ألا إنّ أهل الكوفة وثبوا على مسلم بن عقيل ، وهاني بن عروة ، فقتلوهما وقتلوا أخي من الرضاعة ، فمن أحبّ منكم أن ينصرف فلينصرف من غير حرج ، وليس عليه منّا ذمام» ، فتفرّق الناس وأخذوا يمينا وشمالا ، حتّى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكة ، وإنما


أراد أن لا يصحبه إنسان إلّا على بصيرة.

قال : ثم سار منها ، فقال رجل ممن كان معه : الله أكبر ، فقال الحسين : «ممّ كبرت»؟ قال : رأيت نخيل الكوفة ، فقال الأسديان : إنّ هذا مكان ما يرى فيه نخل الكوفة ، قال الحسين : «فما تريانه»؟ قالا : والله ، نرى أسنّة الرماح وآذان الخيل ، فقال : وأنا والله أرى ذلك ، ثم قالعليه‌السلام : «فهل لنا ملجأ نلجأ إليه فنجعله في ظهورنا ، ونستقبل القوم بوجه واحد؟ فقالا : بلى ، هذا «ذو حسم» إلى جنبك تميل إليه عن يسارك ، فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد ، فأخذ إليه ذات اليسار ، وأنا معه فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل فتبيّناها وعدلنا ، فلما رأونا عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا ، كأنّ أسنتهم «اليعاسيب» وكأنّ راياتهم «أجنحة الطير» ، فاستبقنا إلى ذي حسم ، فسبقناهم إليه ، وأمر الحسينعليه‌السلام بأبنية فضربت فنزل فيها ، وجاء القوم زهاء ألف فارس مع ـ الحر بن يزيد الرياحي التميمي ـ ، فأتى حتى وقف هو وخيله مقابل ـ الحسين ـ في حرّ الظهيرة ، والحسين وأصحابه معتمون متقلدو أسيافهم ، فقال الحسين لأصحابه : «اسقوا القوم ، وأرووهم من الماء ، ورشفوا الخيل ترشيفا.

فسقوهم حتى ارتووا ، وكانوا شاكين في السلاح لا يرى منهم إلّا الحدق ، وأقبلوا يملئون القصاع والطساس من الماء ، ثم يدنونها من الفرس ، فإذا عبّ فيها ثلاثا أو أربعا أو خمسا عزلت عنه ، وسقي آخر حتى سقوها عن آخرها.

قال عليّ بن طعان : فكنت مع الحر يومئذ ، فجئت في آخر من جاء من أصحابه ، فلما رأى الحسين ما بيّ وبفرسي من العطش ، قال لي : «أنخ الراوية» فلم أفهم ، لأنّ الراوية عندي السقاء ، فقال : «أنخ الجمل» ،


فأنخته ، فقال : «اشرب» ، فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء ، فقال الحسين : «أخنث السقاء» ، فلم أفهم أنه أراد أعطفه ، ولم أدر كيف أفعل؟ فقام فعطفه فشربت وسقيت فرسي ، وكان مجيء الحر بن يزيد من «القادسية» ، وكان عبيد الله بن زياد بعث الحصين بن نمير وأمره أن ينزل القادسية ، ويقدم الحرّ بين يديه في ألف فارس يستقبل بهم الحسين.

قال : فقال الحسين : «أيها القوم! من أنتم»؟ قالوا : نحن أصحاب الأمير عبيد الله بن زياد ، فقال الحسين : «ومن قائدكم»؟ قالوا : الحرّ بن يزيد الرياحي التميمي ، فناداه الحسين : «يا حر! ألنا أم علينا»؟ قال الحر : بل عليك يا أبا عبد الله! فقال الحسينعليه‌السلام : «لا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم» ، فلم يزل الحر موافقا للحسين حتى دنت صلاة الظهر ، فقال الحسين للحجاج بن مسروق : أذّن يرحمك الله ، وأقم الصلاة حتّى نصلي.

فأذّن الحجاج للظهر ، فلمّا فرغ صاح الحسين بالحر : «يا ابن يزيد! أتريد أن تصلّي ، بأصحابك ، وأنا اصلي بأصحابي»؟ فقال الحرّ : لا ، بل أنت تصلي ، ونحن نصلي بصلاتك يا أبا عبد الله! فقال للحجاج : «أقم» ، فأقام وتقدّم الحسين للصّلاة فصلّى بالعسكرين جميعا ، فلما فرغ وثب قائما متكئا على قائم سيفه ، وكان في : إزار ؛ ورداء ؛ ونعلين ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : «أيها الناس! معذرة إليكم اقدمها إلى الله ولي من حضر من المسلمين ، إني لم آتكم ، وفي رواية : لم أقدم إلى بلدكم حتّى أتتني كتبكم ، وقدمت عليّ رسلكم أن أقدم إلينا ، فإنه ليس علينا إمام ، فلعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق ، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فإن تعطوني ما أطمئن إليه وأثق به من عهودكم ومواثيقكم ، أدخل معكم إلى مصركم ، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين ، ولقدومي عليكم باغضين ،


انصرفت عنكم إلى المكان الذي منه جئت إليكم».

فقال الحرّ : والله ، إنا ما ندري بهذه الكتب التي تقول؟ فقال الحسين : «يا عقبة بن سمعان! اخرج إليّ الخرجين» فأخرجهما ، وأتى بهما مملوءين من كتب أهل الكوفة ، فنثر الكتب بين يديه ، فقال الحر : إنا لسنا من هؤلاء ، فبيناهم على تلك الحال وإذا كتاب ورد من الكوفة من عبيد الله بن زياد إلى الحر بن يزيد الرياحي : أما بعد ـ يا حرّ! فإذا أتاك كتابي هذا فجعجع بالحسين بن علي ، ولا تفارقه حتى تأتيني به ، فإني قد أمرت رسولي: أن يلزمك ولا يفارقك حتى تأتي بانفاذ أمري إليك ، والسلام.

فلما قرأ الحرّ الكتاب بعث إلى ثقات أصحابه فدعاهم ، ثمّ قال : ويحكم ، إنه قد ورد عليّ كتاب عبيد الله بن زياد يأمرني أن أقدم على الحسين بما يسوؤه ، ولا والله ، ما تطاوعني نفسي ، ولا تجيبني إلى ذلك أبدا ، فالتفت رجل من أصحاب الحر يكنى : «أبا الشعثاء الكندي» إلى رسول ابن زياد ، وقال له : فيم جئت ثكلتك امك؟ فقال له الرسول : أطعت إمامي ، ووفيت ببيعتي ، وجئت برسالة أميري ، فقال له أبو الشعثاء : لعمري ، لقد عصيت ربّك ، وإمامك ، وأهلكت نفسك ، واكتسبت ، والله عارا ونارا ، فبئس الإمام إمامك الذي قال فيه الله :( وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ ) القصص / ٤١ ، ودنت صلاة العصر ، فأمر الحسين مؤذنه أيضا بالأذان فأذّن ، وأقام ، وتقدّم الحسين فصلّى بالعسكرين ، فلما انصرف من صلاته وثب قائما على قدميه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أما بعد ، أيها الناس! فإنكم إن تتقوا الله تعالى ، وتعرفوا الحق لأهله ، يكن رضاء الله عنكم ، وإنا أهل بيت نبيكم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أولى بولاية هذه الامور عليكم ، من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالظلم والجور


والعدوان ، وإن كرهتمونا ، وجهلتم حقنا ، وكان رأيكم على خلاف ما جاءت به كتبكم ، انصرفت عنكم».

فأجابه الحرّ ـ بمثل ما أجاب به أوّلا ـ ثم قال : يا ابن رسول الله! أمرنا إن لقيناك أن لا نفارقك حتّى نقدم بك على الأمير عبيد الله ، فتبسّم الحسين ، وقال : «يا بن يزيد! الموت أدنى من ذلك» ، ثمّ التفت إلى أصحابه ، فقال : «احملوا النساء ليركبن حتّى ننظر ما الذي يقدر أن يصنع هذا وأصحابه».

قال : فركبن النساء ، وركب أصحاب الحسين لينصرفوا ، وساقوا النساء بين أيديهم ، فتقدمت خيل ـ أهل الكوفة ـ فحالت بينهم وبين المسير ، فضرب الحسين بيده إلى سيفه ، وصاح بالحرّ : «ثكلتك امّك ، يا ابن يزيد! ما الذي تريد أن تصنع»؟ فقال الحر : أما والله ، يا أبا عبد الله! لو قالها غيرك من العرب ، لرددتها عليه كائنا من كان ، ولكن ، والله ، ما لي إلى ذكر امّك من سبيل ، غير أنّه لا بدّ لي من أن أنطلق بك إلى الأمير.

فقال الحسين : «ادن ، والله ، لا أتبعك أو تذهب نفسي» ، فقال له الحر : ادن ، والله ، لا افارقك أو تذهب نفسي وأنفس أصحابي ، فقال الحسين : «فذر إذن أصحابك وأصحابي ، وابرز إليّ ، فإن قتلتني حملت رأسي إلى ابن زياد ، وإن قتلتك أرحت الخلق منك» ، فقال الحر : إني لم أومر بقتالك ، وإنما امرت أن لا افارقك ، أو أقدم بك على الأمير ، وأنا ، والله كاره أن يبتليني الله بشيء من أمرك ، غير أني أخذت بيعة القوم وخرجت إليك ، وأنا أعلم أنّه ما يوافي القيامة أحد من هذه الامّة إلّا وهو يرجو شفاعة جدّك ، وإني ، والله ، لخائف إن أنا قاتلتك أن أخسر الدّنيا والآخرة ، ولكن أما أنا يا أبا عبد الله! فلست أقدر على الرجوع إلى الكوفة في وقتي هذا ، ولكن خذ غير الطريق ، وامض حيث شئت حتّى أكتب إلى الأمير : أنّ الحسين خالفني


الطريق فلم أقدر عليه وأنا انشدك الله في نفسك ، فقال الحسين : «كأنّك تخبرني : بأني مقتول»؟! فقال له : نعم ، يا أبا عبد الله! لا أشك في ذلك إلّا أن ترجع من حيث جئت ، فقال الحسين : «لا أدري ، ما أقول لك ، ولكني أقول لك : كما قال أخو الأوس ، وهو يريد نصرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فخوّفه ـ ابن عمّه ـ حين لقيه ، وقال : أين تذهب؟ فإنك مقتول ، فقال له :

سأمضي فما بالموت عار على الفتى

إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما

وواسى الرجال الصالحين بنفسه

وفارق مذموما وخالف مجرما

اقدّم نفسي لا اريد بقاءها

لتلقى خميسا في النزال عرمرما

فإن عشت لم اذمم ، وإن متّ لم الم

كفى بك ذلا أن تعيش وترغما»

قال : ثم أقبل «الحسين» على أصحابه ، فقال : «هل فيكم أحد يخبر الطريق على غير الجادة»؟ فقال ـ الطرماح بن عدي الطائي ـ : أنا ، يا ابن رسول الله! أخبر الطريق ، فقال الحسين : «فسر إذن بين أيدينا» ، فسار الطرماح واتبعه الحسين وأصحابه ، وجعل الطرماح يرتجز ويقول :

يا ناقتي! لا تذعري من زجري

وامض بنا قبل طلوع الفجر

بخير فتيان وخير سفر

آل رسول الله أهل الفخر

السّادة البيض الوجوه الغرّ

الطاعنين بالرماح السمر

والضاربين بالصفاح البتر

حتى تحلي بكريم النجر

الماجد الحرّ الرحيب الصدر

أتى به الله لخير أمر

عمره الله بقاء الدّهر

وزاده من طيبات الذكر

يا مالك النفع معا والضرّ!

أيّد حسينا سيدي بالنصر

على الطغاة من بقايا الكفر

أعني اللعينين سليل صخر

وابن زياد العاهر ابن العهر

فأنت يا ربّ به ذو البر


قال ابن أعثم : فتياسر الحسين حتى وصل إلى «عذيب الهجانات» فورد كتاب من عبيد الله بن زياد إلى الحر يلومه في أمر الحسين ، ويأمره بالتضييق عليه ، فأصبح الحسين من وراء عذيب الهجانات ، وإذا الحرّ قد عارضه أيضا في جيشه ، ومنعه من المسير. فقال له الحسين : «ويلك ما دهاك؟ ألست قد أمرتنا أن نأخذ على غير الطريق ، فأخذنا وقبلنا مشورتك»؟ فقال الحرّ : صدقت ، يا بن رسول الله! ولكن هذا كتاب الأمير ورد عليّ ، يؤنبني ويضعفني في أمرك ، ويأمرني بالتضييق عليك.

قال الحسين : «فذرنا إذن ننزل بقرية نينوى أو الغاضرية» ، فقال له الحر : لا ، والله يا أبا عبد الله لا أستطيع ذلك ، فقد جعل ابن زياد عليّ عينا ، يطالبني ويؤاخذني بذلك. وفي رواية : قال الحر : لا ، والله ما أستطيع ذلك ، وهذا رسول ابن زياد معي ، وإنما بعثه عينا عليّ.

فقال للحسين رجل من أصحابه ، يقال له : «زهير بن القين البجلي» : يا ابن رسول الله! ذرنا نقاتل هؤلاء القوم ، فإنّ قتالنا إياهم الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا معهم بعد هذا ، فقال له الحسين : «صدقت ، يا زهير! ولكن ما كنت لأبدأهم بالقتال حتى يبدءوني» ، فقال له زهير : فسر بنا حتى ننزل «بكربلاء» فإنها على «شاطئ الفرات» فنكون هنالك ، فإن قاتلونا قاتلناهم واستعنا بالله عليهم ، فدمعت عينا الحسينعليه‌السلام حين ذكر ـ كربلاء ـ ، وقال : «اللهمّ! إني أعوذ بك من الكرب والبلاء».

ونزل الحسين في موضعه ذلك ، ونزل الحرّ حذاءه في جنده الذين هم ألف فارس ، ودعا الحسين بدواة وبياض وكتب إلى أشراف الكوفة ممّن يظن أنه على رأيه : «بسم الله الرّحمن الرّحيم من الحسين بن عليّ إلى سليمان بن صرد ؛ والمسيب بن نجبة ؛ ورفاعة ابن شدّاد ؛ وعبد الله بن وال ؛ وجماعة


المؤمنين ، أما بعد ـ فقد علمتم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد قال في حياته : من رأى سلطانا جائرا ، مستحلا لحرم الله ، ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، ثمّ لم يغير بقول ولا فعل ، كان حقيقا على الله أن يدخله مدخله ، وقد علمتم أنّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان ، وتولوا عن طاعة الرحمن ، وأظهروا في الأرض الفساد ، وعطلوا الحدود والأحكام ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام الله ، وحرّموا حلاله ، وإني أحقّ بهذا الأمر لقرابتي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد أتتني كتبكم ، وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني ، فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظّكم ورشدكم ، ونفسي مع أنفسكم ، وأهلي وولدي مع أهليكم وأولادكم ، فلكم بي اسوة ، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم ونكثتم بيعتكم ، فلعمري ، ما هي منكم بنكر ، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي ، والمغرور من اغترّ بكم ، فحظّكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ) وسيغني الله عنكم الفتح / ١٠ ، والسّلام».

ثمّ طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى ـ قيس بن مسهر الصيداوي ـ وأمره أن يسير إلى ـ الكوفة ـ فمضى قيس بن مسهر يريد الكوفة ، وعبيد الله ابن زياد قد وضع المراصد والمسالح على الطرق والشوارع ، فليس أحد يقدر أن يجوز ، فلما قارب قيس الكوفة ، لقيه الحصين بن نمير السكوني ، فلما نظر إليه قيس كأنه أحسّ بأنّه يقبضه ، فأخرج الكتاب سريعا ومزقه ، وأمر الحصين أصحابه ، فأخذوا قيسا وأخذوا الكتاب ممزّقا ، حتى اتي به الى ابن زياد واخبر بقصته ، فقال له ابن زياد : من أنت؟ قال : رجل من شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فقال : لم خرّقت الكتاب الذي معك؟ قال : خوفا أن تعلم ما فيه ، فقال : ممّن كان هذا الكتاب ، وإلى من كان؟


قال : من الحسين إلى جماعة من ـ أهل الكوفة ـ لا أعرف أسماءهم ، فغضب ابن زياد وقال : والله ، لا تفارقني حتى تدلني على هؤلاء القوم المكتوب إليهم ، أو تصعد المنبر فتلعن حسينا وأباه وأخاه ، فتنجو من يدي ، أو لأقطعنّك إربا إربا ، فقال قيس : أما هؤلاء المكتوب إليهم فإني لا أعرفهم ، وأما اللعن فاني أفعل ، فأمر عبيد الله أن يدخل المسجد الأعظم ويصعد المنبر ، وتجمع الناس ليلعن ، وتسمع النّاس ، فادخل المسجد ، وجمع النّاس للاستماع ، فاصعد المنبر ووثب قائما عليه ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على محمّد وأهل بيته ، وأكثر الترحم على «عليّ بن أبي طالب» وولديه «الحسن والحسين» (عليهم الصلاة والسلام) ولعن يزيد بن معاوية وعتاة بني اميّة وطغاتهم ، وأكثر اللعن على ـ عبيد الله بن زياد ـ ثمّ دعا إلى نصرة الحسين وحثّ الناس عليها ، فاخبر ابن زياد بذلك ، فأمر أن يصعد به القصر ، ويرمى من أعلاه ، فاصعد أعلى القصر ، ورمي به على أم رأسه ، فاندقت عنقه وخرج دماغه من اذنيه ، فبلغ ذلك الحسين فاستعبر باكيا ، وقال : «اللهم اجعل لنا ولشيعتنا عندك منزلا كريما ، واجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمتك ، إنّك على كلّ شيء قدير».

قال : وقال للحسين رجل من شيعته ، يقال له : «هلال بن نافع الجملي» : يا ابن رسول الله! أنت تعلم أن جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يقدر أن يشرب النّاس محبّته ، ولا أن يرجعوا الى ما كان أحبّ ، فكان منهم منافقون يعدونه بالنصر ويضمرون له الغدر ، يلقونه بأحلى من العسل ، ويخلفونه بأمرّ من الحنظل ، حتّى قبضه الله تبارك وتعالى إليه ، وأنّ أباك عليا (صلوات الله عليه) قد كان في مثل ذلك ، فقوم قد أجمعوا على نصرته ، وقاتلوا معه الناكثين ؛ والقاسطين ؛ والمارقين ، وقوم قعدوا عنه وخذلوه حتى مضى إلى


رحمة الله ورضوانه وروحه وريحانه ، وأنت اليوم ، يا ابن رسول الله على مثل تلك الحالة ، فمن نكث عهده وخلع بيعته فلن يضر إلّا نفسه ، والله تبارك وتعالى مغن عنه ، فسر بنا يا ابن رسول الله! راشدا معافى مشرّقا ، إن شئت أو مغرّبا ، فو الله ، الذي لا إله إلّا هو ما أشفقنا من قدر الله ، ولا كرهنا لقاء ربنا ، وإنا على نياتنا وبصائرنا : نوالي من والاك ؛ ونعادي من عاداك.

قال : وقال للحسين آخر من أصحابه ، يقال له «برير بن خضير الهمداني» : يا ابن رسول الله! لقد منّ الله تعالى علينا بك أن نقاتل بين يديك ، وتقطع فيك أعضاؤنا ، ثمّ يكون جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شفيعا يوم القيامة لنا ، فلا أفلح قوم ضيّعوا ابن بنت نبيهم ، اف لهم غدا ما يلاقون ، سينادون بالويل والثبور في نار جهنم وهم فيهم مخلدون ، فجزاهم الحسين خيرا.

قال : وخرج ولد الحسين وإخوته وأهل بيته حين سمعوا الكلام ، فنظر إليهم وجمعهم عنده وبكى ، ثم قال : «اللهمّ! إنا عترة نبيك محمد صلواتك عليه وآله ، قد اخرجنا وازعجنا وطردنا عن حرم جدنا ، وتعدّت بنو اميّة علينا ، اللهمّ فخذ لنا بحقنا ، وانصرنا على القوم الظالمين» ، ثم نادى بأعلى صوته في أصحابه : «الرّحيل».

ورحل من موضعه ذلك حتى نزل بكربلاء في يوم الأربعاء ، أو في يوم الخميس ، وذلك اليوم الثاني من محرم من سنة إحدى وستين ، فخطب أصحابه هناك ، وقال : «أما بعد ـ فإن النّاس عبيد الدنيا ، والدين لعق على ألسنتهم ، يحوطونه ما درّت معايشهم ، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون» ، ثم قال لهم : «أهذه كربلاء»؟ قالوا له : نعم ، فقال : «هذه موضع كرب وبلاء ، هاهنا مناخ ركابنا ، ومحط رحالنا ، ومسفك دمائنا».


قال : فنزل القوم ، وحطوا الأثقال ناحية من الفرات ، وضربت خيمة الحسين لأهله وبنيه وبناته ، وضربت خيم إخوته وبني عمّه حول خيمته ، وجلس الحسين في خيمته يصلح سيفه ، ومعه «جون» مولى «أبي ذر الغفاري» فجعل يصلحه ويقول :

يا دهر اف لك من خليل

كم لك بالاشراق والأصيل

من صاحب وطالب قتيل

والدهر لا يقنع بالبديل

وكل حيّ سالك سبيلي

ما أقرب الوعد من الرّحيل

وإنما الأمر الى الجليل

سبحانه جلّ عن المثيل

قال «علي بن الحسين»عليهما‌السلام : «وجعل أبي يردد هذه الأبيات فحفظتها منه ، وخنقتني العبرة ، ولزمت السكوت حسب طاقتي ، فأما عمتي «زينب» فلمّا سمعت بذلك استعبرت وبكت ، وكانت ضعيفة القلب ، فبان عليها الحزن والجزع ، فأقبلت تجر أذيالها إلى الحسين ، وقالت : يا أخي! ويا قرّة عيني ليت الموت أعدمني الحياة ، يا خليفة الماضين! وثمال الباقين! فنظر إليها الحسين ، وقال : اختاه لا يذهبنّ بحلمك الشيطان ، فإن أهل السماء يموتون ، وأهل الأرض لا يبقون ، كلّ شيء هالك إلّا وجهه ، له الحكم وإليه ترجعون ، فأين أبي وجدي اللذان هما خير مني؟ فلي بهما ولكلّ مؤمن اسوة حسنة ، وعزّاها ، ثم قال لها : بحقي عليك ، يا اختاه! إذا أنا قتلت ، فلا تشقّي علي جيبا ، ولا تخمشي عليّ وجها ، ثمّ ردها إلى خدرها».

وروي : أنّه لما سمعت ذلك اخته «زينب» أو «أمّ كلثوم» جاءت إلى «الحسين» وقالت : يا أخي! هذا كلام من أيقن بالموت ، قال : «نعم يا اختاه» ، قالت : إذن ، فردنا إلى حرم جدّنا ، فقال : «يا اختاه! لو ترك القطا لنام» ، فقالت : وا ثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة ، مات جدي رسول الله ،


ومات أبي عليّ ، وماتت أمي فاطمة ، ومات أخي الحسن ، وبقي ثمال أهل البيت ، واليوم ينعى إليّ نفسه ، وبكت فبكت النسوة ، ولطمن الخدود وشققن الجيوب ، وجعلت اخته تنادي : وا محمداه! وا أبا القاسماه! اليوم مات جدي محمّد ، وا أبتاه! وا علياه! اليوم مات أبي عليّ ، وا اماه! وا فاطماه اليوم ماتت أمي فاطمة ، وا أخاه! وا حسناه! اليوم مات أخي الحسن ، وا أخاه وا حسيناه! وا ضيعتنا بعدك يا أبا عبد الله! فعزاها الحسين وصبرها ، وقال : «يا اختاه! تعزي بعزاء الله ، وارضي بقضاء الله ، فإن أهل السماء يفوتون ، وأهل الأرض يموتون ، وجميع البرية لا يبقون ، كلّ شيء هالك إلّا وجهه ، فتبارك الله الذي إليه جميع الخلق يرجعون ، فهو الذي خلق الخلق بقدرته ، ويفنيهم بمشيئته ، ويبعثهم بإرادته ، يا اختاه! كان جدي وأبي وأمي وأخي خيرا مني وأفضل ، وقد ذاقوا الموت وضمهم التراب ، وإنّ لي ولك ولكلّ مؤمن برسول الله اسوة حسنة». ثمّ قالعليه‌السلام : «يا زينب! ويا أمّ كلثوم! ويا فاطمة! ويا رباب! انظرن إذا أنا قتلت فلا تشققن عليّ جيبا ؛ ولا تخمشن عليّ وجها ؛ ولا تقلن فيّ هجرا».

ثمّ خرج إلى أصحابه ، فقال له الطرماح بن عدي الطائي ـ وكان من شيعته ـ : الرأي أن تركب معي جمازة(١) فأني أبلغ بك الليلة قبل الصباح أحياء طيّ ، واسوي لك امورك ، وأقيم بين يديك خمسة آلاف مقاتل يقاتلون عنك. فقال له الحسين : «أمن مروءة الإنسان أن ينجي نفسه ، ويهلك أهله وإخوته وأصحابه»؟ فقال له أصحابه : إنّ هؤلاء القوم إذا لم يجدوك لم يفعلوا شيئا ، فلم يلتفت إلى قولهم ، وجزى الطرماح خيرا.

قال : ثمّ أقبل الحر بن يزيد فنزل في أصحابه حذاء الحسين وكتب إلى

__________________

(١) جمازة : فرس من أكرم خيول العرب لعبد الله بن خثم فلعلّ هذه من نسلها.


ابن زياد يخبره بنزول الحسين بكربلاء ، فكتب ابن زياد للحسين : أما بعد ـ يا حسين! فقد بلغني : نزولك «كربلاء» ، وقد كتب إليّ أمير المؤمنين ـ يزيد ـ : أن لا أتوسد الوثير ؛ ولا أشبع من الخمير ، حتى ألحقك باللطيف الخبير ، أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد.

فلما ورد كتابه وقرأه الحسينعليه‌السلام رمى به من يده ، وقال : «لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق» ، فقال له الرسول : جواب الكتاب ، فقال له : «لا جواب له عندي ، لأنه قد حقت عليه كلمة العذاب» ، فرجع الرسول إلى ابن زياد ، وأخبره بذلك ، فغضب أشد الغضب ، ثمّ جمع أصحابه ، فقال : أيها الناس من منكم يتولى قتال الحسين بولاية أي بلد شاء؟ فلم يجبه أحد ، فالتفت إلى ـ عمر بن سعد بن أبي وقّاص ـ وكان ابن زياد قبل ذلك بأيام قد عقد له ، وولاه الري وتستر ، وأمره بحرب ـ الدّيلم ـ ، وأعطاه عهده ، وأخّره من أجل شغله بأمر الحسين ، وقال له : يا بن سعد! أنت لهذا الأمر ، فإذا فرغت سرت إلى عملك إن شاء الله ، فقال عمر : إن رأيت أيها الأمير! أن تعفيني عن قتال «الحسين» فعلت منعما ، فقال عبيد الله : فإنا قد أعفيناك فاردد إلينا عهدنا الذي كتبناه لك ، واجلس في منزلك حتى نبعث غيرك ، فقال عمر بن سعد : فامهلني ، أيها الأمير اليوم حتى أنظر في أمري ، قال : فقد أمهلتك.

فانصرف عمر بن سعد وجعل يستشير إخوانه ، ومن يثق به فلا يشير عليه أحد بذلك ، غير أنه يقول له : اتّق الله ولا تفعل ، وأقبل إليه ـ حمزة بن المغيرة بن شعبة ـ وهو ابن اخته ، فقال : انشدك الله ، يا خال! أن تسير إلى قتال الحسين فإنك تأثم بذلك وتقطع رحمك ، فو الله ، لأن خرجت من مالك ودنياك وسلطان الأرض كلها ، خير لك من أن تلقى الله بدم الحسين


ابن فاطمة ، فسكت عمر ، وفي قلبه من الري ما فيه. ولما أصبح ذهب إلى عبيد الله بن زياد ، فقال له : ما عندك يا عمر؟ فقال : أيها الأمير إنّك قد وليتني هذا العمل ، وكتبت العهد ، وقد سمع النّاس به ، فإن رأيت أن تنفذه لي ، وتبعث إلى قتال الحسين غيري من أشراف أهل الكوفة ، فإن بها مثل ـ أسماء بن خارجة ؛ وكثير بن شهاب ؛ ومحمّد بن الأشعث ؛ وعبد الرحمن ابن قيس ؛ وشبث بن ربعي ؛ وحجار بن أبجر ، فقال له : يا عمر! لا تعلمني بأشراف أهل الكوفة ، فإني لا أستأمرك فيمن اريد أن أبعث ، فإن سرت إلى الحسين وفرجت عنّا هذه الغمة ، فأنت الحبيب القريب ، وإلّا فاردد إلينا عهدنا ، والزم منزلك فإنا لا نكرهك.

فسكت عمر بن سعد ، وغضب عبيد الله بن زياد ، فقال : والله ، يا ابن سعد لئن لم تسر إلى الحسين وتتول حربه ، وتقدم عليه بما يسوء ، لأضربنّ عنقك ، ولأهدمنّ دارك ، ولأنهبنّ مالك ، ولا ابقي عليك كائنا ما كان ، فقال عمر : فإني سائر إليه غدا إن شاء الله ، فجزاه عبيد الله خيرا ، وسرى عنه غضبه ، ووصله وأعطاه ، وضمّ إليه أربعة آلاف فارس ، وقال له : خذ بكظم الحسين ، وحل بينه وبين الفرات.

فسار عمر بن سعد من غده في أربعة آلاف إلى «كربلاء» ، وكان الحر عنده الف فتكامل خمسة آلاف ، ولما جاء عمر كربلاء دعا رجلا من أصحابه ، يقال له : «عروة بن قيس الأحمس» ، فقال له : امض إلى الحسين وسله : ما الذي جاء به إلى هذا الموضع؟ وما الذي أخرجه من مكة بعد ما كان مستوطنا بها؟ فقال عروة : أيها الأمير! إني كنت قبل اليوم اكاتب الحسين ويكاتبني ، وإني لأستحي أن أصير إليه ، فإن رأيت أن تبعث غيري ، فبعث رجلا ، يقال له : «كثير بن عبد الله الشعبي» وكان فارسا بطلا شجاعا


لا يرد وجهه شيء ، وكان شديد العداوة لأهل البيت ، فلما رآه أبو ثمامة الصائدي قال للحسين : جعلت فداك ، يا أبا عبد الله قد جاءك شرّ الناس من أهل الأرض ، وأجرأهم على دم ، وأفتكهم برجل ، ثمّ قام إليه ، فقال له : ضع سيفك حتى تدخل على أبي عبد الله وتكلمه ، فقال : لا ، ولا كرامة إنما أنا رسول ، فإن سمع مني كلمته ، وإن أبى انصرفت ، فقال له أبو ثمامة : فإني آخذ بقائم سيفك ، وتكلّم بما تريد ولا تدن من الحسين بدون هذا ، فإنك رجل فاسق.

فغضب الشعبي ورجع إلى عمر وأخبره ، وقال : إنهم لم يتركوني أن أدنو من الحسين فأبلغ رسالتك ، فابعث إليه غيري ، فبعث رجلا ، يقال له : «قرّة بن قيس الحنظلي» ، فلما أشرف ورآه الحسين قال : «هل تعرفون هذا»؟ فقال «حبيب بن مظاهر الأسدي» : نعم ، يا ابن رسول الله! هذا رجل من ـ بني تميم ـ ثمّ من ـ بني حنظلة ـ ، وكنت أعرفه حسن الرأي ، وما ظننت أن يشهد هذا المشهد.

ثمّ تقدّم الحنظلي حتى وقف بين يدي الحسين فسلم عليه ، وأبلغه رسالة عمر بن سعد ، فقال له الحسين : «يا هذا أبلغ صاحبك عني لم أرد هذا البلد ، ولكن كتب إليّ أهل مصركم هذا أن آتيهم فيبايعوني ويمنعوني وينصروني ولا يخذلوني ، فإن كرهوني انصرفت عنهم من حيث جئت». فقال له حبيب من مظاهر : ويحك ، يا قرة! عهدي بك وأنت حسن الرأي في أهل هذا البيت ، فما الذي غيرك حتى جئت بهذه الرسالة فأقم عندنا وانصر هذا الرجل الذي قد أتانا الله به.

فقال الحنظلي : لعمري ، لنصرته أحقّ من نصرة غيره ، ولكن أرجع إلى صاحبي بالرسالة ، وأنظر في ذلك ، ثمّ انصرف فأخبره بجواب


الحسين ، فقال عمر : الحمد لله ، والله ، إني لأرجو أن يعافيني الله من حربه. ثمّ كتب إلى ابن زياد : بسم الله الرّحمن الرّحيم إلى الأمير عبيد الله ابن زياد من عمر بن سعد : أما بعد فإني نزلت بالحسين ثمّ بعثت إليه رسولا أسأله عما أقدمه إلى هذا البلد ، فذكر : أنّ اهل الكوفة أرسلوا إليه ، يسألونه القدوم عليهم ليبايعوه وينصروه ، فإن بدا لهم في نصرته فإنه ينصرف من حيث جاء ، فيكون بمكة أو يكون بأي بلد أمرته ، فيكون كواحد من المسلمين ، فأحببت أن أعلم الأمير بذلك ، ليرى رأيه ، والسلام.

فلمّا قرأ عبيد الله كتابه ، فكر في نفسه ساعة ، ثمّ أنشد :

الآن إذ علقت مخالبنا به

يرجو النجاة ولات حين مناص

ثمّ قال : أيرجو ابن أبي تراب النجاة؟ هيهات هيهات ، لا أنجاني الله من عذابه إن نجا الحسين مني ، ثمّ كتب إلى عمر : أما بعد ـ فقد بلغني كتابك ، وما ذكرت فيه من أمر الحسين فإذا أتاك كتابي فأعرض عليه «البيعة» لأمير المؤمنين يزيد فإن فعل وبايع ، وإلّا فأتني به ، والسّلام ، فلمّا ورد الكتاب على عمر وقرأه ، قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، إنّ عبيد الله لا يقبل العافية ، والله المستعان.

قال : ولم يعرض ابن سعد على الحسين بيعة يزيد ، لأنه علم أن الحسين لا يجيبه إلى ذلك أبدا.

قال : ثمّ جمع عبيد الله بن زياد الناس في مسجد الكوفة ، وخرج فصعد المنبر ، وحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أيها الناس! إنكم قد بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم على ما تحبون ، وهذا أمير المؤمنين يزيد ، قد عرفتموه : حسن السيرة ؛ محمود الطريقة ؛ ميمون النقيبة ؛ محسنا إلى الرعية ؛ متعاهدا للثغور ؛ يعطي العطاء في حقه حتى قد أمنت السبل على


عهده ؛ واطفئت الفتن بجهده ، وكما كان معاوية في عصره ، كذلك ابنه يزيد في أثره : يكرم العباد ؛ ويغنيهم بالأموال ؛ ويزيدهم بالكرامة ؛ وقد زاد في أرزاقكم مائة مائة ؛ وأمرني أن اوفر عليكم ؛ وآمركم أن تخرجوا إلى حرب عدوه الحسين بن علي ، فاسمعوا له وأطيعوا.

ثم نزل من المنبر ، ووضع لأهل الرئاسة العطاء وأعطاهم ، ونادى فيهم أن يتهيّئوا للخروج إلى عمر بن سعد ليكونوا عونا له في قتل الحسين ، فأوّل من خرج إلى عمر بن سعد «شمر بن ذي الجوشن الضبابي» في أربعة آلاف ، فصار عمر في تسعة آلاف ، ثم اتبعه «يزيد بن ركاب الكلبي» في ألفين ؛ و «الحصين بن نمير السكوني» في أربعة آلاف ؛ وفلانا المازني في ثلاثة آلاف ؛ ونصر بن فلان في ألفين ؛ وبعث إلى «شبث بن ربعي» فتمارض وأرسل إليه : أيها الأمير! أنا عليل فإن رأيت أن تعفيني ، فأرسل إليه : إنّ رسولي أخبرني بتمارضك عليه ، وأخاف أن تكون من الذين :( وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ) البقرة / ١٤ ، فانظر : إن كنت في طاعتنا فأقبل إلينا مسرعا.

فأقبل إليه شبث بن ربعي بعد العشاء الآخرة لئلا ينظر في وجهه ولا يرى أثر العلة ، فلما دخل عليه رحب به ، وقرّب مجلسه ، ثمّ قال له : احب أن تشخص غدا الى عمر بن سعد في ألف فارس من أصحابك ، فقال : أفعل أيها الأمير! فخرج في ألف فارس ، واتبعه «بحجار بن أبجر» في ألف فارس ، فصار عمر بن سعد في اثنين وعشرين ألفا.

ثمّ كتب عبيد الله إلى عمر بن سعد : أما بعد ـ فإني لم أجعل لك علّة في كثرة الخيل والرجال ، فانظر لا اصبح ولا امسي إلّا وخبر ما قبلك عندي غدوة وعشية مع كل غاد ورائح. وكان عبيد الله يستحث عمر بن سعد


ويستعجله في قتل الحسين ، وابن سعد يكره أن يكون قتل الحسين على يده.

قال : والتأمت العساكر عند عمر لستة أيام مضين من محرم ، فلما رأى ذلك حبيب بن مظاهر الأسدي جاء إلى الحسين ، فقال له : يا ابن رسول الله! إنّ هاهنا حيا من بني أسد قريبا منا ، أفتأذن لي بالمصير إليهم الليلة أدعوهم إلى نصرتك ، فعسى الله أن يدفع بهم عنك بعض ما تكره؟ فقال له الحسين : «قد أذنت لك» ، فخرج إليهم حبيب من معسكر الحسين في جوف الليل متنكرا ، حتى صار إليهم فحياهم وحيّوه وعرفوه ، فقالوا له : ما حاجتك يا ابن عم؟ قال : حاجتي إليكم إني قد أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى قوم قط ، أتيتكم أدعوكم إلى نصرة ابن بنت نبيكم فإنه في عصابة من المؤمنين ، الرجل منهم خير من ألف رجل ، لن يخذلوه ولن يسلّموه وفيهم عين تطرف ، وهذا عمر بن سعد قد أحاط به في اثنين وعشرين ألفا ، وأنتم قومي وعشيرتي ، وقد أتيتكم بهذه النصيحة ، فأطيعوني اليوم تنالوا شرف الدنيا وحسن ثواب الآخرة ، فإني اقسم بالله ، لا يقتل منكم رجل مع ابن بنت رسول الله صابرا محتسبا إلّا كان رفيق محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله في أعلى عليين.

فقام رجل من ـ بني أسد ـ يقال له : «عبد الله بن بشر» ، فقال : أنا أوّل من يجيب إلى هذه الدّعوة ، ثم جعل يرتجز ويقول :

قد علم القوم إذا تناكلوا

وأحجم الفرسان إذ تناضلوا

إني الشجاع البطل المقاتل

كأنني ليث عرين باسل

ثمّ بادر رجال الحي إلى حبيب ، وأجابوه فالتأم منهم تسعون رجلا ، وجاءوا مع حبيب يريدون الحسين ، فخرج رجل من الحي ، يقال : «فلان بن عمرو» حتى صار إلى عمر بن سعد في جوف الليل ، فأخبره بذلك ، فدعا عمر برجل من أصحابه ، يقال له : «الأزرق بن الحرث الصدائي» فضمّ إليه


أربعمائة فارس ، ووجه به إلى حي بني اسد مع ذلك الذي جاء بالخبر ، فبينا اولئك القوم من بني أسد قد أقبلوا في جوف الليل مع حبيب يريدون عسكر الحسين ، إذ استقبلتهم خيل ابن سعد على شاطئ الفرات ، وكان بينهم وبين معسكر الحسين اليسير ، فتناوش الفريقان واقتتلوا ، فصاح حبيب بالأزرق ابن الحرث : مالك ولنا انصرف عنا ، يا ويلك! دعنا واشق بغيرنا ، فأبى الأزرق ، وعلمت بنو أسد أنّ لا طاقة لهم بخيل ابن سعد فانهزموا راجعين إلى حيّهم ، ثم تحملوا في جوف الليل خوفا من ابن سعد أن يكبسهم ، ورجع حبيب إلى الحسين فأخبره ، فقال : «لا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم».

ورجعت تلك الخيل حتى نزلت على الفرات ، وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، فأضر العطش بالحسين وبمن معه ، فأخذ الحسينعليه‌السلام فأسا ، وجاء الى وراء خيمة النساء فخطا على الأرض تسع عشرة خطوة نحو القبلة ، ثمّ احتفر هنالك فنبعت له هناك عين من الماء العذب ، فشرب الحسين وشرب الناس بأجمعهم ، وملأوا أسقيتهم ، ثم غارت العين فلم ير لها أثر.

وبلغ ذلك إلى عبيد الله فكتب إلى عمر بن سعد : بلغني أن الحسين يحفر الآبار ، ويصيب الماء ، فيشرب هو وأصحابه ، فانظر إذا ورد عليك كتابي هذا فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت ، وضيّق عليهم ولا تدعهم أن يذوقوا من الماء قطرة ، وافعل بهم كما فعلوا بالزكي عثمان ، والسلام.

فضيق عليهم ابن سعد غاية التضييق ، ودعا برجل ، يقال له : «عمرو ابن الحجاج الزبيدي» فضمّ إليه خيلا كثيرة ، وأمره أن ينزل على الشريعة التي هي حذاء معسكر الحسينعليه‌السلام فنزلت الخيل على شريعة الماء ، فلمّا اشتد العطش بالحسين وأصحابه ، دعا أخاه العباس ، وضم إليه ثلاثين فارسا


وعشرين راجلا ، وبعث معهم عشرين قربة في جوف الليل حتى دنوا من الفرات ، فقال عمرو بن الحجاج : من هذا؟ فقال له هلال بن نافع الجملي : أنا ابن عم لك من أصحاب الحسين ، جئت حتى أشرب من هذا الماء الذي منعتمونا عنه ، فقال له عمرو : اشرب هنيئا مريئا ، فقال نافع : ويحك ، كيف تأمرني أن أشرب من الماء ، والحسين ومن معه يموتون عطشا؟ فقال : صدقت ، قد عرفت هذا ، ولكن امرنا بأمر ، ولا بدّ لنا أن ننتهي إلى ما امرنا به.

فصاح هلال بأصحابه فدخلوا الفرات ، وصاح عمرو بأصحابه ليمنعوا ، فاقتتل القوم على الماء قتالا شديدا ، فكان قوم يقاتلون ، وقوم يملئون القرب حتى ملأوها وقتل من أصحاب عمرو بن الحجاج جماعة ، ولم يقتل من أصحاب الحسين أحد ، ثمّ رجع القوم إلى عسكرهم بالماء ، فشرب الحسين ومن كان معه ولقب العباس يومئذ السقاء.

قال : وأرسل الحسين إلى ابن سعد : «إني اريد أن اكلمك فألقني الليلة بين عسكري وعسكرك ، فخرج إليه عمر بن سعد في عشرين فارسا ، والحسين في مثل دلك ، ولما التقيا أمر الحسين أصحابه فتنحوا عنه ، وبقي معه : أخوه العبّاس ؛ وابنه عليّ الأكبر ، وأمر ابن سعد أصحابه فتنحوا عنه ، وبقي معه : ابنه «حفص» ؛ وغلام له ، يقال له : «لا حق» ، فقال الحسين لابن سعد : «ويحك ، أما تتقي الله الذي إليه معادك؟ أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟ يا هذا ذر هؤلاء القوم ، وكن معي فإنّه أقرب لك من الله» ، فقال له عمر : أخاف أن تهدم داري. فقال الحسين : «أنا أبنيها لك» ، فقال عمر : أخاف أن تؤخذ ضيعتي ، فقال : «أنا أخلف عليك خيرا منها من مالي بالحجاز» ، فقال : لي عيال أخاف عليهم ، فقال : «أنا أضمن سلامتهم».


قال : ثمّ سكت فلم يجبه عن ذلك ، فانصرف عنه الحسين ، وهو يقول : «مالك ، ذبحك الله على فراشك سريعا عاجلا ، ولا غفر لك يوم حشرك ونشرك ، فو الله ، إني لأرجو أن لا تأكل من برّ العراق إلّا يسيرا» ، فقال له عمر : يا أبا عبد الله! في الشعير عوض عن البر ، ثمّ رجع عمر إلى معسكره.

ثمّ إنه ورد عليه كتاب من ابن زياد يؤنّبه ويضعفه ، ويقول : ما هذه المطاولة؟ انظر إن بايع الحسين وأصحابه ، ونزلوا عند حكمي ، فابعث بهم إليّ سلما ، وإن أبوا ذلك ، فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم ، فإنهم لذلك مستحقون ، فإذا قتلت الحسين فأوطئ الخيل ظهره وبطنه ، فإنه عاق شاق قاطع ظلوم ، فإذا فعلت ذلك جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أبيت ذلك فاعتزل خيلنا وجندنا ، وسلّم الجند والعسكر إلى شمر بن ذي الجوشن فإنّه أشد منك حزما ، وأمضى منك عزما.

وقال غيره : إن عبيد الله بن زياد دعا «حويزة بن يزيد التميمي» وقال : إذا وصلت بكتابي الى عمر بن سعد ، فإن قام من ساعته لمحاربة الحسين فذاك ، وإن لم يقم فخذه وقيده ، واندب «شهر بن حوشب» ليكون أميرا على النّاس ، فوصل الكتاب ، وكان في الكتاب : إني لم أبعثك يا ابن سعد لمنادمة الحسين ، فإذا أتاك كتابي ، فخيّر الحسين بين أن يأتي إليّ ، وبين أن تقاتله ، فقام عمر بن سعد من ساعته ، وأخبر الحسين بذلك ، فقال له الحسينعليه‌السلام : «أخّرني إلى غد» ـ وسيأتي هذا الحديث فيما بعد إن شاء الله ـ ، ثمّ قال عمر بن سعد للرسول : اشهد لي عند الأمير أني امتثلت أمره.

عدنا الى ـ الحديث الأول ـ ، فلما طوى الكتاب وختمه ، وثب رجل ، يقال له : «عبد الله بن المحل بن حرام العامري» ، فقال له : أصلح الله الأمير!


إنّ ـ علي بن أبي طالب ـ قد كان عندنا بالكوفة ، فخطب إلينا فزوجناه بنت عم لنا ، يقال لها : «أمّ البنين» بنت حزام ، فولدت له : عبد الله ؛ وعثمان ؛ وجعفرا ؛ والعباس ، فهم بنو اختنا ، وهم مع أخيهم ـ الحسين بن عليّ ـ ، فإن أذنت لنا أن نكتب إليهم كتابا بأمان منك فعلت متفضلا ، فأجابه عبيد الله بن زياد إلى ذلك ، فكتب عبد الله بن المحل ، ودفع الكتاب إلى غلام له ، يقال : «عرفان».

فلما ورد الكتاب إلى إخوة الحسين ، ونظروا فيه ، قالوا للغلام : اقرأ على خالنا السلام ، وقل له : لا حاجة لنا في أمانك ، فإن أمان الله خير لنا من أمان «ابن مرجانة» ، فرجع الغلام إلى الكوفة ، فأخبره بذلك ، فعلم عبد الله بن المحل أنّ القوم مقتولون. وأقبل شمر بن ذي الجوشن على عسكر الحسين ، ونادى بأعلى صوته : أين بنو اختي؟ أين عبد الله ؛ وعثمان ؛ وجعفر ـ بنو عليّ بن أبي طالب؟ فسكتوا ، فقال الحسين : «أجيبوه ، ولو كان فاسقا ، فإنه بعض أخوالكم» ، فنادوه : ما شأنك؟ وما تريد؟ فقال : يا بني اختي! أنتم آمنون ، فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين ، وألزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ، فناداه العباس بن عليّ : تبّت يداك يا شمر! لعنك الله ، ولعن ما جئت به من أمانك هذا ، ويا عدوّ الله! أتأمرنا أن نترك أخانا الحسين بن فاطمة ، وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء؟ فرجع شمر إلى عسكره مغيظا.

قال : وجمع الحسينعليه‌السلام أصحابه بين يديه ، ثمّ حمد الله وأثنى عليه ، وقال : «اللهمّ لك الحمد على ما علّمتنا من القرآن ، وفقّهتنا في الدّين ، وأكرمتنا به من قرابة رسولك محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة ، فاجعلنا من الشاكرين ، أما بعد ـ فإني لا أعلم أصحابا أصلح


منكم ، ولا أعلم أهل بيت أبر ولا أوصل ولا أفضل من أهل بيتي ، فجزاكم الله جميعا عني خيرا. إنّ هؤلاء القوم ما يطلبون أحدا غيري ، ولو قد أصابوني وقدروا على قتلي لما طلبوكم أبدا ، وهذا الليل قد غشيكم فقوموا واتخذوه جملا ، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من إخوتي ، وتفرقوا في سواد هذا الليل ، وذروني وهؤلاء القوم».

فتكلم إخوته وجميع أهل بيته ، وقالوا : يا ابن رسول الله! فما ذا تقول الناس؟ وما ذا نقول لهم؟ إنا تركنا شيخنا ؛ وسيدنا ؛ وابن بنت نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم نرم معه بسهم ، ولم نطعن برمح ، ولم نضرب بسيف ، لا ، والله يا ابن رسول الله لا نفارقك أبدا ، ولكنا نفديك بأنفسنا ، ونقتل بين يديك ، ونرد موردك ، فقبّح الله العيش من بعدك.

ثم تكلم «مسلم بن عوسجة الأسدي» ، فقال يا ابن رسول الله! أنحن نخليك هكذا ، وننصرف عنك ، وقد أحاط بك هؤلاء الأعداء؟ لا والله ، لا يراني الله وأنا أفعل ذلك أبدا ، حتى أكسر في صدورهم رمحي ، وأضرب فيهم بسيفي ، ما ثبت قائمه بيدي ، ولو لم يكن لي سلاح اقاتلهم به ، لقذفتهم بالحجارة ، ولم افارقك حتّى أموت بين يديك.

ثم تكلّم «سعد بن عبد الله الحنفي» ، فقال : لا والله يا بن رسول الله! لا نخليك أبدا حتى يعلم الله تبارك وتعالى أنا حفظنا فيك غيبة رسوله ، وو الله ، لو علمت أني اقتل ثم احيا ثمّ احرق حيا ـ يفعل بي ذلك سبعين مرّة ـ لما فارقتك أبدا ، حتى ألقى حمامي من دونك ، وكيف لا أفعل ذلك ، وإنما هي قتلة واحدة ، ثم أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.

ثم تكلم «زهير بن القين البجلي» ، فقال : والله ، يا ابن رسول الله لوددت أني قتلت فيك ثم نشرت ، حتى اقتل فيك ألف مرّة ، وأن الله قد


دفع القتل عنك ، وعن هؤلاء الفتية من إخوتك ؛ وولدك ؛ وأهل بيتك. قال : وتكلم جماعة بنحو ـ هذا الكلام ، وقالوا : أنفسنا لك الفداء ، ونقيك بأيدينا ووجوهنا وصدورنا ، فإذا نحن قتلنا بين يديك نكون قد وفينا وقضينا ما علينا.

ثم تكلّم «برير بن خضير الهمداني» وكان من الزهاد الذين يصومون النهار ، ويقومون الليل ، فقال : يا ابن رسول الله! ائذن لي أن آتي هذا الفاسق عمر بن سعد فأعظه لعلّه يتعظ ويرتدع عما هو عليه ، فقال الحسين : «ذاك إليك ، يا برير» ، فذهب إليه حتى دخل على خيمته فجلس ولم يسلم ، فغضب عمر ، وقال : يا أخا همدان ما منع من السلام عليّ؟ ألست مسلما أعرف الله ورسوله ، وأشهد بشهادة الحقّ؟ فقال له برير : لو كنت عرفت الله ورسوله كما تقول ، لما خرجت إلى عترة رسول الله تريد قتلهم؟

وبعد ـ فهذا «الفرات» يلوح بصفائه ، ويلج كأنه بطون الحيات ، تشرب منه كلاب السواد وخنازيرها ، وهذا «الحسين بن عليّ وإخوته ونساؤه وأهل بيته ، يموتون عطشا ، وقد حلت بينهم وبين ماء الفرات أن يشربوه ، وتزعم أنك تعرف الله ورسوله؟

فأطرق عمر بن سعد ساعة إلى الأرض ، ثمّ رفع رأسه ، وقال : والله ، يا برير إني لأعلم يقينا أنّ كلّ من قاتلهم وغصبهم حقّهم هو في النار لا محالة ، ولكن يا برير! أفتشير عليّ أن أترك ولاية الري فتكون لغيري؟ فو الله ، ما أجد نفسي تجيبني لذلك ، ثم قال :

دعاني عبيد الله من دون قومه

إلى خطه فيها خرجت لحيني

فو الله ، ما أدري وإني لحائر

افكر في أمري على خطرين

أأترك ملك الري والريّ منيتي

أم أرجع مأثوما بقتل حسين؟

وفي قتله النار التي ليس دونها

حجاب وملك الري قرّة عيني


فرجع برير إلى الحسين ، وقال : يا ابن رسول الله! إنّ عمر بن سعد قد رضي لقتلك بولاية الري.

قال : فلمّا أيس الحسين من القوم ، وعلم أنهم مقاتلوه ، قال لأصحابه : «قوموا ، فاحفروا لنا حفيرة شبه الخندق حول معسكرنا ، وأجّجوا فيها نارا حتى يكون قتال هؤلاء القوم من وجه واحد فإنهم لو قاتلونا وشغلنا بحربهم لضاعت الحرم» ، فقاموا من كل ناحية فتعاونوا واحتفروا الحفيرة ، ثمّ جمعوا الشوك والحطب فألقوه في الحفيرة وأجّجوا فيها النّار.

وأقبل رجل من عسكر عمر بن سعد ، يقال له : «مالك بن جريرة» على فرس له حتى وقف على الحفيرة ، وجعل ينادي بأعلى صوته : أبشر يا حسين! فقد تعجلت النار في الدّنيا قبل الآخرة ، فقال له الحسين : «كذبت ، يا عدو الله! أنا قادم على ربّ رحيم ، وشفيع مطاع ، ذاك جدّي محمّد» ، ثم قال الحسين لأصحابه : «من هذا»؟ فقيل له : هذا مالك بن جريرة ، فقال الحسين : «اللهمّ جره إلى النار ، وأذقه حرّها قبل مصيره إلى نار الآخرة» ، فلم يكن بأسرع من أن شبّ به الفرس فألقاه على ظهره ، فتعلّقت رجله في الركاب ، فركض به الفرس حتى ألقاه في النار فاحترق.

فخرّ الحسينعليه‌السلام ساجدا ، ثمّ رفع رأسه ، وقال : «يا لها من دعوة! ما كان أسرع إجابتها» ، ثمّ رفع الحسين صوته ، وقال : «اللهمّ إنا أهل بيت نبيك وذريته وقرابته ، فاقصم من ظلمنا وغصبنا حقنا ، إنّك سميع قريب» ، فسمعها محمد بن الأشعث ، فقال : يا حسين وأي قرابة بينك وبين محمد؟ فقال الحسين : «اللهمّ إن محمد بن الأشعث ، يقول : إنّه ليس بيني وبين رسولك قرابة ، اللهم! فأرني فيه هذا اليوم ذلا عاجلا» ، فما كان بأسرع من أن تنحى ، محمد بن الأشعث ، وخرج من العسكر ، فنزل عن فرسه ، وإذا


بعقرب سوداء خرجت من بعض الجحرة ، فضربته ضربة تركته متلوثا في ثيابه ممّا به.

وذكر الحاكم الجشمي : أنه مات ليومه. ولكن ذلك غير صحيح ، فإنه بقي إلى أيام المختار فقتله ، ولكنّه بقي ممّا به في بيته.

قال : ثمّ نادى مناد من عمر بن سعد : يا خيل الله اركبي ، فركب النّاس وزحفوا نحو عسكر الحسين في وقته كان جالسا ، فخفق برأسه على ركبتيه ، فسمعت زينب بنت علي الصيحة والضجة ، فدنت من أخيها فحركته ، وقالت : يا أخي! ألا تسمع الأصوات قد اقتربت منا؟ فرفع الحسين رأسه ، وقال : «يا اختاه رأيت الساعة في منامي جدي رسول الله ؛ وأبي عليا ؛ وأمي فاطمة ؛ وأخي الحسن ـ صلوات الله عليهم ـ ، وهم يقولون : إنّك رائح إلينا عن قريب ، وقد والله ، دنا الأمر لا شكّ فيه».

فلطمت «زينب» وجهها وصاحت ، فقال لها الحسين : «مهلا مهلا ، اسكتي ولا تصيحي فيشمت القوم بنا» ، ثمّ أقبل «الحسين» على أخيه «العباس» فقال : «يا أخي اركب ، وتقدّم إلى هؤلاء القوم ، وسلهم عن حالهم ، وارجع إليّ بالخبر» ، فركب العباس في إخوته ، ومعه عشرة فوارس حتى دنا من القوم ، ثم قال : يا هؤلاء ما شأنكم؟ وما تريدون؟ فقالوا : جاءنا الأمر من عبيد الله بن زياد أن نعرض عليكم إما أن تنزلوا على الحكم ، وإلا ناجزناكم ، قال العباس : فلا تعجلوا حتى أرجع إلى الحسين فأخبره بذلك ، فوقف القوم في مواضعهم ، ورجع العباس إلى الحسين فأخبره ، فأطرق الحسين ساعة وأصحابه يخاطبون أصحاب عمر بن سعد ، فيقول لهم حبيب بن مظاهر الأسدي : أما ، والله لبئس القوم قوم يقدمون غدا على الله ورسوله ، وقد قتلوا ذريته وأهل بيته المتهجدين بالأسحار ، الذاكرين الله


بالليل والنهار ، وشيعته الأتقياء الأبرار ، فقال له رجل من أصحاب ابن سعد ، يقال له : «عروة بن قيس» : إنّك لتزكي نفسك ما استطعت ، فقال له زهير بن القين : اتّق الله ، يا ابن قيس! ولا تكن من الذين يعينون على الضلال ؛ وقتل النفوس الزكية الطاهرة ؛ وعترة خير الأنبياء ؛ وذرية أصحاب الكساء.

فقال له ابن قيس : إنّك لم تكن عندنا من شيعة أهل البيت ، وإنّما كنت عثمانيا نعرفك ، فكيف صرت ترابيا ، فقال له زهير : إني كنت كذلك ، غير أني لما رأيت «الحسين» مغصوبا على حقه ذكرت جدّه ومكانه منه ، فرأيت لنفسي أن أنصره ، وأكون من حزبه ، وأجعل نفسي من دون نفسه ، حفظا لما ضيّعتم من حقّ الله وحقّ رسوله.

فكان هؤلاء في هذه المخاطبة ، والحسين جالس مفكر في أمر المحاربة ، وأخوه «العباس» واقف بين يديه فقال للعباس : «ارجع يا أخي إلى القوم فإن استطعت أن تصرفهم وتدفعهم عنا باقي هذا اليوم فافعل لعلّنا نصلّي لربنا ليلتنا هذه وندعو الله ونستعفيه ونستنصره على هؤلاء القوم». فأقبل العباس إلى القوم وهم وقوف ، فقال لهم : يا هؤلاء! إنّ أبا عبد الله يسألكم الانصراف عنه باقي يومكم هذا ، حتى ينظر في هذا الأمر ، ثمّ نلقاكم به غدا إن شاء الله ، فأخبر القوم أميرهم عمر بن سعد ، فقال للشمر : ما ذا ترى يا شمر؟ فقال : إني ما أرى إلّا رأيك ، أنت الأمير علينا فافعل ما تشاء ، فقال : إني أحببت أن لا أكون أميرا ، فلم أترك واكرهت ، ثم قال لأصحابه : ما ترون؟ قالوا له : أنت الأمير ، فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي : سبحان الله العظيم ، والله لو كان هؤلاء من ـ الترك والدّيلم ـ ثم سألوكم هذه الليلة ، لقد كان ينبغي أن تجيبوهم إلى ذلك ، فكيف وهم آل الرسول محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .


فقال ابن سعد : اخبرهم إنا أجلناهم باقي يومنا هذا إلى غد ، فإن استسلموا ونزلوا على الحكم وجهنا بهم إلى الأمير عبيد الله ، وإن أبوا ناجزناهم ، فانصرف الفريقان وعاد كلّ إلى معسكره ، وجاء الليل فبات الحسينعليه‌السلام تلك الليلة راكعا ساجدا باكيا مستغفرا متضرّعا ، وبات أصحابه ولهم دويّ كدويّ النحل ، وجاء شمر بن ذي الجوشن في نصف الليل يتجسس ومعه جماعة من أصحابه ، حتى قارب معسكر «الحسين» فسمعه يتلو قوله تعالى :( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ. ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) آل عمران / ١٧٨ و ١٧٩ ، فصاح رجل من أصحاب شمر : نحن ورب الكعبة الطيبون ، وأنتم الخبيثون ، وقد ميزنا منكم.

فقطع برير بن خضير الهمداني صلاته ثمّ نادى : يا فاسق! يا فاجر! يا عدو الله! يا ابن البوّال على عقبيه أمثلك يكون من الطيبين ، والحسين ابن رسول الله من الخبيثين ، والله ، ما أنت إلّا بهيمة ولا تعقل ما تأتي وما تذر ، فابشر يا عدو الله! بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم. فصاح شمر : إنّ الله قاتلك وقاتل صاحبك عن قريب ، فقال برير : أبالموت تخوفني؟ والله ، إنّ الموت مع ابن رسول الله أحبّ إليّ من الحياة معكم ، والله ، لا نالت شفاعة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله قوما أراقوا دماء ذريته وأهل بيته.

فجاء إليه رجل من أصحابه ، وقال : يا برير إن ـ أبا عبد الله ـ ، يقول لك : ارجع إلى موضعك ، ولا تخاطب القوم ، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه ، وأبلغ في الدعاء فلقد نصحت ، وأبلغت في النصح والدعاء.


قال : فلما كان وقت السحر خفق الحسين برأسه خفقة ، ثمّ استيقظ ، فقال : «أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة»؟ قالوا : فما رأيت يا ابن رسول الله؟ قال : «رأيت كلابا قد شدّت عليّ لتنهشني ، وفيها كلب أبقع رأيته كأشدّها عليّ ، وأظنّ الذي يتولى قتلي رجلا أبرص من بين هؤلاء القوم ، ثمّ إني رأيت بعد ذلك جدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه جماعة من أصحابه ، وهو يقول لي : يا بني! أنت شهيد آل محمد ، وقد استبشر بك أهل السماوات وأهل الصفيح الأعلى ، فليكن إفطارك عندي الليلة ، عجل يا بني! ولا تأخر ، فهذا ملك نزل من السماء ، ليأخذ دمك في قارورة خضراء ، فهذا ما رأيت وقد أزف الأمر واقترب الرّحيل من هذه الدّنيا.

وأصبح الحسين فصلى بأصحابه ، ثمّ قرب إليه فرسه ، فاستوى عليه وتقدم نحو القوم ، في نفر من أصحابه ، وبين يديه برير بن خضير الهمداني ، فقال له الحسين : «كلّم القوم ، يا برير وانصحهم» ، فتقدم برير حتى وقف قريبا من القوم ، والقوم قد زحفوا إليه عن بكرة أبيهم ، فقال لهم برير : يا هؤلاء! اتّقوا الله فإن ثقل محمد قد أصبح بين أظهركم ، هؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه ، فهاتوا ما عندكم ، وما الذي تريدون أن تصنعوا بهم؟ فقالوا : نريد أن نمكّن منهم الأمير عبيد الله بن زياد فيرى رأيه فيهم ، فقال برير : أفلا ترضون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي أقبلوا منه؟ ويلكم ، يا أهل الكوفة أنسيتم كتبكم إليه ، وعهودكم التي أعطيتموها من انفسكم ، وأشهدتم الله عليها؟ وكفى بالله شهيدا ، ويلكم ، دعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم من دونهم ، حتى إذا أتوكم أسلمتموهم لعبيد الله ، وحلأتموهم عن ماء الفرات الجاري ، وهو مبذول يشرب منه اليهود ؛ والنصارى ؛ والمجوس ؛ وترده الكلاب والخنازير ، بئسما خلفتم


محمدا في ذريته ، مالكم ، لا سقاكم الله يوم القيامة ، فبأس القوم أنتم. فقال له نفر منهم : يا هذا ما ندري ما تقول؟ فقال برير : الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة ، اللهم إني أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم ، اللهمّ الق بأسهم بينهم ، حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان.

فجعل القوم يرمونه بالسهام ، فرجع برير إلى ورائه ، فتقدم الحسينعليه‌السلام حتى وقف قبالة القوم ، وجعل ينظر إلى صفوفهم ، كأنها السيل ، ونظر إلى ابن سعد واقفا في صناديد الكوفة ، فقال : «الحمد لله الذي خلق الدنيا ، فجعلها دار فناء وزوال ، متصرفة بأهلها حالا بعد حال ، فالمغرور من غرته ، والشقي من فتنته ، فلا تغرنكم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركن إليها ، وتخيب طمع من طمع فيها ، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم ، فأعرض بوجهه الكريم عنكم ، وأحلّ بكم نقمته ، وجنبكم رحمته ، فنعم الرب ربّنا ؛ وبئس العبيد أنتم ، أقررتم بالطاعة ، وآمنتم بالرسول محمد ، ثم إنكم زحفتم إلى ذريته تريدون قتلهم ، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم ، فتبا لكم وما تريدون؟ إنا لله وإنا إليه راجعون ، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم ، فبعدا للقوم الظالمين».

فقال عمر بن سعد : ويلكم ، كلّموه فإنه ابن أبيه ، والله ، لو وقف فيكم هكذا يوما جديدا لما قطع ، ولما حصر فكلّموه ، فتقدم إليه شمر بن ذي الجوشن ، فقال : يا حسين! ما هذا الذي تقول؟ أفهمنا حتى نفهم.

فقالعليه‌السلام : «أقول لكم : اتقوا الله ربكم ولا تقتلون ، فإنّه لا يحلّ لكم قتلي ، ولا انتهاك حرمتي ، فإني ابن بنت نبيكم ، وجدتي «خديجة» زوجة نبيكم ، ولعله قد بلغكم ، قول نبيكم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : الحسن والحسين سيّدا


شباب أهل الجنة ، ما خلا النبيين والمرسلين ، فإن صدقتموني بما أقول وهو الحقّ ، فو الله ، ما تعمدت كذبا منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله ، وإن كذبتموني فإنّ فيكم من الصحابة مثل : جابر بن عبد الله ؛ وسهل بن سعد ؛ وزيد بن أرقم ؛ وأنس بن مالك ، فاسألوهم عن هذا فإنهم يخبرونكم أنهم سمعوه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإن كنتم في شكّ من أمري ، أفتشكون أني ابن بنت نبيكم؟ فو الله ، ما بين المشرقين والمغربين ابن بنت نبي غيري ، ويلكم ، أتطلبوني بدم أحد منكم قتلته ، أو بمال استملكته ، أو بقصاص من جراحات استهلكته»؟ فسكتوا عنه لا يجيبونه.

ثمّ قالعليه‌السلام : «والله لا اعطيهم يدي إعطاء الذليل ، ولا أفرّ فرار العبيد ، عباد الله! إني عذت بربي وربكم أن ترجمون ، وأعوذ بربي وربكم من كلّ متكبر لا يؤمن بيوم الحساب». فقال له شمر بن ذي الجوشن : يا حسين بن علي! أنا أعبد الله على حرف إن كنت أدري ما تقول ، فسكت الحسينعليه‌السلام . فقال حبيب بن مظاهر للشمر : يا عدو الله! وعدوّ رسول الله إني لأظنك تعبد الله على سبعين حرفا ، وأنا أشهد أنك لا تدري ما يقول ، فإن الله تبارك وتعالى قد طبع على قلبك.

فقال له الحسينعليه‌السلام : «حسبك ، يا أخا بني أسد! فقد قضي القضاء ؛ وجفّ القلم ؛ والله بالغ أمره ؛ والله إني لا شوق إلى جدي وأبي وأمي وأخي وأسلافي من «يعقوب» إلى «يوسف» وأخيه ، ولي مصرع أنا لاقيه».


فهارس الكتاب


فهرس الجزء الأول

مقدمة الناشر : ٣

مقدمة المحقق : ٧

مقدمة المؤلف : ١٣

الفصل الأول : في ذكر شيء من فضائل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ٢٣

الفصل الثاني : في فضائل خديجة بنت خويلد ٤١

الفصل الثالث : في فضائل فاطمة بنت أسد ٥٧

الفصل الرابع : في انموذج من فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام ٦٥

الفصل الخامس : في فضائل فاطمة الزهراء بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ٨٧

الفصل السادس : في فضائل الحسن والحسينعليهما‌السلام ١٣٣

الفصل السابع : في فضائل الحسينعليه‌السلام الخاصة به ٢٠٧

الفصل الثامن : في أخبار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الحسين وأحواله ٢٢٩

الفصل التاسع : في بيان ما جرى بينه وبين الوليد بن عتبة ومروان بن الحكم بالمدينة في حياة معاوية وبعد وفاته ٢٤٩

الفصل العاشر : في ما جرى من أحوال الحسين مدة مقامه بمكة وما ورده من كتب أهل الكوفة وارسال مسلم بن عقيل الى الكوفة ومقتله بها (رض) ٢٧٥

الفصل الحادي عشر : في خروجه من مكة الى العراق وما جرى عليه في طريقه ونزوله بالطف من كربلاء ومقتلهعليه‌السلام ٣١٥