المجالس الحسنة في مناسبات السَّنَة
التجميع الإمام الحسين عليه السلام
الکاتب السيد أحمد الحكيم
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

المجالس الحسنة

في مناسبات السَّنَة

السيد أحمد الحكيم


بسم اللَّه الرحمن الرحيم

اللهمَّ كُن لوليِّكَ الحجَّةِ

ابن الحسن صلواتك عليه وعلى

آبائه في هذه الساعة وفي كلِّ

ساعة وليّاً وحافظاً وقائداً وناصراً

ودليلاً وعيناً حتّى تُسكِنَه

أرضكَ طوعاً وتمتّعه

فيها طويلاً برحمتِك

يا أرحم الرّاحمين


الإهداء

إليك

أيّها العبدُ الصّالح

إليك

يابابَ الحوائج إلى اللَّه

إليك

ياقمرَ بني هاشم

إليك

ياحاملَ اللواء

إليك

ياساقي عَطاشى كربلاء

إليك

ياحامي الظعينة

إليك

يامن استجار به الهدى، وكان جيشاً بوجه العدى

إليك

ياسيدي ياأبا الفضل العباس بن علي بن أبي طالب: أرفع بكلتا يديّ وريقات ولائي لعلَّها تحظى بالقبولِ فأفوز، وأحظى بالنظرةِ منكم فأجوز

فمعكم معكم لا مع غيركم... .آمنت بكم‏

خادمكم الوفي

أحمد


المقدمة

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم

الحمدُ للَّه الذي علّمَ بالقلم علّمَ الإنسانَ ما لم يعلم، والصلاة والسلام على البشير النذير، والمعلم الخبير سيّدِ الأنبياء والمرسلين، وأقرب المقرّبين لإله العالمين أبي‏القاسم محمّد بن عبداللَّه(ص) ، وعلى آله الغرر الأوصياء الإثني عشر، من المرتضى إلى المنتظر.

واللعنُ الدّائمُ على أعدائهم ومخالفيهم، ومنكري فضائلهم، والمنحرفين عنهم، والمشكّكين فيهم أجمعين من الأوّلين والآخرين إلى قيام يوم الدّين.

وبعد:

فإنّ المتتبعَ لسيرةِ أهل البيت(ع)، والمطّلعَ على ما أدّبوا به شيعتَهم يجد أنهم قد رسموا لهم نهجاً نيّراً يُحفظون به، ويحافظون على هويتهم الأصيلة من جهة، ويبقونَ بابَ التواصلِ والارتباط معهم مفتوحاً من جهةٍ ثانية.

وقد تمثّل ذلك في إرشاد الشيعة لإحياءِ المناسبات الإسلاميّة، والشّعائر الدينيّة اليوميّة أو الشهريّة أو الحولية، كصلاة الجماعة والجمعة والعيد، أو الحج والعمرة، أو زيارة مشاهدهم، أو إقامة المآتم بوفاياتهم، أو الاحتفالات بمواليدهم، بل وحتى التجمّع في الدور والبيوت، والمزاورةِ وإقبالِ بعضهم على بعض، فإنّ ذلك من إحياء أمرهم(ع) لأنّ فيه ذكراً لفضائلهم ومناقبهم وأحاديثهم ووصاياهم، ودعوة الأتباع إلى التشبّه بهم، ولزوم طريقتهم، ومعرفة الأحكام الشّرعية الواردة عنهم، وقد ترحّموا(ع) بدورهم على كلّ من يضمّه مجلسٌ يُحيى فيه أَمرُهُم، ويدعى فيه إليهم.


وقد مارسَ أئمةُ أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ما حثّوا شيعتهم عليه، فمشوا لحجّ بيت اللَّه الحرام، وشدّوا الرّحاله لزيارةِ مرقد أمير المؤمنين(ع) في الغري، وأبي عبداللَّه الحسين والشهداء(ع) في كربلاء، وأقاموا المأتم لسيّد الشهداء(ع) وبكوا عليه في بيوتهم ودورهم وصوامعهم وجوامعهم بل في سككِ المدينة وأسواقها.

وعندما رأى الشيعة أئمتهم وسادتهم وقادتهم يفعلون ذلك، ويشفعونَهُ بالحثّ والتأكيد وهم (ساسةُ العبادِ وأركانُ البلادِ، وأبوابُ الإيمانِ وأمناءُ الرّحمن) تمسّكوا به، وحافظوا عليه حتى صارت الشّعائرُ والمشاعرُ شعاراً لهم يتوارثونه جيلاً بعد جيل في كلّ زمانٍ ومكان.

ولا أجد أني أكشف سرّاً إذا قلت: لقد كان لهذا النّهج القويم أبلغُ الأثر في غزارةِ معارف عموم الشيعة، وثقافتهم الإيمانية، وطريقتهم الولائيّة.

حتى أنك صرتَ لا تجدُ اُسبوعاً إلّا وفيه مناسبةُ أو أكثر من ولادةٍ مباركة، أو شهادة مؤلمة، أو زيارة مأثورة، أو واقعةٍ مشهورة.

ومن هنا انبثقت فكرة هذا الكتاب، فهو عبارة عن مجالس مرتّبة تتبّعتُ فيها مناسبات السّنة كلّها من شهر محرّم الحرام إلى آخر ذي الحجّة المكرّم، وأسميتُه المجالس الحَسنة في مناسبات السّنة وما كان هدفي من وراء ذلك إلّا أن أكون معدوداً في زُمرة المشاركين في إحياءِ أمر محمّدٍ وآلِ محمّد(ص)

ومن اللَّه تعالى أستمدّ العون، وأطلب السداد والتوفيق متوسّلاً إليه بأحبِّ الخلق إليه، وأعزّهم عليه، وأخصّهم لديه محمّدٍ وآله الطيبين الطاهرين المنتجبين، والحمدُ له سبحانه والمجد والصلاة والسلام على محمّدٍ وآل محمّد، وعلى أعدائهم اللعنُ المؤبد.

قم المقدسة

في السادس من ذي الحجّة الحرام

سنّة ١٤٢٦ه / أحمد الحكيم


مناسبات شهر محرّم الحرام

١ - الليلة الأولى:

أ - فضل البكاء على سيّد الشهداء(ع)

ب - فوائد المجالس الحسينية

٢ - الليلة الثانية:

أ - فضائل الامام الحسين(ع)

ب - الخروج من المدينة إلى مكّة

٣ - الليلة الثالثة:

أ - كرم الأمام الحسين(ع)

ب - الخروج من مكّة إلى العراق

٤ - الليلة الرابعة:

أ - حياة مسلم بن عقيل(ع)

ب - مسلم سفير الامام الحسين(ع)

٥ - الليلة الخامسة:

أ - فضل أصحاب الامام الحسين(ع)

ب - مواقف أنصار الامام الحسين(ع)

٦ - الليلة السادسة:

أ - الصحابي الجليل حبيب بن مظاهر الأسدي

ب - شقاء عمر بن سعد وسعادة الحر


٧- الليلة السابعة:

أ - فضل أبي الفضل العبّاس(ع)

ب - أبو الفضل العبّاس(ع) الكنى والألقاب

ج- منزلة العبّاس بن عليّ(ع)

٨ - الليلة الثامنة:

أ - التفكّر والاعتبار

ب - شهادة القاسم بن الحسن(ع)

٩- الليلة التاسعة:

أ - برّ الوالدين

ب - شهادة عليٍّ الأكبر(ع)

١٠ - الليلة العاشرة:

أ - شهادة عبداللَّه الرضيع

ب - الإمام(ع) وأصحابه ليلة العاشر

١١ - يوم العاشر:

- مقتل الامام أبي الأحرار الحسين بن عليّ(ع)

١٢ - يوم الثالث عشر:

- دفن الأجساد الطاهرة

١٣ - يوم الخامس والعشرون:

- شهادة الامام زين العابدين(ع)


الليلة الاُولى المجلس الأوّل

فضل البُكاء على سيّد الشهداء(ع)

يُعيدكَ للتأريخ بالدّمعِ والدّمِ

متى لاحَ مكسوفاً هلالُ محرّمِ

وكم قائلٍ لي وهو مني هازلٌ

أتبكي لهذا العالَمِ المتبسِّمِ

يجادُلني في مأتمِ السّبطِ قائلاً

من الظّلمِ أن يَحيى الحسينُ بمأَتمِ

ولو قَبِلَ الجمهورُ قولي جَعلتُ مِن

محرّم للأفراحِ أبهجَ موسمِ

فيومٌ به الإسلامُ شادَ كيانَهُ

جديرٌ بأن يهنى به كلُّ مسلمِ

فقلتُ له قد فاتكَ القصدُ فاتّئِدْ

لتُهدى إلى معنى وتحظى بمغنَمِ

بكائي لآلامٍ على السبطِ قد جرت

متى أتذكّر شجوَها أتألّمِ

يرى صحبَهُ‏ صرعى على الأرض‏ح ولَه

ونسوتَهُ مذعورةً في المخيَّمِ

وفي حجرهِ الطّفلُ الرّضيعُ مُرفرفاً

يعالجُ سهماً في وريديه مُرتَمي

وقد شَعَبَ السَّهمُ المثلَّثُ قلبَهُ

وزادَ على آلامِهِ أنّهُ ظَمي

ويذبَحُهُ شمرٌ ويرفعُ رأسَهُ

سنانٌ ويُهدى مِن دعيٍّ لمجرمِ

وتُسبى حريمُ اللَّهِ وهي ثواكلٌ

تحِنُّ إلى خدرٍ وتبكي على حَمي(١)

____________________

(١) هذه القصيدة من نظم المرحوم آية اللَّه السيد محمّد جمال الهاشمي. ديوان مع النبيّ وآله: ص١٩٣.

وُلد آيةُ اللَّه السيّد محمد جمال الهاشمي عام ١٣٣٢ه في النجف الأشرف، وتوفي فيها عام ١٣٩٧ ه في شهر ربيع الأول. ونشأ وترعرع هناك في معقل العلم العريق، وفي بيت علميٍّ سامي الذّرى. فوالده آية اللَّه العظمى المرحوم السيد جمال الدين الهاشمي كان يُعَدُّ أحدَ أكبر مراجع الدين في عصره، ودرس الفقه والأصول وغيرهما من العلوم المتداولة =


بگلبي ماتمك يحسين ينصاب

وذكرك من يمر الدمع ينصاب

گلبي بدال گلبك ريت ينصاب

وخدّي دون خدَّك عل وطيّة

* * *

روى الشيخ المجلسي؛ في البحار بسنده إلى الإمام الحسين(ع) قال:

(ما من عبدٍ قطرت عيناه فينا قطرةً، أو دمعت عيناه فينا دمعةً إلا بوَّأهُ اللَّهُ بها في الجنّةِ حُقباً)(١) .

لقد حثّ أهلُ البيت: شيعتَهم على البكاء وإظهار الحزن لمصيبة أبي‏الأحرار وسيّد الشُهداء الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب٨ بأحاديثهم الكثيرة المُنتشرة، والمبثوثة في كتبنا المُعتبرة التي ألّفها أصحابُنا القُدماء والمتأخّرون (رضوانُ اللَّه عليهم أجمعين).

منها الحديث المروي عن إمامنا أبي جعفر الباقر(ع) وهو قوله: (أيّما مؤمنٍ دمعت عيناه لقتل الحسين(ع) دمعةً حتّى تسيلَ على خدِّه بوّأهُ اللَّهُ في الجنّة غرفاً يَسْكنُها أحقاباً)(٢) .

.____________________

= في حوزة علم النجف الأشرف، وعلى يد علماء كبار أمثال والدِهِ، وآية اللَّه العظمى الشيخ ضياء الدين العراقي، وآية اللَّه العظمى السيد أبوالحسن الاصفهاني، وغيرهم من الفطاحل، وانعكست هذه الشخصيّة العلمية على مختلف مؤلفاته القيّمة وخصوصاً على تفسيره الذي ما زال مخطوطاً. من مقدّمة ديوانه (مع النبي وآله) ص٦.

(١) بحار الأنوار: ج٤٤ ص٢٦٩ طبعة طهران.

(٢) بحار الأنوار: ج٤٤ ص٢٨٥ طبعة طهران.


وعن الإمام أبي عبداللَّه الصادق(ع) قال: (لكلِّ شي‏ء ثوابٌ إلّا الدّمعةَ فينا)(١) .

وعن الريّان بن شبيب قال: دخلت على الإمام الرّضا(ع) في أوّل يومٍ من المحرَّم فقال لي: (ياابن شبيب أصائمٌ أنت؟ فقلت: لا فقال: إنَّ هذا اليوم هو اليوم الّذي دعا فيه زكريّا ربَّه عزّوجلّ فقال:( رَبّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرّيّةً طَيّبَةً إِنّكَ سَمِيعُ الدّعَاءِ ) (٢) . فاستجاب اللَّهُ له وأمرَ الملائكةَ فنادت زكريّا وهو قائمٌ يصلّي في المحراب أنّ اللَّهَ يُبشّرُكَ بيحيى، فمَن صام هذا اليوم ثمّ دعا اللَّهَ عزّوجلّ استجاب اللَّهُ له كما استجاب لزكريّا.

ثمَّ قال: ياابن شبيب إنَّ المحرّم هو الشهر الّذي كان أهلُ الجاهليّة فيما مضى يحرّمون فيه الظّلمَ والقتالَ لحرمته، فما عرفت هذه الاُمّةُ حرمةَ شهرها، ولا حرمةَ نبيِّها، لقد قتلوا في هذا الشّهر ذرّيته، وسبَوا نسائه وانتهبوا ثقلَه فلاغفر اللَّه لهم ذلك أبداً.

يا ابن شبيب إن كنت باكياً لشي‏ءٍ فابكِ للحسين بن عليّ بن أبي‏ طالب(ع) فإنَّه ذُبحَ كما يُذبح الكبش، وقُتل معه من أهل بيته ثمانيةَ عشرَ رجلاً، ما لهم في الأرض شبيهون، ولقد بكت السماواتُ السبعُ والأرضون لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعةُ آلافٍ لنصره، فوجدوه قد قُتل فهم عند قبره شعثٌ غبرٌ حتى يقوم القائم فيكونون من أنصاره وشعارهم (يالثارات الحسين).

____________________

(١) كامل الزيارات: ص١٠٦ الحديث ٦ المطبعة المرتضوية - النجف.

(٢) آل عمران: الآية ٣٨.


ياابن شبيب لقد حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه أنّه لما قُتل جدّي الحسين(ع) أمطرت السماءُ دماً وتراباً أحمر.

ياابن شبيب إن بكيت على الحسين(ع) حتى تصيرَ دموعُكَ على خدّيك غفر اللَّهُ لك كلَّ ذنبٍ أذنبتَهُ صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً.

ياابن شبيب إن سرّكَ أن تلقى اللَّه عزّوجلّ ولا ذنبَ عليك فزُر الحسين(ع)

ياابن شبيب إن سرَّكَ أن تسكنَ الغرفَ المبنيّة في الجنّة مع النبيّ(ص) فالعن قتلةَ الحسين(ع)

ياابن شبيب إن سرَّكَ أن يكون لك من‏الثواب مثلُ ما لِمَن استُشهد مع الحسين(ع) فقل متى ما ذكرته (ياليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً).

ياابن شبيب إن سرَّكَ أن تكون معنا في الدّرجات العلى من الجنان فاحزن لحزننا، وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أنَّ رجلاً تولّى حجراً لحشره اللَّه معه يوم القيامة)(١) .

إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة البالغة حدَّ التواتر، ولكن ما هو الغرض من ذلك؟ وما هو المغزى الّذي توخّاهُ أهل البيت: يا تُرى؟

نقول في الجواب: إنَّ الغرض ليس إلّا أنَّ الدمعةَ لا تُفاض إلا عند انفعال النّفس وتأثّرها مما يصيبها أو يصيب مَن تمت به بنحو من أسباب الصّلة، ولا شكّ

____________________

(١) بحار الأنوار: ج٤٤ ص٢٨٥. طبعة طهران.


أنا نرى النفسَ عند تأثّرها بذلك تكون متأثّرةً بشي‏ءٍ آخر وهو العداء والبغض لكلّ من أوقع تلكَ الفوادح والآلام، فالأئمة: حيث أنّهم أعرفُ الناس بمقتضياتِ الأحوال والملابسات التي تؤكّد دعوتهم كانوا يتحرّونَ التوصّل إلى أغراضهم بكلّ صورة، وكان من الوسائل التي توجب انحراف الاُمّة عن أعداءِ اللَّه ورسوله(ص) أمرهم بالبكاء على مصاب الحسين(ع) لما فيه من استلزام تذكّر تلك القساوة المستلزم لانفعال النّفس وانقباضها عمّا لا يلائم خطّتهمعليهم‌السلام (١) .

هذا وقد جاء في الحديث المرويّ عن الإمام الحسين(ع) نفسِه أنّه قال: (أنا قتيلُ العَبرة لا يذكرني مؤمنٌ إلا استعبر!!) فما معنى هذا الحديث؟ وما المقصود منه؟

لم يقصد سيّد الشهداء(ع) بهذه الجملة (أنا قتيلُ العبرة) خصوص التعريف بأنَّ قتله كان لأجل أن يُبكى عليه فيستحقّ به الأجر في الآخرة بحيث لا يكون هناك أثرٌ آخر يترتّب على قتله سوى البكاء عليه كيف وهنالك آثارٌ اُخر أهمّها إحياءُ شريعة الحقّ، وتقويم ما اعوجّ من علم الهداية، ونشر الإصلاح بين الاُمّة، وتعريف الملأ ما عليه اُمراء الجور من السير وراء المطامع.

ولكنَّ الوجه في هذه الإضافة - قتيلُ العبرةِ - تأكّد الصلة بين ذكر مقتله وبين البُكاء عليه فإنَّ لوعةَ المُصاب لا تطفى ومضض الاستياء له لا ينفد لاجتماع الكوارث عليه وملاقاته لها بصدرٍ رحيب وصبرٍ تعجّبت منه ملائكة السماء.

____________________

(١) مقتل الحسين (ع) للمقرّم: ص١٠٢.


فأوّل ما يتأثّر به السّامع لها أن تُستدرَّ دموعُهُ فلا يذكر الحسين(ع) إلا والعَبرةُ تسبقُ الذّكر، أضف إلى ذلك المودّة الكامنة له في قلوب أحبّائه بحيث إذا انضمّت إلى تلك كانت أدعى لتأكّد الصّلة بين ذكره(ع) وبين البُكاء عليه، فمن هنا استحقّ إضافة القتل إليه فقال: (أنا قتيلُ العبَرة).

وعلى هذا سار العربُ في كلامهم فإنّهم إذا رأوا بين الإنسان وبين بعض حالاته وصفاته صلة أكيدة أضافوه إلى ذلك الحال فقالوا مضرَ الحمراء وربيعةَ الخيل، وزيدَ النّار، ومُسمِّة الأزواج. فإنّ ربيعة ومضر لم يتخلّيا عن كلّ صفةٍ حميدةٍ سوى اللواء والخيل، ولا زيد بن موسى بن جعفر(ع) لم يتّصف بشي‏ء حسن أو قبيح إلّا حرقه دور بني العباس بالبصرة. ولا أنَّ جعدة بنت الأشعث لم تتّصف بالرّذائل إلّا سمّها أبا محمّد الحسن السبط(ع) ولكن لما كانت هذه الآثار هي الظاهرة بين الناس قيل لمُضَرِ الحمراء ولربيعة الخيل ولزيد النار ولجعدة مُسمّة الأزواج.

فقول الإمام الحسين(ع) (أنا قتيلُ العبرة) وقول الإمام الصّادق(ع): (بأبي قتيلَ العبرة) من هذا القبيل وهو ما ذكرناه من تأكّد الصّلة بين ذكر مقتله وبين استدرار الدّموع(١) .

ولم يكتفِ أهل البيت عليهم الصّلاة والسلام بحثّ الناس على البُكاء بل رغّبوهم بالتباكي وإظهار الحُزن على مصاب الإمام الحسين(ع) وأهل البيت(ع).

____________________

(١) مقتل الحسين (ع) للسيّد المقرّم: ص١٠٢ - ١٠٤.


فعن الإمام الصّادق(ع) : (من أنشد في الحسين(ع) فتباكى فله الجنّة)(١) .

ولا يخفى أنَّ الباكي والمُتباكي كلاهما يسعدان ويواسيان بذلك فاطمة سيدة نساء العالمين(ع)، روى ابن قولويه في كامل الزيارات بسند معتبر عن زرارة قال: قال أبو عبداللَّه الصّادق(ع) في حديث طويل يذكر فيه بكاءَ السماء والأرض والشمس والجبال والملائكة على الإمام الحسين(ع) إلى أن يقول: (وما من عينٍ أحبُّ إلى اللَّه ولا عبرةٍ من عينٍ بكت ودمعت عليه - أي على الحسين(ع) - وما من باكٍ يبكيه إلا وقد وصلَ فاطمة(ع) وأسعدها عليه، ووصل رسول اللَّه(ص) وأدّى حقّنا)(٢) .

نقل لي بعض أهل العلم أنَّ قريةً بأطراف مدينة (كاشان) الإيرانية فيها عالمٌ جليل يعود إليه أهل تلك القرية وغيرهم في مسائلهم الدينيّة كما كان يحظى باحترام كبير عند كافّة الطبقات وذلك لصدقه وإخلاصه وحسن نيّته. وفي يومٍ من أيام شهر المحرّم - وكان اليوم الحادي عشر منه - خرج هذا العالم من بيته بحالةٍ ما اعتاد الناس أن يرونه بها فإنّه كان حافي القدمين وحاسر الرّأس وهو مع ذلك بهيئة المُصاب الفاقد لأعزّ أحبّتهِ، وهو متّجهٌ إلى خارج تلك القرية.

فلمّا رآهُ الناس بتلك الحالة لم يكلّمهُ أحدٌ منهم لهيبته ولكنّهم اكتفوا بالسير خلفه، حتى وصل العالِم إلى رجلٍ من التجّار الّذين يملكون عدداً كبيراً من رؤوس

____________________

(١) آمالي الشيخ الصّدوق: ص١٢٢ المجلس ٢٩

(٢) جلاء العيون للسيّد عبداللَّه شبّر: ج٢ ص٥٠.


الأغنام يوزّعها صباحَ كلِّ يوم على مجموعةٍ من أفراد تلك القرية فيسرحوا بها طلباً للماءِ والعلف إزاء أجرٍ معيّن، فعندما وصلَ العالِم إلى ذلك التاجر قال له: أعرض عليّ عمّالَك، فامتثل الرجل ونادى عمّاله بأسمائهم والعالِم ينظر إليهم ويقول: ليس هذا اُريد، حتى لم يبقَ منهم إلّا شاب في مقتبل العمر فعندما حضر ونظر إليه العالِم وعرفَهُ وقع على قدمي ذلك الشاب يتبرّك بهما فامتنع الشاب إشد الامتناع وقال للعالِم: ياشيخنا نحن أحقّ بتقبيل يديك ورجليك. عندها سأل الحاضرون العالِم عن معنى ذلك طالبين منه توضيحاً لذلك فقال: عندما انتهينا من مراسم العزاء يوم العاشر وليلة الحادي عشر ذهبت إلى بيتي وأنا في غاية التعب والعناء فنمت نوماً عميقاً ورأيت فيما يرى النائم أنَّ الإمام الحسين(ع) واُمّه الزّهراء(ع) في رعيل من الملائكة جاءوا إلى هذه القرية لتكريم وشكر كلّ مَن شارك في مراسم العزاء الحسيني وعاشوراء فالّذي قرأ العزاء كرّمه الإمام الحسين(ع)، والّذي فرش داره وأعدّه للعزاء كرّمه الإمام الحسين(ع)، والّذي لطم صدرَهُ أو بكت عيناه أو تباكى أو شارك بأيّ نحوٍ من المُشاركة صغيرة أو كبيرة كرّمه الإمامُ وقدّم له الشكر، حتّى وصلَ(ع) إلى هذا الشاب وهمّ بإكرامه قامت سيّدتي ومولاتي فاطمة الزّهراء(ع) وقالت: ولدي حسين دعني أنا الّذي أُكرّم هذا الشاب لأنّه أدخل السرور على قلبي بمواساته لي بالأمس.

لما سمع الحاضرون هذا الكلام من العالِم ضجّوا بالبكاء حتى ارتفعت الأصوات!! فلمّا هدأت فورتهم قال العالِم للشاب: أخبرني ماذا فعلت أمس حتى رضيت عنك سيّدتي الزهراء(ع) كلّ هذا الرّضا؟!


قال: جئت صباح يوم أمس - وكان يوم العاشر - فقلتُ لربِّ العمل هذا: إنّ اليوم هو العاشر من محرّم وهو يوم حزن على أهل البيت وشيعتهم وأنا لا أستطيع العمل فاسمح لي أن أذهب إلى الحسينيّة للمشاركة في المواكب الحسينية العزائية فقال: لا بل تأخذ الأغنام وتخرج إلى العمل كباقي الأيّام.

قال: فكرّرتُ عليه الطّلب وقلت له: اسمح لي بالتعطيل اليوم وأنا أُعوّضك يوماً مثله فقال: لا بل تعمل اليوم.

قلت: أُعطّل اليوم وأعوّضك يومين أو ثلاث إن شئت. فلم يقبل ذلك أيضاً، وخشيت من تكرار الطّلب تعكير مزاجه ولعلّه لأجل ذلك يخرجني من العمل نهائياً. فأخذت الأغنام وذهبت بها حتى بعدت عن الناس والبيوت فنظرت خلفي فلم أرَ أحداً فأخذت أجول في البريّة وحدي وأقرأ ما كنت أحفظ من أشعار رثاء سيّدي الحسين وأهل بيته وأصحابه، وصرت أندبُ تارةً وأبكي اُخرى وألطم ثالثاً حتى أخذت شوطاً من البُكاء والنحيب فاستراح قلبي وسكن فؤادي بمواساتي لسيدتي فاطمة الزهراء(ع).

فقال العالِم: هذه الندبة والمؤاساة هي التي أدخلت السرور على قلب فاطمة الزهراء(ع).

أقول: وكأنّي بها مثل هذه الأيام تتنقّل في مجالسِ المؤمنين والمؤمنات لابسةً ثياب الحزن ولسان الحال:

وينه اليواسيني بشيعة

على حسين وأولاده ورضيعه


وابن ‏والده ‏عين‏ الطليعة

على ‏العلگمي كفوفه گطيعه

عباس نايم عل شريعة

أنا الوالده يحسين يابني

يمن ريت ذبّاحك ذبحني

اسعدني على ابني يالتحبني

مصابة تره بگلبي وشعبني

ونسّاني الضلّع وسواد متني

أيطيبُ عيشيَ بعد وقعةِ كربلا

وأكونُ فيما أرتديه أنيقا

وأذوقُ طعمَ الماءِ وابنُ محمّد

ما ذاقَهُ حتى الحِمامَ أذيقا

لا عذرَ للشيعيِّ يرقا دمعُه

ودمُ الحسين بكربلاء أريقا

يايوم عاشورا لقد خلّفتني

ما عشتُ في بحر الهموم غريقا(١)

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين

____________________

(١) البيت الأول للخطيب الأديب الشيخ محمد سعيد المنصوري، وبقية الأبيات لمحمد ابن عبدالعزيز السوسي الكاتب.


الليلة الاُولى المجلس الثاني

فوائدُ المجالس الحسينيّة

خذ بالبكاءِ فقد أتاك محرّمُ

واعلم بأنّ به السُلُوَّ محرّمُ

وأذل به دمعاً أذلّ عزيزَه

يومٌ يُذلُّ الدِّينُ فيه فيُهظَمُ

للحزنِ فوق جبينِ كلِّ موحِّد

وسْمٌ برغمِ عدوِّهِ هو مِيسَمُ

فيحقُّ أن يُجري مدامعَهُ دماً

عبدٌ جرى من نحرِ سيِّده الدَّمُ

إنّي ألِفتُ وما سَئِمْتُ من البُكا

سئمتني العلياءُ إن أنا أسأمُ

فوقَ البسيطةِ للأنامِ وتحتَها

للجنِّ فيه للنّياحةِ موسِمُ

والحِجْرُ أعولَ والمشاعِرُ كلُّها

والرّكنُ ضُعضِعَ والحطيمُ وزمزمُ

وتجاوبت بالنّوحِ أنديةُ العُلى

والمَكرُماتُ وكلُّ نادٍ مأتمُ

شهرٌ به شهرَت أميّةُ مِخذَماً

فتكَت به في الدّين فهو مُخذَّمُ

فعجِبْتُ حتى قلتُ لِمْ لا حلَّهُم

غضبُ الإلهِ وكيفَ عنهم يَحْلُمُ

وبعينه زُمَرُ الضّلالةِ أقبلت

عدواً على حَرَمِ الإمامةِ تهجمُ

صاحوا به نهباً فها هو مقسمٌ

بين العدى وبناتُ أحمدَ مغنَمُ

ما وقّروا من آلِهِ شيخاً

ولم ينجُ الشبابُ وطفلُهُمْ لا يُرحَمُ(١)

____________________

(١) القصيدة من نظم الأديب والخطيب المرحوم الشيخ كاظم سبتي.

قال السيد الأمين١ في (أعيان الشيعة) المجلد ٩ ص٥:

هو الشيخ كاظم بن حسن بن علي سبتي البغدادي النجفي المعروف بالشيخ كاظم السبتي.

ولد في حدود سنة ١٢٥٥ه وتوفي سنة ١٣٤٢ه في النجف ودفن بها، عالمٌ فاضلٌ


الشيعة تحزن بعاشور من هل

ودمعها يشبه الطوفان من هل

دگلي يلدفنت حسين منهل

ترابه وجمّع أوصاله الرّميّة

* * *

جديرةٌ بالفضل والثناءِ

مآتمٌ تُعقَدُ للعزاءِ

يقيمُها الرّجالُ والنّساءُ

يدعو إليها الحبُّ والولاءُ

مصابُ أهلِ البيت فيها يُذكَرُ

وذنبُ مَن يبكي عليهم يُغفَرُ

يُنشَرُ فيها ذِكرُ أهلِ الذِّكرِ

يُحيى بها أمرُ وُلاةِ الأمرِ

مجالسٌ قال الإمامُ معلِنا

إنّي أحبُّها فأحيوا أمرنا

____________________

أديبٌ شاعر خطيبٌ ماهر، وهو خطيبٌ الذاكرين لمصيبة الامام الحسين(ع) في عصره لا يماثلهُ أحدٌ منهم لا يكون إلقاؤه في مجالس ذكره أقلّ من ساعة يصغي إليه فيها المستمعون بكلّهم وبغير ملل، ويستفيدون وتفيض منهم العيون، وهو مع ذلك ضعيف الصّوت، وله شعرٌ جيّد في مديح أهل البيت: ورثائهم، عالمٌ بالعربية يتكلّم في إلقائه باللغة الفصحى فلا يلحن كما قال فيه السيد جعفر الحلي:

عربيٌّ له فصاحةُ سحبا

نَذكيٌّ له ذكاءُ إياس

مدحُهُ في بني النبوّةِ لا في الـ

ـعبشميينَ أو بني العبّاس

تتمنّى منابرُ الذكر أن لا

يرتقي غيرُهُ من الجلّاسِ

وله ديوان شعرٍ كبير في المراثي الإمامية رأيناه في النجف الأشرف بخطّ بعض أولادِهِ ومن شعره قوله:

تمسّك بحبِّ المرتضى علمِ الهدى

فما خابَ يوماً مَنْ به يتمسّكُ

وأمسِكْ أقرّ اللَّهُ دينَكَ بالذي

به الأرضُ والسبعُ السماواتُ تُمسَكُ

فلا أرشدَ اللَّهُ امرءً غيرَ سالكٍ

سبيلَ عليٍّ وهو للرّشدِ مسلكُ

فتىً حارَ كلُّ العالمين بكنهِهِ

ففي أمرِهِ تحيى أناسٌ وتهلَكُ


دعا لمحيي أمرِهِمْ بالرّحمة

فيالها من مِنّةٍ ونعمة(١)

إنَّ من السُننَ الخيّرة - الحسنة - التي اعتاد عليها أتباعُ أهل البيت: في كلّ عامٍ من عشرةِ شهر المحرّم هي إقامةُ مجالس العزاءْ، وإظهار الحزن، وإبراز الحداد إحياءً لذكرى وقعة الطّف الفجيعة التي أورثت الأئمة: وشيعتهم الحزنَ والبلاء إلى يوم الإنقضاء.

فتجد المآتم في الحسينيّات والمساجد، والمدارس والأسواق، والدور والطرقات في الأماكن العامّة والخاصّة على حدِّ سواء.

وإلى ذلك يشير المرحوم السيد جعفر الحلّي في احدى روائعه:

في كلِّ عامٍ لنا في العشر واعيةٌ

تطبّقُ الدّورَ والأحياءَ والسِّككا

وكان هذا بإيعاز مباشرٍ من أئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسّلام، فهاهو الإمام الصّادق جعفر بن محمّد(ع) وهو سادس أئمة الحقّ والخلق من آل ‏محمّد(ص) يقول لأحد أصحابه وهو الفضيل بن يَسار: (أتجلِسون وتتحدّثون؟

قال: نعم جعلت فداك قال(ع) : إنَّ تلك المجالس أُحبُّها فأحيوا أمرَنا يافضيل فرحمَ اللَّهُ مَن أحيى أمرنا، يافضيل مَن ذكرَنا أو ذُكِرنا عنده فخرج من عينهِ مثلُ جَناحِ الذّباب غفر اللَّه له ذنوبَهُ ولو كانت أكثرَ من زَبَدِ البحر)(٢) .

____________________

(١) المقبولة الحسينيّة للمرحوم الشيخ هادي كاشف الغطاء: ص٣٧.

(٢) بحار الأنوار: ج٤٤ ص٢٨٢.


وكان هذا الإمام العظيم الشأن يقيمُ بنفسه مجلس عزاءِ جدِّه السبط الشهيد(ع) وذلك في داره بالمدينة حيث يدخل عليه الشعراء والقرّاء فينشئون وينشدون بين يديه المراثي المقرّحة للقلوب والأكباد. وكان يضرب السّتارَ للنساء ويأمرهنّ بالجلوس والاستماع للنّدبة.

روى المرحوم الشيخ ابن قولويه في (كامل الزّيارات) عن أبي عمارة المنشد عن أبي عبداللَّه الصادق(ع) قال: قال لي يا أبا عمارة أنشدني للعبدي(١) فأنشدته فبكى ثمّ أنشدتُهُ فبكى ثمّ أنشدته فبكى قال: فواللَّه ما زلتُ أنشده ويبكي حتى سمعتُ البكاء من الدّار فقال لي(ع) : يا أبا عَمارة من أنشد في الحسين شعراً فأبكى خمسين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى أربعين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى ثلاثين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى عشرين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى عشرة فله الجنة، ومن أنشد في الحسين(ع) شعراً فأبكى واحداً فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فبكى فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فتباكى فله الجنّة(٢) .

واعلم أنَّ لهذه المجالس - المآتم - فوائدَ ومنافع وبركات كثيرة جداً، وذلك إذا نظرنا إليها بعين المتفحّص البصير، وإليك طائفةً منها:

____________________

(١) هو أبو محمد سفيان بن مصعب العبديّ الكوفي، من شعراء أهل البيت: المتزلّفين إليهم بولائه وشعره، المقبولين عندهم لصدقِ نيّته وانقطاعه إليهم، عدّه‏ شيخ ‏الطائفة في ‏رجاله من أصحاب الإمام الصادق(ع) ، اُنظر: ترجمته في الغدير: ج٢ص٢٩٤.

(٢) كامل الزيارات: ص١٠٤، المطبعة المرتضوية سنة ١٣٥٦.


الأوّل: مواساة النبيّ(ص) وأهل بيته:، فإنّه حزين لقتل وُلدِهِ بلاريب، وقد دلّت عليه جملةٌ من الأحاديث، وأيُّ أمرٍ أهمُ وأوجبُ وأعظمُ فائدةً من مواساة رسول اللَّه(ص) ؟! وهل يمكن ان يكونَ المرءُ صادقاً في دعوى حبِّه للنبيّ(ص) وأهل بيته:، وهو لا يحزن لحزنهم، ولا يفرح لفرحهم، أو يتّخذ يوم حزن النبيّ(ص) يوم عيدٍ وسرور؟

الثاني: إنَّ فيها نصرةً للحق وإحياءً له، وخذلاناً للباطِل وإماتةً له، وهي الفائدة التي من أجلها أوجب اللَّهُ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المـُنكر بالقلب وباللسان وبالجوارح، فإن لم يمكن بالجوارح اقتصر على اللسان والقلب، فإن لم يمكن باللسان اقتُصِرَ على القلب.

الثالث: انها مدرسةٌ يسهل فيها التعلّم والاستفادة لجميع طبقات النّاس، فيتعلمون فيها التأريخ والأخلاق والتفسير والخطابة والشّعر واللغة وغير ذلك كثير، ووقوف السامع على بليغ الكلام من نظم ونثر زيادةً على ما فيها من تهذيب النفوس وغرس الفضيلة فيها.

الرّابع: إنّها نادٍ للوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المـُنكر وما يجري هذا المجرى ففيها جلبٌ إلى طاعةِ اللَّه، وإبعادٌ عن معصيته بأحسن الطّرق وأنفعها بما يلقى فيها من المواعظ المؤثّرة، وقضايا الصّالحين والزّهاد والعبّاد وغير ذلك.

الخامس: انها من أهم السّبل في دعوةِ النّاس إلى الدّين الإسلامي ومذهب أهل البيت(ع) في جميع أنحاء المعمورة بأقوى الوسائل وأنفعها وأسهلها وأبسطها وأشدّها تأثيراً في النّفوس بما تودعه في قلوب المستمعين من بذل أهل البيت(ع)


الذين هم رؤساءُ الدّين الإسلامي أنفسهم وأموالهم ودماءَهم في نصرة هذا الدّين الحنيف، وما تشتملُ عليه من إظهار محاسن الإسلام ومزاياه، وآياته ومعجزاته التي أبانوا عنها بأقوالهم وأفعالهم وشؤونهم وأحوالهم ممّا لا يدانيه ما تبذل عليه الأموال الطّائلة من سائر الأُمم وتتحمّل لأجله المشاق العظيمة.

السادس: إنَّ فيها عزاءً عن كلّ مصيبة، وسلوةً عن كلّ رزية، فإذا رأى الإنسان أنّ سادات المسلمين بل سادات النّاس وآل بيت المصطفى(ص) جرى عليهم من أنواع الظّلم والمصائب ما جرى هانت عليه كلُّ مصيبة وإلى ذلك أشار الشاعر بقوله:

أنست رزاياكُم رزايانا التي

سلفَتْ وهوّنت الرّزايا الآتية

السابع: هي أنَّ المصلحة التي استُشهد الإمام الحسين(ع) من أجلها وفي سبيلها، والغاية السّامية التي كان يرمي في جهاده واستشهاده إليها وهي إحياء دين اللَّه تعالى، وإظهار فضائح المنافقين، هذه الغايات تقتضي استمرار هذه المآتم طول الدّهر، وإقامة التذكار لها في كلِّ عصر، وإظهارها للخاصّ والعام تقويةً لتلك المصلحة وتثبيتاً لها.

فلولا قتل الإمام الحسين(ع) لما ظهر للخاصّ والعام فسقُ يزيد بن معاوية وكفرُهُ وفجوره، وقبائحُ مَنْ مهّدَ له، ومكّنه من رقاب المسلمين، وذلك لأنَّ الذين دفعوا أهل البيت عن حقّهم ظهروا للنّاس بمظهر النّيابة عن رسول اللَّه(ص)، وتظاهروا بتأييد الدّين فخفي أمرُهُم على أكثر الناس، وبدّلوا من أحكام الشريعة ما شاؤوا واتّبعهُم على ذلك جلُّ الأمّة جهلاً أو


رغبةً أو رهبة، وأمّروا على الاُمّة أعوانَهم وأتباعهم، وأقصوا أولياءَ اللَّه وأبعدوهم وحرموهم وساموهم أنواع الأذى من القتل والضّرب والنّفي والصّلب، ولعنوا أميرَ المؤمنين(ع) على منابر الإسلام، وأظهروا للاُمّة أنّهم هم آلُ رسول اللَّه(ص) وهم قرابتُهُ، والأحقّ بمقامه، وقد قال أهلُ الشام لبني العباس - عندما أخذوا السلطة من بني اُمية - إنّهم ما كانوا يعرفون قرابةً لرسول اللَّه(ص) إلّا بني اُميّة، ولو دام الحالُ على ذلك لأصبح الّدين أثراً بعد عين(١) .

قال الشاعر الموالي في ذلك مخاطباً الإمام الحسين(ع) :

شاطرتَ جدّكَ في الرّسالة انّها

ثمرٌ لغرسِ جهادكَ المتأخّرِ

أنتَ المجدِّدُ والنّبيُّ مؤسِّسٌ

وأبوكَ للإسلام خيرُ معمِّرِ

قبرتهُ آلُ اميّةٍ فبعثتَهُ حيّاً

ولولا كفرُهم لم يُقبَرِ

يُنقل أنّ شاباً موالياً لأهل البيت(ع) من أهل البحرين ذهب إلى بريطانيا لإكمال دراسته العلمية والحصول على شهادة عُليا، وفي أحد الأيام دخلَ احدى المكتبات العامة لأجل المطالعة، فوقعت عينُه على كتابِ مذكّرات لأحد الضبّاط الإنجليز الذي كان ضمن المجموعة التي ذهبت إلى العراق أيام الانتداب البريطاني، وإذا به يقرأ حادثة كان لها أكبر الأثر في تغيير مسيرة حياته بعد ذلك.

وحاصِلُها: انَّ هذا الضابط قد تكوّنت له صداقةٌ مع احدى العائلات الطيّبة الملتزمة دينيّاً في بغداد، وكان يزورهم بين آونةٍ واُخرى، وهم بالُمقابل يحسنون

____________________

(١) إقناع اللائم على إقامة المآتم للمرحوم السيد محسن الأمين: ص٣١٤.


إليه ويضيّفونه في بيتهم، ويتبادلون الآراء ويتجاذبون أطراف الحديث. استمرت هذه الصّداقة حتى نهاية مدّته المعيّنة في العراق حيث قرّر العودة إلى بلاده فجاء إلى هذه العائلة زائراً كعادته وقال: إنّكم أحسنتم إليّ كثيراً طيلة هذه السنوات وكنتم لي كالأهل والأحبّة، وأنا أحبُّ أن اُجبر هذا اللطف وأقابل هذا الإحسان بدعوتكم لقضاء مدّةٍ طيّبة عندنا في بريطانيا إذا وافقتم على ذلك.

فوعدوه خيراً وطلبوا منه مهلةً لتداول الأمر بينهم ويخبروه بعد ذلك. وحدث ما كان يحبّ هذا الرّجل البريطاني حيث وافقوا على سفر الأب والاُم معه إلى بريطانيا وفعلاً سافروا جميعاً إلى هناك، وبعد وصولهم توجّهوا إلى دار الضابط وكانت واسعةً واقعةً في احدى ضواحي العاصمة، فأفرد لهما بيتاً مستقلاً كان موصولاً بداره وعيّن لهم خادماً يخدمهم وكانا لايغيبان عن نظره وتفقّده.

وفي صباح أحد الأيّام استيقظت الزوجة وقالت لزوجها: يا أبا فلان إني أشعرُ بضيقٍ واحتباس صدر وهمٍّ لا أعلمُ لماذا؟ فقال الزوج: وأنا كذلك أشعر بهمٍّ وحزن!! فقالت: لعلّ أحد الأولاد أصابه مكروه أو أحد الأقارب أو أحد الأصدقاء فبينما هم في هذا وأمثاله إذ صرخت المرأة قائلةً: أبا فلان عرفت السّبب!! فقال لها الرجل: وما هو باللَّه عليك؟ فقالت وقد ترقرقت دموعها: دخل علينا شهر محرّم كما أعتقد.


فقام الرجل مسرعاً ونظر في تقويم الأيام فعرف أنّ ما تقوله زوجته صحيح وأنّهم في بداية شهر محرّم الحرام.

فقالت: أسفي على دخول هذا الشهر ونحنُ في هذا المكان البعيد حيث لانسمع قراءةً ولا نستطيع الذهاب إلى المآتم وبدأت بالبكاء والنحيب.

فقال لها الرجل: لا عليك أنا أقرأ لكِ شيئاً مما حفظته من المجالس، قومي وأحضري المنبر فقامت وجاءته بالمنبر ولبس الرّجل زيّه العربي وجلس على المنبر وبدأ يقرأ ويندب الإمام الغريب أبا عبداللَّه الحسين(ع) ويبكي والمرأة تستمع وتبكي وتندب وتعزّي فاطمة الزهراء(ع) حتى انتهى المجلس. فجلسا على الأرض فرحين حيث أدّيا حقّ ذلك اليوم من الأيام العشرة الاُولى من المحرّم.

فما مضت مدّة حتى طُرِقَ الباب وإذا بصديقهم يقول لهم: لماذا لم تخبروني بقدوم الضيوف إليكم حتى نقوم بالواجب؟!

فقال له الرجل: مَن يعرفنا هنا حتى يأتي لزيارتنا؟

فقال له: أنا رأيت بعيني الناس يدخلون هذا المكان، وهم يلبسون الملابس العربية، ورأيت معهم امرأةً محتشمة.

فبكى الرّجل حتى سالت دموعُهُ كلّ مسيل، وأخبره أنهم أقاموا مجلس عزاء الإمام الحسين(ع) كما كانوا يفعلون ذلك في العراق، وأنَّ أمثال هذه المجالس يرعاها أهل البيت عليهم الصلاة والسلام في حياتهم وبعد مماتهم.


أقول: هذا مجلسٌ بعد رحيل أهل البيت: عن هذا العالم وهناك مجلس آخر كان في حياة الإمام أبي الحسن الرّضا (ع). وذلك عندما دخل عليه دعبل الخزاعي ومعهُ قصيدته التائيّة الخالدة.

قال السيّدُ الأمين: حكى دعبلُ الخزاعي قال: دخلت على سيدي ومولاي عليّ بن موسى الرّضا(ع) في أيام عشرة المحرّم فرأيته جالساً جِلسَةَ الحزين الكئيب وأصحابُه من حولِه فلمّا رآني مقبلاً قال لي: (مرحباً بناصرنا بيده ولسانه)، ثمّ أنّه وسّع لي في مجلسه وأجلسني إلى جنبه ثمّ قال لي: (يادعبل أُحبُّ أن تنشدني شعراً فإنّ هذه الأيّام أيّام حزنٍ كانت علينا أهل البيت وأيّام سرور كانت على أعدائنا خصوصاً بني اُميّة)، ثمّ إنّه(ع) نهض وضرب ستراً بيننا وبين حرمه وأجلس أهلَ بيته وراءَ السّتر ليبكوا على مصابِ جدّهم الحسين(ع) ، ثمّ التفت إليّ وقال لي: (يادعبل إرثِ الحسين فأنت ناصرُنا ومادُحنا ما دمت حيّاً فلا تقصِّر عن نصرنا ما استطعت)، قال دعبل فاستعبرت وسالت عبرتي وأنشأت أقول:(١)

مدارسُ آياتٍ خلَت من تلاوةٍ

ومنزلُ وحيٍ مُقفرُ العرصاتِ

لآلِ رسولِ اللَّه بالخَيفِ من مِنى

وبالبيتِ والتعريفِ والجمراتِ

منازلُ كانت للرّشادِ وللتُّقى

وللصّومِ والتطهيرِ والصّلواتِ

ديارُ عليٍّ والحسينِ وجعفرٍ

وحمزة والسجاد ذي الثفِناتِ

____________________

(١) المجالس السَّنيّة: ج١ ص٣٨.


إلى أن قالَ معدّداً قبور بني هاشم ومعزّياً فاطمة الزهراء(ع):

فاطمُ قومي ياابنةَ الخيرِ واندبي

نجومَ سماواتٍ بأرض فلاتِ

قبورٌ بكوفانٍ واُخرى بطيبةٍ

واُخرى بفَخٍ نالها صلواتي

قبورٌ بجنبِ النهرِ من أرضِ كربلا

معرَّسُهم فيها بشطِّ فراتِ

تُوفُّوا عَطاشى بالفراتِ فليتني

توفّيتُ فيهم قبلَ حينِ وفاتي

* * *

ثمّ أفرد الحسينَ بالذّكر فقال معزّياً أُمُّه الزهراء(ع):

أفاطمُ لو خلتِ الحسينَ مجدّلاً

وقد ماتَ عطشاناً بشطِّ فراتِ

إذن للطمتِ الخدَّ فاطمُ عندَهُ

وأجريتِ دمعَ العينِ في الوجنات

* * *

يا فاطمة يم البدور

يلگبرك خفي من دون الگبور

جيبي سدر لبنك وكافور

اخبرك بصدر حسين مكسور

ظامي الكبد بالترب معفور

أيا ناعياً إن جئت طيبةً مقبلاً

فعرّج على مكسورةِ الضلعِ مُعوِلاً

وحدِّث بما مَضَّ الفؤادَ مفصّلاً

أفاطمُ لو خلت الحسينَ مجدّلاً

وقد مات عطشاناً بشطِّ فرات

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة الثانية المجلس الثالث

فضائل الإمام الحسين(ع)

رحلوا وما رحلُ أهيلُ ودادي

إلا بحسنِ تصبُّري وفؤادي

ساروا ولكن خلّفونيَ بعدهم

حُزناً أصوبُ الدّمعَ صوب عهادي

وسرتْ بقلبي المستهامِ ركابُهم

تعلو به جبلاً وتهبطُ وادي

وخلت منازلُهم فها هي بعدهم

قفرا وما فيها سوى الأوتادِ

تأوي الوحوشُ بها فسربٌ رائحٌ

بفناءِ ساحتِها وسربٌ غادي

ولقد وقفتُ بها وقوفَ مولَّهٍ

وبمهجتي للوجدِ قدحُ زنادي

أبكي بها طوراً لفرطِ صبابتي

وأصيحُ فيها تارةً وأُنادي

يادارُ أين مضى ذووكِ أما لهم

بعد الترحُّلِ عنكِ يومَ معادِ

يادارُ قد ذكّرتني بعراصِك القفرا

عراصَ بني النبيّ الهادي

لمّا سرى عنها ابنُ بنتِ محمّدٍ

بالأهل والأصحاب والأولاد

بقيت عليلتُهُ تنوحُ بعولةٍ

وتصيحُ ذابَ من الفراقِ فؤادي(١)

____________________

(١) هذه القصيدة للخطيب الأديب المرحوم السيد مهدي الأعرجي، والبيت الأخير للخطيب الأديب الشيخ محسن الفاضلي النجفي.

قال السيد جواد شبر في (أدب الطفّ) الجزء التاسع ص١٩٢:

ولد السيد مهدي في النجف الأشرف سنة ١٣٢٢ه ، ودرس فنّ الخطابة على خاله الخطيب الشهير الشيخ قاسم الحليّ، زاول نظم الشعر وعمره أربعة عشر سنة، وأول قصيدة نظمها كانت في رثاء الإمام الحسن السبط(ع):


نعي

سار حسين وامسه الحرم مغبر

أويلي والمدينة غدت تصفر

طلعوا آل هاشم عن وطنهم

او ظل خالي حرم جدهم بعدهم

ساروا ليلهم وابعد ظعنهم

اولن صوت العليلة ابگلب محتر

____________________

قضى الزكيّ فنوحوا يامحبّيه

وابكوا عليه فذي الأملاك تبكيه

كان طيّب القلب إلى أبعد حدود الطيب، ولم يك في الناس ممن رآه ولم يهواه ويحبّه لصفائه إذ هو لا يستخفّ بأحدٍ ولا يحقدُ على مخلوق، وكان فطناً يقوم بواجبه أحسن قيام متديّن ورع لم يعبأ بالعسر الذي لازمه وألحّ عليه.

ومن طريف شعره في ذلك حيث كتب رسالة للمرجع الديني المرحوم السيد أبوالحسن الإصفهاني فقال:

جاء الشتا وليس لي من عدّةٍ

أعتدُّ فيها من طوارقِ الزّمن

وها أنا أريدُ لي عباءةً

وإنّ من أهلِ العبا أبو الحسن

وإلى جانب هذه الموهبة بالفصحى فهو ذا ملكةٍ قويةٍ بالنظم باللغة الدارجة متفنّنٌ فيها ففي الموال والأبوذية والشعر الدارج لا يجارى.

أما ولاؤه لأهل البيت: وتفانيه في حبِّهم فهو من ألمع ميزاته، ولا زلت أتمثّلُهُ في المآتم الحسينيّة يجهش بالبكاء، وقد أفنى عمره في خدمة المنبر الحسيني الشريف.

ومن نظمه تخميسُهُ بيتين للمرحوم السيد رضا الهندي في وداع السيدة زينب لأخيها الحسين:

مرّت بهم زينبٌ لما نووا سفرا

بها العدى فأطالت منهُمُ نظرا

ومذ رأت صنوَها في الترب منعفرا

همّت لتقضي من توديعِهِ وطرا

وقد أبى سوطُ شمرٍ أن تودّعَهُ

إذا دنت منه سوطُ الشّمرِ أرجعها

ورمحُ زجرٍ ما تَبكيه قنّعَها

فلم تودّع محاميها ومفزِعَهَا

ففارقتهُ ولكن رأسُهُ معها

وغاب عنها ولكن قلبُها معَهُ

توفيرحمه‌الله تعالى سنة ١٣٥٩ه غريقاً في شط الحلة يوم الخامس من شهر رجب.


دريضوا هنا يهلنا للعليلة

يهلنه فراگكم ماليش حيلة

يهلنا بعدكم ما نام ليلة

او عيني من بعدكم دوم تسهر

صاح حسين يافاطم دردّي

دردّي للمدينة وطن جدي

أوديلچ علي ابنيّي اوكبدي

اولابد ما يجي يمك مخبّر

ردّت للمدينة وسار أبوها

اوظلّت ترتقب عمها وأخوها

ظنّت فاطمة لنهم يجوها

أخوها والبطل عمها المشكّر(١)

____________________

(١) النصّاريات للمرحوم الشيخ محمّد نصّار.

قال المرحوم السيد جواد شبر في (أدب الطف) الجزء السابع ص٢٣٢:

الشيخ محمد بن الشيخ علي بن إبراهيم آل نصار الشيباني النجفي المعروف بالشيخ محمد نصار.

توفي١ في جمادى الآخرة سنة ١٢٩٢ه في النجف الأشرف ودفن في الصحن الشريف عند الرأس وهو من أسرة أدبٍ وعلم.

وكان فاضلاً أديباً له شعر باللغتين الفصحى والدارجة، وقلّ ما ينعقد مجلسٌ عزاءٍ للحسين(ع) فلا يقرأ فيه من شعره الدارج، ولعلّ السرّ في ذلك هو أن الناظم كان من أهل التقوى، ولشدّة حبّه لأهل البيت: سمّى كلّ أولاده باسم علي وجعل التمييز بينهم في الكنية فواحد يكنى بأبي الحسن والثاني بأبي الحسين وهكذا.

وحدّث صاحب كتاب (التكملة) فقال: عاشرته ورافقتُهُ مدّةً فكان خفيف الروح كثير الدعابة إلى تقى وديانة وتمسّك بالشّرع جداً.

ومن طريف ما حدّث به انه قال: قصدت قبر الإمام عليّ ابن موسى الرضا(ع) بخراسان في سنة ١٢٨٥ه فامتدحته بقصيدةٍ - وأنا في الطريق - على عادة الشعراء في قصدهم الملوك، واكملتها قبل دخولي المشهد الشريف بيوم واحد وكان مطلعها:

ياخليليَّ غلّسا لا تُريحا

أوشكت قبةُ الرّضا أن تلوحا

ومنها قوله:


قال الشاعرُ الموالي مخاطباً الإمام الحسين(ع):

ياصفوةَ النورين أنت زجاجةٌ

قدسيّةٌ في هيكلٍ من جوهرِ

وسلالةٌ نبويّةٌ قد أُنزلت

من جنّةِ المأوى وماءِ الكوثرِ

من أهل بيتٍ أذهبَ اللَّهُ العمى

والرّجسَ عنهم أطهراً عن أطهر

شاطرت جدَّك في الرِّسالة إنها

ثمرٌ لغرسِ جهادِكَ المتأخّر

أنت المجدِّدُ والنبيُّ مؤسِّسٌ

وأبوك للإسلام خيرُ معمِّر

ولدَ الإمامُ أبو عبداللَّه الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم الصلاة والسلام بالمدينة الطيّبة يوم الثالث من شهر شعبان للسنة الرابعة للهجرة الشريفة(١) .

قال المرحوم السيّد عبداللَّه شبّر في (جلاء العيون): المشهور بين علماء الشيعة أنّه - أي الإمام الحسين(ع) - ولد بالمدينة لثلاثٍ خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة(٢) .

____________________

إِنّ قبراً لا طفت فيه ثراهُ

منع المسكَ طيبُهُ أن يفوحا

قال؛: فلما دخلت المشهد الشريف وزرتُهُ ونمت تلك الليلة، رأيت في منامي الإمام الرضا(ع) جالساً على كرسي في روضتِهِ فسلّمت عليه وقبلت يديه فرحّب بي وأدناني وأعطاني صرّة وقال: افتحها ففيها مسك، ففتحتها فوجدت فيها فتاتاً لا رائحةَ له فقلت لا رائحة له فتبسّم(ع) وقال: ألست القائل:

إِنّ قبراً لا طفت فيه ثراهُ

منع المسكَ طيبُهُ أن يفوحا

فهذا مسك أذفر منع طيبُ ثرى قبري رائحتَهُ، فانتبهت وأنا فرح بما شاهدت.

توفيرحمه‌الله تعالى في جمادى الأولى سنة ١٢٩٢ه وقد ناهز عمرهُ الستين، ودفن في (النجف الأشرف) في رأس الساباط من الصحن الشريف بين قبر المرحومَين: ميرزا جعفر القزويني وقبر السيّد حيدر الحلي.

(١) اُنظر: مسار الشيعة للشيخ المفيد: ص٣٧.

(٢) جلاء العيون: ج٢ ص٢.


وسمّاه النبيّ(ص) بأمر اللَّه تعالى حسيناً باسم أصغر ولدي هارون(١) وما كانت العرب تعرف اسمي الحسن والحسين حتى أنزلهما اللَّه تعالى من الجنّة لهذين الإمامين الطاهرين.

وروى ابن شهرآشوب في (المناقب): إنَّ فاطمة(ع) اعتلّت لما ولدت الحسين(ع) وجفّ لبنها فطلب رسول اللَّه(ص) مرضعاً فلم يجد فكان يأتيه فيلقمُهُ إبهامَهُ ويجعل اللَّه تعالى له في إبهام رسول اللَّه(ص) رزقاً يغذوه ففعل ذلك أربعين يوماً وليلة فنبتَ لحمُهُ من لحمِ رسول اللَّه(ص)(٢) .

وللَّه درُّ الشاعر:

للَّهِ مرتضعٌ لم يرتضع أبداً

من ثدي اُنثى ومن طه مراضعُهُ

يُعطيه إبهامَهُ طوراً وآونةً

من ريقه فاستوت منه طبائعُهُ

سرٌّ به خصَّهُ باريه إذ جُمعت

واُودعت فيه عن أمرٍ ودائعُهُ

غرسٌ سقاهُ رسولُ اللَّه من يده

فطابَ من طيبِ ذاك الأصل فارعُهُ

وروي عن أُمِّ الفضل بنت(٣) الحارث أنها دخلت على رسول اللَّه(ص) فقالت:

____________________

(١) في بعض الروايات انَّ لهارون - وصيّ النبيّ موسىعليه‌السلام - ثلاثة أولاد: شُبر وشُبير ومُشبر وبهم سمّى رسول اللَّه ‏صلى الله وعليه وآله وسلم الحسن والحسين والمحسن‏عليهم‌السلام .

(حاشية جلاء العيون)

(٢) المناقب: ج٤ ص٥٠.

(٣) زوجة العباس بن عبد المطّلب عمّ النبيّ(ص).


يارسول اللَّه رأيت البارحة حلماً(١) منكراً قال: وما هو؟ قالت: إنّه شديد قال: وما هو؟ قالت: رأيت كأنّ قطعةً من جسدك قطعت فوضعت في حجري قال: خيراً رأيت تلدُ فاطمة(ع) غلاماً يكون في حجرك، فولدت فاطمة(ع) الحسين(ع) فكان في حجري كما قال رسول اللَّه(ص)، فدخلت يوماً على النبي(ص) فوضعته في حجره ثمّ حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول اللَّه(ص) تهرقان بالدّموع فقلت: بأبي أنت واُمّي يارسول اللَّه مالك؟ قال: أتاني جبرئيل فأخبرني أنَّ اُمّتي تقتلُ ابني هذا وأتاني بتربةٍ حمراء من تربتهِ(٢) .

وقد كان النبيّ(ص) يحبُّهُ حبّاً جمّاً. روي عن حذيفة بن اليمان قال: رأيت النبيّ(ص) آخذاً بيد الحسين بن علي(ع) وهو يقول: يا أيّها الناس هذا الحسين بن علي فاعرفوه فوالذي نفسي بيده إنّه لفي الجنة، ومحبّوه في الجنّة، ومحبّوا محبّيه في الجنة(٣) .

وروى الشيخ الصدوق؛ في الأمالي من طرق المخالفين - السُنّة - عن البراء بن عازب قال: رأيت رسول اللَّه٩ حامل الحسين(ع) وهو يقول: (اللّهمَّ إني أحبُّهُ فأحبَّه)(٤) .

____________________

(٢) الحُلُم - بالضم - : ما يراه النائم في نومه لكنّه غلب على ما يراه من الشّر والقبيح كما غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والحسن، وربما استعمل كلُّ مكان الآخر.(من الحاشية)

(٣) بحار الأنوار: ج٤٤، ص٢٣٨، ح ٣١.

(٤) جلاء العيون للسيّد عبد اللَّه شبّر: ج٢ ص١١.

(٥) المصدر السابق نفسه: ص١١.


وروى ابن قولويه؛ من طرق المخالفين عن يعلي بن مرّة العامري قال: قال رسول اللَّه(ص): (حسينٌ منّي وأنا من حسين، أحبّ اللَّهُ مَن أحبّ حسيناً، حسينٌ سبطٌ من الأسباط)(١) .

وكان الحسنان عليهما الصلاة والسلام ريحانتا رسول اللَّه(ص) من الدّنيا، ففي الحديث عن أبي بصير عن الإمام الصّادق(ع) قال: قال رسول اللَّه(ص): (ريحانتيّ الحسن والحسين)(٢) .

بل الحسين(ع) أحبّ أهلِ الأرض لأهلِ السماء كما جاء ذلك في الحديث المروي عن النبيّ(ص) حيث قال: (من أحبّ أن ينظر إلى أحبّ أهلِ الأرض إلى أهل السماء فلينظر إلى الحسين(ع) )(٣) .

ومحبّة أهل السماء فضيلةٌ يشارك الحسينَ(ع) فيها جدُّهُ المصطفى وأبوه المرتضى واُمّه سيّدة النساء وأخوه المجتبى صلوات اللَّه عليهم أجمعين، ورحم اللَّه تعالى الفرزدق حيث يقول:

من معشرٍ حبُّهم دينٌ وبغضهُمُ

كفرٌ وقربُهُمُ منجىً ومعتصمُ

إن عُدَّ أهلُ التُّقى كانوا أئمتَهم

أوقيل مَن خيرُ أهلِ‏الأرض قيل: هُمُ

مقدّمٌ بعد ذكرِ اللَّه ذكرُهُمُ

في كلِّ بدءٍ ومختومٌ به الكلِمُ

____________________

(١) جلاء العيون للسيّد عبد اللَّه شبّر: ج٢ ص١٢.

(٢) المصدر السابق: ص١١.

(٣) المصدر السابق: ص١٧.


وروى الحديث ابنُ شهرآشوب في (المناقب) عن جماعةٍ من علماء أهل السُنّة فقال: رواه الطبريان في الولاية والمناقب، والسمعاني في الفضائل بأسانيدِهم عن إسماعيل بن رجاء وعمرو بن شعيب، أنّه مرّ الحسين بن علي(ع) على عبداللَّه بن عمرو بن العاص فقال عبداللَّه: من أحبّ أن ينظر إلى أحبّ أهلِ الأرض إلى أهل السماء فلينظر إلى هذا المجتاز، وما كلّمتُهُ منذ ليالي صفّين، فأتى به أبو سعيد الخدري إلى الحسين(ع) فقال الإمام: أتعلم أني أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء وتقاتلني وأبي يوم صفّين واللَّه إنّ أبي لخيرٌ مني!! فاستعذر عبداللَّه من الإمام وقال: إنّ النبيّ(ص) قال لي: أطع أباك فقال له الإمام الحسين(ع): أما سمعت قول اللَّه تعالى:( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ) (١) ، وقول النبيّ(ص): (إنّما الطّاعَةُ في المعروف)، وقوله: (لاطاعة لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق)(٢) .

وأمّا عبادتُهُ(ع) فقد كان أعبَدَ أهل زمانه، وكان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة. روى بن عبد ربّه في (العقد الفريد) انّه قيل لعليّ بن الحسين(ع): ما أقلّ ولد أبيك؟ فقال(ع): (العجبُ كيف ولدتُ وكان أبي(ع) يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة(٣) ، ولقد حجّ خمساً وعشرين حِجّة ماشياً على قدميه ونجائبُهُ تقاد بين يديه)(٤) .

____________________

(١) سورة لقمان: الآية ١٥.

(٢) المناقب: ج٤ ص٧٣.

(٣) جلاء العيون: ج٢ ص٢٨.

(٤) ثمرات الأعواد: ج١ ص٤٧.


وأمّا تواضعُهُ فإنّه(ع) مرّ بمساكين قد بسطوا كساءً لهم وألقوا عليه كسراً فقالوا: هلمَّ يابن رسول اللَّه فثنى وركه فأكلَ معهم ثمَّ تلا قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُستَكبِرِينَ)، وفي رواية اُخرى أنّه(ع) اعتذر منهم بأنّ طعامكم صدقة وهي محرّمة علينا ثمّ قال: قد أجبتكم فأجيبوني قالوا: نعم ياابن رسول اللَّه فقاموا معهُ حتى أتوا منزلَهُ فقال للجارية أخرجي ما كنت تدخرين(١) فأطعمهم وسقاهم وكساهم وأغناهم.

خُلقٌ يخجلُ النّسيمَ من اللطفِ

وبأسٌ يذوبُ منه الجمادُ

شِيَمٌ ما جُمِعْنَ في بشرٍ قطُ

ولا حاز مثلَهنَّ العبادُ

وأمّا إباؤه للضّيم فيقول ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: سيّدُ أهل الإباء الّذي علّم الناس الحميّة والموت تحت ظلالِ السيوف اختياراً له على الدنيّة أبو عبداللَّه الحسين بن عليّ بن أبي‏طالب(ع)، عُرض عليه الأمان وأصحابه فأنِفَ من الذّل، وخاف من ابن زياد أن ينالَهُ بشي‏ءٍ من الهوان إن لم يقتله فاختار الموت على ذلك، وسمعتُ النقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلوي البصري يقول: كأنَّ أبيات أبي‏تمّام في محمّد بن حُميد الطّائي ما قيلت إلّا في الحسين(ع)

وقد كانَ فوتُ الموتِ سهلاً فَرَدَّهُ

إليه الحفاظُ المرُّ والخُلُقُ الوعرُ

ونفسٌ تَعافُ الضَّيمَ حتى كأنَّه

هو الكفرُ يوم‏الرَّوْع(٢) أو دونه الكفرُ

فأثبتَ في مستنقعِ الموتِ رجلَهُ

وقال لها: من تحتِ أخمَصُكِ الحشرُ

____________________

(١) جلاء العيون: ج٢ ص٢٤.

(٢) الرّوع: الحرب.


تتردّى ثيابَ الموتِ حمراً فما أتى

لها الليلُ‏ إلاوهي من سُندُسٍ‏ خُضرُ

ومن كلام الحسين(ع) يوم الطّف المنقول عنه نقله زينُ العابدين عليُّ ابنه(ع): (ألا وإنَّ الدّعيَ ابنَ الدّعي قد خيّرنا بين اثنتين: السّلةِ أو الذّلة، وهيهاتَ منّا الذّلة! يأبى اللَّهُ لنا ذلك ورسولهُ والمؤمنون وحجورٌ طابت وطهُرت وأنوفٌ حميّة ونفوسٌ أبيّة)(١) .

وقال سبطُ ابن الجوزي: وقد ذكر جدّي في كتاب (التبصرة) وقال: إنّما سار الحسين(ع) إلى القوم لأنّه رأى الشريعة قد دثرت فجدَّ في رفع قواعد أصلها، فلّما حصروه فقالوا له أنزل على حكم ابن زياد قال: لا أفعل واختار القتلَ على الذّل وهكذا النفوس الأبيّة ثمّ أنشد جدّي فقال:

فلمـّا رأوا بعضَ الحياةِ مذلّةً

عليهم وعزُّ الموتِ غيرُ محرَّمِ

أبَوا أن يذوقوا العيشَ والذلُّ واقعٌ

عليهم وماتوا ميتةً لم تذمَّمِ

ولا عجبٌ للأسدِ أن ظفرت بها

كلابُ الأعادي من فصيح وأعجمِ

فحربةُ وحشيٍّ سقتَ حمزةَ الرّدى

وحتفُ عليٍّ في حسام ابن ملجَمِ(٢)

ولهذا رفض الإمام الحسين البيعة ليزيد، وقرّر الخروج من المدينة، فجمعَ عياله وأهل بيته وشيعته ومضى بهم إلى مكة ولكنّه ترك ابنةً له عليلة مريضة اسمها (فاطمة) وطلب من اُمّ سلمة زوجة النبيّ(ص) رعايتها، وسار الرّكب وكأني بفاطمة العليلة تودّع الرّكب بدموعها الجارية على خدّيها ولسان الحال:

____________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج٣ ص٢٤٩ - ٢٥٠.

(٢) تذكرة الخواص: ص٢٧٣.


بعدكم راح أظل بس تدمع العين

ويحگلي البكا والنوح كل حين

وگضي العمر حسرات وونين

على أهلي المشوا عنّي بعيدين

لفراگهم ما ليش تمكين

* * *

يقولون ثمّ عادت إلى الدار وإذا بها خالية موحشة فجلست عند مهد أخيها عبداللَّه الرّضيع وأخذت تهزّه وتخاطب الدار الخالية:

مشوا عني هلي لا لچ ولالي

وزماني من بعد أهلي ولالي

للزم مهد عبداللَّه ولالي

بلكن يرد وحشتهم عليه

رحلوا وما رحلُ أهيلُ ودادي

إلا بحسنِ تصبُّري وفؤادي

ساروا ولكن خلَّفوني بعدهم

حزناً أصوبُ الدَّمعَ صوبَ عهادي

لاحول ولا قوة إلا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة الثانية المجلس الرابع

الخروج من المدينة إلى مكة

وجهُ الصّباحِ عليَّ ليلٌ مظلمُ

وربيعُ أيّامي عليَّ محرَّمُ

والليلُ يشهدُ لي بأنّي ساهرٌ

إن طاب للنّاسِ الرُّقادُ فهوّموا

من قرحةٍ لو أنّها بيَلملَم

نسفَت جوانبَهُ وساخَ يلَملمُ(١)

قلقاً تقلّبني الهمومُ بمضجعي

ويغورُ فكريَ في الزّمانِ ويُتهِمُ

ما خلتُ أنَّ الدهرَ من عاداته

تَروَى‏الكلابُ به ويَظمَى الضيغَمُ

ويُقدَّمُ الأُمويُّ وهو مُؤخَّرٌ

ويُؤخَّرُ العلويُّ وهو مُقدَّمُ

مثلُ ابنِ فاطمةٍ يبيتُ مُشرَّداً

ويزيدُ في لذَّاتهِ مُتنعِّمُ

ويُضيِّقُ الدُّنيا على ابنِ محمّدٍ

حتّى تقاذَفَهُ الفضاءُ الأعظمُ

خرجَ الحسينُ من المدينةِ خائفاً

كخروج موسى خائفاً يتكتَّمُ

وقد انجلى عن مكّةَ وهو ابنُها

وبه تشرَّفَتِ الحطيمُ وزمزمُ

لم يدرِ أين يُريحُ بُدنَ ركابِهِ

فكأنّما المأوى عليه مُحرَّمُ(٢)

____________________

(١) يلملم: اسم جبل.

(٢) القصيدة من نظم المرحوم السيد جعفر الحلّي الدر النضيد: ص٣٠٨.

قال المرحوم السيد محسن الأمين العاملي في (أعيان الشيعة) المجلد الرابع ص٩٧:

ولد يوم النصف من شعبان سنة ١٢٧٧ في قريةٍ من قرى العذار تعرف بقرية السادة، وتوفي فجأةً في النجف الأشرف في شهر شعبان لسبعٍ بقين منه سنة ١٣١٥ه ودفن هناك.

كان -رحمه‌الله تعالى - فاضلاً أديباً محاضراً شاعراً قويّ البديهة حسن العشرة صافي


بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم

هذا ما أوصى به الحسينُ بن عليّ بن أبي طالب(ع) لأخيه محمّد المعروف (بابن الحنفية):

____________________

السّريرة حسن السّيرٍة، له ديوان شعر مطبوع إسمه - سحرُ بابل وسجع البلابل - جمعه بعد وفاته أخوه السيد هاشم، وقد ضاع كثيرٌ من شعرِهِ الذي كان ينظمه على البديهة من الأبيات القليلة.

قال السيد الأمين: رأيته في النجف، وكان شريكنا في الدرس عند الفقيه الشيخ محمد طه نجف، وقرأ أيضاً على الشيخ ميرزا حسين بن ميرزا خليل، وتوفي ونحن في النجف ورثاه الشعراء منهم الشيخ محمد السماوي صاحب كتاب - الطليعة - بقوله من قصيدة:

أيُّ فؤادٍ عليك ما احترقا

وأيُّ دمعٍ عليك ما اندفقا

ياراحلاً والكمالُ يتبعُهُ

ما أنت إلا الهلالُ قد مُحِقا

بكى عليك القريض منفجعاً

وانفجع الفضلُ فيك محترقا

وقال السماوي: رأيت السيد جعفر بعد موته في الرؤيا وسألته عن حالِهِ فقال: أمّا نحنُ أصحاب السيد مهدي القزويني فكلّنا في الجنّة.

وكان المرحوم السيد جعفر الحلي كثير المطايبة، ومن ذلك قوله وهو يخاطب أستاذه الفاضل الملا محمد الشربياني وهو على المنبر بعد الفراغ من الدرس ارتجالاً:

أشيخَ الكلِّ قد أكثرتَ بحثاً

بأصلِ براءةٍ وبإحتياطِ

وهذا فصلُ زوّارِ وسَرْطِ

فباحثنا بتنقيحِ المناطِ

والسَّرط هو الأكل والإبتلاع.

وقال على سبيل المطايبة أيضاً:

للشربيانيِّ أصحابٌ وتلمذةٌ

تجمّعوا حولَه من هاهنا وهنا

ما فيهم مَن له بالعلمِ معرفةٌ

يكفيك أفضلُ كلِّ الحاضرين أنا

وقال في رئيسي النجف آنذاك: السيد محمّد الطباطبائي، والسيد محمد القزويني:

شتّانَ بينَ محمّدٍ ومحمّدِ

ذا طبطبائيٌّ وذا قزويني

أنا أعرفُ الرّجلَ المهذّبَ منهما

باللَّهِ لا تسأل عن التعيينِ


(إنَّ الحسينَ يشهدُ أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمّداً عبدُهُ ورسوله، جاء بالحقّ من عند الحق، وانّ الجنّة والنّارَ حق، وأنّ الساعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها، وأنّ اللَّه يبعثُ مَن في القبور، وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطِراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في اُمّةِ جدّي محمّد اُريدُ أن آمرَ بالمعروف وأنهى عن المُنكر، وأسيرَ بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي‏طالب، فمن قَبِلَني بقَبولِ الحقّ فاللَّهُ أولى بالحق، ومَن ردَّ عليَّ هذا أصبرْ حتى يقضيَ اللَّهُ بيني وبينَ القوم بالحقّ وهو خيرُ الحاكمين.

وهذه وصيّتي يا أخي إليك، وما توفيقي إلا باللَّه عليه توكلتُ وإليه اُنيب). ثمّ طوى الكتاب وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة ثمّ ودّعهُ وخرج(ع) من عنده(١) .

بهذه الكلمات النيّرة والمعاني العالية الواضحة أعلن الإمام الحسين(ع) سببَ النهضة وعيّنها ولم يجعلها عائمة وذلك بقوله: وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي، اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، واسيرَ بسيرةِ جدّي وأبي علي بن أبي طالب:، وعيّن ذلك ب-(إنّما) وهي أداة حصر عند النحويين فهو لم يطلب غير الإصلاح من جاهٍ أو سلطان أو سمعةٍ أو أموال كما يفعله غيرُهُ من ذوي الأطماع بعد أن يتستّروا وراءَ الشعارات اللطيفة والغايات الشريفة وإنَّما سعيهم وجهدهم لأغراضٍ دنيويّة، وغاياتٍ آنيّة، ومعلومٌ أنَّ الإمام الحسين(ع) لم يكن محتاجاً إلى جاه أو سلطان فهو سيّدُ شباب أهل الجنّة، وريحانة رسول اللَّه(ص)

____________________

(١) ثمرات الأعواد: ج١ ص١٠١.


وابنه الذي خلّفه في اُمّته وقال في حقّه: حسينُ مني وأنا من حسين، أحبّ اللَّهُ من أحبّ حسيناً، حسينٌ سبطٌ من الأسباط(١) .

وإلى غير ذلك من أقوال النبيّ(ص) في حقّ الإمام الحسين وأخيه الإمام الحسن(ع)، وهي فضائل يعرفها المسلمون آنذاك كما يعرفون الصلوات اليوميّة وعدد ركعاتها.

يقول الشيخ أسد حيدر في كتابه (مع الحسين في نهضته): وهذه الفقرات - الوصيّة - هي تجسيدٌ لأوضاع العصر الّذي تعيشُهُ الاُمّة الإسلاميّة من جرّاء ما خلّفتهُ السياسة الاُمويّة في عهد معاوية من فسادٍ وانحطاط وضياع الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، إنّ تلك الأوضاع السّائدة وليدة استهتارٍ، وبُعدٍ عن الإلتزام بنواميس الدّين، وتغييرٍ للخطط التي أوضحها الرسول(ص) لاُمّته لمسيرتهم في الحياة(٢) .

ومن جملة الموبقات التي خرج بها معاوية بن أبي سفيان عن نهج رسول اللَّه(ص) وطريقته هي أن جَعَلَ الخلافة الإسلاميّة وراثةً في أصلاب أبنائه، فقد هلك معاوية في النصف من رجب سنة ٦٠ هجرية، وكان قبل هلاكه قد كتب وصيّةً لإبنه يزيد وهي: يا بنيّ إنّي قد كفيتك الشدَّ والتّرحال، ووطّأتُ لكَ الاُمور، وذلّلتُ لك الأعداء، وأخضعتُ لك رقابَ العرب، وجمعتُ لك ما لم يجمعُهُ أحد، فانظر أهلَ الحجاز فإنّهم أصلُك أكرم مَن قدمَ عليك منهم، وتعاهد مَن غاب، وانظر أهلَ العراق فإن سألوك أن تعزل

____________________

(١) جلاء العيون: ج٢ ص١٢.

(٢) مع الحسين في نهضته: ص٦٨ - ٦٩.


عنهم كلَّ يومٍ عاملاً فافعل، فإنّ عزلَ عامِلٍ أيسر من أن يُشهرَ عليكَ مائة ألف سيف، وانظر أهلَ الشام فليكونوا بطانتك وعيبتَك(١) ، فإن رابكَ من عدوِّكَ شي‏ءٌ فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهلَ الشام إلى بلادهم، فإنّهم إن أقاموا بغير بلادهم تغيّرت أخلاقهم، وإني لستُ أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلّا أربعة نفر من قريش: الحسينُ بن علي(ع) وعبداللَّه بن عمر، وعبداللَّه بن الزبير، وعبدالرّحمن بن أبي بكر، فأمّا عبداللَّه بن عمر فإنّه قد وقذته العبادة فإذا لم يبق غيره بايعك، وأمّا الحسين بن علي(ع) فهو رجل لن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه، فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه فإنّ له رحماً ماسّةً وحقّاً عظيماً وقرابةً من محمّد(ص)(٢) ، واعلم يا بني أنّ أباه خيرٌ من أبيك، وأنّ اُمّه خيرٌ من اُمّك، وأنّ جدّه خيرٌ من جدّك(٣) ، وأمّا ابن أبي بكر فإن رأى أصحابهُ صنعوا شيئاً صنع مثلهُ ليس له همّةٌ إلّا في النساء واللهو، وأمّا الذي يجثم لك جُثومَ الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإن أمكنته فرصةٌ وثب فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فظفرت به فقطّعهُ إرْباً إرْبا، واحقن دماء قومك ما استطعت(٤) .

ثمّ هلك معاوية للنّصف من رجب سنة ستين هجرية كان ابنهُ يزيد في (حوران) فأخذ الضحّاك بن قيس

أكفانه ورقى المنبر فقال بعد الحمد للَّه والثناء عليه:

____________________

(١) العَيبة: ما تجعل فيه الثياب كالصندوق، وأراد معاوية أنّهم موضع سرّك.

(٢) الكامل في التأريخ لابن الأثير: ج٤ ص٦.

(٣) ثمرات الأعواد: ج١ ص٦٥.

(٤) الكامل في التأريخ لابن الأثير: ج٤ ص٧.

(٥) حَوْران : كورة واسعة من أعمال دمشق ذكرها الحموي في (معجم البلدان) : ج ٢ ص ٣١٧.


كان معاوية سورَ العرب وعونهم قطع اللَّه به الفتنة، وملّكه على العباد وفتح به البلاد ألا إِنَّه قد مات وهذه أكفانُهُ فنحنُ مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله ثمّ هو البرزخ إلى يوم القيامة فمن كان منكم يريد أن يشهد فليحضر، ثمّ صلّى عليه الضحّاك ودفنه بمقابر باب الصغير، وأرسل إلى يزيد يعزّيه بأبيه والإسراع في القدوم ليأخذ بيعةً مجدّدة من الناس، وكتب في أسفل الكتاب:

مضى ابنُ سفيانَ فرداً لشأنه

وخُلّفتَ فانظر بعدَهُ كيف تصنعُ

أقِمنا على المنهاج واركبْ محجّةً

سَداداً فأنت المرتجى حين نفزعُ

فلمّا قرأ يزيدُ الكتاب أنشأ يقول:

جاء البريدُ بقرطاسٍ يخبّ به

فأوجسَ القلبُ من قرطاسِهِ فزعا

قلنا لك الويلُ ماذا في صحيفتكم

قال: الخليفةُ أمسى مثقلاً وجعا

مادت بنا الأرض أو كادت تميدُ بنا

كأنّ ما عزّ من أركانها انقلعا

وسار إلى دمشق فوصلها بعد ثلاثة أيّام من دفن معاوية(١) ، وكان الوالي على المدينة عند هلاك معاوية هو

الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وعلى مكّة عمرو بن سعيد بن العاص، وعلى الكوفة النعمان بن بشير، وعلى البصرة عبيداللَّه بن زياد فلم يكن ليزيدَ همٌ بعد موت أبيه إلّا بيعة النفر الذين سمّاهم أبوه، فكتب إلى الوليد بن عتبة - عامله على المدينة - فأمره بأخذ

____________________

(١) مقتل المقرّم: ص١٣٦ - ١٤٠ بتصرّف.


البيعة عليهم أخذاً شديداً ليس فيه رخصة فلمّا وقف الوليد على الكتاب بعث إلى مروان بن الحكم فأحضره وأوقفه على كتاب يزيد واستشاره وقال كيف ترى أن نصنع بهؤلاء؟ قال: أرى أن تبعث إليهم الساعة فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطّاعة فإن لم يفعلوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية لأنّهم إن علموا وثب كلُّ واحدٍ منهم في جانب وأظهر الخلاف والمنابذة ودعا إلى نفسه، فأرسل الوليد عمر بن عثمان إلى الحسين وإلى عبداللَّه بن الزبير فوجدهما في المسجد فقال أجيبا الأمير فقالا انصرف فالآن نأتيه ثمّ قال ابن الزبير للإمام الحسين: فيما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي ليس له عادة بالجلوس فيها إلا لأمر؟!

فقال الحسين٧: (أظنّ طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذ البيعة علينا ليزيد قبل أن يفشو في الناس الخبر)(١) .

ثمّ ذهب الإمام الحسين(ع) إلى الوليد ومعهُ ثلاثون من أهل بيته ومواليه يحملون السلاح وأوقفهم على الباب وطلب منهم الدخول إلى المجلس إذا سمعوا صوته وقد علا ليمنعونه، فدخل وبيده قضيب رسول اللَّه٩ و لما استقرّ به المجلس نعى الوليد إليه معاوية ثمّ عرض عليه البيعة ليزيد فقال(ع): مثلي لا يبايع سرّاً فإذا دعوتَ الناس إلى البيعة دعوتنا معهم فكان أمراً واحداً.

فاقتنع الوليد منه ولكنّ مروان ابتدر قائلاً: إن فارقكَ الحسين الساعة ولم يبايع لم تقدر منه على مثلها حتى تكثر القتلى بينكم احبس الرّجل حتى يبايع أو

____________________

(١) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: ص١٣٥ - ١٣٦.


تضرب عنقَهُ فقام إليه الحسين فقال: (ياابن الزرقاء أنت تقتلني أم هو؟ كذبت وأثمت ثمّ أقبل على الوليد وقال: أيّها الأمير إنّا أهلُ بيتِ النبوّة ومعدنُ الرّسالة ومختلفُ الملائكة بنا فتح اللَّه وبنا يختم، ويزيد رجلٌ شاربُ الخمور، وقاتل النّفس المحرّمة معلنٌ بالفسق، ومثلي لا يبايع مثلَه، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقُّ بالخلافة) وارتفعت الأصوات فدخل المجلس بنو هاشم وموالوهم وأخرجوا الإمام(ع) إلى منزله قهراً، فقال مروان للوليد عصيتني فواللَّه لا يمكنك على مثلها، قال الوليد: يامروان اخترت لي ما فيه هلاك ديني أقتل حسيناً إن لم يبايع!! واللَّه لا أظنّ امرءاً يحاسب بدمِ الحسين إلّا خفيف الميزان يوم القيامة. ولا ينظر اللَّه إليه ولا يزكّيه وله عذابٌ أليم.

وفي هذه الليلة زار الإمام الحسين(ع) قبر جدّه رسول اللَّه(ص) فسطع له نورٌ من القبر فقال: (السلام عليك يا رسول اللَّه أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك وسبطك الذي خلّفتني في اُمّتك فاشهد عليهم يانبيّ اللَّه أنّهم خذلوني ولم يحفظوني وهذه شكواي إليك حتى ألقاك) ولم يزل راكعاً وساجداً حتى الصباح.

وعند الصباح لقي مروان أبا عبداللَّه الحسين(ع) فعرّفه النّصيحةَ التي يدّخرها لأمثاله وهي البيعة ليزيد فإنّ فيها خير الدين والدّنيا فاسترجع الحسين(ع) وقال: (على الإسلام السّلامُ إذا بليت الاُمّة براعٍ مثلِ يزيد، ولقد سمعت جدّي رسول اللَّه(ص) يقول: الخلافة محرّمةٌ على آلِ أبي سفيان فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه وقد رآه أهلُ المدينة على المنبر فلم يبقروا بطنه فابتلاهم اللَّه بيزيد الفاسق)، وطال الحديث بينهما حتى انصرف مروان مغضباً.


وفي الليلة الثانية جاء الإمام الحسين(ع) إلى قبر جدّه(ص) وصلّى ركعات ثمّ قال: (اللّهمَّ إنّ هذا قبرُ نبيّك محمّد٩ وأنا ابن بنت نبيّك وقد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللّهمّ إنّي أحبُّ المعروف وأنكر المنكر، وأسألكُ ياذا الجلال والإكرام بحقّ القبر ومَن فيه إلّا اخترتَ لي ماهو لك رضى ولرسولك رضى) ثمّ بكى.

و لما كان قريباً من الصّبح وضع رأسَه الشريف على القبر فغفا فرأى رسول اللَّه(ص) في كتيبةٍ من الملائكة عن يمينه وشماله وبين يديه فضمّ الحسين إلى صدره وقبّلَ بين عينيه وقال: (حبيبي يا حسين كأنّي أراك عن قريب مرمّلاً بدمائك مذبوحاً بأرضِ كربلا بين عصابةٍ من اُمّتي وأنت مع ذلك عطشان لا تُسقى وظمآن لا تروى وهم بعد ذلك يرجون شفاعتي لاأنالهم اللَّه شفاعتي يوم القيامة.

حبيبي يا حسين إنَّ أباك واُمَّك وأخاك قدموا عليّ وهم مشتاقون إليك). فبكى الحسين وسأل جدّه أن يأخذه معه ويدخله في قبره:(١)

ضمّني عندكَ ياجدّاه في هذا الضريح

عَلَّني ياجَدُّ من بلوى زماني أستريح

ضاق بي ياجدُّ من فرطِ الأسى كلُّ فسيح

فعسى طودُ الأسى يندكُ بين الدكّتين

____________________

(١) مقتل المقرّم: ص١٤٤ - ١٤٧.


جدُّ صفوُالعيشِ من بعدِكَ بالأكدارِ شيب

وأشابَ الهمُّ رأسي قبل إبّانِ المشيب

فَعَلَا من داخلِ القبرِ بكاءٌ ونحيب

ونداءٌ بافتجاعٍ ياحبيبي ياحسين

* * *

أنت ياريحانةَ القلبِ حقيقٌ بالبَلا

إنّما الدّنيا أُعدّت لبلاءِ النبلا

لكن الماضي قليلٌ بالذي قد أقبلا

فاتّخذ درعين من حزمٍ وعزمٍ سابغين

* * *

ستذوقُ الموتَ ظلماً ظامياً في كربلا

وستبقى في ثراها ثاوياً منجدلا

وكأنّي بلئيم الأصلِ شمرٍ قد على

صدرَكَ الطّاهرَ بالسيفِ يحزُّ الودَجين(١)

وكأنّي بالحسين(ع) وقد مرّ على قبور الأحبّة يودّعهم، فمرّ بقبر أخيه الحسن ثمّ مرّ بقبر اُمّه الشهيدة المظلومة فوقف وسلّم عليها وإذا بالجواب وعليك السلام يا غريب الاُم وعليك السلام يا حبيب الاُم وعليك السلام يا وحيد الاُم:

____________________

(١) من منظومة في واقعة الطف للعالم الشيخ حسن الدمستاني البحراني(ره) (ت/١١٨١ه).


يحسين يابني هيّجت حزني عليّه

لأجلك بگبري لابسة ثياب العزية

أبكي عليكم ياضحايا الغاضريّه

اللَّه كاتب كربلا تحويك يحسين

* * *

يابني مصابك بالطفوف يشيّب الراس

گلي عليمن انتحب ياوافي‏الباس

لابنك علي يولا لبو فاضل العبّاس

يبگه اعله نهر العلگمي من غير كفين

* * *

حزني على البلغاضريّة تعرسونه

ياويل گلبي يوم عرسه يذبحونه

عرّيس ما شفنه بدَمّه يخضّبونه

واُمّه‏تنادي شلون هجمه‏ هجمة البين

* * *

أفاطمُ قومي ياابنة الخير واندبي

نجوم سماواتٍ بأرضِ فلاةِ

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة الثالثة المجلس الخامس

كرمُ الإمام الحسين(ع)

قد أوهنت جَلَدي الدّيارُ الخالية

من أهلها ما للدّيارِ وماليهْ

ومتى سألتُ الدّارَ عن أربابها

يُعِدُ الصّدى منها سؤالي ثانيه

كانت غياثاً للمنوب فأصبحت

لجميعِ أنواعِ النّوائبِ حاويه

ومعالمٌ أضحت مآتمَ لا تَرى

فيها سوى ناعٍ يجاوِبُ ناعيه

وردَ الحسينُ إلى العراقِ وظنّهم

تركوا النِّفاقَ إذا العراق كماهيه

ولقد دعَوهُ للعَنا فأجابهم

ودعاهُمُ لهدىً فردُّوا داعيه

قسَتِ القلوبُ فلم تَمِلْ لهدايةٍ

تبّاً لهاتيكَ القلوب القاسيه

ما ذاقَ طعمَ فراتِهِمْ حَتّى قضى

عطشاً فغُسِّلَ بالدّماءِ القانيه

يابنَ النبيّ المصطفى ووصيِّهِ

وأخا الزكيِّ ابنَ البتولِ الزاكيه

تبكيكَ عيني لا لأجلِ مثوبةٍ

لكنّما عيني لأجلِكَ باكيه

تبتلُّ منكم كربلا بدمٍ ولا

تبتلُّ منِّي بالدّموعِ الجاريه

أَنْسَتْ رزيتُكُم رزايانا التي

سلفت وهوّنت الرزايا الآتيه

وفجائعُ الأيامِ تبقى مدّةً

وتزولُ وهي إلى القيامةِ باقيه(١)

____________________

(١) هذه القصيدة العصماء من نظم العالم الكامل المرحوم الشيخ محمد علي الأعسم(ره).

قال السيد جواد شبر في (أدب الطف) ج٦ ص١٩٦:

الشيخ محمد علي الأعسم المتولد في النجف الأشرف عام ١١٥٤ه تقريباً.


ما لأجل الثواب بكيت واجره

لچن نار بصميم الگلب واجره

مصاب حسين أبد ما صار واجره

فرض كل يوم ننصبلة عزية

* * *

____________________

وهو ابن الشيخ حسين ابن الشيخ محمد الزبيدي النجفي.

وآل الأعسم أسرةٌ نجفيّةٌ كبيرة عريقة في العلم والفضل والأدب.

كان الشيخ الأعسم عالماً فاضلاً فقيهاً ناسكاً أديباً شاعراً له ديوان شعر وله مراثٍ كثيرة في الإمام الحسين(ع)، له منظومة في الرّضا، وأخرى في المواريث وثالثة في العدد ورابعة في تقدير دية القتل وخامسة في آداب الطعام والشراب المستفادة من أخبار وأحاديث أهل البيت:.

جاء في معارف الرجال أنه تتلمذ على الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء، وكان من أخلص أصحابه حتى أنه حجّ معه بيت اللَّه سنة ١١٩٩ه مع كوكبة من العلماء، وحضر الفقه على السيد مهدي بحر العلوم النجفي كما أجازه أن يروي.

وفي الطليعة قال: أخبرني السيد محسن الكاظمي الصائغ عن أبيه السيد هاشم قال: نظم المرحوم الشيخ محمد علي الأعسم قصيدته في الإمام الحسين(ع) والتي مطلعها:

قد أوهنت جلدي الديارُ الخالية

من أهلها ما للديارِ وماليه

ثمّ عرضها على ابنه الشيخ عبد الحسين فقال: أنظرها فنظرها ثمّ قال: هذه قافيةٌ قاسية فأخذها منه ثمّ صعد فصلى ووضعها تحت مصلاه فما كان إلّا أن طرق الباب سحراً وإذا بالخطيب الشيخ محمد علي القارئ وكان ممتازاً بإنشاد الشّعر الحسيني في محافل الحسين(ع) قال: إني رأيت البارحة كأني دخلت الرّوضة الحيدرية فرأيت أمير المؤمنين(ع) جالساً فسلمتُ عليه فأعطاني ورقة فيها قصيدة وقال: اقرأ لي هذه القصيدة في رثاء ولدي الحسين فقرأتها وهو يبكي فانتبهت وأنا أحفظ منها هذا البيت:

قست القلوب فلم تمِلْ لهدايةٍ

تبّاً لهاتيكَ القلوبِ القاسية

فتعجّب الشيخ وأخرج‏له الورقة التي تحت مصلّاه فدهش الشيخ محمد علي القارئ وقال: واللَّه إنها نفس الورقة بل هي هي التي أعطانيها أمير المؤمنين(ع).

توفي في النجف الأشرف سنة ١٢٣٣ ودفن في المقبرة التي هي لآل الأعسم في الصحن الشريف.


ممّا نُسب إلى الإمام أبي عبداللَّه الحسين(ع):

إذا جادت الدّنيا عليك فجُدْ

بها على النّاسِ طُرّاً قبل أن تتفلّتِ

فلا الجودُ يُفنيها إذا هي أقبلت

ولا البُخلُ يُبقيها إذا ما تولّتِ(١)

* * *

السّخاء: هو بذل ما يُحتاج إليه عند الحاجة إلى مستحقّه بقدر الطّاقة، وهو من فعل شيم النفوس حيث تبذل ما تكسب به مدحَ العاجل والثوابَ الآجل، وتكسب به تألّف القلوب، وهو من أكبر أسباب المحبّة بين الناس.

قال رسول اللَّه(ص): (جُبِلَتْ(٢) القلوب على حبّ مَن أحسنَ إليها، وبغضِ من أساءَ إليها) وأوضح دليل على

صحّة هذا أنّا نرى الناس تذكر بثناء واحترام الأسخياء ذوي النفوس العالية الذين يُعرفون بالبذل وقضاء الحوائج وتنفيس الكربات والإحسان حيث جُبلت القلوب على حبّ مَن أحسن إليها كما قال(ص).

وفي حديث آخر عنه(ص): (السخيُّ قريبٌ من اللَّه، قريبٌ من الجنّة، قريبٌ من النّاس، بعيدٌ عن النار. والبخيلُ: بعيدٌ من اللَّه، بعيدٌ من الجنّة، بعيدٌ من النّاس، قريبٌ من النّار).

وعن ابن عبّاس: سادةُ النّاس في الدّنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء(٣) .

____________________

(١) المناقب: ج٤ ص٦٦.

(٢) الجِبِلّة: الخِلقة والطّبيعة.

(٣) نور الحقيقة لوالد الشيخ البهائي: ص٢٢٥ - ٢٢٦.


وبيّن اللَّه تعالى ذلك في القرآن الكريم فقال في سورة الحشر:( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (١) .

وفي سورة الليل الآيات ٥ - ١١( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدّىَ ) .

وكان الإمام أبو عبداللَّه الحسين بن علي بن أبي طالب(ع) أكرمَ أهل زمانه. قال ابن الصبّاغ المالكي في كتابه (الفصول المهمّة): قال الشيخ كمال الدّين بن طلحة قد اشتهر النّقلُ عنه(ع) بأنّه كان يُكرم الضيفَ ويمنحُ الطّالب ويَصِلُ الرّحم وينيلُ الفقراء ويكسو العريان ويُشبع الجوعان ويُعطي الغارم ويشفق على اليتيم ويعينُ ذا الحاجة، وإنّ الكرم ثابتٌ لهؤلاء القوم حقيقةٌ ولغيرهم مجاز، إذ كلُّ واحدٍ منهم ضربَ فيه بالقدح المـُعلّى فحاز منه ما حازَ فهم بحارٌ تجاوزت الغيوثَ سماحة ويبارون الليوث حماسة ويعدلون الجبال حلماً، فهم البحورُ الزاخرة والسُحُب الهامية الماطرة. يقول الشاعر:

فما كانَ من جودٍ أتوهُ فإنّما

توارثَهُ آباءُ آبائِهم قبلُ

وهل منبتُ الخطيِّ إلّا وشيجُهُ(٢)

وتُغرسُ إلّا في مغارسها النّخلُ(٣)

____________________

(١) سورة الحشر: الآية ٩.

(٢) الوَشيج: شجرٌ تُصنع منها الرّماح.

(٣) الفصول المهمّة لابن الصبّاغ: ص١٧٦.


وفي هذا المعنى رُوي أنَّ أعرابياً وفد المدينة فسأل عن أكرم النّاسِ فيها فُدلّ على الإمام الحسين(ع) فدخلَ المسجد فوجدَ الإمام يصلّي فوقف بإزائه وأنشأ:

لم يَخِبِ الآنَ مَن رجاكَ ومَن

حرَّكَ مِن دونِ بابِكَ الحَلقة

أنت جوادٌ وأنت معتَمَدٌ

أبوك قد كان قاتلَ الفسقَة

لولا الذي كان من أوائِلِكُم

كانت علينا الجحيمُ منطبقة

فسلّم الإمام(ع) وقال: (ياقنبر هل بقي من مال الحجاز شي‏ء؟ قال نعم أربعة آلاف دينار فقال: هاتها قد جاء من هو أحقُّ بها منّا، ثمّ لفّ الدنانير وأخرج يده من شقّ الباب حياءاً من الأعرابي وأنشأ:

خذها فإنّي إليكَ معتذرٌ

واعلم بأنّي عليك ذو شفقة

لو كان في سيرنا الغداةَ عصىً(١)

أمست(٢) سمانا عليك مُندَفِقة

لكنَّ ريبَ الزّمانِ ذو غِيَر

والكفُّ منّي قليلةُ النّفقة

فأخذها الأعرابي وبكى فقال له الإمام(ع): (لعلّك استقللتَ ما أعطيناك). قال: لا ولكن كيف يأكلُ الترابُ جودك(٣) .

ورواية اُخرى في نفس المعنى، أنّ أعرابياً جاء إلى الإمام الحسين(ع) فقال:

____________________

(١) الظاهر أنّ العصى كناية عن الأمر والحكم.

(٢) لعلّ المعنى لو كان في سيرنا هذه الغداة ولاية وحكم أو قوّة لأمست يدُ عطائنا عليك مندفقة وتكون السماء كناية عن يد الجود والعطاء.

(٣) جلاء العيون: ج٢ ص٢٤.


ياابن رسول اللَّه ضمنت ديةً كاملة(١) وعجزتُ عن أدائِها فقلت في نفسي أسألُ أكرمَ الناس، وما رأيتُ أكرمَ من أهل بيتِ رسول اللَّه(ص) فقال الإمام(ع): (ياأخا العرب أسألك عن ثلاث مسائل، فإن أجبت عن واحدة أعطيتك ثلثَ المال، وإن أجبت عن اثنين أعطيتك ثلثي المال، وإن أجبتَ عن الكلّ أعطيتُكَ الكل).

فقال الأعرابي: ياابن رسول اللَّه أمثلُكَ يسألُ مثلي وأنت من أهلِ العلم والشرف؟! فقال الإمام(ع): (بلى سمعتُ جدّي رسول اللَّه(ص) يقول: المعروف بقدر المعرفة، فقال الاعرابي: سل عمّا بدالك، فإن أجبتُ وإلّا تعلّمتُ منك ولا قوّةَ إلّا باللَّه.

فقال الإمام(ع): أيُّ الأعمال أفضل؟ فقال الأعرابي: الإيمانُ باللَّه فقال الإمام(ع): فما النّجاةُ من الهلكة؟ قال الأعرابي: الثقةُ باللَّه، فقال الإمام(ع): فما يَزينُ الرّجل؟ قال: علمٌ معه حِلم قال: فإن أخطأه ذلك؟ قال الأعرابي: مالٌ معه مروءة قال الإمام(ع): فإن أخطأهُ ذلك؟ قال: فقرٌ معه صبر فقال الإمام(ع): فإن أخطأه ذلك؟ فقال الأعرابي: فصاعقةٌ تنزل عليه من السماء وتحرقهُ فإنّه أهلٌ لذلك.

فضحكَ الإمام(ع) ورمى بصرّةٍ إليه فيها ألفُ دينار، وأعطاه خاتمه وفيه فصٌّ قيمتُهُ مائتا درهم وقال: ياأعرابي أَعطِ الذّهبَ إلى غُرمائك، واصرف الخاتم في نفقتك)، فأخذ الاعرابي ذلك وقال:

____________________

(١) الدية الكاملة ألف دينار لقتل الخطأ.


( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) .(١) .(٢) وفي بعض الروايات فأنشأ الأعرابي يقول:

طَرَبتُ وما هاجَ لي معبقُ

ولا لي مقامٌ ولا مَعْشقُ

ولكن طَرَبْتُ لآلِ الرّسول

فلذّ لي الشِّعرُ والمنطقُ

هُمُ الأكرمونَ هُمُ الأنجبون

نجومُ السماءِ بهم تُشرقُ

سبقتَ الأنامَ إلى الصّالحات

وأنت الجوادُ فلا تُلحقُ

أبوكَ الذي سادَ بالمَكْرُماتِ

فقصَّرَ عن سبقِهِ السُبَّقُ

به فتح اللَّهُ بابَ الرّشاد

وبابُ الفسادِ بكم يُغلَقُ(٣)

وفي مثل اليوم الثاني من شهر محرّم سنة ٦١ للهجرة نزل الإمام الحسين(ع) مع مَن كان معه من أهل بيته وأصحابه أرض كربلاء(٤) .

أقول: نزلوا كربلاء ورايات الهاشميين ترفرف على رؤوس الهاشميات فكلّما رفعت واحدةٌ منهنّ رأسها رأت راية أبي الفضل العباس هو واخوته وبقيّة آل أبي طالب يحوطون بالعائلة الكريمة ولكن حرّ قلبي لها كيف خرجت من كربلاء شمرٌ عن يمينها وزجرٌ عن شمالها، وكلّما رفعت واحدةٌ منهنّ رأسها رأت رؤوس حماتِها على الرّماحِ العالية:

هذي نساؤُكَ مَن يكون إذا سرت

في الأسرِ سائقُها ومَن حاديها

أيسوقُها زجرٌ بضربِ متونها

والشمرُ يحدوها بسَبِّ أبيها

____________________

(١) سورة الأنعام: الآية ١٢٤.

(٢) بحار الأنوار: ج٤٤، ص١٩٦.

(٣) ثمرات الأعواد: ج١ ص١٣.

(٤) الملهوف للسيّد ابن طاووس: ص١٣٩.


عجباً لها بالأمسِ أنتَ تصونُها

واليومَ آلُ اُميّةٍ تبديها

* * *

مشينة والدمع يجري اعله الخدود

وهموم الگلب حملان وتزود

عگب هذا الولي المعروف بالجود

وعگب ذاك الأخو المگطوع الزنود

وعگب شبه النبي العترب ممدود

وعگب ذيك الأقمار الصيد الأسود

شمر يحدي بضعنة وناگتي يگود

* * *

فكم دعت زينبٌ والدّمعُ منهملُ

هذي الطفوفُ وفيها بالحشا شُعَلُ

أبكي على سادة بالطّف قد قُتلوا

بالأمس كانوا معي واليوم قد رحلوا

وخلَّفوا في سويدا القلبِ نيرانا

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة الثالثة المجلس السادس

الخروج من مكّة المـُكرّمة

فداءٌ لمثواكَ من مضجَعِ

تنوَّرَ بالأبلجِ(١) الأَرْوَعِ(٢)

بأعبقَ من نفحات الجنا

نِ رَوْحاً ومن مِسكها أضوَعِ

ورعياً ليومِكَ يومِ الطّفوفِ

وسَقياً لأرضِكَ من مصرعِ

وحزناً عليكَ بحبسِ النُّفوسِ

على نهجِكَ النيِّرِ المهيَعِ(٣)

وصوناً لمجدِكَ من أَن يُذالَ

بما أنت تأباه من مبدعِ

فيا أيّها الوَترُ في الخالدين

فذّاً إلى الآنَ لم يُشفَعِ

تعاليتَ من مُفزعٍ للحتوف

فبورِك قبرُكَ من مَفزعِ

تلوذُ الدُّهورُ فمن سجّدٍ

على جانبيه ومن ركّعِ

شمَمتُ ثراكَ فهبّ النّسيمُ

نسيمُ الكرامةِ من بلقعِ(٤)

وعفّرتُ خدّي بحيث استراح

خدٌّ تفرّى ولم يضرعِ

وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطغاةِ

جالَت عليه ولم يخشعِ

وطفتُ بقبركَ طوفَ الخيالِ

بصومعةِ الملهَم المبدعِ

كأنّ يداً من وراءِ الضريحِ

حمراءَ مبتورةِ الإصبَعِ

____________________

(١) الأبلَج: هو الوضّاء.

(٢) الأروع: مَن يعجُبك بحسنهِ أو شجاعته.

(٣) الـمَهْيَع: البيّن الواضح.

(٤) البلقع: الأرض القفرة.


تُمَدُّ إلى عالَم بالخنوع

والضيمِ ذي شَرقٍ(١) مترعِ

لتبدِلَ منه جديَبَ الضَّميرِ

بآخرَ معشوشِبٍ مُمرع

فيابنَ البتولِ وحسبي بها

ضماناً على كلِّ ما أدَّعي

ويابنَ التي لم يضَعْ مثلُها

كمثلِكَ حملاً ولم يُرضع

ويابنَ البطينِ بلا بطنةٍ

ويابنَ الفتى الحاسِرِ الأنزعِ

وياغصنَ هاشم لم ينفتح

بأزهرَ منكَ ولم يُفرعِ

وياواصلاً من نشيدِ الخلودِ

ختامَ القصيدةِ بالمطلعِ(٢)

* * *

____________________

(١) ذي شرق: ذي غصّة.

(٢) هذه الأبيات من قصيدةٍ عصماء للشاعر الكبير محمّد مهدي الجواهري.

قال السيد داخل السيد حسن في الجزء الأول من كتابه (من لا يحضره الخطيب):

ولد الشاعر محمد مهدي الجواهري فى حدود سنة ١٩٠٠م (في النجف الأشرف)، وهو ينتمي إلى أسرةٍ علميةٍ عريقة تعرف بأسرة آل صاحب الجواهر، وهو من أبرز شعراء العراق بل العرب المعاصرين قاطبةً.

له ديوان مطبوع في أربع مجلدات، وقصيدته العينية هذه هي من أروع ما قيل في الإمام الحسين(ع) وقد كتب منها خمسة عشر بيتاً على الباب الذّهبي في مشهد الإمام الحسين(ع)، ويقول الأستاذ الباحث محمد سعيد الطريحيّ في كتابه (أجراس كربلاء) إنّ الجواهري حدّثه عن اعتزازه الكبير بهذه القصيدة وقال له: إنها زادي إلى الآخرة.

توفي الجواهري في دمشق سنة ١٩٩٩م، ودفن في ضاحية السيدة زينب(ع).


روي أنّ الإمام الحسين(ع) قال قبل خروجه من مكّة إلى العراق: (الحمدُ للَّه ما شاءَ اللَّه ولا قوّة إلّا باللَّه، وصلّى اللَّه على رسوله وآله وسلم، خُطّ الموتُ على وُلْدِ آدَمَ مخطَّ القِلادةِ على جيدِ الفتاة، وما أولهني(١) إلى أسلافي اشتياقَ يعقوبَ إلى يوسفَ، وخيرَ لي مصرعٌ أنا لاقيه كأنّي بأوصالي تقطّعُها عسلان(٢) الفلوات بين النواويس وكربلا، فيَمْلأنَّ منّي أكراشاً جوْفاً وأجربة سُغُباً، لا محيصَ عن يومٍ خُطّ بالقلم، رضى اللَّهِ رضانا أهلَ البيت، نصبرُ على بلائه ويوفّينا أجورَ الصّابرين لن تَشذّ عن رسول اللَّهِ لُحمتُه، بل هي مجموعةٌ له في حضيرةِ القدس تَقَرُّ بهم عينُهُ، ويُنجزُ بهم وعدُهُ، مَن كان باذلاً فينا مهجته، موطّناً على لقاءِ اللَّهِ نفسه فليرحلْ معنا فإنّي راحلٌ مصبحاً إن شاء اللَّه تعالى)(٣) .

وكان خروج الإمام الحسين(ع) من مكّة متوجّهاً إلى العراق يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجّة فطاف بالبيت سبعاً وسعى بين الصّفا والمروة وأحلّ من إحرامِهِ وجعلها عمرةً لأنّه لم يتمكّن من تمام الحجّ مخافة أن يقبض عليه بمكّة ويرسل إلى يزيد بن معاوية، فخرج(ع) مبادراً بأهله وولده ومن انضمّ إليه من أهل البصرة والحجاز من شيعته ولم يكن قد بلغه بعدُ خبر مسلم بن عقيل(ع)(٤) .

وهذه الخطبة الشريفة صريحةٌ في تكذيب من يدّعي أن الإمام الحسين(ع) لم يكن يعلم بالمصير الذي ينتظرُهُ، وأنّه خرج طالباً للحكم والسلطان.

____________________

(١) ما أولهني: ما أشدّ اشتياقي.

(٢) عسلان الفلوات: ذئابُها.

(٣) الملهوف للسيّد ابن طاووس: ص١٢٦.

(٤) جلاء العيون: ج٢ ص١٤٢ بتصرّف.


فقوله(ع): (وكأنّي بأوصالي تقطّعها عُسلانُ الفلوات بين النواويس وكربلاء) لهوَ تصريح واضح وإِخبارٌ أكيد عن المـُستقبل الذي ينتظرُه وأهل بيته وليس فيه إلّا القتل في سبيل اللَّه تعالى، وإعلاء كلمته، وسقي شجرة الإسلام الذّابلة - ببدع الأمويينَ - بدمه ودماءِ أهل بيته وأصحابه.

وأمّا أنّه خرج طالباً للخلافة والزّعامة فادّعاءٌ باطلٌ بعد علم الإمام(ع) - كما صرّح في خطبته المتقدّمة - بالمصير الذي سيؤولُ إليه أمرُهُ وهو الشهادة ثمّ أنَّ الخلافة والسلطنة قد ترفع من كان دانياً، وتقدّم من كان متأخّراً، وتظهر نسبَ من كان خاملاً وأين هذا من بعض فضائل الإمام الحسين(ع) فلقد كان - لعمري - سلطانَ الدهر، وإمامَ الزّمان، وحجّة اللَّه على عباده ناهيك عن نسبه الوضّاح فهو ابن النبيّ المصطفى، وعليّ المرتضى، وفاطمة الزهراء وخديجة الغرّاء، وهو مع أخيه المجتبى سيدا شباب أهل الجنّة، وريحانتا رسول اللَّه(ص)، وما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيٍّ غيرُهُ بينهم:

من معشر حبُّهُمْ دينٌ وبغضهُمُ

كفرٌ وقربُهُمُ منجىً ومعتَصمُ

إن عُدَّ أهلُ التُّقى كانوا أئمّتهم

أو قيلَ مَنْ خيرُ أهل‏ الأرض قيل: هُمُ

مقدّمٌ بعد ذكر اللَّهِ ذكرُهُمُ

في كلِّ بدءٍ ومختومٌ به الكَلِمُ(١)

وما أحسن ما تنبّه إليه ونبّه عليه المرحوم الشّهيد السيد محمّد الصدر

____________________

(١) أبيات من قصيدة الفرزدق الخالدة في مدح الإمام زين العابدين(ع).


حيث حذَّر من تخيّل أهداف لنهضة الإمام الحسين(ع) كان مصيرها الفشل حيث لم تتحقّق فإنّ ذلك يقلّل من رفعة وسمو واقعة الطفّ فقال: أن يكون الهدفُ أمراً متحقّقاً إمّا في الحال أو في الاستقبال، ولا يجوز أن نطرح - لنهضة الإمام الحسين(ع) - هدفاً فاشلاً وغير متحقِّق أو غير قابل للتحقيق، فإنّ ذلك خلاف الحكمة الإلهيّة ولا يمكن أن ننسب ما هو فاشل وعاطل إلى الحكمة الإلهيّة، مثال ذلك: انّ الإمام الحسين(ع) لو كان قد استهدف من - نهضته المباركة النصر العسكري العاجل أو إزالة حكم بني‏اُميّة أو ممارسة الحكم في المجتمع فعلاً فهذه ونحوها من الأهداف التي لم تتحقّق وكان مصيرها الفشل وذلك لأنّها لم تحدث ولم يكن من الممكن أن تحدث، اذن فهذه كلّها لم تكن هدفاً للإمام وإِنْ تخيّلها البعض(١) .

روى الشيخ المفيد؛ في (الإرشاد) عن الفرزدق أنّه قال: حججتُ بأمّي في سنة ستين فبينما أنا أسوق بعيرها حتى دخلت الحرم إذ لقيت الحسين(ع) خارجاً من مكّة فأتيتُهُ وسلّمت عليه وقلت له: أعطاك اللَّه سؤلك وأمّلك فيما تحب بأبي أنت واُمّي ياابن رسول اللَّه ما أعجلك عن الحج؟ قال: (لو لم أعجل لأُخذت ثمّ قال لي من أنت)؟ قلت: رجلٌ من العرب ولا واللَّه ما فتّشني - ما سألني - أكثر من ذلك، ثمّ قال: (أخبرني عن النّاس خلفك) فقلت: الخبيرَ سألت، قلوبُ الناس معك وسيوفهم عليك والقضاء ينزل من السماء واللَّهُ يفعل ما يشاء قال: (صدقتَ للَّهِ الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ وكلّ يوم ربّنا هو في شأن إن نزل القضاء بما

____________________

(١) اُنظر: كتاب أضواء على ثورة الإمام الحسين(ع): ص٥٨.


نُحب فنحمد اللَّه على نعمائه وهو المُستعانُ على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرّجاء فلم يُبعَدْ(١) مَن كان الحقُّ نيّتَهُ والتقوى سيرتَهُ)، فقلت له: أجل بلّغك اللَّهُ ما تُحب وكفاك ما تحذر وسألتهُ عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني وحرّك راحلته وقال: السلام عليك ثمّ افترقنا(٢) . ثمّ سار(ع) حتى إذا وصل إلى (زرود) علم بمقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وقد شوهدا وهما يجرّان في السوق بأرجلهما فقال(ع): (إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون). فنظر إلى بني عقيل فقال: (ما ترون فقد قُتلَ مسلم) فقالوا: واللَّه لا نرجع حتى نصيبَ ثارَنا أو نذوق ما ذاق فقال الإمام: (لا خير في العيش بعد هؤلاء) ثمّ سار حتى انتهى إلى (زبالة) فأتاه خبر عبداللَّه بن يقطر فأخرج كتاباً فقرأه عليهم:

(بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم أما بعد فإنّه قد أتانا خبرٌ فضيع قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبداللَّه بن يقطر وقد خذلنا شيعتنا، فمن أحبّ منكم الإنصراف فلينصرف في غير حرج ليس معَهُ ذمام) فتفرّق الناس عنه وأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه وإنّما فعل ذلك لأنّه(ع) علم أنَّ الأعراب الّذين اتّبعوه إنّما اتّبعوه وهم يظنّون أنّه يأتي بلداً قد استقامت له طاعةُ أهله فكره أن يسيروا معهُ إلّا وهم يعلمون على ما يقدمون، ثمّ سار(ع) حتى نزل (شِراف) فلمّا كان في السّحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء وأكثروا ثمّ سار منها حتى انتصف النّهار فبينا هو يسير اذ كبّر رجلٌ من أصحابه فقال له الإمام الحسين(ع):

____________________

(١) أي من الخير والنجاح والفلاح. (من الحاشية)

(٢) جلاء العيون: ج٢ ص١٤٤.


(اللَّهُ أكبر لمَ كبّرت)؟ قال رأيت النّخل فقال له جماعة من أصحابه واللَّه إنّ هذا المكان ما رأينا فيه نخلةً قط فقال له الإمام: (فما ترونَه)؟ قالوا نراه واللَّه آذان الخيل وأسنّة الرّماح قال(ع): (أنا واللَّه أرى ذلك مالنا ملجأ نلجأ إليه فنجعله في ظهورنا ونستقبل القوم بوجهٍ واحد)؟ فقلنا له: بلى هذا هو ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فإن سبقت إليه فهو كما تريد فأخذ إليه ذات اليسار وملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل وإذا هو جيش زهاء ألف فارس مع الحرّ بن يزيد الرياحي التميمي حتى وقف هو وخيلُهُ مقابل الحسين(ع) في حرّ الظهيرة والإمام وأصحابه متقلّدون أسيافهم فقال لفتيانه: (اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشّفوا الخيل ترشيفا) ففعلوا وكان آخر من وصل من أصحاب الحرّ هو عليّ بن الطعّان المحاربي فلمّا رأى الإمام الحسين ما به وبفرسه من العطش قال له: (أنِخ الرّاوية) - والراوية تعني الجمل بلغة الحجاز، والسِّقاء بلغة الكوفة - فلم يعرف كيف يشرب فقال له(ع): (أنِخ الجمل) ففهمَ ولكنه لم يستطع الشرب فقال له الإمام: (اخنث السّقاء) أي اعطفه فلم يدر كيف فقام الإمام بنفسه وسقاه الماء فارتوى وارتوى فرسُهُ، وهنا يخاطب أحد العلماء الإمام الحسين(ع) في ذلك فيقول:

سقيتَ عِداكَ الماءَ منكَ تحنُّناً

بأرضِ فلاةٍ حيثُ لا يُوجَدُ الماءُ

فكيف إذا تلقى مُحِبِّيكَ في غدٍ

عَطاشى من‏ الأجداثِ ‏في‏ لهفةٍ جاؤوا(١)

ثمّ حضر وقت صلاة الظّهر فأمر الإمام الحسين(ع) الحجّاج بن مسروق

____________________

(١) هذان البيتان للسيّد الحجّة ثقة الإسلام السيد محمّد الكشميري١. مقتل الحسين للمقرّم.


أن يؤذّن فلمّا حضرت الإقامة خرج الإمام فحمد اللَّه وأثنى عليه ثمّ قال: (أيّها النّاس إنّي لم آتكم حتى أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسُلُكم أن أقدم علينا فإنّه ليس لنا إمام لعلّ اللَّه أن يجمعنا بك على الهدى والحقّ فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم فأعطوني ما أطمئنّ إليه من عهودكم ومواثيقكم وإن لم تفعلوا وكنتم لقدومي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئتُ منه إليكم) فسكتوا عنه ولم يتكلّم أحدٌ منهم بكلمة فقال الإمام(ع) للمؤذّن: (أقم)، فأقام الصلاة فقال للحرّ: (أتريد أن تصلّي بأصحابك)؟ قال: لا بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك فصلّى بهم الإمام(ع) فدخل الإمام وانصرف الحُرُّ إلى مكانه ثمّ صار وقت العصر أمر الإمام الحسين(ع) أن يتهيَّأوا للرحيل ففعلوا ثمّ أمر مناديه فنادى بصلاة العصر وأقام فصلّى الإمام ثمّ سلّم وانصرف إليهم بوجهه فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد أيّها النّاس فإنّكم ان تتّقوا اللَّه وتعرفوا الحقّ لأهلهِ تكن أرضى للَّه عنكم ونحن أهل بيت محمّد(ص) وأولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وإن أبيتم إلّا الكراهية لنا والجهل بحقّنا وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم وقدمت به عليَّ رسلكم انصرفت عنكم) فقال له الحر: أنا واللَّه لا أدري ما هذه الكتب والرّسل التي تذكر فقال الإمام(ع) لعقبة بن سمعان: (أخرج الخرجين الذين فيهما كتبهم إليّ)، فأخرج خُرجين مملوئين صحفاً فنثرت بين يديه فقال الحرُ: إنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك وقد أُمرنا إذا نحن لقيناك إلّا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيداللَّه بن زياد فقال له الإمام(ع): (الموتُ أدنى إليك من ذلك) ثمّ قال لأصحابه: (قوموا فاركبو) فركبوا


وانتظروا حتى ركبت نساؤهم، فلمّا أرادوا الانصراف حال القوم بينهم وبين الانصراف فقال الإمام(ع) للحرّ: (ثكلتكَ اُمُّكَ ما تريد)؟ قال له الحرّ: أما لو غيرُك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكرَ اُمّه بالثُّكل كائناً مَن يكون، ولكن واللَّه مالي إلى ذكر اُمّك من سبيل إلّا بأحسن ما نقدرُ عليه فقال له الإمام: (فما تريد)؟ قال: إذن واللَّه لا أدعُك فترادّ القول ثلاث مرّات فلمّا كثر الكلام بينهما قال له الحرّ: إني لم أومر بقتالك إنّما أمرت إلّا أُفارقك حتى أقدمك الكوفة فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة تكون بيني وبينك وسطاً حتى أكتب إلى الأمير عبيداللَّه فلعلّ اللَّه أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بشي‏ءٍ من أمرك، فتياسرَ عن الطريق والحرُّ يسايرُهُ وهو يقول للإمام(ع): إني أذكرّك اللَّه في نفسك فإني أشهدُ لئن قاتلت لتُقْتَلَنّ فقال له الإمام(ع): (أفبالموت تخوّفني وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه):

سأمضي ومابالموت عارٌ على‏ الفتى

إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلما

وواسى الرّجالَ الصّالحين بنفسهِ

وفارق مثبوراً وخالفَ مجرما

فإن عُشتُ لم أندم وإن مِتُّ لم أُلَمْ

كفى بك ذُلاً أن تعيشَ وتُرْغما(١)

ثمّ التفت الإمام الحسين(ع) لأصحابِهِ وقال: (من منكم يعرف الطريق على غير الجادّة فقال الطرمّاح أنا ياابن رسول اللَّه(ص) فقال له الإمام: تقدّم أمام الرّكب فتقدّم وجعل يرتجز ويقول:

____________________

(١) الإرشاد للشيخ المفيد(ره): ص٢٢٢ - ٢٢٤.


ياناقتي لا تذعَري من زجري

واسر بنا قبل طلوعِ الفجرِ

بخيرِ فتيانٍ وخيرِ سفرِ

آلِ رسولِ اللَّهِ آلِ الفخرِ

السادةِ البيضِ الوجوهِ الزُّهَرِ

الضاربينَ بالسيوفِ البترِ

الطاعنينَ بالرِّماحِ السُّمر

يامالكَ النّفعِ معاً والضُّرِ

أيّد حسيناً سيّدي بالنصر

على الطّغاةِ من بقايا الكفرِ

حتى وصلوا كربلاء ونزلوا بها ولسان حال العقيلة زينب:

طلعنة بشملنه امن المدينة

والناس كانوا حاسدينه

وللغاضريه من لفينه

اجتنه العده ودارت علينه

والكاتبتنه اغدرت بينه

وروحي بگت ولهه وحزينه

ناديت ياعزنه وولينه

يحسين سدّر بالضعينه

وشوف الجموع اگبلت لينه

اوما غير قتلك رايدينه

ومن تنقتل ياهو يحمينه

ناداها يختي اوجرت عينه

هيهات نرجع للمدينه

لابد يزينب تشوفينه

فوگ الرّمال امذبّحينه

وتتيسّر عزيزتي سكينه

* * *

نزل وبكربلا خيامه نصبها

ولعد الموت راياته نصبها

عليه امقدّر من اللَّه نصبها

مصارعهم بهل التربه الزكيّه

* * *

ياقوم مااسم الأرض قالوا نينوى

قال اوضحوا عنها بغيرِ خفاءٍ


قالوا تسمّى كربلا فتنفَّسَ الصُّعَدا

وقالَ هُنا حلولُ فناءِ

حطّوا الرّحالَ فذا محطُّ رحالِنا

وهنا تكونُ مصارعُ الشُّهداءِ

وبهذه الأطفالُ تذبحُ والنّسا

تعلوا على قَتَبٍ بغيرِ وطاءِ

وبهذِهِ تتفتّتُ الأكبادُ مِن

حرِّ الظّما وحرارةِ الرَّمضاءِ

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة الرابعة المجلس السابع

حياة مسلم بن عقيل(ع)

حَكَمَ الإلهُ بما جرى في مسلمٍ

واللَّهُ ليسَ لحكمهِ تبديلُ

خذلوهُ وانقلبوا إلى ابنِ سميّةٍ

وعن ابنِ فاطمةٍ يزيدُ بديلُ

آوتهُ طوعةُ مذ أتاها والعِدى

من حولِهِ عدواً عليه تجولُ

فأحسَّ منها إبنُها بدخولها

في البيت أنّ البيتَ فيه دخيلُ

فمضى إلى ابنِ زيادَ يُسرعُ قائلاً

بشرى الأمير فتىً نماهُ عقيلُ

فدعى الدعيُّ جيوشَه فتحزّبت

يقفو على أثرِ القبيلِ قبيلُ

وأتت إليه فغاص في أوساطها

حتّى تفلّلَ عرضُها والطوّلُ

يسطو بصارمه الصّقيلِ كأنّه

بطُلى الأعادي حدُّهُ مصقولُ

حتى هوى بحفيرةٍ صُنَعت له

أهوت عليه أسنّةٌ ونصولُ

فاستخرجوهُ مثخَناً بجراحِهِ

والجسمُ من نزفِ الدّماءِ نحيلُ

سل ما جرى جُمَلاً ودع تفصيلَه

فقليلُهُ لم يُحصِهِ التّفصيلُ

قتلوهُ ثمّ رموهُ من أعلى البِنا

وعلى الثّرى سحبوهُ وهو قتيلُ

ربطوا برجليه الحبالَ ومثَّلوا

فيه فليتَ أصابني التمثيلُ

مذ فاجأ النَّاعي الحسينَ علت على

فقدانِ مسلم رنّةٌ وعويلُ

وله ابنةٌ مسحَ الحسينُ برأسها

واليتمُ مسحُ الرأسِ فيه دليلُ

لمـّا أحسّت يتمَها صرخت ألا

ياوالدي حزني عليك طويلُ

قال الحسينُ أنا زعيمٌ بعدَه

لا تحزني وأبٌ لكِ وكفيلُ


قد مات والدُها فأمّلت البقا

في العمِّ لكن فاتها المأمولُ(١)

لسان حال اليتيمة حميدة بنت مسلم مع الحسين(ع):

يعمي اعله ابويه أرد أنشدك

سولفلي عنّه وآنه عندك

أشوفن خبر منّه مضهدك

مقتول كأنّه وحگ جدّك

لـمّن سمعها جذب ونّه

وگال اِلها جاني الخبر عنّه

مقتول بالكوفه أظنّه

وگطعت الرّجه وأيّست منّه

* * *

____________________

(١) من قصيدة للمرحوم السيّد صالح الحلي، الشهيد مسلم للمقرّم، ص٢١٦.

قال الأديب الخطيب الحاج الشيخ محمد باقر الإيرواني النجفي في ترجمة المرحوم السيد صالح الحلي في كتابه (ديوان شعراء الحسين(ع)):

هو أبو المهدي السيد صالح بن محمد بن حسين الحسني الحسيني الحِلي خطيبٌ شهير، وأديبٌ جري‏ء، وأستاذ متبحّر، ولد في مدينة الحِلّة في العراق عام ١٢٩٠ه، وبعد أن نشأ وترعرع وبلغ الثامنة عشر من العمر هاجر إلى دار العلم - النجف الأشرف - واتّجه لطلب العلم من أهلِهِ وذويه فقرأ المقدّمات على أساتذة أعلام منهم الشيخ عبدالحسين الجواهري والشيخ سعيد الحلّي، ثمّ درس علم الأصول على السيد عدنان السيد شبّر والشيخ علي بن الشيخ باقر الجواهري والشيخ ملّا كاظم الخراساني - صاحب الكفاية - ، وتناول الفقه من فقهاء بارزين منهم الشيخ جواد محيي الدين وغيره، ويقول في مكان آخر من ترجمته:

وقد وصفه العلّامة المرحوم الشيخ محمّد السماوي في كتابه (الطليعة) فاضلٌ مشاركٌ في العلوم شديد العارضة، وخطيبٌ بارعٌ في فنّ الخطابة، ونائحٌ إذا ذكر الحسين(ع) أذاب القلب وأجراه من العين، ومحاضرٌ حسن المحاضرة لطيف المذاكرة جميل المعاشرة وتكفيه فخراً شهادة بعض العباقرة فيه بقوله: انه خطيب العلماء، وعالم الخطباء.

توفّي في النجف الأشرف في ٢٩ شوال ليلة السبت عام ١٣٥٩ه، ودفن في (مقام المهدي) بوادي السلام في النجف الأشرف.


روى الشيخ الصدوق؛ في (الأمالي) عن ابن عباس قال: قال عليٌّ أمير المؤمنين(ع) لرسول اللَّه(ص): يا رسول اللَّه إنّك لتحبّ عقيلاً قال: اي واللَّه إني لأحبُّهُ حبّين حبّاً له وحبّاً لحبِّ أبي طالب له، وإنّ ولَده لمقتولٌ في محبّة ولدك فتدمع عليه عيونُ المؤمنين وتصلّي عليه الملائكة المقرّبون، ثمّ بكى رسول اللَّه(ص) حتّى جرت دموعُهُ على صدره ثمّ قال إلى اللَّهِ أشكو ما تلقى عترتي من بعدي(١) .

السّفير مسلم هو ابن عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلّب الهاشمي، وعقيل والد مسلم علّامة نسّابة كان أنسب قريش وأعلمهم بأيّام الناس وأخبارهم وكان سريع البداهة حاضرَ الجواب، فطناً ذكيّاً يتوقّد فطنةً ويُقطّر حماسة، وكان من الأساتذة المدرّسين لعلوم العرب الرّائجة في ذلك العصر توضع له طنفسة - سجّادة - في مسجد رسول اللَّه(ص) ويستند إلى سارية من سواري المسجد فيجتمع إليه طلّاب هذه العلوم العربيّة فيحملون عنه علمَ النّسب والشعر وأخبار الناس وأيّامها يعني علم التأريخ العربي، ولعقيل يداً في الحديث والفقه والتفسير، وكان مكفوفاً مديدَ القامة مفخراً للأماجد، يقول حسّان بن ثابت الأنصاري في رثاء جعفر الطيّار:

وما زال في الإسلام من آلِ هاشمٍ

دعائمُ عزٍّ لا تُرامُ ومفخرُ

بهاليلُ منهم جعفرٌ وابنُ اُمهِّ

عليٌّ ومنهمُ أحمدُ المتخيَّرُ

وحمزةُ والعبّاسُ منهُمْ ومنهُمُ

عقيلٌ وماءُ العودِ من حيثُ يُعصَرُ(٢)

____________________

(١) آمالي الشيخ الصدوق؛ المجلس السابسع والعشرون: ص١١١ الحديث ٣.

(٢) سفير الحسين للعلّامة الشيخ عبد الواحد المظفّر: ص٥ - ٦.


ويقول المحقّق المقرّم في حقّه: لقد كان عقيلُ بن أبي طالب أحد أغصان الشجرة الطيّبة ومّمن رضي عنهم رسول اللَّه(ص)، فإنّ النظرة الصحيحة في التأريخ تفيدنا اعتناقه الإسلام أوّل الدعوة وكان هذا مجلبةً للحبِّ النبوي حيث اجتمعت فيه شرائط الولاء، من رسوخ الإيمان بجوانحه، وعمل الخير بجوارحه، ولزوم الطاعة في أعماله، واقتفاء الصّدق في أقواله فقول النبيّ(ص): (إنّي أحبّ عقيلاً حبّين حبّاً له وحبّاً لحبّ أبي‏طالب له)، إنّما هو لأجل هاتيك المآثر، اذاً فحسب عقيل من العظمة هذه المكانة الشامخة(١) .

واُمّه أُمّ ولد تسمّى (عُليّة) أصلها من النبط ومن أشرافهم، والنبطُ هم سكّان العراق القدماء(٢) .

ولد مسلم بن عقيل(ع) في دار أبيه المعروفة (بدار عقيل) في المدينة ثمّ صارت بعد ذلك مقبرة لآل أبي طالب وهي في أوّل البقيع، ولم تعرف سنةُ ولادته تحقيقاً(٣) ، نعم لم ينص ولا واحد من المؤرّخين على سنة ميلاده ولكنّ المحقّقين حاولوا معرفة ذلك - ولو تقريباً - فكانت النتيجة هي انّ عمر الشهيد مسلم حين بعثه الإمام الحسين(ع) سفيراً له إلى أهل الكوفة قد تجاوز الخمسين عاماً.

يقول المحقّق المرحوم السيد عبدالرزاق الموسوي المقرّم:

____________________

(١) الشهيد مسلم للعلّامة المرحوم السيّد عبدالرزاق المقرّم: ص٢٥.

(٢) سفير الحسين: ص٧.

(٣) سفير الحسين: ص١٢.


جعل الإمام أمير المؤمنين(ع) على ميمنةِ جيشهِ في صفّين الإمامين الحسن والحسين وعبداللَّه بن جعفر ومسلم بن عقيل ومن المعلوم أنّ مَن يجعله أمير المؤمنين(ع) في صفّ الحسن والحسين(ع) البالغين نحواً من خمس وثلاثين سنة لابُدّ وأن يقاربَهم في السّن، وحينئذٍ لا أقل أن يقدّر عمر مسلم ابن عقيل بالثلاثين وتكون ولادته سنة سبع أو تسع للهجرة وله يوم شهادته أكثر من خمسين سنة(١) . ويقول أيضاً: وإذا أخذنا بنصّ الواقدي كانت المسافة أبعد قال: لما دخل المسلمون مدينة (البهنسا)(٢) بعد حصارٍ طويل دخل مسلم بن عقيل في جملة الهاشميين وهو يقول:

ضناني الحربُ والسهرُ الطّويلُ

وأقلقني التسهّدُ والعويلُ

فواثارات جعفر مع عليٍّ

وما أبدى جوابُكَ ياعقيلُ

سأقتلُ بالمهنّد كلَّ كلبٍ

عسى في الحربِ أن يَشفى الغليلُ

وكان فتح البهنسا أيام عمر بن الخطّاب، فإنّ من يخرج في صفّ المجاهدين أيام ابن الخطّاب لابُدّ وأن يبلغ على الأقل عشرين سنة وحينئذٍ تكون ولادته في أوائل الهجرة.

وأما وصفه فقد قال الفاضل الدربندي في (أسرار الشهادة): بنفسي شجاعاً.

____________________

(١) الشهيد مسلم بن عقيل: ص٥٠ - ٥٢.

(٢) قال الحموي في (معجم البلدان) البَهْنَسا: مدينة بمصر من الصعيد الأدنى غربي النيل.


ويقول الصّديق في شأنه: أرسلَ الحسين(ع) مسلم ابن عقيل إلى الكوفة وكان مثلَ الأسد، ولقد كان من قوّته أنّه يأخذ الرجل بيده فيرمي به فوق البيت، ويقول العدوُّ في حقّه(١) : ياابن زياد أتظنّ أنّك بعثتني إلى بقّالٍ من بقاقلةِ الكوفة أو جرمقان(٢) من جرامقةِ الحيرة، ألم تعلم أنّك بعثتني إلى أسدٍ ضرغام وسيفٍ حسام في كفِّ بطلٍ همام من آل خير الأنام، وقال الزركلي في الأعلام: مسلمُ بن عقيل المقتول سنة ٦٠ه الموافق سنة ٦٨٠م تابعي من ذوي الرأي والعلم والشجاعة.

هذا هو إذن مسلم بن عقيل سفير الإمام الحسين(ع) إلى أهل الكوفة. الفقيه، والمجاهد، والشجاع، والثابت على المبدأ الحقّ، قال الشاعر في حقّه:

تصفّحتُ أخبارَ السّفارةِ لم أجد

سفيراً يداني مسلمَ بن عقيلِ

أرى ذكرَهُ حيّاً وإن غابَ شخصُهُ

لدى كلِّ دورٍ في الحياةِ وجيلِ

فتىً ينتقيه السبطُ سبطُ محمّدٍ

متى تسمحُ الدّنيا له بمثيلِ(٣)

فعلى مثلِ مسلم فليبكِ الباكون ويضجّ الضاجّون كيف لا وقد بكى عليه الرسول الأعظم(ص) قبل أن يقتل وعدّ البكاءَ عليه من علائم الإيمان كما في الحديث الّذي صدّرنا به هذا المجلس حيث قال أمير المؤمنين(ع) لرسول اللَّه(ص):

____________________

(١) هذه الكلمة قالها محمّد بن‏الأشعث قائدالجيش الذي قاتل مسلم بن عقيل(ع). الشهيد مسلم: ص١٦٥.

(٢) جرامقةُ الشام: أنباطُها، واحدهم جُرْمُقاني. (لسان العرب)

(٣) سفير الحسين للشيخ عبد الواحد المظفّر، وأبيات الشعر له(ره).


(أتحبُّ عقيلاً؟ قال: اي واللَّه أحبّه حبّين حبّاً له وحبّاً لحبّ أبي طالبٍ له وإنّ ولده -أي مسلم لمقتولٌ في محبّة ولدك - أي الحسين(ع) - تدمع عليه عيون المؤمنين وتصلّي عليه الملائكة المقرّبون) ثمّ بكى رسول اللَّه وقال: (إلى اللَّه أشكو ما تلقى عترتي من بعدي)، وهذا النصّ كافٍ في رجحان البكاء عليه، فإنَّ إخبار النبي(ص) عن بكاء المؤمنين وارد لبيان كون البُكاء محبوباً للرسول حيث رتّب البُكاء على شهادة مسلم النّاتجة عن محبّة الإمام الحسين(ع)، ثمّ قرن النبيّ(ص) البُكاء على مسلم بصلاةِ الملائكة المقرّبين، وهل يصحّ القول بأنّ صلاةَ الملائكة عليه غير محبوبة للَّه سبحانه، فإذاً بكاء المؤمنين وصلاة الملائكة على مسلم بن عقيل المترتبان على شهادته ممّا يرغب فيه الرّسول وهو محبوبٌ للَّه سبحانه(١) .

فعلى مثل مسلم فليبكِ المؤمنون كما بكى رسول اللَّه(ص)، فإنّه(ع) قُتل غريباً، وقُتل وحيداً، وقُتل عطشاناً وذلك عند ما جي‏ء به إلى قصر الإمارة فرأى على باب القصر قُلّةً(٢) مبرّدة فقال: اسقوني من هذا الماء فقال له مسلمُ بن عمرو الباهلي: لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنّم قال مسلم(ع): من أنت؟ قال: أنا مَن عرف الحقّ إذ أنكرتَهُ ونصحَ لإمامِهِ اذ غششتَهُ فقال له ابن عقيل: لاُمِّك الثُّكل ما أقساك وأفظّك!! أنت ياابن باهله أولى بالحميم ثمّ جلس وتساند إلى حائط القصر، فبعث عمارة ابن عقبة بن أبي معيط غلاماً له يدعى قيساً فأتاه بالماء وكلّما أراد

____________________

(١) الشهيد مسلم: ص١٩٣.

(٢) القُلّة: الجرّة أو الكوز.


مسلم(ع) أن يشرب امتلأ القدح دماً وهكذا الثانية وفي الثالثة ذهب ليشرب فامتلأ القدح دماً وسقطت فيه ثناياه(١) فتركه وقال: لو كان من الرزق المقسوم لشربتُهُ.

وخرج غلام ابن زياد فأدخله عليه فلم يسلّم فقال له الحرسي: ألا تسلّم على الأمير؟ قال له: اسكت إنّه ليس بأمير فقال ابن زياد: سلّمت أو لم تسلّم إنّك مقتول فقال مسلم: إن قتلتني فلقد قَتل من هو شرٌّ منك من هو خيرٌ منّي وبعد فإنّك لا تدع سوءَ القتلة ولا قُبح المـُثلة وخبثَ السَّريرة ولؤمَ الغلبة لأحدٍ أولى بها منك فقال ابن زياد: لقد خرجت على إمامك وشققت عصا المسلمين وألقحت الفتنة قال مسلم: كذبت إنّما شقّ العصا معاوية وابنُه يزيد، والفتنة ألقحها أبوك، وأنا أرجو أن يرزقني اللَّهُ الشهادة على يد شرّ بريّته، ودار بينهما كلام مثل ما تقدّم حتى أمر ابن زياد رجلاً شاميّاً أن يصعد بمسلم(ع) إلى أعلا القصر ويضرب عنقه ويرمي رأسَهُ وجَسدَهُ إلى الأرض، وفعلاً أصعَدهُ إلى أعلا القصر وهو يسبّح اللَّه ويهلّلُهُ ويكبّر ويقول: اللّهمَّ احكم بيننا وبين قومٍ غرّونا وخذلونا وكذّبونا، وتوجّه نحو المدينة وسلّم على الحسين(ع)(٢) .

صعدوا بمسلم والدّمع يجري من العين

اتوجّه بوجه للحجاز يخاطب حسين

____________________

(١) الثّنايا: هي أسنان مقدّم الفم.

(٢) الشهيد مسلم: ص١٨٦ - ١٨٨.


يحسين انا مقتول ردّوا لا تجوني

خانوا هل الكوفه عگب ما بايعوني

وللفاجر ابن زياد كلهم سلّموني

محزون ونتو ياهلي عنّي بعيدين

* * *

ياليت هل الدّم الذي يجري على الگاع

مسفوح بين ايديك يامكسور الضلاع

يحسين منّك ما حضيت بساعة وداع

بيني وبينك ياحبيبي فرّگ البين

وأشرف به الشامي على موضع الحذّائين وضرب عنقَهُ ورمى برأسه وجسدهِ إلى الأرض، وامسلماه، واسيّداه، واشهيداه، واغريباه.

المگدّر جره وشاعت أخباره

رموه الگوم من قصر الإماره

وهاني انقتل بعده وبگت داره

مظلمة ولا بعد واحد يصلها

* * *

مصيبتهم مصيبه تصدع الأجبال

ومن گبل المشيب تشيب الأطفال

شفت ميّت يجرّونه بالحبال

يصاحب لا تظن صارت مثلها

* * *

عگب هذااطلعت مذحج امن الدّور

وشگت لعد هاني ومسلم گبور

بس جثة حسين بيوم عاشور

ظلّت بالشمس والدم غسِلْها

* * *


ياسائلاً وشظايا القلب في شجن

هل جهَّزوا لقتيلٍ مات ممتَحنِ

أجبتُهُ بفوُادٍ خافقٍ وَهِنِ

ما غسَّلوهُ ولا لَفَّوه في كفنِ

يوم الطفوف ولا مدُّوا عليه ردا

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة الرابعة المجلس الثامن

مسلم سفيرُ الإمام الحسين(ع)

بكتكَ دماً يابنَ عمِّ الحسين

مدامعُ شيعتِكَ السّافحة

ولا برحت هاطلاتُ العيون

تحييكَ غاديةً رائحة

لأنّكَ لم تَروَ من شربةٍ

ثناياك فيها غدت طائحة

رموكَ من القصر إذ أوثقوك

فهل سَلِمَتْ فيك من جارحة

وسحباً تُجَرُّ بأسواقِهِم

ألستَ أميرَهُمُ البارحة

أتقضي ولم تبككَ الباكيات

أما لكَ في المصر من نائحة

لئن تقضي نحباً فكم في زرود

عليك العشيّةَ من صائحة

وكم طفلةٍ لك قد أعولت

وجمرتُها في الحشا قادحة

يعزّزها السبطُ في حجرِهِ

لتغدوَ في قربِهِ فارحة

فأوجعها قلبُها لوعةً

وحسّت بنكبتها القارحة

تقولُ مضى عمُّ مني أبي

فمن ليتيمتِهِ النّائحة(١)

____________________

(١) الأبيات السبعة الاُولى من هذه القصيدة للمرحوم السيد باقر الهندي، والأبيات الأربعة الأخيرة للمرحوم الشيخ قاسم الملّا الحِلي. الشهيد مسلم: ص٢٠٩.

قال السيد جواد شبر في (أدب الطف) الجزء الثامن ص٢٢٤:

السيد باقر ابن السيد محمّد ابن السيد هاشم الهندي الموسوي النجفي، عالمٌ فاضلٌ، وأديبٌ شاعر ظريف لطيف حسن الأخلاق حلو المعاشرة له مراثي كثيرة في أهل البيت: لا زالت تُقرأ وتعاد في مجالس العزاء، ويحفظها الجم الكثير من رواد المجالس حتى العوام، وسمعت من علماء النجف الأشرف أنه كان إذا حدّث لا يملّ حديثه، وينظم الشعر باللغتين الفصحى والدارجة.


____________________

ولد في النجف الأشرف سنة ١٢٨٤ه ونشأ بها، وفي عام ١٢٩٨ه سافر بصحبة والدهِ إلى سامراء لتلقي العلم من الإمام الشيرازي ثمّ رجع مع أبيه سنة ١٣١١ه وعندما حلّ بسامراء أخذ الفقه والأصول من بعض الأساتذة هناك.

كان شديد الولاء لأهل البيت: عظيم التعلّق بمودّتهم، وقال يمدح الإمام أمير المؤمنين٧ من رائعة تتكون من ٩٠ بيتاً مطلعُها:

ليس يدري بكنه ذاتِكَ ما هو

يابن عمِّ النبيِّ إلا اللَّهُ

إلى أن يقول:

قلت للقائلين في أنك اللَّهُ

أفيقوا فاللَّهُ قد سوّاهُ

هو مشكاة نورِهِ والتجلّي

سرُّ قدسٍ جهلتُمُ معناهُ

قد براهُ من نوره قبل خلقِ ال

خلقِ طُرّاً وباسمِهِ سمّاهُ

وحباهُ بكلِّ فضلٍ عظيم

وبمقدارِ ما حباهُ ابتلاه

مرض في أواخر شهر ذي الحجّة الحرام من سنة ١٣٢٨ه، وانتقل إلى جوار ربّه في أول يوم من المحرّم من سنة ١٣٢٩ه ودفن بجوار والدِهِ في دارهم في النجف الأشرف.

ورثاه شقيقهُ العلامة الكبير شيخ الأدب السيّد رضا الهندي بقصيدةٍ أوّلها:

ما كان ضرَّ طوارقَ الحدثانِ

لو كان قبلكَ سهمُهُنَّ رماني

ياليت أخطاك الرّدى أو أنّه

لما أصابك لم يكن أخطاني

* * *

الشيخ قاسم الملا :

قال الشيخ محمد علي اليعقوبي في ج٤ من كتابه (البابليّات):

ولد في الحلة سنة ١٢٩٠ه كما أخبرني هو بذلك، وهو ثاني أنجال الشيخ محمّد الملّا، ولم يقم بعده من أولاده الأربع من ينوب عنه في الحِلة أدباً وخطابة سوى صاحب الترجمة فقد كان أشدّهم ملازمة له، وأوفرهم حظوةً لديه.


من اجت عد عمها حميده

گعدت تون ونّه شديده

تگله يعمي ابوي أريده

أشو سفرته صارت بعيده

يگلها وبگه يصفگ بإيده

بالكوفه أبيّك بگه وحيده

وأهل الغدر گطعوا وريده

صاحت وتجري الدّمع عل خد

يتيمة صرت اللَّه ولحّد

* * *

من كتابٍ لإمامِنا الحسين(ع) بعثه إلى أهلِ الكوفة: (إني باعثٌ إِليكم أخي وابنَ عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلمَ بنَ عقيل)(١) .

بعد أن عرفت في المجلس السابق نسب الشهيد مسلم، ومكانتَهُ، وفضلَهُ وجهادَهُ تعال معي في هذا المجلس لنقف على قصّةِ إرساله من قبل الإمام الحسين(ع) سفيراً له لأهل الكوفة. لنأخذ الدروس والعِبر من هذا السّفير الحسيني، والمجاهد العقيلي. وننتفع من تفانيه في سبيل المبدأ والعقيدة.

قال الشيخ المفيد في (الإرشاد): ودعى الإمام الحسين(ع) مسلمَ بن عقيل فسرّحَهُ مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبداللَّه السلولي

____________________

وقال السيد جواد شبر في (أدب الطف): الشيخ قاسم من خطباء الحلة ناظماً وناثراً وخطيباً محقّقاً له شهرته الخطابيّة، عاش ٨٤ سنة حيث ودّع الحياة ليلة الأربعاء رابع ربيع الثاني سنة ١٣٧٤ه، وحمل إلى النجف بموكبٍ من الحليين، ودفن بوادي السلام، وأقيمت له الفواتح، ورثي بكثير من القصائد.

(١) الإرشاد للشيخ المفيد: ص٢٠٤.


وعبد اللَّه وعبد الرّحمن ابني شدّاد الأرحبي وأمره بالتقوى، وكتمان أمره، واللطف، فإن رأى النّاس مجتمعين مستوسقين عجّل إليه بذلك.

فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلّى في مسجد رسول اللَّه(ص) وودّع من أحبّ من أهلِهِ واستأجرَ دليلين من قيس فأقبلا به يتنكبان الطريق فضلّا وأصابهما عطشٌ شديد فعجزا عن السّير فأومئا له إلى سنن الطريق بعد أن لاح لهما ذلك فسلك مسلم ذلك فنجا ومات الدليلان عطشاً. فكتب مسلم ابن عقيل من الموضع المعروف (بالمضيق) مع قيس ابن مسهر الصيداوي إلى الإمام الحسين(ع): أما بعد فإني أقبلتُ من المدينة مع دليلين فضلّا واشتدّ عليهما العطش فلم يلبثا أن ماتا فلم ننجُ إلّا بحشاشةِ أنفسِنا وذلك الماء بمكانٍ يُدعى المضيق من بطن الخبت وقد تطيّرت(١) من توجّهي هذا فإن رأيت أعفيتني وبعثت غيري والسلام.

والطيرةُ عادةٌ جاهليّة نهى عنها الإسلام. وملخّصها هو أن العربي إذا أراد سفراً يطلق طيراً في الهواء فإذا سار من اليمين إلى اليسار سُمّي البارح، وإذا سار من اليسار إلى اليمين سُمّي السّانح، وأهل الحجاز يتشاءمون بالسانح، وأهل نجد يتشاءمون بالبارح، وكانت العرب تتشاءم برؤية الأعور أو الشاة ذات القرن الواحد وما شابه ذلك، فعندما جاء الإسلام حارب هذه العادة أشدّ المحاربة حتى جاء في الحديث: (مَن أرجعتهُ الطِيرةُ عن حاجةٍ فقد أشرك) أو الحديث: (فإذا تطيّرت فامض)(٢) ، ولم يحكِ اللَّه تعالى التطيّر إلا عن أعداء الرّسل:

____________________

(١) قال الفيومي في (المصباح المنير): الطِيَرة وزن عِنَبة وهي التشاؤم. انتهى.

(٢) الشهيد مسلم للمحقّق المقرّم: ص٨٥.


( إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَي’َمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ) (١) .

وإلى هذه العادة أشار الكميت الأسدي في إحدى روائعه الخالدة:

ولا أنا ممّن يزجُرُ الطيرُ همَّهُ

أصاح غرابٌ أم تعرّض ثعلبُ

ولا السّانحاتُ البارحاتُ عشيّةً

أمرَّ سليمُ القرن أم مرَّ أعضَبُ(٢)

قال السيد المقرّم: لقّد تجلّى ممّا ذكرناه من رفع الطيرة في الشريعة الافتراء على مسلم بن عقيل في كتابه إلى الحسين(ع): إني تطيّرت من وجهتي هذه فإن رأيت أن تعفيني وتبعث غيري، فيكتب إليه الإمام: (أما بعد فقد خشيت ألا يكون الذي حملك على هذا إلّا الجبن فامض لوجهك الذي وجّهتك له)، فإنّ المتأمّل في صك الولاية الذي كتبه سيّد الشهداء لمسلم بن عقيل لا يفوته الإذعان بما يحملُهُ من الثبات والطمأنينة ورباطة الجأش إنّه لا يهاب الموت، فتلك الجملة التي جاء بها الرواة وسجّلها ابن جرير للحطِّ من مقام ابن عقيل الرفيع جاءت متفكّكة الأطراف واضحة الخلل كيف وأهل البيت ومن استضاء بأنوار تعاليمهم لا يعبأون بالطيرة ولا يقيمون لها وزناً، وليس العجب من ابن جرير إذ سجّلها ليشوّه بها مقام شهيد الكوفة كما هي

____________________

(١) سورة يس: ١٨ - ١٩.

(٢) يزجرُ الطير: أي ينهى، وسليم القرن: الذي له قرنان سالمان، والأعضب هو مكسور القرن.


عادته في رجالات هذا البيت ولكنّ العجب كيف خفيت على بعض أهل النظر والتدقيق(١) .

ثمّ أقبل مسلم(ع) حتى دخل الكوفة فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة، وأقبلت الشيعة تختلف إليه فكلّما اجتمع إليه منهم جماعة قرأ عليهم كتاب الحسين(ع) وهم يبكون حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألفاً، فكتب مسلم إلى الإمام الحسين(ع) يخبره بذلك ويقول: أما بعد فإنّ الرّائدَ لا يَكْذِبُ أهلَهُ وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً فإذا وصلك كتابي هذا فالعجل العجل والسلام، وكان هذا الكتاب قبل مقتل مسلم بسبعٍ وعشرين يوماً(٢) .

ثمّ وصلت أخبار مسلم بن عقيل إلى والي الكوفة آنذاك وهو النعمان ابن بشير الذي كان والياً على الكوفة أيّام معاوية فأقرّه يزيد عليها فصعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه ثمّ قال: أما بعد فاتّقوا اللَّه عباد اللَّه ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة فإنّ فيها تهلك الرّجال وتسفك الدماء، وتغصب الأموال وإنّي لا أقاتلُ مَن لا يقاتلني، ولا أتحرّش بكم، ولا آخذُ بالظّنةِ ولا التّهمة ولكنّكم إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم فواللَّهِ الذي لا إِلهَ غيرُهُ لأضربنّكم بسيفي ما ثبت قائمُهُ بيدي... إلى آخر كلامه.

فقام إليه عبداللَّه بن مسلم بن ربيعة الحضرمي حليف بني أمية فقال له: إِنّه لا يُصلح ما ترى أيّها الأمير إلا الغشم، وإِنّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين

____________________

(١) الشهيد مسلم للمحقّق المقرّم: ص٩٧ - ٩٨.

(٢) المصدر السابق: ص١٠٥ عن تاريخ الطبري.


عدوّك رأي المستضعفين. فقال له النعمان: لأن أكون من المستضعفين في طاعةِ اللَّه أحبّ إليّ من أن أكون من الأعزّين في معصية اللَّه ثمّ نزل، وخرج عبداللَّه بن مسلم وكتب إلى يزيد كتاباً قال فيه: أما بعد فإنّ مسلمَ بن عقيل قد قدمَ الكوفة وبايعتهُ الشيعة للحسين بن علي بن أبي طالب فإن يكن لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قويّاً ينفّذ أمرك ويعمل مثلَ عملك في عدوّك فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعّف، ثمّ كتب إليه عمارةُ بن عقبة وعمر بن سعد بن أبي وقاص مثلَ ذلك، فلمّا وصلت الكتب إلى يزيد دعى سرجون مولى معاوية فقال له: ما رأيك إِنّ حسيناً قد أنفذ إلى الكوفة مسلمَ بن عقيل يبايع له وقد بلغني عن النعمان ضعفٌ وقول سيّ‏ء فمَن ترى أن أستعمل على الكوفة فقال له سرجون: أرأيت لو يشير لك معاوية حيّاً ما كنت أخذت برأيه؟ قال: بلى فأخرج سرجون كتاباً كتبه معاوية في حياته ولّى فيه عبيداللَّه بن زياد الكوفة، فقال سرجون ليزيد: ضمّ المصرين - الكوفة والبصرة - إلى عبيداللَّه فقال يزيد: أفعل ذلك وفعلاً كتب من ساعته كتاباً ولّى عبيداللَّه بن زياد الكوفة أيضاً وهذا نصّ الكتاب:

أما بعد، فإنه كتب إليّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أنّ ابنَ عقيل فيها يجمع الجموع ليشقّ عصا المسلمين، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي الكوفة فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة حتى تقتله أو تنفيه والسلام، فلمّا وصله الكتاب أمر عبيداللَّه بن زياد بالتجهّز بسرعة وخرج من البصرة بعد أن خلّف أخاه عثمان على البصرة وأقبل يسير ومعه شريك ابن عبداللَّه الأعور الحارثي الهمداني البصري وحشمُه وأهلُ بيته حتى دخل الكوفة


وعليه عمامة سوداء وهو متلثّم والناس قد بلغهم إقبال الحسين(ع) إليهم فهم ينتظرون قدومَه فظنّوا حين رأوا عبيداللَّه أنه الحسين(ع) فأخذ لا يمرّ على جماعةٍ من الناس إلّا سلّموا عليه وقالوا: مرحباً بك ياابن رسول اللَّه قدمتَ خيرَ مقدم فرأى من تباشرهم بالحسين(ع) ما ساءه فقال مسلم بن عمرو الباهلي - لما أكثروا في ذلك - تأخرّوا هذا الأمير عبيداللَّه بن زياد، وسار حتى وافي القصر بالليل ومعه جماعة قد التفّوا به لا يشكّون أنه الحسين(ع). فأغلق النعمان بن بشير والي الكوفة عليه الباب وعلى خاصّته ثمّ أخرج رأسَهُ وهو يظن الحسين بالباب فقال: أنشدك باللَّه إلّا تنحيّت واللَّه ما أنا بمسلِّمٍ إِليكَ أمانتي ومالي إلى قتالك من حاجة، فقال عبيداللَّه له: افتح لا فتحت فقد طال ليلُك فقالوا: هذا ابن مرجانة والذي لا إِله غيرُه ففتح له النعمان ودخل القصر فلمّا أصبح نادى في الناس الصلاة جامعة فاجتمع الناس فخرج وحمد اللَّه وأثنى عليه ثمّ قال: أما بعد فإنّ أمير المؤمنين يزيد ولّاني مصركم وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم كالوالد البَر وسوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف عهدي، ثمّ أخذ الناس أخذاً شديداً.

فلمّا سمع مسلم بن عقيل(ع) مجي‏ء عبيداللَّه إلى الكوفة ومقالته التي قالها خرج من دار المختار حتى انتهى إلى دار هاني بن عروة فدخلها، وأخذت الشيعة تأتي إليه في دار هاني على تستّر واستخفاء من عبيداللَّه بن زياد(١) .

____________________

(١) الإرشاد للشيخ المفيد: ص٢٠٦ - ٢٠٧.


وفي بيت الزّعيم المجاهد هاني بن عروة وقعت حادثة مهمّة سيبقى التأريخ يذكرها بفمٍ عاطر وهي: أن شريك بن عبداللَّه الحارثي جاء مع ابن‏زياد من البصرة إلى الكوفة ونزل دار هاني بن عروة، فعندما جاء مسلم(ع) ونزل معه قال شريك لمسلم (وكان شريك مريضاً آنذاك): سيأتيني ابن زياد عائداً فخذ السيف وادخل المخدع فإذا استقرّ به الجلوس اخرج إليه واقتله، والعلامة بيني وبينك هي أن أَرفع عمامتي وأضعها على الأرض. وفعلاً قام مسلم(ع) ودخل وحضر ابن زياد فعندما استقرّ به الجلوس أخذ شريك عمامته من على رأسه ووضعها على الأرض ثمّ وضعها على رأسه فعل ذلك مراراً ومسلم لم يخرج فنادى بصوتٍ عال يُسمع مسلماً:

ما الانتظارُ بسلمى لا تحيُّوها

حيُّوا سليمى وحيُّوا من يُحيِّيها

هل شربة عذبة أُسقى على ظمأٍ

ولو تلفتُ وكانت منيتي فيها

فلو أحسَّت سليمى منك داهيةً

فلستَ تأمَنُ يوماً من دواهيها

وما زال يكرّرها ثمّ صاح بصوتٍ رفيع اسقونيها ولو كان فيها حتفي، فالتفت عبيداللَّه إلى هاني وقال: ابن عمّك يخلط في علّته فقال هاني: إنّ شريكاً يهجر منذ وقع في علّته وإنه يتكلّم بما لا يعلم، فلمّا ذهب ابن زياد وخرج مسلم قال له شريك: ما منعك من قتله؟ قال: منعني شيئان:

الأول: حديث سمعته عن عمّي أمير المؤمنين(ع) عن رسول اللَّه(ص): (إنّ الإيمانَ قيدُ الفتك فلا يفتك مؤمن).

والثاني: منعتني امرأةُ هاني وأقسمت عليّ باللَّه أن لا أفعل هذا في


دارها وبكت في وجهي فقال هاني: ياويلها قتلتني وقتلت نفسها والذي فرّت منه وقعت فيه(١) .

ولكنّ السبب المخفي في عدم فتك مسلم بابن زياد هو أنّ مسلم(ع) كان سفيراً للإمام الحسين(ع) وهذا اللون من القتل - ولو لعدوٍّ فاجرٍ فاسق - لا يناسب المنصب الذي شرّفه به الإمام(ع) يقول السيد المقرّم في ذلك:

فمسلم(ع) كبقيّة رجالات أهل هذا البيت الرّفيع أراد بفعله هذا وبقيّة أعماله أن يفيض على الأمّة دروساً أخلاقية لا تعدوه الأمة في التجنّب عن رذيلة الفتك والغدر فتستفيد به كما استفادت من كلّ فرد من شهداء الطفّ إباء ونخوة وحمية(٢) .

و لما خفي على ابن زياد مكان مسلم بن عقيل دعا رجلاً اسمه (معقل) وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وأمره أن يلقى الشيعة ويعرّفهم إنه من أهل الشام وقد أنعم اللَّه عليه بحبّ أهل البيت، وبلغه قدوم رجلٍ منهم يدعو للإمام الحسين وعنده مال يريد أن يوصله إليه.

وفعلاً جاء (معقل) ودخل الجامع الأعظم ورأى مسلمَ بن عوسجة الأسدي يصلّي وسمع الناس يقولون هذا يبايع للحسين اجتمع به وأوقفه على ما عنده فدعا له مسلم بن عوسجة بالخير والتوفيق وأخذ منه البيعة والمواثيق على الكتمان حتى لا يصل الخبر لابن زياد ثمّ أدخله على مسلم ابن عقيل في دار هاني بن عروة وسلّم المال إلى أبي ثمامة الصّائدي وكان

____________________

(١) الشهيد مسلم للمحقّق المقرّم: ص١٣٨ - ١٣٩.

(٢) المصدر السابق: ص١٤١.


قد عيّنه مسلم لقبض الأموال ليشتري بها السّلاح، فبقي معقل يراقبهم وينقل الأخبار إلى ابن زياد عند المساء. و لما عرف ابن زياد ان مسلم مختبئ في دار هاني دعا أسماء بن خارجة ومحمّد بن الأشعث وعمرو بن الحجاج الزبيدي وسألهم عن سبب انقطاع هاني بن عروة عنه فقالوا: المرض يمنعُهُ فلم يقتنع ابن زياد فركب هؤلاء الثلاثة وسألوه المصير إلى ابن زياد وألحّوا عليه فجاء معهم و لما دخل على ابن زياد قال:

(أتتك بخائنٍ رجلاه) والتفت إلى شريح القاضي وقال:

أريدُ حباءَه ويريدُ قتلي

عذيرك من خليلك من مرادِ

ثمّ التفت إلى هاني قائلاً: أتيتَ بابن عقيل إلى دارك وجمعت له السلاح فأنكر هاني ذلك فلمّا كثر الجدال دعا ابن زياد ذلك الجاسوس (معقل) ففهم هاني أنّ الخبر أتاه من جهتِهِ فقال هاني: لم أدعه إلى منزلي وإنّما استجار بي وإذا أذنت لي أخرجته من داري فأبى ابن زياد أن يطلق سراحه إلّا أن يأتيه بمسلم، هنا صرّح هاني ابن عروة بعقيدته فقال: إنّ مسلم بن عقيل أحقُّ منك بالأمر وأنا سأقوم بحمايتك مع أهل بيتك حتى تخرجوا إلى الشام سالمين لأنّ مسلم أولى بالقيام على أمرِ الأمّة وإدارة شؤونها، فغضب ابن زياد من كلام هاني وألحّ عليه بالإتيان بابن عقيل فأفهمه هاني بأنّ هذا محالٌ عليه ويأباه دينه وعقيدته وقال: لو كان ابن‏عقيل تحت قدمي لما رفعتهما عنه، فأغلظ له ابن زياد في القول وتهدّده بالقتل فتعجّب هاني من جرأته وهو واحد ويتبع ابن عروة ثلاثون ألفاً


من الرجال الأشداء فاستدناه ابن زياد وضرَبه على وجهِهِ حتى كسر أنفَهُ ونثرَ لحمَ خدّيه وجبينه وسال الدم على لحيته وهاني يستغيث فلا يُغاث ثمّ أمر به ابن زياد إلى الحبس(١) وعندما علم مسلم بن عقيل(ع) بذلك عجّل الخروج لعلّه يستطيع أن ينقذ حياة هاني بن عروة. فنادى المنادي بكلمة السر وهي (يامنصورُ أمِتْ)(٢) فخرج الكوفيّون وأحاطوا بقصر الإمارة وضاق الخناق على ابن زياد فلم يكن أمامَه من حيلة سوى إرعاب الناس بالقتل وترغيبهم بالمال، وفعلاً نزل جماعة من أعوان الشيطان منهم محمّد بن الأشعث وحجّار بن أبجر وشمر بن ذي الجوشن يمنّونهم العطاء مع الطّاعة، ويهدّدونهم بجند الشام الموهوم، ثمّ أشرف على الناس من أعلى القصر كثير بن شهاب حين كادت الشمس أن تغرب وقال: أيّها الناس الحقوا بأهاليكم لا تعجلوا الشرّ ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت وقد أعطى الأمير عهداً لئن بقيتم على حربكم ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريّتكم العطاء ويفرّق مقاتلتكم في مغازي الشام، وأن يأخذ البري‏ء بالسقيم والغائب بالشاهد حتى لا يبقى فيكم بقيّة من أهل المعصية إلّا ذاق وبالَ ما جنت يدُهُ، وأمثال هذه الكلمات والألفاظ.

فأخذ الأخ يخذّل أخاه، والمرأة تتعلّق بزوجها حتى يرجع، والآباء يمنعون أبناءهم عن الجهاد ويحبّذون لهم العافية فتفرّق ذلك الجمع عن مسلم(ع) حتى لم يبق

____________________

(١) الشهيد مسلم للمحقّق المقرّم: ص١٥٠ - ١٥٢ بتصرّف.

(٢) منصور هو اسم رئيس الملائكة الذين نزلوا لنصرة النبي(ص) يوم بدر، وكان شعار المسلمين آنذاك يامنصور أمت. (من الحاشية)


معه إلّا ثلثمائة رجل، صلّى العشاء في المسجد ومعه ثلاثون رجلاً(١) وخرج(ع) من المسجد وغاب في أزقة الكوفة لا يدري أين وكيف سينتهي به الحال حتى وصل إلى باب دار وامرأة واقفة سلّم عليها وطلب منها الماء فسقته فجلس على الباب قالت له: ألم تشرب الماء؟ قال: بلى. قالت: فاذهب إلى أهلك بارك اللَّه فيك فسكت فأعادت عليه مثل ذلك فسكت فقالت له: سبحان اللَّه ياعبد اللَّه قم عافاك اللَّه إلى أهلك لا يصلح لك الجلوس على باب داري ولا أحلّهُ لك فقام وقال: ياأمة اللَّه مالي في هذا المصر أهلٌ ولا عشيرة فهل لكِ في أجرٍ ومعروف ولعلّي مكافيك بعد اليوم قالت: ياعبد اللَّه وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل كذّبني هؤلاء القوم وغرّوني قالت: أنت مسلم؟ قال: نعم. قالت: ادخل فدخل دارها:

اجت ليه العفيفة واسگته الماي

وگالت گوم شنهي گعدتك هاي

لا تگعد يروحي وماي عيناي

گوم وروح لهلك چاهلك وين

* * *

ون ونه يتگطّع منها الفواد

يهل حرّه هلي ما هم بالبلاد

غريب الدّار وهلي عنّي بعاد

وين أهلي هلي ما هم قريبين

* * *

نادت يابعد عگلي والأنفاس

كأنك هاشمي مومن عرض ناس

هله وكل الهله عل عين والراس

إِلك منزل يمسلم بين هل عين

____________________

(١) الشهيد مسلم: ص١٥٥ - ١٥٦.


أنا مسلم وعندك ضيف هليل

فرحت طوعة ومنها الدّمع هليل

على رحب وسعة والوجه هلّل

بسرور تفضّل ومنّه عليّه

دخل دارها أفردت له حجرة عرضت عليه الطعام فلم يأكل، فما زال صافّاً قدميه للصلاة حتى عاد ولدها بلال رآها تكثر الدخول والخروج فسألها فقالت بني إِلهُ عن هذا ألحّ عليها قالت فلا تخبر أحداً من الناس بشي‏ءٍ ممّا أخبرك به؟ قال: نعم أخذت عليه الأيمان فحلف لها فأخبرته ولكن ما أصبح الصباح حتى ذهب إلى ابن زياد وأخبره الخبر. أما مسلم(ع) عندما جاءته طوعة ورأت الطعام على حاله قالت: سيدي ما أراك أكلت قليلاً ولا نمت قليلاً قال: بلى هوّمت عيناي فرأيت عمّي أمير المؤمنين في الرؤيا وهو يقول: ولدي مسلم إنك عن قريب صائرٌ إلينا فبينا هي تحادثه وإذا بوقع الخيل وإذا هو محمّد بن الأشعث ومعه خمسمائة فارس فقام مسلم وشدّ وسطه بمنطقه وحمل سيفه وتدرّع بدرعه وخرج إلى القوم وهو يرتجز:

أقسمتُ لا أُقتَلُ إلّا حُرّا

وإن رأيتُ الموتَ شيئاً نُكرا

أخافُ أن أُخدَعُ أو أُغرَّا

كلّ امرى‏ءٍ يوماً ملاقٍ شرّ

قاتلهم قتال الشجعان فقتل منهم مقتلةً عظيمة فأخذوا يشعلون النار بالقصب ويرمونها عليه، ويرضخونه بالحجارة فلم ينفع حتى حفروا له حفيرة وغطّوها بالتراب إنهزموا من بين يديه فسقط في الحفيرة فاجتمعوا عليه وأخرجوه فضربه محمّد بن الأشعث على فمه فسالت دماؤه على لحيته الكريمة وأخذوا سيفه


فبكى فقال له ابن الأشعث: إنّ الذي يطلُبُ مثلَ ما تطلُبُ إذا نزل به الذي نزل بك لا يبكي عندها قال: واللَّه ما على نفسي بكيت ولكن أبكي لأهلي المقبلين أبكي لحسينٍ وآل حسين.

جاءوا به إلى قصر الامارة وأدخلوه على ابن زياد دار بينهما كلام فشتمَ اللعينُ أميرَ المؤمنين(ع) والإمام الحسن والحسين وعقيل حتى أمر أن يُصعد إلى أعلى القصر وتُضرب عنقُهُ وفعلاً ضربه الغلام فقتله ومضى إلى ربّه مظلوماً شهيداً غريباً ورميت جثّته من أعلى القصر إلى الأرض ثمّ أخرجوا هاني ابن عروة وهو ينادي وامذحجاه ولا مذحج لي اليوم حتى ضُربت عنقُهُ وربطوا برجليهما الحبال وسحبوهما في الأسواق:

فإن كنت‏لاتدرين ماالموت فانظري

إلى هاني‏ءٍ في السوق وابن عقيلِ

إلى بطلٍ قد هشَّمَ السيفُ وجهَهُ

وآخرَ يَهوي من طمارٍ قتيل

أصابهما أمرُ اللعينِ فأصبحا

أحاديثَ من يسري بكلِّ سبيلِ

* * *

عاده اليستجير يكون ينجار

وعن قتله حليف الشرف ينجار

مثل مسلم صدگ بالحبل ينجار

وتتنومس بقتله أرذال اميه

و لما سمع الإمام الحسين(ع) بمصرع مسلم وذلك عندما وصلَ إلى منطقة تُعرف بـ (زرود) كأني بالإمام(ع) قام يتخطّى الأطفال حتى وقف على حميدة بنت الشهيد مسلم فأخذ يمسح على رأسها ودموعه جارية فأحست الطفلة فقالت: ياخال ياأبا عبداللَّه هل أصيب أبي بشي‏ء؟ قال لاعليك أنا أبوك وهذه النسوة أخواتك ولسان الحال:


گلبي كسرته ياغريب الغاضرية

مثل اليتامى تمسح بكفّك عليه

* * *

تمسح على راسي ودمع‏العين همّال

كأني يتيمةالكافي‏اللَّه من هل احوال

ماعوّدتني بهل فعل من گبل ياخال

خلّيت عبراتي على خدودي جريّه

* * *

بمسحك‏ على راسي ‏تركت ‏الگلب ‏ذايب

وهذا يخالي ‏من ‏علامات ‏المصايب

گلبي تروّع حيث أبوي بسفر غايب

طوّل الغيبه يعوده اللَّه بعجل ليّه

* * *

جاني ‏الخبر عن حال مسلم يا حزينه

يگولون من قصر الإماره ذابينه

وبالحبل ‏في‏ الأسواق‏ جسمه‏ ساحبينه

وراسه يويلي راح للطاغي هديه

* * *

صرخت ‏الطفله ‏والدمع‏ بخدودها يسيح

وتگوم ‏مذعوره ‏وعلى وجه ‏الثره ‏تطيح

تلطم ‏على ‏الهامه‏ بعشرها ونوبٍ‏ تصيح

فگد الأبوياناس ‏أعظم‏ كل ‏رزيه

* * *

لم يبكها عدمُ الوثوق بعمِّها

كلّا ولا الوجدُ المبرِّحُ فيها

لكنّها تبكي مخافةَ أنَّها

تُمسي يتيمةَ عمِّها وأبيه

لاحول ولا قوة إلا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة الخامسة المجلس التاسع

فضل أصحاب الإمام الحسين(ع)

كيف تهنيني الحياةُ وقلبي

بعد قتلى الطّفوفِ دامِ الجِراحِ

بأبي مَن شَرَوا لِقاءَ حسينٍ

بفراقِ النُّفوسِ والأرواحِ

وقفوا يدرؤونَ سُمرَ العوالي

عنه والنّبلَ وقفةَ الأشباحِ

فوقَوهُ بيضَ الظُّبى بالنُّحورِ البـ

ـيض والنّبلَ بالوجوهِ الصِّباحِ

فئةٌ إن تعاورَ النّقعُ ليلاً

أطلعوا في سماه شُهبَ الرّماحِ

وإذا غنّتِ السيوفُ وطافت

أكؤسُ الموتِ وانتشى كلُّ صاحِ

باعدوا بين قربِهم والمواظي

وجسومِ الأعداءِ والأرواحِ

أدركوا بالحسين أكبرَ عيدٍ

فغدَوا في منى الطّفوفِ أضاحي

لستُ أنسى من بعدهم طودَ عِزٍّ

وأعاديه مثلُ سيلِ البِطاحِ(١)

* * *

گضوا حق العليهم دون الخيام

ولا خلّوا خوات حسين تنضام

لما طاحوا تفايض منهم الهام

تهاوَوا مثل مهوى النّجم من خر

* * *

هذا الرّمح بفواده تثنّه

وهذا بيه للنشّاب رنّه

وهذا الخيل صدره رضرضنه

وهذا وذاك بالهندي موذّر

* * *

____________________

(١) هذه ‏الأبيات ‏من ‏قصيدةٍ عصماء للمرحوم ‏السيد جعفر الحِلي (ره)، ومرّت ترجمته ‏في ‏ص٤٣.


ركب غوجه وتعنّه حسين ليها

لگاها بس جثث ومسلّبيها

صبّ الدّمع وتحسّر عليها

وگال احتسب عند اللَّه وأصبر

* * *

من خطبة لأبي عبداللَّه الحسين(ع) قال: أمّا بعدُ فإني لا أعلمُ أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهلَ بيتٍ أبرَّ ولا أوصلَ من أهل بيتي فجزاكم اللَّهُ عنّي خيراً(١) .

بهذه الكلمة الذهبية الخالدة، وبهذا المدح الـمُركّز والتوثيق الذي لم يسبقهُ مثيل يُعرِّف الإمام الحسين(ع) أصحابه وأهل بيته الأوفياء.

قوله(ع): (لا أعلم أصحاباً أوفى..الخ) يعني أنّ الإمام(ع) وهو الحجّة المعصوم الوارث لعلوم جدّه وأبيه وجميع الأنبياء الذين كان علمهم بتوسّط الوحي والإلهام الإلهي لا بتعليم معلّم أو تفهيم مفهّم يقول لا أعلم أنّ هناك أصحاباً في كلّ زمان ومكان، وفي كلّ عصر ومصر أولى من أصحابي ولا أبرّ وأوفى ولا أوصل منهم، فصار أصحابه(ع) أفضل من أصحاب كلّ نبيّ ووصيّ.

ولكنّ الأفضليّة هنا هي بمقابلة المجموع بالمجموع لا بمقابلة الواحد بالواحد بمعنى أنّ مجموع أصحاب الإمام الحسين(ع) أفضل من مجموع أصحاب رسول اللَّه أو أمير المؤمنين (صلى اللَّه عليهما وآلهم)، لا بمعنى أنّ كلّ واحد من أصحاب الإمام الحسين(ع) أفضل من كلّ واحد من أصحاب رسول اللَّه(ص) فإنّ من أصحاب رسول اللَّه(ص) سلمان وأباذر وهما في

____________________

(١) إبصار العين في أنصار الحسين(ع) للمرحوم الشيخ محمد السماوي: ص٩.


الإيمان والقرب بحيث يصعب أن يُقاس بهم واحد من أتباع الأنبياء والأوصياء، وانّ في أصحاب أمير المؤمنين(ع) مالك الأشتر وهو الآخر يصعب أن يُدانيه أحد من أصحاب الأنبياء والأوصياء وهكذا.

روى الشيخ الصدوق؛ في (علل الشرائع) عن ميثم التمّار: أنّ الحسين ابن علي(ع) سيدّ الشهداء يوم القيامة ولأصحابه على سائر الشهداء درجة(١) .

وروى الشيخ ابن قولويه؛ في (كامل الزيارات) عن أمير المؤمنين(ع) أنّه مرّ بكربلاء فطاف بها على بغلتِهِ فأنشأ يقول: (مناخ ركاب ومصارع الشهداء لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم مَن أتى بعدهم)(٢) .

ويقول المرحوم الشيخ جعفر الشوشتري: لقد تأمّلت فرأيت أنّ أفضليّة شهداء كربلاء على سائر الشُهداء ليس أمراً اعتباطياً، وحيازتهم على هذه الدرجات العالية ليس اعتباطياً بل يعود إلى كمالهم في العبودية للَّه بحيث أنّهم الأكمل في جميع المراتب، فهم سادةُ الموحّدين، وسادةُ المتيقّنين، وسادةُ المصلّين والصائمين والمزكّين والمخمّسين وسادةُ المضحّين في سبيل اللَّه تعالى(٣) .

ترى لهُمُ عند القِراعِ تباشراً

كأنّ لهم يومَ الكريهةِ عيدُ

فما وهَنوا عن نصرةِ الدِّين والهُدى

إلى أن تفانى جمعُهُم وأُبيدوا

____________________

(١) علل الشرايع: ج١ ص٢٢٧ ح ١٢.

(٢) كامل الزيارات: ص٢٧٠ ح ١٢.

(٣) فوائد المشاهد: ص٣٩٣.


ويقول المرحوم الشيخ عباس القمّي في (نفس المهموم): أصحاب الإمام الحسين رضوان اللَّه تعالى عليهم هم سادات الشهداء يوم القيامة والرّاضون عن اللَّه تعالى وهو راضٍ عنهم، وأخبر النبي(ص) عنهم في اخباره بشهادة الحسين(ع) بقوله: وهو يومئذٍ في عصبةٍ كأنّهم نجوم السماء يتهادون إلى القتل، وكأنّي أنظر إلى معسكرهم وإلى موضع رحالهم وتربتهم(١) .

فما أحقهم بوصفِ من قال:

للَّهِ قومٌ إذا ما الليلُ جنَّهُمُ

قاموا من الفرشِ للرّحمنِ عبّادا

ويركبون مطايا لا تملُّهُمُ

إذا هُمُ بمنادي الصبحِ قد نادى

هُمُ إذا ما بياضُ الصبح لاح لهم

قالوا من الشوقِ ليتَ الليلَ قد عادا

هُمُ المطيعون في الدّنيا لسيّدهم

وفي القيامةِ سادوا كلَّ مَن سادى

الأرضُ تبكي عليهم حين تفقدهم

لأنّهم جُعلوا للأرضِ أوتادا(٢)

تعال واُنظر إلى تفانيهم في نصرة الدين والهدى، فهذا سعيد بن عبداللَّه الحنفي قام حين جمعهم الإمام الحسين(ع) ليلة العاشر وأَذِنَ لهم بالانصراف وقال لهم: هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، قام سعيد فقال: واللَّه لا نخلّيك حتى يعلمَ اللَّهُ أنّا قد حفظنا نبيّه محمداً(ص) فيك، واللَّه لو علمت أني أُقتلُ ثمّ أحيى ثمّ أُحرق حياً ثم أذرّ يُفعل بي ذلك سبعين مرّة ما

____________________

(١) نفس المهموم: ص٦٢٦ - ٦٢٧.

(٢) نفس المهموم: ص٦٣٠.


فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلةٌ واحدة ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً، وفعلاً وفى سعيد بما قال وضمّ إلى قوله فعلاً أكسبه الثناءَ في الدنيا، وأحسن الجزاء في الآخرة، وذلك انّه لما صلّى الإمام الحسين(ع) الظهر صلاة الخوف، اقتتلوا بعد الظهر واشتدّ القتال ولما قرب الأعداء من الحسين وهو قائمٌ بمكانه تقدّم سعيد الحنفي أمام الحسين(ع) وصار هدفاً لهم يرمونه بالنّبل يميناً وشمالاً وهو قائمٌ بين يدي الإمام(ع) يقيه السهام طوراً بوجههِ وطوراً بصدره وطوراً بيديه وطوراً بجنبه فلم يصل إلى الإمام(ع) شي‏ءٌ من ذلك حتى سقط سعيد الحنفي إلى الأرض وهو يقول: اللهمّ العنهم لعنَ عادٍ وثمود، اللهمّ ابلغ نبيّك عنّي السلام وابلغه ما لقيتُ من ألمِ الجراح، فإنّي أردت ثوابك في نصرة نبيّك، ثمّ التفت إلى الإمام الحسين(ع) فقال: أَوَفَيْتُ ياابن رسول اللَّه قال: (نعم أنت أمامي في الجنّة)، ثمّ فاضت نفسُهُ النّفيسة(١) .

وهذا جون مولى أبي ذرّ الغفاري وقف أمام الإمام الحسين(ع) يستأذنه في القتال فقال له الإمام(ع): (يا جون أنت في إذنٍ منّي فإنّما تبعتنا طلباً للعافية فلا تبتلِ بطريقتن)، فوقع جون على قدمي أبي عبداللَّه يقبّلهما ويقول: ياابن رسول اللَّه(ص) أنا في الرّخاء ألحسُ قصاعكم وفي الشدّة أخذلكم إنّ ريحي لنتن، وحسبي للئيم، ولوني لأسود فتنفّس عليّ في الجنّة ليطيب ريحي، ويشرُف حسبي، ويبيض لوني، لا واللَّه لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدّم الأسود مع دمائكم، فأذن له الإمام الحسين(ع) فبرز وهو يقول:

____________________

(١) إبصار العين: ص١٢٦.


كيف ترى الفجّارُ ضربَ الأسود

بالمشرفيِّ والقنا المسدَّد

يذبُّ عن آلِ النبيّ أحمد

ثمّ قاتل حتى قُتل، وقيل أنّه قتل خمساً وعشرين رجلاً، فوقف عليه الإمام الحسين(ع) وقال: (اللهمّ بيّض وجههُ، وطيّب ريحهُ، واحشره مع الأبرار وعرّف بينه وبين محمدٍ وآل محمد(ص) )، وروي عن الإمام الباقر(ع) عن أبيه زين العابدين(ع) أنّ بني أسد الذين حضروا المعركة ليدفنوا القتلى وجدوا جوناً بعد أيّام (من شهادته) تفوح منه رائحةُ المسك، وفي ذلك يقول المرحوم الشيخ محمّد السماوي:

خليليَّ ماذا في ثرى الطفِّ فانظُرا

أَجونةُ طيبٍ تبعثُ المسكَ أم جونُ

ومن ذا الذي يدعو الحسينُ لأجلهِ

أذلك جونُ أم قرابتُهُ عونُ

لَئن كانَ عبداً قبلها فلقد زكا

النِّجارُ(١) وطابَ‏ الرّيحُ وازدهرَ اللونُ(٢)

وهذا بُرير بن خُضير الهمْداني الذي كان شيخاً ناسكاً قارئاً للقرآن من شيوخ القُرّاء في الكوفة، ومن أصحاب أمير المؤمنين(ع)، وعندما خطب الإمام الحسين(ع) أصحابه حيث قال: (ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه... الخ) قام إليه أصحابه الكرام وأجابوه بما اقتضى خالص الدّين ثمّ قام برير بن خضير وقال: واللَّهِ ياابن رسول اللَّه(ص) لقد

____________________

(١) قال في المصباح المنير: النِّجار بالكسر: الأصل والحسب.

(٢) إبصار العين: ص١٠٥.


منّ اللَّهُ بك علينا ان نُقاتل بين يديك تقطّع فيك أعضاؤنا حتى يكون جدّك يوم القيامة بين أيدينا شفيعاً لنا، فلا أفلح قومٌ ضيّعوا ابن بنت نبيّهم، وويلٌ لهم ماذا يلقون به اللَّه، وأُف لهم يوم ينادون بالويل والثبور في نار جهنّم.

وروى أبو مخنف عن عفيف بن زهير قال: خرج يزيد بن معقل فقال يابرير بن خضير كيف ترى صنعَ اللَّه بك؟ -وكان هذا بعد أن خطبهم برير ووعظهم- قال: صنع واللَّه بي خيراً وصنع بك شرّاً فقال: كذبت وقبل اليوم ما كنت كذّاباً، أتذكر وأنا أُماشيك في سكة بني دودان وأنت تقول: إنّ عثمان كان كذا، وإنّ معاوية ضالّ مضلّ، وإنّ عليّ بن أبي طالب إمامُ الحقّ والهدى قال برير: أشهدُ أنّ هذا رأيي وقولي، فقال يزيد: فإنّي أشهدُ أنّكَ من الضّالين، قال برير: فهل لك أن أباهلك؟ ولندعُ اللَّهَ أن يلعنَ الكاذب، وأن يقتلَ الُمحِقُّ المبطل، ثمّ قال: اخرج لأبارزك، قال: فخرجا فرفعا أيديهما بالمباهلة إلى اللَّه يدعوانه أن يلعن الكاذب وأن يقتلَ المحقُّ المبطلَ، ثمّ برز كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه فاختلفا ضربتين، فضرب يزيدُ بريراً ضربةً خفيفة لم تضرُّه شيئا وضرب برير يزيد ضربةً قدّت المغفر وبلغت الدّماغ فخرّ كأنّما هوى من حالق وانّ سيف برير لثابتٌ في رأسه حتى أخرجه وهو يقول:

أنا بريرٌ وأبي خضيرُ

وكلُّ خيرٍ فله بريرُ

ثمّ طلب المـُبارزة من القوم فحمل عليه رضي بن منقذ العبدي فاعتنق بريراً فاعتركا ساعة ثمّ أنّ بريراً صرعه وجلس على صدره فجعل رضي بن منقذ يصيح بأصحابه أين أهل المصاع(١) والدّفاع، فذهب كعب بن جابر الأزدي

____________________

(١) أهل المصاع: أهل القتال.


ليحمل عليه فقال له عفيف بن زهير: انّ هذا برير بن خضير القاري‏ء الذي كان يقرئنا القرآن في المسجد؟ فلم يلتفت وحمل عليه بالرّمح حتى طعنه في ظهره، فلمّا وجد برير مسّ الرّمح بركَ على رضي فعضّ أنفه حتى قطعه، وأنفذ الطعنة كعب حتى ألقاه عنه وقد غيّب الرّمح في ظهره ثمّ أقبل يضربه بسيفه حتى مات شهيداً رضوان اللَّه تعالى عليه، فلمّا رجع كعب بن جابر قالت له أُخته النوّار: أعنت على ابن فاطمة وقتلت سيّد القُرّاء؟! لقد أتيت عظيماً من الأمر، واللَّه لا أكلّمك من رأسي كلمة أبداً(١) .

وهذا مسلم بن عوسجة الأسدي كان رجلاً شريفاً سرّياً عابداً متنسّكاً قال ابن سعد في الطبقات: وكان صحابياً ممّن رأى رسول اللَّه(ص) وروى عنه الشعبي، وكان فارساً شجاعاً له ذكرٌ في المغازي والفتوح الإسلامية(٢) .

روى أبو مخنف عن الضحّاك بن عبداللَّه الهمداني أنّ الحسين(ع) خطب أصحابه فقال في خطبته: (إنّ القوم يطلبوني ولو أصابوني لهوا عن طلب غيري وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ثمّ ليأخذ كلُّ رجلٍ منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي) فقام له أهله وتقدّمهم العباس بالكلام لِمَ نفعل ذلك لنبقى بعدكِ لا أرانا اللَّه ذلك أبداً ثمّ قام مسلم بن عوسجة فقال: أنحن نخلّي عنك ولَمْ نُعذر إلى اللَّه في أداء حقّك أمَ واللَّهِ لا أبرح حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ولا أُفارقك، ولو لم

____________________

(١) إبصار العين: ص٧٢ - ٧٣.

(٢) إبصار العين: ص٦١.


يكن معي سلاح أُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك، قال أبو مخنف: ولما التحم القتال حملت ميمنةُ ابن سعد على ميسرة الحسين(ع) وفي ميمنة ابن سعد عمرو بن الحجّاج الزبيدي وفي ميسرة الحسين(ع) زهير بن القين وكانت حملتهم من نحو الفرات فاضطربوا ساعة وكان مسلم بن عوسجة في الميسرة فقاتل قتالاً شديداً لم يُسمع بمثله فكان يحمل على القوم وسيفه مصلت بيمينه فيقول:

إن تسألوا عنّي فإنّي ذو لُبَدْ

وإنّ بيتي في ذرى بني أسد

فمن بغاني حائدٌ عن الرّشد

وكافرٌ بدين جبّارٍ صمد

فلم يزل يضرب فيهم بسيفه حتى عطف عليه مسلم بن عبداللَّه الضبابي وعبدالرحمن بن أبي حَكارة البجلي فاشتركا في قتله، فما انجلت الغبرة إذا هم بمسلم بن عوسجة صريعاً فمشى إليه الحسين(ع) فإذا به رمق فقال له: رحمك اللَّه يامسلم (مِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) ثمّ دنا منه فقال له حبيب عزّ عليّ مصرعُك يا مسلم أبشر بالجنّة فقال له مسلم بصوت ضعيف: بشّرك اللَّه بخير فقال حبيب: لولا أعلم أني في الأثر لاحقٌ بك من ساعتي هذه لأحببت أن توصي إليّ بكلّ ما أهمّك، قال بلى أوصيك بهذا رحمك اللَّه (وأومى بيديه إلى الحسين(ع) ) أن تموت دونه فقال حبيب: أفعل وربّ الكعبة(١) :

____________________

(١) إبصار العين: ص٥٩.


وصلت يابن ظاهر منيتي

ما اوصيك بعيالي وبيتي

وان كان نيتك مثل نيتي

أريدنك تجاهد سويتي

بالحسين واولاده وصيتي

يهل تعرف عظم شاني وصيتي

هتافي مولجل اهلي وصيتي

ببو السجّاد وعياله وصيتي

واريدك تحفظ حقوق الوصيّة

* * *

نصروه أحياءاً وعند مماتهم

يوصي بنصرته الشفيقُ شفيقا

أوصى ابن عوسجةٍ حبيب قائلاً

قاتلهُمُ حتّى الحِمامَ تذوقا

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة الخامسة المجلس العاشر

مواقف أنصار الإمام الحسين(ع)

أرى العمرَ في صرفِ الزّمانِ يبيدُ

ويذهبُ لكن ما نراهُ يعودُ

فكن رجلاً إن تُنْضَ أثوابُ عيشِهِ

رَثاثاً فثوبُ الفخرِ منهُ جديدُ

وإيّاكَ أن تشري الحياةَ بذلّةٍ

هي الموتُ والموتُ المريحُ وجودُ

وغيرُ فقيدٍ مَن يموتُ بعزّةٍ

وكلُّ فتىً بالذلِّ عاش فقيدُ

لذاكَ نضى ثوبَ الحياة ابنُ فاطمٍ

وخاضَ عبابَ الموتِ وهو فريدُ

ولاقى خميساً(١) يملأُ الأرضَ زحفُهُ

بعزمٍ له السبعُ الطّباقُ تميدُ

وليس له من ناصرٍ غيرُ نيِّفٍ

وسبعينَ ليثاً ما هناك مزيدُ

سطت وأنابيبُ الرّماحِ كأنّها

أجامٌ(٢) وهم تحت الرّماح أسودُ

وما برحوا عن نصرةِ الدّين والهدى

إلى أن تفانى جمعُهُم وأُبيدوا(٣)

قال الشيخ محمد علي اليعقوبي في الجزء الأول من كتابه (البابليّات):

ولد في النجف الأشرف عام ١١٤١ه ونشأ فيها، وأخذ العلم عن علمائها يومئذٍ حتى ذاع صيتُهُ واشتهر ذكرُه بعلمي الأديان والأبدان، وبعد استكمال الفضيلة غادر النجف إلى الحلة وسكنها سنة ١١٧٥ه فكان أشهر أعلامها علماً وأدباً وتقوى وكرماً.

____________________

(١) الخميس: هو الجيش لأنّه خمسُ فرق وهي المقدّمة والقلب والميمنة والميسرة والسّاقة.

(٢) آجام: هو الحصن، ومعنى البيت هو أن الرماح لكثرتها صارت كأنّها حصن وهم تحت هذا الحصن كالأسود.

(٣) القصيدة من نظم المرحوم السيد سلمان بن السيد داود الحلي (رحمهما اللَّه تعالى) الدرّ النضيد: ص١٣٥.

قال الشيخ محمد علي اليعقوبي في الجزء الأول من كتابه (البابليّات):

ولد في النجف الأشرف عام ١١٤١ه ونشأ فيها، وأخذ العلم عن علمائها يومئذٍ حتى ذاع صيتُهُ واشتهر ذكرُه بعلمي الأديان والأبدان، وبعد استكمال الفضيلة غادر النجف إلى الحلة وسكنها سنة ١١٧٥ه فكان أشهر أعلامها علماً وأدباً وتقوى وكرماً.


بالطف من لهيب الشّمس والحر

ذاب اوسال دم العبد والحر

وهلال وحبيب الليث والحر

هوو مثل النجوم اعله الوطيّه

* * *

(من زيارة وارث الشريفة: السلامُ عليكم يا أنصارَ أبي عبداللَّه بأبي أنتم وأمّي طِبتُمْ وطابتِ الأرضُ التي فيها دُفنتم وفُزتم فوزاً عظيماً فياليتني كنتُ معكم فأفوز معكم)(١) .

هذه الكلمات الخالدة السامية، ذات المعاني الطيّبة العالية هي من

____________________

وكان متعدّد المواهب والملكات إضافة إلى الشّعر منها جمال الخط وسرعته حتى أنه كتب كتاب (فرحة الغري) لابن طاووس في يوم واحد، ومنها الطب حتى لقّب بالحكيم وذلك لاشتهارهِ فيه، واتقانِهِ له، حتى أنه ألّف في علم الطب، كما كان سريع البديهة حاضرَ الجواب، وهو جدّ الأسرة الحِليّة المعروفة بآل السيد سليمان، وقد نبغ منهم عددٌ ليس بالقليل في الفضل والأدب ومن مشاهيرهم ولده السيد حسين، وحفيداه السيد مهدي والسيد سليمان وولده السيد حيدر الشاعر الشّهير وغيرهم.

توفي يوم الأحد ال ٢٤ من جمادي الثانية سنة ١٢١١ه بالسكتة القلبيّة، وحمل جثمانه إلى النجف الأشرف في موكبٍ مهيب مشى فيه مئات الرّجال من أشراف الحلة، وصلّى عليه إمام الطائفة يومئذٍ السيد مهدي بحر العلوم، ودفن عند إيوان العلماء مقابل مسجد عمران، وكان لنعيه صدى في الأوساط العلمية والأدبيّة ورثاه عامة أدباء النجف والحلة منهم العلامة الشهير الشيخ محمد علي الأعسم بقصيدتين مطلع الأولى:

خطوبٌ دهتني أضرمت نارَ أشجاني

وأغرت بإرسالِ المدامعِ أجفاني

ويقول في آخرها مؤرخاً عام وفاته:

وإذ عُطّلت منه المدارسُ أرّخوا

تعطّل درسُ العلمِ بعد سليمان

١٢١١

(١) المصباح للكفعمي: ص٥٠٣.


انشاء الإمام أبي عبداللَّه جعفر بن محمد الصادق(ع)، ومعلومٌ أنّ الإمام(ع) ما زار أصحاب جدّه الإمام الحسين(ع) بهذه الزيارة -ويعلمُ اللَّه تعالى ماذا يقول الإمام الصادق(ع) لو أراد الوقوف على شهداء الطف وزيارتهم- ولكنّه علّمَ واحداً من أصحابه وهو صفوان الجمّالرحمه‌الله تعالى هذه الزيارة الشريفة، ومن هنا يندفع الإشكال القائل كيف يفدّي الإمام المعصوم أصحاب جدّه الحسين(ع) بأبيه الإمام المعصوم خامس أئمة الحق والخلق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر(ع).

قال المحقّق المقرّم (ره): إنّ الإمام(ع) لم يكن هو المخاطِب لهم -أي‏الأصحاب- وانّما هو(ع) في مقام تعليم صفوان الجمّال عند زيارتهم‏أن يخاطبهم بذلك فإنّ الرواية تنصّ كما في (مصباح المتهجّد) للمرحوم الشيخ الطوسي أنّ صفوان استأذن الإمام الصادق(ع) في زيارةالحسين(ع) وأن يُعرّفه ما يقوله ويعمل عليه فقال له: (يا صفوان صم‏قبل خروجك ثلاثة أيام إلى أن قال: ثمّ إذا أتيت الحائر فقل: اللَّهُ أكبر ثمّ‏ساق الزيارة إلى أن قال: ثمّ اخرج من الباب الذي يلي رجلي عليّ بن الحسين‏وتوجّه إلى الشهداء وقل: السلام عليكم يا أولياء اللَّه) إلى آخر الزيارة(١) .

يقول(ع): (طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم).

أجل واللَّه لقد طابت أرواحهم كما طابت أبدانهم، وطابت نيّاتهم مثلما قويت عزائمهم، وطابت أوصافهم ونعوتهم كما طاب بعد ذلك ذكرهم والتوسّل بهم

____________________

(١) مقتل المقرّم: ص٢٥٥ الحاشية.


وطيّبوا الأرض التي دفنوا فيها، والتراب الذي ألقي عليهم، وشرّفت كربلاء بهم، وبأبدانهم ودمائهم، ورحم اللَّه الشاعر حيث يقول:

فيا كربلا طُلتِ السماءَ وربّما

تناول عفواً حظَّ ذي السّعيِ قاعدُ

لأنتِ وإن كنتِ الوضيعةَ نِلْتِ مِن

جوارِهُمُ ما لَمْ تنلهُ الفراقِدُ

سُرِرْتِ بهم مذا آنسوكِ وساءَني

محاريبُ منهم أوحشتْ ومساجدُ

بذا قضتِ الأيّامُ ما بين أهلِها

مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ(١)

ومن الثابت الذي لا ريب فيه هو أنّ الصفوة الطيّبة ما كانت لتنال من الحظوة والقرب لولا ملازمتها لسيّد الشهداء وأبي الأحرار الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب:، ولقد أجاد من قال فيهم:

وذوو المروّةِ والوفا أنصارُهُ

لَهُمُ على الجيشِ العظيم زئيرُ

طَهُرت نفوسُهُمُ بطيبِ أصولها

فعناصرٌ طابت لَهم وحجورُ

فتمثّلت لَهُمُ القصورُ وما بهم

لولا تمثّلتِ القصورُ قصورُ

ما شاقهُمْ للموتِ إلّا دعوةُ ال

رحمنِ لا ولدانُها والحورُ(٢)

فهذا زهير بن القين البجلي وهو رجلٌ شريفٌ في قومه شجاعٌ له مواقف مشهورة ومواطن مشهودة كان أولاً عثمانياً فحجّ سنة ستين في أهله

____________________

(١) هذه الأبيات من قصيدة عصماء للمرحوم الشيخ جعفر الخطّي البحراني(ره) - الدرّ النضيد: ص١٣١.

(٢) نفسُ المهموم: ص٦٢٩.


ثمّ عاد فوافق الحسين(ع) في الطريق، فهداه اللَّه تعالى وانتقل علويّاً، روى أبو مخنف عن بعض الفزاريين قال كنّا مع زهير بن القين حين أقبلنا من مكّة (إلى الكوفة) فساير الحسين(ع) فلم يكن شي‏ء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل، فإذا سار الحسين(ع) تخلّف زهير، وإذا نزل الحسين(ع) تقدّم وسار زهير، حتى نزلنا يوماً في منزل لم نجد بُداً من أن ننازله فيه، فنزل الحسين(ع) في جانب ونزلنا في جانب، فبينا نحن نتغدّى من طعامٍ لنا إذ أقبل رسول الحسين(ع) فسلّم ودخل فقال: يا زهير بن القين إنّ أبا عبداللَّه الحسين بن علي بعثني إليك لتأتيه، فطرح كلُّ إنسان منّا ما في يده حتى كأنّ على رؤوسنا الطير، قال أبو مخنف: فحدّثتني دلهم بنت عمرو زوجة زهير قالت: فقلت له: أيبعثُ إليك ابنُ رسول اللَّه(ص) ثمّ لا تأتيه سبحان اللَّه، لو أتيته فسمعت من كلامه ثمّ انصرفت قالت: فذهب زهير إلى الإمام الحسين(ع)، فما لبث أن عاد مستبشراً قد أسفر وجهه، فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعِهِ فقوّض وحُمِلَ إلى الحسين(ع) ثمّ قال لي: أنت طالق إلحقي بأهلك فإنّي لا أحبُّ أن يصيبك بسببي إلّا خير ثمّ قال لأصحابه: مَن أحبّ منكم أن يتبعني وإلّا فإنّه آخر العهد اني سأحدّثكم حديثاً غزونا (بلنجر)(١) ففتح اللَّهُ علينا وأصبنا غنائم فقال لنا سلمان: أفرحتم بما فتح اللَّه عليكم وأصبتم من المغانم فقلنا نعم فقال لنا: إذا أدركتم سيّد شباب آل ‏محمد(ص) الحسين(ع) فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه بما أَصبتم من المغانم.

____________________

(١) بَلَنْجَرْ: قال ياقوت الحموى في (معجم البلدان) ج١ ص٤٨٩: هي مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب قال البلاذري: فتحها سلمان بن ربيعة الباهلي.


فأمّا أنا فإني أستودعكم اللَّه ثمّ قال واللَّه ما زال أوّل القوم حتى قتل بين يديه.

روى أبو مخنف عن الضحّاك بن عبداللَّه المشرقي قال: لما كانت الليلة العاشرة خطب الحسين(ع) أصحابه وأهل بيته فقال في كلامه: (هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً وليأخذ كلّ رجلٍ منكم بيد رجل من أهل بيتي فإنّ القوم انّما يطلبوني) فقام زهير بن القين فقال: واللَّه لوددتُ أني قتلتُ ثمّ نشرت ثمّ قُتلت حتى أُقتل كذا ألف قتلة وأنّ اللَّه يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفسِ هؤلاء الفتية من أهل بيتك، وما زال زهير مأنوساً بحضرة وخدمة الإمام الحسين(ع) حتى صار يوم العاشر وقُتِلَ جمعٌ من الأصحاب الأوفياء وصلّى الإمام(ع) بأصحابه صلاة الخوف فلمّا فرغ منها تقدّم زهير فجعل يُقاتل قتالاً لم يُرَ مثلُهُ، ولم يُسمع بشبهِهِ وأخذ يحمل على القوم وهو يقول:

أنا زهيرٌ وأنا ابنُ القين

أذودكم بالسيفِ عن حسينِ

ثمّ رجع فوقف أمام الحسين(ع) وقال له:

فدتك نفسي هادياً مهديا

اليوم ألقى جدّكَ النبيّا

وحسناً والمرتضى عليّا

وذا الجناحينِ الشهيدَ الحيّا

فكأنّه ودّع الإمام(ع) بهذه الكلمات وعاد إلى القتال، فشدّ عليه كثير ابن عبداللَّه الشعبي ومهاجر بن أوس التميمي فقتلاه، قال السّروي في المناقب: لما صرع وقف عليه الإمام الحسين(ع) فقال: (لا يبعدنّك اللَّه


يازهير، ولعن اللَّهُ قاتليكَ لعنَ الذين مسخوا قردةً وخنازير)(١) .

وهذا سعيد بن مرّة التميمي ممّن رزق الشهادة بين يدي الإمام الحسين(ع) مع نفرٍ من أهل البصرة، وكان سعيدُ شاباً له من العمر تسعة عشر سنة فإنّه لما سمع بأنّ الحسين(ع) استنصر أشراف أهل البصرة في كتبه أقبل إلى أمّه صبيحة عرسه وصاح: أُمّاه عليّ بلامة حربي وفرسي قالت: وما تصنع بها قال: أُمّاه لقد ضاق صدري وأُريد أن أمضي إلى خارج البساتين فقالت له: ولدي انطلق إلى زوجتك ولاطفها فقال: أُمّاه لا يسعني ذلك فبينما هم كذلك إذ أقبلت زوجتُه وقالت: إلى أين تريد ياابن العمّ؟ قال: أنا ذاهبٌ إلى من هو خيرٌ منّي ومنك فقالت: ومن هو خيرٌ منك ومنّي؟ فقال لها: ذاك سيدي ومولاي الحسين بن علي(ع)، فلمّا سمعت أُمّه بذلك بكت وقالت: ولدي جزاك اللَّه عن الحسين خيراً، ولكن ولدي أما حملتك في بطني تسعة أشهر؟ قال: بلى، قالت: أما سهرت الليالي في تربيتك؟ قال: بلى، وأنا لست منكراً لحقّك عليّ، قالت: إذاً عندي وصيّة، قال: وما هي يااُمّاه؟ قالت: ولدي إذا أدركت سيّد شباب أهل الجنّة اقرأه عنّي السلام وقل له: فليشفع لي يوم القيامة فقال لها: يا اُمّاه وأنا اُوصيك بوصيّة قالت: وما هي ولدي؟ قال: إذا رأيت شاباً لم يتهنّأ بشبابه وعرّيساً لم يتهنّأ بعرسه فاذكري عرسي وشبابي.

قال الراوي: ثمّ ودّعها وودّع زوجته وخرج من البصرة، وأقبل يجدّ السير في الليل والنهار وسمع في الطريق أنّ الإمام الحسين(ع) نزل كربلاء، فجعل يجدّ

____________________

(١) ابصار العين: ص٩٨ - ٩٩.


السير حتى وافى كربلاء وكان ذلك في يوم العاشر من المحرّم والإمام الحسين(ع) وحيداً فريداً قد قُتل أهلُه وأصحابُه فلمّا رآه الإمام الحسين(ع) قال: (سعيدٌ هذه)؟ قال: نعم سيّدي قال: (ما قالت لك أُمّك ياسعيد)؟ قال: سيدي تقرؤك السلام قال الإمام(ع): (عليك وعليها السلام ياسعيد انّ امّك مع أمّي في الجنة)، ثمّ قال سعيد: سيدي أتأذن لي أن أسلّم على بنات رسول اللَّه(ص)؟ قال: نعم، فأقبل سعيد حتى وقف بإزاء الخيام ونادى: السلام عليكم يا آل بيت رسول اللَّه فصاحت امرأة وعليك السلام فمن أنت؟ قال: سيّدتي أن خادمكم سعيد بن مرّة التميمي جئت لنصرة سيدي الحسين، فقالت: يا سعيد أما تسمع الحسين ينادي هل من ناصر؟ هل من معين؟ قال: ثمّ رجع إلى الإمام الحسين(ع) ووقف يستأذن للبراز فأذن له الإمام فحمل على القوم وجعل يُقاتل حتى قتلَ جمعاً كثيراً فعطفوا عليه حتى قتلوه، و لما قتل سعيد مشى إليه الإمام فجلس عنده وأخذ رأسه ووضعه في حجره وجعل يمسح الدم والتراب عن وجههِ وهو يقول: (أنت سعيد كما سمّتك أُمّك سعيدٌ في الدنيا وسعيدٌ في الآخرة)(١) .

وهذا وهب بن حبّاب الكلبي وكان نصرانياً فأسلم على يدي الإمام الحسين(ع) وكانت معه أمّه وزوجتُه فقالت أُمّه: قم يا بنيّ فانصر ابن بنت رسول اللَّه(ص)، فقال: أفعل يا اُمّاه ولا أقصّر، فبرز وهو يقول:

إن تنكروني فأنا ابنُ الكلبي

سوف تروني وترونَ ضربي

وحملتي وصولتي في الحربِ

أدركُ ثاري بعد ثار صحبي

____________________

(١) ثمرات الأعواد للمرحوم السيد علي الهاشمي: ج١ ص١٧٠.


وأدفع الكربَ أمامَ الكربِ

ليسَ جهادي في الوغى باللّعْبِ

ثمّ حمل ولم يزل يُقاتل حتى قتل جماعةً ثمّ رجع إلى اُمّه وزوجته وقال: يا أُمّاه أرضيت؟ قالت: ما رضيت حتى تُقتل بين يدي الحسين(ع)، فقالت امرأته: باللَّه عليك لا تفجعني بنفسك فقالت أُمّه: يا بُني اُعزب عن قولها وارجع فقاتل بين يدي ابن بنت نبيّك تنل شفاعة جدّه يوم القيامة، فرجع إلى الميدان ولم يزل يُقاتل حتى قطعت يداه، وأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وأُمّي يا وهب قاتل دون الطيّبين عترة المصطفى(ص)، فقال لها: كنت تنهينني عن القتال والآن جئت تقاتلين معي، قالت: يا وهب لا تلمني إنّ واعية(١) الحسين كسرت قلبي، فقال: ما الذي سمعتي منه؟ قالت: رأيته جالساً بباب الخيمة وهو ينادي واقلّة ناصراه، فبكى وهب بكاءاً كثيراً وقال لزوجته: ارجعي إلى النساء رحمك اللَّه فأبت فصاح وهب: سيّدي أبا عبداللَّه ردّها إلى الخيمة، فردّها الإمام إلى الخيمة، ثمّ اجتمع القوم على وهب وأردوه قتيلاً رضوان اللَّه تعالى عليه(٢) .

وهكذا قُتل الواحد بعد الآخر حتى تفانوا عن آخرهم وبقي الإمام(ع) بعدهم وحيداً فريداً لا ناصر له ولا معين وجعل ينظر يميناً وشمالاً فلم يرَ أحداً من أصحابه إلّا مَن صافح الترابُ جبينَه وقطع الحِمامُ أنينَه فنادى: (يامسلمَ بنَ عوسجة ويا حبيبَ بنَ مظاهر ويا زهير بن القين ويا عباس بن علي ويا علي الأكبر ويا فلان ويا فلان يا أبطال الصّفا ويا فرسانَ الهيجا مالي أُناديكم لا

____________________

(١) الواعية: هي الصّوت.

(٢) مقتل المرحوم الشيخ عبدالزهراء الكعبي: ص٣٩.


تجيبون وأدعوكم فلا تسمعون أنيامٌ أرجوكم تنتبهون أم حالت بينكم وبين سيّدكم منيّتكم وهذه بنات الرسول لفقدكم قد علاهنّ النحول فقوموا عن نومتكم أيّها الكرام وادفعوا عن حرم الرسول الطغاة اللئام).

لما رأى السبطُ أصحابَ الوفا قُتلوا

نادى أبا الفضلِ أين الفارسُ البطلُ

وأين مَن دوني الأرواحَ قد بذلوا

بالأمس كانوا معي واليوم قد رحلوا

وخلّفوا بسويدا القلبِ نيرانا

ما بالهم لا يجيبوني أما سمعوا

ولو رأوني وحيداً ما الذي صنعوا

بل‏ هم ‏سُكارى‏ بكاساتِ ‏الرّدى كرعوا

نذرٌ عليّ لئن عادوا وإن رجعوا

لأزرعنّ طريق الطفِّ ريحانا

* * *

ليش انادي وما تجيبون النده

رحتوا عنّي ودارت عليّه العده

أدري بيني وبينكم حال الرّده

وعلي صالت بالغضب عدوانها

ياعلي الأكبر يقاسم ياحبيب

ياهلال الوغه وانوه اعله المغيب

ليش انادي وما حصل منكم مجيب

صاح من يحمي الحرم وخدورها

* * *

أحبّتنا مَن للضعائن بعدكم

فليت فدتكم ياكرامُ الضعائنُ

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة السادسة المجلس الحادي عشر

الصحابي الجليل حبيب بن مظاهر الأسدي

كلّما تعذلانِ زدتُ نحيبا

يا خليليَّ إنْ ذكرتُ حبيبا

ياحبيبَ القلوبِ رزؤُكَ مهما

ذكرتهُ الرّاثونَ شقّ القلوبا

ياوحيداً حاميتَ دون وحيدٍ

حيثُ لا ناصراً يُرى أو مجيبا

بعتَ نفساً نفيسةً فاشتراها

باريُ النّفس منك والرّبحُ طوبى

إنْ نصرتَ الحسينَ غيرُ عجيبٍ

إنْ تخلّفتَ عنه كان عجيبا

ياوزيرَ الحسينِ حزتَ مقاماً

كلُّ آنٍ يزدادُ عَرفاً وطيبا

كم عن السبطِ قد كشفت كروباً

بعد ما قد لقيتَ منهم كروبا

إنّ يوماً أُصِبْتَ فيه ليومٌ

أيُّ قلبٍ لذكره لن يذوبا

إنْ هجرتَ الدّيارَ صرتَ بدارٍ

فيه جاورتَ حيدراً والحبيبا

الغريبُ الذي يموتُ ذليلاً

ليس من ماتَ في الإباءِ غريبا

قدّسَ اللَّهُ تربةً قد حوتهُ

سِرُّ قدسٍ حوت وليثاً مَهيبا(١)

* * *

أحبيبُ أنت إلى الحسينِ حبيبُ

إن لم ينط نسبٌ فأنت نسيبُ

يامرحباً بابنِ المظاهرِ بالوَلا

لو كان ينهضُ بالوَلا الترحيبُ

شأنٌ يشقُّ على الضَّراح(٢) مرامُهُ

بعدٌ وقبرُك والضّريحُ قريبُ

بأبي المفدّي نفسَهُ عن رَغبةٍ

لم يرعَها التّرهيبُ والتّرغيبُ

____________________

(١) القصيدة من نظم المرحوم السيد صالح الحلي. وقد مرّت ترجمتُهُ ص٧٤.

(٢) الضَّراح: هو العالي الشاهق.


هو سيّدُ أصحاب الإمام الحسين(ع) الذي كان لواؤهم بيده يوم كربلاء، وهو العالم العارف المتفاني في حبّ أهل بيت نبيّه(ص)، والحافظ المحافظ على وصيّة رسول اللَّه(ص) لأمّته حيث قال: إني تارك فيكم الثّقلين كتابَ اللَّه وعترتي أهلَ بيتي، ما إن تمسكّتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، وكان صحابياً(١) أدرك النبي(ص) وسمع حديثه، ثمّ انقطع حبيب رضوان اللَّه عليه بعد رحيل رسول اللَّه(ص) إلى أمير المؤمنين(ع) وشارك في حروبه الثلاثة الجمل، وصفّين، والنهروان، وكان موضع عناية الإمام أمير المؤمنين(ع) حيث تفضّل عليه وعلّمه العلم النافع، وكرّمه ببعض أسراره، وذلك لما عَلِمَ الإمامُ(ع) طيبَ ذاتِه، وصلاح سريرته، وسلامة نيّته.

قال السيّد الأمين؛ في (أعيان الشيعة): كان حبيب من الرجال السبعين الذين نصروا الحسين(ع) ولقوا جبال الحديد واستقبلوا الرّماح بصدورهم، والسيوف بوجوههم، وهم يعرض عليهم الأمان والأموال فيأبون ويقولون لا عذر لنا عند رسول اللَّه(ص) إنْ قُتلَ الحسين ومنا عين تطرف حتى قُتّلوا حوله رحمهم اللَّه تعالى(٢) .

____________________

(١) لم يكن حبيب بن مظهّر الأسدي الصحابي الوحيد الذي نال الشهادة مع الإمام الحسين(ع) في واقعة الطّف بل كان مع أربعة آخرين، يقول المحقّق الشيخ السماوي في (ابصار العين): قتل من أصحاب رسول اللَّه(ص) مع الإمام الحسين(ع) خمسةُ نفر في الطّف، أنس بن الحرث الكاهلي، ذكره جميع المؤرّخين، وحبيب بن مظّهر الأسدي، ذكره ابن حجر، ومسلم بن عوسجة الأسدي ذكره ابن سعد في الطبقات، وفي الكوفة هاني بن عروة المرادي، فقد ذكره الجميع انه قارب الثمانين من العمر، وعبداللَّه بن يقطر الحميري، ذكره ابن حجر، وكان لدة الحسين(ع) أي ولد في نفس سنة ميلاد الحسين(ع).

(٢) أعيان الشيعة - المجلد الرابع: ص٥٥٣.


وفي مجالس المؤمنين عن روضة الشهداء أنّه قال: حبيب بن مظاهر رجلٌ ذو جمال وكمال، وفي يوم وقعة كربلاء كان عمره ٧٥ سنة وكان يحفظ القرآن كلّه، ويختمُهُ في كلّ ليلة من بعد صلاة العِشاء إلى طلوع الفجر(١) .

وقال الشيخ السماوي في (ابصار العين): قال أهلُ السيَر أنّ حبيباً نزل الكوفة وصحب أمير المؤمنين(ع) في حروبه كلّها، وكان من خاصّته وحملة علومه.

ومن جملة العلوم التي تعلّمها حبيب رضوان اللَّه عليه من أمير المؤمنين(ع) هو علم البلايا والمنايا، وهو علم شريف يعرف فيه آجال الناس والحوادث والفتن والوقائع، قال الشيخ السماوي في (ابصار العين): روى الكشّي عن فضيل بن الزبير قال مرّ ميثم التمّار على فرسٍ له فاستقبله حبيب بن مظاهر الأسدي فتحادثا ثمّ قال حبيب: لكأني بشيخ أصلع ضخم البطن يبيع البطيخ عند دار الرزق -في الكوفة- قد صلبَ في حبّ أهل بيت نبيّه، فتبقر بطنُهُ على الخشبة، فقال ميثم: واني لأعرفُ رجلاً أحمر له ضفيرتان يخرج لنصرةِ ابن بنت نبيّه فيقتل ويجالُ برأسه في الكوفة ثمّ افترقا فقال أهل المجلس ما رأينا أكذبَ من هذين، فلم يفترق المجلس -لم يتفرّق الناس- حتى أقبل رُشَيدُ الهَجَري فطلبهما فقالوا افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا فقال رشيد رحمَ اللَّه ميثماً نسيَ شيئاً

____________________

(١) اعيان الشيعة - المجلد الرابع: ص٥٥٤.


وهو أنّه يزاد في عطاء الذي يجي‏ء بالرأس مائة درهم ثمّ ذهب فقال القوم هذا واللَّهِ أكذبُهم، فما ذهبت الأيام والليالي حتى رأينا ميثماً مصلوباً على باب عمرو ابن حريث وجي‏ء برأس حبيب وقد قتل مع الإمام الحسين(ع)، ورأينا كلّ ما قالوا(١) .

وروى الشيخ المجلسي(ره) في (البحار) عن عليّ بن الحكم قال: من أصفياء أصحاب عليّ أمير المؤمنين(ع) عمرو بن الحَمقْ الخزاعي، وميثم التمّار، ورُشَيْد الهَجَري وحبيب بن مظاهر، ومحمّد بن أبي بكر(٢) .

ومّما زاد في شرفه وعلوِّ رتبته دفنُهُ بعد شهادته عند رأس الإمام الحسين(ع) متميّزاً عن بقية الشهداء، وكان ذلك بأمر الإمام زين العابدين(ع)، فصارَ وكأنّه بوّاب الحسين(ع) بعد شهادته يبدأ به الدّاخل وينتهي به الخارج من الحائر الحسيني الشريف.

حكى أحد العُلماء أنّ رجلاً صالحاً رأى حبيب بن مظاهر الأسدي في الرؤيا فقال له: سيدي يا حبيب لقد حزت الخير من جوانبه كلّها فأنت صحابيّ أدركت رسول اللَّه(ص) وسمعت حديثه ثمّ جئت إلى الكوفة ولازمت أمير المؤمنين(ع) وشاركت في حروبه كلّها، ثمّ صاحبت الإمام الحسين(ع) ونلت الشهادة بين يديه فأنتم سادات الشهداء لا يسبقكم سابق ولا يلحقكم لاحق، وهذا قبرك بعد الموت -الشهادة- فأنت باب

____________________

(١) ابصار العين: ص٥٧.

(٢) اعيان الشيعة - المجلد الرابع: ص٥٥٤.


الحسين(ع) يدخل الزائر فيسلّم عليك أولاً ولا يخرج حتى يسلّم عليك ثانياً، ومكانك في اعلا عليّين مع الأنبياء والصدّيقين وحسن أولئك رفيقا، فهل بقي في قلبك شي‏ء؟ أم هل بقيت لك أمنية تتمنّاها بعد هذا الإكرام؟ قال حبيب: نعم أتمنى أن أعود إلى الدنيا وأحضر مع المؤمنين في مجلس الحسين وأبكي مع الباكين وأندب مع النادبين.

وروى الطبري في تأريخه وتبعهُ ابنُ الأثير أنّ حبيب بن مظاهر كان من جملة الذين كتبوا إلى الإمام الحسين(ع) لما امتنع من بيعة يزيد وخرج إلى مكّة، وكانت صورة الكتاب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم لحسين بن علي(ع) من سليمان بن صُرد والمـُسيّب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب ابن مظاهر وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة. سلامٌ عليك(١) فإنّما نحمد إليك اللَّه الذي لا إله إلّا هو، أمّا بعد: فالحمدُ للَّه الذي قصمَ عدوّك الجبّار العنيد الذي انتزى على هذه الاُمّة فابتزّها وغصبها فيأها، وتأمّر عليها بغير رضىً منها، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارَها وجعل مال اللَّه دُوْلةً بين جبابرتها وأغنيائها فبعداً له كما بعُدت ثمود، إنّه ليس علينا إمامٌ فأقبل لعلّ اللَّه يجمعنا بك على الحق، والنعمان(٢) بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعةٍ ولا نخرج معه إلى عيد ولو قد بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام ان شاء اللَّه والسلام ورحمة اللَّه وبركاته عليك(٣) .

____________________

(١) المقصود من العدو هنا هو معاوية بن أبي سفيان.

(٢) النعمان بن بشير الأنصاري كان والياً على الكوفة أيام معاوية، فأقرّه عليها يزيد بعد هلاك معاوية.

(٣) أعيان الشيعة - المجلد الرابع: ص٥٥٤.


و لما دخل مسلم بن عقيل(ع) الكوفة جعل حبيب بن مظاهر ومسلم ابن عوسجة يأخذان البيعة للحسين(ع) في الكوفة، حتى إذا دخل عبيداللَّه ابن زياد الكوفة وخذّل أهلها عن مسلم وفرّ أنصاره حبسهما عشيرتاهما واخفياهما، فلمّا نزل الإمام الحسين كربلاء خرجا إليه مختفين يسيران الليل ويكتمان النهار حتى وصلا إليه(١) .

وفي كيفيّة لحوق حبيب بن مظاهر الأسدي بالإمام الحسين(ع)، ذكر صاحب كتاب ثمرات الأعواد: انّه لما نزل الحسين(ع) كربلاء عقد اثني عشر رايةً وقسّمها على أصحابه فبقيت واحدة في يده فأقبل إليه رجلٌ من أصحابه وقال: سيدي سلّمني هذه الراية، قال(ع): أنت نعم الرجل ولكن لهذه الراية رجلاً يركّزها في صدور القوم وهو يعرفني حقّ المعرفة، وسأكتب إليه كتاباً يأتي ان شاء اللَّه تعالى، فقال الرجل: سيدي ومَن تعني بذلك؟ قال: أعني حبيب بن مظاهر الأسدي فقال الرجل: إنّه لكفؤٌ كريم قال الراوي ثمّ دعا الإمام(ع) بدوات وبياض وكتب إليه كتاباً يقول فيه بسم اللَّه الرحمن الرحيم من الحسين بن علي بن أبي طالب(ع) إلى أخيه النجيب حبيب، أما بعد يا حبيب فقد نزلنا كربلاء وقد بانت من أهل الكوفة الخيانة كما خانوا بأبي سابقاً وبأخي لاحقاً فإن كنت يا حبيب تروم أن تحظى بالسعادة الأبديّة فبادر إلى نصرتنا والسلام. ثمّ ختم الكتاب بخاتمه الشريف

____________________

(١) ابصار العين: ص٥٧.


ودفعه إلى رجل من أصحابه فأقبل به حتى دخل الكوفة وسلّم الكتاب لحبيب فأخذه وقبّله ووضعه على عينه وعلى رأسه وفتحه فعندما علم بأنّ الحسين(ع) يستنصره قال: أفديه بنفسي وأهلي وولدي ثمّ قال للرسول ابلغ سيّدي السلام وقل له يأتي إن شاء اللَّه تعالى، ثمّ خرج الرسول فجاءت إليه زوجته وقالت: يا أبا القاسم سمعت كلمات حدّثك بها الرسول فقال حبيب لا يشعر بسرّنا أحد فقالت له: إن لم تمض لنصرة سيدي الحسين(ع) لألبسنّ ملبوس الرجال وأمضي لنصرته، ولسان حال هذه المرأة الموالية الصادقة:

ياحبيب ابن البتولة لا تخلّي نصرته

حاير ويكسر الخاطر لو تعاين حالته

* * *

ابكربله ‏يگولون ‏سبط المصطفى حط الخيم

وماله ناصر ياحبيب وعنده اطفال وحرم

وان كان راح حسين ما يرتفع للشيعةعلم

ترضه آنه بالخدر وحسين تهتك نسوته

* * *

وگفت اتنخّي أوتنادي والعيون مدمّعه

ان كان ماتنهض ابهمّة وتطب ذيك المعمعة

جيب العمامة يبن عمي اوخذ هل مقنعه

ظل حبيب ‏ايعاين الهااوغصب هلّت دمعته

* * *


صاح مايحتاج هل نخوه وبطلي امن الحنين

وآنه عبد ابن الرسول وعبد امير المؤمنين

ذاب گلبي من سمعت بكربله خيّم حسين

واسمع يگولون أرذال الأعاديحاطته

ثمّ نهض حبيب وقال لغلامه خذ الجواد وانتظرني خارج البساتين فذهب الغلام، وودّع حبيب أهله وعياله ثمّ خرج حتى إذا صار قريباً من العبد سمع الغلام يكلّم الجواد وهو يقول: يا جواد ان لم يأتك صاحبك لأعلونّك وأمضي بك لنصرة سيّدي الحسين(ع) فلمّا سمع حبيب ذلك بكى وقال: بأبي أنت وأُمّي يا أبا عبداللَّه العبيد تريد نصرتك فكيف بنا ثمّ التفت إلى الغلام وقال له: اذهب أنت حرٌّ لوجه اللَّه فوقع الغلام على قدميه وهو يقول: سيدي يا حبيب أيسرّك أن تمضي إلى الجنّة وأنا أمضي إلى النار لا كان ذلك أبداً بل أمضي معك لنصرة سيّدي الحسين(ع) فقال له: بارك اللَّه فيك فأردفه خلفه وجاء حتى ورد كربلاء في اليوم الثامن من المحرّم، وكان الإمام(ع) جالساً في خيمته ومعه اخوته وأولاده وأصحابه اذ التفت إلى أصحابه وقال لهم هذا حبيب قد أقبل ثمّ انّه لما قرب من خيام الإمام الحسين(ع) نزل من على ظهر جواده إلى الأرض وأقبل يمشي حتى دخل على الإمام(ع) ووقع على قدميه يقبّلهما وهو يبكي ويقول: سيّدي لعن اللَّه غادريك، واستبشر أصحاب الحسين(ع) وأهل بيته بقدوم حبيب بن مظاهر الأسدي، وسألت العقيلة زينب(ع) مَنْ القادم؟ قالوا لها حبيب بن مظاهر الأسدي قالت: أبلغوه عنّي السلام، فلمّا أبلغوه السلام لطم وجهه وحثى


التراب على رأسه وهو يقول: ومَن أنا حتى تسلّم عليّ عقيلة الطالبيين ثمّ استأذن الإمام الحسين(ع) أن يسلّم عليها، فأذن له الإمام(ع) فسلّم عليها، وما زال مأنوساً بخدمة الإمام الحسين(ع) وأهل بيته حتى صار يوم العاشر فصفّ الإمام أصحابه للحرب فجعل حبيب بن مظاهر في الميسرة فكان يحمل على الأعداء مع بقية الأصحاب ورجالات أهل البيت: حتى صار وقت صلاة الظهر فقال أبو ثمامة الصائدي للإمام(ع): نفسي لك الفداء اني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك ولا واللَّه لا تُقتل حتى أُقتل دونك وأحبّ أن ألقى اللَّه وقد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها، فرفع الإمام(ع) رأسه إلى السماء وقال: ذكرت الصلاة جعلك اللَّه من المصلّين الذاكرين، نعم هذا أوّل وقتها سلوهم أن يكفّوا عنّا حتى نصلّي فقال الحصين صلّ ياحسين فإنّ صلاتك لا تُقبل!! فقال له حبيب: أوتقبل صلاتك يابن اليهودية؟! فغضب الحصين لعنه اللَّه وبرز إليه قائلاً:

دونك ضربُ السيف ياحبيبُ

وافاك ليثٌ بطلٌ نجيب

في كفّه مهنّدٌ قضيبُ

من لمعةٍ كأنّه حليبُ

فلمّا سمع حبيب كلام اللعين ودّع الإمام(ع) وقال: إنّي أُحبُّ أن أتمّ صلاتي في الجنّة فبرز إليه وهو يقول:

أنا حبيبٌ وأبي مظهّرُ

فارسُ هيجاءٍ وحربٍ تسعَرُ

وفي يميني صارمٌ مذكّرُ

وأنتمُ ذو عددٍ وأكثرُ

ونحنُ منكم في الحروبِ أصبَرُ

أيضاً وفي كلِّ الاُمور أبصَر


فحمل عليه كالأسد وضايقه وضربه على أمّ رأسه، وقطع خيشوم جواده وهمّ أن يقطع رأسه فحمل عليه أصحابه واستنقذوه من بين يدي البطل الموالي حبيب، وما زال رضوان اللَّه عليه في صولةٍ وجولة مع القوم حتى اجتمعوا عليه من كلّ جانب فضربه بديل بن صريم بسيفه وطعنه آخر برمحه فوقع على الأرض صريعاً فنزل إليه التميمي واحتز رأسه، فأتاه الإمام الحسين(ع) فرآه بتلك الحالة فقال: عند اللَّه أحتسب نفسي وحماة أصحابي، للَّه درّك يا حبيب لقد كنت فاضلاً تختم القرآن في ليلةٍ واحدة، قال أبو مخنف: إنّه لما قتل حبيب بن مظاهر هدّ مقتلُهُ الحسين(ع).

إن يهدّ الحسينَ قتلُ حبيبٍ

فلقد هدّ قتلُهُ كلَّ ركنِ

بطلٌ قد لقى جبال الأعادي

من حديدٍ فردّها كالعهنِ

قتلوا منه للحسين حبيباً

جامعاً في معاليه كلّ حسنِ

ولسان حال الإمام الحسين(ع):

ساعد اللَّه أبواليمّه على الثرى شاف الحبيب

نايم ومگطوع راسه والجسد منّه خضيب

صاح عنداللَّه‏احتسبهم من عضيدومن حبيب

رحتوا يصحابي وتركتوني أعاني بغربتي

* * *


شلون اشوفنكم ضحايا وما أهل دمعة العين

حولكم ابكي يشيعه وبالخيم زاد الونين

زينب تعزّي ابوهه المرتضى وجدهه الأمين

او للخيم محني الظهر رديت انشف دمعتي

* * *

نصروا ابن بنت نبيّهم طوبى لهم

نالوا بنصرتِهِ مراتبَ ساميه

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة السادسة المجلس الثاني عشر

شقاء عمر بن سعد وسعادة الحُرّ

ديارٌ تذكّرتُ نزّالها

فروِّيَتُ بالدّمعِ أطلالَها

فكانت رجاءً لمـَن أَمَّها

بها تبلغ الوفدُ آمالها

وكم منزلٍ قد سمى بالنزيلِ

ولو طاولتهُ السّما طالها

بنفسي كراماً سخت بالنّفوسِ

بيومٍ سمَت فيه أمثالها

وخفّوا سراعاً لنصرِ الحسين

وقد أبدت الحربُ أثقالها

رأت أنّ في الموتِ طولَ الحياة

فكادت تسابقُ آجالها

إلى أن أُبيدوا بسيفِ العدى

ونال الشّهادةَ مَن نالها

ولم يبقَ للسبطِ من ناصرٍ

يُلاقي من الحربِ أهوالها

بنفسي فريداً أحاطت به

عداهُ وجاهدَ أبطالها

ويرعى الوغى وخيامَ النّساء

فعينٌ لهنّ وأخرى لها(١)

* * *

كفوف القدر يصحابي لونكم

أعاتبكم وروحي تون لونكم

تگومون وتشوفوني لونكم

وحيد وحاطت العدوان بيّه

* * *

____________________

(١) القصيدة من نظم المرحوم الشيخ محمد علي الأعسم (ره). تقدّم ذكر ترجمته في ص٥٤.


قال اللَّه تعالى:( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) (١) .

قال المرحوم الشيخ الطبرسي في -مجمع البيان- في تفسير هذه الآية الكريمة( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ ) اي بيّنا له الطريق، ونصبنا له الأدلّة، وأزحنا عنه العلّة حتى يتمكّن من معرفة الحق والباطل( إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) قال الزجّاج معناه ليختار إمّا السعادة وإمّا الشقاوة، والمراد إمّا أن يختار بحسن اختياره الشكرَ للَّه تعالى والإعتراف بنعمِهِ فيصيب الحظ، وإمّا أن يكفر نعَمَ اللَّه ويجحَدْ إحسانَهُ فيكون ضالاً عن الصواب، فأيّهما اختار جوزي عليه بحسبه، وهذا كقوله تعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر(٢) .

هذه الآية الشريفة صريحةٌ في أنّ ما يختاره الإنسان لنفسه ويرتضيه لها انّما هو بمحض اختياره وإرادته لا دخلَ لأحدٍ في ذلك، فلو اختار الإنسان الهدى -الإيمان- وسار عليه، أو اختار العمى -الكفر- وسار عليه، لكان ذلك الاختيار من قِبَلِهِ هو ليس غير، وذلك لأنّ اللَّه تعالى جعل في كلّ انسان قوّةً يعلم بها الخير ويميّزه عن الشرّ، وتلك هي العقل وبه أصبح الإنسان إنساناً، ففي اصول الكافي بسنده إلى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (الباقر)(ع) قال: لما خلق اللَّه العقل قال له: أقبل فأقبل ثمّ قال له: أدبر فأدبر فقال: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحسنَ منك إيّاك آمر وإيّاك أنهى، وإيّاك أثيب وإيّاك أُعاقب(٣) .

____________________

(١) سورة الإنسان: الآية ٣.

(٢) مجمع البيان: ج٥ ص٤٠٧.

(٣) اُصول الكافي: ج١ ص٢٦ ح ٢٦.


إذن فالثواب والعقاب يكونان نتيجةً حتمية لما يختاره الإنسان العاقل في دار الدنيا، فإن اختار طريق الهدى كانت عاقبتُهُ النجاة، وإن اختار الضلال كانت عاقبتُهُ الهلاك، وانّ من أوضح أمثلة تقديم العمى على الهدى هو عمر بن سعد بن أبي وقاص، وتقديم الهدى على العمى هو الحر بن يزيد الرياحي، وهلمّ معي لنعرف قصّة هذين الرجلين فإنّ فيها موعظةً بليغة.

أمّا عمر بن سعد فقد كان قبل خروجه إلى كربلاء معسكراً بـ (حَمام أعين) في أربعة آلاف ليسير بهم إلى (دستبي) لأنّ الدّيلم قد غلبوا عليها، وكتب له ابن‏زياد عهداً بولاية الرّي وثغر دستبي والديلم(١) ، فغيّر ابن زياد الوجهة وطلب من عمر بن سعد أن يذهب لقتال الإمام الحسين(ع)، فلم يقبل ابن سعد فطالبه ابن زياد باسترداد العهد الذي كتب له بولاية الرّي، فاستمهله ليلةً واحدة قال ابن زياد: قد أمهلتك، فانصرف عمر بن سعد إلى منزله وجعل يستشير قومه وإخوانه ومن يثق به من أصحابه، فلم يشر عليه أحدٌ بذلك، وكان عنده رجلٌ من أهل الخير يُقال له كامل وكان صديقاً لأبيه فقاله له: يا عمر ما لي أراك بهيئة وحركة؟ ماالذي أنت عازمٌ عليه؟ فقال: اني قد ولّيتُ هذا الأمر في حرب الحسين واذا قتلته خرجت إلى ملك الرّي فقال له: أُفٍ لك أتريد ياابن سعد أن تقتل الحسين بن بنت رسول اللَّه؟ أُفٍ لك ولدينك يا عمر أسفهت الحقّ وضللتَ الهدى، أما تعلم إلى حرب مَن تخرج؟ ولِ’مَن تُقاتل؟ إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون.

واللَّهِ لو أُعطيتُ الدنيا وما فيها على قتل رجلٍ واحدٍ من أُمّة

____________________

(١) دستبي: كورة واسعة بين همدان والرّي - مقتل المقرّم. (من الحاشية)


محمد(ص) لما فعلت فكيف بك وأنت تريد قتل الحسين ابن بنت رسول اللَّه(ص)؟ وما الذي تقول غداً لرسول اللَّه(ص) إذا وردت عليه وقد قتلت ولده وقرّة عينه وثمرة فؤاده وابن سيّدة نساء العالمين وابن سيّد الوصيين وهو سيّد شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين وانه في زماننا هذا بمنزلة جدّه في زمانه، وطاعتُهُ فرضٌ علينا كطاعته، وانّه بابُ الجنّة والنار، فاختر لنفسك ما أنت مختار، واني أشهد باللَّه إن حاربته أو قتلته أو أعنت عليه أو على قتله لا تلبث في الدنيا بعده إلا قليلاً، فقال عمر: فبالموت تخوّفني وإنّي إذا فرغتُ من قتله أكون أميراً على سبعين ألف فارس، وأتولّى ملك الرّي(١) .

وممّن نهاه عن المسير لحرب الإمام الحسين(ع) ابنُ اُخته حمزة بن المغيرة بن شعبة فقال له: اُنشدك اللَّه أن لا تسير لحرب الحسين فتقطع رحمك وتأثم بربّكِ فواللَّه لئن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلّه لو كان لك لكانَ خيراً لك من أن تلقى اللَّه بدم الحسين فقال عمر بن سعد أفعل إن شاء اللَّه، وبات ليلته مفكّراً في أمره، وسُمِعَ يقول(٢) :

فواللَّهِ لا أدري وإنّي لحائرٌ

أفكِّرُ في أمري على خطرَينِ

أأتركُ مُلكَ الرّيّ والريُّ منيتي

أم أرجعُ مأثوماً بقتلِ حسينِ

حسينُ ابنُ عمّي والحوادثُ جمّةٌ

لعمري ولي في الرّي قرّةُ عيني

____________________

(١) بحار الأنوار: ج٤٤ ص٣٠٦.

(٢) مقتل المقرّم: ص٢٣٧.


ألا إنّما الدنيا بخيرٍ معجّلٍ

وما عاقلٌ باعَ الوجودَ بدينِ

يقولون إنّ اللَّهَ خالقُ جنّةٍ

ونارٍ وتعذيبٍ وغِلِّ يدينِ

فإن صدقوا فيما يقولون إنّني

أتوبُ إلى الرحمنِ من سنتينِ

وإن كذبوا فزنا بدنياً عظيمةٍ

ومُلكٍ عقيمٍ دائمِ الحَجَلَيْنِ(١)

في كتاب (تذكرة الخواص) قال محمّد بن سيرين: وقد ظهرت كرامات عليّ بن أبي طالب(ع) في هذا، فإنّه لقى عمر بن سعد يوماً وهو شاب فقال: ويحك ياابن سعد كيف بك إذا قمت يوماً مقاماً تخيّر فيه بين الجنّة والنّار فتختار النار(٢) .

ثمّ أتى عمر بن سعد لعبيداللَّه بن زياد وقال له: انّك ولّيتني هذا العمل(٣) ، وسمع الناس به، فإن رأيت أن تنفّذ لي ذلك فافعل وابعث إلى الحسين(ع) من أشراف الكوفة مَن لست أغنى ولا أجرأ في الحرب منه، وسمّى له أُناساً فقال له ابن زياد: لستُ أستأمرك فيمن أُريدُ أن أبعث فإن سرتَ بجندنا وإلّا فابعث إلينا بعهدنا على الرّي قال ابن سعد: فإني سائر وفعلاً أقبل في ذلك الجيش ونزل به كربلاء لقتال الحسين(ع)(٤) .

____________________

لأن عمر هو ابن سعد بن أبي وقّاص. وأبو الوقّاص هو مالك بن أهيب بن عبدمناف وعبدمناف جدّ النبي(ص).

(١) قال في المنجد: يوم محجّل أي مضي‏ء ومشرق بالسرور.

(٢) تذكرة الخواص للعلّامة سبط ابن الجوزي: ص٢٤٧.

(٣) وهو ان عبيداللَّه بن زياد أمّره على أربعة آلاف ليسير إلى (دستبي) حيث غلب عليها الديلم، وكتب له عهداً بولاية الرّي.

(٤) نفس المهموم: ص٢١ بتصرّف.


وكان عمر بن سعد أوَّلَ من رمى سهماً نحو خيام الإمام الحسين(ع) وهو يقول: اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّلُ من رمى، وهكذا إلى أن جرّه سوءُ اختياره لقتل الحسين(ع) وسبي عياله، ولكنّه لما وصلَ إلى عبيداللَّه ابن زياد لم يجد عنده ملك الرّي ولا شيئاً ممّا كان يتمنّى وطرد من قصر الإمارة شرّ طرده، وما مضت مدّة طويلة حتى ظهر المختار وقتل هذا اللعين شرّ قتلة وعجّل بروحه إلى جهنم، ألا لعنة اللَّه على الظالمين.

فتبصّر تبصر هداك إلى الحقّ

فليس الأعمى به كالبصيرِ

ليس ‏تعمى العيون‏ لكنّما

تعمى ‏القلوب ُ‏التي‏ انطوت ‏في‏ الصّدور

وأمّا الذي قدّم الهدى واختاره على العمى فهو الحر بن يزيد الرّياحي رضوان اللَّه تعالى عليه، فإنّه كان أوّل أمره قائداً من قوّاد جيش عبيداللَّه بن زياد، وقد جعله آمراً على ألف فارس، وأرسله لمعارضة الإمام الحسين(ع) في الطريق ثمّ ليضيّق عليه بعد ذلك حتى يدخله الكوفة، ولكنّ الإمام الحسين(ع) اختار طريقاً آخر أوصله إلى كربلاء، وقبل أن يفوت الوقت وتمرّ الفرصة حكّم الحرُّ عقلَهُ وعاد إلى رشده وفكّر بين البقاء في معسكر أعداء اللَّه وبين الإنتقال إلى معسكر أحباء اللَّه تعالى فاختار الثاني، لأنّ العقل نبيّ باطن ما خاب أبداً من حكّمه وقبل حكمه.

ففي اُصول الكافي: من وصيّة الإمام باب الحوائج موسى بن جعفر(ع) لهشام قال: يا هشام إنّ للَّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة وحجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرّسل والأنبياء والأئمة: وأمّا الباطنة فالعقول(١) .

____________________

(١) اُصول الكافي: ج١ ص١٦.


قال الشيخ السماوي في (ابصار العين): روى الشيخ ابن نما أنّ الحرّ لما أخرجه ابنُ زياد إلى الحسين وخرج من القصر نودي من خلفه: أبشر يا حرّ بالجنّة قال: فالتفت فلم ير أحداً فقال في نفسه واللَّه ما هذه بشارة وأنا أسيرُ إلى حربِ الحسين(ع)، وما كان يحدّث نفسه بالجنّة، فلمّا صار مع الإمام الحسين(ع) قصّ عليه الخبر فقال له الإمام الحسين(ع): لقد أصبت أجراً وخيراً(١) .

والحق أنّ الحرّ كان مؤدّباً مع الإمام الحسين(ع) عندما اجتمع به في الطريق في الخبر الآتي ذكرُهُ، ولعلّ هذا الأدب كان جزء السّبب في هداية هذا الشهيد الخالد:

ففي الخبر المعروف حين التقى الحرُّ وأصحابُهُ مع الإمام الحسين(ع) وأهله وأصحابه حدث شيئان يدلّان على أدب الحرّ العالي وهما:

١ - صلّى الحر خلف الإمام الحسين(ع) صلاتي الظهر والعصر، وذلك عندما قال الإمام(ع) للحر صلّ بأصحابك وأصلّي بأصحابي قال: بل تصلّي ونصلّي بصلاتك.

٢ - بعد صلاة العصر أراد الإمام(ع) الانصراف بمن معه فحال القوم بينه وبين الحركة فقال الإمام(ع) عندها للحر: ثكلتك أمّك ما تريد؟ فقال الحر: اما واللَّه لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل هذه الحالة التي

____________________

(١) ابصار العين: ص١١٦.


دنا منهم قلبَ تُرْسهُ(١) فقالوا مستأمن -طالب الأمان- حتى إذا عرفوه سلّم على الإمام الحسين(ع) وقال:

جعلني اللَّه فداك يابن رسول اللَّه أنا صاحبُك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان، واللَّه الذي لا إله إلّا هو ما ظننتُ أنّ القوم يردّونَ عليك ما عرضت عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، واني قد جئتك تائباً ممّا كان مني إلى ربي ومواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك افترى لي توبة؟ قال الإمام(ع): نعم يتوب اللَّه عليك ويغفر لك فانزل قال: أنا لك فارساً خيرٌ مني راجلاً أقاتلهم على فرسي ساعة والى النزول يصير آخر أمري قال(ع): فاصنع ما بدا لك.

ثمّ تقدّم أمام الأصحاب ثمّ قال: أيّها القوم أما تقبلون من الحسين(ع) هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم اللَّه من حربه قالوا: كلّم الأمير عمر بن سعد فكلّمه فقال عمر: قد حرصت ولو وجدت إلى ذلك سبيلاً فعلت، عندها التفت الحر إلى أهل الكوفة وقال: يا أهل الكوفة لأمّكم الهبل والعَبر دعوتم ابن رسول اللَّه(ص) حتى إذا أتاكم أسلمتموه؟ وزعمتم أنّكم قاتلوا أنفسكم دونه ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه، امسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كلّ جانب لتمنعوه التوجّه في بلاد اللَّه العريضة حتى يأمنَ ويأمن أهلُ بيته فأصبح في أيديكم كالأسير منعتموه ونساءَه وصبيَتَهُ وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والنصراني وتمرّغ فيه خنازير السواد وكلابه فهاهم قد صرعهم العطش بئسما خَلَفْتُم

____________________

(١) التُرْس - جمعة أتراس: صفحة من الفولاذ تحمل للوقاية من السّيف.


محمد(ص) في ذريّته لا سقاكم اللَّهُ يوم الظما إن لم تتوبوا وتنزعوا عمّا انتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه، فحملوا عليه يرمونه بالسهام فأقبل حتى وقف أمام الإمام الحسين(ع) سيدي كنت أوّل خارج عليك فأذن لي أن أكون أوّل قتيل بين يديك فأذن له الإمام فبرز وهو يقول:

إني أنا الحرُّ ومأوى الضيف

أضرب في أعناقكم بالسيفِ

عن خيرِ مَن حلّ بأرضِ الخَيف

أضربكم ولا أرى من حيفِ

فلم يزل يُقاتل حتى قتل جمعاً كثيراً ثمّ عقروا فرسه وبقي يُقاتل راجلاً حتى قتل أربعين فارساً وخمسة عشر راجلاً فتكاثروا عليه وقتلوه رضوان اللَّه تعالى عليه.

و لما قُتل مشى لمصرعه الحسين(ع) وجلس عند رأسه وهو يقول: أنت حرٌّ كما سمّتك أُمّك حرٌّ في الدنيا وسعيدٌ في الآخرة، ورثاه عليّ بن الحسين(ع):

لنعمَ الحرُّ حرُّ بني رياحِ

صبورٌ عند مشتبك الرّماحِ

ونعم الحرُّ إذ واسى حسيناً

وجاد بنفسه عند الصباحِ

ولسان الحال:

صال وجال بالعسكر بهمّه

ودفع العدو عن حسين همّه

يوسفه طاح وتخضّب بدمّه

ولفاه امن الخيم يبچي ابو اليمّه


حسين ورفع راسه وگعد يمّه

مسح بيده جبينه وصاح باسمه

حر وما خطت من سمّته اُمّه

وعندما انتهت المعركة جاء الأعداء وفصلوا رؤوس الشهداء عن أجسادهم، وعندما وصلوا إلى الحر قامت عشيرتهُ بنو رياح وقالوا: لا واللَّه لا يفصل رأس زعيمنا وفينا عِرق يضرب فقال عمر بن سعد: دعوا لبني رياح زعيمهم فحملوه أمام أنظار بنات رسول اللَّه(ص) ولسان الحال:

الحر للعدل خط رايه ولا ظل

بحر الشمس لا كاسر ولا ظل

العشيره شالته الجسمه ولا ظل

الماعدهم اهل ظلّوا رمي

ويقول الآخر:

العشيره شالته بحرّ الظهيره

الكل منهم عليه شالته الغيره

بس ظلّوا الماعدهم عشيره

عرايه اعله الثره من غير تغسي

* * *

جادوا بأنفسهم عن نفسِ سيّدهم

والجودُ بالنفس اقصى غاية الجود

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة السابعة المجلس الثالث عشر

فضلُ أبي الفضل العباس(ع)

هيهاتَ أن تجفو السُّهادَ جفوني

أو أنّ داعيةَ الأسى تجفوني

أنّى ويومُ الطفِّ أضرمَ في الحشا

جذواتِ وجدٍ من لضى سجينِ

يومٌ أبو الفضلِ استفزّت بأسَهُ

فتياتُ فاطمَ من بني ياسينِ

في خيرِ أنصارٍ براهم ربُّهُمْ

للدّينِ أوّلَ عالَمِ التكوينِ

فأغاث صبيَته الظّما بمزادةٍ

من ماءِ مرصودِ الوشيج معينِ

حتى إذا قطعوا عليه طريقَهُ

بسدادِ جيشٍ بارزٍ وكمينِ

ودعتُه أسرارُ القضا لشهادةٍ

رسمت له في لوحها المكنونِ

حسموا يديه وهامَهُ ضربوه في

عَمدِ الحديدِ فخرّ خيرَ طعينِ

ومشى إليه السبطُ ينعاه كسر

تَ الآن ظهري ياأخي ومعيني

عباسُ كبشَ كتيبتي وكنانتي

وسريَّ قومي بل أعزَّ حصوني

ياساعدي في كلِّ معتركٍ به

أسطو وسيفَ حمايتي بيميني

لمن اللِوى أُعطي ومَن هو جامعٌ

شملي وفي ضنكِ الزّحام يقيني

عبّاسُ تسمعُ زينباً تدعوك مَن

لي ياحمايَ إذا العدى نهروني

أولستَ تسمعُ ما تقول سكينة

عمَّاهُ يوم الأسر مَن يحميني(١)

____________________

(١) القصيدة من نظم المرحوم الشيخ حسن قفطان(ره).

قال السيد جواد شبر في (أدب الطف) الجزء السابع ص١٠٦:

ولد في النجف الأشرف سنة ١١٩٩ه ، وكان فاضلاً ناسكاً تقيّاً محبّاً للأئمة الطاهرين، وأكثر


كفوفة مگطوعات والراس انطبر

وسال دمع حسين يشبه للمطر

وصاح ياخوية الظهر منّي انكسر

يابدرنه شلون غطّاك الخسوف

* * *

رحت عني وانته لي سور الحديد

فجعت گلبي والعدة صار إله عيد

شلون أظل بعدك يبو فاضل وحيد

وتجمّعت كوفانها وصارت الوف

* * *

كنت أعذل ولوم اليون ونه

وصرت أنشد بيوت الحزن ونه

اويلي شلون ونّه حسين ونه

على العباس يوم أصبح رمية

* * *

من زيارةِ الإمام أبي عبداللَّه الصادق(ع) لعمّه أبي الفضل العباس(ع): (سلامُ اللَّهِ وسلامُ ملائكَتِهِ المقرَّبينَ وأنبيائِهِ الـمُرسَلينَ وعبادِهِ الصّالحينَ وجميعِ الشُهداءِ والصدّيقينَ والزاكياتُ الطيّباتُ فيما تغتدي وتَروحُ عليكَ يابنَ أمير المؤمنينَ أشهدُ لكَ بالتسليمِ والتّصديقِ والوفاءِ والنّصيحةِ لِخَلَف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الـمُرسَل والسّبطِ المنتجبِ والدّليلِ العالِمْ والوصيِّ الـمُبلِّغ والمظلومِ المهتضمِ فجزاكَ اللَّهُ عن رسولِهِ وعن أميرِ المؤمنينَ وعن

____________________

شعره فيهم(ع)، درس الفقه على الشيخ علي بن الشيخ الأكبر الشيخ جعفر حتى نبغ فيه وعُدّ من الأعلام الأفاضل، واختصّ أخيراً بصاحب الجواهر وكان يعدّ من أجلّ طلابه وأفاضلهم.

توفي(ره) سنة ١٢٧٥ه ودفن في الصحن العلوي الشريف عند الإيوان الكبير المتصل بمسجد عمران.


الحسنِ والحسينِ صلواتُ اللَّهِ عليهم أفضلَ الجزاءِ بما صَبرْتَ واحتسبتَ وأعَنْتَ فَنعمَ عُقبى الدّار)(١) .

بهذه الكلمات المضيئة والعبارات العالية التي تحملُ كلَّ معاني الفضل والتوقير والتّبجيل والاحترام، يعلّم الإمام أبو عبداللَّه الصادق(ع) كافّة المؤمنين والمؤمنات كيفيّة زيارة العبد الصالح أبي الفضل العباس(ع).

قوله(ع): سلام اللَّه وسلام ملائكته...الخ بيانٌ عن جليل مقام أبي الفضل(ع) عند اللَّه تعالى بحيث صار موضعاً لنزول رحمته -سبحانه ورحمة ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده الصالحين وجميع الشُهداء والصدّيقين.

ثمّ عدّد الإمام الصادق(ع) بعض ما انطوت عليه ذاتهُ الإلهيّة من كمالات كانت سبباً لسلام اللَّه وملائكته وأنبيائه وهي: اشهد لك بالتسليم والتصديق والنّصيحة لخلف النبيّ(ص)، وهذه شهادة ثمينة جداً يعرف قيمتها أهل الفضل وقد قيل (لا يعرف الفضلَ إلّا أهلُهُ).

هذه كلمات قليلة أحببت أن تكون مقدّمةً ومفتاحاً ندخل بواسطته إلى رحاب أبي الفضل باب الحوائج لنتعرّف أكثر على هذه الشخصيّة الإسلامية الكبيرة.

ولد(ع) في المدينة يوم الرابع من شعبان سنة ست وعشرين للهجرة فكان هو وأخوه الإمام الحسين(ع) من مصاديق قوله تعالى في التأويل:

____________________

(١) مفاتيح الجنان للمرحوم الشيخ عباس القمّي عن كامل الزيارات لابن قولويه القمّي(ره).


( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ) (١) فمولد الإمام الحسين يوم الثالث من شعبان ومولد العباس(ع)

يوم الرابع منه، ولم يسبق أبوالفضل أخاه أبا عبداللَّه(ع) بقول استفاده منه أو بعملٍ اتبعه فيه ولا بنفسيّة هي ظلّ نفسيّته، ولا بمنقبةٍ هي شعاعُ نوره الأقدس المنطبع في مرآة غرائزه الصقيلة، وقد تابع إمامَه في كلّ أطواره حتى في بروز هيكله القدسي إلى عالم الوجود(٢) .

أمّه السيّدة الجليلة والعالمة الفاضلة اُم البنين فاطمةُ بنتُ حَزام الكلابيّة العامريّة، تزوّجها الإمام أمير المؤمنين(ع) بعد وفاة سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(ع).

قال المحقّق المقرّم في (قمر بني هاشم) فولدت لأمير المؤمنين(ع) أربعةً وهم العبّاس وعبداللَّه وجعفر وعثمان وعاشت بعده مدّة طويلة ولم تتزوّج من غيره، وكانت من النساء الفاضلات العارفات بحقّ أهل البيت: مخلصةً في ولائهم ممحّضةً في مودّتهم ولها عندهم الجاه الوجيه والمحل الرّفيع وقد زارتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة تعزّيها بأولادها الأربعة كما كانت تزورها أيّام العيد.

وبلغ من عظمتها ومعرفتها وتبصّرها بمقام أهل البيت: أنّها لما أدخلت على أمير المؤمنين(ع) وكان الحسنانِ مريضين أخذت تلاطف القول معهما وتلقي إليهما من طيب الكلام ما يأخذ بمجامع القلوب(٣) .

____________________

(١) الشمس / ١و٢.

(٢) قمر بني هاشم للمرحوم السيد عبدالرزاق المقرّم: ص١٧.

(٣) المصدر السابق نفسه: ص١٦.


أمُّ البنينَ طابت الأبناءُ

منك كما قد طابت الآباءُ

بنت الأسودِ من بني عمرو العُلا

أمُّ الحُماةِ والأباةِ النُّبلا

أمُّ أبي الفضل وأمُّ جعفر

وأمُّ عبداللَّه شبل حيدر

وأمُّ عثمانَ الذي سمّاهُ

باسمِ بن مظعونَ الأبُ الأوّاهُ

الأنجبين الطاهرين أنفسا

الأكرمين الطيبينَ مغرسا

آجركِ اللَّهُ وإيّانا فما

أملكُ لو شئتُ أعزّيك فما(١)

وأمّا شأنه فمما لا شكّ فيه هو أن لنفسيّات الآباء ونزعاتهم وكميّاتهم من العلم والخطر أو الإنحطاط والضّعة دخلاً تامّاً في نشأة الأولاد وتربيتهم، لذا تجدُ في الغالب مشاكلةً بين الجيل الأوّل والثاني -الآباء والأبناء- في العادات والأهواء والمعارف والعلوم، وعلى هذا النّاموس(٢) يسعُنا أن نعرف مقدار ما عليه أبو الفضل(ع) من العلم والمعرفة وحسن التربية بنشوئه في البيت العلوي فهو بيت العلم والعمل بيت الجهاد والورع بيت الإيمان والمعرفة.

من هنا يعلم أنّ لم تكن كل البصائر في أبي الفضل(ع) اكتسابيّة بل كان الكثير منها موروثاً من أبيه المفدّى الذي لو كشف له الغطاء ما ازداد يقيناً، فقبل ولادته ووصوله إلى عالم الوجود كان(ع) معدن الذّكاء والفطنة واذن واعية للمعارف الإلهيّة، دعاه أمير المؤمنين(ع) وهو صغير وأجلسه في حجره وقال له: قل واحد فقال واحد فقال له: قل اثنين فامتنع وقال: انّي أستحي أن أقول اثنين بلسان قلت به واحد(٣) .

____________________

(١) المقبولة الحسينية للمرحوم الشيخ هادي كاشف الغطاء: ص٩٩.

(٢) النّاموس هو السرّ.

(٣) أشار أبو الفضل العبّاس بهذه الكلمة الشريفة وذلك بقوله: واحد إلى التوحيد ولا يليق بمن يقرّ بوحدانية اللَّه تعالى أن يجعل له شريكاً في ملكه، ولهذا امتنع أن يقول اثنين بذلك اللسان الذي قال فيه واحد.


إذا أمعنا النظر في هذه الكلمة وهو على عهد نعومةِ أظفاره فلا نجد بُداً من الاقرار بأنّها من أشعّةِ تلك الاشراقات الإلهيّة، فما ظنّك اذن حينما يلتقي هذا الإستعداد الرفيع مع المبادئ الفيّاضة من أبيه سيّد الوصيين واخويه سيّدي شباب أهل الجنّة(١) .

وبعد هذا كلّه فقد حوى أبو الفضل(ع) من صفاء النّفس والعنصر الزّاكي والإخلاص في العمل، والمداومة على العبادات ما فتح له أبواباً من العلم وأوقفه على كنوز المعرفة، وإذا كان الحديث ينصّ على أنّ من أخلص للَّه أربعين صباحاً انفجرت ينابيعُ الحكمة من قلبه على لسانه، اذن فما ظنّك بمن أخلص للَّه طيلة عمره وهو متخلٍّ عن كلّ رذيلة، ومتحلٍّ بكلِّ فضيلة(٢) .

ومن طريف الحديث انّ رجلاً من الأفاضل قد اغترّ بعلمه وبلغ من غروره في ذلك انّه كان في مجلسٍ مع أصحابهِ وجرى ذكر أبي الفضل العباس(ع) وما حمله من المعارف والعلوم الإلهيّة التي امتاز بها على سائر الشُهداء فقال الرجل علمي أكثر من علم العباس(ع)!!

فاستغرب الحاضرون هذه الجرأة وأنكروا عليه ولاموه على هذه البادرة وانتهى المجلس والرجل على غروره لم يتراجع، و لما أصبح الصباح

____________________

(١) قمر بني هاشم: ص٣٨ بتصرّف.

(٢) قمر بني هاشم: ص٣٩ - ٤٠ بتصرّف.


ما كان للجماعة همٌّ إلّا معرفة خبر هذا الرّجل وانّه هل بقي على غيّه أو أنّ الهداية الإلهيّة شملتهُ فقصدوا داره وطرقوا الباب فقيل لهم انه ذهب إلى حرم أبي الفضل العباس(ع)!! فأسرعوا إلى الحرم لمعرفة الخبر فإذا الرجل قد ربط نفسه في الضريح الأقدس بحبل شدّ طرفه بعنقه والآخر بالضريح وهو تائب نادم ممّا فرط فسألوه عن شأنه وخبره فقال:

لما نمتُ البارحة وأنا على الحال الذي فارقتكم عليه رأيت نفسي في مجتمع من أهل الفضل وإذا رجل دخل وهو يقول: إنّ أبا الفضل العباس(ع) قادمٌ إليكم، فأخذ ذكرُهُ من القلوب مأخذاً ثمّ دخل(ع) والنّور الإلهي يسطع من أسارير جبهته والجمالُ العلوي يزهو في محيّاه فاستقرّ على كرسي في صدر المجلس، وقد دخلني من الرّهبة والخوف والقلق شي‏ءٌ كثير لما فرّطت في حقّ أبي الفضل(ع) ثمّ بدأ يسأل ويحيي واحداً واحداً حتى وصلت النّوبة إليّ فقال لي: ماذا تقول أنت؟ فلم أستطع الكلام وبعد برهة كرّرت نفس الكلام الذي قلته لكم أمس فقال(ع): أمّا أنا فقد درست عند أبي أمير المؤمنين وأخويّ الإمامين الحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام، وأنا على يقين من ديني بما تلقيّتُهُ من مشايخي من الحقائق ونواميس الإسلام، وأنت شاكٌ بدينك شاكٌّ في إمامك أليس الأمر هكذا؟ فلم أقدر انكار ذلك ثمّ قال(ع): وأمّا شيخك -اُستاذك- الذي قرأت عليه الدروس وأخذت منه فهو أتعس منك حالاً، وما عسى أن يكون عندك من اُصول وقواعد مضروبة للجاهل بالأحكام يعمل بها إذا أعوزه الوصول إلى الواقع، واني غير محتاج إليها لمعرفتي بواقع الأحكام من مصدر الوحي


الإلهي، ثمّ بد(ع) يعدّد بعض ما انطوت عليه ذاتُهُ القدسيّة من كرم وصبر ومواساة وجهاد إلى غيرها، فانتبهت من نومي فزعاً مرعوباً معترفاً بالتقصير، ولم أجد طريقة غير التوسّل به والإنابة إليه صلوات اللَّه عليه وعلى آبائه الطاهرين(١) .

ولقرب هذا العبد الصالح من ربّه تعالى، ولوجاهتِهِ الكبيرة عنده، صار احدى أهم الوسائل المتقرّب بها إلى اللَّه تعالى لنيل القرب وقضاء الحوائج وشفاء الأسقام ينقل المرحوم السيّد المقرّم في كتابه (العبّاس(ع)) هذه الكرامة عن الشيخ حسن الجواهري وهو بدوره ينقل عن الحاج منيشد الذي شاهد الكرامة بنفسه قال: كان رجل من عشيرة البراجعة اسمُهُ (مخيلف) مصاباً بمرضٍ في رجليه وطال ذلك حتى يبسَتا وصارتا ضعيفتين لا يحملنهُ، وبقي على هذا ثلاث سنين وشاهده الكثير من أهل المحمّرة وكان يحضر الأسواق ومجالس عزاء الإمام الحسين(ع) وهو يزحف على إليتيه ويديه على الأرض، وقد عجز عن الـمُباشرة -العلاج- ويئس وكان للشيخ خزعل بن جابر الكعبي في المحمّرة حسينيّة يُقيم فيها عزاء الإمام الحسين(ع) في العشرة الأولى من المحرّم ويحضر هناك خلقٌ كثير حتى النساء يجلسنَ في الطابق الأعلى من الحسينيّة والعادة المعروفة في تلك البلاد ونواحيها هي أنّ الخطيب النّائح إذا وصل في قراءته إلى الشهادة قام أهل المجلس يلطمون بلهجات مختلفة وهكذا النّساء، في اليوم السابع من المحرّم كان المتعارف ذكر مصيبة أبي الفضل العباس(ع)، وجاء هذا

____________________

(١) العبّاس(ع) للمحقّق المقرّم: ص٩٦.


المـُصاب مخيلف وجلس تحت المنبر وحينما وصل الخطيب إلى ذكر المصيبة أخذت الحالة المعتادة مَن في المجلس رجالاً ونساءاً وبيناهم على هذا الحال اذ يرون ذلك الرجل المـُصاب بالزّمانة في رجليه وهو مخيلف واقفاً معهم يلطم وهو يقول بلهجته (آنه مخيلف گيّمني العبّاس) وبعد أن عرف الناس هذه الكرامة من أبي الفضل(ع) فتهافتوا عليه وخرّقوا ثيابه للتبّرك بها وازدحموا عليه يقبّلون رأسه ويديه فأمر الشيخ خزعل غلمانه أن يرفعوه إلى احدى الغرف ويمنعوا النّاس عنه وصار ذلك اليوم في المحمّرة أعظم من يوم العاشر من المحرّم لكثرة البُكاء والعويل من الرجال والنساء، قال العلّامة الشيخ حسن: ثمّ أنّه سئل مخيلف عمّا رآه وشاهده فقال: بينما الناس يلطمون على العبّاس(ع) أخذني النّوم وأنا تحت المنبر فرأيت في المنام رجلاً جميلاً طويلاً على فرس أبيض عال في المجلس وهو يقول لي: يا مخيلف لِمَ لا تلطم على العبّاس مع النّاس؟ قلت له: سيدي لاأقدر وأنا بهذا الحال فقال: قُم والطُم على العباس مع الناس، قلت له: يامولاي أنا لا أقدر على القيام على قدمي، قال قم والطم، قلت له: يا مولاي اعطني يدك لأقوم، فقال: أنا ما عندي يدين، وإذا بيديه مقطوعتين، فقلت له: كيف أقوم؟ قال الزم الركاب وقم فقبضتُ على ركاب الفرس وأخرجني من تحت المنبر وغاب عني(ع)(١) .

أقول: لم يكن(ع) مقطوع الكفين فقط بل كانت السهام موزّعة على بدنه الشريف فسهمٌ أصاب عينه، وسهمٌ أصاب قلبه، وسهمٌ أصاب القِربة فأُريق

____________________

(١) العبّاس(ع) للمقرّم: ص١٤٤ - ١٤٥.


ماؤها، وإذا بعمود الحديد يرضخ هامَه الشريف فسقط على وجهه أي واعبّاساه واسيّداه وامظلوماه:

عمدُ الحديدِ بكربلا خسفَ القمر

فلتبكهِ السّاداتُ من عَليا مُضر

أوَما درتْ عن سرجِهِ العبّاسُ خَرْ

ومشى إليه السبطُ ينعاهُ كسرْ

تَ الآن ظهري يا أخي ومُعيني

* * *

يخويه العلم گلي وين أوديه

ينور العين دربي بيش أجدّيه

حنه ظهره يولي واشبك إيديه

عليه وصاح خويه اللَّه وأكبر

* * *

يخويه انكسر ظهري ولا أگدر اگوم

وصرت مركز يخويه الكل الهموم

يخويه استوحدوني عگبك الگوم

ولا واحد عليّ بعد ينغر

* * *

أأخيَّ يُهنيك النّعيمُ ولم أَخل

ترضى بأن أرزى وأنت منعّم

أأخيَّ مَن يحمي بناتِ محمّدٍ

إن صِرْنَ يسترحِمْنَ مَن لا يرحَمُ

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة السابعة المجلس الرابع عشر

أبو الفضل العباس(ع) الكنى والألقاب

إذا كان ‏ساقي ‏الحوض ‏في ‏الحشرِ حيدرٌ

فساقي ‏عَطاشى كربلاءَ أبوالفضلِ

على أنّ ساقي ‏النّاس في الحشرِ قلبُهُ

مريعٌ وهذا بالظّما قلبُهُ يَغلي

وقفتُ على ماءِ الفراتِ ولم أزل

أقولُ له والقولُ يحسنُهُ مثلي

علامك تجري لا جريتَ لواردٍ

وأدركتَ يوماً بعضَ عارِكَ بالغسلِ

أما نشفت أكبادُ آلِ محمّدٍ

لهيباً وما ابتلّت بعَلٍّ ولا نَهْلٍ(١)

من الحقِّ أن تذوي غصونُكَ ذبّلاً

أسىً وحياءاً من شفاهِهُمُ الذّبل

فقال استمع للقولِ إن كنت سامعاً

وكن قابلاً عذري ولا تكثرن عذلي

برغمي أرى مائي يَلذُّ سواهُمُ

به وهُمُ صرعى على عطشٍ حولي

جزى اللَّهُ عنهم في المواساةِ عمَّهم

أبا الفضل خيراً لو شهدتَ أباالفضلِ

لقد كان سيفاً صاغَهُ بيمينه

عليٌّ فلم يحتج شَباه(٢) إلى الصّقلِ

ولم أرَ ظامٍ حوله الماءُ قبلَهُ

ولم يَروَ منه وهو ذو مهجةٍ تغلي

يميناً بيمناك القطيعةِ والتي

تسمّى شمالاً وهي جامعةُ الشّملِ

بصبرك دون ابنِ النبيّ بكربلا

على الهولِ أمرٌ لا يحيطُ به عقلي

ووافاكَ لا يدري أفقدُكَ راعَهُ

أم الكونُ غالتهُ المقاديرُ بالشَّلِّ(٣)

____________________

(١) بعَلٍ ولا نَهْلٍ قال في المنجد: عَلَلٌ بعد نَهَلْ أي الشرب المتوالي بعد الشربةِ الأولى فالشربة الاُولى نَهل والشرب المتكرّر عَلْ.

(٢) شَباه : حَدُّ كلّ شي‏ء

(٣) الشَّلْ : يبوسة اليد


أخي كنت لي درعاً ونصلاً كلاهما

فقدتُ فلا درعي لديَّ ولا نصلي(١)

* * *

فگدك نحّل عظامي ولي سل

ودمعي ما جرى الغيرك ولي سل

جفاني ولا نشد عني ولي سل

گطع حبل المودّة وگطع بيّه

* * *

بذلتَ أيا عبّاسُ نفساً نفيسةً

لنصرِ حسينٍ عزّ بالنّصر من مثلِ

أبيتَ إلتذاذَ الماءِ قبلَ التذاذه

فحسنُ فعالِ المرءِ فرعٌ عَن الأصلِ

فأنت أخو السبطينِ في يومِ مفخَرٍ

وفي يوم بذلِ الماءِ أنت أبو الفضلِ

____________________

(١) القصيدة من نظم المرحوم الخطيب الأديب الشيخ محسن أبو الحب الحائري.

قال السيد جواد شبر في (أدب الطف) ج٧ ص٥٦:

الشيخ محسن خطيب بارع وشاعرٌ واسع الآفاق خصبُ الخيال.

ولد سنة ١٢٣٥ه ونشأ بعناية أبيه وتربيته، ينحدّر من أسرةٍ عربيّةٍ تعرف بآل أبي الحَبْ تمتّ بنسبها إلى قبيلةِ خثعم.

تدرّج على نظم الشعر ومحافل الأدب وندوات العلم، ولا سيّما مجالس أبي الشهداء(ع) فإنّها مدارس سيّارة، وهي من أقوى الوسائل لنشر الأدب وقرض الشّعر، وشاعرنا الشيخ محسن نظم فأجاد، وأكثر من النوح والبكاء على سيّد الشهداء(ع)، وصوّر بطولات شهداء الطف تصويراً شعرياً لا زالت الأدباء ومجالس العلماء تترشّفهُ وتستعيده وتتذوّقه.

كتب عنهُ الشيخ محمد السماوي في كتابهِ (الطليعة) فقال:

محسن بن محمد الحويزي الحائري المعروف بأبي الحَبْ كان خطيباً ذاكراً بليغاً متصرّفاً في فنون الكلام إذا ارتقى الأعواد تنقلَ في المناسبات المختلفة.

توفي في كربلاء ليلة الاثنين ٢٠ ذي القعدة سنة ١٣٠٥ه ودفن في الروضة الحسينية المقدسة إلى جوار مرقد السيد إبراهيم المجاب.


عرف سيّدنا أبو الفضل العبّاس(ع) بكنى وألقابٍ كثيرة، منها ما كان له قبل الطّف، ومنها ما عرف به أثناء الطّف، ومنها ما عرف به بعد شهادته ودفنه.

أمّا الكنى التي عرف بها فهي:

١ - (أبو الفضل) وذلك من جهة أنّ له ولداً اسمُهُ الفضل، وكان(ع) حريّاً بها، فإنّ فضله لا يخفى ونوره لإخ‏خ‏اً يطفى(١) .

أبا الفضلِ يامَن أسسَ الفضلَ والإبا

أبا الفضلُ إلّا أن تكون له أبا

وقال الشيخ عبدالواحد المظفر في كتابه (بطل العلقمي) إنّ هذه الكنية -أبا الفضل- قد اشتّقت من فضائله، فإنّه(ع) قد توسّموا فيه سمات الفضل منذ الصغر وزمن الطفولة فلقّبوه به، وكنّوه أبا الفضل عند ظهور تلك الامارات والدلائل وقد قيل:

قَلَمُ العُلا قد خَطَّ فوق جبينه

أثرُ النّجابةِ ساطعُ البرهانِ(٢)

٢ - (أبو القاسم) وذلك من جهة أنّ له ولداً اسمُهُ القاسم ذكر ذلك المحقّق المظفّر في (بطل العلقمي) حيث قال: محمّد والقاسم هما ولدا العبّاس(ع) ولا عقب لهما، واستشهدا مع عمّهما الحسين(ع)(٣) . وقد خاطبه

____________________

(١) العبّاس(ع) للمقرّم: ص٧٠.

(٢) بطل العلقمي: ج٢ ص٩.

(٣) بطل العلقمي: ج٣ ص٤٣٣.


بهذه الكنية جابر بن عبداللَّه الأنصاري في زيارة الأربعين، قال: السلامُ عليك يا أبا القاسم السلامُ عليك يا عبّاسَ بن علي(١) .

٣ - (أبو قربة)(٢) وذلك لحمله الماء في مشهد الطفّ أكثر من مرّة وقد سدّت الشرائع ومنع الورود على ابن المصطفى(ص)، ولكنّ أبا الفضل لم يرعه جمعهم، ولا أوقفه عن الإقدام تلك الرّماح المشرعة ولا السيوف المجرّدة فجاء بالماء وسقى عيال أخيه الإمام الحسين(ع) وأصحابه(٣) ، وهذه الكنية عرف بها في أثناء الطف.

إذا كان ‏ساقي ‏الحوض ‏في ‏الحشرِ حيدرٌ

فساقي‏ عَطاشى كربلاءَ أبوالفضلِ

أمّا الألقاب:

عرّف النحويون اللقب فقالوا: هو ما أشعرَ برفعة المسمّى أوضعته، فاللقب يكسب الإنسان شهرةً في المدح أو الذم، ومثال ما أشعر برفعة المسمى كالصادق الأمين، وزين العابدين، وكاظم الغيض وغيرها.

ومثال ما أشعر بضعةِ المسمى: كالدوانيقي(٤)

____________________

(١) العبّاس(ع) للمقرّم: ص٨٠

(٢) ذكر هذه الكنية أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين: ص٥٥.

(٣) العبّاس(ع): ص٨٠.

(٤) لقب أبي جعفر المنصور الملك العبّاسي والدّانَقِ بالفتحِ والكسر سدس الدّرهم وجمع المفتوح دوانق، والمكسور دوانيق ولقّب الدوانيقي لشدّةِ بُخله حتى أنّه كان يصرف في كلّ السّنة ألفي درهم!! و لما مات كان عنده من المال مائة ألف ألف درهم. (عن الكنى والألقاب)


والأعمش(١) والجاحظ(٢) وغيرها، وهذا في العرب كثير، أمّا أهل البيت: فليس لهم لقبُ ذمٍ أصلاً إنّما

ألقابهم للمدح خاصّة لأنّه لا عيب فيهم في خَلْق ولا خُلْق(٣) قال الشاعر مخاطباً جدّهم رسول اللَّه(ص):

وأحسنَ منكَ لم ترَ قطُّ عينٌ

وأجمَلَ منك لم تلدِ النّساءُ

خُلقت مبرّءاً من كلِّ عيبٍ

كأنّك قد خُلقتَ كما تَشاءُ

وأبو الفضل العباس(ع) ورقةٌ من تلك الشجرة الطيّبة، وفرعٌ من ذلك الأصل الطاهر، فكانت ألقابُه الشريفة الكثيرة ما أشعر برفعة المسمّى، ومن هذه الألقاب التي عُرف بها:

١) العبدُ الصّالح: وهذا اللقب الشريف منحه ايّاه الإمام أبو عبداللَّه الصادق(ع) في الزيارة المخصوصة به التي رواها أبو حمزة الثمالي حيث يقول: (السلام عليك أيّها العبدُ الصالح) وهذه الصّفة أرقى مراتب الإنسان الكامل، ولا نعني بهذه المرتبة أن يكون العبد مواظباً على العبادات المسقطة للواجب والرافعة للعتاب فحسب وانّما نقصد منه ما إذا عبدَ اللَّه تعالى حقّ

____________________

(١) الأعمش: لقبٌ لأبي محمّد سليمان بن مهران الأسدي معروف بالفضل والجلالة والتشيّع والإستقامة، والعَمَش في العين ضعف الرؤية مع سيلان دمعها.

(عن الكنى والألقاب)

(٢) الجاحظ: لقبٌ لأبي عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الليثي، كان مائلاً إلى العثمانية ويظهر النصب والعداء لأهل البيت(ع)، وكان قبيحاً دميماً، قال الشاعر:

لو يُمسَخُ الخنزيرُ مسخاً ثانياً

ما كان إلا دون قبح الجاحظ

والجاحظ: هو عظيم المقلة ناتئُها.

(٣) بطل العلقمي: ج٢ ص١١.


عبادته النّاشئة عن فقهٍ وبصيرةٍ ومعرفة بالمعبود الذي يجب أن يعبد من دون النظر إلى الثواب والعقاب، ولولا أنّ هذه الصّفة أسمى الصّفات التي يتّصف بها العبد لما خصّ اللَّه تعالى أنبياءه بها، فقال سبحانه:

( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ) (١) وقوله تعالى:( وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) (٢) وقوله تعالى:( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ) (٣) .

وقد كان في وسع الباري تعالى أن يقول وهو يخاطب نبيّه محمد بن عبداللَّه(ص): وان كنتم في ريبٍ مّما نزّلنا على رسولنا ونحوه مّما يدلّ على النبوّة والرّسالة، ولكن حيث كان حبيبَ اللَّه وصفيّه فانياً في سبيل خدمة الحقّ تعالى لا يرى في الوجود غيرَهُ، استحقّ أن يهبَهُ الباري تعالى أرقى صفة تليق بهذا المقام، ومن جانب آخر فأنت لازلت تقول في الفرائض والنّوافل في اليوم والليلة في التشهّد: أشهدُ أنّ محمّداً عبدُهُ ورسوله، ولم تقل خاتمُ الأنبياء أو علّة الكائنات أو سرّ الموجودات أو حبيبُ اللَّه حيث أنّك علمت أنّ أسمى هذه الصّفات وأجل ما يليق بالعبد حال اتّصاله بربّه تعالى هو وصفه بالعبودية، فاعرف اذن أهميّة هذا اللقب الشريف لأبي الفضل العباس(ع)(٤) .

____________________

(١) سورة الإسراء / آية ١.

(٢) سورة ص / آية ٣٠.

(٣) سورة ص/ آية ٤٥.

(٤) العبّاس(ع) للمقرّم: ص٨٢ بتصرّف.


٢) قمر بني هاشم: لوضائته وجمال هيئته، وكان وجهُهُ الكريم يضي‏ء كالبدر المُنير فلا يحتاج في الليلة الظلماء إلى ضياء(١) . قال أبو الفرج الاصفهاني في (مقاتل الطالبيين): وكان العبّاسُ رجلاً وسيماً جميلاً يركب الفرس المطهَّم ورجلاه تخطّان في الأرض ويُقالُ له: قمر بني هاشم(٢) والأشخاص الذين لقّبوا بالقمر ثلاثة: عبدُ المطّلب يلقّب (قمر البطحاء)، وعبداللَّه بن عبدالمطلب والد النبي(ص) يلقّب (قمر قريش)، والعباسُ بن علي بن أبي طالب: يلقّب (قمر بني هاشم). وحسبك بمن يكون قمرَ هذه العشيرة الفائقة على عامّة البشر بجمالها الباهر وحسنها الزاهر، وقد أكثر الشُعراء من نعته بالجمال في مراثيه الكثيرة، وأوّل من فتح لهم هذا الباب سيّد الشُهداء أبو عبداللَّه الحسين(ع)، ففي (أسرار الشهادة) للفاضل الدربنديرحمه‌الله تعالى قال فيه الإمام الحسين(ع) لما وقف عليه:

أيابن أبي نصحتَ أخاك حتّى

سقاكَ اللَّهُ كأساً من رحيق

وياقمراً منيراً كنت عوني

على كلّ النّوائب في المضيقِ(٣)

٣) السقّاء: وهو لقبٌ نبيل اختصّ به أبو الفضل العبّاس(ع) حتى بلغ من شهرته انّه إذا أطلق هذا اللقب انصرف إليه، وقد شاركه فيه أبوه أميرالمؤمنين(ع) وأسلافُهُ الكرام.

____________________

(١) المصدر السابق: ص٨١.

(٢) مقاتلُ الطالبيين : ص ٥٦

(٣) بطل العلقمي: ج ٢ ص١٥١.


والسّقايةُ هي إرواء العطاشى من البشر في حالتي السّلم والحرب، وأشرفُها سقاية الحرب، وهي فضيلةٌ من الفضائل الإنسانيّة، وأحد المكارم والمآثر الشريفة واحد مفاخر العرب الممدوحة(١) .

ومن أجل مجي‏ء العباس(ع) بالماء إلى عيال أخيه الإمام الحسين(ع) وصحبه في الأيام العشرة من المحرّم سمّي (السقّاء).

٤) كبش الكتيبة: هو لقبٌ تطلقه العرب على مقدّم العسكر أميراً كان أو ملكاً، ولا يطلق الكبش في الحرب عند العرب إلّا على مَن تكاملت فيه سمات البطولة وجمعت فيه صفات الرّجولة، وهذا اللقب اختصّ به أبو الفضل العبّاس(ع) دون سائر شهداء كربلاء، وقد اختصّه بهذا اللقب أخوه الإمام الحسين(ع) وجعله من ألقابه المميّزة، وعرف بهذا اللقب قبل أبي الفضل العبّاس بن علي(ع) رجلان من العرب، أحدهما بطل المشركين بلا منازع وهو طلحة بن أبي طلحة القرشي كان يلقّب كبش الكتيبة قتله أميرُ المؤمنين(ع) يوم أُحد فسُرّ بقتله رسول اللَّه(ص)، وبقتله فُلّت شوكةُ المشركين وكُسر حدّهم، والثاني هو بطل المسلمين غير مدافع مالك بن الحارث الأشتر النّخعي؛ صاحب أمير المؤمنين(ع) عليَّ بن أبي‏طالب(ع)، وكان يلقّب أيضاً ب (كبش العراق)(٢) .

٥) حامي الظّعينة: هذا لقبٌ مشهورٌ شايع اطلاقُهُ على أبي الفضلِ العبّاس بن أمير المؤمنين(ع) قال السيد جعفر الحِلي في تأبينه:

____________________

(١) بطل العلقمي: ج ٢ ص١٢.

(٢) بطل العلقمي: ج ٢ ص٥٣.


حامي الظعينةِ أينَ منهُ ربيعةٌ

أم أين من عَليا أبيه مكدَّمُ

وقد خُصّ بهذا اللقب للفرق بينه وبين أخيه سيّد الشهداء الإمام الحسين(ع) المـُلقّب بحامي الإسلام وحامي الشّرع المقدّس، ورتبة العبّاس(ع) دون رتبة الحسين(ع) وحماية الظعينة أدنى من حماية الشّريعة الغرّاء رتبةً، ومن جهةٍ ثانية ان الإمام الحسين(ع) هو الأمير والسيّد والقائد ولا يباشر كل المهمّات بنفسه وأنّه لابُدّ للرئيس من معتمَدْ يقوم مقامه وينوب عنه في المهمّات ويكون من أهل الكفاءة وله الأهليّة في القيام بواجبه ليحصل الاعتماد في ما رشّحَ له وحيث لم يكن عند سبط النّبي(ص) أهم من القيام بحياطة العائلة المخدّرة وحمايتها وحفظها في تلك الفيافي الموحشة والمفاوز المقفرة وكان من أوثق القادمين معه في نفسه أخوه العبّاسُ الأكبر وابنه عليّ الأكبر، فكانا يقومان بترحيل العائلة وانزالها ويتوليان حراستَها مع فتيان العلويين، وكانت حماية العبّاس(ع) للظعائن من حين سار الإمام الحسين(ع) من المدينة إلى أن نزل الغاضرية وكذلك العشرة أيام التي أقامه(ع) في كربلاء حتى استُشهد، وكان العباس(ع) أمير الحرس الحسيني الذي يقوم بحماية المخيّم(١) .

٦) حامل اللواء: لقد شاع هذا اللقبُ بين النّاس، وعرفه المسلمون القدماء بحامل لواء الحسين(ع)، وكان هذا اللقب أشهر ألقاب أبي‏الفضل العبّاس(ع)، لأنّ ذلك قد صدر من أخيه الإمام الحسين(ع) فعلاً وقولاً أما الفعل فقد دفع إليه لواءه باتّفاقِ حملة الأثر وأهل العلم بالخبر، وأمّا القول

____________________

(١) المصدر السابق نفسه: ص٧١.


فقد تكرّر منه(ع) مراراً منها لما أراد أبو الفضل(ع) الحملةَ على الأعداء قال له الإمام الحسين(ع): أنت حامل(١) لوائي، ومنها لما وقف عليه صريعاً وقد أكثر الشعراء في ذكره بحامل اللواء قال أحدهم عن لسان الإمام الحسين(ع):

لمن اللوا أُعطي ومَن هو جامعٌ

شملي وفي ضَنْكِ(٢) الزّحامِ يقيني

(ع)) بابُ الحوائج: اشتهر سيّدنا أبو الفضل العبّاس(ع) بين الخاصّة والعامّة بأنّه باب(٣) الحوائج لكثرة ما صدر منه من الكرامات وقضاء الحاجات ولنعم ما قال المرحوم السيّد حيدر الحِلي:

بابُ الحوائجِ ما دعتهُ مروعةٌ

في حاجةٍ إلا ويقضي حاجَها

بأبي أبا الفضل الذي من فضله

السّامي تعلّمَتْ الورى منهاجَها(٤)

حدّثني المرحوم الحاج السيّد ناصر الحلو - أبو عدنان - أنّ الشاعر المرحوم الشيخ كاظم السوداني حدّث والدي فقال: ذهبتُ إلى كربلاء في احدى زياراتي لها، وقدّمت باب الحوائج أبا الفضل العبّاس(ع) في الزيارة حيث كنّا نعتبره باب الحسين(ع):

____________________

(١) اُنظر: ابصار العين للسماوي: ص٢٩.

(٢) الضَّنْك: الضّيق من كلّ شي‏ء.

(٣) المعروف بين المؤمنين أنّ أبوابَ الحوائج أربعة - وإن كان أهلُ البيت: كلُّهم أبواب الحوائج وهم: الإمام باب الحوائج موسى بن جعفر(ع)، وسيّدنا أبو الفضل العبّاس(ع)، وسيّدنا مسلم بن عقيل(ع)، ورضيع الإمام الحسين عبداللَّه(ع).

(٤) العبّاس(ع) للمقرّم: ص٨١.


أبا الفضل أنتّ البابُ للسّبطِ مثلما

أبوك عليٌّ كان باباً لأحمدَ

يقول: عندما دخلت الحرم الشريف لفت نظري وجود امرأة جالسة قريب الضريح المطهّر وبين يديها صبيّ نائم عمرُهُ حدود ١٢ سنة، والمرأة - الأم - تتكلّم مع أبي الفضل(ع)، وكان كلامُها عتاباً شديداً مرّاً، وصوتها مسموع بشكلٍ واضح، فأدهشتني طريقة الحديث مع أبي الفضل(ع) لأنّها حادّة وفيها عتاب شديد، فرأيت رجلاً بجنبي فجئت إليه وقلت له: ألا تسمع هذه المرأة كيف تتكلّم مع سيّدنا أبي الفضل(ع) هذه الطريقة غير مناسبة في حضرة هؤلاء الأطهار؟ فقال لي: هذه المرأة زوجتي وهي ابنة عمّي ولم تمضِ على زواجي منها مدّة حتّى رزقني اللَّه تعالى منها ولداً ذكراً سويّاً ولكنه عندما وصل إلى السنة الثالثة من عمره مرض ومات، فحزنت عليه أمُّه فعزّيتها وهوّنت الأمرَ عليها وقلت لها لا زلنا شباب واللَّه تعالى كريم وكما رزقناه سيرزقنا آخر بخيرٍ وعافية، وفعلاً حملت بالثاني وولدته ذكراً سويّاً ولكنّه ما وصل إلى الثالثة حتّى مرض كأخيه ومات، وهكذا الولد الثالث، فقلت لها ليس لنا إلّا باب الحوائج أبو الفضل العبّاس(ع) قومي نذهب إليه ونتوسّل به ليرزقنا اللَّه تعالى ولداً يدفع عنه الأمراض والأسقام، وفعلاً جئنا لزيارةِ أبي الفضل(ع) وطلبنا منه طلبتنا بحالة البكاء والحزن، وعدنا إلى المنزل وحملت زوجتي وولدت مولوداً سويّا وكبر الصّبي وتجاوزه عمره ثلاث سنوات وأربع وخمس وهو بصحّةٍ جيدة حتى وصل


إلى هذا العمر فظهرت عليه نفس أعراض المرض الذي مات بسببه أخوته قبله فقلنا ليس لنا باب إلى اللَّه تعالى إلّا باب العبّاس(ع) حيث حصلنا على هذا الولد ببركة التوسّل به ونحن نريده منه.

قال: فتعجّبت من ذلك، وتألّمت لحالِ الأم والأب ثمّ ودّعتُهُ وذهبت لزيارة الإمام الحسين(ع) وعدت إلى المنزل وفي تلك الليلة رأيتُ رؤيا عجيبة وهي:

رأيت كأني دخلت إلى حرم الإمام الحسين(ع) وإذا بالنّبيّ الأكرم(ص) وأمير المؤمنين(ع) وسيّدة النساء والإمامين الحسن والحسين عليهم أفضل الصلاة والسلام جلوس والنّور يشرق منهم كأنهم الأقمار الزّاهرة، فوقفت أتأمّل المنظر وإذا برجل بهي المنظر جميل الوجه يشرق منه النّور لم أرَ في حياتي هكذا إنسان ولإ؛ددٌّ أستطيع أن أصفه ولكنّي أقول هو من أهل الجنّة لا من أهل الدّنيا فعندما وصل قريباً منهم قام النبيّ إليه وقام أهلُ البيت: وإذا هو باب الحوائج أبو الفضل العبّاس(ع) فسأله رسول اللَّه(ص) عن سبب مجيئه فقال: أريد أن أعرف مصير هذا الولد فإنّ أمّه تتوسّل إلى اللَّه تعالى بي، وإذا بالنّبيّ(ص) يخبره عن قرب موت الصّبي وهذا هو المقدّر فقال أبو الفضل: سيّدي يارسول اللَّه أخبر ربّك تعالى أنه امّا أن يشفى هذا الصّبيّ واما يرفع عني لقباً عرفت به بين النّاس ونشره تعالى وهو باب الحوائج وإذا بالنبيّ قد قام وذهب ثمّ عاد وهو يقول: أقر اللَّه عينيك ياأبا الفضل أنت باب الحوائج إلى اللَّه تعالى والولد يُعافى ويعود إلى والديه، عندها عاد أبو الفضل(ع) وهو يشرق فرحاً وسروراً، يقول السوداني:


فاستيقظت وإذا بصوت المؤذن يرفع أذان الفجر. فأسبغت الوضوء وأسرعت لحرم أبي الفضل(ع) وإذا بالمرأة جالسة والولدُ بين يديها دنوت منها سلّمت عليها وقلت لها: أبشري بشفاء الولد ببركة قمر بني هاشم(ع) فرفعت رأسها ودعت لي بالخير ولكنّها غير مصدّقة قال: فتنحّيت وجلست في مكان بحيث أُشاهد المرأة وابنها فما مضت مدّة طويلة وإذا بالولد المريض يحرّك رجله ثمّ يده ثمّ رأسه ويفتح عينيه والأم تنظر إليه بدهشة وإذا به يجلس. وأول شي‏ء فعله قام وتمسّك بضريح أبي الفضل فرفعت المرأة صوتها بالهلاهل وكادت أن تموت لشدّة الفرح، فتجمّع الناس على الولد وأخذوا من ثيابه قطعاً يتبرّكون بها.

أقول: لهذه الفضائل والكمالات، والأوصاف والألقاب، جعله الإمام الحسين(ع) آخر أصحابه وأهل بيته، وهو حامل اللواء. وأشرف مَن في العسكر بعد أخيه الإمام الحسين(ع)، وهو جيشٌ وحده، ولكنّ المقدّر كائن، والشهادة في سبيل اللَّه تعالى تاجٌ على رؤوس أولياء اللَّه وخاصّته، ولهذا ترجّل لها أبو الفضل(ع) وذهب إلى المشرعة وعيون الحسين وأخواته تشيّعه فما غاب كثيراً وإذا بالرّاية الخفّاقة تسقط على الأرض فعلم الإمام أنّ أخاه سقط فجاءه ولكن بأيّةِ حالة:

تعنّه من الخيم للعلگمي حسين

يصيح بصوت ‏يعضيدي ‏وگعت ‏وين

بعدما شوف دربي ياضوه العين

يخويه الكون كلّه بعيني أظلم


فلما وصل إليه رآه بتلك الحالة التي تعزّ على كلّ موالي ومحب فعندها قال كلمته المعروفة: الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمُت بي عدوّي، ولسان الحال على طريقة الحدي:

يگله يعبّاس الأخو

ظهري انكسر من شوفتك

نايم على حرِّ الفلا

وحيلي انهدم من نومتك

مگطعة كفوفك والعمد

يعضيدي هشّم هامتك

وجسمك معفّر بالترب

والسهم فاري گربتك

لولا السهام مجمّعة

بنفسي أقبّل جبهتك

هذه اُمنية - على لسان الشاعر - ما تحقّقت حيث أراد الإمام الحسين(ع) توديعه بتقبيل جبهته ولكن منعته السهام المتجمّعة عليه، وللعبّاس أمنية أيضاً اسمعها بلسان الحال:

ون العضيد وناشده

تصعب عليّه حالتك

وحدك يبو سكينة تظل

وهذي الأعادي حاطتك

هذا أمر اللَّه ونزل

وبأمره تعاني بغربتك

أدري صرت محني الظهر

ريحة الخوّة جابتك

لوما دمه عيني جمد

بنفسي أشوفن غرّتك

* * *


وقضى إلى جنبِ الفرات ورأسُه

بعمودِ حقدٍ هشّمتهُ لئامُها

وقضى إلى جنبِ الفرات وعينُه

أسفي عليها قد طفتها سهامُها

وقضى إلى جنبِ الفرات وجسمُهُ

بسيوفِ بغيٍ خذّمته طَغامُها(١)

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين

____________________

(١) طَغَام: هم أوغاد الناس


الليلة السابعة المجلس الخامس عشر

منزلة العباس بن علي(ع)

عبست وجوهُ القومِ خوفَ الموت

والعبّاسُ فيهم ضاحكٌ يتبسَّمُ

قلبَ ‏اليمينَ على ‏الشِّمالِ ‏وغاص ‏في ‏الـ

أوساط يختطفُ النّفوسَ ويحطمُ

وثنى أبو الفضلِ الفوارسَ نُكّصاً

فرأوا أشدَّ ثباتِهم أن يهزموا

بطلٌ تورّثَ من أبيه شجاعةً

فيها أنوفُ بني الضلالةِ ترغمُ

عرفَ المواعظَ لا تفيدُ بمعشرٍ

صمّوا عن النبأ العظيم كما عَموا

وانصاع يحطمُ بالجماجم والكلا

والسيف ينثرُ والمثقَّفُ ينظمُ(١)

بطلٌ إذا ركبَ المـُطَهَّمَ خلتَهُ

جبلاً أشمَّ يخفُّ فيهِ مطهّمُ(٢)

قسماً بصارمِهِ الصقيلِ وإنّني

في غير صاعقةِ السّما لا أُقسِمُ

لولا القضا لمحى الوجودَ بسيفِهِ

واللَّهُ يقضي ما يشاء ويحكُمُ

وهوى بجنبِ العلقميِّ فليتَهُ

للشّاربين به يُدافُ العلقَمُ

فمشى لمصرعِهِ الحسينُ وطرفُهُ

بين الخيامِ وبينَهُ متقسِّمُ

فأكبَّ منحنياً عليه ودمعُهُ

صبغَ البسيط كأَنّما هو عندَمُ(٣)

قد رامَ يلثمُهُ فلم يرَ موضعاً

لم يُدمِهِ عَضُّ السّلاحِ فيُلثَمُ

نادى وقد ملأَ البواديَ صيحةً

صُمُّ الصخورِ لهولها تتألّمُ

____________________

(١) المثقّف: هو الرّمح في عرف الشعراء.

(٢) جواد مُطَهَّم: أي تام الحسن.

(٣) العندم: خشب نبات يُصبغ به. (المنجد)


أأخيَّ يُهنيكَ النَّعيمُ ولم أخَلْ

تَرضى بأن أُزرى وأنت منعَّمُ

أأخيَّ مَن يحمي بناتِ محمّدٍ

إن صِرْنَ يسترحِمْنَ مَن لا يرحَمُ

* * *

يعباس لمـّن صدّت العين

منّي لعد إِيديك الإثنين

دمهن يسيل اوشفت كفين

فوگ الثره ناديت صوتين

واحد نواعي أو واحد ونين

يعباس صارت طيحتك وين

يعباس آنه عضيدك حسين

وسفة يفرگ بينه البين

* * *

روى الشيخ الصّدوق – رحمه ‌الله تعالى - في (الخصال): عن أبي حمزة الثمالي قال: قال عليُّ بن الحسين(ع): (إنّ لعمّيَ العبّاسَ عند اللَّه تبارك وتعالى لمنزلةً يغبطُهُ بها جميعُ الشهداء يوم القيامة)(١) .

لا ريبَ أنّ المنزلةَ تكون بنيل الفضيلة، ونيلُ الفضيلة عند اللَّه تكون بالطّاعة له، وتعلو المنزلة وتسمو الفضيلة بكثرة الأعمال الخيريّة، فكلّما كان الإنسان حريصاً على تحصيل الفضل مجتهداً في الطّاعة كثير الخيرات يكون عند اللَّه عظيم المنزلة كبير الفضيلة سامي الدرجة(٢) .

لقد أثبت الإمام زين العابدين(ع) بهذه الرواية الشريفة لأبي الفضل العبّاس(ع)

____________________

(١) الخصال ج١ ص٦٨ ح ١٠١.

(٢) بطل العلقمي ج ٣ ص٣٨٤.


منزلةً كبرى لم ينلها غيره من الشهداء ساوى بها عمّه الطيّار جعفر بن أبي طالب(ع) فقال(ع):

رحمَ اللَّهُ عمّي العبّاس بن علي(ع) فلقد آثر وأبلى وفَدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه فأبدله اللَّهُ بجناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وأنّ للعبّاس عند اللَّه تبارك وتعالى منزلةً يغبطُهُ عليها جميع الشهداء يوم القيامة.

ولفظ (الجميع) في هذه الرواية الشريفة يشمل مثل حمزة بن عبدالمطّلب وجعفر بن أبي طالب. ولعلّ ما جاء في زيارة الشهداء يشهد له (السّلام عليكم أيّها الربّانيّون أنتم لنا فَرَطٌ(١) ونحنُ لكم تبع وأنصار، وأنتم سادةُ الشهداء في الدنيا والآخرة)(٢) .

فقد أثبت لهم السيادة على جميع الشهداء، وانّهم لم يسبقهم ولا يلحقهم أي أحد وأبو الفضل العبّاس(ع) في جملتهم بهذا التفضيل، وقد انفرد عنهم بما أثبتَهُ له الإمامُ السجّاد(ع) من المنزلةِ التي لم تكن لأيِّ شهيد، فيصبح بهذا في محلٍّ يغبطُهُ عليه جميع الشهداء يوم القيامة.

مقامٌ له عند المهيمنِ شامخٌ

وقدرٌ رفيعُ الشأنِ ما مثلُهُ قدرُ

لقد خلّدَ الرّحمنُ في الدّهرِ ذِكْرَهُ

وما الفضلُ إلّا ما أشيد له الذّكرُ

وفي الحشرِ لم يُعطى شهيدٌ عطاءَهُ

لذا صارَ مغبوطاً وهذا له سرُّ

____________________

(١) فَرطَ: سبقَ وتقدّم.

(٢) العبّاس(ع) للمقرّم عن كامل الزيارة.


وممّا يدلّ على منزلته العالية هو مشاطرته ومشاركتهُ لأخيه الإمام الحسين(ع) في تغسيل الإمام الحسن المجتبى(ع)، وأنت بعدما علمت مرتبةَ الإمامة وموقف صاحبها من العظمة وأنّه لا يلي أمره إلّا إمامٌ مثلُه علمت مرتبة أبي الفضل العبّاس(ع) وأنّه أعظم رجل في هذا العالم بعد أئمة الحق والهدى: وأنه تالي المعصومين في الرّتبة، لأنّ جثمان المعصوم بعد موته وعند تغسيله لا يمكن أن يقرب أو ينظر إليه إلّا من قَرُبَ من تلك الرّتبة العالية للمعصومين:، وممّا يشهد له أنّ الفضلَ بن العبّاس بن عبدالمطّلب كان يحمل الماء عند تغسيل النبيّ(ص) معاوناً لأمير المؤمنين(ع) على غسله ولكنّه عصّبَ عينيه بعصابة خشية العمى إن وقع نظرُهُ على ذلك الجسد الطّاهر(١) .

يقول المحقّق المقرّم في ذلك: وهذه الأسرار - أي عدم قدرة الإنسان العادي النظر إلى جسد المعصوم بعد الموت - لا تصل إليها أفكار البشر وليس لنا إلّا التّسليم، ولا سبيل لنا إلى الإنكار بمجرّد بعدنا عن ادراك مثلها خصوصاً بعد استفاضة النّقل - الأحاديث - في أنّ للنّبيّ والأئمّة عليهم الصلاة والسلام بعد وفاتهم أحوالاً غريبة ليس لسائر الخلق معهم شركة(٢) .

وممّا يدلّ على منزلته العالية قول الإمام أبي عبداللَّه الحسين له(ع) لما زحف القومُ على مخيّمه عشيّة التاسع من المحرّم قال: إركب بنفسيَ أنت ياأخي حتى تلقاهم وتسألهم عمّا جاءهم، فاستقبلهم العباس(ع) في

____________________

(١) العبّاس(ع) للمقرّم: ص١٢٤ - ١٢٥ بتصرّف.

(٢) المصدر السابق: ص١٢٥.


عشرين فارساً فيهم حبيب بن مظاهر وزهير بن القين وسألهم عن ذلك فقالوا إنّ الأمير يأمر إما النزول على حكمه أو المنازلة، فأخبر أبو الفضل أخاه أبا عبداللَّه(ع) فأرجعه ليرجئهم إلى غد(١) .

أقول: يحارُ الإنسان ويعجز عن معرفةِ شخصية أبي الفضل(ع)، والإمام الحسين(ع) علّة الكائنات يفدّيه بنفسه في هذه الكلمة الثمينة السّامية ولكنّي أكتفي بذكر كلمةٍ للعلّامةِ المقدّس مرجع الإماميّة العام في عصره هو المرحوم الشيخ محمّد طه نجفرحمه‌الله تعالى الموجودة في كتاب (الإتقان) فإنها عظيمةٌ عند التأمّل وافية بالمطلوب بلغت على وجازتها ما لم تبلغهُ المطوّلات من العبارات وهذا نصّها: العبّاسُ بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) أبو الفضل هو أجل من أن يذكر في المقام - وهو قسم الثِّقات من الأصحاب - بل المناسب أن يذكر عند ذكر أهلِ بيتِهِ المعصومين عليه وعليهم أفضلُ الصلاة والسّلام(٢) .

وفي الرواية عن الإمام أبي عبداللَّه الصّادق(ع) قال: كان عمُّنا العبّاسُ ابن علي(ع) نافذَ البصيرةِ، صُلْبَ الإيمان جاهدَ مع أبي عبداللَّه(ع) وأبلى بلاءاً حسناً ومضى شهيداً(٣) .

وهنا ظاهرةٌ اُخرى دلّت على منزلةٍ كبرى للعباس عند سيّد الشهداء(ع)، وذلك لما اجتمع الإمام الحسين(ع) بعمر بن سعد ليلاً وسط

____________________

(١) المصدر السابق: ص١٢٧ عن المؤرّخ الطبري.

(٢) بطل العلقمي: ج ٣ ص٤٩٣.

(٣) ابصار العين في أنصار الحسين للشيخ محمّد السماوي: ص٢٦.


العسكرين لإرشاده إلى سبيل الحق وتعريفه طغيان يزيد بن معاوية وتذكيره بقول الرسول(ص) في حقّه أمر(ع) مَن كان معه بالتنحّي إلّا العبّاس وابنه علي الأكبر وهكذا صنع ابن سعد حيث أبقى ابنَهُ وغلامَه. أراد(ع) في هذا أن يوعز إلى الملأ من بعده ما لأبي الفضل وعلي الأكبر من الصّفات التي لاتحدّها العقول.

ومن هنا فلو رمتَ تحليلاً لتأخّر شهادة العبّاس(ع) عن جميع الشهداء وهو حامل تلك النّفس النزّاعة إلى الفداء دون الدّين، ذلك لأهميّة موقفه عند أخيه السبط، فإنّ سيّد الشهداء يعدُّ بقاء العبّاس(ع) من ذخائر الإمامة، وانّ موتتَهُ تفتّ في العضُد يقول له: (وإذا مضيت تفرّق عسكري) حتى أنّه في الساعة الأخيرة لم يأذن له إلّا بعد أخذٍ ورد(١) .

وممّا يدلّ على منزلته بل على رتبةٍ تضاهي رتبةَ المعصومين ذلك لما حضر الإمام السجّاد(ع) لدفن الأجساد الطاهرة ساعدهُ بنو أسد في نقل الجثث الزّواكي إلى محلّها الأخير عدى جسد الإمام الحسين وسيّدنا العبّاس(ع) فقد تولّى وحده انزالهما إلى مقرّهما واصعادهما إلى حظيرة القدس وقال لبني أسد عندما طلبوا أن يساعدوه (إنّ معي مَن يعينني) أمّا الإمام فالأمر فيه واضحٌ لأنّه لا يلي أمرَه إلّا إمامٌ مثلُهُ، ولكنّ الأمر الذي لا نكاد نصل إلى حقيقته هو فعله بعمّه أبي الفضل مثل ما فعل بأبيه الوصي، وما ذلك إلّا لمنزلةِ العبّاس(ع)(٢) .

____________________

(١) العبّاس(ع) للمقرّم: ص١٢٨.

(٢) العبّاس للمقرّم: ص١٢٩ عن (الإيقاد) للسيد محمّد علي شاه عبدالعظيمي.


هذا في الدّنيا وأما في الآخرة فإنّ الصدّيقة فاطمة(ع) لا تبدأ بالشكايةِ بأيِّ ظلامةٍ من ظلاماتِ آلِ محمّد(ص) وهي لا تحصى إلّا بكفّي أبي الفضل المقطوعتين(١) .

وهانحنُ قد وصلنا إلى نهاية هذا المجلس. ولكن يجدر بنا أن لا ننهي المجلس إلّا بذكرِ كرامةٍ من كرامات باب الحوائج أبي الفضل العبّاس(ع) لتقوى قلوبُنا، ويشتدّ إيماننا، وتزداد بصائرُنا والكرامة هي أنّ رجلاً مؤمناً كان يحمل قربة الماء على ظهره في أيّام المحرّم وذلك بمدينة كربلاء ويسقي منها الزوّار، وأرباب العزاء والنّادبين على الحسين والباكين ومحيي شعائر اللَّه تعالى وكان لهذا الرّجل ابنٌ وُلِدَ ناقصاً بحيث صار له من العمر أحد عشر عاماً وهو لا يستطيع الوقوف على قدميه فضلاً عن المشي ويزحف على يديه ورجليه، وفي ليلة التاسع من المحرّم أخذ هذا الرجل القربة وتهيّأ للذهاب لسقي محبي أبي عبداللَّه الحسين وأبي الفضل العبّاس(ع) بالماء وقبل أن يذهب قال له ابنُهُ المريض: أبه إلى أين تذهب؟ قال له: ولدي الليلة تاسوعاء الحسين وأنا ذاهب أسقي المعزّين الماء على حبّ الحسين(ع) فقال: أبه ما أراك أخذتني معك مرّةً لأشارك في عزاء أهل البيت، أبه أليس العبّاسُ باباً من أبواب الحوائج؟ قال الأب: نعم قال الابن: إذن خذني معك هذه الليلة واطلب شفائي من اللَّه تعالى ببركة مخدومك باب الحوائج أبي الفضل(ع) قال الأب: فتحيّرت ولم أدرِ ما أصنع حيث فاجأني بطلبه هذا، ولكن نزلت عند رغبته فحملتُ القربة على كتفٍ وعلى الكتف

____________________

(١) المصدر السابق: ص١٢٩.


الآخر حملت فلذّة كبدي المريض المقعد وجئت أسعى حتى وصلت إلى أهل العزاء فملأتُ القربة ووقفت أمام المعزّين وقلت لهم: جئتكم هذه الليلة ومعي ابني المريض وقد قال لي في المنزل كلمةً انصدع منها قلبي، أيّها المعزّون إذا شافى مخدومي أبو الفضل(ع) ولدي هذا فهو المطلوب، وإن لم يشفِ ولدي فسأترك سقاية الماء، وأضع القربة جانباً، قلت هذا وتحرّك العزاء الحسيني بأكمله، وقد أدّيت وظيفتي في سقاية الماء كأحسن ما يكون تلك الليلة حتى انتصف الليل، وتفرّق المعزّون، فنظرت إلى ابني وإذا هو على حاله لم يتحسّن فجرت دموعي على خديّ وقلت ثانياً بألمٍ وحسرة إذا لم يُشافَ ولدي فسأترك سقاية الماء في عزاء أهل البيت:، ثمّ حملت ابني وجئت به إلى الدّار وجلسنا في‏الحجرة فكنت انظر إليه وأبكي وهو ينظر إليَّ ويبكي حتى بكينا كثيراً، وإذا به يقول لي: أبة كفّ عن البكاء واعذرني ان آذيتك هذه الليلة لعلّ اللَّه لا يرى مصلحةً في شفائي ثمّ قال: اللهمّ إن كان هذا يرضيك فهو يرضيني فآلمني أكثر بكلامه ثمّ قمت من عنده وذهبت إلى حجرتي ولكني لم أهدأ فبقيت أبكي وأبكي حتى نمت على هذه الحالة ولم أستيقظ إلّا على صوت ولدي وهو يصيح: أبه أسرع إنّ مخدومك ساعدني، أبة إنّ سيدي العبّاس شافاني فقمت مسرعاً وفتحت باب غرفته وإذا بي أراهُ واقفاً على قدميه ولأول مرّة في حياتي أراه واقفاً فضممتُه إلى صدري وقلت له: ولدي عزيزي أخبرني ما الذي حدث؟ قال: عندما خَرَجْتَ من الحجرة وبقيتُ وحدي أبكي فبينا أنا كذلك وإذا أرى الحجرةَ وقد امتلأت نوراً ساطعاً ورأيتُ رجلاً مهيباً أمامي وهو يقول لي: قم


وقف على قدميك قلت: سيدي لا أستطيع القيام أنا مريض قال لي قل مرّةً واحدة ياأبا الفضل وقم فقلت: ياأبا الفضل وقمت على قدمي وغاب عنّي أبه لم يردّ العبّاس طلبنا قال الأب: فحملت ابني على كتفي وخرجتُ إلى النّاس وأنا أصيح بصوت عالٍ: أيّها المعزّون إنّ العبّاس الوفي شافى ولدي هذا، وعاد يسقي الماء على حبّ أبي الفضل(ع)(١) .

وتعال معي للبكاء على مصيبته(ع) قال السماوي في (ابصار العين): لما رأى العبّاس(ع) وحدةَ أخيه بعد قتل أصحابه وجملة من أهل بيته قال لأخوته من أمّه: تقدّموا لأحتسبكم عند اللَّه تعالى فتقدّموا حتّى قتلوا فجاء إلى الإمام واستأذنه في القتال فقال له: أنت حاملُ لوائي فقال: لقد ضاق صدري وسئمت الحياة فقال له: إن عزمت فاستسقِ لنا ماءاً، فأخذ قربتَهُ وحمل على القوم حتّى ملأ القربة قالوا: واغترف من الماء غَرفة فتذكّر عطش الحسين(ع) فرمى الماء من يده وقال:

يانفسُ من بعدِ الحسين هوني

وبعده لا كنت أن تكوني

هذا الحسينُ واردُ المنونِ

وتشربين باردَ المَعِين

ثمّ عاد فأخذوا عليه الطريق فجعل يضربهم بسيفه وهو يقول:

لا أرهبُ الموتَ إذا الموتُ رقا

حتى أوارى في المـَصاليت(٢) لُقى

____________________

(١) عن كتاب (چهره درخشان) باللغة الفارسية للشيخ علي ربّاني الخلخالي : ص ٣٨٩ - ٣٩٠.

(٢) المصاليت: الشجعان.


إنّي أنا العبّاسُ أغدو بالسّقا

ولا أهابُ الموتَ يوم الملتقى

فضربه حكيم بن طفيل السنبسي على يمينه فقطعها فأخذ اللواء بشماله وهو يقول:

واللَّهِ إن قطعتموا يميني

إنّي أحامي أبداً عن ديني

وعن إمامٍ صادقِ اليقينِ

سبطِ النبيّ الصادقِ الأمينِ

فضربه زيد بن ورقاء الجهني على شماله فقطعها فضمّ اللواءَ إلى صدره وهو يقول:

يانفسُ لا تَخْشَي من الكفّار

وأبشري برحمةِ الجبّار

قد قطعوا ببغيهم يساري

فأصلهم ياربِّ حرَّ النّار

فحمل عليه رجلٌ تميمي فضربه بعمود على رأسِهِ فخرّ صريعاً إلى الأرض، ونادى بأعلى صوته أدركني ياأخي، فانقضّ عليه أبو عبداللَّه كالصّقر فرآه مقطوعَ اليمين واليسار مرضوخ الجبين مشكوك العين بسهم مرتثاً بالجراح فوقف عليه منحنياً وجلس عند رأسه يبكي(١) .

ولسان الحال:

يعبّاس هذا حسين يمّك

يبكي وخلط دمعه بدمّك

حاير يبو فاضل بلمّك

وسكنة تسكت الطفل بسمك

ساعة ويجيب الماي عمّك

____________________

(١) ابصار العين: ص٢٩ - ٣٠.


يقولون: بينما الحسين(ع) عند أبي الفضل وإذا بامرأة خرجت من المخيّم شابكةً عشرها على رأسها وهي تنادي واأخاه واعبّاساه فترك الإمام الحسين أخاه العبّاس(ع) في مكانه ولم يحمله ودنى وإذا بها العقيلة زينب فقال لها: إلى أين ارجعي قالت: أراك جئتني وحدك أين ابن والدي فاختنق الإمام بعبرته ولسان الحال:

يگللهه يزينب راح عبّاس

راح الضيغم اللي يرفع الراس

وظل يبكي عليه الدّرع والطاس

فعندما سمعت ذلك كأني بها أرادت أن تأتي إلى مصرعه وتلقي عليه نظرة الوداع فمنعها الإمام وهو يقول إلى أين؟ قالت بلسان الحال:

أنه رايحة العبّاس أشوفه

وركّب اعله زنوده كفوفه

أخوي وعلي زاد معروفه

كفيل الحرم وشلون أعوفه

وعندما سمعت سكينة نادت بلسان الحال:

عبّاسُ ياراعي الشريعة والحرم

بحماك قد نامت سكينةُ في الخَيمْ

صرخت ونادت يوم قد سقط العَلَمْ

اليوم نامت أعينٌ بك لم تنم

وتسهّدت أخرى فعزَّ منامُها

* * *

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة الثامنة المجلس السادس عشر

التفكُّر والإعتبار

يادوحةَ المجدِ من فهرٍ ومن مُضَرِ

قد جفّ ماءُ الصِّبا من غُصنِكَ النَّظِرِ

مهذّبُ الخَلْقِ والأخلاقِ إن ترَهُ

كأنّهُ مَلَكٌ في صورةِ البشرِ

قد أحدقت فيه آلافٌ يصولُ بها

كأنّهُ أسدٌ قد شدَّ في حُمُرِ(١)

ما اخضرّ عارضُهَ ما دبَّ شاربُهُ

لكن جرى‏ القدرُ الجاري على القَدرِ

فاغتالَ مَفْرِقَهُ الأزدي بمُرْهَفِهِ

فخرَّ لكن بخدٍّ منه منعفِرِ

إِن يبكه عمُّهُ حزناً لمصرعِه

فما بكى قمرٌ إلّا على قمرِ

ياساعدَ اللَّهُ قلبَ السبطِ ينظُرُهُ

فرداً ولم يبلغ العشرينَ في العمر

لابن الزكيِّ الا يامقلتي انفجري

من الدّموعِ دماً يامهجتي انفطري

قد كنتُ أحذرُ أنّي لا أراك على

وجهِ الصّعيدِ ولكن جاءني حذري

ما كنتُ آمُلُ في الرّمضاءِ أبصرُهُ

ياليتَ فارقني من قبل ذا بصري

ما كنتُ آملُ أن أبقى وأنت على

حرِّ الصّعيدِ ضجيعَ الصخرِ والحجرِ

مرمّلاً مذ رأتهُ رملةٌ صرخت

يامهجتي وسروري ياضيا بصري

خلّفت والدةً ولهى محيَّرةً

مدهوشةً ليس من حامٍ ومنتصرِ

بنيّ تقضي على شاطي الفراتِ ظَماً

والماءَ أشربُهُ صفواً بلا كدَرِ

بُنيّ في لوعةٍ خلّفتَ والدةً

ترعى نجومَ ‏الدّجى في ‏الليلِ ‏بالسّهَرِ(٢)

____________________

(١) الحُمُر: جمع حِمار وهو الحيوان المعروف.

(٢) القصيدة من نظم المرحوم السيّد صالح الحِلّي١، وقد تقدّمت ترجمتُهُ ص٧٤.


ردتك ما ردت دنيه ولا مال

تحضرني لو وگع حملي ولا مال

يقاسم خابت ظنوني ولامال

عند الضيق يبني أقطعت بيّه

* * *

(روي عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: تفكّرُ ساعة خيرٌ من عبادةِ ستين سنة)(١) .

أوجد اللَّهُ تعالى المخلوقات جميعاً وجعلَ الإنسانَ سيّدَها، والذي ميّز الإنسان عن سائر المخلوقات هو العقل، إذ لولاه لما صار الإنسان أشرف المخلوقات والتفكّر الذي نتحدّث عنه هو نتاجُ هذا العقل، وقد مدحته الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، وحبّبت إلى النّاس التفكّر والتدبّر.

ففي القرآن الكريم على سبيل المثال قوله تعالى:( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوِاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ َلآيَاتٍ لأُولِي الْأَلْبَابِ× الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (٢) وقوله تعالى:( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إلّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) (٣) وقوله تعالى:( أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ) (٤) وغيرها كثير.

____________________

(١) لئالِئُ الأخبار للتسيركاني١: ج١ ص١٨٤.

(٢) سورة آل عمران: الآية ١٩٠ - ١٩١.

(٣) سورة سبأ: الآية ٤٦.

(٤) سورة الروم: الآية ٨.


وأمّا ما جاء في السنّة الشريفة ففي الخصال عن الإمام أبي عبداللَّه الصادق(ع) أنّه قال: كان أكثر عبادة أبي ذرّ - رحمة اللَّه عليه - خَصلتين: التفكّر والإعتبار(١) .

وعن أمير المؤمنين(ع) قال: نبّه بالتفكّر قلبك، وقال: لا عبادة مثل التفكّر، وقال: التفكّر يدعو إلى البرِّ والعمل به وأنّه مرآةٌ صافية(٢) .

وعنه(ع) قال: من ألزمَ قلبَه الفكر، ولسانَه الذّكر ملأ اللَّهُ قلبَه إيماناً ورحمةً ونوراً وحكمة، إنّ الفكر والإعتبار يخرجان من قلبِ المؤمن عجائِبَ المنطق في الحكمة، فتسمع له أقوالاً يرضاها العلماء ويخشع لها العقلاء، ويعجب منها الحكماء(٣) .

والتفكّر هو عملية جولان بين المعارف للحصول على معرفةٍ جديدة، فإذا حصلت عند الإنسان معرفة وازدوجت مع معرفةٍ اُخرى حصل منهما نتاج آخر لم يكن موجوداً، وهكذا تتمادى العلوم والمعارف، ويتمادى الفكر، مثال ذلك: مَن مالت نفسُهُ إلى الدّنيا وأراد أن يعرف أنّ الآخرةَ أولى بالإيثار من الدّنيا فله طريقان: أحدهما: أن يسمع من غيرِهِ أنّ الآخرة أولى بالإيثار من الدّنيا فيقلّده ويصدّقُهُ من غير بصيرة بحقيقةِ الأمر فيميل إلى إيثار الآخرة اعتماداً على قول الغير وهذا يسمّى تقليداً ولا يسمّى معرفة، الطريق الثاني: أن يعرف أن الأبقى أولى بالإيثار [معرفة أولى] ثمّ يعرف أنّ

____________________

(١) الخصال: ج ١ ص٤٢ باب الإثنين.

(٢) لئالي الأخبار: ج ١ ص١٨٤.

(٣) المصدر السابق نفسه.


الآخرةَ أبقى [معرفة ثانية] فيحصل من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة وهي: أنّ الآخرةَ أولى بالإيثار، وهذه العمليّة تسمى تفكيراً، وهي لا تتوقّف عند الإنسان إلّا بالفناء، وثمرةُ التفكير هي العلوم المختلفة والمعارف.

وفي الرواية سُئل الإمام الصّادق(ع) كيف يتفكّر؟ قال: تمرُّ بالخربةِ أو بالدّار فتقول أين ساكنوك وأين بانوك مالَكِ لا تتكلّمين(١) .

يقول أحدهم دخلت خربةً وإذا قد كُتب فيها هذان البيتان:

هذه منازلُ أقوامٍ عهدتهُم

في خَفضِ(٢) عيشٍ وعزٍّ مالَهُ خطَرُ

صاحت بهم نائباتُ الدّهر فانقلبوا

إلى القبورِ فلا عينٌ ولا أثَرُ

والتفكّر خيرُ من العبادة من وجوه:

الأول: هو أنّ التفكّر يورث صاحبَه مقتَ الدّنيا ويقصّر الأمل الذي هو أقوى أسباب حبّ الدّنيا، ومعلوم أنّ جميع بلاء الإنسان ومصائبه الأخرويّة إنّما هو من حبّ الدّنيا وطول الأمل فإذا كان التفكّر مقتاً للدّنيا ومقصّراً لطول الأمل فلابدّ أن يكون أفضل من العبادة، كان ذو القرنين يسير في البلاد حتّى مرَّ بشيخ يقلّب جماجمَ الموتى فوقف عليه بجنوده فقال له: أخبرني أيّها الشيخ لأيّ شي‏ءٍ تقلّب هذه الجماجم؟ قال: لأعرف الشريفَ من الوضيع، والغنيَّ من الفقير فما عرفت ذلك، وإنّي لأقلّبها منذ عشرين سنة فقال ذو القرنين: ما عنيت بهذا غيري(٣) . قيل: فترك الدّنيا ولبس مسوحَ العبّاد.

____________________

(١) لئالئُ الأخبار ج١ ص١٨٥.

(٢) خَفُضَ العيشُ: أي سَهُلَ وكان هنيئاً. (منجد)

(٣) خلاصة الأسرار من بحار الأنوار: ج ١ ص٢٧١.


روي عن أمير المؤمنين(ع) وقد زار القبور:

سلامٌ على أهلِ القبورِ الدوارس

كأنّهُمُ لم يجلِسوا في المجالِسِ

ولم يشربوا من باردِ الماءِ شربةً

ولم يأكلوا من خير رطبٍ ويابسِ

ألا خبّروني أين قبرُ ذليلكم

وقبرُ العزيزِ الباذخِ المتنافِسِ(١)

الثاني: إنّ التفكّر ساعة أو أقلّ منها كثيراً ما يَقلِبُ الرجلَ إلى حالةٍ حسنة فتصدر منه العبادات في طول تلك المدّة كما حصل لكثير من الزهّاد والعبّاد والأخيار والأبدال والسلاطين، بخلاف العبادة(٢) .

جاء في سبب توبةِ بشر الحافي أنّه اجتازَ مولانا الإمامُ موسى بن جعفر(ع) على دارهِ ببغداد فسمع الملاهي وأصوات الغناء تخرج من تلك الدّار فخرجت جارية وبيدها قمامة فرمت بها في الدّرب فقال لها: ياجارية صاحبُ هذه الدّار حرٌّ أم عبد؟ قالت: بل حرٌّ قال(ع): صدقتِ لو كان عبداً خاف من مولاه فلمّا دخلت قال لها بشر وهو على مائدةِ السّكر ما أبطأكِ؟ قالت: حدّثني رجل بكذا وكذا فخرج حافياً حتى لقي مولانا الإمام الكاظم(ع) فتاب على يديه واعتذر وبكى لديه استحياءاً من عملِهِ، وكان ممّن فاقَ أهلَ عصرِهِ في الورع والزّهد، وتفرّد بوفور العقل وأنواع الفضل(٣) .

وكان له ذكرٌ حسنٌ جميلٌ بين النّاسِ، قال السيد الأمين في (أعيان الشيعة)

____________________

(١) الديوان المنسوب لأمير المؤمنين(ع): ص٧٣.

(٢) لئالئ الأخبار: ج ١ ص١٨٥.

(٣) الكنى والألقاب: ج ٢ ص١٦٨.


عن سفيان بن محمّد قال: رأيت بشر بن الحارث في النوم - بعد موته - فقلت له: ما فعلَ اللَّهُ بك؟ قال: غفر لي وأباح لي نصف الجنّة وقال لي: يابشر لو سجدت على الجمر ما أدّيت شكرَ ما جعلتُ لك في قلوب عبادي(١) .

الثالث: إنّ التفكّر ولو قليلاً يورث سعادةً لا تحصل بالقيام بجميع العبادات في طول العمر، كما وقع لكثير من الشهداء الكبار الذين منهم الحرّ بن يزيد الريّاحي رضوان اللَّه تعالى عليه حيث خرج إلى حرب الإمام الهمام أبي عبداللَّه(ع)، فبلغ بالتفكّر في نفسه ساعة ما بلغ من الدرجة العليا(٢) .

ومن هنا ما يذكر من أنّ الإمام الحسين(ع) لم يأذن لإبن أخيه القاسم بن الإمام الحسن السبط(ع) بالمبارزة فجلس مهموماً متألّماً فذكر أنّ أباه(ع) قد ربط في عضده عوذة وقال له: إذا مرّ بك حزن شديد فافتح العوذة واعمل بكلّ ما تراه مكتوباً فيها فقال القاسم: لم يمّر عليّ مثل هذا الموقف المحزن فحلّ العوذة وإذا فيها: ولدي قاسم أوصيك أنك إذا رأيت عمّك الحسين في كربلاء وقد أحاطت به الأعداء فلا تبخل عليه بروحك وكلّما نهاك عن القتال عاوده حتّى يأذن لك لتحظى بالسعادة الأبديّة فقام القاسم من ساعته وجاء إلى عمّه وعرض عليه الكتاب فلما رآه الإمام الحسين(ع) بكى وقال ياابن أخي وأنا عندي وصية أخرى منه، فأدخل القاسم خيمة ونادى عوناً وعبّاساً وقال عليّ بالصندوق فأخرج منه ملابس

____________________

(١) أعيان الشيعة: المجلد الثالث ص٥٩٧.

(٢) لئالئ الأخبار: ج ١ ص١٨٥.


الإمام الحسن الشهيد المظلوم ولفّ على رأس القاسم عمامة الحسن(ع) وعقد له على ابنته المسماة له وأفرد له خيمة وأخذ بيد ابنته ووضعها بيد القاسم وخرج عنهما، فأخذ القاسم ينظر بوجه ابنةِ عمّه ويبكي وهي تنظر بوجهه وتبكي وهو يسمع صوت عمّه الحسين(ع) ينادي: واقلّة ناصراه فخرج القاسم وهو يقول لبّيك ياسيّدي فأرجعه الإمام إلى ثلاث مرّات وفي المرّة الأخيرة قال له اذهب إلى أُمّك ودّعها فذهب إليها ولسان حالها:

يا ماي عيني يالولد

رايح كأنك ما ترد

ويّاك إلي حاجة وگصد

ليكون عنّي تغفل

قاسم تناهه وليه اجت

أمّه وعلى فراگه بكت

شمّت خدوده وهلهلت

ما تدري بيه ينقتل

گالله عينك والتمس

منك وكل مطلع شمس

ذكري شبابي والعرس

واللي طلبتيه سهل

أقول: بهذه اللوعة التي يصوّرها الشاعر ودّعت السيّدة رملة ولدها القاسم ليت شعري كيف كان حالها عندما جي‏ء به إلى الخيام محمولاً مضروباً على رأسه لا حراك فيه ولسان الحال:

رملة طلعت تلطم ‏صدرهه ‏بدمع‏ همّال

تنادي‏ يغصن البان عني گوض وشال

ظليت حرمه بلا ولي من غير رجال

وصارت الضجّه في خدور الهاشميه

* * *


وصلت لعدقاسم ‏او منها الگلب‏ مهموم

صاحت ييمّه ياشباب المات محروم

مرمي ‏على‏ الرّمض او متخضّب‏ بالدموم

لبكي على فرگاك كل صبح ومسيه

* * *

يبني ما ذكرت أُمّك وحنيت

تركتني امن انطبگ ظهري وحنيت

يقاسم خضّبت شيبي وحنيت

بدمك ياشباب الغاضريّة

* * *

بنيّ في لوعةٍ خلّفت والدةً

ترعى نجوم‏الدّجى في‏الليل بالسهرِ

لاحول ولا قوة إلا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة الثامنة المجلس السابع عشر

شهادة القاسم بن الحسن(ع)

قسَمَ الإلهُ الرّزءَ بين أعاظِمِ

لا رزءَ أعظمُ من مصابِ القاسمِ

حسنيُّ خُلْقٍ من نِجارِ محمّدٍ

مضريُّ عرقٍ من سلالةِ هاشمِ

غصنٌ نضيرٌ من أصولِ مفاخِرٍ

ثمرٌ جنيٌّ من فروعِ مكارِمِ

قتّالُ أبطالٍ مبيدُ كتائبٍ

فتّاكُ آسادٍ هَزَبْرُ ملاحِمِ

هزمَ الكماةَ بقوّةٍ علويّةٍ

وأبادهم طُرّاً ببطشٍ هاشمِ

للَّهِ يومٌ خرَّ فيه إلى الثرى

متكسّرَ الأضلاعِ تحت مناسِمِ(١)

نادى حسيناً عمَّهُ متشكّياً

بُعدَ الوصالِ وقربَ هجرٍ دائمِ

ويلوكُ كالحوتِ التريبِ لسانَه

لوكاً ويفحَصُ كالقطا بقوادمِ(٢)

* * *

ولسان حال امّه رمله:

ربيتك ييمّة واسهرت برباك

اشلون اصبر يروحي من بعد عيناك

عسن سيف اليصيبك صابني وياك

اولا شوفك خضيب الراس بالدم

* * *

وحيّد وعز عندي امن العذيبي

او ردتك ضخر لأيام شيبي

مظنيت بيك يشح نصيبي

وابگه اسحن صبر فرگاك والهم

____________________

(١) المناسِمْ: للإبل كالظفر للإنسان أو طرف خف البعير والنعامة.

(٢) معالي السّبطين للمازندرانيرحمه‌الله تعالى: ج ١ ص٢٨٢.


(جاء في زيارته(ع): السَّلامُ عليكَ ياابنَ حبيبِ اللَّه، السَّلامُ عليكَ ياابنَ ريحانةِ رسول اللَّه، السَّلامُ عليكَ من حبيبٍ لم يقضِ من الدّنيا وطَراً، ولم يشفِ من أعداءِ اللَّهِ صدراً، حتَى عاجلَهُ الأجل، وفاتَه الأمل، السَّلامُ على القاسمِ بنِ الحسنِ بنِ علي ورحمة اللَّه وبركاتُه)(١) .

أبناء الإمام الحسن المجتبى(ع) الذين قاتَلوا مع عمِّهم الإمام الحسين(ع) في كربلاء بمعركة الطف خمسة وهم: القاسم - والمجلس مخصّص لذكره - والحسن المثنّى، وأبو بكر، وعبداللَّه، وعمرو، وقد نال الشّهادةَ منهم ثلاثة وهم(٢) : أبو بكر، عبداللَّه، والقاسم، وبقي منهم اثنان:

الأول: هو الحسن المثنى: وقد كان له من العمر اثنان وعشرون سنة(٣) ، وقاتلَ قتالاً شديداً وقد قتلَ من الأعداء سبعةَ عشرَ رجلاً كما في بعض المقاتل، وأصابته ثمانية عشر جراحة فوقع أرضاً وبه رمق من الحياة، فلمّا انتهت المعركة جاءه أسماءُ بن خارجة فانتزعه من بين الأسرى وقال: لا يُوصَل إلى ابن خولَة أبداً، فقال عمر بن سعد: دعوا لأبي حسّان ابنَ أخته(٤) ، فجاء به إلى الكوفة وهو جريح فداواه عنده وبقي في الكوفة ثمانية أشهرٍ أو سنة ثمّ عاد إلى المدينة.

الثاني: هو عمرو بن الحسن: وكان مع الأسراء، وقد دخل معهم على

____________________

(١) بحار الأنوار: ج ١٠١ ص٢٤٣.

(٢) الإرشاد للشيخ المفيد(ره): ص١٧٩.

(٣) وفي أعيان الشيعة: المجلّد الخامس ص٤٤، أنّ المظنون كون عمره ١٧ عاماً.

(٤) الإرشاد للمفيد(ره): ص١٩٦.


يزيد في الشام فقال له يزيد: أتصارعُ ابني هذا؟ وقصد ابنه خالد فقال: ما فيّ قوّة على الصّراع ولكن أعطني سكّيناً وأعطِهِ سكيناً فإمّا أن يقتلني فألحق بجدّي رسول اللَّه(ص) وأبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) وإمّا أن أقتُلَهُ فألحقَهُ بجدّه أبي سفيان وأبيه معاوية، فتأمّل يزيد قليلاً ثمّ قال: شِنشِنَةٌ أعرفها من أخزم هل تلدُ الحيّةُ إلّا حَيّة(١) .

أراد اللعين يزيد من تمثّله بهذا المثل هو أنّ طبيعة أهل البيت وسجيّتهم الشجاعة يتوارثونها كما يتوارثون بقية السجايا والخصال الحميدة، وأنت ياعمرو بن الحسن ورقةٌ من تلك الشجرة حيث جدّك أمير المؤمنين وأبوك المجتبى سيّد شباب أهل الجنّة، ولم يَلِدوا إلّا الأبطال الشجعان.

ومن المناسب هنا ذكر موقف النبيّ(ص) يوم فتح مكّة المكرّمة في السّنة الثامنة للهجرة وقوله: لو ولد أبو طالب النّاس كلّهم لكانوا شجعاناً(٢) .

أمّا الشهداء الثلاثة فهم:

أبو بكر بن الحسن(ع): وهو أخو القاسم لأبيه وأمّه، ذكر أبو الفرج الأصفهاني في (مقاتل الطالبيّين): أنّ أبا بكر قُتل قبل أخيه القاسم(٣) .

وعبداللَّه بن الحسن(ع): قال الشيخ المفيد(ره) في (الإرشاد): لما ضرب مالكُ بن النّسر الكندي بالسيف رأس الإمام الحسين(ع) بعد ما شتمه ألقى الإمام الحسين(ع)

____________________

(١) الشّنشنة: هي العادة والطّبيعة، الأخزم هو الذّكر من الحيّات.

(٢) شجرة طوبى: ص٣٠٥.

(٣) نفس المهموم: ص٣٢٥ عن مقاتل الطالبيين.


قلنسوتَهُ ودعا بخرقة وقلنسوة فشدّ رأسَهُ بالخرقة ولبس القلنسوة واعتمّ عليها، فرجع عنه الشمر ومَن معه إلى مواضعهم، فمكث هنيئة ثمّ عاد الشّمر وعادوا إليه وأحاطوا به، فخرج عبداللَّه بن الحسن من عند النّساء وهو غلامٌ لم يراهق، فشدّ حتى وقف إلى جنبِ عمّه الحسين(ع) فلحقته زينب(ع) لتحبسَهُ فأبى عليها فقال لها الإمام الحسين(ع): احبسيه ياأخيّة فامتنع امتناعاً شديداً وقال: واللَّه لا أفارق عمّي، وأهوى بحرُ بنُ كعب إلى الحسين بالسّيف فقال له الغلام: ويلك ياابن الخبيثة أتقتلُ عمّي؟ فضربه بحرُ بالسيف فاتّقاه الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد فإذا هي معلّقة، فنادى الغلام ياأمّاه فأخذه الحسين(ع) وضمّه إليه وقال له: ياابن أخي اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير فإنّ اللَّهَ يلحقُكَ بآبائك الصّالحين ثمّ رفع الإمام(ع) رأسه إلى السماء وقال: اللهمّ امسك عليهم قطرَ السّماء، وامنعهم بركاتِ الأرض، اللهمّ فإن متّعتهُم إلى حين ففرّقهم بدداً واجعلهم طرائقَ قدداً، ولا ترضي الولاةَ عنهم أبداً، فإنّهم دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا. وروى أبو الفرج الأصفهاني أنّ الذي قتله هو حرملةُ بن كاهل الأسدي(١) .

والقاسم بن الحسن(ع): قال المرحوم الشيخ عبّاس القمّي في (نفس المهموم): قيل لما نظر الإمام الحسين(ع) إلى القاسم وقد برز اعتنقه وجعلا يبكيان حتى غُشي عليهما ثمّ استأذن عمّه الحسين(ع) في المبارزة فأبى(ع) أن يأذن له، فلم يزل القاسم يقبّل يديه ورجليه حتى أذن له فخرج

____________________

(١) ابصار العين: ص٣٨ عن الإرشاد.


ودموعُهُ تسيل على خدّيه وهو يقول:

إن تنكروني فأنا نجلُ الحسن

سبطِ النبيِّ المصطفى والمؤتمن

هذا حسينٌ كالأسير المرتهَن

بين أُناسٍ لا سُقوا صوب المزُن

فقاتل قتالاً شديداً حتّى قَتَلَ على صغره خمسة وثلاثين رجلاً.

وقال ابن شهرآشوب(ره) في المناقب: إنّ القاسم أنشأ يقول:

إنّي أنا القاسمُ من نسل علي

نحنُ وبيتِ اللَّهِ أولى بالنّبي

من شمر ذي الجوشنِ أو ابنِ الدّعي(١)

وروى الشيخ المفيد(ره) عن حميد بن مسلم قال: خرج إلينا غلام كأنّ وجَههُ شقّهُ قمرٍ وفي يده سيف وعليه قميصٌ وإزار وفي رجليه نعلان قد انقطع شِسعٌ إحداهما(٢) ما أنسى أنها اليسرى فوقف ليشدّها فقال عمرو

بن سعد بن نُفيل الأزدي - لعنه اللَّه - : واللَّهِ لأشُدنّ عليه فقلت له: وما تريد بذلك يكفيك هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه من كلّ جانب قال: واللَّه لأشدنّ عليه، فشدّ عليه فما ولّى وجهَهُ حتّى ضربَ رأسه بالسيف فوقع الغلامُ لوجهِهِ فقال: ياعمّاه قال: فجلى الحسين(ع) كما يجلو الصّقر ثمّ شدّ شدّةَ

____________________

(١) نفس المهموم: ص٣٢٢.

(٢) وفي ذلك يقول المرحوم الشيخ محمّد السماوي:

أتراهُ حين أقامَ يُصلحُ نعلَهُ

بين العدى كي لا يروهُ بمحتفي

غلبت عليه شهامةٌ حسنيّةٌ

أم كان بالأعداءِ ليس بمحتفي


ليثٍ أغضب وضرب عمراً فاتّقاه بالساعد فأطنّها من لدن المرفق، فصاح صيحةً سمعها أهلُ العسكر ثمّ تنحّى عنه الحسين(ع)، وحملت خيلُ أهل الكوفة ليستنقذوا عمراً من الحسين(ع) فلمّا حملت الخيل استقبلته بصدورها وجالت فوطأته حتى مات لعنه اللَّه وأخزاه، وانجلت الغبرة وإذا بالحسين(ع) قائمٌ على رأس الغلام وهو يفحص برجليه والإمام(ع) يقول: بُعداً لقومٍ قتلوك ومَن خصمُهُم يوم القيامةِ جدُّك. ثمّ قال: عزّ واللَّه على عمّك أن تدعوه فلا يجيبُك أو يجيبُك فلا ينفعُك، هذا يومٌ كثُرَ واللَّهِ واترُهُ وقلّ ناصرُه ولسان الحال:

بكه وناداه ياقاسام شبيدي

يريت السيف گبلك حز وريدي

هان الكم تخلّوني وحيدي

على خيمّي يعمّي الخيل تفتر

* * *

يعمّي شگالت امن الطبر روحك

يعمّي ما تراويني جروحك

لون أبقى يعمّي كنت انوحك

بگلب مثل الجمر وبدمع محمر

ثمّ حمله على صدره ورجلاه تخطّان في الأرض، وجاء به حتّى ألقاه مع ابنه عليّ الأكبر ولسان الحال:

جابه ومدّده ما بين اخوته

بكى عدهم يويلي وهم موته

بس ما سمعن النسوان صوته

اجت زينب تصيح اللَّه واكبر

* * *


مبارك بين سبعين الف جابوك

بدال الشّمع بالنشاب زفوك

عن الحنه بدم الراس حنّوك

على راسك ملبس نبل ينثر

وجاءت عندها العروس ولسان الحال:

يقاسم گوم ريت البيك بيّه

يقاسم گوم ريت الموت ليّه

صدگ رايح يقاسم هاي هيّه

او تخلّيني أون الليل واسهر

* * *

عسى بعيد البلا خدّك على الگاع

يقاسم موش وقت الموت هلساع

قاسم يبن عمّي لون تنباع

بماي العين كنت اشريك ياحر

ثمّ التفتت إلى قاتل القاسم وصاحت بلسان الحال:

عساهي برگبتك كل الخطيّه

تخلّيني غريبة واجنبيّة

ياقاسم عرس اكشر عليّه

عرّيس ويزفّونك مطبر

* * *

خضبوا وما شابوا وكان خضابهم

بدمٍ من الأوداج لا الحنّاءِ

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة التاسعة المجلس الثامن عشر

برُّ الوالدين

جرى دمعي لمصرعِ شبل طه

وتاهَ الفكرُ في الحزنِ الشّديدِ

فما أدري أعزّي أم أُهَنّي

عليَّ المرتضى بابنِ الشَّهيدِ

فطوراً للوصيِّ به أُهنّي

وأنظمُ مدحَهُ نظمَ العقودِ

عليٌّ بالطّفوفِ أقامَ حرباً

كحربكَ ياعليُّ مع اليهودِ

وقاتلَ بكرَهم كقتالِ عمروٍ

وجدّله على وجهِ الصّعيد

وصيّرَ كربلا بدراً وأُحداً

ونادى ياحروبَ الجدِّ عودي

وطوراً ياعليُّ أُعزّي فيه

وتبكي العينُ للعقدِ الفريدِ

كأنّي بالحسينِ غدى ينادي

علينا ياليالي الوصلِ عودي

رجوتُكَ ياعليُّ تعيشَ بعدي

لتوسِدَ جثّتي رمسَ اللحودِ

وتمشي باكياً من خلف نعشي

كما يبكي الوليدُ على الفقيدِ

ولم أنسَ النساءَ غداة فرّت

إلى نعشِ الشَّهيد ابن الشَّهيدِ

فهذي قبّلت كفّاً خضيباً

وشمّت تلك ورداً في الخدودِ

وزينبُ قابلت ليلى وقالت

أعيدي النّوحَ ياليلى أعيدي

على حلوِ الشّباب وبدرِ تمٍّ

شبيهِ محمّدٍ خيرِ الجدودِ(١)

____________________

(١) هذه القصيدة العصماء للمرحوم الشيخ جعفر الهر الكربلائي(ره).

قال المرحوم السيد جواد شبر في الجزء التاسع من موسوعته (أدب الطف):

الشيخ جعفر ابن الشيخ صادق بن أحمد الحائري الشهير بالهر، أحد أعلام كربلاء


ولسان حال اُمّه ليلى:

لمّن للأكبر اجت ليلى

گعدت وگامت تشتكيله

تگلّه ودمعها عليه تسيله

برضاك أظل بعدك ذليله

والظعن لو رادوا رحيله

ياهو المحملي يباريله

من بعد عينك ياكفيله

وبيمن بعد راسي أشيله

* * *

قال اللَّه تعالى في القرآن الكريم:( وَقَضَى رَبُّكَ إلّا تَعْبُدُوا إلّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) (١) .

____________________

المقدسة وأفاضلها، ولد سنة ١٢٦٧ه وتوفي سنة ١٣٤٧ه بكربلاء ودفن فيها في الرواق الشريف الحسيني قريباً من قبر صاحب الرياض وعمره ثمانون عاماً.

درس على الشيخ زين العابدين المازندراني، و لما نال الحظوة الكافية من العلم انفرد بالتدريس وتخرّج على يده جماعة.

قال صاحب (الطليعة): كان فاضلاً مشاركاً في العلوم أديباً شاعراً هو اليوم مدرّس بكربلاء وإمام جماعة تقام به الصلاة في حرم أبي الفضل العباس(ع) ومن شعره قوله مشطّراً البيتين المنسوبين إلى قيس العامري:

مرُّ على الديارِ ديارِ ليلى

ونارُ الوجدِ تستعرُ استعارا

أشمُّ ترابَها طوراً وطوراً

أقبّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا

وما حبُّ الديارِ شغفنَ قلبي

ولا أضرمْنَ في جنبيَّ نارا

ولا ربعِ الغويرِ وساكنيه

ولكنْ حبُّ مَن سكنَ الديارا

(١) سورة الإسراء أو بني إسرائيل: الآية ٢٣ و٢٤.


قال المرحوم الشيخ الطبرسي(ره) في (مجمع البيان):( وَقَضَى رَبُّكَ ) أي أمرَ أمراً باتّاً( إلّا تَعْبُدُوا إلّا إِيَّاهُ ) أي أن تعبدوه ولا تعبدوا غيرَه( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) أي وقضى اللَّهُ بالوالدين احساناً أو أوصى بالوالدين إحساناً(١) ، أقول: من هنا يتّضحُ لنا جليلُ حقِّ الأبوين بحيث أنّ اللَّهَ تعالى أوجب حقّهما بعد وجوب توحيده وعبادته ونفي عبادةِ مَن سواه، وقد حفلت أحاديث العترة الطاهرة بالكثير من الوصايا الخالدة في هذا المقام منها:

ما روى الشيخ الكليني(ره) في أصول الكافي بسنده إلى منصور بن حازم عن أبي عبداللَّه الصادق(ع) قال: قلتُ له: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: الصلاةُ لوقتها وبِرُّ الوالدين، والجهاد في سبيل اللَّه عزّوجلّ(٢) .

ومنها: عن الإمام الصادق(ع) قال: ما يمنع الرّجلَ منكم أن يبرَّ والديه حيَّين وميّتين، يصلّي عنهما، ويتصدّق عنهما، ويحجّ عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صَنَعَ لهما، وله مثلُ ذلك فيزيده اللَّه عزّوجلّ ببرِّهِ وصِلَتِهِ خيراً كثيراً(٣) .

ومنها: عن معمّر بن خلّاد قال: قلت لأبي الحسن الرّضا(ع): أدعو لوالديَّ إذا كانا لا يعرفان الحق(٤) ؟ قال: ادعُ لهما، وتصدّق عنهما، وإن كانا

____________________

(١) مجمع البيان: ج ٢ ص٤٠٩.

(٢) أصول الكافي: ج ٢ ص١٥٨.

(٣) أصول الكافي: ج ٢ ص١٥٩.

(٤) لا يعرفان الحق: أي لا يعرفان شيئاً من أمر أهل البيت: في الإمامةِ وولاية الأمر بعد رسول اللَّه (ص).


حيّينِ لا يعرفان الحقّ فدارهما فإنّ رسول اللَّه(ص) قال: (إنّ اللَّه بعثني بالرّحمةِ لا بالعقوق)(١) .

( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا ) قال في (مجمع البيان): يعني به الكبر في السنّ والمعنى إن عاشا عندك أيّها الإنسانُ المخاطب حتى يكبُرا، أو عاش أحدُهما حتّى يكبر وخصَّ حال الكبر وإن كان من الواجب طاعة الوالدين على كلّ حال لأنّ الحاجةَ أكثر في تلك الحال إلى التعهّد والخدمة( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ) روي عن الإمام أبي الحسن عليّ بن موسى الرّضا(ع) عن أبيه عن جدّه أبي ‏اللَّه(ع) قال: لو علم اللَّه لفظةً أوجزَ في تركِ عقوقِ الوالدين من أفٍّ لأتى بها، وفي رواية أخرى عنه(ع) قال: أدنى العقوق أف ولو علم اللَّهُ شيئاً أيسرَ منه وأهون منه لنهى عنه، وفي خبر آخر: فليعمل العاق ما يشاء أن يعمل فلن يدخل الجنّة، فالمعنى لا تؤذيهما بقليل ولا كثير.

روى الشيخ الصدوق(ره) في (الخصال) عن الإمام الباقر(ع) قال: في كتاب عليٍّ(ع) ثلاثُ خصالٍ لا يموت صاحبُهنّ حتى يرى وبالَهنّ: البغي، وقطيعة الرّحم، واليمين الكاذبة(٢) .

يحكى أنّ رجلاً غضب على أبيه - وهو عنده في الدّار - فأخذ يضربه ويضربه والأب ساكت لا يتكلّم ولا يعترض حتى وضع الابنُ الحبلَ في عنقِ والدِهِ وسحبه على الأرض حتى أوصله إلى باب الدّار ثمّ فتح الباب

____________________

(١) أصول الكافي: ج ٢ ص١٥٩.

(٢) الخصال: ج ١ ص١٢٤ ح ١١٩.


ليلقي أباه خارج الدّار، فوضع الأب العاجز يده على الحبل وقال لابنه: إلى هنا يكفي فإني عندما كنت نشيطاً مثلك ضربت والدي ووضعت الحبلَ في عنقِهِ وسحبته على الأرض ولكن لم ألقه خارج الدّار، فكفَّ عنه ابنه، أقول: فسبحان اللَّه العادل الذي لا يفوتُه ظلمُ ظالمٍ أبداً:

لا تَظلمنّ إذا ما كنتَ مقتدراً

فالظّلمُ مرتعُهُ يُفضي إلى النّدم

تنامُ عينُك والمظلومُ منتبهٌ

يدعو عليك وعينُ اللَّهِ لم تنمِ(١)

( وَلا تَنْهَرْهُمَا ) أي لا تزجرهما بإغلاظٍ وصياح( وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ) أي وخاطبهما بقولٍ رقيقٍ لطيف حسن جميل بعيد عن اللغو والقبح يكون فيه كرامةٌ لهما، ويدلّ على كرامةِ المقول له على القائل( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) أي وبالغ في التواضع والخضوع لهما فعلاً وقولاً برّاً بهما وشفقةً عليهما، والمراد بالذّل هنا اللين والتواضع دون الهوان من خَفَضَ الطّائر جناحَه إذا ضمَّ فرخَه إليه، فكأنه سبحانه قال: ضمّ أبويك إلى نفسِك كما كانا يفعلان بك وأنت صغير، وإذا وصفت العرب إنساناً بالسهولةِ قالوا هو خافضُ الجناح، وقال أبو عبداللَّه الصادق(ع): معناه لا تملأ عينيك من النّظر إليهما إلّا برأفةٍ ورحمة ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يديك فوق أيديهما ولا تتقدّم قدّامهما( وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) معناه ادع لهما بالمغفرةِ والرّحمة في حياتهما وبعد مماتهما جزاءً لتربيتهما إيّاك في صباك، وفي هذا دلالة على أنّ دعاء الولد لوالده الميّت مسموع وإلا لم يكن للأمر به معنى، وقيل: إنّ اللَّه تعالى أوصى الأبناء بالوالدين لقصور شفقتهم ولم يوصِ الوالدين بالأبناء لوفور شفقتهم

____________________

(١) من الديوان المنسوب لأمير المؤمنين(ع): ص١٢٠.


وفي الحديث عن النبيّ(ص) قال: رغم أنفه رغمَ أنفه رغمَ أنفه (ثلاث) قالوا: مَن يارسول اللَّه؟ قال: مَن أدرك أبويه عند الكبرِ أحدهما أو كلاهما ولم يدخل الجنّة، وروى أبو أُسَيْد الأنصاري قال: بينما نحن عند رسول اللَّه(ص) إذ جاءه رجلٌ من بني سلمة فقال: يارسول اللَّه هل بقي من بِرّ والديّ شي‏ءٌ أبرّهما به بعد موتهما قال: نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وانفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلةِ الرّحم التي لا توصل إلّا بهما(١) .

واعلم أنه لا شي‏ء عند الأبوين أغلى وأثمن من برّ الابن بهما، على الرّغم من أنه وفاءٌ لبعضِ مالهما من ديون، انّهما يسعدان بهذا البرّ سعادة الغارس بثمرات غرسِهِ، وبهذه السعادة يشعر الابن البار إذا تأكّد من سعادةِ أبويه به، ورضاهما عنه(٢) .

وجاء في‏رسالة الحقوق للإمام أبي الحسن عليّ بن الحسين(ع): (وحقّ أبيك أن تعلمَ أنّه أصلُك، وأنّه لولاه لم تكن فمهما رأيت في نفسِكَ ما يعجبُك فاعلم أنّ أباك أصلُ النّعمةِ عليك فيه. فاحمد اللَّه واشكره على قدر ذلك. ولا قوّة إلّا باللَّه).

روي انّ رجلاً شيخاً أتى النبيَّ(ص) فقال: إنّ‏ابني هذا له مالٌ كثير، وأنّه لا ينفق عليَّ من مالِهِ، فنزل جبرئيل فقال: يارسول اللَّه إنّ هذا الشيخ قد أنشأ أبياتاً فاستنشدها منه، فاستنشده النبيّ(ص): فقال الشيخ يعتب على ابنه:

____________________

(١) مجمع البيان: ج ٣ ص٤١٠.

(٢) شرح رسالة الحقوق للسيد حسن القبانجي: ج ١ ص٥٦٨.


غذوتُكَ مولوداً وقد كنتَ يافعاً

تَعِلُّ بما أحني عليك وتنهَلُ

إذا ليلةٌ ضافتك بالسّقم لم أبت

لسقمكَ إلّا ساهراً أتململُ

كأنّي أنا المطروقُ دونَك بالذي

طُرِقتَ به دوني فعينيَ تهملُ

تخافُ الرّدى نفسي عليكَ وإنّها

لتعلَمُ أنّ الموتَ وقتٌ مؤَجّلُ

فلمّا بلغتَ السنَّ والغايةَ التي

إليها مدى ما فيكَ كنتُ أؤمّلُ

جعلتَ جزائي غلظةً وفضاضةً

كأنك أنت المنعمُ المتفضلُ

فليتكَ إذ لم تَرعَ حقَّ أبوّتي

فعلتَ كما الجارُ المجاورُ يفعَلُ(١)

فلمّا سمع النبيّ(ص) قال للولد: أنت ومالُكَ لأبيك(٢) .

وجاء في رسالة الحقوق المروية عن الإمام أبي الحسن عليّ بن الحسين(ع):

(وحقُّ أمّكَ أن تعلم أنّها حملتكَ حيثُ لا يحتملُ أحَدٌ أحداً، وأعطتك من ثمرةِ قلبها ما لا يعطي أحدٌ أحداً، ووقتك بجميع جوارحها ولم تبالِ أن تجوعَ وتطعمُكَ، وتعطشَ وتسقيك، وتَعرى وتكسوك، وتهجُرُ النّومَ لأجلك، ووقَتْكَ الحرَّ والبرد لتكونَ لها، فإنّكَ لا تُطيقُ شكرها إلّا بعونِ اللَّه عزّوجلّ)(٣) .

شكى رجلٌ إلى رسول اللَّه(ص) سوءَ خُلُقِ أُمِّه فقال: إنّها لم تكن سيّئةَ

____________________

(١) شرح رسالة الحقوق: ج ١ ص٥٦٩.

(٢) الإمام زين العابدين للمحقّق المقرّم: ص١٢٧.

(٣) الإمام زين العابدين(ع): ص١٢٦.


الخُلق حين حملتك تسعةَ أشهر، وحين أرضعتك حولين، وحين سهرت ليلَها وأظمأت نهارَها فقال الرجل: إنّي جازيتُها وحججتُ بها على متني فقال النبيّ(ص): ما جازيتها ولا طلقة واحدة(١) .

لأُمِّكَ حقٌّ لو علمتَ كبيرُ

كثيرُكَ ياهذا لديه يسيرُ

فكم ليلةٍ باتت بثقلك تشتكي

لها أنّةٌ ممّا بها وزفيرُ

وفي الوضع لو تدري عليها مشقّةٌ

فمن غُصَصٍ كادَ الفؤادُ يطيرُ

وكم غَسَلتْ عنك الأذى بيمينها

وما حجرُها إلّا لديك سريرُ

وتَفديكَ ممّا تشتكيهِ بنفسها

ومن ثديها شِربٌ لديكَ نميرُ

وكم مرّةٍ جاعت وأعطتك قوتَها

حُنوّاً وإشفاقاً وأنت صغيرُ

فآهاً لذي عقلٍ فيتّبعُ الهوى

وآهاً لأعمى القلبِ وهو بصيرُ

فدونك فارغب في عميمِ دعائها

فأنت لما تدعو به لفقيرُ

وفي الرواية عن النبيّ(ص) أنه قال: دعاء الوالدة أسرع إجابةً من الوالد قيل: لِمَ يارسول اللَّه قال: لأنّها أرحم(٢) .

من هنا قال الإمام أبو عبداللَّه الحسين(ع) لزوجته ليلى - كما هو المشهور عند أهل المنبر - ادخلي الخيمة وادعي لولدك، وذلك عندما برز بكرُ ابنُ غانم مبارزاً لعليّ الأكبر(ع)، فدخلت خيمتها - كأني بها - جرّدت

____________________

(١) شرح رسالة الحقوق: ج ١ ص٥٤٨.

(٢) المصدر السابق نفسه: ص٥٥٠.


خمارها نثرت شعرها، رفعت يديها إلى اللَّه تعالى وأقسمت عليه بقسمٍ عظيم، يقولون قالت: إلهي بغربةِ أبي عبداللَّه، إلهي بعطشِ أبي عبداللَّه يارادّ يوسف إلى يعقوب ردّ إليّ ولدي علي ولسان الحال:

دخلت الخيمتها الغريبه

تبكي وعلى ابنيها بريبه

وتوسلت للَّه بحبيبه

بالحسين وشما بيه مصيبه

ياراد يوسف من مغيبه

اليعگوب ومسكّن نحيبه

أريدك علي سالم تجيبه

فاستجاب تعالى دعاءها، وعاد الأكبر وبيده رأسُ بكر بن غانم وهو يقول:

صيدُ الملوكِ أرانبٌ وثعالبُ

وإذا برزتُ فصيدي الأبطالُ

يقولون: فقال له الإمام الحسين(ع) أسرع إلى خيمةِ أُمّك، فجاء الأكبر مسرعاً فرأى أُمّه مغمىً عليها ناداها فلم تجبه ثمّ ناداها فلم تجبه فوضع رأسها في حجره وأخذ يبكي على حال أمّه، فقطّر دمُعُه الشريف على وجهها ففتحت عينيها وإذا بابنها الأكبر معها سالماً معافى، فضمّته إلى صدرها ولسان الحال:

يابني علي ياماي عيناي

رديت روحي بجيّتك هاي

ياسلوتي وياطيب دنياي

يابني امن‏أسمعك تطلب الماي

والماي تدري حاطته عداي

ينصدع گلبي وتعم بلواي


أقول: هذا حالها وعليّ الأكبر إلى جنبها، ليت شعري ما حالها وقد حمله الهاشميون وهو مقطّعٌ بالسيوفِ إرْباً إرْباً ولسان الحال:

ياعلي يبني النوب ذلّيت

والموت ياخذني تمنيت

عمود الوسط ياشايل البيت

يبني بعد عندي شخلّيت

انه بيش اجيت وبيش ردّيت

بعدك عساني لا بقيت

* * *

بكل وادي لهيم عليك واسلاك

يبني ولا تظن أنساك واسلاك

گطّع من فؤادي هروش واسلاك

ييمّه من هويت اعله الوطية

* * *

ياكوكباً ما كان أقصر عمرَه

وكذا تكون كواكبُ الأسحار

* * *

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة التاسعة المجلس التاسع عشر

شهادة علي الأكبر(ع)

حَجْرٌ على عيني يمرُّ بها الكرى

من بعدِ نازلةٍ بعترةِ أحمد

أقمارُ تمٍّ غالها خسفُ الرّدى

واغتالها بصروفِهِ الزّمنُ الرّدي

شتّى مصائبُهم فبين مكابدٍ

سُمّاً ومنحورٍ وبين مصفّدِ

سل كربلا كم من حشىً لمحمّدٍ

نُهبت بها وكم استجذّت من يدِ

ولَكَمْ دمٍ زاكٍ أريق بها وكم

جثمانِ قدسٍ بالسيوفِ مبدّدِ

وبها على صدرِ الحسين ترقرقت

عبراتُهُ حزناً لأكرمِ سيّدِ

أفديه من ريحانةٍ ريّانةٍ

جفّت بحرِّ ظماً وحرِّ مهنّدِ

بكرَ الذّبولُ على نضارةِ غصنِهِ

إنّ الذّبولَ لآفةُ الغصنِ النّدِي

ماءُ الصِّبا ودمُ الوريدِ تجاريا

فيه ولاهِبُ قلبِهِ لم يَخمُدِ

ومحى الرّدى ياقاتلَ اللَّهُ الرّدى

منه هلالَ دجىً وغرّةَ فرقَدِ

يانجعةَ الحيّينِ هاشمَ والنّدى

وحمى الذّمارينِ العلى والسؤدَدِ

فلتذهب الدّنيا على الدّنيا العفى

ما بعدَ يومِكَ من زمانٍ أرغدِ(١)

____________________

(١) القصيدة من نظم المرحوم المقدّس آية اللَّه الشيخ عبدالحسين آل صادق العاملي(ره).

قال السيد جواد شبّر في (أدب الطف) الجزء ٩، ص٢٢٩:

الشيخ عبدالحسين ابن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ صادق العاملي، ولد في النجف الأشرف في حدود سنة ١٢٨٢ وفيها نشأ، ثمّ خرج إلى جبل عامل وعاد إلى النجف الأشرف بعد وفاة أبيه فأخذ عن علمائها مثل الشيخ ميرزا حسين ابن ميرزا خليل، وهو في الطبقة الأولى


ولسان حال الإمام الحسين(ع):

يبويه گول واسرع ردّ الجواب

يبويه بياكتر مض بيك الصواب

يبويه العيش بعدك لا حله وطاب

ردتك ترد وحشة الغيّاب

وذخرتك تهيل عليّه التراب

دمعي على فرگاك سكّاب

شيفيد الدّمع لو صار خنياب

ماي وتبدّه طولك وغاب

* * *

قال الشاعرُ يمدح سيّدَنا عليّ الأكبر(ع):

لم ترَ عينٌ نظرت مثلَهُ

من محتفٍ يمشي ومن ناعلِ

أعني ابنَ ليلى ذا السّرى والنّدى

أعني ابنَ بنتِ الحسبِ الفاضلِ

لا يؤثرُ الدّنيا على دينه

ولا يبيعُ الحقَّ بالباطل

ولد سيّدُنا عليُّ الأكبر(ع) في الحادي عشر من شهر شعبان سنة ثلاث وثلاثين من الهجرة وذلك قبل مقتل عثمان بسنتين (قتلَهُ المسلمون سنة خمس وثلاثين)، فيكون عمرُ علي الأكبر(ع) يوم الطف ما يقارب

____________________

من الشعراء، وشهد له العالمان الكبيران الملا كاظم الآخوند صاحب الكفاية والحاج الشيخ ميرزا حسين ابن ميرزا خليل بالاجتهاد.

قال المرحوم الشيخ محمد السماوي في (الطليعة): رأيته يتفجّر فضلاً، ويتوقّد ذكاءً إلى أخلاقٍ كريمة.

توفي في أوائل ذي الحجة سنة ١٣٦١ه في النبطية جنوب لبنان ودفن هناك.


سبعاً وعشرين سنة، ويؤيّده اتفاق المؤرّخين وأرباب النّسب على أنّه أكبر من الإمام السجّاد(ع) الذي له يوم الطفّ ثلاث وعشرون سنة(١) .

ومن العلماء الذين اختاروا هذا القول المرجع الدّيني المرحوم السيّد النّجفي المرعشي(ره) حيث قال: ومن فوائد هذا السِّفر الجليل - كتاب علي الأكبر للمحقّق المقرّم - أنّه أثبت كون عليّ الأكبر(ع) شهيد الطّف أكبر سنّاً من الإمام زين العابدين(ع) وهو الحقّ الحقيق بالقبول كيف لا فقد صرّح به فحلُ الفقهاء والنسّابين شيخنا الشيخ محمّد بن إدريس الحِلي في تعاليقه على مزار كتاب السّرائر قال ما محصّله:

إنّ الأصحّ والأشهر بين علماء التأريخ والنّسب كون علي الأكبر أكبرُ سنّاً من الإمام سيّد السّاجدين(ع)(٢) .

واللقب الذي عرف به عليّ بن الحسين(ع) الشهيد بكربلا هو (الأكبر)، وذلك لكونه أكبر أبناء الإمام الحسين(ع) قال المحقّق المقرّم في كتابه (علي الأكبر): وقد صرّح بذلك الإمام السجّاد(ع) حين قال له عبيداللَّه ابن زياد: أليس قد قتل اللَّهُ عليّاً؟ فقال الإمام(ع): كان لي أخٌ أكبرُ منّي يسمّى عليّاً فقتلتموه(٣) .

ولقد وصف الإمام السجّاد(ع) بالأصغر والشّهيد بالأكبر جماعةٌ من

____________________

(١) المصدر السابق نفسه: ص١٢.

(٢) من مقدّمة كتبها المرجع المرحوم السيّد النجفي المرعشي(ره) على كتاب (علي الأكبر) للمرحوم المقرّم.

(٣) علي الأكبر: ص١٦.


المؤرّخين منهم: ابن جرير الطّبري وابن قتيبة الدينوري واليعقوبي وغيرهم(١) .

وأمّا كنيتُهُ فهي (أبو الحسن) كما جاء في زيارته المرويّة عن أبي حمزة الثمالي أنّ الإمام أبا عبداللَّه الصّادق(ع) قال له: ضع خدّك على القبر وقل:

صلّى اللَّه عليك ياأبا الحسن ثلاثاً، بأبي أنت وأمّي أتيتُك زائراً... الخ(٢) .

وأمّا أمُّه النّجيبة فهي السيّدة ليلى بنت أبي مرّة بن مسعود الثقفي.

وكان عليّ الأكبر(ع) أشبه النّاس برسول اللَّه(ص)، ولم ينصّ المؤرّخون على مشابهة آل النبيّ(ص) له في جميع الصّفات إلّا ولده عليّ الأكبر(ع)، فعلى سبيل المثال يحدّث السّروي عن جابر بن عبداللَّه الأنصاري أن السيّدة فاطمة الزهراء(ع) تشبه أباها في المِشية فإنها تميل على الجانب الأيمن مرّةً وعلى الأيسر أخرى.

وفي رواية الشيخ الصّدوق(ره) في الخصال تشهد بأنّ الحسن(ع) شابهَ جدّه رسول اللَّه(ص) في الهيبة والسؤدد والحسين(ع) شابهَهه في الجود والشجاعة.

وأخرج الحاكم النيسابوري عن أمير المؤمنين(ع) انه قال: إنّ رسول اللَّه(ص) قال لجعفر الطيّار أشبهت خَلقي وخُلقي.

____________________

(١) وللمزيد راجع كتاب (علي الأكبر) للمحقّق المقرّم: ص١٦ - ١٩.

(٢) كامل الزيارات لابن قولويه القمّي(ره) باب ٩٧: ص٢٤٠.


ويحدّث الشيخ الجليل الشيخ فخر الدين الطّريحي في (المنتخب) إنّ الإمام الحسين(ع) قال في حقّ الرّضيع: (اللهمّ أنت الشاهدُ على قومٍ قتلوا أشبهَ النّاس برسولك محمّد(ص)).

وهذه الشواهد كلّها لا تدلّ على مشابهة العترة الطاهرة للرسول(ص) في جميع الصفات الكريمة، لكنّ كلمة الإمام الحسين(ع) الذّهبيّة في حق ولده علي الأكبر(ع): اللهمّ اشهد أنه برز إليهم أشبهُ النّاس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولِك وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إليه.

ترشدُنا هذه الكلمةُ الشريفة إلى أن فقيد البيت الهاشمي كان في وقته‏مرآة الجمال النبوي(ص)، ومثالَ كماله الأسمى، وأنموذجاً من منطقه البليغ‏الرائع حتى أنّ أباه الإمام الحسين(ع) إذا اشتاق إلى رؤية جدّه المفدّى(ص)نظر إليه، والحق أنّ عليّ الأكبر(ع) شابه جدّه في أخلاقه أجمع‏كالاخلاص والشجاعة والحلم والبشاشة في العشرة ودماثة في الخُلق،ولين‏الجانب، والخشونة في ذات اللَّه تعالى، والابتعاد عن الدنايا والرّذائل(١) .

وممّا يشهد بذلك أن معاوية مع ما كان عليه من المباينة مع الهاشميين لم يسعهُ إلّا الإعتراف أمام قومه باجتماع الفضائل في (علي الأكبر(ع)) وأنه جديرٌ بالخلافة، وقابل للزّعامة الدينيّة يوم قال لمن حضر عنده من أهل الشام وغيرهم: مَن أحقُّ بهذا الأمر؟ قالوا: أنت.

فقال معاوية: لا، أولى الناس بهذا الأمر عليّ بن الحسين بن علي،

____________________

(١) علي الأكبر للمقرّم: ص٤٢.


جدّهُ رسول اللَّه(ص)، وفيه شجاعة بني هاشم، وسخاء بني أميّة(١) ، وزهو ثقيف.

وهذه الكلمة الصّادرة من معاوية ترشدنا إلى أنّ عليّ الأكبر(ع) يومئذ معروف عند أهل الشام وغيرهم بأنه الجامع للقداسة الإلهية ومكارم الأخلاق بأجلى مظاهرها وإلّا فلا يعقل أن يشير معاوية بأهلية الخلافة إلى رجلٍ غير مرموق عند الناس من جميع الفضائل(٢) .

وفي الطريق إلى كربلاء بدت من الأكبر معرفةٌ وشجاعة عالية يشهد لهذا حديثُ عقبة بن سمعان حيث قال: لما كان السّحر من الليلة التي بات الإمام الحسين(ع) فيها بقصر بني مقاتل أمرنا بالإستقاء ثمّ ارتحلنا فبينا هو يسير إذ خفقَ برأسه خفقةً وانتبه يقول: إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون والحمدُ للَّه ربّ العالمين، وكرّر ذلك ثلاثاً.

فأقبل إليه ابنُهُ عليُّ الأكبر وكان على فرسٍ وقال له: جعلت فداك مِمَّ استرجعت وحمدَت اللَّه؟ قال(ع): خفقت برأسي خفقةً فعنّ لي فارسٌ يقول: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمتُ أنّها أنفسُنا نُعيت إلينا. فقال عليّ الأكبر(ع): ياأبتِ ألسنا على الحق؟

فقال الحسين(ع): بلى والذي إليه مرجعُ العباد.

____________________

(١) قوله: سخاء بني أمية هو مدحٌ لقومه بما ليس فيهم حيث لم يُعرف بنو أميّة لا بشجاعة ولا كرم، وأما لماذا ذكر معاوية بني أمية هنا. فالجواب: هو لأنّ السيّدة ليلى أم علي الأكبر بنت ميمونة بنت أبي سفيان، فمعاوية بهذا خالٌ لليلى أُمّ علي الأكبر(ع).

(٢) علي الأكبر للمقرّم: ص٤٦.


قال الأكبر(ع): إذاً لا نبالي أن نموت محقّين فقال له الإمام: جزاك اللَّهُ من ولدٍ خير ما جزى ولداً عن والده(١) ، وللَّه درُّ الشاعر حيث يقول:

في بأسِ حمزةَ في شجاعةِ حيدر

بإبا الحسين وفي مهابةِ أحمدِ

وتراهُ في خَلقٍ وطيبِ خلائقٍ

وجميلِ نُطقٍ كالنّبيِّ محمّدِ(٢)

قال أبو الفرج الأصفهاني وغيرُهُ: وكان أوّلُ من قُتِلَ بالطفّ من بني هاشم بعد أنصار الحسين(ع) عليَّ الأكبر بن الحسين(ع)، فإنه لما نظر إلى وحدةِ أبيه تقدّم إليه وهو على فرسٍ له يدعى ذا الجناح فاستأذنه في البراز، وكان من أصبحِ الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً، فأرخى الإمام عينيه بالدّموع وأطرق ثمّ قال:

اللّهمّ اشهد أنه قد برز إليهم غلامٌ أشبهُ النّاس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إليه ثمّ صاح ياابن سعد قطع اللَّه رحمك كما قطعت رحمي ولم تحفظني في رسول اللَّه(ص) فلمّا فهم الإذن من أبيه شدّ على القوم وهو يقول:

أنا عليُّ بنُ الحسين بن علي

نحنُ وبيتِ اللَّهِ أولى بالنّبي

واللَّهِ لا يحكُمُ فينا ابنُ الدّعي

فقاتلَ قتالاً شديداً ثمّ عاد إلى أبيه وهو يقول: ياأبتِ العطش قد

____________________

(١) علي الأكبر: ص٦٨.

(٢) من قصيدة المرحوم الفقيه الشيخ عبدالحسين آل صادق(ره).


قتلني، وثقل الحديد قد أجهدني، فبكى الإمام(ع) وهو يقول: واغوثاه وأنى لي بالماء قاتل يابني قليلاً واصبر فما أسرع الملتقى بجدّك محمّد(ص) فيسقيك بكأسه الأوفى شربةً لا تظمأ بعدها أبداً، فكرّ على الأعداء يفعل بهم فعل أبيه وجدّه.

قال حميد بن مسلم الأزدي كنت واقفاً وبجنبي مرّة بن منقذ وعليّ بن الحسين يشدّ على القوم يمنةً ويسرة فيهزمهم فقال مُرّة: عليّ آثام العرب إن مرّ بي هذا الغلام لأثكلنّ أباه فقلت له: يكفيك هؤلاء الذين احتوشوه فقال: لأفعلن ومرّ بنا عليّ وهو يطرد كتيبة فطعنه برمحِهِ فانقلب على قربوس فرسه فاعتنقه فذهب به إلى جهة الأعداء فقطّعوه بالسيوف فصاح قبل أن يفارق الدنيا: السلامُ عليك ياأبتي هذا جدّي المصطفى قد سقاني بكأسه الأوفى، فشدّ الحسين(ع) حتى وقف عليه وهو مقطّعٌ بالسيوف إرْباً إرْباً فقال: قتل اللَّهُ قوماً قتلوك يابنيّ فما أجرأهم على اللَّه وعلى انتهاك حرمة الرسول ثمّ بكى وقال: على الدّنيا بعدك العفاء:

گعد عنده وشافه مغمّض العين

بدمّه سابح مترّب الخدّين

متواصل طبر والرّاس نصّين

حنه ظهره على بنيّه وتحسّر

* * *

يبويه من سمع يمّك ونينك

او من شبحت لعند الموت عينك

لثلاثين ما وصلن سنينك

وحاتفني عليك الدّهر الأكشر

____________________

(١) ابصار العين في أنصار الحسين: ص٢٢.


وروى أبو مخنف: عن حميد بن مسلم أنه قال: وكأني أنظر إلى امرأةٍ خرجت من المخيّم - الفسطاط - وهي تنادي ياحبيباه ياابن أخيّاه فسألت عنها فقالوا: هذه زينب بنت علي فجاءت حتى انكبت عليه فجاء الحسين إليها وأخذ بيدها إلى الفسطاط ولسان الحال:

شافه والنبل شابك علي راح

هوه فوگه وصفگ راحٍ علي راح

صاح بصوت يازينب علي راح

يخويه ظلمّت الدنيا عليّه

ولسان حال الإمام الحسين(ع):

صدّعت قلبي يابنيَّ تأسفا

وتركتني أدعو أسىً وتلهُّفا

أنا لاحقٌ بك ياشبيهَ المصطفى

فلتذهب الدّنيا على الدّنيا العفى

ما بعد يومِكَ من زمانٍ أرغدِ

* * *

أنا لم أخَل قبلي سيرديك الرّدى

فلك الفدى نفسي لو أنّك تفتدى

أتركتني شجواً أنوحُ مردّداً

يانجعةَ الحيّينِ هاشمَ والنّدى

وحمى الذّمارين العلى والسؤدَدِ(١)

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين

____________________

(١) التخميس للمرحوم السيّد عبدالرّسول الكفائي.


الليلة العاشرة المجلس العشرون

شهادة عبداللَّه الرّضيع

ومرضعةٍ هبّت بها لرضيعها

عواطفُ أُمٍّ أثكلتْ طفلها صبرا

رأت مهدَهُ بالحزن يطفحُ بعدَه

وقد كان فيه قبلُ يطفحُ بالبُشرى

وأثقلَ ثدييها من الدرِّ خالصٌ

على طفلها فيه تعوّدت الدرّا

فخفّت إلى مثوى الرّضيع لعلّها

ترى رمقاً فيه يُغذّى بما درّا

فلم ترَ إلّا جثّةً فوق مذبحٍ

بها عَلُقَ السّهمُ الذي ذبح النحرا

فحنّت وأحنت فوقَهُ من تعطّفٍ

أضالعَها ظِلّاً تقيه به الحرّا

وضمّتهُ مذبوحَ الوريد لصدرها

ومن دمِهِ المسفوحِ خضّبت الصّدرا

وودّت ومن أوداجِهِ تَنفَحُ الدّما

لو أنّ بذاك السهم أوداجُها تُفرا

وأضحت على مثواهُ تُفْرِغُ قلبَها

حنيناً فترثيه بما يفضلُ الشّعرا

فطوراً تناغيه وطوراً بلهفةٍ

تعانقُ جِيداً منه قد زيّن الدّرا

وتعطفُ طوراً فوقَهُ فتشمُّهُ

بمنحَرِهِ الدّامي وتلثمُهُ أخرى(١)

ولسان حال أمّه الرّباب:

يبني يعبد اللَّه اعله فرگاك

صبري انفنه ودرّن ثداياك

يادين يبني الحرملة وياك

للماي حين شبحت عيناك

گدّر بسهمه عليك وارماك

وخيّب رجاي الكان برباك

* * *

____________________

(١) القصيدة من نظم المرحوم الشيخ عبدالمنعم الفرطوسي(ره).


مياتم للحزن ننصب ونبني

رماني حرملة بسهمه ونبني

الطفل عاده يفطمونه ونبني

انفطم ياناس بسهام المنيه

* * *

قال اللَّه تعالى في القرآن الكريم:( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (١) .

قال الشيخ الطبرسي(ره) في (مجمع البيان):( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ) أي محنة وابتلاء وشدّة للتكليف عليكم، وشغل عن أمر الآخرة، فإنّ الإنسان بسبب المال والولد يقع في الجرائم - المعاصي -(٢) .

وقال السيد الطباطبائي(ره) في (الميزان): وكون الأموال والأولاد فتنة انما هو لكونهما زينة تنجذب إليهما النفس انجذاباً فتفتتن وتلهو بهما عمّا يهمّها من أمر آخرتها وطاعةِ ربّها قال اللَّه تعالى:( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (٣) ، والجملةُ - إنما أموالكم وأولادكم فتنة - كناية عن النّهي عن التلهّي بهما والتفريط في جنب اللَّه ويؤكّدهُ قوله تعالى:( وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (٤) .

قال الشيخ الطبرسي(ره):( وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) أي ثوابٌ جزيل وهو الجنّة يعني فلا تعصوه بسبب الأموال والأولاد، ولا تؤثروهم على ما عند اللَّه من الأجر والذّخر.

____________________

(١) سورة التغابن: الآية ١٥.

(٢) مجمع البيان للطبرسي: المجلد الخامس ص٣٠١.

(٣) سورة الكهف: الآية ٤٦.

(٤) الميزان للعلّامة الطباطبائي: ج ١٩ ص٣٠٨.


وفي مجمع البيان عن عبداللَّه بن مسعود قال: ولا يقولنّ أحدُكُمْ أللهمّ إني أعوذ بك من الفتنة فإنه ليس أحدٌ منكم يرجع إلى مالٍ وأهل وولدٍ إلّا وهو مشتملٌ على فتنة ولكن ليقل اللهمّ إنّي أعوذُ بك من مضلّات الفتن، قال الشاعر:

وما المالُ والأولادُ إلّا ودائعٌ

ولابُدّ يوماً أن تُردّ الودائعُ

بعد أن فهمنا - ولو على الإجمال - تفسير هذه الآية الكريمة - تعالَ معي إلى تفصيل هاتين الفتنتين - كما عبّر القرآن الكريم - :

أمّا الأموال: ففتنةٌ واضحة يعلمها الجميع، وهي كلّما ازدادت ازداد الإنسان لها حبّاً وبها تعلّقاً، وهذا الأمر وجدانيّ لا سبيل إلى إنكاره، ففي الحديث الشريف: أتى النبيَّ(ص) رجلٌ فقال: ما لي لا أُحبُّ الموت؟ فقال له: ألك مالٌ؟ قال: نعم. قال: فقدّمتَهُ؟ قال: لا. قال: فمِن ثَمّ لا تُحبّ الموت(١) .

وفي رواية أخرى قال له: قدّم مالك فإنّ قلب الرّجل مع مالِهِ إن قدّمَه أحبَّ أن يلحقَهُ وإن خلّفه أحبّ أن يتخلّف.

قال المرحوم السيّد عبداللَّه شبّر(ره) في كتابه (الأخلاق): وفي المال آفاتٌ دينيّة وهي ثلاثة أنواع:

الأول: إنّ المال يجرّ إلى المعاصي فإن الشهوات متقاضية - أي انّ الطريق إليها يكون ببذل المال - والعجز - يحولُ بين المرء والمعصية.

____________________

(١) بحار الأنوار: ج ٦ ص١٢٧.


الثاني: إنّ المال يجرّ إلى التنعّم في المباحات، أقول: التنعّم بالمباحات كالأسفار لأجل السياحة والنّزهة، والبناء للدور الكبيرة، وشراء المراكب الفارهة، وخياطة الملابس المتنوّعة من الأقمشة الفاخرة وما شابه ذلك فإنّ أقلّ ما يمكن أن يقال في هذه المباحات أنها تلفٌ للوقت الثمين، والعمر الغالي وقد جاء في الحديث الشريف: أنفاسُ المرءِ مهرُ سعادته.

وفي الديوان المنسوب لأمير المؤمنين(ع):

حياتُكَ أنفاسٌ تُعدّ فكلّما

مضى نفسٌ منها انتقصت به جُزءا

ويُحييكَ ما يُفنيكَ في كلِّ حالةٍ

ويحدوك حادٍ ما يريدُ بك الهزءا(١)

الثالث: وهو الذي لا ينفكّ عنه أحد، وهو أنّه يلهيه إصلاحُ مالِهِ عن ذكرِ اللَّه تعالى، وكلُّ ما يشغل العبد عن اللَّهِ فهو خسران، قال تعالى:( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) (٢) .

ولذلك قال عيسى(ع): في المالِ ثلاثُ آفاتٍ: أن يأخُذَهُ من غير حلِّه فقيل له: فإن أخذه من حلِّه؟ قال: يضعُهُ في غير حقّه فقيل له: إن وضعَهُ في حقّه؟ قال: يشغَلُهُ اصلاحُهُ عن اللَّه تعالى(٣) .

وأمّا الأولاد: فمحنةٌ وابتلاء وشدّة في التكليف، فإنّ الإنسان مسؤولٌ

____________________

(١) من الديوان المنسوب: ص١١.

(٢) سورة المنافقون: الآية ٩.

(٣) الأخلاق للسيّد عبداللَّه شبر(ره): ص١٨٧.


عن صالح أولاده وطالحهم، فإنه في صالح الأولاد مثابٌ ومأجور، وفي طالحهم فإن قصّر في تربيتهم وتغذيتهم بالمعارف الدينيّة الحقّةِ كان مسؤولاً عن ذلك التقصير.

قال الشيخ القرشي حفظه اللَّه تعالى في كتابه (النظام التربوي في الإسلام): إنّ الأب مسؤولٌ عن تربيةِ أبنائه تربيةً صالحة ليكونوا قرّةَ عينٍ له في مستقبله، وكان أئمةُ أهلِ البيت: يعنون بهذه الجهة ويولونها المزيد من الاهتمام يقول الإمام أمير المؤمنين(ع) المربّي الأوّل في الإسلام لولده الإمام الحسن(ع): (وجدتُكَ بعضي بل وجدتكَ كلّي حتى كأنّ شيئاً لو أصابك أصابني وكأنّ الموتَ لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي)(١) .

وفي رسالة الحقوق المرويّة عن الإمام زين العابدين(ع) قال: (وأمّا حقَّ ولدك فأن تعلم أنّه منك ومضاف إليك في عاجل الدّنيا بخيره وشرّه، وأنك مسؤولٌ عمّا وليتَهُ من حُسنِ الأدبِ والدَّلالةِ على ربِّه عزّوجلّ، والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عملَ مَن يعلم أنّه مثابٌ على الإحسانِ إليه معاقب على الإساءةِ إليه)(٢) .

إنّ الأساس الأول الذي يجب تعليمه للطّفل في سبيل التربية الصحيحة إشعارُهُ بوجود اللَّه‏والإيمان به بلسان متيسّر الفهم، فإنّ الحاجة للإيمان باللَّه تعالى موجودةٌ في باطن كلّ إنسان بفطرته الطّبيعيّة وعلى القائم بالتربية أن

____________________

(١) النّظام التربوي في الإسلام للشيخ باقر شريف القرشي: ص٨٩.

(٢) الخصال للشيخ الصّدوق(ره): ج ٢ ص٥٦٨.


يستفيد من هذه الثروة الفطريّة، ويفهمُهُ أنّ الذي خلقنا والذي يرزقنا، والذي خلق جميع النباتات والحيوانات والجمادات، والذي خلق العالم، وأوجد الليلَ والنّهار هو اللَّهُ تعالى، انّهُ يراقب أعمالنا في جميع اللحظات فيثيبنا على الحسنات، ويعاقبنا على السيّئات.

هذا الحديث سهلٌ جداً وقابلٌ للإذعان بالنسبةِ إلى الطفل ونفسِهِ فنراه يؤمنُ بوجود اللَّه في مدّة قصيرة ويعتقد به، بهذا الأسلوب نستطيع أن نخلق في نفس الطّفل حبّ النظام والإلتزام ونحثّه على الإستقامة في السلوك وتعلّم الفضائل الخلقيّة والملكات العليا بالتّدريج(١) .

واعلم أنّ مراقبتَهُ في سنّه المبكّر، وتعويده العادات الطيّبة، وابعاده عن النزعات الشريرة تؤدي إلى سعادته ونجاحه في الدنيا والآخرة، كما أنّ اهماله وعدم مراقبته يؤدي إلى شقائه وهلاكه(٢) .

يحكى أنّ ملكاً ووزيره خرجا ذات يوم في مهمّة عسكرية، فاجتازا بصبيةٍ في طريقهم إلى الدّرس فأحبّ الملك أن يسمع منهم شيئاً يسرّه وهو في طريقه إلى تلك المهمّة، فاستوقفَ أحد الصّبيان وقال له: ما اسمُك؟ قال: فتّاح قال الملك: إلى أين تذهب؟ قال: إلى المعلّم قال: وأين تقرأ؟ قال: في قوله تعالى:( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) في سورة الفتح، فاستبشر الملك بذلك وتوقّع النجاح في مهمّته ووجهته وفعلاً حصل ذلك حيث تمكن الملك من عدوّه وعاد منتصراً سالماً فقال لوزيره: مرّ بنا على المعلّم لنكرّم ذلك الطّفل

____________________

(١) الطفل بين الوراثة والتربية للمرحوم الشيخ محمد تقي فلسفي: ج١ ص٣٥٣ - ٣٥٤.

(٢) النظام التربوي في الإسلام: ص٩٦.


الذي تفألنا خيراً باسمه ودرسه، فمرّا على المعلّم ودخل الملك حتى إذا استقرّ به الجلوس قال للمعلّم: ادعو لنا ذاك الصّبي فناداه المعلّم قم ياعباس وقف بين يدي الملك، فجاء حتى وقف بين يديه فقال له: ما اسمك؟ قال: عباس قال: أين تقرأ؟ قال: في قوله تعالى:( عَبَسَ وَتَوَلَّى ) سورة عبس قال الملك: سألتك آنفاً فقلت: فتّاح أقرأ في سورة( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) قال: أيّها الملك عندما استوقفتني وسألتني تنبّهتُ إلى ما تريد لأنّ مثلك لا يكلّم مثلي إلّا لأمرٍ معقول فأجبتك بما يسرّك قال له الملك: أحسنت ثمّ أمر أن يعطوه ديناراً فامتنع الصّبيّ عن أخذه فقال له الملك: تمتنع عن أخذ هدية الملك؟ فقال: إن أخذت الدينار سألني أبي عن مصدره فإن قلت له: أنّه منك لم يصدّقني لأنّ الملوك لا يعطون القليل، فأمر الملك بإعطائه مائة دينار ثمّ ذهب الملك وهو مأنوس من ذكاء الصبيّ ونباهته فمرّ بطريق ضيّق وإذا برجلٍ نائم في الطريق فقال له الحرّاس ابتعد عن الطريق فلم يقبل فنزلوا إليه وطلبوا منه التنحّي عن طريق الملك فأسمعهم كلاماً خشناً وبلغ ذلك الكلام إلى أذن الملك نفسه فأمرَ بتأدبيه أمام الملأ ليكون عبرةً لغيره، فنودي: إنّ الملك يأمركم أن تحضروا تأديب فلان بن فلان، فحضر الناس وإذا بالصّبي عباس حضر أيضاً وطلب مقابلةَ الملك فأذن له فعندما دخل عليه وضعَ كيس الدنانير بين يدي الملك فقال له: ما هذا؟ قال: إنّ الشخص الذي أمرتم بتأديبه هو أبي وهذه الدنانير فداءٌ لأبي فقال الملك: الدنانير لك وبارك اللَّه فيك وأبعد أباك قال إن أذن لي الملك تكلّمت قال له قل ما تريد قال: بارك اللَّه بأبي وأبعد أباه قال الملك متعجّباً: وما معنى هذا؟ قال: لأنَّ أبي أدّبني


فقرّبتني تربيتُهُ من الملوك وتركَهُ أبوه ولم يؤدّبه فتعرض لسخط الملوك فأكرمه الملك ثانيةً وعفا عن أبيه.

وما أحسن ما في الديوان المنسوب:

حرِّض بنيكَ على ‏الآدابِ في‏الصّغَرِ

كيما تقرَّ بهم عيناكَ في الكِبَر

وإنّما مثلُ الآدابِ تجمَعُها

في عنفوانِ‏ الصِّبا كالنّقشِ في ‏الحَجَرِ

هي الكنوزُ التي تنمو ذخائرُها

ولا يُخافُ عليها حادثُ الغِيَرِ(١)

وبعد هذا فلا يخفى أنّ الولد ريحانة بها يأنس الأبوان، وبشمّها يتمتّعان، وهو موضع شفقتهما ورحمتهما.

روي أنّ رجلاً جاء إلى رسول اللَّه(ص) فقال: ما لنا نجدُ بأولادنا ما لا يجدون بنا؟ قال: لأنّهم منكم ولستم منهم، وروي هذا المعنى عن الإمام الحسن المجتبى(ع):

وإنّما أولادُنا بيننا

أكبادُنا تمشي على الأرضِ

لو هبّتِ الرّيحُ على بعضهم

لامتنعت عيني عن الغمض

أقول: إذن ما حال الإمام أبي عبداللَّه الحسين(ع) عندما رأى طفلَه عبدَاللَّه غائرَ العينين خاوي البطن ذابل الشفتين وذلك بعد أن جفّ حليب أمّه من شدّة عطشها فأخذه الإمام(ع) وأخرجه ليطلب له قليلاً من الماء ولسان الحال:

____________________

(١) من الديوان المنسوب لأمير المؤمنين(ع): ص٦٢.


أختُ هاتيلي رضيعي‏ أرَهُ قبلَ ‏الفراق

فأتت بالطّفلِ لا يهدأُ والدّمعُ مراق

يتلظّى ظمأً والقلبُ‏ منه ‏في ‏احتراق

غائرَ العينينِ ‏طاوي ‏البطنِ ‏ذاوي ‏الشفتين

* * *

فبكى لما رآهُ‏ يتلظّى بأوام(١)

بدموعٍ‏ من ‏أماقٍ ‏تخجلُ ‏السُّحبَ ‏السجامِ

فأتى القومَ وفي كفّيهِ ذيّاك الغلام

وهما من ظمأٍ قلباهما كالجمرتين

* * *

فدعا في القوم ياللَّهِ من خطبٍ فظيع

نبّئوني أأنا المذنبُ أم هذا الرّضيع

لاحظوهُ‏ فعليه ‏شبهُ‏ الهادي‏ الشّفيع

لا يكن ‏شافعُكُمْ‏ خصماًلكم ‏في ‏النشأتين

* * *

عجّلوا نحوي بماءٍ أَسقِهِ هذا الغلام

فحشاهُ‏ من‏ أوامٍ ‏في ‏اضطرابٍ‏ وكِلام(٢)

فاكتفى ‏القومُ ‏عن‏ القولِ ‏بتكليمِ السهام

وإذا بالطّفلِ قد خرّ صريعاً لليدين(٣)

ويقال: إنّ المختاررحمه‌الله تعالى عندما جي‏ء له بحرملة بن كاهل قال له: أنت الذي ذبحت عبداللَّه الرّضيع؟ كيف تمكّنت من ذلك!! أو ما رقّ قلبُك له؟ قال: كانت العادة الجارية أنّ الإمام الحسين(ع) إذا أراد الحملةَ على الجيش ركب فرساً، وإذا أراد الوعظ والتحذير والتذكير ركب ناقةً له، وفي هذه المرّة جاءنا ماشياً ومعه شي‏ء يظلّلُ له من حرارة الشّمس فتكلّم

____________________

(١) الأوام: هو العطش.

(٢) الكِلام: بالكسر هو الجرح.

(٣) أبيات من نظم شريف لمقتل الإمام الحسين(ع) للمرحوم الشيخ حسن الدّمستاني البحراني(ره) رياض المدح والرثاء: ص٤٥٩.


مع ميمنة الجيش فلم يستمعوا له، فمال إلى ميسرةِ الجيش فلم يستمعوا له، فعاد إلى قلب المعسكر فقال: ياقوم لقد قتلتم أصحابي وإخوتي وأهل بيتي إن كان ذنبٌ للكبار فما ذنبُ الصّغار ثمّ أخرج ولداً ورفعه وقال: هذا عبداللَّه اسقوه شربة من الماء فإنّه إن عاش لا يضرّكم وإن مات طولبتم بدمه، فاختلف العسكر وانقسم ثلاثاً قسماً قال: اسقوه فإنه طفلٌ رضيع، وقسماً اكتفى بالبكاء لحال الرّضيع، وقسماً قال: لا تبقوا لهذا البيت صغيراً ولا كبيراً فقال لي عمر بن سعد: ياحرملة اقطع نزاع القوم قلت: أرمي الوالد أم الولد قال: بل الولد، فتنحيت جانباً ووضعت سهماً في كبد القوس ولم يرقّ قلبي له، فنظرت أين أرميه لصغره وإذا بالهواء تكشف رقبته فحكّمت السهم ورميته فذبحتُهُ من الوريد إلى الوريد وما رقّ قلبي له، فعندما أحسّ بحرارةِ السهم أخرج يديه واعتنق والده الحسين هنا رقّ قلبي له ولسان حال الحسين(ع) بعد ذبح ولده:

تلگه حسين دم الطفل بيده

شحال اليذبح بحجره وليده

سال وترس كفّه من وريده

وذبّه للسّمه وللأرض ما خرّ

* * *

عليك انفتح جفن العين وافتاك

وسهم نحرك بگلبي‏وگع وافتاك

بقتل الطفل من آمرك وافتاك

يابن كاهل شله ويَّاك أذيّه

رجع به إلى المخيّم يقولون: استقبلتهُ ابنتُهُ سكينة وما كانت تتصوّر أن تبلغ بهم القسوة إلى هذا الحدّ بحيث يقتلون الطفل الرّضيع ولسان الحال:


بويه الطفل للماي أخذته

بسهم العده مذبوح جبته

شنهو الذّنب خويه العملته

مذبوح ولسانك دلعته

والماي حاضر ما شربته

ولسان حال أُمّه الرباب عندما رأته مذبوحاً من الوريد إلى الوريد:

ماني أُمّك يعبد اللَّه ويبعد أمك

ما أنساك وألهج يالولد باسمك

شعب گلبي السّهم من فجّره الدمّك

ياسلواي بعدك من يسليني

* * *

ست اِشهر بعد يلما وصل عمرك

شذنب اللي جنيته او ينگطع نحرك

يابني سهم المثلث خسف بدرك

ياريت الرماك بسهم راميني

لا ضيرَ في قتل الرجال وإنما

قتلُ الرّضيع به الضميرُ يُضامُ

طلب الحسينُ الماءَ يسقي طفله

فاستقبلته من العداة سهامُ

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة العاشرة المجلس الحادي والعشرون

الإمام(ع) وأصحابه ليلة العاشر

لا خبت مرهفاتُ آلِ عليٍّ

فهي النّارُ والأعادي وَقودُ

عقدوا بينها وبين المنايا

ودعوا ههنا توفّى العقودُ

ملأوا بالعدى جهنّمَ حتّى

قَنِعَتْ ما تقولُ هل لي مزيدُ

ومذِ اللَّهُ جلّ نادى هلمّوا

وهُمُ المسرعون مهما نودوا

نزلوا عن خيولهم للمنايا

وقصارى هذا النزولِ صعودُ

فقَضَوْا والصّدورُ منهم تلظّى

بضَرامٍ وما أُبيحَ الورودُ

سلبوهم برودَهم وعليهم

يومَ ماتوا من الحُفاظ برودُ

تركوهم على الصّعيدِ ثلاثاً

يابنفسي ماذا يُقلُّ الصّعيدُ

فوقَه لو درى هياكلُ قدسٍ

هو للحشرِ فيهُمُ محسودُ

تربةُ تعكفُ الملائكُ فيها

فركوعٌ لهم بها وسجودُ

وعلى العيسِ من بناتِ عليٍّ

نُوَّحٌ كلُّ لفظها تعديدُ

سلبتها أيدي الجُفاةِ حُلاها

فخلى معصَمٌ وعطّلَ جيدُ

وعليها السياطُ لما تلوّت

خلفتها أساورٌ وعقودُ(١)

* * *

يحيدر گوم لسيوفك وسلها

يوم الطف شعب روحي وسلها

____________________

(١) القصيدة من نظم المرحوم السيّد جعفر الحلّي(ره) الدرّ النّضيد: ص١٢١. وقد مرّت ترجمته ص٤٣.


گوم أنظر متن زينب وسلها

تگول سياط زجر أثرت بيّه

* * *

والسّبطُ والصَّحْبُ اولو الوفاءِ

باتوا بتلكَ الليلةِ اللّيلاءِ

لَهم دوىُّ كدويِّ النّحلِ

من ذاكرٍ للَّهِ أو مصلِّ

صلاةَ عبدٍ خاشعٍ مودّعِ

يدعوهُ بالخضوعِ والتضرّعِ

أحيَوا جميعَ الليل بالعبادة

فأدركوا سعادةَ الشّهادة(١)

قال السيد ابن طاووس(ره) في (الملهوف): ثمّ جاء الليل - ليلة العاشر فجمع الحسين(ع) أصحابَهُ، فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال: أمّا بعدُ فإني لا أعلمُ أصحاباً خيراً منكم، ولا أهلَ بيتٍ أفضلَ وأبرَّ من أهل بيتي، فجزاكم اللَّه عنّي جميعاً خيراً، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً، وليأخذ كلُّ رجلٍ منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي وتفرّقوا في سوادِ هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم فإنّهم لا يريدونَ غيري.

فقال له أخوتُهُ وأبناؤه وأبناء عبداللَّه بن جعفر: ولِمَ نفعل ذلك لنبقى بعدك لا أرانا اللَّه ذلك أبداً، وبدأهم بهذا القول العبّاس بن علي(ع) ثمّ تابعوه، ثمّ قام مسلمُ بن عوسجة وقال: نحن نخلّيك هكذا وننصرف عنك وقد أحاط بك هذا العدوّ، لا واللَّهِ لا يراني اللَّهُ أبداً وأنا أفعل ذلك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمُهُ بيدي، ولو لم يكن لي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ولم أفارقك أو أموت دونك.

قال الرّاوي: وقام سعيد بن عبداللَّه الحنفي فقال: لا واللَّهِ ياابن رسول اللَّه

____________________

(١) من المقبولة الحسينيّة لآية اللَّه الشيخ هادي كاشف الغطاء(ره): ص٧٤.


لا نخلّيك أبداً حتى يعلم اللَّهُ أنّا قد حفظنا فيك وصيّةَ رسولهِ محمّد(ص)، لو علمتُ أنّي أقتلُ فيك ثمّ أحيى ثمّ أحرق حيّاً ثمّ أذرّى يفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتى ألقى حِمامي من دونك، فكيف وإنما هي قتلة واحدة ثمّ أنال الكرامة التي لا انقضاءَ لها أبداً.

ثمّ قام زهير بن القين وقال: واللَّهِ ياابن رسول اللَّه(ص) لوَدِدْتُ أني قتلتُ ثمّ نشرت ألف مرّة وأنّ اللَّهَ يدفعُ بذلك القتل عنك وعن هؤلاء الفتيةِ من أخوتك وولدك وأهل بيتك.

قال الراوي: وتكلّم جماعة من أصحابِهِ بمثل ذلك وقالوا: أنفُسُنا لك الفداء نقيك بأيدينا ووجوهِنا، فإذا نحنُ قتلنا بين يديك نكون قد وفينا لربّنا وقضينا ما علينا.

وقيل لمحمّد بن بشير الحضرمي في تلك الحال: قد أُسِرَ إبنُكَ بثَغر الرّي(١) فقال: عند اللَّه أحتسبُهُ ونفسي، وما كنتُ أُحِبُّ أن يؤسر وأن أبقى بعدَه فسمع الحسين(ع) قوله فقال: رحمكَ اللَّه أنت في حلٍّ من بيعتي، فاعمل في فكاكِ إبنك، فقال: أكلتني السّباعُ حيّاً إن فارقتُك فقال(ع): فأعطِ إبنك هذه البُرود(٢) يستعينُ بها في فكاكِ أخيه، فأعطاه خمسةَ أثوابٍ قيمتها ألف دينار(٣) .

____________________

(١) الثَّغْر: جمعُهُ ثُغور وهو المكان الذي يخاف منه هجوم العدوّ، وهو مأخوذ من ثغر الجدار.

والرّي: مدينة معروفة آنذاك تقع الآن جنوب طهران العاصمة.

(٢) البُرْد: ثوبٌ‏ مخطط، وقد يقال لغيرالمخطّط أيضاً، وجمعُهُ بُروْد. مجمع‏ البحرين: ج٣ص١٣.

(٣) الملهوف: ص١٥٣ - ١٥٤.


أقول: انظر بعين البصيرة إلى تفاني أنصار أبي عبداللَّه الحسين: في نصرته والذّب عنه بحيث قدّموا نصرته على حياتهم، وعيالهم، وأولادهم وهم يعلمون يقيناً أنهم لن يقابلوا جيشاً تعدادهُ ثلاثون ألفاً من فرسان المصر وأبطال العرب ممّن مارسوا الحرب وعرفوها، ولكنّها المعرفة، والمحبّة، ونداء الواجب، وأداء الوظيفة والتكليف، ومن هنا صار شهداء الطّف سادات الشهداء، لا يفوقهم سابق، ولا يَلحقهم لاحق قال الشاعر:

نصروا ابنَ بنت نبيّهم طوبى لهم

نالوا بنصرته مراتبَ سامية

قد جاوروه ههنا بقبورهم

وقصورُهم يوم الجزا متحاذية(١)

قال السيد ابن طاووس(ره): قال الرّاوي: وبات الحسين(ع) وأصحابُهُ تلك الليلة ولهم دويٌّ كدويِّ النّحل، ما بين راكعٍ وساجد وقائمٍ وقاعد.

يصفهم المرحوم السيد حيدر الحليّ في احدى روائعه الخالدة:

سِمَةُ العبيدِ من الخشوعِ عليهمُ

للَّهِ إنْ ضمّتهُمُ الأسحارُ(٢)

وروى أبو حمزة الث’ُّمالي عن الإمام زين العابدين(ع) قال: قال عليّ ابن الحسين(ع) كنت مع أبي في الليلةِ التي قُتل في صبيحتها فقال لأصحابه: هذا الليل قد غشيكُمْ فاتّخذوه جُنة، فإنّ القومَ انّما يريدونني ولو

____________________

(١) من قصيدة للمرحوم الشيخ محمّد علي الأعسم(ره).

(٢) الدُّر النَّضيد: ص١٥٨.


قتلوني لم يلتفتوا إليكم وأنتم في حلٍّ وسعة فقالوا: واللَّهِ لا يكون هذا أبداً فقال: انكم تقتلون غداً كلّكم ولا يفلت منكم رجل قالوا: الحمدُ للَّهِ الذي شرّفنا بالقتل معك، ثمّ دع(ع) فقال لهم: ارفعوا رؤوسكم وانظروا فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم ومنازلهم من الجنّة وهو يقول لهم: هذا منزلك يافلان، فكان الرّجل منهم بعد ذلك يستقبل الرّماح والسيوف بصدره ووجهِهِ ليصل إلى منزله من الجنّة(١) .

وقال الشيخ المفيد(ره): قال الإمام عليّ بن الحسين(ع): إني لجالسٌ في تلك العشيّة التي قتل أبي في صبيحتها وعندي عمّتي زينب تمرّضني إذ اعتزل أبي في خباء له وعنده جون مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول:

يادهرُ أفٍّ لك من خليلِ

كم لك بالإشراقِ والأصيلِ

من صاحبٍ وطالبٍ قتيلِ

والدَّهرُ لا يقنَع بالقليلِ

وانّما الأمرُ إلى الجليل

وكلُّ حيٍّ سالكٌ سبيلِ

فأعادها مرّتين أو ثلاثاً حتى فهمتُها وعرفتُ ما أراد، فخنقّتني العبرة فرددتها ولزمتُ السكوت وعلمتُ أنّ البلاء قد نزل.

وأمّا عمّتي زينب فإنّها سمعت ما سمعت وهي امرأة ومن شأنِ النّساء الرّقّة فلم تملك نفسها أن وثبت تجرُّ ثوبَها حتى انتهت إليه فقالت: واثُكلاه ليت الموتَ أعدمني الحياة، اليوم ماتت أمي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن،

____________________

(١) نفس المهموم للمرحوم الشيخ عبّاس القمّي(ره): ص٢٣١.


ياخليفةَ الماضي. وثِمالَ(١) الباقي، فنظر إليها الحسين(ع) وقال لها: ياأخيّة لا يذهبنّ بحلمك الشيطان، وترقرقت عيناه بالدّموع وقال: لو تُرك القَطا ليلاً لنام ثمّ لطمت وجهها وأهوت إلى جيبها فشقّته وخرّت مغشيةً عليها فقام إليها الإمام الحسين(ع) فصبّ على وجهها الماء وقال لها: ياأختاه تعزّي بعزاء اللَّه واعلمي أنّ أهلَ الأرض يموتون وأنّ أهلَ السّماء لا يبقون وأنّ كلّ شي‏ءٍ هالِكٌ إلّا وجهُ اللَّه الذي خلق الخلق بقدرتِهِ ثمّ قال لها: ياأخيّة إني أقسمتُ عليك فأبرّي قسمي لا تشقّي عليّ جيباً ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تَدعي بالويل والثبور إذا أنا هلكت - قضيت نحبي -، ثمّ رجع(ع) إلى مكانه، فقام الليل كلّه يصلّي ويستغفر ويدعو ويتضرّع، وقام أصحابُه كذلك يصلّون ويدعون ويستغفرون، فباتوا ولهم دويٌّ كدويِّ النّحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد، وكذا كانت سجيّةُ الإمام الحسين(ع) في كثرة صلاته وكمال صفاته وكان صلوات اللَّه عليه كما وصفه إبنُه إمامُنا المهدي صلوات اللَّه عليه: للقرآن سنداً، وللأمّةِ عضداً، وفي الطّاعة مجتهداً حافظاً للعهد والميثاق ناكباً عن سبلِ الفسّاق باذلاً للمجهود طويل الرّكوع والسجود زاهداً في الدّنيا زهدَ الرّاحل عنها ناظراً إليها بعين المستوحشين منها.

____________________

(١) الثِّمال ككتاب: الغياث والذي يقوم بأمر قومه، يُقال فلانٌ ثِمالُ قومه أي غياث لهم، وفي حديث أبي طالب(ع) يمدح ابن أخيه رسول اللَّه(ص):

وأبيضَ يُستسقى الغَمامُ بوجهِهِ

ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للأرامِلِ

مجمع البحرين: ج ٥ ص٣٣٢.


وروي أنّه لما كان وقت السّحر خَفِقَ الحسين(ع) برأسه خفقةً ثمّ استيقظ فقال: أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة؟ فقالوا: وما الذي رأيت ياابن رسول اللَّه(ص)؟ فقال: رأيت كأنّ كلاباً قد شدّت عليّ لتنهشني وفيها كلبٌ أبقع رأيته أشدّها علي أظنُّ أنّ الذي يتولّى قتلي رجلٌ أبرص من بين هؤلاء القوم(١) .

أقول: وكان ذلك اللعين هو شمر بن ذي الجوشن بعد أن سقط الإمام(ع) على الأرض جريحاً، يقول إمامنا المهدي عجّل اللَّه تعالى فرجه الشريف في الزيارة المرويّة عنه المعروفة ب (زيارة الناحية المقدّسة): فهويت إلى الأرض جريحاً تطؤُكَ الخيولُ بحوافرها وتعلوكَ الطغاةُ ببواترها قد رشحَ للموتِ جبينُكَ واختلفت بالإنقباضِ والإنبساطِ شمالُك ويمينك تُديرُ طرفاً خفيّاً إلى رَحلِكَ وبيتك وقد شُغلتَ بنفسِكَ عن ولدكَ وأهاليك وأسرع فرسُكَ شارداً إلى خيامِكَ قاصداَ محمحماً باكياً فلمّا رأينَ النّساءُ جوادَكَ مخزيّاً وسرجكَ عليه ملويّاً برزنَ من الخدور ناشراتِ الشعور على الخدودِ لاطمات وبالعويلِ داعيات وبعد العزّ مذلّلات(٢) .

يقول المرحوم الكعبي في ذلك:

وأقبلْنَ ربّاتُ الحجالِ وللأسى

تفاصيلُ لا يُحصي لهنَّ مفصِّلُ

فواحدةٌ تحنو عليه تضمُّهُ

وأخرى عليه بالرّداءِ تظلّلُ

وأخرى بفيضِ النّحرِ تصبَغُ وجهها

وأخرى لما قد نالها ليس تعقلُ

____________________

(١) نفس المهموم: ص٢٣٣ - ٢٣٤.

(٢) الصحيفة المهديّة للمرحوم الشيخ إبراهيم بن المحسن الكاشاني١: ص ٢١٣ - ٢١٤.


وأخرى على خوفٍ تلوذُ بجنبِهِ

وأخرى تفدّيه وأخرى تقبّلُ

تكفّ الدّما عنهُ وتهملُ مثلها

دموعاً فلم تبرح تكفّ وتُهملُ

وجاءت لشمرٍ زينبُ ابنةُ فاطمٍ

تعنّفُهُ عن أمرِهِ وتعذّلُ

تقولُ له مهلاً فهذا ابنُ أحمدٍ

وشبلُ عليِّ المرتضى المتفضِّلُ

إلى أن يقول عزّ على المؤمنين والمؤمنات:

ومرّ يحزّ النّحرَ غيرَ مراقِبٍ

من اللَّهِ لا يخشى ولا يتوجّلُ

وزُلزلتِ الأرضونَ وارتجّت السما

وكادت له أفلاكها تتعطّلُ

واحسيناه واسيّداه واشهيداه..

ولسان حال اُخته العقيلة:

يخويه بيش أضمّك وين أودّيك

يخوية اشلون أصد عنّك وخليّك

تراني تحيّرت يامهجتي بيك

يخوية بيش أظلّلك امن الحر

هوت يمّه تشم كسر البضلعه

أخويه الماطبع يشبه الطبعه

غابت روحه وفزّت تودعه

اولن راسه ابراس الرّمح مزهر

* * *

لمـّن شافته صفگت بديها

اوشگت ثوبها ويلي عليها

ما تنلام من شافت وليها

فوگ الرّمح راسه يلوح بالبر(١)

* * *

____________________

(١) من النّصاريات الخالدة للمرحوم الشيخ محمّد نصار(ره).


طأطِئوا الروسَ إنّ رأسَ حسينٍ

رفعتهُ فوق القَنا الخَطّار

لا تذوقوا المعينَ واقضوا ضمايا

بعد ظامٍ قضى بحدِّ الغِرار(١)

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين

____________________

(١) من قصيدة للمرحوم الشيخ عبدالحسين شكر العراقي(ره) والغِرار: هو حدُّ السّيف.


يوم العاشرالمجلس الثاني والعشرون

مقتل الإمامِ الحسينعليه‌السلام

من ذا يقدّمُ لي الجوادَ ولامتي

والصَّحْبُ صرعى والنصيرُ قليلُ

فأتتهُ زينبُ بالجوادِ تقودُهُ

والدّمعُ من ذكرِ الفراقِ يسيلُ

وتقولُ قد قطّعتَ قلبي يا أخي

حُزناً فياليتَ الجبالَ تزولُ

فلمن تنادي والحماةُ على الثرى

صرعى ومنهم لا يُبلُّ غليلُ

ما في الخيامِ وقد تفانى أهلُها

إلّا نساءٌ ولَّهٌ وعليلُ

أرأيتَ أختاً قدّمت لشقيقها

فرسَ المنونِ ولا حمىً وكفيلُ

فتبادرت منه الدّموعُ وقال يا

أختاهُ صبراً فالمصابُ جليلُ

فبكت وقالت يابن أمّي ليس لي

وعليكَ ما الصّبرُ الجميلُ جميلُ

يا نورَ عيني يا حُشاشةَ مهجتي

من للنساءِ الضّائعاتِ دليلُ

ورنت إلى نحوِ الخيامِ بعولةٍ

عظمى تصبُّ الدّمعَ وهي تقولُ

قوموا إلى التوديعِ إنّ أخي دعا

بجوادِهِ إنّ الفراقَ طويلُ

فخرجنَ ربّاتُ الخدورِ عواثراً

وغدا لها حولَ الحسينِ عويلُ

اللَّه ما حالُ العليلِ وقد رأى

تلكَ المدامعَ للوداعِ تسيلُ

فيقومُ طوراً ثمّ يبكو تارةً

وعراهُ من ذكرِ الوداعِ نحولُ

فغدا ينادي والدّموعُ بوادرٌ

هل للوصولِ إلى الحسينِ سبيلُ

هذا أبيُّ الضّيم ينعى نفسَه

يا ليتني دونَ الأبيِّ قتيلُ(١)

* * *

____________________

(١) قصيدة عصماء من نظم المرحوم الشيخ محمّد نصّار(ره) أدب الطف ج٧ ص٢٣٢، وقد تقدّمت ترجمتُهُ ص٣٤.


قال الامام الحسين(ع) يوم العاشر من المحرّم في ضمن خطبةٍ له:

(ألا وإنّ الدّعيَّ بنَ الدّعي قد ركز بين اثنتين بين السلّةِ والذلّة وهيهاتَ منّا الذلّة يأبى اللهُ لنا ذلك ورسولُهُ والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهُرت، وأنوفٌ حميَّة، ونفوسٌ أبيّة، من أن نؤثر طاعةَ اللئام على مصارعِ الكرام، ألا وإنّي زاحفٌ بهذه الأسرة على قلّةِ العدد وخذلانِ النّاصِر)(١) .

قال الشيخ المفيد(ره) في (مسار الشّيعة):

في اليوم العاشر من المحرّم قُتِلَ سيّدُنا أبو عبداللَّه الحسين بن علي(ع) سنة ٦١ إحدى وستين من الهجرة، وهو يومٌ تتجدّد فيه أحزانُ محمّدٍ وآل‏محمّد(ص) وشيعتهم، وجاءت الرّوايةُ عن (الأئمّة) الصّادقين: باجتناب الملاذ فيه، وإقامةِ سنن المصائب، والإمساك عن الطّعام والشّراب إلى أن تزول الشّمس، والتغذّي بعد ذلك بما يتغذّى أصحابُ المصائب من الألبان وأشباهها دون اللذيذ من الطّعام والشّراب، ويستحبّ فيه زيارة المشاهد، والإكثار من الصلاة على محمّدٍ وآله(ص)، والابتهالِ إلى اللهِ تعالى باللعنةِ على أعدائهم وظالميهم.

ورُويَ من زار قبرَ الحسين(ع) يوم عاشوراء فكأنّما زار اللَّهَ في عرشه، ورويَ من زاره وبات عنده ليلة عاشوراء حتى يُصبح حشره للَّه تعالى ملطّخاً بدم الحسين(ع) في جملة الشهداء معه، ورويَ أنّه من أراد أن يقضي حقّ رسولِ اللَّه(ص) وحق أمير المؤمنين وفاطمة والحسن

____________________

(١) إبصارُ العين للمرحوم الشيخ محمّد السَّماوي ص١١.


والحسين: فليزر قبر الحسين(ع) في يوم عاشوراء(١) .

فاللازم على الموالي المتأسّي بالنبيِّ الأعظم(ص) الباكي على ولدِهِ بمجرّد تذكر مصابه أن يقيم المأتم على سيّد الشهداء ويأمر مَن في دارِهِ بالبكاء عليه وليعزّ بعضهم بعضاً بالحسين(ع) فيقول كما في حديث الإمام الباقر(ع): (عظّمَ اللَّهُ أجورَنا بمصابِنا بالحسين وجعلنا وإيّاكم من الطالبين بثأرِهِ مع ولدِهِ المهديّ من آلِ محمّد(ص))(٢) .

وفي الحديث أنه دخل عبداللَّه بن سنان على أبي عبداللَّه الصادق: في يوم عاشوراء فرآه كاسف اللون، ظاهر الحزن، ودموعه تنحدر على خدّيه كاللؤلؤ فقال له: مِمَّ بكاؤكَ يابن رسول اللَّه قال(ع): (أوَ في غفلةٍ أنت، أما علمت أنّ الحسين أُصيب في هذا اليوم ثمّ أمرَهُ أن يكون كهيئة أرباب المصائب يحلّل أزرارَهُ، ويكشف عن ذراعيه ويكون حاسراً، ولا يصوم يوماً كاملاً وليكن الإفطار بعد العصر بساعة على شربةٍ من ماء ففي ذلك الوقت تجلّت الهيجاء عن آلِ محمّد(ص)) ثمّ قال(ع): (لو كان رسول اللَّه حيّاً لكان هو المعزّى به).

وأما الإمام الكاظم(ع) فلم يُر ضاحكاً أيام العشرة وكانت الكآبةُ غالبةً عليه ويوم العاشر يوم حزنه ومصيبته.

ويقول الإمام الرّض(ع): (فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون، إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا وأذلّ عزيزَنا بأرض كربٍ وبلاء).

____________________

(١) مسار الشيعة: ص٢٤ - ٢٥.

(٢) كامل الزيارات: ص٣٢٦ طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.


وفي زيارة الناحية يقول حجّةُ آلِ محمّد عجّل اللَّه تعالى فرجَه الشريف مخاطباً جدّه الحسين: (فلأندبنكَ صباحاً ومساءاً ولأبكينّ عليك بدلَ الدّموعِ دماً)(١) .

وقال الشيخ القمّيرحمه‌الله تعالى في (مفاتيح الجنان): (وينبغي للشيعة أن يمسكوا فيه عن السّعي في حوائج دنياهم وأن لا يدخروا فيه شيئاً لمنازلهم وأن يتفرّغوا فيه للبكاء والنّياح وذكر المصائب وأن يقيموا مأتم الحسين(ع) كما يقيمونه لأعزّ أولادهم وأقاربهم)(٢) .

وها نحن نذكر هنا مصائب الإمام الحسين(ع) وما جرى عليه بعد أن قُتل أصحابُه وأهل بيته وبقي وحيداً لا ناصر له ولا معين قال الراوي: ثمّ أنّ الحسين(ع) لما نظرَ إلى مصارع أنصارِه وأهلِ بيته والتفت يميناً فلم يرَ أحداً، والتفت شمالاً فلم يرَ أحداً، استعبر واستغاث استغاثته الثانية ونادى: (هل من ذابٍ يذبّ عن حُرَمِ(٣) رسول اللَّه؟ هل من موحّدٍ يخاف اللَّه فينا؟ هل من مغيثٍ يرجو اللَّهَ في إغاثتنا؟) فلم يجبه سوى الإمام زين العابدين(ع) فمنعتهُ أمّ كلثوم لما بِهِ من المرض فقال: دعيني ياعمتاه أقاتلُ بين يدي ابن رسول اللَّه فصاح الإمام الحسين(ع): (خذيه ياأختاه لئلّا تبقى الأرض خاليةً من نسل آل محمّد(ص)

ثمّ عزم على لقاءِ القوم بنفسِهِ فجاء إلى الخيام للتوديع ثاني مرّة فنادى:

____________________

(١) مقتل المقرّم: ص٢٧٣ - ٢٧٤.

(٢) مفاتيح الجنان للمرحوم الشيخ عباس القمّي: ص٢٨٨.

(٣) حُرَم رسول اللَّه: ما لا يجوز انتهاكُهُ.


(يا زينب، ياأم كلثوم، ياسكينة، يا فاطمة عليكنّ مني السلام) ثمّ جعل يوصيهنّ بالصّبر والسكينة والتسليم لقضاءِ اللَّه.

وقال لهنّ: (استعدّوا للبلاء، واعلموا أنّ اللَّهَ حافظُكُم وحاميكم، وسينجّيكم من شرّ الأعداء، ويعذّب أعداءكم بأنواع العذاب، ويعوّضكم عن هذه البليّة بأنواع النّعَم والكرامة، فلا تشكّوا، ولا تقولوا بألسنتكم ما يُنقصُ من قدركم ويحبط أجركم).

قال أرباب المقاتل: انه حين بقي وحيداً وتقدّم للحرب صار يتقدّم إليه من جندِ ابن سعد من صناديد الأبطال وفرسان الرّجال واحدٌ بعد واحد فيقتله(ع)، فصاح عمر بن سعد بأصحابه: الويلُ لكم أتدرون لمن تقاتلون؟ هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال العرب، فاحملوا عليه بأجمعكم حملة رجلٍ واحد.

فحملوا عليه من كلّ جانب حتى جعلوه في مثل الدائرة وهو(ع) يغوص في الأوساط ويقلب الميمنة على الميسرة حتى قتل عامّتهم، وأقام قيامتهم، ولم يزل يقتلُ في كلّ حملةٍ جملة، وفي كلّ كرّةٍ كثرة، وفي كلّ زحوفٍ اُلوف.

قال حميد بن مسلم: فواللَّهِ ما رأيتُ مكثوراً قطّ قد قُتِلُ ولدُهُ وأصحابُهُ أربطَ جأشاً ولا أمضى جَناناً ولا أشدّ إقداماً منه قط، وإن كانت الرجال لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذّئب ولقد كان يحملُ فيهم وقد تكاملوا ثلاثين ألفاً فينهزمون من بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر.

وكان(ع) يقاتلُ في كلّ برهة فارساً على فرسه (المرتجز) واُخرى


على غيره، ولكنّ الظاهر أن الحجرَ المشؤوم والسّهمَ المسموم ذي الثلاث شعب وطعنة صالح بن وهب أوجبت في وجوده المقدّس ما لا يستطيع القلمُ أن يسطّره ولا اللسان أن يذكره، ولكن لما خلا سرجُ ذي الجناح من هيكل الوحي والتنزيل، أو فقل هوى على الأرض عرش الملك الجليل جعل(ع) يقاتل وهو راجل قتالاً أقعد الفوارس وأرعد الفرائص وأذهل عقولَ فرسان العرب، قال ابن الأثير(١) :

قاتل (ع) راجلاً قتال الفارس الشجاع يتّقي الرمية، ويتفرّس العودة ويشدّ على الخيل وهو يقول: (ويحكم أعلى قتلي تجتمعون؟!) ثمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول: (لا حول ولا قوّة إلّا باللَّه العليّ العظيم).

قال العلّامة المجلسيرحمه‌الله في البحار:

ثمّ حمل عليهم كالليث المغضب فجعل لا يلحقُ أحداً إلّا بعجه بسيفه فقتله، والسهامُ تأخذُهُ من كلّ ناحية وهو يتّقيها بنحره وصدرِه ويقول: (ياأُمّة السوء بئسما خلفتهم نبيّكم محمّداً في عترته).

ولم يزل(ع) على هذا وأمثاله حتى اقتطعوه وحالوا بينه وبين رَحْلِه فصاح: (ويحكم ياشيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين وكنتم لاتخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم وأنسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون) فناداه شمر: ما تقول يابن فاطمة؟

قال: (أقول أنا الذي اُقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهنّ جناح، فامنعوا عتاتكم عن التعرّض لحُرَمي ما دمتُ حيّ).

____________________

(١) الكامل في التأريخ ج٤ ص٧٨، طبعة دار صادر بيروت.


فقال الشمر: لك ذلك يابن فاطمة ثمّ قال: اقصدوه بنفسه فلعمري لهو كفؤٌ كريم، ثمّ جعل يحملُ ويحملون عليه وهو في ذلك يطلب شربة من الماء ويتلظّى كبدُه من الظمأ، ويلوك لسانه من شدّة العطش وقد صار كالخشبة اليابسة.

ثمّ لما اشتدّ به الاعياء والعناء، وضعف عن القتال وقف ليستريح هنيئة ولكنّ طعنة سنان ابن أنس وضربة سيف بن زرعة لم يتمكن الإمام معهما حتى من الوقوف على الأرض وكان قد أعيا فقعد.

وبينا هو (ع) جالس على الرّمضاء خرج من الخيام غلامٌ كأنّ وجهَهُ فلقةُ قمر، وفي أذنيه قرطان يتذبذبان، فجعل يعدو ويركض حتى جاء إلى عمّه الحسين(ع)، وكأنه لما رأى عمّه (على) تلك الحال والدماءُ تسيلُ من جميع جوانبِه وجوارِحِه أُدهِشَ وذهل، وبينا هو واقف ينظر إلى عمّه مبهوتاً أهوى بحرُ بن كعب إلى الحسين(ع) بسيفه ليضربه، فقال له الغلام، أتضرب عمّي؟ يابن الخبيثة، فعدل بضربته إلى الغلام فأصابت يده فأطنّها من المرفق وإذا هي معلّقة، فصاح الغلام، واعمّاه فأخذه عمُّه وضمّه إليه وأجلسه في حجره، فرماه حرملةُ بن كاهل فذبحه وهو في حجر عمّه فاحتسبه عند اللَّه وقال: (هوّنَ عليّ ما نزل بي أنّه بعين اللَّه)، ثمّ انتهى به الحال(ع) أنه من كثرة نزف الدماء، ومن شدّة العطش، ومن حرارة الشمس ولفح الهجير، وترادف المصائب والرزايا لم يتمكّن حتى البقاء جالساً على الأرض فصنع له وسادةً من الرّمل ونام عليها قال بن شهرآشوب:

لمـّا صرع الحسين(ع) جعل فرسُهُ يحامي عنه، فيثب على الفارس


فيخبطه على سرجه ويدوسه برجله، حتى قتل جماعة، ثمّ تمرّغ في دم الحسين(ع) ثمّ قصد الخيمة وله صهيلٌ عال، وهو يضرب بيديه الأرض ويقول في صهيله:

الظليمةُ الظليمة من أمّةٍ قتلت ابن بنت نبيّها!!

قال: فخرجت زينب بنت علي(ع) من الفسطاط تنادي:

واأخاه، واسيّداه، ليت السماءَ اُطبقت على الأرض وليت الجبال تدكدكت على السّهل، يابن سعد أيقتلُ أبو عبداللَّه وأنت تنظر إليه؟!

فصرف وجهَهُ الخبيث عنها ودموعُهُ تسيلُ على لحيته المشؤومة، والحسين في كلّ ذلك مغمىً عليه، تحاماه الناس(١) .

ثمّ نادى عمر بن سعد: أما فيكم من يذبحُ الحسين ويأتيني برأسه؟ فبدر إليه الشمر فرفسه برجله وجلس على صدره، وقبض على شيبته المقدّسة، وضربه بالسيف اثنتي عشرة ضربة واحتزّ رأسه المقدّس:

واإماماه، واسيّداه، واحسيناه، وامظلوماه

ومرَّ يحزُّ النّحرَ غيرَ مراقبٍ

من اللَّهِ لا يخشى ولا يتوجّلُ

وزُلزلت الأرضونَ وارتجّت السّما

وكادت له أفلاكُها تتعطّلُ(٢)

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين

____________________

(١) إلى هنا نقلته عن (مقتل الحسين(ع)) للمرحوم آية اللَّه الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء١، تحقيق الخطيب فضيلة الشيخ هادي الهلالي.

(٢) من قصيدة عصماء للمرحوم الشيخ هاشم الكعبي.


يوم الثالث عشر المجلس الثالث والعشرون

دفنُ الأجساد الطّاهرة

لم أنسَهُ اذ قام فيهم خاطباً

فاذا هُمُ لا يملكون خطابا

يدعو ألستُ أنا ابنَ بنتِ نبيّكم

وملاذَكم إذْ صرفُ دهرٍ نابا

هل جئتُ في دينِ النبيِّ ببدعةٍ

أم كنتُ في أحكامِهِ مرتابا

أم لم يوصِّ بنا النبيُّ وأودعُ

الثّقلين فيكم عترةً وكتابا

إن لم تَدينوا بالمعادِ فراجعوا

أحسابَكم ان كنتُمُ أعرابا

فغدوا حيارى لا يرونَ لوعظه

إلّا الأسنّةَ والسّهام جوابا

حتى إذا أَسِفَتْ علوجُ أميّةٍ

أن لا ترى قلبَ النبيِّ مصابا

صلّت على جسمِ الحسين سيوفُهم

فغدى لساجدةِ الظُّبى محرابا

ومضى لهيفاً لم يجد غيرَ القنا

ظِلاً ولا غيرَ النجيعِ شرابا

ظمآنَ ذابَ فؤادُهُ من غُلّةٍ

لو مَسّت الصخرَ الأصمَّ لذابا

لهفي لجسمكَ في الصعيد مجرّداً

عُريانَ تكسوهُ الدّماءُ ثيابا

تربَ الجبين وعينُ كلِّ موحّدٍ

ودّت لجسمك لو تكون تُرابا

لهفي لرأسِكَ فوق مسلوبِ القنا

يكسوهُ من أنوارِهِ جلبابا

يتلو الكتابَ على السّنانِ وإنما

رفعوا بِهِ فوقَ السنانِ كتابا(١)

____________________

(١) القصيدة العصماء هذه للمرحوم السيد رضا الموسوي الهنديرحمه‌الله تعالى.

قال المرحوم السيد جواد شبر في (أدب الطف) الجزء التاسع ص٢٤٢:

السيد رضا الهندي شيخ الأدب في العراق، العالم الجليل والمؤرّخ والبحّاثة الشّهير هو ابن


نعي

ثلث تيام ظل مطروح الحسين

على الرّمضا وهو عزّ المسلمين

وحوله مطرّحه كل هله الطيبين

واصحابه الصناديد الميامين

جثث مله عشيره ولاله معين

بس زينب بگت تصفگ بالايدين

وتهيل دموعه دم على الخدّين

وتصيح بألم وبلوعات صوتين

صوتٍ يا علي يالبالغريين

وصوتٍ ياليوث الهاشميين

____________________

السيد محمد بن السيد هاشم الموسوي الهندي - ينتهي نسبُهُ إلى الإمام العاشر من أئمة أهل البيت: وهو الإمام الهادي(ع) -.

ولد(ره) في الثامن من شهر ذي القعدة سنة ١٢٩٠ه في (النجف الأشرف)، وهاجر إلى سامراء بهجرةِ أبيه سنة ١٢٩٨ه وذلك حين اجتاح النجف وباءُ الطاعون، ومكث يواصل دروسه في سامراء، وكان موضع عناية آية اللَّه المجدّد الشيرازي لذكائه وسرعة بديهتِهِ وسعة اطلاعه، وفي النجف الأشرف واصل جهوده العلمية على أساطين العلم حتى نال درجة الاجتهاد، وشهد له مراجع الطائفة كالشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، والشيخ الشربياني والملا محمد كاظم الخراساني (صاحب الكفاية)، وقد انتدبه المرحوم السيد أبو الحسن الأصفهاني (وكيلاً) عنه للإرشاد.

ومن روائعه التي اشتهرت وحفظها القاصي والدّاني قصيدته (الكوثرية) في مدح أمير المؤمنين(ع).

وأما الرّائعة التي ختم بها حياته وطلب أن تكون معَهُ في قبره فهي هذه القطعة الوعظية (ومطلعُها):

أرى عمري مؤذَناً بالذّهابِ

تمرُّ لياليه مرَّ السَّحابِ

كانت وفاتُهُ بالمشخاب فجأةً وذلك بعد ظهر يوم الأربعاء ٢٢ جمادى الأولى سنة ١٣٦٢ه المصادف ٢٦ مارس سنة ١٩٤٣م وحمل جثمانه على الأعناق إلى قضاء أبي صخير فالنجف في صبيحة اليوم الثاني وكان يوماً مشهوداً حتى دفن بمقبرة الأسرة الخاصّة، وأقام زعيم الحوزة العلمية السيد أبو الحسن الفاتحة على روحه في مسجد الشيخ الأنصاري(ره).


تعالوا يا أهلنه ودفنوا الحسين

وشوفوا شعمل بينه خلافه البين

* * *

روي ان الامام الحسين(ع) كان كثيراً ما ينشدُ هذه الأبيات:

لئن كانت الأفعالُ يوماً لأهلها

كمالاً فحسنُ الخُلْقِ أبهى وأكملُ

وإن كانت الأرزاقُ رزقاً مقدّراً

فقلّةُ جُهدٍ المرءِ في الكسب أجمَلُ

وإن كانت الدنيا تُعَدُّ نفيسةً

فدارُ ثوابِ اللَّه أعلى وأنبلُ

وإن كانت الأموالُ للتركِ جمعُها

فما بالُ متروكٍ به المرءُ يبخلُ

وإن كانت الأبدانُ للموتِ اُنشِئت

فقتلُ امرئٍ بالسيفِ في اللَّهِ أفضلُ(١)

تعرّض الامام(ع) في هذه الأبيات لذكر مجموعةٍ من المفاهيم التي يحتاجُها الانسان المسلم في حياته اشدّ الإحتياج، وسأبدأُ - بعد الإستعانة باللَّه - بشرحها ولو على نحو الإختصار.

البيت الأول: ذكر فيه الامام الحسين(ع) أفعال الإنسان وأنّ أكملها وأبهاها هو حسن الأخلاق، وقد ذكر القرآنُ الكريم ذلك في معرض مدح رسول اللَّه(ص) حيث قال تعالى:( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (٢) مع أنّ النبيّ(ص) كان عظيماً في كلّ خصاله لا يدانيه فيها أحد من الخلق، إلّا أنّه تعالى خصّ فيه هذه الخصلة الشريفة بالذكر، ووصفها ب (خُلُقٍ عظيم) لأنها أكملُ الأفعال وأحسن الخصال، وقد حفلت السنّةُ الشريفة بأحاديث جمّة

____________________

(١) الأنوار البهيّة للمرحوم الشيخ عبّاس القمّي: ص٩٨.

(٢) سورة القلم: الآية ٤.


تثني وتبشّر صاحب الخلق الحسن بسعادة الدّارين منها على سبيل المثال:

عن النبيّ(ص): (ما يوضع في ميزان امرئٍ يوم القيامة أفضلُ من حسن الخُلُق)(١) . وأفضل في هذا الحديث الشريف بمعنى أثوب.

وعن الإمام الصادق(ع) عن جدّه رسول اللَّه(ص) قال: (إنّ صاحبَ الخُلُقِ الحسن له مثلُ أجرِ الصّائم القائم)(٢) .

يعني أنّ ثواب صاحب الأخلاق الحَسنة، كثوابِ المؤمن الذي يصوم نهارَه، ويقوم ليلَه ما دامَ حيّاً.

وسئل النبيّ(ص): أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: (حسنُ الخلق)(٣) .

وقال(ص): (أكثر ما تلجُ - اي تدخل - به أمّتي الجنة تقوى اللَّه وحسنُ الخلق، يعمران الديار ويزيدان في الأعمار)(٤) .

وفي الكافي عن الامام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر(ع) قال: (إنّ أكملَ المؤمنين إيماناً أحسنُهم خلقاً)(٥) .

وعن الامام أبي عبداللَّه جعفر بن محمّد الصادق(ع) قال: (ما يتقدّم المؤمنُ على اللَّه عزّوجلّ بعملٍ بعد الفرائض أحبُّ إلى اللَّه تعالى من أن يسع الناس بخلقه)(٦) .

____________________

(١) الأخلاق للمرحوم السيد عبداللَّه شبّر: ص٥.

(٢) المصدر السابق.

(٣) المصدر السابق: ص٥ و ٦.

(٤) المصدر السابق.

(٥) المصدر السابق.

(٦) المصدر السابق نفسه.


البيت الثاني: ذكر فيه الامامُ(ع) رزق اللَّه تعالى لعباده، وأكد أن الرزق مقدّرٌ فلا تصرفوا الوقت كلّه في طلبه، وانما أجملوا فيه. روي عن النبيّ(ص) قال: (اقتصدوا في الطلب فإنّ ما رُزقتموه أشدُّ طلباً لكم منكم له، وما حُرمتموه فلن تنالوه ولو حرصتم)(١) .

وقد ورد الحثّ على التكسّب في القرآن الكريم والسنّة الشريفة.

فأما القرآن الكريم فكقوله تعالى:( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاة فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (٢) .

وقوله تعالى:( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (٣) .

وأما السنّة الشريفة فكثيرٌ منها:

عن النبيّ(ص) قال: (من طلب الدنيا حلالاً تعفّفاً عن المسألة، وتوسيعاً على عياله، وتعطّفاً على جاره لقيَ اللَّهَ ووجهُهُ كالقمر ليلة البدر)(٤) .

وعن الامام الصادق(ع) قال: (الكادُّ على عيالِهِ كالمجاهد في سبيل اللَّه)(٥) .

وروي أنّ النبيّ عيسى على نبيّنا وآله وعليه‌السلام رأى رجلاً فقال له: ما تصنع؟ فقال: أتعبّد قال: ومَنْ يعولُكَ؟ قال: أخي قال: أخوك أعبدُ منك(٦) .

____________________

(١) نور الحقيقة للشيخ عز الدين الحسين بن عبد الصّمد والد الشيخ البهائي: ص١٥٨.

(٢) الجمعة: الآية ١٠.

(٣) الملك: الآية ١٥.

(٤) المحجّة البيضاء ج٣ ص١٤٠.

(٥) المحجّة البيضاء ج٣ ص١٤٣.

(٦) المحجّة البيضاء ج٣ ص١٤١.


وعن أبي حمزة الثمالي عن الامام أبي جعفر الباقر(ع) قال: قال رسول اللَّه(ص) في حجّة الوداع: ألا إنّ الروح الآمين نفث في رُوعي أنّه لا تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها فاتّقوا اللَّه عزّوجلّ وأجملوا في الطّلب ولا يحملنّكم استبطاءُ شي‏ءٍ من الرزق أن تطلبوه بشي‏ءٍ من معصيةٍ اللَّه عزّوجلّ فإنّ اللَّه تبارك وتعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالاً ولم يقسّمها حراماً، فمن اتقى اللَّه عزّوجلّ وصبر أتاه اللَّه برزقه من حلِّه، ومن هتك حجابَ السّتر وعجّل فأخذ من غير حلّه قُصّ به من رزقه الحلال وحوسب عليه يوم القيامة(١) .

أقول: أمر النبيّ(ص) في كلامه الشريف هذا بالإجمالِ في طلب الرزق، ولم يقل اتركوا الرزق، ولا اصرفوا وقتكم وجهدكم كلّه فيه، بل أَمَرَ بالإجمال فيه.

وفي الكافي عن أبي عبداللَّه الصادق(ع) قال: (إنّ محمّد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى أنّ عليّ بن الحسين(ع) يَدَعُ خَلَفاً أفضَلَ منه حتى رأيت ابنَهُ محمّد بن علي(ع) فأردتُ أن أعظه فوعظني فقال له أصحابُهُ: بأيّ شي‏ء وعظك؟ قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة فلقيني أبوجعفر محمّد بن علي - الباقر - (ع) وهو متكئ على غلامين أسودين فقلت في نفسي: سبحان اللَّه شيخٌ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا أما لأعظنّه، فدنوت منه فسلّمت عليه فردّ

____________________

(١) المحجة البيضاء ج٣ ص١٤٢.


عليّ السلام وهو يتصابُ عرقاً فقلت: أرأيت لو جاء أجلُك وانتَ على هذه الحال ما كنت تصنع؟ فقال(ع): لو جاءني الموت وأنا على هذه الحال جاءني وأنا في طاعةٍ من طاعات اللَّه عزّوجلّ، أكفّ بها نفسي وعيالي عنك وعن الناس، وانّما كنت أخاف أن لو جاءني الموت وأنا على معصيةٍ من معاصي اللَّه فقلت: صدقت يرحمك اللَّه أردت أن أعظك فوعظتني)(١) .

يحكى أنّ رجلاً صالحاً متقياً كان يعيش في إحدى المدن المهمّة اسمه (أبوالعلى)، ذهب في يوم من الأيّام لزيارة أحد العلماء فسأله قائلاً: أيّها العالم أخبرني عن أفضل أعمال الدنيا التي تنفعني في الآخرة فقال العالم: أفضل الأعمال تقوى اللَّه تعالى، فسأَلَ الرجل ثانياً فقال: أخبرني عن أحسن الطرق التي من خلالها أستطيع الحصول على لقمة حلال فقال العالم: اللقمة الحلال تأتي بها من خلال عمل اليدين وعرق الجبين، فعندما سمع الرجل ذلك من العالم قال: إذا كان كذلك فسأدرس العلم النافع نهاراً، واشتغل بصنعةٍ ما في بيتي ليلاً، وفعلاً دام على هذا مدّة طويلةً، وفي ليلةٍ من الليالي رأى في عالم الرؤيا نفسه واقفاً على متن جبل، وفي صفحة الجبل ثقوبٌ يخرج منها الماء، وهذه الثقوب فيها الواسع والأوسع، وفيها الضيّق والأضيق حتى رأيت بعضها يقطر قطرات متوالية والآخر يقطر بين كلّ فترةٍ واخرى قطرةً واحدة، فتعجّبت ممّا رايت ولم أفهم المقصود من ذلك، فرأيت جماعةً جالسين فسألتهم عن الماء الزلال وعن الثقوب التي يخرج منها الماء، ولماذا لم تكن متساوية؟ فقال لي أحدهم: هذه أرزاق العباد،

____________________

(١) الكافي ج٥ ص٧٣.


منهم من قدّر اللَّه تعالى له رزقاً وافراً، ومنهم من قدّر له رزقاً قليلاً، ومنهم الوسط بين هذا وذاك فقلتُ: ومن أيّ الثقوب قدّر اللَّه تعالى رزقي؟ قال لي: أعطني اسمك واسمَ أبيك ففعلت قال: فأخرج كتاباً نظر فيه ثمّ قام وقال: رزقك من هذا الثقب قال: فنظرت واذا هي قطرات تخرج من ذلك الثقب بين فترةٍ واُخرى، فاضطربت من ذلك وقمت من نومي وانا في حالة الإضطراب وقلت: سبحان اللَّه العظيم لقد قدّر اللَّه تعالى لي بحكمته رزقاً قليلاً فشكراً له على ذلك. وبقي أبو العلى مداوماً على عمله حيث كان يشتغل بتحصيل العلم النافع نهاراً، وفي الليل بصنعةٍ يؤمّنُ منها معاشه، وكان والي البلد يخرج من قصره في بعض الليالي متنكراً بلباس الفقراء ليطلع على أحوال رعيّته وأهل بلده. وفي ليلة من الليالي مرّ الوالي وهو متنكر على بيت (أبو العلى) فسمع صوته وهو في المناجاة، فأطال الوالي الوقوف وأعجبه ما سمع، وفي الليلة الثانية جاء الوالي أيضاً ووقف عند البيت وسمع أبا العلى وهو يناجي ربّه، وهكذا جاء في الليلة الثالثة فطرق عليه الباب فأسرع أبو العلى وفتح الباب وإذا بالوالي يقول: أنا رجلٌ غريب عن هذا البلد، وفقير ليس عندي من حطام الدنيا شي‏ء، فإن كنت تحبّ الضيف فأنا ضيفك هذه الليلة فقال له: ياأخي الضيف حبيب اللَّه وهو هديّة اللَّه لعباده فمرحباً بك تفضّل.

فدخل حتى إذا استقرّ به الجلوس جاء أبو العلى ومعه طبق فيه خبز وابريق من الماء وضعه أمامه وقال: الضيف يأتي ومعه رزقه، فأكل الوالي وتحادثا ساعة ثمّ قام أبو العلى ودلّ ضيفه على فراشه لينام، وفعلاً تمدّد الوالي على الفراش ولكنّهُ لم ينم، وعاد أبو العلى إلى عمله ومناجاته،


لم تمض مدّة طويلة حتى قام الوالي من فراشه وقال: أخبرنى ما هذا الذي تعمل وما سرّ هذه المناجاة؟ فأخبره أبو العلى بحاله وطلبه العلم والمنام الذي رآه، فتعجب الوالي وقال في نفسه: الواجب عليّ أن أُخْرِجَ هذا الرجل الصالح من حال الفقر الذي هو فيه، وعندما أصبح الصباح ودّعه وخرج من بيته، وذهب إلى مقرّ الوالي في القصر، فأمر طبّاخه ان يعدّ طعاماً مهمّاً ويأتي به إليه قبل وقت الإفطار، وفعلاً حُمل الطعام إلى الوالي فعندما رفع الطبق واذا هو بطعامٍ من اطعمة الملوك والأمراء، فأخرج الوالي ما جادت به نفسه من نفيس الجواهر والدرر ودسّه في الطعام وأرجع الغطاء، وأمر أن يحمل إلى بيت الرجل الفقير (أبو العلى)، وفعلاً جاء به الخادم وطرق عليه الباب فلمّا فتح أبو العلى الباب ناولَه الخادم الطعام وانصرف، فدخل أبو العلى مع الطعام إلى داخل المنزل وكشف الغطاء واذا برائحة الطعام اللذيذ الذي لم يأكل مثله قط، فهشّت نفسه ومالت إلى الطعام، فالتفت إلى نفسه وقال: إذا أكلتُ هذا الطعام فسوف لن أجد للخبز الخالي الذي آكله كلّ يوم لذةً ولا طعماً، ولذا قف امام مشتهيات نفسك ولا تعطيها كلّ ما تريد وإلّا أخذتك يميناً وشمالاً حيث المشتهيات والمكروهات وما لا تحمد عاقبته، فأنزل هذا الطعام منزلة العدم ولا تأكل منه شيئاً ثم قال: سأذهب به إلى فلان التاجر حيث وصل منزله هذه الليلة ولم يأكل شيئاً إلى الآن، وفعلاً قام ومعه ذلك الطعام وذهب إلى بيت التاجر وطرق عليه الباب وسلّم وبارك له سلامة الوصول، وقدّم له الطعام وعاد إلى بيته، فرفع التاجر الطبق واذا بطعام حسن لذيذ مدّ يده فأكل حتى وصل إلى الجواهر والدّرر فأخرجها متعجباً


وعرف قيمتها العالية فقال: هذا رزقٌ ساقه اللَّه لي وهو يكفيني إلى آخر عمري، وسوف لا احتاج بعد هذا المال إلى السفر والتجارة، بل سأتفرّغ لعبادة ربي تبارك وتعالى.

وعاد أبو العلى إلى عمله ومناجاته، ومرّ الوالي على بيته في تلك الليلة فرآه على حاله لم يتغيّر منه شي‏ء، فطرق عليه الباب وقال له: وصل اليك طعام حسن أكلت منه؟ قال: لا ولكني حملته إلى رجل تاجر وصل في هذه الليلة من السفر إلى أهله عملاً بهذه الآية الكريمة( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (١) فعملت بهذه الآية وآثرته على نفسي، فكان من نصيبه لا من نصيبي، فتعجّب الوالي ممّا سمع وتيقّن أنّ الأرزاق بيد اللَّه تعالى، قدّرها بحكمته، وقسّمها بعدله، ثمّ قام وودعه وانصرف(٢) .

وفي الديوان المنسوب:

رضيتُ بما قَسَمَ اللَّهُ لي

وفوّضتُ أمري إلى خالقي

كما أحسنَ اللَّهُ فيما مضى

كذلك يُحسنُ فيما بقي(٣)

البيت الثالث: ذكر فيه الامامُ(ع) ثوابَ الآخرة وقال إنّها أعلى من ثواب الدّنيا وأنبل وأبقى.

لا شك أن الدنيا مزرعة الآخرة - كما في الحديث الشريف - فيحمل

____________________

(١) سورة الحشر: الآية ٩.

(٢) جامع التمثيل فارسي بتصرّف.

(٣) الديوان المنسوب للامام أمير المؤمنين(ع): ص٩٠.


الإنسان منها ما يدّخره للآخرة، كما لا شك أنها العونُ بل نعم العون - كما في الحديث الشريف - للآخرة حيث منها يتزوّد المؤمن الأعمال الصالحة، والعبادات الرابحة، وهي - أي الدنيا - من جهة اُخرى بلاء ومحنة وفتنة، حيث حفّت بالمكاره والشهوات، فلا يعصي الإنسان ربّه إلّا فيها ففي الحديث الشريف: (من هوان الدنيا على اللَّه أنّه لا يُعصى إلّا فيها، ولا يُنال ما عنده إلّا بتركه).

ولكن ما هو المعيار الذي به نميّز الدنيا الممدوحة من المذمومة، يقول المرحوم السيد عبداللَّه شبر في كتابه (الأخلاق):

إنّ من كان مشغولاً بالعلم والعبادة والحج والصدقات وأداء الزكوات وقضاء الحوائج، وزيارة الأخوان، وعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وحضور الجمعة والجماعات والمواظبة على النوافل وسائر الطاعات قد يصدق عليه أنّه طالبُ الدنيا وأنّ أعماله مردودة غير مقبوله وذلك لأنه لم يَقْصُدْ بها وجه اللَّه تعالى، وربّ رجلٍ كثير المال والخدم والحشم، حسن الطعام والمشرب، وجيّد الزي والملبس ذي ديار وسيعة وعمارات عالية ونساء متعدّدة ومراكب حسنة، وهو من أهل الآخرة واعماله مقبولة وسعيه مشكور لأنه قصد بذلك وجه اللَّه تعالى، وأراد رضاه.

اذن صار بيدنا المعيار لمعرفة الدنيا الممدوحة والمذمومة وهو:

الدنيا - المذمومة - عبارة عن كلّ شي‏ءٍ يوجب البعد عن اللَّه وان كان صلاة وصوماً وحجاً وجهاداً وانفاقاً وزهداً وقناعة، والآخرة - الدنيا الممدوحة - كل شي‏ء يوجب القرب من اللَّه تعالى وان كان مالاً ونساءاً وخدماً وحشماً(١) .

____________________

(١) الأخلاق للمرحوم السيد عبداللَّه شبر: ص١٧٨ - ١٧٩ بتصرّف.


وفي الرواية عن الامام محمد الباقر(ع) قال: (مَن طلب الرزقَ في الدنيا استعفافاً عن الناس وسعياً على أهله وتعطّفاً على جاره لقى اللَّه عزوجلّ ووجهُهُ مثلُ القمر ليلة البدر).

هذا الحديث الشريف يؤكد الحقيقة التالية: وهي أنّ طلب الدنيا - الرزق - لحفظ ماء الوجه أو التوسعة على العيال، وصلة الرحم والجيران، هو من أعمال الآخرة وصاحبها مأجور مثاب له عند اللَّه تعالى الأجر الجزيل، وفي هذا المعنى جاءت الرواية عن الامام الصادق(ع) حيث قال له رجل: واللَّه إنّا لنطلب الدنيا ونحبّ أن نؤتاها فقال له الامام(ع): (تحبّ ان تصنع بها ماذا؟) قال: أعود بها على نفسي وعيالي، وأصل بها وأتصدّق بها وأحجّ وأعتمر فقال(ع): (ليس هذا طلبُ الدنيا هذا طلب الآخرة)(١) .

ولنختم هذا الباب بحديث عن النبيّ(ص) حيث يذكر فيه ثواب الدنيا والآخرة فيقول: (ما الدنيا في الآخرة إلّا كَمِثْلِ ما يجعل أحدكم اصبعَهُ في اليم - البحر - فلينظر بم يرجع إليه من الأصل)(٢) .

يعني ان الدنيا هي قطرة والآخرة هي البحر العميق الغير متناهي، فليت شعري أي عاقل يترك هذا الثواب العظيم الدائم، ويأخذ بالحقير الزائل مع ما فيه من المحن والبلوى.

____________________

(١) الأخلاق للمرحوم السيد عبداللَّه شبّر: ص١٨٠.

(٢) المصدر السابق: ص١٨٤.


البيت الرّابع:

وإن كانت الأموالُ للتّركِ جمعُها

فما بالُ متروكٍ به المرءُ يبخَلُ

ذكر فيه الامام(ع) الأموال وقال إنها تبقى ويموتُ صاحبُها، فاذا كان الحال كذلك، فلماذا يبخل الإنسان ببذل هذا المال الزائل في وجوه الخير الباقية!!

وما أشار له الامام الحسين(ع) هو عينُ الحق حيث ان المال بيد الإنسان الغني عارية يتصرّف به زماناً ثمّ يرحل عنه ويتركه فيذهب إلى غيره وهكذا قال الشاعر:

إنما الدّنيا عواري

والعواري مستَردَّة

شدّةٌ بعد رخاءٍ

ورخاءٌ بعد شدَّة

وباستطاعة المرء الغني ان يشتري الجنّة الباقية بالأموال الفانية، ويكسب رضا اللَّه القدير بالمال القليل الحقير، يحكى أنّ عبداللَّه بن المبارك كان ولعاً بالحجّ شديد المداومة عليه في كلّ عام قال: ففي بعض السنين لما قرب التأهّبُ للحجّ تأهّبتُ انا أيضاً، فقمتُ وشددتُ على وسطي كيساً فيه خمسمائة دينار وخرجتُ إلى سوق الإبل لأشتري جمالاً للحج فلم أرَ ما يصلح للطريق فرجعت إلى منزلي فرأيت امرأة جالسة على المزبلة وقد أخذت دجاجة ميّتة وهي تنتف ريشها من حيث لا يشعر بها أحد، فدنوت منها وقلت: لِمَ تفعلين هكذا يا أمةَ اللَّه؟ فقالت: امضِ لشأنك واتركني فقلت:


سألتك باللَّه إلّا ما أعلمتيني بحالك، قالت: اذ ناشدتني باللَّه اعلم أني امرأة علوية من بنات الامام علي(ع) ولي ثلاث بنات علويات صغار وقد مات زوجي ولنا ثلاث ليال بأيّامهنّ لم نأكل شيئاً وليس عندنا شي‏ء، وقد خرجتُ عنهنّ وهنّ يتضوّرن جوعاً لألتمس لهنّ شيئاً فلم يقع في يدي غير هذه الدجاجة الميّتة فأردت اصلاحها لنأكلها فقد حلّت لنا الميتة، قال: فلمّا سمعتُ ما قالت وقف شعري واقشعرّ جلدي وقلت في نفسي: يابن المبارك وأيُّ حجِّ أعظمُ من هذا؟ فقلت: أيتها العلوية انّ هذه الدجاجة حُرّمت عليكم إفتحي حجرك حتى أعطيك شيئاً من النفقة ثمّ فتحت الكيس وصببتُ الدنانير في حجرها بأجمعها، فقامت مسرورة عجلة ثمّ دعت لي خيراً وانصرفت، فرجعتُ إلى منزلي وقد نزع اللَّه ارادة الحج من قلبي فلزمت منزلي واشتغلت بالعبادة حتى خرجت قوافلُ الحج متوجّهةً إلى مكة فودّعتهم مع الناس، فلمّا عاد الحجّاج خرجت أيضاً لإستقبالهم فصافحتهم، وكنت لا ألقى أحداً فأقول له: جعل اللَّه حجّك مبروراً، وسعيك مشكورا حتى يقول: يابن المبارك الم تكن معنا ألم أشاهدك في الطواف، وآخر يقول الم أشاهدك في منى، وآخر يقول: ألم أشاهدك في عرفات وهكذا فتعجّبت من ذلك غاية التعجّب، فلمّا رجعت إلى منزلي وبتّ تلك الليلة رأيت في منامي رسول اللَّه(ص) وهو يقول لي: يابن المبارك انّك لما أعطيت الدنانير لإبنتنا وفرّجت كربها واصلحت شأنها وشأن ايتامها بعث اللَّه ملكاً على صورتك فهو يحجّ في كلّ عام، ويجعل ثواب الحج لك إلى يوم القيامة، فما عليك ان حججتَ بعد أو لم تحج فإنّ ذلك الملك لا يترك الحج عنك إلى يوم القيامة(١) .

____________________

(١) كشكول البحراني ج٢ ص٢٨١.


البيت الخامس:

وإن تكن الأبدانُ للموتِ اُنشئت

فقتلُ امرئٍ بالسيف في اللَّهِ أفضل

ذكر فيه(ع) الموت وقال إنّ النهاية الحتمية لكلّ انسان هي الموت، وخروج الإنسان من عالم الدنيا إلى البرزخ، إلّا انّ القتلَ في سبيل اللَّه تعالى هو أفضل أنواع الموت.

وفي حتمية الموت صرّح القرآن الكريم وذلك كقوله تعالى:( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ ) (١) وقوله تعالى:( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (٢) وقوله تعالى:( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٣) .

وأمّا الأحاديث الشريفة الواردة عن النبي وآله المعصومين صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين فقد كان الكثيرُ منها يتحدث عن الموت وحتميته، فعن‏النبي(ص) قال: (إنّ روح القدس نفثَ في رُوْعي: أحبب ما أحببت فإنّك مفارقُه، وعِش ما شئت فإنك ميّت، واعمل ما شئت فإنّك مجزى به)(٤) .

____________________

(١) الرحمن: الآية ٢٦ - ٢٧.

(٢) العنكبوت: الآية ٥٧.

(٣) الجمعة: الآية ٨.

(٤) أعلام الدين في صفات المؤمنين للديلمي: ص٢٤٢.


ومن خطبة الامام الحسين(ع) قبل خروجه من مكة إلى العراق قال: (خُطّ الموتُ على وُلد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة).

وفي الديوان المنسوب لأمير المؤمنين(ع):

الموتُ لا والداً يُبقي ولا ولداً

هذا السّبيلُ إلى أن لا ترى أحداً

كان النبيُّ ولم يَخْلُد لأمّتِهِ

لو خلّدَ اللَّهُ خلقاً قبلَهُ خَلَدا

للموتِ فينا سهامٌ غيرُ خاطئةٍ

من فاتهُ اليومَ سهمٌ لم يفُتهُ غدا(١)

وكتب رجلُ لأحد الزهّاد هذا البيت وأراد منه الجواب عليه:

الموتُ بابٌ وكلُّ الناسِ يدخلُهُ

يا ليتَ شعري بعد الباب ما الدّارُ

فأجابه بهذين البيتين:

الدّارُ جنَّةُ عدنٍ إن عملت بما

يُرضي الإلهَ وأن خالفتَ فالنّارُ

هما محلّانِ ما للنّاسِ غيرُهما

فانظر لنفسِكَ أيَّ الدار تختارُ(٢)

أقول: إذا كان الموت حتماً في رقاب العباد المخلوقين، فإنّ أشرفه وأفضله القتلُ في سبيل اللَّه تعالى كما قال الامام الحسين(ع) وفعل حيث

____________________

(١) الديوان المنسوب: ص٤٨.

(٢) نور الحقيقة: ص٢٨٣.


قتل في سبيل اللَّه شهيداً بل وسيداً للشهداء على الإطلاق، إلّا أنّ الذي يُقرح القلبَ، ويصدعُ الفؤادَ هو بقاؤُهُ مع أهل بيته وأصحابه ثلاثة أيام على أرض المعركة من غير دفن. قال السيد المقرّم في المقتل: وفي اليوم الثالث عشر من المحرّم أقبل زينُ العابدين(ع) لدفن أبيه الشهيد(ع) لأنّ الإمامَ لا يلي أمرَهُ إلّا امامٌ مثلُه(١) ، ولما اقبل الامام السجّاد(ع) وجد بني أسد مجتمعين عند القتلى متحيّرين لا يدرون ما يصنعون، ولم يهتدوا إلى معرفتهم وقد فرّق القومُ بين رؤوسهم وابدانهم، فأخبرهم(ع) عمّا جاء إليه من مواراة هذه الجسوم الطاهرة واوقفهم على اسمائهم كما عرّفهم بالهاشميين من الأصحاب فارتفع البكاء والعويل، وسالت الدّموعُ منهم كلّ مسيل ونشرت الأسديّات الشعور ولطمن الخدود، ثمّ مشى الامام زين العابدين(ع) إلى جسدِ أبيه واعتنقه وبكى بكاءاً عالياً وأتى إلى موضع القبر ورفع قليلاً من التراب فبان قبرٌ محفور وضريحٌ مشقوق فبسط يديه تحت ظهره وقال: (بسم اللَّه وباللَّه وفي سبيل اللَّه وعلى ملّة رسول اللَّه صدق اللَّهُ ورسوله ما شاء لا حول ولا قوّة إلّا باللَّه العظيم) وانزله وحده ولم يشاركه بنو أسد فيه وقال لهم: (إنّ معي من يعينني)، ولما اقرّه في لحدِهِ وضع خدّه على منحرِه الشريف قائلاً: (طوبى لأرضٍ تضمّنت جسدك الطاهر، فإنّ الدنيا بعدك مظلمة والآخرة بنورك مشرقة، أما الليلُ فمسهّد والحزنُ سرمد حتى يختار اللَّه لأهل بيتك دارَك التي انت بها مقيم وعليك مني السلام يابن رسول اللَّه ورحمة اللَّه وبركاته)(٢) .

____________________

(١) مقتل المقرّم: ص٤١٤ عن اثبات الوصيّة للمسعودي.

(٢) المصدر نفسه: ص٤١٦.


سمعتُ بعض الرّاثين يقول: عندما انزل الامام زين العابدين(ع) جسدَ أبيه في القبر خرج قبل ان يهيل عليه التراب منحني الظهر باكياً حزيناً حتى جلس على الأرض ورفع منها شيئاً قال بعض بني اسد: حققنا النظر واذا به رفع اصبع الحسين المقطوع ليرجعه إلى جسده الشريف:

يحفّار گبره زين وسعه

ولمّن تنزله لتضعضعة

من حيث كلّه عظام گطعة

يخفاك ضلع أمه البضعة

ضلعه الأصل وحسين فرعه

ودوّر على مگطوع اصبعه

باللَّه عليك الكفة رجعة

ثمّ مشى الامام زين العابدين(ع) إلى عمّه العباس(ع) فرآه بتلك الحالة التي أدهشت الملائكة بين اطباق السماء، وابكت الحور في الجنان، فوقع عليه يلثم نحره المقدّس قائلاً: (على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم وعيك مني السلام من شهيد محتسب ورحمة اللَّه وبركاته)، ثم حمله وحده وقال: (إنّ معي من يعينني)(١) .

سمعت بعض الراثين يقول: بعد ان دفن الامام زين العابدين(ع) أباه سيّد الشهداء(ع) جاءه بعض بني اسد فقال: انّ على الشريعة جسداً كلّما رفعنا منه جانباً سقط منه جانب آخر فجاء مسرعاً إلى مصرع عمّه أبي ‏الفضل:

____________________

(١) مقتل المقرّم: ص٤١٧.


إجة يبكي ويصيح بصوت يا عم

عگب عينك علينة تراكم الهم

شافة مگطعينة وسابح بدم

لا يسرة ولا يمنة ولا راس

* * *

هوه فوگه يشم نحره ويحاكيه

ويهل دموع عينة ويصفگ ايديه

(هذا الخفت منه طحت بيه)

على الدنيا العفا بعدك يعباس

* * *

يقولون: ثمّ انه(ع) أراد ان ينصرف بعد ان دفن الشهداء فقال له بعض بني أسد: بالذي أكرمك بهذه الكرامة من أنت؟ فأرخى لثامَه وبان وجهُهُ الكريم فوقع بنو أسد على أقدامه وهم يعزّونه بأبيه وأعمامه واخوانه وشيعته وهو يبكي ولسان الحال:

أبكيهُمُ بدموعٍ ليس تنقطعُ

مدى الزّمانِ ولا اذ ذاك أرتدِعُ

يا لائمي لا تلمني كيف أمتنعُ

نذرٌ عليَّ لئن عادوا وإن رجعوا

لأزرعنّ طريقَ الطفّ ريحانا

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الخامس والعشرون من محرّم ‏المجلس الرابع والعشرون

شهادة الإمام زين العابدين(ع)

بأبي ابيَّ الضّيم لا يُعطي العدى

حذرَ المنية منهُ فضلَ قيادِ

بأبي فريداً أسلمَتهُ يدُ الرّدى

في دار غربته لجمع أعادي

حتى هوى ثبت الجنان إلى الثرى

من فوق مفتول الذّراع جوادِ

يا رأسَ مفترسِ الضياغم في الوغى

كيف انثنيتَ فريسةَ الأوغادِ

ما أن بقيتَ من الهوان على الثرى

ملقىً ثلاثاً في ربىً ووهادِ

إلّا لكي تقضي عليك صلاتَها

زمرُ الملائكِ فوقَ سبعِ شدادِ

لهفي لرأسك وهو يُرفعُ مشرقاً

كالبدر فوق الذّابل الميّادِ

يتلو الكتابَ وما سمعت بواعظٍ

اتخذَ القنا بدلاً عن الأعوادِ

والهفتاهُ على خُزانةِ علمك الـ

سجّادِ وهو يُقادُ في الأصفادِ

ما لي أراكَ ودمعُ عينك جامدٌ

أو ما سمعت بمحنةِ السجّادِ

ويصيحُ واذلاهُ أينَ عشيرتي

وسراةُ قومي أين أهل ودادِ

منهم خلت تلك الدّيارُ وبعدهم

نَعَبَ الغرابُ بفرقتي وبعادِ

أترى يعودُ لنا الزّمانُ بقربِهم

هيهاتَ ما للقربِ من ميعادِ(١)

____________________

(١) هذه القصيدة العصماء للمرحوم الشيخ أحمد النحوي.

قال السيد الأمين١ في (أعيان الشيعة) المجلد الثالث ص٤٦:

هو أبو المعالي أحمد بن علي بن قدامة قاضي الأنبار النحوي شيخٌ فاضل فقيه جليل يروي عن المفيد والمرتضى والرّضي، وهو من مشايخ الإجازة، وله من الكتب كتاب في علم القوافي، وكتاب في النحو، توفي في شهر شوال سنة ٤٨٦ه.


سمعنه العليل يعالجونه

صبح ومسه يتفگدونه

وعن حاله دايم ينشدونه

مشفنه العليل يگيّدونه

وبحبال خشنه يربطونه

ومن فوگ ناگة يسيرونه

ذاك الإمام التّعرفونه

زين العباد التودّونه

* * *

ولد الامام أبوالحسن علي بن الحسين(ع) زين العابدين بالمدينة يوم الخميس الخامس من شعبان سنة ثمان وثلاثين من الهجرة في ايّام جده امير المؤمنين(ع)، وذلك قبل شهادته بسنتين(١) .

أمّه السيدة شاه زنان بنت كسرى يزدجرد بن شهريار بن كسرى ويقال إنَّ اسمها (شهربانو)، وكان اميرُ المؤمنين(ع) ولي حُريث بن جابر الحنفي جانباً من المشرق فبعث إليه ابنتي يزدجرد بن شهريار فنحلَ ابنه الحسين(ع) شاه زنان منهما فأولدها زين العابدين(ع)، ونحلَ الاُخرى محمّد بن أبي بكر فولدت له القاسم بن محمد بن أبي بكر، فهما ابنا خالة(٢) .

روي عن النبيّ(ص) قال: (للَّهِ من عباده خيرتان، فخيرته من العرب قريش، ومن العجم فارس) وكان الامام عليّ بن الحسين(ع) يقول: (أنا ابنُ الخيرتين) لأنّ جدّه رسول اللَّه(ص) وأمّه بنت يزدجرد الملك، وأنشأ أبوالأسود الدؤلي:

____________________

(١) كشف الغمة في معرفة الأئمة ج٢ ص٦١٩، والإرشاد للشيخ المفيد: ص٢٥٣.

(٢) الإرشاد للشيخ المفيد: ص٢٥٣.


وإنّ غلاماً بين كسرى وهاشمٍ لأكرمُ من نيطت عليه التمائمُ(١)

كنيتُهُ: فالمشهور أبوالحسن، ويقال أبومحمد.

وامّا لقبه: فكان له القاب كثيرة كلّها تطلق عليه، أشهرُها زين العابدين، وسيّدُ العابدين، والزّكي، والأمين، وذو الثفنات(*) .

واما مناقبُهُ ومزاياه وصفاته فكثيرة جداً منها:

عن طاووس الفقيه اليماني قال: رأيتُه - اي الامام السّجاد(ع) - يطوف من العشاء إلى السّحر ويتعبّد، فلمّا لم يرَ أحداً رمقَ السماءَ بطرفِه وقال: إلهي غارت نجومُ سماواتك، وهجعت عيونُ أنامِك، وأبوابُكَ مفتّحاتٌ للسائلين، جئتك لتغفرَ لي وترحمني وتريني وجهَ جدّي محمّد(ص) في عرصات القيامة، ثم بكى وقال: وعزّتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتُك اذ عصيتُك وانا بك شاكٌّ ولا بنكالِكَ جاهل، ولا لعقوبتك متعرّض ولكن سوّلت لي نفسي، وأعانني على ذلك سترُك المرخى عليَّ، فالآن من عذابك من يستنفذني؟ وبحبل مَن أعتصمُ ان قطعتَ حبلَك عنّي؟ فواسوأتاه غداً من الوقوف بين يديك اذ قيلَ للمخفّين جوزوا، وللمثقلين حطّوا، أمع المخفّين أجوز؟ أم مع المثقلين أحط؟ ويلي كلّما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب، أما آنَ لي أن أستحي من ربّي؟ ثمّ بكى(ع) وهو يقول:

___________________

(١) بحار الأنوار ج٤٦ ص٣.

(*) ذو الثّفنات: واحدها ثفنة، وهو ما يلامس الأرض من الأعضاء كالركبتين والجبهة، فأطلقوا هذا على الامام زين العابدين(ع) حتى صار لقباً له، وذلك لكثرةِ عبادتِه وسجودِه بحيث كان الموكّل يقصّ الجلد الغليظ من جبهتِه وركبتيه في السنة مرّتين.


أتُحرقني بالنار يا غايةَ المنى

فأين رجائي ثمّ أين محبّتي

أتيتُ بأعمالٍ قباحٍ زريّةٍ وما

في الورى خلقٌ جنى كجنايتي

ثمّ بكى وقال: (سبحانك تُعصى كأنك لا تُرى، وتحلُم كأنك لم تُعصَ، تتودّد إلى خلقك بحسن الصنيع كأنّ بك الحاجة إليهم، وأنت يا سيّدي الغنيّ عنهم)، ثمّ خرّ إلى الأرض ساجداً.

قال طاووس: فدنوت منه، ورفعت رأسه ووضعتُه في حجري وبكيت حتى جرت دموعي على خدِّه، فاستوى جالساً وقال: (مَن ذا الذي أشغلني عن ذكر ربّي؟) فقلت: أنا طاووس يابن رسول اللَّه ما هذا الجزعُ والفزع؟ ونحن يلزمُنا أن نفعل مثلَ هذا ونحنُ عاصون جانون، أبوك الحسين بن علي وأمّك فاطمة الزهراء وجدّك رسول اللَّه(ص) قال: فالتفت إليَّ وقال: (هيهاتَ هيهات يا طاووس دع عنّي حديثَ أبي وأمّي وجدّي، خلق اللَّه الجنّة لمن أطاعَه وأحسن ولو كان عبداً حبشيّاً، وخلق النار لمن عصاهُ ولو كان ولداً قرشياً، أما سمعت قوله تعالى:( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ ) (١) واللَّهِ لا ينفعُكَ غداً إلّا تقدمةٌ تقدّمها من عملٍ صالح)(٢) .

قال الشاعر:

____________________

(١) المؤمنون: الآية ١٠١.

(٢) بحار الأنوار ج٤٦ ص٨١.


لعمرُكَ ما الإنسانُ إلّا ابنُ دينه

فلا تترك التّقوى اتكالاً على النسب

فقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ

وقد وضعَ الشركُ النسيبَ أبا لهب

وفي سنةٍ حجّ هشام بن عبدالملك فلم يقدر على استلام الحجر الأسود لكثرة الزّحام، فنُصبَ له منبرٌ فجلس عليه وأطاف به أهلُ الشام، فبينما هو كذلك اذ اقبلَ عليّ بن الحسين(ع) وعليه إزارٌ ورداء، من أحسنِ الناس وجهاً، وأطيبهم رائحة، بين عينيه أثرُ السجود، فجعل يطوف فاذا بلغ إلى موضع الحجر الأسود تنحى الناس عنه هيبةً له ليستلمه، فقال رجلٌ شامي لهشام: مَن هذا يا امير؟ فقال لا أعرفُهُ، قال هذا لئلا يرغب أهل الشام فيه، وكان الفرزدقُ حاضراً فقال: لكني أنا أعرفُه فقال الشامي: من هو يا أبافراس؟ فقال مرتجلاً:

يا سائلي أين حلَّ الجودُ والكرمُ

عندي جوابٌ إذا طلّابُهُ قدّموا

هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ

والبيتُ يعرفُهُ والحِلُّ والحرَمُ

هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللَّهِ كلِّهُمُ

هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العلَمُ

هذا عليٌّ رسولُ اللَّهِ والدُهُ

أمست بنورِ هداهُ تهتدي الأمَمُ

هذا ابنُ سيّدةِ النسوان فاطمةٍ

وابنُ الوصيِّ الذي في سيفه نَقَمُ

اذا رأتهُ قريشٌ قال قائلُها

الى مكارمِ هذا ينتهي =الكرمُ

وليس قولُك من هذا بضائرِهِ

العُربُ تعرفُ من أنكرتَ والعجَمُ

من معشرٍ حبُّهمُ دينٌ وبغضُهُمُ

كفرٌ وقربُهُمْ منجىً ومعتصَمُ

مقدّمٌ بعد ذكر اللَّهِ ذكرُهُمُ

في كلّ فرضٍ ومختومٌ به الكَلِمُ

إن عُدُّ أهلُ التّقى كانوا أَئمَّتَهُمْ

او قيل مَن خيرُ اهل الأرضِ قيل هُمُ


يُستدفعُ السوءُ والبلوى بحبِّهِمُ

ويُستزادُ بهِ الإحسانُ والنِّعَمُ

ما قال (ل) قطُّ إلّا في تشهُّدِهِ

لولا التشهّدُ كانت لاؤُهُ نعَمُ

لو يعلمُ الرّكنُ من قد جاءَ يلثمُهُ

لخرَّ يلثِمُ منهُ ما وطى القدَمُ

إلى آخر القصيدة العصماء هذه، فغضب هشام ومنع جائزته وقال له: ألا قلت فينا مثلَها قال: هاتِ جدّاً كجدّه، وأباً كأبيه، وأمّاً كأمّه حتى أقول فيكم مثلَها، فحبسوه بعُسفان بين مكّة والمدينة، فبلغ ذلك الامام عليَّ بن الحسين(ع) فبعث إليه باثني عشر ألف درهم وقال: (اعذرنا ياأبافراس فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به)، فردّها الفرزدق وقال: ياابن رسول اللَّه(ص) ما قلتُ الذي قلت إلّا غضباً للَّه ولرسول، وما كنت لأرزق عليه شيئاً، فردّها إليه الامام(ع) وقال: (بحقي عليك لما قبِلتَها فقد رأى اللَّه مكانك وعلِمَ نيّتك فقبله).

وجعل الفرزدق يهجو هشام بن عبدالملك وهو في الحبس، فكان ممّا هجاه به قوله:

أيحبسُني بين المدينةِ والتي

اليها قلوبُ الناسِ يهوى منيبُها

يقلّبُ رأساً لم يكن رأسَ سيّدٍ

وعيناً له حولاءَ بادٍ عيوبُها

فاُخبر هشام بذلك فأخرجه من الحبس(١) .

وممّا روي عن الإمام زين العابدين(ع) من الكلمات الشريفة:

(مَن كرُمت عليه نفسُهُ هانت عليه الدّنيا، وفي نسخة - هانت عليه شهواتُه)(٢) .

____________________

(١) بحار الأنوار ج٤٦ ص١٢٤.

(٢) البحار ج٧٨ ص١٣٥.


وقال(ع): (لا يقلُّ عملٌ مع تقوى، وكيف يَقِلُّ ما يُتقبَّلُ)(١) .

وقال(ع): (المؤمنُ من دعائه على ثلاث، إمّا أن يُدّخرَ له، وإمّا أن يُعجّلَ له، وإمّا أن يُدفعَ عنه بلاءاً يُريدُ أن يصيبَهُ)(٢) .

وقال(ع): (ما استغنى أحُدٌ باللَّهِ إلا افتقرَ الناسُ إليه)(٣) .

وجاء رجلٌ إليه يشكو حالَه فقال(ع): (مسكينٌ ابنُ آدم له في كلّ يومٍ ثلاثُ مصائب لا يعتَبِرُ بواحدة منهنّ ولو اعتبر بواحدةٍ منهنّ لهانت عليه المصائبُ وأمرُ الدُّنيا، فأمّا المصيبةُ الأولى فاليومُ الذي ينقصُ من عمُرِهِ قال: وإن أصابَهُ نقصانٌ في مالِهِ اغتمَّ به، والدّرهَمُ يخلفُ عنه والعمرُ لا يردُّهُ شي‏ء، والثانية أنه يستوفي رزقَهُ فإن كان حلالاً حوسبَ عليه، وإن كان حراماً عوقب عليه، والثالثةُ أعظمُ من ذلك، قيل: وما هي؟ قال: ما من يومٍ يُمسي إلّا وقد دنا من القبرِ مرحله لا يدري أعلى الجنةِ أم على النار)(٤) .

وله (ع) كلمةٌ ذهبيّة خالدة قالها بعد ان حضرته المنية، وذلك بعد أن سمّه هشام بن عبدالملك وكان ذلك في ملكِ الوليد بن عبدالملك، عن الامام أبي جعفر الباقر(ع) قال: (لما حضرت أبي الوفاة ضمّني إلى صدره وقال: يابُنيّ أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، وبما ذكر أنّ أباه أوصاه

____________________

(١) البحار ج٧٨ ص١٣٥.

(٢) البحار ج٧٨ ص١٣٨.

(٣) البحار ج٧٨ ص١٦١.

(٤) البحار ج٧٨ ص١٦٠.


به قال: يابُنيّ إيّاك وظلمَ من لا يجدُ عليك ناصراً إلا اللَّه)، ثمّ انّه(ع) اُغمي عليه ثمّ فتح عينيه وقرأ( إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ) ، و( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) وقال: (الحمدُ للَّه الذي صدقنا وعده، وأورثنا الأرض نتبوّأ من الجنّةِ حيث نشاء فنعمَ أجرُ العاملين)، ثمّ قضى الامام نحبه(١) .

واسيّداه، واإماماه، وامسموماه، وامظلوماه:

اويلي عله أبوالباقر كنز العلوم

عگب گيدة وحديدة وذيك الهموم

گضة نحبة وسافة عليه مسموم

مثل جدّه علي صابر ومظلوم

والشيعة تعزي الغايب اليوم

تگله وتهل دموعه دموم

يمته تاخذ بثارك من الگوم

وروي انه لما مات الامام زين العابدين(ع) كانت له ناقةٌ قد حجّ عليها اثنين وعشرين حجة ما قرعها بمقرعةٍ قط، فجاءت إلى قبر الامام وضربت بجرانها على القبر وتمرّغت عليه وصاحت وهملت عيناها، فأتى الناسُ الامامَ الباقرَ(ع) وأخبروه خبر الناقة فأتاها وأدخلها مكانها، فما مكثت طويلاً حتى خرجت ثانياً وصنعت كما صنعت اوّل مرّة، فاُخبر الامام الباقر(ع) فلمّا نظر إليها قال دعوها فإنها مودِّعة، فلم تلبث ثلاثة ايام حتى ماتت.

أقول: هذه الناقة هملت عيناها حزناً لفراق الإمام زين العابدين، وفي كربلاء عاد فرس الإمام الحسين وهو مخضّب بدمه ويصهل صهيلاً عالياً

____________________

(١) الانوار البهيّة للمرحوم الشيخ عباس القمي: ص١١٢.


وهو يقول: الظليمة الظليمة من أُمّةٍ قتلت ابنَ بنت نبيّها وتوجّه نحو الخيام حتى وصل إلى العقيلة:

يمهر حسين گلي وين لا وين

السرج خالي وتجر رجلين ويدين

يگللها يزينب طاح الحسين

فوگ الترب ومخضّب بدمه

للحومه لفت زينب مسرعه

ودمع العين دمعه بأثر دمعه

وصلت شافته مكسور ضلعه

لنه الخيل داست فوگ جسمه

* * *

فرأت في الصعيدِ ملقىً حماها

هشّمت صدرَهُ خيولُ الأعادي

فدعت والجفونُ قَرحى وفي القلب

لهيبٌ من الأَسى ذو اتقادِ

أحمى الضائعاتِ بعدك ضعنا

في يدِ النائباتِ حَسرى بوادِ

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


مناسبات شهر صفر الخير

١ - الليلة الأولى:

- دخول السبايا إلى الشام

٢ - الليلة الثانية:

- شهادة زيد بن عليّ بن الحسين(ع)

٣ - الليلة السابعة:

- شهادة الإمام الحسن المجتبى(ع)

٤ - الليلة السابعة عشر:

- شهادة الإمام عليّ بن موسى الرضا(ع)

٥ - ليلةُ الأربعين:

- أربعين الإمام الحسين(ع)

٦ - ليلة الثامن والعشرين:

- شهادة النبيّ الأكرم(ص)


الليلة الأولى من صفر المجلس الأول

دخول السبايا إلى الشام

أناعيَ قتلى الطفِّ لا زلتَ ناعيا

تهيجُ على طول الليالي البواكيا

أعِد ذكرَهُم في كربلا إِنَّ ذكرَهم

طوى جزعاً طيّ السجلِّ فؤاديا

ودَعْ مقلتي تحمرُّ بعد ابيضاضها

بعدِّ رزايا تتركُ الدّمعَ داميا

ستنسى الكرى عيني كأنّ جفونَها

حلفنَ بمن تنعاهُ أن لا تلاقيا

وتعطي الدّموعَ المستهلّاتِ حقّها

محاجرُ تبكي بالغوادي غواديا

واعضاءُ مجدٍ ما توزّعت الظبى

بتوزيعها إلّا الندى والمعاليا

لئن فرّقتها آلُ حربٍ فلم تكن

لتجمعَ حتى الحشر إلّا المخازيا

وممّا يُزيلُ القلبَ عن مستقرِّهِ

ويتركُ زندَ الغيظِ للحشر واريا

وقوفُ بناتِ الوحي عند طليقها

بحالٍ بها يُشجينَ حتى الأعاديا

أبا حسنٍ حربٌ تقاضَتك دينَها

الى أن أساءت في بنيكَ التقاضيا(١)

____________________

(١) الشاعر المرحوم السيد حيدر الحلي(ره)، الدرّ النضيد: ص٣٥١.

قال المرحوم السيد جواد شبر في (أدب الطف) الجزء الثامن ص٨ :

ولد السيد حيدر في الحلة - حيث ينتهي نسبه إلى الإمام أبي عبداللَّه الحسين(ع)- كان مولدهُ (١٥) شعبان سنة ١٢٤٦ه الموافق لسنة ١٨٣٠م.

وقبل أن يكمل عامه الثاني من عمره فقد والدَهُ فعاش يتيماً، وقد تولّى تربيتَهُ عمُّهُ السيد مهدي، كان شاعراً مجيداً من أشهر شعراء العراق أديباً ناثراً جيّد الخط نظم فأكثر ولا سيّما في رثاء الإمام الحسين(ع) فقد حلَّقَ بالرّغم من أنّ معاصريه من فحول الشعراء وأكابر الادباء فقد فاقهم حتى اعترفوا له بالفضل، وقال السيد الأمين في (أعيان الشيعة): وكان


نعي

بنات المصطفى بياحال سارت

وبالبلدان بيها الگوم دارت

عن نضّارها بالستر حارت

مضل إلها ستر بيه اتستّر

طلعوا كل اهالي الشام ليهن

بحالت فرح تتفرّج عليهن

وعلي السّجاد ويّاهن وليهن

ابگيد وجامعه وبالحبل ينجر(١)

* * *

كانت مآتمُ بالعراق تعدُّها

أمويّةٌ بالشام من أعيادها

____________________

لغويّاً عارفاً بالعربيّة شهماً أديباً، وقوراً تقيّاً عليه سمات العلماء الأبرار كثير العبادة والنوافل كريم الطبع، وفي (الطليعة) أخبرني السيد حيدر الحِلي قال: رأيت في المنام فاطمة الزهراء(ع) فأتيت إليها مسلّماً عليها مقبلاً يديها فالتفتت إِليّ وقالت:

أناعيَ قتلى الطفِّ لا زلتَ ناعياً

تهيجُ على طول الليالي البواكيا

فجعلت أبكي وانتبهت وأنا أردّدُ هذا البيت وجعلت أتمشى وأنا أبكي ففتح اللَّهُ عليّ أن قلت:

أعد ذكرهم في كربلا إِنّ ذكرَهم

طوى جزعاً طيَّ السجلِّ فؤاديا

إلى آخر القصيدة، ثمّ أوصى أن تكتب وتوضع معَهُ في كفنه.

وكان أبيَّ النفس، يتمتع بكانةٍ سامية في الأوساط العلمية والأدبيّة بحيث يحتفي به السيد المجدّد الشيرازي في سامراء ذكر الشيخ الأميني(ره) في (الغدير) أن السيد حيدر قصد سامراء لزيارةِ الإمامين العسكريين(ع)، وبعد أداء الزيارة قصدَ المرجع السيد المجدّد الشيرازي، فعزم السيّد المجدّد على ردّ الزيارة له وحمل معه مائة ليرة ذهبيّة ودفعها له بكلّ احترام وتقدير ثمّ قبّلَ يد السيد حيدر حيث انه شاعر أهل البيت:. توفي السيد حيدر في مسقط رأسه - الحلّة - ليلة الأربعاء التاسع من ربيع الثاني سنة ١٣٠٤ه وعمره (٥٩) سنة ودفن في النجف الأشرف في الجهة الشمالية من الصحن الشريف بين مرقدي السيد ميرزا جعفر القزويني والشيخ جعفر الشوشتري.

(١) وسيلة الدارين الكبرى: ص٤٦.


في اليوم الأول من صفر اُدخل رأس الحسين(ع) مدينة دمشق. قال السيد بن طاووس في (اللهوف): وسار القومُ براس الحسين(ع) والأسراء من رجالِه، فلمّا قربوا من دمشق دنت أمّ كلثوم من الشّمر وكان من جملتهم فقالت له: لي إليك حاجة فقال: وما حاجتُك؟ قالت: إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في دربٍ قليل النظارة، وتقدّم إليهم ان يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحونا عنها فقد خُزينا من كثرةِ النظر الينا ونحنُ في هذه الحال، فأمر في جواب سؤالِها ان يجعل الرؤوس على الرّماح في أوساط المحامل بغياً منه وكفرا ً وسلك بهم بين النظارة على تلك الصفة حتى أتى بهم بابَ دمشق، فوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي.

وروي أنّ بعض الفضلاء التابعين لما شاهدوا رأس الحسين(ع) بالشام أخفى نفسَهُ شهراً من جميع أصحابه، فلمّا وجدوهُ بعد اذ فقدوه سألوه عن سبب ذلك فقال: ألا ترون ما نزل بنا، وأنشأ يقول:

جاؤوا برأسِكَ يابنَ بنت محمّد

مترمّلاً بدمائهِ ترميلا

وكأنّما بك يابن بنتِ محمّ

قتلوا جهاراً عامدين رسولا

قتلوك عطشاناً ولم يترقّبو

في قتلك التأويلَ والتنزيلا

ويكبّرون بأن قُتلتَ وإنّما

قتلوا بك التكبيرَ والتّهليلا(١)

دخل عيال الامام الحسسين(ع) إلى الشام وقد زيّنها أهلُها، وكان

____________________

(١) نفس المهموم: ص٤٢٩ - ٤٣٠.


بأيديهم الطبول والدفوف وهم في فرح غامر، وسرورٍ عامر، وكانت الدعاية أنّ هؤلاء خوارج انتصر عليهم يزيد بن معاوية.

قال الراوي: جاء شيخٌ فدنا من نساء الحسين(ع) وعياله وقال: الحمد للَّه الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد من رجالكم، وأمكن امير المؤمنين منكم!!

فقال له الامام علي بن الحسين(ع): (يا شيخ هل قرأتَ القرآن؟)

قال: نعم، قال: فهل عرفت هذه الآية( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) ؟ قال الشيخ: قد قرأت ذلك، قال له الامام(ع): نحنُ القربى ياشيخ، وهل قرأتَ في بني إسرائيل:( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) (٢) ؟ قال الشيخ: قد قرأت ذلك فقال الامام(ع): نحن القربى ياشيخ، فهل قرأت هذه الآية( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) (٣) ؟ قال: نعم فقال(ع): فنحنُ القربى ياشيخ، وهل قرأت هذه الآية( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً ) (٤) ؟ قال الشيخ: قد قرأت ذلك فقال الامام(ع): نحن أهل البيت الذين خصّنا اللَّه بآية الطهارة يا شيخ، قال الراوي: بقي الشيخُ ساكتاً نادماً على ما تكلّم به، وقال تاللَّهِ إنكم هم؟!

____________________

(١) الشورى: الآية ٢٣.

(٢) الإسراء: الآية ٢٦.

(٣) الانفال: الآية ٤١.

(٤) الأحزاب: الآية ٣٣.


فقال الامام(ع): (تاللَّهِ إنّا لنحنُ هم من غير شكٍّ وحقِّ جدِّنا رسول اللَّه(ص) إنّا لنحنُ هم). قال الراوي: فبكى الشيخ ورمى عمامتَهُ، ثمّ رفع رأسَهُ إلى السماء وقال: اللهمّ اني أبرأ إليك من عدوِّ آلّ محمّد من الجنّ والإنس، ثمّ قال: هل لي‏ن توبة؟ فقال له: (نعم ان تبت تاب اللَّه عليك وانت معن). فقال: أنا تائب، فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقُتل.

وروي عن الامام زين العابدين(ع) أنه قال: (لما أتوا برأس الحسين(ع) إلى يزيد لعنه اللَّه، كان يتخذ مجالس الشراب، ويأتي برأس الحسين(ع) ويضعه بين يديه ويشرب عليه، فحضر ذات يومٍ رسول ملك الروم، وكان من أشراف الروم وعظمائهم فقال ليزيد: يا ملك العرب، هذا رأس مَن؟ فقال له يزيد: ما لك ولهذا الراس؟ قال: اني إذا رجعتُ إلى ملكِنا يسألني عن كلِّ شي‏ء رأيتُهُ، فأحببتُ أن أخبرهُ بقصّة هذا الرأس وصاحبه حتى يشاركك الفرح والسرور.

فقال له يزيد لعنه اللَّه: هذا رأس الحسين بن علي بن أبي طالب!!

فقال الرومي: ومن أمُّهُ؟

قال: فاطمة بنت رسول اللَّه(ص).

فقال الرومي: أفٍّ لك ولدينك، لي دينٌ أحسنُ من دينك، إنّ أبي من أحفاد داود(ع)، وبيني وبينه آباءٌ كثيرة، والنصارى يعظمونني ويأخذون من تراب أقدامي تبرّكاً بي لأني من أحفاد داود(ع) وأنتم تقتلون ابن بنت نبيّكم، وليس بينه وبين نبيّكم إلّا أمّ واحدة فأيُّ دين دينكم؟!

ثم قال ليزيد: هل سمعت حديث كنيسة الحافر؟


فقال له: قل حتى أسمع.

فقال: إنّ بين عُمان والصين بحرٌ مسيرةُ ستّةُ أشهر ليس فيها عمران إلّا بلدة واحدة في وسط الماء طولها ثمانون فرسخاً في ثمانين فرسخاً ما على وجه الأرض بلدةٌ أكبر منها، ومنها يحمل الكافور والياقوت، أشجارهم العود والعنبر، وهي في أيدي النصارى، لا ملكَ لأحدٍ من الملوك فيها سواهم، وفي تلك البلدة كنائسُ كثيرة أعظمها كنيسةٌ تسمّى كنيسة الحافر، في محرابها حقّةُ ذهب معلّقة فيها حافر يقولون: إنّه حافر حمار كان يركبُهُ عيسى(ع) وقد زيّنوا حول الحقّة بالذّهب والديباج، يقصدُها في كلّ عام عالَمٌ من النصارى يطوفون حولها، ويقبّلونها ويرفعون حوائجهم إلى تعالى عندها، هذا شأنهم ودأبهم بحافر حمارٍ يزعمون أنه حافر حمارٍ كان يركبُه عيسى نبيّهم وأنتم تقتلون ابن بنت نبيّكم، فلا بارك اللَّه فيكم ولا في دينكم.

فقال يزيد: اقتلوا هذا النصراني لئلّا يفضحني في بلاده.

فلمّا أحسّ النصراني بذلك قال ليزيد: أتريد أن تقتلني؟ قال: نعم. قال: اعلم أني رأيت البارحة نبيّكم في المنام يقول: يانصراني إنك من أهل الجنّة فتعجّبت من كلامه، وأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنّ محمّداً رسول اللَّه، ثمّ وثب إلى رأس الحسين(ع) وضمّه إلى صدره وجعل يقبّله ويبكي حتى قتل)(١) .

يعظّمون له أعوادَ منبرهِ وتحت أقدامهم أولادَهُ وضعوا

____________________

(١) اللهوف: ص٢٢١ - ٢٢٢.


بأيّ حكمٍ بنوه يتبعونَكم وفخركم أنكم صحبٌ له تبعُ

قال الراوي: ثمّ أدخل ثقلُ الحسين(ع) ونساؤه ومن تخلّف من أهل بيته على يزيد وهم مقرنون بالحبال، فلمّا وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال قال له الامام عليّ بن الحسين(ع): (أنشدك اللَّه يا يزيد ما ظنّك برسول اللَّه(ص) لو رآنا على هذه الحالة)؟! فأمر يزيد بالحبال فقطّعت، ثمّ وضع رأس الحسين(ع) بين يديه، وأجلس النساء خلفَه لئلّا ينظرن إليه وأما زينب فإنّها لما رأتهُ أهوت إلى جيبها فشقّتهُ ثمّ نادت بصوت حزين يقرح القلوب: يا حسيناه، يا حبيب رسول اللَّه، يابن مكّة ومنى، يابن فاطمة الزهراء سيّدة النساء، يابن محمّد المصطفى، قال الراوي: فأبكت واللَّه كلَّ من كان حاضراً في المجلس، ويزيد ساكت(١) .

ثمّ دعا يزيد بقضيب خيزران فجعل ينكث به ثنايا الحسين(ع) فأقبل عليه أبوبرزة الأسلمي وقال: ويحك يا يزيد، أتنكت بقضيبك ثغر الحسين(ع) ابن فاطمة؟! أشهدُ لقد رأيت النبيّ(ص) يرشفُ ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول: أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة، قتلَ اللَّهُ قاتليكما ولعنه وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً، فغضب يزيد وأمر بإخراجه فأخرج سحباً.

قال الراوي: وجعل يزيد لعنه اللَّه يتمثّل بأبياتِ ابن الزِّبعرى ويقول:

ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا

جزعَ الخزرج من وقعِ الأسل

لأهلّوا واستهلُّوا فرحا

ثمّ قالوا يا يزيدُ لا تُشل

____________________

(١) اللهوف للسيّد بن طاووس: ص٢١٤.


قد قتلنا القرمَ من ساداتهم

وعدلناهُ ببدرٍ فاعتدل

لعبت هاشمُ بالملكِ فلا

خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نزل

لستُ من خندفَ إن لم أنتقم

من بني أحمدَ ما كان فعل

قال الراوي: فقامت زينب ابنةُ علي(ع) وقالت: الحمد للَّه ربّ العالمين وصلى اللَّه على محمّد وآله أجمعين، صدق اللَّه كذلك يقول:( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ ) (١) . أظننت يا يزيدُ - حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاقَ السماء فأصبحنا نساق كما تُساقُ الإماء - أنّ بنا على اللَّه هواناً، وبك عليه كرامة!! وأنّ ذلك لعظيمِ خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك جذلان مسرورا، حين رأيت الدّنيا لك مستوسقة، والأمورَ متّسقة، وحين صفا لك ملكُنا وسلطانُنا، فمهلاً مهلاً أنسيتَ قول اللَّه عزّوجلّ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ِلأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (٢) .

أمنَ العدل يابن الطلقاء تخديرُك حَرائرك ونساءك وسوقك بنات رسول اللَّه سبابا، قد هتكت ستورهنّ وأبديت وجوههنّ، تحدوا بهنّ الأعداءُ من بلدٍ إلى بلد، ويستشرفهنّ أهلُ المنازل والمناهل، ويتصفّح وجوههنّ القريبُ والبعيد، والدّنيّ والشريف، ليس معهنّ من رجالهنّ ولي، ولا من حماتهنّ حمي.

____________________

(١) الروم: الآية ١٠.

(٢) آل عمران: الآية ١٧٨.


وكيف ترتجى مراقبةُ من لفظ فوه أكبادَ الأزكياء، ونبت لحمُهُ بدماء الشهداء، وكيف يستظلّ في ظلّنا أهلَ البيت مَن نظرَ إلينا بالشنف(١) والشنآن والإحن والأضغان؟!

ثمّ تقول غير متأثّم ولا مستعظم:

لأهلّوا واستهلُّوا فرحاً

ثمّ قالوا يا يزيدُ لا تُشل

منحنياً على ثنايا أبي عبداللَّه(ع) سيّد شباب أهل الجنّة تنكتُها بمخصرتك(٢) .

نعي

يحسين راسك حين شفته

تلعب عصا يزيد اعله شفته

ذاك الوكت صوتي رفعته

وصديتله بحرگه وندهته

انشلت يمينك يلضربته

بسما سمعني الرّجس لمته

شتمني وتعدتله شتمته

يا اخو المثلك ضاعت اخته

* * *

يخويه الدهر بية وبيك شفتك

مشيت ميسّره وعل ترب شفتك

واعظم يوم يوم بيه شفتك

ضربه بخيزرانه ابن الدعيه

* * *

____________________

(١) الشّنف والشّنآن: أي الترفع والبغض.

(٢) اللهوف لابن طاووس: ص٢١٥ - ٢١٦.


أو مثلُ زينبَ وهي بنتُ محمّدٍ

برزت تخاطبُ شامةً ملعونا

وغدى بمحضرها يقلّبُ مبسماً

كان النبيُّ برشفِهِ مفتونا

نثرت عقيقَ دموعِها لما غدا

بعصاه ينكتُ لؤلؤاً مكنونا

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الليلة الثانية من صفر المجلس الثاني

زيد الشهيد(ع)

لزيدِ الطّهر جئنا والتجأنا

ومِن غِيَرِ الزّمان إليه مِلنا

فها هو للورى كهفٌ حصينٌ

وللراجين غَوثٌ ثمّ أمنا

فقل للشّانئين لنا خسِرتم

ونحنُ إلى العلى سرنا وفزنا

* * *


ولد(ع) سنة ٧٨ للهجرة، واستشهد يوم الإثنين لليلتين خلتا من شهر صفر سنة ١٢٠ للهجرة، وعمره ٤٢ سنة.

أمّهُ أمُّ ولد - جارية - إسمها حورية أو حوراء اشتراها المختار بن ابي عبيدة الثقفي (رحمه‌الله )، وأهداها إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسين(ع) فولدت له زيداً(١) .

وعن أبي حمزة الثمالي قال: حججتُ فأتيت عليّ بن الحسين(ع) فقال لي: (يا أبا حمزة ألا أحدّثك عن رؤيا رأيتُها، رأيتُ كأني أدخلت الجنة فأتيت بحوراء لم أرَ أحسنَ منها، فبينا أنا متكئ على أريكتي اذ سمعت قائلاً يقول: ياعليّ بن الحسين ليُهْنِكَ زيد، يا عليّ بن الحسين ليُهْنِكَ زيد، فيُهْنِكَ زيد).

قال أبوحمزة ثمّ حججتُ بعده فأتيتُ عليّ بن الحسين(ع) فقرعت الباب ففتح لي فدخلت فإذا هو حاملٌ زيداً على يده أو قال حاملٌ غلاماًعلى يده فقال لي: (يا أبا حمزة هذه تأويلُ رؤياي قد جعلها ربّي حقّاً)(٢) .

وروي عن بعض الأصحاب قال: كنت عند عليّ بن الحسين(ع) فكان إذا صلّى الفجر لم يتكلّم حتى تطلع الشمس، وفي اليوم الذي ولد فيه زيد وبُشّر بولادته التفت إلى أصحابِهِ وقال: (أيّ شي‏ء ترون أن أسمّي هذا المولود)، فقال كلٌّ منهم شيئاً فقال(ع): (ياغلام عليّ بالمصحف)، فجاؤوا

____________________

(١) أبو الحسين زيد الشهيد للمرحوم السيد محسن الأمين العاملي: ص٣.

(٢) الأمالي للشيخ الصّدوق(ره) المجلس الرابع والخمسون ح١٢: ص٢٧٥.


بالمصحف فوضعه في حجره وفتحهُ ونظر إلى أول حرف في أول ورقة فكانت هذه الآية:( وَفَضَّلَ اللَّهُ الُْمجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِي’مًا ) (١) ، فأطبق المصحف ثمّ فتحه ونظر فيه فكان في أول ورقة هذه الآية:( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ... الآية ) (٢) فقال(ع): (هو واللَّهِ زيد هو واللَّهِ زيد)(٣) .

وقال الشيخ المفيد في (الإرشاد): كان زيد بن علي بن الحسين: عينَ اُخوته بعد أبي جعفر (الباقر) (ع)، وافضلهم، وكان عابداً ورعاً فقيهاً سخيّاً شجاعاً، وظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأخذ بثأر الحسين(ع)(٤) .

وفي عمدة الطالب: زيد الشهيد بن زين العابدين عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب:، ويكنى أبا الحسين، وامّه أم ولد، ومناقبُهُ أجلُّ من أن تُحصى، وفضلُهُ أكثرُ من أن يوصف ويقال له حليف القرآن(٥) .

وقال الشّعبي في حقّه: واللَّهِ ما ولدت النّساءُ أفضلَ من زيد ابن علي ولا أفقه ولا أشجع ولا أزهد.

وقال عاصم بن عمر الخطّاب في حقّه وهو يخاطب أهل الكوفة بعد شهادة زيد: لقد أُصيب عندكم رجلٌ ما كان في زمانه مثلُهُ ولا أرى يكون

____________________

(١) النساء: الآية ٧٥.

(٢) التوبة: الآية ١١١.

(٣) أبوالحسين زيد الشهيد: ص٥.

(٤) الإرشاد: ص٢٦٨.

(٥) أبوالحسين زيد الشهيد: ص١٠.


بعده مثله، وقد رأيتُهُ وهو غلام حدَث، وانه ليسمع الشي‏ء من ذكرِ اللَّه فيغشى عليه حتى يقول القائل ما هو عائدٌ إلى الدنيا(١) .

وروى أبو الفرج الأصفهاني في (مقاتل الطالبيين) بسنده إلى خصيب‏الوابشي قال: كنت إذا رأيت زيد بن علي رأيت أسارير النور في وجهِهِ.

وروى أيضاً بسنده إلى البابكي - واسمه عبداللَّه بن مسلم بن بابك - قال: خرجنا مع زيد بن علي إلى مكة، فلمّا كان نصف الليل واستوت الثريّا فقال: يا بابكي أما ترى هذه الثريّا - النجوم - أترى أحداً ينالها؟ قلت لا قال: واللَّهِ لوددتُ أنّ يدي ملصقةٌ بها فأقع إلى أرض أو حيث أقع فأتقطع قطعة قطعة وأنّ اللَّه اصلح بين أمّةِ محمّد(ص)(٢) .

هذا وقد وردت الأحاديث الشريفة عن أهل بيت العصمة والطهارة: في مدح هذا العبد الصالح زيد الشهيد(ع) بما لا مزيد عليه. فمن ذلك ما روي عن الامام أبي جعفر الباقر عن أبيه عن أمير المؤمنين: قال: (قال رسول اللَّه(ص) للحسين(ع): يا حسين يخرجُ من صلبك رجلٌ يقال له: زيد يتخطى هو وأصحابُهُ يوم القيامة رقابَ الناس غرّاً محجّلين يدخلون الجنة بغير حساب)(٣) .

وعن عبداللَّه بن سيابة قال: خرجنا ونحن سبعة نفر فأتينا المدينة

____________________

(١) أبوالحسين زيد الشهيد: ص١٠.

(٢) مقاتل الطالبيين: ص٨٧.

(٣) أبو الحسين زيد الشهيد: ص١٧ - ١٨.


فدخلنا على أبي عبداللَّه(ع) فقال: (أعندكم خبرٌ عن عمي زيد؟ فقلنا قد خرج أو هو خارج، قال: (فإن أتاكم خبرٌ فأخبروني)، قال: فأتى رسول الصيرفي بكتابٍ فيه: أما بعد فإنّ زيد بن علي(ع) قد خرج يوم الأربعاء غرّة صفر ومكث الأربعاء والخميس وقتل يوم الجمعة وقتل معه فلان وفلان، فدخلنا على أبي عبداللَّه الصادق(ع) فدفعنا إليه الكتاب فقرأه وبكى ثمّ قال: (إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون عند اللَّه أحتسب عمّي انه كان نعم العم انّ عمّي كان رجلاً لدنيانا وآخرتنا مضى واللَّه عمّي شهيداً كشهداء استشهدوا مع النبيّ وعليّ والحسن والحسين(ع) )(١) .

وروى الشيخ الكليني(ره) في (روضة الكافي) بسنده إلى الامام الصادق(ع) قال: (لا تقولوا خرج زيد فإنّ زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ولم يدعُكم إلى نفسه إنما دعا إلى الرّضا من آل محمد(ص)، ولو ظفر لوفى بما دعاكم إليه إنّما خرج لسلطانٍ مجتمع لينقضَهُ)(٢) .

وفي الأمالي روى الشيخ الصدوق (ره) بسنده عن أبي الجارود زياد بن المنذر قال: اني لجالسٌ عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر(ع) اذ أقبل زيد ابن علي(ع) فلمّا نظر إليه أبو جعفر(ع) وهو مقبل قال: (هذا سيّدٌ من أهل بيته، والطالبُ بأوتارهم لقد أُنجبت أمٌّ ولدتك يا زيد)(٣) .

وكان سبب خروجه هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث

____________________

(١) أبو الحسين زيد الشهيد: ص١٧ - ١٨.

(٢) روضة الكافي: ص٢٦٤.

(٣) الأمالي للمرحوم الشيخ الصدوق(ره) المجلس الرابع والخمسون ص٢٧٥ ح١١.


شاعت المحرّمات والفسق والفجور في عصر بني أمية، روى الخوارزمي في كتاب (المقتل) عن جابر الجعفي انه قال: قال لي محمد بن علي الباقر(ع): (إنّ أخي زيد بن علي خارجٌ مقتول وهو على الحقّ فالويل لمن خذله، والويل لمن حاربَهُ، والويل لمن يقتلُهُ)، قال جابر: فلمّا أزمع زيدٌ على الخروج قلت له اني سمعت أخاك يقول كذا وكذا فقال لي: يا جابر لا يسعني أن أسكت وقد خولف كتابُ اللَّه، وتحوكم إلى الجبت والطّاغوت، وذلك أني شهدت هشاماً ورجلٌ عنده يسبّ رسولَ اللَّه(ص) فقلت للسّاب ويلك ياكافر أما أني لو تمكنت منك لاختطفت روحك وعجّلتُكَ إلى النار فقال لي هشام مه عن جليسنا يازيد، فواللَّهِ إن لم يكن إلّا أنا ويحيى ابني لخرجت عليه وجاهدته حتى أفنى(١) .

وأقام زيد(ع) بضعة عشرَ شهراً، وأرسلَ دعاتَه إلى الآفاق يدعون الناسَ إلى بيعتِهِ، فلمّا دنا خروجُهُ أمرَ أصحابَهُ بالاستعداد والتهيّؤ فجعل من يريد أن يفي له يستعد، وشاع ذلك فانطلق سليمان بن سراقة البارقي إلى يوسف بن عمر - وهو والي هشام بن عبدالملك على العراق - وأخبره خبر زيد، فبعث يوسف بن عمر جماعة ليلاً يطلب زيداً فلم يجده عند الرجلين اللذين قيل أنه عندهما، فأُخِذا إلى يوسف فلمّا كلّمهما عرف أمرَ زيد وأصحابَه.

وبلغ هذا الخبر زيداً فتخوّف أن يؤخذ عليه الطريق، فتعجّل الخروج قبل الأجل الذي بينه وبين أهل الأمصار، وكان قد وعد أصحابه ليلة

____________________

(١) أبو الحسين زيد الشهيد: ص٥٥.


الأربعاء أول ليلة من صفر سنة ١٢٢ فخرج قبل الأجل(١) .

قال أبو الفرج الأصفهاني: ولما علمّ والي العراق يوسف بن عمر بنية زيد(ع) الخروج بعث الحكم بن الصلت يأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم ويمنعهم من الخروج منه، وفعلاً بعث الحكم إلى العرفاء والشرطة والمقاتلة فأدخلوا أهل الكوفة المسجد ونادى مناديه: أيّما رجل من العرب والموالي أدركناه خارج المسجد فقد برئت منه الذمّة ائتوا المسجد الأعظم، فأتى الناس المسجد الأعظم يوم الثلاثاء قبل خروج زيد، وخرج زيد ليلاً وذلك ليلة الأربعاء لسبعٍ بقين من المحرّم في ليلةٍ شديدة البرد - قبل الموعد المحدّد باسبوع ونادوا بشعارهم شعار رسول اللَّه(ص): (يامنصور أمت) فما زالوا كذلك حتى أصبحوا فلمّا أصبحوا بعث زيد(ع) رجلين يناديان بشعارهما في نواحي الكوفة.

قال أبو مخنف: قال يوسف بن عمر من يأتي الكوفة فيقرب من هؤلاء - زيد وأصحابه - فيأتيني بخبرهم؟ فقال رجل أنا آتيك‏بخبرهم فركب في خمسين فارساً ثمّ أقبل حتى دخَلَ الكوفة فاستخبر ثمّ رجع إلى يوسف فأخبرَهُ، فلمّا أصبح يوسف خرج إلى تلٍّ قريب الحيرة فنزل عليه ومعه قريش وأشراف الناس وأمير شرطته يومئذٍ العباس بن سعيد المزني، فأرسلَ ألفي فارس وثلاثمائة رجاله ناشبة لقتال زيد(ع).

قال: وأصبح زيد بن علي(ع) وجميع من التحق به تلك الليلة مائتان وثمانية عشر (٢١٨) من الرجالة فقال زيد(ع) سبحان اللَّه فأين الناس؟

____________________

(١) مقاتل الطالبيين ص٩٢.


قيل: هم محصورون في المسجد فقال: لا واللَّهِ ما هذا لمن بايعنا بعذر؟ ثمّ تحرّك زيد بمن معه حتى وصل إلى (جبانة الصيّادين) وبها خمسمائة من أهل الشام فحمل عليهم زيد في أصحابه فهزمهم ثمّ مضى حتى انتهى إلى (الكناسة) فحمل على جماعةٍ من أهل الشام فهزمهم، ثمّ إنّ زيد(ع) أخذ ذات اليمين على (مصلّى خالد بن عبداللَّه) حتى دخل وسط الكوفة فطلع عليهم أهل الشام فلمّا رآهم زيد دخل ومن معَهُ في الأزقة فالتفت زيد إلى نصر بن خزيمة قائلاً له: أتخاف أهل الكوفة أن يكونوا فعلوها حسينية؟ قال: جعلني اللَّه فداك أمّا أنا فواللَّهِ لأضربنّ بسيفى هذا معك حتى أموت.

ثمّ خرج بهم زيد يقودهم نحو المسجد فخرج إليه عبيد اللَّه بن العباس الكندي في أهل الشام فالتقوا على باب (عمر بن سعد) فانهزم عبيداللَّه بن العباس وأصحابه وتبعهم زيد(ع) حتى انتهوا إلى باب الفيل ثمّ بعث يوسف ابن عمر (وهو والي‏العراق من قبل بني أمية) الريان بن سلمة في خيل إلى دار الرزق فقاتلوا زيداً قتالاً شديداً، وسقط من أهل الشام جرحى كثيرة فرجع أهل الشام مساء الأربعاء وهم بأسوأ حال.

فلمّا كان غداة يوم الخميس دعى يوسف بن عمر العباسَ بن سعد المرّي صاحبَ شرطته وضمَّ إليه أهلَ الشام فسار بهم حتى انتهوا إلى زيد في دار الرزق، فخرج إليهم زيد(ع) وعلى مجنبته (على يمينه وشماله) نصر ابن خزيمة ومعاوية بن إسحاق فاقتتلوا قتالاً شديداً في المعركة وقتل فيها نصر بن خزيمة رحمه ‌الله تعالى.

قال سعيد بن خيثم: وكنا مع زيد في خمسمائة وأهلُ الشام اثنا عشر ألفاً


- وكان قد بايع زيداً أكثر من اثني عشر ألفاً فغدروا - إذ انفصل من أهل الشام رجلٌ على فرسٍ له وأخذ يشتم فاطمة الزهراء بنت رسول اللَّه(ص) وسمعه زيد فجعل يبكي حتى ابتلت لحيتُهُ وجعل يقول: أما أحدٌ يغضب لفاطمة بنت رسول اللَّه(ص)؟ أما أحدٌ يغضب للَّه؟ ثمّ تحوّل الشامي عن فرسه فركب بغلة قال: وكان الناس فرقتين نظاره ومقاتلة قال سعيد فجئت إلى رجلٍ فأخذتُ منه مشملاً(١) كان معه ثمّ استترت من خلف النظارة حتى إذا صرتُ من ورائه ضربت عنقه وأنا متمكنٌ منه بالمشمل فوقع رأسُهُ بين يدي بغلته ثمّ رميت جيفته - جثته - عن السرج فكبّر أصحاب زيد وحملوا فاستنقذوني من أيد الأعداء فأتيت زيد(ع) فجعل يقبّل بين عيني ويقول: أدركت واللَّه ثأرنا، أدركت واللَّهِ شرفَ الدنيا والآخرة وذخرها، قال: وجعلت خيل أهل الشام لا تثبت لخيلِ زيد بن علي(ع) فبعث العباس بن سعد إلى يوسف بن عمر يعلمه ما يلقى من الزيدية وسأله أن يبعث إليه النّاشبة(٢) ، فبعث إليه الرّماة فجعلوا يرمون أصحاب زيد، وقاتل معاوية بن إسحاق الأنصاري يومئذٍ قتالاً شديداً فقتل بين يدي زيد، وثبت زيد وأصحابه حتى إذا كان عند جنح الليل رُمي زيد(ع) بسهمٍ فأصاب جانب جبهتِهِ اليسرى فنزل السهم في الدّماغ فرجع ورجع أصحابُهُ، وما علم اهل الشام بإصابة زيد بل ظنّوا أن الذي أرجعهم هو الليل.

قال أبو مخنف: وأدخل زيد(ع) دور أرحب وشاكر، وجاءوا له

____________________

(١) المِشْمَل كمنبر سيفٌ قصير يتغطى بثوب / من الحاشية.

(٢) الناشبة: أصحاب النشاب من الرماة.


بطبيب فقال له: إنك إن نزعت السهم من رأسك متّ قال زيد: الموت أيسرُ عليّ ممّا أنا فيه. قال: فأخذ الطبيبُ الكلبتين فانتزعه فمات صلوات اللَّه عليه قال القوم: أين ندفنُهُ؟ وأين نواريه؟ قال بعضهم: نلبسُهُ درعين ثمّ نلقيه في الماء وقال بعضهم: نحتزّ رأسَه ثمّ نلقيه بين القتلى وقال بعضهم بل نحمله إلى ساقيةٍ فندفنه فيها ثمّ نجري عليه الماء فقبلوا هذا الرّأي فحملوه ودفنوه وأجروا الماء عليه، وكان معهم عبد سندي فلمّا أصبح أتى الحكم بن الصلت فدلّهم على موضِعِ قبره فاستخرجوه، وقطعوا رأسَهُ وبعثوا به إلى الشام، وصلبوا زيداً (بالكناسة) بالكوفة وصُلِبَ معَهُ معاوية بن إسحاق، وزياد الهندي، ونصر بن خزيمة العبسي(١) .

أقول: لم يكن رأس زيد الشهيد أول رأسٍ من بني هاشم فصله بنو أمية وحملوه إلى الشام، بل فصلوا قبله رأس جدّه الحسين ورؤوس أهل بيته وأصحابه في كربلاء وحملوها إلى الشام.

قال السيد ابن طاووس في (الملهوف):

روى أن بعض التابعين لما شاهدَ رأس الحسين(ع) بالشام أخفى نفسه شهراً من جميع أصحابه، فلما وجدوه بعد أن فقدوه سألوه عن سبب ذلك فقال: ألا ترون ما نزل بنا ثمّ أنشأ يقول:

جاؤوا برأسِكَ يابن بنت

محمّدٍ مترمّلاً بدمائه ترميلا

وكأنما بك يابن بنت محمّد

قتلوا جهاراً عامدين رسولا

____________________

(١) مقاتل الطالبيين لأبي فرج الأصفهاني ص٩٢ - ٩٦ بتصرّف.


قتلوك عطشاناً ولما يرقبوا

في قتلك التنزيلَ والتأويلا

ويكبّرون بأن قتلت وإنما

قتلوا بك التكبيرَ والتهليلا(١)

وما حال شقيقة الحسين أم المصائب زينب الكبرى:

يحسين راسك وين ما روح

يبرالي وعلى السمهري يلوح

والجسم بالطف عفته مطروح

تلعب عليه الخيل وتروح

وسافه يالمنجي فلك نوح

بالغاضريه تمسي مذبوح

وعليلك يفت الروح بالروح

اودمعه على الوجنات مسفوح

* * *

وسروا برأسِكَ في القنا وقلوبُها

تسمو إليه ووجدُها يضنيها

إِن أخّروهُ شجاهُ رؤيةُ حالِها

أو قدّموهُ فحالُهُ يشجيها

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين

____________________

(١) الملهوف على قتلى الطفوف ص٢١١.


الليلة السابعة المجلس الثالث

شهادة الإمام الحسن المجتبى(ع)

للَّهِ رزءٌ به كم للرشادِ هوى

ركنٌ وكم فيه بيتٌ للضلالِ بُني

رزءٌ به عرصاتُ العلم قد بقيت

دوارساً من فروضِ اللَّهِ والسُّنَنِ

لا غروَ إِن تكن الأكوانُ قد خلعت

ثوبَ ‏المحاسِن‏ من ‏حزنٍ ‏على الحَسنِ

فإنّه كانَ في الأشياءِ بهجتها

قد قامَ فيها مقامَ الرّوح في البدنِ

لم أنسَ يومَ عميد الدّينِ دس به

لجعدةَ السمَّ سرّاً عابدُ الوَثنِ

كيما تهدَّ من العليَا دعامَتها

فجرّعته الرّدى في جرعة اللبنِ

فقطعت كبداً ممّن غدا كبداً

لفاطمِ وحشاً من واحدِ الزَّمَنِ

حتى قضى بنقيعِ السُمِّ ممتثلاً

لأمر بارئهِ في السرِّ والعلنِ

من مبلغُ المصطفى والطهرَ فاطمة

أنّ الحسينَ دماً يبكي على الحسنِ

لهفى لزينبَ تدعوهُ ومقلتُها

عبرى وأدمعُها كالعارضِ الهَتُن(١)

____________________

(١) عينُ هَتُونُ الدّمع: تصبُّ الدّمع، والعارض: هو السّحاب.

والقصيدة من نظم المرحوم الشيخ عبدالحسين شكر العراقي(ره).

قال السيد الأمين(ره) في (أعيان الشيعة) المجلد ٧ ص٤٣٨:

آل شكر أسرةٌ قديمة من الأسر العربية الشهيرة بالنجف الأشرف عرفت باسم (شُكر) أحد أجوادها الأقدمين، وأصلهم من عرب الحجاز هبطوا العراق منذ قرونٍ بعيدة واستوطنوا قرية (جبة) القرية المعروفة من أعمال بغداد ذكرها الحموي وغيره من أرباب المعاجم، ثمّ انتقلوا إلى النجف الأشرف واتخذوها موطناً لهم.

وقال المرحوم السيد جواد شبر في (أدب الطف) الجزء ٧ ص١٨٧:


ولسان حالها:

أويلي اعله خويه الحسن مسموم

منّه الكبد والگلب مهموم

راح اللي گضه العمر مظلوم

وظلينه‏بعده بسودالهدوم

نبكي وتسيل دموعنه دموم

وانعه وتجاوبني أم كلثوم

* * *

عن جنادة بن أبي أميّة قال: دخلت على (الامام) الحسن بن علي بن أبي‏طالب(ع) في مرضه‏الذي‏توفي‏فيه، وبين يديه طست‏يقذف‏عليه‏الدّم‏من السمّ الذي اسقاه معاوية، فقلت له عِظني ياابن رسول اللَّه قال: (نعم استعد لسفرك وحصّل زادك قبل حلولِ أجلك، واعلم أنك تطلبُ الدنيا والموت يطلبك، ولاتحمل همَّ يومِك الذي لم يأتِ على يومك الذي أنت فيه)(١) .

قال الشيخ المفيد(ره) في (الإرشاد): الامام بعد أمير المؤمنين(ع) ابنه الحسن وابن سيّدة نساء العالمين فاطمة بنت محمد سيّد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله الطاهرين.

وكنيتُهُ أبو محمّد ولد بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث

____________________

هو الشيخ عبدالحسين بن الشيخ أحمد بن شكر النجفي، توفي بطهران سنة ١٢٨٥ه، وكان والده الشيخ أحمد من العلماء المصنّفين.

رثى أهل البيت: بقصائد كثيرة تزيد على الخمسين منها روضة مرتبة على الحروف، وشعره يرويه رجال المنبر الحسيني في‏المحافل الحسينية، وله في رثاء الامام الحسين(ع) هذه القصيدة وهي من أشهر قصائده ومطلعها:

البدارَ البدارَ آلَ نزارِ

قد فنيتم ما بين بيضِ الشفارِ

(١) الأنوار البهيّة: ص٧٩.


من الهجرة، وجاءت به أمّه فاطمة(ع) إلى النبيّ(ص) فسمّاه حسناً وَعَقّ عنه كبشاً(١) .

هو الولد الأول من عليٍّ وفاطمة(ع)، والسبط المبارك لرسول اللَّه(ص)، وهو مع أخيه الحسين(ع) ريحانتاه من الدنيا ففي الخبر الشريف أنّ النبيّ(ص) قال: إِنّ ابنيّ هذين ريحانتاي من الدنيا(٢) .

وكان النبيّ(ص) يحبهما، ويوصي بحبهما، ويبشّر محبّهما بالجنة ففي الخبر الشريف أنّه(ص) أخذ بيد الحسن والحسين وقال: من أحبّني وأحبَّ هذين وأباهما وأمَّهما كان معي في درجتي في الجنة يوم القيامة.

وقد نظمه أبو الحسين في نظم الأخبار فقال:

أخذ النبيُّ يدَ الحسينِ وصنوِهِ

يوماً وقالَ وصَحبُهُ في مجمَع

مَن ودّني يا قومُ أو هذين أو

أبويهما فالخلدُ مسكنُهُ معي(٣)

وروي أن الامام الحسن(ع) كان يحضر مجلس رسول اللَّه(ص) وهو ابن سبع سنين، فيسمع الوحي فيحفظه، فيأتي إلى أمّه فيلقي إليها ما حفظه، وكان أمير المؤمنين(ع) كلّما دخل على الصديقة فاطمة(ع) وجد عندها علماً بالتنزيل، فسألها عن ذلك فقالت: من ولدك الحسن(ع)، (فأحبّ أمير المؤمنين(ع) أن يستمع إلى ولده وهو يقرأُ الوحي على أمّه) فتخفى يوماً في

____________________

(١) الإرشاد: ص١٨٧.

(٢) البحار ج٤٣ ص٢٧١ ح٣٨.

(٣) المصدر السابق.


البيت وقد دخل الحسن(ع) وكان قد سمع الوحي فأراد أن يلقيه إليها فارتج(١) فعجبت أمّه من ذلك فقال: لا تعجبي يا اُماه قلّ بياني وكلّ لساني لعلّ سيّداً يرعاني، فخرج أمير المؤمنين(ع) وقبّله(٢) .

ومن مناقبه العالية كان(ع) أعبدَ أهل زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ حجّ ماشياً وربما مشى حافياً، وكان(ع) إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممرّ على الصراطِ بكى، وإذا ذكر العرضَ على اللَّه تعالى شهق شهقةً يُغشى عليه منها، وكان(ع) إذا قام إلى الصلاة ترتعدُ فرائصُهُ بين يدي اللَّه تعالى.

وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطرابَ السّليم وسألَ اللَّهَ الجنة وتعوّذ به من النار، وكان لا يقرأ من كتاب اللَّه تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلّا قال لبيك اللهمّ لبيك، ولم يُرَ في شي‏ءٍ من أحوالِهِ إلّا ذاكراً للَّه سبحانه.

وكان(ع) أصدقَ الناس لهجةً، وكان إذا توضأ ارتعدت مفاصلُهُ واصفرّ لونه فقيل له في ذلك فقال: حقّ على كلّ من وقف بين يدي ربّ العرش أن يصفرّ لونُهُ وترتعد مفاصلُهُ، وكان إذا بلغ باب المسجد رفع رأسَهُ وقال: إلهي ضيفك ببابك يامحسنُ قد أتاك المسي‏ء فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميلِ ما عندك ياكريم، وكان إذا فرغ من صلاة الفجر لم يتكلّم حتى تطلع الشمس.

ولقد حجّ عليه الصلاة والسلام خمساً وعشرين حجّةً ماشياً وإِنّ

____________________

(١) أي فاضطرب، من الحاشية.

(٣) الأنوار البهيّة للمرحوم الشيخ عباس القمي: ص٧٦.


النجائب(١) لتقادُ معَهُ، وقاسم اللَّهَ تعالى مالَهُ مرّتين وروي ثلاث مرّات حتى انه كان يعطى من ماله نعلاًويمسك خفاً(٢) .

ومن حمله (ع) روي أنّ رجلاً من أهل الشام رآهُ راكباً فجعل يلعنُهُ، والامام الحسن (ع) لا يردّ عليه حتى فرغ الرجل عندها أقبل الامام الحسن(ع) وسلّم عليه وتبسّم في وجههِ وقال له: أيّها الشيخ أظنك غريباً ولعلّك شبّهت فلو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كانت لك حاجة قضيناها لك، لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً، فلمّا سمع الرجل الشامي كلام الامام(ع) بكى ثمّ قال: أشهد أنك خليفة اللَّه في أرضِهِ، اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته، كنت أنت وأبوك أبغضَ خلق اللَّه إليَّ، ثمّ حوّلَ رحله إلى الامام(ع) وكان ضيفَهُ إلى أن إِرتَحلَ وصار معتقداً لمحبتهم.

وروي أنه لما مات الامام الحسن(ع) أخرجوا جنازتَهُ فحمل مروان بن الحكم سريره - جنازته - فقال له الامام الحسين(ع): تحمل اليوم جنازته وكنتَ بالأمس تجرّعه الغيظ قال: نعم كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمُهُ الجبال(٣) .

____________________

(١) النجيب مؤنثه نجيبة وجمعها نجائب: وهي كلّ نفيسٍ في نوعه كالفرس والبعير. لسان العرب ج٦

(٢) الأنوار البهيّة ص٧٥. والخف دون النعل: فكان(ع) يعطي الأحسن من مالِهِ.

(٣) الأنوار البهيّة: ص٧٧-٧٦.


ومن مواعظه وكلماته الشريفة ما رواه العلّامة المجلسي(ره) في البحار منها:

قوله(ع): (القريبُ من قرّبته المودّةُ وإِن بَعُدَ نسبُهُ، والبعيدُ من باعدتهُ المودّةُ وإن قربَ نسبُهُ)(١) .

وقوله(ع): (الفرصةُ سريعة الفوت بطيئةُ العود)(٢) .

وقيل له: كيف أصبحت ياابن رسول اللَّه(ص)؟ قال: (أصبحتُ ولي ربٌّ فوقي، والنارُ أمامي، والموتُ يطلبني، والحسابُ محدقٌ بي، وأنا مرتهنٌ بعملي لا أجدُ ما أحبّ ولا أدفعُ ما أكره، والأمورُ بيد غيري، فإن شاءَ عذّبني وإن شاءَ عفا عني، فأيّ فقيرٍ أفقرُ منّي)(٣) .

وكان يقول(ع): (ياابنَ آدم إِنك لم تزل في هدم عمرِكَ منذ سقطتَ من بطن أُمّك، فخذ ممّا في يديك لما بين يديك، فإنّ المؤمنُ يتزوّد والكافرُ يتمتّع،وكان ينادي‏مع‏هذه‏الموعظة:( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) (٤) )(٥) .

ومن كراماته وكرمه ما رواه العلّامة المجلسي(ره) عن الامام الصادق عن آبائه: أنّ الامام الحسن(ع) خرج إلى مكّة ماشياً فتورّمت قدماه فقيل له لو ركبت ليسكن عنك هذاالورم فقال: كلا ولكنّا إذا أتينا المنزل(٦)

____________________

(١) بحار الأنوار ج٧٨ ص١٠٦.

(٢) البحار ج٧٨ ص١١٣.

(٣) البحار ج٧٨ ص١١٣.

(٤) سورة البقرة / ١٩٧.

(٥) البحار ج٧٨ ص١١٧.

(٦) المنزل: هو المحل الذي يرتاح فيه المسافرون على الطريق.


فإنه يستقبلكم رجل أسود معه دهن يصلح لهذا الورم فاشتروا منه ولا تماكسوه(١) فقال له بعض مواليه ليس أمامنا منزل فيه أحد يبيع هذا الدواء؟ فقال الامام(ع): بلى إنّه أمامنا وساروا أميالاً فإذا الأسود قد استقبلهم فقال الامام لأحد مواليه: دونك‏الرجل فخذ منه الدّهن بثمنه، وفعلاً أخذه منه فقال الأسود لمن تأخذ هذا الدّهن؟

قال: للحسن بن علي بن أبي طالب: قال: انطلق بي إليه، فلمّا وصلَ‏إلى الإمام قال الرجل الأسود: ياابن رسول اللَّه أنا من مواليكم ادع اللَّه‏أن يرزقني ولداً ذكراً سويّاً يحبّكم أهلَ البيت فإني خلّفتُ امرأتي تمخض فقال: انطلق إلى منزلك فإنّ اللَّه تعالى قد وهب لك ولداً ذكراً سويّاً وهو من شيعتنا فرجع الرجل من فوره فإذا امرأته قد ولدت غلاماً سويّاً ثمّ رجع الأسود إلى الإمام الحسن(ع) ودعا له بالخير بولادة الغلام له، ثمّ ان الامام الحسن(ع) قد مسح رجليه بذلك الدهن فما قام عن موضعه حتى زال الورم(٢) .

وعرف الامام الحسن المجتبى(ع): ب (كريم أهل البيت(ع)) وهي الصفة الغالبة في حياته وإلّا فجميع أهل البيت: كرماء بطبعهم وإلى ذلك يشير الشاعر الموالي:

كريمُ أهلِ البيتِ أكرمْ به

وكلّهم بالطّبع أهلُ الكرمْ

____________________

(١) ماكَسَ: استحطه الثمن واستنقصَهُ إياه، ويسمى باللغة العامية (معاملة).

(٢) البحار ج٤٣ ص٣٢٤.


لكن لكلِّ منهُمُ خصلةٌ

شاعَتْ له فهو بتلك عَلَمْ(١)

ومن ذلك ما رواه العلامة المجلسي(ره) في البحار فقال: خرج (الامام) الحسن والحسين وعبداللَّه بن جعفر: حُجاجاً ففاتهُمْ(٢) أثقالُهم، فجاعوا وعطشوا فمرّوا بعجوزٍ في خباءٍ لها فقالوا: هل من شراب؟ فقالت: نعم، فنزلوا وليس لها إلّا شويهة في الخيمة فقالت: احلبوها وامتذقوا لبنَها، ففعلواذلك وقالوا لها: هل من طعام؟ قالت: لا إلّا هذه فليذبحها أحدكم حتى أهيئ لكم شيئاً تأكلون، فقام إليها أحدهم فذبحها وكشطها ثمّ هيأت لهم‏طعاماً فأكلوا ثمّ أقاموا حتى أبردوا(٣) فلما أرادوا الرحيل قالوا لها: نحن‏نفرٌ من قريش نريدُ هذا الوجه، فإذا رجعنا سالمين فألمّي بنا فإنّا صانعون ‏إليكِ خيراً ثمّ ارتحلوا. وأقبل زوجُها وأخبرته عن القوم والشاة فغضب‏ الرجل وقال: ويحك تذبحين شاتي لأقوامٍ لا تعرفينهم ثمّ تقولين: نفرٌ من‏قريش ثمّ بعد مدّة ألجأتهم الحاجة لدخول المدينة، فمرّت العجوز في بعض‏طرق المدينة فرآها الامام الحسن(ع) فعرفها فقال لها: ياأمة اللَّه تعرفيني؟ قالت لا قال: أنا ضيفك يوم كذا فقالت العجوز: بأبي أنت وأمي فأمرلها الامام الحسن(ع) بألف شاة وألف دينار وبعث معها رسولاً إلى الامام‏الحسين(ع) فأمر لها بمثل ما أمر الامام الحسن(ع) وبعث معها رسولاًإلى عبداللَّه بن جعفر فأمر لها بمثل ذلك العطاء، فرجعت إلى زوجها بذلك ‏كلّه(٤) .

____________________

(١) هذان البيتان للخطيب الأستاذ الشيخ محسن الفاضلي النجفي.

(٢) بمعنى تقدّمت عليهم القافلة التي فيها الماء والطعام وتأخرو عنها.

(٣) أبردوا بمعنى زالت حرارة المس وبرد الهواء وهو الوقت المناسب للمسير.

(٤) البحار ج٤٣ ص٣٤٨.


وروي عنه(ع) هذه الأبيات في السخاء:

إنّ السخاءَ على العبادِ فريضةٌ

للَّهِ يُقرأُ في كتابٍ محكمِ

وعدَ العبادَ الأسخياءَ جنانَهُ

وأعدَّ للبخلاءِ نارَ جهنّمِ

من كان لا تندى يداه بنائلٍ

للراغبين فليس ذاك بمسلم(١)

وكتب إليه أعرابي يقول:

لم يبقَ لي شي‏ءٌ يباعُ بدرهمٍ

يكفيكَ رؤيةُ منظري عن مخبري

إلّا بقايا ماءٍ وجهٍ صنتُهُ

إلّا يباعَ وقد وجدتك مشتري

فأجابه(ع):

عاجلتنا فأتاكَ وابلُ بِرِّنا

طَلّاً ولو أمهلتنا لم نقصِرِ

فخذ القليلَ وكن كأنك لم تبع

ما صِنتَهُ وكأننا لم نشترِ(٢)

أعودُ إلى الرواية الشريفة التي افتتحتُ بها المجلس عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلت على الحسن بن علي بن أبي طالب(ع) في مرضه الذي توفّي فيه، وبين يديه طستٌ يقذف الدم فيه، ويخرج كبده قطعةً قطعةً من

____________________

(١) البحار ج٤٣ ص٥٥٢.

(٢) معالي السبطين الطبعة الحجرية ص١٢.


السم الذي أسقاه معاوية فقلت يامولاي مالك لا تعالج نفسك فقال: ياعبداللَّه بماذا أعالج الموت!؟ قلت: إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون ثمّ التفت إليّ فقال: واللَّهِ لقد عهِدَ إلينا رسول اللَّه(ص) أنّ هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من ولد عليٍّ وفاطمة(ع) ما منّا إلّا مسموم أو مقتول، فقلت له: عظني ياابن رسول اللَّه(ص) قال: نعم استعد لسفرك وحصّل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل همَّ يومك الذي لم يأتِ على يومكَ الذي أنت فيه وساق الكلام في ذكر موعظته(ع) إلى أن قال: ثمّ انقطع نفسُهُ واصفرّ لونُهُ حتى خشيتُ عليه، ودخل عليه الإمام الحسين(ع) وانكبّ عليه حتى قبّلَ رأسه وعينيه.

يقولون وفي هذه الأثناء وإذا بالصرخة على الباب فالتفت الامام الحسن إلى أخيه الحسين وهو يقول له: أبا عبداللَّه ارفع هذا الطست عنّي فلا أحبّ أن تراه أختنا زينب:

يحسين شيل الطشت عنّي

خواتك يبو السجاد اجني

يردن يشبعن شوف منّي

ويردن يخوية يودّعني

للَّه صبرُ العقيلة زينب حيث انها بعد فقد جدّها وأمّها وأبيها ها هي ترى الامام الحسن(ع) بهذه الحالة مطروحاً على فراش المنية وقد اصفرّ لونُه.

ثمّ أخذ الامام الحسن يوصي أخاه الامام الحسين(ع) وممّا قال له: إذا أنا متّ فهيّئني ثمّ وجهني إلى قبر جدّي رسول اللَّه(ص) لأجدّد به عهداً


ثمّ ردّني إلى قبر جدتي فاطمة بنت أسد فادفني هناك، وستعلم ياابن أمي أنّ القوم يظنون أنكم تريدون دفني عند رسول اللَّه(ص) فيجلبون(١) في ذلك ويمنعونك منه، وباللَّه أقسم عليك أن لا تهرق في أمري محجَمَة(٢) دم، ثمّ وصّى إليه بأهله وولده وتركاته وما كان أوصى إليه أمير المؤمنين(ع) حين استخلفه(٣) .

كأني بالامام(ع) قد استقبل القبلة ومدّد يديه ورجليه وغمّض عينيه وخمد أنينُه، وعرق جبينُه وفاضت روحُهُ الطاهرة واسيداه واإِماماه وامسموماه.

والحسين ودمعته بخده جريه

حط راسه‏ بحجره ‏وگضه‏ نحبه‏ الشفيه

ينادي يبو محمد يخويه گطعت بيه

ودعتك اللَّه يالحسن ياگرة العين

عگب ذيك المصيبة وذيك الهموم

تاليها رحت والكبد مسموم

عيد أصبح لهالي الشام هل يوم

يخوية وعل هواشم أصبح أظلم

ولما قُبض الامام الحسن(ع) غسّله الامام الحسين(ع) وكفّنه وحمله على سريره وانطلق به إلى قبر جدّه ليجدّد به عهداً، ولم يشك مروان بن الحكم وبنو أمية أنّهم سيدفنونه عند رسول اللَّه(ص) فتجمّعوا ولبسوا السلاح وأقبلوا بجمعهم ولحقتهم الحميراء على بغل وهي تقول: مالي ولكم تريدون

____________________

(١) أجلَبَ القوم: تجمّعوا للحرب وضجّوا واختلطت أصواتُهم.

(٢) آلة الحجّام وهي شي‏ءٌ كالكأس، الحاشية.

(٣) الأنوار البهيّة ص٨٠.


أن تدخلوا بيتي من لا أحب وجعَلَ مروان يقول: ياربَّ هيجاء هي خيرٌ من دَعَه أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبيّ لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف وكادت الفتنة أن تقع بين بني هاشم وبني أمية(١) ، يقولون: كان الامام الحسين(ع) يقول لبني هاشم: اللَّه اللَّه في وصيّة أخي الحسن فإنه أمرني أن لا أهرق في أمره محجمة دم ولكنه التفت وإذا بأبي الفضل العباس قد سلّ سيفه لقتال القوم حيث رموا جنازة الإمام الحسن بسبعين سهماً، فوضع الحسين يده على سيف أبي الفضل وقال: أخي أبا الفضل اغمد هذا السيف فإنّ له يوماً آخر ألا وهو يوم كربلاء:

الدنيه خاليه امن الفرح بسهام

صدگ نعش الحسن ينصاب بسهام

وبوفاضل بسل السيف بسهام

مثل عوده تگيّد بالوصيه

وعندما علم الأمويّون أن ليس من نيّة بني هاشم دفن الامام الحسن(ع) عند جدّه رسول اللَّه(ص) تركوهم حتى جدّدوا به عهداً بزيارة قبر جدّه ثمّ جاءوا به إلى البقيع ودفنوه عند قبر جدّته فاطمة بنت أسد، وجلس الامام الحسين على القبر الشريف وهو يقول:

أأدهنُ رأسي أم تَطيبُ محاسني

ورأسُكَ معفورٌ وأنت سليبُ

بكائي طويلٌ والدموعٌ غزيرةٌ

وقبرك قلبي والمزارُ قريبُ

غريبٌ وأطراف البيوت تحوطُهُ

ألا كلّ مَن تحت التراب غريب

____________________

(١) الأنوار البهيّة ص٨١.


وليس حريباً من أصيب بمالِهِ ولكنّ من وارى أخاه حريبُ(١)

كأني بالهاشميين وقد تقدّموا إلى سيّدهم وزعيمهم الامام الحسين(ع) وأقاموه من قبر أخيه الامام الحسن الشهيد، وعادوا به إلى داره يحوطونه من كلّ جانب، وللحسين جلوس آخر، عند أخٍ شهيد آخر، ليت شعري من أقامه، ومن عزّاه، ومن أحاط به، وذلك عندما جلس عند أبي الفضل وقد رآه مقطوع الشمال واليمين، والسهم نابتُ في العين، والمخ سائلٌ على الكتفين عندها نادى الآن انكسر ظهري وقلّت حيلتي وشمت بي عدوّي.

يقولون خرجت امرأة من المخيم تقوم وتقعد شابكةً عشرها على رأسها وهي تنادي: واأخاه واعباساه، عندما رآها الامام ترك أخاه على المشرعة وقرب منها وإذا بها العقيلة زينب، فأخبرها الامام بمصرع أبي‏الفضل وعزّاها.

يگلله يزينب راح عباس

راح الضيغم البيه نرفع الراس

وظل يبكي عليه الدرع والطاس

كأني بالعقيلة وقد حاولت أن تفلت من يد الامام الحسين لتأتي لمصرع كفيلها أبي الفضل والامام يقول: إلى أين يازينب:

أنا رايحه العباس أشوفه

وركب اعله زنوده كفوفه

____________________

(١) معالي السبطين ص٣٦ الطبعة الحجرية، والحريب: الذي أخذ مالُهُ كلُّهُ. لسان العرب


وشيل السهم والدم أروفة

ابن والدي واشلون أعوفه

* * *

عباس تسمع زينباً تدعوك من

لي ياحماي إذا العدى نهروني

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


السابع عشر من صفر المجلس الرابع

شهادة الإمام أبي الحسن الرّضا(ع)

أَقوَتْ معالِمُ دينٍ أنتَ حاميهِ

وكادَ يُنسخُ ثقلٌ أنت ثانيهِ

تُغضي وقد أصبحَ الإسلام منطمسَ

الأعلامِ قد حُكسسّمت فيه أعاديه

وعاد فينا غريباً لا نصيرَ له

كأنّه وهو فردٌ في مباديه

وإنّ ديناً أقامتهُ صوارمُكُم

قد قامت اليومَ في الدُّنيا نواعيه

ألستَ تسمعُ ياابنَ الصيدِ دعوتَهُ

وهل سواكَ مجيبٌ صوتَ داعيه

ياحجّةَ اللَّه قد ضاق الخناقُ بنا

فأيَّ هولٍ من الدُّنيا نقاسيهِ

جورَ العدى أم هوانَ الغاصبينَ لنا

أم طولَ غيبةٍ مولىً عن مواليه

أكُلُّ يومٍ لكم ياابن الزّكيِّ دمٌ

يُطلُّ هدراً ولا من ثائرٍ فيه

فمن قتيلٍ قضى بين الظُبا عطشاً

وبينَ عُجفِ المطا سيقت ذراريهِ

ومن طريدٍ لكم لم يحوهِ بلدٌ

ولم يجدْ ملجأً في الأرضِ يؤويهِ

وبين مَن ماتَ صبراً بعدما سُقيت

بالسُّمِّ أحشاؤُهُ ويلٌ لساقيهِ

ياطاويَ البيدِ يرجو نيلَ مقصَدِهِ

أرحْ بطوسَ تفُز فيما ترجّيهِ

إِنزل وحيِّ بها عنّي ضريحَ عُلاً

أهلُ السماواتِ لا زالت تحييهِ

فيه عليُّ بنُ موسى لم يَخِبْ أبداً

لاجٍ إليهِ ولا راجٍ أياديهِ

أفدي غريباًعن‏الأوطانِ‏قد شحطت

بهِ النّوى عن مغانيهِ وأهليهِ

لم أنسَ مذ غالَهُ المأمونُ حيثُ غدا

يُبدي له غيرَ ما في القلبِ يُخفيه(١)

____________________

(١) هذه القصيدة العصماء من نظم المرحوم الشيخ محمد علي اليعقوبي(ره).

قال المرحوم السيد جواد شبر(ره) في (أدب الطفّ) الجزء العاشر ص١٩٠:


____________________

= ولد الشيخ محمد علي اليعقوبي في النجف الأشرف في شهر رمضان عام ١٣١٣ه ، ونشأ برعاية والده الخطيب التقي والواعظ الشهير.

هاجر والدُهُ إلى مدينة الحلّة الفيحاء فنشأ الشيخ محمد علي في مستهلّ صباه ومطلع شبابه في مدينة الأدب والشّعر وكان عندما يختار له والدُهُ القصيدة يحفظها وينشدها في الجامع الذي يصلّي فيه العلّامة السيد محمّد القزويني بمحضر من المصلّين هناك.

وفي سنة ١٣٢٩ه انتقل والده إلى رحمة ربّه فانقطع حينذاك إلى ملازمة العلّامة السيد محمّد القزويني فغمره بألطافِهِ، وأفاضَ عليه من علمِهِ وأدبهِ الجمّ وأخلاقه العالية، وكان اليعقوبي دائماً يشكر هذا الفضل.

وكان اليعقوبي في كلِّ ما يقوله من نظم ونثر سهلٌ ممتنع لا تكاد تفوته مناسبة من المناسبات إلّا ونظم فيها البيتين والثلاث أو القطعة المسكوكة كسبيكة الذهب تتداولها العقول والأفواه معجبة بها مستلذّة بترديدها مع أنه قد نظمها بلا تكلّف إنما أرسلها إرسالاً فاسمعه حين يداعب الشيخ محمّد السماوي يوم أحيل على التقاعد في عهد السيد محمد الصدر رئيس الوزراء:

قل للسماويِّ الذي

فلكُ القضاء به يدور

الناسُ تضربها الذيول

وأنت تضربك الصدور

ودخلتُ عليه مرةً أعودُهُ وكان يشكو ألماً حادّاً من عينيه ورأسه ولا أنسى أنه كان يوم ٢٧ من رجب يوم توافدت الوفود لزيارة مخصوصةٍ لأمير المؤمنين علي بن أبي‏طالب(ع) فأنشدني هو:

أبا حسنٍ عذراً إذا كنتُ لم أُطقِ

زيارةَ مثواكَ الكريم مع الناس

فلولا أذى عيني ورأسي لساقني

إليك الولا سعياً على العينِ والرأسِ

وقال:

غرستُ بقلبي حبَّ آلِ محمّدٍ

فلم أَجِنِ غيرَ الفوز من ذلك الغرسِ

ومَن حادَ عنهم واقتفى إثرَ غيرهم

فقد باعَ منه الحظَّ بالثمنِ البخسِ

وكان - رحمه‌ الله تعالى - بالاضافة إلى الخدمة المنبرية والتبليغ باللسان فقد أضاف


مات‏ الرضا وصارت زلازل في أرض طوس

والحور حطوله عزه ولطمن على الروس

حطت عزيه فاطمه الزهرا بالجنان

اعله غريبٍ مات في بلدة خراسان

والسم ضاگه في عنب مع حب رمان

سم الرضا المأمون وخله الگلب محموس

* * *

واحر گلبي اعلى الذي سمّه الميشوم

وگطع فؤاده وكبدته من حر السموم

____________________

إليها الخدمة القلمية والخدمة بالبيان فقد ألف كثيراً وخلّفَ آثاراً لها قيمتُها منها:

١- البابليات وهو ثلاثة أجزاءٍ في تراجم الشعراء من أهل الحلّة طبع في سنة ١٣٧٢ه.

٢- المقصورة العلية وهي قصيدة تناهز (٤٥٠) بيتاً في سيرة أمير المؤمنين(ع) طبعت سنة ١٣٤٤ه.

٣- عنوان المصائب في مقتل الامام علي بن أبي طالب(ع) طبع سنة ١٣٤٧ه.

٤- ديوانه الذي يحتوي على ما نظمه من الشعر خلال مدة تتجاوز الأربعين عاماً طبع سنة ١٣٧٦ه.

٥- الذخائر وهو ديوان شعرٍ خاص يحتوي على حوالي خمسين قصيدة ومقطوعة نظمها في أهل البيت: مدحاً ورثاءاً وقد طبعت سنة ١٣٦٩ه وأوصىرحمه‌الله أن يدفن معه في قبره وقد صدره بالبيتين التاليين:

سرائرُ ودٍّ للنبيِّ ورهطهِ

بقلبي ستبدو يوم تُبلى السرائرُ

وعندي ممّا قلتُ فيهم ذَخائِرٌ

ستنفعني في يوم تفنى الذّخائرُ

توفي في فجر يوم الأحد ٢١ جمادى الثانية سنة ١٣٨٥ه الموافق ١٩٦٥/١٠/١٧م فرحمةُ اللَّه تعالى عليه.


وخلاه مرمي اعله الفرش ما يگدر يگوم

وذوب فؤاده من ونينه شمس الشموس

* * *

واحر گلبى اعله الذي في الفرش مطروح

مرمي على فراشه يعالج نزعة الروح

ناحت على مصابه البتوله بگلب مجروح

ياليت روحي اله فده وسكنت الرموس(١)

* * *

عن الإمام أبي الحسن علي بن محمّد الهادي(ع) قال: (من كانت له إلى اللَّه عزّوجلّ حاجة فليزر قبر جدّي الرّضا(ع) بطوس وهو على غسل، وليصلِّ عند رأسه ركعتين، وليسأل اللَّه تعالى حاجته في قنوته، فإنّه يستجيبُ له، ما لم يسأل في مأثم أو قطيعة رحم فإنّ موضعَ قبره لبقعةٌ من بقاع الجنة لايزورها مؤمنٌ إلّا أعتقَهُ اللَّهُ تعالى من النار وأحلّه دار القرار)(٢) .

ولد الإمام أبو الحسن عليّ بن موسى الرّضا(ع) في الحادي عشر من ذي القعدة يوم الخميس أو الجمعة بالمدينة سنة ١٤٨ ثمان وأربعين ومائة. وذلك بعد وفاة جدّه الإمام الصادق(ع) بأيّامٍ قليلة(٣) ، وكان الإمام الصادق(ع)

____________________

(١) الفائزيات الكبرى: ص١٨٤.

(٢) الأنوار البهيّة للمرحوم الشيخ عباس القمي(ره) ص٢٠٣.

(٣) أقول: قضى الإمام الصادق(ع) شهيداً في سنة ١٤٨هأ. وذلك في شهر شوال، إلّا أنّ


يتمنى إدراكه، ففي الخبر عن الإمام موسى بن جعفر(ع) قال: سمعت أبي جعفر بن محمد(ع) غير مرّة يقول لي: إِنّ عالمَ آلِ محمّد(ص) لفي صلبك وليتني أدركتُهُ فإنّه سميّ أمير المؤمنين(ع).

أمّه ذات العلى والمجد السيّدة نجمة، ويُقالُ لها تُكْتَمْ أيضاً، وكنيتُها أمّ‏البنين، ولما ولدت الإمام الرّض(ع) لقّبها الإمام الكاظم(ع) بـ(الطاهرة)(١) .

وأمّا عبادته ومكارم أخلاقه ومعالي أموره فقد روي أنه كان يجلس في الصيف على حصير، وفي الشّتاء على مُسُحْ(٢) ، وكان يلبس الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزيّن لهم، وكان(ع) إذا صلّى الغداة - الفجر - وكان يصلّيها في أول الوقت - يسجد فلا يرفع رأسه إلى أن ترتفع الشّمس، وكان(ع) يكلّم الناس قليلاً، وكان كلامه وجوابه وتمثّله انتزاعات من القرآن المجيد، وكان يختم القرآن في كلّ ثلاث ويقول: لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاث لختمت ولكني ما مررتُ بآيةٍ قط إلّا فكّرت فيها وفي أيِّ شي‏ءٍ أنزلت، وفي أيِّ وقت ولذلك صرتُ أختم في كلِّ ثلاثةِ أيام.

وقال إبراهيم بن العباس: ما رأيت أبا الحسن الرّضا(ع) جفا أحداً بكلامه قط، ولا شتمَ أحداً من مواليه ومماليكه قط، ولا رأيتُهُ يقهقهُ في

____________________

المشهور والذي عليه العمل خصوصاً في العصور المتأخرة هو يوم ٢٥ من شوال، فعلى هذا تكون المدة بين وفاة الإمام الصادق(ع) وميلاد الإمام الرضا(ع) هي ١٥ أو ١٦ يوماً واللَّه العالم.

(١) الأنوار البهيّة ص١٧٧.

(٢) المـُسُح: واحدُه المِسْح وهو الكساءُ من الشَّعْر، لسان العرب


ضحكه قط بل كان ضحكُهُ التبسّم، وكان(ع) قليلَ النوم بالليل كثير السّهر، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصّبح، وكان كثيرَ الصّيام فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشّهر ويقول ذلك صوم الدّهر(١) ، وكان(ع) كثير الصّدقةِ والمعروف في السرّ وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، وكان(ع) إذا جلس على الطعام أتي له بصحفة فتوضع قرب المائدة فيعمد إلى أطيب الطعام ممّا يؤتى به فيأخذ من كلّ شي‏ء شيئاً فيوضع في تلك الصحفة ثمّ يأمر بها للمساكين ثمّ يتلو هذه الآية:( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) (٢) .

ثمّ يقول: علمَ اللَّهُ عزّوجلّ أن ليس كلّ إنسان يقدر على عتق رقبة فجعل لهم سبيلاً إلى الجنة(٣) .

أقول: أراد(ع) أنّ اللَّه تعالى يعلم أن ليس كلّ أحد من خلقه قادراً على عتق رقة في سبيله، فجعل لهم طريقاً آخر أقل مؤنة وهو إطعام اليتامى والمساكين.

وعن موسى بن سيّاررحمه‌الله تعالى قال: كنت مع الإمام الرّضا(ع) وقد أشرف على حيطان طوس وسمعتُ واعيةً فاتبعتُها فإذا نحنُ بجنازة،

____________________

(١) قال المرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (دام ظلّه) في كيفيّته: هو صوم أول خميس من الشّهر، وآخر خميس منه، وأول أربعاء من العشر وسط الشّهر، الأحكام الفقهيّة ص١٧٤.

(٢) سورة البلد، الآيات: ١١ - ١٤.

(٣) الأنوار البهيّة ص١٨٠.

(٤) قال في (لسان العرب): قال ابن الأثير: الواعيةُ: هو الصراخ على الميّت ونعيُهُ.


فلمّا بصرتُ بها رأيت سيّدي وقد ثنى رجلَهُ عن فرسه ثمّ أقبل نحو الجنازة فرفعها ثمّ أقبل يلوذ بها كما تلوذ السخلةُ بأمِّها، ثمّ أقبل عليّ وقال: ياموسى بن سيّار من شيّعَ جنازةَ وليٍّ من أوليائنا خرج من ذنوبِهِ كيومِ ولدتْهُ أمُّهُ لا ذنبَ عليه. حتى إذا وضع الرّجل على شفير قبره رأيت سيّدي قد أقبل فأفرج الناس عن الجنازة حتى بدا له الميّت فوضع يده على صدرِهِ ثمّ قال: يافلانَ بن فلان أبشر بالجنة فلا خوفٌ عليك بعد هذه الساعة فقلت جعلت فداك هل تعرف الرجل؟ فواللَّه إِنّها بقعةٌ لم تطأها قبل يومكَ هذا؟ فقال لي: ياموسى بن سيّار أما علمتَ أنّا معاشر الأئمة تُعرض علينا أعمالُ شيعتنا صباحاً ومساءاً، فما كان من التقصير في أعمالهم سألنا اللَّهَ تعالى الصّفح لصاحبه، وما كان من العلو سألنا اللَّه تعالى الشكر لصاحبِهِ(١) .

أقول: إذا كانت أعمالنا تعرض على الإمام(ع) في الصّباح والمساء فالحريُّ بنا التدقيق في أفعالنا وأقوالنا حتى لا يصل إليه منّا إلّا ما يحبّه ويؤنسُه، فإنّ ما يصل إليه من أعمال أهل العالم ممّا لا يسرّه ولا يُرضيه الكثير الكثير.

ومن غرر كلماته الخالدة ما روى الشيخ القمّي(ره) عنه حيث قال(ع):

صديقُ كلِّ امرئ عقلُهُ، وعدوُّهُ جهلُهُ.

وقال(ع): (التودّدُ إلى النّاس نصفُ العقل).

وقال(ع): (يأتي على الناس زمانٌ تكون العافيةُ فيه عشرةَ أجزاء، تسعةً في اعتزال الناس، وواحدةً في الصّمت).

____________________

(١) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج٤ ص٣٤١.


وقال(ع): (إنّ اللَّه يبغض القيل والقال، وإضاعةِ المال، وكثرةِ السؤال).

أقول: أراد(ع) بكثرة السؤال طلب الحوائج من الناس بكثرة.

وروى السيد الجليل المرحوم عبدالعظيم الحسيني(ره) عن الإمام أبي‏الحسن الرّضا(ع) قال هذه الوصيّة الشريفة للشيعة: (ياعبدالعظيم أبلغ أوليائي السلام وقل لهم أن لا يجعلوا للشيطان على أنفسهم سبيلاً، ومرهم بالصّدق في الحديث وأداء الأمانة، ومرهم بالسكوتِ وتركِ الجدال فيما لا يعنيهم، واقبالِ بعضهم على بعض والمزاورة فإنّ ذلك قربة إِليّ، ولا يشغلوا أنفسهم بتمزيق بعضهم بعضاً، فإني آليت على نفسي أنّه من فعل ذلك وأسخط وليّاً من أوليائي دعوتُ اللَّهَ ليعذّبه في الدّنيا أشدّ العذاب وكان في الآخرة من الخاسرين)(١) .

ومن كريم أخلاقه(ع) ما رواه الشيخ المجلسي(ره) في البحار بسنده إلى اليسع بن حمزة قال: كنت أنا في مجلس أبي الحسن الرّضا(ع) أحدّثه وقد اجتمع إليه خلقٌ كثير يسألونه عن الحلالِ والحرام، إذ دخل عليه رجلٌ فقال له: السلامُ عليك ياابن رسول اللَّه(ص) أنا رجل من محبيك ومحبّي آبائك وأجدادك: مصدري من الحج وقد افتقدت نفقتي وما معي ما أبلغ به مرحله، فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي، وللَّه عليّ إذا بلغت بلدي تصدّقت بالذي تعطيني عنك فلستُ موضعَ صدقة فقال له: اجلس رحمك اللَّه، وأقبل على الناس يحدّثهم حتى تفرّقوا، وبقي هو وسليمان والجعفري وخثيمة وأنا فقال: أتأذنون لي في الدخول؟ فقال له سليمان: قدّم اللَّهُ أمرك،

____________________

(١) الأنوار البهيّة ص١٨٦.


فقام فدخل الحجرة وبقي مدّة ثمّ خرج وردّ الباب وأخرج يدَه من أعلى الباب وقال: أين الخراساني؟ فقال: ها أنا ذا فقال: خذ هذه المأتي دينار واستعن بها في مؤنتك ونفقتك وتبرّك بها ولا تتصدّق بها عنّي، واخرج فلا أراك ولا تراني ثمّ خرج(ع) فقال له سليمان: لقد أجزلت ورحمت فلماذا سترت وجهك عنه؟ فقال: مخافةَ أن أرى ذلّ السؤال في وجهِهِ لقضائي حاجته أما سمعت حديث رسول اللَّه(ص): المستترُ بالحسنة تعدلُ سبعين حجّة، والمذيعُ بالسيئةِ مخذولٌ والمستتر بها مغفورٌ له، أما سمعتَ قول الأوّل:

متى آتِهِ يوماً لأطلُبَ حاجةً

رجعتُ إلى أهلي ووجهي بمائه(١)

أقول: هنا قَضَى الإمام(ع) حاجة رجلٍ من محبيه في حياته، وهناك كرامة أخرى حيث قضى الإمامُ(ع) حاجةَ امرأة مريضة من محبيه بعد وفاته وإليك الكرامة، ففي كتاب - كرامات رضوية - تأليف المرحوم الشيخ علي أكبر مروّج الإسلام، وتحت عنوان - الكرامة السادسة - قال: تزوّج أحد المؤمنين واسمه علي أكبر النجار امرأةً شابةً مؤمنة في مدينة مشهد المقدسة الإيرانية وذلك في حدود سنة ١٩٦٤م، ولم تمضِ على زواجهما مدّة حتى مرضت المرأة بالمرض المعروف - بالحصبة - ولازمت على أثر ذلك الفراش، وبعد مراجعة الأطباء واستعمال الدواء تحسّنت حالتُها ولكن وبسبب ترك الحمية ومخالفة ارشادات الأطباء عاد إليها المرضُ ثانيةً

____________________

(١) البحار ج٤٩ ص١٠١، ح ١٩.


وبشكلٍ قوي هذه المرة حيث انتهى الحال بها إلى موت - توقّف - قدميها ويدها اليمين حتى عجزت عن الحركة فضلاً عن القيام والقعود.

وبقيت على هذا الحال مدة ٧ أشهر قضتها في مراجعة الأطباء ولم تحصل على الفائدة المرجوّة حتى وُصِفَ لها طبيب ألماني يمتاز بالخبرة ويستعمل الآلات الطبية الحديثة، وبعد مراجعته كتب لها دواءاً تستعمله ظناً منه أنه شخّص المرض وسيدفعه بهذا الدواء إلّا أن حالتها تدهورت أكثر حتى اُصيب وجهها بالشلل ولم تستطع فتح فمها حيث أطبقت الأسنان على الأسنان وتحيّروا في طعامها ودوائها، فأرجعوها إلى الطبيب الألماني فلمّا نظر إليها قال ليس لهذه المرأة دواء عند الأطباء خذوها إلى الأطباء الروحانيين ليعالجوها بالأدعية والتوسلات الشرعية.

واستمرت هذه الحالة عندها (ع) أيام ما كانت تقدر على تناول الطعام والدواء ولا حتى الكلام وكادت أن تهلك من شدّة المرض وصعوبة العلاج.

يقول الزوج ونحن في هذه الفترة لم نترك مراجعة الأطباء ومشاورتهم حتى استقرّ رأيهم على إعطائها جرعة قوية من الدواء عن طريق الوريد باستعمال الأبر لعلّهم يوفّقوا في ارجاع الوجه إلى حالته الطبيعيّة، وفعلاً تمكنوا من ذلك حيث عاد وجهها إلى حالته الأولى وتمكنت من فتح فمها لأجل الطعام والدواء وحتى الكلام أيضاً غير أنّ بقية البدن بقي على حاله حيث ما كانت تقدر أن تحرّك يدها ولا قدميها وباتت ملقاة في احدى زوايا المنزل يائسة من شفائها، وقد تركنا مراجعة الأطباء لأجل أنهم عجزوا عن مداواتها يقول الزوج وفي ليلةٍ من الليالي نادتني زوجتي وشكرتني على


صبري معها وهي مريضة واعتذرت لي بسبب المتاعب التي سببتها لي وقالت إنك لم ترَ مني خيراً أبداً ولكنك طوقتني بجميلٍ لا أنساه لك أبداً، ولي منك طلبٌ أخير إن سمحت به قلت وما هو؟ قالت الليلة المقبلة هي ليلة الجمعة وأريد منك أن تنقلني إلى حرم سيدي ومولاي الامام أبي الحسن الرّضا(ع) وتضعني قريب الضريح الشريف وتتركني هناك لأطلب من الامام(ع) شفائي أو موتي ونجاتي ممّا أنا فيه فقلت يكون إن شاء اللَّه تعالى ما تريدين.

وفعلاً حملتها في الليلة المقبلة ومعنا أمّها حتى أوصلتها إلى حرم الامام أبي الحسن الرضا(ع) ووضعتها قرب ضريح الامام(ع) وعدت إلى المنزل، وقالت لها أمّها أنا ذاهبة إلى مسجد النساء لأستريح قليلاً تقول الزوجة المريضة فبقيت وحدي وتوجّهت إلى الإمام(ع) بقلبي وروحي وجميع حواسي وقلت له سيّدي ياأبا الحسن أيّها الامام الرؤوف أطلب منك شفائي أو موتي وخلاصي ممّا أنا فيه ثمّ بكيتُ كثيراً فبينا أنا كذلك ولا أدري أنائمة أنا أم مستيقظة إذ رأيت الضريح الشريف قد انفتح وخرج منه سيّدٌ جليل عليه ثيابٌ خضرٌ تعلوه الهيبة والنور تكلّم معي بلغتي - التركية - وقال: قومي فلم أجبه فقال ثانيةً: قومي فلم أجبه فقال ثالثة: قومي قلت سيدي كيف أقوم وأنا مريضة لا أقدر الوقوفَ على قدمي قال: قومي واذهبي إلى مسجد -گوهرشاد واسبغي الوضوء وصلّي هناك ثمّ عودي واجلسي هنا.

تقول سمعت منه هذا وعدت إلى نفسي وإذا أنا لا زلت قريب الضريح


والنساءُ الزائرات حولي ولكني لم أجد في بدني ألماً أبداً، ورأيت يدي اليمنى تتحرّك حتى أني قمت ووقفت على قدمي كأيّ إنسان سالم معافى ولم أصدق ذلك حتى مشيت خطوات داخل حرم الامام(ع) عندها تيقّنت أنّ الامام الرضا(ع) نظر إليّ ثمّ ذهبت مسرعةً لاُبشّر أمي فعندما نظرت إليّ قلت لها أماه إنَّ ضامن الغرباء منّ عليّ بالشفاء فقامت وضمّتني إلى صدرها طويلاً غير مصدّقة ما تشاهده عيناها، وبكينا من شدّة الفرح والسرور ساعةً كاملة(١) .

أقول: عاش الامام الرضاعليه‌السلام في خراسان مدّة قصيرة من عمره الشريف، ولكنّها كانت من أشدّ الفترات وطأةً عليه حتى أنه(ع) تمنى الموت لأجل الخلاص ممّا هو فيه، روى الشيخ الصدوق(ره) عن علي بن إبراهيم عن ياسر الخادم قال: كان الرض(ع) يقول في دعائه: اللهمّ إن كان فرجي مما أنا فيه بالموت فعجّل لي الساعة، ولم يزل مغموماً مكروباً إلى أن قبض صلوات اللَّه وسلامه عليه(٢) .

أمّا كيفيّة مقتله(ع) فقد روى الشيخ الصدوق(ره) في (عيون الأخبار) عن أبي الصلت الهروي قال قال لي الإمام(ع): ياأبا الصلت غداً أدخلُ على هذا الفاجر - يعني المأمون فإن أنا خرجت وأنا مكشوف الرّأس فتكلّم أكلّمك، وإن أنا خرجت وأنا مغطى الرّأس فلا تكلّمني قال أبو الصلت: فلمّا أصبحنا من الغد لبس ثيابه وجلس في محرابه ينتظر فبينما هو كذلك إذ

____________________

(١) كرامات رضوية ج١ ص٩٩.

(٢) الأنوار البهيّة ص١٩٥.


دخل عليه غلام المأمون فقال له: أجب أمير المؤمنين، فلبس نعلَهُ ورداءه وقام يمشي وأنا أتبعُهُ حتى دخل على المأمون وبين يديه طبق عليه عنب وأطباق فاكهة، وبيده عنقود عنب قد أكل بعضه وبقي بعضه، فلمّا أبصر الرضا(ع) قام إليه فعانقه وقبل بين عينيه وأجلسه معه ثمّ ناوله العنقود وقال ياابن رسول اللَّه ما رأيت عنباً أحسنَ من هذا فقال له الامام(ع): ربما كان عنباً حسناً يكون من الجنة فقال له كل منه فقال له: تعفيني منه فقال لابُدّ من ذلك وما يمنعك منه لعلّك تتهمُنا بشي‏ء فناوله العنقود فأكل منه الإمام الرضا(ع) ثلاث حبّات ثمّ رمى به وقام فقال المأمون إلى أين؟ فقال: إلى حيث وجهتني، فخرج(ع) مغطى الرّأس فلم أكلّمه حتى دخل الدار فأمر أن يغلق الباب ثمّ نام على فراشه مهموماً محزوناً فبينما أنا كذلك إذ دخل عليّ شابٌ حسن الوجه قطط(١) الشّعر أشبه الناس بالامام الرّضا(ع) فبادرت إليه فقلت له: من أين دخلت والباب مغلق؟ فقال: الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار والباب مغلق فقلت له: ومَن أنت؟ فقال لي: أنا حجة اللَّه عليك ياأبا الصّلت، أنا محمّد بن علي ثمّ مضى نحو أبيه فلمّا نظر إليه الامام الرّضا(ع) ضمّه إلى صدره وقبّل ما بيه عينيه(٢) .

أويلي اعله الرضا من طاح بخراسان

بعيد الدار والأحباب والخوّان

اجه بهمّه الجواد او من حضر يمّه

شاف السم يولي مأثّر بجسمه

شبگ فوگه يودعه او قبله وشمه

وغده دمع العيون امن الحزن غدران

____________________

(١) قال الفيومي في (المصباح المنير) شعرٌ قَطَطْ بفتحتين: شديد الجعود.

(٢) عيون أخبار الرّضا للشيخ الصدوق(ره) ج٢ ص٢٤٣.


قال أبو الصلت الهروي: رأيت الامام الرضا(ع) يسارُّ ولده - وكأنه يوصيه بوصاياه - لم أفهم ما يقول له آجركم اللَّه فلم يقم الامام الجواد من عند والده المفدّى إلى أن قضى نحبَهُ ومضى إلى ربّه مسموماً غريباً شهيداً واإماماه واسيّداه:

فائزي

لمن گضه ضامن الجنة تزلزل الكون

والمصطفى أمسى ابوسط الگبر محزون

* * *

او مكسورة الأضلاع في الروضة حزينه

اتنادي الرضا ثامن اولادي سامينه

مدري شحال ابنه محمد عگب عينه محزون

ومصاب الأبوا عله الولد ميهون

* * *

ضاگت على اولادي بلاد اللَّه الوسيعة

كل يوم ينصابون بمصيبة وفجيعه

نصبوا مآتمكم على أولادي يشيعه

وخلّوا الدمع يهمل او فوگ الخد مهتون

بوجهي هل دهر ما يوم بسّم

ومن وجدي غديت انلظم بالسم(١)

مثل الرضا الضامن مات بالسم

يحگ نبكي عليه صبح ومسيه

* * *

وقبرٌ بطوسٍ يالها من مصيبةٍ

ألحّت على الأحشاءِ بالزفراتِ

إلى الحشرِ حتى يبعث اللَّه قائماً(٢)

يفرّج عنّا الهمَّ والكُرباتِ

لاحول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين

____________________

(١) السّم هنا بمعنى ابرة الخيّاط.

(٢) من المناسب تبديل هذا اللقب الشريف إلى لقب (حجّةً) تخفيفاً على المستمعين من القيام، وحتى يبقى خشوع المستمعين وشجاؤهم إذا أراد الخطيب إطالة المجلس أكثر من هذا.


العشرون من صفر المجلس الخامس

يوم الأربعين

قم جدّدالحزنَ ‏في‏ العشرينَ من ‏صفرِ

ففيه ردّت رؤوسُ الآلِ للحفرِ

يازائري بقعةً أطفالُهُم ذُبحت

فيها خذوا تربَها كحلاً إلى البصرِ

والهفتا لبناتِ الطهرِ حين رنت

إلى مصارعِ قتلاهنّ والحفرِ

رمينَ بالنفسِ من فوقِ النياقِ على

تلك القبورِ بصوتٍ هائلٍ ذَعِر

فتلك تدعو حسيناً وهي لاطمةٌ

منها الخدودَ ودمعُ العين كالمطرِ

وتلك تصرخُ واجدّاه واأبتاه

وتلك تصرخُ وايتماه في الصغرِ

فلو تروا أمَّ كلثومٍ مناشدةً

ولهى وتلثمُ تربَ الطفِّ كالعِطْرِ

يادافني الراس عند الجثة احتفظوا

باللَّهِ لا تنثروا ترباً على قمرِ

لا تغسلوا الدمَ عن أطرافِ لحيتهِ

خلّوا عليه خضابَ الشيبِ والكِبَرِ

لا تُخرجوا أسهماً في جسمِهِ نشِبَتْ

خوفاً يفورُ دماً يطمو على البشرِ(١)

نعي

من لاح الگبر سحت دموع العين

ونادت ويل گلبي ذاك گبر حسين

الجثة بالگبر والراس اصيحن وين

على راس الرّمح مدّه يبارينه

* * *

اويلي لاح گبر حسين لعيوني

يهلنه للمدينة امشوا وخلّوني

أخافن لن بني هاشم ينشدوني

شگولن لليگول حسينكم وينه

____________________

(١) هذه القصيدة العصماء من نظم المرحوم السيّد هاشم السبتري البحراني(ره).


لفن يم الگبر ودموعهن تهمي

وزينب صارخه وتصيح يابن امي

وسكنه تندب العباس ياعمي

من ذل اليسر لگبوركم جينه

* * *

روي عن الامام أبي محمد الحسن بن علي العسكري(ع) أنه قال: (علاماتُ المؤمن خمسٌ: صلاةُ احدى وخمسين، والجهرُ ببسمِ اللَّه الرّحمن الرّحيم، والتختّمُ في اليمين، وتعفيرُ الجبين، وزيارةُ الأربعين)(١) .

الأولى: وهي صلاة احدى وخمسين في اليوم والليلة عبارة عن سبعة عشرة ركعة فريضة، وأربعة وثلاثين ركعة نافلة، والفرائض هي الصبح والظهرين والعشاءين واعدادها معروفة واضحة، وأما النوافل فهي ثمان للظهر قبلها وثمان للعصر قبلها، وأربع للمغرب بعدها، واثنان من جلوس للعشاء بعدها تعدّان ركعة واحدة، وركعتان للصبح قبلها، وإحدى عشرة ركعة نافلة الليل ثمان هي نافلة الليل ثمّ الشفع والوتر، وبإضافاتها إلى الفرائض يكون المجموع احدى وخمسين ركعة، وهذا ما اختصت به الفرقة الناجية التابعة لأهل البيت:، فإنّ أهل السنة - المخالفين - وإن وافقوهم بعدد الفرائض إلّا أنهم افترقوا في النوافل ففي كتاب (فتح القدير) لإبن همام الحنفي ج١ ص٣١٤ قال إنها ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، واثنان بعدها، وأربع قبل العصر وإن شاء ركعتين، وركعتان بعد المغرب، وأربع قبل العشاء وأربع بعدهاوإن شاء ركعتين فهذه ثلاثة وعشرون ركعة، واختلفوا في نافلة الليل إنها ثمان ركعات أو ركعتان أو ثلاث عشرة ركعة أو

____________________

(١) مقتل المقرم١ ص٤٧٣ عن تهذيب الشيخ الطوسي(ره).


أكثر، فالمجموع من نوافل الليل والنهار مع الفرائض لا يكون احدى وخمسين، فاذا تكون احدى وخمسين من مختصات الفرقة الحقة الإمامية لا غير(١) .

الثانية: وهي الجهرٌ بالبسملة فإنّ الشيعة - الإماميّة - تديّنوا إلى اللَّه تعالى به وجوباً في الصلاة الجهرية واستحباباً في الصلاة الاخفاتية تمسكاً بأحاديث أئمتهم عليهم الصلاة والسلام، وفي ذلك يقول الفخر الرازي: ذهبت الشيعة إلى أنّ من السنّةِ الجهرُ بالتسمية - البسملة - في الصلاة الجهريّة والإخفاتية وجمهور الفقهاء - السنّة - يخالفونهم، وقد ثبت بالتواتر أنّ عليّ بن أبي طالب كان يجهرُ بالتسمية ومن اقتدى في دينه بعليِّ فقد اهتدى والدليل عليه قول النبيّ(ص): (اللهمّ أدر الحقّ مع عليٍّ حيث دار).

وخالف أهلُ السنّة في مسألةِ الجهر بالبسملة وقالوا: الجهرُ غير مسنون في الصلاة(٢) .

الثالثة: وهي التختّم باليمين وقد التزم به الإماميّةُ تديّناً برواياتِ أئمتهم: وخالفهم جماعةٌ من أهل السنّة.

هذا وقد وردت الروايات الشريفة المروية عن النبيّ وآله (ص) وهي تحثّ المؤمنين التختّمَ باليمين، وأن لا تخلو اليد من خاتم فصّه عقيق منها:

عن الامام الصادق(ع): (ما رفع كفٌّ إلى اللَّه عزّوجلّ أحبّ إليه من كفّ فيها خاتمٌ عقيق)(٣) .

____________________

(١) و(٢) مقتل المقرّم ص٤٧٧.

(٣) عدّة الدّاعي لابن فهد الحِلّي(ره) ص١١٨.


وعن أمير المؤمنين(ع): (تختّموا بالعقيق يبارك اللَّهُ عليكم وتكونوا في أمنٍ من البلاء)(١) .

وعن سليمان الأعمش قال: كنت مع أبي عبداللَّه جعفر بن محمّد(ع) على باب أبي جعفر المنصور فخرج من عنده رجلٌ مجلود بالسوط فقال لي الامام(ع): ياسليمان انظر ما فصّ خاتمه؟ فقلت يابن رسول اللَّه فصّه غير عقيق فقال: ياسليمان انه لو كان عقيقاً لما جُلِد بالسوط قلت: يابن رسول اللَّه زدني قال: هو أمانٌ من قطع اليد قلت: يابن رسول اللَّه زدني قال: هو أمانٌ من إراقة الدم - القتل - قلت: زدني قال: إنّ اللَّه يحبّ أن ترفع إليه في الدعاء يدٌ فيها فصٌّ عقيق قلت: زدني قال: العجب كلّ العجب من يدٍ فيها فصّ عقيق كيف تخلو من الدنانير والدراهم قلت: زدني قال: إنّه أمانٌ من كلّ بلاء قلت: زدني قال: إنّه أمانٌ من الفقر(٢) .

الرابعة: وهي تعفيرُ الجبين، والتعفيرُ في اللغة هو وضع الشي‏ء على العَفَرْ(٣) وهو التراب، سواء كان في سجود الصلاة - حيث لابدّ من وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه والتراب أفضل - أو سجدة الشكر التي تكون بعد كل فريضةٍ أو نافلة قال السيد الحكيم في (الأحكام الفقهيّة):

يستحبّ سجدة الشكر بعد كلّ فريضة أو نافلة، وفي الخبر الصحيح عن الصادق(ع) أنه قال: (سجدة الشكر واجبة على كلّ مسلم تُتِمُّ بها

____________________

(١) عدّة الدّاعي ص١١٨.

(٢) المصدر السابق.

(٣) العَفْر والعَفَر مصدران: ظاهر التراب، المنجد.


صلاتك وترضي بها ربّك وتَعجَبُ الملائكةُ منك). والأفضل سجدتان يفصل بينهما بتعفير الخدّين أو الجبينين أو الجميع مقدّماً الأيمن على الأيسر، ويجزي أن يقول فيها: (شكراً للَّه) ثلاث مرّات(١) .

وأهل السنّة لم يلتزموا بالتعفير في الصلاة أو سجدة الشكر بعدها(٢) .

الخامسة: وهي زيارة الأربعين التي أرشد أئمة أهل البيت: شيعتهم ومواليهم إلى الحضور في مشهد الغريب المظلوم سيّد الشهداء(ع) لإقامة العزاء وتجديد العهد بذكرِ ما جرى عليه من القساوةِ التي لم يرتكبها أيُّ أحدٍ يحمل شيئاً من الإنسانية فضلاً عن الدين، والحضور عند قبر الامام الحسين(ع) يوم الأربعين من مقتله من أظهر علائم الإيمان.

والعجبُ كلّ العجب ممن يحاول صرف هذه العبارة الشريفة (وزيارة الأربعين) عن معناها - وهو زيارة الامام الحسين(ع) يوم الأربعين وهو العشرين من صفر - إلى زيارة أربعين مؤمناً مع عدم وجود إشارة تشير إليه، ولا قرينة تساعدُ عليه ليصحّ الإتيان بالألف واللام للعهد وذلك في كلمة (الأربعين) مع أنّ زيارة أربعين مؤمناً ممّا حثّ عليها الإسلام فهي من علائمه عند الشيعة والسنّة وليست هي من مختصات الشيعة ليمتازوا بها عن غيرهم، وأمّا زيارة الامام الحسين(ع) يوم الأربعين من قتله فهي من مختصات المؤمنين الموالين لأهل البيت:، وممّا يدعو إليها الإيمان الخالص، ويؤكدها الشوق الحسيني، ومعلوم عند الجميع أن الذين يحضرون

____________________

(١) الأحكام الفقهية لمرجع الطائفة السيّد محمّد سعيد الحكيم (دام ظلّه) ص١١٦.

(٢) مقتل المقرّم ص٤٨٠.


في كربلاء لزيارة الأربعين هم خصوص شيعة الامام الحسين(ع) السائرين على أثره.

ولم يفهم العلماء الأعلام من السلف الصالح من هذا الحديث المبارك (وزيارة الأربعين) غير زيارة الامام الحسين(ع) بعد مضيّ أربعين يوماً على مقتله منهم: شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي في (التهذيب)، والعلامة الحلي في (المنتهى)، وابن طاووس في (الإقبال)، والعلامة المجلسي في (البحار)، والشّيخ يوسف البحراني في (الحدائق)، والشيخ عباس القمّي في (المفاتيح).

وقد نصّ الشيخ المفيد(ره) على استحباب زيارة الامام الحسين(ع) في العشرين من صفر في كتابه (مسار الشيعة)، والعلّامة الحلي(ره) في (التذكرة)، وملا محسن الفيض الكاشاني(ره) في (تقويم المحسنين) وغيرهم(١) .

أقول: ما زال المؤمنون (بيض اللَّه وجوههم) يتجمعون حول قبر أبي‏عبداللَّه الحسين: في كلّ عام يوم الأربعين وهم يتزاحمون على استلام الضريح الشريف بكلّ شوق ولهفة:

يتزاحمونَ على استلامِ مشاعِر

من دون روعتها الصفا والمشعَرُ

ركبوا لها الأخطارَ حتى لو غدت

تُبرى الأكفّ أو الجماجمُ تُنثَرُ

وافوكَ (يومَ الأربعين) وليتهم

حضروكَ يوم الطفِّ إذ تستنصر

____________________

(١) مقتل المقرّم ص٤٨٠ - ٤٨٢ بتصرّف.


وجدوا سبيلَكُمُ النجاةَ وإنّما

نصبوا لها جسرَ الولاءِ ليعبُروا(١)

وفي مثل هذا اليوم وصل الامام زين العابدين(ع) ومعه العائلة إلى كربلاء فوجدوا جابر بن عبداللَّه الأنصاري هناك قد ورد لزيارة قبر الامام الحسين(ع).

قال الأعمش بن عطية، خرجت مع جابر بن عبداللَّه الأنصاري زائراً قبر الحسين(ع)، فلمّا ورد كربلاء دنا من شاطئ الفرات فاغتسل ثمّ خرج وقد ائتزر بإزار وارتدى بآخر، ثمّ فتح صرّة فيها طيب فنثرها على بدنه ثمّ مشى إلى القبر الشريف حافياً، وكان لا يخطو خطوة إلّا ذكر اللَّهَ تعالى فيها، حتى إذا دنا من القبر قال: المسنيه يابن عطيه قال: فألمستُهُ القبر فخرَّ على القبر مغشياً عليه، فرششتُ عليه الماء فلمّا أفاق صاح: ياحسين ياحسين حتى قالها ثلاثاً ثمّ قال: حبيبٌ لا يجيبُ حبيبَه ثمّ قال: وأنى لك بالجواب وقد شخبت أوداجُكَ على أثباجك(٢) وفُرّقَ بين رأسِكَ وبدنك. أشهدُ أنك ابنُ سيّدِ النبيين، وابنُ سيّدِ الوصيين، وابنُ حليفِ التقى وسليلِ الهدى، وخامسُ أصحابِ الكسا، وابن فاطمة الزهراء سيّدة النساء، وكيف لا تكون كذلك، وقد غذّتك كفُّ سيّدِ المرسلين، وربّيتَ في حجور المتّقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفُطمت بالإسلام، فَطِبتَ حيّاً وطبت ميّتاً، غيرَ أن قلوبَ المؤمنين غيرُ طيّبةٍ لفراقكَ، ولا شاكّةٍ في حياتكَ فعليك سلامُ اللَّهِ ورضوانه، وأشهد أنك قد مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا

____________________

(١) من قصيدة للعلامة الشيخ عبد المهدى مطر النجفي.

(٢) الثبج: ما بين الكاهل إلى الظهر - الحاشية -


ثمّ أجال ببصره نحو قبور الشهداء وقال: السلامُ عليكم أيتها الأرواحُ التي حلّت بفناء قبر الحسين(ع) وأناخت برحله، أشهدُ أنكم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وجاهدتم الملحسدين وعبدتم اللَّه حتى أتاكم اليقين.

قال ابن عطية: رأيت سواداً قد أقبل فقلت لجابر اني أرى سواداً عظيماً مقبلاً علينا من ناحية الشام فالتفت جابر إلى غلامِهِ وقال له: انطلق وانظر ما هذا السواد، فإن كانوا من أصحاب عبيداللَّه بن زياد ارجع إلينا حتى نلتجئ إلى مكان، وإن كان هذا سيدي ومولاي زينَ العابدين فأنت حرٌّ لوجه اللَّه، فانطلق الغلام فما كان بأسرع من أن عاد وهو يلطم وجهَهُ وينادي: قم ياجابر واستقبل حُرَمَ اللَّه وحُرَمَ رسولِهِ فهذا سيدي ومولاي عليّ بن الحسين قد أقبل بعمّاتِهِ وأخواته ليجدّدوا العهدَ بزيارةِ الحسين(ع)، فقام جابر ومن معَهُ واستقبلوهم بالبكاء والعويل الذي يكاد الصخر أن يتصدّع منه، فلمّا وقع بصر الامام على جابر قال له: أنت جابر بن عبداللَّه الأنصاري قال نعم سيدي أنا جابر قال: ياجابر هاهنا ذُبحت أطفالُنا(١) ، ياجابر هاهنا أُحرقت خيامُنا ياجابر هاهُنا قُتلت رجالُنا، هاهنا سُبيت نساؤُنا:

يجابر شگلك ما لي لسان

على وجوههن فرّن النسوان

وبثيابهن تلهب النيران

لبالهن بالهيمة وليان

لگنهم ضحايا على التربان

____________________

(١) ثمرات الأعواد للمرحوم السيد علي الهاشمي١ ج٢ ص٥٥ - ٥٧.


يجابر أيست وانگطع ظنّي

وصار البكه والنوح فنّي

راح حسين والعباس منّي

وقاسم راح مني وعلي الأكبر

هذا ما كان من جابر مع الامام زين العابدين، ولكن ما حال العقيلة زينب(ع) يقولون عندما رأت القبور رمت بنفسها من على ظهر الدابة وأقبلت ناعية باكية:

يانازلينَ بكربلاء هل عندكم

خبرٌ بقتْلانا وما أعلامُها

ما حالُ جثّةِ ميّتٍ في أرضِكُم

بقيت ثلاثاً لا يُزارُ مقامُها

باللَّهِ هل دُفنت جنازتُهُ وهل

صلّى صلاةَ الميّتينَ إمامُها

ورمت بنفسها على القبر ولسان الحال:

كنت غايبه والآن إجيتك

أربعين ليله فارگيتك

وسفه باللحد خويه لگيتك

يحسين لو بيدي الأمر كان

بنيت اعله گبرك بيت الأحزان

اويلاه يخويه المات عطشان

ولعبت عليه الخيل ميدان

يخويه وجوهكم نزهه

من الشام(١)

أشم گبوركم ما مل

من الشام

يخويه احكيلكم حزني

من الشام

حزن مثله أبد ما مرّ عليه

____________________

(١) من الشام هنا بمعنى نزهة من الشؤم.


سمعت بعض الرّاثين وهو يتصوّر الحسين(ع) وقد دار عينيه يتفقّد العيال والأطفال فلم تقع عينه على ابنته رقية فأخذ يسأل العقيلة بلسان الحال:

سمعت صوت ينشده يخيّه

وين عزيزتي وبنتي رقيه

صاحت والدمع يجري امن العين

ماتت ياعزيز الروح يحسين

من شافتك محزوز الوريدين

بالشام ودفناها بعزيه

يقولون دارت العقيلة زينب(ع) على جميع القبور التي عند قبر الحسين(ع) ثمّ قامت وهي تنظر يميناً وشمالاً فقال لها الإمام زين العابدين(ع): عمه زينب أنا أعلم عمّ تبحثين قالت خذ بيدي إلي قبر ابن والدي أبي الفضل، فجاء بها ورمت بنفسها على القبر الشريف:

شگولن لليناشدني من الناس

اخوك حسين وينه اوين عباس

اگول حسين ظل جثه بلا راس

وعباس البطل گطعوا يمينه

أخي انّ في قلبي أسىً لا أُطيقُهُ

وقد ضاقَ منّي في تحمّله الصّدرُ

أخي إن سرى جسمي فقلبي بكربلا

مقيمٌ إلى أن ينقضي منيَ العمر

باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الثامن والعشرون من صفر المجلس السادس

شهادة النبيِّ الأكرم محمّد(ص)

وأحسّت جزيرةُ العُربِ أنّ ال

بدرَ يمشي في جوّها مشلولا

شاحبَ اللونِ كالعليلِ براهُ

الداءُ بَرياً فردّهُ مهزولا

رجّةٌ هزّت الحجازَ ومادَ ال

ـقُطرُ منها شوامخاً وسهولا

كلُّ حيٍّ سوى المهيمنِ فانٍ

سنّةُ اللَّهِ لن ترى تبديلا

ماتَ ما بين فاطمٍ وعليٍّ

يالَقطبينِ يشهدانِ الأفولا

يادموعاً من الدّماءِ تلظت

وتهامت على الخدودِ شعيلا

يابكاءَ الحبيبةِ أبكى

كلَّ عينٍ دماً ودمعاً طليلا

فأميرُ الأحياءِ يغسلُ خيرَ

الناسِ حيّاً وخيرَ مَيْتٍ غسيلا

وحثَتْ فاطمُ الترابَ وداعاً

وأكَبّت على الثرى تقبيلا

كان يَبْساً فأمطرتهُ من ال

أجفانِ دمعاً فعادَ رطباً بليلا(١)

____________________

(١) ملحمةُ عيد الغدير / للشاعر اللبناني المسيحي بولس سلامة ص١٣٣ - ١٣٤.

وُلد في قرية (تبدين اللقش) لأبٍ ريفي وذلك سنة ١٩٠٢م، والتحق بمدارس القرية لتلقّي مبادئ العربية، ثمّ واصل دراسته بمعاهد الإرساليات في صيدا وبيروت وجونية ليتخرّج عام ١(ص)٥٠م من مدرسة الحقوق الفرنسية بشهادة (الليسانس).

وقد كانت المطالعة المنهلَ الآخر لثقافته، فقد تميّز بثقافةٍ متنوّعة تتعدّى السّير الشعبية إلى الدين والأدب والتأريخ والفلسفة، فانعكس كلّ ذلك بقوّةٍ على نتاجه الشعري.

اشتهر بملاحمِهِ منها: ملحمةُ عيد الرّياض، وملحمةُ عيد الغدير، وفي مقدمة ملحمة عيد الغدير يقول: قد يقول القائل، ولِمَ آثرتَ عليّاً دون سواه من أصحاب محمّد(ص) بهذه


لبو ابراهيم من وافه المحتم

عليه الكون كلّه انرجن واظلم

* * *

أبو ابراهيم لمن فارگ الروح

عليه عجّت املاك السبع بالنوح

بكه عليه العرش والقلم واللوح

وما ظل گلب ما ذاب اوتولّم

* * *

____________________

الملحمة؟ ولا أُجيب على هذا السؤال إلّا بكلمات فالملحمةُ كلُّها جوابٌ عليه، وسترى في سياقها بعض عظمة هذا الرّجل الذي يذكره المسلمون فيقولون: (رضي‌الله‌عنه ، وكرّم وجهه، وعليه‌السلام ) ويذكره النصارى في مجالسهم فيتمثّلون بحكمه ويخشعون لتقواه، ويتمثّل به الزهّادُ في الصوامع فيزدادون زهداً وقنوتاً، وينظر إليه المفكّر فيستضي‏ء بهذا القطب الوضاء، ويتطّلع إليه الكاتب الألمعي فيأتمُّ ببيانهِ، ويعتمده الفقيه فيسترشد بأحكامه، وأما الخطيب فحسبه أن يقف على السفح ويرفع الرأس إلى هذا الطود لتنهلّ عليه الآيات من عَلو، وينطلق لسانه بالكلام العربي المبين.

بقي لك بعد هذا أن تحسبني شيعيّاً، فإذا كان التشيّعُ تنقصّاً لأشخاص، أو بغضاً لفئات، أو تهوّراً في المزالق الخطرة فلستُ كذلك، أما إذا كان التشيّعُ حُبّاً لعليٍّ وأهل بيته المطيّبين الأكرمين، وثورة على الظلم وتوجعاً لما حلّ بالحسين وما نزل بأولادِهِ من النكبات في مطاوي التأريخ فإني شيعي.

ومن شعره في (ملحمة الغدير):

هاتِ ياشعرُ من عيونك واهتف

باسم من أشبعَ السباسبَ رَيّا

باسمِ زينِ العصورِ بعد نبيٍّ

نوّرَ الشَّرْقَ كوكباً هاشميا

باسمِ ليثِ الحجازِ نسر البوادي

خيرِ من هزّ في الوغى سمهريّا

خير من جلّلَ الميادينَ غاراً

وانطوى زاهداً ومات أبيّا

كان ربَّ الكلام من بعد طه

وأخاه وصهرَهُ والوصيّا

بطلُ السيفِ والتقى والسجايا

ما رأت مثلَهُ الرّماحُ كميّا

ياسماءُ اشهدي ويا أرضُ قرّي

واخشعي انني أردتُ عليّا

توفي سنة ١٩٧٩م.


تصيح ام الحسين بدمع جاري

يبويه اظلم على افراگك نهاري

يبو ابراهيم يارحمة الباري

عگب عيناك ريت الكون يعدم(١)

* * *

قال اللَّه تبارك وتعالى في القرآن الكريم:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (٢) .

قال شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي(ره) في تفسيره (التبيان) في ذيل هذه الآية الكريمة: هذا خطابٌ من اللَّه تعالى للمكلفين (فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أي اقتداءٌ حسن في جميع ما يقوله ويفعلُهُ متى فعلتم مثله كان ذلك حسناً، والمراد بذلك الحثّ على الجهاد والصبر عليه في حروبه، والتسلية لهم في ما ينالهم من المصائب فإنّ النبيَّ(ص) شُجّ رأسُه وكسرت رَباعيتُه(٣) في يوم أحد وقتل عمُّه حمزة، فالتأسي بهِ في الصّبر على جميع ذلك من الأسوة الحسنة، وذلك يدلّ على أنّ الإقتداء بجميع أفعال النبيّ(ص) حسنٌ جائز إلّا ما قام الدليلُ على خلافه، ولا يدلّ على وجوب الإقتداء به وإنّما يعلم ذلك بدليلٍ آخر، فالأسوةُ حال لصاحبها يقتدي بها غيرُهُ في ما يقول به، فالأسوة تكون في إنسان أسوةٌ لغيره، فمن تأسى بالحسن ففعلُهُ حسن (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ) فالرّجاء توقّع الخير، فرجاءُ اللَّه توقّع الخيرِ من قِبَلِهِ(٤) .

____________________

(١) منهل الشرع للمرحوم السيّد عبدالحسين الشرع ص٣.

(٢) سورة الأحزاب / ٢١.

(٣) الرَّباعِية: هي السن بين الثَّنية والناب. المنجد

(٤) التبيان في تفسير القرآن ج٨ ص٣٢٨.


كان رسول اللَّه(ص) أحلمَ الناس، وأشجع الناس، وأعدلَ الناس، وأعفّ الناس لم تمس يدُهُ يدَ امرأةٍ قط لا يملك رقّها أو عصمة نكاحِها أو لاتكون ذاتَ رحمٍ مَحْرَمٍ عليه، وكان أسخى الناس لا يبيت عنده دينار ولادرهم، وان فَضُل ولم يجد مَن يعطيه فجاءه الليل لم يأوِ إلى منزلِهِ حتى يبرأ منه - يوصله - إلى من يحتاجُ إليه.

وكان(ص) يخصفُ النعلَ ويرقّعُ الثوب ويخدم مصالحَ أهلِهِ ويقطعُ اللحمَ معهنَّ، ويقبل الهدية ولو كانت جرعةَ لبن ويكافئ عليها، ويغضب لربّه ولا يغضب لنفسِهِ، وكان يعود المرضى، ويَشهدُ الجنائز، ويمشي بين أعدائه وحده من غير حارس كان أشدَّ الناسِ تواضعاً، وأسكنهم(١) في غير كبر، وأبلغهم من غير تطويل، وأحسنهم بِشراً.

وكان يعصبُ الحجرَ على بطنه من الجوع، ولم يشبع من خبز بُرٍّ ثلاثة أيام متوالية حتى لقيَ اللَّه تعالى إيثاراً على نفسِهِ لا فقراً ولا بخلاً، وكان يأكلُ ما حضَرَ ولا يردّ ما وجد.

وكان(ص) يركب ما أمكَنَه مرّةً فرساً ومرّة بعيراً ومرّةً بغلة ومرّة حماراً ومرّة يمشي راجلاً ليعود المرضى في أقصى المدينة، كان يحبّ الطِيب ويكره الروائح الكريهة.

وكان(ص) يجالس الفقراء، ويواكل المساكين، ويكرمُ أهلَ الفضل في أخلاقهم، ويتألّفُ(٢) أهلَ الشرفِ بالبرّ لهم، ويصلُ ذوي رحمِهِ من غير أن

____________________

(١) السكينة: الوقار والطمأنينة والمهابة. المنجد

(٢) تألّف: تكلّف الألفة والمداراة.


يؤثرهم على من هو أفضلُ منهم، ولا يجفو أحداً، ويقبل معذرةَ المعتذرِ إليه، ولا يجزي بالسيّئةِ السيّئة ولكن يعفو ويصفح.

وكان(ص) يمزح ولا يقول إلّا حقّاً، ويضحك من غير قهقهة، وما لعنَ امرأةً ولا خادماً، وما كان يقوم ولا يجلس إلّا على ذكر اللَّه تبارك وتعالى، ولم يكن يعرف مجلسُهُ من مجلسِ أصحابه لأنه حيث ما انتهى به المجلس جلس فيه (وكان الأعرابي إذا دخل المسجد لا يميّز النبيّ(ص) حتى يسأل من منكم محمّد(ص)) وكان أكثر ما يجلس مستقبلَ القبلة، وكان يكرمُ مَن يدخل عليه حتى ربّما بسط ثوبَهُ لمن ليست بينه وبينه قرابة، وكان يؤثرُ الداخلَ عليه بالوسادة التي تكون تحته فإن أبى الضيف أن يقبلها عزم عليه حتى يقبل.

وعن أمير المؤمنين(ع) قال: لقد رأيتني يوم بدر ونحنُ نلوذُ بالنبيِّ(ص) وهو أقربنا إلى العدوِّ، وكان من أشدّ الناس يومئذٍ بأساً.

وعنه(ع) قال: كنّا إذا حميَ البأسُ ولقي القومُ العدوَّ اتقينا برسولِ اللَّه(ص) فما يكونُ أحدٌ أقربَ إلى العدوِّ منه.

وجاء النبيّ(ص) رجلٌ من الأعراب فلما نظر إليه ارتعد لهيبته فقال له النبيّ(ص) هوِّن عليك فلست بمَلَك، إنما أنا ابنُ امرأة من قريش كانت تأكلُ القديد(١) .

وكان(ص) إذا جلس مع الناس إن تحدثوا في معنى الآخرة أخذَ معهم، وإن تحدّثوا في طعامٍ أو شرابٍ تحدّث معهم، وإن تكلموا في الدنيا

____________________

(١) القديد: هو اللحم المقطّع المجفّف.


تحدّث معهم رفقاً بهم وتواضعاً لهم صلوات اللَّه عليه وعلى أهل بيته الطاهرين(١) .

قال حسان بن ثابت فيه عليه وآله الصلاة والسلام:

وأجملَ منك لم ترَ قطّ عينٌ

وأحسنَ منك‏لم تلدِ النساءُ

خلقت مبرّءاً من كلِّ عيبٍ

كأنك قد خُلقت كما تشاءُ

ومن معاجزه(ص) ما في (إثبات الهداة) عن الامام أبي محمد الحسن العسكري عن آبائه عن أمير المؤمنين: في حديثٍ أنه أرى بعض اليونانيين معجزات تعجّب منها فقال اليوناني: أمثلك كان محمّد(ص)؟ فقال أميرُ المؤمنين(ع): وهل علمي إلّا من علمه، وعقلي إلّا من عقله، وقوّتي إلّا من قوته؟ ولقد أتاه ثقفي كان أطبّ العرب فقال له: إن كان بكَ جنون داويتُك؟! فقال له محمّد(ص) أتحبّ أن أريك آيةً تعلم بها غناي عن طبّك وحاجَتَك إلى طبّي؟ فقال: نعم قال: فأيّ آية تريد؟ قال: تدعو ذلك العِذْق(٢) وأشار إلى نخلةٍ بعيدة، فدعاها رسول اللَّه(ص)، فانقلع أصلُهُ من الأرض وجاءت وهي تخدّ الأرض خدّاً حتى وقفت بين يديه فقال النبيّ(ص): أكفاك؟ فقال: لا قال: فتريد ماذا؟ قال: تأمرها أن ترجع إلى حيث جاءت وتستقرّ في مقرّها الذي انقلعت منه، فأمرها النبيّ(ص) فرجعت واستقرّت في مقرّها(٣) .

____________________

(١) الأخلاق للمرحوم السيد عبداللَّه شبّر ص٦ - ٩.

(٢) العِذق: كلّ غصن له شُعب. المنجد

(٣) إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات للحرّ العاملي(ره) م ١ ص٣٤٢.


ومن غرر كلماته الحكمية الخالدة التي رواها العلّامة المجلسي(ره) في البحار: قوله(ص): (تركُ الغيبةِ أحبُّ إلى اللَّه عزّوجلّ من عشرة آلاف ركعة تطوّع)(١) .

أقول: نعلم من هذا الحديث الشريف شدّة مبغوضية إظهار عيوب الخلق للخالق تبارك وتعالى.

وقوله(ص) وقد جاءه أحد الأعراب فأخذ بغَرْز(٢) راحلته وهو يريد بعض غزواته فقال: يارسول اللَّه(ص) علّمني عملاً أدخلُ به الجنة؟ فقال: (ما أحببت أن يأتيه الناسُ إليك فأته إليهم، وما كرهت أن يأتيه إليك الناس فلاتأته إليهم خلّ سبيلَ الرّاحلة)(٣) .

وقوله(ص): (المؤمن بين مخافتين بين أجلٍ قد مضى لا يدري ما اللَّه صانعٌ فيه، وبين أجلٍ قد بقي لا يدري ما اللَّهُ قاضٍ فيه)(٤) .

وقوله(ص): (صديقُ عدوِّ عليٍّ عدوُّ عليٍّ(ع))(٥) .

أقول: الصديق يكون على شاكلةِ صديقه، فاذا انكشف لأحدهم عداوةَ صديقه لأمير المؤمنين(ع) ولم يقاطعه بل بقي على صداقته ومودّته عندها صار عدوّاً لأمير المؤمنين(ع) كصديقه، فإنّا أمرنا أن نحبّ ونصادق في

____________________

(١) البحار ج٧٥ ص٢٦١.

(٢) الغَرْز: ركاب الرّحل من جلد.

(٣) البحار ج٧٧ ص١٣٦.

(٤) البحار ج٧٧ ص١٧١.

(٥) البحار ج٧٧ ص١٧٢.


اللَّه، ونبغض ونعادي في اللَّه تعالى، وتفسير ذلك هو الحبّ والمودّة لمحبّ أمير المؤمنين(ع)، والبغض والعداوة لمبغض أمير المؤمنين(ع) وكما في حديثٍ آخر مرويٍّ عن رسول اللَّه عندما سُئل عن معنى الحب والبغض في اللَّه قال: كن محبّاً لمحبٍّ هذا، ومبغضاً لمبغض هذا، وأشار إلى أمير المؤمنين(ع).

وعن سلمان المحمّدي ( رحمه‌ الله تعالى) قال: أوصاني خليلي رسول اللَّه(ص) بسبعة خصال لا أدعَهُنّ على كلّ حال، أوصاني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أحبّ الفقراء وأدنوَ منهم، وأن أقول الحقّ وإن كان مرّاً، وأن أصلَ رحمي وإن كانت مدبرة، ولا أسأل الناس شيئاً، وأوصاني أن أكثر من قول (لا حول ولا قوّةَ إلّا باللَّهِ العليِّ العظيم) فإنها من كنوز الجنة(١) .

أقول قوله: (وأن أحبّ الفقراء، وأدنوَ منهم) خصلتان لا واحدة، فيتمّ بهما العدد، وتكون الخصال سبعة، وقوله (أن أنظر إلى من هو دوني.. الخ) وذلك في الأمور الدنيوية لا الأخروية، من مال ومعاش ومكانه.

ومن جميل قصص الموعظة على عهد رسول اللَّه(ص) ماعن أبي ‏بصير قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر(ع) يقول: كان على عهدِ رسولِ ‏اللَّه(ص) مومنٌ فقيرٌ شديد الحاجة من أهل الصفّة(٢) ، وكان ملازماً

____________________

(١) البحار ج٧٧ ص١٣١.

(٢) أهل الصفّة: الصُفَّة: سقيفة في مسجد رسول اللَّه(ص) كانت مسكن الغرباء والفقراء، وأهل الصفّة من المهاجرين لم يكن لهم منازل ولا أموال. (مجمع البحرين)


لرسول اللَّه(ص) عند مواقيت الصلاة كلّها لا يفقده في شي‏ء منها، وكان رسول اللَّه(ص) يرقُّ له وينظر إلى حاجته وغربته فيقول: ياسعدُ لو جاءني شي‏ءٌ لأغنيتك قال: فأبطأ ذلك على رسول اللَّه (ص) فاشتدّ غمّ رسول اللَّه(ص) لسعد، فعلم اللَّه تعالى ما دخل على رسوله(ص) من الغمِّ لسعد، فأهبط عليه جبرائيل(ع) ومعه درهمان فقال له: يامحمّد إنّ اللَّه عزّوجلّ قد علم ما دخلك من الغمّ بسعد أفتحبّ أن تغنيه؟ فقال: نعم فقال له: فهاك هذين الدرهمين فأعطهما إيّاه، ومرهُ أن يتجرَ بهما قال: فأخذهما رسول اللَّه (ص) ثمّ خرج لصلاة الظهر، وسعد قائم على باب حجرات رسول اللَّه(ص) ينتظره، فلمّا رآه النبيّ(ص) قال: ياسعد أتحسنُ التجارة؟ فقال: واللَّه ما أصبحتُ أملكُ مالاً أَتّجرُ به، فأعطاه رسول اللَّه(ص) الدرهمين وقال له: إِتّجرْ بهما وتصرّف لرزق اللَّه تعالى، فأخذهما سعد ومضى مع النبيّ(ص) حتى صلّى معهُ الظهر والعصر فقال له النبيّ(ص): قم فاطلب الرزق فقد كنت بحالك مغتماً ياسعد.

قال: فأقبل سعد لا يشتري بدرهم شيئاً إلّا باعَهُ بدرهمين، ولا يشتري شيئاً بدرهمين إلّا باعه بأربعة، وأقبلت الدنيا على سعد فكثر مالُهُ ومتاعُهُ وعظمت تجارتُهُ، فاتخذ على باب المسجد موضعاً وجلس فيه وجمع تجارته إليه، وكان رسول اللَّه(ص) إذا أذّنَ بلال للصلاة يخرج وسعد مشغول بالدنيا لم يتطهّر ولم يتهيّأ كما كان يفعل قبل أن يتشاغل بالدنيا، فكان النبي(ص) يقول له: ياسعد شغلتك الدنيا عن الصلاة فكان يقول ما أصنع أضيّع مالي؟ هذا رجلٌ قد بعتُهُ فأريدُ أن أستوفي منه، وهذا رجلٌ قد اشتريت منه فأريدُ أن أوفيه.


قال: فدخل رسولَ اللَّه(ص) من أمر سعد غمٌّ أشدُّ من غمّه بفقره، فهبط عليه جبرائيل(ع) فقال: يامحمّد(ص) إنّ اللَّهَ قد علمَ غمّك بسعد فأيما أحبّ إليك حاله الأولى أو حاله هذه؟ فقال له النبيّ(ص): ياجبرائيل بل حالُه الأولى قد ذهبت دنياه بآخرته فقال له جبرائيل(ع): إنّ حبّ الدنيا والأموال فتنةٌ ومشغلةٌ عن الآخرة قل سعد يردّ عليك الدرهمين اللذين دفعتهما إليه، فإن أمرَه سيصير إلى الحال التي كان عليها أوّلاً قال: فخرج النبيّ(ص) فمرّ بسعد فقال له: ياسعد أما تريد أن تردّ عليَّ الدرهمين اللذينَ أعطيتكهما؟ فقال سعد بلى ومأتين فقاله له: لست أريد منك ياسعد إلّا الدرهمين، فأعطاه سعد درهمين قال: فأدبرت الدنيا على سعد حتى ذهب ما كان معَهُ وعاد إلى حاله التي كان عليها(١) .

أقول: أدى النبيّ(ص) الأمانة التي حمّلها إيّاه ربّه تعالى على أحسن وجه، وأوصى إلى أمير المؤمنين(ع) بوصاياه، ودلّ الناس عليه على أنه خليفته بعده،وكان قد حجّ حجّة الوداع(ص) وإذا به قد وقع على فراش المنية وقد ثقل المرض عليه، ففي الرواية الشريفة أنّ رسول اللَّه(ص) قال لبلال: يابلال هلمّ عليَّ بالناس، فاجتمع الناس فخرج رسول اللَّه(ص) متعصّباً متوكياً حتى صعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه ثمّ قال: معاشرَ أصحابي أيُّ نبيٍّ كنت لكم؟ ألم أجاهد بين أظهركم؟ ألم تكسر رباعيتي؟ ألم يعفَّرْ جبيني؟ ألم تسِلْ الدّماءُ على وجهي ولحيتي؟ ألم أكابد الشدّة والجهدَ

____________________

(١) البحار ج٢٢ ص١٢٢.


مع جهّال قومي؟ ألم أربط حجرَ المجاعةِ على بطني؟ قالوا: بلى يارسول اللَّه، لقد كنت للَّهِ صابراً، وعن المنكر ناهياً، فجزاك اللَّه عنّا أفضلَ الجزاء ثمّ قال: إنّ ربّي عزّوجلّ حكم وأقسم أن لا يجوزه ظلمُ ظالم فناشدتكم باللَّه أيّ رجلٍ منكم كانت له قبلي مظلمة إلّا قام واقتصّ مني، فالقصاص في دار الدنيا أحبّ إليّ من القصاص في دار الآخرة على رؤوس الملائكة والأنبياء، فقام إليه رجل يقال له سوادة بن قيس فقال له فداك أبي وأمي يارسول اللَّه إنك لما أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك، وبيدك القضيب الممشوق(١) فرفعته وأنت تريد الناقة فصار على بطني فقال النبيّ(ص): معاذ اللَّه أن أكونَ قد تعمّدت ذلك ثمّ قال: يابلال قم إلى منزل فاطمة فائتني القضيب الممشوق، فذهب بلال وجاء به فأخذه رسول اللَّه(ص) وقال: أين الشيخ؟ فقال ها أنا ذا يارسول اللَّه بأبي أنت وأمي فقال: تعال فاقتصّ مني حتى ترضى فقال: اكشف لي عن بطنكَ يارسول اللَّه، فكشف(ص) عن بطنه، فقال له بأبي أنت وأمي يارسول اللَّه أتأذنُ لي أن أضع فمي على بطنك؟ فأذنَ له فقال أعوذُ بموضع القصاص من بطن رسول اللَّه من النار فقال النبيّ(ص): ياسوادة بن قيس أتعفو أم تقتص فقال: بل أعفو يارسول اللَّه فقال: اللهمّ اعفُ عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيّك(ص)(٢) .

ثمّ عاد(ص) إلى منزله فاشتدّ عليه المرض ونعيت إليه نفسُهُ فغمّض عينيه فجاء الحسنان(ع) وهما يصيحان ويبكيان حتى وقعا على رسول اللَّه(ص)

____________________

(١) القَضيب: جمعه قُضبان هو الغصن المقطوع. المنجد

(٢) البحار ج٢٢ ص٥٠٧ ضمن ح ٩.


فأراد أمير المؤمنين(ع) أن ينحيهما عنه ففتح النبيّ عينيه وقال: ياعلي دعني أشمهما ويشماني، وأتزوّد منهما ويتزوّدان مني أما انهما سيظلمان بعدي ويقتلان ظلماً فلعنةُ اللَّه على من يظلمهما يقول ذلك ثلاثاً، ثمّ نظر النبيّ(ص) فرأى فاطمة(ع) باكية فأومى إليها بالدنو منه فدنت منه فأسرّ إليها شيئاً فتهلّلَ وجهُها، ثمّ نزل جبرائيل وقال السلام عليك ياأبا القاسم فقال وعليك السلام ياجبرائيل ادنُ مني فدنى منه فقال له: عند الشدائد لا تخذلني ثمّ نزل ملكُ الموت وأقبل مستأذناً حتى وقف بين يدي رسول اللَّه(ص) وقال: إنّ اللَّه أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك فيما تأمرني، إن أمرتني بقبض نفسك قبضتها وإن كرهت كرهتُها، فجلس جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره وملك الموت بين يديه فقال النبي لملك الموت: امضِ لما أُمِرْتَ به، فتقدّم أمير المؤمنين(ع) ووضع فمه على فم رسول اللَّه(ص) وجعل يناجيه حتى فارقت روحه الشريفة جسدَه فانسلّ عليّ(ع) باكياً وقال: عظم اللَّه أجوركم في نبيّكم فإنه قد قبضه اللَّه إليه، فارتفت الأصوات بالضجّة والبكاء، وضجّ أهل المدينة وهم ينادون واسيّداه وامحمّداه وأبا القاسماه(١) وأنشأ أمير المؤمنين(ع):

الموتُ لا والداً يبقي ولا ولَداً

هذا السبيلُ إلى أن لا ترى أحدا

هذا النبيُّ ولم يخلد لأمّتِهِ

لو خلّدَ اللَّهُ خلقاً قبلَهُ خَلُدا

للموتِ فينا سهامٌ غيرُ خاطئةٍ

من فاتهُ اليومَ سهمٌ لم يفتهُ غدا

____________________

(١) الكوكبُ الدريّ للمرحوم الشيخ المازندراني ص١١٤.


بعد وفاة النبي(ص) سئلت الصديقة فاطمة(ع) ماالذي أسرّ إليك رسول اللَّه(١) فسرى عنك به ما كنت عليه من الحزن قالت: إنّه أخبرني أنني أولُ أهلِ بيته لحوقاً به وانه لن تطول المدّةُ بي بعده حتى أدركه فسرى ذلك عني(٢) .

أقول: نعم ما بقيت بعد أبيها إلّا أياماً قليلة وكانت دائمة البكاء عليه في ليلها ونهارها حتى تأذّى أهل المدينة من بكائها، وجاء الشيخان إلى أمير المؤمنين وقالا: إن فاطمة آذتنا ببكائها فإمّا أن تبكي ليلاً وتدع البكاء نهارا، وإمّا أن تبكي نهاراً وتدع البكاء ليلاً.

ولما ذاكرها أمير المؤمنين قالت: ياأبا الحسن ما أقلّ مكثي بينهم فلاأسكت عن البكاء على أبي لا في الليل ولا في النهار فلم يمنعها عن ذلك ولكن بنى لها بيتاً آخر سماه (بيت الأحزان)(٣) .

مَن لحاها إذ بكت والدَها

قائلاً فلتبكِ ليلاً أو نهاراً

ويلهم ما ضرّهم لو بكيت

بضعةُ المختارِ أياماً قصارا

من سعى في ظلمها مَن راعها

مَن على فاطمةَ الزهراء جارا

____________________

(١) البحار ج٢٢ ص٥٢٢.

(٢) الكوكب الدري ص١١٥.

(٣) وفاة الصديقة الزهراء للمرحوم السيد عبدالرزاق المقرّم ص٩٧.


نعي

بعد أبوهه شلون ذلّت

امن البكا ما يوم ملّت

وحين بالشجرة استظلت

عمدوا عليها گطعوها

* * *

طلعت البره المدينه

ناحله وتبكي وحزينه

ليت أبوها تشوف عينه

شلون من بعده ظلموها

* * *

وما برحت مظلومةً ذاتَ علّةٍ

تؤرّقها البلوى وظالمُها مغفي

إلى أن قضت مكسورةَ الضلعِ مسقطا

جنينٌ لها بالضربِ مسوّدةَ الكتفِ

لاحول ولا قوة إلا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


فهرس المصادر

- القرآن الكريم.

- أمالي الصّدوق، للشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين، مؤسسة الأعلمي - بيروت.

- أعيان الشيعة، للسيّد محسن الأمين العاملي، دار التعارف - بيروت.

- أدب الطفّ، للسيّد جواد شبر، دار المرتضى - بيروت.

- أصول الكافي، للشيخ محمد بن يعقوب الكليني، دار الكتب الإسلامية - طهران.

- الأخلاق، للسيّد عبداللَّه شبّر، مكتبة بصيرتي - قم ١٣٩٥ه

- أضواء على ثورة الإمام الحسين(ع)، السيد محمد الصدر، الشريف الرّضي - قم.

- إبصار العين في أنصار الحسين(ع)، للشيخ محمد السماوي، مكتبة بصيرتي - قم.

- اقناع اللائم على إقامة المآتم، للسيّد محسن الأمين العاملي، مؤسسة المعارف - قم.

- الإرشاد، للشيخ المفيد، مكتبة بصيرتي - قم.

- بحار الأنوار، للشيخ المجلسي، المكتبة الإسلامية - طهران.

- بطل العلقمي، للشيخ عبدالواحد المظفّر، منشورات الشريف الرضي - قم.

- تذكرة الخواص، للعلامة سبط ابن الجوزي الحنفي، مكتبة نينوى - طهران.

- جلاء العيون، للسيّد عبداللَّه شبّر، مكتبة بصيرتي - قم.

- چهرة درخشان، للشيخ علي ربّاني خلخالي، فارسي.

- خلاصة الأسرار من بحار الأنوار، للسيّد أحمد الحكيم، ذوي القربى - قم.


- الخصال، للشيخ محمد بن علي بن الحسين الصدوق، مؤسسة النشر الإسلامي - قم.

- رياض المدح والرّثاء، للشيخ حسين علي البحراني، منشورات الكاظمين - قم.س

- سفير الحسين، للشيخ عبدالواحد المظفر، منشورات الشريف الرّضي - قم.

- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، المكتبة العامة لآية اللَّه المرعشي النجفي - قم.

- الشهيد مسلم، للسيد عبدالرزاق المقرّم، المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف.

- شجرة طوبى، للشيخ محمد مهدي المازندراني، منشورات الشريف الرّضي - قم.

- شرح رسالة الحقوق، للسيد حسن القبانچي، مؤسسة إسماعيليان - قم.

- الصحيفة المهدية، للسيّد مرتضى مجتهدي، الناشر حاذق - قم.

- الطفل بين الوراثة والتربية، للشيخ محمد تقي الفلسفي، دار المرتضى - مشهد.

- قمر بني هاشم، للسيّد عبدالرزاق المقرّم، منشورات الشريف الرّضي - قم.

- الكنى والألقاب، للشيخ عباس القمّي، مكتبة الصدر - طهران.

- كامل الزيارات، للشيخ جعفر بن قولويه القمّي، مؤسسة النشر الإسلامي - قم.

- الكامل في التاريخ، لإبن الأثير، دار صادر - بيروت.

- لسان العرب، لإبن منظور، دار إحياء التراث العربي - بيروت.

- لئالىُ الأخبار، محمد نبي التوسيركاني، مكتبة العلامة - قم.

- مجمع البيان، للشيخ الفضل بن حسن الطبرسي، منشورات مكتبة آية اللَّه المرعشي النجفي - قم.

- مجمع البحرين، للشيخ فخر الدين الطريحي، المكتبة المرتضوية - طهران.

- مفاتيح الجنان، الشيخ عباس القمّي، انتشارات سيد الشهداء - قم.

- معالي السبطين، للشيخ محمد مهدي المازندراني، مكتبة القرشي - تبريز.


- الملهوف على قتلى الطفوف، للسيّد ابن طاووس، دار الأسوة للطباعة والنشر.

- المصباح، للكفعمي إبراهيم بن علي بن الحسن العاملي، مؤسسة الأعلمي - بيروت.

- مقتل الكعبي، للشيخ عبدالزهراء الكعبي، الشريف الرّضي - قم.

- مقتل المقرّم، للسيد عبدالرزاق المقرّم، مكتبة بصيرتي - قم.

- مقاتل الطالبيّين، لأبي الفرج الأصفهاني، مؤسسة دار الكتاب - قم - إيران.

- المصباح المنير، للفيومي أحمد بن محمد المقري، منشورات دار الهجرة - قم.

- معجم البلدان، لياقوت الحموي، دار صادر - بيروت.

- الإمام زين العابدين، للسيد عبدالرزاق المقرّم، دار الشبستري للمطبوعات - قم.

- المنجد في اللغة، لويس معلوف، انتشارات إسماعيليان - طهران.

- الميزان في تفسير القرآن، للسيد محمد حسين الطباطبائي، جماعة المدرسين - قم.

- المقبولة الحسينيّة، للشيخ هادي كاشف الغطاء، منشورات أنوار الهدى - قم.

- مسار الشيعة، للشيخ المفيد، مكتبة بصيرتي - قم.

- مناقب آل أبي طالب، لإبن شهرآشوب رشيد الدين محمد بن علي، مؤسسة انتشارات علامه - قم.

- مع الحسين في نهضته، للشيخ أسد حيدر، دار التعارف للمطبوعات - بيروت.

- من لا يحضره الخطيب، للسيّد داخل السيّد حسن، انتشارات المكتبة الحيدرية - قم.

- علي الأكبر، عبدالرزاق المقرّم، انتشارات المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف.

- علل الشرائع، للشيخ الصّدوق محمد بن علي بن الحسين، المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف.


- ثمرات الأعواد، للسيّد علي الهاشمي، الشريف الرّضي - قم.

- النصاريات، للشيخ محمد نصار، انتشارات الشريف الرّضي - قم.

- النظام التربوي في الإسلام، للشيخ باقر شريف القرشي، دار التعارف للمطبوعات - بيروت.

- ديوان مع النبيّ وآله، للسيّد محمد جمال الهاشمي - قم.

- الفصول المهمّة، لإبن الصبّاغ المالكي علي بن محمد، منشورات الأعلمي - طهران.

- فوائد المشاهد، للشيخ جعفر الشوشتري، دار الإعتصام - قم.

- نور الحقيقة، لوالد الشيخ البهائي.

- نفس المهموم، للشيخ عباس القمي، مكتبة بصيرتي - قم.

- المجالس السَّنيّة، للسيّد محسن الأمين، الشريف الرّضي - قم.

- البابليات، للشيخ محمد عليّ اليعقوبي، دار البيان - قم.

- المحجة البيضاء، للفيض الكاشاني، دفتر انتشارات إسلامي - قم.

- الديوان المنسوب لأمير المؤمنين(ع)، انتشارات كتابخانه أروميه - قم.

- كشكول البحراني، للشيخ يوسف البحراني، مؤسسة الوفاء ودار النعمان.

- أعلام‏الدين في صفات‏المؤمنين، للديلمي الحسن بن أبي الحسن، مؤسسة آل البيت - قم.

- وسيلة الدارين الكبرى، الشيخ علي بازي، منشورات الشريف الرّضي - قم.

- الدُّر النَّضيد في معالي الشهيد، للسيّد محسن الأمين، مكتبة الداوري - قم.

- أبو الحسين زيد الشهيد، للسيّد محسن الأمين، مؤسسة آل البيت - قم.

- الأنوار البهيّة في ترجمة الحجج الإلهية، للشيخ عبّاس القمّي، دار الأضواء - بيروت.

- الفائزيات، للملا علي بن فايز، منشورات الشريف الرضي - قم.


- كرامات رضوية، الشيخ علي أكبر مروّج الإسلام، مكتبة جعفري، مشهد.

- عيون أخبار الرّضا، للشيخ الصدوق، رضا مشهدي - مشهد.

- عدّة الدّاعي ونجاح الساعي، لابن فهد الحِلّي، مكتبة وجداني - قم.

- الأحكام الفقهية، للسيّد محمّد سعيد الحكيم، دار الهلال.

- منهل الشرع، للسيّد عبدالحسين الشرع، منشورات الشريف الرضي - قم.

- التبيان في تفسير القرآن، للشيخ الطوسي، مكتب الإعلام الإسلامي.

- إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، للحرّ العاملي، قم.

- وفاة الصديقة الزهراء، للسيد عبدالرزاق المقرّم، المطبعة الحيدرية، النجف.

- أنوار الولاء في مآتم الزهراء، للسيد أحمد الحكيم، انتشارات الفيروزآبادي - قم.


الفهرس

الإهداء ٣

المقدمة ٤

مناسبات شهر محرّم الحرام ٦

فضل البُكاء على سيّد الشهداء(ع) ٨

فوائدُ المجالس الحسينيّة ١٨

فضائل الإمام الحسين(ع) ٢٩

الخروج من المدينة إلى مكة ٤٠

كرمُ الإمام الحسين(ع) ٥١

الخروج من مكّة المـُكرّمة ٥٩

حياة مسلم بن عقيل(ع) ٧٠

مسلم سفيرُ الإمام الحسين(ع) ٨٠

فضل أصحاب الإمام الحسين(ع) ٩٦

مواقف أنصار الإمام الحسين(ع) ١٠٦

الصحابي الجليل حبيب بن مظاهر الأسدي ١١٦

شقاء عمر بن سعد وسعادة الحُرّ ١٢٧

فضلُ أبي الفضل العباس(ع) ١٣٧

أبو الفضل العباس(ع) الكنى والألقاب ١٤٧

منزلة العباس بن علي(ع) ١٦٢

التفكُّر والإعتبار ١٧٣

شهادة القاسم بن الحسن(ع) ١٨١

برُّ الوالدين ١٨٨

شهادة علي الأكبر(ع) ١٩٨


شهادة عبداللَّه الرّضيع ٢٠٧

الإمام(ع) وأصحابه ليلة العاشر ٢١٨

مقتل الإمامِ الحسين عليه‌السلام ٢٢٧

دفنُ الأجساد الطّاهرة ٢٣٥

شهادة الإمام زين العابدين(ع) ٢٥٤

مناسبات شهر صفر الخير ٢٦٣

دخول السبايا إلى الشام ٢٦٤

زيد الشهيد(ع) ٢٧٤

شهادة الإمام الحسن المجتبى(ع) ٢٨٥

شهادة الإمام أبي الحسن الرّضا(ع) ٢٩٩

يوم الأربعين ٣١٣

شهادة النبيِّ الأكرم محمّد(ص) ٣٢٣

فهرس المصادر ٣٣٧

الفهرس ٣٤٢