يوم الحسين (عليه‌السلام )

مجموعة القصائد والخطب التي اُلقيت بمناسبة ذكرى الإمام الحسين (عليه‌السلام )

عبد الرزاق العائش

للسنوات ١٣٦٧ ه - ١٣٧٠ ه

١٩٤٧ م - ١٩٥٠ م


الإهداء

إلى البطل الخالد والمرشد الأعظم الذي علَّمنا كيف تكون التضحية في سبيل العقيدة المقدَّسة والمبدأ السامي.

المقدّمة

بين العراق والشعر ترابط وجداني قلّما نجد له نظيراً في بلد آخر ؛ فالعراق بلد الشعر ، وليس ذلك ادّعاءً , إنما حقيقة يقرّها من يعرف العراق ومن يعرف الشعر ؛ فالعراقي يقطع الصمت بالبيت أو البيتين يترنم بها مع نفسه أو يسمع حاضريه ، وإذا عزّ عليه الاستشهاد بالقريض أسعفته الذاكرة بالشعبي.

وليس في العراق كله مَن لا يستشهد بأبيات الشعر الحكمي ، وليس فيه مَن لا يحب الشعر , لا فرق في حب الشعر بين الاُمّي والمتعلم , وبين العالم الفذ والإنسان البسيط , وبين التاجر الغني والفقير المعدم ، اشتركوا جميعاً بحبّ الشعر.

يتفجر في العراق عيوناً. ينابيع رقراقة. بركاناً لاهباً هائجة ثورته. وبين هذا وذاك يكون شعر العراق أو عراق الشعر. جمال الشعر أن يكون عراقياً , وجمال العراق أن يبقى شاعراً. ومَن لا يعرف الشعر لا يعرف العراق , والعكس صحيح.

من العراق برز فحول الشعر العربي قديماً وحديثاً ، برعوا في القريض والشعبي ، ومنهم من برع في الاثنين معاً.

من العراق ظهرت مدارس شعرية متميزة أثّرت في مجمل الحياة الأدبيّة العربية ؛ فالسياب صنع الشعر الحر ، وأسّس مدرسته الشعرية التي سرعان ما أثّرت في العالم العربي وانضمّ إليها الشعراء الآخرون أجيالا بعد أجيال.

والشيخ عبد المنعم الفرطوسي رائد الملاحم التاريخية في الشعر الحديث ، ومن النجف الأشرف ينتشر الشعاع الأدبي ليشمل العراق كله ، وأوّل ما تتعلق به أماكن النخيل الشامخات. سوق الشيوخ.

والبصرة. البصرة تلك الحلم الأرضي الذي عشقه الماء والنخيل فالتصقا به منذ القدم.

كانت البصرة مركزاً من مراكز التحرك الإسلامي التي تتسم بالوعي والتحدي والقدرة على التفاعل مع الحدث ، والتعبير عنه من خلال الموقف المطلوب ؛ فلقد تطلّب الظرف ذات يوم أن يكون الموقف احتجاجاً جماهيرياً , فنهضت البصرة الإسلاميّة بانتفاضة جماهيرية ساهمت في إرباك السلطة البعثية في الستينات , وتطلّب الظرف مرة اُخرى وبعد قرابة الثلاثة عقود أن تحدث انتفاضة شعبية كبيرة فكانت كذلك في الانتفاضة الشعبانية المباركة.

وما كانت البصرة لتنجح في تجربة الثورة والانتفاضة لولا أنها مهّدت السبيل بمرحلة طويلة من البناء التغييري الواعي على أساس الإسلام ؛ فقد كان التحرك الإسلامي يتخذ من كل المواقع منطلقات لنشر الفكر الإسلامي وتعميقه في الأوساط الجماهيرية , المناطق السباقة في هذا المجال. ومع أنّ العراق كله كان ساحة النشاط الإسلامي الحركي إلاّ أنّ البصرة كانت من عطاءاتها سريعة واضحة.


وانطلق الشعر يتحرك في النجف الأشرف كمركز للحركة الشعرية الإسلاميّة ، ثم ينتشر في المدن الاُخرى ، وكان الإلهام يأتي من مصادر عديدة ، لعلّ في مقدّمتها ثورة الحسين (عليه‌السلام ) ؛ فالحسين كان على مرّ الزمن المحرك لعناصر الإبداع الشعري عند أجيال الشعراء ، وليس في تأريخ الشعر الإسلامي كله موضوعٌ حظي باهتمام الشعراء مثل الإمام الحسين وثورته الخالدة.

وكتاب (يوم الحسين) الذي تُقدّمه مؤسسة دار الإسلام للقارئ المسلم إنّما هو وثيقة حيّة عن نشاط البصرة الأدبي الإسلامي ، إضافة إلى كون الكتاب يُقدّم صورة واضحة المعالم عن دور الشعر العراقي في حركة الوعي الإسلامي.

قصائد حسينيّة قالها رجال أثّروا في مجتمعهم فحفظها هذا الكتاب الذي طبع مرة واحدة عام ١٩٥٠م ، ونفدت نسخه فحرمت الأجيال من تلك القصائد والمقالات ؛ ومن أجل أن نحفظ تراث الشعر الإسلامي ونعيد إلى الذاكرة تلك الروح والمواقف الأدبيّة الهادفة نقدّم هذه الطبعة الثانية من الكتاب ؛ راجين أن يحقق الغرض من ورائه ، ومن الله تعالى نسأل التوفيق.

مؤسسة دار الإسلام - لندن


تقديم :

السيد عباس شبر

السيد عباس شبر :

* ولد في البصرة عام (١٣٢١ ه/١٩٠٣م) , ودرس علوم العربَّية والشريعة , والمنطق والكلام في النجف.

* عاد بعدها إلى البصرة مبلَّغا , ثم عُيّنَ عام (١٩٤٣م) قاضياً شرعيّاً في البصرة ، وقد شغل هذا المنصب حتّى وفاته.

* له عدَّة مجاميع شعريَّة مخطوطة ومطبوعة ؛ فالمخطوطة : (خوالج النفس) ، و(الأنفاس المحترقة) , والمطبوعة : (جواهر وصور) , القسم الأول ، و(موشور).

معجم الشعراء العراقيين / ١٨٦ - ١٨٨

* * *


تقديم :

العلامة السيّد عبّاس شبر

القاضي الجعفري في البصرة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسّلام على محمَّد وعترته الطيبة

في عقيدتي أنّ يوم عاشوراء أفجع يوم عرفه التأريخ ، وأنّ مأساة كربلاء اُمثولة كلٍّ متأسٍّ في دنيا الفجائع والأحداث , ولم يتبارَ الشعراء والاُدباء في واقعة كواقعة الطفوف. ولو تتبعنا ما قيل في هذا اليوم الخالد لوجدنا أنفسنا أمام مجهود عظيم من أدب واسع وشعر رائع يتدفق بالحياة والقوة والمعاني السامية في مختلف عصورها.

وما أدب الطفِّ إلّا عواطف ثائرة ، ودموع فائرة ، ودروس بليغة تلقّتها الأيام بليغة عن يوم أبي الأئمَّة وإمام الشهداء (عليه‌السلام ) ، يوم اشتدَّ الصراع بين الفضيلة والرذيلة ، واشتبك الحقُّ الأعزل بالباطل المسلَّح. وفي النهاية يفوز الحقُّ على قلَّة أعوانه بالنصر المبين , مسجَّلاً بالدم صحيفة المجد والخلود.

وينهزم الباطل على كثرة أتباعه ملفَّعاً بالخزي والعار , ولعنة التأريخ والأجيال، ويستقرُّ ريحانة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نوراً في العيون ، ورحمة في القلوب ، وهدىً في النفوس ، وفكرة مقدَّسة في الرؤوس ، واُنشودة سماويَّة تتناقلها الأعقاب ، وتردد أصداءها السنون والأحقاب.

وبعد ، فهل يوم كيوم الحسين ، أو تضحية كتضحية الحسين ، أو مدرسة كمدرسة الحسين ، أو تاريخ يستعاد غضّاً على الأسماع كتاريخ الحسين (عليه‌السلام ) ؟! فسلامٌ على الحسين ، وعلى اُسرة الحسين.

وأحرى بشبابنا المسلم وهو يستعيد الذكرى ويقيم لها الحفلات أن يترسَّم خطى سيّده فيتمسَّك بمبادئه ، ويأخذ منهاجهه ، ويقتبس من مثاليته التي لو أخذ بها المسلمون لكان شأنهم غير ما نراه.

هذا ، ومن دواعي الغبطة أن أرى في هذا الموطن العريق ، بلد الخليل والجاحظ والفرزدق وبشّار ، ومنبت أعلام الفكر وأقطاب الشعر فريقاً من الشباب المثقَّف وفيهم الأديب (العائش) , وقد بدؤوا منذ بضع سنين بالاحتفال بذكرى يوم عاشوراء ، فأسمعونا ما رقَّ وراق من شعر ونثر ، ثمَّ يُجمع ما قيل في سنوات أربع ويُطلب إليَّ تقديمه للقرَّاء الأعزاء.

ولي الشرف أن اُقدّم للقارىء الكريم هذه الباقة من رياحين عبّاقة ، نبت أكثرها في روض (الخليل) , ولها شذى من نفحات الحسين (عليه‌السلام ) ، وأبتهل إلى الله سبحانه أن يوفِّق هذه النخبة الصالحة من شبابنا العزيز لكلَّ خير ونجاح إنه سميع الدعاء.

عبّاس شبّر الحسيني

البصرة ٣٠ محرم الحرام (١٣٧٠) ه


تعريف :

محمد جواد جلال

هذه خواطر وأفكار كُتب لها أن تُكتب في هذه الصفحات ليقرأها الناس بعد أن سمعوها من أصحابها ، وهم يلقونها تخليداً لذكرى سيد الشهداء وبطل الإباء الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

وذكرى الحسين (عليه‌السلام ) من الذكريات الخوالد التي تسير مع الزمن وتبقى مع الحياة ؛ لأنّها ذكرى الفضيلة الثائرة على الرذيلة الجائرة ، أو هي ذكرى الشهادة العظمى التي عزَّ نظيرها في تاريخ الشهداء , فما أجدرها بالخلود وما أحقَّها بالبقاء !

وفي هذه الخواطر وهذه الأفكار صور مختلفة من ذكريات يوم الطفَّ الخالد ، وما جرى فيه من أحداث جسام ومواقف عظام جاءت على ألسِنةِ الخطباء ، تارة منثورة واُخرى منظومة ؛ ليكون الكلام فيها جارياً على ما تقتضيه الحال في أمثال تخليد هاتيك الذكريات من إجمال وتفصيل ، وتفسير للحوادث ، وتصوير للوقائع ، وعرض لتاريخ تلك المأساة المروعة بشكل مؤثَّر أخَّاذ. المكان هو قاعة ثانوية البصرة للبنين (نادي الطلاب) ، والزمان عصر عاشوراء، والأشخاص الذين يقومون بواجب الاحتفال بهذه الذكرى جماعة من الشباب البصري يؤلّفون هيئة أدبية لها مكانتها في الأدب والثقافة العصرية ، وفي طليعتهم الاُستاذ عبد الرزاق العائش الذي ما فتئ يمهَّد السبيل في كلَّ عام لإقامة هذا الاحتفال المشهود. وخطباء الحفل رجال لهم منزلتهم المرموقة في الخطابة والشعر ، والمحتفلون جماهير البصريّين على اختلاف طبقاتهم ونحلهم وطوائفهم ، فلا غرو أن يكون الحفل كبيراً رائعاً ، ولا عجب إذا رأينا في الناس من يقترح جمع هذه الخواطر كلَّها في كتاب ليلمَّ شعثها ، ويجمع شتاتها ، ويعدَّها للقرّاء الّذين إن فاتهم الاستماع إليها في أوقاتها لم يفتهم أن يقرؤوها بعدُ في هذه الصفحات. وبالإضافة إلى الفوائد التاريخيّة الناجمة عن تدوين هذه الخواطر والأفكار فإنّ لها فائدة اُخرى هي خدمة اللغة العربية وتخليد بعض آثارها ؛ لأنّ جُلَّ ما اُلقي في هذه الاحتفالات من منثور الكلام ومنظومه بليغٌ رائع وجديد طريف ؛ ذلك لأنّه نتاجُ جماعةٍ من اُدباء البلد عُرفوا بمواهبهم الأدبيّة وتبريزهم في عالم الخطابة والشعر. ومن الناس من يرغب في أن يقرأ لهم ما سمعه منهم وما لم يسمع. ولعل شيئاً من هذه الخواطر والأفكار قد نُشر في حينه في بعض الصحف المحلَّيَّة ، بيد أن ما نُشر كان قليلاً جدّاً بالإضافة إلى ما لم يُنشر ، وهو من أجل هذا لا يؤلّف من موضوع الطفَّ وحدة متماسكة ، ولا يُعطي صورة صادقة لجلال الذكرى وعظم المأساة وروعة الاحتفال. وصفوة القول : إنّ في تدوين هذه الخواطر ونشرها بين القرّاء خيرُ عمل تقوم به الهيئة الأدبيّة في البصرة ؛ لأنّ فيما تنشره من ذكرى شهادة الحسين (عليه‌السلام ) وتاريخه الناصع دروساً قيَّمة للَّذين ينشدون الحياة الحرَّة في ظِلال الفضيلة ، ويطلبون أفضل المثل الإنسانية للصعود إلى معارج الكرامة. فليقرأ الناس تاريخ الحسين (عليه‌السلام ) ، وليستضيئوا بسراجه الوهّاج في ظلم هذه الحياة التي امتلأت بالظلم والتعسّف والجور ، وليعلموا بعد ذلك أنّ الحياة الذليلة خيرٌ منها الموت الزؤام ، وأن العزَّة لله ولرسوله والمؤمنين.

محمد جواد جلال


تمهيد :

محمد حسين إسماعيل

كانت واقعة الطفَّ واستشهاد الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ومعه الصفوة المختارة من بني هاشم ، والعصبة الطيبة من الأنصار المؤمنين أقوى نذير للشعوب الّتي كانت تحت حكم يزيد كي تنتبه من سباتها وتطالب بحقَّها.

وأعقبت واقعة الطفَّ عدَّة ثورات ، وكانت هذه الثورات ناجحة ؛ إذ كانت الشرارات الاُولى التي ما فتئت أن أصبحت ناراً حامية تأكل صرح الحكم الاُمويِّ كلِّه ، وتحيله رماداً تذروه الرياح ، ثمَّ تبنى على أنقاضه صرحاً جديداً يرضاه الناس.

وظلّ الناس يتناقلون أخبار الطفَّ في مجالسهم ونواديهم ، ويقارنون بين عظمة الحسين (عليه‌السلام ) وهو يجود بنفسه وأهله وصحبه لإعلاء كلمة الحقَّ ، وبين الحالة الَّتي كان عليها يزيد بن معاوية وأنصاره من تكالبٍ على اللّذات واستباق إلى الشهوات ، وصدوف عن أمر الدين.

وتنبه الناس بعد حين ، واضطرمت قلوبهم بالحقد الدفين على هذه الشرذمة الَّتي كانت تحكم باسم الدين ولا تقيم حدوده ، وتأمر بالمعروف ولا تعمل به ، وتنهى عن المنكر وهي غارقة فيه ؛ فثاروا على يزيد وأشباه يزيد من ولاته وحكّامه. كانت تلك الثورات خاتمة لذلك العهد الذي أغضب الناس.

ونبتت فكرة المآتم الحسينيّة , وكان أوَّل من أقام هذه المجالس والمآتم هم الأئمَّة الأطهار (عليهم‌السلام ) ؛ فكانوا يسمعون الشعر في رثاء الإمام الشهيد ، ويروون الحقائق عن تلك الثورة الدامية التي قُتل فيها أبو الأئمَّة (عليه‌السلام ) , ثم انتشرت تلك المجالس والمآتم في كلّ مكان ، واعتاد الناس بعد الطفَّ بقليل أن يقيموها في أيام عاشوراء ؛ فبقيت على مرّ القرون نبراساً يضيء الطريق.

وها نحن الآن بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً على مقتل الإمام الحسين (عليه‌السلام ) نرى المآتم الحسينيّة تؤدِّي مهمَّتها النبيلة على أكمل وجه ؛ فتذكر قصَّة الظلم الاُمويّ ، وفاجعة البيت العلويّ , وبين هذه الحوادث التاريخية الدامية تدعو الناس إلى إطاعة أوامر الله ، وإلى التمسّك بأهداب الدين , ونشر الفضيلة والحقَّ.

لعل البصرة من أكثر المدن الإسلاميّة احتفالاً بمقدم عاشوراء ؛ فإذا جئت البصرة زائراً في الأيام العشرة الاُولى من المحرَّم على الأخصِّ رأيت اللون الأسود هو اللباس الأعمُّ لأكثر الناس ، يرتدونه حداداً على آل الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، ورأيت المجالس الحسينيّة متَّصلة متتابعة ، لا تكاد تسير في شارع إلاّ ويلقاك مأتم مكتظٌّ ، فاذا سرت قليلاً رأيت المأتم الثاني وهو أكثر ازدحاماً.

وهكذا ينتقل البصريّ من مأتم إلى مأتم , لا يملُّ سماع الحديث المعاد ؛ لأن فاجعة آل البيت (عليهم‌السلام ) لا يمل سماعها إنسان ؛ ففيها الذكرى والعبرة , والموعظة والقدوة. وليس غشيان هذه المجالس مقتصراً على الشيوخ والكهول ممّن تجاوزت بهم السن ، بل إن للشباب البصريِّ حظاً ونصيباً من الإقبال عليها ، والاستماع إلى فوائدها وحكمها.


ومنذ سنين طويلة فكَّر بعض الاُدباء البصريّين بإقامة احتفال تأبين في اليوم العاشر من كلَّ محرم ، على أن يقوم الاُدباء البصريّون أنفسهم بإلقاء إنتاجهم شعراً ونثراً حول مأساة الطفِّ ، على أن يكون الاحتفال عصرياً يتَّفق وروح العصر وجلال الذكرى. وبقيت هذه الفكرة اُمنية تحتاج الى تحقيق حتّى حل محرم عام (١٣٦٧ ه) فعادت الفكرة أكثر تبلوراً وظهوراً.

ولعلّ من الواجب عليَّ أن أقول بأنَّ نشاط الاُستاذ عبد الرزّاق العائش كان العامل الرئيس لتحريك الفكرة وإخراجها إلى حيّز الوجود ، وكانت داره المنتدى الذي اجتمع تحت سقفه دعاة الفكرة الاُولى , وفي مقدَّمتهم اُستاذنا العّلامة الجليل السيد عبّاس شبر ، والاُستاذ محمد جواد جلال , والأساتذة عبد الرزّاق العائش ، ومحمود الحبيب ، وكاظم مكّي حسن ، ومحمد حسين الحمزة ، ومحمد هاشم الجواهري ، والاُستاذ عبود علي شبر.

تقرَّر في هذا الاجتماع الّذي عقده من ذكرنا أسماءهم أعلاه أن يكون الاحتفال ليالي السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر في دار الاُستاذ العائش ، وفي اليوم العاشر من المحرَّم على قاعة ثانوية البصرة للبنين (نادي الطلاب). وقد اُلقي في هذه الأيام الكثير من الإنتاج الشعريِّ والنثريِّ ، اخترنا بعضه للنشر في هذا الكتاب ؛ نظراً لكثرة الإنتاج.

أما في السنوات (١٣٦٨) و (١٣٦٩) و (١٣٧٠) ه فكان التأبين يقام في اليوم العاشر فقط على قاعة ثانوية البصرة للبنين (نادي الطلاب) ، وقد نشر فى هذا الكتاب كافة ما اُلقي في هذه السنوات الثلاث. واعترافاً بالجميل نذكر أن بعض الاُدباء من غير البصرة قد اشتركوا في هذه الحفلات التأبينيّة بجهودهم الأدبيّة , وقد نُشرت أيضاً.

بقي من الواجب أن اُشير إلى العلاّمة السيّد عباس شبر ، والاُستاذ محمد جواد جلال ، والاُستاذ كاظم محمود الصائب ، فقد كان لتوجيههم وآرائهم وإشرافهم أطيب الأثر في إظهار الحفل بأبهى روعة.

وأودّ أن اُشير أيضاً إلى أنّ الكتاب قد خلا من خطب الاُستاذ محمد جواد جلال ؛ لأنّ الاُستاذ كان يرتجل خطبته في كلَّ عام ارتجالاً ، والّذين يعرفون عمق أدبه وبلاغة اُسلوبه وسحر إلقائه يعلمون بأن خطبته من أروع الخطب وأكثرها تأثيراً في النفوس.وكان الحفل يُبدأ ويُختم في كل عام بتلاوة ما تيسَّر من آي الذكر الحكيم من قِبل الاُستاذ الشيخ عبد الكريم الحمداني والشيخ عليّ السبيعيّ ، وفي السنة الحالية من الشيخ شاكر الحمدانيّ.

وبعد ، فإننا نقدِّم هذه المجموعة الثمينة بمغزاها إلى القرّاء ، وقد نشر فيها ما اُلقي في هذه السنين في حفلات التأبين التي كان الإقبال العظيم عليها دليلاً ملموساً على مدى نجاحها , آملين في نفس الوقت أن تكون السنين القادمة أكثر روعة وفخامة ، شاكرين لكل مَن بذل جهده الأدبيَّ والمعنويَّ في مؤازرتنا ، ذاكرين على الأخصِّ جهود الاُستاذ العائش ، وهو الشعلة من الإيمان والتضحية ؛ فقد كان يسهر الليالي ، ويبذل غاية ما يستطيعه الإنسان لكي يجعل الحفل التأبينيَّ يليق بجلال الذكرى.

نسأله جلّ وعلا الرضا والقبول.

* * *


التاريخ الشعري

عبد الرزاق العائش

علي البازي

الشيخ علي البازي (١٨٨٢ - ١٩٦٧)

* شاعر ، ضليع بفن (التاريخ الشعري) ورائد في كتابته.

* ولد في النجف وتتملذ بمدرستها العلميّة ، اشتغل في الحقل الوطني , حيث كُلّفَ وصديقه الشاعر الشيخ محمد علي اليعقوبي بتحريض عشائر الفرات الأوسط للالتحاق بركب الجهاد لمقاومة الإنكليز الغزاة ١٩٢٠م.

* له ديوانان ؛ الأول (وسيلة الدارين) مطبوع بثلاثة أجزاء سنة ١٩٢٠م ، والثاني (أدب التاريخ) مخطوط ، أرّخ فيه حوادث الشخصيات العراقية والعالمية بأربعمئة تاريخ شعري.

التاريخ الشعري

تفضل المؤرّخ الكبير والشاعر المعروف الاُستاذ عليّ البازيّ فنظم هذه الأبيات , مؤرِّخاً فيها صدور هذا الكتاب كما هي شيمته ؛ إذ ما من مناسبة تستحقّ الذكر إلّا وتصدّى لها ، وراح يُغدق عليها من فيض عبقريَّته. وهذا - والحقُّ يقال - مزيّة انفرد بها دون سواه من الشعراء المعاصرين.

العائش


للبصرةِ الفيحا وأبنائها

ذكر جميل ملأ الخافقينْ

في كل عامٍ لهمُ موقفٌ

يستنزفون الدمع من كلَّ عينْ

فيه ينوحون على سادةٍ

هم شفعاءُ الخلق في النشأتينْ

تلك مراثيهم وآثارها

واضحةٌ يُجلى بها كل رينْ

انظر إلى السفر فتأريخه

(ينبيك مجموع لذكرى الحسينْ) ١٣٧٠ه

علي البازي - الكوفة

* * *


الليالي الخمس

الَّتي أحيتها الهيئة الأدبيّة في دار معتمدها عبد الرزّاق العائش , ابتداءً من الليلة السادسة من شهر محرم (١٣٦٧) ه حتّى الليلة العاشرة منه.

كلمة الهيئة الأدبيّة

لقد عزمت الهيئة الأدبيّة في البصرة في بادئ الأمر على إقامة سلسلة من الحفلات الخطابيّة بمناسبة ذكرى سيّد الشهداء (عليه‌السلام ) ، تبدأ من الليلة الاُولى من المحرم سنة (١٣٦٧) ه وتنتهي في اليوم العاشر.

كان هذا عزم اللجنة ، فوجَّهت عدَّة رسائل إلى نخبة من الاُدباء والشعراء في مختلف ألوية العراق وفي داخل البصرة ، فوردتها كمّيَّة كبيرة من النتاج الأدبيّ الرائع نظماً ونثراً , ولكن تلك الكمّية ما كانت لتكفي لمدّة عشرِ ليال ؛ لذا شرعت بالعمل من الليلة السادسة وانتهت في اليوم العاشر.

غير أن تلك الليالي الخمس وإن كانت قليلة العدد فإنها كثيرة النفع ؛ حيث أدّت نتيجة مرضية لم تؤدِّها ليال عديدة من حيث إحياء ذكرى الحسين (عليه‌السلام ) باُسلوب يتّفق والعصر الحاضر من ناحية الدرس والتحليل وتنظيم المكان.

فلقد كان النجاح حليف تلك الفكرة من أوَّل ليلة ؛ حيث أخذ المكان يزدحم بالوافدين من مختلف الطبقات وبالأخص الطبقة المثقَّفة ، حيث وجدت ضالَّتها المنشودة ؛ إذ طالما طمح أرباب النفوس السامية إلى تحقيق هذه الفكرة فتحقَّقت (ولله الحمد) بنجاح غير منتظر.

كما وأن الذين كانوا يرون خطأً أن قضيَّة الحسين (عليه‌السلام ) محصورة في نطاق ضي-ق ، ومختصَّة بطبقة دون اُخرى لـمّا رأوا نجاح الفكرة نكصوا على أعقابهم يندبون حظهم العاثر ، حيث خانهم في فهم حقيقة النهضة الحسينيّة ، لا سيَّما وأن الاُدباء والشعراء البصريّين الّذين ساهموا في هذا الحفل أعادوا إلى الأذهان عصر الجاحظ والحريري والخليل بن أحمد وغيرهم. وإن ننسَ فلا ننسَ حضرات الاُدباء والشعراء الذين لبوا دعوة اللجنة بسرعة فائقة.

ونظراً لما لاقته هذه الفكرة - فكرة إحياء عشر ليال - من نجاح باهر فلنا وطيد الأمل في السنة القادمة أن تكون بنطاق أوسع ، ولربما تحقق في أماكن عديدة. فاللجنة ترفع جزيل شكرها إلى الذوات الّذين ساهموا في تحقيق هذا الغرض النبيل ، سواء الذين قدَّموا إنتاجهم من بعيد ، أو الذين تلوا الإنتاج بأنفسهم.

ونسأله تعالى أن يعيد هذه الذكرى ونحن كأحسن ما نكون سعادةً ورفاهية تحت ظلَّ عرش مليكنا المفدى فيصل الثاني ، وحماية الوصي وولي العهد عبد الإله المعظَّم ، إنه قريب مجيب.

* * *


منهج الليالي الخمس

١ - إنها لأحدى العبر (كلمة الافتتاح) … عبد الرزّاق العائش

٢ - الصراع بين الحقَّ والقوَّة …المحامي توفيق الفكيكيّ - بغداد

٣ - ذكرى الطفَّ (قصيدة) … أنور خليل - عمارة

٤ - حسين … خليل رشيد - عمارة

٥ - دروس تضحية … السيد مسلم الحلَّي - حلة

٦ - الجهاد المقدّس … عبد الواحد الأنصاري - عمارة

٧ - نهض الحسين مجاهداً (أبيات) … جواد الشيخ حسين

٨ - من وحي الذكرى … السيد محمد تقي الحكيم - نجف

٩ - أنا الحسين بن علي (قصيدة). السيد طالب الحيدري - بغداد

١٠ - المثل الأعلى … المحامي صالح فاضل

١١ - قصيدة (يوم الدماء) … كاظم محمود صائب

١٢ - هب الدين حصناً (قصيدة) … عبد الكريم الندواني - عمارة

١٣ - يا من رأى واحداً (قصيدة) … الشيخ عليٌّ البازي - نجف

١٤ - التضحية … عبد الرزّاق العائش

هذا مجمل ما اُلقي خلال الليالي الخمس , عدا ما اُلقي ارتجالياً من قِبل الاُستاذ محمَّد جواد جلال وبعض الأعضاء الآخرين. ولـمّا لم تكن النية معقودة على النشر لم تعمد الهيئة إلى تحرير ما اُلقي ارتجاليّاً. هذا مع العلم أن البدء والختام في كلَّ ليلة القرآن الكريم.

* * *


إنها لإحدى العبر

عبد الرزاق العائش

أيُّها السادة , إنّها لإحدى العبر أن سمت داري الوضيعة هذه الليلة بهذا الحفل الكريم ، فأمست تضاهي بإشراق نورها القصور الشامخة في وضح النهار ؛ حيث منحتموها شرف حضوركم ، وحبوتم صاحبها بفخر تقديركم , هذا مع صرف النظر عن قيمة الدار المادية ، وعن مركز صاحبها الاجتماعيِّ ؛ فإن دلَّ هذا التشريف وهذا التقدير على شيء فإنّما يدلان على كرم أخلاقكم ونبل سجاياكم.

أيُّها الحفل الكريم , قلت : إنها لإحدى العبر ، ولا أحسبني مرسلاً القول جزافاً ، كما ولا أحسبني محتاجاً إلى شيء من العناء للتدليل على قولي أكثر من هذين السؤالين، وهما : ما قيمة هذه الدار التي تجشَّمتمُ عناء الوصول لأجلها ؟ وما قيمتي أنا الّذي تواضعتم إلى درجة التعرُّف بي لو لم يكن هناك دافع خفيٌّ قويٌّ ؟

أقول هذا وكأني بكم تجيبونني بلسان واحد : لا الدار ولا صاحبها يستحقان هذه العناية كلَّها لو لم يكن هناك دافع خفيٌّ قويٌّ في منطقة اللاشعور يقضي على كل اعتبار سوى اعتباره ؛ ألا وهو دافع حب الحسين (عليه‌السلام ) ، ذلك الدافع الذي اودعه الله من قوة الإيجاب ما تقهقر بإزائه أيَّة قوَّة سالبة مهما بلغت من الشدَّة والعنف.

إذاً أيُّها السادة , إن قوة معنوية كهذه يجدر بنا أن نستمدَّ منها كافَّة قوانا المعنويَّة ، كما ويجدر بنا أن نقدِّرها حق قدرها ليعمَّ نفعها. هذا هو الدافع الحقيقيُّ الذي دفعكم لتشريف داري ، وهذا هو أيضاً سرُّ وقوفي بين أيديكم مرفوع الرأس , فياله من سرٍّ دقيق !

وهنا يحقُّ لي أن أفخر على أقراني بهذه الظاهرة الحميدة ، وأنا إذ أفخر لا لأنكم شرَّفتموني بحضوركم فحسب ، بل ولأني استطعت بمساعدة نخبة من الاُدباء البصريِّين وغيرهم أن اُهيِّئ لكم بعض الغذاء الروحيِّ على هذه المائدة الحسينيّة المباركة لمدة خمس ليال , اعتباراً من الليلة ، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

فشكراً لله على هذه النعمة السابغة نعمة حب المصطفى وآله , وشكراً لكم على هذا الشعور السامي النبيل. والسلام عليكم.

عبد الرزاق العائش - البصرة


الصراع بين الحقِّ والقوة

توفيق الفكيكي

توفيق الفكيكي ١٩٠٣م - ١٩٦٩م

* ولد توفيق علي ناصر الفكيكي في بغداد ، تخرّج من دار المعلمين الابتدائية وعُيّن معلماً , ثمّ ترك التعليم ليلتحق بكلية الحقوق وتخرّج فيها ، ومارس المحاماة لفترة ، وعُيّنَ قاضياً في سامراء والنجف ، حيث درس الفقه والمنطق وحاور العلماء في مجالسهم.

* من كتبه :

أولاً : المتعة في الفقه المقارن - النجف ١٩٣٧م.

ثانياً : الراعي والرعيّة (جزءان) - النجف ١٩٣٩م.

ثالثاً : أقرب الوسائل لنشر الحضارة الصحيحة في العراق - النجف ١٩٣٨م.

رابعاً : أدب الفتوّة - النجف ١٩٤١م.

خامساً : سكينة بنت الحسين (عليهما‌السلام ) - النجف ١٩٥٠م.

سادساً : شجرة العذراء - بغداد ١٩٦٢م.

* أصدر جريدة (النظام) سنة ١٩٢٧م وعطّلتها سلطة الانتداب البريطاني , ثمَّ أصدر جريدة (الرعد) سنة ١٩٤٨م ولم تستمر طويلاً.


الصراع بين الحقِّ والقوة في حومة الطفِّ(١)

توفيق الفكيكي المحامي

أيُّها الحفل الكريم ، لقد تكرَّمت اللجنة القائمة بواجب إحياء ذكرى النهضة الحسينيّة المعطَّرة المباركة فشرّفتني بدعوتها إلى مشاركة إخواني البصريِّين في إحياء ذكرى سيِّد الشهداء (عليه‌السلام ) وأنصاره العظماء. وبمزيد الشرف اُقدِّم بين أيديكم هذه الكلمة المتواضعة في مصاب الإسلام الأليم ، وفجيعة البيت المحمدي العظيم بنزول الخطب الجسيم في ساحة العترة الطاهرة ، تلك المعركة التأريخية الكبرى بين شهداء الحق وبين عبيد القوة الطائشة.

أيُّها السادة ، إنّ لكلَّ اُمَّة نصيباً من الشهداء الخالدين , كما إنّ لكلَّ مجتمع من المجتمعات نصيباً من المجرمين الساقطين ، وبهذا الميزان توزن قيم الأفراد الروحية المثاليّة , وبهذا المقياس تقاس خصائص الشعوب وحضارات الأقوام؛ فكلما كانت صفحات الجهاد لامعة بنور الحقَّ ، اُرجوانيّة قانية بدم الشهداء كانت دليلاً ناطقاً على سموِّ الاُمَّة الذاتي، وحجَّة بليغة على قوَّتها الروحيَّة ، وتربيتها الاستقلاليَّة , وجدارتها بالوصاية على غيرها من الاُمم ؛ وبذلك نطق القرآن الكريم :( وَ كَذَلك جَعَلنَاكُم أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُم شَهِيداً ) (٢) .

فالاُمَّة الصالحة الَّتي ترث الأرض هي الَّتي ترخص الدماء الزكيَّة في بناء صروح مجدها الشامخة ، وتَشيد كيان عظمتها السامقة في نهضتها التحريريّة ضدَّ الطغيان المتعسف , وبذلك يتمُّ توحيد صفوفها ، ويسود العدل فيها , وينتصر

____________________

(١) ألقاها الاُستاذ محمود محمّد الحبيب.

(٢) سورة البقرة / ١٤٣.


الحقُّ , وتعتزُّ الشريعة ، وتقوى في المجتمع وحدة الإخاء المستندة على أساس الحق والعدل والمساواة والحرِّيَّة الصحيحة.

ويتجلّى لنا هذا المبدأ القويم في تضحية الرسول الغالية في قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعمّه أبي طالب (رضي‌الله‌عنه ) عندما ظنَّ فيه أنه خاذله ومسلمه إلى المشركين من قريش ، وأنه قد ضعف عن نصرته ، فقال له : (( يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته )). فقال له عمّه أبو طالب (رضي‌الله‌عنه ) : اذهب يا بن أخي ، فقل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً(١) .

وبهذا الإيمان العميق والعقيدة السامية استطاع الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن ينشر مبدأ السلام العالميِّ الَّذي جاء به الإسلام بعد أن خَضِدت شوكة المشركين ، واندحرت الوثنيَّة ، وانهزمت اليهوديَّة ، وانخذل سلطان العقائد الجاهليَّة , وتحرَّر العرب من ربقة الذلَّ والخنوع والاستسلام إلى أهواء المستبدّين الأشرار.

وفي العصر الاُموي قد ساد نظام الارستقراطيّة الأجنبيّة الدخيلة , وكانت النفسيّة العربيّة قد تأثَّرت إلى حدٍّ بعيد في هذا العهد بنزعات شتّى ؛ فاندرست معالم الحق ، وطُمست منائر الشريعة الغّراء المتألَّقة ، وكادت العقائد المطموسة كالوثنيَّة واليهوديَّة وغيرهما تعيد سيرتها الاُولى ، ويتطاير شرر فتنتها في أنحاء جزيرة العرب وبلاد الإسلام لولا موقف شهيد آل البيت الحسين (عليه‌السلام ).

وإليكم نبذة من كتاب له إلى الطاغية معاوية ، وهو من احتجاجاته الصارخة على تصرُّف البلاط الاُموي ، فقال (عليه‌السلام ) : (( وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ولدينك ولاُمّة محمّد , واتقِ شق عصا هذه الأمة ، وأن تردهم إلى فتنة. إنّي لا أعلم فتنة أعظم على هذه الاُمَّة من ولاية الأشرار عليها ، ولا أعظم نظراً لنفسي ولديني ولاُمة محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أفضل من أن أجاهرك ؛ فإن فعلت فإنه قربة إلى الله ، وإن تركته فإني استغفر الله لديني , وأسأله

____________________

(١) شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد).


توفيقه لإرشاد أمري ))(١) .

وهذه المجاهرة التي جاهر بها سيّد الشهداء (عليه‌السلام ) صاحب البلاط الاُموي ، وهو في بدء قوَّته وجبروته وطغيانه تصوّر لنا صوت الحقَّ وقوَّته ، وصوت الحرِّيَّة العربيَّة الحمراء الصارخ في وجه الارستقراطيَّة الكريه , وسيبقى دويُّه يجلجل في فم الزمان بجلائل البطولة الهاشميَّة الخالدة ما بقي الدهر الخؤون وتعاقبت الأجيال.

ذلك صوت الشهداء الخالدين في الدفاع والاستماتة في سبيل كرامة الشعب وحرِّيَّته ، خوفاً من أن تغتصبها قوَّة المستبدِّين الغاشمين ، والسهر على حفظ عقائد الاُمَّة السليمة من أن تهان ، وصيانة تقاليده القوميَّة الصحيحة ، ومن ثمّ لأجل خلاص أفراد الاُمَّة الآمنين من الإرهاب والأحكام الجائرة ، والانتصار إلى المثل الأخلاقية الرفيعة.

وهذه الأهداف الحسينيّة قد صرَّح بها (عليه‌السلام ) في وصيَّته لأخيه محمّد ابن الحنفيَّة عند حركته الى الكوفة ، فقال له: (( وإني لم أخرج [أشراً ولا] بطراً , ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في اُمَّة جدَّي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدِّي وأبي علي بن أبي طالب ؛ فمن قبلني بقبول الحقَّ [فالله أولى بالحقِّ] , ومَن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين ))(٢) ؛ ولهذا كان يقول : (( لا بدّ أن اُقتل في سبيل الحقَّ ولا استسلم للباطل )).

أيُّها السادة , إنّ نهضة سيد الشهداء (عليه‌السلام ) كانت صراعاً بين الحق المقدَّس وبين القوة الفاجرة الأثيمة ، وقد وضع برنامجها في كلمته الخالدة حينما اعتزم المسير من البطحاء : (( ألا مَن كان منكم باذلاً فينا مهجته ، موطَّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا ؛ فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله )).

إنّ هذا الكلمة البليغة ، الواضحة الصريحة هي ركيزة المبدأ الإصلاحي

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٤ / ٢١٢ - ٢١٣.

(٢) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٢٩ - ٣٣٠ ، وما بين المعقوفين من المصدر.


لكل مصلح صادق في العالم يريد أن يسلك باُمَّته طرق الإصلاح الوعرة الخشنة لنصرة الفضيلة الـمُضامَة ، والحق المهضوم ، والعدل المأسور بيد الأشرار. تلك الكلمة العالية الصريحة الَّتي لا يقولها إلّا مصلح ناصح لربّه ولعقيدته ، ولا تعيها إلّا القلوب العامرة بالإيمان الصحيح ، ولا تفقه معناها إلّا النفوس المؤمنة بقدسيَّة الحقَّ ، والمطمئنة بعقيدتها الراسخة.

وإن بذل المهج الغوالي في سبيل المبدأ السامي ، وتوطين النفوس الكريمة على لقاء الله لا يقوم به إلّا الشهداء الأبرار ، والصدِّيقون الأخيار ، وإلّا أمثال أصحاب أبي عبد الله (عليه‌السلام ) الأطهار ، واُولئك قليل , كما قال ابو الشهداء في حومة الطف : (( ألا إنّ الدعيَّ ابن الدعي قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلَّة والذلَّة , وهيهات منا الذلَّة ، يأبى الله لنا ورسوله والمؤمنون ، لا نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. ألا وقد أعذرت وأنذرت ، ألا وإني زاحف بهذه الاُسرة مع قلة العدد وكثرة العدو وخذلان الناصر ))(١) .

أجل أيها السادة , قليل اُولئك الَّذين يفرّقون بين جمال الحقَّ وبين قبح القوَّة وظلماتها ، بل هم أقلُّ من القليل اُولئك الذين يؤمنون بالحقَّ كدين وروح وقلب ، وهو الثورة على عبادة السلطان الجبّار ، والثورة على عبادة الشهوات الخسيسة, وعلى الذلَّة والمسكنة ، والثورة على دنيا الفساد والظلم ، والفناء في خدمة العدل ، والتمرُّد على السلطة المستبدِّة ، والسياسة الفاسدة العابثة.

واُولئك المؤمنون هم الشهداء حقاً الذين تُبنى بدمائهم الزكية قواعد الممالك ، وتشاد على جماجمهم دعائم استقلال الشعوب ، وترفرف فوق هاماتهم ألوية الحمد والحرَّيَّة. هؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم :( إنَّ اللهَ اشتَرَى مِنَ الـمُؤمِنِينَ أنفُسَهُم وَأَموَالَهُم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٤ / ٣٢٩ - ٣٣٠ ، وما بين المعقوفين من المصدر.


فَيقتُلُونَ وَيُقتَلُونَ ) (١) .

وتلك هي الشهادة العالية في الحق ، والإذلال الشنيع للقوَّة والجبروت ؛ إذ لا تنال الاُمم استقلالها إلّا بضحاياها المقدّسة من الشهداء ، ولا تستردُّ حريتها المغصوبة إلّا بدمائهم الزكيَّة الفوّارة.

ولو رجعنا إلى الدروس البليغة الّتي ألقاها سيّد الشهداء (عليه‌السلام ) في خطبه الجبّارة يوم عاشوراء على مسامع الطغام اللئام ، وأمعنّا النظر في غرر أنصاره العظماء ، وتملَّينا درر المعاني في خطب الحوراء زينب الكبرى الَّتي قالتها في قصر الأمارة في الكوفة وفي البلاط الاُموي في الشام ، لرأينا كيف كان مصير الصراع بين الحقَّ والقوة وأثرهما في النهضة الحسينيّة التحريريَّة الخالدة.

يا أحبّاء الحسين , إنّ الواجب يقضي علينا ونحن في هذا الموقف الحزين أن نذرف الدموع السخينة على مصائب الهاشميات والعقائل النبوية ، ونمجّد بطولة الحوراء زينب الكبرى (عليها‌السلام ) ؛ ففي ذلك تطهير لقلوبنا وتهذيب لنفوسنا ؛ لأنّ مصير الصراع بين الحق والقوة ، أو بالأحرى بين الإسلام وبين نظام الحكم الجاهلي إذا لم نعبّر عنه بالوثنية قد كشفت لنا القناع عنه الحرة عقيلة آل محمّد زينب الكبرى (عليها‌السلام ) بعد واقعة الطفّ ؛ حيث إنها شاهدت بأمِّ عينيها ذلك الصراع بين الرشد والغي في ساحة كربلاء الَّتي مشى فيها أبو الشهداء فرحاً جذلاً ، وبين يديه أصحابه المغاوير غير هيّابين بالموت الأحمر ؛ حبّاً بنيل الشهادة في نصرة الحقَّ والعقيدة.

وقد أدركت الحرَّة الحوراء في حياتها عاقبة القوة الغادرة الماكرة , ومآل الكيد والخيانة التي ارتركب جريرتها هؤلاء المجرمون الجناة من دعاة القوّة المستهترة بقدسية الحق وحرمة البيت النبوي العظيم.

وبعد أن انجلت الغبرة ، وانتهت المأساة التاريخية الموجعة بين جند الحقَّ وجيوش الباطل سيقت الحوراء إلى قصر الإمارة في الكوفة ومعها الخفرات عقائل البيت الهاشمي المطهر ، وهن في قيد الأسر وحرّ الحديد ، وقد شُهرت فوق رؤوسهنَّ حراب المنتصرين الأوغاد وسيوفهم ، فقال لها ابن مرجانة الزنيم

____________________

(١) سورة التوبة / ١١١.


بلسان الشامت : أرأيتِ صنع الله بأخيك الحسين والعتاة المردة من أهل بيته ؟

فقالت له : وما رأيت إلّا جميلاً ؛ اُولئك كتب عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّ وتخاصمُ ، فانظر لمن الفلج ثكلتك اُمك يا بن مرجانة !

ثم قال لها ابن مرجانة الرذيل : الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم وأكذب اُحدوثتكم.

فأجابته بقولها البليغ : (إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا)(١) .

ورحم الله دعبلاً إذ يقول :

فآلُ رسولِ الله نحف جسومُهم

وآلُ زياد حفّل القصراتِ

بناتُ زياد في القصور مصونةٌ

وآلُ رسول الله في الفلواتِ

ولما وصلت سبايا آل محمّد (عليهم‌السلام ) عاصمة اُميّة ، وأدخلهم عَبيد التاج وحفدة يزيد الأوباش على صاحب القرود والفهود ، وبنات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يرسفن بالأصفاد والأغلال ، فهشَّ يزيد حليف الخمور والفجور , ثمّ أنشد :

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسلْ

فنهضت إليه الحوراء ، وغضبت غضبتها العلويَّة ، وصرخت في وجه الجبّار العنيد ، فقالت (عليها‌السلام ) : صدق الله كذلك حيث يقول :( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤوا السُّوأى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَستَهزِئونَ ) (٢) .

ثم قالت بعد كلام فصيح طويل : فكد كيدك ، واسعَ سعيك ، وناصب جهدك ؛ فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا يرحض عنك عارها. وهل رأيك إلّا فند ، وأيّامك إلّا عدد ، وجمعك إلاّ بدد , يوم ينادي المنادي : ألا لعنة الله على الظالمين ! فالحمد لله الّذي ختم لأوَّلنا بالسعادة ،

____________________

(١) اللهوف على قتلى الطفوف / ٩٣ - ٩٤ ، (بتقديم وتأخير فيه) ، الإرشاد (ضمن سلسلة مؤلَّفات المفيد) ١١ / ٢ / ١١٥.

(٢) سورة الروم / ١٠.


ولآخرنا بالشهادة والرحمة وهو حسبنا ونعم الوكيل(١) .

نعم , إنّ كيد القوَّة الطائشة مهما كان شديداً ، وإنّ سعي الجبابرة الطغاة مهما كان قويّاً ، وإنّ جهد الظالمين الأقوياء مهما كان عظيماً فليس باستطاعة هؤلاء القضاء على اُمناء الوحي والذكر الحكيم ، وليس بمقدور الأشرار أن يدركوا أمد الأحرار وشأو أنصار الحقَّ الأبرار. أمّا أبناء عبد شمس أنصار الباطل والظلم فقد تسربلوا بالعار ، وتلفَّعوا بالشنار والصغار ، ثم استحقّوا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

أيُّها السادة , كان عرب الجاهليّة يسمون هذا الشهر (المؤتمر) , أي يأتمرون فيه للقضاء على المعتدين ، ولحلَّ كلَّ شيء ممّا يقع في السنة من الوقائع القضائية ، ويسمونه (المحرّم) أيضاً ؛ لأنهم كانوا يحرِّمون فيه القتال , وكانوا يعظَّمونه, حتّى إنّ الرجل منهم لو لقي قاتل أبيه أو قاتل أخيه ما مسَّه بسوء ولا بكلمة.

وقد زاد الإسلام تعظيمه ورفع من شأنه ، وجعله من الأشهر الحرم المحترمة ، إلّا أنَّ السلالة السفيانيَّة المجرمة ، وعبيد العصا من رُذّال الكوفة قد خرجوا على التقاليد العربية النبيلة ، والتعاليم الإسلاميّة الشريفة ؛ فخرقوا حرمة هذا الشهر الحرام ، وارتكبوا فيه أفظع وأشنع جريمة في تأريخ الإنسانية وهي الفتك بريحانة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وبمهجة الزهراء البتول (عليها‌السلام ) ، التقتيل الذريع في ذراري المصطفى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وفي أنصارهم أهل الشهامة والحفاظ.

ولله دَرُّ القائل :

ويكبّرون بأن قُتلت وإنما

قتلوا بك التكبير والتهليلا

وفي عاشر محرَّم الحرام قام الجفاة الجناة من أهل الكوفة وهم عصبة يزيد وكلاب عبيد الله بن زياد القذر بنهب أموال الحرائر الهاشميات ، وسلب ثياب العقائل المصونات , وقوَّضوا عليهنّ خيام عليا نزار ، وهن ودائع الهدى ، وكرائم

____________________

(١) اللهوف على قتلى الطفوف / ١٠٥ - ١٠٩.


الرسالة ، ثم ألهبوا في أطرافها النيران.

ولم يكتفوا بذلك ؛ فإنّهم بعد أن مثَّلوا بالجثث الطواهر الزواكي حملوا رؤوس السادة الغطاريف على الرماح ممّا تأباه طبيعة الوحوش الكاسرة ، وفي هذا يقول الاُستاذ الأزري :

حملت بصفّين الكتابَ رماحُهم

ليكون رأسك بعدها محمولا

لولم تنل أحقادُ حربٍ منك ما

جرأ الوليد فمزّق التنزيلا

والآن أيُّها السادة الكرام أقول : بأنّ الحسين (عليه‌السلام ) كان قد بسط منهاجه الإصلاحي في سبيل تجديد الإسلام والوحدة العربية لنجاة الاُمَّة من شرِّ الانقسام وفتن العصبيات المُردية ، ومعاطب الحميّات المهلكة , وأنّ الصراع العنيف بين الحقَّ الَّذي استشهد هو وأصحابه في سبيل إعلاء رايته الخفّاقة ، وبين سياسة القوَّة الوحشيَّة الَّتي سار على دستورها الأعياص والعنابسة من أبناء عبد شمس كان مستحكم الحلقات من عهد نصير الوثنية أبي سفيان.

إلّا أنّ فيوضات النهضة الحسينيّة المباركة لا تزال عنوان تاريخ العروبة والإسلام , والصفحة التي تشعُّ بالنور في سجلَّ الأحرار , وأنّ ذكرى هذه النهضة ستبقى على الليالي عبقة فوّاحة الشذا في نفوس المؤمنين أمثالكم من أتباع الحسين (عليه‌السلام ) , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

توفيق الفكيكيّ - بغداد


ذكرى الطفِّ

أنور خليل

أنور خليل

* ولد في العمارة عام ١٣٣٨ ه - ١٩١٩م.

* تخرَّج من دار المعلَّمين بالأعظميَّة عام ١٩٣٦م.

* عين معلّماً ثم أميناً للمكتبة العامَّة في العمارة.

* توفي عام ١٤٠٧ ه - ١٩٨٦م.

* آثاره : (الربيع العظيم وقصائد اُخرى) , و (الصوت الآخر).


ذكرى الطفِّ(١)

أنور خليل

ضجَّت الأرض وحيتك السماءُ

يا شهيداً قد طوته كربلاءُ

يا شهيداً هلَّل الخلد له

وتباهت بعلاه الشهداءُ

لم تزل منك على طول المدى

صورةٌ ليس لمعناها انتهاءُ

بأبي أنت لقد أضرمتها

ثورةً للحقَّ يُذكيها الإباءُ

بأبي فتيانك الصيد الاُلى

آثروا الموت كما شئت وشاؤوا

كالنجوم الزهر إن غمّ الهدى

والليوث الغلب إن حم اللقاءُ

فئة عزلاء إلّا من تقىً

ملؤها حقٌّ وصدقٌ ومضاءُ

قلَّة لكنما قد هزأتْ

بجيوشٍ ضاق عنهنّ الفضاءُ

وظِماءٌ يتبارون على

موردِ الموت عسى منه ارتواءُ

فئةٌ مؤمنة قد نازلت

جحفلاً يحدوه ظلمٌ واعتداءُ

طف بأرض الطفَّ واستوحِ الثرى

فعليه من دم القتلى ضياءُ

واذكرنْ موقعةً فاصلةً

هي بين العدل والظلم بلاءُ

واذكرنْ شبلَ عليٍّ عندما

خانه القوم وجاروا وأساؤوا

وأبا الفضل وما أفضله

فارساً يزهو بكفّيه اللواءُ

ولقد عَزَّ عليه إن رنا

للحسين السبط يؤذيه الظماءُ(٢)

____________________

(١) ألقاها الاُستاذ محمود محمّد الحبيب.

(٢) الظمأ : وانما مدت لضرورة الشعر.


قصد الماءَ لكي يسعفه

فاذا الماءُ رماحٌ وظباءُ(١)

مات بين الطعن والضرب فتىً

هو للإيثار والبأس سماءُ

والحسين الليث يعدو هاجماً

لا يبالي فكأنّ القومَ شاءُ

فتحدّاهم ببأسٍ ونضا

أحـــــــــــ صارماً فيه من الله سناءُ ـــــب

واذكرنْ أنصاره إذ قدَّموا

دونه أنفسهم نعم الوفاءُ

* * *

إن ذكراك وما أعظمها

كلُّها نبل وفخر ووفاءُ

سجَّل التأريخ عن روعتها

صفحةً حمراءَ يرويها البقاءُ

تقرأ الأجيال فيها موقفاً

علَّم الأنذال كيف النبلاءُ

سيدي قدَّمت درساً عالياً

لبني الدنيا فما فيه امتراءُ

سيدي علّمت أحرار الورى

أنَّ عيش الذلَّ والموتَ سواءُ

أنت قوَّضت على أصحابها

دولةً للظلم فانهار البناءُ

هانت الدنيا على ابن المرتضى

بئس دنياً ساد فيها الأدنياءُ

أيُّها الباكون سبط المصطفى

ويحكم ليس له يرجى البكاءُ

هو أسمى مفخراً أن يغتدي

بطلاً يبكي عليه الضعفاءُ

قد فدى الدين بزاكي دمهِ

عظم المفديُّ شأناً والفداءُ

يا لجرحٍ خالدٍ لم يلتئمْ

كم له فاضت دموعٌ ودماءُ

* * *

أي قلبٍ مؤمنٍ في حبكمْ

لم يحرَّقه الأسى والبُرَحاءُ

أي عين لم تذل أدمعها

فعسى بالدمع للحزن انطفاءُ

ويطوي الدهر ويُطوى أهله(*)

وخطوب الناس يطويها الفناءُ

غير خطب أبديٍّ مفردٍ

ما له ثانٍ ولا منه عزاءُ

كلّما أقبل عام أقبلتْ

ذكرياتُ الطفِّ فاربدَّ الصفاءُ

____________________

(١) الظبا : السيوف.

(*) لا يخفى ما في المصراع من خلل عروضي واضح , لا يصح إلّا على قراءة (ينطوي الدهرُ ويُطوى أهلُه.) (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


لكمُ يا آل بيتِ المصطفى

مأتمٌ في كلِّ قلبٍ ورثاءُ

عبرات القوم لـمّا انفجرت

عبّرت عن حزنهم لا الشعراءُ

* * *

بأبي أنتم هدانا الله في

نوركم يا من بكم زال الخفاءُ

كم لكم من تضحياتٍ جمَّةٍ

وبطولاتٍ لها يعنو القضاءُ(١)

بالنفوس الغرِّ جدتم في الوغى

وسواكم بحطامٍ بُخلاءُ

يا ضحايا المثل الأعلى الذي

هو لولاكم خيال وهراءُ

بعتم الدنيا وأقبلتم على

جنَّةِ الخُلد وفيها الأصفياءُ

ليت كلَّ الناس في ذكراكمُ

قبسوا بعض سناكم واستضاؤوا

أيُّها القوم اذكروا أبطالَكمْ

إنما الذكرى عظاتٌ وولاءُ

فاجعلوا سيرتهم نبراسكمْ

واتبعوا النهج الذي فيه التجاءُ

ليس يجدينا عويلٌ صاخبٌ

ومناحاتٌ ولطمٌ وبكاءُ

إنما ينفعنا يا سادتي

اِهتداءٌ بهداهم واقتداءُ

* * *

أنور خليل - العمارة

____________________

(١) يعنو : يخضع. مختار الصحاح / ٤٥٩ (عنا).


حسين.(١)

خليل رشيد

الحسين أعطانا دروساً في العزَّة والإباء ، وعلَّمنا كيف نكون صلدي الإيمان والعقيدة , وأن نقف موقفاً ملؤه العزة والفخار. (حسين) كلمة جليلة القدر ، كبيرة المعنى ، عظيمة المغزى , ينضمُّ تحت كلمة (حسين) كلُّ معاني الإنسانيّة الكاملة ؛ فإذا ما ذُكرتْ كلمة (حسين) ذكرت معها التضحية ونكران الذات ، ذُكر معها التفاني في سبيل العقيدة والمبدأ , ذُكر معها التجرُّد والتخلّي عن الدنايا والهنات والرذائل ، ذكرت معها الفضيلة وكلُّ ما هو رفيع سام.

فكلمة الحسين عسيرة المتناول ، صعبة التحليل ، وإنَّ الأديب ليحار ويقف مندهشاً ماذا يرصف من جمل , وما ينضد من عبارات , وما ينمَّق من معان , ولا يدري أيَّة صفحة من صفحات هذا السجل الخالد يملي على الناس ؟! والأديب مهما وسعت دائرة تفكيره ، ومهما كثرت معلوماته ، ومهما بلغ من الرقي والكمال فلن يتعدّى الاُمور السطحيَّة البسيطة الَّتي لامست حياة الحسين (عليه‌السلام ).

ونحن حتّى الآن لا نفهم من كلمة (حسين) غير البكاء والعويل , واللطم والنحيب ، كأن الحسين (عليه‌السلام ) قُتل لأجل أن نتعوَّد اللطم ونألف البكاء.

والحسين أرفع من أن يُبكى عليه ؛ إذ لم يمت ميتة ذليلة ، ولم يقف موقفاً غير مشرَّف , فجدير بنا إذا ما ذُكر الحسين أن نرفع الرؤوس معتزَّين ، مشرئبَّة أعناقنا مفاخرين ، نباهي الاُمم بهذا الإنسان الكامل ، لا أن نطأطئ الرؤوس بذلَّة وانكسار ؛ فالحسين لم يرد لنا هذا وحاشاه , ولم يضحِّ من أجله.

الحسين أعطانا دروساً في العزَّة والإباء ، وعلَّمنا كيف نكون صلدي الإيمان والعقيدة ،

____________________

(١) ألقاها السيّد غالب الناهي.


وأن نقف موقفاً ملؤه العزَّة والفخار. هذا ما أراد لنا أبيُّ الضيم ، ولكن الذاكرين - عفا الله عنهم - عوَّدونا على غير هذا ؛ إذ لم يفهموا من الحسين (عليه‌السلام ) سوى جلب الغيرة وجز المغنم.

وسأقول بصراحة , وبلا وجل ومداجاة ، والألم يحزُّ في نفسي ويقضُّ مضجعي ، وسيغضب البعض من قولتي هذه , فماذا يهمني تجاه بيان الحقيقة وكشفها ، غضب الناس أو رضوا ؟ فليرضَ من يرضى ، وليغضب من يغضب ما زالت قولتي هذه تُسر الحسين (عليه‌السلام ) وترضيه , أقول : إنّ بعض الذاكرين قد اتّخذوا من هذه الأعواد المشيَّدة بدم الحسين الطاهر ، وبدم عترته واسطة لسد جشعهم المادِّي ، وسلَّماً لنيل أغراضهم الشخصيَّة ليس غير ؛ فصوَّروا لنا الحسين بصورة غير صورته لا يرتضيها هو (عليه‌السلام ).

أقول : فلو نهج الذاكرون حسب الخطَّة الَّتي رسمها الحسين (عليه‌السلام ) لأصبحت هذه الاحتفالات الَّتي تقام باسم الحسين (عليه‌السلام ) معاهد عالية يتخرَّج منها الشباب المثقَّف المؤمن بفكرته في الجهاد والكرامة ، ولرأيت بعض ما يصرف وينفق باسم الحسين (عليه‌السلام ) تشاد به الجامعات والكلّيّات لتربية نشءٍ حسينيًّ صالح. ولكن أين المرشدون والمصلحون ليوجَّهوا هذا الشباب الحائر توجيهاً صحيحاً ؟!

أجل أيُّها السادة ، أقول : مجرم كل من يرقى هذه الأعواد ولم يعطها حقَّها ، مجرم كلُّ من يرقى هذه الأعواد ولم يوضح الغاية الَّتي من أجلها قُتل الحسين (عليه‌السلام ) ، مجرم والحسين خصمه ، ويطول موقفه بين يدي الله ويحاسبه حساباً عسيراً.

فإلى العمل المثمر أيُّها الذاكرون , إلى النهج السوي ؛ نهج الحسين (عليه‌السلام ) ، وبذلك تكونون قد أدَّيتم الواجب الملقى على عواتقكم وأحييتم ذكرى الحسين (عليه‌السلام ).

وأختم كلمتي هذه بقوله تعالى :( فَذَكِّر إِن نَّفَعَتِ الذِكرَى ) (١) ،( وَذَكِر فَإِنَّ الذِكرَى تَنفَعُ المُؤمِنِينَ ) (٢)

خليل رشيد - العمارة

* * *

____________________

(١) سورة الأعلى / ٩ ٠

(٢) سورة الذاريات / ٥٥.


دروس تضحية

مسلم الحلي

السيد مسلم الحسيني ١٩١٦م - ١٩٨١م

* ولد في الحلّة ، أسّسَ (جمعية المقاصد الإسلاميّة) ببغداد.

* كتبهُ المطبوعة :

١ - الميزان الصحيح ١٩٤٦م.

٢ - الزكاة ١٩٥١م.

٣ - القرآن والعقيدة (جزءان) ١٩٦١م.

٤ - الاُصول الاعتقادية في الإسلام ١٩٦٩م.

* وله كتب خطيّة , منها (بلوغ الغاية في شرح الكفاية) في ثلاثة أجزاء ، و(العلم والعقيدة).


دروس تضحية(١)

السيد مسلم الحلي

إن أقعد العجزُ عن نيل المنى قدمي

فلي من العزَّ ما تقوى به هممي

ولي من المجد ما لو أسترقُّ به

شهب السماء لأضحت كلُّها خدمي

آبائي الغرُّ من عادت مآثرهم

محمودة الذكر تروى من فمٍّ لفمِ

هم أوضحوا النهج حيث الناس أغمرها

وحشية الجهل لم يعرف سوى الصنمِ

فقوَّموها بمعوجٍّ ومعتدل

بالأسمر اللدن والهندية الخذمِ

والرمح أقوم تعديلاً لذي عوجٍ

والسيف أحسن تدبيراً من القلمِ

أما ومجدهم السامي وجودهم الـ

ـطامي وذاك لعمري أعظم القسمِ

إني سأنظمها بيضاءَ ناصعةً

جوامعاً لجميل الذكر والحكمِ

ذا مستهلُّ دموعي أستهل به

نطقي وفي زفرات الوجد مختتمي

وتلك نفثةُ مصدور قذفت بها

ومن كلوم فؤادي أفرغت كلمي

أو هذه زفراتي نُظّمت كلماً

مذ أخرس الوجد مني مقِوَلي وفمي

أنا الثكول فلا وجدي بمنقطعٍ

كلا وذا دمُ دمعي غير منصرمِ

دماء قوميَ في رغم العلا ذهبت

هدراً وظلماً ولم يُثأر لها بدمِ

ذا سبط طه وشبل الطهر حيدرةٍ

والسيّد الخلق من عرب ومن عجمِ

عن منهج الحقَّ ما زلّت له قدمٌ

وكان أفضل من يمشي على قدمِ

سبط النبي أمان الملتجين به

وليس يَأمن في ملجىً ولا حرمِ

من دافع الصلّ قسراً عن مواطنه

ومن تطرَّق ليث الغاب في الأجمِ

____________________

(١) ألقاها الاُستاذ رشيد السعد.


خلت اُميةُ من رشدٍ فما حفظت

عهدَ النبوة في قربًى ولا رحمِ

هذا المحرَّم كم في يومه انتُكهت

محارم الله في أيّامه الحرمِ

قد سامت الشهم أن يعطي يداً بيدِ

والشهم يأبى حياة الذلَّ عن شممِ

وهكذا ذو الإبا يأبى الإباء له

إلّا الردى أو حياة العزِّ والكرمِ

يابن النبيِّ ومن للعزِّ كان أباً

ويا ربيب الإبا والمجد والشيمِ

إن يمضِ حقّك مغدوراً ومهتضماً

فقد قضيت بعزٍّ غير مهتضمِ

لقد مضيت وقد خلّفتها مُثُلاً

بقين فينا مثال العزَّ والعظمِ

دروس تضحيةٍ للمؤمنين بها

إذا مضت اُممٌ تُلقى إلى اُممِ

شدَدت للدين أزراً غير منقطعٍ

وشِدْت للدين ركناً غير منهدمِ

يا آل هاشم هذي نفثةٌ نفثت

من واغر الصدر دامي القلب محتدمِ

لا أنت للحرب لا للضرب إن ألفت

أسيافك الغمد لا للسيف لا العلمِ

لا عذر إن لم تشيموا من سيوفكمُ

ذبابها بدل الأغماد في القممِ

هذي عقائل بيت الوحي قد حُملت

بعد التخدّر فوق الأنيق الرسمِ

وذاك ثغر ابن بنت الوحي تنكثهُ

بالخيزرانة ظلماً كفُّ منتقمِ

فلتقبضنَّ لؤيُّ كفَّها أسفاً

ولا ترى اليوم فهرٌ ثغر مبتسمِ

* * *

السيد مسلم الحلي - الحلة


الجهاد المقدّس

محمد حسين إسماعيل


الجهاد المقدّس(١)

الشيخ عبد الواحد الأنصاري

(صاحب مجلة الميزان)

تمتاز ذكرى سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه‌السلام ) [من] بين ذكريات أبطال الدهر وعظماء التاريخ بكثير من الروعة والقدسية ، وتحيط تاريخ حياته هالة من المجد والعزَّة والجلال.

يحفظ التاريخ الإسلامي بين طياته ذكرى أئمَّة كرام كلَّهم بنظر العقيدة والإيمان سواء في العلم والزهد , واليقين والتقوى ، إلّا أنّ الحسين (عليه‌السلام ) بجهاده المعروف ، وتضحيته الكبرى في سبيل الحقَّ والدين والحرِّيَّة كانت له مكانة أسمى.

ولا أجدني مغالياً إذا قلت : إن شخصية الحسين العظيمة قد غطّى شعاعها شخصيّاتِ الدنيا بأسرها ؛ فالذين لا يدينون بالقرآن ولا يمتُّون إلى الإسلام بصلة ما ، من الاُمم المتفرقة الأديان ، المختلفة المبادئ , عندما يقفون أمام شخصيته تمتلكهم الروعة ؛ فيقفون خاشعين معظمين مكبرين في نفسية الحسين (عليه‌السلام ) المقدسة روح الإقدام والثبات, والمبدأ واليقين.

أيَّة علاقة أيّها السادة للوثنيين والهندوس والسيخ وأضرابهم بالحسين (عليه‌السلام ) وهم يحيون ذكراه بكثير من الحزن والأسى والإنفاق ، عدا إعجابهم بالنفسية الحسينيّة ؟! إذاً فالحسين (عليه‌السلام ) محبوب العالم ، وذكراه تحتلُّ الصفحة الاُولى من سجل الذكريات الخالدة.

ولو مدَّ الله في عمر الدهر

____________________

(١) ألقاها الاُستاذ حاتم السامر.


والإنسان إلى ما شاء [لشاهدت](١) الأجيال القادمة تردُّد صدى القرون السالفة الداوية بذكراه المجيدة.

جدير بنا , ونحن نقيم هذه الذكرى المباركة ، أن نزيل عن الأذهان ما غرسته فيها يد الدعايات الاُمويَّة من التشويه لستر ما اقترفته اُميَّة من الجرائم والآثام في دنيا الإسلام , تلك الدعايات السيئة التي روَّجتها الأغراض ونشرتها السياسة الاُمويَّة الغاشمة ، والَّتي أثَّرت أثرها السيِّئ في نفوس بعض المسلمين ، وأصبح كثير منهم لا يفهم من وقعة الطف أكثر من أنها قصة مأساة دامية قد لا يُعقل أكثر ما وقع فيها من القسوة والوحشية.

وربما جرفه سيل الدعاية المعاكسة للحقيقة فألقى تبعة هذه المأساة على عاتق الحسين (عليه‌السلام ) لنهوضه ضد دولة غنيَّة بالمال والسلاح ، ولإعراضه عن رأي المشيرين عليه بالسكوت والتريُّث والابتعاد عن الكوفة الَّتي غدرت بأبيه وأخيه من قبل.

أتراه لم يستمع إلى التاريخ ويتبصَّر في ألواحِهِ التي تكشف له بأقلَّ إمعان أستار الباطل الَّتي اُسدلت على وجه الحقيقة لكي تغطي فضائح اُميّة وآثامها ؟!

كلا , بل هو البصير العليم بها ، ولو تابع درس التاريخ وراقب بكلَّ دقَّة أعمال اليد السوداء الَّتي أسعرت الحروب، ونشرت الرايات ، وخاضت المعارك ضدَّ سلطان الدين ودعوة الإسلام في بدر واُحد والأحزاب ، تلك اليد التي جذَّتها سيوف المسلمين يوم الفتح ، كيف راحت تداوي جرحها ببلسم الإيمان الكاذب تحت ستار التدليس في ظل الإسلام ، وكيف عادت تعمل في الخفاء باسم الإسلام للقضاء عليه باسم الدين لقلب نظامه وأحكامه ، وكيف كانت تدبّر الحيل وتحوك المؤامرات لبعث الجاهليّة من جديد.

ومَن تابع حركات تلك اليد السوداء وجدها تعمل بكلَّ حذر وتكتُّم في عهد

____________________

(١) في الأصل : (تشاهد).


الخليفتين (الصدّيق والفاروق) , وكيف امتدت وتطاولت بعد مضي ستَّ سنين من خلافة عثمان حتّى قبضت على زمام الاُمور وقياد الخلافة ، وصيّرت الخليفة آلة صمّاء تديره حيث شاءت وحيث رغبت ، وحيث تحقَّق آمالها وأمانيها دون أن تلتفت إلى ما ستجرّه على الخليفة من المصائب والويلات.

ويرى بكلَّ وضوح تلك اليد تفتح باب الشر على مصراعيه ، وتضحّي على صخرة آماله حياة ثالث الخلفاء , تتَّخذ من دمه وسيلة تبعث الرعب وتغرس الفتن في صفوف المسلمين.

أيّها السادة ، لم تكن أعمال تلكم اليد السوداء لتخفى على دعاة الدين وقادة الرأي وحملة القرآن ، ولم يكن الناطق بالحقَّ والمبعوث رحمة للعالمين يلعن اُمية وقادة الكفر منها على رؤوس الأشهاد إلّا ليظهر للملأ الذين حوله أنّ هؤلاء المغرضين لم يعتنقوا الإسلام بدافع العقيدة ، ولم يعترفوا به إلّا خوفاً من حراب المسلمين ، وإلّا ليقول لأصحابه: إنّ اليد الاُمويَّة الَّتي اعتدت عليكم بالأمس سوف تعود وتلعب دوراً مخرّباً لقلب الدين ، وبعث الجاهليّة الَّتي محتها أحكام القرآن ، فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( اللهمَّ العن مروان ومَن يخرج من صلبه إلى يوم القيامة ، إلّا المؤمنين منهم , وقليل هم )).

فلم تزل تلك اليد الملطَّخة بالدماء الزكية في سبيل تحقيق أهدافها وأغراضها ، حتّى انتهى الأمر إلى معاوية بذلك الشكل المؤسف على تلك الصورة السوداء في جبين التاريخ ، وتمكّن معاوية من قتل الحسن (عليه‌السلام ) شقيق الحسين الأكبر وخامس الخلفاء الراشدين.

راح معاوية بكلَّ جدٍّ ونشاط يسعى إلى تحقيق آمال جده الفاشلة ؛ فسلَّط على رقاب المسلمين نفراً لا ناقة لهم ولا جمل في الإسلام ، وقد وصفهم التأريخ بالبطش وسفك الدماء ، وعرفهم جمهور المسلمين بالكفر والبغي والعدوان؛ كزياد بن أبيه ، وولده عبيد الله ، وبسر بن أرطاة ، والمغيرة بن شعبة ، ومروان بن الحكم ، وعمرو بن العاص وأضرابهم من قساة الولاة وقادة الجور وشاربي دماء الأحرار ؛ فقضوا بسيوف البغي وأموال المسلمين على دعاة الإصلاح من المؤمنين.


حتّى لقد قال أشدُّ الناس عصبيَّة لاُميَّة ودولة اُميَّة أنيس النصولي في كتابه (الدولة الاُموية في الشام) , ذلك الكتاب الذي أحدث ضجة كبرى في الأوساط الإسلاميّة ، فطُرد على إثره المؤلّف المذكور من التدريس في العراق ، يقول : عزم معاوية بن أبي سفيان عزما أكيداً طيلة حياته على استئصال شأفة المعارضين للمركزيَّة الاُمويَّة ، فبذل الأموال ووهب المناصب وجيَّش الجيوش ، ونظم فرق الجواسيس والشرطة في طول البلاد وعرضها ، وقطع ألسنة الناس والشعراء بحلمه ودهائه وكرمه(١) .

وقال : أسند الاُمويُّون ولاية المصرين : الكوفة والبصرة إلى رجال قساة ، لا يعرفون الرحمة ولا تتخلل الشفقة إلى قلوبهم ، فاتَّبعوا سياسة الشدَّة بحذافيرها ، وراحوا يتَّهمون الناس على الظنّ ؛ فجرَّدوا السيوف على الرؤوس ، وأعملوا السوط في الظهور , وجعلوا السجن مقبرة الزعماء والمعارضين.

ثم يستطرد بقوله : ولو تصفَّحنا تاريخ الولاة الاُمويِّين في العراق أمثال زياد بن أبيه ، وعبيد الله بن زياد ، والحجّاج بن يوسف وغيرهم لتحقَّقنا أن ملك بني اُميّة لم يقم إلّا على سيوفهم ، ولم تتوطَّد أركانه إلّا على أسنَّتهم(٢) .

انتهى ما يقوله داعية الاُمويين في القرن العشرين أنيس النصولي.

بعد أن قضى معاوية على دعاة الحقَّ وزعماء الدين كحجر بن عدي ، وحذيفة بن اليمان ، وميثم التمار ، ورشيد الهجري ، وعمرو بن الحمق الخزاعي

____________________

(١) الدولة الاُمويَّة في الشام / ٩.

(٢) الدولة الاُمويَّة في الشام / ١٤٥.


أصبح في مأمن من المعارضين المخلصين إلّا من الحسين بن علي (عليه‌السلام ). والحسين يقظ حريص على صالح الإنسانيّة, يراقب حركات تلك اليد العاتية مراقبة شديدة لحرصه على مصالح الدين وشؤون الإسلام ؛ فعزم معاوية بإغراء المغيرة بن شعبة [له] على تحقيق آمال سلفه بصورة سريعة فعّالة ، فنصب ولده المتهتَّك بالفسق والفجور وليّاً للعهد ، وترقّب ساعة الانقلاب والقضاء على تعاليم الإسلام ؛ فنشط في الشام والعراق , والحجاز ومصر صنائع اُميَّة ، وراحوا يحرَّضون الناس على البيعة ليزيد ، ويغرون الناس بذهب المسلمين ومن بيوت أموالهم التي فتحت أبوابها لرشوة ذوي الأطماع.

ومن سوء حظَّ الدعاية الاُمويَّة أنها لم تتوفَّق على [الرغم من جهدها الذي بذلته في](*) أن تمحو ما اقترفه معاوية في هذا الشأن من المخازي.

يقول ابن الأثير : إنّ معاوية كان يستقبل الوفود الَّتي ترد عليه لإعطاء البيعة ليزيد ، وقد سأل رئيس وفد الكوفة : بكم اشترى أبوك دين هؤلاء ؟ (يريد أعضاء الوفد) ، فأجابه : بكذا دراهم ودنانير. فقال له : لقد وجد دينهم رخيصاً(١) . فعلى هذا الشكل المضحك المبكي تمكّن معاوية من جعل يزيد ولياً للعهد من بعده ، يزيد الذي لم يرتضِه حتّى صنيعته زياد بن أبيه.

سادتي , عقدت تلك اليد الاُمويَّة السوداء في تلك الساعات آمالها الخائبة على ناصية ذلك الشاب السافل ، وباتت تنتظر ساعة الانقلاب بعد أن مهّدت له الاُمور وذلّلت أمامه العقبات ، وصارت لا تخاف إلّا من شبح الحسين (عليه‌السلام ) ؛ فعقدت العزم في القضاء عليه وإزاحته عن طريقها مهما كلَّفها الأمر.

حتّى إذا ما هلك معاوية في أواخر عام ستين للهجرة امتدَّت تلك اليد الفاشلة إلى دقَّ ساعة الانقلاب ، فامتدَّت اليد الحسينيّة البيضاء في عراص الطفَّ ، فقبضت على تلك اليد المجرمة قبضاً محكماً ؛ فمحت ما رسمته في مختلف أدوارها من الخطط

____________________

(*) ما بين المعقوفتين هو من إضافات موقع معهد الإمامَين الحسنين (عليهما‌السلام ).

(١) الكامل في التاريخ ٣ / ١٩٨.


الجهنَّميَّة ، وحطَّمت كلَّ ما بنت من معالم الجور والمظالم.

بيد أن المؤسف أنها لم تنهزم دون أن قايضت حسيناً مقايضة قاسية ؛ انتقاماً لفشلها وذهاب آمالها - أيّها السادة - حتّى استوفت من الحسين (عليه‌السلام ) كلّ درهم أنفقته قطرة من دمه ودم المجاهدين ، فوقف الحسين (عليه‌السلام ) في عرصات كربلاء يوم العاشر من المحرم مرحّباً بتلك المقايضة في سبيل الله ورسوله ، صارخاً في جيوش الباطل تلك الصرخة الداوية في مسمع الأجيال :

إن كان دينُ محمّدٍ لم يستقم

إلّا بقتلي يا سيوف خذيني

عبد الواحد الأنصاري - العمارة

* * *


نهض الحسين مجاهداً(١)

الشيخ جواد الشيخ حسين

يا ربعُ ما لك بعد نورك مظلمُ

أفهل تجيب فقد أتاك متيَّمُ

إني مررت على الديار مسلَّماً

فالشوق يملي والدموع تترجمُ

ربعٌ به روضُ المسرَّة يانعٌ

والمجدُ في ساحاته يترنَّمُ

عهدي به صعب المراس لحادثٍ

واليوم من فرط الأسى يتظلّمُ

قد كان نوراً للهدى فكأنما

حاد حدا تلك البدور فأتهموا

نهض الحسين مجاهداً ومكابداً

مِحناً لها صمُّ الصفا تتحطَّمُ

لاقى خميساً في الهياج عرمرماً

وحسامه مجرٍ لديه عرمرمُ

قد قابلوه فردَّهم متبسَّماً

(فالسيف ينثر والمثقّف ينظمُ)

باعوا شريعةَ أحمدٍ بضلالةٍ

وحداهمُ نحو الضلالِ الدرهمُ

يدعوهمُ مستهزئاً بكماتهمْ

حتّى إذا ما قابلوه تلعثموا

قد سنَّ للعرب الإبا فاستيقظوا

تسدى على ذاك الإباء وتلحمُ

يمشي على ضوءِ الحقيقة طفلُهمْ

وشبابُهم بضيا الحقيقة معلمُ

جمَّ الفضائل أحرزوا بثباتهمْ

والمرءُ في وثباته يتقدّمُ

طبعت على المجد الأثيل طباعُهمْ

ولهم على هام السماك مخيَّمُ

جواد الشيخ حسن - البصرة

____________________

(١) ألقاها الاُستاذ كاظم الجزائري.


من وحي الذكرى

محمّد تقي الحكيم

السيد محمّد تقي الحكيم ١٩٢١م

* فقيه ولد في النجف ودرس على يد أكابر علمائها , ودرّس الفلسفة والفقه , والقانون والاُصول , والبلاغة والتفسير. كان عميداً في كلية الفقه في النجف (١٩٦٥م - ١٩٧٥م).

* أسس مع عدد من المفكرين المجمع الثقافي لمنتدى النشر ١٩٤٣م ، وأسس كذلك مع عدد من الأعلام كلية الفقه سنة ١٩٥٨م. شارك في المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلاميّة في القاهرة سنة ١٩٦٤م بدعوة من الأزهر , تُرجمت بعض كتبه إلى اللغات الأجنبية.

* انتخب في أكثر من مجمع علمي عربي منذ سنة ١٩٦٧م. له أكثر من ١٢ كتاباً مطبوعاً , منها :

١ - المدخل إلى دراسة الفقه المقارن - بيروت ١٩٦٧م.

٢ - الاشتراك والترادف ١٩٦٥م.

٣ - المعنى الحرفي في اللغة بين النحو والفلسفة والاُصول - القاهرة ١٩٦٧م.

٤ - فكرة التقريب بين المذاهب ١٩٧٨م.


من وحي الذكرى(١)

السيّد محمّد تقي الحكيم

عضو المجمع الثقافي لمنتدى النشر

ليس المهم فيما اعتقد أن أعرض في حديثي هذا فصلاً من مأساة الحسين (عليه‌السلام ) أستدرُّ فيه الدموع من مآقي الحاضرين ، وإلّا فما أيسر البكاء وما أقل جدواه إذا كانت الغاية من إقامة احتفال هذه الذكريات ! فالحسين لم ينهض نهضته الجبّارة ليخلق اُمَّة تكتفي بالبكاء عن النظر في ملابسات القضايا الَّتي حفَّزته للنهوض وتجعل ذلك جزاءه الوحيد. ولو اعتبرنا ذلك وحده الجزاء فما أضيع حقوق تلكم النهضة , وما أبسط الجزاء !

أنا لا اُنكر على الباكين والنادبين ما يفعلونه ولو انتهى بهم الحال إلى أفجع الصور وأمضَّها ، فهذا وأمثاله قد اُعدُّه من ضروريات التنفيس عن الانفعالات المزدحمة الَّتي تصاحب عادة كلَّ من يعرف قيمة الحسين (عليه‌السلام ) ، ويضمر ما يستحقُّه من ولاء , على أنّ فصول المأساة وحدها كافية لإيحاء أعمق الانفعالات.

ولكن الَّذي أنكره وأودُّ أن اُصرَّح به في هذا الحفل الكريم أن نكتفي بهذا المقدار عن التعمُّق في فهم أسرار نهضته، وعن العمل على خلق الجوَّ الملائم لتعميم الرسالة الإصلاحيَّة المقدَّسة الَّتي قام بتأديتها من هذه الطريق ، مع أننا ونحن في هذا العصر أحوج ما نكون إلى ذلك.

وفي عقيدتي أن الناهض المصلح لا يتوخّى من نهضته أكثر من تعميم رسالته

____________________

(١) ألقاها السيد عبد الرزّاق العائش.


ونشرها بين سائر الطبقات.

أقول هذا وأنا أعلم أن في الأعلام الذين يشاركون في هذا الحفل من سيعرض بيانه الأخّاذ إلى أسرار نهضة الحسين (عليه‌السلام ) فيجلوها بما فيها من مغاز تنبض بالحياة ، ويضعها بين أيدي السامعين ليأخذوها بلسماً لجراحات المبدأ المقدَّس قبل أن تأتي على البقيَّة الباقية من حناياه.

ولكن مع ذلك أعلم أنّ أحاديثهم سوف لا تصل إلى الأعماق شأنَ سائر الأحاديث الإصلاحية الَّتي ارتفع صداها مراراً في مجتمعنا الَّذي انعدمت فيه أو كادت جميع القيم الأخلاقيَّة المثالية ، وإلّا فمَن منا لا يعرف أن الحسين (عليه‌السلام ) نهض من أجل المثل العليا عندما رآها تتلاشى على أعتاب الخليفة الأموي يزيد فاستنقذها بما قدّم من تضحيات ؟ ومَن منا لا يعرف أن المثل تتلاشى على أعتاب المادِّيَّة الطاغية الَّتي استحوذت عليها من جميع الجهات ؟

كلُّنا نعرف ذلك ، ولكن حدَّثوني أين مَن وضع أو فكّر أن يضع على الأقل سيرة الإمام (عليه‌السلام ) أمامه ليستخرج منها طرقاً لاستنقاذ هذه المثل من براثن المستحوذين ؟

على أن القضيَّة اليوم غيرها بالأمس , فهي لا تحتاج إلى تضحية الحسين (عليه‌السلام ) ، ولا إلى جهاد الحسين ، وكلُّ ما تحتاج إليه شيء من جهاد النفس وحملها على اتَّباع المثل ، ثمّ فرض ذلك على من يمت إلينا. ولا أقلَّ من تغذيتها للناشئة الجديدة من أبنائها الَّذين سنحاسب غداً من قِبل الله والتأريخ الوطني على كيفيَّة تربيتهم وتغذيتهم.

ومَن منّا لا يعرف القيم الأخلاقية الَّتي قوَّضها معول الخليفة الاُموي ، وأقام على أطلالها بنفسه جلَّ منافياتها التي حاربها الإسلام من شتّى الموبقات ، وكانت من محفزات الإمام (عليه‌السلام ) للنهوض ، وهذه القيم اليوم عينها بالأمس قد تواثبت عليها معاول الماديين فكادت أن تقوضها من الأساس ؟

أيُّها السادة ، أنا لا اُعدُّ هذه المحافل وأمثالها فوزاً لمبدئنا المقدَّس ما لم نستغل فرصها لاستئصال أدوائنا الاجتماعية في ضوء سيرة الحسين (عليه‌السلام ) ؛ فهو لم يقدّم نفسه وأشبال هاشم وليوث الأنصار ضحايا للعقيدة إلّا ليعطي الأجيال درساً بليغاً من دروس التضحية في سبيل الإصلاح. فانظروا أيها السادة روح الإمام السبط (عليه‌السلام ) كيف تُطلُّ على حفلكم هذا من فجوات القرون وهي تستنهضكم إلى اتّباع مبادئه (عليه‌السلام ) , وتدعوكم إلى تعميم مُثله العليا. فليكن هتافنا في جوابه مثله :

لبّيك يا داعي الله لبّيك

لبّيك يا داعي الله لبّيك

محمّد تقي الحكيم - النجف

* * *


أنا الحسين بن علي(١)

السيد طالب الحيدري

نزلْتُ حومة الوغى

بسابقٍ محجَّلِ

فيا سماءُ كبَري

لطلعتي وهلَّلي

فإنَّ فيَّ جحفلاً

يفوق كلَّ جحفلِ

وإنَّ فيَّ موئلاً

للحق أيَّ موئلِ

فهل علمتِ مَن أنا

أنا الحسينُ بنُ علي

فيا عساكر العدى

تراجعي في فشلِ

فنحن لا نعطي يداً

وإن نمت أو نُقتلِ

ونحن لا نرضى بأن

نعيش في تذلّلِ

فالموت بالعزَّة أحـ

ـرى بالكمي البطلِ

فيا رحى الحرب استديـ

ـري فوق كلَّ كلكلِ

ويا سيوف صرِّعي

ويا رماح جندلي

ويا خيول حمحمي

ويا سهام ولولي

ويا بنود رفرفي

ويا رواة سجّلي

وأنت يا جوُّ فكن

كقطعةٍ من قسطلِ

وابتلعي الدماء يا

أرض ومنها فامتلي

ويا لدجالي(٢) أقدمي

وجرّحي وقتَّلي

لا ترهبي جموعهمْ

فإن رهبت تفشلي

____________________

(١) ألقاها الاستاذ السيد كاظم الجزائري.

(٢) كذا.


وأقدمي على العدى

وبالميادين انزلي

وشيّدي للمجد والـ

ـرفعة أعلى منزلِ

وبعد هذا فاشربي

(بالعزِّ كأس الحنظلِ)

ألا فقل لاُمَّتي

هبَّي وللمجد اعملي

كوني أجلَّ اُمَّةٍ

بالعمل المتَّصلِ

مالي أراك في قيو

دٍ كالأسير الأعزلِ

مالي أراك ليت شع

ري في المحل الأسفلِ

ألا فكوني حرَّةً

من الطراز الأوَّلِ

لا تقبلي الحياة في

مذلَّةٍ لا تقبلي

فإنْ نزلت للوغى

والعزُّ في أن تنزلي

ففاضلي صابرة

وبالمنايا دلّلي

وأقبلي باسمةً

على المنون أقبلي

لا تغمدي السيوف حتّـ

ـى تَقتُلي أو تُقتَلي

* * *

السيد طالب الحيدري - الكاظمين


المثل الأعلى

صالح فاضل المحامي

يحقُّ للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يمجَّدوا هذا اليوم التاريخيَّ الَّذي وقف به السيّد الشباب وقفته المشهودة يصارع الباطل حتّى النفس الأخير ، وصمد صمود الطود يهزأ بأفاعيل الطبيعة ، وصاح صيحته الَّتي دوَّت لها الآفاق , مدجّجاً بسلاح العقيدة الراسخة والإيمان المبين.

أجل ، يحقُّ للمسلمين من أقصى الأرض إلى أقصاها ان يبجَّلوا هذا اليوم الذي مهما كرَّت الأيام ومرّت الأعوام سيبقى مثلاً خالداً للتضحية والإقدام ، تستوحي منه الأجيال تلو الأجيال القوَّة والعزم والتفاني في سبيل العقيدة والمبدأ.

إنّه يوم يحفل بالذكر والعبر والآيات الغرر ، سجّلها عبقريٌّ فذٌّ من بني طالب ما ذكره التأريخ إلّا بالإكبار والإجلال ، وما حدثت العصور أحاديثها عن هذه النبعة الفواحة من أرومة محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، وعن هذا الكوكب الشعشاع الَّذي لاح في سماء النبوة خافقاً بالعزم والإيمان. إنه نشيد بارع لم توقعه يد الزمن ، يتردَّد على شفة الدنيا ويثير في الأجيال أسمى وأنبل ما في النفس الإنسانية من المعاني والشعور.

لقد كان الحسين (عليه‌السلام ) مثلاً أعلى في المكارم والشمائل ، فكان ملء العين والقلب خَلقاً وخُلقاً , يكفية أن يعترف له أعداؤه بذلك فيقولوا : لا ترى للعيب فيه موضعاً. والفضلُ ما شهدت به الأعداءُ.

واشتهر فوق كلَّ هذا بالشجاعة والوفاء ، فوفاؤه أبى عليه أن يرى الدين نهب الرعاديد الجبناء ، وشجاعته حتمت عليه إلا أن يكون أباً للشهداء. لم يكن نزاع الحسين حلقة مستقلة بذاتها ، بل كان مكمَّلاً لسلسلة من المنازعات الماضية استحكمت حلقاتها بين الطالبيِّين والاُمويَّين.

ويدور الفلك دورته فإذا الحسين (عليه‌السلام ) ويزيد وجهاً لوجه يتنازلان ، فصراعهما لم يكن صراعاً بين رجلين ، وإنّما كان حرباً سجالاً بين المطامح الدينيَّة والعقائد الروحيَّة ، وبين المطامح الدنيويَّة والجشع السياسي.

فيزيد يريد الدنيا والسيادة والسلطان ؛ فهو لا يتردد في بذل الكرامة وانتهاك الشرف والإباء ، والحسين (عليه‌السلام ) يريد ألّا يغمض عينيه والدين الإسلامي لا يزال في مهده مهدَّداً ، فهو لا يتردّد في بذل النفس والنفيس ، والغالي والرخيص من أجل سلامة هذا الدين الأغر الَّذي بزغت أنواره في سماء العرب ليضيء للعالم أجمع ؛ فلبّى النداء ، وشدَّ رحاله إلى العراق ، ولم يعبأ بالأخطار والأهوال التي تحدق به من كل جانب.


لقد كانت القلوب تنتظره بالعراق بلهفة وظمأ ، والناس يرتقبون قدومه وملء جوانحهم النصرة له والعطف على قضيَّته العادلة ؛ فهو من الاُسرة التي اصطفاها الله للنبوة والملك ، وأبى الناس أن يروا قيادتهم في يد صعلوك من صعاليك العرب يقضي أيّامه ولياليه بين الغواني والكؤوس ، فلا يفكّر إلاّ بفاتنة هيفاء أو بكأس يصفق بالصهباء. ولكنَّ السلطة الغاشمة والاستبداد الأعمى سلَّطا على الناس الخوف والرعب ، فإذا هم بجانب يزيد يقاتلون رسول الحقَّ والسلم.

وفطن إلى ذلك الفرزدق الشاعر فقال ينصح الحسين (عليه‌السلام ) : (قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني اُميَّة). ولكن الحسين (عليه‌السلام ) بإرادته التي لا تكِلُّ ولا تلين ، وبعقيدته التي لا تفلُّها الشدائد سار قُدُماً في طريقه التي وضعت فيها المصاعب والأشواك , وكيف ينكص أو يعود وهو يؤمن بأنه ما سار إلّا لنصرة الحقَّ وإزهاق الباطل ؟

وهاله أن يقعد وهو على حقَّ ويقوم بنو اُميَّة وهم على باطل ؛ فتحرَّك في صدره ذلك الجبّار الّذي سكن صدر جدّه وأبيه ، وغضبت نفسه الأبية فأقسم ألّا يغمد سيفه حتّى ينتصر أو يتغمده الله.

والتفت يمنة ويسرة فلم يجد من أعوانه وأنصاره إلّا النزر القليل ، ورأى نفسه محاطاً بالأعداء من كلِّ صوب وقد أطبقوا عليه عدة وعديداً ، مندفعين بدافع الشعور بالآثام , وبقوة الإحساس بالإجرام ، ومنهم مَن طمع بالجاه والسلطان ، ومنهم من خطف بصره المال الوفير أو خضع للوعيد والتهديد ؛ فقاتلوا في الحسين الدينَ والشرفَ والشهامةَ ، وارتكبوا من الفظائع والمآثم ما تقشعرُّ له الأبدان وتندى له الجباه.

والحرب تدور رحاها ، والحسين (عليه‌السلام ) وأهله ورجاله يتلظّون على قطرة من الماء فيدفعه حنان الأب إلى أنّه يطلع إلى القوم يناشدهم الرحمة , وعلى يديه ابنه عبد الله يتلوّى من الألم والعطش , فيطلب منهم جرعة من الماء ، فيصيح بهم : (( ياقوم , اتقوا الله في الطفل إن لم تتقوا الله فينا )).

ولكنهم يرمون الطفل بالسهام فيخرّ من بين يدي أبيه إلى الأرض مخضّباً بالدماء ، فيهتف الأعداء : خذ ، اسقه هذا. وكانوا يصحيون بالحسين (عليه‌السلام ) : والله لن تذوق الماء حتّى تموت ومن معك عطشاً.

ويشتدُّ بالحسين (عليه‌السلام ) العطش ، فيدنو من نهر الفرات فيتصدّون له بسهم يقع في فمه , فينتزعه الحسين (عليه‌السلام )، ويتلقى الدماء بيديه حتّى تمتلي راحتاه من دمائه ، وهو مع كلِّ هذا ثابت الجنان يزداد عزماً وصلابة.

وتشابكت الصوارم والرماح , وكان كلَّما سقط فارس من فرسان الحسين (عليه‌السلام ) حمله إلى جانب إخوانه الصرعى الّذين فعل بهم العطش أكثر مما فعلته السيوف والسهام ، ويسألون الحسين (عليه‌السلام ) الماء , وليس لسؤالهم هذا من جواب.


ويفنى أنصاره واحداً بعد واحد ، ويبقى منفرداً يشقُّ الصفوف ويصارع الفرسان ؛ فتُقطع يده اليسرى , ويُطعن طعنات جعلت الدماء تنزف منه ، وخرَّ إلى الأرض صريعاً ، وحزّوا رأسه الكريم , ورضّوا عظامه الطاهره بأقدام الخيول. ويتنادى القوم بمصرع الحسين (عليه‌السلام ) ، ذلك الأسد الذي أدخل الرعب والفزع في قلوب الاُسود ، وذلك البطل الذي تعبت من أجله الأبطال.

وهكذا انتصر الحسين (عليه‌السلام ) لا بالعدَّة والعدد ، بل بالسمعة والمجد والذكر ، وانكسر يزيد لا بالجيش والرجال ، بل بالكرامة والخصال ؛ فالحقُّ لا ينخذل ، وإن انخذل يوماً فسينتصر في النهاية ولا ريب ، والباطل لا ينتصر , وإن انتصر فصولة ستخفت وتترك رماداً.

وها هي الأجيال تذكر يزيد باللعنة واللؤم والجبن ، وتذكر الحسين (عليه‌السلام ) بالشهامة والشرف , وتضفر له أكاليل الحمد والمجد. وها أنتم اليوم اجتمعتم لإحياء ذكراه التي لا تبلى ، ولتمجيد دنياه التي يحفّها الخلود ، وإكبار شخصه الّذي سيبقى رمزاً يستنهض الهمم والعزائم للتفاني في سبيل الحقّ والمبدأ.

لم يمت الحسين (عليه‌السلام ) , بل لا يزال حيّاً يوحي إلينا بالقوّة والإقدام ، ولئن غضب بالأمس للحقَّ فهو أشدُّ غضباً اليوم. وعدوُّنا يطالبنا وينازعنا على باطل ونحن ساكتون عن الحقَّ , فلنردَّ كيد من يكيد بنحره ، ولنفهمه أن الحسين (عليه‌السلام ) لا يزال حياً بيننا. وكأني بروحه المقدّسة تخفق علينا وتستصرخنا للجهاد ، ومثلكم من يُرضي روح الحسين (عليه‌السلام ) ويلبّي النداء.

صالح فاضل المحامي - البصرة

* * *


يوم الدماء(١)

كاظم محمود الصائب

خطبٌ تواتر موصولاً به الألمُ

فيه النحيب أسىً فيه البكاءُ دمُ

فيه الفضيلةُ ثكلى وهي نادبةٌ

فيه الكرامة لم يحفظ لها ذممُ

قد جلّ بين رعاة الحقَّ منصدعاً

به الفؤادُ وندّابٌ عليه فمُ

جرحٌ نمت عن صديد الوخزِ طعنتُه

فأزمنت من قديم العهد تلتهمُ

له الإعادةُ أنّى جاء محتدماً

بمظهرٍ لم يضارع قبله الضرمُ

فكلَّما فاض حزناً عن جوانبِه

تعلّقت بمبادي قدسه الهممُ

وكلّما قدّم العهد المقدس من

قرآنه رسخت منه له قدمُ

سرٌّ تقمّص تحليلَ الحقيقة في

سموَّه عجبت من آيه الاُممُ

لم يغنِ أعداءه ما قد رموه من الـ

ـسجف السميك على الحقَّ الذي علموا

شمسُ الحقيقة تبدو في محاسنِها

مهما تلبَّدت الأجواء والديمُ

* * *

يابنَ النبيِّ فكم كافحت في شرفٍ

يا بن الوصي لقد جاهدت يا علمُ

يابن الصفيِّ فكم ناضلتهم ولك الـ

ـحقُّ الجليُّ بها والحقُّ مُهتضمُ

أعظم بها نهضةً قد أنزلت علماً

نفاقُه الركن من إرهابه الدعمُ

____________________

(١) ألقاها الاُستاذ محمّد هاشم الجواهري.


قد استبدّوا فخالوا العدل مهزلةً

فطاش سهمٌ له(١) زلّت بهم قدمُ

يأبى الهوانَ همامٌ عزّ مطلبُهُ

يزينه اثنان قلبٌ باسل وفمُ

حرَّية الفكر اُسُّ الاجتماع فإن

أودى بها الحُكم زال الحُكْم والحَكَمُ

وما السياسة إلّا العدل قائمة

صروحه بذرا الجوزاء تصطدمُ

وما الدعائم في اُسَّ البلاد سوى

حرَّيةٍ حدَّ في توطيدها القلمُ

ما إن طغت موجةُ الإرهاب في وطنٍ

إلا تردّى وساد الظلمُ والظُلَمُ

* * *

زأرت في يدك البتارُ ملتمعاً

فخضب الأرض ذاك الصارم الخذمُ

كرٌّ وصول وإثخان وهول وغى

عواصف زلزلوا فيها وقد وجموا

حتى تنكَّست الأعلام طاوية

جموعها وكماة الروع تزدحمُ

وآب كل فتًى والرعب يلحقه

وأنت بين قراع الطعن تبتسمُ

لا غرو أن شيم دور كان يعهده

عِداك في صولة (الكرار) متّسمُ

فرع رعته سجايا الأصل وهي به

جديرة إن وفى أولم يفِ الحكمُ

* * *

نفس تقمصت العلياء بغيتها

فالعيش عند اعتساف ظالم عدمُ

وما التحرُّر إلا للصلاح قوًى

وللتقدُّم ضوء ملؤه نظمُ

وذاك نهج إلى العلياء لاحبه

يشوق كلَّ فتًى في أنفه شممُ

وفتية دلفوا لـمّا الوغى استعرت

فأضرموا هولها لما همُ هجموا

قد كافحوا عن حياض الحق جهدهمُ

فلم يملْ بهمُ الإرهاب إذ صدموا

أبدى أبو الفضل في الميدان معجزة

مادت لها الأرض وارتاعت لها النسمُ

* * *

هزّ اللواء فصال الحق منتصراً

وجال فيهم فولّوا عنه وانهزموا

هو ابن هازم جيش الشرك منفرداً

لا غرو أن ماس في كفَّ له علمُ

____________________

(١) زيادة اقتضاها الوزن.


من الذمام صدوف القوم عن رشف

من الزلال لطفل وهو يضطرمُ

ذبحُ الرضيع من الإسلام مبدؤه

حاشا فقد شرعوا بدءاً وقد ظلموا

سلبُ العقائل من بيت النبي هدًى

وذاك ما يزدريه العرب والعجمُ

وأخذُهن سبايا فوق أظهرها

مرحلات وهن البيت والحرمُ

* * *

شرّ الفعال فعال لا مناط له

من الفضيلة فهو الدهر ما يصمُ

جاؤوا بما ابتدعوا شنعاء صارخةً

بها قد ابتدؤوا الإسفاف واختتموا

أبا الأئمة باسم الحق تضحية

جاءت لتسمع اُذناً دأبها الصممُ

أبا الأئمة باسم الله تضحية

جاءت لتدعم صرحاً كاد ينهدمُ

أبا الأئمة باسم العدل تضحية

قامت لتهدم عسفاً كاد ينسجمُ

* * *

أكربلا بك أبطال الهدى رقدوا

تيهي علا فقد امتاروك واحترموا

سموت في شرف القوم الذين همُ

قد شرَّف الملأَ الأعلى مقامُهمُ

إني اُبارك في يوم الدماء ثرىً

مازال منسكباً منها عليه دمُ

مضَوا فسنوا طريق المجد واضحةً

أكرم بما خلفوا أعظم بما ارتسموا

* * *

كاظم محمود الصائب - البصرة


هب الدين حصناً(١)

عبد الكريم الندواني

يحقُّ لنا والخطب جلّت مصائبُهْ

نجدد ذكراً أكرم الناس صاحبُهْ

ولا غرو أن قمنا بتأبين سيّدٍ

تسنمن أوج المكرمات مناقبُهْ

زهت بربوع الدين أزهارُ هديه

نجوماً وأزهى النجم في الاُفق ثاقبُهْ

هَبِ الدين حصناً فالحسين أساسُه

وأبناؤه أبوابُه وجوانبُهْ

يكلُّ لسان المرء عن سرد حادثٍ

أتاه الاُلى عادت عليهم عواقبُهْ

دعوا خير خلق الله ذاتاً ومحتداً

أن اقدم فسفح الربع أينع جانبُهْ

وطاب الهوى فالريح لا تمنع السرى

سحيراً وماء النهر راقت مشاربُهْ

إذن كيف يختار التردّد معرضاً

عن السير والإسلام للحكم ناخبُهْ

وما موقف الشهم الغيور على الهدى

إذا للهدى أهل البلاء تكاتبُهْ

رأى أن يلبّي دعوة الدين طائعاً

فسار وبسم الله تُحدى ركائبُهْ

ولم يبلغ الوادي الَّذي قال أهلُهُ

ألا اقدم إذا بالجيش تترى كتائبُهْ

وقال لهم ما بالكم قال كلُّهم

خدعناك كيما يدرك الثار طالبُهْ

ولـمّا رأى أن لا مناص من الوغى

ونهج الهدى للرشد سدَّت مذاهبُهْ

تألَّق بدراً في رحى الحرب ساطعاً

فلم تبدُ في ليل الكفاحِ كواكبُهْ

وصاح بهم صيحاتِ حيدر في الوغى

هزبرٍ وصيحات الهزبر تناسبُهْ

يصول فيثنيه العويل من النسا

فمن ثاكل تنعى واُخرى تعاتبُهْ

واُخرى تُسيل الدمعَ صوباً من الحيا

إذ انهلَّ هتّاناً ودرَّت سحائبُهْ

يسيل فيروي عاطش البيد فيضه

ويزري بمنهلَّ السحائب ساكبُهْ

____________________

(١) ألقاها الفاضل حاتم جريء السامر.


أخي عد بنا من حيث جئنا فمَن لنا

سواكم على حفظ الذمار نطالبُهْ

فقال لربّاتِ الخدور وطفلُه

رضيعُ المنايا كالح الوجه شاحبُهْ

أيقوى على مرّ الحياة سميدعٌ

أبيٌّ قضى أصحابه وأقاربُهْ

وصال فكان الموت رهنَ حسامِه

يُجانبُ مَن سيفُ الحسين يُجانبُهْ

وما اختطفت أيدي الردى نفس أروعٍ

بسوح الوغى إلا ابن حيدر ضاربُهْ

ولو كان عزرائيل شخصاً مبرَّزاً

لما كان في قبض النفوس يغالبُهْ

تفيض يداه بالعطاء وفي اللقا

تعدّ قتير الدرع وشياً مناكبُهْ

سلام عليه كلّما حنّ ثاكلٌ

وما آلمت قلب الأديب مصائبُهْ

* * *

عبد الكريم الندواني – العمارة


يا مَن رأى واحداً قد قاوم الاُمماً

الشيخ علي البازي

الحقُّ في كربلا والباطلُ اصطدما

كلُّ يحاول أن يحظى بما رسما

فالحقُّ بين طغاة البغي منفردٌ

والبغيُ هذا له أنصاره العظما

وأوحدُ الحقَّ إما عزَّ ناصرُه

على مناوئه إن جار أو ظلما

ولا محامٍ به تمسو حفيظتُه

يحمي حماه ويوليه يداً وفما

كيلا تبيحُ ذوو الأطماح حرمته

وفيه لا شرعةً تُرعى ولا ذمما

بمن وفيمن تراه يستغيث سوى الـ

ـصيد الاُباة الاُلى للخائفين حمى

هم أظهروه على الطغيان حين طغى

وركّزوا باسمه فوق السها علما

وقوّموه على أشلاء قادة من

قد استفزّت إلى تحطيمه الهمما

سامته ضيماً ولولا أهلُه لقضى

عليه غيهبها وانهدَّ وانهدما

ولم يُشيَّد له صرحٌ ولا وطنٌ

يأوي إليه ولا شملٌ له انتظما

يدُ المشيئةِ أولته عنايتها

فعزّزته بآل المصطفى الحُكما

غوث الصريخ إذا ما أزمة أزمتْ

أو عمَّ جدبٌ وبحرُ النائبات طمى

قد جاهدوا دونه بالطفَّ حين رأوا

وجودهم بعده بين الملا عدما

جادوا بأرواحهم للحقَّ واعتصموا

بنهضةٍ فاز مَن في حبلها اعتصما

وأضرموا نارَ هيجاء بها اضطرمت

قلوبُ أعدائهم من وقدها ضرما

بها شهيدُ الإبا سبطُ الرسول نضا

من عزمه مرهفاً مذ بأسها احتدما

فجبَّ غاربها واجتاح فيلقها

وقال يا صارمي كن حاكما حلما

تذكّرت فيه (صفّيناً) وموقفه

وكيف للجيش فرداً صال واقتحما

تراجعت وعلى أعقابها دمها

يجري وشبلُ عليٍّ ثغره ابتسما


وعاد يسمعهم من وعظه حكماً

يدعو أما تنصفوني(١) ياطغام أما

يا آل حربٍ لماذا يُستباح دمي

وتستحلّون منّي كل ما حرما

أليس جدّي أبا الزهراء فاطمةٍ

ولحمُ جسميَ من لحم الرسول نما

داعي الجهالة أعماكم وداهمكمْ

داعي الضلال وإنّ العلتين هما

هنالك انعطفوا نحو ابن فاطمةٍ

والحقُّ والبغي في سوح الوغى ازدحما

نفسي الفداء لمن ضحّى باُسرتهِ

والصحب دون الهدى من قادةٍ كرما

اثارها في عراص الطفِّ ثائرة

بها استعاد إباء الحق والشمما

قد قاوم القوم ضمآناً على سغب

يا من رأى واحداً قد قاوم الاُمما

لله فرداً أعزَّ الدين ساعده

وقد أذلّ طغاة تعبد الصنما

شهم أقام بني الدنيا وأقعدها

والإنس والجنُّ حزناً دمعها انسجما

لـمّا أتى مفرداً ينعى أحبَّته

وطرفه لذويه والوغى انقسما

وأحدقوا فيه والطفل الرضيع قضى

في حجره حينما بالسهم قد فطما

وفوجئ العالم العلويُّ في جلل

أبكى السمواتِ والكرسيَّ والقلما

غداة نادى حسين وهو منجدلٌ

هيا اقصدوني بنفسي واتركوا الحُرما

به استدارت بأبكن أعيناً كرمن

عن البكاء على من أوجدوا الكرما

أبكى السماء دماً لما قضى عطشاً

لما قضى عطشاً أبكى السماء دما

والفاطميات فرَّت من مخيَّمها

لـمّا أصات ابنُ سعد أحرقوا الخيما

فابصرت جسمه فوق الثرى قطعاً

ورأسه فوق رأس السمهري سما

وعاينت حوله الصيد الأشاوس في

حرِّ الهجيرة صرعى جثَّما رمما

نادته بنتُ عليٍّ يا بن فاطمةٍ

ياليت عيني اُصيبت قبل ذا بعمى

ولا أراك على الرمضاء منعفراً

ومنك صدرُ الهدى بالخيل قد هشما

____________________

(١) لا وجه لجزم الفعل أو نصبه , وهكذا جاء بالأصل.


وليت عينيك ترنو حال نسوتكمْ

لـمّا على خدرها جيش العدى هجما

وسيَّروها على الأقتاب حاسرةً

بين العدى وأبوها حيدر شُتما

ولم تجد كافلاً غير العليل لها

بعد الحماة ولا ملجاً ومعتصما

عليٌّ البازيُّ - الكوفة

* * *


التضحية

أو شهداء الطفِّ

عبد الرزاق العائش

لا يخلو إنسان مهما تكن ماهيته من هدف يبذل في سبيل تحقيقه ما عزّ وغلا , أو غاية يسعى إلى نيلها بما اُوتيه من حول وقوة. ولـمّا كان الإنسان مجبولاً على حبِّ البقاء , وإنما يكدُّ ويكدح ليحيا الحياة الّتي ينشدها فمن المستحيل أن يقدم على أمر يُفقده هذه الحياة.

غير أن الحياة حياتان : حياة مادَّيَّة , وهي الَّتي يحياها الأنانيُّ الّذي يضحَّي باُلوف من البشر في سبيل مصلحته الخاصّة , وحياة معنويَّة , وهي التي يحياها الاجتماعيُّ الّذي يضحّي بنفسه ونفيسه في سبيل إنقاذ طفل صغير أو شيخ هرم.

والفرق بين الحياتين من حيث الزوال والخلود , كالفرق بين المادة والمعنى ؛ لذا نرى بعضاً من الناس تنتهي حياتهم وتنطمس أعلامهم بموتهم , وهؤلاء العجزة الخاملون الذين قصرت بوعهم عن إدراك اللباب فرضوا بالقشور الخاوية , وبعضاً يذيع صيتهم وتطير شهرتهم بعد وفاتهم , وهؤلاء هم الأبطال الخالدون الَّذين أدركوا سموَّ المعنى فسمت نفوسهم كسموِّ أهدافهم حتّى غدوا يتحدَّون العاقل أن ينساهم , أو أن يشتغل عنهم بسواهم.

وهكذا سلك الأقدمون سبل حياتهم وهم واثقون بما رسموا من خطط أنها توصلهم إلى غاياتهم حتّى غدوا بين مادَّيٍّ زائل ومعنويًّ خالد. ومن اُولئك الأبطال الخالدين الذين ينسى الإنسان نفسه ولا ينساهم شهداء الطف , اُولئك الذين يُخيَّل لي في موقفي هذا أن أرواحهم الطاهرة ترفرف في أجواء كربلاء , تلك المدينة الَّتي كتب لها بدمائهم أن أصبحت كعبة للإسلام ثانية يحجون إليها من كل فجٍّ عميق. ترفرف أرواحهم مطمئنة شاكرة لله جميل صنيعه.

ولا ريب أنها ترفرف فوق هذا الحفل الكريم وأمثاله , بل وفوق كلَّ مجتمع أو نادٍ يلتئم باسم الفضيلة فتحييه باشَّةً مستبشرة لإحياء ذكراها بما يليق بمنزلتها الرفيعة , مناشدة ضمائر هذه الاُمَّة الَّتي ذهبت ضحيتها أن تكون يداً واحدةً في مجابهة الشدائد , ومكافحة المصائب , وتبرهن على القول بالعمل ؛ إذ لا خير في عبرات متدفقة وزفرات محرقة بدون تبصٌّر وإمعان.


إذاً يجدر بنا أيُّها الاُخوان أن ننزل عند رغبتهم , وأن نكون في جنب الحقّ كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضنا أزر بعض , كما ويجدر بنا أن نجعلهم خير قدوة لنا في الحياة وفي الممات ؛ فلا نفني أعمارنا بما لا يمتُّ إلى المصلحة العامة بصلة , وحينئذ يحق لنا أن نقول : فياليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً ؛ إذ ليس من الحكمة أن نُحيي ذكراهم بالبكاء والعويل , بل الحكمة كلُّ الحكمة أن نحييها بالدرس والتحليل ؛ لنستوحيَ من تفانيهم في سبيل العقيدة والمبدأ شعور التضحية في سبيل الواجب المقدَّس بأصدق معانيه.

فإذا نحن لم نستوحِ من حادث الطفَّ غير هذا الشعور السامي لكفى به دليلاً يثبت لنا أن نظام العالم لا يقوم على مبدأ تنازع البقاء فقط , بل إلى مبدأ آخر هو أقرب إلى مقتضيات الإنسانيَّة , أعني به مبدأ التضحية الّذي نكاد نلمسه في كلَّ مظهر من مظاهر الحياة العمرانيَّة والاجتماعيَّة.

أوليست البذرة تسقط إلى الأرض وتموت لكي تنمو منها الشجرة ؟ أوليس الأب والاُمُّ يضحَّيان براحتهما في سبيل راحة أولادهما ؟ أوليس العلماء يجازفون بأنفسهم ويضحون براحتهم وهنائهم في سبيل مكافحة الأمراض وإنقاذ الإنسانيَّة من الآلام والأوجاع ؟

انظروا أيّها السادة إلى الحروب منذ فجر التاريخ إلى يومنا هذا , ألا ترون الجنود يضحُّون بأرواحهم في سبيل أوطانهم ؟ ألا ترونهم يسفكون دماءهم في سبيل الدفاع عن فكرة سامية أو مبدأ شريف ؟ ولكم وقفت فئة في وجه فئة كبيرة معرَّضة للهلاك على أمل أن تشغل عدوها القويَّ وتفسد عليه خططه.

فمبدأ التضحية إذاً من مستلزمات العمران , وهو من أقوم دعائم الحضارة الصحيحة , فإذا قُضي عليه واندثرت معالمه أصبحت الحضارة عرجاء هوجاء مجرَّدة من العواطف الإنسانية , وأصبح الاجتماع مزعزع الأركان. وأيُّ خطر أعظم من أن يعمَّ ناموس تنازع البقاء كلَّ مظهر من مظاهر المدنيَّة ؟ وأية مصيبة أعظم من أن يبتلي هذا الاجتماع بناموس الجهاد في سبيل الحياة المادَّيَّة , وما ينطوي عليها من أنانيَّة وجشع وأثرة وحبَّ النفس ؟!

ولما كان الموت لا بدَّ منه ولا محيد عنه فخير لنا أن نقايض بهذا الأجل المحدد نفعاً عاماً لا حد له , ونكسب مجداً خالداً لا نهاية له. وأفضل الأضاحي من أمات هليكة في سبيل نفع عام. كذلك الشهداء في سبيل إصلاح الاُمة وبناء كيانها.

لقد أطلقنا التأريخ على سير قادتنا المشاهير ومواقف شهدائنا المغاوير , ولدى البحث والتدقيق ثبت لدى كلَّ عاقل منصف أن سيد هؤلاء الشهداء الحسين (عليه‌السلام ) الَّذي أحيا هو ومَن معه مجد العرب , وسؤدد هاشم , ودين محمّد في وَثَباتهم وثَباتهم ؛ فلم تختلف لهجتهم , ولا وهنت عزيمتهم , ولا ضعفت إرادتهم , حتّى اُهرقت في جنب الحقَّ آخر قطرة من دمائهم , وحتّى إنه (عليه‌السلام ) يوم أحسَّ بالحصار والتضييق بكربلاء , ورأى أنه مقتول لا محالة عزَّ عليه أن يُقتل بسببه غيره , حيث إن القوم لايطلبون سواه.


[فـ] أذِنَ لمن كان معه من أهل بيته وأنصاره بالتخلي عنه , فخطب فيهم قائلاً بعد أن حمد الله وأثنى عليه : (( أمّا بعد , فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي , ولا أهل بيت أبرّ وأوصل من أهل بيتي , فجزاكم الله عنّي خيراً. ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلٍّ من بيعتي , ليس عليكم مني حرج ولا ذمام , هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً ))(١) .

ليس من الفطنة أن نمرَّ على هذا الموقف الرهيب مرَّ الكرام دون أن نشبعه درساً وتحليلاً. كيف لا وقد تجلّت فيه خلة التضحية تجلَّي الشهاب في الليلة الداجية.

لقد ضرب الحسين (عليه‌السلام ) في هذا الموقف وأمثاله الرقم القياسيَّ للإيثار مع الحاجة , والصبر مع الشدَّة , وصدق العزيمة مع حراجة الموقف. ولـمّا كان معنى الشجاعة ضبط النفس مع أي مؤثر من المؤثرات بالغاً [مبالغ](٢) من الشدة, فهذا وأيم الحق منتهى الشجاعة.

واذ كان الولد سرَّ أبيه في الطباع والأخلاق والمظاهر , فالحسين (عليه‌السلام ) من حيث ضبط النفس ورباطة الجأش في غنىً عن التعريف , فهو حفيد محمّد المصطفى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) صاحب الغار الذي خرج من مكة ثاني اثنين لا ثالث لهما يوم أنزل الله تعالى آية :( إِذ هُمَا في الغَارِ إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا ) (٣) , ونجل عليٍّ المرتضى صاحب ليلة المبيت وكفى.

وقديماً قال الشاعر العربي:

بأبه اقتدى عديٌّ في الكرمْ

ومَن يُشابه أبه فما ظلمْ(٤)

____________________

(١) الإرشاد ١١ / ٢ / ٩١ , (ضمن سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد) , اللهوف على قتلى الطفوف / ٥٥ باختلاف فيها يسير.

(٢) في الأصل : (مبالغة).

(٣) سورة التوبة / ٤٠.

(٤) ينسب لرؤبة بن العجّاج , شرح ابن عقيل ١ / ٥٠ , همع الهوامع ١ / ٣٩.


ونفس أبيه قوية مثل نفس الحسين (عليه‌السلام ) تجذب إليها أمثالها ومن على شاكلتها في الإخلاص والتضحية ,وشبه الشيء منجذب إليه.

فكما تجلَّت عظمة الحسين (عليه‌السلام ) في هذا الموقف تجلَّت عظمة أنصاره , وتجسَّم إخلاصهم ووفاؤهم ؛ إذ علموا أنَّ ما هم مقدمون عليه هو الخلود السرمدي , والنكوص عنه هو الفناء الأبديُّ.

فأجابه إخوانه وأبناؤه وبنو أخيه بلسان واحد : لِمَ نفعل ذلك ؟ ألنبقى بعدك ؟! لا أرانا الله ذلك أبداً.

وتقدّم إليه من أصحابه شيخ مسنٌّ وهو مسلم بن عوسجة , فقال : أنحن نخلَّي عنك ؟! وبما نعتذر إلى الله في أداء حقَّك ؟! لا والله حتّى أطعن في صدورهم برمحي , وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي , ولو لم يكن معي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة , والله لا نخلي عنك حتّى يعلم الله أنا حفظنا غيبة رسوله فيك.

أما والله , لو قد علمت أني اُقتل ثمَّ اُحيا ثمَّ اُحرق ثمَّ اُحيا ثمَّ اُذرى , يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك , وكيف أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثمَّ بعدها الكرامة التي لا نفاد لها(١) .

وهكذا تلاه زهير بن القين وبقية أصحابه , والكلُّ يعبر عن شعور التضحية أصدق تعبير. وهذا وأيم الحقَّ لمنتهى الإخلاص والوفاء بتدبُّر وإمعان , أخلصوا لله حيث آمنوا بقوله :( وَلَا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أَموَاتاً بَل أَحيَاءٌ عِندَ رَبِهِم يُرزَقُونَ ) (٢) ، وأخلصوا لنبيهم حيث حفظوا أمانته , وتفانوا في سبيل نصرة سيّدهم مع أنه أذن لهم بالتخلَّي عنه , وحلّ بيعته من أعناقهم , وأخلصوا لاُمتّهم حيث أرادوا لها العزَّ في حين تألَّب

____________________

(١) اللهوف على قتلى الطفوف / ٥٦.

(٢) سورة آل عمران / ١٦٩.


أبناؤها على مذلَّتهم , وأخلصوا لأنفسهم حيث لم يوردوها مورد الخزي والعار , ووفوا بعهد الله ففازوا بشهادته :( وَ الـمُوفُونَ بِعَهدِهِم إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرينَ في البَأسآءِ والضَّرَّآءِ وَحِين البَأِس اُولئك الَّذِينَ صَدقُوا وَاُولئك هُمُ الـمُتَّقونَ ) (١) .

إنّ هذا العمل الباهر كان ولم يزل اُحدوثة المجد , واُنشودة الشرف ما دام للمجد والشرف ذكر يذكر ؛ فهذا يومهم تبزغ شمسه في مستهلَّ كلَِّ عام , وهذه ذكراهم تبلى الأيام وتفنى السنون وهي باقية على جدتها.

إذاً لا بدَّ لي من تقرير هذه الحقيقة , وهي : ما من اُمَّة من اُمم التأريخ بلغت شيئاً من رفعة المنزلة إلّا كانت التضحية من أقوى مبادئها , فاذا ما ضعفت روح التضحية فيها تضعضعت وصارت إلى الزوال :( سُنَّةَ اللهِ الَّتي قَد خَلَت مِن قَبلُ وَلَن تَجِد لِسُنَّةِ اللهِ تَبديلاً ) (٢) .

صدق الله العلي العظيم

عبد الرزّاق العائش - البصرة

* * *

____________________

(١) سورة البقرة / ١٧٧.

(٢) سورة الفتح / ٢٣.


الذكرى الاُولى

لسنة ١٣٦٧ه - ١٩٤٦م

الساعة : ٥ بعد الظهر

عدد الكراسي : ١٢٠٠

منهج الحفلة الكبرى

مساء يوم العاشر من محرم (١٣٦٧) ه , الموافق (٢٤/١١/١٩٤٧) م

١ - القرآن الكريم … المقرىء الشيخ عبد الكريم الحمداني

٢- لبيك اللهمَّ لبيك (كلمة الافتتاح) … عبد الرزّاق العائش

٣ - كلمة ارتجاليَّة … الاُستاذ محمّد جواد جلال

٤ - درس في الجهاد (قصيدة) … للاُستاذ محمّد جعفر نقدي - عمارة

٥ - وإن فناء في الحق … الاُستاذ عبّود شبر

٦ - (قصيدة) … للعلامة المرحوم السيد عبد الصاحب شبر(١)

٧ - سموُّ المبدأ … عبد الأمير الحاج حسّون

٨ - رأى العز بالموت فاختاره (قصيدة) … الشيخ محمّد علي اليعقوبي - نجف

٩ - الوثنية … العلاّمة السيد عبد الله الموسوي

١٠ - قصيدة … للاُستاذ إبراهيم الوائلي(٢)

١١ - صبر الحسين … الاُستاذ فؤاد الراوي

١٢ - نضال الحسين (قصيدة) … الأديب محمّد هاشم الجواهري

١٣ - من أعماق التأريخ (قصيدة) … السيّد محمّد جمال الهاشميّ - نجف

١٤ - كلمة ارتجاليَّة … الشيخ عبد الصاحب الكاظمي

١٥ - القرآن الكريم … الشيخ علي السبيعي

____________________

(١) ألقاها السيد بنفسه ولكن الهيئة لم تحتفظ بنسخة منها.

(٢) ألقاها بالنيابة الاُستاذ محمود محمّد الحبيب , وكذلك لم تحتفظ الهيئة بنسخة منها.


موجز وصف إحتفال اليوم العاشر

كان يوم عاشوراء هذه السنة يوم سعادة وشقاء في آن واحد , كان يوم سعادة بصورة عامَّة ؛ حيث هطلت فيه الأمطار بغزارة , وبطبيعة الحال المطر رحمة ينتظرها القانع والمعترُّ على حدٍّ سواء ؛ إذ يُحيي الله به الأرض بعد موتها , وكان يوم شقاء للجنة التأبين الحسينيّة في البصرة بصورة خاصة ؛ حيث كاد يطوَّح بجميع جهودها الَّتي بذلتها في سبيل الاحتفال بذكرى الحسين (عليه‌السلام ) احتفالا رائعاً.

ولكنَّ الله سبحانه أبى أن تضيع تلك الجهود الجبّارة سدىً ؛ لما علمه من صدق عزيمة اللجنة وإخلاصها لشهيد العدل وأنصاره , فما إن أزفت الساعة الاُولى بعد الظهر حتّى أمسكت السماء مدرارها , ثمَّ أخذت تلك الغيوم المتلبَّدة تتقشَّع رويداً فرويداً , وهكذا أزفت الساعة الثانية وكل شيء معدٌّ على أحسن ما يرام , فاكتظت قاعة الثانوية بالوافدين من مختلف الطبقات , يتقدَّمهم العلماء الروحانيون من مختلف الملل والنحل وقناصل الدول الأجنبية, ورؤساء الدوائر الحكوميَّة.

ولما أزفت الساعة (٤٥ : ٢) افتتح الحفل بآي من الذكر الكريم , ثمَّ تقدَّم الخطباء والشعراء حسب المنهج , فكان احتفالاً رائعاً حقّاً لم تشهد له البصرة من قبل نظيراً , ولكن من المؤسف حقّاً أن الافتتاح تأخّر عن الموعد زهاء (٤٥) دقيقة , فحال هذا التأخير دون إلقاء بعض الكلمات والقصائد المدوَّنة في المنهج , من ضمنها قصيدة الشاعر الكبير السيد محمّد جمال الهاشمي , وكلمة الاُستاذ أحمد الحمد الصالح , وكلمة الاُستاذ كمال الجبوري , فاللجنة تعتذر إلى حضرات الأساتذة , وتسأله تعالى ألاّ يحرم الجمهور من إنتاجهم.


لبَّيك اللهمَّ لبَّيك

عبد الرزّاق العائش

أيُّها الحفل الكريم , نحن الآن كما لو كنّا في حومة كربلاء نسمع ونرى ما يجري فيها من صراع عنيف بين الحقَّ والباطل , نسمع صوت الحق يطبَّق الأرجاء مردَّداً : يا أيها الذين آمنوا جاهدوا في الله حق جهاده. فيجيبه سبط أحمد : لبَّيك اللهمَّ لبَّيك. ونرى ما يجري على صعيدها من دم زاكٍ وما تسيل على رمضائها من نفوس طاهرة.

هذا والحسين رافع يداً إلى السماء ليسجَّل هذه الذكرى على صفحة الخلود , واليد الاُخرى يودع بها تلك الجسوم التي تناثرت أشلاؤها على صخرة الرذيلة في سبيل الذود عن الفضيلة. يودَّع تلك الهياكل الَّتي كانت قبل سويعات شموساً مشرقة في سماء العزَّ فعراها الاُفول , فلا يسعنا إذاً والحال هذه إلّا أن نقف بين يديه وقفة ملأها رهبة وخشوعاً فنحييه بصمت رهيب(١) .

شكراً لكم أيُّها السادة هذه التحية الصامتة الناطقة , صامتة بشكلها , ناطقة بمعناها ؛ إذ عبَّرت عن مدى اتّباعكم للحقَّ وأنصاره , وعن مدى تأثير هذه الذكرى المقدسة في نفوسكم , حتّى إن الطبيعة العاتية(٢) لم تُحل دون تلبيتكم لنداء هذا الواجب , فجزاكم الله عن الحسين (عليه‌السلام )وعن أهله خير الجزاء.

عبد الرزَاق العائش - البصرة

____________________

(١) قيام مدة دقيقة حداداً على هذا الراحل العظيم.

(٢) كان اليوم مطيراً حتّى ساعة الاحتفال.


درس في الجهاد

محمد الشيخ جعفر النقدي

المجد غرس ما رواه سوى الطلا(١)

حيِّ الشهيدَ وخذ بسيف نضاله

وتعلَّم الإخلاص من أبطاله

الرافعين إلى التحرُّر مشعلاً

فاق الضحى بسنائه ومناله

الآسرين لدى الخصومة باطلاً

المطلقين الحق من أغلاله

المنزلين على العدوَّ صواعقاً

لا يحفلون بخيله ورجاله

الساهرين حماية لإبائهم

وهدى النبيِّ وصحبه وعياله

المفتدين كرامة بدمائهم

الظامئين إلى الرَّوى(*)

اللابثين مع الحقوب وذكرهمْ

يُتلى ومجدُهمُ يُرى بكماله

لاتبكِ لا يجدي البكاء باُمّةٍ

ثكلى ولكن سر على منواله

رام الخلود بأن يقوَّم اُمة

ولو اَنّ نيل مرامه بقتاله

إنّ الخلود لـمَن يذود عن الحمى

بدمائه وبولده وبماله

والمجد غرس ما رواه سوى الطلا

من لا يجود به لقطف نواله

قسماً بأرض الطفَّ والدم نير

والدمع منتشر على أطلاله

وصوارم حمراء عند اُسوده

باتت مؤرقة على أشباله

وزفير أرملة يروح إلى السما

يشكو عتوَّ محرّم لهلاله

____________________

(١) ألقاها الاُستاذ حاد جريء السامر.

(*) لا يخفى السقط هنا. (موقع معهد الإمامين الحسنين)


قسماً تصدقه الدماء بكربلا

ويعيده التأريخ في أجياله

ما طهّر الإسلام من خذّاله

إلّا نجيعٍ سال فوق رماله

متدفَّقاً كالسيل في أرجائه

يسقي الحقائق في نفوس رجاله

حيّ الشهيد مرتّلاً آياتك الـ

ـغرا تحيَّة معجب بنضاله

وقم احتفاءً بالدماء فإنها

عنوان مجد خطَّ في أسماله

وسل القرون المبصرات فهل رأت

كأبي الحسين وهل رأت كمثاله

من ذا يخاطب حتفه بيمينه

ويهزُّ سيفاً مصلتاً بشماله

(إن كان دين محمّد لم يستقم

إلّا بقتلي) فليعد لمآله

أنا لست ممَّن يغرمون لسلطةٍ

كلا ولا أنا للنضار بواله

لكنّ لي جنباً حملت به الهوى

حباً إلى نيل العلا ووصاله

لم يخشَ عدَّة خصمه وعديدَه

ويعيذه الإيمان من أهواله

والمرء بالإيمان يدرك غاية

كبرى ويبلغ منتهى آماله

* * *

ذكرى الحسين تطلّعي بجهاده

فالدهر قد ألقى نقاب خياله

فوحي علينا كالزهور ونوَّري

كالشمس أو فاسمي كغرِّ فعاله

صبَّي الجهاد من السماء فكلّنا

صديانُ منتظرٌ سنا إقباله

محلت رياضُ المجد بعد ربيعهِ

وتساقطت أوراقُها بزواله

أين الفتوح وأين زهو رجاله

والملك تيّاهٌ ببرد جلاله

وعزائم كالخيل مسرعة بهم

صوب الردى فرحين لاستقباله

وشرائع ركعت (أثينة) عندها

ورنا لها (سقراط) من تمثاله

مثلٌ سرت والذكريات تعيدها

أملاً يخادعنا الزمان بآله(١)

شعَّ التمدُّن في البلاد ولم يزل

وطني يسير على بعيد خياله

____________________

(١) الآل : السراب. العين ٨ / ٣٥٩ آل.


الغرب أدرك في سنا أسحارِه

قصداً وضلَّ الشرقُ في آصاله

والغرب جرّد سيفه وبموطني

غمدَ اليراع صيانة لضلاله

والغرب قد بلغ السماء مجاهداً

في حين لم تبلغ ظهور جباله

حتّامَ نلبث حائرين بضلة

والكل يعلم ما يجول بباله

طمعٌ يطوف على الممالك متلفاً

زرع الشعوب مخرّباً لظلاله

* * *

هذي شهيدَ الحق نفثة شاعرٍ

يرثي لحال بلاده ولحاله

ألقى بذكراك الشجية أنة الـ

ـقلب الشجي محرّداً بعقاله

سيم الشقاء بفكرة وقّادة

تأبى لرفعتها على استغلاله

كم وقفة فيها صرخت باُمتَّي

صوتاً أهزَّ الجيل من زلزاله

يا قوم قد جار الغريب بأرضكم

فحذارِ من أشراكه وحباله

يبدو بسربال الصديق إليكمُ

والكيد مرسوم على سرباله

أبديتم وهناً فراح يقودكم

ويخوض وهنكمُ إلى آماله

ما (القدس) نأسوه الجراح أليمة

إلّا ضحية رشقة لنباله

وضحية الأرباب بين جواره الـ

ـمقتفين خطاه في أعماله

واللاغطين إذا تفوَّه مصلحٌ

يرمي لفكَّ الحرَّ من أغلاله

من ذا يروق له السكوت بمعشرٍ

أضحى يعربد من طلى جهّاله

حمماً عليه من الفؤاد صببتها

أيروم يخمدها أخٌ بجداله

دعه يجدَّ إلى المحال بخطبه

أو هل ينال المرء بعض محاله

لا بدَّ للبركان فترةُ غمضةٍ

ويعود بعد زوالها بوباله

* * *


قل للشباب وقد تهاون عزمه

واليأس عوَّده على إهماله

واستبدل الخلق القويم بغيره

ويد الغريب سعت إلى إبداله

لذ بالحسين وخذ لنفسك منهلاً

من خُلْقه الزاكي وطيب خلاله

وليرتوِ العقل الغليل برشفةٍ

ما دام ظمآناً إلى سلساله

الدين والقسطاس سرُّ نقائه

والعلم والأخلاق رمز جماله

ما جلَّ للأقطار صرحُ مفاخر

إلّا وكان العلم اُسُّ جلاله

وبسلّم الأخلاق يُرفع موطنٌ

وبدونه يهوي لأسوأ حاله

واربأ بنفسك أن تكون مسالماً

لمن اعتدى بل فانصرف لنزاله

سر في النضال فتلك خيرُ وسيلةٍ

للمرء تبلغه مدى استقلاله

فهو الذي يسدي البلاد أمانها

ويعيد حقَّ الفرد من خذاله

* * *

محمّد النقدي - العمارة


وإنّ فناءً في الحق لهو عين البقاء

السيد عبّود شبّر

منذ أن خلق الله الحياة على وجه الأرض والإنسان يفكَّر في علاجٍ لآلامه جميعها , اقتصادية كانت أم اجتماعية, ومنذ ذلك الحين وحتّى الآن لم يترك الله الأرض خالية من رجال فكَّروا في علاجات لهذه الآلام الَّتي تعانيها البشريَّة المعذَّبة.

على أن العالم وإن وجد به رجال طيبون كهؤلاء لم يخلُ أيضاً من رجال هبطوا بالإنسان إلى درك الحيوانيَّة ؛ فاُولئك يريدون نَصفه وإرشاده لطريق الخير ؛ اقتناعاً منهم بأنه أثمن مخلوقات الله , وهؤلاء يقودونه للشرَّ ؛ اقتناعاً منهم بأنه حيوان يحاول ستر غرائزه بالثياب الأنيقة , وإشباع رغائبه من كلِّ ما هو لذيذ في هذه الحياة , وهو بالتالي لا يهمُّه إلّا التفكير بالمرأة وبالرغيف واللباس , ويدفعه تفكيره هذا إلى اصطناع الأخلاق تارة , وارتكاب الجرائم تارة اُخرى.

وهنا يبدو واضحاً بأن المجتمع الإنسانيَّ ينقسم إلى قسمين حتماً تتصارع فيهما مبادئ الخير ومبادئ الشرَّ , وهنا يبدو أيضاً لكلَّ مَن يفكّر في أمر هذا المجتمع بأنه مشكلة يصعب حلها , فما هو السر في ذلك ؟

جاءت الأديان السماوَّية وكلُّها تفسَّر لهذا المجتمع , وقد شرحت لنا حكمة هذه الحياة شرحاً وافياً , وعلَّمتنا أن الحياة السعيدة هي الحياة نفسها , وأن سعادة الإنسان قد تنبثق في نفسه وهو جائع محروم لو أنه جرى وراء المعاني الطيبة , وأفهمتنا أن اللذَّة الَّتي يتخلَّلها قرع الكؤوس ومصاحبة الغانيات ما هي من الحياة السعيدة بشيء مطلقاً , إنما الحياة السعيدة تكون كاملة عندما يكون عند الإنسان شرف وكرامة يعتزُّ بهما. هنا كان للخير حزب وللشرَّ حزب آخر تتناسب قوتهما وضعفهما في جميع الأدوار مع المؤيدين لأحدهما وقلَّتهم للثاني.

واستمرت الحال على هذا المنوال , إلى أن يقول حضرة الكاتب : إنهم يطلبون منه أن يعيش عيشة هانئة على أن يبايع خليفة فاجراً مبتذلاً , إنهم يطلبون منه أن يتنعم بنعم الحياة على أن تعبث الأيدي الفاسدة بتراث المسلمين فرفض ذلك بإباء وشمم ؛ لأن الثمن كان أغلى من تلك الحياة ؛ ولأن رجلاً مثله نذر نفسه لإعلاء كلمة الحقَّ ونشر الفضيلة لا يمكن أن يحيد عن مبدئه فينزل إلى الدرك الأسفل من الذلَّة والهوان.

هناك ضرب القدر ضربته القاسية , فاندخر الحقُّ أمام الباطل , وسقط ذلك الرجل الحرُّ في اليوم العاشر من المحرَّم في ميدان الشرف والمروءة.

عبّود شبّر - البصرة


سموُّ المبدأ

عبد الأمير الحاج حسّون

قد كان صاحبُ هذا الحفل جوهرةً

نفيسةً صاغها الرحمن من شرفِ

عزَّت فلم تعرف الأيام قيمتها

فردّها غيرةً منه إلى الصدفِ

* * *

سادتي الأماجد , لا أراني بحاجة إلى تعرُّف شخصيَّة الحسين بن علي (عليهما‌السلام ) ؛ فهو تلك الشخصية الفذَّة الَّتي لا تماثلها شخصيَّة , وهو ذلك البطل العظيم الَّذي لم ينجب العالم بعده بطلاً يضارعه أو يضاهيه , وهو من ذلك البيت الهاشمي الرفيع الَّذي أقل ما قيل فيه , قولُ الفرزدق :

من معشرٍ حبُّهم دينٌ وبغضهمُ

كفرٌ وقربهم منجىً ومعتصمُ

إن عُدَّ أهل التقى كانو أئمتهمْ

أو قيل مَن خيرُ أهل الأرض قيل همُ

* * *


وإنما الذي أكسب الإمام هذه الذكرى الفريدة ؛ لأنها جاءت عن عقيدة مُثلى , وفي سبيل مبدأ سام , وبشكل بطولي فريد , وإيمان لم يتزعزع ؛ فهو يرى أنصاره يتخطَّفهم الموت , ويستنزل منهم إلى الأرض كلَّ ساعة فارساً صنديداً , ويرى حرمه يتفجَّعن ويتصايحن مذعورات ممّا يستقبل سيّدهن من الموت وهو الحمى الَّذي يلجأن إليه , ويعتمدن عليه , ويرى ولده الرضيع يُقتل بين يديه وهو يستقي الماء له بعد أن أضناه العطش.

ينظر كلَّ ذلك وهو يتلوّى من شدَّة الصدى , ويقاسي من حر العطش ما لا يحتمله حاضر ولا جأش رابط , ولكنه مع ذلك كان حاضر البال , رابط الجأش , قويّاً على الأحداث , لا يهين ولا يستكين , تزول الجبال ولا يزول, ويلين الحديد ولا يلين , يستعذب أن يلقى كلَّ هذا الأذى في سبيل الله , ملبَّياً هذا الصوت الّذي يستعذبه على أئمة الضلال , ويستصرخه في أعماق فؤاده , فيشدُّ على أعداء الله فعل أبيه من قبل , فإذا هم كرماد اشتدت فيه الريح في يوم عاصف.

سادتي , عاش الحسين حراً , ومات حراً , وترك للأجيال تاريخاً هو ملء الدنيا نوراً , وملؤها عطراً. فما أحوجنا أيها السادة إلى تضحية كتضحية الحسين (عليه‌السلام ) ، وما أحوجنا أيُّها الأخوان إلى رفاق كرفاق الحسين (عليه‌السلام ) ، دأبهم الصدق في العمل , ورائدهم الإخلاص والنزاهة في الواجب.

والسلام عليكم.

عبد الأمير الحاج حسّون - البصرة


رأى العزَّ بالموت فاختاره

محمّد علي اليعقوبي

الشيخ محمّد علي بن يعقوب النجفي

* ولد في ٢٩ / شباط / ١٨٩٦ في النجف

* قرأ على والده مبادئ العلوم , انقطع إلى السيّد القزويني بعد وفاة والده عام (١٩١١) م. التحق إبَّان الحرب الاُولى بالمجاهدين في (الشعيبة).

* اشتهر خطيباً وداعية من دعاة الإصلاح.

* تولى عام (١٩٣٦) م رئاسة الرابطة الأدبيّة في النجف.

* توفي عام (١٩٦٥) م.

* له : (البابليات) ، (المقصورة العليَّة) ، (عنوان المصائب) ، إضافة إلى شعره المنشور عام (١٩٥٧)م.

أعلام الأدب العراقي الحديث ١ / ٢٢٨.


رأى العز بالموت فاختاره(١)

الشيخ محمّد علي اليعقوبي

تناسى ببابل أوطارهُ

فتىً أرضح الشيب أعذارهُ

أمن بعد ما جاوز الأربعين

يطاوع باللهو أمّارهُ

إذا ما الشباب انطوى سفره

فخلَّ الهوى واطوِ أسفارهُ

فما أنا من بعدها ذو هوىً

يقاسي من الحبِّ أطوارهُ

يناجي نجوم الدجى ساهراً

وكان ينادم أقمارهُ

إذا ما صفا عيشه برهةً

أناخ له الدهر أكدارهُ

* * *

فدع ذكريات الصبا إنني

ذكرت الحسين وأنصارهُ

قضوا ظمأ حول ماء الفرات

فلا فجَّر الله أنهارهُ

فلله يوم لسان الزمان

يردَّد للحشر أخبارهُ

أطلَّ على الكون في نكبةٍ

بها طبّق النَّوحُ أقطارهُ

إذا رام نسيانه العاملون

أهاج المحرَّمُ تذكارهُ

تردَّت ثياب العلا هاشم

واُميُّ اكتست في الوغى عارهُ(٢)

عشيَّة قد نهض ابنُ الطليق

من المصطفى طالباً ثارهُ

أيملك شرُّ عبيد الأنام

خيارَ الأنام وأحرارهُ

فأدرك في قتل أبنائه

وسبْي ذراريه أوتارهُ

____________________

(١) ألقاها الاُستاذ كاظم مكي حسن.

(٢) كذا بزيادة الواو , وهو يخلٌّ بالوزن.


بنفسيَ ثاوٍ بحرِّ الهجير

ثلاثاً سوى الوحشما زارهُ

ومذ خيَّروه الردى والهوان

رأى العز بالموت فاختارهُ

تلفَّع طمر الثنا والدماء

إذ ابتزَّت القوم أطمارهُ

وصدر نشا فوق صدر النبي

به أودع الله أسرارهُ

غدا لخيول العدى حلْبة

تُعفي السنابك آثارهُ

* * *

وبيت تذبُّ الظبا دونه

وتمنع سمر القنا جارهُ

تسامى بمن فيه حتّى غدت

جميعُ الملائك زوّارهُ

فغودر بالطفَّ نهب العداة

وقد هتكوا منه أستارهُ

وفرَّت كرائمه خيفة

فرار القطا عاف أوكارهُ

تلفُّ الضلوع على أكبدٍ

بها شبّ زند الأسى نارهُ

وسيقت إلى الشام نحو اللئام

تعاني من السير أخطارهُ

وليس لديها سوى ناحلٍ

به أنشب السقم أظفارهُ

تعاين بالرمح رأس الحسين

فتذري من الدمع مدرارهُ

إذا ضلَّ بالليل حادي الظعون

تتبّع في السير أنوارهُ

* * *

محمّد عليًّ اليعقوبيُّ - النجف


الوثنيَّة في العهد الاُموي(١)

العلامة عبد الله الموسوي

إليكم أيها المسلمون الحاضرون كلمة قصيرة , ونتفة يسيرة من ظلمة الاُمويّين الدامسة الَّتي غشيت هذا الدين المتين الَّذي أسَّسه سيّد المرسلين (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وأشاد صرحه بحسامه عليٌّ أمير المؤمنين (عليه‌السلام ).

هذا التاريخ يحكي لنا ما قام به شيخ الاُمويّين ورئيس الطلقاء أبو سفيان جدُّ يزيد وأبو معاوية الحامي للوثنيَّة والداعي إليها ؛ فإنه لم ينفك منذ بزغت شمس الرسالة المحمّديَّة يؤلَّب أنصاره من اليهود وغيرهم من المشركين على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وما من ثورة تثور من حماة الوثنيَّة إلاّ وهو القائد لها والمحزَّب أحزابها , و[المضرم](٢) اُوارها , حتّى منَّ الله على الرسول بفتح مكة فمنَّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على عدوَّه اللدود عدوَّ دينه وشرعه وناموسه , وعفا عنه.

ولم يقتصر المنقذ الأعظم والرسول المكرَّم على العفو عنه وسلامة نفسه فحسب , بل تعدّى ذلك إلى ما هو أعظم وأكبر ؛ فجعل دار أبي سفيان مأمناً لمن دخل فيها , فنادى منادي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يوم الفتح : (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن).

فصلّى الله عليك يا أبا القاسم , فلقد كنت ينبوعاً لمكارم الأخلاق.

____________________

(١) ألقاها الأديب غالب الناهي.

(٢) في المطبوع : (والضارم).


هذا ما فعله الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مع شيخ الطلقاء , فلننظر إذاً ما جزاء الرسول الأعظم من هذا العدو القديم للإسلام الذي دخل فيه كرهاً ! نعم كان جزاؤه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن دخل ذات يوم على عثمان وهو أعمى , ومعه [رجال] من بني أبيه , فقال : أفيكم أحد من غيركم ؟

قالوا : لا.

قال : ياعثمان , ويا بني اُميَّة , تلقّفوها تلقُّف الكرة , فو الَّذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم , ولتصيرنَّ إلى صبيانكم وراثة(١) .

هذا أبو سفيان أبو الطلقاء , وهذا جزاء الرسول منه على ما أولاه من مكارم الاخلاق في يوم الفتح التي لم يعرف التأريخ مثلها كرماً وأخلاقاً , فقد أظهر للدين أبو سفيان حقده الدفين.

وأمّا معاوية الطليق ابن الطليق فهو القائل : ما قاتلتكم لتصلُّوا ولا لتصوموا , ولا لتزكُّوا ولا لتحجُّوا , وإنما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم. وهو الَّذي ألحق زياد بن أبيه بأبيه شيخ الطلقاء مراغمة لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وردّاً لقوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( الولد للفراش وللعاهر الحجر ))(٢) .

وهو المحارب لأمير المؤمنين علي (عليه‌السلام ) والسابُّ له , وقد قال فيه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يا عليُّ , حربك حربي وسلمك سلمي ))(٣) . وقال فيه : (( يا عليُّ , مَن سبَّك فقد سبَّني , ومن سبَّني فقد سبَّ الله ))(٤) .

وأكبر جريمة وأعظم جريرة ارتكبها الطليق معاوية أخذه البيعة لولده يزيد وليس فيه خصلة واحدة تؤهَّله للخلافة ؛ فلقد كان يزيد شرَّيباً للخمور , لاعباً بالطنبور , فاسقاً فاجراً , فمعاوية جنى جنايتين على الاسلام ؛ جناية بتولّيهِ أمر

____________________

(١) الكنى والألقاب ١ / ٨٨.

(٢) الوسائل ٢٦ / ٢٧٤ , أبواب ميراث ولد الملاعنة وما أشبهه , ب٨ , ج١.

(٣) البحار ٢٦ / ٣٤٩.

(٤) المجالس السنيَّة ٤ / ٢٤٠ - ٢٤٢.


المسلمين وغصبه علي (عليه‌السلام ) خليفة الرسول الأمين , والجناية الاُخرى أخذه البيعة بالسيف لولده يزيد.

وأما غشُّه وخداعه فيكفيك ما أنزله بعبد الله بن سلام القرشي وزوجته اُرينب (أو زينب بنت إسحاق) , وهي لعمر الحقَّ قضية يندى لخزيها جبين التأريخ خجلاً , [وكادت أن تودي](١) بحياة هذا المسكين المغفَّل لولا حفيد الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وفلذة كبد الزهراء البتول حسين السبط(عليه‌السلام ) , فلقد والله أنقذه من براثن موت محتم.

هذه من علاه إحدى المعالي

وعلى هذه فقس ما سواها

هذا معاوية الاُمويُّ , وهذه عقيدته , وهذه سيرته.

وأما يزيد فهو ابن ميسون وابن معاوية , وحفيد أبي سفيان وهند بنت عتبة , وفيه ما في اُصوله وزيادة. أما قبل الاستيلاء على المسلمين فهو المقدام في شرب الخمور , واقتناء القينات والجواري المغنيات , وجمعه الكلاب المهارشة , وحمام السبق.

وهو الفارس في مطاردة الحيوانات لللهو , ولكنه الجبان لا في الحرب فحسب , بل حتّى في المشاهدة لميدان النزال؛ فإنّ التأريخ يحدثنا أن أباه معاوية أرسل جيشاً للقسطنطينية ليغزو الروم دفاعاً عن الإمبراطورية الاُموية بقياده سفيان بن عون , وأوعز إلى يزيد بالمسير معه , فتثاقل يزيد بالمسير , وتمارض حتّى سار الجيش.

ولـمّا اُصيب الجيش في طريقه بالجوع والمرض أنشأ يزيد قائلاً :

ما إن اُبالي بما لاقت جموعهمُ

بالفرقدونة من حمّىً ومن مومِ(٢)

إذا اتَّكأت على الأنماط مرتفقاً

بدير مران عندي اُم كلثومِ

هذا يزيد بن ميسون قبل استيلائه على الملك , وأما بعد استيلائه , فهو الَّذي هدم بيت الله , والَّذي هتك حرم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، والَّذي أباح المدينة لعسكره

____________________

(١) في المطبوع : (ولأودن).

(٢) الموم : الجدري , والحمّى. لسان العرب ١٣ / ٢٢٤ (موم).


ثلاثة أيّام.

قل لي بربَّك , أيُّ ظلمة غشيت الدعوة المحمّدية أعظم من هذه الظلمة ؟ وأيّ طخية عمياء دهمت الدين الاسلاميَّ أكثر من هذه الطخية ؟

وإنّي اُقسم بالله قسماً بارّاً , لولا فجر الاُمَّة ونهارها , وسيّد الشهداء أبوها لقوَّضت الدولة الاُمويَّة قوائم الإسلام, ولهدَّمت أركانه , وفكَّكت أعضاءه , وقطَّعت أوصاله , وفصمت عراه. ولكنه الحسين سبط رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وابن أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام ) وثب من عرينه , وباع على الله نفسه بمقتضى :( إنَّ اللهَ اشتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَموَالَهُم بِأنَّ لَهُمُ الجُنَّةَ يُقَاتِلُونَ في سَبيلِ اللهِ فَيَقتُلونَ ويُقتَلُون وَعداً عَلَيهِ حَقّاً في التَّورّاةِ والإِنجِيلِ والقُرآنِ وَمَن أوفَى بِعَهدِهِ مِنَ اللهِ فَاستَبشِرُوا بِبَيعكُم الَّذي بَايَعتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظِيمُ ) (١) .

إي والله , لقد فزت يا أبا عبد الله , وفتحت فتحاً نوَّهت به عند خروجك إلى العراق بقولك وخطابك لأبناء آبائك : (( يا بني هاشم , مَن لحق بي منكم استشهد , ومَن لم يلحق لم يبلغ مبلغ الفتح )). فلقد فتحت وأبلجت بنورك طرق الدين الَّذي أسَّسه جدك سيد المرسلين , ونشر ألويته بسيفه أبوك أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ، وفضحت بصبحك فحمة دجى الاُمويين , وقوَّضت أركان دولتهم الطويلة العريضة , وأبدتهم من جديد الأرض.

فصلّى الله عليك وعلى روحك المقدَّسة وبدنك الطاهر , وعلى أنصارك المجاهدين معك , وعلى السالكين سبيلك , المقيمين ذكراك وعزاءك , والباكين عليك ورحمة الله وبركاته.

عبد الله الموسوي - البصرة

____________________

(١) سورة التوبة / ١١١.


صبر الحسين (عليه‌السلام )

فؤاد الراوي

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفلِحونَ ) (١) , وقال تعالى :( وَالصَّابِرينَ في البَأسَآءِ والضَّرآءِ وَحِينَ البَأس اُولئك الَّذِينَ صَدقُوا واُولئك هُمُ المُتَّقُونَ ) (٢) , وقال عزّ وجلّ :( وَبَشِرِ الصَّابِريِنَ الَّذِينَ إذآ أَصَابَتهُم مُّصِيبةٌ قَالُوا إِنَّا لله وإِنَّا إِليهِ رَاجعُونَ r اُولئك َعلَيهِم صلَوَاتٌ مِن رَّبِهِم وَرَحمَةٌ وَاُولئك هُمُ المُهتَدُونَ ) (٣) .

صدق الله العظيم

وقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( قال الله عزّ وجلّ : إذا وجَّهت إلى عبدٍ من عبيدي مصيبةً في بدنه أو مالِه أو ولده , ثمَّ استقبل ذلك بصبر جميل , استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً , أو أنشر له ديواناً )).

وقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( في الصبر على ما تكره خيرٌ كثير )). ومن جوامع الكلام قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( الصبر عون على الخطوب )) , وللإمام علي (عليه‌السلام ) : (( أيها الناس , احفظوا عنّي خمساً , فلو شددتم إليها المطايا حتّى تضنوها(٤) لم تظفروا بمثلها ؛ ألا لا يرجونَّ أحدكم إلّا ربه , ولا يخافنَّ إلّا ذنبه , ولا يستحي أحدكم إذا لم يعلم أن يتعلم , وإذا سُئل عمّا لا يعلم أن يقول : لا أعلم.

ألا وإنّ الخامسة الصبر ؛ فإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد , ومَن لا صبر له لا إيمان

____________________

(١) سورة آل عمران / ٢٠٠.

(٢) سورة البقرة / ١٧٧.

(٣) سورة البقرة / ١٥٥ - ١٥٧.

(٤) أي سلكوها.


له , ومَن لا رأس له لا جسد له. ولا خير في قراءة إلّا بتدبر , ولا في عبادة إلّا بتفكُّر , ولا في حلم إلّا بعلم. )) إلى آخر ما قاله.

وقال العبّاس (رضي‌الله‌عنه ) في صبر الحسين (عليه‌السلام ) : أما أنت يا أخي , لو وزنت السماء والأرض بصبرك وثباتك لرجحتَ.

وروي أن الحجة صاحب الأمر (عجّل الله تعالى فرجه) لـمّا زار جدَّه الحسين (عليه‌السلام ) قال: (( يا جدّاه , لقد عجبتْ من صبرك ملائكة السماء )). والله أعلم.

ومما قيل في رثاء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ونسب إلى الأمير علي (عليه‌السلام ) في قول بعض الروايات ؛ لأنّ الأنبياء والأولياء قيل: لم يقولوا شعراً , وذلك في الحث على الصبر الجميل , الَّتي منها قوله (عليه‌السلام ) :

يعزي المعزَّي ثمَّ يمضي لشأنه

ويبقى الـمُعزّى في أحرّ من الجمرِ

سأصبر حتّى يعلم الصبر أنني

صبرت على شيء أمرَّ من الصبرِ

* * *

وقال الشاعر في الصبر :

بنى الله للأخيار بيتاً سقوفُه

همومٌ وأحزانٌ وحيطانه الصبرُ(١)

وأدخلهم فيه وأغلق بابه

وقال لهم مفتاحُ بابكم الصبرُ

* * *

ومما يروى للسيّد حيدر الحلي في الصبر الجميل قوله :

له الله مفطوراً من الصبر قلبه

ولو كان من صمَّ الصفا لتصدَّعا

وظاهر فيها بين درعين نثرة

وصبر ودرع الصبر أقواهما معا

ومما قاله الفرزدق الشاعر في قصيدته المشهورة في مدح علي بن الحسين (عليهما‌السلام ) :

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحلُّ والحرمُ

هذا ابن خير عباد الله كلَّهمُ

هذا التقيُّ النقيُّ الطاهر العلمُ

____________________

(١) أي النبات.


إلى أن يقول :

من معشر حبُّهم دينٌ وبغضهمُ

كفرٌ وقربهم منجىً ومعتصمُ

وقال أعشى همدان قصيدة يتوجّع بها مما أصاب أتباع الحسين (عليه‌السلام ) عندما أرادوا الأخذ بثأره من الاُمويِّين , وهي أحد المكتمات (أي القصائد اللاتي كن يكتمن في ذلك الزمان) , ومنها قوله :

إلى أن يقول :

بقوم همُ أهل التقيَّة والنهى

مصاليتِ أنجادٍ سراةٍ مناجبِ

وغودر أهل الصبر صرعى فأصبحوا

تعاورهم ريحُ الصبا والجنائبِ

فيا خير جيشٍ للعراق وأهلِه

سقيتم رواباً كلَّ أسحم ساكبِ

فإن قتلوا فالقتل أكرمُ ميتةٍ

وكل فتىً يوماً لإحدى الشواعبِ

وقال تعالى:( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسَاب ) (١) .

وقيل : الصبر شجرة مثمرة , أصلها ثابت وفرعها في السماء , تؤتي اُكلها كلَّ حين بإذن ربها.

وقالوا : الصبر الجميل ثمرة من ثمرات العقول , ومن أخلاق الأنبياء والعظماء.

وقال آخر :

لله أعباءُ صبرٍ قد تحمَّلها

لم يحتملها نبيٌّ أو وصيُّ نبي

والآن تعالوا معي لنقلب صفحات التأريخ الإسلامي في عصر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعصر الخلفاء الراشدين , ودور بني اُميَّة ليتَّضح لنا جليّاً موقف الشهيد الخالد

____________________

(١) سورة الزمر / ١٠.


الإمام الحسين (عليه‌السلام ) :( وَاصبِروا فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجرَ المُحسِنِينَ ) (١) , عسى أن نكشف بين سطور حادث الطفَّ أبلغ الدروس , وأنفع العبر والذكريات , عن طريق الاستنباط من سيرة أبطال آل هاشم.

وتلبية لنداء الحق , وأداء الواجب المقدّس يجدر بنا أن نحيي هذه الذكرى بما يتّفق وأهمَّيَّتها في جميع أنحاء العالم الإسلامي :( نِعمَ أَجرُ العَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا ) (٢) .

وفي يوم السبت أو يوم الجمعة [من] يوم عاشوراء سنة (٦٠) ه دعا الحسين أصحابه , وصلّى بهم صلاة الغداة؛ عملاً بقوله تعالى :( واستَعِينُوا بِالصَّبرِ والصَّلاةِ ) (٣) , وكان معه اثنان وثلاثون فارساً , وأربعون راجلاً على قول بعض الروايات , وأعطى رايته إلى أخيه العباس , واحتاطوا لئلاّ يؤتوا من خلفهم.

ثم ركب (عليه‌السلام ) ودعا بمصحف فوضع بين يديه , امتثل أصحابه نصب عينه , وكأن الشاعر يقصدهم بقوله :

رجال تواصوا حيث طابت اُصولهمْ

وأنفسهم بالصبر حتّى قضوا صبرا

وحمل شمر اللعين حتّى بلغ فسطاط الحسين (عليه‌السلام ) , وأراد أن يحرقه على مَن فيه مِن أهله , فنهاه بعضهم فانتهى.

واشتدَّ عطش الحسين (عليه‌السلام ) , فدنا من الفرات ليشرب , فرماه حصين بن نمير بسهم فوقع في فمه. ثمَّ إنّ شمراً أقبل في نفر نحو عشرة إلى منزل الحسين (عليه‌السلام ) , فحالوا بينه وبين رحله , وجعل شمر يحرَّضهم على الحسين حتّى أحاطوا به , وقام غلام من أهله إلى جنبه , فضربوه بالسيف فقطعوا يده.

____________________

(١) سورة هود / ١١٥.

(٢) سورة العنكبوت / ٥٨ - ٥٩.

(٣) سورة البقرة / ٤٥.


بعد أن وقع الحسين من على جواده أخذ يقتل بهم وهو في تلك الحالة , فنادى شمر اللعين في الناس : ماذا تنتظرون بالرجل ؟ اقتلوه ثكلتكم اُمَّهاتكم ! فحملوا عليه من كلَّ جانب بالسيوف والرماح وهو يقوم ويكبو حتّى وقع , فأتى شمر وحزَّ رأسه من قفاه , فسلام عليك يا أبا عبد الله وعلى آلك الطاهرين.

فؤاد الراويُّ - البصرة

* * *


نضال الحسين (عليه‌السلام )

محمد هاشم الجواهري

هتفت به عزماته فأجابا

والموتُ يخطر جيئة وذهابا

لم يثنهِ عن عزمه للقا العدى

جيشٌ يضيق به الفضاء رحابا

لبّى نداءَ الحقَّ سبطُ محمّدٍ

حتّى غدا دمه له جلبابا

وأتى بعزمِ الله خيرُ مجاهدٍ

كانت له حدُّ السيوف جوابا

ولحقَّه المغدور جاد بنفسه

بطل تدَّرع للصعاب صعابا

مستبسلاً كالليث إلّا إنه

أضرى وأقطع في النوائب نابا

* * *

نفسي الفداء لسيّدٍ في كربلا

لبس الدماء من الطعان ثيابا

في حومةٍ شاب الوليد لهولها

وغدا (زهير) هوىً لها يتصابى

ومعرِّس من آل هاشم في الوغى

كانت له حمرُ الدماء خضابا

تلقاه ما بين الصفوف مصاولاً

ليثاً يذود عن الفرات ذئابا

سهمٌ أصاب من الفضيلة قلبها

يوم الطفوف وصنوها الغلاّبا

ودمٌ اُريق على الأديم فسجّلتْ

منه البطولة للخلود كتابا

سهمُ النفاق أصاب قلباً طاهراً

أدمى لهول مصابه الألبابا

سهمُ النفاق أصاب قلباً طاهراً

لم يتّخذ غير العُلا أسبابا

* * *


ظنّت اُميَّةُ لا خلود لغيرها

فرأت أمانيها العذاب سرابا

وبنت على اُسَّ المظالم دولةً

فبدا بقتلك ما بنته خرابا

الطاعنون الدين حقداً طعنةً

نجلاء بات بها الزمان مصابا

شرفٌ ليومك ياحسين فإنه

يوم يفاخر بالسموِّ شهابا

[و] بذمة التأريخ خيرُ عصابة

أفدت لتحرير النفوس رقابا

* * *

محمد هاشم الجواهري


من أعماق التاريخ

محمد جمال الهاشمي

محمد جمال الهاشمي ١٩١٣م - ١٩٧٧م

* ولد ونشأ في النجف فقيه وشاعر وكاتب , بلغت مؤلفاته أكثر من [مئة] مؤلف , طبع منها :

١ - الأدب الجديد في العراق ١٩٣٨م.

٢ - مشكلة الإمام الغائب وحلها ١٩٥٨م.

٣ - الإسلام في صلاته وزكاته ١٩٦١م.

٤ - اُصول الدين الإسلامي ١٩٦٢م. وله كتب أُخرى مطبوعة.


من أعماق التاريخ

السيّد محمّد جمال الهاشمي

على ذكرك التأريخ يصحو ويسكرُ

وفي ظلّك الأجيال تُطوى وتُنشرُ

وباسمك تستوحي السماء عواطفاً

تحاول أن تسمو إليك فتقصرُ

فما أنت إلّا النور سيرك ظاهرٌ

وسرُّك في دنيا ظهورك مضمرُ

وما أنت إلّا الروح كنهك غامضٌ

وفيضك مثل الشمس بل هو أظهرُ

نهضت فهبَّ الحقُّ والخلد خلفَه

يهلَّلُ ذا شكراً وذاك يكبَّرُ

وقال الإبا تحيا العروبة إنها

سماءٌ بها الأمجاد تزهو وتزهرُ

نهضت بوجه البغي وهو بزهوهِ

مدلٌّ على الأيام ينهى ويأمرُ

فماهي إلّا جولة وتقهقرتْ

كتائبُه في خزيها تتعثّرُ

وما الفجر إل ّ ا ثورةٌ فلكيةٌ

بها الكون من سجن الدجى يتحرَّرُ

ولولا صراعُ البذر والأرض لم يقمْ

من اليابس المنخوب ريانُ أخضرُ

* * *

مضى ابنُ أبي سفيان للقبر واثقاً

بأن الذي أبقاه هيهات يُقبرُ

فهذي بلادُ المسلمين بعهده

تشيد وفي آثاره الغر تفخرُ

وهذا يزيد والنفوس تخافه

وترجوه فهو البحر يرجى ويحذرُ

وتبلغ أحلام القرون اُميَّة

ويعرف منها الدهر ما كان ينكرُ

ولم يخش بأس الهاشميِّين بعدما

قضى الصلح فيهم أن يسادوا ويقهروا

نعم ربما طافت عليه وساوسٌ

فتذعره باليأس واليأس يذعرُ

ففي يثرب (لو ساعد الدهر) عصبةً

ترى أنها بالأمر أولى وأجدرُ

لها في نفوسِ المسلمين جلالةٌ

تهاب وشأنٌ في البلاد مقدّرُ

ويا ربما يقوى على كيد بعضها

فيدحره والكيد بالكيد يُدحرُ

فيزعم أنّ (ابن الزبير) مراوغٌ

بفطرته حتّى على الدين يمكرُ


وخطوة عبد الله وهي قصيرةٌ

يخاف عليها بالمزالق تعثرُ

ولكن بماذا يسترُ الشمس إن بدت

وما كان ضوءُ الشمس بالكيد يُسترُ

فهذا حسينٌ والعناصر باسمه

إذا ما جرى ذكرُ الخلافة تجهرُ

يؤهّله للعرش مجدٌ مؤثل

يؤسّسه طه ويعليه حيدرُ

وفضل إليه الفجر ينهب نوره

ودين به الإيمان يزكو ويطهرُ

وروح هي الآماد حدّاً وإنّها

لأعظم منها في الجلال وأكبرُ

أيمكن أن يدنو يزيد لمجده

وتاريخه من بؤرة العهر أقذرُ

وهب أنه بالجبر حاول بيعةً

من الناس كيف ابن البتولة يُجبرُ

وحيّره الأمر الرهيب وطالما

بموقفه أندادُه قد تحيَّروا

وغامر في فرض النظام ولم يكن

إذا ما وعى صوت الحجى يتهوّرُ

وقام يزيد ساخراً بسلوكه

على كلِّ ما سن الشيوخ وقرّروا

* * *

تنمَّر حتّى حطَّم القيد داعياً

لحرَّية فيها الهوى يتنمَّرُ

وأطلق دنياه من الدين ساخراً

بقوم بهم اُسطورة الدين تسخرُ

فما شأن بيت الله وهو بنيَّة

مقاصره منها ألذ وأنضرُ

وهل كان غير الجهل قائد اُمَّة

إلى (حجة) راحت تخبُّ وتنفرُ

سينسفه لو ساعد الدهر عابثاً

بأحلام قوم حوله قد تجمهروا

ويهتك أستار العقائد إنها

ضلال بأبراد الهدى تتسترُ

وراح يناجي الكأس بالسرَّ قائلاً

لمثلك مَن بالسرَّ جاهر يعذرُ

وودَّعه مذ صاح داعي السما به

إلى الله يامغرور فالله أكبرُ

وعاد إليه ناقماً من شريعةٍ

بها الصوم معروف بها الخمر منكرُ

فهاجمها بالشعر والشعر لوحة

عليها تعابير النفوس تُصوَّرُ

صحا ساعة من سكره فاسترابه

مقامٌ على دنياه أمسى يسيطرُ

وأضحكه أن يغتدي قائدُ الورى

إلى الدين عقل بالشرائع يكفرُ


ولكنَّه شيء جرى فليقم به

كما يقتضي ناموسه ويقدَّرُ

سيصبر حتّى ساعة النصر والفتى

إذا رام نصراً في الجهاد سيصبرُ

فطالع أسرار البلاد فلم يجد

سوى نفر من حكمه قد تأخَّروا

وما كان لولا السبط يهتمُّ فيهمُ

لأنّ مقاييس الهوى تتطوَّرُ

ولكنه روح تسامى وجوهرٌ

تجرَّد بالأعراض لا يتغيَّرُ

لذاك قضى تفكيرُه أن يزيله

وإنْ عابه قومٌ وعاداه معشرُ

فقرر أن يغتاله بعصابةٍ

ضمائرُها بالمال تُشرى وتؤجرُ

* * *

إلى البيت سار ابنُ البتولة ناقماً

على حالةٍ منها الشريعة تضجرُ

وما كان يبغي الحجَّ في عامه الذي

يغصُّ بآلاف الحجيج ويزخرُ

ولكنَّها الروح التي ثار حقدها

على الوضع فاهتاجت به تتذمرُ

فهاجر قبل الحج عنها بليلةٍ

بها النجم غافٍ والكوارث تسهرُ

وساءله عن سيره البعض فانثنى

يجيب بأنّ السير أمر مقدَّرُ

وفي قوله سرٌّ يضيق بشرحه

بياني ويعيا الشعر لو كان يشعرُ

وكان احتجاجٌ صامت وتأهّبٌ

لثورة فكر باللظى يتفجرُ

وفي كربلا حيث البلاء مخيمٌ

بأجوائه راح الحسين يعسكرُ

وكان قتالاً لاتزال دماؤه

تسيل دموعاً في القرون وتمطرُ

* * *


فقل للَّذي يعزي إلى ابن سميةٍ

مصارع أبطال مدى الدهر تذكرُ

أعد نظراً في الحادثات فإنها

رموز بها الأسرار تخفى وتظهرُ

أكان ابن ميسون بريئاً وباسمه

يهمهم شمر سيفه ويزمجرُ

أيقوى عبيد الله نغلُ سميةٍ

على الفتك بابن الطاهرات ويجسرُ

وتعلى على الأرماح أرؤسُ فتيةٍ

يشعُّ بها الليل البهيم ويقمرُ

وتُسبى بناتُ الوحي وهي حواسرٌ

تُسبُّ بأفواه اللئام وتزجرُ

ويؤسر زينُ العابدين مقيَّداً

ومثلُ ابن سبط المصطفى كيف يؤسرُ

ويهدى سبايا الطفَّ للشام ذلةً

على عُجُفٍ إن قُدّمت تتأخَّرُ

ويحضرها في مجلس الخمر هاتفاً

يزيدُ على نخب انتصاريَ أسكرُ

فيضرب ثغرَ ابن البتول وثغرُه

يدمدمُ بالكفر الصريح ويهذرُ

نوائب يعيا العدُّ عن حصرها وهل

تحدُّ رمال البيد عدّاً وتحصرُ

محمّد جمال الهاشمي - النجف

* * *


الذكرى الثانية

لسنة (١٣٦٨ ه ١٩٤٨) م

في قاعة الثانويَّة مساء يوم العاشر من شهر محرم (١٣٦٨) ه , إذ ابتدأت الحفلة في تمام الساعة (٣) بعد الظهر, وانتهت في تمام الساعة (٥) بعد الظهر.

عدد الكراسي ١٥٠٠.


منهج الحفلة الكبرى للذكرى الثانية

مساء يوم العاشر من محرم (١٣٦٨) ه , الموافق (١٢ / ١١ / ١٩٤٨) م

تحت رعاية سعادة متصرّف اللواء السيد فخري الطبقجلي

١ - القرآن الكريم … المقرئ الشيخ عبد الكريم الحمداني

٢ - خطب جلل … عبد الرزّاق العائش

٣ - مرآة الحقيقة … سعادة الاُستاذ فخري الطبقجلي

٤ - كلمة ارتجاليَّة … الاُستاذ محمّد جواد جلال

٥ - (قصيدة) …العلامة المرحوم السيد عبد الصاحب شبر(١)

٦ - الجهاد الخالد … الاُستاذ أحمد حمد آل صالح

٧ - ذكرى شهيد الطف (قصيدة) … الاُستاذ كاظم مكي حسن

٨ - كلمة … الاُستاذ عبُّود شبَّر(٢)

٩ - عظة وعبرة … الاُستاذ فيصل جريء السامر

١٠ - شعلة الطفَّ الَّتي لا تنطفئ … الاُستاذ أحمد بدران

١١ - كلمة الختام … عبد الرزاق العائش

١٢ - القرآن الكريم … الشيخ علي السبيعي

* * *

____________________

(١) ألقاها السيد بنفسه , ولكنَّ الهيئة لم تحتفظ بنسخة منها.

(٢) ألقاها الكاتب بنفسه , ولكنَّ الهيئة لم تحتفظ بنسخة منها.


خطب جلل

عبد الرزاق العائش

أيَّها الحفل الكريم , لقد عبرت قافلة أسلافنا الماضين خضمَّ هذه الحياة الصاخبة بمختلف الحوادث والخطوب , وتوارت عن الأبصار , إلّا أنها تركت وراءها لكل حادث جسيم أو خطب جلل أثراً يتفاوت من حيث الشدة والعنف , يتفاوت تأثيره على شاطئ السلام.

فمن الحوادث ما يزول أثره زوال يومه , ويتلاشى أثره بتلاشي ذكره ؛ وذلك لكونه منبثّاً عن غرض شخصيًّ دنيء ينافي المثل العليا , فيكفهر حينئذ جو الطمأنينة والهدوء , ويتبدد شمل الوحدة والوئام. فاذا ما حدث حادث من هذا القبيل , وطرأ ذكره ذكرت معه المساوئ والمثالب , وبدت صورته كأبشع ما تكون خزياً وعاراً , فلا يزدنَ صاحبهن إلّا فناء إلى فنائه.

ومن الخطوب الجليلة ما يخلد به ذكر صاحبه على مر العصور , فإذا ذكر أو مرَّت ذكراه تمثَّلت صورته كأروع ما تكون جدَّة وعنفواناً , يضوع منها عطر الحياة الحرَّة المحبَّبة لدى كلِّ شهم أبيًّ , وهكذا حتّى يخالج كلَّ شعور حيًّ , ويمازج كلَّ نفس سامية.

وليست العبر بما يستغرقه وقع الخطب من الوقت , بل العبرة كل العبرة بما يتركه من أثر ؛ فالخطب الذي نحن اليوم بصدده لم يستغرق وقعه أكثر من بضع ساعات , ولكنَّه مع ذلك ترك أثراً عميقاً , بل ويزداد عمقاً في النفوس الشاعرة كلما تعمق بالقدم.

والغريب من أمر هذا الخطب هو أن الاختلاف إنما يحصل عادة بين علماء الدرس والتحليل على معرفة كنه الاُمور وجوهرها أكثر ممّا يحصل على معرفة شكلها ومظهرها , وخطبنا هذا جاء بالعكس ؛ إذ إنه على الرغم من تضارب الآراء وتطاحن النزعات على تحديد شكله ومظهره لم يختلف اثنان في إدراك كنهه وجوهره.


فلقد أجمع المؤرَّخون ومَن جاء بعدهم من علماء النقد والتحليل على أن الحسين (عليه‌السلام ) لم يستهدف من وراء نهضته الجبّارة سوى المثل الإنساني الأعلى. ومما لا شكَّ فيه إنّ أسمى وأعلى مثل إنسانيًّ يستهدفه ذو العقل السليم هو الحقُّ الصريح أينما وجد , ومهما عزَّ أو غلا.

فلا بدّ إذاً للحسين (عليه‌السلام ) وهو المعروف بشممه وإبائه من أن يدفع ثمن هذا الهدف السامي غالياً , ثمن كان من بعضه إسالة النفوس الطاهرة الزكية على مذبح الغايات والأطماع. وهكذا ترك الحسين للإنسانية درساً قيماً تُستوحى منه روح التضحية والإقدام. روح الذود عن الكرامة بأسمى معانيها.

إذن يجدر بنا أيُّها السادة أن نحيي هذه الذكرى الخالدة بما يتَّفق وقدسيَّتها لنستوحي منها روح الإيمان بالله والتصديق بقوله :( وَلَا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيِل اللهِ أَموَاتاً بَل أَحيَآء عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ ) (١) .

والسلام عليكم.

عبد الرزَاق العائش

____________________

(١) سورة آل عمران / ١٦٩.


مرآة الحقيقة

السيد فخري الطبقجلي

(متصرَّف لواء البصرة)

أيُّها السادة , نجتمع اليوم وفي القلوب لوعة وقد أدمتها ذكريات الحادث الجلل , نجتمع اليوم لنحيي الشهامة والبطولة والإباء. وفي هذا المحفل المهيب الذي تتجلّى فيه روعة الموقف وقدسيَّة الذكرى وجلال الحادث نعيد للأذهان ما دوَّنه التأريخ في بطونه من إباء شهيد الطفَّ وشهامة سبط الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وفي هذا اليوم من كلَّ عام هجري نقف بخشوع أمام مرآة التأريخ فينعكس صدق الذكرى في نفوسنا إثر الوقفة الجبّارة التي كان بطلها سيّد شباب أهل الجنة أبا عبد الله الإمام الحسين بن علي (رضوان الله عليهما). إنها وأيم الحق موعظة بليغة ودرس خالد في الكرامة وعزة النفس والإباء والشهامة.

أيّها السادة , كانت الجاهليّة تقدَّس هذا الشهر الذي وقع فيه الحادث لحرمته , وتقيم له وزنه , حتّى جاء الحادث الجلل الذي أدمى قلب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها , فزاد في يوم عاشوراء قيمة ومكانة وقدسيَّة.

سيّدي أبا عبد الله , بقلب واجم ونفس كئيبة وفؤاد متصدَّع مجروح أقف أمام ذكراك أستعرض في كبدي وقفتك التأريخيَّة الخالدة , تلك الوقفة التي غيَّرت مجرى التأريخ فكان ما كان. وهكذا ستتجدد الذكرى كلَّما مرَّت الأعوام وامتدَّ بالإسلام الدهر , فجدّد العهد الذي قطعته على نفسك وأبيت إلا أن تذود عن كيان جدَّك المصطفى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالنفس والنفيس , فنلت اُمنيتك بإبائك ومروءتك.

أيّها السادة , في العالم كثير من الحوادث الجسام الَّتي تهلع لها القلوب , وفي العالم كثير من المجازر التي تشيب لهولها الولدان , لكنَّها كلَّها تتلاشى وتذوب عند حادثة الطفَّ الّتي تبلى السنون والأعوام وهي عامرة بالعبر والموعظات , وكأنها وقعت قبل هنيهة.


هي المثل الأعلى أيُّها السادة في التضحية الصادقة من أجل المبدأ الصحيح والإيمان القويم , فيها دروس كثيرة على الإنسان أن يضعها أمام عينيه إذا ما أراد القيام بالواجب والتمسك بالمبادئ الوطنية الصحيحة , ومعرفة كيفيَّة التضحية بالنفس والنفيس من أجل الدين والوطن.

فعلينا أن نتَّخذ منها العبرة للاتَّفاق والاتحاد , وترك الضغائن والأحقاد , والتضحية والتفاني في سبيل حفظ كياننا ووطننا. وحسبي ما قاله الشاعر العربي عبد الغني الخضري في هذا الباب , حيث قال :

خذي يا بني قحطان ذكراه منهجاً

فإن بها للطالب المجدَ والفخرا

ومن وحيها مايرفع الشعب عالياً

ومن بعد طول الرقَّ يطلقه حرا

عن المبدأ السامي عن الدين لم يزل

يناضل لا عن عرش قيصر أو كسرى

فلو أننا سرنا على ضوء نهجه

لعادت يد الباغي على أرضنا صِفرا

وعاد الَّذي غلَّت يداه بحسرة

وما كان يوماً بالمواعيد مغترّا

تذبُّ عن الأوطان من أرض يعربٍ

وما وهبت يوماً لأعدائها شبرا

* * *

ولا يفوتني قبل أن أختم الكلام أن أستطرد موقف البلاد العربيَّة(١) وما

____________________

(١) وردت هذه الكلمة على لسان صاحبها في زمن كان التوجُّه فيه قومياً بحتاً ؛ نتيجة للظروف السياسيَّة الملمَّة بالعالم العربي آنذاك , وبعض الأحداث الهامَّة كالثورة المصريّة , ونشأة بعض الأحزاب القوميَّة. ولا ننسى أنَّ كاتبها هو محافظ البصرة , وكان الأولى أن يطلق محلَّها تسمية البلاد الإسلاميّة مثلاً.


يُنتظر لتحقيق أهدافها من كفاح يتوقَّف على سواعد الشباب الذين هم الركن المهمُّ في كيان الدول , والعنصر الفعّال في مجرى الحياة الصحيحة.

فإلى الشباب اُوجَّه كلمتي , وأرجو منهم أن يضعوا نصب أعينهم ما تنتظره البلاد منهم من آمال وأمان متَّخذين من حادثة الطفَّ الاُسوة والقدوة. والله أسأل أن يحفظ البلاد العربيَّة للعرب , ويدفع عن فلسطين العربيَّة الشقيقة الظلم والعدوان.

وبعد , فلا أستطيع أن أصوغ الكلم واُحسن التعبير في هذا الموقف الرهيب أكثر من هذا , وحسبي أن أترك لخطبائكم وشعرائكم إلقاء ما تجود به قرائحهم تكريماً لصاحب هذه الذكرى , والسلام عليكم.

فخري الطبقجلي - البصرة

* * *


الجهاد الخالد

أحمد آل صالح

حضرات السادة , تصاب الاُمم أحياناً بنكسات ترتدُّ على أعقابها , وتفقدها كثيراً من مميزاتها ومبادئها , وتنسيها واجباتها , وتذهلها عن القيام بتلافي أمرها. ومثل هذه النكسات تأتي على فترات تتفاوت في الطول والقصر , يأتي بعدها رجال ألهمهم الله كيف يردُّون اُممهم إلى جادَّة الصواب , ويعيدون إليها ما فقدته , ويسبغون عليها نعمة الاتَّحاد , وينفخون فيها روح القوَّة والإيمان.

ومن هؤلاء الرجال الأنبياءُ والرسلُ والمصلحون من الزعماء والقادة. ولقد جاء الرسول محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على فترة من الرسل , كان العالم يسدر في ظلمات الجهالة , وكان العرب على الأخصَّ في حال لا توصف من الانحلال والفوضى؛ فبدَّد تلك الظلمات , ورفع من قيمة الفرد , وأباد الطبقيَّة , ونشر لواء الحرَّيَّة بمعناها الصحيح , وبدأ بالعرب عشيرته الأقربين فوحَّدها وجعلها خير اُمَّة اُخرجت للناس , أئمَّة يهدون إلى الخير وبه يعدلون , وفارق الدنيا وهو راضٍ مرضيٌّ. كيف لا , وقد قال له ربه :( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُم الإِسلامَ دِيناً ) (١) ؟

لم تكد تنقضي ثلاثة عقود من السنين على تلك الاُمة الموحَّدة التي فارقها

____________________

(١) سورة المائدة / ٣.


منقذها الأعظم وهو عنها راضٍ , حتّى لاحت فيها بوادر الانتكاس من شقاق وفساد في الحكم , وإذا بها تصاب برجَّة عنيفة روَّعتها وأذهلتها , وهي لـمّا تزل بعد فيها مَن جالس محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وروى عن محمَّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وكان هذا ولا ريب نذير سوء , وبدء شرٍّ مستطير جعل الناس في حيرة من أمرهم لا يدرون ماذا يفعلون.

وتتَّسع الهوَّة وتحلُّ النكسة , ويبدأ الصراع من جديد بين الحق والباطل , وتأبى حكمة الله الأزليَّة إلا أن تُرسل للعرب والإسلام من يجود بنفسه ليذود عن بيضة الدين , ويحامي عن بني العروبة , ويوقف سير هذه النكسة حتّى لا يرتدَّ المسلمون كفاراً يعبدون أشخاصاً وأوثاناً , ولينتصر للحق والحرية والعدل , وليعيد إلى الأذهان صورة الجهاد الحقَّ, وكيف تكون التضحية في سبيل الحقَّ والمجموع.

وهكذا كان , وقع اختيار الله على [ابن] بنت رسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليجدد عهد نبيه , ويعيد مبادئه السامية وتعاليمه السمحة الَّتي أوشك أن يأتي عليها الاندثار.

سادتي , لننظر الآن ماذا حول الحسين (عليه‌السلام ) ؟ شريعة مهجورة , وحكم ونظام جائر , ومنكر شائع , وحقوق مهدورة , وأخلاق يعصف بها الهوى , ونفوس أمرضها الغرض وتسلَّط عليها البغي , وانحلال وتضارب في الآراء تزجيهما نفعيَّة خسيسة , وتذكيهما أنانيَّة وضيعة , بهرها حبُّ العنف والسيطرة , ويشعل اُوارهما زناد قبليَّة جاهليّة يمدُّها شياطين الإنس , ويملي لها موتورون يتربّصون بالاُمَّة الدوائر عن يمين وشمال.

ونتيجة لذلك كلَّه فقد أمست الحالة النفسيَّة العامَّة في المحيط الَّذي امتدَّت الحياة بالحسين ليراه على أشدَّ ما تكون من الاضطراب والارتباك والتقلقل. وكانت قلوب الأكثريَّة هلعة جازعة تغلي بالحقد والغضب والانتقاد لأعمال الفئة التي بيدها الأمر , لانصرافها عن الاُمور الأساسيَّة , وانحرافها عن سبيل الرشد , وانغماسها إلى الأذقان في الشهوات.


ولا غرابة في ذلك , فقد كان رأس تلك الفئة لا يملك واحدة من كفاءات الحكم , وما هو إلّا مجموعة من مركّبات النقص والضعف وحب الذات اجتمع بعضها إلى بعض , فتكوَّن منها ذلك الرأس [المأفون](١) , والخليع الماجن الَّذي لوَّث وجه التأريخ العربي بكثير من تصرُّفاته الطائشة الهوجاء , والتي منها استباحة المدينة مثوى الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأصحابه وسبيها , وضرب اُم القرى وتهديمها. هذا إلى جانب فعلته الشنعاء بقتله أفضل من كان يمشي على الأرض ؛ ممّا أفقده حبَّ الناس , وأكسبه لعنة التأريخ , وبئس ما كسب.

أيُّها السادة , لقد كان الناس يحسُّون ويشعرون بنقائص الحكم ونقص الحاكم , وما يكتنفها من المخازي , ولكنهم ليسوا بمستطيعين إزالة هذه المنكرات الَّتي فشت , والمفاسد التي شاعت إما رغباً وإما رهباً ؛ فقد راحت الدنانير تكمّ الأفواه , والدعاية العريضة المبطلة تُصمُّ الآذان , والقوة الغاشمة تحصد الرؤوس أو تشتدُّ بها تضييقاً وإعناتاً , والترضيات تبذل لهذا وذاك ممَّن أعماهم بريق الذهب ولمعان الفضة فاستخذوا وهان عليهم دينهم , ورخصت نفوسهم فباعوها بثمن بخس , ومع ذلك فقد ظلَّ السواد يرقب الحال , ويرسل الصيحة تلو الصيحة , ويستغيث ويستصرخ , ويرقب ساعة الخلاص , وينتظر وثبة البطل.

ومضى البطل وقد هاله ما وصل إليه أمر الاُمَّة من التبذُّل والإسفاف , وما آل إليه من التدنَّي والانحطاط , يجهر برأيه, وينكر المنكر , ويندَّد بتصرُّفات أشقى اُميَّة , ويطلب أن يتولى الأمر كفء يرضاه الناس.

وكيف لا

____________________

(١) في المطبوع : (الآفن).


وهو يرى تلك الفئة تخرج على تعاليم مدرسته وتهجرها , وقد استخفَّها الغرور ؛ فزاغت أبصارها , وعميت بصائرها , وركبت رأسها , وسدرت في غيها ممعنة في مهاوي الضلال وظلمات الباطل.

وقامت الدعاية تلوح للبطل وتستميله , وتبذل له وتستهويه , فازورَّ عنها ساخراً , وترفّع محتقراً ؛ إذ لا مطمع له في دنياً , ولا رغبة له في عرض , ولكنَّه يريد إصلاح أمر الناس. ومن ذا الَّذي يقوم بأعباء هذا العمل الجسيم إذا لم يقم هو ؟ لأنه يرى نفسه مسؤولاً أمام الله إذا لم ينهض لدرء خطر يهدَّد رسالة جدَّه المنقذ التي جاء بها رحمة للناس كافة.

وقد كان , ورفع الحسين لواء الجهاد , وهبَّ لنصرة الحق , فكان مثلاً رائعاً أعلى في جهاده , ورسوخ إيمانه , وشدَّة ثباته على عقيدته ومبدئه :

قف دون رأيك في الحياة مجاهداً

إن الحياة عقيدةٌ وجهادُ

وهكذا وهب نفسه صابراً راضياً , يرى مصارع إخوته وبنيه وأصحابه حواليه وبين يديه , ثمَّ هو الآخر يختم المطاف فإذا البطل يهوي من عليائه , وإذا هو بقصة الخلود هذه يُلقي بها دروساً في الجهاد ستبقى حروفها وضَّاءة تشعُّ على شعب يريد الخلاص من ربقة الذل نوراً وهاجاً , وتبعث فيه عزماً وإيمانا بحقَّه وحريَّته في الانطلاق من الآسار والتحرُّر من النير , والحرَّيَّة بنت التضحية :

قد خاب من طلب الحقو

ق بغير ألسنة الحرابِ

أيُّها السادة , لقد جاهد الحسين (عليه‌السلام ) في الله حقَّ جهاده , وقضى نحبه في هذا الجهاد الخالد هو ونخبة صالحة وقفت موقفه المشرف. وهو وإن كان قد قضى لكنه انتصر نصراً عزيزاً , وكسب المعركة بهذه الميتة النبيلة التي لم تكن في الحقيقة إلّا حياة خالدة سرمديَّة له ولمبادئه وتعاليمه , بل هو الطريق الواضحة لانتصار الحق وظهوره :

لا يموت الحقُّ مهما لطمت

عارضيه قوةُ المغتصبِ

حضرات السادة , ها هي ذكرى جهاد بطلنا الأكبر تطلُّ علينا , وقد تعاقبت عليها القرون الطويلة وكأنها بمعانيها السامية وبما ضربته للناس من أمثال قد وقعت أمس. أمّا تلك الفئة الباغية فقد أفنتها جريرتها هذه , وأهلكها بغيها وما كسبت أيديها , وأضحت كالأطلال البالية بعد حفنة من السنين , وتلك والله آية الجهاد , وهذا سرُّ التضحية.


وبعد أيُّها السادة , ما أحوجنا نحن العرب في ظروفنا الحاضرة إلى السير على هدي الحسين (عليه‌السلام ) واقتفاء سنَّته , وما أشدَّ افتقارنا إلى رجال فيهم بعض خلال أبي المناضلين العظيم , وقد أحاطت بنا وتكالبت علينا شراذم من شذّاذ الآفاق , وحثالات تريد استغلالنا واغتصاب بلادنا وتمزيقها , تساندها في ذلك حكومات كافرة جاحدة بكلَّ ما قدمناه لها من جميل أيّام محنتها ؛ حيث أجعنا شعوبنا لتأكل هي وتتنعَّم على حساب الوفاء بالعهود والبرّ بالمواعيد, حتّى إذا خرجت منها ظافرة تنكَّرت لنا , وقلبت ظهر المجنَّ , وضربت عرض الحائط بالمواثيق المكتوبة والأقوال الَّتي لا يزال صداها يرنُّ في اُذن الدنيا !

نعم , ما أحوجنا وقد أحاط بنا الخطر الداهم يهدَّدنا في عقر ديارنا إلى المسارعة لرفع راية الجهاد في وجه اُولئك الذين يريدون إذلالنا وغمط حقوقنا مما تأباه الطباع والسجايا العربية كلّ الإباء , مقتدين بإمام المجاهدين الحسين (عليه‌السلام ) في جهاده الأعظم وتضحيته الكبرى , فإن نحن فعلنا فلا بدّ لنا من إحدى الحسنيين :

عش عزيزاً أو مت وأنت كريمٌ

بين طعن القنا وخفقِ البنودِ

بهذا وحده نستطيع أن نحيا رافعي الرؤوس , موفوري الكرامة , ولنا منزلتنا المرموقة تحت الشمس , متمتَّعين بحرَّيَّتنا كاملة غير منقوصة , وقد أحطنا مجدنا بسياج منيع من أموالنا , لا نريد بأحد شرّاً إلاّ أن يبدأنا بشرّ , نساهم في بناء السلم ونشر الحضارة وتعميم العدل كما كنّا من قبل. وهذا هو ثمن المجد , فلنبذله عن طيب خاطر :

المجدُ صدقٌ وإخلاصٌ وتضحيةٌ

في عفَّةٍ ومفاداة وإيثارِ

والمجدُ صبرٌ على عُري ومسغبة

والمجدُ جود بأموال وأعمارِ

والمجدُ حبسٌ وتشريد ومشنقةٌ

والمجدُ إحلاؤه في كل امرارِ

* * *

فهل أنتم مستعدون يا شباب العرب ؟

أحمد محمّد آل صالح


ذكرى شهيد الطفِّ

كاظم مكّي حسن(١)

دعته العلا فانصاع لا يرهبُ الخطبا

وآثر لقيا الموت واستسهل الصعبا

أبى غير أن يحيا عزيزاً أو الردى

ففاز بما يرجو وطابت له العقبى

وألقى على الدنيا دروسَ مكارمٍ

وشقَّ لمن يهوى ملاقاتها دربا

دع الشهب لا تحفل ببعد ارتفاعها

فقد فاق في عليائه الأنجم الشهبا

وخلَّ بناة المجد عنك بمعزلٍ

فما المجد إلا ما أقام وما ربّى

لقد شبَّ في حجر النبوَّة واستوى

وفي حجره أسمى الوفاء لقد شبّا

ومن كان طه جدَّه ووصيُّه

أباه خليقٌ أن يرى الفارس الندبا

ومن كانت الزهراء حاضنةً له

جدير به أن يرضع العطف والحبّا

هو المثل الأعلى لكلَّ فضيلة

لدى سلمه أو حين يعلنها حربا

رأى الحرب لما هبَّ بالبغى ربُّه

أعزَّ له شأنا ليحطم ذا الربّا

وشمّر للهيجاء ليثاً مجرَّداً

عزائمه واستقبل الطعن والضربا

وأمعن في البيداء يصحب فتيةً

أجلَّ الورى فضلاً وأروعهم ركبا

فما هبطوا في غير نصرةِ دينهم

وتأييده سهلاً ولا صعدوا هضبا

إلى أن أتوا أرض الطفوف فعطَّروا

بزاكي دماهم جوَّها الرحب والتربا

غداة تصدَّت عصبةُ الشرَّ والخنا

لتركب أتباع الهدى المركب الصعبا

وعاثت فساداً حين لم تلقِ رادعاً

وراحت كما شاء الهوى تنشر الرعبا

____________________

(١) احتوى الكتاب على ستَّ قصائد للاُستاذ كاظم مكَّي حسن.


فظائع في طول البلاد وعرضها

فتملؤها سوءاً وتورثها جدبا

ففي جانب منها أقامت مجازراً

وفي جانب قد أحيت النهب والسلبا

ولم ترعَ للإسلام حقّاً وحرمةً

كما لم تراعِ في خلائفها العربا

أذلَّت رقاب المسلمين وكدَّرت

من الشرعة السمحاءموردها العذبا

ولو لم تكن حرباً على الله في الورى

لما ظلمت آل الرسول ذوي القربى

أطاعت يزيداً وهو بالبغي آمر

يرى حبَّ مَن والى إمام الهدى ذنبا

رأت فيه وهو الشرُّ قولاً وفعلةً

إمام هواها السيّد العادل الضربا

ومن مضحكات الدهر أن يحكم الورى

سفيه غدا في كل موبقةٍ صبّا

وأين من الإسلام في روح حكمه

فتىً فيه داء الفسق من أصله دبّا

تعوّد أن يسعى ويسقي وهمُّه

مدى عمره أن يألف اللهو واللعبا

أجل هو للباغي وكل منافق

إمام على نشر المخازي قد انكبّا

مطوراً تراه في محافل صيدِه

وحيناً تراه يجمع الغيد والشربا

إمام وأنواع المفاسد دينه

ومذهبه أن يزرع الغدر والخبّا

بطانته من كلِّ مَن ألف الخنا

وظلم الورى والدسّ والمكر والكذبا

ولا عجب فيما أتى من مظالمٍ

فآباؤه للظلم قد خلّفوا العَقْبا

وحسب يزيد سبَّة حرب أحمدٍ

بتجريعه أبناءه الغم والكربا

أراد لهم ذلَّ الحياة فأجمعوا

على حربه أو يدركوا حقهم كسبا

وهبُّوا إلى لقيا المنون كأنّهم

ضراغم هبَّت من مرابضها غضبى

كرام أبوا إلّا الحياة عزيزة

وإلّا انتصاراً يملأ الشرق والغربا

فما عرفوا طعم الخضوع لظالمٍ

وما أضجعوا منهم على ذلة جنبا

وما منهمُ من حاد عن طرق الهدى

وما فيهمُ من هام في نفسه عجبا


مضى الدهر مطويّاً ولم يلقَ مشبهاً

لهم في التفادي أو لأخلاقهم تربا

فلو أن شعباً سار في الأرض سيرهم

لأصبح في دنياه أكملها شعبا

وحين دعاهم للجهاد إمامهم

أتوه خفافاً يسرعون الخطى وثبا

وجاؤوه لا يرجون دنياً تضيمهم

يزاحم سربٌ منهمُ للردى سربا

يذودون عن حقَّ الحسين وصبرهم

على نكبات الحرب قد ذلَّل الحربا

إلى أن قضوا في حومةِ العزِّ والإبا

ضحايا جهاد أشغل الناس والكتبا

* * *

بنفسي أبيُّ الضيم غودر مفرداً

(وأصحابه قتلى وأمواله نهبى)

يزيد ابتهاجاً كلَّما ازداد محنةً

أو ازداد من لقيا منيَّته قربا

يشدُّ على أعدائه الكثر شدَّةً

تضعضع في أقواهمُ اللب والقلبا

ولم يثنه ثقلُ الحديد أو الظما

عن القوم يسقيهم مناياهم غصبا

وما حرّفته عن مناجزة العدى

جراحٌ قد انتابته تنخبه نخبا

يقاتلهم فرداً وليس له سوى

حسامٍ يرى في حدَّه الأهل والصحبا

تردّى من الإيمان درعاً حصينةً

وجرّد من إقدامه صارماً عضبا

عزائمُه جيش تضيق به الدنى

يُروَّع من أعدائه الجحفل اللجبا

وحسب الجهاد الحرَّ فخراً بسيّدٍ

غدا وحده لله خالقه حربا

وهبه قضى قتلاً فإنّ دماءَه

غدت لسقام الدين حين جرت طبّا

هنيئاً لطه أنَّ قتلَ ابنِ بنتِه

سيبقى وإن طال المدى يانعاً رطبا

ينادي إلى العلياءَ من يعشقونها

ألا فاز منهم من أجاب ومن لبّى

* * *

كاظم مكّي حسن - البصرة


عظة وعبرة

فيصل جريء السامر

فيصل جريء السامر

* مؤرخ , ولد في البصرة.

* حصل على الليسانس والماجستير من جامعة القاهرة , وعلى الدكتوراه سنة ١٩٥٣م عن رسالته (الدولة الحمدانيّة في الموصل وحلب).

* مارس التدريس وأصبح مدير التعليم العام في وزارة المعارف بعد ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨م , فأسس أوّل نقابة للمعلمين ورأسها بالإجماع سنة ١٩٥٩م , ثمَّ عُين وزيراً للإرشاد فأسس أول وكالة عراقية للأنباء , وجعل لنشر الكتب الأدبيّة والفكريّة على نفقة الدولة , ثمَّ عُين سفيراً في اندونيسيا , فخبيراً جامعياً في مؤسّسات البحث العلمي في كشكوسلوفاكيا , ثمَّ عاد ليشغل درجة الاستاذيّة في كلية الآداب ورئيس لقسم التاريخ.

* من كتبه المطبوعة :

١ - صوت التاريخ ١٩٤٨م.

٢ - ثورة الزنج ١٩٥٤م.

٣ - الاُصول التاريخيّة للحضارة العربيّة في الشرق الأقصى ١٩٧٧م.

٤ - العرب والحضارة الاُوربيّة ١٩٧٧م.

٥ - ابن الأثير ١٩٨٣م.

وله أيضاً كتب مترجمة ومحققة ومؤلّفة بالاشتراك , وبحوث عديدة منشورة في مجلات عربيّة وعالميّة.


عظة وعبرة

فيصل جريء السامر

قليل من الأحداث التأريخيَّة نالت من الدرس والتأمُّل ما نالته نهضة الحسين (عليه‌السلام ) ، وأقلُّ من هذه الأحداث الَّتي تركت في القلوب والأذهان هذا الأثر العميق الَّذي يزداد على مرَّ الأيّام شدَّة ورسوخاً. وليس هذا بعجيب ؛ فالباحث في هذه الحركة يستشفُّ من خلال فصولها حقائق ظلت أكثرها تعلُّقاً بموضوعنا هو أن الصراع بين القوَّة والحقَّ ينتهي دائماً بانتصار الحقَّ ولو بعد حين.

فثورة الحسين (عليه‌السلام ) لم تكن قيام فئة من الناس ضدَّ الدولة , وأن هذه بما لديها من قوة وأنصار استطاعت كبحها والتنكيل بقادتها , كلا فإنها تنطوي على عوامل عميقة الغور , وفلسفة بعيدة المدى.

إنّ اعتلاء يزيد للعرش كان طعنة نجلاء لمبدأ الشورى الَّذي اعتاد عليه العرب وتقشَّعوه , والذي زاد بظهور الإسلام ثباتاً ورسوخاً , وانتصاراً لنظام الاستبداد الذي لمس فيه المسلمون انحرافاً عن مبدأ الشورى ورأي الأغلبيَّة.

فالصراع إذاً كان بين نظامين ؛ نظام الملك الدنيوي , ونظام الخلافة الدينية المنبعثة عن رأي الأغلبيَّة , وانتصار أحدهما إنما يحدَّد مصير الدولة الإسلاميّة , أو يقرر منهجها ومثلها العليا.

وقد صدق الحسن البصريُّ حين قال ما معناه : إنّ رجلين أفسدا اُمور المسلمين ؛ عمرو بن العاص الَّذي أشار على معاوية برفع المصاحف يوم صفين , والمغيرة حين نصح معاوية بأخذ ولاية العهد ليزيد.


حقّاً لقد كان معاوية داهية من الدهاة(١) ، لكن يزيد لم يكن خلفه اللائق , ولم يكن الخليفة المرموق لدى الاُمَّة , لقد كان يزيد قاسياً لا يعرف الرحمة , وظالماً لم يراعِ الحقَّ , ضرب بالتقاليد الإسلاميّة عرض الحائط , وعاش بين ثلَّة من المعربدين يمارس اللهو الذي حرَّمه الدين , ويوجَّه الإهانة تلو الإهانة لمنصب الخلافة الَّذي كان بموجبه رأس المسلمين.

لقد كان الصراع إذاً بعيداً عن غمرة الأطماع ودنيا المناصب واُبَّهة السلطان , كان صراعاً بين فكرتين ومسلكين. ولم يكن الحسين (عليه‌السلام ) يهدف منه إلى نيل الخلافة , بل خرج يلبّي نداء المسلمين الذين أهابوا به أن ينقذ الدين وينتشل الفضيلة ويعيد إلى الإسلام سابق رونقه وماضي مجده , ويحيي مبدأ الشورى الَّذي عصفت به الأطماع.

تصوَّروا أيُّها السادة تلك المعاني المجرَّدة الَّتي جعل منها الحسين (عليه‌السلام ) بنهضته حقائق واقعية ملموسة , رجل يدرك بضميره الحي ونفسه النقيَّة وعقله الكبير أنّ الدولة الإسلاميّة انحرفت عن الصواب , وأن المثل العليا الَّتي خلّفها الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ونافح عنها الخلفاء الاُوَل قد أصابها المسخ والتشويه.

فيخرج ملأه الغيرة والحمية من مركز الخلافة الأوَّل ليشنَّ حملة ضد الطغيان والعدوان , ويقف مع أنصار معدودين ضد اُبَّهة الملك , وفخفخة السلطان , وأتباع الشيطان , يجالد ويصارع ويكافح حتّى يهوي على أرض الميدان وهو هادئ النفس , مرتاح الضمير ؛ لأنه علَّم الدنيا معنى الاستشهاد , ورسم للأجيال القادمة مفهوم البطولة , وخطَّ على صفحات التأريخ آيات التضحية

____________________

(١) قال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) : (( والله , ما معاوية بأدهى منّي ولكنه يغدر ويفجر , ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس , ولكن كلُّ غُدَرة فُجَرة , وكل فُجَرة كُفَرة )). انظر نهج البلاغة - الخطبة رقم ٢٠٠.


والعظمة بكلَّ ما تحمل هذه الكلمات من معان.

إنّ مصرع الحسين (عليه‌السلام ) بما رافقه من ملابسات سيوقظ مدى الزمن - كما يقول جيبون - أعمق مشاعر الألم والأسى في أبرد القلوب وأغلظها.

وهكذا تعلمنا مأساة الحسين (عليه‌السلام ) أن قليلاً من الناس يعيشون , ولديهم فكرة , وللحياة في مفهومهم هدف. وأغلب الناس يعيشون ويموتون ثمَّ يتركون الدنيا دون أن يخلَّفوا وراءهم أثراً , كفقاعات الماء تنفجر بهدوء ودون ضجَّة ودون سخط. لكن المخلَّدين هم اُولئك الذين يُحيلون أيَّامهم ولياليهم سعياً دائباً إلى غاية نبيلة , وكفاحاً متَّصلاً من أجل فكرة , ثمَّ يموتون وهم اُنشودة على كلِّ لسان , وترنيمة في كلَّ وجدان.

لقد مات يزيد ومات الحسين (عليه‌السلام ) , لكن التأريخ أفرد لذلك صفحة سوداء كلُّها خزي وعار , ولهذا سجلات كلُّها حمد وثناء. كلها مجد وخلود تُروى كلَّ يوم , بل كلَّ ساعة. إنا نُسيء إلى ذكرى الحسين (عليه‌السلام ) إن ندبناه وبكيناه فحسب ؛ فإنّ البكاء عليه أضعف الإيمان.

علينا أيُّها السادة أن نستمدَّ من حياته واستشهاده عظة وعبرة , ونجعل من مأساته بحراً خضمّاً ننهل من عبابه الصبر والشجاعة , والإيمان والكفاح كلَّما أعوزتنا هذه المعاني لإصلاح حاضرنا ورسم طريق مستقبلنا.

* * *

فيصل جريء السامر - البصرة


شعلة الطفِّ التي لن تنطفئ

أحمد بدران

أفديك في الطفَّ بين البيض منحورا

مكفّناً بدماء أشرقت نورا

موسّداً جمرة الرمضاء ذا كبدٍ

مقرورةٍ وفؤادٍ بات مسرورا

* * *

يا كاتباً أحرف الإيمان في دمه

حتّى بزغن فلم يبقين ديجورا

حملت شعلة نور الحقَّ منصرعاً

وسرت تهدي بها الأجيال مقبورا

قد قبّلتك المواضي وهي خاشعةٌ

لما تراجع عنك الموت مذعورا

رآك فكرة حقَّ لم تزل أبداً

يسمو بها العقل تمحيصاً وتفكيرا

* * *

يا من إذا صال فالهيجاء مائجةٌ

موج الخضمِّ الَّذي لاقى الأعاصيرا

نار لحربك قد أجَّت فبات لها

نورٌ غدا يوسع الأذهان تنويرا

وتلك ملحمةٌ ضاع القياس بها

كأنها عالمٌ قد بات مسحورا

فالقاتل النذل قد أضحى القتيلَ بها

ومن طوته المنايا بات منشورا

وبات في حكمها المغلوب منتصراً

وذلك الغالب المغرور مقهورا

* * *


وقفتُ في الطفَّ أستوحي فوارسَها

ليثاً فليثاً ونحريراً فنحريرا

يلوح طيفك يابن المصطفى فأرى

وجه الحقيقة مرئيّاً ومنظورا

ياليت تبصر كيف الدهر خاتلنا

وكيف أبدل صفو العيش تكديرا

وكيف باتت فلسطين تعيث بها

ذئابُ (صهيون) لا تخشى المغاويرا

وكيف تُطرد هذي العرب من بلدٍ

لولا جدودهمُ ما كان مذكورا

أرى العروبةَ لم تقتصّ من فئةٍ

داست كرامتها ظلماً وتحقيرا

وأنت نازلت جيش البغي في نفرٍ

حتّى سقطت على البوغاء منحورا

* * *

يابن النبي يودُّ البدر من جزعٍ

لو عفَّر الخدَّ في مثواك تعفيرا

وودّت الشمس لو ترثيك باكيةً

مع الكواكب تعظيماً وتقديرا

هيهات ذكرك تمحوه السنون فذا

مصوَّرٌ أبداً في الكون تصويرا

ما لاح ذا الشفق المحمرُّ جانبه

إلا وذكَّر أهل الأرض تذكيرا

وما ارتدى الليلُ أثواب الحداد سدىً

لكن ليظهر حزناً كان مستورا

وليس تلك نجوم الليل نبصرها

بل تلك ذكرك فيه بات مسطورا

لا زال ذكرك يابن المصطفى أبداً

يروي مآثر سعي بات مشكورا

* * *

أحمد بدران


يوم الحسين (عليه‌السلام ) في البصرة

مجلة البيان النجفيّة

تمتاز مدينة البصرة بنشاط أدبيًّ ونتاج قيّم حول ذكرى واقعة الطفَّ وتمجيدها. ولا يغيب عن ذهن القارئ الكريم ما تضمَّنه عددنا الخاص للسنة الثانية من صفحات كثيرة لنتاج هذه المدينة.

وفي هذا العام الذي تجلّى فيه النضوب الأدبيُّ حول واقعة الطفَّ من قبل الصحافة والكتاب , وما قامت به معظم المدن العراقيَّة من حفلات , كان ما اُلقي فيها أدباً مكرّراً مسموعاً أفهمنا أن يوم الحسين في البصرة كان نتاجه بكراً جديداً.

ويبرهن على هذا القول ما تجده منشوراً في هذا العدد من الكلمات والقصائد الَّتي اُلقيت في الحفلة التي أقامتها الهيئة الأدبيّة في قاعة الثانوية تحت رعاية سعادة متصرف اللواء السيّد فخريّ الطبقجلي , فكانت أروع حفلة تأبينيَّة شهدتها البصرة في العصر الحاضر , لا سيما وإنّ القائمين بها زمرة من الشباب المخلصين لمبدئهم ووطنهم , ومن الَّذين تشبَّعت فيهم الروح الحسينيّة محفوفة بروحانية الماضي وثقافة الحاضر.

(البيان) - العدد ٥٧ - ٥٨ من السنة الثالثة


الذكرى الثالثة

لسنة ١٣٦٩ ه - ١٩٤٩ م

في قاعة الثانوية مساء يوم العاشر من محرم ١٣٦٩ ه , إذ ابتدأت الحفلة في تمام الساعة الثالثة بعد الظهر وانتهت في تمام الساعة الخامسة بعد الظهر.

عدد الكراسي ١٥٠٠ داخل القاعة , عدا ١٠٠ تخت خارج القاعة , وما يقارب ٣٠٠ كرسي كذلك خارج القاعة , ومع ذلك كله امتلأت الساحة الكبيرة بالجمهور وقوفاً على الأقدام.

منهج الحفلة الكبرى للذكرى الثالثة

مساء يوم العاشر من محرم (١٣٦٨) ه الموافق (٢/١١/١٩٤٩) م

تحت رعاية سعادة متصرَّف اللواء السيد جمال عمر نظمي

١ - القرآن … الشيخ عبد الكريم الحمداني

٢ - كلمة الافتتاح … عبد الرزّاق العائش

٣ - كلمة ارتجالية … الاُستاذ محمّد جواد جلال


٤ - خطاب إلى يزيد (قصيدة) …الاُستاذ بدر شاكر السيّاب

٥ - الحسين السبط والعقيدة … الاُستاذ كمال الجبوريّ

٦ - ثورة الحسين (قصيدة) … الاُستاذ رشيد ياسين

٧ - شهيد الحق والعدالة … الأديب كاظم السوداني

٨ - في موكب الحسين (قصيدة) … الاُستاذ كاظم محمود صائب

٩ - كلمة … للاُستاذ شاكر راغب الحلي(١)

١٠ - من وحي الحسين (قصيدة) … الشاعر محمّد هاشم الجواهري

١١ - رمز النضال … الاُستاذ عبُّود شبَّر

١٢ - أبو الشهداء (قصيدة) … كاظم مكَّي حسن

١٣ - كلمة ارتجالية … الاُستاذ السيد محمّد رشيد مرتضى

١٤ - القرآن الكريم … المقرئ الشيخ عبد الكريم الحمداني

١٥ - كلمة شكر (ارتجاليَّة) … عبد الرزّاق العائش

____________________

(١) ألقاها الكاتب بنفسه , ولكن الهيئة لم تحتفظ بنسخة منها.


كلمة الافتتاح

عبد الرزاق العائش

أيُّها الحفل العظيم , ليس من الصعب على باحث منقَّب عن حقيقة ما أن يقف على بابها , أو أن يتبيَّنها حقيقة ملموسة مهما اُحيطت بالغموض , بل إنما الصعوبة كلٌّ الصعوبة في أن يلج بابها بدقَّة وإمعان حتّى يقف على ما اُوصدت عليه من معان دقيقة ذاتِ شأن في بحثه وتنقيبه.

فحقيقة أن الحسين (عليه‌السلام ) إنما ضحّى بنفسه وبمَن يتعلَّق بها من النفوس الزاكية في سبيل مثل أعلى ومبدأ سام , وإنه لم يدع مجالاً لأحد بعده في ميداني التضحية والإخلاص للمثلِ العليا والتفاني في سبيل العقيدة والمبدأ. هذه حقيقة ملموسة يكفينا عناء البحث عنها علمنا بأن الحسين (عليه‌السلام ) حفيد محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذاك الذي قال فيه : (( حسين مني وأنا من حسين ))(١) .

أجل , ليس في البحث عن هذه الحقيقة أيّة صعوبة , بل هناك معان دقيقة اُوصدت عليها حقيقة تضحية الحسين (عليه‌السلام ) دون أن يتناولها البحث حتّى الآن , أو تناولها بعض لكن لم يلمّوا بها إلّا إلمامة سطحيَّة.

ومن تلك المعاني الدقيقة القيمة بالبحث تفوُّق يوم الحسين من حيث الوقع في النفوس السامية على سواه من الأيّام الخالدة , ومنها حمل الحسين (عليه‌السلام ) لطفله بين يديه إلى أقوام سبق

____________________

(١) مسند أحمد بن حنبل ٤ / ١٧٢ , مشكاة المصابيح ٣ / ٣٧٥ / ٦١٦٩ , كنز العمال ٢ / ١٢٠ / ٣٤٢٨٩ , كشف الخفاء (العجلوني) ١ / ٤٢٩.


في علمه أن الجهل أقفل قلوبهم , والطمع أعمى أعينهم حتّى أصبحوا لا يميِّزون بين ابن فاطمة وبين ابن سمية , ولا يعقلون أيُّهما أحقُّ أن يتّبعوه.

سادتي , لا أدَّعي أني توصلّت في البحث عن هاتين الناحيتين من نواحي يوم الحسين إلى حدَّ التعمُّق , ولكني خطوت خطوة جديدة بالنسبة لأبحاثي السابقة. أما تفوُّق يوم الحسين على سواه من الأيام الخالدة فلأن قيم المثل العليا تتفاوت بتفاوت أهمَّيتَّها للمجتمع , وبتفاوت مسيس الحاجة إليها ؛ فإطعام مسكين بائس في يوم ذي مسغبة أهم من إشباع ألف صائم متموَّل.

هكذا جاء يوم الحسين. لقد جاء في زمن جفَّ فيه نبع الفضيلة إلّا من ناحية الحسين وصحبه , وعزَّت فيه النفوس الأبيَّة إلّا نفس الحسين ومَن حذا حذوها , وكاد يذوي عود الإنسانية ويجفّ لحاؤه لولا أن سقاه الحسين دمه الزاكي حتّى عادت إليه الحياة من جديد.

وأما حمل الطفل إلى الأعداء في مثل تلك الساعة العصيبة فقد كان وحدة قياسية لما بلغه اُولئك البغاة من الانحطاط الخلقي. يالها من فعلة شنعاء تأباها حتّى الوحوش , وتتنزَّه عن إتيان بعضها في أطفال بعضها البعض !

طفل أخذ منه العطش مأخذه , وبمقتضى عاطفة الاُبوَّة حمله أبوه إلى الأعداء يستسقي له الماء , وهو يأمل أن يجد بينهم إنساناً على الأقلَّ فتدفعه وشائج الإنسانية فيسقيه. لكن أنّى يوجد بين أعداء الإنسان الكامل إنسانٌ بالمعنى الصحيح ؟! لذا أجمعوا على أن يسقوه بدل الماء كأس الموت دهاقاً.

إذاً فقتل الطفل الظامئ جاء دليلاً مادياً معزَّزاً لما جاء به الحسين من الأدلَّة المنطقية على أن الذين تألَّبوا على قتله لم يقصدوا قتله بالذات , وإنما قصدوا قتل المثل العليا أينما وجدت , وحيثما كانت , وأنه (عليه‌السلام ) لم يقدم على قتالهم مع علمه بتفاوت القوى المادَّيَّة بينه وبينهم , لم يقدم على قتالهم بالذات , وإنما أقدم على تقويض دعائم الظلم ومحو معالم الطغيان.

فبحقًّ إذا ما اتخذنا الحسين قدوة للذود عن الفضيلة , والذبَّ عن مبادئ الإنسانية الحقَّة , وبحقًّ إذا ما احتفلنا بيومه الخالد احتفالاً يتَّفق وقدسيَّته , لكي نقف على معان دقيقة ذاتِ شأن بالنسبة لوجباتنا الاجتماعيَّة العامَّة والخاصَّة ,( لِمِثِل هَذَا فَليَعمَلِ العَامِلُونَ ) (١) .

عبد الرزاق العائش

* * *

____________________

(١) سورة الصافات / ٦١.


خطاب إلى يزيد

بدر شاكر السياب

بدر شاكر عبد الجبار السياب

* ولد في جيكور من قرى أبي الخصيب عام ١٣٤٥ ه - ١٩٢٦م.

* دخل الابتدائيَّة وتخرَّج منها عام (١٩٣٨) م , ثمَّ تخرَّج من الإعداديَّة في البصرة / الفرع العلمي عام (١٩٤٢) م. وفي العام (١٩٤٨) م تخرَّج من دار المعلَّمين العالية / قسم اللغة الإنجليزية.

* فصل من التدريس بسبب نشاطه السياسي.

* هرب إلى إيران لمدة سبعين يوماً بعد مشاركته في مظاهرات عام (١٩٥٢) م.

* كان من الموقّعين على نداء أنصار السلام كلَّ عام إلّا عام (١٩٥٣) م. وفي العام (١٩٥٦) م سافر إلى دمشق عضواً في الوفد العراقي إلى مؤتمر الأدباء العرب , كما حضر مؤتمر الأدب العربي الذي أنعقد عام (١٩٦١) م في روما.

* انتمى للحزب الشيوعي بين عامي (١٩٤٥ - ١٩٥٤).

* توفي في المستشفى الأميري في الكويت في (٢٤ / ١٢ / ١٩٦٤) م.

* من آثاره : (أزهار ذابلة) ، (أساطير) ، (أعاصير) , (إقبال) ، (اُنشودة المطر) ، وغيرها.


خطاب الى يزيد

بدر شاكر السياب

ارمِ السماءَ بنظرة استهزاءِ

واجعل شرابك من دم الأشلاءِ

واسحق بظلّك كلَّ عرض ناصعٍ

وأبح لنعلك أعظم الضعفاءِ

واملأ سراجك إن تَقَضّى زيتهُ

مما تدرُّ نواضب الأثداءِ

واخلع عليه كما تشاء ذبالةً

هدب الرضيع وحلمة العذراءِ

واسدر بغيّك يا يزيد فقد ثوى

عنك الحسين ممزَّق الأحشاءِ

والليل أظلم والقطيع كما ترى

يرنو إليك بأعين بلهاءِ

أحنى لسوطك شاحباتِ ظهوره

شأن الذليل ودبَّ في استرخاءِ

وإذا اشتكى فمن المغيث وإن غفا

أين المهيب به إلى العلياءِ

* * *

مثَّلت غدرك فاقشعرَّ لهولِه

قلبي وثار وزلزت أعضائي

واستقطرت عيني الدموع ورنّقت

فيها بقايا دمعةٍ خرساءِ

يطفو ويرسب في خيالي دونها

ظلٌّ أدقُّ من الجناح النائي

أبصرت ظلك يا يزيد يرجُّه

موجُ اللهيب وعاصف الأنواءِ

رأس تكلّل بالخنا واعتاض عن

ذاك النضار بحيَّة رقطاءِ

ويدان موثقتان بالسوط الذي

قد كان يعبث أمسِ بالأحياءِ

قم فاسمع اسمك وهو يغدو سبّةً

وانظر لمجدك وهو محض هباءِ

وانظر إلى الأجيال يأخذ مقبلٌ

عن ذاهب ذكرى أبي الشهداءِ

كالمشعل الوهّاج إلا أنها

نور الإله يجلّ عن إطفاءِ

* * *

عصفت بي الذكرى فألقت ظلّها

في ناظريَّ كواكب الصحراءِ

مبهورة الأضواء يغشى ومضها

أشباح ركب لجَّ في الإسراءِ

أضفى عليه الليل ستراً حِيك من

عرف الجنان ومن ظلال (حراءِ)


أسرى ونام فليس إلّا هِمَّة

باسم الحسين وجهشة استبكاءِ

تلك ابنة الزهراء ولهى راعها

حلمٌ ألمَّ بها مع الظلماءِ

تنبي أخاها وهي تخفي وجهها

ذعراً وتلوي الجيد من إعياءِ

عن ذلك السهل الملبَّد يرتمي

في الاُفق مثل الغيمة السوداءِ

يكتظّ بالأشباح ظمأى حشرجت

ثم أشرأبَّت في انتظار الماءِ

مفغورة الأفواه إلا جثَّة

من غير رأس لُطّخت بدماءِ

زحفت إلى ماء تراءى ثمّ لم

تبلغه وانكفأت على الحصباءِ

غير الحسين تصدّه عما انتوى

رؤيا فكُفَّي يابنة الزهراءِ

مَن للضعاف إذا استغاثوا والتظت

عينا (يزيد) سوى فتى الهيجاءِ

* * *

بأبي عطاشى لاغبين ورضّعاً

صُفر الشفاه خمائص الأحشاءِ

أيد تمدُّ إلى السماء وأعينٌ

ترنو إلى الماء القريب النائي

طام أحلّ لكل صاد ورده

من سائب يعوي ومن رقطاءِ

عزَّ الحسين وجلَّ عن أن يشتري

ريَّ الغليل بخطَّة نكراءِ

آلى يموت ولا يوالي مارقاً

جمّ الخطايا طائش الأهواءِ

فليصرعوه كما أرادوا إنما

ما ذنب أطفال وذنب نساءِ

* * *


عاجت بي الذكرى عليها ساعةً

مرَّ الزمان بها على استحياءِ

خفقت لتكشف عن رضيعٍ ناحلٍ

ذبلت مراشفه ذبول خباءِ

ظمآن بين يدي أبيه كأنه

فرخ القطاة يدفُّ في النكباءِ

لاح الفرات له فأجهش باسطاً

يمناه نحو اللجَّة الزرقاءِ

واستشفع الأبُ حابسيه على الصدى

بالطفل يومئ باليد البيضاءِ

رجّى الرواء فكان سهماً حزَّ في

نحر الرضيع وضحكة استهزاءِ

فاهتزَّ واختلج اختلاجة طائرٍ

ظمآن رفَّ ومات قرب الماءِ

* * *

ذكرى ألـمّت فاقشعرَّ لهولِها

قلبي وثار وزلزلت أعضائي

واستقطرت عيني الدموع ورنَّقت

فيها بقايا دمعة خرساءِ

يطفو ويرسب في خيالي دونها

ظلٌّ أدقُّ من الجناح النائي

حيران في قعر الجحيم معلّقٌ

ما بين ألسنة اللظى الحمراءِ

* * *

بدر شاكر السيّاب - البصرة


الحسين السبط والعقيدة

كمال الجبوري

مدرَّس في ثانوية البصرة للبنين

سادتي الماجدين , لا بدّ لارتباط العقل الإنساني بالدرجات العليا من الكمال الروحي , ولإيصال الوشائج بين الجسم الفاني والروح الخالدة , وللمقارنة بين الناسوت المجسّم واللاهوت المتسامي , أقول : لا بدّ لكلَّ هذه من روابط توازن بينها وتُعدُّ لها ؛ لئلاّ تطيش الحلوم , ويستغرق الفكر في مجال التصاعد الحي القهري صعداً تحوَّل به النظر من المحسوس إلى ما يسمّى بالتداعي.

إذ لا تتمكّن حواس البشر وهي محدودة ممازة من حصرها في إطار يحرزها من المروق إلّا بالقناعة والتمكين , ولا تكون القناعة إلّا بالأمان الروحي المتأتَّي من الأعماق , والصادر عن الإرادة , والمدفوع من الباطن , الخفي من الوجدان.

وكان لا بدّ لهذه القناعة الموسومة بالإيمان , المترابطة بالعلل , الثابتة من أوشاج تربطها بالحس , وأسباب تعقدها بالنفس , ألا وهي الَّتي نسميها بالعقيدة ؛ استخلاصاً من معنى عقدها المتين , واستنتاجاً لما توجده في النفس من رضا متبيَّن.

وعلى هذا الأساس البين , والنهج الواضح بنى علماؤنا القدامى قواعدهم المنطقية لترسيخ العقائد ؛ فأفردوا لها فصولاً كاملة , ووصفوا لها الحدود البينة والاُسس الثابتة , وأبانوا ما يعتورها من علل ويصيبها من زلل , وما يقوَّمها من أسباب ويمركزها من عوامل حتّى أصبح علماً قائماً بذاته يتدارسونه , وعليه يعتمدون وبه يتداولون.

ولقد جاء المصطفى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بلاهوته القديم , ونهجه المستقيم لاُناسيًّ من الاُمَّيين ؛ فتقبَّلته فئة فتح الله على بصيرتها بالهدى والفقه والتقرُّب من ذات البارئ المصور , لدرجة أنَّ أحدهم كان من المعرفة والقربى الروحية بأن لو كشف له الغطاء ما ازداد يقيناً , وتقبّلته فئة اُخرى كان العمى قد ران على بصيرتها , والضلال قد تطابق على نفوسها , وعصبية الجاهليّة الخرقاء قد علت طريقها , فعزفت عن الهدى ودين الحق أطواراً , وأخيراً تحمَّلته بالقوّة وإن كانت لتكيد له سراً وجهراً.

ومضى الإسلام قدماً والقلوب الآسنة لم تطهر من الأوشاب , والحفائظ الآنية ولم تُطوَ إلّا على الرين المحض وإن كانت صورها تظهر في التكالب على العرض الزائل والمتع الفانية بما فيها من أدران وخبث ظاهر للعيان , وكيف لا وهي تتلاقفها تلاقف الاُكرة , وتتراشق عليها تراشق اليعاسيب على الزهرة.


وتعاقبت الأيّام فتعاملت أسباب الريب وعوامل الظنون الخفيَّة في النفوس المريضة حتّى تزاحمت عليه تزاحم المياسر في القداح , وتخادعت فيه حتّى حملت صحف الله على الرماح , فأصبح الأمر ملكاً عضوضاً جائراً بعد أن كان إيتوبيا فاضلة :

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا

أنيسٌ ولم يسمر بمكَّة سامرُ

وكان لا بدّ من إمام يفتل وشائج العقيدة المهلهلة من بعد قوَّة , ويشدُّ ربطها بعد النكث , ويبرمه بعد النقض , فكان الإمام , وكان النصح المحض والنزاهة الحرَّة , والرجوع إلى الرأي.

ولكن أنّى لهم الرجوع إليه وقد ضيَّعوه ؟ وأنّى لهم الرضا بالعقل , والعاطفة غلابة , وخبث الحران جيّاش , والقوم في فوضى الجاهليّة يتخبَّطون , وفي العصبيَّة القبليَّة يتمسكون ؟ فلم تفد ضحايا صفّين والمرج والنهروان لتدعيم النفوس الماردة بالإيمان.

وسار الزمن , وقافلة الريب والأهواء تدوس العقيدة المحضة , فتفرَّقت الآراء شيعاً , كلُّ حزب بما لديهم فرحون , حتّى كادت النفوس أن تمسي من الحقيقة والهدى خلاء , وأن يخفت صوت المنادي بـ (حيّ على الفلاح) صبحاً ومساءً لولا أن ينهض السبط نهضته , فبهر الدنيا ونادى : (لا) , فزلزل الآفاق بندائه : ( لا , لا يخفتن صوت الحق والرباح , ولا يغمر الفساد على الصلاح وفيَّ قطرة من دماء , ونفس من إباء وعزيمة ومضاء ).

وكان في خروجه وقطعه الحزون والنجود ليل نهار , وفي أخذه العهد من شيعته ومواليه عبرةٌ وموعظة , وكان في استشهاده هو وآله وصحبه الغرًّ الميامين بناء للعقيدة لا يهدُّ , وتجديد للدين الحنيف لا يصيبه البلاء والقدم ؛ ففي خروجه وتجشُّمه الصعاب مع أطفاله ونسائه عبرة للزعامة الحقَّة , وفي أخذه العهد من مواليه موعظة حسنة تذكّرهم


باجتماع كلمتهم على ولائه , ثمَّ بخروجهم عليه وتفريطهم بابن رسول الله وخاتم النبيين (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وإني لأرى في هذا البكاء المساوق للزمن طوال الأحقاب حسرةً تحزّ في القلوب , وندامة تعقب [سدَّماً على](١) التفريط في الإمام (عليه‌السلام ). وأرى في اللطم على الصدر وشقَّ الجيوب صورة المفجوع برأيه , المتحسر على وحدته , القادم على تراجعه في طاعة زعيمه.

فما بكاؤنا على السبط الشهيد فحسب , وإنما على إضاعتنا له , وما نحيبنا إلّا على أننا جمعنا الكلمة ثمَّ تفرقنا , ووحدّنا الرأي ثمَّ انشعبنا , كما أرى في وقوف الحسين (عليه‌السلام ) مع صحبه للموت صبراً , تجديداً للدين , ودعامة لليقين , وتركيزاً للإيمان , وحياة للإسلام.

لقد أراد الحسين (عليه‌السلام ) كلَّ ذلك فكان له ما أراد , وإذا بالقلوب تلتهب إيماناً وحبّاً , وبالعقيدة تتأصَّل فيها وتتمركز , وإذا بالأسى يتتجدَّد عاماً فعاماً , بل

____________________

(١) ما بين معقوفين ورد في الأصل بصورته.


وسيبقى إلى الحشر وهو يزداد عجباً وضراماً.

قد عذلت الجزوع وهو صبورُ

وعذرت الصبور وهو جزوعُ

عجباً للعيون لم تغد بيضاً

لمصابٍ تحمرُّ منه الدموعُ

وأسىً شابت الليالي عليه

وهو للحشر في القلوب رضيعُ

يا أبا عبد الله , لتهنأ في ملكوتك ؛ فإن شجرة العقيدة الراسخة الَّتي قد سقيتها بدمك الطهر قد آتت اُكلها , وهاهم المسلمون قد عقدوا الخناصر على ولائك وولاء جدَّك , لا فرق في ذلك بين أحمرهم وأسودهم , وقد تناسوا الأضغان وتحابّوا في الله إخوانا. وهاهم على سرر متقابلين , ولمرضاة الله ومرضاتك عاملين. فرضوان الله عليك يا شهيد العقيدة والإباء , وعلى صحبك شهداء كربلاء.

كمال الجبوري - البصرة

* * *


ثورة الحسين (عليه‌السلام )

رشيد ياسين

رشيد ياسين ١٩٢٩م

* ولد في بغداد.

* حاصل على بكلوريوس في المسرح , وماجستير في الفلسفة وعلم الجمال من جامعة صوفيا بلغاريا.

* شاعر وناقد وباحث.

* اشتغل في الصحافة , وكانت له مناظرات حول نظرية الفن والمسرح , ترجم الكثير من الأعمال الأدبيّة والدراسات من الانكليزيّة والبلغاريّة.

من مؤلفاته المطبوعة :

١ - أوراق مهملة (شعر) - دمشق ١٩٧٢م.

٢ - الموت في الصحراء (شعر) ١٩٨٦.


ثورة الحسين (عليه‌السلام )

رشيد ياسين

حدَّثينا عن يومه المأثورِ

وارفعي عنه حالكات الستورِ

وابعثيه يا ذكريات دموعاً

في المآقي ووقدة في الصدورِ

وأنيري للخابطين بديجو

ر الضلالات والعماء الكبيرِ

صفحةً للجهاد قد سطرتها

رسلُ الحق بالنجيع الطهورِ

* * *

حدَّثينا عن نهضة ذعر الطا

غوت من رجعها الأبي النذيرِ

واستفاقت ندمانه وهوى الكأ

س ومادت جوانب الماخورِ

وانجلت ظلمة الخنوع فهبَّت

زمر المسلمين للتكفيرِ

فإذا الشام ملعب للمنايا

وإذا الملك كالحطام النثيرِ

وإذا الغاشمون من آلِ حربٍ

ميسم العار في جبين الدهورِ

شرَّد كالنعاج أذعرها النصـ

ـل ففرَّت ومالها من مجيرِ

ذاك عرش الطاغوت قام على الرقِّ

فألوى به انتفاض الأسيرِ

* * *


إيه يا كربلاء كم خضبت أر

ضك أهواء ثمَّ أو غدورِ

كم ظلوم أقام فيك على الأشـ

ـلاء أركان عرشه والسريرِ

كم شهيد كانت دماه وَقِيداً

لسراج الآمال في الديجورِ

إيه يا كربلاء عودي بهاتيـ

ـك المآسي من نائيات العصورِ

وصفي موكب الحسين وقد قا

م يلبَّي ضراعة المستجيرِ

ومضى يقطع الصحارى مجدّاً

بين رمل من لفحها وهجيرِ

قاصداً كربلاء حتّى إذا ما

أنزلته فيها يد المقدورِ

ومضى يسأل الاُولى بايعوه

بعهود الخداع والتغريرِ

كيف خانوا أما لديهم فضولٌ

من إباءٍ أو وازع من ضميرِ

لم يجد غير أنفس دنَّستها

شهواتٌ مسعورةٌ في الصدورِ

زمر باعت الكرامة بالما

ل وداست على النهى والشعورِ

وأتت تحمل الحسين على طا

عة جبّارها الأثيم الكفورِ

فانبرى مشعل الإباء حسينٌ

صارخاً في قطيعها المأجورِ

يا عبيد الزناة من آل سفيا

ن ويا باعة التقى بالفجورِ

لم أجئ طامعاً لديكم بملك

رفعته مقوَّسات الظهورِ

فنفوس الهداة ترغب عمّا

تهب الأرض من متاع حقيرِ

إنّما جئتكم لأرفع عنكم

ألف وزر وألف قيد ونيرِ

وأزيح الآثام عن ألق الحقِّ

وألوي بسطوة السكَّيرِ

مستبيح الأعراض في مخدع البغـ

ـي وجلاد شعبه المأسورِ

يا ضحايا الشرور جئت أقيكم

بكياني إعصار تلك الشرورِ

غير أنّ العين التي تألف الظلّ

ماء تخشى أن تستحمَّ بنورِ

* * *


فتروَّوا حيناً ولكنّما الشهـ

ـوة غالت فيهم بقايا الضميرِ

فانبروا كالذئاب تغترف الدّ

م لتطفي من غلها المسعورِ

واستحرَّ القتال فالأرض سيل

من نجيع ومدرج للنسورِ

ورجال الحسين يهوون كالأنـ

ـجم في لجَّة الفناء الغميرِ

يا لها ساعة أفاضت على الدنـ

ـيا سناء من داميات النحورِ

* * *

وانجلى النقع والحسين وحيدٌ

ما له في جهاده من نصيرِ

تتناهى إليه ولولة الأطـ

ـفال بالغالَّ من وراء الستورِ

وأنين الجرحى ونوح الثكالى

بنشيج مقطَّع محرورِ

فانتضى سيفه وهبَّ إلى البا

غين غضبان هازئاً بالمصيرِ

دائراً في جموعهم يزرع المو

ت فتعدو كالأرنب المذعورِ

ومضى في نضاله غير أن الـ

ـفرد يعيا أمام جمع غفيرِ

فتهاوى على الثرى وتقضَّت

بُقية من [لهافة](١) المحرورِ

فانبرت طغمة الزنى تطأ المو

تى وتقسو على عذارى الخدورِ

* * *

يا شهيد الإخلاص كم من شهيدٍ

فجَّر النور من ظلام القبورِ

يا نبيَّ الجهاد في كلَّ قلبٍ

أنت جرح مخضّب بالنورِ

أنت حادي الأقوام إن غام مرقا

ها وتاهت في عتمة الديجورِ

ليس تهوي صروح دين بناه

رسل الحقَّ بالنجيع الطهورِ

* * *

رشيد ياسين - البصرة

____________________

(١) هكذا في الاصل.


شهيد الحقِّ والعدالة

كاظم السوداني

كاظم السوداني

* شاعر , ومحقق.

* ولد في النجف , ودرس المقدمات في المعاهد العلميّة النجفيّة , كتب الشعر منذ إيفاعه وأنشده في المناسبات الاجتماعيّة.

* له من الكتب المطبوعة (المنظومة الحيدريّة) - النجف ١٩٣٦م.


شهيد الحقِّ والعدالة

كاظم السوداني

( ومنَ المُؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيهِ فَمِنُهُم مَّن قَضَى نَحبَهُ وَمِنُهم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلاً ) (١) .

أيُّها الحفل الكريم , حقّاً إن المنطق ليقصر , والبيان ليعجز , واليراع لتقف عاجزة عن تحبير كلَّ ما تجيش به نفسي من الآلام والحزن لمصاب الحسين بن علي (عليه‌السلام ).

أيُّها السادة , لا اُريد أن اُذكَّر بعظم هذا المصاب الهائل الَّذي نزل على الاُمَّة الإسلاميّة نزول الصاعقة المهلكة , فترك قلوباً ينهشها الحزن , وأكباداً يفتتها الألم , وأنّات عميقة ملؤها الأسى والأسف , وإنما أردت أن اُحدَّثكم عن مزايا ذلك الإنسان السماوي وحقيقة العمل الَّذي أقدم عليه ؛ فضحّى تلك التضحية المجيدة الَّتي سطّرها له قلم الدهر بمداد من ذهب على صفحة الوجود السرمديَّة.

يا حضرات الأفاضل , هناك فئة ممَّن كتب الله لهم السعادة , وامتحن قلوبهم للإخلاص , وطهَّر ضمائرهم من شوائب الأنانيّة والطمع , ونزَّههم من مواقع الزيغ والضلال , وأبعدهم عن مواطن الضعف والاستكانة , والخور والخنوع , ووهبهم من خصال الشجاعة والبسالة , ومزايا العظمة والبطولة , ومفاخر

____________________

(١) سورة الأحزاب / ٢٣.


القوة والنضال ما لم يهبه إلى غيرهم ؛ فحمَّلهم من المهمات ما تنوء بحمله كواهل الفتيان وأحلام الشيوخ , وأخص منهم بالذكر الإمام الحسين بن علي (عليه‌السلام ) ؛ فقد كان (عليه‌السلام ) شجاعاً باسلاً , وحكيماً مدبراً , قويَّ الإيمان بالله , ثابت الجنان والعزيمة , صلب العود , متين الإرادة , بعيداً عن مواطن الاستسلام.

سادتي , تلك هي صفحات أعماله البيضاء الخالدة المجيدة شاهد عدل وبرهان صادق على ما كان ينويه (عليه‌السلام ) من إسعاد للاُمة الإسلاميّة وإنقاذها مما كان يحيق بها من مكروه وحيف , ومما يعتري صفوفها من الوهن والتفكُّك في عهد دولة الظلم والاستبداد , دولة يزيد بن معاوية وفئته الطاغية العابثة.

فتقدَّم مع أفراد عائلته وأنصاره من المؤمنين بفكرته لإنقاذ الدين الإسلامي والاُمَّة الإسلاميّة من مخالب الضلال والجور والاستغلال , وهو قوي الإيمان بالفوز , شديد اليقين بالنجاح , مشرق الأمل , رابط الجأش.

فاعترض طريقه جمع غفير بكامل عدّتهم وعددهم من أنصار يزيد , ولكنه (عليه‌السلام ) رغم قلة أعوانه آلى على نفسه أن يردَّ الحق إلى نصابه , والعدل إلى مكانه , وتلك هي سجيته , لولا أن القدر قد لعب دوره المؤلم معه ؛ فخر (عليه‌السلام ) في مثل هذا اليوم صريعاً بعدما شاهد مصرع أفراد عائلته الواحد تلو الآخر.

أيها الحفل الكريم , هذا هو الحسين بن علي (عليه‌السلام ) شهيد الحقَّ والعدالة , الَّذي ضرب مثلاً رائعاً في التضحية الصادقة في سبيل إنقاذ أبناء اُمته مما كان يحيق بهم , اُولئك الَّذين استصرخوه فلبّى صراخهم بدمائه , واستنجدوا به فأجاب طلبهم بروحه.

هذا هو الحسين شهيد الحق والعدالة , ورمز البطولة والتضحية , فلنأخذ منه مثلاً , ولننهج نهجه , فنعم الطريق الَّذي سلكه , ونعم المبدأ الَّذي اعتنقه.

كاظم السوداني


في موكب الحسين (عليه‌السلام )

كاظم محمود الصائب

تواكب آفاق الوجود المواكبُ

فتهوى لترصيع البنود الكواكبُ

حقائبُ أسرار الدهور تألُّقٍ

وترجيع أصداء الزمان مواكبُ

نداءُ المنى صورٌ ولامعة السرى

حداة فأي الضفّتين تصاقبُ

مثالية غرّاء قام بها التقى

واُخرى نحت حيث الهوى والرغائبُ

فإن كانت الاُولى فتلك رفارفٌ

وإن كانت الاُخرى فتلك المثالبُ

ضفافٌ هي الأعراف في عيلم الدنا

تنصُّ على أنّ الأماني كواعبُ

تؤلّف ما بين الدم الحر والمنى

فضائل قد قامت عليها المذاهبُ

فإن عرجت نحو الأماني سوافحاً

فقد قدَّست تلك الدماء المطالبُ

فداء المنى في شرعة الواقع الدَّما

ومجد الأمانيِّ الدماءُ السواكبُ

فإن داعبتها الماضيات قواضباً

فجلُّ المنى ما داعبتها القواضبُ

إذا عدم الحق الهضيم مطالباً

فقد نال من مجد الكيان المطالبُ

* * *

أبا حسن ما صال شبلك دارعاً

إذ استعرت إلّا إضمحلت كتائبُ

نضال أبى السجّاد سنَّ لنا الإبا

فهل أدركت نهج النضال الأعاربُ

أتمحو سجلاً بالحضارات حافلاً

لترسخ أنباءُ الجناةِ الكواذبُ

إذا سنَّ منهاج الإباء أوائلٌ

فقد نسيت ذاك النضال العواقبُ

تطلُّ بأعقاب الدهور اُبوَّةٌ

وتصرخ في صلب الزمان الترائبُ

تشيد الصروح العاتيات أباعدٌ

فتدعمها كيلا تميل الأقاربُ

أصارخةُ الأجيال إمّا بعثتها

فدوَّي بها وليغلُ باللوم عاتبُ


أصارخة الأجيال إمّا بعثتها

فدوّي بها ولتسعدنك النوادبُ

رِدِي مورداً في موكب الدهر مفرداً

تقهقر فيه الدهر والدهر راعبُ

هو الثورة الكبرى على الظلم عاتياً

هو الحقُّ والحقُّ المناضل غالبُ

لقد ضربت في مكمن الجور باطلاً

فباد لأنّ الله بالحقَّ ضاربُ

نبيَّ الهدى أعظم بسبطك صائلاً

ينافح عن حقَّ تبنّاه غاصبُ

يرفّ على سبط النبي لواؤه

يواكبه فيه الكماة الأطايبُ

أبا العَرَب امنح اُمَّة العُرْب يقظةً

فقد ساورتها اللاسعات العقاربُ

شعوبيَّةٌ رقطاء لا زال شملها

شتيتاً وقد ضاقت عليها المذاهبُ

أوارث ساقي الموت في يوم خيبرٍ

وقاهر جيش الشرك والشرك واثبُ

هب (الضاد) من سر البطولة آية

تعود بها تلك العصور الذواهبُ

طوى حيدرٌ في مأزق الرعب (مرحباً)

فهبَّ إلى الثأر القديم المراحبُ

يعز على سبط النبوَّة أن يرى

كيان الحمى قد داهمته النوائبُ

* * *

أساطير أحداث الزمان عجائبٌ

وأغربها أن تُستطاب الغرائبُ

إذا ما توارى الحقُّ والحقُّ لاحبٌ

وصالت على الاُسد الاُباة الثعالبُ

(فيا موت زر إن الحياة ذميمةٌ)

فقد طاولت تلك الصدور الذنائبُ

إذا المجد لم تدعم حماه بواطش

غزته وعاثت فيه أيد نواهبُ

أباعثها في مسمع الدهر صرخةٌ

وعاها فوالاها الزمان المخاطبُ

أموقدها في مسمع الظلم ثورةٌ

سمعنا الصدى لكن ترامى التجاوبُ


مفيض سناها نهضةٌ هاشميَّةٌ

رأى القوم مغزاها فأين التجاربُ

إذا ما أهابت للكفاح تحفّزاً

رماها بطرفٍ شاخصٍ وهو غائبُ

أسبط الهدى أوقدت فيها مشاعلاً

قد اقتبست منها النجوم الثواقبُ

أفض قبساً من نورها ينجلِ الدجى

فترتدَّ عن اُفق الكيان الغياهبُ

* * *

مرتَّلة الألحان في سبط أحمدٍ

أعيدي نشيداً فالنشيد المناقبُ

فسبط الهدى في موكب الدهر آيةٌ

يشنَّف سمع الدهر فيها التعاقبُ

فإن رتَّلتها بالنشيد مشارقٌ

فقد أكبرتها للنضال المغاربُ

* * *

محمود الصائب - البصرة


من وحي الحسين (عليه‌السلام ) صدى كربلاء

محمد هاشم الجواهري

صوتٌ تعالى فملء الكون إصغاءُ

باسم الفضيلة والأيّام أصداءُ

بعثْته حين لا أهل ولا وطنٌ

وحال دونهما جيش وصحراءُ

هذي حواليك أشلاء مبعثرةٌ

ضجَّت لمصرعها سحب ورمضاءُ

لكلَّ أنَّة قلب منك موجعة

معاول بصروح الظلم صمّاءُ

أفديك من بطل حيّا مآثره

لكلَّ جيل فم للدهر وضّاءُ

يختال من يومك المشهود ملتمعاً

سيف بكفَّك في الهيجاء مضّاءُ

يا من رفعت لواء النصر مندفعاً

إلى الجهاد أحاطتك الأرقّاءُ

قم واستعد عزمات ما برحت لها

فذي فلسطين للأعداء أرجاءُ

لها على القدس قلب بات منصدعاً

وناظر في مجال الحرب بكّاءُ

هل مشعل يا ربيب الوحي تمنحه

لنا فتلك حواشي الاُفق ظلماءُ

غامت بآفاقنا الأجواء وانبعثت

مع الزمان أعاصير وأنواءُ

يحيا على ظلمات الجهل معظمنا

وغيرنا في سماء النور أحياءُ

يا فكرة في هضاب الطفَّ ثائرة

ضجَّت ليومك في الأحقاب أصداءُ

حطَّمت عرشاً طغى بالحكم معتسفاً

شادت قواعده النكراء أهواءُ

هذي ثعالب صهيون بأجمتنا

عاثت وعنها أكفّ الليث شلاّءُ

ذكراك تستعرض الأجيال صارخة

مجد يواكب مسراها وعلياءُ

سبط الهدى ناوأت دنياك شرذمةٌ

عيونها عن سناء الحقَّ عشواءُ

شلَّت يد البغي لا جالت وقد عقمتْ

عن أن يكون لها في الحقَّ سيماءُ

* * *

محمد هاشم الجواهري


رمز النضال

عبود شبر

يحدَّثنا التأريخ أحاديث شتّى عن كثير من الحركات الثورية الَّتي حدثت وقائعها في عالمنا هذا , ويقصُّ علينا أنواعاً من القصص المثيرة , ويرينا نماذج متعددة لصراع يحتدم عادة بين جنسين من البشر متنافرين , متضاربين في المأكل والمشرب , وفي العقيدة والتفكير.

هؤلاء يعملون حسب ما تُمليه عليهم ضمائرهم الحيَّة , وطبقاً لصفات النخوة والشهامة الَّتي جبلوا عليها , ولا يضيرهم أن يضحُّوا في سبيلها , وأن يتحملوا أعظم المصائب وأقسى الآلام , واُولئك يعملون للمنافع والمغانم , ولا يهمهم أن يسلكوا في سبيل الحصول عليها طريق الشر , ويرتكبوا أحطَّ الجرائم طبقاً لما تملي عليهم ضمائرهم الملوَّثة ونفوسهم الخسيسة الجشعة.

وربما صادف أن تقترن أعمال الأخيار بالمنافع أحياناً , ويتراءى للبعض أنه بعض أعمال الأشرار تقترن بالشهامة بعض الوقت. ولكن لا يصعب على ذوي البصائر والألباب من المنصفين أن يعزلوا بين المعسكرين إذا ما اصطدما ؛ إذ إنّ كلَّ معسكر لا بدَّ وأن ينحو نحو الغاية الَّتي يريدها , وأن ينكشف عمل كلَّ واحد إذا ما اشتدَّ الصراع. وشتّان بين مشرَّق ومغرَّب.

والتأريخ عندما يحدَّثنا عن هذه الحركات , ويقصُّ علينا من أخبار الأخيار والأشرار فإنَّه لا يبخل علينا بالتحذير من دسّ المغرضين الذين يحاولون طمس الحقائق وتشويه أخبار الثقة من الرواة.

وقد أثبتت الحقيقة الّتي لا مراء فيها بالرغم من محاولة المغرضين لتشويه التأريخ وإرباكه ببعض الدسَّ , على أنه - أي التأريخ - واصل لا محالة إلى نتيجة واحدة , هي أن الصراع أو الصدام , أو سَمَّه ما شئت أن تسمّيه , ما هو في الحقيقة إلّا نزاع مستمرٌّ بين الحقَّ والباطل , هو نزاع بين مبدأين :

* مبدأ الحق الذي يعتنقه رجال مخلصون من طراز اُولئك الذين يكلّفون الأيّام ضدَّ طباعها , والّذين يعزُّ عليهم الإذعان والتسليم حتّى ولو عزَّ عليهم النصر , ويضحُّون بأنفسهم , ويفنون في سبيل الحقَّ ليحيوا قضية مخذولة ليس لها بغير موتهم حياة.


* ومبدأ الباطل الَّذي يتَّصف مقتنوه بأحطّ ما بالنفس من جشع وخنوع لصغار المتع والأهواء.

ومعركة الطفَّ الّتي حدثت وقائعها منذ [نيف وألف](١) من السنين ما هي إلّا نموذج صادق للنزاع الَّذي ذكرناه آنفاً , وهي بحدَّ ذاتها لم تكن نتيجة تنافس بين رجلين في سبيل الرئاسة والزعامة كما يتوهَّم البعض , إنما هي في الحقيقة اختلاف في الرأي والعقيدة والطباع بين بيتين :

* البيت الهاشمي الرفيع , وقد مثَّله شريف المدينة الحسين بن علي (عليهما‌السلام ) بأشرف ما في نفسه من غيرة على الحقَّ , وكراهة للنفاق , وأعظم ما اتصف به من كرم الأخلاق ونبل المحتد.

* والبيت الاُموي , وقد مثَّله طاغية الشام يزيد بن معاوية بأرذل ما في نفسه من خسَّة طبع وخنوع وحطَّة في الأخلاق.

أجل لو كان القصد الزعامة أو الاستئثار بالحكم فما هي الغاية إذاً أن تطأ الخيل صدر الحسين بعد مصرعه ؟! لقد مات الحسين (عليه‌السلام ) فانعدم بموته المنافس , فلِم هذا العمل الإجراميُّ يا ترى ؟ وما هو القصد من سبي النساء وإجاعة الأطفال ؟ ولِم التشهير بحرائر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والسير بهن حاسرات الرؤوس , حافيات

____________________

(١) كذا ورد الأصل.


الأقدام في أزقَّة الكوفة وشوارعها , وبالتالي في أزقَّة الشام وشوارعه ؟ هل كان قصد يزيد الاستئثار بالحكم فقط أم إذلال الهاشميين والتشفّي منهم ؟

أليس هذا دليلاً على التباين بين الخير والشرَّ الَّذي ظهر بأجلى معانيه في نفس كلٍّ من الحسين بن علي (عليه‌السلام ) ويزيد بن معاوية ؟

أليس ذلك واضحاً على طبائع وأمزجة البيتين الذين مثَّلهما هذان الرجلان ؟ وبالتالي أليس ذلك دليلاً على التفاوت العظيم بين سموَّ الأخلاق وحطَّتها ؟

نعم إنه لكذلك , وهذه المعركة الَّتي حدثت بالطفِّ مشهورة وقائعُها , ومعروفة قصَّتها , لا تتبدَّل ولا تتغيَّر وإن تبدَّلت الألفاظ وتغيَّرت التعابير. فدعنا إذاً نتحدَّث عنها بهذه المناسبة المباركة باختصار.

نحن الآن في المدينة المنورة , مدينة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الثانية , ومعقل الأحرار من أنصاره دعاة الإيمان وبناة الدين الإسلامي , فهلمَّ بنا لنحضر مجلس أميرها والحاكم عليها بأمر خليفة الشام لنرى ما سيحدث بين أميرين.

هذا الوليد جالس على كرسي الإمارة في قصر الإمارة , وهذا الحسين بن علي (عليه‌السلام ) قادم من بيته مع رهط من الصفوة الممتازة من أهله وصحبه. يدخل الحسين (عليه‌السلام ) فيحيي القوم بلهجة تدلُّ على عظم نفسه وعزَّتها وإبائها , ثمَّ يسأل الأمير عما يريده منه , فيبلغه الأمير بموت معاوية وتنصيب ولده يزيد من بعده , ثمَّ يقول : وها أنا قد أرسلت إليك لأطلب منك مبايعة الخليفة الجديد.

وبذلك السؤال وهذا الجواب ينقطع حبل المجاملة فجأة , وينفجر بركان الكرامة الشامخ الآنف , فيتقدَّم أمير الحقَّ نحو أمير يزيد ليعلن له رأيه بصراحة دونها كلُّ صراحة , وليقول له ذلك القول الذي سجَّله التأريخ بأحرف من ذهب: (( إنّنا بيت النبوَّة ومهبط الوحي , ومعدن الرسالة , ويزيد شاربٌ للخمر , محبٌّ للفجور , قاتل للنفس المحترمة , ومَن كان مثلي لا يبايع مثله )).

هذا ما قاله الحسين (عليه‌السلام ) , وإنه واللهِ لقولٌ فصل , بل إنه والله لهو الدرس الذي يجب أن يتعلَّمه كلُّ إنسان يعيش في بلد اكفهرَّت أجواؤه بأعاصير من المبادئ المستترة تحت ألوان شتّى من ثياب المكر والخداع , فابتُلي بأنواع متعدَّدة من أشباه الرجال.


إنّ قول الحسين (عليه‌السلام ) هذا لدرس بليغ , لو اتَّعظ به شبابنا ورجالنا لما رأيتنا بالغين هذه الحالة الَّتي يُرثى لها من تفسُّخ الأخلاق وتلوُّن العقائد والمبادئ , ولكن أنّى لنا الوصول إلى المنزلة الّتي وصل إليها الحسين (عليه‌السلام ) ؟!

لقد أعلنها أبو عبد الله حرباً شعواء على الظلم والجور في واقعة الطفَّ , تلك الواقعة الّتي سجَّلت له أشرف صفحة من صفحات البطولة والجهاد في سبيل الحقَّ منذ ذلك الوقت البعيد , ولا زالت لنا مثلاً رائعاً في الإباء والفناء لم يسبق للتأريخ العربي أن حمل لنا بأروع منها , إنها لثورة فكريَّة عنيفة قام بها الحسين وصحبه على الظالمين , وهم يعلمون أنهم إذ يثورون ويأبون مبايعة يزيد إنما يبذلون في سبيل ذلك أرواحاً عزيزة كريمة شريفة ؛ ذلك لأنهم يعلمون أيضاً أن المستشهدين يخسرون حياتهم وحياة ذويهم , ولكنهم يرسلون دعوتهم من بعدهم ناجحة فتظفر بالنهاية بكلَّ شيء ؛ ففضَّلوا الموت على حياة يأباها من كان مثلهم , فكانوا بذلك خير مثل لكل من أحبَّ أن يعيش ويموت كريماً.

ولو أن الحسين (عليه‌السلام ) ساير القوم وبايع يزيد لنال كلَّ ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ به الأعين , ولعاش عيشة راضية , ولكنَّه لو فعل ذلك لطعن مبادئ محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) طعنة نجلاء , واتَّخذ المسلمون خضوعه من بعده حجة يعتصمون بها للسير في طريق الشرَّ.

لو أن الحسين (عليه‌السلام ) سالمهم وسلَّم لهم لما رُفعت راية الإسلام , ولطُعن الشرف والكرامة بالصميم , ولكنه رفض كلَّ ما منّي به بإباء وشمم , وفضَّل الموت على الحياة ؛ ذلك لأنه يعتقد بأن الحياة ما غلت إلى درجة أن تُشترى بالشرف, ولا وهن الشرف إلى هذا الحد حتّى تشترى به الحياة ؛ فسار في عزيمته , ولم يتخلَّ عن مبادئ جدَّه وإباء أبيه وشرف اُسرته , وخرج من مجلس الوليد ولسان حاله يقول :

فإذا لم يكن من الموت بدٌّ

فمن العجز أن تموت جبانا

وما إن حلَّ اليوم المشهود , واحتدم القتال بين قوى الخير وقوى الشرَّ إلّا وهوت تلك الأجسام الطاهرة في ميدان الشرف والمروءة , وارتفعت تلك الأرواح المخلصة الأمينة إلى الملأ الأعلى لتفرض نفسها على الزمن فرضاً , ولتسجَّل لها أنصع صفحة في سجلَّ الخالدين من الشهداء والأبرار.

فسلام عليك يا أبا عبد الله , وعلى المستشهدين بين يديك , وكفاك فخراً أن تكون رمز النضال ما بقي التأريخ.

عبّود شُبّر

* * *


أبو الشهداء

كاظم مكّي حسن

علم الهدى ومعلَّم الأحرارِ

كم في جهادك من عُلا وفَخارِ

تمضي الدهور وتنقضي أحداثها

وحديث ذكرك دائم التكرارِ

أبقيت ما بقي الزمان مآثراً

للمكرمات روائع الآثارِ

هي خير ما يبقى الحياة عزيزة

وأجلُّ ما فيها من الأسرارِ

هي دعوة للحقَّ لم ينفكَّ في

ليل يرفُّ لواؤها ونهارِ

أعظم بنهضتك الَّتي لم تلتئم

إلّا على فيض الدماء الجاريِ

سارت مسير الشمس تبعث في الورى

روحَ الكرامة والشعاع الساري

ما حدت فيها عن ثباتك رهبةً

من خارجين على الهدى أشرارِ

دنياك دنيا الخالدين ولم تكن

للخالدين سوى رفيع منارِ

والدين فيك خليقة جبلت على

شيم الاُباة وعزة الأبرارِ

فكأنما خلقت صفاتك للورى

شهباً تشعُّ بأسطع الأنوارِ

هي في الحياة عجائب لم تستقم

إلّا لدى شمم من الأحرارِ

فخرَ الزمان بها وخلَّد ذكرها

وأقامها للمجد خير شعارِ

وبنى بها حصن المحامد شامخاً

يزهو بكل خميلة معطارِ

ما قام قبلك يابن بنت محمدٍ

داعٍ تحدّى أعنف الأقدارِ

قهرت عزيمتك الخطوب ولم تكن

وغدت بلا حدًّ ولا مقدارِ

وغدوت معجزة الجهاد ولم تدع

فيه لذي هممٍ مجال فخارِ

* * *


يا باذل النفس الكريمة للعلا

ثمناً لقد أتعبت كلَّ مُجارِ

عفت الحياة على الهوان ولم تضع

جنباً على ذلٍّ بها وصغارِ

ومضيت في ركب الفضيلة للردى

حتّى التقيت به غريب الدارِ

ولقد سلكت إليه كلَّ مفازةٍ

زخرت بألوانٍ من الأخطارِ

في فتية مثل الليوث شجاعةً

ومن البهاء يُرون كالأقمارِ

أنصار إيمان تجاوز صبرهم

يوم الجهاد مواقف الأنصارِ

يتسابقون إلى المنون كأنها

هي خير ما التمسوا من الأوطارِ

زهدوا بدنياهم وجادوا للعلا

والصالحات بأطيب الأعمارِ

وقضوا وقد مُلئوا هدىً وحماسة

دون الحسين وشرعة المختارِ

وجرت دماؤهمُ فكانت أنجماً

تسري بآفاق العُلا ودراري

حمل الهوان خصومهم وتسربلوا

بالذلَّ وانغمسوا بكلَّ شنارِ

راموا نعيماً لا يزول فما رأوا

لهمُ مصيراً غير حرِّ النارِ

وتجرّعوا غصص الحياة بذلّة

وعليهمُ دارت رحى الأكدارِ

زرعوا الرذيلة في أديم حياتهم

بغياً فلم يجنوا سوى الأوضارِ

لا غرو إن قُتلوا بدائهمُ فما

عقبى الهوى والبغي غير دمارِ

والجور لا يضفي على أتباعه

إلّا ثياب مذلَّة وبوارِ

والظالمون وإن تطاول عهدهم

فإلى الخراب مصيرهم والعارِ

والحكم مجلبة المصائب والشقا

إن كان تحت مطامع الأغرارِ

* * *

يا ثائراً للحقَّ ينشد عزَّةً

ما أنت إلا السيّد الثوارِ

أحبطت ما عمل الطغاة بنهضةٍ

جبّارة قامت على جبّارِ

وهدمت ما شادوا عمىً وضلالة

وهتكت ما ضربوا من الأستارِ

قد كان عزمك في النضال أشدَّ من

جيشٍ على هاماتهم جرّارِ


لم يثن صبرك أنَّ صحبك صُرَّعوا

وَبنيك طعم أسنة وشفارِ

ورأيت طفلك سابحاً بدمائه

والسهم في أوداجه متوارِ

وعلمت أنك لا محالة تارك

أهليك بعدك في أسىً وإسارِ

أرْضاك ذلك في سبيل عقيدة

تأبى على الإذلال أيّ قرارِ

وبذلت نفسك كي تصون كرامةً

من أن تذلَّ لمارقين شرارِ

أنّى لمثلك أن يعيش وكفُّه

في كفَّ وغدٍ سافلٍ غدّارِ

أنّى لمثلك أن يبايع فاسقاً

ألِف المجون وعاش خلف عقارِ

فغدوت في هذي الحياة وحيدها

بالصبر والإقدام والإيثارِ

* * *

بطلَ العقيدة والإباء وفارس الـ

ـشرف الرفيع وصفوة الأطهارِ

حزت الفضائل كلَّها من عزَّةٍ

وحميَّة وشجاعة ونجارِ

ورعيت فيها الحقَّ غير مزحزحٍ

عنها لدنيا الشرِّ والأوغارِ

يكفيك عزّاً أنّ يومك لم يزل

حرب الطغاة وقاهر الفجّارِ

تمضي الدهور وتنقضي أحداثها

وحديث ذكرك دائم التكرارِ

* * *

كاظم مكّي حسن


الذكرى الرابعة

لسنة ١٣٧٠ه - ١٩٥٠م

في قاعة الثانويَّة للبنين مساء يوم العاشر من محرم (١٣٧٠) ه , إذ ابتدأت الحفلة في الساعة الثالثة والدقيقة الخامسة بعد الظهر , وانتهت في الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة بعد الظهر ؛ ونظراً لقلَّة الموجود من الكراسي لدى المؤجَّرين لم تتمكَّن اللجنة من جلب أكثر من ألف كرسيًّ , علاوة على خمسمئة كرسي استعارتها من أماكن مختلفة.

وبهذا بلغ عدد الكراسي داخل القاعة فقط ألفاً وخمسمئة كرسيًّ , أمّا عدد المستمعين فقد بلغ أضعاف هذا العدد خارج القاعة وفي الساحة الكبيرة , وعلى مدى سماع صوت المكبّرات , إذ بلغ الإقبال على هذه الحفلة حداً يفوق الوصف. هذا مع العلم أن الهيئة لم تبخل باُجرة الكراسي , إلى درجة استأجرت معها عدداً كبيراً من الموبليات.


منهج الحفلة الكبرى للذكرى الرابعة

مساء يوم العاشر م محرم ١٣٧٠ الموافق ١٣ / ١٠ / ١٩٥٠

تحت رعاية سعادة متصرف اللواء السيد جمال عمر نظمي

١ - القرآن الكريم … المقرئ شاكر عبد الوهّاب الحمداني

٢- كلمة الافتتاح … عبد الرزّاق العائش

٣ - نظرة في حياة الحسين … للاُستاذ فيصل جريء السامر

٤ - العقيدة الخالدة (قصيدة) … الدكتور قيصر معتوق

٥ - يوم الشهيد … الاُستاذ عبُّود شبَّر

٦ - يا ثائراً للحقَّ (قصيدة) … الاُستاذ رشيد مجيد ناصرية

٧ - كلمة … الاُستاذ شاكر راغب الحلّي(١)

٨ - من وحي الحسين (قصيدة) … الشاعر محمّد هاشم الجواهري

٩ - انتفاضة السبط … الأديب جواد عبد الأمير الهاشمي

١٠ - شهيد المبدأ … الأديب كاظم السوداني

١١ - الذكرى الخالدة (قصيدة) … الاُستاذ كاظم مكي حسن

١٢ - كلمة إرتجاليَّة … الاُستاذ محمّد جواد جلال

١٣ - القرآن الكريم … المقرئ شاكر عبد الوهّاب الحمداني

١٤ - كلمة شكر ودعاء … عبد الرزّاق العائش

____________________

(١) ألقاها الكاتب بنفسه , ولكن الهيئة لم تحتفظ بنسخة منها.


افتتاحية الذكرى الرابعة

عبد الرزاق العائش

أيّها السادة , إنّ الذكر الطيب هو خير ما يخلّفه المرء لاُمتَّه ووطنه ؛ لأنه ذو قيمة لا يجهلها أحد , فهو تلك القوة الغامضة الَّتي تستفزُّ الهمم , وتوحي إلى العزائم , فيندفع المرء إلى الاقتداء بصاحب الذكر الطيبَّ , والعمل على رفع منار الوطن.

وهذه هي الفكرة الَّتي قامت عليها مدافن العظماء في الشرق والغرب ؛ أمّا في الشرق فلا يكاد يخلو بلد من بلاد المسلمين , بل وحتّى غير المسلمين من مشهد لوليًّ من الأولياء , أو مرقد لعظيم من العظماء.

وأما في الغرب فما (البانتيون) في باريس , و (دير ويستمنستر) في لندن , و (قاعة الخلود) في واشنطن سوى أماكن تضم رفات الخالدين من أهل الشهرة والذكر الطيب , وما هي إلّا بقاع من سائر بقاع الأرض , وإنما عظم شأنها حتّى أصبحت محاجَّ لملايين من الناس ؛ إجلالاً وتعظيماً لتلك الرفات المدفونه فيها.

وكذلك شأن قبر الجندي المجهول الَّذي أخذ ينتشر في أهمَّ المدن وأعظم العواصم , وذلك لغرضين :

أولهما : الاعتراف بفضل أهل الفضل وتخليد أعمالهم.

ثانيهما : استفزاز الهمم ؛ همم الخلف للاقتداء بالسلف.

وكلتا الغايتين جدير باُمَّة تعرف الجميل أن تعيرهما جلَّ اهتمامها.

ولما كان هدف الحسين (عليه‌السلام ) هدفاً عالميّاً هو المثل الأعلى , فمن قبيل نكران الجميل أن يقتصر تأبينه على اُمَّة دون اُمّة , أو طائفة دون طائفة , بل جدير بأن يساهم كلُّ ذي شعور حيًّ , سواء بالدرس والتحليل , أو بالإصغاء والتأمٌّل.

فهذه الفكرة أيُّها السادة هي الَّتي دفعتنا إلى الاحتفال بهذه الذكرى الخالدة ؛ ذكرى استشهاد الحسين (عليه‌السلام ) بصورة تتفَّق وعظمة المحتَفَل بذكراه ؛ اعترافاً بفضل صحبه الأماجد , واستفزازاً للهمم , وإحياءً إلى العزائم.

فسلام على الحسين يوم عطَّر الأرض بمولده , ويوم أيَّد الحقَّ بمهجته , ويوم يبعث حياً نقيَّ السريرة طاهر الضمير.

إذن يجدر بنا أيُّها السادة أن نقف برهة وجيزة حداداً على تلك النفوس الزكية الطاهرة.

عبد الرزّاق العائش

* * *


نظرة في حياة الحسين (عليه‌السلام )

فيصل جريء السامر

كانت حياة الحسين (عليه‌السلام ) منذ مستهلَّها حتّى ختامها جهاداً شاقّاً عنيفاً في سبيل الوصول إلى المثل الأعلى , وكفاحاً مريراً ضدَّ أهواء المجتمع والسياسة , ونزوعاً دائباً مستمرّاً إلى إحقاق الحقَّ , وإزهاق الباطل , وإقامة العدل , وإقرار مبادئ الدين الحنيف.

ذلك أن الفترة الَّتي عاش إبّانها شهدت فيما شهدت انفصال الدين عن السياسة , وظهور طائفة من المسلمين ضعف إيمانها , وأسفرت مطامعها , وألقت بالتقاليد الإسلاميّة وراء ظهرها , واستخدمت المكر والدهاء , والمال والعطاء للوصول إلى غاياتها. والحقيقة الَّتي لا شكَّ فيها أنَّ الخلافة كانت اُولى المسائل التي فرَّقت المسلمين ومزَّقتهم طوائف وأحزاباً.

ويهمُّنا هنا أن نكتفي بالإشارة إلى الاصطراع الخزي العنيف الذي دار بين العلويِّين من ناحية , والاُمويِّين من ناحية اُخرى , يؤيد كلُّ فريق وجهة نظره بحجج لا نريد أن نذكرها ؛ لأنَّ التأريخ نفسه قد أصدر حكمه فيها.

كان مركز بني اُميَّة في الشام , حيث موثَّرات الحضارة البيزنطيَّة الَّتي أدَّت إلى تغير مفاهيمهم لنظام الحكم ؛ إذ لم تلبث الخلافة الدينيَّة الانتخابية أن غدت نظاماً ملكيّاً وراثيّاً , وأخذ الخلفاء يضعون بينهم وبين الرعيَّة سدوداً وقيوداً تذكّر بما كان يفعله القياصرة والأكاسرة من طغاة الروم والفرس.

أين البَساطة السمحة المحببَّة الّتي شرعها الرسول الأعظم ؟

أين المساواة الرائعة بين الخليفة وأي فرد من الشعب ؟

أين عهد الخلفاء الاُوَل يوم كانوا يحاسبون أنفسهم حتّى على خلجات صدورهم ؟

أين نفحات الإسلام العطرة الّتي ملأت الأرض نوراً وعدلاً وبهاء ؟ أين كلُّ هذا وذاك ؟ لقد درس وعفا , وحلَّت محلَّه اُبَّهة الملك , وفخفخة السلطان , وهفيف الحرير , وبريق الذهب.

هذا في الشام , أمّا الحجاز مركز الإسلام الأوَّل فكان ما يزال يحيا على ذكريات السلف الصالح , وينطوي على حنق مكتوم وغيظ مكظوم كلَّما مدَّ بصره عبر الفيافي والقفار إلى العاصمة الصاخبة باللهو , والرافلة بالنعيم ؛ فليس بعجيب إذاً أن تزخر مكة والمدينة بحركة معارضة قويَّة يقودها الحسين بن علي (عليه‌السلام ) , وليس بعجيب أن تتجمع في الاُفق بوادر عاصفة مكتسحة تدلهمُّ , وتنذر النظام القائم بالويل والثبور.


لقد أحسَّ الاُمويُّون بهذه الأزمة الّتي تهدَّد كيان الدولة في الصميم , فحاولوا عبثاً أن يجذبوا الحسين إلى صفوفهم, أو يكسبوا صمته وحياده على الأقل ؛ ذلك أن الضمائر الحيَّة تأنف بمداراة النفاق , وتسلك بفطرتها السليمة طريق الحقَّ الناصع المستقيم , والنفوس الأبيَّة لا تتجاهل الباطل , بل تشير إليه صراحة , وتحاول أن تزيله حتّى لو أوردها ذلك المهالك.

وهنا في مثل هذه الأحوال يكون المحكُّ لبني الإنسان , أمّا أصحاب المثل العليا فأنصار للحقَّ مهما كان محفوفاً بالخطر , وأمّا أصحاب المطامع الدنيا فأتباع للباطل ما دام في ركابه الجاه والمال والسلطان.

هذه الحقيقة المرَّة تفسَّر لنا لمَ كانت القلَّة مع الحسين (عليه‌السلام ) والكثرة مع يزيد ؛ فقد أفلحت سيول الذهب والفضة , وأساليب التهديد والإرهاق في شراء الضمائر , وتكميم الأفواه , وإفساد الذمم إلّا الحسين وصحبه الكرام؛ فقد بقوا صخرة شمّاء تحطَّمت عليها كلُّ محاولة من هذا القبيل.

وبعد , فمن هو الحسين ؟ ومن هو يزيد ؟ أمّا الحسب والنسب [فظاهران معروفان](١) , وأمّا الأخلاق وخصائص الشخصيَّة فهي الميزان الحقُّ لكلَّ إنسان.

كان الحسين (عليه‌السلام ) عالماً خطيباً , حكيماً جواداً , وفيّاً شجاعاً , أمّا مزاجه النفسي فبلغ الكمال في لطف الحسن , وسموَّ الذوق , والعظة والتقوى , وكان يزيد بإجماع المؤرّخين خَدِين كأس وطاس , قسَّم وقته بين الشراب والعربدة وممارسة الصيد , وبين رياضة الكلاب والقرود , يلبسها الحرير ويحلَّيها بالذهب والفضة , في حين نفض يديه من شؤون الخلافة وسياسة الرعيَّة.

فالحسين إذن يشرف على الأرض من ذرا الأخلاق وقمم الفضيلة , ويزيد يدبُّ على الأوحال فلا يستطيع أن يرتفع بنفسه وبسيرته عن رغام الرذائل ودرك الموبقات.

وموجز المقال في خروج الحسين (عليه‌السلام ) أنه لم يكن طلباً للسلطان ورغبة في المجد الدنيويّ , بل كان سعياً محموداً لشل البيعة [الهرقليّة](٢) وتحقيق المبادئ الإسلاميّة. والصراع بين الطرفين هو صراع بين المثل العليا في روعة صفاتها ونقائها , وبين السياسة الميكافيليَّة الوصوليَّة.

أمّا نتيجة هذا الصراع فكانت طبيعيَّة ؛ لأن وقوف عشرات الرجال [الذين](٣) حرموا الراحة والطعام والماء أمام آلاف مدججين بأحسن الأسلحة , تسندهم دولة ذات صولة وجولة , ضرب من الخيال , خاصَّة والحرب لم تكن على طريقة المبارزة القرويَّة , بل وفق

____________________

(١) في الأصل : (فظاهر معروف).

(٢) في الأصل : (الرقلية) ، وما استظهرناه هو الأقرب للصَّحة , ففي إشارة إلى وراثة الملك.

(٣) غير موجودة في الأصل , والإضافة يقتضيها السياق.


الهجوم الجماعي , وهنا تكون الغلبة للأكثرية مهما بلغت من الجبن وضعف العزيمة.

هذه هي النتيجة المادَّيَّة القريبة , لكن النتائج المعنويَّة البعيدة لم تلبث أن بدت للعيان إثر موقعة كربلاء بفترة غير طويلة حين لقي قتلة الحسين شرَّ مصير , وأخذت دولة بني اُميَّة تنحدر إلى السقوط انحداراً سريعاً حتّى غدت أثراً بعد عين.

وها قد مضت مئات السنين دون أن تنسى الأجيال حادث كربلاء الَّذي ما زال يُذكي الهمم , ويوقظ في النفوس الإنسانية أسمى معاني الجهاد في سبيل الحق.

بقى علينا أن نستلهم من هذه الذكرى الخالدة ما يُنير حاضرنا , ويرسم مستقلبنا , ويؤدَّي باُمتّنا إلى الاتَّحاد والانسجام ؛ لأن الحسين (عليه‌السلام ) لم يستشهد إلّا في سبيل وحدة الاُمَّة الإسلاميّة وعزَّتها , وما أحوجنا اليوم إلى هذه الوحدة !

فيصل جريء السامر - البصرة


العقيدة الخالدة

الدكتور قيصر معتوق

كُفّي عن الدمع بنت الوحي واكتحلي

وألبسي الجيدَ سمر الحلي والحللِ

وطوَّفي في زوايا الخلد سيدةً

تراشق الحور بالأهداب والمقلِ

وأولمي في رياض الخلد داعيةً

أهل الجنان وآل البيت واحتفلي

وخفَّفي عنك واجلي الغمَّ مشرقةً

فلست ثكلى ففيم الأخذ بالثكلِ

فالعين ثكلى على ميْت تفارقه

ولا على من هو الأنوار في الطفلِ

ويندب المرء مَن غابت معالمه

لا من يحلّ صدور الخلق في غفلِ

فأخرجي من ذرا التأريخ منطمراً

يحدَّث الخلد عن أحداثك الاُولِ

وأطلعي في صدى الأجيال مفخرةً

تجول بالعصر بين الأمس والأزلِ

واستخلصي عبرةً في يثربَ استترت

بين الحطيم وبئر الماء والجبلِ

وبيّني السرَّ فيما يثربُ انفردت

تدرُّ بالمنَّ والألبان والعسلِ

وأوضحي مقصداً للحرب يحسبها

مسّاً من الجنَّ أو ضرباً من الخبلِ

وفرَّقي بين ذئب قاتلٍ حَمَلاً

وقتلِ ذئب سطا للفتك بالحملِ

واستطلعي موجة الأفكار من اُمم

والبين ينعى بكوراً خيرة الرسلِ

فاحني عليها وقد أبقت لميّتها

أبا تراب جثيّاً بين مغتسلِ

والعدل يشهد والوجدان عن ثقةٍ

أنّ الكرامة بين المصطفى وعلي

لكنّها في ضلال السوء صاغرة

آلت إلى الشام في ضرب من الحيلِ

فاستحكم الظلم واشتدت عوامله

وأطبق العيش بالأبواب والسُّبلِ

وخيَّم الفسق في حكم دعائمُه

تقوم بالوعد والتسويف والدجلِ

دبَّ الفساد من الأجسام منتقلاً

إلى المبادئ والأفكار والمثلِ

وأبطل الهزء بالآيات حكمتها

حتّى استعاض بكأس الخمر والغزلِ

وانبثَّ في العرب من بدو ومن حضرٍ

روح التذمر والإهمال والمللِ

فأحوج الأمر والفوضى إلى رجلٍ

يقضي على الشرَّ والأشياع والنحلِ


وينقذ الاُمَّة المنكودَ طالعُها

ويطلق الحرّ من منفىً ومعتقلِ

وفتَّش الحقَّ عمَّن نحو صاحبه

يسدِّد الضربة القصوى بلا خطلِ

مَن غيرُ فاطمة مَن أنجبت رجلاً

يقوم في الساعة السوداء في الثقلِ

فهو الحسين حفيد الوحي مَن وَجدتْ

فيه العقيدة كلَّ القصد والأملِ

وهو الحفيد لجدَّ العرب قاطبة

وهو الخليفة في حقَّ بلا جدلِ

ألقت عليه وشاح الوحي فاطمة

حتّى يعين الفتى في خطبه الجللِ

وسار طوعاً وشطر الشام قبلته

ينساب في البيد من واد إلى قبلِ

ما داس أرضاً بل الإيمان أركبه

إلى الجهاد عنيف غير محتملِ

لم يسأل البيد عمّا في مخابئها

ممّا ستوقعه الأقدار بالبطلِ

فكان يعلم ما توحي رسالته

فحيث تبدأ يبدو منتهى الأجلِ

من السلاح له في الصدر معتقدٌ

وفي ذراعيه ما في الزند من عضلِ

فأقبل الشرُّ في جيش يعزّزه

ليقهر الخير توّاقاً على عجلِ

ما ارتدَّ لـمّا رأى البهتان يقصده

وارتدَّ يصمد للتيّار في جذلِ

وطوَّق البؤس آمالاً معلَّقة

بعبقريًّ شديد حازمٍ عزلِ

فاستلزم الحال والوجدان تضحية

وضاقت الحيلة الدهياء بالرجلِ

إنّ العقيدة إن يسلمْ هو اندثرت

وتزدهي إن يمت في وطأة الصقلِ

فصاغ في الحال آل البيت قنبلة

تدكُّ دكّاً أساس الغدر والدخلِ

وصار لُغماً بصرح المكر منفجراً

يطوَّح الصرح بالطغيان والزللِ

شقَّت شظاياه صدر الكون نافذة

تصلي الضمائر بالأخطار والشعلِ

* * *

لولا ضحيَّة حملان مسالمة

لا يفهم الناس ما للذئب من عملِ

ضحّى الحسين بنفس عزَّ مطلبها

لينسف الظلم بالبرهان والمثلِ

والمرء يقضي لكي تحيا عقائدُه

والأخذ بالظلم يُفني أعظم الدولِ

الدكتور قيصر معتوق - البصرة

* * *


يوم الشهيد

السيد عبود شبر

في البدء خلق الله السماوات والأرض , وشاء أن يجعل من الأرض جنّة تزدهر بها الجنان ؛ فأوجد روحاً , وأوجد من تلك الروح حركة , فكانت تلك الحركه كائناً حيّاً. ثمَّ دفع بذلك الكائن الحي إلى هذا العالم المترامي الأطراف , فانجذب نحو الأرض بفعل جاذبيتها ؛ فصُقل واُودع كلَّ صفات الكائن الحي , فكان إنساناً قيل فيه :

اتحسب أنك جِرمٌ صغير

وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ

ثم زجَّ الإنسان بنفسه في تيّارات هذا العالم , فتزوَّج وأولد , فصار الإنسان إنسانين , وكان الخير وكان الشرُّ. وكانت للشرَّ قوىً وللخير قوىً مثله , واندفعت قوى الشر نحو قوى الخير مصوَّبة سهامها لتمحقها من الوجود , ووقفت تلك بدورها وقفة البطل لترد السهام ؛ فكانت الرذيلة وكانت الفضيلة , وكان أن انبثق من هذين الضدَّين دعاة لكلًّ منهما.

وسار الدهر سيره المعكوس ؛ فإذا بدعاة الرذيلة ينتصرون فيشمخون باُنوفهم , وأنصار الفضيلة يندحرون فيتساقطون في ميدان الشرف والمروءة ليكونوا الشهيد. وبينما الشهيد يندفع نحو ربَّه راضياً مرضيّاً إذا بنسيم الكرامة يهبُّ من بيت الفضيلة على شكل صوت ناعم رقيق ينبعث من بين جدرانه منشداً أعذب نشيد ردَّدته الأجيال :

يوم الشهيد تحيَّة وسلامُ

بك والنضال تؤرَّخ الأعوامُ

هنالك يشتدُّ الصراع بين قوى الخير وقوى الشر , وتكون نتيجة ذلك الصراع إظهار الخير بصورة بطل , ويكون ذلك البطل الشهيد.

ثمَّ يهبُّ نسيم الخير مرَّة اُخرى من بيت عربيًّ هاشميًّ كريم يُشتمُّ منه عبير الكرامات , فيتمثل ذلك الشهيد شخص إنسان , ويكون ذلك الإنسان أبا الشهداء الحسين بن علي (عليه‌السلام ) سيد الشباب وعميد البيت الهاشمي الرفيع.

وقصة الحسين (عليه‌السلام ) معروفة لدى الجميع , وثورته باقية ذكراها ما بقي التأريخ. على أننا ونحن نستعرض هذه القصَّة الخالدة يحقُّ لنا أن نفهم ما إذا كان الحسين محقّاً عندما رفض مبايعة يزيد أم كان مخطئاً , ولِم ثار على حكمه مع علمه بقوَّته وكثرة أنصاره ؟ وهل نجحت ثورته ؟ وما هو الدرس الّذي يجب أن نتعلَّمه من هذه الثورة ؟

من المعلوم أن الدعوة الإسلاميّة الّتي انبعثت من البيت الهاشمي الرفيع قام بها النبيُّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جدُّ الحسين (عليه‌السلام ) ، وكافح في سبيل تركيزها الإمام عليٌّ أبو الحسين (عليه‌السلام ) , فبطبيعة الحال يكون المنتسبون لهذا البيت وبالأخصَّ الحسين أحرص الناس على رعاية هذه الدعوة.


ولما اغتصب الاُمويُّون الخلافة وأودعوها إلى يزيد بن معاوية المعروف بنزقه وطيشه وانحرافه عن الطريق الّتي رسمها المشرع الأكبر , رأى الحسين (عليه‌السلام ) - بصفته عميد الهاشميين , ووريث صاحب الدعوة الإسلاميّة - بأنه أصبح شرعاً مسؤولاً عن حياض الإسلام.

أضف إلى ذلك أن الأكثريَّة من زعماء المسلمين من أصحاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )المقرَّبين طعنوا بخلافة يزيد , وثارت بعض البلدان الإسلاميّة وفي مقدَّمتها العراق فرفضت البيعة , وكتبت إلى الإمام الحسين مبايعةً إيّاه , وطالبة منه القدوم إليها. فلم يكن إذن للحسين(عليه‌السلام ) من بدًّ إلّا أن يلبَّي دعوة الداعين ويثور على يزيد.

ولـمّا لم يكن الحسين من الساعين لأخذ الحكم حبّاً بالحكم ذاته , بل ليجعله واسطة لنشر لواء الفضيلة ومحاربة الرذيلة , وإنه بناء على ذلك لا يريد أن يفرض نفسه على الناس فرضاً كما يفعل الكثير من صغار النفوس ممَّن تمكّنت في نفوسهم شهوة السلطة من الحكّام الطغاة , بل ليترك للناس الفرصة للتفكير بمن هو أصلح للحكم بالرغم من إلحاح أهل العراق وغيرهم عليه بالقدوم , فقد تأخَّر , وأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل ليستطلع آراء القوم , فأضاع بذلك عامل المباغتة الَّذي يعرفه العسكريون اليوم في الوقت الَّذي تمسك به خصمه وخسر بذلك المعركة عسكرياً.

وبالطبع ليس المهمُّ أن يخسر صاحب أيَّة فكرة المعركة أو يربحها عسكرياً , بل المهم أن يربحها معنوياً , وأن يصل إلى الغاية الَّتي يريدها حتّى ولو ضحى في سبيل ذلك بنفسه. وقد كان للحسين ما أراد.

صحيح أن الحسين (عليه‌السلام ) قد قُتل هو وأصحابه , وأن العدوَّ قد مثَّل بأجسادهم , ولكن نار ثورة الحسين لم تخمد , وقد بقيت مشتعلة حتّى هدمت الظلم والجور , وعلَّمت الناس كيف يكون شهيد المبدأ , وكيف تموت الرجال.

لقد هدم الحسين (عليه‌السلام ) بثورته ملك اُمية , وثلَّ عرشهم , وأقضَّ مضاجعهم , بل وحتّى بيتهم العتيد قد قضى عليه وهدمه معنوياً , وجعله لا يذكر إلّا واللعنة مقرونة به.

وأنت ترى الآن أن كلَّ فرد تقريباً من العرب والمسلمين يشرَّفه أن ينتسب للبيت الهاشمي , بل ويشرَّفه أن يكون خادماً لهم , ولكن هذا الفرد لا يشرَّفه أن ينتسب للبيت الاُموي. وأنت ترى أيضاً أن الحسين ما ذكر اسمه إلّا وصلّى الناس وسلموا عليه , وما ذكر اسم يزيد إلّا وصُبَّت عليه اللعنات كما تصبُّ على إبليس الرجيم.

ولم تمرَّ إلّا أيام معدودات على مصرع الحسين (عليه‌السلام ) حتّى ثار دعاة الفضيلة من أنصاره على الحكم الاُموي , وثأروا للكرامة الهاشميَّة المضامة الثأر الأليم , فقضوا على كل اُموي , وأجهزوا على الجرحى من فلولهم , ونبشوا الدوارس من قبورهم , فمثلوا بالعظام الرميمة , وجاؤوا بأشلاء بعضهم فأطعموهم النار الحامية , وذرُّوها في الريح العاصف رماداً حقيراً.


تلك عاقبة كل متعنَّت لا يعير أمر الشعب اهتمامه , ولا يحسب لثورته أي حساب. فأيّة ثورة نجحت كثورة الحسين ؟ إن أنصار الفضيلة سيظلُّون يذكرون الحسين ما بقي الدهر , وسيظلُّون يستقبلون المحرم بلَدم الصدور بالأكفَّ , وضرب الظهور بالسلاسل , وسيظلون يحملون تلك الشعارات الممجَّدة لثورته , ويردَّدون تلك الأناشيد المشيدة بفضله وإيمانه , لا لأن ذلك ممّا يزيدهم ثواباً فحسب , بل ليثبتوا لكلَّ مارق أثيم وطاغية لئيم بأن أصحاب المبادئ لا يموتون , وأن دم الشهيد لا يضيع.

بقى علينا أن نعرف ما هو الدرس الَّذي نتعلمه من تضحية الحسين هذه ؟ إن الاُمَّة العربيَّة المضامة , والّتي طُعنت بكرامتها في هذه الأيّام , يجب أن تتعلَّم من ثورة الحسين دروساً في الإباء ونكران الذات , دورساً في الفناء والتضحية في سبيل المبدأ. يجب عليها كي تستعيد كرامتها الَّتي هدرت أن تتمثَّل بالحسين , وأن تقف بشبابها وشيبها صفّاً واحداً تاركة جميع الاعتبارات الموضعية , ومندفعة نحو هدفها.

يجب علينا نحن العربَ والعراقيين على الأخص , الَّذين تشرفت تربة بلادنا بضمَّ جسد الحسين أن نجعل من ذكراه حافزاً لنا لضمَّ الصفوف , ومحاربة كلَّ نعرة هدّامة من شأنها تمزيق وحدتنا في مثل هذا الوقت العصيب الَّذي أخذت به قبور الطامعين تتحرَّك فتنبعث منها رائحة نتنة هي رائحة الطائفيَّة البغيضة.

إنّي اُهيب بشباب العراق الواعين جميعاً أن ينبذوا كلَّ نعرة مفرَّقة , ويحاربوا كلَّ دسّاس أثيم , ويلتفُّوا حول وارث عرش المجد النبوي , وحفيد السبط الشهيد سيّدنا المليك المعظم , ليكونوا يداً واحدة , وليهتفوا دائماً وأبداً :

وإنّ الاُلى بالطفَّ من آل هاشمٍ

تأسَّوا فسنُّوا للكرام التأسَّيا

عبود شبر


يا ثائراً للحقِّ

رشيد مجيد

رشيد مجيد ١٩٢٢م

* شاعر وفنان.

* ولد في الناصريّة.

* ترك الدراسة الرسميّة وأنصرف للأدب والشعر. من دواوينه المطبوعة :

١ - بوابة النسيان ١٩٧١م.

٢ - وجه بلا هويّة ١٩٧٣م.

٣ - يحترق النجم ولكن ١٩٨٥م.

* كتب المسرحيّة والمقالة والتعليق الأدبي.


يا ثائراً للحقِّ(١)

رشيد مجيد

عبثاً يعبَّر عن مُصابك مرقمي

فلقد ذوى سحرُ الترنُّم من فمي

وتحطَّم القيثار بين أناملي

وشكا إليَّ بحيرة وتلعثم

ما لي عييت عن النشيد وطالما

روَّيت هاتيك الملاحن من دمي

ماذا أقول وقد وجمت من الأسى

إذ دونما أصبو إليه ترنُّمي

كلا ولا الطير المغرَّد منشدٌ

فلقد بدا في صمته كالأعجمي

حيران يرسل طرفه في غمرة

لا تنجلي من محنة وتألُّم

يرنو إلى الاُفق المخضَّب ساهماً

يتلو سطوراً في السماء من الدم

فالأرض ثكلى والسماء كئيبةٌ

وهناك في الأجواء رنَّة مأتم

خطبٌ يجوس الأرض هول ظلامِه

ويجوس أعماق الوجود بأظلمِ

يوم به وقف الحسين بكربلا

من اُمَّة تاهت ببيعة مجرمِ

حيث انتضت والحقد يملؤها لظىً

سيف الخيانة في يد لم تسلم

إذ بايعته على الخلافة في يدٍ

نعمت ملامسها كجلدة أرقم

فمضت تشنُّ وما سوى أحقادِها

حرباً تبدَّدها انتفاضة ضيغم

قد خاضها بأعزِّ ما ملك امرؤ

دنياه من مال ومن طفل ظمي

(فهوى وفي شفتيه بسمةُ ظافرٍ)

ذهبت بثغر اُميَّة المتبسم

* * *

____________________

(١) وقد ألقاها بالنيابة الأديب عبد الحسين المهدي.


انتفاضة السبط عبرة وذكرى

جواد عبد الأمير الهاشمي

أيُّها السادة , تمرُّ الأجيال وتنصرم الدهور , وهذا اليوم الخالد يوم عاشوراء يُلقي على مسمع الزمن عظاته الغالية, ويلقَّن الأجيال بأنّ الحياة مهما كانت عزيزة يتعلَّق بها المرء ويغترف من لذائذها ؛ فهي تافهة لا تعادل شيئاً لدى النفوس الكبيرة إذا تعارضت مع مبادئها وحادت بها عن مثلها العاليا وعقائدها المقدَّسة.

وفي غمرة هذه الأطماع والأنانيّات الَّتي يتخبَّط البشر في ظلماتها , وفي هذا العالم الصاخب الَّذي تتقاذفه تيّارات الشهوات والأهواء الرخيصة تُطلُّ علينا هذه الذكرى. ذكرى بطولة السبط وتضحيته من وراء حقب الأحداث والتضحيات , وهي محاطة بهالة من التقديس والإجلال للشهيد الَّذي ضرب أروع الأمثلة في التضحية والمفاداة في سبيل المبدأ والعقيدة , فكان بطلاً من أبطال الإنسانيَّة وروّادها , وحملة مشاعلها في هذه الحياة.

يطلّ علينا يوم الطفّ - أيّها السادة - والعرب والمسلمون قد لعبت بهم الأهواء , وتقاذفتهم النكبات والويلات, وامتحنوا أقسى امتحان في مراحل تاريخهم الطويل , وقد نأت نفوسهم عن هذه المبادئ السامية والمعاني القدسيَّة الّتي ضحّى من أجل بقائها والحفاظ عليها صاحب هذا اليوم الأغرّ بنفسه وآل بيته وصحبه.

ونحن إذ نستعرض هذه الذكرى بقلوب خاشعة ونفوس مكلومة ينبغي أن نغترف من فيضها القدسي , ونتزوَّد من معين عطائها الّذي لا ينضب دروساً تمهَّد لنا سبيل الكفاح لمقارعة الظلم والطغيان , ونيل حقوقنا كاملة في هذه الحياة القاسية الّتي لا يكتب فيها العزُّ والسؤدد إلّا للقويّ.

أجل أيُّها السادة نحن في أمسَّ الحاجة في هذه الفترة من حياتنا العصيبة القلقة , نستلهم تاريخنا , ونخلَّد ذكرى أمجادنا وبطولاتنا , وما بطولة الحسين (عليه‌السلام ) إلا في طليعة بطولاتنا وأمجادنا , بل هي في طليعة البطولات الّتي شهدتها الإنسانيَّة في سيرها , وسجَّل سيرتها التأريخ بصفحات مشرقة خالدة على الدهر.

فلا تأبه الاُمم بصفحات مجدها وبسِيرَ أبطالها ومثلهم العليا لاستدرار الدموع وإثارة الابتهاج , وإنما هي تستخلص من تأريخها عبراً ودروساً غالية تنير لها دياجير الحياة , وتلهمها لناشئتها وأفراد جيلها الجديد ليمضوا على هديها , ويتَّخذوا من مظاهر بطولاتها مثلاً عليا , وقدوة حسنة في الحياة , فيؤدي التأريخ بذلك رسالته للشعوب بربط ماضيها بحاضرها , وإنارة سبيلها لتشييد صرح مستقبلها المنيف.

وعلى ضوء هذا التعريف لرسالة التأريخ يجب أن نحيي ذكرى سيّد الشهداء (عليه‌السلام ) ، ونخلَّد تعاليمه ومبادئه في قلوبنا , وننشر بين طلائع الجيل مثله العليا لتهتدي النفوس , وترعوي القلوب , وتعفَّ الضمائر بعد أن طغت الأنانيّات على المجتمع , واستحوذت الشهوات الدنيّا والمطامع الزائلة على الناس.


أيُّها الحفل الكريم , لقد جاء الإسلام هدىً للناس ورحمة للعالمين , تعهَّده الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وخلفاؤه الراشدون من بعده , فأخرج الناس من الظلمات إلى النور , وطهَّر النفوس من أوضارها , وأزال عنها عادات الجاهليّة الاُولى وأطماعها.

ولكنَّ الله تعالى لحكمة أرادها امتحن النفوس بمحنة الإيمان ؛ ليظهر للناس زيف الّذين اعتنقوا الإسلام لا حبّاً به وإجلالاً لتعاليمه , وإنما هي النفوس الصغيرة الّتي تتَّخذ الدين وسيلة لأطماعها وشهواتها في الحكم والسلطان.

فما كاد أن يلقى الخليفة الرابع (عليه‌السلام ) وجه ربَّه قتيلاً على يد أفّاك من مجرمي الإنسانيَّة المنكودة بأبنائها الضالين, وتحلَّق روحه الطاهرة إلى بارئها راضية مرضية , ثمَّ يمضي الزمن سراعاً إلّا ويُمتحن الإسلام بهذه النفوس الّتي جرَّت عليه محناً وانتكاسات يسجّلها التأريخ ملطَّخة بالخزي والعار.

وكانت خلافة يزيد على المسلمين وتحكُّمه في اُمورهم الدينيَّة والدنيويَّة , وهو المعروف بانغماسه في الشهوات وميله إلى اللهو , سبباً مهمّاً في تطلُّع الناس إلى الزعيم الديني المصلح.

فمن هناك غير الحسين بن علي (عليهما‌السلام ) الزعيم الروحي الَّذي تتطلَّع إليه القلوب وتهفو له الأرواح ؟ ومَن أحرص على تنفيذ تعاليم سيّد المرسلين (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من آل البيت الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً ؟ ومن أكثر إقداماً على التضحية من أجل الدين الحنيف من حفيد المصطفى وسيّد شباب أهل الجنَّة ؟

إنّ التهديد لا يفتُّ في عضد سبط الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليطيع أوامر يزيد ويرضخ لبيعته كما رضخ غيره , وإن الدنيا ومظاهرها الكذّابة لا تخدع الحسين فينصرف عن حماية دينه ومقارعة الظلم والبغي والطغيان ولو كلَّفه ذلك الاستشهاد.

حاشا لله أن يرضخ ابن البتول لتهديد الباطل ووعيده , أو أن تحول بهارج الدنيا ولذّاتها بينه وبين صلابة مبدئه وقوَّة عقيدته , وهو القائل : (( والله , لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذليل , ولا اُقرُّ لكم إقرار العبيد , وإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة , والحياة مع الظالمين إلّا برماً وسأماً)). حاشا لله أن يحيد ابن فاطمة عن مثله العليا وهو الّذي تربّى بين أحضان النبوَّة , وتشرَّبت روحه بفيض الإيمان.


إنّ الأحداث الجسام - سادتي الأفاضل - محكُّ الرجال , تظهر منها صلابة عقائدهم وسموُّ مكانتهم في الحياة. ولقد كان أمام سيّد الشهداء (عليه‌السلام ) طريقان لا ثالث لهما ؛ إمّا أن يذعن ليزيد ويركن لبيعته فيكون قد هدم الإسلام وأقرّ الظالم في ظلمه , وإمّا أن ينكر على يزيد خلافته الّتي خرقت تعاليم الإسلام ويعلن تمرُّده على يزيد , ولا مفرَّ له من مجابهة جيوشه الزاحفة بنفر قليل من آل بيته وصحبه. وقد كان.

فما أعظم بطولتك يا أبا عبد الله ! وما أكبر استشهادك في إعلاء كلمة الحق ! وما أحوجنا يا سيّد الشهداء ونحن في غمرة هذا الليل البهيم من المشاكل والأزمات إلى قبس من نورك يبدَّد عن النفوس أنانيَّتها وأطماعها , ويجمع كلمة العرب والمسلمين ليجاهدوا في سبيل مبادئهم كما جاهدت , ويدفعوا عن حياضهم الظلم والطغيان ! فسلام عليك وعلى آل بيتك المطهّرين , وصحبك الغرَّ الميامين ورحمة الله وبركاته.

عبد الأمير الهاشمي - البصرة


شهيد المبدأ

كاظم السوداني

( وَلا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللهِ أَموَاتاً بَل أحيآءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ ) (١)

صدق الله العلي العظيم

أيُّها الحفل الكريم , لست مبالغاً أو مغالياً لو قلت : إنّ لساني القاصر ليعترف بالعجز أمامكم عن التعبير بكلَّ ما تجيش به نفسي من آلام الحزن لهذا المصاب الجلل , والخطب الهائل الّذي نزل على الاُمَّة الإسلاميّة نزول الصاعقة المهلكة , فترك قلوباً ينهشها الحزن , وأكباداً يفتَّتها الألم , وأنّات عميقة ملؤها الأسى والأسف.

وليس بالكثير حقّاً إذا نُكَّست أعلامنا في مثل هذا اليوم الأسود الكئيب , وليس بالغريب إذا ما وجمت قلوبنا , وخرست ألستنا , وجفَّت أقلامنا حزناً لمصابنا الفادح لنصير الحقَّ ورجل الرحمة , وعدو الظلم والاستعباد.

ولئن اعتاد الخطباء في مثل هذه الحفلات التأبينيَّة أن يذكروا حياة ذلك البطل الشهيد (عليه‌السلام ) ، ويعدّدوا محاسن أعماله وحميد صفاته , فإني لا اُتابعهم في ذلك ؛ لأن شمس أعماله الخالدة المجيدة لا تزال مشرقة في سماء الكون الشاسع, ساطعة في أرجاء العالم وأنحائه.

فمَن منا أيُّها السّادة يجهل الحسين بن

____________________

(١) سورة آل عمران / ١٦٩.


علي (عليهما‌السلام ) الَّذي طرق سمعَه صراخُ أبناء الاُمَّة الإسلاميّة واستنجادُهم في عهد بطل العبوديَّة يزيد بن معاوية , فهبَّ بحماس شديد لكي يردَّ إلى قلوب الصارخين الطمأنينة والاستقرار.

وقام ملبَّياً نداء طالبي النجدة من أبناء تلك الاُمَّة الَّتي عصف الظلم براحة أبنائها , ونسف الجور كيانها , وطغى الاستبداد والاستعباد على نظام الحياة والعيش فيها , وأسرع بدون مبالاة بقوَّة الباطل وجبروت خصمه , متخذاً من إيمانه بالمبدأ وعدالة قضيته سلاحاً قويّاً , وعدَّة كافية للوقوف بوجه الطاغية يزيد وأنصاره ؟

ومَن منا أيُّها السادة ينكر تضحية الحسين بن علي (عليه‌السلام ) وصبره واستمراره في المطالبة بإعادة الحقَّ إلى نصابه , وتقويض أركان الباطل الّتي شيَّدها اُناس شاءت الظروف القاسية أن يشيدوها ؟

ومَن منا ينكر ذلك الموقف الرهيب الّذي وقفه بعدما صُرع أنصاره وأفراد عائلته الواحد تلو الآخر , وهو يصفُّ الجثث الواحدة جنب الاُخرى , رابط الجأش , مبتسم المحيّا , متخذاً من إرادته القويَّة وإيمانه بقدسية رسالته معيناً عذباً ينهل منه ما يشاء في سبيل الثبات بوجه الطغاة المعتدين ؟

ولكن - ويا للدهر الغاشم ! - غزته المنون القاسية فأردته صريعاً دون أن تمهله ليتمَّ الواجب الّذي تطوَّع من أجله. وتلك هي اُمنيته الغالية لكي يغسل بدمائه الزكيَّة تلك الأرض الَّتي لوَّثتها فئة يزيد وعصابته بأعمالها الجائرة وأفعالها المقيتة الغاشمة , وليجعل من قضيته النبراس المضيء أمام أبناء جنسه الآخرين ليهتدوا بما فيها من دروس وعبر, وليسيروا على الخطوات الّتي سار عليها , وليقتدوا به ليؤمنوا بجلال التضحية في سبيل المبدأ الَّذي ضحّى من أجله بروحه.

فعلينا والحالة هذه الاقتداء وأخذ العبرة من قضيَّته ؛ لأنّ روحه الطاهرة ما زالت ترفرف في سماء الكون الأزلي , وما فتئت تطيل إلينا النظر وترعانا لعلنا نحقَّق ما أراد , ونتوصَّل إلى ما ابتغاه , والسلام عليكم.

كاظم السوداني


الذكرى الخالدة

كاظم مكّي حسن

في ركبك المجد أنّى سرت والهممُ

وفي حماك أقام الفضلُ والكرمُ

ولم تزل لك في الأجيال دائرةً

ذكرى يردَّدها من ذا الزمان فمُ

يا ناصر الحقَّ لـمّا قلّ ناصرُه

وحاميَ الحُكْم لـمّا استهتر الحَكمُ

وراعي العدل لـمّا بات مغترباً

فكان فيك له أمنٌ ومعتصمُ

بعثت للدين والدنيا صلاحهما

وفي صلاحهما الخيراتُ والنعمُ

كنت الزعيم لأحرار شعارهمُ

عيشُ الكرامة في الدنيا أو العدمُ

رأوك أشجع من يدعو وأخلص من

يهدي وأرحم من للحقَّ ينتقمُ

ونهضة لك ضمَّت كلَّ مكرمة

بيضاء كان بناها للخلود دمُ

يمضي الزمان عليها وهي خالدةٌ

فلا زوالٌ ولا شيبٌ ولا هرمُ

جديدة وكفاها روعة وعُلا

وعزَّة أنت فيها المفرد العلمُ

لم يثنِ عزمَك عنها أنها رهقٌ

وشدَّة واغتراب كله ألمُ

ولم ترُعْك رزاياها الّتي عظمت

في الطفَّ هولاً ولم تقعد بك الأزمُ

فغاية البطل المقدام تحمله

على الشدائد يلقاها ويبتسمُ

فلا يقرُّ له جنب على ضِعة

ولا تسير به في ذلَّة قدمُ

فتحت بالصبر والإيمان ما عجزت

عن فتحه بقواها هذه الاُممُ

وشِدت بالحزم والإقدام مملكة

تراجع الجور عنها وهو منهزمُ

فلا يزول لها حكم وقد بُنيت

على دماك ولا يُطوى لها علمُ

زالت ممالك مَن ساموا الورى عنتاً

وخرَّ سلطان من جاروا ومن ظلموا

وحطَّم العسف تيجاناً به رُفعت

وأهلك البغي أرباباً به حكموا

فذاك ذكرهمُ بالعار مقترنٌ

وذا كيانهمُ بالجهل منهدمُ

وظلَّ ذكرك نوراً للورى وهدىً

يُمحى به الظلم أو تُجلى به الظلمُ


يجري مع الدهر جيلاً بعد سالفِهِ

لا العرب تنساه في يوم ولا العجمُ

يوحي إلى الناس أنْ يَحيوا بلا ضعة

أو أن يموتوا وفي آنافهم شممُ

يوحي إلى الناس أن العيش منقصةٌ

وذِلَّةٌ إن تولّى أمرهم فدِمُ

ويلهمُ الناهضين العزم إن وثبوا

إلى الجهاد وخاضوا الحرب واقتحموا

* * *

أعظم بذكراك يابن المصطفى أثراً

يزيده جِدة في العالم القدمُ

ذكرى بها ازدهرت دنيا الهدى وزهتْ

نوراً بها سنن العلياء والنظمُ

ذكرى المروءة ذكرى الباذلين لها

أرواحهم ليعزُّوها وما ندموا

* * *

يا ثائراً قد تحدّى كلَّ نائبةٍ

ولم يُرعْ حيث موج الموت يلتطمُ

نهضت والناسُ فوضى في ديارهمُ

وشرُّهم فيهمُ مستحكم غممُ

في كلّ ناحية للبغي متَّسعٌ

وللهوى والدنايا مرتع وخمُ

وفوق كلَّ صعيد ظالم أشِر

ورأس كلَّ قبيل معتد أثمُ

فها هنا وثن تعنوا الوجوه له

وها هنا زمر يسعى بها صنمُ

عمَّ الفساد وساد القائمون به

واستفحل الشرُّ حتّى ديست الذممُ

فالدين مغترِب والحقُّ منتبَذٌ

والعدل محتقر والحكم مهتضمُ

والناس من شدَّة الإرهاق قد ألفوا

ذلَّ الخضوع ولاذوا فيه واعتصموا

يقودهم للمخازي كلُّ طاغيةٍ

عن الهداية أعمى ملؤه صممُ


قد أسلموه زِماماً منهمُ ومضوا

وراءه للشقا طرّاً فما سلموا

لا يُصلحُ الناسَ غِرٌّ لا رشاد له

وليس يُرضيه إلا الكأس والنغمُ

يُمسي ويُصبح دنياه مفاسده

ودينه أن يهان الدين والحرمُ

تالله لولا ضلال الناس ما خضعوا

لظالمين أذلوهم وما رحموا

ما كان يرعاهم ذئبٌ ويوردهمْ

موارد الموت لولا أنهم غنمُ

* * *

كفى بحكم يزيد ذلَّة وغوىً

وخسة إنَّه بالعار متَّسمُ

أخزى العروبة والإسلام وانطمست

فيه المروءة والإيثار والشيمُ

فالظلم من شأنه والبغي عادته

وليس يفعل إلّا كل ما يصمُ

وعنده الحكم لهو مثل ميسرةٍ

ودينه فرص للفسق تغتنمُ

من معشر ما رعوا حقّاً ولا شرفاً

في آل طه ولم تعطفهمُ رحمُ

قومٌ على الشرَّ قد شبّت صغارهمُ

أو قيل من شرُّ كلَّ الناس قيل همُ

وقيل هذا إمام المسلمين ومَن

مقامه مِن مقام المصطفى أممُ

خليفةٌ وأمير المؤمنين وكم

به على المؤمنين انصبَّت الحممُ

ومذ تفاقم فيه الشرُّ متّسعاً

ودبَّ في الدين مِن آثامه سقمُ

وأصبح الناس يرجون الخلاص على

يدٍ لها خُلق الصمصام والقلمُ

هبَّ الحسين إلى الإصلاح في نفرٍ

لـمّا دعاهم لنصر الحق ما وجموا

أتوا خفافاً ولم يقعد بهم جزعٌ

أو رهبة وعلى وِرد الردى ازدحموا

من كلَّ أروع طعم الموت في فمه

لدى الجهاد لذيذ سائغ شبمُ

حفّوا به والرزايا في طريقهمُ

فما استكانوا ولا هانوا ولا سئموا

يلقونها وعليهم من شجاعتهم

نور وفي قلب كلًّ منهمُ ضرمُ

قد أحسنوا الذود عن دين وعن شرفٍ

وعن مبادئ هُنَّ المجد والعظمُ

حتى ثووا لم يمدّوا للطغاة يداً

ولم يجفَّ لهم فوق التراب دمُ

* * *

كاظم مكّي حسن - البصرة


شذرات

كثيراً ما يضيق نطاق الحفل عن الكلمات والقصائد الّتي ترد إلى الهيئة , وخاصة من خارج البصرة ؛ لقلة من يقوم بإلقائها بالنيابة , أو لضعف الخط ؛ الأمر الَّذي يضطر الهيئة إلى العدول عنها مع التقدير والاحترام لأصحابها.

ومن بين ما ضاق نطاق الحفل عن إلقائه الكلمات والقصائد الّتي تجدها في هذا الباب. كما أن لبعض أعضاء الهيئة نتاجاً ذا قيمة اُلقي بمناسبات شتّى وبأماكن مختلفة , فارتأينا تعميماً للفائدة أن نثبت هنا جانباً منه.


فهرس (شذرات)

١ - يوم الطفَّ (كلمة) … عبد الرزّاق العائش

٢ - القدر يثأر (قصة) … محمود الحبيب

٣ - مولد الكرامة (قصيدة) … كاظم مكّي حسن

٤ - الحسين (كلمة) … عبّاس الملا علي

٥ - عظمة الحسين (قصيدة) … حسين الحاج وهج

٦ - يومان (كلمة) … عبد الرزّاق العائش

٧ - بشائر الحسين (قصيدة) … كاظم مكّي حسن

٨ - قصّة ميلاد (قصة) … محمود الحبيب

٩ - يوم عاشوراء … السيّد فاضل السيد مهدي

١٠ - ذكرى يوم عاشوراء (كلمة) … السيّد محمّد بحر العلوم

١١ - ذكرى مولد السبط … كاظم مكّي حسن

* * *


يوم الطفّ(١)

عبد الرزّاق العائش

إذا ما ساعد الحظّ امرأً من المسلمين , فدكَّ أطواد الجهل المنهكة لقوَّة إدراكه , وأزاح غشاء التعصُّب المطبق على ضميره , وأنجلت له أنوار الحقيقة الساطعة , فنظر بعين لم تعلُها غياهب الشكَّ , وفكَّر في يوم الطفَّ تفكيراً دقيقاً محيطاً بشتّى نواحيه , ثمَّ طفق يسأل نفسه :

١ - من هو الحسين ؟ وإلى أيَّة اُسرة ينتمي ؟

٢ - أيُّ ذنب اقترفه حتّى كان القتل بعض جزائه ؟

٣ - في [أيّ شهر] وقعت فاجعة الطفَّ ؟ وهل لذلك الشهر من حرمة ؟

٤ - أيُّ قوم جرَّدوا على الحسين أسيافهم ؟

إذا ما ساعد الحظ امرأً وفكر بمثل هذا , هان عليه أن يذرف الدمع دماً , ثمّ راح يلتمس العذر عما فرط منه تجاه هذا اليوم المقدّس. وعلة ذلك :

١ - لأنّ الحسين (عليه‌السلام ) سليل اُسرة كانت ولا تزال لها الفخر والفضل على العروبة عامّة والإسلام خاصَّة ؛ فجدُّه النبيُّ الهاشميُّ محمّد بن عبد الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذلك القائد الأعظم الَّذي شهد التأريخ بفضله ؛ إذ قاد العرب إلى سبيل الرشاد بعد أن أوضح لهم نهج الهدى فانقذهم من هُوَّة الجهل الّتي كادت تقضي عليهم من جرّاء حروبهم الطاحنة , وفتنهم المستعرة بعضهم بعضاً , وألَّف بين قلوبهم ,

____________________

(١) هذه أوَّل بذرة غرسها الكاتب في حقله الأدبي بهذه المناسبة ؛ إذ ألقاها في أحد المآتم الحسينيّة في الخندق , الليلة العاشرة من شهر محرم سنة ١٣٥٩.


( فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَاناً ) (١) , وسما بهم إلى ذروة المجد ؛ فبنى لهم صرحاً شامخاً أضاءت أنواره أرجاء البسيطة حتّى استنار به القاصي والداني في مدلهمّات الظلم , ورفع لهم كياناً خضعت له اُمم كان يعزُّ عليها أن تخضع لعربي قطّ لولا هيبة محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فلمَّا أبصروا منه نور الهدى , وسلكوا طريق النجاح , وعلموا مكانتهم من الاُمم الراقية آنذاك أخذوا يرتَّلون آيات الحقَّ والثناء باسمه , حتّى بلغ من فرط ولائهم له أن كانت جلُّ أناشيدهم وأهازيجهم بذكره , وكانوا لا يعتقدون بالنصر لـمّا تدور رحى الحرب ما لم يكن هتافهم : (لا إله إلّا الله , محمّد رسول الله).

وأما أبوه فعليُّ بن أبي طالب (عليه‌السلام ) ، ابن عمّ محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وأوَّل من آمن بنبوَّته , وصدَّق كلمته , وخاض غمار الحرب دونه , فأبدى من الشجاعة والبسالة ما حيَّر العقول وأذهل الألباب. كل ذلك في سبيل نصر النبي محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وأما اُمُّه ففاطمة (عليها‌السلام ) بنت محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وفلذة كبده , ووديعته عند اُمّته , تلك الَّتي كثيراً ما أوصى بها قائلاً : (( فاطمة بضعة منّي , فمن آذاها فقد آذاني , ومَن آذاني فقد آذى الله , ومَن آذى الله فقد كفر ))(٢) . فهل من شكًّ في أن قتل الحسين يؤذي فاطمة (عليها‌السلام ) ؟

وأمّا عمومته فبنو هاشم , اُولئك الأشاوس الَّذين ضحّوا بالنفس والنفيس

____________________

(١) سورة آل عمران / ١٠٣.

(٢) صحيح البخاري ٥ / ٢٦ , ٢٧ , مستدرك الحاكم ٣ / ١٥٨ , كشف الخفاء (العجلوني) ٢ / ١٣.


في سبيل نصرة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كالحمزة وجعفر , وغيرهما من الاُسود البواسل الَّذين قوَّموا مكارم الأخلاق بمعوجَّ سيوفهم , وأقاموا العدل بمعتدل رماحهم.

٢ - لم يقترف أيَّ ذنب , وإنّما كان قتله وسلب رحله وسبي حرمه , وما إلى ذلك من أفعال شنيعة لمناوأته لقوى العسف والجور , تلك القوى الّتي حاولت هدم ما بناه محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ومحو ما رسمه من خطط تقضي على الظلم والعدوان.

٣ - الشهر الّذي وقعت فيه فاجعة الطفَّ هو الشهر المحرَّم , أحد الأشهر الحرم الأربعة الّتي كانت العرب في الجاهليّة فضلاً عن الإسلام تحترمها , وتجتنب فيها القتل وسفك الدماء , بل كان مما يثير سخط العرب اختراق حرمتها.

٤ - القوم الّذين جرَّدوا على الحسين أسيافهم هم اُولئك الّذين كانت جلُّ أناشيدهم وأهازيجهم ذكر جده (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

إذاً فيوم الطفَّ أغرب يوم ولدته أو تلِده العصور الغابرة والحاضرة , كيف لا وأقلُّ ما فيه غرابة أنَّ قوماً ازدهرت حياتهم وسما ذكرهم بفضل رجل لولاه لما كان لهم ذكر يذكر , فيجزونه على ذلك قتل ابن بنته , وسبي حرائره , ثمَّ يتَّخذون ذلك اليوم - وهو اليوم الّذي هاجر فيه وهو خائف يترقَّب - يوم عيد وسرور ؟

أوليس هو اليوم الَّذي ورد ذكره في القرآن المجيد :( إِذ هُمَا فِي الغَارِ إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا ) (١) ؟ ما بال بني اُميَّة يجدَّدون ذكراه بالفرح والابتهاج باعتبار أنه عيد رأس السنة الهجريَّة بينما الواقع خلاف ذلك , ويبلغ بهم الطيش إلى درجة يلبسون في ذلك اليوم أفخر ما لديهم من حلي وحلل ؟ ما بالهم ؟! هل إنهم تجرَّدوا عن دينهم ودانوا بدين

____________________

(١) سورة التوبة / ٤٠.


يتناسب وأفعالهم الشنيعة ؟ كلا بل إنهم لا يفتؤون رغم ذلك يدَّعون أنهم هم المسلمون حقاً.

هب أنهم تجرَّدوا عمّا كانوا عليه مِن دين فأصبحوا بطبيعة الحال يرون بغض الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وآل الرسول (عليهم‌السلام ) من أقدس واجباتهم , فلا عجب إن هم جعلوا ابن بنته غرضاً لسهامهم , وطعمة لسيوفهم. لكن هل إنهم تجرَّدوا عن قوميَّتهم وصاروا قوماً آخرين ؟ كلا , بل لا يفتئون يفخرون بين الاُمم بأنهم أبناء يعرب الكرام.

إذاً كيف أباحت لهم عروبتهم سبي بنات سيّد العرب وسوقهن سبايا من بلد إلى بلد ؟! وهب أن الظروف شاءت أن يستبدلوا ديناً غير دينهم , وقوميَّة غير قوميَّتهم , فتجرَّدوا عن كليهما بمقتضى تقلُّب الظروف والأحوال , فكان من جرّاء استبدالهم ما كان , لكن هل إنهم تجرَّدوا عن بشريَّتهم فأتوا بأفعال تأباها حتّى الوحوش الضارية ؟!

تُرى أيَّ ذنب اقترفه الطفل الصغير الّذي لم يبلغ الشهر السادس من عمره على أكثر تقدير ؟ أليس إلّا لأنه طفل للحسين جاء به يستسقي له جرعة من الماء ؟ يا ترى أسقوه بارد الماء ؟ كلا , بل سقوه كأس الردى بسهم الظلم والعدوان.

هذا هو يوم الطفَّ فاعتبروا يا اُولي الألباب لعلَّكم تذكّرون. أجل , فلنبك المروءة والعروبة والإسلام معاً بقتل الحسين (عليه‌السلام ) في يوم الطفَّ , وإنا لله وإنا إليه راجعون.

عبد الرزّاق العائش - البصرة


القدر يثأر(١)

محمود محمّد الحبيب

كان (رقيق) موضع سرَّ (يزيد بن معاوية) ، وكثيراً ما كشف له عن أدقَّ شؤونه الشخصية. وقد خرج تلك الليلة من زيارته , وهو مطرق مبلبل الفكر والعواطف. كان يخترق الدهاليز والأفنية حتّى وصل إلى جناح القصر الخاصِّ برئيس الدولة , فتقدَّم وجلاً وطرق الباب برفق , فسمع صوت الخليفة يدعوه للدخول. ولم يلبث أن فاجأه قائلاً : ما وراءك يا رقيق في هذه الساعة المتأخرة من الليل ؟

فأجاب : مولاي , لقد شجاني ما ألمَّ بولدكم من همًّ ووحدة وانطواء على النفس.

فأحس معاوية بأن في الجوَّ شيئاً يتطلَّب منه اهتماماً خاصّاً , فقال له : عليَّ به يا رقيق.

وبعد دقائق كان يزيد بين يدي أبيه , وقد كساه الألم نحولاً لم يغب عن عيني معاوية , فاحتفى به مرحَّباً , وأفسح له مجلساً بالقرب منه وهو يقول :

____________________

(١) اُلقيت في الخندق في الذكرى السنويَّة لاستشهاد الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، وذلك عام (١٣٦٧) ه.


بنيَّ , صارحني بكلَّ شيء , فهل من اللائق أن تطوي سرَّك عن أبيك وهو الّذي يبتغي لك الخير ؟

فقال يزيد : دعني يا أبتاه للهموم تفترسني ؛ فإني أحسُّ بأن أعباء الحياة قد استقرَّت على كاهلي فلا أستطيع منها فكاكاً.

بهت معاوية وهو يصعَّد النظر في وجه ابنه الشاحب , ويزن بدقَّة كلَّ كلمة فاه بها , ثمَّ التفت إلى شبّاك الغرفة , ورمق نجوم الليل طويلاً , وقال وهو يأخذ كفَّ ولده بين راحتيه : بحياتي عليك إلّا ما كاشفتني بما يعذَّب قلبك , وثق بأنّي سأكون لك عوناً لنيل ما تشتهيه.

فقال : لقد أحببت امرأة صاغها الله فتنة وسحراً , وقد خالط هواها دمي وعظمي , ولكن يدي قصيرة لا تنالها, ولست أدري ماذا سأفعله تجاه هوىً برى جسدي وأرمض عيني ؟!

فانتفض معاوية وحدَّق في عيني ابنه وهو يقول : ومن هي يا بني ؟

فأجاب : هي اُرينب بنت إسحاق ربة الجمال , وزوج عبد الله بن سلام.

سكت معاوية وغرق في تفكير عميق , ثمَّ رفع رأسه وهو يغمغم كمن استقر على رأي قاطع : أمهلني أيّاماً وستُزفّ لك بعدها اُرينب عروساً.

بعد أيام قصيرة كان عبدالله بن سلام يلبّي دعوة خاصة من الخليفة , فمثل أمامه في البلاط الاُموي وجلاً لهذه الدعوة الطارئة , ولكنّ معاوية أفاض عليه عطفاً ووداً , وغمره بالعناية , قرّب مجلسه وقدّمه على سائر الخواصّ حتّى بهر الرجل من هذه الألطاف والنعمة.

وتصرّمت عليه الأيّام وهو ينتقل من مجلس طرب واُنس إلى مقاصف الغناء واللذاذات ؛ فحفلات الصيد في أرباض دمشق وضواحيها , حتّى تناسى بلده وزوجه التي بكت دماً بدل الدمع يوم احتضنته بادية الشام في طريقه إلى الشام.

وفي اُمسية جميلة دخل رجلان على ابن سلام هما أبو هريرة وأبو الدرداء , وهما يحملان إليه رسالة الخليفة , فتكلّم أحدهما قائلاً : إنّ أمير المؤمنين قد أسبغ عليك نعماءه , وأنزلك في قلبه منزلة الولد من أبيه ؛ لسجاياك وطيب اُحدوثتك , وهو راغب في زواجك من ابنته , فما ترى ؟

فشعر ابن سلام بأن عينيه قد غامتا , وأن ضباباً قد غمره وخال نفسه في حلم جميل , وراح يستفيق شيئاً فشيئاً من ذلك الخدر اللذيذ , وقال : إني عبد لمولاي , فهذه منّة لم أكن أتصوّرها في المنام فكيف بها حقيقة ماثلة ؟!


فقال الخاطب : ولكنّه يشترط عليك ان تُطلّق زوجك اُرينب ؛ لأنه يكره أن تكون هنالك شريكة لابنته في دارك وقلبك.

تنازعت الأفكار الصاخبة ابن سلام , وأحسّ بحرب طاحنة بين العقل والقلب , واصطخبت في أعماقه الخواطر. إنه يحبّ اُرينب حباً جارفاً , ولكن هل يستطيع ردّ هذه الهبة ويرفض طلب الخليفة الخاصّ ؟

تراقصت أمام ناظريه الأضواء الحالمة والبلاط الاُموي ومصاهرة رأس اُميّة , وفكّر بشخصيته الجديدة التي ستقفز إلى الطليعة بسرعة البرق , فاستكان لداعي الهوى الجديد وآثر الدعوة , فالتفت إلى الرجلين وقال : اشهدا فإنّ اُرينب بنت إسحاق طالق مني منذ هذه الدقيقة.

فأمّنا على قوله , وخلّفاه يعيش وسط أحلام وأخيلة وخواطر سعيدة , ويحلم باليوم المنتظر.

ومضت الأيام وهو مشوق لبلوغ اُمنيته , ثمَّ رجا الخليفة الوفاء بالعهد , ولكنه أحاله إلى موافقة ابنته ؛ إذ إنّ لها الحق في إبداء الرأي. وأحسّ الرجل باللطمة الداوية تنهال على وجهه حين خاطبته ابنة الثعلب الاُموي :

كيف أثق [بكَ] وأنت الذي غدرت بامرأة قاسمتك الحياة حلوها ومرّها , وأخلصت لك الود وسكبت على حياتك ألوانها من الحبّ والسعادة ؟ لقد جُبلتم أيها الرجال على الخديعة إرضاء لنزواتكم وأطماعكم وأنانيتكم , ومن المحال أن اقترن بمن باع أمسه في سبيل غدٍ مجهول. اخرج يا سيدي فأرض الله واسعة , وبنات حواء بعدد النجوم.

اُلجم ابن سلام , وأحسّ بأنّ الأرض لا تتسع لشقي مثله , وخلّف دمشق لساعته وهو يلعن معاوية الذي هدم سعادته وحياته. وذاع النبأ في الأمصار , وتناقل الناس الحادثة بألم وتعليق وهم يرثون للرجل.

* * *

وصل أبو الدرداء لخطبة اُرينب ليزيد , وعرّج على بيت الحسين بن علي (عليه‌السلام ) ليقرئه السلام , ويتسنّم في رؤياه أنفاس جدّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الطيبة.

وطال السمر , واستفاض الحديث حتّى وقف الحسين (عليه‌السلام ) على مضمون هذه الزيارة الخاطفة. نظر (عليه‌السلام ) إلى السماء طويلاً وهو يستعرض الموقف , فعرض الدسيسة الكبرى التي مُثّلت بإحكام , فحطمت القلوب ومزّقت الشمل , فأوضح ألغازها لأبي الدرداء , فعراه الوجوم , ولكن الحسين (عليه‌السلام ) أعاد الهدوء إلى نفسه , وطلب منه أن يذكره كخطيب لاُرينب أيضاً حين يذكر يزيد , وأن يدفع لها من المهر بقدر ما سيدفعه معاوية لابنه.


واجتمع الصحابي بالمرأة , وعرض لها الموقف , فطلبت منه أن يختار لها واحداً من الاثنين , فقال : لقد اخترت لك الحسين ؛ فهو الذي تعرفين أباً واُماً وجدّاً. فأعلنت القبول , وهكذا زفّت إليه.

وصل النبأ إلى عاصمة اُميّة , فإذا بالآمال تنهار وهي في اُوج نجاحها , وتكال الصفعة الموجّهة لابن سلام بصفعات داوية ظلّت أحاديث المجالس أياماً طويلة.

* * *

كانت الشمس ترسل حممها على المدينة فتحيلها إلى أتون ملتهب , واحتمى الناس بالدور ليخففوا عنهم وقدة الحر. قذف الشارع برجل يقتلع قدميه من الأرض بمشقّة وعناء , يدبّ كشيخ حطّمته السنون حتّى شارف منزلاً سرعان ما طرق بابه , وبعد لحظات فتح رجل الباب , وما إن لمح القادم حتّى صاح : مرحباً بابن سلام , ما الذي أعاقك عنّا طول هذه المدة ؟

فردّ الرجل بصوت ضعيف : بُعد الشقة , وفداحة الخطب , وانقطاع (الأمل) يا سيّدي الحسين , وقد قدمت اليوم لاسترجاع وديعة لي عند اُرينب , فهلاّ تفضّلت سيدي وأمرتها بإعادتها لي ؛ فإني في حاجة ماسة لتلك الوديعة.

فردّ عليه السبط قائلاً : (( بكلِّ ترحاب يا عبد الله , واسترح وخذ نصيبك من الطعام )).

ثم قاده إلى غرفة في الدار وأجلسه في مكان مريح تلطّفه أنسام بليلة أعادت للرجل هدوءه , ثمَّ تركه ودخل على اُرينب فقال لها : (( هذا ابن سلام قد جاء يطلب وديعته فأدّيها له كما هي )).

فقالت سمعاً وطاعة يا سيّدي.

ثم قامت واستحضرت الوديعة , ودخلت على الرجل وبيدها بدرة المال , فعدّها. وأراد أن ينطق بشيء ولكنّ الكلمات ماتت على شفتيه , ونطقت دموع العين عن آلام حبيسة وأسف شديد على هفوة صاغها طيش وسراب خادع , فارتفع بكاء اُرينب وعلا نشيجها.

وكان الحسين (عليه‌السلام ) يرقبهما عن كثب , وهو يحسّ بعاصفة من الرثاء تجتاح قلبه , فتقدّم إلى الباكي المحطّم وقال: (( يابن سلام , لِم صنعت بنفسك هذا الصنيع , وكفرت بالنعمة التي كان يحسدك عليها الناس , وزهدت بالمرأة الكريمة المحبّة ؟ )).

لم يجب الرجل , فخطؤه أكبر من أن يُمحى بكلمات اعتذار , واستسلم إلى بكاء شديد. أسكته الحسين (عليه‌السلام ) وربت على كتفه وقال : (( أصدقني الخبر يا عبد الله , هل مات الهوى القديم وسلوت مطلّقتك , أم إنّها ظلّت النجم الهادي في حياتك ؟ )).

فأجاب : والله يا سيّدي , إنّي اُحسُّ بالندم يجرّعني الموت قطرة فقطرة , ومع ذلك فتلك إرادة السماء , ولا مردّ لكلمة القدر.


وتحرّك الرجل يريد الخروج , فقد كان يرغب بالفرار ؛ إذ إنّ كلّ دقيقة تمرّ عليه وهو بجانب ضحيّته تزيده شقاء وتعاسة. ولكن الحسين )ع) أجلسه , ثمَّ التفت باسماً يوزع الأنظار بين الزوج المخدوع والمرأة المسكينة , وقال بصوت وادع : (( يابن سلام , يشهد الله عليّ أنّي لم اُعلن خطبتي لاُرينب إلّا لغرض حمايتها من ذئب دمشق , فهي عندي بأمن وسلام , بعيداً عن الدسائس التي أطاحت بسعادتك. لقد ظلّت كما هي , ضيفة كريمة , ووديعة غالية , فخذ امرأتك فهي طالق منّي وحلال لك. بارك الله لك فيها , وأثابك إلى سواء السبيل )).

عرا المكان صمت مفاجئ ؛ إذ لم يستطع الزوجان هضم هذا الكرم والنخوة , وحين هزّهما الواقع اندفعا نحو الحسين (عليه‌السلام ) يمطران يديه بالدموع ؛ دموع الفرح , وأمست المدينة نشوى يهزّها الخبر الجديد.

وتضحك الأيّام وتُرسلها قهقهة معربدة كانت في سمع معاوية وابنه كالمطارق , بل أشدّ وأصخب.

محمود الحبيب - البصرة


في مولد الكرامة(١)

كاظم مكّي حسن

أرأيت كيف سما وحاز علاءا

وشأى جميع العالمين إباءا

جاء الوجود فماس مفتخراً به

فكأنَّه جاء الوجود شفاءا

عقمت فلم تلد النساءُ نظير مَن

أحيا رجالاً بالهدى ونساءا

وبمثله ضنَّ الزمان ولم يقم

فيه شهيد كالحسين وفاءا

وكفاه مِن عزِّ الشهادة إنَّه

لله جاد بروحه استرضاءا

أجرى دماه مجاهداً فبنى بها

مجداً وشيَّد عزَّة قعساءا

شرفت به دنيا الجهاد وأشرقت

دنيا الفضائل بهجةً ورواءا

وزهت به الغبراء وهي تقلُّه

وتكاد فيه تطاول الخضراءا

أعلى مكارمها وأحيا خيرها

وأذلَّ فيها الشرَّ والأسواءا

من علَّم الدنيا سواه مكارم ال

أخلاق حين تحمَّل الأعباءا

من خطَّ بالدم غيرُه خطط العُلا

وأقام للشرف الرفيع بناءا

____________________

(١) ألقاها الشاعر بنفسه في الحفلة الَّتي أقامتها (الجمعيَّة المحمَّدية) في الخندق بمناسبة ذكرى مولد الإمام الحسين (عليه‌السلام ) سنة (١٣٦٧) ه.


وأطاح بنيان الضلال بنهضةٍ

ملأت أديم الظالمين شقاءا

ورمى بها عمد الفسوق فهدَّها

ودهى الشنار بها فذلَّ وساءا

وبنى مكارمَ لم يُشدها قبله

بشرٌ وأبلغ سمكها الجوزاءا

تالله لم تكُ للأنام حياته

إلّا صلاحاً دائماً وضياءا

وقضى شهيداً فانبعثن دماؤه

تدعو إلى العليا صباح مساءا

وكأنها في ركب كلِّ مجاهدٍ

في الحقِّ أمست دعوة وحداءا

أذكى بني الدنيا وأشرف غاية

وأشد عزماً منهمُ ومضاءا

وأعزّهم شيماً وأوسعهم هدىً

وأجلُّ حزماً منهمُ ووفاءا

جمع العُلا فيه فلم يجد الورى

للفضل إلّا في الحسين ثواءا

* * *

ولدتْ بميلادِ الحسين كرامةٌ

ملأت قلوب الصالحين ولاءا

ولدتْ بميلاد الحسين شهامةٌ

أمست لأدواء النفوس دواءا

ولدتْ بميلاد الحسين حميَّةٌ

ثغر الزمان بها استحال ثناءا

يوم أطلَّ على الحياة بنورِه

وبهائه فزهت سناً وسناءا

يوم إذا افتخر الزمان رأيته

لفخاره والمكرمات لواءا

تاهت به الدنيا ولولا أمسُه

فيها لما بلغت هدىً وعلاءا

ومن المفاخر والعظائم أن ترى

ببقاء يوم للزمان بقاءا

عزَّ الهدى وتعزَّزت أركانه

فيه وزاد مناعة ونماءا

والعدل يزهو والفضيلة تزدهي

والأرض تزخر بالهدى بشراءا

والحقُّ مبتهجٌ بمقدم عونه

ونصيره يرنو إليه رجاءا

ومواكب الإيمان ضاق بها الفضا

فرأت قلوب المؤمنين فضاءا


ولد الحسين فيا نفوس تحرَّري

وردِي المنايا وادركي العلياءا

ولد الحسين فقل لأحرار الورى

هاكم خذوا الحرية الحمراءا(١)

بُعثت بمبعثك النبوَّة مرة

اُخرى فزدت مقامها استعلاءا

بعثت لتبعث في القلوب صفاءها

وبها تزيل الظلم والظلماءا

فلقد طغى سيل الفساد على الورى

من معشرٍ لبسوا الفساد رداءا

هاموا بكلِّ رذيلة وتسابقوا

للمنكرات وحكَّموا الأهواءا

سفكوا دماء الصالحين وأوغلوا

في البغي لا يتورَّعون حياءا

ملك الفساد نفوسهم فأحالها

للناس شرّاً شاملاً ووباءا

____________________

(١) الحرية الحمراء هنا يراد بها الحرية التي يدافع عنها وتكتسب بالجهاد والتضحية كما فعل الإمام الحسين (عليه‌السلام ) , وإليها أشار المرحوم أحمد شوقي بقوله :

وللحرية الحمراء بابٌ

بكلِّ يدٍ مضرجةٍ يدقُّ


زعموا اتِّباع محمّد وكتابِهِ

وعدوا عليه وحاربوه عداءا

ورمَوا بما أوصى ولم يتورَّعوا

عن أن يُذيقوا آله الأرزاءا

الغدر والتدليس من عاداتهمْ

وحياتهم أن يُفسدوا الأحياءا

عاشوا ذئاباً بل أشدُّ بليَّة

منها وأكثر للورى إيذاءا

قوم إذا انتسب الفجور فإنهم

أمسوا له الآباء والأبناءا

فنهضت نهضتك العظيمة داعياً

للحقِّ لا تخشى به البأساءا

أعليت فيها المكرمات وصنتها

ورعيت فيها الصيد والكرماءا

وسلكت فيها كلَّ صعب قاذفاً

في المهلكات حياتك العصماءا

وبذلت نفسك في سبيل كرامة

تأبى لنفسك عيشة نكراءا

ورأى بك الدين الحنيف فداً له

فرأيت حقّك أن تموت فداءا

وقضيت نحبك في جهاد لم يزل

للصبر في دنيا العُلا سيماءا

* * *

يا سيِّد الشهداء حسبك رفعةً

شيم ملأت بها الورى شهداءا

حزت المفاخر من جمع جهاتها

فجمعت فيك الدين والآلاءا

ذكرى مخلَّدة غدت لجلائل ال

أعمال حرزاً حافظاً ووقاءا

ذكرى نضال في الهدى ومصارع

أمست لأقمار الرشاد سماءا

ستظل ما كرَّ الزمان مليئةً

بالمكرمات نقيَّة بيضاءا

قرت بها عين الرسول وأثلجت

صدر الوصيِّ وأرضت الزهراءا

* * *

البصرة - كاظم مكّي حسن


الحسين (عليه‌السلام )

عباس الملا علي

* ولد في ضاحية من ضواحي مدينة الناصرية عام ١٣٣٥ ه - ١٩١٦م.

* دخل الكتّاب في صغره , ثمَّ درس العربية والمنطق والكلام والآداب على يد أساتذة , منهم الشيخ عباس الحيراوي.

* عمل في إذاعة بغداد بوظيفة منصت لغوي.

* توفي في بداية الثمانينات.

* آثاره الشعرية :

- من وحي الزمن

- ألغاز شعرية

معجم الشعراء العراقيين / ١٩٢ - ١٩٤.


الحسين (عليه‌السلام )

أيَّة ناحية من نواحي الحسين (عليه‌السلام ) لم يطرقها كاتب , ولم يخض غمارها مفكِّر ؟ لو تأملنا قليلاً فيما كُتب عن عظمة الأشخاص لرأينا شخصية الحسين (عليه‌السلام ) تشغل مكاناً كبيراً في عالم التأريخ , ومكاناً أكبر في عوالم الأفكار.

وأكاد أجزم بأن ما كُتب عن الحسين في التأريخ , وما نظم عن واقعة كربلاء , وما أصدَرته أقلام الكتّاب مسلمين وغير مسلمين في أنحاء الأرض كلِّها يكاد يفوق ما كتب عن جدِّه وأبيه , وعن أعظم رجل في الدنيا فضلاً عما يتجدَّد كلَّ عام - في المجتمعات المسلمة في العراق , وسوريا ومصر , وفي الهند , وإيران , وفي بعض الأقطار الأوربيَّة الّتي يحل فيها بعض المسلمين - من إقامة مآتم للحسين (عليه‌السلام ) تذكر فيها واقعة كربلاء , ويذكر فيها الشيء الكثير عن الإسلام والأدوار الّتي مرَّت على أهله ؛ إذ إن حياة الحسين (عليه‌السلام ) تكاد تكون قصة كاملة لحياة الإسلام والمسلمين حتّى اليوم.

فما من كاتب يجرِّد قلمه للخوض في سيرة الحسين (عليه‌السلام ) وما اعتور عليه من أرزاء إلّا ويجد نفسه مسوقاً إلى ذكر ما طرأ من أحداث تأريخيَّة في أيّام الحسين , متناولاً ما قبل ذلك وما بعده من أحداث.

لندع هذا , ولنلقِ الآن نظرة على مجتمعنا العراقيِّ ؛ إذ هو أقرب المجتمعات إلى عيوننا ؛ فإنه ما يكاد يَرى هلال المحرّم يلوح في الاُفق إلّا وهب عن بكرة أبيه كما يهب النائم مذعوراً لمفاجأة طرأت عليه.

تراه يقيم المآتم والحفلات في كلِّ مكان ؛ الاُدباء يكتبون وينظمون , والعامَّة تهرع إلى المجالس الحسينيّة متسابقة متزاحمة كما تتزاحم الإبل الظمأى على حوض الماء. ما هذا الأمر وما سرّه ؟ أليس النبيُّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أفضل من حفيده الحسين (عليه‌السلام ) ؟ أليس أبوه واُمُّه (عليهما‌السلام ) أولى بهذا التقدير ؟ فلماذا تمرُّ أيّام وفياتهم فلا يتذكَّرها إلّا قليل من الناس تذكُّراً خاطفاً , ولا تظفر بقليل من هذه الذكريات العلنيَّة الّتي يساهم فيها حتّى الأطفال ؟

نعم هناك سرٌّ , وإذا تأملنا قليلاً أدركناه , وهو أن الحسين (عليه‌السلام ) ليس أفضل من جدِّه وأبيه , ولا من اُمّه وأخيه (عليهم‌السلام ) ، لكن زمانه يختلف عن زمانهم , وظروف حياته تختلف عن ظروف حياتهم , ويومه في كربلاء لم يصادفه أحد من قبل.

فقد وقف (عليه‌السلام ) يوم العاشر من المحرم سنة (٦٠) للهجرة وحيداً يتحدّى جموعاً تتدفَّق كالسيل , وتتراكم تراكم ظلام الليل , يتحدّى جموعاً بالأمس يلبسون شعار الإسلام واليوم يخلعونه , ويعودون إلى أسلابهم القديمة , أسلاب الجاهليّة القذرة , ويكشفون عما انطوت عليه حناياهم من إحن وضغائن وتِرات قديمة يحتقرها الدين ويمقتها القرآن.


يتحدى جموعاً سدَّت الفروج وغطَّت النجود والغيطان كما يقول السيد حيدر الحلي (رحمه‌الله ) , وملأت شاطئ الفرات وصحاراه , ولم يتورَّعوا عن أن يجابهوه بأرذل الطرق الدنيئة الّتي يجابه بها الجبان الشجاع ؛ فمنعوه من أن يشرب الماء , ومنعوه عن أن يعود من حيث أتى , ومنعوه أن يردَّ أطفاله ونساءه إلى وطنهم ليصارعهم رجلاً لرجل , فامتنعوا أن يصغوا لما يقول , وامتنعوا أن يفكِّروا فيما اُلقي إليهم من الاحتجاجات , وما عرضه عليهم من الكتب الّتي وجّهوها إليه طالبين يده , خاطبين ودّه , مستنجدين به لإنقاذهم من ظلم يزيد الفاسق الفاجر خدين القرود وسمير القيان , وإذا بهم صمٌّ بكم عمي فهم لا يفقهون.

فما ظنُّك برجل مثل الحسين (عليه‌السلام ) يحمل بين جنبيه عقيدة جدِّه , وشهامة اُسرته , وشجاعة أبيه ؟ أتراه يستطيع الخنوع , ويتجرَّع الخضوع لسفلة أوغاد أضاعوا إيمانهم وكفروا برسولهم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، وارتدوا إلى جاهليَّتهم , وأصرَّوا على قتله أينما كان وحيثما يكون ؟

أليس من حقّه أن يصيح بهم بعد اليأس منهم صيحته المشهورة : (( والله , لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذليل , ولا أقرُّ لكم إقرار العبيد ))(١) .

إن كان دينُ محمّد لم يستقم

إلّا بقتلي يا سيوف خذيني

هذا هو السرُّ , وهذا هو الموقف الَّذي خلَّد الحسين وجعله بمثابة كوكب وهّاج يشقُّ عباب الظلال ويهتك ضباب الظلم , وتتفتَّح على ضوئه عيون الأحرار , وتترسَّم خطاه العظماء , وتمجّده الآباء والأبناء والأحفاد.

____________________

(١) الإرشاد ١١ / ٢ / ٩٨ , (ضمن سلسلة مؤلفات المفيد).


ولم يكن له آنذاك من الأنصار غير نيّف وسبعين رجلاً , وسبعة عشر شاباً من أولاده وإخوته انصاعوا كلُّهم في ضحوة ذلك اليوم إلى الميدان ؛ يتلقَّون شفار السيوف , ونصول النبال , وأسنَّة الرماح بصدورهم ونحورهم , فسقطوا في لحظات على تلك الرمال المحرقة كما تسقط كواكب السماء.

وبقى (عليه‌السلام ) بعدهم وحيداً فريداً لا يملك إلّا سيفه , وإلّا نساء وأطفالاً من خلفه يَهدُّون أوصاله بعويلهم هدّاً , وحرارة شمس تموز تلهب رأسه الشريف. لسانه في فمه كالحديدة المحماة , وبين يديه صفوة أهله وأنصاره وولده مجزَّرين كالأضاحي , جروحهم لا تزال تنفر دماً طريّاً.

فأعجب له كيف أذهل تلك الجموع بصولته الجبارة , وذكَّرهم حملات أبيه الّتي ترجُّ القلوب رجّاً , وتهوي أمامه رؤوس الأبطال عن مناكبها , ولله در الكعبيِّ إذ يقول :

تحفُّ به الأعداءُ من كلِّ وجهةٍ

فما قلَّ من عزمٍ وإن قلّ أنصارا

يلاقي المنايا كالحاتِ وجوهها

طليقَ المحيّا باسم الثغر مسعارا

تراه ولا من ناصرٍ غير سيفه

عرمرم جيش يرهب الجيش جرّارا

إلى أن ثوى فوق التراب كأنه

(رعانٌ) هوى من فارع الطود فانهارا

* * *

عباس الملا علي - الناصرية


عظمة الحسين (عليه‌السلام )

حسين الحاج وهج

بماذا يؤدِّي حق ذكراك ذاكرُ

وأيَّ معان فيك تبدي المشاعرُ

أفي العزّ والإقدام والفخر والإبا

أم النهضة الكبرى ففكريَ حائرُ

إذا ما شحذت الفكر تنبو قريحتي

فلا أنا نظّام ولا أنا ناثرُ

وتبدو لعيني باحتفالك روعةٌ

يُردُّ لها طرف الحجا وهو حاسرُ

سموت فخاراً بل عظمت تشرُّفاً

فكلُّ الّذي قد رام وصفك قاصرُ

ولا بدع إذ تنبو قريحة شاعرٍ

بوصفٍ ولم تدرك مداك الخواطرُ

ألست الّذي ما لو يضاهي بمفخر

لينكص للأعقاب عنك المفاخرُ

وكيف يضاهي فخر سبط الّذي به

أوائلنا قد شُرِّفت والأواخرُ

وأنت ابن من لولا شَباة حسامه

لما أبصرت تقوى الإله البصائرُ

براكم لنا الرحمن من نورِ لطفه

شموساً بها صبح الحقائق سافرُ

فصرتم أدلاّء الإله على الهدى

وفيكم بيان الرشد للناس ظاهرُ

فلا يُقتدى إلّا بما صحَّ عنكمُ

ولم يتخذ ما ليس منكمُ صادرُ

وأنتم ملاذ الخائفين ولهفهمْ

وكلٌّ إلى غوث اللهيف يبادرُ

وإن هتف الدين الحنيف بجمعكمْ

فما منكمُ إلّا النجيد المناصرُ

ولـمّا رأيت العدل غير مسوَّغٍ

لراجيه وابتزَّ الخلافة جائرُ

قد اتخذ اللذّات واللهو ديّدناً

وليس بحكم الله ناه وآمرُ

وخيف على الدين الحنيف ضياعه

وكادت عليه أن تدور الدوائرُ

رفعت لواء العزّ تدعو لنهضةٍ

بها كم لعزِّ الدين بانت مآثرُ

وثرت على الطغيان ثورة مصلحٍ

فما أيقظ الأجيال مثلك ثائرُ

فكنت مثال الناهضين إلى العلا

وكلٌّ على منهاج عزِّك سائرُ

وصرت كشبه البدر بين ذوي الإبا

إذا ما بدا تخفى النجوم الزواهرُ

وإن جهلت قدراً لشخصك عصبةٌ

لقد خبثت نيّاتها والسرائرُ

(فمن ذا يهين البدر وهو باُفقه

وإنّ الورى كلٌّ إلى البدر ناظرُ)


وفي قتلهم إياك لن يخفوا منقباً

بلى عظمت للدين فيه الشعائرُ

تنافست والضدَّ الخصيم بصفقة

فعقباك منها الربح والضدُّ خاسرُ

فإن الاُلى عادوك أين قبورهم

وهل أمَّها من ذي البريَّة زائرُ

وما زال مثواك المقدس كعبةً

إلى حجها تهفو وتهوى الضمائرُ

وفزت بطيب الذكر في كلِّ محفل

وما نال من ناواك إلّا المعايرُ

وسوَّدتِ التأريخ منه جريمةٌ

فليست تدانيها الذنوب الكبائرُ

ومات لعمر الحقِّ أهون ميتةٍ

ولم يبكِه في حقبة الدهر ناظرُ

وأصبحت أسمى من يؤبَّن فقده

وأشرف من فاضت عليه المحاجرُ

ويكفيك فخراً يابن بنت محمَّدٍ

إلى الحشر في ذكراك تُرقى المنابرُ

فيا بطلاً ما ساور الرعبُ لبَّه

وإن ملأت رحب البسيط العساكرُ

ولا وهنت في الروع منه عزيمةٌ

غداة فلا حام هناك وناصرُ

وإن عُدَّ أهل الصبر يوماً بموقفٍ

لعمرك ما جاراك في الصبر صابرُ

ولا عن مبادي العز حدت لذلَّة

وكلٌّ لسيف البغي ضدك شاهرُ

فساموك إما أن تمدَّ لهم يداً

وإما تحزَّ النحرَ منك البواترُ

فأبديت فيهم حينذاك بسالةً

بها شهد الأجيال ماض وحاضرُ

إلى أن بذلت النفس من أجل غاية

بها أنت في أسمى المراتب ظافرُ

ومتَّ عزيز النفس أشرف ميتةٍ

ثناها على مرِّ الليالي عاطرُ

ليهنك يابن الوحي فوزٌ بنهضةٍ

فهيهات يُحصى فضلُها المتكاثرُ

* * *

أبا الشهداء الصيد يا نجلَ حيدرٍ

ويا خيرَ مشكورٍ له الدّين شاكرُ

ويا من يراه الله رمز شهامةٍ

فما مثلها في الناس تبدو النظائرُ

اُعدُّ مديحي في علاك ذخيرة

إذا ما اُعدَّت للحساب الذخائرُ

عساني بمضمار المدائح فائزاً

فأنجو بها في يوم تُبلى السرائرُ

عليك سلام الله ما هبَّت الصبا

وما ردَّد الألحان في الروح طائرُ

* * *

حسين الحاج وهج - العمارة


يومان.(١)

عبد الرزاق العائش

يومان لم تُرني الأيّامُ مثلهما

ذا سرَّ قلبي وهذا زادني أرقا

يوم الحسين رقى صدر النبي به

ويوم شمر على صدرِ الحسين رقى

* * * *

سادتي , في أيّة بداية من بدايات العظماء يجد الكاتب لقلمه وبيانه متَّسعاً للبحث ومجالاً للتنقيب إلّا في بداية الحسين بن علي (عليهما‌السلام ) ؛ إذ ما من كاتب خاض البحث عنها إلّا وتملَّكته دهشة وذهول , فكأن في بدايته يداً تزجُّ إلى نهايته , ونهايته خضمُّ صاخب في وسط أمواجه المتلاطمة أقلعت سفينة النجاة , تحفُّ بها قدسيَّة الإيمان , وتكتنفها هيبة البطولة , ويعلوها علم التضحية.

لذا مهما حاولتُ أن أفصل بين نقطتي البداية والنهاية , وبالغت في أسباب الفصل بين بداعة هذه وفداحة تلك ذهبت محاولتي سدىً ؛ إذ تغلغلت النهاية في أعماق نفسي , وتمثّلت أمام عدسة إحساسي , فكأني والحال هذه أتعاطى مزيجاً من عسل وحنظل.

____________________

(١) اُلقيت لأوَّل مرَّة في مسجد (المظفر) بالعشّار بمناسبة ذكرى مولد الإمام الحسين (عليه‌السلام ) (١٣٦٦) ه , ثمَّ استعيدت بطلب من الجمهور واُلقيت بمناسبة يوم عاشوراء في أحد المآتم الحسينيّة عام (١٣٧٠) ه.


منذ ألف وثلاثمئة ونيِّف وستين سنة خلت استحالت إحدى أماسي الثلث الأوَّل من شعبان ضحىً سعادة وهناء. في مهبط الوحي الإلهيِّ , ومحطِّ السموّ المعنوي , (حيث كانت عبقات السماء تهبُّ مثلما يتضوَّع شذا الزنبقة الندية في الليلة الاُصحيانة(١) ، وحيث كان جمع الملائك يتَّصل بالبسيطة كما يتصل شؤبوب الغيث المتدفِّق هذا ليمد الصعيد بالحياة , وهذا ليمدَّ النفوس بالمعنى الحيِّ ؛ إذ تجلت من الغيث طفولة سامية)(٢) .

كيف لا والمولود خامس خمسة شاء الله أن تعلو فيهم كلمته , ويُتَّبع فيهم هداه , كما دلَّ بعدئذٍ قوله تعالى :( فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبنَآءَنَا وَأَبنَاءَكُم وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم ثُمَّ نَبتَهِل فَنَجعَل لَّعنَةَ اللهِ عَلَى الكَاذِبِينَ ) (٣) ؟

ولدت فاطمة حسيناً (عليه‌السلام ) ، (فأخذه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وأذَّن في اُذنه كما يؤذَّن للصلاة. والأذان معناه إعلان العابد الإخلاص لمعبوده , والصلاة صلة بين الخالق

____________________

(١) الليلة الاُصحيانة : الليلة المقمرة. سيرة الحسين للعلائلي ٢ / ٢٠٢.

(٢) سيرة الحسين (العلائلي) ٢ / ٢٠٢.

(٣) سورة آل عمران / ٦١.


والمخلوق)(١) . هذا أوَّل غذاء نفسي غُذِّي به هذا المولود الجديد. وغنيٌّ عن البيان ما لتهنين(٢) الطفل من يد في توجيه أخلاقه وتثبيت انطباعاته. فلا عجب إذا ما منه وإليه وعليه سمت نفسه , وهفا فؤاده , واتَّقدت حميَّته.

وهكذا أخذ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يسكب في نفس فتاه خلاصة السموِّ بما فيها من جود وسخاء , وشمم وإباء , وتفان في سبيل العقيدة والمبدأ , مضافاً إلى ذلك عاملان من أهمِّ عوامل تكوين الطفل وتنشئته. ومن كليهما حاز الحسين (عليه‌السلام ) أجلّ وأعظم صفات السموّ : أما العامل الأوّل , وهو عامل التكوين , فأجدني غنيّاً عن الإفاضة فيه ما دامت كلمتي هذه آخذة سبيلها إلى مسامع قوم يعلمون تمام العلم أن الحسين (عليه‌السلام ) تكوَّن من مزاج ينبوعي النبوَّة والإمامة ؛ فاطمة وعلي (عليهما‌السلام ). وأمّا العامل الثاني , وهو البيئة , فما عسى أن أقول في بيئة خصت بآيتَي(٣) (إنّما). وآيتا (إنّما) تكفيان دليلاً على أن بيئة الحسين أصلح بيئة لإنماء السموِّ المعنوي , وفيها يطيب جنبه.

* * *

هذه البداية , فما أحلاها وأعذبها ! بل وما أغلاها لدى ذوي النفوس السامية ! فيما حبذا لو استطاع الخيال أن يحلِّق في سمائها الصافية العبقة , ويتمتع بجمال نجومها الزاهية الآلفة ليملي على القلم بعض مشاهداته , وليملي على الأقلّ مشهد النبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يوم قال : (( حسين منّي وأنا من حسين ))(٤) . سادتي , هذه الجملة لو فاه بها بعض الناس لكان معناها : حسين منَّي بمنزلة الولد من الوالد , وأنا من حسين بمنزلة الوالد من الولد , أو ما شابه ذلك. لكن لما كان القائل نبيّاً عظيماً :( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوَى * إِن هُوَ إِلّا وَحيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى ) (٥) , فمن المؤكد أن يُبعِد قوله كلَّ البعد عن السطحيِّ المبتذل. فلا بدعَ إن قلت : إنما المقصود بقوله حسين منِّي بمنزلة الصفة من الموصوف , وأنا من حسين بمنزلة الموصوف من الصفة ؛ لذا أوضح قصده بما لن يتسنّى لأحد أن يقوله سواه , حيث قال : (( إني اُحبُّ حسيناً , فمن أحبَّه فقد أحبَّني , ومن أحبَّني فقد أحبَّ الله )). من هذه النقطة الحسّاسة وأمثالها كم وددت لو أنّي أستطيع التغلغل إلى أعماق الحقيقة - حقيقة منزلة الحسين من النبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - لأتمتّع بجمالها البديع , واُشبع نفسي التوّاقة إلى الجمال الذهني , بيد [أنه] أنّى لي التعمق ما دامت هناك نهاية تحطِّم القلم , وتلعثم المقول ؟

* * *

ما من منصف إلّا ويعتقد بأن الحسين (عليه‌السلام ) كان البناء الثاني لكيان الإسلام بعد جدِّه ؛ فقد علم القاصي والداني ما

____________________

(١) سيرة الحسين (العلائلي) ٢ / ٢٠٥.

(٢) كذا في الأصل.

(٣)( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذهِبُ عَنكُم الرِجسَ أَهلَ البَيتِ ) الأحزاب / ٣٣.( إِنَّمَا وَليُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ) المائدة / ٥٥.

(٤) مسند أحمد ٤ / ١٢٠ / ٣٤٢٨٩ , كشف الخفاء (العجلوني) / ٤٢٩.

(٥) سورة النجم / ٣ - ٥.


بلغه المسلمون في عهد بني اُميَّة - وبالأخصِّ في عهد يزيد - من الانحطاط.

فبعد أن كانوا مثالاً للمزايا الحميدة , وعنواناً للسجايا المحبَّبة ؛ كالإباء والشمم , وما إلى ذلك من معاني السمو انحطُّوا إلى الخضوع لما تمليه عليهم بلهنية يزيد , هذا مع سابق علمهم بما جُبل عليه يزيد من خساسة طبع لا تتفق ومبدأهم السامي.

هكذا كاد يذهب سدىً ما بناه المسلمون من مجد خالد , وكادت آمالهم تخيب لو لم يأبَ الله إلّا أن يجعل الحقَّ وضّاح الجبين لا تخفيه حجب الضلال مهما تكاثفت , وقويُّ العزيمة لا تهزمه جيوش الباطل مهما تكالبت. وهكذا جاء يوم الحسين (عليه‌السلام ) ، فيا له من يوم أجهد الليالي حمله فولدته وحيداً لا ثاني له , مع أن الليالي يلدن كلَّ عجيب.

يومٌ تبلى الأيّام وتُمحى السنون وهو خالد خلود الشمس في الاُفق , فكأنْ لم يزدْه البعد عن أعيننا إلّا تعمُّقاً في نفوسنا , كما لم يزدنا الحزن فيه إلاّ شوقاً ؛ فنستعذب النهل من منهله مع ما فيه من ألم , والأبيُّ يجد طعم المنية في العزّ شهداً.

يوم جمع الحسين (عليه‌السلام ) فيه العظمة فصاغها حلية يزدان بها بعده كلُّ عظيم ؛ إذ تلاها آيةً أبكمت الألسن فصاحتها , وأذهلت العقول بلاغتها , فأفاق الدين العليل من غشيته , ولسان حاله يقول :

وما سمعنا عليلاً لا علاج له

إلّا بموتِ مداويه إذا هلكا

هذا وصدى إيمان الحسين يملأ الأجواء هتافاً :

إن كان دينُ محمّد لم يستقم

إلّا بقتلي يا سيوف خذيني

فسلام على الحسين يوم ولد , ويوم استشهد , ويوم يبعث حيّاً.

عبد الرزّاق العائش - البصرة


بشائر الحسين(١)

كاظم مكّي حسن

ضَاءت بيومك أيّامٌ وأزمانُ

واستبشرت بك أرواحٌ وأبدانُ

وأشرقت بسناك الأرض وازدهرت

فيها مرابعُ لا تحصى ووديانُ

في كلِّ ناحية منها ومنعطفٍ

ورد وآس ونسرين وريحانُ

عمَّ الجمال رُباها فهي مائسةٌ

نشوى عليها من الأنوار ألوانُ

تفوح بالأرج الزاكي معطَّرة

فملؤها نغم عذب وألحانُ

كأنَّما جئتها خصباً تفيض به

فكلُّ أوجهها روض وبستانُ

تسري بشائرك الكبرى مبهّجها

ونستنير بها هدياً ونزدانُ

أضفت عليها نعيماً لا زوال له

وليس ينتابه حدٌّ ونقصانُ

من معدنِ الخير قد صيغت وما برحت

فيها يوطَّد للخيرات بنيانُ

زهت بطلعتك الدنيا وكم حفلت

بنور وجهك أرجاء وأكوانُ

حيّت بمولدك العلياءُ سيِّدَها

ومَن عروش له ذلت وتيجانُ

ورحَّبت بك دنيا المكرمات فما

لها سواك على البأساء معوانُ

أتيت كالغيث يسقي القفر مندفقاً

فينبت الزهر فيه وهو ريّانُ

وجئت كالنور يمحو كلَّ حالكة

فأشرقت بك ألبابٌ وأذهانُ

وعشت ينبوع فضل للورى وحمىً

إليه تلجأ أحرار وعُبدانُ

يا مفخر الدين والدنيا وعزَّهما

لأنت وحدك تشريع وفرقانُ

وأنت طغرا على هام العُلا سطعت

وأنت في صفحات المجد عنوانُ

ما لحت إلّا ولاحت كلُّ مكرمةٍ

فأنت في مقلة العلياء إنسانُ

يا مالئ الكون أفراحاً بمقدمه

وشاغل الناس منه الدهر إيمانُ

هنّى بك الدين اُمّاً انجبتك له

ومَن سواك لهذا الدين صَوّانُ

فالعدل مبتسم والمجد مبتهجٌ

والحقُّ منتصر والفضل جذلانُ

والظلم مندحر والفسق منخذلٌ

والمكر في ذلَّة والغدر خزيانُ

____________________

(١) اُلقيت في حفلة ميلاد الإمام الحسين (عليه‌السلام ) الّتي أقامتها في جامع الفقير في البصرة جمعيَّة أصحاب السيّارات وعمّال شركة نفط البصرة سنة ١٩٥٠ م - ١٣٦٩ ه.


فقد أطلَّ على الدنيا فنوَّرها

وجه بنور الهدى والرشد مزدانُ

وجه الحسين ومذ لاحت بشائره

تدفَّق الخير يهمي وهو هتّانُ

* * *

عزَّت بمولدك الأحرار قاطبة

والظالمون وأهل البغي قد هانوا

واستبشر الحقُّ مزهوّاً بناصره

ومَن به رسخت للحقِّ أركانُ

أتيت تدفع عنه العابثين به

المفسدين بما شادوا وما دانوا

القاسطين سواء في ضلالتهم

شيب قد اختبروا الدنيا وشبّانُ

من كلِّ مَن ملك الشيطانُ مهجته

فعاش وهو شقيُّ النفس شيطانُ

من كلِّ ذي سفه بالفسق مشتهر

يقضي الحياة خليعاً وهو سكرانُ

عصابةٌ مُلئت خزياً ومنقصةً

وما لها غير إفساد الورى شانُ

شعارها أن تذيق العالمين أذىً

وخيرُ فعالها زورٌ وبهتانُ

تيهي (اُميَّة) واختالي مفاخرةً

فمن سراتك للشيطان أعوانُ

هيهات يصلح قوم ساد بينهمُ

يزيدُ يفعل ما يهوى ومروانُ

فذا إلى الخمر والفحشاء منصرفٌ

وذا بظلم بني الزهراء ولهانُ

ذئب على الأرض من لؤمٍ بعنصره

ومن خبائثه صِلُّ وثعبانُ

لا يفلح الناس فوضى لا رشادَ لهم

وذو الرئاسة فيهم همه الحانُ

والحاكمون إذا كانوا ذوي عمه

فشأن أتباعهم ذلٌّ وخسرانُ

والحكم إن لم يكن عدلاً ومنفعةً

فإنه لنفوس الناس أدرانُ

فلا تدوم مع الإرهاق مملكةٌ

ولا يقوم على الإذلال سلطانُ

* * *

لـمّا رأيت ربوع المسلمين غدت

فوضى وليس لها راع وريّانُ

سوى شراذم ما نال الأنامَ بها

إلّا همومٌ وآلامٌ وأحزانُ


تثار من أجل أطماعٍ هنا وهنا

مجازر تُهلك الدنيا ونيرانُ

فثرت ثورة جبّار فراعهمُ

من أشجع الناس إقدام وإيمانُ

تذبُّ عن حرمات الدين في شممٍ

ما إن حواه ولا يحويه إنسانُ

أقمت في كربلاء المعجزات بما

لم يستطع فعله إنسٌ ولا جانُ

أكرم بيومك يوم الطفِّ منزلةً

لها على الدهر مهما طال رجحانُ

يوم به رنَّ صوت الحقِّ منطلقاً

وأدرك الشرَّ إذلال وخذلانُ

كانت حياتك نوراً يستضاء به

ولم تزل وهي أفضال وإحسانُ

ظلَّت مخلَّدة تُهدى إلى اُممٍ

إلى العلا وتنال المجد أوطانُ

* * * *

كاظم مكّي حسن


قصة ميلاد(١)

محمود محمّد الحبيب

كانت طلائع الفجر العسجدية تتسلل بهدوء من بين الكثبان الرملية والجبال العالية , فتدحر أمامها فلول الليل الموهنة. ولم تمضِ ساعة واحدة حتّى كانت ذكاء قد استوت على عرشها ضاحكة الأنوار , وقد أحالت الصحراء إلى معبد قدسي ارتفعت منه الأناشيد والتراتيل الجميلة المنبعثة من موسيقى الأنسام , وحداء أدلاء القوافل , واُغنيات الرعاة , وثغاء الشياه , وزقزقة العصافير , وشدو الحمائم , فاستيقظت المدينة الراقدة , ونفضت أبناءها إلى رحاب الشوارع وأروقة المساجد , وزحمة العيش وصيال الكدح.

وفي إحدى دور بني هاشم كان الداخل يرى شخصاً مهيب الطلعة , وضّاح الجبين , وفي سيماه عنفوان الرجولة , وفي إهابه صولة الليث , وقد أفاضت عليه حلاوة الإيمان هالة من مهابة , وإكليلاً من وداعة هادئة تسري إلى القلب , فتودّ لو أطلت إليه النظر دون أن يدركك الملل.

كان ذلك الشخص جالساً وهو ينكث الأرض بعود في يده , وقد انصرف بخواطره عن كلّ شيء , اللهمَّ الاّ ما شغل باله , واستحوذ على مشاعره وهيمن على كلّ رجاحة فيه.

كان قلقاً يرمق السماء ذات الأديم الأزرق والصافي أحياناً كشاعر حالم , ثمَّ يرتدّ ببصره إلى ما حوله , فيلمح ابن

____________________

(١) اُلقيت في جامع (المظفر) احتفالاً بيوم عيد ميلاد الحسين (عليه‌السلام ) , الذي أعدّه ونظمه شباب العشار سنة ١٣٦٧ ه.


عمّه المصطفى جالساً إلى جانبه , وقد التفّ حوله فتيان بني هاشم وشيوخهم وهم ينظرون إليه بأعين تنطق بالشجيع(١) ، وتلطّف ثورته الحبيسة , ثمَّ ترصّع شفاهم ابتسامات ألذّ من النسيم , وأعذب من الماء السلسبيل في فم صاد ضلّ في بيداء قاحلة.

كان الرجل يحاول بدوره أن يغتصب ابتسامة ردّاً عليهم , ولكنها وإن رصّعت فاه فهي لا تخلو من شحوب لما يُحسّه من اضطراب داخلي. كان الموقف حرجاً , وقد أدرك الجالسون ما فيه من توتر في الأعصاب , ووجيب في القلوب , واندفاعات في الخواطر التي تأبى الاستقرار إلّا من شخص واحد هو النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؛ فهو الرجل الوحيد الذي شعر باطمئنان عميق يؤنسه في هذا الجو الملبّد بالأزمات النفسية ؛ فالاتصال الروحي بالسماء كشف أمام ناظريه ما استغلق على سواه من أسرار المجهول.

التفت (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى ابن عمّه علي (عليه‌السلام ) قائلاً : (( تشجّع يا أبا الحسن , فالله معنا )).

فردّ عليه الإمام (عليه‌السلام ) بصوت متهدّج : (( إنّ قلبي شاعر بما يحسّه المؤمن في هذه الساعات , ولكنه قلب الزوج الحنون العالم بما يعتور قسيمة حياته من آلام المخاض القاسية , فاعذرني )). ثمّ غمره صمت عميق حدا بالجالسين إلى السكوت حتّى لتكاد تسمع دبيب الأنفاس في الصدور.

كان ما حدث شيئاً مخالفاً لسنن الطبيعة التي ألفها الناس , بل أمراً غريباً جداً ؛ فزوج الإمام علي - فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) - قد أحسّت بالمخاص وأوجاعه في شهر حملها السادس , وهذا حدث لم يقع في تأريخ النساء إلّا في ولادة واحدة لنبيٍّ كريم.

كما إنّ علم الطبّ الحديث يؤكد لنا أنّ الطفل الذي يولد في مثل هذه الحالة لا يلبث أن يموت بعد دقائق من ولادته ؛ لنقص في نموّه المتناظر ؛ إذ لن يستكمل نموّه وخلقه التامّ إلّا في الشهرين السابع والتاسع.

إذاً فما الذي ينتظر هذا المولود القادم قبل الأوان إلى الحياة ؟ هذا ما دعا الإمام (عليه‌السلام ) إلى الاستجابة إلى العوامل النفسية المتضاربة , فتملّكته الأفكار ولم يقر له قرار. ومع ذلك فكلّما صافحت عيناه عيني المصطفى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , ولاحظ توهّجهما الغريب , وتلك الغبطة التي ترفّ على محياه الزاهر شعر بالراحة , ورانت عليه لذاذات هنيئة, ومتع روحية عميقة الأثر تطرد عن اُفقه ما يغزوه من أشباح سوداء , فينقلب بعواطفه وجوارحه إلى ألف اُذن واُذن.

ويمدّ السمع مرهفاً نحو غرفة زوجه , فلا يسمع إلّا أصوات النساء النامّة عن التشجيع وطلب الصبر والدعاء وغيره , فيودّ لو تصرّمت هذه الدقائق السائرة ببطء ليحسّ من بعدها بسلامة المآب وروعة الخاتمة , وليطبع على جبين مولوده قبلة عميقة يودعها هذا الخضمّ من الشوق الزاخر في أعماقه كصخب شلال مندفع.

____________________

(١) هكذا ورد في الأصل , وربّما كان الصواب (التشجيع).


ولكن الدقائق تنطوي على مهل حتّى ليخالها شيخاً يدبّ , موهن الخطى , وهي تسجّل في طريقها آلاف الهواجس المرفرفة على محيّا الوالد الذي ينتظر بشوق وحنين.

ما أروع هذه الصور الفنية الدقيقة الخيوط , الرائعة الظلال التي نطق بها وجه الإمام (عليه‌السلام ) , ففيها يرى الناظر فرحة الأب بطفله الجديد , وجزع الزوج الخائف على مصير زوجه , ورهبة الإنسان العاجز أمام قوة المجهول , واطمئنان المؤمن إلى عطف الخالق , ثمَّ صبر العبد على امتحان الله.

وهكذا اصطخبت عوامل الألم بالأمل , والخوف بالرجاء , والصبر بالإيمان , والضعف بالتجلّد , والعجلة بالأناة والتريّث , وظل مسرحاً تمثّل عليه أعنف الفصول , وهو مع ذلك الرجل العظيم , الكاظم لعواطفه , المنصرف إلى ربّه في دعاء خافت وصلاة فكر وتلاوة آي محكمات.

وبينا هو يغمغم بما يمنحه هدوء البال , واستقرار العاطفة إذ تعالت الأصوات من الداخل , وارتفع دعاء الهاشميات

يبعث الرعشة في الأجسام ؛ لحرارته وانبعاثه من قلوب صادقة الولاء , فيّاضة المحبّة.

فأحسّ أبو الحسن بأن قلبه يكاد يثب من بين ضلوعه لفرط وجيبه , وتدفّقت الدماء حارة في عروقه , وتفصّد جبينه بقطرات العرق البارد , فراح يمسحها بكفّ مرتجفة وهو يتضرّع في سرّه إلى الله تعالى أن يخفف عن زوجه ألمها ومتاعبها , ويكشف عنها هذه السحابة الثقيلة. وأخذت روحه الحنون ترفرف حول الدار رفيف الطير حول وكناتها وفراخها.

هبطت إرادة السماء فدوّت في الدار الأغاريد , وعلا صوت البشير يهتف بمولد الطفل شبل حيدر (عليه‌السلام ) وحفيد محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , فارتفع للهاشميات هتاف عال وتسبيح ذو نغم عذب , هذا والفرحة الكبرى تسكب عليهم طراوة الحياة ومسرّاتها , وولد عيد سعيد في تأريخ آل محمّد مولد السبط.

أمّا الإمام , أمّا الأب المشوق فقد أمّ زاوية في الدار شاكراً لله إحسانه , ثمَّ هرول إلى الداخل والحنين الطاغي يسبقه خطوات , فهنّأ زوجه بالسلامة ثمَّ انحنى على المولود , والتقت الشفاه الظامئة بالجبين الزاهر في قبلة خُيّل للحاضرين أنها قد استمدّت قوّتها من أعماق روح الإمام (عليه‌السلام ).

اهتزّت المدينة لوقع المعجزة الكبرى , واكتظّت دور بني هاشم والمساجد بالمسلمين المغتبطين بهذا العيد , وسرى النبأ يغزو الأمصار , ففرح المحبّون. أما الذين تحجّرت أفئدتهم فقد رجّ الخبر أفئدتهم رجّاً.

وتمرّ بضعة أسابيع , وفي ذات مساء في جلسة عائلية كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جالساً يحفّ به ابن عمه وابنته فاطمة , وصفوة من ذوي قرباه , وقد أجلس الحسن والحسين (عليهما‌السلام ) في حجره , وراح ينظر إلى الأخير نظرة طويلة بهت لها الجميع , ثمَّ أخذ يقبّله والدموع تنهمر من عينيه , فهتفت فاطمة : (( أبتي , ما يبكيك ؟! )).


ونظر عليّ (عليه‌السلام ) إليه والسؤال يتراقص على لسانه. نظر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إليهم وإلى الطفل , وسبحت خواطره إلى المستقبل البعيد تلج أبوابه , وتكشف عن أسراره وغوامضه في حياة البشر , فإذا للحفيد قصّة سطورها من دماء ودموع.

أمّا فاطمة وزوجها , أمّا الحاضرون فلبثوا ينتظرون الجواب , ولكنّ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) انطوى على نفسه , وانصرف بكافّة جوارحه لقراءة سطور المجهول.

وارتمت الشمس خلف الجبال في ثوبها المعصفر وهي تلقي أهدابها الوردية على الاُفق , ثمَّ احتضن الكون ليل داج ترصّعه ذات بصيص خافت. هذا والنبيّ لا يزال مستغرقاً في صمته العميق.

محمود محمّد الحبيب - البصرة


يوم عاشوراء

السيّد فاضل السيّد مهدي

أمن مصابك شعري راح مكتئبا

أم أنّ دهريَ من أشجانه انسكبا

أم للحوادث آلام تقيّدني

من أن أروح مع الوجدان مصطحبا

أم أنّ حظّي من الدنيا الشقاء ولا

ذنبٌ لديَّ فلم أعرف له سببا

همٌّ وبؤس وحرمان ومجزرةٌ

من الأنام تريك الويل والحربا

ماذا أقول ووحي البؤس يلهمني

ما لا اُطيق به ذرعاً ولا نشبا

في كلَّ عضوٍ أنين بات يُقلقني

والفكر بات من الأحزان مضطربا

مهازل قد سئمناها وما نفعت

آهاتنا وتباشير الرجاء خبا

* * *

يا سيَّدي والرزايا ليس يحصرها

فكرٌ فكيف وإنّ الفكر قد سلبا

يا سيّدي كلّ جرح فاض من ألمٍ

حتّى غدا كجحيمٍ بات ملتهبا

يمور كالموج إن هاجت عواصفُه

وكالبراكين ترمي النار واللهبا

يا سيّدي مَن يواسيه ويسعفُه

لولاك إن راح يدمي خافقاً نكبا

كأنّنا في مهاوي اليأس تحسبُنا

أشباحَ وهمٍ تراءى كالسراب هبا

فيا شهيد العلا عفواً ومعذرةً

أن لم يوافِك إلهامي بما وجبا

عندي إليك حديث بات ينهشني

أخفيته من زمان ليته نضبا

الناس تاهوا بأحلام الضلال وما

ثابوا لرشدهمُ والظلم قد غلبا

يستعذبون صراخ البائسين كما

يستعذبون رنين الكأس والطربا

ويهزؤون بأنّات الضعيف كأنْ

أنّاته نغمٌ مستعذب سُكبا

* * *


مولاي هذي جراحات مفجَّعةٌ

ثارت فأعيت عقول الناس والأدبا

أعيا البيان لساني لا تؤاخذني(١)

مَن رام مدحك لا يحظى بما طلبا

ما كلُّ مَن رام شيئاً نال بغيته

وإن تفانى فلم يدرك له أربا

فللعظيم صفات قد يتيه بها

فذٌّ وإن صاغ في تبيانه الشهبا

ما كنت أطرق إلّا بابكم خشِعاً

مولاي فاقبل وعفوي منك قد وجبا

* * *

السيّد فاضل السيّد مهدي - الناصريَّة

____________________

(١) يضطرب عروض الصدر بسبب جزم الفعل.


ذكرى يوم عاشوراء

محمد بحر العلوم

أيّها السادة , يمرُّ يوم عاشوراء بطيء السير , طويل الظل , زاخراً بالأسى , ومفعماً بالأشجان ؛ لأنه ينطوي على الألم الممضَّ والفاجعة الفادحة. يمرُّ هذا اليوم ناعياً للبشرية مجدها الشامخ , ونادباً للإنسانية عزَّها الأثيل.

يمرُّ وقد أقلقه الحزن , وانتابه الألم ؛ فلقد كان بمروره السنوي معرضاً نبيلاً لم يشتمل على تصوير كارثة تؤذن بالشكوى المريرة ليستنزف الدمع من محاجر العيون فحسب كما يتصور البعض , وإنما كان معرضاً لأثمن العظات , ومذخراً لأجلَّ ما تحتاجه الإنسانية من مُثُل سامية , وعبر عالية , ونتائج قد سجَّلتها البطولة.

نتائج قدسيَّة سجَّلها التأريخ على صفحاته بزهو وافتخار , وردَّدت صداها العصور لتلقَّنها الأجيال جيلاً بعد جيل , وهي في اُفقها العاجي ومجدها الرفيع , يقدَّرها كلُّ ذي إحساس حيًّ , وتفكير صحيح , وشعور مرهف , لماذا ؟ لأنّها تتَّصل بشخصيَّة فذَّة ضحّى بنفسه مع طائفة من أهل بيته خدمةً للدين الإسلامي الحنيف , من دون تقاعس عن الحقَّ , ولا هوادة في الجهاد في سبيل الحق.

أيّها الحفل الكريم , يمرُّ يوم عاشوراء حاملاً معه ذكرى مأساة كربلاء الّتي مثَّلها أبيُّ الضيم , من أجل إقامة دولة الحقَّ حينما اضطربت في حكمها حينذاك بعد أن عرجت رُوح المشرَّع الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الطاهرة إلى رَوح الله وريحانه , وانتهى الدور بعد زمان ليس بالقصير إلى سيّد الشهداء , وقد مهد له الطريق أبوه علي (عليه‌السلام ).

فكان حرب عليًّ (عليه‌السلام ) بعد قبض رسول الإنسانية طريقاً نهجه ليسلكه المصلحون من ولده من منقذ البشرية , فيسلك ذلك الطريق سيّد أولاده أبو محمّد الحسن (عليه‌السلام ) ليصرخ في وجه الظلم والطغيان , ويدفع رأس الضلال والبغي.


ولما لم تكمل العدة له يمدُّ يده ليصافح عدوه الألدَّ لينتج من ذلك الصلح أن يصدع أبو عبد الله الحسين (عليه‌السلام ) بالحق , ويتسنى له أن يقوم بتدعيم [دعائمه](١) .

إذاً فنهضة الحسين (عليه‌السلام ) ثمرة ذلك النهج الذي سنَّه له أبوه أمير المؤمنين عليُّ (عليه‌السلام ) ، وسلكه أخوه الحسن (عليه‌السلام ). وما تضحية عليًّ وولديه (عليهم‌السلام ) إلّا تدعيماً لدعائم الدين المحمَّدي والنظام الإسلامي , وما استقام الدين إلّا نتيجة لتلك التضحيات الخالدة , فكانوا مثالاً أعلى للتضحية الحقَّة في سبيل الحقَّ , والعنوان السامي في سجلَّ الإباء والشرف , والخلود البارز ومصداقه الوجداني في صفحة النضال.

ولقد ظهر للعالم أجمع من خلال نهضة الحسين ظلم الاُمويين وسخطهم على العترة الطاهرة ؛ ففضَّل أن يموت وأهل بيته وأصحابه على منعه من الماء , وعياله وأطفاله يتصارخون من الظمأ وإن كان في إمكانه أن يطفئ غلَّته ويشرب جميع من معه رجالاً ونساءً.

الأمر الَّذي يشير إلى رجحان خطَّته ونظريَّته رجحاناً لا تفكير بعده ولا نقض لإبرامه ؛ لأن نهضته الشريفة كانت بواعثها ليست بمحض البشريَّة , القوى الإنسانيَّة الساذجة , وإنما كانت مشوبةً بنوع من الإيحاء الإلهي الرفيع , كما والعناية الربّانيَّة تحيطها كلَّ الإحاطة.

فكان في استطاعته كلَّ ما يروم , وأن يشرب الماء ولو على سبيل

____________________

(١) في الأصل : (دعائم الحقَّ).


الإعجاز , غير أنه أبى ذلك لأجل أن يُظهر للناس ظلم الاُمويين وكرههم لهذا البيت المجيد من الرضيع حتّى الشيخ , وهذا وأيم الحقَّ هو الفخار الأعلى , وتلك القوة كلُّ القوة , والخلود كلُّ الخلود.

ومن المستحسن ونحن مع المستمع الكريم في هذا الاستطراد أن نفهم أنَّ الحسين (عليه‌السلام ) إذا علم بقتله وأهل بيته قبل خروجهن مكّة , واتضح لديه سبي النساء الحرائر وهتك خدورهن , فكيف سمحت له الغيرة أن يصحب معه عياله ونساءه ؟

غير أن الجواب ليس بالعسير إذا ما دقَّقنا الواقع , فنرى جلب الحسين (عليه‌السلام ) للنساء هي خطَّة حربيَّة ثابتة أحرز بها أبو عبد الله (عليه‌السلام ) النصر المبين , وسبيلاً للنجاح في مشروعه , وطريقاً فنَّيّاً للغاية , وأنها إحدى وسائل الدفاع التي بنيت عليها غاياته الشريفة.

فإنّ حمل النسوة إلى كربلاء على تلك الحالة يدلُّ على عظم التضحية أولاً , وسبيهُنَّ من بلد الى بلد على تلك الصورة هو الدليل ثانياً على مظلومية آل الرسالة (عليهم‌السلام ) الَّذين خصّهم الله في كتابه العزيز , والبرهان الواضح على عسف الاُمويين وجورهم على أهل هذا البيت الرفيع.

ولئِن دلَّ سبيُ النساء على شيء فإنما يدلُّ على خرق الاُمويين عادات العرب حينذاك , وهتكها لصيانة حرمها , وهذا ممّا يُرى له الأثر الكبير. وفعلاً قد أثَّرت في النهضة أثرها الفعّال , فلولا سبي النساء لكانت نهضة الحسين في زوايا التأريخ , حيث لم تكن نهضته أجلَّ وأعظم من كثير من الاُمور , ولقد طمرها التأريخ بين ثناياه , وأنكرها القوم فكانت نسياً منسيّاً.

ولكن سبي النساء هو الَّذي جعل ذكرى الحسين (عليه‌السلام ) تتجدَّد على مدى الأيّام والدهور ؛ إذ من الفظاعة العربيَّة أن [تسيّر](١) حريم العرب [مسبيّات](٢) من بلد إلى آخر , يتستَّرن

____________________

(١) في الأصل : (تسار).

(٢) في الأصل : (مسلبات).


بأيديهن من الدني والقصي , والقريب والبعيد ؛ وقاءً للفظاعة والعار.

فما أشبه , يا شهيد الحقَّ , ساعة نهضتك بيوم صلح الحسن , وظروف أبيك عليّ , وبعثة محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ! ولهذا التشابه الفريد انبرى قلم التأريخ يسجَّل الصفحات الناصعة , فانتثرت صفحاته طروساً يقرأ فيها العالم الإسلاميُّ التضحيات الحقَّة , والإباء الخالد , والمقام السامي في دار الدنيا ودار الآخرة والذكر الجميل.

فسلام عليك يوم ولدت , ويوم نهضت , ويوم قتلت , ويوم تبعث حيّا.

محمّد بحر العلوم - النجف


ذكرى مولد السبط(١)

كاظم مكّي حسن

شرفت بمقدم يومه الأيّامُ

وأعزَّ فيه وعُزَّز الإسلامُ

هذي بشائر للهدى ومواكبٌ

للحقَّ قد خفقت بها أعلامُ

فالأرض مشرقةُ الأديم بنورِه

وسهولها تختال والآكامُ

نظم الجمال قلائداً وتفتَّحت

عن كلَّ فائحة الشذا الأكمامُ

في كلَّ ناحية منار مشرقٌ

وبكلَّ صوبٍ رحمةٌ وسلامُ

فالروح يهتف والملائك في ذرا

عليائها والوحي والإلهامُ

رِيعَ الضلالُ وهدَّمت أركانه

وعَلاه ذلٌّ واحتواه ظلامُ

وعلى المظالم سُلَّ من غمد الهدى

سيفٌ يروع مجرّدٌ صمصامُ

خرَّت وملء أديمهن جراحة

من وقع سيف الحقَّ لا تلتامُ

هيهات تبقى للمظالم دولةٌ

عقبى المظالم خيبة وحمامُ

لا تحسبن الظلم يرفع اُمَّة

فيسود فيها للرقيّ نظامُ

فمصيرها شرٌّ يدكُّ عروشها

دكّاً وإن طالت بها الأيّامُ

* * *

ولد الإباء فللنفوس تحرُّرُ

من أسرهن وللاُباة قيامُ

بشر ولكنَّ الملائك حوله

منهم قعودٌ حوله وقيامُ

____________________

(١) ألقاها الشاعر بنفسه في الحفلة التي أقامتها هيئة (موكب التميميَّة) بمناسبة ذكرى مولد الإمام الحسين (عليه‌السلام ) سنة (١٣٦٧) ه.


نعم الوليد زها الوجود بنوره

وازدان فيه البدر وهو تمامُ

جُمعت به كلُّ الفضائل والنهى

فحياته للعالمين قوامُ

* * *

يا سبطَ طه المصطفى وفخاره

العرب ولهى فيك والأعجامُ

ملء المسامع والعيون ومَن به

شغل الزمان وحارت الأحلامُ

الحقُّ ما جاهدت عنه وصنتهُ

والبغي ما حاربته والذامُ

والدين أخلاق رفعت صروحها

فزكا لها ذكرٌ وجلّ مقامُ

والعدل حكمك في الأنام تقرُّهُ

ومن الشقا أن تُفسَد الأحكامُ

والعِزُّ عِزُّك حين ثرت مجاهداً

والصبر صبرك والخطوب جسامُ

لم يثنِ عزمك عن مناجزة العدى

جزعٌ ولم تقعد بك الآلامُ

ورأيت أنَّ الموت في سوح الوغى

لله عِزٌّ دائم وعصامُ

راموا لعيشك أن يذلَّ وإنّما

بك كلُّ عزَّ للنفوس يرامُ

أنّى لمثلك أن تُذلَّ حياته

وحياة مثلك كلُّها إقدامُ

يا من أراد لقومه إصلاحهمْ

كم في حياتك أصلحت أقوامُ

المصلحون بما بذلت تمسَّكوا

والمتَّقون على هداك أقاموا

والدين لو لم تحمِه لتمكَّنت

منه لئامٌ دينُها الأصنامُ

كم في جهادك قد أعزَّ وكم به

صلّى اُناس مخلصون وصاموا

* * *


كاد الولاء لآل أحمد ينمحي

و ولاؤهم للمكرمات سنامُ

وعَدا عليه معشر من قومه

زعموا الهدى وهمُ له أسقامُ

مِن كلَّ مَن ملك الفساد حياته

فغدا وملء حياته إجرامُ

ضلّوا الطريق فلا صلاح ولا هدىً

نِعمٌ لهن من الضلال زمامُ

وتتبَّعوا آثار كلَّ مضلَّلٍ

أهدى وأرشد منهم الأنعامُ

هذا يزيد وهؤلاء رجاله

هم في جُنوب الصالحين سهامُ

طعنوا الفضيلة في الصميم وروَّجوا

سوق الفجور فعمَّت الآثامُ

ويقال إنهمُ لأحمد شيعة

لهمُ بحلَّ رشاده استعصامُ

حاشا لأحمد أن يكون نبيَّ مَن

لقيَ المصائب فيهم الإسلامُ

فهم الاُلى نقضوا هداه وأبرموا

غيّاً فبئس النقض والإبرامُ

فحرامه حلٌّ لهم و حلاله

إن لم يوافق ما يرون حرامُ

فدعوت دعوتك الَّتي في طيِّها

للشمل جمع والنفوس وئامُ

ونهضت نهضتك الّتي لو لم تقم

فيها لما عشق العلاء كرامُ

في معشرٍ رزقوا الحياة بموتهم

فلهم على ورد المنون زحامُ

هاموا بنصرك مُرخِصين نفوسهمْ

ولكلَّ حزبٍ لوعة وهيامُ


وأعزُّ ما يرجو الكميُّ شهادة

في الله يرفع شأنها ويقامُ

والموت في ظلَّ السيوف كرامةٌ

لمجاهدٍ في الحقَّ ليس يضامُ

يأبى الحياة مع المذلَّة والشقا

بطلٌ به للمكرمات اُوامُ

ويضيق بالدنيا إذا هي أصبحت

عبئاً عليه الفارس المقدامُ

وإذا طغى سيل الفساد فمَن له

إن لم يُقِم فرض الجهاد إمامُ

تالله ما بعد الحسين وقبله

في الله غازٍ في الرسول همامُ

حرٌّ تورَّث من أبيه وجده

شيَماً لهنّ على الزمان دوامُ

فيه من الهادي شمائل جسمه

ومن الوصي حماسة وضرامُ

حاز الفخار وضمَّه في نفسه

فكأنَّه لذوي الفخار ختامُ

* * *

كاظم مكّي حسن - البصرة

والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين


الفهرس

المقدّمة ٢

التاريخ الشعري ٩

إنها لإحدى العبر ١٣

الصراع بين الحقِّ والقوة ١٤

ذكرى الطفِّ ٢٣

حسين.(١) ٢٧

دروس تضحية ٢٩

من وحي الذكرى ٤٠

المثل الأعلى ٤٥

هب الدين حصناً(١) ٥١

التضحية ٥٦

درس في الجهاد ٦٤

سموُّ المبدأ ٦٩

رأى العز بالموت فاختاره(١) ٧٢

صبر الحسين ( عليه‌السلام ) ٧٨

من أعماق التاريخ ٨٦

الجهاد الخالد ٩٧

عظة وعبرة ١٠٦

شعلة الطفِّ التي لن تنطفئ ١٠٩

خطاب الى يزيد ١١٧

ثورة الحسين ( عليه‌السلام ) ١٢٥

شهيد الحقِّ والعدالة ١٢٩


في موكب الحسين ( عليه‌السلام ) ١٣١

رمز النضال ١٣٥

نظرة في حياة الحسين ( عليه‌السلام ) ١٤٥

يا ثائراً للحقِّ(١) ١٥٤

الذكرى الخالدة ١٦٠

شذرات ١٦٣

الحسين ( عليه‌السلام ) ١٧٨

عظمة الحسين ( عليه‌السلام ) ١٨٢

قصة ميلاد(١) ١٩١

يوم عاشوراء ١٩٥

ذكرى مولد السبط(١) ٢٠١

الفهرس ٢٠٥