على خطى الحسين (عليه السّلام)
تأليف
أحمد راسم النفيس
مثلّت كربلاء نهجاً في مقاومة الطغيان ، وشقّت درباً يسير على هديه الساعون إلى الحق ، ومثلّت الخطى التي سارها الإمام الحسين (عليه السّلام) هجرة ثانية تُعيد سيرة هجرة جده المصطفى (صلّى الله عليه وآله) من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة
ولم تنقطع محاولات الأدباء والباحثين عن استلهام هذا السعي منذ حدوثه في العام ٦١هـ وحتى أيامنا هذه
ويمثّل هذا الكتاب إحدى هذه المحاولات
يمهّد المؤلّف بالحديث عن رؤيا للنبي (صلّى الله عليه وآله) تكشف أنّ ملوك السوء سيرتقون منبره من بعده ، فيحذّر منهم ويدعو إلى نصرة سبطه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ويعيّن جماعة المنافقين
ثمّ يبحث بشيء من التفصيل في تحقّق هذه الرؤيا ، فيتحدّث في فصل أوّل عن أبناء الشجرة الملعونة ، وهم رواد الفتنة في الإسلام ، ويبيّن أُسس خطابهم ، بوصفهم الخارجين على قيادة الأُمّة الشرعية ، ويقارن هذا الخطاب بخطاب القيادة الشرعية ، ويحدّد مفهوم الفتنة وملابسات خديعة التحكيم ، وأسباب وقوع فئة من المسلمين فيها
وفي فصل ثانٍ عن قيام ملك (أرباب السوء) ، ويبيّن أُسس شريعته ، ويتتبّع المحاولات التي قاومت هذا النهج المزيّف ، وعملت على إحياء قيم الإسلام
وفي فصل ثالث عن الثورة الحسينية بوصفها نهوضاً بمهمّة حفظ الدين ، فيبيّن نهجها ، ويتتبّع مراحلها : التمهيد ، التصميم والتخطيط ، اكتمال عناصر التحرّك ، الهجرة الثانية ؛ من مكة إلى الكوفة ، في الطريق إلى كربلاء
ويناقش في هذا السياق آراء ابن كثير الذي حاول إخفاء الحقيقة وناقض نفسه
وفى فصل رابع (كربلاء : النهوض بالأُمّة المنكوبة) ، ويكشف أنّ الموقف الحسيني معيار وقدوة ، ويتجلّى هذا الموقف في مواجهة إمام الحق لإمام الباطل ، حيث تتبيّن الحقيقة وتُقام الحجّة ، وتستنهض الأُمّة
يمثّل هذا الكتاب سعياً لمعرفة الحلقة الجوهرية في مسلسل الصراع بين الحق والباطل ، وقد أُتيح لهذا السعي أن يوفّق في تحقيق هدفه ، فعسى أن يفيد من جهده الساعون إلى هذه المعرفة
رؤيا النبي (صلّى الله عليه وآله) ملوك السوء يرتقون منبره
١ـ التحذير من أرباب السوء
أخرج ابن جرير عن سهل بن سعد قال : رأى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) بني فلان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك ، فما استجمع (صلّى الله عليه وآله)، ضاحكاً حتى مات قال : وأنزل اللّه (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) (سورة الإسراء / ٦٠ )(١)
وفي الدرّ المنثور(٢) : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمران أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) ، قال : (( رأيت وِلْدَ الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنّهم القردة )) ، وأنزل اللّه في ذلك : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ ) ، يعنى الحكم ووِلْدِه
وفيه أخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرّة قال : قال رسول اللّه : (( أريت بني أُميّة على منابر الأرض وسيتملّكونهم ، فيجدونهم أرباب سوء )) ، واهتم رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) لذلك ؛ فانزل اللّه : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ )(٣)
وفيه أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ، وابن عساكر عن سعيد بن المسيّب قال : رأى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) بني أُميّة على المنابر ، فساءه ذلك ؛ فأوحى اللّه : إنّما هي دنيا أُعطوها فقرّت عينه ، وهي قوله : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ )
والآية الكريمة كاملة هي : (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً ) (سورة الإسراء / ٦٠ )(٤)
٢ـ الدعوة إلى نصرة سبطه الحسين (عليه السّلام)
روى الحنفي القندوزي في ينابيع المودّة في المشكاة ، عن أُمّ الفضل بنت الحارث ، امرأة العباس (رضى اللّه عنهما) : إنّها دخلت على رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ، فقالت : يا رسول اللّه ، إنّي رأيت حلماً منكراً الليلة
قال : (( ما هو ؟ ))
قالت : رأيت كأنّ قطعة من جسدك المبارك قُطعت ووضعت في حجري
فقال (عليه السّلام) : (( رأيتِ خيراً ، تلد فاطمة إن شاء اللّه تعالى غلاماً يكون في حجرك ))
قالت : فولدت فاطمة الحسين فكان في حجري فأرضعته بلبن قثم ، فدخلت يوماً على النبي (صلّى الله عليه وآله) فوضعته في حجره ، ثمّ حانت منّي التفاتة فإذا عينا رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) تهريقان الدموع ، فقلت : يا رسول اللّه ، بأبي وأُمّي ما لك ؟!
قال : (( أتاني جبرائيل فأخبرني أن أُمّتي ستقتل ابني هذا ))
فقلت : هذا ؟!
قال : (( نعم ، وأتاني بتربة حمراء ))(٥) رواه البيهقي
وفي الإصابة (أنس بن الحارث) قال البخاري في تاريخه : سمعت رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( إنّ ابني هذا ـ يعني الحسين ـ يُقتل بأرض يُقال لها كربلاء ، فمَنْ شهد ذلك منكم فلينصره ))
قال : فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء ، فقُتل بها مع الحسين (عليه السّلام)(٦)
وفي الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي ، أخرج ابن سعد والطبراني عن عائشة أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (( أخبرني جبرائيل أنّ ابني الحسين يُقتل بعدي بأرض الطفّ ، وجاءني بهذه التربة وأخبرني أنّ فيها مضجعه ))(٧)
أخرج البغوي في معجمه من حديث أنس أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (( استأذن ملك القطر ربّه أن يزورني فأذن له وكان في يوم أُمّ سلمة )) ، فقال رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) : (( يا أُمّ سلمة ، احفظي علينا الباب لا يدخل أحد )) فبينا على الباب إذ دخل الحسين فاقتحم فوثب على رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ، فجعل رسول اللّه يلثمه ويقبّله فقال له الملك : أتحبّه ؟ قال : (( نعم )) قال : إنّ أُمّتك ستقتله ، وإن شئت أُريك المكان الذي يُقتل به ، فأراه ، فجاء بسهلة أو تراب أحمر فأخذته أُمّ سلمة فجعلته في ثوبها
قال ثابت : كنّا نقول إنّها كربلاء
وفي رواية الملا ، وابن أحمد في زيادة المسند ، قالت : ثمّ ناولني كفّاً من تراب أحمر ، وقال : (( إنّ هذا من تربة الأرض التي يُقتل بها ، فمتى صار دماً فاعلمي أنّه قد قُتل ))
قالت أُمّ سلمة : فوضعته في قارورة عندي ، وكنت أقول : إنّ يوماً يتحوّل فيه دماً ليوم عظيم
وفي رواية عنها ، فأصبته يوم قتل الحسين وقد صار دماً(٨)
٣ـ محاولة اغتيال فاشلة
أورد ابن كثير في تفسيره نقلاً عن البيهقي في (دلائل النبوة) ، عن حذيفة بن اليمان قال : كنت آخذاً بخطام ناقة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) أقود به ، وعمار يسوق الناقة ، أو أنا أسوقه وعمار يقوده حتى إذا كنّا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها ، قال : فانبهت رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) بهم وصرخ بهم فولّوا مدبرين
فقال لنا رسول اللّه : (( هل عرفتم القوم ؟ ))
قلنا : لا يا رسول اللّه ، قد كانوا ملثّمين ، ولكنّا عرفنا الركاب
قال : (( هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة ، وهل تدرون ما أرادوا ؟ ))
قلنا : لا
قال : (( أرادوا أن يزاحموا رسول اللّه فيلقوه منها ))
قلنا : يا رسول اللّه ، أفلا نبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كلّ قوم برأس صاحبهم ؟
قال : (( لا ، أكره أن تتحدّث العرب بينها أنّ محمداً قاتل بقوم حتى إذا أظهره اللّه بهم أقبل عليهم يقتلهم ))
ثمّ قال : (( اللّهمّ ارمهم بالدبيلة ))
قلنا يا رسول اللّه وما الدبيلة ؟
قال : (( شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك ))(٩)
وروى الإمام أحمد الرواية نفسها ، وهي واردة في تفسير قوله تعالى في الآية (٧٤) من سورة التوبة : (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا )(١٠)
كما روى ابن كثير أيضاً في الموضع نفسه ، نقلاً عن صحيح مسلم ، عن عمار بن ياسر ، عن حذيفة ، عن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( في أصحابي اثنا عشر منافقاً ، لا يدخلون الجنّة ، ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط ))
ولهذا كان حذيفة يُقال له صاحب السرّ الذي لا يعلمه غيره ، أي تعيين جماعة المنافقين(١١)
حدثت هذه الحادثة الخطيرة في تاريخ الإسلام في أثناء غزوة تبوك في رجب من العام التاسع للهجرة ، ولم تذكر في كتب السيرة أو غيرها تحت عناوين رئيسية ، وإنّما تحت عناوين فرعية ، على الرغم من ثبوتها بنصّ القرآن ، ووقوعها ضمن أحداث غزوة تبوك حيث اشرأب النفاق وأطلع رأسه من منبته ، وورودها في سورة التوبة التي تسمّى أيضاّ (الفاضحة) ؛ لأنّها فضحت المنافقين وعرّتهم
أمّا خطورتها فتكمن في أنّ الذين رأوا في شخص الرسول الأكرم عائقاً أمام تحقيق أهدافهم لا بدّ أنّهم وضعوا هدفاً كبيراً تهون من أجل تحقيقه كلّ الجرائم ، حتى ولو كانت قتل الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، أو الحسين بن علي (عليه السّلام) ، أو استباحة المدينة ، أو هدم الكعبة ، كما حدث بعد ذلك بالفعل
شهدت (صفين) وهى مكان يقع بالقرب من شاطىء الفرات بين الشام والعراق
(واقعة صفين) التي دارت بين جيش الإمام علي الذي يمثّل القيادة الشرعية للأُمّة الإسلامية ، وبين جيش القاسطين الظالمين بقيادة معاوية بن آكلة الأكباد ووزيره الأوّل عمرو بن العاص
توشك النبوءة أن تتحقّق ، يوشك مَنْ حذّر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) منهم أن يتسنّموا منبره
الصراع محتدم بين قيم الإسلام المحمدي الأصيل ، كما يمثّله إمام الحق علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، والفئة الباغية بقيادة ابن آكلة الأكباد ووزيره الأوّل ابن النابغة
وسنعرض نماذج متقابلة لخطاب كلّ فريق من الفريقين وسلوكه ، ثمّ نرى النهاية الفاجعة لهذا الصراع ، أو نهاية البداية لفجر الإسلام المضيء على يد هذه العصابة ، وهو عين ما حاولوه يوم عقبة تبوك فلم يحالفهم التوفيق :
١ـ خطاب رواد الفتنة الخارجين على القيادة الشرعية
رفع معاوية بن أبي سفيان شعار الثار لعثمان بن عفان ، فهل كان ابن آكلة الأكباد ووزيره الأوّل صادقين في دعواهما ؟ فلنقرأ سوياً في صفحات التاريخ
روى ابن جرير الطبرى في تاريخه : لمّا قُتل عثمان قدِم النعمان بن بشير على أهل الشام بقميص عثمان ، ووضع معاوية القميص على المنبر ، وكتب بالخبر إلى الأجناد ، وثاب إليه الناس ، وبكوا سنة وهو على المنبر والأصابع معلّقة فيه (أصابع نائلة زوجة عثمان) ، وآلى الرجال من أهل الشام ألاّ يباتوا مع النساء ولا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان ، ومَنْ عرض دونهم بشيء أو تفنى أرواحهم
فمكثوا حول القميص سنة ، والقميص يوضع كلّ يوم على المنبر ، ويجلّله أحياناً فيلبسه ، وعلّق في أردانه أصابع نائلة ، ثمّ مضى معاوية ينشر في الناس أنّ علياً (عليه السّلام) قتل عثمان(١٢)
كان هذا هو الشعار المعلن ، فهل كان هذا الشعار يمثّل الحقيقة ؟ فلنقرأ أوّلاً في تاريخ عمرو بن العاص
أ ـ الشعار المعلن وحقيقته : الاستحواذ على السلطان
وروى الطبري أيضاً : لمّا بلغ عمراً قتل عثمان (رضي اللّه عنه) قال : أنا أبو عبد اللّه قتلته (يعنى عثمان) ، وأنا بوادي السباع ، مَنْ يلي هذا الأمر من بعده ؟ إن يله طلحة فهو فتى العرب سيباً ، وإن يله ابن أبي طالب فلا أراه إلاّ سيستنطق الحق وهو أكره مَنْ يليه إليّ
قال : فبلغه أنّ علياً قد بويع له ، فاشتدّ عليه وتربّص أياماً ينظر ما يصنع الناس ، فبلغه مسير طلحة والزبير وعائشة ، وقال : استاني وأنظر ما يصنعون
فأتاه الخبر أنّ طلحة والزبير قد قُتلا ، فارتجّ عليه أمره ، فقال له قائل : إنّ معاوية بالشام لا يريد أن يبايع لعلي ، فلو قاربت معاوية ، فكان معاوية أحبّ إليه من علي بن أبي طالب
وقيل له : إنّ معاوية يعظّم شان قتل عثمان بن عفان ، ويحرض على الطلب بدمه ، فقال عمرو : ادعوا لي محمداً وعبد اللّه فدعيا له
فقال : قد كان ما قد بلغكما من قتل عثمان (رضي اللّه عنه) وبيعه الناس لعلي وما يرصد معاوية من مخالفة علي ، وقال : ما تريان ؟ أمّا علي فلا خير عنده ، وهو رجل يدلِ بسابقته ، وهو غير مشركي في شيء من أمره
فقال عبد اللّه بن عمرو : أرى أن تكفّ يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعه
وقال محمد بن عمرو : أنت ناب من أنياب العرب ، فلا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت ولا ذكر
قال عمرو : أمّا أنت يا عبد اللّه ، فأمرتني بالذي هو خير لي في آخرتي وأسلم في ديني ، وأمّا أنت يا محمد ، فأمرتني بالذي هو أنبه لي في دنياي ، وشرّ لي في آخرتي
ثمّ خرج عمرو بن العاص ومعه ابناه حتى قدم على معاوية ، فوجد أهل الشام يحضّون معاوية على الطلب بدم عثمان
فقال عمرو بن العاص : أنتم على الحق ، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم ، ومعاوية لا يلتفت إلى قول عمرو
فقال ابنا عمرو لعمرو : ألا ترى إلى معاوية لا يلتفت إلى قولك ، انصرف إلى غيره
فدخل عمرو على معاوية فقال : واللّه لعجب لك ! إنّي أرفدك بما أرفدك وأنت معرض عنّي ، أما واللّه إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة ، إنّ في النفس من ذلك ما فيها حيث نقاتل مَنْ تعلم سابقته وفضله وقرابته ، ولكنّا إنّما أردنا هذه الدنيا ، فصالحه معاوية وعطف عليه(١٣)
هذا هو حال الوزير الأوّل ، فهو نفسه ممّن ألّبوا على عثمان ؛ وهو القائل : (أنا أبو عبد اللّه ، قتلته وأنا بوادي السباع) ، وهو المقرّ بأنّ انضمامه لابن آكلة الأكباد إنّما هو من أجل الدنيا
أمّا معاوية صاحب القميص الذي صار مضرباً للمثل على الادعاءات الكاذبة ، فنورد فقرة من خطبته التي استهلّ بها عهده المشؤوم
روى أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين : لمّا انتهى الأمر لمعاوية ، وسار حتى نزل النخيلة ، وجمع الناس بها فخطبهم قبل أن يدخل الكوفة خطبة طويلة
وأورد بعض مقاطعها ، ومنها : ما اختلفت أُمّة بعد نبيّها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقّها
فندم فقال : إلاّ هذه الأُمّة فإنّها وإنّها ألا إنّ كلّ شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به
إنّي واللّه ما قاتلتكم لتصلّوا ، ولا لتصوموا ، ولا لتحجّوا ، ولا لتزكّوا ، إنّكم لتفعلون ذلك ، وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم ، وقد أعطاني اللّه ذلك وأنتم كارهون(١٤)
هل كان ابن آكلة الأكباد ووزيره الأوّل عمرو بن العاص يطالبان بدم عثمان ، أو أنّ السلطة كانت هدفاً لهما ؟ وهل يبقى شك بعد قراءتنا خطاب كلّ منهما في طبيعة الادعاءات المرفوعة من قبل الفئة الباغية ، والصورة الحقيقية لحركة الردّة التي ما كان لها أن تحقّق هدفها لولا تخاذل بعض المسلمين ووهن بعضهم الآخر
كانت هذه هي الأهداف الحقيقية : (الاستحواذ على السلطة) ، و (إذلال المؤمنين) ، وهي تختلف عن الأهداف الدعائية : (الثار من قتله عثمان)
ب ـ وسائل التآمر على الناس
أمّا عن الوسائل التي اتّبعها ابن آكلة الأكباد من أجل تحقيق غاياته الشيطانية (وهي إقامة حكومة مَنْ بدَوا في رؤيا رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) (قردة) ، في مواجهة حكومة العدل الإلهية) ، فهي في المستوى نفسه ، ومن نماذجها نذكر :
وإليك النموذج الآتي : حاول معاوية رشوة قيس بن سعد بن عبادة ، والي الإمام على على مصر ، فكتب له : فإن استطعت يا قيس أن تكون ممّن يطلب بدم عثمان فافعل
تابعنا على أمرنا ولك سلطان العراقين إذا ظهرت ما بقيت ، ولمَنْ أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطاني ، وسلني غير هذا ممّا تحبّ ؛ فإنّك لا تسألني شيئاً إلاّ أوتيته(١٥)
أمّا ردّ قيس بن سعد بن عبادة (رضوان اللّه عليه) على ابن آكلة الأكباد فكان ردّاً مُخرساً ؛ فقد كتب إليه : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان
أمّا بعد ، فإنّ العجب من اغترارك بي وطمعك فيّ ، واستسقاطك رأيي ! أتسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالإمرة ، وأقولهم للحق ، وأهداهم سبيلاً ، وأقربهم من رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ، وتأمرني بالدخول في طاعتك ، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر ، وأقولهم للزور ، وأضلّهم سبيلاً ، وأبعدهم من اللّه (عزّ وجلّ) ورسوله (صلّى الله عليه وآله) وسيلة ، ولد ضالين مضلّين ، طاغوت من طواغيت إبليس ؟!
وأمّا قولك إنّي ماليء عليك مصر خيلاً ورجلاً ، فواللّه إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون نفسك أهمّ إليك ، إنّك لذو جدّ ، والسّلام(١٦)
جاء في تاريخ الطبري : فبعث على الأشتر أميراً إلى مصر حتى إذا صار بالقلزم شرب شربة عسل كان فيها حتفه ، فبلغ حديثهم معاوية وعمراً ، فقال عمرو : إنّ للّه جنوداً من عسل(١٧)
ثالثاً : الاختلاق والخداع جاء في تاريخ الطبري : ولمّا أيس معاوية من قيس أن يتابعه على أمره شقّ عليه ذلك ؛ لِما يعرف من حزمه وبأسه ، وأظهر للناس قِبَله أنّ قيس بن سعد قد تابعهم فادعوا اللّه ، وقرأ عليهم كتابه الذي لان له فيه وقاربه
قال : واختلق معاوية كتاباً من قيس ، فقرأه على أهل الشام(١٨)
رابعاً : الإغارة على المدنيين وقتل النساء والأطفال
١ـ وجّه معاوية في هذا العام ، سفيان بن عوف في ستة آلاف رجل وأمره أن يأتي (هيت) فيقطعها ، وأن يغير عليها ، ثمّ يمضى حتى يأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها(١٩)
٢ ـ وجّه معاوية عبد اللّه بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمئة رجل إلى تيماء وأمره أن يصدق (يأخذ صدقة المال) مَنْ مرّ به من أهل البوادي ، وأن يقتل مَنْ امتنع من إعطائه صدقه ماله
ثمّ يأتي مكة والمدينة والحجاز ويفعل ذلك(٢٠)
٣ ـ وجّه معاوية الضحّاك بن قيس وأمره أن يمرّ بأسفل واقصة ، وأن يغير على كلّ مَنْ مرّ به ممّنْ هو في طاعة على من الأعراب ، ووجّه معه ثلاثه آلاف رجل ، فسار فأخذ أموال الناس ، وقتل مَنْ لقي من الأعراب ، ومرّ بالثعلبية فأغار على مسالح علي وأخذ أمتعتهم ، ومضى حتى انتهى إلى القطقطانة فأتى عمرو بن عميس بن مسعود ، وكان في خيل لعلي وأمامه أهله وهو يريد الحجّ ، فأغار على مَنْ كان معه وحبسه عن المسير ، فلمّا بلغ ذلك علياً سرّح حجر بن عدي الكندي في أربعة آلاف وأعطاهم خمسين خمسين ، فلحق الضحّاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلاً وقُتل من أصحابه رجلان ، وحال بينهم الليل فهرب الضحّاك وأصحابه ورجع حجر ومَنْ معه(٢١)
٤ ـ في عام ٤٠ه أرسل معاوية بن أبي سفيان بسر بن أبي أرطأة في ثلاثه آلاف من المقاتلة إلى الحجاز حتى قدموا المدينة ، وعامل علي على المدينة يومئذٍ أبو أيوب الأنصارى ، ففرّ منهم أبو أيوب وأتى بسر المدينة فصعد المنبر وقال : يا أهل المدينة ، واللّه لولا ما عهد إليّ معاوية ما تركت بها محتلماً إلاّ قتلته
ثمّ مضى بسر إلى اليمن وكان عليها عبيد اللّه بن عباس عاملا لعلي ، فلمّا بلغه مسيره فرّ إلى الكوفة حتى أتى علياً ، واستخلف عبد اللّه بن عبد المدان الحارثي على اليمن ، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه ، ولقي بسر ثقل عبيد اللّه بن عباس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما
وقد قال بعض الناس : إنّه وجد ابني عبيد اللّه بن عباس عند رجل من بني كنانة من أهل البادية ، فلمّا أراد قتلهما قال الكناني : علامَ تقتل هذين ولا ذنب لهما ؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني
قال : أفعل فبدأ بالكناني فقتله ، ثمّ قتلهما ، وقتل في مسيره ذلك جماعة كثيرة من شيعة علي باليمن
ولمّا أرسل علي جارية بن قداحة في طلبه هرب(٢٢)
تلك هي لمحات من أهداف الدولة الأموية ، وملامحها وأساليبها في الوصول إلى هذه الأهداف
لا فارق بين معاوية وصدام حسين وهتلر
الغاية عند كلّ هؤلاء تبرر الوسيلة ، بل ونزعم أنّ ابن آكلة الأكباد على قرب عهده بالنبوّة أشدّ وزراً من صدام حسين الذي قتل النساء والأطفال ، واستخدم السلاح الكيماوي في قتل الأبرياء ، فصدام حسين لم يرَ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ، ولا سمع منه ، ولا ادّعى له بعض المؤرّخين أنّه كان كاتبا للوحي ، إلى آخر هذه الادعاءات التي يمزج فيها الحق بالباطل
٢ ـ خطاب قيادة الأُمّة الشرعية : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ )
على الجانب الآخر كان معسكر الحق ، معسكر القيادة الشرعية للأمّة الإسلامية ، قيادة أهل البيت ، ورمزها يومئذٍ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، يجاهد للحفاظ على الإسلام نقيّاً صافياً
وكان هذا هو الهدف الحقيقي الذي تهون من أجله كلّ التضحيات
كان الإمام علي (عليه السّلام) ومَنْ حوله كوكبة المؤمنين الخلّص من أصحاب النبي محمد (صلّى الله عليه وآله)
روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، نقلاً عن (كتاب صفين) لنصر بن مزاحم : خطب علي (عليه السّلام) في صفين ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وقال : (( أمّا بعد ، فإنّ الخيلاء من التجبّر ، وأنّ النخوة من التكبّر ، وأنّ الشيطان عدوّ حاضر ، يعدكم الباطل
ألا إنّ المسلم أخو المسلم ، فلا تنابذوا ولا تجادلوا ألا إنّ شرائع الدين واحدة ، وسبله قاصدة ، مَنْ أخذ بها لحق ، ومَنْ فارقها محق ، ومَنْ تركها مرق ليس المسلم بالخائن إذا ائتمن ، ولا بالمخلف إذا وعد ، ولا بالكذّاب إذا نطق
نحن أهل بيت الرحمة ، وقولنا الصدق ، وفعلنا الفضل ، ومنّا خاتم النبيين ، وفينا قادة الإسلام ، وفينا حملة الكتاب
ألا إنّا ندعوكم إلى اللّه ورسوله ، وإلى جهاد عدوّه ، والشدّة في أمره ، وابتغاء مرضاته ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحجّ البيت ، وصيام شهر رمضان ، وتوفير الفيء على أهله
ألا وإنّ من أعجب العجائب أنّ معاوية بن أبي سفيان الأموي وعمرو بن العاص السهمي يحرّضان الناس على طلب الدين بزعمهما ، ولقد علمتم أنّي لم أُخالف رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) قط ، ولم أعصه في أمر ، أقيه بنفسي في المواطن التي ينكص فيها الأبطال ، وترعد فيها الفرائص ، بنجدة أكرمني اللّه سبحانه بها ، وله الحمد
ولقد قُبض رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) وأنّ رأسه لفي حجري ، ولقد ولّيت غسله بيدي وحدي ، تقلّبه الملائكة المقرّبون معي
وأيم اللّه ، ما اختلفت أُمّة قط بعد نبيّها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقّها إلاّ ما شاء اللّه ))(٢٣)
ولا بأس أيضاً أن ننتقل إلى معسكر الإفك والباطل ؛ لنسمع ذلك الحوار العجيب الذي رواه نصر بن مزاحم ، ونقله عنه ابن أبي الحديد قال : طلب معاوية إلى عمرو بن العاص أن يسوّي صفوف أهل الشام ، فقال له عمرو : على أنّ لي حكمي إن قتل اللّه ابن أبي طالب ، واستوثقت لك البلاد
فقال : أليس حكمك في مصر ؟
قال : وهل مصر تكون عوضاً عن الجنّة ، وقتل ابن أبي طالب ثمناً لعذاب النار الذي ( لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) ؟(سورة الزخرف / ٧٥)
فقال معاوية : إنّ لك حكمك أبا عبد اللّه إن قُتل ابن أبي طالب ، رويداً لا يسمع أهل الشام كلامك
فقام عمرو ، فقال : معاشر أهل الشام سوّوا صفوفكم قصّ الشارب ، وأعيرونا جماجمكم ساعة ؛ فقد بلغ الحقّ مقطعه ، فلم يبقَ إلاّ ظالم أو مظلوم(٢٤)
ونعود إلى معسكر الحقّ ؛ لنسمع الكلمات المضيئة لأبي الهيثم بن التيهان وكان من أصحاب رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ، بدريّاً نقيباً عقبيّاً يسوّي صفوف أهل العراق ، ويقول : يا معشر أهل العراق ، إنّه ليس بينكم وبين الفتح في العاجل ، والجنّة في الآجل إلاّ ساعة من النهار ، فارسوا أقدامكم وسوّوا صفوفكم ، وأعيروا ربّكم جماجمكم ، واستعينوا باللّه إلهكم ، وجاهدوا عدوّ اللّه وعدوّكم ، واقتلوهم قتلهم اللّه وأبادهم ، ( وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )(٢٥)
أمّا عن مواقف عمّار بن ياسر (رضوان اللّه عليه) في صف الإمام فهي في المكانة العليا ، ويمكن أن نتبيّنها من خلال هذه الرواية :
عن أسماء بن حكيم الفزاري ، قال : كنّا بصفين مع علي تحت راية عمّار بن ياسر ، ارتفاع الضحى وقد استظللنا برداء أحمر ، إذ أقبل رجل يستقري الصف حتى انتهى إلينا ، فقال : أيّكم عمّار بن ياسر ؟
فقال عمّار : أنا عمّار
قال : أبو اليقظان ؟
قال : نعم
قال : إنّ لي إليك حاجة ، أفأنطق بها سرّاً أو علانية ؟
قال : اختر لنفسك أيّهما شئت ؟
قال : لا ، بل علانية
قال : فانطق
قال : إنّي خرجت من أهلي مستبصراً في الحق الذي نحن عليه ، لا أشك في ضلالة هؤلاء القوم وإنّهم على الباطل ، فلم أزل على ذلك مستبصراً حتى ليلتي هذه ، فإنّي رأيت في منامي مناديا تقدم فأذّن وشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ، ونادى بالصلاة ، ونادى مناديهم مثل ذلك ، ثمّ أُقيمت الصلاة فصلّينا صلاة واحدة ، وتلونا كتاباً واحداً ، ودعونا دعوة واحدة ، فأدركني الشك في ليلتي هذه ، فبتّ بليلة لا يعلمها إلاّ اللّه حتى أصبحت ، فأتيت أمير المؤمنين فذكرت ذلك له ، فقال : (( هل لقيت عمّار بن ياسر ؟ ))
قلت : لا
قال : (( فالقه ، فانظر ما يقول لك عمّار فاتبعه ))
فجئتك لذلك
فقال عمّار : تعرف صاحب الراية السوداء المقابلة لي ، فإنّها راية عمرو بن العاص ، قاتلتها مع رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ثلاث مرّات ، وهذه الرابعة فما هي بخيرهنّ ولا أبرهنّ ، بل هي شرّهنّ وأفجرهنّ أشهدت بدراً وأُحداً ويوم حنين ، أو شهدها أب لك فيخبرك عنها ؟
قال : لا
قال : فإنّ مراكزنا اليوم على مراكز رايات رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ، يوم بدر ويوم أُحد ويوم حنين ، وإنّ مراكز رايات هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب ، فهل ترى هذا العسكر ومَنْ فيه ؟ واللّه لوددت أنّ جميع مَنْ فيه ممّنْ أقبل مع معاوية يريد قتالنا ، مفارقاً للذي نحن عليه كانوا خلقاً واحداً ، فقطعته وذبحته ، واللّه لدماؤهم جميعاً أحلّ من دم عصفور ، أفترى دم عصفور حراماً ؟
قال : لا ، بل حلال
قال : فإنّهم حلال كذلك أتراني بيّنت لك ؟
قال : قد بيّنت لي
قال : فاختر أيّ ذلك أحببت
فانصرف الرجل ، فدعاه عمّار ثمّ قال : أما إنّهم سيضربونكم بأسيافكم حتى يرتاب المبطلون منكم ، فيقولوا : لو لم يكونوا على حقّ ما ظهروا علينا ، واللّه ما هم من الحقّ ما يقذى عين ذباب ، واللّه لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنّا على حقّ وأنّهم على باطل(٢٦)
وعمّار إذ يقف هذا الموقف ، إنّما يصغي إلى صوت اللّه تعالى يدعوه : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ )( سورة البقرة / ١٩٣)
٣ ـ مفهوم الفتنة ، والعجز عن الوقوف مع الحقّ
قال تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا )(سورة التوبة / ٤٩)
جرت على السُنّة بعض الباحثين ؛ قديماً وحديثاً ، مقولة أنّ هذه الأحداث كانت فتنة لا يدري المرء فيها وجه الخطأ من الصواب ، أو الحقّ من الباطل ، وكلمه (الفتنة) هنا بمعنى انعدام القدرة على التمييز
وهذه الحالة ، أي انعدام القدرة على التمييز ، قد تكون نابعة من قدرة الشخص نفسه وضميره ومعارفه ، أو من الظروف الملتبّسة بالأحداث ، كأن تكون أحداثاً ومعارك لا تُعرف الهوية الحقيقية لأبطالها ، ولا تاريخهم الشخصي أو تاريخهم العام ، ولا يمكن معرفة تسلسل الوقائع التي قادت إلى هذه اللحظة
وأعتقد أنّ هذا الكلام لا ينطبق بحال على هذه الكارثة الفاجعة ، أو على مجموعة الكوارث التي حلّت بأُمّة محمد (صلّى الله عليه وآله) ، فلا يبقى إلاّ أن نقول : إنّ عدم وضوح الرؤية إنّما هو نابع من الحالة الشخصية والنفسية لبعض الأشخاص الذين عجزت نفوسهم وهممهم عن ملاحقة تيار الحقّ الصامد بقيادة أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) ، فاختاروا موقفاً يكون شعاره (ولا تفتنّي) ، وحقيقته كما قال سبحانه وتعالى : ( أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا )
لم تكن الكارثة الفاجعة التي لحقت بالأُمّة الإسلامية في هذه المرحلة من بدايات تاريخها هيّنة ولا سهلة ؛ فقد كانت كارثة انشقاق أوّلاً ، ثمّ كارثة ضلال وإضلال ثانياً
وقد مارسها أئمّة الفتنة والضلال من بني أُميّة ، إضافة إلى أنّ حادثة الانقسام لم تحدث في فراغ ، وإنّما شقّت معها جسد الأُمّة الوليد الذي لم يكن قد بلغ بعد مرحلة النضج ، ولا هي جرت في هدوء وصمت ، وإنّما صاحبها ضجيج وصخب أدى إلى التشويش على إمام الحقّ علي (عليه السّلام) ؛ ممّا أدّى إلى حالة من الارتياب أصابت الجميع ، وليس أدلّ على هذا من ذلك الرجل التائه الذي رأى الفريقين يصلّون ويقرؤون قرآناً واحداً ، فأصابته هزّة شديدة فذهب يسأل الإمام (عليه السّلام) ، فأحاله على عمّار (رضوان اللّه عليه) الذي أجابه إجابة العارف الخبير الذي لا يُخدع
ولكن من أين للأُمّة بمثل عمّار ، أو مالك الأشتر ، أو أبو الهيثمي التيهان ؟ هؤلاء الخلّص من أصحاب محمد (صلّى الله عليه وآله) ، الذين صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه ، وعملوا بوصيته الخالدة : (( مَنْ كنت مولاه فعلي مولاه ، اللّهمّ والِ مَنْ والاه ، وعادِ مَنْ عاداه ))
٤ ـ التحكيم : خديعة الذين جعلوا القرآن عضين
وتلبّس إبليس (الذين جعلوا القرآن عضين) قال تعالى : ( كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ )( سورة الحجر / ٩٠ - ٩١)
الفتنة تبلغ مداها ، والهزيمة على وشك أن تحلّ بجيش الردّة الأموي ، يتفتّق ذهن الوزير الأوّل عن مكيدة يكيد بها الأُمّة ، ويشقّ صفّها ، ويذهب ريحها ، وبهذا يتحقّق له من داخل الصف المسلم ما فشل في تحقيقه طوال قرابة عشرين عاماً من المواجهة المسلّحة مع الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) قُبيل ادّعائه الإسلام
ولنرجع إلى تاريخ الطبري :
لمّا رأى عمرو بن العاص أنّ أمر أهل العراق قد اشتدّ وخاف الهلاك ، قال لمعاوية : هل لك في أمر أعرضه عليك ، لا يزيدنا إلاّ اجتماعاً ، ولا يزيدهم إلاّ فرقة ؟
قال : نعم
قال : نرفع المصاحف ، ثمّ نقول : ما فيها حكم بيننا وبينكم ، فإن أبى بعضهم وجدت فيهم مَنْ يقول : بلى ، ينبغي أن نقبل ، فتكون فرقة تقع بينهم ، وإن قالوا : بلى ، نقبل ما فيها ، رفعنا هذا القتال عنّا ، وهذه الحرب إلى أجل وحين
فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا : هذا كتاب اللّه (عزّ وجلّ) بيننا وبينكم ، مَنْ لثغور أهل الشام بعد أهل الشام ؟ ومَنْ لثغور أهل العراق بعد أهل العراق ؟
فلمّا رأى الناس المصاحف قد رُفعت ، قالوا : نُجيب إلى كتاب اللّه (عزّ وجلّ) وننيب إليه(٢٧)
وهنا لا بدّ لنا من وقفة مع قضية التحكيم رغم كونها ليست قضية أساسية في هذا البحث ، وإنّما نعرض لها في إطار بحث رؤية الأمويين للإسلام وحقيقة موقفهم من كتاب اللّه (عزّ وجلّ) وما ورد فيه من أحكام ، ومن ثمّ طبيعة دولتهم التي قامت بعد هذا من خلال هذه الرؤية
ثمّ نعرض موقف أئمّة الحق من آل محمد (عليهم السّلام) من هذه الدولة من خلال ثورة الإمام الشهيد الحسين (عليه السّلام)
فها هو عمرو بن العاص يعلن الغرض الحقيقي لطلاّب التحكيم ، فيقول : إنّ عرض التحاكم لكتاب اللّه (عزّ وجلّ) أمر يُراد به تفريق الصف المسلم ، أو الكيان الشرعي للأُمّة المتجمع خلف إمام الأُمّة علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، وزيادة توحّد الفئة الباغية أو حزب الشيطان ، فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال ؟
ترى كيف كان موقف أبي جهل أو أبي سفيان من أئمّة الكفر والضلال من وحدة الصف المسلم ومن القيادة الشرعية للأُمّة ؟ هل كان أيّ من هؤلاء يحلم بأن يحقّق ما حقّقه معاوية وعمرو ؟ ولكن هذه المرّة يحاربون الإسلام بالسلاح نفسه الذي انتصر به على معسكر الشرك في الجولة الأولى ، ولكن هذه المرّة بعد أن جعله ابن أبي سفيان وابن العاص (عضين) ، أي مزقاً وهزوا
ثمّ نرى ونسمع بعد ذلك مَنْ يحاول ويزعم ويدّعي أنّ الدولة الأُمويّة كانت تمثّل امتداداً للشرعية التي جاء بها رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله)
أو يقول قائل : إنّ الحسين (عليه السّلام) قُتل بسيف جدّه رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ، هل كان الرسول على الباطل ؟! وهل جاء الرسول بقرآن يتّخذه معبراً ليجلس على أجساد المسلمين وينعم بأموالهم ؟! أم إنّه (صلّى الله عليه وآله) كان كما قال عنه ربّنا (عزّ وجلّ) : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )(سورة التوبة / ١٢٨) ، وقوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ )(سورة الجمعة / ٢)
ونعود إلى تاريخ الطبري لنسمع ردّ الإمام علي(عليه السّلام) على هذا العرض المخادع ، فلو كان القوم أصحاب ديانة حقّاً فلماذا لم يدخلوا في طاعة إمام الحقّ ؟! ولماذا استباحوا قتال مَنْ لا يحلّ قتاله من النساء والأطفال ولو كانوا مشركين ؟! فأيّ مصداقية لطلبهم التحاكم إلى كتاب اللّه ؟
فكان ردّه (عليه السّلام) : (( عباد اللّه ، امضوا على حقّكم وصدقكم وقتال عدوّكم ؛ فإنّ معاوية وعمرو بن العاص ، وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمو ، وابن أبي سرح والضحّاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، أنا اعرف بهم منكم ، قد صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال
ويحكم ! إنّهم ما رفعوها ثمّ لا يرفعونها ولا يعلمون بما فيها ، وما رفعوها لكم إلاّ خديعة ودهناً ومكيدة ))
فقالوا له : ما يسعنا أن نُدعى إلى كتاب اللّه (عزّ وجلّ) فنأبى أن نقبله
فقال لهم : (( فإنّي إنّما قاتلتهم ليدينوا بحكم هذا الكتاب ؛ فإنّهم قد عصوا اللّه (عزّ وجلّ) ونسوا عهده ونبذوا كتابه ))(٢٨)
وهكذا وقعت الكارثة والفتنة ؛ حيث امتنعت الرؤية الصائبة على أكثر المسلمين وصار الناس في حيرة ، وصدق اللّه (عزّ وجلّ) [ حيث يقول ] : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ )(سورة البقرة / ١٧) ، وأي ظلمة أشدّ من العجز عن إدراك الطريق ، صراط اللّه المستقيم ، ونهج الرسول وأئمّة الحقّ
أسباب قبول التحكيم
لا بدّ لنا من تأمّل هذه المرحلة المفصلية في تاريخ الأُمّة ، فنسأل : لماذا قبل الإمام علي (عليه السّلام) التحكيم في نهاية المطاف ؟ ولماذا لم يصرّ على مواصلة القتال حتى القضاء على رأس الأفعى الأُمويّة ؟ فإذا قيل : إنّ الناس خذلوه ، قالوا : أليس هؤلاء هم الشيعة الذين خذلوا الحسين (عليه السّلام) بعد ذلك ؟!
لا سبيل أمامنا سوى مواصلة قراءة النصّ التاريخي حتى تتّضح الحقيقة لكلّ ذي عينين
ينقل لنا ابن أبي الحديد عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم ، قال : إنّه لمّا كان يوم الثلاثاء ، عاشر شهر ربيع الأوّل ، سنة سبع وثلاثين ، زحف أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) بجيشه ، وخرج رجل من أهل الشام فنادى بين الصفين : يا أبا الحسن ابرز إليّ ، فخرج إليه علي (عليه السّلام) فقال : إنّ لك يا علي لقدماً في الإسلام والهجرة ، فهل لك في أمر أعرضه عليك ، يكون فيه حقن هذه الدماء ؟
قال : (( وما هو ؟ ))
قال : ترجع إلى عراقك فنخلّي بينك وبين العراق ، ونرجع نحن إلى شامنا فتخلّي بيننا وبين الشام
فقال علي (عليه السّلام) : (( قد عرفت ما عرضت ، إنّ هذه لنصيحة وشفقة ، ولقد أهمّني هذا الأمر وأسهرني ، وضربت أنفه وعينه فلم أجد إلاّ القتال أو الكفر بما أنزل اللّه على محمد ؛ إنّ اللّه تعالى ذكره ، لم يرضَ من أوليائه أن يُعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون ، لا يأمرون بمعروف ، ولا ينهون عن منكر ، فوجدت القتال أهون عليّ من معالجة في الأغلال في جهنم ))
قال : فرجع الرجل وهو يسترجع(٢٩)
إمام الأُمّة يتلقّى عرضاً من مندوب بني أُميّة بتقسيم الأُمّة إلى قسمين (عراق وشام) هكذا ببساطة شديدة ، فيكون يومها إسلام عراقي وإسلام شامي ، واليوم إسلام أمريكي ، فهل كان بإمكانه القبول بهذا العرض المرادف للكفر ؟
التهب القتال ، ودارت آلة الحرب في ما عُرف بليلة الهرير ، وتشاور ابن آكلة الأكباد وابن النابغة حول الورقة الأخيرة للخروج من الهزيمة المروعة ، فلم يجد الشيطان أجدى ولا أنجح من الاستهزاء بكتاب اللّه وادّعاء التحاكم إليه ، كما صرّح هو بذلك
ولمّا أصبح الصبح ، نظر عسكر العراق إلى عسكر الشام ليجدوا المصاحف قد رُبطت في أطراف الرماح
قال أبو جعفر وأبو الطفيل : استقبلوا عليّاً بمئة مصحف ، ووضعوا في كلّ مجبنة مئتي مصحف ، فكان جميعها خمسمئة مصحف(٣٠)
كان هذا هو الحال على المستوى السياسي ، وسنقرأ بعد هذا بعض ردود أفعال مَنْ كانوا في صف الإمام علي (عليه السّلام) ؛ لنعرف حقيقة هؤلاء (الشيعة المزعومين)
أمّا على المستوى العسكري ، فيروي نصر بن مزاحم : وكان الأشتر صبيحة ليلة الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ، عندما جاءه رسول الإمام علي (عليه السّلام) أن ائتني
فقال : ليس هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي ، إنّي قد رجوت الفتح فلا تعجلني
فرجع يزيد بن هانئ إلى علي (عليه السّلام) فأخبره ، فما هو إلاّ أن انتهى إلينا حتى ارتفع الرهج وعلت الأصوات من قبل الأشتر ، وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق ، ودلائل الخذلان والإدبار على أهل الشام ، فقال القوم لعلي : واللّه ما نراك أمرته إلاّ بالقتال !
قال : (( أرأيتموني ساررت رسولي إليه ؟ أليس إنّما كلمته على رؤوسكم علانية وأنتم تسمعون ؟! ))
قالوا : فابعث إليه أن يأتيك ، وإلاّ فواللّه اعتزلناك !
فقال : (( ويحك يا يزيد ! قل له : أقبل فإنّ الفتنة قد وقعت ))
فأتاه فأخبره ، فقال الأشتر : أبرفع هذه المصاحف ؟!
قال : نعم
قال : واللّه ألا ترى إلى الفتح ! ألا ترى إلى ما يلقون ! ألا ترى إلى الذي يصنع اللّه لنا ؟ أينبغي أن ندع هذا وننصرف عنه ؟!
قال له يزيد : أتحبّ أنّك ظفرت هاهنا وأنّ أمير المؤمنين بمكانه الذي هو فيه يسلّم إلى عدوّه ؟!
قال : لا واللّه لا أحبّ ذلك
قال : فافهم قد قالوا له ، وحلفوا عليه لتُرسلنّ إلى الأشتر فليأتينّك أو لنقتلنّك بأسيافنا كما قتلنا عثمان ، أو لنسلمنّك إلى عدوّك
فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم وقال : يا أمير المؤمنين ، احمل الصف على الصف تصرع القوم
فتصايحوا : إنّ أمير المؤمنين قد قبل الحكومة ، ورضي بحكم القرآن
فقال الأشتر : إن كان أمير المؤمنين (عليه السّلام) قد قبل ورضي فقد رضيت
فأقبل الناس يقولون : قد رضي أمير المؤمنين ، قد قبل أمير المؤمنين ، وهو ساكت لا ينطق بكلمة مطرق إلى الأرض
ثمّ قام فسكت الناس كلّهم ، فقال : (( إنّ امرئ لم يزل معكم على ما أحبّ إلى أن أُخذت منكم الحرب ، وقد واللّه أُخذت منكم وتُركت ، وأُخذت من عدوّكم ولم تُترك ، وإنّها فيكم أنكى وأنهك ، ألا إنّي كنت أمس أمير المؤمنين فأصبحت اليوم مأموراً ، وكنت ناهياً فأصبحت منهيّاً ، وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون ))
ثمّ قعد(٣١)
هل بعد هذا يُقال أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) كان راضياً ؟ وهل كان بإمكانه (سلام اللّه عليه) إجبارهم على النهوض لقتال الظالمين ؟ ولو كان إجبار الناس على الاستجابة للأمر الإلهي من مهّام الرسل والأنبياء والأئمّة ، فلماذا عاتب القرآن القاعدين عن الجهاد بقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ )(سورة التوبة / ٣٨) ، ولمّا فرّ مَنْ فرّ من المسلمين من أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه وآله) : (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ )(سورة التوبة / ٢٥) ، ولمّا فرّوا يوم أُحد : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا )(سورة آل عمران / ١٥٥) ؟
وإن لم نكن في صدد تحقيق تاريخ بعض رؤساء العشائر الذين كانوا مع الإمام علي تفصيلاً ، فإنّنا نكتفي بأن نورد ما قاله الدكتور طه حسين في كتابه (علي وبنوه) : وأكبر الظنّ أنّ بعض الرؤساء من أصحاب علي لم يكونوا يخلصون له نفوسهم ولا قلوبهم ، ولم يكونوا ينصحون له ؛ لأنّهم كانوا أصحاب دنيا لا أصحاب دين ، وكانوا يندمون في دخائل أنفسهم على تلك الأيام الهينة اللينة التي قضوها أيام عثمان ينعمون بالصلات والجوائز والأقطاع
ويجب أن نذكر أيضاً أنّ علياً لم ينهض إلى الشام بأهل الكوفة وبمَنْ تابعه من أهل الحجاز وحدهم ، وإنّما نهض كذلك بألوف من أهل البصرة ، كان منهم مَنْ وفى له يوم الجمل ، وكان منهم مَنْ اعتزل الناس في ذلك اليوم أيضاً ، وكان منهم مع ذلك كثير من الذين انهزموا بعد مقتل طلحة والزبير(٣٢)
لم يكن هؤلاء إذاً من الشيعة ، ولا من العارفين بفضل آل بيت محمد عامّة والإمام علي خاصة ، وإلا لما هدّدوا بقتله ، أو تسليمه إلى ابن آكلة الأكباد كما أسلفنا
ولسنا نجد ما يصف هؤلاء أبلغ من كلمات الإمام (عليه السّلام) مخاطباً إيّاهم : (( أما والذي نفسي بيده ، ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم ، ليس لأنّهم أولى بالحقّ منكم ، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم ، وإبطائكم عن حقّي ، ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها ، وأصبحتُ أخاف ظلم رعيتي
استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا ، وأسمعتكم فلم تسمعوا ، ودعوتكم سرّاً وجهراً فلم تستجيبوا ، ونصحت لكم فلم تقبلوا أشهود كغياب ، وعبيد كأرباب ؟! أتلوا عليكم الحكم فتنفرون منها ، وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرّقون عنها ، وأحثّكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرّقين أيادي سَبَا ترجعون إلى مجالسكم ، وتتخادعون عن مواعظكم
أقوّمكم غدوة وترجعون إليّ عشيّة ، كظهر الحنيّة عجز المقوِّم وأعضل المقوَّم
أيّها القوم الشاهدة أبدانهم ، الغائبة عنهم عقولهم ، المختلفة أهواؤهم ، المبتلى بهم أمراؤهم ، صاحبكم يطيع اللّه وأنتم تعصونه ، وصاحب أهل الشام يعصى اللّه وهم يطيعونه ! لوددت واللّه أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم ، فأخذ منّي عشرة منكم وأعطاني رجلاً منهم ))(٣٣)
وهكذا سارت أمور هذه الأُمّة المنكوبة ، أمر الباطل يعلو وأمر الحق يهبط ، اجتماع على الباطل والدنيا في معسكر الشام ، وتفرّق عن الحقّ في المعسكر المقابل حتى بلغ الكتاب أجله ، ففاض الكيل وطفّ الصاع ، حتى قُتل الإمام (عليه السّلام) على يد أشقاها ابن ملجم المرادي
وهكذا غاب عن الحضور ولا نقول عن الوجود شمس هذه الأُمّة بعد رسولها الإمام علي (عليه السّلام) ، أوّل مَنْ أسلم وأوّل مَنْ صلّى خلف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، وباب مدينة علم رسول اللّه ، وهكذا صار المشروع الأموي قاب قوسين أو أدنى من التحقّق
هدنة في صراع يمتدّ قروناً
بويع للإمام الحسن (عليه السّلام) بالخلافة بعد استشهاد أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) عام (٤٠ هـ ، ٦٦١ م) ، وقد زاغت الأبصار ، وبلغت القلوب الحناجر ، ولم يعد للقوم صبر ولا رغبة في قتال القاسطين
أحبّ القوم الحياة ورغبوا فيها ، يستوي لديهم أن يكون قائدهم علياً أو معاوية ، بل لعلّ معاوية أصلح لدنيا بعض الذين لم يعد لهم إلاّ الحياة الدنيا
أمر القائد الجديد جيشه وأتباعه بأن يستعدّوا للقتال ، فخطبهم قائلاً : (( أمّا بعد ، فإنّ اللّه كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً ، ثمّ قال لأهل الجهاد من المؤمنين : ( وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ، فلستم أيّها الناس نائلين ما تحبّون إلاّ بالصبر على ما تكرهون اخرجوا رحمكم اللّه إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا ))
قال : وإنّه في كلامه ليتخوّف خذلان الناس له
قال : فسكتوا ، فما تكلّم منهم أحد ، ولا أجابه بحرف
فلمّا رأى ذلك عدي بن حاتم ، قام فقال : أنا ابن حاتم ! سبحان اللّه ! ما أقبح هذا المقام ! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم ؟! أين خطباء مضر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة ؟! فإذا جدّ الجدّ فرواغون كالثعالب ، أما تخافون مقت اللّه ولا عيبها وعارها ؟!(٣٤)
يتّضح من طبيعة خطاب الإمام الحسن (عليه السّلام) للقوم ، واستخدامه لهذه العبارات : ( إنّ اللّه فرض القتال وسمّاه كرهاً ) ، و( لستم نائلون ما تحبّون إلاّ بالصبر على ما تكرهون ) ، ثمّ حالة الصمت التي انتابت الناس ، إنّ الهزيمة النفسية قد أصابتهم ولم تعد بهم رغبة في جهاد ولا بذل ولا تضحية ؛ فقد جرّبوا الدنيا وحلاوتها وباتوا يريدونها ، وهم لن يجدوا ما يطمعون فيه ، وخاصة رؤسائهم في ظلّ العدل ، وإنّما اشرأبّت نفوسهم إلى بني أُميّة قادة المرحلة القادمة ، ومنظّرو الإسلام الأُموي الذي كان المقدّمة الطبيعية لكلّ الانحرافات وأصناف الشذوذ التي عانت منها الأُمّة المسلمة وصولاً للإسلام الأمريكي
نعود إلى النصّ التاريخي فنقرأ : قال عدي بن حاتم ما قال ، ثمّ أعلن توجّهه إلى معسكر القتال
وقام قيس بن سعد بن عبادة ومعقل بن قيس الرياحي فقالوا مثل ما قال عدي بن حاتم وتحرّكوا إلى معسكرهم ، ومضى الناس خلفهم متثاقلين
وعبّأ الإمام الحسن (عليه السّلام) جيشه ، ثمّ خطبهم فقال : (( الحمد للّه كلّما حمده حامد ، وأشهد ألاّ إله إلاّ اللّه كلّما شهد له شاهد ، وأشهد أنّ محمداً رسول اللّه ، أرسله بالحق ، وائتمنه على الوحي (صلّى اللّه عليه وآله)
أمّا بعد ، فواللّه إنّي لأرجو أن أكون بحمد اللّه ومنّه ، وأنا أنصح خلقه لخلقه ، وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة ، ولا مريداً له بسوء ولا غائلة
ألا وإنّ ما تكرهون في الجماعة خير لكم ممّا تحبّون في الفرقة ، ألا وإنّي ناظر لكم خيراً من نظركم لأنفسكم ، فلا تخالفوا أمري ولا تردّوا عليّ رأيي
غفر اللّه لي ولكم ، وأرشدني وإيّاكم لما فيه محبّته ورضاه إن شاء اللّه ))
ثمّ نزل
قال : فنظر الناس بعضهم إلى بعض ، وقالوا : ما ترونه يريد بما قال ؟
قالوا : نظنّه يريد أن يصالح معاوية ، ويكل الأمر إليه كفر واللّه الرجل !
ثمّ شدّوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاّه من تحته ، ثمّ شدّ عليه عبد الرحمن بن عبد اللّه بن جعال الأزدي فنزع مطرفة عن عاتقه ، فبقي جالساً متقلّداً سيفاً بغير رداء ، فدعا بفرسه فركبه فلمّا مرّ في مظلم ساباط قام إليه رجل من بني أسد فأخذ بلجام فرسه ، وقال : اللّه أكبر يا حسن ، أشرك أبوك ، ثمّ أشركت أنت ؟!
وطعنه بالمعول ، فوقعت في فخذه ، فشقّه حتى بلغت أربيته ، وحُمِلَ الحسن (عليه السّلام) على سرير إلى المدائن ...(٣٥)
هكذا كانت الصورة ، وهي لا تحتاج إلى مزيد من الإيضاح والتعليق ؛ معاول الفتنة والهدم تضرب جسد الأُمّة من كلّ جانب
الأمراض الفكرية والأخلاقية تنهش فيها ، وقد اجتمع الدعاة إلى دولة القردة والخنازير على كلمة سواء ، هي هدم دولة أئمّة الحق من آل محمد بكلّ ما لديهم من وسائل الإقناع والتشويه والتمويه والإغراء والاغتيال والفساد
والآن لا مفرّ من هدنة ، والصراع سيمتد قروناً وقروناً ، ولم يأتِ بعد أوان حسم الصراع ، والمهمّة العاجلة أمام أئمّة الحق من آل محمد في هذه اللحظة هي إمامة الخط الإلهي الرباني داخل جسد الأُمّة ، والحفاظ على مَنْ يمثّلون هذه الرؤية لينقلوها إلى مَنْ بعدهم ، لا إهلاكهم في جولة صراع معلومة النتائج سلفاً
ــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ تفسير الطبري ٩ / ١١٣ ، دار الفكر ، بيروت ، ١٩٨٨
٢ ـ الدرّ المنثور ـ للسيوطي ٥ / ٣٠٩ طبع دار الفكر ، بيروت ، ١٩٩٣م
٣ ـ المصدر نفسه
٤ ـ المصدر نفسه
٥ ـ ينابيع المودّة ٢ / ١٤٢ ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت
٦ ـ الإصابة في تمييز الصحابة ـ للحافظ بن حجر العسقلاني ١ / ١٧٠ ـ ٢٧١ ، رقم ٢٦٦ (أنس بن الحارث) مطبعه دار الكتب العلمية بيروت ، ط١ ، سنة ١٩٩٥
٧ ـ الصواعق المحرقة ـ لابن حجر / ٢٩٢ ، ح٢٨ ، طبعة دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط٣ / ١٤١٤ هـ ـ ١٩٩٣ م
٨ ـ المصدر نفسه / ٢٩٢ ـ ٢٩٣ ، ح٣٠
٩ ـ تفسير ابن كثير ٢ / ٤٥٣ ـ ٤٥٤ ، دار الفكر ، بيروت ، ١٤١٤ هـ ـ ١٩٩٤ م
١٠ ـ المصدر نفسه ٢ / ٤٥٤
١١ ـ المصدر نفسه
ــــــــــــــــــــــــــ
١٢ ـ تاريخ الأمم والملوك ـ للطبري ٣ / ٥٦١ ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت
١٣ ـ المصدر نفسه ٣ / ٥٥٩ ـ ٥٦٠
١٤ ـ مقاتل الطالبيين / ٧٦ ـ ٧٧ ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، ١٤٠٨ هـ ـ ١٩٨٧ م
١٥ ـ تاريخ الطبري ٣ / ٥٥٢ ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت
١٦ ـ المصدر نفسه ٣ / ٥٥٢ ـ ٥٥٣
١٧ ـ المصدر نفسه ٣ / ٥٥٤
١٨ ـ المصدر نفسه
١٩ ـ المصدر نفسه ٤ / ١٠٣
٢٠ ـ المصدر نفسه
٢١ ـ تاريخ الأمم والملوك ـ لابن جرير الطبري ٤ / ١٠٤
٢٢ ـ المصدر نفسه ٤ / ١٠٧
٢٣ ـ شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ٥ / ١٨١ ، الطبعة الأولى ، دار الجيل ، بيروت ، ١٤٠٧ هـ ـ ١٩٨٧ م
٢٤ ـ المصدر نفسه ٥ / ١٨٩ ـ ١٩٠
٢٥ ـ المصدر نفسه ٥ / ١٩٠
٢٦ ـ المصدر نفسه ٥ / ٢٥٦ ـ ٢٥٨
٢٧ ـ تاريخ الأمم والملوك ـ للطبري ٤ / ٣٤
٢٨ ـ المصدر نفسه
٢٩ ـ شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ٢ / ٢٠٧ ـ ٢٠٨ ، ط١ ، دار الجيل ، بيروت ، ١٤٠٧ هـ ـ ١٩٨٧ م
٣٠ ـ المصدر نفسه
٣١ المصدر نفسه ٢ / ٢١٧ ـ ٢٢٠
٣٢ ـ علي وبنوه ـ لطه حسين / ٨٠ ـ ٨١ ، طبع دار المعارف ، مصر
٣٣ ـ شرح نهج البلاغة ٢ / ١٨٣ ، دار الهدى الوطنية ، بيروت
٣٤ ـ المصدر نفسه ٤ / ١٤ نقلاً عن أبي الفرج
٣٥ ـ شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ١٦ / ٤٠ ـ ٤٢ ، دار الجيل ، بيروت
والأهم من هذا أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) لا ينطلقون في قراراتهم من رؤية آنية ، وإنّما من رؤية كونية تحدّد مهامّهم بدءاً من بعثة محمد (صلّى اللّه عليه وآله) إلى ظهور المهدي المنتظر (جعلنا اللّه من أنصاره وجنده)
هؤلاء ، أي الرسول والأئمّة (عليه السّلام) لم تحمّلهم الأُمّة المسؤولية ، وإنّما حملوها بأمر من اللّه (عزّ وجلّ) ، فكان إمداد السماء لهم بالتسديد والتأييد والتعزية والتسلية أمراً ضرورياً
من هنا كانت رؤية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) لأولئك القردة الذين كانوا ينزون على منبره ، ونزول قوله تعالى : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ )(سورة الإسراء / ٦٠) ، ثمّ تعزيته من قبل جبرائيل (عليه السّلام) بمقتل الحسين (عليه السّلام) في كربلاء ، ولم يكن شيئاً من هذه السياقات محجوباً لا عن الإمام علي (عليه السّلام) الذي ما فتىء يتعجّل أشقاها أن يأتي ليضربه على رأسه فيستريح من هذه الأُمّة التعسة ، ولا كانت غائبة عن الإمام الحسن (عليه السّلام) حين عقد صلحاً مع إمام البغاة وهادنه(١)
ولكن هذا لا يغني عن إيراد شروط الصلح والمهادنة ، فهي كما أوردها الشيخ الصدوق في كتاب (علل الشرائع) قال : بايع الحسن بن علي (صلوات اللّه عليه) معاوية على ألاّ يسمّيه أمير المؤمنين ، ولا يقيم عنده شهادة ، وعلى ألاّ يتعقّب على شيعة علي شيئاً ، وعلى أن يفرّق في أولاد مَنْ قُتل مع أبيه يوم الجمل وأولاد مَنْ قُتل مع أبيه بصفين ألف ألف درهم ، وعلى أن يجعل ذلك من خراج دار أبجرد
لم يكن ذلك الصلح شيئاً سارّاً لخواص أصحاب الإمام علي الذي أمضّهم هذا فدخل أحدهم على الإمام الحسن (عليه السّلام) قائلاً : السلام عليك يا مذلّ المؤمنين
فقال الحسن : (( اجلس يرحمك اللّه ! إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) رُفع له ملك بني أُميّة فنظر إليهم يعلون منبره واحداً واحداً فشقّ ذلك عليه ؛ فأنزل اللّه في ذلك قرآناً قال له : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) ، وسمعت أبي علياً (رحمه اللّه) يقول : سيلي أمر هذه الأُمّة رجل واسع البلعوم ، كبير البطن ، فسألته : مَنْ هو ؟ فقال : معاوية ، وقال لي : إنّ القرآن قد نطق بملك بني أُميّة ومدّتهم ، قال تعالى : ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ )(سورة القدر / ٣) ، قال أبي : هذا ملك بني أُميّة ))(٢)
١ ـ مسؤولية مَنْ أرادها أمويّة وكرهها إسلامية
قام مُلْك (بني فلان) الذين رأى النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّهم ينزون على منبره نزو القردة
ولا نعفي أحداً من المسؤولية ، لا الذين أضعفوا سلطان آل محمد على قلوب الناس وجعلوا منهم مستشارين عند الضرورة ، ولا الذين جعلوا الإمام علياً سادساً في ما أسموه بالشورى ، وقد قال (عليه السّلام) في ذلك : (( متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتى صرت أُقرن إلى هذه النظائر ؟! ))
ولا الذين مهّدوا لمعاوية سلطانه في الشام ، ولمّا رأوا ما هو فيه من الأُبّهة والسلطان قالوا : (لا نأمرك ولا ننهاك)
كان ابن آكلة الأكباد استثناءً ، ولا الذين حرصوا على سلب أهل البيت أموالهم التي أُعطيت لهم من قبل السماء ، فأخذوا فدكاً من الزهراء ، وحرموا آل محمد حقّهم في الخمس ، ولا الذين حرصوا على إعطاء بني أُميّة ما يتقوون به لإقامة دولتهم ، فأعطوا مروان بن الحكم وابن أبي سرح خمس غنائم أفريقيا ، ولا الذين أشعلوا نار الفتنة في موقعة الجمل الخ
كلّهم مسؤولون وشركاء في هذه الكارثة : ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لاَ َتَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمْ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ )(سورة الصافات / ٢٤ ـ ٢٦) ، كلّهم أرادوها أمويّة وكرهوها إسلامية خالصة للّه
٢ ـ خطبة الافتتاح وشريعة ملوك السوء
ولنسمع خطبة الافتتاح من ابن آكلة الأكباد : ما قاتلتكم لتصلّوا ، ولا لتصوموا ، ولا لتحجّوا ، ولا لتزكّوا ، إنّكم لتفعلون ذلك ، وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد أعطاني اللّه ذلك وأنتم كارهون
كلّ شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين ، لا أفي به(٣)
ولا بأس بأن نورد نماذج من تطبيق الشريعة الإسلامية على الطريقة الأُمويّة ، وهو ما يتمنّاه بعض المخدوعين في هذا الزمان :
أوّلاً : النهج الأُموي يُبيح شرب الخمور
روى أحمد بن حنبل في مسنده عن عبد اللّه بن بريدة قال : دخلت أنا وأبي على معاوية فأجلسنا على الفرش ، ثمّ أُتينا بالطعام فأكلنا ، ثمّ أُتينا بالشراب فشرب معاوية ، ثمّ ناول أبي ، ثمّ قال : ما شربته منذ حرّمه رسول اللّه(٤)
ثانياً : النهج الأُموي يُبيح الربا
أخرج مالك والنسائي وغيرهما من طريق عطاء بن يسار أنّ معاوية باع سقاية من ذهب ، أو ورق بأكثر من وزنها ، فقال له أبو الدرداء (رضى اللّه عنه) : سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ينهى عن مثل هذا إلاّ مثلاً بمثل
فقال له معاوية : ما أرى بمثل هذا بأساً(٥)
ثالثاً : استلحاق زياد
وصّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : (( أنّ الولد للفراش ، وللعاهر الحجر )) متّفق عليه
وقال (صلّى اللّه عليه وآله) : (( مَنْ ادّعى إلى غير أبيه ، وهو يعلم أنّه غير أبيه ، فالجنة عليه حرام ))
رواه البخاري ومسلم وأبو داود
أمّا ابن آكلة الأكباد فجاء بزياد ، وكان يُدعى زياد ابن أبيه ، وتارة زياد ابن أُمّه ، وتارة زياد بن سُميّة ، وأقام الشهادة أنّ أباه أبا سفيان قد وضعه في رحم سُميّة ، وكانت بغياً ، وسمّاه زياد بن أبي سفيان ؛ ليستخدمه في قمع المسلمين الشيعة وقتلهم
رابعاً : قتل الأحرار من أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه وآله)
قال تعالى : (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً )(سورة المائده / ٣٢)
روى الطبري في تاريخه : استعمل معاوية المغيرة بن شعبة على الكوفة وأوصاه : لا تتحمَ عن شتم علي وذمّه ، والترحّم على عثمان والاستغفار له ، والعيب على أصحاب علي والإقصاء لهم ، وترك الاستماع منهم ، وبإطراء شيعة عثمان (رضوان اللّه عليه) والإدناء لهم والاستماع منهم
وأقام المغيرة على الكوفة عاملاً لمعاوية سبع سنين وأشهراً ، وهو من أحسن شيء سيرة ، وأشدّه حبّاً للعافية غير أنّه لا يدع ذمّ علي والوقوع فيه ، والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم ، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لأصحابه ، فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قال : بل إيّاكم فذمم اللّه ولعن
ثمّ قام فقال : إنّ اللّه (عزّ وجلّ) يقول : ( كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ )(سورة النساء / ١٣٥) ، وأنا أشهد أنّ مَنْ تذمّون وتعيّرون لاحق بالفضل ، وأنّ مَنْ تزكّون وتطرون أولى بالذم(٦)
واستمرت هذه الحال حتى ولي زياد الكوفة فقال مثلما كان يقول المغيرة ، وردّ عليه حجر (رضوان اللّه عليه) بمثل ما كان يردّ على المغيرة ، فأرسل زياد إلى أميره معاوية فأمر باعتقاله (وفقاً لقانون طوارئ بني أُميّة) ، وأُرسل إلى ابن آكلة الأكباد مشدوداً في الحديد فأمر بقتله
فقال حجر للذين يلون أمره : دعوني حتى أُصلّي ركعتين
فقالوا : صلِّ فصلّى ركعتين خفّف فيهما ، ثمّ قال : لولا أن تظنّوا بي غير الذي أنا عليه لأحببت أن تكونا أطول ممّا كانتا
ثمّ قال لمَنْ حضره من أهله : لا تطلقوا عنّي حديداً ، ولا تغسلوا عنّي دماً ؛ فإنّي أُلاقي معاوية غداً على الجادة ثمّ قُدّم فضُربت عنقه
لم يكن حجر بن عدى النموذج الوحيد الدالّ على ظلم هذه الدولة الجائرة التي يزعم جاهلو أمرها وحدهم أنّها كانت تحكم ، أو تحكم بشريعة الإسلام
لقد كان بنو أُميّة يدأبون ليل نهار لإطفاء نور اللّه ، وفي الوقت نفسه كان خطّ الأئمّة (عليهم السّلام) قد تحوّل إلى مشروع تأسيس لإقامة دولة المهدي المنتظر وإن تأخّر ذلك قروناً وقروناً
أمّا بنو أُميّة فيجهدون لإحداث أكبر قدر من الدمار بالأُمّة الإسلامية وبرجالاتها وبقيمها
وفي الوقت نفسه كان خطّ آل بيت محمد حريصاً على إبقاء قيم الإسلام الرسالي الأصيل حيّة ومتوهجة ، والتأكيد على أنّ مرحلة التمهيد وتأسيس دولة الإمام المهدي ليست مرحلة هدنة سلبية ، وليست إيثاراً للإبقاء على حياة مجموعة من البشر ، وإنّما إبقاء للقيم وإمدادها بكلّ ما يبقيها متألّقة وحيّة حتى زمن الظهور
٣ ـ مواجهة التزييف ، وإحياء قيم الإسلام
لم تتوقّف المواجهة بين أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) وبين بني أُميّة خلال هذه المرحلة ، وإن ابتعدت عن المعارك العسكرية الكبرى ، فقد سال الكثير من الدماء في هذه المرحلة ، ومنها دماء حجر بن عدي وأصحابه ، وعمرو بن الحمق الخزاعى وغيرهم من خواص أصحاب الإمام علي (عليه السّلام)
وفي مواضع أُخرى كان الأئمّة (عليهم السّلام) يتصدّون لعمليات التزييف التي تمارسها الدعاية الأُمويّة ، ويدعون الناس إلى الحقّ وتغيير الباطل وعدم السكوت عليه
ولنأخذ بعض الأمثلة على ذلك من تاريخ الإمام الحسن (عليه السّلام) قبيل استشهاده ، ثمّ من تاريخ الإمام الحسين (عليه السّلام)
يروى أبو الفرج قال : خطب معاوية بالكوفة حين دخلها والحسن والحسين (عليهما السّلام) جالسان تحت المنبر ، فذكر علياً (عليه السّلام) فنال منه ، ثمّ نال من الحسن
فقام الحسين ليردّ عليه ، فأخذه الحسن بيده فأجلسه ، ثمّ قام فقال : (( أيّها الذاكر عليّاً ، أنا الحسن ، وأبي علي ، وأنت معاوية وأبوك صخر ، وأُمّي فاطمة وأُمّك هند ، وجدّي رسول اللّه وجدّك عتبة بن ربيعة ، وجدّتي خديجة وجدّتك قتيلة ، فلعن اللّه أخملنا ذكراً ، وألأمنا حسباً وشرّنا قديماً وحديثاً ، وأقدمنا كفراً ونفاقاً ))
فقال طوائف من أهل المسجد : آمين(٧)
روى أبو الحسن المدائني قال : سأل معاوية الحسن بن علي بعد الصلح أن يخطب الناس فامتنع ، فناشده أن يفعل ، فوضع له كرسي فجلس عليه ، ثمّ قال : (( الحمد للّه الذي توحّد في ملكه ، وتفرّد في ربوبيته ، يؤتي الملك مَنْ يشاء ، وينزعه عمّن يشاء ، والحمد للّه الذي أكرم بنا مؤمنكم ، وأخرج من الشرك أوّلكم ، وحقن دماء آخركم ، فبلاؤنا عندكم قديماً وحديثاً أحسن البلاء ، إن شكرتم أو كفرتم
أيّها الناس ، إنّ ربّ علي كان أعلم بعلي حين قبضه إليه ، وقد اختصه بفضل لم تعتادوا مثله ، ولم تجدوا سابقته ، فهيهات هيهات ! طالما قلبتم له الأمور حتى أعلاه اللّه عليكم وهو صاحبكم ، وعدوّكم في بدر وأخواتها ، جرّعكم رنقاً ، وسقاكم علقاً ، وأذلّ رقابكم ، وأشرقكم بريقكم ، فلستم بملومين على بغضه ، وأيم اللّه لا ترى أُمّة محمد خفضاً ما كان سادتهم وقادتهم في بني أُميّة ، ولقد وجّه اللّه إليكم فتنة لن تصدروا عنها حتى تهلكوا ؛ لطاعتكم طواغيتكم ، وانضوائكم إلى شياطينكم ، فعند اللّه احتسب ما مضى وما يُنتظر من سوء دعتكم ، وحيف حكمكم ))(٨)
يقول أبو الفرج : لمّا أراد معاوية البيعة لابنه يزيد فلم يكن عليه شيء أثقل من أمر الحسن بن علي وسعد بن أبي وقّاص فدسّ إليهما سمّاً فماتا
استشهد الإمام الحسن (عليه السّلام) في ربيع الأوّل عام تسعة وأربعين ، وحمل الإمام الحسين (عليه السّلام) عبء مواجهة الأمويين طوال هذه المرحلة حتى استشهاده(عليه السّلام) في واقعة كربلاء
وكما أسلفنا كانت هذه المرحلة مرحلة مواجهة (غير مسلحة) ، وهي كلمة غير دقيقة ، وإلاّ فبماذا نصف قتل حجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما ، ومئات غيرهم ممّن لم تشتهر أسماؤهم على يد شرطة معاوية وزياد وابن زياد وسمرة بن جندب وغيرهم
وإذا قلنا غير مسلحة فإنّنا نعني عدم حدوث معارك كبرى فقط
كانت هذه المرحلة التي امتدّت من عام تسع وأربعين حتى هلاك الطاغية مرحلة تسابق
إنّ الطاغية يحاول تكريس نهج الدولة الأُموية وتحويله إلى قدر أبدي (وهو ما نجح في بعضه) ، والإمام الحسين (عليه السّلام) يحاول إحياء موات هذه الأُمّة وردّهم إلى الدين الصحيح ، دين محمد وعلي
٤ ـ محاولة تحويل (النهج الأُموي) إلى قدر أبدي
نفّذ معاوية سياسة واضحة المعالم ، من أبرز معالمها :
ا ـ لعن آل البيت (عليهم السّلام) ، وخاصة إمام الأئمّة علي بن أبي طالب (عليه السّلام) على منابر الأُمّة ، صباح مساء
ب ـ العمل على رفع مكانة مناوئي أهل البيت ومنافسيهم باختلاق الروايات المنسوبة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)
ج ـ القضاء على خطوط الدفاع بقتل رجال الشيعة واغتيالهم ، مثل حجر وعمرو بن الحمق كما أسلفنا ، بل وحتى قتل أيّ معارض آخر له وزن وإن لم يكن من شيعة أهل البيت (عليهم السّلام) ، ومثال ذلك : سعد بن أبي وقّاص وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد
د ـ استعمال سياسة الرشوة وإفساد الذمم لاستماله مَنْ تبقّى
وهذه السياسات نفسها هي التي بدا بها تمدّده السرطاني في جسد الأُمّة
٥ ـ امتداد المُلك يزيد ولّي عهد
أراد ابن آكلة الأكباد أن يمهّد الأمر ليزيد ابنه ؛ ليمتدّ المُلك في عقبه حتى قيام الساعة
ومَنْ يتتبّع أخبار الرواة في هذا الصدد يجد تبايناً ، فمن قائل يقول : إنّ هذا الأمر كان بمبادرة من المغيرة بن شعبة ليمدّ له معاوية في ولايته على الكوفة ، ومن قائل يقول : إنّ هذا كان بأمر من معاوية ، واتفاق مع الضحّاك بن قيس
وما أعتقده أنّ هذه أمور واحدة ؛ كلّ المنافقين يعلمون رغبة سيّدهم ، والكلّ يتبارى في اختيار الأُسلوب الملائم للتنفيذ ، ولا بأس بإيراد بعض النماذج التي توضّح طبيعة المُلك الأُموي وسياسته :
أوفد المغيرة بن شعبة عشرة من شيعة بني أُميّة إلى معاوية ليطالبوا ببيعة يزيد ، وعليهم موسى بن المغيرة ، فقال معاوية : لا تعجلوا بإظهار هذا ، وكونوا على رأيكم
ثمّ قال لموسى : بكم اشترى أبوك هؤلاء من دينهم ؟
قال : بثلاثين ألفاً
قال : لقد هان عليهم دينهم
لمّا اجتمعت عند معاوية وفود الأمصار بدمشق بإحضار منه ، دعا الضحّاك بن قيس ، فقال له : إذا جلست على المنبر ، وفرغت من بعض موعظتي وكلامي فاستأذنّي للقيام ، فإذا أذنت لك فاحمد اللّه تعالى ، واذكر يزيد ، وقل فيه الذي يحقّ له عليك من حسن الثناء عليه ، ثمّ ادعني إلى توليته من بعدي ؛ فإنّي قد رأيت وأجمعت على توليته ، فأسأل اللّه في ذلك وفي غيره الخيرة وحسن القضاء
ثمّ دعا عدّة رجال فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحّاك ، وأن يصدّقوا قوله ، ويدعو إلى يزيد
ثمّ خطب معاوية فتكلّم القوم بعده على ما يروقه من الدعوة إلى يزيد ، فقال معاوية : أين الأحنف ؟ فأجابه ، قال : ألا تتكلّم ؟
فقام الأحنف ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وقال بعد مقدّمة : إنّ أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا ، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيّاً
فغضب الضحّاك وردّ غاضباً : ما للحسن وذوي الحسن في سلطان اللّه الذي استخلف به معاوية في أرضه ؟ هيهات ! ولا تورث الخلافة عن كلالة ولا يحجب غير الذكر العصبة ، فوطّنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لإمامكم وكاتب نبيّكم وصهره ، يسلم لكم العاجل وتربحوا من الآجل
ثمّ قام الأحنف بن قيس فحمد اللّه وأثنى عليه فقال : قد علمت أنّك لم تفتح العراق عنوة ، ولم تظهر عليها قصعاً ، ولكنّك أعطيت الحسن بن علي من عهود اللّه ما قد علمت ليكون له الأمر بعدك(٩)
أمّا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وكان من خواص أصحاب معاوية فقد لقى حتفه مسموماً حيث حدّثته نفسه بالسلطة والإمارة بدلاً من يزيد
جاء في تاريخ الطبري : إنّ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشام ، أو مال إليه أهلها لِما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد ، ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه حتى خافه معاوية وخشي على نفسه منه ؛ لميل الناس إليه ، فأمر ابن آثال أن يحتال في قتله وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش ، وأن يولّيه جباية خراج حمص
فلمّا قدم عبد الرحمن بن خالد لحمص منصرفاً من بلاد الروم دسّ إليه ابن آثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها فمات بحمص(١٠)
ويحكي لنا التاريخ صورة أُخرى من مشاورات معاوية في خلافة يزيد ، ومن بينها كلمات ذلك الأحمق الذي قام فقال : هذا أمير المؤمنين ـ وأشار إلى معاوية ـ فإن هلك فهذا ـ وأشار إلى يزيد ـ ومَنْ أبى فهذا ـ وأشار إلى سيفه ـ قال معاوية : اجلس فأنت سيّد الخطباء(١١)
لم يكن عبد الرحمن بن خالد وحده هو الذي طمع في الخلافة بعد معاوية ، فهناك سعيد بن عثمان بن عفان الذي وجد له أنصاراً من أهل المدينة يقولون : واللّه لا ينالها يزيد حتى يعضّ هامة الحديد ، إنّ الأمير بعده سعيد ، ولكن كان أمره هيّناً ؛ حيث خرج من حلبة المنافسة راضياً بولاية خراسان(١٢)
من الواضح أنّ الصراع السياسي كان دائراً على أشدّه حول قضية خلافة معاوية ، وقد هدّدت هذه القضية الصف الأُموي بالتفكّك والانهيار ، وإنّ الخلافة اليزيدية لم تكن أمراً مستقراً حتى في داخل البيت الأُموي نفسه ؛ حتى إنّ معاوية اضطر لتأجيل إعلان هذا الأمر إلى ما بعد هلاك زياد ، وإنّ مروان بن الحكم والي معاوية على المدينة عارض هذا الأمر بشدّة ؛ ممّا اضطر معاوية إلى إعفائه من منصبه
ويمكننا أن نرجع هذه المعارضة الداخلية لعدّة أسباب منها :
أ ـ إنّ انتقال السلطة إلى يزيد من طريق ولاية العهد كان اقتباساً من النظام السياسي البيزنطي الذي لم يعرفه العرب في سابق تاريخهم ، ولعلّ قرب موقع معاوية من دولة الروم كان مصدر معرفته بهذا النظام الملكي الإمبراطوري الذي صار هو النظام السياسي في الأُمّة الإسلامية في ما بعد
ب ـ إنّ هذا الأسلوب كان إهداراً لنظام الشورى الذي توهّم المسلمون أنّه القانون الأساسي للمسلمين
والواقع أنّ الشورى لم تكن قد مورست بصورة جيّدة في الحقب السابقة ممّا يسمح باستقرار معالمها وأساليب ممارستها
فإن يأتي معاوية لينقل المداراة إلى ديكتاتورية صريحة كان هذا أمراً ثقيلاً على كثيرين ، وخاصّة على أولئك الذين توهّموا أنّهم أهل الحل والعقد ، ولم يكن معاوية ليبقى على نفوذهم ولا على وجودهم نفسه إذا تعارض ذلك مع رغباته السلطوية الجامحة
ج ـ صفات يزيد الشخصية وافتقاده الحدّ الأدنى من المقوّمات جعلت زياداً ـ وهو مَنْ هو في بغيه وعدوانه ونسبه ـ كارهاً لبيعته وإمارته قائلاً : ويزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد(١٣) ، وكتب إلى معاوية يأمره بالتؤدة(١٤) وألاّ يعجل
لم تستعصِ الأغلبية على معاوية ولا على أساليبه ؛ فهناك المتطوّعون السابقون إلى مرضاة الطواغيت ، مثل الضحّاك بن قيس ، والمغيرة بن شعبة ، وسمرة بن جندب ، ولا بأس هنا بأن نورد بعضاً من منجزات سمرة ، هذا (الصحابي) الذي استخلفه زياد على الكوفة ثمّ عاد إليه فوجده قد قتل ثمانية آلاف من الناس ، فقال له : هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً ؟
قال : لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت
أو كما قال ، وعن أبي سوار العدوي قال : قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً كلّهم قد جمع القرآن(١٥)
ثمّ عزله معاوية فقال سمرة : لعن اللّه معاوية ؛ واللّه لو أطعت اللّه كما أطعت معاوية ما عذّبني أبداً(١٦)
لقد أجاد معاوية سياسة (فرّق تسد) ، فلمّا أحسّ أنّ رجالات المدينة يمتنعون من بيعة يزيد راسلهم أوّلاً ، ثمّ ذهب إليهم بنفسه في عام خمسين للهجرة ، مستخدماً سياسة المخادعة ، عازفاً على أوتار النفوس ومكامن الأهواء ، عالماً أنّ الأُمّة التي أسلمت علياً والحسن لن تجتمع كلمتها خلف الحسين (عليه السّلام) ، ومن ثمّ فإنّ المطلوب هو كسب الوقت وتفتيت المعارضة ، وضرب الناس بعضهم ببعض ؛ حتى يصل المُلك إلى يزيد غنيمة باردة
كانت للحسين بن علي (عليه السّلام) وهو الإمام المنصوب من السماء خطّته ، وهي خطّة تهدف إلى انتصار الحقّ وإبقائه حيّاً متوهّجاً
كان الحسين (عليه السّلام) عالماً بأنّ شجرة الحق لكي تنبت أغصاناً تبقى مدى القرون ، ولكي تضرب جذورها في عمق الأرض فتقضى على جذور الشجرة الخبيثة ، لا بدّ لها من أن تُروّى بدماء الحسين وعترته الطاهرة ؛ كي يعلم الجميع إلى قيام الساعة أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) هم قادة السيف والعلم والزهد ، وأنّ دماءهم رخيصة في مرضاة اللّه ، والإمام الحسين (عليه السّلام) هو القاتل : ( إذا كان دين جدّي لا يستقيم إلاّ بقتلي فيا سيوف خذيني )
لم يكن بنو أُميّة يفهمون هذا ، ولا يملكون القدرة حتى على الاقتراب من فهمه ؛ الحياة عندهم متعة وخداع وقتل وسفك دماء ، وصولاً إلى أهداف حيوانية يتمّ تغليفها بعد هذا بشعارات دينية ، ولا مانع لديهم أن يصعد إلى المنبر مَنْ يحدّث الناس عن الدين والزهد ، ويفاخر بصحبته لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) طالما أنّه ينهي الخطبة بلعن إمام الهدى علي بن أبي طالب ، فأيّ دين هذا ؟!
وقد أسلفنا في قصّة حجر بن عدي وأسباب مقتله ، وقد امتلأت كتب الروايات بهذه القصّة الفاجرة : (ما لكَ ألاّ تسبّ أبا تراب؟) ، ولمّا أُبطل السبّ يوماً قال قائلهم : (لا صلاة إلاّ بلعن أبي تراب)
لم يكن هناك نفوذ غربي ولا شرقي آنئذٍ ، ولا كانت القارة الأمريكية قد اكتُشفت يومها حتى تبرّر لنا هذه الحالة المزرية بالقول بأنّ معاوية كان عميلاً أمريكياً ، أو أنّ هذا مخطّط صهيوني
إنّهم يقولون عنه : إنّه كاتب الوحي ، وخال المؤمنين ، ومؤسس الدولة الإسلامية يقولون أيّ شيء إلاّ الحقيقة التي قلنا طرفاً منها هنا ، وسنقولها يوماً ما إن شاء اللّه بمزيد من التفصيل
١ـ نهج الثورة الحسينية والقول الفصل
الآن وفي هذه اللحظات ، وعلى وجه التحديد ، ومنذ استشهاد الإمام الحسن (عليه السّلام) ، ومحاولة أخذ البيعة ليزيد ، بدأت الثورة الحسينية واستمرت حتى كان عرس الدم في كربلاء عام واحد وستين
أيضاً لا بدّ أن نؤكّد على حقيقة أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) لم تكن ميزتهم الوحيدة أنّهم أقدر من غيرهم على فهم حقائق الإسلام والنطق بها ، وإنّما كانوا هم الأقدر من غيرهم على تجسيد هذه المفاهيم وتحويلها إلى واقع وإلى تطبيق ونموذج في وقت كثر فيه المتكلّمون وقلّ فيه الفاعلون
ولنتأمّل هذه الرواية التي أوردها أصحاب الصحاح ، وننقلها عن النسائي في كتابه (خصائص الإمام علي) : (( إنّ منكم مَنْ يُقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت أنا على تنزيله ))
قالوا : مَنْ يا رسول اللّه ؟
قال : (( هذا ـ وأشار إلى علي عليه السّلام ـ ))
نعم ، لقد نزل القرآن على رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ، وبلّغه للأُمّة كاملاً غير منقوص ، مشفوعاً بسنته (صلّى الله عليه وآله) ، وبقي باب التطبيق مفتوحاً بتطوّر الحوادث والأيام من خلال إقامة المجتمع المسلم ومعايشته لكثير من المستجدّات
فقط أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) كانوا وحدهم قادرين على الفعل الصحيح في كلّ موقف ، لا في موقف دون موقف ، كما قال عنهم رسولنا الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ورواه أصحاب الصحاح : (( إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به بعدي لن تضلّوا أبداً ؛ كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ))
إنّهم حملة النصّ الصحيح والتطبيق الصحيح ، وما أحوجنا إليهم وإلى نهجهم (سلام اللّه عليهم)
وما أحوج الأُمّة وسط هذا الظلام الأُموي ، وهذه الفتنة العمياء إلى موقف حسيني يبدّد الظلمات موقف حسيني لا يتحدّث عن الحقّ وإنّما يفعله ، ولا يفعله فعلاً يراه بعض الناس ويغفل عنه بعضهم الآخر ، وإنّما يفعله فعلاً يبقى مسطوراً ومحفوراً في عمق الأرض وفي عمق الوجدان البشري
ما أحوج الأُمّة الإسلامية والبشرية كلّها إلى هذا النور المتوهّج لتبقى شمس الحسين تهدي الحائرين ، وتدلّ السائلين على الحدود الفاصلة بين الحقّ والباطل ، بين مرضاة اللّه وسخطه
هكذا كانت ثورة الحسين (عليه السّلام)
لم تكن حالة انفعالية نشأت عن حالة الحصار التي تعرّض لها أبو عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) ، ولا كانت حركة إلى المجهول أملتها أجواء رسائل البيعة المشكوك في صدقها ؛ منذ البدء كانت فعلاً مدروساً ، ومخطّطاً منذ لحظة ولادته وبدأت خطوات تنفيذها في اللحظة التي تخيّل فيها ابن آكلة الأكباد أنّه لا إسلام حقيقياً بعد اليوم ، وليبقَ الدين لعق على ألسنة بعض القادة يصعدون به على أعناق الناس يطلبون الدنيا بادّعاء النسك والزهادة على أن يدعوا ما لقيصر لقيصر ، وما تبقّى إن تبقّى شيء فهو للّه
لم يبدأ الفصل الأخير بعد ، الفصل الأخير سيفتتحه الإمام محمد بن الحسن المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ؛ حيث سيسمع الجميع القول الفصل : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ )(سورة هود / ١٠٣) ، ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً )(سورة الطارق / ١١ ـ ١٧)
٢ ـ التمهيد للثورة
بيان فضائل آل البيت (عليهم السّلام) ومساوئ حزب الفئة الحاكمة
خرجت جماعة من الشيعة إلى الإمام الحسن (عليه السّلام) بعد صلحه مع ابن آكلة الأكباد وطلبوا منه نقض الصلح فلم يجبهم ، فجاءوا إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) فقال : (( قد كان صلحاً ، وكانت بيعة كنت بها كارها ، فانظروا ما دام هذا الرجل حيّاً ، فإن يهلك نظرنا ونظرتم ))
فانصرفوا عنه ، فلم يكن شيء أحبّ إليهم وإلى الشيعة من هلاك معاوية(١٧)
ثمّ لمّا استشهد الإمام الحسن (عليه السّلام) عاودوا الاتصال بالإمام الحسين (عليه السّلام) قائلين : إنّ اللّه قد جعل فيك أعظم الخلف ممّن مضى ، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك ، المحزونة بحزنك ، المسرورة بسرورك ، المنتظرة لأمرك
فكتب إليهم : (( إنّي لأرجو أن يكون رأي أخي في الموادعة ورأيي في الجهاد رشداً وسداداً ، فالصقوا بالأرض ، واخفوا الشخص ، واكتموا الهدى ، واحترسوا من الأظاء ما دام ابن هند حيّاً ، فإن يحدث به حدث وأنا حي يأتكم رأيي إن شاء اللّه ))(١٨)
ولمّا كثر اختلاف أشراف الحجاز ورجال العراق إلى الحسين (عليه السّلام) حجبهم الوليد بن عتبة والي المدينة عنه ، ومنعهم من ملاقاته ، فقال له الحسين : (( يا ظالماً نفسه ، وعاصياً لربّه ، علامَ تحول بيني وبين قوم عرفوا من حقّي ما جهلته أنت وعمّك ))(١٩)
كتب معاوية إلى الحسين (عليه السّلام) : أمّا بعد ، فقد انتهت إليّ منك أمور لم أكن أظنّك بها رغبة عنها ، وإنّ أحق الناس بالوفاء لمَنْ أعطى بيعة مَنْ كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك اللّه بها ، فلا تنازع إلى قطيعتك ، واتقِ اللّه ، ولا تردنَّ هذه الأُمّة في فتنة ، وانظر لنفسك ودينك وأُمّة محمد ، ولا يستخفّنك الذين لا يوقنون(٢٠)
يظهر من هذا الخطاب أنّ الدولة الأُمويّة كانت ترصد حركات أبي عبد اللّه الحسين وسكناته ، وأنّه (سلام اللّه عليه) لم يكن نائماً على فراشه ينتظر هلاك الطاغية ليسرع إلى إعلان نفسه خليفة كما يحلم الكسالى والواهمون
ولعلّ كلمة معاوية (انتهت إلى منك أمور) ، يعني إنّه لم يكن تقريراً واحداً من مخابراته ، بل كانت تقارير عدّة
وكان الحسين (عليه السّلام) حريصاً على إبلاغ كلمة الحق إلى جميع أفراد الأُمّة
أمّا السياسة الأُمويّة تجاه الحسين (عليه السّلام) في هذه الحقبة فيلخّصها سعيد بن العاص عندما يقول : فذر الحسين بمنبت النخلة يشرب الماء ، ويصعد في الهواء ، ولا يبلغ إلى السماء
فالنخلة مهما طالت لا تبلغ السماء ، وهذا المطلوب عينه من دون إراقة دماء ، ومن دون إحداث ضجيج غير مطلوب ولا مرغوب في وقت كان يتعيّن فيه إظهار البيعة ليزيد ، وكأنّها جاءت طواعية وبملء إرادة الأُمّة
فكان ردّ الإمام عليه : (( أمّا بعد ، فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنّه انتهت إليك عنّي أمور لم تكن تظنّني بها ، رغبة بي عنها ، وإنّ الحسنات لا يهدي لها ولا يسدّد إليها إلاّ اللّه تعالى ، أمّا ما ذكرت أنّه رقى إليك عنّي ، فإنّما رقاه الملاّقون ، المشاءون بالنميمة ، المفرّقون بين الجمع ، وكذب الغاوون المارقون ؛ ما أردت حرباً ولا خلافاً ، وإنّي لأخشى اللّه في ترك ذلك منك ومن حزبك ، القاسطين المحلّين ، حزب الظالم ، وأعوان الشيطان الرجيم
ألست قاتل حجر وأصحابه العابدين المخبتين ، الذين كانوا يستفظعون البدع ، يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة ، والعهود المؤكّدة ، جرأة على اللّه واستخفافاً بعهده ؟ أوَ لست بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة ، فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم نزلت من شعف الجبال ؟ أوَ لست المدّعي زياداً في الإسلام ، فزعمت أنّه ابن أبي سفيان ، وقد قضى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر ، ثمّ سلطته على أهل الإسلام يقتلهم ، ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، ويصلبهم في جذوع النخل ؟
سبحان اللّه ! يا معاوية ، لكأنّك لست من هذه الأُمّة وليسوا منك ، أوَ لست قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد أنّه على دين علي (كرّم اللّه وجهه) ، ودين علي هو دين ابن عمّه (صلّى الله عليه وآله) الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه ، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين : رحلة الشتاء والصيف ، فوضعها اللّه عنكم بنا منّة عليكم ؟
وقلت في ما قلت : لا ترد هذه الأُمّة في فتنة ، وإنّي لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها ، وقلت في ما قلت : انظر لنفسك ولدينك ولأُمّة محمد ، وإنّي واللّه ما أعرف أفضل من جهادك ، فإن أفعل فإنّه قربة إلى ربّي ، وإن لم أفعله فأستغفر اللّه لديني ، وأساله التوفيق لما يحبّ ويرضى
وقلت في ما قلت : متى تكدني أكدك ، فكدني يا معاوية في ما بدا لك ؛ فلعمري ، لقديماً يكاد الصالحون ، وإنّي لأرجو أن لا تضرّ إلاّ نفسك ، ولا تمحق إلاّ عملك ، فكدني ما بدا لك
واتّقِ اللّه يا معاوية ، واعلم أنّ للّه كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها
واعلم أنّ اللّه ليس بناسٍ لك قتلك بالظنّة ، وأخذك بالتهمة ، وإمارتك صبيّاً يشرب الشراب ، ويلعب بالكلاب ، ما أراك إلاّ وقد أوبقت نفسك ، وأهلكت دينك ، وأضعت الرعية والسّلام ))(٢١)
كانت هذه الرسالة إعلاناً مؤجلاً للحرب وليست محاولة للاسترضاء ، فها هو الإمام الحسين (عليه السّلام) يضع النقاط على الحروف ، ويعلن موقفه من بني أُميّة الذين وصفهم بأنّهم حزب الظالم ، وأعوان الشيطان الرجيم
ثمّ يردّ على تلبيس إبليس بادّعائه خوف الفتنة على أُمّة محمد بأنّه (عليه السّلام) لا يرى فتنة أخطر ولا أضلّ على أُمّة محمد من إمارة معاوية والقاسطين من حزبه ، وهو تأكيد لما ذكرناه من قبل في تفسير قوله تعالى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا )(سورة التوبة / ٤٩) ، فليس هناك أضلّ على الأُمّة من إمارة الظلمة ، أعداء اللّه ، حزب الشيطان ، وإنّ ترك جهادهم ذنب ، والبراءة منهم وقتالهم هدف نبيل يتضاءل إلى جواره كلّ بذل وتضحية ، وبين إعلان موقفه من بني أُميّة وإعلانه وجوب الجهاد ضدّهم يفصل جرائمهم ونكايتهم بالصالحين من أُمّة محمد (صلّى الله عليه وآله)
إنّ هذه الرسالة تأكيد لما أسلفنا ، وهو أنّ خروج الإمام الحسين (عليه السّلام) لم يكن ردّ فعل وانفعال ، بل هو فعل مدروس وترجمة عملية لموقف عقيدي راسخ ، وتنفيذ لتكليف إلهي
كلّ هذه الكلمات والمواقف لم تردع معاوية عن غيّه ، بل هو ماضٍ في ما نوى ، فيذهب إلى المدينة ويلتقي وجوه الأُمّة ، ويلوّح لهم تارة بالوعود ، وتارة بالوعيد ، يلبس الحق بالباطل ، ويزوّر ويزيّف ؛ ليمهّد الأمر ليزيد اللعين ، فقام الحسين (عليه السّلام) يجبهه بالحق : (( أمّا بعد يا معاوية ـ لم يناده بإمرة المؤمنين ـ ، فلن يؤدّي القائل وإن أطنب في صفة الرسول (صلّى الله عليه وآله) من جميع جزءاً ، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول اللّه من إيجاز الصفة ، والتنكّب عن استبلاغ النعت ، وهيهات هيهات يا معاوية ! فضح الصبح فحمة الدجى ، وبهرت الشمس أنوار السرج ، ولقد فضلت حتى أفرطت ، واستأثرت حتى أجحفت ، ومنعت حتى محلت ، وجزت حتى جاوزت ، ما بذلت لذي حقّ من اسم حقّه بنصيب حتى أخذ الشيطان حظّه الأوفر ونصيبه الأكمل ، وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله ، وسياسته لأُمّة محمد ، تريد أن توهم الناس في يزيد كأنّك تصف محجوباً ، أو تنعت غائباً ، أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاص
وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه ، فخذ ليزيد في ما أخذ فيه من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش ، والحمام السبق لأترابهنّ ، والقيان ذوات المعازف وضرب الملاهي تجده باصراً ، ودع عنك ما تحاول ؛ فما أغناك أن تلقى اللّه من وزر الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه ، فواللّه ما برحت تقدم جور باطلاً في جور ، وحنقاً في ظلم حتى ملأت الأسقية وما بينك وبين الموت إلا غمضة ، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ، ولات حين مناص ، ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر ، ومنعتنا عن آبائنا ، ولقد لعمر اللّه أورثنا الرسول (صلّى الله عليه وآله) ولادة ، وجئت لنا بها ما حججتم به فأذعن للحجة بذلك ، وردّه الإيمان إلى النصف ، فركبتم الأعاليل ، وفعلتم الأفاعيل ، وقلتم كان ويكون حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك ، فهناك اعتبروا يا أولي الأبصار
وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) وتأميره له ، وقد كان ذلك ولعمرو بن العاص يومئذٍ فضيلة بصحبه الرسول ، وبيعته له ، وما صار لعمرو يومئذٍ مبعثهم حتى أنف القوم إمرته ، وكرهوا تقديمه ، وعدّوا عليه أفعاله ، فقال (صلّى الله عليه وآله) : لا جرم معشر المهاجرين ، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري ، فكيف يحتجّ بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحكام ، وأولاها بالمجمع عليه من الصواب ؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابعاً وحولك مَنْ لا يؤمن في صحبته ، ولا يعتمد في دينه وقرابته ، وتتخطاهم إلى مسرف مفتون ، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه ، وتشقى بها في آخرتك ؟ إنّ هذا لهو الخسران المبين ، واستغفر اللّه لي ولكم ))
قال : فنظر معاوية إلى ابن عباس فقال : ما هذا يابن عباس ، ولِما عندك أدهى وأمرّ ؟!
فقال ابن عباس : لعمر اللّه ، إنّها لذرية الرسول ، وأحد أصحاب الكساء ، ومن البيت المطهّر ، ما له عمّا تريد ، فإنّ لك في الناس مقنعاً حتى يحكم اللّه بأمره وهو خير الحاكمين(٢٢)
تأمّل قوله (عليه السّلام) عن يزيد : (( تريد أن توهم الناس في يزيد كأنّك تصف محجوباً وتنعت غائباً ))
لم تكن شخصيّة يزيد شخصيّة مجهولة ، ولا كانت أخلاقياته أمراً غائباً عن الناس ، ولا كانت الأُمّة المسلمة قد صارت إلى ما هي عليه الآن من فساد أخلاقي ، ومجاهرة بالمعاصي ، وشرب الخمور حتى يتجاوز المسلمون عن ذلك الفاسق المستهتر ، وهل عجزت أُمّة محمد عن إيجاد رجل منها يتمتّع بالخلق الحميد والسمعة الطيبة حتى تسلّم أمرها إلى يزيد ؟
٣ ـ التصميم والتخطيط
لم يتوقّف الحسين (عليه السّلام) عن تذكير الناس بحقّ أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ سواء في مواجهة معاوية أم في مجلسه ، فها هو يجمع رجالات بني هاشم ورجالات الشيعة والتابعين والأنصار ، وعددهم حوالي تسعمئة رجل ، فلمّا اجتمعوا قام خطيباً فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثمّ قال : (( أمّا بعد ، فإنّ هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم ، وإنّي أُريد أن أسألكم عن شيء ، فإن صدقت فصدّقوني وإن كذبت فكذّبوني ، اسمعوا مقالتي واكتموا قولي ، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم مَنْ أمنتموه ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون ؛ فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحق ويذهب ، واللّه متم نوره ولو كره الكافرون ))
قال الراوي : فما ترك الحسين شيئاً ممّا أنزل اللّه فيهم إلاّ تلاه وفسّره ، ولا شيئاً ممّا قاله رسول اللّه في أبيه وأخيه وفي نفسه وأهل بيته إلاّ رواه ، وفي كلّ ذلك يقول أصحابه : اللّهمّ نعم ، قد سمعنا وشهدنا
وقد ناشدهم فقال : (( أنشدكم اللّه ، أتعلمون أنّ علي بن أبي طالب كان أخاً لرسول اللّه حين آخى بين أصحابه فآخى بينه وبين نفسه ، وقال : أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة ؟ ))
قالوا : نعم
قال : (( أنشدكم اللّه ، هل تعلمون أنّ رسول اللّه اشترى موضع مسجده ومنازله فابتناه ، ثمّ ابتنى فيه عشرة منازل ، تسعة له ، وجعل عاشرها في وسطها لأبي ، ثمّ سدّ كلّ باب شارع إلى المسجد غير بابه ، فتكلّم في ذلك مَنْ تكلّم ، فقال : ما أنا سددت أبوابكم وفتحت بابه ، ولكنّ اللّه أمرني بسدّ أبوابكم وفتح بابه ، ثمّ نهى الناس أن يناموا في المسجد غيره ، ومنزله في منزل رسول اللّه فولد لرسول اللّه وله فيه أولاد ؟ ))
قالوا : اللّهمّ نعم
قال : (( أنشدكم اللّه ، أفتعلمون أنّ عمر بن الخطاب حرص على كوه قدر عينيه يدعها في منزله إلى المسجد فأبى عليه ، ثمّ خطب فقال : إنّ اللّه أمرني بأن أبني مسجداً طاهراً ، لا يسكنه غيري وغير أخي وبنيه ؟ ))
قالوا : اللّهم نعم
قال : (( أنشدكم اللّه ، أتعلمون أنّ رسول اللّه قال في غزوة تبوك : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، وأنت ولي كلّ مؤمن بعدي ؟ ))
قالوا : اللّهمّ نعم
قال : (( أنشدكم اللّه ، أتعلمون أنّ رسول اللّه دفع إليه اللواء يوم خيبر ، ثمّ قال : لأدفعه إلى رجل يحبّه اللّه ورسوله ويحبّ اللّه ورسوله ، كرّار غير فرّار ، فيفتحها اللّه على يده ؟ ))
قالوا : اللّهمّ نعم
قال : (( أتعلمون أنّ رسول اللّه بعثه ببراءة وقال : لا يبلّغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي ؟ ))
قالوا : اللّهمّ نعم
قال : (( أتعلمون أنّ رسول اللّه لم تنزل به شدّة قطّ إلاّ قدّمه لها ثقة به ، وأنّه لم يدعه باسمه قطّ إلاّ يقول : يا أخي ؟ ))
قالوا : اللّهمّ نعم
قال : (( أنشدكم اللّه ، أتعلمون أنّ رسول اللّه قضى بينه وبين جعفر وزيد فقال : يا علي أنت منّي وأنا منك ، وأنت ولي كلّ مؤمن بعدي ؟ ))
قالوا : اللّهمّ نعم
قال : (( أنشدكم اللّه ، أتعلمون أنّه كانت له من رسول اللّه كلّ يوم خلوة ، وكلّ ليلة دخلة ، إذا سأله أعطاه وإذا سكت أبداه ؟ ))
قالوا : اللّهمّ نعم
قال : (( أنشدكم اللّه ، أتعلمون أنّ رسول اللّه فضّله على جعفر وحمزة حين قال لفاطمة (عليها السّلام) زوّجتكِ خير أهل البيت ، أقدمهم سلماً ، وأعظمهم حلماً ، وأكثرهم علماً ؟ ))
قالوا : اللّهمّ نعم
قال : (( أنشدكم اللّه ، أتعلمون أنّ رسول اللّه قال : أنا سيّد ولد آدم ، وأخي علي سيّد العرب ، وفاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة ، والحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ؟ ))
قالوا : اللّهمّ نعم
قال : (( أنشدكم اللّه ، أتعلمون أنّ رسول اللّه أمره بتغسيله ، وأخبره أنّ جبرائيل يعينه عليه ؟ ))
قالوا : اللّهمّ نعم
قال : (( أنشدكم اللّه ، أتعلمون أنّ رسول اللّه قال في آخر خطبة خطبها : إنّي تركت فيكم الثقلين كتاب اللّه وأهل بيتي ، فتمسّكوا بهما لن تضلّوا ؟ ))
قالوا : اللّهمّ نعم
فلم يدع شيئاً أنزله اللّه في علي بن أبي طالب خاصّة وأهل بيته من القرآن ، ولا عن لسان نبيّه إلاّ ناشدهم ، فيقول الصحابة : اللّهمّ نعم ، قد سمعناه
ويقول التابعون : اللّهمّ نعم ، قد حدّثنيه مَنْ أثق به فلان وفلان
ثمّ ناشدهم إن كانوا قد سمعوا رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( مَنْ زعم أنّه يحبّني ويبغض عليّاً فقد كذب ، ليس يحبّني ويبغض عليّاً ، فقال له قائل : يا رسول اللّه وكيف ذلك ؟ قال : لأنّه منّي وأنا منه ، مَنْ أحبّه فقد أحبّني ، ومَنْ أحبّني فقد أحبّ اللّه ، ومَنْ أبغضه فقد أبغضني ، ومَنْ أبغضني فقد أبغض اللّه ))
فقالوا : اللّهمّ نعم ، قد سمعناه
وتفرّقوا على ذلك(٢٣)
ثمّ ها هو يخاطب الأُمّة ويحثّها على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر : (( اعتبروا أيّها الناس بما وعظ اللّه به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار إذ يقول : ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )(سورة المائدة / ٧٨ ـ ٧٩) ، وإنّما عاب اللّه ذلك عليهم ؛ لأنّهم كانوا يرون من الظَلَمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك ، رغبة في ما كانوا ينالون منهم ورهبة ممّا يحذرون ، واللّه يقول : ( فَلاَ تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً )(سورة المائدة / ٤٤) ، وقال : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ )(سورة التوبة / ٧١) ، فبدأ اللّه بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فريضة منه ؛ لعلمه بأنّها إذا أُدّيت وأُقيمت استقامت الفرائض كلّها هيّنها وصعبها ، وذلك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم ، وقسمة الفيء والغنائم ، وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقّها
ثمّ أنتم أيّها العصابة بالعلم مشهورة ، وبالخير مذكورة ، وبالنصيحة معروفة ، وباللّه في أنفس الناس مُهابة ، يهابكم الشريف ، ويكرمكم الضعيف ، ويؤثركم مَنْ لا فضل لكم عليه ، ولا يد لكم عنده ، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلاّبها ، وتمشون في الطريق بهيئة الملوك وكرامة الأكابر ، أليس كلّ ذلك إنّما نلتموه بما يُرجى عندكم من القيام بحقّ اللّه ، وإن كنتم عن أكثر حقّه تقصّرون ؟ فاستخففتم بحقّ الأئمّة ، فأمّا حقّ الضعفاء فضيّعتم ، وأمّا حقّكم بزعمكم طلبتم ، فلا مالاً بذلتموه ، ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها ، ولا عشيرة عاديتموها في ذات اللّه ، أنتم تتمنّون على اللّه جنّته ومجاورة رسله وأماناً من عذابه ، لقد خشيت عليكم أيّها المتمنّون على اللّه أن تحلّ بكم نقمة من نقماته ؛ لأنّكم بلغتم من كرامة اللّه منزلة فضّلتم بها ، ومَنْ يُعرف باللّه لا تكرمون وأنتم في عباده تُكرَمون ، وقد ترون عهود اللّه منقوضة فلا تفزعون وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون
وما أمركم اللّه به من النهي والتناهي أنتم عنه غافلون ، وأنتم أعظم الناس مصيبة لِما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسعون ، ذلك بأنّ مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء باللّه ، الأمناء على حلاله وحرامه ، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة ، وما سُلبتم ذلك إلاّ لتفرّقكم عن الحقّ ، واختلافكم في السُنّة بعد البيّنة الواضحة ، ولو صبرتم على الأذى ، وتحمّلتم المؤونة في ذات اللّه كانت أمور اللّه عليكم ترد ، وعنكم تصدر ، وإليكم ترجع ، ولكنّكم مكّنتم الظلمة من منزلتكم وأسلمتم أمور اللّه في أيديهم ، يعملون بالشبهات ، ويسيرون في الشهوات ، سلّطهم على ذلك فراركم من الموت ، وإعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم ، فأسلمتم الضعفاء في أيديهم ، فما بين مستعبد مقهور ، وبين مستضعف على معيشة مغلوب ، يتقلّبون في المُلك بآرائهم ، ويستشعرون الخزي بإهدائهم ، اقتداءً بالأشرار ، وجرأة على الجبّار ، في كلّ بلد منهم على منبره خطيب يصقع ، فالأرض لهم شاغرة ، وأيديهم فيها مبسوطة ، والناس لهم خول ، لا يدفعون يد لامس ، فمن بين جبّار عنيد ، وذي سطوة على الضعيف شديد ، مطاع لا يعرف المبدي المعيد ، فيا عجباً ! وما لي لا أعجب والأرض من غاش غشوم ، ومتصدّق ظلوم ، وعامل على المؤمنين غير رحيم ؟ فاللّه الحاكم فيما فيه تنازعنا ، والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا
اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان ، ولا التماساً من فضول الحكّام ، ولكن لنُري المعالم من دينك ، ونُظهر الإصلاح في بلادك ، ويأمن المظلومون من عبادك ، ويعمل بفرائضك وسنتك في بلادك ؛ فإنّكم إن لم تنصرونا وتنصفونا قوي الظلمة عليكم ، وعملوا في إطفاء نور نبيّكم ، وحسبنا اللّه وعليه توكّلنا وإليه أنبنا وإليه المصير ))(٢٤)
انظروا إلى هذه الخطبة العظيمة في التمهيد وإعداد الأرضية للثورة الحسينية ، والخطبة التي سبقتها في ذكر فضائل أهل البيت وفضائله (عليه السّلام)
ما أحوجنا إلى استخراج هذه المعاني وشرحها ، وتأكيدها لأصحاب العقول الراجحة ؛ إنّها دستور ومنهج في فهم حقائق الإسلام ، تنسف ما حاول بنو أُميّة ترسيخه من صورة كهنوتية للإسلام تكرّس فصل الدين عن الدولة فصلاً عملياً منذ البداية ، بل وتجعل من مفاهيم الدين خادمة لظلم الظالمين وجور السلاطين ، وتستفيد من مقالات بعض المتقاعسين الذين خدمهم الإسلام بأكثر ممّا خدموه
إنّ بني أُميّة وأصحاب السلطة من بعدهم مهّدوا في الإغداق على أفراد هذه الطبقة ، والإدناء لهم ، وإسماع صوتهم للناس ، وكبت المخلصين في ولائهم لآل بيت محمد(صلّى الله عليه وآله) بدءاً من أبي ذر الغفاري (رضوان اللّه عليه) ومروراً بحجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي؛ حتى لا تصل إلى مسمع العالم إلاّ هذه الكلمات المشبوهة المنسوبة إلى أصحابها ، أو المكذوبة على رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ، داعية الناس للخنوع والخضوع بدعوى تجنيب الناس الوقوع في الفتنة ، وتحاول أن تُعطي الغاصبين شرعيّة يحلمون بها ، وتعطّل فريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر
فها هو أبو عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) يؤكّد على هذه الفريضة المعطّلة ، ويرى أنّها ضرورة لازمة لإقامة أحكام الدين ، فيقول : (( إنّها إذا أُدّيت استقامت الفرائض جميعها ؛ هيّنها وصعبها )) ، وتجنّب المجتمع الوقوع في الظلم الذي هو رأس كلّ مصيبة تنزل بالناس ، وها هو (عليه السّلام) ينبّه إلى ضياع حقوق الضعفاء ، وينبّه إلى أنّهم أسلموا الضعفاء في يد الظلمة ؛ فصار الناس ما بين مستعبد مقهور وبين مستضعف على معيشة مقهور
ويلفت الأنظار إلى التوازن المفقود في المجتمع المسلم بين هؤلاء الجبابرة وأعوانهم الذي كان يفترض فيهم إقامة العدل ، فها هم ينطلقون في خدمة شهواتهم وحقدهم على الإسلام وأهله ، فيصف حالهم : (( في كلّ بلد منهم على منبره خطيب يصقع ؛ فالأرض لهم شاغرة ، وأيديهم فيها مبسوطة ، والناس لهم خول ـ أي خدم ـ لا يدفعون يد لامس ، فمن بين جبّار عنيد وذي سطوة على الضعيف شديد ، مطاع لا يعرف المبدي المعيد ))
هذا هو حال المسلمين كما وصفه أبو عبد اللّه (عليه السّلام) ، ولا بدّ من أن يستعيد الذهن ما فعله زياد وابن زياد وسمرة بن جندب من قتلهم للمسلمين وسفكهم للدماء ، هذه هي الصورة الحقيقية للدولة الأُمويّة التي وجدت وما زالت تجد مَنْ يُدافع عنها ، ويدعو الناس للخنوع والخضوع باسم الدين ، والدين براء من هؤلاء وهؤلاء
إنّ هذه الخطب الثلاث ترسم معالم التصوّر الإسلامي لنظام الحكم ، هذا التصوّر الذي افتتح معسكر النفاق جهدهم بالهجوم عليه ؛ عالمين بأنّ انتقاضه يسهّل عليهم كلّ عسير ، والحسين (عليه السّلام) يعيد التأكيد على معالمه الرئيسية خاصة بعدما جرّب الناس حكومة بني أُميّة ورأوا جرأتهم على سفك الدماء ، واستئثارهم بالأموال ، إنّها حكومة الظلمة التي أمرنا اللّه تبارك وتعالى بأن نجاهد حتى ننهي وجودها ؛ سواء رفعت شعارات الكفر أم ادّعت الإسلام ، فقال (عزّ من قائل) : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ )(سورة الأنفال / ٣٩)
فكيف يكون الدين كلّه للّه إذا كان الناس مجبرون على الخضوع للظلم وإلاّ قتلوا أو جاعوا ؟! كيف يكون الدين كلّه للّه والحاكم الجائر يمتلك إزهاق الأرواح بكلمة لا تستند إلى شرع ولا قانون ؟! كيف يكون الدين كلّه للّه وقد صارت سلطة الحاكم الجائر هدفاً مقدّساً وصنماً يُعبد من دون اللّه ومن دون شريعته ؟!
وننهي خطب الحسين (عليه السّلام) في التمهيد للثورة بهذه الخطبة الرائعة :
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ علل الشرائع ١ / ٢١٢
٢ ـ شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ٤ / ٦ ، نقلاً عن المدائني ، دار الهدى الوطنية ، بيروت
٣ ـ مقاتل الطالبيين / ٧٦ ـ ٧٧ ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، ١٤٠٨ هـ ـ ١٩٨٧ م
٤ ـ مسند أحمد بن حنبل ٥ / ٤٠٧ ح٢٣٠٠٥ ، ط١ ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ١٤١٣ هـ ـ ١٩٩٣ م
٥ ـ سنن النسائي بشرح السيوطي ٧ / ٢٧٩ ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، والموطأ ـ لمالك بن أنس ، تحقيق محمد فواد عبد الباقي ٢ / ٦٣٤ ح٣٣ ، توزيع دار الكتب العلمية ، بيروت
٦ ـ تاريخ الطبري ٤ / ١٨٨ ـ ١٩٠ ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت
٧ ـ شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ٤ / ١٦ ، دار الهدى الوطنية ، بيروت
٨ ـ المصدر نفسه ٤ / ١٠
٩ ـ الإمامة والسياسة ـ لابن قتيبة الدينوري ، تحقيق علي شيري ١ / ١٨٨ و١٩١ ـ ٢٩٢
١٠ ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب ـ للقرطبي ٢ / ٣٧٢ ـ ٣٧٣ رقم ١٤١٠
١١ ـ تاريخ الأمم والملوك ـ للطبري ٤ / ١٧١
١٢ ـ الكامل في التاريخ ـ لابن الأثير ٣ / ٢١٤ ـ ٢١٦
١٣ ـ الإمامة والسياسة ، تحقيق علي شيري ١ / ٢١٣ ـ ٢١٤
ــــــــــــــــــــــــــــ
١٤ ـ التؤدة : هو التمهّل والتأنّي والرزانة راجع كتاب العين ـ للفراهيدي ٨ / ٩٧ (وأد) [ موقع معهد الإمامين الحسنين (عليهما السّلام) ]
١٥ ـ تاريخ الأمم والملوك ـ للطبري ٤ / ٢٢٤ ـ ٢٢٥
١٦ ـ المصدر نفسه ٤ / ١٧٦
١٧ ـ أنساب الأشراف ٣ / ١٥٢
١٨ ـ المصدر نفسه
١٩ ـ المصدر نفسه ٣ / ١٥٤
٢٠ ـ الإمامة والسياسة ـ لابن قتيبة ، تحقيق علي شيري ١ / ٢٠١
٢١ ـ المصدر نفسه ١ / ٢٠٢ ـ ٢٠٤
٢٢ ـ المصدر نفسه ١ / ٢٠٨ ـ ٢١٠
٢٣ ـ أدب الحسين وحماسته ـ لأحمد صابر الهمداني عن سليم بن قيس / ١٦٦
٢٤ ـ تحف العقول عن آل الرسول ـ لابن شعبة الحراني / ٢٣٧
(( نحن حزب اللّه الغالبون ، وعترة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) الأقربون ، وأهل بيته الطيّبون ، وأحد الثقلين الذين جعلنا رسول اللّه ثاني كتاب اللّه تبارك وتعالى الذي فيه تفصيل كلّ شيء ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والمعوّل علينا في تفسيره ، ولا يبطأنا تأويله ، بل نتبّع حقائقه ، فأطيعونا إنّ طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة اللّه ورسوله مقرونة ، قال اللّه (عزّ وجلّ) : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ )(سورة النساء / ٥٩) ، وقال : (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً )(سورة النساء / ٨٣) ، وأُحذّركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم ؛ فإنّه لكم عدوّ مبين ، فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم : ( لاَ غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ ) فتلقون للسيوف ضرباً ، وللرماح ورداً ، وللعمد حطماً ، وللسهام غرضاً ، ثم لا ُيقبل من نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل ، أو كسبت في إيمانها خيراً ))(١)
ثمّ هلك معاوية ، وكشّرت الإفعى الأُمويّة عن أنيابها ، فأرسل يزيد رسالة إلى عامله على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، وجاء في صحيفة ملحقة بها (كأنّها أُذن فأره) : أمّا بعد ، فخذ حسيناً ، وعبد اللّه بن عمر ، وعبد اللّه بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ، ليس فيه رخصة حتى يبايعوا ، والسّلام(٢)
فلمّا وصلت الرسالة ، استشار الوليد مروان بن الحكم وقال : كيف ترى أن نصنع ؟
قال : فإنّي أرى أن تبعث الساعة إلى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة ، فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم ، وإن أبوا قدّمتهم فضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية ، فإن علموا بموته وثب كلّ امرئ منهم في جانب وأظهر الخلاف والمنابذة
فأرسل الوليد إلى الحسين (عليه السّلام) ، وإلى ابن الزبير يدعوهما ، فقالا له : انصرف ، الآن نأتيه
ثمّ أقبل أحدهما على الآخر ، فقال عبد اللّه بن الزبير للحسين (عليه السّلام) : ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها ؟
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( قد ظننت أرى طاغيتهم قد هلك ، فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر ))
فقال : وأنا ما أظن غيره(٣) ، فما تريد أن تصنع ؟
قال : (( أجمع فتياني الساعة ثمّ أمشي إليه ، فإذا بلغت الباب احتبستهم عليه ثمّ دخلت عليه وأنا على الامتناع قادر ))
فذهب الحسين بن علي إلى دار الوليد فجلس فأقرأه الوليد الكتاب ، ونعى له معاوية ، ودعاه إلى البيعة
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، ورحم اللّه معاوية وعظم لك الأجر ، أمّا ما سألتني من البيعة فإنّ مثلي لا يُعطي بيعته سرّاً ، ولا أراك تجتزئ لها منّي سرّاً ودون أن نظهرها على رؤوس الناس علانية ))
قال : أجل
قال : (( فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمراً واحداً ))
فقال له الوليد : فانصرف على اسم اللّه حتى تأتينا مع جماعة الناس
فقال له مروان : واللّه لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ، احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه
فوثب عند ذلك الحسين (عليه السّلام) فقال : (( يابن الزرقاء ، أنت تقتلني أم هو كذبت واللّه وأثمت ؟! ))
ثمّ خرج فمرّ بأصحابه فخرجوا معه حتى أتى منزله
فقال مروان للوليد : عصيتني ؟ لا واللّه لا يمكّنك من مثلها من نفسه أبداً
فقال الوليد : وبّخ غيرك يا مروان ! إنّك اخترت لي التي فيها هلاك ديني ، واللّه ما أحبّ أنّ لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وإنّي قتلت حسيناً سبحان اللّه ! أقتل حسيناً أن قال لا أُبايع ؟! واللّه إنّي لا أظن امرأ يُحاسب بدم حسين لخفيف الميزان عند اللّه يوم القيامة
فقال له مروان : فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت(٤)
خرج الحسين (عليه السّلام) من ليلته ، وسبقه ابن الزبير ، متوجّهين إلى مكة
ويبدو أنّ هذه الآونة القصيرة في هذا اليوم ، كانت حافلة بالمشاورات بين أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) وبين المحيطين به ؛ سواء ممّن يحبّه ويشفق عليه ويتمنى له النصر ، أم من أولئك الذين قدّموا النصيحة لمجرد أداء الواجب
وهذه المشاورات على قصر مدّتها تعكس حالة التصميم والتخطيط الواعي من قبل الإمام الحسين (عليه السّلام) الذي كان يحمل على كاهله ما لو حملته الجبال لتدكدكت ، وآخر هذه الأعباء سلامة ذلك الجسد الطاهر الذي هو قطعة من نور الرسول الأكرم طالما حملها المصطفى (صلّى اللّه عليه وآله) على عاتقه
ولكنّ الأولوية كانت حينئذٍ لحفظ الدين لا لحفظ الأرواح
ها هو أبو عبد اللّه (عليه السّلام) يستشير أخاه محمد بن الحنفية فيقول له أخوه : يا أخي ، أنت أحبّ الناس إليّ وأعزّهم عليّ ، ولست أدّخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك ، تنحّ بتبعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ، ثمّ ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك ، فإن بايعوا لك حمدت اللّه على ذلك ، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص اللّه بذلك دينك ولا عقلك ، ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك
إنّي أخاف أن تدخل مصراً من هذه الأمصار ، وتأتي جماعة من الناس فيختلفون بينهم ؛ فمنهم طائفة معك ، وأُخرى عليك ، فيقتتلون ، فتكون لأوّل الأسنّة ، فإذا خير هذه الأمّة كلّها نفساً وأباً وأُمّاً أضيعها دماً وأذلّها أهلاً
قال له الحسين (عليه السّلام) : (( فإنّي ذاهب يا أخي ))
قال : فانزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك ، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال ، وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس ، وتعرف عند ذلك الرأي ، فإنّك أصوب ما تكون رأياً وأحزمه عملاً حين تستقبل الأمور استقبالاً ، ولا تكون الأمور عليك أبداً أشكل منها حين تستدبرها استدباراً
قال : (( يا أخي قد نصحت فأشفقت ، فأرجو أن يكون رأيك سديداً موفقاً ))(٥)
وفي رواية أُخرى أنّه أشار عليه بالتوجّه إلى اليمن ، فكان جواب أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) : (( يا أخي ، لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية ))
فقطع محمد بن الحنفية الكلام وبكى ، فبكى الحسين ساعة ثمّ قال : (( يا أخي جزاك اللّه خيراً ، لقد نصحت وأشرت بالصواب ، وأنا عازم على الخروج إلى مكة ، وقد تهيّأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي وأمرهم أمري ورأيهم رأيي ، وأمّا أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عيناً عليهم ، لا تخفى عنّي شيئاً من أمورهم ))
ثمّ دعا بكتاب وكتب وصية :
(( هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية : أنّ الحسين يشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، وأنّ محمداً عبده ورسوله ، جاء بالحق من عنده ، وأنّ الجنّة والنار حق ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ اللّه يبعث مَنْ في القبور
وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي وشيعة أبي علي بن أبي طالب ، فمَنْ قبلني بقبول الحق فاللّه أولى بالحق ، ومَنْ ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي اللّه بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين ، وهذه وصيتي لك يا أخي ، وما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكّلت وإليه أُنيب ))
كما روي عنه (عليه السّلام) أنّه كتب كتاباً إلى أخيه ابن الحنفية وإلى بني هاشم :
(( بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومَنْ قِبَله من بني هاشم ، أمّا بعد ، إنّ الدنيا لم تكن وإنّ الآخرة لم تزل ، والسّلام ))
كما روى الطبري في تاريخه ، عن أبي سعد المقبري قال : نظرت إلى الحسين داخلاً مسجد المدينة وإنّه ليمشي وهو معتمد على رجلين ، وهو يتمثل بقول ابن مفرغ :
لا ذُعرتِ السوامُ في فلقِ الصبح مغيراً ، ولا دُعيتُ يزيدا
يومَ أعطى من المهابةِ ضيما والمنايا يرصدنني أن أحيدا
قال : فقلت في نفسي واللّه ما تمثّل بهذين البيتين إلاّ لشيء يريد
قال : فما مكث إلاّ يومين حتى بلغني أنّه سار إلى مكة ، فلمّا سار نحو مكة قال : ((فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ))(سورة القصص / ٢١)(٦)، فلمّا دخل مكة قال : (( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيل ))(سورة القصص / ٢٢)(٧)
٤ ـ ضرورات المرحلة ونماذج رجالاتها
هكذا بدأت مسيرة أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) متّجهاً إلى مكة ، ثمّ إلى أرض الطفّ حيث المقر والمقام
سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما
وواسى الرجالَ الصالحينَ بنفسه وفارقَ مذموماً وخالفَ مجرما
كان الحسين (عليه السّلام) قبل خروجه يتمثّل بقول الشاعر في إباء الذل والضيم حتى وإن كان ثمن ذلك التضحية بالنفس
وهو على ما قاله الإمام علي (عليه السّلام) ذات يوم مستحثّاً أصحابه على الجهاد من أجل الحق : (( الموت في حياتكم مقهورين ، والحياة في موتكم قاهرين ))
إنّها المعادلة التي لو وعاها المسلمون من قديم لما صاروا إلى هذه الهوّة السحيقة التي هم فيها الآن ، إباء الضيم ، وعدم الخضوع للظلم والظالمين مهما كان الثمن
أ ـ النموذج الأوّل : التعلّق بالأوهام
كانت الأُمّة المسلمة آنئذٍ في أمسّ الحاجة إلى هذا الموقف الحسيني ؛ حيث تداخلت الأهواء والمواقف ما بين عبد اللّه بن عمر صاحب المواقف التائهة ، بدءاً من خلع بيعة إمام الحق علي بن أبي طالب وجلوسه في بيته يخزل الحق ، باعتبار أنّ هذه الأحداث كانت فتنة وإنّه وحده هو والقلّة الذين جلس كلّ منهم في بيته كانوا على الحق ، ثمّ ها هو يكرّر المأساة نفسها ، ويحاول أن يسبغ هالة من القداسة الموهومة على ما أسماه (جماعة المسلمين) ، يعني الدولة اليزيدية الأُمويّة ، فينصح للحسين وابن الزبير قائلاً : اتقيا اللّه ، ولا تفرّقا جماعة المسلمين
هذه الجماعة أو الأُمّة التي صارت خولاً وعبيداً لبني أُميّة ، يقتلون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، ويذبحون خيارهم وصلحاءهم ، ويدنون فسّاقهم ومنافقيهم ، ويستأثرون بأموال المسلمين يجعلونها دولة بينهم إنّها المفاهيم المعكوسة التي سادت الأُمّة المسلمة المنكوبة بعد ذلك ؛ ولذا نرى الإمام الحسين (عليه السّلام) يجبهة بالحق حين التقاه في مكة قائلاً له : (( اتقِ اللّه يا أبا عبد الرحمن ، ولا تدع نصرتي ))
إنّه من الضروري أن نفرّق بين الإسلام كما جاء به محمد بن عبد اللّه (صلّى الله عليه وآله) ، والجماعة المسلمة التي عاشت في كنف القيادة الرسالية للنبي الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله) ، وذلك الكيان المسخ الذي آلت إليه الأُمّة في ظلّ قيادة بني أُميّة ، شتان بين الحالين ، فجماعة الحق تُعرف بإمام الحق ، ولا يمكن أن يكون العكس صحيحاً ، فيصبح مَنْ اغتصب إرادة جماعة الحق هو إمام الحق ، وهذا ما عجز ابن عمر عن رؤيته عمداً أو عجزاً عن الإدراك ، فخذل الإمام علي (عليه السّلام) ، وهو أوضح نموذج لالتقاء جماعة الحق مع إمام الحق ، ويسعى لتخذيل الإمام الحسين (عليه السّلام) وإبقائه مع القاعدين ، وينهي حياته أي ابن عمر نهاية تتلاءم مع مجموع مواقفه ، فبينما يخرج الصحابة والتابعون على يزيد في واقعة الحرّة تراه يصفهم بالبغي والعدوان ، ثمّ يذهب مبادراً ليبايع الحجّاج بن يوسف الثقفي بعدما قتل ابن الزبير وهدم الكعبة ، إنّها مواقف التيه
ولذا كان الإمام الحسين (عليه السّلام) واضحاً في مخاطبته قاطعاً عليه طريق الالتفاف قائلاً له : (( يا أبا عبد الرحمن ، أما علمت أنّ من هوان الدنيا على اللّه أنّ رأس يحيى بن زكريا أُهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل ، أما تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيّاً ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأنّ لم يصنعوا شيئاً ، فلم يعجّل اللّه عليهم ، بل أمهلهم وأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام ؟! اتّقِ اللّه يا أبا عبد الرحمن ولا تدع نصرتي ))(٨)
كان أبو عبد اللّه (عليه السّلام) عارفاً بالرجل وبتوجّهاته النفسية التي حاول دائماً أن يعطيها ثوب القداسة ، وكان بنو أُميّة لا يقلّون معرفة بالرجل وكانوا لا يخشونه ، فقد بعث إليه الوليد قائلاً : بايع ليزيد
فقال : إذا بايع الناس بايعت
فقال رجل : ما يمنعك أن تبايع ، إنّما تريد أن يختلف الناس فيقتتلوا ويتفانوا ، فإذا جهدهم ذلك ، قالوا : عليكم بعبد اللّه بن عمر لم يبقَ غيره بايعوه ؟
قال عبد اللّه : ما أحبّ أن يقتتلوا ولا يختلفوا ولا يتفانوا ، ولكن إذا بايع الناس ولم يبقَ غيري بايعت
قال : فتركوه وكانوا لا يتخوّفونه(٩)
لماذا كان بنو أُميّة لا يتخوّفونه ؟ ولماذا لم يبايع منذ اللحظة الأولى ؟
كانوا لا يتخوّفونه لأنّ الرجل كان وارثاً لاسم ولم يكن وارثاً لفاعلية ، كانوا لا يتخوّفونه لأنّه كان كما وصفوه يريد أن يقتتل الناس ويتفانوا ، فإذا جهدهم ذلك قالوا : عليكم بعبد اللّه بن عمر ، تماماً كما حدث يوم شورى ابن العاص حيث كان بعض الناس يريد أن يدفع به إلى سدّة الخلافة ، وكان الرجل لا يزال ذاكراً لهذا اليوم ويحلم بتكراره ، وهذا هو الوهم الأوّل الذي بدأ للرجل المنتظر أن يأتي الناس إليه ويبايعوه
الوهم الثاني الذي عاشه ابن عمر يتمثّل في أنّه كان يعتقد ويظنّ أنّه وارث لنهج في الدين والسياسة ليس بنهج آل بيت محمد ولا هو بالنهج الأُموي
والحقيقة أنّه كان وارثاً لمرحلة طويت فانطوت ، مرحلة تخيّل بعض الناس أنّها دائمة ، ولكنّ كبار المخططين الذين حكي عنهم ربّنا (عزّ وجلّ) بقوله : (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ )(سورة الزخرف / ٧٩) وصنعوها مرحلة انتقالية
فليس من المعقول أن يموت رسول اللّه اليوم فيقفز بنو أُميّة على سدّة الخلافة صبيحة اليوم التالي ، لا بدّ من انتقال وتمهيد ؛ سواء على مستوى الإمكان والتنفيذ ، أم على مستوى القبول النفسي لأفراد هذه الأُمّة ، كان لا بدّ من ثلاثين عاماً من التمهيد لم يعكّر صفوها إلى صعود الإمام علي بن أبي طالب سدّة الخلافة
إذاً لم يكن مسموحاً لابن عمر ، ولا لأي ابن غيره أن يعيد استعراض نهج آبائه على المسلمين ، فهذه مرحلة قد طويت ويكفيكم ما نلتموه من شرف لم يكن يخطر لكم على بال ، وعلى كلّ حال شرف مدفوع الثمن في الدنيا
ب ـ النموذج الثاني : طلب الدنيا بعمل الآخرة ، اختلاط الدين بالأهواء
وإذا كنّا قد أتينا على ذكر ابن عمر وما قدّمه من نموذج في فهم الإسلام ، فإنّ النموذج الآخر الذي عاصر ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) هو نموذج عبد اللّه بن الزبير ، ذاك الذي قال عنه أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) : (( ما زال الزبير رجلاً منّا أهل البيت حتى نشأ ابنه المشؤوم عبد اللّه ))(١٠) ؛ فهو صاحب مواقف قد تركت بصماتها في التاريخ ، إذ لعب دوراً رئيسيّاً في تأجيج نار الفتنة في واقعة الجمل
فيذكر أصحاب التاريخ أنّ عائشة دعت ابن عمر يوماً وقالت له : يا أبا عبد الرحمن ، ما منعك أن تنهاني عن مسيري ؟
قال : رأيت رجلاً قد غلب عليك ، ورأيتك لا تخالفينه ، يعني عبد اللّه بن الزبير
فقالت : أما إنّك لو نهيتني ما خرجت(١١)
وها هو يرى في هلاك معاوية واستخلاف يزيد فرصة كبرى لا بدّ من انتهازها ؛ ليبلغ ما يتمنّاه من المُلك والخلافة ، كما روى عنه الشعبي : رأيت عبد اللّه بن الزبير قام في الحرم فالتزم الركن وقال : اللّهمّ إنّك عظيم تُرجى لكلّ عظيم ، أسألك بحرمة وجهك ، وحرمة عرشك ، وحرمه بيتك ألاّ تخرجني من هذه الدنيا حتى إلى الحجاز ويسلّم عليّ بالخلافة(١٢)
وشتان بين الحالين ؛ حال الإمام الحسين (عليه السّلام) الذي يضحّي بنفسه شهيداً في أرض كربلاء ، وبين هذا الرجل الذي يختار الحرم المكي موقفاً ملائماً لبدء تأسيس دولته ، بغض النظر عن النتائج الوخيمة التي تحلّ ببيت اللّه الحرام ، وهو عين ما حذّر منه الإمام الحسين (عليه السّلام) قائلاً : (( لئن أُقتل خارج مكة بشبر أحبّ إليّ من أن أُقتل داخلها بشبر ، وأن أُقتل خارجها بشبرين أحبّ إليّ من أن أُقتل خارجها بشبر ))
ولكنّه ـ أي ابن الزبير(١٣) ـ لم يتورّع عن تعريض الكعبة للدمار وجعلها مسرحاً لسفك الدماء ؛ وصولاً إلى ما أراد من هدف وهو السلطة
ولمّا تحقّق له بعض ما أراد فعل الأعاجيب ، فهم يحكون عنه صلاة وصياماً وقياماً ، ويحكون عنه أيضاً أنّه قطع ذكر رسول اللّه في خطبة الجمعة أسابيع كثيرة ، فاستعظم الناس ذلك فقال : إنّي لا أرغب عن ذكره ، ولكن له أُهيل سوء إذا ذكرته أقلعوا أعناقهم ؛ فأنا أحبّ أن أكبتهم(١٤)
فلمّا عاتبه بعض خاصته في هذا قال : واللّه ما تركت ذلك علانية إلاّ وأنا أقوله سرّاً وأكثر منه ، لكنّي رأيت بني هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبّوا ، واحمرّت ألوانهم ، وطالت رقابهم ، واللّه ما كنت لآتي لهم سروراً وأنا أقدر عليه ، واللّه لقد هممت أن أحظر لهم حظيرة ثمّ أضرمها عليهم ناراً ؛ فإنّي لا أقتل منهم إلاّ آثماً كفّاراً سحّاراً ، واللّه لا أنماهم اللّه ، ولا بارك عليهم ؛ بيت سوء لا أوّل لهم ولا آخر ، واللّه ما ترك نبي اللّه فيهم خيراً ، استفرغ نبي اللّه صدقهم فهم أكذب الناس(١٥)
ولسنا هنا بصدد استقصاء سيرة ابن الزبير ولا ردود ابن عباس عليه ، فيكفيه أنّه نفى ابن عباس إلى الطائف ، فكان يجلس ليحدّث أهل الطائف مترحّماً على السابقين ، ويقول واصفاً ابن الزبير : ذهبوا فلم يدعوا أمثالهم ولا أشباههم ، ولا مَنْ يدانيهم
ولكن بقي أقوام يطلبون الدنيا بعمل الآخرة ، يلبسون جلد الضأن تحتها قلوب الذئاب والنمور ؛ ليظنّ الناس أنّهم من الزاهدين في الدنيا ، يراؤون الناس بأعمالهم ويسخطون اللّه بسرائرهم ، فادعوا اللّه أن يقضي لهذه الأُمّة بالخير والإحسان فيولّي أمرها خيارها وأبرارها ، ويهلك فجّارها وأشرارها ، ارفعوا أيديكم إلى ربّكم وسلوه ذلك ، فيفعلون
ويكفيه أنّه جمع بني هاشم جميعهم في سجن عارم وأراد أن يحرقهم بالنار ، فجعل في فم الشعب حطباً كثيراً ، فأرسل المختار أبا عبد اللّه الجدلي في أربعة آلاف فارس فما شعر بهم ابن الزبير إلاّ والرايات تخفق بمكة فأخرج الهاشميين
قال المسعودي : وكان عروة بن الزبير من أعلام الرواة والمحدّثين يعذر أخاه عبد اللّه في حصر بني هاشم في الشعب وجمعه الحطب ليحرقهم ، ويقول : إنّما أراد بذلك أن لا تنتشر الكلمة ، ولا يختلف المسلمون ، وأن يدخلوا في الطاعة فتكون الكلمة واحدة ، كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم لمّا تأخّروا عن بيعة أبي بكر فإنّه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار(١٦)
إنّنا أمام واقع لا بدّ من إيراده كما هو ، بغض النظر عمّا لدينا من انطباع وتخيّلات عن هذا الشخص أو ذاك
كان ابن الزبير يشكّل نموذجاً اختلط فيه الدين بالأهواء ، نموذج يتكرّر على مدى الأزمنة ، وخاصّة في زماننا هذا ؛ حيث يستفيد أمثال هؤلاء (الذين طلبوا الدنيا بعمل الآخرة) من حالات الخلخلة التي تمرّ بها المجتمعات الإسلامية نتيجة للصراعات السياسية ، فيحاولون الاستفادة من هذه الفرصة للاستيلاء على السلطة عشقهم الأوّل والأخير ، وهم لا يرون أثقل على قلوبهم من حملة كلمة الحق مثل الحسين وابن عباس ، ولو ظفروا بالسلطة لكان هؤلاء أوّل ضحاياهم ، وهم في محاولاتهم الحصول على مشتهاهم من السلطان والجاه يمكنهم الإطاحة بكثير من المقدّسات مثل انتهاك حرمة بيت اللّه الحرام ، ثمّ يموّهون على العامّة والبسطاء ببعض التوابل مثل الصلاة والصيام والقيام ، وطول الركوع والسجود ، وتبقى القلوب قلوب الذئاب مهما ارتدت من جلود الضأن
إذا كان الزبير طالباً للحق فلماذا حارب أمير المؤمنين علي ؟ ولماذا خذل الحسين (عليه السّلام) ؟
فلا عجب أن يهدي إليه ابن عباس هذه الكلمات والحسين خارج من مكة :
يا لكِ من قبّرةٍ بمعمر خلا لكِ الجو فبيضي واصفري
ونقّري ما شئتِ أن تنقّري
ولا عجب أيضاً أن ينذره الحسين بسوء فاله : (( إنّ أبي حدّثني أنّ بها كبشاً يستحلّ حرمتها ، فما أحبّ أن أكون ذلك الكبش ))(١٧)
ج ـ النموذج الثالث : طلب الحق والشهادة في سبيله
كان لا بدّ من المرور بذكر ابن الزبير ؛ لأنّ ذكر النقائض يعين على كشف الحقائق ، فلم يكن الحسين (عليه السّلام) إمام الحق ، وارث النبي (صلّى الله عليه وآله) وعلي (عليه السّلام) على شاكلة هؤلاء ممّن يبحثون عن سلطان أو جاه ، وإنّما كان هدفه إنقاذ الدين ، وإعلاء كلمة الحق
لم تكن حقبة إمامة الحسين (عليه السّلام) في مكة فترة راكدة
ومن الواضح أنّها كانت حافلة بالحوارات بين وجوه الأُمّة الذين جمعهم موسم الحجّ ، ومحاولة اللحاق بأبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) وثنيه عن مسيره المزمع إلى العراق وإن تناقضت الدوافع
ومن ناحية أُخرى مثّل خروج الحسين (عليه السّلام) إلى مكة وإباءه البيعة بارقة أمل لِمَنْ يرغبون في التخلّص من بني أُميّة والسير خلف راية أهل البيت (عليهم السّلام) ، فاجتمعوا في الكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فذكروا هلاك معاوية فحمدوا اللّه وأثنوا عليه ، وقال سليمان بن صرد : إنّ معاوية قد هلك ، وإنّ حسيناً لم يبايع يزيد ، وقد خرج إلى مكة وأنتم شيعته وشيعه أبيه ، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه ، ونقتل أنفسنا دونه فاكتبوا إليه وأعلموه ، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغرّوا الرجل في نفسه
قالوا : لا ، بل نقاتل عدوّه ونقتل أنفسنا دونه
قال : فاكتبوا إليه
٥ ـ اكتمال عناصر التحرّك
كتب أهل الكوفة إلى الحسين (عليه السّلام) يقولون : ليس علينا إمام ، فاقبل لعلّ اللّه أن يجمعنا بك على الحق
وتوالت الكتب تحمل التوقيعات تدعوه إلى المجيء لاستلام البيعة وقيادة الأُمّة في حركتها في مواجهة طواغيت بني أُميّة ، وهكذا اكتملت العناصر الأساسية للحركة الحسينية، وهي :
أ ـ وجود قيادة شرعية تمثّل التصوّر الحقيقي للإسلام ، وهي قيادة أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام)
ب ـ وجود الظروف الداعية إلى حمل لواء التغيير ، وتتمثّل في تمادي الفساد الأُموي ، ورغبته في مصادرة إرادة الأُمّة مرّة واحدة وإلى الأبد في شكل مبايعة يزيد (القرود)
ج ـ وجود إرادة جماهيرية تطلب التغيير وتستحث الإمام الحسين (عليه السّلام) للمبادرة إلى قيادة الحركة ، وكان موقع هذه الإرادة في الكوفة ، تمثّلت في رسائل البيعة القادمة من أهلها
وهكذا لم يكن بوسع أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) أن يقف من هذه الأمور كلّها موقف المتفرّج الهارب بنفسه من ساحة الوغى ، أو (الفار بدينه) إلى ساحات الاعتزال والانعزال ، وهي جميعها أشكال مختلفة من الهروب والتهرّب من تحمّل المسؤولية ، وهو مسلك فضلاً عن ضرره البليغ على الواقع الراهن في تلك اللحظة يُعطي المبرّر لكلّ مَنْ تعرّض لهذه الظروف أو ما شابهها أن يهرب بنفسه وينجو بشحمه ولحمه حتى يستوفي الأجل المحتوم ، ويبقى في وجدان الأُمّة رمزاً من رموز الكهنوت الهارب من مواجهة الشيطان في أرض الواقع ، واللائذ بالنصوص والتبريرات
كان بوسع الحسين (عليه السّلام) أن يفعل مثلما فعل ابن عمر فيبايع بيعة المضطر ليزيد ، ونضيف إلى لائحة الروايات التبريرية التي رواها الرجل على لسانه ، أو على لسان النبي الأكرم عدّة نصوص أُخرى ربما كانت تحتلّ مكاناً أبرز من نصوص ابن عمرو كان البخاري ومسلم سيحتفلان بها ، فها هو ابن الرسول وعلي وفاطمة (عليهم السّلام) يوجب السمع والطاعة ليزيد القرود ويدعو إلى توحيد الجماعة صفاً واحداً خلف حفيد آكلة الأكباد ، وحفيد أبى سفيان عدوّ اللّه ورسوله حتى آخر نفس
ولو كان فعل هذا وحاشاه لاستشهد به الأفّاقون والمنافقون والمخادعون في كلّ موقف يرون فيه ضرورة إسناد حزب الشيطان ومنعه من الانهيار ، ولما قال أحد : ثار الحسين رافضاً الظلم واستشهد في سبيل اللّه ، ولماتت هذه الأُمّة إلى نهاية الدهر
٦ ـ الهجرة الثانية : من مكة إلى الكوفة
جاءت الرسل إلى أبي عبد اللّه تدعوه إلى المجيء ، وأجاب الإمام بإرسال مسلم بن عقيل بن أبي طالب ، وكان من أمره (رضوان اللّه عليه) ما كان ، حيث استشهد حميداً سعيداً ، وأرسل الإمام الرسل إلى أهل البصرة والكوفة يدعوهم إلى الاجتماع معه وإلى تأييده ، ثم خرج (عليه السّلام) من مكة باتّجاه العراق
وحاولت السلطة الأُمويّة الغاصبة منعه وإبقاءه في مكة ، فامتنع الحسين (عليه السّلام) وصحبه ومضى على وجهه ، ونادوه : يا حسين ألا تتّقي اللّه ، تخرج من الجماعة وتفرّق بين هذه الأُمّة ؟
فتلا (عليه السّلام) قوله تعالى : ((وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ))(سورة يونس / ٤١)(١٨)
ثمّ خطب خطبة بليغة تبيّن أنّه (عليه السّلام) كان متيقّنا من قدره ، راغباً فيه وهو الشهادة ، فقال : (( الحمد للّه ، وما شاء اللّه ، ولا قوّة إلاّ باللّه ، وصلّى اللّه على رسوله ، خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن منّي أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً
لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم ، رضى اللّه رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفّينا أجر الصابرين ، لن تشذّ عن رسول اللّه لحمته ، وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه ، وينجز لهم وعده ، ومَنْ كان باذلاً فينا مهجته ، وموطّناً على لقاء اللّه نفسه ، فليرحل معنا ؛ فإنّني راحل مصبحاً إنّ شاء اللّه تعالى ))(١٩)
جاء الناصحون من كلّ اتّجاه يقدّمون للإمام ما يرون أنّه الرؤية الصائبة ، منهم مَنْ ينصح له بعدم الخروج ، ومنهم مَنْ ينصحه بالامتناع بالحرم المكي ، مثل محمد بن الحنفية
فأجابه الحسين (عليه السّلام) : (( يا أخي ، أخشى أن يقاتلني أجناد بني أُميّة في حرم مكة ، فأكون كالذي يُستباح حرمه في حرم اللّه ))
فقال محمد : يا أخي ، فسر إلى اليمن ، أو إلى بعض النواحي فإنّك أمنع الناس
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( يا أخي ، لو كنت في حجر هامة من هوام الأرض لاستخرجوني منه حتى يقتلوني ))
ثمّ قال له : (( يا أخي سأنظر في ما قلت ))
فلمّا كان وقت السحر عزم الحسين (عليه السّلام) على الرحيل إلى العراق ، فجاءه أخوه محمد وأخذ بزمام ناقته التي هو راكبها ، وقال : يا أخي ، ألم تعدني النظر في ما أشرت به عليك ؟
قال : (( بلى ))
قال : فما حداك على الخروج عاجلاً ؟
فقال (عليه السّلام) : (( يا أخي ، إنّ جدّي رسول اللّه أتاني بعدما فارقتك وأنا نائم ، فضمّني إلى صدره وقبّل ما بين عيني وقال لي : يا حسين ، يا قرّة عيني ، اخرج إلى العراق ؛ فإنّ اللّه قد شاء أن يراك قتيلاً مخضّباً بدمائك ))
فبكى محمد بن الحنفية بكاءً شديداً ، وقال له : يا أخي ، إذا كان الحال كذا فما معنى حملك هؤلاء النسوان ، وأنت ماضٍ إلى القتل ؟
فقال (عليه السّلام) : (( يا أخي ، قد قال جدّي أيضاً : إنّ اللّه قد شاء أن يرى نسوتك سبايا مهتّكات ، يسقنَ في أسر الذل ، وهنّ أيضاً لا يُفارقنني ما دمت حيّاً ))
فلمّا أصرّ محمد على المنع والانصراف عن الخروج ، قال الإمام (عليه السّلام) :
سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلما
وواسى الرجالَ الصالحينَ بنفسه وفارقَ مذموماً وخالفَ مجرما
ويروي :
وآسى الرجالَ الصالحينَ بنفسه وفارقَ خوفاً أن يعيشَ ويُرغما
ويروي :
فإن متُّ لم أندم وإن عشتُ لم أُلم كفى بكَ موتاً أن تذلَّ وتُرغما
فإن عشتُ لم أُذمم وإن متُّ لم أُلم كفى بكَ ذلاً أن تعيشَ وتندما
ثمّ تلا :(( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ))(سورة الأحزاب / ٣٨)
لقد كان الحسين (عليه السّلام) طالب حقّ وشهادة لا طالب إمارة كما عنون ابن كثير في تاريخه قائلاً : خرج الحسين طالباً للإمارة
والحقّ أعلى وأجل من الإمرة وإنّ كلّ ما رويناه يخبرنا أنّ خروج الحسين (عليه السّلام) لم يكن متوقّفاً على إرادة الجماهير ومطالبتها له ، بل كان ناشئاً عن الأمر الإلهي ، إنّه الأمر نفسه الذي بُعث بمقتضاه رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) للناس بشيراً ونذيراً ، وبعهدٍ من رسول اللّه كانت الوصية والإمامة في آل بيت النبوّة ، وبعهدٍ من اللّه ورسوله إلى أئمّة آل البيت (عليهم السّلام) ـ سواء الذين تحرّكوا أم مَنْ لم يتحرّك ـ كانت حركاتهم وسكناتهم ، كان الحقّ غايتهم ، وكانت بلورته وتحديد معالمه هي مهمّتهم (سلام اللّه عليهم) ؛ ولذا كانت الأُمّة يومها وإلى يومنا هذا في حاجة إلى تلك الحركة الحسينية ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ )(سورة الأنفال / ٤٢) ، ولم يكن الحسين (عليه السّلام) بحاجة إلى حركة الأُمّة ، بل كانت الأُمّة هي المحتاجة ؛ ولذا حمل الحسين (عليه السّلام) النساء والأطفال حتى تكون الجريمة الأُمويّة كاملة ، وحتى يحمل الراضون الوزر الكامل من يومها إلى يومنا هذا (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ )(سورة العنكبوت / ١٣)
وهكذا استكملت الحركة الحسينية معالمها وبنو أُميّة يحاولون الحيلولة بين الحسين (عليه السّلام) وبين اختياره لموقع المواجهة ، فلمّا أحس والي مكة أنّ الحسين قد خرج بعث إليه كتاباً بالأمان ، حمله عبد اللّه بن جعفر ويحيى بن سعيد يُمنّيه بالأمان والصلة ، والبرّ وحسن الجوار ، ويعيذه من الشقاق والخلاف والهلاك ، فردّ (عليه السّلام) بقوله : (( أمّا بعد ، فإنّه لم يشاقق اللّه ورسوله مَنْ دعا إلى اللّه (عزّ وجلّ) وعمل صالحاً وقال إنّني من المسلمين ، وقد دعوتني إلى الإمان والبرّ والصلة ، فخير الأمان أمان اللّه ، ولن يؤمن اللّه مَنْ لم يخف من الدنيا ، فنسأل اللّه مخافته في الدنيا توجب لنا أمانه يوم القيامة ، فإن كنت نويت بالكتاب صلتي وبرّي فجُزيت خيراً في الدنيا والآخرة ، والسّلام ))
عن أيّ أمان يتحدّث هؤلاء المخادعون المنافقون ؟ ألم يبعث يزيد القرود بالأمس إلى واليه على المدينة يخيّر الحسين (عليه السّلام) بين البيعة والقتل ، حتى اضطر (عليه السّلام) إلى الخروج ليلاً وهو يقرأ : ((فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ ))(سورة القصص / ٢١) ، فأيّ أمان هذا ؟ أهو تأجيل لتنفيذ القرار حتى تأتي الفرصة المناسبة وتتمّ العملية بهدوء وسلامة ؛ اغتيالاً أو سمّاً ؟ كما أخبر به أخاه محمد بن الحنفية : (( أخشى أن يقاتلني أجناد بني أُميّة في حرم مكة ، فأكون كالذي يُستباح دمه في حرم اللّه ، يا أخي لو كنت في حجر هامة من هوام الأرض لاستخرجوني منه حتى يقتلوني ))
لقد كان خروج الحسين (عليه السّلام) من مكة قراراً مدروساً ، قائماً على معلومات موثوقة ومؤكّدة عن النوايا الحقيقية لبني أُميّة ، ولسوابقهم التي لم تكن قد أضحت يومها تاريخية في قتل خصومهم اغتيالاً بالسمّ أو بغيره ؛ ولذا كان قرار الخروج من مكة إلى أرض كربلاء لا إلى أيّ مكان آخر ، لا إلى اليمن ولا إلى أي أرض أُخرى
ثمّ هو في لقائه مع الفرزدق يؤكد هذا المعنى
ولا يسعنا إلاّ تصديق ما جاء على لسان الحسين (عليه السّلام) ، فقد التقى الفرزدق الشاعر بقافلة الحسين (عليه السّلام) فسلّم عليه ، وقال له : بأبي أنت وأُمّي يابن رسول اللّه ، وما أعجلك عن الحجّ ؟
فقال : (( لو لم أعجل لأُخذت ))
وهذا كلام واضح لا لبس فيه ولا التواء
ثمّ سأله أبو عبد اللّه عن الناس ، فقال : قلوبهم معك ، وأسيافهم عليك ، والأمر ينزل من السماء ، واللّه يفعل ما يشاء
فقال (عليه السّلام) : (( صدقت ، للّه الأمر وكلّ يوم هو في شأن ، فإن نزل القضاء بما نحبّ ونرضى فنحمد اللّه على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يبعد مَنْ كان الحق نيّته والتقوى سريرته ))(٢٠)
ويبقى أخذ الحسين (عليه السّلام) لنسائه وبنات النبوّة والرسالة موضعاً للاستفهام والتساؤل ، الناشئ من قلّة فهمنا وإدراكنا لوظيفة أهل البيت (عليهم السّلام) ، وطبيعة مهمّتهم في حفظ الرسالة الإسلامية ، فها هو التاريخ يحكي لنا بعض نماذج الزهادة لأشخاص خالفوا نهج أهل البيت (عليهم السّلام) ، بل وحاربوه ، ويصعب علينا تحقيق كلّ هذه الروايات إثباتاً أو نفياً ، ولكن التاريخ البشري كلّه لم يحدّثنا عن قائد يحمل أمانة الحفاظ على منهج يحمل معه كلّ هذا الكم من القرابين من أهل بيته الطاهرين ومن فلذات كبده ، بل وحتى نساءه وحرماته
التاريخ يحكي لنا آلاف النماذج عن قتلى وشهداء من أجل فكرة أو مذهب ، لكن لم يحكِ لنا عن النموذج الحسيني لقافلة تحمل حرمات رسول اللّه وبنات الرسالة يؤدين واجبهنّ في التضحية والفداء
بعض الباحثين يردّ على أنصار نهج آل البيت (عليهم السّلام) متسائلاً : بأيّ ميزة فُضّل هؤلاء ؟ ويقول : إنّهم ليسوا أفضل من غيرهم ، ويقتطف عبارات يأخذها بعيداً عن سياقها ، مثل قوله : يا فاطمة بنت محمد اعملي ، لا أُغني عنك من اللّه شيئاً
ويردّ أنصار أهل البيت (عليهم السّلام) بما ورد من آيات وأحاديث ، ولكن في ظنّي أنّ أكبر ردّ على هؤلاء هو موقف آل بيت النبوّة في يوم عاشوراء ، حيث ضرب الجميع أروع الأمثال على أنّ فضل آل البيت (عليهم السّلام) على مَنْ عداهم كان فضل عمل لا شرف بلا عمل ، ليس آل البيت في حاجة إلى أكاذيب تُعلي شأنهم بأنّهم أوّل مَنْ يعمل ، وأوّل مَنْ يلبّي ، وأوّل مَنْ يستشهد ، وواللّه لقد ذهب فضلهم ونورهم بكلّ مَنْ عداهم ، وهكذا فإنّ مقالة أبي عبد اللّه (عليه السّلام) حاكياً عن رسول اللّه : (( قد قال جدّي رسول اللّه : أنّ اللّه قد شاء أن يرى نسوتك سبايا مُهتّكات ، يُسقنَ في أسر الذلّ ))
٧ ـ في الطريق إلى كربلاء
ثمّ تحرّك (عليه السّلام) فلقي رجلاً في الرهيمة يُدعى أبا هرم ، فقال له : يابن النبي ، ما الذي أخرجك من المدينة ؟
فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( شتموا عرضي فصبرت ، وطلبوا مالي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت ، وأيم اللّه لتقتلني الفئة الباغية ثمّ ليلبسنّهم اللّه ذلاً شاملاً ، وسيفاً قاطعاً ، وليسلطنّ اللّه عليهم مَنْ يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من قوم سبأ ، إذ ملكتهم امرأة فحكمت في أموالهم ودمائهم ))(٢١)
وفي الطريق إلى العراق جاءه نعي مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، فنظر إلى بني عقيل فقال : (( ما ترون ، فقد قُتل مسلم ؟ ))
فقالوا : واللّه ما نرجع حتى نُصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق
فاقبل عليهم الحسين (عليه السّلام) فقال : (( لا خير في العيش بعد هؤلاء ))
ثمّ التقاه الحرّ بن يزيد الرياحي فخطب فيهم : (( أيّها الناس ، إنّي لم آتكم حتى أتتني كتبكم ، وقدِمت عليّ رسلكم أن أقدم علينا فليس لنا إمام ، لعلّ اللّه أن يجمعنا وإيّاكم على الهدى والحق ، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم فأعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم ، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم ))
فسكتوا عنه ولم يتكلّم أحد
ثمّ خطب خطبة أُخرى بعد صلاة العصر ، فحمد اللّه وأثنى عليه وقال : (( أمّا بعد ، أيّها الناس ، فإنّكم إن تتّقوا اللّه وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى للّه عنكم ، ونحن أهل بيت محمد أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، فإن أبيتم إلاّ الكراهة لنا والجهل بحقّنا ، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم وقدِمت عليّ به رسلكم انصرفت عنكم ))
فأجابه الحرّ : إنّي واللّه ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر
فقال (عليه السّلام) لبعض أصحابه : (( يا عقبة بن سمعان ، اخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إليّ ))
فأخرج خرجين مملوءين صحفاً ، فنُشرت بين يديه
ثمّ مضى الحسين (عليه السّلام) حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل فنزل ، فإذا هو بفسطاط مضروب فقال : (( لمَنْ هذا ؟ ))
فقيل : لعبيد اللّه بن الحرّ الجعفي
فدعاه الحسين إلى الخروج معه فاستقاله عبيد اللّه ، فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( فإن لم تكن تنصرنا فاتّقِ اللّه ، لا تكن ممّن يقاتلنا ؛ فواللّه لا يسمع داعيتنا أحد ثمّ لا ينصرنا إلاّ هلك ))
فقال له : أمّا هذا فلا يكون أبداً إن شاء اللّه
ثمّ سار (عليه السّلام) فخفق وهو على ظهر فرسه خفقه ، ثمّ انتبه وهو يقول : (( إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، والحمد للّه ربّ العالمين ))
ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثاً ، فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين (عليهما السّلام) فقال : مِمّ حمدت اللّه واسترجعت ؟
قال : (( يا بُني إنّي خفقت خفقة ، فعنَ لي فارس على فرس وهو يقول : القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم ، فعلمت إنّها أنفسنا نُعيت إلينا ))
فقال له : يا أبتِ لا أراك اللّه سوءاً ، ألسنا على الحق ؟
قال : (( بلى واللّه الذي مرجع العباد إليه ))
فقال : فإنّنا إذاً ما نبالي أن نموت محقّين
فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( جزاك اللّه خير ما جزى ولداً عن والده ))
تروي لنا كتب التاريخ خطبة أُخرى للإمام الحسين (عليه السّلام) : (( أيها الناس ، إنّ رسول اللّه قال : مَنْ رأى سلطاناً جائراً ، مستحلاً لحرم اللّه ، ناكثاً لعهد اللّه ، مخالفاً لسُنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، يعمل في عباد اللّه بالإثم والعدوان ، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول ، كان حقّاً على اللّه أن يدخله مدخله ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام اللّه وحرموا حلاله ، وأنا أحق مَنْ غيّر ، وقد أتتني كتبكم ، وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم ، أنّكم لا تسلموني ولا تخذلوني ، فإن تممتم عليّ بيعتكم تصيبوا رشدكم ، فأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول اللّه ، نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهليكم ، فلكم فيّ أُسوة ، وإن لم تفعلوا ، ونقضتم عهدكم ، وخلعتم من أعناقكم بيعتي ، فلعمري ما هي لكم بنكر ؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم بن عقيل ، والمغرور مَنْ اغترّ بكم ، فحظّكم أخطأتم ، ونصيبكم ضيّعتم ، (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ )(سورة الفتح / ١٠) ، وسيُغني اللّه عنكم ، والسّلام ))(٢٢)
ثمّ خطب خطبة أُخرى فقال : (( إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون ، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت ، وأدبر معروفها ، واستمرت جدّاً فلم يبقَ منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون إنّ الحق لا يُعمل به ، وإنّ الباطل لا يُتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء اللّه محقّاً ؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة ، ولا الحياة مع الظالمين إلاّ برماً ))(٢٣)
٨ ـ محاولات إخفاء الحقيقة ، ابن كثير يناقض نفسه
كلمات واضحة يفهمها من يقرأها ، تستعصي على التزوير ، لكن يد الغشّ والخيانة أخفت كلّ شيء ، وزوّرت كلّ شيء ، ونشأت أجيال وأجيال لا تعرف من ذكرى الحسين (عليه السّلام) إلاّ أنّه ابن بنت رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ، وأنّه خرج يطلب المُلك والإمارة فخذله المسلمون الشيعة ، وقتله بنو أُميّة وهم أصحاب الدولة الشرعية ، وأمّا الشيعة فهم يضربون أنفسهم ، ويسيلون دماءهم ؛ لأنّهم قتلوه
قليل أولئك الذين يعرفون الحقيقة بتفصيلاتها ، حتى ابن كثير يكتب فصلاً في البداية والنهاية بعنوان : صفة مقتل الحسين بن علي (رضي اللّه عنه) مأخوذة من كلام أئمّة هذا الشأن ، لا كما يزعمه أهل التشيّع من الكذب الصريح والبهتان
ولا يُلام ابن كثير الدمشقي على حبّ قومه من بني أُميّة ، ولا على سبابه للمسلمين الشيعة ، واتّهامه لهم بالكذب الصريح والبهتان
ولكنّ العجب كلّ العجب ! أنّه لم يُخالف حرفاً واحداً ممّا رواه أئمّة التشيّع في كتبهم عن مقتل الحسين (عليه السّلام) ، ويكذّب عدّة روايات وردت في هذا الشأن ليست محورية ولا أساسية في القضية وهو يتناقض مع نفسه فيقول : ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء ، فوضعوا أحاديث كثيرة كذباً وفحشاً ، من كون الشمس كُسفت يومئذٍ حتى بدت النجوم ...(٢٤)
ثمّ يقول ناقضاً ما ذهب إليه : وأمّا ما روي من الأحاديث والفتن التي أصابت مَنْ قتله فأكثرها صحيح ! فإنّه قلّ مَنْ نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة ، أو عاهة في الدنيا ، فلم يخرج منها حتى أُصيب بمرض ، وأكثرهم أصابهم الجنون(٢٥)
ثمّ يناقض نفسه ، ويتخبّط ويواصل الشتم والسبّ ، ويقول : للشيعة والروافض في صفة مصرع الحسين كذب كثير ، وأخبار باطلة ، وفي ما ذكرناه كفاية ، وفي بعض ما أوردناه نظر ، ولولا أنّ ابن جرير وغيره من الحفاظ ذكروا ما سقته وأكثره من رواية أبي مخنف لوط بن يحيى ، وقد كان مسلماً شيعياً ، وهو ضعيف الحديث عند الأئمّة ، ولكنّه إخباري حافظ عنده من هذه الأشياء ما ليس عند غيره
ثمّ يقول : وقد أسرف الرافضة في دولة بني بويه ، فكانت الدبادب تضرب بغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء إلخ
وقد عاكس الرافضة والشيعة يوم عاشوراء النواصب من أهل الشام ، فكانوا يوم عاشوراء يطبخون ويغتسلون ، ويتطيبون ويلبسون أفخر ثيابهم ، ويتّخذون ذلك اليوم عيداً يصنعون فيه أنواع الأطعمة ، ويظهرون فيه السرور والفرح ؛ يريدون بذلك عناد الروافض ومعاكستهم(٢٦)
إذاً الشيخ ابن كثير يقرّ ويعترف أنّ أجهزة الدعاية الأُمويّة قلبت الحقائق ، وحولّت يوم الكارثة إلى يوم عيد وسرور ، وهو الذي ما زال متداولاً إلى يومنا هذا
ويمضى الرجل يكشف على استحياء دخيلة نفسه فيقول : وقد تأوّل عليه مَنْ قتله أنّه جاء ليفرّق كلمة المسلمين بعد اجتماعها ، وليخلع مَنْ بايعه من الناس واجتمعوا عليه ، فقد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك ، والتحذير منه والتوعّد عليه
عفواً أيّها الشيخ ، يبدو أنّ خطأ الإمام الحسين (عليه السّلام) أنّه ولد واستشهد قبل مجيء مسلم وكتابه ، فلم يدرِ بالحديث المزعوم على رسول اللّه ، ولم يعلم أنّ الأُمّة بعد قرنين ستعرف صحيح مسلم وتجهل صحيح الحسين (عليه السّلام)
عفواً أيّها الشيخ ، فقد جهلت الأُمّة حديث الثقلين : (( إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به بعدي لن تضلّوا أبداً ؛ كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض )) ، وهو حديث رواه مسلم في صحيحه بعد الحسين بقرنين
لقد جهلت الأُمّة هذا الحديث يوم كان عليها أن تذكره ، ثمّ روته بعد ذلك ولم تفهمه هذه الأُمّة التي نسيت وتناست ما صح نصاً وما جسّده الإمام الحسين (عليه السّلام) ، مارست الدين على الطريقة الأُمويّة ، ومَنْ حاول المقاومة كان مصيره القتل كما أسلفنا من قبل
ثمّ يمضي الشيخ في منطقه ويقول بعدما عدّد القتلى ممّن عدّهم أفضل من الحسين وأبيه (عليهما السّلام) : ولم يتّخذ أحد يوم موتهم مأتماً يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين(٢٧)
ثمّ يناقض نفسه كعادته : وأحسن ما يُقال عند ذكر هذه المصائب وأمثالها ، ما رواه علي بن الحسين ، عن جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أنّه قال : (( ما من مسلم يُصاب بمصيبة فيتذكرها وإن تقادم عهدها فيحدث لها استرجاعاً إلاّ أعطاه اللّه من الأجر مثل يوم أُصيب فيها ))
إنّنا نستعرض كلمات ابن كثير ؛ لأنّها نموذج لحالة التناقض والارتباك التي وقع فيها الكثيرون ممّن أذهلهم الحدث ، وعجزوا عن متابعته وقول كلمة الحق فيه ، ومن أولئك الذين أرادوا استتباب الأمر لبني أُميّة وظنّوا أنّ قضية آل البيت قد طويت وانتهت ، فلمّا أعلن الحسين (عليه السّلام) ثورته وخطّ كلمة الحق بدمائه على الأرض ، وفي السماء ، بل وفي الكون كلّه ، لجأوا مرّة أُخرى إلى الكتمان والتزييف ؛ لعلّ الناس ينسون ، ولكن هيهات هيهات
هكذا وصل الركب إلى محطّ رحاله الأخير ، إلى كربلاء حيث أذن اللّه أن يستقرّ الجسد الطاهر لأبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) ويبقى شاهداً لكلّ القيم التي جاء بها محمد بن عبد اللّه وأورثها المصطفين من عباد اللّه من آل محمد إماماً وراء إمام ، ( دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ )
ويبقى أيضاً هذا الجسد الطاهر شاهداً على الذين (نقضوا غزلهم من بعد) قوّة أمكاثاً ، واتّبعوا سنن مَنْ قبلهم شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع أراد اللّه أن يستقرّ الجسد الطاهر لأبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) في هذا المكان شاهداً على فضيحة بني أُميّة ومَنْ مهّدوا لهم ، ومَنْ ساروا على دربهم من المزوّرين ومن الأخسرين أعمالاً ، الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً ، ومكروا مكراً ومكر اللّه بهم مكراً وهم لا يشعرون ، هم قد خطّطوا لقتل أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) في صمت ، كما قُتل الحسن (سلام اللّه عليه) من دون أن يعرف التاريخ قاتله ، وهذا ما أكّد عليه أبو عبد اللّه (عليه السّلام) في حواراته المختلفة
وكان الحسين (عليه السّلام) يعلم أنّ الأجل لا مفرّ منه ؛ ولذا كان يتمثّل بأبيات الشاعر :
أذلّ الحياة وذلّ الممات وكلاً أراه طعاماً وبيلا
فإن كان لا بدّ من إحداهما فسَيْري إلى الموت سَيْراً جميلا
لقد كان خروج الحسين (عليه السّلام) رفضاً للاغتيال خلسة وصمتاً ، وسعياً إلى القتل شاهداً شهيداً في واقعة لا بدّ من تسجيلها في القلوب ، حتى القلوب الميّتة تعجز عن مداراتها ، ذلك الأموي البغيض الذي روى كلّ تفاصيل الواقعة كارها كان شاهداً رغم أنفه ، وحاول أن يتنصّل وحاول أن يتمسّح بتكذيب بعض تفاصيل لن تغيّر شيئاً
كان الجميع شاهداً على عظمة أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) ، وعلى عظمة أهل البيت (عليهم السّلام) ، سواء المحبون أم الكارهون ، وهكذا تحقّق للحسين (عليه السّلام) ما أراد ، وخسر بنو أُميّة ومَنْ مهّدوا لهم ومَنْ ساروا على دربهم ، خسروا معركة الشرعية بشكل نهائي ، تلك الغلالة الرقيقة من التمسّح بالدين زوّراً وبهتاناً سقطت وتمزّقت ، كان معاوية يرفع شعار الثأر للخليفة المظلوم وقد موّه بذلك على البسطاء ، أمّا الآن فإنّ النظام الأُموي أسفر عن وجهه الكئيب ، وها هو يزيدهم يعريهم وينادي أئمّة الكفر من آبائه : (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ )(سورة الحج / ١٩) ، عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة الذين أُرسلوا إلى النار بسيف الإمام علي (عليه السّلام) ليشهدوا ، ويقول :
ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسل
وها هي واقعة رواها كلّ أصحاب التواريخ بلا استثناء حتى ابن كثير الأُموي ، لقد علّم الحسين (عليه السّلام) كلّ البشر درساً في الإدراك الواعي للهدف ، والسعي إلى تحقيقه مهما كانت التضحيات
وهكذا سقطت مرّة واحدة وإلى الأبد كلّ أقنعة الإسلام الكهنوتي ، وتبلور الصراع بين الحق والباطل ليصبح بين الحسين ويزيد
أمّا أصحاب أنصاف المواقف أشباه الرجال فقد سقطوا وأدرك الجميع أنّهم في صفّ الإسلام الأُموي ، وهكذا يمتدّ الصراع حتى آخر الزمان ليصبح بين المهدي وارث أهل البيت والسفياني وارث النهج الأُموي
١ ـ الموقف الحسيني معيار وقدوة
في ليلة الشهادة وفي يومها واصل الحسين (عليه السّلام) الشرح والبيان ، جمع أصحابه وأهل بيته ، وخطب فيهم : (( أمّا بعد ، فإنّي لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم اللّه عنّي جميعاً خيراً
ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً ، ألا وإنّي قد رأيت لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ثمّ ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، ثمّ تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرّج اللّه ؛ فإنّ القوم إنّما يطلبوني ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري ))
فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبد اللّه بن جعفر : لِمَ نفعل ؟ لنبقى بعدك ؟! لا أرانا اللّه ذلك أبداً
بدأهم بهذا القول العباس بن علي (عليهما السّلام) ، ثمّ إنّهم تكلّموا بهذا ونحوه ، فقال الحسين (عليه السّلام) : (( يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم ، اذهبوا قد أذنت لكم ))
قالوا : فما يقول الناس ؟! يقولون : إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرمِ معهم بسهم ، ولم نطعن معه برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، ولا ندري ما صنعوا ! لا واللّه لا نفعل ، ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا ، ونقاتل معك حتى نرد موردك ؛ فقبح اللّه العيش بعدك(٢٨)
ـــــــــــــــــــــــ
١ ـ الاحتجاج ـ للشيخ أحمد بن علي الطبرسي ٢ / ٢٣
٢ ـ تاريخ الأُمم والملوك ـ للطبري ٤ / ٢٥٠
٣ ـ توجد بين الفقرتين كلمة (قال) قد حذفناها خشية أن يتوهم القارئ الكريم من أنّ القول في الفقرة الثانية هو للإمام الحسين (عليه السّلام) ، والصحيح ما أثبتناه (راجع الكامل في التاريخ ـ لابن الأثير ٤ / ١٥) [موقع معهد الإمامين الحسنين (عليهما السّلام)]
٤ ـ تاريخ الأُمم والملوك ـ للطبري ، أحداث سنة(٦٠) ٤ / ٢٥٠ ـ ٢٥٢
٥ ـ المصدر نفسه ٤ / ٢٥٣
٦ ـ المصدر نفسه ٤ / ٢٥٣ ـ ٢٥٤
٧ ـ المصدر نفسه
٨ ـ موسوعة كلمات الإمام الحسين / ٣٢٥
٩ ـ شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ٤ / ٤٨٠ ، دار الهدى الوطنية ، بيروت
١٠ ـ المصدر نفسه
١١ ـ المصدر نفسه ٤ / ٤٨١
١٢ ـ المصدر نفسه ٤ / ٤٩٢
١٣ ـ هذه الإضافة منّا للتوضيح [موقع معهد الإمامين الحسنين (عليهما السّلام)]
١٤ ـ شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ٤/٤٨٩
ـــــــــــــــــــــــ
١٥ ـ المصدر نفسه ٤ / ٤٨٩
١٦ ـ المصدر نفسه ٥ / ٤٩٥
١٧ ـ تاريخ الطبري ٤ / ٢٨٩
١٨ ـ موسوعة كلمات الإمام الحسين / ٣٢٨ ، معهد تحقيقات باقر العلوم ، دار العروق قم ، ومقتل الحسين للخوارزمي الجزء الثاني
١٩ ـ البداية والنهاية ـ لابن كثير ٤ / ٦٨٧
٢٠ ـ الأمالي / ٩٣ ، نفس المهموم ـ للشيخ عباس القمي / ٩٨
٢١ ـ تاريخ الطبري ٤ / ٣٠٤ ـ ٣٠٥
٢٢ ـ المصدر نفسه ٤ / ٣٠٥
٢٣ ـ البداية والنهاية ـ لابن كثير ٤ / ٧٣٠
٢٤ ـ المصدر نفسه ٤ / ٧٣١
٢٥ ـ المصدر نفسه
٢٦ ـ المصدر نفسه ٤ / ٧٣٢
٢٧ ـ المصدر نفسه
وفي رواية عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهم السّلام) أنّه قال : (( إنّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) قال : يا بُني إنّك ستُساق إلى العراق ، وهي أرض قد التقى بها النبييون وأوصياء الأنبياء ، وهي أرض تُدعى عمّورا ، وإنّك تستشهد بها ويستشهد معك جماعة من أصحابك ، لا يجدون ألماً من الحديد ، وتلا : قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ (سورة الأنبياء / ٦٩)
تكون الحرب برداً وسلاماً عليك وعليهم فابشروا ، فواللّه لئن قتلونا فإنّا نرد على نبيّنا ))
فلمّا أجمع أهل بيته وأصحابه على مواصلة الجهاد والسير إلى موضع شهادتهم قال لهم : (( فإن كنتم قد وطّنتم أنفسكم على ما وطّنت نفسي عليه فاعلموا أنّ اللّه يهب المنازل الشريفة لعباده ؛ لصبرهم على احتمال المكاره ، وإنّ اللّه وإن كان خصّني مع مَنْ مضى من أهلي الذين أنا آخرهم بقاءً في الدنيا من المكرمات بما سهّل معها احتمال الكريهات ، فإنّ لكم شطر ذلك من كرامات اللّه
واعلموا أنّ الدنيا حلوها ومرّها حلم ، والانتباه في الآخرة ، والفائز مَنْ فاز فيها ، والشقي مَنْ يشقي فيها ، أوَ لا أُحدّثكم بأوّل أمرنا وأمركم معاشر أوليائنا ، والمعتصمين بنا ؛ ليسهل عليكم احتمال ما أنتم له معرضون ؟ ))
قالوا : بلى يابن رسول اللّه
قال : (( إنّ اللّه خلق آدم واستواه ، وعلّمه أسماء كلّ شيء وعرضهم على الملائكة ، جعل محمداً وعلياً وفاطمة والحسن والحسين أشباحاً خمسة في ظهر آدم ، وكانت أنوارهم تضيء في الآفاق من السماوات والحجب والجنان والكرسي والعرش ، فأمر الملائكة بالسجود لآدم تعظيماً له ؛ لأنّه قد فضّله بأن جعله وعاءً لتلك الأشباح التي قد عمّت أنوارها الآفاق ، فسجدوا إلاّ إبليس أبى أن يتواضع لجلال عظمته ، وأن يتواضع لأنوارنا أهل البيت ، وقد تواضعت لها الملائكة واستكبر وترفّع ، وكان بإبائه ذلك وتكبّره من الكافرين ))
وبات الحسين (عليه السّلام) وأصحابه في تلك الليلة ولهم دويّ كدويّ النحل ، ما بين راكع وساجد ، وقائم وقاعد ، وكان الإمام (عليه السّلام) يتلو قوله تعالى : ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ِلأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ )(سورة آل عمران / ١٧٨) ، وفي ليلة الشهادة جلس أبو عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) يصلح سيفاً له ، وزينب (عليها السّلام) جالسه ، فأنشد :
يا دهرُ أفٍّ لكَ من خليل كم لكَ بالإشراقِ والأصيلِ
من صاحبٍ وطالبٍ قتيل والدهرُ لا يقنعُ بالبديلِ
وإنّما الأمر إلى الجليل وكلُّ حيٍّ سالكٌ السبيلِ
ففهمتها زينب (عليها السّلام) ، فلم تملك نفسها ؛ فوثبت تجرّ ثوبها وإنّها لحاسرة حتى انتهت إليه ، فقالت : واثكلاه ! ليت الموت أعدمني الحياة ، اليوم ماتت أُمّي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن ، يا خليفة الماضين
فنظر إليها الحسين (عليه السّلام) قائلاً : (( يا أختي ، لا يذهبنَّ بحلمك الشيطان ))
وترقرقت عيناه بالدموع ، وقال : (( لو تُرك القطا ليلاً لنام ))
فقالت : يا ويلتاه ! أفتغتصب نفسك اغتصاباً ، فذلك أقرح لقلبي وأشدّ على نفسي
ثمّ لطمت وجهها وهوت إلى جيبها فشقّته وخرّت مغشيّاً عليها
فقام إليها الحسين (عليه السّلام) فصبّ على وجهها الماء ، وقال لها : (( يا أُختاه ، اتّقِ اللّه وتعزي بعزاء اللّه ، واعلمي أنّ أهل الأرض يموتون ، وأهل السماء لا يبقون ، وأنّ كلّ شيء هالك إلاّ وجه اللّه الذي خلق الخلق بقدرته ، ويبعث الخلق ويعيدهم وهو فرد وحده
جدّي خير منّي ، وأبي خير منّي ، وأُمّي خير منّي ، وأخي خير منّي ، ولكلّ مسلم برسول اللّه أسوة حسنة يا أختي ، إنّي أقسمت عليكِ فأبري قسمي ؛ لا تشقّي عليّ جيباً ، ولا تخمشي عليّ وجهاً ، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت ))
ثمّ جاء بها حتى أجلسها عند علي بن الحسين (عليهما السّلام) ، ثمّ خرج إلى أصحابه(١)
ما أروع هذه البلاغات الحسينية التي تُلين الحديد ، ولكنّ القوم قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة ، (وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ )(سورة البقرة / ٧٤)
وربما سأل سائل : لماذا خاطب الحسين (عليه السّلام) القوم ؟ هل كانت به رغبة في الرجوع ، أو النجاة فاحتاج أن يقنعهم ليبقوا عليه ؟
الإجابة يدركها الذين وعوا دور حملة الرسالات السماوية من الأنبياء والأئمّة (عليهم السّلام)
فهذا نوح (عليه السّلام) يقول : ( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً )(سورة نوح / ٩٥)
فها هو نبي اللّه نوح (عليه السّلام) يلحّ على قومه داعياً ليلاً ونهاراً ، وسرّاً وجهاراً ، والقوم لا يزدادون إلاّ عتوّاً واستكباراً ، وها هو ربّ العزّة القادر على تعجيل عقابهم يمهلهم المرّة تلو الأُخرى ؛ عساهم يرجعون ويقبلون اليوم ما رفضوه بالأمس ، ولكن هيهات ! يأتي هؤلاء يوم القيامة يقولون : (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ )(سورة المؤمنون / ١٠٦)
ثمّ إنّنا نرى أنّ مهمّة أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) كانت بالغة الصعوبة ، فقوم نوح لا يدّعون الإسلام ، أمّا اليزيديون فكانوا يدّعون الإسلام ، وما زالوا إلى يومنا هذا يدّعون أنّهم وحدهم أصحاب الفهم الصحيح للإسلام ، كيف يتأتي هذا وقد قتلوا ابن بنت نبيهم الذي قال عنه رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) : (( حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ اللّه مَنْ أحبّ حسيناً ، حسين سبط من الأسباط )) (رواه الترمذي وقال : حديث حسن)
وهو الذي قال عنه رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) فيما رواه أحمد : نظر النبي اللّه (صلّى الله عليه وآله) إلى علي والحسن والحسين وفاطمة فقال : (( أنا حرب لِمَنْ حاربكم وسلم لِمَنْ سالمكم ))
وفي رواية أُخرى لأحمد : (( مَنْ أحبّهما فقد أحبّني ومَنْ أبغضهما فقد أبغضني ))
إذاً ، فالموقف الحسيني ميزان ومعيار يُميّز بين الحقّ والباطل
وهذه حقيقة واضحة من خلال النصوص الكثيرة المتواترة في خصائص أهل بيت النبوة ، أو تلك الواردة في حق الحسين (عليه السّلام) على سبيل الخصوص ، والذي زاد الأمر وضوحاً هو الدليل العملي الذي قدّمه الحسين (عليه السّلام) على صحة ما ورد في فضل أهل البيت (عليهم السّلام) ، فأين كان الآخرون من هذه الفتن التي هاجمت الأُمّة المسلمة من كلّ جانب ؟ أين موقف الدفاع العملي عن قيم الإسلام ؟
سؤال لا نجد له إجابة إلاّ في تحرّك الحسين (عليه السّلام) ، ذلك التحرّك الذي كان مقدّمة لكلّ الحركات الثورية في تاريخ الأُمّة الإسلامية ، والأُمّة الآن وهي تعيش لحظات حرجة في تاريخها في حاجة لاستلهام هذه الروح الحسينية والاقتباس من نورها ؛ لعلّنا نتمكّن من إضاءة هذا الظلام الحالك
إنّنا في أمسّ الحاجة لاستلهام ذلك النور الحسيني ؛ لإضاءة هذه الظلمات وتحديد طريق المسير ، ( ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ [ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ](٢) وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ )
٢ ـ نماذج أُناس باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم
وقبل أن نصل إلى بلاغات الحسين (عليه السّلام) في يوم المقتل نستعرض نموذجاً من نماذج (الأبناء) الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم ، إنّه عمر بن سعد بن أبي وقّاص ، فقد كان الرجل يبحث عن دور في خدمة بني أُميّة ، فأرسله ابن زياد إلى بلاد فارس ، وأعطاه عهداً على الرّي ، ثم استدعاه وأمره بالسير إلى الحسين (عليه السّلام) ، وقال له : سرّ إلى الحسين ، فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينه سرت إلى عملك
فقال له عمر بن سعد : إن رأيت أن تعفيني فافعل
قال : نعم ، على أن تردّ لنا عهدنا
فاستمهله ابن سعد حتى ينظر ، ثمّ عاد إليه مجيباً ومنفّذاً أمر سيّده ابن زياد(٣)
ولنا هنا وقفة ، الرجل يريد الإمارة ، ولا يطيق الصبر عنها ، ولا مانع لديه من ارتكاب أيّ جرم ؛ ليجلس بضعة أيام على الكرسي ، وبنو أُميّة أئمّة الضلال هم والشيطان سواء ، ( يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ) ، يسوقون الناس من رغباتهم وشهواتهم ومكامن ضعفهم
فلمّا سار بجيشه لملاقاة الحسين (عليه السّلام) دعاه الحسين لملاقاته ، وناجاه طويلاً ، وقال له الحسين (عليه السّلام) : (( ويل لك يابن سعد ! أتقاتلني وأنا ابن مَنْ علمت ؟!
ذر القوم ، وكن معي ؛ فإنّه أقرب إلى اللّه تعالى ))
فقال ابن سعد : أخاف أن يهدم داري
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( أنا أبنيها لك ))
فقال : أخاف أن تؤخذ ضيعتي
فقال (عليه السّلام) : (( أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز ))
ثمّ قال : لي عيال وسكت
فانصرف عنه الحسين (عليه السّلام) وهو يقول : (( ما لك ! ذبحك اللّه على فراشك عاجلاً ، ولا غفر لك يوم حشرك ، فواللّه إنّي لأرجو أن لا تأكل من بُرّ العراق إلاّ يسيراً ))
فقال ابن سعد : في الشعير كفاية عن البُرّ(٤)
أيّ خزي هذا وأيّ عار تحسّ به الأرض وهؤلاء الأوغاد يسيرون عليها ؟ يخرج لقتل ابن بنت رسول اللّه ؛ لأنّه يخشى على ضيعته ، ويخشى أن يضيع ماله ، أمّا عن دينه فلا يسأل ، ثمّ يزعم بعض الباحثين أنّ هذا القاتل المأجور من خير القرون ، وهل رضي عنه ابن زياد وسيّده يزيد ؟
لا واللّه ، لقد أحسّوا منه شيئاً من التردّد في الإقدام على قتل الحسين (عليه السّلام) وذهب الوشاة إلى سيّده ابن زياد فأرسل إليه : أمّا بعد ، فإنّي لم أبعثك إلى حسين لتكفّ عنه ، ولا لتطاوله ولا لتمنّيه السلامة والبقاء ، ولا لتقعد له عندي شافعاً انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إليّ سلماً ، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثّل بهم ؛ فإنّهم لذلك مستحقّون ، فإن قُتل حسين فأوطئ الخيل صدره وظهره ؛ فإنّه عاقّ مشاق ، قاطع ظلوم ، وليس دهري في هذا أن يضرّ بعد الموت شيئاً ، ولكن على قول لو قد قتلته فعلت هذا به إن أنت رضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا ، وخلّ بين شمر بن ذي جوشن وبين العسكر ؛ فإنّا قد أمّرناه بأمرنا ، والسّلام
هذه هي شريعة بني أُميّة ، وهي شريعة فرعون نفسها ، وشريعة كلّ طاغية ، إنّ ابن زياد والي يزيد يحاصر الحسين بن علي (عليهما السّلام) ، وابن بنت رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ، ويخيّره بين الاستسلام التامّ والذلّ الزؤام ، أو القتل على هذه الطريقة الهمجية ، ثمّ يقول بعض المؤرخين : إنّ هؤلاء كانوا يحكمون بالشريعة الإسلامية !
رجل لم يسل سيفاً ليقتل مسلماً أو كافراً ، رجل كلّ ذنبه أنّه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يكون هذا مصيره ، أيّ خزي وعار تحمله الأرض إذا حملت هؤلاء الأوغاد على ظهرها ، وهذا عمر بن سعد لم يتجاوز كما يرى بعضهم ، وأنّ له أجراً واحداً ؛ لأنّه مجتهد في قتله لابن بنت رسول اللّه (أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بالآخِرَةِ كَافِرُونَ )(سورة الأعراف /٤٤ ـ ٤٥)
هذا هو صنيع بني أُميّة مع خير هذه الأُمّة أُمّاً وأباً ، فكيف صنيعهم مع بقية الأُمّة ؟! إنّها سياسة الاستعباد والعبودية التي ورثناها منهم إلى يومنا هذا
لم تكن قضية فردية ولا شخصيه كما يحاول أنصار الحزب الأُموي تسويغ مقتل الحسين (عليه السّلام) ، أو تسويغ استمرارهم في السلطة بالمعطيات نفسها والأساليب عينها ، يسيرون على خُطى آبائهم وأجدادهم ، مثل : معاوية ، ويزيد ، وزياد ، وابن زياد ، وعمر بن سعد ، وشمر بن ذي الجوشن
٣ ـ إمامة الحق في مواجهة أمامة الباطل
لا بأس أن نرجع قليلاً إلى بدايات هذا اليوم ، وابن زياد يرسل رسالة إلى الحر بن يزيد مع يزيد بن زياد الكندي يأمره أن يجعجع بالحسين ، ويقول له : فلا تنزله إلاّ بالعراء ، في غير حصن وعلى غير ماء(٥)
فقال له أبو الشعثاء ، وكان من أنصار الحسين (عليه السّلام) : ويلك ! ماذا جئت فيه ؟
قال يزيد : أطعت إمامي ، ووفيت بيعتي
فقال له أبو الشعثاء : عصيت ربّك ، وأطعت إمامك في هلاك نفسك ، كسبت العار والنار !
قال تعالى : (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ )(سورة القصص / ٤١)
انظروا إلى ذلك الفهم العظيم لصاحب الحسين ، حقّاً إنّها إمامة في مواجهة إمامة !
إمامة الحقّ في مواجهة إمامة الباطل ، وهذا هو المفهوم الحقيقي للتشيّع ، موالاة أئمّة الحقّ ، ومعاداة أئمّة الضلال
أمّا حزب بني أُميّة حزب الشيطان فجعلوا من السلطة القاهرة إمامة يفرّقون بها بين الحقّ والباطل ، وأسبغوا على الطواغيت من صفات أئمّة الحقّ ، واستعانوا بالمتنسّكين أدعياء القداسة من وضّاع الأحاديث ، وفقهاء السوء ما يمكنهم من التمويه على الجمهور ، ويعينهم على استخدام المصطلح الديني في خدمة دولة الطاغوت ، فإذا أحدث هؤلاء من الأحداث ما تعجز أجهزة التسويغ عن القيام بمهمّتها نحوه قالوا : إنّ هذا اجتهاد وللأئمّة أن يجتهدوا ، فإذا أخطأوا فلهم أجر واحد ، وإن أصابوا فلهم أجران ، وأن لم ينجح التسويغ في الإقناع قال فقهاء السوء للناس : عليكم أن تصبروا على السلاطين وظلمهم إلاّ أن تروا كفراً بواحاً
وهم لم يصرّحوا أبداً بحقيقة هذا الكفر البواح
إنّ هؤلاء المتنسّكين لم يروا بأساً ، ولا فسقاً ، ولا كفراً بواحاً في أن يلي أمر الأُمّة فرعون مثل معاوية أو يزيد ! ولا يرون واجباً عليهم نصرة أبي الأحرار أبي عبد اللّه الحسين ! وهم لم يروا أيّ كفر ولا معصية للّه في سفك دماء العترة الطاهرة ! هذا إذا عرفنا مَنْ هم هؤلاء ؟ وما هو منهجهم ؟ وما هي أسماؤهم ؟ لقد رأينا العترة الطاهرة ولم نرَ غيرها ، رأينا أشباح رجال يرضون بركعات في بيت اللّه الحرام أو بعض كلمات يزيلون بها العتب
فها هو ابن كثير يروي عن ابن عمر في البداية والنهاية ، أنّ رجلاً سأله عن دم البعوض يصيب الثوب ، فقال : انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض ، وقد قتلوا ابن النبي (صلّى الله عليه وآله) ! وسمعت النبي (صلّى اللّه عليه وآله) يقول : (( هما ريحانتاي من الدنيا ))(٦)
٤ ـ إقامة الحجّة وبيان الحقيقة
ثمّ جاء صباح عاشوراء ووقف الحسين (عليه السّلام) يدعو ربّه : (( اللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كرب ، ورجائي في كلّ شدّة ، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة ، كم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدوّ ، أنزلته بك وشكوته إليك ؛ رغبة منّي إليك عمّن سواك ففرّجته وكشفته ، فأنت وليّ كلّ نعمة ، وصاحب كلّ حسنة ، ومنتهى كلّ رغبة ))(٧)
ثمّ إنّ الحسين (عليه السّلام) أضرم ناراً وراء البيوت ؛ لئلاّ يأتيه أعداء اللّه من الخلف ، فجاءه شمر بن ذي الجوشن وقال : يا حسين ، استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة ؟
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( مَنْ هذا ؟ كأنّه شمر بن ذي الجوشن ؟ ))
فقالوا : نعم أصلحك اللّه ، هو ، هو
فقال (عليه السّلام) : (( يابن راعية المعزى ، أنت أولى بها صليّاً ))
فقال مسلم بن عوسجة : يابن رسول اللّه جعلت فداك ، ألا أرميه بسهم ؟ فإنّه قد أمكنني وليس يسقط سهم ؛ فالفاسق من أعظم الجبّارين
فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( لا ترمه ؛ فإنّي أكره أن أبدأهم ))(٨)
سلام اللّه عليك يا أبا عبد اللّه ! ها أنت ، وأنت في قمّة المواجهة مع أعداء اللّه من بني أُميّة محافظاً على موقف فقهي ، وأخلاقي ، وعقائدي راسخ
سلام اللّه عليك يا مَنْ أنت من نور أبيك وأُمّك ، ومن نور رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ، فالإمام علي (عليه السّلام) لم يبدأ أعداءه ، أعداء اللّه يوماً بقتال ، لا أصحاب الجمل ، ولا الخوارج ، ولا بني أُميّة يوم صفين ، فالقوم أدعياء إسلام ، دخلوا هذا الدين من بوّابة النبوّة ، ولسنا بصدد تكفيرهم ولا استباحه دمائهم ( فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ )(سورة البقرة / ١٩٤) ، ( فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ )(سورة البقرة / ١٩٣)
هذا هو المبدأ الراسخ في العلاقة بين أبناء الأُمّة المنتمين إليها حتى ولو كان ذلك بمجرّد الاسم والادّعاء
وأنّ فتح باب التكفير وقتل المسلمين حتى الأدعياء منهم ؛ فإنّ ذلك يعني فتح باب فتنة لا يُغلق
يقول ابن جرير الطبري وهو يتحدّث عن يوم عاشوراء ، ضمن حديثه عن أحداث سنة (٦١هـ) ما نصّه : فلمّا دنا منه القوم عاد براحلته فركبها ، ثمّ نادى بأعلى صوته بصوت عال يسمع جلّ الناس : (( أيها الناس ، اسمعوا قولي ولا تعجلوني ؛ حتى أعظكم بما هو حقّ لكم عليّ ، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري وصدّقتم قولي ، وأعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم عليّ سبيل ، وإن لم تقبلوا منّي العذر ، ولم تعطوا النصف من أنفسكم (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ )(سورة يونس / ٧١) ، (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ )(سورة الأعراف / ١٩٦)
قال : فلمّا سمع أخواته كلامه هذا صحنَ وبكينَ وبكى بناته ، فارتفعت أصواتهنّ ، فأرسل إليهن أخاه العباس بن علي وعليّاً ابنه ، وقال لهما : (( أسكتاهنّ ، فلعمري ليكثر بكاؤهنّ ))(٩)
فلمّا سكتن ، حمد اللّه وأثنى عليه ، وذكر اللّه بما هو أهله ، وصلّى على محمد (صلّى اللّه عليه وآله) وعلى ملائكته وأنبيائه ، فذكر من ذلك ما اللّه أعلم ، وما لا يُحصى ذكره ، ( فقال الراوي ) : فواللّه ، ما سمعت متكلّماً قطّ قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه
ثمّ قال : (( أمّا بعد ، فانسبوني فانظروا مَنْ أنا ، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا ، هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيّكم (صلّى اللّه عليه وآله) وابن وصيّه ، وابن عمّه ، وأوّل المؤمنين باللّه والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربّه ؟ أوَ ليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي ؟ أوَ ليس جعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عمّي ؟ أوَ لم يبلغكم قول مستفيض فيكم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه تعالى عليه وآله) قال لي ولأخي : هذان سيّدا شباب أهل الجنّة ؟ فإن صدّقتموني بما أقول ، وهو الحقّ ، واللّه ما تعمّدت كذباً مذ علمت أنّ اللّه يمقت عليه أهله ، ويضرّ به مَنْ اختلقه ، وإن كذّبتموني فإنّ فيكم مَنْ إن سألتموه عن ذلك أخبركم سلوا جابر بن عبد اللّه الأنصاري ، أو أبا سعيد الخدري ، أو سهل بن سعد الساعدي ، أو زيد بن أرقم ، أو أنس بن مالك ، يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) لي ولأخي ، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟! ))
فقال له شمر بن ذي الجوشن : هو يعبد اللّه على حرف إن كان يدري ما تقول
فقال له حبيب بن مظاهر : واللّه ، إنّي لأراك تعبد اللّه على سبعين حرفاً ، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول ؛ قد طبع اللّه على قلبك
ثمّ قال لهم الحسين (عليه السّلام) : (( فإن كنتم في شكّ من هذا القول أفتشكّون أثراً ما أنّي ابن بنت نبيّكم ، فواللّه ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم ، أنا ابن بنت نبيّكم خاصّة أخبروني ، أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ، أو مال لكم استهلكته ، أو بقصاص من جراحة ؟ ))
قال : فأخذوا لا يكلّمونه
قال : فنادى : (( يا شبث بن ربعي ، ويا حجّار بن أبجر ، ويا قيس بن الأشعث ، ويا يزيد بن الحارث ، ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعت الثمار ، واخضرّ الجناب ، وطمت الجمام ، وإنّما تقدم على جند لك مجند فاقبل ؟ ))
قالوا له : لم نفعل
فقال : (( سبحان اللّه ! بلى واللّه لقد فعلتم ))
ثمّ قال : (( أيّها الناس ، إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض ))
قال : فقال له قيس بن الأشعث : أوَ لا تنزل على حكم بني عمّك ؟ فإنّهم لن يروك إلاّ ما تحبّ ، ولن يصل إليك منهم مكروه
فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( أنت أخو أخيك ، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل ؟ لا واللّه ، لا أُعطيهم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أقرّ إقرار العبيد عباد اللّه ، إنّي عذت بربّي وربّكم أن ترجمون ، أعوذ بربّي وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب ))(١٠)
٥ ـ محاولة استنهاض الأُمّة
الحرّ الرياحي النموذج المسلم المنيب
كانت هذه بلاغات أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) ، وهي واضحة في إقامة الحجّة على هؤلاء الحاضرين ، ومن ثمّ إلى أسماع الأُمّة الإسلامية إلى قيام الساعة
هذا البلاغ كان لا بدّ منه ؛ ليمحّص اللّه الذين آمنوا ويمحق الكافرين ، ولا يقول قائلهم يوم الهول إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين : واللّه ما علمنا حقيقة الضحية ، ولو علمنا ما فعلنا ، أو علمنا ولكنّا لم نكن نعرف خصائصه ومزاياه ؛ لأنّ بني أُميّة موّهوا علينا
ها هي الحقيقة كاملة بمنطقها ، ولكم أن تختاروا ؛ إمّا ناراً تلظّى ، لا يصلاها إلاّ الأشقى الذي كذّب وتولّى ، أو نجاة من النار ، وقد اختار الحرّ الرياحي ، قائد الكتيبة الأولى ، الجنّة وانضمّ إلى الحسين (عليه السّلام) قائلاً : إنّي واللّه أُخيّر نفسي بين الجنة والنار ، وواللّه لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قطّعت وحرقت
ثمّ ضرب فرسه فلحق بالحسين (عليه السّلام) فقال له : جعلني اللّه فداك يابن رسول اللّه ، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع ، وسايرتك في الطريق ، وجعجعت بك في هذا المكان ، واللّه الذي لا إله إلاّ هو ، ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبداً ، ولا يبلغون منك هذه المنزلة ، فقلت في نفسي لا أُبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ، ولا يرون أنّي خرجت من طاعتهم ، وأمّا هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرضها عليهم ، وواللّه ، لو ظننت أنّهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك ، وإنّي قد جئتك تائباً ممّا كان منّي إلى ربّي ، ومواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك ، أفترى ذلك لي توبة ؟
قال (عليه السّلام) : (( نعم ، يتوب اللّه عليك ويغفر لك ، ما اسمك ؟ ))
قال : أنا الحرّ بن يزيد
قال : (( أنت الحرّ كما سمّتك أُمّك ، أنت الحرّ إن شاء اللّه في الدنيا والآخرة ))(١١)
إنّ الحرّ هو أحد النماذج البشرية ، رجل يعيش في وسط الناس ، له بقيّة ضمير ، لا يرى كلّ معايب القوم ، يعتقد أنّه بإمكانه الحفاظ على بعض القيم الصحيحة ، ولكنّ القوم لا يريدون مَنْ يحافظ على المبادئ ، وقد تسابق الأشراف والسادة في مناصرتهم ، وسنرى بعد ذلك كيف أنّ ابن سعد رمى الحسين (عليه السّلام) بأوّل سهم ، وقال : اشهدوا أنّي أوّل مَنْ رمى إنّه التسابق من أجل الذلّ
ثمّ تقدّم الحرّ (رحمه اللّه) مخاطباً القوم : لأُمّكم الهَبَل والعَبَر ؛ إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه ، وزعمتم أنّكم قاتلوا أنفسكم دونه ، ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه ؟! أمسكتم بنفسه ، وأخذتم بكظمه ، وأحطتم به من كلّ جانب ، فمنعتموه التوجّه في بلاد اللّه العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته ، وأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً ، ولا يدفع ضرّاً ، وحلأتموه ونساءه وصبيانه وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني ، وتمرغ خنازير السواد وكلابه ، وها هم قد صرعهم العطش ، بئسما خلفتم محمداً في ذريته ! لا أسقاكم اللّه يوم الظمأ إن لم تتوبوا ، وتنزعوا عمّا أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه
فحملت عليه رجّاله لهم ترميه بالنبل(١٢)
ويضيف الطبري قائلاًً : ثمّ زحف عمر بن سعد نحوهم ، ثمّ رمى وقال : اشهدوا أنّي أوّل مَنْ رمى(١٣)
وهنا أيضاً لا بدّ لنا من تعليق ، ها هو الحرّ (رضوان اللّه عليه) يخاطب القوم ؛ محاولاً إيقاظ الضمائر التي ماتت ، ويسألهم عن مسوّغات ذلك المسلك الغريب لبني أُميّة في مواجهة الحسين (عليه السّلام)
حصار لرجل في مكانة الحسين (عليه السّلام) ومنزلته ؛ لمجرّد اتّخاذ موقف معارض لبيعة يزيد ، مع ملاحظة أن مسلسل السلوك الأُموي كان غير مسبوق في تاريخ العرب والمسلمين ، فلم يكن للإسلام ولا للعرب دولة قبل ظهور الإسلام ، وحينما جاء محمد بن عبد اللّه (عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتمّ السّلام) وبعد ثلاثة وعشرين عاماً من المقاومة المشركة بقيادة بني أُميّة وكهفهم أبي سفيان ، صار للمسلمين دولة عاصمتها المدينة ، وإحدى ولاياتها دمشق ، ولولا ذلك لما كان لأحد من بني أُميّة ذكر ؛ وذلك ما قاله الحسين (عليه السّلام) لمعاوية : (( ولولا الدين الذي جاء به محمد (صلّى الله عليه وآله) لكان أفضل شرفك رحلة الشتاء والصيف ))
والعجيب أنّ بني أُميّة صار لهم نصيب في هذه الدولة التي حاربوها منذ الميلاد !
ثمّ تدهورت الأمور ليصبحوا حكّاماً لدولة لم يوفّروا جهداً في حرب مؤسسها رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ، وهذا من أشدّ العجب ! وصاروا يؤسسون مسلكاً وسنناً لهم ، فهم أوّل مَنْ قتل الناس عقاباً لهم على إبداء الرأي (حجر بن عدي) وأصحابه ، وهذه سابقة تاريخية لم يعرفها عرب الجاهلية ، وهم أوّل مَنْ طاف برؤوس المعارضين السياسيين في نواحي البلدان (عمرو بن الحمق الخزاعي) ، وهذه سابقة تاريخية أُخرى
ثمّ ها هم يعاقبون الحسين (عليه السّلام) ، سبط النبي ، عقاباً مخترعاً ، يؤسسون به لكلّ فرعون يأتي من بعدهم ، فهم يحرمونه من شرب الماء ، ثمّ ها هو ابن زياد يأمر بأن تطأ الخيل صدر الحسين وظهره ، ثمّ هم بعد انتهاء الفاجعة يطوفون برؤوس الشهداء من بلد إلى بلد ، ويطوفون ببنات رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) سبايا ، ولا أعتقد أنّهم أغلقوا باب الاجتهاد في قمع أحرار هذه الأُمّة ، فهذا هو الباب الوحيد للاجتهاد الذي ظلّ مفتوحاً بعدما تمّ تعليب الدين في قوالب جامدة من صنعهم ومن صنع أشياعهم
وزادوا الآتون من بعدهم أنّهم فتحوا أبواب الاستيراد لأساليب القمع ووسائله ، ولم يكتفوا بالاجتهاد المحلّي ، فسحقاً لهؤلاء وهؤلاء
نعم ، إذا كان أئمّة أهل البيت بحقّ هم أئمّة الهدى ، فقد كان بنو أُميّة من دون شكّ هم أئمّة الضلالة ، وصدق تعالى [ حيث يقول ](١٤) : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ )(سورة القصص / ٤١)
فاض النبع الحسيني يُعطي آخر ما عنده في حياته ، فخطبهم في يوم الفاجعة عدّة خطب ، فقال : (( الحمد للّه الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال ، متصرفةً بأهلها حالاً بعد حال ، فالمغرور مَنْ غرّته ، والشقي مَنْ فتنته ، فلا تغرّنكم هذه الحياة الدنيا ؛ فإنّها تقطع رجاء مَنْ ركن إليها ، وتخيّب طمع مَنْ طمع فيها ، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم اللّه فيه عليكم ؛ فأعرض بوجهه الكريم عنكم ، وأحلّ بكم نقمته ، وجنّبكم رحمته ، فنِعْمَ الربّ ربّنا وبئس العبيد أنتم ؛ أقررتم بالطاعة ، وآمنتم بالرسول محمد ، ثمّ أنّكم زحفتم إلى ذرّيته تريدون قتلها ، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر اللّه العظيم ، فتبّاً لكم وما تريدون ! إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبُعداً للقوم الظالمين ))
كان الحسين (عليه السّلام) يحاول تحرير هذه العقول من ذلّ العبودية لغير اللّه ، ولكن هيهات هيهات ! (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )(سورة آل عمران / ٨٦)
كان القوم يصرّون على التشويش على أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) ؛ لئلاّ يتمكّن من إبلاغ حجّته إلى الناس ، فقال لهم مغضباً : (( ما عليكم أن تنصتوا إليّ فتسمعوا قولي ؟! وإنّما أدعوكم إلى سبيل الرشاد ، فمَنْ أطاعني كان من المرشدين ، ومَنْ عصاني كان من المهلكين ، وكلّكم عاصٍ لأمري ، غير مستمع لقولي ؛ قد انخزلت عطيّاتكم من الحرام ، ومُلئت بطونكم من الحرام ؛ فطبع اللّه على قلوبكم ويلكم ! ألا تنصتون ؟ ألا تسمعون ؟ ))
فتلاوم أصحاب عمر بن سعد ، وقالوا : أنصتوا له
فسكت الناس ، فقال (عليه السّلام) : (( تبّاً لكم أيّها الجماعة وترحاً ؛ أحين استصرختمونا والهين مستنجدين فأصرخانكم مستعدّين ، سللتم علينا سيفاً في رقابنا ، وحششتم علينا نار الفتن التي جناها عدوّنا وعدوّكم ! فأصبحتم إلباً على أوليائكم ، ويداً عليهم لأعدائكم ، بغير عدل أفشوه فيكم ، ولا أمل أصبح لكم فيهم ، إلاّ الحرام من الدنيا أنالوكم ، وخسيس عيش طمعتم ، من غير حدث كان منّا ، ولا رأي تفيل لنا ، فهلاّ لكم الويلات ؛ إذ كرهتمونا تركتمونا فتجهّزتموها والسيف لم يشهر ، والجأش طامن ، والرأي لم يستصحف ، ولكن أسرعتم علينا كطيرة الدباء ، وتداعيتم إليها كتداعي الفارش ، فقبحاً لكم ! فإنّما أنتم من طواغيت الأُمّة ، وشذّاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ونفثة الشيطان ، وعصبة الآثام ، ومجرمي الكتاب ، ومطفئي السنن ، وقتلة أولاد الأنبياء ، ومبيدي عترة الأوصياء ، وملحقي العار بالنسب ، ومؤذي المؤمنين ، وصراخ أئمّة المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين ، وأنتم ابن حرب وأشياعه تعتمدون وإيّانا تخذلون أجل واللّه ، الخذل فيكم معروف ، وتحثّ عليه عروقكم ، وتوارثته أصولكم وفروعكم ، وثبتت عليه قلوبكم ، وغشيت به صدوركم ، فكنتم أخبث شيء سنخاً للناصب ، وأكلة للغاصب ، ألا لعنة اللّه على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها ، وقد جعلتم اللّه عليكم كفيلاً ، فأنتم واللّه هم
ألا إنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلّة والذلّة ، وهيهات منّا أخذ الدنيّة ! أبى اللّه ذلك ورسوله ، وجدود طابت ، وحجور طهرت ، وأنوف حميّة ، ونفوس أبيّة ، لا نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ، ألا إنّي قد أعذرت وأنذرت ، ألا إنّي زاحف بهذه الأُسرة على قلّة العدد ، وخذلة الأصحاب ))
ثمّ أنشأ (عليه السّلام) يقول : ((
فأن نهزِم فهزّامون قدماً وإن نُهزم فغير مهزّمينا
ألا إنّهم لا يلبثون بعدها إلا كريثما يركب الفرس حتى تدور بكم الرحى ، عهد عهده إليّ أبي عن جدّي ، فأجمعوا أمركم وشركاءكم فكيدوني جميعاً ثمّ لا تنظرون ، إنّي قد توكّلت على اللّه ربّي وربّكم ، ما من دابة إلاّ وهو آخذ بناصيتها إنّ ربّي على صراط مستقيم اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنين كسني يوسف ؛ فإنّهم غرّونا وكذّبونا وخذلونا ، وأنت ربّنا عليك توكّلنا ، وإليك أنبنا ، وإليك المصير ))
ثمّ دعا عمر بن سعد ، فقال له : (( يا عمر ، أنّك تقتلني فتزعم أن يولّيك الدعي ابن الدعي بلاد الرّي وجرجان ! واللّه ، لا تهنأ بذلك أبداً ، عهد معهود ، فاصنع ما أنت صانع ؛ فإنّك لا تفرح بعدي أبداً بدنيا ولا آخرة ، وكأنّي برأسك على قصبة بالكوفة يتراماه الصبيان ، ويتّخذونه غرضاً بينهم ))
إنّ هذه الخطبة الأخيرة تصف حال هذه الأُمّة وصفاً بليغاً في ماضيها وحاضرها ، إنّه وصف الخبير ، فقد امتلأت البطون من الحرام ، وهي سياسة مبرمجة لكلّ الفراعنة ، تتمثّل في إذلال الرعية ، وكسر إرادتهم من خلال إتاحة الفرصة لهم ؛ كي ينالوا من الحرام فيصبح الكلّ في الذنب سواء ، لا يستطيع أمثال هؤلاء أن يرفعوا رؤوسهم في وجه شياطينهم ، ثمّ هم يتمادون في عدوانهم على مَنْ جاء يخلّصهم من الظلم والجور
ولا أمل لهؤلاء الأتباع إلاّ البقاء على قيد الحياة ، فلا يلحقهم الطواغيت بالآخرة التي منها يفرّون ، ثمّ عدّد (عليه السّلام) آثام بني أُميّة وجرائمهم في حقّ الإسلام ، ولكن هيهات هيهات أن يفيق الضالّون من غفوتهم ، فبعداً للقوم الظالمين
ثمّ ها هو ينبّه ابن سعد إلى مصيره الأسود الذي ينتظره جزاءً وفاقاً على دوره الانتهازي القذر ، هو وكلّ مَنْ على شاكلته من رؤساء العبيد ، وهو دور موجود في كلّ النظم الطاغوتية التي تستخدم هؤلاء الأزلام في قتل الأحرار ، وإخماد أنفاسهم ، ثمّ تفشل في حمايتهم وتتركهم لمصيرهم المحتوم ، أو تضحّي بهم لإخماد غضب الجماهير إذا التهب الغضب وتحمّلهم المسؤولية ، فهم قد قتلوا وسفكوا الدماء من دون رضى الطاغوت الأكبر ، وهؤلاء فقط هم الذين سمعوه يصدر هذه الأوامر الإجرامية التي تصدر بصورة شفهية دائماً ولم تكن يوماً ما مكتوبة ، وهو ضرب من البلاهة والخداع ، فسلسلة الإجرام مثل سلسلة الحقّ متواصلة دائماً ويصعب أن يفعل هؤلاء الطواغيت الصغار شيئاً لا يريده الكبار ، وقد أخبره أبو عبد اللّه (عليه السّلام) بمصيره الأسود وقال له إنّه لا ينال شيئاً ممّا وعِدَ به من مُلك الرّي وبلاد جرجان
هكذا مضى يوم العاشر من محرّم عام ٦١ للهجرة ، وقد استشهد الإمام الحسين بن علي (عليهما السّلام) ، سبط رسول اللّه ، وهو ينشد :
فإن نغلِب فغلاّبون قدما وإن نُغلَب فغير مغلّبينا
إذا ما الموتُ ترفعُ عن أُناس كلاكله أناخ بآخرينا
فلو خلُد الملوكُ إذاً خلدنا ولو بقي الكلام إذاً بقينا
فقل للشامتينَ بنا أفيقوا سيلقى الشامتونَ كما لقينا
٦ ـ الحلقة الجوهرية في مسلسل الصراع بين الحقّ والباطل
استشهد الحسين (عليه السّلام) ومعه أكثر من سبعين من أهل بيته وصحبه الأبرار الأطهار على نحو ما هو مذكور في كتب التاريخ ، وهو ما لا مجال لذكره في هذا المؤلف ، وما كان غرضنا هنا أن نشرح تفاصيل مسير الحسين من المدينة المنوّرة إلى مثواه الطاهر بكربلاء ، وإنّما كان هدفنا أن نشرح مسلسل الصراع بين الحقّ والباطل على قيادة هذه الأُمّة المنكوبة ، وكيف كان استشهاد الإمام الحسين (عليه السّلام) على هذا النحو الفاجع ؟ حلقة جوهرية في هذا المسلسل ، كانت له مقدّماته المبكّرة منذ بعثة المصطفى الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وإسلام مَنْ أسلم من الناس صدقاً أو نفاقاً ، وكيف تفاعلت بعض النفوس البشرية مع الدين الجديد أمام مقاومة واضحة وفجّة منذ البداية ؟
وهو أمر ثبت عدم جدواه بالنسبة لهم ، فجاء فتح مكة ليقضي على هذا النوع من المقاومة ، وليغيّر أعداء الإسلام أسلوبهم إلى الالتفاف والنفاق والتدرّج ؛ وصولاً إلى تحقيق الهدف المطلوب ، مسلمون يحملون شكل الإسلام لا مضامينه الحقيقية ، وما عرضناه نماذج منه فيما سبق ، وقد نجحت عملية الالتفاف إلى حدّ أنّ ورثة الكتاب من آل محمد انتقلوا من موقع التوجيه والريادة إلى موقع المقاومة التي تحاول استعادة مواقعها المفقودة
كان الإمام علي (عليه السّلام) في موقع المقاومة لهذا التيار الذي استشرى كالسرطان في جسد الأُمّة على الرغم من وصوله إلى سدّة الخلافة ، ولكنّها كانت حقبة قصيرة كالحلم ، وتناوشته أنياب الأفاعي من كلّ اتّجاه حتى استشهد (سلام اللّه عليه) ، وقبل الإمام الحسين (عليه السّلام) ، اضطر الإمام الحسن السبط (عليه السّلام) إلى اختيار موقع المعارضة السلمية ، ثمّ انتقل الحسين الشهيد (عليه السّلام) إلى موقع المقاومة النشطة كما شرحنا ؛ لأنّها لم تكن حرباً بالمعنى المفهوم
٧ ـ معاني خروج حرائر آل البيت (عليهم السّلام)
بقى أن نسجّل ما كشفته الأحداث عن معاني خروج حرائر أهل البيت (عليهم السّلام) مع الحسين (عليه السّلام) بالإضافة إلى ما سبق ذكره من معانٍ
لقد قُتل الحسين (عليه السّلام) ولم يشهد أحد من المؤمنين هذه الجريمة إلاّ حرائر أهل بيت النبوّة ، مَنْ ينعاك إذاً يا أبا عبد اللّه إلاّ بنات علي وفاطمة ؟
ها هي زينب (عليها السّلام) حتى تمرّ بالحسين (عليه السّلام) صريعاً فتبكيه ، وتقول : يا محمداه ! يا محمداه ! صلّى عليك ملائكة السماء ، هذا الحسين بالعراء ، مرمل بالدماء ، مقطّع الأعضاء يا محمداه ! وبناتك سبايا ، وذريّتك مقتلّة ، تسفي عليها الصبا
فأبكت واللّه كلّ عدوّ وصديق(١٤)
ثمّ ها هي أسيرة في مجلس ابن زياد ، فيسأل : مَنْ هذه الجالسة ؟
فلم تكلّمه ، فقال ذلك ثلاثاً كلّ ذلك لا تكلّمه ، فقال بعض إمائها : هذه زينب ابنة فاطمة
فقال لها عبيد اللّه : الحمد للّه الذي فضحكم وقتلكم ، وأكذب أُحدوثتكم
فقالت : الحمد للّه الذي أكرمنا بمحمد (صلّى اللّه عليه وآله) ، وطهّرنا تطهيراً ، لا كما تقول أنت ، إنّما يُفتضح الفاسق ، ويُكذب الفاجر
قال : كيف رأيتِ صُنع اللّه بأهل بيتكِ ؟
قالت : كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع اللّه بينك وبينهم ، فتُحاجّون إليه ، وتُخاصمون عنده
قال : فغضب ابن زياد واستشاط
قال له عمر بن حريث : أصلح اللّه الأمير ، إنّما هي امرأة ، وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها ؟!(١٥)
فقال لها ابن زياد : قد أشفى اللّه نفسي من طاغيتكِ ، والعصاة والمردة من أهل بيتكِ
فبكت ثمّ قالت : لعمري ! لقد قتلت كهلي ، وأبّرت أهلي ، وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي ، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت(١٦)
لقد كان الإمام السجّاد (علي بن الحسين) (عليه السّلام) في هذه اللحظات مريضاً ، وما كان يقدر على الردّ والكلام ، ولو كان يقدر على الكلام وجاوبهم لقتلوه ، ولكان بذلك انقطع خطّ الإمامة ، وكان لا بدّ من جواب حاضر يخرس ألسنة الكذّابين الضالّين المضلّين
وهذا الدور كان دور عقيلة أهل البيت (عليهم السّلام) زينب بنت علي (عليهما السّلام) ، فها هي تُدافع عن الإمام زين العابدين (عليه السّلام) حينما همّ هؤلاء الفجرة بقتله والإجهاز عليه
يروي الطبري عن الروان أنّ أحدهم قال : إنّي لقائم عند ابن زياد حين عُرض عليه علي بن الحسين ، فقال له : ما اسمك ؟
قال : (( علي بن الحسين ))
قال : أوَ لم يقتل اللّه علي بن الحسين ؟
فسكت ، فقال له ابن زياد : ما لكَ لا تتكلّم ؟
قال : (( كان لي أخ يُقال له أيضاً علي فقتله الناس ))
قال : إنّ اللّه قتله
فسكت علي ، فقال له : ما لكَ لا تتكلّم ؟
قال : ((اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا (سورة الزمر / ٤٢) ، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ))(سورة آل عمران / ٤٥)
قال : واللّه أنت واللّه منهم ...(١٧) ، فقال : اقتله
فقال علي بن الحسين (عليهما السّلام) : (( مَنْ توكّل بهؤلاء النسوة ؟ ))
وتعلّقت به زينب عمّته فقالت : يابن زياد حسبك منّا ! أما رويت من دمائنا ؟ وهل أبقيت منّا أحداً ؟
قال : فاعتنقته ، فقالت : أسألك باللّه إن كنت مؤمناً إن قتلته لما قتلتني معه(١٨)
فنظر إليها ساعة ، ثمّ نظر إلى القوم فقال : عجباً للرحم ! واللّه إنّي لأظنّها ودّت لو أنّني قتلته أنّي قتلتها معه ، دعوا الغلام(١٩)
ها هو الدعي ابن الدعي يكذب على اللّه ويقول : إنّ اللّه قتل علي بن الحسين !
إذاً بنو أُميّة ينفّذون أمر اللّه ، واللّه يريد استئصال آل بيت محمد (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً )(سورة الكهف / ٥) ، ثمّ يتمادى في كفره وطغيانه فيأمر بقتل زين العابدين (عليه السّلام) ؛ لأنّه منهم ، أي من أهل البيت (عليهم السّلام) عالم بفقههم وروايتهم ، وناطق بالحقّ ، فمَنْ قتل هم الناس ، ومَنْ أجرم هم الناس ، وهم الذين يستحقّون العقاب
وها هي عقيلة آل البيت (عليهم السّلام) تفدي الإمام السجّاد (عليه السّلام) بنفسها ، فيخجل هذا الفرعون من نفسه ، فيأمر بالكفّ عن زين العابدين (عليه السّلام)
وفي الكوفة أيضاً برز دور حرائر آل البيت (عليهم السّلام) ، فها هي أُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السّلام) تخاطب المتخاذلين عن نصرة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقد رأت دموع التماسيح في أعينهم فأومأت إلى الناس أن اسكتوا ، فلمّا سكنت الأنفاس ، وهدأت الأجراس ، قالت بعد حمد اللّه والصلاة على رسوله : أمّا بعد ، يا أهل الكوفة ! ويا أهل الختل والغدر والخذل والمكر ! ألا فلا رقأت العبرة ، ولا هدأت الزفرة ، إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم هل فيكم إلاّ الصلف والعجب والشنف والكذب ، وملق الإماء وغمر الأعداء ، كمرعى على دمنة ، أو كفضّة على ملحودة ؟ ألا بئس ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط اللّه عليكم وفي العذاب أنتم خالدون
أتبكون أخي؟! أجل واللّه ، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً ؛ فقد بُليتم بعارها ، ومنيتم بشنارها ، ولن ترحضوها أبداً ، وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة ، ومعدن الرسالة ، وسيّد شباب أهل الجنّة ، وملاذ حربكم ، ومعاذ حزبكم ، ومقرّ سلمكم ، ومفزع نازلتكم ، والمرجع إليه عند مقالتكم ، ومنار حجّتكم ؟! ألا ساء ما قدّمتم لأنفسكم ، وساء ما تزرون ليوم بعثكم فتعساً تعساً ، ونكساً نكساً ، لقد خاب السعي ، وتبّت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبئتم بغضب من اللّه ، وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة
أتدرون ويلكم أي كبد لمحمد فريتم ، وأي عهد نكثتم ، وأي حرمة له انتهكتم ، وأي دم له سفكتم ؟! (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً ) ، لقد جئتم بها شوهاء خرقاء ، كقلاع الأرض وملء السماء ، أفعجبتم أن قطرت السماء دماً ، ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون ؟! فلا يستخفّنكم المهل ؛ فإنّه (عزّ وجلّ) لا يحفزه البدار ، ولا يخشى عليه فوت الثار ، كلاّ إنّ ربّكم لبالمرصاد
ثمّ أنشأت تقول :
ماذا تقولون ، إذ قال النبي لكم : ماذا صنعتم وأنتم آخر الأُممِ
بأهلِ بيتي وأولادي وتكرمتي منهم أُسارى ومنهم ضرّجوا بدم ؟!
ما كان ذاك جزائي إذ نصحتُ لكم أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمِ !
إنّي لأخشى عليكم أن يحلّ بكم مثلُ العذابِ الذس أودى على إرمِ
قال الراوى : رأيت الناس حيارى يبكون ، وقد ردّوا أيديهم في أفواههم ، فقال علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( يا عمّة اسكتي ، فنحن الباقي من الماضي اعتبار ، وأنتِ بحمد اللّه عالمة غير معلّمة ، إنّ البكاء والحنين لا يردّان مَنْ قد أباده الدهر ))(٢٠)(٢١) .
أمّا عقيلة أهل البيت زينب (سلام اللّه عليها) فقد حملت عبء مواجهة الطاغية يزيد في عقر داره ، ومَنْ كان يقدر على هذه المواجهة غيرها ؟
ألم يُروى عن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( سيد الشهداء حمزة ورجل وقف عند إمام جائر فوعظه ونهاه فقتله )) ؟ وما كان فضل مؤمن آل فرعون حين جبه الطاغية بكلمات الحقّ سوى أنّه كان منهم وواجههم في عقر دارهم
لم يُقتل بين يدي مؤمن آل فرعون اثنان وسبعون من خيرة الرجال ، ولا كان يعيش جزءاً واحداً من الحالة التي عاشتها زينب (عليها السّلام) ، ولا وجه للمقارنة ، هو كان منهم وهذه لها حسابها في إدخال بعض الأمان عليه ، أمّا العقيلة فكانت من أعداء القوم الذين لا يردعهم شرف ولا ضمير ، وها هو يزيد القرود يستقبل وفد الرؤوس ، واضعاً رأس الحسين (عليه السّلام) بين يديه متمثلاً بقول شاعر المشركين بعد معركة أُحد :
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسل
لأهلّوا واستهلّوا فرحا ثمّ قالوا لي هنياً لا تسل
حين حكتَ بفناءِ بركها واستحرّ القتلُ في عبد الأسل
قد قتلنا الضعف من أشرافكم وعدلنا ميلَ بدرٍ فاعتدل(٢٢)
إنّها حميّة الجاهلية أصبحت تقود هذه الأُمّة التعسة التي انخذلت عن قادة الحقّ واتّبعت الباطل هذه الأُمّة التي نسيت قول ربّها : (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا )(سورة آل عمران / ١٠٣) برسالة محمد (صلّى الله عليه وآله) ، وجهاده وصبره وإخلاصه للّه (عزّ وجلّ) هذه الرسالة التي ضحّى من أجلها علي بن أبي طالب ، ووتر الأقربين والأبعدين ، فكان سيفه عاملاً حاسماً في نصرة هذا الدين العظيم
هل نسي المسلمون عليّاً ؟ هل نسوا حمزة سيد الشهداء ؟ هل نسوا جعفر الطيار الشهيد العظيم ؟
نعم ، نسوا وأسلموا قيادهم لابن آكلة الأكباد بغير عدل أنشاه فيهم ، ولا قيم فاضلة دافع عنها ، ولا تضحية واحدة في سبيل اللّه ، بل عناد وكفر وإلحاد حتى جاء الحقّ وظهر أمر اللّه وهم كارهون ، ثمّ ها هم يستلمون دولة محمد وآل محمد غنيمة باردة ، ولا يكتفون بهذا ، بل كانت نار الحقد والانتقام تغلي في صدورهم طلباً لثار كفارهم يوم بدر الذين قُتلوا على يد سادات أهل البيت (سلام اللّه عليهم) فوجدوا مَنْ يُعينهم على أخذ الثار ، ويقول يزيد :
قد قتلنا الضعف من أشرافكم وعدلنا ميلَ بدرٍ فاعتدل
فهنيئاً لكم بني أُميّة ثاركم من محمد وآل محمد !
وهنيئاً لمَنْ آزركم ونصركم ، وهنيئاً لمَنْ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع اللّه على قلوبهم فهم لا يفقهون ، وهنيئاً لمَنْ سكت عن آثام حزب بني أُميّة من يومها إلى يومنا هذا !
كلّهم شركاء ، ألاّ لعنة اللّه على الظالمين (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بالآخِرَةِ كَافِرُونَ )(سورة الأعراف / ٤٥) إنّ يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ )(سورة العنكبوت / ٢٥)
ولكن كان لا بدّ من ردّ ؛ فالمعنى لا يواجهه إلاّ المعنى ، إذا كان الإسلام العظيم قد أحرق اللات والعُزى ومناه الثالثة الأُخرى فقد كان ذلك يوم آمن الناس أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه ، إنّه المعنى الصحيح يحطّم المعنى الزائف
ثمّ جاءت مرحلة بني أُميّة إلى يومنا هذا حيث توارت هذه الأصنام وتغلّفت خلف بعض الشعارات الإسلامية الزائفة ، وكان لا بدّ من ردّ
وها هي عقيلة آل البيت (عليهم السّلام) تنبري ، ولا نقول كمؤمن آل فرعون ؛ فهي (سلام اللّه عليها) من آل محمد لا من آل فرعون ، وهي تردّ على الظالم المنتصر وأمام عينيها اثنان وسبعون رأساً ، فأين مؤمن آل فرعون من مؤمن آل محمد ؟!
يقول الرواة(٢٣) : فلمّا رأت زينب (عليها السّلام) ذلك فأهوت إلى جيبها فشقّته ، ثمّ نادت بصوت حزين تقرع القلوب : يا حسيناه ! يا حبيب رسول اللّه ! يابن مكة ومنى ! يابن فاطمة الزهراء سيده النساء ! يابن محمد المصطفى
ـــــــــــــــــــــــ
١ـ تاريخ الأُمم والملوك ـ للطبري ٤ / ٣١٩
٢ ـ هذه الإضافة منّا [موقع معهد الإمامين الحسنين (عليهما السّلام)]
٣ ـ تاريخ الأُمم والملوك ـ للطبري ٤ / ٣٠٩
٤ ـ المصدر نفسه ٤ / ٣٠٩
٥ ـ المصدر نفسه ٤ / ٣١٣
٦ ـ صحيح البخاري ـ لمحمد بن إسماعيل البخاري ٧ / ٩٨ ح٥٩٩٤ ، طبعه دار الفكر ، بيروت ١٤١٤ هـ ـ ١٩٩٤ م
٧ ـ تاريخ الأمم والملوك ـ للطبري ٤ / ٣٢١ ، ط.الأعلمي ، بيروت (غير مورخ)
٨ ـ المصدر نفسه ٤ / ٣٢٢
٩ ـ إشارة إلى فقرة محذوفة
١٠ ـ تاريخ الأمم والملوك ـ للطبري ٤ / ٣٢٢ ـ ٣٢٣ ، أحداث (سنه٦١ هـ)
١١ ـ المصدر نفسه ٤ / ٣٢٥
١٢ ـ المصدر نفسه ٤ / ٣٢٦
١٣ ـ المصدر نفسه ٤ / ٣٢٦
١٤ ـ بين المعقوفتين إضافة منّا ؛ للتوضيح [موضع معهد الإمامين الحسنين (عليهما السّلام)]
١٥ ـ تاريخ الأمم والملوك ـ للطبري ٤ / ٣٤٨
١٦ ـ عبارة محذوفة
١٧ ـ تاريخ الأمم والملوك ـ للطبري ٤ / ٣٤٩ ـ ٣٥٠
١٨ ـ إشارة إلى عبارة محذوفة
ـــــــــــــــــــــــ
١٩ ـ تاريخ الأمم والملوك ـ للطبري ٤ / ٣٤٩ ـ ٣٥٠
٢٠ ـ المصدر نفسه
٢١ ـ أقول : إنّ الخطبة التي تفضّل بها الأخ المؤلّف منسوبة إلى السيدة زينب (عليها السّلام) وليس للسيدة أُمّ كلثوم ، ولو أنّ البعض يعتبر الاسمين لشخصية واحدة ، ولكن مع هذا فالخطبة للسيدة زينب كما هو مذكور في كتب الحديث والتاريخ ، وأمّا الشعر الذي ختم به الخطبة فهو منسوب إلى عدّة شخصيّات منها : الإمام زين العابدين (عليه السّلام) ، ومنها زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السّلام) ، ومنها زينب بنت عقيل (عليهما السّلام) ، وبعضهم نسبه إلى الجن ، فراجع [موقع معهد الإمامين الحسنين (عليهما السّلام)]
٢٢ ـ الاحتجاج ٢ / ٣١
٢٣ ـ ابن كثير ٤ / ٧١٩
٢٤ ـ مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ للمقرّم / ٣٥٧ ـ ٣٥٩ ، دار الكتاب الإسلامي ، بيروت ١٣٩٩ هـ ـ ١٩٧٩ م
قال الراوي : فأبكت واللّه كلّ مَنْ كان ويزيد ساكت ، ثمّ قامت على قدميها وأشرفت على المجلس ، وشرعت في الخطبة ؛ إظهاراً لكمالات محمد (صلّى الله عليه وآله) ، وإعلاناً بأنّا نصبر لرضاء اللّه ، لا لخوف ولا دهشة ، فقامت إليه زينب بنت علي وأُمّها فاطمة بنت رسول اللّه وقالت : الحمد للّه ربّ العالمين ، والصلاة على جدّي سيّد المرسلين ، صدق اللّه سبحانه كذلك يقول : (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون )(سورة الروم / ١٠)
أظننت يا يزيد ، حين أخذت علينا أقطار الأرض ، وضيّقت علينا آفاق السماء ، فأصبحنا لك في أُسار ، نساق إليك سوقاً في قطار ، وأنت علينا ذو اقتدار أنّ بنا من اللّه هواناً وعليك منه كرامة وامتناناً ، وأنّ ذلك لعظم خطرك وجلالة قدرك ؛ فشمخت بأنفك ، ونظرت في عطفك ، تضرب أصدريك فرحاً ، وتنفض مذرويك مرحاً ، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة ، والأمور لديك متّسقة ، وحين صفا لك ملكنا ، وخلص لك سلطاننا ، فمهلاً مهلاً ! لا تطش جهلاً ! أنسيت قول اللّه (عزّ وجلّ) : (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ِلأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ )(سورة آل عمران / ١٧٨)
أمِنَ العدل يابن الطلقاء ، تخديرك حرائرك وإماءك ، وسوقك بنات رسول اللّه سبايا ، قد هتكت ستورهنّ ، وأبديت وجوههن ؟! تحدوا بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد ، وتستشرفهنّ المناقل ، ويتبرّزنّ لأهل المناهل ، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد ، والغائب والشهيد ، والشريف والوضيع ، والدني والرفيع ، ليس معهنّ من رجالهنّ وليّ ، ولا من حماتهنّ حميّ ، عتواً منك على اللّه وجحوداً لرسول اللّه ، ودفعاً لما جاء به من عند اللّه ، ولا غرو منك ولا عجب من فعلك ، وأنّى تُرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الشهداء ، ونبت لحمه بدماء السعداء ، ونصب الحرب لسيّد الأنبياء ، وجمع الأحزاب ، وشهر الحراب ، وهزّ السيوف في وجه رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) أشدّ العرب جحوداً ، وأنكرهم له رسولاً ، وأظهرهم له عدواناً ، وأعتاهم على الربّ كفراً وطغياناً ، ألا إنّها نتيجة خلال الكفر ، وصب يجرجر في الصدر لقتلى يوم بدر ، فلا يستبطئ في بغضنا أهل البيت مَنْ كان نظره إلينا شنفاً وإحناً وأضغاناً ، يُظهر كفره برسول اللّه ، ويُفصح ذلك بلسانه ، وهو يقول فرحاً بقتل ولده ، وسبي ذرّيّته ، غير متحوب ولا مستعظم ، يهتف بأشياخه :
لأهلّوا واستهلّوا فرحا ولقالوا يا يزيد لا تُشل
منحنياً على ثنايا أبي عبد اللّه ، وكان مقبل رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) ينكتها بمخصرته ، قد التمع السرور بوجهه لعمري ، لقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشأفة بإراقتك دم سيّد شباب أهل الجنّة ، وابن يعسوب دين العرب ، وشمس آل عبد المطلب ، وهتفت بأشياخك ، وتقرّبت بدمه إلى الكفرة من أسلافك ، ثمّ صرخت بندائك ولعمري ، لقد ناديتهم لو شهدوك ! ووشيكاً تشهدهم ولن يشهدوك ، ولتودّ يمينك كما زعمت شُلّت بك عن مرفقها وجُذّت ، وأحببت أُمّك لم تحملك وإياك لم تلد ، أو حين تصير إلى سخط اللّه ومخاصمك رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله)
اللّهمّ خذ بحقّنا ، وانتقم من ظالمنا ، واحلل غضبك على مَنْ سفك دماءنا ، ونفض ذمارنا ، وقتل حماتنا ، وهتك عنّا سدولنا
وفعلت فعلتك التي فعلت ، وما فريت إلاّ جلدك ، وما جزرت إلاّ لحمك ، وسترد على رسول اللّه بما تحمّلت من دم ذرّيته ، وانتهكت من حرمته ، وسفكت من دماء عترته ولحمته ، حيث يجمع به شملهم ، ويلمّ به شعثهم ، وينتقم من ظالمهم ، ويأخذ لهم بحقّهم من أعدائهم ، فلا يستفزّنك الفرح بقتلهم ، ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) ، وحسبك باللّه وليّاً وحاكماً ، وبرسول اللّه خصماً ، وبجبرائيل ظهيراً
وسيعلم مَنْ بوأك ومكّنك من رقاب المسلمين أن بئس للظالمين بدلاً ، وأيّكم شرّ مكاناً وأضل سبيلاً ، وما استصغاري قدرك ، ولا استعظامي تقريعك توهّماً لانتجاع الخطاب فيك بعد أن تركت عيون المسلمين به عبرى ، وصدرهم عند ذكره حرّى ، فتلك قلوب قاسية ، ونفوس طاغية ، وأجسام محشوّة بسخط اللّه ولعنة الرسول ، قد عشش فيها الشيطان وفرّخ ، ومن هناك مثلك ما درج
فالعجب كلّ العجب ! لقتل الأتقياء ، وأسباط الأنبياء ، وسليل الأوصياء ، بأيدي الطلقاء الخبيثة ، ونسل العهرة الفجرة ، تنطف أكفّهم من دمائنا ، وتتحلّب أفواههم من لحومنا ، تلك الجثث الزاكية على الجيوب الضاحية تنتابها العواسل ، وتعفّرها أُمّهات الفواعل ، فلئن اتّخذتنا مغنماً لتجد بنا وشيكاً مغرماً ، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك ، وما اللّه بظلاّم للعبيد
فإلى اللّه المشتكى والمعوّل ، وإليه الملجأ والمؤمّل ، ثمّ كد كيدك ، واجهد جهدك ؛ فواللّه الذي شرّفنا بالوحي والكتاب ، والنبوّة والانتخاب ، لا تدرك أمدنا ، ولا تبلغ غايتنا ، ولا تمحو ذكرنا ، ولا يرحض عنك عارنا ، وهل رأيك إلاّ فند ، وأيّامك إلاّ عدد ، وجمعك إلاّ بدد ، يوم ينادي المنادي ألا لعن اللّه الظالم العادي
والحمد للّه الذي حكم لأوليائه بالسعادة ، وختم لأصفيائه بالشهادة ، ببلوغ الإرادة ، نقلهم إلى الرحمة والرأفة ، والرضوان والمغفرة ، ولم يشق بهم غيرك ، ولا ابتلى بهم سواك ، ونسأله أن يكمل لهم الأجر ، ويجزل لهم الثواب والذخر ، ونسأله حسن الخلافة ، وجميل الإنابة ، إنّه رحيم ودود
هل سمعتم مؤمن آل محمد ، زينب (عليها السّلام) تصك مسامع الطغاة بكلمات الحقّ الواضحة ؟ هل عرفت البشرية أحداً مثل آل بيت النبوّة في تضحيتهم وشهادتهم وصلابتهم في موقف الحقّ ؟ وهل شجاعة الأوّلين والآخرين في شجاعتهم إلاّ كقطرة في بحر ؟ ثمّ بعد هذا نرى مَنْ يجرؤ على إنكار فضلهم ، ومحاولة إنكار هذا التاريخ ، ويحاول أن يضع هذا الدين العظيم في إطار قوالب موضوعة ومصنوعة ، وها هي المرأة العظيمة تقف موقفاً عجز عنه كلّ رجالات الأُمّة ، أين كان أشباح الرجال الذين أصمّوا أسماعنا بقصصهم وخرافاتهم ؟ أين كان ذلك الزاهد الناسك العابد الذي يزعمون أنّه كان يقتفي أثر رسول اللّه في كلّ كبيرة وصغيرة ؟ ألم يسمع بشيء من هذا ؟ أم أنّ شعار هؤلاء كان : لا أسمع ، لا أرى ، لا أتكلّم ؟
أين كان هذا الزاهد العظيم الذين أخبروه بضرورة بتر ساقه ، وما كانوا في تلك الأيام يعرفون التخدير فاختار أن يدخل في الصلاة ليغيب عن الوعي ؟ ربما كان لبعض أعداء الدين عذراً في قولهم : ( الدين إفيون الشعوب ) بسبب هؤلاء القصّاص الذين أصابونا بالصداع من كثرة ما حكوا مثل هذه الأساطير عن تلك العبادة (التخديرية) التي تعين أصحابها على نسيان الواقع الفاسد ، وتعطيهم متعة الغفلة عن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، كان هذا العابد الزاهد وغيره آمنين وادعين يأكلون ويشربون وليحترق أهل البيت ومَنْ سار على دربهم ؛ فقد صار الدين لعق على ألسنة الناس ، (( يحوطونه ما درّت معايشهم ، فإذا محصّوا بالبلاء قلّ الديّانون ))(١)
وظهر غيرهم يطلبون الدنيا بعمل الآخرة ، ونسى كلّ هؤلاء أنّ الدين الحقيقي نصّ وتطبيق ، قول وعمل ، وإنّنا لم ولن نجد هذا إلاّ في مدرسه آل بيت النبوّة رجالاً ونساءً ، فإذا استشهد الرجال نطق النساء ، وكانوا أكثر رجولة وثباتاً من أشباح الرجال ، أدعياء الزهادة والورع الذين قال عنهم ربّنا : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ )(سورة الأعراف / ١٦٩)
٨ ـ مَنْ يُقيل عثرة الأُمّة المنكوبة ؟
وهكذا انقضت هذه الجولة ونال كلّ طرف ما يستحقه ، نال الحسين وآل بيته (عليهم السّلام) الشهادة التي أرادوها واستحقوها ، فيما نال بنو أُميّة ومَنْ والاهم اللعنة الدائمة والخسران المبين
أمّا هذه الأُمّة المنكوبة فلا نجد مَنْ يصف حالها وما لها إلاّ هذه الرواية التي يذكرها الطبري في (تاريخ الأمم والملوك) فيقول ما نصّه :
لمّا وضع رأس الحسين (عليه السّلام) بين يدي ابن زياد أخذ ينكت بين ثنيتيه ساعة ، فلمّا رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب ، قال له : اعلُ بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين ؛ فوالذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) على هاتين الشفتين يقبّلهما
ثمّ انفضخ الشيخ يبكى ، فقال له ابن زياد : أبكى اللّه عينيك ، فواللّه لولا أنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك
قال : فنهض فخرج
فلما خرج سمعت الناس يقولون : واللّه لقد قال زيد بن أرقم قولاً لو سمعه ابن زياد لقتله
فقلت : ما قال ؟
قالوا : مرّ بنا وهو يقول : ملك عبد عبداً ، فاتخذهم تلداً أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم ؛ قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانة ، فهو يقتل خياركم ، ويستعبد شراركم ، فرضيتم بالذلّ ، فبعداً لمَنْ رضي بالذلّ(٢) .
أي واللّه ، أيّها الشيخ ، إنّها لشهادة حق ، ولكن بعد فوات الأوان ، ولكنّها تحكي الواقع الذي احتار الناس في تفسيره ، لماذا وكيف صرنا ، لما نحن عليه الآن عبيد في ديارنا لا نملك من الظالمين دفعاً ولا نفعاً ؟ هذا يُحكى لنا عن الحرية في أوروبا ! وذاك يحكي لنا عن طبيعة هذا الشعب أو ذاك الذي يحبّ العبودية ولم يحاول أحد أن يصل إلى الحقيقة
إنّ ما جرى علينا هو استجابة لدعوة دعاها أبو عبد اللّه على مَنْ قتله ، أو رضي بذلك ، أو سمع فلم يُنكر
فها هو أبو عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) يدعو عليهم وقد أثخنته الجراح : (( اللّهمّ امسك عنهم قطر السماء ، وامنعهم بركات الأرض ، اللّهمّ فإن متّعتهم إلى حين ففرّقهم فرقاً ، واجعلهم طرائق قدداً ، ولا ترضِ عنهم الولاة أبداً ؛ فإنّهم دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا ))(٣)
ثمّ هو قبل قتله مباشرة : سمعته يقول قبل أن يُقتل ، وهو يقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع ، يتّقي الرمية ، ويفترض العورة ، ويشدّ على الخيل ، وهو يقول : (( أ على قتلي تحاثّون ؟ أما واللّه لا تقتلون بعدي عبداً من عباد اللّه ، اللّه أسخط عليكم لقتله منّي ، وأيم اللّه إنّي لأرجو أن يُكرمني اللّه بهوانكم ، ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون ، أما واللّه ، أن لو قد قتلتموني لقد ألقى اللّه بأسكم بينكم ، وسفك دماءكم ، ثمّ لا يرضى لكم حتى يُضاعف لكم العذاب الأليم ))
وهكذا ضاعت الفرصة تلو الفرصة من هذه الأُمّة دون أن تستفيد منها ، ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً )
والفرص لا تُمنح للأُمم مئة مرّة ، ولا عشرين مرّة ، ولا عشر مرّات ، إنّ الفرص التاريخية لإصلاح الأحوال والسير على نهج مستقيم لا تأتي إلاّ قليلاً
وهكذا ضاعت من هذه الأُمّة فرصة السير على نهج نبيّها ثلاث مرّات : فرصة الإمام علي ، ثمّ فرصة الإمام الحسن ، ثمّ كانت فرصة الإمام الحسين (عليهم السّلام) هي القاصمة التي ما بعدها قاصمة ، وكان لا بدّ من انتظار طويل
وأُسدل ستار الليل في سماء هذه الأُمّة ، وهو ليل لن يجلوه إلاّ ظهور قائم أهل البيت (عليهم السّلام) ، الإمام الثاني عشر محمد المهدي المنتظر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)
وهكذا قُدّر لنا أن ننتظر ذلك الانتظار الطويل ، وأن نعيش ذلك الصراع المرير بين قوى الحقّ والباطل داخل هذه الأُمّة ، وأن نرى كلّ هذه المصاعب والويلات من سفك دماء ، وطاقات تهدر في صراعات داخلية ، ورؤوس تطير ، وسجون تُملأ ، وغزوات خارجية تترية وصليبية ، وأخيراً صهيونية ، وقبلها أوروبية ، وحكومات من كافة الأنواع والأشكال ؛ مملوكية وعباسية ، وأُمويّة وعثمانية
وهل هناك أسوأ من أن يحكم المماليك العبيد أُمّة وهم لا يملكون حقّ التصرّف في ذواتهم ؟! كلّ هذه الحكومات أكثرت من الظلم ، وقلّلت من العدل ، وادّعى الجميع أنّهم يطبّقون الإسلام ، والكلّ يقتل بالظنّة ، والكلّ يستبيح الخمور ، وانتهاك الأعراض ، وأخيراً جاءت إلينا الحكومات العلمانية والقومية ، والاشتراكية والملكية والشيوعية ، جرّبوا فينا كلّ شيء إلاّ العدل ، ذلك الممنوع علينا من يوم أن جاء بنو أُميّة
وهكذا قُدّر لنا أن نعيش الصراع والانتظار !
ـــــــــــــــــــــــــ
١ ـ العبارة للإمام الحسين (عليه السّلام) ، انظر تحف العقول ـ للحراني
٢ ـ تاريخ الأُمم والملوك ـ للطبري ٤ / ٣٤٩ أحداث سنة (٦١هـ)
٣ ـ المصدر نفسه ٤ / ٣٤٤ ـ ٣٤٥
الفهرس
على خطى الحسين (عليه السّلام) ١
تقديم ٢
تمهيد ٤
تعيين جماعة المنافقين ٧
الفصل الأوّل ١٠
أبناء الشجرة الملعونة روّاد الفتنة في الإسلام ١٠
أوّلاً : الرشوة والإغراء بالمناصب ١٥
ثانياً : الاغتيال السياسي ١٦
ذكر ابن جرير الطبري في تاريخه : ١٧
الفصل الثاني ٤٥
تحقّق ٤٥
الرؤيا وقيام مُلْك أرباب السوء ٤٥
الفصل الثالث ٥٨
الثورة الحسينية : النهوض بمهمّة حفظ الدين ٥٨
الفصل الرابع ١١٦
كربلاء : النهوض بالأُمّة المنكوبة ١١٦
فغضب ابن سعد ١٤٢