شبهات وردود

الحلقة الثانية

بقلم السيد سامي البدري


هوية الكتاب: شبهات وردود - الحلقة الثانية

المؤلف: السيد سامي البدري

الطبعة: الثانية ذي الحجة سنة ١٤١٧- قم

المطبعة باقري

الناشر:المؤلف


المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

وبعد فهذه الحلقة الثانية من شبهات وردود وقد كرستها لشبهات أثارتها نشرة الشورى حول النص على علي (ع) ، وكانت أهم هذه الشبهات هي :

انه لو كان هناك ثمة نص على علي (ع) لاحتج به علي (ع) نفسه !!

وانه لو كان هناك نص فان الصحابة اكبر من ان يتصور في حقهم انهم يخالفون النبي (ص) !!

وانه لو كان هناك نص فلماذا بايع علي (ع) الخلفاء الثلاثة برضاه !!

وقد عنيت هذه الحلقة بشكل خاص باحتجاج علي (ع) بحديث الغدير ، وبإبراز شاهد لمخالفة الصحابة للنص تتفق عليه مصادر السنة والشيعة بل ان تفاصيله في كتب السنة اكثر بكثير مما ذكر في كتب الشيعة وهو موقف الصحابة من حج التمتع سواء أثناء تبليغ النبي (ص) له أو بعد وفاة النبي (ص) حيث تجمع المصادر السنية


فضلا عن الشيعية ان الصحابة وبخاصة القرشيين منهم استنكروا على النبي (ص) أمر متعة الحج وناقشوه عليها وأغضبوه ثم استجابوا لأمره فيها على مضض ، وانهم لما صارت السلطة بيدهم بعد النبي (ص) نهوا عنها ، وقد أمر بها القرآن والرسول وخضع لهم بقية المسلمين ما عدا عليا (ع) وأصحابه. هذا مع ان كلام الله تعالى وحديث النبي في هذا المورد يتعلق بقضية عبادية ، فيكف يكون أمرهم حينما يتعلق الأمر بقضية الموقع الأول في المجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي (ص).

وتناولنا مضافا إلى ذلك شبهة كان من حقها ان تبحث في الحلقة الأولى وهي قول صاحب النشرة (ما دام في الأرض مسلمون ويحتاجون إلى دولة وإمام فلماذا يحصر عدد الأئمة باثني عشر).

أرجو ان أكون قد وفقت في عملي هذا وان يغتفر لي القارئ الكريم النقص الذي قد يلوح هنا وهناك سواء في هذه الحلقة أو التي قبلها راجيا منه ان ينبهني عليه لتلافيه في طبعة أخرى.

اللهم اجعله لي ذخرا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم انك سميع مجيب.

السيسد سامي البدري

قم / ١رجب / ١٤١٧هجـ.



الفصل الأول :

الأئمة الاثنا عشر حجج الهيون

قوله :

مادام في الأرض مسلمون ويحتاجون إلى دولة وإمام فلماذا يحصر عدد الأئمة باثني عشر

نقول :

الإمامة المحصورة باثني عشر بعد الرسول (ص) ليست هي منصب الحكم حسب بل هي منزلة الحجة على الخلق بالقول والفعل والتقرير ومن لوازم هذه المنزلة حصر حق الحكم بصاحبها في زمان حضوره اما في عصر الغيبة فإن منصب الحكم حق للفقهاء العدول.



نص الشبهة

قال صاحب النشرة :

ما دام في الأرض مسلمون ويحتاجون إلى دولة وإمام وكان محرما عليهم اللجوء إلى الشورى والانتخاب كما تقول النظرية الإمامية وكان لابد أن يعين الله لهم إماما معصوما منصوصا عليه فلماذا إذن يحصر عدد الأئمة في اثني عشر واحدا فقط(١) .

____________________

(١) الشورى العدد العاشر ص ١٩.


التعليق على الشبهة

أقول :

اولا : ان المستشكل قَصَر الإمام معنى الحكم والرئاسة التنفيذية في المجتمع كما هو واضح من كلامه هنا وفي موارد متعددة من النشرة.

ثانيا : ان الإمامة التي حصرت باثني عشر من أهل البيت (ع) ليست هي إمامة الحكم حسب بل هي الإمامة الدينية التي كانت لرسول الله (ص) خاصة بوصفه حجة الله تعالى بقولهوفعله وتقريره(١) و كون

____________________

(١) ويترتب على هذه الإمامة ان الله تعالى لا يقبل عمل امرىء ما لم يكنموافقا في التفاصيل مع قول الحجة وفعله وتقريره ويترتب عليها الشفاعة أيضا ، فشفاعة الرسول لا تنال إنسانا لا يقتدي بسنته ، ويترتب على ذلك أيضا ان صاحب هذه المنزلة يؤيده الله تعالى بخوارق العادات يجريها على يديه حين يتوقف فتح طريق الهداية عليها.


حق الحكم خاصا به في زمانه لا يجوز لغيره ان يمارسه الاّ بإذنه.

وكذلك الأمر في أوصيائه الاثني عشر فهم حجج الله تعالى على خلقه بعد نبيه الأكرم بقولهم وفعلهم وتقريرهم وكون حق الحكم خاصا بهم في زمانهم لا يجوز لغيرهم ان يمارسه ا لا بإذنهم ومن هنا اشترطت فيهم العصمة والنص.

وفي ضوء ذلك فان إمامة أهل البيت الاثني عشر (ع) كما يعتقد بها الشيعة ليست هي الإمامة التي يعتقدها الزيدية أو المعتزلة أو السنة فهؤلاء يعتقدون بالإمامة على أنها حكم وإجراء حدود وتولية أمراء وتطبيق أحكام الشريعة في المجتمع حسب.

ويفترق الزيدية عن غيرهم بقولهم : ان الذي له حق إجراء الحدود هم علي والحسن والحسين (ع) ومن دعا إلى نفسه وحمل السيف من ذرية الحسن والحسين بعدهما.

أما أهل السنة والمعتزلة فقد أنكروا ان تكون هناك نصوص تدل على حصر حق الحكم بأهل البيت (ع) بالشكل الذي قال به الزيدية


فضلا عما قال به الشيعة.

وفي قبال الزيدية والمعتزلة والسنة قالت الشيعة بإمامة أهل البيت لا بمعنى الحكم بل بالمعنى الذي يجعل منزلتهم بمنزلة الأنبياء أي كونهم حججا إلهيين تجب طاعتهم سواء بايعهم الناس على الحكم أو لم يبايعوهم ، لا فرق بينهم وبين النبي (ص) إلا في النبوة والأزواج(١) ، أما الحكم وإجراء الحدود فنسبته إليهم كنسبته إلى الرسول من حيث اختصاصه به وعدم جواز تصدي الغير له مادام حاضرا(٢) .

وهذا المعنى للإمام أي كونه حجة الله تعالى في دينه هو المأثور

____________________

(١) روى الكليني في الكافي ج١ : ٢٧٠ عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول " الأئمة بمنزلة رسول الله (ص) إلا انهم ليسوا بأنبياء ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي (ص) فأما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله (ص) ".

(٢) انظر كلام القاضي عبد الجبار في كتابه المغني الجزء المتم للعشرين ق١ : ٣٦ ، ٣٩ ، ٨٩-٩٠ حيث أشار إلى ان الشيعة ينظرون إلى أئمتهم كحجج لله تعالى ، وانظر أيضا الشافي في الإمامة للسيد المرتضى ج١ : ٣٠٩-٣١٠ ، والشيخ المفيد في كتابه الجمل ط. المؤتمر العالمي :٧٣-٧٤ه-.ش. والعلامة الحلي في كتابه أنوار الملكوت في شرح ياقوت الكلام لإبراهيم بن نوبخت ص ٢٠٤.


عن هشام بن الحكم في مناظراته.

قال الشامي لهشام :

“ يا غلام سلني في إمامة هذا (وأشار إلى الإمام الصادق (ع)) … قال هشام للشامي يا هذا أربك انظر لخلقه أم خلقه ؟ فقال الشامي بل ربي انظر لخلقه. قال ففعل بنظره لهم ماذا ؟

قال أقام لهم حجة ودليلا ، كيلا يتشتتوا ، أو يختلفوا ، يتآلفهم ويقيم أودهم(١) ويخبرهم بفرض ربهم.

قال فمن هو ؟

قال رسول الله (ص).

قال هشام فبعد رسول الله (ص) ؟

قال الكتاب والسنة.

قال هشام فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنة في رفع الاختلاف عنا ؟(٢) .

____________________

(١) الأَوَدُ : العِوَج (لسان العرب).

(٢) ادعى صاحب النشرة ان هشام بن الحكم كان يناظر من اجل الإمامة بمعنى الحكم بينما نصوص مناظراته كما يرى القارىء الكريم تدور حول من له مقام الرسول بكونه حجة في قوله وفعله وتقريره وكونه الفيصل في الاختلاف الفكري والفقهي.


قال فسكت الشامي.

فقال أبو عبد الله (ع) للشامي ما لك لا تتكلم ؟

قال الشامي ان قلت لم نختلف كذبت ، وان قلت ان الكتاب والسنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت ، لأنهما يحتملان الوجوه ، وان قلت قد اختلفنا وكل واحد منا يدعي الحق فلم ينفعنا إذن الكتاب والسنة ، إلاّ انَّ لي عليه الحجة.

فقال أبو عبد الله (ع) سله تجده مليا.

فقال الشامي يا هذا من انظر للخلق أربهم أو أنفسهم ؟

فقال هشام ربهم انظر لهم منهم لأنفسهم.

فقال الشامي فهل أقام لهم من يجمع لهم كلمتهم ويقيم أودهم ويخبرهم بحقهم من باطلهم ؟

قال هشام في وقت رسول الله (ص) أو الساعة ؟

قال الشامي في وقت رسول الله رسول الله (ص) والساعة من ؟


فقال هشام هذا القاعد الذي تشد إليه الرحال ويخبرنا بأخبار السماء والأرض وراثة عن أب عن جد(١) .

____________________

(١) يشير قول هشام (رح) هذا إلى ما اشتهر عن الإمام الصادق (ع) انه كان يخبر بوقوع الملاحم استنادا إلى كتب آبائه (ع) ومن ذلك ما اخبر عن مستقبل حركة الحسنيين في زمانه وانه لا يملك أحد منهم و ان ذلك مذكور عنده في كتاب فاطمة (عها) أصول الكافي ١ : ٢٤٢ ، وبصائر الدرجات : ١٦٩-١٧٠. وفي هذا الأخير عن معلى بن خنيس قال كنت عند أبي عبد الله (ع) إذ اقبل محمد بن عبد الله بن الحسن فسلم ثم ذهب ورقَّ له أبو عبد الله ودمعت عينه فقلت له : لقد رأيتك صنعت به ما لم تكن تصنع قال (رققت له لانه ينسب في أمر ليس له ، لم أجده في كتاب علي من خلفاء هذه الأمة ولا ملوكها) وفي مقاتل الطالبيين ص ٢٠٦ قال الصادق (ع) لعبد الله بن الحسن ان هذا الأمر ليس إليك ولا إلى ولديك وإنما هو لهذا / يعني السفاح / ثم لهذا / يعني المنصور / ثم لولده من بعده لا يزال فيهم حتى يؤمروا الصبيان ويشاوروا النساء. فقال عبد الله والله يا جعفر ما أطلعك الله على غيبه فقال الصادق (ع) : لا والله ما حسدت ابنك وان هذا -يعني أبا جعفر يقتله على أحجار الزيت ثم يقتل أخاه بعده بالطفوف وقوائم فرسه بالماء. وقد اشتهر ذلك عن الإمام الصادق ، انظر تاريخ الطبري (طبعة دار المعارف) ٧ : ٥٩٨ وأيضا الصفحه٦٠٠ ، ومقاتل الطالبين ٣٤٧ وابن خلدون في مقدمته ج١ ص٥٩٥ ومن الجدير ذكره ان علم الإمام بالمغيبات وغيرها لا ينحصر من خلال قراءة تلك الكتب الموروثة بل هو محدَّث من قبل الملائكة بإذن الله (الكافي ج١ : ٢٧٠) هذا مضافا إلى كونه مؤيدا بروح القدس الذي به يعلم الإمام مادون العرش وما تحت الثرى (الكافي ج١ : ٢٧٢).


قال الشامي فكيف لي ان اعلم ذلك قال هشام سله عما بدا لك.

قال الشامي قطعت عذري فعليَّ السؤال.

فقال أبو عبد الله (ع) يا شامي أخبرك كيف كان سفرك ، وكيف كان طريقك ، كان كذا وكذا.

فاقبل الشامي يقول صدقت ، أسلمت لله الساعة.

فقال أبو عبد الله (ع) بل آمنت بالله الساعة ، ان الإسلام قبل الإيمان وعليه يتوارثون ويتناكحون والإيمان عليه يثابون.

فقال الشامي صدقت فأنا الساعة اشهد ان لا اله إلا الله وان محمداً رسول الله (ص) وانك وصي الأوصياء ”(١) .

وهذا المعنى للإمامة الذي ناظر من أجله هشام طفحت به أحاديث الأئمة (ع).

روى الكليني عن داود الرقي عن العبد الصالح (ع) قال : “ ان الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حتى يعرف ”(٢) .

____________________

(١) الكافي ج١ : ص١٧١ الرواية ٤.

(٢) الكافي ج١ ص ١٧٧.


وروى أيضا عن عبد الله بن سليمان العامري عن أبي عبد الله (ع) قال : “ ما زالت الأرض إلا ولله فيها الحجة يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله ”(١) .

وروى أيضا عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال : “ سمعته يقول ان الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام كي ما ان زاد المؤمنون شيئا ردَّهم وان نقصوا شيئا أتمَّه لهم ”(٢) .

وروى أيضا عن بشير العطار قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : “ نحن قوم فرض الله طاعتنا(٣) وانتم تأتمون بمن لا يعذر الناس

____________________

(١) الكافي ج١ ص ١٧٨.

(٢) الكافي ج١ ص ١٧٨.

(٣) روى الكليني في الكافي ج١ : ٢٧٦ عن بريد قال ، قال أبو جعفر (ع) في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء : ٦٣ إيانا عنا خاصة ، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا. وفي تفسير فرات الكوفي عن الحسين انه سأل جعفر بن محمد (ع) عن قوله الله تعالى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) قال : أولي الفقه والعلم قلنا : اخاص أم عام قال بل خاص لنا. وفيه أيضا عنه (ع) قال أولي الأمر في هذه الاَّية هم آل محمد (ص)) ص ١٠٨ تحقيق محمد الكاظمط١٤١٠ هج وفي الكافي ج٢ باب دعائم الإسلام ح٢ وح٩ (ان الولاية التي أمر الله عز وجل بها ولاية آل محمد (ص) ثم ذكر قوله تعالى (أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم)) وفي أصول الكافي ج١ : ١٨٩ الحديث ١٦ عن الحسين بن علاء قال قلت لأبي عبد الله (ع) الأوصياء طاعتهم مفترضة قال نعم هم الذين قال الله عز وجل (أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم) وهم الذين قال الله عز وجل (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) أقول : في ضوء هذه النصوص يتضح ان (اولي الامر) في الاية مصطلح خاص اريد به أوصياء الرسول الاثني عشر(ع) خاصة.


بجهالته ”(١) .

وروى الكليني أيضا عن صفوان بن يحيى قال قلت للرضا (ع) قد كنا نسألك قبل ان يهب الله لك أبا جعفر (ع) فكنت تقول يهب الله لي غلاما ، فقد وهبه الله لك فاقر عيوننا ، فلا أرانا إليه يومك ، فان كان كون فإلى من ؟

فأشار بيده إلى أبي جعفر (ع) وهو قائم بين يديه.

فقلت جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين ؟

فقال : “ وما يضره من ذلك فقد قام عيسى (ع) بالحجة وهو ابن ثلاث سنين ”(٢) وفي نسخة إرشاد المفيد وأعلام الورى (ابن اقل

____________________

(١) الكافي ج١ : ١٨٦.

(٢) الكافي ج١. ص ٣٢١ الرواية رقم ١٠.


من ثلاث سنين).

والإمامة بهذا المعنى عرضها القرآن الكريم للأنبياء السابقين قال تعالى( وَ إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) البقرة / ١٢٤.

وقال تعالى( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) الأنبياء / ٧٣.

فالإمام في كلا الاَّيتين هو الهادي إلى دين الله والحجة على خلقه بقوله وفعله وتقريره.

وفي ضوء ذلك يتضح :

ان الذي ذكرته الأحاديث النبوية من حصر الإمامة بعد النبي باثني عشر إنما هو منزلة خاصة لا يراد بها موقع الحكم وإجراء الحدود حسب بل أريد بها موقع من هو بمقام الرسول في كونه حجة لله تعالى في القول والفعل والتقرير وكون الحكم وإجراء الحدود من خصائصه في زمانه ، وقد ألحقت أحاديث أخرى الزهراء (ع) بالأئمة فهي حجة في قولها وفعلها وتقريرها دون خصوصية الحكم.


وبواسطة هؤلاء الحجج حفظ الله شريعة نبيه من التحريف وصارت ميسرة لكل من أرادها.

مشيئة الله تعالى في آل محمد (ص) :

وقد يقال لِمَ حُصر الحجج بعد النبي باثني عشر ولِمَ حُصر بأسرة النبي (ص) ؟

والجواب :

ان حصر حجج الله تعالى بعد نبيه الأكرم بأسرة النبي (ص) وبعدد محدود منهم ، وهم علي والزهراء والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين (ع) ، نظير حصر حججه تعالى بعد نوح وإبراهيمويعقوب وعمران في ذريتهم كما في قوله تعالى :( ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وإِبْرَاهِيمَ وجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ والكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) الحديد / ٢٦ وقوله :( إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إِبْرَاهِيمَ وآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَ اللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) آل عمران / ٣٣-٣٤.

وقد شاءت حكمة الله تعالى ان يجعل في الحجج من بعد محمد (ص) امرأة حجة وهي فاطمة بنت محمد (ص) كما جعل بعد


موسى امرأة حجة وهي مريم بنت عمران.

وشاءت حكمة الله تعالى أيضاً ان يجعل من ذرية فاطمة (ع) خاتم أوصياء محمد (ص) وهو الحجة بن الحسن العسكري كما جعل من ذرية مريم (ع) من قبلُ حجته عيسى (ع) خاتم أصفيائه من آل عمران وبني إسرائيل.

بل شاءت حكمة الله تعالى ان يجعل المهدي من آل محمد (ص) نظيرا لعيسى من آل عمران من ناحية الاختلاف في ولادته والامتحان بغيبته فقد اختلف بنو إسرائيل في ولادة المسيح بعد ان كانوا ينتظرونه جميعا للنصوص الثابتة عن أنبيائهم وفي كتبهم(١) ، فآمنت طائفة لما ولد وأنكرت طائفة ذلك إلى اليوم.

واختلف بنو إسماعيل (أمة محمد (ص)) في ولادة المهدي

____________________

(١) جاء في سفر اشعياء / وهو من أسفار الكتاب المقدس عند اليهودوالنصارى/ الإصحاح التاسع الفقرة ١٤ قوله (ولكن الرب نفسه يعطيكم آية. ها العذراء تحبل وتلد إبنا وتدعو اسمه عمانوئيل) وعما نوئيل لفظة عبرية معناها (الرب معنا) ومن الواضح ان النص يشير إلى مريم (عها) التي حملت من غير رجل وقد أيدها الله تعالى لما ولدت عيسى بان انطقه في المهد ليكون آية لأمه ولبني إسرائيل ومع ذلك فقد كذبت طائفة كبيرة من اليهود ذلك وأنكروا ولادة المسيح المنتظر من العذراء إلى اليوم.


المنتظر من ولد فاطمة (ع) بعد ان اخبر النبي (ص) عنه وبشر به(١) فآمنت طائفة لما ولد سنة ٢٥٥ هجـ ، وهي لا تزال مؤمنة به ألى اليوم ، وأنكرت طائفة ذلك إلى اليوم أيضا.

وامتُحن أنصار عيسى بغيبته ، فمنهم من قال قتل ، ومنهم من قال أنجاه الله من كيد الظالمين واتصل بخواص تلاميذه لفترة يوجههم ثم غيَّبه الله تعالى ليظهره آخر الزمان.

وكذلك امتحن شيعة المهدي (ع) بغيبته فمنهم / وهو قليل جدا وفي وقته / من قال انه مات في الغيبة(٢) ، وقال الأغلب بحياته في غيبته الطويلة التي غاب فيها بعد غيبته(٣) القصيرة وهم ينتظرون

____________________

(١) روى أبو داود في سننه عن أبي الطفيل عن علي (ع) عن النبي (ص) قال : (لو لم يبق من الدهر إلا يوم ، لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا) وفيه أيضا عن أم سلمة قالت : سمعت رسول الله (ص) يقول : (المهدي من عترتي من ولد فاطمة.) ج٢ / ٤٢٢ ط ١.

(٢) وقد مر الكلام على هذا القول في الشبهة ١ من الحلقة الأولى وقد ذكر الشيخ المفيد في الإرشاد والشيخ الطوسي في الغيبة أقوالا أخرى انقرض أصحابها.

(٣) قال الفضل بن الحسن الطبرسي (رح) في كتابه أعلام الورى ان أخبار الغيبة قد سبقت زمان الحجة بل زمان أبيه وجده وخلدها المحدثون من الشيعة في أصولهم المؤلفة أيام السيدين الباقر والصادق (ع) وآثروها عن النبي والأئمة واحدا بعد واحد... وليس يمكن أحدا دفع ذلك ومن جملة ثقاة المحدثين والمصنفين من الشيعة الحسن بن محبوب الزراد وقد صنف كتاب المشيخةالذي هو في أصول الشيعة اشهر من كتاب المزني وأمثاله قبل زمان الغيبة بأكثر من مائة سنة ومن جملة ما رواه عن إبراهيم الخارقي عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال : قلت له كان أبو جعفر (ع) يقول لقائم آل محمد غيبتان واحدة طويلة والأخرى صغيرة قال : فقال لي نعم يا أبا بصير إحداهما أطول من الأخرى ثم لا يكون ذلك (يعني ظهوره) حتى يختلف ولد فلان ويظهر السفياني ويشتد البلاء) ص ٤١٦. وروى الشيخ الصدوق في إكمال الدين عن سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري ومحمد بن يحيى العطار جميعا قالوا حدثنا احمد بن محمد بن عيسى وإبراهيم بن هاشم واحمد بن أبي عبد الله البرقي ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب جميعا قالوا حدثنا أبو علي الحسن بن محبوب السراد عن داود بن الحصين عن أبي بصير عن جعفر بن محمد عن آبائه (ع) قال قال رسول الله (ص) المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي أشبه الناس بي خلقا وخلقا تكون له غيبة وحيرة حتى تضل الخلق عن أديانهم فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا) ص ٢٨٧ ، البحار ٥١ الصفحه٧٢.


ظهوره ليحقق الله تعالى به وعده الذي وعده لنبيه الخاتم.

وشاءت حكمة الله أيضا ان يجعل في آل محمد (ص) حجة لله في سن دون العاشرة من عمره وهو أبو جعفر محمد الجواد (ع) ليكون نظيرا ليحيى في آل عمران آتاه الله الحكم صبيا.


وشاءت حكمة الله ان يجعل أوصياء محمد (ص) اثني عشر وان يجعل الثاني عشر منهم المهدي يحقق الله تعالى على يده وعده لنبيه محمد (ص) ويرث المؤمنون برسالته الأرض كلها( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ ) الأنبياء / ١٠٥ وان يكون ذلك نظيرا لأوصياء موسى الاثني عشر وما جعله على يد الثاني عشر من أوصيائه وهو داود من تحقق للوعد الذي وعده لموسى وبني إسرائيل من وراثة ارض فلسطين وما حولها.

وشاءت حكمة الله ان يجعل اغلب أوصياء محمد (ص) من ذرية أخيه ووزيره وأول أوصيائه علي (ع) وان يكون ذلك نظيرا لما جعله الله تعالى من كون اغلب أوصياء موسى (ع) بعده في ذرية أخيه ووزيره هارون (ع)(١) .

____________________

(١) قضية التناظر بين آل محمد (ص) وآل عمران وآل هارون والحجج الإلهيين في الأمم الماضية مسألة ملفتة للنظر جعلها الله تعالى من المعالم الهادية إلى حقانية حركة الأئمة الاثني عشر (ع) وبخاصة بعد ان أصبحت حركتهم (ع) بما فيها غيبة المهدي عج واقعا تاريخيا ناجزا ثابتا تسهل مقارنته مع الواقع التاريخي لحركة الحجج في الأمم السابقة كما ذكرها القرآن الكريموالنصوص الموافقة له من أسفار التوراة والإنجيل المتداولة وقد درسنا ذلك مفصلا وأعددناه في كتاب خاص.


من له حق الحكم عند اهل البيت (ع) :

أما ما يتعلق بمسالة الحكم فان القانون الإسلامي قد أوجب على المسلمين إقامته إلى آخر الدنيا ، ومن الطبيعي جداً ان لا يحدد عدد الحكام بعدد معين ، وإنما الطبيعي هو ان تحدد مواصفات من له أهلية لإشغال هذا المنصب في المجتمع ، وقد حدد القانون الإلهي ذلك صريحا في قوله تعالى( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والرَّبَانِيُّونَ والأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ وكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) المائدة / ٤٤.

والنظرية التي تطرحها الاَّية من وجود ثلاثة طبقات من العلماء بالكتاب الإلهي يبينون أحكامه وينفذونها في المجتمع ، وهم النبيون ثم الربانيون ثم الأحبار ، ليست خاصة بالتوراة بل تشمل كل كتاب إلهي تضمَّن الشريعة.

والمراد بالأحبار هم الفقهاء رواة أحاديث الأوصياء.

وفي ضوء الاَّية الكريمة يكون الذي له حق الحكم في المجتمع هو النبي ومن بعده الوصي ومن بعده الفقيه العادل الكفوء.

وقد وردت النصوص في القرآن والسنة تشير إلى وجود منزلة الربانيين والأحبار في أمة محمد (ص).


روى المحدِّث البحراني في تفسيره البرهان عن العياشي عن أبي عمرو الزبيري عن أبى عبد الله (ع) قوله :

“ ان مما استحقت به الإمامة التطهير والطهارة من الذنوب والمعاصي الموبِقة التي توجب النار ، ثم العلم المكنون بجميع ما تحتاج إليه الأمة حلالها وحرامها والعلم بكتابها خاصه وعامه والمحكم والمتشابه ودقائق علمه وغرائب تأويله وناسخه ومنسوخه.

قلت : وما الحجة بأن الإمام لا يكون إلا عالما بهذه الأشياء التي ذكرت ؟

قال : قول الله فيمن أذن لهم بالحكومة وجعلهم أهلها (انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون) فهذه الأئمة دون الأنبياء الذين يؤتون الناس بعلمهم(١) .

وأما (الأحبار) فهم العلماء دون الربانيين.

ثم اخبرنا فقال : (بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) ولم يقل بما حملوا منه ”(٢) .

____________________

(١) وفي نسخة (يربون الناس بعلمهم) والظاهر ان الصحيح هو(يؤُمُّون الناس).

(٢) تفسير البرهان تفسير الاَّية.


شرح الرواية :

قوله (ع) : (ان مما استحقت به الإمامة التطهير … ثم العلم المكنون … ).

العلم المكنون هو : العلم المخزون المصون عن الاختلاف ، نظير قوله تعالى( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ، فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ) الواقعة٧٧-٧٨.

ومراده (ع) ان الإمامة الإلهية الخاصة تتقوم بأمرين :

الأول : الطهارة من الذنوب صغيرها وكبيرها.

الثاني : العلم بكل ما تحتاج إليه الأمة علما مصونا عن الخطأ والاختلاف.

وكلاهما فضل من الله يمنحه من يشاء من عباده.

قوله (ع) : (قول الله فيمن أذن الله لهم بالحكومة وجعلهم أهلها ).

يشير الى ان الذين أذن الله لهم بالحكومة هم ثلاث فئات :

الفئة الأولى : النبيون.

الفئة الثانية : الربانيون.


الفئة الثالثة : الأحبار(١) .

قوله (ع) : (فهذه الأئمة دون الأنبياء ).

يشير إلى ان الربانيين في الاَّية هم الأئمة الإلهيون ، وهم العلماء أصحاب العلم المصون عن الخطأ المطهرون عن الذنوب(٢) المنصوص عليهم الذين ورد ذكرهم في قوله تعالى( وَلَقَدْ آتَيْنَا

____________________

(١) انظر تفصيل الاستدلال على ان الربانيين في الاية هم الائمة (ع) في تفسير الاَّية عند العلامة الطباطبائي (رح). رجوع

(٢) ومن الجدير ذكره هنا هو ان الوصي فضلا عن الفقيه في عصر النبي (ص)) ليس له ان يمارس الحكم إلا بإذن النبي (ص) ، وكذلك الأمر مع الفقهاء في زمن حضور الأوصياء ، أما زمان الغيبة الكبرى فقد أذن الأوصياء لفقهاء شيعتهم خاصة ان يمارسوا الحكم وأوجبوا على شيعتهم الرجوع إليهم والرضا بهم دون غيرهم وقد استدل الفقهاء على هذا الإذن بقول الإمام الصادق (ع) (اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا فإني قد جعلته عليكم قاضيا وإياكم ان يخاصم بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر (التهذيب للطوسي ج٦ / ٣٠٣) وقوله (ع) من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما) (الكافي ج٧ / ٤١٢ ، من لا يحضره الفقيه ج٣/٥ ، التهذيب ج١ / ٣٠١ ، وسائل الشيعة ١٨/٩٨ ، والتوقيع الصادر عن الحجة بن الحسن العسكري (ع) (اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) إكمال الدين للصدوق ص٤٨٣.


مُوسَى الكِتَابَ فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) السجدة٢٣-٢٤.

ان الأئمة من بني إسرائيل من بعد موسى المشار اليهم فى الاَّية على قسمين :

الأول: أنبياء ورسل كداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى.

الثاني: غير أنبياء ولكنهم علماء معصومون منصوص عليهم وهم آل هارون وطالوت(١) وصاحب سليمان(٢) وغيرهم وهؤلاء هم الربانيون المشار إليهم في الاَّية ٤٤ من سورة المائدة موضوع البحث ولهم نظائر في هذه الامة.

____________________

(١) قال تعالى :( وَ قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَ بَقِيًّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَ آلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الَمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَّيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) البقرة :٢٤٨.

(٢) قال تعالى :( قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقُوِىٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ ) النمل :٣٨-٤٠.


وقد قال الامام الباقر (ع) في تفسيرها :“ انها فينا نزلت ”(١) ، ومراده (ع) انها نزلت لبيان مقامهم بواسطة ذكر نظائرهم في الامم السابقة.

وتفسير الإمام الباقر (ع) هذا من باب البطن.

وقد وضَّح الامام الباقر معنى (البطن) حين سأله الفضيل بن يسار عن الرواية التي تقول (مافي القرآن آية الا ولها ظهر وبطن) ما يعني بقوله لها ظهر وبطن قال :“ ظهره تنزيله وبطنه تأويله ”.

وفي رواية مهران عن ابي جعفر (ع) إيضا قال : “ ظهر القرآن الذين نزل فيهم وبطنه الذين عملوا مثل اعمالهم ”(٢) .

قوله (ع) : “ثم اخبر فقال (بما استحفظوا من كتاب الله..) ولم يقل بما حملوا منه

إشارة منه (ع) إلى ان (الإستحفاظ) لا يراد به مجرد حمل العلم فقط ، بل يراد به (حمل العلم وعدم تضييعه عمليا) وهذا المعنى صادق دائما مع النبيين والربانيين ، أما مع غيرهم فقد يتخلف فيكون عالما بحدود الله ومضيعا لها عمليا.

____________________

(١) تفسير العياشي ج١ : تفسير الاَّية ٤٤ من سورة المائدة.

(٢) البرهان ج١ : ٢٠.


مسألة الشورى عند الشيعة :

أما ما يتعلق بمسالة الشورى فان لها مجالات أربعة :

الأول : الشورى كطريق لمعرفة الحجة المعصوم بعد رسوله ولا شك هي غير صالحة لذلك.

الثاني : الشورى كطريق لتشخيص من هو الأصلح للحكم في زمن الحجج الاثني عشر الذين نص عليهم الرسول ، ولا شك هي باطلة في هذا المورد كبطلانها في زمن رسول الله (ص) ، إذ الحكم من خصائص حجة الله نبيا كان أو وصيا وعلى الأمة ان تبايعه وتبسط يده ولا تبايع غيره.

ومما لا شك فيه ان الشورى في هذين المجالين مما اجمع على رفضه الشيعة في كل عصورهم.

الثالث : الشورى كطريق لتشخيص من هو الأصلح للحكم من بين الفقهاء في فترة الغيبة الكبرى ، وهذه المسألة لم تكن موضع بحث عند القدامى من علماء الشيعة لعدم ابتلائهم بها ، أما المحدثون فقد ذهب قسم منهم ممن بحثها إلى القول بها(١) .

____________________

(١) حصر بعض الفقهاء المعاصرين حجية الترجيح بالانتخاب في فرض التشاح انظر كتاب ولاية الأمر في عصر الغيبة للسيد كاظم الحائري ص ٣١٤ فما بعدها. وذهب آخرون إلى عدم تقيدها بذلك الفرض انظر دراسات في ولاية الفقيهج١ للشيخ المنتظريوكتابالحكمالإسلاميبينالنظرية والتطبيق للسيد محمد باقر الحكيم ص ١٠٨-١٠٩وكتاب ولاية الأمرللشيخ الاَّصفي.


الرابع : الشورى كممارسة من الحاكم في الشؤون التنفيذية العامة كما في كيفية الحرب وغيرها وهذه الشورى قد نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ ) آل عمران / ١٥٩(١) .

وفي ضوء ذلك يتضح ان قول القائل (ان الشيعة لا يؤمنون بالشورى والانتخاب) ليس صحيحا على إطلاقه بل لابد من مراعاة التفصيل الاَّنف الذكر.

مسألة البيعة في نظر علماء الشيعة :

وهناك مسألة اخرى تجدر الاشارة اليها هنا وهي مسألة البيعة ، والذي يتبناه الشيعة فيها هو : أنَّ البيعة عهد شرعي على النصرة واقامة الحكم لا تصح الا مع من تصح البيعة معه على ذلك(٢) وهم :

____________________

(١) انظر الإسلام يقود الحياة للشهيد الصدر رح ص ١٦٢.

(٢) قال السيد مرتضى العسكري : (تنعقد البيعة في الاسلام اذا توفرت فيها الشروط الثلاثة التالية : أ- ان يكون المبايِ-ع ممن تصِح منه البيعة ويبايِ-ع مختارا. ب- ان يكون المبايَع له ممن تصِح مبايعته. ج- ان تكون البيعة لأمر يصِح القيام به. وعلى ما بينا لا تصِح البيعة من صبي او مجنون لانهما غير مكلفين بالاحكام في الاسلام ولا تنعقد بيعة المكره لان البيعة مثل البيع فكما لا ينعقد البيع بأخذ المال من صاحبه قهرا ودفع الثمن له كذلك البيعة لا تنعقد بأخذها بالجبر وفي ظل السيف. وكذلك لا تصِح البيعة للمتجاهر بالمعصية ولا تصِح البيعة للقيام بمعصية الله. اذن فالبيعة مصطلح اسلامي ولها احكامها في الشرع الاسلامي) معالم المدرستين ط٤ ج١ ص٢٠٦.


النبي ثم الوصي ثم الفقيه العادل في فترة الغيبة الكبرى.

روى الشيخ الطوسي في أماليه بسنده عن الرضا (ع) عن آبائه ان عليا (ع) قال :

“ ان فلانا وفلانا (يريد ابابكر وعمر) أتياني وطالباني بالبيعةلمن سبيله ان يبايعني ”(١) .

قال الشيخ راضي آل ياسين (رح) :

“ وانما على الناس ان يبايعوا من ارادته النصوص النبوية ولا

____________________

(١) البحار ج ٢٨ : ٢٤٨. وقريب منه ما رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج٢ :٢-٥ " لما قيل لعلي (ع) بايع قال لهم انا احق بهذا الأمر منكم لا ابايعكم وانتم أولى بالبيعة لي … "


تصحح الامامية بيعة غيره ”(١) .

وقال ايضا :

“ لما كان الواجب على الناس ديناً الانقياد الى بيعة الامام المنصوص عليه كان الواجب على الامام مع قيام الحجة بوجود الناصر قبول البيعة ، … ، ولا مجال للتخلف عن الواجب مع وجود شرطه ”(٢) .

وقال الشهيد الصدر (رح) :

“ ولا شك ان البيعة للقائد المعصوم واجبة لا يمكن التخلف عنها شرعا ”(٣) .

وقال السيد محمود الهاشمي :

“ الناس مكلفون بأن يقوموا بالقسط ، وهم من اجل ذلك لا بد وان يبايعوا القائد المنصوب من قبل الله سبحانه وتعالى كي يهيئوا له فرصه اقامة القسط وهذه مسؤولية الامة ايضا ، اذ ان من اصول الفكر السياسي في الاسلام (البيعة) لولي الامر المنصب من قبل المبدأ

____________________

(١) صلح الحسن ص ٥٤.

(٢) صلح الحسن ص ٦٠.

(٣) الاسلام يقود الحياة. ١٦٢.


الاعلى او وليه بشكل خاص ، او بالشكل العام ضمن الشروط والمواصفات المعينة المعروفة ، كما يسمى عند الفقهاء ب- (القضية الحقيقية) ولا نقصد (بالبيعة) جانبها الشكلي او الصوري ، وان كان ذلك ايضا محمودا ولازما ، وانما نقصد بها لزوم (الطاعة) لتمكين هذا القائد (الحاكم) من القيام بدوره القيادي في اقامة العدل والقسط بين الناس ، ولكن لا يكون الا من خلال (المبايعة) واقرار (الطاعة) له ”(١) .

وقال السيد مرتضى العسكري :

“ فالحاجة الى البيعة هي تنفيذ الاحكام الاسلامية والامام (ع) بحاجة الى من ينصره لتنفيذ الاحكام.. ولا يلزم من ذلك ان يتعاهد جميع الناس ، اذ ان تعاهد مقدار من الناس بانهم يقومون بتنفيذ الاحكام الاسلامية يعتبر كافيا ”(٢) .

وقال ايضا في سؤال وجه اليه عن رسائل اهل الكوفة هل يمكن اعتبارها بيعة قال :

“ نعم ، ولكن البيعة وقعت بعد ذهاب مسلم بن عقيل حيث

____________________

(١) مصدر التشريع ونظام الحكم في الاسلام ص ١٠٢.

(٢) صحيفة الجهاد العدد (٧٠٠) ١٩٩٥.


يصدق على كتبهم قول الامام امير المؤمنين (ع) (لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر) … فيجب عليه تلبية طلب جماعة من المسلمين.. وكذلك فان الكوفة كانت مركزا للجند كالشام مثلا فكان ارسالهم الكتب اليه يلزمه باجابة طلبهم وكان ملزما شرعا ان يجبيهم الى طلبهم ”(١) . اقول : ومن الجدير ذكره ان هذه البيعة الواجبة مع المعصوم ليس دورها دور انشاء حق الحكم للمعصوم لان حقه في ذلك ثابت بالنص كما مر بيانه وانما دورها دور تمكينه وبسط يده.

قال السيد كاظم الحائري :

“ ان المعصوم (ع) على رغم ان له ولاية الامر والحكومة بتشريع من قبل الله تعالى لم يكن من المقرر الهيا ان يرضخهم لما له من حق الحكومة بالاكراه الاعجازي ، كما انه لا تجبر الامة على الاحكام الاخرى كالصلاة والصوم بالجبر الاعجازي والا لبطل الثواب والجزاء ، لان الناس يصبحون مسيرين عن غير اختيار. بل كان من المقرر ان يصل المعصوم الى السلطة بالطرق الاعتيادية ومن الواضح الوصول الى السلطة بالطريق الاعتيادي وبغير الاعجاز

____________________

(١) الجهاد العدد (٧٠٠) ١٩٩٥.


ينحصر في وجود ناصرين له من البشر ، فكان اخذ البيعة منهم لاجل التأكد من وجود ثلة كافية من الامة تعهدوا بنصر المعصوم والعمل معه في جهاده وسائر اموره الحكومية ولولاهم لعجز المعصوم حسب القوة البشرية ومن دون الاعجاز عن تحقيق السلطة والحكومة خارجا ”(١) .

الخلاصة :

وخلاصة الجواب : ان الامر الذي حُصِرَ باثني عشر هو منزلة خاصة لا يراد بها موقع الحكم واجراء الحدود حسب ، بل اريد بها منزلة الحجة على الخلق في القول والفعل والتقرير ، والله تعالى اعلم حيث يجعل رسالته وحجته وفي أي اسرة وبأي عدد.

اما الحكم واجراء الحدود فهو من اختصاص هؤلاء الحجج في زمانهم وحضورهم ولا يجوز لاحد ان يمارسه الا بإذنهم اما في عصر الغيبة فقد اذن الائمة (ع) لفقهاء شيعتهم ورواة احكامهم ان يمارسوه وامروا شيعتهم بالرجوع اليهم للاحتكام اليهم والاخذ عنهم.

____________________

(١) رسالة الثقلين العدد ١٢ مغزى البيعة مع المعصومين.


اما الشورى فقد تبين ان الذي رفضه الشيعة منها هو ما كان في قبال النص ، اما ما كان في طوله وامتداده فليس كذلك.

اما البيعة على الحكم فالذي يراه الشيعة هو عدم صحتها مع من لا تصح معه شرعا وان الذي تصح معه بل تجب هو النبي ثم الوصي ثم الفقيه العادل في عصر الغيبة


الفصل الثاني:

ملاحظات على مقال الدكتور البغدادي في رده على الشهيد الصدررحمه‌الله


البغدادي يرد على الشهيد الصدر !

نشر احمد الكاتب في نشرته الشورى العدد الثالث مقطعا من كلام الشهيد الصدر اقتطعه من كتابه (بحث حول الولاية) الذي يبرهن فيه على بطلان الشورى في المجال الأول والثاني الاَّنفي الذكر ويثبت فيه النص على علي (ع) وبقية أهل البيت (ع). وقد صدَّر صاحب النشرة الكلام المقتطع بمانشيت عريض “ الصدر : الصحابة لم يعرفوا نظام الشورى ”وقدم له مقدمة طلب فيها من القراء والمفكرين المسلمين ان يولوها كبير اهتمامهم لأنها رؤية لا تزال حية في أذهان الكثير من المثقفين وانه يستقبل أية مناقشة لها ثم نشر في العدد السادس مقالا يحمل عنوان “ الشورى منهج حياة المسلمين ”وبتوقيع الدكتور عبد الله البغدادى(١) يرد فيه على

____________________

(١) لا ندري فيما إذا كان هذا الاسم له وجود واقعي أو هو اسم مستعار آخر لصاحب النشرة !


الشهيد الصدر وقد جاء الرد في محورين هما :

المحور الأول : يثبت فيه البغدادي ان النبي (ص) كان يستشير أصحابه في القضايا التنفيذية العامة ويأخذ برأيهم فيها ثم ذكر قصة مشورة النبي أصحابه في قصة بدر واحد وغيرها.

المحور الثاني : وينكر فيه وجود النص على علي (ع) ويقول ان بيعة الخلفاء كانت على أساس الشورى ودون تهديد أو قوة سلاح ومما قاله في هذا الصدد :

ان ما جرى في السقيفة من نقاش حصل فيه ترشيح لأبي بكروآخر لسعد بن عبادة ، وقد تغلب الرأي الأول ، ولم يكن ذلك تمام الشورى ، بل انه كان مجرد ترشيح ، والبيعة التي تمت في مسجد النبي (ص) والتي اجمع عليها جمهور المهاجرين والأنصار كانت لأبي بكر وكان ذلك هو الاستفتاء (للجيل الطليعي من الأمة الذي يضم المهاجرين والأنصار) كما وصفه الشهيد الصدر. ولو لم يبايع المسلمون / وقد فعلوا ذلك طواعية دون تهديد أو قوة سلاح / لما انعقدت بيعة أبي بكر.

وكذلك الأمر في استخلاف أبي بكر لعمر أو في استخلاف عمرللستة ، فالأمر لا يعدو ان يكون ترشيحا خاضعا للقبول أو الرفض


من الأمة التي تدلي بصوتها في إعطاء البيعة أو رفض ذلك.

أما الاستنتاج من الشهيد الصدر بأن (الطريق الوحيد الذي بقي منسجما مع طبيعة الأشياء ، ومعقولا على ضوء ظروف الدعوة والدعاة وسلوك النبي هو ان يختار النبي بأمر من الله شخصا فيعده إعدادا رساليا وقياديا لتتمثل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية) (ولم يكن هذا الشخص المرشح للإعداد الرسالي والقيادي والمنصوب لتسلم الدعوة وتزعمها فكريا وسياسيا إلا الإمام علي بن أبي طالب (ع)).

فالرد عليه ان الغرابة بمكان ان يكون ذلك (هو الطريق الوحيد الذي بقي منسجما مع طبيعة الأشياء) ومع ذلك لم يجد أغلبية تؤيده من (الجيل الطليعي للامة) بل لم يذكر أحد ممن حضر السقيفة أو شهد البيعة في المسجد النبوي نصا أو وصية من رسول الله (ص) بذلك.

والأغرب من ذلك هو انه لم يرد نص صريح في القرآن والسنة يشير إلى هذا الاختيار النبوي الذي هو (بأمر من الله) !

والأغرب من ذلك كله.. ان الإمام على (ع) لم يحتج لنفسه - فيما ثبت عنه - بأي قول يشير إلى هذا (التعيين) بل كان مما حاجج


به الإمام علي (ع) معاوية الذي نازعه سلطانه الشرعي قوله : (ان القوم الذين بايعوني هم القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر..) ”انتهى كلامه.

تعليقنا على الرد في محوره الأول:

هو ان الشهيد الصدر (رح) لم يرفض الشورى في مجال ممارسة الحاكم للشؤون التنفيذية العامة ولم يرفض دورها في تشخيص المرجع في فترة الغيبة الكبرى ودور الانتخاب في حسم حالة تعدد المرجعيات المتكافئة المستوفية للشروط اللازمة وقد وضَّح ذلك مفصلا في كتابيه (لمحة فقهية تمهيدية عن دستور الجمهورية الإسلامية في إيران) و (خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء). وان الذي كان ينفيه من الشورى في كتابه (بحث حول الولاية) هو الشورى في مجال تعيين القيادة الفكرية والسياسية التي تخلف النبي (ص) والتي تقع على امتداد الرسالة في كل شىء إلا النبوة والأزواج كما مرَّ توضيحه.

وكان ينبغي على صاحب النشرة ان ينبه إلى ذلك وينشر مقاطع من كلام الشهيد الصدر توضح رأيه في ذلك.


أما تعليقنا على الرد في محوره الثاني :

فسيأتي تباعا في هذه الحلقة وفي غيرها ، ومن الجدير ذكره ان إشكالاته التي أثارها ليست مما ينفرد به بل هي إشكالات أثارها قبله كل من كتب من علماء السنة و مثقفيهم في هذا الموضوع وأجاب عليها الشيعة.


الفصل الثالث:

احتجاج الإمام علي (ع) بحديث الغدير

قال البغدادي :

ان عليا (ع) لم يحتج في ما ثبت عنه بأي قول يشير إلى النص عليه

يقال له:

لقد احتج الإمام علي (ع) بحديث الغدير وقد تواتر ذلك عنه في كتب الحديث



نص الشبهة

قال البغدادي :

" والأغرب من ذلك كله.. ان الإمام علي (ع) لم يحتج لنفسه - فيما ثبت عنه - بأي قول يشير إلى هذا (التعيين) ".

الرد على الشبهة

أولا :

لقد ثبت تاريخيا ان الإمام علي (ع) قد احتج بحديث الغدير في اكثر من مناسبة كان اشهرها في المصادر التاريخية والحديثية الميسرة بين أيدينا هي مناشدته للناس في مسجد الكوفة بعد عودته من حرب الجمل.


قال عبد الحق الدهلوي البخاري(١) في كتابه اللمعات في شرح المشكاة في تعليقه على حديث الغدير :

“ وهذا حديث صحيح لا مرية فيه وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي واحمد وطرقه كثيرة جدا رواه ستة عشر صحابيا(٢) وفي رواية لاحمد انه سمعه من النبي (ص) ثلاثون صحابيا وشهدوا به لعلي (ع) لما نوزع أيام خلافته وكثير من أسانيده صحاح وحسان ولا التفات لمن قدح في صحته(٣) ولا إلى قول بعضهم (ان

____________________

(١) عالم سني انظر ترجمته في كتاب سبحة المرجان ص ٥٢.

(٢) بل سمعه من النبي(ص) كل من كان معه في حجة الوداع وهم مابين سبعين ألف إلى مائة ألف وقد أحصى العلامة الاميني في كتابه الغديرالجزء الأول مائة وعشرة من الصحابة في ضوء المصادر الحديثية والتاريخية التي تيسرت له. رجوع

(٣) كان ممن قدح في صحة حديث الغدير ابن حزم الأندلسي في ما نقل عنه ابن تيمية في منهاج السنة ج٤ : ٨٦ ، وقال ابن تيمية في الصفحة نفسها عن حديث الغدير انه ليس في الصحاح ولكن هو مما رواه ا لعلماء وتنازع الناس في صحته ونقل عن البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث انهم طعنوا فيه وضعفوه. وذهب إلى تضعيفه أيضا الايجي في المواقف ج٨ : ٣٩١ ، والرازي في كتابه نهاية العقول ، وقد استوفى الرد عليهم صاحب العبقات ، انظر خلاصة عبقات الأنوار ج٦ : ١٣٥-٤٠٤.


زيادة اللهم وال من والاه إلى آخره) موضوع فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي(١) كثيرا منها كذا قال الشيخ ابن حجر في الصواعق المحرقة ”.

____________________

(١) قال الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء ج١٤ : ٢٧٧ : " جمع الطبري (ابن جرير) طرق حديث غدير خم في أربعة أجزاء رأيت شطره فبهرني لسعة رواياته وجزمت بوقوع ذلك. ونقل عنه ابن كثير في تاريخه ج٥ : ٢١٤ انه قال " وصدر الحديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) متواتر اتيقن ان رسول الله (ص) قاله ، واما (اللهم وال من والاه) فزيادة قوية الاسناد ".

أقول : وقد ذكر ياقوت في معجم الأدباء ج١٨ : ٨٣-٨٥. ان بعض الشيوخ ببغدادقال بتكذيب حديث غدير خم وقال ان علي بن أبي طالب كان باليمنفي الوقت الذي كان رسول الله (ص) بغدير خم فبلغ أبا جعفر الطبري ذلك فابتدأ بالكلام في فضائل علي بنأبي طالب وذكر طرق حديث غدير خم ، قال ياقوت قال أبو بكر بن كامل حضرت أبا جعفر الطبري حين حضرته الوفاة فسألته ان يجعل كل من عاداه في حل فقال كل من عاداني وتكلم فيَّ إلا رجلا رماني ببدعة قال ياقوت ودفن ليلا خوفا من العامة لانهم كانوا يتهمونه بالتشيع.

أقول : اتهم الطبري بالتشيع لروايته حديث الغدير في كتابه الذي ذكره الذهبي وحديث الوصية في كتابه التاريخ وكانت عقيدته كما ذكر ياقوت هي الاعتقاد بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي (ع) وما عليه أصحاب الحديث في التفضيل وكانيكفر من كفَّر أصحاب رسول الله من الروافض والخوارج ولا يقبل أخبارهم ولا شهاداتهم (معجم الأدباء ج١٨ : ٨٣-٨٥).


أقول: روى احمد بن حنبل عن عبد الله بن عمر الجشمي البصري (ت٢٣٥) عن عبيد الله بن عمر القواريري عن يونس بن أرقم عن يزيد بن زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (ت ٨٣) قال شهدت عليا في الرحبة(١) قال :

“ انشد الله رجلا سمع رسول الله وشهد يوم غدير خم إلا قام ولا يقوم إلا من رآه فقام اثنا عشر بدريا فقالوا نشهد انا سمعنا رسول الله (ص) يقول يوم غدير خم (الست أولى بالمؤمنين من أنفسهموأزواجه أمهاتهم فقالوا بلى يا رسول الله قال فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) ”(٢) .

وفيه أيضا بسند آخر قال “ واخذل من خذله ”(٣) .

وفيه أيضا بسنده عن أبي الطفيل عامر بن واثلة (ت١٠٠)(٤) قال :

“ جمع علي (ع) الناس في الرحبة ثم قال لهم :

انشد الله كل امرئ سمع من رسول الله (ص) يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام فقام ثلاثون من الناس فشهدوا.

____________________

(١) الرحبة : ساحة مسجد الكوفة ألأرض الواسعة المخصصة للاجتماعات الواسعة.

(٢) ج١ : ١١٩ قال في الفتح الرباني إسناده صحيح.

(٣) ج١ : ١١٩ وفيها (إلا ثلاثة لم يقوموا فأصابتهم دعوته).

(٤) صحابي ولد في أحد وأدرك من عمره ثماني سنوات مع النبي (ص).


قال أبو واثلة فخرجت وكأن في نفسي شيئا فلقيت زيد بن أرقمفقلت له إني سمعت عليا (ع) يقول كذا وكذا.

قال فما تنكر قد سمعت رسول الله يقول ذلك له ”(١) .

وقوله (فخرجت وكأن في نفسي شيئا ) يبدو منه ان أبا الطفيل استعظم النتائج المترتبة على حديث الغدير وهي هلاك وضلالة من خالف عليا أو خذله أو قاتله أو قدَّم نفسه عليه لذلك راح يستزيد عن القضية اكثر(٢) .

ومن الجدير ذكره هنا ان حديث الغدير الذي استنشده علي (ع) لم يكن يتضمن ذكر علي (ع) فقط بل تضمن أيضا ذكر أهل بيته ، وقد روى الحاكم النيسابوري الرواية كاملة عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال :

____________________

(١) ج٤ : ٣٧٠.

(٢) وقد روى حديث المناشدة هذا من التابعين منهم سعيد بن وهب ، وزيد بن يثيع ، وعبد خير ، وحبة العرني ، وعمرو بن ذي مر ، وسعيد بن حدان ، وأبو سليمان ، وزاذان ، وعميرة بن سعد ، وغيرهم وقد اخرج أحاديث هؤلاء أبو نعيم في حلية الأولياء وابن كثير في البداية والنهاية والخطيب في تاريخ بغداد والنسائي في الخصائص وابن المغازلي في المناقب وابن حجر العسقلاني في الإصابة وابن الأثير في أسد الغابة وغيرهم.


“ خرجنا مع رسول الله (ص) حتى انتهينا إلى غدير خم عند شجيرات خمس ودوحات عظام فكنس الناس ما تحت الشجيرات ثم استراح رسول الله (ص) عشية فصلى ثم قام خطيبا فحمد الله واثنى عليه ثم قال :

أيها الناس إني تارك فيكم أمرين(١) لن تضلوا ان اتبعتموهما وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي ثم قال أتعلمون أني أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات قالوا نعم فقال رسول الله (ص) من كنت مولاه فعلي مولاه … ”(٢) .

____________________

(١) في رواية مسلم واحمد (ثقلين).

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١١٠ ، ٣ : ٥٣٣ تاريخ دمشق ترجمة علي(ع) ج٢ : ٣٦ الحديث رقم ٥٣٤ وقد رواه البلاذري أيضا في الحديث رقم ٤٨ من ترجمة علي (ع) ص١١٠ تحقيق المحمودي وفيه قول النبي (ص) (كأني قد دعيت فأجبت وان الله مولاي وانا مولى كل مؤمن وانا تارك فيكم...) ورواه ابن كثير في البداية والنهاية ج٢ ص٢٠٦ عن سنن النسائيورواه أيضا محمد بن جرير الطبري عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقموعن عطية عن أبي سعيد الخدري ورواه أيضا ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ص٢٣. كماورواه أيضا في كنز العمال ج ١٣ : ١٠٤الحديث رقم (٣٦٣٤٠) تصحيح الشيخ صفوة السقا.


وفي رواية الطبراني بعد قوله عترتي “ وان اللطيف الخبير نَبَّأَني انهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض وسألت ذلك لهما ، فلا تَقدَّموهُما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم ”(١) .

وقد ورد حديث النبي (ص) في أهل بيته في مناسبات شتى ولم يكن مقتصرا على مناسبة غدير خم.

قال ابن حجر الهيثمي : “ اعلم ان لحديث التمسك بذلك طرقا عديدة كثيرة وردت عن نيف وعشرين(٢) صحابيا وفي بعض تلك الطرق انه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة(٣) وفي أخرى انه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه(٤) وفي أخرى انه

____________________

(١) المعجم الكبير ج٥ :ص١٦٧ الحديث رقم٤٩٧١ وقال في مجمع الزوائد ٩ :١٦٤ فيه حكيم بن جبير وهو ضعيف قال ابن حجر في التقريب ضعيف رمي بالتشيع.

(٢) في غاية المرام للبحراني وصلت الأحاديث من طرق السنة إلى ٣٩ حديثا.

(٣) كما روى ذلك الترمذي في ج٥ : ٦٢١ والمزي في تهذيب الكمال ج١٠ : ٥١ والخطيب التبريزي في المشكاة ج٣ : ٢٥٨ والطبراني في المعجم الكبيرج٣ : ٦٣ ح ٢٦٧٩.

(٤) أخرجه العصامي في سمط النجوم العوالي ج٢ : ٥٠٢ برقم ١٣٦ عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وذكره أيضا البزار في زاوئده.


قال ذلك بغدير خم وفي آخر انه قال ذلك لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف(١) "(٢) .

ثانيا:

وفي ضوء حديث الثقلين وحديث الولاية كان علي (ع) أيام حكومته يوضح للناس حقيقة منزلته ومنزلة أهل البيت (ع).

فمن كلماته قوله (ع) : “ لا يقاس بآل محمد (ص) من هذه الأمةأحد ولا يُسَوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا هم أساس الدين وعماد اليقين إليهم يفىء الغالي وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة الاَّن إذ رجع الحق إلى أهله ونقل إلى منتقله ”(خ٢).

وقوله (ع) : “ أين الذين زعموا انهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا ، ان رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ، بنا يستعطى الهدى ، ويستجلى العمى ، ان الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا

____________________

(١) أخرجه في الصواعق ص٧٥ عن ابن أبي شيبة.

(٢) الصواعق المحرقة ٧٩-٩٠.


تصلح الولاة من غيرهم ”(خ ١٥٢).

وقوله (ع) : “ وخلف فينا راية الحق ، من تقدمها مرق ، ومن تخلَّف عنها زهق ، ومن لزمها لحق ”.

وقوله (ع) : “ هم عيش العلم وموت الجهل.. لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه ، وهم دعائم الإسلام ، وولائج الاعتصام ، بهم عاد الحق إلى نصابه ، وانزاح الباطل عن مقامه وانقطع لسانه عن منبته ”(خ ٢٣٩).

وقوله (ع) عن نفسه : “ وأنا من رسول الله كالضوء من الضوءوالذراع من العضد ”(الكلام رقم ٤٥١).

وقوله (ع) : “ لقد علمتم اني أحق بها من غيري ”خ ٧٤.

وقوله (ع) : “ أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى إلىَّ الطير ”(خ٣).

وفي ضوء ذلك يتضح ان الولاية لعلي (ع) في حديث الرسول (ص) لا تعني المحبة والنصرة(١) ، لان هذين الأمرين من حق

____________________

(١) كما ذهب إلى ذلك الدهلوي صاحب التحفة الاثني عشرية والشيخ النبهانيفي كتابه الشخصية الإسلامية ج٢ : ٦٩ وغيرهما من علماء السنة.


كل مؤمن ، و علي (ع) أول المؤمنين ، وليست لغيره سوابق في الإيمان والجهاد كسوابقه بل ليست لغيره من الطاعة والانقياد لله ورسوله كانقياده وطاعته ، وحقه في المحبة والنصرة محفوظ من هذه الناحية ، وإنما أراد بالولاية تلك الولاية الخاصة بالرسول دون غيره من المؤمنين ، هذه الولاية التي تجعل المؤمنين إلى آخر الدنيا في جانب والرسول في جانب آخر ، وولاية الرسول التي ينفرد بها هي ولاية الله تعالى ، وولاية الله تعالى لا تقف عند حدود المحبة والنصرة ، بل تمتد إلى جانب الإتباع والطاعة والاحتكام إليه ، والوقوف عند أمره ونهيه حيا كان او ميتا(١) ، وهذا هو المعنى الذي فهمه أبو واثلة واستعظمه ، لان معناه عليه ان يرتبط بعلي (ع) كارتباطه برسول الله (ص) حتى بعد موته وهكذا كان أمره إذ عرف أبو الطفيل عامر بن واثلة انه من شيعة علي (ع) وشهد مشاهده كلها ، وبقي أبو الطفيل بعد علي (ع) وقد سأله معاوية يوما كيف وَجْدُك على خليلك أبي الحسن يا بن واثلة قال : كحب الفاقد لأخيها

____________________

(١) قال السيد كاظم الحائري : ان ولاية المعصوم غير مخصوصة بأيام حياته ونفهم ذلك من قوله تعالى(النبي اولا بالمؤمنين من انفسهم) ومن قوله (صلى الله عليه وآله) من كنت مولاه فهذا علي مولاه. (الامامة وقيادة المجتمع للحائري ص٢١٣).


وزوجها وولدها وإلى الله تعالى أشكو التقصير(١) .

ثالثا:

وإذا أراد القارئ الكريم مزيدا من التفصيل عن حديث الغدير وما أثير حوله من اشكالات سندية ودلالية وأجوبة علماء الشيعةعلى ذلك فعليه بكتاب الغدير ج ١ للعلامة الاميني (رح) وكتاب عبقات الأنوار ج٦ - ٩ تعريب وتلخيص العلامة الميلاني فأنهما أوسع وافضل ما كتب في هذا الباب.

____________________

(١) كتاب الوافدين من الرجال على معاوية للعباس بن بكار الضبي ص ٢٦.


الفصل الرابع:

السقيفة بواية عمر بن الخطاب

قال البغدادي :

ان ما جرى في السقيفة كان مجرد ترشيح والبيعة تمت في المسجد دون تهديد أو إكراه.

يقال له:

روايات كتب الحديث والسيرة تثبت ان الذي جرى في السقيفة بيعة وليس مجرد ترشيح.



نص الشبهة

قال البغدادي :

" ان ما جرى في السقيفة من نقاش … لم يكن ذلك تمام الشورى بل انه كان مجرد ترشيح والبيعة تمت في مسجد النبي (ص). وقد فعلوا ذلك طواعية دون تهديد أو قوة سلاح ".

الرد على الشبهة

أقول : ان قوله هذا خلاف ما ثبت في كتب السيرة والحديث والتاريخ وخلاف المشهور عند أهل السنة.

حيث ذكرت هذه الكتب ان الذي جرى في السقيفة بيعة وليس مجرد ترشيح ، ومن ثم استشهد فقهاء السنة كالماوردي وغيره بما جرى في السقيفة من بيعة عمر ، وأبي عبيدة ، واسيد بن حضير،


وبشير بن سعد ، وسالم مولى أبي حذيفة ، لأبي بكر على صحة انعقاد الحكم ببيعة خمسة(١) .

نعم الذي ذكره البغدادي هو رأي البعض من علماء السنة حيث يرى ان حكومة أبي بكر انعقدت ببيعته العامة في المسجد دون بيعته في السقيفة(٢) .

قصة السقيفة :

وإلى القارئ الكريم نص كلام عمر بن الخطاب حول السقيفة كما رواه البخاري في صحيحه قال :

“ حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعودعن ابن عباس قال : ان عمر قال في أول جمعة قدمها من حجته الأخيرة :

إنه بلغني أن قائلا منكم يقول والله لو قد مات عمر بايعت فلانا

____________________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي الشافعي : ٧ ، المغني للقاضي عبد الجبارالمعتزلي. الجزء المتم للعشرين القسم الأول ص ٢٥٦.

(٢) الشخصية الإسلامية الشيخ النبهاني ج٢ : ٣٥.


فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ، ألا وإنها قد كانت كذلك ، ولكن الله وقى شرها ، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر.

من بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا.

وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة.

وخالف عنا علي والزبير ومن معهما.

واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر.

فقلت لأبي بكر يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فانطلقنا نريدهم ، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان ، فذكرا ما تمالأ عليه القوم ، فقالا أين تريدون يا معشر المهاجرين ، فقلنا نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فقالا لا عليكم أن لا تقربوهم ، اقضوا أمركم فقلت والله لنأتينهم ، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة ، فإذا رجل مزَّمل بين ظهرانيهم ، فقلت من هذا ؟ فقالوا هذا سعد بن عبادة ، فقلت ما له ؟ قالوا يوعك.


فلما جلسنا قليلا ، تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام ، وأنتم معشر المهاجرين رهط ، وقد دفَّت دا فَّةٌ(١) من قومكم ، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ، وأن يحضنونا من الأمر.

فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زوَّرت مقالة أعجبتني ، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر ، وكنت أداري منه بعض الحد ، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر على رسلك فكرهت أن أغضبه.

فتكلم أبو بكر فقال ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب نسبا ودارا ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا أيهما شئتم فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح ، وهو جالس بيننا.

فلم أكره مما قال غيرها ، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي … أحب إليَّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر …

فقال قائل من الأنصار أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش.

____________________

(١) الدافة : القوم يسيرون جماعة سيرا ليس بالشديد.


فكثر اللغط وارتفعت الأصوات ، حتى فرقت من الاختلاف ، فقلت ابسط يدك يا أبا بكر ، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار.

ونَزَوْنا على سعد بن عبادة.

فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة ، فقلت قتل الله سعد بن عبادة.

قال عمر وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا ، فإما بايعناهم على ما لا نرضى ، وإما نخالفهم فيكون فساد ، فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تَغِرَّةَ أن يقتلا ”(١) .

وفيما يلي شرح لفقراتها التي تتصل بموضوعنا :

قوله : (فلا يغترن امرؤ ان يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت إلا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى المسلمين شرها ).

نسب البلاذري هذا القول إلى الزبير ، ونسبه ابن أبي الحديد إلى

____________________

(١) صحيح البخاري كتاب المحاربين باب رجم الحبلى ج٨ : ٢٠٨-٢١١.


عمار ، و(الفلتة كما قال ابن الاثير وغيره هي الفجأة وقال ابن الأثير أيضا ومثل هذه البيعة جديرة بأن تكون مهيجة للشر والفتنة فعصم الله تعالى من ذلك ووقى).

أقول : والأمر الفجائي هو ما لم يتوقع حدوثه ، ومعنى ذلك ان بيعة أبي بكر لم تكن متوقعة ولا مترقبة ، لان الأعناق كانت ممدودة إلى علي (ع) قال ابن اسحق “ وكان عامة المهاجرين وجل (كل) الأنصار لا يشكون ان عليا (ع) هو صاحب الأمر بعد رسول الله (ص) ”(١) وذلك لشدة لصوقه بالنبي (ص) وسابقته المتميزة والنص عليه في الغدير وغيره.

وقوله (وقى الله شرها) يفيد ان بيعة أبي بكر التي فوجئ المسلمون بها ولم يكونوا يترقبونها كانت تنطوي على الشر وسفك الدم والسبب في ذلك هو أنَّ صاحب الحق الشرعي (علي (ع)) قد أبى ان يبايع ودعا الأنصار إلى نصرته ولو كانوا أجابوه لكان هناك قتال بينه وبين القوم وتفصيل ذلك في الفقرة الاَّتية.

قوله : (وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه

____________________

(١) الأخبار الموفقيات لابن بكار ت- ٢٧٢ ص ٥٨٠ ومثله في تاريخ اليعقوبي٢: ١٠٣.


وسلم أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة. وخالف عنا علي والزبير ومن معهما. واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر .).

الذي يظهر من بعض الروايات ان عليا (ع) وبني هاشم كانوا مشغولين بدفن النبي (ص) ، وفي اثناء ذلك اجتمعت فئة من الأنصار في بيت سعد بن عبادة يتداولون أمر الحكم ، ثم انضم إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسالم مولى ابي حذيفة ، ثم بويع لأبي بكر ، وامتنع علي (ع) ومن معه من بني هاشم وغيرهم عن بيعته واجتمعوا في دار فاطمة (ع)(١) (٢) .

قال ابن قتيبة : “ وخرج علي (ع) كرم الله وجهه يحمل فاطمة

____________________

(١) لم يذكر البخاري مكان اجتماعهم وتخلفهم عن البيعة وذكره احمد ابن حنبل فى المسند ج ١ : ٥٥ بروايته عن إسحاق بن عيسى الطباع عن مالك بن انس عن ابن شهاب الزهري. انظر أيضا فتح الباري ج١٥ : ١٦٣ وسيرة ابن هشام ٣٣٨٤.

(٢) وقد وضعت في قبال ذلك من قبل سيف بن عمر وغيره روايات تفيد ان عليا (ع) بايع أبا بكر طواعية وانه لما سمع بجلوس أبي بكر للبيعة خرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلا كراهية ان يبطئ عنها حتى بايعه وقد ناقش هذه الروايات واثبت بطلانها العلامة العسكري في كتابه عبد الله بن سبأ ج.


بنت رسول الله (ص) على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة ، فكانوا يقولون يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو ان زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به ، فيقول علي (ع) أفكنت ادع رسول الله (ص) لم ادفنه في بيته واخرج أنازع الناس سلطانه ، فقالت فاطمة ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم ”(١) .

وفي ضوء ذلك فان تصوير الواقع التاريخي بعد وفاة الرسول بوجود ثلاث كتل ليس صحيحا ، لان كتلة الأنصار المزعومة لم تكن كتلة بالمعنى الذين كانت عليه الكتلة القرشية ، وإنما كانت اجتماعا طارئا ، لا يبعد ان يكون الحزب القرشي قد دفع إليه بواسطة عدد من أعضائه من الأنصار(٢) .

أما علي (ع) وبنو هاشم ومن معهم فقد صاروا كتلة في قبال الحزب القرشي حين رفضوا بيعة أبي بكر.

والذي يظهر بشكل واضح من نصوص تاريخية وحديثية

____________________

(١) الإمامة والسياسة ج١ : ١٩.

(٢) منهم اسيد بن حضير رئيس الاوس وبشير بن سعد أحد وجوه الخزرج وستأتي ترجمتهما. رجوع


متعددة ان الحزب القرشي كان له وجود زمن النبي ، وكانت أطروحته تتمثل بشعار (حسبنا كتاب) الله وبالموقف السلبي من علي (ع).

و في قبال ذلك كانت مجموعة من الصحابة كأبي ذر وعمار وسلمان وغيرهم ، قد عرفت في عهد النبي (ص) بأنها شيعة علي (ع) استجابة لأمر الله ورسوله في علي (ع).

المجتمعون في دار فاطمة (ع) :

وقد ذكر المؤرخون في عداد من تخلف عن بيعة أبي بكر في بيت فاطمة مع علي (ع) والزبير كلا من العباس بن عبد المطلبوعتبة بن أبي لهب وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر والمقداد بن الأسود والبراء بن عازب وأبي بن كعب.

وقد ذكر ابن عبد ربه ان أبا بكر بعث عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له : ان أبوا فقاتلهم فاقبل بقبس من نار على ان يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة فقالت يا ابن الخطاب اجئت لتحرق دارنا قال نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة(١) .

____________________

(١) العقد الفريد ٤ : ٢٥٩-٢٦٠ ، كنز العمال ٣ : ١٤٠ والإمامة والسياسة ١٢١ انساب الأشراف ١ : ٥٨٦.


روى الطبري قال أتى عمر بن الخطاب منزل علي (ع) وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال : “ والله لأُحرقنَّ عليكم أو لتخرجن إلى البيعة ”(١) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ : ٢٠٢. روى الذهبي في ميزان الاعتدال ج٣ : ١٠٨ وابن حجر في لسان الميزان ج٤ : ١٨٨ في ترجمة علوان بن داود قول أبي بكر في مرضه الذي توفي فيه (وددت أني لم اكشف بيت فاطمة وتركته وان اغلق على الحرب) ورواه أيضا المسعودي في مروج الذهب ج٢ :٣٠٩والطبري في تاريخه ج٣ : ٤٣٠. واقدم مصدر تاريخي روى ذلك هو كتاب الأموال : ١٧٤ لأبي عبيد (ت ٢٢٤ هجـ) غير انه كنى عنها ولم يصرح بها قال قال أبو بكر (وددت أني لم اكن افعل كذا وكذا لخلة ذكرها)(قال أبو عبيد لا أريد ذكرها).

أقول فإذا كان أبو عبيد القاسم بن سلام وأمثاله يتحامون ذكر اصل الهجوم على دار فاطمة (عها) فهل يترقب ممن ذكره منهم ان يعنى بتفاصيل الهجوم ونتائجه المروعة على الزهراء (عها) بوصفها الوجه البارز في مخاطبة القوم ومن هنا يظهر للقارئ خطأ قول : ابن أبي الحديد ج٢/٦٠ : " فاما الأمور الشنيعة المستهجنة التي تذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة (عها) وانه ضربها بالعصا فصار في عضدها كالدملج وبقي أثره إلى ان ماتت وان عمر ضغطها بين الباب والجدار... وألقت جنينا ميتا وجعل في عنق علي (ع) حبل يقاد به... فكله لا اصل له عند أصحابنا.... وانما هو شىء تنفرد الشيعة بنقله " لقد غاب عن ابن أبي الحديد ان الطبري لم يذكر تفاصيل ما جرى بين أبي ذر ومعاوية بعد إشارته إلى اصل الخبر خشية من العامة إذ جاء في تاريخه " كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية في الشام وأشخاص معاوية إياه منها أليها (إلى المدينة) أمور كثيرة كرهت ذكرها " ج٤ ص٢٨٣ وقوله عن المكاتبات التي جرت بين محمد بن أبي بكر ومعاوية بن أبي سفيان " جرت مكاتبات بينهما كرهت ذكرها لما فيها مما لا يحتمل سماعها العامة " الطبري ج٤ ص٥٥٧. فهل يترقب منه ومن نظرائه من المؤرخين ان يذكروا تفاصيل الهجوم الذي جرى على بيت فاطمة (عها) وبخاصة وان نتائج ذلك على شعور العامة اكثر بكثير من نتائج ذكر تفاصيل ما جرى بين أبي ذر ومعاوية أو ما جرى بين محمد بن أبي بكر ومعاوية أيضا. على اننا لا نعدم الحصول على طرف من المعلومات في هذا المصدر السني أو ذاك لمن أراد التتبع والاستقصاء.


وقد ذكر أصحاب الحديث عن الزهري : “ ان عليا (ع) وبني هاشم بقوا ستة اشهر لم يبايعوا حتى ماتت فاطمة ”(١) .

وقوله (ع) : “ ولم يكن لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت ”(٢) .

____________________

(١) صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة خيبر ج٣ : ٣٨ وصحيح مسلم ١ / ٧٢ ، ٥ : ١٥٣ الاستيعاب ٢ : ٢٤٤ ، أسد الغابة بترجمة أبي بكر (ولم يبايع علي (ع) إلا بعد ستة اشهر) انساب الأشراف ١ : ٥٨٦ وفي الغدير ٣ : ١٠٢ عن الفصل لابن حزم ٩٦-٩٧ (وجدنا عليا (رض) تأخر عن البيعة ستة اشهر).

(٢) قال ابن أبي الحديد وهو قول ما زال يكرره علي (ع) ولقد قاله عقيب وفاة رسول الله (ص) (شرح النهج ج٢ : ٢٢).


وقوله : “ لو وجدت أربعين ذوي عزم ! ”(١) .

وفي كتاب معاوية إلى علي (ع) “ وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار ، ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين ، يوم بويع أبو بكر الصديق ، فلم تدع أحدا من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك ، ومشيت إليهم بامرأتك ، وأدللت إليهم بابنيك ، واستنصرتهم على صاحب رسول الله ، فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة ، ولعمري لو كنت محقا لأجابوك … ، ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك وهيجك لو وجدت أربعين ذوي عزم لناهضت القوم ”(٢) .

قوله : (وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر ).

أقول : هذا الوصف لا ينطبق على أبي بكر إذ لم تكن له قرابة خاصة من النبي أو سابقة جهادية مميزة أو نص يؤهله لذلك بخلاف علي (ع) حيث جمع ذلك كله.

قوله : (ولا نعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ).

____________________

(١) شرح النهج ج٢ : ٢٢.

(٢) وقعة صفين نصر بن مزاحم ١٨٢ ابن أبي الحديد ٢ : ٦٧.


وفي رواية احمد بن حنبل عن مالك بن انس (ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش) وفي رواية ابن اسحق (قد عرفتم ان هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب ليس بها غيرهم وان العرب لا تجتمع إلا على رجل منهم …).

ونستفيد من هذا الكلام امرين هما :

الاول : ان الامر المتنازع عليه في السقيفة ليس هومجرد السلطة الاجرائية بل هو سلطة اجرائية مقرونة بسلطة دينية وذلك لان العرب لم يكونوا في الجاهلية يخضعون لقريش اجرائيا بل كانوا يخضعون لها دينيا حيث يدينون بكل امر تضعه قريش في امر الدين وبخاصة الحج وهو امر مذكور في كل كتب السيرة(١) ، وفي

____________________

(١) قال ابن اسحاق : " وكانت قريش ابتدعت امر الحُمْس جمع احمس وهو المتصلب في الدين وسميت قريش حُمْسا لزعمهم بأنهم المتشددون في الدين) ثم ابتدعوا في ذلك امورا لم تكن لهم منها انهم حرموا على اهل الحل (وهم العرب الساكنون خارج مكة) ان يأكلوا من طعام جاؤا به معهم من الحل الى الحرم اذا جاؤا حجاجا او عمارا ولا يطوفوا بالبيت اذا قدموا اول طوافهم الا في ثياب الحمس (اي في ثياب احد القرشيين) فان لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة فان تكرم من متكرم من رجل او إمرأة ولم يجد ثياب الحمس فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل القاها اذا فرغ من طوافه ثم لم ينتفع بها ولم يمسها هو ولا احد غيره ابدا فكانت العرب تسمي تلك الثياب اللقى. قال ابن اسحاق فحملوا على ذلك العرب فدانت به... فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا (ص) فوضع الله تعالى امر الحمس وما كانت قريش ابتدعت منه (اي هدم الله قيمته " السيرة النبوية لابن هشام ج١/٢٠١-٢٠٣.


ضوء هذه السلطة تجرأ عمر في حكومته على تحريم متعة الحج وقبول الناس ذلك منهم(١) .

الثاني : ان المهاجرين الاربعة في السقيفة انما غلبوا الانصار الحاضرين بأساس جاهلي كان الاسلام قد أَماته ، وهذا الاساس هو الامتياز الديني لقريش وقد نزعه الاسلام عن قريش وكرسه لمحمد (ص) واهل بيته (ع).

وامام شعار عمر ورفع الراية القرشية انكسر سعد بن عبادة في هذا الاجتماع المدبر من الحزب القرشي بإعلان اسيد بن حضير(٢)

____________________

(١) انظر جواب الشبهة - ١٥من هذه الحلقة.

(٢) أسد الغابة ترجمة اسيد بن حضير وفيه انه اسلم على يد مصعب بن عمير في العقبة الأولى وان أبا بكر في خلافته كان يكرمه ولا يقدم عليه أحدا وتوفي سنة ٢٠ وحمل عمر عنه السرير حتى وضعه بالبقيع انظر تفصيل موقف بشير بن سعد واسيد بن حضير في تاريخ الطبري ج٣ / ٢٢١.


رئيس الاوس وبشير بن سعد احد وجوه الخزرج(١) ميلهما إلى الحزب القرشي ومن ثم بيعتهما ومن معهما من أتباعهما أبا بكر.

قوله : (كان والله ان اقدم فتضرب عنقي … احب إلىَّ من ان أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ).

وقد قال قبل ذلك (وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر).

أقول : لست ادري هل هاتان الكلمتان من أبي حفص كانتا على سبيل الجد أم شأنه فيهما شأنه في كلمته لما توفي النبي (ص) وكشف هو والمغيرة بن شعبة الثوب عن وجه النبي (ص) فقال : واغشياه ما اشد غشي رسول الله (ص) ، ثم اخذ يهدد بالقتل من قال ان رسول الله قد مات ، واخذ يقول ان رجالا من المنافقين يزعمون ان رسول الله توفي ، وان رسول الله ما مات ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، فغاب عن قومه أربعين ليلة ، ثم رجع بعد ان قيل مات ،

____________________

(١) وقد قيل انه أول من بايع أبا بكر من الأنصار كان قد شهد العقبة الثانية وبدرا والمشاهد كلها قتل يوم عين التمر مع خالد سنة ١٢ هجـ..


والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون ان رسول الله مات ، (من قال انه مات علوت رأسه بسيفي هذا ، وإنما ارتفع إلى السماء)(١) .

قال ابن أبي الحديد “ ان عمر لما علم ان رسول الله قد مات خاف من وقوع فتنة في الإمامة وتغلب أقوام عليها ، أما من الأنصار أو من غيرهم ، فاقتضت المصلحة عنده تسكين الناس ، فاظهر ما أظهره ، وأوقع تلك الشبهة في قلوبهم ، حراسة للدين والدولة ، إلى ان جاء أبو بكر ”(٢) .

وفي ما أوردناه من رواية البخاري وشرحها كفاية في توضيح حال السقيفة وإنها كانت بيعة خاصة لأبي بكر في أجواء العصبية القبلية وليست مجرد ترشيح له ثم أردفت ببيعة عامة اقترنت بالتهديد وقوة السلاح.

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٩٥ ، الطبري / البداية والنهاية لابن كثير ٥ : ٢٤٢ تيسير الوصول ٢ : ٤١ ، انساب الأشراف ١ : ٥٦٥ ، تاريخ أبي الفداء ١ : ١٦٤.

(٢) انظر شرح النهج ج٢ : ٤٣.


الفصل الخامس:

الشورى السداسية برواية عمرو بن ميمون

قال البغدادي :

ان استخلاف أبي بكر لعمر وكذلك حصر عمر الشورى بالستة كان ترشيحا خاضعا للقبول والرفض من الأمة.

يقال له :

قال الماوردي ان بيعة عمر لم تتوقف على رضا الصحابة ، وقد روت المصادر السنية المعتبرة ان عمر قال لأبي طلحة الأنصاري اختر خمسين رجلا من الأنصار فأجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم فإن اجتمع خمسة ورضوا واحدا وأبى واحد فاشدخ رأسه.



نص الشبهة

قال البغدادي :

" ان استخلاف أبي بكر لعمر وكذلك استخلاف عمر للستة كان ترشيحا خاضعا للقبول أو الرفض من الأمة ".

الرد على الشبهة

اقول : ان قوله هذا رأىٌ شاذ وافقه عليه بعض السنة.

قال الماوردي : " وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله ، فهو مما انعقد الإجماع على جوازه ، ووقع الاتفاق على صحته ، لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما :

أحدهما : ان أبا بكر عهد بها إلى عمر فاثبت المسلمون إمامته بعهده.


والثاني : ان عمر عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها وخرج باقي الصحابة منها … فان لم يكن ولدا ولا والدا جاز ان ينفرد بعقد البيعة له وبتفويض العهد إليه وان لم يستشر فيه أحدا من أهل الاختيار لكن اختلفوا هل يكون ظهور الرضا منهم شرطا في انعقاد بيعته أولا ؟

فذهب بعض علماء أهل البصرة إلى ان رضا أهل الاختيار شرط في لزومها للامة..

والصحيح ان بيعته منعقدة ، وان الرضا بها غير معتبر لان بيعة عمر لم تتوقف على رضا الصحابة "(١) .

وقال النووي وغيره : " اجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف ، وعلى انعقادها بأهل الحل والعقد لإنسان حيث لا يكون هناك استخلاف غيره "(٢) .

وقصة الشورى واستخلاف عثمان صريحة في أنها كانت بيعة من عبد الرحمن لعثمان بعد ما فوضه الأربعة ان يكون الأمر أمره ، ومن هنا قال عبد الرحمن لعلي بايع وإلاّ ضربت عنقك(٣) .

____________________

(١) الأحكام السلطانية : ١٠.

(٢) فتح الباري ج١٦ : ٣٣٤.

(٣) انساب الأشراف ج٤ : ٥٠٨. واللفظ في صحيح البخاري ج٩ : ٩٨(فلا تجعل على نفسك سبيلا).


ونحن نورد فقرات من رواية مفصلة رواها الطبري عن عمر بن شبة بأسانيده إلى عمرو بن ميمون.

قصة الشورى :

قال عمرو بن ميمون :

" ان عمر لما طُعِنَ قيل له يا أمير المؤمنين لو استخلفت ! قال : من استخلف ؟ لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا استخلفته فان سألني ربي قلت : سمعت نبيك يقول (انه أمين هذه الأمة)(١) .

ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته فان سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول (ان سالما شديد الحب لله)(٢) .

____________________

(١) مما لا شك فيه ان هذا الحديث من الموضوعات وقد وضع في قبال ما عرف عن علي (ع) والأئمة من ولده أنهم أمناء الله في أرضه وحججه على عباده ، وتوجد زيارة لقبر علي (ع) معروفة بزيارة أمين الله.

(٢) انظر أيضا في طبقات عمر بن سعد ج٣ : ٣٤٣ وتاريخ المدينة لابن شبة٩٢٢ ومسند احمد بن حنبل ج١ : ٢٠ ومختصر تاريخ بن عساكرج٤٣١٩ وقد كان أبو عبيدة وسالم أول من حضر من المهاجرين أمر السقيفة (الأحكام السلطانية ص٧) قال في الاستيعاب : ٥٦٨ في ترجمة سالم (وكان سالم من أهل فارس معدودا من المهاجرين لانه لما أعتقته مولاته زوج أبي حذيفة تولى أبا حذيفة وتبناه أبو حذيفة وقد روي انه هاجر مع عمر ونفر من الصحابة من مكة وكان يؤمهم إذا سافر معهم وقد كان عمر يفرط في الثناء عليه ، وقد روي عنه انه قال لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى وذلك بعدما طعن فجعلها شورى) أقول والحديث من الموضوعات ولو تنزلنا وسلمنا به فان من الغريب ان يخضع أبو حفص لقول النبي (ص) في سالم (ان سالم شديد الحب لله) ولا يخضع لقول النبي (ص) في علي يوم خيبر (لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار يفتح الله على يده) ثم دعا عليا (ع) وهو ارمد فأعطاه الراية وكان الفتح على يده.


فقال له رجل أدلك عليه ، عبد الله بن عمر … قال بحسب آل عمر ان يحاسب منهم رجل واحد.. ان استخلفت فقد استخلف من هو خير مني ، وان اترك فقد ترك من هو خير مني ، ولن يضيع الله دينه.

فخرجوا ثم رجعوا فقالوا يا أمير المؤمنين لو عهدت عهدا ، فقال كنت عزمت بعد مقالتي لكم ان انظر فأولي رجلا أمركم ، هو أحراكم ان يحملكم على الحق وأشار إلى علي(١) … فما أريد ان

____________________

(١) انظر أيضا طبقات ابن سعد ج٣ : ٣٤٢ وفي انساب الاشراف ج٣ : ١٠٣ قال عمر لئن ولوها الاجيلح ليركبن بهم الطريق ، وانظر ايضا المصنف لعبد الرزاق الصنعاني ج٥ : ٤٤٦ ، وفي الرياض النضرة لمحب الدين الطبري (ت- ٦٩٤) ط٢ بمصر ٣٧٣ ، ج٢ : ٩٥ قال عمر لله درهم ان ولوها الأصلع كيف يحملهم على الحق وان كان السيف على عنقه قال محمد بن كعب فقلت أتعلم ذلك منه ولا توليه فقال ان تركتهم فقد تركهم من هو خير مني.


أتحملها حيا وميتاً(١) .

____________________

(١) وفي رواية البلاذري ٤ : ٥٠١ قال (اكره ان أتحملها حيا وميتا) قلت (بل تحمل أبو حفص حيا وميتا مسئولية إبعاد علي(ع) عن موقعه الذي وضعه الله ورسوله فيه ، اما تحمله لذلك حياً فقد تبين حين شدَّ عن وسطه وذبَّ عن بيعة أبي بكر وفرضها على المسلمين بكل وسيلة ممكنة حتى لو ادى ذلك إحراق باب فاطمة بنت رسول الله(ص) كما مر تفصيله في جواب الشبهة - ١١، واما تحمله للأمر ميتا فقد تبيَّن حين ابتكر الشورى السداسية وعيَّن أفرادها وفرض على علي(ع) ان يكون أحدهم ليضمن ثلاثة أمور الأول : ان لا يبايَع علي(ع) إذ ليس له من أصوات الخمسة الاَّخرين الاصوت الزبير في قبال عثمان الذي له اربعة اصوات هذا مضافا الى شرط جديد في البيعة وهو العمل بسيرة الشيخين وهو يعلم جيدا ان عليا سوف يرفض مثل هذا الشرط. الثاني : ان تُضمن بيعة علي لعثمان ولو كرها قبل ان يخرجوا من البيت وهو يعلم من تجربة السقيفة ان عليا سوف يمتنع من البيعة ويطالب المسلمين بنصرته وانه اذا بايع ولو كرها امنوا من تحركه ضدهم. الثالث : ان تخلق الاندادلعلي (ع) كالزبير الذي كان بالامس جنديا لعلي (ع) يدافع عنه في قصة السقيفة ثم صار بعد قتل عثمان نِدّاً له ينافسه على الامر ويقاتله عليه. وتذكر المصادر التاريخية ان عمر كان على يقين من ان الشورى السداسية ستكون لصالح عثمان. قال ابن سعد في طبقاته بترجمة سعيد بن العاص ما خلاصته : " ان سعيد بن العاص اتى الخليفة عمر يستزيده في الأرض ليوسع داره فوعده الخليفة بعد صلاة الغداة وذهب معه الى داره قال سعيد فزادني وخط لي برجليه فقلت يا امير المؤمنين زدني فانه نَبَتَتْ لي نابتة من ولد واهل فقال حسبك واختبئ عندك انه سيلي الامر من بعدي من يصل رحمك ويقضي حاجتك قال فمكثت خلافة عمر بن الخطاب حتى استخلف عثمان... فوصلني واحسن وقضى حاجتي واشركني في امانته ". وسعيد بن العاص هو من اقرباء عثمان فهو سعيد بن العاص بن سعيد بن احيحة بن امية وعثمان هو ابن عفان بن ابي العاص بن امية.

قال العلامة العسكري " ويتضح من هذه المحاورة ان امر تولية عثمان الخلافة كان قد بُتَّ فيه في حياة الخليفة عمر وتعيين الستة في الشورى كان من اجل تمرير هذا الامر.. " معالم الدرستين ج١/١٨٣.


عليكم بهؤلاء الرهط الذين قال رسول الله (ص) (انهم من أهل الجنة) علي وعثمان وعبد الرحمن وسعد وطلحة والزبير فليختاروا رجلا. ثم دعا بهم وقال لهم إني نظرت فوجدتكم رؤساءهم وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلاّ فيكم.

وقال لأبي طلحة الأنصاري اختر خمسين رجلا من الأنصار


، فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم ، فان اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه ، وان اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما ، فان رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر ، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم ، فان لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين ان رغبوا عما اجتمع عليه الناس(١) .

واستشار عبد الرحمن الناس(٢) فقال له عمار بن ياسر ان

____________________

(١) في طبقات بن سعد بسنده عن سماك ان عمر قال للانصار ادخلوهم بيتا ثلاثة ايام فان استقاموا والاّ فأدخلوا عليهم فاضربوا اعناقهم ج٣ : ٣٤٢ ، وفي انساب الأشراف للبلاذري ٤ : ٥٠٣ قال عمر ليتبع الاقل الاكثر فمن خالفكم فاضربوا عنقه ومثله في كنز العمال ١٢ : ٦٨١.

(٢) وفي صحيح البخاري ج٩ : ٩٧ قال عبد الرحمن لاهل الشورى لست بالذي انافسكم على هذا الامر ولكنكم ان شئتم اخترت منكم فجعلوا ذلك الى عبد الرحمن ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه وفي ج٥ : ٢٢ قال عبد الرحمن لاهل الشورى اجعلوا امركم الى ثلاثة منكم فقال الزبير جعلت امري الى علي فقال طلحة جعلت امري الى عثمان وقال سعد قد جعلت امري الى عبد الرحمن بن عوف ثم قال عبد الرحمن لعلي وعثمان اجعلوه اليّ والله عليّ ان لآلوا عن افضلكم.


أردت ان لا يختلف المسلمون فبايع عليا ، فقال المقداد بن الأسودصدق عمار ان بايعت عليا قلنا سمعنا واطعنا.

وقال ابن أبي سرح ان أردت إلا تختلف قريش فبايع عثمان ، فقال عبد الله بن أبي ربيعة صدق ان بايعت عثمان قلنا سمعنا واطعنا.

وقال عمار : أيها الناس ان الله عز وجل أكرمنا بنبيه وأعزنا بدينه فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم.

فقال رجل من بني مخزوم لقد عدوت طورك يا ابن سمية وما أنت وتأمير قريش لأنفسها(١) .

فقال سعد بن أبي وقاص : يا عبد الرحمن افرغ قبل ان يفتتن الناس.

ودعا عبد الرحمن علىا فقال له عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده.

قال أرجو ان افعل واعمل بمبلغ علمي وطاقتي(٢) .

____________________

(١) انظر ايضا انساب الاشراف تحقيق المحمودي ج٢ : ١٤٤ خبر ١٤٢

(٢) وفي تاريخ اليعقوبي ١ : ١٦٢ ان عليا (ع) قال لعبد الرحمن لما عرض عليه البيعة على كتاب الله وسنة النبي وسيرة ابي بكر وعمر قال : " ان كتاب الله وسنة نبيه لايحتاج معهما الى اجّيري أحد ". والأجيري بالكسر والتشديد : العادة والطريقة).


ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي ، فقال نعم فبايعه(١) .

فقال علي : حبوته حبو دهر ، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ، والله ما وليت عثمان إلاّ ليرد الأمر إليك(٢) .

فقال عبد الرحمن يا علي لا تجعل على نفسك سبيلا فأني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان.

فقال المقداد : ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم ، إني لأعجب من قريش انهم تركوا رجلا لا أقول ان أحداً اعلم ولا أقضى منه بالعدل أما والله لو أجد عليه أعوانا(٣) .

____________________

(١) وفي صحيح البخاري :ابايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده فبايعهعبدالرحمنوبايعهالناسسالمهاجرونوالانصاروامراءالأجنادو المسلمون.

(٢) وفي تاريخ اليعقوبي ١ : ١٦٢ قال علي (ع) لعبد الرحمن بن عوف انت مجتهد ان تزوي هذا الامر عني.

(٣) جاء في تاريخ اليعقوبي ج٢ : ١٦٣ قول المقداد : واعجبا لقريش ودفعهم هذا الامر عن اهل بيت نبيهم. وفي مروج الذهب ج٢ :٣٤٣ قال المقداد : يا عبد الرحمن اعجب من قريش انما تطولهم على الناس بفضل اهل هذا البيت قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله (ص) بعده من ايديهم ، اما وايم الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش انصارا لقاتلتهم كقتالي أياهم مع النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر).

(قال المسعودي وجرى بينهم من الكلام خطب طويل قد أتينا على ذكره في كتابنا أخبار الزمان في أخبار الشورى والدار).

قلت قد أورد الكلام مفصلا ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج ٩ : ٥٦) نقلا عن سقيفة الجوهري :

قال عوانة قال إسماعيل قال الشعبي فحدثني عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب بن عبد الله الأزدي قال كنت جالسا بالمدينة حيث بويع عثمان فجئت فجلست إلى المقداد بن عمرو فسمعته يقول... اما و الله لو ان لي على قريش أعوانا لقاتلتهم قتالي إياهم ببدر وأحد فقال عبد الرحمن ثكلتك أمك لا يسمعن هذا الكلام الناس فإني أخاف ان تكون صاحب فتنة و فرقة. قال المقداد ان من دعا إلى الحق و أهله و ولاة الأمر لا يكون صاحب فتنة و لكن من أقحم الناس في الباطل و آثر الهوى على الحق فذلك صاحب الفتنة و الفرقة. قال فتربد وجه عبد الرحمن ثم قال لو اعلم انك إياي تعنى لكان لي و لك شأن. قال المقداد إياي تهدد يا بن أم عبد الرحمن ثم قام عن عبد الرحمن فانصرف. قال جندب بن عبد الله فاتبعته و قلت له يا عبد الله أنا من أعوانك ، فقال رحمك الله ان هذا الأمر لا يغني فيه الرجلان و لا الثلاثة ، قال فدخلت من فوري ذلك على علي (ع) فلما جلست إليه قلت يا أبا الحسن و الله ما أصاب قومك بصرف هذا الأمر عنك فقال صبر جميل و الله المستعان. فقلت و الله انك لصبور قال فان لم اصبر فما ذا اصنع ، قلت إني جلست إلى المقداد بن عمرو آنفا و عبد الرحمن بن عوف فقالا كذا و كذا ثم قام المقداد فاتبعته فقلت له كذا فقال لي كذا فقال علي (ع) لقد صدق المقداد ، فماذا اصنع ؟=


____________________

=فقلت تقوم فى الناس فتدعوهم إلى نفسك وبخبرهم انك أولى بالنبي (ص) ، وتسألهم النصر على هؤلاء المتظاهرين عليك فإذا أجابك عشرة من مائة شددت بهم على الباقين ، فان دانوا لك فذاك وإلا قاتلتهم وكنت أولى بالعذر قتلت أو بقيت ، وكنت أعلى عند الله حجة ، فقال (ع) : اترجو يا جندب ان يبا يعني من كل عشرة واحد ؟ قلت ارجو ذلك ، قال لكني لا ارجو ذلك ، لا والله ولا من المائة واحد وسأخبرك ان الناس ينظرون إلى قريش فيقولون هم قوم محمد وقبيله واما قريش بينها تقول ان آل محمد يرون لهم على الناس بنبوته فضلا ويرون انهم اولياء هذا الأمر دون قريش ودون غيرهم من الناس وهم ان وَلَوْه لم يخرج السلطان منهم إلى أحد أبدا و متى كان في غيرهم تداولته قريش بينها لا و الله لا يدفع الناس إلينا هذا الأمر طائعين أبدا. فقلت جعلت فداك يا بن عم رسول الله لقد صدعت قلبي بهذا القول ا فلا ارجع إلى المصر فأوذن الناس بمقالتك و أدعو الناس إليك فقال يا جندب ليس هذا زمان ذاك. قال فانصرفت إلى العراق فكنت اذكر فضل علي على الناس فلا اعدم رجلا يقول لي ما اكره واحسن ما اسمعه قول من يقول دع عنك هذا وخذ فيما ينفعك فأقول ان هذا مما ينفعني و ينفعك فيقوم عني و يدعني.

و زاد أبو بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري حتى رُفع ذلك من قولي إلى الوليد بن عقبه أيام وَلِيَنا فبعث إليَّ فحبسني حتى كُلم فيَّ فخلى سبيلي.

وروى الجوهري قال نادى عمار بن ياسر ذلك اليوم يا معشر المسلمين أنا قد كنا ما كنا نستطيع الكلام قلة و ذلة فأعزنا الله بدينه و وأكرمنا برسوله فالحمد لله رب العالمين يا معشر قريش إلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم تحولونه هاهنا مره و هاهنا مره ما أنا آمن ان ينزعه الله منكم و يضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله و وضعتموه في غير أهله. فقال له هشام بن الوليد بن المغيرة يا بن سمية لقد عدوت طورك و ما عرفت قدرك ما أنت و ما رأت قريش لأنفسها انك لست في شىء من أمرها و إماراتها فتنح عنها. و تكلمت قريش بأجمعها فصاحوا بعمار و انتهروه فقال الحمد لله رب العالمين ما زال أعوان الحق أذلاء ثم قام فانصرف.


فقال عبد الرحمن يا مقداد اتق الله فإني خائف عليك الفتنة ”(١) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ج٤ : ٢٢٤ عن عمر بن شبة عن علي بن محمد (المدائني) عن وكيع عن الاعمش عن ابراهيم (التيمي) ومحمد بن عبد الله الانصاريعن ابن ابي عروبة عن قتادة عن شهر بن حوشب ، وابي مخنف عن يوسف بن يزيد عن عباس بن سهل ، ومبارك بن فضالة عن عبيد الله بن عمر ويونس بن ابي اسحق عن عمر و بن ميمون الاودي ، وفي تاريخ المدينة المطبوع لابن شبة ج٣ ص ٩٢٤ سقط من الرواية نحو من ثلاث ورقات من اولها مع الاسانيد. وقد روى الرواية ايضا ابن عبد ربه في العقد الفريد ج٢٧٤٤-٢٨٠ روى القسم الاول منها عن يونس عن الحسن وهشام بن عروة عن ابيه ، ومن هذا القسم قول عمر لابي طلحة " وقم على رؤوسهم (اي الستة اهل الشورى) فان اجتمع خمسة على رأي واحد وابي واحد فاشدخ راسه بالسيف.. " وروى القسم الثاني (ومنه قول المقداد واختلاف بني امية وبني هاشم) عن ابي الحسن المدائني وكلا القسمين لم ينسبهما الى عمرو بن ميمون. وقد حاول يحيى اليحيى في رسالته للماجستير (مرويات ابي مخنف) ط الرياض ١٤١٠ ان يجعل متن الرواية بقسميها على انها رواية ابي مخنف وان قصة الشورى في الطبري انما هي تلفيق بين متون رواية ابراهيم التيمي وشهربن حوشب وابي مخنف ، ولا دليل له على ذلك اذ لو كان الطبري قد صنع ذلك لاشار اليه كما هو ديدنه (نظير ما صنعه في المورد الذي رواه في ج٤ ٢١٣ ، ، وج٤ : ١٩٨وغيرها) ولو كان ابن شبة صنعه لاشار اليه ولو اشار اليه لذكره الطبري عنه لان روايته انما هي رواية ابن شبة باسانيدها التي ذكرها ولم يضف اليها شيئا آخر. وقد حاول مؤلف رسالة الماجستير ايضا تضعيف رواية ابن سعد في الطبقات ج٣ : ٣٤٢ بسنده الى سماك بن حرب التي تفيد ان عمر امر بادخال اهل الشورى بيتا ثلاثة ايام فان استقاموا والا فلتضرب اعناقهم. بدعوى ان سليمان بن حرب ضعيف ونقل ذلك عن التقريب لابن حجر غير ان المؤلف لم ينقل للقارىء بأمانة ما وجده في المصدر اذ قال ابن حجر في التقريب (ان سماك بن حرب صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة) ، وهذا التخصيص قد قال به ابن المدائني قبل ابن حجر ، وفي ميزان الاعتدال للذهبي قال في ترجمة سماك (صدوق صالح من اوعية العلم مشهور وقال يعقوب بن شيبة هو في عكرمة غير صالح).


أقول ان هذه الرواية لا تدع شكا في ان حصر عمر الأمر في الستة على ان يبايعوا أحدهم لم يكن مجرد ترشيح ولو كان كذلك فما الداعي إلى الأمر بقتل الواحد إذا خالف الخمسة والاثنين إذا خالفا الأربعة ؟

ان التأمل في الفقرات التي أوردناها تلفت نظر القارئ إلى ان السلطة كانت بيد قريش وان المسلمين كانوا مغلوبين على أمرهم ، وان مثل عمار بن ياسر الذي يقول فيه رسول الله (ص) (ان عمارا ملئ أيمانا إلى أخمص قدميه) (من ابغض عمار ابغضه الله تعالى)(١) كان يقال له حين هتف باسم علي ما أنت وتأمير قريش لأنفسها).

ومن هنا قال المقداد(٢) قوله “ أما والله لو أجد عليه أعوانا ”

____________________

(١) الاستيعاب : ١١٣٨ ترجمة عمار.

(٢) قال في الاستيعاب : ١٤٨٠ في ترجمته : كان قديم الاسلام وهو من السبعة الاوائل الذين اظهروا الاسلام بمكة وقد شهد مشاهد النبي (ص) كلها.


الاَّنف الذكر.

علي (ع) يتظلم من قريش :

وقد نبَّه علي (ع) في أحاديثه مرارا إلى هذه الحقيقة المرة في تغلب قريش بعد وفاة الرسول (ص) على الأمر كما في قوله : “ اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم ، فانهم قطعوا رحمي ، وصغرّوا عظيم منزلتي ، واكفأوا إنائي ، واجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري ، وقالوا إلا ان في الحق ان تأخذه ، وفي الحق ان تُمنعه ، فاصبر مغموما ، أو مُت متأسفا ، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد إلا أهل بيتي ، فضننت بهم عن المنية ، فاغضيت على القذى ، وجرعت ريقي على الشجا ، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم ، وآلم للقلب من حز الشفار ”(١) .

وقوله (ع) : “ فجزى قريشا عني الجوازي فانهم ظلموني حقيواغتصبوني سلطان ابن امي ”(٢) .

____________________

(١) كلام : ٢١٧ نهج البلاغة الخطبة : ١٧٢.

(٢) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج٩ : ٣٠٦.


وقوله : “ لقد أخافتني قريش صغيرا ، وانصبتني كبيرا ، حتى قبض الله رسوله فكانت الطامة الكبرى ”(١) .

وقوله في رسالته لاخيه عقيل : “ فان قريشا قد اجتمعت على حرب اخيك اجتماعها على حرب رسول الله (ص) قبل اليوم ، وجهلوا حقي ، وجحدوا فضلي ، ونصبوا لي الحرب ، وجدُّوا في اطفاء نور الله ، اللهم فاجزِ قريشا عني بفعالها ، قد قطعت رحمي وظاهرت عليَّ … ”(٢) .

وقوله : “ أما والله لقد تقمصها(٣) فلان(٤) وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحا ، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير ،(٥) فسدلت دونها ثوبا ، وطويت عنها كشحا(٦) ، وطفقت

____________________

(١) شرح النهج ج٩ : ٥٤ ومروج الذهب ج٣ : ١٢.

(٢) الامامة والسياسة ج١ : ٥٦ انساب الاشراف ج٢ : ٧٥ الاغاني ج١٥ : ٤٦ نهج البلاغة ج٣ : ٦٨ حمهرة رسائل العرب ج١ : ٥٩٥.

(٣) الضمير يرجع الى الخلافة والامرة.

(٤) يريد ابا بكر.

(٥) أي لا يضاهيه في منزلته في زمانه احد.

(٦) الكشح بين الخاصرة والجنب وطويت عنها كشحا كناية عن تركها.


ارتئي بين ان أصول بيد جذاء(١) ، أو أصبر على طخية عمياء(٢) … فرأيت الصبر على هاتا احجى … حتى إذا مضى الأول لسبيله ، فأدلى بها إلى فلان بعده … فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لاَّخر بعد وفاته ، لَشَدَّما تشطرا ضرعيها ، فصيّرها في حوزة خشناء ، يغلظ كَلْمُها … فصبرت على طول المدة ، وشدة المحنة(٣) ، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة ، زعم أني

____________________

(١) الجذاء المقطوعة.

(٢) الطخية هي الظلمة ونسبة العمى اليها مجاز عقلي وانما يعمى القائمون فيها اذ لا يهتدون الى الحق ، والمعنى فكرت في حالين حال القيام وليس من ناصر الا اهل بيتي وافراد قلائل وهم لا يكفون للنصرة او الصبر على ظلمة وبعد عن الحق وعودة الى الجاهلية بأسم الاسلام وهي ظلمة يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير كناية عن شدتها وطولها. ثم رأى (ع) ان الصبر على الحال الاخيرة احجى أي الزم واجدر عقلا وشرعا.

(٣) استمرت هذه المحنة التي اشار اليها(ع) خمسا وعشرين سنة وتمثلت بالانقلاب على الاعقاب وكان ابرز مظاهره اضافة الى العدول عمن نصبه الله ورسوله حجة يهتدون بهديه ويحتكمون اليه لا الى غيره احياء بعض الاعراف الجاهلية (انظر جواب الشبهة - ١٥ من هذا الكتاب) والمنع من نشر احاديث النبي (ص) وبخاصة تلك التي ترتبط بالتعريف بأهل بيته (ع) انظر مصادر ذلك في الهامش رقم ١٦١ ، من وقد نتج عن هذه السياسة جهل صغار الصحابة فضلا عن اهل البلاد المفتوحة شرقا وغربا بمنزلة اهل البيت (ع) وقد اشار إلى ذلك (ع) في كلام يتحدث فيه عن حال قريش ايام حكم الثلاثة حيث الفتوح بقيادتها وارتفاع ذكرها في تلك الأيام وخمول ذكره (ع) (فكنا ممن خمل ذكره وخبت ناره وانقطع صوبه وصيته حتى اكل الدهر علينا وشرب) شرح النهج ٢ : ٢٩٩.


أحدهم ، فيالله وللشورى متى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم حتى صرت اقرن إلى هذه النظائر ، ولكني أسففت إذ أسفوا ، وطرت إذ طاروا(١) ، فصغا رجل(٢) منهم لضغنه ، ومال(٣) الاَّخر لصهره ، مع هن وهن(٤) ، إلى ان قام ثالث(٥) القوم نافجاً حضنيه بين نثيله

____________________

(١) اسف الطائر دنا من الارض. والمعنيى انه (ع) سالمهم فدنا منهم واقترب حين كانوا يرغبون بذالك وابتعد عنهم حين كانوا يرغبون بذلك وابتعد عنهم حين يجد رغبتهم في ذلك.

(٢) يشير الى سعد بن ابي وقاص قال الشيخ محمد عبده في شرحه للنهج "وكان في نفسه (أي سعد) شئ من علي كرم الله وجهه من قبل اخوله لان امه حمنة بنت سفيان بن امية بن عبد شمس ولعلي في قبل صناديدهم ما هو معروف ومشهور ".

(٣) يشير الى عبد الرحمن بن عوف قفد كان صهرا لعثمان لان زوجته ام كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط كانت اختا لعثمان من امه.

(٤) يشير الى اغلااض اخرى كره ذكرها.


ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع ، إلى ان انتكث فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بِطنته.

فما راعني إلا وانثيال الناس كعرف الضبع(١) إليَّ ينثالون عليَّ من كل جانب ، حتى لقد وطئ الحسنان ، وشق عطفاي ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم ، فلما نهضت بالاَّمر نكثت طائفة(٢) ومرقت أخرى(٣) وقسط آخرون(٤) … أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كِظَّةِ ظالم ، ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غار بها ، ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم دنياكم هذه

____________________

(١) يشير الى عثمان وقوله نافجا حضنيه أي رافعا لهما والحضن ما بين الابط والكشح ويقال للمتكبر جاء نافجا حضنيه. والنثيل الروث. والخضم : الاكل باقصى الاضراس او ملء الفم بالمأكول. والبطنة البطر والاشر.

(٢) عرف الضبع : ما كثر على عنقها من الشعر ويضرب به المثل في الكثرة والازدحام. وينثالون يتتابعون مزدحمين.

(٣) يشير إلى طلحة والزبير وأتباعهما.

(٤) يشير إلى أهل النهروان.

(٥) يشير إلى أهل صفين.


ازهد عندي من عفطة عنز ”(١) .

____________________

(١) الخطبة : ٣. وهذه الخطبة هي المعروفة با الشقشقية وقد ذكروا في سبب تسميتها بذلك انه (ع) لما بلغ كلامه إلى الموضع الانف الذكر قام اليه رجل من أهل السواد فناوله كتابا فاقبل ينظر فيه فلما فرغ من قراءته قال له ابن عباس ٢ يا امير المؤمنين لو اطردت مقالتك من حيث افضيت فقال هيهات يابن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرت.

قال ابن عباس فوالله ما اسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام الا يكون امير المؤمنين بلغ منه حيث اراد.

قال ابن ابي الحديد حدثني شيخي ابو الخير مصدق بن شبيب الواسطي في سنة ثلاث وستمائة ، قال : قرأت على الشيخ ابي محمد عبد الله بن احمد المعروف يابن الخشاب هذه الخطبة ، فلما انتهيت الى هذا الموضع ، قال لي : لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له : وهل بقي في نفس ابن عمك امر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف الا يكون بلغ كلامه ما اراد والله مارجع عن الاولين ولاعن الاخرين ، ولا بقي في نفسه احد لم يذكره الا رسول الله (ص).

قال مصدق : وكان ابن الخشاب صاحب دعابة وهزل. قال : فقلت له : اتقول انها منحولة ! فقال : لا والله ، واني لأعلم انها كلامه ، كما اعلم انك مصدق. قال : فقلت له : ان كثيرا من الناس يقولون انها من كلام الرضيرحمه‌الله تعالى فقال انى للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الاسلوب ! قد وقفنا على رسائل الرضي ، وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور ، وما يقع مع هذا الكلام في خل ولا خمر. ثم قال : والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صُنفَت قبل ان يخلق الرضي بمائتي سنة ، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط اعرفها ، واعرف خطوط من هو من العلماء واهل الادب قبل ان يخلق النقيب ابو احمد والد الرضي.

قال ابن ابي الحديد : وقد وجدت انا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا ابي القاسم البلخي امام البغداديين من المعتزلة ، وكان في دولة المقتدر قبل ان يخلق الرضي بمدة طويلة. ووجدت ايضا كثيرا منها في كتاب ابي جعفر بن قبة احد متكلمي الامامية وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب (الانصاف) وكان ابو جعفر هذا من تلامذة الشيخ ابي القاسم البلخيرحمه‌الله تعالى ، ومات في ذلك العصر قبل ان يكون الرضيرحمه‌الله تعالى موجودا. شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج١ : ٢٠٣-٢٠٦.


ومن الواضح ان الأنصار واغلب المهاجرين بعد ان انفلتوا من سلطان قريش(١) وعادت إليهم حريتهم تهافتوا على علي (ع) كتهافت الفراش يطلبون منه البيعة بصفته الشخص الذي دعا الكتاب والسنة إلى بيعته أما في زمن أبي بكر وعمر فلم تكن لهم حرية ان يبايعوا من أرادوا وأراده الكتاب والسنة إذ بايع خمسة أشخاص أبا

____________________

(١) كان ذلك بسبب عوامل عدة اهمها اختلاف قريش مع عثمان بسبب ايثاره بالولايات والاموال بني امية دون غيرهم من قبائل قريش.


بكر وهم عمر وأبو عبيدة وسالم من المهاجرين واسيد بن حضيروبشير بن سعد ومن تبعهما من الأنصار ممن كان حاضرا ولبّس الأمر على طائفة من الأنصار بسبب العصبية القبلية وأُجبِر الباقي على البيعة بشكل أو باَّخرالحرية في إحدى خطبه بقوله “ ولئن رُدَّ عليكم أمركم أنكم ، وقد أشار علي (ع) إلى هذه لسعداءلبَّسته عليكم ”. ”(١) . وأشار إلى التلبيس بقوله “ ما ختلتكم عن أمركم ولا

____________________

(١) خطبة : ١٧٨.


الفصل السادس:

الإمام علي (ع) بايع الخلفاء مكرها

قال صاحب النشرة :

ان عليا (ع) بايع الخلفاء برضاه والشيعة يؤولون ذلك بالتقية.

يقال له:

قال السيد المرتضىرحمه‌الله وكيف يشكل على منصف ان بيعة أمير المؤمنين (ع) لم تكن عن رضا ، والأخبار متظاهرة بين كل من روى السير بما يقتضي ذلك ، حتى ان من تأمل ما روي في هذا الباب لم يبق لديه شك في انه (ع) ألجئ على البيعة وصار إليها / بعد المدافعة والمحاججة / لأمور اقتضت ذلك ليس من جملتها الرضا.



نص الشبهة

قال صاحب النشرة :

“ وذهب فريق آخر من الباطنية إلى قراءة التاريخ الإسلامي قراءة أخرى وإنكار بعض الأحداث الماضية أو يفسرها تفسيرا معاكسا وتبرير أعمال مثل بيعة الإمام أمير المؤمنين للخلفاء الثلاثة بأنها كانت للتقية ”(١) .

وقال أيضا :

“ واضطر المتكلمون (الشيعة) … إلى إعادة كتابة التاريخ وتأويل بيعة الإمام أمير المؤمنين للخلفاء الثلاثة ودخوله معهم في الشورى عند انتخاب عثمان واحتجاجه على معاوية بانتخابه عبر الشورى … تأويل كل ذلك بالتقية والإكراه وما إلى ذلك من تأويلات تعسفية ظالمة ”.

____________________

(١) الشورى العدد ٣ ص ٩.


وقال ايضا :

“ ويعترف المؤرخون الشيعة ببيعة الإمام علي (ع) لأبي بكر … ويفسرون ذلك بالتقية. وتقول بعض الروايات الشيعية ان بيعة أبي بكر تمت بالقوة والإكراه.

وقد رد القاضي عبد الجبار في المغني على ذلك بقوله : انه لم يجر إكراه وإنما تعلق بذلك بعض الإمامية بروايات ليست صحيحة … وانه لا يجوز من مثل علي التقية … وهلا ظهرت منه التقية يوم الجمل وصفين ”(١) .

الرد على الشبهة

أقول : جعل صاحب النشرة الشيعة الإمامية الاثني عشرية أحد أفراد (الباطنية) وستأتي مناقشته على ذلك في موضع آخر.

قوله (ويعترف المؤرخون الشيعة ببيعة الإمام علي لأبي بكرويفسرون ذلك بالتقية) يشير فيه إلى جواب السيد المرتضى ومن جاء بعده من علماء الشيعة الى اليوم ردا على مقولة السنة والمعتزلة

____________________

(١) نظرية الامامة الالهية احمد الكاتب الفصل الرابع المبحث الرابع.


من ان الإمام علي (ع) امتنع عن بيعة أبي بكر ثم بايع راضيا.

ونحن نورد جواب السيد المرتضى باختصار وهو : ان عليا (ع) صحيح ترك النكير والخلاف بعد ما ظهر منه وبايع بعد وفاة فاطمة (ع) ولكنه ظهر منه في خلافته ما يكشف ان تركه الخلاف والمنازعة وإظهاره البيعة كان تقية ، فهنا قضيتان :

الأولى : ان عليا (ع) بعد ما بويع واستقر الأمر له بعد عثمان اظهر النكير على الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه وكشف بذلك انه كان قد سالمهم وبايعهم لاعتبارات عدة ليس منها الرضا بهم وقد روي عنه (ع) انه كان يقول : “ بايع الناس والله أبا بكر وأنا أولى بهم مني بقميصي هذا فكظمت غيظي وانتظرت أمري وألزقت كلكلي(١) بالأرض ثم ان أبا بكر هلك واستخلف عمر وقد والله علم اني أولى بالناس مني بقميصي هذا فكظمت غيظي وانتظرت أمري ثم ان عمر هلك وجعلها شورى وجعلني فيها سادس ستة كسهم الجدة فقال اقتلوا الأقل فكظمت غيظي وانتظرت أمري وألزقت كلكلي بالأرض (ثم ان عثمان قتل فجاؤني فبايعوني طائعين غير مكرهين) حتى ما وجدت إلا القتال أو الكفر بالله ”(٢) وقوله (ع) (حتى ما وجدت إلا

____________________

(١) الكلكل : الصدر.

(٢) انظر ابن عساكرفي تاريخدمشق ٣ :١٠١١٧٤ ،-١٧٥ بترجمةاميرالمؤمنين.


القتال أو الكفر بالله) منبها على ان سبب قتاله لطلحة والزبير ومعاويةوكفه عمن تقدم انه لما وجد الأعوان والأنصار لزمه الأمر وتعين عليه فرض القتال وفي الحال الأولى كان معذورا لفقد الأعوان والأنصار.

وروى الواقدي في كتاب الجمل بإسناده ان أمير المؤمنين (ع) حين بويع خطب فحمد الله أثنى عليه ثم قال : “ حق و باطل و لكل أهل و لئن أمر الباطل لقديما فعل و لئن قل الحق لربما و لعل و قلما أدبر شىء فاقبل و إني لأخشى ان تكونوا في فترة و ما علينا إلا الإجتهاد وقد كانت لكم أمور ملتم فيها عليَّ ميلة لم تكونوا عندي فيها بمحمودين أما أني لو أشاء لقلت عفا الله عما سلف سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب همته بطنه ويحه لو قُصَّ جناحُه و قُطِع رأسُه لكان خيرا له ”(١) (٢) .

وقوله (ع) “ لقد تقمصها ابن أبي قحافة وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى … ”الخ الخطبة.

وقوله (ع) “ ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه واله وإلى يوم الناس هذا ”.

____________________

(١) ابن ابي الحديد ج١ : ٢٧٥.

(٢) ابن ابي الحديد ج١ :٢٧٥


الثانية : ان ترك الإنكار بعد ظهوره منه (ع) لا يدل على رضاه ، لان المسالمة وترك الإنكار قد تكون معبرة عن الرضا وقد تكون معبرة عن التقية والخوف على النفس.

قال السيد المرتضى (رح) :

“ فان قال (أي صاحب المغني) ليس يجب علينا ان نقول فيما يدل على رضاه اكثر من بيعته وترك نكيره لان الظاهر من ذلك يقتضي ما ذكرناه وعلى من ادعى انه كان مبطنا بخلاف الرضا ان يدل على ذلك فانه خلاف الظاهر.

قيل له : ليس الأمر على ما قدرته لان سخط أمير المؤمنين (ع) هو الاصل لأنه لا خلاف بين الأمة في انه عليه السلام سخط الأمر وأباه ونازع فيه وتأخر عن البيعة (فهنا أمران الأول سخطه (ع) الثاني : امتناعه عن البيعة) ثم انه لا خلاف في انه بايع بعد ذلك وترك النكير ، فيبقى الأمر الأول وهو سخطه على حاله لم ينقله عنه شىء ويجب على من ادعى تغير الحال ان يثبت ذلك وليس له ان يجعل البيعة وترك الإنكار والخلاف دلالة الرضا لانا قد بينا ان البيعة وترك الإنكار قد يكونان عن رضا وقد يكونان عن غيره ”.

ثم قال (رح) أيضا :

“ وكيف يشكل على منصف ان بيعة أمير المؤمنين (ع) لم تكن


عن رضا والأخبار متظاهرة بين كل من روى السير بما يقتضي ذلك ، حتى ان من تأمل ما روي في هذا الباب لم يبق لديه شك في انه (ع) أُلجئ على البيعة وصار إليها بعد المدافعة والمحاججة لأمور اقتضت ذلك ليس من جملتها الرضا.

وقد روى أبو الحسن احمد بن يحيى بن جابر البلاذريوحاله في الثقة عند العامة والبعد عن مقاربة الشيعة والضبط لما يرويه معروف- قال : حدثني بكر بن الهيثم قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال “ بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي (ع) حين قعد عن بيعته وقال ائتني به بأعنف العنف ، فلما أتاه جرى بينهما كلام فقال له علي (ع) : احلب حلبا لك شطره والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤمرك غدا ، … ، ثم أتى فبايعه ”(١) وهذا الخبر يتضمن ما جرت عليه الحال وما يقوله الشيعة بعينه وقد انطق الله تعالى به رواتهم.

وقد روى البلاذري عن المدائني عن مسلمة بن محارب عن سليمان التيمي عن أبي عون “ ان أبا بكر أرسل إلى علي (ع) يريده على البيعة فلم يبايع ، فجاء عمر ومعه قبس فلقيته فاطمة (ع) على

____________________

(١) انساب الاشراف ج١ : ٥٨٧.


الباب فقالت : يا ابن الخطاب أتراك محرقا عليَّ بابي قال : نعم وذلك أقوي فيما جاء به أبوك وجاء علي (ع) فبايع ”(١) ، وهذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة ، وإنما الطريف ان نرويه لشيوخ محدثي العامة وكلهم كانوا يروون ما سمعوا بالسلامة ، وربما تنبهوا على ما في بعض ما يروونه عليهم فكفوا عنه ، وأي اختيار لمن يحرَّق عليه بابه حتى يبايع.

وقد روى إبراهيم بن سعيد الثقفي ، قال حدثنا احمد بن عمرو البجلي ، قال حدثنا احمد بن حبيب العامري عن حمران بن أعينعن أبي عبد الله جعفر بن محمد (ع) قال : “ والله ما بايع علي (ع) حتى رأى الدخان قد دخل بيته ”.

____________________

(١) انساب الاشراف ج١ : ٥٨٦ وفي ذيل الخبر (وقال علي(ع) كنت عزمت ان لا اخرج من منزلي حتى اجمع القرآن). اقول هذه الزيادة موضوعة على علي (ع) لتبرير تأخره عن البيعة وقد وردت في خبر آخر رواه البلاذري عن ابن سيرين قال : قال ابو بكر لعلي (ع) اكرهت امارة (امارتي) قال لا ولكني حلفت ان لا ارتدي بعد وفاة النبي (ص) برداء حتى اجمع القرآن كما انزل) (ج١ : ٥٨٧) ولا شك ان القرآن كان مجموعا في زمن النبي (ص) لان آخر آية نزلت هي آية اكمال الدين في ١٨ ذي الحجة وبقي النبي (ص) بعدها سبعين يوما تقريبا وهي كافية لجمع القرآن ان لم يكن جمع قبل ذلك. كما هو الاليق بتصرف النبي (ص) وعلي (ع) مع القرآن.


وروى المدائني عن عبد الله بن جعفر عن أبي عبد الله (ع) قال : “ لما ارتدت العرب مشى عثمان إلى علي (ع) فقال : يا ابن عم انه لا يخرج أحد إلى قتال هؤلاء وأنت لم تبايع ، ولم يزل به حتى مشى إلى أبي بكر فَسُرَّ المسلمون بذلك ، وجَدَّ الناس في قتالهم ”(١) .

وروى البلاذري عن المدائني عن أبي جري عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : “ لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة بعد ستة اشهر فلما ماتت ضَرَع إلى صلح أبي بكر ، فأرسل إليه ان يأتيه ، فقال عمر لان تأته وحدك قال : وماذا يصنعون بي فأتاه أبو بكر فقال له (ع) : … والله لقرابة رسول الله (ص) احب إلي من قرابتي فلم يزل علي (ع) يذكر حقه وقرابته حتى بكى أبو بكر فقال ميعادك العشية ، فلما صلى أبو بكر خطب وذكر عليا (ع) وبيعته ثم بايع أبا بكر فقال المسلمون : أصبت وأحسنت ”(٢) .

ومن تأمل هذا الخبر وما جرى مجراه عليهم كيف وقعت الحال في البيعة ، وما الداعي إليها ، ولو كانت الحال سليمة والنيات

____________________

(١) انساب الاشراف ج١ ٥٨٧.

(٢) روى الخبر مفصلا البخاري في كتاب المغازي باب غزرة خيبر ج٣ : ص ٤٦ورواه مسلم في صحيحه كتاب الجهاد ج٥ : ١٥٤.


صافية ، والتهمة مرتفعة ، لما منع عمر أبا بكر ان يصير إلى أمير المؤمنين (ع).

وروى إبراهيم الثقفي عن محمد بن أبي عمير عن أبي عن صالح بن أبي الأسود عن عقبة بن سنان عن الزهري قال : “ ما بايع علي (ع) إلا بعد ستة اشهر ، وما اجتُرِئَ عليه إلا بعد موت فاطمة (ع) ”.

وروى إبراهيم عن يحيى بن الحسن ، عن عاصم بن عامر ، عن نوح بن دراج ، عن داود بن يزيد الاودي ، عن أبيه عن عدي بن حاتم قال : “ ما رحمت أحدا رحمتي عليا حين أتى به مُلَبَّبا فقيل له : بايع ، قال : فان لم افعل ؟ قالوا : إذا نقتلك ، قال : إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله ، ثم بايع كذا وضم يده اليمنى ”.

وروى إبراهيم عن عثمان بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد البجلي عن داود بن يزيد الاودي عن أبيه عن عدي بن حاتم قال “ إني لجالس عند أبي بكر إذ جىء بعلي (ع) فقال له أبو بكر : بايع ، فقال له علي (ع) : فأن لم افعل ؟ فقال : اضرب الذي فيه عيناك(١) ،

____________________

(١) لو لم يبايع علي (ع) لقتل جهرةً كما قتل مالك بن نويرة وقيل عنه قتل مرتدا انظر قصة قتل مالك في شرح النهج ١٨ : ٢٠٣ نقلا عن المغني للقاضي عبد الجبار. او يقتل غيلة كما قتل سعد بن عبادة في خلافة عمر حيث بعث اليه عمر رجلا وقال له ادعه الى البيعة وان ابى فأستعن بالله عليه فجاءه فرفض البيعة فرماه بسهم فقتله واشيع عنه ان الجن قتله(البلاذري ج١ :٥٨٩). وفي شرح النهج ج١٨ : ٢٢٣ ان قتل سعد كان في خلافة أبي بكر.


فرفع رأسه إلى السماء ثم قال : اللهم اشهد ، ثم مد يده ”.

وقد روي هذا المعنى من طرق مختلفة ، وبألفاظ متقاربة المعنى وان اختلفت ألفاظها ، وانه (ع) كان يقول في ذلك اليوم لما أُكرِه على البيعة وحُذِّرَ من التقاعد عنها : “ يا ابن أم ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين ”ويردد ذلك ويكرره ، وذِكْرُ اكثر ما روي في هذا المعنى يطول فضلا عن ذكر جميعه ، وفيما أشرنا إليه كفاية ودلالة على ان البيعة لم تكن عن رضى واختيار ”.

ثم قال (رح) أيضا :

“ ومن أدل دليل على ان كفه (ع) عن النكير وإظهار الرضا لم يكن اختيارا وإيثارا ، بل كان لبعض ما ذكرناه انه لا وجه لمبايعته بعد الإِباء إلا ما ذكرناه بعينه فان إباءه المتقدم لا يخلو من وجوه :


إما ان يكون ما ادعاه صاحب الكتاب من انشغاله بالنبي (ص) وابنته ، واستيحاشه من ترك مشاورته ، وقد أبطلنا ذلك بما لا زيادة عليه(١) ”.

أو لأنه كان ناظرا في الأمر ومريبا في صحة العقد أما بأن يكون ناظرا في صلاح المعقود له الإمامة ، أو في تكامل شروط عقد إمامته ، ووقوعه على وجه الصحة ، وكل ذلك لا يجوز ان يكون خافيا على أمير المؤمنين (ع) ولا ملتبسا ، بل كان به اعلم واليه اسبق ، ولو جاز ان يخفى على مثله وقتا ووقتين لما جاز ان يستمر الأوقات ، وتتراخى المدد في خفائه وكيف يشكل عليه صلاح أبي بكر للإمامة وعندهم ان ذلك كان معلوما ضرورة لكل أحد ، وكذلك عندهم صفات العاقدين وعددهم ، وشروط العقد الصحيح مما نص النبي (ص) واعلم الجماعة به على سبيل التفصيل. فلم يبق شىء يرتئي فيه أمير المؤمنين (ع) وينظر في أصابته النظر الطويل يحمل عليه إباؤه وامتناعه من البيعة في الأول إلا ما نذكره من أنها وقعت في غير حقها ولغير مستحقها ، وذلك يقتضي ان رجوعه إليها لم يكن إلا لضرب من التدبير(٢) .

____________________

(١) انظر الشافي ج٣ : ٢٤٩-٢٥٠ حيث تعرض لذلك.

(٢) انظر كتاب الشافي ج٣ : ٢١٧-٢٥١.


وقوله (إلا لضرب من التدبير) أي للتقية والخوف على النفس.

رد على القاضي عبد الجبار :

اما قول صاحب المغني : “ انه لايجوز من مثل علي (ع) التقية …

وهلا ظهرت منه التقية يوم الجمل وصفين ”.

فيَرُدُّه قول علي (ع) “لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر و … لا لقيت حبلها على غاربها ”وقوله (ع) “ لوجدت أربعين ذوى عزم لناهضتهم ”وقوله (ع) لجندب بن عبد الله الازدى حين اقترح عليه ايام الشورى ان يقوم في الناس فيدعوهم الى نفسه ويسائلهم النصر فان اجابه عشرة من مائة شدَّ بهم على الباقين اجابه (ع) “ اترجو ان يبايعنى من كل عشرة واحد ؟ قلت ارجو ذلك قال : لكني لا أرجو ذلك لا والله ولا من الماءة واحد سأخبرك ان الناس انما ينظرون الى قريش فيقولون هم قوم محمد وقبيله … لا والله لايدفع الناس (أي قريش) هذا الامر طائعين ابدا ”.

وكذلك يرده قول علي (ع) فى خطبته الشقشقية “ فنظرت فاذا ليس لي راقد ولا ذاب ولامساعد الا اهل بيتي فضننت بهم عن لمنية ”(١) .

____________________

(١) مرت مصادر هذه الكلمات في جواب الشبهة -١٠ و الشبهة - ١٣.


الفصل السابع :

قصة متعة الحج والعبرة منها

قال البغدادي :

لو كان ثمة نص على علي (ع) فأن الصحابة اكبر من ان يخالفوا أمر النبي (ص).

يقال له:

لم يكن الصحابة معصومين وقد تورطوا في اكثر من مرة بمخالفة النص الصريح وقصة متعة الحج من اكبر الشواهد.



نص الشبهة

قال البغدادي :

“ ان من الغرابة بمكان ان يكون الطريق الوحيد هو ان يختار النبي بأمر الله شخصا / هو علي / يعده قياديا ورساليا ومع ذلك لم يجد أغلبية تؤيده من الجيل الطليعي للامة ”.

الرد على الشبهة

اقول : تزول هذه الغرابة إذا عرفنا ان أغلبية الصحابة كانوا قد خالفوا في تشريعات عبادية فضلا عن غيرها ولعل افضل حادثة تصور لنا هذه الحقيقة بكل وضوح هي مسألة حج التمتع وقد وردت أخبارها في كل كتب الحديث والى القارئ الكريم خلاصة عنها :


العمرة والحج في الإسلام :

هناك ثلاثة أنواع من الحج في الإسلام :

الأول حج التمتع: وهو فرض من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ، ويتألف من عمرة التمتع وحج التمتع ، وصورة عمرة التمتع هي ، ان يحرم من الميقات في اشهر الحج ثم يأتي مكةويطوف بها سبعا ، ثم يصلي ركعتي الطواف ، ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعا ، ثم يقصر ، فيحل من جميع ما حرم عليه بالإحرام ، ويقيم بمكة محلا إلى يوم التروية أي اليوم الثامن من ذي الحجة فينشئ إحراما لحج التمتع من الحرم ، ثم يخرج إلى عرفات ، ثم يفيض عنها بعد غروب التاسع إلى المشعر ، ومنه إلى منى لرمي جمرة العقبة الكبرى ، ثم الذبح ثم الحلق ان كان حجه صرورة وبه يتحلل إلا من النساء والطيب ، ثم يطوف ويصلي ويسعى فيحل له الطيب ، ثم يطوف طواف النساء ويصلي فتحل له النساء ، ثم يرجع إلى منى للمبيت بها ورمي الجمرات الثلاث ، فإذا بات ليلتين بمنى جاز له النفر في اليوم الثاني عشر بعد الزوال ، ويسمى هذا الحج بحج التمتع ، لان الحاج يتمتع بالحل بين إحرامي العمرة ، والحج ومدة الحل بين الإحرامين هي متعة الحج التي حرمها الخليفة عمر


وتبعه اكثر المسلمين في وقته.

الثانى حج الإفراد : ويتألف من حج أولا ثم عمرة يأتي بها بعد الانتهاء من المناسك في منى ، وتسمى هذه العمرة بالمفردة ، كما يسمى الحج بحج الإفراد ، لان الحاج يأتي بكل منهما مفردا وليس في هذا الحج هدي.

الثالث حج القران : هو كحج الإفراد مع ملاحظة ان الحاج يسوق الهدي معه عند إحرامه ، وقد سمي بذلك لان الحاج يقرن بين التلبية وسوق الهدي.

والنوعان الأخيران من الحج فرض حاضري المسجد الحرام.

العمرة والحج في الجاهلية:

كان الحج والعمرة من اهم الشعائر في الجاهلية وهما إضافة إلى أمور أخرى مما بقي من دين إبراهيم (ع) ، وقد تحملت قريشبوصفها سكان البيت وذرية ابراهيم (ع) مسئولية إقامة الحج وتعليم الناس الوافدين إلى مكة أحكام الحج وكانت مكة قد عَظُمَ شأنها بعد حادثة الفيل ، وانعكس ذلك على قريش ، وابتدعت قريش بعد وفاة عبد المطلب بدعا خاصة في الحج وتابعتها العرب على ذلك ، وكان


من تلك البدع هو بدعة تحريم العمرة في اشهر الحج وجعلها من افجر الفجور.

قال ابن القيم : (اعتمر رسول الله (ص) بعد الهجرة أربع عمر كلهن في ذي القعدة.. والمقصود مخالفة هدي المشركين فانهم كانوا يكرهون العمرة في اشهر الحج) زاد المعاد ١ / ٢٠٩.

حجة الوداع:

كانت حجة الوداع هي الحجة الأولى والأخيرة التي بيَّنالنبي (ص) فيها أحكام حج التمتع ، وكان قد جعل عمرة التمتع جزءا من الحج ، وقد وقعت هذه الحجة في السنة العاشرة من الهجرة ، وذلك بعد ان أسلمت جزيرة العرب ومن شاء الله من أهل اليمن وقدم المدينة بشر كثير يريدون ان يأتموا برسول الله (ص) ، قال أهل السير : “ فخرج لخمس بقين من ذي القعدة ومعه أزواجه وأهل بيته وعامة المهاجرين والأنصار ومن شاء الله من قبائل العرب وإفناء الناس ”(١) .

____________________

(١) الامتاع ١ : ٥١١. وفي السيرة الحلبية ٣ :٣٠٨ ان الذين خرجوا معه كانوا اربعين الفا وقيل كانوا سبعين الفا وقيل كانوا تسعين الفا وقيل كانوا مائة الف واربعة عشر الفا وقيل عشرين الفا وقيل كانوا اكثر من ذلك.


روى أبو داود في سننه(١) ان النبي (ص) لما وصل إلى عسفان (وهي بين الجحفة ومكة والجحفة تبعد عن مكة أربعة مراحل) قال له سراقة بن مالك المذحجي يا رسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم فقال (ص) :

“ ان الله تعالى قد ادخل عليكم في حجكم هذا عمرة فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلاّ من كان معه هدي ”.

وتكرر منه (ص) نظير ذلك في (سَرَف) التي تبعد ستة أميال من مكة(٢) .

ولننظر الاَّن كيف تلقى الصحابة تشريع حج التمتع.

موقف قريش من حج التمتع :

روى مسلم في صحيحه(٣) عن جابر قال :

____________________

(١) ١ : ١٥٩.

(٢) صحيح البخاري ١ : ١٨٩. وصحيح مسلم : ٨٧٥. وأيضا في بطحاء مكةسنن البيهقي٥ : ٤.

(٣) صحيح مسلم : ٨٨٢ ح١٣٨.


“ أهللنا مع رسول الله (ص) بالحج فلما قدمنا مكة امرنا ان نحل ونجعلها عمرة فَكَبُرَ ذلك علينا وضاقت به صدورنا فبلغ ذلك النبي (ص).. فقال : أيها الناس أحلوا ، فلولا الهدي الذي معي فعلت مثل الذي أمرتكم به. قال فأحللنا حتى وطئنا النساء ، وفعلنا ما يفعل الحلال حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج ”.

وفي رواية البخاري في صحيحه عن جابر أيضا :

“ فبلغه (أي النبي (ص)) انا نقول : لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس امرنا ان نحل إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا ”. ومثله رواية مسلم وابن ماجة وأبي داود ومسند احمد.

وفي رواية أخرى للبخاري(١) أيضا :

“ ففشت في ذلك القالَةُ فبلغ ذلك النبي (ص) فقام خطيبا فقال : بلغني ان أقواما يقولون كذا وكذا والله لانا أبَرُّ واتقى لله منهم ”.

وفي رواية سنن ابن ماجة ومسند احمد ومجمع الزوائد :

“ قال الناس يا رسول الله قد احرمنا بالحج فيكف نجعلها عمرة ؟ قال : انظروا ما آمركم به فافعلوا ، فردوا عليه القول ،

____________________

(١) ٢ : ٥٢.


فغضب ، فانطلق ثم دخل على عائشة وهو غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت : من أغضبك أغضبه الله ! قال : ما لي لا اغضب وأنا آمر أمرا فلا أُتَّبَع ”(١) .

وفي رواية مسلم(٢) :

“ قالت عائشة : قدم رسول الله (ص) لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس فدخل عليَّ وهو غضبان ، فقلت من أغضبك يا رسول الله ادخله الله النار ؟ قال : وما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون ”.

قال العلامة العسكري:

“ يبدو ان الممتنعين من التمتع بالعمرة إلى الحج الذين تعاظم عليهم ذلك كانوا من مهاجرة قريش من أصحاب النبي ويدل على ذلك أولا : ما رواه ابن عباس في حديثه (ان هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة ومحرم). وثانيا : ان الذين منعوها بعد رسول الله (ص) هم ولاة المسلمين من قريش ”.

____________________

(١) مسند احمد ٤ : ٢٨٦ ، مجمع الزوائد ٣ : ٢٣٣ ، سنن ابن ماجة : ٩٩٣.

(٢) صحيح مسلم : ٨٧٩.


حج التمتع على عهد ابي بكر:

روى البيهقي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال :

“ حججتُ مع أبي بكر فجرَّد ، ومع عمر فجرد ومع عثمانفجرد ”(١) . ومعنى جَرَّد أي افرد الحج.

حج التمتع على عهد عمر:

روى مالك بن انس في الموطأ عن عبد الله بن عمر قال :

“ ان عمر بن الخطاب قال : افصلوا بين حجكم وعمرتكم فان ذلك أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته ان يعتمر في غير اشهر الحج ”.

وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند احمد وغيرهم عن أبي موسى الاشعري قال :

“ كنت أفتي الناس بذلك (أي بالحل بعد إتمام أعمال متعة الحج) في إمارة أبي بكر وإمارة عمر فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال انك لا تدري ما احدث أمير المؤمنين في شان النُّسُك فقلت : أيها الناس من كنا أفتيناه بشىء فليتئد فهذا أمير المؤمنين قادم

____________________

(١) سنن البيهقي ٥ : ٥.


عليكم فبه ائتموا(١) .. ثم ذكر أمره بفصل الحج عن العمرة ”.

وفي حلية الأولياء(٢) :

“ ان عمر بن الخطاب نهى عن المتعة في اشهر الحج وقال :فعلتها مع رسول الله وأنا أنهى عنها وذلك:

ان أحدكم يأتي من أفق من الاَّفاق شعثا نصبا معتمرا اشهر الحج وإنما شعثه ونصبه وتلبيته في عمرته ثم يقدم فيطوف بالبيت ويحل ويلبس ويتطيب ويقع على أهله ان كانوا معه حتى إذا كان يوم الترويةأهَلَّ بالحج وخرج إلى منى يلبي بحجة لا شعث فيها ولا نصب ولا تلبية إلا يوما ، والحج افضل من العمرة ، لو خلينا بينهم وبين هذا لعانقوهن تحت الأراك ، وان أهل هذا البيت (أي أهل مكة) ليس لهم ضرع ولا زرع ، وإنما ربيعهم في من يطرأ عليهم ”.

____________________

(١) يؤكد قول الاشعري هذا ان السلطة القرشية بعد النبي (ص) كانت قد عرضت نفسها على انها السلطة التشريعية ، بمعنى ان الدين هو ما تقرره ، مضافا الى السلطة الاجرائية.

(٢) ٥ : ٢٠٥.


وفي رواية مسلم :

“ فقال عمر :قد علمت ان النبي فعله وأصحابه ولكن كرهت ان يضلوا معرسين بهن في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم(١) .

وقد نقل النووي في شرح صحيح مسلم(٢) عن القاضي عياض“ ان عمر كان يضرب على متعة الحج ”.

حج التمتع على عهد عثمان:

تابَعَ الخليفة عثمان سَلَفه عمر في ما استن من الفصل بين الحج والعمرة والضرب عليها قال ابن حزم(٣) : “ ان عثمان سمع رجلا يُهِلُّ بعمرة وحج ، فقال : عليَّ بالمُهِل ، فضربه وحلقه ”، الضرب للتأديب والحلق للتشهير ، وفي الشطر الثاني من خلافة عثمان حيث

____________________

(١) صحيح مسلم : ٨٩٦ ح١٥٧. مسند الطيالسي ٢ : ٧٠ ح٥١٦. مسند احم١د : ٤٩ - ٥٠ ، سنن النسائي ٢ : ١٦. من هذه الرواية نفهم ان عمر كان من الذين انكروا على رسول الله (ص) امر متعة الحج وانه قال ضمن من قال (انغدوا حجاجا ورؤوسنا تقطر).

(٢) ١ : ١٧٠.

(٣) المحلى ٧ : ١٠٧.


نَقِمَ المسلمون عليه كثيرا من أحداثه ، سجلت كتب الحديث اكثر من رواية تشرح معارضة علي (ع) بقوة تحريم متعة الحج.

موقف علي (ع) من حج التمتع:

روى مالك في الموطأ :

“ ان المقداد بن الأسود دخل على علي (ع) بالسُقْيا وهو يُنجِع بَكرات له دقيقا وخبطا ، فقال هذا عثمان بن عفان ينهى ان يقرن بين الحج والعمرة ، فخرج علي (ع) وعلى يديه اثر الدقيق والخبط فما أنسى اثر الدقيق والخبط ، على ذراعيه ، حتى دخل على عثمان فقال : أنت تنهى عن ان يُقْرَنَ بين الحج والعمرة ، فقال : عثمان ذلك رأيي ، فخرج عليٌّ (ع) مغضبا وهو يقول : لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا ”(١) .

____________________

(١) موطأ مالك الحديث ٤٠ من باب القِران في الحج : ٣٣٦ ، وابن كثير ٥ : ١٢٩ ، و(السقيا) قرية جامعة بطريق مكة ، و(ينجع) يسقي ، و(بكرات) جمع بكرة ولد الناقة أو الفتى منها ، و(الخَبْط) ضرب من ورق الشجر حتى ينحات عنه ثم يستخلف من غير ان يضر ذلك باصل الشجر واغصانها قال الليث (الخَبَط) خَبَط ورق العِظاء من الطلح ونحوه يخبط يضرب بالعصا فيتناثر ثم يعلف الابل.


وفي سنن النسائي ومستدرك الصحيحين ومسند احمد واللفظ للاول عن سعيد بن المسيب قال:

“ حج علي وعثمان فلما كنا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتع فقال علي إذا رأيته ارتحل فارتحلوا فلبى علي وأصحابه بالعمرة … ”(١) .

قال الإمام السندي بهامشه :

“ قال (إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا) أي ارتحلوا معه ملبين بالعمرة ليعلم أنكم قدمتم السنة على قوله ، وانه لا طاعة له في مقابل السنة ”(٢) .

وفي صحيح البخاري وسنن النسائي وسنن الدارمي وسنن البيهقي ومسند احمد ومسند الطيالسي وغيرها عن علي بن

____________________

(١) سنن النسائي ٢ : ١٥ كتاب الحج باب حج التمتع. ومسند احمد ١ : ٥٧ الحديث ٤٠٢ بمسند عثمان. ومستدرك الصحيحين ١ : ٤٧٢. وتاريخ ابن كثير ٥ : ١٢٦ و ١٢٧.

(٢) يتضح من الرواية وتعليق السندي ان عليا (ع) واصحابه كانوا في الحج على السنة وكان عمر وعثمان ومن اقتدى بهما على خلاف السنة.


الحسين (ع) عن مروان بن الحكم قال :

“ شهدت عثمان وعليا (ع) وعثمان ينهى عن المتعة وان يجمع بينهما فلما رأى علي أهل بهما لبيك بعمرة وحجة معا قال ما كنت لأدع سنة النبي (ص) لقول أحد ”(١) .

وفي لفظ النسائي :

“ فقال عثمان أتفعلها وأنا أنهى عنها فقال علي لم اكن لأدع سنة رسول الله لأحد من الناس”.

هذا هو موقف علي (ع) من أمر متعة الحج في عهد عثمان ، وهو موقفه ايضا في عهد عمر ولكنه (ع) لم يتابع إنكاره على عمر ، بقوة لشدة عمر المعروفة ولما تولى علي (ع) الأمر بعد قتل عثمان كان من الطبيعي ان يحث على إقامة سنة النبي (ص) في حج التمتع وغيرها وكذلك كان الأمر في عهد الحسن (ع).

حج التمتع على عهد معاوية :

لما تولى معاوية أمر الحكم عمل على إحياء سنن الخلفاء الثلاثة وكان منها تحريم متعة الحج ففي سنن النسائي عن ابن عباس قال : هذا معاوية ينهى الناس عن المتعة. وقد تمتع النبي (ص).

____________________

(١) صحيح البخاري ١ : ١٩٠.


وفي موطأ مالك وسنن النسائي وسنن الترمذي عن محمد بن عبد الله بن الحارث : “ انه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية ، وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال الضحاك : يا بن قيس لا يفعل ذلك إلا من جهل أمر الله عز وجل ، فقال سعد : بئس ما قلت يا بن أخي ، فقال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك ، فقال سعد : قد فعلها رسول الله وفعلناها معه ”.

أقول : قوله (قد فعلها رسول الله) ، تعبير غير صحيح من الراوي لان رسول الله (ص) كان قد ساق الهدي ولم يحل ، وإنما أمر بالحل.

لقد جدَّ معاوية خاصة بعد وفاة الحسن (ع) في المنع من متعة الحج فلم يكن يجرؤ من يعرف الحقيقة وثبت عليها من المجاهرة بها كما يظهر من الرواية الاَّتية :

روى مسلم عن مطرف قال :

“ بعث إليَّ عمران بن الحصين في مرضه الذي توفي منه فقال : أني محدثك بأحاديث لعل الله ان ينفعك بها بعدي فان عشت فاكتم عني وان مت فحدث بها ان شئت.. واعلم ان نبي الله (ص) قد جمع بين حج وعمرة ، ثم لم ينزل فيها كتاب يحرم ، ولم ينه عنها رسول


الله ، قال فيها رجل برأيه ما شاء ”(١) .

اقول : اراد بالرجل الذي قال فيها برأيه ما شاء هو عمر.

حج التمتع على عهد ابن الزبير:

ولما ولي ابن الزبير مكة اكثر من عشر سنوات واصل هو وبنو أبيه في منع المسلمين من عمرة التمتع فوقعت بينهم وبين أتباع علي (ع) مناظرات ومساجلات ، ففي صحيح مسلم(٢) : “ كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها ”.

وفي زاد المعاد : “ قال عبد الله بن الزبير افرِدوا الحج أي لا تجمعوا بين الحج والعمرة ودعوا قول أعماكم هذا (يريد ابن عباس) ، فقال عبد الله بن عباس : ان الذي أعمى قلبه لأنت ، ألا تسأل أمك عن هذا ، فأرسل إليها فقالت : صدق ابن عباس جئنا مع

____________________

(١) صحيح مسلم ج١٦٨ : ١٦١ ، ١٦٩. وعمران بن حصين توفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين. يتضح من هذه الرواية ان السلطة القرشية بعد النبي (ص) كانت قد عرَّضت سنة محمد (ص) للتحريف حين ادخلت فيها برأيها ما شاءت كما عرَّضت سنة ابراهيم في الحج بعد وفاة عبد المطلب حين ادخلت فيها برأيها ما شاءت من بدعة الحمس وتحريم العمرة في اشهر الحج.

(٢) الحديث ١٩٤.


رسول الله (ص) حجاجا فجعلناها عمرة ، فحللنا الإحلال كله ، حتى سطعت المَجامِر بين الرجال والنساء ”(١) .

وفي مسند احمد :

“قال عروة بن الزبير لابن عباس : متى تضل الناس يا بن عباس ؟

قال وما ذاك يا عُرَيَّة(٢) ؟

قال تأمرنا بالعمرة في اشهر الحج وقد نهى عنها أبو بكر وعمر !

فقال ابن عباس : قد فعلها رسول الله (ص)(٣) . وفي رواية أخرى “ فقال ابن عباس : أراهم سيهلكون أقول قال النبي (ص) ويقولون نهى أبو بكر وعمر(٤) .

وفي صحيح مسلم عن أبي نضرة قال : “ كنت عند جابر فأتاه آت فقال : ان ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين فقال جابر فعلناها مع رسول الله ثم نهى عنها عمر فلم نَعُد لهما(٥) .

____________________

(١) زاد المعاد ١ : ٢٤٨. انظر أيضا زوائد المسانيد الثمانية ١ : ٣٣٠ الحديث ١١٠٨ والمصنف لابن أبي شيبة ٤ : ١٠٣.

(٢) تصغير عروة.

(٣) مسند احمد ١ : ٢٥٢.

(٤) مسند احمد : ٣٣٧.

(٥) صحيح مسلم الحديث ١٢٤٩ ص ٩١٤.


ولم يفلح ابن الزبير في إرجاع الناس في أمر متعة الحج إلى ما سنه فيها عمر ، وتعلقت قلوبهم بسنة النبي (ص) كما أحياها علي (ع) ، ففي صحيح مسلم :

“ قال رجل من بني الهجيم لابن عباس ما هذه الفتيا التي تشغفت أو تشغبت بالناس ان من طاف بالبيت فقد حل فقال سنة نبيكم وان رغمتم ، وفي رواية بعدها : ان هذا الأمر قد تفشغ بالناس من طاف بالبيت فقد حل ”(١) . وقوله تشغفت أي علقت بقلوب الناس وتشغبت أي خلطت عليهم أمرهم وتفشغ أي انتشر وفشا بين الناس.

حج التمتع على عهد بني مروان:

وحاول عبد الملك ومن جاء من بعده من حكام بني أمية أحياء موقف عمر ، وكان الناس في زمانهم يتخوفون من الإفتاء بمتعة الحج ، كما يظهر ذلك من رواية ابن حزم عن منصور بن المعتمرقال : “ حج الحسن البصري وحججت معه في ذلك العام ، فلما قدمنا مكة جاء رجل إلى الحسن ، فقال : يا أبا سعيد إني رجل بعيد الشقة من أهل خراسان وإني قدمت مُهِلاًّ بالحج ، فقال له الحسن :

____________________

(١) صحيح مسلم ٢٠٦ : ٢٠٧.


اجعلها عمرة واحل ، فانكر ذلك الناس على الحسن ، وشاع قوله بمكة ، فأتى عطاء بن أبي رباح فذكر ذلك له ، فقال صدق الشيخ لكنا نفرق ان نتكلم بذلك ”(١) .

حج التمتع على عهد بني العباس:

زال التخوف والحرج عن المسلمين عن العمل بمتعة الحج في عصر بني العباس ، وانتشر القول بعمرة التمتع على عهدهم ، ولعل لموقف جدهم عبد الله بن العباس دخلا في ذلك ، وعلى عهدهم تبنى احمد بن حنبل القول بعمرة التمتع ثم استمر في أتباعه إلى اليوم(٢) .

العبرة من قصة حج التمتع:

أقول : إذا كان سبعون ألفا إلى مائة ألف أو اكثر كانوا مع رسول الله (ص) في حجة الوداع ، وهي آخر سنة من حركة النبوة ، قد سمعوا

____________________

(١) المحلى ٧ : ١٠٣. توفي الحسن البصري سنة ١١٠ هجـ وقد قارب التسعين وعطاء توفيسنة١١٤هجـ.

(٢) استفدنا اكثر ما ورد من بحث العلامة العسكري في كتابه معالم المدرستينط٤ ج٢ :١٩٧-٢٥١. ويعد بحثه في حج التمتع بحق افضل ماكتب فيبابه.


من النبي (ص) أمر حج التمتع ثم عملوا به بعد مشاكسة وممانعة ، ومع ذلك استطاع الخليفة عمر ان ينهاهم عنها ، ويعاقبهم إذا خالفوا أمره فيها ، ولم يجرؤ على الوقوف أمام هذه المخالفة إلا علي (ع) ونفر من أصحابه معه كمقداد وعمار وغيرهما ، فهل يُستغرَب منهم ان يخالفوا نص النبي (ص) في علي (ع) في حادثة الغدير ودواعي المخالفة هنا أقوى لمكان الرئاسة والتقدم على الغير ؟

ثم لو قارن الباحث بين كيفية تبليغ النبي (ص) حكم متعة الحج وتدرجه فيه وكيفية تبليغ النص في ولاية علي (ع) وتدرجه فيه ، ثم ردود الفعل إزاء الحُكمين في زمان النبي وبعده ، وكيفية تخطيط علي (ع) لإحياء نص النبي (ص) فيه وفي أهل بيته يوم الغدير وإحياء سنته (ص) في متعة الحج ، لدهش من شدة التشابه ، وقد جعل الله تعالى في ذلك عبرة لمن أراد الاعتبار.

ويتضح تدرج النبي (ص) في تبليغه امر متعة الحج حين سئل في الطريق عن ذلك وقوله (ص) (دخلت العمرة في الحج الى الابد) ، وقوله (ص) (من شاء منكم ان يجعلها عمرة او يجعلها حجة). ثم لما اتموا طوافهم امرهم امرا قاطعا بان من لم يسق الهدي ان يجعلها عمرة وكان رد فعلهم زمن النبي (ص) هو كثرة لغطهم ومناقشتهم


للنبي (ص) حتى اغضبوه ، اما رد فعلهم بعد وفاة النبي (ص) فهو العمل على خلافها زمن ابي بكر ثم نهي عمر كل المسلمين عن العمل بها.

وتميز موقف علي (ع) بالاستنكار على عمر استنكارا لينا لما يعلم من شدته ، ثم استنكارا شديدا على عثمان في اخريات حكومته حيث تضعضعت سلطته ، وكثر كلام الناس عليه ، ثم العمل على احياء متعة الحج زمان حكمه.

اما تدرج النبي (ص) في تبليغه الولاية لاهل البيت (ع) وتسمية علي (ع) فهو واضح لمن يتأمل كلمات النبي (ص) فيهم منذ واقعة الدار والى ما قبل حجة الوداع ، اذ يجدها خاصة غير عامة فحديث الدار كان مع بني هاشم ، وحديث الكساء كان امام ام سلمة وامام هذه المجموعة او تلك من اصحابه وهكذا الامر في كل ما اثر عنه (ص) من احاديث في فضل علي (ع) او احد من اهل بيته ، اما في خطبته يوم عرفة وحديثه في الغدير فقد كان ذكر اهل بيته وعلي (ع) امام كل اصحابه الذين بلغ عددهم مأة الف او يزيدون ، وقد كثر لغطهم لما قرن النبي (ص) اهل بيته بالقرآن وجعل التمسك بهما امانا من الضلالة وذكر الاثني عشر منهم(١) ، وبسبب اللغط والصخب لم يسم عليا في خطبته في عرفة.

____________________

(١) مسند احمد ج٥ : ٩٩ حديث سمرة بن جندب ؟


وعند رجوعه (ص) من الحج ووصوله الى غدير خم نزل قوله تعالى( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَالنَّاسِ إِنَّ اللهَ لايَهْدِيالقَوْمَ الكَافِرِينَ ) فقام النبي وخطب اصحابه وذكر اهل بيته (ع) وسمى عليا (ع) ، وجعل ولاية علي كولايته وهي كولاية الله تعالى واستجاب الناس لامر الله في علي وسلموا جميعا عليه بامرة المؤمنين ، حتى قال عمر بخ بخ لك يا علي اصبحت مولاي ومولى كل مؤمن و مؤمنة.

وكان رد الفعل بعد وفاة النبي (ص) هو العدول عن علي (ع) بل النهي عن ذكر احاديث النبي فيه وفي اهل بيته بل نهيهم عن رواية السنة النبوية مطلقا كرد فعلهم ازاء حج التمتع ونهيهم عنها ، كما مرت مصادر دلك فى الصفحة ١٥٩ - ١٦٣ من هذا الكتاب.

وتميز موقف علي (ع) بالاستنكار على اهل السقيفة والامتناع عن البيعة ثم سالمهم حفظا على حياته ، ولما صار الامر اليه بعد قتل عثمان احيا ما ذكره النبي (ص) فيه وفي اهل بيته ، وفي مسجد الكوفة وهو يجمع الالاف المؤلفة من المصلين روى علي (ع) حديث الغدير ، واستنشد من كان حاضرا من الصحابة لتأييده ، وبسبب ذلك صارت رواية حديث الغدير متميزة من ناحية كثرة رواتها من


الصحابة والتابعين وقد سجل الحافظ ابن عقدة في القرن الرابع الهجري رواية مأة وعشرة من الصحابة الامر الذي لم يسجل مثله لاي حديث آخر من احاديث النبي (ص) سواء في الفضائل او في الاحكام.


الفصل الثامن:

اسئلة الدكتور الشرقاوي حول نظرية النص



أسئلة الدكتور

الشرقاوي حول نظرية النص

نشرت نشرة الشورى في حقل رسائل القراء رسالة موقعة باسم الدكتور الشرقاوي فيما يلي نصها :

“ السيد رئيس تحرير (الشورى) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :

تلبية لدعوتكم إلى مناقشة موضوع الشورى عند جيل الصحابة ، ومساهمة في ممارسة الشورى والدخول في نادي (الشورى) أود ان أقول في البداية انني لم اقرأ نقدا موضوعيا هادئا لنظرية الشورى كما قرأته في المقال الموجز للشهيد السيد محمد باقر الصدر (رحمه‌الله ) والمقتبس من كراسة له حول (الولاية).. ولست ادري فيما إذا كان ذلك هو رأيه الأخير أم ان له استدراكات أخرى على الموضوع

وعلى أي حال فقد شدتني فكرته القائلة بضرورة قيام الرسول بعملية توعية للامة والدعاة على نظام الشورى وحدوده وتفاصيله.


لو كان قد اتخذ منه موقفا إيجابيا ، ولأعد المجتمع الإسلامي إعدادا فكريا وروحيا لتقبل هذا النظام ، ولطرح فكرة الشورى على نطاق واسع وبعمق وبإعداد نفسي عام وملء لكل الثغرات وإبراز لكل التفاصيل التي تجعل الفكرة عملية ، خاصة وان الشورى كفكرة ومفهوم غائم لا يمكن وضعه موضع التنفيذ ما لم تشرح تفاصيله ومقاييس التفضيل عند اختلاف الشورى وهل تقوم على أساس العدد والكم أم على أساس الكيف والخبرة.. وما إلى ذلك من الأسئلة والنقاط المهمة التي أثارها الشهيد الصدر ، وقطع على ضوئها بعدم تبني الرسول الأعظم (ص) لنظام الشورى ، وعدم إسناد زعامة الأمة إلى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام.

ومع ان الشهيد الصدر قد انتهى بعد إسقاط أو سقوط نظرية الشورى إلى طرح نظرية النص والتعيين وإعداد النبي للإمام علي من بعده لكي يتولى زعامة الأمة فكريا وسياسيا ، إلا انني وقبل ان ادخل في مناقشة الموضوع أتساءل فيما إذا كانت هنالك ضرورة لان يسند النبي (ص) زعامة الدعوة إلى أي قائد من بعده خاصة وانه خاتم النبيين وقد اكمل الله تعالى على يديه الدين وقال له : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا).


وبكلمة أخرى.. لماذا نفترض ان النظام السياسي الذي أعقب مرحلة النبوة كان يجب ان يتمتع بهالة قدسية دينية أو ان يقوم بأدوار لإكمال الرسالة إلا يمكن ان يكون الرسول قد ترك وراءه نظاما سياسيا مدنياً وترك للمسلمين حرية اختيار النظام وتطويره حسب الزمان والمكان

وإذا كان لابد ان يترك الرسول وراءه نظاما سياسيا يشكل امتدادا لخط النبوة وتتمثل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية ، وانه - كما يقول الصدر - قد اختار الإمام علي بن أبي طالب واعده إعدادا رساليا وقياديا ، وعهد إليه زعامة الأمة من بعده فكريا وسياسيا ، فان الاشكالات التي أخذها الصدر كلها ترد على هذه النظرية أيضا وبشكل أقوى.

ويمكن ان نعيد تكرار كل تلك الملاحظات والتساؤلات هنا مرة أخرى.. فتقول مثلا :

ان نظرية النص والتعيين فكرة غامضة وغائمة لا يكفي طرحها هكذا لعدم إمكانية وضعها موضع التنفيذ ما لم تشرح تفاصليها وبدقه ، وهل تقتصر على شخص الإمام علي وحده ام تمتد إلى ما وراءه ؟ وهل يوصي كل إمام لرجل من عامة المسلمين من بعده أم


تنحصر في سلالة معينة ولماذا ؟ وهل ان النص والتعيين لمرحلة زمنية معينة فقط أم أنها نظرية ممتدة إلى يوم القيامة ؟ وإذا كانت الإمامة في سلالة الإمام علي فهل هي في ولد الحسن أو الحسين أو في أولادهما جميعا ؟ وكيف تنتقل الإمامة من واحد إلى آخر ؟ وكيف نعرف الإمام بعد الإمام وما هي علامات الإمامة ؟

وهل أوصى الرسول بأسماء الأئمة من بعده إلى يوم القيامة وأعلن ذلك ؟ وإذا كانت أسماء الأئمة قد حددت من قبل فماذا يعني البداء الذي حدث لعدد من الأئمة الذين أوصوا إلى بعض أبنائهم كالإمام الصادق الذي أوصى إلى إسماعيل والإمام الهادي الذي أوصى إلى ابنه محمد ، فتوفوا قبل استلام مقاليد الإمامة ؟

وإذا كان الرسول الأعظم (ص) قد بين كل هذه التفاصيل فلماذا لم تصل إلينا ؟ وإذا كانت قد وصلت إلى الشيعة الأوائل فلماذا افترقوا خلال قرن من الزمان إلى اكثر من خمسين فرقة حيث كانوا يحتارون بعد وفاة كل إمام ويتشرذمون إلى عدة خطوط حسب عدد أولاد كل إمام ؟

ولماذا كانت نظرية النص مجهولة عند أهل البيت (ع) ، ولم يذكرها الإمام علي (ع) في مناظراته مع أصحاب الشورى عند


انتخاب الخليفة الثالث عثمان بن عفان ؟ ولماذا كانت نظرية النص غائبة عن أذهان الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين ذهبوا فور وفاة الرسول إلى السقيفة يتأولون أمر انتخاب خليفة للمسلمين ، ولم يخطر ببالهم وجود بيعة في أعناقهم للإمام علي (ع) في غدير خم ؟

نرجوا ان توضحوا الفرق في النظريتين الشورى والإمامة ، في العدد القادم من (الشورى) وتجيبوا على تلك الأسئلة المحيرة التي تقف عقبة امام الإيمان بنظرية النص ، خاصة وان الشهيد الصدر لم يذكر مسألة استمرار الإمامة بعد الإمام علي (ع) ولم يخض في أي جانب من التفاصيل. وشكرا والسلام عليكم.

د. عبد السميع الشرقاوي / مانشستر ”(١) .

____________________

(١) الشورى العدد الرابع ص ٦وقد اجاب عنها احمد الكاتب اجابة مشوهة تنسجم مع رؤيته الخاطئة لمسألة الامامة وقد غضضنا الطرف عن مناقشة اجابته وآثرنا اجابة اسئلة الشرقاوي مباشرةً.


قضيتان في اسئلة الشرقاوي :

اقول: ان أسئلة الدكتور الشرقاوي تدور حول قضيتين رئيسيتين :

الأولى : مبررات القول بفكرة النص ومبررات رفض فكرة الشورى.

الثانية: اشكالات حول فكرة النص من خلال اثارة عدة اسئلة حولها.


القضية الأولى:

اما مبررات القول بفكرة النص فقد وضحها الشهيد الصدر في كتابه (بحث حول الولاية) وهي بشكل مختصر كما يلي :

كان أمام النبي (ص) ثلاثة طرق بالإمكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة.

أولهما: الطريق السلبي وذلك بان يترك مستقبل الدعوة للظروف والصدف.

ثانيها: الطريق الإيجابي وذلك بان يجعل القيمومة على الدعوة للمهاجرين الأنصار.

ثالثها: ان يختار بأمر الله تعالى من يقوم مقامه.


الطريق الأول (الإهمال) :

ثم ناقش الشهيد الصدر (رح) الطريق الأول بأن سلط الضوء على الأخطار التي كانت تواجه التجربة الإسلامية الأولى.

سواء تلك التي تنشأ من وجود المنافقين اللذين كانوا يكيدون للنبي (ص) في حياته إضافة إلى مسلمة الفتح والطلقاء الذين اسلموا خضوعا للأمر الواقع انفتاحا على الحقيقة.

أو تلك التي تنشا من عدم النضج الرسالي وتفاوت الفهم والذوبان بالإسلام عند المهاجرين والأنصار أو تلك التي تنشأ من طبيعة مواجهة الفراغ دون تخطيط مسبق وهو بنفسه ينطوي على خطر كبير فكيف إذا أضفنا إليه الأمرين السابقين.

ان افتراض الطريق الأول معناه ان النبي كان لا يشعر بتلك الأخطار ، وهو أمر لا يمكن تصوره في حق قائد مارس العمل العقائدي فضلا عن خاتم الأنبياء ، أو انه كان يشعر بذلك ويقدره إلا انه (ص) لم يكن يهمه أمر سلامة المسيرة من بعده وهذا التفسير أيضا لا يمكن ان يصدق عليه (ص) إذ ان سيرته (ص) حافلة بشواهد كثيرة تدل على ضد ذلك ، واهم هذه الشواهد ما أجمعت كتب الحديث عند السنة والشيعة على نقله هو قوله (ص) وهو على فراش المرض :


“ هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ”(١) .

فان هذه المحاولة منه (ص) المتفق على نقلها وصحتها تدل وبوضوح على انه (ص) كان يفكر في أخطار المستقبل وانه كان معنيا بصيانة المسيرة بعده من الضلال والانحراف وبالتالي فان افتراض الطريق الأول غير صادق في حقه (ص).

الطريق الثاني (الشورى) :

وقد ناقش السيد الشهيد الطريق الثاني بقوله ان الوضع العام

____________________

(١) عن ابن عباس قال : " لما حُضِرَ رسول الله (ص) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال ، النبي (ص) هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده فقال عمر ان النبي (ص) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله... " صحيح البخاري كتاب المرض باب قول المريض قوموا عني ج٧ : ٩ افست دار الفكر على ط. استانبول ، ص ٧ ص ١٥٦ ط. وج ٤ : ٧ دار احياء المكتب وج٤ : ٥ ط الميمنية بمصر وج ٦ ص ٩٧ ط بمبي وج ٤ ص ٦ ط المطبعة الخيرية بمصر. صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية ج ٥ ص ٧٥ ط محمد علي صبيح وط المكتبة التجارية. وج ٢ ص ١٦ ط عيسى الحلبي وج ١١ ص ٩٥ ط مصر بشرح النووي ، مسند احمد ج ٤ ص ٣٥٦ ح ٢٩٩٢ بسند صحيح ط دار المارف بمصر (انظر المراجعات بتحقيق حسين الراضي فقد اورد المصادر تفصيلا في الملاحق ص ١٩٢ - ١٩٥).


الثابت عن الرسول (ص) وجيل المهاجرين والأنصار ينفي فرضية ان النبي (ص) قد انتهج هذا الطريق.

إذ لو كان النبي (ص) أراد ان يسند الأمر إلى جيل المهاجرين والأنصار دون حصرها بأهل بيته (ع) لكان من أبده الأشياء التي يتطلبها هذا الموقف هو ان يقوم الرسول (ص) بعملية توعية للأمة على نظام الشورى وتفاصيله وإعداد المجتمع الإسلامي لتقبل هذا النظام.

ولو كان النبي (ص) قد قام بتلك التوعية لكان من الطبيعي ان تنعكس في الأحاديث المأثورة عن النبي (ص) وفي ذهنية جيل المهاجرين والأنصار مع أننا لا نجد في الأحاديث عن النبي (ص) أي صورة تشريعية محددة لنظام الشورى.

واما ذهنية المهاجرين والأنصار فلا نجد فيها ملامح أو انعكاسات كاشفة عن توعية من هذا القبيل فان هذا الجيل كان يحتوي على اتجاهين.

أحدهما: الاتجاه الذي يتزعمه أهل البيت (ع) وكان يؤمن بالوصية.

والاَّخر: الاتجاه الذي تمثله السقيفة والخلافة التي قامت فعلا


بعد وفاة النبي (ص) ، وكل الأرقام والشواهد في سيرة أصحاب هذا الاتجاه تدل بصورة لا تقبل الشك على انه لم يكن يؤمن بالشورى ، إذ ان أبا بكر حين اشتد به المرض عهد إلى عمر وولاه على الأمة ، وسار عمر على المنهج نفسه حين عين ستة يختارون من بينهم واحدا وكان يقول “ لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى ”(١) .

ولو كان النبي (ص) قد قرر ان يجعل من جيل المهاجرين والأنصار قيما على الدعوة من بعده ، لتحتم عليه ان يعبئ هذا الجيل تعبئة رسالية وفكرية واسعة تجعله قادرا على مواجهة المشكلات الفكرية التي تواجهها الدعوة في حالة انفتاحها على شعوب متعددة وأراضي جديدة.

ولكننا لا نجد أثرا لذلك الإعداد ، والمعروف عن الصحابة انهم كانوا يتحاشون من ابتداء النبي (ص) بالسؤال ، بل امسكوا عن تدوين آثار الرسول (ص) وسننه على رغم أنها المصدر الثاني من مصادر الإسلام ، وكون التدوين هو الأسلوب الوحيد لحفظها(٢) .

____________________

(١) مرت مصادر ذلك في قصة الشورى المبحوثة في هذا العدد من النشرة.

(٢) اقول وقد نهت الخلافة على عهد الثلاثة عن نشر السنة النبوية وأمر ت بإحراق ما دونه الصحابة.

اما مسألة النهي فتوضحه الأخبار الاَّتية : روى الذهبي ان ابا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال : " انكم تحدثون عن رسول الله (ص) احاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم اشد اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا ، فمن ساءلكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه " تذكرة الحفاظ بترجمة ابي بكر ج : ٣-٢. وروى ايضا عن قرظة بن كعب انه قال : " لما سيَّرنا عمر الى العراق مشى معنا عمر الى صرار ، ثم قال : اتدرون لم شيعتكم ؟ قلنا : اردت ان تشيعنا وتكرمنا ، قال : ان مع ذلك لحاجة ، انكم تاءتون اهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل ، فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله وانا شريككم ، قال قرظة : فما حدثت بعده حديثا عن رسول الله ". تذكرة الحفاظ ح١ : ٤-٥ وجامع بيان العلم لابن عبد البر باب ذكر من ذم الاكثار من الحديث دون التفهم له ٢ : ١٤٧. وكان في الصحابة مثل قرظة بن كعب ممن تابعوا سنة الخلفاء وامتنعوا عن نشر سنة الرسول نظير عبد الله بن عمر وسعد بن ابي وقاص فقد روى الدارمي في باب من هاب الفتيا بكتاب العلم من سننه ١ : ٨٤-٨٥. عن الشعبي قال : جالست ابن عمر سنة فما سمعته يحدث عن رسول الله. وفي رواية اخرى عنه ، قال قعدت مع ابن عمر سنتين او سنة ونصف فما سمعته يحدث عن رسول الله شيئا الا هذا الحديث. وروي عن السائب بن يزيد ، قال : خرجت مع سعد -ابن ابي وقاص- الى مكة فما سمعته يحدث حديثا عن رسول الله حتى رجعنا إلى المدينة. وكان في الصحابة من خالف سنة الخلفاء في نهيهم عن نشر الحديث النبوي واصر على رواية سنة الرسول وتحمل في سبيل ذلك الارهاق والاذى. روى الذهبي " ان عمر بن الخطاب حبس ثلاثة : ابن مسعود ، وابا الدرداء ، وابا مسعود الانصاري ، فقال : اكثرتم الحديث عن رسول الله " تذكرة الحفاظ ج١ : ٧ ترجمة عمر. وروى الدارمي : " ان ابا ذركان جالسا عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس يستفتونه فاءتاه رجل فوقف عليه ثم قال : الم تُنْهَ عن الفتيا ؟ فرفع راءسه اليه ، فقال ارقيب انت عليَّ ؟=


_____________________

=لووضعتم الصَّمصامة على هذه واشار الى قفاه ثم ظننت اني انفذ كلمة سمعت من رسول الله قبل ان تجيزوا عليَّ لانفدتها " سنن الدارمي١ : ١٣٢ وطبقات ابن سعد ٢ : ٣٥٤ بترجمة ابي ذر ، واختصرها البخاري واوردها في صحيحه ١ : ١٦١ باب العلم قبل القول ، ومعنى اجاز على الجريح : اجهز عليه. وللمزيد من هذه الاخبار انظر معالم المدرستين ج٢ ط٤ : ٤٧-٥١.

اما مساءلة إحراق مدونات الصحابة في الحديث فتوضحه الاخبار التالية : روى الذهبي في تذكرة الحفاظ ١ : ٥ عن عائشة " انَّ ابا بكر جمع خمسمائة من حديث النبي ودعابنار فاحرقها ". وروى الخطيب البغدادي فى كتابه تقييد العلم : ٥٢ ط مصر ١٩٧٤ بسنده الى القاسم بن محمد " ان عمر بن الخطاببلغه انه قد ظهر فى ايدي الناس كتب فاستنكرها وكرهها ، وقال : ايها الناس انه قد بلغنى انه قد ظهرت فى ايديكم كتب فاحبها إلى الله اعدلها واقومها فلا يبقين احد عنده كتاب الا اتاني به فارى فيه راءيي ، قال فظنوا انه يريد ان ينظر فيها ويقومها على امر لا يكون فيه اختلاف ، فاتوه بكتبهم فاحرقها بالنار ، ثم قال : امنية كاءمنية اهل الكتاب ". وفي طبقات ابن سعد ٥ : ١٨٨ " قال عبد الله بن العلاء : ساءلت القاسم يملي عليَّ احاديث ، فقال : ان الاحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فانشد الناس ان ياءتوه بها فلما اتوه بها امر بتحريقها ثم قال : مثناة كمثناة اهل الكتاب ، فمنعني القاسم يومئذ ان اكتب حديثا ". وروى الخطيب عن سفيان بن عينة عن عمرو عن يحيى بن جعدة " ان عمر بن الخطاب اراد ان يكتب السنة ثم بدا له ان لا يكتبها ، ثم كتب في الامصار : من كان عنده منها شىء فليمحه ". تقييد العلم : ٥٣ ، جامع بيان العلم ١ : ٦٥. وروى الخطيب أيضا عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال : " جاء علقمة بكتاب من مكة او اليمن صحيفة فيها احاديث في أهل البيت بيت النبي ، فاستاءذنا على عبد الله (بن مسعود)فدخلنا عليه ، قال فدفعنا اليه الصحيفة ، قال فدعا الجارية ثم دعا بطست فيها ماء فقلنا له : يا ابا عبد الرحمن انظر فيها فان فيها احاديث حِسانا ، قال فجعل يميثها فيها ويقول : نحن نقص عليك احسن القصص بما اوحينا اليك هذا القرآن القلوب اوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بما سواه ". (وماث يميث مَيْثًا اذاب الملح في الماء). وفي رواية اخرى عن عبد الرحمن بن الاسود عن ابيه قال : " جاء رجل من اهل الشام إلى عبد الله بن مسعود ومعه صحيفة ، فيها كلام من كلام ابي الدرداء وقصص من قصصه ، فقال : يا ابا عبد الرحمن الا تنظر ما في هذه الصحفية من كلام اخيك ابي الدرداء وقصص من قصصه ، فاخذ الصحيفة فجعل يقراء فيها وينظر حتى اتى منزله فقال يا جارية آتيني بالإجّانة مملوءة ماء ، فجاءت به فجعل يدلكها ويقول : (الم تلك ايات الكتاب المبين... نحن نقص عليك احسن القصص) اقصصا احسن من قصص الله تريدون او حديثا احسن من حديث الله تريدون ". تقييد العلم : ٥٤.


وقد اثبتت الاحداث بعد وفاة النبي (ص) ان جيل المهاجرين والأنصار لم يكن يملك أي تعليمات محددة عن كثير من المشاكل الكبيرة ، حتى ان المساحة الهائلة من الأرض التي امتد إليها الفتح الإسلامي لم يكن لدى الخليفة والوسط الذي يسنده أي تصور محدد عن حكمها الشرعي ، وعما إذا كانت تقسم بين المقاتلين أو تجعل وقفا على المسلمين عموما ، بل اختلفوا في عدد التكبيرات في صلاة الميت فبعضهم يقول سمعت رسول الله (ص) يكبر خمسا وآخر يقول سمعت يكبر أربعا.

الطريق الثالث (النص):

وهكذا اتضح ان النبي (ص) لم يسلك الطريق الثاني أيضا.

وان إسناد القيادة والقيمومة إلى الأمة كان إجراءً مبكرا وقبل


وقته الطبيعي فلم يبق إذن إلا الطريق الثالث وهو ان النبي (ص) اعد بأمر الله تعالى عليا (ع) وعينه قيما على الرسالة والأمة وليس ما تواتر عن النبي (ص) من النصوص في أهل بيته (ع) وفي علي إلا تعبيرا عن سلوكه (ص) للطريق الثالث الذي كانت تفرضه وتدل عليه قبل ذلك طبيعة الأشياء.

والشواهد في حياة النبي (ص) وعلي (ع) على ان النبي (ص) كان يعد عليا (ع) إعداد رساليا خاصا كثيرة جدا ، فقد كان يبدأه النبي (ص) بالعطاء الفكري إذا استنفذ أسئلته ، ويختلي به الساعات الطوال في الليل والنهار يفتح عينه على مفاهيم الرسالة ومشاكل الطريق إلى آخر يوم من حياته الشريفة.

روى النسائي(١) بسنده عن أبي اسحق قال سألت قثم بن العباس (كيف ورث علي (ع) رسول الله قال لانه كان أولنا به لحوقا واشدنا به لزوقا).

وروى أيضا(٢) عن علي (ع) قال كنت إذا سألت أعطيت وإذا سكت ابتديت.

____________________

(١) الخصائص ٩١ تحقيق الجويني طبعة دار الكتب العلمية ، ورواه ايضا الحاكم في المستدرك ج٣ : ١٣٦.

(٢) الخصائص ص ٩٨ والمستدرك ج٣ : ١٣٥.


وروى أبو نعيم في حلية الأولياء(١) عن ابن عباس انه قال : “ كنا نتحدث ان النبي (ص) عهد إلى علي سبعين عهدا لم يعهدها إلى غيره ”.

وروى النسائي عن علي (ع) انه قال : “ كانت لي منزلة من رسول الله (ص) لم تكن لأحد من الخلائق فكنت آتيه كل سحر فاقول السلام عليك يانبي الله فان تنحنح انصرفت إلى اهلي والا دخلت عليه ”(٢) .

وعنه أيضا قوله (ع) : “ كان لي من النبي مدخلان مدخل بالليل ومدخل بالنهار ”(٣) .

وقد انعكس هذا الإعداد الخاص لعلي (ع) من قبل النبي (ص) حين كان علي (ع) هو المفزع والمرجع لحل أي مشكلة يستعصي حلها على القيادة الحاكمة وقتئذ ، ولن يعرف في تاريخ التجربة الإسلامية على عهد علي (ع) واقعة واحدة رجع فيها الإمام (ع) إلى غيره يتعرف على رأي الإسلام وطريقة علاجه للموقف ، بينما

____________________

(١) ج ١ : ٦٨.

(٢) الخصائص : ٩٧ تحقيق الجويني ط. دار الكتب العلمية.

(٣) الخصائص : ٩٦.


نعرف في التاريخ عشرات الوقائع التي رجع فيها الخلفاء إلى علي (ع) رغم تحفظاتهم في هذا الموضوع.

اما الشواهد على إعلان النبي (ص) تخطيطه في علي وأهل بيته (ع) فهي كثيرة وفي مناسبات متعددة كحديث الدار وحديث الثقلين وحديث المنزلة وحديث الغدير وعشرات النصوص النبوية الأخرى.


القضية الثانية:

اما الاشكالات على فكرة النص فهي من خلال الأسئلة الاتية مع اجوبتها :

السؤال الأول:

قوله “ لماذا كانت نظرية النص مجهولة عند أهل البيت (ع) ولم يذكرها الإمام علي (ع) في مناظراته مع أصحاب الشورى ؟ ”.

وهذا الإشكال صياغة أخرى للسؤال الذي أثاره الدكتور البغدادي وغيره “ لو كان ثمة نص لاحتج به علي (ع) ”.

جوابه:

قد اجبنا عليه مفصلا في جواب الشبهة - ١١ وكذلك الشبهة - ١٣تحت عنوان (علي يتظلم من قريش) ، وقلنا هناك ان عليا قد احتج بالنصوص.


السؤال الثاني:

قوله“ لماذا كانت نظرية النص غائبة عن أذهان الصحابة الذين ذهبوا فور وفاة الرسول إلى السقيفة يتداولون أمر انتخاب خليفة للمسلمين ؟ ”.

وهو صياغة أخرى للسؤال الذي أثاره البغدادي “ لو كان ثمة نص فالصحابة اكبر من ان يخالفوا ”.

جوابه :

قد اجبنا على هذا السؤال مفصلا في الشبهة - ١٥ من هذه النشرة ، وقلنا ان الصحابة قد تورطوا في مخالفة النص في اكثر من مورد وفصلنا في مخالفتهم للنص الوارد في شأن متعة الحج.

السؤال الثالث :

قوله “ هل يقتصر النص على شخص الإمام علي (ع) وحده ؟ أم يمتد إلى ما وراءه ؟ وهل يوصي كل إمام لرجل من عامة المسلمين من بعده ؟ أم تنحصر في سلالة معينة ؟ ولماذا ؟ وإذا كانت في سلالة الإمام علي فهل هي في ولد الحسن ؟ أو أولاد الحسين ؟ أو أولادهما جميعا ؟ ”.


جوابه:

لقد شخصت نظرية النص بوضوح كامل ان الأوصياء ينحصرون في علي والحسن ثم الحسين ثم في تسعة من ذرية الحسين (ع) و ان ذلك قد تم بأمر الله تعالى و “ لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ و َهُمْ يَسْأَلُونَ ”، وان هؤلاء الأوصياء ليسوا مجرد حكام بل منزلتهم منزلة الرسول في كل شىء إلا النبوة والأزواج كما حصر الله تعالى النبوة والرسالة من قبل في ذرية نوح ثم في ذرية إبراهيم ثم في آل عمران من بني إسرائيل وقد ذكرنا طرفا من الروايات الوارد في هذا الموضوع في الحلقة الاولى.

السؤال الرابع:

قوله “ هل ان النص والتعيين لمرحلة زمنية معينة فقط ؟ أم أنها نظرية ممتدة إلى يوم القيامة ؟”.

جوابه:

اجبنا عنه في الشبهة - ١٠ من هذه النشرة.


السؤال الخامس:

قوله “ هل أوصى الرسول بأسماء الأئمة من بعده إلى يوم القيامة وأعلن ذلك من قبل ؟ أم ترك ذلك للمستقبل وأخفاه ؟ وما هي المصادر الموثوقة التي تحدد ذلك ؟ ولماذا لم تصل إلينا ؟ ”.

جوابه:

أجمعت المصادر الإسلامية على ان النبي (ص) بلغ أمته ان عدد خلفائه من بعده اثنا عشر وانهم من قريش من بني هاشم من أهل بيته وقد أشرنا إلى مصادر الحديث في جواب الشبهة - ٨ الحلقة الأولى.

وقد عرَّف النبي (ص) باسم أولهم وهو علي (ع) في مناسبات شتى كان آخرها مناسبة غدير خم امام مائة ألف أو يزيدون ، وعرَّف أيضا باسم ثانيهم وثالثهم وهما الحسن والحسين (ع) ، وأشار ان آخرهم المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بقية التسعة من ذرية الحسين (ع) وان المهدي (ع) من ذرية الحسين (ع).

روى الجويني عن عبد الله بن عباس قال ، قال رسول الله (ص) أنا سيد النبيين وعلي بن أبي طالب سيد الوصيين وان أوصيائي من بعدي اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب واخرهم المهدي (ع).


وروى الجويني عن ابن عباس أيضا قال : “ سمعت رسول الله (ص) يقول : أنا وعلي الحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون ”(١) .

وقد حوصرت هذه الأحاديث ونظائرها من قبل السلطات الأموية والعباسية ومن هنا لم يصلنا في كتب العامة منها إلا النزر القليل.

اما في كتب الشيعة فقد وصلتنا أحاديث تذكر أسماءهم (ع) منها ما روي عن سليم بن قيس وقد أشرنا إليه في جواب الشبهة - ٤ و ٨ من الحلقة الأولى.

السؤال السادس:

قوله “ إذا كانت أسماء الأئمة قد حددت من قبل فماذا يعني البداء الذي حدث لعدد من الأئمة الذين أوصوا إلى بعض أبنائهم

____________________

(١) قال الذهبي في ترجمة شيوخه بتذكره الحفاظ ص ١٥٠٥ (الامام الاوحد الاكمل فخر الاسلام صدر الدين ابراهيم بن محمد بن حمويه الجويني الشافعي شيخ الصوفية وكان شديد الاعتناء بالرواية وتحصيل الاجزاء اسلم على يده غازان). معالم المدرستين للعسكري ج١ ط٤ : ٥٤٨ نقلا عن فرائد السمطين نسخة مصورة مخطوطة في المكتبة المركزية لجامعة طهران برقم ١١٦٤ : ١٦٩٠-١٦٩١ الورقة ١٦٠.


كالإمام الصادق (ع) الذي أوصى إلى إسماعيل والإمام الهادي الذي أوصى إلى ابنه محمد فتوفوا قبل استلام مقاليد الإمامة ؟ ”.

جوابه:

أشرنا إلى ذلك تفصيلا في جواب الشبهة - ٦ من الحلقة الأولى ، وقلنا هناك ان الإمام الصادق (ع) لم ينص على إمامة إسماعيل ، وكذلك الإمام الهادي (ع) لم ينص على إمامة ولده محمد وان أمر الإمامة لا يوصف الله تعالى فيه بالبداء وعليه إجماع الإمامية كما ذكر ذلك الشيخ المفيد.

السؤال السابع:

قوله “ وإذا وصلت أسماء الأئمة إلى الشيعة الأوائل فلماذا افترقوا خلال قرن من الزمان إلى اكثر من خمسين فرقة حيث كانوا يحتارون بعد وفاة كل إمام ويتشرذمون إلى عدة خطوط حسب عدد أولاد كل إمام ؟ ”.

جوابه:

خلاصة الجواب ان ذكر اسم الإمام اللاحق من الإمام السابق


ليس معناه عصمة الشيعة من الاختلاف ألم ينص النبي (ص) على علي (ع) امام مائة ألف أو يزيدون من المسلمين ثم جعل أكثرهم النص وراء ظهورهم.

روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع عن يونس بن عبد الرحمن قال : “ مات أبو الحسن (ع) وليس من قوامه أحد إلا وعنده المال الكثير فكان ذلك سبب وقفهم وجحودهم لموته وكان عند زياد القندي سبعون ألف دينار وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار ”(١) .

وروى الكشي في ترجمة منصور بنيونس عن حمدوية عن محمد بن الاصبغ عن إبراهيم عن عثمان بن القاسم : “ ان منصور بن

____________________

(١) علل الشرائع : ٢٣٥ ، ايضا غيبة الشيخ الصدوق : ٦٤ تحقيق مؤسسة دار المعارف وفيه زيادة من قول يونس وهي قوله (فلما رأت ذلك وتبنيت الحق وعرفت من أمر أبي الحسن الرضا (ع) ماعلمت تكلمت ودعوت الناس اليه ، فبعثا اليَّ وقالا ما يدعوك الى هذا ؟ ان كنت تريد المال فنحن نغنيك وضمنا لي عشرة الاَّف دينار وقالا لي كفَّ ، فأبيت وقلت لهما إنّا روينا عن الصادقين (ع) انهم قالوا (إذا ظهرت البدع فعلى العالم ان يظهر علمه فإن لم يفعل سلب نور الإيمان) ، وما كنت لأدع الجهاد في أمر الله على كل حال ، فناصباني وأضمرا لي العداوة.


يونس بزرج جحد النص على الرضا (ع) لأموالٍ كانت في يده ”(١) .

وقال الشيخ الطوسي : “ روى الثقات ان أول من اظهر هذا الاعتقاد (اي الموقف) علي بن أبي حمزة البطائني وزياد بن مروان القندي وعثمان بن عيسى الرواسي ، طمعوا في الدنيا ومالوا إلى حكامها ، واستمالوا قوما فبذلوا لهم شيئا مما اختانوه من الأموال ، نحو حمزة بن بزيع وابن المكاري(٢) وكرام الخثعمي(٣) وأمثالهم ”(٤) .

السؤال الثامن:

قوله “كيف نعرف الإمام بعد الإمام ؟ وما هي علاماتالإمامة ؟ ”.

جوابه:

لقد أوضحت نظرية النص من خلال روايات عدة عن الأئمة (ع) ان الإمام اللاحق يُعرَف بالنص من الإمام السابق وحين يدعي مدع

____________________

(١) الكشي : ٢ : ٧٦٨ ح٨٩٣.

(٢) هو الحسين بن ابي سعيد هاشم بن حيان (حنان) المكاري قال النجاشي : كان هو وابوه وجهين فيي الواقفة وكان الحسين ثقة في حديثه.

(٣) هو عبد الكريم بن عمرو بن صالح الخثعمي وكرام لقبه قال النجاشي ثقة ثقة.

(٤) غيبة الشيخ الطوسي : ٦٣-٦٤ بحقيق مؤسسة دار المعارف.


الإمامة في قبال المنصوص عليه أو حين يخفى النص على البعضفهناك علامات ترشد إلى الواقع كما في الروايات التالية :

روى الكافي عن أبي بصير قال : “ قلت لابي الحسن (ع) جعلت فداك بم يعرف الإمام ؟ قال فقال بخصال :

اما أولها فانه بشىء قد تقدم من أبيه فيه بإشارة لتكون عليهم حجة.

ويُسأل فيجيب ، وان سُكِتَ عنه ابتدأ.

ويخبر بما في غد ويكلم الناس بكل لسان.

ثم قال لي : يا أبا محمد أعطيك علامة قبل ان تقوم ، فلم البث ان دخل علينا رجل من أهل خراسان فكلمه الخراساني بالعربية فاجابه أبو الحسن (ع) بالفارسية فقال له الخراساني والله جعلت فداك ما منعني ان أكلمك بالخراسانية ، غير أني ظننت انك لا تحسنها فقال : سبحان الله إذا كنت لا احسن أجيبك فما فضلي عليك.

ثم قال : يا أبا محمد ان الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس ولا طير ولا بهيمة ولاشىء فيه الروح فمن لم يكن هذه الخصال فيه فليس هو بإمام(١) .

____________________

(١) ج١ : ٢٨٥ الحديث رقم ٧.


شرح الرواية:

قوله (ع) (اما أولها فانه بشىء قد تقدم من أبيه فيه بإشارة منه إليه لتكون عليهم حجة ).

يريد بهذا الشىء المتقدم من الامام الاب هو النص بالإمامة ، أو يريد الوصية الظاهرة التي قد يشرك فيها معه آخرون وهذا الاخير هو الأرجح ، لان النص بالإمامة لا يحتاج معه إلى شىء من العلامات الأخرى ، ويدل على هذا الرجحان عدة روايات.

منها ما رواه الكليني في الكافي عن عبد الأعلى قال ، قال الباقر (ع) يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال لا تكون في غيره : هو أولى الناس بالذي قبله ، وهو وصيه ، وعنده سلاح رسول الله (ص).. ثم دعا بشهود أربعة كتب وصيته إلى ولده جعفر (ع) وسأله جعفر عن علة الوصية فقال له (ع) : اني كرهت ان تغلب وان يقال انه لم يوص فأردت ان تكون لك حجة فهو الذي إذا قدم الرجل البلد قال : من وصي فلان قيل فلان قلت (أي عبد الأعلى) فان أشرك في الوصية قال تسألونه فانه سيبين لكم(١) .

____________________

(١) ج ١ : ٣٧٦ الحديث رقم ٢.


ورواية الكليني أيضا عن هشام بن سالم قال :

“ كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبد الله (ع) أنا وصاحب الطاق والناس مجتمعون على عبد الله بن جعفر انه صاحب الأمر بعد أبيه ، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق والناس عنده وذلك انهم رووا عن أبي عبد الله (ع) انه قال : ان الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة ، فدخلنا عليه نسأله عما كنا نسأل عنه إياه ، فسألناه عن الزكاة في كم تجب ؟

فقال : في مائتين خمسة.

فقلنا : ففي مائة ؟

فقال : درهمان ونصف.

فقلنا : والله ما تقول المرجئة هذا.

قال : فرفع يده إلى السماء فقال : والله ما ادري ما تقول المرجئة.

قال : فخرجنا من عنده ضلالا لا ندري إلى أين نتوجه أنا وأبو جعفر الأحول ، فقعدنا في بعض أزقة المدينة باكين حيارى لا ندري إلى أين تتوجه ولا من نقصد ونقول : إلى المرجئة ، إلى القدرية ، إلى


الزيدية ، إلى المعتزلة ، إلى الخوارج ، فنحن كذلك إذ رأيت رجلا شيخا اعرفه ، يومي إليَّ بيده فخفت ان يكون عينا من عيون أبي جعفر المنصور وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون إلى من اتفقت شيعة جعفر (ع) عليه ، فيضربون عنقه ، فخفت ان يكون منهم.

فقلت للأحول : تنح فإني خائف على نفسي وعليك ، وانما يريدني لا يريدك ، فتنح عني لا تهلك وتعين على نفسك ، فتنحّ غير بعيد وتبعت الشيخ وذلك اني ظننت اني لا اقدر على التخلص منه ، فما زلت اتبعه وقد عزمت على الموت حتى ورد بي على باب أبي الحسن (ع) ثم خلاني ومضى.

فإذا خادم بالباب فقال لي : ادخل رحمك الله ، فدخلت فإذا أبو الحسن موسى (ع) فقال لي ابتداء منه :

لا إلى المرجئة ولا إلى القدرية ولا إلى الزيدية ولا إلى المعتزلة ولا إلى الخوارج إليَّ إليَّ.

فقلت جعلت فداك مضى أبوك ؟

قال : نعم.


قلت : مضى موتا ؟

قال نعم.

قلت : فمن لنا من بعده.

فقال : ان شاء الله ان يهديك هداك.

قلت جعلت فداك ان عبد الله يزعم انه من بعد أبيه ؟

قال : يريد عبد الله ان لا يعبد الله.

قال : قلت : جعلت فداك فأنت هو ؟

قال : لا ما أقول ذلك(١) .

قال : فقلت في نفسي لم اصب طريق المسالة.

ثم قلت له : جعلت فداك عليك إمام ؟

قال : لا.

فداخلني شىء لا يعلم إلا الله عز وجل إعظاما له وهيبة اكثر مما

____________________

(١) قوله (ع) (لا ما اقول ذلك) قال المازندراني في شرحه ج٦ : ٢٧٨ : أي قال (ع) لست انا هو من عندي ، ما اقول ذلك من قبلي بل انا هو من عند الله وعند رسوله ولما كان هذا الجواب غير صريح في المطلوب بل هو ظاهر في غيره لجأ السائل الى طريق آخر).


كان يحل بي من أبيه إذا دخلت عليه ، ثم قلت له : جعلت فداك أسألك عما كنت اسأل أباك ؟

فقال : سل تخبر ولا تذع فان أذعت فهو الذبح.

فسألته ، فإذا هو بحر لا ينزف.

قلت : جعلت فداك شيعتك وشيعة أبيك ضلال ، فألقي إليهم وأدعوهم إليك ، وقد أخذت عليَّ الكتمان ؟

قال : من أنست منه رشدا فالق إليه وخذ عليه الكتمان ، فإن أذاعوا فهو الذبح - وأشار بيده إلى حلقه -.

قال : فخرجت من عنده فلقيت أبا جعفر الأحول.

فقال لي : ما وراءك ؟

قلت : الهدى ، فحدثته بالقصة.

قال : ثم لقينا الفضيل وأبا بصير ، فدخلا عليه وسمعا كلامه ، وساءلاه وقطعا عليه بالإمامة.

ثم لقينا الناس أفواجا ، فكل من دخل عليه قطع ، إلا طائفة


عمار(١) وأصحابه ، وبقي عبد الله لا يدخل إليه إلا قليل من الناس.

فلما رأى ذلك قال : ما حال الناس ؟ فاخبر ان هشاما صد عنك الناس قال هشام : فاقعد لي بالمدينة غير واحد ليضربوني(٢) .

ورواية الكليني ايضا عن محمد بن أبي نصر قال : “ قلت لأبي الحسن الرضا (ع) : إذا مات الإمام بم يعرف الذي بعده ؟ فقال : للإمام علامات منها ان يكون اكبر ولد أبيه ، ويكون فيه الفضل والوصية ، ويقدم الركب فيقول إلى من أوصى فلان فيقال إلى فلان. ، والسلاح فينا بمنزلة التابوت في بني إسرائيل ، وتكون الإمامة مع السلاح حيثما كان(٣) .

قوله (ع) (ان يكون اكبر ولد أبيه).

قال المجلسي (رح) : “ ان هذه العلامة بعد الحسين (ع) ومع ذلك مقيدة بما إذا لم يكن في الكبير عاهة ، أي بدنية فان الإمام مبرأ من نقص في الخلقة يوجب شينه ، أو دينية كعبد الله الافطح فانه كان بعد أبي عبد الله (ع) اكبر ولده لكن كان فيه عاهتان الأولى انه افطح

____________________

(١) هو عمار بن موسى الساباطي وهو واصحابه فطحية (المازندراني).

(٢) ج١ : ٣٥١ الحديث رقم ٧.

(٣) الكافي ج١ : ٢٨٤ الحديث ١.


الرجلين أي عريضهما ، والثاني انه كان جاهلا بل قيل فاسد المذهب ، قال المفيد في الإرشاد (وكان أي الافطح متهما بالخلاف على أبيه في الاعتقاد ويقال انه كان يخالط الحشوية ويميل إلى مذاهب المرجئة) ”(١) .

اقول : وهذه العلامة (أي كون الامام اكبر ولد ابيه) لا تكون بعد الرضا (ع) مقيدة بالقيد الذي اشار اليه الصادق (ع) ومن هنا فأن الرضا (ع) لم يذكره في حديثه لانه يتحدث عن علامة الامام من بعده.

وقوله (ع) (ويكون فيه الفضل).

أي يكون أشبه أولاد أبيه بسيرته كما في رواية الكليني عن عبد الأعلى قال لأبي عبد الله (ع) : “ المتوثب على هذا الأمر المدعي له ما الحجة عليه ؟ قال يسأل عن الحلال والحرام ، قال ثم اقبل علي

____________________

(١) مرآة العقول ج٣ : ٢٠٧ شرح الحديث رقم ٧ وفي الفصول المختارة للشيخ المفيد : ٢٥٣ ان عبد الله كان يذهب مذاهب المرجئة الذين يقعون في علي (ع) و عثمان وان اباعبد الله (ع) قال وقد خرج من عنده عبد الله (هذا مرجىء كبير) وقال الصدوق في اعتقاداته قال الصادق في ابنه عبد الله انه ليس على شىء مما انتم عليه واني ابرأ منه (قاموس الرجال ترجمة عبد الله الافطح).


فقال : ثلاثة من الحجة لم تجتمع في أحد إلا كان صاحب هذا الأمر :

ان يكون أولى الناس بمن كان قبله.

ويكون عنده السلاح.

ويكون صاحب الوصية الظاهرة(١) التي إذا قدمت المدينة سألت عنها العامة والصبيان إلى من أوصى فلان فيقولون إلى فلان بن فلان ”(٢) .

وروايته أيضا عن هشام بن سالم وحفص بن البختري عن أبي عبد الله (ع) قال : “ قيل له بأي شىء يعرف الإمام ؟ قال : بالوصية الظاهرة ، وبالفضل ، ان الإمام لا يستطيع أحد ان يطعن عليه في فم ولا بطن ولا فرج فيقال كذاب ويأكل أموال الناس وما أشبه هذا ”(٣) .

وروايته ايضا الكليني أيضا عن احمد بن عمر عن أبي الحسن الرضا (ع) قال : “ سألته عن الدلالة على صاحب هذا الأمر ؟ فقال : الدلالة عليه الكبر ، والفضل ، والوصية إذا قدم الركب المدينة فقالوا

____________________

(١) قال المجلسي (رح) في مرآة العقول ج٣ : ٢٠٥ المراد بالوصية هنا ليست الوصية بالامامة بل مطلق الوصية.

(٢) الكافي ج١ : ٢٨٥ الحديث ٢.

(٣) الكافي ج١ : ٢٨٤ الحديث ٣.


إلى من أوصى فلان قيل فلان بن فلان ، ودوروا مع السلاح حيثما دار فأما المسائل فليس فيها حجة ”(١) .

وقوله (ع) : (ودوروا مع السلاح حيثما دار).

لعله إشارة إلى الولد الأكبر الذي يحبى بسلاح أبيه بعد وفاته(٢) . وهذه العلامة كانت مقيدة بعد الصادق (ع) بقوله (الأكبر ما لم تكن به عاهة) إلا أنها صارت مطلقة بعد الرضا (ع).

قوله (ع) (فأما المسائل فليس فيها حجة).

قال المجلسي (رح) : “ أي للعوام وذلك لان هذه العلامة إنما هي للعلماء والخواص ”(٣) .

قوله (ع) (ويخبر بما في غد ويكلم الناس بكل لسان.. ان الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس ولا طير ولا بهيمة ولا شىء فيه روح فمن لم يكن هذه الخصال فيه فليس هو بإمام).

ان هذا القول يشير إلى انهم (ع) قد أيدهم الله تعالى بما أيد به أنبياءه ورسله من خوارق العادات يظهر ذلك منهم على قدر ما يفتح

____________________

(١) الكافي ج١ : ٢٨٥ الحديث ٥.

(٢) انظر وسائل الشيعة كتاب الارث باب ما يحيى به الولد الذكر الاكبر من تركه ابيه دون غيره.

(٣) مرآة العقول ج٣ : ٢٠٥ - ٢٠٦ بشرح الحديث رقم ٢ : ورقم ٣.


الطريقلهداية الأفراد كما وردت الأخبار الكثيرة بذلك أو لهداية المجتمع ككل كما يحصل من المهدي (ع) عند ظهوره إذ ان تشخيص كونه محمد بن الحسن العسكري المولود سنه ٢٥٥ هجـ بحاجة إلى معاجز تظهر على يديه وبغير ذلك فان الطريق يبقى مفتوحا لكل مدع للمهدوية.


الفهرس

المقدمة ٣

الفصل الأول : الأئمة الاثنا عشر حجج الهيون ٦

الفصل الثاني: ملاحظات على مقال الدكتور البغدادي في رده على الشهيد الصدر رحمه‌الله ٣٨

الفصل الثالث: احتجاج الإمام علي (ع) بحديث الغدير ٤٤

الفصل الرابع: السقيفة بواية عمر بن الخطاب ٥٧

الفصل الخامس: الشورى السداسية برواية عمرو بن ميمون ٧٥

الفصل السادس: الإمام علي (ع) بايع الخلفاء مكرها ٩٧

الفصل السابع : قصة متعة الحج والعبرة منها ١١١

الفصل الثامن: اسئلة الدكتور الشرقاوي حول نظرية النص ١٣٥

الفهرس ١٧٢