ملاحظة
هذا الكتاب
نشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلميّة في الشبكة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله خير الورى
واللّعنة على أعدائهم شرّ من على الثرى
كان أبوه ملّا على مدد بن رمضان الساوجى (المتوفّى سنة ١٢٧٠ ق)، والّذى كان تلميذا لملّا أحمد النراقي (صاحب معراج السعادة، المتوفّى سنة ١٢٤٥ ق). انّه كان من علماء كاشان وفضلائها وألّف عدّة كتب في الفقه والأصول.
كان مولد مفسّرنا هذا سنة ١٢٦١ أو ١٢٦٢ ق كما تدلّ عليه الدلائل الموجودة في ترجمة ملّا حبيب الله.
إنّه قام بدراساته في كاشان ففى طهران، ثمّ في كربلاء، وقضى برهة من حياته بعد العودة من العتبات في گلپايگان وصرف حياته إلى آخرها في التدريس بكاشان لما أكبّ إلى تأليف الكتب وإرشاد الناس (١٢٨٢ ـ ١٣٤٠ ق).
إنّه تتلمذ في حلقة كبار مثل: الحاج سيّد حسين بن مير محمّد على الكاشاني (المتوفّى سنة ١٢٦٩ ق) والحاج مير محمد على بن سيد محمد الكاشاني (المتوفى سنة ١٢٩٤ ق) والحاج ملّا محمد اندرماتى الطهراني (المتوفّى سنة ١٢٨٢ ق) وميرزا أبو القاسم كلانتر (المتوفّى سنة ١٢٩٢ ق) والشيخ محمد بن
محمد العلي (ابن أخت صاحب الفصول) والحاج ملّا هادى الطهراني (المتوفّى سنة ١٢٩٥ ق) والشيخ حسين بن محمد إسماعيل الأردكاني المعروف بالفاضل الأردكاني (المتوفّى سنة ١٣٠٢ او ١٣٠٥ ق) وملّا زين العابدين گلپايگانى (المتوفى سنة ١٢٨٩ ق) والحاج ملّا عبد الهادي الطهراني. كان نتاج جهوده في مجال التعليم والتأليف أنّه ربّى تلاميذ عدّة كما ترك أكثر من ٢٠٠ تأليف في مجالات الفقه والأصول والحديث والأدب والمنطق والعقائد والعرفان والتفسير والتراجم والعلوم الغريبة.(١)
ففى الختام نشكر لحفيده الماجد حجّة الإسلام حسين الشريف والذي وضع بين أيدينا المخطوطات الاصليّة لهذه الكتب. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
حسين درگاهى
__________________
(١) ومن يريد التفصيل يمكنه المراجعة إلى هذه المصادر :
مجلّة نور علم، عدد ٥٤، صص ٢٣ ـ ٦٧، المقالة التحقيقية لحجّة الإسلام والمسلمين رضا الاستادى، لباب الألباب في ألقاب الاطياب في ترجمه علماء كاشان للمؤلّف نفسه، ريحانة الأدب، ج ٥، ص ١٨ ـ ١٩، معجم لغات دهخدا تحت مدخل «حبيب الله بن علي مدد»، أو تحت عنوان «الكاشاني»، عقايد الايمان في شرح دعاء العديلة، للمؤلف نفسه، مطبعة بصيرتى بقم، ١٣٦٩، المقدّمة، منتقد المنافع، للمؤلّف نفسه، ج ٤، طبع سنة ١٣٦٤ ش، في مقدمة تسمّى بـــ«العقول النافع في ترجمة صاحب منتقد المنافع، ترجمة ملّا حبيب الله الشريف الكاشاني، لعلي الشريف (من أحفاد المؤلّف)، ذريعة الاستغناء في تحقيق مسئلة الغناء، للمؤلّف، طبع في مركز إحياء آثار الملّا حبيب الله الشريف الكاشاني. فقيه فرزانه: عبد الله موحد، مكتبة التبليغات الاسلاميّة في حوزة قم العلميّة، ١٣٧٦.
هذه هي الرسالة المسمّاة بـــ«بوارق القهر في تفسير سورة الدهر ».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
شهدت نفسي لنفسي ولكلّ شيء بأنّ الله لا إله إلّا هو ربّي وربّ كلّ شيء، لمعت نورانيّة شموس مشيّته في سرّ كينونيّة كلّ شيء، فدلّت شرائف النفوس في الليل الأليل إلى شعاشع نجوم حقائق العرفان، حتّى استعدّت لسماع ألحان طيور البقاء، في سدر شجرة السّيناء، في روض رياض بساتين البيان، فبادت نفس لم تحترق بتوقّدات نيران جذبتك، في أخاديد محبّتك، وعميت عين ما قرّت بسواطع أنوار هويّتك، في تطوّرات تجلّياتك، في دقائق القرآن، الّذي أنزلته على محمّد عبدك، الّذي اصطفيته وشرّفته واجتبيته وفضّلته على كلّ شيء، فجعلت روحه نسخة أحديّتك في أزل الأزمان، وعلى آله تفاسير أسرار الفرقان، والتراجمة لمجمع بيان جوامع الإيمان.
أمّا بعد، فيقول العبد المفتقر إلى الله الراجي حبيب الله بن عليّ مدد الساوجيّ: إنّ ممّا وفّقني الله ربّي جلّت جلالته في شهر ربيع الأوّل في سنة ١٢٧٨ في مقامي هذا بين يدي حضرته ما أسطرته في تلك الوريقات
الشريفة، من كشف ما عسى أن يستطيع العارفون دركه بعد بياني إيّاه في تفسيري لسورة الدهر، تفسيرا يلتذّ من مطالعته الشائقون إلى مشاهدة أنوار الوارد، إلتذاذ العطشان في الهاجرة من الماء البارد.
وكثيرا ما نورد في مطاويه من التأويلات ما لا يساعده صحاح الروايات، فيظنّ أنّا ممّن فسّر القرآن بالرأي، وحرم عن جميل السعي، حاشاي عن مثله، وأنا لم أزل مقتفيا آثار أهل بيت العصمة عليهم السّلام، ولكن دعاني إلى ذلك افتخار أهل البدعة بأنّ أمثال هذه العنديّات، من أسرار الواردات، لكلّ أحد وليست من الأسرار الخبيّات، وقد سمّيته بـــ«بوارق القهر في تفسير سورة الدهر» فأقول :
قال الله بهرت آياته :
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) .
أقول، وما توفيقي إلّا بالله ما استطعت: قد كشفنا قناع السرّ عن محيّا ما يتعلّق بـــ«البسملة» في بعض فوائدنا القديمة كـ «تفسير الحمد» و «شرح الصباح» وغير هما ممّا يهدي مطالعه إلى شريعة النجاح، فلا حاجة إلى إعادة الإيضاح، سيّما بعد ما جرت عادتنا على بيان ما هو الأهمّ من حقائق الأمور، وطوي الكشح عمّا يستغني عن سماعه المجذوبون إلى ساحة النور، بجذبات نار الطور، الموقدة في أفئدة أهل السرور.
فنقول لمن استمع بسمع الفطرة عن ذاته: لقد أخبر الله تعالى عن رتبة الإنسان بأحسن البيان، حيث نفى مسبوقيّته لكلّ ما عداه، حتّى الزمان الّذي
هو الميزان لمعاني بعض الأمور، الّتي منها الأوّليّة والآخريّة المصطلحتين، وأثبت سابقيّته وعلّيّته على كلّ شيء، ولكلّ شيء، بألطف إشارة لا يدركها إلّا الصافّون، حيث ابتدأ بالاستفهام على وجه الاستعظام، ونوع من الإنكار يشتمل على التلطّف والإنعام.
فظاهر الكلام على صورة الاستفهام، والمراد النفي تجوّزا في ذلك المقام، وذلك مطّرد في فصيح الكلام، كما في قوله:( وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ ) (١) .
وتلك الكلمة بإجمالها وافية لما أردنا استنباطه من الآية الشريفة، ولكن فلا بأس بتفصيل ما أجملناه فيما سطرناه، ليفوز الكلّ بما بذلناه.
فنقول: إعرف أيّها الطالب لفهم الأسرار من أولي الأبصار أنّ الله عزّت هويّته لـمـّا كان في الأزل موصوفا بمراتب الكمال بنوع من الموصوفيّة لا يلزم معه شيء من النقص كالتعدّد والحاجة، فإنّ عينيّة الصفات للذات ترفع الاستبعاد عن جميع الجهات، إلّا أنّنا ـ نحن أهل الحقيقة ـ مع تلك الغاية لا ندرك لتلك العينيّة كيفيّة، ولا لحقيقتها حيثيّة، فضلا عن الّذين لم يشمّوا روائح فيض الله أصلا، بل درك ذلك المقام خاصّ بذاته تعالى، فلا يعرفه أحد سواه، وكان محتجبا في سرادقات سواذج العزّ، ومتقنّعا بسرابيل العظمة الأزليّة، ومتجلّلا بالوحدة الحقيقيّة الذاتيّة، بحيث كان بكون مغاير لكون كلّ كائن كوّن في عالم الظهور، وإلّا لزم الاشتراك.
وبرهان بطلانه واضح عند أهل التوحيد، ولم يكن معه شيء، ولم
__________________
(١) آل عمران: ١٣٥.
يشارك أزليّته شيء، وإلّا لزم تعدّد الآلهة المتأزّلات، وإبطاله غير مفتقر إلى النفي والإثبات، و «أحبّ أن يعرف» بمعنى أن يطّلع غيره من مراتب الخلق على أنّه تعالى بكيفوفيّة لا يدركها إلّا هو، وبحيثوثيّة لا يعرفها إلّا هو.
فمعنى قوله: «فخلقت الخلق لكي أُعرف»(١) أنّي بدعتهم لكي يعرفوا أنّي أنا الله الّذي تقدّست هويّتي عن أن يعرفها شيء سواي، وتجلّلت كينونيّتي عن أن يطّلع عليها شيء غيري، فيشهدوا لي بالألوهيّة، ويخلصوا لي العبادة، مخلصين لي الدين، لا يشركون بي شيئا.
لا بمعنى أن يطّلع غيره على هويّته المطلقة البحتة المبرّاة عن جميع القيود والاعتبارات، والمعرّاة عن كلّ الإشارات والعبارات، فإنّه تعالى لو كان بحيث عرفه شيء لكان محاطا لذلك الشيء، وذلك الشيء محيطا، والمحاط عليه لا يصلح لأن يكون إلها لما هو المحيط عليه.
ولا ريب أنّ المحاطيّة نقص بيّن، لأنّها نوع من الانفعال، فلا يمكن إدراك ذات الحقّ وصفاته الذاتيّة الّتي هي عينه، ولذا نهينا عن التفكّر فيه، وحذّرنا عن التعمّق فيه، كما قال تعالى:( وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ) (٢) .
وقال صلّى الله عليه وآله: لا تفكّروا في ذات الله فإنّكم لن تقدّروا قدره(٣) .
__________________
(١) انظر: بحار الأنوار ٨٤: ١٩٨، ٣٤٤.
(٢) آل عمران: ٣٠.
(٣) جاء في مجموعة ورّام ١: ٢٥٠ هكذا: فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: تفكّروا في خلق الله، ولا تفكّروا في الله، فإنّكم لن تقدّروا قدره.
وقال صلّى الله عليه وآله: إنّ الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإنّ الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم(١) .
وأمثال ذلك أكثر من الرمل والحصى، كما لا يخفى على المتتبّع في كلمات آل الله، وذلك هو السرّ في إعراض الكليم عليه السلام عن بيان الحقيقة لـمـّا قال فرعون:( وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ) (٢) سائلا عن الحقيقة، فإنّ «ما» إنّما هي للسؤال عن هويّة الشيء، كما بيّن في محلّه.
من گدا وتمنّاى وصل او هيهات |
مگر به خواب ببينم خيال منظر دوست |
وأمّا ما روي عن عليّ عليه السلام من أنّه قال: فعرفته وعبدته ولم أعبد ربّا لم أره(٣) . فمؤوّل بما عرفت، أي لـمـّا تحقّق لي أنّه بحيث لا يمكن لشيء أن يحيط به، عرفت أن ليس سواه الّذي هو المحيط به مستحقّا لأن أتذلّل له بالعبوديّة.
أو بأنّ المراد: المشيّة الأزليّة، كما ستأتي إليه الإشارة.
ولا بمعنى أنّه يظهر في المجالي الممكنة، والمرائي المحدثة بصفاته الكماليّة، فالأشياء كلّها متجلّى الحقّ، وفيها ظلال صفاته الحسنى، وأمثال أسمائه العليا، فللحقّ في كلّ الخلق ظهور خاصّ يعرفه العارف به، ويطّلع عليه كما يعرف الشيء بالظلّ. وذلك مذهب بعض الصوفيّة.
__________________
(١) بحار الأنوار ٦٩: ٢٩٢.
(٢) الشعراء: ٢٣.
(٣) الكافي ١: ٩٧، ١٣٨ وفيه: ما كنت أعبد ربّا لم أره.
ويردّه ما عرفت من أنّ الحقّ كان محتجبا في الأزل بجميع الوجوه، والآن كذلك محتجب عن كلّ شيء كما كان في الأزل بلا تفاوت وتغيير.
ولا بمعنى أنّه يصير عين الأشياء وحقيقتها، فالعارف بحقائق الأشياء عارف بذات الحقّ وهويّته بما هو عليه، كما هو مذهب بعض آخر من تلك الطائفة.
وفساده أوضح من أن يبيّن، ولقد فصّلنا الكلام في ذلك في بعض فوائدنا الشريفة.
أبدع المشيّة بنفسها(١) من نفسها لنفسها في نفسها، بمعنى أنّه تعالى ما أبدعها بواسطة علّة هي غيرها من الخلق، بل كان العلّة لوجودها: الحقّ تعالى بلا واسطة، بمعنى أنّها كانت أوّل صادر منه تعالى، لم يتخلّل بينهما شيء، ولم يسبق عليهما شيء سوى الحقّ.
فما تصوّره أوّلا لا بتلك الصفة فهو غير المشيّة، فإنّها أوّل كلّ أوّل يتصوّره المتصوّر، فليس لها علّة سوى الباري تعالى من مراتب الخلق حتّى تكون هي الواسط بين الحقّ وبينها، بل ما تجعله واسطا بين الحقّ والخلق بحيث لا ترى بعد عالم الحقّ إلّا عالمه هو عالم المشيّة خاصّة، وما كان ذلك السبق إلّا بقضيّة كانت في نفس المشيّة في الأزل، أي في عالم الثوابت الأزليّة لكمال قربها من الحقّ بحيث لم يكن شيء أقرب إليه ذاتا منها، فكانت نفسها مقتضية لوجود نفسها، فهي منها مخلوقة، وبها مبدعة لا من غيرها وبغيرها، وإلّا لكان ذلك الغير سابقا عليه بإحدى الحيثيّات.
__________________
(١) قولنا: أبدع المشيّة، جواب لقولنا: لـمـّا كان في الأزل. منه رحمه الله.
وبطلانه من البديهيّات. وذلك معنى قوله: خلق المشيّة بنفسها(١) إلى آخره قطعا.
وقوله تعالى:( يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ) (٢) ظاهر، وما قلت :
از اقتضاى ذات خود نور خدا پيداستى |
اين شعشعان ساذجى در منظر أعلاستى |
|
نور مشيّت در أزل از خود نمودار آمده |
در ساذج بازار حق خود را خريدار آمده |
لا تتوهمنّ ممّا سطرناه غناء المشيّة عن العلّة مطلقا كغناء الحقّ تعالى، وإلّا يلزم كونها مستقلّة بذاتها من جميع الجهات، غير مفتقرة إلى الغير أصلا.
وذلك خاصّ بالهويّة المطلقة الغنيّة عن كلّ شيء، فلو كانت المشيّة بهذه المثابة لزم التعدّد المنفيّ عقلا وشرعا.
فالمراد بكونها غنيّة عن العلّة غناؤها عمّا تحتها من مراتب الخلق الإمكانيّ، لا عمّا فوقها من عالم الوجوب الذاتيّ، فإنّها في مقامها الّذي هي فيه محتاجة إلى إفاضات الحقّ غاية الاحتياج في جميع الأحوال والأطوار، كما قال تعالى:( أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إلى اللهِ ) (٣) إلى آخره. ولكن نحن لا ندرك كيفيّة إفاضة الحقّ إلى المشيّة التّي هي عبارة عن الحقيقة القدسيّة المحمّديّة
__________________
(١) الكافي: ١: ١١٠.
(٢) النور: ٣٥.
(٣) فاطر: ١٥.
المخلوقة قبل كلّ شيء.
فمن كان معتقده أنّ المشيّة غير مفتقرة إلى علّة الوجود، بل خلقت نفسها نفسها من غير أن يكون لها خالق سوى نفسها، فقد كفر وأشرك، بل لا معنى للخلق مع ذلك، لأنّه الإحداث بعد العدم، والمستقلّ الكذائيّ لا بدّ من كونه أزليّا بحتا، كما ثبت في محلّه.
ثمّ لا ينبغي أن يبقى الريب بعد ذلك التقرير من أنّ المشيّة هي أوّل كلّ شيء، في أنّ المراد بالأوّليّة هي الأوّليّة الذاتيّة القائمة بنفسها، كأوليّة الكاتب بالنسبة إلى الكتابة، والأبيض بالنسبة إلى البياض، فإنّ الكتابة قائمة بالكاتب، ولا عكس، والبياض بالأبيض كذلك، لا الأوّليّة الزمانيّة بحيث لو لم يكن الزمان لم يكن أوليّة، لأنّ الزمان أيضا من جملة الأشياء فيجب سبق المشيّة عليه كسبقها على غيره، لما مرّ من أنّه لم يكن بين الهويّة المطلقة وبين المشيّة التي هي الملكوت النفسانيّة واسطة، بل كانت هي الواسطة بين الحقّ وبين الحوادث التي منها الزمان، فهو أيضا ممّا خلق بالمشيّة، ويرادفه «الحين» وهو من أجزاء سلسلة الدهر الممتدّة المتّصلة.
فإنّ الدهر عبارة عن مدّة بقاء المشيّة بنفسها، ويسمّى ابتداء تلك المدّة بـــ«الأزل اللاحق» لتأخّره عن «أزل الحقّ» تعالى.
فمجموع عالم الإمكان مطلقا هو «الدهر» ومدّة التغيير لشيء في ذلك العالم هو «الزمان» و «الحين» وأوّل حدوث الدهر بحيث لا سابق عليه سوى عالم الحقّ هو عالم المشيّة، والمراد به مبدأ الدهر واحد.
فمعنى الآية: إنّه ما أتى على المشيّة حينٌ من أجزاء الدهر لم تكن
المشيّة فيه مذكورة، بل كانت مذكورة في جميع الأحيان، قبل كلّ شيء، وبعد كلّ شيء، ومع كلّ شيء، وفي كلّ شيء بذكر مناسب لمقامها في تطوّراتها وتظهّراتها وترقّياتها، وسمّاها بـــ«الإنسان» لأنسها بالحقّ، وكمال قربها منه، بجهتها العليا التي هي جهة التوحيد، ألا ترى كيف فسّر «الإنسان» في «سورة الرحمن» بمحمّد صلّى الله عليه وآله الّذي حقيقته حقيقة المشيّة الأزليّة وهويّته هويتها.
هذا إذا فسّرنا «هل» بما عرفت، وأمّا لو جعلناها بمعنى «قد» التقريريّة، كما هو المصرّح به في كلام جماعة من المفسّرين مدّعين عليه الاتّفاق، كما في «سورة الغاشية» فليس المراد نفي شيئيّة المشيّة في حين من الدهر، لما عرفت.
بل المراد نفي مذكوريّتها بالذكر العنصريّ الجسمانيّ، كما في عصر محمّد صلّى الله عليه وآله الّذي برزت المشيّة فيه في هيكله صلّى الله عليه وآله بما هي عليه من الترقّيات والتعرّجات، كما قال تعالى:( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) (١) إلى آخره، لا بالذكر الروحانيّ الأزليّ، فإنّها كانت مذكورة في الأزل بما عرفت لا محالة ذكرا كثيرا بحيث سمّيت لأجل تلك الكثرة بـــ«الذكر» كما لا يخفى.
هذا ما خطر على قلبي من تفسير الآية بإمداد حضرة الحقّ جلّ شأنه، فاغتنمه وكن من الشاكرين.
وللناس في الآية تفاسير أخرى مع اتّفاقهم على أنّ «هل» بمعنى «قد».
__________________
(١) الشرح: ٤.
منها: أنّ المراد بـــ«الإنسان» هو آدم الظاهر أبو البشر، فإنّه لقد أتى عليه حين لم يكن مذكورا فيه بالوجود أصلا، ثمّ وجد، فلم يكن قبل ذلك شيئا مذكورا، وإطلاق «الإنسان» بالنظر إلى الفعل، أي الإنسان الّذي هو إنسان الآن ونحو ذلك الإطلاق كثير.
ومنها: أنّ المراد به هو أيضا، فإنّه مكث أربعين سنة طينا لم يكن شيئا مذكورا لا في السماء ولا في الأرض، بذكر الحياة والنبوّة، بل كان جسدا ملقى من الطين قبل أن ينفخ فيه الروح، وللوصف على ذلك المفهوم، كما قال أبو جعفر عليه السلام: كان شيئا ولم يكن مذكورا(١) .
وإطلاق لفظ «الإنسان» عليه قبل النفخ مجاز باعتبار ما يؤول إليه من قبيل إطلاق الخمر على العصير بذلك الاعتبار.
ومنها: أنّ المراد الجنس، فالحين الّذي لم يكن فيه شيئا مذكورا هو قبل الولادة، فإنّه كان حينئذ بحيث لا يعرف ولا يذكر ولا يدري من هو، وما يراد به، وكان معدوما فوجد في صلب أبيه، ثمّ في رحم أمّه إلى وقت الولادة.
هذا إذا لم يعتبر الوصف، وإلّا فالمراد بذلك الحين هو حين كونه في الصلب أو الرحم خاصّة، فإنّه كان شيئا ولكن غير مذكور بالحياة.
ومنها: أنّ المراد بـــ«الإنسان» العلماء، نظرا إلى كونهم من أفراده الشائعة، وذلك لأنّهم كانوا لا يذكرون بين الناس، فصيّرهم الله بالعلم مذكورين بين الخاصّ والعامّ في حياتهم وبعد مماتهم.
ومنها: أنّ المراد به جميع الأنبياء والأولياء، فإنّه لقد أتى على كلّ واحد
__________________
(١) بحار الأنوار ٥: ١٢٠.
حين لم يكونوا فيه مذكورين بالنبوّة والولاية، قضيّة للحكمة والمصلحة.
ومنها: أنّ المراد به الحقائق الثابتة، وهي الأعيان الأزليّة القديمة المحفوظة في لوح علم الحقّ القديم، فإنّ للأشياء صورا علميّة، أي ثابتة في العلم ثبوت المعلوم في العالم، كما هو مذهب بعض الحكماء، أي لقد أتى على الإنسان حين لم يكن فيه شيئا يذكر بالوجود الحسّيّ الإمكانيّ، وذلك الحين هو مدّة ثبوته في علم الحقّ من غير أن يكون له وجود زائد، وليس فيه نفي شيئيّته، بل نفي وجوده، لاعتبار مفهوم الوصف في المقام بما يدلّ عليه من الأخبار، كما روي عن الصادق عليه السلام أنّه قال في تفسير الآية :
كان شيئا مقدورا ولم يكن مكوّنا(١) .
وعنهما عليهما السلام: كان مذكورا في العلم، ولم يكن مذكورا في الخلق(٢) . انتهى.
ومن ذلك التقرير يظهر أنّ الأشياء الممكنة الوجود ليست قبل ذلك الوجود معدومة صرفة محضة، بل لها نوع ثبوت.
ولذا قال بعض الصوفيّة: إنّ تلك الأشياء لو لم تكن ثابتة في الأزل لما كانت موجودة في عالم الخلق، فثبوتها قد أعدّها لذلك الوجود، فإنّ المعدوم الصرف لا يصلح لأن يصبغ بصبغ الوجود، كما أنّ الموجود الصرف لا يطرأ عليه العدم. وتفصيل تلك المقالة مسطور في كتب الحكمة.
ويظهر أيضا: أنّ المعدوم يصلح لتعلّق العلم به وكونه معلوما. وخالف في ذلك بعض الحكماء.
__________________
(١) في البحار ٦٠: ٣٢٨ كان شيئا مقدّرا إلى آخره.
(٢) بحار الأنوار ٦٠: ٣٢٨.
وبرهانه غير واضح، والتفصيل في مقامه لائح.
ويظهر أيضا: صحّة إطلاق الشيء على ما لا يطلق عليه الموجود، فما في كلام الحكماء من أنّ الشيئيّة مساوقة للوجود، أي مرادفة له بحيث لا يكون بشيء إلّا وهو موجود وبالعكس، فموهون بما عرفت.
مضافا إلى أنّ الاستعمال، شاهد على ذلك المقال.
ألا تراهم يقولون «واجب الوجود» ولا يقولون «واجب الشيئيّة» وهكذا.
ويقولون «وجود الماهيّة من الفاعل» ولا يقولون «شيئيّتها منه».
وألا تراهم يقولون «وجود الشيء» بالإضافة، فلو كانا مرادفين لما صحّ الإضافة، كما بيّن في النحو، وصحّ التوصيف، وهو غير مستعمل. فتأمّل.
ثمّ لا يخفى أنّهم قد يقولون: إنّ المعدوم الممكن شيء، فلا ينبغي أن يتوهّم أنّ مرادهم ما قلناه من صحّة إطلاق اللفظ وجواز التسمية بتفصيل قد عرفته، فإنّه لا نزاع فيه ظاهرا، كما ادّعاه جماعة.
ولذا فسّر كلمة الحكماء المتقدّمة بغير ما ذكر جماعة من المحقّقين، وهو كذلك، بل مرادهم أنّ المعدوم الممكن ثابت متقرّر في الخارج، منفكّا عن صفة الوجود، فالثبوت على ذلك أعمّ من الوجود كالشيئيّة.
وأمّا المعدوم الممتنع فليسوا قائلين بثبوته، بل يقولون إنّه منفيّ، فالعدم عندهم أعمّ من النفي، والآية الشريفة دالّة على دعواهم إن اعتبرنا الوصف، كما هو الظاهر بضميمة الرواية.
وإلّا فلا دلالة فيها عليها أصلا، بل على خلافها، وهو عدم ثبوت المعدوم، لصرف النفي حينئذ إلى المقيّد لا إلى القيد خاصّة. وهو مذهب المعظم من الحكماء.
وجعل جماعة منهم هذه الدعوى بديهيّة، وأعرض عن ذكر الدليل لها.
والقائلون بنظريّتها استدلّوا بأنّ المعدوم لو كان ثابتا لا متنع تأثير القدرة في شيء من الممكنات، لأنّ التأثير :
إمّا في نفس الذات، وهي أزليّة، والقدرة غير مؤثّرة في الأزليّ.
وإمّا في الوجود، وهو ليس بموجود ولا معدوم حتّى يتصوّر تعلّق القدرة به.
وإمّا في اتّصاف المهيّة بالوجود وهو منتف في الخارج، كما هو المفروض.
وفيه نظر، لأنّا نحن قائلون بأنّ الذات الأزليّ تعالى لا يؤثّر في الذوات الثابتة، بل يصبغها بصبغ الوجود، وإلّا لزم الجبر المنفيّ شرعا وعقلا.
ولقد برهنّا على ذلك في مقامه، وفصّلنا الكلام في شرحنا على «دعاء كميل بن زياد رحمه الله» فمن يرجو الاطّلاع فليرجع إليه.
وقد يستدلّ أيضا بأنّها لو كانت ثابتة لزم تناهيها، لأنّ ما دلّ على امتناع التسلسل جار هنا، واللازم باطل، لاتّفاقهم على أنّ الثابتات في علم الحقّ غير متناهية، وإلّا لزم تناهي العلم، وهو باطل.
وفيه نظر، لتحقّق الفرق بين الثابتات الكذائيّة والموجودات الخارجيّة الصرفة، والبرهان جار في الأخيرة خاصّة.
سلّمنا بطلان القول بعدم التناهي، ولكنّه لا ينافي القول بالثبوت، ولذلك قيل: إنّ الغرض من هذا الوجه هو بيان مناقضة بعض أحكامهم لبعض. فليتأمّل.
واستدلّ أيضا بأنّ المعدوم هو المعروض للعدم الّذي هو النفي، فالمعدوم موصوف بصفة النفي وهو مقابل للثبوت.
فإذا قلت: المعدوم ثابت، فكأنّما قلت: المنفيّ ثابت، فيلزم التناقض.
وفيه ما لا يخفى، لأنّ القائلين بالثبوت يجعلون النفي أخصّ من العدم، كما عرفت.
واستدلّ أيضا بأنّها لو كانت ثابتة لزم كونها قديمة واجبة، إذ المفروض أنّ ثبوتها ليس من غيرها، واللازم
باطل، لاستلزامه تعدّد الواجب القديم.
وفيه نظر، لأنّ من خواصّ الواجب استغناءه عن الغير في الوجود، ولا ريب أنّ الممكنات محتاجة إلى إفاضة الوجود من الحقّ وإن لم تكن محتاجة إلى الحقّ في التذويت والتشيئة كما بيّن في محلّه، وبرهن عليه في مقامه.
وبطلان تعدّد القديم الّذي ليس بواجب لا دليل عليه أصلا، فإنّ أدلّة بطلان تعدّد القدماء جارية في الواجب خاصّة.
وقد يستدلّ عليه أيضا بوجوه أخرى، والإعراض عن ذكرها لوهنها أحرى.
وكذا المعتزلة القائلون بالثبوت لقد استدلّوا على دعواهم بما هو المشهور، وتفصيله في كتب الكلام مسطور.
ومنها: أنّ المراد به النفس الناطقة الإنسانيّة، فالآية دالّة على قدمها الحكميّ الّذي قد يعبّرون عنه بالقدم الزمانيّ، إن جعلنا «هل» بمعنى «ما» النافية، أو صرفنا النفي إلى القيد وفسّرناه بالذكر العنصريّ الجسمانيّ.
وقد يستدلّ على ذلك أيضا بما روي من أنّ الأرواح خلقت قبل
الأجساد بألفي عام(١) . وفيه نظر، لاحتمال أن يكون المراد بالأرواح الملائكة، وبالأجساد العنصريّات. كذا قيل، فليتأمّل.
لا قدمها الذاتيّ الّذي [هو] عبارة عن عدم سبق الغير على موصوفه أصلا ومطلقا، وهو من خواصّ الحقّ تعالى لا يشركه فيه شيء.
ويدلّ عليه أدلّة التوحيد المسلّمة عند المحقّقين.
والقول به تدفعه البراهين الساطعة التي أقاموها على حدوث الأجسام وأعراضها ونفوسها المتعلّقة بها، وعلى أنّه لا قديم بالذات سوى الحقّ تعالى.
فيتّضح من ذلك فساد كلمة النصارى، حيث قالوا بقدم الأقانيم الثلاثة، والثنويّة القائلين بقدم النور والظلمة، والحرنانيّين بقدم الفاعلين الباري والنفس والمنفعل غير الحيّ وهو الهيولى، والدهر والخلأ وهما غير فاعلين ولا منفعلين.
وما ذكرنا من جواز تعدّد القدماء بالقدم الدهريّ هو مذهب أكثر الحكماء، ولا دليل على امتناعه أصلا، والتفصيل مذكور في محلّه ينافي الوجيزة.
وكذا ما اخترناه من ثبوت المعدومات لا ينافي التوحيد على جميع المسالك، لأنّ القديم عندهم ما لا أوّل لوجوده، ولا مدخل للثبوت في ذلك، وقد عرفت الوجه فيما أسلفناه.
وأمّا لو جعلنا «هل» بمعنى «قد» فكذلك لو صرفنا النفي إلى القيد، ولو
__________________
(١) أنظر بصائر الدرجات: ٨٨.
صرفنا إلى المقيّد فتدلّ الآية على نفي القدم مطلقا، كما هو مسلك بعض المتكلّمين.
الاولى: ذكر بعض الحكماء أنّ الشيئيّة إنّما هي من المعقولات الثانية الّتي ليست لها هويّات خارجيّة متأصلة بذاتها، متصوّرة بنفسها، متعقّلة أوّل الأمر، قائمة بموضوعاتها في الخارج بحيث يكون بإزائها شيء، بل هي أمر انتزاعيّ ينتزعها العقل من المهيّة حين وجودها أو ثبوتها، ومثلها الوجود والوحدة والكثرة والعلّيّة والمعلوليّة ونحو ذلك، وذلك واضح.
وبرهانه: أنّ الشيئيّة المطلقة لو كانت متأصّلة لزم أن يكون بإزائها شيء في الخارج وليس، فليس، ويتفرّع على ذلك امتناع ثبوت شيء بلا خصوص المهيّة. والتفصيل يطلب من الحكمة.
الثانية: قال الطبرسيّ رحمه الله: «لم يكن شيئا» جملة في محلّ الرفع، لأنّها صفة «حين»، والتقدير: لم يكن فيه شيئا مذكورا(١) .
أقول: ويحتمل أن يكون في محلّ النصب، لكونها حالا من «الإنسان» والرابطة هي المستتر، وهو الأولى لعدم الحاجة إلى التقدير.
الثالثة: قال بعض العارفين: إنّ الآية الشريفة تدلّ على بطلان القول بالتناسخ الّذي هو عبارة عن وجود شخص مرّة أخرى بعد وجوده في حين آخر، وهكذا لأنّه لو وجد إنسان قبل وجوده الآن لم يصدق أنّه أتى عليه، أي سبق على وجوده ومضى على ما هو إنسان بالقوّة زمان غير معيّن لم يكن فيه
__________________
(١) مجمع البيان، المجلّد ٥: ٦١١.
شيئا مذكورا، ضرورة أنّه لو كان موجوداً مرّة أخرى كان شيئا مذكورا في حين.
وعلى بطلان القول بقدم النفوس الناطقة مطلقا دهريّا وذاتيّا، لأنّ الدهر عبارة عن زمان وجود العالم من أوّله إلى آخره، والحين بعضه، فلو كانت النفس قديمة لما صحّ القول بأنّه لقد مضى عليها حين لم يكن شيئا مذكورا.
هذا حاصل كلامه.
الرابعة: من التفسيرات المليحة، تفسير «الإنسان» في الآية بـــ«القائم المهديّ المنتظر» عجّل الله فرجه، والمذكور بالشهود، أي: قد أتى على ابن الحسن العسكريّ عليه السلام زمان لم يكن فيه مشهودا مرئيّا للناس لعدم استعدادهم لرؤيته والفوز بمشاهدته وهو زماننا هذا، زمن الغيبة الطويلة.
فأخبر الله تعالى عن ذلك الزمان بلفظ الماضي، إشارة إلى أنّه يكون لا محالة كما في قوله:( أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) (١) و( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ) (٢) و( فُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً * وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ) (٣) .
وأمثال ذلك مطّردة في فصيح الكلمات.
هذا على تفسير «هل» بـــ«قد» وأمّا على تفسيرها بـــ«ما» فالمراد بالآية الإخبار عن لزوم الحجّة القائمة لكلّ أمّة في جميع الأعصار، فما مضت أمّة إلّا وقد أخبر نبيّها بالقائم الهادي المهديّ الّذي يجعل الأديان كلّها دينا واحدا
__________________
(١) النحل: ١.
(٢) القمر: ١.
(٣) النبأ: ١٩ ـ ٢٠.
ويحمل الناس كلّهم على عبادة الله مخلصين له الدين، لا يشركون به شيئا.
فمعنى كونه عليه السلام «مذكورا» هو كونه بحيث يذكره كلّ نبيّ من آدم عليه السلام إلى محمّد صلّى الله عليه وآله الناسخ لجميع الأديان، والباقي دينه إلى آخر الزمان وأممهم بالذكر الحسن، وينتظرون فرجه، ويفرحون بمشاهدته، ويعتقدون بمجيئه وتمكنه من الأرض كلّها، وإن طالت المدّة، وعمّت الشدّة، ولا يشكّون في أمره، ولا يضلّون بغيره إلّا شرذمة مبتدعة.
أما طالعت أيّها الطالب، الفصل الثامن والسبعين من كتاب «مار متّى» من تلاميذ يسوع المسيح عليه السلام؟ فإنّه ذكر فيه: أنّ المسيح عليه السلام قال بعد كلام له لـمـّا سأله تلاميذه عن انقضاء الزمان ومجيء ابن الإنسان: الويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيّام، وسيكون ضيق عظيم لم يكن مثله من أوّل العالم حتّى الآن، ولا يكون ولو لا أنّ تلك الأيّام قصرت لم يخلص ذو جسد، لكن لأجل المنتجبين قصرت تلك الأيّام، حينئذ إن قال لكم: إنّ المسيح هنا أو هاهنا فلا تصدّقوا، فإن قالوا لكم: إنّه في البريّة فلا تخرجوا، وكما أنّ البرق يخرج من المشرق فيظهر في المغرب، كذلك يكون مجيء ابن البشر، وللوقت من بعد ضيق تلك الأيّام تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوء، والكواكب تتساقط من السماء، وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء، وتنوح حينئذ كلّ قبائل الأرض، وترون ابن الإنسان آئبا على سحاب السماء إلى آخره.
وقريب من ذلك ما في كتاب «مارلوقا» و «مار مرقص» من تلاميذ عيسى عليه السلام.
وعنه أيضا قد أخبر الله في «التوراة» وغيرها من الكتب السماويّة، فكان عليه السلام مذكورا في جميع الأعصار في كلّ أمّة إلى ذلك العصر، فإنّه مذكور في لسان أمّة محمّد صلّى الله عليه وآله برفيع الذكر إلى زمان حضوره عليه السلام فيذكر فيه بذكر مناسب لذلك الزمان على التفصيل المذكور في كتب أخبارنا.
ويدلّ على ذلك التفسير، تفسير «الإنسان» في قوله:( الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ ) (١) بـــ«القائم عليه السلام» أيضا. أي: الله بصفته الرحمانيّة لقد علّم محمّدا القرآن وأمر أمّته بما فيه ظاهرا، وخلق القائم عليه السلام الّذي من نسله وعلّمه بيان حقائق القرآن، وأجاز له الحكم بباطنه في زمانه، كما قال:( إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ) (٢) فزمان البيان متأخّر عن زمان القرآن، لمكان «ثمّ» الدالّة على التراخي قطعا.
وقريب من ذلك التفسير، تفسير «الإنسان» بـــ«عليّ عليه السلام» فإنّه كان مذكورا في جميع الأعصار والدهور بنوع من الذكر، وكان مع كلّ نبيّ من آدم إلى محمّد بصور مختلفة، كما قال: نحن نظهر في كلّ زمان على صورة.
ويدلّ على ذلك أيضا ما بيّنه عليه السلام في بعض خطبه المشهورة، كما لا يخفى على من تتبّعها.
__________________
(١) الرحمن: ١ ـ ٤.
(٢) القيامة: ١٧ ـ ١٩.
ويدلّ على ذلك التفسير، تفسير «الإنسان» في قوله:( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) (١) بـــ«عليّ عليه السلام». أي: حمل «عليّ» الولاية الخاصّة واتّصف بها، وكان مظلوما لتصدّي غيره الغير المستحقّ لبعض خواصّها، مجهول القدر والمقام بين أكثر الناس.
فإنّهم لو كانوا عرفوه بالنورانيّة والروحانيّة لما اختاروا غيره عليه، وما جعلوا غيره متبوعا!
فإنّ مقامه عليه السّلام مقام ساذجيّ لا يدركه ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان سوى الإجمال منه، كدرك الأدنى مقام الأعلى، وذلك واضح، فمن أدرك مقامه عليه السّلام ورتبته في القرب ولو إجمالا لا يصطفي عليه غيره بحقيقة الإيمان، فإعراضهم عنه عليه السّلام ونصبهم غيره دليل بيّن على أنّهم ما عرفوا نورانيّته فضلّوا ولم يهتدوا سبيلا.
وهذا التفسير أيضا ممّا لم يذكره أحد من المفسّرين، فاغتنم وكن من الشاكرين.
قال الله جلّ برهانه:( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) .
أقول: ليس المراد من «الإنسان» في تلك الآية المشيّة التي عبّر عنها بـــ«الإنسان» في الآية المتقدّمة، لأنّها كما عرفت ما خلقت من النطفة، بل
__________________
(١) الأحزاب: ٧٢.
خلقها الله من نفسها، وخلق الأشياء كلّها منها وبها، وهي بأجمعها راجعة إليها، ساجدة لها، متحيّرة فيها، مقبلة عليها، فهي الحاكمة على الكلّ في الكلّ، والمشهودة في الكلّ للكلّ، والمحيطة بالكلّ، والسارية في الكلّ.
فالكلّ بوجودها قائمون، وفي اكتناه مقامها متحيّرون، فهي العلّة الثانويّة لوجود كلّ شيء، والمبدأ لخلق كلّ شيء، كما قال:( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) (١) .
وقال عليه السّلام: إنّ الله خلق الأشياء بالمشيّة(٢) .
ولعلّ هذا هو السرّ في تكرار لفظ «الإنسان» مع أنّ المقام مقام الإضمار، كما لا يخفى.
نعم يحتمل كونها مرادة منه في تلك الآية أيضا بملاحظة أنّه تعالى أراد أن يخبر عن الخلق الجديد الثانويّ للمشيّة، وهو إبرازها في الهيكل الناسوتيّ العنصريّ الجسمانيّ، أي لقد أتى على المشيّة حين من الدهر كانت روحانيّة ساذجيّة غير مكبولة بالجسد العنصريّ، ثمّ ألبسناها لباس العنصريّات، وخلقناها من النطفة، وهي ماء الرجل والمرأة.
وأكثر المفسّرين لقد فسّروا «الإنسان» بولد آدم عليه السّلام خاصّة نظرا إلى أنّهم خلقوا من النطفة الكذائيّة دون آدم عليه السّلام، فإنّه خلق من صلصال من طين على التفصيل المسطور في كتب الأخبار.
وبعضهم بجميع أفراد البشر، فيشمل آدم عليه السّلام أيضا نظرا إلى أنّ
__________________
(١) النساء: ١، الأعراف: ١٨٩، الزمر: ٦.
(٢) الكافي ١: ١١٠.
باب التغليب واسع، ولا يخفى أنّه لا حاجة إلى ذلك الاعتذار لو فسّرت النطفة بالمادّة منيّا كانت أو غيرها، وسيأتي إلى ذلك الإشارة إن شاء الله.
الاولى: في نسبته تعالى خلق الإنسان إلى نفسه إشارة إلى ما هو المقرّر في مقامه، من أنّ الممكن الحادث محتاج إلى المؤثّر القديم، فلا يمكن له الوجود بنفسه من غير تأثير المؤثّر الواجب.
وادّعى جماعة من الحكماء على ذلك أنّه ضروريّ أوّليّ، فإنّ العقل بعد تصوّر الممكن من حيث يتساوى طرفاه بالنظر إلى ذاته، وتصوّر المؤثّر المرجّح لأحد الطرفين على الآخر يجزم بأنّ الممكن محتاج في حصول الوجود أو العدم إلى المرجّح ويحكم ببداهة ذلك.
وبعضهم جعلوا بطلان وجود الممكن بنفسه من غير حاجة إلى العلّة القديمة نظريّا، واستدلّوا عليه بوجوه كثيرة لا يخلو بعضها عن وهن.
منها: أنّ مهيّة الممكن تقتضي تساوي الطرفين، ووقوع أحدهما بلا مرجّح مستلزم لرجحانه، وهو مناف للفرض.
ومنها: أنّ الواجب ما كان بذاته منشأ لانتزاع الوجود من غير حاجة إلى العلّة، والممتنع ما كان ذاته منشأ لانتزاع العدم من غير حاجة إلى شيء آخر، والممكن ما ليس ذاته منشأ لانتزاع شيء من الوجود والعدم، بل طريان كلّ منهما له محتاج إلى ضمّ علّة، فلو كان ذاته بذاته منشأ لانتزاع الوجود من غير حاجة إلى ضمّ علّة لزم كونه واجبا، فإنّ المستغني بنفس ذاته عن العلّة مطلقا هو الواجب القديم الّذي يعبّر عنه المشّائيّون بالوجود الحقيقيّ.
والإشراقيّون بالنور العينيّ.
والمتألّهون بمنشأ انتزاع الموجوديّة.
والصوفيّة بمرتبة الأحديّة وحضرة الجمعيّة وعين الكافور والوحدة الحقيقيّة وغير ذلك، واللازم باطل، فلا بدّ من كونه مفتقرا إلى علّة، وهو المطلوب.
ومنها: أنّ الممكن ما لم يترجّح لم يوجد، لأنّ ذلك هو قضيّة الإمكان، وذلك الترجّح أمر حادث لم يكن فيكون وجوديّا، فلا بدّ له من محلّ، وليس هو الأثر لتأخّره عن الترجّح، فيكون هو المؤثّر، وهو المطلوب.
ولهم أدلّة أخرى مذكورة في الكتب المبسوطة في الحكمة.
ويدلّ على ذلك أيضا بعض ما دلّ على وجوب وجود صانع حكيم، كدليل الدور ونحوه. ولسنا نحن بصدد التفصيل.
ثمّ هل الممكن كما يحتاج في وجوده إلى العلّة يحتاج في بقائه إليها أم لا، مسألة خلافيّة متفرّعة على أنّ علّة احتياج الممكنات إلى المؤثّر هل هي الإمكان أو الحدوث، فمن قال بالأوّل ـ كما هو المشهور ـ قال بالأوّل، ومن قال بالثاني قال بالثاني، إذ لا حدوث حال البقاء فلا احتياج.
دليل المشهور: أنّ العقل حاكم بأنّ الممكن ما يتساوى وجوده وعدمه، وما كان كذلك فهو محتاج إلى المرجّح المغاير حتى يرجّح أحد الطرفين، فيعلم منه أنّ علّة الحاجة في الواقع هي الإمكان، حيث رتّب العقل الاحتياج على تساوي الوجود والعدم، وأنّه قد يتصوّر الممكن ولا يحصل العلم باحتياجه إلى المؤثّر ما لم يلاحظ إمكانه حتّى لو فرض حادث واجب بالذات يحكم باستغنائه عن المؤثّر.
وبعد ثبوت أنّ علّة الحاجة هي الإمكان يتّضح القول بأنّ الممكن الباقي حال بقائه محتاج إلى المؤثّر، فإنّ الإمكان لازم لمهيّة الممكن غير منفكّ عنها حال البقاء أيضا، فإنّ الممكن إنّما يصير ممكنا بوصف الإمكان بالضرورة، فمتى تحقّق العلّة وهي الإمكان يتحقّق المعلول وهو الحاجة بالبديهة، ضرورة وجوب تحقّق المعلول بتحقّق علّته التامّة. وذلك واضح.
واستدلّ الآخرون بأنّ تأثير المؤثّر في الباقي محال، لأنّه إن أفاد الوجود الّذي كان حاصلا يلزم تحصيل الحاصل، وإن أفاد أمرا متجدّدا لم يكن التأثير في الباقي، بل في ذلك الأمر المتجدّد، وبأنّ البناء كما يبقى بعد فناء البنّاء، كذلك يجوز أن يبقى الممكن من غير احتياج إلى المؤثّر.
وأجيب عن الأوّل بأنّ المؤثّر يؤثّر في استمرار الوجود وبقائه، فإنّ الحاصل بالحدوث ليس إلّا الوجود في زمانه، وحصول شيء في زمان لا يوجب حصول استمراره وبقائه، فإبقاء الوجود وإدامته من المؤثّر وهو غير حصول نفس الوجود.
وعن الثاني بأنّ الكلام في العلّة الموجدة وليس البنّاء موجدا للنباء، وإنّما هو علّة لحركات الآلات، وتلك الحركات علل عرضيّة معدّة لأوضاع مخصوصة بين تلك الآلات، وتلك الأوضاع مفاضة من علل فاعليّة غير تلك الحركات المستندة إلى حركة يد البنّاء.
ويتّضح من ذلك كلّه أنّ الغنيّ المطلق عن كلّ شيء هو الذات الأحديّة، فإنّها في مقامها الجليل ورتبتها الجليلة غير مفتقرة إلى شيء في الذاتيّة والوجود والبقاء التي هي شيء واحد بحقيقة الواحديّة في عالم الحقّ، لأنّ
ذلك من لوازم العينيّة المسلّمة، وأنّ غيرها من الأشياء الممكنة محدثة بأمرها، موجودة بإفاضة الوجود منها إليها لها، باقية بإدامة رحمتها بها بحيث لو كان فيض الحقّ منقطعا عنها في أوّل الأمر لما كانت شيئا مذكورا.
وكذا لو انقطع الفيض الآن لما يبقى شيء. ونعم ما قيل: إنّ الممكن بالنسبة إلى فيض الحقّ كالمستضيء في مقابلة الشمس إذا حجب عنها زال ضوؤه وصار مظلما.
الثانية: في تعليق «الخلق» على «الإنسان» وإيقاعه عليه إشعار بأنّ المهيّات غير مجعولات بجعل الجاعل، كما هو مذهب بعض الحكماء.
والدليل على ذلك الإشعار أنّ تعليق أمر على الشيء فرع ثبوت ذلك الشيء، فقوله( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ) (١) معناه إنّا أوجدنا مهيّة الإنسان الثابتة، وألبسناها لباس الوجود، وأصبغناها بذلك الصبغ، كما يفعل الصبّاغ بالثوب، فالمهيّة شيء ثابت أزلا، والوجود شيء آخر يعرضها عروض الوصف بالموصوف.
كذا قد يخطر بالبال، وللمناقشة فيه مجال، لأنّ تعليق الأمر على شيء يتصوّر على وجهين :
الأوّل: أن يكون ذلك الأمر من الأوصاف الصرفة التي ينفكّ عن الموصوف المتصوّر، كزينة البيت، وصبغ الثوب، ونحو ذلك.
والثاني: أن يكون من الأوصاف اللازمة المقارنة التي هي في نفس الأمر مقدّمات وشرائط للشيء، كبناء البيت، ونسج الثوب.
__________________
(١) الإنسان: ٢.
ولا يخفى أنّ الأمر المعلّق إذا كان من الأوّل يجب ثبوت المعلّق عليه قبل التعليق، ولا يستلزم المقارنة، فإنّك إذا قلت: صبغت الثوب، يفهم منه ثبوت الثوب أوّلا حتّى يصبغ، وإذا كان من الثاني فلا يستلزم الثبوت السابق، بل التعليق يدلّ على المقارنة، فإنّك إذا قلت: بنيت البيت، يفهم منه أنّ ثبوت البيت قارن بناءه، وذلك واضح.
ولعلّ «الخلق» من ذلك القبيل، أي أوجدنا الإنسان وجعلنا مهيّته مهيّة مقارنة لوجوده، بمعنى أنّا جعلنا المهيّة المعقولة موجودة في الخارج بالجعل البسيط الّذي [هو] عبارة عن موجوديّة المهيّة في الخارج من غير أن تكون شيئا ثابتا في نفسها قبل ذلك، فيصبغها الجاعل بصبغ الوجود، كفعل الصبّاغ.
والحاصل أنّ فعل الحقّ للمهيّة وجعله لها هو بعينه إيجادها في الخارج، واتّصافها بالوجود مقارن لثبوتها، بل لا تمايز بينهما في الخارج حينئذ أصلا.
نعم يحصل التمايز بالتحليل العقليّ، وهما في غير خزينة العقل شيء واحد ثابتان في آن واحد، ألا ترى أنّ المتحرّك إذا تحرّك لا يجعل الحركة ولا شيئا آخر حركة، بل يفعل الحركة، وبمجرّد فعله لها تصير موجودة.
وكذا الخطّاط إذا خطّ لا يجعل الخطّ ولا شيئا آخر خطّا، بل يفعل الخطّ، وبمجرد فعله يصير موجودا في الخارج.
وهكذا، لا الجعل المركّب الّذي [هو] عبارة عن جعل الماهيّة إيّاها أوّلا، ثمّ إطراء الوجود عليها بحيث يكون كلّ منهما متميّزا عن الآخر، فإنّ
ذلك باطل للزوم الجبر المنفيّ عقلا وشرعا، ولاستلزام وقوع الشكّ في كونها مهيّة عند الشكّ في وجود المؤثّر الجاعل. وهو باطل، فتأمّل.
وهنا مسلك آخر لبعض الحكماء، وهو أنّ الماهيّات قديمة أزليّة ثابتة بنفسها من نفسها غير مجعولة بجعل الجاعل، ولا تأثير للباري فيها لأزليّتها، وإنّما الباري خلعها خلعة الوجود، وصبغها بصبغ الوجود، كما قال:( صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً ) (١) فزمان الإيجاد غير زمان الثبوت متأخّر عنه، كيف وهي الحقائق الأزليّة الّتي أشار إليها عليّ عليه السلام في دعاء «سهم الليل» حيث قال: أللّهمّ إنّي أسألك بالحقائق الأزليّة(٢) إلى آخره، فتأمّل.
فقوله:( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ) معناه: إنّا أبدعنا وجوده وأثّرنا فيه لا في مهيّته، والقول بأنّ الوجود أمر اعتباريّ لا يصلح، لكونه أثرا للمؤثّر ممّا لا نفهمه.
والحاصل أنّه تعالى لقد أشار في تلك الآية إلى تأثيره الاختراعيّ بالنسبة إلى الوجود خاصّة، وهو التأثير الإبداعيّ على هذا المسلك، لا بالنسبة إلى المهيّة لأزليّتها، وبعض الحكماء يطلقون التأثير الاختراعيّ على إفاضة الأثر على قابل كالصور والأعراض على المادّة القابلة، والإبداعيّ على إيجاد الأليس عن الليس المطلق.
الثالثة: قال بعض العارفين: إنّ التقديم مع التأكيد والتقرير في قوله: ( إِنَّا
__________________
(١) البقرة: ١٣٨.
(٢) انظر: البلد الأمين: ٣٤٩، مصباح الكفعميّ: ٢٦٥.
خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ) مفيد للحصر، وفيه إشارة إلى دفع ما يتوهّم من إسناد التصوير إلى المصوّرة، فإنّ الفطرة السليمة تشهد بأنّ المصوّرة مركّبة كانت أو بسيطة لا تمكّن لها من هذا التصوير العجيب والتشكيل البديع الغريب، فإنّ البنيّة البهيّة الإنسيّة خلقت بوجه يترتّب عليها بأجزائها منافع شتّى.
وقد أشار الحكماء إلى خمسة آلاف منها، وقالوا: إنّ الحدس الصائب يحكم بأنّ الّذي لم يدرك من منافعها أكثر بكثير ممّا أدرك.
قال جالينوس في آخر كتابه لشرح منافع الأعضاء: إنّي بعد ما عرفت هذه المنافع تنبّهت بأنّ خلق الإنسان وأعضائه ليس باتّفاق، بل روعي فيه تلك المنافع ومصالح أخرى ليس إلّا فعل حكيم خبير قدير. انتهى.
ثمّ إنّ الغزاليّ أسند أفعال المصوّرة، بل أفعال القوى كلّها إلى الملائكة، وإنّي أستفيد من هذه الآية وغيرها ردّ هذا أيضا، فإنّ من تفطّن بها تأكيدا وحصرا وعرف أنّ الإنسان في العلم والعرفان أكثر من الملك بكثير، ونبّه بأنّ الخالق الفاعل لهذا التصوير عليم بالمنافع خبير حكيم، علم أنّه ليس ذلك إلّا فعل فاعل الكلّ ومصوّره، وأنا أرى أنّه كما يستفاد من إتقان العقل وأحكامه علم العقل كما قرّروه واستدلّوا به على علمه تعالى، كذلك يستفيد اللبيب البصير الخبير من حال إتقان المصنوع كيفيّة وكمّيّة علم الصانع، بل كثيرا من صفاته. انتهى ملخّص كلامه.
وحاصله يرجع إلى ما قرّرناه من افتقار الممكن إلى المؤثّر الواجب، ومن أنّ الممكن لا يجوز أن يصير منشأ لوجود نفسه، فلا يمكن أن يصير منشأ لوجود غيره إلّا بالتوسيط، ومن أنّ فاقد الشيء لا يصلح لأن يكون موجدا له، كما قيل:
ذات نايافته از هستى بخش |
كى تواند كه شود هستى بخش |
ولكن ما استفاده من بطلان التفويض والتوسيط فغير مستفاد، لأنّ الشيء كثيرا ما يستند إلى العلّة التامّة، فيقال: أثمر الله، وأنبت الله.
ولا ريب في أنّ الله هو العلّة لجميع العلل، فكيف ينكر عليه في نسبته الخلق إلى ذاته خاصّة مع الحصر، كيف ونسبة الشيء إلى غير العلّة التامّة من العلل المعدّة مجازيّة، يقال: أثمر الشجر، وأنبتت الأرض، وإن صحّت تلك النسبة أيضا.
ألا ترى إلى قوله تعالى:( وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ) (١) وقوله:( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) (٢) كيف نسب التوفّي تارة إلى نفسه، وتارة إلى الملك.
ولا ريب أنّ الأوّل حقيقيّ، كما قال:( هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) (٣) وإن كان بواسطة الغير.
ألا ترى أنّ الأشياء كلّها خلقت من المشيّة مع أنّه ينسب الخلق إلى الحقّ، كما قال:( خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) (٤) وربّما ينسب إلى المشيّة، نظرا إلى كونها واسطة، كما قال عليه السلام: أنا خالق السماوات والأرض بإذن ربّي.
وذلك واضح، فليس في الآية دلالة على أنّ الله خلق الإنسان بمباشرة ذاته من غير أن يفوّض إفاضة الوجود إليه إلى غير، وإن كان القول بالتفويض
__________________
(١) النحل: ٧٠.
(٢) السجدة: ١١.
(٣) غافر: ٦٨.
(٤) الزمر: ٦٢.
بذلك المعنى باطلا بدليل آخر، وهنا أبحاث كثيرة لا يسعها المقام، ولا يتحمّلها أكثر الأنام.
الرابعة: يحتمل أن يكون المراد من النطفة ما هو المنشأ للوجود وهو المشيّة الأزليّة الّتي هي العلّة لوجود الأشياء الممكنة كما عرفت، وتخصيص الإنسان بالذكر لأنّ له من المقام والشرف ما ليس لغيره من الأشياء الّتي خلقت من المشيّة وبها.
وفي توصيف النطفة بالأمشاج الّتي هي الأطوار المختلفة إشارة إلى تطوّرات المشيّة وتحوّلاتها وترقّياتها وتعرّجاتها في حدّ ذاتها، فإنّها لا تزال يفيض الحقّ إليها في جميع الأحوال والأعصار بحسب ما يعلمه من المصلحة والقوّة.
ألا ترى أنّ للنطفة تحوّلات وتنقّلات بحسب الاستعداد. وإن فسّرنا «الإنسان» بمحمّد صلّى الله عليه وآله حينئذ، ففيه إشارة إلى مبادئ حاله صلّى الله عليه وآله ونهاية مآله.
أي لقد ترقّينا بمقام محمّد، بأن جعلناه إنسانا كاملا في الأنس بالحقّ، والفوز بنور الصدق بحيث لا مقام أعلى من مقامه، ولا معراج أرفع من معراجه، بعد ما كان في أوّل الأمر غير كامل واقعا موقع النطفة المستعدّة لتلك المرتبة، وذلك في زمان تشكّله بشكل آدم عليه السّلام، فإنّه في تلك الصورة له مقام النطفة. وهكذا إلى أن برز في هيكله الشريف الّذي كان عليه في زمانه بعد وساطة سائر المراتب كمرتبة نوح وإبراهيم وعيسى وموسى عليهم السّلام.
ولقد أشار إلى تلك المراتب والتحوّلات بقوله:( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) (١) ويناسب ذلك التفريع في قوله:( فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) أي جعلنا محمّدا في ذلك الهيكل الشريف والمقام المنيف، سميعا لكلماتنا المنزّلة، قابلا للحقائق الّتي ما اطلعنا على علمها أحدا من العالمين، بصيرا بآياتنا الجماليّة والجلاليّة، والبوارق الجذبيّة، والبارقات الكشفيّة الّتي لا يستطيع لها مادّة سوى مادّته الشريفة الّتي استعدّت من الأزل.
وهنا مطالب مكنونة لم يعثر عليها سوى العارفين، ولسنا نذكرها لما فيه من مظنّة ضلالة الغافلين.
وقيل: «النطفة» هي ماء الرجل الخارج من الصلب، وماء المرأة الخارج من الترائب، فما كان من عظم وعصب وقوّة فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم فمن المرأة.
وعن بعض الحكماء أنّ المراد بها العناصر المعروفة، أي ركّبنا الإنسان من تلك العناصر على التفصيل المقرّر في مقامه.
و «الأمشاج» إمّا جمع لمشج ومشيج، كالخلط والخليط، والجمع أخلاط، وإمّا مفرد بمعنى المشيج، فيستقيم التوصيف، كما في الثوب الأكياس، أي نطفة مختلطة من الماءين.
وقيل: أي نطفة أطوار متغيّرة من حال إلى حال، طورا علقة، وطورا
__________________
(١) المؤمنون: ١٢ ـ ١٤.
مضغة، وطورا عظاما، إلى أن صار إنسانا.
وقيل: مختلفة اللون، فإنّ نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وصفراء.
وقيل: أي نطفة مشجت بدم الحيض، فإذا حبلت ارتفع الحيض. والكلّ محتمل.
الخامسة: قال الطبرسيّ رحمه الله: «نبتليه» في موضع نصب على الحال(١) . انتهى.
أقول: هذا على المذهب المشهور متعيّن، وأمّا على مذهب من أجاز تقديم الوصف على الموصوف سيّما في مقام يراعى فيه السجع فالتعيين لا دليل عليه، فيحتمل كونه في موضع النصب على الوصفيّة لقوله:( سَمِيعاً بَصِيراً ) بل هو الأقوم لأنّه لا وجه للابتلاء قبل جعله سميعا بصيرا، إذ المراد به هو الاختبار بالتكليف ليظهر حاله من السعادة والشقاوة إلّا على تفسير «الإنسان» بمحمّد صلّى الله عليه وآله والنطفة الأمشاج بمراتب المشيّة، فإنّه صلّى الله عليه وآله لقد اختبر بالتكاليف في تلك المراتب السابقة بحسبها، وفي المرتبة الأخيرة الّتي هي نهاية المراتب بحسبها.
والإخبار عن جعله سميعا بصيرا بحسب تلك الرتبة لا ينفي كونه سميعا بصيرا في غيرها من المراتب بحسبها، فإنّ للإنسان الواحد تكاليف مختلفة في الأزمنة المختلفة. وذلك واضح.
والتكاليف الّتي اختبر الله بها محمّدا إمّا تعمّ التكاليف الّتي كلّف بها
__________________
(١) مجمع البيان، المجلّد ٥: ٦١١.
لأجل نفسه من الطاعات والرياضات وما كلّف به لأجل الخلق كالدعوة إلى الإيمان والأمر بالعمل بما في القرآن، كما قال( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) (١) .
ولقد كان محمّد عبده الخاصّ ورسوله الّذي اصطفاه واختبره بجميع أنواع الاختبارات، فوجده قويّا لحمل التكاليف، جليدا في طاعة الخالق، صابرا على كلّ ما يصيبه في سبيل المرضاة، راضيا بجميع ما جرى عليه، كما قال:( إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (٢) فأعطاه من الشرف والمقام ما لم يعط أحدا من العالمين، حيث قال( فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً ) (٣) أي للكلمات الإلهيّة، والتغنّيات اللاهوتيّة، والترنّيات الهاهوتيّة، والتفرّدات الملكوتيّة الإنسيّة( بَصِيراً ) أي بمشاهدة الأنوار القدسيّة، والشعاشع الجذبانيّة، واللوامع الربّانيّة.
ثمّ لا يخفى أنّ الابتلاء في ذلك الكلام وغيره ممّا نطق به القرآن ليس على حقيقته، إذ حقيقة الابتلاء هو طلب الاطّلاع على المجهول، ولا يتصوّر جهل على الحقّ الموصوف بجميع صفات الكمال على أكمل الاتّصاف.
كيف ولا يعزب عن علمه شيء، وهو بكلّ شيء عليم.
كيف وهو العالم بما كان قبل أن يكون، والمطّلع على أحوال كلّ شيء قبل خلق كلّ شيء، فلا شيء إلّا وهو العالم به قبل وجوده، والمطّلع على جميع أحواله قبل شهوده، ولا تغيير في علمه أصلا.
__________________
(١) المائدة: ٦٧.
(٢) القلم: ٤.
(٣) الإنسان: ٢.
كيف ويعلم بكلّ شيء قبل خلقه كما يعلم به بعد خلقه، وذلك من الواضحات الّتي قد برهنّا عليها في بعض فوائدنا الشريفة.
بل المراد منه إتمام الحجّة على الخلق، وإعلامهم بما هم عليه من السعادة والشقاوة، فإنّ السعيد هو المفطور على السعادة في بطن أمّه، أي في قابليّته الأزليّة، وكذلك الشقيّ مذوّت على الشقاوة من أوّل الأمر، ولكن لـمـّا كان الفريقان لم يعلما بما هم عليه أوجدهم الله وابتلاهم بالتكاليف، وأرسل إليهم النبيّين مبشّرين ومنذرين ليطّلعوا على أحوالهم، ولئلّا يكون لهم على الله حجّة يوم القيامة، الّذي هو يوم بروز حقائق كلّ شيء بما هي عليه، وهو اليوم المشهود فيه خفايا ذوات كلّ شيء، كما قال:( ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ) (١) وقال:( يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ) (٢) وهنا أبحاث كثيرة لا يفهمها كثير من الأنام.
هذا على المذهب المختار، وأمّا على مذهب من زعم أنّ الله تعالى لا يعلم بالشيء إلّا بعد حصوله في الخارج، ولا يلمع نور علمه على الشيء إلّا بعد البروز، كما لا ينوّر الشمس مكانا إلّا بعد رفع الحاجب المانع عن الاستضاءة والاستنارة، فالابتلاء على حقيقته، فإنّه تعالى على ذلك يريد أن يطّلع على ما لم يحط به علمه.
ولا يخفى سخافة ذلك المذهب، كما فصّلنا وجهها في بعض تحقيقاتنا.
السادسة: قد استفاد بعض العارفين من قوله: ( فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) أنّ الإنسان بمزاجه في تركيبه استعدّ لهذه القوى، فإنّ في «الفاء» المفيدة
__________________
(١) هود: ١٠٣.
(٢) الطارق: ٩.
للترتيب واختيار «السميع» و «البصير» دون السامع والباصر إشعار لطيف بهذا.
أقول: وفي اختياره «الجعل» أيضا إشعار بذلك، فإنّه لا يمكن جعل الشيء شيئا إلّا بعد كون الشيء مستعدّا لمقام ذلك الشيء، وممكن الاستعداد له بالإمكان الوقوعيّ الاستعداديّ الّذي هو عبارة عن تهيّؤ الشيء لصيرورته شيئا آخر كتهيّؤ النطفة لمقام العلقة والعلقة، للمضغة. وهكذا.
فلو لا كان الإنسان قابلا لذلك المقام في مقامه الّذي هو فيه لا متنع فوزه بذلك المقام كامتناع فوز الحجر به، وكذلك النطفة لو لم تكن مستعدّة بما هي عليه لصيرورتها علقة لما صارت علقة بالضرورة. وهكذا.
ثمّ لا يخفى اشتراك جميع أفراد الإنسان في ذلك الاستعداد في الجملة، إلّا أنّ الاستعداد قابل للشدّة والضعف، بمعنى أنّه مختلف باختلاف الذوات المستعدّة الأزليّة، فإنّ منها ما هو المستعدّ لكونه سميعا بصيرا على الوجه الأكمل، كما كان محمّد صلّى الله عليه وآله.
ومنها ما هو المستعدّ لذلك على الوجه الكامل، كما كان سائر الأنبياء.
ومنها ما هو المستعدّ له على غير ذين الوجهين على الاختلاف. ولا ريب في أنّ بروز تلك الاستعدادات إنّما هو بعد إضافة الوجود على المستعدّين، فمن كان ذاته في الأزل مستعدّا للكمال يصير بمعونة الوجود كاملا في عالم الشهود. وهكذا.
فلا ظلم أصلا في ساحة الحقّ تعالى، كما زعمه القائل بجعل الاستعدادت في الماهيّات، فإنّنا إذا قلنا إنّ الماهيّات مع استعدادتها كانت
قديمة أزليّة ولكنّها برزت بإفاضة الوجود على الماهيّات، كيف يلزم الظلم؟ بل من الواضح حينئذ أنّ كلّما يتحقّق له فعليّة في شيء فإنّما هو من قبل ذاته لا من قبل الله، كما قال:( وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (١) إلى آخره.
وقال: ( فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) (٢) فكلّ يعمل في هذا العالم الحسّيّ بحسب قضيّة استعداده في العالم الأزليّ الأوّل، إذ العالم الحسّيّ محلّ بروز الاستعدادات الكامنة في الأشياء :
مه فشاند نور وسگ عو عو كند |
هركسى بر فطرت خود رو كند |
ولا يخفى أيضا أنّ الاستعداد للمقام من الصفات الوجوديّة الّتي من شأنها العدم بعد الوجود، والوجود بعد العدم، فيمكن أن يعدم بانتفاء بعض الأسباب وعروض الموانع، كما في الكفّار الّذين أعرضوا عن الأنبياء وما سمعوا لكلماتهم، وما اتّعظوا بمواعظهم، وما شاهدوا نور النبوّة فيهم، مع ما كان لهم من المعجزات الواضحة، والآيات اللائحة الدالّة على شرف مقامهم، وكمال رتبتهم، وفضلهم على غيرهم.
فإنّهم أي الكفّار على ما يدلّ عليه بعض الأخبار لقد كانوا في الأزل مستعدّين لمقام السمع والبصيرة بعد الوجود، ولكنّهم لـمـّا أوجدهم الله، وسلكهم في مسلك الشهود، وهيّأ لهم أسباب فعليّة ذلك المقام من قبيل إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وغير ذلك ممّا يتشرّف به العبد إلى مقام
__________________
(١) العنكبوت: ٤٠.
(٢) إبراهيم: ٢٢.
القرب، ويتنعّم بفواكه جنّات الجذب، كسلوا عن مراعاة تلك الأسباب الّتي هي إحدى المقدّمات للفعليّة، إذ ليس السبب التامّ هو الوجود خاصّة، بل هو وهذه الأسباب حتّى ضاعت أوقاتهم بالاشتغال بغيرها من الموانع لحصول الفعلية، كالإنكار والجحد والعصيان، وغير ذلك ممّا يبعّد العبد عن جنّة الوصال، والفوز بمشاهدة أنوار الجمال والجلال.
فرانت على قلوبهم ما كانوا يكسبون، وطبع عليها فزاغوا عن طريق الحقّ، وعدلوا عن مسلك الصدق، كما قال:( فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ) (١) أي خذلهم وقطع فيض هدايته عنهم، فما زالوا مدبرين عن الحقّ حتّى زاد في كلّ حين مرض قلوبهم بحيث ما يرجى لهم الهداية أصلا ـ العياذ بالله ـ ولقد أشار إليهم بقوله:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (٢) أي الّذين استعدّوا لمقام السمع والبصيرة، فأعرضوا عن الأسباب الموصلة إليه، وتعوّدوا على ذلك الإعراض، وأصرّوا عليه فكفروا كفرا لا يرجى معه الإيمان بعد ذلك، لا ينفعهم الدعاء إلى الإيمان والإنذار في كلّ زمان، فإنّ قلوبهم لقد طبعت بالكفر والشقاوة، وأخذ الله بسمعهم، فلا يلتذّون بكلمات الحقّ، وبأبصارهم فلا يشاهدون أنواره.
وقال تعالى:( أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ
__________________
(١) الصفّ: ٥.
(٢) البقرة: ٦ ـ ٧.
بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) (١) أي هؤلاء الكفّار المعرضين عن مراعاة الأسباب لقد ضيّعوا استعدادهم للهداية، فلا جرم تركوا في مفازة الضلالة( فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ) الّتي أوجدوا لأجلها وخلقوا لها، وما كانوا بعد ذلك مهتدين إلى جنّة القرب السبحانيّ.
وقد أشار تعالى بما مثّل إلى أنّهم كانوا مستعدّين للفوز بنور الحقّ بمعونة نار الشوق الناشئة عن الوجود، فلمّا استوقدت نار الوجود عليهم، وأضاءت ماهيّاتهم الّتي كانت في ظلمات الغيب ما عرفوا قدرها، وما سعوا في تربيتها وإضاءتها بنور الإيمان والهداية( ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ ) أي أحرمهم عن نور الهداية الّذي كانوا مستعدّين لمشاهدته في أوّل الفطرة( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ ) المهيّة( لا يُبْصِرُونَ ) أي غير مستعدّين لأن يبصروا نور الحقّ في المجالي الطيّبة، والمرائي الزكيّة( صُمٌ ) عن استماع التفرّدات الإلهيّة بلسان طواويس الأحديّة( بُكْمٌ ) عن إظهار المطالب الحقّة والحقائق الربّانيّة.
كيف وألسنتهم لا تجري إلّا بالهزل، وما لا يغني صاحبها عن جوع( عُمْيٌ ) عن مشاهدة الشعاشع الصمدانيّة، واللوامع السر مدانيّة( فَهُمْ ) مع تلك الحالة الدنيّة الخبيثة( لا يَرْجِعُونَ ) أي لا يمكن لهم الرجوع إلى ما كانوا عليه من الاستعداد للإيمان، فإنّ استعدادهم لقد عدم بما عملوه من الموانع والحجب.
وقال:( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا
__________________
(١) البقرة: ١٦ ـ ١٨.
أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ ) (١) أي من نور الوجود وهو الاستعداد إلى ظلمات المهيّة وهي الشقاوة والكفر.
ويدلّ على ذلك ـ أي على أنّ الاستعداد ربّما يعدم لأجل الموانع كالإصرار على الإدبار والإنكار ـ ما ورد عن الأئمّة الأطهار عليهم سلام الله الملك الجبّار من أنّ في كلّ قلب نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتّى يغطّي البياض، فإذا غطّى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا(٢) . وهو قول الله( كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ) (٣) وقريب من ذلك قوله: ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة، إنّ القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتّى تغلب عليه فتصيّر أعلاه أسفله(٤) إلى آخره.
ولا ريب أنّ المراد بـــ«النكتة البيضاء» هو نور الاستعداد للهداية، والمراد بـــ«الذنب» هو الإعراض عن الأسباب، كيف لا، وأيّ ذنب أعظم منه! وبــ «النكتة السوداء» المانع الباعث على البعد، وبــ «عدم الرجوع إلى الخير أبدا» عدم الاهتداء بنور الحقّ إلى مسلك الحقّ، وبــ «تصيّر الأعلى الأسفل» انقلاب الاستعداد للفوز بالجنّة إلى الاستحقاق لجحيم البعد، وذلك ظاهر على من استضاء بنور التوحيد، ولا ينكره إلّا من ترك في الضلال البعيد، أللّهمَّ أعذنا منه بالنبيّ والقرآن المجيد.
__________________
(١) البقرة: ٢٥٧.
(٢) انظر: الكافي ٢: ٢٧٣.
(٣) المطفّفين: ١٤.
(٤) الكافي ٢: ٢٦٨، الأمالي، للصدوق: ٣٩٧.
ثمّ كما أنّ الاستعداد للمقام المذكور قد يعدم للموانع، فهل يمكن أن يوجد بعد أن كان معدوما في الأزل المعبّر عنه بـــ«الذرّ» في بعض الألسنة، أو ينقلب إلى المقام الأعلى بحدوث بعض الأسباب وانتفاء الموانع أم لا؟ قضيّة ما مرّ من أنّ الاستعداد صفة وجوديّة، فمن شأنها العدم بعد الوجود، والوجود بعد العدم، وبعض فقرات الدعوات الواردة في بعض ليالي القدر وغيرها: الأوّل.
ويؤيّد الثاني ما ورد من أنّ الشقيّ شقيّ في بطن أمّه، والسعيد سعيد في بطن أمّه(١) .
ومن أنّ الناس لو اجتمعوا على أن يهدوا من كتب عليه الشقاوة، أو يضلّوا من كتب عليه السعادة لم يقدروا.
أو من أنّ المكتوب عليه الشقاوة ربّما يحسبه الناس سعيدا فيموت شقيّا.
وما في دعاء القنوت لعليّ بن الحسين عليهما السّلام: سيّدي! أمن أهل الشقاء خلقتني فاطيل بكائي، أم من أهل السعادة خلقتني فأبشر رجائي، سيّدي! أم لضرب المقامع خلقت أعضائي، أم لشرب الحميم خلقت أمعائي(٢) .
ونحو ذلك ممّا لا يحصى، والجمع ممكن لمن تأمّل هنيئة، والتفصيل عند أهل الذوق مكنون.
__________________
(١) أنظر: تفسير القمّيّ ١: ٢٢٧ وفيه: الشقيّ مَن شقي في بطن أمّه، والسعيد من سعد في بطن أمّه.
(٢) أنظر: الأمالي، للصدوق: ٢١٩.
ولا يخفى أيضا أنّ الشيء إذا كان له الاستعداد للمقام الأعلى ممّا هو فيه في حاله الّذي هو عليه لا بدّ له من أن يمضي عليه مدّة حتّى يقرب استعداده لذلك المقام ببعض أسباب التربية، إذ بدونه لا يمكن حصول بروز الاستعدادات إلى مقام الفعليّة، ألا ترى أنّ النطفة لا تصير علقة إلّا بعد مضيّ زمان محدود عليه، فلا يمكن للنطفة أن تنقلب إليها أوّل وجودها، بل يجب في ذلك تخلّل زمان.
السابعة: في التعبير بـــ«الخلق» في مقام الإخبار عن إيجاد الإنسان، وبــ «الجعل» في مقام الإخبار عن الاتّصاف إشعار بالفرق بين الخلق والجعل، فإنّ الأوّل عبارة عن إخراج الشيء عن العدم المقابل للوجود المعروف إلى الوجود، والثاني عبارة عن التقدير بعد الوجود، فناسب الأوّل «الخلق» فإنّ الإنسان ما كان موجودا بالوجود العنصريّ ثمّ وجد، والثاني «الجعل» فإنّه تعالى ما أوجده سميعا بصيرا أوّل المرتبة، بل بعد أن خلقه وأعطاه الوجود العنصريّ جعله كذلك، فلذا أتى بـــ«الفاء» المفيدة للترتيب لتدلّ على أنّ الجعل فرع الخلق، وأنّ بروز الوصفين فيه إنّما كان لاستعداده من الأوّل قديما من قبل نفسه لا من فعلنا، ونسبة الجعل إلى نفسه بعد التفريع لا تنافي ذلك، لأنّه تعالى أخبر أنّ جعلنا إيّاه كذلك كان لما فيه من القوّة والتهيّؤ له.
ثمّ لا يخفى أنّ الإنسان يتّصف بالوصفين بمجرد الاستعداد، فلا يشترط الفعليّة، ألا ترى أنّه يصحّ أن يقال للنائم إنّه بصير وسميع، وذلك لما فيه من المكنة لذلك، وإن لم يكن الوصف بارزا فيه بالفعل. وذلك واضح.
ومنه يظهر أنّ قوله:( فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) معناه: فجعلنا فيه قوّة ذلك بإفاضة الوجود والاستعداد القديم الغريب، وبمعونة الأسباب المقرّبة يحصل فيه فعليّة ذلك الوصف، بخلاف غيره من أفراد الحيوانات، فإنّها لعدم استعدادها في الأزل لقد حرمت عن ذلك المقام بالذات.
وفي حكمها بعض أفراد الإنسان الّذين أصرّوا في العصيان والشقاوة، واستكبروا عن التذلّل لمظاهر أسماء الله الحسنى، أي الأنبياء وأوصيائهم عليهم السلام فإنّهم كما عرفت لقد عدم استعدادهم وحرموا عن نور الهداية، ولذا شبّههم الله بالأنعام، حيث قال:( وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) (١) أي ولقد خذلنا كثيرا منهم لجهنّم الطبيعة والمهيّة، ومن صفاتهم أنّ لهم قلوب منكدرة بالقساوة والشقاوة «لا يفقهون بها» غرض الأنبياء والأولياء، ولا يطّلعون على حقائق التوحيد «ولهم آذان لا يسمعون بها» تغنّيات طاووس الملكوت في إعلاء كلمة التوحيد، وإفشاء حقائق التجريد «ولهم أعين لا يبصرون بها» أنوار المحبوب اللّامعة عن سماء الحبيب، فـ «أولئك كالأنعام» الّتي ما كان لهم تلك الاستعدادات من الأصل «بل هم أضلّ» منها، لأنّهم كانوا مستعدّين فضيّعوا استعدادهم، فلم يعرفوا رشادهم، و «أولئك هم الغافلون» أي الذاهلون عمّا صنعوا ممّا يبعّدهم عن معارج الحكمة، ومدارج الصفاء ،
__________________
(١) الأعراف: ١٧٩.
ومحافل البهاء البهّاء، وعن مراتب الأخلاق، ومحاسن الأطوار، والفوز بمشاهدة الأنوار.
وفيه إشارة إلى أنّهم في تلك الدار لقد عذّبهم بأليم العذاب، ولكن لسكرهم من خمور الغفلة لا يدركونه في الحال، ولكن إذا زال الحجاب الجسمانيّ فتنبّهوا وتيقظّوا يدركون ألمه كما يدرك السكران ألم الجرح بعد الإفاقة.
وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله:( كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) (١) .
وقال:( وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) (٢) والقرآن مشحون من الآيات الدالّة على فعليّة العقاب، وتأثير العذاب بعد رفع الحجاب، وذلك واضح على أولي الألباب.
الثامنة: قال بعض العارفين: أنظر إلى لطف صنعة الصانع الحكيم، كيف خلق المولود من النطفة، ومزجها بماء الحيض كالساقي المزارع، وكيف جعل النطفة البيضاء علقة حمراء، وكيف قسّم أجزاءها إلى عظام وأعصاب وعروق وأوتار ولحم.
__________________
(١) الزمر: ٢٥ ـ ٢٦.
(٢) الزمر: ٤٧ ـ ٤٨.
ثمّ كيف ركّب منها هذه الأعضاء الظاهرة، فدوّر الرأس، وشقّ في جانبيه السمع، وفي مقدّمه البصر والأنف والفم، وشقّ في البدن سائر المنافذ، ثمّ مدّ اليدين والرجل، وقسّم رؤوسها بالأصابع.
ثمّ أنظر كيف ركّب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرية والمثانة.
ثمّ أنظر إلى العظام مع قوّتها وشدّتها، كيف خلقها من نطفة سخيفة، وجعلها عمادا للبدن، وقواما له، وقدّرها بمقادير وأشكال مختلفة، فمنها صغير وكبير، وطويل وقصير، ومستدير ومجوّف، ومصمّت وعريض ودقيق، ولم يجعلها عظما واحدا لكون الإنسان محتاجا إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه.
أقول: ما ذكره أقلّ قليل ممّا خلق الله تعالى في الإنسان، وممّا أظهر به حكمته وكمال قدرته فيه، كيف ومن الواضح على المستضيء بنور الحقّ أنّه لو اجتمع حكماء الدهر ومعهم الأنبياء الصافون، وأرادوا أن يستقصوا ما جعله الله في الإنسان من الأجزاء والمصالح المترتبّة عليها، والمنافع الملحوظة فيها، ومراتب استعداداته للحقائق والدقائق، ومعارجه إلى عوالم التجريد، واستنارته لمعالم التوحيد، ما قدروا على إدراك أزيد ممّا ألهمهم الله وعلّمهم.
كيف وقد جعل الله الإنسان الكامل خليفته في الأرض، وأنموذجا لجميع ما خلقه في عوالم الملكوت والناسوت وغيرها.
كيف وهو صورة الحقّ وروح العالم، وفيه جميع ما في العالم الكبير ممّا
يتصوّره المتصوّر، ويتوهّمه المتوهّم؟
وهذا معنى ما قيل :
ليس على الله بمستنكر |
أن يجمع العالم في واحد(١) |
وقال عليٌّ عليه السّلام :
دواؤك فيك وما تشعر |
وداؤك منك وما تبصر |
|
أتزعم أنّك جرم صغير |
وفيك انطوى العالم الأكبر |
|
وأنت الكتاب المبين الّذي |
بأحرفه يظهر المضمر |
ولا يخفى أنّ منشأ استعداد الإنسان للفوز بتلك العوالم القدسانيّة هو النفس الناطقة المجرّدة، فإنّ الإنسان لقد خصّ بها من الأزل دون سائر الحيوانات على المذهب الحقّ، وبها فضّل على ما سواه من أفراد الحيوان والجماد والنبات، وهي محرومة عنها لعدم استعدادها لها في الأزل.
ومذهب جماعة من الحكماء كالسهرورديّ أنّ جميع أجزاء العالم حيّة ناطقة حتّى البهائم والجمادات والنباتات، فيتعلّق بها التكليف كلّ بحسب حاله، كما قال:( وَإِنْ مِنْ أمّة إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ) (٢) و( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (٣) .
قال القيصريّ في شرح الفصوص: ما قال المتأخّرون من أنّ المراد بالنطق هو إدراك الكلّيّات لا التكلّم، مع كونه مخالفا لوضع اللغة لا يفيدهم ،
__________________
(١) قاله أبو نؤاس. أنظر: الطراز: ٢٠٣.
(٢) فاطر: ٢٤.
(٣) الإسراء: ٤٤.
لأنّه موقوف على أنّ النفس الناطقة المجرّدة للإنسان فقط، ولا دليل لهم على ذلك، ولا شعور لهم بأنّ الحيوانات ليس لها إدراك الكلّيّات إلى آخره.
وقد قال أبو عليّ مثل ذلك، بل أصرح.
وقيل: إنّ الحيوانات تشاهد ما لا يشاهده الإنسان فيمنعها ذلك عن التكلّم، فلو أنّ إنسانا شاهد مثل ما تشاهده لما قدر على أن يتكلّم.
ويدلّ على ذلك ما قاله محيي الدين الأعرابيّ في الفصوص: لـمـّا أقامني الله في هذا المقام تحقّقت بحيوانيّتي تحقّقا كلّيّا وكنت أرى وأريد أن أنطق بما أشاهده فلا أستطيع إلى آخره.
أقول: الحقّ المستفاد من الآية الشريفة:( أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ ) (١) وغير ذلك ممّا يدلّ على شرف الإنسان هو ما ذكرناه من اختصاص الإنسان بتلك النفس دون غيره، والآيات الدالّة على أنّه ما من شيء إلّا وهو يسبّح بحمده، مؤوّلة بتأويلات وجيهة ذكرناها في «تفسيرنا على سورة الجمعة» ويدلّ على ذلك بعض الأخبار الواردة في «الروح» وهي في «الكافي» وغيره مذكورة.
التاسعة: قد استفاد بعض العارفين من الآيتين ما تقرّر في الحكمة من أنّ لكلّ حادث مركّب خمسة مباد: العدم، والفاعل، والغاية، والصورة، والمادّة.
__________________
(١) الأعراف: ١٧٩.
فالعدم السابق من قوله:( هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) .
والفاعل من قوله:( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ) .
والمادّة من قوله:( مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ ) .
والغاية من قوله:( نَبْتَلِيهِ ) .
والصورة من قوله:( فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) .
أقول: لا ريب في أنّ استفادة العدم من الآية موقوفة على التفسير المشهور، وأمّا على بعض ما فسّرناه فلا يمكن استفادته من الآية الأولى. نعم يمكن استفادته من قوله:( إِنَّا خَلَقْنَا ) فإنّ الخلق هو الإبداع والاختراع المرادف للإحداث، وهو مستلزم للمسبوقيّة بالعدم، وهي مأخوذة في مفهوم الحدوث، كما أنّ عدمها مأخوذ في مفهوم القدم على التفصيل المقرّر في مقامه، وذلك لا ينافي ما قرّرناه من قدم المهيّات، فإنّ متعلّق الإحداث هو الوجود المسبوق بالعدم لا المهيّات، وقد مرّ التفصيل فيما قبل.
وفي جعله الابتلاء غاية للخلق نظر من وجهين :
الأوّل: إنّ العلّة الغائيّة على ما هو المقرّر في الحكمة هي الّتي يفعل الفاعل لأجلها، فهي العلّة لفاعليّة الفاعل، أو المعنى الّذي لأجله تحصل الصورة في المادّة. ولا يخفى أنّ العلّة الغائيّة لخلق الإنسان ما كانت ابتلاءه بالتكاليف، بل كانت هي المعرفة بالحقّ الحاصلة له على أداء التكاليف من العبادة والطاعة الموصلة له إلى جنّات قرب الحقّ، وبساتين جذبه.
فأوّل الغايات لخلقه هي المعرفة، وغاية الغايات هي القرب بالحقّ، والفوز بمعارج الصدق.
وإلى تلك العلّة أشار تعالى بقوله:( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) (١) أي ما خلقتهم لاستكمالي، بل لاستكمال أنفسهم بالمعرفة، تلطّفا منّي إليهم.
وقال الحسين عليه السّلام: إنّ الله خلق الخلق ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، وإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة غيره(٢) .
أي فازوا بمقام التوحيد وتشرّفوا بدرجة التجريد، فلا وجه لجعل التكاليف علّة غائيّة إلّا على سبيل التجوّز، فإنّها موصلة إلى مقام مرضاة الحقّ وقربه، أو على بعض وجوه بعيدة. فتأمّل.
الثاني: إنّ ذلك ينافي ما قرّر في الحكمة من أنّ الغاية مسلوبة عن فعل الله، فإنّ الفاعل الّذي يفعل للغاية يستكمل بها من وجهين :
الأوّل: من حيث إنّه يقصد وجود تلك الغاية، فلا بدّ أن يكون وجودها أولى به، مفتقرا ذلك الفاعل إليه، وهو نقص بيّن بالنسبة إلى الغنيّ المطلق، فإنّ كلّ شيء مستكمل به، فلا يستكمل هو بغيره.
والثاني: إنّه يتمّ بتلك الغاية فاعليّته، فيكون هو ناقصا في فاعليّته، والله تعالى منزّه عن شؤونات النقص، فلا يتصوّر لفعله تعالى غاية كانت علّة لفاعليّة الحقّ سوى ذاته، فهو غاية الوجود، وغاية الغايات، وذاته سبب لفاعليّته.
نعم يمكن الجواب عن تلك المناقشة بأنّ المراد من الغاية هنا هو
__________________
(١) الذاريات: ٥٦ ـ ٥٧.
(٢) أنظر: علل الشرائع ١: ٩.
الغرض، لأنّ أفعال الله تعالى معللّة بالأغراض على المذهب الصحيح، وليس الغرض علّة لفاعليّة الفاعل، فإنّه عبارة عن الحكم والمصالح الّتي تشتمل عليها الأفعال ممّا يجده العقل، ويصير به الفعل حسنا أو قبيحا.
ويمكن استفادة الغرض من قوله: ( فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) حيث فسّرنا «السميع» و «البصير» بما يستلزم المعرفة الحقّانيّة. وفي «الفاء» المفيدة للتعقيب إشعار بذلك، ضرورة أنّ الغاية للفعل لا تتحقّق إلّا بعد ذلك الفعل. وهذا هو الوجه في تسميتها غاية، لأنّ الغاية هي النهاية، كما لا يخفى.
البارقة العاشرة: لا بأس بالإشارة إلى معنى الحديث المشهور من: أنّ الله تعالى خلق آدم على صورته(١) .
فنقول: المحتمل فيه وجوه، منها :
أنّ الكناية راجعة إلى الجلالة، والإضافة للتشريف، كما في قولهم «بيت الله» أي لا ينبغي أن يقبّح على صورة أبدعها واختارها لآدم، إذ لا يفعل الله فعلا، ولا يبدع صنعا إلّا وهو حسن، فكيف يقبّح على فعله؟
ويدلّ على ذلك صدر الحديث، ومنه يظهر أنّ المراد بـــ«آدم» الجنس لا «آدم» الصفيّ عليه السلام.
والمناقشة بأنّ جميع الصور من فعل الله فلا فائدة في التخصيص، يدفعها ما مرّ من أنّ الإضافة تدلّ على التشريف، ولا ريب في شرافة نوع البشر على غيره، وأنّ ذلك لقضيّة المقام، كما يعرف من صدر الخبر.
ومنها: أنّ المراد بـــ«الصورة» الصفة، وبــ «آدم» الجنس، ليكون فيه
__________________
(١) الكافي ١: ١٣٤.
إشارة إلى ما ذكره بعض الصوفيّة من أنّ الإنسان أنموذج من الحقّ، بمعنى أنّه متّصف بجميع صفات الحقّ من العلم والقدرة وغيرهما على وجه يناسب ناسوتيّته.
وهو الوجه الدلالتيّ، بمعنى أنّ الإنسان إذا نظر إلى علمه يستدلّ به على كمال علم الله، وأنّه المحيط بكلّ شيء، وهو العليم فوق كلّ عليم.
وإذا نظر إلى قدرته يتحقّق له أنّ الله تعالى أقدر من كلّ قادر، ولا يشذّ عن قدرته شيء.
وإذا نظر إلى روحه كيف لا يحسّ ولا يمسّ يعلم أنّ الحقّ كذلك لا تدركه الأبصار، ولا يمسّه شيء.
وإذا نظر إلى روحه أيضا كيف يحرّك الهيكل، ويتصرّف فيه بالإرادة، ولا يخفى عليه حركات الهيكل، وليس إلى شيء من الجسد أقرب من شيء وكان مخلوقا قبل البدن، وباقيا بعده، ولا تعرف له كيفيّة وأينيّة يستدلّ بذلك كلّه على أنّ الله تعالى متصرّف في العالم، محرّك للأفلاك العلويّة بالمشيّة والإرادة، وغير جاهل بشيء، لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض و [لا في] السماء، وليس إلى شيء من خلقه أقرب من الآخر، وهو الموجود قبل كلّ شيء، وبعد كلّ شيء، والمتقدّس عن جميع الكيفيّات والأينيّات والحيثيّات، وهكذا يستدلّ بما يرى في نفسه على صفة لله تعالى.
وبهذا فسّر الحديث المرويّ عن عليٍّ عليه السّلام من أنّه من عرف نفسه فقد عرف ربّه(١) . جماعة، وقد عرفت ممّا حقّقناه معنى المعرفة، فبه
__________________
(١) أنظر: مصباح الشريعة: ١٣.
ينبغي أن يفسّر الحديث.
وفسّره بعض بأنّ المراد الإشارة إلى غموض درك حقيقة النفس. وهو حسن أيضا، كما لا يخفى.
ومنها: أنّ المراد بـــ«آدم» الإنسان الكبير، وهو العالم كلّه، فإنّ مجموع الفلكيّات والعنصريّات ـ على ما ذكره جماعة من الحكماء ـ كبدن واحد، والعقل الأوّل روحه، والنفس الكلّيّة قلبه، وروحانيّات الكواكب كلّها قواه.
ألا ترى إلى المحكيّ عن الشيخ المقتول شهاب الدين السهرورديّ في «التلويحات» حيث قال: الحكماء أخذوا العالم حيوانا واحدا سمّوا جسمه الجسم الكلّ، له نفس واحدة ناطقة هي مجموع النفوس، وعقل واحد هو مجموع العقول، وسمّوا مجموع النفوس نفس الكلّ، ومجموع العقول عقل الكلّ إلى آخره.
وبـــ«الصورة» مقابل الحقيقة المكنونة، ليكون إشارة إلى أنّ الله تعالى عين كلّ شيء وحقيقته، وأنّ العالم صورته، كما قال محيي الدين في الفصّ الهوديّ من «الفصوص»: العالم صورة الحقّ، وهو روح العالم المدبّر له، فهو الإنسان الكبير إلى آخره.
وقال أيضا في الفصّ النوحيّ: إنّ للحقّ في كلّ خلق ظهورا خاصّا، فهو الظاهر في كلّ مفهوم، وهو الباطن عن كلّ فهم، إلّا عن فهم من قال إنّ العالم صورته وهويّته إلى آخره.
وقال مؤيّد الدين في شرح الفصوص: من عرف شيئا من العالم وعرفه عريّا عن الحقّ فما عرفه، ولا عرفه على ما هو عليه، وكذلك بالعكس من
عرف الحقّ أو عرفه بزعمه بريّا عن العالم وعريّا عنه فما عرفه ولا عرفه إلى آخره.
وذلك هو مذهب أكثر الصوفيّة المحجوبة عن نور الحقّ.
وحاصل المعنى على ذلك أنّ الله خلق العالم صورة ذاته، فذاته حقيقة العالم، وظاهر العالم صورة الحقّ، وباطنه الحقّ، وهو وجه كلّ شيء، فلا يفنى كما تفنى صورته، كما قال:( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) (١) أي حقيقة كلّ شيء.
وقال:( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ) (٢) .
فمتعلّق الفناء الصورة، والبقاء الوجه الّذي هو الحقيقة، فإنّ الأوّل حادث كثيف، والثاني قديم لطيف، كما قيل: إنّ الله لطف نفسه فسمّاه حقّا وكسفه فسمّاه خلقا.
فما الخلق في التمثال إلّا كثلجة |
وأنت لها الماء الّذي هو نابع |
|
خدايى ليك در صورت نمودار |
خدايى اين حجاب از پيش بردار |
|
چرا در صورت خود مبتلايى |
چو صورت برفكندى خود خدايى |
* * *
فقال أتدري من أنا قلت أنت يا |
مناي أنا إذ كنت أنت حقيقتي |
|
فقال كذاك الأمر لكنّما إذا |
تعيّنت الأشياء بي كنت نسختي |
|
تكثّرت الأشياء والكلّ واحد |
صفات وذات ضمّتا في هويّة |
__________________
(١) القصص: ٨٨.
(٢) الرحمن: ٢٦ ـ ٢٧.
غيرتش غير در جهان نگذاشت |
لاجرم عين جمله أشيا شد |
ولا يخفى سخافة ذلك المذهب، وقد فصّلنا القول فيه وفي ردّه في بعض رسائلنا الشريفة.
ومنها: أنّ المراد بـــ«آدم» العالم، لما مرّ وبــ «الصورة» المثال الظلّيّ، أي جعل العالم ظلّا لنفسه، مرآة لذاته، بحيث يرى ذاته الشريفة في هيكل الناسوت البصير والخبير رؤية ظلّيّة لا ذاتيّة، كما ترى ظلّ شخص وهو في مقام لا ترى شخصه الأصليّ، وبالتعبير الأوضح يرى العارفون إيّاه كما يرون الشمس في الماء.
كه جهان پرتوى است از رخ دوست |
جملة كاينات سايه اوست |
|
هر آن چيزى كه در عالم عيان است |
چو عكسى ز آفتاب آن جهان است |
وقد عرفت سخافة ذلك المذهب أيضا فيما قبل.
ومنها: أنّ المراد بـــ«آدم» هو الروح الإنسانيّ، وبــ «الصورة» المثل والصفة، ليكون إشارة إلى أنّه تعالى خلق للروح أنموذج ما في ذاته من صفات الكمال وغيرها من البساطة والإحاطة ونحو هما، فهو مشارك للحقّ في تلك الصفات ولو لفظا. وهذا الوجه يمكن إرجاعه إلى بعض ما مرّ.
ومنها: أنّ المراد بـــ«آدم» من سوى الأنبياء والمرسلين وبــ «الصورة» الصفة، بمعنى المثابة، ليكون إشارة إلى أنّ الذات الواحدة الإلهيّة كما تتظهّر في أشكال مختلفة يعرف بها الأنبياء والمرسلون، كذلك الحقيقة الآدميّة الناسوتيّة تتظهّر في صور مختلفة.
هر لحظه به شكلى بت عيّار برآمد |
دل برد ونهان شد |
|
هر دم به لباس دگران يار برآمد |
گه پير وجوان شد |
|
اين جمله همو بود كه مى آمد ومى رفت |
هر قرن كه ديدى |
|
تا عاقبت آن شكل عرب وار برآمد |
داراى جهان شد(١) |
وهذا المذهب قريب من التناسخ، وهو في غاية السخافة.
ومنها: أنّ المراد بـــ«آدم» الإنسان الكامل وبــ «الصورة» المثل الوصفيّ، أي جعل الإنسان مستعدّا لأن يصير مثله في الصفات، كما قال: يا ابن آدم، أطعني فيما أمرتك، وانته عمّا نهيتك حتّى أجعلك مثلي، أي في الصفات، وليس كمثلي، أي في الذات، أنا إذا أقول لشيء كن فيكون، وأنت إذا تقول لشيء كن فيكون(٢) .
وقال: أنا حيّ لا أموت، أطعني حتّى أجعلك حيّا لا تموت(٣) إلى آخره.
وتفصيل الحديدة المحماة مكنون عند أهل الذوق، ويخطر بالبال
__________________
(١) أنظر: ديوان شمس التبريزيّ.
(٢) أنظر: إرشاد القلوب ١: ٧٥.
(٣) أنظر: إرشاد القلوب ١: ٧٥، عدّة الداعي: ٣١٠.
لتفسير الحديث وجوه أخرى تطول بذكرها الرسالة، وقد ذكرنا بعضها في «أسرار العارفين» ولا يخفى أنّ بعضها ممّا يأباه ظاهر الحديث، إلّا أنّا ذكرناه للإشارة الإجماليّة إلى بعض المذاهب الشاذّة.
قال الله عمّت رحمته:( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) .
أقول: لقد أشار تعالى إلى كمال عدله ولطفه بالإنسان حيث هيّأ له الأسباب الّتي توصله إلى مقام فعليّة ما استعدّت مهيّة له في أزل الآزال، وهو الترقّي بحسب حاله، والكمال بما يليق بكينونيّته، فإنّ ذلك هو الغرض المقصود في خلق الإنسان كما مرّ له البيان.
وقد عرفت أنّه تعالى ما خلقه ليستكمل شيئا من هويّته، كيف وقد كان غنيّا عن كلّ شيء قبل خلق كلّ شيء، مثل غنائه عن كلّ شيء بعد خلق كلّ شيء، فما غيّر ذاته الغنيّة شيء، بل هو الآن غنيّ عن كلّ شيء، كما كان قبل ما كان لما كان، فما دعاه إلى خلق شيء حاجته إلى وجود ذلك الشيء في جلب منفعة أو دفع مضرّة حتى يقضي بذلك حاجته، ويستكمل به كينونيّته، بل قضى بذلك ذاته من حيث هو لفيّاضيّته ورحمته، إذ لا يتصوّر البخل في مبدأ الفيّاض المطلق، فأفاض الوجود على الماهيّات ليستكملن ويفزن بلذّات الوجود، ويطربن في روض رياض الشهود.
من نكردم خلق تا سودى كنم |
بلكه تا بر بندگان جودى كنم |
ولا يخفى أنّ من تلك الأسباب بل من أجلّها العقل اللّامع الملكوتيّ المجرّد عن شوائب الهوى النفسانيّ، قد منّ الله على ذلك النوع به، وفضّله به على سائر أنواع الخلق، وهو الجوهر البسيط الصافي الّذي يهدي الله به
الإنسان إلى معرفة حقائق الأشياء وتميّز الحقّ عن الباطل، والطيّب عن الخبيث، والجنّة عن الجحيم، والكامل عن الناقص، وغير ذلك.
وهو أفضل ما خلقه الله من الروحانيّات الساذجة، وهو الرسول الباطنيّ من الله على خلقه، كما يدلّ عليه بعض الأخبار المرويّة عن آل الله.
وبذلك لقد فسّر قوله تعالى:( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (١) أي لا نعذّب أحدا بأعماله إلّا بعد أن نعطيه العقل المميّز بين الأمور، الّذي يعرف به الحسن عن القبيح، والواجب عن المباح والمحظور، فهو منشأ الأمر والنهي، وعلّة التكليف، وبه يثاب ويعاقب.
كما روي في الكافي عن أبي جعفر عليه السّلام قال: لـمـّا خلق الله العقل استنطقه، ثمّ قال له أقبل؟ فأقبل، ثمّ قال له أدبر؟ فأدبر، ثمّ قال: وعزّتي وجلالي، ما خلقت خلقا هو أحبّ إليّ منك، ولا أكملتك إلّا فيمن أحبّ، أما إنّي إيّاك آمر، وإيّاك أنهى، وإيّاك أعاقب، وإيّاك أثيب(٢) .
وفيه عن موسى بن جعفر عليه السّلام قال: إنّ لله على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة، وأمّا الباطنة فالعقول(٣) .
وهذا معنى ما قيل: إنّ العقل هو الوصف الّذي يفارق به الإنسان سائر البهائم، وهو المستعدّ لقبول العلوم النظريّة، وتدبير الصناعات الفكريّة إلى آخره.
__________________
(١) الإسراء: ١٥.
(٢) الكافي ١: ١٠.
(٣) الكافي ١: ١٦.
فحاصل التفسير: إنّا أوضحنا للإنسان الطريق الصواب بمصباح العقل الصافي، فإنّ كدّره بشوائب الأغراض النفسانيّة فقد كفر، وإلّا فهو من الشاكرين الواصلين إلى ما هو الغرض الأصليّ المقصود لإبراز صفة الخلّاقيّة.
ومن تلك الأسباب: الأنبياء الصادقون الّذين دعو الخلق إلى الحقّ بالمعجزات الباهرات، والآيات البيّنات، لما فيهم من القوّة القدسيّة الملكوتيّة الّتي لا تصل إليها أيدي غيرهم من مراتب الخلق، فإنّهم لقربهم من الحقّ في عالم الأزل استضاؤا من نور شمس الحقيقة أكثر ممّا استضاء منه من عداهم، فلذا فازوا بمقام النبوّة والرسالة في ذلك العالم، وما كان ذلك إلّا لأجل ما استعدّت له ماهيّاتهم في القديم، فلا لأحد أن يقول لم ما جعلني الله نبيّا أو رسولا، فإنّ الله ما جعل ذلك إلّا بعد ما كان لهم من المقام في الأوّل، فتخصيص المقام بهؤلاء في عالم الشهود له مرجّح قطعا، وهو الاستعداد الأزليّ في الغيب الأوّل، وليس ذلك الاستعداد لكلّ أحد حتّى يدّعي ذلك المقام، بل خاصّ بهؤلاء قطعا.
صد هزاران طفل سر ببريده شد |
تا كليم الله صاحب ديده شد |
فما اشتهر من بعض جهلة الصوفيّة من أنّ إنّه يمكن لكلّ أحد أن يفوز بمقام النبوّة والولاية بالرياضات والعبادات، كما يقال :
از رياضت هركسى كامل شود |
وز عبادت مرد حق واصل شود |
ناش عن الجهالة والغرور، كيف فلو عبد الله عبد بين الركن والمقام إلى ألف ألف عام، وزكت نفسه، وصفت عن جميع شؤونات الهوى ليس له
الفوز بمعرفة ذلك المقام، فضلا عن وصوله إليه.
خليليّ قطّاع الفيافي إلى الحمى |
كثير وأمّا الواصلون قليل |
وبالجملة: لا ريب في أنّ هؤلاء الصافين الفائزين بحقائق الأمور، أسبابٌ جليلة لإكمال النفس وهدايتها إلى مقام قرب الحقّ، كيف وهم الأطبّاء المعالجون لأرواح الخلق بحسب ما يرونه ويعرفونه بمعارفهم الواقعيّة، فيعالجون كلّا بحسب حاله، إذ الناس نفوسهم مريضة، وعقولهم بشوائب الجهل مغشوشة، كما قلت :
خلق جمله گمرهانند وعليل |
أنبياء حق طبيبند ودليل |
|
أوليا جمله دليل اين رهند |
مردمان بى أوليا بس گمرهند |
كيف وجميع الامّة أطفال غير مميّزين لما شاب عقولهم من الهوى النفسانيّ، فليس لهم بعد ذلك أن يميّزوا الخير من الشرّ، والطيّب من الخبيث، وهؤلاء الأنبياء عليهم السلام بمنزلة الآباء، لأنّهم يعرفون كلّ ذلك، فلهم أن يربّون الامّة، ويصلحون ما أفسدوا، ويزجرون عمّا به هلكوا، ويأمرونهم بما فيه خيرهم، كما قال صلّى الله عليه وآله: أنا وعليّ أبوا هذه الامّة (١) . أي نربّي جميع أصناف الخلق بما نراه ونعرفه.
خلق اطفالند جز مست خدا |
نيست بالغ جز رهيده از هوا |
والحاصل: إنّهم عليهم السّلام يهدون الخلق إلى مقام السعادة كلّا بحسب استعداد هويّته، فللكلّ أن يسعدوا إن أجابوهم في دعوتهم إلى الحقّ، لما مرّ من أنّ الناس كلّهم مستعدّون لكلمة التوحيد، ومقام الإيمان
__________________
(١) أنظر: تفسير الإمام العسكريّ عليه السّلام: ٣٣٠، علل الشرائع ١: ١٢٧.
والتجريد في الجملة، إلّا أنّ بعضهم لإصرارهم في الإنكار والاستكبار لقد ضيّعوا ما كان فيهم من الاستعداد للرشاد، فتمّت حجّة الله عليهم في المعاد. وقد دلّت على ذلك أخبار كثيرة لا يبقى معها الريب لمن نال السداد، وهنا مذاهب أخرى لا تخلو عن الفساد.
منها: ما اختاره القيصريّ في «شرح الفصوص» وتبعه في ذلك جمع من الصوفيّة وهو: إنّ الله تعالى بعث الأنبياء على جميع الناس لهدايتهم إلى الكمال المقرّر لهم في الحضرة العلميّة باقتضاء استعداداتهم القديمة، سواء كان ذلك الكمال إيمانا أو كفرا، فأكمل الأنبياء سعادة المؤمنين، وشقاوة الكافرين، وأبرزوا هاتين الصفتين بالدعوة، فمن أجابهم فيها برزت سعادته وكملت، ومن أنكرهم برزت شقاوته وكملت، كما قال:( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً ) (١) إلى آخره.
ومنها: ما سمعته من بعض العارفين من أنّ الأنبياء إنّما بعثوا على المعتدين المفسدين في بلاد الله، والعاتين على عباد الله، ليرشدوهم إلى الهدى وطريق الحقّ، كي لا يفسدوا في الأرض بدعوى باطلة وغيرها من التسويلات الشيطانيّة، فأمروهم بالعبادات والطاعات لتحسم مادّة فسادهم بانقيادهم، وما كانوا مبعوثين على الفقراء الخاضعين المطيعين الّذين لم يريدوا في الأرض علوّا ولا فسادا، فإنّ البعث لا ينفعهم، إذ الغرض منه ما كان إلّا رفع الفساد، ولا فساد فيهم حتّى يصلحه.
__________________
(١) التوبة: ١٢٤ ـ ١٢٥.
ألا ترى أنّ السلطان لا يبعث الحاكم إلى بلاده إلّا لرفع الفساد، ودفع عتوّ العاتين، ولا يخفى أنّ ذلك المذهب في غاية السخافة، والجواب عنه واضح على من تدبّر.
ومنها: إنّهم بعثوا لهداية المؤمنين خاصّة، فإنّ الكفّار قد سبق في علمه تعالى أنّهم لا يؤمنون، فكان الغرض الأصليّ من البعث هو دعوة المؤمنين إلى طرق الهداية، وفي ذلك المذهب أيضا ما لا يخفى.
ومنها: إنّه كما يكون بين أسماء الحقّ تضادّ وتقابل كذلك يكون ذلك بين مظاهر الأسماء، إذ للأسماء الإلهيّة قضيّة الظهور في مظاهر الأكوان والبروز في مجالي الأعيان، فكما أنّ الأسماء الجماليّة تقتضي البروز والاشتهار، كذلك الأسماء الجلاليّة تقتضي الظهور والإظهار، وكما أنّ اسم الهادي يتحلّى في مجالي المؤمنين والأبرار، كذلك المضلّ يظهر في مظاهر المشركين والكفّار، كذا قيل.
فيجب أن يكون بين المظاهر المختلفة حاكم عدل يميّز بينها، ويفصل حقّها عن باطلها، ويظهر حقائقها ليطّلع العارفون على حقائق كلّ شيء، وعلى الأسماء المربّية لكلّ شيء، فإنّ لكلّ اسم مظهر في ذلك العالم يربّيه بتأثيره الكامن فيه، وهو الأنبياء الّذين كنفس واحدة، كما عرفت، فالغرض من بعثتهم هو إبراز السعادة والشقاوة خاصّة.
الأولى: المراد بالهداية في تلك الآية هو إراءة الطريق بقرينة التفصيل، وتطلق على الإيصال أيضا، وهو غير مراد من الآية قطعا، إذ لا وجه للتفصيل
بقوله:( إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) لأنّ الفائز بالغرض من الهداية بحقيقة الفوز لا يختار الضلالة أصلا، كيف وهل يختار العاقل الجحيم على النعيم الدائم، والظلمة على النور، والمحنة على السرور؟
فارتداد القوم عن الإيمان بعد تلبّسهم به دليل واضح يكشف عن عدم إيمانهم أوّلا، وعدم التذاذهم بلذّات الإجابة، فهم لقد كانوا كافرين في أوّل المرتبة غير مؤمنين في حين، فإنّهم لو كانوا بحيث استشمّوا من الإيمان ومقام العرفان رائحة، أو سمعوا لمفردات الحقّ رنّة لما رجعوا، فإنّ الملتذّ من الشيء لا يكفّ عنه اختيارا، والخارج عن الظلمات لا يرجع إليها، فهؤلاء محرومون عن لذّة الإيمان ومحجوبون عن نور العرفان.
وقال الله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ) (١) .
الثانية: في نسبة الهداية إلى ذاته تعالى إشعار بأنّ الشيء ينسب إلى المبدأ الأعلى، فإنّه هو العلّة التامّة الجاعلة لجميع العلل، فكلّ العلل أسباب مجعولة وآلات مقرّبة مستندة إلى العلّة الأولى، فإنّه لو لم تكن العلّة الأولى لما تحقّقت تلك العلل، كيف وعلّيّتها إنّما هي بعلّيّة الأولى، فإليها ينبغي أن تستند الأمور الحاصلة من العلل المتوسّطة وإن كان الاستناد إليها جائزا أيضا.
قال المحقّق الطوسيّ في «شرح الإشارات»: قد شنّع عليهم أبو البركات البغداديّ بأنّهم نسبوا المعلولات الّتي في المراتب الأخيرة إلى المتوسّطة، والمتوسّطة إلى العالية، والواجب أن ينسب الكلّ إلى المبدأ الأوّل، ويجعل
__________________
(١) النساء: ١٣٧.
المراتب شروطا معدّة لإفاضته تعالى، وهذه مؤاخذة تشبه المؤاخذات اللفظيّة، فإنّ الكلّ متّفقون على صدور الكلّ منه تعالى، وأنّ الوجود معلول له على الإطلاق، فإن تساهلوا في تعاليمهم لم يكن منافيا لما أسّسوه وبنوا مسائلهم عليه إلى آخره.
وقال فخر الدين الرازيّ في «المباحث المشرقيّة»: الحقّ عندي أنّه لا مانع من إسناد كلّ الممكنات إلى الله، لكنّها على قسمين :
منها: ما إمكانه اللازم لمهيّة كاف في صدوره عن الباري تعالى، فلا جرم يكون وجوده فائضا عن الباري من غير شرط.
ومنها: ما لا يكفي إمكانه، بل لا بدّ من حدوث أمور قبل حدوثه، لتكون الأمور السابقة مقرّبة للعلّة الفيّاضة إلى الأمور اللاحقة إلى آخره.
والحاصل: أنّ الهداية مستندة إلى الله تعالى، فالمتصدّون لأمرها من الأنبياء وغيرهم أسباب جعلها الله واسطة لإفاضة الفيض إلى الخلق، فلا يهدونهم إلّا بقدرة الله، ولا فعل لهم في ذلك، فلو نسبت إليهم فالنسبة مجازيّة، من قبيل نسبة المعلول إلى العلل المتوسّطة، وكذلك أمر الإضلال، فإنّه تعالى يضلّ الخلق بأسباب جعلها، كما قال( يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ) (١) وما أورد على ذلك من لزوم الجبر والظلم غير وارد، والجواب عنه يعرف من مطاوي ما أسلفناه، فلا حاجة إلى التفصيل.
الثالثة: قد عرفت أنّ في النسبة المذكورة إشعارا بأنّ الاهتداء بالأنبياء هو الاهتداء بالحقّ تعالى.
__________________
(١) الرعد: ٢٧، النحل: ٩٣، فاطر: ٨.
وفيها: أيضا إشعار بأنّه بعد الوصول إلى المطلوب لا ينبغي الإعراض عن الدليل، فإنّ الإعراض عن الأنبياء هو الإعراض عن الحقّ، كما تدلّ عليه الآيات القرآنيّة، بل الدليل في المقام نفس المدلول، فإنّ الغرض الأصليّ من الهداية هو المعرفة بحقّ مظاهر الحقّ لا بالحق، فإنّه لا سبيل إليها أصلا كما عرفت.
ففي النسبة إشعار بأنّ الطاعة لهم هي طاعة الحقّ، كما قال:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) فمعصيتهم هي معصيته، فهم الملحوظون في غرض الهداية، فكيف يعرض عنهم بعد الفوز بمقام الهدى؟.
وتوضيح المقال أنّ الواسطة الموصلة على وجهين :
الأوّل: أن لا تكون في نفسها ملحوظة مقصودة، بل الاشتغال بها إنّما يكون لأجل الوصول إلى غيرها المقصود، والدلالة إليه بحيث لا حاجة إليها تبقى بعد الوصول إلى المطلوب المدلول كالدلالة، فإنّ لك حاجة إليها قبل الوصول إلى العروس، وبعده تختار الفرار عنها لعدم الحاجة إليها حينئذ، وفقدان الفائدة فيها، بل ربّما تكون حاجبة، وكالمصباح الّذي تستضيء به في الظلمة إلى حين زوالها، فإنّه إذا زالت الظلمة وأضاءت الأمكنة بنور الشمس لا يبقى لك حاجة إليه أصلا، فإنّك حينئذ تستضيء بنور الشمس، وتستغني به عن المصباح، ويقال لك: أطفئ المصباح فقد طلع الصباح.
وقد عدّ بعض العارفين من ذلك القبيل العلم الرسميّ وكتبه، فإنّها دالّة إلى العلم الحقيقيّ، وبعد الفوز به لا ينبغي الاشتغال بغيره، وقد حكي أنّ عارفا بعد ما حصّل العلم ثلاثين سنة ألقى جميع كتبه في البحر وقال: نعم
الدليل كنت! ولكنّ الاشتغال بالدليل بعد الوصول إلى المدلول محال.
وبعضهم العقل المعتاد الجزئيّ، فإنّه بعد الفوز بالعقل الكلّ يستغنى عن ذلك العقل، ولا ينبغي العمل بقضيّته.
ولا يخفى أنّ المقدّمات الموصلة وإن لم تكن في أنفسها مقصودة، إلّا أنّه لا ينبغي الاستخفاف بها واستحقارها بعد الوصول إلى ما هو الغرض منها، كيف وهي الأسباب الّتي لولاها لما كنت واصلا إلى المطلوب أبدا، فيجب عليك شكرها والثناء عليها من تلك الجهة. ولنعم ما قيل :
هزار بوسه زنم هر زمان به پاى خودم |
براى آنكه رسانيد او به كوى توأم |
الثاني: أن تكون في نفسها ملحوظة أيضا بمعنى أنّها تكون مقصودة مع ما يترتّب عليها، فبعد الوصول إلى الغرض الثاني لا يعرض عنها، فإنّها الغرض الأوّل أيضا.
ألا ترى أنّه قد يشرب العسل للشفاء واللذّة، وتحقّق الشفاء به لا يحملك على الإعراض عن شربه بعد ذلك، لأنّ الالتذاد أيضا من الأغراض المقصودة منه.
ومن ذلك القبيل الأنبياء والأولياء فإنّ المهتدي إذا فاز بمقام القرب الإلهيّ المقصود من الهداية ليس له أن يعرض عنهم عليهم السّلام فإنّ في صحبتهم والثناء عليهم لذّات مقصودة لا توجد في صحبة غيرهم أصلا، ولا يدركها إلّا من عرفهم بحقيقة النورانيّة، فالعارف الروحاني الصافي عن شوائب الطبيعة إذا نظر إليهم لا ينظر إلّا إلى روحانيّتهم، فيرى مقامهم أرفع
من مقام كلّ شيء، فيزداد شوقه إلى مصاحبتهم، ولا يزال يعشقهم ويبذل فيهم محبّته بحيث لا يرى لنفسه وجودا في طمطام يمِّ وجودهم الشريف، كيف ولا يختار الجنّة على صحبتهم، بل هي جنّة العارف يلتذّ بها.
با بهشت عدن ما را كار نيست |
كوى جانان روضه رضوان ماست |
ولا تتعجّب من ذلك أيّها السامع لتلك الكلمات، أما ترى أنّ شخصا لو افتتن بوجه جميل وعشقه كيف لا يصبر ولا يرضى إلّا بصحبة معشوقه، وتصير همومه كلّها فيه همّا واحدا :
هر كجا تو با منى من خوشدلم |
گر بود در قعر چاهى منزلم |
مع أنّ ذلك الجمال يفنى ويتغيّر بتغيّر الأحوال والأطوار الّتي تمضي على صاحبه، فالجمال الحقيقيّ الروحانيّ الّذي لا يتغيّر أبدا، بل يزيد بهاؤه كلّ حين إذا عشقه العارف، كيف يكفّ عنه ويرضى بالمفارقة عن صاحبه، كلّا ما عرف الأنبياء بالنورانيّة أحد إلّا وقد عشقهم بحقيقة العشق، ولاذ بهم في جميع أحواله، وأثنى عليهم في جميع مقاله، وتمسّك بعروة حبّهم، وإن ألحّ العاذل وأصرّ اللائم.
وأمّا الّذي جهل بحقّهم وحرم عن درك محبّتهم، فلكمال جهله، وانهماكه في الغفلة يرى النبيّ صلّى الله عليه وآله كواحد من الناس ويقول أبشرا منّا واحدا نتّبعه، ويتعجّب من الّذين يؤمنون به، ويثنون عليه، ويطيعونه في جميع أوامره ونواهيه، ويحمل ذلك على سفاهتهم وجهالتهم، كما أشار إليه بقوله:( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ
كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ) (١) .
حال دل زليخا آنكس نكو شناسد |
كو از براى يوسف دست بريده دارد |
|
گرش ببينى ودست از ترنج بشناسى |
روا بود كه ملامت كنى زليخا را |
|
راز درون پرده ز رندان مست پرس |
كين حال نيست زاهد عالى مقام را |
وظنّي أنّ بعض المتصوّفة قائلون بأنّ العبد المرتاض إذا وصل إلى مقام القرب بهداية الأنبياء يجب عليه أن يصفّي قلبه عن أن يخطر فيه أسماؤهم عليهم السّلام وإلّا فما فاز بحقيقة التوحيد، إذ التوحيد الحقيقيّ عبارة عن إخلاص القلب عن جميع ما سوى الحقّ كائنا ما كان.
توحيد به عرف صوفى صاحب سير |
تخليص دل از توجّه اوست به غير |
وهذا الكلام لا أرى له معنيا محقّقا، بل هو لفظ لا حقيقة له ولا مصداق، كأكثر ما يقوله المتصوّفة ويدّعونه في كلماتهم وأشعارهم.
ومن ذلك القبيل أيضا ـ أي من القسم الثاني ـ العبادات الّتي جعلها الشارع المقدّس وعمّمها لجميع المكلّفين ليستكملوا بها، ويهذّب بها نفوسهم العاتية، ويصفّي بها قلوبهم القاسية، فيلتذّوا بحقيقتها وروحانيّتها، ويتعرّجوا بها إلى عوالم القدس، ومعالم الأنس.
__________________
(١) البقرة: ١٣.
فمتى تحقّق لأحد منهم ذلك المقام بحقيقته لا يسقط عنه التكاليف أصلا، لعدم الفائدة لها حينئذ، لأنّ لها في ذلك المقام فوائد أخرى يدركها الفائز بها، بل يتعرّج بها إلى مقام أعلى ممّا فيه، إذ لا نهاية لكمال الإنسان، ولا غاية لمقام ترقّيها، بل يترقّى من مقام إلى آخر بسعيه وجهده، كما قال: ( لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) (١) أما رأيت الأنبياء والكمّل كيف مع كمال مقامهم وفضلهم على غيرهم كانوا مواظبين على العبادات من الصلاة والصيام وغيرهما من الطاعات في الملاء والخلوات، فيجب على غيرهم من الأمّة متابعتهم في تلك الأمور بقدر القوّة والاستطاعة، فإنّهم هم المقتدون الّذين جعلهم الله خلفاءه في بلاده لعباده :
آئينه ذات حق چو درويشانند |
از هر جهتى قبله ما ايشانند |
|
فكرم نرسد بگرد ايشان هرگز |
زانرو كه بسى بزرگ وعالى شانند |
والقول بأنّ مواظبتهم على تلك العبادات إنّما كانت لأجل تعليم الأمّة الناقصة من باب الاضطرار لا لعبادة الحقّ تعالى كفر محض، وقدح فيهم وفي إخلاصهم عليهم السّلام لا يقول به إلّا الشقيّ الجاهل :
أتقدح فيمن شرّف الله قدره |
وما زال مخصوصا به طيّب الثنا |
|
رجال فهم سرّ مع الله صادق |
ولا أنت من ذاك القبيل ولا أنا |
والمتصوّفة الخبيثة الّذين يسمّون أنفسهم بالواصليّة يزعمون أنّ العبد إذا وصل بالحقّ وصار حقّا يسقط عنه التكاليف كلّها، فلا ينبغي له العبادات،
__________________
(١) النجم: ٣٩.
فإنّها حاجبة بين العبد والربّ بعد الفوز بمقام الوصال، وليس العبد حينئذ مأمورا بها لمكان الغاية في قوله( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (١) .
وما حكاه «العلّامة الحلّيّ» رحمه الله في «النهج» عن بعض الصوفيّة مشهور، والكلمة الّتي قرّروها في كتبهم وأشعارهم من أنّه «إذا جاءت الحقيقة بطلت الشريعة» مشهورة.
وكذا ما قالوه من أنّه لا تكليف لأولياء الله، وغير ذلك من الترّهات الّتي تضحك منها الثكلى، وتلك الكلمات متفرّعة على ما أسّسوه من أنّ العبد المرتاض إذا فنى عن نفسه يتّصل بالحقّ بحيث لا فرق بينه وبينه، فيصير إلها محيطا بكلّ شيء، فلا معنى للعبادة في حقّه، بل يجب على غيره عبادته، كما قيل :
در آن حين كه من حقّ مطلق شوم |
نماند دوئى جملگى حقّ شوم |
|
بود علم من علم بى منتها |
به لاهوت وناسوت وأرض وسما |
|
بود علم من علم حقّ قديم |
نباشد به جز من خداى كريم |
وبعضهم لقد أوّلوا مقالهم هذا بأنّ مرادهم بأنّه لا تكليف لأولياء الله ليس ما ذكر من سقوط التكليف، بل المراد أنّه لا مشقّة فيه لهم كما تكون لغيرهم، فإنّهم يلتذّون بالعبادات فكيف يكون ذلك لهم مشقّة، كما قال:( وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ) (٢) .
ولا بأس بذلك التأويل، حيث إنّ «نجم الدين» الّذي كان منهم قال في
__________________
(١) الحجر: ٩٩.
(٢) البقرة: ٤٥.
بعض رسائله: يسقط التكليف عن عبادة الخواص، بمعنى أنّ التكليف مأخوذ من الكلفة وهي المشقّة، فيعبدون الله بلا مشقّة وكلفة، بل يلتذّون ويطربون.
وحكى عن «الخضرميّ» أنّه كان يقول: إنّ الناس يقولون إنّي حلوليّ، وإنّي أقول بسقوط التكليف عن عباد الله، وكيف أكون حلوليّا ولا أرى في الوجود سوى الله؟ وكيف أقول بسقوط التكليف ولي ورد من صبائي ما فاتني إلى هذا الوقت؟ ولكن أقول لا كلفة في عبادة عبّاده الخواص إلى آخره.
إلّا أنّا نسمع من بعض جهلتهم ذلك المقال، أي التصريح بسقوط التكليف مطلقا للفائز بمقام الوصال.
وقد تبعهم في ذلك القال بعض الجهّال لعنهم الله في جميع الأحوال حيث زعموا سقوط العبادات الّتي تعبّدنا بها خاتم الأنبياء محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله عن جميع العباد.
وقالوا: إنّهم لقد كملوا في ذلك الزمان وفازوا بألباب العبادات، وهي مراتب التوحيد، ومقامات التجريد، فلا حاجة لهم إلى قشورها، فإنّ الفائز باللبّ يستغني عن القشر، والملتذّ بالمقام الألذّ لا يتوجّه إلى المقام الأدنى، ألا ترى أنّ المولود في أوّل ولادته إلى مدّة يلفّ بخرق كثيفة وهي لائقة بحاله في تلك المدّة ولا تليق بحاله في زمن التميّز والبلوغ، فالناس من عصر الخاتم صلّى الله عليه وآله إلى ذلك العصر كانوا أطفالا متعبّدين
بالقشور الظاهرة، وقد صاروا في ذلك العصر مميّزين، بل بالغين، فيجب أن لا يتوجّهوا إلى ما كانوا به متعبّدين في الزمن الأوّل، وينبغي لهم أن يسعوا في تهذيب النفس وتصفيتها عن شوائب الطبيعة، وتحصيل الحالات الإلهيّة الّتي هي الغرض من تلك العبادات.
فيا سبحان الله! كيف أضلّهم الشيطان، وتركهم في ظلمات الضلالة وهم لا يبصرون، فو الّذي برأ النسمة وشرّف الكعبة لقد ضلّت تلك الفرقة الطاغية عن دين محمّد صلّى الله عليه وآله واستهانوا بملّته السمحة الحنيفة فأضلّوا كثيرا من حمقاء الأمّة، فلعنهم الله بما قالوا وأعدّ الله لهم عذابا أليما.
ولقد فصّلنا الردّ عليهم في بعض رسائلنا الشريفة، ومؤلّفاتي المنيفة.
فيا أيّها المهتدي بأنوار القدس، لا يغرّنّك هؤلاء الشياطين بكلماتهم وأحوالاتهم الّتي جعلوها شركا لصيد الجهّال، فإنّهم ربّما يتلبّسون بلباس أهل الحال فيضلّون الجهّال، فراقب نفسك لا يغرّوها بحيلهم، فإنّهم كملحد في صورة الموحّد، وزنديق في هيئة الصدّيق :
اى بسا إبليس آدم روى هست |
پس به هر دستى نبايد داد دست |
|
صوفى نهاد دام وسر حقّه باز كرد |
بنياد مكر با فلك حقّه باز كرد |
|
گويند جماعتى كه راهى داريم |
وز كسوت عارفان پناهى داريم |
|
گر تاج نمد كمال ايشان باشد |
ما نيز ازين نمد كلاهى داريم |
الرابعة: المراد بالسبيل هو سبيل التوحيد، فإنّه الصراط المستقيم، وبه يتوصّل إلى جنّات قرب الحقّ، وبساتين جذبة الصدق، فإنّ الفائز بذلك المقام عار عن جميع الشؤونات العرضيّة العارضة للفطرة الأصليّة وهي
فطرة الإسلام، كما قال: كلّ مولود يُولَد على فطرة الإسلام إلّا أنّ أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يُمَجِّسَانِه(١) .
فالفطرة الذاتية الّتي فطر الناس عليها هي التوحيد وما يعرضها من الشؤونات المنافية لذلك المقام، فهو أمر عرضيّ يمكن رفعه ببعض الأسباب المعدّة لذلك، فذلك المقام ميسّر لكلّ أحد إنْ استعان بما أُعدّ لذلك من الأسباب، لأنّ الذاتيّ للشيء لا يرفع غالبا وإنّما المرفوع الأمر العرضيّ.
وقد أشار إلى ذلك بقوله:( قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ) (٢) أي سهّل له طريق التوحيد بإعداد الأسباب الموصلة.
ويحتمل أن يكون المراد بالسبيل هو حبّ عليٍّ عليه السّلام وأولاده الأئمّة، فإنّه هو الطريق إلى الجنّة العالية، كيف لا؟ وقد دلّت أخبار كثيرة على أنّه: لو عبدَ عبدٌ بين الركن والمقام ألف سنة ثمّ لقى الله بغير محبتّهم أكبَّه الله على منخره في النار خالدا فيها ما دامت السماوات والأرض(٣) .
كيف ويسأل الناس يوم القيامة عن حبّ هؤلاء الأطهار، فمن كان في قلبه ذرّة من حبّهم لا يدخل الجحيم، بل يتنعّم بنعيم الجنّة خالدا فيها، ومن حرم عن ذلك يحرم عن لذّات الجنّة ويخلّد في النار مهانا.
كيف وهم العلل الغائيّة لخلق عالم الإمكان، والأقطاب لدائرة العرفان.
__________________
(١) أنظر: عدّة الداعي: ٣٣٢، عوالي اللآلي ١: ٣٥.
(٢) عبس: ١٧ ـ ٢٠.
(٣) أنظر: الصراط المستقيم ٢: ٤٩، المناقب ٣: ١٩٨.
كيف وقد اصطفاهم الله على من دونهم من أصناف الخلق، وأوجب على الكلّ إطاعتهم ومتابعتهم في أمر الحقّ، فبهم فليتمسّك المتمسّكون، ويعتصم المعتصمون :
وكلّ لهم سؤل ودين ومذهب |
ووصلكم سؤلي وديني هواكم |
|
وأنتم من الدنيا مرادي وهمّتي |
مناي مناكم واختياري رضاكم |
وقيل: المراد بالسبيل هو الطريق إلى تكميل النفس، فإنّه به يتوصّل إلى السعادة القصوى، والجنّة العليا.
وقيل: المراد طريق المعرفة في الدين، الّذي يتوصّل به إلى ثواب الأبد، ويلزم كلّ مكلّف سلوكه، وهي أدلّة العقل والشرع الّتي تعمّ جميع المكلّفين.
وقيل: المراد سبيل الهدى والضلال.
وقيل: المراد سبيل الفجور والتقوى، كما قال( فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ) (١) .
أقول: يمكن إرجاع الكلّ إلى أحد الوجهين اللذين أشرنا إليهما فيما سبق.
الخامسة: قيل في تفسير الآيات: إنّ الإنسان خلق من أمشاج لا للعبث، بل للابتلاء والامتحان، ثمّ أعطي ما يصحّ معه الابتلاء وهو السمع والبصر اللّذان هما أشرف الحواسّ، ولهذا خصّا بالذكر.
وفيه إشارة إلى أنّ الحواسّ السليمة أسباب كلّيّة لتحصيل الكمالات
__________________
(١) الشمس: ٨.
النفسيّة، فمن فقد حسّا فقد علما.
ثمّ أوضح له بواسطة أن آتاه العقل السليم سبيل الهدى والضلال، فقوله:( إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) حالان من فعل «هديناه» أي مكّنّاه وأقدرناه في هاتين الحالتين فعلى هذا، تقديره: هديناه السبيل، فيكون إمّا شاكرا وإمّا كفورا، وفيه جهة الوعيد، أي وإنْ شاء فليكفر، وإن شاء فليشكر.
أقول: لا يخفى أنّ تقديره بقوله: فيكون إمّا شاكرا ينافي ما بنى عليه من كونهما حالين، لأنّهما على تقديره يكونان خبرين لفعل «الكون» المحذوف.
وقيل: هما حالان من السبيل على الإسناد المجازيّ. وفيه ما لا يخفى من التكلّف.
السادسة: قيل إنّ «إمّا» في الآية للتفصيل وهو المشهور.
وقيل: للإبهام، كما في قوله:( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) (١) فالمعنى هديناه السبيل ثمّ جعلناه تارة شاكرا وتارة كفورا.
وقيل: للشرط، وأصلها «إن» و «ما» زائدة للتأكيد، كما في قوله:( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ) (٢) .
قيل: وفيه نظر، لوجوب أن يلي أداة الشرط الفعل، ولا فعل في الكلام وفيه أنّ المقدّر كالمذكور، إذ التقدير: إمّا كان شاكرا فنكرمه بالجنّة، وإمّا كان كافرا فندخله النار ولا يخفى ما فيه من التكلّف.
__________________
(١) التوبة: ١٠٦.
(٢) البقرة: ٣٨، طه: ١٢٣.
السابعة: قال الباقر عليه السّلام في تفسير الآية: إمّا آخذ فشاكر، وإمّا تارك فكافر(١) .
وقال الصادق عليه السّلام: عرفناه إمّا آخذا وإمّا تاركا(٢) .
أقول: لعلّ المراد الأخذ بولاية عليّ عليه السلام وتركها فإنّ الآخذ شاكر، والتارك كافر.
وتحقيق ذلك أنّ عليّا عليه السّلام لـمـّا فاز بمقام الولاية الخاصّة كان مبيّنا لجميع الأحكام الإلهيّة الّتي أوحاها إلى محمّد صلّى الله عليه وآله وعارفا بحقائقها على ما هي عليه، ولم يكن أحدٌ غيره لائقا لذلك المقام الشريف، ومستحقّا له، فما ترك الرسول حكما إلّا وقد بيّنه عليٌّ وصيّه حتّى ما كان للأمّة أن يضلّوا بعده صلّى الله عليه وآله، لأنّ الوصيّ هاد للأمّة بعد النبيّ، فله عليه السّلام حقّ عظيم على الأمّة.
كيف وقد أنعم عليهم بنعماء روحانيّة، حيث هداهم السبيل إلى الحقّ، وكشف عن أسرار التوحيد، وألاح لهم أنوار التجريد.
وذلك واضح على من تتّبع كلماته عليه السلام وخطبه ودعواته، فهو المنعم وواسطة الفيض من الحقّ إلى الخلق، فيجب شكره على الخلق، لشهادة العقل بوجوب شكر المنعم.
وقال عليه السّلام: من لم يشكر المنعم من المخلوق لم يشكر الخالق(٣) .
__________________
(١) الكافي ٢: ٣٨٤.
(٢) التوحيد: ٤١١.
(٣) أنظر: عيون أخبار الرضا عليه السّلام ٢: ٢٤.
ولا ريب أنّ الأخذ بمحبّته عليه السّلام والسلوك بطريقته، والمشايعة له في أطواره، والثناء عليه بطيّب الثناء هو الشكر له بحقيقة الشكر، وكذلك الإعراض عن محبّته، والضلالة عن سنّته كفران لنعمته العظيمة، وهي هداية الناس إلى سبل الدين، وشرائع اليقين، كما قال:( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ) (١) وقال:( فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ ) (٢) .
وهنا تحقيق آخر، وهو أنّ المعصومين من آل الله تعالى هم الوسائط بين الله وخلقه، بمعنى أنّه تعالى خلق العالم كلّه لأجلهم، بحيث لولاهم لما كان شيء مخلوقا، كما قال: لولاك لما خلقت الأفلاك ولولا عليٌّ لما خلقتك(٣) .
فهم العلّة لوجود الخلق كلّه، فلهم حقٌّ عظيم على الخلق. كيف وأيُّ نعمة أعظم من نعمة الوجود، وقد كانوا عليهم السّلام منشأ لتلك النعمة العظيمة، والمنّة الجزيلة، فيجب على الخلق كلّهم أن يثنوا عليهم بما هو في قدرتهم واستطاعتهم، ويشكروا لهم بأحسن الشكر، فالشاكر من عرفهم وأحبّهم وأبغض عدوّهم، والكافر من جهل بحقّهم أو أبغضهم وأحبّ أعداءهم.
وهذا هو السرّ في الأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ من لم يحبّ عليّا وأبغضه فهو كافر، أي كافر بالنعمة العظيمة، وهنا كنوز حقائق لم يعثر على
__________________
(١) النحل: ٨٣.
(٢) البقرة: ٨٩.
(٣) أنظر: تأويل الآيات: ٤٣٠، المناقب ١: ٢١٦.
مقاليدها إلّا من امتحن الله قلبه للإيمان.
الثامنة: قيل: الشكر صرف ما أعطاه الله فيما خلق لأجله، والكفران يقابله، ومنه الكفور المقابل للشكور.
وقيل: المراد بالشكر الإقرار بالله، وبالكفران إنكاره.
وقيل: المراد بالشاكر المطيع، وبالكفور كلّ من سواه سواء كان كافرا أو عاصيا.
أقول: لا يخفى أنّ الكفر يستعمل في عدّة معان، كما يستفاد من بعض الأخبار والاستعمالات على وجه الاشتراك أو الحقيقة والمجاز، ولكن لا ريب في أنّ مقابلته بالشاكر قرينة على أنّ المراد به هو الكفران للنعمة.
ويؤيّده قوله: «إنّا هديناه» فإنّ فيه إشعارا بالامتنان والإنعام، وتفسير الشاكر بالمقرّ والمطيع تأباه حقيقة الشكر. نعم يمكن ذلك نظرا إلى أنّ في الإقرار والإطاعة معنى الشكر على التفصيل الّذي قدّمناه. فليتأمّل.
التاسعة: في التفصيل بـــ«إمّا» إشعار بالانحصار في الفرقتين وعدم الواسطة، كما في قوله( فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا ) (١) إلى آخره، أي لا مقام بين المقامين كما لا مقام بين النور والظلمة، والهداية والضلالة.
وما قيل من أنّ بين الإيمان والكفر مقاما وهو الإسلام لأنّ الإيمان هو الاعتقاد الباطنيّ والإسلام هو العمل الظاهريّ لا يصغى إليه، لأنّ الإسلام من مراتب الإيمان، فإنّ له مراتب كثيرة كما يدلّ عليه أكثر الأخبار الواردة في الباب، أدناها مرتبة الإسلام، فلا وجه لجعلها مقاما على حدة.
__________________
(١) هود: ١٠٥ ـ ١٠٦.
وكذا ما قيل من أنّ المستضعف ليس بكافر، لأنّه ما جحد أمرا، ولا بمؤمن، لأنّه ما آمن بشيء، فهو بين الكفر والإيمان.
وبعبارة أخرى: هو واقع في الأعراف، وهو الواسطة بين الجنّة أي الإيمان، والنار وهو الكفر، فثبت الواسطة، كما قال:( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) (١) ، والمراد هؤلاء المستضعفون، لأنّ مرادنا بنفي الواسطة إنّما هو نفيها عن مقام الاستعداد، أي النفوس مستعدّة إمّا للإيمان وإمّا للكفر، ولا واسطة، فالمستضعف من إحدى الفرقتين بعد تهيّؤ الأسباب لفعليّة استعداده وعدم الموصوفيّة الفعليّة لا يثبت الواسطة. فليتأمّل.
البارقة العاشرة: في مقابلة الكفور بالشاكر دون الشكور إشعار بقلّة أهل الشكر وكثرة أهل الكفر، كما قال:( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ) (٢) وقال:( وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ ) (٣) وقال:( لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (٤) .
وروي أنّ من بين ألف واحد للجنّة والباقي للنار.
وفي رواية واحد لله والباقي للشيطان.
هذا على التفسير المشهور، وأمّا على التفسير بأنّ المراد هديناه السبيل ثمّ جعلناه تارة شاكرا، وتارة كفورا، ففي المقابلة إشعار بأنّ الإنسان في حالة
__________________
(١) التوبة: ١٠٦.
(٢) سبأ: ١٣.
(٣) الحجّ: ١٨.
(٤) الحجر: ٣٩ ـ ٤٠، ص: ٨٢ ـ ٨٣.
شكره قليل الشكر لاغتراره برحمة ربّه، ولكنّه في حالة كفرانه كثير الكفران مبالغ في ذلك لغلبة جنود نفسه على جنود عقله، وإنْ ذلك إلّا لكمال جهله وغفلته واغتراره باللذّة الفانية، كما قال:( وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ ) (١) إلى آخره.
وقال:( إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) (٢) أي: كثير الظلم على نفسه بالكفران، وكثير الجهل بمقام الإيمان.
وقد خطر بالبال في ذلك الحال سرٌّ آخر للمقابلة في المقال، وهو أنّ القليل من الكفران كثير في مقام الحقّ، فإنّ في ذلك تجرّؤ العبد الذليل اللّاشي على المولى الجليل القهّار، وهذا أمر عظيم غاية العظم كما لا يخفى.
وأمّا الشكر وإن كثر من العبد فقليل بالنسبة إلى الحقّ تعالى، كيف ونعماؤه تعالى على عباده بمرتبة لا يمكن لأحد منهم أن يستقصي شكر القليل منها، فضلا عن الكثير، كيف ونعماؤه علينا أكثر ممّا يتصوّره كلّ متصوّر، ويتوهّمه كلّ متوهّم، كما قال عليه السّلام الحمد لله الّذي له في كلّ نفسٍ من الأنفاس، وخطرة من الخطرات منّا، منه منن لا تحصى، وفي كلّ لحظة من اللحظات نعم لا تنسى، وفي كلّ حال من الحالات عائدة لا تخفى(٣) إلى آخره.
فكيف يمكن لنا شكر الحقّ على نعمائه الّتي أنعم بها علينا. كيف ولو اجتمع كلّ ما في الأرض والسماء لشكر نعمة حقيرة منه لما قدروا عليه ،
__________________
(١) الإسراء: ٨٣، فصّلت: ٥١.
(٢) الأحزاب: ٧٢.
(٣) البلد الأمين: ١٣٥.
وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه تعالى قال: لا يتّكل العاملون لي على أعمالهم الّتي يعملونها لثوابي، فإنّهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم وأّفْنَوْا أعمارهم في عبادتي كانوا مقصّرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي، والنعيم في جنّاتي رفيع الدرجات العلى في جواري(١) إلى آخره.
اختتام
لا بأس بالإشارة الإجماليّة إلى كشف القناع عن الحديث المشهور من أنّ: الشقيّ من شقى في بطن أمّه، والسعيد من سعد في بطن أمّه(٢) .
فنقول: المراد ببطن الأمّ هو عالم الماهيّة الّتي هي محلّ الاستعدادات المختلفة، وهي المنفعلة بفعل الإيجاد، والقابلة لنور الوجود في عالم الشهود، ولذا عبّر عنها ببطن الأمّ كما يعبّر عن الوجود الطارئ بالأب، والمناسبة ظاهرة.
فحاصل المعنى: إنّ الله تعالى ما أجبر عباده على شيء من الشقاوة والسعادة، بل الشقيّ في عالم الشهود لقد كان مهيّته في عالم الغيب والأزل مستعدّة للشقاوة، مقتضية لها، وبالوجود برز استعدادها لها، فإنّه شرط لتأثير المهيّة كما ثبت في محلّه، وكذلك السعيد في ذلك العالم هو الّذي استعدّت هويّته في عالم الأزل للسعادة عند الإيجاد، فما ظلم الله عباده أصلا لما مرّ من أنّ المهيّات ليست مجعولة، والعلم بالشيء ليس جعل ذلك الشيء بالضرورة.
__________________
(١) الكافي ٢: ٦٠، ٧١.
(٢) تفسير القمّيّ ١: ٢٢٧، التوحيد: ٣٥٦.
آنچه هست از قامت ناساز بى اندام ماست |
ورنه تشريف تو بر أندام ما كوتاه نيست |
وهذا هو القول المجمل من المفصّل الّذي ينبغي أن يورد في المقام.
وقيل: إنّ المراد ببطن الأمّ هو عالم الذرّ الّذي عرض فيه الوصفان على كلّ أحد من العباد، فمن اختار وصف الشقاوة وهي إنكار الحقّ في ذلك العالم تظهر شقاوته في عالم الوجود الشهوديّ العنصريّ، وكذا من اختار وصف السعادة في ذلك العالم تظهر سعادته في هذا العالم، وتختم عاقبته بالسعادة، كما قال: يسلك بالسعيد طريق الأشقياء حتّى يقول الناس ما أشبهه بهم، بل هو منهم، ثمّ تتداركه السعادة، وقد يسلك بالشقيّ طريق السعداء حتّى يقول الناس ما أشبهه بهم، بل هو منهم، ثمّ تتداركه الشقاوة، إنّ من كتبه الله سعيدا وإن لم يبق من الدنيا إلّا فواق ناقة ختم له بالسعادة(١) إلى آخره.
وقيل: المراد ببطن الأمّ في الأوّل الجحيم، وفي الثاني النعيم، أي :
الشقيّ من ساء حاله في النار، كما قال:( فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ) (٢) والسعيد من فاز بالجنّة الدائمة وسعد بها.
وقيل: المراد هو معناه الظاهر، أي: الشقيّ يكتب عليه الشقاوة في بطن أمّه قبل الولادة، وكذا السعيد.
وقيل: المراد الهيئة والصورة القابلة للوجود، أي: الشقيّ يتّصف
__________________
(١) الكافي ١: ١٥٤، التوحيد: ٣٥٧.
(٢) القارعة: ٩.
بالشقاوة في حال وجوده لقبوله صورة الشقاوة، وكذا السعيد.
فحينئذ تتعدّد المهيّة بالسعادة والشقاوة، وتختلف بالوجود، فإنّ الوجود عين المهيّة مقارن لها ألا ترى أنّ الشمس إذا طلعت يقع منها الشعاع من غير تراخ، بل حصوله مقارن لطلوعها. والاختلاف حاصل بذاته ومع ماهيّته، فالوجود كالشمس، وماهيّة العباد كالشعاع، فالوصفان مقارنان للوجود، عارضان للمهيّة، والله تعالى مخترع للمعروض خاصّة وليس مؤثّرا في الاتّصاف، أي اتّصاف المهيّة الموجودة بالسعادة والشقاوة، فهما غير مستندتين إلى الحقّ حتّى يلزم الجبر والظلم.
ولا يخفى أنّ ذلك ينافي ما ورد من أنّ الله خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه، فمن خلقه الله سعيدا لم يبغضه أبدا إلى آخره.
وفي ذلك المقام مباحث كثيرة يطول بذكرها الرسالة.
قال الله عزّ وجلّ:( إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً ) .
أقول: لـمـّا أخبر تعالى بما أنعم على الإنسان من الأسباب الموصلة له إلى مقام الكمال من القوى وغيرها، وبأنّه إنْ صرف قواه فيما خلق لأجله فهو شاكر، وإنْ صرفها فيما لم يخلق لأجله فهو كافر، بيّن ما يترتّب على الشكر من القرب، وعلى الكفر من البعد، وابتدأ بالثاني إظهارا لسطوته وقهّاريّته، فقال:( إِنَّا أَعْتَدْنا ) أي: هيّأنا لمن قدم إلينا بالكفران معرضا عن مقام الإيمان بقضيّة استعداد مهيّته أسبابا توصله إلى نيران البعد، وجحيم الحجاب.
ولعلّ المراد بـــ«السلاسل والأغلال» هي الشؤونات الّتي تمنع العبد عن الدخول في حرم قرب الله، وتحجبه عن الفوز بمشاهدة أنوار وجه الله ،
وتحبسه عن الخروج عن ظلمات الطبيعة إلى ساحة صفاء الله، فكما أنّ السلسلة والغلّ يمنعان المقيّد المحبوس عن أكثر التصرّفات، كذلك تلك الشؤونات المبعّدة تمنع العبد عن كمال نفسه، فلا يفوز بمقام القرب الصمدانيّ.
وإلى ذلك أشار الله بقوله:( لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إلى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) (١) .
أي لقد ثبت الحكم بعدم إيمانهم وكفرهم من الأزل، فهم لا يؤمنون في هذا العالم، لأنّ قضيّة استعدادهم الأزليّ هو الكفر لا الإيمان، فنحن بقضيّة عدلنا الّتي هي: إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه جعلنا لهؤلاء حجبا تمنعهم عن الإيمان، وسدّا يصدّهم عن الفوز بحقائق القرآن، فصاروا عميا عن مشاهدة الأنوار، وصمّا عن استماع الأسرار، فلا ينفعهم الإنذار، لأنّهم لا يؤمنون في ذلك العالم بعد قبولهم للكفر في العالم الأوّل. فليتأمّل.
وبـــ «السعير» هو نار الحجاب الّتي توقّدت في أفئدتهم وصدورهم بحيث ضاقت وأظلمت بكدورات الهوى، فمرضت قلوبهم بداء الكفر والضلال، كما قال:( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ) فهم محجوبون عن الحقّ، وممنوعون عن الفوز بالصدق بما حجبهم الشيطان وأنساهم ذكر الله، وحملهم على الأخلاق الدنيّة الّتي هي المبعّدات عن السعادة الأبديّة، كما
__________________
(١) يس: ٧ ـ ١٠.
قال:( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ ) (١) .
حيث تعلّقت قلوبهم بالعقائد الفاسدة، واشتغلت بسعر الجهل واحترقت بنار آلام الضلال والبعد عن ساحة الجلال، وانكدرت نفوسهم بشؤونات الهوى، فصارت مسلسلة مغلولة بتلك التعلّقات المبعّدة، مسعورة بنار الفراق بحيث لا يمكنها بعد ذلك الوصول إلى السعادة الأبدية الّتي حقيقتها القرب إلى الحقّ تعالى.
الأولى: لا تتوهّم أيّها الناظر في الكلمة الّتي أسلفناها أنّ مرادنا بها حصر الآلام في الآلام العقليّة الروحانيّة، فإنّنا نحن أهل الشريعة المحمّديّة متّفقون على حشر الأجساد والجنّة والنار الجسمانيّتين على التفصيل المقرّر في الشريعة. كيف وجميع الأنبياء والأولياء لقد أخبروا بذلك، بل صار ذلك عندهم ضروريّا، ومنكره كافرا، كما لا يخفى.
وعن جماعة نفي الجسميّة، وقد أوّلوا كلمات النبيّين عليهم السلام بأنّهم قد قالوها لمصلحة العوامّ.
ولا يخفى فساد مذهبهم على أحد بعد اطّلاعه على أدلّتهم الّتي أقاموها على إحالة إعادة المعدوم، والتفصيل مذكور في كتب الكلام والحكمة.
الثانية: ذكر جماعة أنّ الروح بعد مفارقته عن البدن العنصريّ المحلول لا بدّ له من بدن آخر، إذ لا يبقى الروح بلا جسد فيكون له جسد مثاليّ يسمّى
__________________
(١) المجادلة: ١٩.
بالبدن المكتسب، فإن كان عاصيا يتألّم بما اكتسبه في الدنيا من الأخلاق الرديّة، والملكات الفاسدة إلى يوم القيامة الكبرى، كما قال:( وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (١) .
وقال:( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ) (٢) .
وإن كان مطيعا صحيح العقيدة يتلذّذ بأخلاقه الحسنة في بدنه المثاليّ، كما قال عليه السّلام: المؤمن إذا قبضه الله صيّر روحه في قالب كقالبه في الدنيا، فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليه القادم عرفه بتلك الصورة الّتي كانت في الدنيا(٣) .
ولعلّ هذا المقام هو الجنّة الّتي أشار إليها بقوله: إنّ لله جنّة ليس فيها حور ولا قصور ولا عسل ولا لبن، يتجلّى فيها ضاحكا مستبشرا، انتهى.
وهذا معنى ما قيل: من أنّ النفس الإنسانيّة بمنزلة اللوح، والأعمال والأخلاق بمنزلة الأرقام والنقوش، والبدن بمنزلة الغبار، فإذا ارتفع غبار البدن عن لوح النفس يظهر ما فيه من أثر الأخلاق، فيتألّم العاصي، ويلتذّ المطيع.
وما قيل: من أنّ الحيّة الّتي تلسعك في القبر هي الّتي تلسعك الآن، ولكن نفسك لاشتغالها بتدبير البدن لا تدرك الألم، فإذا ارتفع غفلتها بسبب
__________________
(١) المؤمنون: ١٠٠.
(٢) آل عمران: ٣٠.
(٣) الكافي ٣: ٢٤٥.
الاشتغال بمفارقتها عن البدن تحسّ الألم، فإنّها حينئذ غير سكرى من خمور محبّة الدنيا فتجد ما عملته محضرا، وتودّ لو أنّ بينها وبينه أمداً بعيدا، ألا ترى إلى السكران المجروح كيف لا يدرك ألم جراحته إلّا بعد الصحو والإفاقة؟!
الثالثة: قال بعض العارفين: لعلّ النكتة في تقديم «السلاسل» ثمّ «الأغلال» ثمّ «النار» أنّ المؤدّب اللطيف الحاذق يقدّم الأسهل حتّى يختم بالأشدّ، ليكون ذلك أردع للنفوس الجاهلة، فإنّ تلك النفوس إذا ذكرت عليها السلاسل يقع عليها خوف، فإذا أردفت بذكر الأغلال ازدادت خوفا وهيبة، فإذا ضمّ الذكر بالنار المسعورة فإنّها تكون في غاية الخوف، وهذا مفهوم ظاهر بحسب العرف، بخلاف ما لو قدّم الأشدّ، فإنّ ذكر «السعير» في أوّل التحذير إنْ أفاد النفس انزجارا ففي الثانيين لا يستفيدها شيئا، بل ربّما يسهل عليها بسبب ما توعدّت به.
أقول: ويحتمل أن يكون في ذلك إشارة إلى مراتب أحوال الكفّار، فإنّهم مختلفون في العذاب بحسب اختلاف مراتب كفرهم، إذ منهم من هو واقع في أوّل مقام الكفر، ومنهم من هو واقع في المقام الثاني، ومنهم من هو واقع في المقام الثالث الّذي ليس فوقه مقام، كما قال:( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) (١) .
ولا ريب في الواقع في المقام الأوّل حجابه أقلّ من الواقع في المقام الثاني، والواقع في الثاني أقلّ حجابا من الواقع في المقام الثالث، والواقع في
__________________
(١) النساء: ١٤٥.
المقام الثالث هو الّذي جعل من بين يديه سدّا ومن خلفه سدّا فتحترق نفسه بنار الفراق الأبديّ الدائميّ، كما قال:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ) (١) إلى آخره.
الرابعة: في تنكير قوله( سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً ) إشارة إلى شدّة الألم، وعظم تلك الأمور، وفضيحة الكفّار بأشدّ الفضائح، كما قال:( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (٢) .
وممّا أتى فيه التنوين للتعظيم قوله :
له حاجبٌ عن كلّ أمر يشينه
أي: حاجب عظيم. فليتأمّل.
الخامسة: قال بعض العارفين: إنّ النفوس الجاهلة الّتي كفرت بأنعم الله بسبب مجاورة الأبدان تتمكّن فيها ملكات رديّة بحسب قوّتيها النظريّة والعمليّة وهيئة متنافية لكمالاتها، وإذا فارقت الأبدان أدركت الآلام الحاصلة بسبب تلك الهيئات الرديّة، فيمكّن فيها شوق ما فارقته فلم تقدر عليه، فكانت عديمة الوسيلة إلى مبدئها وتقول( رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها ) (٣) .
ومثل ذلك العضو تمكّن فيه الألم في الدنيا إلّا أنّه حصل ما يعوّقها من إدراك ذلك الألم، فإذا زال العائق حصل الألم فبقي حينئذ تلك النفوس مقيّدة
__________________
(١) النساء: ١٣٧.
(٢) البقرة: ٧.
(٣) المؤمنون: ٩٩ ـ ١٠٠.
بسلاسل علائق الأبدان، مغلولة بأغلال الهيئة الرديّة المتمكّنة فيها، متنكّسة في كرب سعير الأشواق، محترقة بنار ألم الفراق، خالدين فيها مادامت السماوات والأرض، وكانت قد ناداها مناد الحقّ فتغافلت وغرّت فحلّ عليها غضب الحقّ، فسلبت قواهم، فصاروا في ظلمة الهيولى صمّا بكما عميا فهم لا يرجعون.
وقيل فيها:( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى * قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ) (١) ومن أعظم الآلام( إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) (٢) ( يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إلى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ * قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ) (٣) .
فالموت الأوّل هو موت الجهل والحياة الأولى هي الوجود عن العدم، والموت الثاني هو مفارقة الأبدان والحياة الثانية هي النشور، فأحسن بهذا الوعيد الّذي ترتعد من ظاهره فرائص الجاهلين، وتقشعرّ من باطنه جلود السالكين.
واعلم أنّك لـمـّا فهمت حقيقة الشقاوة ينبغي أيضا أن تفهم أنّ النفوس فيها بسبب فقد الكمالات على مراتب ستّ :
__________________
(١) طه: ١٢٤ ـ ١٢٦.
(٢) المطفّفين: ١٥.
(٣) المؤمن: ١٠ ـ ١١.
الاولى: ما يكون بحسب القوّة النظريّة راسخا كالعقائد الباطلة الّتي رسخت في القلب، وصارت ملكة لا ترفع بالحجج والبراهين التامّة. وهذا القسم هو الّذي يدوم به العذاب، لأنّ ذلك هو الجهل المركّب المتضادّ لجوهر النفس، فكما أنّه لا يتبدّل بالعلم لرسوخه، كذلك الآلام المترتّبة عليه لا تزول لرسوخ سببها في النفس.
الثانية: ما يكون بالنظريّة الغير الراسخة كاعتقادات العوامّ وأصحاب التقليد، فلهم عذاب يخصّهم بسبب أنّهم عرفوا باكتساب ما يطرأ أنّ لهم كمالا ما، فحصل لهم شوق بحسبه، ثمّ لم يصلوا إلى ما اشتاقوا إليه من ذلك الكمال لنقصان اكتسابهم النظريّ وقصورهم عن الوصول، سواء كان قصورهم عن الوصول إلى الكمال لاشتغالهم بما يصرف عنهم ويضادّ طلبه ممّا لا يكتسب النفس هيئة راسخة، أو لأنّهم تكاسلوا عن اقتناء الكمالات وأهملوها، لكنّ ذلك العذاب دون العذاب الأوّل، فهو منقطع، لأنّ الهيئات الحاصلة بسبب الاشتغال بالمضادّ أو الصارف أو التكاسل حالات غير متمكّنة في نفوسهم، ولا مستحكمة فيها، أو لأنّها مستفادة من أفعال وأمزجة، فيزول بزوالها لزوال الشيء بزوال سببه.
الثالثة والرابعة: ما يحصل بحسب القوّة العمليّة راسخا وغير راسخ، والعذاب المترتّب على ذلك أيضا زائل منقطع: إمّا لعدم رسوخه، وإمّا لكونه هيئات مستفادة من الأمزجة فيزول بزوالها، ويختلف العذاب بها بعد المفارقة في القلّة والكثرة والشدّة والضعف.
الخامسة والسادسة: ما يحصل من نقصان غريزة العقل بالنظريّة والعمليّة
كما في البله الّذين غلبت عليهم سلامة الصدر، وقلّة الاهتمام وهي النفوس الساذجة الّتي ليس لها شوق إلى كمالاتها بسبب أنّها لم تعرفها أصلا، وهؤلاء غير معذّبين لأنّهم غير عارفين لكمالاتهم ولا مشتاقين إليها انتهى ملخّص مرامه.
وهو في غاية الجودة، وإليه لقد سبق كثير من العارفين، وعليه يحمل ما قاله الفارابيّ من أنّ هذه الأنفس إذا كانت زكيّة وفارقت البدن وكانت متصوّرة لامور قيلت لها في أمر عاقبتها من الحور والقصور ولم يكن لها علوم يسعدها ولا جهل يشقيها فإنّها تتخيّل جميع ما قيل لها في الدنيا، وتكون آلة تخيّلها لذلك جرما من الأجرام السماويّة، فتشاهد جميع ما قيل لها في الدنيا من أحوال القبر والبعث والخيرات، وتكون الأنفس الرديّة أيضا تشاهد العقاب المصوّر لهم في الدنيا، فإنّ الصور الخياليّة ليس أضعف من الحسّيّة، بل تزيد عليها تأثيرا إلى آخره.
إلّا أنّ ما ذكره من أنّ صاحب الجهل المركّب معذّب بالعذاب الدائم، مخلّد في النار، لقد خالف فيه جماعة من الصوفيّة، معرضين عن طريق السداد، حيث زعموا أنّه لا نصّ على تخليد الكفّار في النار، ولو كان فلا دلالة فيه على دوام العذاب الّذي تتألّم النفس به، فإنّ العذاب مشتقّ من العذب.
قال محيي الدين في «الفصّ اليونسيّ»: أمّا أهل النار فمآلهم إلى النعيم، لكن في النار، إذ لا بدّ لصورة النار بعد انتهاء مدّة العقاب أن يكون بردا وسلاما على من فيها، وهذا نعيمهم. انتهى.
وقال القيصريّ في «الشرح»: إعلم أنّ من اكتحلت عينه بنور اليقين يعلم أنّ العالم بأسره عباد الله، وليس لهم وجود وصفة وفعل إلّا بالله وحوله وقوّته، وكلّهم محتاجون إلى رحمته وهو الرحمن الرحيم، ومن شأن من هو موصوف بهذه الصفات أن لا يعذّب أحدا عذابا أبديّا، وليس ذلك المقدار من العذاب إلّا لأجل إيصالهم إلى كمالاتهم المقدورة، كما يذاب الذهب والفضّة بالنار لأجل الخلاص ممّا يكدّره وينقص عياره، فهو يتضمّن أمتن اللطف والرحمة. كما قيل :
وتعذيبكم عذب وسخطكم رضى |
وقطعكم وصل وجوركم عدل |
قيل: وروي عنه صلّى الله عليه وآله أنّه قال: سيأتي على جهنّم زمان ينبت في قعرها الجرجير.
وعن ابن مسعود قال: ليأتينّ على جهنّم زمان ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا. انتهى.
وقد تبعهم في ذلك المذهب ـ المسبوق بإجماع الإماميّة على خلافه ـ الجهلة المبتدعة، حيث حكموا بأنّ الكافر المعذّب بالجحيم له الخروج إلى النعيم، وكذا الفائز بالجنّة يجوز له الخروج إلى الجحيم، وذلك لأنّ الجحيم عندهم هو البعد عن حضرة الكامل بعدم الإقرار به، والنعيم هو الفوز بلقاء الكامل عليه السّلام والإقرار بمقامه.
فاليهود الّذين ما آمنوا بالمسيح عليه السّلام في عصره ثمّ آمنوا بمحمّد صلّى الله عليه وآله خارجون عن الجحيم، وهو الإنكار للمسيح عليه السّلام
إلى النعيم، وهو الإقرار بمحمّد.
وكذا الكافرون بالمسيح قبل العروج، وبمحمّد قبل الوفاة، الّذين آمنوا بهما بعد العروج والوفاة لقد خرجوا عن الجحيم إلى الجنّة ففازوا بها.
وكذا المؤمنون بمحمّد صلّى الله عليه وآله مثلا الّذين ارتدّوا عن دينه لقد خرجوا عن الجنّة إلى الجحيم، كما قال:( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) (١) أي بمحمّد وآله( يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ ) (٢) أي ظلمات جحيم الكفر والبعد( إِلَى النُّورِ ) (٣) أي إلى نور جنّة الإيمان( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) (٤) أي أنكروا مقام محمّد وآله عليهم السلام( أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ) (٥) أي النفوس الأمّارة( يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ ) (٦) أي من نور الإيمان( إِلَى الظُّلُماتِ ) (٧) أي ظلمات الكفر، فيوم القيامة الكبرى عند هؤلاء الضالّين هو العصر الّذي تطلع فيه شمس الحقيقة عن سماء كينونة الكامل، إذ تحقّق اليوم إنّما هو بطلوع الشمس، وبغروبها يتحقّق الليل، فمعنى يوم القيامة هو اليوم الّذي يقوم فيه الكامل لإرشاد المستعدّين إلى مقام اليقين، ونفس ذلك الكامل هو الجنّة، فمن عرفه بحقّ العرفان وآمن به بحقيقة الإيمان فقد دخل الجنّة وفاز بنعيمها، ومن أنكره وأعرض عنه فقد دخل الجحيم وعذّب فيها بعذاب أليم.
أقول: ما ذكروه من أنّ الجنّة هي النفس المقدّسة لا بأس به لقوله عليه السّلام: إنّ الجنّة هي حبّنا أهل البيت. وقد ورد أخبار كثيرة دالّة على ذلك إلّا أنّ الاعتقاد بأنّه لا جنّة سوى ذلك كما هو من عقائد هؤلاء يوجب خلود صاحبه في النار لإنكاره الضروريّ من دين محمّد صلّى الله عليه وآله ،
__________________
(١) البقرة: ٢٥٧.
(٢) البقرة: ٢٥٧.
(٣) البقرة: ٢٥٧.
(٤) البقرة: ٢٥٧.
(٥) البقرة: ٢٥٧.
(٦) البقرة: ٢٥٧.
(٧) البقرة: ٢٥٧.
فيجب على المسلمين قتله لئلّا يفسد في الدين ويضلّ المسلمين، كما هو من دأب هؤلاء الخارجين، وقد حكم بنجاسته جمّ غفير من فقهاء الإسلام، ولكنّه مشكل، إذ لا دليل عليه كما فصّلناه في الفقه، حيث حكمنا بطهارة المنتحلين، نعم لا ينبغي ترك الاحتياط في نحو المقام، كما لا يترك بالنسبة إلى أهل الكتاب لو حكمنا بطهارتهم، كما يراه جماعة.
نعم لا شكّ في كفرهم وخبث سريرتهم، فيجب الاعتزال عنهم وترك المعاشرة معهم، فإنّ المعاشر لهم منهم، كما قال:( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) (١) وقال:( لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ ) (٢) إلى آخره.
وما ذكره من أنّ أهل المرتبة الثانية وهم العوامّ المقلّدون في العذاب لا يخلّدون، مناف لظاهر الشريعة الأحمديّة، فإنّ الكافر مطلقا مخلّد في النار، كما قد دلّت على ذلك ظواهر بعض الأخبار وعموم بعض الآيات القرآنيّة.
نعم لا بأس به لو لا الإجماع، لأنّ العامّيّ ليس له أن ينظر في العقائد الحقّة الّتي يزلّ فيها أكثر الخواصّ أيضا، بل الواجب عليه أن يطمئنّ بقول من يعتمد عليه اعتمادا كثيرا وإنْ كان ذلك المعتمد خاطئا سالكا غير سبيل الرشاد، إذ لا يكلّف الله نفسا إلّا وسعها، وما اشتهر من عدم جواز التقليد في أصول الدين فممّا لا نقول به، لعدم إمكان ذلك في حقّ أكثر العوامّ، وقد حقّقنا في رسائلنا الأصوليّة جواب أدلّة المشهور، فلا حاجة إلى تفصيل المقال في تلك الرسالة.
__________________
(١) المائدة: ٥١.
(٢) الممتحنة: ١.
وكذا ما ذكره من أنّ أصحاب المرتبة الخامسة والسادسة غير معذّبين، لأنّ هؤلاء هم الّذين سمّوا في الشريعة بالمستضعفين، وقد قال الله في حقّهم:( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) (١) إلى آخره فأبهم الأمر، فالجزم بأنّهم غير معذّبين مناف لظاهر الآية، ولولا الإجماع لحكمنا نحن بذلك أيضا، لما روي عن ابن أعين قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام من لم يعرف شيئا هل عليه شيء؟ قال: لا(٢) .
وعن ابن يحيى عنه عليه السّلام قال: ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم(٣) .
وعن حمزة الطيّار عنه عليه السّلام قال: قال عليه السّلام لي: أكتب، فأملى عليّ: إنّ من قولنا أنّ الله يحتجّ على العباد بما آتاهم وعرّفهم ثمّ أرسل إليهم رسولا وأنزل عليهم الكتاب فأمر فيه ونهى، أمر فيه بالصّلاة والصيام، فنام رسول الله صلّى الله عليه وآله عن الصّلاة فقال: أنا أنيمك وأنا أوقظك، فإذا قمت فصلّ ليعلموا إذا أصابهم ذلك كيف يصنعون، ليس كما يقولون إذا نام عنها هلك، وكذلك الصيام أنا أمرضك وأنا أصحّك، فإذا شفيتك فاقضه(٤) إلى آخره.
وأمثال تلك الأخبار كثيرة، وهي دالّة على أنّه لا تكليف على القاصر
__________________
(١) التوبة: ١٠٦.
(٢) الكافي ١: ١٦٤.
(٣) الكافي ١: ١٦٤.
(٤) الكافي ١: ١٦٤.
الّذي لم يعرف ما أوجب الله عليه، فلا عذاب ولا حساب عليه، إذ ذلك فرع التكليف.
والإبهام في الآية، إخبار عن قدرة الحقّ وفعله ما يشاء ولا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون، لأنّ السلطان الحقيقيّ وكلّ ما في عالم الإمكان بالنسبة إليه عبد مملوك لا يقدر على شيء، فليس لشيء أن ينكر عليه في فعله وصنعه، فإنّه يفعل ما يشاء، ويترك ما يشاء، ويتصرّف في ملكه بما يشاء، وهو الفعّال لما يريد.
قال الله تعالى:( إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ) .
أقول: لـمـّا بيّن ما يترتّب على الكفر من التنزّلات والاحتجابات عن مقام الأنس بعالم القدس، والغواشي الّتي تغطّي عين النفس عن النظر إلى سبحات الجمال الأزلانيّ، وشعاشع أنوار الوجه القدمانيّ، عقّبه ببيان ما يترتّب على «البرّ» وهو الشكر المفسّر بصرف كلّ ما خلق الله فيه في موضعه من اللذّات الروحانيّة الحاصلة بمشاهدة أنوار حضرة الأحديّة، ومخاطرة أسرار طمطام الواحديّة، ومجارعة كؤوس الخمور الصمدانيّة، من أيدي السواقي الأزليّة، الّتي يسقون من فاز بالحبّ الخالص في لجّة التوحيد، وطمطام التفريد، من عين الحكمة والعرفان، وينبوع الخلوص والإيقان، كما قال: من أخلص لله أربعين صباحا أجرى الله في قلبه ينابيع الحكمة، وبصّره داءه ودواءه. انتهى.
وهذه العين هي العين الّتي أشار إليها بقوله:( فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ )
إلى آخره، وهي الّتي يشرب منها المقرّبون الصافون الّذين هم خلصاء الله وأحبّاؤه.
فالأبرار هم الشاكرون لنعمة الوجود، والذاكرون لمراتب التوحيد في عالم الشهود.
والكأس هي كأس العشق والتجريد.
والكافور هو صرف ظهور الحقّ وتجلّيه للعبد في ذلك المقام، أي مقام التذاذه وشربه من كأس العشق الّتي هي لذّة للشاربين، حيث لا غول فيها ولا تأثيم، كما أشار إليها في القرآن العظيم.
والمراد بـــ«عباد الله» هم الّذين أخلصوا العبوديّة للحقّ معرضين عن كلّ ما في الإمكان، غامضين عمّا سوى الحقّ بملاحظة أنّ كلّ شيء ما خلا وجهه الكريم باطل مضمحلّ عند التحقيق، كما قال :
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل |
وكلّ نعيم لا محالة زائل |
وذلك المقام، أي العبوديّة الخالصة عن جميع الشؤونات الغيريّة أعلى المقامات المقرّرة لجوهر النفس الإنسانيّة، كيف وهي جوهرة كنهها الربوبيّة، كما أشار إليه الصادق عليه السّلام.
وهذا هو السرّ في تقديم «عبده» في التشهّد على «ورسوله» لأنّ الرسالة فرع العبوديّة كما لا يخفى.
وهؤلاء العباد هم العباد الصالحون الّذين أشار إليهم بقوله: أعدَدْتُ لعبادي الصَّالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطَر على قلب بشرٍ. بَلْهَ، ما اطّلعتم عليه إلى آخره.
أي هيّأت للّذين عبدوني خالصين مخلصين صالحين في أفعالهم لذّات روحانيّة لطيفة لا تدركها الأعين الظاهرة، والأذن الجسمانيّة، والقلوب البشريّة العنصريّة، كيف ولإدراك كلّ مدرك آلة مناسبة له ولا مناسبة بين اللذّات الروحانيّة الملكوتيّة وبين الجوارح الجسمانيّة الناسوتيّة.
فقوله: «بله ما اطّلعتم عليه» معناه: إنّ إدراك الروحانيّات غير ممكن بالآلة الجسمانيّة إلّا على طريق الإجمال الّذي [هو] عبارة عن العلم الحاصل لا بطريق اليقين الدركيّ، فإنّه ينافي التفصيل الّذي [هو] عبارة عن مقام حقّ اليقين. هذا ما سنح لي الآن في تأويل الحديث.
وقد قيل فيه وجوه أخرى تطول بذكرها الرسالة.
الأولى: قال الطبرسيّ رحمه الله: «الأبرار» جمع البرّ، وهو المطيع لله المحسن في أفعاله(١) .
وقال الحسن: هم الّذين لا يؤذون الذرّ، ولا يرضون الشرّ.
وقيل: هم الّذين يقضون الحقوق اللازمة والنافلة.
وقد أجمع أهل البيت وموافقوهم وكثير من مخالفيهم على أنّ المراد بذلك: عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام، والآية مع ما بعدها متعيّنة فيهم.
وأيضا: فقد انعقد الإجماع على أنّهم كانوا أبرارا وفي غيرهم خلاف. انتهى.
__________________
(١) مجمع البيان، المجلّد ٥: ٦١٦.
أقول: قضيّة الجمع المحلّى العموم، فيدخل كلّ من أطاع الحقّ ودخل لجّة التوحيد، من هنا قيل: إنّ الأبرار الّذين هممهم عن المحقّرات فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة.
نعم هنا تحقيق رشيق وهو أنّ هؤلاء المعصومين عليهم السّلام أصول البرّ، وأقطاب الخير، فكلّ برّ إليهم راجع، وكلّ خير بهم واقع، فمن أطاع الله حقّ الطاعة وفاز بالحبّ الخالص الساذج عن الشوائب الغيريّة، فهو داخل في زمرة هؤلاء ومخلوق من فضل طينتهم، معدّ في تعدادهم، كما قال: سلمان منّا أهل البيت. انتهى.
وهذا معنى ما ذكره صاحب «الهياكل» من أنّ أرواح الأنبياء أرواح كلّيّة تشتمل كلّ روح منها على أرواح من يدخل في حكمه ويصير من أمّته، كما أنّ الأسماء الجزئيّة داخلة في الأسماء الكلّيّة إلى آخره.
وكذا من عصى الله وأحرم نفسه عن الفوز بمقام الحبّ الخالص فإنّه ليس من زمرتهم، خارج عن سلسلتهم، كما قال: ومن رغب عن سنّتي فليس منّي(١) .
وقال: ليس منّا من خالف الله واتّبع هواه.
ويدلّ على ذلك التقرير الآيات القرآنيّة الدالّة على أنّ المؤمنين بعضهم من بعض، والكافرين بعضهم من بعض، والأخبار في ذلك الباب أكثر من أن تحصى.
الثانية: روي عن الباقر عليه السّلام أنّه قال في قوله ( عَيْناً يَشْرَبُ )
__________________
(١) الكافي ٥: ٤٩٦.
إلى آخره: هي عين في دار النبيّ صلّى الله عليه وآله تفجّر إلى دور الأنبياء والمؤمنين(١) . انتهى.
أقول: لعلّ المراد بدار النبيّ صلّى الله عليه وآله هي دار الولاية، وفيما ذكره عليه السلام من أنّ تلك العين تفجّر إلى آخره، إشارة إلى ما هو المقرّر في مقامه من أنّ الخاتم صلّى الله عليه وآله منشأ لجميع الكمالات.
بمعنى أنّه: ما من كامل نبيّا كان أو وليّا مؤمنا، إلّا وقد اقتبس العلم والكمال من مشكاة علم النبيّ صلّى الله عليه وآله، فعلمه صلّى الله عليه وآله علم كلّيّ تامّ، وعلوم غيره ممّن هو في عالم الإمكان جزئيّات علمه صلّى الله عليه وآله، فعلمه صلّى الله عليه وآله ينبوع العلوم والحكم يجري إلى المستعدّ لذلك المقام، أي مقام العلم والعرفان كالأنبياء والمؤمنين العارفين.
وبهذا لقد فضّل نبيّنا صلّى الله عليه وآله على سائر الأنبياء، لأنّه معلّم الكلّ، وهاد الجميع إلى الشرف المنيع، وهو أب الأنبياء كلّهم، حيث ربّاهم بما كان عارفا به من الآداب والأخلاق والعلوم والفضائل، فهو السابق على الكلّ من حيث المرتبة.
وهذا هو السرّ في قوله: آدم ومن دونه تحت لوائي(٢) .
وقال: لو كان موسى حيّا لما وسعه إلّا اتّباعي(٣) .
وقال عليه السّلام :
__________________
(١) الأمالي، للصدوق: ٢٦٠.
(٢) انظر: الخرائج ٢: ٨٧٦، عوالي اللآلي ٤: ١٢١.
(٣) عوالي اللآلي ٤: ١٢١.
إنّي وإن كنت ابن آدم صورة |
فلي فيه معنى شاهد بأبوّتي |
أي النفس الآدميّة في مقامها شاهدة بأنّي أنا أبوها ومربّيها وهاديها إلى المقام الّذي هي فيه، ففيها آيات بيّنات على أبوّتي، لأنّ كمالها إنّما هو من كمالي، وجمالها من جمالي. فالمراد بالعين هي عين العلم والحكمة، كما أشرنا إليه سابقا، وهي «الكوثر» الّذي أعطاه [الله] محمّدا صلّى الله عليه وآله وجعله في جنّة فؤاده المشروح، حيث قال تعالى:( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ) (١) إلى آخره.
أي شرحنا صدرك بالعلم والحكمة الحقيقيّين، وصفّيناه عن كدورات الجهل والضلال، وأنجيناك عن شؤونات الطبيعة وأوزارها الّتي تحمل صاحبها على التوجّه إلى غير ساحة الأحديّة( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) (٢) بمقام الولاية والمحبّة الصافية، وقال:( إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ) (٣) أي فضّلناك بكوثر العلم والمحبّة على كلّ ما في عالم الإمكان، ومن في عالم الإمكان.
عن ابن عبّاس قال: لـمـّا نزل على رسول الله صلّى الله عليه وآله( إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ) قال له عليّ بن أبي طالب عليه السَّلام: ما هو الكوثر يا رسول الله؟ قال: نهر أكرمني الله به، قال عليٌّ عليه السلام: إنّ هذا النهر شريف فانعته لنا، قال: نعم، الكوثر نهر يجري تحت عرش الله، ماؤه أشدّ بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد، حصاه الزبرجد
__________________
(١) الانشراح: ١ ـ ٢.
(٢) الانشراح: ٤.
(٣) الكوثر: ١.
والياقوت والمرجان، حشيشه الزعفران، ترابه المسك الأذفر، قواعده تحت عرش الله، ثمّ ضرب رسول الله صلّى الله عليه وآله على جنب أمير المؤمنين عليه السّلام وقال: يا عليُّ، هذا النهر لي ولك ولمحبّيك من بعدي(١) . انتهى.
أي أفوز بذلك العلم الخاصّ، وهو علم التوحيد بحسب رتبة كينونيّتي، وتفوز أنت يا عليُّ من ذلك العلم بحسب رتبة كينونيّتك، ويفوز به أيضا من يحبّك خالصا عارفا بحقّك بحسب رتبة كينونيّته، وأمّا غيره من أصناف ما في الإمكان فمحجوب بالحرمان، عن مقام الفوز بالعلم والعرفان.
وعن عليٍّ عليه السّلام قال: أنا مع رسول الله ومع عترتي على الحوض، فمن أرادنا فليأخذ بقولنا وليعمل عملنا، فإنّ لكلّ أهل نجيبا ولنا شفاعة، ولأهل مودّتنا شفاعة، فتنافسوا في لقائنا على الحوض، فإنّا نذود عنه أعداءنا، ونسقي منه أحبّاءنا وأولياءنا، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا(٢) إلى آخره.
أي من فاز بمقام علمنا لم يجهل أبدا، وفي المقام أسرار مكنونة لا أكشفها إلّا لمن امتحن قلبه للإيمان.
الثالثة: في التعبير عن الشاكرين بـــ«الأبرار» مع أنّ المقام مقام التفصيل، وهو يقتضي المقابلة، إشعار بأنّ الشاكر بحقيقة الشكر هو البارّ المحسن لا
__________________
(١) الأمالي، للطوسيّ: ٦٩، الأمالي، للمفيد: ٢٩٤.
(٢) الخصال ٢: ١٢٤.
محالة إلى نفسه، المطيع لربّه، كما قال:( وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) (١) فأثر برّه يرجع إلى نفسه، فتلتذّ بما هو من قضيّة البرّ من الذكر الحسن الرفيع، والفوز بحقائق العرفان.
وبأنّ من عدا الأبرار ـ الّذين لا يعصون الله في أمره ونهيه ـ داخل في زمرة الكفّار، معذّب بعذابهم، وإن كان في صورة المؤمنين والمسلمين، كما قال( إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) (٢) .
والفجّار من يعمل الفجور مسلما كان أو كافرا، إلّا أن المسلم ينجو من العذاب بالتوبة والشفاعة على مذهب الإماميّة، ولا دليل للوعيديّة الّذين حكموا بخلود العاصي في النار، والتفصيل لا مقام له.
وممّا يدلّ على ما ذكرناه من أنّ الفاجر مطلقا داخل في زمرة الكفّار: قوله تعالى:( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ * أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) (٣) حيث قسّم الوجوه بهذين القسمين، وحكم بكفر الفرقة الثانية. فتأمّل.
فالكافر هو الّذي لم يكن بارّا بالشكر الّذي هو الطرف المذكور وإن كان مسلما، فإنّ المسلم العاصي كافر بنعمة الله، واضع ما جعله الله في غير موضعه.
فكفران النعمة أحد وجوه الكفر ومعانيه، كما يدلّ عليه ما روي عن أبي
__________________
(١) لقمان: ١٢.
(٢) الانفطار: ١٣ ـ ١٤.
(٣) عبس: ٣٨ ـ ٤٢.
عمرو الزبيريّ قال: قلت لأبي عبد الله عليه السّلام: أخبرني عن وجوه الكفر في كتاب الله قال: الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه، فمنها: كفر الجحود على وجهين، والكفر بترك ما أمر الله، وكفر البراءة، وكفر النعم.
فأمّا كفر الجحود، فهو الجحود بالربوبيّة، وهو قول من يقول: لا ربّ ولا جنّة ولا نار. وهو قول صنفين من الزنادقة، يقال لهم «الدهريّة» وهم الّذين يقولون( وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ) (١) وهو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان منهم على غير تثبيت منهم ولا تحقيق بشيء ممّا يقولون، قال الله عزّ وجلّ:( إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) (٢) إنّ ذلك كما يقولون.
وقال:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) (٣) يعني بتوحيد الله جلّ وعزّ، فهذا أحد وجوه الكفر.
وأمّا الوجه الآخر من الجحود على معرفة فهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنّه حقّ قد استيقن عنده، وقد قال الله جلّ وعزّ:( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ) (٤) .
وقال الله:( وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ ) (٥) فهذا تفسير وجهي الجحود.
والوجه الثالث من الكفر كفر النعم، وذلك قول الله جلّ وعزّ يحكي قول
__________________
(١ و ٢) الجاثية: ٢٤.
(٣) البقرة: ٦.
(٤) النمل: ١٤.
(٥) البقرة: ٨٩.
سليمان عليه السلام:( هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) (١) .
وقال:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) (٢) .
وقال:( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ) (٣) .
والوجه الرابع من الكفر ترك ما أمر الله جلّ وعزّ، وهو قول الله:( وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ ) (٤) إلى آخره، فكفّر هم بترك ما أمر الله به، ونسبهم إلى الإيمان، ولم يقبله منهم ولم ينفعهم عنده، فقال:( فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (٥) .
والوجه الخامس من الكفر كفر البراءة، وذلك قوله يحكي قول إبراهيم عليه السّلام:( كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ ) (٦) يعني تبرّأنا منكم.
__________________
(١) النمل: ٤٠.
(٢) إبراهيم: ٧.
(٣) البقرة: ١٥٢.
(٤) البقرة: ٨٤ ـ ٨٥.
(٥) البقرة: ٨٥.
(٦) الممتحنة: ٤.
وقال تعالى يذكر إبليس وتبرّأه من أوليائه من الإنس يوم القيامة:( إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ) (١) .
وقال:( إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) (٢) يعني يتبرّأ بعضكم من بعض. انتهى.
الرابعة: في تغيير النظم حيث عبّر عمّا أعدّ للكافرين بقوله:( إِنَّا أَعْتَدْنا ) إلى آخره وعمّا أعدّ للمؤمنين بقوله:( إِنَّ الْأَبْرارَ ) إلى آخره إشعار بكمال المباينة بين الفريقين وعدم المناسبة بينهما بوجه، إذ المباينة النظميّة مشعرة بالمباينة المصداقية، وفي التعبير بقوله( يَشْرَبُونَ ) المضارع المحتمل للحال والاستقبال إشعار بأنّ المؤمنين العارفين بحقائق التوحيد، كما يلتذّون بحقائق معارفهم في الآخرة.
كذلك يلتذّون بها في دارهم الدنيا هذه، فهم فائزون برحمة الحقّ في جميع الحالات والتحوّلات والتطوّرات في كلّ حال بحسب ما يقتضيه ويناسبه، ففي الدنيا يلتذّون بحلاوة العلم والعرفان، فإنّ لهما لذّات روحانيّة يدركها الفائز بها، وفي الآخرة يلتذّون بما يتشكّل من العلم والعرفان وما عملوه صالحا، فإنّ كلّ ذلك له حقيقة واقعيّة تتجسّد في يوم تبلى السرائر على صورها، كما قال:( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ) (٣) .
__________________
(١) إبراهيم: ٢٢.
(٢) العنكبوت: ٢٥.
(٣) آل عمران: ٣٠.
گاه به ما لطف او گاه بلا مى رسد |
صورت أعمال ما است آنچه به ما مى رسد |
ويدلّ على ذلك ما ورد من أنّ القرآن يأتي يوم القيامة على صورة كذا، والصلاة تأتي على صورة كذا. وهكذا.
وعن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: الجنّة قاع صفصف ليس فيها عمارة، فأكثروا من غراس الجنّة في الدنيا، قالوا: وما غراس الجنّة؟ قال: التسبيح والتهليل إلى آخره.
ومن ذلك يرفع استبعاد من أنكر الميزان وقال: إنّ الأعمال من الأعراض فكيف توزن، فإنّه يتحقّق لها الصور الجوهريّة كما عرفت.
ألا ترى أنّ الصور الذهنيّة قائمة بالذهن حال كونها فيه، فإذا تحقّقت في الخارج تقوم بذاتها مستقلّة.
والحاصل: إنّ العارف ملتذّ في الدارين، بخلاف الزاهد، فإنّه يتنعّم بحقائق أعماله في الآخرة خاصّة، فكم من فرق بين الفريقين :
من كه امروزم بهشت نقد مى بايد به دست |
وعده فرداى زاهد را كجا باور كنم |
ثمّ في التعبير بالفعل الدالّ على التجدّد والحدوث دون اسم الفاعل مع أنّه محتمل للحال والاستقبال أيضا إشعار لطيف بأنّ العارف الحقيقيّ الّذي يريد الوصول إلى ساحة التوحيد الأكمل لا يزال جاهدا ساعيا في جميع الأحوال، بحيث يرتقي في كلّ حال مرتقى، ويعرج في كلّ آن معراجا، فلا يعطّل نفسه عن الاستكمال والاستنارة بنور الجمال، بل يسعى بقدر
الاستطاعة في آناء الليل وأطراف النهار في إكمال جوهر النفس وإصفائه، ليصير مستعدّا لقبول الشؤونات القدسيّة من العلم واليقين والحكمة.
فلا يمضي عليه زمان إلّا ويصرفه في أمر الحقّ، ولا يطرأ عليه حالة إلّا ويزيّنها بزينة الذكر، وحلية الترقّي والكمال، كما قال صلّى الله عليه وآله: إنّ أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكرا، ونظروا فكان نظرهم عبرة، ونطقوا فكان نطقهم حكمة، ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة، لولا الآجال الّتي قد كتبت عليهم لم تقرّ أرواحهم في أجسادهم خوفا من العذاب، وشوقا إلى الثواب(١) . انتهى.
أي خوفا من التألّم بنار الفراق، وشوقا إلى جنّة الوصال.
الخامسة: لا بأس بتفسير «الأبرار» في الآية بالأصفياء الّذين صفوا عن جميع الشؤونات العرضيّة من أمّة محمّد صلّى الله عليه وآله واشتاق صلّى الله عليه وآله إلى رؤيتهم وملاقاتهم، كما روي في كتاب «التحصين» لأحمد بن فهد أنّه قال رسول الله صلّى الله عليه وآله يوما لأصحابه: أتدرون ما غمّي، وفي أيّ شيء اشتياقي؟ فقال أصحابه صلّى الله عليه وآله: لا يا رسول الله، ما علمنا هذه من أيّ شيء، أخبرنا بغمّك وتفكّرك وتشوّقك؟ قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: أخبركم إن شاء الله.
ثمّ تنفّس الصعداء وقال: هاه شوقا إلى إخواني من بعدي.
فقال أبو ذرّ: يا رسول الله، أو لسنا إخوانك؟ قال: لا، أنتم أصحابي، وإخواني يجيئون من بعدي، شأنهم شأن الأنبياء، قوم يفرّون من الآباء
__________________
(١) الكافي ٢: ٢٣٧.
والأمّهات، ومن الأخوة والأخوات، ومن القرابات كلّهم ابتغاء مرضاة الله، يتركون المال لله، ويذلّون أنفسهم بالتواضع لله، لا يرغبون في الشهوات وفضول الدنيا، مجتمعون في بيت من بيوت الله كأنّهم غرباء تراهم محزونين لخوف النار وحبّ الجنّة، فمن يعلم قدرهم عند الله؟ ليس بينهم قرابة ولا مال يعطون بها، بعضهم لبعض أشفق من الابن على الوالد، والوالد على الولد، ومن الأخ على الأخ.
هاه شوقا إليهم، ويفرغون أنفسهم من كدّ الدنيا ونعيمها بنجاة أنفسهم من عذاب الأبد، ودخول الجنّة لمرضاة الله.
إعلم يا أباذرّ! إنّ للواحد منهم أجر سبعين بدريّا.
يا أباذرّ! إنّ الواحد منهم أكرم على الله من كلّ شيء خلق الله على وجه الأرض.
يا أباذرّ! قلوبهم إلى الله، وعملهم لله، لو مرض أحدهم له فضل عبادة ألف سنة، وصيام نهارها وقيام ليلها، وإن شئت حتّى أزيدك يا أباذرّ.
فقلت: نعم يا رسول الله زدنا.
قال: لو أنّ أحدا منهم إذا مات فكأنّما مات ما في سماء الدنيا من فضله على الله، وإن شئت أزيدك؟
قلت: نعم يا رسول الله زدني.
قال: يا أباذر! لو أنّ أحدهم يؤذيه قمّلة في ثيابه فله عند الله أجر أربعين حجّة، وأربعين عمرة، وأربعين غزوة، وعتق أربعين نسمة من ولد إسماعيل عليه السّلام، ويدخل واحد منهم إثني عشر ألفا في شفاعته.
فقلت: سبحان الله!
فقال صلّى الله عليه وآله: أتعجبون من قولي! وإن شئتم حتّى أزيدكم؟
قال أبو ذرّ: نعم زدنا.
فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: يا أبا ذرّ! لو أنّ أحدا منهم اشتهى شهوة من شهوات الدنيا فيصبر ولا يطلبها ثمّ يغتمّ ويتنفّس كتب الله له بكلّ نفس ألفي ألف حسنة، ومحا عنه ألفي ألف سيّئة، ورفع له ألفي ألف درجة، وإن شئت حتّى أزيدك، يا أبا ذرّ؟
قلت: حبيبي يا رسول الله زدني.
قال صلّى الله عليه وآله: لواحد منهم يصبر مع أصحابه لا يقطعهم ويصبر في مثل جوعهم وفي شدّة غمّهم كان له من الأجر كأجر سبعين ممّن غزا تبوك، وإن شئت حتّى أزيدك؟
قلت: نعم زدنا.
قال: لو أنّ أحدا منهم يضع جبينه على الأرض ثمّ يقول آه، تبكي ملائكة السماء السبع لرحمتهم عليه، فقال الله: يا ملائكتي، ما لكم تبكون؟ فيقولون: يا إلهنا، كيف لا نبكي ووليّك على الأرض يقول في وجعه آه؟
فيقول الله: يا ملائكتي، اشهدوا أنتم أنّي راض عن عبدي بالّذي يصبر في شدّة ولا يطلب الراحة.
فتقول الملائكة: يا إلهنا وسيّدنا، لا تضرّ الشدّة بعبدك بعد أن يقول هذا القول. فيقول: يا ملائكتي، إنّ وليّي عندي كمثل نبيّ من أنبيائي، ولو دعاني وليّي وشفع في خلقي شفّعته في أكثر من سبعين ألفا، ولعبدي ووليّي في جنتّي ما يتمنّى.
يا ملائكتي، وعزّتي وجلالي، لأنا أرحم بوليّي وأنا خير له من المال للتاجر والكسب للكاسب، وفي الآخرة لا يعذّب وليّي ولا خوف عليهم.
ثمّ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: طوبى لهم يا أبا ذرّ، لواحد منهم يصلّي ركعتين في أصحابه أفضل عند الله من رجل يعبد الله في جبل لبنان عمر نوح.
وإن شئت حتّى أزيدك يا أبا ذرّ؟ لو أنّ أحدا منهم يسبّح بتسبيحة خير له من أن يصير معه جبال الدنيا ذهبا، ونظرة إلى واحد منهم أحبّ من نظرة إلى بيت الله الحرام، ولواحد منهم يموت في شدّة بين أصحابه له أجر مقتول بين الركن والمقام، وله أجر من يموت في حرم الله ويدخله الجنّة.
وإن شئت أزيدك يا أبا ذرّ؟
قلت: نعم.
قال: تجلس إليهم قوم مقصّرون مثقلون من الذنوب، فلا يقومون من عندهم حتّى ينظر الله إليهم فيرحمهم ويغفر لهم ذنوبهم لكرامتهم على الله.
قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: المقصّر منهم أفضل عند الله من ألف مجتهد من غيرهم.
يا أباذر! ضِحْكهم عبادة، وفرحهم تسبيح، ونومهم صدقة، وأنفاسهم جهاد، وينظر الله إليهم في كلّ يوم ثلاث مرّات.
يا أباذرّ! إنّي إليهم لمشتاق!
ثمّ غمَض عينيه وبكى شوقا ثمّ قال: أللّهمّ احفظهم وانصرهم عمّن خالف عليهم، ولا تخذلهم، وأقرّ عيني بهم يوم القيامة( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (١) (٢) . انتهى.
أقول: وللناس في ذلك الحديث أقوال ومحامل، والظاهر أنّ المراد بهم كلّ من فاز بمقام التوحيد الّذي [هو] عبارة عن تخليص القلب عن الشوائب الغيريّة، وتصفية الفطرة عن الشؤونات العرضيّة بحيث استعدّ للتجلّيات الذوقيّة، والبارقات الجذبيّة الإشراقيّة، أللّهمّ اجعلنا منهم أو ممّن أحبّهم بحقّ محمّد وآله.
السادسة: لا بأس بتفسير الشرب من الكأس بالتذاذ العارف المستعدّ من ملاقاة الحقّ، وتجلّيه له في بساط الشهود، فإنّ له في ذلك المقام توجّدات وتطرّبات وتطوّرات كتوجّدات السكران يلتذّ بها، ويفوز منها ألطف التذاذ، وأشرف فوز.
ويسمّى ذلك المقام بـــ«مقام السكر» فإنّ حقيقته الغيبة عن عالم الحسّ العنصريّ والمحاضرة مع الحقّ في عرش التوحيد، وقد يسمّى حين الملاقاة والمحاضرة بـــ«يوم الجمعة» فإنّ في ذلك الحين يجتمع الحبيب مع المحبوب، ويتّصل العاشق بالمعشوق بحيث يرتفع التغاير، وتتحقّق الوحدة الحقيقيّة، كما قال: إن لله لأوليائه لشرابا إذا شربوا منه سكروا، وإذا سكروا طربوا ـ إلى أن قال ـ وإذا اتّصلوا وصلوا، وإذا وصلوا لا فرق بينهم وبين حبيبهم.
وقال: لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت
__________________
(١) يونس: ٦٢.
(٢) التحصين، لابن فهد: ٢٥.
سمعه وبصره ويده ورجله ولسانه، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، وبي ينطق. إنتهى.
وهذا السرّ فيما قال الله تعالى ليلة المعراج لمحمّد صلّى الله عليه وآله حيث أدخله في لجّة التوحيد: أنت الحبيب، وأنت المحبوب. أي لقد ارتفع التعيّنات الغيريّة، والحجب العرضيّة بحيث لا واسطة بيني وبينك. كيف وقد فزت بمقام الوصال والاتّصال، والتذذت بسبحات الجمال والجلال، كما قال: إنّ لنا مع الله حالات، حالة نحن هو وهو نحن إلى آخره.
ء أنت أم أنا هذا العين في العين |
حاشاي حاشاي عن إثبات اثنين |
ويدلّك على ما قرّرناه من أنّ العبد بعد كشف السبحات ومحو الموهومات، وهتك الأستار دون نور الأنوار يتجلّى له الحقّ، أي حقيقة نورانيّة المشيّة الّتي في جوهرته، فإنّه ما من شيء إلّا وقد لاح في كينونيّته نور المشيّة، فإذا ارتفع الغواشي الحاجبة عن مشاهدته يتشعشع ذلك النور في بصيرته، فيراه ويفوز به، ويعرف قدر جوهرته فيعرف ربّه، فإنّ ذلك النور يربّيه لما هو في هويّته.
وهذا معنى ما قال: من عرف نفسه فقد عرف ربّه(١) . أي من فاز بجوهر هويّته وما أودع فيه من نور المشيّة فقد تيقّن بأنّ له ربّا يربّيه ويربّي جوهرته.
وهذا معنى الاتّصال بالحقّ والفوز بوصاله، لا ما زعمته «الواصليّة» من الصوفيّة من أنّ الذات البحت القديم الّذي لا إله إلّا هو يتجلّى للعارف، فيراه
__________________
(١) مصباح الشريعة: ١٣، متشابه القرآن ١: ٤٤، عوالي اللآلي ٤: ١٠٢.
بحقيقته، ويعرفه بهويّته، فإنّ ذلك كفر محض كما قرّرناه في محلّه.
والحاصل: إنّ نهاية سير السالكين هو الوصول إلى نوارنيّة ما فيهم من المشيّة الإلهيّة، فإذا وصلوا إلى ذلك المقام لا يبقى فرق بينهم وبين المشيّة أصلا، فيستغنون عن العقل الجزئيّ بالعقل الكلّيّ في ذلك المقام، كما قال عليه السلام لكميل: أطفئ السراج فقد طلع الصباح. أي استغن عن ذكر العقل الجزئيّ بما لاح لك من حقيقة العقل الكلّي، وهو نور المشيّة، فإنّ نسبة الجزئيّ إلى الكلّيّ كنسبة نور السراج إلى نور الصباح، ونسبة القطرة إلى اليمّ المحيط، فمتى لم يتحقّق لك الاستغناء عن ظهورك الجزئيّ لا يتحقّق لك مقام الفوز بصرف الظهور الكلّيّ.
از هستى خويش تا تو غافل نشوى |
هرگز به مراد خويش واصل نشوى |
|
از بحر ظهور تا به ساحل نشوى |
در مذهب أهل عشق كامل نشوى |
ومن ذلك التقرير يظهر ما قيل من أنّ في كلّ شيء معنى كلّ شيء، أي لا يخلو شيء عن حقيقة المشيّة تظهر له بعد رفع الحجابات الموهومة، كما قال: ( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) (١) والوصول إلى ذلك المقام أي مقام نورانيّة المشيّة هو معراج كلّ شيء، كلّ بحسب استعداد هويّته، إذ المعراج هو محلّ العروج والارتقاء، وليس محلّ عروج الأشياء حقيقة إلّا مقام الفوز بقرب المشيّة، والاتّصال بطمطام يمّ نورانيّتها الساذجيّة، وذلك غير متحقّق إلّا بعد الإعراض عن المقام الأدنى، وهو الوجود الجزئيّ الموهوميّ الّذي
__________________
(١) الذاريات: ٢١.
هو الذنب الكبير الّذي لا يغفر، لأنّه الحجاب الواقعيّ والمانع الحقيقيّ عن الفوز بسبحات جمال المشيّة.
قرب ني بالا وپستى رفتن است |
قرب حقّ از حبل هستى رستن است |
وذلك المقام هو مقام التوحيد الّذي دعى الله الخلق إليه ففاز من دخل لجّة الأحديّة، وولج بيت الولاية الحقيقيّة، وخسر من عاش محروما عن ذلك المقام، ومحتجبا عن أنوار الملك العلّام.
يا رب ز جهان روى دلم برگردان |
حالى كه مرا هست نكوتر گردان |
|
راهم به سراپرده توحيد نما |
تا چند به هر طرف روم سرگردان |
ما رواه(١) أنس بن مالك عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، قال: سمعته يقول: أتاني جبرئيل وفي كفّه مثل المرآة الصافية فيها كالنَكْتَة السوداء، قلت: ما هذه الّتي في يدك؟ قال: هذه الجمعة، قلت: وما الجمعة؟ قال: لكم فيها خير قسم، قلت: وما لنا فيها؟ قال: تكون عيدا لك ولأمّتك من بعدك، فيكون اليهود والنصارى تبعا لكم، ولكم فيها ساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله خيرا له هو له قسْمٌ إلّا أعطاه إيّاه، أو ليس له قسما إلّا ذخر له عنده ما هو أفضل منه، وهو عندنا سيّد الأيّام ونحن نسمّيه يوم المزيد.
قلت: وممّ ذلك؟ قال: إنّ الربّ قد اتّخذ في الجنّة واديا أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة وهو يوم المزيد نزل الربّ من علّيّين على كرسيّه.
__________________
(١) قولنا «ما رواه» فاعل لقولنا فيما سبق «ويدلّك». منه.
ثمّ حفّ الكرسيّ بمنابر من ذهب مكلّل بالدرّ، ويجيء النبيّون حتّى يجلسوا على تلك المنابر.
ثمّ حفّت المنابر بكراسيّ من نور.
ثمّ يجيء الصدّيقون والشهداء حتّى يجلسوا على تلك الكراسيّ.
ثم ينزل أهل الغرف حتّى يجلسوا على كثبان المسك.
ثمّ يتجلّى لهم الربّ فيقول لهم: أنا الّذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، وهذا محلّ كرامتي فاسألوني، فيسألونه الرضا، فيشهدهم أنّي قد رضيت عنكم، فيسألون حتّى تنتهي رغباتهم.
ثمّ يفتح لهم ما لم يخطر على قلب بشر، ولم يسمعه أذنٌ، ولم تره عين، وذلك مقدار منصرفهم عن الجمعة.
ثمّ يرفع الربّ عن كرسيّه، ويرتفع النبيّون والصدّيقون والشهداء.
ثمّ يرجع أهل الغرف إلى غرفهم في جوف درّة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم، فليسوا إلى شيء بأحوج إلى يوم الجمعة ليزدادوا فيه من الكرامة، ولذلك سمّي يوم المزيد، وفيه تقوم الساعة(١) .
أقول: وفي ذلك الحديث إشارات لطيفة لا يدركها إلّا من امتحن الله قلبه للإيمان، واصطفاه لمقام العرفان.
آنكس است أهل إشارت كه بشارت داند |
نكته ها هست بسى، محرم أسرار كجاست |
__________________
(١) مستدرك الوسائل ٦: ٥٨.
دلم از صومعه وصحبت شيخ است ملول |
يار ترسا بچه كو؟ وخانه خمّار كجاست |
السابعة: قال بعض العارفين: إعلم أنّ للمقرّبين البالغين في الملكات الشريفة لذّات عظيمة قد فازوا بنعيم الأبد، والسرور الدائم في حضرة جلال ربّ العالمين في مقعد صدق عند مليك مقتدر، غير مخرجين عن لذّاتهم، فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذّ الأعين، جرد عن عوارض الهيولى، سرد عن مزاحمة القوى، مكحّلين بالأنوار الساطعة، ينظرون إلى وجوههم المفارقة، والنفس يومئذ كلّها وجه وكلّها عين.
وأمّا «أصحاب اليمين» فلهم لذّات دون الوصول إلى مرتبة السابقين، وقد يخالط لذّات هؤلاء شوب من لذّات المقرّبين، كما أشير إليه في شراب الأبرار( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتامُهُ مِسْكٌ ) (١) إلى قوله( وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) (٢) وهؤلاء لهم العروج إلى مشاهدة الواحد الحقّ، مستغرقين فيه.
وأمّا «الأبرار» من جملة أولئك فلهم ما وعد( إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ) (٣) .
فنقول: «الكأس» في اللغة: الإناء بما فيه من شراب، والشراب سمّي نفسه كأسا، وعبّر به هاهنا عن العلم، والمراد: إنّ النفوس الفاضلة الّتي
__________________
(١) المطفّفين: ٢٥ ـ ٢٦.
(٢) المطفّفين: ٢٧ ـ ٢٨.
(٣) الإنسان: ٥.
سمّاها بالأبرار إذا استعدّت لإفاضة العاليات عليها الكمال الّذي تمّ استعدادها له، وهو أن يتمثّل فيها ما يتعقّله من الحقّ الأوّل عزّ سلطانه بقدر ما يستطيعه، فإنّ تعقّل الحقّ الأوّل كما هو غير ممكن لغيره، ثمّ ما يتعقّله من معلولاته الذاتيّة أعني الوجود كلّه بحسب استعدادها تمثّلا يقينيّا خاليا عن شوائب الظنون والأوهام، مبرّأ عن جلابيب الأبدان، أفيض عليها دائما.
شبّه العلم بالكأس وهي الشراب لاستلزامها السكر والنشوة، وإن كان فرقان ما بين النشأتين، وفرقان ما بين اللذّتين والسكرين، فإنّ أصحاب تلك التعلّقات هم بالحقيقة النشاوى من كأس المقرّبين، السكارى من رحيق علّيّين، والغرقى في بحار أسرار طور سينين، الوالهين في ديار المقدّسين، يقولون:( رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (١) .
وقوله:( كانَ مِزاجُها كافُوراً ) وصف لتلك الكأس، وخصوص الكافور لكونه مستلزما للبياض الّذي هو أشرف الألوان المشرقة، لاستلزامه الرائحة اللّذيذة.
ثمّ يكون كلّ واحد من الأوصاف المحسوسة قد شابهه وصف من الأوصاف العقليّة، ولأجله وصف المشبّه وهو الكأس بما استلزم هذه الأوصاف المحسوسة.
أمّا البياض، فلأنّه أشرف الألوان المشرقة الصافية، وأبعدها عن الكدورات، ولذلك كان أحبّ الثياب إلى رسول الله البيض، ولتلك التعلّقات لـمـّا كانت براءة عن شوائب الأوهام، وكدورات الخيال، كانت في غاية
__________________
(١) التحريم: ٨.
الإشراق والصفاء، فاستحقّ اسمها وهو الكأس هاهنا أن وصف بالامتزاج بما استلزم البياض لتلك المشابهة.
وأمّا الرائحة، فلأنّ رائحة الكافور لـمـّا كانت أبلغ الروائح، وكان الإدراك العقليّ كرائحة من الإفاضات العالية الّتي هي فوق ما يصفه الواصفون، استحقّ الكأس أن وصف بالمستلزم لتلك الرائحة، وإن كان فرقان ما بين الرائحتين، وفرقان بين اللذّتين.
ثمّ مع هذه الفوائد كلّها فيه لطف لطيف لا يخفى، بل لطائف لا تحصى،
منها: أنّ من خواص الكافور إزالة الحرارة الراسخة المهلكة المتمكنة في جوهر ذات الشخص، فشبّه العلوم والفضائل المزيلة للجهالات وسائر المهلكات بذلك.
انتهى ملخّص كلامه، ومحصّل مرامه، وهو جيّد إلّا أنّ الحصر فيما ذكر لا يقول به المحقّقون من المتشرّعة، كما مرّ مثله فيما مرّ، فتدبّر.
الثامنة: ذكروا في انتصاب «عينا» وجوها :
منها: أن يكون بدلا من «كافورا» فالمراد به عين الكافور الّتي أشرنا إليها في مطاوي ما ذكر، فالبدل بدل الكلّ من الكلّ وهو المطابق.
ومنها: أن يكون بدلا من قوله «من كأس» أي يسقون من عين، ثمّ حذف الجار، فوصل الفعل إليه.
وضعّف بأنّ الحذف خلاف الأصل، وبأنّ العين على تقديره تصير مقصودة بالكلام دون الكأس، لأنّ المبدّل منه إنّما هو في حكم السقوط، فيلزم التعطيل وإلغاء الأصل، فليتأمّل.
ومنها: أن يكون منصوبا على المدح، والتقدير أعني أو أريد أو أمدح.
وضعّف بأنّه يلزم حينئذ أن يكون المقصود من الكأس هو المقصود من العين، لكن التباين أولى من الترادف.
ومنها: أن يكون منصوبا بنزع الخافض، أي من كأس في عين أو من عين.
أقول: ويحتمل انتصابه على الحاليّة من قوله «من كأس» وهي لا تستلزم الاشتقاق دائما، وإنّما هو حكمها الأغلبيّ، ففيه إشارة إلى أنّ الكأس الّتي يشربون منها ليست بحيث ينفد شرابها بعد الشرب منها ككؤس الدنيا، بل هي على حالها كالينبوع الّذي كلّما شرب منه يكثر ماؤه ويزيد صفاؤه، فعلم العارف بمراتب التوحيد يترقّى في كلّ حين بحسب سعيه، ولا يتبدّل بالجهل أبدا، وإن بذل للمستعدّين الطالبين.
كيف وهو كالنور الّذي يستضاء منه، فكما أنّه لا ينقص بكثرة ما يستضاء منه، كذلك علم العارف لا ينقص بكثرة التعلّم منه. وذلك واضح.
التاسعة: قال العارف: إعلم أنّ المراد بالعين هو العقل العاشر من العقول العشرة المنتهية إلى الينبوع الأكبر، وهو الواجب الأوّل جلّ ذكره وذلك العقل هو المسمّى بالعقل الفعّال أي الفاعل لكلّ ما في العالم السفليّ، وإنّما أطلق اسم العين عليه لأنّ العين لـمـّا كانت هي الينبوع الّذي يروي العالم وينتفع به ويأخذ كلّ شخص حصّته للشرب والزرع وأنواع الانتفاعات، وكان العقل لكثرة إفاضته بحسب الاستعدادات المختلفة يأخذ كلّ ممكن منه بحسب إمكانه حصّته، كان بينهما مشابهة من هذا الوجه، فأطلق اسم العين عليه لأجلها.
ولأجل تلك المشابهة كان المعبّرون كثيرا ما يعبّرون الماء الصافي بالعلم، والينبوع الحسن الجاري بالرجل الفاضل، وإن كان الينبوع الحقّ للكلّ هو المبدأ الأوّل جلّ وعلى، ثمّ العقل الثاني، ثمّ الثالث هكذا إلى العقل العاشر.
إلّا أنّ هذا العقل هو الفاعل الأقرب لما في هذا العالم.
وإذا فهمت ذلك تبيّن حينئذ سرّ قوله:( يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ) أي ينال كلّهم في كلّ وقت ما يستحقّه بحسب إمكانه واستعداده. انتهى ملخّص مقاله.
العاشرة: جملة «يفجّرونها» في محلّ النصب على الحاليّة.
وقيل على الوصفيّة.
أي يقودون تلك العين حيث شاءوا من منازلهم وقصورهم.
والتفجير: تشقيق الأرض بجري الماء.
قيل: وأنهار الجنّة تجري بغير أخدود، فإذا أراد المؤمن أن يجري نهرا خطّه خطّا فينبع الماء من ذلك الموضع ويجري بغير تعب.
هذا حاصل ما ذكره المفسّرون.
وأقول: في نسبة التفجير إلى أنفسهم إشارة إلى أنّهم بجهدهم وسعيهم لقد بلغوا ذلك المبلغ، وفازوا بذلك المقام، أي يفجّرون ينبوع العلم والحكمة من أرض هويّتهم برياضتهم واجتهادهم بحسب القوّة، فكلّ يفجّر بقدر استطاعته واستعداده، وفيه إشعار لطيف بأنّ الإنسان من حيث هو قابل لذلك المقام وهذه العلوم مكنونة فيه يحتاج في استخراجها إلى رعاية أسبابه المعدّة لذلك، كالتصفية والتزكية المعتبرتين عند أهل الذوق
والحال، وتحقّق تلك العلوم والمعارف في الهويّة الإنسانيّة إنّما هو كتحقّق النار في الزناد.
فكما أنّ في استخراجها وإيرائها منها يحتاج إلى بعض الأسباب المعروفة كذلك يحتاج في استخراج العلوم والحقائق من كينونة الإنسان إلى التصفية والتزكية، كما قال عليه السلام: ليس العلم في السماء حتّى ينزل إليكم، ولا في الأرض حتّى يصعد إليكم، بل هو مكنون فيكم، تخلّقوا بأخلاق الروحانيّين يظهر لكم.
أي تصفّوا نفوسكم وتزكّوها، فإنّ ذلك سبب بروز العلم، وظهور العرفان.
وقال تعالى:( إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ) (١) أي إن تأتمروا بما أمركم الله وتنتهوا عمّا نهاكم الله خوفا من غضب الله القهّار ترتفع غواشي نفوسكم، وتزول كدورات قلوبكم، فيلوح نور عقولكم، فتميّزون به الحقّ عن الباطل، والخير عن الشرّ، والقرب عن البعد إلى غير ذلك، فلا تضلّون عن طريق الحقّ أبدا.
وذلك الاستعداد هو العقل المطبوع الّذي أشار إليه عليٌّ عليه السَّلام حيث قال :
رأيت العقل عقلين |
فمطبوع ومسموع |
|
فلا ينفع مسموع |
إذا لم يك مطبوع |
|
كما لا تنفع الشمس |
ونور العين ممنوع |
__________________
(١) الأنفال: ٢٩.
أي الاستعداد الأصليّ هو المنشأ لفهم ما يسمعه ويتعلّمه، إذ لولاه لما كان الإنسان إلّا كسائر البهائم الّتي لا تدرك شيئا من المعارف والعلوم الإلهيّة، فيا أيّها الإنسان لا تكسل عن تفجير ينابيع الحكمة من أرض ذاتيّتك، فإنّ العلم والحكمة كلّها فيك، ليست خارجة عن هويّتك، كيف وفيك معنى كلّ شيء، كما قال :
دَواؤُكَ فيك وما تَشعُر |
ودَاؤُكَ منك وما تُبصِر |
فاطلب حقائق كلّ شيء من نفسك، واستخرجها من ذاتك بالتصفية والتزكية، فإلى متى تسعى في غير أرض هويّتك لغير ذاتيّتك، وتسير في بوادي الغفلة عن المودعات في كينونيّتك، وتهيم في فيافي الضلالة عن طرق الأسرار المكنونة في خزينة نفسانيّتك.
سالها دل طلب جام جم از ما مى كرد |
آنچه خود داشت زبيگانه تمنّا مى كرد |
|
گوهرى را كه بپرورد صدف در همه عمر |
طلب از گمشدگان لب دريا مى كرد |
قال الله عزّ سلطانه: ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ) .
أقول: لـمـّا أخبرنا بمقام الأبرار الأخيار، وما فازوا به من الكمالات الروحانيّة، واللذّات العقلانيّة، فشاقت النفوس إلى ذلك المقام، وظنّ كلّ أحد أنّه في زمرة هؤلاء الكرام، بيّن لنا أوصافهم الّتي بها وصلوا إلى تلك
الرتبة، وعلاماتهم الّتي بها سمّوا بالأبرار على الحقيقة، ليميّز الأبرار عن الفجّار، والأخيار عن الأشرار، ولئلّا يدّعي كلّ أحد الفوز بحقائق الأسرار، ومراتب الأخيار، فإنّ لكلّ حقيقة وصف تعرف هذه به، ولكلّ معنى صورة تستدلّ بها عليه، ولكلّ مسمىّ اسم ينبأ به عنه.
ولا ريب أنّ الحقيقة والمعنى والمسمّى هي الباعثة على الاسم والصورة والوصف، بمعنى أنّ تلك الأمور لا بدّ من أن يعرفها كلّ محتاج إليها لتسهل الإشارات والمكالمات والخطابات، ولا تعرف غالبا إلّا بالأمور اللفظيّة الّتي تدلّ عليها، وتنبأ عن آثار هويّتها، إذ لولاها لانسدّ باب التفهيم والتفهّم، والتعريف والتعرّف، وليست تلك الألفاظ والأسماء مغيّرة للحقائق إذا استعملت في غير مسمّياتها الأصليّة اللائقة، ألا ترى إنّك لو سمّيت الخلّ بالعسل لا يغيّر حقيقة الخلّ وصفته الّتي هي الحموضة إلى حقيقة العسل وصفته الّتي هي الحلاوة، فلا تأثير للاسم في الحقيقة الذاتيّة أصلا، وإنّما شأنه الدلالة على الحقيقة أو وصفها، وهي أمر اعتباريّ لا يؤثّر في شيء، ولا يغيّر شيئا، ولا مدخل له في الوصف الواقعيّ الّذي للحقيقة، بل الحقيقة بوصفها ثابتة محقّقة في نفس الأمر سواء وضع لها اسم يدلّ عليها أم لا، لما عرفت من أنّ وضع الاسم إنّما هو للتعريف لا للتحقيق والتكوين.
بمعنى أن يكون تحقّق الحقيقة بالاسم، كيف والاسم مغاير للمسمّى تغايرا كلّيّا لا رابطة بينهما إلّا في صرف الدلالة المقتضية للدالّ والمدلول، كيف والاسم حروف يتلفّظ بها اللّافظ، فهي غير مستقلّة في أنفسها محتاجة في تحقّقها إلى اللّافظ بها، والمسمّى هويّة صرفة مستقلّة في حدّ ذاتها غير
متغيّرة بتغيّر الاسم ولا مختلفة باختلافه، فإنّه يختلف بالعربيّة والعجميّة وغيرهما، وتتبدّل حروفه باختلاف الأعصار، ولا يوجب ذلك الاختلاف والتغيّر الاختلاف في الذات والتغيّر في الصفات، لعدم الرابطة المعنويّة بينهما، كما قلت :
إسم را كي در حقيقت مدخل است |
إسم عين ذات بودن مشكل است |
|
زهر شيرين نيست أز إسم عسل |
هم عسل كي تلخ گردد زين مثل |
إذا عرفت هذا، فلا ينبغي أن يخفى عليك أنّ للسعادة حقيقة ذاتيّة، وللشقاوة حقيقة ذاتيّة أخرى لا مناسبة بينهما أصلا، بل المتحقّق بينهما التباين الكلّيّ والتضادّ الواقعيّ، ولكلّ منهما اسم ووصف أي علامة، فالأوّل يستحقّه كلّ منهما بالثاني، أي العلامة تصحّح إطلاق الاسم على المسمّى، وتجعله مصداقا واقعيّا للاسم، بخلاف الاسم، فإنّه لا حكم له على المسمّى أصلا.
وتوضيح ذلك: أنّ للسعيد حقيقة بها صار السعيد سعيدا في نفس الأمر الواقعيّ بينه وبين الحقّ تعالى، وعلامة مصدّقة له في دعواه السعادة، وهي أمور أشار الله إليها في الآية وفي غيرها من الآيات، كما قال تعالى:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) (١) ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) (٢) .
__________________
(١) الأنفال: ٢.
(٢) النمل: ٣، لقمان: ٤.
حيث حصر المؤمنين في الّذين علاماتهم هذه من اضطراب القلب عند ذكر الحقّ، كما يضطرب قلب الحبيب بذكر المحبوب، وزيادة الإيمان والإيقان بوجود الحقّ عند تلاوة آيات الحقّ والتوكّل على الحقّ وهو الإعراض عمّا سواه، وإقامة الصلاة وهي الإقرار بولاية عليٍّ عليه السَّلام والدخول في زمر شيعته، وإيتاء الزكاة، وهو تصفية النفس وتزكيتها والإيقان بالآخرة، أي بالمقام الأعلى وراء ذلك الحسّ الظاهريّ.
وهذه علامات المؤمن يعرف بها، كما قال:( سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) (١) أي آيات لائحة في هويّاتهم من أثر الفناء عن غير الحقّ في الحقّ للحقّ يعرفون بها، واسما يستدلّ به على المفهوم أوّلا، وعلى المصداق بملاحظة تحقّق العلامات، فإنّها كما مرّ تجعل الحقيقة مصداقا واقعيّا لذلك الاسم.
فإطلاق ذلك الاسم على ذلك المصداق بالإشارة الحسّيّة أو العقليّة، إطلاق حقيقيّ لتحقّق العلامة، وعلى غيره ممّا لم تتحقّق فيه العلامات الواقعيّة ليس حقيقيّا، بل ولا مجازيّا، لرعاية المناسبة في المجازات، ولا مناسبة هنا أصلا، فإطلاق لفظ السعيد على الشقيّ لا يجعله سعيدا في نفس الأمر، ولا يجري عليه أحكام السعداء، ولا يثبت له مقام الصلحاء، بل هو شقيّ في نفس الأمر الواقعيّ، كما أنّ إطلاق اسم العسل على السمّ لا يجعله حلوا، ولا يغيّر حقيقته وآثاره ومضارّه إلى حقيقة العسل ومنافعه.
ألا ترى إلى الله كيف منع الأعراب عن أن يقولوا آمنّا ولم يدخل الإيمان
__________________
(١) الفتح: ٢٩.
في قلوبهم، وأمرهم أن يقولوا أسلمنا، وما كان ذلك إلّا لأجل أنّهم سمّوا أنفسهم مؤمنين، ولم يكونوا متّصفين بصفاتهم، ولم تكن فيهم علامات المؤمنين، وقال تعالى:( إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) (١) فكذّبهم فيما انتسبوه إلى أنفسهم من الإيمان بالرسول، لأنّهم ما كانوا مؤمنين على الحقيقة، بل غيّروا أسماءهم، حيث سمّوا نفوسهم الكافرة بالمؤمنة، فلا مدخل للاسم في الذات والحقيقة، بمعنى أنّ الشقيّ لا يصير سعيدا بمحض اسم السعيد وإطلاقه عليه، بل يجب في صحّة ذلك الإطلاق تحقّق الحقيقة والعلامة الدالّة عليها، وكذلك السعيد لا يصير شقيّا بإطلاق اسم الشقيّ عليه، فإنّ المعتبر هو حقيقة المسمّى، كما قلت :
معتبر ذات است وفعلى صفات |
كى شود حق ز اسم حق لات ومنات |
|
وصف هر چيزى تميز ذات اوست |
كيف هر ذاتى يكى زآيات اوست |
وللإشارة إلى ذلك التقرير لقد عدّ للأبرار الفائزين بلذّة الأسرار أوصافا وعلائم أربعة حتّى يعرفوا بها، ولا يدّعي كلّ أحد مقامهم، وهي: الوفاء بالنذر، والخوف من الحقّ، والإطعام على المستحقّ، والإخلاص لوجه الحقّ، على التفاصيل الّتي تأتيك، فمن اتّصف بتلك الصفات الخيار فهو من الأبرار، والعاري عنها يعدّ من زمرة الأشرار.
نه هركه چهره برافروخت دلبرى داند |
نه هركه آئينه سازد سكندرى داند |
__________________
(١) المنافقون: ١.
هزار نكته باريكتر زمو اينجاست |
نه هركه سر بتراشد قلندرى داند |
الأولى: الإيفاء بالنذر هو الدخول في لجّة التوحيد، والاستغراق في طمطام يمّ التجريد، والإعراض عن الوجوه الإمكانيّة، والكثرات الوجوديّة الوهميّة، والانقطاع عن كلّ ما في عالم الإمكان إلى ساحة الملك المنّان بأن لا يرى في الوجود شيئا متّصفا بالوجود سوى الحقّ، ويعلم أنّ وجودات كلّ شيء سوى بارئها لا حقيقة لها، بل هي موهومات صرفة، ومتخيّلات محضة، أصلها الأعدام ومرجعها إلى العدم الصرف، فإنّها كما عرفت أمور ظلّيّة إبداعيّة، فإنّ ذلك هو الميثاق الّذي عاهد الله به عباده في العالم الأوّل، كما قال:( وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ ) (١) ( أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ ) (٢) إلى آخره.
وقال:( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) (٣) .
أي لقد أخذنا ميثاقكم أن لا تذلّوا في طاعة نفوسكم الشقيّة الأمّارة بالسوء، فإنّها تأمركم بالسوء والفحشاء، لكمال بعدها عن ساحة الحقّ جلّ ذكره، ولظهور عداوتها لكم، حيث تسلككم مسالك الردى والضلالة ،
__________________
(١) البقرة: ٨٤.
(٢) هود: ٢٦.
(٣) يس: ٦٠ ـ ٦٢.
وتضلّكم عن شريعة الهداية، فتتركون محرومين عن مشاهدة شعاشع أنوار المشيّة المحجوبة في سماء هويّتكم، وتكونون من الخاسرين، وأن أدخلوا في لجّة التوحيد، واستغرقوا في قواميس التجريد، واحترقوا في أخاديد التفريد، لكي تفوزوا بشمّ نفحات الإخلاص، ومشاهدة لوائح الخلاص، فإنّ هذا هو الصراط المستقيم الّذي سلك فيه كلّ مخلص من المؤمنين.
كيف ولا يضلّ عنه من سلكه مهتديا بمصابيح أنوار الوجه القديم، وسواذج أسرار بهاء الذات الكريم، فلا تشركوا بي بأن تروا غير طلعتي في بساط الشهود، وتنظروا إلى غير وجهتي في عالم الوجود فإنّ ذلك لقد أهلك كثيرا من الناس بالعمى والجهالة، وتركهم في فيافي الردى والضلالة.
أفليس لكم العقل الصافي اللّامع لتهتدوا بنوره، وتعرفوا أنّ ذلك الشرك محبط لمراتب التوحيد، كما قال:( قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ * بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) (١) .
أي من الّذين عرفوا الله فعبدوه خالصا مخلصا بحيث ما خطر على قلوبهم ذكر شيء غير الله.
كيف وليس لشيء ذكر في عرش التوحيد سوى الحقّ الواجب تعالى، فإنّ ذكر الشيء فرع وجوده، ولا وجود لغير الحقّ في عالم التوحيد، كما قال:( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذا ذُكِرَ اللهُ
__________________
(١) الزمر: ٦٤ ـ ٦٦.
وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) (١) .
أي الّذين ما فازوا بالدار الآخرة وهي دار التوحيد لا يدركون مقام الواحديّة الصرفة الخاصّة بالحقّ جلّ شأنه بحيث إذا ذكره الفائز به تراهم تشمأزّ قلوبهم لبعدها عن ساحة الإدراك، ولكنّهم لتوجّههم إلى عالم الكثرة وخوضهم فيه تراهم يستبشرون بذكر سوى الحقّ تعالى( قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ) (٢) .
أي: قل إنّي أدخل لجّة الأحديّة وبيت المحبّة الخالصة الّذي أمر الناس كلّهم بأن يدخلوا، كما قال:( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (٣) أي: أُدخلوا تلك اللّجّة الشريفة بعد محو الوجود الموهوميّ في بحر الوجود الكلّيّ الحقيقيّ، فإنّ العابد لله بما أراد الله هو الّذي لا ينظر إلى نفسه بمعنى أنّه لا يرى نفسه عابدا والحقّ معبودا، فإنّ ذلك لشرك مبين.
بل يرى الحقّ معبودا خاصّة من غير أن يكون في ساحة عبادته ذكر لنفسه بأنّه عابد لله، فإنّ العبادة هي التوجّه إلى الشيء وذكره، فتوجّه العبد إلى نفسه حين توجّهه إلى الحقّ عبادة للنفس والحقّ، فمن كان هذا شأنه فقد
__________________
(١) الزمر: ٤٣ ـ ٤٥.
(٢) الزمر: ١٤ ـ ١٥.
(٣) البقرة: ٢١.
أشرك في عبادة الله عبادة غير الله، فالعبادة الحقيقيّة الّتي أرادها من الخلق هي أن لا يشعروا في حين العبادة بأنانيّتهم ونفسانيّتهم أصلا، بل أخلصوا شعورهم في الحقّ تعالى، فإنّ ذلك هو كمال التوحيد، وهو الصراط المستقيم الّذي يضلّ من يطلب في غيره سبيلا.
خواهم كه شوم پاك وز هستى برهم |
يابم ره معراج وزپستى برهم |
|
أبروى حبيب را كنم قبله خويش |
باشد كه ز عجب وخودپرستى برهم |
ثمّ لا يخفى أنّ المراد بأخذ الميثاق عليهم هو ما كان بينهم وبين الحقّ عند الاختراع.
وتوضيح ذلك أنّه لـمـّا خلع الله الخلق بخلعة الوجود عرّفهم بأنّ ذلك الوجود إنّما هو من الله جلّ نعمته، لا من غيره، أنعم به عليهم، فعاهدهم على أن يشكروا لتلك النعمة العظيمة، بأن لا يكفروا به، ولا يعبدوا من دونه شيئا.
وذلك بعد أن ينظر إلى أنفسهم وما فيها من العوالم الغير المتناهية بنظر البصيرة، فيعرفوا أنّ ذلك كلّه ما كان فكان، وإن كان إلّا بمكوّن غير ذاته، وغير ما هو في حدّ رتبته من الموصوف بصفة الإمكان، إذ المحتاج في وجوده إلى غيره ليس له أن يفتقر إليه غيره في وجوده، فيلوح له نور اليقين، بأنّ الموجد لذلك كلّه هو الحقّ الواجب الغنيّ الّذي لا إله إلّا هو، خالق كلّ شيء، وكلّ إليه يرجعون.
ويقطع حينئذ بأنّ العبادة لا تصلح إلّا لمن هو في مرتبته غير مفتقر إلى شيء من دونه في شيء.
كيف والعبادة نوع من الشكر، بل هي كلّ الشكر وكماله، والشكر لا يستحقّه إلّا المنعم الحقيقيّ، وأيّ منعم أحقّ بالشكر من المنعم الّذي أنعم على الخلق بالوجود الّذي لا يتصوّر فوقه نعمة؟
فالناظر كذلك بحقيقة النظر يستدلّ بوجوده على كمال مقام الحقّ، فيشهد بما يترتّب على وجوده من الآثار والأطوار على غناء الحقّ وكماله وتقدّسه عن وصف الواصفين، ومعرفة العارفين، ويتشعشع على قلبه نور اليقين، بأنّه لا يقدر على شكر واحدة من نعماء الحقّ، فضلا عن استقصاء جميع نعمائه وآلائه الّتي أنعم عليه في حدّ رتبته ومقام كينونته!
كما قال الحسين عليه السّلام في دعاء يوم عرفة: وأنا أشهدك يا إلهي بحقيقة إيماني، وعقد عزمات يقيني، وخالص صريح توحيدي، وباطن مكنون ضميري، وعلائق مجاري نور بصري، وأسارير صفحة جبيني، وخرق مسارب نفسي، وحذاريف مارن عرنيني، ومسارب صماخ سمعي، وما ضمّت وأطبقت عليه شفتاي، وحركات لفظ لساني ومغرز حنك فمي وفكّي، ومنابت أضراسي ـ إلى قوله ـ أنْ لو حاولت واجتهدت مدى الأعصار والأحقاب لو عمّرتها أنْ أؤدّي شكر واحدة من أنعمك ما استطعت ذلك إلّا بمنّك الموجب عليّ به شكرا آنفا جديدا، وثناء طارفا عتيدا.
أجل ولو حرصت أنا والعادّون من أنامك أن نحصي مدى إنعامك سالفة وآنفة ما حصرناه عددا، ولا أحصيناه أمدا، هيهات أنّى ذلك! وأنت المخبر
عن نفسك في كتابك الناطق، والنبأ الصادق (وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها)(١) إلى آخره.
ثمّ إن أصرّ الناظر المتدبّر في ذلك النظر، وأدام نظره في ذلك يرى الحقّ تعالى متجلّيا في كلّ شيء، متعرّفا ذاته في مرآة كلّ شيء، متصرّفا في كلّ شيء، مع كلّ شيء، وسلطانا على كلّ شيء، وحافظا لكلّ شيء، وقريبا من كلّ شيء، فلا يحجب الحقّ عن بصيرته في كلّ شيء، ولا يجهل بالحقّ في كلّ شيء، بل يشاهد أنوار الحقّ متشعشعة في حقيقة كلّ شيء، ويلاحظ لوامع الحقّ لائحة في كينونة كلّ شيء، كما قال عليه السّلام: إلهي علمت باختلاف الآثار وتنقّلات الأطوار أنّ مرادك منّي أن تتعرّف إليّ في كلّ شيء حتّى لا أجهلك في شيء (٢) إلى آخره :
همه آيات او ظاهر همه برهان او باهر |
ولى كو ديده بينا ولى كو قلب نورانى |
|
منوّر كرده خورشيد رخش آفاق وانفس را |
تو از كورى نمى بينى زنادانى نمى دانى |
|
جهان را بين منوّر گشته زإشراقات أنوارش |
هوا را بين معطّر گشته از أنفاس رحمانى |
|
أيا مجنون نظر بگشا همه ليليست اين صحرا |
تو اندر جستجو تا كى ز حيرانى به حيرانى |
__________________
(١) أنظر: مفاتيح الجنان (دعاء يوم عرفة) للإمام الحسين عليه السّلام.
(٢) راجع: مفاتيح الجنان، دعاء الإمام الحسين عليه السّلام في يوم عرفة.
ألا وامق نگاهى كن ببين آن نور عذرا را |
كه عالم از فروغ او سراسر گشته نورانى |
ولكنّك إذا فزت بذلك المقام ـ أي مقام مشاهدة الحقّ في الخلق، والاستدلال بالخلق على الحقّ ـ لقد ترقّيت عن مقام الكفر والجهالة إلى أوّل مقام الإيمان، ولتك ما تمحّضت للتوحيد، وما أخلصت للتجريد، فإنّك لقد شاهدت الحقّ مع الخلق بحيث توجّهت إلى الخلق أوّلا، ثمّ إلى الحقّ.
وهذا شرك بيّن عند أهل الصفاء والتوحيد، فإنّ كمال التوحيد هو أن لا يخطر ذكر الغير في مقام ذكر الحقّ، ولا ينظر إلى شيء من أرباب الإمكان في مقام النظر إلى الحق المنّان.
وهذا هو المنهج النهّاج، ومسلك النجاح، وذلك هو مقام الرجوع عن الآثار إلى سرّ حقائق الأنوار.
ولقد أشار إلى ذلك المقام مولانا الحسين عليه السّلام في دعاء يوم عرفة: «إلهي! تردّدي في الآثار يوجب بعد المزار، فاجمعني عليك بحرمة توسّلي إليك، كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده يفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك! متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك؟ ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي الّتي توصل إليك؟ عميتْ عينٌ لا تراك عليها رقيبا، وخسرت صفقَة عبد لم تجعل له من حبّك نصيبا.
إلهي! أمرتني بالرجوع إلى الآثار، فارجعني إليك بكسوة الأنوار، وهداية الاستبصار، حتّى أرجع إليك كما دخلت إليك منها، مصون السرّ عن
النظر إليها، ومرفوع الهمّة عن الاعتماد عليها، إنّك على كلّ شيء قدير.
إلهي! هذا ذلّي ظاهر بين يديك، وهذا حالي لا يخفى عليك، منك أطلب الوصول إليك، وبك أستدلّ عليك، فاهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق العبوديّة بين يديك.
إلى قوله: أنت الّذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتّى عرفوك ووحّدوك، وأنت الّذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبّائك حتّى لم يحبّوا سواك، ولم يلجأوا إلى غيرك، أنت المونس لهم حيث أوحشتهم العوالم، وأنت الّذي هديتهم حتّى استبانت لهم المعالم، ماذا وجد من فقدك، وما الّذي فقد مَن وجدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلا، ولقد خسر من بقي عنك متحوّلا.
إلى قوله: أنت الّذي لا إله غيرك، تعرّفت لكلّ شيء فما جهلك شيء، وأنت الّذي تعرّفت إليّ فرأيتك ظاهرا في كلّ شيء، فأنت الظاهر لكلّ شيء.
يا من استوى برحمانيّته فصار العرش عينا في ذاته، محقت الآثار بالآثار، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار إلى آخره.
والإمام عليه السَّلام لقد أشار في تلك الفقرات الشريفة الّتي لم نر مثلها من غيره إلى لباب لباب العرفان، وحقائق حقائق الإيقان، واستوفى فيها جميع المعارف الإلهيّة، والحقائق الربّانيّة، على وجه لا يطّلع عليه إلّا اللّبيب البصير الخبير.
الثانية: لا بأس بتفسير الإيفاء بالنذر بالدخول في بيت الولاية، أي الإقرار بنبوّة محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وأنّه أفضل من كلّ شيء،
وأنّ دينه باق إلى يوم القيامة، وبمقام أوصيائه الاثني عشر، وأنّهم خير الناس بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وأنّ غيرهم غير مستحقّ لمقام الولاية والنيابة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله، وأنّهم هم المعصومون عن النقائص والتوجّهات الغيريّة، المقدّسون عن الشؤونات العرضيّة، فإنّ الله تعالى لقد أخذ من الخلق ميثاقهم على الإقرار بحقّهم، والاعتراف بمقامهم عليهم السَّلام حيث قال لهم: ألست بربّكم، ومحمّد نبيّكم، وعليٌّ وليّكم، والأئمّة من ولده أولياؤكم وأئمّتكم؟ فأجابوا جميعا بقولهم: بلى، لقد شهدنا بذلك كلّه، وأقررنا به، فمن بقي على إقراره واعترافه في ذلك العالم العنصريّ فقد وفى بالعقود والمواثيق الّتي أخذها الله منه في العالم السابق، ومن نسي ما كان منه في الأوّل، وأنكر مقامهم عليهم السَّلام فقد نكث عهد الله ونقضه، كما قال:( يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ) (١) إلى آخره.
فالإقرار بهؤلاء المعصومين عليهم السَّلام من خواصّ صفات الأبرار، فمن جهلهم ولم يعرف مقامهم فهو من الأشرار الّذين هدّدهم الله بعذاب النار في دار البوار.
فيا سبحان الله كيف ينكر فضائلهم وقد ملأت ما بين السماء والأرض، بل كلّ شيء ممّا في سلسلة الإمكان، كيف والحقّ معهم يدور، وفضلهم في كلّ شيء لكلّ شيء مشهور، كيف وقد نزل القرآن في مدحهم ومدح المؤمنين بهم، وذمّ أعدائهم ومنكريهم.
ولنعم ما قيل: إنّهم قوم باشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره
__________________
(١) البقرة: ٢٧، الرعد: ٢٥.
المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه(١) إلى آخره.
وفي «إكمال الدين» عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: الأئمّة بعدي إثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب وآخرهم القائم عليه السّلام هم خلفائي وأوصيائي وأوليائي وحجج الله على أمّتي بعدي، المقرّ بهم مؤمن، والمنكر لهم كافر(٢) .
وفي «الكافي» عنه صلّى الله عليه وآله قال: إنّي وإثنا عشر من ولدي، وأنت يا عليّ رزّ الأرض ـ يعني أوتادها وجبالها ـ إلى أن قال ـ: فإذا ذهب الاثنا عشر ساخت الأرض بأهلها ولم ينظروا(٣) .
وعن أبي هريرة قال: قلت لرسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّ لكلّ نبيّ وصيّا وسبطين، فمن وصيّك وسبطاك؟ فسكت ولم يردّ عليَّ جوابا، فانصرفت حزينا، فلمّا كان الظهر قال: أدن يا أبا هريرة منّي، فجعلت أدنو وأقول: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، ثمّ قال: إنّ الله بعث أربعة آلاف نبيّ وكان لهم أربعة آلاف وصيّ وثمانية آلاف سبط، فو الذي نفسي بيده، لأنا خير النبيّين، ووصيي خير الوصيّين، وابناي سبطاي خير الأسباط.
ثمّ قال: الحسن والحسين سبطاي من هذه الأمّة، وأنّ الأسباط كان من
__________________
(١) انظر: نهج البلاغة، الكلمات القصار: ١٤٧.
(٢) كمال الدين وتمام النعمة ١: ٢٥٩.
(٣) الكافي ١: ٥٣٤.
ولد يعقوب وكانوا اثنا عشر رجلا، وأنّ الأئمّة بعدي اثنا عشر من أهل بيتي، عليٌّ أوّلهم، وأوسطهم محمّد، وآخرهم مهديّ هذه الأمّة الّذي يصلّي خلفه عيسى بن مريم(١) . والأخبار في ذلك الباب أكثر من أن تحصى.
الثالثة: ممّا لا بأس بتفسير الإيفاء به الاعتقاد بوجود القائم المهديّ المنتظر حيّا، وبأنّه لا بدّ لهذه الأمّة منه في جميع أمورهم، وأنّه لم تبطل الحجّة بغيبته واختفائه عن الأنظار، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله بل الله تعالى لقد أخذ الميثاق من تلك الأمّة على أنّهم لا ينكرون القائم بعد غيبته، ولا يستبعدون ظهوره بعد طول المدّة، بل لا يحدث في عقائدهم خلل بالشكّ في ذلك، فضلا عن الاعتقاد بعدم مجيئه عليه السَّلام، وقد قال الصادق عليه السَّلام: إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدّ منها يرتاب فيها كلّ مبطل، فقلت له: ولم جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم، قلت: فما هذه الحكمة في غيبته؟ قال: وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج الله، إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى، يا ابن الفضل، إنّ هذا الأمر أمر من أمر الله، وسرّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنّ الله عزّ وجلّ حكيم صدّقنا بأنّ أفعاله كلّها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف لنا(٢) إلى آخره.
وعنه عليه السَّلام قال: أقرب ما يكون العباد من الله وأرضاه ما يكون
__________________
(١) كفاية الأثر: ٧٩.
(٢) علل الشرائع ١: ٢٤٥.
عنهم إذا افتقدوا حجّة الله، ولم يظهر لهم ولم يعلموا مكانه، وهم في ذلك يعلمون أنّه لم تبطل حجّة الله ولا ميثاقه، فعندها فتوقّعوا الفرج صباحا ومساء، فإنّ أشدّ ما يكون غضب الله على أعدائه إذا افتقدوا حجّته، ولم يظهر لهم، وقد علم أنّ أولياءه لا يرتابون، ولو علم أنّهم يرتابون ما غيّب عنهم طرفة عين، ولا يكون ذلك إلّا على رأس شرار الناس(١) .
وعن زرارة عنه عليه السَّلام قال: سمعته يقول: إنّ للغلام غيبة قبل أن يقوم، قال: قلت: ولم؟ قال: يخاف! وأومأ إلى بطنه.
ثمّ قال: يا زرارة، هو المنتظر، وهو الّذي يشكّ في ولادته، منهم من يقول مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول حمل، ومنهم من يقول إنّه ولد قبل موت أبيه بسنتين، وهو المنتظر، غير أنّ الله يحبّ أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون(٢) .
فمن علائم الأبرار الّذين يفوزون بلذّات الأسرار هو الانتظار للقائم الموعود في جميع الأعصار، وعدم طريان الشكّ في عقيدته السابقة بأنّه عليه السَّلام سيجيء ويمكّن من الأرض كلّها، ويجعل الأديان دينا واحدا، فيعبدون الله مخلصين له الدين، فليس منهم من أنكره إمّا بأن يعتقد أنّه لا يلزم لهذه الأمّة من الحجّة الكذائيّة، فإنّه عليه السَّلام لقد مات أو لم يولد كما هو مذهب العامّة العمياء، فإنّهم لا ينتظرونه ولا يقولون بغيبته، بل يستهزؤن الشيعة في تلك المقالة، ويشنّعون عليهم تشنيعا فضيحا، كما لا يخفى على المطالع لكتبهم.
__________________
(١) الكافي ١: ٣٣٣.
(٢) الكافي ١: ٣٣٧.
ويقولون إنّ القائم لأمّة محمّد صلّى الله عليه وآله كلّ من كملت نفسه بالرياضات، وتهذّبت أخلاقه بالطاعات، وصلح لإرشاد الخلق إلى معارف الدين ومعالم اليقين.
ويدلّك على ذلك ادّعاء مرتاضيهم لذلك المقام، حيث ينسبون إلى أنفسهم القائميّة وخاتميّة الولاية المقيّدة المحمديّة، ألا ترى إلى الشيخ محيي الدين الأعرابيّ كيف ادّعى تلك المرتبة حيث قال: أنا ختم الولاية دون شكّ يورث الهاشميّ مع المسيح بعد ما اعتزل عن الخلق، وكفّ عن الطعام تسعة شهور. ومن أشعاره :
ولـمّا أتاني الحقّ ليلا مبشّرا |
بأنّي ختام الأمر في غرّة الشهر |
|
أنا وارث لا شكّ علم محمد |
وحالته في السرّ منّي وفي الجهر |
|
وإنّي لختم الأنبياء محمّد |
ختام اختصاص بالبداوة والحضر |
ومن شعره أيضا :
الله أكبر والكبير ردائي |
والنور بدري والضياء ذكائي |
|
والشرق غربي والمغارب مشرقي |
وحقائق الخلق الجديد إمائي |
|
والنار غيبي والجنان شهادتي |
والبعد قربي والدنوّ تنائي |
|
وإذا أردت تنزّها في روضتي |
أبصرت كلّ الخلق في مرآئي |
|
وإذا انصرفت أنا الإمام وليس لي |
أحد أخلّفه يكون ورائي |
أو يعتقد بأنّه عليه السَّلام لقد ظهر ولاح نوره كما هو مذهب الفرقة المبتدعة، حيث زعموا أنّ الآيات الّتي لا بدّ من تحقّقها لظهور القائم مؤوّلة بما قرّروه في أنفسهم من التأويلات البعيدة الّتي تضحك منها الثكلى،
وهؤلاء لقد ضلّوا بطول المدّة، جاهلين عن حقيقة الأمر، ولم يعرفوا أنّ القائم الحيّ عليه السَّلام متصرّف في أمر العالم عند الله في زمن الغيبة كما يتصرّف في زمن الحضور.
كيف ولولاه لساخت الأرض بأهلها، وانعدم السماء والأرض.
كيف وهو الركن الواقعيّ لجميع العوالم الممكنة، والقطب الحقيقيّ لدائرة المعالم الإلهيّة :
مهدى كه زوى رونق ايمان باشد |
هرچند چه جان زديده پنهان باشد |
|
خورشيد بود زوى جهانى روشن |
هرچند به زير ابر پنهان باشد |
ولتلك الفرقة مزخرفات واهية، وترّهات نائية، يعرف ردّها كلّ من له أدنى مسكة، ولقد أشرنا إلى بعض مذاهبهم في بعض رسائلنا الشريفة.
الرابعة: قيل الإيفاء بالنذر هو أن يفعل ما نذر عليه، فإذا نذر طاعة تمّمها ووفى بها، فالمراد بالنذر هو النذر المعروف بين الفقهاء. فليتأمّل.
وقيل: المراد إتمام ما فرض الله عليهم من الواجبات، وفي الأوّل مبالغة في وصفهم بالمواظبة على الطاعات المقرّبة منه الّتي أوجبها الله عليهم، لأنّ من أوفى بما أوجبه على نفسه تقرّبا إلى الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى، فإنّ فيه إطاعة الحقّ في أمره أيضا.
وقيل: لا بعد في حمل الوفاء بالنذر على الإتيان بالتكميل والاستكمال الّذي لأجله خلق الإنسان، فكأنّه عهد ونذر بذلك في مبدأ الفطرة.
الخامسة: لقد عدّ الحقّ من علائم الأبرار الخوف، كيف وهو من الصفات اللازمة لهم لا ينفكّ عنهم أبدا، فإنّ العارف بالحقّ أخشى من الحقّ من غير
العارف، كما قال:( إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) (١) أي العارفون بصفاته الجلاليّة والجماليّة.
وفي الحصر إشعار بأنّ الّذين لم يعرفوه كذلك لا يخافونه بحقيقة الخوف، ولا يخشونه بمعنى الخشية، بل الخائفون منه تعالى هم العارفون به، فإنّهم يعرفون قهّاريّة الحقّ وسطواته فيخشون منه خشية العبد من مولاه، والرعيّة من السلطان.
وفي «مصباح الشريعة»: الخوف رقيب القلب، والرجاء شفيع النفس، ومن كان بالله عارفا كان من الله خائفا، وإليه راجيا، وهما جناحان للإيمان يطير بهما العبد المحقّق إلى رضوان الله، وعينا عقله يبصر بهما إلى وعد الله ووعيده إلى آخره.
وفي «الكافي»: من علم أنّ الله يراه ويسمع ما يقول، ويعلم ما يعلمه من خير أو شرّ فحجره ذلك عن القبيح من الأعمال فذلك الّذي خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى.
ثمّ الخوف على ما ذكره بعض العارفين هو الانزعاج عن طمأنينة الأمن الّذي للنفس بمطالعة الخبر الوارد من الله تعالى على لسان رسوله بالترهّب والتهديد، وله ثلاث درجات :
الأولى: الخوف من العقوبة المقرّرة للمعاصي، وذلك هو خوف العامّة، فإنّ مؤمنيهم ربّما يتركون المعاصي خوفا من النار، والدخول في دار البوار.
الثانية: خوف المكر بأن يسلب لذّة الحضور، وذلك خوف أرباب
__________________
(١) فاطر: ٢٨.
المراقبة، فإنّهم يخافون من أن تكون حلاوة الحضور لهم استدراجهم من الله، ومكرا بهم، فكلّما تكون الحلاوة بالإقبال أتمّ كان الخوف من الإعراض أشدّ، كما قال عليه السلام: أنا أتقاكم لله وأشدّ منه خوفا.
الثالثة: خوف البعد عن ساحة الشهود، وذلك خوف الواصلين الّذين فازوا بمقام مشاهدة شعشعان نور وجه الحقّ، ووصلوا إلى روض رياض بساتين الصدق، فيخافون أن يحرموا من تلك الساحة الشريفة، ويبعدوا عن خدمة المحبوب الحقيقيّ، ويحجبوا عن مشاهدة لوامع أنوار وجهه الكريم.
كيف والمحبّ بعد الوصول إلى الحبيب حزنه وهمّه أشدّ من الّذي ما فاز بالوصل بعد، فإنّ الواصل خائف من الفراق والانفصال، والطالب ربّما يرجو الاتّصال، فيلتذّ برجائه في الحال، بل في جميع الأحوال، كما قلت في هذا الحال :
خيال وصل تو افزون كند سرور مرا |
اگر بشىء بخيال تو در خروش آيم |
السادسة: يحتمل أن يكون المراد باليوم الّذي كان شرّه مستطيرا أي عظيما غاية العظم هو يوم الفراق والبعد عن خدمة المحبوب الروحانيّ، فإنّ شرّ ذلك الحين عظيم، لاستلزام البعد الاحتجابات الروحانيّة الّتي هي السلاسل والأغلال المانعة عن الكمال والاستكمال على ما مرّ إليه الإشارة.
وقيل: المستطير العالم المنتشر، والمراد باليوم هو الوقت الّذي يتقدّر فيه ضرورة الموت، ثمّ لـمـّا كانت تلك الضرورة عامّة في حقّ كلّ أبناء هذا النوع وكان ذلك شرّا في حقّ الغالب والأكثر من الناس بسبب مفارقة نفوسهم لآلاتها الاستكماليّة الّتي هي الأبدان، وهي غير مستكملة بعد وفاته
لم يحصل لها ملكة الاتّصال بمادّيّها، ولم تقرّ بالمقاصد الكلّيّة، فيحصل لها بسبب ذلك العذاب الأليم، فلا جرم كان ذلك شرّا مستطيرا عامّا في حقّ الأكثر.
أقول: لقد ارتكب التجوّز حيث حمل العامّ على المبتلى به الأكثر مع أنّ حقيقة الشرّ العام أن لا يشذّ منه أحد لانتشاره، يقال: عمّت البليّة، إذا لم ينج منها أحد.
ولا يخفى أنّ الكاملين لاستكمالهم ووصولهم إلى المقامات الّتي قرّرت لهم في أبدانهم العنصريّة لا يبالون من الموت أصلا، بل نفوسهم مشتاقة إليه، لأنّهم يرون البدن العنصريّ بعد ذلك حجابا بينهم وبين حقائق ملكاتهم الّتي حصّلوها بالرياضات والمجاهدات، فلا يزالون يتمنّون الموت لعدم علاقتهم بالدنيا، فإنّ ذلك من علامة الكامل الراغب عن غير الحقّ، كما قال الله تعالى:( قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) (١) إلى آخره.
أي قل لهؤلاء المدّعين لمقام الولاية والمحبّة الخالصة والفوز بمقام الكمال والاستكمال تمنّوا الموت والنجاة عن ذلك البدن العنصريّ، فإنّه حجاب منيع عن الفوز بالحقائق المعدّة لأولياء الله إن كنتم صادقين في تلك الدعوى، إذ الدعوى لا تسمع إلّا بعد إقامة البيّنة، وبيّنة مقام المحبّة الإعراض
__________________
(١) البقرة: ٩٤ ـ ٩٦.
عن العلائق الدنيويّة، وعدم الحرص على الحياة الجسمانيّة.
ويدلّ على ما ذكرنا من أنّ المراد بالدار الآخرة هي دار المحبّة والولاية قوله تعالى:( قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (١) .
وقال:( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (٢) .
أي لا يخافون من الموت، ولا يحزنون على رفع الجسم عن هويّاتهم لاطمئنان أنفسهم بأنّهم لا يتألّمون، لأنّ قضيّة ملكاتهم الالتذاذ لا التألّم، كما عرفت.
فذلك الوقت ليس شرّا لهؤلاء الأبرار، بل خير محض لا يزالون يتمنّونه في جميع الأوقات. ألا ترى إلى مولانا ومولى كلّ ما في الإمكان عليّ بن أبي طالب عليه السَّلام كيف قال: وإنّي لأشوق إلى الموت من الرضيع إلى ثدي أمّه.
وقال عليه السّلام: لا أبالي أقع على الموت أم يقع عليّ الموت(٣) .
وأمثال تلك الكلمات لقد وردت بكثير عنه عليه السَّلام وعن غيره من الأئمّة الأطهار، بل وعن الكاملين من شيعتهم، وقد حكي أنّ الشيخ
__________________
(١) الجمعة: ٦ ـ ٨.
(٢) يونس: ٦٢.
(٣) أنظر: الأمالي، للصدوق: ١١٠.
السهرورديّ لـمـّا أمر بقتله لم يضطرب، وأنّ العطّار كان ضاحكا متبسّما عند قتله، وقد قال المنصور: ناسوتيّتي استهلكت في لاهوتيّتك فبحقّ ناسوتيّتي على لاهوتيّتك أن تغفر لمن ابتغى قتلي. ومن شعره :
أقتلوني يا ثقاتي |
إنّ في قتلي حياتي |
|
ومماتي في حياتي |
وحياتي في مماتي |
* * *
حجاب چهره جان مى شود غبار تنم |
خوشا دمى كه از اين چهره پرده برفكنم |
|
وإنّي إلى التهديد بالموت راكن |
ومن هوله أركان غيري تهدّت |
|
ولقد قلت اقتلوني من وصالم آرزوست |
كشتن من اى جماعت پس نكوست |
|
عاشقان بيزار زين جسمند وتن |
سالك حقّند در راه وطن |
|
تن نخواهد آنكه با حق آشناست |
يا كه جانش غرق طمطام فناست |
وقيل: المستطير هو الفساد العامّ في البدن، وبزوال قواه الّتي أنعم الله بها على الإنسان فإنّه شرّ للبدن، عامّ للجميع.
أقول: وفيه ما مرّ من أنّ ذلك ليس شرّا بالنسبة إلى الكمّلين، على أنّ ذلك يستلزم تقدير ما لا يسبق إليه الفهم في أوّل المرتبة. فتأمّل.
السابعة: قال الطبرسيّ رحمه الله: ويسمّى العذاب شرّا، لأنّه لا خير فيه
للمعاقبين، وإن كان في نفسه حسنا لكونه مستحقّا.
وقيل: المراد بالشرّ هنا أهوال يوم القيامة وشدائده.
أقول: قوله «لأنّه لا خير فيه للمعاقبين» إنّما يستقيم لو كان المعاقبون الكفّار وقلنا بخلودهم في النار، وأمّا لو كانوا من المؤمنين المذنبين أو قلنا بعدم الخلود فلا معنى له، إذ ليس العذاب إلّا لأجل إيصالهم إلى كمالاتهم، وتصفيتهم عن الحجب المانعة عن الوصول كما يذاب الذهب والفضّة بالنار لأجل الخلاص، فعذابه لعباده ليس إلّا لكمال مرحمته بهم، كما قال :
وتعذيبكم عذب وسخطكم رضا
وبذلك لقد فسّر قوله «سبقت رحمتي غضبي»(١) .
أي أطهّرهم عن كدورات العصيان برحمتي، ولكن لا تتحقّق تلك الطهارة إلّا بالغضب، أي العذاب، فهم يزعمون أنّ الله يريد بذلك أن يغضبهم وهو مريد لرحمتهم وإكمالهم.
ألا ترى إلى الآباء كيف يؤدّبون أولادهم بما يراه الآباء رحمة والأبناء شرّا وظلما، وقد قال تعالى مخبرا عن حال الإنسان( وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ) (٢) إلى آخره.
وقد روي أنّ امرأة سألت النبيّ صلّى الله عليه وآله فقالت: يا نبيّ الله، الله أرحم بعباده أم أنا بأولادي؟ فقال صلّى الله عليه وآله: بل الله أرحم، فإنّه هو أرحم الراحمين! فقالت: أتراني يا رسول الله أحبّ أن ألقي ولدي في النار؟
__________________
(١) الكافي ١: ٤٤٢.
(٢) الفجر: ١٦.
فكيف يلقي الله عبده فيها وهو أرحم بهم؟! فبكى رسول الله وقال: هكذا أوحي إليّ. فليتأمّل.
از نامه سياه نترسم كه روز حشر |
با فيض لطف او صد ازين نامه طى كنم |
قوله: وإن كان في نفسه حسنا إلى آخره، جيّد لما ذكره، ولأنّ ذلك من فعل الحقّ تعالى وهو حكيم لا يصدر عنه القبيح والشرّ، لأنّ عدله وحكمته مانع عن ذلك على التفصيل المذكور في مقامه، ومخالفة الأشاعرة حيث جوّزوا صدور القبيح عنه تعالى موهونة بالعقل اللّامع والشرع الواضح، وما استدلّ لهم بقوله:( وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) (١) إلى آخره.
وبما روي في «الكافي» عن الصادق عليه السَّلام أنّه قال: مكتوب في التوراة: إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا، خلقت الخلق وخلقت الخير وأجريته على يد من أحبّ، فطوبى لمن أجريته على يديه، وأنا الله لا إله إلّا أنا خلقت الخلق وخلقت الشرّ وأجريته على يد من أريد، فويل لمن أجريته على يديه(٢) .
لا دلالة فيه على دعواهم أصلا، كما بيّنّا ذلك في غير تلك الرسالة كشمس المشارق في الشرح على شرح الباب الحادي عشر.
ثمّ لا يخفى أنّ بعض الحكماء قد ادّعى الضرورة على أنّ الوجود خير محض، وأوّلوا الشرور بالأعدام، وقالوا: ما من شيء أوجده الله إلّا وهو في
__________________
(١) النساء: ٧٨.
(٢) الكافي ١: ١٥٤.
نفسه خير محض لا شرّيّة فيه من حيث الوجود، وإن شمّ فيه رائحة شرّ فهي مستندة إلى العدم بعد التحقيق.
از حكيم اى عزيز بد نآيد |
هرچه او كرد آنچنان بايد |
قال المحقّق الطوسيّ رحمه الله في «شرح الإشارات»: الشرّ يطلق على الأمور العدميّة من حيث هي غير مؤثّرة كفقدان كلّ شيء ما من شأنه أن يكون له مثل الموت والفقر والجهل، وعلى أمور وجوديّة كذلك كوجود ما يقتضي منع التوجّه إلى كمال عن الوصول إليه مثل البرد المفسد للثمار، والسحاب الّذي يمنع القصّار عن فعله وكالأفعال المذمومة مثل الظلم والزنا، وكالأخلاق الرذيلة مثل الجبن والبخل، وكالآلام والغموم وغير ذلك.
وإذا تأمّلنا في ذلك وجدنا البرد في نفسه من حيث هو كيفيّة ما أو بالقياس إلى علّته الموجبة له ليس بشرّ، بل هو كمال من الكمالات، إنّما هو شرّ بالقياس إلى الثمار لإفساده أمزجتها، فالشرّ بالذات هو فقدان الثمار كمالاتها اللّائقة بها، والبرد إنّما صار شرّا بالعرض، لاقتضائه ذلك، وكذلك السحاب.
وأيضا القتل ليس بشرّ من حيث إنّ القاتل كان قادرا عليه، ولا من حيث إنّ الآلة كانت قاطعة، ولا من حيث إنّ عضو المقتول كان قابلا للقطع، بل من حيث إنّه أزال الحياة عن ذلك الشخص وهو قيد عدمّي، وباقي القيود الوجوديّة خيرات.
وأيضا الظلم والزنا ليسا من حيث هما أمران يصدران عن قوّتين كالغضبيّة والشهويّة مثلا بشرّ، بل هما من تلك الحيثيّة كمالان لتينك
القوّتين، إنّما يكونان شرّا بالقياس إلى المظلوم وإلى السياسة المدنيّة أو إلى النفس الناطقة الضعيفة عن ضبط قوّتيه الحيوانيّتين، فالشرّ بالذات هو فقدان أحد تلك الأشياء كماله، وإنّما أطلق على لسانه بالعرض لتأديتها إلى ذلك.
وكذلك القول في الأخلاق الّتي هي مبادؤها، وكذلك الآلام فإنّها ليست بشرور من حيث هي إدراكات لأمور، ولا من حيث وجود تلك الأمور في أنفسها، أو صدورها عن عللها، إنّما هي شرور بالقياس إلى المتألّم الفاقد لاتّصال عضو من شأنه أن يتّصل إلى آخره.
فالعذاب خير محض من حيث صدوره عن الحقّ وقدرة الحقّ على ذلك، وشرّ بالعرض من حيث تأديته إلى حرمان الكافر عن الوصول إلى الكمال، وحرمان المؤمن المذنب عن السرور في الحال.
وهذا هو الوجه الوجيه لتسمية العذاب بالشرّ في الآية الشريفة.
الثامنة: لا بأس بتفسير الإطعام للطعام بإنفاق العلم على المستعدّين من الأنام، والطعام بالطعام الروحانيّ وهو العلم الحقيقيّ الّذي ينبعث منه الحالات الشريفة، والأخلاق الحسنة، ويصفّى القلب به عن الوساوس الشيطانيّة من الظنون والخيلولات الوهمانيّة، فإنّ ذلك هو الغذاء المربّي لجوهر النفس الناطقة الإنسانيّة، والمانع لها من الضياع والهلاك في بوادي الجهل والضلال، إذ لكلّ شيء غذاء بحسب حاله لا بدّ له منه بحيث لو حرم منه لكان محروما عن المقام المقدّر له بحسب الاستعداد، فكما أنّه لا بدّ للبدن العنصريّ من الأغذية الكثيفة المناسبة له، كذلك لا بدّ للنفس الناطقة من الأغذية اللطيفة الروحانيّة المناسبة لها حتّى تربّيها وتسبّب لترقّيها عن
حضيض البعد إلى أوج القرب، لتصير مرآة الجذب وبلّورة الحبّ.
وكما أنّ الطائر إذا كان غذاؤه من الأرض أكثر قلّ طيرانه إلى الفوق، وإذا كان غذاؤه من الهواء أكثر كان أشدّ ارتفاعا، كذلك الإنسان إذا كان أشدّ اهتماما بالغداء الجسمانيّ المنجرم كان أقلّ طيرانا إلى أعالي القرب بالحقّ وأرافع الفوز بلذّات الصدق، وإذا كان أشد اهتماما بتكميل النفس الّذي هو الغذاء الروحانيّ كان أكثر ارتفاعا إلى عوالم القدس، ومقامات الانس بالحقّ في أعراش البهاء، وكراسي الصفاء والعلاء :
يا خادم الجسم كم تسعى بخدمته |
أتطلب الربح فيما فيه خسران |
|
أقبل على النفس واستكمل فضائلها |
فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان |
ولنا في ذلك المقام مطالب كثيرة شريفة لا يفهمها أكثر الناس لغفلتهم عن مقام تكميل النفس، فإنّ الغافل عن مقام لا يدرك ما يترتّب عليه، كما قال تعالى:( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) (١) .
أي عن مقامات التكميل للنفس الناطقة الإنسانيّة على أنّ من الناس من لا يقدر على تحمّل بعض هذه المطالب وإلّا لفصّلت القول في أمثال تلك المطالب، وكشفت السرّ عن بعض المذاهب :
گر نبودى خلق محجوب وكثيف |
گر نبودى حلقها تنك وضعيف |
|
در بيانش داد معنى دادمى |
غير ازين منطق لبى بگشادمى |
فمن علائم هؤلاء الأبرار هو بذل ما أتاهم من العلم والعرفان
__________________
(١) الأعراف: ١٧٩.
للمستعدّين، كما قال:( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) (١) .
أي وممّا رزقنا نفوسهم من العلم لا يبخلونه عن الطالبين القابلين.
وأمّا الفجّار من العلماء فيبخلون عن إنفاق علومهم على غيرهم لأغراض فاسدة، وأولئك تكبّ وجوههم في النار.
وقد تظافرت الأخبار من الأئمّة الأطهار في الترغيب على بذل العلم، والتهديد على كتمانه على أهله، ولقد سطرنا كثيرا منها في المقدّمة الّتي حرّرناها في آداب التعليم والتعلّم، وفي كتابنا المسمّى بـــ«أسرار العارفين».
وفي قوله تعالى «على حبّه» إشعار بأنّهم ينفقون العلم مع كمال حبّهم له.
كيف وهو الجوهرة اللطيفة البهيّة الّتي لا شيء أبهى منها، وهو الدرّة الصافية الّتي لا شيء أصفى منها، فإنّه نور القلب في الظلمات وحياة العقل في الشبهات، كما قال :
فالناس موتى وأهل العلم أحياء
وقال:( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (٢) .
أي لا تحسبنّ الّذين قتلوا أنفسهم الأمّارة في سبيل التوحيد والتجريد غير مذكورين عند الحقّ في عالم القدس، بل هؤلاء مذكورون بذكر الحقّ عند عرش الحقّ، مرزوقون برزق الحقّ، في جنّة قرب الحقّ.
ثمّ المراد بـــ«المسكين» هو الجاهل المحتاج إلى التكميل بحيث لو لم يعرفه هاد سبيل هدايته لهلك نفسه في الحال، و «اليتيم» هو الجاهل الّذي لا
__________________
(١) البقرة: ٣.
(٢) آل عمران: ١٦٩.
مربّي له ولا هادي إلى سبيل العلم والعرفان، كما قال :
ليس اليتيم الّذي قد مات والده |
إنّ اليتيم يتيم العلم والأدب |
و «الأسير» الجاهل الّذي يريد العلم ولكن لا يقدر عليه، ولا يمكن له الوصول إلى ذلك المقام لفقد الأسباب، وتحقّق الموانع.
التاسعة: قال بعض العارفين: إنّ المطعمين على أصناف أربعة، لأنّ المنفق إمّا أن ينفق من مال محبوب عنده، أو ليس بمحبوب، وعلى التقديرين إمّا لغرض دنيويّ أو أخرويّ، فالّذي ينفق لغرض دنيويّ سواء كان ما أنفقه محبوبا أو لم يكن وتوهّم به في الظاهر وجه الله فذلك هو المرائي، وفيه ما قيل:( وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ ) (١) إلى آخره.
وأمّا الّذي ينفق من مال محبوب عنده لغرض الآخرة والقرب إلى صاحب القدس من غير التفات ولا مشاركة بأمر دنيويّ فذلك هو المتصدّق بالحقيقة الّذي يستحقّ بسبب ما أنفق مرضاة الله، وهو الّذي قيل فيه:( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ) (٢) إلى آخره.
وهو المشار إليه بقوله:( وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ ) إلى آخره.
وأمّا الّذين ينفقون بما ليس بمحبوب لهم لكن المراد وجه الله فهم متصدّقون ولهم الأجر بحسب إمكانهم بالتقرّب بذلك القربان، وإرادتهم ووصولهم به إلى تمام الرضوان( وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) (٣) .
__________________
(١) النساء: ٣٨.
(٢) البقرة: ٢٦٥.
(٣) هود: ١٣٣، النمل: ٩٣.
أقول: نعم لا يخفى أنّ في قوله: «على حبّه» مبالغة في مدحهم، وإشارة إلى كمال مقامهم، ورفعة همّتهم، فإنّهم مع حبّهم للطعام لقد أنفقوه، وذلك أمر صعب ليس لكلّ أحد أن يرتكبه، نعم هو خاصّ بالكمّل الّذين قطعوا عن كلّ شيء ممّا سوى الحقّ تعالى علائقهم، وحسبوا ما سواه حجابا مانعا عنه، فأخلصوا قلوبهم عن التعلّق بغيره، وصفّوا نفوسهم عن كدر حبّ ما عداه، فهؤلاء هم الّذين صارت همومهم كلّها همّا واحدا، وحالهم في خدمة الحقّ سرمدا.
فإن قيل: ذلك ينافي حبّهم للطعام، فإنّ العاشق لا يشتهي الطعام ولا يهمّ بما سوى المحبوب، كما قال الصادق عليه السلام: المشتاق لا يشتهي طعاما، ولا يلتذّ شرابا، ولا يستطيب رقادا، ولا يأنس حميما، ولا يأوي دارا، ولا يسكن عمرانا، ولا يلبس ثيابا، ولا يقرّ قرارا، يعبد الله ليلا ونهارا راجيا بأن يصل إلى ما يشتاق إليه، ويناجيه بلسان شوقه، معبّرا عمّا في سريرته(١) .
كما أخبر الله عن موسى بن عمران في ميعاد ربّه بقوله:( وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ) (٢) وفسّر النبيّ صلّى الله عليه وآله عن حاله أنّه ما أكل ولا شرب ولا نام ولا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه ومجيئه أربعين يوما شوقا إلى ربّه إلى آخره.
فوصفهم بحبّ الطعام وهو اشتهاؤه نقص لهم من وجه، وإن كان كمالا لهم من وجه آخر.
__________________
(١) مصباح الشريعة: ١٩٦.
(٢) طه: ٨٤.
قيل له: ليس المراد بالحبّ هو الاشتهاء إلى الطعام، بل المراد الحاجة، أي إنّهم مع احتياجهم في حفظ البدن إلى الطعام لقد أنفقوه وآثروا غيرهم على أنفسهم، كما قال:( وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ) (١) إلى آخره.
ولا ريب في أنّهم ما كانوا يأكلون الطعام إجابة لنفوسهم وميلا منها إليه، فإنّ ذلك من خواصّ الجهّال، بل يأكلونه حفظا لأبدانهم حتّى يقووا بها على عبادة الله ليلا ونهارا، كما قال صلّى الله عليه وآله: لو كان لي يد ثالثة لاستعنت بها على الأكل. انتهى.
فالداعي إلى أكلهم هو الضرورة لا الميل النفسانيّ، ألا تراهم يقلّون في الأكل بحسب إمكانهم واستطاعتهم.
وقال الصادق عليه السَّلام: قلّة الأكل محمودة في كلّ حال، وعند كلّ قوم، لأنّ فيه المصلحة للباطن والظاهر والمحمود في المأكول أربعة ضرورة وعدّة وفتوح وقوت، فالضرورة للأصفياء، والعدّة للقوّام والأتقياء، والفتوح للمتوكّلين، والقوت للمؤمنين(٢) .
العاشرة: في قوله:( إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ ) إشارة إلى بيان إخلاصهم، فإنّهم ما أرادوا بذلك إلّا رضاء الحقّ والتقرّب إليه، وما ابتغوا بذلك جزاء أي مكافأة عاجلة، ولا شكورا أي ذكرا عند الخلق بالمدح.
كيف وهؤلاء لقد قطعوا بأنّ كلّ النعم إنّما هو من عند الله، فهو المطعم
__________________
(١) الحشر: ٩.
(٢) مصباح الشريعة: ٧٧.
الحقيقيّ، كما قال( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ) (١) . انتهى.
فالشكر لا يستحقّه إلّا الله جلّ جلاله، فيجب على كلّ مؤمن فائز بذلك المقام أن لا يريد في إنعامه وإحسانه إلّا رضا الحقّ والتقرّب إليه، وأن يقطع بأنّ نفسه ليس مستحقّا لأن يشكره الخلق ويذكره بالخير.
كيف وهو وسائر الخلق سواء في أنّهم عبيد الله وخلقه، ولا فضل له على غيره في ذلك المقام، كما قال:( ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ) (٢) إلى آخره، فإذا تحقّق لعبد أنّ الله تعالى هو المنعم الحقيقيّ ومنه النعم كلّها ولكن بالواسطة ولا يقدر غيره على ذلك إلّا بإرادته يفوز بمقام الإخلاص لا محالة، وهو تصفية العمل عن كلّ شوب، وتخلية القلب عن جميع الشؤونات الغيريّة سيّما عن توجّه الأعواض والأغراض، كما قال: وهما حرامان على أهل الله. انتهى.
فالمخلص صاف قلبه عن كلّ شاغل، وكلّ ذكر، ولا يعمل إلّا لمحض القرب ورضا الربّ، فإنّه العاشق المشتاق الّذي ليس له منى إلّا وصال المعشوق، والمعانقة معه، والمحاضرة في عرشه، وقد قال الصادق عليه السّلام: حبّ الله إذا أضاء على سرّ عبد أخلاه عن كلّ شاغل، وكلّ ذكر سوى الله عنده ظلمة، والمحبّ أخلص الناس سرّا وأصدقهم قولا، وأوفاهم عهدا، وأزكاهم عملا، وأصفاهم ذكرا، وأعبدهم نفسا، يتباهى الملائكة عند مناجاته، ويفتخر برؤيته، وبه يعمّر الله بلاده، وبكرامته يكرم الله عباده،
__________________
(١) الشعراء: ٧٩.
(٢) الملك: ٣.
يعطيهم إذا سألوه بحقّه، ويدفع عنهم البلايا برحمته، فلو علم الخلق ما محلّه عند الله ومنزلته لديه ما تقرّبوا إلى الله إلّا بتراب قدميه(١) إلى آخره.
فإن قيل: ذلك لا يستقيم مع ما حكى الله عنهم بقوله:( إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ) حيث وصفهم بالخوف من عذاب يوم القيامة الشديد، وجعله علّة لإطعامهم، أو لعدم إرادتهم الجزاء والشكور، فإنّ المخلص كما لا يرجو الثواب على عمله، كذلك لا يخاف من العذاب، فإنّه يعمل حبّا لله، وطلبا لرضائه، كما قال السجّاد عليه السلام: إلهي ما عبدتك خوفا من عذابك، ولا رجاء لثوابك، بل وجدتك مستحقّا للعبادة فعبدتك(٢) إلى آخره.
وقال الصادق عليه السّلام: العبّاد ثلاثة: قوم عبدوا الله خوفا فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء، وقوم عبدوا الله حبّا له فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة(٣) . انتهى.
منعنا التعليل أوّلا لعدم دليل عليه من اللفظ، ثمّ نقول: ليس المراد الخوف من العذاب المعروف، بل المراد بذلك اليوم هو يوم الفراق والحرمان عن لقاء الحبيب، وهذا اليوم يخافه الواصلون أشدّ من خوف الناس من العذاب المعروف، ولقد فصّلنا ذلك فيما سبق فإليه فليرجع الطالبون.
__________________
(١) مصباح الشريعة: ١٩٢.
(٢) بحار الأنوار ٤١: ١٤.
(٣) الكافي ٢: ٨٤.
فيصحّ التعليل أيضا، فإنّ الواصل كما كان عاملا للوصال كذلك يكون عاملا لئلّا يحرم عن اللقاء بالانفصال، فإنّ الإطعام من أسباب الوصال، وعدم إرادة الجزاء والشكور يوجب دوام الاتّصال. وذلك واضح على أرباب المواجيد والأحوال، وفي المقام لكثير من المقال، ولكن لا يتمكّن كلّ أحد من الاحتمال.
الأوّل: قيل قوله:( إِنَّما نُطْعِمُكُمْ ) إلى آخره، مقول لمحذوف، أي يقولون ذلك بلسان القال.
وقيل: ذلك تعبير عن حالهم، فإنّهم لا يطعمون إلّا لوجه الله، فالناطق بذلك لسان الحال لا القال، وذلك هو الأنسب، فإنّ في التكلّم بذلك المقال ربّما يكون آفات ليست في الحال وهو أقرب بالأمن، وأخلص من الآفة، كما قال عليه السلام: خير العبادات أقربها بالأمن، وأخلصها من الآفات وأدومها وإن قلّ(١) إلى آخره.
الثاني: في التعبير بإنّما الدالّة على الحصر صريحا مبالغة في وصفهم بالإخلاص، وإشعار بأنّهم كانوا واقعين في أعلى مراتب ذلك المقام، فإنّ للإخلاص مراتب مختلفة بعضها فوق بعض، والعباد أيضا بالنسبة إليه متفاوتون، ولكلّ درجات ممّا عملوا، وفي المقام تفاصيل تطول بها الرسالة.
الثالث: قيل: العبوس الشديد والقمطرير أشدّ ما يكون من الأيّام.
__________________
(١) مصباح الشريعة: ١١١.
وقيل: وصف اليوم بالعبوس مجاز بطريقين.
أحدهما: أنّه شبّه في شدّته بالأشدّ العبوس أو بالشجاع الباسل يقال :
يوم صائم وليل قائم.
والثاني: أنّه وصف بصفة أهل من الأشقياء، فإنّ الكافر يعبس فيه حتّى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران.
أقول: لا ريب في أرجحيّة التفسير الأوّل، لأنّ المجاز وإن كان بابه واسعا في المحاورات، لكنّه خلاف الأصل، فلا يرتكب في نحو المقام.
اختتام: ذكر جماعة من مفسّري الفريقين أنّ قوله تعالى:( إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ ) إلى قوله( وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) في عليٍّ عليه السّلام والحسن والحسين وفاطمة عليهم السّلام، وفضّة.
وتفصيل ذلك أنّه مرض الحسن والحسين فعادهما جدّهما صلّى الله عليه وآله ووجوه العرب، وقالوا: يا أبا الحسن، لو نذرت على ولديك نذرا، فنذر صوم ثلاثة أيّام إن شفاهما الله، ونذرت فاطمة كذلك، وكذلك فضّة، فبرءا وليس عندهم شيء، فاستقرض عليٌّ عليه السلام ثلاثة أصوع من شعير من شمعون الخيبريّ.
وروي أنّه أخذها ليغزل له صوفا وجاء به إلى فاطمة عليها السلام فطحنت صاعا منها فاختبزته وصلّى عليٌّ المغرب وقرّبته إليهم، فأتاهم مسكين يدعو لهم وسألهم، فقال: السّلام عليكم يا أهل بيت محمّد، أنا مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة! فآثروه على أنفسهم وأعطوه ولم يذوقوا إلّا الماء.
فلمّا كان اليوم الثاني أخذت صاعا فطحنته واختبزته وقدّمته إلى عليٍّ عليه السلام فإذا يتيم بالباب يستطعم، فأعطوه ولم يذوقوا إلّا الماء.
فلمّا كان اليوم الثالث عمدت إلى الباقي فطحنته واختبزته وقدّمته إلى عليّ عليه السلام فإذا أسير بالباب استطعم، فأعطوه ولم يذوقوا إلّا الماء.
فلمّا كان اليوم الرابع وقد قضوا نذورهم أتى عليٌّ عليه السّلام ومعه الحسن والحسين إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وبهم ضعف، فلمّا أبصرهم وهم يرتعشون من شدّة الجوع بكى وقال: ما أشدّ ما أرى بكم! فقام وانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها، وغارت عيناها، فعند ذلك نزل جبرئيل عليه السلام فقال: خذها يا محمّد في أهل بيتك.
وروي أنّ السائل في الليالي الثلاثة كان جبرئيل، أراد بذلك ابتلاءهم بإذن الله تعالى.
الأوّل: هذه الرواية معتبرة عند الإماميّة وأكثر العامّة، حيث ذكروها في كتبهم المشهورة بطرق مختلفة مؤدّاها واحد، وهي دالّة على أنّ السورة نزلت في المدينة.
ويدلّ على ذلك أخبار مستفيضة تكشف عن محلّ نزول السور القرآنيّة، ومن جملتها ما روي عن عليّ عليه السلام أنّه قال: سألت النبيّ صلّى الله عليه وآله عن ثواب القرآن فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء، فأوّل ما نزل عليه بمكّة فاتحة الكتاب، ثمّ اقرأ باسم ربّك، ثمّ نون إلى أن قال :
وأوّل ما نزل إليه بالمدينة سورة البقرة، ثمّ الأنفال، ثمّ آل عمران، ثمّ الأحزاب، ثمّ الممتحنة، ثمّ النساء، ثمّ إذا زلزلت، ثمّ الحديد، ثمّ سورة محمّد صلّى الله عليه وآله، ثمّ الرعد، ثمّ سورة الرحمن، ثمّ هل أتى إلى قوله :
فهذا ما نزل بالمدينة، ثمّ قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: جميع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، وجميع آيات القرآن ستّة آلاف آية ومائتا آية وستّ وثلاثون آية.
وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف وأحد وعشرون ألف حرف ومائتا وخمسون حرفا، لا يرغب في تعلّم القرآن إلّا السعداء، ولا يتعهّد قراءته إلّا أولياء الرحمن. انتهى.
وقد أنكر بعض العامّة تلك الرواية واستبعد نزول تلك الآيات في حقّ من ذكر، وقال: إنّ السورة مكّيّة، فكيف يتعلّق بها ما كان بالمدينة.
وجوابه: الأحقّ عدم التعرّض له في إنكاره الحقّ.
الثاني: قال بعض العارفين: لا يستبعد عن النفوس الفاضلة الكاملة المقبلة على الله المعرضة عن سوى الله المنوّرة بأنواره المحيطة أن لا يغيّرهم من ترك المشتهيات الطبيعيّة ألم، بل ربّما فازوا بهذا بلذّات لا تعدّ ولا تحصى، وأيّ استبعاد في أن يكون استغراق النفوس في محبّة الله وانصرافها عن العلائق الجسمانيّة مانعا عن تحليل الأجزاء الأصليّة بحيث لا يؤلمهم الجوع.
كيف ويشاهد الإنسان يبقى في المرض مدّة مديدة من غير تناول
الغذاء، وأيضا النفس الناطقة إذا راضت القوى البدنيّة صارت تلك القوى موافقة لها سواء احتاجت إلى تلك الموافقة أو لم تحتج، ثمّ كلّما اشتدّ الانجذاب انجذبت تلك القوى إلى متابعة النفس، فلم تتفرّغ لأحوالها، فلا جرم تقف الأفعال الطبيعيّة في حقّ السالكين الواصلين، وإليه أشار بقوله عليه السّلام: إنّي أتيت إلى ربّي يطعمني ويسقيني(١) إلى آخره.
أقول: ويؤيّد ما ذكره من أنّ الشوق إلى الله والتوجّه إليه يمسك البدن عن تحليل أجزائه الأصليّة ما مرّ من أنّ موسى عليه السلام ما أكل وما شرب أربعين يوما لميعاد ربّه، وما نراه ونشاهده ونسمعه من حال العشّاق المجازيّين والحقيقيّين.
وقد حكي عن نجم الدين الكبريّ أنّه قال: عشقت جارية بقرية على ساحل نيل مصر، فبقيت أيّاما لا آكل ولا أشرب إلّا ما شاء الله حتّى كثرت نار العشق فكنت أتنفّس نيرانا فكلّما تنفّست نارا ينشئ من السماء بحذاء نفسي نار فيلتقي ناران ما بيني وبين السماء، فما كنت أدري من أين يلتقيان، فعلمت أنّ ذلك شاهدي في السماء.
وقال أيضا: عشقت واحدا ببلاد العرب فما اشتهت نفسي إلى الطعام والشراب أيّاما، فأخذته وربطته ومنعته عن سوائي إلّا أنّه كان عليه رقباء، فسكت عن صريح المقال، وجعل يكلّمني بلسان الحال فأفهمه وأكلّمه كذلك فيفهمه، وانتهى الأمر إلى أن صرت أنا هو وهو أنا، ووقع العشق إلى محض صفاء الروح فجاءتني روحه سحرا تمرّغ وجهها في التراب، وتقول :
__________________
(١) المناقب ١: ٢١٤.
أيّها الشيخ، الأمان الأمان، قتلتني أدركني! فقلت: ماذا تريد؟ قالت: أن تدعني حتّى أقبّل قدمك! فأذنت لها ففعلت ذلك ورفعت وجهها فقبّلتها حتّى استراحت واطمأنّت إلى صدري.
وحكى لي بعض أصدقائي أنّه قد عشق جارية من جيرانه واشتدّ ذلك حتّى منعه عن الطعام والشراب أيّاما كثيرة، فاطّلعت على ذلك أمّه فزجره على الطعام فما اشتهاه وأكرهه أشدّ الإكراه، فكأنّه قد أكل طعاما كثيرا قبل ذلك، وكان يقول لكثرة خيلولة لقاء المحبوبة ما كنت متألّما من الجوع، بل ما كنت أشعره.
قال الله ظهرت طلعته:( فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً * وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً * وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا * قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً * وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً * عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً * وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً * عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً * إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) .
أقول: لـمـّا أشار تعالى إلى أوصاف هؤلاء الأبرار وما به يتميّزون عن الأشرار والفجّار بيّن ما يترتّب على هذه الأوصاف والأخلاق من لذّات القرب، وبارقات الجذب، وما يعدّه لهم في أعراش البهاء، ويهيّأه لهم في كراسي الصفاء، وما يجزيهم به من جنّات الوصال، ولذّات الاتّصال، بتعبير
فيه مواعيد يشتاق به الناقصون إلى الدخول في سلسلة الأبرار، بحسب إمكانهم من إدراك معاني الكلام في مقام الاستبصار، وإشارات إلى مراتب الوصول بحضرة السرمد، ولطائف كنايات عن معارج القرب إلى جناب الحقّ الصمد، يلتذّ منها الكاملون بصفاء القلوب، إذ فيها محاضرة الحبيب مع المحبوب.
كيف وقد أودع الحقّ تعالى في تلك الآيات جواهر حقائق لا يعثر عليها سوى العاشقين، ودرر دقائق لا يطّلع عليها إلّا من عدّ من المشتاقين.
كيف وبين العاشق والمعشوق إشارات لا يدركها سواهما، وكنايات لا يفهمها من عداهما :
بين المحبّين سرّ ليس يفشيه |
قول ولا قلم للخلق يحكيه |
|
وقلت للعاشقين رموز ليس يعرفها |
إلّا الحبيب فإنّ العشق مرموز |
|
سرّ معشوق عاشقان دانند |
پس نه بيگانگان چه مى پرسى |
ولا يخفى أنّ ما يدركه العارفون من إشارات القرآن، ويفهمه من عباراته لا يتحمّله الناقصون الّذين لا يدركون من القرآن إلّا ظواهره العرفيّة، ولا يلتذّون به، بل لو كشف عليهم نبذ من الحقائق لضلّوا عن الطريق، ويكفّرون من هو الواقع في المقام الأعلى لعدم اطّلاعهم عن حاله ومقامه، كما قال صلّى الله عليه وآله: لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله أو كفّره.
فإنّ سلمان كان عارفا بحقائق ما كان بينها وبين أبي ذرّ مناسبة حتّى يلتذّ بها، فلو اطّلع على نبذ ممّا علمه سلمان لما كان تحمّله، بل كان ينسبه إلى الكفر ويقتله هذا لو قلنا برجوع ضمير الفعل إلى أبي ذرّ.
وقيل: راجع إلى ما، أي لكان علم سلمان قاتلا له لعدم استعداده لتحمّله. والأوّل أظهر. وقد قال السجّاد :
إنّي لاكثر من علمي جواهره |
كي لا يرى الحقّ ذو جهل فيفتتنا |
|
وقد تقدّم في هذا أبو حسن |
إلى الحسين ووصّى قبله الحسنا |
|
وربّ جوهر علم لو أبوح به |
لقيل لي أنت ممّن يعبد الوثنا |
|
ولاستحلّ رجال مسلمون دمي |
يرون أقبح ما يأتونه حسنا |
وقال عليٌّ عليه السّلام: هاه هاه! إنّ هنا لعلما جمّا لو أصبت له حملة.
وقال: اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة(١) إلى آخره.
أما رأيت موسى عليه السّلام كيف أنكر على الخضر عليه السَّلام فيما لم يحط به خبرا، كما حكى الله عنهما:( فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) أي سرّا وحقيقة ( قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ ) أي من ربّك ( رُشْداً ) أي مقاما من مقامات الحقيقة ( قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) لعدم المناسبة بيننا، فإنّك من أهل الظاهر، وإنّي من أرباب الباطن ( وَكَيْفَ تَصْبِرُ ) وتتحمّل وترضى ( عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ) من الحقائق الإلهيّة، والحكم المكنونة، إلى قوله: ( فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي
__________________
(١) انظر: نهج البلاغة: ٥٢.
عُسْراً * فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ) (١) إلى آخره.
وهذا ـ أي عدم تحمّل من هو الواقع في المقام الأدنى لأسرار الواقعين في المقام الأعلى ـ هو الباعث على كتمان هؤلاء لأسرارهم عن الناقصين، وإصرارهم على عدم إفشائها، كما قيل: إفشاء سرّ الربوبيّة كفر.
وقيل: ملعون من أفشى بسرّ الله :
با مدّعى مگوئيد أسرار عشق ومستى |
تا بخيبر بميرد در درد خودپرستى |
|
حلّاج بر سر دار اين نكته خوش سرايد |
از شافعى پرسند أمثال اين مسائل |
ولذلك بيّنوا الحقائق الإلهيّة في قوالب العبارات، وحقّقوا الدقائق الربّانيّة في أكسية الإشارات، وكشفوا عن أسرار الحقيقة الساذجة في مطاوي الكنايات، وصرّحوا برموز الربوبيّة في مجالي الأمارات، ليأخذ كلّ فرقة نصيبه من المطالب بحسب الإمكان، ويلتذّ كلّ طائفة بحظّه في المذاهب بحسب مراتب العرفان، ويفوز كلّ نفس بهداه إلى معارج الإيمان :
مطرب عشق عجب ساز ونوائى دارد |
نقش هر پرده كه زد راه بجائى دارد |
ثمّ لا يتوهّمنّ أحد أنّ مرادنا بتلك التقريرات حصر ما أريد من الآيات في حقائق اللذّات، كما به قالت جماعة من السالكين في طرق الجهالات.
__________________
(١) الكهف: ٦٥ ـ ٧٤.
كيف ويجب على كلّ أحد من المكلّفين أن يكون معتقدا بظاهر ما جاء به سيّد المرسلين من اللذّات النفسانيّة، والجنّات الجسمانيّة، فكفر والله من اعتقد بخلاف ذلك، فإنّه من الشريعة المحمّديّة الّتي يجب على الكلّ متابعتها والإذعان بما تقرّر فيها، فمخالفتها كفر واضح :
أحكام شريعت است چون شارع عام |
بيرون مرو از راه شريعت يك گام |
|
هركس كه سر از أهل شريعت پيچيد |
در مذهب أهل معرفت نيست تمام |
الأولى: اللام في ذلك اليوم للعهد الذكريّ، وقد مرّ مرارا أنّ المراد بيوم يخافونه هو يوم البعد عن بساط المحبوب، فوقاية الله إيّاهم عن شرّ ذلك اليوم هو حفظهم عن المعاصي والأخلاق الّتي تحجب بين العبد وبين الحقّ، وتحرمه عن لذّة اللقاء، وتمنعه عن درجة الصفاء، ورتبة البهاء.
وفيه إشارة إلى إثبات العصمة للأبرار، بمعنى أنّ هؤلاء من صفاتهم الخاصّة أن لا يعصون الله فيما أمرهم، بل يفعلون ما يؤمرون. وذلك لما فيهم من القوّة القدسيّة الملكوتيّة الّتي تمنعهم عن الميل إلى المعصية، فإنّها من قضايا النفس الأمّارة الواقعة في ظلمة البعد عن الحقّ، وهؤلاء لقد قمعوها وزجروها بالطاعات، وجاهدوا معها بالرياضات، فلاح نور العقل، وغلب عليها بجنوده من العلم والحكمة والسخاء والنقاء والوفاء والحياء إلى غير ذلك من الصفات الحسنة المحمودة، والأخلاق المرضية.
فصارت قوّتهم قوّة ملكوتيّة، وهي الجهة العليا للإنسان الّتي بها يعرف الربّ ويقرب إلى ساحته، ويلتذّ بمحاضرته في محلّ التجلّيات البرقانيّة، ومورد البارقات الشرقانيّة، فإنّ فوز العارف بذلك المقام إنّما هو بعد نجاته عن حضيض الطبيعة، وجحيم الماهيّة الّتي هي الجهة السفلى، إذ بها يحصل له البعد عن مراتب العرفان، والحرمان عن لذّات الإيقان.
وبالجملة: هؤلاء معصومون عن التوجّه إلى تلك الجهة لكمال توجّههم إلى الجهة العليا، أي إلى الحقّ تعالى، فإنّ الفائز بلذّة القرب لا يختار البعد أصلا وأبدا، فجهل من أجاز الذنوب والمعاصي مطلقا على الأنبياء والأئمّة الطاهرين مستدلّا بوجوه واهية غير وجيهة أشرنا إليها وإلى أجوبتها في بعض رسائلنا القديمة.
كيف وقد دلّت على مدّعانا أخبار كثيرة، ووجوه وجيهة، مضافا إلى قوله تعالى:( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (١) .
أي لا يفوز بمقام المحبّة الصافية الّذين يظلمون أنفسهم بمتابعة الهوى والسلوك فيما يوجب الردى.
وقال تعالى:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٢) .
أي لقد عصمكم عن عبادة الأوثان الّتي هي قضايا النفس وهواها، فإنّ عبادة ما سوى الحقّ عبادة الوثن الّذي هو الرجس الحقيقيّ، كما قال :
__________________
(١) البقرة: ١٢٤.
(٢) الأحزاب: ٣٣.
( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ ) (١) .
أي لا تشركوا بي شيئا ممّا سواي يا أهل بيت الولاية والمحبّة، وطهّركم عن دنس العيوب ورجس التوجّه إلى غير الحقّ، وصرف قلوبكم عن الاشتغال بالشؤونات العرضيّة، والشائبات الغيريّة، بماء المحبّة الّذي به حياة كلّ شيء، كما قال:( وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) (٢) إلى آخره.
وقال:( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ) (٣) .
أي من سماء الفؤاد ماء المحبّة الصافي عن جميع الكدورات.
وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: مثل المؤمن الخالص كمثل الماء(٤) . أي: مثل المؤمن الخالص عن جميع التوجّهات الغيريّة كمثل الماء الصافي عن كلّ كدرة، هذا إذا فسّرنا اليوم بما عرفت.
وأمّا على تفسيره بحين الموت، فالمراد على ما ذكره بعض العارفين أنّهم لـمـّا فازوا بالمقاصد العليّة الكلّيّة، ووصلوا إلى كمالاتهم الأوفى هانت على نفوسهم مفارقة أبدانها، ولم يحسّوا بالآلام المحسوسة لاشتغالم واستغراقهم في محبّة الله، والتفاتهم إلى مطالعة أنوار وجه الله، وغفلتهم عن ذواتهم بالذكر لمقام رحمة الله، ولقد ذكرنا شرح ذلك وتفصيله فيما سبق، فلا حاجة إلى التفصيل بعد وضوح السبيل.
الثانية: في قوله «ولقّاهم نضرة وسرورا» أي: أعطاهم واستقبلهم بذلك ؛
__________________
(١) الحجّ: ٣٠.
(٢) الأنبياء: ٣٠.
(٣) الفرقان: ٤٨.
(٤) مصباح الشريعة: ١٢٨.
إشارة إلى ما يحصل لهم في مقام الوصول من المراتب والمعارف الّتي يلتذّون بها، فإنّ كمال نضرة العاشق وسروره إنّما هو في مصاحبته المعشوق ومحاضرته في مجلس الوصال.
كيف ولا شيء يسرّ العاشق سوى وصال المعشوق، ولا لذّة ألذّ عنده من جماله ولقائه.
كيف ولذّة العاشق منحصرة في لذّة الوصال، أتتعجّب من ذلك وقد تحقّق عند كلّ أحد أنّ العاشق يلتذّ بذكر المعشوق والكلام عنه، كما قال :
أجد الملامة في هواك لذيذة |
حبّا لذكرك فليلمني اللُّوم |
فكيف لا يلتذّ ولا يزيد سروره بالفوز بملاقاته الّذي هو منتهى منيته، فهؤلاء الأبرار مستبشرون في يوم الوصال، بكشف سبحات أنوار الجمال، كما قال( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ * أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) (١) .
ولا يخفى أنّ أرباب الوجوه المسفرة هم الأبرار الّذين صفت قلوبهم عن التعلّقات الغيريّة، فإنّهم في ذلك اليوم مسرورين فرحين بما آتاهم الله من مقامات القرب، ومراتب الجذب، مستبشرين ببشرى داعي الحقّ إلى جنّات الأنس، وبستان القدس.
وأمّا أصحاب الوجوه المغبرة فهم الكفرة الفجرة الّذين كدرت قلوبهم بصدى الجهل والقساوة وغبار العمى والضلالة، حتّى نسوا الله في مقام الذكر، وذكروا أعداءه في مقام النسيان، فاختاروا البعد على القرب،
__________________
(١) عبس: ٣٨ ـ ٤٢.
والشقاوة على السعادة، فعذّبوا في جحيم البعد عن الحقّ، وحوسبوا بما عملوا من خلاف الصدق، كما قال:( يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى * فَأَمَّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى * وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ) (١) .
أي يدرك الإنسان في ذلك اليوم حقائق ما كان ساعيا له في دار الدنيا إن خيرا فخيرا، وإن شرّا فشرّا، فأمّا من كان طاغيا مختارا للعصيان على الطاعة، وآثرا للنعيم العاجل على النعيم الباقي الآجل، فإنّ حقيقة فعله ذلك هي جحيم البعد عن الحقّ.
وأمّا من كان خائفا من ربّه ومن الحرمان من لقائه، فإنّ حقيقة أمره هذا هي الجنّة.
الثالثة: المراد بالجزاء ما يترتّب على العمل، فإن كان صالحا فما يترتّب عليه لا يكون إلّا لذّة باقية، وجنّة صافية، كما قال:( هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ) (٢) أي المترتّب على الإحسان هو حقيقة الإحسان وجوهره.
وقال:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ
__________________
(١) النازعات: ٣٥ ـ ٤١.
(٢) الرحمن: ٦٠.
الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ) (١) أي تلك الدرجات والمقامات إنّما هي حقيقة إيمانهم وعملهم الصالح، كما أنّ الدركات والتنزّلات حقيقة لكفر الفجّار وعملهم القبيح، كما قال:( إِنَّا، أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ) (٢) .
الرابعة: المراد بالصبر هو المجاهدة مع النفس ومنعها عن قضيّاتها وحبسها على طاعة الحقّ، كما قال:( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ) (٣) إلى آخره، والصبر بهذا المعنى أرفع مقامات الإنسان، وأعلا مراتب ترقّيه، ولذلك جعل سببا للجزاء، وعلّة للفوز بمقام الصفاء.
كيف والإنسان بدون ذلك المقام ـ أي الصبر عن العمل بقضيّة النفس ـ خاسر غاية الخسران، كما قال:( إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) (٤) .
فالمجاهدة مع النفس بصبرها على الطاعات المقرّبة ومنعها عن المعاصي المبعّدة أفضل أعمال الإنسان، فإنّها توصله إلى نهاية نهاية العرفان، وتهديه إلى حقائق حقائق الإيمان، كما قال:( فَالَّذِينَ هاجَرُوا ) أي عن بلاد الطبيعة ( وَجاهَدُوا ) (٥) أي خالفوا نفوسهم ( وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي ) أي تحمّلوا المشاقّ في الطريق إلى معرفتي ( وَقاتَلُوا ) أي جادلوا أرباب القشور
__________________
(١) الكهف: ٣٠ ـ ٣١.
(٢) الكهف: ٢٩.
(٣) الكهف: ٢٨.
(٤) العصر: ٢ ـ ٣.
(٥) البقرة: ٢١٨.
( وَقُتِلُوا ) أي غلبوا بظاهر القول لأغراض مهمّة( لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ) (١) أي لأرفع عنهم الاحتجابات الّتي كانت بيني وبينهم مانعة عن الوصول إلى مرضاتي، والفوز بجنّاتي.
وقال:( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) (٢) أي ما أعددنا له من المقامات في بساط الحقائق.
وقال:( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا ) (٣) أي جاهدوا مع نفوسهم لترتفع فيتحقّق الاتّصال والوصال، وأذعنوا بمقام عليٍّ عليه السّلام وأولاده، وصفّوا قلوبهم عن حبّ أعدائهم( فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) أي يفوزون بقرب الحقّ عند الحقّ( وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) من البعد حينئذ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (٤) ممّا فات منهم من المقام الأدنى.
وقال الصادق عليه السّلام: طوبى لعبد جاهد لله نفسه وهواه، ومن هزم جند هواه ظفر برضاء الله، ومن جاوز عقله نفسه الأمّارة بالسوء بالجهد والاستكانة والخضوع على بساط خدمة الله فقد فاز فوزا عظيما، ولا حجاب أظلم وأوحش بين العبد وبين الله من النفس والهوى، وليس لقتلهما وقطعهما سلاح وآلة مثل الافتقار إلى الله، والخشوع والجوع والظمأ بالنهار، والسهر بالليل، فإن مات صاحبه مات شهيدا، وإن عاش واستقام أدّاه عاقبته
__________________
(١) آل عمران: ١٩٥.
(٢) العنكبوت: ٦٩.
(٣) الرعد: ٢٢.
(٤) البقرة: ٦٢.
إلى الرضوان الأكبر(١) إلى آخره.
الخامسة: يحتمل أن يكون المراد بالجنّة هي جنّة وصال الحقّ، فإنّ ذلك هو جزاء الأبرار.
كيف وهم أجلّ من أن يكون جزاؤهم الالتذاذ بما تشتهي أنفسهم.
كيف وهم لقد تياسروا عن ذلك الاشتهاء، وتيامنوا عن ذلك المقام، فإنّهم لقد عرفوا أنّ نفوسهم وما تقتضيه حاجبة عن الفوز بالحقّ، فكيف يجزون بالاحتجابات المانعة! كلّا إنّ هؤلاء لغامضون عن جميع اللذّات في جميع الجهات، وذاهلون عن كلّ ما في الإمكان في مقام ذكر الملك المنّان، فجزاؤهم على حالاتهم وأخلاقهم وأطوارهم هو الالتذاذ بقرب الله، إذ لا لذّة ألذّ من ذلك المقام وهو الجنّة العالية الّتي يفوز بها الواصلون، كما قال: إنّ لله جنّة ليس فيها حور ولا قصور بل يتجلّى فيها ضاحكا مستبشرا.
وقال الله: وإذا عشقني عشقته، وإذا عشقته قتلته، وإذا قتلته فعليّ ديته، فإذا كان عليّ ديته فأنا ديته.
وقال: الصوم لي وأنا أجزي به. أي أنا جزاء من حصر توجّهه إلى حضرتي، وقطع عن سواي إلى خدمتي.
وقال:( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) أي بمقام المحبّة الصافية ( ارْجِعِي إلى رَبِّكِ ) أي توجّهي إلى حضرته ( راضِيَةً ) من ربّك ( مَرْضِيَّةً ) بطاعاتك ( فَادْخُلِي فِي عِبادِي ) الأبرار المنقطعين عن كلّ شيء الفائزين بحقيقة
__________________
(١) مصباح الشريعة: ١٦٩.
العبوديّة( وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (١) أي فوزي بجنّة قربي ومقام الاتّصال بحضرتي.
وإلى هؤلاء إشارة بقوله ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ * لِسَعْيِها راضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ) (٢) أي القرب التامّ بحضرة الحقّ ( لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ) (٣) أي لا تتوجّه إلى غير الحقّ، فإنّ ذكر الغير لغو في مقام الحقّ.
السادسة: قال المفيد رحمه الله في اعتقاداته: وثواب أهل الجنّة الالتذاذ بالمآكل والمشارب، والمناظر والمناكح، وما تدركه حواسّهم ممّا يطبعون على الميل إليه، ويدركون مرادهم بالظفر به، وليس في الجنّة من البشر من يلتذّ بغير مأكل ومشرب، وما تدركه الحواسّ من الملذوذات. وقول من زعم أنّ في الجنّة بشرا يلتذّ بالتسبيح والتقديس من دون الأكل والشرب قول شاذّ عن دين الإسلام، وهو مأخوذ من مذهب النصارى الّذين زعموا أنّ المطيعين في الدنيا يصيرون في الجنّة ملائكة لا يطعمون ولا يشربون ولا ينكحون، وقد أكذب الله هذا القول في كتابه بما رغّب العالمين فيه من الأكل والشرب والنكاح فقال:( أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ) (٤) .
وقال:( فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) (٥) .
وقال:( حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ) (٦) .
__________________
(١) الفجر: ٢٧ ـ ٣٠.
(٢) الغاشية: ٨ ـ ١٠.
(٣) الغاشية: ١١.
(٤) الرعد: ٣٥.
(٥) محمّد: ١٥.
(٦) الرحمن: ٧٢.
وقال:( وَحُورٌ عِينٌ ) (١) .
وقال:( وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ) (٢) .
وقال:( وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ ) (٣) .
وقال:( إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ ) (٤) .
فكيف استجاز من أثبت في الجنّة طائفة من البشر لا يأكلون ولا يشربون ويتنعّمون، وكتاب الله شاهد يفيد ذلك، والإجماع على خلافه لولا أن قلّد في ذلك من لا يجوز تقليده، أو عمل على حديث موضوع إلى آخره.
أقول عائذا بالله من الجهل بحقائق الأمور: ما ذكره من أنّ ثواب أهل الجنّة محصور في الالتذاد بالمآكل والمشارب والمناكح تعريض للشيخ الصدوق رحمه الله حيث قال في اعتقاداته: وهم أي أهل الجنّة أنواع على مراتب منهم المتنعّمون بتقديس الله وتسبيحه وتكبيره في جملة ملائكته، ومنهم المتنعّمون بأنواع المآكل والمشارب والفواكه والأرائك وحور العين، واستخدام الولدان المخلّدين، والجلوس على النمارق والزرابيّ ولباس السندس والحرير، كلّ منهم إنّما يتلذّذ بما يشتهي ويريد على حسب ما تعلّقت عليه همّته إلى آخره.
ولا يخفى أنّ ما ذكره الصدوق من اختلاف مراتب أهل الجنّة فمنهم لا
__________________
(١) الواقعة: ٢٢.
(٢) الدخان: ٥٤، الطور: ٢٠.
(٣) ص: ٥٢.
(٤) يس: ٥٥.
يلتذّون إلّا بقرب الحقّ وذكره والثناء عليه على التفصيل الّذي قرّرناه.
ومنهم من لهم دون ذلك المقام وهم الأكثرون كما قال: أكثر أهل الجنّة البلهاء، فيتنعّمون بالمآكل والمشارب هو الصحيح الّذي نحن نقول به.
وأمّا ما ذكره المفيد رحمه الله من الحصر الّذي عرفته فناش عن الجهل بحقيقة الحال. كيف ويأباه العقل اللّامع اللاهوتي كمال الإباء، إذ هذه الأشياء ممّا لا يليق إلّا بالقوّة البهيميّة، ولا يليق بالرتبة الإنسانيّة، لأنّها من أعلى المراتب الإمكانيّة، وقد أعدّ الله لها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
فلا ينبغي للعاقل أن يحصر اللذّات في الجنّة فيما يخصّ بالبهائم. كيف وهو نقص للرتبة الإنسانيّة.
وأمّا ذكره من الآيات القرآنيّة شاهدة على دعواه فممّا الجواب عنه سهل على كلّ من تدبّر هنيئة، إذ لتلك الآيات ظواهر يعرفها كلّ من له اطّلاع بلغة العرب، وحقائق قد علمها أهل التوحيد، وعرفها أرباب التجريد.
كيف لا وقد كشف عن بعضها الأئمّة الأطهار عليهم السّلام في بعض أخبارهم المرويّة عنهم في الكتب المعتبرة كما لا يخفى على من تتبّعها، ولا يبقى شكّ للمتتبّع في أنّ تلك الألفاظ الّتي تضمّنها القرآن، بل الأخبار الواردة في أمر الجنّة والنيران كما تكون عبارات عن اللذّات الجسمانيّة المحسوسة، والآلام الظاهرة العنصريّة كذلك تكون كنايات عن الدرجات الرفيعة القربيّة، والدركات البعديّة، وإنّي في مقامي هذا بين يدي الله لأشهدنّ بأنّ ما اشتمله القرآن والأخبار في أمر الجنّة والنار لحقّ صدق من
الله إلى رسول الله، ثمّ إلى خلق الله، ولا ريب فيه أصلا ولكن أقسم بعزّة الله صادقا بأنّ الأمر في كيفيّات ذلك ليس كما ذكره الظاهريّون القشريّون من العلماء، واعتقده الأدنون من أنّ أهل الجنّة كلّهم يلتذّون بالمطاعم الجسميّة كما يلتذّ البهائم، بل لذلك كيفيّة لم يعرفها إلّا من فاز بها.
فكذب من ادّعى عرفان تلك الكيفيّات قبل أن يدركها حقّ الدرك، فإنّه خاصّ بالأنبياء والأولياء والأصفياء المنقطعين عن تلك الحواسّ الظاهرة الحيوانيّة انقطاعا كلّيّا، فهيهات هيهات كيف يدركها المشتغل باللذّات الحسّيّة، والمتوجّه إلى الشؤونات الغيريّة.
ومن ذلك يكشف معنى ما روي من أنّ الحسين عليه السّلام قد أرى أصحابه مقاماتهم ودرجاتهم في الجنّة في أرض كربلا، فإنّ ذلك لقد كان عند انقطاعهم عن هذه الحياة الدنيا وشوقهم إلى الحياة الدائمة السرمديّة.
وبالجملة: لا يمكن الفوز بحقيقة تلك الكيفيّات لمن لم يذق من رحيق العرفان، والانقطاع عن كلّ ما في الإمكان، فإنّي إلى هذه الغاية في رتبة التوحيد، والانقطاع بمقام التجريد، لم يظهر لي حقيقة تلك الكيفيّات حقّ الظهور، فكيف لمن لم يكن له حظّ من مقام العرفان أصلا.
فيا أيّها المتعرّف الجاهل صه عن البحث في هذه الكيفيّات، فإنّه لا ينبغي إلّا لمن خلص دينه، وأتقن يقينه، فالحمد لله حقّ حمده، والصلاة على مظهر مجده.
السابعة: لقد ظهر ممّا سطرناه أنّ الله تعالى لقد عبّر عن الدرجات الروحانيّة، والمقامات العرفانيّة الّتي يفوز بها العارفون والواصلون كلّ
بحسب سعيهم وإمكانهم بالجنّة والحرير واتّكائهم على الأرائك إلى غير ذلك ممّا أشير إليه في الآيات، ولكن لا يدرك ذلك إلّا العارفون بأسرار القرآن وحقائقه، فإنّ لباطن القرآن أهل يفهمون الكنايات، ويدركون الإشارات، وهم المعصومون من آل محمّد عليهم السّلام والّذين علّمهم هؤلاء وهم الراسخون في العلم الّذين يعلمون تأويل القرآن، كما قال:( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (١) إلى آخره.
لا الّذين ما استعدّوا إلّا للقشور، فإنّهم لا يعرفون إلّا ظواهر الأمور، لما في استعدادهم من القصور، عن درك حقائق النور، فما عثروا على الكنوز، وما اطّلعوا على الرموز، واقتصروا على الصورة وما تحسّسوا عن يوسف الحقيقة، كلّا إنّهم عن حقائق الحقّ لمحجوبون.
ثمّ لا يخفى أنّ في اختلاف تعبيره سبحانه إشارة إلى أنّ معارفهم ليست من صنف واحد، بل مختلفة باختلاف متعلّقها، وكذلك مقاماتهم ليست متّحدة حتّى يكون مقام واحد، بل متفاوتة بعضها فوق بعض، ولكن نحن لاشتغالنا بالحياة العنصريّة لا ندرك حقيقة مقام هؤلاء المنقطعين، بل كيفيّته، فضلا عن اختلافه وتفاوته.
كيف ولسنا في ذلك المقام حتّى ندركه، إذ قد عرفت أنّ الخارج عن مقام لا يمكن له اكتناه ذلك المقام كيفوفيّة وحيثوثيّة إلّا على طريق الإجمال، وهو غير مفيد للحال إلّا إثبات بعض الأحوال.
هذا فإنّه غاية ما يمكن تقريره في نحو المقال، فالحمد لله على كلّ حال.
__________________
(١) آل عمران: ٧.
الأوّل: قال بعض العارفين: الجنّة في الآية إشارة إلى المقاصد الكلّيّة، والمطالع الجليلة.
وأمّا الحرير فلمّا كان من اللباس الكامل المكمّل حسّا عبّر به عمّا يطابقه من الكمالات العقليّة من التسربل بسرابيل الإفاضات الروحانيّة، والتسرول بسراويل الكرامات الرحمانيّة، والتعمّم بعموم عمائم العناية الربّانيّة، المحيطة بالكلّ حياط الحاوي للمحوي، وإن كان تفاوت ما بين الحريرين.
والأرائك جمع الأريكة وهي السرير.
وقيل: هي الفرش فوق الأسرّة.
ومتّكئين منصوب على المدح أو حال من الضمير.
وفي الآية إشارة إلى حسن المنزل، وطيب هوائه، وتلويح إلى دوام هذا الطيب وعدم تغيّره.
وعدم الشمس والزمهرير كناية عن الخلوّ عن الحرّ والبرد، والزمهرير في لغة طيّ: القمر.
وعلى الوجهين تلميح إلى أنّ هذا الطيب والاعتدال ليس من أمور خارجة كاعتدال هواء الدنيا. ثمّ في الآية دلالة على إثبات اللذّة ونفي الألم، فإنّ الاتّكاء على السرير في هواء طيّب جامع في البدن وفي النفس حالات مناسبة مشابهة، والشمس يتبعها حرّ وكرب يلزم الشوق، والزمهرير برودة وجمود يلزم البلادة والغفلة.
أقول: وفي الآية إشعار أيضا بكمال البينونة والتفاوت بين اللذّات
الدنيويّة الفانية، واللذّات الأخرويّة الباقية، كما لا يخفى على المتأمّل.
الثاني: القراءة المشهورة في «ودانية عليهم» النصب، وله وجوه ذكروها في كتب التفسير، منها: أن يكون عطفا على «متّكئين» فيكون حالا بعد الحال بواسطة الحرف، أي في حال اتّكائهم على الأسرّة وقرب أفياء الجنّة منهم.
ومنها: أن يكون صفة الجنّة المذكورة، أي: وجزاهم جنّة دانية. ذكره بعض، ولكنّه أخطأ لعدم جواز الفصل بين الصفة والموصوف بالواو، ولا محلّ لزيادتها هنا، كما لا يخفى فليتأمّل.
ومنها: أن يكون صفة لموصوف محذوف، فالنصب على المفعوليّة، أي: وجزاهم بما صبروا جنّة وحريرا وجنّة أخرى دانية عليهم، وذلك إنّهم وعدوا جنّتين لخوفهم من مقام ربّهم على ما سبق كما قال:( وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ) (١) ومن قرأ بالرفع فقد جعله خبرا مقدّما والمبتدأ قوله ظلالها، والجملة في محلّ النصب على الحالية.
ثمّ المراد بدنوّ الظلال هو قرب أفياء أشجار الجنّة.
وقيل: المراد إنّ ظلال الجنّة لا تنسخها الشمس كما تنسخ ظلال الدنيا، والاستشكال بأنّ الظلّ لا يكون إلّا حيث يكون الشمس مجاب عنه تارة بأنّ المراد لو كان هناك شمس لوقع ظلّ فتأمّل.
وتارة بأنّ الظلّ لا يلزم أن يكون بالشمس، بل الضوء كاف في إيقاع الظلّ كما لا يخفى.
__________________
(١) الرحمن: ٤٦.
وقوله: «وذلّلت قطوفها» معناه: وسهل أخذ ثمارها إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد نزلت عليه حتّى ينالها، وكذلك إن اضطجع.
وقيل: أي لا يردّ أيديهم عنها بعد ولا شرك والمال واحد كما لا يخفى.
وفي ذلك إشارة إلى أنّ هؤلاء الأبرار المستكملين لقد فازوا باللذّات الدائمة بحيث هيّأت لهم جميع المعارف بحسب استعدادهم في بساط القرب، فلا يريدون لذّة إلّا وهم واجدوها، ولا يتمنّون علما وحكمة إلّا وهم عالموها، فلا يحتاجون في مقام العلم والعرفان إلى غيرهم.
كيف وهم الكاملون الّذين أمر الناس بأن يرجعوا إليهم في أمورهم جميعا، ورغّبوا في أن يسألوهم ممّا لا يعلمون، كما قال:( فَسْئَلُوا أهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (١) أي الذاكرين للحقّ خاصّة، الذاهلين عن جميع ما في الإمكان، فمن أمر الناس بسؤاله لا يجهل شيئا ممّا يحتاجون إليه لا محالة، فعلم الكاملين بمحاوج السائلين حضوريّ لا فكريّ كما زعمه جماعة.
وقد دلّ على دعوانا بعض الأخبار الواردة في باب علم الإمام عليه السلام، والمتتبّع لاحظه لا محالة، فلا حاجة إلى تطويل الرسالة في تلك المقالة. هذا ما ألهمنا به في الحال.
وقال بعض أهل الحال: لا يبعد أن يكون دنوّ الظلال إشارة إلى قرب الظلّ دون المظلّ، وتذلّل القطوف إلى تقارب المظلّ. وفي هذا إشارة إلى شمول العناية الإلهيّة وتقاربها وإحاطتها مانعة عن الآلام العقليّة والحسّيّة.
__________________
(١) النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧.
والقطوف إشارة إلى اللذّات وتعقّل المعقولات، وتذليلها إلى تقاربها بمفيضها.
ويمكن أن يقال: إنّ دنوّ الظلال لـمـّا كان من اللذّات البدنيّة الّتي توجد للمتّكئين بمثل تلك الجنان من الجنان الدنيويّة المحسوسة عبّر به عمّا يحصل لهؤلاء في الجنّة من إحاطة العناية الإلهيّة عليهم، ودنوّ النعمة الربّانيّة بهم أن لا يصيبهم ألم أو يجري عليهم شيء من عذاب الناقصين.
وأمّا تذليل قطوفها فعبارة عن تعقّلاتهم لتلك المعقولات المجرّدة، وافتياضهم من تلك الجواهر العقليّة بحسب إمكاناتهم، وتذليل قطوفها تناولها بسرعة.
وفيه إشارة لطيفة إلى أنّ المبدأ الأوّل جلّ ذكره لا تتوقّف إفاضة وجوده على شيء من ذاته، وإنّما هو بحسب استعدادات القوابل، فهؤلاء لـمـّا كانوا على غاية من كمال استعداداتهم وقبولهم لكمالاتهم، لا جرم كانت قطوفها على غاية سرعة الإفاضة، وذلك معنى تذلّلها.
الثالث: الطواف والآنية معلوم، والأكواب جمع الكوب وهو القدح الّذي لا عروة له، والقوارير: الزجاجات، وانصرافه بالتنوين في بعض القراءات، إنّما هو لرعاية السجع.
وقوارير الثانية بدل من الأولى، والفائدة معلومة أي يطاف على هؤلاء الكمّل بآنية أصلها فضّة وأقداح أصلها القوارير الّتي مثل الفضّة في الصفاء والبياض بحيث يقال إنّها منها لشدّة ملابستها لها.
وبذلك يجاب عمّا استشكل بأنّه كيف تكون القوارير من فضّة وأمّا
القوارير من الرمل دونها. وقد يجاب أيضا بأنّ المضاف محذوف أي من صفاء الفضّة، قال الصادق عليه السلام: ينفذ البصر في فضّة الجنّة كما ينفذ في الزجاج(١) .
أقول: وفي الآية إشعار بكمال لطافة ما يحصل لهم من المقامات والمعارج بحيث لا يلتذّ بها سواهم، فإنّه لا مناسبة بين غير هؤلاء من المشتغلين بالشؤون الغيريّة وبين تلك المدركات العقليّة حتّى يدركوها، إذ الالتذاذ من الشيء وإدراكه فرع المناسبة والرابطة ولو في الجملة.
قال بعض العارفين: المراد أنّ الفضّة لـمـّا كانت من الجواهر العزيزة بما يتّخذ منه الملوك الأواني من آلات الشرب وغيرها وكان مع ذلك لها البياض الّذي هو أشرف الألوان المشرقة عبّر بها عمّا ناسبها من الجواهر المعقولة.
واعلم أنّه عبّر بالطواف عمّا يحصل للنفوس الكاملة من تلك المشاهدة والمقابلة الّتي تجري مجرى مقابلة المرايا العالية للمرايا السافلة، وعبّر بالآنية والأكواب عن المبادي العالية الّتي هي مقرّ العلوم والمعارف تنبيها على ذلك. انتهى.
وقال: نبّه بقوله قوارير على وصفين :
أحدهما: أنّ تلك الجواهر العقليّة وإن كان لها لون الفضّة فإنّها مع ذلك في صفاء القوارير وشفّافها، وهو إشارة إلى براءتها عن كدورات العلائق الجسمانيّة.
__________________
(١) بحار الأنوار ٨: ١١١.
والثاني: إنّها مقرّ العلوم الحقيقيّة قرارا لا يتبدّل ولا يتغيّر بحسب تغيّر المعلومات.
وقال: المبادئ العالية أنوار متعدّدة متكثّرة مترتّبة لها أظلال، فإشراقها على النفوس إظلالها، واستفاضة النفوس منها اقتطافها.
الرابع: في قوله «قدّروها» قراءتان :
الأولى: الفتح وهي المشهورة، أي قدّروها في أنفسهم فجاءت مقاديرها وأشكالها كما تمنّوه، أو قدّروها بأعمالهم الصالحة فجاءت على حسبها، فالضمير عائد إلى الأبرار الموصوفين قبل.
وقيل: أي قدّروا الكأس على قدر ريّهم لا يزيد ولا ينقص من الريّ.
وقيل: قدّروها على قدر ملاء الكفّ، أي كانت الأكواب على قدر ما اشتهوا، فالضمير على القولين عائد إلى الطائفين الّذين يسقون، فإنّهم يقدّرونها ثمّ يسقون.
وفيه إشارة إلى أنّ كلّا منهم ينال من الفضل والمقام بحسب استعداده وعمله في الدنيا، بمعنى أنّهم ليسوا سواء في جميع المقامات، بل مقاماتهم مختلفة، ومراتبهم متفاوتة باختلاف إمكاناتهم، وتفاوت استعدادتهم، فلكلّ درجات ممّا عملوا والله عليم بما يعملون.
هذا معنى ما قيل من أنّ المراد أنّه حصل لكلّ منهم من المعارف والمشاهدات لتلك الصور البهيّة، والمطالع العليّة حصّته بحسب ما انتهى إليه طرق إمكانه، أي قدّر لهم الطائفون ذلك التقدير المختلف بحسب اختلاف إمكاناتهم.
الثانية: ضمّ القاف، فالضمير للأبرار، والتقدير: قدّروا عليها، فحذف الجار ووصل الفعل بالمجرور، وهو الشائع.
الخامس: قال بعض العارفين: لا يخفى على أولي النّهى أنّ في الآية أمورا ينبغي الاستكشاف عنها :
منها: كيفيّة كون هذه الأكواب من الفضّة والقارورة وهما جوهران متباينان.
ومنها: من فاعل التقدير.
ومنها: وجه التأكيد.
ومنها: وجه إعادة المصدر.
أمّا الأوّل، فيمكن أن يبيّن بوجوه :
أوّلها: إنّ قوارير الدنيا مأخوذة من الرمل والحجر، وقارورة الجنّة من الفضّة، فكما أنّ الله قادر على تقليب الرمل الكثيف زجاجة لطيفة صافية كذلك قادر على تقليب الفضّة قارورة لطيفة، ففي الآية إشارة إلى أنّ نسبة قارورة الجنّة إلى قارورة الدنيا كنسبة فضّة الجنّة إلى حجارة الدنيا، وبهذا يتفطّن بصفاء قارورة الجنّة ولطافتها.
وثانيها: إنّ كمال الفضّة في بقائها ونقائها وصفائها وشرفها إلّا أنّها كثيفة الجوهر، وكمال القارورة في شفّافها وصفائها إلّا أنّها سريعة الانكسار، ففي الآية إشارة إلى أنّ آنية الجنّة جامعة بين صفاء الفضّة وبقائها ونقائها وصفاء الزجاجة وشفّافها.
وثالثها: أن يكون إشارة إلى أنّ تلك الآنية من الفضّة، ولكن يكون لها صفاء الزجاجة.
ورابعها: أنّ القارورة في الآية ليست بمعنى الزجاجة، بل العرب تسمّي كلّما صفى من الأواني قارورة.
وأمّا الثاني وهو بيان المقدّر ففيه وجهان :
الأوّل: أنّه هو الطائف.
والثاني: أنّه هو الشارب، ولكلّ وجه، بل وجوه وجيهة.
وأمّا الثالث فلا يخفى على من تفطّن بالأوّل، كما أنّ الرابع ظاهر لمن تأمّل في الثاني إلى آخره.
السادس: في بناء الفعل للمفعول في قوله «ويطاف عليهم» إشعار بتعظيم الطائف، فإنّه هو المبدأ الأوّل جلّ جلاله.
وكذلك القول في قوله «ويسقون فيها كاسا ...» إلى آخره، إذ الساقي للأولياء من شراب المحبّة والصفاء في مجلس الشهود هو الله تعالى، كما قال: «وسقاهم ربّهم شرابا طهورا».
والزنجبيل معروف، وهو ممّا كانت العرب تستطيبه وتستلذّه وتضرب به المثل في أشعارها للملذوذات، فوعدهم أنّهم يسقون في الجنّة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنّة، فإنّهم كانوا يمزجون شرابهم بالزنجبيل في الدنيا لزيادة اللذّة.
وفيه إشارة إلى أنّ اللذّة الروحانيّة ألذّ اللذّات الّتي يتصوّرونها ويتوهّمونها.
ولا يخفى أنّ الزنجبيل الممزوج بشراب الأبرار ليس مناسبة بينه وبين زنجبيل الدنيا أصلا في الأثر واللذّة إلّا فيما ذكر من أنّهم يستلذّون به في
الدنيا، فجرى كلام الحقّ على قدر إفهامهم ليعرفوا أنّ ما يمزجه الحقّ بشرابهم ألذّ ممّا يمزجونه، فذكر الزنجبيل إنّما هو من باب التمثيل لا التحقيق، فإنّ حقيقة اللذّات الأخرويّة لا يدركها المشتغلون بالنشأة الدنيويّة حقّ الدرك.
نعم ربّما يعرفونها إجمالا، ألا ترى إلى الصبيّ كيف لا يدرك لذّة الجماع الّتي يدركها البالغ، إلّا أنّه قد يقطع بأنّ الجماع فيه لذّة، ولكن لا يعرف حقيقته.
نعم يتمثّل تلك اللذّة له بلذّة القند والسكّر، فكما أنّ بين لذّة الجماع ولذّة السكّر فرقان فاحش، كذلك يكون بين لذّة الدنيا ولذّة الآخرة فرقان كثير غاية الفرقان، بل لا مناسبة بينهما إلّا في الاسم.
كيف واللذّة الروحانيّة الّتي أعدّها للأبرار ممّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر إلى آخره، وهي دائمة باقية لا تتصرّم أبدا فهي أحقّ بذلك الاسم من اللذّة الفانية المتصرّمة.
وهكذا الأمر في جميع الألفاظ الّتي عبّر الله بها في القرآن عن اللذّات، فإنّ حقيقتها ما يلتذّ به العارفون ويستطيبه الصافّون.
وأمّا ما يسمّيه الناقصون باللذّة ويستطيبونه فليس في نفس الأمر لذّة وطيبا، وإنّما زعموا ذلك لعدم فوزهم بما هو الألذّ والأطيب.
كيف فلو كانوا فائزين به لما كانوا راضين بتلك التسمية أبدا، بل كانوا لا يتوجّهون إلى ذلك المقام أصلا، فحرمانهم عن المقام الأعلى حملهم على أن سمّوا تلك الأمور الفانية الزائلة لذّة وطيبا، وأنسوا بها حتّى لم يتبادر إلى
أذهانهم من الألفاظ المألوفة الرسميّة المشيرة إلى المعاني الروحانيّة الملكوتيّة سوى تلك اللذّات المألوفة الّتي لا تستحقّ اسم اللذّة، وذلك لعدم إدراكهم الملذّات الروحانيّة، وعدم فوزهم بها.
ويدلّك على ذلك أنّ الكاملين لا يتبادر إلى أذهانهم من تلك الألفاظ إلّا المقامات الملكوتيّة واللذّات الروحانيّة وإن ذلك إلّا لتوجّههم إلى جهة الملكوت وانقطاعهم عن سلسلة الناسوت.
وقد أجاد محمّد بن محمّد الغزاليّ قدّس سرّه في بيان ما أشرنا إليه من أنّ لتلك الألفاظ حقائق أحقّ في كتابه المسمّى بجواهر القرآن حيث قال :
إعلم أنّ الكبريت الأحمر عند الخلق في عالم الشهادة عبارة عن الكيمياء الّذي يتوصّل به إلى قلب الأعيان من الصفات الخسيسة إلى الصفات النفيسة حتّى ينقلب به الحجر ياقوتا، والنحاس ذهبا إبريزا، ليتوصّل به إلى لذّات في الدنيا مكدّرة منغّصة في الحال، متصرّمة على قرب في الاستقبال، أفترى أنّ ما يقلب جوهر القلب من رذالة البهيميّة، وضلالة الجهل إلى صفاء الملكيّة وروحانيّتها ليترقّى من أسفل السافلين إلى أعلى علّيّين، وينال به لذّة القرب من ربّ العالمين، والنظر إلى وجهه الكريم أبدا دائما سرمدا هل هو أولى باسم الكبريت الأحمر أم لا، فلهذا سمّيناه بالكبريت الأحمر، فتأمّل وراجع نفسك، وأنصف لتعلم أنّ هذا الاسم بهذا المعنى أحقّ، وعليه أصدق.
ثمّ أنفس النفائس الّتي يستفاد من الكيمياء اليواقيت، وأعلاها الياقوت الأحمر، فلذلك سمّينا به معرفة الذات.
وأمّا الترياق الأكبر فهو عند الخلق عبارة عمّا يشفي من السموم المهلكة
الواقعة في المعدة مع أنّ الهلاك الحاصل بها ليس إلّا هلاكا في حقّ الدنيا الهالكة الفانية، فانظر إن كان سموم البدع والأهواء والضلالات الواقعة في القلب مهلكة هلاكا يحول بين المسموم بها وبين عالم القدس ومعدن الروح والراحة حيلولة دائمة أبديّة سرمديّة وكانت المحاجّات البرهانية تشفي عن تلك السموم وتدفع ضررها هل هي أولى بأن يسمّى بالترياق الأكبر أم لا.
وأمّا المسك الأذفر فهو عبارة في عالم الشهادة عن شيء يستصحبه الإنسان، يثور منه رائحة طيّبة حتّى لو أراد إخفاءه لم يختف، لكن يستظهر وينتشر.
فانظر إن كان في المطالب العلميّة ما ينشر منه الاسم الطيّب في العالم ويشتهر به صاحبه اشتهارا لو أراد الاختفاء وإيثار الخمول لم يقدر عليه، بل يشهره ويظهره فاسم المسك الأذفر عليه أحقّ وأصدق أم لا. انتهى.
وأنا أقول: الجنّة عند الخلق في عالم الشهادة عبارة عن البستان المحفوف بالأشجار والأنهار بحيث يفرح بدخوله المغتمّ المهموم، ويزول عن قلبه الهموم والغموم، أفترى أنّ مقام قرب الحقّ الّذي من دخله كان مسرورا فرحا بالوصال، مجتنيا من أطايب ثمرات الجلال، زائلا عن قلبه شؤونات الجهل والضلال ليس أولى باسم الجنّة.
كيف وهو أولى بذلك الاسم، وهو عليه أحقّ وأصدق.
وكذا الشراب عند الخلق في ذلك العالم عبارة عمّا يشربونه فيطفئون به حرارات القلب، ويتوجّدون ويتطرّبون كمال التوجّد والتطرّب.
أفترى أنّ ما يطفأ به حرارة الجهل والغفلة ويتوجّد به العارفون
فيتطرّبون في عرش الحقّ واصلين متّصلين ليس أحقّ بذلك الاسم.
وكذا الزنجبيل عندهم عبارة عن ضرب من القرفة طيّب الطعم يمزجونه بالشراب فيلتذّون به على ما عرفت.
أفترى أنّ ما يلتذّ به الأبرار من الحقائق الروحانيّة الملكوتيّة، واللذّات الدائمة الحقيقيّة ليس أولى بذلك الاسم.
وكذا الحرير عندهم عبارة عمّا يلبسه الملوك ويتزيّنون به ويزيدون به الجمال والجلال عند الناس، فإنّه أبهى الألبسة، أفترى أنّ ما يستكمل به الواصلون ويستحملون به من لباس التوحيد وثياب التجريد بحيث يتميّزون بذلك عن سائر أصناف الخلق، ويتزيّنون به في سرير الملكوت ليس أحقّ بذلك الاسم؟
وكذلك الكافور الحسّيّ من صفاته البياض المشرق، ومن خواصّه إزالة الحرارة الراسخة المهلكة المتمكّنة في جوهر ذات الشخص. أفترى أنّ ما يفوز به الأبرار من الإفاضات العالية الّتي هي في غاية الإشراق والصفاء ومزيلة للجهالات وسائر المهلكات ليس أحقّ وأولى بذلك الاسم؟
وكذلك سائر الألفاظ الّتي اشتمل عليها القرآن لها حقائق تتبادر إلى أذهان العارفين كما تتبادر ظواهرها إلى أذهان الناقصين، فكما أنّ التبادر عندهم علامة للحقيقة كذلك هواية للحقيقة عند هؤلاء فكم من حقيقة عند أهل الظاهر هو أحقّ باسم المجاز عند أهل الباطن، فلكلّ اصطلاح يحاورون به في محلّ التخاطب لا يتكلّم به الآخرون، ولا يتبادر إلى أذهانهم كيف، فكما أنّ الناقصين القاصرين عن درك المقامات الروحانيّة لا ينتقش
في أذهانهم عند استماع تلك الألفاظ إلّا الصور الجسمانيّة المحسوسة الّتي كانوا ألفوها وأنسوا بها في عالم الشهادة، كذلك الكاملون العارفون بحقائق الحكمة والعرفان إذا استمعوا تلك الألفاظ لا يتوجّهون إلّا إلى المقامات الروحانيّة، واللذّات الملكوتيّة، ولا ينتقش في ألواح أذهانهم إلّا هذه المعاني العلويّة اللاهوتيّة، والحقائق العالية الهاهوتيّة. كيف ولا يتمنّون لرفعة همّتهم إلّا تلك المقامات القربيّة، ولا يرجون إلّا الفوز بهذه المعاني الملكوتيّة، والالتذاذ بالإفاضات الإلهيّة والعنايات الرحمانيّة الأزليّة، وذلك لما ركز في هويّتهم من الشوق إلى الحقّ الّذي هو المبدأ الأوّل لكلّ ما في الإمكان.
وأمّا الناقصون فليس فيهم ذلك الشوق، ولذا كانت منيتهم الالتذاذ بالمشارب والمآكل والمناكح الّتي هي لائقة بمقام البهيمة، وهؤلاء لقد استبدلوا الّذي هو أدنى بالّذي هو خير، وضلّوا عن مقام الوجد والحال.
ولقد أجاد الغزاليّ رحمه الله في ذلك المقام، حيث قال :
إعلم أنّه لو خلق فيك شهوة شوق إلى الله، وشهوة لمعرفة جلاله أصدق وأقوى من شوقك للأكل والنكاح لكنت تؤثر جنّة المعارف ورياضها وبساتينها على الجنّة الّتي فيها قضاء الشهوات المحسوسة.
واعلم أنّ هذه الشهوة خلقت للعارفين ولم يخلق لك كما خلقت لك شهوة الجاه ولم يخلق للصبيان، وإنّما للصبيان شهوة اللعب، فأنت معجب من الصبيان في عكوفهم على لذّة اللعب وخلوّهم عن لذّة الرياسة، والعارف يتعجّب منك في عكوفك على لذّة الجاه والرياسة، فإنّ الدنيا بحذافيرها عند العارف لهو ولعب.
ولـمّا خلقت هذه الشهوة للعارفين كان التذاذهم بالمعرفة بقدر شهوتهم، ولا نسبة لتلك اللّذة إلى لذّة الشهوات الحسّيّة، فإنّها لذّة لا يعتريها الزوال، ولا يغيّرها الملال، بل لا يزال يتضاعف ويترادف ويزداد بزيادة المعرفة والإعراق فيها بخلاف سائر الشهوات، إلّا أنّ هذه الشهوة لا تخلق في الإنسان إلّا بعد البلوغ إلى حدّ الرجال، ومن لا تخلق فيه فهو إمّا صبيّ بعد لم تكمل فطرته لقبول هذه الشهوات، أو عنّين أفسد كدورة الدنيا وشهواتها فطرته الأصليّة.
فالعارفون لـمـّا رزقوا شهوة المعرفة ولذّة النظر إلى جلال الله فهم من مطالعتهم جمال الحضرة الربوبيّة في جنّة عرضها السماوات والأرض، بل أكثر ، وهي جنّة عالية قطوفها دانية، فإنّ فواكهها صفة ذاتهم وليست مقطوعة ولا ممنوعة، إذ لا مضايقة في المعارف.
والعارفون ينظرون إلى العاكفين في حضيض الشهوات نظر العقلاء إلى الصبيان عند عكوفهم على لذّات اللعب، ولذلك تراهم يستوحشون من أكثر الخلق، ويؤثرون العزلة والخلوة، فهي أحبّ الأشياء إليهم، ويهربون من المال والجاه، فإنّه يشغلهم عن لذّة المناجاة، ويعرضون عن الأهل والولد ترفّعا عن الاشتغال بهم عن الله تعالى.
فترى الناس يضحكون منهم، فيقولون موسوس ظهر عليه مبادئ الجنون، وهم يضحكون على الناس لقناعتهم بمتاع الدنيا، ويقولون إن تسخروا منّا فإنّا نسخر منكم كما تسخرون إلى آخره.
السابع: قال بعض العارفين: الكأس هاهنا هي الأولى بعينها، وإنّما أورد
هاهنا بصفة المزج بالزنجبيل، وكذا المراد من العين في قوله:( عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً ) هي العين السابقة، إلّا أنّه أورده هاهنا بصفة السلاسة، وسرعة الفيض الإلهيّ في حقّهم، وسهولة افتياض المعقولات عليهم، إذ كانوا على غاية من الإمكان.
ثمّ لـمـّا وصف الكأس بطعم الزنجبيل وكانت الكأس من تلك العين نبّه في وصف العين بسلاسة الجريان في الخلق على أنّها مع استلزامها لطعم الزنجبيل ليس فيها قوّة اللذاعة الّتي فيه، فسبحان الملهم لتلك الاستعارة، والهادي إلى تلك العبارة. انتهى.
أقول: ما ذكره من أنّ المراد بالكأس هاهنا هي الكأس فيما قبل، وكذا العين، يتوجّه عليه أنّ ذلك مستلزم للتكرار والتأكيد، وهو في المقام غير مفيد، فالأحقّ أن يقال: إنّ في ذلك إشارة إلى ما مرّ من أنّ لكلّ من الأبرار مقامات مختلفة بحسب الحقيقة عن اختلافات الإفاضات العالية، إذ ليس للعارف مقام واحد واقف هو فيه في جميع الأوقات والحالات، بل يفوز في كلّ وقت وحالة بمقام وإفاضة ليس له في الوقت السابق والحالة السابقة.
كيف ولا نهاية لترقّي الإنسان يقف فيها، بل يترقّى آنا فآنا بحسب سعيه وجهده، كما قال:( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) (١) .
وهذا هو السرّ في كونه أفضل من الملك، فإنّ له مقاما معلوما لا يجاوزه ولو أكثر في سعيه واجتهاده، كما يدلّ عليه بعض الأخبار المرويّة.
ويؤيّده ما حكي عن أبي الحسين الخرقانيّ أنّه قال: صعدت ظهيرة
__________________
(١) النجم: ٣٩.
على العرش لأطوف به فطفت عليه ألف طوفة، كما قال: ورأيت حواليه قوما ساكنين مطمئنّين، فتعجّبوا من سرعة طوافي، وما أعجبني طوافهم، فقلت: من أنتم؟ وما هذه البرودة في الطواف؟ فقالوا: نحن ملائكة، ونحن أنوار، وهذا طبعنا لا نقدر أن نجاوزه، فقالوا: ومن أنت؟ وما هذة السرعة في الطواف؟ فقلت: آدميّ وفيّ نور ونار، وهذه السرعة من نتائج نور الشوق. انتهى.
فما اختاره المعتزلة من أنّ الملك أفضل من الإنسان لوجوه غير وجيه، والوجوه الّتي استدلّوا بها غير وجيهة، وما قاله محيي الدين من أنّه سألت عن ذلك رسول الله في الواقعة، فقال لي: إنّ الملائكة أفضل، فقلت له: يا رسول الله، فإن سئلت ما الدليل على ذلك فما أقول؟ فأشار إليّ أن علمتم أنّي أفضل الناس، وقد صحّ وثبت عندكم وهو صحيح أنّي قلت عن الله أنّه قال: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وكم ذاكر لله ذكره في ملأ أنا فيهم، فذكر الله في ملأ خير من ذلك الملأ الّذي أنا فيهم إلى آخره. يشمّ منه رائحة الكذب، ولو صحّ وصدق لا يعارض الصحاح من الأخبار الدالّة على أفضليّة الإنسان مطلقا، فضلا عن الأنبياء سيّما نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله الّذي كان أفضل من كلّ شيء في الإمكان.
كيف والكلّ مخلوق به، وهو العلّة لوجود كلّ شيء، وهذا في الظهور كالنور على شاهق الطور، فلا حاجة إلى إسطار السطور، في تحقيق ما هو المشهور، بين الجمهور:
ملك در سجده آدم زمين بوس تو نيّت كرد |
كه در حسن تو چيزى يافت بيش از حدّانسانى |
وبالجملة: فلا يخفى أنّ المراد بالكأس هاهنا إفاضة خاصّة غير الإفاضة السابقة الّتي عبّر عنها بالكأس فيما سبق.
وفي التعبير بالشرب ونسبته إليهم فيما سبق حيث قال:( يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ ) إلى آخره.
وبالسقي ونسبته إلى المجهول وهو الحقّ تعالى هنا إشارة إلى أنّ للسالك العارف لذّتين:
لذّة يتسبّب لها ذاتيّته بحسب الإمكان والاستعداد، فيلتذّ بها لجهده وعمله.
ولذّة يتسبّب لها جذبة الحقّ من غير أن تكون ناشئة عن عمل العبد وسعيه، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من أوليائه وأحبّائه، ونعم ما قيل: جذبة من جذبات الحقّ توازي عمل الثقلين.
وفي المقام مطالب يمنعني ضيق الوقت عن تفاصيلها، ولكنّ القول المجمل منها: أنّ السالك في سبيل المحبّة: إمّا سالك محض، وهو مجزيّ بعمله، ملتذّ بعاقبة سعيه.
أو مجذوب محض من غير أن يكون له سعي، وإنّما يجذبه الحقّ بلطفه وفضله إلى عرش الصفاء، ومقام البهاء، وهو غافل عن ذلك قبل ذلك، كما قال:( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) (١) إلى آخره، ولكن لا بدّ له من استعداد
__________________
(١) الطلاق: ٣.
الفوز بالجذبة، وإلّا لما كان ذلك له ميسّرا :
دوش وقت سحر از غصّه نجاتم دادند |
واندر آن ظلمت شب آب حياتم دادند |
|
بيخود از شعشعه پرتو ذاتم كردند |
باده از جام تجلّى صفاتم دادند |
أو سالك مجذوب تقدّم سلوكه على جذبته، كما قال:( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) (١) إلى آخره، أي الّذين يسلكون في طريق حبّنا لنجذبنّهم بجذبات العناية إلى أعراش الوصال، ونهدينّهم إلى شعاشع أنوار الجمال.
كيف ولا ينفع السلوك لولا جذبة الحقّ وعنايته، فإنّه هو الهادي إلى عرش البقاء، والداعي إلى مقام الصفاء :
اگر از جانب معشوق نباشد كششى |
كوشش عاشق بيچاره به جائى نرسد |
|
زاهد ار راه برندى نبرد معذور است |
عشق كاريست كه موقوف هدايت باشد |
أو مجذوب سالك تقدّم جذبته على سلوكه، وإليه الإشارة بقوله: ( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) أي: إنّا جذبناه إلينا إمّا سالكا أو غير سالك، فمن سلك بعد جذبته يلتذّ بالوصال، ومن كسل يعذّب بنار الانفصال.
الثامن: في قوله: ( وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ) إلى آخره، إشارة
__________________
(١) العنكبوت: ٦٩.
إلى مقام آخر غير ما ذكر، فإنّ الطائف فيما مرّ هو الحقّ تعالى بدلالة التعظيم المستفاد من البناء للمفعول، وفي المقام غيره تعالى ممّا اصطفاه واجتباه، والإعراض عن ذكر المطوف به في ذلك المقام لعلّ وجهه الذكر في المقام الأوّل، فيستغني عن الذكر ثانيا، وإن كان بين المطوف بهما فرقان بيّن، لأنّ ما يطوف به الحقّ أعلى ممّا يطوف به غيره بمراتب شتّى كما لا يخفى.
أو الكشف عنه في سورة الواقعة، كما قال:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ * عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ * وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (١) إلى آخره.
ثمّ المراد بالولدان قيل: الغلمان الباقون الّذين لا يموتون ولا يهرمون ولا يتغيّرون.
وقيل: مخلّدون أي مقرَّطون، يقول: خلّد جاريته، إذا جعل في أذنيها قرطا.
واختلفوا فيهم فقيل: إنّهم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيّئات فيعاقبوا عليها، فانزلوا هذه المنزلة.
وقيل: هم من خدم الجنّة على صورة الولدان خلقوا لخدمة أهل الجنّة. وذلك هو الأجود، فإنّ أطفال أهل الدنيا الّذين يدخلون الجنّة يصيرون كبارا
__________________
(١) الواقعة: ١٠ ـ ٢٤.
كسائر الرجال فيتمتّعون بالأزواج والمآكل والمشارب مثلهم، لعموم قوله عليه السلام: يدخل أهل الجنّة الجنّة جردا مردا مكحّلين أبناء ثلاثين أو ثلاثة وثلاثين سنة(١) .
وقوله عليه السَّلام: أهل الجنّة جرد مرد مكحّلين لا يغيّر شبابهم، ولا تبلى ثيابهم(٢) .
واستدلّ أيضا بأخبار أخر لا أرى فيها دلالة على المدّعى، بل يمكن المناقشة فيما استدللنا به، فإنّ أهل الجنّة هم الّذين استحقّوها بعملهم وإيمانهم، والأطفال ليس لهم تلك الأهليّة حتّى يندرجون في عموم أهل الجنّة، نعم يمكن الاستدلال بما روي من أنّ إبراهيم ابن النبيّ صلّى الله عليه وآله يتمّ رضاعه في الجنّة. فتأمّل.
وما روي عن النبيّ صلّى الله عليه وآله من أنّه سئل عن أطفال المشركين، فقال: هم خدم أهل الجنّة(٣) . لا يدلّ على القول الأوّل، لعدم استلزام كونهم خدما أن يكونوا ولدانا حتّى يفسّر الولدان المخلّدون بهم، فالمسألة غامضة، وحلّها يستدعي تفصيلا من القول، وضيق الوقت يمنعني عنه، فنرجع إلى ما كنّا فيه فنقول :
إنّما شبّههم باللؤلؤ المنثور، أي: المنتشر، لما لهم من الصفاء والبهاء، وحسن المنظر واللقاء.
__________________
(١) الصوارم المهرقة: ٣٣٩.
(٢) أنظر: الاختصاص: ٣٥٨.
(٣) بحار الأنوار ٨: ١٠٨.
وقيل: للونهم وكثرتهم.
وقيل: لانتشارهم في الخدمة.
هذا ما اقتضاه ظاهر التفسير.
وتحقيق القول على ما ذكره بعض العارفين: إنّ المراد بالولدان العقول الفعّالة المجرّدة الّتي يفوزون بها، ويحصل لهم بها الكمالات الروحانيّة، والمشاهدات العقلانيّة، والمقابلات لصفاء مرايا نفوسهم لمرايا الملكوت، فلا يخفى عليهم شيء من العلم والعرفان والحكمة والبيان، فيطّلعون على حقائق القرآن، ويفوزون بما أعدّه الله للإنسان، فإنّ النفس الإنسانيّة إذا صفت عن التوجّهات الغيريّة، ونقت عن التعلّقات العرضيّة، تتوجّه إلى مقام الملكوت، وتتقابل للوح مرآة اللاهوت، فينتقش فيها جميع ما انتقش في لوح الحقّ، فيكشف له ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وهذا هو السرّ في اطّلاع الأنبياء والأصفياء على الأمور الغيبيّة الّتي لم يطّلع عليها غيرهم.
وهذا هو المجمل ممّا أردنا بيانه، إذ ضيق الوقت يمنعني عن التفصيل، وقصور فهم المستمع يحملني على التعطيل.
والتخليد إشارة إلى دوام كلّ منهم بدوام علّته، وإنّما شبّههم باللؤلؤ المنثور لأنّه على اللّون الأشرف مع الصفاء.
وأيضا في المنظوم خلل ليس في المنثور، وفي النثر إشارة إلى تغاير مراتبهم على ما عرفت من أنّ لكلّ مقامات بحسب إمكاناتهم، فليس
درجاتهم متقاربة حتّى يشبّهوا باللؤلؤ المنظوم، نظرا إلى أنّ النظم يستلزم القرب والتقارب، وأمّا النثر فليس مستلزما لذلك، بل مستلزم لخلافه.
وهنا إشكال أورده جماعة وهو الحسبان من باب الظنّ والمعارف يومئذ علميّة عارية عن شوب الظنون.
وأجيب بأنّ المراد: إنّك إذا تصوّرتهم في عالم الخيال وأنت في ذلك البدن لخلتهم وحسبتهم لؤلؤا منثورا.
وبوجوه أخرى لا مجال لنا في الإشارة إليها، لضيق الوقت.
التاسع: قوله:( وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ ) إلى آخره بفتح الثاء: اسم إشارة إلى المكان البعيد، أي: وإذا زال الحجاب الّذي بينك وبين عالم القدس ففزت بمشاهدة ذلك المقام الأرفع الّذي لا يصل إليه أيدي غير الصافين لترفّعه وتشرّفه وبعده رتبة رأيت ما أعدّ الله لهم من النعمة الخطيرة الّتي هي الاتّصال بالمبدأ الأعلى، والانقطاع عن الدار السفلى، والتشرّف بالإفاضات العليا.
والملك الكبير الّذي لا يزول ولا يفنى وهو حقيقة الولاية الصافية والمحبّة الخالصة، فإنّها مورثة للبقاء السرمديّ الّذي لأجله خلقت النفوس الإنسانيّة، كما قال: خلقتم للبقاء لا للفناء(١) إلى آخره. أي للبقاء ببقاء الحقّ بعد الفناء الكلّيّ عمّا في الإمكان.
ويرى العارف في ذلك البقاء والفناء نفسه عين الوجود الكلّيّ الموصوف بجميع الصفات الجماليّة والجلاليّة، لا بمعنى أنّه شاعر في ذلك الحال بنفسه وذاته، بل لا يرى لنفسه وجودا سوى وجود الحقّ، لكمال
__________________
(١) غرر الحكم: ١٣٣.
استغراقه في لجّة الأحديّة، وطمطام يمّ السرمديّة، بحيث لا سبيل للاثنينيّة إلى ذلك المقام أصلا، بل المقام مقام الوصل والاتّصال، وكشف أنوار الجمال والجلال. وهذا هو الملك الكبير الّذي هو فوق كلّ شيء، يؤتيه من يشاء من عباده الصالحين:
از باده عشق در أزل مست شديم |
وز مستى آن شراب از دست شديم |
|
أوّل زوجود خويش فانى گشتيم |
آخر ببقاى ذات حق هست شديم |
وتفصيل ذلك المقال مكنون عند أهل الحال، وإفشاؤه مضلّ للجهّال بطرق الضلال.
وقيل: الملك الكبير استئذان الملائكة عليهم وتحيّتهم بالسلام.
وقيل: هو إنّهم لا يريدون شيئا إلّا قدروا عليه.
وقيل: هو أنّ أدناهم منزلة ينظر في ملكه من مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه.
وقيل: هو الملك الدائم الأبديّ في نفاذ الأمر، وحصول الأمانيّ، ثمّ في التعليق بكلمة الشرط إشارة إلى ما قرّرناه سابقا من أنّ العبد لا يدرك حقيقة الدرجات واللذّات بكنهها إلّا بعد الوصول إليها، كالصبيّ الّذي لا يدرك لذّة الجماع على الوجه المفصّل إلّا بعد البلوغ إلى حدّ الرجال، فمعنى الآية: إذا وصلت إلى ذلك المقام تدرك النعمة الّتي أعدّ الله إيّاها لأهل ذلك المقام.
ومفهومه أنّك قبل الوصول إلى ذلك الحصول لا يمكن لك القبول حقّ القبول. وفي المقام تفاصيل قد أشرنا إلى بعضها فيما سبق.
العاشر: في قوله:( عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ ) إلى آخره قراءتان:
الأولى: وهي المشهورة: نصب الياء على الحاليّة من الضمير المجرور في قوله:( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ) (١) .
وقيل: عطف على ما انتصب على الحال في السورة. وفيه نظر، لعدم الحرف العاطف، وكونه محذوفا خلاف الأصل.
وقيل: على الظرفيّة، فإنّ العالي بمعنى الفوق، فجرى مجراه في الظرفيّة.
الثانية: سكون الياء، فالرفع مقدّر استثقالا، كما في القاضي على الابتدائيّة، والخبر «ثياب سندس» ولا يجب مطابقة المبتدأ والخبر إلّا إذا كان الخبر مشتقّا، وليس كذلك في المقام، فلذا لم يراع المطابقة.
وقيل: اسم الفاعل هنا قائم مقام الجمع، كما قوله:( فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ ) (٢) إلى آخره.
وقيل: الرفع مقدّر على أنّه صفة لولدان، أي: يطوف عليهم ولدان مخلّدون عاليهم ثياب إلى آخره.
قال الطبرسيّ رحمه الله بعد نقل ذلك القول عن بعض الفضلاء: ألم ينظر في خاتمة هذه الآية إلى قوله:( وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ ) إلى آخره ثمّ قوله عقيب ذلك ( إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً ) فيعرف أنّ الضمير في «عاليهم» هو بعينه في «وسقاهم» وهو ضمير المخاطبين في لكم، وهذا الضمير لا يمكن أن يعود إلّا إلى الأبرار المثابين المجازين دون الولدان المخلّدين الّذين هم من جملة ثوابهم وجزائهم. انتهى.
__________________
(١) الواقعة: ١٧.
(٢) الأنعام: ٤٥.
أقول: ما قاله بعض الفضلاء ليس ممّا ينكر عليه بما أنكر عليه الطبرسيّ رحمه الله، وما ادّعاه من القطع على أنّ الضمائر راجعة إلى الأبرار غير مسلّم، لاحتمال أن تكون تلك الدرجات للولدان، وذلك مزيد لدرجات الأبرار أيضا.
نعم الضمير في لكم يخاطب به الأبرار خاصّة، وهو لا يستلزم كون الضمائر كلّها لهم. وذلك واضح لا يخفى على من تأمّل منصفا.
وفي قوله( خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ) قراءات، إذ منهم من رفع «خضر» وجرّ «وإستبرق».
أمّا الأوّل، فإنّ «خضرا» صفة مجموعة لموصوف مجموع.
وأمّا الثاني، فللعطف، والتقدير: وثياب إستبرق.
ومنهم من جرّ «خضر» على كونه صفة لسندس، كما في قولهم الدينار الصفر، ورفع «وإستبرق» عطفا على الثياب، فالمضاف محذوف قام المضاف إليه مقامه فرفع.
ومنهم من قرأ برفعهما.
ومنهم من قرأ بجرّهما. ولكلّ وجهة.
ثمّ السندس هو الديباج الرقيق الفاخر الحسن، والإستبرق الديباج الغليظ الّذي له بريق.
قال الصادق عليه السلام: يعلوهم الثياب فيلبسونها(١) .
وقال ابن عبّاس: أما رأيت الرجل عليه ثياب، والّذي يعلوها أفضلها.
__________________
(١) بحار الأنوار ٨: ١١٣.
والحلية: الزينة، والأساور: جمع الأسورة، وهي جمع السوار.
قال الطبرسيّ رحمه الله: الفضّة الشفّافة وهي الّتي يرى ما وراءها كما يرى من البلّورة، وهي أفضل من الدرّ والياقوت، وهما أفضلان من الذهب، فتلك الفضّة أفضل من الذهب والفضّة، وهما أثمان الأشياء.
وقيل: إنّهم يحلّون بالذهب تارة، وبالفضّة أخرى، ليجمعوا محاسن الحلية، كما قال الله تعالى:( يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ) (١) .
والفضّة وإن كانت دنيّة الثمن في الدنيا فهي في غاية الحسن، خاصّة إذا كانت بالصفة الّتي ذكرناها. والغرض في الآخرة: ما يكثر الاستلذاذ والسرور به، لا ما يكثر ثمنه. انتهى.
أقول: قد عرفت فيما سبق القول منّا من أنّ لتلك الأشياء حقائق لا يدركها إلّا الفائز بمقام القرب بحضرة الربّ تعالى.
قال بعض العارفين: والمراد بتلك الآية الإشارة إلى ما يحصل لهم من لباس الكرامة الإلهيّة الّتي أحلّتهم تلك المحالّ، والمبالغة في التعبير عن تلك اللذّات والكمالات، وفي قوله( وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ ) إشارة إلى تحلية معاصم نفوسهم بأسورة الصور القدسيّة، فكما أنّ المعاصم تتزيّن وتتحسّن بالأسورة، وتكون ذلك كمالاتها، كذلك النفوس تتزيّن بتلك الكمالات الروحانيّة، وفرقان ما بين الزينتين، وفرقان ما بين الحليتين. انتهى.
وفي قوله: «وسقيهم ربّهم» إشارة إلى ما مرّ من أنّ الله بعد ما يرى ويعلم استعدادهم لمقام المحبّة والولاية يجري على قلوبهم وذاتيّاتهم أنهار
__________________
(١) الكهف: ٣١، الحجّ: ٢٣، فاطر: ٣٣.
الحكمة المتعالية، والمعارف الحاليّة، ويتجلّى على هويّاتهم بذاته الشريفة تجلّيا ذاتيّا ساذجيّا شعشعانيّا يتحقّق به محو الموهومات، وكشف أستار الحجابات، فلا يرى العبد في الوجود سوى الحقّ لاستغراقه في يمّ التوحيد، واحتراقه في شعلات التفريد.
وفي الوصف بالطهور ـ وهو صيغة المبالغة ـ إشارة إلى أنّ ذلك الشراب طاهر في نفسه من الأقذار والأكدار بحيث لم تدنّسها الأيدي، ولم تدسه الأرجل كخمر الدنيا، ومطهّر لمن شربه بأن يخلّصه عن الآلام والهموم، ويجعل همومه كلّها همّا واحدا، وحاله في خدمة الحقّ سرمدا.
فأيّ طاهر أبعد عن شائبة النجاسات من تلك الأنوار المبرّأة عن نجاسة الوهم والخيال، وأيّ مطهّر أبلغ ممّا يخلّص العبد عن العلائق الوهميّة، والشؤونات العرضيّة، والتوجّهات الغيريّة، بحيث يغمّض نظره عن كلّ ما في الإمكان، ويصرفه عن كلّ شيء إلى حضرة المحبوب المنّان.
قال الصادق عليه السلام: إنّ الورقة منها ليستظلّ تحتها ألف رجل من الناس، وعن يمين الشجرة عين مطهّرة مزكّية، فيسقون منها شربة، فيطهّر الله بها قلوبهم من الحسد، ويسقط عن أبشارهم الشعر، وذلك قول الله:( وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ) من تلك العين المطهّرة(١) إلى آخره.
والمراد بالعين المطهّرة المزكّية هي ينبوع الحكمة الإلهيّة، فإنّ من فاز به يصفو قلبه عن كلّ غلّ وحقد وحسد وضلالة وقساوة وغير ذلك من الأخلاق الرذيلة، وتخصيص الحسد بالذكر مشعر بأنّه منشأ أكثر الأخلاق
__________________
(١) الكافي ٨: ٩٥.
الرذيلة كما نراه ونشاهده عن بعض من عادانا خذله الله ولعنه.
وتفصيل القول في ذلك موجب للتطويل.
فطهارتهم عن الحسد هي طهارتهم عن كلّ عيب ونقصان، فإنّه حينئذ يلوح له نور القطع بأنّ الله تعالى يعطي كلّا بحسب إمكانه واستعداده من غير أن يبخل عن شيء، وبأنّ من ليس مستعدّا لمقام لا يصل إليه أبدا لعدم القابليّة في هويّته.
والمراد بإسقاط الشعر هو تجريدهم عن جميع الشؤونات الإمكانية الحاجبة بين العبد، وفوزه بمحلّ الكرامة الأبديّة، كما قال جرد مرد إلى آخره.
وهذا هو التزكية الواقعيّة الّتي يفوز بها المؤمنون، ويحرم عنها المنافقون، كما قال:( يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (١) إلى قوله:( ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ) (٢) إلى آخره. وقال:( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (٣) .
قال صاحب العرائس في تفسير قوله( وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ ) إلى آخره، أخبر الله عن سقي أرواح أوليائه (٤) .
__________________
(١) آل عمران: ١٦٤، الجمعة: ٢.
(٢) المائدة: ٥٤، الحديد: ٢١، الجمعة: ٤.
(٣) البقرة: ١٧٤.
(٤) هنا عبارة غير مقروءة.
وفي قوله:( إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً ) إشارة إلى استحقاقهم لذلك المقام بحسب ما قدّمت أيديهم من كسب الأخلاق الجميلة، وتحصيل المعارف الجليلة، واستعدادهم للفوز بتلك اللذّات الملكوتيّة، والدخول في لجج الأحديّة.
كيف وتلك الملكات الراسخة تظهر حقائقها متمثّلة في ذلك العالم الروحانيّ، فيلتذّ بها أربابها في جنّة القرب، على التفصيل الّذي عرفته غير مرّة.
وفي الالتفات عن الغيبة إلى الخطاب التفات لطفانيّ من الحقّ إلى هؤلاء الأبرار في مقام المحاضرة، حيث توجّه إليهم مخاطبا لهم توجّه المعشوق إلى العاشق الشائق، ففيه كمال العناية الأزليّة من حضرة الحقّ إلى العاشقين الشائقين من عباده، فإنّ للعاشق لذّة عظيمة في محاضرة معشوقة، والمكالمة معه بحيث لا شيء ألذّ منها عنده. ولذلك المقام تفاصيل يمنعني عن ذكرها ضيق الوقت، وهجوم الملال وكثرة الكلال.
وفي قوله:( وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) إشارة إلى صحّة طرق سلوكهم، بمعنى أنّهم لقد راضوا نفوسهم بالرياضات الشرعيّة والطاعات المأمورة بها من عند الحقّ تعالى، فإنّ تلك الرياضات والطاعات مقبولة مرضيّة بقبول الحقّ ورضائه، لأنّها ممّا أراده الله وأحبّه بخلاف الرياضات الشاقّة الّتي لم يؤمر بها، أو نهي عنها في الشريعة المحمّديّة صلّى الله عليه وآله كالّتي وضعها الصوفيّة والجوكيّة ممّا نهى الله ورسوله عنه نهيا مؤكّدا، كما لا يخفى على المتتبّع في الأخبار، وهي وإن كانت غير خالية عن بعض
التأثيرات كما شاهدناه وسمعناه، إلّا أنّها تبعد العبد عن درجات القرب السبحانيّ، وتحجب بينه وبين مقام القدس الأزلانيّ، فإنّ بالصراط المستقيم يهدى السالك إلى المقصود، ويفوز الطالب بمراتب الشهود، ويتشرّف بالمقام المحمود. وليس الصراط المستقيم الّذي لا يضلّ سالكه إلّا الشريعة المحمّديّة الّتي شرّعها خاتم مراتب النبوّة صلّى الله عليه وآله، وهي الطريق الأسدّ إلى الله تعالى، فمن لزمها وصل إلى الحقّ، ومن تركها يضلّ عن الهدى، ولا يصل إلى الحقّ أبدا، إذ المقاصد تطلب بالمسالك، والمطالب تنال بالمدارك.
وتلك الرياضات الّتي ابتدعها المبتدعة من الصوفيّة منهيّ عنها في تلك الشريعة، ولا يتعلّق النهي بشيء إلّا بعد كمون الفساد في حقيقته، يعرفه الكامل الواقف على حقائق الأمور، العارف بمصالحها ومفاسدها في عالم الظهور.
فكفى النهي الصادر عن خليفة الحقّ ونائبه في قبح تلك الأعمال المخترعة وفسادها، وعدم تأثيرها في الوصول إلى القرب. كيف وهي حاجبة عن ذلك المقام لمكان النهي، بل لو لم يكن لتلك الأعمال مفسدة واقعيّة كفى في وجوب الاحتراز عنها النهي لوجوب إطاعة الكامل الحكيم على الناقص الجاهل بالصراط المستقيم، فمعصيته بعدم الاحتراز أكبر الحجابات عن الفوز بالمقامات، كيف وقد قال الله تعالى:( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) (١) .
__________________
(١) الحشر: ٧.
وقال:( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً ) (١) .
وفي المقام مطالب كثيرة نخاف بذكرها الإطالة للمقالة، ولقد فصّلنا القول في الرياضات الشرعيّة وشرائطها في كتابنا المسمّى بأسرار العارفين.
اختتام: روى أنس بن مالك عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال: إنّ الله يبعث إلى الجنّة رسولا من عنده فيقول لهم: يا أهل الجنّة، ألا تأخذون زينتكم؟ فيلبسون من أحسن لباسهم وأحسن حليّهم مع حليّ وحلل يؤتون بها من عند ربّهم، يضعون الأكاليل على رؤوسهم، فينطلقون جميعا حتّى يدخلوا على ربّ العزّة جلّ جلاله في موضع يسمّى السوق، فيها مجمعهم، فيأتون مجالسهم، فيوضع المنابر للأنبياء والرسل، ويوضع الكرسيّ للصدّيقين والشهداء، ويوضع النمارق والفرش لسائر المسلمين.
ثمّ يقول لهم الربّ عند ذلك: مرحبا بعبادي وجيراني وأصفيائي وأوليائي وأهل طاعتي، الّذين أطاعوني في الدار الدنيا، واتّبعوا أمري.
ثمّ يقول: أطعموني! فيؤتون بأنواع الأطعمة، ويسعى عليهم ما شاء الله من الخدم حتّى لقد يسعى على الرجل الواحد أربعة آلاف خادم، في أيديهم صحائف من ذهب وفضّة وأكواب منها، وما من صحيفة إلّا فيها طعام ليس في الأخرى، كلّما أكل منها لقمة تغيّرت في فمه لونا آخر.
ثمّ يقول الله: مرحبا بعبادي وجيراني وأصفيائي وأهل طاعتي الّذين أطاعوني في دار الدنيا، واتّبعوا أمري، اسقوهم!
__________________
(١) الفتح: ١٧.
فيسعى عليهم غلمان كأنّهم لؤلؤ مكنون بألوان الأشربة، منها عسل مصفّى، ومنها خمر لذّة للشاربين، ومنها لبن لم يتغيّر طعمه، ومنها ماء غير آسن.
ثمّ يقول الله: مرحبا بعبادي وجيراني وأصفيائي وأوليائي وأهل طاعتي، الّذين أطاعوني في الدار الدنيا، واتّبعوا أمري، فكّهوهم!
فيسعى عليهم غلمان كأنّهم لؤلؤ مكنون بأنواع الفاكهة والثمار الّتي لا يشبه بعضها بعضا.
ثمّ يقول ربّهم: أنا ربّكم الواحد القهّار الواسع فاسألوني أعطكم! فيقولون: ربّنا نسألك رضاك عنّا، فيقول الله: قد رضيت عنكم، فيخرّون سجّدا، فيقول الله: عبادي ليس هذا حين عمل إنّما هذا حين نصرة وجدة، فيرفعون رؤوسهم ووجوههم تشرق من النور.
ثمّ يتجلّى لهم ربّهم فينظرون إليه بلا كيف، ثمّ يأذن لهم فيرجعون إلى منازلهم وأزواجهم راضين مرضيّا عنهم، فينصرفون إلى خيام من درّ مجوّفة مكلّلة بالياقوت والزمرّد، لكلّ واحدة منها سبعمائة باب، عليها الحجبة والخدم من أهل الجنّة، فإذا دخلوا على أزواجهم ولهم ريح طيّبة وألوان مشرقة ما خرجوا بمثلها من عندهنّ، فتقول لهم أزواجهم من الحور العين: مرحبا بكم يا أولياء الله، لقد جئتمونا بألوان وريح ما خرجتم بها من عندنا، فيقولون لهنّ ونحن نرى على وجوهكنّ من النور، ونراها مشرقة، ونجد لكنّ ريحا طيّبة ما خرجنا من عندكنّ عليها، لقد ازددتن حسنا أضعافا مضاعفة، فينادي عند ذلك ملك من عند الرحمن: كذلك أنتم عباد الله
وأوليائه، يجدّد لكم نعمتكم كلّ يوم.
ثمّ يتّكئ أولياؤه على الفرش المرفوعة، والسرر الموضونة، والنمارق المصفوفة، فتأتيهم ملائكة من عند الرحمن، فإذا وصلوا إلى الأبواب استأذنوا فيؤذون لهم، فيدخلون ويقومون بين يديهم، ويقرأونهم السلام من ربّهم، ويبلّغونهم التحيّة منه تعالى وهم جلوس مع أزواجهم من الحور العين كأنّهنّ بيض مكنون لم يمسسهنّ إنس قبلهم ولا جانّ، متّكئات معهم على فرش بطائنها من إستبرق، وعلى رفرف خضر وعبقريّ حسان، فينادين بأصوات لم يسمع الخلائق بمثلها: نحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نيأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنّا له. انتهى.
أقول: لا يخفى أنّ في ذلك الحديث إشارات خفيّة، وكنايات لطيفة، وحقائق أنيقة، ودقائق حقيقة لا يدركها إلّا من اصطفاه الله لفهم الأسرار الخفيّة، ودرك الرموز الدقيقة، وبصّره بحقيقة الحكمة، ومراتب المعرفة، ولكن ليسوا من الّذين خالفوا الله فأفشوا أسراره لمن لم يستعدّ لها.
كيف وإفشاء الأسرار لغير الأبرار يسلك الشخص مسلك الفجّار، وما أسطره في تلك الرسالة وسطرته في بعض رسائلنا ليس من الأسرار المكنونة المرموزة، كيف وأسرار أهل الحال، لا يحيط بها المقال :
مشكل خويش بر پير مغان بردم دوش |
كو بتأييد نظر حلّ معمّا مى كرد |
ديدمش خرّم وخندان قدحى باده بدست |
واندر آن آئينه صد گونه تماشا مى كرد |
|
گفت آن يار كزو گشت سردار بلند |
جرمش آن بود كه أسرار هويدا مى كرد |
قال الله:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ) .
أقول: لـمـّا أشار إلى درجات الأبرار، ودركات الفجّار، عقّبه بما كرّم به النبيّ صلّى الله عليه وآله وفضّله على غيره ممّا هو في عالم الإمكان، وأدّبه بأحسن الآداب، فأمره بما فيه صلاحه وسبب تعرّجه إلى المعارج الروحانيّة الّتي يليق بها هويّته، وإمكان ذاتيّته في حدّ رتبة أنانيّته الشريفة، ونهاه عمّا لا يليق بمقام ولايته في مقام التوحيد، ومحلّ التجريد، تنبيها على أمور حقّقت بها المناسبة بين تلك الآية، وما سبقها من الآيات.
منها: إنّ الأبرار الكمّل الواقفين تحت مقام الولاية الخاصّة والرسالة، وإن بلغوا في الطاعات والرياضات مبلغا كريما، وسعوا في تصفية سواذج جواهر نفوسهم سعيا بليغا لا يمكن لهم إدراك مقام الولاية والرسالة بمعنى اللياقة لذلك المقام، فإنّه فوق مقاماتهم الّتي قرّرت لهم بحسب استعداداتهم وإمكاناتهم الأزليّة، فمن المحال أن يفوزوا به، كيف وهو لا ينبغي إلّا لمن استعدّت ذاتيّته له أزلا، وليس هذا إلّا الّذي اصطفاه الله فخلقه وليّا أو نبيّا، كما قال:( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ) إلى آخره.
أي يعلم القابل لذلك المقام فيفيض عليه بإفاضات العنايات الأزليّة لإمكان ذاتيّته، فهؤلاء الأبرار لهم الترقّيات والتعرّجات في حدود ذاتيّاتهم ورتبتهم إلى المقامات المقرّرة لتلك الحدود في عوالم الشهود، وإلى المقرّر للأنبياء والمرسلين وأوصيائهم، فإنّ لهم مقامات فوق ما يصفه الواصفون، ويدركه العارفون.
وهذا هو السرّ في الإعراض عن خطاب ما سوى النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى الالتفات إلى خطابه، وإفراد الضمير المتعيّن لإرادته صلّى الله عليه وآله. أي: ليس ذلك المقام إلّا لك، فلا لغيرك اللياقة والاستحقاق لأن يوحى إليه كما يوحى إليك.
كيف والموحى إليه لا بدّ من أن يكون مستعدّا لاحتمال ما يستلزم الوحي إيّاه، فلقد خالفنا في ذلك المشاركيّة من الصوفيّة، حيث زعموا أنّهم مشاركون للأنبياء في الوحي وغيره من مقامات النبوّة ودرجات الرسالة، بل زعم بعضهم أنّهم أفضل من الأنبياء، وأكرم منهم عند الله، فإنّهم مشاركون معهم في رتبة النبوّة، ولكنهم ليسوا مكلّفين بالدعوة، بل لهم أن يدعوا وأن لا يدعوا بخلاف الأنبياء، فإنّهم مأمورون بالدعوة لا مناص لهم عنها. والمختار أفضل من المجبور.
وقالوا أيضا: لا واسطة بينهم وبين الحقّ، بخلاف الأنبياء. وهذه المقالة هي كلمة الكفر الخبيثة لا يقولها إلّا الضالّون عن ثنيّات الهدى.
ومثلها القول بجواز فناء ناسوتيّة الخلق في لاهوتيّة الحقّ، وبرؤية الذات عيانا والتكلّم معه شفاها، وباتّحاد الروح مع الحقّ، وغير ذلك من
الأقوال الواهية الّتي أجمعت الإماميّة، بل أكثر المسلمين على كفر صاحبها.
ومنها: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله نعمة الله العظيمة بعد نعمة الوجود أنعم الله ببعثه على الخلق ليهديهم إلى سبل النجاح، ويعلّمهم الكتاب والحكمة، ويعرّفهم المسالك إلى المعرفة، ويزكّيهم عن الوساوس البلسانيّة، فالناس بمتابعته يصيرون أبرارا أخيارا يستحقّون الفوز باللذّات الروحانيّة، فلا يمكن لهم الوصول إلى المقامات الّتي أشير إليها في الآيات السابقة إلّا بواسطته، أعني الانقياد لأمره ونهيه، كما قال: لولاكم لما عرف الله، ولولاكم لما عبد الله.
أي: المعرفة الحقيقيّة هي ما تحصل بتعريفكم وتعليمكم، والعبادة الصحيحة المؤثّرة هي الّتي تأمرون الناس بها وتعلّمونهم إيّاها.
كيف والمعرفة بدون تعريفهم جهل محض، والعبادة بدون أمرهم جحد صرف :
زملك تا ملكوتش حجاب بردارند |
هر آنكه خدمت جام جهان نما بكند |
|
طبيب عشق مسيحادم است ومشفق ليك |
چه درد در تو نبيند كرا دوا بكند |
ومنها: أنّ النبيّ ميزان لمعرفة الشاكر والكافر، فمن أقرّ بمقامه وما جاء به من عند الله فقد دخل في زمرة الشاكرين، ومن أنكر مقامه وما جاء به فقد سلك مسلك الكافرين، فما سبق إليه الذكر من الدرجات الرفيعة، والمقامات السنيّة فهو لمن عرف محمّدا واتّبعه.
وما ذكر أيضا من الدركات والاحتجابات فهو لمن أنكره وخالفه، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، وقد جاءكم الحقّ من ربّكم فمن اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه، ومن ضلّ فإنّما يضلّ عليها، وما أنا عليكم بوكيل، وقد جاءكم بصائر من ربّكم، فمن أبصر فلنفسه، ومن عمي فعليها، وما أنا عليكم بحفيظ، أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربّه، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين، الله نزّل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعرّ منه جلود الّذين يخشون ربّهم ثمّ تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فماله من هاد، مثل الفريقين كالأعمى والأصمّ والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكّرون.
الأولى: في تأكيد الكلام بـــ«أنّ» والضمير وإعادة المصدر إشارة إلى أنّ ما يقوله النبيّ صلّى الله عليه وآله ويأمر به وينهى عنه ليس من عنده، بل الحقّ تعالى يقول بلسانه ويأمر وينهى ببيانه، كما قال:( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) (١) إلى آخره.
وقال:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) (٢) إلى آخره.
وقال:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (٣) .
__________________
(١) النجم: ٣.
(٢) النساء: ٨٠.
(٣) آل عمران: ٣١.
فكلّ ذلك من الأمر والنهي منسوب إليه، فهو الآمر وهو الناهي، وهو الداعي، وهو البشير، وهو النذير، وهو المنزّل للآيات، وهو المدّعي بالمعجزات في سلسلة الممكنات، وهو الأوّل والآخر والظاهر والباطن لا شيء سواه في الوجود، وفي عوالم الشهود، فإطلاق المنزّل على جبرئيل كما قال:( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ ) (١) إلى آخره. وقال:( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ) (٢) إلى آخره، مجاز معلوم، وحقيقته إطلاقه على الحقّ الّذي هو الفاعل الأوّل، والمبدأ الأعلى الّذي هو المنشأ للعلل والأسباب، كما قال:( كانَ النَّاسُ أمّة واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) (٣) إلى آخره. وقال:( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (٤) .
وقال:( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ ) (٥) والآيات الّتي انتسب فيها التنزيل إلى نفسه كثيرة لا تحصى.
الثانية: في التعبير عن ذاته الشريفة بما يستلزم التعدّد تعظيم لنفسه، إذ كثيرا ما يستعمل الجمع في مقام المفرد تعظيما وتفخيما، كما قال: ( نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (٦) .
__________________
(١) الشعراء: ١٩٣، ١٩٤.
(٢) النجم: ٥.
(٣) البقرة: ٢١٣.
(٤) القدر: ١.
(٥) الإسراء: ٨٢.
(٦) الحجر: ٩.
وقال: ( بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ) (١) وذلك الاستعمال كثير شائع في المحاورات، كما لا يخفى على المطّلع بها.
الثالثة: قيل الفرق بين الإنزال والتنزيل أنّه إذا أريد الإشعار بالتدريج في النزول جيء بالتنزيل لتضمّنه التدريج، بخلاف الإنزال كما قال:( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ) (٢) فإنّ كلّا منهما نزل جملة واحدة، وأمّا القرآن المجيد فنزوله تدريجيّ.
وقال:( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) (٣) فإنّهم كانوا يقولون لو كان من عند الله لم ينزل على التدريج شيئا فشيئا.
أقول: ما ذكره من الفرق منقوض بقوله تعالى:( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ) (٤) .
وقال:( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ ) (٥) .
وقال:( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ) (٦) نعم الغالب استعمال الإنزال في غير التدريج والتنزيل فيه، وبينهما فرقان آخر، وهو أنّ التنزيل مشعر بالتعظيم دون الإنزال.
الرابعة: قال الصدوق رحمه الله: اعتقادنا في ذلك أنّ بين عيني إسرافيل
__________________
(١) القيامة: ٤.
(٢) آل عمران: ٣.
(٣) البقرة: ٢٣.
(٤) الأعراف: ١٥٧.
(٥) الكهف: ١.
(٦) الفرقان: ٣٢.
لوحا، فإذا أراد الله أن يتكلّم بالوحي ضرب ذلك اللوح جبين إسرافيل، فينظر فيه ويقرأ ما فيه، فيلقيه إلى ميكائيل، ويلقيه ميكائيل إلى جبرئيل، فيلقيه جبرئيل إلى الأنبياء عليهم السلام.
وأمّا الغشوة الّتي كانت تأخذ النبيّ صلّى الله عليه وآله فإنّها كانت عند مخاطبة الله إيّاه حتّى ينقل ويعرف، وأمّا جبرئيل فإنّه كان لا يدخل عليه حتّى يستأذنه إكراما له وكان يقعد بين يديه قعدة العبيد. انتهى.
أقول: هذا ما اقتضاه ظاهر الشريعة المحمّديّة، وقد دلّ على صدقه بعض الأخبار الواردة في ذلك الباب.
وأمّا بعض الصوفيّة فأوّلوا أمثال ذلك حيث زعموا أنّ إسرافيل وميكائيل وجبرائيل كناية عن أطوار وجوده صلّى الله عليه وآله ومقامات شهوده، فليسوا خارجين عنه صلّى الله عليه وآله بل نفسانيّته قد تتّصف بالحقيقة الإسرافيليّة باعتبار كونها واسطة لإفاضات الوجود من الحقّ إلى الخلق.
وتتّصف تارة بالحقيقة الميكائيليّة باعتبار كونها واسطة لإيصال رزق كلّ شيء إليه بحسب حدّ هويّته وقضيّة حاله.
وتارة بالحقيقة الجبرائيليّة باعتبار كونها واسطة لإفاضة المعاني الملكوتيّة الروحانيّة من الحقّ إلى المستعدّين من الخلق، فجميع ذلك من شؤونات وجوده الشريف، ولا تعدّد إلّا بملاحظة الاعتبارات المختلفة.
كيف ولو لم يكن كذلك الأمر لزم أن يكون بينه صلّى الله عليه وآله وبين الحقّ واسطة أقرب إلى الحقّ منه، فيكون صلّى الله عليه وآله محتاجا إلى
تلك الواسطة بمعنى أنّه لو لم يكن تلك الواسطة في البين لما كان صلّى الله عليه وآله محلّا للإفاضات الروحانيّة.
على أنّه يلزم أيضا أن يكون تلك الواسطة محلّا للإفاضات قبل أن يصير صلّى الله عليه وآله كذلك، وهو بعيد جدّا بعد ما علمنا بالقطع أنّه صلّى الله عليه وآله أوّل كلّ شيء وجودا ومرتبة وإفاضة.
كيف وهو الواسطة لجميع الإفاضات من غير أن يكون شيء إلى الله أقرب منه.
كلّا كيف لا وهو في مقام لا يدركه شيء، وفي درجة لا يكافؤه فيها شيء، وفي محلّ كرامة ليس شيء إلّا وهو روحي وروح العالمين فداه واسطة وجوده والإفاضة إليه في مقام شهوده.
فيا سبحان الله! كيف احتاجوه إلى غيره الّذي هو في وجوده مفتقر إليه في العلم والعرفان وحقائق اليقين والإيقان، مع أنّه صلّى الله عليه وآله في مقامه معلّم الكلّ ممّا في عوالم الجبروت والملكوت والناسوت، وهو المعلّم الأوّل الّذي اتّصل ينبوع علمه بعيون علم المبدأ الأوّل جلّ ذكره من غير واسطة وفاصل.
فالحقّ تعالى هو الّذي علّم محمّدا حقائق كلّ شيء، وعلّم هو صلّى الله عليه وآله كلّ مستعدّ، فهو الواسطة لعرفان كلّ شيء، لا الملك، كما زعمه بعض.
ألا ترى إلى قوله تعالى «وعلّم» أي الحقّ تعالى «آدم» أي محمّدا، فإنّه هو الآدم الأوّل «الأسماء كلّها» أي جميع الحقائق والدقائق «ثمّ عرضهم على
الملائكة» أي الممكنات الّتي أودع فيها جواهر الحقائق «فقال» على جهة الإرشاد إلى أنّ من خلقه ما يكون أفضل منهم «أنبئوني بأسماء هؤلاء» أي أخبروني بحقائق أودعتها فيهم «إن كنتم صادقين» في دعواكم الفضيلة «قالوا سبحانك لا علم لنا إلّا ما علّمتنا» أي ما أطلعتنا عليه بالواسطة «إنّك أنت العليم الحكيم» أي مبدأ فيض العلم، وينبوع الحكمة والعرفان.
قال لـمـّا أخذ عليهم الإقرار بالجهل: «يا آدم» أي يا محمّد صلّى الله عليه وآله «أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبئهم بأسمائهم» أي عرّفهم محمّد حقائق التوحيد والمعرفة «قال» أي الله جلّ ذكره أو محمّد صلّى الله عليه وآله «ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السموات والأرض» أي المكنوز فيها من الحقائق والمعارف والآيات، كما قال: «سنريهم آياتنا في الآفاق» إلى آخره.
وقال:( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً ) (١) إلى آخره. أي من غير أن يكون مشتملا على الحكم والحقائق.
( وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) (٢) أي بالحكم الظاهرة في الصنع والحكم الباطنة فيه ( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ ) بعد ما علمنا جهلهم وإقرارهم به وافتقارهم إلى واسطة الفيض من الينبوع الأكبر إليهم «اسجدوا لآدم» أي أقرّوا بمقام محمّد صلّى الله عليه وآله وأفضليّته، واعترفوا بكرامته وفضله
__________________
(١) آل عمران: ١٩٠ ـ ١٩١.
(٢) البقرة: ٣٣.
على كلّ شيء، وتذلّلوا له بالعبوديّة والطاعة( فَسَجَدُوا ) أي اعترفوا جميعا بمقامه وعبدوه( إِلَّا إِبْلِيسَ ) وهو من شقى وطغى وجهل طريق الهدى( أَبى ) امتنع عن الإقرار واستكبر عن العبادة( وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ) لنعمة الله.
وفي المقام لمطالب كثيرة يمنعني عن التعرّض لبيانها ضيق الوقت، وقصور الأفهام، فنرجع إلى كيفيّة الوحي على مسلك الحكماء الفلسفيّين، فنقول :
إنّ النفوس الإنسانيّة إذا كملت بالرياضات والمجاهدات، وصفت عن الكدورات والتعلّقات تتّصل بالعقول الفعّالة المجرّدة، فتنظر إلى جانب القدس، وتقابل مرآتيّتها للّوح المحفوظ، فينتقش ما فيه فيها لصفائها، إذ المصفّى يقبل الصور عند المقابلة.
ألا ترى إلى النائم كيف يرى أشياء في عالم رؤياه فتتحقّق صورها في الخارج، وإن ذلك إلّا لانقطاعه عن بعض التعلّقات في النوم.
وكذا المجنون تراه يخبر عن المستقبل فيكون فيما أخبر عنه صادقا، وذلك لصفاء نفسه عن الاشتغال ببعض التوجّهات إلى العلائق الدنيويّة.
فالوحي هو الإفاضة من العالم الأعلى إلى النفوس النبويّة لكمال صفائها، وتمام بهائها، ومقابلتها للمرايا العالية القدسانيّة المستلزمة لانتقاش ما فيها في تلك النفوس كما قيل :
فقابل بوجه النفس عالم قدسها |
فذاك حياة النفس بعد مماتها |
|
گاهى كه ترا صفاى خاطر باشد |
أسرار حقيقت همه ظاهر باشد |
وهذا هو الكشف الأكمل الّذي تسمّيه الصوفيّة بالكشف المعنويّ، ويقابله الكشف الصوريّ، وهو إمّا بالمشاهدة العيانيّة، كما قال صلّى الله عليه وآله: رأيت ربّي في أحسن صورة، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمّد؟ قلت: أنت أعلم أي ربّ ـ مرّتين ـ فوضع الله كفّه بين كتفيّ، فوجدت بردها بين ثدييّ، فعلمت ما في السماوات وما في الأرض، ثمّ تلا هذه الآية: ( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) (١) (٢) أو بالسماع أو باللمس أو بالشمّ، وهنا تفاصيل مذكورة في كتب الصوفيّة.
الخامسة: المراد بالحكم الّذي أمر بالصبر له هو التجلّيات الواردة على القلب، والإفاضات الروحانيّة الّتي ترد عليه، أي تحمل لما يرد على قلبك من الأنوار الشعشعانيّة.
والمراد أنّه تعالى لقد أعطاه تلك الطاقة، فلو لا ذلك لما كان متحمّلا لقبول تجلّيات الأنوار القدسانيّة الّتي تضمحلّ بورودها هويّات كلّ شيء، وتتلاشى بهجومها تعيّنات كلّ شيء. أما ترى إلى الجبل كيف دكّ من تجلّي نور الحقّ، وإلى موسى كيف خرّ صعقا من ذلك، كما قال:( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً ) (٣) إلى آخره.
ويحتمل أن يكون المراد بالصبر للحكم ترغيبه في طيّ المنازل الّتي
__________________
(١) الأنعام: ٧٥.
(٢) أنظر: شرح نهج البلاغة ٣: ٢٢٦.
(٣) الأعراف: ١٤٣.
يجب على السالك طيّها، فيشاهد في كلّ منزل منها نورا خاصّا، وإفاضة خاصّة، ويسمّى المجموع بالأطوار القلبيّة، وهي سبعة :
الأوّل: التوبة عن الغفلات، والمواظبة على الطاعات، والذكر في جميع الحالات، فإذا طيّ السالك ذلك المنزل يتمثّل له نور أخضر فيجلو قلبه، وتتحقّق له لذّة العبادة.
الثاني: التزكية عن رذائل الصفات، والتصفية عن خبائث الحالات، بحيث يحصل له الاطمئنان بحقائق الإيمان، فإذا صار السالك ذا نفس مطمئنّة يتمثّل له نور أزرق.
الثالث: التحلية بالأخلاق الحميدة، والصفات السعيدة، والمتمثّل في ذلك المنزل نور أحمر.
الرابع: التخلية عن الأغيار، والاعتزال عمّا سوى الجبّار، والمتمثّل نور أصفر.
الخامس: مرتبة الروح، والمتمثّل نور أبيض.
السادس: مرتبة الخفاء، والمتمثّل نور أسود.
السابع: مرتبة الغيب والفناء عن الوجود الموهوميّ، والبقاء بالوجود الحقيقيّ. ولقد أشرنا إلى تلك المنازل الشريفة في منظومتنا المسمّاة بـــ«درّة اللّاهوت» حيث قلنا :
لسالك السبيل من منازل |
قلبيّة وذاك خير نازل |
|
وهي على عقيدة السلوك |
سبع تليح النور للملوك |
|
أوّلها التوبة والإجابة |
لأمر ربّ الخلق والإنابه |
إلى قولنا :
وآخر من منزل القلوب |
مقام غيب الغيب والغيوب |
|
ويفتنى المرء عن الفناء |
في ذلك المنزل للبقاء |
|
وجوده الموهوم في الوجود |
يمحو فيفنى العبد في السجود |
|
وقطرة الوجود في البحار |
فانية من ذلك المزار |
|
ويحرق الأعضاء بالشهود |
وينفد القيود للوجود |
|
فلا يرى العبد سوى الإله |
مهيمنا فلا تكن كاللّاهي |
|
وذلك المنزل للعباد |
نهاية السرّ إلى الرشاد |
ويحتمل أن يكون المراد بالحكم تبليغ مقام عليٍّ عليه السلام إلى الخلق، وبيان شرفه وفضله، كما قال:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) (١) إلى آخره.
إذ الغرض الكلّيّ من تلك التبليغات هو إرشاد الناس إلى حبّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام وأولاده، والدخول في باب ولايتهم ومتابعتهم. كيف وكلّ الذرّات مخلوقة لمعرفة ذلك الأمر، فإنّ فيها الدرجات العلى، والمقامات الأبهى، على التفصيل المقرّر في مقامه.
وقيل: المراد بتبليغ الكتاب بما فيه والعمل به، فالحكم مطلق التكاليف المأمور بها.
وقيل: المراد الحثّ على الاصطبار على الحكمة الإلهيّة الواردة على النفس بحسب قوّتيها النظريّة والعمليّة.
__________________
(١) المائدة: ٦٧.
السادسة: قيل: «أو» في قوله: «أو كفورا» إنّما هي للإباحة، وهي الواقعة بعد الطلب.
أقول: وفيه ما لا يخفى، لأنّ الإباحة ملائمة للأمر، نحو جالس العلماء أو الزهّاد، فالأولى تخصيص ذلك الاسم بالواقعة بعد الطلب الأمريّ ونحوه.
وأمّا الواقعة بعد النهي، فللحظر وامتناع الجمع، كما في الآية، إذ المعنى لا تفعل أحدهما، فأيّهما فعله كان أحدهما البتّة، فلا ينبغي أن يسمّى بالإباحة، فإنّها ما يجوز فيه الجمع لا ما يمتنع.
قال الطبرسيّ رحمه الله: قال الزجّاج في قوله:( وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ ) إلى آخره. «أو» هنا أوكد من «الواو» لأنّك إذا قلت «لا تطع زيدا وعمرا» فأطاع أحدهما كان غير عاص، لأنّك أمرته أن لا يطيع الإثنين، وإذا قال «لا تطع منهم آثما أو كفورا» فـ «أو» قد دلّت على أنّ كلّ واحد منهما أهل لأن يعصى، وأنّهما أهل أن يعصيا، كما إنّك إذا قلت «جالس الحسن أو ابن سيرين» فقد قلت كلّ واحد منهما أهل أن يجالس.
قال البصير النحويّ: «أو» هذه الّتي للتخيير إذا قلت «اضرب زيدا أو عمرا» فمعناه: اضرب أحدهما، فإذا قلت «لا تضرب زيدا أو عمرا» فمعناه لا تضرب أحدهما، فيحرم عليه ضربهما، لأنّ أحدهما في النفي يتعمّم.
وابن كيسان يحمل النهي على الأمر، فيقول: إذا قال لا تضرب أحدهما لم يحرم عليه ضربهما، وإنّما حرم في الآية طاعتهما، لأنّ أحدهما بمنزلة الآخر في امتناع الطاعة له. ألا ترى أنّ الآثم مثل الكفور في هذا المعنى.
قال سيبويه: ولو قال لا تطع آثما ولا كفورا لا نقلب المعنى، إذ ذاك، لأنّه حينئذ لا تحرم طاعتهما كليهما. انتهى.
أقول: لا يخفى أنّ ما نقله عن ابن كيسان هو الأجود، وما حكاه عن سيبويه من انقلاب المعنى على ذلك التقدير محلّ مناقشة، والتفصيل لا يليق بذلك الكتاب، فإنّ تطويل البحث عن أمثال تلك المسائل إنّما هو من شأن القانعين بالقشور، والمحرومين عن حقائق الأمور، فنرجع إلى ما هو الأهمّ فنقول :
إنّ الله تعالى لـمـّا أمره بأداء التكاليف وطاعته تعالى في الأحكام والحدود نهاه عن طاعة غيره، فإنّها منافية لطاعة الحقّ، إذ المطيع الحقيقيّ هو الّذي يمحّض طاعته للحقّ بحيث لا يظنّ غيره مطاعا.
كيف وهو السلطان الّذي كلّ شيء تحت أمره مقهور، والجبّار الّذي كلّ شيء بجبروته مجبور، فلا يستحقّ الطاعة سواه، ولا ينبغي العبادة لما عداه، وفي قوله: «آثما أو كفورا» إشارة إلى أنّ ما في سلسلة الإمكان لا يخلو عن ذلك الوصفين، بمعنى أنّه موصوف بالنقصان من جهة الإمكان، فلا يصلح لمقام المطاعيّة، فإنّ المطاع ينبغي أن يكون مقدّسا عن جميع العيوب، مجرّدا عن شوائب النقائص.
وذلك التقدّس والتجرّد خاصّ بحضرة الحقّ تعالى، فيجب تمحّض الطاعة له، والإعراض عمّا سواه ممّا في عالم الإمكان، فإنّه لا ينبغي الطاعة لغيره تعالى لما ذكر. وأمّا ما ورد من طاعة النبيّ صلّى الله عليه وآله فلكونه مظهرا لصفات الحقّ، فهو المقدّس عن النقائص والعيوب بعد الحقّ، فيجب
طاعته على من لا يكون في ذلك المقام.
وهذا هو السرّ في قوله:( وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (١) إلى آخره، حيث قارن طاعة الرسول بطاعته تعالى.
فالمراد بالآثم والكفور غير الحقّ تعالى، أي لا تطع أحدا من الخلق، فإنّه لا ينبغي لك ذلك، كيف وقد فزت بمقام القرب الأكمل الّذي لا يكافؤك فيه أحد من الملائكة المقرّبين، والأنبياء والمرسلين، فأنت المستحقّ بمقامك هذا لأن يطيعك غيرك من الخلق، فليس لك أن تطيع أحدا إلّا الّذي هو فوقك، وهو الّذي خلقك وعلّمك ما لم تكن تعلمه قبل ذلك، سبحانه وتعالى عمّا يصفون.
ففيه إشارة إلى أنّ محمّدا صلّى الله عليه وآله أفضل من كلّ شيء ممّا هو في دائرة الإمكان. كيف وهو قطبها بالحكمة والعرفان، ومقامه فوق مقام كلّ شيء، لا يكافؤه شيء، ولا يدانيه شيء، ولا يوازيه شيء.
كيف وهو طاووس الجبروت، وعندليب الحقّ في بستان اللاهوت، روحي وروح العالمين فداه.
كيف لا وقد شهدت على كمال مقامه حقائق كلّ شيء، ونطقت بفضله وشرفه على كلّ شيء ألسنة حال كلّ شيء، ويدلّك على ذلك أنّه خلق قبل كلّ شيء، فبه خلق كلّ شيء، وكان هو الغرض الأصلي من خلق كلّ شيء.
وفي تفسير الإمام عليه السلام بعد حديث طويل: فأراد الله أن يشرح صدره، ويشجّع قلبه، فأنطق الجبال والصخور والمدر، وكلّما وصل إلى
__________________
(١) التغابن: ١٢، المائدة: ٩٢.
شيء منها ناداه: السلام عليك يا وليّ الله، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، أبشر فإنّ الله قد فضّلك وجمّلك وزيّنك وأكرمك فوق الخلائق أجمعين، من الأوّلين والآخرين، لا يحزنك قول قريش إنّك لمجنون، وعن الدين مفتون(١) إلى آخره.
وفي الكافي عن أبي جعفر عليه السلام: أوحى الله إلى محمّد صلّى الله عليه وآله إنّي خلقتك ولم تكن شيئا، ونفخت فيك من روحي كرامة منّي أكرمتك بها حين أوجبت لك الطاعة على خلقي جميعا، فمن أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاك فقد عصاني، وأوجبت ذلك في عليّ عليه السلام ونسله(٢) .
وفيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: انتخب لهم أحبّ أنبيائه إليه محمّد بن عبد الله في حومة العزّ مولده، وفي رومة الكرم محتده، غير مشوب حسبه، ولا ممزوج نسبه، ولا مجهول عند أهل العلم صفته، بشّرت به الأنبياء في كتبها، ونطقت به العلماء بنعتها، وتأمّلته الحكماء بوصفها، مهذّب لا يدانى، هاشميّ لا يوازى، أبطحيّ لا يسامى، شيمته الحياء، وطبيعته السخاء، مجبول على أوقار النبوّة وأخلاقها، مطبوع على أوصاف الرسالة وأحلامها، إلى أن انتهت به أسباب مقادير الله إلى أوقاتها، وجرى بأمر الله القضاء إلى نهاياتها، أدّاه محتوم قضاء الله إلى غاياتها، تبشّر به كلّ أمّة من بعدها، ويدفعه كلّ أب إلى أب من ظهر إلى ظهر، لم يخلطه في عنصره
__________________
(١) أنظر: تفسير الإمام العسكريّ عليه السّلام: ١٥٦.
(٢) الكافي ١: ٤٤٠.
سفاح، ولا ينجّسه في ولادته نكاح، من لدن آدم إلى أبيه عبد الله في خير فرقة، وأكرم سبط، وأمنع رهط، وأكلأ حمل، وأودع حجر، اصطفاه الله وارتضاه واجتباه وآتاه من العلم مفاتيحه، ومن الحكم ينابيعه ابتعثه رحمة للعباد، وربيعا للبلاد، وأنزل الله إليه الكتاب فيه البيان والتبيان قرآنا عربّيا غير ذي عوج لعلّهم يتّقون.
إلى أن قال: فبلّغ رسول الله ما أرسل إليه، وصدع بما أمر، وأدّى ما حمّل من أثقال النبوّة، وصبر لربّه، وجاهد في سبيله، ونصح لأمّته(١) .
وقال صلّى الله عليه وآله: أنا أفضل من جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وجميع الملائكة المقرّبين، وأنا خير البريّة، وأنا سيّد ولد آدم(٢) .
وقال السجّاد عليه السلام: أللّهمَّ ارفعه بما كدح فيك إلى الدرجة العليا من جنّتك، حتّى لا يساوى في منزله، ولا يكافؤه في مرتبته، ولا يوازيه لديك ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل(٣) إلى آخره.
وأمثال ذلك ممّا يدلّ على أفضليّته وأشرفيّته على كلّ شيء كثيرة لا تحصى، بل أكثر من الرمل والحصى، وهي مع تلك الكثرة قليلة في بيان مدحه ومقامه، كيف ولو اجتمع الجنّ والإنس، بل كلّ شيء على أن يصفوا من مقاماته صلّى الله عليه وآله مقاما هو أدنى مقاماته لم يستطيعوا على ذلك، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا :
__________________
(١) الكافي ١: ٤٤٤.
(٢) بحار الأنوار ٢٦: ٣٤٧.
(٣) شرح نهج البلاغة ١: ١٨٥، الصحيفة السجّاديّة: ٣٤.
كتاب فضل ترا آب بحر كافى نيست |
كه تر كنى سر انگشت وصفحه بشمارى |
|
به حسن وخلق ووفا كس به يار ما نرسد |
ترا در اين سخن انكار ما نرسد |
|
هزار نقش برآيد زكلك صنع ويكى |
به دلپذيرى نقش نگار ما نرسد |
|
هزار نقد به بازار كاينات آرند |
يكى به سكّه صاحب عيار ما نرسد |
وقيل: نهى الله تعالى رسوله بتلك الآية عن التعدّي إلى ما عداه تعالى من مطاوعة الأوهام المضلّة الّتي سوّلتها الشياطين، فتنصرف النفس عن الطاعة، وتضلّها بمشتهيات الهوى. ولهذا أمرنا بالتعوّذ من الشيطان الرجيم، قال:( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) (١) .
وقال:( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا ) (٢) .
والآثم إشارة إلى المطيع للنفس الأمّارة باطنا وهو الفاسق شرعا، والكفور إشارة إلى الكافر المطيع لها ظاهرا وباطنا.
وقيل: المراد بالآثم عتبة بن ربيعة، وبالكفور الوليد بن مغيرة، فإنّهما قالا للنبيّ صلّى الله عليه وآله إرجع عن هذا الأمر ونحن نرضيك بالمال والتزويج.
__________________
(١) النحل: ٩٨.
(٢) الأعراف: ٢٠١.
وقيل: الكفور أبو جهل، نهى النبيّ صلّى الله عليه وآله عن الصلاة وقال: لئن رأيت محمّدا يصلّي لأطأنّ عنقه.
وقيل: إنّ ذلك عامّ في كلّ عاص وفاسق وكافر من الناس، أي لا تطع من يدعوك إلى إثم أو كفر.
أقول: فعلى هذا كلّه يكون آثما أو كفورا مفعولا به لقوله «ولا تطع».
ويحتمل أن يكون منصوبا على الحال من الفاعل المستتر، أي لا تطع الناس حال كونك آثما أو كفورا.
السابعة: في قوله( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ) إلى آخره، حثّ على ذكر الحقّ في جميع الأحوال، والصمت عن سوء المقال، والإعراض عمّا يوجب الغفلة عن مقام الجمال، والبعد عن مراتب الجلال، فإنّ الذكر أصل كلّ طاعة، كما أنّ الغفلة أصل كلّ معصية، فيجب المواظبة على الأوّل، والإعراض عن الثانية، فإنّهما السببان لترقّي النفس عن حضيض البهيميّة إلى أوج الملكوتيّة، كما أنّ الغفلة سبب لهلاك النفس وضياعها وضلالها عن سبيل الصفاء، وبعدها عن مقام البهاء، كما قال:( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) (١) .
وقال:( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ) (٢) إلى آخره.
__________________
(١) طه: ١٢٤.
(٢) الزخرف: ٣٦ ـ ٣٨.
وقال:( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) (١) .
وفي الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من شيء إلّا وله حدّ ينتهي إليه إلّا الذكر فليس له حدّ ينتهي إليه، فرض الله الفرائض، فمن أدّاهنّ فهو حدّهن، وشهر رمضان فمن صامه فهو حدّه، والحجّ فمن حجّه فهو حدّه، إلّا الذكر فإنّ الله لم يرض بالقليل، ولم يجعل له حدّا ينتهي إليه، ثمّ تلا هذه الآية:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) (٢) (٣) .
وفيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: أوحى الله إلى موسى: يا موسى أنا جليس من ذكرني، فقال موسى: فمن في سترك يوم لا ستر إلّا سترك؟ فقال: الّذين يذكروني فأذكرهم، ويتحابّون فيّ فاحبّهم، فأولئك الّذين إذا أردت أن أصيب أهل الأرض بسوء ذكرتهم فدفعت عنهم بهم(٤) .
وفي «عدّة الداعي» عنه صلّى الله عليه وآله قال: إنّ الملائكة يمرّون إلى حلق الذكر فيقومون على رؤوسهم، ويبكون لبكائهم، ويؤمّنون على دعائهم، فإذا صعدوا إلى السماء يقول الله: يا ملائكتي! أين كنتم؟ وهو أعلم، فيقولون: يا ربّنا، إنّا حضرنا مجلسا من مجالس الذكر، ورأينا أقواما يسبّحونك ويحمدونك ويقدّسونك، يخافون نارك! فيقول الله: يا ملائكتي، أذودها عنهم، وأشهدكم أنّي قد غفرت لهم وآمنتهم ممّا يخافون،
__________________
(١) الكهف: ٢٨.
(٢) الأحزاب: ٤١ ـ ٤٢.
(٣) الكافي ٢: ٤٩٨.
(٤) الكافي ٢: ٤٩٦.
فيقولون: ربّنا إنّ فيهم فلانا، وإنّه لم يذكر الله! فيقول الله: قد غفرت له لمجالسته لهم، فإنّ الذاكرين من لا يشقى لهم جليسهم(١) .
وفي «مصباح الشريعة»: من كان ذاكرا لله على الحقيقة فهو مطيع، ومن كان غافلا عنه فهو عاص، فالطاعة علامة الهداية، والمعصية علامة الضلالة، وأصلها من الذكر والغفلة(٢) إلى آخره.
والأخبار الواردة في مدح الذاكر وشرف مقامه أكثر من أن تحصى، وتفصيل القول في حقيقة الذكر وشرائطه وأصنافه وخواصّه يستدعي وضع رسالة على حدة، وقد أشرنا إلى ذلك في كتابنا المسمّى بـــ«عين الهداية» فإليه فليرجع المهتدون.
الأوّل: قال العارف الربّانيّ الملقّب بـــ«الفيض» في بعض رسائله :
الذكر إمّا باللسان وحده، أو بالقلب، أو بكليهما.
والأوّل قليل الجدوى جدّا، وإنّما الذكر النافع الأخيران، وهما اللذان قصدنا بيانهما، وهما على أنواع شتّى :
الأوّل: أن يسبّح الله ويحمده ويهلّله ويكبّره ويمجّده ويدعوه ويناجيه ويتلو كتابه كأنّه نزل فيه، مع إحضار القلب لمعانيها، والتدبّر لخافيها، والتنبيه لما أودع فيها، بحيث يظهر آثاره على الأعضاء كأنّه قد أشرف على اللقاء، فقد ورد في الأخبار أن تعبد الله كأنّك تراه، فان لم تكن تراه فإنّه يراك.
__________________
(١) عدّة الداعي: ٢٥٦.
(٢) مصباح الشريعة: ٥٥.
الثاني: أن يحضر قلبه ما أنعم الله به عليه من النعم الدنيويّة والاخرويّة، فيشكر عليه بقلبه بأن يعلم أنّ تلك النعمة من الله وحده لا من غيره، وأنّه سبحانه إنّما أنعم بها عليه ليعرفها فيما خلقت له، فيسعى بتمام جهده أن لا يصرفها في غيره.
الثالث: أن يحضر في قلبه كلّ طاعة أمره الله بها، ثمّ ينظر فإن كان قد امتثل الأمر على وجهه شكر الله بقلبه ولسانه، وعند التوفيق للامتثال من النعم، بأن يعلم أنّه لو لا فضل الله عليه ورحمته بالتوفيق بالإتيان بها بتيسير أسبابها له، وإن كان قد قصّر بالإتيان بالطاعة من أصلها ولم يأت بها على وجهها تدارك تقصيره بتمام جهده، وتاب ورجع وأناب.
الرابع: أن يحضر في قلبه كلّ معصية نهاه الله عنه ولم يمتثل نهي الله، بل ارتكب المعصية عمدا أو خطأ، فاستغفر الله منها، وتاب إليه، وأتى بحسنة يمحوها، فقد ورد: أتبع السيّئة بالحسنة تمحها.
الخامس: أن يذكر الله في نفسه إذا عرض له أمر من الأمور، فإن كان طاعة الله أتى بها، وإن كانت معصيته تركها.
وهذا من أشدّ ما فرض الله من الذكر، قال الصادق عليه السلام: من أشدّ ما فرض الله على خلقه ذكر الله كثيرا.
ثمّ قال: لا أعني سبحان الله والحمد لله إلى آخره، ولكن ذكر الله عند ما أحلّ وحرّم، فإنّ كان طاعة عمل بها، وإن كان معصية تركها(١) .
__________________
(١) الكافي ٢: ٨٠.
وسئل عن قوله تعالى:( وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ) (١) قال: أما والله أن كان أعمالهم أشدّ بياضا من القباطيّ، ولكن إذا عرض لهم الحرام لم يدعوه(٢) .
السادس: أن يذكر الله بالتفكّر في صنائعه وآلائه، قال أمير المؤمنين عليه السلام: نبّه بالتفكّر قلبك، وجاف عن الليل جنبك، واتّق الله ربّك(٣) .
وهذا التفكّر إنّما يكون لكلّ أحد بحسب عقله وفهمه ورتبته، فتفكرّ أولي الألباب إنّما يكون في أفعال الله وعجائب صنعه، وبدائع أمره في خلقه، وما ينبّه على جلاله وكبريائه وتقدّسه وتعاليه، وفي بسط نعمائه وأياديه، وما يدلّ على كمال علمه وحكمته وقدرته ونفاذ مشيّته، وإحاطته بالأشياء ونحو ذلك، قال الله:( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) إلى قوله( فَقِنا عَذابَ النَّارِ ) (٤) .
وقال:( وَمِنْ آياتِهِ ) (٥) في مواضع كثيرة من القرآن، فتلك الآيات هي مجاري التفكّر في الله، وفي قدرته، وفي أمره، وتفكّر المتوسّطين إنّما يكون في المعاملة بينهم وبين ربّهم في حسناتهم وسيّئاتهم، وفيما يفعل بهم من اللطف والإحسان والحلم والعفو وغير ذلك، فإنّه إذا تفكّر العبد في حسناته هل هي تامّة أو ناقصة، موافقة للسنّة أو مخالفة لها، خالصة عن
__________________
(١) الفرقان: ٢٣.
(٢) الكافي ٢: ٨١.
(٣) الكافي ٢: ٥٤.
(٤) آل عمران: ١٩٠ ـ ١٩١.
(٥) الروم: ٢٠.
الشرك أو مشوبة بها؟ يدعوه - لا محالة - هذا التفكّر إلى إصلاحها وتدارك ما فيها من الخلل.
وكذا إذا تفكّر في سيّئاته وما يترتّب عليها من العقوبات والبعد من الله يدعوه إلى الانتهاء عنها، وتدارك ما أتى بها بالتوبة والندم.
وإذا تفكّر في صفات الله وأفعاله من لطفه بعباده وإحسانه إليهم بسوابغ النعماء وبسط الآلاء والتكليف دون الطاقة، والوعد بعمل قليل الثواب الجزيل، وتسخيره له ما في السماوات والأرض وما بينهما إلى غير ذلك يدعوه ذلك - لا محالة - إلى البرّ والعمل به، والرغبة في الطاعات، والانتهاء عن المعاصي، وإليه أشار عليٌّ عليه السلام بقوله: التفكير يدعو إلى البرّ والعمل به(١) .
وتفكّر العامة هو المشار إليه بقول الصادق عليه السلام حيث سئل عمّا يروي الناس «إنّ تفكّر ساعة خيرٌ من قيام ليلة» قيل: كيف يتفكّر؟ قال: يمرّ بالخربة أو بالدار فيقول: أين ساكنوك؟ اين بائتوك؟ مالك لا تتكلّمين؟ فإنّ أمثال هذا التفكّر يؤدّي إلى ذكر الله والدار الآخرة بالقلب.
السابع: أن يذكر الله بالتأمّل في العلوم الإلهيّة، والمعارف اليقينيّة بمطالعة الكتب المصنّفة فيها، أو بمذاكرتها مع أهلها، أو بالإفادة والاستفادة والإرشاد والاسترشاد، فإنّ ذلك نوع من أنواع الأذكار.
وهذه الأنواع إذا اجتمع كلّها أو جلّها يؤثّر في تنوير القلب وصفائه تأثيرا بليغا.
__________________
(١) الكافي ٢: ٥٥.
الثاني: قال بعض العارفين: ذكر الله تعالى بكرة وأصيلا مقدّم على كلّ عبادة، لأنّ العبادة وضعت للتقرّب إلى الله والتوصّل إلى نيل معرفته بحسب الإمكان، ولـمّا كان التصوّر بحسب الاسم هو أوّل مراتب التصوّر طبعا لا جرم بدأ بذكره وضعا، وأمّا أنّ العبادة وضعت لذلك فظاهر.
ومن وجوه إفادتها لشيء من ذلك أنّ النفس تكون في أوّل الرياضة قليلة الالتفات إلى الجانب الأعلى، فاحتاجت إلى سبب يذكّرها ويوجب التفاتها إلى ذلك الجناب، فوضعت العبادات.
ثمّ أجلّها العبادة المشتملة على الفكر، لكونه السبب الموصل إلى المقصود وبدونه لا يفيد العبادة، قال: إنّ الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم(١) .
الثالث: في الأمر بإيقاع الذكر على الاسم دون المسمّى، كما في قوله:( وَاذْكُرْ رَبَّكَ ) (٢) إشارة إلى أنّ الذات البحت ثمّ لا يمكن أن يذكر بشيء من الأذكار، فإنّ الذكر هو التصوّر والتوجّه إلى المذكور، وقد عرفت أن الله تعالى خفيّ عن جميع الأفهام والخيالات، ومقدّس عن كلّ الإدراك والإشارات، ومنزّه عن جميع الكنايات والعبارات.
كيف وهو المحيط بكلّ شيء، فلا يحيط به شيء ممّا في عالم الإمكان! فسبحان الذات من أن يقع عليه التصوّرات، أو تحيط به الخيالات والإدراكات، وسبحانه من أن يشار إليه بالإشارات، أو يعبّر عن هويّته
__________________
(١) إعلام الدين: ٢٠١، الأمالي، للطوسيّ: ٥٣٥.
(٢) الأعراف: ٢٠٥.
بالعبارات، أو يكنّى عن ذاتيّته بالكنايات، وسبحانه عمّا يصفه الواصفون، ويعرّفه العارفون.
فالذكر إنّما يقع على أسمائه تعالى لا على ذاته البحت المجرّد عن التعيّنات، وما تراه من وقوعه على الذات، كما في قوله: ( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ) (١) وقوله: ( اذْكُرُوا اللهَ ) (٢) ونحو ذلك ممّا لا يحصى، فمؤوّل بحذف المضاف، أو بغيره من الوجوه الّتي لا يأباها العقل السليم.
الرابع: في أفراد الاسم مع أنّ لله عزّ وجلّ أسماء كثيرة إشارة إلى أنّ الأسماء كلّها راجعة إلى الاسم الواحد، وهو لفظ الجلالة، فإنّه يدلّ على الذات المستجمع لجميع الصفات، بخلاف سائر الأسماء، فإنّ كلّ واحد منها يدلّ على صفة كماليّة من صفاته، ألا ترى إلى «الرحمن» كيف لا يدلّ إلّا على صفته الرحمانيّة، و «الغفّار» لا يدلّ إلّا على غفّاريّته، وهكذا.
وأمّا «الله» فيدلّ على جميع الصفات الّتي يدلّ عليها جميع الأسماء، فإذا قلت «يا الله» فكأنّما قلت «يا رحمن ويا رحيم ويا غفّار ويا قدير ...» إلى آخره.
فذلك هو اسمه الحقيقيّ، فإنّ الاسم: ما يدلّ على المسمّى على ما هو عليه، ولفظ الجلالة إنّما يكون بهذه المثابة لدلالته على مجموع المسمّى، فهو الإسلام المطابقيّ بخلاف البواقي، فإنّها أسماء تضمّنيّة لا يستقلّ كلّ منها إلّا في الخاصّيّة الواحدة، وأمّا الجلالة فمنشأ لجميع الخواصّ والتأثيرات، فما ينبغي ذكره للنبيّ صلّى الله عليه وآله الّذي هو المظهر
__________________
(١) الإنسان: ٢٥.
(٢) الأحزاب: ٤١.
لجميع الأسماء أي للجلالة كما قال:( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى ) (١) هو الاسم المشتمل على جميع خواصّ الأسماء الإلهيّة الّذي كان النبيّ مظهرا له في عالم الشهادة.
ولذلك التحقيق زيادة شرح أشرنا إليها في بعض رسائلنا، والتعرّض لها موجب للتطويل.
الخامس: يحتمل أن يكون المراد باسم الربّ هو الإمام الوليّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام أي أرشد الناس إلى معرفته، وأنّه حجّة الله على عباده بعد الرسول، وأذكره عند الخلق بذكر الولاية والوصاية حتّى لا يكون لله على الناس حجّة يوم القيامة.
والدليل على ذلك أنّ الاسم ـ كما عرفت ـ ما يدلّ على المسمّى، وهو إمّا تدوينيّ كالأسماء اللفظيّة، وإمّا تكوينيّ وهو ما كان فيه آية من الآيات الدالّة على كمال الحقّ وتقدّسه عمّا سواه من الخلق، وذلك على قسمين :
الأوّل: ما يكون فيه دلالة على بعض صفات الحقّ خاصّة كالممكنات سوى الكمّل.
الثاني: ما يكون دالّا على جميع الصفات الإلهيّة بمثابة الجلالة في التدوينيّات كالمعصومين من آل الله تعالى، فإنّهم الآيات الكبرى والأسماء الحسنى كما يدلّ على ذلك كثير من الأخبار، فعليٌّ عليه السلام هو الاسم الأعظم التكوينيّ الّذي يجب ذكره على النبيّ صلّى الله عليه وآله بالوصاية، للزوم الوصيّ للنبيّ صلّى الله عليه وآله في جميع الأعصار.
__________________
(١) الأنفال: ١٧.
كيف والوصيّ من أعظم البيّنات لصدق النبيّ صلّى الله عليه وآله على التفصيل المقرّر في مقامه.
ولذا لم يمض نبيّ إلّا وقد أوصى الخلق بمتابعة وصيّة الّذي هو أشرفهم وأعلمهم بعده، وهذا هو السرّ في تأكيد النبيّ صلّى الله عليه وآله ومبالغته في أمر عليٍّ عليه السلام فإنّه صلّى الله عليه وآله لقد أكمله عليه السلام بعلومه ومعارفه، وأدّبه بأحاسن أخلاقه، وجعله عليه السلام وعاء لحكمة الله، فأمر الناس بمتابعته وطاعته وتركه لهم نورا هاديا إلى سبل الحقّ، كما قال: إنّي تارك فيكم الثقلين(١) إلى آخره.
فمن اتّبعه عليه السلام فقد صغى [إلى] كلام الرسول، وصدّق به، ومن اتّخذ من دونه سبيلا فقد كفر به صلّى الله عليه وآله وضلّ ضلالا بعيدا، كيف وهو السراج المنير الّذي يهتدي من تمسّك به إلى معارج الإيمان، ويضلّ من تياسر عنه عن معالم الإيمان.
وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال: أما لو أنّ رجلا قام ليله، وصام نهاره، وتصدّق بجميع ماله، وحجّ جميع دهره، ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله حقّ في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان(٢) إلى آخره.
وعن الرضا عليه السلام قال: الإمام كالشمس الطالعة المجلّلة بنورها للعالم وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار.
__________________
(١) الأمالي، للصدوق: ٤١٥، بصائر الدرجات: ٤١٣، تفسير القمّيّ ١: ١٧٣، دعائم الإسلام ١: ٢٧.
(٢) الكافي ٢: ١٨.
الإمام البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى والبلدان القفار، ولجج البحار.
الإمام الماء العذب على الظمأ، والدالّ على الهدى، والمنجي من الردى.
الإمام النار على اليفاع، الحارّ لمن اصطلى به، والدليل في المهالك، من فارقه فهالك.
الإمام السحاب الماطر، والغيث الهاطل، والشمس المضيئة، والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة.
الإمام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق، والأمّ البرّة بالولد الصغير، ومفزع العباد في الداهية.
الإمام أمين الله في خلقه، وحجّته على عباده، وخليفته في بلاده، والداعي إلى الله، والذابّ عن حرم الله.
الإمام المطهّر من الذنوب، والمبرّأ من العيوب، المخصوص بالعلم، الموسوم بالحلم، نظام الدين، وعزّ المسلمين، وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين.
الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل، ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كلّه من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهّاب، فمن ذا الّذي يبلغ معرفة الإمام، أو يمكنه اختياره!
هيهات هيهات! ضلّت العقول، وحارت الألباب، وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيّرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت
الخطباء، وجهلت الأولياء، وكلّت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله، وأقرّت بالعجز والتقصير.
وكيف يوصف بكلّه، أو ينعت بكنهه، أو يفهم شيء من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه؟! لا، كيف، وأنّى وهو بحيث النجم في يد المتناولين، ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا، وأين القول عن هذا، وأين يوجد مثل هذا؟! أتظنّون أنّ ذلك يوجد في غير آل الرسول محمّد صلّى الله عليه وآله كذبتهم والله أنفسهم، ومنّتهم الأباطيل، فارتقوا مرتقا صعبا دحضا، تزلّ عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة، وآراء مضلّة، فلم يزدادوا منه إلّا بعدا، قاتلهم الله أنّى يؤفكون، ولقد راموا صعبا، وقالوا إفكا، وضلّوا ضلالا بعيدا، ووقعوا في الحيرة، إذ تركوا الإمام عن بصيرة، وزيّن لهم الشيطان فصدّهم عن السبيل وما كانوا مستبصرين(١) إلى آخره.
وفي ذلك الحديث إشارات كثيرة إلى مطالب كثيرة، يدركها المتأمّل فيه بعين البصيرة.
السادس: قيل: المراد بذكر اسم الربّ عبادة الاسم.
أقول: وهذا ممّا تشهد البديهة على بطلانه، فإنّ الاسم عبارة عن الحروف المركّبة الدالّة على معنى.
ولا يخفى أنّ عبادة الحروف ليست عبادة للذات تعالى، فإنّ الله تعالى
__________________
(١) أنظر: عيون أخبار الرضا عليه السّلام ١: ٢١٣.
هو الذات لا تلك الحروف حتّى تستحقّ العبادة، وقد دلّت على ذلك بعض الأخبار الواردة في تغاير الاسم والمسمّى.
وقد روي أيضا أنّه من عبد الله بالتوهّم فقد كفر ولم يعبد شيئا، ومن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك، ومن عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته الّتي وصف بها نفسه فعقد بها قلبه فأولئك من أصحاب أمير المؤمنين حقّا
أي من اختلق بمتخيّلته وذهنه شيئا فزعمه إلها ثمّ عبده فقد كفر ولم يدخل لجّة الأحديّة، حيث جعل ما ليس إلها معبودا عبده فلم يعبد شيئا مستحقّا للعبادة، كيف وما ميّزه بوهمه هو مخلوق مثله، بل مخلوق وهمه وتصوّره.
بنده خود را خداى خود شناخت |
هركه زين گونه خداى از خويش ساخت |
ومن عبد الاسم أي زعم الحروف اللفظانيّة إلها مستحقّا للعبوديّة فقد كفر أيضا حيث لم يعبد المسمّى، ومن عبد الاسم والمعنى بأن يزعم أنّ المعبود هو الحروف مع المدلول المسمّى فقد أشرك حيث عبد اثنين، ومن عبد المعنى أي الذات المسمّى بتلك الأسماء بإيقاع الأسماء عليه بمعنى أن يعتقد أنّ الّذي ينبغي أن يعبد ليس الأسماء اللفظيّة الصرفة ولا المعنى المجرّد عن الصفات الكماليّة، بل المعبود هو الذات الأحديّ الّذي يدلّ عليه تلك الأسماء من غير أن يكون لها مدخل في حقيقته، بل هو المسمّى بتلك الأسماء اللفظيّة بصفاته الّتي وصف بها نفسه، بمعنى أن يعتقد أنّ تلك
الهويّة المطلقة ليست خالية عن الصفات الكماليّة حتّى تكون شيئا ليس له قدرة ولا علم ولا حياة ولا غير ذلك من صفات الجمال والجلال، بل يعتقد أنّ الذات البحت مع كمال تجرّده عن الشؤونات الغيريّة، وتقدّسه عن النقائص العرضيّة متّصفة بجميع الصفات الكماليّة، لا بمعنى أن يكون هناك ذات على حدة ووصف مغاير لذلك الذات.
بل بمعنى أنّ الذات هو عين الصفات في نفس الأمر، بحيث لا تميّز بينهما بوجه من الوجوه، ولا تغاير أصلا من جهة التحقيق النفس الأمريّ، وإنّما ذلك التغاير لقد يتوهّم عند التعبير عن المفهومات، فإنّ مفهوم الحيّ غير مفهوم العليم في التعبير، إلّا أنّ كونه تعالى حيّا هو كونه عليما في نفس الأمر، وهكذا.
والحاصل: أنّه لا صفة للحقّ المطلق تعالى أصلا عند التحقيق، بل لا شيء في عالم الذات إلّا الذات.
ولا ريب أنّ الذات في عالم الذات هو عين الذات، وحاصله نفي الصفات عن ذلك الذات، لشهادة الصفات بأنّها غير الذات، وشهادة الذات بأنّه غير الصفات، فمن وصفه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن عدّه فقد أشرك وأبى عن الدخول في لجّة الأحديّة، وهذا معنى قوله: كمال التوحيد نفي الصفات عنه، بشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف إلى آخره.
فمن عبده بتلك العقيدة فقد دخل في أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام حيث فاز بمقام التوحيد الأكمل، ونال الكمل والجلل بعبادة الحقّ حقّ العبادة، والفوز بلجّة الأحديّة والسعادة.
هذا لو أراد من الاسم ما هو المتبادر منه أي الحروف اللفظيّة، وأمّا لو كان مراده به الصفة فباطل كذلك، إن قال بالغيريّة بين الصفات والذات وزيادتها عليه، كما هو مذهب بعض الحكماء، إلّا أن يريد بالصفة الصفة التكوينيّة، ويقول بأنّ عبادة الذات تعالى غير ممكنة لأحد من الخلق، فإنّها فرع المعرفة به من جميع الجهات، وهي من المحالات الّتي أقيم عليها البرهان في مقامه.
فيجب أن يقصد بالعبادة حقيقة المشيّة الّتي هي من أفراد الممكنات الواقعة تحت عالم الذات المجرّد عن جميع الإشارات، والمقدّس عن إحاطة العبارات، فله وجه وجّهه بعض الناس، وهو لا يخلو عن المناقشة أيضا، لكفاية المعرفة الإجماليّة في صحّة العباد.
كيف وليس المعرفة بالنسبة إلى المشيّة أيضا إلّا إجماليّة حيث لم يطّلع على حقيقتها كما هي عليه شيء من أفراد الممكن، ولا يطّلع عليها شيء منها لما مرّ مرارا من أنّ الخارج عن مقام لا يمكن له معرفته إلّا على وجه الإجمال.
وفي هذا المقام لكثير من المقال، يمنعني عن التعرّض له كلال الحال، وقصور فهم الرجال.
وأمّا لو قال بالعينيّة من حيث التحقّق والحصول على التفصيل الّذي أشرنا إليه، فليس منازعا معنا، ولا نحن معه، فإنّ المعنى حينئذ: واعبد ذات ربّك لما عرفت من أنّ الصفات في الذات هي عين الذات، بل التحقيق نفي الصفات.
ثمّ حيث انتهى القال إلى ذلك المقال لا بأس بأنّ نشير إلى تحقيق
المسألة المشهورة من أنّ الاسم هل هو عين المسمّى أم غيره؟ فنقول: قد اختلفوا في ذلك على قولين :
الأوّل: إنّ الاسم هو عين المسمّى، وإلّا لزم تعدّد القدماء بالنسبة إلى أسماء الحقّ تعالى وتركيب الذات، وقد يستدلّ عليه بقوله:( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) (١) إلى آخره، إذ لو لم يكن الاسم نفس المسمّى لما صحّ الأمر بالتسبيح، لأنّه خاصّ بحضرة الحقّ لا باسمه، وقوله:( ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها ) (٢) إلى آخره.
وقوله:( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ) (٣) على تفسير الأسماء بالمسمّيات، وفيه نظر، إذ لا خلاف في أنّه قد يطلق الاسم ويراد به المسمّى، كما في الآيات.
وإنّما الخلاف في أنّه عينه ومرادفه بحيث كلّما اطلق صحّ إرادة المسمّى أم لا، كما هو الأظهر. ألا ترى أنّه لا يقال جاء اسم زيد، أي ذاته! نعم لو خصّ العنوان بأسماء الله كما صرّح به جماعة يتّجه الأوّل. فتأمّل.
وقد يجاب عن الأوّل أيضا بأنّ لفظ الاسم في تلك الآيات زائد للتوكيد كالكاف في قوله:( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (٤) والسلام في قول الشاعر: إسم السّلام عليكما إلى آخره.
وبأنّ الخلق لـمـّا كانوا بحيث لا تصل أفهامهم إلى ذات الحقّ، مع أنّ من
__________________
(١) الأعلى: ١.
(٢) يوسف: ٤٠.
(٣) البقرة: ٣١.
(٤) الشورى: ١١.
شرط التسبيح معرفة المسبّح كفاهم معرفة الاسم، أي الصفة وعبادة الذات المجملة في تلك الصفة المعلومة.
وبأنّ الاسم في أمثال ذلك كناية عن الذات لإجلاله وإعظامه، كما يقال: أدركت فيض حضرة زيد مثلا، والسلام على حضرته، أي عليه.
وبأنّ المراد من تسبيح الاسم ليس عبادته المذمومة في الأخبار، بل المراد تنزيه الاسم عن السوء وعن مشابهة أسماء العباد.
وعن الثاني بأنّ العادة قد جرت على إطلاق الاسم من غير المسمّى على من سمّي باسم ولم يكن متّصفا بمدلوله، كما إذا سمّي الرجل بالجواد مع أنّه بخيل، فيقال: إنّ ذلك الرجل له اسم من غير تحقّق معناه فيه، فإطلاق الآلهة على الأصنام كإطلاق الرجل الجواد على البخيل.
وعن الثالث بأنّ الظاهر من التفسير هو التفسير المشهور، وتفسير الأسماء بالمسمّيات شاذّ عن قول الجمهور.
الثاني: إنّ الاسم غير المسمّى، بمعنى أنّهما إسمان متباينان مختلفا المعاني.
ويدلّ عليه ما مرّ من أنّه من عبد الله بالتوهّم إلى آخره.
وقوله صلّى الله عليه وآله: إنّ لله تسعة وتسعين اسما، من دعا بها استجيب له، ومن أحصاها دخل الجنّة(١) .
فلو كان الاسم عين المسمّى لكان التقدير: إنّ لله تسعة وتسعين ذاتا.
وقال عليه السلام: إنّ الله جعل أسماءه أربعة أجزاء، أظهر منها ثلاثة
__________________
(١) مصباح الكفعميّ: ٣١٢.
لفاقة الخلق إليها، وحجب الاسم الأعظم المكنون المخزون، وجعل لكلّ اسم من الأسماء الظاهرة أربعة أركان، ولكلّ ركن ثلاثين اسما، فالأركان اثنا عشر، والأسماء ثلاثمائة وستّون(١) إلى آخره.
وذلك القول هو مختار الغزاليّ رحمه الله، حيث قال في كتابه المسمّى بـــ«كشف الوجوه الغرّ» ما حاصله هذا: الحقّ تغاير الاسم والمسمّى والتسمية، وإنّ هذه ثلاثة أسماء متباينة غير مترادفة، ولا سبيل إلى كشف الحقّ إلّا ببيان معنى كلّ واحد من هذه الألفاظ الثلاثة منفردا.
ثمّ بيان معنى قولنا «هو هو» ومعنى قولنا «هو» غيره، فهذا منهاج الكشف للحقائق، ومن عدل عن هذا لم ينجح أصلا، فإنّ كلّ علم تصديقيّ فإنّه لا محالة قضيّة تشتمل على موصوف وصفة، ونسبة تلك الصفة إلى الموصوف، فلا بدّ أن يتقدّم عليه المعرفة بالموصوف وحده على سبيل التصوّر لحقيقته، ثمّ المعرفة بالصفة وحدها، ثمّ النظر في نسبة الصفة إلى الموصوف أنّها موجودة له أو منتفية عنه، ويسمّى بالنسبة الحكميّة، فنقول في بيان حدّ الاسم :
إنّ للأشياء وجودا في الأعيان، ووجودا في الأذهان، ووجودا في اللسان :
أمّا الوجود في الأعيان، فهو الوجود الأصليّ الحقيقيّ لتشخّصه في الخارج بالوجود الخارجيّ.
والوجود في الأذهان، هو الوجود العلميّ التصوّريّ.
__________________
(١) مصباح الكفعميّ: ٣١٢.
والوجود في اللسان، هو الوجود التلفّظيّ الدليليّ، فالسماء مثلا لها وجود في عينها ونفسها وهو وجودها المشهوديّ الخارجيّ، ثمّ لها وجود في أذهاننا لانطباع صورتها في أبصارنا أوّلا، ثمّ في خيالنا بحيث لو عدمت السماء وبقينا لكانت صورتها حاضرة في خيالنا بالقوّة الدرّاكة.
وهذه الصورة هي الّتي يعبّر عنها بالعلم. وذلك هو المثال المحكيّ عن المعلوم الخارجيّ، لحكاية المرآة عن الصورة المقابلة لها الخارجة عنها، لكنّها مطابقة لها.
وأمّا وجود السماء باللسان فعبارة عن تلفّظه بها، وأداء الحروف، وإظهار الأصوات المقطوعة الّتي يعبّر عن التقطيع الأوّل بالسين، وعن الثاني بالميم، وعن الثالث بالألف، وعن الرابع بالهمزة، فيقال: سماء، وإذا كتبتها على صحيفة فلها وجود كتابتيّ، فاللفظ آخر المراتب وهو حاك عن الذهن، ودليل عليه، والذهن أوسطها، وهو حاك عن العين الخارجيّة، مطابق لها، فلو لم يكن الوجود العينيّ لم ينطبع في الذهن، ولو لم يكن الذهن لما كان الإنسان شاعرا به حتّى يعبّر عنه في اللسان.
فظهر أنّ الأوّل يسمّى بالمعلوم الحقيقيّ، والثاني بالعلم، والثالث باللفظ، وهي أمور ثلاثة متباينة، ولكنّها مطابقة متوازية.
وكيف لا تكون متغايرة ولكلّ واحد ما ليس للآخر من الخواصّ، فإنّ الإنسان مثلا يلحقه النوم واليقظة والحياة والممات، ونحو ذلك، باعتبار وجوده العينيّ، ويلحقه الابتدائيّة والجزئيّة، والعموم والخصوص، والجزئيّة والكلّيّة باعتبار وجوده الذهنيّ، ويلحقه العربيّة والعجميّة
والتركيّة، والحقيقة والمجاز، والإطناب والإيجاز، والاسميّة والفعليّة والحرفيّة باعتبار وجوده اللفظيّ.
وهذا الوجود يختلف باختلاف الأعصار، ويتفاوت بتفاوت عادة أهل الأمصار، بخلاف الأوّلين فلا يختلفان أبدا.
ثمّ قد علمت أنّ الألفاظ عبارة عن الحروف المقطّعة الموضوعة باختيار الإنسان للدلالة على الأعيان، فإذا قيل لنا: ما حدّ الاسم؟ قلنا: إنّه اللفظ الموضوع للدلالة على معنى مستقلّ.
فالغرض من الاسم هو المرتبة الثالثة من الوجود، وهي الوجود اللسانيّ.
إذا علمت ذلك، فاعلم أنّ كلّ لفظ وضع للدلالة فله واضع وآلة وضع وموضوع له، يقال للواضع المسمّي بكسر الميم، وللوضع التسمية، فيقال :
سمّى فلان ولده، إذا وضع له اسما يدلّ عليه، وللموضوع له المسمّى بفتح الميم، فيجري الاسم والتسمية والمسمّى والمسمّي مجرى الحركة والتحريك والمحرّك والمحرّك، فهذه الأسماء الأربعة أسام متباينة تدلّ على معان مختلفة، فالحركة على النقل من مكان إلى آخر، والتحريك على إيجاد هذه الحركة، والمحرّك على فاعلها، والمحرّك على الشيء الّذي فيه الحركة مع كونها صادرة عن فاعل.
ثمّ قولنا «هو هو» مجمل شيء على شيء حمل الهويّة له معان ثلاثة :
الأوّل: إنّ هذين الشيئين متّحدان في الحقيقة والمفهوم على وجه الكلّيّة والتصادق الكلّيّ كما يقال: البشر هو الإنسان، والخمر هي العقار، والليث هو الأسد.
الثاني: إنّ هذين متّحدان في المحلّ كما يقال: الثلج أبيض بارد، والأبيض هو البارد.
ومعنى ذلك: أنّ العين الواحدة قد اتّصفت بالبياض والبرودة.
الثالث: إنّ هذين متّحدان في بعض الوجوه من غير تصادق كلّيّ كالإنسان والحيوان.
إذا تحقّق ذلك، فنقول: قولكم الاسم هو المسمّى لو أردتم به حمل الهويّة بمعنى الأوّل فبطلانه أظهر من الشمس، لما ثبت من أنّ الاسم هو اللفظ، والمسمّى هو المدلول، وإنّ الاسم يختلف بالعربيّة والعجميّة دون المسمّى، وإنّ السؤال من الاسم يقع بما هو دائما دون المسمّى، فإنّه يقع من هو تارة كما في العاقل، وما هو أخرى كما في غيره، ألا ترى أنّه إذا حضر شخص وأردت أن تعرف اسمه تقول: ما اسمه؟ فيقال: زيد، مثلا.
وإذا سئل عن مسمّاه يقال من هو.
وقد يسمّى الحسن الجميل التركيّ بالهنود، فيقال: مسمّى حسن، واسم قبيح.
ويسمّى الخفيف باسم كثير الحروف، وثقيل المخارج، فيقال اسم ثقيل، ومسمّى خفيف.
والاسم قد يكون مجازا دون المسمّى، والاسم قد يتبدّل على سبيل التفؤّل والتطيّر، ولا يتبدّل المسمّى.
فهذا كلّه يعرّفك أنّ الاسم غير المسمّى، ولو تأمّلت وجدت فروقا غير ذلك، لكنّ البصير يكفيه اليسير، ولا يزيده التكثير إلّا التحيّر.
ولو أردتم به المعنى الثاني، فقياس الثلاثة عليه أيضا باطل، لفقدان الوجه الجامع، إذ ليس هنا شيء موضوع قد يتّصف بالاسم، وقد يتّصف بالمسمّى، وقد يتّصف بالتسمية، ولو أردتم به الثالث فجوابه بيّن.
أقول: الظاهر أنّه لا خلاف بينهم في تغاير الاسم اللفظيّ مع المسمّى. كيف ولا يقول بالعينيّة في ذلك المقام البليد فضلا عن الفطين، وإنّما المراد من الاسم الصفة الإلهيّة، والحقّ إنّها عين الذات كما عرفت. والقول بالتغاير مذهب جماعة من العامّة، وتفصيل المقال موجب للتطويل، فالحمد لله.
السابع: إنّما قال «اسم ربّك» ولم يقل اسم خالقك أو رازقك أو غير ذلك، للإشارة إلى ما هو المقرّر في مقامه من أنّ مظهر كلّ اسم هو المربوب بتربية ذلك الاسم في الخارج، بمعنى أنّ المظهر إنّما يتصرّف في الأشياء بحسب تأثير الاسم وخاصّيّته، فكما أنّ الله جامع لخواصّ جميع الأسماء كذلك النبيّ صلّى الله عليه وآله جامع لفضائل جميع الأنبياء، فإنّه صلّى الله عليه وآله مظهر لذلك الاسم الجامع المربّي له دونهم، فإنّهم مظاهر لغيره من الأسماء، وهو الحاكم السلطان بين المظاهر، كما أنّ الله هو الحاكم بين الأسماء، فهو صلّى الله عليه وآله لقد بعث بحقيقة النبوّة أصالة، وهؤلاء لقد كانوا تابعين له، راجعين إليه، متعلّمين منه، وجاء بأسرار الجميع مفيضها علينا لهم ختما على حين فترة، وما منهم إلّا وقد كان داعيا به قومه للحقّ عن تبعيّة، فاسم ربّه صلّى الله عليه وآله هو لفظ الجلالة الّذي يربّي هويّته صلّى الله عليه وآله بما هو في إمكانه واستعداده.
والدليل: قوله:( وَلكِنَّ اللهَ رَمى ) (١) وقوله:( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ) (٢) فتأمل.
فليس أحد مظهرا لذلك الاسم سواه صلّى الله عليه وآله، وهذا هو السرّ في إفراد ضمير الخطاب.
ولعلّ له وجها آخر، وهو الإشارة إلى أنّه يجب على الذاكر بحقيقة الذكر الدخول في لجّة التوحيد، والاستغراق في يمّ التجريد، بحيث لا يخطر على قلبه شيء من الممكنات فضلا عن خطور تعلّق تربية الحقّ لهم، فإنّ التوجّه إلى الغير ولو كان بتلك المثابة يعدّ من مراتب الشرك عند أهل التوحيد، كما مرّ إليه الإشارة، فالواجب على الذاكر في مقام الذكر الخلوة الكلّيّة والعزلة الحقيقيّة، وهي تخلية القلب عن التوجّه إلى الأغيار، وتصفيته عن التعلّق بما سوى الجبّار، بحيث ينسى في ذلك المقام شيئيّة كلّ شيء سواه، ولا يرى في الوجود سوى الحقّ المحبوب حتّى نفسه الّتي هي أقرب الأشياء إليه.
فإذا فاز الذاكر بتلك الدرجة، فقد فاز بحقيقة الذكر، ودخل بيت الوصال، وتنوّر بنور الجمال، فإنّه حينئذ لقد صفى عن كلّ شيء، وفنى عن نفسه أيضا، بمعنى أنّه قطع نظره عن ذاته في أنّه ذاكر، والحقّ مذكور، بل نفى الذاكر وتحقّق له مقام المذكور، بحيث لم يبق في تلك اللجّة سوى صرف الظهور ووجه المذكور، كما قال:( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ) (٣) .
__________________
(١) الأنفال: ١٧.
(٢) التوبة: ٦.
(٣) الرحمن: ٢٦ ـ ٢٧.
أي: يفنى كلّ ما في أرض الإمكان عند هجوم أنوار التوحيد، ويبقى صرف ظهور ذات الحقّ بصفاته الجماليّة والجلاليّة.
وقال عليٌّ عليه السلام: أطفئ السراج فقد طلع الصباح.
أي: أطفئ سراج وجودك، ووجود كلّ شيء بعدم الذكر فقد طلع نور وجود الحقّ، وظهرت شمس أنانيّته في مجلس الوصال الّذي هو الخلوة للحبيب والمحبوب، فالكثرات التعيّنيّة أغيار لا تنبغي مجلس الوصل والخلوة. كيف وقد غرقت في ذلك المقام أنانيّة العاشق في أنانيّة المعشوق، ومحت هويّته في هويّته بحيث ذهل العاشق عن نفسانيّته بالمرّة، وحصر ذكره في المعشوق وشؤوناته، ففاز بمقام الوصل والاتّصال والاستضاءة بأنوار الجمال والجلال، كما قال: لا فرق بينهم وبين حبيبهم إلى آخره.
بر در دل تا أرني گو شدم |
جلوه كنان بر سر آن كو شدم |
|
هر طرفى گرم هياهو شدم |
او همگى من شد ومن او شدم |
|
من دل، او گشت دل آراى من |
شفقت عشق دل شده شيوه حسن يار من |
|
زان سبب آهوى ختن گشته به چين شكار من |
من زمنى جدا شده پاك زهر هوا شده |
يار گرفته بيشكى ملك من وديار من
الثامنة: في قوله: ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ ) إلى آخره. تأديب من الله
لرسوله بآداب الطاعات البدنيّة، فإنّها تذلّل النفس لطاعة المعبود بكسر شهواتها المانعة عن إدراك لذّات عبادة الحقّ، فإنّ تلك الشهوات توجب مرض الروح الإيمانيّ، وعلّة النفس الإنسانيّة فتكلّ القوى العرفانيّة عن قضاياها، وتحجب الحواسّ الإيمانيّة عن فوائدها، وما يترتّب عليها، فيحرم العبد عن إدراك اللذّات وذوق حلاوة المناجاة مع الذات.
ألا ترى إلى المريض كيف لا يجد لذّة الطعام والشراب لفساد بعض قواه، وليس منشأ عدم الوجدان فقدان اللذّة في الطعام والشراب، بل المنشأ هو فساد المزاج وكلّ الذائقة عن خاصّيّتها، وبتلك المثابة العبادات الّتي أمرنا الله ورسوله بأدائها، فإنّها في حدّ ذاتها مشتملة على لذّات يدركها من خلص عن الأمراض الروحانيّة، ونقى باطنه عن العلل النفسانيّة.
وأمّا الّذين في قلوبهم مرض فلا تزيدهم تلك العبادات إلّا رجسا على رجسهم، كما في القرآن، فلذلك لا يجدون لذّاتها أصلا، ويحسبون أنّها خالية عن الفوائد واللذّات، وإن ذلك إلّا لما في قلوبهم من الأمراض، فيا عجبا ممّن يقول لقد عبدت الله بالطاعات الشرعيّة في مدّة كثيرة ولم أجد فيها فائدة تغيّر نفسي عن الشرّ إلى الخير، والفساد إلى الصلاح، ففعلها وتركها عندي سيّان.
فيا سبحان الله! كيف ينسب النقصان إلى العبادات مع أنّه ليس إلّا من قبل نفسه وتقصيره عن إصلاح روحه، ومثل ذلك الجاهل كمثل العليل الّذي يدّعي عدم حلاوة العسل عند الصحيح.
كيف لا وقد وجدوا الأبرار من تلك العبادات لذّات فوق جميع اللذّات
الحسّيّة، وإلّا لما كانوا مواظبين عليها في جميع الأحيان، مرجّحين إيّاها على كلّ شغل وعمل، ألا ترى إلى الملائكة كيف لا يلتذّون من الطعام والشراب، بل لا يشتهونهما أصلا، فإنّهم يلتذّون بالتسبيح والتهليل وغيرهما لبعدهم عن الشهوات النفسانيّة.
كيف وهم عقول صرفة لا نفس لهم تأمرهم بالسوء والفحشاء، فمن كان لذّته في العبادات فهو من زمرة الملائكة الّذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: أمّتي على ثلاثة أصناف: صنف يشبّهون بالملائكة، وصنف يشبّهون بالأنبياء، وصنف يشبّهون بالبهائم، أمّا الّذين يشبّهون بالأنبياء فهمّتهم الصلاة والزكاة، وأمّا الّذين يشبّهون بالملائكة فهمّهم التسبيح والتهليل والتكبير، وأمّا الّذين يشبّهون بالبهائم فهمّهم الأكل والشرب(١) .
والحاصل: إنّ تلك العبادات لعدم ملاءمتها للنفس وصعوبتها لها تمنعها عن الطغيان إلى العصيان، والتعدّي عن مقام الإيمان، إلى ظلمات العدوان، فكلّما كانت تلك الطاعات أصعب كان تذليلها للنفس أشدّ، وتأثيرها في إصلاحها أقوى، وهذا هو السرّ في قوله عليه السلام: أفضل الأعمال أحمزها(٢) .
أي: ما كان مشقّته أكثر ، وعن الراحة أبعد، فإنّ ذلك أكثر تأثيرا في مقام المجاهدة مع النفس، وغلبة العقل عليها، ألا ترى أنّه إذا كان الأسلحة أكثر
__________________
(١) جامع الأخبار: ١٠١.
(٢) مفتاح الفلاح: ٤٥.
كان رجاء الغلبة على العدوّ أقوى، فإنّ بالأسلحة تكسر صولته، فربّما ينقاد للغالب ويرجع إلى طاعته وأمره لزوال ما يقتضي طغيانه وجرأته على المعاداة، فالنفس هي العدوّ المبين الّذي أخبر الله عنه، وأمرنا بالحذر منه، كما قال:( إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ) (١) .
وقال:( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) (٢) .
وأيّ شيطان أخبث من النفس، وأيّ عدوّ أعدى منها، كيف وهي الّتي تحمل العبد على أن يسلك غير مسلك مولاه، وتضلّه عن سبل صلاحه وهداه.
فينبغي على العاقل الحذر من شهواتها، والتجنّب عن هواها، ليغلب العقل اللامع الملكوتيّ عليها وعلى جنودها، فيلوح شعشعان أنوار العرفان عن سماء قلبه، وتطلع شموس الإيقان عن جهة فؤاده، ويلتذّ بمقام العرفان الاستكشافيّ، ويستغني به عن العرفان الاستدلاليّ، فيجد لذّة الطاعات لله تعالى لزوال ما يمنع عن ذلك الوجدان بمغلوبية النفس وكسر شهواتها.
وهذا - أي كون أصعبيّة العمل أكثر تأثيرا من قمع النفس والغلبة عليها والرغبة في الطاعات والعبادات، وتصفية القلب عن الشائبات - هو السرّ في أفضليّة العبادة في الليل، وتواتر الأخبار في سهر الليالي، فإنّ النفس في الليل مائلة إلى الاستراحة واستقرار الأعضاء للراحة، فإذا منعتها عن قضاء شهوتها
__________________
(١) فاطر: ٦.
(٢) يس: ٦٠.
هذه فقد غلبتها وكسرت صولتها، فحينئذ تفوز بما أعدّه الله للمجاهدين والمخالفين للنفس على أنّ القلب في الليل ذاهل غالبا عن أكثر التعلّقات الّتي تشغله في اليوم عن مناجاة الحقّ، فربّما تحصل له الخلوة مع الحقّ المحبوب، فيلتذّ بمقام الأنس، ومحلّ القدس، على أنّ العبادة في الليل أخلص من شوائب الرياء والشرك، وأصفى عن شؤونات الكفر والوساوس.
قال طاووس الحرمين: إصلاح الإنسان في خمسة أشياء :
الاعتزال عن الخلق.
وسهر الليل.
والجوع الدائم.
وقراءة القرآن.
وذكر الموت.
وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله في وصيّته لعليٍّ عليه السلام: يا عليُّ، صلّ بالليل ولو ركعتين، فإنّ المصلّي بالليل أحسن وجوها بالنهار.
وفي «العُدّة»: إنّ العبد ليقوم في الليل فيميل به النعاس يمينا وشمالا، وقد وقع ذقنه على صدره، فيأمر الله أبواب السماء تنفتح، ثمّ يقول للملائكة: أنظروا إلى عبدي ما يصيبه في التقرّب إليّ لما لم أفترضه عليه، راجيا منّي ثلاث خصال: ذنبا أغفره، أو توبة أجدّدها له، أو رزق أزيده، أشهدوا ملائكتي أنّي قد جمعتهنّ له(١) .
وعن الباقر عليه السلام قال: كان فيما أوحى الله إلى موسى: كذب من
__________________
(١) التهذيب ٢: ١٢١، ثواب الأعمال: ٤٢.
زعم أنّه يحبّني فإذا جنّه الليل نام(١) .
وروي أنّ في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلّي ويدعو الله إلّا استجاب له، قيل: فإنّه ساعة من الليل، قال عليه السلام: إذا مضى نصف الليل إلى ثلث الباقي (٢) .
الأوّل: قال الطبرسيّ رحمه الله: دخلت «من» للتبعيض، والمعنى: فاسجد له في بعض الليل، لأنّه لم يأمره بقيام الليل كلّه.
وقيل: فاسجد له يعني صلاة المغرب والعشاء.
أقول: ويؤيّد كونها للتبعيض قوله تعالى:( قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) (٣) .
وقوله:( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ) (٤) إلى آخره.
الثاني: قال بعض العارفين: الأمر بالسجود والتسبيح هو الأمر بالصلاة في الليل لاشتمالها عليهما، وهي أفضل الأعمال البدنيّة.
وينبّهك على ذلك أنّه قد كرّر منها ما يوجب التوجّه إلى المقصد الأعلى الأقصى، وهو اسم الله، ثمّ وضعت فيها حركات وسكنات على هيئة
__________________
(١) الأمالي، للصدوق: ٣٥٦، عدّة الداعي: ٢٠٧.
(٢) التهذيب ٢: ١١٧، مفتاح الفلاح: ٢٩١.
(٣) المزّمّل: ٢ ـ ٤.
(٤) المزّمّل: ٢٠.
مخصوصة جرت العادة بالإقدام بها بين يدي الملوك.
وأمّا كونها بالليل أفضل فلوجوه :
الأوّل: أنّ الالتفات فيه إلى الجانب العلويّ أتمّ، لأنّ اشتغال الحواسّ بحركات الخلق، وأصواتهم بالنهار مانع عن الالتفات إلى الحقّ، بخلاف الليل، فإنّ الحواسّ فيه متوفّرة على العبادة، خالية عن التعلّقات الدنيويّة.
الثاني: أنّ الخضوع والتعبّد فيه أوفى.
الثالث: أنّ العبادة في الليل أبعد من الرياء، لأنّه مستخف عن أعين الخلق.
أقول: ويدلّ على أنّ المراد بالسجود والتسبيح هو الصلاة بعض الروايات، ولا حاجة إلى ذكره.
ولو فسّر بظاهر القول لما كان ممنوعا، فالمراد السجود الكامل الجامع للشرائط الظاهريّة والباطنيّة، والتسبيح كذلك، إذ الأمر بالشيء طلب الصحيح الكامل سيّما أمر العاشق معشوقه، فإنّ العاشق لا يزال يسعى في أداء المأمور به على الوجه الأكمل المحبوب عند العاشق، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: يا أسامة، عليك بالسجود، فإنّه أقرب ما يكون العبد من ربّه إذا كان ساجدا، وما من عبد سجد لله سجدة إلّا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه سيّئة، ورفع له درجة، وأقبل الله عليه بوجهه، وباهى به ملائكته(١) إلى آخره.
وفي «مصباح الشريعة»: ما خسر والله قطّ من أتى بحقيقة السجود ولو
__________________
(١) مستدرك الوسائل ٤: ٤٧٥.
كان في العمر مرّة واحدة، وما أفلح من خلا بربّه في مثل ذلك الحال شبيها بمخادع نفسه، غافل لاه عمّا أعدّ الله للساجدين من أنس العاجل، وراحة الآجل، ولا بَعُد عن الله أبدا مَن أحسن تقرّبه في السّجود، ولا قرب إليه أبداً مَن أساء أدبه، وضيّع حرمته بتعلّق قلبه بسواه في حال سجوده، فاسجد سجود متواضع لله ذليل علم أنّه خلق من تراب يطأ الخلق، وأنّه ركّب من نطفة يستقذرها كلّ أحد، وقد جعل الله معنى السجود سبب التقرّب إليه بالقلب والسرّ والروح، فمن قرب منه بعد من غيره، ألا ترى في الظاهر أنّه لا يستوي حال السجود إلّا بالتواري عن جميع الأشياء، والاحتجاب عن كلّ ما تراه العيون، كذلك أمر بالباطن، فمن كان قلبه متعلّقا في صلاته بشيء دون الله فهو قريب من ذلك الشيء، بعيد عن حقيقة ما أراد الله منه في صلاته، قال الله تعالى:( ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) (١) .
وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: قال الله لا أطّلع على قلب عبد فأعلم منه حبّ الإخلاص لطاعة وجهي، وابتغاء مرضاتي، إلّا تولّيت تقويمه وسياسته، ومن اشتغل بغيري في صلاته فهو من المستهزئين بنفسه، مكتوب اسمه في ديوان الخاسرين (٢) .
الثالث: قال بعض الصوفيّة: ركوع العبد عبارة عن فنائه فناء جزئيّا، وهو انعدام وجود العبد بواسطة استيلاء نور الحقّ في قلبه، مع شعوره بذلك. وسجوده عبارة عن فنائه فناء كلّيّا، وهو الانعدام مع انتفاء الشعور من كثرة
__________________
(١) الأحزاب: ٤.
(٢) مصباح الشريعة: ٩١.
استغراقه في لجّة التوحيد، بحيث لا يرى ثمّة إلّا الوجه الباقي لله الواحد القهّار.
وهذا هو مقام جمع الجمع وعين الجمع الّذي يظهر فيه سرّ الربّانيّة، ونور الصمدانيّة، في جميع جهات العبد :
گفتمش كى زتو يابم أثرى گفت آندم |
كه نماند زتو أندر دو جهان هيچ أثر |
|
گفتمش هيچ توان در تو رسيدن گفت |
در من آنكس برسد كو كند از خويش گذر |
قال الله تعالى :
( إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ) .
أقول: لقد أشار تعالى في تلك الآية إلى خسران الّذين اتّبعوا أهواءهم، واستراحت أنفسهم بقضاء قضاياها وما اشتهته من الأمور المضلّة الّتي بها تغلب على العقل وجنوده، ويطفأ نور ملكوتيّته، فاختاروا اللذّات الحسّيّة العاجلة الفانية على اللذّات الحقيقيّة الدائمة، حيث ما اتّبعوا النبيّ صلّى الله عليه وآله في أوامره ونواهيه وأفعاله من العبادات والرياضات المذكورة من السجود بالتذلّل عند حضرة الحقّ، والتسبيح والتقديس لذاته المجرّدة عن صفات كلّ ما في الإمكان من العيب والنقصان، فلو كانوا متّبعين له حقّ الاتّباع، متأسّين به في تلك الرياضات لما اشتروا اللذّة العاجلة باللذّة الروحانيّة الباقية، لأنّهم حينئذ يجدون اللذّات الروحانيّة بكسر شهوات النفس بالمتابعة والانقياد، فيستغنون بها عن اللذّة العاجلة، إذ الواجد للأعلى
مستغن عن الأدنى، بل غير ملتفت إليه أصلا، لأنّه حينئذ - أي حين التفاته إلى ذلك المقام الأدنى - يفوت التفاتة إلى الأعلى، فيحرم عن إدراك اللّذة في ذلك الحين، لاستحالة الالتفات إلى الشيئين المتضادّين، وإدراك اللذّتين في حين واحد، كما قال:( ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) (١) .
وهذا هو السرّ فيما ورد من أنّه لا يجتمع في قلبٍ حبّ الدنيا والآخرة، أو حبّ الله وحبّ غيره.
وفي «مصباح الشريعة»: المغرور في الدنيا مسكين، وفي الآخرة مغبون، لأنّه باع الأفضل بالأدنى(٢) إلى آخره.
ثمّ لا يخفى أنّ التخلّص من ذلك الحبّ - أي حبّ اللذّة العاجلة - إنّما يكون بالطاعات والعبادات المقمعة لشهوات النفس، بشرط كمالها وتماميّتها بسبق المعرفة، إذا العبادات الغير المسبوقة بها لا يترتّب عليها الآثار المقرّرة لها، إذ تأثير الشيء إنّما هو بعد كماله بما هو في حدّه، وكمال العبادات إنّما هو بالمعرفة الحقيقيّة الّتي أشار إليها عليّ بن الحسين عليه السلام حيث قال: يا جابر، أو تدري ما المعرفة؟ المعرفة إثبات التوحيد أوّلا، ثمّ معرفة المعاني ثانيا، ثمّ معرفة الأبواب ثالثا، ثمّ معرفة الإمام رابعا، ثمّ معرفة الأركان خامسا، ثمّ معرفة النقباء سادسا، ثمّ معرفة النجباء سابعا(٣) إلى آخره.
__________________
(١) الأحزاب: ٤.
(٢) مصباح الشريعة: ١٤٢.
(٣) بحار الأنوار ٢٦: ١٢.
فكأنّه عليه السلام قد حصر أصول المعرفة في سبع درجات :
الأولى: معرفة الحقّ بما هو عليه من الكمال والوحدانية لا بمعنى أن يطّلع على كينونيّته الساذجيّة، ويكتنه حقيقته الذاتيّة، فإنّ ذلك لمحال لا يدركه شيء، ولا يدلّ عليه شيء، كيف وكلّ شيء ممكن، وقد ثبت امتناع اقترانه بالممكن، كيف ولا وجود للمكن في رتبة الواجب حتّى يصحّ له الاقتران، فإنّ كلّ ما يطلق عليه الشيئيّة ممّا سوى الحقّ خلقه وإبداعه، فكيف يمكن أن يكون الخلق مقترنا بالخالق، دالّا على هويّته، كيف وليس الدليل على الذات إلّا الذات، إذ غير الذات واقع تحت مقام الذات، فلا يمكن أن يستدلّ به على الذات، فسبحان الذات من أن يقع عليه الدلالات من غير الذات.
ومن ذلك ردّت الدلائل الّتي أقاموها على وجود الصانع ووحدانيّته، وغير ذلك من صفاته، وقد شهدت أنفسهم على ذلك الردّ حيث استدلّوا بما اخترعته أنفسهم من الأدلّة والبراهين على الحقّ، مع أنّ تلك الأدلّة من أفراد الممكن، فكيف تجعل أدلّة على الواجب المطلق تعالى.
كيف ولا دليل على وجود الحقّ إلّا الحقّ، ولا على وحدانيّته إلّا ذاته، فمن ادّعى معرفته فقد كفر، ومن سأل عن التوحيد فقد تزندق، ومن أجاب عنه فقد كفر، بل بمعنى حصول القطع والجزم له بتقدّسه عن معرفة كلّ شيء، وتجرّده عن وصف كلّ شيء، وتساميه عن ثناء كلّ شيء، وتعاليه عن ذكر كلّ شيء، ولا يفوز بذلك المقام إلّا من ورد شريعة التوحيد، ودخل لجّة الأحديّة، فإنّه حينئذ يعرف الحقّ بذلك العرفان عرفانا استكشافيّا في
حدّ ذاته ورتبته بحيث لا يصلح ذلك لغيره، ولا غير ذلك له.
وهذه المعرفة ليست معرفة حقيقيّة، بل معرفة إمكانيّة بحسب طاقة العارفين، إذ المعرفة الحقيقية بالذات ليست إلّا للذات :
در ره عشق نشد كس بيقين محرم راز |
هركسى بر حسب فهم گمانى دارد |
الثانية: معرفة المعاني، أي معاني أسماء الحقّ تعالى ومظاهرها كما قال: وأمّا المعاني فنحن معانيه وظاهره فيكم، اخترعنا من نور ذاته، وفوّض إلينا أمور عباده، فنحن نفعل بإذنه ما نشاء، ونحن إذا شئنا شاء الله، وإذا أردنا أراد الله، ونحن أحلّنا الله هذا المحلّ، واصطفانا من بين عباده، وجعلنا حجّته في بلاده، فمن أنكر شيئا وردّه فقد ردّ على الله، وكفر بآياته، وأنبيائه ورسله إلى آخره.
وهذه هي المعاني الّتي أشار إليها في دعاء رجب: «أللّهمَّ إنّي أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة أمرك، المأمونون على سرّك، المستبشرون بأمرك، الواصفون لقدرتك، المعلنون، لعظمتك، أسألك بما نطق فيهم من مشيّتك، فجعلتهم معادن لكلماتك، وأركانا لتوحيدك، وآياتك ومقاماتك الّتي لا تعطيل لها في كلّ مكان، يعرفك بها من عرفك، لا فرق بينك وبينها إلّا أنّهم عبادك وخلقك.
إلى أن قال: فبهم ملأت سماءك وأرضك، حتّى ظهر أن لا إله إلّا أنت إلى آخره.
ولا يخفى أنّ أفضل تلك المعاني هو المظهر لاسم الذات أعني محمّدا صلّى الله عليه وآله الّذي هو فوق كلّ شيء بعد مقام الحقّ تعالى، فيجب
الإقرار بأنّه أوّل مخلوق خلق من نور الذات بنفسه لنفسه، لا من شيء قبل خلق كلّ شيء، لا يساوقه ذكر، ولا يقارنه حكم، ولا يشابهه نعت، ولا يعادله وصف، ولا يليق به ثناء من غير الحقّ، ولا مدح من غيره، ولا يماثله في سلسلة الإمكان شيء، ولا يقاربه في دائرة الإبداع مخلوق، ولا يوازيه في عوالم الاختراع موجود.
كيف وهو المختصّ بمقامات عالية ليس لغيره حتّى سائر المعاني إدراكها، والاطّلاع على كنهها، واستقصاء مراتبها.
منها: مقام النقطة البدئيّة المتنزّلة عن سماء غيب الهويّة المطلقة، بمعنى أنّه صلّى الله عليه وآله أوّل كلّ شيء بحيث لم يسبقه ذكر شيء، وهو في ذلك المقام صرف الهويّة، وآية الأحديّة، ونقطة المشيّة في أوّل مقام الفعل، والإشارات كلّها عن ذلك المقام مقطوعة، والدلالات بأسرها عن الاقتران به ممنوعة.
كيف وذلك مقام الإمكان بلا مثل، وشبه، والإبداع بلا نظير، فلا يشاركه صلّى الله عليه وآله في ذلك المقام شيء، ضرورة استحالة أوّليّة الشيئين، وصدور غير الواحد عن الواحد من جميع الجهات، فمعرفة ذلك المقام هو الإقرار به تعبّدا، إذ العرفان الكنهيّ هنا محال إلّا على المماثل له صلّى الله عليه وآله في ذلك المقام، وليس كمثله شيء حتّى يطّلع على مقامه، ويستكنه لجلاله وجماله، فكما هو صلّى الله عليه وآله لقد اختصّه بذلك المقام، كذلك اختصّه بمعرفة قيام نفسه في ذلك المقام، كيف وليس لسائر المعاني ذكر في ذلك المقام.
ومنها: مقام النقطة الإمكانيّة الإبداعية، وهو صلّى الله عليه وآله مذكور في ذلك المقام بالاسم والصفة بالذكر الأوّل الّذي لم يذكر قبله شيء بذلك الذكر.
والمراد بالصفة هي صفات المقام الأوّل حيث تعيّنت وذكرت، فإنّها في الأوّل ما كانت مذكورة بتلك المثابة. وهذا معنى قوله: حتّى كنت سمعه وبصره ويده إلى آخره أي تتجلّى فيه الصفات بأجمعها في أوّل الإبداع وذكر الاختراع، ويسمّى صلّى الله عليه وآله في ذلك المقام بالآدم البديع، والمذكور الأوّل، والمتعيّن السابق، ومرآة القرب، وبلّورة الجذب.
ومنها: مقام النقطة الفصليّة، بمعنى أنّه صلّى الله عليه وآله في ذلك المقام واسطة لإيصال الفيض الأزلانيّ إلى تلك المعاني، ولا يعرفه صلّى الله عليه وآله في ذلك المقام أحد إلّا الله ونفسه، والمعاني بحسب إمكانهم لا بالتحقيق الاستكناهيّ، والعرفان الاستقصائيّ.
ومنها: مقام النقطة الوصليّة، وهو صلّى الله عليه وآله في ذلك المقام قطب لعالم الفؤاد، ومركز لدائرة الإيجاد، بمعنى أنّه القيّوم في مقامه الّذي لا حاجة له إلى غيره مع افتقار الغير إليه في الاتّصاف بالوجود التنزّليّ الشهوديّ، فإنّ الكلّ حتّى الأنبياء مخلوق به ومذكور بذكره وهو غنيّ عن العالمين.
ومنها: مقام النقطة الأصليّة، بمعنى أنّ الأنوار كلّها طائفة حوله صلّى الله عليه وآله في ذلك المقام، والكلّ من شؤوناته وأثمار وجود أنانيّته.
ومنها: مقام النقطة الكونيّة، بمعنى أنّه يجب على كلّ شيء في الإمكان
الإقرار بنبوّته من أوّل الدهر إلى آخره في ذلك المقام، هذا مجمل من بيان النقاط الشعشعانيّة المتلئلئة الّتي شرّف بها نبيّنا محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله.
الثالثة: معرفة الأبواب بأن يقرّ بأنّ النفس المقدّسة العلويّة عليها السّلام هي اللّائقة بمقام الوصاية، والخاصّة بحمل الولاية المطلقة من غير أن يكون بينها وبين العقل الأوّل الفائز بالنقاط المذكورة فاصل.
كيف وهما كالنفس الواحدة، لا يفصل بينهما شيء، وهو عليه السّلام لقد فاق بذلك المقام على كلّ ما في الإمكان ممّا سوى النبيّ صلّى الله عليه وآله، فلا يعرفه أحد بمقامه هذا إلّا الله ورسوله دون غيرهما، إذ كلّما تصوّره واقع في الرتبة السفلى، فكيف يمكن له إدراك الرتبة العليا.
الرابعة: معرفة الإمام بمعنى أن يقطع ويقرّ بأنّ الاثني عشر من آل محمّد عليهم السّلام القائمون مقام النبيّ صلّى الله عليه وآله والحاملون للولاية المطلقة بحسب الإمكان، وعليٌّ عليه السّلام أفضلهم لما له من المقام المذكور الّذي لا يعرفه فيه أحد إلّا الله ورسوله.
الخامسة: معرفة الأركان، بمعنى أن يقرّ بمقامات جميع الأنبياء وأوصيائهم، من آدم إلى الخاتم صلّى الله عليه وآله، وبأنّهم بمنزلة الأظلال بالنسبة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وعترته المعصومين، كيف والكلّ قد دعوا الخلق بالنبوّة التبعيّة الظلّيّة، وهؤلاء المعصومون لقد دعوهم بالدعوة الأصيلة الحقيقيّة.
السادسة: معرفة النقباء ومقامهم بعد مقام الأئمّة عليهم السلام، وهم
المستفيضون من أنوار أسرارهم، فيفيضون إلى الناس، فهم الواسطة لفيضهم عليهم السلام إليهم، والحاملون لفيض الله إليهم بإذنه تعالى، والمعلّمون لهم مصالحهم ومفاسدهم، ولكنّ الناس لا يعرفونهم وهم بينهم.
وقيل: لا عدد لهم معيّنا.
وقيل: من الواحد إلى الثلاثين. وتفصيل القول موجب للتطويل.
السابعة: معرفة النجباء ومقامهم تحت مقام النقباء، وهم الواسطة لوصول الفيض عليهم إلى ما سواهم من الناس، وعددهم أربعون.
وقيل: لا عدد لهم.
وهم العلماء الّذين أمر الناس بمتابعتهم، وأخذ الأحكام منهم في زمن الغيبة، وهو زماننا هذا.
كيف وطاعتهم طاعة الله، والردّ عليهم ردّ على الله، والأخبار الواردة في ذلك المعنى متواترة مشهورة.
وبالجملة: فمن فاز بعرفان تلك المراتب حقّ العرفان يجد لذّات لا نهاية لها، فيستغني عن اللذّات المحدودة العاجلة الفانية، فلا يزال يسعى في الرياضات والطاعات والمجاهدات في سبيل الله، والمناجاة في جميع الحالات. وأمّا من حرم عن عرفان تلك المراتب السبع فلا جرم يعمى عن مشاهدة الأنوار القدسانيّة المتلئلئة، ويصمّ عن استماع تفرّدات طواويس الأحديّة، ويبكم عن الاستنطاق بآيات جبروت الوحدانيّة، وملكوت الصمدانيّة، ويكلّ ذوقه عن إدراك لذّات مشاهدة وجه العزّانيّة، فيؤثر اللذّة
العاجلة على اللذّة الحقيقيّة الّتي ليس فوقها لذّة، ولا لغيرها ذكر في مقام ذكر اللذّة، وليس شيء أشدّ خسرانا من ذلك الغافل، حيث لم يعرف رتبته، وضيّع استعداده، فتاه في فيافي الضلال حيران، وعن لباس التوحيد عريان، فبات في مهود النقصان، وأصبح متلهّفا بالخسران، فإنّه داخل في عموم( إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) (١) أي عرفوا المقامات السبعة، وأقرّوا بمن هي له ممّا أشرنا إليه( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) (٢) أي ما يصلح نفوسهم من العبادات والرياضات الممحّضة للقلب، للتوجّه إلى حضرة الربّ( وَتَواصَوْا بِالْحَقِ ) (٣) أي عرّفوا الناس ما عرفوه من المقامات بحسب إمكانهم واستعدادهم( وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) (٤) أي عرّفوهم طرق العبادات والرياضات المانعة لشهوة النفس.
وروي أنّ المراد بالإنسان الّذي في الخسر هم أعداء العترة، وبالّذين آمنوا المؤمنون بإيابهم عليهم السلام، وبالعمل الصالح المواساة مع الإخوان، وبالحقّ الإمامة، وبالصبر العترة. انتهى.
الأولى: قال بعض العارفين رحمه الله: هذه إشارة إلى النفوس المقهورة في يد شياطينها، والعاجلة هي الحياة الدنيا وزينتها، واللذّات الحاضرة الحسّيّة، أي يولّون وجوههم شطرها، ويعرضون عن القبلة الحقيقيّة، ولا تلتفت نفوسهم إلى ما يحصل لها من ضرورة الموت وما بعدها من العذاب
__________________
(١) العصر: ٢ ـ ٣.
(٢) العصر: ٣.
(٣) العصر: ٣.
(٤) العصر: ٣.
الموعود بسبب ذلك الإعراض، ويذرون وراءهم يوما ثقيلا، وثقله: شدّته.
أقول: لقد ظهر من ذلك وجه المناسبة بين الآية وما تقدّمها، فإنّ فيها إشارة إلى أنّ الّذين يؤثرون اللذّة الفانية على اللذّة الروحانيّة العقلانيّة، ويحبّون الحياة العاجلة بالميل النفسانيّ ما زكّوا نفوسهم بالزهد عن كلّ شيء، والسير إلى الله، وتبديل مساوئها بالمحاسن الأخلاقيّة، وتصفيتها عن الأغراض الفاسدة بإخلاص العمل لوجه الحيّ القديم من العُجْب والرياء والنفاق والسمعة وغير ذلك من الأغراض الّتي تميت القلب والعقل، وتزيل ملكة الاستبصار، وتحرم صاحبها عن مشاهدة الأنوار، ومخاطرة الأسرار.
كيف ولا يفوز العبد بالقرب السبحانيّ، والجذب الأزلانيّ إلّا بعد أن يكون همّه الانقطاع عن كلّ شيء إلى خالق كلّ شيء، والافتراق عن محبّة كلّ شيء، راغبا في حبّ بارئ كلّ شيء.
ولا يلوح نور عقل العبد في قلبه إلّا بعد رعاية أمور ثلاثة :
الأوّل: قصر الأمل باستقراب الأجل، فإنّه حينئذ يرغب عن الدنيا إلى الآخرة، ويؤثر اللذّة الآجلة على العاجلة، ولا يزال يجتهد في اجتناء ثمرات الهداية عن أغصان شجرة السعادة، واقتناء الجواهر الساذجة من معادن الزهادة، ويتذكّر لما أعدّ للمؤمن وهيّئ للكافر بعد الموت من القرب والبعد، والثواب والعقاب، فيحبّ لقاء الله، ويكره الاجتماع مع غير الله.
الثاني: التأمّل في القرآن وما فيه من المواعظ والزواجر والأحكام والقصص والأمثال وغير ذلك ممّا ينوّر الاعتبار به، والتدبّر فيه القلب، ويشرح الصدر، ويحيي العقل، ويميت النفس، كما لا يخفى على الفائز
بذلك المقام، وقد قال عليٌّ عليه السلام: إعلموا أنّ القرآن هدى اللّيل والنّهار، ونور الليل المظلم(١) .
الثالث: التقليل من خمسة أشياء :
الأوّل: اختلاط الخلق والترداد معهم، فإنّه شاغل عن الحقّ، مانع عن قربه، وذاهل عن الموت. نعم، في صحبة السالكين والعلماء الزاهدين بركة ورحمة وهدى وموعظة للمتّقين.
الثاني: التمنّي، فإنّه مواعيد الشيطان، يضلّ العبد عن مراتب الإيقان، ويسوّل الباطل في نظر أهل النقصان.
الثالث: التعلّق بما سوى الحقّ، فإنّه يبعد العبد عن ساحة الربّ، ويحرمه عن لذّة الجذب، ويعميه عن نور القلب.
الرابع: الشبع، فإنّه يهيّج الشهوات، ويغلب البطر والأشر، ويكلّ الإدراك، ويسدّ طرق الفهم والإلهام.
الخامس: المنام، وهو يكسّل عن الطاعة، ويكدّر الحواسّ، ويورث النسيان، ويميت قلب الإنسان، وينكّسه إلى مراتب سائر الحيوان.
قال بعض العارفين: واعلم أنّ الجوع ينفي هذه الرذائل كلّها من النفس، لأنّه يقلّ النوم، ويملّ عن الخلق، ويضيّق مداخل الشيطان، ويصقل القلب، ويسدّ بالتذكّر باب التمنّي إلى آخره.
فمن رعى هذه الأمور الثلاثة لا تغلب عليه محبّة الدنيا وزخارفها ولذّتها الفانية، فيفوز باللذّات الروحانيّة الّتي لا نهاية لها أصلا، بل هي
__________________
(١) الكافي ٢: ٢١٦.
الفاكهة الكثيرة الّتي ليست مقطوعة ولا ممنوعة، ولذلك أمر الله نبيّه بذكر الحقّ، والسجود لكبريائه، والتسبيح لعظمته وعلائه، فإنّ كلّ ذلك ممّا يصفّي النفس عن محبّة غير الله، والتوجّه إلى ما سوى حضرة قدس الله، بحيث لا تلتفت النفس بعد ذلك إلى اللذّات العاجلة، لالتفاتها إلى اللذّات العالية الباقية الّتي هي فوق جميع اللذّات، فالتعقيب بقوله:( إِنَّ هؤُلاءِ ) إلى آخره، مشعر إشعارا لطيفا بأنّ الّذين لا يشتغلون بتلك العبادات الّتي أمر بها نبيّهم لقد حصر التفاتهم في اللذّات العاجلة، وهمّهم في الحياة الدنيا، وغفلوا عن عالم المثال والقيامة، حيث لم يؤمنوا بما أعدّه الله بعد مفارقة الأرواح عن الأجسام للمؤمنين والكافرين.
الثانية: اليوم الثقيل العسير الشديد وهو يوم القيامة، فإنّ أهواله شديدة ثقيلة على الكافرين، كما قال:( إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ) (١) أي أبعدهم عن مقام قربه بما اختاروه في الدنيا من الاحتجابات، وأعدّ لهم نار البعد الدائم.
فلا وليّ لهم حينئذ يواليهم، ولا نصير لهم ينصرهم، وعند ذلك يتذكّرون ما قصّروا عن تحصيله، وكسلوا عن رعايته، وطاعة دليله، فيتأسّفون ويقولون: يا ليتنا كنّا مع المطيعين الّذين أزالوا الاحتجابات عن السبحات، ففازوا بعين النور، وكشف السرّ المستسر في السرّ المستور.
وقيل: المراد باليوم الثقل حين مفارقة الروح عن البدن، فإنّ التعلّقات
__________________
(١) الأحزاب: ٦٤ ـ ٦٦.
الغيريّة، والمحبّة للشؤونات العرضيّة، تصدم الروح حينئذ لكثره اشتغاله بالأمور الدنيويّة، وتعلّقه باللذّات الحسّيّة، فكلّما كثر تعلّقه تكثر صدمته وتألّمه.
والكافر المعرض عن الحقّ بالكلّيّة متعلّق بجميع ما سوى الله، فلا يكون يوم أثقل عليه من ذلك اليوم، وحين أصعب عليه من ذلك الحين، بخلاف المؤمن الموحّد المعرض عن التعلّقات الغيريّة، فإنّه حينئذ يلتذّ بما يترتّب على أمره، حيث يرى بدنه حاجبا عن إدراك اللذّات العقليّة، على التفصيل المذكور.
وفي المقام مقالات كثيرة يمنعني عنها ضيق الوقت، وكلال الحال.
الثالثة: المراد بقوله: ( وَيَذَرُونَ ) إلى آخره أنّهم معرضون عن العمل لذلك اليوم، ذاهلون عن شدائده، وذلك ـ أي إعراضهم بالكلّيّة ـ هو معنى عدم إيمانهم بذلك اليوم، فإنّ المؤمن به يخاف أهواله وشدائده، فيسعى في أمر يخلّصه منها، وهو الطاعات والعبادات الشرعيّة كما قال: ( وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ) بخلاف الكافر، فإنّه لفرط جهله وشقاوته لا يعتقد بذلك اليوم، بل لا يلتفت إلى ذكره أصلا إلّا على سبيل الإنكار والاستهزاء، كما قال: ( بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ * يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ * فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لا وَزَرَ * إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) (١) إلى
__________________
(١) القيامة: ٥ ـ ١٣.
قوله:( كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ) (١) إلى آخره.
الرابعة: لا بأس بتفسير اليوم الثقيل بأيّام ظهور المهديّ المنتظر، ورجعة الأئمّة المعصومين والمؤمنين بهم، أي هذا السنخ من الناس يعجلون بأمر الله في شأن القائم، ولا يعلمون أنّ غيبته وطول المدّة إنّما يكون لما يعلمه الله في المصالح الخفيّة، والحكم المكنونة، ويذرون يوم ظهوره عليه السلام، أي لا يعملون بالطاعات ليكون ذلك فتنة لهم في ذلك اليوم، فإنّ العامل لوجه الله يفوز في أيّام الرجعة بمعرفة الإمام، ويدرك فيض صحبته، ويلتذّ بحقائق جواهر معارفه.
بخلاف الذاهل الكاسل عن الطاعات، وتحصيل المعارف، فإنّه يكفر بمقامه عليه السلام، ولا يؤمن برتبته، فيحرم عن اللذّات الإلهيّة، والدرجات المقرّرة لمقام الإنسانيّة، فتلك الأيّام ثقيلة، أي شديدة على الكافرين والمنافقين، لابتلائهم بالشكّ والحيرة، والكفر والجهل والشقاوة، بخلاف المؤمنين، فإنّهم لقد وصلوا مناهم بصحبته عليه السلام.
كيف وهو المعشوق الحقيقيّ للمؤمنين، أفترى أن يكون يوم الوصال ثقيلا على العاشق الشائق؟
فهؤلاء المؤمنون هم الّذين امتحنهم الله للإيمان، فوجدهم خالصين مخلصين في سبيل الإيقان، كما قال لا يعرف القائم إلّا من امتحن الله قلبه للإيمان. انتهى.
وهذا اليوم هو يوم ابتلاء الناس وامتحانهم حتّى يميّز الخبيث من
__________________
(١) القيامة: ٢٠.
الطيّب، ويمحّص الكافر من المؤمن، كما قال:( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ) (١) .
فكيف لا يكون ثقيلا شديدا، وقد أخبر الأنبياء السابقون عن شدّته وثقله، وأنّه يوم عسير على الكافرين غير يسير.
أوَما طالعت كتاب «مار متى» كيف ذكر في الفصل الأربعين منه أنّ المسيح عليه السلام قال: تشبه ملكوت السماوات شبكة ألقيت في البحر، فجمعت من كلّ جنس، كلّما امتلأت أطلعوها إلى الشاطئ فجلسوا وجمعوا الخيار في الأوعية، والشرار رموه خارجا، هكذا يكون في انقضاء هذا الزمان، تخرج الملائكة ويميّزون الأشرار من وسط الصدّيقين، ويلقونهم في أتون النار، هنالك يكون البكاء، وهرير الأسنان.
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: والله لَتُكْسَرُنَّ كسر الزُّجَاجِ، وإنّ الزجاج يعاد فيعود كما كان، والله لتُكْسَرُنَّ كَسْرَ الفَخَّارِ، وإنّ الفَخَّارَ لا يعود كما كان، والله لَتُمَيَّزُنَّ، والله لَتُمَحَّصُنَّ، والله لَتُغَرْبَلُنَّ كما يُغَرْبَلُ الزُّوءَانُ من القَمْحِ(٢) .
وقال عليه السلام: يا منصور، إنّ هذا الأمر لا يأتيكم إلّا بعد أياس، لا والله حتّى تميّزوا، لا والله حتّى تمحّصوا، لا والله حتّى يشقى ويسعد من يسعد(٣) .
__________________
(١) العنكبوت: ٢ ـ ٣.
(٢) الغيبة، للطوسيّ: ٣٤٠.
(٣) الكافي ١: ٣٧٠.
وعن أبي الحسن عليه السلام قال: قال: أما والله، لا يكون الّذي تمدّون إليه أعينكم حتّى تميّزوا وتمحّصوا، حتّى لا يبقى منكم إلّا الأندر، ثمّ تلا( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) (١) (٢) .
وعن إبراهيم قال: قلت له عليه السلام: جعلت فداك، مات أبي على هذا الأمر وقد بلغ من السنين ما قد ترى، أو لا تخبرني بشيء؟ فقال: يا أبا إسحاق، أنت تعجل؟ فقلت: إي والله، أعجل، ومالي لا أعجل وقد بلغت السنّ ما ترى؟ فقال: أما والله يا أبا إسحاق ما يكون ذلك حتّى تميّزوا وتمحّصوا، وحتّى لا يبقى منكم إلّا الأقلّ(٣) .
وعن عميرة عن الحسن بن عليٍّ عليه السلام قال: لا يكون هذا الأمر الّذي ينتظرون حتّى يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض، وحتّى يلعن بعضكم بعضا، وحتّى يسمّي بعضكم بعضا كذّابين(٤) .
وعن مالك بن حمزة قال: قال عليٌّ عليه السلام: يا مالك، كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا ـ وشبّك أصابعه، ودخل بعضها في بعض ـ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما عند ذلك من خير؟ قال: الخير كلّه عند ذلك.
يا مالك، عند ذلك يقوم قائمنا، فيقدم سبعين رجلا يكذبون على الله وعلى رسوله فيقتلهم(٥) إلى آخره.
وعن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: عليُّ بن أبي
__________________
(١) التوبة: ١٦.
(٢) الغيبة، للطوسيّ: ٣٣٦.
(٣) الغيبة، للنعمانيّ: ٢٠٨.
(٤ و ٥) الغيبة، للنعمانيّ: ٢٠٦.
طالب إمام أمّتي، وخليفتي عليهم بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الّذي يملأ الله به الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، والّذي بعثني بالحقّ بشيرا إنّ الثابتين على القول به في زمان غيبته لأعزّ من الكبريت الأحمر(١) .
فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاريّ فقال: يا رسول الله، وللقائم من ولدك غيبة؟ فقال صلّى الله عليه وآله: إي وربّي،( لِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ) (٢) .
يا جابر، إنّ هذا الأمر من أمر الله، وسرّ من سرّ الله، مطويّ عن عباده، وإيّاك والشكّ في أمر الله(٣) إلى آخره.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله( وَيَذَرُونَ ) عدم انتظارهم لقدومه وظهوره، وذلك لعدم اشتغالهم إلّا بالمشاغل الدنيويّة، وهو موجب للتنافر من المعارف الحقّة، والحكم الإلهيّة.
وأمّا المؤمنون الموحّدون فلا يزالون منتظرين له، جاهدين في سبيل محبّته كما ينتظر العاشق قدوم معشوقه، ويجهد في تحصيل ما هو المحبوب عنده.
وقد ذكر في الفصل الحادي والثمانين من كتاب «مار متى» أنّه قال المسيح عليه السلام: تشبه ملكوت السماوات عشر عذاري أخذن مصابيحهنّ وخرجن للقاء العريس، خمس منهنّ جاهلات، وخمس
__________________
(١) كمال الدين وتمام النعمة ١: ٢٨٧.
(٢) آل عمران: ١٤١.
(٣) كشف الغمّة ٢: ٥٢١، كمال الدين وتمام النعمة ١: ٢٨٧.
حكيمات، فأمّا الجاهلات فأخذن مصابيحهنّ ولم يأخذن زيتا، وأمّا الحكيمات فأخذن زيتا في إناء مع مصابيحهنّ، فلمّا أبطأ العروس نعسن كلّهنّ ونمن وانتصف الليل، فصرخ الصوت هاهو ذا العروس قد أقبل، أخرجن للقائه.
حينئذ قام جميع العذاري وزيّنّ مصابيحهنّ، فقالت الجاهلات للحكيمات: إدفعن لنا من زيتكنّ، فإنّ مصابيحنا قد طفئت، فأجبن الحكيمات وقلن: ليس معنا ما يكفينا وإيّاكنّ، ولكن إذهبن وابتعن، فلمّا ذهبن ليبتعن جاء العروس والمستعدّات دخلن معه إلى العرس، واغلق الباب، وفي الآخرين بقيّة العذاري قائلات: يا ربّ يا ربّ، افتح لنا؟ فأجاب، وقال: الحقّ أقول أنّي ما أعرفكنّ، اسهروا الآن فإنّكم لا تعلمون اليوم ولا تلك الساعة.
وفي الفصل الثالث والثمانين من ذلك الكتاب: إذا جاء ابن الإنسان في مجده وجميع ملائكته معه حينئذ يجلس على كرسيّ مجده، ويجمع إليه كلّ الأمم، فيميّز بعضهم من بعض كما يميّز الراعي الخراف من الجدي، ويقيم الخراف عن يمينه والجدي عن يساره.
حينئذ يقول الملك للّذين عن يمينه: تعالوا إليّ، ورثوا الملك المعدّ لكم قبل إنشاء العالم، لأنّي جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وغريبا كنت فآويتموني، وعريان فكسو تموني، ومريضا فعدتموني، ومحبوسا فأتيتم إليّ.
حينئذ يجيب الصدّيقون ويقولون: يا ربّ، متى رأيناك جائعا
فأطعمناك، أو عطشان فسقيناك، ومتى رأيناك غريبا فآويناك، أو عريان فكسوناك، أو متى رأيناك مريضا أو محبوسا فأتينا إليك؟! فيجيب الملك ويقول لهم: الحقّ أقول لكم، إنّ الّذي فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتم.
حينئذ يقول للّذين عن يساره: اذهبوا عنّي يا ملاعين إلى النار المؤبّدة المعدّة لإبليس وجنوده، جعت فلم تطعموني، وعطشت فلم تسقوني، وغريبا كنت فلم تؤووني، وعريان فلم تكسوني، ومريضا ومحبوسا فلم تزوروني.
حينئذ يجيبون ويقولون: يا ربّ، متى رأيناك جائعا أو عطشان أو غريبا أو عريان أو مريضا أو محبوسا فلم نخدمك.
حينئذ يجيب ويقول لهم: الحقّ أقول لكم، إذا لم تفعلوا بأحد هؤلاء الصغار فلا بي فعلتم، فيذهب هؤلاء إلى العذاب الدائم، والصدّيقون إلى الحياة الأبديّة.
قال الله تعالى:( نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً ) (١) .
أقول: لـمـّا أشار تعالى إلى أنّ هؤلاء لقد حجبوا عن فيوضات القدس، وتياسروا عن مقامات الأنس بمعصية الله ورسوله وأولي الأمر من آله فاختاروا الحياة الدنيا الفانية، على الحياة الآخرة الباقية، وآثروا اللذّة العاجلة على اللذّة الآجلة، فاجترأوا على الله بمخالفته في أوامره ونواهيه، وبترك
__________________
(١) الإنسان: ٢٨.
متابعة خليفته في أرضه في أفعاله وأقواله.
نبّه في تلك الآية على أنّ إمهاله لهم بتأخير العذاب وتأجيل العقاب ليس من عجزه تعالى، كيف وهو الّذي خلقهم وأوجدهم وصوّرهم وشدد أسرهم، فبيده أمرهم بحيث لا يمكن لهم الفرار من قدرته، والتباعد عن مملكته، كما قال: ( إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ ) (١) إلى آخره، فليس ذلك الإمهال للعجز وعدم القدرة على العذاب، بل لإتمام الحجّة عليهم، وحكم أخرى لا يطّلع عليها إلّا هو.
الأولى: قال بعض العارفين: ذلك إشارة منه إلى أنّه هو المبدأ الأوّل لكلّ مخلوق.
والمراد أنّ أزمّة أمورهم وحركاتهم بيده، وهو مبدؤها ومصدرها، وهي مستندة إليه، مشدودة في أسر علمه الّذي [هو] نظام لكلّ الموجودات كلّيّها وجزئيّها، وإذا كانوا كذلك لم يكن عاجزا عن التبديل لو شاء.
وفي ذلك تنبيه على أنّ القدرة عن غيره تعالى متلاشية في جنب قدرته.
الثانية: قوله:( وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ ) قيل: أي قوّينا وأحكمنا خلقهم.
وقيل: أي مفاصلهم.
وقيل: أي أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب.
وقيل: أي جعلناهم أقوياء.
__________________
(١) الرحمن: ٣٣.
وقيل: أي كلّفناهم فشددناهم بالأمر والنهي كي لا يجاوزوا حدود الله، كما يشدّ الأسير.
أقول: ويحتمل أن يكون المراد بشدّ أسرهم إعطاء الاستعداد والإمكان لمعالي حقائق العلم والعرفان، أي خلقناهم وجعلناهم مستعدّين لتحمّل المعارف العالية، وإدراك اللذّات المتعالية، وفهم المطالب الغامضة الّتي لا يمكن دركها لغير ذلك النوع من الخلق، فطوبى لمن سلك بهداية استعداده، وتبّا لمن ضاع استعداده بالتسلّك في غير مسلك رشاده. وتفصيل القول في ذلك المقام، موجب لطول الكلام.
الثالثة: في الآية إشارة إلى كمال صنع الله، وتمام حكمته في خلق الإنسان، وظهور قدرته في ذلك الخلق، حيث خلقهم على هيئة أنيقة تشهد على كمال قدرة الخالق، وصوّرهم على صورة عجيبة تدلّ على تمام حكمة الله، وشدّ أسرهم بما شاءه من الكيفيّات الّتي يستدلّ بها على عظمة الله.
فلو تعمّق العبد في نفسه وما خلقه فيها ولها، لما يجترئ على معصية الله، فإنّه يشاهد حينئذ آيات قدرة الله وحكمته في خلق الله، فيخاف مقام قهّاريّته وجبّاريّته، ولا ينظر إلّا إلى وجه الله.
ففي الآية إشعار لطيف بأنّ هؤلاء لو تسلّكوا مسلك التفكّر في آيات الله، سيّما في الآيات الّتي خلقها في أنفسهم لفازوا بما فاز به المؤمنون المتفكّرون من التوحيد والطاعة والعرفان، والعزلة عن شوائب النقصان في جميع الأحيان.
الرابعة: لا بأس بتفسير شدّ الأسر بأخذ الميثاق عليهم، أي خلقناهم
وعهدنا إليهم أن لا يعبدوا إلّا الله الواحد القيّوم، ولا يسلكوا غير مسلك الإيمان بمحمّد وآله المعصومين، والإقرار بمقاماتهم الّتي أقامهم الله فيها، وفضّلهم على كلّ ذرّات الممكنات بها، وأن لا يجاوزوا عن حدود رتبتهم بأن يدّعوا لأنفسهم ما لم يقرّر لها في أوّل الأمر من النبوّة، والولاية المطلقة، والمحبّة المتعالية، فإنّها خاصّة بمحمّد صلّى الله عليه وآله ومن يقوم مقامه.
ففي الآية إشعار لطيف بأنّ هؤلاء الطاغين عن أحكام الله ورسوله لقد نقضوا ما عاهدوه، ونكثوا ما واثقوه في العالم السابق، حيث سلكوا مسلكا لم يؤمروا بسلوكه، واتّخذوا سبيلا ما فازوا به إلى معارج الحقّ، ومدارج الصدق.
وأمّا المؤمنون، فقد وفوا بما عاهدوا الله، حيث سلكوا مسالك التوحيد، ولبسوا خلع التجريد، فاستضاءوا بالأنوار المتلئلئات، واستكشفوا الأسرار المخبيّات عن المراتب الشعشعانيّات، وإنْ ذلك إلّا لما أجابوا الحقّ في ندائه للمكنات، حيث قال:( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (١) .
أي بالمواثيق الّتي أخذنا عليكم في أوّل الأمر من الإقرار بمقام الأبرار، والإعراض عن مسلك الأشرار.
وقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ) (٢) إلى آخره. أي يا أيّها الّذين أقرّوا بما يجب الإقرار به في أوّل الأمر أقرّوا الآن في ذلك العالم، وهذا المشهد بما أقررتم به سابقا.
__________________
(١) المائدة: ١.
(٢) النساء: ١٣٦.
الخامسة: قوله( وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا ) إلى آخره، قيل: أي ولو تعلّق مشيّتنا وإرادتنا بإهلاكهم أهلكناهم، وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم، ولكن نبقيهم لإتمام الحجّة.
أقول: وفيه أيضا إشارة إلى عموم قدرته لكلّ شيء، وكمال سلطنته على كلّ أمر، بحيث لا يمنع قدرته مانع، ولا يردّ ما يشاءه رادّ، فكما قدر على إيجادهم مع أنّهم لم يكونوا شيئا مذكورا، كذلك يقدر على إهلاكهم، وخلع الوجود عن ماهيّاتهم، فقوله( نَحْنُ خَلَقْناهُمْ ) كالتعليل للشرطيّة قدّمه لإزاحة شبهة السامع ابتداء حتّى لا يبقى له تأمّل في صدق المقال.
السادسة: قد يتوهّم من التبديل بالمثل صدق القول بالتناسخ، فإنّ مثل الشيء ما وافقه في الحقيقة الذاتيّة، أي خلعنا عنهم ذلك اللباس العنصريّ، وأظهرناهم في لباس آخر، فالهلاك متعلّقه البدن دون الحقيقة، إذ بدونها لا تصدق المثليّة، ودفعه هيّن.
كيف وفي الآية إشعار ببطلان ذلك المذهب، فإنّ المثليّة مستلزمة للغيريّة، فلو كان المبدّل عين المبدّل منه لما صدق التبديل بالمثل، بل بالعين، فلا يناسبه التبديل، للزوم التغاير بين المبدّل والمبدّل منه بالضرورة، والتناسخيّة لا يقولون بذلك، بل يزعمون أنّ الأرواح البشريّة منتقلة من بدن إلى بدن بعد المفارقة من الأوّل، فالروح المنتقل إلى البدن الثاني هو الروح الّذي كان في الأوّل بعينه، فلا مغايرة أصلا في الحقيقة الذاتيّة، وإنّما التغاير وصف التعيّنات الشخصيّة، أي الأبدان الترابيّة، فتختلف الأشكال في تلك التبدّلات، والحقيقة واحدة في جميع الأحوال.
وهؤلاء لقد جهلوا بحقيقة الحال، وضلّوا عن ساحة الجمال، حيث زعموا أنّ خزائن قدرته لقد نفدت، فلا يقدر على خلق الأرواح بعد خلق الأرواح السابقة، مع أنّ قدرته قدرة كاملة يفعل بها ما يشاء، وهو على كلّ شيء قدير.
وقريب من ذلك القول ما زعمه بعض العارفين من أنّه إذا أراد الله تكميل عبد من عباده يهلك جماعة من الناس ليبرز أرواحهم فيه. وعليه حمل قول العطّار:
صد هزاران طفل سر ببريده شد |
تا كليم الله صاحب ديده شده |
فتأمّل.
قال الله تعالى:( إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً ) .
أقول: لـمـّا بيّن في هذه السورة مقامات الأبرار، وما به وصلوا إليها من الطاعات، ودركات الأشرار، وما به خذلوا فيها من ترك العبادات، أشار في تلك الآية إلى أنّ السلوك في أحد المسلكين إنّما هو من اختيارات العبد، وليس العبد مجبورا في ذلك السلوك حتّى يقدر، إلّا أحدهما خاصّة، بل هو مختار قادر على السلوكين، كما قال:( فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ) (١) أي المقام مقام الاختيار، فمن شاء اختار الإيمان، فيترتّب عليه آثاره، ومن شاء اختار الكفر، فيترتّب عليه آثاره، كما أشار إليه بقوله: ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ
__________________
(١) الكهف: ٢٩.
الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ ) (١) .
وفي التعبير عن تلك الهداية بالتذكرة إشارة إلى ما هو المقرّر في مقامه من أنّ النفوس الإنسانيّة كانت من أوّل الأمر صافية عن الكدورات والغفلات، عارفة بطريق الخير والشرّ، وبأنّ الخير هو الّذي ينبغي الاشتغال به، والشرّ هو الّذي ينبغي الإعراض عنه، ولكن كدّرها التوجّهات والتعلّقات الدنيويّة، فأنستها ذلك العرفان حتّى جهلت مصالحها ومفاسدها، وضلّت عن طريق هدايتها.
فإذا دعاها داع إلى الحقّ بالمواعظ والنصائح، والتأديبات الأخلاقيّة، والتعليمات الذوقانيّة، كانت تلك الدعوة تذكرة لها بما كانت به عارفة، فنسيته بكثرة التعلّقات، وهجوم أغبرة التوجّهات، كما قال:( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ ) (٢) أي بأيّام عهد الله، وأخذ ميثاقه عليهم.
وهذا هو السرّ في استعدادها لإدراك المعارف الحقّانيّة، والعلوم الربّانيّة بعد التعلّم من أولي الألباب الصافية، إذ لو لم تكن مسبوقة بالهداية الأوّليّة لما كانت متذكّرة بتلك الهداية في لاحق الأمر.
فهذه المعارف والحقائق فطريّة مكنونة في فطر الناس، كما قال: كلّ مولود ولد على فطرة التوحيد. أي الهداية، إلّا أنّ السبب لبروزها وظهورها ليس إلّا المجاهدة والسعي في تحصيلها بالاتّعاظ بالمواعظ الإلهيّة، والاستماع للكلمات الربّانيّة، ليتذكّر بتلك التذكرة، ويتبصّر بهذه التبصرة.
__________________
(١) الروم: ١٥ ـ ١٦.
(٢) إبراهيم: ٥.
فهذه السورة بما اشتملت عليه من الجواهر الساذجيّة، والفرائد البهيّة، والفوائد السنيّة، تذكرة لمن أراد التذكّر، وتبصرة لمن قصد التبصّر، كما قال: ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) (١) .
الأولى: يحتمل أن تكون كلمة الإشارة إشارة إلى الخلقة المفهومة من قوله:( نَحْنُ خَلَقْناهُمْ ) إلى آخره، أي: إنّ في خلقنا للإنسان تذكرة له، حيث جعلنا فيه آيات بيّنات على كمال قدرتنا، وعلامات شاهدات على مقام وحدتنا، ودلالات واضحات إلى علوّ حكمتنا، فمن تفكّر في نفسه حقّ التفكّر، وتدبّر في أمر خلقه حقّ التدبّر، يحصل له بالضرورة العلم القطعيّ بوجود الصانع الحكيم الّذي لا يجهل شيئا، ولا يذهل عن أمر شيء، ولا يشذّ عن قدرته شيء، كما يحصل له العلم بالنتيجة بعد ترتيب المقدّمات القطعيّة.
ففي تفكّره استدلال بالمعلول على العلّة التامّة، وهو أوّل مراتب المعرفة بالحقّ، فإنّ السالك إذا فاز بتلك الدرجة فربّما يستغني عنها بالفوز بالدرجة الأعلى، وهي الاستدلال بالعلّة على المعلول، بأن لا يرى فيما يرى أوّلا إلّا نور الحقّ، كما قال: ما رأيت شيئا إلّا وقد رأيت الله قبله.
ويدلّك على ذلك، أي على أنّه قد يستغني عن التوجّه إلى الدليل بالالتفات إلى المدلول مقال الخليل عليه السلام على ما حكى الله عنه بقوله:( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا
__________________
(١) ق: ٣٧.
رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (١) .
حيث علم إجمالا أنّ الحقّ يجب أن يكون موصوفا بالكمال من جميع الجهات، فلمّا رأى الكوكب بضوئه الّذي هو من الكمال حسبه إلها من جهة كماله، فلمّا غاب استدلّ بغيبوبته على أنّه لا يستحقّ الالوهيّة، إذ الأفول من النقصان، والحقّ مقدّس عنه من جميع الجهات.
وهكذا كان استدلاله بالشمس والقمر، فلمّا استغنى عن ذلك المقام قال:( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ) إلى آخره، أي حصرت التفات قلبي في مشاهدة أنوار الحقّ، وأعرضت عن غيره، فإنّ الالتفات إلى الغير ولو في مقام الاستدلال شرك.
( وإِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) أي مستغن عن الاستدلال بالمعلول على العلّة، لاستلزامه الشرك من لزوم التوجّه فيه إلى الخلق أوّلا، وإلى الحقّ ثانيا.
وقال بعض العارفين: إنّ الخليل لـمـّا غلب عليه الشوق والطلب، وعلم حضور الحقّ لكلّ شيء كان كلّما شاهد نورا وكمالا وبهاء في شيء قال: هذا ربّي، وذلك لشدّة عطشه إلى لقاء ربّه، كالعطشان الّذي كلّما لمح سرابا حسبه ماء، فلو لم يكن عطشان إلى اللقاء لم يحسب الكواكب ربّه. انتهى.
وبالجملة: لا يخفى أنّ في السلسلة الخلقيّة آيات كثيرة دالّات على
__________________
(١) الأنعام: ٧٦ ـ ٧٩.
كمال القدرة، وتمام الصنعة، وعلوّ الحكمة، يستدلّ بها المتفكّرون، ويتذكّر بها المتذكّرون، بحيث لا يبقى لهم ريب في وجود الصانع، واتّصافه بأكمل الصفات، وأجمل السمات.
وفي أنّه هو الله الّذي لا إله إلّا هو الحيّ القديم القادر على كلّ شيء، والسلطان على كلّ شيء، والظاهر آياته في كلّ شيء، والباهر علاماته في كلّ شيء لكلّ شيء، والمشهود آثار إبداعه لكلّ شيء، في ملكوت كلّ شيء، والمتلألئ جوهريّات حقائق حكمته في ذاتيّات كلّ شيء، والمتبلّج أنوار آيات لاهوتيّته في هويّات كلّ شيء، والمتشعشع بوارق ظهورات جبروتيّته في كينونيّات كلّ شيء حتّى شهد كلّ شيء بظهورات اللّاهوت، وشؤونات الهاهوت، وإشراقات الجبروت، ومقامات الملكوت، وعلامات الملك في عالم الثبوت، ودلالات ذاتيّات الناسوت، على أنّه تعالى هو الإله الّذي ظهر لنفسه بنفسه في أزل الآزال، واحتجب بسرادق عزّ كينونته عن القلوب والأنظار، وأنّه هو الفرد الّذي لم يزل كان بلا وجود شيء معه، ولا يزال هو كائن بمثل ما كان له من الكينان، وأنّه الحقّ الأحد الّذي ليس له وصف في الإبداع، ولا نعت في الاختراع، ولا ذكر لأهل الإمكان في عالم العيان.
كيف لا يشهد على ذلك وقد تلألأت جواهر الياقوت في أرض الناسوت، وتشعشعت أنوار اللاهوت في سماء الهاهوت، واستلاحت أقمار الملكوت على قابليّات الثبوت.
وهذا هو السرّ في تأكّد الأمر بالاستدلال بهذه الأمور على مقام صرف النور، وشؤونات التجلّي لأهل الطور، كما قال:( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ
فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ) (١) .
وقال:( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إلى طَعامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدائِقَ غُلْباً * وَفاكِهَةً وَأَبًّا * مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ) (٢) .
وقال:( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ) (٣) .
وقال:( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) (٤) .
إلى قوله:( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ * إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ * أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (٥) .
وقال:( فَانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ
__________________
(١) ق: ٦ ـ ٨.
(٢) عبس: ٢٤ ـ ٣٢.
(٣) الطارق: ٥ ـ ٧.
(٤) يونس: ٣.
(٥) يونس: ٥ ـ ٨.
لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (١) .
وفي توحيد المفضّل رحمه الله: يا مفضّل، إنّ الشكّاك جهلوا الأسباب والمعاني في الخلقة، وقصرت أفهامهم عن تأمّل الصواب والحكمة فيما ذرأه الباري، وبرأ عن صنوف خلقه في البرّ والبحر، والسهل والوعر، فخرجوا بقصر علومهم إلى الجحود، وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود، حتّى أنكروا خلق الأشياء، وادّعوا أنّ كونها بالإهمال، لا صنعة فيها، ولا تقدير، ولا حكمة من مدبّر، ولا صانع! تعالى عمّا يصفون، وقاتلهم الله أنّى يؤفكون.
فهم في ضلالهم وعميهم وتحيّرهم بمنزلة عميان دخلوا دارا قد بنيت أتقن بناء وأحسنه، وفرشت بأحسن الفرش وأفخره، واعدّ فيها ضروب الأطعمة والأشربة، والملابس والمآرب الّتي نحتاج إليها، ولا يستغنى عنها، ووضع كلّ شيء من ذلك موضعه، على صواب من التقدير، وحكمة من التدبير، فجعلوا يتردّدون فيها يمينا وشمالا، ويطوفون بيوتها إدبارا وإقبالا، محجوبة أبصارهم عنها، لا يبصرون هيئة الدار وما اعدّ فيها، وربّما عثر بعضهم بالشيء الّذي قد وضع موضعه، واعدّ للحاجة إليه، وجاهل بالمعنى فيه، ولما اعدّ، ولما ذا جعل كذلك، فيذمّ الدار وبانيها.
وهذه حال هذا الصنف في إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة، وثبات الصنعة، فإنّهم لـمـّا عزبت أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء صاروا يجولون في هذا العالم حيارى، ولا يفهمون ما هو عليه من إتقان
__________________
(١) الروم: ٥٠.
خلقته، وحسن صنعته، وصواب تهيئته، وربّما وقف بعضهم على الشيء لجهل سببه، والإرب فيه، فيسرع إلى ذمّه، ووصفه بالإحالة والخطأ كالّذي أقدمت عليه المنّانيّة الكفرة، وجاهرت به الملاحدة الماردة الفجرة، وأشباههم من أضلّ الضلّال.
يا مفضّل، أوّل العبر والأدلّة على الباري تهيئة هذا العالم، وتأليف أجزائه، ونظمها على ما هي عليه، فإنّك إذا تأمّلت العالم بفكرك، وميّزته بعقلك، وجدته كالبيت المبنيّ المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكلّ شيء فيها لشأنه معدّ، والإنسان كالمملّك ذلك البيت، والمحوّل جميع ما فيه، وضروب النبات مهيّأة لمآربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصلحه ومنافعه.
ففي هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدير وحكمة، ونظام وملاءمة، وأنّ الخالق له واحد، وهو الّذي ألّفه ونظّمه بعضا إلى بعض، جلّ قدسه، وتعالى جدّه، وكرم وجهه، ولا إله غيره، تعالى عمّا يقول الجاحدون، وعظم عمّا يتّخذه الملحدون، وسنبتدئ يا مفضّل بذكر خلق الإنسان فاعتبر به.
فأوّل ذلك ما يدبّر به الجنين في الرحم، وهو محجوب في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، لا حيلة عنده في طلب غذاء، ولا دفع أذى، ولا استجلاب منفعة، ولا دفع مضرّة، فإنّه يجري إليه دم الحيض ما يغذوه كما يغذوه الماء النبات، فلا يزال ذلك غذاءه، حتّى إذا كمل
خلقه، واستحكم بدنه، وقوي أديمه على مباشرة الهواء، وبصره على ملاقاة الضياء، هاج الطلق بأمّه، فأزعجه أشدّ إزعاج وأعنفه، حتّى يولد.
فإذا ولد صرف ذلك الدم الّذي كان يغذوه من دم أمّه إلى ثديها، فانقلب الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء، وهو أشدّ موافقة للمولود من الدم، فيوافيه في وقت حاجته إليه، فحين يولد قد تلمّظ شفتيه طلبا للرضاع، فهو يجد ثدي أمّه كالأداوتين المعلّقتين لحاجته، فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن، رقيق الأمعاء، ليّن الأعضاء.
حتّى إذا تحرّك واحتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتدّ ويقوى بدنه طلعت له الطواحين من الأسنان والأضراس ليمضغ الطعام، فيليّن عليه، ويسهل له إساغته، فلا يزال كذلك حتّى يدرك إلى آخره.
والحديث طويل، والتصفيح فيه يزيد معرفة الجليل، فإنّه تذكرة للعاقلين، وتبصرة للعارفين، فانظر فيه حتّى ينوّر قلبك بأنوار اليقين.
الثانية: في حذف المعادل إشارة إلى أنّه لا ينبغي لمن تذكّر وتفكّر في الآيات التدوينيّة والتكوينيّة أن يتّخذ سبيلا إلى غير ربّه، فإنّه حينئذ يتّضح له طرق الهدى والرشاد، والشرّ والفساد، فيقطع بأولويّة اختيار الهدى على الضلال، والإيمان على الكفر بعين الجمال.
وإلى أنّ المتذكّر بالآيات سالك إلى مسالك الحقّ لا محالة، بخلاف من لا يتذكّر بها، فإنّه لا يهتدي بهدي الله، ولا يدخل بيت ولاية الله، فيحرم عن مشاهدة نور الله، ويحجب عن الاتّصال بعين حكمة الله، ويبعد عن ساحة جمال الله، ويطرد عن باب جلال الله، بحيث لا يبقى له ذكر في حرم جوار
الله، ولا وصف في جهة وجه الله، ولذلك أعرض عن ذكره في الآية.
الثالثة: في تنكير السبيل إشارة إلى التعظيم والتفخيم، بمعنى أنّ السبيل إلى الله تعالى هو من أعظم السّبل، والمسلك إلى الحقّ هو من خير المسالك.
ويحتمل أن يكون إشارة إلى التعدّد والتكثير، بمعنى أنّ السبل إلى الله مختلفة كثيرة، كما قال: السبل إلى الله بعدد أنفاس الخلائق. انتهى.
فمن شاء اتّخذ إلى ربّه سبيلا من تلك السبل، وذلك باختلاف استعدادات الناس في مقام المعرفة بالمعبود، فإنّهم ليسوا على وتيرة واحدة، بل مراتبهم في ذلك المقام متفاوتة مختلفة، فلكلّ من المتذكّرين مقام وسبيل ليسا للآخر، فإنّ للإيمان مراتب متعدّدة، ودرجات متفاوتة، يفوز كلّ صنف بدرجة منها، ومرتبة من مراتبها، أما ترى أنّ أهل اليقين بالله ورسوله على أصناف ثلاثة :
الأوّل: هم الّذين فازوا بعلم اليقين، وهو قبول ما ظهر من الحقّ بطريق الرسالة، وهو ما جاءت به الرسل من الإيمان والإسلام والأحكام، وما غاب من الدار الآخرة وأحوال القيامة، والجنّة والنار، قبولا إذ عانيّا اعتقاديّا لا يزول بتشكيك الجاحدين.
الثاني: هم الّذين فازوا بعين اليقين، وهو مقام الكشف والشهود، وتحقيق ما قيل تعبّدا، وفيه الغناء بالاستدراك عن الاستدلال.
الثالث: هم الّذين فازوا بحقّ اليقين، وهو مقام الفناء عن الرسم باستيلاء نور الحقيقة، كما قال عليه السلام: نور يشرق من صبح الأزل، فيلوح على هياكل التوحيد.
ثمّ لا يخفى أنّ كلّا من تلك المسالك الثلاثة سبيل إلى الحقّ تعالى للمستعدّ له، يوصله إلى ما هو المقرّر له لا محالة، فلا للفائزين بالأوّل إنكار الصنفين الأخيرين وتكفير هما، ولا لهما الإنكار على الأوّل إذا لم يكن مستعدّا لأزيد ممّا بلغه وفاز به، إذ لا يكلّف الله نفسا إلّا وسعها، وفي المقام كنوز حقائق يمنعني عن إظهارها قصور الأفهام.
الرابعة: في نسبة المشيئة وإثباتها للمخلوق تصريح بأنّهم ليسوا مجبورين في أمر الهداية والضلالة، بل أعطاهم الاختيار، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.
وإشارة إلى أنّ الأليق بحالهم اختيار الهداية، فإنّه لقد ذكّرهم بالآيات، وأزاح عنهم الشبهات، فمن أظلم ممنّ ذكّر بآيات الله ثمّ أعرض عنها.
الخامسة: المراد بالسبيل هو التذكّر والتفكّر في شعشعانيّات آيات الحقّ، فإنّ ذلك يوصل العبد إلى مقامات قرب الله، ويؤويه في حرم انس الله ويجلسه في بساط إجلال الله، أي هذه الآيات تذكرة للمستعدّين، فمن شاء فليتذكّر بها حتّى يفوز بلئالئ حقائق حكمة الله، ويلتذّ بعسل مصفّى من معارف قدس الله، كما قال:( كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ) (١) إلى آخره.
ثمّ التذكّر على ثلاثة أنواع :
الأوّل: التذكّر لعين التوحيد، أي تنزيه الحقّ عن الشريك، وهو عبارة عن استغراق العبد في لجّة الأحديّة، واضمحلال عينه، ورسم فكره، ودليله في عين الواحديّة، فإنّ كلّ ذلك حجب عن المطلق، وذلك معنى فناء الكلّ
__________________
(١) عبس: ١١ ـ ١٢.
في الحقّ، وبذل الكلّيّة في الله.
الثاني: التذكّر للطائف صنع الله، ومحاسن خلقه، وهو عبارة عن العلم بحقائق الأشياء وخواصّها وأوصافها، وذلك يهذّب الأخلاق، ويسدّد الأعمال، ويقوّي العبد على طاعة الله، ويهديه إلى حقائق حكمة الله، ويرشده إلى لطائف تجلّيات نور الله.
وذلك العلم لا يحصل إلّا بالنظر فيما يتوقّف عليه وجوده من الأسباب، وأنّ الله أوجده عن عدم، وخلقه ولم يك شيئا، وصوّره في أحسن الصور، وجعل له سمعا يسمع به كلمات الله، وبصرا يرى به آيات قدرة الله، ويشاهد به أنوار وجه الله، وجوارح بها يقدر على أداء طاعة الله، وربّاه بأحاسن التربية، وأنعم عليه نعما ظاهرة وباطنة، فيفتح عليه أبواب لطائف الصنعة في خلقه، ويرى عجائب الحكم في تركيب خلقته من العظام والعروق، وغير ذلك، على ما وقف عليه أصحاب التشريح، فيجد فيها إشارات لطيفة تدعوه إلى وجوب شكر المنعم وطاعته، على وفق ما أمر به، وإجابة داعيه، والإقامة بحقّ عبوديّته مخلصا له الدين، فإذا فاز العبد بذلك المقام جعل الله في قلبه نور الفرق بين الحقّ والباطل، كما قال:( إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ) (١) .
الثالث: التذكّر لمعاني الأعمال والأحوال، وهو يرشد العبد إلى أنّها منن من الله، فإنّ الدواعي الباعثة عليها، واختيارها على الوجه الّذي ينبغي، إمّا من عند الله، أو من عنده، فإن كان الأوّل ثبت المطلوب، وإن كان الثاني فحصول الداعية والاختيار، إمّا باختياره، أو باختيار الحقّ، فإمّا أن يتسلسل، أو ينتهي
__________________
(١) الأنفال: ٢٩.
إلى اختيار الحقّ، والتسلسل باطل، فثبت أن يكون باختيار الحقّ.
وبعض العارفين لقد جعل تلك الأنواع للتفكّر، وفرّق بينه وبين التذكّر بأنّ التفكّر لا يكون إلّا بعد فقدان المطلق، لاحتجاب القلب بصفات النفس، فيلتمس البصيرة مطلوبة.
وأمّا التذكّر، فهو عند رفع الحجاب، وخلوص خلاصة الإنسانيّة عن قشور صفات النفس، والرجوع إلى الفطرة الأولى، فيتذكّر ما انطبع فيها في الأزل من التوحيد والمعارف بعد النسيان بسبب التلبّس بغواشي تلك النشأة، كما قال تعالى:( وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ) (١) .
وقال: وأبنية التذكّر ثلاثة أشياء :
الأوّل: الانتفاع بالعظة، وهو أن يأمر النفس بسماع الوعد والوعيد، فينفعل من الوعد بالرجاء الباعث على الاجتهاد في العمل لتحصيل المرجوّ، ومن الوعيد بالخوف الباعث على التقوى.
الثاني: الاستبصار، أي طلب التبصّر بنور البصيرة، والسعي في طلب النجاة والسعادة والكمال.
الثالث: الظفر بثمرة الفكرة، وهو على نوعين :
أحدهما: العمل بمقتضى العلم الحاصل بالفكر الصائب في الأعمال، والإخلاص، فإنّه يوجب العمل الصالح، ومن عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم.
والثاني: حصول المعارف والحقائق الكامنة في الاستعداد الفكريّ، فإنّ
__________________
(١) طه: ١١٥.
الفكر معدّ لقبول المعنى الفائض بحسب الاستعداد إلى آخره.
وإنّي أنا لا أرى فرقا بينهما بوجه، ولذلك نوّعنا التذكّر على ما نوّعوا به التفكّر، فعليك بالتدبّر، لتكون من الفائزين بلذّة معرفة الله.
السادسة: لا بأس بتفسير السبيل بمبادئ السلوك الّتي يبتني عليها قطع الأودية بنور القوّة القدسيّة، وهي عشرة تسمّى عند الصوفيّة بالأصول.
الأوّل: القصد، وهو إجماع الهمّ على الحركة نحو المطلوب.
الثاني: العزم، وهو أوّل الشروع في الحركة ومبدؤه، وهو أعلى من القصد.
الثالث: الإرادة، وهي الإجابة لدواعي الحقيقة طوعا بحكم الفطرة، كما قال:( أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ ) (١) وذلك لا يكون إلّا بجاذب نور الكشف، وقبول صفاء الفطرة.
والمراد بالدواعي ما يسنح في سرّ العبد من الخواطر الحقّانيّة الباعثة على الطلب، الجاذبة إلى الحقّ.
الرابع: الأدب، وهو رعاية الحدود المحدودة في الشريعة مع الحقّ والخلق من غير الزيادة، فيقع في الغلوّ، ولا النقصان فيقع في الجفاء.
أمّا الغلوّ، فكما فعلت النصارى في إكرامهم السيّد المسيح عليه السلام، فإنّهم أفرطوا في إكرامه، حتّى كفروا، وكما فعلت النصيريّة في إطراء عليٍّ عليه السلام، ويدخل فيه الإسرافات المذمومة في الوضوء والغسل والنيّة وسائر الأمور الشرعيّة.
__________________
(١) الأحقاف: ٣١.
وأمّا الجفاء، فكما يفعل بعض الناس حيث يتركون الفرائض، ويهملون الآداب، ويتركون حقوق الناس، ويدعون هجوم الانبساط، فيفشون الأسرار المخفيّة الّتي أمروا بكتمانها، لعنهم الله لعنا وبيلا.
فمن الأدب: المواظبة التامّة على العبادات الشرعيّة من الصلاة والصيام وغيرهما، ممّا أكدّ فيه الأمر من الله ورسوله وأولي الأمر من آله صلّى الله عليه وآله.
وحمل الكتاب والسنّة على المفهوم من الأوّل المتبادر إلى فهم الناس من سماع اللفظ، أي ما يفهم من اللفظ عموم الخلائق أوّلا، فلا يرتكب التكلّف بأن يؤوّل اللفظ إلى معنى آخر من بطون القرآن، ويتجاوز ظواهره إلى بواطنه، بل الواجب عليه في ذلك المقام الإيمان الواقعيّ بما اشتمل عليه ظاهر القرآن، من غير أن يدّعي عند الناس إدراكا وراء إدراك العامّة.
كيف وتلك الدعوى ربّما تستلزم عدم الإيمان بالظواهر المعمولة بحيث يزعم أنّه ليس مكلّفا بها أصلا، بل ينكر على العاملين بها ويستهزئ بهم والله يستهزئ به.
فيا سبحان الله! كيف يرضى بذلك وجميع مراتب القرآن ظاهره وباطنه ولطائفه وإشاراته وعباراته وحقائقه معمولة كلّ في مقامه، من غير أن يستغني الفائز بباطنه عن العمل بظاهره.
كيف وهذا قول بعض الصوفيّة الملعونة، وتبعهم في ذلك شرذمة ملعونون في زماننا هذا، حيث فسّروا جميع ألفاظ القرآن بما ارتضته أهواؤهم من التأويلات الّتي أكثرها غير منصوص من المعصوم عليه السّلام،
فعملوا بالتأويل، وتركوا الظاهر ضلالا عن السبيل.
ألا تراهم يؤوّلون إقامة الصلاة بإقامة الولاية لعليٍّ عليه السّلام، وهو [و] إن كان من التأويلات المقبولة، إلّا أنّهم يدّعون عدم إرادة الظاهر أصلا، فلا يوجبون الصلاة الظاهريّة لعنهم الله.
وكذا يؤوّلون الصيام بالإمساك عن محبّة غير الله، والإعراض عن غير ولاية الله.
والزكاة بتزكية النفس عن الأخلاق الرذيلة.
والحجّ بالدخول في حرم قرب الله، وقصد الاتّصال بعين جذب الله.
والوضوء بتخلية القلب وتطهيره عن دنس العيوب.
والغسل بصرف الالتفات عن غير الله.
وهكذا يؤوّلون جميع ألفاظ القرآن والسنّة، ويدّعون أنّ المراد بها غير معناها الظاهريّ المتبادر إلى أفهام العامّة، وعلى تأويلها جرت أعمالهم، بمعنى أنّهم تركوا رعاية الأعمال الظاهريّة، وادّعوا الفوز بالألباب، والاستغناء عن قشور الأصحاب.
وبعضهم زعموا أنّ الظاهر من القرآن إنّما هو تكليف أهل الظاهر، فإنّهم لا يدركون أزيد من ذلك، فلا يكلّفون إلّا وسع أنفسهم، وما هو في إمكانهم واستعدادهم.
وأمّا أهل الباطن، فغير مكلّفين بالظاهر أصلا، بل تكليفهم العمل بالباطن، وهؤلاء لقد ضلّوا عن السبيل، وما اقتفوا بالدليل، أو ما رأوا الأنبياء والكمّل كيف ما تركوا المواظبة على الأعمال الظاهريّة أصلا.
والقول بأنّ ذلك كان تعليما منهم للعوامّ، يردّه عدم اطّلاعنا بإباحتهم ترك تلك الأعمال لأصحابهم الخواصّ الّذين كانوا من أهل خلوتهم وأسرارهم.
كيف ولو كان ذلك مرويّا عنهم لاطّلع عليه سلسلة أهل الحقيقة والباطن، مع أنّ الصافين منهم لا يقولون به أصلا.
وتفصيل المقال موجب للتطويل، وقد أشرنا إلى فساد عقائدهم في كتابنا الكبير المسمّى بقماميس الدرر وغيره.
الخامس: اليقين، وهو العرفان بالاعتقاد على الوجه الكامل، وقد عرفت مراتبه.
السادس: الأنس، وهو ما يوجب الراحة بالجمعيّة، والنجاة من التفرقة والوحشة.
السابع: الذكر، وهو التخلّص من الغفلة. والنسيان، وهو يحصل بنسيان النفس، والتوجّه إلى الجهة العليا، وهي جهة العبد مع الحقّ، والإغماض عن الجهة السفلى الّتي هي جهته مع المهيّة الظلمانيّة.
الثامن: الفقر، وهو أن لا يرى الملك إلّا لله، فيقطع بأنّه لا يملك نفسه لكونه عبدا، ولا ملك للعبد، فهو وما ينتسب إليه كلّه لله.
ولذا قيل: من لم يخرج عن نفسه لله، ولم يصل إلى حقيقة معنى قوله( أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ) (١) أي ذاتي وهويّتي له تعالى فقد ادّعى الملك، ولم يصحّ له الفقر.
__________________
(١) آل عمران: ٢٠.
التاسع: الغناء، وهو اسم لمالكيّة الحقّ، فإنّ الملك التامّ لله وحده، كما قال:( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) (١) والعبد في ذلك المقام يقطع بأنّ الغنيّ المطلق ليس إلّا الذات البحت المجرّد عن جميع الشؤونات، والمقدّس عن كلّ الصفات.
العاشر: مقام المرادين، وهم الضناين الّذين ضنّ الله بهم على البلاء، كما قال صلّى الله عليه وآله: إنّ لله ضناين من خلقه ألبسهم النور الساطع، وغذّاهم في رحمته، يضنّ بهم على البلاء.
قيل: ومعنى «ألبسهم النور الساطع»: نوّرهم بنور جماله. وذلك النور هو الّذي جاء في الخبر: إنّ الله خلق الخلق في ظلمة ثمّ رشّ عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ.
هذا بيان مجمل من مبادئ السلوك، ولكلّ منها مراتب يفصّل القول فيها في غير تلك الرسالة، فهي السبيل إلى الحقّ وقربه، فمن سلك بغير هذه المبادئ فقد أخطأ السبل، كيف ولكلّ مقصد مسلك يوصل السالك فيه إليه، وبغيره لا يمكن له الوصول أبدا، إذ الوصول إلى المقصود مسبوق بقطع الأودية على الوجه المحمود، وذلك واضح.
قال الله تعالى :
( وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً * يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) .
أقول: لـمـّا أوضح السبل لكافّة عباده بأن بيّن لهم طريق الرشد والضلالة،
__________________
(١) غافر: ١٦.
وأبان لهم درجات العلم ودركات الجهالة، فأعطاهم الاختيار حتّى يختاروا ما يشاؤون من مسلك الأخيار والأشرار، أشار في هذه الآية الشريفة إلى اختلاف استعدادتهم، وتفاوت إمكاناتهم في ذلك الاختيار.
بمعنى أنّ الحقّ تعالى لقد بيّن للكلّ سبيل الهدى والعرفان، وأفاض على الكلّ أمطار العلم والإيقان ببيان واحد، وإفاضة واحدة، إلّا أنّ القابلين لقد اختلفت طرقهم في أمر السعادة والشقاوة لاختلاف قبولهم، واستعدادهم الأزليّ من غير أن يتفاوت فيض الفيّاض بالنسبة إليهم.
كيف وفيّاضيّته عامّة، حيث لا يتصوّر بخل في فيضه أصلا، وعدم استفاضة غير القابل المفاض عليه، لعدم استعداده، وإمكانه الناشئ من جهته الذاتيّة لا يوجب نقص الفيّاض وبخله، بل نقص المحلّ لعدم قبوله :
قبول ماده شرط است در إفاضه فيض |
وگر نه بخل نيايد زمبدء فيّاض |
أما ترى إلى الشمس حين تطلع من المشرق تشرق كلّ الأمكنة، وتطلع على كلّها، من غير أن يقصر نورها عن البلوغ إلى جميع الجهات، إلّا أن يكون لمكان حاجب عن الاستضاءة بنور الشمس، فإنّه يحرم عن فيض النور لا لنقص في الشمس، فإنّها في مقام يمكن لها إضاءة كلّ الأمكنة، بل لنقص في ذلك المكان للحجاب المانع عن قبول النور.
فإيضاح الله تعالى سبله إنّما كان لجميع خلقه من غير أن يخصّ بعضا دون بعض، حتّى يلزم الظلم، كما قال:( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ ) إلى آخره.
إلّا أنّ الناس قد اختلفوا بحسب تفاوت إمكاناتهم الأزليّة، فاهتدى بالسبيل من استعدّ للهداية، وضلّ عنها من استعدّ للضلالة.
وإنّما حصل التميّز بين الفريقين والتفريق بين الصنفين ببعث الرسل والكمّل، فمن قصد طاعتهم حقّ القصد، وأجابهم حقّ الإجابة، فهو من الفرقة السعيدة، ومن تولّى عنهم، واتّخذ سبيلا غير سبيلهم، فهو من الفرقة الشقيّة.
فالإجابة علامة الهداية، وهي كاشفة عن الاستعداد الأزليّ لمراتب المعارف، والإنكار آية الشقاوة، وهو كاشف عن عدم القبول أوّلا، كما قال:( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (١) .
وقال:( فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ) (٢) . أي: لا يمكن لك هداية من ليس مستعدّا لمقام الهداية، وإنّما تهدي من استعدّ لها في الأزل.
وبالجملة: فحاصل معنى الآية الشريفة أنّكم لا تختارون في ذلك المشهد شيئا من أمر السعادة والشقاوة، إلّا والله تعالى يعلم ذلك في الأزل من قضيّة استعدادكم، فمن علمه سعيدا أي مستعدّا لذلك المقام يظهر في ذلك المشهد بالسعادة، أي إجابة الرسل، والإقرار بمقاماتهم.
وكذلك من علمه شقيّا في الأزل يظهر بالشقاوة في ذلك المشهد، فالمشيّة المنتسبة إلى الله بمعنى العلم الأزليّ والقضاء الإلهيّ الأوّليّ، كما في
__________________
(١) القصص: ٥٠.
(٢) الروم: ٥٢ ـ ٥٣.
قوله عليه السلام: «نهى الله آدم عن أكل الحنطة وشاء أن يأكله» أي: وعلم ذلك منه في الأزل «وأمر إبليس بالسجود، وشاء أن لا يسجد» أي: وعلم الإنكار منه أزلا.
وبمعنى تلك المشيّة الإرادة فيما روى ثابت بن سعيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال عليه السّلام: يا ثابت، ما لكم والناس! كفّوا عن الناس، لا تدعوا أحدا إلى أمركم، فو الله لو أنّ أهل السماوات وأهل الأرضين اجتمعوا على أن يهدوا عبدا يريد الله ضلالته ما استطاعوا على أن يهدوه، ولو أنّ أهل السماوات وأهل الأرضين اجتمعوا على أن يضلّوا عبدا يريد الله هدايته ما استطاعوا أن يضلّوه، كفّوا عن الناس (١) إلى آخره.
الأولى: قيل في تفسير الآية، أي( وَما تَشاؤُنَ ) اتّخاذ الطريق إلى مرضات الله( إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ ) إجباركم عليه، وإلجاءكم إليه، فحينئذ تشاؤون ولا ينفعكم ذلك.
وهذا كما قال:( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (٢) .
وقال:( وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) (٣) إلى آخره.
والأولى أن يقال: إنّ في تلك الآية مخاطبة من الله إلى المتّخذين سبيلا
__________________
(١) الكافي ١: ١٦٥.
(٢) السجدة: ١٣.
(٣) النحل: ٩.
إلى ربّهم لا إلى كافّة الناس، أي وما تختارونه من سبيل الحقّ وتحبّونه هو الّذي يحبّه الله ويريده منكم، إرادة طلبيّة، فإنّه تعالى لا يرضى لعباده الكفر.
فالمراد بالمشيّة هنا الإرادة المحبوبيّة ضدّ الكراهة، كما قال:( وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ ) (١) إلى آخره.
ولهذا أيضا نفسّر قوله:( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ * لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) (٢) أي: وما تحبّونه من الاستقامة في الدين القيّم هو محبوب الحقّ تعالى الّذي أراده منكم، ففي الآية إشارة إلى صحّة ما اعتقدته الإماميّة من أنّ الله تعالى مريد للطاعات، ومحبّ لها، وراض عن فاعلها، ومكره للمعاصي، ومبغض لها، وهو ساخط على فاعلها.
والأشاعرة زعموا أنّه مريد لجميع الكائنات طاعة كانت أو معصية، بل هو راض عن فاعل العصيان.
وعن بعضهم أنّه تعالى محبّ للفساد، وراض بالكفر.
وعن بعض: أنّه مريد لما أراده الشياطين، ومكره لما أراده الأنبياء والمرسلون.
وعن بعض: أنّه أراد ذمّ نفسه، ومدح الشيطان.
وجوابهم بعد دلالة القرآن والأخبار نبويّة ووَصَوِيَّة من العلويّة إلى العسكريّة على خلاف دعواهم والردّ عليهم: الإعراض عن المكالمة معهم،
__________________
(١) الحجرات: ٧.
(٢) التكوير: ٢٧ ـ ٢٩.
فإنّهم لقد خاضوا في قاموس الجهالة، وتاهوا في فيافي الضلالة، حيث نسبوا إلههم إلى ما يخجل اللسان عن تقريره، ويمتنع القلم عن تحريره، وإنّني أنا في مقامي هذا لبريء منهم ومن إلههم الّذي أثبتوه، وتعالى ربّي عما يصفه الجاهلون.
ويحتمل أن يكون في الآية إشارة إلى أنّ المشيّات كلّها متلاشية في مشيّة الحقّ، والإرادات بأسرها مستغرقة في طمطام إرادة الحقّ، بمعنى أنّ جميع إرادات العباد إلى الله مستندة، وجميع مشيّاتهم إلى مشيّته راجعة، فإنّه تعالى خالق القوى والقدر، وجاعل الأشكال والصور.
كيف وإن من شيء إلّا وهو من آثار خلقه، وآيات إبداعه وصنعه، فما يريد العبد شيئا إلّا وإرادته مخلوقة لله، وما يشاء أمرا إلّا ومشيّته حادثة بأمره، فكلّ الإرادات إلى الحقّ مستندات، وجميع المشيّات إلى الحقّ راجعات.
بمعنى أنّه خالق الكلّ، ومبدع الكلّ، ومحدث الكلّ، فلا يلزم التسلسل أصلا، فإنّه يلزم لو قلنا بأنّ حصول الدواعي إنّما هو بأمر العبد لا الحقّ تعالى وما يتوهّم من ظاهر ذلك التقرير من لزوم الجبر والظلم سيجيء الجواب عنه فيما سنختاره في تلك المسألة.
الثانية: اختلف أهل التوحيد في المشيّة، هل هي من الصفات الفعليّة الحادثة كالكلام وغيره ممّا يصحّ نفيه عنه؟ أو من الصفات الذاتيّة؟
فالمشهور الأوّل، وهو الحقّ. وذهب الشاذّ من مخالفينا إلى الثاني لوجهين :
أحدهما: أنّه لو كانت من صفة الفعل لزم التسلسل.
وتقريره أنّ الممكنات مخلوقة بالمشيّة، فلو كانت حادثة
لاحتاجت إلى مشيّة أخرى، وهكذا.
والجواب ظاهر، فإنّه تعالى خلق الأشياء بالمشيّة، والمشيّة بنفسها، ألا ترى أنّ الأشياء تعلم بالعلم، والعلم لا يعلم إلّا بنفسه، وكذا الوجود يعرف بنفسه، مع أنّ الأشياء تعرف به، والتمثيل بالملح والدهن والسكّر وغير ذلك يدلّك على المطلق.
الثاني: أنّ المشيّة إمّا قائمة بالذات، وإمّا بنفسها، وإمّا بغيرهما.
وعلى الأوّل إمّا قديمة، أو حادثة، والأوّل هو المطلوب، والثاني موجب للمحال، وهو وقوع القديم محلّا للحادث.
وعلى الثاني يلزم اتّحاد العارض والمعروض.
وعلى الثالث يلزم كون صفة الشيء عارضا لشيء آخر.
والجواب أوّلا: أنّ ذلك منقوض بسائر صفات الأفعال.
وثانيا بأنّ المشيئة قائمة بالذات لا بقيام العارض على المعروض، كالبياض على الجسم، بل قائمة به بالقيام الصدوريّ كالشعاع بالشمس، فالحقّ الّذي يجب الإقرار به هو المذهب الأوّل.
ويدلّ عليه ما روي عن الرضا عليه السّلام أنّه قال: المشيّة والإرادة من صفات الأفعال، فمن زعم أنّ الله لم يزل شائيا، فليس بموحّد(١) .
وعن صفوان بن يحيى قال: قلت له عليه السلام: أخبرني عن الإرادة من الله ومن الخلق؟ قال: فقال: الإرادة من الخلق: الضمير، وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأمّا من الله: فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لأنّه لا يروّي ولا
__________________
(١) التوحيد: ٣٣٧.
يهمّ ولا يتفكّر، فهذه الصفات منفيّة عنه، وهي صفات الخلق، فإرادة الله الفعل لا غير ذلك يقول كن فيكون بلا لفظ، ولا نطق بلسان، ولا همّة ولا تفكّر(١) .
وعن سليمان قال: قلت له عليه السلام: أسألك؟ قال عليه السلام: سل عمّا بدا لك، قال: قلت: ما تقول فيمن جعل الإرادة اسما وصفة مثل حيّ وسميع وبصير وقدير؟ قال عليه السلام: إنّما قلتم حدثت الأشياء واختلفت، لأنّه شاء وأراد، ولم تقولوا حدثت الأشياء واختلفت، لأنّه سميع بصير، فهذا دليل على أنّها ليست مثل سميع ولا بصير ولا قدير.
قال: قلت: فإنّه لم يزل مريدا؟ قال عليه السلام: فإرادته غيره؟ قال: نعم، قال عليه السلام: قد أثبتّ معه شيئا غيره لم يزل، قال: ما أثبتّ؟ قال عليه السلام: أهي محدثة.
إلى أن قال عليه السلام: هي محدثة، يا سليمان، فإنّ الشيء إذا لم يكن أزليّا كان محدثا، وإذا لم يكن محدثا كان أزليّا(٢) .
وقال الصادق عليه السّلام: إنّ المريد لا يكون إلّا المراد معه لم يزل الله عالما قادرا ثمّ أراد(٣) .
وقال عليه السلام: خلق الله الأشياء بالمشيّة، وخلق المشيّة بنفسها(٤) .
وتعليق الخلق على الشيء صريح في حدوثه كما لا يخفى، والأخبار
__________________
(١) الكافي ١: ١٠٩.
(٢) التوحيد: ٤٤٤.
(٣) الكافي ١: ١٠٩.
(٤) التوحيد: ٣٣٩.
على صدق دعوانا متواترة، وقاعدة صحّة النفي الفارقة بين الصفات الفعليّة والذاتيّة تدلّك على ما اخترناه، وهنا تفاصيل تطلب من الكتب المفصّلة.
الثالثة: قيل: في الآية دلالة على بطلان القول بالتفويض، أي تفويض الله جميع أمور عباده إلى أنفسهم أو إلى المعصومين من محمّد صلّى الله عليه وآله وعترته عليهم السلام.
ويؤيّده ما روي من أنّ القائم عليه السلام سئل عن المفوّضة، فقال: كذبوا، بل قلوبنا أوعية لمشيّة الله، فإذا شاء شئنا، ثمّ تلا هذه الآية(١) .
وتفصيل القول في تلك المسألة يطلب من محلّ آخر.
الرابعة: قد استدلّ جماعة من المجبّرة بتلك الآية على صدق دعواهم، وقد عرفت ما فسّرناها به، وهو يبطل الاستدلال قطعا، وحيث انتهى القول إلى ذلك المقام فلا بأس بإشارة إجماليّة إلى مسألة الجبر والتفويض، وذكر الأقوال فيها.
فنقول: قد اختلف في أفعال العباد على أقوال :
الأوّل ـ وهو مذهب الإماميّة كافّة ـ أنّ أفعالهم إنّما هي باختيارهم وإرادتهم وقدرتهم بإعانة الحقّ إن كانت طاعة، وبخذلانه إن كانت معصية.
وهذا هو الأمر بين الأمرين الّذي أشير إليه في بعض الأخبار.
ويدلّ عليه ما في العيون من أنّه سئل من الرضا عليه السلام: هل لله مشيّة وإرادة في ذلك، أي في الفعل؟ فقال: فأمّا الطاعات، فإرادة الله، ومشيّته فيها
__________________
(١) أنظر: الغيبة، للطوسيّ: ٢٤٦.
الأمر بها، والرضا لها، والمعاونة عليها، وإرادته ومشيّته في المعاصي النهي عنها، والسخط لها، والخذلان عليها.
وفي الكافي: لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين. فقلت: ما أمر بين أمرين؟ قال: مثل ذلك رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته، فتركته ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الّذي أمرته بالمعصية(١) .
وعن أبي جعفر عليه السّلام قال: مكتوب في التوراة: يا موسى، إنّي خلقتك واصطفيتك وقوّيتك، وأمرتك بطاعتي، ونهيتك عن معصيتي، فإن أطعتني أعنتك، وإن عصيتني لم أعنك على معصيتي، ولي المنّة عليك في طاعتك، ولي الحجّة عليك في معصيتك لي(٢) .
فليس العباد مجبورين على أعمالهم كما زعمه من ستعرفه، والأدلّة على ذلك كثيرة لا تحصى، منها: الآيات القرآنيّة، وهي أكثر من أن تحصى.
ومنها: الأخبار المرويّة في الكتب المعتبرة عن العترة عليهم السلام، قال الرضا عليه السلام: من زعم أنّ الله يفعل أفعالنا ثمّ يعذّبنا عليها فقد قال بالجبر.
إلى أن قال: القائل بالجبر كافر(٣) .
وقال عليه السلام: من زعم أنّ الله يجبر عباده على المعاصي أو يكلّفهم
__________________
(١) أنظر: عيون أخبار الرضا عليه السّلام ١: ١٢٤.
(٢) الأمالي، للصدوق: ٣٠٨، روضة الواعظين ٢: ٤٢١.
(٣) عيون أخبار الرضا عليه السّلام ١: ١٢٤.
ما لا يطيقون، فلا تأكلوا ذبيحته، ولا تقبلوا شهادته، ولا تصلّوا وراءه، ولا تعطوه من الزكاة شيئا(١) .
وفي التوحيد: خرج أبو حنيفة ذات يوم من عند الصادق عليه السلام فاستقبل موسى بن جعفر عليه السلام، فقال له: يا غلام، ممّن المعصية؟
قال: يا شيخ، إمّا أن يكون من الله وليس من العبد شيء، فليس للحكيم أن يأخذ عبده بما لم يفعله.
وإمّا أن يكون من العبد ومن الله والله أقوى الشريكين، فليس للشريك الأكبر أن يأخذ الأصغر بذنبه.
وإمّا أن يكون من العبد وليس من الله شيء، فإن شاء عفى، وإن شاء عاقب(٢) إلى آخره.
ومنها: اقتضاء الضرورة بالفرق بين الحركات الاختياريّة والاضطراريّة، لأنّا نجد الفرق بين صدور الفعل منّا قصدا وصدوره كرها لوجود القدرة على الترك في الأوّل دون الثاني، فلو كنّا مجبورين على الصلاة مثلا لما كان لنا القدرة على تركها، وهو باطل بالضرورة.
ومنها: لزوم كونه تعالى ظالما، لشهادة كلّ عاقل بظلم من صنع صنعا قبيحا، ثمّ يعاقب به غيره.
أقول: ويمكن المناقشة في جميع ما ذكروه، إلّا أنّ التعرّض لها يوجب التطويل، وعسى أن يشار إليها في مطاوي ما سنذكره.
__________________
(١) كشف الغمّة ٢: ٢٨٥.
(٢) الاحتجاج ٢: ٣٨٧.
وفي حياة النفس لبعض المتأخّرين: فمن قال بأنّ الفاعل للفعل الصادر من العبد هو الله من خير وشرّ وليس للعبد في شيء من أفعاله مدخل ولا سبب، بل هو فاعل لفعل العبد، فكما هو خالقه كذلك هو خالق فعله، فقد نسب إليه الظلم، حيث يلزمه أنّه تعالى أجبرهم على المعاصي، ومع ذلك يعاقبهم عليها، ويعذّبهم بها.
ومن قال بأنّ العبد هو فاعل فعله من غير مدخل لغيره في شيء، بل هو مستقلّ في فعله لا مانع له منه، وإلّا لما استحقّ الثواب والعقاب، فقد عزل الله عن ملكه، وأخرجه عن سلطانه.
والفريقان خارجان عن طريق الحقّ والصراط المستقيم، والحقّ الحكم بالأوسط، كما قال جعفر بن محمّد عليه السلام: لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين أمرين. يعني: لا جبر بأن يقال إنّ الله قد أجبرهم على المعاصي، ولا تفويض بأن يقال فوّض الأمر إلى العباد، بل أمر بين أمرين، أي: العبد فاعل لفعله على جهة الاختيار من غير إكراه ولا إجبار، ولكن بتقدير الله الساري في فعل العبد. انتهى.
أقول: ما ذكره من أنّ كلّ ذلك بتقدير الله الساري قريب ممّا نختاره عند التحقيق، فليتأمّل.
الثاني: وهو مذهب أبي الحسن الأشعريّ وجهم بن صفوان أنّ الأفعال كلّها مستندة إلى الله، واقعة بقدرته وحدها.
يعني أنّه ليس للعبد قدرة أصلا، فهو مجبور في فعله، مقسور في عمله، واستدلّوا بوجوه:
منها: أنّه تعالى هو خالق كلّ شيء فإليه يستند كلّ شيء، لأنّه مبدأ كلّ شيء.
وفيه أنّ كونه مبدأ لجميع المعلولات، ومنشأ لكلّ المخلوقات، لا يستلزم عدم القدرة للعبد. كيف وهو الخالق لها في العبد، والجاعل للتمكّن فيه، كما قال: أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيّئاتك منّي، عملت المعاصي بقوّتي الّتي جعلت فيك(١) . فليتأمل.
ومنها: أنّ ما علم الله وقوعه واجب لا يمكن عدمه، وإلّا يلزم الانقلاب في علمه، وكذا ما علم عدم وقوعه ممتنع لا يمكن وقوعه، والعبد غير قادر على الواجب والممتنع، فلزم الجبر، وهو المطلوب.
وأجيب عنه بأنّ العلم تابع لوقوع المعلوم ولا حق له، واللّاحق لا يؤثّر في السابق، فليتأمّل(٢) .
ومنها: أنّ العبد إمّا أن يفعل بالجبر، أو بالاختيار، فإن كان الأوّل يلزم المطلوب، وإن كان الثاني، فإمّا أن يتمكّن من الترك أو لا، فعلى الثاني يلزم المطلوب، وعلى الأوّل إمّا أن يكون في الفعل رجحان أو لا، فعلى الثاني يلزم ترجيح أحد طرفي الممكن، وعلى الأول إمّا أن يمتنع من النقيض أو لا، فعلى الثاني يلزم حصول المرجوح، وعلى الأوّل يلزم المطلوب.
__________________
(١) الكافي ١: ١٥٧.
(٢) يوجد في هامش هذه الصفحة تعليقة لبعض أصدقاء المؤلّف، وهذا نصّه: أقول: وفي هذا الجواب نظر، إذ قد تحقّق في محلّه أنّ علمه تعالى فعليّ منشأ لإيجاد المعلوم، وسابقا عليه، وما ذكره الحبيب إنّما يجري في علومنا المكتسبة من المعلومات العينيّة، ولعلّ قول الفاضل المؤلّف ـ فليتأمّل ـ إشارة إلى ما ذكرنا، فلا تغفل. لمحرّره محمّد حسين الأراكيّ.
وأجيب: أوّلا بأنّا نختار عدم الرجحان في الفعل، والقول بلزوم المرجوح ممنوع، لوجود المرجّح وهو القادر، كما أنّ الجائع إذا حضره أرغفة كثيرة فله أن يأكل من أيّها شاء من غير مرجّح سوى إرادته.
وثانيا بالنقص في حقّه تعالى، فإنّه إمّا أن يفعل بالجبر أو لا، فعلى الأوّل يلزم كونه موجبا، وقد ثبت أنّه مختار، وعلى الثاني يلزم ما ذكرتم في حقّه أيضا، فما كان جوابكم فهو جوابنا. ولهم أدلّة اخرى، وهي مع جوابها مذكورة في الإرشاد والنهج والاستقصاء من كتب العلّامة رحمه الله وغيرها.
والمعتزلة لقد أنكروا عليهم بضرورة الفرق بين حركة المرتعش وحركة المختار.
وأجيب عنه في الرسالة المكتوبة لسعيد الدين محمّد الاستراباديّ بأنّ الأشعريّ لـمـّا تقرّر عنده أن لا مؤثّر في الوجود إلّا الله، وأنّ ما عداه أسباب عاديّة، والممكنات مستندة إليه من غير واسطة، لزم على أصوله أن يكون خالق تلك الأفعال هو الله تعالى.
غاية الأمر أن تكون قدرة العبد وإرادته سببا عاديّا على نحو سائر الأسباب العاديّة، فلا يلزم الشناعة الّتي يوردها المعتزلة عليه من أنّه يلزم أن لا يكون بين حركة المرتعش وحركة المختار فرق، وربّما يدّعون البداهة في بطلان مذهبه، حتّى نقل عن أبي هذيل العلّاف أنّه قال: حمار بشر أعقل من بشر، فإنّ حماره يفرّق بين ما يقدر عليه وبين ما لا يقدر عليه، من حيث إنّه إذا وصل إلى نهر صغير يمكنه العبور عنه يطأه، وإن وصل إلى ما لا يقدر عليه العبور عليه لا يخوض فيه وإن أوجع بالضرب.
وهذا دليل على أنّه يفرّق بين المقدور وغير المقدور.
وأنت خبير بأنّ هذه الشناعة إنّما تلزم على من لا يثبت للعبد قدرة وإرادة أصلا، كما نقل عن الحشويّة، وما أظنّ أنّ عاقلا يقول به.
وأمّا الّذي يثبت القدرة والإرادة للعبد وينفي عنه التأثير، فلا يرد عليه ذلك، إذ القدر الضروريّ ثبوت القدرة والإرادة.
وأمّا أنّهما مؤثّران في الفعل حقيقة، فليس بضروريّ أصلا، لجواز أن يكون من الأسباب العاديّة، كما يقوله الأشعريّ. ودعوى أنّ ذلك مكابرة مكابرة، وذلك ممّا لا يعلمه العلّاف فضلا عن حمار بشر.
ومن هنا يعلم الفرق، فإنّ الأوّل نفي القدرة والإرادة عن العبد، والثاني نفي تأثير القدرة للعبد.
لا يقال: إنّ التأثير معتبر في القدرة.
لأنّا نقول: الأشعريّ يقسّم القدرة إلى المؤثّرة والكاسبة، وما ذكرتم تعريف للقسم الأوّل، لا مطلق القدرة. انتهى.
أقول: لا يخفى أنّ ما أنكره من أنّ الأشعريّ لا يقول بنفي القدرة، بل هو ينفي تأثيرها ممّا ينكر عليه، لاشتهار ذلك القول منهم أشدّ من اشتهار إبليس بالكفر.
كيف وقد ذكره المحقّقون في كتبهم، وردّوا عليهم، وناقضوا بمناقضات معروفة.
كيف وقد صرّح الصوفيّة من تلك الفرقة بذلك القول في كتبهم وأشعارهم وكلماتهم، فإنكاره ناش عن قصور الفهم، وقلّة التتبّع، وتقليد
الكبراء الّذي هو من مسلك الأعاجز، ودأب العجائز.
وما أشار إليه من الكسب ستعرف التفصيل فيه إن شاء الله.
وإثبات القدرة مع نفي تأثيرها إنّما هو كإثبات الوجود لشيء، وإقامة البرهان على عدمه.
قال أبو عليّ ابن محمّد منصور الحسينيّ في رسالته على ردّ الرسالة المذكورة، بعد ذكر ما أشرنا إليه من العبادة:
هذا ليس بشيء، فإنّ كلّ عاقل يعلم بالبديهة أنّ القدرة إذا لم تكن مؤثّرة لم يكن لوجودها أثر، فاستوى حالتا وجودها وعدمها، ولا يشكّ من له أدنى مسكة أنّه يزد على مثبت القدرة الغير المؤثّرة ما يرد على ما في القدرة رأسا، إذ لا فرق بينهما بحسب المعنى أصلا، ومن منع ذلك فهو مكابر لبديهة عقله، وينبغي أن لا يصغى إليه، ولا ينفعه الحكم بأنّ القدرة وإن كانت غير مؤثّرة فهو كاسب، إذ الخصم يدّعي أنّ الضرورة قاضية باستناد أفعالنا إلينا، وأنّ فاعل أفعالنا ليس غيرنا، وإثبات القدرة الكاسبة لا يزاحم هذه البديهة، ولا يوجب كون أفعالنا صادرة عنّا، كما لا يخفى.
وفي الرسالة السعيديّة المذكورة أيضا: ثمّ نقول إذا فتّشنا عن حال مبادئ الفعل وجدنا الإرادة منبعثة عن الشوق، ووجدنا الشوق منبعثا عن تصوير الشيء الملائم، واعتقاد الملاءمة فيه من غير معارض، فهذه أمور لا يتخلّف تحقّق الفعل عن تحقّقها، وجمعيها بقدرة الله وإرادته، فإنّ تصوّر الأمر الملائم غير مقدور، وانبعاث الشوق بعده لازم بالضرورة، كما هو مذهب الحكماء.
فالأفعال الاختياريّة للعبد مستندة إلى أمور ليس منها بقدرته واختياره، لكن لا يخرج الفعل عن كونه اختياريّا، فإنّ صفة القدرة والإرادة والعلم ليست في شيء من المواد باختيار الموصوف، ألا ترى أنّ الله فاعل بالاختيار اتّفاقا مع أنّ قدرته ليست مستندة إلى اختياره، إذ لو كانت مستندة إليه لتوقّف على العلم والقدرة والإرادة.
والمعتزلة لا ينكرون أنّ قدرة العبد وإرادته منه تعالى، فلا يبقى النزاع بين الأشعريّ والمعتزلة إلّا في أنّ قدرة العبد مؤثّرة عند المعتزلة، وغير مؤثّرة عند الأشعريّ.
وأنت خبير بأنّ هذا الفرق لا يؤثّر في دفع الشبهة الّتي تتبادر إلى الأوهام العامّيّة في ترتّب الثواب والعقاب على أفعال العباد، فإنّه لو قال المعتزلة إنّ ترتّب الثواب والعقاب على أفعال العباد لكون قدرة العبد مؤثّرة فيها، فللسائل أن يعود ويقول: هل القدرة والإرادة وتعلّقها بقدرة الله أو لا؟
ومعلوم أنّ المعتزلة لا ينكرون ذلك، وصدور الفعل بعد تعلّق القدرة والإرادة ضروريّ، فالشبهة غير منحسمة عن أصلها، إذ مثل العبد في كونه معاقبا بالمعاصي مثل من اضطرّ إلى شيء ثمّ عوقب به، فإنّ الله ألقى في ذهنه صورة الأمر الملائم، واعتقاد النفع فيه، ثمّ ذلك سببا لحدوث الشوق الكامل إلى ذلك الأمر، ثمّ صار ذلك سببا لانبعاث القوّة المحرّكة إلى الفعل. وتلك الأسباب منساقة إلى أسبابها بالضرورة العقليّة عندهم، فالشبهة لا تندفع بهذا القدر الّذي يدّعيه المعتزلة، أعني ما به قدرة العبد وإرادته على ما يظهر بأدنى تأمّل صادق من ذي فطرة سليمة.
بل الدقّة في دفع الشبهة أنّ الممكنات لـمـّا لم تكن في أنفسها موجودة وإنّما وجودها مستفاد من الواجب، فليس لها عليه تعالى حقّ حتّى ينسب إليه في تخصيص بعضها بالثواب، وبعضها بالعقاب ظلم، وليس مثله كمثل من يملك عبدين ثمّ يعذّب أحدهما من غير جريمة، وينعّم الآخر من غير استحقاق، فإنّ العبد ليس مخلوقا للمالك، بل هو ومالكه سيّان في أنّهما مخلوقان لله مستفيدان الوجود منه، فلا حقّ للمالك في العبد إلّا ما عيّنه الله.
ويناسب هذا بوجه، وهو أنّ الإنسان إذا تخيّل صورا منعّمة وصورا معذّبة لا يتوجّه الاعتراض عليه بأنّك لم خصّصت هذه الصورة بالعذاب، وتلك بالنعمة، فليعلم أنّ خلق الكافر ليس بقبيح، وإن كان الكافر قبيحا، كما أنّ تصوّر الصور القبيحة ليس بقبيح، وإن كانت الصورة قبيحة، بل ربّما دلّ تصوير الصورة القبيحة على كمال حذاقة الصانع، ومهارته في صنعه.
والحقّ الّذي يلوح أنواره من كوّة التحقيق أنّ فيض الوجود من منبع الجود فائض على الماهيّات الممكنة بحسب ما تسعه وتقبله، وكما أنّ المنعم في النشأتين ممكن، فكذلك المعذّب فيهما، والمعذّب في أحدهما دون الآخر ممكن، وعطاؤه غير منقطع ولا ممنوع، فإنّ يد الله ملاء بالخير، وخزائن كرمه مملوّة من نفائس جواهر الجود والإفضال، فلا بد أن يوجد جميع الأقسام.
وأصل هذا أنّ الصفات الإلهيّة بأسرها تقتضي الظهور في مظاهر الأكوان، والبروز في مجالي الأعيان، فكما أنّ الأسماء الجماليّة تقتضي البروز والاشتهار، فكذلك الأسماء الجلاليّة تقتضي الظهور والإظهار ،
فكما أنّ اسم الهادي متجلّي في مجالي نشأة المؤمنين والأبرار، كذلك المضلّ مظهر في مظاهر المشركين والكفّار. واعتبار ذلك في جميع الأسماء يكشف عليك لمعة من لمعات أنوار الحقيقة، ويهدي إلى شمعة من نفحات الأسرار الدقيقة.
والسؤال بأنّه لم صار هذا مظهرا لهذا الاسم، وذلك للاسم الآخر مضمحلّ عند التحقيق، فإنّه لو كان هذا مظهرا لهذا الاسم كان هذا ذاك. انتهى.
أقول: ما ذكره من أنّ الأفعال الاختياريّة للعبد مستندة إلى أمور ليس شيء منها بقدرته واختياره ينكر عليه إن أراد به أنّه لا قدرة للعبد أصلا، أو لا تأثير لها، بل هو مجبور مضطرّ في عمله، مقسور في فعله، مجريّ عليه قضاء الله وقدره بحيث لا يمكّن نفسه من شيء أصلا، فإنّ ذلك هو مذهب القدريّة الملعونة على لسان سبعين نبيّا.
وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال لرجل قدم عليه من فارس: أخبرني بأعجب شيء رأيت؟ فقال: رأيت أقواما ينكحون أمّهاتهم وبناتهم وأخواتهم، فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: قضاء الله عليها وقدره، فقال صلّى الله عليه وآله: سيكون في آخر أمّتي أقوام يقولون مثل مقالتهم، أولئك مجوس أمّتي(١) . انتهى.
ورواية أصبغ بن نُباتة في ذلك الباب مشهورة، فلا حاجة إلى ذكرها.
وإن أراد أنّ الممكنات كلّها راجعة إلى الحقّ فهو المبدأ الأعلى، بمعنى
__________________
(١) الطرائف ٢: ٣٤٤.
أنّه هو خالق القوى والقدر، فلا كلام لعدم استلزامه الجبر على ما ستعرفه إن شاء الله.
وكذا ما ذكره من أنّ الله ألقى في وهمه صورة الملائم.
فإن أراد أنّه تعالى ألقى فيه إجبارا بمعنى أنّ العبد ما كان طالبا لها سائلا عنها بلسان الاستعداد فغير مسلّم قطعا، لشهادة العقل والنقل على خلافه.
وإن أراد أنّه تعالى ألقى فيه هذه الصورة بعد كون العبد مستعدّا لها بالاستعداد الأزليّ، سائلا عنها بلسان قضيّة المهيّة القديمة فمسلّم، ولا يلزم حينئذ جبر وظلم من الله.
كيف وذلك من قضيّة استعداده، فلو لم يلقها الله تعالى في وهمه لما كان عادلا، إذ العدل الإلهيّ عبارة عن إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، وستعرف التفصيل إن شاء الله.
وما ذكره في دفع الشبهة مأخوذ من كلام الصوفيّة، وهو إنّما يستقيم على القول بقدم الماهيّات، وبدونه تتطرّق المناقشة وترجع الشبهة ويتوجّه السؤال الّذي زعمه مضمحلّا عند التحقيق، وسننبّهك على دفع الشبهة بهذا القول إن شاء الله.
وقريب ممّا ذكره ما حكى أبو عليّ الحسينيّ رحمه الله في الرسالة عن نظام الدين النيسابوريّ أنّه قال في تفسيره: إنّ إثبات الإله يلجىء إلى القول بالجبر، لأنّ الفاعليّة لو لم تتوقّف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجّح، وإثبات الرسول يلجئ إلى القول بالعدل، لأنّه لو لم يقدر العبد على الفعل فأيّ فائدة في بعث الرسل وإنزال الكتب؟!
أو نقول لـمـّا رجعنا إلى الفطرة السليمة وجدنا أنّ ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه لا يرجّح أحدهما على الآخر إلّا لمرجّح. وهذا يقتضي الجبر، ونجد تفرقة ضروريّة بين حركات الإنسان وسكناته وحركات الجمادات والحركات الاضطراريّة، وذلك يقتضي مذهب الاعتزال، فلذلك وقعت هذه الشبهة في حيّز الإشكال.
ولكنّ هذه المسألة عندي في غاية الاستنارة والسطوع إذا لو حظت المبادئ ورتّبت المقدّمات، فإنّ مبدأ الكلّ لو لم يكن قادرا على كلّ الممكنات وخرج شيء من الأشياء عن علمه وقدرته وتأثيره وإيجاده بواسطة أو غير واسطة لم يصلح لكونه مبدء للكلّ، فالهداية والضلال، والإيمان والكفر، والخير والشرّ، والنفع والضرر، وسائر المتقابلات كلّها منتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإرادته، والآيات ناطقة بصحّة هذه القضيّة، كقوله تعالى:( وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) (١) و( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) (٢) ( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) (٣) فهذه القضيّة مطابقة للعقل والنقل.
بقي الجواب عن اعتراضات المخالف، أمّا حكاية التنزيه عن الظلم والقبائح فأقول:
لا ريب أنّه تعالى منزّه عن جميع القبائح، لكن لا بالوجه الّذي يذكره المخالف، ويلزم منه النقض من جهة أخرى، وهو الخلل في مبدئيّته للكلّ ،
__________________
(١) النحل: ٩.
(٢) السجدة: ١٣.
(٣) النساء: ٧٨.
وفي كونه مالك الملك، بل الوجه أن يقال: إنّ لله صفتي قهر ولطف، ومن الواجب أن يكون الملك ولا سيّما ملك الملوك كذلك، إذ كلّ منهما من أوصاف الكمال، ولا يقوم أحدهما مقام الآخر، ومن منع ذلك كابر وعاند.
ولا بدّ لكلّ من الوصفين من مظهر، فالملائكة ومن ضاهاهم من الأخيار مظاهر اللطف، والشياطين ومن والأهم من الأشرار مظاهر القهر، ومظاهر اللطف هم أهل الجنّة والأعمال المستتبعة لها، ومظاهر القهر هم أهل النار والأفعال المعقّبة إيّاها.
وهاهنا سرّ، وهو أنّ اللطف والقهر والجنّة والنار إنّما يصح وجود كلّ منها بوجود الآخر، فلو لا القهر لم يتحقّق اللطف، ولو لا النار لم تثبت الجنّة، كما أنّه لو لم يتبيّن الألم لم تتحقّق اللذّة، ولو لا الجوع والعطش لم يظهر الشبع والريّ. ولله درّ من قال:
وبضدّها تتبيّن الأشياء
فخلق الله للجنّة خلقا يعملون بعمل أهل الجنّة، وللنار خلقا يعملون بعمل أهل النار، ولا اعتراض لأحد عليه في تخصيص كلّ من الفريقين بما خصّصوا به، فإنّه لو عكس الأمر لكان الاعتراض بحاله.
وهاهنا تظهر حقيقة السعادة والشقاوة، فمنهم شقيّ وسعيد.
وقد روي أنّ الله يبعث إلى الجنين ملكا فيكتب عليه عمله وأجله ورزقه وسعادته وشقاوته.
وإذا تأمّلت فيما قلت يظهر لك أن لا وجه بعد ذلك لإسناد الظلم والقبائح إليه تعالى، لأنّ هذا الترتيب من لوازم الوجود والإيجاد.
وليت شعري لم لا ينسب المخالف الظلم إلى الملك المجازي حيث يجعل بعض من يحبّه وزيرا قريبا، وبعضهم كنّاسا بعيدا، لأنّ كلّا منهما من ضروريّات المملكة، وينسب الظلم إليه تعالى في تخصيص كلّ من عبيده بما خصّص به مع [أنّ] كلّا منهما ضروريّ في بقائه، فهذا القائل يهدم بناء حكمته تعالى، ويدّعي أنّه يحفظ ما فسد حين أصلح.
وأمّا قوله «أيّ فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب» ففي غاية السخافة، فإنّه تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فكيف يبقى للمعرّض أن يقول لم جعل الله مع الشيء الفلانيّ سببا وواسطة للشيء الفلانيّ كما أنّه ليس له أن يقول مثلا لم جعل الشمس سببا لإنارة الأرض.
غاية ما في الباب أن يقول: إذا علم الله أنّ الكافر لا يؤمن، فلم يأمره ويبعث إليه النبيّ؟! فأقول: فائدة بعث الأنبياء وإنزال الكتب بالحقيقة يرجع إلى المؤمنين، كما قال:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ) (١) وقال:( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) (٢) كما أنّ فائدة نور الشمس تعود إلى أصحاب العيون الصحاح.
وأمّا فائدة ذلك بالنسبة إلى المختوم على قلوبهم فكفائدة نور الشمس إلى الأكمه.
وأمّا الّذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ومأواهم النار وهم كافرون.
__________________
(١) النازعات: ٤٥.
(٢) البقرة: ٢.
وغاية ذلك إلزام الحجّة وإقامة البيّنة عليهم ظاهرا( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (١) ( وَلَوْ أَنَّا أهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً ) (٢) إلى آخره.
فهم في أصل الخلقة ناقصون أشقياء.
وهذا المعنى ربّما لا يظهر لهم أيضا لغاية نقصانهم، كما أنّ الأكمه ربّما لا يصدّق النيّر ولا يعرف أنّ التقصير والنقصان منه، وأنّ سائر الشرائط من محاذاة المرئيّ وظهور النيّر موجود، وإنّما يعرف نقصانهم أصحاب الأبصار.
وأمّا التفرقة الضروريّة بين الحركات الاختياريّة والاضطراريّة كالرعشة مثلا فأقول:
لا ريب أنّ للإنسان إرادات وقوى بها يتمّ حصول الملائم، واجتناب المنافي، إلّا أنّ تلك الإرادات والقوى مستندة إلى الله، فكأنّه لا اختيار، والتفرقة المذكورة سببها أنّه ليس في الرعشة الداعية في الحركة. انتهى.
وأورد عليه بأنّه لا يلزم من كون التنزيه عن القبائح على الوجه الّذي ذكره المخالف، وهو أن يكون أفعال العباد مخلوقا لهم خلل في مبدئيّته تعالى للكلّ، فإنّ مبدئيّته للكلّ حسب ما قرّره أعمّ من أن يكون بواسطة أو بغير واسطة. وهذا لا ينافي ذلك، والملازمة المدلولة بقوله «فلو لا القهر لم يتحقّق اللطف» ممنوعة.
__________________
(١) النساء: ١٦٥.
(٢) طه: ١٣٤.
وأيضا: صفة القهر إنّما تكون كمالا لملك لا يقدر أن ينتظم ملكه بدون القهر، وأمّا الملك القادر على ذلك فلا نسلّم أنّ صفة القهر كمال بالنسبة إليه، فما لم يثبت أنّ مالك الملوك لا يقدر على نظم ملك بدون القهر لا يظهر أنّ صفة القهر كمال بالنسبة إليه، وقياسه على الملك المجازي الغير القادر على نظم ملكه بدون القهر غير مستقيم.
قال أبو عليّ الحسينيّ رحمه الله: العلم هو الصورة الحاصلة وساوقه الإدراك.
والقدرة: هي الهيئة النفسانيّة الّتي يتمكّن بها من الفعل والترك على السواء.
والإرادة هي العزيمة الجازمة الداعية على الفعل أو الترك، فإذا أدركنا شيئا وعلمناه فإن وجدنا ملاءمته أو منافرته لها انبعث منها شوق إلى جذبه أو دفعه، وذلك الشوق بعينه هو العزم الجازم المسمّى إرادة.
وإذا انضمّت إلى القدرة القوّة الفاعلة انبعث تلك القوّة لتحريك الأعضاء، فتحصل الحركة واجبة بالاختيار، وهو انضمام الإرادة إلى القدرة.
وإن لم يجد الملاءمة أو المنافرة استعمل العقل قوّة التفكّر، والوهم قوّة التخيّل لطلب الترجيح بإرادة عقليّة أو وهميّة، فيتحرّكان حركة اختياريّة في الطلب. فربّما كان ملائما ببعض الوجوه، غير ملائم ببعضها، لكونه ملائما لبعض الحواسّ، غير ملائم لبعضها، أو ملائما لبعض الأعضاء، غير ملائم لبعضها، أو ملائما للحسّ، غير ملائم للعقل، أو بالعكس.
أو ملائما في العاجل، غير ملائم في الآجل، أو بالعكس.
أو ملائما بحسب بعض المصالح دون بعض. ويحدث بحسب كلّ ملاءمة داع، وبحسب كلّ منافرة صارفة، فإنّ ترجّحت الدواعي حدث عزم جازم على الفعل، فيجب الفعل بانضمام ذلك العزم إلى القدرة الّتي هي الاختيار، وإن ترجّحت الصوارف حدث عزم جازم على الترك، فيجب الترك بالاختيار.
وهاهنا يتوجّه إلينا المنافرة والملاءمة والمدح والذمّ بحسب حسن الاختيار بقوّة التفكّر والتخيّل وسوء الاختيار، ويترتّب الثواب والعقاب، ويظهر الفرق بين المكره والمختار.
وربّما لا يظهر وجه الرجحان، فيبقى النفس مردّدا متحيّرا، ولا شكّ أنّ وجود الإدراك والعلم والإرادة والتفكّر والتخيّل كلّها بفضل الله، فمن نظر إليها قاصرا نظره إلى تلك الأسباب القريبة، ورآها مؤثّرة بالاستقلال قال بالقدرة والتفويض. أي: بكون الأفعال واقعة بقدرتنا مقدورة بتقديرنا، مفوّضة إلينا.
ومن نظر إلى السبب الأوّل وكون تلك الأسباب والوسائط مستندة بأسرها على الترتيب المعلوم في سلسلة العلل إلى الله استنادا واجبا، وترتيبا معلوما على وفق القضاء والقدر، وقطع النظر عن الأسباب القريبة قال بالجبر، وخلق الأفعال، ولم يفرّق بينها وبين أفعال الجمادات.
قال بعض العلماء: وكلاهما أعور لا يبصر إلّا بأحد عينيه، أمّا القدريّة فبالعين اليمنى، وأمّا الجبريّة فباليسرى، وأمّا من نظر حقّ النظر فله عينان يبصر الحقّ باليمنى فيضيف الأفعال إليه خيرها وشرّها، ويبصر الخلق
باليسرى فينسب إليه الفعل لا بالاستقلال، ويتحقّق معنى قول الصادق عليه السلام: لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين(١) .
وأمّا من أضاف الأفعال إلى الله بنظر التوحيد وإسقاط الإضافات ومحو الأسباب والمسبّبات، فقد استغرق في عين الجمع محجوبا عن الخلق ما زاغ بصره عن مشاهدة جمال الحقّ، فاضمحلّت الكثرة في شهوده، فإذا رجع إلى الصحو بعد المحو، ونظر إلى التفصيل في عين الجمع غير محتجب برؤية الحقّ عن الخلق، ولا بالخلق عن الحقّ، ولا يشتغل بوجود الصفات عن الذات، ولا بالذات عن الصفات، فهو الوليّ المحقّ الصديق صاحب التمكين والتحقيق ينسب الأفعال إلى الله بالإيجاد، ولا يسلبها بالكلّيّة عن العباد.
وأمّا فائدة التكليف بالطاعات والدعوة بالآيات فبيانه إجمالا أنّه سبق كيفيّة ظهور الأفعال الاختياريّة، وارتفع الاشتباه عن حالها، وترتّب المدح والذمّ والثواب والعقاب عليها.
وبعد ذلك نقول: كما أنّ الأشياء الداخلة في وجود الإنسان كالعلم والقدرة والإرادة من جملة أسباب الفعل، كذلك الأمور الخارجة أيضا تكون من جملتها، فالدعوة والتكليف، والإرشاد والتأديب، والوعد والوعيد أمور فعلها الله مهيّجات الأشواق، والدواعي إلى خيرات وطاعات، واكتساب فضائل وكمالات، ومحرّضات على أعمال حسنة، وعادات محمودة، وأخلاق جميلة، وملكات فاضلة مرضيّة نافعة في معاشنا ومعادنا، يحسن
__________________
(١) الكافي ١: ١٦٠.
بها ما لنا في ديننا ودنيانا، ويحصل بها سعادة عقبانا، أو محذّرات عن أضدادها من الشرور والقبائح والذنوب والرذائل ممّا يضرّنا في العاجل والآجل.
ومن هذا يعلم أنّ كلّما يصدر من الحركات والسكنات والحسنات محفوظة مكتوبة علينا، واجب صدورها عنّا، مع كونها باختيارنا، كما قال:( وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ) (١) ( وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ) (٢) و( هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٣) فهي معرّفات لسعادتنا وشقاوتنا في العقبى.
وكذلك ما يصل إلينا من الرغائب والمكاره، كما قال عليه السلام: إنّ الامّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلّا بشيء قد كتب الله عليك(٤) . وقال عليٌّ عليه السّلام: إعلموا علما يقينا أنّ الله لم يجعل للعبد وإنْ عظمت حيلته، وقويت مكيدته، واشتدّت طلبته أكثر ممّا سمّى له في الذكر الحكيم(٥) .
وأمّا الابتلاء فهو إظهار ما كتب علينا بالقدر، وإبراز ما أودع فينا، وغرّز في طباعنا بالقوّة، كما قال( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ) (٦) .
__________________
(١) القمر: ٥٢ ـ ٥٣.
(٢) يس: ١٢.
(٣) الجاثية: ٢٩.
(٤) عُدّة الداعي: ١٨٢.
(٥) نهج البلاغة: ٥٢٣.
(٦) محمّد صلّى الله عليه وآله: ٣١.
ثمّ لعلّك تقول: إذا كانت الفضائل والرذائل كلّها مقدورة مكتوبة علينا قبل صدورها عنّا، فما بالنا لا نتساوى فيها، وبأيّ شيء يتفضّل السعيد على الشقيّ وقد ساواهما فيما قدّر لهما، وأين عدل الله منّا وقد قال:( وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) (١) ( وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (٢) .
فنقول: إعلم أنّ الاستعدادت متفاوتة، والأرواح الإنسيّة بحسب الفطرة الأولى مختلفة في الصفاء والكدورة، والضعف والقدرة، متفاوتة في درجات القرب والبعد من الله، والموادّ السفليّة بحسب الخلقة متباعدة في اللطافة والكثافة، ومزاجاتها متباينة في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقيّ، فقابليّتها بما يتعلّق بها من الأرواح متفاوتة، وقد قدّر بإزاء كلّ روح ما يناسبه من الموادّ، فحصل من مجموعها استعداد مناسب لبعض العلوم والإدراكات دون بعض، موافق لبعض الأعمال والصناعات دون بعض، على ما قدّر لها في العناية الأولى والقضاء السابق، كما قال عليه السلام: الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة(٣) .
وتتفاوت العقول والإدراكات والأشواق والإرادات بحسب اختلاف الطبائع والغرائز، فينزع بعضهم بطبيعته إلى ما ينفر عنه الآخر، والعناية الإلهيّة تقتضي نظام الوجود على أحسن ما يمكن، فلو أمكن الحسن بغير ذلك لوجد، ولو تساوت الاستعدادت لفات الحسن في ترتيب النظام ،
__________________
(١) ق: ٢٩.
(٢) النحل: ١١٨.
(٣) الكافي ٨: ١٧٧.
وارتفع الصلاح عن العالم، ولبقي كلّهم على طبيعة واحدة، على حالة واحدة، في مرتبة واحدة لا تتمشّى أمورهم، ولا تتهيّأ مصالحهم، ولبقيت المراتب الباقية في كتم العدم مع إمكان وجودها. وهذا جور عليها، وبقي الاحتياج إليها في العامّ مع عدمها.
كما لو كان البصل زعفرانا ولم يوجد البصل لحرمت الناس من منافعه.
وكما لا يختلج في قلبك أنّه لم لم يكن البصل زعفرانا، والكلب أسدا، والعين جملا، والجماد حيوانا، والحيوان إنسانا، والثدي عينا، والوهم عقلا، فكذلك لا ينبغي أن يختلج أنّه لم لم يكن الفقير سلطانا، والشقيّ سعيدا، والجاهل الشرير عالما نحريرا.
كيف ولو لا ذلك لاختلّ النظام، فلم يكن ذلك عدلا، بل كان جورا وظلما، فالعدل هو تسوية الموادّ والأشباح بحسب الصور والأرواح، فمن أساء في علمه وأخطأ في اعتقاده، فإنّما ظلم نفسه، بظلمة جوهره، وقصور استعداده.
وهكذا، فكما لا يعترض على أقبح الناس أنّه لم لا يكون مثل يوسف عليه السلام في الحسن، كذلك لا يعترض على شرّ الناس بأنّه لم لا يكون محمّدا في سريرته وطريقته، فإنّ اختلاف الغرائز والشمائل كاختلاف الأشكال والطبائع. انتهى.
أقول: لا يخفى أنّ ما ذكره غير ناهض لدفع الشبهة المشهورة، لأنّ حاصله يرجع إلى ما ذكره بعض الحكماء، من أنّ ذلك الاختلاف والترتيب إنّما هو من قضيّة النظم كنظم المعمار البيت بما يراه حسنا، وذلك لا يرفع السؤال، بل هو باق على حاله.
وبأمثال تلك الأجوبة لا تندفع الشبهة، كيف ودفعها محصور في الالتزام بطريقتنا المثلى، كما ستعرفها إن شاء الله.
وما أشار إليه من ذكر الاستعداد حسن، إلّا أنّه لم يقصد ما قصدناه فليتأمّل.
وفي الرسالة المسمّاة بنهاية الفكر في دراية القدر: إعلم أنّه سبحانه وهب لعبده من لدنه أوّلا قدرة على إعمال الأعمال، فإنّه هو الله خالق القوى والقدر، ثمّ يعطيه عند العمل إرادة تصرّف القدرة إلى مقدورها، والعمل يحصل بالقدرة الموهوبة أوّلا، والإرادة المتجدّدة، لكن لا بدّ من انضمام إرادة الله بأن يؤثّر قدرة العبد، فإرادة العبد وقدرته متعلّقة بنفس العمل، وإرادة الله متعلّقة بتأثير قدرة العبد، فمتعلّق الإرادتين مختلف قطعا، والفعل حاصل بقدرة العبد المنضمّة إرادة الله إلى تأثير تلك القدرة.
وهذا الزاعم الّذي يدّعي أنّه لا أثر لقدرة العبد أصلا، إذا طولب بوجه طلب الله فعل العبد تحريما وفرضا أحدّ بالجواب طولا وعرضا بأنّ الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون، فجدير بأن يقال: هذه كلمة حقّ، أريد بها باطل.
أقول: وبهذا أيضا لا تندفع الشبهة، لأنّ الأعمال على ذلك أيضا مخلوقة للحقّ، صادرة عنه تعالى، لما مرّ في مطاوي الكتاب من أن الأشياء منسوبة إلى المبدأ الأعلى والعلّة العليا، فإثبات القدرة والإرادة للعبد مع كونهما من الله هو القول بعدم استقلال العبد، بل عدم كونه قادرا ومريدا. فتأمّل.
وما ذكره من أنّ هذه كلمة حقّ أريد بها باطل ينكر عليه بأنّ رسول الله
صلّى الله عليه وآله لقد أوردها في ذلك المقام أيضا، حيث سأله أبو أيّوب الأنصاريّ فقال: الله هل يقضي بالشرّ؟ قال: نعم، فقال: يقضي بالشرّ، ثمّ يعذّبهم؟ فقرأ رسول الله: هذه الآية( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) (١) فتأمّل.
القول الثالث: أنّ القدرة المستقلّة لله تعالى في الأعمال والعبد مكتسب.
وفي معنى المكتسب أقوال:
أشهرها أنّ فعل العبد صفة قائمة به كالسواد للأسود، والبياض للأبيض.
ومعنى أنّ العبد كاسب للفعل أنّه محلّ له. وهذا مذهب جماعة من الأشعريّين.
وزعموا أنّه لا يلزم على ذلك ظلم بالنسبة إلى الله، ومثّلوا بالإحراق المرتّب على الحطب ليبوسته، مع أنّه لم يحصل لنفسه تلك اليبوسة.
ولا يقال: أيّ ذنب له حتّى يستحقّ الإحراق، فإذا جعل الله الكافر محلّا للكفر، فلو عذّبه به ليس لأحد أن يقول إنّه ظالم.
أقول: لا ريب في أنّ هذا لا يدفع الشبهة، بل يقوّيها، فإنّ جعله الكافر محلّا للكفر ظلم قطعا ببديهة العقل، إلّا أن يكون المراد الإشارة إلى مقام الاستعداد، بمعنى أنّ الكافر لـمـّا كان مستعدّا للكفر أزلا جعله الله أي خلقه كافرا إعطاء لحقّه، فلا غبار كما ستعرفه. فتأمّل.
وقد أجاب عن ذلك القول الباطل بعض الأفاضل بأنّ قياس العبد بالحطب باطل، لعدم الجامع، ووجود الفارق، لأنّ الكلام فيما له قدرة
__________________
(١) الأنبياء: ٢٣.
وإرادة وليس ذلك في الحطب أصلا، وبأنّا لا نسلّم أنّه جعل الكافر محلّا للكفر، لورود أنّهم فطروا على فطرة الإسلام. فليتأمّل.
الرابع: أنّ حصول الأفعال إنّما هو بقدرة العبد على سبيل الاستقلال بحيث لا مدخل لقدرة الله وإرادته فيه، وذلك معنى التفويض، والقائلون به هم المفوّضة، والأخبار على ردّهم متواترة، وشهادة العقل على بطلانه واضحة، للزومه عزل الحقّ عن التصرّف في مملكته.
وعن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: من زعم أنّ الخير والشرّ بغير مشيّة الله فقد أخرج الله من سلطانه، ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوّة الله فقد كذب على الله(١) .
وعن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: أجبر الله العباد على المعاصي؟ قال: لا، قلت: فوّض إليهم الأمر؟ قال: لا، قلت: فماذا؟ قال: لطف من ربّك بين ذلك(٢) .
الخامس: أنّه تعالى خالق للفعل ولا أثر فيه للعبد أصلا، إلّا في وصف كونه طاعة أو معصية. وهذا القول نقله العلّامة في الإرشاد عن القاضي أبي بكر، وذكر أنّه مثّل بلطمة اليتيم، فإنّ ذات اللطمة من الله، لكنّ كونها للتأديب أو الظلم من العبد.
وأجيب بأنّ الوصفين عارضان للفعل، فيوجدان حيث وجد، فإذا كان الفعل مستندا إليه تعالى كان عارضاه كذلك، فيلزم كونه مطيعا أو عاصيا.
__________________
(١) تفسير العيّاشيّ ٢: ١١.
(٢) التوحيد: ٣٥٩.
أقول: وفيه نظر، والمذهب لا يذهب إليه لسخافته، ثمّ إذا اطّلعت على أقوال المسألة وما أورد عليها من وجوه النظر. فاعلم بأنّ هنا مسلكا آخر مشى عليه بعض من تقدّم وتأخّر، لو صحّ مبناه لبان واتّضح طريق الجواب عن الشبهة المشهورة على أسهل الوجوه، وأهون الطرق، وهو أنّ الماهيات الإمكانيّة قد كانت مختلفة من حيث الاستعداد على التفصيل المقرّر في مقامه، وكانت مستسرّة في غيب الغيوب بحيث لم يطّلع عليها شيء سوى علم الله المحيط بكلّ شيء إلى أن أقبلت على الله بإقبال الإمكان، وسألت عنه الوجود بلسان الاستعداد فأفاض الله بقضيّة عدله الّذي هو إعطاء السائل سؤله، والمستحقّ حقّه الوجود عليها إفاضة واحدة متساوية.
بمعنى أنّه تعالى لم يبخل بما سألته عنه، كيف وهو الجواد المطلق، والفيّاض الحقّ؟ فظهر كلّ منها بواسطة تلك الإفاضة على ما كان عليه من مقام الاستعداد.
بمعنى أنّ ذلك الوجود صار كاشفا عن هويّات المهيّات، ومراتب إمكاناتهم واستعدادتها بأن كشف عن حقائق الكلّ بالصورة المناسبة لها، والصفة المستعدّة تلك لها، والغريزة الكامنة فيها، وعرف ذاتيّاتها وآثارها الّتي تترتّب عليها، فلا صنع للحقّ في الأشياء إلّا إيجادها وصبغ ماهيّاتها الثابتة الأزليّة بالوجود الطارئ.
بمعنى أنّ الماهيّات ذوات موصوفة، أي مستعدّة للوصف، والوجود صفتها العارضة لها بعد العدم، لا بمعنى أنّ الماهيّة والوجود متقارنان تحقّقا في حين واحد بحيث انتفى التغاير بينهما في الخارج.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ للوجود لوازم تترتّب عليه بحسب الموادّ والقوابل، واختلافها يوجب الاختلاف في تلك اللوازم، وذلك الاختلاف ليس ناشئا عن الوجود، إذ فيض الحقّ تعالى بالوجود سواء بالنسبة إلى كلّ شيء كفيض نور الشمس على التفصيل المقرّر في مقامه، بل ناش عن اختلاف المهيّات بحسب اختلاف القابليّات والاستعدادت الأوّليّة، فإنّ تلك الاستعدادات كانت مركوزة مكنونة في الماهيّات كركوز النار في الزناد، والثمار في البذور.
ويسمّى ذلك بكمون المفصّل في المجمل، ولكنّها يحتاج بروزها إلى السبب، وهو طلب الماهيّات الموجود بلسان الاستعداد، وإيجادها بالقدرة الكاملة إجابة للطلب السابق، فلمّا اتّصفت بالوجود الموهوب المسئول برز ما كان فيها من مكنون الاستعداد، وكشف الغطاء عن آثارها بذلك الوصف.
فالشقيّ في هذا المشهد العنصريّ هو الّذي كان شقيّا، أي مستعدّا للشقاوة في عالم الغيب الأوّل وهو عالم علم الحقّ القديم، والسعيد في هذا المشهد هو المستعدّ للسعادة في عالم الغيب.
ولا يمكن للأوّل أن يفوز بالآثار الّتي يفوز بها الثاني وإن بلغ في السعي طول عمره، وكذا ليس للثاني أن يحرم عن لوازم وجوده وقضيّة استعداده وقابليّته كما عليه الحديث.
ولا يلزم في ذلك سؤال على الحقّ تعالى، ولا اعتراض عليه، فإنّ إفاضته بالنسبة إلى الكلّ كانت واحدة، وكذا ما يترتّب على تلك الإفاضة من القدرة
والإرادة، فإنّ إفاضته تعالى لكلّ ذلك كانت واحدة أيضا.
كيف لا وهذه من لوازم الوجود الّذي كان فيضه على الكلّ بالسويّة، إلّا أنّ كلّا يقبل من تلك اللوازم ما هو مكنون في استعداده أزلا.
بمعنى أنّ الشقيّ يقبل الوجود مع الشقاوة، وكذا السعيد يقبل الوجود مع السعادة، فالنقص إنّما هو من قبل المهيّة ظهر أطواره بالوجود الّذي هو الفيض العامّ الإلهيّ، وما ظلم الله تعالى شيئا حيث أوجده، فإنّه ما أحدث جعلا حتّى يعترض الشقيّ بأنّه لم جعلتني كذا ولم تجعلني سعيدا، بل أعطاه لباس الوجود بسؤاله بلسان الاستعداد، فبرز ما كان مكنونا فيه أوّلا على التفصيل المقرّر المتقدّم( وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (١) أي ما أجبرهم على الشقاوة، بل كانت مكنونة في ذاتيّاتهم.
وقال:( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) (٢) أي بما قبلته ماهيّاتهم بحسب الاستعداد الأزليّ.
وقال:( ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ ) (٣) أي كان عاقبة الّذين كانت مهيّاتهم في الأزل مغروزة على الشقاوة والإساءة في ذلك المشهد الشقاوة والإساءة، حيث كذّبوا بآيات الحقّ واستهزؤا بها، فإنّ التكذيب من آثار الشقاوة الأزليّة.
والحاصل أنّ للأشياء ثبوتا أزليّا، بمعنى كونها معلومة للحقّ، متعلّقة
__________________
(١) آل عمران: ١١٧.
(٢) آل عمران: ١٨٢، الأنفال: ٥١.
(٣) الروم: ١٠.
لعلمه، مقرّرة فيه، ولذلك يسمّى بالأعيان الثابتة، والحقائق الأزليّة.
والقول بنفي وجودها الأزليّ لقوله عليه السّلام كان عالما، حيث لا معلوم ممّا لم يساعده برهان، فانّ إثبات العلم الأزليّ للحقّ مستلزم لإثبات الأعيان الثابتة المعلومة. كيف والعلم من الأمور الإضافيّة، بمعنى أنّه يجب تعلّقه بمعلوم، وقياسه بنور الشمس باطل.
والاستدلال بقوله عليه السّلام غير ناهض، لأنّ المراد بنفي المعلوم نفي وجوده الخارجيّ لا الثبوتيّ التقريريّ.
وقوله عليه السلام: كان شيئا ولم يكن مذكورا(١) ، وقوله عليه السلام: كان مذكورا في العلم ولم يكن مذكورا في الخلق(٢) إلى آخره، من الشواهد الواضحة على المطلوب.
وبالجملة: علمه الأزليّ بالأشياء غير مؤثّر في أمر الشقاوة والسعادة. كيف وقد عرفت أنّهما كانا من قضيّة الماهيّة الأزليّة، فلا ظلم أصلا، حيث لا جعل من الله الحقّ تعالى، ولا صنع إلّا إيجاد الماهيّة، وإطراء الوجود عليها، فلا بدّ من المهيّة المستعدّة للشقاوة من ظهور آثارها منها في المشهد الآخر، وكذا المهيّة السعيدة.
وكلّ ذلك بإذن الله، أي بعلمه، كما قال الصادق عليه السلام: إنّ الله خلق الخلق فعلم ما هم صائرون إليه، وأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شيء فقد
__________________
(١) المحاسن ١: ٢٤٣.
(٢) بحار الأنوار ٥٧: ٣٢٨.
جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلّا بإذن الله(١) .
وجعل السبيل والاختيار من حيث الإفاضة واللطف لا ينافي نقص الاستعداد عن قبول ذلك، والنقص من جهة القابل لا يوجب الظلم من المفيض.
وهذا هو الأمر بين الأمرين الّذي أشار إليه الصادق عليه السلام وغيره من المعصومين، فإنّه تعالى ما أجبرهم على ذلك الاختيار والإرادة، بل أفاض عليهم بإفاضة واحدة، وما فوّض إليهم الأمر، بل أعطاهم الوجود الّذي من لوازمه تلك الأمور، فلا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين. وهو الإيجاد ومقام الاستعداد للضلالة والرشاد الّذي اختلفت فيه مهيّات العباد.
هذا عامّة شرح ما يمكن أن يقال في هذا المجال، ولكنّ الإنصاف أنّ هذه المسألة من فروع مسألة القدر الّذي هو السرّ المستسرّ، وقد قيل إنّه من الأسرار الّتي تعلم ولا يتكلّم بها، ولكنّي أقول: إنّه ممّا لا يعلم ولا يتكلّم به، وإنّما نعلم في ذلك هو العدل الإلهيّ، فهو المطمأنّ به في كلّ باب. فالحمد لله العليِّ الوهّاب.
البارقة الخامسة: قوله:( إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ) كأنّه تعليل لما تقدّم من أنّ العباد لا يريدون شيئا إلّا ما هو المطابق للعلم الأزليّ، فإنّه تعالى هو العليم بكلّ شيء قبل وجود كلّ شيء كما قال: علم بما كان قبل أن يكون إلى آخره.
فالقول بأنّ العلم يتعلّق بالمعلوم بعد وجوده، بمعزل عن التحقيق، لاستلزامه نفي العلم الأزليّ.
__________________
(١) الكافي ١: ١٥٨.
وما قيل من أنّ تعلّق العلم الأزليّ بالمعلوم أزلا مستلزم لتعدّد القدماء، وهو باطل موهون بأنّ تعدّد القدماء إنّما يبطل وينافي التوحيد لو قيل بالآلهة المتعدّدة القديمة، كما سبق التفصيل.
وما روي من أنّ العلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور، فلمّا أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم إلى آخره، لا ينافي ما قرّرناه، لاحتمال أن يكون المراد بنفي المعلوم نفي وجوده الخارجيّ لا وجوده التقريريّ في الذات القديم.
وفي قوله «فلمّا أحدث الأشياء ...» إلى آخره، إشارة إلى علمه الحادث المقارن لحدوث الأشياء بإيجادها المطابق للعلم الأزليّ الّذي لا يتغيّر ولا يتبدّل. كيف وهو مستلزم لتغيّر الذات وتبدّله وبطلانه بديهيّ.
قيل: إنّ تعلّق علمه بالمفهومات في الأزل، فلا يخلو إمّا أن تكون موجودة ذهنا أو خارجا، فيجب القول بثبوت الأعيان. وهو مذهب الصوفيّة المستلزم لتعدّد القدماء.
على أنّ المفهومات حينئذ لا تخلو إمّا قائمة بنفسها، أو بغيرها، وعلى الأوّل يلزم اتّحاد الحال والمحلّ، وعلى الثاني يلزم تقارنها مع الذات. وفيه نظر يظهر وجهه بأدنى تأمّل.
وممّا يدلّ على المختار ما في الكافي عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: كان الله ولا شيء غيره، ولم يزل عالما
بما يكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه(١) ، ونفي الشيء لا يقتضي نفي الثبوت، فليتأمّل.
وعن أيّوب بن نوح أنّه كتب إلى أبي الحسن عليه السّلام يسأله عن الله أكان يعلم الأشياء قبل أن خلق الأشياء وكوّنها، أو لم يعلم ذلك حتّى خلقها، أو أراد خلقها وتكوينها، فعلم ما خلق عند ما خلق، وما كوّن عند ما كوّن؟ فوقّع بخطّه: لم يزل الله عالما بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء(٢) .
وعن محمّد بن حمزة قال: كتبت إلى الرجل عليه السلام أسأله أنّ مواليك اختلفوا في العلم، فقال بعضهم: لم يزل الله عالما قبل فعل الأشياء، وقال بعضهم: لا نقول لم يزل الله عالما، لأنّ معنى يعلم يفعل، فإنّ أثبتنا العلم فقد أثبتنا في الأزل معه شيئا، فإن رأيت ـ جعلني الله فداك ـ أن تعلّمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه؟ فكتب بخطّه عليه السّلام: لم يزل الله عالما تبارك وتعالى ذكره(٣) .
ومثله رواية فضيل.
هذه الأخبار صريحة في المطلوب، بل بعضها مشعر بثبوت الأعيان في علمه أزلا، كما لا يخفى على المتدبّر.
ولا بأس بالاستدلال بها على أنّ علمه في الأزل متعلّق بالجزئيّات والكلّيّات، كما هو مذهب المشهور من الحكماء، وتفصيل القول في تلك
__________________
(١) الكافي ١: ١٠٧.
(٢) الكافي ١: ١٠٧.
(٣) الكافي ١: ١٠٧.
المسألة مسطور في كتب الحكمة والكلام، وليست تلك الرسالة محلّ التعرّض له.
وفي قوله( حَكِيماً ) إشارة إلى أنّ جميع أفعاله مبتنية على المصلحة والعدل الّذي هو إعطاء كلّ مستعدّ قضيّة استعداده.
قيل: فيه إشارة إلى إيجاد كلّ الموجودات على أحكم وجه وأيقنه، وجذب كلّ ناقص منها من مبدئه إلى كماله جذبا ملائما له.
السادسة: في قوله:( يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ ) إلى آخره، إشارة إلى ما مرّ من مقام الاستعداد لأمر الضلال والرشاد، أي يهدي إلى الصراط المستقيم وهو الدخول في لجّة التوحيد من يعلمه مستعدّا لقبول ذلك الأمر بعلمه الأزليّ بحسب القضاء المستلزم للإمضاء في ذلك المشهد، بخلاف من لا يعلمه مستعدّا لذلك المقام، فإنّه يضلّه بأن يظهر آثار استعداده للكفر بالإيجاد، كما قال:( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ) (١) .
وقال:( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) (٢) .
وقال:( وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (٣) .
وقال:( مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) (٤) .
ومن هنا يظهر السرّ في عدم تبديل القضاء الأزليّ في أمر السعادة
__________________
(١) النور: ٤٠.
(٢) الرعد: ٣٣، الزمر: ٢٣، ٣٦، غافر: ٣٣.
(٣) النور: ٢١.
(٤) الأعراف: ١٧٨.
والشقاوة، وعدم تغيير العلم القديم فيهما، والأخبار على ذلك شاهدة.
وقد روى ثابت بن سعيد عن أبي عبد الله عليه السّلام قال: قال يا ثابت، مالكم وللناس؟ كفّوا عن الناس ولا تدعو أحدا إلى أمركم! فو الله لو أنّ أهل السماوات وأهل الأرض اجتمعوا على أن يهدوا عبدا يريد الله ضلاله ما استطاعوا على أن يهدوه، ولو أنّ أهل السماوات والأرضين اجتمعوا على أن يضلّوا عبدا يريد الله هدايته ما استطاعوا أن يضلّوه، ولا يقل أحد عمّي وأخي وابن عمّي وجاري، فإنّ الله إذا أراد بعبد خيرا طيّب روحه، فلا يسمع معروفا إلّا عرفه، ولا منكرا إلّا أنكره، ثمّ يقذف الله في قلبه كلمة يجمع بها أمره(١) .
وعن ابن خالد عنه عليه السلام قال: إنّ الله إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور، وفتح مسامع قلبه، ووكّل به ملكا يسدّده، وإذا أراد بعبد سوء نكت في قلبه نكتة سوداء، وسدّ مسامع قلبه، ووكّل به شيطانا يضلّه، ثمّ تلا هذه الآية:( فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ ) (٢) .
السابعة: لا بأس بتفسير إدخاله تعالى من يشاء في رحمته بإلهام من يعلمه مستعدّا معرفة الحجّة من آل محمّد صلّى الله عليه وآله، كما قال الباقر عليه السلام: إنّ الله إذا كتب على عبد أن يدخل في هذا الأمر كان أسرع إليه من الطير إلى وكره (٣) .
__________________
(١) الكافي ١: ١٦٥.
(٢) الأنعام: ١٢٥.
(٣) الكافي ١: ١٦٦.
وعن فضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السّلام: ندعوا الناس إلى هذا الأمر؟ فقال: لا يا فضيل، إنّ الله إذا أراد بعبد خيرا أمر ملكا فأخذ بعنقه فادخله في هذا الأمر طائعا أو كارها(١) .
وأمّا غير المستعدّ لذلك المقام، فليس له الفوز بمعرفة الإمام. كيف والجاهل عقابه لا يمكن له إدراك معرفة الله ورسوله، إذ الإمام عليه السّلام هو الصراط المستقيم، والسبيل القويم إلى معرفتهما، وهو الباب لمدينة التوحيد، والسالك إلى الحقّ في غير السبيل إنما هو كالأعمى السالك بغير الدليل، والداخل في المدينة بغير باب التوحيد، ينادى من مكان بعيد، وهو الضالّ الّذي لا يمكنه الاهتداء إلى مقام الصدق والصفاء، والكافر الّذي أشار إليه بقوله:( وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) (٢) وأيّ عذاب أشدّ من عذاب الجهل بمقام الإمام، وأيّ نار أسعر من نار البعد عن محلّة محبّة الأئمّة الكرام عليهم الصّلاة والسّلام؟
قال مولانا ومولى كلّ ما في الإمكان أمير المؤمنين عليّ عليه صلواة الله الملك المنّان: نحن الأعراف الّذين لا يعرف الله إلّا بسبيل معرفتنا، ونحن الأعراف يعرّفنا الله يوم القيامة على الصراط، فلا يدخل الجنّة إلّا من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النار إلّا من أنكرنا وأنكرناه، إنّ الله لو شاء لعرّف العباد نفسه، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله، والوجه الّذي يؤتى منه، فمن عدل عن ولايتنا أو فضّل علينا غيرنا، فإنّهم عن الصراط لناكبون.
__________________
(١) الكافي ١: ١٦٧.
(٢) الإنسان: ٣١.
وعن أبي جعفر عليه السلام: والله يا محمّد، من أصبح من هذه الأمّة لا إمام له من الله أصبح ضالّا تائها، وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق.
واعلم يا محمّد أنّ أئمّة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله، قد ضلّوا وأضلّوا، فأعمالهم الّتي يعملونها( كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ) (١) .
وعن بريد قال: سمعته عليه السّلام يقول في قوله الله:( أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ) (٢) فقال: ميتا: لا يعرف شيئا، ونورا يمشي به في الناس: إمام يأتمّ به ( كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ) (٣) قال: الّذي لا يعرف الإمام (٤) .
خاتمة: قال الباقر عليه السّلام: من قرأ هل أتى على الإنسان كلّ غداة من الخميس روّحه الله من الحور العين ثمانمائة عذراء، وأربعة آلاف ثيّب، وكان مع محمّد صلّى الله عليه وآله(٥) .
أقول: لا يخفى أنّ المراد بالقراءة هي القراءة المرعيّ فيها الشرائط والآداب المقرّرة عند أهل الحال، فإنّ لله تعالى تجلّيات برقانيّة في كتابه، يفوز بها من يقرؤه بالقراءة الحقيقيّة، فيلتذ بمخاطبات الحقّ تعالى التذاذ العاشق من كلام معشوقه.
وهذا هو السرّ في تأكّد الأمر في القرآن وغيره بالتدبّر في الآيات،
__________________
(١) إبراهيم: ١٨.
(٢ و ٣) الأنعام: ١٢٢.
(٤) الكافي ١: ١٨٥.
(٥) وسائل الشيعة ٦: ١٢٢.
والتفكّر في حقائق الكلمات، فإنّ ذلك يرشد المستعدّ إلى درجات العرفان، ويهديه إلى حقائق القرآن، ودقائق البيان.
ولعلّ التزويج بالحور العين كناية عن تلك الدرجة من الإيقان.
ولا شكّ أنّ الفائز بذلك المقام مصاحب لمحمّد صلّى الله عليه وآله سيّد الأنام، كيف ولا يفوز بتلك الدرجة إلّا من عرف مقام محمّد صلّى الله عليه وآله بحسب إمكانه، وأيقن بمقام استعداده صلّى الله عليه وآله لقبول تجلّيات الحقّ في تلك المخاطبات الذوقيّة، والمحاضرات الشوقيّة.
وقال الصادق عليه السلام: والله لقد تجلّى الله لخلقه في كلامه ولكن لا يبصرون(١) .
وقال أيضا وقد سألوه عن حالة لحقته في الصّلاة حتّى خرّ مغشيّا عليه، فلمّا أفاق قيل له في ذلك، فقال: ما زلت أردّد الآية على قلبي وعلى سمعي حتّى سمعتها من المتكلّم بها، فلم يثبت جسمي لعناية قدرته(٢) .
وفي مصباح الشريعة: من قرأ القرآن ولم يخضع لله ولم يرقّ قلبه ولم ينشئ حزنا ووجلا في سرّه فقد استهان بعظم شأن الله، وخسر خسرانا مبينا، فقارئ القرآن يحتاج إلى ثلاثة أشياء: قلب خاشع، وبدن فارغ، وموضع خال، فإذا خشع لله قلبه فرّ منه الشيطان الرجيم، قال الله:( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) (٣) .
__________________
(١) عوالي اللئالي ٤: ١١٦.
(٢) الخرائج ٢: ٩٣١.
(٣) النحل: ٩٨.
وإذا تفرّغت نفسه من الأسباب تجرّد قلبه للقراءة، فلا يعترضه عارض فيحرمه بركة نور القرآن وفوائده، وإذا اتّخذ مجلسا خاليا واعتزل من الخلق بعد أن اتى بالخصلتين الأوليين استنارت روحه وسرّه بالله، ووجد حلاوة مخاطبات الله لعباده الصالحين، وعلم لطفه بهم، ومقام اختصاصه لهم بفنون كراماته، وبدائع إشاراته، فإذا شرب كأسا من هذا المشرب فحينئذ لا يختار على ذلك الحال حالا، وعلى ذلك الوقت وقتا، بل يؤثره على كلّ طاعة وعبادة، لأنّ فيه المناجاة مع الربّ بلا واسطة.
فانظر كيف تقرأ كتاب ربّك، ومنشور ولايتك، وقف عند وعده ووعيده، وتفكّر في أمثاله ومواعظه، واحذر أن تقع من إقامتك حروفه في إضاعة حدوده.
وفي الكافي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفّع، وما حل مصدّق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل، وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، وظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له تخوم وعلى تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى، ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجل جال بصره، وليبلغ الصفة نظره، ينج من عطب، ويتخلّص من نشب، فإنّ التفكّر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات
بالنور، فعليكم بحسن التخلّص، وقلّة التربّص(١) .
ولقد أشرنا في تلك الرسالة إلى أسرار مستسرّة، لا يدركها إلّا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان.
گر نبودى خلق محجوب وكثيف |
ور نبودى حلقها تنگ وضعيف |
|
در بيانش داد معنى دادمى |
غير ازين منطق لبى بگشادمى |
تمّت الرسالة الشريفة على يد مصنّفها الآنس بحضرة الله، الآيس عن غير الله، ابن علي مدد حبيب الله في يوم الأحد العاشر من جمادى الاولى سنة ١٢٧٨ ه.
__________________
(١) الكافي ٢: ٥٩٨.
فهرس موضوعات الكتاب
ترجمة المفسّر : ٥
( هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) ٨
بوارق ٢٢
بوارق ٢٨
بوارق ٦٦
في مذهب الواصليّة من الصوفيّة ٧٣
في مذهب الفرقة البابيّة المبتدعة ٧٥
بوارق ٨٩
في مذهب البابيّة المرتدّة ٩٦
بوارق ١٠٢
بوارق ١٣٢
تنبيهات : ١٦٢
تنبيهان : ١٦٤
بوارق : ١٧١
تنبيهات : ١٨٤
بوارق ٢٢٠
تنبيهات ٢٣٨
تنبيهات ٢٦٤
بوارق ٢٧٥
بوارق ٢٨٦
بوارق ٢٩٢
بوارق ٣١٠
بيان لمسألة الجبر والتفويض ٣١٥
فهرس موضوعات الكتاب ٣٥٥